فهرست عناوين فهرست آيات
المرأة في ظلّ الإسلام
فهرست عناوين
محتويات الكتابالمقدمة5
تمهيد11
المرأة قبل الاسلامالمرأة عند العرب في الجاهلية13
وأد البنات15
قصة رجل وأد إبنته وقد اظهر ندمه عند النبي (ص)19
المرأة في بلاد الفرس21
المرأة في البلاد الصينية22
المرأة في البلاد المصرية22
المرأة في بلاد ما بين النهرين 23
المرأة السومرية23
المرأة الاشورية24
المرأة عند اليونان24
المرأة عند الرومان25
المرأة في بلاد الهند27
المرأة في نظر بعض الفلاسفة28
مقارنة وتحليل30
حول حرية المرأة في الاسلام36
الحرية ... والمساواة 38
المساواة في العبادات43
في محيط المرأة ـ باب المساواة48
نزول المرأة الى ميدان العمل53
المرأة وتقدمها في العصر الحاضر54
متى تنزل المرأة الى ميدان العمل وكيف ؟57
مدى صلاحيات المرأة في تحمل المسؤولية59
الحجاب61
بعض الاخبار الواردة في الحجاب63
دعاة السفور ... واثرهم السيء على الاخلاق66
الحرية المزعومة69
المصافحة ... أو السلام بالكف71
مبايعة النساء للنبي (ص) يوم فتح مكة 72
التقليد للاجانب ... انتكاس وتراجع 74
الموضة ... أو الزي الجديد75
من صميم الواقع78
الحجاب وأثره في المجتمع82
المرأة في رحاب العلم85
تأثير العلم على المرأة86
الحجاب والعلم88
لمحة من واقع الحياة في عصرنا الحاضر92
نظرة الشباب الطائش الى العلم94
التوعية الدينية96
الزواج ... الرابطة للأسرة98
حول استقرار المرأة في بيتها 100
الرجال قوامون على النساء 102
نظام الأسرة في الإسلام 107
صفات الزوجة الصالحة 109
واجبات الزوجة الصالحة 110
إلى أين المصير 116
المرأة في بدء الدعوة الاسلامية 120
أم المؤمنين خديجة رضوان الله عليها 123
قصة زواج الرسول (ص) من خديجة 124
خطبة أبو طالب يوم زواج الرسول (ص) 125
نبذة من حياة السيدة خديجة مع الرسول الأعظم (ص) 129
نزول الوحي ... ومبعث الرسول 130
صلاة النبي (ص) وخديجة وعلي (ع) 135
حصار قريش للمسلمين 138
قصة حكيم بن حزام مع أبي جهل 140
شخصية أم المؤمنين خديجة 141
وفاة خديجة أم المؤمنين (رض) 142
عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم 144
سمية أم عمار بن ياسر 145
موقف المرأة المسلمة في بدء الدعوة 147
إشارة الرسول الأعظم (ص) على أصحابه بالهجرة 149
الهجرة الثانية 150
حزن الرسول (ص) على فراق خديجة 151
هجرة الرسول (ص) إلى يثرب 153
عائشة أم المؤمنين 155
أم المؤمنين أم سلمة 161
حديث أم سلمة (رض) 163
زواج رسول الله (ص) من أم سلمة 168
نصيحة أم سلمة للخليفة عثمان 169
حديث أم سلمة مع عائشة 170
فاطمة بنت الرسول (ص) 175
الهجرة إلى المدينة ( يثرب ) 177
زواج فاطمة من علي (ع) 180
بيت الزوجية 183
حب الرسول (ص) لإبنته فاطمة 185
فاطمة الزهراء مع أبيها يوم فتح مكة 187
قريش تنتدب أبا سفيان لمفاوضة النبي (ص) 189
دخول جيش المسلمين مكة 192
أحلام ... وتصورات ... وذكريات 197
عتب الأنصار على الرسول (ص) 199
الزهراء (ع) واليقظة المروّعة 203
الزهراء (ع) يوم وفاة النبي (ص) 205
بيت الأحزان 208
كلام الزهراء لنساء المهاجرين والأنصار 212
خطبة الزهراء (ع) في المسجد النبوي الشريف 214
وفاة الزهراء (ع) 222
وصية الزهراء (ع) 223
الذكريات 228
حزن علي على فراق زوجته الزهراء (ع) 231
المرأة في صدر الاسلام 233
اخلاق المرأة المسلمة في صدر الاسلام 234
جهاد المرأة في الاسلام 234
جهاد الهاشميات 235
صفية بنت عبد المطلب 236
فاطمة بنت أسد بن هاشم 240
اروى بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم 241
حديث اروى بنت الحارث بن عبد المطلب مع معاوية 242
مساهمة المرأة في نصرة الاسلام 246
أم رعلة القشيرية 246
أم ورقة بنت عبد اللّه بن الحارث الانصارية 247
سبيعة بنت الحارث الاسلمية 247
أم كلثوم بنت عقبة 248
زينب بنت رسول اللّه (ص) 249
أم رميثة بنت عمر بن هشام بن عبد المطلب 249
أم حكيم بنت الحارث المخزومية 250
أم حبيب بنت العاص القرشية 250
بركة بنت ثعلبة ام ايمن 251
حمنة بنت جحش 251
ليلى الغفارية 252
أم ذر الغفاري 252
انتعاش المرأة اجتماعياً في صدر الاسلام 254
قيلة بنت مخرمة 255
عقيلة الهاشميين زينب بنت علي (ع) 259
المصاب الاليم ... والبناء العظيم 261
دور الزهراء تمثله زينب 264
الزواج المبارك 267
بداية الاحداث 270
العاصفة الهوجاء والاحداث المؤلمة 275
وصية الامام علي بن ابي طالب (ع) 277
وفاة امير المؤمنين عليه السلام 280
عقيلة بني هاشم مع اخيها الامام الحسن (ع) 282
في خضم الأحداث 284
نذر المأساة 288
السيدة زينب في يوم الطف 292
زينب في خضم المعركة 295
عقيلة بني هاشم بالكوفة 298
زينب عقيلة بني هاشم في الشام 301
خطبة السيدة زينب (ع) في مجلس يزيد في الشام 304
عقيلة بني هاشم في مدينة جدها الرسول (ص) 308
شخصية السيدة زينب وأثرها على المجتمع 310
السيدة سكينة بنت الحسين (ع) 315
شخصية السيدة سكينة الاجتماعية 319
عرض وتحليل 323
جهاد المرأة المسلمة ووضعها الاجتماعي 328
سودة بنت عمارة بن الاشتر الهمدانية 329
الزرقاء بنت عدي 332
بكارة الهلالية 335
ام الخير بنت الحريش البارقية 337
أم وهب زوجة عبد اللّه بن عمر الكلبي 340
عكرشة بنت الأطرش 342
دارمية الحجونية 343
أم البراء بنت صفوان بن هلال 346
آمنة بنت الشريد 348
عمرة بنت النعمان الانصارية 351
بعض نوابغ النساء المسلمات في القرن الثاني والثالث وما بعدهما 355
السيدة نفيسة بنت الحسن 357
قصة امرأة تطلب الانصاف عند المأمون 358
بوران زوجة المأمون 359
قطر الندى زوجة العتضد بالله 360
الخاتمة 364
مصادر الكتاب 366


1

المرأة في ظلّ الإسلام


2


3
السَّـيدة

مريم نورالدّين فضل الله

المرأة في ظلّ الإسلام

دَار الزّهـرَاء

للطباعة وَ النشر وَ التوزيع

لبنان ـ بيروت

ص. ب .937


4


5

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله اشرف الخلق اجمعين .

سنوات عديدة مضت من حياتي ، وانا اترقب الفرص لكي اكتب في موضوع « المرأة » خدمة لبنات جنسي الحائرات .

لا اغالي ان قلت ان فكرة هذا الكتاب ، كانت تلمع في صدري التماع البرق في طيات السحاب ، وتغلي في ذهني غليان الغيرة في رؤوس الشباب ، وقد جهدت في تأليفه وتعبت في تصنيفه ، وما أرجو من عملي إلا الإصلاح ما استطعت اليه سبيلا ، سائلة المولى سبحانه أن يوفقني إلى كتابة معتدلة صادقة وان يظفر كتابي هذا بالقراء المنصفين .

فالمرأة هي شريكة الرجل في هذا العالم ، المؤلف من ذكر وانثى ، فهل يمكن ان ننكر هذا النصف ونغالط الواقع في أهمية المرأة ومالها من دور فعال في اتصال التناسل وبناء المجتمع ، فهي أم الرجل ... وزوجته ... واخته ... وابنته ... ورفيقته في جميع مراحل حياته . وبما أنها تكوِّن نسبة معادلة للرجل بل تفوقه عدداً ، فهي جديرة بالدرس والتحقيق ، على ضوء العلم الحديث وهدى الإسلام .


6

وعندما نتناول هذا الموضوع كبحث يجب ان نعالجه معالجة وافية سواء بدراسته في الازمنة القديمة ، أو في العصور الوسطى أو في العصر الحديث .

و إنني حريصة علي ان تكون هذه المعالجة كاملة التفاصيل ، إلى حد ما بقدر ما يسمح به المجال .

إن أي كاتب أو باحث يقف حائراً ، حينما يريد ان يتناول هذا الموضوع فالدراسات عن المرأة مفتقرة إلى المصادر التاريخية .

ان المؤرخين سواء في البلاد العربية أو الإسلامية ، أو الشرقية أو الغربية ، لم يدونوا سوى تراجم الكتاب والرجال العظماء ، وسير الشعراء والأدباء ، ولم يعطوا العناية الكافية إلا لسرد حوادث الملوك والسلاطين والأبطال والأمراء . فتاريخنا الموجود بين أيدينا تاريخ أفراد لا تاريخ مجتمعات ، ولم يتعرضوا للمجتمعات حولهم ، اقتصادياً أو اجتماعياً أو فكرياً سعة وضيقاً ، إلا فيما يمس حياة هؤلاء الأفراد .

ولما لم تمثل المرأة إلا البعض من هؤلاء الأفراد ، ظلت منحصرة ضمن هذه المجتمعات التي أهمل الباحثون دراسة أحوالها ، وأهملت المرأة تبعاً لهذا الإهمال عبر العصور ، وكانت نسياً منسياً .

ذلك ان المجتمع في العصور القديمة وما يزال ، رغم تطور الحياة الفكرية لدى البشر ، لا ينظر اليها كعنصر فعال له اهميته في دفع عجلة التاريخ وله احترامه ، ومكانته ، بل ينظر اليها كانثى لها رقتها وجاذبيتها .

واني بذلت الجهد ، وحاولت ان أقدم إلى القراء الاعزاء لمحة موجزة عن تطور حياة المرأة في الزمن القديم ، والحديث ، ومدى تقدمها في ميدان الثقافة والفكر في ظل الإسلام وذلك بقدر ما يسمح به مجال هذه الصفحات المحدودة .


7

واني وأنا المسلمة ، اعترف بان المرأة في عصرنا الحاضر تواجه أعنف المشاكل ، وأكثرها صعوبة وتعقيداً .

فما زلنا نسمع الأراجيف والأسئلة ، وكلها تخرصات وافتراء على الإسلام وتشريعه ، بانه ظلم المرأة ، وبخسها حقها ، وامتهن كرامتها ، وجعلها عبارة عن خادمة للرجل تؤدي حاجته ، وتلبي رغبته ، وتلد له الأطفال .

وإذا مال به الهوى سئمها ... ونبذها نبذ النواة .

هذه أصوات الاستنكار تتعالى ، وخصوصاً من الذين يدعون إلى الحرية ، ويتشدقون بالمدينة ... يصرخون قائلين ... حرروا المرأة ... اكسروا قيودها ... اطلقوا هذا المارد الجبار من عقاله ... ايقظوا المرأة من سباتها العميق ... انفضوا عن وجهها غبار السنين ... دعوها تفجر طاقاتها لتلحق باخواتها في الشرق والغرب من المتمدنين ... دعوها تنزع اسمال التأخر والانحطاط لتنهض وتتكامل فتواكب ركب الحضارة والمدنية ... دعوها تؤدي دورها في دفع عربة الانسانية الى الامام ، جنباً الى جنب مع الرجل ، قسيمها ورفيقها في هذه الدنيا ...

انزعوا حجاب المرأة ... دعوها تظهر سافرة حرة ... دعوها تبدى زينتها ... اطلقوا لها الحرية ... اجعلوها اختا للرجل في جميع أعماله ... اخرجوها من قوقعتها ... ارحموها الخ ...

صرخات ... وهتافات ... نسمعها تترد في كل حين ، من هنا ... وهناك ، تطلقها حناجر تزعم انها تريد الخير للمرأة ... تريد لها العزة والكرامة ... تريد رفع مستواها ... وتتمنى للأمة التقدم والازدهار .

ان أصحاب القلوب الطيبة ، تركض لاهثة ، وراء هذه الصرخات والهتافات وهي تظن انها تريد الخير للمرأة ، وان الغاية شريفة . وهي ويا للاسف قد


8

استغلتها نفوس أثيمة غيرت مسيرتها الرائعة ، وزينت لها طريقاً مدلهما في ظلام دامس .

لقد ظنت هذه القلوب بطيبتها انه الطريق الصحيح ، الذين يوصلها الى الأهداف السامية . فأخذت تطالب بحقوقها ، فاندفعت بكل قواها من غير وعي أو تؤدة ، أو تفكير ، غير عالمة بما ستؤول اليه حالتها ، وسارت شوطاً بعيداً ضمن هذا الخط الذي رسموه لها ، ولكن الى أين وصلت ؟؟ وأين حطت رحلها ؟؟ وماذا جنت ؟؟

وصلت الى متاهات ... وضياع ... فوقفت لا تدري أين هي البقعة الصلبة التي يمكنها أن تضع عليها قدمها ، لئلا تنزلق فتصل الى مهاوٍ لا تحمد عقباها .

ضياع ... ومتاهات ... وحيرة ... وارتباك ... ومحنة أليمة ، تتقاذف المرأة فتجعلها في دوامة .

ومن قلب هذا الضياع الذي نعيشه ، تطلعت فوجدت ان الوقت قد حان لتناول هذا الموضوع الجليل (المرأة في ظل الاسلام ) ولأني رأيته حافلا ، جديراً بالبحث والدرس والتحقيق ، وتجربة نادرة فذة ، ليس من السهل أن انصرف عنها بعد أن اتجهت اليها .

واني اذ أكتب في هذا الموضوع ، أو اعطه اهتماماً من التأمل والتنقيب ، قدر الامكان ، ذلك لأني رأيت أن أغلب الذين كتبوا قبلي عن المرأة ، مال بهم الهوى عن الحق ، فمنهم من تنكب الطريق فجعلها شيطاناً مريداً ، ومنهم من زين له ايمانه فنزها وجعلها ملاكا رحيما .

ولكن ماذا أقول : وقد أصبحنا في زمن طغت فيه المادة على الروح واجتاحت التيارات الالحادية التعاليم السماوية .


9

ألا ليت شعري ما يتخرص المتخرصون ! ؟ ويتقول أهل الالحاد على قدسية الاسلام ، من نفث سمومهم في أذهان الناس وافترائهم على النظم الاسلامية ، بالكذب ـ والزور ـ والبهتان .

فمن قائل ان الاسلام ظلم المرأة ... ومن متبجح ـ لقد أجحفت القوانين الاسلامية بحق المرأة وغالت بحرمانها .

وكم من مرة التقيت بكثيرات من اللواتي يركضن وراء المدنية الزائفة ، وكلهن بلسان واحد وعلى وتيرة واحدة .

لماذا تظلم المرأة المسلمة دون غيرها من النساء ؟

لماذا انقصها الشرع ميراثها ؟

لماذا فرض عليها الحجاب ؟

لماذا جعلها في سجن أبدي وجعل مفتاح السجن بيد الرجل ؟

لماذا لا تذهب إلى الحرب وتدافع عن وطنها لماذا ... لماذا ... لماذا ... الخ تمهِّلن رويداً أيها المسلمات ، هل عرفتن عن الإسلام إلا أسمه ؟ ... أو ماشوهت وجهه الاكاذيب ، وتناقلته الألسن .

فمهلاً ... ممهلاً ... يا أخواتي لا تنظرن إلى الإسلام من غير وعي لمبادئه البناءة ، وأهدافه الخيرة .

ويا اخواتي المسلمات لنقف من منعطف التاريخ ، ونلقي نظرة عبر القرون الغابرة ، والأجيال السالفة ، ونسأل بلا تذمر أو تأفف أو شكوى ، ثم نعود القهقرى حتى نرى ـ هل ان المرأة في الحضارات القديمة كانت أحسن من المسلمة ؟ وهل ان المرأة في تلك الحقبة من الزمن كانت ترتع بحرية زائدة ... حتى


10

جاء الإسلام وحرمها هذه الحرية ـ ؟

هل ان الإسلام ضيق على المرأة الخناق وحبسها في سجن ... وهل ... وهل ... الخ .

ولابد لنا من استطلاع صفحات التاريخ ليحدثنا عما كانت عليه المرأة قبل الإسلام ، وكيف كانت تعامل عند الامم السابقة المتحضرة في العصور القديمة ـ والوسطى ، وكيف كانت حالتها ومدى ما اعطيت من الحقوق ـ والمنزلة ـ والكرامة ونجعل من التاريخ حكماً نسد به أفواه المتشدقين .

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه انيب وهو حسبي ونعم الوكيل .

مريم نور الدين فضل الله


11

تمهيـد

الإنسان عالم في حد ذاته ، ففي تركيب جسمه وقواه ومواهبه ، ورغباته وحاجاته كذلك عواطفه ومشاعره ، وعلاقته بكل ما يحيط به من ألوف الأشياء ، وتاثره فيها ، وتأثيرها عليه ، كل هذه الأشياء تحتضن عالماً بنفسه لا يدرك كنهه. وتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

لقد حاول الإنسان بما اوتي من تدبير وتفكير ، ان يجد قانوناً شاملاً ، وحلاً عادلاً ، يتماشي مع جميع متطلبات أفراد البشر .

ولكن أكثر هذه المحاولات كانت تأتي بنتائج معكوسة ؛ فيصبح الحيف ، والظلم ، على الإنسان الضعيف ، وهو المرأة .

إن لرغبات النفس ونوازعها وعواطفها وميولها ، التأثير البالغ في تفكير الإنسان ، تصرفه عن الحقائق ، وتضله عن جادة الصواب . لو راجعنا بطون التاريخ واستنطقنا صفحاته لرأينا سلسلة من الاضطهاد والحرمان ، جارية في جميع أدواره وبين الأمم والشعوب القديمة من دون استثناء ، عند أهل الحضارة والرقي أو أهل البداوة والجاهلية أو أهل الشرائع والأنظمة المدنية ، وكلها جائرة في حق المرأة .

ففي البلدان المتحضرة والشعوب المتمدنة ، ظهرت شريعة حمورابي في بابل


12

وقوانين روما واليونان القدماء ومقررات مصر والصين وفارس القديمة وجميعها تحمل بين طياتها الانظمة والقوانين الكثيرة على اختلافها وتشعب اتجاهاتها وكلها تنظر للمرأة على أنها انسان ضعيف لا تستطيع ان تتحمل أعباء الحياة ، لا يمكنها ادارة شؤونها بنفسها .

ان البحث التاريخي الذي سأورده في هذه الصفحات ، يؤكد ان المرأة كانت تتقلب في دياجير مظلمة من العسف والجور تباع وتشترى كانها سلعة ، محرومة من جميع حقوق الإرث والملكية ، معدومة الشخصية وهي مجموعة من الذل والاثم والعار .


13

المرأة قبل الاسلام

المرأة عند العرب في الجاهلية :

لنلقي نظرة خاطفة على حالة المرأة العربية في الجاهلية قبل الإسلام ، وكيف كانت تعامل في ذلك العهد ، وما هي مكانتها الاجتماعية .

كانت المرأة العربية في الجاهلية ، أحط من أي سلعة فهي لا ترث وليس لها حق المطالبة ، لأنها لا تذود عن الحمى في الحرب ، وزواجها يرجع إلى أمر وليها ، وليس لها حق الاعتراض ولا المشورة حتى أن الولد يمنع أرملة أبيه من الزواج حتى تعطيه جميع ما أخذت من ميراث أبيه ، هذا إذ لم يضع ثوبه عليها قائلاً : ورثتها كما ورثت مال أبي .

فإذا أراد أن يتزوجها ـ تزوجها هو بغير مهر ، أو زوجها لغيره وتسلم هو مهرها (1). ومن جملة قولهم للعروس عند زفافها (2) اذهبي فإنك تلدين الأعداء وتدنين البعداء .

والعرب مثل غيرهم من الشعوب القديمة ، كانوا يفرحون إذا ولد لهم ولد

(1) الاخلاق الاسلامية ـ السيد علي فضل الله الحسني .

(2) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ج ـ 4 . ص 647 .


14

ذكر ، ويغتمون إذا ولدت لهم انثى ، وكان الرجل العربي الجاهل يصاب بضيق صدر ، وهمّ بالغ ، إذا قيل له إن زوجته وضعت انثى وقد أشار الباري سبحانه وتعالى بقوله إلى هذا : ﴿ وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسوّداً وهو كظيم (1).

كان العدل والحق في زمن الجاهلية ، هو بجانب صاحب القوة ( كما في زماننا الحاضر ) وصار القوي المنيع هو صاحب الحق في الغالب .

ولما كان الرجل بتركيب جسمه الطبيعي وفطرته أقوى من المرأة منح نفسه حق سن الأحكام عندها صار الحق في الجاهلية في جانبه ورفع نفسه عنها في أكثر الأحكام وحرمها ميراثها وقايضها بديونه .

يقول الدكتور جواد علي (2) : وفي زواج البدل ، وفي منع المرأة من الزواج إلا من قريبها لوجود حق الدم عليها ، وفي منع زواج زوجات الآباء إلا برضى ابناء الأب وذوي قرابته ، لأنهم أحق بالزواج منها . وغير ذلك من سنن الجاهلية التي كانت توحي إليهم أن المرأة دون الرجل في الحقوق ، لأنها خلقت دون الرجل في القوة ، ولم يكن أمامها بالطبع إلا الاستسلام .

ولما جاء الإسلام حرَّم كثيراً من هذه السنن ، التي لم يكن أهل الجاهلية يرونها تنافي العدالة . وقد ورد أنَّ ( كبشة بنت معن بن عاصم ) امرأة ( أبي قيس بن الأسلت ) انطلقت إلى الرسول فقالت : « إن أبا قيس قد هلك ، وإنَّ ابنه من خيار الحمى قد خطبني . » فسكت الرسول (ص) ثم نزلت الآية ( ولا

(1) سورة النحل ـ آية ـ 58 وعن مجمع البيان للطبرسي ( ظل وجهه مسوداً ) أي صار لون وجهه متغيراً الى السواد لما يظهر فيه من أثر الحزن والكراهة .

(2) تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ 5 ـ صفحة 485 .


15

تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) (1) فهي أول امرأة حرمت على ابن زوجها (2) .

روي عن ابن عباس أنه قال : ( إذا مات الرجل وترك جارية ، القى عليها حميمه ثوبه ، فيمنعها من الناس ، فإن كان جميلة تزوجها . وإن كانت قبيحة حبسها حتى تموت ) وظل هذا شأنهم إلى أن نزل الوحي بتحريم ذلك ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا) (3) . هذا الظلم الفادح الذي كان ينزل بالمرأة بسبب ضعفها ، وبسبب عرف الجاهلية في حقها ، وأبشع العادات وأفظعها ، عادة وأد البنات التي تميَّز بها عرب الجاهلية ، وعدُّوها من المكرمات قال الشاعر : القبر أخفى سترة للبنات ودفنها يروى من المكرمات

وأد البنات :

إن في الدين الإسلامي حيوية ومرونة ومسايرة ، لكل عصر وزمان . ففي النظم الإسلامية من الحلول ما يكفي لجميع المشكلات التي تعترض حياة الإنسان ، فالإسلام قد حرَّم وأد البنات ، وحفظ بل أبقى على هذا المخلوق البريء حياته قال عز من قائل : ﴿ وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت (4) .

(1) سورة النساء آية .

(2) تاريخ العرب في الجاهلية قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي .

(3) تفسير الطبري ـ ج4 ـ ص ـ 207 .

(4) سورة التكوير ـ آية ـ 8 ـ 9 .


16

إن مسألة الوأد جديرة بأن نوليها الاهتمام ، فهي نقطة هامة في الحياة الاجتماعية .

هذه العادة القبيحة ، اللإنسانية ، كانت واسعة الانتشار في أيام الجاهلية ، في الجزيرة العربية عند أهل البادية في الصحراء وفي المدن المتحضرة .

يقول الدكتور جواد علي : وقد اختلف في هذا القول ، فقال لين پول ـ Laine Poole ـ انها كانت عادة سيئة ، ولكنها كانت نادرة الحدوث في الصحراء . ولكن الميداني يقول : إن عادة وأد البنات ، كانت متبعة عند قبائل العرب قاطبة ، وظلت هذه العادة جارية ومتبعة عند جميع قبائل العربية حتى جاء الإسلام فأبطلها وحرَّمها .

ولقد اختلفت مذاهب القبائل العربية في مسألة الوأد ، والنظر اليها ، فمنهم من كان يئد البنات ، غيرة على العرض ، ومخافة من لحوق العار لأنهم أهل سطو وغزو ، وكانت تساق الذراري مع الغنائم ، ويؤخذ السبي فتكون بناتهم عند الأعداء ، وهذا منتهى الذل والعار ، وكانت بنو تميم ـ وكندة من أشهر القبائل ، التي تئد بناتها خوفاً لمزيد الغيرة .

ولعل السبب في ذلك راجع إلى تلك القصة ، التي يرويها التاريخ ، وهي أن بني تميم ، منعوا الملك النعمان ضريبة الأتاوة التي كانت عليهم ، فجرد عليهم النعمان أخاه الريان مع ( دوسرا ) إحدى كتابئه وكان أكثر رجالها من بني بكر بن وائل ، فاستاق النعمان سبي ذراريهم . فوفدت وفود بني تميم على النعمان بن المنذر ، وكلموه في الذراري ، فحكم النعمان بأن يجعل الخيار في ذلك إلى النساء ، فأية امرأة اختارت زوجها ردت إليه، فشكروا له هذا الصنيع .

وكانت من بين النساء بنت قيس بن عاصم فاختارت سابيها على زوجها


17

فغضب قيس بن عاصم ، ونذر أن يدس كل بنت تولد في التراب ، فوأد بضع عشرة بنتاً (1) .

وقد ظلت هذه العادة السيئة جارية ، وكأنها قانون لا يمكن إزالته ، حتى ظهر الاسلام فحرمها وعاقب عليها .

وفي بعض الروايات ، أن أول قبيلة وأدت من العرب هي قبيلة ربيعة وسبوا بنتا لأمير لهم فاستردها بعد الصلح وبعد أن خيروها بين أن ترجع إلى أبيها ، أو تبقى عند من هي عنده من الأعداء ، فاختارت سابيها وآثرته على أبيها ، عند ذلك غضب وسن لقومه قانون الوأد ، ففعلوا غيرة منهم ، وخوفاً من تكرار هذه الحادثة (2) .

ومن القبائل من كانت تئد البنات ، لا لغيرة أو خوف من عار ، بل إذا كانت مشوهة أو بها عاهة مثلاً : إذا كانت زرقاء ... أو سوداء ... أو برشاء ... أو كسحاء ... ويمسكون من البنات من كانت على غير تلك الصفات لكن مع ذل وعلى كره منهم .

وذكر بعض المؤرخين (3) أن سنين شديدة كانت تنزل بالناس تكون قاسية على أكثرهم ولا سيما على الفقراء ، فيأكلون ( العلهز ) وهو الوبر بالدم ، وذلك من شدة الجوع ، وبهذا الفقر وهذه الفاقة وذلك الاملاق ، كل هذا حملهم على وأد البنات حذر الوقوع في الغواية . وذلك قوله تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم (4) .

(1) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي .

(2) تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ص ـ 87 المجلد الخامس .

(3) تاريخ العرب قبل الإسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ص ـ 88 المجلد الخامس .

(4) سورة الانعام ـ آية ـ 151 .

المرأة في ظل الإسلام (2)


18

وقال تعالى : ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرَّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله قد ضلّوا وما كانوا مهتدين (1) .

وقال تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيراً (2) .

روى أهل السير : أن العرب كانوا يحفرون حفرة ، فإذا ولدت الحامل بنتاً ولم يشأ أهلها الاحتفاظ بها رموها في تلك الحفرة ، أو أنهم كانوا يقولون للأم بأن تهيء ابنتها للوأد وذلك بتطييبها وتزيينها فإذا زينت وطيبت اخذها أبوها الى حفرة يكون قد احتفرها فيدفعها فيها ويهيل عليها التراب حتى تستوي الحفرة في الأرض (3).

وذُكر أيضاً أن الرجل منهم كان إذا ولدت له بنتاً فأراد أن يستحييها (4) ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية (5) فيقول لامها طيبيها (6) وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ، وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها انظري فيها ، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض .

(1) سورة الانعام ـ آية ـ 140.

(2) سورة الاسراء ـ آية ـ 31 .

(3) تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ج ـ 4 ـ ص 188 .

(4) أي أبقاها على قيد الحياة .

(5) أي يتركها حتى يصبح عمرها ست سنوات .

(6) كان العرب يزينون البنت ويطيبونها قبل أن يئدوا ، وكانوا في بلاد النيل يزينون الفتاة بأجمل زينة ثم يلقونها في مياه النيل حتى يفيض عليهم بخيراته . وكان الهنود يزينون المرأة قبل أن يحرقوها . وأغلب الظن ان هذه العادات هي من بقايا الوثنية والتقاليد الدينية يقدمون القرابين والضحايا بأجمل زينة .


19

قصة رجل وأد ابنته وقد أظهر ندمه عند النبي (ص) :

روي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان لايزال مغتماً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لك تكون محزوناً ؟ فقال يا رسول الله إني أذنبت ذنباً في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت فقال له : أخبرني عن ذنبك ؟ فقال : يا ر سول الله ، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم ، فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت ، وصارت من أجمل النساء فخطبوها ، فدخلتني الحمية ، ولم يحتمل قلبي أن أزوجها ، أو أتركها في البيت بغير زواج ، فقلت للمرأة إني أريد أن أذهب الى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فأبعثيها معي ، فسرَّت بذلك ، وزينتها بالثياب والحلي ، وأخذت عليَّ المواثيق بألا أخونها ، فذهبت الى رأس بئر فنظرت في البئر ، ففطنت الجارية أني اريد ان ألقيها في البئر فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول : يا أبت إيش تريد أن تفعل بي (1) ؟ فرحمتها ، ثم نظرت في البئر فدخلت عليَّ الحمية ، ثم التزمتني وجعلت تقول : يا أبت لا تضيع أمانة أمي ! فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها ، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة ، وهي تنادي في البئر : يا أبتِ قتلتني ؟! ومكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت .

فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقال : لو أمرت أن أعاقب أحداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتك (2) .

ومهما كانت كيفية الوأد ، واختلاف المسببات ، فلقد حاربه الاسلام ،

(1) ايش : تريد ان تفعل بي ـ كذا وردت في الأصل .

(2)العرب قبل الأسلام ـ الدكتور جواد علي ـ ج ـ 5 .


20

وندد به ، وعاقب عليه وجعله من الكبائر ، حتى محى أثره من الوجود ، وأصبح قصة يرويها الرواة ، من جملة ما يروونه من أخبار الماضي .

ولم يكتف الاسلام بذلك ، بل رفع من شأن المرأة ، وساوي بينها وبين الرجل في كثير من شؤون الحياة . وفي الحديث «إن أحسن الناس عند الله من أحسن صحبة أزواجه وبناته » .

وقد أكثر الشعراء العرب في وصف حالهم وحال المرأة في ذلك العهد وعجزها عن العمل والمقاومة ، في حين أن البنين أقوى منهن ، ويتاح لهم ما لا يتاح للبنت . قال بعض الشعراء : وزادني رغبة في العيش معرفتي أخشى فظاظة عمٍ أو جفاء أخ تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً إذا تذكرت بنتي حين تندبني ذل اليتيمة بحفوها ذوو الرحم وكنت أبكي عليها من اذى الكلم والموت أكرم نزال على الحرم فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم

ووصف سروره واستقراره بعد أَن تخلص من ابنته حيث يقول : فالآن تمت فلا همُّ يؤرقني بعد الهدوء بلا وجدٍ ولا حل


21

المرأة في بلاد الفرس

أما في بلاد الفرس وهم الذين قبضوا على ناصية الحكم في كثير من البلاد وسنوا القوانين والأنظمة ، لم يكن وضع المرأة عندهم أحسن مما كانت عليه في بلاد النيل والبلاد الصينية ، يقول الدكتور محمود نجم آبادي في كتاب ( الإسلام وتنظيم الأسرة ) : نلاحظ أن قوانين زرادشت ، كانت جائرة وظالمة بحق المرأة ، فإنها كانت تعاقبها أشد العقوبة إذا صدر عنها أقل خطأ ، او هفوة ، بعكس الرجل فإنها قد أطلقت له جميع الصلاحيات يسرح ، ويمرح ، وليس من رقيب عليه .

فهو له مطلق الحرية لأنه رجل ولكن الحساب والعقاب لايكون إلا على المرأة !

ويقول ايضاً : كان أتباع زرادشت يمقتون النساء ، وحالما كانت تتجمع لدى الرجل براهين على عدم إخلاص الزوجة ، كان لامفر لها من الانتحار . وقد ظل هذا القانون سارياً حتى عهد الاكاديين ، وفي عهد السانيين خفَّف هذا القانون ، بحيث صارت المرأة تُسجن جزاء عدم إخلاصها أول مرة ، حتى إذا كررت عملها ، صار لامفر لها من انتحار ويقول ايضاً : بينما كان يحق للرجل من أتباع زرادشت أن يتزوج من امرأة غير زراد شتية فإنه لم يكن يحق للمرأة أن تتزوج من رجل غير زرادشتي وهذا القانون على المرأة كما أسلفنا فقط ، ناهيك عن الاضطهاد والحرمان وأما الرجل فله الحرية في التصرف على هواه وهو المالك لأنه رجل .


22

المرأة في البلاد الصينية

لم تكن المرأة في البلاد الصينية أحسن حالاً من اختها في بلاد الفرس ، ويؤخذ من مادة في موسوعة الدين والأخلاق ، أن المجتمع الصيني على العموم كان الناس يعيشون في فوضوية ، فهم أقرب الى الوحوش منهم الى البشر ، كانوا يعرفون امهاتهم ، ولا يعرفون آباءهم ، وكانوا يتزاوجون بلاحشمة ولاحياء ، حتى قام رجل منهم وكان من الحكماء الأقوياء اسمه ( فوه ـ سي ) ( Fh ـ Hsi ) وذلك سنة ( 2736 ـ 2852 ) قبل الميلاد قام هذا الحكيم ووضع لهم القوانين ، وسنَّ لهم الأنظمة ، ولكن المرأة واحسرتاه ... لم تنل من السلطة أو الكرامة أي نصيب ، بل كان نصيبها أن تتلقى الاوامر ، وتنفذها بدون أي اعتراض . فإذا كانت لاتزال بنتاً لم تتزوج ، فواجب عليها إطاعة أبيها ، فإذا تزوجت فالطاعة لزوجها ، وإذا مات عنها زوجها أطاعت ابنها الكبير .

وفي المجتمع الصيني القديم ايضاً صاحب الحضارة العريقة ، أن يسير الأب على ما جرى عليه العرف العام ، فالعادة بالميراث أن البنات لايرثن ، وحصة الابن الأكبر من الميراث تكون هي الكبرى ، وليس للبنت أن تطلب من مال أبيها شيئاً لأن البنت لا ترث لأنها ليست بولد .

المرأة في البلاد المصرية

كانت بلاد النيل مهد الحضارات القديمة ، وكان المجتمع المصري القديم يتميز


23

بطابع التمدن والرقي في تلك العصور ، ولكن المرأة المصرية كانت بغاية الاضطهاد والهوان ، وكانت تعامل معاملة ازدراء واحتقار كالخدم ، وهي لا تصلح إلا لتدبير شؤون البيت ، وتربية الأطفال .

كان المصري القديم ، يتزوج في مرحلة مبكرة ، وكان يتزوج من اخته وذلك خشية أن تنتقل أملاك الاسرة الى الأغراب ، وقد عرف المصريون القدماء تعدد الزوجات ، وعرفوا التسري ، وكانت الزوجة تحمل التمائم خلال أشهر الحمل ، لتقي حملها من الأرواح الشريرة ، وكان الرجل المصري يفرح إذا بُشر بالمولود الذكر ، ويكفهر وجهه حزناً إذا علم أن زوجته وضعت أنثى ، ومن الطريف أن المصريين القدماء قاموا بتجارب لمعرفة الجنين قبل ولادته خوفاً من أن يكون أنثى .

ويقول الدكتور ميخائيل ابراهيم : لقد حرص المصري على زوجته أشد الحرص ، فلا تخرج من بيتها أبداً إلا لخدمة الآلهة ، أو الخدمة في القصور ، وكانت على جانب عظيم من الذلة والمهانة .

المرأة في بلاد ما بين النهرين

المرأة السومرية :

وأما في العهد السومري ، فقد كانوا يعاملون المرأة معاملة فظة غليظة ، كما كانت تعامل عند جميع الشعوب في تلك الأزمنة . فما كانت مكانتها أحسن من أخواتها في البلاد المجاورة ، وذلك على الصعيد الاجتماعي ، ومن حيث الحرية والكرامة .


24

وأما المرأة عند البابليين فكانوا ينظرون إليها نظرة احتقار فهي لم تخلق إلا لإسعاد الرجل .

المرأة الاشورية :

كان المجتمع الأشوري لا يختلف في شكله العام عن تركيب المجتمع البابلي من حيث عدد الطبقات ، والتشابه في البيوت والأثاث واللباس . وبالنظر الى الاهمية التي تعطى عادة للرجال في مجتمع تسوده الروح العسكرية ، أصبح الرجل الاشوري أكبر قوة وتسلطا في حين انخفض مركز المرأة الاجتماعي ، وفقدت بعض الحقوق التي كانت تتمتع بها في الحضارتين : السومرية والبابلية .

فقد أصبحت المرأة الأشورية تعتبر ملكا للرجل وله الحق في أن يحرمها ما تملك ، ويطلقها متى أراد ، ولا فرق بينها وبين الحيوان الأعجم . الرجل يأمر وهي تتلقى الأوامر ، وتنفذها صاغرة ، وليس لها حق الاعتراض (2) .

المرأة عند اليونان :

اليونان من أرقى الامم القديمة حضارة ، وأزهرها وأكثرها تمدناً في التاريخ في عصرهم البدائي كانت المرأة في غاية من الانحطاط وسوء الحال ، من حيث الأخلاق والحقوق القانونية والسلوك الاجتماعي جميعاً فلم تكن لها في مجتمعهم منزلة ـ أو مقام كريم ، وكانت الأساطير ( Mythology ) اليونانية قد اتخذت امرأة خيالية تسمى ( باندورا ) (Pandora ) ينبوع جميع آلام الانسان

(1) حضارات العالم في العصور القديمة ـ والرسطى ـ الطبعة الثانية .


25

ومصائبه . لقد كان تأثير الاسطورة اليونانية عن ( باندورا ) في عقولهم وأذهانهم ، فلم تكن المرأة عندهم إلا خلقاً من الدرك الأسفل ، في غاية المهانة والذل ، في كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية وأما منازل العز والكرامة في المجتمع ، فكانت كلها مختصة بالرجل (1) .

فالمرأة الأثينية تقضي معظم وقتها في المنزل ، تغزل وتنسج ، وتخيط ثيابها ، وثياب زوجها ، ونجد انها ضئيلة الحظ من الثقافة ، وان بنات أثينا يلزمن البيت في حين يذهب أبناؤها يومياً الى المدرسة ، حيث يتعلمون القراءة والكتابة والحساب ، ويحفظون شعر هوميروس ويعزفون على القيثارة ويقومون بالتمارين الرياضية ، ولم تكن المرأة اللاتينية ، تجلس الى المائدة ، إذا كان عندهم ضيوف غرباء لأنها بمنزلة العبيد والخدم .

المرأة عند الرومان :

الذين تسنموا ذروة المجد والرقي في العالم لمدة طويلة من الزمن هم الرومان وفي هذه الامة ايضاً ، نرى أن القوانين والأنظمة ، كانت تميل الى الظلم والحرمان والاضطهاد تجاه المرأة .

فالرجل رب الاسرة في مجتمعهم ، له حقوق الملك كاملة ، على أهله وأولاده والقانون الروماني كان قد أعطى الرجل حق التصرف بزوجته على هواه ، حتى بلغ من تعسف الرجل وتسلطه في هذا الشأن ، انه يجوز له حتى قتل زوجته في بعض الأحيان .

ولما تقدم الرومان ، خطوات في سبيل الحضارة، وأخذوا يرتقون سلم

(1) كتاب الحجاب ـ ابو الاعلى المودودي .


26

المدنية ، خفت القسوة في تلك السلطة ، من قتل وتعذيب وأخذت تميل الكفة إلى الاعتدال شيئاً فشيئاً .

لكن بقي نظام الاسرة القديم ، ثابت على حاله ، بل قيدوا النساء بقيود مثقلة ، مما زادهنَّ ذلة ومهانة .

كان الرومان يتسابقون في ميدان التقدم والرقي ، ولكن احتقارهم لنسائهم يعاملوهنَّ معاملة الخدم والإماء ، وينظرون إليهن نظرة الازدراء مما جعل المرأة تنجرف في تيار الاستهتار ، عندما رأت نفسها ، في مثل هذا الانحطاط والانهيار ، ولأنها لاتصلح إلا لإرضاء الرجل ، وتلبية رغباته ، عندها تفجر بركان من الفحشاء والفجور .

وعن المودودي ( ولما تراخت عرى الاخلاق وصيانة الآداب في المجتمع الروماني الى هذا الحد ، اندفع تيار من العرى والفواحش ، وجموح الشهوات ، فأصبحت المسارح مظاهر للخلاعة والتبرج الممقوت ، وزُينت البيوت بصور ورسوم كلها دعوة سافرة الى الفجور ، والدعارة والفحشاء .

ومن جراء هذا كله ، راجت مهنة المومسات والداعرات . الى أن يقول : ونالت مسرحية فلورا ( Flora ) حضوة عظيمة ، لدى الروم ، لكونها تحتوي على سباق النساء العاريات .

وكذلك انتشر استحمام النساء والرجال في مكان واحد بمرأى من الناس ومشهد . أما سرد المقالات الخليعة ، والقصص الماجنة العارية ، فكان شغلاً مرضياً مقبولاً ، لا يتحرج منه أحد ، بل الأدب الذي كان يلتقاه الناس بالقبول والرضى ، هو الذي يعبر عنه اليوم بالأدب المكشوف ، وهو الذي تبيَّن فيه أحوال الحب ، والعناق والتقبيل سافرة غير مقنعة ، بحجب من المجاز والكنايات . انتهى (1) .

(1) الحجاب ـ ابو الاعلى المودودي .


27

أقول : وفي القلب حسرة ... لقد أصبحنا في زماننا هذا ، وفساد الأخلاق آخذ بناصية جميع المسالك الحياتية تقريباً ، وفي معظم البلاد العربية والاسلامية وإذا استنكر مستنكر على أمواج الفوضى العارمة ، وتيار الفساد الطاغي على النفوس ـ أو أمر آمر بالمعروف ، او نهى عن المنكر ناهٍ وجد نفسه ، بلا ناصر ولا معين ، بل اتهم بالرجعية والتخلف وكما قيل : وإذا تراءى مصلح ساد الفساد وساد والدين أصبح شاكياً لم يبق بين بنيه يلفى بلا أعوان أهل الجور في البلدان متداعي الأركان غير الحقد والشنآن (1)

المرأة في بلاد الهند بلاد الهند ذات حضارة عريقة راسخة ، تتميز بطابع العلم والتمدن ، والثقافة ، منذ أقدم العصور . ولكننا إذا أمعنا النظر نرى أهل بلاد الهند كبقية الامم والشعوب ، التي كانت في الزمن الغابر تعامل المرأة عندهم ، بمنتهى القساوة ، وينظر اليها نظرة الاحتقار .

تتخذ المرأة مملوكة ، وينزل الرجل منها منزلة المالك ـ او المعبود ، وهي محتوم عليها ، أن تظل مملوكة لأبيها بكراً ، ولبعلها زوجة ، ولأولادها ايِّماً .

ثم بعد هذا الهوان ، والذل ، يقدمونها ضحية على نيران زوجها المتوفي ـ أي إذا مات عنها زوجها ، يحرقونها معه بالنار وهي حية .

(1) من قصيدة طويلة في رثاء الحسين عليه السلام ـ للسيد علي فضل الله الحسني .


28

لقد كان الهندوك يحرقون موتاهم ويحرقون زوجة الميت معه وهي حية . كانوا يلبسونها أفخر ثيابها وحليِّها ، ويأتون بها وكأنها عروس في ليلة الزفاف ، ثم يلقونها فوق الجثة المحترقة لتأكلها النيران وبقيت هذه العادة البشعة ، يتوارثها الأبناء عن الآباء حتى جاء الاسلام ، بنور تعاليمه ، واستنقذ المرأة من المصير الأسود ، فأبطل هذه العادة البشعة وحرم العمل بها وعاقب عليها .

وكان الهنود يحرمون المرأة من جميع الحقوق الملكية ، ومن الأرث ايضاً وعليها ان ترضى بقوانين الزواج ، المتبعة عندهم ، فهم يسلمونها الى أي رجل من الرجال ، بغير رضاها او استشارتها ، وهي ملزمة ان تخضع له ، فهو المالك ولا يجوز لها ان تتخلص من حيازته الى آخر انفاس حياتها .

وكان الشعب الهندي ، يعتقد ، ان المرأة هي مادة الاثم وعنوان الانحطاط الخلقي ، والروحي ، ولا يسلم لها حتى بوجود الشخصية المستقلة كإنسان كامل .

المرأة في نظر بعض الفلاسفة

لقد عاشت المرأة مضطهدة ، ليس لها مجال في هذه الحياة ، إلا تربية الأطفال ، وإرضاء الرجال ، بل هي مخلوق أحط من الرجل والدليل على هذا قول بعض الفلاسفة وأهل الفكر .

قال : ( بردون ) الفيلسوف الاشتراكي في كتابه ( ابتكار النظام ) إن وجدان المرأة أضعف من وجداننا ، بقدر ضعف عقلها عن عقلنا .

وقال الفيلسوف ( روسُّو ) إن المرأة ، لم تُخلق للعلم ولا للحكمة ولا للتفكير ولا للفن ولا للسياسة ، وإنما خلقت لتكون اماً تغذي أطفالها بلبنها ، وتتعهد


29

ضعفهم بحسن عنايتها ، وتسلمهم بعد ذلك للأب ، أو للمربي يعتني بهم على نحو ما توحي به الطبيعة ، وترجع هي للقيام بوظيفة الامومة فتحمل ، وتضع ، وتُرضع ، وتتعهد لتعود ايضاً لتحمل ، وتُرضع وتتعهد من جديد ـ وهي وأطفالها دائماً في عنق الرجل (1) . قالت دائرة المعارف الافرنسية عن المرأة : إن تركيبها الجسماني يقرب من تركيب الطفل ، ولذلك تراها مثله ذات حساسية حادة جداً تتأثر بغاية السهولة ، بالاحساسات المختلفة كالفرح ـ والألم ـ والخوف .

وبما أن هذ المؤثرات ، تؤثر في تصورها ، بدون أن تكون مصحوبة بتعقل ، فلذلك نراها لا تستمر لديها إلا قليلاً ؛ ومن هنا صارت المرأة معرضة لعدم الثبات .

هذه الأمة الفرنسية تلك الدولة المتمدنة ، ظل قانونها المدني ، الى امد قريب ، ينص على ولاية الرجل على المرأة ، ويمنعها حرية التصرف بما لها إلا بإذن زوجها .

وقد نقل عن الكاتبة الفرنسية « أرماندين لوسيل اورو » فإنها لم تتمكن من نشر مؤلفاتها حتى اتخذت لنفسها اسم رجل هو جورج صاند ( 1814 ـ 1876 ) الكاتبة والمؤلفة الفرنسية التي حملت اسم الرجال حتى تجد أعمالها طريقها الى النور ، بعد أن فشلت تماماً في إقناع أصحاب الصحف ودور النشر ، أن المرأة ايضاً تستطيع أن تكتب وأن لها عقل المفكر ـ يفكر ـ ويستوعب مثل الرجل (2) .

(1) كتاب تاريخ التربية ـ الاستاذ عبدالله المشنوق .

(2) عن المجلة العربي ـ عدد : 220 ـ صفحة 116 .


30

مقارنة وتحليل

لقد ذكرت بايجاز حالة المرأة في القرون الغابرة ، وشرحت شرحاً ضئيلاً للتطورات التاريخية ، التي مرت بها لمدة تتراوح الثلاثة آلاف من السنين . وقد مرت على هذه الأرض امم شتى ، وتعاقبت عليها شعوب كثيرة ، مختلفة الاجناس والأديان ، والألوان ، ذوو قوة وبأس شديد ، وكانت لهم حضارات عظيمة ، من التقدم والرقي .

لقد حاول الإنسان بحدود تفكيره ومعرفته ، ان يخط للمرأة طريقاً تسير على هداه ، وتتبع منهاجه ، ولكن كما أسلفنا الميول والعواطف لها تأثير بالغ على العقل والفكر ، تصرفهما عن الحقائق العادلة .

وهكذا مما جعل المرأة حائرة ضائعة ، لا تدري ما تفعل ، ولاتجد أمامها ، إلا دروباً محاطة بالقيد والظلم والتعسف .

لقد ذكرت سابقاً ماحدثنا به التاريخ ، من أن المرأة كانت على جانب كبير من الاضطهاد والذل والمهانة عند جميع الأمم والشعوب ، وخلاصة القول : انها كانت : عند العرب في الجاهلية سلعة تباع وتشترى ، ليس لها أي اعتراض على حياة الذل .

وعند الفرس : ينظر اليها نظرة كلها احتقار وازدراء . وفي الصين : المرأة شيء تافه بالنسبة للرجل ، تتلقى الأوامر وتنفذها .


31

وعند المصريين : بغاية الانحطاط والذل .

وعند اليونان : انها رجس من عمل الشيطان .

وعند الرومان : على جانب عظيم من الذل والاحتقار .

وعند الاشوريين : مادة الاثم ـ وعنوان الانحطاط .

كذلك كانت المرأة السومرية ـ والبابلية ـ والاكادية ـ والساسانية وغيرهم من الشعوب التي كانت لها حضارات .

وظلت المرأة تتخبط في الظلام حتى ظهر الاسلام .

فالاسلام هو الخطة الوحيدة المستقيمة ، والطريق الناجح ... والإسلام بجميع نظمه وقوانينه هو الحل الوحيد ، الذي رسم للمرأة طريقاً محدوداً ، وانهجها منهاجاً صحيحاً ، وخط لها درباً واضحاً ، وأبان لها دورها في الحياة ومدى مسؤولياتها في المجتمع ، واظهر قيمتها منزلتها مع الآخرين ، وسن لها في القوانين حقوقاً وواجبات ، وأعطاها ما لم يعطه من قبله ولا من بعده أحد من الامم والشعوب .

جاء الإسلام هادياً للبشرية منقذاً لها من الضلال والشرك مصدقاً للعلم والعقل حاثاً على اكتشاف اسرار الكون والسيطرة عليه لذلك سمي دين الفطرة ودين العقل .

جاء الإسلام ، حاملاً دستور الحق والعدل والانصاف ناشراً لواء المحبة والأخوة والمساواة ، ناصراً للضعيف المظلوم على القوي الظالم .

ففي آداب الإسلام واخلاقياته ومعنوياته ، ما يقوم بأعظم دستور للحياة ، في أروع صور الحياة واسماها ، وللحضارة في أرقى ما تصل اليه الحضارة ، يصوغ المعاملات ، والعلاقات الحياتية على العدل والإنصاف ﴿ ان الله يأمر بالعدل


32

والإحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (1) . ويحث على السلوك الإنساني والعمل بالحق ، وعلى طريق الخير والديمقراطية ، و محاربة الاستبداد والدكتاتورية ، ولايضع قيوداً على عقل الإنسان أو يحول دون تقدم الفكر . ولا يكبل الإنسان بالزهد والتقشف . قال تعالى : ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق (2) ولا يرضى أن يسلم الإنسان نفسه للترف والمتع ، قال تعالى : ﴿ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين (3) .

والمبادىء الإسلامية تقوم على المحبة ، وهي الاخوة والتضامن قال تعالى : ﴿ إنما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (4) . وتقوم أيضاً على الرحمة والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، والعمل الصالح في سبيل الله قال تعالى : ﴿ وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واحسنوا ان الله يحب المحسنين (5) . وكذلك تحث على التعاطف والتعاون قال تعالى : ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديد العقاب (6) وكذلك تحث على الإلتزام بالمكارم والتسابق للفضائل والتجنب للرذائل ، قال تعالى : ﴿ يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير (7) .

(1) سورة النحل ـ آية : 90 .

(2) سورة الاعراف ـ آية 32 .

(3) سورة الاعراف ـ آية 31.

(4) سورة الحجرات ـ آية 10.

(5) سورة البقرة ـ آية 195 .

(6) سورة المائدة ـ آية 2 .

(7) سورة الحجرات ـ آية 13.


33

ولم تقتصر التعاليم الإسلامية على فئة معينة من البشر ، بل تعدتها إلى جميع الامم والشعوب .

فالاسلام أعز المرأة ، وانتشلها من حضيض الذل ومرارة الحرمان ، وجعل لها المكانة العليا في المجتمع ، ثم بعد هذا ، ساوى بين الرجل والمرأة في أكثر المجالات .

ان الشريعة الإسلامية هي الوحيدة التي منحت المرأة الكثير من الحقوق والواجبات ، وحباها الرسول العظيم صلّى الله عليه وآله وسلّم بفيض من الرعاية والعناية واللطف ، ووضعها في المكان اللائق بحالها .

قال تعالى : «﴿ ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً » (1) .

وقال تعالى : «﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم » (2) .

وقال تعالى : «﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم » (3) .

(1) سورة الأحزاب ـ آية ـ 35.

(2) سورة التوبة ـ آية ـ 71.

(3) سورة التوبة ـ آية ـ 72.

المرأة في ظل الإسلام م ـ (3)


34

ثم ان الاسلام أمدّ المرأة المسلمة بالشعور بالشخصية المستقلة ، المزودة بمكارم الأخلاق ، والطموح الى العزة والكرامة ، حيث أخذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم البيعة منها مستقلة كالرجل ، قال تعالى : «﴿ يا ايها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يـأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ان الله غفور رحيم » (1) .

وفي الحث على التضامن مع رفع مستوى المرأة قال تعالى : «﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيآتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب » (2) .

هذا من الناحية الاجتماعية ، وأما من حيث الارث والعمل في اكتساب المال والرزق الحلال ، فقد فرض لها الاسلام فرضاً معلوماً من الارث ولم يحرمها .

قال تعالى : «﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً » (3) .

ثم أعطاها الاسلام حرية التصرف بما لديها من أموال ، والتكسب به عن طريق الحلال ، قال تعالى : «﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسئلوا الله من فضله ان الله كان بكل شيء عليما » (4) .

(1) سورة الممتحنة ـ آية ـ 12.

(2) سورة آل عمران ـ آية ـ 195.

(3) سورة النساء ـ آية ـ 7.

(4) سورة النساء ـ آية ـ 32.


35

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الصريحة التي تحفظ منزلة المرأة ، وتزيد من كرامتها وحفظ معنوياتها ولقد احتوى القرآن الكريم على آيات كثيرة توضح ما للمرأة من حقوق وواجبات ، على أفضل واهدى وأقوم وأصلح ما يكون لكل زمان ومكان .

هذه بعض المبادىء الإسلامية والتعاليم السماوية ، التي فتحت القلوب المغلقة ، وأنارت البصائر عند ذوي الألباب ، فلم تمض بضع سنوات على بعث دعوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وظهور الشريعة الآلهية السمحاء التي تفيض بالعدل والانصاف ، حتى أصبح الإسلام عقيدة الملايين من البشر .

ولم يمض قرن من الزمان حتى ارتفعت راية الإسلام خفاقة في ارجاء العالم ، واستولى أبناء البادية الاعراب على امبراطورية كسرى وقيصر .


36

حول حرية المرأة في الاسلام

جمعتنا الصدف في بيت إحدى الصديقات ، وكان عندها جمع غفير ، ضم عدداً غير قليل من ذوات الفهم والعلم والأدب والثقافة العالية .

دار النقاش ، حول تاريخ نهضة المرأة المسلمة وما لاقت في حياتها من عقبات ومتاعب .

علا الضجيج وزادت الجلبة والضوضاء كل يبدي رأيه في حال المرأة ، وتطوراتها في ظل التشريع الإسلامي . وتفرقوا شيعاً بين مادح لوضعها ... وناع عليها .

وانبرت إحدى الحاضرات ، وهي من المسلمات ، المثقفات ثقافة عالية لكنها ويا للأسف ... من جملة النساء المخدوعات بتزويق كلام يرقشه جماعة من الملحدين والمستهترين .

راحت تلك الاخت المثقفة تهاجم الشريعة الإسلامية بحماس زائد ، مدعية أن الإسلام بتشريعاته القاسية ، وقوانينه الصارمة ، قد ظلم المرأة ، وأن علماء المسلمين قد أجحفوا بحقها .

حبسوها ... قيدوها ... ضيقوا عليها ... حرموها الحرية والنور ... جعلوها منبوذة في المجتمع ... خاملة الذكر ... متحجبة ... حبيسة الجدران ... مخدرة ... مستبعدة . إلى آخر ما هنالك ، من نعوت وأوصاف .


37

أجبتها بكل هدوء : خففي من غلوائك اختاه ، ولا تجعلي للشيطان عليك سبيلا .

لا داعي للتحدي أو المهاجمة ، فإِنني على استعداد تام ، لكي أشرح مبينة لك ، ولغيرك وضع المرأة المسلمة ، نصف الهيئة الاجتماعية .

ولا أستسلم للعواطف التي طالما حملت الكثير من الناس على ذكر الحسنات دون السيئات متى تحدثوا عن أقوامهم .

( وليس في التشريع الإسلامي سيئات ) .

وإني إبذل جهدي ، لشرح وتوضيح كل فقرة أو كلمة مما تقولين وتنكرين ليتضح ما خفي عليك وعلى أمثالك من المخدوعات والمخدوعين لا تأخذني في الله لومة لائم ( قل الحق ولو على نفسك ) .

كما وأرجو من أخواتي الحاضرات أن ينظرن بمنظار الحق واعتبارهن امة وسطاً تحكم بالعدل .

وإن الغاية من موقفي هذا هو كشف النقاب ، عن وجه تطور المرأة المسلمة من النواحي الأخلاقية والثقافية والاجتماعية ... وغيرها .

وذلك في غضون تعاقب العرب ... والفرس ... والترك ... وغيرهم ، على الحكم في الامبراطورية الاسلامية .

وكذلك في ظروف تداول السلطة بين العرب ... والبربر ... في المغرب والأندلس حتى نصل إلى تبيان التطور الذي أصاب الأمة الإسلامية في تلك المراحل .

وللانسجام مع الواقع ، والمحافظة على الوجه الاسلامي الصحيح من أن تشوهه الأضاليل ، أبذل الجهد في تحليل ما يقتضيه الواقع ، من بحث وتدقيق وتنقيب وتمحيص ، للوصول إلى الغاية المرجوة بكتابي هذا .


38

وإنني الآن أتناول ، أولاً موضوع حرية المرأة ، شارحة لأي مجال أعطاها الاسلام من الحرية والانطلاق . وإني إذ أكتب أرى أنه ليس من الضروري ، أن تكون عباراتي مسجعة ، منمقة في غاية البلاغة وتنعدم معها إمكانيات العطاء الذاتي كما يفعل البعض .

وإنما حرصت على أن تكون هذه العبارات سهلة سلسة يستسيغها القراء ، مع حسن التنسيق وسلامة التعبير .

الحرية ... والمساواة :

السؤال الذي يتردد على لسان حاملي لواء المطالبة بحقوق المرأة المسلمة ، شعارهم : نحن نطالب بالحرية ... والمساواة ، لنمضي في ركب الحضارة والمدنية ، شأن النساء الاوروبيات .

وكانت صيحة محمومة ، ومطالبة صارخة ، إن هناك من الحقوق المغبونة ، والظلم الواقع على رأس المرأة المسلمة ، لأن الإسلام لم ينصف المرأة ، عندما جعلها دون الرجل ، وسلَّطه عليها .

والحق يقال : إن جميع ما يتشدق به دعاة المدنية ، ماهو سوى بعد عن الحقائق ، وتقليد أعمى ، درجت عليه المرأة الشرقية ، وارتضته المسلمة لنفسها ، بالاضافة إلى ما ارتضته من نقائص وسخافات مستوردة من البلاد الأجنبية ، وقلدتها راضية مرضية .

إذا كانت المرأة الأجنبية ، تطالب بحقوقها ، فهذا أمر راجع لاعتبارات كثيرة ، اقتصادية ... واجتماعية ... وتربوية ، التي كانت تعاني منها عندما كانت ترسف بالقيود ، وتتخبط في الظلمات .


39

وما شأن المرأة المسلمة بهذه المطالب ؟؟ مع العلم أن الإسلام أنصفها وأرضاها ، وأعطاها حقوقها كاملة غير منقوصة .

لا يخفى أن المرأة في البلدان الأجنبية ، من شرقية أو غربية قد مرَّت بأشواط قاسية .

ففي العصور المظلمة التي تخبطت بها المرأة ، كثر الجدل حول حقيقتها انها بشر ... ؟ أم شيطان ... وهل تحتوي نفسها على الخير كالرجل ؟ أم انها بشر ؟ فضلاً عن أن الرجل كان يقودها ويبيعها في السوق ، وهي راضخة ، قانعة بوضعها مكتفية بإنفاق الرجل عليها .

وبعد قيام الثورة الصناعية في جميع البلدان ، وإنشاء المصانع والمعامل والشركات تبدلت الأوضاع ... وتفاوتت الاعتبارات .

لقد أسدت الثورة الصناعية ، خدمات كثيرة إلى بني الإنسان ، ولكنها من جهة ثانية ، أساءت إلى المجتمع الأخلاقي ، الذي أخذ بالتفكك والانحلال تدريجياً . حيث أصبح الفرد لا يهتم إلا بنفسه ، ثم إشباع ذاته وحاجته وانغماسه في الملذات . لأن الثورة الصناعية أدَّت إلى نشوء طبقتين الطبقة الاولى : أرباب العمل وهم الأغنياء الذين أفسد الترف أخلاقهم ، والطبقة الثانية : العمال وهم الفقراء الذين ألجأهم الحرمان للهث وراء المال لسد حاجتهم ، ويكون المثل الأعلى يومئذٍ للرجل الناجح هو الرجل الغني .

صرف المرء حينئذٍ نفسه وتفكيره وطاقاته وجهوده عن كل شيء إلا الحصول على المال ، بأي وسيلة ، ومن أي طريق .

كان من الطبيعي أن تدخل المرأة في ميدان العمل ، لإعالة نفسها ، ولكنها الجانب الضعيف الذي ينحني عادة للأقوى ، في كل زمان ومكان إذا لم يكن هناك رادع ديني ... أو أخلاقي.


40

نزلت المرأة إلى ميدان العمل ، وعملت مع الرجل وقامت بنفس الجهد أو أكثر ، ولكن بأجر أقل من الرجل ، جهد كثير ، وأجر قليل وكرامة غير محفوظة .

وأخيراً تهاوت تحت وطأة الحاجة والعوز بنفسها وشرفها .

هذا واقع أكثر النساء الأجنبيات اللواتي تريد تقليدهن والاقتداء بهن ، المرأة المسلمة ، والزمرة التي تطالب بحرية المرأة ومساواتها بالرجل .

هذا واقع النساء المتحرزات الاوروبيات او الأجنبيات . وهذا ما دعاهن إلى شق عصا الطاعة ، والتنفيس عما يعانينه من جور وحرمان واضطهاد .

قامت النساء ، يطلبن حريتهن وحقوقهن المهضومة ورفعت الأصوات ... وزادت المطالبة بالحرية والمساواة ...

وتمَّ للمرأة ما أرادت ، ولكن هل حلَّت المساواة والحرية مشكلتها ؟

وهل حققت لها السعادة ؟؟

هل رفعتها في نظر الرجل ؟؟

هل صانت نفسها ... وشرفها ؟؟

لا... وألف لا ... هذه صحفهم كلها تشهد وتقول : صحيح ان قانون المساواة حقق للمرأة الكسب المادي ، ولكنه سبب زيادة في الطلاق وأدى الى تفكك الروابط العائلية ، بسبب غيابها عن البيت ، وابتعادها عن أطفالها وعدم رعايتهم ، والاعتماد على دور الحضانة .

وماذا يجدي الكسب المادي ؟ إذا كان الأمن بعيداً عن البيت ؟؟

والاطمئنان مفقوداً ؟!

« اطمئنان الزوج ... الأم ... الأطفال ... »


41

جاء في مجلة ( شجرة الدر ) في الجزء السادس من السنة الاولى نقلاً عن جريدة ( الاسترن ميل ) بقلم الانكليزية الشهيرة ( آني رورد ) (1) « إذا اشتغلت بناتنا في البيوت خوادم او كالخوادم ، فذلك خير وأخف بلاء ، من اشتغالهن بالمعامل حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تُذهب برونق حياتها الى الابد .

ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين ، حيث الحشمة والعفاف ... والطهارة رداء الخادم ... والخادمة اللذين يتنعمان بأرغد عيش ويعاملان معاملة رب البيت ، ولا يمس عرضهما بسوء ..

نعم ، إنه عار على بلاد الانكليز أن تجعل بناتها ، مثلاً للرذائل ، لكثرة مخالطة الرجال ، فما لنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل ما يوافق فطرتها الطبيعية ، من ملازمة البيت ، وترك أعمال الرجال للرجال ، سلامة لشرفها !! » انتهى .

إن عقلاء الامم الغربية ينفرون من هذه الحال التي ضربت فيهم بجرانها ، وفينا نفر ، أضلهم الله على علم ... يريدون أن يفسدوا المرأة باسم إصلاحها ، ويهدموا حياتها وطبيعتها ، بسوء هذا الصنيع . فهم يحملون الناس ، بتزاويق الكلام ، على أن ينهجوا منهج الغربيين سالكين طريقتهم ، مقلدين في كل شيء ، حتى الضار من الاخلاق . . والعادات ... والتقاليد ... ورحم الله القائل : فلا يفسد التقليد طيب ارثكم ولا تقربوا منهم سوى العلم وحده ففي دسم الغرب اختفى ناقع السّم وعضوا على أخلاق آبائنا الشم

ولكنني أتساءل .... هل يجب علينا نحن المسلمات ، ان نحمل نفس الشعارات .... ونهتف ... وننادي بها ؟ ! .

(1) عن كتاب نظرات في السفور والحجاب ـ الشيخ مصطفى الغلاييني .


42

هل يجب علينا تقليد الاجانب من الافرنج وغيرهم ؟ التقليد الاعمى الذي يؤدي بنا إلى الهاوية ؟

كلنا يعلم أن الإسلام أعطانا الكثير .. ولكن نحن ظالمات ، جاحدات لنعم الله سبحانه .

ما ظلم الإسلام المرأة ... ولا أجحف بحقها ، ولا أنقص من كرامتها . ولكنه رسم لها جانباً ايجابياً عظيماً في هذه الحياة . والله سبحانه وتعالى ساوى بين الرجل والمرأة بالإنسانية والجزاء ... متساويين في الخلق : قال تعالى :

﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى .... (1) .

إنكما متساويان أمام الله في الأعمال ـ الثواب ـ العقاب ...

﴿ إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض ... (2) .

ولكن الباري سبحانه وتعالى فرق بين الرجل والمرأة في المواضع التي تقتضيها الفطرة ... والطبيعة .

فيا اختي المسلمة ... عودي الى الدين ... والى الحياء ... وصوني كرامتك وشرفك ، فليس غير الإسلام يصون نفسك ويحفظها .

تحرري من هذه النظريات والسموم ، فوالله إن المستعمر يريد استعبادنا واستثمارنا ، بعد أن يضعف ديننا ، ويصرفنا عنه بشتى الأساليب والحيل والخداع واتقي الله واستعيني به . من استعان بغير الله في طلب فإن ناصره عجز وخذلان


43

المساواة في العبادات :

طالب الإسلام الإنسان رجلاً كان أم امرأة ، بانشاء نفس راقية ، وتصفيتها من نوازع النفس البشرية ، ومن أدران المادة الدنيئة ، وبالابتعاد عن صفات الروح الحيوانية . ودله على السبيل إلى ذلك . فسن له سننا ووجهه إلى طرق اسماها العبادات كقوله تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون (1) .

طلب منه الصلاة ، بان يذكر ربه اناء الليل وأطراف النهار ، ويتهجد له بكرة وعشيا .

يقف بين يديه متوجهاً اليه بجنانه ، سامياً عن الدنيا بنفسه ، محلقاً في ملكوت ربه بروحه . فيخشع قلبه لما تنقشع الغشاوة عن بصيرته ، فيرى بوجدانه عظمة الباري وقدرة الخالق ، ويكون مشدوداً اليه في كل حركاته وسكناته ، في قيامه ، وركوعه ، وسجوده .

هي الصلاة « سراج كل مؤمن » كما ورد في الحديث : « هي السلم الذي يرتقي به المؤمن متعالياً عن المفاسد الدنيا ... وهي أيضاً قربان كل تقي » .

بالصلاة يتقرب العبد إلى ربه ، ويشف اهابه ، وتسمو نفسه وتتهاوى سدود انانيته .

ولقد قال الرسول الاعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً » . وقال أيضاً : « لا صلاة لمن لم يطع الصلاة ... » و طاعة الصلاة ان ينتهى المصلي عن المعصية وفعل المنكرات . وقال الإمام جعفر الصادق (ع) : « من احب ان يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل منعته عن الفحشاء والمنكر ؟ فبقدر ما منعته قبلت منه » .

(1) سورة الذاريات ـ آية ـ 56


44

ان الإنسان لو عبد الله حقاً ، ومشى على طبق التعاليم الإسلامية وانتهج الصراط المستقيم . و عمل الخير وأمر بالمعروف وانتهى عن المنكر كان من الصالحين ... وإلا فقد حكم على نفسه بأنه دجال منافق وقد أشارت الآية الكريمة إلى هذا المعنى « فويل للمصلين (1) الذين هم عن صلاتهم ساهون (2) » وقال الشاعر : ما قال ربك ويل للأولى سكروا بل قال ربك ويل للمصلينا

وفرض على الإنسان الصوم ، يصارع غرائزه الحيوانية لكي يتمكن من مصارعة أهوائه الشخصية ، ورغباته الذاتية التي يعصي بها ربه إن اطاعها ، لانها تصطدم مع أهواء إخوته من بني البشر .

فكل منهم يرغب في امتلاك العالم وما فيه ، وتكمن في نفسه شهوة السيطرة وحب الذات . وتفيض نفسه كرهاً وحقداً لكل ما يقف في طريق تحقيق مرادها .

ومن الناس من يسلك للحصول على المال طرقاً ملتوية لا تقرها الشرائع والاخلاق ، ولا يكتفي بالحلال ، ولا يبالي بالحرام . فهو جائع لا يشبع طامع لا يقنع . استعبدته شهوة المال ، وحرمته لذة الرضا والقناعة .

ولما تتضارب مصالح الإنسان مع مصالح أخيه ، يضطر من أجل ارضائها ان يظلم اخاه ليرمي بانسانيته عرض الحائط . وكما قال الشاعر : الظلم من شيم النفوس فان تجد عفة فلعلة لا يظلم

فالصيام يفرض عليه مصارعة غرائزه الحيوانية من أكل وشرب وجنس

(1) سورة ـ الماعون ـ آية ـ 4.

(2) سورة ـ الماعون ـ آية ـ 5.


45

وغير ذلك ، فإن استطاع اعانه ذلك على السيطرة على نوازع النفس وشهواتها ، فيسلك طريقاً مستقيماً مطيعاً لله ، متجنباً معاصيه . وإلى ذلك يشير الحديث « الصوم جنة من النار » .

طلب الإسلام من الجناحين ... الرجل والمرأة ، على السواء ، تنقية النفس وتطهير الذات ، لسمو روحي عال وترفع عن دنس دنيء .

وعلى حد سواء طلب منهما الصلاة التي تنهي عن الفحشاء والمنكر ، وهي عمود الدين وقد ورد في الحديث الشريف : « الصلاة معراج المؤمن يعرج بها إلى ملكوت ربه بنفسه وروحه وقلبه » .

وجميع العبادات من صوم وصلاة ... وحج وزكاة وجهاد في سبيل الله ، هي دروس للإنسان كيف ينشيء نفساً قوية وشخصية فذة ، وكيف يسيطر على هواه ورغباته ... ويبدأ بجهاد نفسه . وكيف يوجهها في سبيل خير المجتمع وسعادته .

فإذا اخلص لله عمله ، رغب في كل ما يتقرب إليه ، تراه بهمة عالية يقطع الفيافي والقفار والمسافات البعيدة ليتمثل ما أمره الله تعالى به : «﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً » (1) .

فيطوف حول البيت ويسعى بين الصفا والمروة يدعو الله بقلبه ولسانه بجوارحه ان يخلصه من الشرور والآثام .

وتراهم رجالاً ونساء في هذا المؤتمر العظيم يهتفون ويلبون بصوت واحد : « لبيك اللهم لبيك » .

ممتثلين لدعوة ربهم لما ندبهم في قوله عز من قائل : « واذن في الناس بالحج

(1) سورة آل عمران ـ آية ـ 97 ـ


46

ويأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق » (1) .

وذكر الطبرسي في كتابه مجمع البيان في تفسير القرآن : يأتوك رجالاً ـ أي مشاة على أرجلهم ( وعلى كل ضامر ) أي ركبانا .. ( ليشهدوا منافع لهم ) قيل يعني بالمنافع التجارات ـ عن ابن عباس وسعيد بن جبير .

وقيل التجارة في الدنيا والاجر والثواب في الآخرة عن مجاهد وقيل : هي منافع الآخرة ، وهي العفو والمغفرة ـ عن سعيد بن المسيب وعطية العوفي وهو المروي عن ابي جعفر الباقر (ع) ...

وخلاصة القول : لم يحرم الله سبحانه المرأة من هذا الثواب العظيم والاجر الجزيل ، وهذه التجارة الرابحة .

وفسح لها المجال للمشاركة في هذا المؤتمر العظيم الذي يجتمع فيه الناس من كل حدب وصوب ، ومن كل لسان وجنس ولون ... من أصقاع المعمورة .

لا بل أوجبه عليها كما أوجبه على الرجل ان تمت شرائط الوجوب . وهي القدرة ... والاستطاعة وذلك لاطلاق قوله تعالى : « واذن في الناس ...» ولم يقيده بالرجال أو النساء بل قال : ( من استطاع اليه سبيلا .. )

انها العدالة الاجتماعية ، والمساواة الإسلامية ، والحكمة الآلهية « يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم » .

(1) سورة الحج ـ 27 ـ 28 ـ 29


47

فالتقى هو ميزان الكرامة ، والقرب من الله . لا الذكورة .. ولا الانوتة . فمن اخلص لله عمله ورغب في كل ما يقربه الى الله ، وسار على هدي التعاليم السماوية في خدمة المجتمع العام متقرباً إلى خالقه ... نال السعادة الابدية

« احبكم إلى الله انفعكم لعياله » .

وبروح سامية يضرب بهواه في حب المال عرض الحائط « المال والبنون زينة الحياة الدنيا » فيخرج خمس أرباحه وزكاة أمواله » ان الله شارك الفقراء في أموال الاغنياء » متقرباً بذلك إلى الله لا يبغي منها إلا وجهه . ولا يريد إلا رضاه .

هكذا طلب الإسلام من المرأة والرجل . التعاون من أجل إنشاء الحياة السعيدة المطمئنة الهادئة . والمرأة ان استطاعت تصفية نفسها وتنقية ذاتها وتطهير قلبها كانت هادئة مطمئنة تؤثر تأثيراً مباشراً بجيلها الصاعد ... باطفالها وأولادها وتبعث فيهم النفس الصالحة .


48

في محيط المرأة ـ باب المساواة

يقول محمد العشماوي (1) لقد قرأت كلاماً القي في شعبة هيئة الامم جاء منه :

« أن المرأة الشرقية ما تزال محجوراً عليها ، وان هناك فوارق وفواصل بينها وبين الرجال ، وإن مردَّ ذلك الى الدين الإسلامي ، ووقوفه عقبة في سبيل نهوض المرأة ومساواتها بالرجل .... الخ » .

حقاً لقد مرَّت بالأمة الإسلامية فترات من الظلام ، أصاب المرأة فيها جانب من الحيف والإخضاع ، ولكن ذلك شذوذ اجتماعي وحيف من قبل القادة والحكام ، يعرض لكثير من الامم في بعض عصورها لعوامل طارئة ولا يلبث أن يزول .

فمن الحق عليَّ أن أجهر بأن الإسلام أول من مكّن المرأة في المجتمع الإنساني ، فليس بمجهول أن المرأة حين بزوغ نور الإسلام كانت في حضيض الذلة والانحطاط . ينكر عليها حق التوريث ، ويؤبى عليها أن تشترك في أي نظام من نظم المجتمع .

فأعلن الإسلام مساواتها بالرجل ، إذ رسم لها فروضاً واحدة في العبادات والمعاملات ، وجعلها بمنزلة واحدة في الحقوق والواجبات .

نري القرآن يخاطب المرأة والرجل على حدٍ سواء ، في شؤون العاجلة

(1) عن مجلة الأزهر ـ الجزء الخامس ـ المجلد التاسع عشر ـ ص ـ 428 ـ 429 .


49

والآجلة ، قال تعالى : « يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وانثى » وقال تعالى : « المسلمين والمسلمات الصابرين والصابرات ... الخ » ونراه يبيِّن أننا نشأنا جميعاً من نفس واحدة وأننا افترقنا جنسين لكي نؤلف شطري المجتمع البشري .

ونراه يعتز بالاسرة ويعبِّر عن الزواج بأنه الميثاق الغليظ . ونراه يدعو إلى المساواة بقوله : « ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف » .

وان في حياة الرسول صلوات الله عليه ما يدلُّنا على أنه لا فرق بين امرأة ورجل في حق أو واجب . فقد بايعه النساء كما بايعه الرِّجال ، وقد استفتينه في شؤونهن كما استفتاه الرجال ، وفي عهد عمر كان الرجال والنساء جميعاً يدعون الى الاجتماعات العامة .

وما أن شُقًّ طريق الجهاد ، حتى انفتح للمرأة المسلمة باب وقفت فيه موقفاً إنسانياً يتعطر به ذكر التاريخ .

وما أن تحلقت حلقات العلم وطلبت رواية الحديث ، حتى اشترك النساء بالسهم الوافر ، فرويت عنهن الأحاديث ونقل عنهن الشرع ولم يخف أثرهن في سياسة أو اجتماع ... انتهى .

أطلق الإسلام حرية المرأة في جميع نواحي الحياة ، ولو وازنت أيها القارئ الكريم بين شرائع الغرب والشرق وشريعة الإسلام لتجلَّى لك أن الإسلام أبر بالمرأة وأكفل لحقوقها وأكثر افساحاً لحريتها من جميع الشرائع .

ومما لا ريب فيه أننا نحيا في ظل التشريع الإسلامي العظيم الذي حفظ للمرأة ما تطمح اليه من الحقوق .

وإذا كانت المرأة قد لقيت في بعض العصور اعناتاً وإجحافاً ، فليس الذنب ذنب التشريع الإسلامي . وإنما هو ذنب الذين حرموا المرأة حقوقها المكتسبة .

المرأة في ظل الإسلام (4)


50

لذلك يجب علينا أن نستقي الحقوق والفرائض من منابعها الأصيلة الصافية . قبل أن تكدرها عهود العنت والشذوذ الاجتماعي .

« يقول محمد العشماوي (1) : بماذا تطالب المرأة ؟ .

بالثقافة ؟ : لقد فرض عليها الإسلام أن تتعلَّم .

بالميراث ؟ ، لقد أعطيت نصف حظ الرجل ، وليس هذا فيه تمييز للرجال ، وأكاد أقول : ان فيه محاباة للمرأة . فعلى الرجل أعباء النفقات ،

فإن كان ثمة غنم يقابله كبير غرم . وكيف لا وقد رفعت عن المرأة أثقال الانفاق على نفسها وعلى ذوي قرابتها . !؟

ومن الإنصاف إذا أردنا الحكم على شيء أن نحكم عليه مجتمعاً متصلاً بمقدماته ونتائجه .

بقي للمرأة مطالبتها بالحقوق السياسية ، فهل حرمها الإسلام تلك الحقوق ؟

كلا بل أباح لها أن تباشر مختلف الاعمال . ويقول العشماوي أيضاً :

« وحسبنا دليلاً على حق المساواة وانه طبيعي لا ريب فيه أن الريف المصري يضم 15 مليون يعمل نصفهم من النساء عمل الرجال بجانب عملهن الخاص . وليس بعد هذا برهان على استطاعة المرأة العمل في الميدانين : الخاص والعام .

ولكن الريفية لم تتثقف ولم تتعلَّم ، ولذلك تعاني ضعفاً في القيام بمهمتها التي تبذل فيها جهدها كله . »

من العدل تكليف كل عنصر حسب قدراته وحاجاته ، لأن العدل هو وضع كل شيء موضعه .

(1) مجلة الأزهر ـ الجزء الخامس ـ ص ـ 430 .


51

فالقانون العادل والمشرِّع الحكيم ، هو الذي يعطي المرأة حسب تركيبها النفسي والجسدي ، لا يزيد على ذلك حتى لا يكون هضماً لحقوق الآخر ، وتكليفها بما لا تطيق ، أو إنقاصها من حقوقها فيكون هضماً لها وإجحافاً بحقها .

فالهرمونات التي تفرزها الغدد الصمَّاء لدى الرَّجل تؤثر في تكوينه الفزيولوجي وتعطيه قدرات جسمانية وقوة جسدية تؤهله لممارسة أعمال شاقة مرهقة .

وهذه الهرمونات لا تملكها المرأة ، مما أدَّى بها إلى بنية ضعيفة وإلى عدم تمكنها من مباشرة أعمال الرجل ، نظراً إلى نقصان قوتها الجسدية عنه .

وبالمقابل حباها الباري عز وجل بحنان فياض وقلب رقيق ، يخفق لكل من يستحق العطف والشفقة ، وهذا أكثر بكثير من عطف الرجل . مما جعلها مؤهلة لأن تقوم بدور المربي للجيل الصاعد . وتكون مربية لأبنائها تعطيهم من الحنان والعطف ما لو فقدوه لأنتج المجتمع اناساً مجرمين .

هذا الدور الذي لو فقده الاولاد من قبل الام ، لا يتمكن الرجل من القيام به ولو قصد ، وذلك لفقدان المؤهلات .

فالمرأة قد حباها الله رسالة جليلة هي إنشاء الجيل وتوجيهه فيجب أن نعدَّها لتأدية تلك الرسالة على خير الوجوه .

ولكي ندرك قيمة إعدادنا لها ، يجب أن نتمثل أن أبناءنا إذا نشأوا في بيئة جاهلة ، رضعوا الجهالة والخمول فلا تزداد بهم الامة إلا ضعفاً على ضعف ، والأمم لا تقاس مكانتها بعدد أبنائها وإنما تقاس بما لهم من كفاءات ومزايا وقوى في معترك الحياة .


52

وما دمنا لا نعني بإعداد المرأة وتعليمها وتهذيبها وتهيأتها لإخراج الجيل الصالح ، القوي بإخلاقه ، السليم في عقله وجسمه ، فإنه لا رجاء في نهوضه . وسنبقى نعيش في فوضى ، ونسير بشق مائل نتعثر في خطانا ، ونستهدف للتداعي والسقوط .

فلتتعاون المرأة والرجل فإنه لا خير في مجتمعٍ لا يتعاون فيه الجنسان معاً ، وليكن العمل صالحاً كل واحدٍ بحسب فطرته وطبيعته .


53

نزول المرأة الى ميدان العمل

لقد اهتم الاسلام بالمرأة ، وأعطاها حقوقها كاملة غير منقوصة ، ورفعها إلى مصاف الرجال ، فهي مع الرجل في جميع ميادين الحياة .

لم يرد في النصوص الشرعية المعتبرة ، والتي يعتمد عليها ، ما يحرم على المرأة أن تعمل وتكتسب ، ولا ما ينفي وجودها في ميادين العمل .

ليس من التعاليم الإسلامية ولا من قوانين الشريعة السمحاء ، ابتعاد المرأة عن الحياة العملية ، وإنما هو من تضليل المضللين وإسدالهم الستار على الاحكام الشرعية الواضحة في حين لوثت العادات والتقاليد المستوحاة من المجتمعات غير الإسلامية نقاءها وصفاءها ، وأسدلت عليها نقاباً من التشويش والتشويه والتضليل .

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : « للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيءٍ عليماً » (1) .

وقال سبحانه وتعالى : «﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور » (2) .

ولكن إذا أمعنا النظر ، وتصفحنا التاريخ ، نرى أنه عندما غمر بلاد

(1) سورة النساء ـ آية ـ 32 .

(2) سورة الملك ـ آية ـ 15 .


54

المسلمين ( الامبراطورية الاسلامية ) طوفان الجواري والاماء ، واستخدمت هذه الجواري للهو ... والمتعة .و.و.و

في ذلك الوقت اضطر المسلمون الأحرار إلى تمييز المرأة الجليلة الحرة بوضع اجتماعي خاص ، عز لها تدريجياً عن الحياة العملية ووضعها ضمن نطاق خاص بها ايضاً .

أم الواقع التاريخي الذي يثبت مشاركة النساء للرجل في العمل ، فهو واضح ثابت ، من سيرة المسلمين في صدر الاسلام وبدء الدعوة وذلك حين كان المسلمون يلتزمون في حياتهم الاسس والتعاليم الاسلامية ، بشكل صحيح وغير مريب ، فكان أمامهن مجال العمل واسعاً وفسيحاً ومحاطاً بتعاليم الرسول الكريم ... وضمن نطاق الحشمة والعفة والأدب والدين .

المرأة وتقدمها في العصر الحاضر :

جاء العصر الحاضر ومن حوالي قرن أو أكثر ، أخذت أبواق الدسّاسين والمستهترين والاستعماريين والالحاديين تدق داعية المجتمعات الشرقية وخاصة العربية على المطالبة بحقوق المرأة وبدورها في المجتمعات للفوائد المزعومة .

وكان لتلك الأبواق الأثر الفعّال على الواجهة الاجتماعية ، فتبدلت الحياة وانقلبت الامور رأساً على عقب . وإذا بالمرأة التي كانت تدير مملكتها الخاصة بها أو دائرتها ، تظهر اليوم الى المجتمع تناهض الرجل ، وتسلب منه الأعمال والأشغال .

ونتج من جرَّاء ذلك أن توزَّعت الاعمال ، فإذا بالرجل الذي كان يدير الشؤون التي تخصه لم يجد عملاً يشغل به فراغه ، لأن الجنس اللطيف قد استلب منه شؤون عمله الخاصة به وزاحمه عليها .


55

وهكذا اختلط الحابل بالنابل ، وشاعت الفوضى ، ولم يعد للمرأة العمل بشؤونها الخاصة ولا للرجل العمل بشؤونه الخاصة .

وكان للمرأة التقدم على الرجل في ميادين ليس لها أي صلة بها . فتبدلت الامور وتغيَّرت المقاييس الاخلاقية .

لكن لكل فعل رد ، فقد أحدثت سيطرة المرأة على الكثير من المقدرات رد فعل قوي جدّاً ، في جميع الأوساط العالمية .

وكان من جرّاء ذلك أن تنبه الكثير من المفكرين بهذا الخطر المحدق ، من زجِّ المرأة في بعض نواحي الحياة الاجتماعية . وراحوا ينذرون بني قومهم من سوء العاقبة التي سترافق المرأة من تركها بيتها والتحاقها في معترك حياة ليس للمرأة بها أي فائدة سوى ما ينجم عنها من مضار تورث الندم والخسران .

لا اغالي عندما أقول لبنات جنسي من أن المرأة من حيث تركيبها الجسماني لا تقوى على كأداء العيش ووعثاء الأعمال ومشاق الأشغال .

لذلك نراها تتجه دائماً نحو الاعمال التي تتمكن من القيام بها مثل دوائر الصحة والتمريض والتربية والتعليم وأمثالها من الخدمات الانسانية كما قالت تلك الفتاة اليابانية : أنا إن لم احسن الرمي ولم أخدم الجرحى وأقضي حقهم تستطع كفاي تقليب الظي (1) وأُواسي في الوغى من نكبا

هذه هي الحقيقة ومن يقول غير ذلك فهو مكابر ، مضافاً إلى أن المرأة بخروجها الى معترك الحياة الشاقة يترتب عليها مضار لا يمكن لأحد انكارها .

(1) الظبي جمع ظبة : حد السيف او السنان ونحوهما ـ المنجد في اللغة .


56

أولاً : تكون قد تركت اولادها عرضة للضياع والمتاهات الاخلاقية .

ثانياً : تكون قد اهملت شؤون بيتها وإدارة مملكتها وجلبت الى نفسها متاعب هي في غنى عنها .

ثالثاً : زاحمت الرجل في أعماله ، وعند ذلك لا يجد سبيلاً من الركون إلى البطالة ، فتعم الفوضى التي نشاهدها في كثير من البلدان ، ونسمعها من كثيرٍ من الاذاعات .

وأعود فأناشد المرأة المعاصرة وأقول : هل عملها في مشاركة الرجل بالاعمال التي لا تتلائم مع طبيعتها مصلحة لها أو لوطنها أو لأولادها ؟

وأقول لها : هل ان الرجل ندبها أو دعاها لمشاركته في الأشغال اليدوية الشاقة ؟

أو دعاها إلى مساعدته في الأعمال الحربية مثلاً ؟ لأنه عاجز عن القيام بالعمل الذي يخصه ورأى المرأة أقوى منه فاستجار بها ؟

كلا ... إنها أبواق الدسّاسين ، وسموم المستعمرين ...

فيا اختي المسلمة المعاصرة اناشدك بالضمير والوجدان أن تتفهمي الواقع وتسيري في هذه الحياة على الوجه الصحيح ، ولا تقومي بشيءٍ من الأعمال إلا ما يوافق طبيعتك وفطرتك .

... مع الاحتفاظ بشرفك ودينك وكرامتك ...


57

متى تنزل المرأة إلى ميدان العمل وكيف ؟

ان الفتاة لها ان تعمل وتكسب ، والمرأة المتزوجة أيضاً ، ولكن المتزوجة يجب عليها ان تحافظ على مهمتها الأساسية ، وهي بناء المجتمع الصالح والمحافظة على بيتها وأطفالها .

ومن اجل ان تتفرغ لعملها الأساسي ، فقد أوجب الله سبحانه وتعالى النفقة لها على الزوج حتى لا تضطر إلى ترك بيتها ، وتعريض أطفالها إلى الحرمان العاطفي ، والجفاف النفسي الذي لا يتوفر إلا بحنان الأم .

« ما بقاء الكون إلا بحنان الابوين »

لا تستطيع دور الحضانة أو المربيات أو خادمات ، ان تعوض على الطفل حنان امه وعطفها .

إن دور الحضانة قد تربي أطفالا أصحاء جسدياً ، ولكن الأطفال ربما يعاني أكثرهم ، من اضطربات نفسية نتيجة فقدان رعاية الام الكافية .

أما إذا اضطرت المرأة للعمل ، وذلك لإعالة نفسها ، أو اعانة زوجها أو مساعدة أولادها ، فلا حرج عليها من أن تخرج إلى العمل الشريف مع اعتبار رضى الزوج واذنه إذا كانت متزوجة .

لم يحرم التشريع الإسلامي المرأة من ثمرة أتعابها ، فإن المال الذي تجنيه من عملها هو ملك لها وليس لزوجها أو ابيها أو أحد من الناس . فالمال الذي جنته من أتعابها بالوجه الشرعي هو لها ، تتصرف به كيف تشاء .


58

« الناس مسلطون على أموالهم »

إن كثيراً من الناس من يستثمر جهود المرأة وثمرة أتعابها كأبيها أو زوجها أو أخيها ، فهذا الاستثمار لا يقره الضمير والوجدان ، وحتى الدين إذا كان بغير رضى منها ، إلا إذا سمحت بالعطاء .

وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما جاءت اليه الصحابية السيدة ريطة بنت عبدالله بن معاوية الثقفية . وكانت ريطة امرأة ذات صنعة تبيع منها ، وليس لها ولا لزوجها ولا لولدها شيء من حطام الدنيا .

فسألت النبي عليه السَّلام : عن النفقة عليهم فقال : « لك في ذلك أجر ما انفقتِ عليهم » .


59

مدى صلاحيات المرأة في تحمل المسؤولية :

إذا أمعنا النظر نرى ان المغرضين والدساسين ، وضعوا كثيراً من الاحاديث ، كل على حسب ميله وهواه .

ليت شعري ... اين ذوي العقل والروية ؟ من كتاب الله وسنة رسوله ، بعد ان قررا ان المرأة مخلوق سوى ، لها الأهلية لأن تتحمل كل تكليف ، سواء كان من جهة الإيمان أو الاجتماع أو التعبد لله ، أو الجهاد أو الأخلاق (1).

فهي كالرجل في مسيرة الحياة ، وعليها تبعات كل النتائج للأعمال التي تقوم بها من جهة الثواب والعقاب ، والسمعة في الدنيا والآخرة .

كيف يمكن القول .. انه لا يصح ان تتحمل المرأة مسؤولية الجزاء وهي ناقصة العقل والإدراك ... فالإسلام أرفع وأجل .

لقد قرر لها الإسلام الحق المطلق في التصرف في كل ما يدخل في يدها من مال ، مهما كان عظيم المقدار ، دون أي تدخل أو اشراف أو اذن من الرجل مهما كانت صلته بها ، إلا على سبيل المشورة ، أو المشاركة في الرأي أو النصيحة .

والمرأة في الإسلام لها ان تبيع وتشتري ، وتستملك العقارات وتحوز الأموال من الكسب الشريف ، ولها أيضاً أن تزرع وتحصد وتستدين وتدين وتهب وتقبل الهدية ، وتوصي وتأخذ الوصية « تكون وصية على القاصرين » وتؤجر وتستأجر ... الخ .

(1) حسب ما يقره الشرع وتقتضيه الحكمة .


60

وجعل الإسلام امرها بيدها ، في مسألة زواجها ان لم تكن قاصرة .

وكانت النساء تجادل الرسول صلي اللّه عليه و آله و سلّم ... و معناها انها يجوز بل يحق لها المراجعة و الدفاع عن حقها.

أوجب الإسلام على المرأة ، كل ما أوجب على الرجل من التفكير والتدبير ، في الأمور الدينية والزمنية ، وخاصة العلم والتعليم ، فهي كالرجل على قدم المساوات « ان المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولى ببعض » .

واعترافاً بشخصيتها في السياسة ، في أخذ النبي البيعة من النساء مستقلة عن الرجال ، ولا يصح كل هذا الفعل إلا مع فرض الأهلية التامة للمرأة .


61

الحجاب (*)

الحجاب هو حكم شرعي ، فرضته الشريعة الإسلامية على المرأة ، وأوجبت عليها اتباعه والالتزام به ، على الوجه الأكمل ، حسب النصوص الشرعية المستقاة من الرسالة السماوية ، ( القرآن الكريم ) والأحاديث النبوية الشريفة ، والأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار .

لقد فرض الإسلام الحجاب على المرأة ، ليقيها الفتنة والإغراء ، وتصون نفسها وشرفها وتتحرز من كيد الكائدين ، ومكر الماكرين ، الفسقة الذين لا يردعهم شرف ولا دين . وقد نص القرآن الكريم على حجاب المرأة ، وسترها بقوله سبحانه :

«﴿ يا أيها النبي قل لا زواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من

(*) الحجاب في اللغة : هو الستر . وفي كتاب تاج العروس للزبيدي : باب حجب ... حجبه ... يحجبه ( حجبا وحجابا ) ستره ، وأمرأة محجوبة ، ومحجبة ( للمبالغة ) قد سترت بستر ..

وضرب الله الحجاب على النساء ، وذكر الزبيدي في حديث الصلاة : حتى توارت بالحجاب والمراد بالحجاب ، هنا الافق ... أي حين غابت الشمس وراء الافق .

والحجاب كل ما حال بين شيئين : قال الشاعر : اذا ما غضبنا غضبة مضرية هتكنا حجاب الشمس أو أمطرت دما


62

جلابيبهن (1) ذلك أدنى ان يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيما » (2) .

وقال سبحانه وتعالى :

« وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن (3) على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير اولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون » (4) .

وخلاصة معنى الآيتين الكريمتين ، أن الله سبحانه وتعالى أمر المرأة المسلمة بلبس الخمار والحجاب ، فسترها بما أمرها الله بستره عن نظر الرجال الأجانب ، وإن كانوا من عشيرتها أو أقاربها إلا ما نص عليه التنزيل ، ما هو إلا صيانة لعفتها وشرفها .

فالله سبحانه وتعالى ، أمر المرأة بأوامر ترجع لمصلحتها الدنيوية فضلاً عن الأخروية ، لتعيش في سعادة وهناء .

(*) عن مجمع البحرين ـ للطريحي : الجلابيب جمع جلباب وهو الثوب الواسع اوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها . وتبقي منه ما ترسله على صدرها وقيل الجلباب هو الملحفة وكل ما يستتر به من كساء اوغيره ومعنى يدينين عليهن من جلابيبهن : أي يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن ـ أي اكتافهن .

(2) سورة الأحزاب ـ آية ـ 59 .

(3) عن كتاب مجمع البحرين للطريحي : قوله : فليضربن بخمرهن ـ أي مقانعهن ـ جمع خمار وهي المقنعة ، واختمرت المرأة أي لبست خمارها وغطت رأسها .

(4) سورة النور ـ آية 31 .


63

إن الدين الإسلامي حافظ على القيم الأَخلاقية ، بجميع صفاتها ، فلم يدع مزية حسنة ، إلا حرَّض الإنسان عليها وحثه على اتباعها .

بعض الأخبار الواردة في الحجاب :

إن الأخبار الواردة في الحجاب ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار متواترة وكثيرة لا يمكن استيعابها في هذا الفصل القصير .

لكن لا بد لنا ونحن نكتب من ذكر بعضها ، على سبيل المثال ، او الشاهد ليتضح مدى اهتمام الشريعة الاسلامية السمحاء بالحجاب للمحافظة على القيم الأخلاقية السامية .

في كتاب الوسائل (1) عن جابر بن عبد الله الانصاري ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يريد فاطمة ، وأنا معه . فلما انتهينا إلى الباب وضع يده عليه ، فدفعه ، ثم قال : السلام عليكم ، فقالت فاطمة عليها السلام : وعليك السلام يا رسول الله ، قال : أأدخل ؟ قالت ليس عليَّ قناع ... فقال : يا فاطمة خذي فضل ملحفتك ، فقنعي به رأسك ... ففعلت .

وفي كتاب مستمسك العروة الوثقى (2) عن جماعة ، مستندين في ذلك الى صحيح الفضيل قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الذراعين من المرأة . هل هما من الزينة التي قال الله تعالى : « ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتن » ؟ .

قال : نعم ، وما دون الخمار من الزينة ، وما دون السوارين .

(1) وسائل الشيعة ـ للحر العاملي ـ ج ـ 7 ص ـ 158 .

(2) مستمسك العروة الوثقى ـ السيد محسن الطباطبائي الحكيم ـ ج ـ 12 ص ـ 21


64

وظاهر أن ما ستره الخمار هو الرأس والرقبة ، والوجه خارج عنه ، وان الكف فوق السوار لا دونه ، فيكونا خارجين عن الزينة ... الخ .

وفي كتاب العروة الوثقى :

« لا يجوز النظر الى الأجنبية ... ولا للمرأة النظر الى الأجنبي من غير ضرورة ... واستثنى جماعة الوجه والكفين ، فقالوا : في الجواز فيها مع عدم الريبة والتلذذ .

وفي كتاب الوسائل للحر العاملي : (1) عن الفضيل قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الذراعين من المرأة ، هما من الزينة التي قال الله تعالى : « ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن » قال : نعم ؛ وما دون الخمار من الزينة . وهما دون السوارين .

وفي صفحة 146 ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الوجه ـ والكفان والقدمان .

وعن مسعدة بن زياد قال : سمعت جعفراً قال : وسئل عما تظهره المرأة من زينتها ، قال : الوجه والكفين .

وفي منهاج الصالحين : يجب على المرأة ستر ما زاد على الوجه والكفين ، عن غير الزوج والمحارم ، بل يجب عليها ستر الوجه والكفين عن غير الزوج حتى المحارم مع تلذذ ... بل عن غير المحارم مطلقاً على الاحوط (2) .

(1) وسائل الشيعة ـ للحر العاملي ـ ج ـ 7 ـ ص ـ 145 .

(2) منهاج الصالحين ـ السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي.


65

وجاء في كتاب الترغيب والترهيب : « عن عائشة (رض) أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلّي اللّه عليه و آله وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، وقال : « يا أسماء ، إن المرأة إذا بلغت المحيض ، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا ... وهذا ... وأشار الى وجهه وكفيه » (1) .

وجاء في الوسائل ايضاً (2) .

رواية عن أبي جعفر قال :

« استقبل رجل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة ، وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن ، فنظر إليها وهي مقبلة ، فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها ، واعترض وجهه عظم في الحائط ... او زجاجة ، فشق وجهه .

فلما مضت المرأة ، نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره فقال :

والله لآتين رسول الله صلى عليه وآ له وسلم ، ولأخبرنه ... فأتاه ...

فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : ما هذا ؟! فأخبره ...

فهبط جبريل عليه السلام بهذه الآية :

«﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون » (3) .

(1) الترغيب والترهيب ـ للمنذري ـ ج ـ 4 ـ ص ـ 164 .

(2) وسائل الشيعة للحر العاملي ـ ج ـ 7 ـ ص ـ 138 .

(3) سورة النور ـ آية ـ 30 .

المرأة في ظل الأسلام (5)


66

وعن عائشة (رض ) قالت : دخلت عليَّ ابنة أخي لامي ، عبدالله بن الطفيل ، مزيَّنة ، فدخل النبي صلى الله عليه و سلم ، فأعرض ، فقالت عائشة : يا رسول الله ابنة اخي وهي جارية . فقال : « إذا عركت المرأة ـ أي حاضت ـ لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا ـ وقبض على ذراع نفسه ، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى (1) .

دعاة السفور وأثرهم السيء على الأخلاق :

لا يخلو زمان من الأزمان ، من اناس فاسدين ، ضالين مضلين يزرعون بذور الفساد في النفوس البريئة .

وها هم اليوم يتقولون : إن الإسلام ضرب الحجاب على المرأة لتكون رهينة البيت ، وضمن نطاق الجدران لا تصلح إلا للخدمة ، إذ لا يمكنها وهي محجبة الانسجام مع الأجيال المتطورة والمدنية الحديثة .

وقبل كل شيء لا بد لنا من طرح بعض الأسئلة على محبذي السفور ، والخلاعة ، الذين يرونهما من أهم أسباب الحضارة والمدنية ، التي تمكن المرأة من أن تماشي التطور في عصرنا الحاضر .

ليت شعري ... هل التطور هو أن تخرج المرأة الى الملاهي والمراقص ودور الخلاعة ؟ على شكل مناف للغيرة والحمية ، لا حياء يردعها ، ولا حجاب يسترها ؟

ولكن أين هي المرأة المسلمة الآن من الإسلام ؟ وقد استعبدتها شياطين الانس والجان ... وهذه المدنية الزائفة التي أعمتها وأعمت بصيرتها وأوحت لها

(1) تفسير الطبري ـ ج ـ 18 ـ ص ـ 93 .


67

ان التقدم والرقي ، هو ترك ما كان عليه الأجداد من الدين ... والحياء ... والخلق الكريم .

فتحررت من تراثها العظيم حتى لا تتصف بالرجعية وانحطت ، وانحدرت إلى أسفل درك بفضل الاستهتار والخلاعة والتبرج السافر .

لو كانت الفتاة المسلمة قد راعت الاحتشام في ملبسها وتصرفاتها وحركاتها ، لو أنها اخفت زينتها ولم تعرض النهود والأرداف والأذرع والسيقان لكان اولى بها وأعف وأتقى ، وكانت في حصن حصين من ان تقع في مزالق الفوضى ، مخدوعة ببريق كلام المفسدين دعاة السفور العابثين . وما أحسن ما قيل : أفوق الركبتين تشمرينا وما الخلخال حين الساق صارت عيون المعجبين لديك جمر فتاة الجيل مثلك لا يجاري فبالتقصير طالتنا الأعادي أبنت ( خديجة ) كوني حياء خذيها قدوة ننهض جميعاً ولا يشغلك قشر عن لباب بربك أي نهر تعبرين تطوقها عيون الناظرينا ستشعل إن أردت هوى دفينا سفيهات يبعن تقى ودين وباللذات ضيعنا العرينا كأمك تنجبي جيلاً رزينا وتبق ديارنا حصناً حصينا ولا تضلك ( صوفياهم ولينا ) (1)

ولو أن الفتاة المسلمة لم تتفنن في تجميل وجهها بالاصباغ والمساحيق وقضاء وقت طويل في تصفيف شعرها عند المزين ( الكوافير ) لهان الخطب .

ألم يكن الأولى بها أن ترتدي ثوب العفة والحياء ؟

(1) عن مجلة الوعي الاسلامي الكويت ـ العدد ـ 51 .


68

وكما قيل : سيري لمجدك تحت ظل عفاف ما الدر وهو مجرد عن حرزه وتجملي بمطارف الألطاف بمقدر كالدر في الأصداف

لا أجافي الصدق ، ولا اجانب الحق إن قلت ، ان النساء في عصرنا الحاضر ، ضائعات في متاهات ، لا يدرين اي طريق سلكن وقد تقاذفتهن التيارات ، واختلطت عليهن سبل الحياة .

نحن في القرن العشرين عصر العلم والأدب ... عصر النور والثقافة ... عصر الذرة ... عصر الصعود الى القمر والمريخ ، واكتشاف المغيبات واختراق الحجب والأجواء .

وأيضاً عصر المستهترين الضالين ، الذين لا يعون ما يفعلون ، ولا يرعون ( وهم دعاة السفور والخلاعة ) الذين يدعون المرأة المسلمة الى التحرر من سجنها المزعوم والانطلاق من عشها المظلم وهم يهتفون بأصوات عالية ونداءات جريئة وألفاظ براقة خلابة .

يدعونها الى خلع الحجاب عن رأسها والاسفار عن مفاتن جسمها بدعواهم ان الحجاب من مخلفات العصور المتخلفة ومن خرافات السنين الغابرة والعهود المظلمة ومن بقايا الأديان والطقوس البائدة .

مساكين هؤلاء الذين ينادون بسفور المرأة ... ويدعونها الى ترك حجابها قد ضيعوا انفسهم ... وضيعوها ، وخدعوا انفسهم ... وخدعوها وأساؤا الفهم والتصرف ، وما دروا أي ذنب اقترفوا ؟! وفي أي هاوية أوقعوا المرأة ، وفي أي بلاء رموها ، وأي عز لها هدموا ؟!

لقد زينوا لها السفور حتى أخرجوها من خدرها ، وعزها ، ودلالها وحشمتها ووقارها وبيتها الذي هو حصنها الحصين .


69

أخرجوها الى الشارع سافرة تفتن الناظرين بجمالها ، لتسحر الناس بانوثتها ، وهم لا يبالون ولا يردعهم رادع من ضمير او دين .

الحرية المزعومة :

إن طبيعة الإنسان ، والنفس البشرية ، منذ ان فطرها الله سبحانه وتعالى واحدة لا تتغير ، أمّارة بالسوء ، داعية الى المنكر ، تهفوا الى الشهوات اذا انطلقت من عقالها ، وحصلت على الحرية المطلقة ، بدون اي قيد من القيود الانسانية ، والدينية والخلقية .

نريد أن ينظر المجتمع الى المرأة ، كإنسان لها كرامتها ، لأنه كلما سطعت إنسانية المرأة صانت نفسها .

منذ أقدم العصور والمرأة الفاضلة العاقلة ، تستطيع أن ترغم المجتمع على احترامها ، إذ ظهرت على مسرح الحياة ، كإنسان لها كرامتها واحترامها ، لا كأنثى لها جاذبيتها ... ونعومتها ...

وباسم الحرية ... المزعومة انجرَّت المرأة المسكينة الى الويلات والمزالق حتى صارت تستخدم للدعاية والإعلام وترويج البضائع وتكثير الارباح واستجلاب الزبائن في المكاتب والمحلات والنوادي على اختلاف انواعها واتجاهاتها .

وبالحرية المزعومة استخدموها ، لتكون جسراً لمطامعهم وزيادة أرباحهم لا لمنحها مكرمة او فضيلة .

وإني أتمنى على كل امرأة ، أن تتجلبب بالحياء والعفاف حتى تصون نفسها من ذئاب المجتمع الفاسد ... وما أحسن قول الشاعر :


70
صوني جمالك بالحيا ليقيك من نزق الشبا هل انت إلا خمرة أخشى عليك فان في ءإذا تجنبتِ الحجابا ب كما يقي الدر النقابا تغري بنشوتها الشبابا وادي الهوى أجماً وغابا

ليت شعري : هل الحضارة والمدنية أن تراقص المرأة الرجل الأجنبي وتقضي السهرات العامرة المجونية خارج بيتها حتى الصباح ؟؟ كما يقول دعاة الحرية والسفور !!

وإن كانت ذات أطفال ، ما يكون حال هؤلاء الأطفال وهم ينشؤون على أخلاق الخدم ؟ إن كان هناك خدم وإلا على أخلاق « الشارع » . وهل يرجى من الأبناء خير إذا نشؤوا بحضن الجاهلات

أجل : ومما لا شك فيه ، سوف يترعرعرن على سيرة امهن فيمشين على منوالها إن كن اناثاً ... وتموت الغيرة ، والحمية من أنفسهم ، إن كانوا ذكوراً ، وتكون العاقبة وخيمة تؤثر على المستوى الاخلاقي في الجيل الجديد .

ولكن ويا للأسف ، إن كثيراً ممن يزعمون أنهم أنصار المرأة لا يروقهم الحجاب ، ولا يعجبهم إلا أن تكون المرأة غرضاً لسهامهم ، وصيداً لحبائلهم وأن تكون تابعة لأهوائهم ، نازلة على حكم ميولهم ، ترتع في مراتعهم وتنغمس معهم ، ثم لا يبالون بعد ذلك ما تقع فيه من سبة ، لهم غنمها ، وعليها غرمها .

ما رأيت أضعف حجة ، من هؤلاء الناس ، الذين ينادون بتحرير المرأة المسلمة من قيود الحجاب ... لأن الحجاب يسبب حرمانها من الانطلاق والترقي والتعليم ... ووو .

ما هذه المغالطات ، وما هذه الافتراءات ؟!


71

المصافحة ... او السلام بالكف :

لا بد من القول ، أن العقل هو الميزان ، الذي يجب أن يعرض عليه ، كل ما صلح ، وما فسد من الامور ، في كافة مناهج الحياة . فإذا كان العقل سليماً كان حكمه سليماً ... وصحيحاً يطابق الحقيقة والوجدان .

وبما أن المسلمين قد حباهم الباري سبحانه ، بدستور سماوي عظيم « القرآن الكريم » فهو المنهج الصحيح ، والطريق الواضح . فلا حاجة لهم من إدخال مناهج الغير ، واتباع ما ينافي المبادئ الإسلامية ، والتعاليم النبوية .

ولا حاجة ايضاً في اقتباس عادات غير اسلامية ، وإدخالها في حظيرة الإسلام ، والتمسك بها ، وكأنها تراث حضاري .

ومن هنا يجب على كل ذي عقل وإدراك ، التمعن والتفكر ، بتعاليم الإسلام القيمة ، وسيرة الرسول العظيمة ، ويجعل منهما مقياساً ، ونبراساً لسلوك جادة الحق والصواب .

إن من جملة البدع التي دخلت على الإسلام ، وتفشت بكل سهولة وبدون احتشام ، ولاقت رواجاً وقبولاً من الذين يدعون التجدد والانطلاق ... وهي عادة المصافحة ( السلام بالكف ) التي يستعملها رجال العصر الحاضر ونسائه وكأنها عنوان التقدم والرقي .

نرى البعض يحتج ويقول : إن القرآن لم يذكر حرمة السلام بالكف صريحاً بحيث أنه لا يجوز للمرأة أن تصافح الرجل من غير المحارم .

إن كل من يقول بعدم حرمة المصافحة بالكف ، من الرجل للمرأة ، او المرأة للرجل ، وإن الإسلام لم ينه عن استعمالها ، هو متعنت جاهل او مغالط يتجاهل الحقيقة .


72

إن كتب الفقه والتاريخ والسير فيها الكثير من الروايات الدالة على حرمة السلام بالكف من الرجل الأجنبي للمرأة الأجنبية ـ او بالعكس عدا المحارم .

منها ما جاء في كتاب الوسائل : عن ابي بصير عن ابي عبدالله عليه السلام قال : قلت له : هل يصافح الرجل المرأة ليست بذات محرم !

فقال لا ... إلا من وراء الثوب .

وعن سماعة بن مهران قال : سألت اباعبدالله عليه السلام ، عن مصافحة الرجل المرأة قال : لا يحل للرجل أن يصافح المرأة ، إلا امرأة يحرم عليه ان يتزوجها ... اخت او بنت ، او عمة ، او خالة ، او بنت اخت ، او بنت اخ ، او نحوها .

وأما المرأة التي يحل له ان يتزوجها فلا يصافحها إلا من وراء الثوب ... ولا يغمز بكفها (1) .

مبايعة النساء للنبي (ص) يوم فتح مكة :

ذكرت الأخبار والروايات كيفية مبايعة النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة وجوه .

عن كتاب الوسائل : عن المفضل بن عمر قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : كيف ماسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النساء حين بايعهن ؟ فقال : دعا بمركنه الذي كان يتوضأ فيه ، فصب فيه ماء ثم غمس فيه يده اليمنى

(1) وسائل الشيعة ـ للحر العاملي مجلد 14 ـ ج ـ 7 ـ ص ـ 151 .


73

فكلما بايع واحدة منهن قال : اغمسي يدكِ فتغمس كما غمس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فكان هذا مماسحته إياهن .

وعن سعد ان بن مسلم قال : قال ابو عبدالله (1) عليه السلام : أتدري كيف بايع رسول الله صلى الله عليه وآله النساء ؟ قلت : « الله اعلم وابن رسوله أعلم » قال : « جمعهنَّ حوله ثم دعا ( بتور برام ) فصب فيه نضوحاً ثم غمس يده ...» إلى أن قال : « اغمسْنَ أيديكن ففعلن . فكانت يد رسول الله (ص) الطاهرة أطيب من أن يمس بها كف أنثى ليست له بمحرم (2).

وفي السيرة الحلبية : « أن بعض النساء قالت : هلم نبايعك يا رسول الله . قال : لا . لا أصافح النساء وإنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة » .

وعن عائشة (رض) : لم يصافح رسول الله (ص) امرأة قط ، وإنما كان يبايعهن بالكلام .

وعن الشعبي بايع رسول الله (ص) النساء وعلى يده ثوب . وقيل أنه غمس يده في إناء وأمرهن فغمسن أيديهن فيه فكانت هذه البيعة (3) .

ذكر الطبري في تاريخه أن بيعة النساء قد كانت على نحوين :

كان يوضع بين يدي رسول الله (ص) إناء فيه ماء فإذا أخذ عليهن ، وأعطينه ، غمس يده في الإناء ثم أخرجها فغمس النساء أيديهن فيه . ثم كان بعد ذلك يأخذ عليهن ، فإذا أعطينه ما شرط عليهن قال : « اذهبن فقد بايعتكن » ، لا يزيد على ذلك (4) .

بالإضافة إلى أنه إذا كان النظر محرماً فاللمس يحرم من باب الأولى .

(1) المراد بأبي عبدالله عليه السلام هو الإمام جعفر الصادق الإمام السادس .

(2) وسائل الشيعة للحر العاملي ـ مجلد 14 ـ ج ـ 7 ـ ص 154 .

(3) السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي .

(4) تاريخ الطبري لابن جرير الطبري .


74

التقليد للاجانب ـ انتكاس وتراجع :

تجتاح عالمنا الإسلامي في هذه الأيام محنة من أخطر المحن التي مرت في تاريخه ، فإن لم يتداركها رجال الفكر وأهل العلم والعقل فلن تلبث ان تقضي على جميع آماله . تداركوها وفي أغصانها رمق فلا يعود اخضرار العود ان يبسا

ان قوام هذه المحنة هو التقليد الأعمى ، الذي تجرف أمواجه العاتية جميع الطبقات ، وعلى جميع الاصعدة ، يسري في مجتمعنا كالنار في الهشيم .

واني اهيب بكل عاقل وعاقلة وأناشد كل ذي بصيرة ، ان يحكم بين صحيح الأمور وفاسدها ، فيراها بعين الخبرة وقد أميط النقاب عن مؤداها ، وسبر غور تجارب أخذت قسماً عظيماً من اخلاقنا ... واقتصادنا .

من الواجب علينا أن نقول الحق ولا نرهب في الحق لومة لائم ، بل يجب على كل عاقل وعاقلة ، وكل صاحب ضمير ومروءة ان يذيع الصواب منتصراً للحق بكليته ولو خالفته المسكونة باسرها .

لقد تفننت نساء الغرب بانواع البهارج ، وأخذن يتسابقن إلى ابتكار الأزياء ، والتلاعب في صورها وأشكالها تباهياً وتنافساً وإمعاناً في الخلاعة والاستهتار .

حين كانت نساؤنا وفتياتنا العربيات والمسلمات قانعات بما ورثنه من التقاليد والعادات ، راضيات بلباسهن ... وازيائهن ... وأشكالها ، متمتعات بتمام الرفاهية والهناء وكمال الصحة والصفاء .


75

ولكن ... وياللاسف ... فقد غزت جيوش عادات الاجانب وتقاليدها بلادنا بخيلها ورجالها ، واحتلت البيوت والمجتمعات ، واستمالت القلوب ونزلت علينا ضيفاً غير محتشم .

وهرعت النساء للاخذ بمناصرتها وتثبيت دعائمها حتى أصبحت من السنن المفروضة والقواعد التي يتحتم على كل فرد من أفراد المجتمع الالتزام بها والعمل على طبقها .

الموضة ... أو الزي الجديد :

لقد استحالت عاداتنا اللطيفة وازياؤنا المحتشمة التي ورثناها عن السلف الصالح إلى شيء بال غير مرغوب فيه ، واصبحت عنوان الرجعية والانحطاط باعين جمهور المتفرجين والمستهترين .

وارتفعت راية « الموضة » أو الزي الجديد ترفرف فوق ربوعنا ، ترعاها كثيرات من اللواتي اغمضن الجفن عما يتخلل هذه الموضة من الاضرار الفادحة بالصحة والمال .

أجل لقد اقدمت النساء بلا وعي إلى الانقياد لحكم الازياء الحديثة الجديد المستوردة التي تتغير بين آونة واخرى ...

فنرى الملابس مثلاً ... تارة تشبه أثواب الممثلين أهل المساخر والهزل ( البالية ) وطوراً ضيقة تضغط على الجسم فتعيق الدورة الدموية .

ومتى اختل نظام هذه الدورة الطبيعي أصبح الجسم معرضاً لكثير من الأمراض ، فكيف بنا ونحن نرى النساء قد شددن خواصرهن بحزام من المطاط فلا يستطعن أن يأكلن براحة أو لذة ، ولبسن أحذية ضيقة لا تساعدهن


76

على المشي بإستقامة .

وتراهن مع هذه المضايقة وذاك الاسر يركضن لاهثات تشبها ببنات الافرنج بزعمهن انها الحضارة والمدنية ، ممسكات باذيال هذه الموديلات صاغرات لاحكامها الصارمة وكما قيل : ما حيلتي فيمن تفرنج وادعى ان التفرنج شيمة المتمدن

لقد رأيت الكثيرات من السيدات اللواتي انعم الله عليهن بالمال والجاه ، يتسابقن إلى ميدان « الموضة » ويتبخترن بحللهن وحليهن تيهاً واعجاباً .

كل يوم ثوب جديد ... وتسريحة جديدة ... وتقليعة جديدة إلى غير ذلك من نواحي البذخ والإسراف .

وهذا التصرف بلا شك يجدد روح الغيرة في نفوس أكثر النساء المتوسطات الحال ، فيبذلن كل ما في وسعهن لتقليد جاراتهن أو منافستهن وقد تناسين ان هذا التقليد أو التنافس يضر بصالحهن المادي والأدبي فضلاً عما يلحقهن من الاضرار بالصحة وراحة البال .

ولن انسي ما قالته لي أحدى الصديقات وهي من ذوات الجاه والثراء ، ومن ذوات الفهم والأدب « كم اتمنى من صميم قلبي ان تبطل هذه الموضه اللعينة او تستأصل لأنها مضرة بالصحة والأخلاق » .

ثم اردفت تقول ... بعد جدال طويل دار بيني وبينها :

ولكن ما العمل اختاه ؟ ... وأنا أخاف ان اكون البادئة ... لئلا ينسب إِليَّ البخل و التقتير المخلان بشرف وجاهتي وثروتي ... أو يظن بي الفقر وعدم الاقتدار ... الخ .

ومما لا ريب فيه اننا اذا سألنا اللواتي تربين في مهد الفضيلة وترعرعن في


77

جو الآداب وتنورت عقولهن بالحكمة والمعرفة : أي الثوبين أكثر فائدة والطف منظراً ... الثوب البسيط المنسوج من الصوف أو الكتان يجر بذيله العفة والوقار ... وسمات الطهارة والقناعة ، ثم هو مريح وفضفاض يحفظ راحة المرأة وصحتها ...

أم الثوب الجديد من الازياء الحديثة ( الموضة ) الحاكمة علينا بالخضوع لأحكام التقليد الأعمى واستبداده ...

عند ذلك لا تسمع الا الجواب الواحد ( للضرورة احكام ) ولا نتمكن من الانفراد عن بنات جنسنا ... وبيئتنا ، ونبقى اضحوكة المجتمع ، ثم يرددن متمثلات بقول الشاعر : وما عن رضيَّ كانت سليمى بديلة لليلى ولكن للضرورة احكام

وانني اكتب هذه السطور وقلبي يذوب أسى ولوعة لمشاهدة ما وصلنا اليه من الامور التي لا تحمد عقباها ، ونحن لاهثون وراء التقليد الأعمى بلا وعي ولا أدراك ـ قلدتموا فكأنكم لم توجدوا ـ .

لنلقي نظرة في مجتمعنا نرى العجب ، فكم من امرأة متوسطة الحال ضعيفة التفكير والتدبير قد انفقت جميع ما لديها من اموال واثقلت عاتق زوجها بالديون ، لتجاري اترابها وجيرانها وحتى لتشتري الاثواب « الدارجة » والقبعات ... والاحذية الجديدة ، الى غير ذلك من لوازم « الموضة » التي تعود على بلادنا بالخراب وعلى اخلاقنا بالانهيار ، وعلى من ابتكر هذه الأزياء بالرزق ... والمال ... والمنفعة والخيرات .

فمتى تستيقظ المرأة المسلمة يا ترى ؟ وتتحرر من هذه العادات والتقاليد المشينة المزرية وكما قيل : للشرق والغرب عادات مقدمة لا تتبعوها فكم من زهرة حسنت كانت وما برحت أولى بتأخير في الناظرين وساءت في المناخير


78

هلَّم يا بنات جنسي العاقلات ... يا من سطعت بكن شمس الحضارة والمدنية والرقي لنشر المبادىء الاسلامية الصحيحة ، والمشي على هدى الاسلام وتعاليمه القيمة ، ولنستأصل من نفوسنا آفة الاقتداء والتقليد لغيرنا ، وما أحسن قول الشاعر العراقي السيد احمد الصافي النجفي : يا شرق مالك في الحياة تقلد ان المقلد عائش في غيره حتى لقبح الغرب قد قلدتموا ان رمتم قبحاً فهاتوا قبحكم ان المقلد تابع مستعبد قلدتموا فكأنكم لم توجدوا هذي « خنافسكم » عليكم تشهد فعلامَ حتى قبحكم مستورد

ولقد احسن امير الشعراء شوقي حيث يقول : ارى طوفان هذا الغرب يطغى فإن لم يأتنا نوح بفلك وأهل الشرق سادتهم نيام على الاسلام والدنيا سلام

من صميم الواقع :

إن إباحة الحرية المطلقة دعت الى توسيع الخرق وزيادة الاستهتار ، ورمت الأمة الاسلامية بفساد كبير ؛ فالرقص والسباحة وارتياد النوادي وركوب المرأة رأسها ، مبيحة لنفسها حرية الاجتماع على اختلاف أشكاله وأنواعه ، جرَّ الويلات على المجتمع الاسلامي العظيم .

وفي رسالة بعثت بها السيدة الفاضلة ( معزَّز الحسينية ) الى إحدى اللواتي ينادين بحرية الاختلاط ، ونزع الحجاب ، وتقليد الإفرنج ... تقول :

« إعلمي أيتها السيدة انه يجب علينا معشر النساء العاقلات والسيدات الفاضلات ، أن ننظر الى كل رجل يحملنا على مثل هذا العمل بعين البغض


79

والازدراء والاحتقار ، لأنه لا يدعونا الى فضيلة ولا الى مكرمة .

فبربك ايتها الآنسة ان تشفقي على نفسك وعلى بنات جنسك ، ولا تطالبين بالانفراد والاستهتار ، وتنادينهن إلى العار والدمار . بل غلبي عليك غريزة حب النوع ، ذلك أعز لك وأشرف بنا ... « وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور » .

هبي أيتها السيدة أن الدين لم يأمر بالحجاب ، ولم ينه عن الاختلاط المبتذل والفساد ...

أو ليس الحجاب عادة قومية ... اسلامية ... شرقية ؟ فلماذا نترك نحن هذه العادة الحسنة ، ويتمسك غيرنا بعاداته وإن كانت وحشية ، ولا نجرؤ على مطالبته بتركها ؟

ولماذا يتمسك الانكليزي ... والافرنسي ... والألماني ... والياباني ... وغيرهم الخ بعاداته و تقاليده القومية ، وندع نحن عاداتنا وتقاليدنا القومية .

أتنكرين أن لكل امة عادات وتقاليد ؟ فلماذا نطالب بترك عاداتنا ، لكي نندمج في سوانا ... لتضيع هذه القومية ؟ ...

فبالله عليك لا تكوني آلة تخريب ، بل كوني آلة تعمير ولا تُخدعي يا رفيقتي فتكون المعول الذي به تهدم قوميتك ... وامتك .

واعلمي أن قوماً يحاولون فتق هذا الرتق ، فيحملون علينا بما لا يريدون به خيراً ، إنما يريدون ان يخرجونا عن ديننا ... ووطنيتنا ... وبلادنا فيستعملون مثل هذه الدعايات ، يوماً بالتبشير الديني ... ويوماً بالاصلاح الاجتماعي ... ويوماً بالاستعمار المدني ... ويوماً بالتمدن الغربي ...الخ .

ولا تغرنك كلمات براقة يضعها الواضعون ، من رحمة بشرية ... وانقاذ


80

ضعيف ... وتحرير شعوب ، وما شاكل ذلك مثل هذه الكلمات الخلابة التي لا يراد بها غير التغرير كما قال ( غوستاف لوبون ) .

فكوني يا سيدتي أمتن وأمنع من أن تؤثر عليك هذه المؤثرات ، ولا يتخذك المضلون عضداً والسلام عليك من رفيقتك في النوع » .

وقد ذكر الشيخ مصطفى الغلاييني (1) مقالاً للسيد فؤاد صعب (2) وبه يخاطب المرأة المسلمة حيث يقول :

« يزعمون أنك مظلومة وأنك أسيرة الحجاب يريدون تحريرك من أسرك .

يزعمون أن الحجاب يمنعك من أن تكوني اماً راقية وزوجة صالحة ... أسفري ولتسفر جاراتك ، وليبحث العالم بعدئذٍ عن علاج يخفف من المشاكل العائلية والزوجية .

أسفري ... ولكن مهلاً ... قبل أن تحكمي على حجابك بالهجران والنفي ، حاكميه وقابلي بين حسناته وسيآته ، لان من اللؤم أن يتناسي الانسان حسنات جمة ويقاضي على سيئة واحدة ، قابلي ... وزني ... وانظري أية الكفتين ترجح ثم احكمي .

فإن قلت أن لا حجاب لغير المسلمات وأنهن راتعات في بحبوحة من الحرية التي لا تمنع كونهن أديبات ومحصنات .

لا تغرك الظواهر ، ولا تخاليهن أسعد منك حظاً ، لأن الاختلاط الجنسي يقود حتماً الى تبادل العواطف ، وما زالت الغيرة غريزة في الحيوان الانساني ،

(1) نظرات في كتاب السفور والحجاب للشيخ مصطفى الغلاييني .

(2) فؤاد صعب أديب لبناني .


81

فغير المسلمة ترسف في حجب معنوية حبذا دونها حجابك المادي .

لا تغرك الظواهر ، ولا تحسدي غير المسلمة إذا رأيتها سافرة ، سائرة الى جنب زوجها متكئة على ذراعه يقدمها في المجتمعات الى اصدقائه وصديقاته ، حتى إذا عادا الى منزلهما وقف أمامها وقفة قاضٍ ، يحاكمها على نظرة او ابتسامة » .

ولقد أجاد الشاعر الرصافي في رده على الدساسين والمستعمرين الضالين . حيث يقول : يقول في الإسلام ظلماً بأنه فإن كان ذا حقاً فكيف تقدمت وإن كان ذنب المسلم اليوم جهله هل العلم في الاسلام إلا فريضة لقد أيقظ الإسلام للمجد والعلى ودكَّ حصون الجاهلية بالهدى ألا قل لمن جاروا علينا بحكمهم يصد ذويه عن طريق التقدم وائله في عهدها المتقدم فماذا على الاسلام من جهل مسلم وهل امة سادت بغير التعلم بصائر أقوام عن المجد نوَّم وقوض أطناب الضلال المخيم رويداً فقد قارفتم كل مأثم

المرأة في ظل الاسلام (6)


82
فلا تنكروا شمس الحقيقة إنها
لأظهر من هذا الحديث المرجم

الحجاب ... وأثره في المجتمع :

جاء الإسلام ، فأضاء الكون بنور تعاليمه ، هادياً الى انتهاج سبيل الحق ، رادعاً للنفس البشرية من نوازع الضلال حاثاً على اتباع الهدى ، وسلوك طريق الرشاد .

ولما ظهر الإسلام ، رأى أن الذين في قلوبهم مرض وهم أكثرية أبناء البشر قد عميت منهم البصائر ، واستمالتهم الشهوات ناهيك عن وسوسة الشيطان ... وضعف الإنسان .

ونحن نرى الإسلام بتشريعاته السامية ، بعيداً عن كل الأهواء والميول ، حريصاً على طهارة المرأة المسلمة .

لذلك أمرها بالحجاب لتظل محافظة على ما حباها الله ، من هالة قدسية ... ومنزلة رفيعة .. وأدب واحتشام .

وبما أن الفتاة لا تتمكن من الصمود أمام تيارات الفسق والاستهتار إلا إذا تهذبت تحت شعاع الأخلاق السامية ، والعفة والطهارة التي جاء بها الإسلام ، والتي وضع القرآن الكريم حداً لها .

وعندما نقرأ القرآن الكريم بتمعن وتفهم ، نجد اكثر آياته تحرض المسلمات على الحجاب والحث عليه ، والتشديد على الالتزام به حتى لا تقع المرأة المسلمة في مشاكل تكون عواقبها وخيمة .


83

إن الآيات الكريمة التي وردت في القرآن الكريم بخصوص الحجاب قد نزلت آمرة المسلمين بالأخذ بها ، والعمل على طبقها ، وليست الاوامر التي وردت في القرآن الكريم هي أوامر اختيارية بل هي إلزامية .

وها نحن نسمع الصرخات المتعالية .. ونتلقى الاحتجاجات المتتالية ، على ما وصلت اليه المرأة من التهور ، وعلى ما بلغه الرجال من فساد الاخلاق وما آلت اليه حالة المجتمع .

ثم نرى بعض المسلمين .. والمسلمات وقد قاموا يوآزر بعضهم بعضاً . داعين إلى تمزيق حجاب المرأة وكسر قيودها وإباحة الاختلاط ... والتشبه بالأوروبيين الأجانب .

ومما لا شك فيه ان أكثر الداعين إلى هذه الشرور ، ليس في نفوسهم حمية ... أو نخوة ... أو شرف .

ذابت المروءة العربية والإسلامية من صدور الناس ، وتبخر الوجدان من قلوبهم .

لقد نسي هؤلاء ان دعوتهم إلى السفور ... والاختلاط ... تزج المرأة المسلمة إلى التدهور والغرق في بحر من الظلمات وهي لم تألف السباحة في مهاوي هذه الحياة الصاخبة التي يجرونها اليها .

هل يظن دعاة السفور ... والاختلاط ... والحرية المزعومة انهم عندما نترك الفتاة تفعل ما تريد ... وتذهب إلى حيث تشاء ... حبلها على غاربها ، هل يمكنهم من كبح جماحها ؟! وهل باستطاعتهم ارجاعها إلى سلوك طريق الصواب والحق وعدم اتباع الهوى ؟


84

ولقد صدق الازري بقوله : اكـريـمة الـزوراء لا يذهب بك لا يـخدعنـك شــاعر بخيــالـه حصروا علاجك في السفور وما دروا أو لـم يـروا ان الفتـاة بطبعها من يكفل الفتيات بعد بروزها ومن الذي ينهى الشبيبة رادعاً هذا الخداع ببيئة الزوراء ان الخيال مطية الشعراء ان الذي وصفوه عين الداء كالماء لم يحفظ بغير اناء مما يجيش بخاطر العذراء عن خدع كل خريدة حسناء


85

المرأة في رحاب العلم

لنلقي نظرة شاملة على الوضع الحاضر للمرأة في زماننا هذا ونتساءل ... هل ان الحجاب الذي فرضه الدين الإسلامي على المرأة المسلمة منع من تطورها او سيرها في مضمار المدنية ؟

وهل ان الحجاب منعها من العلم والتعلم ... والسير قدماً نحو الكمال ؟

أو منعها من ان تكون المرأة الفاضلة المهذبة الراقية ، ربة البيت وسيدة المجتمع كما يتقول ذلك دعاة الخلاعة والسفور ، الذين اعمى بصيرتهم الجهل وقتلهم الغرور .

لقد رفع الإسلام من مستوى المرأة كما ذكرت سابقاً ، وجعل فيها من النشاط والإقدام ما هيأها للمسير على طريق الهدى والكرامة ، ونحو المثل العليا ، مرتكزة على أساس دينها القويم ، ومعتمدة على إيمانها العظيم .

فالحجاب لم يمنع الفتاة المسلمة من إرتشاف العلم ، ولم يقف حجر عثرة في يوم من الأيام في سبيل تعليمها ... وتهذيبها .

ولقد صدق الشاعر الازري حيث يقول : ليس الحجاب بمانع تعليمها أو لم يسع تعليمهن بغير ان فالعلم لم يُرفع على الازياء يملأن بالاعطاف عين الرائي


86

لقد احسن الشاعر الازري إلى المرأة و أدرك الحقيقة ونطق بالصواب ، حيث ان الحجاب لم يمنع المرأة من إرتشاف العلم والمعرفة ، وكان نصير الحق على عكس ما قاله : عدو المرأة أبوالعلاء المعري في شعره ، حيث انه يريد للمرأ'ة ، ان تبقى متخبطة في دياجير الجهل .

قال أبو العلاء المعري : علموهن الغـزل والنسج والرون فصلاة الفتاة بالحمد والاخلاص وخلـــوا كتابـة وقـراءة تغنـي عن يونـس وبـراءة

لقد تعصب أبو العلاء المعري وجار بحكمه على المرأة ، وغاب عن فكرة ان الفتاة المتعلمة ، تزهو بحسن اخلاقها ، وتهذيبها ، و تستغنى بعلمها وثقافتها ، عن أرفع الجواهر ولو أن ملبسها بسيطاً من القماش كما قيل : زيني النفس بعلم ولتكن هذه الدرار فجمال الجسم يغني وجمال النفس يبقى وعفـــاف وأدب يعقد زينات العرب مثلما تغني الزهور زاهراً مر الدهور

تأثير العلم على المرأة :

الفتاة المتعلمة ، تسمو بعلمها وأدبها ، وان كان ملبسها بسيطاً كما قالت عائشة التيمورية : ان العلوم لاصل الفخر جوهرة فوجودها في درج مهجة فاضل يسمو بها قدر الوضيع ويشرف من حـازها بين الأنام مشرف


87

لقد اهتم الدين الإسلامي بالنواحي الاجتماعية ، وحرض المسلمين على العمل طبق ما تقتضيه الشريعة السمحاء ، ونهى عن كل ما يفسد الأخلاق ، وحث على السير نحو المثل العليا ، في مقدمتها طلب العلم ، كما ورد ( اطلب العلم ولو في الصين ) . ولم يحرم المرأة من هذا المورد العذب الذي ينعش الروح ويهذب النفس ( اكسير الحياة ) بل أباح لها ان تنهل من مورد العلم ما ينعش نفسها وخلقها ، ويجعلها في المستوى الذي تحمد عقباه . فالفتاة المتعلمة ، الكاملة المهذبة ، تعرف كيف تشق طريقها في خضم الحياة الصاخب بعكس الفتاة الفقيرة إلى العلم ، الخالية الوفاض من الثقافة . ان المصابيح ان افعمتها دسماً وان خـلا زيتها جفت فتائلها أهدت لوامعها في كـل مقتبس ين الضياء لخيط غير منغمس

فبالعلم المتوج بالدين ، والثقافة المحاطة بالأدب والتهذيب تتمكن المرأة من إدارة مملكتها الصغيرة ، وتنشئة أولادها على الاخلاق الفاضلة وتخدم قومها وبلادها حين تخرج إلى عالم الوجود شعباً حياً يعيش الحياة المثلى .

ولا ننسى ان المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم باسره بيسارها إذ ان تربية الناشئة مهمة جليلة ، في غاية الصعوبة . فالوليد الصغير ابن المدرسة الأولى وهي الأم كما قيل : الأم مدرسة إذا أعددتها الأم استاذ الاساتذة الأولى الأم روض ان تعهده الحيا شعباً طيب الاعراق شغلت مآثرها مدى الآفاق بالريّ أورق ايما ايراق


88

الحجاب والعلم :

الحجاب هو ستار شرف وعفاف ، يصون المرأة ولا يمنعها من العلم والرقي وما يضير الفتاة المسلمة ، ان تتحجب الحجاب الشرعي ، وتتلقى من العلوم ما شاءت وكيف شاءت .

والرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، حث على طلب العلم بقوله كما ورد في الحديث الشريف ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) .

وعلى هذا لم يمنع الإسلام الفتاة من أن تتلقى العلوم وتتزود بالمعرفة - ولم يمنع الحجاب المسلمة من أن تذهب إلى المدرسة ، وقد غطت رأسها ، وسترت جسمها بالحجاب الشرعي المحتشم ، تذهب إلى حيث تريد بدون تبذل واستهتار ترشف مناهل العلم وتنير بصيرتها بنور المعرفة .

ومما لا شك فيه ، ان كل عالم ومدرك ، يوافقني على وجوب توعية الفتاة وتهذيبها ، وتعليمها وتثقيفها حتى لا تبقى جاهلة بعيدة عن الإدراك بنتائج الأحوال وعواقب الأمور .

يأخذ العجب والغرور ، فلا ترى إلا الإنشغال بنفسها وزينتها وتستعين على إظهار جمالها ، بزخرف المعادن والأحجار ، وتتخيل انها زادت بسطة في الحسن ... ورفعة في الجاه .

وكما قالت السيدة عائشة التيمورية تصف إحدى الجاهلات :


89
قد زينت بالدر غرة جبهة وتطوقت بالعقد يبهج جيدها وتوشحت بخمار جهل أسود والجهل يطمس كل فضل امجد (1)

وقال آخر : ما العز لبسك أثواب فخرت بها والجهل من تحتها ضاف على الجسد

لا يخفى على كل ذي عقل ولب أن العلم ضروري للفتاة ، لأنه لا تصلح العائلات إلا بتعليم وتهذيب البنات ، وتثقيفهن وتربيتهن على العفة والفضيلة .

وبما ان الأم هي المدرسة الأولى كما أسلفنا ، وهي المعلم الأول يجب عليها أن تكون على جانب من العلم والثقافة والتهذيب حتى يتسنى لها أن توجه أولادها نحو الفضيلة والكمال ، بعكس المرأة الجاهلة التي يكون ضررها على المجتمع وخيماً ورحم الله شوقي حيث يقول : واذا المعلم ساء لحظ بصيرة وإذا اتى الإرشاد من سبب الهوى وإذا أصيب القوم في اخلاقهم جاءت على يده البصائر حولاً ومن الغرور فسمه التضليلا فاقم عليهم مأتماً وعويلاً

(1) الدر المنثور في طبقات ربات الخدور - زينب فواز .


90

ولكن أكثر فتيات العصر الحاضر الجاهلات ، ليس لهن من هم سوى حب الظهور ، والتفاخر بالمال والجاه ، وقد غاب عنهن ان أحسن حلية هي حلية الأدب ، وأفضل رصيد هو رصيد العلم ، واجمل مزية هي حسن الخلق ، واعظم ذخيرة .... ذخيرة العمل الصالح .

وما أحسن قول الشاعرة السيدة عائشة التيمورية : بيد العفاف اصون عز حجابي وبفكرة وقادة وقريحة ولقد نظمت الشعر سيمة معشر وبعصمتي اسمو على اترابي نقادة قد كملت آدابي قبلي ذوات الخدر والاحساب

الى ان تقول : فجعلت مرآتي جبين دفاتر كم زخرفت وجنات طرسي انملي ولكم اضا شمع الذكا وتضوعت وجعلت من نقش المداد خضابي بعذار خط اواهاب شبابي بعبير قولي روضة الاحباب

الى ان تقول : ما ضرني أدبي وحسن تعلمي ما ساءني خدري وعقد عصابتي ما عاقني خجلي عن العليا ولا عن طي مضمار الرهان اذا اشتكت لا بكوني زهرة الالباب وطراز ثوبي واعتزاز رحابي سدل الخمار بلمتي ونقابي صعب السباق مطامع الركاب


91
بل صولتي في راحتي وتفرسي
في حسن ما اسعى لخير مآب

وقال آخر : العلم يغرس كل فضل فاجتهد واعلم بان العلم ليس يناله فاجعل لنفسك منه حظاً وافراً فلعل يوماً ان حضرت بمجلس إلا يفوتك فضل ذاك المغرس من همه في مطعم او ملبس واهجر له طيب الرقاد واعبس كنت الرئيس وفخر ذاك المجلس

وقال آخر : علموا الفتيان طراً والبنات علموهم ان قدر المكرمات يدركوا من علمهم معنى الحياة فاق ما بين الورى قدر النسب

وقال آخر : ان البنات الناشئآت فاذا نشأن على التقى هن الدعائم للبيوت سيصرن يوماً امهات والعلم كن الكاملات وحفظ ركن العائلات


92

لمحة من واقع الحياة في عصرنا الحاضر :

لا أدري ما الذي حمل بعض الناس من المتزمتين المتعصبين على الظن بان الفتاة لا تتمكن من التعلم والمحافظة على دينها وعفتها وأدبها وتهذيبها .

ولا أدري ما الذي دفع بالمعترض على تعليم الفتاة الى هذا القول ؛ ولا أعلم ما هذا الغشاء الذي قام امام عينيه فلم يعد ينظر فوائد العلم والتهذيب ، على ضوء تعاليم الدين والايمان . هذه الفوائد التي لا ينكرها إلا من اعمى بصيرته الجهل ، وخيم فوق رأسه الغرور ، وقيده حب الذات والانانية .

وكأني به وقد رأى الناس كل يبدي رأيه ويتكلم بما يجول بخاطره ، فأراد ان يتكلم ... ولكنه بحث في زوايا دماغه ، وفتش في مخبئات قريحته ، فلم يجد غير مذهب أبي العلاء المعرّي وأتباعه من المتزمتين ... فاتخذه برهاناً وأدلى به حجة ودليلاً .

فهل يظن هذا المعترض الغبي ان العلم خلق للرجل ! أو ان المعرفة والأدب وقف على الرجال ؟!

لعمرى انه في ضلال مبين ، وخطأ كبير ، وتزمت ظاهر ، وتعصب أعمى لا يوجد له مبرر .

ان كثيراً من الناس في زماننا هذا ، وفي اكثر المجتمعات الجاهلة الذين يسمون انفسهم محافظين ، هم عن الايمان بعيدون ، هؤلاء المتعصبون اعداء المرأة ، المتزمتون المنطوون على أنفسهم ، يريدون ان تبقى المرأة ترسف في اغلال من الحرمان والحيف ، يريدون منها ان تكون جليسة البيت لاهمَّ لها إلا الأكل والشرب ، شأن الحيوان الاعجم ( همه علفه )


93

فكم من امرأة عاقلة حباها الباري ، سبحانه وتعالى من المواهب والذكاء ، مالو انها حالفها الحظ ، واتيح لها الانطلاق ، ومهدت أمامها السبيل لأرتشاف العلم وانتهال معين المعرفة لتفوقت وأصبحت من الاعلام البارزين .

وكم من النساء الموهوبات اللواتي يتحسرن على العلم والتعليم ولا يكاد يسمع لهن صوت ، ولا يتبين لهن حركة ، قد شلت منهن الهمم وتخدرت المواهب ، فهن مغمورات قد القت بهن الاقدار اما ببيئة جاهلة ... لا تقدر العلم والادب ، او عند رجال متزمتين لا يرون ان المرأة خلقت لتتعلم وتتثقف كما ذكرنا ، ولكنها خلقت لإسعاد الرجل وخدمته .

عشرات النساء من اللواتي حصلن على نصيب من العلم والمعرفة والأدب ، وحباهن الباري سبحانه وتعالى بقسط وافر من الذكاء والفطنة ، ولكن عبس بوجههن الزمن ، وعاكسهن القدر ، فانطوين على انفسهن وراء متاعب الحياة ومعاندة الظروف ومصاعب العيش .

وقفن حائرات متطلعات الى موكب الحياة الصاخب ... بنفوس ملتاعة حساسة ... وقلوب حية ... وشعور فياض : ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجرى الرياح بما لاتشتهي السفن

أجل بعد ان عبس بوجههن القدر ، وتنكرت لهن الايام وقفن ذاهلات ... متحسرات ... متألمات ... متأوهات يكبتن الحس والشعور والمواهب والذكاء والفطنة ... يواجهن حقائق الدنيا الصلدة متخاذلات متقاعدات وبما كتب الله لهن قانعات ... على امرهن مغلوبات ... وعلى جور المتعنتين والمتزمتين صابرات .

وقانا الله شر الجهل والجور والظلم وهدانا جميعاً لسلوك طريق الصواب .


94

نظرة الشباب الطائش إلى العلم :

ان اكثرية جيلنا المتطور يرون أن العلوم الجديرة بالبحث ، والتي يجب ان توجه اليها الانظار وأفكار الناشئة انما هي العلوم التي تصل بها الشعوب إلى غاياتها المادية من استعباد وبطش واستعمار ، واستثمار الضعفاء .

وما عدا هذه العلوم ما هي إلا سفسطات من مخلفات الماضي ، شغل بها العلماء أوقات فراغهم .

لقد راجت الدعاية الاجنبية ، وسلم الكثير من الناس بأن الأوروبيين هم أصحاب العلم والاختراع ، وأن علماءنا يستولي عليهم الجمود ، ليس لهم من الذكاء أو العقل المبدع ما يمكنهم من مواكبة ركب الحضارة والرقي ، لان عقول الشرقيين بسيطة ساذجة .

وعندما تمكن أهل الأهواء والأغراض من نفث سمومهم ، وتخدرت العقليات ، وانصرف الناس عن الدين وتعاليمه السامية . وعن تراث الأجداد العظيم .

وانصرف الناس أيضاً عن العلماء المخلصين حاملي لواء الدين والمعرفة الذين تزخر صدورهم بالعلم والفضل وإرشاد الناس إلى الصراط المستقيم .

وبعدما رسخت هذه النظرية ( نظرية تفوق العقل الاوروبي المبدع على


95

العقل الشرقي الساذج ) (1) في عقول الناس عندها أصبح دعاة العلم والفضيلة لا يسمع لهم قول ولا يطاع لهم أمر كما قيل : انادي وهل في الحي مصغ فيسمع اهم نوم أم ساحة الحي بلقع

ربما لا يعجب هذا القول الكثير من الناس ، وقد ينعتني بعضهم بالرجعية . لأننا أصبحنا في زمان دان فيه العالم باديان مختلفة من المادة والضلال وأصبح الجيل الصاعد المتطور يسخر بالدين ... وممن يتكلم بالدين .

ولكن ما لنا وهؤلاء الأغبياء الجهلاء ، الذين ارتكسوا في حمأة الضلال لا يفقهون ما يقولون ولا يعرفون ما يفعلون .

فالواجب يدعونا جميعاً للتحرر من نير الدعايات الاستعمارية ، والسموم الإلحادية .

(1) يقول الدكتور جواد علي في كتابه : « المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام الجزء الأول ص 257 .

وقد شاعت نظرية خصائص العقلية السامية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، ووجدت لها رواجاً كبيراً لظهور بعض الآراء والمذاهب ، التي مجدت العقلية الاوربية ، وسبحت بحمدها وقالت بتفوق العقل الغربي الخلاق المبدع ، على العقل الشرقي الساذج البسيط .

و رمز العقل الشرقي هو العقل السامي، فهو لذلك عقل ساذج بسيط.

ومن أشهر مروجي هذه النظرية الفيلسوف ( رينان ) 1823 ـ 1892 م ( Ernest Renan ) وكذلك ( كراف كوبينو ) Graf Arthur Cobineau وهو من القائلين بتمايز العنصريات البشرية وبتفوق بعضها على بعض ، وسيادة العقليات الآرية على سائر العقليات ـ ومنهم أيضاً ( هوستن ستيورات شامبرلن ) : 1855 ـ 1927 م Hausten Stewart Chamberlain


96

يجب ان ننهض متكاتفين لتثبيت القواعد الإسلامية في نفوس المسلمين من ناشئة وبالغين ، ونحن نملك الرصيد الروحي الكبير في صفائه ونقائه .

وحري بالمؤمنين وعلماء المسلمين ، ودعاة الاصلاح ان يعرضوا الإسلام بطريقة غير منفرة ، تحفظ الإسلام على المسلمين ، وتحل جميع المشكلات ... ومتى حل الإسلام في النفوس صدرت الأعمال صحيحة وفقاً لتعاليمه ... وقوانينه .

التوعية الدينية :

لقد كثر في بلادنا العربية عدد كبير من المرشدين والواعظين ، والخطباء ولا سيما في وقتنا الحاضر . فقد نهض الكثير من الفتيان والفتيات بقيادة بعض المرشدين المتجلبين بجلباب الدين ، وقد ضاقت بهم الاندية والمجتمعات ، واصغى الكثير إلى خطبهم الرنانة مملوءة بالحكم والمواعظ والدعوة إلى الدين وانتهاج الصراط المستقيم .

كم سررنا لهذه الخطوة المباركة ، من أهل الاصلاح والرشاد ، الذين مسح الله سبحانه وتعالى على جباههم بزيت النباهة والنبوغ ، واقامهم جنوداً للحق والحرية والعدالة والاصلاح الاجتماعي كما يدعون .

اليسوا هم من اولئك المجاهدين المناضلين الذين وقفوا حياتهم على خدمة الأمة والدين ؟

ولكن يا للأسف ... اقولها ونفسي تذوب اسى ولوعة كم من القادة الهداة ... والصلحاء والدعاة قد بحت أصواتهم وانتفخت أوداجهم ، وهم يحرضون الناس على سلوك طريق الإيمان واطاعة الرحمان ، ونزع الشهوات


97

ومعصية الشيطان . داعين إلى انتهاج سبيل الحق ، والتخلق بالأخلاق الإسلامية السامية ، ومزايا الدين العظيم .

ولكن لم يمض زمن طويل حتى ظهر من بعضهم الانحراف عن الاخلاص في العمل ، ولم يكن القصد من وراء أقوالهم وأفعالهم إلا المصالح الشخصية ، والغايات الذاتية ، يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم ... وكما قال الجرجاني : ولو ان أهل العلم صانوه صانهم ولكن اذلوه جهاراً ودنسوا ولو عظموه في النفوس لعظما محياه بالاطماع حتى تجهما

واستميح العذر ... إذا رددت قول الشاعر : نحن في اية حال معكم ان سكتنا مسنا الضر ... وان لو فطنا لقضينا عجبا نحن لم نسكت اسأنا الادبا

وقانا الله وإياهم من سوء الأقوال ... وخبث النوايا ... ومضار الأفعال .

ونسأل الله ضارعين إلى مجد عزته أن يأخذ بيد جميع العاملين في خدمة الدين ، والمشتغلين في سبيل العلم والعمل الصالح .

قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام :

« ما كل من رأى شيئاً قدر عليه ، ولا كل من قدر على شيء وفق له ، ولا كل من وفق له أصاب موضعاً ، فإذا اجتمعت النية والمقدرة والتوفيق والإصابة فهناك السعادة » (1) .

(1) عن مجلة العرفان .

المرأة في ظل الإسلام م ـ (7)


98

الزواج ... الرابطة للاسرة :

جعل الإسلام الزواج وسيلة لربط الرجل بالمرأة ، وقضى على فوضى الجاهلية في الأمور الجنسية ، ورفع من شأن المرأة وأبعدها عن أن تكون مجرد متعة .

قال تعالى : «﴿ ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة » (1) .

فقال «﴿ لتسكنوا اليها » أي لتطمئنوا ... ولم يقل « لتتمتعوا ... أو لتتلذ ذوا » فالمرأة وسيلة للطمأنينة والراحة والود الذي يجعل الرابطة قوية بين الرجل والمرأة .

وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، الرجل ان يعاشر زوجته بالإحسان والمعروف فقال : « استوصوا بالنساء خيراً » وقال أيضاً : « خيركم خيركم لإهله » .

وفي سبيل المحافظة على طهارة المرأة ، وعزتها حتى لا تكون متعة رخيصة ، يتناقلها الرجال كما كانت حالة المرأة في أيام الجاهلية قبل الاسلام فقد حرم الله الزنى ، وحض على الاحصان ، ومنع البغاء ، حيث قال : « ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا » (2) .

وجعل عقوبة الزنا شديدة قاسية للرجل والمرأة . وفي مباني تكملة المنهاج

(1) سورة الروم ـ آية ـ 21 .

(2) سورة الاسراء ـ آية ـ 32 .


99

عن أبي عبدالله (ع) قال : ( الحر و الحرة إذا زنيا جلد كل واحد منهما مائة جلدة ، فأما المحصن والمحصنة فعليهما الرجم ) (1) .

وجاء في الوسائل (2) ان المرأة اقرَّت عند أمير المؤمنين عليه السلام بالزنا أربع مرَّات ، فأمر قنبر فنادى بالناس فاجتمعوا ، وقام أمير المؤمنين عليه السلام ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إن امامكم خارج بهذه المرأة الى هذا الظهر ، ليقيم عليها الحد انشاء الله ، فعزم عليكم أمير المؤمنين لمَّا خرجتم وانتم متنكرون ، ومعكم أحجاركم ، لا يتعرف منكم أحد الى احد ، فانصرفوا الى منازلكم انشاء الله .

قال : ثم نزل ، فلما أصبح الناس بكرة خرج بالمرأة وخرج الناس معه متنكرين متلثمين بعمائهم وبأرديتهم والحجارة في ارديتهم وفي اكمامهم حتى انتهى بها والناس معه الى الظهر بالكوفة فأمر ان يحفر لها حفيرة ثم دفنها فيها .

ثم ركب بغلته وأثبت رجله في غرز الرِّكاب ثم وضع أصبعيه السبابتين في أذنيه ونادى باعلى صوته :

أيها الناس إن الله عهد الى نبيه صلى الله عليه وآله عهداً عهده محمد صلى الله عليه وآله وسلم الي بأنه لا يقيم الحد من لله عليه حد فمن كان لله عليه مثل ما له عليها فلا يقيم عليها الحد .

قال : فانصرف الناس يومئذ كلهم ما خلا أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام . فأقام هؤلاء الثلاثة عليها الحد يومئذ وما معهم غيرهم .

(1) مباني تكملة المنهاج الصالحين لحجة الاسلام السيد الخوئي ـ ج 1 ـ ص 197 .

(2) كتاب وسائل الشيعة ـ للحر العاملي ـ ج ـ 18 ـ ص ـ 341 .


100

حول استقرار المرأة في بيتها :

أسئلة تتردد ، طبل لها وزمر كثير من الفتيات والفتيان ، وقالوا : كيف يكون الإسلام انصف المرأة وكيف اعطاها حقوقها وحريتها ؟ والقرآن الكريم قد امر المرأة كما في قوله تعالى : ﴿ وقرن في بيوتكن (1) ، فما هذا السجن الدائم للنساء ، ايصح ان يجعل الإسلام المرأة حبيسة البيت ، رهينة الجدران .

والجواب : هذا افتراء على الإسلام وزعم فاسد ، يدل على شيئين : أما عدم فهم المراد من الآية الكريمة ... وأما الجهل باللغة وأساليبها .

لقد أمر الله سبحانه وتعالى المرأة في جميع الشرائع السماوية ان تقر في بيتها للقيام بشؤونه ، والعناية بأمور الأسرة ، وتربية الأولاد ، والإشراف على مملكتها الصغيرة .

ان المرأة المسلمة ، هي التي تعمل بما أمرها الإسلام به ، وما أوجبه عليها من حقوق ، شأنها في ذلك شأن كل فتاة تربت تربية فاضلة ، مستمدة من روح الدين ، وحقيقة الإيمان ما يجعلها قدوة لنساء العالم .

فهي تعرف كيف تعني بترتيب منزلها ، وتربية أولادها وسعادة زوجها .

لم يجعل الإسلام المرأة في سجن كما يفندون ، بل أباح لها بعد ان تتم واجباتها المنزلية ، ان تخرج من بيتها بطلب علم ينفعها ، في دينها ودنياها ، أو لزيارة

(1) سورة الأحزاب ـ اية ـ 33 ـ وفي مجمع البيان في تفسير القرآن ( وقرن في بيوتكن ) أمرها بالاستقرار في بيوتهن ، والمعنى اثبتن في منازلكن والزمنها ـ أو كن أهل وقار وسكينة .


101

أهلها أو اقاربها أو صديقاتها أو للتنزه والترويح عن نفسها بعيدة عن اماكن الريب مع زوجها أو ابيها ، أو أخيها ، أو غيرهم من محارمها ، أو مع صديقات لها معروفات بالحشمة والأدب والدين والأخلاق الفاضلة ، والسمعة الطيبة . وكما قيل : صاحب أخا ثقة تحظى بصحبه والريح آخذة مما تمر ب فالمرء مكتسب من كل مصحوب نتناً من النتن أو طيباً من الطيب

أما ان تترك المرأة بيتها وتخرج للتنزه في أماكن الريب والشبهات أو الجلوس في المقاهي « والكازينوهات » أو التجول في الأسواق والطرقات ، لغير حاجة أو ضرورة ، تلين القول لهذا ، وتمازح ذاك ، وتبش في وجه آخر وقد نهى الله تعالى عن ذلك : «﴿ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً » (1) .

وهذا الفعل لم يأذن به الله سبحانه ، ولا يرضاه من عنده أدنى ذرة من شرف النفس ، والشهامة والإباء والغيرة .

كما لا ترضى به حرة ، تؤمن بالله واليوم الآخر ، أو عندها من كريم الخلق ما يربأ بها ، ان ترد هذه الموارد .

ومن الواجب على المرأة الفاضلة العاقلة ، إذا خرجت من بيتها لحاجة أو لضرورة ، أو للترويح عن النفس ، تخرج في حشمة وادب ، يحوطها الخلق

(1) سورة الأحزاب آية ـ 32 .

وفي مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي ( فلا تخضعن بالقول ) أي لا ترققن القول ولا تلن ( هكذا وردت والمفروض ولا تلين ) الكلام للرجال ولا تخاطبن الأجانب مخاطبة تؤدي الى طمعهم ( وقلن قولا معروفاً ) اي مستقيماً جميلا ، يريئاً من التهمة بعيداً عن الريبة ، موافقاً للدين والإسلام .


102

الطيب ، والتربية الحسنة متأدبة في مشيتها ، غاضة من طرفها ، غير مبدية زينتها ، ولا متكسرة ، ولا متثنية في خطواتها ، ولا لافتة اليها أنظار الجهلة والمستهترين . وليس الأمر بان تلازم المرأة دارها خاصاً بالإسلام ، كما يتوهم أو يظن البعض ، فقد جاء في رسالة بولس (1) إلى طيطس (2) في موضوع كلام عن النساء قال يجب عليهن بان يكن متعقلات ، ملازمات لبيوتهن ، خاضعات لرجالهن .

وقال مخاطباً ( ثيموثاوس ) : لست آذن للمرأة ان تتعلم ، ولا تتسلط على الرجل ، تكون في سكون دائم ، لأن آدم جبل أولاً ثم حواء .

الرجال قوامون على النساء :

نحن نرى أعداء الدين وأصحاب الأهواء قد انكروا على الإسلام قيام (3) الرجل على المرأة ، وراحوا ينفخون في أبواق الفتنة قد اتخذوا من الآيات الكريمة مادة للطعن بعدما فسروها على العكس ، وحسب ما يريدون ويفندون .

ان القرآن لا يعلم تأويله إلا الله ورسوله ولا يفهم معناه إلا الراسخون في العلم ، فتبصروا يا اولي الألباب .

قال تعالى : « الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما

(1) بولس الرسول هو أحد تلامذة السيد المسيح عليه السلام ومن الحواريين .

(2) طيطس هو أحد المخلصين الذين ساعدوا السيد المسيح على نشر الكتاب المقدس .

(3) القيام : بمعنى المحافظة والاصلاح كما عن تاج العروس للزبيدي .


103

أنفقوا من أموالهم » (1) .

إذا امعنا النظر نجد ان الإسلام ، حفظ للمرأة جميع حقوقها غير منقوصة وانها في ظل الإسلام ارتفع وضعها وجعلها شريكة للرجل في جميع مرافق الحياة وهي مساوية له ، لها انسانيتها وكرامتها كما أسلفنا .

لقد جعل الله سبحانه للرجل حق القيام باصلاح المرأة ليس تقليلاً من كرامتها ، واحتقاراً لها كما يدعي المغرضون ولم يبخسها حقاً مقرراً في الحياة الاجتماعية ... بل العكس .

لقد قيد الإسلام الرجل بواجبات النفقة والرعاية ، من توجيه وتعليم وإدارة ، وهو مسؤول عن كل خطأ أو تقصير .

ففي الحديث الشريف ( كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته ) وبما أن الرجل مسؤول عن أهل بيته ، فقد جعل الله له هذا الحق ، وهي الرعاية وحسن الإدارة ، والتوجيه الديني ، والتأديب الخلقي ، قال تعالى يمدح النبي إسماعيل عليه السلام : ﴿ وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً (2) .

وقال تعالى : ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسالك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (3) .

(1) سورة النساء ـ آية ـ 34

ففي مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي ( الرجال قوامون على النساء ) اي قيمون على النساء مسلطون عليهن في التدبير والتأديب والرياضة والتعليم ، وعن مجمع البحرين في اللغة للطريحي : علل هذه الآية بقوله لهم عليهن قيام الولاء والسياسة .

(2) سورة مريم ـ آية ـ 55 .

(3) سورة طه ـ آية ـ 132 .


104

لقد فضل الله سبحانه الرجل على المرأة ، وجعل له القيمومة وقيده بهذه المسؤولية والتبعات ، وأمره ان يتحملها صاغراً وهو عنها مسؤول .

ولكن هل حفظ كرامتها ؟ .. هل رعاها بكل لطف وحنان ؟ .. هل قام بواجباته الدينية ، والخلقية تجاهها ؟ .. وأدى دور القيمومة التي خولها له الإسلام في دائرة النصح والإرشاد والتوجيه والإعالة ؟ .

كلا ... لقد أخذ بعض الرجال الغرور والكبرياء والجهل فاتخذ من القيمومة أداة للتسلط على المرأة وإذلالها واضطهادها واذيتها . وكما قيل : إذا كان ذنب المسلم اليوم جهل فماذا على الإسلام من جهل مسلم

يقول الشيخ محمد عبده في كتابه المنار (1) :

« المراد بالقيام هنا هو الرئاسة التي يتصرف فيها المرؤوس بارادته و اختياره وليس معناها أن يكون المرؤوس مقهوراً مسلوب الإرادة ، لا يعمل عملاً إلا ما يوجهه اليه رئيسه فإن كون الشخص قيما على آخر ، هو عبارة عن ارشاده والمراقبة عليه في تنفيذ ما يرشده اليه ، أي ملاحظته في أعماله وتربيته » .

فالرجل قوام على المرأة للمحافظة عليها وكفايتها كل ما تحتاج اليه من مأكل وملبس ، وجميع مصاريفها ، كل على حسب استطاعته وسعته ، وبحسب وضع المرأة الاجتماعي .

فالقوامون هم الرعاة ، ومن قام على أمر كان له حافظاً وراعياً .

(1) تفسير المنار ـ للشيخ محمد عبده ـ ج 5 ـ ص ـ 68 .


105

وهل قيام الرجل على اهل بيته إلا للمحافظة عليها من كل مكروه ، ورعايتها من كل اذية تصدر عن أهل السوء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

« كلكم راعٍ ، وكلكم مسؤول ، فالامام راع وهو مسؤول ، والرجل راعٍ على اهله وهو مسؤول ، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة ، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول ».

تقول الدكتورة بنت الشاطئ (1) : « ويحضرني الآن حديث لعمر بن الخطاب ، استجلي فيه ملامح الزوج الرسول وضاءة مشرقة ، وآراه صادق الدلالة على شخصية محمد الرجل الانسان .

قال عمرو ( رض ) « والله انا كنا في الجاهلية ما نعدّ للنساء امراً حتى انزل الله تعالى فيهن ما انزل ، وقسم لهن ما قسم » .

فبينما أنا في أمر ائتمره اذ قالت لي امرأتي : لو صنعت كذا ... وكذا ؟ ...

فقلت لها : ومالك انتِ ؟ ولما ها هنا ؟ وما تكلفك في أمرٍ اريده ؟

فقالت لي : عجباً يا ابن الخطاب ! ما تريد أن تراجع أنت ... وان ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يظل يومه غضبان ...!

قال : فأخذت ردائي ، ثم انطلقت حتى ادخل على حفصة فقلت لها : يا بنية انك لتراجعين رسول الله حتى يظل يومه غضبان ؟ .

1 ـ تراجم سيدات بيت النبوة الدكتورة بنت الشاطئ .


106

فقالت : « إنا والله لنراجعه »

قال : « ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها فقالت لي :

« عجباً لك يا بن الخطاب !... قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي ان تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وآله ... وازواجه ؟! »

فأخذتني اخذاً كسرتني به عن بعض ما كنت أجد .. »

كثير من الناس لا يزالون من قديم الزمان الى عصرنا الحاضر ، قد اعمتهم الانانية وحب الذات لا يعرفون من أمر هذه الدنيا سوى جلب المنفعة لأنفسهم وارضاء شهواتها ، ولو على حساب الضعفاء . وهم في كل أمة ... وفي كل مكان .

فلو اسقطنا الوصاية ... والوكالة عن الرجال والقيمومة على النساء ، لرأينا عجباً من الفوضى ، والاضطربات الاجتماعية ، وارتكاب المنكرات .

ويجب على كل رجل ان يقوم بواجباته ، وبما القي عليه من التبعات ، كالانفاق على عياله ومعاشرتهم بالحسنى ، وتعليم أهل بيته أمور دينهم من الحلال ، ونهيهم عن الحرام ، لجعلهم من عباد الله الصالحين ، وابعادهم عن سبيل الشر ، وأهل السوء .

إذ لا نجاة من النار وغضب الجبار ، إلا باطاعة الله وتفهم الدين ، وتنفيذ احكامه . قال تعالى :


107

« يا ايها الذين آمنوا قوا انفسكم واهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون (1) » .

نظام الاسرة في الاسلام :

ينثبق نظام الاسرة في الاسلام من معين الفطرة ، واصل الخلقة ، وقاعدة التكوين الأولى للاحياء جميعاً وللمخلوقات ، ﴿ ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (2) .

فالأسرة هي نواة المجتمع الصالح ، الذي فرضته الشرائع السماوية ، لاستمرار الوجود ، وليكون الملجأ الوحيد لنظام الاسرة ( بيت الزوجية ) .

نرى ان دستور الاسرة هو جانب من التنظيم للقاعدة التي تقوم عليها الجماعة المسلمة ، والمجتمع الاسلامي ، هذه القاعدة التي احاطها الاسلام برعايته ، وبذل الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم في تنظيمها وحمايتها وتطهيرها من فوضى الجاهلية ، وشوائب العادات والتقاليد جهداً كبيراً .

1 ـ سورة التحريم ـ آية ـ 6 ـ .

2 ـ سورة الذاريات ـ آية ـ 49 .


108

ثم ان القرآن الكريم ، أخذ يبحث على الاستقرار ، واقامة البيوت لتركيز دعائم الاسرة . قال سبحانه وتعالى :

﴿ يا أيها الناس أتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام ان الله كان عليكم رقيباً (1) .

2 ـ سورة النساء ـ آية ـ 1 ـ

وفي مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي ـ قيل ان المراد به بيان كمال قدرته قال الذي قدر على خلقكم من نفس واحدة ، فهو على عقابكم اقدر ، فيحق ، عليكم ان تتركوا مخالفته ، وتتقوا عقوبته ، وقوله ( الذي خلقكم من نفس واحدة ) المراد بالنفس هنا آدم عند جميع المفسرين ( وخلق منها زوجها ) يعني حواء عليها السلام ، ذهب اكثر المفسرين الى انها خلقت من ضلع من اضلاع آدم ، ( بث منهما رجالاً كثيراً ) أي نشر وفرق من هاتين النفسين على وجه التناسل رجالاً ونساء ، وانما من علينا تعالى بان خلقنا من نفس واحدة ، لأنه اقرب الى ان يعطف بعضاً على بعض ، ويرحم بعضنا بعضاً ، لرجوعنا جميعاً الى اصل واحد وذلك ابلغ في القدرة وادل على العلم والحكمة .


109

صفات الزوجة الصالحة :

من امعن فكره ونظر بنبراس عقله ، تحقق لديه ان معظم الشقاء والتعاسة والآلام التي تصادفها أكثرية الناس في حياتها صادرة عن جهل النساء اللواتي يفتقرن إلى المعرفة ، والآداب النفسية ، وحسن التدبير .

فكم من امرأة هدمت بيتها بسوء تدبيرها ، وقلة معرفتها ، وجهلها .

وما نفع ابي العائلة إذا جد وسعى ، ومهما انتج ، إذا كانت عنده امرأة تبدد أمواله ، وتفسد تربية أطفاله ، لعدم تعقلها ، وسوء تدبيرها .

فمن الواجب تعليم الفتيات المبادئ الصالحة ، وتزيين عقولهن بالحكمة ، وحملهن على حب الفضيلة .

ان الزوجة الصالحة ، هي التي تمتاز بدينها وأدبها ، وبافكارها الطاهرة الشريفة ، وبشعورها بالمسؤولية ، الملقاة على عاتقها وباخلاقها الكريمة ، الانيسة ، وبصبرها الجميل على تقلبات الدهر ونكبات الزمن ، وعريكتها الليّنة ، وعفتها النقية ، وسياستها الحكيمة .

ترى الزوجة الصالحة ، الرشيدة العاقلة ، مرتدية ثوب النظافة واللياقة ، تتمشى على حدود الاعتدال والاقتصاد علىجميع متطلبات الحياة ، فتحمل زوجها ونفسها على العمل وترك الكسل ، وطرد التشاؤم .

والزوجة الصالحة ، هي التي تنهض في الصباح الباكر ، متسربلة بالقوة


110

والنشاط ، لترتيب أشغال النهار ، والقيام بمهام منزلها ومسؤولياتها ، فتكون ينبوع سعادة زوجها ، وفخر أولادها الذين يسمعون أناشيد مدحها من أبيهم وأقاربهم وجيرانهم فيهيمون طرباً ، ويزيدون من اكرامها وتعظيمها .

هذه هي الزوجة التي ترفع شأن الإنسانية الصحيحة وتعمل في دفع عجلة التقدم والرقي . وتقدم للبشرية اجل خدمة وأشرف عملاً . فانها بتربيتها الصالحة المقرونة بالدين والإيمان ، تستطيع أن تؤثر على المجتمع أكثر من الخطب الرنانة والمحاضرات الضخمة والإنذار والتوبيخ . وبدون جهودها الجبارة لا تفيد وسائل التقدم والحضارة ما دام غشاء الجهل قد اعمى الكثيرين وخيم فوق رؤوسهم الغرور .

واجبات الزوجة ... الصالحة :

إن واجب الزوجة نحو زوجها فرض مقدس ، سنة من قبل الخالق سبحانه وتعالى ، واهمال هذا الواجب وعدم القيام به يعود على المرأة بشقاء مستمر ، إذ أنها فضلاً عن التقصير الديني تخسر محبة زوجها ، وإخلاصه لها وثقته بها . ويالعظم الخسارة ...

يصرف الزوجان حياتهما في نكد وخصام ، بخلاف ما إذا قامت الزوجة بواجباتها الاجتماعية والدينية ، وما يتطلبه مركزها كربة بيت ... وسيدة اسرة .

فإذا أدت واجبها باخلاص وأمانة ، فإن السعادة تظللها بأجنحتها والبركة


111

والسلام ، والإيمان والإطمئنان يأويان منزلها ، وقد أطنب الناس بالزوجة الصالحة كما قيل : نبغ الفتاة العاقلة الأمينة ذات الكمال العفة الرزينة

فكم من امرأة هدمت بيت الزوجية وعشها الهنيء بسوء تصرفها ، وعدم معرفتها بالواجبات الزوجية المقدسة واستهتارها باوامر الدين .

تلك التي يسود في بيتها الخصام والشقاق . تفر السعادة من أمامها وتكون حياتها مع زوجها عبارة عن سلسلة متصلة حلقاتها بالمرارة والويلات ، مرتبطة اجزاؤها بالمصائب والتنهدات ...

مع انه كان بوسعها لو تتقي هذا البلاء العظيم بقليل من الصبر والتعقل ، وتعمل ما يفرضه عليها الدين والأدب من الواجبات نحو زوجها وبيتها وأطفالها .

يجب ان تتأكد الزوجة بان سعادتها وسعادة زوجها موقوفة على محبتها ، وحقيقة ثقتها وإخلاصها له ، ومدى تفانيها في تحقيق جميع حاجاته ورغباته ضمن نطاق الشرع والدين .

كما يجب على الزوج ان يقوم بخدمة زوجته ، يفعل كل ما يسرها ويصلح شؤونها وكما قالت تلك الإعرابية لابنتها : « كوني له أمة ... يكن لك عبداً » .

ولا تنسى الزوجة انه من الواجب عليها ان تعمل بقلب فرح إذا لم يكن احب إلى الرجل من الزوجة البشوش ، لأن البشاشة تنير وجهها وتكسبه رونقاً وجمالاً وان يكن غير جميل وكما قيل :


112
ليس الجمال بمئزر ان الجمـال معادن
فاعلم وان رديت بردا ومنـاقب اورثن مجدا

ان الفتاة الجميلة المتكبرة الرعناء ، المغرورة بجمالها المتهاونة في دينها وآدابها التي تصنع بعد زواجها حنجرة كدرة ، ولساناً سليطاً ، لا يهمها إلا نفسها وزينتها ... فإن حياتها البيتية تكون جحيماً لا يطاق .

ولا تقدر هذه الزوجة المغرورة ان تواجه اللوم إلا على نفسها ، إذا أخذ زوجها بالتبرم والتذمر . وأخذ يتغيب عن المنزل لأن من طبع الرجل كراهة الوجه العبوس المنقلب والسحنة الشكسة .

ان اجمل حياة يحياها الإنسان ، في منزل تديره زوجة مخلصة وفية ذات دين وحياء وأدب ...

زوجة تلاقي زوجها بوجه طلق ومحيا بشوش يزيل عنه التعب ، وتهدي اليه من مكارم أخلاقها وعذوبة ألفاظها لطفاً وحلاوة يأخذان منه بمجامع قلبه .

تنظر اليه بألحاظ العطف والفطنة والذكاء ، فتعيره نشاطاً جديداً ، وتسهل أمامه طريق الخير لإجتياز مصاعب الحياة ومتاعب الزمن .

اجل زوجة صالحة مثالية تشاطر زوجها همومه واتعابه ، وقد ارتسم على جبينها التعقل والحلم والرصانة وتزينت بالدين والفضل والعفاف وكريم الخلق هي أجمل ما يلقاه الإنسان في حياته :

وعن انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ قال :

« الا اخبركم بنسائكم في الجنة ؟ » قلنا بلى يا رسول الله قال :


113

« الا اخبركم بنسائكم في الجنة ؟ » قلنا : بلى يا رسول الله قال : « كل ودود ... ولود ... إذا غضبت أو أسيئ اليها ، أو غضب زوجها لحقّ ... قالت : هذه يدي في يدك لا اكتحل بغمض حتى ترضي ..» (1) .

وقد تغنى الشعراء بأوصاف المرأة الصالحة قال بعضهم : وأول احساني اليكم تخيري لما جدة الأعراق بادٍ عفافها

وقال بعضهم لبنيه : (2) .

« قد أحسنت اليكم صغاراً ، وكباراً ، وقبل ان تولدوا » . قالوا له : « وكيف أحسنت الينا قبل ان نولد ؟ » فأجاب : « اخترت لكم من الأمهات من لا تسبون بها » .

وقيل ان فاطمة بنت الخرشب رمت نفسها من الهودج حين أسرت ، فماتت لساعتها وهي تقول : « المنية ... ولا الدنية » . وقال احدهم : لا أتزوج امرأة حتى انظر الى ولدي منها ، قيل له : كيف ذلك ؟ قال : أنظر الى أبيها وأمها . فإنها تجر بأحدهما . وأول خبث الماء خبث ترابه وأول خبث القوم خبث المناكح

وفي الحديث الشريف عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قال :

1 ـ الترغيب والترهيب للمنذري ج ـ 4 .

2 ـ عيون الاخبار لابن قتيبة .

المرأة في ظل الإسلام م ـ (8)


114

« ثلاث من سعادة المرء ، ان تكون زوجته صالحة ... واولاده ابراراً ... وخلطاؤه صالحين » .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال :

«خيركم ... خيركم لأهله ، وأنا خيركم لاهلي » (1) .

وعن عائشة ( رض ) قالت : عن النبي صلي اللّه عليه و سلّم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ان من أكمل المؤمنين إيماناً ، احسنهم خلقاً وألطفهم بأهله » (2) .

وعن انس بن مالك ( رض ) قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : « من تزوج امرأة لعزها ، لم يزده الله إلا ذلاً ، ومن تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقراً ، ومن تزوج امرأة لحسبها لم يزده الله إلا دناءة ، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا ان يغض بصره ، ويحصن فرجه أو يصل رحمه ، بارك الله له فيها ... وبارك لها فيه » .

وفي رواية « ذات دين وايمان وورع ... فأظفر بذات الدين تربت يداك » (3) .

عن عيون الأخبار أن رجلاً من بني أسد قال : ضلَّت إبل لي ، فخرجت في طلبهن ، فهبطت وادياً ، وإذا أنا بفتاة اعشى نور وجهها نور بصري ، فقالت لي : يافتى ما لي أراك مدلّها ؟

فقلت : ضلّت إبل لي ، فأنا في طلبها ، فقالت : أفأدلك على من هي عنده ، وان شاء اعطاكها ... قلت : نعم . ذلك ولكِ أفضلها ...

1 ـ الترغيب والترهيب ـ للنذري ج ـ 4 .

(2) الترغيب والترهيب ـ للمنذري ج ـ 4 .

« تربت يداك » كلمة معناها الحت ، والتحريض .. والترغيب ... والمراد : هنا اظفر بذات الدين ، ولا تلتفت الى حطام الدنيا من مال وجاه وغيره .


115

قالت : الذي أعطاكهن أخذهن ، وإن شاء ردهن فسله من طريق اليقين ، لا من طريق الاختبار .

فأعجبني ما رأيت من جمالها ، وحسن كلامها ، فقلت : ألك بعل ؟ قالت : قد دعي فأجاب : فأعيد إلى ما خلق منه .

قلت : فما قولك في بعل ، تؤمن بوائقه ولا تذم خلائقه ؟ .. فرفعت رأسها ، وتنفست وقالت : كنا كغصنين في أصـل غداؤهما فاجتثَّ خيرهما من جنب صاحب وكان عاهـدني إن خاننـي زمن وكنت عـاهدته إن خـانه زمن فلـم نـزل هكذا والوصل شيمتنا فاقبض عنـانك عمن ليس يردعه ماء الجداول فـي روضات جنات دهـر يكـر بفرحـات وترحـات إلا يضـاجـع انثــى بعد مثواتي ألا أبوء ببـعل طــول محيـاتي حتـى توفــى قريبـاً من سنياتي عـن الوفـــاء خـلاف بالتحيات

هذه قصة امرأة ذات وفاء وإيمان ، غرسه الاسلام في نفسها مع التقوى ...

وأروع من هذه ما ذكر عن نهاية الأرب في فنون الأدب قال : « إن سليمان ابن عبد الملك ، خرج ومعه يزيد بن المهلب إلى بعض جبابين الشام ، وإذا بامرأة جالسة عند قبر تبكي .

فجاء سليمان ينظر إليها ... فقال لها يزيد : ـ وقد عجب سليمان من حسنها ...

يا أمة الله هل لك في أمير المؤمنين حاجة ؟ فنظرت إليهما . ثم نظرت إلى القبر وقالت :


116
فان تسألاني عن هواي فإنه وإني لأستحييه والترب بيننا بحوماء هذا القبر يا فتيان كما كنت أستحييه حين يراني (1)

إلى أين المصير :

يشكو هذا البلد من حب أبنائه للتقليد ، فما أن تظهر ( موضة ) أو تطل علينا ( تقليعة ) جديدة من الخارج ، حتى تتلقفها بلادنا ونكون أول المستوردين .

وهكذا أصبحت بلادنا ذات الماضي العريق ، سوقاً رحبة لجميع الأزياء ( البيكني ... والميني ... والميكر و ... الخ ) .

وبتأثير هذه النزعة ، كان بلدنا أسرع البلدان الشرقية إلى التخلي عن تقاليد الشرق المحافظ ، والأخذ بنمط الحياة الحديثة ، من لباس كاشف ... ورقص مزدوج ... واستحمام مختلط وما إليها من خلاعات جاء بها المستعمر من بلاده وتركها لنا فتمسكنا بها وكأنها ارث من تراثنا العظيم .

ورغم التأثير السيء ، والإنكار والاستنكار الذي تركه هذا التقليد في بادئ الأمر ، في أوساط القديم ، ورجال الدين ، ودعاة الإصلاح وهداة الفضيلة والعفاف . فقد انتهى الأمر أخيراً إلى التسليم بأن هذه الأشياء ، هي


117

موجة عارمة من موجات العصر الحديث ، وتيار جارف من تيارات الحضارة والمدنية التي ينبغي أن نسايرها ، لأن الزمان ... والعصر ، يفرض طابعه على الجميع .

وعلى مر الأيام والليالي ، طورت عقلية الأكثرية الساحقة من الناس ، فلم تعد ترى في هذه المظاهر ما كانت تراه في بادئ الأمر ، من شناعة أو قبح .. أو خلاعة أو فضائح ، بل أصبحت تجدها اموراً عادية ، لا تختلف عن أي أمر عادي من مؤلوفات الحياة .

إن قواعد الاخلاق والفضيلة ، لم تتجاهلها إلا المجتمعات المنحلة ، التي كان ابتعادها عن عمود الدين والاخلاق سبب انحلالها .

لنتساءل ... هل نضرب نحن صفحاً عن جميع هذه الحقائق لننساق في غمرات النزوات ؟

وهل نتغاضى ونعمل ما تمليه عليه رغباتنا ؟ وما يزين الشيطان من سوء الاعمال ؟

ناهيك بمشاعر الشرف والغيرة لدى الانسان ، وهي المتصلة أوثق الاتصال بحسن الرجولة والكرامة .

فعندما يهون الشرف يهون العرض ، ويموت الإحساس بالرجولة والغيرة ، هناك الذلة والمهانة والعار .

فإلى متى هذا الاستهتار ؟ وما معنى الروايات الخلاعية المتزايدة الانتشار ؟ والصور الإباحية العارية ... ألن تحتل غلافات الكتب والمجلات ... ؟ ... وما معنى الفضائح المخجلة التي نقف عليها كل يوم ؟ والحوادث التي تدل على انهيار خلقي مريع لدى الشبان والفتيات ؟


118

كل هذا في بلاد الإسلام يحصل باسم الحرية التي يتغنى بها الجيل الجديد ، الذي يدَّعي التمدن والتطور .

ولكن .. ويا للأسف إذا تأملنا ورجعنا إلى حكم العقل ، نراها معكوسة ، إذ هي القيد والتقهقر .

إنها ليست حرية بالمعنى الصحيح ، بل هي حرية الفوضى ، حرية الشعب السائر على هواه ، دون أي ضابط أو قيد . دون أي رادع أو مانع ، حرية اللصوصية ... حرية القتل ... والسرقة التي انتشرت واستمرت حتى لم تعد حوادثها فردية ، بل غدت ذات طابع عام ، وخصوصاً حرية الفجور والخلاعة والاستهتار التي باتت تهدد مجتمعنا ... ووطننا الحبيب .

فإلى أين نحن سائرون ... ومتى نعود إلى وعينا وإدراكنا ... وقانا الله من الزلات . ورحم الله الشبيبي حيث يقول في قصيدته العصماء : إلا ليت شعري ما ترى روح احمد وأكبر ظني لو أتانا محمد عدلنا عن النور الذي جاءنا به إذن لقضى : لا منهج الناس منهجي دعوت إلى التوحيد يجمع شملكم إذا طالعتنا من علٍ أو أطلت للاقى الذي لأقاه من أهل مكةِ كما عدلت عنه قريش فضلتِ ولا ملة القوم الأواخر ملتي ولم أدع للشمل البديد المشتت


119
وجئت رسولاً للحياة ولا أرى ويسرت شرعاً ما تعنَّت نافعا وحرمت في الإسلام من بعد حلها بكم غير حي في مدارج ميت وسرعان ما ملتم به للتعنّتِ مساوئ عادت بعد حين فحلت (1)

(1) هذه الأبيات من قصيدة الشيخ الشبيبي العصماء ( روح الرسول )


120

المرأة في بدء الدعوة الاسلامية

من الدستور الإلهي ، ومن التشريع الإسلامي ، ومن سنا الأنظمة الحكيمة ، والقوانين العادلة التي جاءت بها دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، تنسمت المرأة روح الحرية .

ما أروع هذا الكون في تنظيمه ، وأروع ما فيه هذا الناموس الإسلامي العظيم ، الذي جعل لكل فرد من عالم الأحياء القدرة على أن يبرز القوى المادية والمعنوية ، التي تستلزم بقاء الحياة ، فلا قيود ... ولا ظلم ولا تعسف .

استيقظت المرأة من سباتها العميق ، فهبت تنفض عن وجهها غبار السنين ، تسابق الرجال في شتى الميادين ، وتسرع إلى التوحيد والإيمان مصدقة بكلمة الرحمان .

هو الإسلام الذي جعل النساء أخوات الرجال ، كما قال تعالى : « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى ... » أكسب المرأة المسلمة صفات جديدة لا عهد لها بها في العصر الجاهلي ، فضلاً عن أنه أثار فيها عواطف التدين والإيمان ، والتطلع إلى حياة اخرى ، هي خير وأبقى .

أجل لقد أستيقظت المرأة ، وانبعثت مواهب النساء وبرزت كفا آتهن التي كانت مطمورة ترزح تحت أثقال فادحة من قوانين المجتمع الخاطئة ، وتصعدات


121

العادات الجاهلية والتقاليد الوثنية .

لقد هبت المرأة من رقادها ، وأجابت دعوة الإسلام بقلب ملؤه التقوى ، ونفس فياضة بالإيمان .

إن المرأة ما زالت في كل عصر ومصر تبزّ الرجال بالإخلاص لعقيدتها ومبادئها ، والاندفاع في سبيل إيمانها ، لذلك نرى أن النساء العربيات ، في عهد الرسول الأعظم ( ص ) والخلفاء الراشدين وما بعدهم بقليل ، كن شريكات الرجال في وثبتهم الاجتماعية الدينية ، وجهادهم ضد المشركين .

ولا غرابة في هذا ، فإن اختلاف الغايات والحوافز التي تدعو إلى القتال لها الاثر الفعّال في تطوير المسائل .

فبينما كان الحافز في الجاهلية حب النصر والفخر أمام الملأ ، أصبح القتال في الإسلام ، هو المساهمة في نشر الدين ، وإدراك الأجر والثواب ، مما يضمن خير الدنيا والآخرة .

فأما النصر والفخر ... وأما الجنة والنعيم الدائم ... قال تعالى : « إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم » (1) .

وما أن سطعت شمس الهداية ، وصدع محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة المقدسة داعياً ومبشراً ونذيراً ، حتى سارعت المرأة لتساهم بدورها في اعتناق الإسلام ونشره والتصديق برسوله والإيمان بمبادئه .

(1) سورة التوبة ـ آية 111 .


122

لقد تجلّت في بدء الدعوة الإسلامية ، البداوة في طلاقتها وما نحوية من ثقافة أدبية وعزة وإباء وأنفة وعفاف وكرم ومروءة وشجاعة ونجدة ووفاء للذمم . كل هذه المزايا الحميدة احتوتها أحضان شرع عظيم ، وقيادة رسول كريم ، يقيم الحدود ويعيِّن الواجبات والحقوق ويقوِّم العقائد والمبادئ بالعدل والإنصاف والحرية والمساواة .

وبما أن المرأة العربية كانت على جانب من المذلة والاحتقار كما أسلفنا ، فإنها كانت تحتفظ بمزايا فطرية بدوية محمودة ، على رغم تسلط الرجل عليها ، واستئثاره بكل النواحي الاجتماعية . فقد خلق الإسلام في أوساط النساء التقى والورع وحب الجهاد في سبيل الله ، والتفاني في نصرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم .

وكان من دواعي نشاط المرأة المساهمة في أعباء الانقلاب الكبير الذي قام به الرسول العربي الكريم في الجزيرة العربية والعالم أجمع . قال الشاعر : بدى من القفر نور للورى وهدى يا للتمدن عم الكون من بدوي

التفَّت النساء حول النبي ( ص ) وعطفن عليه ، فوجد منهنَّ المؤمنات الصادقات الشجاعات اللواتي استعذبن العذاب في سبيله وسبيل دعوة الإسلام .

ولا بأس من إيراد بعض مناقب المرأة الصالحة ومواقفها في بدء الدعوة الإسلامية ليكون خير دليل ... وأحسن سبيل للإحاطة بما كان للإسلام من أثر فعّال عليها ، وعلى سير حياتها إذ نحن نتحدث عن المرأة في ظل الإسلام .

وأول امرأة أسلمت وأخلصت لعقيدتها ، وجاهدت وضحت بكل شجاعة وإخلاص هي أم المؤمنين السيدة خديجة رضوان الله عليها .


123

أم المؤمنين خديجة رضوان الله عليها :

خديجة ام المؤمنين زوجة الرسول الكريم ، تزوجها صلى الله عليه وآله وسلم وكان سنه خمسة وعشرين سنة ـ وخديجة يومئذٍ ابنة أربعين سنة ، وهي أول امرأة دخلت حياته ، ولم يتزوج عليها حتى ماتت .

لقد أجمع أهل السير والتاريخ أن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن قصي (1) كانت امرأة تاجرة ، ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه ، وكانت قريش تجاراً . فلما بلغها عن رسول الله ( ص ) صدق الحديث وعظم الأمانة ، وكرم الأخلاق ، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجراً ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره مع غلامها ميسرة ، فأجابها .

خرج معه ميسرة حتى قدم الشام ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب ، فاطلع الراهب رأسه إلى ميسرة ، فقال : من هذا ؟؟ فقال ميسرة : هذا رجل من قريش ، فقال الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي .

ثم باع رسول الله ( ص ) واشترى وعاد فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة ، يرى

(1) وعلى هذا فهي من أقرب النساء الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه لم يتزوج من ذرية قصي غيرها سوى ام حبيبة وذلك بعد موت خديجة رضوان الله عليها ـ الكامل في التاريخ لابن الاثير .


124

ملكين يظللانه من الشمس وهو على بعير ، فلما قدم مكة ربحت خديجة ربحاً كثيراً ، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وما رأى من اظلال الملكين إياه .

كانت خديجة امرأة حازمة عاقلة شريفة مع ما أراد الله من كرامتها ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرضت عليه نفسها ، وكانت من أوسط نساء قريش نسباً (1) وأكثرهن مالاً وشرفاً . وكل رجل من قومها كان حريصاً على الزواج منها لو يقدر عليه .

فلما أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبر أعمامه . وخرج ومعه حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب وغيرهما من عمومته ، حتى دخل على خويلد بن أسد ، فخطبها إليه .

فتزوجها فولدت له أولاده كلهم ما عدا ابراهيم .

قصة زواج الرسول ( ص ) من خديجة :

ذكر جميع أهل السير عن نفيسة بنت منية قالت : كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة ضابطة جلدة ، قوية ، شريفة مع ما أراد الله تعالى لها من الكرامة والخير ، وهي يومئذ أوسط قريش نسباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، واحسنهم جمالاً وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة قد طلبها جل رجال قومها ، وذكروا لها الأموال ، فلم تقبل فأرسلتني دسيساً (2) إلى محمد صلى الله

(1) كان يقال لها : سيدة قريش ـ لأن الوسط في ذكر النسب ـ من أوصاف المدح والتفضيل : يقال : فلان أوسط القبيلة ـ أي أعرقها في نسبها .

(2) دسيساً أي خفية .


125

عليه وآله وسلم . بعد أن رجع في عيرها من الشام فقلت : يا محمد ما يمنعك أن تتزوج ؟ ..

فقال : ما بيدي ما أتزوج به ..

قلت : فإن كفيت ذلك ... ودعيت إلى المال ... والجمال ... والشرف ... والكفاية ... ألا تجيب ؟

قال : فمن هي ؟ .. قلت : خديجة بنت خويلد ...

قال : وكيف لي بذلك يا نفيسة ؟؟ وأنا يتيم قريش ، وهي أيم قريش ذات الجاه العظيم والثروة الواسعة .

فقالت نفيسة : قلت بلى وأنا أفعل ، فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن يحضر إليها . وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها فحضر .

ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمومته ـ وقد خطب عمه أبو طالب يومئذٍ خطبته المشهورة التي ذكرها أهل التاريخ وأصحاب السير .

خطبة أبو طالب يوم زواج الرسول ( ص ) :

قال أبو طالب :

الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ابراهيم ، وزرع اسماعيل ، وضئضئ معد (1)

(1) الضئضئ ـ الأصل والمعدن .


126

وعنصر مضر (1) وجعلنا حضنة بيته المتكفلين بشأنه ، وسوَّاس حرمه ، القائمين بخدمته . وجعله لنا بيتاً محجوباً ، وحرماً آمناً ، وجعلنا أحكام أحكام الناس .

ثم ابن أخي هذا محمد بن عبد الله ، لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً ، وإن كان في المال قلّ فإن المال ظل زائل وأمر حائل وعارية مسترجعة .

وهو والله بعد هذا ، له نبأ عظيم ، وخطر جليل ، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة ، وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله اثني عشر اوقية ونشاً (2) .

وعند ذلك قال عمها عمرو بن أسد : ( هو الفحل لا يقدع أنفه ) .

وبعد أن انتهى أبوطالب من خطبته (3) تكلم ورقة بن نوفل . فقال :

« الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت ، وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب

(1) العنصر ـ الاصل ـ يقال : إنه لكريم العنصر ـ أي ـ الحسب ـ والهمة ـ المنجد في اللغة .

(2) قال المحب الطبري : النش عشرون درهماً ـ والاوقية أربعون درهماً ـ وكانت الاواني والنش من الذهب ، فيكون جملة الصداق خمسمائة درهم شرعي ـ وقيل أصدقها عشرين بكرة .

(3) إن البلاغة التي تجلت في خطبة أبي طالب وما ظهر فيها من عطف وحنان أبوي ، لهي أصدق برهان ودليل قاطع على تفانيه في حب الرسول ( ص ) ورعايته ونصرته في دعوته .

على أن أبا طالب لم يزل حتى توفي يدافع عن الرسول (ص) الدفاع المستميت ولم يدع أحداً يصل إليه بسوء طيلة حياته . وكما قيل في حقه وحق علي (ع) : فهذا بمكة آوى وحامى وذاك بيثرب خاض الحماما

وحينما أرادت قريش قتله (ص) جاءت الى أبي طالب وقالت له : أنت سيدنا ورأيت من أمر


127

وقادتها ، وأنتم أهل ذلك كله ، لا ينكر العرب فضلكم . ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم فاشهدوا عليَّ معاشر قريش ، إني قد زوجت خديجة بنت خويلد ، من محمد بن عبد الله ، وذكر المهر . »

وأولم عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونحر جزوراً ، وقيل نحر جزورين ، وأطعم الناس وفرح أبو طالب فرحاً شديداً . وقال : « الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب ، ودفع الغموم . » وهي أول وليمة يولمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الشاعر في ذلك :

ورأته خديجة والتقى والزهـــد فيه سجية والحياء وأتاها أن الغمامة والسر ح أظلته منهما أفياء

وأحـاديث أن وعد رسول الله بالبعث حان منه الوفاء

ابن أخيك ما كان ، وهذا عمارة بن المغيرة أحسن فتى في قريش جمالاً ونسباً ونهادة وشعراً ، ندفعه اليك فيكون لك نصره وميراثه ، وتدفع الينا ابن اخيك نقتله ، فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الامور . قال أبوطالب : والله ما انصفتموني ، تعطوني إبنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابن أخي تقتلونه ؟! ما هذا بالنصف ! لا كان ذلك أبداً .

وحينما فقده مرة ولم يجده (ص) أمر فتيان بني هاشم وقال لهم : ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة ، حتى اذا ما وجدنا محمداً فليقتل كل واحد منكم واحداً من زعماء قريش ، وكانت قريش مجتمعة في الكعبة . ولما وجد محمد ( ص) أخبر زعماء قريش عما كان أراد من قتلهم اذا لم يجد محمداً (ص) وحينما طلبت قريش أن يترك محمد (ص) الدعوة الى الاسلام ويسوِّ دونه عليهم أجاب عليه الصلاة والسلام : « يا عم والله لو وضعوا الشمس بيمني والقمر بيساري على أن أترك هذا الأمر لما تركته . » فأجابه عمه بقوله : والله لن يصلوا اليك بجمعهم ولقد علمت بأن دين محمد حتى اوسد في التراب دفينا من خير أديان البرية دينا

وكل من يقول بعدم اسلام أبي طالب يكون قد افترى وأخطأ لأن دفاعه أكبر شاهد على اسلامه ...


128

فدعته إلى الزواج وما أحسن ما يبلغ المنى الأذكياء

إن خديجة رضي الله عنها عندما رأت محمداً وما يتحلى به من الأمانة والتقى والورع والحياء والزهد والوفاء ، لم تتأخر بانتهاز الفرصة ، ودعوة محمد الى الزواج فعرضت نفسها عليه ، وهي ذات الشرف الظاهر ، والمال الوافر ، والخلق الكريم ، والحسب ، والنسب .

وذكر ابن هشام : « أن خديجة ام المؤمنين كانت قد تزوجت من أبي هالة بن زرارة التميمي . ومات أبو هالة في الجاهلية ، وقد ولدت له خديجة هندا الصحابي ، راوي حديث صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد شهد بدراً وقيل أحداً . وقد روى عنه الحسن بن علي فقال : حدثني خالي لأنه اخو فاطمة لامها . وكان هند هذا فصيحاً ، بليغاً ، وصّافاً . وكان يقول : أنا أكرم الناس أبّاً ـ وأماً وأخاً واختاً ـ أبي رسول الله صلى الله عليه و سلم (1) .

وأخي القاسم ، وأختي فاطمة ، وأمي خديجة . رضي الله عنهم جميعاً .

وقتل هنداً هذا مع علي رضي الله عنه يوم الجمل (2) .

(1) إشارة إلى أن الرسول الكريم بمثابة أبيه ، فهو عمه زوج امه خديجة رضي الله عنها ...

(2) السيرة النبوية لابن هشام ـ ج ـ 1 ص ـ 198 .


129

نبذة من حياة السيدة خديجة مع الرسول الأعظم (ص)

لنلقي نظرة سريعة على حياة السيدة خديجة رضي الله عنها ، بعد زواجها من الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم نرى ما لاقته من ظلم قريش وقطعيتها ، لأنها وقفت من محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلك الوقفة الجبارة التي سجلها التاريخ على صفحاته .

لقد كانت رضوان الله عليها أكبر مساعد للرسول (ص) وأعظم عون على نشر دعوته ، حتى قال عليه وآله الصلاة والسلام : « قام الدين بسيف علي ومال خديجة » لأنها صرفت مالها الكثير في سبيل نصرة الإسلام .

لقد كانت خديجة رضي الله عنها ، في العز والجاه والثروة ، وهي سيدة قريش ـ كما أسلفنا ـ ولكن بعد زواجها من محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، انفضوا من حولها ، ورجعوا باللائمة عليها وأخيراً تنكر لها الجميع كأنها أتت شيئاً نكراً .

ولما بُعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقه فيما جاء به عن ربه ، وآزره على أمره ، فكان عليه وآله الصلاة والسلام ، لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه ـ من ردٍ عليه أو تكذيب له أو استهزاء به ـ إلا فرج الله عنه بخديجة ، التي كانت تثبته على دعوته ، وتخفف عنه وتهون عليه ما يلقى من قومه من المعارضة والأذى (1) .

(1) طبقات إبن سعد الكبرى .

المرأة في ظل الإسلام (9)


130

نزول الوحي ـ ومبعث الرسول :

استقرت الحياة هادئة ناعمة ، فقد لاقى محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيت الزوجية العطف والحنان ، الذي افتقده منذ طفولته ، وهذه خديجة الزوجة الوفية ، قد أضفت على البيت الراحة والاستقرار والأمان ، وولدت البنات والصبيان .

نعمت أسرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، سنوات بحياة هادئة ، وادعة ، بالألفة والمودة ، يرشف الزوجان على مهل ، رحيق ودٍ عميق ، وحلاوة سعادة صافية .

لقد كان في الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ميل إلى التفكير والاستغراق ، ونزوع إلى الخلاء والتأمل منذ صباه ، فكان يذهب إلى غار حراء ، (1) يقضي فيه الساعات ، بل يتعداها إلى الليالي يمارس هناك ، بعيداً عن الناس ما طاب له من التعبد والتهجد وما يسمونه الآن في العصر الحاضر : ( الرياضة الروحية ) .

وهنا تتجلى شخصية السيدة خديجة ، وما كان لها من تأثير بالغ على حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فنراها في وقارها ، وجلال سنها ونضوجها ، لا تتأفف أو تضيق بهذه الخلوات ، التي كانت تبعد عنها زوجها الحبيب ، وعن

(1) غار حراء ، هو كهف في جبل حراء بجوار مكة المكرمة ـ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعبد فيه .


131

أولادها ، وبيتها ، وما خطر لها أن تعاتبه ، أو تتذمر من هجره لها الليالي الطوال ، و ما حاولت رضي الله عنها ، أن تعكر عليه صفاءه كما نعهد ، من فضول النساء ، التي تستأثر بالرجل وتغار عليه .

ولكن السيدة خديجة رضوان الله عليها ، كانت على عكس ذلك ، فقد حاولت ما وسعها الجهد ، أن توفر له الهدوء والاستقرار ، وأحاطته بالرعاية التامة ، مدة إقامته في البيت ، وعندما يذهب إلى غار حراء ، كانت ترسل من يحرسه ويرعاه ولا يعكر عليه صفو خلوته .

وهناك في غار حراء ، « بعث الله رسوله وأكرمه بما اختصه به من نبوته ، بعد أن استكمل أربعين سنة وذلك بعد بنيان الكعبة بخمس سنين » . (1)

وكان مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم ، في شهر ربيع الأول ـ وقيل في السابع والعشرين من شهر رجب ، وقيل في رمضان ـ وأشار لذلك قول الشاعر : وأتت عليه أربعون فأشرقت شمس النبوة منه في رمضان

« وكان جبريل يظهر له ، فيكلمه ، وربما ناداه من السماء ، ومن الشجرة ، ومن الجبل ، فيذعر من ذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم » (2) .

عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل (3) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لخديجة : إني إذا خلوت وحدي ، سمعت نداءً ، فقالت : ما يفعل بك الله إلا خيراً ، فوالله

(1) مروج الذهب ـ للمسعودي .

(2) تاريخ اليعقوبي .

(3) مجمع البيان في تفسير القرآن ـ للطبرسي .


132

إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم ، وتصدق الحديث . قالت خديجة : فانطلقنا إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، وهو ابن عم خديجة فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما رأى فقال له ورقة أذا أتاك فاثبت له حتى تسمع ما يقول ، ثم ائتني فأخبرني ، فلما خلا ناداه يا محمد ، قل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين قل لا إله إلا الله ، فأتى ورقة فذكر له ذلك ، فقال له : أبشر ثم أبشر ، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل ، وأنك سوف تؤمر بالجهاد ، بعد يومك هذا ، ولئن أدركني ذلك لأجاهدَّن معك ، فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد رأيت القس في الجنة ، عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني ـ يعني ورقة ـ وروي أن ورقة قال في ذلك : فإن يك حقاً يا خديجة فاعلمي وجبريل يأتيه وميكال معهما يفوز به من فاز عزاً لدينه فريقان منه فرقة في جنانه حديثك إيانا فأحمد مرسل من الله وحي يشرح الصدر منزل ويشقى به الغاوي الشقي المضلل واخرى بأغلال الجحيم تغلغل

عن عائشة أم المؤمنين انها قالت : (1) أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي ، الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح .

ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه ، وهو التعبد ، الليالي ذوات العدد ، قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى

(1) الميزان في تفسير القرآن ـ للطباطبائي .


133

خديجة ، فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق ، وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال ما أنا بقارئ . قال فأخذني فغطني (1) حتي بلغ مني الجهد.

ثم أرسلني.

فقال : اقرأ، فقلت ما أنا بقاريء، قال : فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : «﴿ اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم » . (2) .

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني ـ زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الرعب فقال لخديجة : وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة : كلا ما يخزيك الله ابداً ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق !

وفي سيرة ابن هشام عن النبي (ص) قال : فخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل . قال : فوقفت أنظر اليه . ما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، قال فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفاً ما أتقدم

(1) وفي سيرة ابن هشام (فغتني) والفت ـ حبس النفس ـ وفي السيرة الحلبية يقول : فغتني حتى حسبت أنه الموت ، إشارة أن (ص) يحصل له شدائد ثلاث ثم يحصل له الفرح بعد ذلك . فكانت الاولى ادخال قريش له (ص) في الشعب مع أهله ـ والتضييق عليه ـ والثانية اتفاقهم على قتله صلى الله عليه وآله وسلم والثالثة ـ خروجه من أحب البلاد اليه ، مسقط رأسه مكة ـ المكرمة ـ وبعده عن الكعبة المقدسة .

(2) سورة العلق ـ آية ـ 1 ـ 2 ـ 3 ـ 4 ـ .


134

أمامي ، ولا أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ، ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني .

وانصرفت راجعاً إلى أهلي ، حتى أتيت خديجة ، فجلست إليها مضيفاً . (1) . فقالت يا أبا القاسم : أين كنت ! فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ، ورجعوا إلي فحدثتها بالذي رأيت ، فقالت أبشر ، واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة . (2)

وآمنت خديجة ، وصدقت بما جاءه من الله عز وجل ، وآزرته على أمره فكانت أول من آمن بالله ورسوله .

أجل لقد كانت ساعده الأقوى ، مشجعة إياه على القيام بأعباء النبوة العظيمة ، فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان لا يسمع شيئاً يكرهه من المشركين ، من ردٍ عليه وتكذيب له ، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها ، إذا رجع إليها وجدها العطوف الحنون .

(1) مضيفاً معناه ملتصقاً : يقال اضفت الى الرجل ، اذا ملت نحوه ولصقت به ـ ومنه سمي الضيف ضيفاً .

(2) طبقات ابن سعد الكبرى ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير والسيرة النبوية لابن هشام ـ أعلام النساء ـ عمر رضا كحالة .


135

صلاة النبي (ص) وخديجة وعلي (ع)

إن الصلاة حين افترضت على الرسول (ص) أتاه جبريل وهو بأعلى مكة ، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي ، فانفجرت منه عين ، فتوضأ جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر اليه ليريه كيف الطهور للصلاة ، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما رأى جبريل توضأ ، ثم قام به جبريل فصلى به وصلى رسول الله بصلاته . ثم انصرف جبريل عليه السلام فجاء رسول الله خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور ، كما أراه جبريل . فتوضأت كما توضأ لها رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ثم صلى بها الرسول كما صلى به جبريل فصلت بصلاته .

ومكث رسول الله (ص) وخديجة ، وعلي بن ابي طالب (ع) يقيمون الصلاة سراً ما شاء الله . ثم أخذوا بالذهاب الى الكعبة غير مبالين باستهزاء قريش وسخريتهم ، والأذى الذي كانوا يلاقونه . وأقام الرسول أول فرض وهي كانت لكل ما يتجلى فترى بالعيان ما لا تراه فاقتدت فيه أحسن الاقتداء من رسول الهدى من الرقباء من عظيم الآيات مقلة راء (1)

وفي رواية عن عفيف الكندي ، قال (2) :

1 ـ ملحمة أهل البيت للشيخ عبد المنعم الفرطوسي .

2 ـ السيرة الحلبية ج ـ 1 ـ ص ـ 296 واعلام النساء عمر رضا كحاله .


136

« جئت في الجاهلية الى مكة ، وأنا أريد ان ابتاع لأهلي من ثيابها وعطرها ، فنزلت على العباس بن عبد المطلب .

قال : فأنا عنده ، وأنا أنظر الى الكعبة وقد حلّقت الشمس فارتفعت إذ أقبل شاب حتى دنا من الكعبة ، فرفع رأسه الى السماء ، فنظر ملياً ، ثم استقبل الكعبة قائماً مستقبلها وما هي إلا ان جاء غلام حتى قام عن يمينه ثم لم يلبث إلا يسيراً ، حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما . ثم ركع الشاب فركع الغلام ، وركعت المرأة ، ثم رفع الشاب رأسه ، ورفع الغلام رأسه ، ورفعت المرأة رأسها ثم خرَّ الشاب ساجداً ، وخر الغلام ساجداً ، وخرت المرأة ساجدة .

قال : فقلت : يا عباس اني أرى امرأ عظيماً فقال العباس أمر عظيم !! هل تدري من هذا الشاب ؟ قلت : لا ما أدري قال : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن اخي ... هل تدري من هذه ؟ قلت : لا أدري . قال : هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن اخي هذا . ان ابن أخي هذا الذي ترى حدثنا أن ربه رب السموات والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه والله ما علمت على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة » انتهى . وإذا حلَّت الهداية قلباً نشطت في العبادة الأعضاء

لما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم . جعل يدعو الناس سراً ، واتبعه ناس جلهم من الضعفاء ، من الرجال والنساء والى هذا المعنى يشير الحديث الشريف بقوله : ( ان هذا الدين بدأ غريباً ـ وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء ) .

ولا يخفى ان أهل التاريخ وعلماء السير قد اجمعوا على أن أول الناس إيماناً


137

بالنبي عليه الصلاة والسلام خديجة رضي الله عنها ـ ثم علي بن ابي طالب (ع) .

ففي المرفوع عن سلمان ان النبي قال : أول هذه الأمة وروداً على الحوض أولها إسلاماً علي بن ابي طالب . ولما زوجه فاطمة قال لها : زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة . وانه لاول اصحابي إسلاماً ... وأكثرهم علماً ... وأعظمهم حلماً (1) .

لقد كانت خديجة (رض) مثال الإخلاص والوفاء ، فلم تبال عندما تنكرت لها قريش ، ولم تكترث لجفاء نساء مكة لها ، وهي السيدة الجليلة ذات المقام الرفيع كما قيل : وجفتها نساء مكة لما وهي لا تنثني عن الحق صبرا زوجت فيه في أشد الجفاء ودفاعاً عن خاتم الأنبياء

وقفت خديجة بجانب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، تؤازره وتواسيه ، تتحمل المشاق ، وتستسيغ الهوان في سبيل الإسلام ، صابرة على شظف العيش وعلى الحصار والحرمان .

1 ـ ينابيع المودة ـ القندوزي الحنفي .


138

حصار قريش للمسلمين

لما رأت قريش الاسلام يتسع ويزيد ، واموال خديجة بين يدي محمد (ص) يتصرف بها كيف يشاء في سبيل الاسلام ويشتري الارقاء من الذين اسلموا ، ووقعوا تحت التعذيب في ايدي قريش ويحررهم ، وهم المستضعفون .

اجتمع كفار قريش على قتل محمد وقالوا : قد أفسد علينا ابناءنا ونساءنا الذين اتبعوه ، وقالوا لقومه خذوا منّا دية مضاعفة ويقتله رجل من قريش وتريحون انفسكم . فأبى قومه ، فعند ذلك اجتمع رأيهم على منابذة بني هاشم والتضييق عليهم بمنعهم حضور الاسواق فلا يبيعوهم ـ ولا يبتاعوا منهم شيئاً . ولا يقبلوا لهم صلحاً ، ولا تأخذهم بهم رأفة ، حتى يسلموا محمداً (ص) ـ للقتل ـ وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها بالكعبة .

فدخل بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب إلا ابو لهب فانه ضاهر عليهم قريشاً (1) .

1 ـ ان ابا لهب ضاهر قريشاً على المسلمين ، روى انه لقى هنداً بنت عتبة بن ربيعة فقال لها : يا بنت عتبة هل نصرت اللات العزى ؟ وفارقت من فارقها ، وضاهر عليهما ؟ قالت نعم : فجزاك الله خيراً يا ابا عتبة .

وفي رواية ،.. كان يقول : يعدني محمد اشياء لا اراها ، يزعم انها كائنة بعد الموت . فما وضع في يدي بعد ذلك ، ثم ينفخ في يديه ويقول : تبا لكما ـ ما ارى فيكما شيئاً مما يقول محمد . فانزل الله تعالى فيه ﴿ تبت يدا ابي لهب وتب ... الآية . ودخل بنو هاشم وبنو المطلب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين بعثة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكانت مدة اقامته بالشعب ثلاث سنوات . والله العالم .


139

وكان كاتب الصحيفة ، منصور بن عكرمة ، فدعى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشلت أصابعه . وكانت الصحيفة عند أم الجلاس الحنظلية خالة أبي جهل .

وروي ان بني هاشم ـ وبني المطلب لاقوا شتى المصاعب وهم محاصرون في الشعب ، فقد جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط ( ورق الشجر ) وكانوا إذا قدمت العير مكة ، يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئاً من الطعام يقتاته ، فيقوم أبو لهب فيقول :

يا معشر التجار غالوا محمداً ... وأصحاب محمد ... حتى لا يدركوا شيئاً معكم ، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي . فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً حتى يرجع المسلم إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع ، وليس في يده شيء يعللهم به .

وبقي المسلمون في شعب أبي طالب ثلاث سنوات متتالية حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعاً وعرياً .

وان ثباتهم على هذه الشدة جعل لهم المقام الرفيع في الآخرة وملكهم الأرض في الدنيا ، فكانوا ساداتها . وكما قيل : وجزاهم في جنة الخلد فيما صبروا وهي منه خير جزاء


140

قصة حكيم بن حزام مع ابي جهل

ذكر المؤرخون ان أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد ومعه غلام يحمل قمحاً يريد به عمته خديجة بنت خويلد ، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محاصرة معه في شعب أبي طالب تعاني مع المسلمين الجوع ... والحرمان ... والحبس ... والاضطهاد فتعلق به أبو جهل وقال : اتذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟

والله لا تبرح أنت وطعامك حتى افضحك بمكة ...

فجاءه أبو البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد فقال : مالك ... وله ؟ فقال : يحمل الطعام إلى بني هاشم !

فقال له أبو البختري : طعام كان لعمته عنده ، بعثت إليه فيه افتمنعه أن يأتيها بطعامها ؟ خل سبيل الرجل . فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه ... فأخذ له أبو بختري لحي بعير فضربه به فشجه ، ووطئه وطئاً شديداً . وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك ، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وأصحابه ، فيشمتون بهم ...

ورسول الله على ذلك يدعو قومه ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً ... مبادياً بأمر الله لا يتقي فيه أحداً من الناس .


141
ثم قام النبي يدعو إلى الله امما شربت في قلوبهم الكفر وفي الكفر شدة واباء فداء الضلال فيهم عياء

شخصية أم المؤمنين خديجة :

ستظل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها رمزاً حياً في سجل المرأة المسلمة الصالحة . وستبقى على مر العصور القدوة الحسنة التي يجب على كل امرأة أن تتبع خطاها .

لقد وقفت السيدة خديجة (رض) حياتها للعطاء الكامل . الذي وهبته للرسول الكريم ، بكل ايمان . وخطت بعقيدتها الثابتة طريق الصواب ، لبنات جنسها ، في وقت كانت البشرية لا تعي حقيقة وجود المرأة ، وقبل أن يتفتح العقل الإنساني ، ويتفهم معنى السعادة الحقيقة .

صحيح ان هناك أناساً يقيسون السعادة واللذة بمقدار ما يغرقون بها من متع جنسية ... أو بقدر ما يلتهمون من أطعمة شهية ... أو بضخامة ما يمتلكون من ثروة مالية .. الخ .. غير ان الواقع لا يؤيد ذلك أبداً ...

ان اللذة والسعادة لا تعني المتعة الحسية المادية فقط . بل هي الشعور الذاتي بالرضا ... والإسترضاء وهي كل ما يدخل الاطمئنان إلى قلب الإنسان .

ومما لا ريب فيه أن السعادة الحقيقة يفوز بلذتها كل من يتمسك بايمانه وعقيدته ومبادئ الأخلاق الفاضلة .

ان السعادة لمن يفضل الإخلاص على الخيانة ... وهي لمن يؤثر الضنك


142

والدخل المحدود ، على الكسب الحرام والربا والاحتكار . وهي لمن يجد اللذة في تحمل المشاق والمتاعب للمحافظة على دينه وعرضه وشرفه .

وهذه سيدتنا خديجة أم المؤمنين (رض) لقد اكتنفت السعادة حياتها على رغم المصاعب والعقبات التي لاقتها . فكانت تذللها بقلب مطمئن بالايمان ، حتى سجلها التاريخ باحرف من نور ، بعد أن لامس الإسلام قلبها وهداها الباري إلى طريق السعادة الأبدية .

وفاة خديجة أم المؤمنين (رض) :

دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على خديجة ، وهي تجود بنفسها ، فوقف ينظر اليها ، والألم يعصر قلبه الشريف ثم قال لها : ـ بالكره مني ما أرى ـ .

ولما توفيت خديجة (رض) جعلت فاطمة ابنتها تتعلق بابيها الرسول (ص) وهي تبكي وتقول : أين امي ... ؟ أين امي ... ؟ فنزل جبريل فقال للرسول صلى الله عليه وآله وسلم : قل لفاطمة ان الله بنى لامك بيتاً في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب .

وبعد خروج بني هاشم من الشعب بثمانية أعوام ، ماتت خديجة (رض) وكانت وفاتها ووفاة أبو طالب في عام واحد فحزن النبي (ص) عليهما حزناً عظيماً .

وقد سمى النبي ذلك العام ـ عام الأحزان ـ وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين .


143

عظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفقد عمه الكفيل أبي طالب (رض) وزوجته الوفية المخلصة المساعدة . وقال عليه الصلاة السلام ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب .

ودفنت خديجة رضوان الله عليها بالحجون ، ونزل صلى الله عليه وآله وسلم في حفرتها . وكان لها من العمر خمس وستون سنة .

لزم الرسول صلوات الله عليه بيته حزناً عليها ، وكانت مدة إقامتها معه خمساً وعشرين سنة قضتها في كفاح وجهاد مستمر .

وفي ختام المطاف لا باس من ذكر قول الرسول الأعظم في حقها ، دلالة على عظمتها : قال عليه الصلاة والسلام :

« كمل من الرجال كثير ـ وكمل من النساء أربع ـ آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم » .


144

عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم

هبت قريش عندما صرح النبي محمد (ص) بالرسالة ، وراح فراعنتها يتفننون في تعذيب الذين اسلموا وآمنوا ، باشد أنواع العذاب .

لقد تجاوز طغاة قريش الحدود في الظلم والاستبداد خصوصاً على المستضعفين الذين سبقوا إلى الإسلام ، ولا عشائر لهم تمنعهم ، ولا قوة ترد عنهم ظلم المعتدين من رؤساء قريش المشركين .

وثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين الضعفاء ، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر .

كانوا يخرجونهم إذا حميت الظهيرة ، ويطرحونهم على الرمال ، ويأتون بالصخر يضعونه على صدورهم ، ويعذبونهم باشد العذاب . فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ومنهم من يزداد تصلباً وإيماناً بالإسلام ونبيه .

كانت المرأة في طليعة المؤمنين الصادقين ، ومن السابقين للإسلام الذين قال الله سبحانه وتعالى في حقهم : ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات تجري


145

تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم (1) .

و قد كانت المرأة في طليعة المؤمنين ومن الذين استعذبوا العذاب في سبيل العقيدة الإسلامية ولنا في قصة سمية أم عمار بن ياسر أكبر دليل على ما نقول .

سمية أم عمار بن ياسر :

هي بنت خباط ، كانت امة لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي وكان ياسر حليفاً لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي ، فزوجه سمية . فولدت له عماراً فاعتقه .

هذه المرأة التي سجلها التاريخ ، وسجل لها جهادها وشجاعتها وثباتها على عقيدتها ، لقد صبرت سمية على العذاب والهوان ، وظلت متمسكة بعقيدتها وإيمانها حتى أصبحت في مصاف المجاهدين الذين قال الله تعالى فيهم : ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم (2) .

وذكر ابن هشام في سيرته : كانت سمية سابع سبعة في الإسلام ، وكانت ممن يعذب في الله عز وجل أشد العذاب ، وهي أول شهيدة في الإسلام ، قال مجاهد :

(1) سورة التوبة ـ آية ـ 100 ـ

وقد ذكر صاحب مجمع البيان في تفسير القرآن ما نصه : وفي هذه الآية ، دلالة على فضل السابقين ومزيتهم على غيرهم لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين . فمنهما مفارقة العشائر والأقربين ـ ومنها مباينة المالوف من الدين ـ ومنها نصرة الإسلام مع قلة العدد وكثرة العدو ـ ومنها السبق الى الإيمان والدعاء اليه .

(2) سورة الحج ـ آية : 35

المرأة في ظل الإسلام (10)


146

أول من أظهر الإسلام بمكة ـ ما عدا بني هاشم ـ سبعة أشخاص ، أبو بكر ـ وبلال ـ وخباب ـ وصهيب ـ وياسر ـ وعمار وسمية .

فأما أبو بكر منعه قومه وعشيرته ، وأما الآخرون فألبسوا أدراع الحديد ، ثم صهروا في الشمس .

وفي رواية ابن عبد البر : أن عماراً جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله بلغ منّا ـ أو بلغ منها العذاب ( أي سمية ) كل مبلغ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

صبراً أبا اليقظان ، الَّلهم لا تعذب أحداً من آل ياسر بالنار ...

ثم مرَّ أبو جهل يوماً بسمية وهي في العذاب ، فأغلظت له القول ، فطعنها بحربة في قلبها فماتت . وذلك قبل الهجرة .

وروي أنه لما قتل أبو جهل يوم بدر قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لعمار : ( قتل الله قاتل أمك ) .

كانت سمية أم عمار رضي الله عنها ذات إيمان قوي بالله ، أسلمت وحسن إسلامها . فكانت من السابقين الذين موعدهم الجنة .

تحملت العذاب وصبرت على الأذى صبر الكريم ، فلم تصبأ ، او تهن عزيمتها ، او يضعف إيمانها الذي رفعها الى مستوى الأبطال الخالدين .

وهناك سيدة أخرى هي « زنيرة » التي أصيب بصرها وهي في العذاب ، فقالت قريش : ما أذهب بصرها إلا اللات ... والعزى . فقالت : كذبوا وبيت الله ، ما تضر اللات ... والعزى وما تنفعان . ولكن هذا أمر من السماء ، وربي قادر على رد بصري ... فأصبحت من الغد وقد ردَّ الله تعالى بصرها .


147

ونحن عندما نذكر بعض اللواتي تحملن الأذى من سادات قريش وجبابرتها ، وصبرن على العذاب لا ننسى النهدية ... وابنتها ، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار . فكانت تعذبهما وتقول : والله لا أدعكما إلا أن تكفرا بمحمد .

وام عبيس : وهي أمة لبني زهرة . فكان الأسود ابن عبد يغوث يعذبها (1) وغيرهن كثيرات . مما يضيق المجال عن الإحاطة بهن .

موقف المرأة المسلمة في بدء الدعوة :

الواقع أن الانقلاب الذي أحدثه محمد صلى عليه وآله وسلم بإبلاغ التعاليم السماوية والنظم الإسلامية لبني البشر ، والانتقال فجأة من طور ... إلى طور ... كان شبه المستحيل .

ورغم أن التقاليد التي صاغتها العصور والعادات التي فرضتها الأجيال ، والتي يتوارثها الأبناء عن الآباء ، لا يمكن أن تزول دفعة واحدة ، ولا تندثر أو تتبدل إلا بمدة طويلة من الزمن .

لكن التعاليم الإسلامية الجديدة ، قلبت نظام المجتمع العربي ، وأسرعت إلى قلوب المسلمين ، واحتلت الصدارة في نفوس المؤمنين . فإذا بأولئك الرجال الذين كانوا بالأمس القريب ، يعتبرون المرأة مخلوقاً وضيعاً لا تصلح إلا للخدمة أو للمتعة . نجدهم ينقلبون فجأة وبسرعة مدهشة ، إلى اعتبار النساء وإكرامهن حسب التعاليم النبوية وتوجيه الرسول الكريم .

(1) سيرة ابن هشام ج ـ 1 ـ ص 340 ـ والكامل في التاريخ لابن الاثير ج ـ 2 ص 46 .


148

وكذلك نجدهم يعاملوهن بالمودة والرحمة أسوة بالنبي العظيم الذي كان يعامل المملوكة الرقيقة المؤمنة ، معاملة الحرة الرفيقة الكريمة .

ونتج عن هذا التبدل ـ التطور ـ ان المرأة شعرت بمنزلتها ، وحفظ كرامتها فقمن النسوة بواجباتهن منتعشات الأرواح نشيطات الأجسام .

والفين في امتثال الرجال لأوامر الدين ونواهيه طريقاً واسعاً للانطلاق من مجال القول الى مجال العمل .

نرى بذور الخير ، وقفزات واسعة ، ونشاطاً ظاهراً للمرأة المسلمة ، التي وقفت جنباً إلى جنب تشارك الرجل في جميع المراحل ... والميادين .

فقد ابتليت بما ابتلى به المسلمون من التعذيب والاضطهاد والأذى من قريش وطواغيتها .

أجل لقد جاهدت وضحت بكل غالٍ ورخيص في سبيل عقيدتها ثابتة على إيمانها .

هاجرت إلى الحبشة فراراً بدينها مع من هاجر من المسلمين .

نعم هاجرت المرأة الهجرتين . وصلت إلى القبلتين ، وثبتت على إيمانها حين دعا داعي الحق .


149

إشارة الرسول الأعظم (ص) على اصحابه بالهجرة :

لما كثر المسلمون وظهر الإيمان ، ثار ناس كثيرون من كفار قريش على من آمن من قبائلهم ، فعذبوهم وسجنوهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم ، فقال لهم رسول الله (ص) تفرقوا في الأرض .

قالوا : أين نذهب يا رسول الله ؟

قال : ها هنا وأشار إلى أرض الحبشة ، وكانت أحب الارض إليه . فهاجر ناس ذوو عدد من المسلمين ، منهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه . فخرجوا متسللين سراً وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة ، حتى انتهوا الى الشعيبة ، منهم الراكب والماشي .

ووفق الله للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار ، حملوهم الى ارض الحبشة بنصف دينار . وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة للنبوة .

وخرجت قريش في آثارهم ، حتى جاؤوا البحر حيث ركب المسلمون فلم يدركوا منهم أحداً (1) .

ويقول ابن الأثير في تاريخه : « وكان عليهم عثمان بن مظعون فهو رئيس المهاجرين في الهجرة الاولى ، ليشرف على شؤونهم ويراقب أعمالهم ، كي لا تتفرق كلمتهم ، ومن هنا نعلم أن المسلمين يجب أن لا يخرجوا عن النظام الإسلامي الذي

(1) طبقات ابن سعد الكبرى ـ مجلد ـ 1 ـ 2 ـ صفحة 136 .


150

وضعه لهم النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون لهم قائد يدير أمورهم ، وإن كانوا قليلين ، وإنَّ ترك المسلمين القيادة وانصراف كل حسب رأيه ، وميله ، وهواه ، لجعلهم كالغنم الشاردة فصاروا طعمة للمستعمرين » .

ولو أنهم اتبعوا دينهم العظيم ، وجعلوا لهم من وسطهم غيوراً على مصالحهم يكافح عنهم ، حسب التعاليم الإسلامية ( لا تأخذه في الله لومة لائم ) فيناضل الأعداء ، لتلافي النقصان ، وإصلاح الخلل ...

عندها تنهض الأمة الى السعادة والشرف .

الهجرة الثانية :

وبعد نقض الصحيفة ، وتضييق المشركين على المسلمين ... في حديث يطول شرحه لا مجال لذكره ... خرج المسلمون فراراً بدينهم الى أرض الحبشة ، فكانت الهجرة الثانية .

كان أمير القوم هذه المرة جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه ومعه امرأته أسماء بنت عميس .

تتابع المسلمون الى أرض الحبشة منهم من هاجر بأهله ، ومنهم من هاجر بنفسه كما ذكرنا في الهجرة الاولى .

فكان جميع من هاجر من المسلمين ، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغاراً ـ أو ولدوا في ارض الحبشة ـ كانوا ثمانين رجلاً وسبع عشرة امرأة أو ما يزيد والله أعلم .


151

حزن الرسول (ص) على فراق خديجة :

بعد أن ألقينا نظرة خاطفة على حياة أم المؤمنين السيدة خديجة (رض) زوجة الرسول الكريم (ص) لا بد لنا من أن نتكلم عن مدى حزن النبي (ص) لفراقه الزوجة الوفية ...

أجل ... لقد خمدت تلك الجذوة المشتعلة التي أضاءت طريق الجهاد مدة من الزمن .

رحلت خديجة الى جوار ربها آمنة مطمئنة ، وبقي الرسول الكريم (ص) بعدها في كآبة وحزن ، وهم بالغ ..

فاليالي تمضي كالحات ، مشحونة بالذكريات الأليمة ، ذكريات الزوجة الوفية ، ربة البيت ، وأم الأولاد ، وساعده القوي ، وشريكته في الجهاد .

كان عليه الصلاة والسلام يرجع الى البيت ، وهو مرهق ينؤ بأعباء الرسالة العظيمة ، وقد أتعبه ما يلقى من المشركين ، من تعنت وأذى .

لقد فرح المشركون بموت خديجة ... وأبي طالب المحامي والكفيل لمحمد (ص) وظنوا أن الظلمات تكاثفت حوله ، فلن يبدو على الافق شعاع أو ضياء .

كان صلى الله عليه وآله وسلم يخلو الى نفسه ليستعيد ذكرى الراحلة التي ملأت عليه دنياه ، وقد تراكمت عليه الهموم والأحزان .

دخلت عليه خولة بنت حكيم السلمية ، وقالت له : يا رسول الله كأني


152

أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة ؟!

فأجاب عليه الصلاة والسلام : ( أجل كانت أم العيال وربة البيت ) .

فاقترحت عليه خولة بعد حديث طويل أن يتزوج . فأجابها بنبرة عتاب ... « من بعد خديجة ؟ »

فقالت : هون عليك ، إن أردت ثيباً فهذه سودة بنت زمعة ... أو أردت بكراً .. فعليك بعائشة بنت أبي بكر ، فقال لها : لكنها لا تزال صغيرة يا خولة .

وكان رد خولة حاضراً : تخطبها اليوم الى أبيها ، ثم تنتظر حتى تنضج .

فأجابها النبي باستغراب : حتى تنضج ؟! ثم أردف بلوعة ...

لكن من للبيت يرعى شؤونه ؟ ومن لبنات الرسول يخدمهن ؟

واخيراً أذن لها الرسول في خطبتهما . فمرت أولاً ببيت ( أبي بكر ) ثم جاءت بيت ( زمعة ) فدخلت على ابنته ( سودة ) وهي تقول : ـ ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة يا سودة ؟

فسألت ( سودة ) وهي لا تدري مراها : وماذا يا خولة ؟

قالت : أرسلني رسول الله أخطبك عليه ...

وكانت الهجرة الى يثرب ( المدينة المنورة ) بوحي من السماء أتى به جبريل .

هناك في المدينة أنصار للرسول الأعظم ، يحيطون به ويفتدونه بأرواحهم مستبسلين ، يرون الاستشهاد في سبيل الدعوة الاسلامية مجداً وانتصاراً ، وغاية أمانيهم نشر الإسلام وتعاليمه ، وتركيز دعائمه .


153

هجرة الرسول ( ص) الى يثرب :

تعالى الهتاف في أنحاء يثرب ، وخرج أهلها مسرعين ليروا الرسول الكريم (ص) . وأقبلت أفواج الناس ساعية في شوق ولهفة ، الى حيث تلقى المهاجر العظيم .

خرج أهالي يثرب رجالاً ونساء ، مرحبين ... داعين بصوت واحد : « هلم إلينا يا رسول الله ـ الى العدد ـ والعدة ـ والمنعة » خرجوا وهم يهتفون : طلع البدر علينا وجب الشكر علينا أيها المبعوث فينا من ثنيات الوداع ما دعى لله داع جئت بالأمر المطاع

وكان النبي الأعظم (ص) يحيي المستقبلين مبتسماً ثم يقول : « خلوا سبيل ناقتي » .

ولما بركت ناقة الرسول ، اختار عليه الصلاة والسلام ذلك الموضع الذي بركت فيه ، فبنى عليه مسجداً « المسجد النبوي الشريف » .

وبنى الرسول (ص) حول المسجد بيوتاً من الطين والجريد ، ... أقام بهذه البيوت بعض المهاجرين ينعمون بسماع أصوات المصلين والمتعبدين ، التي هي أعظم نغم وأعذب ترتيل ينعش قلوب المؤمنين .

وفي بعض هذه البيوت ، أقامت السيدة سودة بنت زمعة أم المؤمنين ، ترعى شؤون بيت الرسول الاعظم (ص) وتسهر على راحة بناته .


154

ولما استقر المسلمون في دار الهجرة ، حيث العدد ـ والعدة ـ والمنعة ـ وعبدوا الله بدون خوف من اضطهاد عدوهم وأذيته .

قام الرسول (ص) وخطب بالمسلمين ، وآخى بينهم ، المهاجرين منهم والأنصار . فقال (ص) تآخوا في الله أخوين ... أخوين ...

« آخى بين أبي بكر وبين خارجة بن زهير الخزرجي ، وآخى بين عمر بن الخطاب وبين عتبان بن مالك العوفي ، وآخى بين أبي عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ ... الخ ...

ثم أخذ النبي (ص) بيد علي بن أبي طالب (ع) وهو يقول : هذا أخي ... وابن عمي ... ووزيري ...

وتفرق الجمع ، وخرج كل مهاجر بأخ له ، وذهب علي بن أبي طالب (ع) بالربح الوفير ... مؤاخاة سيد البشر وخاتم الأنبياء ، فكان له الأخ والوصي ... والساعد القوي .

عاد الرسول (ص) الى بيته وقد ارتاحت نفسه الشريفة الى مؤاخاة المسلمين ، واتحادهم وتضامنهم في سبيل الدعوة الى الإسلام ونصرة الداعي .

وجاء أبو بكر يتحدث الى النبي (ص) باتمام زواج ابنته عائشة التي عقد عليها الرسول الكريم (ص) بمكة ، وهي لا تزال يومئذ بنت ست سنوات على ما يروى ـ ومنهم من قال سبع سنوات ـ .

وأصغى النبي (ص) الى حديث أبي بكر ـ ثم سأله مستفسراً كم أصبح عمرها ؟ فقال أبو بكر : تسع سنين .

« وأجاب النبي ... وأتى مع بعض الأنصار ونسائهم الى منزل أبي بكر


155

الصديق حيث كان يقيم في بيت الحارث بن الخزرج ... » (2) .

عائشة أم المؤمنين :

هي بنت أبي بكر ، وإحدى زوجات النبي (ص) المحظوظات عاشت في كنف الإسلام ، وأخذت عن الرسول الأعظم (ص) الكثير من التعاليم ، وروت عنه الروايات الكثيرة في شتى المسائل .

كانت ذات نفوذ قوي بعد وفاة النبي (ص) ساعدها على ذلك أنها زوجة صاحب الرسالة ... وابنة أبي بكر ..

وبذكائها وفطنتها اغتنمت هذين الأمرين ، فأبرزت شخصيتها وخصوصاً في مطلع خلافة أمير المؤمنين علي (ع) .

نظرت عائشة فوجدت أن علي بن أبي طالب أصبح خليفة للمسلمين ، وأن طلحة والزبير بايعا علياً (2) وهي لم ترضى بذلك ، ولم يوافق هواها .

وكيف ترضى أن يلي الخلافة بنو هاشم ، وخصوصاً علي بن أبي طالب زوج الزهراء ابنة ضرتها أم المؤمنين خديجة .

كانت مقومات الشخصية القوية مكتملة لدى ابنة أبي بكر ، فهي تعيش في

(1) تاريخ الطبري .

(2) إن طلحة والزبير بعدما بايعا علياً (ع) نكثا البيعة عندما علما أنهما لن يحققا رغبتهما في الامرة والسلطان لأن علياً سيساوي بين افراد الامة ، ويعطي كل ذي حق حقه بلا تفاضل أو تمييز .


156

ظل بيت رفيع ، بيت صاحبة الرسالة . ـ منذ تزوجها الرسول الأعظم (ص) ـ وتستقي من لدنه علماً وأدباً ، يعينها على ذلك ، ذكاء حاد ، وفطنة وقادة ، مما جعلها موئلاً ، وملجأ لطالبي الحديث عن الرسول الأعظم (ص) .

فروى عنها كبار مشايخ المسلمين الكثير مما حفظته من زوجها النبي (ص) والكثير مما استفادته هي من تجارب الحياة كقولها : كما في بلاغات النساء .

«مكارم الأخلاق عشرة ـ صدق الحديث ـ وصدق البأس ـ وأداء الأمانة ـ وصلة الرحم ـ والمكافئة بالصنيع ـ وبذل المعروف ـ والتذمم للصاحب ـ وقرى الضيف ـ ورأسهن الحياء » (1) .

كانت السيدة عائشة تتمتع بشباب ناضر ، وجمال فتان ، بالإضافة الى صفات لها الأثر الكبير في زرع الثقة في النفس لدى الانثى ، هذه الثقة التي جرأت أم المؤمنين أن تخوض غمار الحرب ، وتسحر بعض المسلمين بطلاوة حديثها ، وعذوبة ألفاظها ، فتأخذ بأعنة النفوس ، وتصنع ما يصنع الرجال العظام .

إن شخصيتها ، وقوة إدراكها ، وتعقلها للامور وسعة افقها ... كل هذه الخصائص هي التي جعلتها تتفوق على صواحبها ، وتتغلب على كل ما يحيطها من مشاكل ، وتذلل أمام أهدافها الصعاب .

لكن السيدة عائشة انهزمت عند الصراع مع هواها وعواطفها ، وفشلت في تجريد نفسها من الغرائز الانثوية وبقيت الانثى ... انثى تشعر بالغيرة من غيرها .

صحيح ان لها مكان الصدارة بين زوجات النبي اللواتي كن يتوافدن الواحدة تلو الأخرى ، بعد موت خديجة التي أكرمها الباري سبحانه فلم تتجرع مرارة الضرائر ، ولم تكتوي بنار الغيرة التي تشعل صدورهن .

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ... هكذا وردت في الأصل .


157

وهنا لعبت الطبيعة دورها ، فالسيدة عائشة لا تتمكن من اخماد نار الغيرة التي تتأجج في صدرها ، وهي ذات الشعور القوي... أليست الغيرة من صفات الأنثى ... من البشر !

ومن طريف ما يروى عن السيدة عائشة ، أن النبي (ص) قال لها مداعباً : « ما ضرك لو متِ قبلي ، فقمت عليكٍ ... وكفنتك ... وصليت عليك ... ودفنتك ؟؟ »

فأجابت وقد التهب صدرها بنار الغيرة : « ليكن ذلك حظ غيري . والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك ، لقد رجعت الى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك » (1) .

لقد ضم بيت النبي (ص) عدداً من النساء ، من ذوات الجمال والذكاء ، علاوة على النسب الرفيع .

عاشت السيدة عائشة بين ضرائر من بينهنَّ السيدة الحسناء الأبية المترفعة أم سلمة بنت أبي أمية ـ زاد الركب ـ والسيدة ذات الشرف والحسب زينب بنت جحش ، وهي ابنة عمة الرسول التي كانت تفاخر ضرائرها بأن الله سبحانه زوجها في السماء ، إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها (2) وأم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم مشركي مكة ، وقائد جيشها لحرب النبي (ص) .

(1) تاريخ الطبري ـ ابن جرير .

(2) سورة الاحزاب ـ آية 38 .

وفي مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي : نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش الاسدية ، بنت اميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله (ص) فخطبها على مولاه زيد بن حارثة . وفي الحديث ان زينب كانت تفتخر على سائر نساء النبي وتقول : ( زوجني الله من النبي وأنتن إنما زوجكن اولياؤكــن .


158

ناهيك عن جويرية بنت الحارث التي تبهر الأنظار لروعة جمالها . وحفصة بنت عمر بن الخطاب . وصفية بنت حيي بن أحطب الناعمة ... الساحرة .

ولكن السيدة عائشة كانت تقول : ما غرت من امرأة قط كغيرتي من خديجة ... ولم أرها .

لقد حاولت السيدة عائشة أم المؤمنين الاستيلاء على قلب الرسول الزوج العظيم ، بشتى الطرق ، وجعلت سلاحها من أنوثتها ـ وذكائها ـ وصباها ـ وجمالها ـ .

ولكن المرارة ... مرارة الغيرة لم تقدر أن تستسيغها ، فالحب العميق الذي يكنه الرسول الأعظم (ص) لزوجته الراحلة خديجة (رض) كان شغلها الشاغل .

لقد بقيت خديجة (رض) تشارك عائشة عواطف الزوج وحنانه ، وهي بين الأموات ، وتحت الثرى ، ولكن طيفها ما زال ماثلاً أمام عيني الرسول ، ولسانه الشريف يلهج بذكرها يردد اسمها في كل حين ، ولم يسأم من الثناء عليها حتى تأججت نار الغيرة في قلب عائشة (رض) فلم تتمالك أم المؤمنين أن قالت مرة للرسول (ص) : لقد عوضك الله من كبيرة السن ... فغضب رسول الله (ص) من كلامها غضباً عظيماً حتى أسقطت من جلدها . فقالت في نفسها : اللهمَّ إن ذهب غضب رسول الله عني لم أعد أذكرها بسوء .

وقالت عائشة : كان النبي يكثر من ذكر خديجة وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة ؟ فيقول : إنها كانت وكان لي منها ولد .

فلا غرابة أن تزداد نار الغيرة في قلب السيدة عائشة (رض) وهي تسمع النبي يردد في كل حين ( كان لي منها ولد ) وعائشة تلك الشابة الحلوة ـ ذات الذكاء


159

والفطنة لم تنجب لزوجها ولداً ، في حين أن خديجة وهي العجوز قد انجبت له البنين والبنات .

ولا يمكن للسيدة عائشة أن تتجاهل ذلك الحب الشديد للأبناء ، والحرص على الانجاب الذي كان يكمن في قلب الرسول الأعظم (ص) ورجال ذلك العهد أجمع .

إن مرارة العقم ـ وحرارة عواطف الامومة ... المحرومة ... والكبت ... كل هذه الأشياء التي هي من صنع الطبيعة البشرية وقدرة الخالق الجبار ، كانت تثير في نفس السيدة عائشة دائماً شعوراً بوطأة الحرمان التي تجثم على صدرها . وتنظر الى بنات ضرتها ( خديجة ) متحسرة تشعر كأن حواجز منيعة تقوم بينها وبينهن . بل ترى أن كل واحدة منهن هي صورة عن ضرتها التي استأثرت بقلب الزوج الرسول وما بلغته من ايثار لم يبلغه احد من قبل ... ولا من بعد .

وهذا ما جعل السيدة عائشة تخرج الى حرب علي بن ابي طالب زوج فاطمة بنت محمد (ص) ابنة ضرتها التي احتلت مكان امها خديجة من قلب الرسول (ص) .

وكانت وقعة الجمل الشهيرة في البصرة التي ذكرها جميع أهل التاريخ وأصحاب السير وليس هذا المجال مجال لذكرها .

ذكرت الدكتورة بنت الشاطئ : « لما تزوج النبي اسماء بنت النعمان التي أحست عائشة خطر جمالها منذ وقعت عيناها عليها ، وقدرت انها اذا لم تحل بينها وبين زوجها الرسول فسوف تكلفها من أمرها عسراً .

ومن ثم قررت أن تفرغ منها قبل أن يتم الزواج . وبدأت تعمل على الفور مستعينة بصواحبها ...

دعت إليها حفصة واخرى ممن يحرصن من إرضائها ، فقالت لهما :


160

« قد وضع يده في الغرائب يوشكن أن يصرفن وجهه عنّا » و...

واتفقن على خطة موحدة ... أقبلن على العروس مهنئات ، يجلونها للزفاف ، ويوصينها بما تفعل ، وما تقول استجلاباً لرضا الزوج العظيم ... ومحبته ...

فكان مما نصحهن لها به ، أن تستعيذ بالله إذا ما دخل عليها ... !

وفعلت المسكينة ....

لم تكد ترى الرسول مقبلاً عليها ، حتى استعاذت بالله وفي حسابها أنها تستجلب محبته ورضاه ...

فصرف رسول الله وجهه عنها وقال : « لقد عذتِ بمعاذ » .

وغادرها من لحظته ، وأمرها أن تلحق بأهلها ...

فبعثت إليه ـ أو بعث أبوها ـ من يتوسط لردها ويتحدث عما كان من نسائه معها ، فلم يملك عليه الصلاة والسلام ، إلا أن يبتسم ويقول :

« إنهن صواحب يوسف ... وإن كيدهن عظيم » .

وبقي (ص) عند كلمته ، فلم يمسك تلك التي ( عاذت بمعاذ ) .

وتخلصت عائشة من منافسة خطرة (1) .

ومما روى ابن طيفور : أن عائشة (رض) لما احتضرت جزعت ، فقيل لها :

« أتجزعين يا أم المؤمنين وأنت زوجة رسول الله (ص) وأم المؤمنين ـ وابنة أبي بكر الصديق ؟!

(1) تراجم سيدات بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ .


161

فقالت متحسرة ...

ـ إن يوم الجمل معترض في حلقي ... ليتني مت قبله ـ أو كنت نسياً منسياً (1) .

توفيت عائشة ام المؤمنين عن عمر يناهز السادسة والستين . وصلى عليها ابو هريرة . ودفنت بالبقيع مع امهات المؤمنين زوجات النبي الكريم (ص) .

وتحت ثرى المدينة المنورة ـ يثرب ـ خمد ذلك الذكاء الوقاد ـ واللهيب الذي ظل يضطرم سنيناً وأعواماً طوالاً ...

وتحت ثرى ـ يثرب ـ جمع الموت بين الضرائر حيث لا تنافس ... ولا حقد ... ولا غيرة ...

أم المؤمنين أم سلمة :

إن ظهور الرسالة المحمدية أعظم حادث في تاريخ العرب خاصة ، والبشر عامة . قال تعالى :

« وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً » (2) حتى كان قصارى جهد المسلمين ، تركيز دعائم الدين ، وجهادهم في اجتماعهم على الإسلام ، ونبذ ما كانوا عليه من الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء .

سرت تعاليم الإسلام في النفوس كضياء الشمس ينساب بنوره الخالد على قلوب

(1) بلاغات النساء لابن طيفور .

(2) سورة سبأ ـ آية ـ 28 .

المرأة في ظل الأسلام (11)


162

المؤمنين أنّى كانوا وحيثما رحلوا .

وهنا ظهرت المرأة التي كانت قد أنكرتها الأمم ، واضطهدتها الشعوب الى ميدان الحياة ، تؤدي رسالتها وتضرب المثل الأعلى في علو الهمة ـ والبطولة ـ والجهاد ـ ونصرة الحق ـ والتعاون على البر والتقوى ـ والتمسك بعرى الدين والإيمان ـ ومكارم الأخلاق .

كان من أبرز المجاهدات المهاجرات المؤمنات السيدة أم سلمة رضوان الله عليها ، وهي تعطينا صورة واضحة عن المرأة المسلمة في ذلك العهد ... ومدى مساهمتها في الجهاد .

أم سلمة هي بنت أبي أمية (1) الملقب بزاد الركب وهي مهاجرة جليلة من المسلمات السابقات الى الإسلام . تزوجها عبد الله بن الأسد المخزومي ، آمنت بالنبي (ص) وصدقته ، وهاجرت الى أرض الحبشة عندما أشار الرسول الكريم على المسلمين بالهجرة .

وقد كانت أم سلمة من طلاقة اللسان ، وحسن الرأي وكمال الهيئة ، وجمال الصورة ، ما تحدث عنه العرب .

وقد حزنت السيدة عائشة عندما تزوج رسول الله (ص) بام سلمة ، لما ذكروا لها من كمالها ، وأدبها ، وجمالها ، وقالت لما رأتها : « والله أضعاف ما وصفت لي » .

ومما يدلنا على طلاقة لسان السيدة أم سلمة وفطنتها نستمع إليها كما يحدثنا

(1) هو سهيل بن المغيرة من بني مخزوم ، وهو ابن عمة رسول الله (ص) برة بنت عبد المطلب لقبه زاد الركب لأنه كان احد اجواد العرب ، فكان اذا سافر لم يحمل من يكون معه او برفقته زاداً ، بل هو يكفيهم جميعاً مؤونة السفر ، لجوده وكرمه .


163

التاريخ ، وهي تتكلم عن الذين هاجروا الى أرض الحبشة . وما كان من الحوار بين النجاشي ملك الحبشة ـ وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أمير المسلمين في ارض الحبشة .

حديث أم سلمة (رض) :

ذكر ابن هشام في السيرة النبوية (1) عن أم سلمة قولها : « لما نزلنا أرض الحبشة ، جاورنا بها خير جار ـ النجاشي ـ أمّنا على ديننا ، وعبدنا الله تعالى ، لا نؤذى ، ولا نسمع شيئاً نكرهه . فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا الى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة . وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم (2) .

فجمعوا له أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية .

ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص . وأمروهما بأمرهم ، وقالوا لهما : ادفعوا الى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ، ثم قدما الى النجاشي هداياه .

ثم سلاه أن يسلمهم اليكما قبل أن يكلمهم ، قالت : فخرجا حتى قدما على النجاشي ونحن عنده ... بخير دار عند خير جار ... فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا اليه هديته قبل أن يكلما النجاشي وقالا لكل بطريق منهم :

(1) السيرة النبوية لابن هشام ـ ج ـ 1 ـ ص ـ 158 ـ 359 .

(2) الادم ، هو الجلد وكانت مكة والجزيرة العربية معروفة بالجلود الممتازة وهي من مصادر ثروتها .


164

« انه قد ضوى (1) الى بلد الملك منّا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم ، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا الى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم اليهم . فإذا كلمنا الملك فيهم ، فأشيروا عليه بأن يسلمهم الينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عيناً (2) وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .

قالت : ولم يكن شيء أبغض الى عبد الله بن أبي ربيعه وعمرو بن العاص ، من أن يسمع كلامهم النجاشي . قالت : فقالت بطارقته من حوله :

صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم اليهما ، فليرداهم الى بلادهم وقومهم .

قالت : فغضب النجاشي ، ثم قال : لا ها الله إذاً لا أسلمهم اليهما ، ولا يُكاد قوم جاوروني ، ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى ادعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم . فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم اليهما ، ورددتهم الى قومهم . وإن كانوا غير ذلك ، منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني .

قالت : ثم أرسل الى أصحاب رسول اللّه (ص) ، فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم : ماذا تقولون للرجل إذا جئتموه ...؟

قالوا : نقول والله ما علَّمنا وما أمرنا به نبينا (ص) كائناً في ذلك ما هو كائن .

(1) ضوى : لجأ اليه ـ ولصق به ـ أي اتى ليلا متخفياً ـ سراً .

(2) اعلى بهم عيناً ـ اي اعرف بهم وابصر ـ والمعنى : عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم يرون منهم ما لا يرى غيرهم .


165

فلما جاؤوا وقد دعا النجاشي اساقفته فنشروا مصافهم حوله ، سألهم فقال لهم : ـ ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين احدٍ من هذه الملل ... ؟

قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن ابي طالب رضوان الله عليه ، فقال له : ايها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ويأكل القوي منّا الضعيف . فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا الى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان .

وأمرنا أيضاً : بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء .

ونهانا أيضاً عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات .

وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ... الخ قالت : فعدد عليه امور الاسلام .

فصدقناه وآمنا به .

واتبعناه على ما جاء به من الله وحده ، فلم نشرك به شيئاً ، وحرمنا ما حرَّم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا الى عبادة الأوثان ، من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث .

فلما قهرونا وظلمونا ، وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا الى


166

بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ورجونا ان لا نظلم عندك أيها الملك .

قالت : فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قالت : فقال له جعفر : نعم ، فقال له النجاشي : فاقرأه عليّ . قالت : فقرأ عليه صدراً من « كهيعص » . قالت : فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى اخضلوا (1) مصاحفهم ، حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال لهم النجاشي : إن هذا الدين ، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة (2) انطلقا ، فلا والله لا اسلمهم إليكما ، ولا يُكادون .

قالت : فلما خرجا من عنده ، قال عمرو بن العاص : والله لآتينه غداً عنهم بما أستأصل به خضرائهم (3) . قالت : فقال له عبد الله بن ابي ربيعة وكان أتقى الرجلين : لا نفعل ، فإن لهم ارحاماً وإن كانوا قد خالفونا .

قال : والله لاخبرنه انهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد . قالت : ثم غدا عليه من الغد ، فقال له : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً ، فأرسل إليهم ، فسلهم عما يقولون فيه .

قالت : ولم ينزل بنا مثلها قط : فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ..؟ قالوا : نقول والله ما قال الله ، وما جاءنا به نبينا ، كائناً في ذلك ما هو كائن .

(1) اخضل : ابل ـ واخضلت لحيته : ابتلت

(2) المشكاة : قال في لسان العرب : « وفي حديث النجاشي : إنما يخرجوا من مشكاة واحدة . المشكاة : الكوة غير النافذة ؛ وقيل هي الحديدة التي يعلق عليها القنديل » . اراد القرآن ـ والأنجيل كلام الله تعالى ـ وأنهما من شيء واحد .

(3) خضراءهم ـ معناه : شجرتهم التي منها تفرعوا .


167

قالت : فلما دخلوا عليه ، قال لهم : ماذا تقولون في عيسى بن مريم ؟ قالت فقال جعفر بن ابي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا (ص) يقول : هو عبد الله ورسوله ، وروحه وكلمته ، ألقاها الى مريم العذراء البتول .

قالت : فضرب النجاشي بيده الى الارض ، فأخذ منها عوداً ثم قال : والله ما عدا عيسى بن مريم بمقدار هذا العود ، فقالت : فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال :

فقال : وإن نخرتم والله ... اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي ـ والشيوم الآمنون ـ من سبكم غرم ، ثم قال : من سبكم غرم ، ثم قال : من سبكم غرم : ما أحب ان لي ديراً من ذهب ، وإني آذيت رجلاً منكم ـ ردوا عليهما هداياهم ، فلا حاجة لي بها . فو اللّه ما اخذ اللّه منِّي الرشوة حين ردَّ علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه .

قالت : فخرجا من عنده ، مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار ـ مع خير جار . ( انتهى ) .

لقد كانت السيدة أم سلمة أول ظعينة دخلت الى المدينة المنورة مهاجرة ، وكان زوجها ابو سلمة قد سبقها إليها . وتروي لنا رحلتها الى ( يثرب ) المدينة المنورة فتقول : رحَّلت بعيري ، ووضعت ابني في حجري ، ثم خرجت اريد زوجي بالمدينة ، وما معي أحد من خلق اللّه ، فقلت اتبلغ بمن لقيت ، حتى أقدم على زوجي بالمدينة ، حتى إذا كنت بالتنعيم ، لقيت عثمان بن طلحة اخا بني عبد الدار ، فقال الى اين با ابنة أبي امية ؟ فقلت : اريد زوجي بالمدينة ، فقال : هل معك أحد ...؟ فقلت : لا واللّه إلا اللّه ... وابني هذا .

فقال : واللّه مالك من منزل ـ فأخذ بخطام البعير ، فانطلق يهوي بي يقودني ، فو اللّه ما صحبت رجلاً من العرب أكرم منه .


168

كان إذا بلغ المنزل ، أناخ بي ثم تنحى الى شجرة ، فاضطجع تحتها ، ثم استأخر عني ، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري ، فحط عنه ثم قيده في الشجرة . فاذا دنا الرواح ، قام الى بعيري ، فقدمه ، فرحَّله ، ثم تأخر عني وقال : اركبي ... فإذا ركبت واستويت على بعيري ، أتى فأخذ بخطام البعير فقاده ، ولم يزل يصنع ذلك حتى قدم المدينة (1) .

وفي وقعة أحد قتل ابو سلمة رضوان اللّه عليه مجاهداً ، فحزنت عليه زوجته ام سلمة ، ووجدت كثيراً على فقد الزوج المؤمن العطوف الذي كان دائماً يدعو لها بالخير والسعادة ، وطالما ردد قوله : « اللهم ارزق ام سلمة بعدي رجلاً خير مني ، لا يخزيها ولا يؤذيها » .

فلما مات قالت : من هذا الذي هو لي خير من أبي سلمة ..؟ وكأن اللّه قد استجاب دعاء ابي سلمة المجاهد المؤمن فتزوجها رسول اللّه (ص) .

زواج رسول اللّه (ص) من أم سلمة :

حزنت أم سلمة على فقد الزوج الرؤوف ، وعطفت على اولادها ، ترعاهم بكل حنان وعطف حتى إذا انقضت عدتها أرسل إليها ابو بكر يخطبها ، فرفضت بكل إصرار ، وخطبها عمر بن الخطاب فرفضت أيضاً (2) .

وأرسل رسول اللّه (ص) الى أم سلمة يخطبها ، فقالت مرحباً برسول اللّه

(1) سيرة ابن هشام ـ ج ـ 2 ـ ص 113 . وفي الدر المنثور ص ـ 531 اقول : لقد كان المسلمون الاول مثال الشهامة ، والمروءة ، والغيرة ، والحمية . فحديث ام سلمة عن عثمان بن طلحة ومرافقته لها في الطريق ومعاملته اياها المعاملة الحسنة حيث كان يتنحى الى جهة ثانية ويتأخر ، حتى تركب راحلتها لهي في منتهى الحشمة والادب .

(2) اعلام النساء ـ للاستاذ عمر رضا كحالة ،


169

ورسوله . ولكن ارجع الى النبي وقل له : اني امرأة غيري ، واني ام أيتام ، وانه ليس احد من أوليائي شاهداً . فأرسل رسول اللّه (ص) : « أما قولك : اني ام ايتام « مصبية » فان اللّه سيكفيك صبيانك ، وأما قولك اني غيرى ـ فسأدعوا اللّه ان يذهب غيرتك وأما الأولياء فليس أحد منهم شاهداً ولا غائباً إلا استرضاني » .

تزوجها رسول اللّه (ص) السنة الرابعة للهجرة ، من شهر شوال ، فكانت من خيرة نسائه ، ذات عقل راجح ، وإيمان راسخ ورأي صائب ، مع ورع وتقى .

شهدت ام سلمة (1) رضوان اللّه عليها فتح خيبر ، وقالت مع نسوة : على ما يروى ـ ليت اللّه كتب علينا الجهاد كما كتب على الرجال ، فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم ، فنزلت الآية الكريمة واللّه اعلم « ولا تتمنوا ما فضل اللّه به بعضكم على بعض » (2) .

لقد كان لأم سلمة الرأي السديد ، وبعد النظر ، مع سلامة التفكير ، وحسن التعبير ، والحرص على مصلحة المسلمين ، واداء النصيحة لهم ، وإرشادهم الى طريق الصواب .

نصيحة أم سلمة للخليفة عثمان :

حينما ثار الناس على الخليفة عثمان بن عفان بسبب ليونته ومعاملته لأقربائه بالحسنى ، وإيثار بني أمية بالأموال والمناصب الرفيعة ، وتسلط مروان بن الحكم على أفكاره حتى اصبح عثمان لا يعمل عملاً إلا بمشورة مروان ، ولم يلتفت الى

(1) اعلام النساء عمر رضا كحالة ـ ص ـ 224 .

(2) سورة النساء ـ آية ـ 31 .


170

نصائح المسلمين عندما طلبوا منه الحد من سيطرة مروان ـ وأمثاله من بني أمية ـ واستئثارهم بمقدرات المسلمين ، واللعب بشؤون الخلافة ، الى غير ذلك مما لسنا بصدده .

ولما اجتاحت الثورة العارمة صبر المسلمين ، نرى السيدة ام سلمة تتوجه الى الخليفة عثمان بنصيحتها التي تفيض عطفاً ، وحرصاً على المصلحة العامة . وعدم تضعضع الصف ، وحفاظاً على الإسلام .

قالت له : يا بني ما لي ارى رعيتك عنك نافرين وعن جناحك ناقرين . لا تعف طريقاً كان رسول اللّه (ص) يحبها . ولا تقتدح بزند كان عليه الصلاة والسلام اكباه ـ وتوخ حيث توخي صاحباك فانهما ثكما الامر ثكماً .. ولم يظلما ....

هذا حق أمومتي قضيته اليك ، وإن عليك حق الطاعة (1) .

حديث أم سلمة مع عائشة :

تتجلى لنا شخصية أم سلمة وتعلقها وبعد نظرها في عواقب الامور ، وذلك عندما ارادت عائشة أم المؤمنين الخروج للمطالبة بدم عثمان .

جاءت عائشة الى ام سلمة ، لاستشارتها من جهة ولاقناعها ، لعلّها تخرج معها من جهة ثانية .

وقد قامت عائشة بهذه المحاولة وهي تعرف حق المعرفة ما تتحلى به رفيقتها من قوة الشخصية ، وبعد النظر والاعتقاد بحق علي ، ومنزلته عند ربه ، وهو الإمام الحق .

(1) اعلام النساء ـ عمر رضا كحالة .


171

قالت عائشة (رض) : يا بنت أبي أمية ، انت اول مهاجرة من أزواج رسول اللّه (ص) وأنت كبيرة امهات المؤمنين ، وكان رسول اللّه (ص) يقسم لنا من بيتك ، وكان جبرائيل أكثر ما يكون في منزلك ، فقالت أم سلمة : لأمر ما قلت هذه المقالة !؟ فقالت عائشة : « ان عبد اللّه ابن اختي اخبرني أن القوم استتابوا عثمان ، فلما تاب قتلوه صائماً في شهر حرام ، وقد عزمت الخروج الى البصرة ، ومعي الزبير وطلحة ، فاخرجي معنا ، لعل اللّه ان يصلح هذا الأمر على ايدينا ، وبنا (1) .

وكانت الذكريات ، تسرع بام سلمة وتعود بها الى عهد رسول اللّه (ص) ، حيث كانتا معاً هي وعائشة ، تريان بأم عينهما منزلة علي بن ابي طالب عليه السلام عند رسول اللّه (ص) يخلو به دون غيره من الصحابة ويناجيه ويسايره ويؤثره بعظيم حبه ، وينشر بين المؤمنين ما لعلي عليه السلام من درجات الفضل الرفيعة والمنزلة العالية .

ثم تمثلت علي بن ابي طالب وبطولته وتفانيه في الجهاد في سبيل اللّه وهو يضرب بسيفه يدافع عن الرسول الكريم ، ويلقي بنفسه في لهوات الحروب ، فيخوض المعارك ويغوص في دماء المشركين ويحصد الكفار حتى يفرق جمعهم فلا يبالي في سبيل نصرة الدين أوقع على الموت او الموت وقع عليه .

تمثلت ام سلمة العلم الجم الذي عند علي المقتبس من الرسول الأعظم المحيط الزاخر يملأ الآفاق والأكوان وذكرت قول النبي (ص) أنا مدينة العلم وعلي بابها .

وتمثلت في علي بن ابي طالب روح العدل التي تجري في عروقه .

وتمثلت عليه السلام في تقواه وورعه وزهده .

(1) تاريخ اليعقوبي ـ ص . 169 .


172

وتمثلته عليه السلام في توجيه الناس الى سنن الخير ، وصرفهم عن الاندفاع في شهوات الدنيا وحثهم على طريق الخير وسلوك سبل الهدى والإيمان وعبادة الرحمان .

وتمثلته عليه السلام في إرساء قواعد العدل ، وتثبيت دعائم الحق ، وإزهاق الباطل .

وتمثلت الرسول (ص) حيث قال في حق علي : « علي مع الحق والحق مع علي ـ يدور معه حيثما دار » .

وتمثلت أم سلمة أيضاً علياً وهو في كنف النبي عليه الصلاة والسلام وتحت رعايته .

وتمثلت خلق عليّ الكامل في روحه الإنسانية الشاملة .

وما أن وصلت السيدة أم سلمة الى هذا الحد من التصورات ، واستعادة الذكريات حتى التفتت الى رفيقتها السيدة عائشة ، وأجابتها بكل هدوء :

يقول الاستاذ عمر رضا كحالة : (1) قالت أم سلمة : إنك كنت بالامس تحرضين على عثمان ، وتقولين فيه أخبث القول .. وانك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول اللّه (ص) .

أفأذكرك ؟ قالت : نعم . قالت : أتذكرين يوم اقبل النبي (ص) ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال خلا بعلي يناجيه فأطال ... فأردت أن تهجمي عليهما ، فنهيتك ، فعصيتني ، .. فهجمت عليهما ...

فما لبثت أن رجعت باكية ؛ فقلت : ما شأنك ؟. فقلتِ : إني هجمت عليهما

(1) اعلام النساء : عمر رضا كحالة .


173

وهما يتناجيان ، فقلت لعلي : ليس لي من رسول اللّه (ص) إلا يوم من تسعة أيام ....( أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي ؟! ) فأقبل رسول اللّه (ص) وهو غضبان محمر الوجه فقال : ارجعي وراءك ... واللّه لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان ... فرجعت نادمة ساقطة ...

قالت عائشة : نعم اذكر ذلك .

قالت أم سلمة : وأذكرك ايضاً ـ كنت أنا وأنت مع رسول اللّه (ص) وأنت تغسلين رأسه ، وأنا أحيس له حيسا ، وكان الحيس يعجبه ، فرفع رأسه وقال : يا ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الاذنب ، تنبحها كلاب الحوأب ، فتكون ناكبة عن الصراط ؟

فرفعت يدي من الحيس فقلت : أعوذ باللّه وبرسوله من ذلك ! .. ثم ضرب على ظهرك وقال إياكِ أن تكونيها ثم قال : يا بنت أبي أمية إياك ان تكونيها . أما أنا فقد انذرتك ...

قالت عائشة : نعم أذكر هذا ...

قالت وأذكرك ايضاً : كنت أنا وأنتِ مع رسول اللّه (ص) في سفر له ، وكان علي يتعاهد نعلي رسول اللّه (ص) فيخصفها ـ ويتعاهد اثوابه فيغسلها ، فنقبت له نعل ، فأخذها يومئذٍ يخصفها ، وقعد في ظل شجرة ، وجاء ابوك ومعه عمر فاستأذنا عليه ، فقمنا الى الحجاب ، ودخلا عليه يحادثانه فيما ارادا . ثم قالا له : يا رسول اللّه انا لا ندري قدر ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعاً .

فقال لهما : اما اني قد ارى مكانه ، ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو


174

إسرائيل عن هارون بن عمران ، فسكتا ... ثم خرجا .

فلما خرجا خرجن نحن الى رسول اللّه (ص) ، فقلتِ له : ( وكنت أجرأ عليه منا ) من كنت يا رسول اللّه مستخلفاً عليهم ؟ فقال : خاصف النعل ...

فنزلنا فلم نر احداً إلا علياً فقلت يا رسول اللّه : ما أري إلا علياً ... فقال : هو ذاك ... يا عائشة ....

فقالت عائشة : نعم اذكر ذلك ...

عندما قالت السيدة ام سلمة : فأي خروج تخرجين بعد هذا ؟! فقالت : إنما اخرج للإصلاح بين الناس (1) .

ولما رأت السيدة ام سلمة ان موقف رفيقتها السيدة عائشة موقف عناد ... وإصرار ـ وقد أزمعت الخروج الى البصرة ، التي كانت فيها وقعة ( الجمل ) الشهيرة ـ ولم يثنها عن عزمها شيء كتبت اليها رسالة طويلة تعبر فيها عن مدى اسفها ... وعدم الأخذ بالروية والتعقل والحكمة (2) .

والسيدة ام سلمة راوية جليلة من راويات الحديث وقد روت عن النبي (ص) وعن فاطمة الزهراء عليها السلام وروى عنها جل مشايخ المسلمين وكثير من الصحابة المعروفين .

وقد توفيت بالمدينة المنورة ( يثرب ) عن عمر يناهز الأربع وثمانين سنة ، ودفنت بالبقيع رضوان اللّه عليها .

(1) اعلام النساء ـ عمر رضا كحالة .

(2) ان رسالة السيدة ام سلمة الى رفيقتها السيدة عائشة قد ذكرها بالتفصيل اكثر المؤرخين ، وأصحاب السير .


175

فاطمة بنت الرسول (ص)

في مناخ الايمان والعقيدة يسمو الانسان ، وتتهاوى سدود انانيته ، وتتحطم حدود فرديته وحواجز المادة الطاغية .

فاذا تجرد الانسان من الادران والشوائب ، يشف اهاية ، وتشع نورايته ، ويتجاوز الزمان والمكان الى الديمومة والخلود .

وبالعقيدة الراسخة ، والايمان القوي ، والاخلاق الفاضلة ، ترتفع اعمدة الحضارة والتمدن والرقي ، وتبنى قصور القيم ، وتتألق الحقيقة ويعم الوجود فيض من النور .

أجل في مناخ الإيمان والعقيدة ، نشأت فاطمة الزهراء عليها السلام ، وترعرعت في كنف ابيها الرسول الاعظم (ص) ، ورعاية أمها خديجة أم المؤمنين (رضى) . وقد اغدقا عليها العطف والحنان مما يفوق الوصف .

رضعت عليها السلام من ثدي الإيمان ، وربيت في حجر الاسلام ونهلت من المعين الصافي ، فكان الرسول الاعظم (ص) الوالد العطوف ، والمربي الشفوق ، والمعلم الكريم ، والمؤدب الحليم .

كانت حياة فاطمة (ع) مليئة بالاحداث ، حافلة بالمصاعب والمتاعب ، مشحونة بالمحن والآلام .

منذ طفولتها ذهبت مع ابويها العظيمين إلى شعب ابي طالب ، ولاقت هناك على طفولتها من شظف العيش ، وشدة الحصار ، واذية قريش ، ما لا يتحمله


176

جسمها الصغير ، وينؤ تحت عبئة الشيخ الكبير .

ولكن الخطب الفادح الذي ألَّم بها وهي بعد لم تتهيأ للأحداث ، هو موت امها خديجة (رض) على مرأى منها ومسمع ، فقد اقض مضجعها ، وترك جرحاً عميقاً في القلب ، وحسرة ولوعة في النفس ، وعبرة حرّى تترقرق في العيون .

بكت الزهراء عليها السلام عند موت والدتها ، بحسرة ولوعة ، لا سيما عندما شاهدت ذلك النور .. ينطفئ ... ورأت وميض الحياة يخبو في عينيها ، بعدما احتدم اعواماً متتالية بالكفاح في سبيل الاسلام .

بكت الزهراء (ع) لرحيل امها التي نامت مستقرة تحت ثرى مكة وخلفت الدنيا من وراءها ، وقد امتلأت بالنفاق والشنئآن . والتاريخ مشغول باعظم حدث اهتزت له اركان الجزيرة بل العالم اجمع ألا وهو الاسلام والرسالة المحمدية ...

اجل رحلت خديجة وخلفت التاريخ يرصد الساعات بل الدقائق من حياة الزوج الكريم وللرسول العظيم تلك الحقبة الحافلة بمشاق اعباء الرسالة والجهاد الاكبر في سبيل الدعوة الى الاسلام وتعاليمه .

بكت الزهراء امها خديجة احرَّ بكاء ، بكتها من قلب ملهوف وفؤاد مكلوم ، حتى تقرحت اجفانها ...

ولكن الذي هون عليها الخطب هي ان تجد والدها الرسول الكريم يحنو عليها ، ويغمرها بعطفه الفياض ، ويجعلها كنفسه حيث يقول : ( فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها وان الانساب تنقطع يوم القيامة


177

غير نسبي وسببي وصهري (1) .

الهجرة الى المدينة ( يثرب )

هاجرت فاطمة عليها السلام الى المدينة لتلتحق بأبيها النبي (ص) حيث كانت لا يقر لها قرار إلا بقربه ، ولا يهدأ لها بال إِلا بظله . ولا غرابة في ذلك فالنبي العظيم (ص) في ابوته الرحيمة ، وانسانية العالية ، وحنانه الفياض ، قد غمر الزهراء مزيداً من العطف والحب حتى ينسيها ذلك الشعور المرير المشحون بالوحشة لفراق امها .

ذكر أكثر أهل السير وأصحاب التاريخ : أن النبي (ص) أمر علياً (ع) قبل هجرته بالمبيت على فراشه . وأوصاه ان يلحق به مع النساء بعد تسليم الودائع والامانات الموجودة عند الرسول لأهلها .

وبعد هجرة النبي (ص) الى المدينة ، نفذ الامام علي (ع) امر الاموال والودائع ، ثم هيأ للنساء الرواحل ، واخرجهن من مكة في طريقه الى المدينة ، واشار الامام علي (ع) على المؤمنين ان يتسللوا ليلاً الى ذي طوى ، حيث يتوجه الركب منها باتجاه المدينة .

ولكن الامام علي (ع) خرج بالفواطم في وضح النهار غير مبال بالمخاطر اعتماداً منه على شجاعته واتكاله على اللّه .

وكان معه الفواطم وهن ... فاطمة الزهراء بنت محمد عليه الصلاة والسلام ...

1 ـ ينابيع المودة ـ للقندوزي الحنفي ـ ص ـ 219 .

المرأة في ظل الأسلام « 12 »


178

وفاطمة بنت الحمزة ... وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب . وكان معه ايضاً : ام ايمن وابو واقد الليثي ...

فجعل أبو واقد يجد السير مخافة ان تلحق بهم قريش ، وتحول بينهم وبين اتمام المسير . فقال له علي (ع) :

أرفق بالنسوة يا أبا واقد وتمهل .. وارتجز علي يقول :

ليس إلا الله فارفع ظنكا يكفيك رب الخلق ما اهمكا

وقد روي عن هجرة الزهراء (ع) الى المدينة غير هذا النحو تقول الدكتورة بنت الشاطئ : (1) .

« هاجر النبي الى يثرب وعلى أثره هاجر علي بن ابي طالب وكان قد تمهل ثلاثة أيام بمكة ريثما أدى عن النبي المهاجر الودائع التي كانت عنده للناس .

وبقيت فاطمة واختها ام كلثوم حتى جاء رسول من ابيهما فصحبهما الى يثرب ، واغلقت دار محمد بمكة كما أغلقت دور المسلمين فيها هجرة ، ليس فيها ساكن .

ولم تمر رحلتها بسلام : فما كادتا تودعان أم القرى وينفصل الركب بهما ، مستقبلاً طريق الشمال ، حتى طاردهما اللئام من مشركي قريش ، وباء الحويرث بن نقيذ بن عبد بن قصي ، وكان ممن يؤذي أباهما النبي بمكة باثم اللحاق بهما حتى نخس بعيرهما فرمى بهما الى الأرض .

1 ـ تراجم سيدات بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ : وقد ذكروا هجرتها (ع) على عدة أوجه والله العالم .


179

وكانت فاطمة (ع) يومئذ ضعيفة نحيلة الجسم قد أنهكتها الأحداث الجسام التي لقيتها قبل ان تمتلئ شبعاً ورياً .

وترك الحصار المنهك أثره في صحتها ، وان زاد في معنويتها قوة على قوة . فلما نخس بها « الحويرث القرشي » فرمى بها واختها على اديم الصحراء الاوعث ، سارت بقية الطريق متعبة الى ان بلغت المدينة ـ وما تكاد ساقاها تنهضان بها .

فلم يبق هناك من لم يلعن الحويرث . وسوف تمر السنوات وابوها الرسول (ص) لا ينسى الفعلة الشنعاء الآثمة ، بل سنراه في العام الثامن للهجرة . يذكر « الحويرث » يوم الفتح الاكبر . ويسميه مع النفر الذين عهد النبي إلى امرائه ان يقتلوهم وان وجدوا تحت استار الكعبة .

وكان علي بن ابي طالب احق هؤلاء الامراء بقتل الحويرث وقد فعل . » .


180

زواج فاطمة من علي عليهما السلام :

في المدينة المنورة ، وفي بيت الرسول العظيم أقامت فاطمة عليها السلام ، تملأ بيت أبيها بعد الوحشة ، وتسهر على راحة ، ذلك الوالد العظيم ، بكل سرور واعتزاز . وقد سبحت عليها السلام شاكرة الباري سبحانه وتعالى على نعمه وآلائه وهي ترى أباها النبي عليه وآله الصلاة والسلام في أعز موضع مع أصحابه الذين يفدونه بالمهج والأرواح .

وكان رسول الله (ص) قبل وصول الزهراء إلى المدينة بمدة وجيزة آخى بين المهاجرين والأنصار وذلك لحكمة بالغة حتى لا يشعرون بوحشة الاغتراب وتجتمع كلمتهم ويشد ازر بعضهم بعضاً .

وفي السنة الثانية للهجرة من شهر رمضان المبارك ، زوج النبي (ص) ابنته فاطمة من علي عليه السلام وبذلك أصبح علي صهر النبي .. وابن عمه . وأخاه .

ويذكر أهل السير ، انه لما عزم النبي على تزويج علي بن ابي طالب من ابنته فاطمة الزهراء عليهما السلام ، جمع الصحابة وخطب فيهم قائلاً (1) « الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع سلطانه ، المرغوب عن عذابه وسطوته النافذ أمره في سمائه وأرضه ، الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم باحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد (ص) وإن الله تبارك وتعالى اسمه وتعالت عظمته ، جعل المصاهرة سبباً لاحقاً وأمراً مفترضاً وانتهج بها الارحام وانتظم بها الانام وقال عز من قائل : « وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان

(1) ينابيع المودة ـ للقندوزي ـ الحنفي ـ ص ـ 207 .


181

ربك قديراً » » فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل قدر اجل ولكل اجل كتاب ، يمحو الله ويثبت ويحكم ما يريد وعنده أم الكتاب » .

ثم قال عليه الصلاة والسلام : « ان الله امرني ان أزوج فاطمة بعلي ابن ابي طالب ابن عمي ، فاشهدوا اني قد زوجته بها . ثم قال :

« يا علي إن الله تبارك وتعالى أمرني ان ازوجك فاطمة ، اني قد زوجتكما على اربعمائة مثقال فضة » فقال علي : « قد رضيتها يا رسول الله ورضيت بذلك عن الله العظيم ورسوله الكريم » ثم ان علياً خر ساجداً لله شكراً ، فلما رفع رأسه قال له رسول الله (ص) جمع الله شملكما وأعز جد كما واطاب نسلكما وجعل نسلكما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وامن الأمة وبارك الله لكما وبارك فيكما وبارك عليكما وأسعدكما وأخرج منكما الكثير الطيب .

«اللهم انهما مني وأنا منهما ، اللهم كما اذهبت عني الرجس وطهرتني فاذهب عنهما الرجس وطهرهما ... وطهر نسلهما » .

وقد ذكر جميع المؤرخين زواج فاطمة الزهراء عليها السلام بنفس المعنى وبالفاظ مختلفة .

وبعد الخطبة قال النبي (ص) : يا علي لا بد للعرس من وليمة ، فقال سعد بن عبادة: عندي كبش وجمع له رهط من الأنصار اصوعاً من الاذرة فلما كانت ليلة البناء قال النبي عليه الصلاة والسلام : يا علي لا تحدث شيئاً حتى آتيك ، فأتى اليهما فدعا بماء فتوضأ منه ثم انضحه على علي وفاطمة وقال : اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما وبارك في شملهما (1) .

(1) ينابيع المودة ـ للقندوزي ـ الحنفي .


182

وفي طبقات ابن اسعد قال : « احتفل بنو عبد المطلب بهذا الزواج كما لم يحتفلوا بزواج مثله من قبل وجاء حمزة عم محمد وعلي بشارفين فنخرهما وأطعم الناس .

ولما انقضى الحفل وانصرف المهنئون دعا الرسول أم سلمة ... وعائشة وبعض أمهات المؤمنين وطلب منهن أن يمضين بالعروس إلى بيت علي (ع) .

وبعد صلاة العشاء ذهب النبي (ص) إلى بيت علي وهناك تجلت عاطفة الأبوة الصحيحة ، وحنانه الفياض وحبه لفاطمة وزوجها عليهما السلام .

دعا الرسول بماء فقرأ عليه بعض آي الذكر الحكيم ثم أمر العروسين أن يشربا منه وتوضأ بالباقي ونثره على رأسيهما وهو يقول : اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما » (1) .

لقد استجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء نبيه الكريم في تلك الساعة فبارك الله لعلي وفاطمة عليهما السلام في هذا الزواج السعيد وحصر ذرية النبي المختار في أولاد ابنته وحبيبته فاطمة الزهراء .

لم يتمالك الرسول إِلا أن أرسل دموعه عندما قبل فاطمة وهي تبكي شأن كل انثى فارقت بيت أبيها ومرتع طفولتها وملاعب صباها .

ولما هم عليه الصلاة والسلام بالانصراف انحنى على فاطمة بكل عطف وحنان قائلاً : لقد تركتك وديعة عند أول الناس إسلاماً وأقوى الناس ايماناً وأكثرهم علماً وأفضلهم اخلاقاً (2) « أما والله يا فاطمة لقد زوجتك سيداً في

(1) طبقات ابن سعد الكبرى .

(2) طبقات ابن سعد الكبرى .


183

الدنيا والآخرة » (3) .

بيت الزوجية :

انتقلت فاطمة إلى المرحلة الثانية من حياتها ربة البيت وأم الأولاد ، بيت متواضع يسرح الإيمان في اجوائه ، وترقد السعادة في جنباته ، يرعاه زوج كريم الخلق ، عظيم الشأن ، في الدنيا والآخرة .

وعلى مر السنين يمتلئ البيت بالأولاد من بنين وبنات يحوط الجميع رعاية الرسول الأعظم (ص) .

تقول الدكتورة بنت الشاطئ : « لا أصف هنا ما كان لهذا الحب الأبوي من أثر عميق في اسعاد « فاطمة » التي أرهقها الحزن وانهكها العبئ شابة » .

بل لا اصف هنا مدى ما بعث في حياتها الزوجية التي عرفنا خشونتها وقسوتها مادياً ، من بهجة وانس وإشراق . فلقد اسعد « فاطمة » ان تكون أماً لهذين الولدين الاثيرين عند ابيها (ص) ، وارضاها أن تستطيع بفضل الله أن تهيء لأبيها الحبيب بعد ان انتقلت من بيته هذه المتعة الغامرة ، التي يجدها في سبطيه الغاليين .

ولم يكن « على كرم الله وجهه » أقل منها سعادة وغبطة . لقد سره بل ازدهى ان تتصل به حياة ابن عمه النبي (ص) هذا الاتصال الوثيق . فيمتزج دمه بدم النبي الزكي ، ليخرج من صلبه ذرية سيد العرب ، وبنو بنته الزهراء ، ويذهب دون الناس جميعاً بمجد الأبوة لسلالة النبي وآل بيته الاكرمين » (2) .

(1) ينابيع المودة ـ للقندوزي الحنفي .

(2) تراجم سيدات بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ .


184

« وعن ابن عباس قال : لما نزلت الآية ـ « قل لا اسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى » قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي ... وفاطمة وابناهما وان الله تعالى اجرى عليكم المودة واني سائلكم غداً عنهم » (1) .

وعن علي قال : كنا مع النبي (ص) في حفر الخندق ، إذ جاءته فاطمة بكسرة من خبز ... وقالت : اخبزت لابني وجئتك منه هذه الكسرة فقال : بنيه انها أول طعام دخل في فم ابيك منذ ثلاثة أيام (2) . وفي رواية الحافظ الاصبهاني عن علي عليه السلام قال (3) : « كانت فاطمة ابنة رسول الله (ص) أكرم أهله عليه ، وكانت زوجتي ، فجرت بالرحاء حتى اثرت الرحاء بيدها واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها ، وقمت البيت إغبرت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها ، وأصابها من ذلك ضر .

فاتت النبي (ص) تسأله خادماً ، فقال : لا اعطيك وأدع أهل الصفة (4) تطوي بطونهم من الجوع . أولا ادلك على خير من ذلك ؟!

إذا آويت إلى فراشك ، تسبحين الله تعالى ثلاثا وثلاثين وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين ، وتكبرينه اربعاً وثلاثين » .

أقول : ان المشاق التي لاقت الزهراء (ع) وحياة الكفاح المستمرة زادتها

(1) ينابيع المودة ـ للقندوزي الحنفي .

(2) ينابيع المودة ـ للقندوزي الحنفي .

(3) حلية الأولياء ـ للحافظ الاصبهاني .

(4) أهل الصفة ـ هم فقراء المسلمين المعدمين ، كانوا يجلسون في المسجد النبوي الشريف ينتظرون معونة الموسرين اليهم من طعام وغيره


185

ايماناً ، وشظف العيش لم يؤثر على صحتها وهي تكدح في الليل والنهار جاهدة في توفير أسباب الراحة لزوجها وبنيها .

كل هذه المتاعب كانت تتلاشى بسرعة البرق عندما ترى والدها الرسول العظيم ، يغمرها بفيض من الحنان الأبوي الذي يضيء حياتها سعادة وحبوراً . وتأخذها النشوة وهي ترى أبيها المصطفى في عظمته يحوطها برعايته ويغمرها مع ولديها السبطين بانقى الحب وأصفى الحنان .

وكيف يغيب عن ناظريها مرأى النبي المختار وهو يمشي في أسواق المدينة حاملاً حفيده على كتفه ، حتى إذا وصل إلى المسجد النبوي الشريف وقام للصلاة ، وضعه إلى جانبه في رفق ... وأقبل يؤم الناس .

وكيف لا تزهو وهي ترى أولادها يملؤن دنيا الرسول بهجة وسروراً ...

الحسنان ولداه ... وهو الوالد ... النبي البشر ، الذي يرقص قلبه الشريف فرحاً وهو يسمعهما وهما يقولان جداه ... أو يا ابتي ، هذه اللفظة السحرية التي شاءت الأقدار أن تحرم النبي (ص) منها ... ونراه يتلهف على سماعها ولنسمعه يقول دائماً ... ولداي هذان سيدا شباب أهل الجنة . ولا يعبر عن الحسنين إلا بكلمة ـ ولداي ـ .

حب الرسول (ص) لابنته فاطمة :

لقد ذكر أكثر أهل التاريخ حب رسول الله (ص) لابنته فاطمة ففي رواية : دخل النبي (ص) على فاطمة وهي تطحن وعليها كساء من وبر الابل ، فبكى وقال : « تجرعي يا فاطمة مرارة الدنيا ... لنعيم الآخرة » .


186

واقبلت فاطمة فوقفت بين يدي أبيها عليه الصلاة والسلام فنظر اليها وقد ذهب الدم من وجهها ، وعليها صفرة من شدة التعب والجوع فقال الرسول (ص) : ادن مني يا فاطمة ، فدنت حتى قامت بين يديه ، ورفع يده الشريفة حتى وضعها موضع القلادة ، وفرج بين أصابعه ثم قال :

« اللهم مشبع الجماعة ـ رافع الضيق ، ارفع فاطمة بنت محمد . » (1)

وقالت عائشة : ما رأيت أحداً كان اشبه كلاماً وحديثاً برسول الله (ص) من فاطمة ، وكانت إذا دخلت عليه قام اليها فقبلها ورحب بها ، كما كانت تصنع هي به (ص) .

وسئلت عائشة (رض) : أي الناس كان أحب إلى رسول الله (ص) ؟ قالت : فاطمة ؛ قيل : ومن الرجال ؟ قالت : زوجها .

وقالت عائشة (رض) ما رأيت قط أحداً أفضل من فاطمة غير أبيها (2) .

« ان الزهراء (ع) لا تنسى موقف أبيها الرسول ، وقد أخذ بكتفي الحسين وهو صغير وقدماه على قدميه (ص) يرقصه قائلاً : « ترق ... ترق » فما يزال الصبي الصغير حتى يضع قدميه على صدر جده الشريف ، فيقول له الرسول : افتح فاك ... فيفتحه ... فيقبله (ص) وهو يقول : « اللهم احبه فاني احبه » .

محمد الإنسان البطل بشراً ورسولاً » (3) .

(1) طبقات ابن سعد الكبرى .

(2) السيرة الحلبية ـ برهان الدين الحلبي .

(3) تراجم سيدات بيت النبوة الدكتورة بنت الشاطئ .


187

وهل تنسى الزهراء (ع) أبيها الرسول (ص) وقد وقف يخطب بجمع من المسلمين فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان احمران ، وهما يمشيان ويعثران ، فما كان من الرسول الأعظم (ص) إلا أن قطع كلامه ونزل عن المنبر وحملهما ووضعهما بجانبه بكل رفق وحنان ثم التفت إلى الناس معتذراً :

«صدق الله سبحانه حيث يقول : « انما أموالكم وأولادكم فتنة لكم » ، لقد نظرت إلى هذين الصغيرين ، يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما إلي » .

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي تواترت بها الانباء من أصحاب التواريخ وأهل السير . وكلها تحدثنا عن ذلك الحب الكبير الذي يكشف عن جانب من عظمة ذلك النبي المختار .

فاطمة الزهراء مع أبيها يوم فتح مكة :

مرت الأيام هنيئة صافية ، واحست سيدة النساء فاطمة الزهراء بالسعادة تغمر كيانها وهي ترى نور الإسلام قد أضاء القسم الأكبر من الحجاز ، وتشاهد أياها الرسول عليه الصلاة والسلام في جهاده المؤيد بنصر من الله سبحانه .

لقد أحست بالغبطة عندما رأت جبابرة الجزيرة تخضع لسلطان الإسلام ، وتدين برسالة أبيها محمد (ص) .

وها هو الرسول العظيم ، يتأهب للسفر إلى فتح مكة .. حرب قريش الظالمة . إلى الوطن الحبيب الذي فارقه منذ ثمانية أعوام مهاجراً بعدما قاسى مر العذاب .

والزهراء (ع) لا تطيق البعد عن أبيها ، وقد اسبغ عليها من آيات


188

حبه (ص) ، وعلى زوجها وولديها ما لا نستطيع أن نصفه .

اتت الزهراء (ع) تطلب من أبيها (ص) مرافقته إلى البلد الأمين ، إلى مسقط رأسها مكة المكرمة ، فأذن لها ، حتى تظل بقربه تنعم بعطفه وحنانه ...

وطافت الذكريات ، وتوالت المرئيات أمام عيني بضعة الرسول ، وسيدة النساء ، وراحت تسائل نفسها وتقول : ترى هل تزال مكة كما تركناها منذ ثمانية أعوام ؟ . أم تغيرت ... ودار الأهل والأحبة ... هل محت يد الحدثان من معالمها شيئاً ؟ ... أم غدا عليها العدو فصيرها خراباً بلقعاً .

وملاعب الصبا ... أما تزال تذكر من رحل عنها من المؤمنين الأحباب الصالحين ؟ ... أم نسيتهم على مر الأيام وتطاول الأعوام ؟

وتذكرت الكعبة الشريفة ، التي شهدت أول صلاة اقيمت ... وشهدت قريشاً وهي تكيل الأذى لأبنها البار محمد (ص) ...

وتذكرت عليها السلام ، قبر أمها خديجة الكبرى ، وقبر أبي طالب كفيل النبي (ص) ، وغير ذلك من سيرة الأهل والأحباب .

وفي غمرة ذكرياتها ، تراءت لها قريش مع عتوها وعنفوانها وكبريائها ، ترسل أحد زعمائها إلى المدينة المنورة لتفاوض النبي (ص) على تمديد الهدنة التي تم الاتفاق عليها في الحديبية في العام السادس من الهجرة .

أرسلت قريش زعيمها أبا سفيان إلى الرسول العظيم ليفاوضه ، ويستأمنه ، بعد ان اخلت قريش بالشروط التي تم الاتفاق عليها في ( الحديبية ) وساعدت بني بكر أحلافها ... على خزاعة حليفة النبي (ص) .


189

وها هو محمد مع المسلمين قد اصبحوا قوة ليس بامكان قريش او غيرها من القبائل تجاهلها .

قريش تنتدب ابا سفيان لمفاوضة النبي (ص)

أرسلت قريش ابا سفيان بن حرب حامل لواء المشركين ، وعدو محمد والمسلمين ، وزوج آكلة الاكباد « هند » التي صنعت بشهداء « أحد » ما تقشعر له الابدان . ومثلت بحمزة عم النبي ، ولاكت كبده فلم تستسيغها . علاوة على انها راحت تغري قومها ، بنبش قبر آمنة بنت وهب ... أم محمد «ص» اشتفاء ... وحقداً (1) .

لقد تألم أبو سفيان لمَّا رأى ما بلغ من نفوذ النبي وارادته التي اصبحت هي الارادة العامة ، وساءه ان يرى المسلمين وقد اصبحوا قوة هائلة لا يمكن لقريش مقاومتها ، وراعه تأهب « محمد » لحرب قريش ، وفتح مكة .

اتى ابو سفيان الى المدينة سفيراً لقريش ، فرأى من قوة الاسلام وضخامة استعداد الجيش العظيم ، المعبأ للزحف على قريش وفتح مكة المكرمة ، ما روَّعه واذهله ، فلم يدرِ ما يفعل ، او يقول ... بل وقف ذاهلاً يشحذ فكره ، ويلم شتات رأيه ، ليجد له منفذاً ، او حيلة يصل بها الى محمد ... ويكلمه في أهل بلده وعشيرته .

دخل ابو سفيان على ابنته رملة « ام حبيبة » وهي زوجة رسول الله (ص) ، فما كاد يهم بالجلوس على فراش كان بحجرتها ، حتى اسرعت وطوته ، فقال لها :

(1) سيرة النبوية لابن هشام .


190

ارغبت بهذا الفراش عني ... أم رغبت به عليّ ؟ فأجابته أم حبيبة : هذا فراش رسول الله (ص) طاهر ، وانت رجل مشرك نجس ، يعادي المسلمين ، ويكيد للاسلام :

خرج ابو سفيان من عند أم حبيبة وقد اظلمت الدنيا في عينيه ، وزاد غمه ، وحزنه ، لهوانه حتى على ابنته ، ولم يكن يتصور ان الاسلام يجعل للمسلمين هذه الصلابة .

وكاد ييأس ... وعظمت عليه ان يرجع خائباً ، وكيف يقابل قريشاً ، وسخريتها به ( وهو الآمر ... الناهي ) وكيف يغطي فشله الذي كاد ان يخنق انفاسه ... وما الحيلة ؟

وفي خضم حيرته لمع في خاطره بارقة أمل ... لماذا لا يذهب الى علي بن ابي طالب ... فهو الوحيد الذي ربما يصغي اليه محمد (ص) .

ان علياً وزوجته الزهراء من اقرب الناس الى قلب محمد ، واحبهم اليه . وما ان وصل الى هذا الحد من التفكير ، حتى تنفس الصعداء ، وتوجه على الفور ، الى دار علي بن ابي طالب (ع) ، ولما دخل قال له :

« يا ابا الحسن انك اقرب الناس اليّ ، وامس القوم بي رحماً ، واني قد جئتك في حاجة ، لا أجد لها غيرك فلا تردني خائباً » .

فقال له الامام علي «ع» ... تكلم ماحاجتك ؟ فقال حاجتي أن تشفع عند ابن عمك رسول الله (ص) في نجاح مهمتي حتى أرجع الى قريش ...

ردَّ عليه الامام علي قائلاً ! ويحك يا ابا سفيان ، والله ان رسول الله ان عزم على امر لا يستطيع احد من الناس ان يكلمه .


191

وقف ابو سفيان يتحرق لوعة وتوجه الى الباب لينصرف وقد اظلمت الدنيا في عينيه ، والتبست عليه الامور ، ثم لم يلبث ان وقف وقال بأنكسار :

« يا أبا الحسن ، اني ارى الأمور قد اشتدت علي ، وأرى الزمان الذي كنت في آمراً ...و ناهياً قد ولى ، فلا تبخل عليًّ في ارشادي ونصحي » ..

ولاحت لابي سفيان بارقة أمل اخرى ، لماذا لا يكلم الزهراء ... ألم تشفع اختها زينب لزوجها ابي العاص بن الربيع يوم كان مشركاً ...

ان الزهراء ابنة محمد ، واحب خلق الله اليه ، ذات القلب الرحيم ، وتوجه الى فاطمة ، وكان الحسن والحسين يدبان بين يديها ، ويعثران فقال لها :

« يا ابنة محمد ، هل لك ان تأمري احد ولديك هذين فيجير بين الناس ؟ ... و يكون سيد العرب الى آخر الدهر . اجابت الزهراء (ع) بكل هدوء ووقار : والله ما بلغ ولدي هذا أن يجير بين الناس . وما يجير أحد على رسول الله (ص) .

وابت الزهراء أن تتدخل مع أبيها في مثل هذه الأمور ولكن أبا سفيان ظل يلح عليها ويتوسل اليها بولديها ، ونبرات صوته تتقطع من الفشل والخيبة وفاطمة «ع» بقيت على موقفها السلبي منه .

وعاد زعيم المشركين يتحدث مع علي ، وقلبه يتفطر ويقول له بكل انكسار : لا أدري بأي لسان ارجع إلى قريش ، وقد عقدت علي الأمال ، واوفدتني إلى محمد ، وهي ترجو ان لا ارجع اليها أجر أذيال الخيبة والخسران .

قال له الإمام (ع) : والله لا أرى لك مخرجاً غير ان تقوم على ملأ من الناس ، فتجير بين الفريقين من سادة كنانة ، ومع هذا فإني لا اظن ان


192

ذلك يجديك نفعاً .

خرج أبو سفيان حتى انتهى إلى جمع من المسلمين ، فصاح : ألا اني قد اجرت بين الناس ، ثم دخل على النبي وقال : لا اظنك ترد جواري يا محمد ... فلم يزد النبي (ص) في جوابه على قوله : انت تقول ذلك .

واتجه أبو سفيان نحو مكة ، وهو يتعثر باذيال الفشل والخذلان .

حدث كل هذا وفاطمة «ع» واقفة تسبح الله وتمجده . وهي ترى ابا سفيان رأس الشرك ، يتململ ذليلاً بين أيدي المسلمين ، ويرجع أخيراً بالفشل والخسران المبين .

وقفت عليها السلام مزهوة بانتصار الحق على الباطل والإيمان بالله ... على الشرك والضلال . وعادت بها الذاكرة يوم كانت مع أبيها بمكة قبل سنوات ثمان ، فتذكرت الزهراء مواقف قريش ، كيف كانت تطارد النبي وأصحابه المسلمين ، بشتى أنواع الاساءة والأذى .. حتى خرج صلوات الله عليه في جوف الليل متجها نحو يثرب التي وجد فيها أنصاراً له مخلصين عاهدوه على بذل المهج والأرواح ، ليمنعوه من قريش وأحلافها ، ومن كل من يضمر للاسلام كيداً .

دخول جيش المسلمين مكة

سار النبي (ص) في عشرة آلاف من المسلمين ، ميمماً شطر مكة المكرمة ، ولواؤه مع ابن عمه وصهره ووصيه علي ابن ابي طالب (ع) .

ومن قبل كان عليّ حامل « العقاب » في خيبر وهي اول راية للرسول


193

الأعظم ـ كما ورد في طبقات ابن سعد .

وكذلك حمل ـ علي ـ راية الرسول في غزوة بني قريظة ... وحمل لواء المهاجرين يوم أحد . وحمل بعد ذلك لواء الرسول (ص) يوم حنين (1) .

وذكر الطبري في تاريخه : « أمر رسول الله سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء (2) .

وقال سعد حين توجه داخلاً : « اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة » فسمعها رجل من المهاجرين فقال :

يا رسول الله اسمع ما قال سعد بن عبادة ، وما نأمن أن تكون له في قريش صولة !

فقال رسول الله (ص) : لعلي ابن أبي طالب أدركه فخذ الراية منه ، فكن أنت الذي تدخل بها » .

ودخل رسول الله من اذاخر ، حتى نزل باعلى مكة ، ضربت له قبة هناك قريبة من مثوى خديجة .

كانت الزهراء معه ، خرجت فيمن خرج من النساء المؤمنات ، ترافق أبيها وتشاهد فتح مكة والنصر المبين ، وقد أنساها الفرح الأكبر كل ما ألم بها من تعب وعناء .

ولكن أطياف الماضي أخذت تحوم حولها وتتراآى لها .

(1) طبقات ابن سعد الكبرى .

(2) كداء ـ جبل بأعلى مكة

المرأة في ظل الاسلام (13)


194

تذكرت أمها خديجة (رض) ... وعمها أبا طالب ، واختيها زينب ورقية وقد هاجرتا مثلها من مكة ، ولكن إلى غير رجعة .. لقد رقدتا تحت ثرى المدينة المنورة .

وها هي ( الزهراء ) ترجع وحدها مع أبيها الفاتح العظيم وزوجها البطل الكبير ، وكم تمنت لو أن أمها ... وعمها وجميع الأحباب المفقودين يشاركونها الفرحة الكبرى بالنصر المبين .

انهملت الدموع من عينيها غزيرة ، فقد هاجت بنفسها الأشجان ، وبقيت مع أطيافها وهي تقترب من أم القرى وفي غمرة شجونها وأساها ، صحت من تأملاتها على صوت الحق المنبعث من حناجر المسلمين الفاتحين .

كادت الجبال تتصدع خشية ورهبة .. من هتاف عشرة آلاف مسلم قائلين :

«الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله والله أكبر » .

وقفت عليها السلام وهي تنظر إلى أهالي مكة ، وطواغيت قريش ... وهم يفرون من وجه تلك الجموع الدافقة ... وقد استولى عليهم الذعر والخوف والجزع . وكاد قلبها يطير فرحاً عندما شاهدت أباها النبي العظيم (ص) بين أصحابه ، يحفون به وهو منحي الرأس تواضعاً لله وشكراً له على ما أنعم عليه سبحانه .

ودخل الرسول (ص) على هذه الصورة ، حتى لتكاد جبهته الشريفة تمس رحل الناقة ... ورأته عليه الصلاة والسلام يوصي قادة جيشه بعدم مقاتلة أحد . ويعلن العفو عن الجميع مستثنياً أفراداً قلائل من الرجال والنساء ،


195

سماهم بأسماهم ، وأمر بقتلهم ولو وجدوا تحت أستار الكعبة (1) .

وقفت الزهراء (ع) فخورة مزهوة بنصر الله ، وكأن السماء ترعى ذلك الحشد الضخم من المسلمين المجاهدين ، وتحفظ تلك الجموع الملتفة حول القائد الرسول ...

« وطافت الملائكة تبارك انتصار حزب الله على حزب الشيطان قال تعالى : « فإن حزب الله هم الغالبون » (2) .

وذكر الطبري في تاريخه وابن هشام في سيرته ، أن رسول الله (ص) قام قائماً حين وقف على باب الكعبة ثم قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده .

الا كل مأثرة (3) او دم او مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ... إلى قوله (ص) :

يا معشر قريش ، إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم خلق من تراب . ثم تلا رسول الله (ص) : « يا أيها الناس إنا خلقناكم

(1) تحت استار الكعبة : مراده عليه الصلاة والسلام لعظيم الذنوب التي اقترفوها . منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح لأنه كان قد اسلم وارتد مشركاً . ومنهم عبد الله بن خطل من تميم ، لأنه قتل مسلماً وارتد مشركاً . وكانت له قينتان تغنيان بهجاء الرسول (ص) .

والحويرث بن نقيذ كان ممن يؤذي الرسول (ص) .

ومقيس بن صبابة لأنه قتل الانصاري الذي قتل اخاه خطأ ورجع الى قريش مرتداً . وعكرمة بن ابي جهل ... وغيرهم ... ومن النساء : هند بنت عتبة « أم معاوية » التي مثلت بشهداء أحد ولاكت كبد الحمزة ... وسارة مولاة عمر بن هاشم بن عبد المطلب وغيرهم .

(2) سورة المائدة ـ آية ـ 56 .

(3) المأثرة : هي الخصلة ـ او العادة التي تتوارثها الناس ويتحدثون بها .


196

من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم » .

يا معشر قريش ويا أهل مكة ، ما ترون إني فاعل بكم ؟ قالوا خيراً ... اخ كريم ... وابن أخ كريم .

ثم قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ...

وكانت الزهراء واقفة وعيناها معلقتان بأبيها وقد رأته عليه وآله الصلاة والسلام وسط الجموع الزاخرة وطاف بالبيت الحرام سبعة اشواط ثم جلس برهة يستريح ، ريثما يطمئن الناس اثر موجة الفتح الدافقة .

وذكر ابن جرير الطبري في تاريخه : « ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله (ص) على الإسلام فجلس لهم على الصفا » .

ولما فرغ رسول الله (ص) من بيعة الرِّجال بايع النساء واجتمع إليه نساء من نساء قريش ، فيهن هند بنت عتبة بن أبي ربيعة وكانت متنقبة . متنكرة لحدثها وما كان من صنيعها ( بحمزة ) يوم أحد .

فهي تخاف أن يأخذها رسول الله (ص) بحدثها ذلك .

فلما دنون منه ، ليبايعنه ، قال رسول الله (ص) : تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئاً ؟ فقالت هند :

والله إنك لتأخذ علينا امراً ما تأخذه على الرجال ! وسنؤتيكه . قال : ولا تسرقن ؟ قالت : والله إن كنت لأصيب من مال ابي سفيان الهنة والهنة ، وما أدري أكان ذلك حلاً لي أم لا ؟ .

فقال رسول الله (ص) : وإنك لهند بنت عتبة !؟

فقالت : انا هند بنت عتبة ، فاعف عما سلف ... عفا الله عنك .


197

قال : ولا تزنين ـ قالت : يا رسول الله هل تزني الحرة ؟! قال : ولا تقتلن أولادكن ؟ قالت : ربيناهم صغاراً ، وقتلتهم يوم بدر كباراً .

قال الرسول : ولا تأتين ببهتان تفترينه بين ايديكن وأرجلكن . قالت والله إن إتيان البهتان لقبيح ... ولبعض التجاوز امثل .

قال : ولا تعصينني في معروف ؟ قالت : ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف ... الخ .

أقبل المساء بعد نهار حار ، مشحون بالتعب ؛ فرجع الرسول البطل الظافر الى قبته ، حيث كانت تنتظره ابنته الزهراء عليها السلام بفارغ الصبر .

احلام ... وتصورات ... وذكريات :

لقد تمثلت روح امها الطاهرة تطل من عُلاها ؛ ترعى زوجها الحبيب النبي العظيم في هذا اليوم المشهود ... يوم النصر .

التفت الزهراء عليها السلام ، فرأت أبيها النبي بابتسامته المشرقة وعطفه وحنانه ، فهبت تتلقاه مرحبة مهنئة ، ثم تنفست الصعداء وأردفت تقول :

ألا ليت أمي ( خديجة ) التي بذلت جميع أموالها ، وضحت بالنفس والنفيس لتقوية الإسلام ، ودعم محمد ... وإرساء قواعد الرسالة المقدسة .

ليتها بقيت الى هذا اليوم المشهود لتقر عينها بمرأى تحطيم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ؛ وجميع الاصنام التي كانت داخل الكعبة المشرفة وعلى سطحها ، وقد تكسرت تحت أقدام المسلمين ، وتحطمت بيد علي أمير المؤمنين .

وليت أمي ( خديجة ) بقيت الى هذا اليوم : لتشهد معي الفرحة الكبرى ،


198

وترى اولئك الطغاة ، وقد تركتهم قبل سنوات قليلة يلاحقون النبي العظيم وأصحابه المسلمين المؤمنين ، ويكيلون لهم أنواع الأذى والاستهزاء .

ليتها تراهم اليوم كيف ضرب الله عليهم الذلة . يلوذون بالنبي عليه وآله الصلاة والسلام ، يتململون بين يديه بكل انكسار مخافة العقاب والقصاص .

ليتها بقيت الي هذا اليوم، لتسمع صوت (بلال) تتجاوب اصداؤه في شعاب مكة، و هو يهتف من علي سطح الكعبة المشرفة ... « أشهد أن لا إله إلا اللّه ... و أشهد أن محمداً رسول اللّه ... » .

ليت ( خديجة ) بقيت الى الآن ، حتى تسمع صوت بلال يؤذن لصلاة الصبح من فوق الحرم الأقدس فيخشع الكون لجلال الأذان وروعة الدعاء ... وهيبة المكان ... ويهب المؤمنون من مضاجعهم ، بكل نشاط ، ساعين الى المسجد الحرام بقلوب طافحة بالايمان ونفوس قوية بالعقيدة ، يسبحون للخالق الدَّيان وألسنتهم تلهج بالتهليل والتكبير ، ليؤدوا للمرة الأولى فريضة الإسلام في البيت العتيق والكعبة المشرفة المطهرة من الأوثان ... تجلت عظمة الخالق الديان .

لكن مشيئة الباري تعالى قضت على ( خديجة ) أن ترحل عن الدنيا الزائلة وفي قلبها حسرة ... وفي نفسها لوعة ، ولكنها رضي الله عنها لشدة إيمانها على ثقة بأن النصر في النهاية حليف الإسلام والنبي محمد . وأن الناس سيدخلون في دين الله افواجاً .

وتحلو الأيام للزهراء عليها السلام ، لتقضي مع الرسول في ( مكة ) أياماً حافلة .

وتسعد لترى معاقل الشرك تنهار تحت اقدام ابيها الرسول وترى ايضاً فلول المشركين لا تجد بديلاً لها عن قبول الدعوة الإسلامية .


199

جاء نساء الأنصار الى الزهراء يتساءلن ... هل سيقيم النبي بمسقط رأسه ( مكة ) وينسى المدينة وأهلها الأنصار ؟؟

إن ابتهاج الرسول (ص) بالفتح وإسلام قريش وحرصه على تآلفهم وغبطته بالرجوع الى ( مكة ) بعد الهجرة والاغتراب مما يثير بالأنصار نوازع القلق والحيرة .

خصوصاً بعدما رأى رجال الأنصار عفو النبي العظيم عن طواغيت قريش ومن والاها .

فقال قائلهم :

« لقد لقي والله رسول الله (ص) ... قومه !! »

عتب الانصار على الرسول (ص) :

أنشد الشاعر حسان بن ثابت الأنصاري « يعاتب الرسول (ص) إيثاره قريشاً وغيرها من قبائل العرب « بالعطاء والفيء » دون الأنصار قال حسان ذلك في قصيدة منها : وأت الرسول وقل يا خيـر مؤتمن علام تدعى « سليم » وهي نازحة سماهم اللـّه أنصـاراً بنصـرهم وسـارعوا في سبيل اللّه واعترفوا للمؤمنيــن إذا ما عُدِّد البشــر قدام قوم هموا آوو وهم نصـروا دين الهدى وعـوان الحرب تستعر للنائبات وما ضاقوا وما ضجروا


200
والناس ألب علينا فيك ، ليس لنا فما ونينا ، وما خنا ، وما خبروا إلا السيوف وأطراف القنـا وزر منا عثاراً وكل الناس قد عثروا !

وبلغ سمع سيدة النساء ( فاطمة ) ما قاله حسان ... وما أشار إليه من الوجد الذي خامر نفوس الأنصار ... فقدرت أن لهذا العتاب الصريح تفاعلات ... له ما بعده ، وقفت واجمة حيري .

ولكنها عليها السلام كانت مطمئنة إلى أن أباها الرسول (ص) سوف يجد له مخرجاً ولا يدع الأنصار إلا أن يجعلهم في اطمئنان قريري العين .

ذكر الطبري في تاريخه عن أبي سعيد الخدري قال :

« لما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شيء ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة (1) وحتى قال قائلهم :

« لقي والله رسول الله قومه » .

فدخل عليه سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله ، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ، لما صنعت في الفيء الذي أصبت .

قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاماً من قبائل العرب ، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء .

قال (ص) : فأين أنت من ذلك يا سعد ..؟

(1) القالة : الكلام المتداول ـ السيء .


201

قال : يا رسول الله ما أنا إلا من قومي . !

قال : فاجمع لي قومك في الحظيرة ...

قال : فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ...

فجاءه رجال من المهاجرين ، فتركهم فدخلوا ، وجاء آخرون فردهم ، فلما اجتمعوا إليه أتاه سعد فقال :

قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، فأتاهم رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل .

ثم قال : يا معشر الأنصار ما ـ قالة ـ بلغتني عنكم ؟

وموجدة (1) وجدتموها في أنفسكم !؟

ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله ، وعالة (2) فأغناكم الله ، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم .؟

قالوا : بلى ـ لله ولرسوله المن والفضل ...

فقال : إلا تجيبوني يا معشر الأنصار .؟

قالوا : وبماذا نجيبك يا رسول الله ، لله ولرسوله المن والفضل ...

قال : أما والله ، لو شئتم لقلتم : فصدقتم ولُصُدّقتم ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فآسيناك ، ...

وجدتم في انفسكم يا معشر الانصار في لعاعة (3) من الدنيا ، تألفت بها قلوب قومٍ ليسلموا ، ووكلتكم إلى اسلامكم !؟

(1) المعروف عند اهل اللغة ـ الموجدة اذا اردت الغضب .

(2) عالة : جمع عائل ... وهو الفقير .

(3) لعاعة : بالضم ... بقلة ناعمة ...


202

أفلا ترضون يا معشر الأنصار ان يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول الله الى رحالكم .

فوالذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت إمرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً (1) وسلكت الأنصار شعباً ،لسلكت شعب الأنصار ... ثم قال :

« اللهمَّ ارحم الانصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار » .

قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا :

« رضينا برسول الله قسماً وحظاً » ثم انصرف رسول الله (ص) ، وتفرقوا » (2) .

بقيت الزهراء (ع) إلى جانب أبيها بمكة حوالي شهرين وبعض الأيام ...

فقد جاءت مع ابيها وزوجها وجيش المسلمين الى البلد الحرام ، في شهر رمضان من العام الثامن للهجرة ، وغادرتها مع ابيها وزوجها والأنصار الى المدينة المنورة في آخر شهر ذي الحجة من العام نفسه .

لقد سعدت الزهراء (ع) عامين كاملين ، ونعمت بالهدوء والاستقرار ، تستجلي طلعة أبيها النبي (ص) في الغدو والآصال تلك الطلعة البهية المشرقة .

وقد ابتسمت لها الأيام ، فاستردت بعض قواها ، التي ذهبت بها الصدمات التي لاقتها في حياتها الأولى ، واستعادت نشاطها فعكفت توفر الراحة لزوجها الإمام علي (ع) . وتبذل ما في وسعها لتربية أولادها « أحفاد الرسول وأحبابه وذريته وامتداد نسله » .

(1) الشعب : الطريق بين جبلين .

(2) كما ذكر هذه الرواية الطبري في تاريخه ، كذلك ذكرها ابن هشام في سيرته ، وغيرهما من أهل التاريخ والسير ...


203

تاركة شؤون الدار وخدمته لجاريتها ( فضة ) التي جاء بها الإمام علي (ع) من الغنائم التي نالها في المعارك .

الزهراء (ع) واليقظة المروِّعة :

امتد الحلم الهنيء ... وابتسمت الأيام ... وراحت « فاطمة » عليها السلام تنعم في غيبوبة من السعادة والحبور ...

ثم أفاقت من حلمها على ما هز كيانها وكانت اليقظة المروعة .

اشتكى النبي (ص) من مرض ألَّم به في أواخر شهر صفر في السنة الحادية عشر للهجرة .

وكان عليه وآله الصلاة والسلام قد جهز جيشاً لمحاربة الروم وأعدَّ لقيادة هذا الجيش العظيم « اسامة بن زيد » وكان في مطلع شبابه .

أمر النبي جميع المهاجرين والأنصار ان ينضموا إليه ... وجعل يستحثهم على الخروج ... ويلح ... ويقول : « نفذوا جيش اسامة » .

وظن اكثر المسلمين وبنو هاشم انها وعكة طارئة لا تلبث ان تزول ولم يفكر أحد أو يخطر على باله أنه مرض الموت .

ويشتد المرض بالنبي العظيم ... يوماً بعد يوم ولكن سيدة النساء الزهراء لم تكد تسمع بشكوى أبيها ، حتى أجفلت وارتج قلبها ... وانهارت اعصابها ... وكأنها والموت على ميعاد .

ألم تسمعه عليه وآله الصلاة والسلام وقد وقف بين أصحابه يعظهم ويقول : أوشك أن ادعى فأجيب .


204

وسمعته في حجة الوداع على جبل عرفات وقد وقف بين المسلمين يقول لهم : ( لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ) .

ورأته مراراً يخرج الى زيارة القبور ويخاطبهم بكلمات تشعر بدنو أجله .

وما ان سمعت شكواه حتى أسرعت وقلبها يرتجف وقد استولى عليها الحزن ... والخوف ، ولكنها كانت تتجلد صابرة .

رأته (ص) يجمع اصحابه ، ويوصيهم بأهل بيته خيراً بنصوص كثيرة وفي كتاب ظلال الوحي قوله :

« على ان حياة النبي كانت مفعمة بتلك النصوص ، منذ يوم الانذار في دار ابي طالب فما بعده من الأيام حتى سجي على فراش الموت والحجرة غاصة بأصحابه فقال :

أيها الناس ، يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ، ألا وإني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي ، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال : هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض » (1) .

ورأته عليه الصلاة والسلام يطلب من أصحابه دواة وقرطاساً ، ويلح في طلبه ويكرر قائلاً : « آتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي ابداً ...» .

وخانها تجلدها واصطبارها ، وقد رأت اباها الرسول يتململ من شدة الألم ويأخذ الماء بيده الشريفة ليمسح به رأسه لعله يخفف وطأة الألم . ثم يتأوه قائلاً : واكرباه ...

(1) عن كتاب في ظلال الوحي ـ للسيد علي فضل الله الحسني .


205

انكبت عليه ( الزهراء ) تشمه وتصيح ... واكربي بك يا أَبتاه واكربي لكربك يا ابتاه .

وينظر إليها بكل عطف ... وحنان ... وإشفاق . ينظر إليها نظرة مودع لهذه الدنيا الزائلة ، المليئة بالهموم والأحزان .

ثم يقول : لا كرب على أبيك بعد اليوم . ويوصيها عليه السلام بالصبر وتقوى الله سبحانه ، وأسرَّ إليها أنه قد حان اجله وأنها أول اهل بيته لحوقاً به . وقال لها : « أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة . فتجلدي ... واصبري ».

الزهراء (ع) يوم وفاة النبي (ص) :

نزل القضاء الذي لا مفر منه ، ولحق الرسول العظيم بالرفيق الأعلى ، وبقيت الزهراء عليها السلام حزينة كئيبة يتيمة ، لا تجد للسلوان منفداً إلي قلبها ، ولا تجد الى العزاء سبيلاً .

وعلا الصراخ ... والعويل من البيت النبوي الشريف ، فعلم أهل المدينة بالمصاب الفادح الأليم ، وراحت الزهراء في غيبوبة أفقدتها الوعي .

ولما أفاقت من غيبوبتها ، وجدت الناس كالبركان الثائر سكارى من وقع المصاب ، حيارى من أمرهم ، فقد انصرف جماعة من الصحابة ، الى « سقيفة بني ساعدة » حيث الانصار قد اجتمعوا يتداولون في امر الخلافة ، وذلك بعد ما تأكدوا ان المهاجرين قد اجتمعوا يبرمون الأمر حسب ميولهم وتخطيطهم ، ضد أصحاب الأمر الشرعيين ، الذين نصَّ عليهم الرسول الكريم ...

وكان بين المهاجرين والأنصار حوار واسع وكلام كثير ، وأخذ ورد ، وكانت النتيجة لصالح « أبي بكر » .


206

وافتقدت الزهراء زوجها علياً عليه السلام ، وأين هو من هذا الخضم ؟ الذي تتعالى أمواجه ، وتتقاذف الناس من المسلمين حسب الأهواء ... والأغراض ...

وإذا به عليه السلام قد انصرف مع جماعة ، من خيار الصحابة عن كل شيء ، ولم يعد من هم لهم إلا تجهيز النبي لمثواه الأخير .

حدث كل هذا و« فاطمة » يغشى عليها ساعة بعد ساعة ، لكنها أخيراً جمعت كيانها المشتت ... وتحاملت على نفسها ، وذهبت تسعى الى قبر الحبيب أبيها الرسول (ص) .

ويا له من منظر يفتت الأكباد ، ويتصدع له الصخر الأصم .

ألقت بنفسها على القبر ، ووقعت مغشياً عليها ، ولما أفاقت من غشيتها صاحت من قلب كئيب :

يا أبتاه ... أجاب ربا دعاه ... يا أبتاه في جنة الفردوس مأواه .

وفي طبقات ابن سعد : أن فاطمة قالت : يا أبتاه ، إن جبريل ينعاه ، يا أبتاه ، مِن ربه ما أدناه ، يا أبتاه من جنان الفردوس مأواه ، يا أبتاه ، أجاب رباً دعاه .

وخنقتها العبرات ، فبكت عليها السلام ، حتى تقرحت أجفانها ، وبكى الناس لبكائها ، ثم استرجعت وقالت : اغبرَّ آفـاق السـماء وكـورت فالأرض من بعد النبـي كئيبـة فليبـكه شـرق البـلاد وغربها وليبـكه الطـود المعظم جوده يا خاتم الرسل المبارك ضوءه شمس النهار وأظلم العصران أسفاً عليـه كثيرة الرجفـان ولتبكه مضر وكل يمــاني والبيت ذو الأستار والأركان صلى عليــك منزل القرآن


207

واستعبرت باكية ، فبكى الناس رفقاً بها وتقطعت قلوبهم حزناً عليها ، وهم ينظرون اليها ، وهي تقلب التراب بين أناملها ، في حركة يائسة ، كمن فرغت من الدنيا ، ثم تأخذ حفنة من تراب القبر ، وتدنيها من عينيها اللتين قرحهما البكاء ثم راحت تشم ذلك التراب وهي تقول متفجعة : ماذا على من شم تربة احمد صُبَّت عليّ مصائب لو أنها ألا يشم مدى الزمـان غواليا صبت على الأيام عدن لياليا

ورجعت عليها السلام ، مع بعض النسوة الى البيت ، والناس تتبعها بعيون دامعة ، وقلوب متصدعة ، حتى إذا بلغت دارها ، استأذن عليها أنس بن مالك وراح يسألها الصبر والعزاء ، فقالت له معاتبة :

يا أنس ، كيف طابت نفوسكم ، أن تحثوا التراب على رسول الله ؟؟

ثم قالت وقد شرقت بدمعها : إِنا فقدناك فقد الأرض وابلـها فليت قبلك كان الموت صادفنا وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب لمـا نعيت وحـالت دونك الكثب

قال ابن شهر اشوب في مناقبه : إن الزهراء عليها السلام ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس ، ناحلة الجسم ، منهدة الركن ، باكية العين ، محترقة القلب ، يغشى عليها ساعة بعد ساعة : تقول لولديها : أين ابوكما (1) الذي كان يكرمكما ويحملكما ؟ أين ابوكما الذي كان من أشد الناس حباً لكما وشفقة عليكما !!

(1) ابوكما : تعني جدهما رسول الله (ص) . كان يحبهما كثيراً وكان لهما بمنزلة الاب . و كان يقول : ولداي هذان سيدا شباب اهل الجنة .


208

ولا تزال تعدد معاملته لهما ، وموافقه منهما ، حتى يغشى عليها .

جاء في كتاب الأمالي « للصدوق » عن الإمام الصادق (ع) : قال : البكاؤون خمسة : آدم ، ويعقوب ويوسف ، وفاطمة بنت محمد (ص) وعلي بن الحسين زين العابدين (ع) .

فأما آدم : فإنه بكى خوفاً من ربه لما خرج من الجنة .

وأما يعقوب : فإنه بكى على ولده يوسف حتى ذهب بصره ، وقيل له : « تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً او تكون من الهالكين » (1) .

وأما يوسف : فإنه بكى على ابيه حتى تأذى منه من كان معه في السجن .

وأما فاطمة بنت محمد (ص) فقد بكت على ابيها حتى تأذى منها أهل المدينة ، وقالوا لها : لقد آذيتنا بكثرة بكائك .

فكانت تخرج الى المقابر ، فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تعود الى بيتها .

وأما علي بن الحسين : فقد بكى على ابيه عشرين عاماً ـ وقيل اربعين عاماً ـ وما قُدم له من طعام وشراب ، إلا اشتد بكاؤه ، فيقال له : ألا تأكل ؟ فيقول : كيف آكل ، وأبو عبد الله مات جائعاً ، وكيف أشرب ، وأبو عبد الله مات عطشاناً ... الخ .

بيت الأحزان :

وقد روى كثير من المؤرخين أن الإمام علي عليه السلام ، لما تضايق أهل المدينة من كثرة بكاء فاطمة ، بنى لها بيتاً في البقيع ، كانت تأوي إليه في

(1) سورة يوسف آية 85 .


209

ساعات من الليل والنهار ، تبكي اباها الرسول (ص) ما شاء لها . وسمي هذا البيت بيت الأحزان .

وفي كتاب ( أهل البيت ) (1) ان بيت الأحزان ، هو الموضع المعروف بمسجد فاطمة ، من جهة قبة مشهد الحسن ، والعباس ، الى أن يقول : وإليه أشار ابن جبير بقوله : « ويلي القبة العباسية بيت فاطمة الزهراء بنت الرسول ، ويعرف ببيت الأحزان ويقال انه هو البيت الذي آوت إليه والتزمت الحزن فيه ، منذ وفاة ابيها الى ان لحقت به » .

وجاء بنو هاشم وخيار الصحابة الى الزهراء عليها السلام ، يسألونها الصبر ... والعزاء ومن أين لها بالصبر والعزاء ... وكيف ؟!

« وكل مصاب بعد مصابها لمم !! »

وجلس بنو هاشم والصحابة الأخيار ، يتحدثون مع علي والزهراء وما كان من أمر البيعة ... وكيف تمت لأبي بكر (رض) في سقيفة بني ساعدة .

ولم يكد يمضي على وفاة الرسول إلا يوم وساعات ، وأهله مشغولون عن كل شيء وهم منصرفون لتجهيزه لمقره الأخير . ونسمع علياً عليه السلام يقول : وفي نبرات صوته حزن عميق ، وألم دفين : « أفكنت ادع رسول الله في بيته مسجى ... بلا غسل (2) ... ولا تكفين ، ... وأخرج أنازع القوم الخلافة » .

أليست الخلافة هي حق شرعي لي على ما نصه الرسول (ص) ؟

(1) تراجم اهل البيت ـ توفيق ابو علم .

(2) ذكر ابن سعد في طبقاته ـ ج ـ 2 ص ـ 60 كان علي رضي الله عنه ، هو الذي تولى غسل الجسد الشريف .

المرأة في ظل الإسلام م ـ (14)


210

وهنا تكلمت فاطمة عليها السلام وقالت : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ان يصنع ... ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم .

تقول الدكتورة بنت الشاطئ : وأخذ الجمع يتذاكرون بلاء علي في نصرة الإسلام ، ومكانه من رسول الله : لقد شهد علي مع الرسول مشاهده كلها :

كان يحمل لواء المهاجرين يوم أحد ، ولواء الرسول يوم غزوة بني قريظة ، وحمراء الاسد ، ويوم حنين .

وحمل يوم خيبر ، اول راية في الإسلام ... وكان (ص) ، قد اتخذها من برد لزوجه « عائشة » ام المؤمنين وقال : « لأدفعنَّ الراية الى رجل يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ويفتح عليه .. ».

فتطاول عمر بن الخطاب لها واستشرف ، رجاء أن يدفعها الرسول اليه ، فلما كان الغد ، دعا الرسول ( علياً ) ودفعها له .

ويوم الفتح كانت الراية مع ( سعد بن عبادة ) فقال الرسول لـ (علي) «ادركه فخذ الراية منه ، فكن انت الذي تدخل بها » .

وقاد سرايا الرسول الى « فدك » في شعبان من السنة السادسة للهجرة . والى « الفلس : صنم طئ » في السنة التاسعة .

والى اليمن في السنة العاشرة .. وعاد منه جميعاً مظفراً منصوراً ...

وعلى « القصواء » ناقة الرسول المباركة ، خرج « علي » الى الحج بعد الفتح بعام ...

ويوم آخى بين المهاجرين والانصار ، اصطفى « علياً » اخاً له ...

ويوم خرج الى « بدر » غازياً ، ومعه أصحابه ، كل ثلاثة على جمل ، اختار


211

علياً وأبا لبابة زميلين ، وقد عرضا عليه (ص) أن يمشيا ليستريح في مركبه ، فأبى وقال :

« ما أنتما أقوى على المشي مني ، وما أنا أغنى عن الأجر منكما » .

وتذاكر القوم أحاديث الرسول لعلي وفي علي :

« أنت مني بمنزلة هرون من موسى » .

« أنت مني وأنا منك » .

« أنت ولي كل مؤمن بعدي » .

« من كنت مولاه ، فعلي مولاه » .

« لا يحبه إِلا مؤمن ، ولا يبغضه إِلا منافق » .

أهناك من هو أحق بالخلافة من « علي » ربيب النبي ، وابن عمه أبي طالب ، وزوج ابنته الزهراء وأبي الحسنين ريحانتي الرسول ، وأول الناس إِسلاماً ، وأطولهم في الجهاد باعاً ، وفتى قريش شجاعة ... وعلماً ..؟؟

وأمسكت الزهراء صامتة لا تعقب ، ومضت أيام وهي في عزلة عن الناس ، لا تنشط للنضال عن ميراثها الذي أباه عليها ابو بكر .. وهل أبقى لها الحزن من قوة تسعفها على نضال ...؟

وكانت بحيث تظل منطوية على جراحها وحزنها ، لو لم يدعها الواجب ، أن تؤدي حق زوجها وولديها عليها ، فتسعى في رد الأمر الى أهل بيت الرسول .... (1) .

(1) نقلت الدكتورة بنت الشاطئ عن طبقات ابن سعد والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وابن ماجة ، وابن حنبل هذا الحديث .


212

كلام الزهراء لنساء المهاجرين والأنصار :

مرضت الزهراء (ع) ، ولم يتحمل جسمها النحيل الكوارث التي المَّت بها بعد وفاة ابيها .

وما أن فشا الخبر بالوعكة التي اصابتها ، حتى سارع حشد من نساء المهاجرين والأنصار لعيادتها ، وتوافدن للاطمئنان عن صحتها .

التفتت عليها السلام وقالت لهن معاتبة ، وذلك عندما قلن لها : كيف اصبحت من علتك يابنت رسول الله ؟

ذكر الاستاذ عمر رضا كحالة كلام الزهراء (ع) لمن اتين لعيادتها من النساء قالت : (1)

« اصبحت والله عائفة لدنياكم ، قالية لرجالكم ، لفظتهم بعد ان عجمتهم ، وشنأتهم بعد أن سبرتهم ، فقبحاً لفلول الحد ، وخور القنا أو كسره ، وخطل الرأي ، وبئسما قدمت لهم انفسهم أن سخط الله عليهم ، ... إلى أن تقول :

لا جرم لقد قلدتهم ربقتها ، وشنت عليهم عارها ، فجدعاً وعقراً وبعداً للقوم الظالمين .

ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الأمين ... الطبن (2) بامور الدنيا والدين .

ألا ذلك هو الخسران المبين .

(1) اعلام النساء للاستاذ عمر رضا كحالة .

(2) ألطبن : لغة الفطين والطبنة : الفطنة جمع طِبن .


213

وما الذي نقموه من أبي الحسن ، نقموا والله منه نكير سيفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمره في ذات الله .

وبالله لو تكافؤا على زمام نبذه رسول الله (ص) لسار بهم سيراً سجحاً ، لا يكلم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه .

ولأوردهم منهلاً روياً فضفاضاً تطفح ضفتاه ولأصدرهم بطاناً قد تحرى بهم الري غير منحل منهم بطائل بعمله الباهر ، وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات من السماء ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون .

ألا هلممن ... فاسمعن ... وما عشتن أراك الدهر عجباً ... الى أي لجأ لجأوا ! واسندوا ، وبأي عروة تمسكوا ، ولبئس المولى ، ولبئس العشير ... الخ الى أن تقول :

والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على خاتم النبيين وسيد المرسلين » .

إن الزهراء عليها السلام لم تكن تطالب ببقعة من أرض ... أو بأرث مادي وهي الزاهدة العابدة ، المنصرفة عن ملذات الدنيا وطيبات الحياة .

بل كانت تطالب « بالحق » وإرجاعه الى أهله الشرعيين . فقد جعل رسول الله (ص) الخلافة في علي بن ابي طالب « زوجها » .

لقد عرفنا ما كانت عليه الزهراء (ع) من خشونة الحياة وشظف العيش ، وكانت الدنيا في عينيها أحقر من ذبابة طفيلية تنظر اليها باشمئزاز ، ولهذا كانت أكبر من أن تنازع ، أو تخاصم أحداً لأجل الأرث المادي وغيره من متاع الدنيا ، فهي تعلم علم اليقين بأن حياتها قصيرة لا تبقى بعد أبيها إِلا أياماً معدودات ، كما أخبرها النبي بذلك .


214

أمضت الزهراء (ع) حياتها القصيرة ، المشحونة بالشجن والآلام ، وشظف العيش ، وخشونة الحياة ، المقرونة بالزهد والتقشف .

فكانت في ظل أب لم يشبع مرة واحدة من طعامه ... ثم انتقلت الى بيت زوج كان أكثر أدامه الملح ... والخل ... والزيت ، والدنيا في عينيه لا تساوي شسع نعل .

ومما لا شك فيه ، ولا يتمكن المؤرخون من إنكاره ، وإن وضع بعضهم غشاوة على بعض النواحي لكن لا بد من القول « الواقع يفرض نفسه » .

فقد أثبت جميع المؤرخين ، وأهل السير ، أن الزهراء سلام الله عليها لم تكن تهمها « فدكا » ولا غيرها مما تركه والدها الرسول الكريم (ص) ...

بل المقصود من تصرفاتها ، ومطالبتها « إثبات الخلافة لأصحابها الشرعيين » وإحقاق الحق ، والحفاظ على الإسلام .

فالزهراء وزوجها عليّ بن أبي طالب (ع) كانت الدنيا في حسابهما أوهي من بيت العنكبوت ، وأهون من عفصة قعرة « أي مرة » .

ولنسمع علياً يقول عندما كانت خيرات الدولة الإسلامية على سعتها ، تحت تصرفه ... لا بل تحت قدميه : « فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا اذخرت من غنائمها وفراً ، وما أعددت لبالي ثوبي طمراً ولا حزت من ارضها شبراً ... الخ .

خطبة الزهراء (ع) في المسجد النبوي الشريف :

إن الزهراء (ع) كانت من طينة محمد (ص) أحاطها الله سبحانه بهالة من


215

الجلال ... والمهابة ... وعصمها من شطط القول والفعل ... وجموح الخيال .

نراها في محنتها ، ومصابها بموت أبيها ، والضوضاء والفوضى التي أعقبت الوفاة ، تستنكر ما حدث من المفاجآت . والنبي لا يزال جثة هامدة مسجى في بيته لم يوارى الثرى .

فسيدة النساءالعاقلة الحكيمة ، التي هي باعتراف الجميع ذات العلم والعقل والفصاحة والبلاغة ، لم يوجد مثلها في النساء .

قالت السيدة عائشة : « ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله (ص) من فاطمة ، وقالت أيضاً ما رأيت قط أحداً أفضل من فاطمة غير ابيها » (1) .

لقد كانت الزهراء (ع) حريصة على تضامن المسلمين ، وإعلاء كلمة الدين ، لهذا نراها (ع) تقف ذلك الموقف المتصلب ، وتبين للناس حق علي بالخلافة ، وتزيل الغشاوة عن اعين بعض المسلمين السابحين في لجج الضوضاء .

انها ترى خلافة علي التي نص عليها الرسول (ص) هي امتداداً لرسالة أبيها المقدسة وتقول بعض الروايات أن انتزاع ( فدك ... والعوالي ) وسهم ذوي القربى من يد الزهراء ، وحرمانها من ميراث أبيها لم يكن داخلاً في حساب القوم لولا موقفها الحازم المتشدد من الخلافة .

اولاً : انما حرموها فدكا وغيرها ، حتى لا توفر على عليّ قسطاً من المال يعينه على المضي في موقفه المناوئ لهم .

ثانياً : إذا اعترف القوم للزهراء بالأرث وسلموا أمره لها ، يؤدي بهم الى

(1) اعلام النساء للاستاذ عمر رضا كحالة .


216

الاعتراف بأمر الخلافة لزوجها « علي بن أبي طالب » صاحب الحق الشرعي علاوة على حجتها البالغة عليهم .

جاء في بلاغات النساء لابن طيفور قال : لما أجمع أبو بكر ( رض ) على منع فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليها « فدك »و بلغ ذلك فاطمة (ع) لاثت خمارها على رأسها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم من مشية ابيها رسول الله (ص) شيئاً ، حتى دخلت على ابي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار ، فنيطت دونها ملاءة ، ثم أنَّت أنة ، أجهش القوم لها بالبكاء ، وارتج المجلس فأمهلت حتى سكن نشيج القوم ، وهدأت فورتهم ، فافتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه ، والصلاة على رسول الله (ص) فعاد القوم في بكائهم ، فلما أمسكوا عادت في كلامها ، فقالت :

لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم . فإن تعرفوه تجدوه ابي دون آبائكم ، وأخا ابن عمي دون رجالكم ، فبلغ النذارة صادعاً بالرسالة ، مائلاً على مدرجة المشركين ضارباً لثبجهم ، آخذاً بكظمهم ، يهشم الأصنام ، وينكث الهام ، حتى هزم الجمع ، وولوا الدبر ، وتفرى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين وخرست شقاشق الشياطين .

وكنتم عل حفرة من النار ، مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطرق ، وتقاتون الورق ، أذلة خاشعين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله برسوله (ص) بعد اللتيا والتي ، وبعدما مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ـ ومردة أهل الكتاب ـ .

كلما حشوا ناراً للحرب أطفأها ، ونجم قرن للضلال وفغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخصمه ، ويخمد


217

لهبها بحده ، مكدوداً في ذات الله ، قريباً من رسول الله ، سيداً في أولياء الله ، وأنتم في بلهنية وادعون ... آمنون .

حتى اختار الله لنبيه دار انبيائه ، وظهرت خلة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الآفلين ، وهدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مفرزه صارخاً بكم ، فوجدكم لدعائه مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين فاستنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأجمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير ابلكم ، وأوردتموها غير شربكم .

هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل بدار زعمتم خوف الفتنة ، ألا في الفتنة سقطوا ...

فهيهات منكم ، وأنى بكم ، وأنى تؤفكون ، وهذا كتاب الله بين اظهركم ، وزواجره بينة ، وشواهده لائحة وأوامره واضحة .

أرغبة عنه تدبرون ، أم بغيره تحكمون ، بئس للظالمين بدلاً ، ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ، وهو في الآخرة من الخاسرين .

ثم لم تتريثوا إلا ريث ان تسكن نفرتها ، تشربون حسواً ، وتسرون في إرتقاء ، ونصبر منكم على مثل حز المدى .

وأنتم الآن تزعمون أن لا أرث لنا ، أفحكم الجاهلية تبغون !؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون .

ويا معشر المهاجرين ، أأبتز إرث ابي ، أفي الكتاب أن ترث أباك ؟ ولا أرث ابي ؟ لقد جئت شيئاً فرياً .

فدونها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم


218

محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، ولكل نبأ مستقر ، وسوف تعلمون ، ثم انحرفت إلى قبر النبي (ص) وهي تقول : قد كان بعدك أنباء وهنبثـة إنا فقدناك فقد الأرض وابلها لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب واختل قومك فاشهدهم ولا تغب

قال : فما رأينا يوماً أكثر باكياً ، ولا باكية منا ذلك اليوم » (1) .

إن خطبة الزهراء عليها السلام ، وما تحتويه من جميل المعاني ، وعظيم الحكم ، وما تتضمنه من حسن البيان وبلاغة الكلام ، جديرة بأن تستجيب لها القلوب ، وتتفهمها الأفئدة قبل الألسن .

فلا غرابة في هذا ، فهي صادرة عن سيدة النساء ، ابنة سيد البشر ، وزوجة سيد البلغاء بعد محمد (ص) .

وهنا نقف نتساءل ... لماذا وقف القوم من الزهراء وزوجها هذا الموقف !؟ مع علمهم بأنها بضعة الرسول ، يغضبه ما يغضبها ، ويرضيه ما يرضيها .

واحسب أنهم لو حاولوا معالجة الامور بالتعقل والروية ، لمواجهة موضوع الميراث وغيره لاستطاعوا الوصول إلى نتائج أعمق ، وأبعد من الحالة التي وصلوا اليها ارتجالاً من أقرب الطرق ، وربما اتيح لهم الربط بين أطراف المسلمين ، وَلم أشتات الفوضى العارمة .

ولكن شاء القدر ، وحكمت الأيام ، أن يلتوي تاريخ الإسلام ، في أيديهم ، ويأخذ شكلاً آخر ، ويصطبغ بصبغة ثانية .

لا نلومهم عليها ، وهم غير معصومين ... بشر لا يبرأون ... ونحن ايضاً

(1) خطبة الزهراء عليها السلام ذكرها ابن طيفور كذلك ذكرها اكثر المؤرخين .


219

بشر لا نبرَّأ ... من ضعف وميول ، وهوى ، وإن كنا في الوقت نفسه ، نأسف لما ضاع على المسلمين من جهود وأتعاب ، وفرص لا تعوض ، وما يضيع على العلماء ، من صبر على البحث ، ودأب على الدرس وثبات على التحقيق . كانت هذه الاتعاب جديرة بأن تؤتي أحسن الثمر ، لو برئ الإنسان من شوائب الضعف البشري ... وهيهات ...

ومما لا شك فيه ، أن حرص الزهراء على مصلحة المسلمين ، واجتماع كلمتهم ، وتفانيها في خدمة الرسالة المقدسة . مما جعلها تذهب الى المهاجرين ، تخاطبهم بمنطقها البليغ ، الذي يشبه منطق الرسول « وذكر ان نفعت الذكرى ... » .

ثم تتوجه عليها السلام ، نحو الأنصار ... وتؤنبهم ، وقد اجتمعوا في المسجد الشريف حيث قالت :

يا معشر البقية ، وأعضاد الملة ، وحضنة الإسلام ، ما هذه الفترة عن نصرتي ؟ والونية عن معونتي ، والغمزة في حقي ، والسنة عن ظلامتي ، أما كان رسول الله (ص) يقول :

« المرء يحفظ في ولده » سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ما أتيتم ، الآن مات رسول الله (ص) ، أمتم ... دينه ... !!

ها ان موته لعمري خطب جليل ، استوسع وهنه ، واستبهم فتقه ، وفقد راتقه ، وبعد وقته ، وأظلمت الأرض له ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، وأضيع بعده الحريم ، وهتكت الحرمة ، وتلك نازلة أعلن عنها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قبل وفاته فقال :

« و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين » .


220

أيها بني قيلة ..؟ اهتضم تراث ابي وأنتم بمرأى ومسمع ، تبلغكم الدعوة ويشملكم الصوت ، وفيكم العدة ... والعدد ... والأداة ... والقوة وأنتم نخبة الله التي انتخب وخيرته التي اختار .

باديتم العرب ، وبادهتم الأمور ، وكافحتم البهم حتى دارت بكم رحى الإسلام ، ودر حلبه ، وخبت نيران الحرب ، وسكنت قوة الشرك ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوثق نظام الدين ، فتأخرتم بعد الإقدام ونكصتم بعد الشدة وجبنتم بعد الشجاعة ، عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم (1) الى أن قالت : ألا وقد قلت ما قلت لكم على معرفة منِّي بالخذلة ، التي خامرتكم وخور القناة وضعف اليقين .

فدونكموها ، فاحتووها ، مدبرة الظهر ، ناقبة الخف ، باقية العار ، موسومة الشعار ، موصولة بنار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تعملون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون » .

إن سيدة النساء فاطمة الزهراء ، كانت لا تهمها الجهة المادية ( وهي الزاهدة العابدة ) من الأرث ، بقدر ما كان يهمها من سير الدعوة الاسلامية ، ووصول الحق الى أهله . وهي ترى أن مصلحة الاسلام العليا تقتضي خلافة « علي » التي هي امتداد لصالح الاسلام ... والمسلمين .

ومما يدل على أن مصلحة الاسلام ، ونشر الرسالة المقدسة ، وتركيز دعائم الدين ، كل هذه الأشياء كانت في نظر الزهراء فوق كل شيء .

ذلك ما جاء في كثير من الروايات من سيرة علي وفاطمة عليهما السلام كشرح

(1) إشارة الى ان النبي عليه الصلاة والسلام ، اخذ العهد من المسلمين بالبيعة والخلافة لعلي عليه السلام وذلك في حجة الوداع ـ في مكان يقال له غدير خم ـ .


221

النهج وغيره ، بما مضمونه ومعناه :

أن الزهراء عليها السلام عندما رجعت من المسجد الشريف الى منزلها ، مهضومة الحق ... كسيرة القلب ، حزينة ، وذلك بعدما خاطبت المهاجرين والأنصار ولم تجد تجاوباً منهم ، لم تتمالك من أن توجه اللوم الى زوجها ابي الحسن علي عليه السلام ، بكلام تبدو عليه ... القسوة ... والشدة ... والملامة .

وفيما هي تحدثه وتخاطبه لائمة إِياه على تقاعده وسكوته عن حقه الشرعي والمطالبة به وإِذا بصوت المؤذن يتعالى :

« الله أكبر ... أشهد أن لا إله إلا الله ... وأشهد أن محمداً رسول الله » .

عندها قام علي الى السيف ... واستله من غمده ، والتفت الى الزهراء قائلاً : ما معناه ...

يا بنت رسول الله ؟ لو نازعت القوم في طلب حقي .. وحاربتهم عليه وطالبتهم بحقك من الأرث ، لثارت ثائرتهم ، وذهبوا أشتاتاً ، ولم يبق للإسلام إسم ... ولا رسم . واختفى هذا الصوت الذي يتعالى في الأجواء مردداً :

«الله اكبر ... أشهد أن لا إله إلا الله ... أشهد أن محمداً رسول الله » .

عندها هدأت ثورة الزهراء وسكنت ، وتعلًّقت بالإمام عليه السلام ، ودموعها تنساب على خديها وهي تقول : بل اصبر يا ابن عم ... حسبي ... وغايتي ... بقاء هذا الصوت والحفاظ على بقاء رسالة ابي ... وتركيز دعائم الاسلام ونشره .


222

وفاة الزهراء (ع)

يذكر المؤرخون ان الزهراء «ع» استسلمت للحزن فلم ترى قط منذ وفاة والدها النبي «ص» إلا باكية العين كسيرة الفؤآد .

الزهراء رافقت دعوة أبيها منذ بدايتها ، وتأصلت في نفسها أركان الرسالة حتى أصبحت وكأنها جزء من حياتها وقاعدة عظيمة من كيانها ، تمدها بالثبات على الحق ، والدفاع عن المظلومين والضعفاء والمحرومين والمعذبين .

تضحي بكل ما لديها لإسعاد البشر ، وإقامة العدل ولا تتواني مها كان الثمن غالياً .

وكانت عليها السلام تتمثل دائماً بابيات من الشعر تتذكر بها أيام أبيها فتقول : صبت علي مصـائب لو أنها قد كنت أرتع تحت ظل محمد واليوم اخضع للذليـل واتقي صبت على الأيام عدن لياليا لا اختشي ضيماً وكان جماليا ضيمي وادفع ظالمي بردائيا

واخيراً مرضت الزهراء (ع) ، وساء حالها ، فبادرت نساء المسلمين لعيادتها ...

نظرت اليهن ثم أشاحت بوجهها عنهن قائلة :


223

اجدني كارهة لدنياكن مسرورة بفراقكم ، وسأشكوا إلى الله ورسوله ما لقيت من بعده ... فما حفظ لي حق ، فخرجن من عندها كسيرات ، يتلاومن .. وقد ادهشن ما سمعن ورأين .

وصية الزهراء (ع) :

ذكر أصحاب التاريخ وأهل السير وصية الزهراء (ع) على عدة أوجه ، ففي رواية : انها لما احست عليها السلام بدنو أجلها ، استدعت اليها زوجها « عليا » امير المؤمنين (ع) فاوصته وصيتها ، وطلبت منه ... وألحت عليه ان يواري جثمانها في غسق الليل ، حتى لا يحضر جنازتها أحد من الذين ظلموها ، وجحدوا حقها ، وان يعفى موضع قبرها .

واوصته أيضاً أن يتزوج ابنة اختها « امامة » لتقوم على رعاية ابنائها ، قالت له :

«يا ابن عم لا بد للرجال من النساء ، فإذا أنا مت ، فعليك بابنة اختي « امامة » فانها تكون لأولادي .. مثلي ..

يقول ابن سعد في طبقاته : « ان فاطمة احبت ان يصنع لها نعشاً يواري جثمانها ، لأن الناس كانوا يومذاك يضعون الميت على سرير مكشوف لا يستر . فكرهت ذلك ، واحبت ان لا ينظر جثمانها أحد وهي محمولة على أكتاف الرجال .

فاستدعت « أسماء بنت عميس » وشكت اليها نحول جسمها وقالت لها : اتستطيعين ان تواريني بشيء ؟

قالت اسماء اني رأيت الحبشة يعملون السرير للمرأة ، ويشدون النعش


224

بقوائم السرير ، فأمرتهم بذلك وعمل لها نعش قبل وفاتها ، ولما نظرت اليه قالت :

« سترتموني ستركم الله » .

وفي رواية : لما نظرت اليه ابتسمت ، وكانت هذه أول ابتسامة لها بعد وفاة ابيها » .

والذي وعاه التاريخ ، ان الزهراء (ع) ، كان يبدو عليها الارتياح في اليوم الاخير من حياتها ، فقامت من فراشها ونادت أولادها ، فعانقتهم طويلاً وقبلتهم ثم أمرتهم بالخروج إلى زيارة قبر جدهم رسول الله (ص) .

وكانت أسماء بنت عميس تتولى خدمتها وتمريضها (1) فطلبت منها بصوت واه ضعيف ، ان تهيء لها ماء لتغتسل .

وبكل ارتياح ، بادرت أسماء إلى احضار طلبها ، فاغتسلت (ع) ولبست أحسن ثيابها وبدا عليها الحبور ، فظنت أسماء انها تماثلت للشفاء .

ولكن تبددت ظنونها عندما طلبت منها ان تنقل لها الفراش إلى وسط البيت . وقفت أسماء والدهشة بادية على وجهها ، وقد ساورها قلق شديد عندما رأت الزهراء قد اضطجعت على الفراش واستقبلت القبلة ، ثم التفتت اليها قائلة :

« اني مقبوضة الآن وراحلة عن هذه الدنيا ، إلى جوار رب رحيم ، لاحقة بأبي الرسول الكريم .. »

(1) وفي رواية ثانية أن أم رافع مولاة الرسول صلى الله عليه وسلم هي التي كانت تسهر عليها ، وتتولي تمريضها .


225

وتسمرت أسماء في مكانها وقد عقدت الدهشة لسانها لما رأت وسمعت ...

لقد اذهلها الخطب العظيم ، واستبد بها القلق والجزع والخوف على الزهراء وما هي إلا دقائق معدودات حتى حم القضاء وعلت صفرة الموت وجه سيدة النساء .

صاحت أسماء وناحت ، و علا الصراخ، فاسرعت زينب والحسنان لاستفسار الخبر ، فوجدوا أمهم قد فارقت الحياة ...

واجتمع الناس على صوت البكاء والعويل ، واحاطوا بدار علي بن أبي طالب وهم بين باك وباكية ، ومتفجع ومتفجعة وقد اشتد بهم الحزن والاسى على بضعة الرسول فاطمة الزهراء (ع) .

وعن ينابيع المودة عن أم سلمة (رض) قالت :

اشتكت فاطمة في وجعها ، فخرج « علي » لبعض حاجته فقالت لي فاطمة :

يا اماه اسكبي لي ماء ، فسكبت لها ماء ، فاغتسلت أحسن غسل ، ثم قالت : يا اماه ناوليني ثيابي الجدد ، فناولتها ثم قالت : قدمي فراشي وسط البيت ، فاضطجعت ووضعت يدها اليمنى تحت نحرها ، واستقبلت القبلة ثم قالت : يا اماه اني مقبوضة الآن ، فلا يكشفني أحد ، ولا يغسلني أحد .

قالت أم سلمة : فقبضت مكانها صلوات الله وسلامه عليها .

قالت: ودخل « علي » فاخبرته بالذي قالت ، فقال علي : والله لا يكشفها

المرأة في ظل الإسلام (15)


226

أحد . فدفنها بغسلها ولم يكشفها أحد . ولم يغسلها أحد (1) .

واختلفت الروايات ، فقيل : « لما توفيت غسلتها أسماء بنت عميس وعلي (رضي الله عن الجميع ) ودفنها ليلاً (2) .

ورحم الله القائل : ولأي الأمور تدفن ليلاً بضعة المصطفى ويعفى ثراها

ضاقت الدنيا على علي بن أبي طالب (ع) ، واشتد به الحزن على أم الحسنين زوجته فاطمة بنت الرسول (ص) .

وبعد دفنها هاج به الألم ، فوقف على القبر يتحسر ، وقلبه يعتصر اسى ولوعة ثم قال : (3)

« السلام عليك يا رسول الله ،عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك ، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري ، ورق عنها تجلدي ، إلا ان لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك فإنا لله وانا اليه راجعون .

فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ، أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم .

وستنبئك ابنتك بتضافر امتك على هضمها ، فاحفها السؤال ، واستخبرها

(1) ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ...

(2) مرآة الجنان ـ لليافعي المكي ـ ج ـ 1 ـ ص ـ 60 .

(3) اعلام النساء للاستاذ عمر رضا كحالة .


227

الحال ، هذا ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر . والسلام عليكما سلام مودع لا قال ، ولا سئم ، فإن انصرف فلا عن ملالة ، وإن اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين .

ثم تمثل علي (ع) عند قبرها فقال : ارى علل الدنيا علي كثيرة لكل اجتماع من خليلين فرقة وان افتقادي فاطماً بعد احمد وصاحبها حتى الممات عليل وكل الذي دون الممات قليل دليل على ان لا يدوم خليل

وخشع الإمام عليه السلام ، ولم يتمالك من البكاء وهو يسوي التراب ، ففاضت عبراته ، وأخذ ينفض يديه بحركة يائسة ، وكأنه قد فرغ من الدنيا بعد ما وارى تحت الثرى ، زوجته الحبيبة ، وشريكة حياته التي ملأت عليه دنياه ووقفت بجانبه تشده وتوآزره في السراء والضراء . كما كانت أمها « خديجة » تناضل وتكافح وتضحي في كل غال ورخيص مجاهدة مع الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم .


228

الذكريات

وطافت الذكريات بالإمام علي (ع) واستولى عليه الحزن واستسلم لذكريات الماضي الحبيب ، وأخذت تمر هذه الصور في مخيلته متلاحقة تذكره بالراحلة الطاهرة الزكية التي كانت أشبه الناس بأبيها .

تذكرها يوم وقفت تلك الوقفة العظيمة ، تُذكِّر المسلمين ما أنساهم إياه الدهر ... أو تناسوه كما جاء في كتاب الغدير (1) . حيث قالت : نسيتم قول رسول الله (ص) يوم غدير خم : « من كنت مولاه فعلي مولاه » وقوله أيضاً (ص) : يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى .

وكانت من أقرب الناس الى أبيها في الجود والسخاء والكرم ؛ ألم تسمعه يقول :

« السخاء شجرة من أشجار الجنة ، أغصانها متدلية الى الأرض ، فمن أخذ منها غصناً قاده ذلك الغصن إلى الجنة » .

وقالت أيضاً : السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد عن النار ، وإن الله جواد يحب كل جواد .

(1) الغدير ـ للشيخ الاميني ـ ج ـ 1 ص ـ 197 .


229

و بلغ من جودها (ع) وسخائها العظيم ، انها كانت تؤثر المحتاجين على نفسها ، وتعطي الفقراء قوتها الذي لا تملك سواه كما كان يفعل أبوها النبي وزوجها علي وبهم نزلت الآية الكريمة : «﴿ والذين تبوؤا الدّار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون » (1) .

وبدا الإمام (ع) في حزنه كسير القلب، متصدع الأركان مع أنه ذلك الأسد الهصور، و البطل الهمام.

و تذكر الزهراء (ع) ، والحسرة تعصر قلبه ... لما لاقته في حياتها من أتعاب ، وآلام وأفراح وأحزان ، صاحبة النفس الرحيمة والقلب الكبير التي قضت حياتها وأفنت عمرها القصير في الجهاد والتضحية لخدمة الإسلام و المسلمين .

فكيف ينسى الإمام (ع) زوجته ، هذه الإنسانة الحورية ... وينسى مواقفها البطولية ، وشجاعتها وبلاغتها وعلمها وفصاحتها ، مع ثباتها على الحق .

وإذا اشتد به الأسى والألم نجده عائداً إلى بيته وألم الحزن يحز في نفسه .

وكيف لا يكون ذلك وقد فقد شخصين عظيمين من أعز الناس عليه وهما « محمد ... وفاطمة » تلك الشجرة الطيبة والغمامة ذات الظل الوارف ، والعلم الزاخر والغضل الذي لا يدرك مداه .

(1) سورة الحشر ـ آية ـ 9 .


230

لقد ظلت الزهراء عليها السلام ، بعد وفاة ابيها (ص) ، تكافح من أجل احقاق الحق ، وارجاعه لاهله ، وتثبيت ، دعائم العدل ، ودفع الظلم الذي أحيط بها وبزوجها « علي » ، وبقيت تناضل الى ان فارقت الدنيا ، تاركة احسن صورة للانوثة الكاملة ... المقدسة .

ما اجمل تعبير الاستاذ العقاد حيث يقول :

( ان في كل دين صورة للانوثة الكاملة المقدسة ، يتخشع بتقديسها المؤمنون ، كأنما هي آية الله من ذكر وانثى .

فاذا تقدست في المسيحية صورة « مريم العذراء . » ففي الاسلام لا جرم أن تتقدس صورة « فاطمة الزهراء ... البتول » .

وسيظل ذكر الزهراء على لسان المؤمنين ، يخلدونه ، ومركزها ومكانتها وجلال قدرها الرفيع بين اعلام النساء ، وعباد الله المكرمين ) .

واختلف في تاريخ وفاتها ، فقد ذكر ابن سعد في طبقاته ، انها توفيت بعد ابيها بثلاثة أشهر ، وعمرها عشرون عاماً ، وقيل بستة أشهر ، وقيل لحقت بأبيها بعد خمسة وسبعين يوماً ، وذلك في اليوم الثالث من شهر رمضان الى غير ذلك من الروايات .

وضم ثرى المدينة المنورة ، جثمان الصديقة الطاهرة ، فاطمة الزهراء كما احتوى من قبل على جثمان ابيها الرسول (ص) .

وأوحشت ديار بني هاشم بعد النبي وابنته وافتقد اهلها النور الذي كانوا يهتدون به والركن القويم الذي اليه يستندون ويلجأون .


231

حزن علي على فراق زوجته الزهراء (ع) :

تقول المرويات كان علي بن ابي طالب عليه السلام يزور قبر زوجته الزهراء في كل حين ، واقبل ذات يوم فانكب على القبر ، وبكى بكاء مراً وأنشأ يقول : مالي مررت على القبور مسلماً يا قبر مالك لا تجيب مناديـا قبر الحبيب فلم يرد جوابـي أمللت بعدي خلة الاحباب ؟

فأجابه هاتف يقول : قال الحبيب وكيف لي بجوابكم أكل التراب محاسنـي فنسيتكم فعليـكم منـي السلام تقطعت وانا رهيـن جنــادل وتراب وحجبت عن اهلي وعن اترابي منـي ومنـكم خلـة الاحباب

وبات أهل المدينة والمسلمون وقد خيم عليهم الحزن وظللتهم الكآبة لفقد الزهراء بضعة الرسول .

ماتت الزهراء بجسمها ، ولكنها بقيت بروحها ، ولا تزال حية في قلوب المؤمنين ... ورمزاً حياً للمرأة المسلمة ، وقدوة صالحة للمقتدين ...

بقي صدى كفاحها عليها السلام ، وثباتها على الحق وجهادها في سبيل الاسلام يقضُّ مضاجع حكام السوء ، وطغاة العصور على مر الأيام والسنين .

روت عن ابيها الرسول الأعظم (ص) الكثير من الاحاديث والروايات ،


232

فقد ولدت في بيت الوحي ومهد النبوة وترعرعت تحت ظل صاحب الرسالة . ورافقتها حتى آخر حياتها الشريفة .

وعت الاسلام ووقائعه وانتصارته . وقد روى عنها ولداها الحسن والحسين ، ووالدهما علي بن ابي طالب (ع) .

كذلك روت عنها السيدة عائشة ام المؤمنين والسيدة ام سلمة وسلمى أم رافع ، وانس بن مالك وغيرهم الكثير من كبار الصحابة ومشايخ وعلماء المسلمين الصالحين ...

وما عساني ان اكتب عن الزهراء عليها السلام ... ولكن اكتفي بالقول ان قلمي عاجز ...

يحق لي ان اعترف بالعجز عن الاحاطة بما كتب عن حياتها التي قضتها في الجهاد والكفاح في سبيل الاسلام والعقيدة مع ابيها النبي ... وزوجها الامام علي وولديها السبطين الحسن والحسين (ع) .

واعترف ايضاً بالقصور عن ادراك معرفتهم ، وسبر غورهم ، والاحاطة بصفاتهم وفضائلهم ...

« وفوق كل ذي علم عليم » بآل محمد عرف الصـواب وهم حجج الاله على البرايا وفي ابياتهم نـزل الكتاب وبجد هم لا يستراب


233

المرأة في صدر الاسلام :

ان صدر الاسلام ليس له تحديد معين بارقام سنين لا يتعداها ، ولكننا نقصد به ذلك الزمن الذي مضى من بدء دعوة محمد (ص) عهد الرسول الكريم وخلفائه الراشدين (1) .

ذلك العهد الذي كان الناس يتقيدون باحكام الشرع العظيم ، وتعاليم الدين القويم .

وصدر الاسلام هو عهد انتقال من البداوة وعاداتها وتقاليدها ، وجاهليتها الى الاسلام وشريعته السمحاء ونظمه الحضارية وقوانينه المدنية .

وقد بذل المسلمون الجهود الجمة الجبارة ، ولاقوا المتاعب والمصاعب لسلوك الطريق الافضل ، بين التقاليد الموروثة والاعتقادات والعادات القديمة ... وبين ما جاء به الاسلام من تنظيم ديني ... ومدني ... وتوحيد لله سبحانه ، بالاضافة الى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ونحن اذ نتكلم أو نكتب عن المرأة في صدر الاسلام وما بعده حتى الآن ، ونشرح ما اصاب المرأة واخلاقها من التبدل والتطور ، يجب ان نشير ايضاً الى الرجل وما طرأ عليه من تطور وتبدل .

أليس كلاهما عضو فعال في الهيئة الاجتماعية الواحدة يؤثر فيها ... ويتأثر بها ؟!

(1) الخلفاء الراشدين ... حسب اصطلاح المؤرخين .


234

ولا يمكننا ان نتجاهل تأثير الرجال الشديد بصورة خاصة على المجتمع النسائي .

اخلاق المرأة المسلمة في صدر الاسلام :

ان شمائل المرأة العربية واخلاقها الحميدة ، لهي اجمل صفة كانت تتحلى بها ، فقد كانت بحكم البيئة والمجتمع القديم رغم تسلط الرجل عليها ، وتعسفه واستئثاره ، تحتفظ بمزايا فطرية عظيمة ونبيلة .

كالشجاعة ... والجرأة الادبية ... والعفاف ... والكرم ... والوفاء ... وحفظ الجوار ... واغاثة الملهوف ... والعفو عن المقدرة ... الى غير ذلك من الاخلاق الفاضلة ، والمزايا الحميدة ...

فلما جاء الاسلام أبقى على هذه المزايا والشمائل ، وتعهدها واضاف اليها صفات جديدة ...

كالتقى والايمان ... والورع ... والتدين وكان الاسلام حريصاً على مكارم الاخلاق كما ورد في الحديث الشريف عن الرسول الاعظم (ص) « انما بعثت لأتم مكارم الاخلاق » .

وحتى نتمكن من الاحاطة بما فعله الاسلام من تبديل وتطوير وتأثير على اخلاق المرأة وسير حياتها ، لا بد لنا من استعراض بعض مآثرها في النواحي الاجتماعية لتوضيح ما كان من سيرة حياتها في ذلك العهد .

جهاد المرأة في الاسلام :

لقد كانت الشجاعة في ايام الجاهلية عنوان القوم ، ومدار اهتمامهم ،


235

والمحور الذي تدور عليه مفاخرتهم واشعارهم وغزواتهم وحروبهم .

ولما ظهر الاسلام بنور تعاليمه الساطعة ، انبرت المرأة للمساهمة بنصيبها الاكبر في الجهاد .

فكانت مع الرجل جنباً الى جنب تروي ظمأه اذا عطش وتضمد جراحه اذا اصيب ، وتثير الحماس في رؤوس المقاتلين .

واذا اضطرت للدفاع ، او تعرضت للاهوال ، وقفت وقفة الابطال ، واقبلت على محاربة الاعداء ، غير هيابة ولا وجلة ، بشجاعة وثبات ... و صلابة و عقيدة.

في حين نرى ان بعض الرجال البارزين ، يعجز ... أو يهاب ان يقف موقفها .

جهاد الهاشميات :

ان جهاد بني هاشم في سبيل الاسلام معروف ومشهور لا ينكره احد .

فكما كان للرجال جهاد ، كان للنساء مواقف سجلها التاريخ على صفحاته وفي مقدمة النساء كن الهاشميات فقد ساهمن في سبيل الدفاع عن الاسلام ، واعلاء كلمته ما وسعهن المساهمة . سواء بالشجاعة والاقدام ... او بالخطب والكلام . واولهن الصحابية الجليلة سليلة البيت الهاشمي الرفيع . « صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول » .


236

صفية بنت عبد المطلب :

لقد حدثنا التاريخ عن بطولة وجهاد سيدة عظيمة هي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم ( عمة الرسول ) .

ذكر ابن هشام في سيرته (2) .

« كان رسول الله (ص) ، اذا خرج لقتال عدوه ، اصطحب بعض نسائه معه ، ففي غزوة ( الخندق ) رفع ازواجه ونساءه في حصن حسان بن ثابت ، وكان من احصن آكام المدينة .

فمر رجل يهودي وجعل يطيف بالحصن ، وقد حاربت بنو قريظة ، وقطعت ما بينها وبين رسول الله (ص) والمسلمون في نحور عدوهم ، لا يستطيعون أن ينصرفوا الى ذلك الحصن إِن اتاه آت .

فقالت صفية : يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن ، واني والله ما آمنه ان يدل على عورتنا من ورائنا من يهود ، وقد شغل عنا رسول الله (ص) واصحابه ، فانزل اليه فاقتله .

فقال حسان : يغفر الله لك يا بنت عبدالمطلب ! والله لقد عرفت ما انا بصاحب هذا .

(1) ذكر هذا الحديث جميع اهل التاريخ والسير ـ كالسيرة الحلبية ـ والسيرة النبوية لابن هشام ـ كتاب الدر المنثور لزينب فواز ـ اعلام النساء عمر رضا كحالة وغيرهم .


237

فلما سمعت صفية كلام حسان ، قامت فأخذت عموداً ثم نزلت من الحصن الى ذلك اليهودي فضربته في العمود فقتلته .

ثم رجعت الى الحصن فقالت : يا حسان . انزل اليه فاسلبه فإِنه لم يمنعني من سلبه إِلا أنه رجل .

فقال لها حسان : « ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب » .

وتقول بعض المرويات : ان صفية لما قتلت اليهودي ، وقطعت رأسه ، قالت لحسان :

« قم فأطرح رأسه على اليهود وهم أسفل الحصن » .

فقال : والله ما أستطيع ذلك . قالت : فقمت فرميت رأسه على اليهود ، فأدهش ذلك اليهود وقالوا :

« لقد علمن أن هذا ( محمداً ) لم يكن ليترك أهله خلواً ليس معهم أحد . فتفرقوا خائفين » .

وهذه الراوية تشهد لصفية بنت عبد المطلب بالشجاعة الفائقة والاقدام على نصرة الاسلام .

ولكنها لم تنقص من قدر حسان بن ثابت شاعر الرسول الأعظم (ص) ولم يكن خاملاً ...

حسان بن ثابت ليس رجل حرب ... وليس بمقدوره مقارعة الفرسان ...

بل إن جهاده في سبيل إِعلاء كلمة الحق ونشر راية الاسلام كان بشعره ولسانه وبيانه ... لا بسيفه ورمحه وسنانه .

أجل إِن شاعر الرسول « حسان بن ثابت » وإن كان جباناً في القتال ،


238

لكن له مواقفه الجليلة ، حيث يصنع اللسان ما يعجز عنه السنان .

ومما يروى عن الرسول الأعظم (ص) ، انه كان ينصب المنبر لحسان بيده الشريفة ويقول : « اللهمَّ أيد حساناً بروح القدس ... ما دافع عن رسولك » .

ولحسان بن ثابت أشعار كثيرة في تأييد الرسول (ص) والرسالة وتأييد الوصية لعلي بن أبي طالب (ع) فمن ذلك قوله في يوم غدير خم . ينـاديهم يوم الغديـر نبيهم فقال فمـن مولاكم ونبيـكم إلهك مولانـا وأنت نبينـا فقال له : قم يا علـي فإِنني فمن كنت مولاه فهذا وليـه هناك دعا اللهمَّ وال وليـه بخـم واسمـع بالنبـي مناديـا فقالوا ولم يبدوا هنـاك التعاميـا ولم تلق منا في الولايـة عاصيا رضيتك من بعدي إماماً وهادياً فكونوا له أتبـاع صدق مواليـا وكن للذي عادى علياً معاديـا

« وشهدت صفية ( عمة الرسول ) غزوة ( أحد ) ولما انهزم المسلمون قامت وبيدها رمح تضرب في وجوه الناس وتقول :

انهزمتم عن رسول الله ؟!

فلما رآها رسول الله (ص) قال لابنها الزبير بن العوام : إلقها فارجعها حتى لا ترى ما بشقيقها الحمزة بن عبد المطلب . فلقيها الزبير فقال لها : يا أماه ... إِن رسول الله (ص) يأمرك أن ترجعي ، فقالت : ولمَ ؟.. فقد بلغني أنه مثل بأخي « حمزة » وذلك في الله عز وجل قليل ، فما أرضانا بما كان من ذلك . لأحتسبن ولأصبرن إنشاء الله تعالى .

فلما جاء الزبير رسول الله (ص) فأخبره بذلك قال : خل سبيلها .


239

فأتت صفية الحمزة ، فنظرت اليه ، وصلت عليه ، واسترجعت ، واستغفرت له .

ثم أمر رسول الله (ص) به فدفن (1) وقالت تبكي أخاها الحمزة وترثيه . أسائلة أصحاب أحـد مخـافـة دعاه إله الحق ذو العرش دعوة فواللّه لا أنساك ماهبت الصبا فيا ليت شلوي عند ذاك واعظمي بنات ابي مـن أعجـم وخبيـر الـى جنـة يحيـا بها وسرور بكاء وحزناً محضري ومسيري لدى أضبع تعتـادنـي ونسـور

كانت صفية شجاعة مقدامة ، عملت جهدها في سبيل نصرة الاسلام والمسلمين ، وتوفيت رحمها الله في سنة عشرين للهجرة ، ودفنت في البقيع .

(1) أمر رسول الله (ص) بدفن عمه الحمزة رضي الله عنه حيث قتل ولا يزال قبره الى الآن عند جبل احد .

وأحد ـ جبل قرب المدينة المنورة . دارت قربه المعركه المشهورة ـ بوقعة احد .


240

فاطمة بنت اسد بن هاشم

سيدة جليلة حافظت على رسول الله (ص) حفاظ الصدر على جنانه ، والطرف على إِنسانه ، كانت تؤثره عليه الصلاة والسلام على أولادها ، وترعاه بعناية تامة ، وتحنو عليه أكثر من حنو الوالدة على رضيعها .

لذلك نرى النبي (ص) قابل صنيعها الجميل ، وما قامت به من خدمات أحسن مقابلة .

روي عن الرسول (ص) لما توفيت فاطمة بنت اسد بن هاشم (1) زوجة أبي طالب ، ووالدة علي أمير المؤمنين (ع) كفنها رسول الله (ص) في قميصه وصلى عليها ، وكبر عليها سبعين تكبيرة ، ونزل في قبرها فجعل يومي في نواحي القبر كأنه يوسعه ، ويسوي عليها ، وخرج من قبرها وعيناه تذرفان . وجثا في قبرها ، فلما ذهب قال له عمر بن الخطاب :

يارسول الله رأيتك فعلت على هذه المرأة شيئاً لم تفعله على أحد ؟ فقال : يا عمر إن هذه المرأة كانت بمنزلة امي التي ولدتني .

(1) ذكر السيد الامين في كتابه أعيان الشيعة ـ أن فاطمة بنت اسد سبقت الى الاسلام وهاجرت الى المدينة في أول الهجرة . وروى الحاكم في المستدرك قال : كانت فاطمة بنت اسد اول هاشمية ولدت من هاشمي ، وكانت بمحل عظيم من الإيمان ، في عهد رسول الله وتوفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .


241

إن أبا طالب كان يصنع الصنيع وتكون له المأدبة ، وكان يجمعنا على طعامه ، فكانت هذه المرأة تفضل منه كله نصيباً فأعود فيه .

روى صاحب أعلام النساء : أن فاطمة بنت أسد لما توفيت بالمدينة ، ألبسها رسول الله (ص) قميصه ، واضطجع معها في قبرها ، فقالوا : ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه ؟

فقال : إِنه لم يكن أحد بعد ابي طالب أبر بي منها ، إِنما البستها قميصي لتكتسي من حلل الجنة ، وأضطجعت معها ليهون عليها الحساب (1) .

أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم :

كانت أروى مثال المرأة المسلمة ، جاهدت في سبيل الله بلسانها وبيانها ، في كل دور من أدوار الإسلام الذي مرَّ عليها ، ولم تأل جهداً في أداء النصيحة وإرشاد الناس الى سلوك طريق العدل والانصاف ، وإرجاع كل ذي حق حقه ، بكل ما تقدر عليه ، غير هيابة ولا وجلة ، لا تأخذها في الله لومة لائم .

ولا غرابة فقد كانت السيدة أروى فريدة زمانها ، وبليغة عصرها إذا خطبت أعجزت ، وإن تكلمت أوجزت لإنها إبنة البلاغة ومعدن الفصاحة .

ومن جملة نصحها للإسلام ، وإرجاع الحق الى أهله ، دخولها على معاوية بن أبي سفيان وهو في أبهة سلطانه ، وشموخه بأنفه بين أعوانه .

(1) ذكر صنيع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اكثر المؤرخين وأصحاب السير ، كالسيد الامين في ايمان الشيعة وعمر رضا كحالة في أعلام النساء والسيد علي فضل الله الحسني في كتابه الاخلاق الاسلامية وغيرهم .

المرأة في ظل الإسلام (16)


242

دخلت عليه تؤنبه وتقرعه لتنكبه جادة الحق ، وسلوكه طريق الباطل واغتصابه الخلافة من أهلها الشرعيين .

حديث اروى بنت الحارث بن عبد المطلب مع معاوية :

ذكر ابن طيفور مروياً عن أنس بن مالك قال :

« دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب ، على معاوية بن أبي سفيان بالموسم ، وهي عجوز كبيرة ، فلما رآها قال : مرحباً بك يا عمة قالت :

كيف أنت يا ابن أخي ، لقد كفرت بعدي بالنعمة ، وأسأت لابن عمك الصحبة ، وتسميت بغير اسمك . وأخذت غير حقك ، بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام .

ولقد كفرتم بما جاء به محمد (ص) ، فأتعس الله منكم الجدود ، وأسعر منكم الخدود ، حتى رد الله الحق الى أهله ، وكانت كلمة الله هي العليا ونبينا محمد (ص) هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون .

فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً وقدراً حتى قبض الله نبيه (ص) مغفوراً ذنبه مرفوعاً درجته شريفاً عند الله مرضياً ، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم .

وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول : « يا ابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » ولم يجمع بعد رسول الله (ص) لنا شمل ، ولم يسهل لنا وعر ، وغايتنا الجنة ، وغايتكم النار .

قال عمرو بن العاص : أيتها العجوز الضالة أقصري من قولك وغضي من


243

طرفك ، قالت : ومن أنت لا أمَّ لك قال : عمرو بن العاص . قالت : يا ابن اللخناء النابغة ، اتكلمني ..! اربع على ظلعك ، وأعن بشأن نفسك ، فوالله مما أنت من قريش في اللباب من حسبها ، ولا كريم منصبها ، ولقد ادعاك ستة من قريش كلهم يزعم أنه ابوك ، ولقد رأيت امك أيام منى مع كل عبد عاهر ( أي فاجر ) فأتمَّ بهم فإنك بهم أشبه .

فقال مروان بن الحكم : أيتها العجوز الضالة ، ساخ بصرك مع ذهاب عقلك ، فلا تجوز شهادتك ، قالت : يا بني أتتكلم ! فوالله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم ، وإنك لشبهه في زرقة عينيك وحمرة شعرك مع قصر قامته ، وظاهر دمامته ، لقد رأيت الحكم ماد القامة ظاهر اللامة سبط الشعر ، وما بينكما من قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب ، فاسأل امك عما ذكرت لك فإنها تخبرك بشأن ابيك إن صدقت .

ثم التفتت إلى معاوية فقالت : والله ما عرضني لهؤلاء غيرك ، وإن أمك القائلة في يوم أحد في قتل حمزة رحمة الله عليه : نحـن جزينـاكم بيـوم بـدر ما كان عن عتبة لي من صبر شفيت وحشـي غليل صدري فشكر وحشـي علي عمـري والحرب يوم الحرب ذات سعر أبـي وعمي وأخي وصهري شفيت نفسي وقضيت نـذري حتى تغيب أعظمي في قبري

فأجبتها بقولي : يا بنت رقّاع عظيم الكفر صبحك الله قبيل الفجـر بكل قطاع حسام يفـري خزيت في بدر وغير بدر بالهاشميين الطوال الزهـر حمزة ليثي وعلي صقري


244
)إذ رام شبيب وأبوك غدر هتَّكَ وحشي حجاب الستر أعطيت وحشياً ضمير الصدر ما للبغايـا بعدها مـن فخـر

فقال معاوية لمروان وعمرو : ويلكما أنتما عرضتماني لها ، وأسمعتماني ما أكره .

ثم قال لها : يا عمة اقصدي قصد حاجتك ، ودعي عنك أساطير النساء . قالت : تأمر لي بألفي دينار ، وألفي دينار ، وألفي دينار .

قال : ما تصنعين يا عمة بألفي دينار ؟ قالت : أشتري بها عيناً خرخارة ، في أرض خوارة تكون لولد الحارث بن عبد المطلب .

قال : نعم الموضع وضعتها ، فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت : ازوج بها فتيان عبد المطلب من أكفائهم ...

قال : نعم الموضع وضعتها ، فما تصنعين بألفي دينار ؟

قالت: أستعين بها على عسر المدينة ، وزيارة بيت الله الحرام .

قال : نعم الموضع وضعتها ، هي لك نعم وكرامة .

ثم قال : أما والله لو كان علي ما أمر لك بها ..

قالت : صدقت إن علياً أدَّى الأمانة ، وعمل بأمر الله وأخذ به ، وأنت ضيعت أمانتك وخنت الله في ماله ، فأعطيت مال الله من لا يستحقه وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها ، وبينها فلم تأخذ ، ودعانا ( أي علي ) الى أخذ حقنا الذي فرض الله لنا . فشغل بحربك عن وضع الامور مواضعها ، وما سألتك من مالك شيئاً فتمنَّ به ، إنما سألتك من حقنا ، ولا نرى أخذ شيء غير حقنا .

أتذكر علياً فضَّ الله فاك ... وأجهد بلاءك ، ثم علا بكاؤها وقالت :


245
)ألا يا عيـن ويحك أسعدينـا رزينا خير من ركب المطايا ومن لبس النعال او احتذاها إذا استقبلت وجه ابي حسن ولا واللّه لا أنسى عليــاً أفي الشهر الحرام فجعتمونا ألا وابكـي أمير المؤمنينـا وفارسها ومن ركب السفينا ومن قرأ المثاني والمئينـا رأيت البدر راع الناظرينـا وحسن صلاته في الراكعينا بخير الناس طرّاً أجمعينـا (1)

وفي رواية : قال لها معاوية : عفا الله عما سلف يا خالة ، هاتِ حاجتك .

قالت : مالي إليك حاجة ، وخرجت عنه .

فقال معاوية لأصحابه : والله لو كلمها من في مجلسي جميعاً ، لأجابت كل واحد بغير ما تجيب به الآخر . وإِن نساء بني هاشم لأفصح من رجال غيرهم .

(1) بلاغات النساء لابن طيفور والعقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي وغيرهما .


246

مساهمة المرأة في نصرة الاسلام

لقد سارعت المرأة إلى نصرة الإسلام ، مندفعة بكل ما تملكه من شجاعة وإقدام وتضحية في سبيل الدين والعقيدة .

ولا بأس بأن نذكر بعض النساء اللواتي ساهمن مساهمة فعالة ، في نصرة الحق والدفاع عنه ، بما يتلاءم مع كيانهن وطبيعتهن ، وذلك ضمن نطاق الحشمة والأدب والشرع الشريف .

أم رعلة القشيرية :

« سيدة من ربات الفصاحة والبلاغة . وفدت على النبي (ص) فقالت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ... أنا من ذوات الخدور ، ومحل ازر البعول ، ومربيات الأولاد ، وممهدات المهاد ، ولا حظّ لنا في الجيش الأعظم ، فعلمنا شيئاً يقربنا من الله عز وجل .

فقال لها النبي (ص) : عليكن بذكر الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار ، وغض البصر وخفض الصوت .

ثم أقبلت بعد وفاة النبي (ص) الى المدينة فحزنت عليه حزناً شديداً وأخذت بالحسن والحسين تطوف بهما بأزقة المدينة ، وهي تبكي بكاءً مراً ، وترثيه برثاءٍ مؤلم منه :


247
يا دار فاطمة المعمور ساحتها
هيجت لي حزناً حييت من دار

فهاجت المدينة لمأتمها ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وأهلها يبكون (1) .

ام ورقة بنت عبد الله بن الحارث الانصارية :

كانت من فواضل نساء عصرها ، وكان رسول الله (ص) يزورها ويسميها الشهيدة . ولما غزا رسول الله بدراً قالت له : إِيذن لي أن اخرج معكم ، أداوي جراحكم ، وأمرض مرضاكم ، لعل الله يهدي إِلي الشهادة .

فقال لها رسول الله (ص) : إن الله يهديك الشهادة ، وقري في بيتك فإنك شهيدة ...

وكانت جمعت القرآن فأمرها النبي (ص) أن تؤم أهل دارها ، وكان لها مؤذن ... وكانت تؤم أهل دارها ، حتى قتلت ... فقالوا : صدق رسول الله ... إِنها شهيدة (2) .

سبيعة بنت الحرث الاسلمية :

قال ابن عباس : (3) صالح رسول الله (ص) بالحديبية مشركي مكة ، على من اتاه من اهل مكة ، رده عليهم ، ومن اتى اهل مكة من اصحاب رسول الله (ص) فهو لهم ، ولم يردوه عليه . وكتبوا بذلك كتاباً ، وختموا عليه .

فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية ، مسلمة بعد الفراغ من الكتاب ،

(1) الاصابة لابن حجر ـ وأعلام النساء لعمر رضا كحالة وغيرهما .

(2) طبقات ابن سعد الكبرى ـ تهذيب التهذيب لابن حجر .

(3) عن مجمع البيان في تفسير القرآن ـ للطبرسي .


248

والنبي (ص) بالحديبية ، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم قال مقاتل هو « صيف بن الراهب » في طلبها وكان كافراً فقال :

يا محمد اردد علي امرأتي ... فإِنك قد شرطت لنا ، ان ترد علينا من اتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد ... فنزلت الآية :

« ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإِيمانهن فإِن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن الى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إِذا آتيتموهن اجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما انفقتم وليسألوا ما انفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم » (1) .

قال ابن عباس : إِذا جاءكم المؤمنات مهاجرات من دار الكفار ، الى دار الإسلام ، فامتحنوهن ... امتحانهن أن يستحلفن ، ما خرجت من بغض زوج ، ولا رغبة عن ارض الى ارض ، ولا التماس دنيا ، وما خرجت إلا حباً لله ورسوله .

فاستحلفها رسول الله (ص) : ما خرجت بغضاً لزوجها ، ولا عشقاً لرجل منا ، و لا خرجت إلا رغبة في الإسلام .

فحلفت ... بالله الذي لا إله إلا هو ... على ذلك فأعطى رسول الله (ص) زوجها مهرها ، وما أنفق عليها ، ولم يردها عليه .

ام كلثوم بنت عقبة :

قال الجبائي : (2) إن ام كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، جاءت مسلمة ،

(1) سورة الممتحنة ـ آية ـ 10 .

(2) مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي .


249

مهاجرة من مكة ، فجاء اخواها الوليد ... وعمارة ، الى المدينة فسألا رسول الله ردها عليهما .

فقال رسول الله (ص) ان الشرط بيننا في الرجال لا في النساء . فلم يردها عليهما .

قال الجبائي : وإنما لم يجر هذا الشرط في النساء ، لأن المرأة إذا اسلمت ، لم تحل لزوجها الكافر !! فكيف ترد عليه وقد وقعت الفرقة بينهما .

زينب بنت رسول الله (ص) :

قال الشعبي : (1) كانت زينب بنت رسول الله (ص) امرأة أبي العاص بن الربيع ، فأسلمت ، ولحقت بالنبي (ص) في المدينة .

وأقام ابو العاص مشركاً بمكة ، ثم أتى الى المدينة فأمنته زينب ، ثم أسلم فردها عليه رسول الله (ص) .

وقال الجبائي : لم يدخل في شرط صلح الحديبية ، إلا رد الرجال دون النساء المسلمات ، ولحقن بالرسول (ص) ، أمثال : أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأميمة بنت بشر وغيرهن كثيرات مما يضيق المجال عن ذكرهن .

ام رميثة بنت عمر بن هاشم بن عبد المطلب :

مجاهدة جليلة ، وسيدة عاقلة ، اسلمت ، وبايعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتح خيبر ، وأطعمها رسول الله أربعين وسقاً تمراً وخمسة اوسق شعير (2) .

(1) مجمع البيان في تفسير القرآن ـ للطبرسي .

(2) سيرة ابن هشام ـ تاريخ الطبري ـ الإصابة لابن حجر .


250

ام حكيم بنت الحارث المخزومية :

مجاهدة جليلة ، أسلمت يوم الفتح ، واستأمنت لزوجها عكرمة بن ابي جهل ، فأمنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخرجت في طلبه وقد هرب الى اليمن فأدركته في ساحل من سواحل تهامة وقد ركب البحر . فجعلت تصيح إليه وتقول :

يا ابن عم ، جئتك من أوصل الناس ، وأبر الناس ، وخير الناس ، لا تهلك نفسك ، وقد استأمنت لك منه ، فأمنك . فقال : أنتِ فعلت ذلك ؟ قالت : نعم أنا كلمته فأمنك . فرجع معها .

ولما وصل عكرمة ، وانتهى الى باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوجته معه ، فسبقته ، فاستأذنت على الرسول ، فدخلت وأخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدوم عكرمة ، فدخل عكرمة وأسلم .

وشهدت أم حكيم وقعة اليرموك (1) وأبلت فيها بلاءً حسناً فقاتلت فيها أشد القتال .

وفي وقعة مرج الصغر ، خرجت بعمود الفسطاط ، فقتلت سبعة من الروم (2) .

ام حبيب بنت العاص القرشية :

مجاهدة جليلة ، أدركت عصر النبي ، ولها صحبة ، وشهدت اليرموك ، وحرضت الرجال على القتال ، لما شدَّ طرف من الروم على عمرو بن العاص ، فانكشف هو وأصحابه ، حتى دخلوا أول المعسكر وهم في ذلك يقاتلون ويشدون .

(1) اليرموك : وادٍ بناحية الغور ـ ومرج الصغر واقع بنواحي دمشق .

(2) تاريخ الطبري ـ طبقات ابن سعد ـ سيرة ابن هشام .


251

عند ذلك نزل النساء من التل ، بعمد الحديد يضربن وجوه الرجال .

وقادت ام حبيب الناس قائلة : قبح الله رجلاً يفر عن حليلته ... وقبح الله رجلاً يفر عن كريمته ... فتراد المسلمون ، فزحف عمرو واصحابه حتى عادوا الى قريب مواقفهم (1) .

بركة بنت ثعلة ام ايمن :

هذه المهاجرة ، هي مولاة النبي (ص) ، وحاضنته ، وكانت من المهاجرات الاول :

هاجرت الهجرتين الى ارض الحبشة ـ والى المدينة ، وقد شهدت أم ايمن حنيناً ... واحداً ... وخيبراً ... وكانت في أحد تسقي الماء (2) .

بما انني ما زلت في في صدد ذكر بعض المسلمات المجاهدات اللواتي رافقن الرسالة النبوية الشريفة ، وما قمن به من خدمات جليلة ، وما اديّن من واجبات نحو الاسلام والمسلمين وهن كثيرات منهن :

حمنة بنت جحش :

مهاجرة جليلة ، جاهدت مع رسول الله (ص) وشهدت أحداً ، فكانت تسقي العطاش .

وقد اطعمها رسول الله (ص) في خيبر ثلاثين وسقاً ... مثل الرجل (3) .

(1) الاستيعاب لابن عبد البر ـ اعلام النساء لعمر رضا كحالة .

(2) طبقات ابن اسعد ـ تاريخ الطبري .

(3) طبقات ابن اسعد ـ تاريخ الطبري .


252

ليلى الغفارية :

مجاهدة وغازية ، كانت تخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مغازيه ، وكان يسهم لها .

ولما خرج علي بن ابي طالب الى البصرة ، خرجت معه ، وأتت عائشة ام المؤمنين فقالت لها : هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضيلة في علي ؟

قالت : نعم ... دخل علي على رسول الله وهو معي ، وعليه جرد قطيفة ، فجلس بيننا ، فقلت : أما وجدت مكاناً هو أوسع لك من هذا ؟..

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا عائشة ...دعي لي اخي فإِنه أول الناس اسلاماً ، وآخر الناس بي عهداً ، وأول الناس لي لقياً يوم القيامة (1) .

ام ذر الغفاري :

هي زوجة ابي ذر الغفاري رضي الله عنه ، الصحابي الجليل الذي ذكره الرسول الكريم بقوله : « ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر » .

كانت شاعرة من شواعر العرب ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يبتسم قال لأبي ذر : يا أبا ذر ... حدثني عن بدء إسلامك ؟

قال أبو ذر : كان لنا صنم يقال له « نهم » فأتيته فصببت له لبناً ، ووليت فحانت مني التفاته ، فإذا كلب يشرب ذلك اللبن فلما فرغ ، رفع رجله فبال على الصنم ، فأنشأت أقول :

(1) الاستيعاب لابن عبد البر ـ أعلام النساء لعمر رضا كحالة .


253
ألا يأنهم اني قد بدا لي رأيت الكلب سامك حط خسف مدى شرف يبعد منك قربا فلم يمنع قفاك اليوم كلبا

فسمعتني أم ذر فقالت :

لقد اتيت جرماً ، وأبت عظماً ، حين هجرت نهماً ؟!

فلما أخبرتها الخبر ... فقالت : ألا فابغنا رباً كريما فما من سامه كلب حقير فما عبد الحجارة غير غاو جواداً في الفضائل يا وهب فلم يمنع يداه لنا برب ركيك العقل ليس بذي لب

فقال صلى الله عليه وآله وسلم : صدقت ام ذر ... « فما عبد الحجارة غير غاوٍ » (1) .

(1) اعلام النساء : عمر رضا كحالة .


254

انتعاش المرأة اجتماعياً في صدر الاسلام

تتطور أخلاق الناس بتطور أفكارهم ومقاييسهم وتتأثر بالبيئة ... والمجتمع .

وفي صدر الإسلام ، لما اتيح للمرأة الحرية ... وشعرت بمكانتها وشخصيتها ، وما انعم عليها الباري سبحانه وتعالى من الخير ، وما اوجب لها الإسلام من الحقوق ، أصابها ما يصيب الناس الذين ينتقلون فجأة من حال إلى حال .

لقد انتقلت المرأة بفضل تعاليم الاسلام وتشريعاته من الذل والهوان ... الى العزة والكرامة ... من الحرمان والاضطهاد ... الى الحرية والنور واحترام الشخصية والعطاء ... من الجهل والانزواء ، والجهالة العمياء ... الى الدين والتقى والورع والانطلاق ، والتحرر من العادات والتقاليد الظالمة والطقوس المشينة .

انتعشت المرأة ، وانطلق كل من الرجال والنساء على قدم المساواة كل فرد بحسب طبيعته وعلى قدر استطاعته ، وفق القوانين الإسلامية والتعاليم النبوية الشريفة .

ولقد كان الحافز إلى النهضة والتفاني بالجهاد ، الايمان بالله العظيم ورسالة النبي الكريم بالإضافة الى حلاوة الإسلام ، وزهو النصر المؤيد من الله رب العالمين . وكان من بين النساء التقيات الورعات ، المجاهدات ذوات العقل والدين المتحدثات بكل جرأة وأدب وانطلاق يبدين الرأي ، ويتحدثن بتفهم وروية ...


255

جزلات بأجوبتهن ، المسكتة ، وأحاديثهن الممتعة وعلى سبيل المثال نذكر قصة قيلة بنت مخرمة مع حريث بن حسان وافد بكر بن وائل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

قيلة بنت مخرمة

ذكر ابن طيفور في كتاب بلاغات النساء « قيلة بن مخرمة » من ربات الفصاحة والبلاغة ، أسلمت قديماً ولها صحبة ، قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسمعت منه وصلت معه ، ولها حديث طريف قالت (1) .

« لقد انطلقت الى اخت لي في بني شيبان ، أبتغي الصحابة الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبينما أنا عندها ذات ليلة تحسب اني نائمة إذ جاء زوجها من السامر فقال : وأبيك لقد اصبت لقيلة صاحب صدق ، قالت : من هو ؟ قال : هو حريث ابن حسان ، غادياً ذات صباح وافد بكر بن وائل الى رسول الله (ص) .

قالت : يا ويلها ، لا تخبر بهذا اختي ، فتتبع أخا بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها ، ليس معها من قومها رجل . قال : لاتذكريه ، فإني لست ذاكره لها .

فلما أصبحت ، وقد سمعت ما قالا : شددت على جملي فانطلقت إلى حريث ابن حسان ، فسألت عنه فإذا به وركابه مناخة فسألته الصحابة الى رسول الله (ص) فقال : فقال : نعم ... وكرامة .

فخرجت معه ، صاحب صدق ، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فدخلنا المسجد حين شق الفجر ، وقد اقيمت الصلاة فصلى والنجوم شابكه ، والرجال

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ـ أعلام النساء لعمر رضا كحالة وغيرهم .


256

لا تكاد تعارف من ظلمة الليل ، فصففت مع الرجال وكنت امرأة وحديثة عهد بالجاهلية فقال لي رجل جنبي : امرأة أنت أم رجل ؟

قلت : امرأة : قال : « كدت تفتنيني ، عليك بالنساء وراءك » . فإذا صف من النساء قد حدث عند الحجرات ، لم أكن رأيته حين دخلت ، فصففت معهن .

فلما صلينا جعلت أرمي ببصري الرجل ذا الرداء والفثرد لأرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى دنا رجل فقال : السلام عليك يا رسول الله .

فإذا هو جالس القرفصاء ، ضام ركبتيه الى صدره ، عليه اسمال ملسين ، كانتا مصبوغتين بزعفران فنعصا ، وبيده عسيب مقشور غير خوصتين من أعلاه فقال : وعليك السلام ورحمة الله .

فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتخشع في مجلسه أرعدت من الفرق ، فقال له جليسه : يا رسول الله ... أرعدت المسكينة (1) .

فقال بيده : « يا مسكينة عليك السكينة » فذهب عني ما كنت اجد من الرعب .

قالت : فتقدم صاحبي أول من تقدم ، فبايعه على الإسلام ... وعلى قومه ، ثم قال :

يا رسول الله ، اكتب لنا بالدهناء ، لا يجاوزها من تميم إلينا إلا مسافر ... او مجاور ...

فقال : يا غلام اكتب له الدهناء .

(1) أرعد الرجل من الخوف : أنزل به الرعدة ـ صيره يرتعد ! ارتعد : اضطرب واهتر ـ ترجرج ـ المنجد في اللغة .


257

قالت : فلما رأيت ذلك شخص بي وهي داري ... ووطني .

فقلت : يا رسول الله إنه لم يسلك السوية من الأمر ، هذه الدهناء عندك مقيد الجمل ، ومرعى الغنم ، ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك .

قال : صدقتِ ... امسك ياغلام ... المسلم أخو المسلم يسعهم الماء والشجر يتعاونان على الفتان كذا ...

قالت : فلما رأى حريث وقد حيل دون كتابه ، صفق بإحدى يديه على الاخرى ثم قال :

كنت أنا وأنتِ كما قال الأول : « حتفها حملت ضان بأظلافها » .

قالت : فقلت أما والله لقد كنت دليلاً في الليلة الظلماء ، جواداً لدى الرحل ، عفيفاً عن الرفيقة ، صاحب صدق ، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . عليَّ أسأل حظي ... إذا سألت حظك .

قال : وما حظك من الدهناء لا أباً لك ؟ قالت : قلت مقيد جملي ... سله لجمل امرأتك .

قالت : فقال : اما اني اشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اني لكِ أخ ما حييت إذ أثنيت هذا عليَّ عنده » .

هذه قيلة بنت مخرمة وغيرها كثيرات من النساء ، ذوات الفهم والتعقل ، قد أمدها الإسلام بالجرأة والإقدام .

وقفت في بادئ الأمر ترتعد خوفاً ... ورهبة من هيبة الرسول حتى طمأنها عليه الصلاة والسلام بقوله ( يا مسكينة ... عليك السكينة ) .

سكنت ... واطمأنت عندما شاهدت النبي العظيم بتواضعه وأخلاقه

المرأة في ظل الإسلام (17)


258

السامية وحلمه وسعة صدره وشريعته السمحاء .

أقدمت على المطالبة بحقها وحق قومها ، غير هيابة ولا وجلة ، فلا مداهنة ولا تدجيل ، ولا رياء ... أليس حرية الرأي والصدق والصراحة والديمقراطية من بنود شريعة محمد ؟

ثم نراها تثني على صاحبها ودليلها « حريث بن حسان وافد بكر بن وائل » مع وقوفها قبل برهة أمامه موقف الخصم ( ولكن الحق يعلو ولا يعلو عليه شيء ) .

ومما لا شك فيه من أن المرأة المسلمة عندما استنشقت روح الحرية ، وتذوقت معنى الكرامة وسمعت قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وهو يوصي بالنساء خيراً ، سارعت الى مساعدة الرجل المسلم الصحيح ، وأخذت بعضده ، وسارت معه بكل إخلاص وإيمان لسلوك الصراط المستقيم .

فيا ليت فتيات العصر الحاضر ... يلتفتن قليلاً الى الماضي حيث جداتهن القدامي المجاهدات اللواتي لا يزال أريج ذكرهن عابقاً يعطر اجواء التاريخ على مرِّ الليالي والعصور .

ويا ليت فتيات العصر الحاضر ينصفن انفسهن وينظرن بمنظار الحق والعدل ، لتتضح لهن الحقائق . ويرجعن إلى رشدهن ، ويتركن كل ما أزرى بهن من عادات مخلة بالأدب ، وتقاليد مشينة بالأخلاق .


259

عقيلة الهاشميين زينب بنت علي (ع)

من المنبت الزاكي والشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء .

في بيت تجمعت فيه صفات الإنسانية ، وخصال الرحمة والوفاء .

في المنزل الذي تتهادي في جنباته شمائل الشرف والبطولة والكرم والحياء .

في السنة الخامسة للهجرة ولدت لسيدة النساء فاطمة الزهراء ابنتها عقيلة الهاشميين « زينب » .

في هذا الجو العابق بالتقى والورع والإيمان ، تفتحت هذه الوردة الزكية المنبت ، الكريمة المحتد ، فرأت النور مشرقاً في وجه جدها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وتفتحت عيناها على بسمة أبيها علي (ع) وحنان امها فاطمة سيدة نساء الأنام .

استقبل بيت الرسول الوليدة المباركة ، يفوح عبيرها في المهد ، عبير المنبت الطيب ، سلالة الأشراف ، ويرتسم في قسمات وجهها المضيء ملامح الأجداد الكرام ، والآباء العظام . وتلوح في طلعتها المشرقة هيبة امها الزهراء ، التي حباها الباري سبحانه بمنزلة عالية ... فكانت أحب الناس الى قلب أبيها الرسول ، وأشبههن به خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، « فاطمة منى » وميزها سبحانه فكانت الوعاء الطاهر للسلالة الطاهرة ، الأئمة الأطهار .

وقد ذكر المؤرخون وأهل الأخبار : أن ظلالاً حزينة ارتسمت على مهد


260

الوليدة تشير الى ما ستلاقيه من المصائب والويلات في حياتها المشحونة بالأحداث .

وتنقل المرويات : عن جدها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وكيف انحنى على الوليدة ، حفيدته الغالية ، يقبلها بقلب حزين وعينين دامعتين ، لأنه كان عالماً بتلك الأيام السوداء التي تنتظر الطفلة في المستقبل القريب .

ويقول أحد الكتاب : (1) « ترى إلى أي مدى كان حزنه صلى الله عليه وآله وسلم حين رأى بظهر الغيب ، تلك المذبحة الشنعاء التي تنتظر سبطه الغالي !!

وكم اهتز قلبه الرقيق الحاني وهو يطالع في وجه الوليدة الحلوة ، صورة المصير الفاجع ؟ »

ويذكر المؤرخون أيضاً : أن سلمان الفارسي أقبل على « علي بن أبي طالب » يهنئه بمولد الطفلة الجديدة ، فوجده واجماً قد ارتسم الحزن على جبينه ، ثم أخذ يتحدث بكل مرارة عما سوف تلقى ابنته من الفواجع في كربلاء .

لقد أخبره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : فبكى ولم يتمالك ...

أجل لقد بكى « علي » الفارس الشجاع ، والمقدام الهمام ، وخائض غمرات الحروب ، والملقب بأسد الإسلام الهصور .

وتمر الأيام تطوي الليالي ... بالنهار ، والطفلة المباركة تنمو كالزنبقة العطرة ، مغمورة بالحنان والعطف والدلال تدب في رحاب البيت العلوي الشريف متنقلة كالفراشة من حضن جدها العظيم الى ذراعي أبيها الكريم لترجع وتلوذ بصدر والدتها الحنون .

وتنتقل الحوراء زينب في مدارج صباها ، تحوطها رعاية الإم والسيدات

(1) الكاتب الهندي ( محمد الحاج سالمين ) في كتابه سيدة زينب Sayydah Zeinab .


261

الجليلات من البيت الرفيع ، بيت النبوة والوحي والإلهام .

نشأت « زينب » ترافق أخويها « الحسن ـ والحسين » ريحانتي رسول الله ، فنمت أفضل نمو ... وأورقت أيما إيراق .

رضعت من ثدي الإيمان ... وتغذت بعصارة الدين واقتبست المعرفة عن جدها الرسول صاحب الرسالة المقدسة .

انتهلت العلم والفهم من أبيها « علي » البحر الزاخر الذي تتلاطم أمواجه ، سيد البلغاء ... وأمير البيان .

وجدت أمامها أعظم من أنجبتهم الجزيرة ، من المسلمين والعلماء ، وصفوة الفقهاء ، والأبطال الكرام .

ترعرعت عليها السلام ... طاهرة السريرة ، عريقة الإيمان ، كريمة الخلق ، ذات عقل راجح وعقيدة ثابتة مع علم وأدب ، وفطنة وذكاء ... وصبر على البلاء وكما قيل : حاكيت شمس الضحى والبدر مكتملاً أبـوك حـيــدرة والأم فاطمــة أباً وأماً وكان الفضل للحاكي والجد أحمد والسبطان صنواكِ

المصاب الأليم ... والنبأ العظيم :

استيقظت عقيلة بني هاشم على النبأ المروّع الذي اهتزت له أرجاء الجزيرة من أقصاها الى أقصاها ، ألا وهو موت جدها العظيم والرسول الكريم « محمد » صاحب الرسالة .


262

ارتاعت الطفلة عندما سمعت صراخ المفجوعين ، واستقيظت على عويل الباكيات ، والباكين .

ثم هي ترى جدها الأعظم ، صامتاً لا يتكلم ، ساكناً لا يتحرك ، والدنيا من حوله في ضجيج وصخب وهياج ، وكأنما زلزلت الأرض أو اجتاحها إعصار رهيب .

ارتاعت الحوراء زينب الطفلة الذكية وهي ترى هذه المشاهد المؤلمة وترى جدها العزيز الجليل يحمل على آلة حدباء ويرحل الرحلة المحتومة على كل إنسان من بني البشر .

كم روع قلبها الخلي هذا الموقف وهي تسمع لحن الموت الحزين وترى موكب الرحيل الأليم .

وتعود الطفلة لتجد امها الزهراء عليها السلام حزينة القلب ، باكية العين ، فاقدة الصبر ، مصدعة الكيان ، كسيرة الفؤاد .

وتتوالى الأحداث والهموم والكوارث على البيت العلوي الشريف .

وتدور الأيام ثقيلة حزينة والحوادث تتلو بعضها بعضاً ... والحوراء « زينب » وإن كانت صغيرة السن ولكنها سلام الله عليها كبيرة العقل ، راجحة الإدراك .

تفهم وتعي جميع ما يدور حولها من أحداث ... ومفاجآت ومؤامرات نفثت سمومها وكادت نيرانها تحرق البيت الذي طهَّره الله من الرجس ورفعه عالي الأركان بالدين مبجَّلاً بالعالمين .

تأخذني الأفكار لأتمثل الحوراء « زينب » وهي طفلة لم تودّع عامها السادس ، لتشهد موت جدها الرسول وتعي مشاهد الذهول والحزن والجزع ، من هذه المصيبة التي ألمت بالمسلمين ، تجرُّ وراءها قافلة الهموم والأحداث والوقائع .


263

فمن سقيفة بني ساعدة وكيف مثَّلت أدوارها إلى احداث الخلافة وشحناءها ، الى الميراث و « فدك » ثم تلا هذا كله الوقائع ... والحروب الى جميع الأمور التي يتفطر القلب لها حزناً وتمزقِّ الأفكار جزعاً وتودع النفوس رعباً وتترك الحسرات والألم الدفين .

أجل أتمثل « زينب » في خضم المأساة المروعة تلوذ بأمها الزهراء فتجدها ذاهلة حزينة يغشى عليها من حين لآخر ، فتنعطف مذعورة لتحتمي بأبيها الإمام فتراه حزيناً كئيباً .

أي طائف من الحزن اجتاح قلب الطفلة المدللة ؟ .

وأي خوف غامض غزا قلبها الخلي وروع روحها السَّاذجة البريئة ؟

عادت مع أخويها السِّبطين إلى البيت بيت أبيها أمير المؤمنين الذي تراكمت عليه الأحداث المفجعة ، وتوالت عليه المصائب المؤلمة فأحالت زهوه وضياءه الى ليل موحش مظلم .

لزمت « زينب » فراش امها الثكلى ، التي اعتلت بعد وفاة أبيها النبي ... تنظر اليها بإشفاق ، بادية اللهفة والخوف على حياة والدتها بضعة الرسول .

يحق للحوراء « زينب » إن فقد الام جدير بأن يجرع الطفلة مرارة الكأس .

لم يمض على وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أشهر او ستة أشهر على أبعد الرّوايات ، حتى رحلت الزهراء عن هذه الدنيا الفانية .

وتمضي الى جوار ربِّها راضية مرضية ... وتترك تلك الصبية التي روِّعت بماساة الموت مرتين ، وفي أعز الناس لديها وأحبهما إليها جدها ووالدتها .


264

دور الزهراء تمثله زينب (ع)

ما أروع الشبه بين الأم والبنت إذا أردنا المقارنة وخصوصاً في الصمود أمام الكوارث في المواقف الحرجة والظروف الصعبة حيث يتحكم العقل ، تأمر الإرادة ، ويملي الدين .

بالأمس وقفت الزهراء عليها السلام تنظر الى موكب الموت وهو يحدو بعمها « أبي طالب » كفيل رسول الله ، وتلحقه امها « خديجة » الكبرى أم المؤمنين زوجة الرسول وساعده القوي .

ويبقى رسول الله يعاني مرارة الوحشة والفراق واضطهاد قريش ينوء تحت أعباء الرسالة المقدسة .

وتتوالي الأيام وتكر الأعوام ويعيد الماضي نفسه ، فتقف زينب بنت أمير المؤمنين كأنها الزهراء .

تمثل نفس الدور على مسرح الحياة ، وهي تعيش المأساة بكل مرارتها عندما فقدت جدها وأمها في عام واحد .

أجل وقفت زينب تنظر بلوعة وأسى الى أبيها أمير المؤمنين عليه السلام وهو يرزح تحت كابوس من الحزن والألم ، بعد أن فقد عزيزين غاليين عليه محمد وفاطمة .


265

كانا له الملجأ والمفزع ، كما يكون المطر للزرع غيثاً وعطاءً .

افتقد « علي » صاحب الرسالة الذي كان له الأخ والعم والمعلم ، وبعدها تتبعه ابنته « الزهراء » الزوجة الوفية المخلصة . ويبقى وحيداً حزيناً قد تنكر له الجميع .

وليس بمستغرب أن تتحمل زينب مسؤولية الأم في بيت أبيها وتحتل مكانة عالية فقد انضجتها الأحداث ، وهيأتها لأن تشغل مكان الراحلة الكريمة فتكون للحسن والحسين وباقي إخوتها اماً حنوناً ، لا تعوزها عاطفة الامومة بكل ما تحتويه من إيثار وإن كانت صغيرة السن يعوزها الاختبار .

لقد حفظت وصية امها ، وهي على فراش الموت ( بأن تصحب أخويها ، وترعاهما وتكون أماً لهما ) .

تحملت السيدة زينب مسؤولية عظيمة وقامت بها خير قيام ، ولا عجب فهي ليس كباقي الفتيات ، تسرح مع لداتها ، وتقضي وقتها باللعب والسمر الذي يتطلبه عمرها الصغير .

كانت تربية « زينب » عالية فهي فرع من تلك الدوحة المقدسة ، وكلما تقدم بها الزمن ، انضجتها الأحداث ، وعلمتها النوائب كيف تستقبلها بقلب ثابت ملؤه البطولة والإيمان .

تقول الدكتورة بنت الشاطئ : « ولم تظفر صبية من لداتها فيما نحسب ، بمثل ما ظفرت به في تلك البيئة الرفيعة ، من تربية عالية .

وكان هذا كله بحيث يرضي « زينب » في صباها ، ويتيح لنا أن نراها مرحة مزهوة . ولكنها لا تكاد تشب عن الطوق حتى يقال انها عرفت النبوءة الأليمة .


266

وقيل انها كانت تتلو شيئاً من القرآن الكريم ، يمسمع من ابيها ، فبدا لها ان تسأله ، عن تفسير الآيات ففعل ، ثم استطرد ، متأثراً بذكائها اللامع يلمح الى ما ينتظرها في مستقبل أيامها ، من دور ذي خطر .

ولشد ما كانت دهشته حين قالت له « زينب » في جد رصين : « اعرف ذلك يا ابي ... أخبرتني به امي ... كيما تهيئني لغدي » .

ولم يجد الأب ما يقول ، فأطرق صامتاً وقلبه يخفق رحمة وحناناً .


267

الزواج المبارك

تفتحت زهرة آل البيت ، وبلغت « زينب » سن الزواج ، وذاع صيتها في المجتمعات ، فتوافد الطلاب من كل حدب وصوب ... من ذوي الشرف والجاه والمال .

لكن الامام علي عليه السلام : لا يخدعه المال او متاع الدنيا أليس هو قائل : « يا صفراء ويا بيضاء غرِّي غيري » .

ولا بحاجة الى ذوي الجاه ، فهو ذو الشرف الرفيع الذي لا يجارى .

وإنما يريد الكفؤ الكريم .

تقدم إليه ابن أخيه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وعبد الله هو الفتى الهاشمي الكفؤ ... والزوج المختار .

أليس هو ابن جعفر الطيار ؟ ذو الجناحين ... وأبو المساكين وحبيب رسول الله ، وأمير المهاجرين الى الحبشة ؟؟

تقول المرويات : انه صادف وصول جعفر من الحبشة الى المدينة يوم فتح خيبر . فاعتنق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعفراً وأخذ يقبله بين عينيه وهو يقول :

« لا أدري بأيهما أنا أشد فرحاً ، بقدوم جعفر أم فتح خيبر ؟ » (1) .

(1) تاريخ الطبري ـ طبقات ابن سعد الكبرى .


268

وفي موقعة ( مؤتة ) كان أمير القوم ، وقطعت يداه في تلك المعركة ، وأخيراً احتضن الراية وظل يقاتل حتى استشهد (1) .

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآل جعفر راعياً ، وأباً ، يرعاهم بعطفه ، ويفيض عليهم بحنانه .

وفي رواية : ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في عبد الله بن جعفر : « وأما عبد الله فيشبه خلقي وخلقي » ثم أخذ بيمينه فقال :

« اللهم اخلف جعفراً في أهله ، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه ـ قالها ثلاثاً ـ وأنا وليهم في الدنيا والآخرة » .

كان عبد الله فتى في مقتبل شبابه ، قد لاحت شمائل سؤدده ، وتميزت مخايل شخصيته التي لفتت أنظار المؤرخين ، وتغنت بها الشعراء ...

قال عبد الله بن قيس الرقيات : وما كنت إلا كالأغرّ ابن جعفر رأى المال لا يبقى فأبقى له ذكرا

وقال الشماخ معقل بن ضرار : إنك يا ابن جعفـر نعم الفتـى ورُبّ ضيفٍ طرق الحي سُري ونعم مأوى طـارق إذا أتـى صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى

وام عبد الله بن جعفر هي « أسماء بنت عميس » من المهاجرات الى الحبشة ،

(1) الكامل في التاريخ لابن الاثير .


269

واحدى الأخوات المؤمنات اللواتي سماهن الرسول عندما قال : الأخوات المؤمنات هن : أسماء بنت عميس وميمونة ام المؤمنين ، وسلمى زوج حمزة بن عبد المطلب ، ولبابة زوج العباس بن عبد المطلب .

اقترن سليل دوحة الشرف عبد الله بن جعفر ، بحفيدة الرسول (ص) عقيلة الهاشميين « زينب » .

ضم عش الزوجية تحت جناحيه أنبل شخصين هما ...

عبد الله بن جعفر بمروئته ... ونبله ... وكرمه ... وسماحة خلقه ... وسخائه ، حتى لقب « ببحر الجود ـ أو قطب السخاء » .

و « زينب » ابنة علي التي كانت تشبه امها الزهراء لطفاً ورقة ، وانوثة ، وتشبه أباها « علياً » علماً ، وتقى ، وفصاحة ، وبلاغة .

انتقلت « زينب » إلى بيت ابن عمها لتضيء فيه شموعاً تنير الدنيا من حولها ... وتنجب البنين والبنات .

وتقول أكثر المرويات : أن السيدة « زينب » مكثت في خدرها محجبة تقية ، عالمة ورعة ، كان لها مجلس حافل تقصده جماعة من النساء اللواتي يردن التفقه في الدين .


270

بداية الاحداث

انتقلت الحوراء « زينب » الى بيت ابن عمها عبد الله بن جعفر ولكنها عليها السلام لم تتخل عن تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقها من إدارة بيت أبيها والاهتمام بشؤون أخويها ، اولاً ... وآخراً ... ( وصية امها الزهراء ) .

وشاءت الأقدار أن تعيش « زينب » فصول الأحداث والمصاعب ، فما كانت تطبق جفنها على مأساة أو حادثة تلّم بالبيت العلوي الطاهر ، حتى تلوح لها حادثة جديدة ، ومأساة اخرى ، فتقف بكل شجاعة صامدة بقلبها الكبير وصبر وإيمان على تقلبات الزمان رغم انها امرأة .

وألف رجل لا يعادل امرأة مثل « زينب » حملت البطولة على كتفها تجسدها بأجلى مظاهرها ، وتتحمل الكوارث ، وتصمد للنوائب بأفضل ما يصمد له الأبطال ، في معامع الحروب وساحات الوغى .

نراها واقفة تراقب ما رافق خلافة أبيها أمير المؤمنين بعد أن خذله الناس فيما مضى ، رغم النص على خلافته من الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وكان ما كان ... من الأحداث .

وبعد مقتل ( عثمان بن عفان ) ألقت الخلافة بمقاليدها اليه رغم انه كان يحاول تجنب المشاكل ، التي يعلم حق العلم انها ستحدث حتماً .


271

فالإمام علي سيسير بالناس على غير ما يشتهون وسيحملهم على جادة الحق ( والحق مرّ ) لا يرضاه القوم .

قبض عليه السلام على بيت المال ، والناس عنده سواء لا محل للعواطف ... ولا مجال للأهواء ، أو الجاه ، أو القربى ...

ولا لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى .

وكانت البداية المؤلمة ، إن أبا الحسن لا يعطي من دينه لدنياه ، ولا تأخذه في الله لومة لائم .

لم يوافق هذا العمل الكثير من الناس ، أمثال طلحة والزبير وهما اللذان نكثا بيعة « علي » على أنهما على معرفة تامة بالإمام وسيرته ... وبلائه .

وكانت الفتنة الكبرى ، والنكسة العظمى التي ابتلي الإسلام بها إنها وقعة « الجمل » تلك التي جرت وراءها الأحداث والويلات ، ورمت المسلمين ببلاء عظيم .

وترتفع راية الحق «﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً » (1) .

ويرجع المسلمون بالندامة والملامة ، وقلوبهم دامية على اقتتال المسلمين وتمزيق شملهم .

ولست بصدد إعادة حوادث التاريخ المؤلمة ، فالحديث شجون ... فهناك الكثير من الناس ممن اتخذ الإسلام له ذريعة للوصول إلى السلطة أمثال معاوية بن

(1) سورة الاسراء آية 81 .


272

أبي سفيان الذي لم تعجبه نتيجة وقعة « الجمل » بل آلمه انتصار « علي » .

أليس معاوية بن أبي سفيان سليل البيت الاموي المعروف بعدائه للبيت الهاشمي من قديم الزمان .

أليست العداوة والبغضاء متأصلة يتوارثها الأبناء عن الآباء ؟

ولقد صدق من قال : عبد شمس قد أضمرت لبني هاشم فابن حرب للمصطفى ، وابن هند حربـاً يشيب منـها الـوليـد لعلـي ، وللحسـيـن يزيـد

أجل لم يتمكن « معاوية » من كبح جماح أطماعه التوسعية ورأى بدهائه أن الفرصة مؤاتية لمحاربة « علي » إذن ليتخذ من مقتل الخليفة « عثمان » ذريعة للوقوف بوجه ( الإمام الحق ) .

لم يتواني عميد بني أمية عن اغتنام الفرصة ، فقام بالاتفاق مع عمرو بن العاص « الداهية الماكر » الذي باع دينه بدنياه كما هو معروف عند أكثر أهل التاريخ والسير .

جاء في كتاب ظلال الوحي (1) . قال : إن الكثير من سلاطين المسلمين ساروا على جادة الانصاف ، بخلاف معاوية الذي أفرغ وسعه وعمل جهده في صنع الخديعة حتى يسلب الحق من أهله ، وهذا يعرف من إرساله خلف عمرو بن العاص ، وقد كان عمرو انحرف عن عثمان ، لانحرافه عنه وتوليته مصر غيره ،

(1) في ظلال الوحي : السيد علي فضل الله الحسني .


273

فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة علي ، كتب الى معاوية يهزه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان .

وكان فيما كتب به إليه :

« ما كنت صانعاً إذا قشرت من كل شيء تملكه ؟ فاصنع ما أنت صانع » .

فبعث إليه معاوية : فسار إليه .

فقال له معاوية : بايعني ... قال : لا والله ، لا اعطيك من ديني حتى أنال من دنياك .

قال : سل ؟ قال : مصر طعمة .

فأجابه الى ذلك ، وكتب له به كتاباً .

وقال عمرو بن العاص في ذلك : كما رواه المسعودي في « مروج الذهب » . معاوية لا اعطيك ديني ، ولم أنـل فإن تعطني مصراً ، فاربح بصفقة به منك دنيا ، فانظرن كيف تصنع أخـذت بها شيخـاً يضـر وينفع

أجل لقد استغل معاوية وعمرو بن العاص « سذاجة الشاميين » فقد انطلت الحيلة على أهل الشام ، الحيلة والمكر والخديعة وهي « المطالبة بدم عثمان . »

ولو سأل أهل الشام أنفسهم : ترى لو لم يتبوأ « علي » منصب الخلافة ، أكان معاوية سيحمله على دم عثمان ؟

كلا ... إنها خديعة ... وغايته محاربة علي فقط .

المرأة في ظل الإسلام (18)


274

وكانت وقفة « صفين » التي شتتت أمر المسلمين ، وفتكت بهم ، ولم تزل نيرانها تكوي جباههم .

دارت رحى الحرب في « صفين » وأبطال المسلمين يجندل بعضهم بعضاً ؛ وكان ممن قتل يوم ذاك الصحابي الجليل « عمار بن ياسر » الذي قال الرسول له : يا عمار تقتلك الفئة الباغية .

وعندما مني معاوية بالهزيمة . لجأ إلى الخديعة والمكر مرة ثانية ، فاحتال « برفع المصاحف » حتى اضطر الإمام عليه السلام قبول التحكيم ، رغم أنه يعلم أنها خدعة ، كما صرَّح بذلك .

وانتهت المأساة ، وقتل ما ينوف على مئة وعشرين ألفاً من المسلمين ، وأدرك زعيم بني أمية بعض ثأره من الهاشميين .

تمر الأيام بـ « زينب » وهي بالكوفة « مقر الخلافة » تراقب بعين ساهرة أبيها الإمام وأخويها السبطين عليهم السلام فلا يغمض لها جفن ، ولا يهدأ لها بال ، حتى تراهم .

وعلى توالي خمسة أعوام و « عقيلة الهاشميين » تتألم وهي ترى الإمام عليه السلام يخوض المعارك ، وقد ذرف على الستين ، وهو الذي حمل سيف الجهاد ، ولما يبلغ الحلم كما ورد في خطبة الجهاد وعند قوله عليه السلام مخاطباً أصحابه :

« لله أبوهم ؛ وهل أحد منهم أشد مراساً ، وأقدم فيها مقاماً مني ؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وها أنا قد ذرَّفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع » (1) .

(1) نهج البلاغة ـ شرح ابن ابي الحديد .


275

العاصفة الهوجاء والاحداث المؤلمة

لا أريد أن القي بنفسي في غمار الأحداث التأريخية ، والتحدث عن الوقائع التي خاضها المسلمون ، لو أن السيدة « زينب » كانت بعيدة قابعة في مدينة جدها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، شأن غيرها من النساء لا تهتم إلا بشؤونها الخاصة .

ولكن عقيلة بني هاشم تختلف عن غيرها ، فهي دائماً في صميم الدوامة التي تلف الدولة الإسلامية بالعاصفة الهوجاء .

نراها عليها السلام قد رحلت إلى الكوفة ( مقر خلافة علي (ع) مع زوجها عبد الله بن جعفر ، الذي كان أميراً من أمراء جيش صفين . ثم تعود إلى المدينة بعد مقتل الإمام علي ـ وصلح الحسن لترافق أخيها الحسين عليه السلام إلى العراق فتساهم في موقعة الطف وتكون « بطلة كربلاء » .

صحيح ان السيدة « زينب » لم تكن من حملة السيوف ، ولا نراها في ساحة الوغى حيث الضجة والدوي الذي يصم الآذان .

لكن نجدها هناك ... في ميدان السياسة وقد ظهرت على مسرح الأحداث . بطلة من الأبطال .

ان صلتها بالقادة والأبطال وثيقة ، ومكانتها من البيت الهاشمي رفيعة ، ومواقفها شهيرة علاوة عن اصالة الرأي وسلامة التفكير .


276

ومن هنا أقدم عذري ، إذا تكلمت عن بعض المعارك بايجاز لأنه لا مندوحة من ذلك .

لقد شاءت الأقدار للسيدة زينب ان ترافق الأحداث فترى الأمر الذي كان مقرراً لأبيها ينتقل إلى « أبي بكر » ثم إلى « عمر » ثم إلى « عثمان » ثم إلى « علي » وتشتعل نار الفتن التي لم تخب حتى مدة طويلة من الزمن .

خمس سنوات قضتها السيدة زينب بالكوفة ترافق الإمام « علي » الذي لم يهدأ له بال ، ولم يستقر له قرار فمن وقعة « الجمل » الى حرب « صفين » الى محاربة الخوارج في « النهروان » يجاهد في سبيل الرسالة المقدسة لعله يتمكن من هداية الناس إلى طريق الصواب ، وحملهم على المحجة البيضاء ... والصراط المستقيم .

يشاء القدر ان يجرع السيدة زينب مرارة اليتم ويروع قلبها الكبير ، بفقد الأب العطوف .

ففي اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك ، عام اربعين للهجرة ، توجه الإمام عليه السلام نحو المسجد بالكوفة للصلاة ، وآذان الفجر يشق عنان السماء ، ويتعالى في الاجواء .

وهناك في ناحية المسجد ، كمن عدو الله « ابن ملجم » الخارجي ليضرب الإمام بسيفه المسموم ، ويصرعه وهو ساجد في محرابه منقطع إلى خالقه .

وتتجلى حكمة الباري عز وجل ... ومشيئته حيث التشابه بولادة الإمام واستشهاده .


277

ولد الإمام علي عليه السلام « بالكعبة المشرفة » بيت الله بمكة وقتل في مسجد الكوفة « بيت الله » .

تقف عقيلة الهاشميين وقلبها يتفطر اسى ولوعة ، حين ترى اباها الحبيب ، الإمام العظيم محمولاً على الأعناق .

جمعت عليها السلام كيانها المتداعي من هول الصدمة ، وتحاملت على نفسها ، واكبت على أبيها تغسل جرحه بدموعها المنسابة .

ونراها واقفة تسمع أباها أمير المؤمنين ، وقد جمع اولاده وأوصاهم وصيته التي ذكرها التاريخ المملؤة بالحكم والمواعظ الصادرة عن سيد البلغاء .

وصية الامام علي بن ابي طالب (ع) :

ذكر الطبري في تاريخه : لما حضرت علي بن أبي طالب الوفاة ، أوصى فكانت وصيته :

بسم الله الرحمن الرحيم :

هذا ما أوصى به علي بن ابي طالب اوصى انه يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون .

ثم ان صلاتي ، ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك امرت وأنا من المسلمين :

ثم اوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون .


278

واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : ( ان صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ) .

انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم ، يهون الله عليكم الحساب .

الله الله : في الأيتام فلا تُغبّوا أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم .

والله الله : في جيرانكم فانهم وصية نبيكم (ص) ما زال يوصي به حتى ظننا انه سيورثه .

والله الله : في الجهاد في سبيل الله باموالكم وانفسكم .

والله الله : في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب .

والله الله : في ذمة نبيكم ، فلا يظلمن بين أظهركم .

والله الله : في أصحاب نبيكم ، فإن رسول الله اوصى بهم .

والله الله : في الفقراء والمساكين فاشركوهم في معايشكم .

والله الله : فيما ملكت ايمانكم .

الصلاة الصلاة : لا تخافن في الله لومة لائم يكفيكم من ارادكم ، وبغى عليكم ، وقولوا للناس حسناً كما أمركم الله ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيولي الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم وعليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان ان الله شديد العقاب .

حفظكم الله من أهل بيت ، وحفظ فيكم نبيكم .

استودعكم الله ، واقرأ عليكم السلام ، ورحمة الله وبركاته .


279

ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض رضي الله عنه . وذلك في شهر رمضان سنة أربعين ، وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر (1) .

سمعت زينب وصية أبيها ، ووعتها بكل جوارحها لتقوم بتنفيذها لأن سلسلة الأحداث لم تزل في البداية .

وعن محمد بن عمر قال :

ضرب علي عليه السلام ليلة الجمعة فمكث يوم الجمعة وليلة السبت وتوفى ليلة الأحد لاحدى عشرة ليلة بقين من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة ، وهو ابن ثلاث وستين سنة (2) .

وفي رواية ثانية : انه عليه السلام دعا الحسن والحسين فقال : اوصيكما بتقوى الله ، وألا تبغيان الدنيا وان بغتكما ، ولا تبكيا على شيء زوي عنكما وقولا الحق ، وارحما اليتيم وأغيثا الملهوف ، واصنعا للآخرة ، وكونا للظالم خصماً ، وللمظلوم ناصراً ، واعملا بما في كتاب الله .

و لا تأخذ كما في الله لومة لائم . ثم نظر إلى محمد بن الحنيفة فقال : هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال نعم ، قال : فإني اوصيك بمثله ، وأوصيك بتوقير اخويك ، لعظم حقهما عليك فاتبع أمرهما ولا تقطع أمراً دونهما .

ثم قال أوصيكما به فإنه شقيقكما ، وابن ابيكما وقد علمتما ان اباكما كان يحبه .

وقال للحسن : اوصيك أي بني بتقوى الله ، وأقام الصلاة لوقتها ، وإيتاء

(1) تاريخ الطبري ـ ج ـ 5 ـ ص 147 ـ 148 .

(2) تاريخ الطبري ـ ج ـ 5 ـ ص 153 .


280

الزكاة عند محلها ، وحسن الوضوء ، فإنه لا صلاة إلا بطهور .

ولا تقبل صلاة ، من مانع زكاة ، واوصيك بغفر الذنب وكظم الغيظ ، وصلة الرحم ، والحلم عند الجهل ، والتفقه في الدين ، والتثبت في الأمر ، والتعاهد للقرآن وحسن الجوار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واجتناب الفواحش (1) .

هذا بعض ما ذكره المؤرخون من وصية الإمام علي عليه السلام لأولاده أو لولديه الحسن والحسين عليهما السلام .

ان أمير المؤمنين الإمام علي يعلم حق العلم ان الحسن والحسين هما سيدا شباب أهل الجنة كما مر معنا مراراً عن لسان الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم وعلى هذا فلا يعقل أن يصدر من سيدي شباب أهل الجنة أي ذنب يخل بالسيادة ولكن أمير المؤمنين اراد من هذه الوصية وأمثالها ارساء قواعد الدين ومكارم الاخلاق للعالم اجمع وليسير على طبقها الخلف بعد السلف ليس غير ذلك وان ابناء علي عليه السلام كما قال فيهم الشاعر : مطهرون نقيات ثيابهم تجري الصلاة عليهم اينما ذكروا

وفاة أمير المؤمنين عليه السلام :

جلجل الخطب ، ولبى الإمام عليه السلام نداء ربه ، فارتجت الكوفة لهذا النبأ المروع ، نبأ وفاة امام الهدى « علي بن ابي طالب » .

رحل الإمام إلى جوار ربه ، وترك زينب تندب أباها البطل الهمام ، باكية متفجعة ، تتجرع الحسرات .

(1) تاريخ الطبري ـ ج ـ 5 ـ ص 147 .


281

وقفت عليها السلام تذرف العبرات بصمت كئيب ، فدورها لم يحن بعد ... ينتظرها في كربلاء .

امسكت قلبها تعتصره في ذعر وهلع ، واصغت في وجوم إلى الضجة ، وإلى صيحات الألم واللوعة ، المنبعثة من حناجر المؤمنين تعلن ... مات أمير المؤمنين .

نرى عقيلة بني هاشم ترعى الإمام الحسن وقد وقف بين الجمع يقول :

« لقد قبض هي هذهِ الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ، ولا يدركه الآخرون بعمل . ولقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه ، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح عليه ، وما خلف صفراء ولا بيضاء ... ثم خنقته العبرة فبكى ، وبكى الناس معه (1) .

وقال أبو الأسود الدؤلي : الا ابلغ معاوية بن حرب أفي شهر الصيام فجعتمونا قتلتم خير من ركب المطايا ومن لبس النعال ومن حذاها إذا استقبلت وجه أبي حسين لقد علمت قريش حيث كانت فلا قرت عيون الشامتينا بخير الناس طراً اجمعينا ورحلها ومن ركب السفينا ومن قرأ المثاني والمبينا رأيت البدر راع الناظرينا بانك خيرها حسباً ودينا

(1) تاريخ الطبري .


282

عقيلة بني هاشم مع اخيها الامام الحسن (ع) :

رحل الامام امير المؤمنين الى جوار ربه مشيعاً بالحسرات وترك العقيلة « زينب » تطوى احزانها بين اضلاعها وتحتسب عند الله كل ما تلاقيه .

لكن سلسلة الاحداث لم تفرغ حلقاتها ، والاحزان لم تنته ، والبيت الهاشمي لا تهدأ له زفرة ولا تجف له دمعة .

لأن حقد الامويين متغلغل في الأعماق ، ونفوسهم المنطبعة على الكراهية لآل بيت الرسول مشرئبة ، تتحين الفرص لأخذ الثأر من آل النبي المختار .

بويع الامام الحسن عليه السلام بالخلافة ، ( وهو الخليفة الحق ) والبيعة له تؤثر على معاوية المشرئبة نفسه للخلافة .

« معاوية » الداهية يوآزره عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وامثالهما من طلاب الدنيا الذين شيمتهم الخداع والمكر والغدر .

يجيدون حبك المؤامرات ، ويشترون ضمائر الناس بالاموال تارة وبالوعود والاماني طوراً .

والحسن عليه السلام : الامام المعصوم كأبيه علي لا يحيد عن الحق ، ولا يسعه ان يشتري الناس بالاموال ، كما يفعل معاوية .

ان بيت المال للمسلمين فلا يجوز ان يصرف منه شيء الا في سبيل مصلحة الاسلام والمسلمين .


283

والناس عبيد الدنيا ، الا فئة قليلة هداهم الباري الى طريق الرشاد يقول الطبري (1) :

« بايع الناس الحسن بن علي عليه السلام بالخلافة ، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن ، وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر الفاً .

واقبل معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن ، فبينما الحسن في المدائن ، اذ نادى منادٍ في العسكر : « الا ان قيس بن سعد قد قتل ، فانفروا ، فنفروا ونهبوا سرادق الحسن عليه السلام حتى نازعوه بساطاً كان تحته .

تخدر الناس بمال معاوية ، فتخاذلوا عن الامام الحسن عليه السلام واضطر الى الصلح الذي عقده مع معاوية .

وبعدها رجع الى مدينة جده الرسول ، بصحبة أخيه الامام الحسين واخته العقيلة زينب وزوجها عبد الله بن جعفر .

كل هذه المواقف والمشاهد ، عاشتها عقيلة بني هاشم وفي قلبها الف غصة ، وفي عينيها تترقرق الدمعة .

تتابع تطورات الموقف بأهتمام ، وتحسب للمستقبل الف حساب وترى اخويها السبطين بلهفة وشفقة .

معاوية يخشى الحسن ومهما خدر أعصاب الناس بالاموال فالحق دائماً هو الأعلى ، اذن لماذا لا يرتاح من هذا الخصم العظيم ؟

ووجد المخرج ، لقد دس السم للامام الحسن عليه السلام بواسطة زوجته

(1) تاريخ الطبري ـ ج 5 ـ ص 159 ـ حوادث سنة 40 .


284

« جعدة بنت الاشعث » لعنها الله .

ارتاعت الحوراء زينب عندما سمعت بخبر سم اخيها الحسن فوقفت ترمق السبط الكريم وهو يلفظ كبده قطعاً من شدة السم .

تجلدت عليها السلام ، وكتمت الحسرات ، واخفت الزفرات زينب البطلة لم تخلق للبكاء والنحيب .

انها رمز الصمود ، الانسانية النبيلة ، والمؤمنة الصابرة انها بنت علي ، ومن بني هاشم الذين « القتل لهم عادة وكرامتهم من الله الشهادة » .

ولكن فراق الأحبة صعب ومرير .

شيع المسلمون ، الامام الحسن الى مثواه الأخير مصحوباً باللوعة والأسف .

ورجعت زينب الى البيت الحزين ، بعد ان وُسِّد شقيقها الغالي في ملحودة قبره ، ورقد الفقيد الراحل الى جوار امه الزهراء « بالبقيع » عام 49 هجرية وهو في الثامنة والاربعين من عمره كما جاء في مقاتل الطالبين .

في خضم الاحداث :

لم تنته المصاعب ، والحوادث المؤلمة ، بموت الامام الحسن عليه السلام ، وما رافق دفنه من الحزازات والآلام بل أخذت التيارات السياسية العاتية ، تلوح بالافق ، وتنذر بمأساة لها خطرها الجسيم .

والسيدة زينب تعيش في دوامة التيارات بكل مآسيها وتقف الى جانب


285

اخيها الحسين القائم بأمر الرسالة المقدسة ، التي انتقلت اليه ، بعد وفاة أخيه الحسن عليه السلام .

جاء دور الحسين سلام الله عليه ، فوقف في وجه معاوية السلطان الداهية الذي افرغ جعبة دهائه ... وخداعه ، ومكره ليأخذ البيعة لولده يزيد ، ويجعل من الخلافة الإسلامية ، ملكاً عضوداً وارثاً موروثاً .

فوجئ المجتمع الاسلامي بهذا التدبير .

يزيد حفيد « هند » يتولى خلافة المسلمين ... يرثها من الأجداد ... كلما مات هرقل قام هرقل ...

شمًّر زعيم بني أمية « معاوية » عن ساعديه ليصرف الخلافة عن الحسين حفيد « خديجة » أم المؤمنين والمسلمة الأولى ، الطاهرة الزكية ... وسبط الرسول الأعظم (ص) .

ليجعلها في ولده يزيد حفيد « هند » آكلة الأكباد .

لكن معاوية فكر ودبر ، وعزم على أخذ البيعة ليزيد مهما كان الثمن ... لقد قرر تذليل جميع العقبات التي تعترضه ، ودفع بكل اساليبه الجهنمية الى تمهيد السبيل .

وتحت وطأة الأرهاب تارة والرشوة وبذل المال والحيلة والدهاء تارة أخرى ، تمت المؤامرات ، وبايع أهل الشام .

وكتب معاوية الى عماله في الأمصار ، يأمرهم بأخذ البيعة بالخلافة لولي عهده يزيد المتهتك .


286

ويأمرهم ايضاً باستعمال الشدة والعنف ممن لم يبايع أو لم يقبل الرشوة ثمن البيعة .

وتقول بعض المرويات : ان معاوية جلس ليأخذ البيعة ليزيد ، وعندما خطب بالناس وعرّفهم بما يريد ...

هناك كثر اللغط ... وتعالت الهمسات بين الرفض والانكار ... أو السكوت على مضض .

عندها قام أحد المقربين من معاوية فقال : يا معاوية انا لا نطيق ألسنة مضر ... وخطبها ؟! انت امير المؤمنين ، فان هلكت فان يزيد من بعدك ، فمن ابى ... فهذا وسل سيفه .

ومهما كانت السبل الملتوية التي سلكها معاوية بن ابي سفيان في تحقيق مآربه ، واستعملها في بلوغ اطماعه ، فقد استطاع في النهاية ان يجعل من يزيد المستهتر حاكماً للمسلمين .

أجل لقد افرغ معاوية حقده ، ونال ابن ابي سفيان مأربه من بني هاشم ، وتمادى في غيه غير مبالٍ لاوامر الباري سبحانه وسنة الرسول الأعظم (ص) .

بعد مقتل ( علي ) نقض معاوية شروط الصلح التي عقدها وابرمها مع الأمام الحسن (ع) وأمر بسب « علي » بن أبي طالب ( اخي رسول الله ـ وابن عمه ـ وزوج الزهراء ـ واول القوم اسلاماً ) على منابر المسلمين .

وقتل الكثير من الصلحاء ، والمؤمنين الابرياء امثال « حجر بن عدي الكندي » واصحابه ، ثم بعد هذا دس السمًّ للامام الحسن (ع) .

واخيراً ألحق زياد بن ابيه بابي سفيان ، مخالفاً حكم القرآن وسنة الرسول ، واجماع المسلمين على ذلك .


287

ولنستمع الى أحدهم يخاطب معاوية بعد الحاقه زياداً قال : ألا ابلـغ معاوية ابن حـرب أتغضب ان يقال ابوك عف مغلغة عن الرجل اليمـانـي وترضى ان يقال ابوك زاني

ولم يكفه كل هذا ! بل أخذ يبدد اموال بيت المسلمين يهبها لأنصاره وأعوانه ، امثال الماكر الداهية « عمرو بن العاص » وطريد رسول الله « مروان بن الحكم » والدعي الفاسق « زياد بن ابيه » .

ولم يخرج معاوية من الدنيا إلا بعد ان سلط ولده يزيداً على رقاب المسلمين .


288

نذر المأساة

انكر أهالي مدينة الرسول ، وبقية الصحابة الاخيار والمؤمنون حكومة يزيد ، وامتنع الكثير من البيعة .

ارسل « يزيد » الى ابن عمه « الوليد بن عتبة بن ابي سفيان » والى مدينة ، يأمره ان يأخذ البيعة من الحسين بأي اسلوب كان ، او حيلة .

وذكر صاحب اعيان الشيعة : (1)

« فصار الحسين (ع) الى الوليد فوجد عنده مروان بن الحكم ، فنعى اليه الوليد معاوية ، فاسترجع الحسين (ع) ثم قرأ عليه كتاب يزيد ، وما امره فيه من اخذ البيعة منه ليزيد .

فلم يرد الحسين (ع) ان يصارحه بالامتناع من البيعة ، واراد التخلص منه بوجه سلمي ، فورى عن مراده وقال :

«أني اراك لا تقنع ببيعتي سراً حتى أبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس »

فقال له الوليد : اجل ، فقال الحسين (ع) تصبح وترى رأيك في ذلك .

فقال له الوليد : انصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس .

فقال له مروان بن الحكم : والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها ابداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، ولكن احبس الرجل ، فلا يخرج من عندك حتى يبايع او تضرب عنقه .

(1) اعيان الشيعة ـ السيد محسن الامين ـ ج ـ 4 ـ ص ـ 73 .


289

فلما سمع الحسين (ع) هذه المجابهة القاسية من مروان صارحهما حينئذ بالامتناع من البيعة ، وانه لا يمكن ان يبايع ليزيد أبداً .

وثب الحسين (ع) عند ذلك وقال لمروان : ويلي عليك يا ابن الزرقاء ... انت تأمر بضرب عنقي ؟! كذبت والله ولؤمت ...

ثم أقبل على الوليد فقال : ايها الامير إنا اهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم ...

ويزيد فاسق ، وشارب الخمر ، قاتل للنفس المحرمة ، معلن بالفسق . ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون اينا احق بالخلافة والبيعة . »

ثم خرج عليه السلام يتهادى بين مواليه ، وهو يتمثل بقول يزيد بن المقرع : لا ذعرت السوام في غسق الصبـ يوم اعطي مخـافة الموت ضيماً ـح فقيراً ولا دعيت يزيدا والمنايا يرصدنني ان احيدا

رجع الحسين (ع) الى منزله ، فوجد شقيقته « زينباً » ساهرة قلقة تنتظر عودته ، لتعرف منه موقفه مع الوليد ، وإن كانت عليها السلام تعلم حق العلم ان الحسين لايلين ، نفس ابيه بين جنبيه ، لا يعطي بيده اعطاء الذليل ، ولا يقر لاحد اقرار العبيد .

وصل الامام الحسين الى البيت فتلقته اخته الحوراء « زينب » متلهفة ، وكانت جلسة طويلة ، اطلعها على كل شيء ، وصارحها بعزمه على المسير الى العراق ،

المرأة في ظل الإسلام (19)


290

واعرب لها عن قراره الاخير وقد اختارها لتصحبه وتتحمل المسؤولية الجسيمة التي تنتظرها في غدها المظلم .

وكانت العقيلة زينب في وسط هذه العاصفة الهوجاء ، تقف على مسرح الاحداث صامدة بقلب ابيها « علي » ، ومعنويات امها « الزهراء » وصبر اخيها « الحسن » وبطولة وشجاعة سيد الشهداء « الحسين » .

وارتاع بنو هاشم لقرار الحسين المفاجئ ، وعزمه الاكيد على المسير الى العراق . فاجتمعوا اليه يطلبون منه البقاء في حرم جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، والعدول عن السفر الى الكوفة مع نسائه واطفاله وجميع اهل بيته .

وخاطبه في ذلك « محمد بن الحنفية » وعبد الله بن عباس ـ وعبد الله بن جعفر ـ وعبد الله بن مطيع ـ وعبد الله بن عمر ... وغيرهم لكن الحسين (ع) قد عزم ولايرده عن عزمه شيء ، وقرر فلا يعدله عن قراره احد . لقد قال : « ما قضي كائن لا محالة » .

وردد قول الشاعر : سأمضي وما بالموت عار على الفتى وواسـي رجـالاً صـالحيـن بنفسه فـان عشـت لم اندم وان مت لم ألـم اذا ما نوى خيراً وجاهد مسلما وخالف مثبوراً وفـارق مجرما كفى بك ذلاً ان تعيش وترغمـا

ومضت قافلة الحسين عليه السلام في طريقها الى العراق ، تاركة وراءها


291

قلوبا ملتاعة ونفوسا متحسرة وأولئك الذين أشاروا عليه بالبقاء في الحجاز يأسفون والآسى يعتصر قلوبهم ، خوفا عليه من المصير المحتوم على أيدي الطغاة .

وجد السير وكانت العقيلة زينب مع النساء تلتفت من حين لآخر تلقي نظرة على ربوع الأهل والاحباب ولسان حالها يقول : وتلفتت عيني فمذ خفيت تلك الطلول تلفت القلب

ثم اخذتها الذكريات ورجعت بها الى الماضي لقد هاجرت الى العراق اول مرة يوم كان والدها امير المؤمنين خليفة المسلمين حيث جعل من الكوفة مقراً لدار الخلافة .

هاجرت الى العراق مع والدها العظيم الذي كان يملأ عليها دنياها .

وها هي تسير الى العراق مرة ثانية ولكن شتان بين الامس واليوم .

لقد مرت الاعوام التي زادت على العشرين مثقلة كئيبة مشحونة بالمصاعب والآلام فقدت فيها والدها العظيم واخاها الحسن الامام الشفوق وفقدت بفقدهما المرح والعيش الهنيء .

وتسيل الدموع من مقلتيها غزيرة وهي تلقي نظرة ملؤها العطف والحنان على هذا الركب العظيم الذي يلغه الليل بسكونه .

هؤلاء احبابها ... اخوها الامام ... وبنوها ... وبنو اخيها ... وبنو عمها ... زهرة شباب بني هاشم الصفوة من آل الرسول الكرام .


292

السيدة زينب في يوم الطف

وصل الركب الى العراق ، وحط رحاله في كربلاء ، وقف الحسين عليه السلام : يسأل : ما اسم هذه الارض ؟ فقيل له نينوى ... قال : هل لها اسم آخر ؟ قيل له : الغاضرية ... قال : او لها اسم غير ذلك ؟ قيل له : كربلاء ... فقال : ارض كرب وبلاء هنا محط رحالنا ... ومقتل رجالنا .

نزل الامام عليه السلام وضرب فسطاطه ، ونصب اصحابه الخيام ...

وكان في الجهة الثانية جيش عمر بن سعد عليه لعنة الله .

وهنا يظهر التفاوت بين الجيشين !!..

الامام الحسين بن علي (ع) ، مع آل الرسول الاطهار واصحابه العلماء الابرار .

وعمر بن سعد لعنة الله عليه مع رعاع أهل الكوفة وطلاب المال .

جمع الحسين اصحابه وقال لهم : (2) .

« أما بعد فاني لا أعلم اصحابا اوفى ولا أخير من اصحابي « ولا أهل بيت ابر ولا اوصل ، من اهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً عني خيراً الا واني لا اظن

(1) الكامل في التاريخ لابن الاثير . ج ـ 3 ـ ص 285 .


293

يومنا من هؤلاء الاعداء غداً ، واني قد اذنت لكم جميعاً ، فانطلقوا في حل ليس عليكم من ذمام ، هذا الليل قد غشيكم ، فاتخذوه جملاً ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً ، ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فان القوم يطلبوني ، ولو اصابوني لهوا عن طلب غيري .

فقال له أخوته وأبناؤه ، وابناء اخوته ، وابناء عبد الله بن جعفر :

لم نفعل هذا ؟

لنبقى بعدك !! لا ارانا الله ذلك ابداً .

فقال الحسين : يا بني عقيل ، حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا فقد اذنت لكم .

قالوا : وما نقول للناس ؟؟

نقول : تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الاعمام ، ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا .

لا والله ... لا نفعل ، ولكنَّا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك . فقبح الله العيش بعدك .

وقام اليه مسلم بن عوسجة الاسدي فقال :

انحن نتخلى عنك ؟ ولم نعذر الى الله في اداء حقك ، اما والله لا افارقك ، حتى اكسر في صدورهم رمحي ، واضربهم بسيفي ، ما ثبت قائمه بيدي ، والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى اموت معك .

وتكلم اصحابه بنحو ذلك فجزاهم الله خيراً .

وسمعته اخته زينب تلك العشية ، وهو في خباء له يقول وعنده مولى ابي


294

ذر الغفاري يعالج سيفه : يـا دهر اف لك من خليل من صاحب او طالب قتيل وانما الأمر الـى الجليـل كم لك بالاشراق والاصيل والدهر لا يقنع بالبـديـل وكل حـي سالك السبيـل

فاعادها مرتين او ثلاثة ، فلما سمعته لم تملك نفسها ان وثبت تجر ثوبها حتى انتهت اليه ونادت : واثكلاه ، ليت الموت اعدمني الحياة . اليوم ماتت فاطمة أمي ، وعلي ابي وحسن اخي ، يا خليفة الماضي ، وثمال الباقي .

فذهب اليها وقال : يا اخية : لا يذهبن حلمك الشيطان . قالت : بابي انت وامي ... استقتلت ؟ نفسي لنفسك الغداء فردد غصته ، وترقرقت عيناه ثم قال : ( لو ترك القطا ليلاً لغفا ونام ) .

عندها لطمت وجهها وشقت جيبها ، وخرت مغشياً عليها . فقام اليها الحسين ، فصب الماء على وجهها ، وقال : اتقي الله يا اختاه ، وتعزي بعزاء الله ، واعلمي ان أهل الارض يموتون ، واهل السماء لا يبقون ، و ان كل شيء هالك إلا وجه الله .

ابي خير مني ... وامي خير مني ... واخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله . اسوة .

فعزاها بهذا العزاء ونحوه ، ثم قال لها .

يا اخية اني اقسم عليك ( فابري قسمي ) لا تشقي عليّ جيباً ، ولا تخمشي عليّ وجها ، ولاتدعي عليَّ بالويل والثبور ان انا هلكت .

ثم خرج الى اصحابه ، فلما امسوا قضوا الليل كله يصلّون ويستغفرون ،


295

ويتضرعون ، ويدعون . سمة العبيد من الخشوع عليهم فاذا ترجلت الضحى شهدت لهم للّه إن ضمتهم الاسحار بيض القواضب انهم احرار

وقف الحسين (ع) ونادى بأعلى صوته : « يا عمرو بن سعد ، ويا اصحابه ، تباً لكم ايتها الجماعة وترحا ، يا عبيد الأمة وشذاذ الاحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ، ومحرفي الكتاب ، ومصطفي السنن ، وقتلة الانبياء ... الخ في كلام يضيق المجال عن ذكره .

ثم قال (ع) : إلا واني زاحف بهذه الأسرة ، مع قلة العدد وكثرة العدو ، وخذلان الناصر .

ثم وصل (ع) كلامه بأبيات فروة بن مسيك المرادي فقال : فان نهزم فهزامون قدمـا وما ان طبنا جبـن ولكن فأفنى ذلكم سروات قومي فلو خلد الملوك اذن خلدنا فقل للشامتيـن بنا افيقوا وان نغلب فغير مغلبينا منايانا ودولـة آخرينـا كما افنى القرون الأولينا ولو بقي الكرام اذن بقينا سيلقى الشامتون كما لقينا

زينب في خضم المعركة :

عقيلة بني هاشم وحدها دون النساء والبنات تدور من خباء الى خباء ، تتفقد العليل تارة والصغير اخرى .


296

يتعلقن بها بين صبي يئن من العطش ، ووالهة أذهلها المصاب ، وطفلة مذعورة خائفة تطلب الأمن ، وأخرى تنشد الماء .

حرائر بيت العصمة ، وودائع الرسالة ، اللواتي لا يعرفن إلا سجف العز والمجد والسؤدد ... ورداء الجلال والدلال . حائرات ذاهلات .

وزينب واقفة بوسط هذا الخضم الهائج ، حائرة قلقة تراقب المعركة التي دارت رحاها في جنون لا مثيل له ... ومنجل الموت يحصد في أحبابها ، بني هاشم الصفوة الأبرار ...

يقول السيد المقرم « أما عقيلة بني هاشم زينب الكبرى » فإنها تبصر هذا وذاك ، فتجد عروة الدين الوثقى عرضة للانفصام وحبل النبوة آيلاً الى الانصرام ، ومنار الشريعة الى الخمود ، وشجرة الإمامة الى الذبول (1) . تنعي ليوث البأس من فتيانها تبكيهم بدم فقل بالمهجة الحرا حنت ولكن الحنيـن بكاً وقد وغيوثها إن عمت البأسـاء تسيـل العبـرة الحمـراء ناحت ، ولكن نوحها ايماء (2)

وبعد مقتل الحسين (ع) حملت النساء اسارى على الأقتاب ، وبلغت بهم القسوة والجفاء ، فمروا بهن على جثث القتلى زيادة في التنكيل .

(1) مقتل الحسين عليه السلام : عبد الرزاق المقرم ـ ص ـ 338 .

(2) الابيات من قصيدة للشيخ كاشف الغطاء .


297

وما حال ام المصائب زينب ؟ عندما رأت هذا المشهد الفظيع ...

بكل صبر وتجلد وإيمان ، رفعت كلتا يديها الى السماء وقالت : « اللهم تقبل منا هذا القربان » .

وجاء في كتاب مقتل الحسين (ع) عن أمالي الصدوق (1) :

« روى أبو عبد الله الصادق عليه السلام أن الحسين (ع) دخل على أخيه الحسن (ع) في مرضه الذي استشهد فيه فلما رأى مابه بكى ، فقال له الحسن : مايبكيك يا أباعبد الله ؟ قال : أبكي لما صنع بك ...

قال الحسن عليه السلام : إن الذي اوتي إلي سم اقتل به ، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله . وقد ازدلف إليك ثلاثون ألفاً يدَّعون أنهم من امة جدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وينتحلون دين الإسلام ، فيجتمعون على قتلك ، وسفك دمك ، وانتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك .

فعندها تحل ببني امية اللعنة ، وتمطر السماء دماً ورماداً ، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات ، والحيتان في البحار .

ورحم الله السيد حيدر الحلي حيث يقول : حشدت كتائبها على ابـن محمد اللّه اكبـر يا رواسـي هذه الا يلقى ابن منتجع الصلاح كتائبا ما كـان اوقحها صبيحة قابلت بالطف حيث تذكرت آباءهـا رض البسيطة زايلي ارجاءها عقد ابن منتجع السفاح لواءها بالبيض جبهته تريق دماءها

(1) مقتل الحسين عليه السلام عبد الرزاق المقرم .


298
)مـن أين تخجل أوجـه أمويـة قهرت بني الزهراء في سلطانها ملكت عليها الأمر حتى حرمت ضاقت بها الدنيا فحيث توجهت سكبت بلذات الفجـور حيـاءهـا واستأصلت بصفاحها امـراءهـا في الارض مطرح جنبها وثوائها رأت الحتوف أمامها ووراءهـا

إلى أن يقول : وقلوب أبنـاء النبـي تفطـرت هتك الطغـاة على بنـات محمد فتنازعت أحشاءها حرق الجوى ما كـان أوجعها لمهجة (أحمد) عطشا بقفـر أرمضت أشلاءهـا حجب النبوة خدرها وخبـاءهـا وتجاذبت أيدي العـدو رداءهـا وأمض في كبد ( البتولة ) داءها

عقيلة بني هاشم بالكوفة :

سار موكب الاسرى يحث السير نحو الكوفة ، وكان أبشع موكب ، وأفظع حدث شهده التاريخ .

رؤوس الصفوة الأطهار من بني هاشم ، يتبعهم النساء المفجوعات والأيامى والأيتام ...

وصل الموكب الكوفة ، وسط الجموع المحتشدة لمشاهدة اسارى بيت الرسول


299

العظيم في طريقهم الى عبيد الله بن زياد .

صاحت نساء الكوفة باكيات على حال حرائر الرسول الذليلات .

لكن زينب ابنة علي مثال الإباء صاحت بهم زاجرة ثم قالت : كما ذكر الرواة (1) .

« أما بعد يا أهل الكوفة ، أتبكون ؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة ... إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ألا ساء ما تزرون .

أي والله فابكوا كثيراً ، واضحكوا قليلاً ، فقد ذهبتم بعارها وشنارها ، فلن ترحضوها بغسل ابداً . وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومدار حجتكم ومنار محجتكم ، وهو سيد شباب أهل الجنة ؟..

لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء ..!

أتعجبون لو أمطرت السماء دماً ؟! ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون .

أتدرون أي كبد فريتم ، وأي دم سفكتم ، وأي كريمة أبرزتم ؟!

لقد جئتم شيئاً إدّاً ، تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً » .

وصل الموكب الرهيب الى دار الإمارة ، فأمسكت « زينب » قلبها المتصدع وهي ترى الدعي « عبيد الله بن زياد » جالساً حيث كان أبوها الإمام « علي »

(1) ذكر هذه الخطبة اكثر الرواة : منهم الشيخ الطوسي في اماليه ـ وابن شهر اشوب ، واحتجاج الطبرسي ، ومقتل الحسين .


300

وأخوها الإمام « الحسن » (ع) أكثر من عشرين سنة في الكوفة .

ذكر الطبري في تاريخه قال : (1) « فلما دخل برأس الحسين وصبيانه ، وأخواته ، ونسائه ، على عبيد الله بن زياد ، لبست « زينب » ابنة فاطمة أرذل ثيابها ، وتنكرت وحفت بها اماؤها .

فلما دخلت جلست فقال عبيد الله بن زياد : من هذه الجالسة ؟ فلم تكلمه . قال ذلك ثلاثاً ، وكل ذلك لا تكلمه . فقال بعض امائها : هذه زينب ابنة فاطمة .

فقال لها عبيد الله : الحمد لله الذي فضحكم ، وقتلكم ، وأكذب احدوثتكم .

فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وطهرنا تطهيراً لا كما تقول أنت : إنما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر .

قال : فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ قالت : كتب عليهم القتل ، فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجُّون إليه ، وتخاصمون عنده .

قال : فغضب ابن زياد واستشاط ، قال : فقال له عمرو بن حريث : أصلح الله الامير إنما هي امرأة ، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها ! إنها لا تؤاخذ بقول ، ولا تلام على خطل ، فقال لها ابن زياد : قد أشفى الله نفسي من طاغيتك ، والعصاة المردة من أهل بيتك ، قال : فبكت ثم قالت : لعمري لقد قتلت كهلي ، وأبرت أهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن يشفك هذا فقد أشتفيت ، فقال لها عبيد الله :

(1) تاريخ الطبري : ج ـ 5 ـ ص ـ 457 .


301

هذه السجاعة ، لقد لعمري كان أبوك شاعراً سجاعاً .

قالت : ما للمرأة والشجاعة إن لي عن السجاعة لشغلاً ... » .

ثم التفت ابن زياد عليه لعنة الله فرأى علي بن الحسين عليه السلام وكان مريضاً قد أنهكته العلة فأراد قتله ، عندها تعلقت به عمته زينب سلام الله عليها ، وقالت له : يا ابن زياد حسبك من دمائنا ما سفكت ، فإذا أردت قتله فاقتلني دونه ، فقال : عجبت للرحم ودت لو أنها تقتل دونه .

وهكذا دافعت بطلة بني هاشم عن سليل النبوة بمنطقها البليغ ، وشجاعتها وإقدامها على المخاطر ، وجرأتها العظيمة التي ورثتها عن جدها وأبيها و امها وأخيها ، فكان الله معها في كل مكان حلت به ، وصارت إليه .

زينب عقيلة بني هاشم في الشام :

خرج موكب الاسارى من الكوفة ، بقيادة شمر بن ذي الجوشن عليه لعائن الله ، يجد السير نحو الشام عاصمة بني امية ، مقر الطاغية يزيد لعنه الله .

ولما أشرف الركب على الشام ترنح يزيد في مقصورته طرباً فقال : لما بدت تلك الحمـول وأشـرقـت نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح تلك الرؤوس على شفا جيرون فلقد قضيت من الرسول ديوني

وأدخلت الرؤوس والسبايا ، على يزيد وهو في مجلسه يحف به أعوانه ورجال بلاطه .

ووضع رأس الحسين الشريف (ع) بين يدي يزيد لعنه الله فالتفت الى أصحابه وقال لهم : هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام:


302
أبى قومنا أن ينصفونا فانصفت يفلقن هاماً من رجـال أعـزة قواضب في أيماننا تقطر الدما علينا وهم كانوا أعق وأظلمـا

تقول المرويات : « نظر رجل شامي الى فاطمة بنت علي (1) فطلب من يزيد أن يهبها له لتخدمه ، ففزعت ابنة امير المؤمنين وتعلقت باختها العقيلة زينب وقالت لها : كيف أخدم ؟

قالت زينب : لا عليك إنه لن يكون هذا ابداً .

فقال يزيد : لو أردت لفعلت ...

فقالت له : إلا أن تخرج عن ديننا ، فرد عليها بتهكم :

إنما خرج عن الدين أبوك وأخوك ...

قالت زينب : بدين الله ودين جدي وأبي وأخي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً .

قال : كذبت يا عدوة الله !

فرقت عليها السلام وقالت : أنت أمير مسلط ، تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك » (2) .

لقد توقعت الناس يومئذٍ ، أن تحني الكارثة المؤلمة جبهة زينب سلام الله عليها وتصدع أركانها . وتنقاد لعاطفتها فتطأطئ رأسها .

(1) وفي بعض الروايات .. انها فاطمة بنت الحسين (ع) وليست فاطمة بنت علي ...

(2) مقتل الحسين ـ للسيد عبد الرزاق المقرم ـ تاريخ الطبري ـ تاريخ ابن الأثير .


303

ولكنها حفيدة الرسول ... وابنة علي ... وسليلة بيت المجد والكرامة والإباء والأنفة فلا مجال للعاطفة ، والانكسار والذل .

إنها البطلة الصامدة ، والمؤمنة الصابرة ، لم تخلق للنياحة ، ولم تتهيأ للبكاء والعويل .

إنها تحمل وصية امها الزهراء ، وأخيها الحسين سيد الشهداء ، فهي صاحبة رسالة ، يجب عليها أن تتحمل في سبيلها المتاعب والمصاعب .

وعن ابن طيفور في بلاغات النساء قال :

« لما كان من أمر أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام الذي كان ، وانصرف عمر بن سعد لعنه الله بالنسوة ، والبقية من آل محمد (ص) ووجههن الى ابن زياد لعنه الله فوجههن هذا الى يزيد لعنه الله وغضب عليه .

فلما مثلوا بين يديه ، أمر برأس الحسين عليه السلام فأبرز في طست ، فجعل ينكث ثناياه بقضيب في يده وهو يقول : يا غراب البين أسمعت فقل ليت أشيـاخي ببدر شهدوا حين حكت بقباء بركهـا لأهلوا واستهلـوا فرحـا فجزينـاهم ببـدر مثلهـا لست من خندف إن لم أنتقم إنما تذكر شيئـاً قد حصـل جزع الخزرج من وقع الأسل واستمـر القتـل في عبد الأشـل ثم قالـوا يـا يزيداً لا تشـل وأقمنا ميـل بـدر فاعتـدل من بنـي أحمـد ما كان فعل (1)

(1) بلاغات النساء ـ لابن طيفور .


304

خطبة السيدة زينب (ع) في مجلس يزيد في الشام :

يذكر المؤرخون وجميع أهل السير أن السيدة زينب وقفت في مجلس يزيد والإباء والأنفة يملآن نفسها ، ثم توجهت (ع) إليه تسمعه من التقريع والتوبيخ بل تعدت للتهديد والتنديد غير هيابة ولا وجلة ، مستصغرة قدره وسلطانه ، ومستعظمه ومستنكره لفعلته النكراء وجريمته الشنعاء .

قالت عليها السلام : (1)

« صدق الله ورسوله يا يزيد ـ « ثم كان عاقبة الذين أساوا السوأى (2) أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن » (3) .

أظننت يا يزيد أنه حين أخذ علينا بأطراف الأرض ، وأكناف السماء ، فأصبحنا نساق كما يساق الأسارى ، ان بنا على الله هواناً ، وبك عليه كرامة .

وان هذا العظيم خطرك ! افشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك جذلاناً فرحاً حين رأيت الدنية مستوسقة لك ، والامور متسقة عليك ، وقد امهلت ونفست ، وهو قول الله تبارك وتعالى :

«﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين » .

أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك نسائك وإمائك ؛ وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقد هتكت ستورهن وأصحلت أصواتهن ، مكتئبات تجري بهن الأباعر ،

(1) عن بلاغات النساء لابن طيفور .

(2) السوآى : تأنيث ـ او مصدر وصف به ـ تفسير القرآن للسيد عبد الله شبر .

(3) سورة الروم ـ آية ـ 10 .


305

ويحدو بهن الاعادي من بلد الى بلد ، لا يراقبن ولا يؤوين ، يتشوفهن القريب والبعيد ، ليس معهن ولي من رجالهن ! وكيف يستبطأ في بغضنا من نظر الينا بالشنف والشنآن والاحن والاضغان ...؟

أتقول « ليت أشياخي ببدر شهدوا » ؟ اغير متأثم ولا مستعظم وانت تنكث ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك !!

ولم لا تكون كذلك ، وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة ، باهراقك دماء ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ، ولتردن على الله وشيكاً موردهم ، ولتودن انك عميت وبكمت وانك لم تقل : « فاهلوا واستهلوا فرحاً »

... اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم لنا ممن ظلمنا . ثم قالت :

والله ما فريت إلا في جلدك ، ولا حززت إلا في لحمك وسترد على رسول الله (ص) برغمك ، وعترته ولحمته في حظيرة القدس ، يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث ، وهو قول الله تبارك وتعالى :

«﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون »

وسيعلم من بوأك ، ومكنك من رقاب المؤمنين ، إذا كان الحكم الله ... والخصم محمد (ص) ، وجوارحك شاهدة عليك .

فبئس للظالمين بدلاً ايكم شر مكاناً واضعف جنداً .

مع اني والله يا عدو الله وابن عدوه استصغر قدرك واستعظم تقريعك ، غير

المرأة في ظل الإسلام م (20)


306

ان العيون عبرى والصدور حرى وما يجزى ذلك او يغني وقد قتل الحسين عليه السلام ، وحزب الشيطان يقربنا الى حزب السفهاء ليعطوهم اموال الله ، على انتهاك محارم الله .

فهذي الأيدي تنطف من دمائنا ، وهذه الأفواه تتحلب من لحومنا ، وتلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان الفلوات .

فلئن اتخذتنا مغنماً ، لتجدنا مغرماً حين لا تجد إلا ما قدمت يداك .

تستصرخ يا ابن مرجانة !!.. ويستصرخ بك ، وتتعاوى وأتباعك عند الميزان ، وقد وجدت أفضل زاد زودك معاوية قتلك ذرية محمد (ص) .

فوالله ما اتقيت غير الله ... ولا شكواي إلا إلى الله ... فكد كيدك ، واسعى سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا يرحض عنك عار ما اتيت الينا أبداً .

والحمد لله الذي ختم بالسعادة والمغفرة ، لسادات شبان الجنان فأوجب لهم الجنة ، اسأل الله أن يرفع لهم الدرجات ، وان يوجب لهم المزيد من فضله فإنه ولي قدير . »

وسكتت زينب بعد ان اضرمت النار في القلوب ، وهزت المشاعر وايقظت النفوس المتخدرة ، فأفاقت على الحقيقة التي اوضحتها العقلية في خطبتها التي اعجزت البلغاء ، ودقت أجراس الثورة والفداء ضد الظلم والفساد .

وحسبنا اقتناعاً ان خطبة زينب كانت البداية في إيقاظ المشاعر فإن الشام برغم انها كانت عاصمة الامويين ومقر خلافة يزيد لعنه الله . فقد سرت البلبلة بين الناس وكثر اللغط وساد الهرج .


307

ففي بعض المرويات : قيل ان « هند ابنة عبد الله بن عامر زوجة يزيد » سمعت ما يدور في مجلس زوجها ، وخطاب السيدة زينب ـ فتقنعت بثوبها وخرجت اليه فقالت :

يا يزيد أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ؟

قال : نعم ، فاعولي عليه ... لقد عجل عليه ابن زياد فقتله ...

فقالت : ابنات رسول الله سبايا فاطرق برأسه لان صوت زينب لا يزال يدوي في اذنيه .

فقالت له زوجته : غداً يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك ... ويجيء الحسين وجده رسول الله شفيعه !. » .

زينب وحدها التي لم تغب لحظة عن مسرح المأساة والفاجعة الأليمة ، وهي التي سجلها التاريخ على صفحاته .

وهي وحدها التي سمعت الصيحة الاولى ، ولم تفارق الحسين لحظة واحدة منذ بدأ القتال حتى انتهى .

وهي وحدها كانت الى جانب المريض العليل « زين العابدين » (ع) تمرضه وتحافظ عليه ـ ومع المحتضر تواسيه والشهيد تبكيه .

وقال بعض الشعراء عندما مر على أرض المعركة قبل دفن الجثث : وقفت علـى أجـداثـهم ومـجالهـم لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغي فكاد الحشا ينفض والعين ساجمة سراعاً الى الهيجا حماة خضارمة


308
تأسسوا على نصر ابن بنت نبيهم وما أن رأى الراؤون أفضل منهم بأسيافهم آساد غيـل ضراغمـه لدى الموت سادات وزهر قماقمه

عقيلة بني هاشم في مدينة جدها الرسول (ص) :

عاد موكب السبايا الى مدينة جدهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، تحدوهم الحسرات ، ويلفهم رداء الحزن والكآبة .

وكان منظرهم مؤلماً يتصدع له الصخر الأصم .

فقد هرع الناس لاستقبال الركب الحزين بمآتم مفجعة تبللها دموع البواكي ونوح الثكالي .

لكن العقيلة زينب لم تلتفت لشيء او تفوه بكلمة ، ولم تتوقف عن السير رغم تهافت الناس عليها . بل مضت في طريقها صامتة ، حتى وصلت المسجد النبوي الشريف فأخذت بعضادتى الباب وصاحت من قلب جريح :

يا جداه يا رسول الله ... جئت ناعية اليك أخي الحسين والاقمار من أهل بيته ... وخنقتها العبرة وماتت الكلمات على شفتيها ...

ثم كانت المآتم في بيوت بني هاشم ولم تبقى مخدرة في المدينة إلا خرجت نائحة تبكي .

وخرجت زينب بنت عقيل « اخت مسلم » ومعها نساؤها نادبة تلوي بثوبها وهي تقول :


309
)ماذا تقولون إن قال النبـي لكـم بعترتـي وبأهلـي بعد مفتقـدي ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ماذا فعلتم ، وأنتـم آخـر الأمـم منهم اسـارى ومنهم ضرجوا بدم أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

وتقول بعض المرويات : وسمع صوت من بعيد يقول : أيها القاتلون جهلاً حسيناً أبشروا بالعذاب والتنكيل

رجعت زينب عليها السلام الى بيتها ومرت بديار أهلها فرأتها موحشة باكية تنعي أهلها وتندب سكانها . كما قال الشاعر : مررت على أبيات آل محمد فلا يبعد اللّه الديـار وأهلها فلـم أرهـا أمثـالها يـوم حلت وإن أصبحت منهم برغمي تخلت

وكان عمرو بن سعيد الاموي (1) والياً على المدينة ، وتذكر الأخبار أنه لما

(1) لقد لاقى عمرو بن سعيد الاموي جزاء شماتته بقتلى بني هاشم ، إذ قتله عبد الملك بن مروان الاموي بالشام .

تقول بعض المرويات ، انه حينما دخل عمرو بن سعيد على عبد الملك بن مروان بالشام تنازعا


310

سمع واعية بني هاشم وبكائهن على الحسين ضحك وابتهج وقال : يوم بيوم يا عثمان ... وناعية بناعية عثمان ... ثم تمثل بقول عمرو بن معد يكرب : عجت نساء بني زياد عجة كعجيج نسوتنا غداة الأرنب

شخصية السيدة زينب وأثرها على المجتمع :

يمضي التاريخ ليسجل بطولة سيدة عظيمة ، هي السيدة زينب بنت علي ، عقيلة بني هاشم الثائرة على الظلم ، المتمردة على الطغيان .

تلك السيدة الأبية ، التي أتمت مسيرة نهضة أخيها الحسين (ع) . وإيقظت

و كان نزاعهما حول الملك ـ او الخلافة بالشام ، فأمر عبد الملك صاحب حرسه ( أبا الزيزعة ) بضرب عنق عمرو بن سعيد الاموي .

وجاء في كتاب مروج الذهب للمسعودي ... ما ملخصه ، قال : ان عمرو بن سعيد خرج من منزله يريد عبد الملك ، فعثر بالبساط ، فقالت له امرأته نائلة : انشدك الله لا تأتيه .

فقال لها : دعيني عنك فوالله لو كنت نائماً ما أيقظني .

ودخل على عبد الملك وهو مكفر بالدرع ، فقال له : يا أبا امية أجئت للقتال ؟ وبعد كلام طويل بينهما قال له : اني كنت قد حلفت إن ملكتك لأشدنك في الجامعة ( أي القيد ) . فلما وضع الجامعة في عنق عمرو بن سعيد أيقن عمرو بالهلاك . قال لعبد الملك : تخرجني الى الناس وأنا في جامعة ؟ فقال له عبد الملك : أتريد أن اخرجك الى الناس فيمنعوك ويستنقذوك من يدي ؟ ... ( أتماكرني وأنا أمكر منك ؟) ثم أضجعه وذبحه ولم يراع له عهداً ولا حرمة .

لقد أظهر عمرو بن سعيد الشماتة حين مقتل بني هاشم بعد موقعة كربلاء ... وما أحسن قول الشاعر : فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا


311

مشاعر الناس ببلاغتها وصمودها وجهادها ، فهيجت فيهم شعوراً لاذعاً ممضاً بالحسرة والندم تارة ،و بالخزي والعار طوراً .

توافد الناس على عقيلة بني هاشم ، فكانت تتكلم لتجلي الضباب عن البصائر ، ويبقى كلامها يدوي في آذانهم ليخترق الضمائر مذكراً بالجريمة النكراء ، والفعلة الشنعاء قتل الحسين وأهل بيته وأصحابه الأبرياء .

يتكهرب جو المدينة ... ويلتهب ... تلهبة الثائرة المطالبة بدم الشهداء الأبرار .

تلهبه شعلة الثائر وعنوان البطولة ، التي كانت المعول الأول في هدم عرش بني امية وأمثالهم من الطغاة المستبدين .

« زينب » تلك التي أعطت البشرية درساً في الصمود ، والإباء والشرف ، والوقوف بوجه الجور والتعسف والطغيان تتناقله الأجيال .

يمضي الوالي عمرو بن سعيد الأموي ، فيرسل الى يزيد أن أهل المدينة في هياج . ثم يقول : « إن كان لك بالمدينة شغل فأخرج بنت علي منها فإنها ألّبت الناس عليك » .

ويأتي الفصل الأخير من حياة المجاهدة البطلة ، عندما يطلب منها الوالي عمرو بن سعيد الأموي ، مغادرة المدينة ، بل الحجاز .

فتجيب عليها السلام قائلة : ويلكم أمن حرم جدنا تخرجوني ؟ ... لك الويل يا ابن سعيد ... الله أعلم بما صارت إليه حالنا بعد سيد الشهداء ...

صبرنا على قتل خيرنا ... وحملنا على الأقتاب ، وساقونا كما تساق الأنعام ، فلست بخارجة من مدينة جدي ... فافعل ما أنت فاعل .


312

واشتد الموقف بين الوالي ... وبين عقيلة بني هاشم « زينب » وهي لا تبالي ، ماضية في أداء رسالتها التي كلفها بها سيد الشهداء الحسين (ع) بالنهوض والمحافظة على رسالة جدها الرسول الأعظم (ص) .

والوالي عمرو بن سعيد ماض في تركيز دعائم ملك بني أمية ، وتنفيذ أوامر الطاغية يزيد .

ويأتي الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) ليقنع عمته « زينب » بالخروج كي لا تتجد المأساة على أهل بيت الرسول .

إن الأمويين لا يتورعون عن ارتكاب أفظع الجرائم في سبيل توطيد حكمهم .

وينساب صوت الإمام زين العابدين (ع) :

« عمتي يا زينب ... لقد صدقنا الله وعده ، وسيجزي الله الظالمين ... إرحلي الى بلد آخر ... والله حسبنا ونعم الوكيل » .

ولم تتمكن السيدة زينب إلا الأخذ برأي الإمام زين العابدين فقررت السفر لعل خوف الأمويين من وجودها بالمدينة يهدأ قليلاً .

وقف موكب السيدة زينب عند مسجد الرسول الأعظم (ص) . ومن حوله بنو هاشم ، الرجال والنساء والبقية الصالحة من أهل المدينة المؤمنين .

وكان المشهد مؤثراً ، والوداع حاراً ، فقد صاحت زينب (ع) بصوت ملتاع يتصدع له الصخر الأصم :

يا جداه ... يا رسول الله ... ها أنا تاركة المدينة منفية ، كأني قد أتيت أمراً نكرا ، ثم تأوهت متحسرة ... وكما يقول الشاعر :


313
مشردون نفوا عن عقر دارهم
كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر

وسجل التاريخ على صفحاته ، موقف السيدة زينب الرائع المؤثر ، الذي تتجلى فيه العزة والإباء مع الاحزان ، والشجن الدامي والأسي العميق .

ومن ذا الذي لا يهزه موقف زينب ، وقد تذكرت امها الزهراء (ع) وما لاقته من المتاعب والمصاعب ، وكما قيل : عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا أحن الى الكأس الذي شربت به فلما دهتني لم تزدني بهـا علمـا وأهوى لمثواها التراب وما ضما

وقد اختلف أهل التاريخ والسير ، فمنهم من قال : انها ذهبت الى مصر ، ولها مقام مقدس وعظيم يؤمه الناس .

ومنهم من قال : انها في الشام ومقامها ايضاً معروف هناك يقصده الزوار ، من جميع الأقطار . وهو القول المشهور .

وعلى كل حال سواء كان مثوى السيدة زينب عليها السلام في الشام ... أم في مصر ... فقد هيجت الاحساس ، وأوقدت نيران الثورة على أنظمة الظلم والطغيان وشلت عرش الأمويين المستبدين في وقت قصير .

لم تخب تلك الشعلة الملتهبة ، بل ظل كلامها يتجاوب صداه في ابواق التاريخ ، يرن في الآذان وهي تخاطب الطاغية يزيد بقولها :

« فو الله لا تمحو ذكرنا ... ولا تميت وحينا ... ولا تدرك أمدنا ... »


314

لقد عجز الطغاة عن طمس ذكر أبطال الحق ، وشهداء العدل ، ذكر زينب وآلها الكرام ... المشعل الذي يضيء الطريق أمام الهداة ، وأصحاب الضمائر الحرة . والنبراس الذي يهتدي به كل من ثار من أجل العقيدة ، والدين والكرامة ، والانسانية ، والإباء .


315

السيدة سكينة بنت الحسين (ع)

ما عساني أن أكتب عن حفيدة الزهراء السيدة سكينة بنت الحسين (ع) بعد أن جال ابطال اهل التاريخ وأصحاب السير في أفكارهم وأقلامهم ، كلُّ في مجاله ، وحسب ميله وهواه .

وما عساني أن أقول فيمن ولدت في حجر الإيمان ، وترعرعت في كنف معدن القداسة ، وعجنت طينتها بالعفة والنزاهة . فنشأت متأثرة بحسن التربية ، وكرم الأخلاق ، وعنوان المجد والسؤدد .

جللها كرم الأصل بجلباب الشرف ، وألبسها مطارف الحياء والمعرفة والأدب .

ومما لا ريب فيه فقد بلغت حفيدة الزهراء ، وسليلة البيت النبوي الشريف ، الذروة العليا في الجمال والكمال ، والتقى والورع ، وسلكت السبيل الواضح في مجاهدة النفس ، والطريق الذي لا يشوبه أي انحراف أو ميل نحو ملذات الدنيا .

لقد كانت السيدة سكينة سابحة بين امواج العبادة والزهد والقداسة ، ترشف العلم من معينه ،و تجني الأدب من مستقاه ، حتى انعكست في مرآة نفسها ملامح الجلال والمهابة ، وفازت بشهادة الإمام الحسين (ع) حيث قال :

« الغالب عليها الاستغراق مع الله » .


316

ذكر السيد عبد الرزاق الموسوي : أن الحسن المثنى بن الحسن بن أمير المؤمنين (ع) أتى عمه ابا عبد الله الحسين (ع) يخطب إحدى ابنتيه « فاطمة ـ او سكينة » فقال له أبو عبد الله (ع) :

اختار لك فاطمة ، فهي أكثرهما شبهاً بامي فاطمة بنت رسول الله (ص) أما في الدين ، فتقوم الليل كله ، وتصوم النهار ، وفي الجمال ... تشبه الحور العين .

وأما سكينة : فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالى فلا تصلح للرجل (1) .

اجل لقد ذهبت السيدة سكينة بحب أبيها واعزازه لها ، وفازت بتلك المكانة العالية ، والعطف الفياض ، لذلك نراه عليه السلام يردد قائلاً : لعمرك انني لاحب داراً احبهما وابذل جل مالي تحل بها سكينـة والرباب وليس لعاتب عندي عتاب

إلى ان يقول : ولست لهم وان عتبوا مطيعا حياتي أو يغيبني التراب

يمضي الزمن وتدور الأيام ، والسيدة سكينة تبز نساء عصرها علماً وتقى وورعاً وزهادة .

صحبت والدها الإمام (ع) إلى كربلاء ، وشاهدت تلك المجزرة العظيمة ، ومصرع أهلها الميامين .

(1) السيدة سكينة ـ للسيد عبد الرزاق الموسوي المقرم ص ـ 33 .


317

وقفت بجانب عمتها العقيلة زينب ، تتلقى المصائب صابرة محتسبة . وتكويها الأحزان بنار ملتهبة . وتذوق مرارة فقد الاحبة ، فلا تزيدها كل هذه الآلام إلا عزوفاً عن ملذات الدنيا ، ويصفها والدها الحسين (ع) « خيرة النسوان » .

في ساعة الوداع يوم « طف كربلاء » افتقد الحسين ابنته الحبيبة سكينة فوجدها منحازة عن النساء ، باكية العين ، كسيرة الفؤاد .

اكب عليها يقبلها في لهفة وحنان ، ثم رفع رأسه وقال في شجاعة واشفاق :

« هلا ادخرت البكاء ليوم غد ؟ تجلدي يا حبيبتي واصبري ان الله مع الصابرين » . سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة فإذا قتـلت فانت أولـى بالذي منك البكاء إذا الحمام دهـاني ما دام مني الروح في جثماني تأتينـه يا خيـرة النسـوان

ها هي السيدة سكينة ، واقفه على أرض كربلاء ، بجانب جثة ابيها الإمام (ع) مهيضة الجناح ، حزينة القلب ، تتزاحم الدموع في مقلتيها في حين تطوي الألم والحسرات بين أضلعها وتردد : ان الحسيـن غـداة الطف يرشقه بكـف شـر عبـاد اللّـه كلـهم أأمة السوء هـاتوا ما احتجاجكم الويـل حـل بكم إلا بمن لحقـه يا عين فاحتفلي طول الحياة دماً ريب المنون فما ان يخطئ الحدقة نسل البغايا وجيش المرق الفسقة غداً وجلكـم بالسيف قد صفقـه صيرتموه لا رماح العدى درقه لا تبك ولداً ولا أهلاً ولا رفقـه


318
لكن على ابن رسول الله فانسكبي
قيحاً ودماً وفي اثريهما العلقة

ويختلط صوت سكينة مع صوت أمها الرباب ، الثكلى الوالهة . تلك التي صغرت الدنيا في عينيها ، وكبرت المصيبة عليها ، فلم تقو على حملها لا تعرف غير البكاء والعويل . ونسمعها تردد وتقول : واحسيناً فلا نسيت حسيناً غادروه بكربلاء صريعاً اقصدتـه اسنـة الأعـداء لا سقى اللّه جانبي كربلاء (1)

اجل : الرباب الزوجة الوفية المخلصة التي ترعى العهد والذمام فقد ذكرت الأخبار انها استغرقت في حزنها على الحسين ، نادبة حزينة ، لا يظللها سقف . وقد خطبها الكثير من الوجهاء والأشراف ، ولكنها رفضت باصرار وقالت :

ما كنت لا تخذ حماً بعد رسول الله (ص) .

ثم تشرق بدمعها وتقول نادبة : ان الذي كان نـوراً يستضاء به سبط النبـي جزاك اللًّه صالحة قد كنت لي جبلاً صعباً ألوذ به من لليتامى ومن للسائلين ومن واللّه لا ابتغي صهراً بصهركم بكربلاء قتيل غيـر مدفـون عنا وجنبت خسران الموازين وكنت تصحبنا بالرحم والدين يغني وياوي اليه كل مسكيـن حتى اغيب بين الرمل والطين

(1) والرباب هي زوجة الحسين (ع) ووالدة سكينة ، وهي التي طلبت رأس الحسين من ابن زياد ، فلما رأته أخذته ووضعته في حجرها وقالت هذه الأبيات .


319

شخصية السيدة سكينة الاجتماعية :

لقد استطاعت السيدة سكينة ان تنفرد بمكانة اجتماعية مرموقة ، لم ترق اليها سيدة سواها في ذلك العصر ، فكانت الشخصية الاولى في المجتمع الحجازي ... بل الاسلامي من حيث التقى والزهد والورع والمعرفة والأدب .

على أن السيدة سكينة كانت مشغولة البال ، تراعي حركات الوالد الشفوق في معركته الجبارة ضد الظلم .

إن الأحداث العنيفة التي جذبت سكينة الى دوامة الاعصار ، وشغلتها عن كل ملذات الحياة وبهارجها . هي التي صنعت منها الزهد والاستغراق في العبادة ، كما فعلت الأحداث بعمتها العقيلة زينب التي عاشت في صميم المعركة وألهتها الفجيعة بأخيها الحسين عليه السلام عن ولديها اللذين استشهدا في الدفاع عن الحق .

وكذلك كان حال الرباب والدة سكينة لم نسمع من المؤرخين أنها كانت تذكر ولدها عبد الله بل كانت تبكي الحسين وترثيه ، حتى ماتت حزناً وكمداً ... بعد وقعة كربلاء بعام واحد .

وبعدما ذكرنا لمحة موجزة من سيرة السيدة سكينة لا بد لنا من ذكر بعض من كتب عنها وأغرق في كتابته ، ونسب إليها اموراً لم تكن بها ، كأبي الفرج الأصبهاني مثلاً قال :

« اجتمع نسوة من أهل المدينة ، من أهل الشرف ، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه ، فتشوقن إليه وتمنينه ، فقالت سكينة بنت الحسين (ع) أنا لكنَّ به .


320

فأرسلت إليه رسولاً وواعدته « الصورين » وسمت له الليلة والوقت ، وواعدت صواحباتها فوافاههن عمر على راحلته ، فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن فقال لهن : والله إني لمحتاج لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة في مسجده ، ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئاً .

ثم انصرف الى مكة وقال : قالت سكينة والدموع ذوارف ليت المغيري الذي لم أجـزه كانت ترد لنا المنى أيامنـا خبرت ما قالت فبت كأنمـا أسكين ما ماء الفرات وطيبه بالذِّ منك وإن نأيت وقلمـا منها على الخديـن والجلبـاب فيما أطال تصيدي وطلابـي إذ لا نلام على هوى وتصابي ترمي الحشا بنوافـذ النشـاب مني على ظمأ وطيب شـراب ترعى النساء امانـة الغيـاب (1)

وما رواه صاحب الأغاني ، البارع في وضع القصص والكثير من المفتريات وخصوصاً على البيت الهاشمي ، فشأنه معروف لأنه أموي النسب « والعداء بين البيت الهاشمي النبيل والبيت الأموي متغلغل في النفوس » .

إن كل عاقل ومنصف يكاد يقطع أن المراد من سكينة في الأبيات التي قالها عمر بن ابي ربيعة ... هي في سكينة بنت خالد بن مصعب .

والظاهر أن صاحب الأغاني الأموي ، أراد أن يبرئ ساحة سكينة بنت

(1) الاغاني لأبي الفرج الاصبهاني .


321

خالد مما كانت عليه من الاستهتار والمجون ، فوجد من اسم سكينة بنت الحسين (ع) باباً واسعاً للتورية وتضليل البسطاء .

عند ذلك نسب أفعال سكينة بنت خالد بن مصعب الى سكينة بنت الحسين .

جاء بعد ذلك بعض المؤرخين والكتاب ، فأخذوا عن ابي الفرج الأصبهاني من دون أي انتباه ... أو روية ... الى الأسباب التي حملت الأصبهاني على المواربة والتحريف والتورية .

على أن قول عمر بن ابي ربيعة في شعره : « أسكين ماماء فرات » الخ .

ليس من الضروري أن يكون المراد سكينة بنت الحسين . بالاضافة الى ذلك نرى أغلب الرواة يروون الشعر على النحو التالي : قالت « سعيدة » والدموع ذوارف منها على الخدين والجلباب

إلى أن يقول : « أسعيد » ما ماء الفرات وطيبه مني على ظمأ وفقد شباب

تقول الدكتورة بنت الشاطئ :

« قال ابو الفرج : وسعيدة ... هي سعدي بنت عبد الرحمن بن عوف ، كان عمر قد تعرض لها بعد طوافه فقالت له :

ويحك يا ابن أبي ربيعة ، ما تزال سادراً في حرم الله متهتكاً ! تتناول بلسانك ربات الجمال من قريش ! ...

المرأة في ظل الإسلام (21)


322

آمرك بتقوى الله وترك ما أنت عليه ؟

قال أبو الفرج : وإنما غيَّره المغنون ، فقالوا : « سكينة » .

وقال أبو إسحاق الحصري ( ت413 هـ ) بعد أن أورد هذه الأبيات كرواية القالي : ( كذب من روى هذا الشعر في سكينة رضي الله عنها ) (1) .

(1) تراجم سيدات بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ .


323

عرض وتحليل

إن السيدة سكينة سليلة بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل ، من الاسرة الهاشمية العريقة التي ضربت المثل الأعلى بالإباء والشمم والعزة والكرامة ، حتى صارت مناراً لكل من أراد أن يدفع الضيم عن نفسه ويموت عزيزاً كريماً .

والدليل على ذلك ما فعله مصعب بن الزبير حينما أراد الخروج لحرب عبد الملك ابن مروان بعدما انفضَّ عنه أصحابه .

جاء مودعاً زوجته السيدة سكينة فقالت له :

لا تفجعني بك ... واحزناه عليك يا مصعب ...

فالتفت إليها وقال لها : أو كل هذا لي في قلبك !؟

ثم قال : لو كنت اعلم ان هذا كله لي عندك ، لكانت لي ولك حال ، ولكن أباك لم يترك لحر عذراً ، وأنشد : وإن الاولى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام ، التأسيا

لا أجافي الحق إذا قلت أن بني هاشم الكرام ، الذين وصفهم الفرزدق


324

بقصيدته المشهورة التي منها : ولكن إلى أهل الفضائل والنهى وخير بني حواء والخير يطلب

أقول : كيف يروق لبني هاشم ، أهل الفضائل والنهى ترك كريمتهم وابنة سيدهم الإمام الحسين (ع) تسرح وتمرح وتعقد مجالس اللهو والسمر ، وتساجل الشعراء ، وفي بني هاشم الغيرة والحمية والأنفة ؟

على أن السيدة سكينة عاشت جل حياتها في بيت أخيها علي بن الحسين زين العابدين (ع) .

أجل زين العابدين الذي كان يواصل الليل بالنهار باكي العين حزناً على والده الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة .

كان يقول لمن يطلب منه تخفيف البكاء والتصبر :

« إني ما نظرت إلى عماتي وأخواتي إلا تذكرت فرارهن من خيمة الى خيمة ... » .

في هذا الجو المفعم بالحزن والبكاء كانت السيدة سكينة مع اخيها السجاد وأهل بيتها الثكالي ، فكيف والحالة هذه أن يصدر منها ما يشين كرامتها وينافي الامور المتبعة في البيت الهاشمي الشريف .

علاوة على ذلك ، كيف يترك الإمام زين العابدين (ع) وهو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، شقيقته سكينة التي رافقته في مراحل المحنة القاسية ، من المدينة ... إلى كربلاء ... وإلى الشام سبايا ... ثم إلى المدينة .

ألم يكن بإمكانه (ع) وعظها ؟ ... وإرشادها إلى جادة الصواب ، وحملها على العمل بسيرة السلف الصالح من الامهات ... والجدات .


325

حاشا الإمام زين العابدين أن يرضى بذلك ... وحاشا السيدة سكينة من مقالة السوء ... ومن كل افتراء .

جاء في كتاب الأغاني : « ان إسحاق الموصلي غنى الرشيد بشعر عمر بن أبي ربيعة : قالت سكينة والدموع ذوارف منها على الخدين والجلباب

فغضب الرشيد حتى سقط القدح من يده ... ونهره وقال :

لعن الله الفاسق ، ولعنك معه !.. فسقط في يد إسحاق ، فعرف الرشيد ما به .

فسكن الرشيد ثم قال : ويحك أتغني بأحاديث الفاسق ابن أبي ربيعة في بنت عمي ، وبنت رسول الله ؟..

إلا تتحفظ في غنائك ؟.. أو تدري ما يخرج من رأسك ؟ »

ألا ترى معي أيها القارئ ، كيف غضب الرشيد على إسحاق الموصلي وأخذته حمية النسب لأنه هاشمي ؟.. مع العلم أن، العباسيين كانوا أعداء العلويين ، آل ابي طالب في زمانهم .

فكيف يسكت ... أو يرضى آل علي الكرام بما نسب للسيدة سكينة ؟..

وعلى الأخص الإمام المعصوم زين العابدين (ع) ؟

وحاشا السيدة سكينة بنت الإمام من هذه المفتريات . فهي أجل ... وأنقى ... وأطهر ... سليلة المقدسين الأطهار . مطهرون نقيات ثيابهم تجري الصلاة عليهم اينما ذكروا


326

وقبل ان ننتهي من حديث السيدة سكينة ، لا بد لنا من الاشارة إلى بعض الأقوال من كتّاب سامحهم الله وهداهم .

يقول الدكتور زكي مبارك في كتابه « حب ابن أبي ربيعة ، وشعره ـ ص ـ 181 .. » (1) .

« لا يغضب قوم إن ذكرنا انها كانت ( يعني سكينة ) في عفافها نزقة طائشة ، تؤثر الخفة على الوقار ، وتهوى ان يخلد حسنها في قصائد الشعراء ...

وما اظن هذه السيدة سلمت في صلتها بابن ابي ربيعة من متورع يرميها على طهرها بالخلاعة والمجون » .

إلى آخر ما هنالك من المفتريات التي لم يعفّ قلم الدكتور زكي مبارك عنها .

اقول وبمنتهى الأسف ، لم يكن من المنتظر ان يأتي ( في الزمن الأخير ) بعد الأصبهاني ، امثال الدكتور زكي مبارك فيجعل من السيدة الجليلة ، حفيدة الرسول ، الزاهدة الورعة جليسة للشاعر الماجن المستهتر عمر بن ابي ربيعة .

ثم يجرد قلمه فيصف السيدة سكينة بأوصاف لا تتصف بها امثالها من جليلات القدر ، والمكانة المرموقة .

وبعدها يجعل من دار سكينة بنت الحسين مرتعاً للمجون وملاذاً للشعراء .

إن الدكتور زكي مبارك لم يستند لدليل على أقواله ، بل راح يكتب عن خيال ، وكأنه في حفلة ساهرة ...

لعله يظن أنه حين يكتب تصدًّق اقواله ... لماذا ؟ ... لأنه دكتور ، وعلى

(1) حب ابن ربيعة وشعره ـ الدكتور زكي المبارك .


327

هذا سقطت كتابته وأقواله عن الموضوعية ـ وكان من جراء أقواله السخيفة ، نرى أن كل من قرأ كتابته وتخيلاته بخصوص السيدة سكينة قد انتقده ، لأن الكاتب قبل أن يكتب يجب عليه أن يعي ما يقول ، ويعرضه على عقله ، ويتثبت من صحة الرواية وثقة الراوي .

وتقول الدكتورة بنت الشاطئ ، أيضاً :

« لكن المأساة أن اكثرنا قد صدقوا كل ما قال عمر ، وصدقوا اولئك القصاصين الذين راحوا ينسجون الحكايات حول هذه القصيدة او تلك من غزلياته . وهي قصص لا شك في أنها اخترعت بأجرة ، كما قال الدكتور طه حسين بحق » .

ثم تقول :

« على حين اخذ الدكتور زكي مبارك كل هاتيك الأخبار والقصص والمغامرات اخذاً لمَّا ، وصدقها غير مرتاب فيها ولا متظنن » (1) .

(1) تراجم بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ ـ ص ـ 929 .


328

جهاد المرأة المسلمة ووضعها الاجتماعي

لقد انتزعت المرأة المسلمة المؤمنة ، المزيد من المنزلة الاجتماعية بمساهمتها في جميع المجالات السياسية والثقافية ونافست الرجال في شتى الميادين .

شقت طريقها بفضل الاسلام وتعاليمه ، وأنارت حياتها بنور العلم والإيمان ، فأصبحت داعية للقرآن ، راوية للحديث ، سابقة إلى الإجادة في ضروب الشعر ، خطيبة تأخذ بأعنه النفوس ، محافظة على نشاطها الاجتماعي الذي بعثه فيها الدين الإسلامي العظيم .

ففي الصراع الدامي بين امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ومعاوية بن ابي سفيان في صفين ، ظهرت كثيرات من النساء اللواتي أبلين بلاء حسناً في نصرة الحق ... أهل بيت الرسول .

وأكثر من ذلك كله فإنهن على جانب من الشجاعة وحرية الرأي ، لا يعرفن المواربة ولا التملق ، ولا يخفن إلا الله سبحانه . وتتجلى جرأة المرأة الأدبية عندما تحضر المعارك الحربية وتلقي الخطب المثيرة ، تنشد الأشعار الحماسية التي تدفع المقاتلين على الاستبسال .

وعلى سبيل المثال لا بد من ذكر بعض النساء اللواتي جاهدن في سبيل الحق منهن سودة بنت عمارة رحمها الله . لقد كان ثاقبة الرأي في السياسة . نافذة البصيرة في الزعامة ، تمثل قومها في الخطوب ، وتنوب عنهم في المحافل على الرغم


329

مما عرف عن قومها ( بني همدان ) من نبل السلوك وبأس عند اللقاء . حتى قال فيهم الإمام علي عليه السلام : ولو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

سودة بنت عمارة بن الاشتر الهمدانية :

جاء في بلاغات النساء : استأذنت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان ، فأذن لها ، فلما دخلت عليه قال :

هيه يا بنت الأشتر ؟ ألست القائلة يوم صفين : شمَّر كفعل ابيك يا ابن عمارة وانصر علياً والحسين ورهطه إن الإمام أخـو النبـي محمد فقد الجيوش وسر أمام لوائـه يوم الطعان وملتقى الأقران واقصد لهند وابنها بهـوان علم الهدى ومنارة الإيمان قدماً بأبيض صارم وسنان

قالت : اي فوالله ما مثلي من رغب عن الحق ، او اعتذر بالكذب .

قال لها : فما حملك على ذلك ؟

قالت : حب علي عليه السلام ، واتباع الحق . قال : والله ما أرى عليك من أثر علي شيئاً .

قالت : انشدك الله يا أمير ، وإعادة ما مضى ، وتذكار ما قد نسي . قال : هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى ، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك .


330

قالت : صدق فوك ، لم يكن اخي ذميم المقام ، ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء : وان صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار

قالت : صدقت لقد كان كذلك . فقالت : مات الرأس ، وبتر الذنب وبالله اسألك يا أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه . قال : قد فعلت فما حاجتك ؟

قال : إنك أصبحت للناس سيداً ، ولأمرهم متقلداً ، والله سائلك من أمرنا ، وما افترض عليك من حقنا ، ولا يزال يقدم علينا من ينوه بعزك ، ويبطش بسلطانك ، فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس البقر ، ويسومنا الخسيسة ، ويسلبنا الجليلة ، هذا بسر بن ارطاة ، قدم علينا من قبلك فقتل رجالي وأخذ مالي ، ولو لا الطاعة لكان فينا عز ومنعة ، فإما عزلته عنا فشكرناك ، وإما لا فعرفناك .

فقال معاوية : أتهدديني بقومك ؟ لقد هممت أن احملك على قتب أشرس ، فأردك إليه ، ينفذ فيك حكمه . فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول : صلى الإله على جسم تضمنه قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً قبر فأصبح فيه العدل مدفونـا فصار بالحق والإيمان مقرونا

قال لها : ومن ذلك ؟ قالت : علي بن ابي طالب عليه السلام . قال : وما صنع حتى صار عندك كذلك ؟ قالت : قدمت عليه في رجل ولاه صدقاتنا ، فكان بيني وبينه وما بين الغث والسمين ؛ فأتيت علياً عليه السلام ، لأشكوا إليه ما صنع ، فوجدته قائماً يصلي . فلما نظر إلي انفتل من صلاته ، ثم قال برقة وتعطف : إلك حاجة ؟ فأخبرته الخبر . فبكى ثم قال : اللهم إنك أنت الشاهد


331

عليَّ وعليهم ، إني لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقك ، ثم أخرج من جيبه قطعة كهيئة طرف الجراب . فكتب فيها : بسم الله الرحمن الرحيم « قد جاءتكم بيّنة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ».

إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام .

فأخذته منه والله ما ختمه بطين ، ولا خزمه بخزام .

فقال معاوية : اكتبوا لها بالإنصاف والعدل عليها ، فقالت : إليَّ خاصة أم لقومي ؟ قال : وما أنت وغيرك ؟

قالت : هي والله الفحشاء واللؤم ... إن لم يكن عدلاً شاملاً وإلا فأنا كسائر قومي . قال : هيهات لمظكم ابن أبي طالب الجرأة وغركم قوله :(1) فلو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان أدخلي بسلام

لقد كانت السيدة سودة تتمتع بمزايا عظيمة من قوة الحجة على الدعوى وعمق الاحساس بالقضية الملقاة إليها . مع قدر كاف من حسن التعبير ودقة التصوير .

ومن أبرز الصفات للوعي الاجتماعي عند المرأة في صدر الإسلام هو ذلك الصمود الذي لا تفلّه الغلبة وذلك الثبات الذي لا تزعزعه الحوادث والكوارث . والصبر مع الإيمان الذي لا ينفذ عند استبطاء النصر . ولا يتلاشى عند مجابهة الأعداء .

(1) اعلام النساء لعمر رضا كحالة ـ بلاغات النساء لابن طيفور ـ والعقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي .


332

الزرقاء بنت عدي

هذه المرأة من المسلمات الأول اللواتي لا يعرفن التملق والحيل والخداع ، كانت من ربات الفصاحة والبلاغة والعقل والرأي ، ناصرت علي بن ابي طالب (ع) يوم صفين (1) ولما تم الأمر لمعاوية قال لأصحابه : ايكم يحفظ كلام الزرقاء ؟

فقال القوم : كلنا نحفظه يا امير المؤمنين . قال : فما تشيرون عليَّ فيها ؟ قالوا : نشير عليك بقتلها . قال بئس ما اشرتم عليَّ به ... ايحسن بمثلي ان يتحدث الناس اني قتلت امرأة بعدما ملكت ، ثم دعا كاتبه ، فكتب الى عامله بالكوفة ان اوفد اليَّ الزرقاء بنت عدي .

فلما قدمت على معاوية قال لها : مرحباً واهلاً ، هل تعلمين لما بعثت اليك ؟ قالت : سبحان الله أنى لي بعلم ما لم أعلم ، وهل يعلم ما في القلوب إلا الله . قال : بعثت اليك ان اسألك ؟

« الست راكبة الجمل الأحمر يوم ( صفين ) بين الصفين ، توقدين الحرب

(1) صفين : موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس .


333

وتحرضين على القتال ، فما حملك على ذلك ؟ » .

قالت : يا أمير المؤمنين انه قد مات الرأس ، وبتر الذنب ، والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعده الأمر .

قال لها : صدقت ، فهل تحفظين كلامك يوم صفين ؟ فقالت : ما أحفظه . قال : ولكنني أحفظه لله أبوك لقد سمعتك تقولين : « أيها الناس أنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن المحجة فيالها من فتنة عمياء صماء تسمع لنا عقها ، ولا تسلس لقائدها ، ان المصباح لا يضيء في الشمس ، وأن الكواكب لا تنير مع القمر ، وأن البغل لا يسبق الفرس ، وأن الزف لا يوازن الحجر ولا يقطع الحديد إلا الحديد .

إلا من استرشدنا أرشدناه ، ومن استخبرنا أخبرناه ، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها .

فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار ، فكأن قد اندمل شعب الشتات ، والتأمت كلمة العدل ، وغلب الحق باطله ، فلا يعجلن أحد فيقول كيف العدل وأنّى ؟ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً .

« إلا أن خضاب النساء الحناء ، وخضاب الرجال الدماء والصبر خير عواقب الأمور . أيهاً إلى الحرب قدماً غير ناكصين ولا متشاكسين فهذا يوم له ما بعده .

ثم قال معاوية : والله يا زرقاء لقد شركت علياً في كل دم سفكه فقالت : أحسن الله بشارتك يا أمير ، وأدام سلامتك مثلك من بشر بخير وسر جليسه .


334

قال لها : وقد سرك ذلك ؟ قالت : نعم . والله لقد سرني قولك فأني لي بتصديق الفعل .

فقال معاوية : والله لوفاؤكم له بعد موته ، أعجب الي من حبكم له في حياته ، أذكري حاجتك ، قالت : يا أمير أني قد آليت على نفسي ان لا أسأل أميراً أعنت عليه شيئاً (1) .

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ـ العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ـ اعلام النساء .


335

بكارة الهلالية

لنقف أيها القارئ الكريم ، ونلقي نظرة خاطفة على بكارة الهلالية تلك المرأة المؤمنة ، التي كانت تحمل بين جنبيها قلباً حافظاً ، وإيماناً راسخاً وعقيدة ثابتة .

كانت من النساء المسلمات المؤمنات ، الموصوفات بالشجاعة والاقدام والفصاحة ، والشعر والنثر والخطابة .

حضرت حرب صفين وكان من أنصار الحق وبجانب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام .

دخلت على معاوية بن أبي سفيان بعد ان كبرت سنها ودق عظمها ، ومعها خادمان لها وهي متكئة عليهما وبيدها عكاز ، وكان عنده مروان بن الحكم ، وعمرو بن العاص ، فابتدأ مروان فقال :

أما تعرف هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ومن هي ؟

قال : هي التي كانت تعين علينا يوم صفين ، وهي القائلة : يا زيد دونك فاستثر من دارنا قد كنت أدخره ليـوم كريهـة سيفاً حساماً في التراب دفينا فاليوم أبرزه الزمان مصونا

فقال عمرو بن العاص ، وهي القائلة : أترى ابن هند للخلافة مالكاً هيهات ذاك وما أراد بعيد


336
)منتك نفسك في الخلاء ضلالة فارجع بانكد طائر بنحوسهـا اغراك عمرو للشقاء وسعيد لاقت عليـاً أسعد وسعـود

فقال سعيد : يا أمير المؤمنين وهي القائلة : قد كنت آمل ان أموت ولا أرى فالله أخـر مـدَّتـي فتطـاولت في كل يـوم لا يـزال خطيبهم فوق المنابر من أمية خاطبـا حتى رأيت من الزمان عجائبا وسط الجموع لآل أحمد عائبا

ثم سكت القوم فقالت بكارة :

نبحتني كلابك يا معاوية ... واعتورتني ،فقصر محجتي وكثر عجبي ، وعشي بصري !

أنا والله قائلة ماقالوا : لا أدفع ذلك بتكذيب ، فامض لشأنك ، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين علي .

فقال معاوية : لا يضعك شيء ، فاذكري حاجتك ؟ قالت : الآن ... فلا ... (1) .

(1) العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي ـ بلاغات النساء لابن طيفور ـ اعلام النساء لعمر رضا كحالة .


337

أم الخير بنت الحريش البارقية

سيدة جليلة ، لا تقل شجاعة واقداماً عن اللواتي ناصرن الحق ، وحرية الرأي هي أم الخير بنت الحريش ، مثال المرأة المسلمة المؤمنة الصالحة ، وهي من ربات الفصاحة والبلاغة .

وقد ذكر أهل التاريخ ان معاوية بن أبي سفيان كتب الى واليه بالكوفة : ان أوفد عليّ أم الخير بنت الحريش .

فلما ورد الكتاب ركب الوالي اليها وأبلغها . فقالت له : أما أنا فغير راغبة عن طاعة ولا معتلة بكذب :

ولما قدمت على معاوية ، انزلها مع الحرم ثلاثة أيام ، ثم أذن لها في اليوم الرابع وجمع الناس .

فدخلت عليه فقال : بحسن نيتي ظفرت بكم وأعنت عليكم .

قالت : مه ... يا هذا لك والله من دحض المقال ما تردى عاقبته .

قال : ليس لهذا أردناك .

قالت : إنما أجري في ميدانك ، إذا أجريت شيئاً فاسأل عما بدا لك .

قال : كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر ؟

المرأة في ظل الإسلام (22)


338

قالت : لم أكن والله رويته من قبل ، ولا زورته بعد ، وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة ، فإن شئت ان أحدث لك مقالاً غير ذلك فعلت .

قال : لا أشاء ذلك ، ثم التفت الى اصحابه فقال : أيكم يحفظ كلام أم الخير ؟

قال رجل من القوم : أنا أحفظه يا أمير .

كأني بها وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية ، وهي على جمل أرمك ، وقد أحيط حولها ، وبيدها سوط منتشر الضفر وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول :

أيها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم . ان الله قد أوضح الحق ، وأبان الدليل ، ونور السبيل ، ورفع العلم ، فلم يدعكم في عمياء مبهمة ، ولا سوداء مدلهمة ، فالى اين تريدون رحمكم الله ؟ أفراراً من الزحف ، أم رغبة عن الإسلام ، أم ارتداداً عن الحق ؟ أما سمعتم الله عز وجل يقول : ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) .

ثم رفعت رأسها الى السماء وهي تقول : اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين ، وانتشر الرعب ، وبيدك يا رب أزمة القلوب . فاجمع الكلمة على التقوى ، وألّف القلوب على الهدى ، ورد الحق الى أهله .

هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل ، والوصي الوفي والصديق الأكبر .

انها والله إحن بدرية ، وأحقاد جاهلية ، وضغائن أحدية ، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس .

ثم قالت : ( قاتلوا أئمة الكفر انهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون ) صبراً معاشر


339

المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم ، وكأني بكم غداً قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة ، فرت من قسورة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى وباعوا البصيرة بالعمى وعما قليل يصبحن نادمين حتى تحل بهم الندامة ، فيطلبون الإقالة ! انه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل ومن لم يسكن الجنة نزل النار .

أيها الناس : ان الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستبطأوا مدة الآخرة ، فسعوا لها . والله أيها الناس : لو لا ان تبطل الحقوق وتعطل الحدود ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان ، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه ، فإلى أين تريدون رحمكم الله ؟ عن ابن عم رسول الله (ص) وزوج ابنته وأبي ابنيه ، خلق من طينته ، وتفرع من نبعته وخصه بسره ، وجعله باب مدينته ، وأعلم بحبه المسلمين ، وأبان ببغضه المنافقين ، فلم يزل كذلك يؤيده الله عز وجل بمعونته ، ويمضي على سنن استقامته ، لا يعرج لراحة اللذات ، وهو مفلق الهام ومكسر الأصنام إذ صلى والناس مشركون وأطاع والناس مرتابون ، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر ، وأفنى أهل أحد ، وفرق جمع هوازن ، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً وردة وشقاقاً ، وقد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فقال معاوية : يا أم الخير ما اردت بهذا إلا قتلي ؛ والله لو قتلتك ما حرجت في ذلك ؟ قالت : والله ما يسوءني يا ابن هند ان يجري الله ذلك على يد من يسعدني الله بشقائه .


340

أم وهب زوجة عبد الله بن عمر الكلبي

ان الكثيرات من النساء الصالحات ، هن افضل من الكثير من الرجال ، بعقلهن وإيمانهن وتدينهن وشجاعتهن ، وكانت الدنيا في اعينهن لا تعادل شيئاً في سبيل الله سبحانه ، والدفاع عن الكرامة والدين .

ذكر السيد عبد الرزاق المقرم في كتابه ( حديث كربلاء ) ، قال : حينما قتل عبد الله بن عمر الكلبي في واقعة كربلاء الشهيرة وكان من اصحاب الحسين عليه السلام ، مشت اليه زوجته أم وهب ، وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه وتقول :

« هنيئاً لك الجنة ، اسأل الله الذي رزقك الجنة ان يصحبني معك » ، فقال الشمر لغلامه رستم : اضرب رأسها بالعمود فشدخه وماتت مكانها ، وهي أول أمرأة قتلت من اصحاب الحسين (ع) .

وقطع رستم رأسه ورمى به الى جهة اصحاب الحسين ، فأخذته امه ومسحت الدم عنه ، ثم أخذت عمود خيمة وبرزت الى الاعداء ، فردها الحسين وقال : ارجعي رحمك الله فقد وضع عنك الجهاد (1) .

(1) حديث كربلاء او مقتل الحسين ذكره السيد عبد الرزاق المقرم وغيره كثير امثال الطبري ـ وابن شهر اشوب ـ وابن الأثير وغيرهم .


341

فرجعت امتثالاً لأمر الحسين عليه السلام .

وهذه هي حال المرأة الصالحة المسلمة ، التي لم تتوقف عن خوض المعارك والدفاع عن الدين والعقيدة ، ولم تعوزها الشجاعة والأقدام لو سمح لها الامام الحسين عليه السلام بالجهاد .


342

عكرشة بنت الاطرش

من ربات الفصاحة والبلاغة والبيان وقوة الحجة وحرية الرأي ، دخلت على معاوية فسلمت فقال لها :

يا عكرشة الآن صرت امير المؤمنين ؟ ... قالت : نعم اذ لا علي حي ... قال الست صاحبة الكور المسدول والوسيط المشدود ، والمتقلدة بحمائل السيف ، وانت واقفة بين الصفين يوم ( صفين ) تقولين :

يا ايها الناس عليكم بأنفاسكم لا يضركم من ضل اذ اهتديتم ، ان الجنة دار لا يرحل عنها من قطنها ، ولا يحزن من سكنها فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها . كونوا قوماً متبصرين . ان معاوية دلف اليكم بعجم العرب غلف القلوب لا يفقهون الايمان ، ولا يدرون ما الحكمة ، دعاهم بالدنيا فاجابوه واستدعاهم الى الباطل فلبوه .

فالله الله عباد الله في دين الله ، وإياكم والتواكل فان في ذلك نقض عروة الاسلام ، واطفاء نور الإيمان ، وذهاب السنة ... واظهار الباطل ، هذه بدر الصغرى والعقبة الأخرى .

قاتلوا يا معشر الانصار والمهاجرين على بصيرة من دينكم واصبروا على عزيمتكم ، فكأني بكم غداً وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة والبغال الشحاجة تضفع ضغع البقر ، وتروث روث العتاق ... الخ .


343

دارمية الحجونية

لا يخفى ان قوة العقيدة ، وعزة النفس ، يسجلان للانسان اسمى الفضائل ، ويجعلان منه مثلاً ساميا وقدوة صالحة ، فلا تزيده مر الليالي والأيام الا رفعة واعظاماً .

لقد سجل التاريخ على صفحاته موقف درامية الحجونية ، فسجل الصراع بين الحق والباطل وبين قوة السلاح وقوة العقيدة .

حج معاوية بن ابي سفيان ، فسأل عن امرأة من بني كنانة ، كانت تنزل بالحجون ، يقال لها درامية الحجونية ، وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها ، فبعث اليها فجيء بها .

فقال : ما حالك يا بنة حام ؟ فقالت : لست لحام ان عبتني ، انا امرأة من كنانة . قال صدقت ، اتدرين لم بعثت اليك .

قالت لا يعلم الغيب الا الله . قال : بعثت اليك لأسألك علام احببت علياً وابغضتني وواليته وعاديتني ؟

قالت : او تعفيني يا امير . قال : لا اعفيك . قالت : اما اذا أبيت فاني احببت علياً على عدله في الرعية ، وقسمه بالسوية وابغضتك على قتالك من هو أولي منك بالأمر ، وطلبتك ما ليس لك بحق ، وواليت علياً على ما عقد له


344

رسول الله (ص) من الولاء وحبه للمساكين واعظامه لأهل الدين.

وعاديتك على سفك الدماء ، وجورك في القضاء ، وحكمك بالهوى .

قال : فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك ، وربت عجيزتك .

قالت : يا هذا بهند والله كان يضرب المثل في ذلك ـ لا ـ بي .

قال معاوية : يا هذه اربعي ، فانا لم نقل الا خيرا ، انه اذا انتفخ بطن المرأة ثم خلق ولدها ، واذا عظم ثدياها تروي رضيعها ، واذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها ، فرجعت وسكنت .

قال لها : يا هذه هل رأيت علياً ؟ قالت : أي والله .

قال : كيف رأيته ! قالت : رأيته والله لم يغتنه الملك الذي فتنك ، ولم تشغله النعمة التي شغلتك ، قال : فهل سمعت كلامه ؟

قالت : نعم : والله كان يجلو القلب من العمى ، كما يجلو الزيت صدأ الطست . قال : صدقت . فهل لك من حاجة ؟

قالت : او تفعل اذا سألتك ؟ قال : نعم . قالت : تعطيني مائة ناقة حمراء ، فيها فحلها وراعيها . قال : تصنعين بها ماذا ؟

قالت : اغذوا بالبانها الصغار ، واستحيي بها الكبار واكتسب بها المكارم ، واصلح بها بين العشائر ، قال : فان اعطيتك ذلك ، فهل احل محل علي بن ابي طالب ؟

قالت : ( ماء لا كصداء ، و مرعى ولا كالسعدان وفتى ولا


345

كمالك (1)

ثم قال : أما والله لو كان علي حياً ، ما اعطاك منها شيئاً .

قالت : لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين (2) .

(1) صداء : عين لم يكن عندهم ماء اعذب من مائها ـ والسعدان ، نبت ذو شوك ، وهو افضل مراعي الابل ولا تحسن على نبت حسنها عليه ـ ومالك : هو ابن نويرة ، وقد قال اخوه متمم هذا فيه لما قتله خالد بن الوليد .

(2) العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي .


346

ام البراء بنت صفوان بن هلال

ما اعظم الاسلام ، وما أجل قدره ، لقد بعث في قلوب المسلمين الجرأة والاقدام ، والتفاني في سبيل الله وعدم الاكتراث بأي تهديد او وعيد ، حتى لترى المرأة المسلمة الصالحة ليثاً هصوراً ، اتخذت من الايمان والعقيدة سلاحاً ماضياً ينحط عنده كل سلاح .

« وأم البراء ، شاعرة ذات لسان فصيح ، ومنطق مبين ، وهي ممن دخلن على معاوية بن ابي سفيان ، فأستأذنت عليه فاذن لها ، فدخلت في ثلاثة دروع ، تسحبها ، قد كارت على رأسها كوراً ، كهئية المنسف فسلمت ثم جلست . فقال : كيف حالك يا بنت صفوان ؟

قالت : بخير يا امير ، ضعفت بعد جلد ، وكسلت بعد نشاط .

قال : سيان بينك اليوم وحين تقولين : يا عمرو دونك صارماً ذا رونق اسرج جوادك مسرعـاً ومشمراً اجب الامـام ودب تحت لوائـه يا ليتني اصبحت ليـس بعورة عضب المهزة ليس بالخوار للحرب غيـر معـرد لفرار وافر العدو بصـارم بتـار فاذب عنه عساكر الفجـار

قالت : قد كان ذلك يا امير ، ومثلك عفا والله تعالي يقول عفا الله عما سلف .


347

قال : هيهات اما انه لو عاد لعدت ، ولكن اخترم دونك ، فكيف قولك حين قتل ؟ قالت ، نسيته يا امير . فقال بعض جلسائه هو والله حين تقول : يا للرجال لعظـم هـول مصيبـة الشمـس كاسف لفقـد امـامـنـا يا خير من ركب المطي ومن مشى حاشا النبـي لقد هددت قـواءنـا فدحت فليس مصابها بالهازل خير الخلائق والامام العادل فوق التراب لمحتف او ناعل فالحق اصبح خاضعاً للباطل

فقال معاوية : قاتلك الله يا بنت صفوان ، ما تركت لقائل مقالاً ، اذكري حاجتك .

قالت : هيهات بعد هذا والله لا سألتك شيئاً ثم قامت فعثرت ، فقالت : تعس شأنيء علي (1) ...

رحمك الله يا ام البراء ، هيهات ان تباع الضمائر الحرة ... ويسيطر القوي الغاشم على الاحرار الاوفياء اصحاب العقيدة والإيمان . لا تخضعن لمخلوق على طمع واسترزق الله مما في خزائنـه فان ذلك وهن منك فـي الديـن فانما الأمر بين الكاف والنون (2)

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ـ اعلام النساء عمر رضا كحالة وغيرهما .

(2) هذان البيتان من الديوان منسوب للامام علي عليه السلام .


348

آمنة بنت الشريد

هي زوجة عمرو بن الحمق الخزاعي ، امرأة شجاعة ذات عقل ودين عزيزة الجانب فصيحة اللسان عظيمة الشأن ، ومن ذوات الشرف والمروءة .

لقد جاهدت عن عقيدتها ورأيها ما استطاعت ، ولا فرق بالجهاد بين اللسان والسنان .

قتل معاوية بن ابي سفيان زوجها عمرو بن الحمق ، لأنه كان من أصحاب علي بن ابي طالب عليه السلام وذلك حينما ظفر به بواسطة واليه عبد الرحمن بن الحكم . ولما قتله بعث براسه الى معاوية ( وهو اول راس حمل في الاسلام ) . وكان معاوية قد أخذ بالتنكيل من اصحاب علي عليه السلام : امثال : ( حجر بن عدي الكندي وأصحابه (رض) .

« فلما اتى معاوية الرسول بالرأس ، بعث به الى آمنة بالسجن وقال للحرسي : احفظ ما تتكلم به حتى تؤديه الي ، واطرح الرأس في حجرها .

ففعل هذا ، فارتاعت له ساعة . ثم وضعت يدها على رأسها وقالت : واحزنا لصغره في دار هوان ، وضيق من ضيمه سلطان ، نغيتموه عني طويلاً ، واهديتموه الي قتيلاً ، فاهلاً وسهلاً ، بمن كنت له غير قالية ، وانا اليوم له غير ناسية ، ارجع به ايها الرسول الى معاوية وقل له ولا تطوه دونه .

« ايتم الله ولدك ، واوحش منك اهلك ، ولا غفر الله ذنبك » فرجع الرسول الى معاوية فأخبره بما قالت : فارسل اليها ، فاتته وعنده نفر فيهم


349

اياس بن حسل اخو مالك بن حسل وكان في شدقيه نتؤعن فيه لعظم كان في لسانه ، وثقل اذا تكلم . فقال لها معاوية :

أأنت يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغني به ؟

قالت : نعم غير نازعة عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له ، فلعمري اجتهدت في الدعاء ان نفع الاجتهاد ، وان الحق لمن وراء العباد ، وما بلغت شيئاً من جزائك ، وان الله بالنقمة من ورائك .

فاعرض عنها معاوية ، فقال اياس : اقتل هذه يا امير المؤمنين ؟ فوالله ما كان زوجها احق بالقتل منها ، فالتفت اليه ، فلما رأته ناتئ الشدقين ، ثقيل اللسان ، قالت : تباً لك ويلك ، بين لحيتيك كجثمان الضفدع ثم انت تدعوه الى قتلي ، كما قتل زوجي بالأمس ، ان تريد إلّا ان تكون جباراً في الأرض وما تريد ان تكون من المصلحين ؟

فضحك معاوية ثم قال : لله درك اخرجي ثم لا اسمع بك في شيء من الشام .

قالت : وأبي لاخرجن ، ثم لا تسمع لي في شيء من الشام فما الشام لي بحبيب ولا أعرج فيها على حميم وما هي لي بوطن ، ولا احن فيها إلى سكن ، ولقد عظم فيها ديني ، وما قرت بها عيني ، وما أنا فيها إليك بعائدة ، ولا حيث كنت بحامدة . فاشار اليها ببنانه اخرجي ... فخرجت وهي تقول : واعجبي لمعاوية يكف عني لسانه ، ويشير إلى الخروج ببنانه ، أما والله ليعارضنه عمرو بكلام مؤيد شديد أوجع من نوافذ الحديد أو ما أنا بابنة الشريد من


350

كلام طويل (1) .

خرجت آمنة بنت الشريد من الشام ، بعد ما لاقت من الذل والهوان ما يعجز عنه البيان ، في زنزانة معاوية بن أبي سفيان وجلاوزته ، وذلك طيلة عامين كاملين ، وليس لها من ذنب إلا العقيدة الراسخة والإيمان القوي وحرية الرأي الذي بعثه فيها الدين الإسلامي العظيم .

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ـ اعلام النساء عمر رضا كحالة .


351

عمرة بنت النعمان الانصارية

ان التاريخ يحدثنا عن مسلمات صالحات ، كمن مرَّ ذكرهن ، اذ أن المرأة المسلمة العربية المؤمنة ، الصادقة بعقيدتها قد قامت بدور عظيم في مجال التوجيه الاجتماعي والديني والأخلاقي والسياسي .

ان حادثة عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصارية من أروع الحوادث التي تدلنا على تمسك المرأة المؤمنة بالعقيدة والوقوف بجانب الحق مما جعلها تسير في صف أعاظم الرجال .

كانت عمرة بنت النعمان زوجة المختار الثقفي (1) الذي قتله مصعب بن الزبير بعد انتصاره عليه في الحرب التي دارت بينهما .

وبعد مقتل المختار أرسل مصعب وأحضر عمرة بنت النعمان زوجة المختار وطلب منها أن تتبرأ من زوجها أمام الناس وتطعن في دينه .

(1) المختار الثقفي هو الذي قام بأخذ ثأر الحسين عليه السلام . ممن قتله ، او أشرك بدمه وكان شعاره : يا لثارات الحسين : ولما قتل المختار عبيد الله بن زياد واتباعه لعنهم الله ... استتب الامر للمختار . وبعث عبد الله بن الزبير اخاه مصعباً الى العراق واليا . فدارت بين المختار وبين مصعب معارك كثيرة كانت الغلبة فيها لمصعب على المختار فقتله وقتل زوجته عمرة . فرحم الله المختار وزوجته شهداء العقيدة والمبدأ .


352

ولكن عمرة وقفت مواقف الاشراف الأباة ، وهيهات أن تذل الحرة ، وتبيع عقيدتها ، أمر مصعب بقتلها لعلها تنهار أمام التهديد والخوف . واستعمل جميع وسائل الإغراء من بذل المال وأطماعها بالجاه ، وغير ذلك .

لكنه وقف أمام عقيدتها الراسخة ووفائها وصمودها الجبار عاجزاً مقهوراً . فباء بالفشل والخيبة ، و لم تنفعه الحيل .

بعد ذلك أمر أن توضع ( عمرة بنت النعمان ) في حفرة وأمر السياف أن يقف على رأسها ووقف مصعب بجانبها يتوعدها تارة ويتهددها اخرى .

لكن عمرة لم تكترث بالموت ، ولم تبالي بما يحيط بها من دواعي الشربل انطلقت تقول بصوت ملؤه الإيمان بالله ، تصرخ في وجوه الظالمين : كيف اتبرأ من رجل يقول ربي الله !؟ اني اعهده صائماً نهاره ، قائماً ليله ، وقد بذل دمه في سبيل الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم « شهادة أرزقها ثم اتركها ! الله اشهد اني متبعة لنبيك وابن بنته ... وأهل بيته .. وشيعته .

وحينما ابت عمرة الانصياع لمصعب وراعه صمودها أمام السياف فضربها ثلاث ضربات على رأسها حتى ماتت ، وهي باقية على عقيدتها .

وفي مقتل عمرة بنت النعمان الانصارية ، قال عمر بن ابي ربيعة : ان من أعجب الاعاجيب عندي قتلوها ظلماً ومن غير جـرم كتب القتـل والقتـال علينـا قتل بيضاء حرة عطبول ان للّـه درها من قتيـل وعلى الغانيات جر الذيول (1)

(1) حادثة عمرة بنت النعمان الانصارية . ذكرت بعدة اوجه :

ذكرها الطبري في تاريخه ، وابن عبد ربه الاندلسي في العقد الفريد ـ والسيد علي فضل الله الحسني في الاخلاق الاسلامية وغيرهم .


353

ولا ننسى ان نذكر ( اروى بنت عبد المطلب ) تلك المرأة الجليلة صاحبة المراثي من الشعر الجيد .

وكذلك أم هاني بنت ابي طالب التي اجارت من استجار بها يوم فتح مكة فقال لها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ( لقد اجرنا من اجرت وامنا من امنت ) .

وعندما مات زوجها هبيرة المخزومي خطبها رسول الله (ص) فقالت له : يا رسول الله لأنت أحب إلي من سمعي وبصري ، وحق الزوج عظيم ، فاخشى ان اقبلت على زوجي ، ان اضيع بعض شأني وولدي ، وان اقبلت على ولدي ان اضيع حق الزوج ...

فقال رسول الله (ص) : ان خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ، احناهن على ولد في صغره ، وارعاهن على بعل في ذات يده .

وكانت رواية من راويات الحديث .

وكذلك اسماء بنت عميس التي اسلمت قبل دخول رسول الله (ص) دار الأرقم بمكة ، وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جعفر إلى الحبشة ، وروت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنها الكثير من اجلاء الصحابة كعبد الله بن العباس ، وعمر بن خطاب ، وحفيدها القاسم بن محمد بن ابي بكر وابناها عبدالله وعون ابناء جعفر بن ابي طالب وحفيدتها أم عون بنت محمد بن جعفر وعروة بن الزبير وغيرهم .

وعائشة أم الدرداء التي برعت في الفقه والدراية وهي القائلة « لقد طلبت العبادة في كل شيء فما أصبت لنفسي أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم » .

ولو سلكن المسلمات اليوم طريق المسلمات الأول وانتهجن المنهج الصحيح الذي كانت تسيطر عليه المبادئ الاسلامية العظيمة من قوة العزيمة ، وطهارة

المرأة في ظل الإسلام م ـ (23)


354

القلوب ، وبراءة النفوس ، وصدق النية والأخلاص في العمل في سبيل العقيدة والشرف ، لأصبحت المرأة المسلمة في عصرنا الحاضر القدوة الصالحة لجميع نساء العالم .

ولكن هيهات ... ان يسجل التاريخ أمثال المسلمات الاوائل ، إلا اذا رجعن نساء اليوم الى حظيرة الدين والايمان .

لأن الدين هو النور الذي يرينا خفايا أسرار الوجود ، والأمل الوضاء الذي ينعش انفسنا ويضيء أمامنا الطريق نحو الحرية والكرامة .


355

بعض نوابغ النساء المسلمات

في القرن الثاني والثالث وما بعدهما

أما في العهد العباسي وذلك عندما أصبحت بغداد مقر الأمبراطورية الإسلامية ، وازدهرت دور العلم ، وتوافد اليها العلماء والأدباء .

لقد كان الخليفة العباسي « المأمون » عالماً فيلسوفاً يعقد مجالس العلم ويناظر فيها ، ويبذل الأموال الطائلة في سبيل الترجمة والتأليف .

أما وقد أصبح الناس في ذلك العهد يقدرون الأشخاص بمقدار نصيبهم من العلم والآدب فمن الطبيعي ان تلتمس المرأة طريقها في هذا المضمار ، وتأخذ منه مقداراً يحمل القوم على حبها واحترامها .

منهن السيدة زبيدة زوجة الرشيد ، لم تقتصر على مشاريعها الخيرية التي لا تزال باقية حتى الان ، فإنها كانت على جانب من الأدب .

قالت تخاطب ابنها الأمين في قصيدة طويلة منها : نفسي فداؤك لا يذهب بك التلف ففي بقاءك ممن قد مضى خلف

ولها أشعار كثيرة في رثاء ولدها الأمين ، ومدح المأمون والشكاية من طاهر بن الحسين قاتل ولدها .

وكان لبعض النساء في العهد العباسي مساهمة فعالة ، فشاركن في العلوم


356

الدينية ، واللسانية ، والأدبية ، وفي التأليف والترجمة .

وتصدر بعضهن للدرس والتدريس ، ومنح بعضهن اجازات من علماء أماثل .

ومن النساء المشتغلات في حقل العلم بنت الشريف المرتضى ، كانت عالمة فاضلة روت كتاب « نهج البلاغة » عن عمها السيد الشريف الرضي رحمة الله عليه . وروى عنها الكثير من العلماء (1) .

(1) اعلام النساء ـ عمر رضا كحالة .


357

السيدة نفيسة بنت الحسن

ومن النساء المجاهدات اللواتي يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن ابي طالب (ع) .

عالمة جليلة ، وعابدة ورعة ، وتقية زاهدة ، حفظت القرآن وتفسيره ، وقد حضر اليها الامام الشافعي ، وسمع عليها الحديث .

وكان بشر بن الحارث يعودها لشؤون علمه ، و استجار بها لتقواها الامام احمد بن حنبل في ان تدعو له بالمغفرة ، وقد سألها الامام الشافعي يوماً من وراء حجاب لتدعو له ، وصلت على جنازته يوم وفاته .

ذهبت الى مصر مع زوجها اسحاق بن جعفر الصادق « المؤتمن » وقيل انه لما ظلم احمد بن طولون ، استغاث الناس من ظلمه ، وتوجهوا الى السيدة نفيسة يشكونه اليها . فقالت لهم : متى يركب ؟ قالوا : في غدٍ .

فكتبت رقعة : ووقفت بها في طريقه وقالت : يا احمد بن طولون ... فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه ، وأخذ منها الرقعة وقرأها فاذا فيها :

ملكتم فأسرتم ، وقدرتم فقهرتم ، وخولتم فعسفتم ، وردت اليكم الارزاق فقطعتم هذا وقد علمتم ان سهام الاسحار نافذة ، غير مخطئة لا سيما من قلوب اوجعتموها ، واكباد جوعتموها ، واجساد عريتموها فمحال ان يموت المظلوم ويبقى الظالم .


358

اعملوا ما شئتم فانا صابرون وجوروا فانا بالله مستجيرون ، واظلموا فانا الى الله متظلمون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

قصة امرأة تطلب الانصاف عند المأمون

« جلس المأمون يوماً للمظالم ، فكان آخر من تقدم إليه ... وقد همَّ بالقيام ، امرأة عليها هيئة السفر ، وعليها ثياب رثة ، فوقفت بين يديه فقالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته .

فنظر المأمون الى يحيى بن اكثم ، فقال لها يحيى : وعليك السلام يا أمة الله تكلمي بحاجتك ، قالت : يا خير منتصف يهدى له الرشد تشكو اليك عميد القوم ارملـة وابتز مني ضياعي بعد منعتها ويا اماماً به قد اشرق البلـد عدَّ عليها فلم يترك لها سبـد (1) لما تفرَّق عنها الأهل والولد

فأطرق المأمون حيناً ثم رفع رأسه إليها وهو يقول : فـي دون ما قلت زال الصبـر والجلد هذا اذان صلاة العصـر فانصرفـي فالمجلس السبت ان يقضى الجلوس لنا عنـي واقـرح منـي القلب والكبـد واحضري الخصم في اليوم الذي أعد ننصفك منـه وإلا المجلـس الأحـد

(1) السبد : الشعر ، ويكنى به عن الابل ، كما يكني بالوبر عن الغنم ، فيقال : ماله سبد ولا لبد ، اي ذو وبر ، ولا صوف متلبد ؛ يريد ابلا ، وغنماً .


359

فلما كان يوم الأحد جلس ، فكان اول من تقدم اليه تلك المرأة .

فقالت : السلام عليك يا امير المؤمنين ورحمة الله وبركاته .

فقال : عليك السلام ، ثم قال : اين الخصم ؟

فقالت : الواقف على رأسك يا امير المؤمنين ... واومأت الى ابنه العباس ...

فقال : يا احمد بن ابي خالد ، خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم .

فجعل كلامها يعلو كلام العباس . فقال لها احمد بن ابي خالد : يا أمة الله انك بين يدي امير المؤمنين ، وانك تكلمين الأمير فاخفضي من صوتك .

فقال المأمون : دعها يا احمد فان الحق انطقها ، والباطل اخرسه ثم قضى لها برد ضيعتها اليها ( وظلم العباس بظلمه لها ) وأمر بالكتاب لها الى العامل الذي ببلدها ، ان يوغر لها ضيعتها (1) ويحسن معونتها ، وأمر لها بنفقة » (2) .

بوران زوجة المأمون

كانت النساء المسلمات يعقدن مجالس العلم والأدب للمناظرة والمساجلة .

فمن النساء اللواتي برزن في ميدان العلم السيدة بوران زوجة المأمون ( الخليفة العباسي ) كانت فارسية الأصل جمعت بين الكرامة الاسلامية

(1) يوغر لها ضيعتها ـ اي يسقط عنها خراجها .

(2) عن كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي ... والاخلاق الاسلامية للسيد علي فضل الله الحسني .


360

والكياسة الفارسية .

عرفت بالذكاء والفطنة والفهم والأدب وحسن التصرف ، وأقامت في بغداد المدارس والمستشفيات .

قطر الندى زوجة المعتضد بالله

ومن النساء الشهيرات المعروفات بالذكاء والفطنة والمقدرة قطر الندى زوجة المعتضد بالله العباسي وأم المكتفي ، كانت عالمة فذة ، خبيرة بالشريعة الإسلامية والقضاء .

قامت بالوصاية على ابنها قبل ان يبلغ سن الرشد ، وادارت الأحكام ، وقضت بنفسها بين الناس .

أحاط بها كثيرون ، وكثيرات من الشعراء والشاعرات ، والأدباء والأديبات ، وأهل الرأي والحزم .

ولا ننسى شهدة الملقبة بفخر النساء في القرن الخامس الهجري كانت تلقي دروساً في الأدب والتاريخ في جامع بغداد على الجمهور .

وكان لها منزلة علمية كبيرة في التاريخ الاسلامي ، ولهذا كان يحضر دروسها كثير من العلماء والفضلاء .

ولبنى وهي الكاتبة في ديوان الخليفة الحكم بن عبد الرحمان ، المجيدة للكتابة ، الشاعرة العالمة في النحو ، المتينة في الحساب وفنونه وقد توفيت سنة (392) هجرية (1) .

(1) عظمة الرسول ـ محمد عطية الابراشي .


361

ودهماء بنت يحيى بن المرتضى المتوفاة سنة (837) هجرية وهي عالمة جليلة ، برعت بعلوم عصرها كالنحو والمنطق والحديث والأصول والفقه والفلك والشعر ، ولها مؤلفات كثيرة ، وقد أخذ عنها طلبة العلم وحضروا عليها .

وقد أشار ابن ابي أصيبعة في كتاب « طبقات الأطباء » إلى طبيبتين مسلمتين ، درستا الطب واشتغلتا به ، منهما الطبيبة « زينب » طبيبة بني أود التي برعت بعلاج امراض العيون .

ومن الطبيبات المسلمات ايضاً : الطبيبة « أم الحسن » بنت القاضي أبي جعفر الطنجالي ، وقد كانت طبيبة مبرزة شهيرة في الطب ، كثيرة الاطلاع ، وأجادت علوماً كثيرة مع الطب .

وأخت الحفيد بن زهر ، وابنتها كانتا عالمتين بالطب والمداواة ولهما خبرة كبيرة بعلاج أمراض النساء .

إذا قلبنا صفحات التاريخ نجد ان المرأة المسلمة كانت لها المكانة السامية في العصور الاسلامية الأولى ، عصور عظمة ... عصور المجد عند المسلمين المتمسكين بمبادئ الإيمان والعقيدة ، وأصول الشرع القويم .

ولكن بعد أن تفككت عرى الدين والإيمان من النفوس ولم يبال الناس إلى أوامر القرآن ونواهيه ، أنهارت الأخلاق وعدنا القهقرى في العصور الاستعمارية المظلمة .

وهناك رجعت المرأة إلى الوراء ، إلى الذل والحرمان لأن المستعمر قد حكم عليها بالجهل ، والأمية مدة طويلة ، وحرمها من العلم والتعلم والتهذيب والرقي .

فالمستعمر ظالم يتحكم في مصير الناس على هواه ، كما كان ذلك في


362

القرون الوسطى .

وصحيح أن المرأة في هذا العصر أخذت تنهض من كبوتها ... لكن نهضتها هذه غير مشكورة ، لأنها لم تنهض على مقتضى القواعد الدينية والنبل والشرف .

فهي نهضة وقتيه على غير أساس متين ترجع عليها بالخسران اذا لم تتدارك المرأة عزتها وكرامتها قبل فوات الأوان واعود فاكرر قول الشاعر : تداركوها وفي اغصانها رمق فلا يعود اخضرار العود ان يبسا

ونحن نهيب بالمرأة المسلمة ، وندعوها الى اجتناب الخلاعة والميوعة والانحراف عن الطريق السوي والمجون .

كما ندعوها الى كل فضيلة ، حتى تتمكن من حماية الاسرة ، تلك الخلية الأولى التي يتألف منها المجتمع .

حماية الاسرة ـ اقتصادياً ... واجتماعياً ... واخلاقياً وتشريعياً ضمن نطاق القوانين الاسلامية .

فالمرأة صنو الرجل عليها ما عليه من الجهاد في سبيل الوطن الصغير ( الأسرة ) والوطن الكبير ( المجتمع ) .

وبذلك تكون المرأة قد سبقت الرجل في مضامير الجهاد ، وقامت بواجبها على الوجه الاكمل ، ونالت ما يناله من رفعة وسؤود .


363

ولا ننسى قول نابلون بونابرت : « ان المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها » .

فاكرم بالمرأة الصالحة التي تقوم بأعباء مسؤوليتها وحسب فطرتها في جميع الميادين وعلى جميع الاصعدة بالطهارة والعفاف والعزة والشرف والكرامة .


364

الخاتمة

ان المرأة اصبحت في زماننا هذا تعاني من ازمات ناتجة عن الافكار التي يبثها أصحاب العقائدة الهدامة ، وكل من يريد الشر لهذا المخلوق البريء .

ازمات كثيرة في عالم السلوك والاخلاق والتربية وفي جميع المجالات وهذا ناشئ عن انعدام الرادع الديني في النفوس كما اسلفنا .

يصعب على المرأة المسلمة في عصرنا الحاضر الذي أصبح بؤرة فساد أن تنجو من محنتها وشقائها ، وتتخلص مما هي فيه من واقع مرير ينذر بالويلات والدمار ، إلا اذا سارت على هدى الاسلام ونور تعاليمه الصادقة النازلة من لدن عزيز حكيم .

ومما لا ريب فيه أن من ليس عنده رادع ديني ، نراه دائماً مع اصحاب النزعات الشريرة ، فمن لا يؤمن بالله واليوم الآخر لا يمنعه شيء من ارتكاب الجرائم ، والظلم ، وهتك الحرمات ، يجري وراء شهواته وميوله بغير هوادة .

فالاسلام هو المدرسة العظيمة والاصلاح الشامل الذي يفيض بالعطاء والتوجيه لجميع الشعوب ، وهل يجد الانسان في جميع مراحل حياته مثل التشريع الاسلامي ؟ تلك العدالة الاجتماعية المشرقة التي تهدف الى صيانة حقوق المرأة وإزالة جميع فنون الظلم والاضطهاد ومحو ضروب الغبن والاستعباد .


365

لقد حقق الأسلام للمرأة أعظم الانتصارات وقادها الى شاطئ الامن والاستقرار .

ومما لا شك فيه ان النساء العهود السابقة ، كن اكثر اطلاعاً وأشمل اتساعاً ، للاحاطة بتعاليم الاسلام وهديه ، والعمل على طبقه .

وكان لبعضهن نصيب وافر من الورع والتقوى والعلم والمعرفة المقرونة بالايمان والعقيدة .

فالنساء اللواتي برزن في حظيرة الاسلام كثيرات ، لا يمكن أحصائهن أو الالمام بسيرهن على اختلاف الاجناس والطبقات ، وفي جميع المجالات .

فمنهن من برعت بعلم الفقه وعلم الاصول ورواية الحديث . ومنهن من تفوقت بالأدب فكانت الشاعرة المبدعة والأدبية الكاتبة .

ومنهن من حازت السبق في مجال الفن والسياسة فكانت من بينهن الاميرات الصالحات والمجاهدات ذوات الأخلاص والوفاء .

والآن فالواجب على كل امرأة مسلمة عاقلة تؤمن بالله واليوم الآخر في عصرنا الحاضر ، ان لا تتأثر باقوال المغرضين ، ولا تنصاع لأهواء المفسدين بل تأخذ جانب الخير فتعمل به ، وتتجنب الشر فتبتعد عنه ، وتقتبس من الاعمال والصفات ما تحمد عليه ليرجع عليها بالفائدة الروحية والمعنوية . بيروت 12 رجب سنة 1389 الموافق 18 حزيران 1978

مريم نور الدين فضل الله

وختاماً اتوسل الى المولى العلي القدير أن يأخذ بيد جميع المصلحين من المسلمين المؤمنين لما فيه خير الدنيا والآخرة . انه ولي الاجابة وهو حسبنا ونعم الوكيل . بيروت 12 رجب سنة 1389 الموافق 18 حزيران 1978

مريم نور الدين فضل الله


366

مصادر الكتاب

القرآن الكريم

مجمع البيان في تفسير القرآن ـ للطبرسي

نهج البلاغة ـ شرح ابن ابي الحديد

مجمع البحرين ـ للطريحي

وسائل الشيعة ـ للحر العاملي

المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ـ الدكتور جواد علي

تفسير الطبري

حضارات العالم في العصور القديمة والوسطى ـ الطبعة الثانية

الحجاب ـ ابو الاعلى المودودي

تاريخ التربية ـ الاستاذ عبد الله المشنوق

مجلة العربي

نظرات في السفور والحجاب ـ الشيخ مصطفى الغلاييني

مجلة الازهر

تاج العروس ـ للزبيدي

مستمسك العروة الوثقى ـ السيد محسن الطباطبائي الحكيم

منهاج الصالحين ـ للسيد محسن الطباطبائي الحكيم

منهاج الصالحين ـ السيد ابوالقاسم الخوئي

الترغيب والترهيب ـ للمنذري


367

مجلة الوعي الاسلامي ـ الكويت

السيرة الحلبية ـ علي بن برهان الدين الحلبي

تاريخ الطبري ـ ابن جرير الطبري

الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ـ زينب فواز

مجلة العرفان

مباني تكملة المنهاج ـ حجة الاسلام السيد الخوئي

تفسير المنار ـ الشيخ محمد عبده

تراجم سيدات بيت النبوة ـ الدكتورة بنت الشاطئ

الاغاني ـ لأبي الفرج الاصفهاني

عيون الأخبار ـ لابن قتيبة

نهاية الأرب في فنون الأدب ـ للنويري

السيرة النبوية ـ لأبن هشام

طبقات ابن سعد الكبرى

مروج الذهب ـ للمسعودي

تاريخ اليعقوبي

الميزان في تفسير القرآن ـ للطباطبائي

اعلام النساء ـ عمر رضا كحالة

ملحمة أهل البيت ـ الشيخ عبد المنعم الفرطوسي

الكامل في التاريخ ـ لأبن الأثير

بلاغات النساء ـ لا ابن طيفور

ينابيع المودة ـ للقندوزي الحنفي

حلية الاولياء ـ للحافظ الاصبهاني

ظلال الوحي ـ السيد علي فضل الله الحسني

مرآة الجنان ـ لليافعي المكي

الغدير ـ للشيخ الاميني


368

اعيان الشيعة ـ السيد محسن الامين

العقد الفريد ـ لابن عبد ربه الاندلسي

الاصابة ـ لابن حجر

الاستيعاب ـ لابن عبد البر

الاخلاق الاسلامية ـ السيد علي فضل الله الحسني

مقتل الحسين (ع) ـ السيد عبد الرزاق المقرم

حب ابن ابي ربيعة وشعره ـ الدكتور زكي مبارك

حديث كربلاء ـ السيد عبد الرزاق المقرم

عظمة الرسول ـ محمد عطيه الابراشي

فهرست آيات
وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسوّداً وهو كظيم 14
وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت 15
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم 17
قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرَّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله قد ضلّوا وما ...18
ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيراً 18
ان الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ...31
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق 32
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين 32
إنما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون 32
وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واحسنوا ان الله يحب المحسنين 32
وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديد العقاب 32
يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم ...32
ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين ...33
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ...33
وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان ...33
يا ايها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن ...34
فاستجاب لهم ربهم أني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ...34
للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر ...34
للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسئلوا الله من فضله ان الله كان بكل شيء عليما 34
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى .... 42
إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض ... 42
وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون 43
ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً 45
للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيءٍ عليماً 53
هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور 53
يا أيها النبي قل لا زواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من 61
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن 62
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون 65
ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة 98
لتسكنوا اليها » أي لتطمئنوا ... ولم يقل « لتتمتعوا ... أو لتتلذ ذوا 98
ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا 98
وقرن في بيوتكن 100
فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً 101
الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم 102
وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً 103
وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسالك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى 103
ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون 107
يا أيها الناس أتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً ونساءً واتقوا ...108
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً ...121
اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم 133
تبت يدا ابي لهب وتب ... 138
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم ...144
الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم 145
فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها 157
ولا تتمنوا ما فضل اللّه به بعضكم على بعض 169
فإن حزب الله هم الغالبون 195
تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً او تكون من الهالكين 208
والذين تبوؤا الدّار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا ...229
يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإِيمانهن فإِن علمتموهن مؤمنات ...248
وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً 271
ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين304
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون305