فهرست عناوين فهرست آيات
شجرة الطوبى

1

شجرة طوبى

تأليف المحدث الجليل العلامة الكبير الشيخ محمد مهدي الحائري

الطبعة الخامسة وتمتاز على باقي الطبعات بالتصحيح والتدقيق

الجزء الاول منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف ت ( 368 )

محرم الحرام 1385 هجرية


2

بسم الله الرحمن الرحيم

المجلس الاول ( في الكافي ، وامالي الصدوق ) عن جابر بن يزيد الجعفي ، قال الباقر ( ع ) : يا جابر ايكتفي من ينتحل التشيع ان يقول بمحبتنا أهل البيت فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والامانة والانابة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والايتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الالسن عن الناس إلا من خير وكانوا أمناء عشائرهم في الاشياء .

قال جابر : فقلت يا بن رسول الله ما نعرف اليوم أحدا بهذه الاوصاف ؟

فقال ( ع ) يا جابر : لا تذهبن بلك المذاهب حسب الرجل أن يقول أحب عليا واتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالا فلو قال إني احب رسول الله فرسول الله صلى الله عليه وسلم خير من علي صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ، ما نفعه حبه شيئا ، فاتقوا واعملوا لما عند الله ليس بين الله وبين احد قرابة ، احب العباد الى اللهعز وجل اتقاهم واعملهم بطاعته ، يا جابر : فوالله ما يتقرب الى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة وما معنا براءة من النار ومالنا على الله من حجة من كان لله مطيعا فهو لنا ولي ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع .

فهرست عناوين
المجلس الاول : في علائم الشيعة وصفاتهم وفضائلهم ومحاسنهم 2
المجلس الثاني : في حب أهل البيت عليهم السلام لشيعتهم ومواليهم 4
المجلس الثالث : في كرامات الشيعة من الله ومزاياهم الحسنة 7
المجلس الرابع : في إكرام عترة الرسول عليهم السلام واحترامهم 9
المجلس الخامس : في ذكر الكوفة ومسجدها العظيم والصلاة فيه 12
المجلس السادس : في فضل ليلة الجمعة ويومها وما فيها من الفضائل 16
المجلس السابع : في اسامي العيد ووجه تسميته وما فيه من المستحبات 19
المجلس الثامن : في فضل مدينة قم ووجه تسميتها الخاصة 21
المجلس التاسع : في حبس النبي يوسف ( ع ) في السجن وذم السجن 24
المجلس العاشر : في مدح الخيول العربية وسبب تسميتها 27
المجلس الحادي عشر : في رضاع الصبي وكيفية تربيته وحضانته 29
المجلس الثاني عشر : في تعلق الحيوانات المفترسة وغيرها وتوسلها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم 33
المجلس الثالث عشر : في علم الائمة عليهم السلام بمنطق الطيور على أنواعها 35
المجلس الرابع عشر : في بيان نشر الكهول ومن تزيا بزي الشباب 36
المجلس الخامس عشر : في شرح الحديث القدسي عبدي اطعني تكن مثلي 38
المجلس السادس عشر : في حالات المجاهد الهاشمي محمد بن الحنفية ووالدته 39
المجلس السابع عشر : في سيرة عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم 42
المجلس الثامن عشر : في بكاء أهل الشام على عثمان بن عفان 44
المجلس التاسع عشر : في قصة المرأة التي قصت شعرها ودفعته في سبيل الله 47
المجلس العشرون : في حديث بهلول مع الرشيد في عهد أبو حنيفة 48
المجلس الحادي والعشرون : في المتنبئين في عهد الخلفاء العباسيين 50
المجلس الثاني والعشرون : في وصف الكوثر الذي نص الكتاب المجيد عليه 53
المجلس الثالث والعشرون : في مسخ المبغض لاهل البيت عليهم السلام كلبا 56
المجلس الرابع والعشرون : في خطبة الامام الشهيد الحسين ( ع ) بمنى سنة 57 هج 58
المجلس الخامس والعشرون : في خطبة الامام علي ( ع ) بالكوفة واخباره بقتل ولده 59
المجلس السادس والعشرون : في معنى الفصاحة العربية وفصاحة الامام علي (ع ) 61
المجلس السابع والعشرون : في سؤال اليهودي عن الامام علي ( ع) واسلامه 62
المجلس الثامن والعشرون : في خروج الامام علي ( ع ) مع الفواطم من مكة المشرفة 64
المجلس التاسع والعشرون : في سيرة ابن الجوزي وحالاته 66
المجلس الثلاثون : في اقصى مدة الحمل بمقتضى الروايات والايات 68
المجلس الواحد والثلاثون : في سيرة المجاهد سلمان الفارسي ووفاته 72
المجلس الثاني والثلاثون : في زهد أبي ذر الغفاري ووفاته 75
المجلس الثالث والثلاثون : في سيرة ميثم التمار وأحواله وشهادته 78
المجلس الرابع والثلاثون : في سيرة عمرو بن الحمق الخزاعي وأحواله وشهادته 81
المجلس الخامس والثلاثون : في سيرة حجر بن عدي وأحواله وشهادته 85
المجلس السادس والثلاثون : في سيرة رشيد الهجري وكميل بن زياد وقنبر 91
المجلس السابع والثلاثون : في مساوي وسيئات معاوية بن أبي سفيان 94
المجلس الثامن والثلاثون : في ما وقع وحدث بين معاوية وابن عباس 100
المجلس التاسع والثلاثون : في دخول أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية 103
المجلس الاربعون : في كتاب معاوية للامام علي ( ع ) وجوابه له وقصة الطرماح 105
المجلس الحادي والاربعون : في مساوي بني أمية وشقاوتهم ويزيد بن معاوية 111
المجلس الثاني والاربعون : في بيان عدد خلفاء بني أمية ومدة خلافتهم 117
المجلس الثالث والاربعون : في ابن الزبير وأخوته وحالاتهم المعروفة 120
المجلس الرابع والاربعون : في سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي وشقاوته 125
المجلس الخامس والاربعون : في سيرة وحالة عبد الملك بن مروان 130
المجلس السادس والاربعون : في حالات الوليد بن عبد الملك وسليمان 134
المجلس السابع والاربعون : في خلافة عمر بن عبد العزيز وسيرته 137
المجلس الثامن والاربعون : في خلافة يزيد بن عبد الملك بن عمر 140
المجلس التاسع والاربعون : في هشام بن عبد الملك بن يزيد 142
المجلس الخمسون : في سيرة زيد الشهيد بن علي بن الحسين ( ع ) 145
المجلس الواحد والخمسون : في حالات واعمال بني العباس 153
المجلس الثاني والخمسون : في احوال وسيرة سادات بني الحسن عليهم السلام 158
المجلس الثالث والخمسون : في ما صنع المنصور الدوانيقي ببني الحسن عليهم السلام 161
المجلس الرابع والخمسون : في بيان شهادة الحسين بن علي صاحب فخ 165
المجلس الخامس والخمسون : في وفاة القاسم بن الامام الكاظم في ضواحي الحلة 171
المجلس السادس والخمسون : في فضايع الوهابيين وهدمهم لقبور الائمة الطاهرين 174
المجلس السابع والخمسون : في علائم ظهور الامام الحجة المهدي صاحب الزمان ( ع ) 176
المجلس الثامن والخمسون : في خروج الامام ( ع ) إلى السرية 179
المجلس التاسع والخمسون : في قصة ذي القرنين يوم السنة 181
المجلس الستون : في ثواب المؤذنين ووصف الجنة 183
المجلس الحادي والستون : في قول الامام علي ( ع ) سلوني قبل أن تفقدوني 188
المجلس الثاني والستون : في الكلمات الشريفة والمواعظ النفيسة للامام علي ( ع ) 190
المجلس الثالث والستون : في معراج النبي ( ص ) ليلة الاسراء 193
المجلس الرابع والستون : في معجزة الامام علي بن الحسين عليه السلام 196
المجلس الخامس والستون : في وصايا النبي (ص ) فيما يتعلق بامر التزويج 198
المجلس السادس والستون : في ذكر زهد يحيى بن زكريا ( ع ) 200
المجلس السابع والستون : في قصة النباش وتوبته المعروفة 202

3

( وفي البحار ) عن كتاب ( صفات الشيعة ) للصدوق رحمه الله بسند صحيح عن أبي الحسن الرضا ( ع ) أنه قال : من عادى شيعتنا فقد عادانا ومن والا شيعتنا فقد والانا لانهم خلقوا من طينتنا من أحبهم فهو منا ومن أبغضهم فليس منا ، شيعتنا ينظرون بنور الله ويتقلبون في رحمة الله ويفوزون بكرامة الله ، ما من احد من شيعتنا يمرض إلا مرضنا لمرضه ولا اغتم إلا اغتممنا لغمه ولا فرح إلا فرحنا لفرحه ولا يغيب عنا أحد من شيعتنا أين كان من شرق الارض وغربها ومن ترك من شيعتنا دينا فهو علينا ومن ترك منهم مالا فهو لورثته ، شيعتنا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون البيت الحرام ويصومون شهر رمضان ويوالون أهل البيت ويتبرأون من أعدائهم أولئك أهل الايمان والتقى وأهل الورع والتقوى من رد عليهم فقد رد على الله ومن طعن عليهم فقد طعن على الله لانهم عباد الله حقا وأولياؤه صدقا والله أن أحدهم ليشفع في مثل ربيعة ومضر فيشفعه الله فيهم بكرامته على الله .

( وفي البحار ) عن الصدوق عن أبي عبد الله ( ع ) : كان علي بن الحسين ( ع ) قاعدا في بيته إذ قرع قوم عليه الباب فقال يا جارية أنظري من في الباب ؟

فقالت قوم من شيعتك فوثب عجلا حتى كاد يقع فلما فتح الباب ونظر إليهم رجع وقال كذبوا فاين السمت في الوجوه أين أثر العبادة أين سيماء السجود إنما شيعتنا يعرفون بعبادتهم وشعثهم قد قرحت منهم الاناف ودثرت الجباه والمساجد ، خمص البطون ذبل الشفاة ، قد هيجت العبادة وجوههم واخلق سهر الليالي ، وقطع الهواجر جثثهم ، المسبحون إذا سكت الناس والمصلون إذا نام الناس والمحزونون إذا فرح الناس .

قال الصادق ( ع ) : إن الله تبارك وتعالى إطلع على الارض فاختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أولئك منا والينا .

وقال الصادق ( ع ) : رحم الله شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا .

وقال الباقر ( ع ) : رحم الله شيعتنا لقد شاركونا بطون الحزن على مصائب جدي الحسين ( ع ) أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين ( ع ) دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بهما في الجنة غرفا يسكنها أحقابا .


4

المجلس الثاني بحبهم يدخل الجنان غدا

كل البرايا ويغفر الزلل هم حجج الله والذين بهم

يقبل يوم التغابن العمل شيعتهم يوم بعثهم معهم

في جنة الخلد حيث ما نزلوا في حجرات غدت مقاصرها

بأهل بيت النبي تتصل نعم : شيعتهم معهم في الجنة في الدرجات الرفيعة والمقامات العالية كما ورد في كثير من اخبار الشيعة منها ما روي ( في البحار ) عن الحسن العسكري ( ع ) كتب لبعض شيعته نحن كهف لمن التجأ إلينا ، ونور لمن استضاء بنا وعصمة لمن اعتصم بنا من أحبنا كان معنا في السنام الاعلى ومن انحرف عنا فالى النار ، ومن كثرة حبهم لشيعتهم لا يقبلون ولا يرضون بان يفرق بينهم وبين شيعتهم فإذا قامت القيامة ليس لهم فكر وذكر إلا خلاص شيعتهم ، ولذا يأتي النداء يا فاطمة سلي حاجتك ؟

فتقول : رب شيعتي فيقول الله غفرت لهم فتقول رب شيعة شيعتي فيقول الله انطلقي فمن اعتصم بك فخذي بيده وادخليه الجنة الى آخر الخبر الذي روي في البحار ، ومن المعلوم أن حبهم لشيعتهم ومحبتهم اكثر من حب الوالد لولده الصالح وهم بمنزلة اولادهم ايضا لانهم خلقوا من طينتهم ، ومن هذا الخبر يظهرمقدار حبهم لنا ومقامات الشيعة عندهم وعند الله عز وجل .

( وفي جامع الاخبار وامالي الصدوق ) وعن أبي بصير عن الصادق ( ع )

قال : خرجت انا وأبي محمد الباقر ( ع ) الى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا كنا بين القبر والمنبر فإذا نحن باناس من الشيعة فسلم عليهم أبي فردوا عليه السلام ثم التفت إليهم أبي ( ع ) وقال اني والله لاحب ريحكم وأرواحكم فاعينوني على ذلك بورع واجتهاد واعلموا : أن ولايتنا لا تنال إلا بالعمل والاجتهاد ، من ائتم منكم بعبد فليعمل بعمله ، انتم شيعة الله وانتم السابقون الاولون والسابقون الاخرون والسابقون في الدنيا الى ولايتنا والسابقون في الاخرة الى الجنة وقد ضمنا لكم الجنة بضمان الله وضمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما على درجات الجنة أحدا أكثر أزواجا منكم فتنافسوا في فضائل الدرجات انتم الطيبون ونسائكم الطيبات كل مؤمن


5

منكم صديق وكل مؤمنة منكم حوراء عيناء .

ولقد قال أمير المؤمنين ( ع ) لقنبر : يا قنبر ابشر وبشر واستبشر فلقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على امته ساخط إلا الشيعة ، ألا وان لكل شئ عروة وعروة الاسلام الشيعة الا وان لكل شئ دعامة ودعامة الاسلام الشيعة ألا وان لكل شئ شرفا وشرف الاسلام الشيعة ألا وان لكل شئ سيدا وسيد المجالس مجالس الشيعة ألا وان لكل شئ إماما وامام الارض ارض تسكنه الشيعة ، والله لو لا ما في الارض منكم لما أنعم الله على أهل خلافكم ولا اصابوا الطيبات مالهم في الدنيا ومالهم في الاخرة من نصيب ، كل ناصب وان تعبد واجتهد فمنسوب الى هذه الاية ( عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ) كل ناصب مجتهد فعلمه هباء شيعتنا ينظرون بنور الله ومن خالفهم يتقلب بسخط الله والله ما من عبد من شيعتنا ينام إلا أصعد الله عز وجل بروحه الى السماء فان كان قد أتى عليه أجله جعله في كنوز رحمته وفي رياض جنته وفي ظل عرشه وان كان اجله متأخرا عنه بعث به مع امينه من الملائكة ليوديه الى جسده الذي خرج منه ليسكن فيه ،والله أن حجاجكم وعماركم لخاصة الله وان فقراءكم لاهل الغناء وان اغنيائكم لاهل القنوع وان كلكم لاهل دعوة الله واهل اجابته ، ورب اشعث اغير ذي طمرين مدفع بالابواب لو اقسم بالله لابره والحاصل أن لك ايها المحب والشيعة مقامات كريمة ودرجات رفيعة فاعرف قدرك : ومن مقاماتهم ما ورد ( في جامع الاخبار ) عن انس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تبارك وتعالى يبعث يوم القيامة عبادا يتهلل وجوههم نورا عن يمين العرش وشماله وهم بمنزلة الانبياء وليسوا بأنبياء وبمنزلة الشهداء وليسوا بالشهداء ، فقام رجل ، قيل الاول - فقال انا منهم يا نبي الله ؟

فقال لا ثم ، قام الاخر - قيل هو الثاني - وقال انا منهم يا رسول الله ؟

قال لا ، ثم وضع يده على رأس علي وقال : هذا وشيعته جعلنا الله واياكم منهم ، ثم نقول أن للشيعة علايم قد ذكر في محله ونحن نذكر شيئا منها تبصرة للمتبصرين وتنبيها للغافلين ( وفي جامع الاخبار ) خرج أمير المؤمنين ( ع ) بالكوفة يوما فلقيه قوم وقالوا السلام عليك يا أمير المؤمنين فأنكرهم وقال لهم : من انتم ؟

قالوا نحن شيعتك يا أمير المؤمنين فقال لهم ما لي لا ارى عليكم سيماء الشيعة ؟

قالوا يا أمير المؤمنين وما سيماء الشيعة ؟

قال ( ع ) : صفر الوجوه من السهر ، عمش العيون من البكاء ، ذيل


6

الشفاه من الظماء ، وخمص البطون من الصيام ، حدب الظهور من القيام ، عليهم عبرة الخاشعين ، مطوية ظهورهم من السجود ، طيبة أفواههم من الذكر ، ومن لم يكن كذلك ليسوا مني وانا منهم برئ .

( وفي جامع الاخبار ) قال ( ع ) في خبر : اختبروا شيعتي بخصلتين فإن كانتا فيهم فهم شيعتي ، محافظتهم على أوقات الصلوات ومواساتهم مع اخوانهم المؤمنين بالمال وان لم تكونا فيهم فاعزب ثم اعزب - اي امتحنوهم هاتين الخصلتين - مواساتهم للمؤمنين ومحافظتهم لاوقات الصلوات ويمتحنون أيضا بشئ آخر وهو ما قال الصادق ( ع ) رحمالله شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا فاقول ساداتي وموالي ونحن لا نرى لكم يوم فرح وسرور وانبساط بل وأيامكم مقرونة بالبكاء والعزاء واعيادكم حزن ومصيبة وعناء ، كما قال علي بن الحسين عليه السلام ولقد نسب إليه هذه الابيات : نحن بنوا المصطفى ذووا غصص

يجرعها في الانام كاظمنا عظيمة في الانام محنتنا

أولنا مبتلى واخرنا يفرح هذا الورى بعيدهم

ونحن اعيادنا مآتمنا الناس في الامن والسرور ولا

يأمن طول الحياة خائفا ولا سرور لهم إلا يوم خروج المهدي ( ع ) المدرك للثار والمنتقم من الاشرار : يا مدرك الثار كم يطوي الزمان على

امكان ادراكه الاعوام والحججا لا نوم حتى تعيد الشم عزمتكم

قاعا بها لا ترى امتا ولا عوجا


7

المجلس الثالث جمعت في صفاتك الاضداد

فلهذا ندت لك الانداد زاهد ، حاكم ، حليم ، شجاع :

ناسك ، فاتك ، فقير ، جواد خلق يشبه النسيم من اللطف

وباس يذوب منه الجلاد شيم ما جمعن في بشر قط

ولا حاز مثلهن العباد فلهذا تعمقت فيك أقوام

باقوالهم فزانوا وزادوا وعلت في صفات فضلك يس

وطه وآل يس وصاد ظهرت منك للورى معجزات

فاقرت بفضلك الحساد أن يكذب بها عداك فقد

كذب من قبل قوم لوط وعاد أنت النبي والصنو وابن العم

والصهر والاخ المستجادلو راى مثلك النبي لاخاه

وإلا فاخطا الانتقاد قال جلال الدين السيوطي في كتاب تاريخ الخلفاء روى الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين أصحابه فجاء علي ( ع ) تدمع عيناه وقال يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا ابا الحسن أنت أخي في الدنيا والاخرة وانا أخوك وأنت أخي فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول من اتخذ عليا أخا من أهل الارض واما من اتخذه اخاه من أهل السماء فعلى ما روى علي بن عيسى في كشف الغمة عن عبد الله ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اول من اتخذ علي بن أبي طالب أخا من أهل السماء اسرافيل ثم ميكائيل ثم جبرائيل واول من أحبه من أهل السماء حملة العرش ثم رضوان خازن الجنان ثم ملك الموت وان ملك الموت يترحم على محبي علي بن أبي طالب كما يترحم على الانبياء فطوبى لمحبيك يا أمير المؤمنين ولشيعتك وشيعة المعصومين من اولادك ولقد احسن واجاد الشاعر في قوله قيل للشافعي : يا راكبا قف بالمحصب من منى

واهتف بقاعد جمعها والناهض سحرا إذا فاض الحجيج الى منى

فيضا كملتطم الفرات الفائض


8

اعلمهم أن التشيع مذهبي

اني اقول به ولست برافضي بان كان رفضا حب آل محمد

فليشهد الثقلان اني رافضي ابشر ثم ابشر ثم ابشر ايها المحب لعلي ( ع ) والطاهرين من اولاده بما بشرك الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وذلك ما روى في كتاب بشارة المصطفى عن سلمان الفارسي قال كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ اقبل علي بن أبي طالب ( ع ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا ابشرك يا علي ؟

قال بلى يا رسول الله قال هذا حبيبي جبرائيل اخبرني عن الله عز وجل انه قد اعطى محبيك وشيعتك سبع خصال الرفق عند الموت والانس عند الوحشة والنور عند الظلمة والامن عند الفزع والبسط عند الميزان والجواز على الصراط ودخول الجنة قبلسائر الناس من الامم بثمانين عاما كيف وان الجنة تشتاق عليا وشيعته وهي مامورة بامر علي وبيده مفاتيحها : مولى له الجنة مامورة

والنار من اجلاله تفزع امام صدق وله شيعة

يرووا من الحوض ولم يمنعوا بذاك جاء الوحي من ربنا

يا شيعة الحق فلا تجزعوا هذا دخولهم في الجنة بثمانين عاما قبل سائر الناس واما كراماتهم من الله ومقاماتهم عند الله في المحشر وفي الجنة ما لا تحصى منها ما روي في جامع الاخبار قال صلى الله عليه وآله وسلم يا علي شيعتك يخرجون من قبورهم وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله علي بن أبي طالب حجة الله فيؤتون بحلل خضراء من الجنة واكاليل من الجنة وتيجان من الجنة ونجائب من الجنة فيلبس كل واحد منهم حلة خضراء ويوضع على رأسه تاج الملك واكليل ثم يركبون النجائب وتطير النجائب بهم الى الجنة لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي توعدون .

وفيه ايضا قال صلى الله عليه وآله لا تستخفوا بفقراء شيعة علي وعترته من بعده فان الرجل منهم ليشفع مثل ربيعة ومضر ، واخرى ما في كتاب سرور الشيعة عن جابر بن عبد الله الانصاري قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي بن أبي طالب ( ع ) فادناه ومسح وجهه ببردة وقال صلى الله عليه وآله يا ابا الحسن ألا أبشرك بما بشرني به جبرئيل قال بلى يا رسول الله قال إن في الجنة عينا يقال لها تسنيم يخرج منها نهران لو أن سفن الدنيا فيها لجرت قصبها من اللؤلؤ والمرجان وحشيشها من الزعفران على حافتيها كراسي من النور عليها اناس جلوس مكتوب على جباههم بالنور هؤلاء


9

المؤمنون وهؤلاء من محبي علي بن أبي طالب ويعطى لكل واحد منهم بعدد كل عرق في بدنه مدينة في الجنة ، والحاصل شيعة علي اكرم الناس في الجنة كما قال الحسين ( ع ) في رجزه يوم عاشوراوشيعتنا في الحشر اكرم شيعة

ومبغضنا يوم القيامة يخسر فطوبى لعبد زارنا بعد موتنا

بجنة عدن صفوها لا يكدر المجلس الرابع في اللهوف قال رسول الله ( ص ) ايها الناس اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وارومتي ومزاج مائي وثمرة فؤادي ومهجتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض الا واني لا اسئلكم في ذلك الا ما امرني ربي أن اسئلكم عن المودة في القربى فاحذروا أن تلقوني غدا على الحوض وقد آذيتم عترتي وقتلتم أهل بيتي وظلمتموهم ولا شك ان مودة ذوي القربى واكرام العلويين والسادات من اقرب القربات والفوز بها اشرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الاخرة .

في الخصال قال رسول الله ( ص ) اني شافع يوم القيامة لاربعة اصناف ولو جاؤا بذنوب أهل الدنيا رجل نصر ذريتي ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق ورجل سعى في قضاء حوائج ذريتي إذا طردوا أو شردوا أو رجل أحب ذريتي باللسان والقلب ، ذكر ابن الجوزي وهو حنبلي المذهب في تذكرة الخواص أن عبد الله بن المبارك كان يحج سنة ويغزو سنة ودام على ذلك خمسين سنة وخرج في بعض السنين للحج فرأى امرئه علوية على بعض المنازل وهي تنظف بطة ميتة فتقدم إليها وقال لم تفعلين هذا ؟ فقالت يا عبد الله لا تسئل عما لا يعنيك قال فوقع من كلامها في خاطري شئ فالححت عليها في السؤال فقالت يا عبد الله قد الجئني أن اكشف سري اليك انا امرئة علوية ولي اربع بنات علويات يتامى مات أبوهن من قريب وهذا اليوم الرابع ما اكلنا شيئا وقد حلت لنا الميتة فاخذت هذه البطة اصلحها واحملها الى بناتي لياكلنها قال فقلت في نفسي ويحك يا بن المبارك اين انت من هذه الفرصة قلت افتحي ازارك فصببت الدنانير في طرب ازارها وهي مطرقة لا تلتفت قال ومضيت الى المنزل ونزع الله عن قلبي شهوة الحج في ذلك العام ثم تجهزت الى بلادي


10

واقمت حتى حج الناس وعادوا وخرجت التقي جيراني واصحابي فجعلت من اقول له قبل الله تعالى حجك وشكر سعيك يقول وانت قد قبل الله حجك وشكر سعيك اننا قد اجتمعنا بك في مكان كذا وكذا وأكثر الناس علي في هذا القول فبت متفكرا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي وهو يقول يا عبد الله اغثت ملهوفة من ولدي فسئلت الله عز وجل أن يخلق على صورتك ملكا يحج عنك كل عام الى يوم القيامة فان شئت أن تحج وان شئت أن لا تحج هذا ثواب من ترك حجه واغاث بنفقة حجه ملهوفة من بنات رسول الله صلى الله عليه وآله ليت شعري ما حال من سمع حنين الملهوفات من بنات رسول الله وهم يستغيثون ويستجيرون فما اغاثهم وما أجارهم أحد بل سلبوا برودهم .

قال الصادق عليه السلام إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيها الخلائق انصتوا فان محمدا صلى الله عليه وآله يكلمكم فتنصت الخلائق فيقوم النبي صلى الله عليه وآله ويقول يا معشر الخلائق من كان له عندي يد أو منة أو معروف فليقم حتى أكافيه فيقولون فأي يد واي منة واي معروف لنا بل اليد والمنة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق فيقول من اوى أحدا من اهل بيتي أو برهم أو كساهم من عرى أو اشبعهم فليقم حتى اكافيه ويقوم اناس قد فعلوا ذلك فيأتي النداء من عند الله عز وجل يا حبيبي يا محمد قد جعلت مكافأتهم اليك فاسكنهم حيث شئت من الجنة فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمد فعلى هذا من اوى احدا من ذرية نبيه صلى الله عليه وآله واشبعه أو كساه اسكنه الله ورسوله مع نبيه في الحنة وإذا كان على غير ملة الاسلام هداه الله وبصره حتى يوفى اجره ويؤيد ما قلنا ما روي عن ابن الجوزي ايضا في تذكرة الخواص كان ببلخ رجل من العلويين ناذلا بها وله زوجة وبنات فتوفي العلوي واشتد الامر بالمرئة وضاقت عليهم المعيشة فخرجت المرئة بالبنات الى سمرقند خوفا من شماتة الاعداء .

كل المصائب قد تمر على الفتى

فتهون غير شماتة الاعداء قالت المرئة واتفق وصولي في شدة البرد فادخلت العلويات في المسجد ومضيت لاحتال في القوت فرأيت الناس مجتمعين على شيخ فسئلت عنه فقالوا هذا شيخ البلدفشرحت له الحال فقال الشيخ أقيمي البينة على انك علوية وبناتك علويات ولم يلتفت الي فأيست منه وعدت الى المسجد فرأيت في طريقي شيخا جالسا على دكة وحوله جماعة فقلت من هذا فقيل لي هذا ضامن البلد وهو مجوسي فقلت أمضي إليه فعسى أن يكون لنا عنده


11

فرج فجئت إليه وحدثته بحديثي وما حرى لي مع شيخ البلد فصاح بخادم له فخرج فقال قل لسيدتك تلبس ثيابها وتخرج فمضى الخادم وما مضت إلا هنيئة إذ خرجت امرئة المجوسي في غاية الجلالة ومعها جواريها فقال لها المجوسي اذهبي مع العلوية الى المسجد الفلاني واحملي بناتها الى الدار فجائت معي الى المسجد فحملت البنات فجئنا وقد افرد لانه مقاما في داره وادخلنا الحمام وكسانا اثوابا فاخرة وجائنا بالوان الطعام وبتنا باطيب ليلة فلما كان نصف الليل رأى شيخ البلد المسلم في منامه كان القيامة قد قامت واللواء على رأس محمد صلى الله عليه وآله وإذا بقصر من الزمرد الاخضر فسئل شيخ البلد لمن هذا القصر فقيل له لرجل مسلم موحد فقدم الى رسول الله صلى الله عليه وآله فاعرض النبي عنه فقال له لم تعرض عني وانا رجل مسلم قال صلى الله عليه وآله اقم البينة عندي انك مسلم فتحير الشيخ فقال رسول الله : أنسيت قولك للعلوية وهذا القصر للشيخ الذي هي في داره فانتبه الرجل وهو يلطم على رأسه ويبكي وبعث غلمانه في البلد وخرج بنفسه يدور على العلوية فاخبر انها في دار المجوسي فجاء إليه وقال ألك علم بالعلوية ؟ قال : هي عندي قال اريدها قال مالك الى ذلك من سبيل فقال هذا الف دينار خذها وسلمهن الي فقال لا والله ولا ماءة الف دينار فلما الح عليه قال المجوسي أن المنام الذي رأيته انت البارحة رأيته أنا أيضا والقصر الذي رأيته اعد لي وأنت تفخر وتدل علي باسلامك والله ما نمت أنا ولا أحد في داري حتى أسلمنا كلنا على يد العلوية وعادت بركتها علينا ورأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول لي القصر لك ولاهلك لما فعلت مع العلوية وأنت من أهل الجنة ، المجوسي لما علم أن البنات بنات رسول الله اشفق عليهن واكرمهن واسكنهن في داره ويزيد مع علمهبان السبايا بنات رسول الله والعيال كريمات رسول الله ما اشفق اللعين اسكنهن في دار خربة لا يكنهم من حر ولا من برد حتى تقشرت وجوههم من حرارة الشمس .

أتبكي لسجن في دمشق وماله

من الشمس سقف فيه تاوي النوادب فيخشمن بالايدي وجوها تقشرت

من الشمس إذ مامن ظلال ولا سجف ذكر أيضا في تذكرة الخواص عن ابن أبي الدنيا أن رجلا رأى رسول الله في منامه يقول امض الى فلان المجوسي وقل قد أجيبت الدعوة فامتنع الرجل من اداء الرسالة وكان المجوسي في دنيا واسعة فنام الرجل فرأى رسول الله ثانيا يقول له ذلك فامتنع من اداء الرسالة حتى رآه في الثالثة يقول صلى الله عليه وآله وسلم امض الى فلان المجوسي وقل له قد أجيبت


12

الدعوة فاصبح الرجل وأتى المجوسي وقال له في الخلوة انا رسول من رسول الله اليك وهو يقول لك قد أچيبت الدعوة فقال له المجوسي له أتعرفني وما أنا فيه من طريقتي وديني قال الرجل نعم قال اني انكرت دين الاسلام ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وكنت على ذلك الى هذا الوقت لكن اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسلوه ثم دعى أهله وقال لهم كنت على ضلالة والان ذا بصيرة وقد اسلمت فاعلموا فمن اسلم فما بيده من مالي فهو له ومن أبي فلينزع يده عن مالي الذي عنده فاسلم القوم وأهله وكان له ابنة قد زوجها من ابنه ففرق بينهما ثم التفت الى الرجل وقال له أتدري ما الدعوة قال : لا والله وأني اريد أن اسئلك الساعة فقال لما زوجت ابني صنعت طعاما ودعوت احبابا لي فأجابوا وكان الى جانبنا قوم اشراف من العلويين فقراء لا مال لهم وأمرت غلماني أن يبسطوا لي حصيرا في وسط الدار فبينما انا جالس في صحن الدار سمعت صبية من العلويات تقول لامها يا اماه قد اذانا هذا المجوسي برائحة طعامه فلما سمعت ذلك قمت من ساعتي وارسلت إليهم بطعام كثير وكسوة ودنانير للجميع فلما نظروا الى ذلك اشتد فرحهم وسروا سرورا عظيما وقالت الصبية للباقيات والله ما ناكله حتى ندعوالهذا المجوسي فرفعوا ايديهن وقلن حشره الله مع جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وامن بعضهن فتلك من الدعوة التي اجيبت ، هذا المجوسي اشفق على بنات رسول الله صلى الله عليه وآله واطعمهم من الجوع وهو كافر وما اشفق ابن مرجانة لعنه الله على بنات رسول الله ادخلوهن عليه واللعين كان جالسا على سفرة طعامه فلما نظر الاطفال ووقع طرفهم على الطعام جعلت ابدانهم ترجف من شدة الجوع واصفرت الوانهم وتأذوا من استشمامهم رائحة الطعام فما اعتنى بهم حتى فرغ من طعامه ثم اول ما صنع مد يده وأخذ برأس الحسين ( ع ) .

المجلس الخامس ومن كلام لامير المؤمنين ( ع ) في ذكر الكوفة كأني بك يا كوفة تمدين مد الاديم العكاظي تعركين بالنوازل وتركبين بالزلازل واني لاعلم انه ما اراد بك جبار سوء إلا ابتلاء الله بشاغل ورماه بقاتل ولا يخفى أن الكوفة بلدة قد شرفها الله على كثير من البلاد وقد جاء في فضلها عن أهل البيت شئ كثير منها ما قال علي ( ع ) نعمت المدرة الكوفة يحشر من ظهرها سبعون الفا وجوههم على صورة القمر وقال ( ع ) : هذه مدينتنا


13

ومحلتنا ومقر شيعتنا وقال جعفر الصادق ( ع ) : تربة نحبها وتحبنا اللهم ارم من رماها وعاد من عاداها وقول علي ( كأني بك يا كوفة تمدين مد الاديم العكاظي العكاظ على ما روي اسم سوق للعرب بناحية مكة كانوا يجتمعون بها في كل سنة يقيمون شهرا ويبيعون ويتفاخرون ويتناشدون شعرا قال أبو ذويب : إذا بني القباب على عكاظ

وقام البيع واجتمع الالوف فلما جاء الاسلام هدم ذلك السوق واكثر ما كان يباع بها الاديم فنسب الاديم إليها وقيل أديم العكاظي وقوله ( ع ) تمدين مد الاديم استعارة لما ينالها من العسف والتعب والاذى والمشقة من جور فساق الامة والفراعنة والظلمة مما هموا في تخريب دورهما وبيوتها واحراق نخيلها وقتل أهلها ولكن الله تعالى ما جعل لهم الى ذلك من سبيل ودفعالله عنها شرهم ولذا قال ( ع ) واني لاعلم انه ما اراد بك جبار سوء الا ابتلاه الله بشاغل وما ورماه بقاتل وفي جامع الاخبار عن أمير المؤمنين ( ع ) : مكة حرم الله تعالى والمدينة حرم رسول الله ( ص ) والكوفة حرمي لا يردها جبار مع يجور فيها إلا قصمه الله ومن الذين اراد بها السوء فرماه الله بقاتل وابتلاه بشاغل وقصم ظهره واهلكه زياد بن ابيه لعنه الله كان يخطب على المنبر بالكوفة إذ رموه بالحصاء فغضب من ذلك وقطع ايدي ثمانين من أهل الكوفة وهم أن يخرب دورهم ويحرق نخيلهم فجمهم حتى ملاء بهم المسجد وهو يريد أن يعرضهم على البرائة من علي ( ع ) وعلم انه سيمتنعون فيحتج بذلك على استيصالهم واخراب بلدهم قال عبد الرحمن بن السائب الانصاري كنت مع نفر من قومي والناس يومئذ في أمر عظيم فنمت ورأيت شيئا اقبل طويل العنق مثل عنق البعير فقلت من انت قال انا النقاد ذو الرقبة بعثت الى صاحب هذا القصر فانتبهت فزعا وقلت لاصحابي هل رأيتم ما رأيت قالوا لا فاخبرتهم بالخبر فعند ذلك خرج علينا خارج من القصر وقال انصرفوا فان الامير يقول لكم اني عنكم اليوم مشغول وإذا الطاعون قد ضربه وكان يقول اني لاجد في النصف من جسدي حر النار ومات من يومه .

ومنهم الحجاج أراد أن يخرب الكوفة فولدت في بطنه الحيات واحترق دبره فمات لعنه الله والحاصل أن الكوفة بلدة شريفة والاخبار في مدحها كثيرة واما شرافة مسجدها فهي لا تعد ولا تحصى منها هذا الخبر الذي روى الصدوق في الامالي باسانيد ينتهي الى الاصبغ بن نباته قال بينما نحن ذات يوم حول أمير المؤمنين ( ع ) في مسجد الكوفة إذ قال


14

عليه السلام : يا أهل الكوفة لقد حباكم الله عز وجل بما لم يحب به أحدا ففضل مصلاكم وهو بيت آدم ونوح وبيت إدريس ومصلى إبراهيم الخليل ومصلى أخي الخضر ومصلاي وان مسجدكم هذا أحد الاربعة المساجد التي اختارها الله عز وجل لاهلها وكأني به يوم القيامة في ثوبين أبيضين شبيه بالمحرم يشفع لاهله ولمن صلى فيه فلا ترد شفاعته ولا تذهبالايام حتير ينصب الحجر الاسود فيه ولياتين عليه زمان يكون مصلى المهدي من ولدي ومصلى كل مؤمن ولا يبقى على الارض مؤمن إلا كان به أو حن قلبه إليه فلا تهجروه وتقربوا الى الله عز وجل بالصلاة فيه فإن النافلة فيه تعدل بالف نافلة وعمرة مع رسول الله ( ص ) والفريضة تعدل بألف فريضة وحجة مع رسول الله ( ص ) وأرغبوا إليه في قضاء حوائجكم لو يعلم الناس ما فيه من البركة لاتوه من اقطار الارض ولو حثوا على الثلج في جامع الاخبار عن الصادق ( ع ) وان ميمنته لروضة من رياض الجنة وإن وسطه لروضة من رياض الجنة وإن مؤخره لروضة من رياض الجنة وما من عبد صالح ولا نبي إلا وقد صلى فيه حتى رسول الله ( ص ) لما أسرى به إلى السماء قال له جبرئيل أتدري أين انت يا رسول الله الساعة ؟ أنت مقابل مسجد كوفان قال : أستأذن لي ربي حتى آتيه فاصلي ركعتين فاستأذن الله فاذن له فنزل وصلى فيه ركعتين وفيه ينفخ في الصور واليه المحشر ويحشر من جانبه سبعون الفا يدخلون الجنة وروي في جامع الاخبار قال الصادق ( ع ) المسجد مسجد الكوفة صلى فيه الف نبي والف وصي ومنه فار التنور وفيه تجري السفينة الجلوس فيه بغير عبادة وتلاوة وذكر لعبادة ، والصلاة فيه تعدل بألف صلاة أقول ولو أنه ورد في الخبر الجلوس فيه بغير العبادة عبادة ولكن ينبغي للعبد إذا حضر تلك البقعة الشريعة وأقام فيه ولو بقدر ساعة أن يجتهد في العبادة والطاعة ولا سيما الاعمال الواردة في ذلك المكان المركن والمسجد المعظم ويحبس نفسه عن الاشتغال بالملاهي وذكر الدنيا والمناهي بل وهذا يقتضي في جميع المساجد وليس يختص بمسجد الكوفة ولكن فيه اولى لان المساجد يحب احترامها على كل مسلم وتعظيمها على كل مؤمن كيف وهي منسوبة الى الله وتسمى به ببيت الله فيقتضي للعبد أن يعظم بيت ربه ويقتصر فيه بالعبادة ويمنع نفسه عما نهى عنه في الشريعة بل ولا يدخلها بغير الطهارة .

روي في جامع الاخبار عن الصادق ( ع ) قال لا تدخلوا المساجد بعد الطهارة ومن دخل مسجدا بغير الطهارة فالمسجد خصمه ومن نام في المسجد بغير عذر ابتلاه الله بداء


15

لا دواء له فيه أيضا قال ( ع ) يأتي في آخر الزمان اناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيه حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة ثم انظر الى ما قال الله تعالى في بعض ما أوحى روي في خصائص الحسينية قال الله تعالى يا عبادي أن بيوتي في الارض المساجد وان زواري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره .

قال المرحوم شيخنا التستري في خصائصه لا يخفى أن الله جل وعلا يجل عن المكان والحول والمسكن والسكنى واتصاف بعض الامكنة بكونه بيت الله إنما هو لشرافة خاصة من حيث جعله محل عبادة الله أو كثرة العبادة أو لامر بالتوجه إليه حين العبادة أو كونه محاذيا لمحل العبادة أو لكونه صعب المنازل فيخلص فيه القصد الى الله كما اجتمع ذلك في مكة المعظمة وبعض ذلك في بيوت اذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وهذا كلها بيت الله الظاهري وإنما حقيقة البيت لله معنى هو ما في الحديث القدسي إذ قال جل وعلا لا يسعني ارضي ولا يسعني سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن وقد أوحى الله تعالى الى داود يا داود فرغ لي بيتا اسكن فيه فقال إنك تجل عن المكان والمسكن فأوحى الله إليه يا داود فرغ لي قلبك فكل قلب لم يكن فيه سوى محبة الله فهو بيت الله حقا فقلب المؤمن الكامل بيت الله حقيقة لانه خال عن التعلق بغيره فليس فيه فكر ولا ذكر ولا هم إلا الله وقد ينتهي الامر إلى إنه لا يبصر إلا الله ولا يسمع إلا الله فهذا أحد معاني قوله تعالى في حديث القدسي حتى أكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به وإذا تحقق ذلك وتأملت حق التأمل ظهر لك أن بيت الله الحقيقي الاكبر هو قلب الحسين ( ع ) فأنه فرغه لله تفريغا حقيقيا إذ لم يبق فيه علاقة لغير الله حتى العلاقة التي لا تنافي العلاقة مع الله وصار خاليا عن غير الله وفارغا عن جميع ما سوى الله وصار بيت الله الحقيقي التحقيقي الذي ليس فيه إلا الله فلله على الناس حج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا ومن هذا يظهر لك الحديث من زار الحسين ( ع ) في كربلا كان كمن زار الله في عرشه بأبي وأمي فقد اخلي قلبهمن التعلق بالسلطنة والرياسة والراحة ومن التعلق بالاولاد والعيال والاخوان والعشيرة ومن التعلق بالسلطنة والرياسة والراحة ومن التعلق بالاولاد والعيال والاخوان والعشيرة ومن التعلق بالسلطنة والوطن والديار والمسكن في هذه الاراضي والبلاد الموجودة لانه لما علم أن رضا الله في ذلك اختار لنفسه وآثر رضاء الله على رضا نفسه ولذا قال في خطبته حين خروجه من مكة رضاء الله رضانا أهل البيت الخ .


16

المجلس السادس في الاحتجاج عن عبد العظيم الحسني عن أبي ابراهيم بن أبي محمود قال : قلت للرضا عليه السلام يا بن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله انه قال ( ص ) : إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فقال ( ع ) لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه والله ما قال رسول الله كلذلك إنما قال أن الله تبارك وتعالى ينزل ملكا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الاخير وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي هل من سائل فأعطيه هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له يا طالب الخير اقبل ويا طالب الشر أقصر فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء ، وفي خبر الا عبد مؤمن يدعوني لاخرته ودنياه قبل طلوع الفجر فأجيبه ألا عبد مؤمن يتوب إلي من ذنوبه قبل طلوع الفجر فأتوب عليه ألا عبد مؤمن قد قترت عليه رزقه فيسئلني الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فأزيده وأوسع عليه ألا عبد مؤمن سقيم فيسئلني أن أشفيه قبل طلوع الفجر فأعافيه ألا عبد مؤمن مغموم محبوس يسئلني أن أطلقه من حبسه وأفرج عنه قبل طلوع الفجر فأنتصر له وأخذ بظلامته قال الصادق ( ع ) أن ليلة الجمعة مثل يومها فأن استطعت أن تحييها بالصلاة والدعاء فأفعل فأن الله يضاعف فيها الحسنات ويمحو فيها السيئات وإن الله واسع كريم وإن الصدقة في ليلة الجمعة بألف ويوم الجمعة بألف وليلة الجمعة يوم الجمعة في الفضل سواء ومنمات ليلة الجمعة اعتق من النار وقال ( ع ) اجتنبوا المعاصي ليلة الجمعة فأن السيئة مضاعفة والحسنة مضاعفة ومن ترك معصية الله ليلة الجمعة غفر الله له كل ما سلف فيه وقيل له استأنف العمل ومن بارز الله ليلة الجمعة بمعصيته أخذه الله بكل ما عمل في عمره وضاعف عليه العذاب بهذه المعصية فإذا كانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة رفعت حيتان البحور رؤسها ودواب البراري ثم نادت بصوت طلق ذلق ربنا لا تؤاخدنا ولا تعذبنا بذنوب الادميين من دعا لعشرة من اخوانه الموتى ليلة الجمعة أوجب الله له الجنة قال الرضا ( ع ) : أن للجمعة ليلتين ينبغي أن يقرأ في ليلة السبت مثل ما يقرأ في عشية الخميس ليلة الجمعة .


17

في المجلد السادس من البحار عن أبي يحيى الصنعاني عن الصادق ( ع ) قال يا أبا يحيى إن لنا في ليالي الجمعة لشأنا من الشأن قلت له : جعلت فداك وما ذاك الشأن ؟ قال ( ع ) : يؤذن أرواح الانبياء الموتى وأرواح الاوصياء الموتى والوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السماء حتى توافي عرش ربها فتطوف أسبوعا وتصل عند قائمة من قوائم العرش ركعتين ثم ترد إلى الابدان التي كانت فيها فتصبح الانبياء والاوصياء قد أعطوا سرورا ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل جم الغفير عن الحسن بن علي ( ع ) قال : رأيت أمي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل ركعة وساجدة حتى أتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم بأسمائهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشئ فقلت يا أماه : لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك ؟ فقالت يا بني الجار ثم الدار عن المتهجد والاختصاص عن جابر الجعفي قال : كنت ليلة من بعض الليالي عن أبي جعفر ( ع ) فقرأت هذه الاية يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الخ وساق الكلام الى أن قال يا جابر لم سمي يوم الجمعة جمعة ؟ قلت تخبرني جعلني الله فداك فقال يا جابر سمى الله الجمعة معة لان الله جمع في ذلك اليوم الاولين والاخرين وجمع ما خلق الله من الجن والانس وكل شئ خلق ربنا والسماوات والارضين والبحار والجنةوالنار وكل شئ خلق الله فأخذ الميثاق منهم له بالربوبية ولمحمد ( ص ) بالنبوة ولعلي ( ع ) بالولاية ، وفي ذلك اليوم قال الله للسماوات والارض : أتيا طوعا أو كرها قالتا أيتينا طائعين فسمي الله ذلك اليوم الجمعة لجمعه فيه الاولين والاخرين وما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة إذا كان يوم الجمعة نادت الطير الطير والوحش الوحش والسباع السباع سلام عليكم هذا يوم صالح مر سلمان بالمقابر يوم الجمعة فوقف ثم قال : السلام عليكم يا أهل الجمع هل علمتم أن هذا اليوم يوم المعة ثم أنصرف فلما أن أخذ مضجعه أتاه آت في منامه فقال له يا أبا عبد الله إنك أتيتنا فسلمت علينا فرددنا عليك السلام فقلت لنا يا أهل الديار هل علمتم أن اليوم الجمعة وأنا لنعلم ما يقول الطير في يوم الجمعة قال : يقول سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح سبقت رحمتك غضبك ما عرف عظمتك من حلف بأسمك كاذبا ويؤيده ما في الخبر إذا كان يوم الجمعة وأهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار عرف أهل الجنة يوم الجمعة وذلك أنه يزاد في نعيمهم وعرف أهل النار يوم الجمعة وذلك أن كلهم يبطش بهم الزبانية ، إذا كان حين يبعث الله العباد أتى بالايام


18

يعرفها الخلائق بأسمائها وحليتها يقدمها يوم الجمعة له نور ساطع تتبعه سائر الايام كأنه عروس كريمة ذات وقار تهدى إلى ذي حلم وشأن ، ثم يكون يوم الجمعة شاهدا لمن حافظ وسارع إليه ثم يدخل المؤمنون على قدر سبقهم إلى الجنة قال ( ع ) : إن ليلة الجمعة ويوم الجمعة أربع وعشرون ساعة لله عز وجل في كل ساعة ستمائة الف عتيق من النار ومن مات يوم الجمعة عارفا بحق أهل هذا البيت كتب الله له برائة من النار وبرائة من عذاب القبر قال الصادق ( ع ) : من مات بين زوال الشمس يوم الخميس إلى زوال الشمس من يوم الجمعة أعاده الله من ضغطة القبر ورفع عنه عذاب القبر من مات يوم الجمعة وليلته مات شهيدا وبعث آمنا قال رسول الله ( ص ) : إن يوم الجمعة سيد الايام يضاعف الله فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات ويستجيب فيه الدعوات ، ويكشف فيه الكربات ويقضي فيه الحاجات العظام وهو يوم المزيد لله عز وجل فيه عتقاء وطلقاء من النار ما دعاالله فيه أحدا من الناس وعرف حقه وحرمته إلا كان حتما على الله أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار ، وإن مات في يومه أو ليلته مات شهيدا ، ويبعث أمنا وما استخف أحد بحرمته وضيع حقه إلا كان حقا على الله عز وجل أن يصليه نار جهنم إلا أن يتوب وفي خبر طويل لما سئل النبي ( ص ) عن الايام قال ( ص ) : سألتني عن يوم الجمعة فقال نعم يا رسول الله قال ( ص ) تسمية الملائكة في السماء يوم المزيد ، يوم الجمعة يوم خلق الله فيه آدم ، يوم الجمعة أسكن الله فيه آدم الجنة ، يوم أسجد الله ملائكته لادم ( ع ) يوم الجمعة جمع الله فيه لادم حواء ، يوم الجمعة يوم غفر ذنب آدم ، يوم الجمعة يوم قال الله تعالى للنار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ، يوم الجمعة يوم اتستجيب فيه دعاء يعقوب يوم الجمعة يوم كشف الله فيه البلاء عن أيوب ، يوم الجمعة يوم فدى الله فيه اسماعيل بذبح عظيم يوم الجمعة يوم خلق الله فيه السماوات والارض وما بينهما ، يوم الجمعة يوم يتخوف فيه الهول وشدة القيامة والفزع الاكبر تقوم الساعة ، يوم الجمعة بين الظهر والعصر وما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا ولا بر ولا بحر إلا وهن يشفعن من يوم الجمعة إلى أن تقوم فيه الساعة وفيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم سأل الله شيئا إلا أعطاه .

قال الشهيد الثاني وأختلف أهل العلم في هذه الساعة إختلافا كثيرا وأصحها عندنا من بين فراغ الامام من الخطبة إلى أن يستوي الصفوف بالناس وساعة إخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس ومما وقع فيه إنتقال نطفة رسول الله


19

صلى الله عليه وآله إلى رحم آمنة ليلة الجمعة وولادته ليلة الجمعة وميلاد علي ( ع ) يوم الجمعة وشهادته ليلة الجمعة وميلاد الحجة ( ع ) فجر الجمعة وظهوره يوم الجمعة وفي خبر كان العاشوراء يوم الجمعة الخ .

المجلس السابع ( في روضة الواعظين ) تأليف الامام الفاضل العالم الزاهد أبي علي محمد بن أحمدالنيسابوري إعلم أن أسماء العيد أربعة : يوم العيد بالفارسية جشن وقيل العيد كل يوم مجمع وأشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه وقيل سمي العيد عيدا للعود من الترح إلى الفرح فهو يوم سرور الخلق كلهم الا ترى أن المسجونين في ذلك اليوم لا يطالبون ولا يعاقبون ولا يصطادون الطيور والوحوش ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب وقيل سمي بذلك لان كل إنسان يعود إلى ما وعد الله في ذلك اليوم وقيل سمي بذلك لان الناس يعودون فيه إلى الله بالتوبة والدعاء والرب يعود عليهم بالمغفرة والعطاء وقيل سمي بذلك لعود الله تعالى على عباده المؤمنين بالفوائد الجميلة والعوائد الجزيلة والعائد هو المعروف والصلة ويوم الزينة قال الله تعالى في سورة طه في قصة موسى ( ع ) قال موعدكم يوم الزينة يعني يوم عيدهم لان الناس كانوا يجتمعون فيه من الافاق ويوم الجزاء قال النبي ( ص ) يقول الله لملائكته يوم العيد ما جزاء الاجير إذا عمل عمله فيقولون يا ربنا جزائه أن توفى أجره فيقول أشهدوا ملائكتي إني غفرت لهم ويوم الدين كما قال الله تعالى في سورة الاعراف الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا أي عيدهم ويقال هو إنهم كانوا يفرطون أصنامهم في يوم عيدهم ويحلونها بأنواع الحلي فيعرهم الله بذلك والاعياد في القرآن أربعة عيد كان لعيسى وقومه وهو قوله تعالى في سورة المائدة قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائة من السماء تكون لنا عيدا لاونا وآخرنا وآية منك والثاني أعياد الكفار قال الله تعالى في سورة الفرقان والذين لا يشهدون الزور قيل الزور الاعياد والثالث عيد الفطر قال الله تعالى قد أفلح من تزكى أي تصدق بصدقة الفطر وذكر اسم ربه فصلى يعني صلاة العيد والرابع عيد النحر قال الله تعالى إنا أعطيناك الكوثر

فصل

20

لربك وانحر يعني صلاة العيد وأنحر يعني القربان وينبغي للمؤمن أن يحضر العيد معتبرا لا ناظرا حتى لا يكون حاله كحال الذين إتخذوا دينهم لهوا ولعبا فقد قيل إن الحكمة في العيدين تذكير للقيامة وأهوالها وذلك إن أحوالها موافقة لاحوالها فإذا كانت ليلة العيد فاذكر الليلة التي تكون صبيحتها يوم القيامة فإذا سمعت صوت الطبل والكؤس والبوق فأذكر نفخ الصور قال الله عز وجل في سورة الكهف ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا فإذا خرجت من بيتك يوم العيد إلى المصلى فذكر يوم خروجك من الدنيا ويوم خروجك من القبر إلى المحشر قال الله تعالى في سورة ق فاستمع يوم يناد المناد من مكان قريب وإذا رأيت الناس متوجهين إلى المصلى مختلفين في أحوالهم فبعضهم يلبسون الثياب الفاخرة وبعضهم يلبسون الخلقان وبعضهم الجدد فأذكر إختلافهم في الاخرة بعضهم يلبسون الحلل وبعضهم يلبسون القطران وإذا رأيت إختلافهم في المشي قوم مشاة وقوم ركبان فاذكر مشيك على الصراط قال النبي ( ص ) يرد الناس الصراط ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولها كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم الكواكب في رحاه ثم كشد الرجل ثم كمشيه واذكر أيضا يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا أي عطشانا وقال رسول الله ( ص ) يحشر الناس على ثلاثة ، ثلاث على الدواب وثلاث ينسلون على أقدامهم نسلا وثلاث على وجوههم وإذا جلست في الظل وبعضهم جلوس وبعضهم قيام فاذكر وقوفك في عرصات القيامة منتظرا للحساب وفصل القضاء قال الله تعالى في سورة ابراهيم انما نؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء قوم في الشمس قد ألجمهم العرق وقوم في ظل العرش وإذ رأيت الالوية والرايات فاذكر ألوية القيامة لكل قوم لواء وإذا قمت إلى الصلاة واصطف الناس فاذكر يوم العرض قال الله تعالى وعرضوا على ربك صفا وإذا صعد الامام على المنبر وخطب الناس سكوت ينصتون فأذكر يوم يتقدم محمد ( ص ) للشفاعة والخلق حيارى سكوت وإذ أخذ في الخطبة بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب فأذكر يوم ينادي المنادي سعد فلان وشقي فلان وإذ رأيت الناس منصرفين طرقهم مختلفة فاذكر قوله تعالى في شورة الروم ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون الاية فريق في الجنة وفريق في السعير وقوله تعالى يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم الاية وإذا رأيت السؤال في


21

الطريق قد سدوا أيديهم ووجوههم الى العباد وأثر الضر والمسكنة ظاهر عليهم فاذكروا قوله تعالى في سورة الروم ( ويوم تقوم الساعة يلبس المجرمون ) فهذا مقابلة أحوال العيد بأحوال القيامة وفيها عبرة لمن اعتبر وعظة لمن تذكر .

( في أمالي الصدوق ) قال الصادق ( ع ) : خطب أمير المؤمنين ( ع ) بالناس يوم الفطر فقال : أن يومكم هذا يوم يثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المسيئون وهو أشبه يوم بيوم قيامتكم فاذكروا بخروجكم من منازلكم الى مصلاكم ، خروجكم من الاجداث الى ربكم واذكروا وقوفكم في مصلاكم وقوفكم بين يدي ربكم ، واذكروا رجوعكم الى منازلكم مصيركم في الجنة أو النار ، واعلموا عباد الله أن أدنى ما للصائمين والصائمات أن يناديهم ملك في آخر يوم من شهر رمضان ابشروا عباد الله فقد غفر لكم ما سلف من ذنوبكم فانظروا كيف تكونون فيما تستأنفون وإذا طلع هلال شوال نودي المؤمنون هلموا إلى جوائزكم ، قال أمير المؤمنين في بعض الاعياد ، إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو يوم عيد واعظم يوم عصي الله فيه بل ولم يعصى الله بمثل ذلك اليوم أبدا ، ومع ذلك أخذوه يوم عيد وسرور يوم أدخلوا رأس الحسين ( ع ) في دمشق والشام ومعه رؤوس أهل بيته وأصحابه وأدخلوا عياله وصبيانه وهم على اقتاب الجمال بغير وطاء : كانت مآتم بالعراق نعدها

أموية بالشام من أعيادها وما الدهر والايام إلا مآتم

وهل ترك العاشور للناس من عيد أيفرح قلب والفواطم حسرا

يقاد بها أسرى على قتب العود المجلس الثامن عن الصادق ( ع ) إنه ذكر الكوفة وقال : ستخلو الكوفة من المؤمنين ويأزر عنه العلم كما تأزر الحية في حجرها ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها ( قم ) وتصير معدنا للعلم والفضل فيفيض العلم منه الى سائر البلدان في المشرق والمغرب فيتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقىأحد على وجه الارض لم يبلغ إليه الدين والعلم ولا يبقى في الارض مستضعف في الدين حتى المخدرات في الحجال وذلك عند قرب ظهور قائمنا فيجعل الله قم وأهله قائمين مقام الحجة


22

ولولا ذلك لساخت الارض بأهلها ولم يبق في الارض حجة ثم ينظر القائم ويصير سببا لنقمة الله وسخطه على العباد لان الله لا ينتقم من العباد إلا بعد إنكارهم الحجة ، وسميت البلدة بقم لان أهلها يجتمعون مع قائم آل محمد ويقولون معه ويستقيمون عليه وينصرونه وفي سمي قم لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة المعراج رأى ابليس باركا بهذه البقعة يريد أن يغوي شيعة علي ويمنعهم عن ولايته ومحبته ويحرضهم على الفجور فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قم يا ملعون فليس لك عليهم من سلطان ومن ذلك سميت بقم .

( روى الصدوق في العلل ) عن الصادق ( ع ) عن أبيه عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أسري بي إلى السماء حملني جبرئيل على كتفه الايمن فنظرت إلى بقعة بأرض الجبل حمراء أحسن لونا من الزعفران وأطيب ريحا من المسك فإذا فيها شيخ على رأسه برنس ، فقلت لجبرئيل ما هذه البقعة الحمراء التي هي أحسن لونا من الزعفران وأطيب ريحا من المسك ؟ قال : بقعة شيعتك وشيعة وصيك علي بن أبي طالب ( ع ) فقلت من الشيخ صاحب البرنس ؟ قال إبليس ، قلت فما يريد منهم ؟ قال يريد أن يصدهم عن ولاية أمير المؤمنين ( ع ) ويدعوهم إلى الفسق والفجور ، فقلت يا جبرائيل إهو بنا إليهم فأهوى بنا إليهم أسرع من البرق الخاطف فقلت يا ملعون فشارك أعدائهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم فإن شيعتي وشيعة علي ليس لك عليهم سلطان فسميت قم ، وهي التي دفنت فيها فاطمة وجلعل الله تلك البقعة الشريفة مأمنا لعباده في آخر الزمان ، ولذا قال الصادق ( ع ) إذا عمت البلايا فالامن في الكوفة ونواحيها من السواد وقم من الجبل ونعم الموضع قم للخائف الطائف ، وفي رواية إذا عمت البلدان الفتن فعليكم بقم وحواليها ونواحيها فإن البلاء مدفوع عنها ، وقال ( ع ) إذا فقد الامن عن البلاد وركبوا الناس على الخيولوأعتزلوا النساء والطيب فالهرب الهرب عن جوارهم ، قلت جعلت فداك الى أين ؟ قال : الى لاكوفة ونواحيها أو إلى قم وحواليها فإن البلاء مدفوع عنهما وليس المعلوم الى - اي مقدار يحسب حوالي قم - ومن هذه الرواية يظهر أن دائرته وسيعة ، لان جماعة من أهل الري دخلوا على أبي عبد الله الصادق ( ع ) وقالوا نحن أهل الري فقال ( ع ) : مرحبا بأخواننا من أهل قم ، فقالوا نحن من أهل الري فأعاد الكلام قالوا ذلك مرارا وأجابهم بمث ما أجاب به أولا ، فقال ( ع ) إن لله حرما وهو مكة وإن للرسول حرما وهو المدينة وإن لامير المؤمنين حرما وهو الكوفة وإن لنا حرما وهو بلدة قم وستدفن فيها امرأة


23

من أولادي تسمى ( فاطمة ) فمن زارها وجبت له الجنة - وهي المعروفة بمعصومة - بنت موسى بن جعفر ( ع ) ، وكيفية وفاتها كما تروى المشايخ من أهل قم إنه لما أخرج المأمون علي بن موسى الرضا من المدينة الى خراسان في سنة مائتين من الهجرة كانت أخته فاطمة تبكي لفراقه حتى ضاقت عليها المدينة وخرجت تطلب أخاها في إحدى ومائتين فلما وصلت الى ( ساوه ) قرية من قرى قم مرضت فسألت كم بيني وبين قم ؟ قالوا عشرة فراسخ فأمرت خادمها فذهب بها الى قم ولما وصل الخبر الى آل سعد أن فاطمة بنت موسى بن جعفر تنزل في بلدة قم إتفقوا وخرجوا وكل منهم يطلب نزولها في داره فخرج من بينهم موسى بن خزرج وأخذ بزمام ناقتها وجرها الى قم وأنزلها في داره فكانت فيها ستة عشر يوما وهي مريضة ولم يزل يشتد مرضها حتى توفت وقضت نحبها فغسلوها وحنطوها وكفنوها ودفنها موسى بن خزرج في أرض لها يقال لها بابلان وبنى على قبرها سقفا من البواري الى أن زينب بنت الجواد بنت عليها قبة ، وفي رواية لما ذهبوا بها الى بابلان وأرادوا دفنها ووضعوها على سرداب حفروه لها فاختلف آل سعد بينهم فيمن يدخل السرداب ويدفنها فيه فاتفقوا على خادم لهم شيخ كبير صالح يقال له قادر فلما بعثوا إليه رأوا راكبين سريعين يأتيان من جانب الرملة فلما قربا من الجنازة نزلا وصليا عليهاودخلا في السرداب وأخذا الجنازة فدفناها ثم خرجا وركبا وذهبا ولم يعلم أحد من هما كما أن بني أسد لما أرادوا دفن الحسين ( ع ) وهم لا يعرفونه لان الجسد لا يعرف إلا بالرأس أو اللباس والحسين ( ع ) قطيع الرأس وعار من اللباس فوقفوا متحيرين لا يدرون ما يصنعون إذ أقبل راكب من جانب الكوفة ودموعه تجري على خديه فسلم عليهم ووقف وقال ما تريدون ما وقوفكم الخ ، ودفن في جانب فاطمة أم محمد بنت موسى بن محمد بن علي الرضا ثم اختها ميمونة وبنوا عليها قبة ، ومن القبور التي بقم قبر أبي جعفر موسى بن محمد الجواد ( ع ) المعروف بموسى المبرقع لانه كان مبرقعا دائما فورد بقم فأخرجه العرب من قم ثم اعتذروا منه وأدخلوه واكرموه واشتروا من أموالهم له دارا ومزارع وحسن حاله وأشترى من ماله أيضا قرى ومزارع فجاءت إليه أخواته زينب وأم محمد وميمونة بنات الجواد ( ع ) ثم بريهية فدفن كلهن عند فاطمة ، وتوفي موسى المبرقع ليلة الاربعاء ثامن شهر ربيع الاخر من سنة ست وتسعين ومائتين ودفن في الموضع المعروف إنه مدفون ، ومنها قبر محمد بن موسى المبرقع ومنها قبر أبي علي بن أحمد بن موسى المبرقع


24

وقبور كثيرة من السادات الرضوية .

المجلس التاسع شبيهك بدر الليل بل أنت أنور

وخدك ورد بل من الورد أزهر فنصفك ياقوت وثلثك جوهر

وخمسك من مسك وسدسك عنبر فما ولدت حواء مثلك آدما

ولا في جنان الخلد مثلك آخر فيا زينة الدنيا ويا غاية المنى

فمن ذا الذي عن حسن وجهك يصبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رأيت في السماء الثانية ليلة المعراج رجلا صورته على صورة القمر ليلة البدر فقلت لجبرئيل : من هذا ؟ فقال هذا أخوك يوسف الصديق ولقد أعطاه الله الجمال ما هو غير معهود للبشر ، ومن الضياء ، والبهاء ما تكسب عنه الشمس والقمروكان من صباحة وجهه ونضارة خده أن عشقته زليخا أمرأة العزيز وتعلقت به لان يواقعها وهو يقول : معاذ الله إنا من أهل بيت لا يزنون .

ولست من النساء ولست مني

ولا أتي الفجور الى الممات فلا يخطر بقلبك غير شئ

متى يسررك ما دام الحياة وعشقته جميع المخدرات من بنات الاشراف لما رأينه وبعثن إليه يطلبن مواصلتها وقيل ماتت في محبته ثلثمائة وستون بكرا فعجز يوسف وأختار لنفسه السجن ( وقال رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه ) فأختار الله له ما ما أختار لنفسه فلما دخل في السجن ونظر إليه المحبوسين رفعت أصواتهم تبارك الله أحسن الخالقين فأحبه كل أهل السجن حتى إن السجان قال له اني أحبك فقال يوسف : ناشدتك بالله أن لا تحبني لانه ما أحبني أحد إلا وجدت من حبه إياي نوعا من البلاء ما أصابني ما أصابني إلا من الحب الذي أحبتني خالتي فسرقتني وأحبني أبي فحسدني أخوتي وأرادوا قتلي حتب طرحوني في الجب وأحبتني زليخا أمرأة العزيز فحبستني ، حكى أن من حب زليخا ليوسف إنها قصدت يوما فارتسم من دمها على الارض يوسف يوسف قال صاحب الكشاف ولا تعجب من هذا فإن عجائب بحر المحبة كثيرة ومن حب زليخا أن بعثت إلى السجان لما حبس يوسف أن


25

أضرب يوسف حتى أسمع أنينه وصوته وكان السجان أيضا يحبه ولا يرضى بضربه فقال ليوسف أن زليخا أمرتني بكذا وأنا أضرب على الارض وأنت ترفع صوتك فجعل السجان يضرب على الارض وهو يصيح فبعثت زليخا لا تضربه فاني أردت أن أسمع أنينه فسمعت ، ومن حبها له أن كانت تبعث إليه بالطعام والشراب واللباس وترسل إليه يا يوسف يا حبيبي لا تظن إنك معرب بل انت مقرب ، وكان يوسف في السجن في غاية التكريم والتجليل ، وكان مكرما عند المحبوسين لانه يعطيهم ما يحتاجون إليه ويوسع عليهم ان ضاق عليهم المكان ويعالج مريضهم ومع هذا لما طال المكث به في السجن شكىإلى الله من طول الحبس وقال رب ما أستحققت السجن فأوحى الله إليه انت أخترت السجن لنفسك وقلت رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه ولو قلت السلامة والعافية لعوفيت ، شكى يوسف الى الله طول الحبس مع إنه كان في غاية الراحة ونهاية السعة ، ويوسف أهل البيت موسى بن جعفر ( ع ) مع ما ضيقوا عليه غاية التضييق جعل يشكر ربه ويقول اللهم أنك تعلم إنني كنت أسئلك أن تفرغني لعبادتك اللهم وقد فعلت فلك الحمد وسمع منه هذه الكلمات في البصرة لما حبس عند عيسى بن جعفر بن المنصور فحبسه عيسى الخ .

ما الحبس إلا بيت كل مهانة

ومذلة ومكاره لا تنفذ إن زارني فيه العدو فشامت

يبدي التوجع تارة ويفند أو زارني فيه المحب فموضع

يذري الدموع بزفرة تتردد يكفيك أن الحبس بيت لا يرى

أحد عليه من الخلائق يحسد ولما طال مكث يوسف في السجن وشكى الى الله نزل عليه جبرئيل وعلمه هذا الدعاء ودعا بها حتى فرج الله عنه وهي اللهم أن كانت ذنوبي قد اخلقت وجهي عندك فلن ترفع لي اليك صوتا فاني أسئلك بك وأتوجه اليك بوجه آبائي الصالحين ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب أن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا وأرزقني من حيث احتسب ومن حيث لا أحتسب فخرج من السجن في اليوم الثالث من المحرم ولما خرج من السجن كتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الاحياء وشماتة الاعداء ورحقة الاصدقاء مع أن يوسف كان مكرما في الحبس فكيف بمن حبس وهو ذليل حقير مهين مستكين فالموت أروح له من هذه الحياة لانه يموت في كل ساعة ولا يموت فيستريخ ولذا قال بعض الحكماء من طول في الحبس أن في الحبل كان فيه عطبه وهلاكه قال الشاعر :


26

ألا أحد يدعو لاهل محلة

مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا كأنهم لم يعرفوا غير دارهم

ولم يعرفوا غير الشدائد والبلوى كما كتب يوسف هذه منازل البلوى لان البلايا تجتمع فيه لا يذوق الانسان طعم النوم ولا طعم الشرب ولا لذة الطعام ولم يزل حزينا كئيبا لا يدخل عليه أحد ولا يخرج من عنده أحد فكأنه أدخل في القبور وهو حي ولذا كتب يوسف هذه قبور الاحياء فللاحياء قبور وقبورهم الحبس وانشد عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب وهو في حبس الامويين : خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها

فلسنا من الاموات فيها ولا الاحياء إذا دخل السجان يوما لحاجة

عجبا وقلنا جاء هذا من الدنيا ونفرح بالرؤيا وجل حديثنا

إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا فإن حسنت كانت بطيئا مجيئها

وان قبحت لم تنتظر وأنت سعيا وكان السبب في كتابة يوسف هذه الكلمات أطلاعه على أحوال المحبوسين والا هو بنفسه في غاية الراحة والرخاء والنعمة لم يحبس على سبيل الغضب بل على سبيل المحبة ومن اجل ذلك سمي سجنها سجن المحبة دخل السجن عزيزا ومكث فيه عزيزا وأخرج منه عزيزا لان الملك لما أخرج يوسف من السجن امر بتزيين مصر بأنواع الزينة وأرخيت الستور على الحيطان وأرسلت الجواري مكشوفات الوجوه بمجامر عليها أنواع البخور وأرسل المسلك بأستقباله ، وكان بين المصر والسجن أربعة فراسخ وبعث إليه الخلعة فقال يوسف إني لا أخرج من السجن وفيه المحبوسون فأمر الملك بأطلاق الجميع هذا خروج يوسف من الحبس ويوسف أهل البيت موسى بن جعفر ( ع ) دخل في السجن مظلوما ومكث فيه مظلوما وخرج منه مظلوما إذ دخل عليه أربعة من الحمالين وحملوا جنازته وأخرجوه حتى وضعوه على الجسر ببغداد .

وبسجنه كم من أذى قد مسه

لا يستطيع له نبي مرسل لا يوسف الصديق يحكيه وان

جل البلاء فخطب موسى اشكل فليوسف عند الخروج تباشروا

وعليه تاج الملك وهو مكللوابن النبي له خروج مثله

لكنه ميت يلوح ويحمل وقال الشيخ كاظم :


27

ولقد حكى الصديق يوسف إذ ثوى

للسجن محبوسا ببضع سنين لكنما شتان بينهما فذا

قد عاش ازمانا عقيب سجون وهو العزيز بمصره في رفعة

وقرير طرف بالهنا مقرون وغريب بغداد ثوى في سجنه

ناء الديار يحل دار الهون المجلس العاشر قال الله تعالى : ( الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وتحمل أثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس ) من الله تعالى على عباده بخلق المراكب لهم ليحملوا عليها احمالهم وأثقالهم وتكون لهم زينة في دنياهم ، وهي الخيل والبغال والحمير .

الخيل جماعة من الافراس لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط ، وقيل واحده خائل وهي مؤنثة والجمع الخيولة ، وقدم الخيل بالذكر على قسيميها لشرفها عليها ومزيتها عليها زينة وما ورد من الاخبار في مدحها وحسن صفاتها قال رسول الله ( ص ) : الخير معقود بنواصي الخيل قاله لزيد الخيل زيد بن مهلهل من قبيلة طي أسلم على يديه سنة تسع هو وقبيلته ، وكان يسمى زيد الخيل قبلا لكثيرة حبه للخيل أو أضيف إليه لشجاعته وفروسيته ، وكان رجلا طويلا إذا ركب الخيل خطت رجلاه الارض وكان كثير الخيل ، ولما أسلم قال ( ص ) : ما أسمك قال زيد الخيل فقال صلى الله عليه وآله أنا أسميك زيد الخير ولم أغير معنى اسمك الخير كله في نواصي الخيل ، وخلق الله الخيل من ريح الجنوب كما قال أمير المؤمنين ( ع ) : أوحى الله تعالى الى ريح الجنوب اني اخلق منك خلقا اجعله عزا لاوليائي ومذلة لاعدائي وجمالا لاهل طاعتي فقالت الريح : اخلق يا رب منها قبضة فخلق فرسا ثم أوحى الله إليه جعلت الخير معقودا بناصيتك وأيدتك على غيرك من الدواب واعطفت عليك صاحبك ، وجعلتك تطير بلاجناح فأنت للطلب وأنت للهرب ولما خلق واستوت قوائمه على الارض صهل فقال الله عز وجل أذل بصهيلك المشركين واملاء منه آذانهم وأرعب به قلوبهم وأذل به أعناقهم ولنعم ما قال الشاعر : أحبوا الخيل وأصطبروا عليها

فأن العز فيها والجمالا


28

إذا ما الخيل ضيعها اناس

ربطناها وأشركنا العيالا نقاسمها المعيشة كل يوم

ونكسوها البرادع والجلالا ولما عرض الله الاشياء على آدم قال اختر ما شئت من خلق فأختار الخيل فقال الله عز وجل اخترت عزك وعز أولادك خالدا ما خلدوا باقيا ما بقوا ولذا قال رسول الله ( ص ) العز في نواصي الخيل والذي في أذناب البقر وأول من ركب الفرس وأول من ركب الخيل قابيل لما قتل أخاه هابيل ركب فرسا وهرب من خوف أبيه آدم ومن ذلك اليوم استنفرت الدواب من بني آدم لا سيما الفرس وما تمكن أحد من ركوبها الى ايام ابراهيم الخليل ولما رفع ابراهيم قواعد البيت مع ولده اسماعيل كما في الاية إذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل وذلك في الخامس من ذي القعدة أوحى الله اليهما أني معطيكما كنزا أدخرته لكما وهو الخيل ثم أوحى الله الى اسماعيل أن أخرج وأدع بذلك الكنز فصعد على الجبل ودعى الله عز وجل بدعاء علمه جبرئيل فلم تبق فرس بأرض العرب إلا أجابته وأمكنته من نواصيها وتذللت له فركب اسماعيل على فرس منها ومن ذلك اليوم أنسوا بأولاد آدم ولذا قال رسول الله ( ص ) : أركبوا الفرس فانها ميراث اسماعيل وسخرها الله له ولابيه ابراهيم ، وكان ابراهيم يركبها كثيرا وكان يوما من الايام راكبا فرسه ويمشي في البراري والقفار وصل أرض كربلاء فعثرت فرسه وسقط وشج رأسه الخ الخبر ، والخيل لها أسماء كثيرة يقال لها الخيل لخيلائها في مشيها وكل من يركبها يستكبر ويورثه الخيلاء ويقال لها الجواد لانه يجود بنفسه عدوه ونجاة صاحبه ويقال لها الفرس لانها تفترسالارض بسرعة مشيها أو لتفرسها لانها في آخر درجة الحيوانية وأول درجة الانسانية في الفراسة وهي أشبه حيوانا بالانسان في الكرم والشرف وعلو الهمة وقبول التعليم وكان من فراسته لما وصل الحسين ( ع ) الى كربلا وقف جواده ولم ينبعث خطوة حتى ركب ستة افراس وهي تحته لا تخطوه خطوة ومن فراسته لما دخل الحسين ( ع ) المشرعة واقحم الفرس الفرات فلما أولغ الفرس رأسه ليشرب قال ( ع ) : أنت عطشان وأنا عطشان والله لا ذقت الماء حتى تشرب فلما سمع الفرس كلام الحسين ( ع ) شال رأسه ولم يشرب كأنه فهم الكلام فقال الحسين أشرب فأنا أشرب فامتنع الفرس فمد الحسين ( ع ) يده فغرف غرفة من الماء ، ومن فراسته قال أبو مخنف : لما صرع الحسين ( ع ) جعل الفرس يحامي عنه ويثب على الفارس فيخبطه عن سرجه الخ .


29

المجلس الحادي عشر قال الله تبارك وتعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ، ولا يخفى أن للانسان اسامي متعددة من حين تلج فيه الروح الى أن يموت أولها الجنين وجمعها أجنة كما في الاية الشريفة ( وإذا انتم أجنة في بطون أمهاتكم ) وذلك حين ولج فيه الروح ويتحرك بإرادته ويتغذى في بطن أمه ، ثم الوليد وذلك حين ولد ثم الرضيع وذلك في أيام رضاعته ثم الفطيم ككريم هو الذي انتهت مدة رضاعه يقال فطمت الرضيع يعني فصلته عن الرضاع ، والرضيع على ما قال ابن ادريس من كان في الحولين وأن أغتذى بالطعام لان المدة التي ينتهي إليه الرضاع حولين كاملين ، والحول قيل هو السنة ، وقيل هو العام والعام لا يكون إلا شتاء وصيفا فعلى هذا يصير العامين ثمانية عشر شهرا ولذا سئل سعد بن الرضا ( ع ) عن الصبي هل يرضع أكثر من سنتين فقال ( ع ) : عامين قلت فأن زاد على ذلك هل على أبويه شئ ؟ قال الصادق ( ع ) : الرضاع واحد وعشرون شهرا فما نقص فهو جور على الصبي ويؤيده ما في الاية الشريفة وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وهذا مما لا يخفى على البصير إنه لو كان غذاء الطف وأقوى وأحكم وأغذى من اللبن للطفل خلقالله له ذلك ، ولذا يلزم أن يهئ الرجل مرضعة إن فقدت أمه أو ماتت وبقي الطفل بلا لبن وان كانت المرضعة يهودية أو نصرانية إن اضطر ولم يجد غيرها كما روى ابن مسكان عن الجلبي قال : سئلت الباقر ( ع ) عن رجل دفع ولده الى ظئر يهودية أو نصرانية أو مجوسية ترضعه في بيتها أو في بيته قال ( ع ) : ترضعه لك اليهودية والنصرانية وتمنعها من شرب الخمر وما لا يحل مثل لحم الخنزير ولا يذهبن بولدك الى بيوتهن ، والزانية لا ترضع ولدك فأنه لا يحل لك ، والمجوسية لا ترضع لك ولدك إلا أن تضطر إليها ولا يجوز للرجل أن يجبر أمرأة على ارضاع الولد إلا أن تكون أم الولد يعني جاريته ولم تكن حرة ومتى وجد الاب من يرضع الولد بأربعة دراهم وقالت الام : لا أرضعه إلا بخمسة دراهم فإن للاب أن ينزعه منها كما قال الله تعالى ( وأن تعاسرتم فترضع له أخرى إلا أن الاصلح له والارفق به أن يترك مع أمه لانه قال ( ع ) : ما من لبن يرضع به الصبي


30

أعظم بركة من لبن أمه وينبغي أن ترضعه من ثدييه لانه كما قال الصادق ( ع ) : لاحد أزواجه وهي أم اسحاق وهي ترضع أحد أبنيها محمدا واسحاق فقال ( ع ) يا أم اسحاق : لا ترضعيه من ثدي واحد وأرضعيه من كليهما يكون أحدهما طعاما والاخر شرابا ومن هذا يقرب من الاذهان ما رواه الناسخ من أن الحسين ( ع ) لما أقبل بالرضيع الى الاعداء وطلب منهم الماء كأنه توهم أن يقال أن الرضيع لا يحتاج الى الماء وإنما طعامه وشرابه هو اللبن فخاطبهم بهذه الكلمة يا قوم لقد جف اللبن في ثدي أمه ، إن لم ترحموني فأرحموا هذا الطفل الخ .

قال رسول الله ( ص ) : أحبوا الصبيان وأرجموهم وإذا وعدتموهم فوفوا لهم فأنهم لا يرون إلا انكم ترزقونهم ، وظهر من كلامه آخر المواساة بينهم في جميع الاشياء نظر الى رجل له ابنان يقبل أحدهما وترك الاخر فقال ( ص ) له : فهلا واسيت بينهما وقال ( ص ) : من كان عنده صبي فالتصاب له ، والمراد إنه يلعب مع الصبي كما هو المحبوب عنده وهذا دأبه إذا أدخل عليه الحسنان عليهم السلام قال جابر : رأيت الحسنوالحسين عليهم السلام على ظهر النبي ( ص ) وهما يقولان : حل حل والنبي ( ص ) يجشوا لهما ويقول نعم الجمل جملكما ، ونعم الراكبان أنتما ، وروي إنه لهما ذوابتين مزردتين في وسط الرأس قال ابن مسعود رأيت النبي ( ص ) يوما وهو أخذ بكتفي الحسن بكلتا يديه وقدماه على قدم رسول الله ( ص ) ويقول : ترق ترق عين بقة فرقى الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله ( ص ) ثم قال له : افتح فاك ثم قبله وقال اللهم أحبه ثم وضعه وأخذ الحسين ( ع ) كذلك ويقول حزقة حزقة ترق علين بقة فرقى الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله ( ص ) ففعل به ما فعل بالحسن ، وكان يقول الولد ريحانة وريحانتاي من الدنيا الحسن والحسين ، وقال ( ص ) : وان الله عز وجل ليرحم الرجل لشدة حبه لولده وبر الرجل بولده بره بوالديه ، وقال ( ص ) : وان الله عز وجل ليرحم الرجل لشدة حبه لولده وبر الرجل بولده بره بوالديه ، وقال ( ص ) : يلزم الوالدين من عقوق الولد يلزم الولد لهما من العقوق وذلك إذا قعد عن القيام بحقوقهم ولهم حقوق جعلها الله على الوالدين .

منها تسميتهم باسام محبوبة عند الله عز وجل وخيرها وأحبها اسامي محمد ( ص ) وأهل بيته عليهم السلام وألقابهم وكناهم رجالا ونساء على أن ما فيها من الخيرات والبركات قال الرضا ( ع ) : لا يدخل الفقر بيتا فيه اسم محمد أو أحمد أو علي أو الحسن أو الحسين أو جعفر أو طالب أو عبد الله أو فاطمة من النساء ومنها العقيقة في كتاب من لا يحضره الفقيه قال الصادق ( ع ) : العقيقة لازمة لمن كان غنيا ومن كان فقيرا إذا ايسر فعله فأن لم يقدر


31

فليس عليه شئ ، وكل مولود مرتهن بعقيقته ، وفيه ايضا عن موسى بن جعفر ( ع ) العقيقة واجبة إذا ولد للرجل ولد .

وروي فيه ان يعق عن الذكر بأثنتين وعن الانثى بواحدة وما استعمل من ذلك فهو جائز والابوان لا يأكلان من العقيقة وليس ذلك بمحرم عليهم وإن اكلت منه الام لم ترضعه وتطعم القابة الرجل منها بالورك ، فيه ايضا في رواية يعطي القابلة ربعها وانشاء طبخها وقسم معها خبزا ومرقا وان شاء قسمها اعضاء ولا يعطيها إلا لاهل الولاية وعق أبو طالب ( ره ) عن النبي ( ص ) يوم السابع فدعى إليها آل ابي طالب فقال : هذه عقيقة احمد فقال لاي شئ سميته احمد لمحمدة اهل السماء والارض له وفيه ايضا روي عن عمير بن يزيد قال قلت لابي عبد الله ( ع ) : ما ادري أكان أبي عق عني ام لا فأمرني فعققت عن نفسي وانا شيخ ويقال عند العقيقة بعد الاستعاذة التسمية اللهم منك ولك ما وهبت وانت اعطيت اللهم فتقبل منا على سنة نبيك اللهم ( لك سفكت سفكت الدماء لا شريك لك والحمد لله رب العالمين اللهم أخسأ عنا الشيطان الرجيم ( يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت نفسي للذي فطر السماوات والارض حنيفا مسلما وما انا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له بذلك أمرت وأنا من المسلمين ) اللهم منك ولك بسم الله والله أكبر اللهم تقبل من فلان بن فلان ويسمي المولود بأسمه ثم يذبح ومن حقوق الولد إذا كان ذكرا الختان في من لا يحضره عن الصادق ان اختنوا أولادكم يوم السابع يطهروا وأن الارض تضج الى الله من بول الاغلف .

قال الراوي : قلت جعلني الله فداك ليس حجاما في بلدنا حذقا بذلك ، ولا يختنونه يوم السابع وعندنا حجام من اليهود فهل يجوز لليهود أن يختنو أولاد المسلمين أم لا ؟ فوقع ( ع ) يوم السابع فلا تخالفوا السنن إنشاء الله تعالى ويستحب إذا ولد المولود أن يؤذن في اذنه اليمنى ويقام في اليسرى ويحنك بماء الفرات ساعة يولد ويحلق رأسه يوم السابع ويوزن شعره بالذهب أو الفضة ويتصدق فيه أيضا قال ( ع ) : حلق رأسه تطهيره من شعر الرحم كما فعل رسول الله ( ص ) جميع ذلك بولديه الحسن والحسين لما ولدا .

ومن حقوقهم التعليم والتأديب فيه أيضا قال الصادق ( ع ) : دع ابنك يلعب سبع سنين ويؤدب سبع سنين والزمه بنفسك سبع سنين فأن أفلح وإلا إنه ممن لا خير فيه ، ويلزم أن يشرء به في حب أهل البيت ( ع ) ، ويعلمه اساميهم وعددهم وأماتهم وفضائلهم ومناقبهم ، كان


32

جابر بن عبد الله الانصاري ينادي في سكك المدينة وهو يقول علي خير البشر فمن عاداه فقد كفر يا معشر الانصار أدبوا أولادكم على حب علي فمن أبى فانظروا في شأن أمه قال الصادق ( ع ) : من وجد برد حبنا على قلبه فليكثر الدعاء لامه فأنها لم تخن أباه ، وكان الصبي على عهد رسول الله ( ص ) إذا وقع الشك في نسبه عرضت عليه ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فان قبلها الحق نسبه بمن ينتهي إليه وان انكرها نفي ، ولاطفال شيعة علي ومحبيه في الجنة مقامات كريمة ومواهب سنية قال أبو عبد الله ( ع ) : إذا مات طفل من اطفال المؤمنين نادى مناد في ملكوت السماء إلا إن فلان بن فلان قد مات والده أو احدهما أو بعض اهل بيته من المؤمنين دفع إليه يغذونه وإلا دفع الى فاطمة ( ع ) تغذيه حتى يقدم ابواه أو احدهما أو بعض اهل بيته فتدفعه إليهم أقول ساعد الله قلب الزهراء حين دفع إليها رضيع الحسين ( ع ) ورأته مذبوحا من الاذن الى الاذن .

وفي رواية إن الله تبارك وتعالى يدفع الى ابراهيم وسارة اطفال المؤمنين يغذونهم لشجرة في الجنة له اخلاف كاخلاف البقر في قصر من در فإذا كان يوم القيامة البسوا وطيبوا واهدوا الى آبائهم فهم ملوك الجنة مع آبائهم واما ثواب والديهم في مصيبتهم في مسكن الفؤاد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا مات ولد العبد قال الله تعالى : لملائكته اقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم ، فيقول ماذا قال عبدي يقول : حمدك ، واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد وفيه ايضا عن زيد بن اسلم قال مات ولد لداود النبي ( ع ) حزن عليه حزنا شديدا فأوحى الله تعالى الى داود وما كان يعدل عندك هذا الولد قال يا رب كان يعدل ملاء الارض ذهبا قال الله تعالى : ولك عندي يوم القيامة ملاء الارض ثوابا ، وسئل الصادق ( ع ) عن ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لو كان بقى كان صديقا نبيا ، وكان على منهاج ابيه وقال ( ع ) : مات ابراهيم وله ثمانية عشر شهرا فأتم الله رضاعه في الجنة ورضيع الحسين له ستة اشهر فعلى هذا الخبر إن الله اتم رضاعه في الجنة كما في الخبر نودي من الهواء يا حسيندعه فأن له مرضعا في الجنة .


33

المجلس الثاني عشر قال الله عز من قائل : عبدي اطعني حتى اجعلك مثلي اقول للشئ : كن فيكون تقول للشئ كن فيكون ، وفي الخبر العبودية جوهرة كنهها الربوبية ولهذا ترى الانبياء والاولياء والحجج سيما اشرفهم وسيدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واوصيائه عليهم السلام لما أطاعوا الله عز وجل أطاعهم كل شئ حتى البهائم والحيوانات لان الله عرفها قدر أنبيائه وأوليائه فتعرف مناقبهم ومصائبهم وشؤوناتهم وإذا عرضت حاجة تتوسل بهم الى الله تمتثل اوامرهم وعن الحارث الهمداني قال : كنا مع أمير المؤمنين بالكناسة إذ اقبل أسد يهوى من البرية فتضعضعنا له وانتهى الى أمير المؤمنين فطرح نفسه بين يديه خاضعا ذليلا فقال له أمير المؤمنين ارجع ولا تدخلن دار هجرتي وبلغ عني ذلك جميع السباع فإذا عصوا الله في وخلعوا طاعتي فقد حكمت فيهم قال الحارث : فلم تزل جميع السباع تتجافي عن الكوفة وحواليها الى أن قبض علي ( ع ) وتقلدها زياد بن أبيه فلما دخلها سلطت السباع على الكوفة وحواليها حتى أفنت أكثر الناس ، ومن توسلات السباع بأمير المؤمنين ( ع ) أيضا روى الديلمي عن جماعة خرجوا بالليل مختفين الى الغري لزيارته ( ع ) قالوا : فلما وصلنا إلى القبر الشريف بعضنا يقرأ وبعضنا يصلي وبعضنا يزور فإذا نحن بأسد مقبل فقرب منا قدر رمح فتباعدنا من القبر فجاء الاسد وجعل يمرغ ذراعيه على القبر وفيها جراح فلم يزل يمرغها ساعة ثم مضى عن القبر ورجع ، ومن هذا القبيل لا تعد ولا تحصى ، وهذا من البديهيات بان البهائم والسباع عارفة بشئون آل محمد ومقامهم عند الله ويراعون حقوقهم فيهم بل وفي شيعتهم ومحبيهم كما روي عن ابن الاعرابي أن سفينة مولى رسول الله ( ص ) قال خرجت غازيا وركبت البحر فكسر المركب وغرق ما فيه وتعلق أنا بلوح واقبل اللوح يرمي به موجة على جبل في البحر فإذا صعدت وظننت إني نجوت جائتني موجة والقتني في البحر ففعلت بي مرارا حتي جائتني موجة والقتني على ساحل البحر فحمدت اللهعلى سلامتي وخلاصي من الغرق فبينما انا أمشي إذ ابصر بي أسد فأقبل نحوي يزئر وهم أن يفترسني فرفعت يدي الى السماء فقلت : اللهم إني عبدك ومولى نبيك نجيتني من الغرق


34

فتسلط علي السبع فالهمت أن قلت أيها السبع أنا سفينة مولى رسول الله أحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله في مولاه فو الله إنه لترك الزئير واقبل كالسنور وهو يمسح خده بهذه الساق مرة وبهذه الساق أخرى وهو ينظر في وجهي مليا .

ثم طأطأ ولو الى أن اركب فركبت ظهره فجعل يمشي فما كان بأسرع من أن هبط في جزيرة فإذا فيها من الشجر والاثمار وعين عذبة من ماء فدهشت فوقف وأومى الي ان انزل فنزلت فبقي واقفا حذاي ينظر فأخذت من تلك الثمار فأكلت وشربت من ذلك الماء فرويت فعمدت الى ورقة فجعلتها الى مئزر وأتزرت بها وتلحفت بأخرى وجعلت ورقة شبيهة بالمزود فملئتها من تلك الثمار وبللت الخرقة التي كانت معي لاعصرها إذا احتجت الى الماء فأشربه .

فلما فرغت مما أردت اقبل إلى فطأطأ ظهره ثم أومي الي أن أركب فلما ركبت أقبل بي نحو البحر في غير الطريق الذي أقبلت منه فلما صرت على ساحل البحر إذا بمركب سار في البحر فلوحت لهم فأجتمع أهل المركب يسبحون ويهللون لما رأوني راكبا على الاسد فصاحوا يا فتى من أنت أجني أم أنسي ؟ فقلت : أنا سفينة مولى رسول الله ( ص ) وهذا الاسد رعى حق رسول الله ( ص ) في ففعل ما ترون فلما سمعوا ذكر رسول الله ( ص ) حطوا الشراع وحملوا رجلين في قارب صغير فدفعوا الي ثيابا فنزلت عن الاسد ولبست الاثواب ووقف الاسد ناحية مطرقا ينظر ما أصنع فجاء الي رجل وقال أركب ظهري حتى أدخلك الى القارب أيكون السبع أرعى لحق رسول الله من أمته فأقبلت على الاسد فقلت جزاك الله خيرا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فو الله لنظرت الى دموعه تسيل على خده ، ما تحرك حتى دخلت القارب وأقبل يلتفت الي ساعة بعد ساعة حتى غبنا عنه وكانت فضة خادمة الزهراء تعلم هذه القصة وتحفظها حتى يوم عاشوراء وقد قتل الحسين ( ع )وأراد أهل الكوفة أن يطئوا الخيل صدره وظهره أقبلت فضة الى سيدتها زينب قالت : سيدتي إن سفينة كسر مركبه في البحر فخرج الى جزيرة فإذا هو بأسد فقال يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله فهمهم بين يديه حتى أوقفه على الطريق سيدتي فكأني بأسد رابض في قريتنا فدعيني أمضي إليه فأعلمه ما هم صنعوه غدا فقالت : اذهبي وأعلميه فمضت إليه وقالت : يا أبا الحارث فرفع رأسه ثم قالت : أتدري ما يردون أن يعملوا غدا بأبي عبد الله ( ع ) ؟ يردون أن يوطئوا الخيل ظهره فمشى الاسد حتى وضع يده على جسد الحسين وهو يقبله ويبكي فأقبلت الخيل فقام الاسد وزئر زئيرا كادت الارواح أن تخرج من


35

أبدانهم ، فقال لهم عمر بن سعد : فتنة لا تثيروها فانصرفوا واختلف أرباب المقاتل في أن هذه المصيبة جرت على جسد الحسين أم لا ؟ ويظهر من كلام الكليني إنه لم يتيسر لهم قال المجلسي والمعتمد عندي إنه لم يتيسر لهم ذلك أعتمادا على خبر الكافي ويظهر من كلام السيد انهم صنعوا ذلك كما قال في اللهوف ثم أن عمر بن سعد نادى من ينتدب للحسين الخ .

المجلس الثالث عشر قال الله عز من قال : ( وعلمناه منطق الطير ) من الكرامات التي أكرم الله عز وجل بها نبيه سليمان أن علمه منطق الطير وكان يعرف لسان الوحوش والطيور والبهائم والسباع كان ( ع ) يعرف منطق الهدهد ويخبر سليمان بلسانه عن مواضع الماء تحت الارض وأخبره عن بلقيس بقوله : إني وجدت أمرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهو لا يهتدون ) وكان مكتوبا على جناحه بالسريانية آل محمد خير البرية ومسلم عندنا أن نبينا صلى الله عليه وآله أعطي أكثر مما أعطي انبياء الله المرسلين وكلما اعطى نبينا ( ص ) فقد ورث عنه ائمتنا عليهم السلام منها العلم بمنطق الطيور قال محمد بن مسلم سمعت ابا جعفر ( ع ) يقول يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذالهو الفضل المبين قال أبو حمزة : كنت عند علي بن الحسين ( ع ) وعصافير على الحائط أو على شجرة يصحن فقال يا ابا حمزة أتدري ما تقول العصافير ؟ تقدس ربها وتسئله قوت يومها ثم قال علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ .

عن جابر بن يزيد الجعفي قال خرجت مع أبي جعفر ( ع ) الى الحج وانا زميله إذ اقبل ورشان فوقع على عضادتي محمله فهدل وترنم فمددت يدي لاخذه فصاح علي ( ع ) وقال يا جابر مه فأنه استجار بنا فقلت وما الذي شكى اليك ؟ قال : شكى الي إنه يفرخ في هذا الجبل منذ ثلاث سنين وإن حية تأتيه فتأكل فراخه فسئلني أن أدعوا الله ليقتلها ففعلت ، والمقصود أنهم ورثوا من جدهم وأبيهم أمير المؤمنين ( ع ) جميع ذلك .

عن سيد الشهداء ( ع ) قال : كنت مع أبي أمير المؤمنين ( ع ) يوما على الصفا وإذا هو بدارج على وجه الارض في صفا فوقف مولاي


36

بأزائه ، وقال : السلام عليك أيها الدارج فأجابه وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين ، فقال : أيها الدارج ما تصنع في هذا المكان ؟ فقال : يا أمير المؤمنين أنا في هذا المكان منر أربعمائة عام أسبح الله وأقدسه واحمده وأهلله وأكبره واعبده حق عبادته فقال ( ع ) : إن هذا الصفا لا مطعم فيه ، ولا مشرب فمن أين مطعمك ومشربك ؟ فقال يا مولاي : وحق من بعث ابن عمك بالحق نبيا وجعلك وصيا إني كلما جعت دعوة الله لشيعتك ومحبيك فأشبع وإذا عطشت دعوت الله على مبغضيك وظالميك ومنقصيك فأروى وهذه أي الدارج إحدى الطيور التي تلعن مبغضي علي بن أبي طالب ( ع ) ، ومن الطيور التي تلعن مبغضي علي بن أبي طالب ( ع ) القنابر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله خلق خلقا ليسوا من ولد آدم يلعنون مبغضي علي بن ابي طالب .

قال أنس : من هم يا رسول الله ؟ قال : هم القنابر ينادون في الاسحار على رؤس الاشجار الا لعنة الله على مبغضي علي بن أبي طالب .

( بسم الله الرحمن الرحيم )

والسلام على عباده الذين اصطفى ولا ينصر لعنها على مبغضي علي ( ع ) وايضا تلعن قاتل الحسين ، وايضا من الطيور التيتلعن قتلة الحسين عليه السلام الحمام الراعبية كما في الكامل عن داود بن فرقد قال : كنت جالسا في بيت أبي عبد الله الصادق فنظرت الى حمام الراعبي يقر يقر طويلا فنظر الي أبو عبد الله عليه السلام فقال يا داود أتدري ما يقول هذا الطير ؟ قلت : لا والله جعلت فداك قال يدعو على قتلة الحسين عليه السلام فأتخذوه في منازلكم أقول كأني ببنت الحسين فاطمة الصغرى ايضا كانت تعلم وتعرف منطق الطير ، وذلك لما رأت الغراب ملطخا بالدم على جدار البيت جعلت تقول : نعب الغراب فقلت من

ننعاه ويلك يا غراب المجلس الرابع عشر إني أرى رقم البلا في قرن رأسك قد نزل

وأراك تعثر دائما في كل يوم بالعلل والشيب والعلل الكثيرة من علامات الاجل

فأعمل لنفسك أيها المغرور في وقت العمل في الخبر الشيب رائد الموت ونذير الفناء ورسول المنية وقاطع الامنية واول


37

مراحل الاخرة ورائد الانتقال ومركوب للحمام وهو للجاهل نذير ، وللعاقل بشير وهو سمة الوقار ، وشعار الاخيار نعم الشيب شعار للاخيار ولكنه عار على الفجار ونريهم يتزينون بزي الشباب ، وما بلغهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير شبابكم من تزيا بزي كهولكم وشر كهولكم من تزيا بزي شبابكم فعلى هذا الذي تزيا بزي الشبان فهو شر الناس لانه ينزل به الموت وهو يطلب اللهو واللعب والحال إن ينبغي أن يعد نفسه من الاموات ويجيب الملك في ندائه في الخبر أن لله ملكا ينادي في كل يوم يا أبناء الستين عدوا أنفسكم من الموتى ومعناه هو ما قال أمير المؤمنين ولقد نسب إليه : إذا كانت الستون عمرك لم يكن

لدائك إلا أن تموت طبيب وأن امرء قد عاش ستين حجة

الى منهل من ورده لقريب إذا ذهب القرن الذي انت فيهم

وخلفت في قرن وانت غريبيعني إذا بلغت الستين فلا تلتمس العلاج لدائك ولا الشفاء لمرضك وإنما دواء دائك الموت وقد قرب منك ونزل بك نعم الشيب تحدث أمراضا للانسان وأسقاما لا يداويها إلا الموت دخل شيخ من العرب على الحجاج : فسئله الحجاج كيف حالك في الاكل ؟ قال : إن أكلت ثقلت وأن تركت ضعفت .

قال ، وكيف نكاحك ؟ قال : إذا بذلت عجزت وإذا منعت شرهت .

قال وكيف نومك ؟ قال : أنام في المجمع واسهر في المضجع قال : وكيف مشيك ؟ قال : تعقلني الشعرة وتعثرني البعرة فتراه في هذا الحال الذي سرى الشيب في تمام أعضائه قد حصلت له الاخلاق الذميمة كما أخبر بذلك الامام الصادق المصدق يشيب ابن آدم وتشيب فيه خصلتان : الحرص وطول الامل ولا سيما طائفة النسوان فترى المرأة كلما زيد في عمرها زيدت في شهوتها فتراها قد شاب رأسها وهي في تحصيل الحلى والحلل لتتزين بها وتطلب البعل لنفسها إذا لم سكن لها بعل كما قال شيخنا البهائي في الكشكول في وجه تسمية برد العجوز أن عجوزا طلبت من أولادها أن يزوجوها ، فشرطوا عليها أن تبرز الى الهواء سبع ليال ففعلت وماتت في السابعة ، فالحاصل أن الشيب سعادة لبعض ولبعض شقاوة اللهم اختم لنا بالسعادة ونجنا من سوء المنقلب ، ومن الشقاوة أن ترى الانسان قد شاب رأسه وأبيض شعره وهو لا يبالي في أن يعبد ربه أو يعصيه والحال أن الله يستحي من عذابه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله تعالى ، وعزتي وجلالي إني لاستحي من عبدي ، وأمتي يشيبان في الاسلام أن اعذبهما ثم بكى صلى الله عليه وآله وسلم فقيل مم بكاؤك ؟


38

فقال : أبكي لمن استحى الله من عذابهم ، ولا يستحون من عصيانه ويظهر من هذا الخبر أن الشعر من الانسان إذا أبيضت في الاسلام لها قرب عظيم عند الله فنسأله بحرمة تلك الشعرات التي نبتت في الاسلام وأبيضت في الاسلام وخضبت بدم رأسه في الاسلام أن يتوب علينا .

المجلس الخامس عشرلو صيغ من فضة نفس على قدر

لعاد من فضله لما صفا الذهبا ما للفتى حسب إلا إذ اكتملت

آدابه وحوى الاداب والحسبا فأطلب فديتك علما واكتسب أدبا

تظفر يداك به واستجمل الطلبا العبودية جوهرة كنهها الربوبية ، ولا شك أن العبد إذا التزم بوظائف العبودية لله عز وجل واطاع الله حق الطاعة تحصل له مرتبة عظيمة ، ومنزلة كريمة مما لا يصفه الواصفون ، ولا يحصي غايتها القائلون ، وهو مقام الربوبية بمعنى إنه يفعل ما شاء وكيف يشاء وحيثما شاء ولكن بإذن الله وإراته التي يعلم العبد بها ، والى هذا أشار بقوله عبدي اطعنز حتى اجعلك مثلي أو مثلي ، وهذا مما لا يعد فيه إذا تأملنا وحققنا النظر فيه وبرهان ذلك ان الحديدة المحمية تشبه بالنار لمجاورتها ، ويفعل فعلها فلا تعجب من نفس استشرقت واستنارت واستضائت بنور الله فأطاعها الاكوان والازمان والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والارض والسماء ، والانسان والحيوان ، والملائكة والجان يتصرف فيها بما يشاء ويأمر فيها بما يشاء وهي تعطيه في اوامره وهذا المختصر كاف في إثبات ما نحن فيه من المدعى وشواهده كثيرة ، وأما العبودية فهي مرتبة عظيمة لا يكاد يتناولها كل احد وحقيقة العبودية هي ما قال الصادق ( ع ) لعنوان البصري حين دخل عليه فقال ( ع ) : له ليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يضعه الله في قلب من يريد أن يهديه فأن أردت العلم فأطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية وأطلب العلم بأستعماله واستفهم الله بفهمك قال عنوان البصري : قلت يا شريف فقال ( ع ) : قل يا أبا عبد الله قلت يا أبا عبد الله ما حقيقة العبودية ؟ فقال : ثلاثة أشياء أن لا يرى العبد من نفسه فيما خوله الله ملكا لان العبد لا يكون له ملكا بل يرى المال مال الله يضعه حيث أمر الله


39

ولا يدبر العبد لنفسه تدبيرا ، وجعله اشتغاله فيما أمره الله تعالى ، ونهى عنه ولا يدع أيامه باطلا ، وهذا أول درجة المتقين قلت يا أبا عبد الله : أوصني قال : أوصيك بتسعةأشياء فأنها وصيتي لن ير الطريق الى الله تعالى اسئل أن يوفقك لاستعماله ثلاثة منها رياضة النفس ، وثلاثة منها في الحلم ، وثلاثة منها في العلم ، فأحفظها وإياك والتهاون بها قال عنوان : ففرغت قلبي فقال ( ع ) : أما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه فأنه يورث الحمق والبله ، ولا تأكل إلا عند الجوع فإذا أكلت فكل حلالا وسم الله تعالى واذكر حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ملا ابن آدم وعاء شرا من بطنه وان كان ولا بد فشلت لطعامه وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه وأما اللواتي في الحلم فمن قال لك إن قت واحدة سمعت عشرا فقلت : إن قلت عشرا لم تسمع مني واحدة ، ومن شتمك فقل إن كنت صادقا فيما تقول فأسئل الله أن يغفر لي ، وإن كنت كاذبا فأسئله أن يغفرها لك ، ومن وعدك بالخيانة فعده بالنصيحة والدعاء ، وأما اللواتي في العلم فأسئل العلماء ما جهلت ، وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة بين المجمع لا تسأل تعنتا التعنت طلب العنت وهو الامر الشاق أي لا تسئل لغير الوجه الذي ينبغي طلب العلم له كالمغالبة والمجادلة إياك أن تعمل بذلك شيئا وخذ بالاحتياط في جميع أمورك ما تجد إليه سبيلا وأهرب من الفتيا فرارك من الاسد والذئب ولا تجعل رقبتك جسرا للناس قم يا عبد الله عني فقد نصحتك ، ولا تفسد علي وردي فأني رجل ضنين بنفسي والحمد لله رب العالمين يعني بخيل بنفسي بأدع اوقاتي باطلا أو ظنين بالظن بمعني أتهم نفسي في العبودية له عز وجل .

أقول والله لو لم تكن له من العبودية إلا وقوفه ساعة واحدة بين يدي المنصور واللعين يخاطبه ويعاتبه لكفاه في الطاعة والعبودية لله الخ .

المجلس السادس عشر ومن ابناء امير المؤمنين محمد بن الحنفية ويظهر من الاخبار إنه أكبر أولاد أمير المؤمنين بعد الحسنين وأختيهما وأمه خولة بنت جعفر من حي بني حنيفة ورئيس تلك الحي مالك بن نويرة وهم قتلوا وطردوا وشردوا مع انهم على دين الاسلام وذلك


40

كما ورد في مناقب شاذان بن جبرئيل أن أبا بكر انفذ إليهم بقبض الزكاة فأنكروا خلافته وقالوا : لا نسلم الزكاة إلا للنبي أو وصيه وتبين قد قبض وليس له وصي سوى علي بن أبي طالب ( ع ) فان أمرنا أو بعث الينا من يتسلمه منا فها نحن جميعا حاضرون وإلا فلا نعرف احدا سواه فسمع الرجل وبلغه الخبر وانفذ إليهم خالد بن الوليد وأمره بقتالهم وسبي نسائهم ونهب اموالهم ففعل خالد بل واشتد عليهم واوقع الوقيعة وقتل منهم خلقا كثيرا ونهب اموالهم وحمل معه الى المدينة اسرا من الرجال والنساء منهم خولة بنت جعفر الحنفية لما دخلت في المسجد نادت ايها الناس ما فعل رسول الله قالوا : قبض قالت : اله بنية تقصد ؟ قالوا : نعم وهذه حجرته التي فيها قبره فدخلت الحجرة ونادت السلام عليك يا محمد بن عبد الله اشهد انك تسمع الكلام ، وتقدر على الجواب وتعلم أنا سبينا بعد ان نشهد أن لا إله إلا الله وانك رسول الله ، وجلست ناحية فقام طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام وطرحا ثوبيهما عليها : فقالت معاشر ما لكم تصونون حلائلكم وتهتكون حلائل الغير فقالا لها لمخالفتكم الله ورسلوله حتى قلتم إنا نصلي ، ولا نزكي أو نزكي ولا نصلي فقالت لهما : والله ما قالها احد من بني حنيفة وإنا لنضرب صبياننا على الصلاة من التسع وعلى الصيام من السبع ونخرج الزكاة حيث بقي من الحول عشرة ايام ويوصى مريضنا بها لوصيه والله يا قوم ما نكثنا ، ولا غيرنا ولا بدلنا حتى تقتلوا رجالنا وتسبوا نسائنا ثم التفتت الى أبي بكر ، وقالت يا فلان : إن كنت وليت بحق وعلي كان راضيا بخلافتك فلم لا ترسله الينا بقبض الزماة وأمرنا لا نسلمها لك والله ما رضي بذلك ولا يرضى أبدا قتلت الرجال ونهبت الاموال وقطعت الارحام فلا تجتمع معك في الدنيا ، ولا في الاخرة افعل ما انت فاعله ، فضج الناس وقال الرجلان اللذان طرحا ثوبهما عليها لتغالين في ثمنك فقالت أقسمت بالله ربي وبمحمد نبي أن لا يملكني إلا من يخبرني بما رأت أمي في منامها وهي حاملة بي وما قالت لي بعد الولادة وما العلامة التي بيني وبينها ؟ وإلا أن ملكني أحد منكم بقرت بطني بيدي فتذهب نفسي وماله ، ويكون بذلك مطالبا في القيامة فقالوا يا بنية أبديرؤياك التي رأت أمك حتى نعبرها لك فند ذلك دخل أمير المؤمنين في المسجد وسئل ما هذه الرجفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقالوا امرأة من بني حنيفة حرمت نفسها على المسلمين ، وقالت ثمني من يخبرني بالرؤيا التي رأت أمي في منامها فقال أمير المؤمنين ( ع ) اخبروها تملكوها فقالوا بأجمعهم نحن لا نعلم الغيب فقال أبو بكر أخبرها يا أبا الحسن


41

فقال أخبرها واملكها ؟ قالوا نعم فتقدم إليها وقال يا حنفية أخبرك وأملكك فقالت من أنت الجري دون أصحابك ؟ فقال انا علي بن أبي طالب فلما سمعت بذلك قامت وقالت يا علي أما نصبك رسول الله صبيحة يوم الجمعة بغدير خم علما للناس ؟ قال نعم قالت : فو الله نحن من اجلك سبينا ، ومن نحوك اوتينا ومن سبيلك أصبنا لان رجالنا قالوا لا نسلم الصدقات من أموالنا ولا طاعة لانفسنا إلى الى الذي نصبه محمد فينا وفيكم علما فقال أمير المؤمنين أن أجركم لغير ضايع فقال اخبرني يا ابا الحسن بقصتي قال الم تحملك حمل مشوم في زمان غير مبارك فلما كان بعد سبع شهور رأت أمك في منامها كأنها وقد وضعتك وهي تقول لا تتشأمي بي فإني ولد مبارك انشو نشوا حسنا يملكني سيد يولد في وليا مباركا يكون لبني حنيفد عزا فقالت صدقت يا أمير المؤمنين فقل وما العلامة التي بيني وبين أمي فقال ( ع ) لما وضعتك امك كتبت كلامك والرؤيا في لوح من النحاس وأودعته يمنة الباب فلما كان بعد ثمان سنين عرضته عليك وقالت يا بنية إذا نزلت بساحتكم مصيبة من سافك دمائكم وناهب اموالكم وسابي ذراريكم وسبيت فيمن يسبى فخذي هذا اللوح معك واجهدي أن لا يملكك من الجماعة إلا من يخبرك بالرءيا واللوح فقالت صدقت يا أمير المؤمنين قل وأين اللوح الان فقال ( ع ) في عنقك فرفعت اللوح إليه فملكها ثم قالت يا معاشر الناس نفسي كما أمرني أهلي فقال ( ع ) : قد قبلتك زوجة اقول مع أن جميع الناس من الرجال والنساء عبيد لعلي ( ع ) ولادولاده لم يرض علي ( ع ) بأن يقال لها عبدة لانها كريمة قومها أقول : يعز على امير المؤمنين لو نظرت عيناه الى فاطمة بنت الحسين ( ع ) أو بنت عليعليه السلام حين قام الشامي وأشار إليها وقال يا امير هب لي هذه الجارية :


42

المجلس السابع عشر وكان للعباس بن عبد المطلب تسعة من الذكور واكبرهم عبد الله وهو المعروف بابن عباس ، وكان رجلا عالما فقيها بليغا ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وقد كان النبي صلى الله عليه وآله دعا له حين وضع له الماء للطهر فقال : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ومات في سنة مات فيه عبد الملك بن مروان في سنة ثمان وستين وله من العمر إحدى وسبعون سنة ، وكان قد ذهب بصره لبكائه على علي والحسن والحسين ( ع ) وكانت له وفرة طويلة وهو الذي يقول : أن يأخذ الله مني عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور .

قلبي زكى وعقلي غير مدخل

وفي فمي صارم كالسيف مأثور وبعد عبد الله عبيد الله بن العباس ، في مروج الذهب ومات عبيد الله في أيام الوليد ابن عبد الملك في سنة سبع وثمانين ، وكان عبيد الله رجلا جوادا كريما .

روي أن سائلا قد وقف عليه وهو لا يعرفه ، وقال : تصدق علي بما رزقك الله فأني نبئت أن عبيد الله بن العباس أعطى سائلا الف درهم ، واعتذر إليه .

فقال : واين انا من عبيد الله ؟ قال له اين انت من عبيد الله في الحسب أو في كثرة المال ؟ قال فيهما جميعا ان الحسب في الرجل مروته ، وحسن فعله فأذا فعلت ذلك كنت حسيبا فأعطاه الفي درهم واعتذر إليه فقال له السائل : إن لم تكن عبيد الله فأنت خير منه ، وان كنت هو فأنت اليوم خير من امسك فأعطاه أيضا فقال : لان كنت عبيد الله انك لاسمح اهل دهرك ، وما الا من رهط فيهم محمد رسول الله ( ص ) فأسئلك بالله أنت هو ؟ قال : نعم قال والله ما اخطأت إلا بأعتراض الشك بين جوانحي وإلا فهذه الصورة الجميلة والهيئة المنيرة لا تكون إلا في نبي أو عترته ، وذكر ان معاوية وصله بخمسمائة الف درهم ثم وجه له من يعترف له خبره فانصرف إليه فأعلمه إنه قسمها في اخوانه وعشيرته واصدقائه بالسوية وابقى لنفسه مثل نصيب احدهم ، فقال معاوية إن ذلك ليسوءنيويسرني واما الذي يسرني فأن عبد مناف والده واما الذي يسوئني قفاربته من أبي تراب وكان عبيد الله ابن العباس واليا على مكة في زمان امير المؤمنين ( ع ) فلما استوثق الامر لمعاوية ابن


43

أبي سفيان انفذ بسر بن أرطأة الى الحجاز في طلب شيعة أمير المؤمنين ( ع ) فدخل بمكة وطلب عبيد الله بن العباس اولا ، فلم يقدر عليه لانه اخفى نفسه فأخبر ان له ولدين صبيين فبحث عنهما فوجدهما فأخذهما واخرجهما من الموضع الذي كانا فيه ، ولهما ذوابتان فأمر بذبحهما ، فذبحا ومضى من ذلك سنين حتى دخل يوما عبيد الله بن العباس على معاوية وعنده بسر بن ارطاة قاتل الصبيين قال عبيد الله انت قاتل الصبيين ؟ قال : نعم قال : لوددت ان الارض انبتتني عندك يومئذ قال بسر انبتتك الساعة فقال عبيد الله : الا سيف ؟ قال بسر هاك سيفي فلما هوى عبيد الله ليأخذ السيف منه قبض معاوية ، ومن حضر على يد عبيد الله ثم التفت معاوية الى بسر وقال : اخزاك الله قد كبرت وذهب عقلك تدفع الى رجل من بني هاشم سيفك وانت قتلت ابنيه ؟ انت غافل عن قلوب بني هاشم والله لو اخذ لابتدأ بك وثني بي قال عبيد الله : بل ابتدات بك وثنيت به ، وكان امير المؤمنين عليه السلام بالكوفة لما سمع قصة قتل الصبيين بكى بكاء شديدا ودعا على بسر ، وقال : اللهم اسلبه دينه وعقله فأستجيب دعاء امير المؤمنين ( ع ) لان اللعين قد خرف وذهب عقله حتى كان يتمرغ في خرئه ويلعب به ، وربما كان يتناول منه ثم يقبل على من يراه ويقول : انظروا كيف يطعماني ابناء عبيد الله ، وربما شدت يداه الى ورائه منعا من ذلك فيهوى بنفخة ويتناول خرئه بفيه فيبادرون الى منعه فيقول : انتم تمنعونني وابناء عبيد الله عبد الرحمن وقثم يطعماني فلم يزل هكذا حتى هلك عليه لعنة الله ، والناس اجمعين انظروا الى شقاوته وقساوته فرضنا ان اباهما كان مسيئا فما ذنب هذين الصغيرين حتى ذبحمها على صغر سنهما ، ساعد الله قلب امهما ، فلما بلغا ذلك كادت نفها تخرج وهي تلطم على خدها وانشأت هذه الابيات :ها من احس بأبني اللذين هما

كالدرتين تشظا عنهما الصدف ها من احس بابني اللذين هما

سمعي وعيني فقلبي اليوم يختطف اضحا غلى ودجلي طفلي مرهفة

مشحوذة وكذاك الظلم والسرف من دل والهة عبراء مفجعة

على صبيين فانا إذ مضى السلف هذه مصيبة ذكرتني مصيبة يتيمي مسلم بن عقيل .


44

المجلس الثامن عشر لما فرغ امير المؤمنين ( ع ) من غزوة الجمل ونزل بالكوفة في السادس من رجب خطب فقال : الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه واعز الصادق المحق واذل الناكث المبطل ثم إنه ( ع ) وجه جرير بن عبد الله البجلي الى معاوية يدعوه الى طاعته فلما وصل جرير وبلغه الخبر توقف معاوية في ذلك وسكت ثم إنه بعد ذلك امر بأحضار اهل الشام في المسجد وخطب فيهم خطبة ، وقال ايها الناس قد علمتم إني خليفة عثمان وخليفة عمر وقد قتل عثمان مظلوما وانا وليه وابن عمه واولى الناس بطلب دمه فماذا رأيكم فقالوا نحن طالبون بدمه فدعا معاوية عمر بن العاص على ان يطمعه بمصر ليعاونه على الامر وكان عمرو يأمر بالحط والرحل مرارا ، وكان له غلام اسمه وردان فأحضره فأستشاره في ذلك فقال له وردان : تفكر أن الاخرة مع علي والدينا مع معاوية فأنشأ عمرو : لا قاتل الله وردانا وفطتنه

أبدى لعمري ما في الصدر وردان فلما عزم عمرو على مصاحبة معاوية أنشأ ابنه : ألا يا عمر وما أحرزت نصرا

ولا أنت الغداة الى رشاد أبعت الدين بالدنيا خسارا

وأنت بذلك من شر العباد ؟ فكتب الى أهل المدينة كتابا يقول فيه عثمان قتل مظلوما وعلي آوى قتلته فإن دفعتم الينا كففنا عنه وجعلنا هذا الامر شورى بين المسلمين ، كما جعله عمر عند وفاتهفأنهضوا رحمكم الله معنا الى حرب علي .

فأجابه أهل المدينة بهذه الابيات : معاوى أن الحق أبلج واضح

وليس كما ربصت أنت ولا عمرو نصبت لنا اليوم ابن عفان خدعة

كما نصب الشيخان إذ زخرف الامر رميتم عليا بالذي لم يضره

وليس له في ذاك نهي ولا أمر وما ذنبه أن نال عثمان معشر

أتوه من الاحياء تجمعهم مصر ؟ وكان عليا لازما قعر بيته

وهمته التسبيح والحمد والذكر فما أنتما لادر در أبيكما

وذكر كما شورى وقد وضح الامر


45

فما أنتما والنصر منا وإنما

طليق أسارى ما تبوح بها الخمر وكتب معاوية كتابا الى أمير المؤمنين ( ع ) يذكر فيه من الاراجيف ما لا ينبغي ذكره ، فلما وصل الكتاب الى أمير المؤمنين قرأه وقرئ على الناس فقالوا : نحن كلنا قتلنا عثمان لانا كنا منكرين لافعاله ، وساخطين على أعماله .

فأجابه أمير المؤمنين : أما بعد فأني رأيتك قد أكثرت في قتلة عثمان فأدخل فيما دخل فيه المسلمون من بيعتي ، ثم حاكم القوم الى حملك وإياهم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما تلك التي تريدها فانها خدعة الصبي عن اللبن ، ولعمري لان نظرت بعقلك دون هواك لعلمت أني من أبرء الناس من دم عثمان ، ولتعلمن أني كنت في عزلة إلا أن تتجنن فتجن ما بدا لك ، وقد علمت انك من أبناء الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة .

فلما وصل الكتاب الى معاوية وقرأه تغير لونه وكان قيس بن سعد حاضرا وأنشأ يقول : ولست بناج من علي وصحبه

وان تك في جابلق لم تك ناجيا فكتب الى أمير المؤمنين ( ع ) : ليت القيامة قد قامت فترى المحق من المبطل فأجابه ( ع ) : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ، وجاء رجل من الشام الى أمير المؤمنين فسأله ما الخبر ؟ فقال الرجل : ان أهل الشام يلعنون قاتل عثمان ويضعون قميص عثمان بينهموينظرون إليه ويبكون .

فقال ( ع ) : ما قميص عثمان بقميص يوسف ، ولا بكاؤهم كبكاء أولاد يعقوب .

واعجباه ينظرون الى قميص عثمان فيحزنون ويبكون ، وينظرون الى رأس الحسين عليه السلام والاسارى من أهل بيت رسول الله وهم يظهرون الفرح والسرور والانبساط ويضحكون : رأس ابن بنت محمد ووصيه

للناظرين على قناة يرفع والمسلمون بمسمع وبمنظر

لا منكر منهم ولا متفجع رقت قلوبهم على قميص عثمان وما رقت قلوبهم على بنات رسول الله ( ص ) ولنعم ما صنع بهم أمير تيمور وحقيق بالحمد والثناء ما فعله بهم ففي التواريخ إنه لما استقر الملك للسطان أمير تيمور ، وشرق في البلاد وغرب ، وخرب من دياد أهل العناد ما خرب ، ذكر ما صنعه أهل الشام بعترة نبيهم ، ودخول عيال الحسين ونسائه على يزيد وما فعل أهل الشام من اللهو والضطرب ، وشربهم الخمور ، فجعل قلبه يتوقد نارا منهم


46

وغيظا وحنقا عليهم ثم ركب حتى دخل الشام فذلت له صعابهم ، وخضعت لديه رقابهم وانقاد له كبيرهم وصغيرهم ، فلما دخلوا عليه وعاينوا منه سوء الخلق ، وظهر لهم منه امارة العداوة والبغضاء ، أرادوا أن يتقربوا إليه بما يزيل ذلك عنهم فتقدم رئيسهم فقال : يا أمير نريد أن نزوجك إبنة فلان ، وهي ابنة حاوية للحسن والجمال ، والعقل والكمال وهي لا تليق إلا بك .

فقبلها منهم بعدما بالغوا في حسنها وجمالها ، ثم أمرهم ان يأخذوها الى الحمام ، وامرهم أن يزينوا الاسواق ويأخذوا باللهو واللعب والطرب ، وأن يحضروا أسباب العرس ، فأخذوها الى الحمام وأسباب العرس خلفها ، فدعا الملك بخادمه وقال له : خذ ناقة مهزولة غير موطئة ولا مرحولة ، وامض بها الى باب الحمام فإذا خرجت البنت فأركبها على الناقة ودر بها في الشوارع والمشارع ، ولا تدع أحدا يستر وجهها من النظارفامتثل الخادم أمره ومضى بالناقة الى الحمام ووقف بالباب في جمع من رؤسائهم وهم لا يشعرون بذلك فلما نظروا الى الخادم والناقة في يده قالوا : ما تريد أن تصنع بهذه الناقة ؟ فأخبرهم بما أمره الملك به وأنه فاعل ذلك ، فلما سمعوا كلامه شق عليهم ذلك واستعظموا ذلك الفعل الشنيع ، فجعلوا ينظرون بعضهم الى بعض ، ثم رجعوا الى الملك فقالوا : أصلح الله الامير ما الذي يريد أن يصنع خادمك ؟ وما ندري أنه يكذب عليه ام يصدق ؟ ولا ينبغي لمثلك ان يكذب عليك .

فقال : ويلكم وما الذي يزعمه خادمي ؟ قالوا : كذا وكذا قال : أمرته بذلك قالوا : كيف تأمره بمثل ذلك وهذا أمر لا يرضي الله ورسوله ولا كان في الجاهلية ولا أحد فاعل مثل هذا الفعل ؟ ثم أعولوا بالضجيج بين يديه .

فقال : ويلكم يا أهل الشام إن هذا العمل غير قبيح لديكم ، وإنما هو عادتكم وسجيتكم ، وقد فعلتم ما فعلتم قبل هذا بعترة نبيكم .

فقالوا : يا أمير هذه البنت من أشرف أهل الشام حسبا ونسبا ، وأعلاهم مرتبة وأعفهم ذيلا ، وإنما هي ابنة ملكنا .

فلما انتهى كلامهم الى هنا شق أمير تيمور جيبه وبكى حتى غشي عليه ، فلما أفاق من الغشوة قال : يا ويلكم يا أتباع يزيد وأولاد اتباعه ، اعلموني واخبروني أي ملك أكرم من رسول الله ؟ وأية بنت أعف من بنات أمير المؤمنين ؟ وهي في شوارعكم واسواقكم ، وانتم ونساؤكم خرجتم تتفرجون عليهن وانتم تعلمون أنهن بنات رسول الله نبيكم ، ويلكم اخبروني أما كان الحسين حجة الله وابن حجته وقد رأيتم عياله سبايا على النياق من بلد الى بلد ؟ : فمن بلدة تهدى الى شر بلدة

ومن ظالم تهدى الى شر ظالم


47

المجلس التاسع عشر في مسكن الفؤاد للشهيد قدس سره عن أبي قدامة الشامي قال : كنت أميرا على الجيش في بعض الغزوات فدخلت بعض البلدان فدعوت الناس ورفبتهم في الجهاد وذكرت فضل الشهادة وما لاهلها ، ثم تفرق الناس وركبت فرسي ومضيت الى منزلي ، وإذا أنابأمرأة من أحسن الناس تنادي : يا أبا قدامة .

فمضيت ولم أجب .

فقالت : ما هكذا كان الصالحون : فوقفت ، فجاءت ودفعت لي رقعة وخرقة مشدودة وأنصرفت باكية فنظرت في الرقعة فإذا مكتوب فيها : يا أبا قدامة أنت دعوتنا الى الجهاد ، ورغبتنا في الثواب ، ولا قدرة لي على ذلك ، فقطعت أحسن ما في وهما ضفيرتاي ، وانفذتهما اليك لتجعلها قيد فرسك ، لعل الله تعالى يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي ، فلما كان صبيحة يوم القتال فإذا غلام بين يدي الصفوف يقاتل حاسرا ، فتقدمت إليه فقلت : يا فتى غلام غر راجل ولا آمن أن تجول عليك الخيل فتطأك بأرجلها ، فارجع عن موضعك هذا فقال : يا أبا قدامة أتأمرني بالرجوع وقد قال الله عز وجل ( يا ايها الذين آمنو إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ) وقرأ الاية الى آخرها ، فحملته على هجين كان معي فقال : يا أبا قدامة أقرضني ثلاثة أسهم .

فقلت : هذا وقت قرض ؟ فما زال يلح علي حتى قلت بشرط من الله عليك بالشهادة أكون معك وفي شفاعتك .

قال : نعم فأعطيته ثلاثة أسهم فوضع سهما في قوسه ورمى به وقتل روميا ، ثم رمى بالاخر وقتل روميا ، ورمى بالثالثة فقتل به روميا .

ثم قال : السلام عليك يا أبا قدامة سلام مودع فجاءه سهم فوقع بين عينيه ، فوضع رأسه على قربوس سرجه فتقدمت إليه وقلت : لا تنس ما عاهدتني عليه .

فقال : نعم ولكن لي اليك حاجة إذا دخلت المدينة فات والدتي وسلم خرجي وأخبرها بشهادتي فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به فرسك ، وسلم لي عليها فهي في العام الاول اصيبت بوالدي ، وفي هذا العام بي .

ثم مات الغلام فحفرت له حفيرة ودفنته فلما همت بالانصراف عن قبره قذفته الارض فالقته على ظهرها ، فقال أصحابه : غلام غر ولعله خرج بغير إذن أمه .

فقلت : إن الارض لتقبل من هو شر من هذا


48

فقمت وصليت ركعتين ودوت الله فسمعت صوتا يقول : يا أبا قدامة أترك ولي الله فما برحت حتى نزلت عليه الطيور فأكلته وتركت عظامه فدفنها .

فلما أتيت المدينة ذهبت الى دار والدته ، فلما قرعت الباب خرجت أخته إلى فلما رأتني عادت أمها وقالت :يا أمناه هذا أبو قدامة وليس معه أخي .

وقد أصبنا في العام الاول بأبي ، وفي هذا العام بأخي .

فخرجت أمه وقالت : أمعزيا ام مهنيا ؟ فقلت : ما معنى هذا ؟ فقالت : إن كان مات ولدي فعزني ، وان كان قتل فهنني ! ! قلت : لا بل مات شهيدا .

فقالت له .

علامة فهل رأيتها ؟ قلت : نعم لم تقبله الارض ونزلت الطيور فأكلته ومزقت لحمه وتركت عظامه فدفنتها .

فقالت .

الحمد لله .

فسلمت إليها الخرج ففتحته وأخرجت منه مسحا وغلا من حديد ، وقالت : إنه كان إذا جنه الليل لبس هذا المسح ، وغل نفسه بهذا الغل ، وناجى مولاه ونادى في مناجاته .

إلهي أحشرني في حواصل الطيور ، وكان هذا الشاب قد بلغه قول رسول الله صلى الله عليه وآله سولم في حمزة لما وقف عليه يوم أحد قال صلى الله عليه وآله وسلم لولا إني أحذر نساء نساء عبد المطلب لتركت عمي حمزة تأكله السباع والطيور ، ويحشر يوم القيامة من بطون السباع والطيور .

فاستجاب الله دعاء الشاب .

وما أشبه هذا الشاب وحال أمه بالشاب الذي خرج يوم عاشوراء لنصرة الحسين وأمه من خلفه ، في الناسخ وهو ابن مسلم بن عوسجة .

المجلس العشرون في التواريخ : إن كنية بهلول أبو ذهب ، واسمه بهلول بن عمر ، كان من أهل الكوفة والمشهور أنه مجنون ، ويظهر من الاخبار أنه تجنن وإلا فهو فاضل عالم عاقل إمامي المذهب والسبب في تجننه أن هارون الرشيد أراد منه أن يتولى قضاوة بغداد فلما تجنن قال الرشيد : ما جن ولكن فر بدينه ، وأما لما روى من أن الخليفة لما سعى الناس إليه بأن الصادق ( ع ) يريد الخروج على الخليفة استفتى العلماء في إباحة قتله ( ع ) فكل منهم أفتى له إلا بهلول فانه أتى الى الامام وحكى له القصة فأمره باظهار الجنون ، وكان يأوى الى المقابر وله كلمات حسنة وأشعار رائقة منها .


49

يا من تمتع بالدنيا وزينتها

ولا تنام عن اللذات عيناه شغلت نفسك فيما ليس تدركه

تقول لله ماذا حين تلقاه قال الرشيد لبهلول : أتحب أن تكون خليفة ؟ قال : لا وذلك اني رأيت موت ثلاث خلفاء ولم ير الخليفة موت بهلولين وفي الاثر أن رجلا من علماء المخالفين قال يوما لبهلول : إنه ورد في الحديث الصحيح أن يوم القيامة توضع أعمال الاول والثاني في كفة الميزان ، وأعمال سائر الخلائق في كفة أخرى فترجح أعمال الشيخين على أعمال الخلائق فقال بهلول : إن كان هذ الحديث صحيحا فالعيب في الميزان .

وفي بعض الكتب أن بهلول أتى الى المسجد يوما وأبو حنيفة يقرر للناس علومه فقال في جملة كلامه : أن جعفر بن محمد تكلم في مشائل ما يعجبني كلامه فيها الاولى يقول : إن الله سبحانه موجود لكنه لا يرى لا في الدنيا ولا في الاخرة ، وهل يكون موجود لا يرى ؟ ما هذه إلا تناقض .

الثانية إنه قال : إن الشيطان يعذب في النار مع أن الشيطان خلق من النار فكيف يعذب الشئ بما خلق منه ؟ الثالثة إنه يقول : ان أفعال العباد مستندة إليهم مع أن الايات دالة على أنه تعالى فاعل كل شئ .

فلما سمعه بهلول أخذ مداة وضرب بها رأسه وشجه ، وصار الدم يسيل على وجهه ولحيته ، فبادر الى الخليفة يشكو من بهلول ، فلما أحضر بهلول وسئل عن السبب قال للخليفة : إن هذا الرجل غلط جعفر ابن محمد ( ع ) في ثلاث مسائل : الاولى أن ابا حنيفة يزعم أن الافعال كلها لا فاعل لها إلا الله فهذه الشجة من الله تعالى وما تقصيري ؟ الثانية انه يقول : كل شئ موجود لا بد أن يرى فهذا الوجع في رأسه موجود مع انه لا يرى أحد .

الثالثة انه مخلوق من التراب وهذه المداة من التراب وهو يقول : إن الجنس لا يتعذب بجنسه فكيف يتألم من هذه المداة ؟ فأعجب الخليفة كلامه وتخلص من شجة أبي حنيفة .

ولما انصرف الرشيد من الحج لقيه بهلول في الطريق فناداه ثلاثا بأعلى صوته : يا هارون ، يا هارون .

فقال : من هذا ؟ قيل .

بهلول المجنون .

فقال الرشيد .

من أنا ؟ قال أنت الذي لو ظلم أحد في المشرق وأنت في المغرب سألك الله عن ذلك يوم القيامةفبكى الرشيد .

وقال .

هل لك من حاجة ؟ قال .

نعم أن تغفر لي ذنوبي وتدخلني الجنة .

فقال الرشيد .

ليس هذا بيدي ولكن أقضي دينك .

قال .

الدين لا يقضى بالدين إذ أموال الناس إليهم .

قال .

نأمر لك برزق يأتي اليك الى أن تموت .

قال .

نحن عبدان لله


50

أيذكرك وينساني ؟ .

ودخل بهلول يوما على الرشيد وهو يدعو ويقول في دعائه : اللهم أن عبدك لا يخلو من حالين إما منعم عليه بنعمة يجب الشكر عليها ، أو مبتلى بمصيبة يجب الصبر عليها .

فقال بهلول : لو أن انسانا .

وأولجه في استك ، أهذه نعمة يجب الشكر عليها أم مصيبة يجب الصبر لديها ؟ فتحير هارون ، ولم يرد جوابا .

قيل : أن بهلول أتى يوما الى قصر هارون الرشيد فرأى المسند والمتكأ الذي هو مكان هارون خاليا فجلس في مكانه لحظة ، فرآه الخدم والحجاب فضربوه وسحبوه من مكان الخليفة فلما خرج هارون من داخل قصره رأى بهلول جالسا يبكي فسأل الخدم فقالوا .

جلس في مكانك فضربناه وسحبناه .

فزجرهم ونهرهم وقال له .

لا تبك .

فقال يا هارون ما أبكي على حالي ولكن أبكي على حالك ، أنا جلست في مكانك هذا اللحظة الواحدة فضربوني هذا الضرب الشديد وأنت جالس طول عمرك فكيف يكون حالك غدا ؟ يعني هذا مكان ينبغي أن يجلس فيه من يعدل في الرعية وينصف في القضية ويقسم بالسوية ، وانت لست بأهل .

نعم والله كان اللعين فاسقا فاجرا ، ظالما سفاكا ، فاتكا ولا سيما بالنسبة الى العلويين والسادات ، ولقد قتل منهم ستين علويا في ليلة واحدة ، وإذا ظفر بأحدهم جعله في جوف اسطوانة ويبني عليه ، وقد صنع بأمامنا موسى بن جعفر ما صنع حتى قتله بالسم مظلوما مسموما شهيدا غريبا في الحبس الخ .

المجلس الحادي والعشرونتنبأ رجل في زمن المتوكل فلما احضر بين يديه قال .

أنت نبي ؟ قال .

نعم .

قال .

فما الدليل على صحة نبوتك ؟ قال : القرآن العزيز يشهد نبوتي في قوله تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح .

وانا اسمي نصر الله قال : فما معجزتك قال ائتوني بأمرأة عاقرا انكحها تحبل بولد يتكلم في الساعة ويؤمن بي .

فقال المتوكل لوزيره الحسن بن عيسى : أعطه زوجتك حتى نبصر كرامته .

فقال الوزير : أما أنا فاشهد أنه نبي الله وإنما يعطي زوجته من لا يؤمن


51

به .

فضحك المتوكل واطلقه .

وأتي المأمون برجل ادعى النبوة فقال له ألك علامة ؟ قال علامتي اني أعلم ما في نفسك اني كاذب قال : صدقت .

ثم أمر به الى السجن فأقام فيه أياما ثم أخرجه فقال : هل اوحي اليك بشئ ؟ قال : لا قال : ولم ؟ قال : لان الملائكة لا تدخل الحبوس .

فضحك منه وخلي سبيله .

وأتي بأمرأة تنبأت في أيام المتوكل فقال لها : أنت نبية ؟ قالت 6 نعم قال أتؤمنين بمحمد ؟ قالت : نعم قال فانه صلى الله عليه وآله وسلم قال لا نبي بعدي .

قالت : فهل قال لا نبية بعدي .

( وفي زهر الربيع ) تنبأ رجل في زمن المعتصم فلما أحضر قال الى من بعثت ؟ قال : اليك .

قال : أشهد انك لسفيه أحمق .

قال : إنما يبعث الى كل قوم مثلهم .

فضحك المعتصم وأمر له بشئ .

وتنبأ رجل في خلافة المأمون فقال له : ما انت ؟ قال نبي أنا ، قال فما معجزتك ؟ قال : سل ما شئت .

وكان بين يديه فقال : هذا القفل فأفتحه .

فقال له : أصلحك الله لم أقل لك إني حداد ، قلت اني نبي فضحك المأمون واستتابه وأعطاه شيئا .

وادعى ايضا رجل في ايام المأمون إنه ابراهيم الخليل فقال له المأمون : إن معجزة الخليل القاؤه في النار فنحن نلقيك في النار لنرى حالك .

قال : فبرهان موسى هو انه ألقي العصا فصارت ثعبانا .

قال : هذه أصعب من الاولى ، قال : فبرهان عيسى احياء الموتىقال : مكانك قد وصلت ، أنا أضرب رقبة القاضي يحيى بن أكثم وأحييه لكم الساعة فقال يحيى .

أما انا فأول من آمن وصدق .

فضحك المأمون واعطاه جائزة .

وأيضا كان في زمن المأمون رجل يدعي النبوة فقال .

المأمون ليحيى بن اكثم .

قم نمضي الى هذا المتنبي لعلنا نسمع نادرة .

فلما دخل المأمون عليه جلس عن يمينه وجلس يحيى بن أكثم عن شماله فقال له المأمون : إخبرنا عما ينزل عليك اليوم فقال .

إن جبرويل أتاني الساعة من السماء وقال لي .

يدخل عليك رجلان يجلس أحدهما عن يمينك والاخر عن شمالك .

فالذي يجلس عن شمالك ألوط حلق الله وكان قد عرفهما .

فقال المأمون .

أشهد أن قولك الحق .

( في المستطرف ) أن رجلا ادعى النبوة فاتى به الى بعض الخلفاء فقال له ما معجزتك ؟ قال .

ما شئت قال .

أريد بطيخا .

قال .

امهلني ثلاثة أيام .

قال .


52

لا أمهلك .

فقال : أعطاك الله الانصاف ، الله سبحانه وتعالى مع كمال قدرته يخلق البطيخ في ثلاثة أشهر ، وأنا ما تمهلني ثلاثة أيام .

فضحك واستتابه .

وأيضا ادعى رجل النبوة في أيام الرشيد فلما مثل بين يديه قال له : ما الدليل على نبوتك ؟ قال : سل ما شئت قال : اريد أن تجعل هذه المماليك المرد ملحى .

قال : كيف يحل لي أن أغير هذه الاشكال الحسنة ؟ وإنما أجعل أصحاب اللحي مردا في ساعة واحدة فضحك الرشيد وعفا عنه .

وادعى في زمن رسول الله النبوة اثنان ، احدهما رجل وهو مسيلمة والاخرة امرأة وهي سجاح ، وورد في الاخبار : أن مسيلمة الكذاب أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم ثم ارتد ورجع الى اليمامة فأفسد بها ، وادعى النبوة ، وكتب الى رسول الله ( ص ) من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ( ص ) أما بعد : فان الارض لي ولك نصفان فلا تعتد علينا ، وكان أهل اليمامة يأتون مسيلمة بأولادهم ويقولون : إن محمدا يمسح يدهعلى رؤس صبياننا فكان كل من يمسح على رأسه يصير أقرع .

واتاه أهل الابار يشكون قلة مائها ، وقالوا إن رسول المدينة يمج الماء من فيه في الابار ويدعو لها فيطفوا ماؤها ففعل مسيلمة فيبست الابار .

فقالوا : كيف إذا ؟ قال : إن المعجزة خرق العادة فاما أن يكون من هذا الطرف أو من ذلك الطرف .

ومن مزخرفات مسيلمة : إن الذين يغسلون ثيابهم ولا يجدون ما يلبسون أولئك هم المفلسون .

ولما انتشر مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلن مسيلمة بنبوته وتابعه أكثر أهل اليمامة فارسل إليه أبو بكر خالد بن الوليد في جيش كثير فحاصروه ، وتفرد بقتله أبو دجانة وحشي وكان وحشي يقول : قتلت خير خلق الله حمزة بن عبد المطلب ، وقتلت شر خلق الله مسيلمة .

فكما أنه أفرح المؤمنين بقتل مسيلمة كذلك أحزن المؤمنين بقتل حمزة ، ولا سيما سيدنا رسول الله ، حتى قيل .

ما من يوم أشد على رسول الله من يوم قتل حمزة .

ولما وقف عليه يوم أحد أختنق بعبرته وبكى وقال .

لك الحمد وانت المستعان واليك المشتكى ثم قال .

لن أصاب بمثل حمزة أبدا ، والله ما وقفت موقفا قط أغيظ علي من هذا المكان .

أقول : وقف بعد ذلك موقفا اغيظ على قلبه من ذلك الموقف فمتى ليلة الحادي عشر من المحرم حين وقف على ولده الحسين فرآه وقد قطع الشمر رأسه ، وقد قطع الجمال يديه ورضت الخيل صدره .


53

أحسين هل وافاك جدلك زائرا

ورآك مقطوع الوتين معفرا ؟ المجلس الثاني والعشرون من جملة الالقاب المخصوصة بأمير المؤمنين ( ع ) ( الساقي ) لان منصب السقاية في يوم القيامة مخصوصة به كما في زيارته .

السلام على ميزان الاعمال ومقلب الاحوال وسيف ذي الجلال ، وساقي سلسبيل الزلال .

وأيضا في زيارته الاخرى : الشديد البأس ، العظيم المراس ، المكين الاساس ، ساقي المؤمنين بالكاس ، من حوض الرسول المكين الامينوالاخبار في ذلك قد بلغت حد التواتر من رواة الشيعة والسنة ، وورد في تفسير هذه الاية الشريفة وسقاهم ربهم شرابا طهورا .

يعني سيدهم علي بن أبي طالب ، لان الرب كثيرا يستعمل بمعنى السيد والمولى ، والكوثر نهر أعطاه الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ﴿ إنا اعطيناك الكوثر واختصه به وبعترته وشيعتهم ومحبيهم ، وهو يجري من تحت العرش وينصب فيه شعبتان من الجنة : إحداهما من تسنيم ، والاخرى من معين ، ماؤه أشد بياضا من الثلج ، وأحلى من العسل ، وألين من الزبد وأزكى من العنبر ، وأصفى من الدمع ، حصاه الر والزبرجد والمرجان ، ترابه المسك الاذفر ، حشيشه الزعفران قواعده تحت عرش الله ، عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب ، ونعم ما قال السيد اسماعيل الجمري : حوض له ما بين صنعاء الى

أيلة والعرض له أوسع ينصب فيه علم للهدى

والحوض من ماء له مترع يفيض من رحمته كوثر

أبيض كالفضة أو أنصع حصاه ياقوت ومرجانة

ولؤلؤ لم تجنه إصبع بطحاؤه مسك وحافاته

يهتز منها مونق مربع أخضر ما دون الورى ناظر

وفاقع أصفر أو أنصع فيه أباريق وقد حانه

يذب عنها الرجل الاصلع يذب عنها ابن أبي طالب

ذبا كجربي إبل شرع


54

إذا دنو منه لكي يشربوا

قيل لهم : تبا لكم فارجعوا دونكم فالتمسوا منهلا

يرويكم أو مطعما يشبع هذا لمن والى بني أحمد

ولم يكن غيرهم يتبع فالفوز للشارب من حوضه

والويل والذل لمن يمنع وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكوثر لعلي بن أبي طالب ( ع ) ، فلما فرغ من توصيفه ضرب يده على جنب علي ( ع ) وقال : يا أبا الحسن إن هذا النهر لي ولك ولمحبيك من بعدي ، ترد شيعتك على الحوض رواء مرويين ، ويرد عليك أعداؤك ظمأ مقمحين وتذود عنه من ليس من شيعتك ، لم يشرب أحد منه فيظمأ ، ولا يتوضأ أحد منه فيشعث ولا يشربه إنسان أخفر ذمتي أي نقض عهدي ، ولا من قتل أهل بيتي ، وفي رواية قال صلى الله عليه وآله وسلم .

أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة ، وتذود عنه الرجال كما يذاد البعير الصادر عن الماء ، والحسين ( ع ) في احتجاجه على أهل الكوفة قال .

بم تستعجلون دمي وأبي الذائد عن الحوض ؟ قال الحميري .

ألا أيها اللاحي علينا دع الخنا

فما انت من تأنيبه بمصوب أتلحى أمير الله بعد أمينه

وصاحب حوض شربه خير مشرب ؟ وحافاته در ومسك ترابه

قد حاز ماء من لجين ومذهب متى ما يرد مولاه يشرب وان يرد

عدو له يرجع بخزي ويضرب قال أمير المؤمنين ( ع ) .

أنا مع رسول الله ومع عترتي على الحوض ، فمن أرادنا فليأخذ بقولنا ، وليعمل عملنا ، فان لكل أهل نجيبا ولنا نجيب ، ولنا شفاعة ، ولاهل مودتنا شفاعة ، فتنافسوا في لقائنا على الحوض ، فو الذي فلق الحبة وبرئ النسمة لاقعمن بيدي هاتين أعداءنا إذا وردته شيعتنا نذود عنه اعداءنا ، ونسقي منه أحباءنا وأولياءنا ، ومن شرب منه شربة ، لم يظمأ بعدها ابدا ، وهل شرب منه أحد في الدنيا ؟ نعم شبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي الاكبر قال .

يا أبه هذا جدي قد سقاني الخ .

اؤمل في حبه شربة

من الحوض تجمع أمنا وريا إذا ما وردنا غدا حوضه

فأدنى السعيد وذاد الشقيا متى يدن مولاه منه يقل :

رد الحوض أشرب هنيئا مريا وان يدن منه عدو له

يذده على مكانا قصيا


55

وهل رأى الكوثر أحد بعينه في الدنيا ؟ نعم في البحار عن عبد الله بن سنان قال : سألت ابا عبد الله الصادق ( ع ) عن الكوثر فقال لي : تحب أن تراه ؟ قلت .

نعم جعلت فداك .

فأخذ بيدي وأخرجني الى ظهر المدينة ، ثم ضرب برجله فنظرت ليا نهر يجري لا تدرك حافتيه إلا الموضع الذي نحن فيه قائم فكنت أنظر الى لذلك النهر وفي جانبه ماء أبيض من الثلج ، ومن جانبه الاخر لبن أبيض من الثلج ، وفي وسطه خمرا أحسن من الياقوت ، فما رأيت شيئا أحسن من تلك الخمر بين اللبن والماء ، فقلت له : جعلت فداك من أين يخرج هذا ؟ فقال : هذه العيون التي ذكرها الله في كتابه أنهار في الجنة عين من ماء وعين من لبن وعين من خمر تجري في هذا النهر ، ورأيت حافيه عليها أشجار فيهن حوريات معلقات برؤوسهن شجرات ، ما رأيت شيئا أحسن منهن وبأيديهن أوان ما رأيت آنية أحسن منها ، فدنى ( ع ) من إحداهن ، وأومى بيده إليها لتسقيه فنظرت إليها وقد مالت لتغرف من النهر ، فمال الشجر معها ، فاغترفت وناولته وشرب ، ثم أشار إليها لتسقيني فمالت لتغرف فمالت الشجرة معها ، ثم ناولته فناولني فشربت شرابا ما ألذ منه وكانت رائحته رائحة المسك ، فنظرت في الكأس فإذا فيه ثلاثة ألوان من الشراب ، فقلت له جعلت فداك ما رأيت اليوم قط ، ولا كنت أرى فقال لي : هذا أقل ما أعده الله لشيعتنا ، إن المؤمن إذا توفي صارت روحه الى هذا النهر ، ورعت في رياضة ، وشربت من شرابه ، وإن عدونا إذا توفي صارت روحه الى وادي برهوت ، فاخلدت في عذابه واطعمت من زقومه .

واسقيت من حميمه ، فاستعيذوا بالله من ذلك الوادي .

هذا أقل ما أعد الله لاعداء آل محمد ومبغضيهم .

لا سيما الذين ظلموهم وطردوهم وقاتلوهم وأسروهم .

وغصبوا حقوقهم .

منهم معاوية بن أبي سفيان ( لع ) أتدري ما أعد الله له من العذاب ؟ في البحار قال الصادق ( ع ) : كنت أسير مع أبي في طريق مكة ونحن على ناقتين .

فلما صرنا بوادي ضجنان خرج علينا رجل في عنقه سلسلة يسحبها ملكفقال .

يا بن رسول الله أسقني ماء سقاك الله .

فتبعه رجل يجذب السلسلة وقال .

يا بن رسول الله لا تسقه لا سقاه الله .

فالتفت الي أبي ( ع ) فقال : يا جعفر عرفته ؟ قلت : لا .

فقال .

هذا معاوية ( لع ) .

أقول .

وكأني بامامنا الباقر ( ع ) لما نظر إليه ذكر أن هذا اللعين هو الذي سقى عمه الحسن سما قتالا ، فبقي في جوفه حتى قطع جميع أحشائه خرج كبده قطعة قطعة الخ .


56

المجلس الثالث والعشرون في مدينة المعاجز للمرحوم السيد هاشم البحراني قدس سره ، عن الواقدي .

كان هارون الرشيد يقعد للعلماء في يوم عرفة ، فقعد ذات يوم وحضره العلماء وهم سبعون رجلا فيهم الشافعي ، ومحمد بن الحسن ، وأبو يوسف ، قال الواقدي .

فدخلت في آخر الناس فقربني حتى أجلسني بين يديه ، فالتفت الرشيد الى الشافعي وقال .

يا بن عمي كم تروي في فضائل علي بن أبي طالب ( ع ) ؟ فقال اربعماءة حديث أو أكثر .

قال له .

قل ولا تخف قال .

يبلغ خمسماءة وتزيد .

ثم قال لمحمد بن الحسن .

كم تروي يا كوفي في فضائله ؟ قال : ألف حديث أو أكثر فأقبل على أبي يوسف ، وقال له .

كم تروي يا كوفي في فضائله أخبرني ولا تخش ؟ قال .

يا أمير المؤمنين لولا الخوف لكانت روايتنا في فضائله اكثر من أن تحصى .

قال .

ممن قال .

منك ومن أموالك وأصحابك .

قال .

أنت آمن فتكلم واخبرني كم فضيلة تروي فيه ؟ قال .

خمسة عشر ألف خبر مسندا ، وخمسة عشر الف حديثا مرسلا .

قال الواقدي .

فأقبل علي وقال .

ما تعرف في ذلك ؟ قلت مثل مقالة أبي يوسف .

قال الرشيد .

لكني أعرف له فضيلة رأيتها بعيني وسمعتها بأذني أجل من كل فضيلة تروونها أنتم واني لتائب الى الله تعالى مما كان مني في أمر الطالبية ، ونسلهم فقلنا : وفق الله الامير وأصلحه إن رأيت أن تخبرنا بما عندك قال : وليت عاملي يوسف بن الحجاج بدمشقوأمرته بالعدل في الرعية والانصاف في القضية ، فاستعمل ما أمرته فرفع إليه أن الخطيب الذي بدمشق كلما يخطب يشتم عليا وينقصه ، فأحضره وسأله فأقر له ، فقال : وما حملك على هذا ؟ قال الخطيب .

لان عليا قتل آبائي وسبى الذراري ، فلذلك لحق الحقد في قلبي فقيده وغلله وحبسه ، وكتب إلي فأمرته بحمله الي ، فلما مثل بين يدي زجرته وصحت به ، قلت انت الشاتم لعلي بن أبي طالب ؟ قال .

نعم ولا أفارق ما أنا عليه .

قلت .

لماذا ؟ قال .

لانه قتل آبائي .

قلت .

ويلك إنما قتل من قتل وسبى ما سبى بأمر الله ورسوله فدعوت بالسياط وأمرته بالضرب فجلده مائة سوط ، فأكثر الصياح والاستغاثة وبال


57

في مكانه ، ثم أمرت غلماي بأن ألقوه في بيت ، وأغلقوا الباب عليه .

فلما كان الليل صليت العتمة وبقيت ساهرا افكر في أمره ، وقتله بأي نحو بالذبح أو القطع أو الحرق أو بضرب السوط ، حتى غلبني النوم فإذا انا بباب السماء قد انفتح وإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد هبط ، وعليه خمسة حلل ، ثم هبط علي وعليه ثلاث حلل ، ثم هبط الحسنان وعلى كل واحد حلتان ، ثم نزل جبرئيل وعليه حلة واحدة ، ومع جبرئيل كاس كأصفى ما يكون من الماء ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أعطني الكاس .

فأعطاه فنادى بأعلى صوته .

يا شيعة محمد وآله .

فأجابه من حاشيتي وغلماني وأهل الدار أربعون نفسا أعرفهم كلهم ، وكان في الدار أكثر من خمسة آلاف إنسان فسقى اولئك النفر من الماء فصرفهم .

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : أين الدمشقي ؟ فانفتح الباب وخرج الدمشقي فلما رآه علي ( ع ) أخذه وقال يا رسول الله .

هذا يظلمني ويشتمني من غير سبب .

فقال : خله يا أبا الحسن ، ثم قبض النبي ( ص ) على زنده بيده وقال .

أنت الشاتم لعلي بن أبي طالب .

فقال : نعم قال : اللهم امسخه وامخقه وانتقم منه .

قال فتحول من ساعته كلبا ورد الى البيت كما كان وصعد النبي ، ومن معه الى السماء فانتبهت فزعا مرعوبا ، وأمرت باخراجه فإذا هو كلب فقلت كيف رأيت عقوبة ربك ؟ فأومى برأسه كالمعتذر ، وأمرت برده وها هو فيالبيت ، ثم نادى وأمر باخراجه ، وقد أخذ الغلام باذنه فإذا اذناه كأذني الانسان وفي صورة الكلب ، فوقف بين أيدينا يلوك بلسانه ، ويحرك شفتيه كالمعتذر .

قال الشافعي للرشيد : هذا مسخ ، ولست آمن من أن يحل العذاب به فأمر باخراجه عنا فأخرجه فرد الى البيت ، فما كان بأسرع من ان سمعنا وجبة وصيحة فإذا صاعقة قد سقطت على سطح البيت فأحرقته وأحرقت البيت فصار رمادا ، وعجل بروحه الى نار جهنم .

قال الواقدي : فقلت للرشيد يا أمير المؤمنين .

هذه معجزة عظيمة وعظت بها فاتق الله في ذرية هذا الرجل .

قال الرشيد : أنا تائب الى الله تعالى مما كان مني ، وأحسنت توبتي لكن وأنى تنفع التوبة ؟ وقد سم إمامنا موسى بن جعفر ( ع ) بعد أن حبسه مدة طويلة من سجن الى سجن الخ ، وانى تنفعه التوبة من صنع بذراري علي وفاطمة ما صنع ؟ حتى قتل منهم في ليلة واحدة ستين نفسا كما ذكر في محله ، وشرد منهم في البلدان ما لا يحصى ألا لعنة الله على القوم الظالمين .


58

المجلس الرابع والعشرون في الناسخ والبحار حج الحسين ( ع ) في العام السابع والخمسين من الهجرة ومعه عبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن عباس ، وجماعة من بني هاشم ، وشيعته ومواليه ، فخطب يوما بمني وقد حضر أكثر من ألف من الصحابة والتابعين فحمد الله واثنى عليه .

ثم قال اما بعد فان هذا الطاغية يعني معاوية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم ، وإني اريد ان اسألكم عن أشياء فان صدقت فصدقوني ، وان كذبت فكذبوني اسمعوا مقالتي واكتموا قولي ثم ارجعوا الى امصاركم وقبائلكم من آمنتموه ، ووثقتم به فاعوه الى ما تعلمون ، فاني اخاف ان يندرس هذا الحق ويذهب ﴿ والله متم نوره ولو كره الكافرون انشدكم الله اتعلمون ان علي بن ابي طالب كان اخا رسول الله حين آخى بين اصحابه فآخى بينه وبين نفسه وقال : انت اخي وانا اخوك في الدنيا والاخرة ؟ قالوااللهم نعم .

قال : انشدكم الله هل تعلمون ان رسول الله اشترى مسجده ومنازله فابتناه ثم ابتنا فيه عشرة منازل تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لابي ثم سد كل باب شارع الى المسجد غير بابه ، ثم نهى الناس ان يناموا في المسجد غير ابي ، وكان يجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول الله ، فولد رسول الله فيه اولاده ؟ قالوا : اللهم .

نعم .

قال : افتعلمون ان عمر بن الخطاب حرص على كوة قدر عينه يدعها من منزله الى المسجد فأبى عليه ثم خطب فقال : ان الله امرني ان ابني مسجدا طاهرا لا يسكنه غيري وغير اخي وابنيه ؟ قالوا : اللهم نعم قال : انشدكم الله اتعلمون ان رسول الله ( ص ) نصبه يوم غدير خم فنادى له بالولاية وقال فليبلغ الشاهد الغائب ؟ قالوا اللهم نعم .

قال : أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله لما دعى الاسقف من أهل نجران الى المباهلة لم يأت إلا به وبصاحبته وابنيه ؟ قالوا اللهم نعم .

قال : أنشدكم الله أتعلمون إنه دفع إليه اللواء في يوم خيبر ثم قال : لادفعنه الى رجل يحبه الله


59

ورسلوله ، ويحب الله ورسوله ، كرار غير فرار يفتح الله على يديه ؟ قالوا : اللهم نعم قال : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه بسورة براءة وقال : لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني ؟ قالوا اللهم نعم .

قال أتعلمون أن رسول الله ( ص ) لم تنزل به شدة قط إلا قدمه لها ثقة به ، ولم يدعه باسمه قط إلا ويقول : يا أخي أو ادعوا لي اخي ؟ قالوا : اللهم نعم قال : أتعلمون أنه كان له من رسول الله كل يوم خلوة وكل ليلة دخلة إذا سئله اعطاه وإذا سكت ابتداه ؟ قالوا : اللهم نعم .

قال : أتعلمون أن رسول الله ( ص ) فضله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة : زوجتك خير أهل بيتي أقدمهم سلما ، وأعظمهم حلما ، وأكبرهم علما ؟ قالوا : اللهم نعم قال : أتعلمون أن رسول الله ( ص ) قال : أنا سيد ولد آدم ، وأخي علي سيد العرب وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، والحسن والحسين ابناي سيدا شباب أهل الجنة ؟ قالوا :اللهم نعم .

قال : أتعلمون أن رسول الله ( ص ) قال في آخر خطبة خطبها إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي فتمسكوا بهما لن تضلوا ؟ قالوا : اللهم نعم ، وما أشبه كلامه في هذا المقام بما احتج به يوم عاشوراء على أهل الكوفة أو يوم السادس من المحرم على ما روى السيد ابن طاووس الخ .

المجلس الخامس والعشرون في مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني قدس سره : خطب أمير المؤمنين ( ع ) بالكوفة وقال : ويحخ الفرخ فرخ آل محمد ، وريحانته ، وقرة عينه بني هذا الحسين من ملك متمرد جبار ، يملك بعد أبيه ، فقام إليه الاحنف بن قيس التميمي ، وقال : ما اسمه يا أمير المؤمنين ؟ قال : يزيد بن معاوية يؤمر على قتل الحسين عبيد الله بن زياد على الجيش ، ويرسله الى حربه ، وهو ينزل بالكوفة ولا يزال يرسل بالعساكر فتكون وقعتهم بنهر كربلا في غربي الفرات ، فكأني أنظر الى مناخ ركابهم ، ومحط رحالهم وإحاطة جيوش أهل الكوفة بهم ، وإعمال سيوفهم ورماحهم ، وقسيهم في جسومهم


60

ودمائهم ولحومهم ، وقتل الشيوخ والكهول والاطفال والشبان ، وسبي أولادي وذراري رسول الله ، وحملهم على شر الاقتاب ، فقام إليه الاشعث بن قيس ( لع ) وكان مقاليا ومعاديا لامير المؤمنين ( ع ) وقال : يا بن ابي طالب ما ادعى رسول الله ( ص ) ما تدعيه من العلم من اين لك هذا الخبر ؟ قال له امير المؤمنين : ويلك يا اشعث ان ابنك محمد والله من قوادهم ، وشمر بن ذي الجوشن ، وشبث بن ربعي ، وعمرو بن الحجاج وعمر بن حريث ، كذلك ، فأسرع الاشعث في قطع الكلام ، وقال : يا بن أبي طالب أفهمني ما تقول حتى أجيبك .

فقال : ويلك هو ما سمعت .

فقال اللعين : يا بن أبي طالب ما يساوي كلامك عندي تمرتين .

وولى وخرج من المسجد ، وما عاد بعد ذلك ، وقام الناس ومدا أعناقهم الى أمير المؤمنين ليأذن لهم في قتله ، فقال لهم : مهلا يرحمكم اللهوالله إني لاقدر على قتله منكم ولكن لا بد أن تحق كلمة العذاب على الكافرين .

ومضى الاشعث ( لع ) وتشاغل في بنيان داره بالكوفة ، وبنى في داره مأذنة عالية فكان إذا ارتفعت أصوات مؤذن امير المؤمنين في جامع الكوفة صعد الاشعث مأذنته فنادى نحو المسجد وهو يخاطب أمير المؤمنين بهذا الخطاب : يا رجل ما قلت ليس بحتم إنك ساحر كذاب ، ولا يلتفت إليه أمير المؤمنين ( ع ) حتى إذا اجتاز ( ع ) يوما بخطة الاشعث في جماعة من أصحابه واللعين على ذروة بنيانه ، فلما بصر بأمير المؤمنين أعرض بوجهه فقال أمير المؤمنين : ويلك يا أشعث ما أعد الله لك من عنق النار ؟ فقال له أصحابه يا أمير المؤمنين وكيف عجلت له النار في الدنيا قبل الاخرة ؟ قال ( ع ) : لانه كان لا يخاف الله ويخاف النار فعذبه الله بالذي كان يخاف منه .

فقالوا : يا أمير المؤمنين واين يكون عنق النار هذه ؟ قال ( ع ) : في هذه الدنيا والاشعث فيها ويسأل : بم صرت معذبا بهذه النار ؟ فيقول : بشكي في محمد ، وبغضي لعلي بن أبي طالب ، وكراهتي لبيعته وخلافته وخلافي عليه ، وخلعي بيعته ، ومبايعتي للضب دونه فيتركونه ويتبرون منه ، ومن شقاوته ويكفيك أن اللعين هو بنفسه اشترك في دم أمير المؤمنين ، وابنته جعدة سمت الحسن حتى رمى كبده في الطشت قطعا قطعا ، وابنه محمد بن الاشعث اشترك في قتل مسلم بن عقيل وأعطاه الامان حتى أخذه اسيرا ثم بعد ذلك شرك في قتل الحسين ( ع ) وخرج من الكوفة في جيش عظيم الخ .


61

المجلس السادس والعشرون واعلم أن الفصاحة والبلاغة تعتمد على أمرين : هما مفردات الالفاظ ومركباتها أما المفردات فهي أن تكون سهلة غير وحشية ولا معقدة ، وأما المركبات فحسن المعنى وسرعة وصوله الى الافهام ، واشتماله على الصفات التي باعتبارها فضل بعض الكلام على بعض ، وتلك الصفات هي الصناعة التي سماها المتأخرون بالبديع ، ولا شبهة انكلاهما موجودة في كلمات مولانا أمير المؤمنين ( ع ) ولا توجدان في كلمات غيره من الفصحاء والبلغاء ، وان كان قد أعمل فيها فكره ، وأجال فيها رويته ، كيف وقد كان روحي له الفداء سيد الفصحاء وإمام البلغاء ، ولا شك في أنه أفصح من كل ناطق بلغة العرب من الاولين والاخرين إلا ما كان من كلام الله سبحانه وكلام رسول الله ( ص ) وكفاك ما قال السيد الرضي : كان أمير المؤمنين هو مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ومنه ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ، وحسبك أنه لم يدون لاحد من فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دون له ، وقال ابن أبي الحديد : وكان علي ( ع ) من أبلغ الناس وأفصحهم للقول والكتابة ، يضم اللفظة الى اختها ألم تسمعوا قول شاعر لشاعر وقد تفاخر گ وقال احدهما : أنا اشعر منك لاني اقول البيت وأخاه ، وأنت تقول البيت وابن عمه ؟ ثم قال : ألا ترى ما في كلمات علي بن أبي طالب من ان كل لفظة منها اخذت بعنق قرينتها ، جاذبة إياها الى نفسها دالة عليها بذاتها ؟ منها ما قال ( ع ) : هل من مناص أو خلاص ، أو معاذ أو ملاذ ، أفرارا أو بحار ؟ وقوله ( ع ) : اين من جد واجتهد ، وجمع واحتشد ، وبني وشيد ، وفرش ومهد ، وزخرف ونجد ؟ فهل سمع السامعون من الاولين والاخرين بمثل خطبه وكلامه ؟ وقال أهل الدواوين : لولا كلام علي بن أبي طالب وخطبه وبلاغته في منطقه ما أحسن أحد أن يكتب الى أمير اجند ولا الى رعيته ، ويحق ما قال معاوية لمحفن النبطي لما قال له : جئتك من عند أعي الناس قال معاوية : يا بن اللخناء العلي تقول هذا ؟ وهل سن الفصاحة لقريش غيره ؟ وبعض البلغاء يسميه فصيح قريش نزل روحي له الفداء يوما من المنبر فقال له أصحابه :


62

يا أمبر المؤمنين ما سمعنا احدا قد أبلغ منك ولا أفصح ولا أعرب كلاما .

فتبسم وقال عليه السلام : ما يمنعني وأنا مولدي بمكة ؟ ولم يزدهم على هاتين الكلمتين .

عن الرضا ( ع ) اجتمع اصحاب النبي ( ص ) فتذاكروا أي الحروف أدخل في الكلامفاجتمعوا على أن الالف ارتجالا : حمدت من عظمة منته ، وسبغت نعمته وسبقت غضبه رحمته ، وتمت كلمته ونفذت مشيته ، وبلغت حجته ، وعدلت قضيته الخ ثم ارتحل الى خطبة اخرى من غير نقطة وأولها : الحمد لله أهل الحمد ومأواه ، وله اوكد الحمد وأحلاه ، وأطهر الحمد واسماه ، وأكرم الحمد وأولاه الى آخرها .

أقول : ان اهل الكوفة ملات أسماعهم من صوت علي وفصاحته وبلاغته خمس سنين ، وبعد ذلك لم يستمعوا الى تلك الفصاحة والبلاغة من أحد إلا من الحوراء زينب عليها السلام حين خطبت الخطبة المعروفة حتى قال علي بن الحسين ( ع ) : يا عمة اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار ، وانت بحمد الله عالمة غير معلمة ، وفاهمة غير مفهمة ، ان الحنين والبكاء لا يرد من قد اباده الدهر ، فسكتت .

قال بشير بن خذيم الاسدي : ونظرت الى زينب بنت علي ( ع ) ولم ار والله خفرة انطق منها ، كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين ( ع ) ، وقد أومأت الى الناس ان اسكتوا فارتدت الانفاس وسكنت الاجراس ، ثم قالت : الحمد لله والصلاة على أبي محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الاخيار أما بعد : يا أهل الكوفة ويا أهل الختل والغدر الخ .

المجلس السابع والعشرون في إكمال الدين للصدوق ( ره ) عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) قال : لما بايع الناس عمر بعد أبي بكر أتاه رجل شاب من اليهود وكان من علمائهم وأحبارهم ، يروون انه من ولد هارون اخي موسى ، فقال يا أمير المؤمنين : أيكم اعلم بعلم نبيكم وبكتاب ربكم حتى أسألكم عما اريد ؟ قال : فأشار عمر الى علي ( ع ) فقال : هذا فتحول الرجل الى أمير المؤمنين ( ع ) وقال : انت كذلك ؟ فقال : نعم سل عما تريد .

فقال : إني أسألك


63

عن ثلاثة وواحدة ! فقال له أمير المؤمنين ( ع ) : لم لا تقول إني اسئلك عن سبع قال : لا إنما أسألك عن ثلاثة ، فان أصبت فيهن سألتك عن ثلاثة بعدها ، فان أصبت فيها سألتك عن الواحدة ، وان أخطأت في الثلاثة الاولى لم أسألك عن شئ .

فقال امير المؤمنين ( ع ) : بالله الذي لا إله إلا هو لان اجبتك بالحق والصواب لتسلمن ولتدعن اليهودية فحلف اليهودي وقال : ما جئتك إلا مرتدا أريد الاسلام .

فقال ( ع ) : يا هاروني سل عما بدا لك تخبر قال : أخبرني عن أول شجرة نبتت على وجه الارض ، وعن أول حجر وضع على وجه الارض .

فقال له أمير المؤمنين ( ع ) : أما سؤالك عن أول شجرة نبتت على وجه الارض ، فان اليهود يزعمون أنها الزيتونة وكذبوا إنما هي النخلة ، وهي العجوة هبط بها آدم ( ع ) معه من الجنة فغرسها ، وأصل النخلة كله منها ، واما قولك أول عين نبعت ععلى وجه الارض فان اليهود يزعمون أنها العين التي نبعت ببيت المقدس تحت الحجر وكذبوا ، وإنما هي عين الحياة التي انتهى فتاه موسى فتاه إليها فغسل فيها السمكة المالحة فحييت ، وليس من ميت يصيب من ذلك الماء إلا وحيي ، وكان الخضر ( ع ) على مقدمة ذي القرنين يطلب عين الحياة فوجدها الخضر ( ع ) وشرب منها ولم يجدها ذو القرنين .

وأما قولك أول حجر وضع على وجه الارض فان اليهود يزعمون أنه الحجر الذي ببيت المقدس يعني الصخرة فكذبوا إنما هو الحجر الاسود هبط به آدم من الجنة معه فوضعه على الركن والناس يستلمونه ، وكان أشد بياضا من الثلج في أسود من خطايا بني آدم قال اليهودي صدقت ، فأخبرني كم لهذه الامة من إمام هدى هادين مهديين ، لا يضرهم خذلان من خذلهم ؟ واخبرني أين منزل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة ؟ واخبرني من معه من أمته في الجنة ؟ فقال ( ع ) : أما قولك كم لهذه الامة من إمام هدى : فان لهذه الامة اثني عشر إماما هادين مهديين لا يضرهم خذلان من خذلهم ، وأما قولك اين منزل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة ففي أفضلها وأشرفها ، وهي جنة عدن في وسط الجنان ، وأقربها من عرش الرحمن جل جلاله ، وأما قولك من معه في الجنة فهؤلاء الاثني عشر أئمة الهدى .

قال الفتى : صدق فو الله الذي لا إله إلا هو انه لمكتوب عندي باملاء موسى وخط هارون أخبرني كم يعيش وصي محمد ( ص ) من بعده ؟ وهل يموت موتا أو يقتل قتلا ؟ قال ( ع )


64

يا هاروني أنا وصي محمد ( ص ) وأعيش بعده ثلاثين سنة ثم ينبعث أشقيها اشقى من عاقر ناقة ثمود فيضربني ضربة ها هنا في مفرقي فيخضب منه لحيتي ثم بكى ( ع ) بكاء شديد فصرخ الفتى وقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وانك وصي رسول الله .

اقول : اقول لما تذكر ( ع ) انه يضرب على رأسه الشريف ضربة بكى بكاء شديدا ولكنه لما وقعت الضربة على رأسه الشريف لم يتأوه .

بل صبر واحتسب وقال بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله فزت ورب الكعبة .

أيها الناس قتلني ابن اليهودية قتلني عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله .

المجلس الثامن والعشرون لما هاجر النبي ( ص ) الى المدينة وبايعه أهلها كتب كتابا الى علي ( ع ) وكان يومئذ بمكة يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبديه محمد رسول الله الى علي ابن أبي طالب .

أما بعد يا علي ان كنت تسأل عن الانصار فجزاهم الله عني خيرا فلقد أتوني بمفاتيح دورهم .

وبذلوا انفسهم دوني .

فإذا وصلك كتابي فاحمل الي الفواطم وهلم أنت معن ، والسلام ثم طوى الكتاب وختمه بخاتمه الشريف وأعطاه الى رجل من أصحابه يقال له زيد بن حارثة ، وقال له سر به ليلا واكمن نهارا مخافة أن تظفر بك قريش فيمزقون الكتاب ويقتلونك .

فسار زيد بالكتاب حتى قدم مكة فسأل عن دار علي بن أبي طالب فأرشد إليها .

فطرق الباب فخرج إليه علي ( ع ) وفتح له الباب ، وقال : ما وراءك ؟ قال : كتاب .

فأخذه وفضه وقرأه وعرف معناه ووضعه على عينيه ، وقال : السمع والطاعة لله ولرسوله .

ثم ادخل الرجل الى المنزل .

وأحضر له الطعام والشراب وبقي عنده .

وبلغ الخبر الى عمومته أنه ( ع ) يريد المسير الى النبي ( ص ) ويريد حمل الفواطم فقالوا : كيف ترون ونخاف أن قريشا يتبعونه ولربما يقتلونه ؟ فقال بعضأعمامه نكتب الى خزاعة فيمدونه بالخيل والرجال حتى يوصلوه الى يثرب .

فبعثوا الى خزاعة فأقبلوا على خيولهم .

وكان أمير المؤمنين ( ع ) خارجا يتمشى في طريق مكة ، فلما


65

نظر علي ( ع ) الى الخيل قال : ما بالكم وما الذي له جئتم ؟ فقالوا : إن عمومتك أرسلوا إلينا لنمدك بالخيل والرجال حتى نوصلك الى يثرب .

قال ( ع ) : ارجعوا فو الله لئن دنى منكم دان لاعقرن فرسه .

فرجعوا على أعقابهم .

ثم ان أمير المؤمنين ( ع ) أقبل حتى صعد على الصفا ، ونادى يا معاشر قريش إني خارج غداة غد بالفواطم فمن أراد منكم أن يتبعني فليفعل .

ثم نزل وصعد على المروة وفعل مثل ذلك .

فلما أصبح الصباح حمل الفواطم وسار قاصدا الى المدينة فاجتمعت قريش .

وقالوا : هذا ابن أبي طالب قد خرج من بين أظهرنا وقد أورثنا الذل والعار ثم دخلوا الكعبة وخروا سجدا للاصنام وسألوها النصر على علي ( ع ) وكان فيهم حنظلة ابن أبي سفيان دخل الى الاصنام .

وخر ساجدا لها وسألها النصر على علي ( ع ) ثم خرج ونادى : يا معاشر قريش هذا ابن أبي طالب خرج من بين أظهركم .

وقد أورثكم .

الذل والعار وها انا آخذ عليه الطريق وممانعه فالتفت إليه أبو سفيان وقال : كذبت يا لكع الرجال ما أنت بكفو له وما أنت بكفه إلا عصفور بيد صقر .

أنسيت مبيته على فراش ابن عمه ؟ قال : لا بد لي من ذلك ولو دخل بيوتات يثرب لاخرجنه ولاقتلنه .

ثم نادى : يا معاشر قريش أسرجوا خيولكم والجموها .

ففعلوا ذلك وخرجوا في طلب أمير المؤمنين ( ع ) .

وكان ( ع ) مر براعي ابل فقال له إذا سألك عني أحد فقل ها هو قريبا متوانيا في مشيه فاقبلت قريش حتى مروا بذلك الراعي فقالوا له هل رأيت رجلا من صفته كذا وكذا معه خمسة هوادج ؟ قال : لعلكم تعنون علي بن أبي طالب ( ع ) ؟ قالوا : بلى قال : ها هو قريب منكم .

وكان علي ( ع ) يسمع كلامهم فانقض عليهم ، فلما رأوه قال بعضهم :هذا سالك طريق .

وقال بعضهم : هذا قاصد اليكم ، فقال أبو جهل : اما الركبة فقرشية وأما الشمائل فهاشمية ، وأما القامة فمضرية ، وما أحسبه إلا علي بن أبي طالب ، وكان أمير المؤمنين ( ع ) ملثما فأرخى لثامه ، وقال : ها أنا ذا قد جئتكم ما تريدون ؟ فتقدم إليه أبو جهل وقال : يا بني نحن وأنتم من شجرة واحدة ، ومن قطع بعض أنامله وجد الالم في جميع مفاصله ، يا بني دع الضغائن ولا تعرض بنفسك الى الموت ! قال له : يا أبا جهل اما قولك نحن وانتم من شجرة واحدة فنعم ولكن ميزنا الله عنكم بقوله عز من قائل : ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا .


66

وأما قولك ان ادع الضغائن هيهات لو اجمعت الجن والانس لما قدروا على ذلك ثم نظر علي ( ع ) الى وجه فاطمة بنت رسول الله فرآها قد اصفر وجهها فحمل ( ع ) على القوم ، وقلب الميمنة على الميسرة وقتل منهم جماعة ورجعت الخيل يدق بعضهم بعضا حتى دخل مكة اولهم الكعبة ثم رجع امير المؤمنين ( ع ) وقال : يا فاطمة يا بضعة رسول الله أيصفر وجهك وانا ابن عمك علي بن ابي طالب ؟ فقالت : ما خبا من كنت وراء ظهره .

هذا يوم نظر فيه على وجه فاطمة .

وقد اصفر لونها فسكن روعتها فيا للعجب كيف اخذه قرار حين عصروها بين الحائط والباب ؟ ثم سار امير المؤمنين ( ع ) بالفواطم الى المدينة وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل يوم يخرج خارج المدينة الى مسجد قبا ينتظر قدوم علي ( ع ) فخرج ذات يوم على عادته المستمرة وإذا براكب مقبل من ناحية مكة .

فلما اقبل قال له رسول الله ( ص ) : هل رأيت رجلا صفته كذا وكذا ؟ قال : لعلك تعني علي بن ابي طالب ؟ قال : ها هو قريب منك سيقدم في هذه الساعة .

فوقف النبي ( ص ) ينتظر قدومه فما كانت إلا هنيئة .

وإذا به ( ع ) قد اقبل إليه مهرولا فلما نظر إليه أمير المؤمنين ( ع ) نزل من على متن جواده .

واستقبل رسول الله ( ص ) حتى اعتنقه وقبلهوجعل كل منهما يشم الاخر .

وسر رسول الله ( ص ) سرورا عظيما وبلغ ذلك اهل المدينة ففرحوا وخرجوا يستقبلون عليا ( ع ) والهاشميات والفاطميات .

هذا يوم دخل علي المدينة وخرج اهلها يستقبلونه .

والهاشميات وهم في غاية السرور ويوم آخر دخل علي بن الحسين المدينة ومعه الفواطم والهاشميات .

وخرج اهل المدينة الخ .

المجلس التاسع والعشرون ومن علماء العامة الشيخ العالم الفاضل المؤرخ الكامل وحيد عصره وعزيز مصره أبو المظفر يوسف بن قز أو غلي البغدادي .

المعروف بسبط ابن الجوزي المتوفى سنة ستمائة واربع وخمسين .

والمدفون في جبل قاسيون بدمشق .

ومن تأليفاته تذكرة خواص


67

الامة في معرفة الائمة .

وكان حنبلي المذهب ويرمى بالتشيع سئل عنه يوما وهو على المنبر وتحته جماعة من مماليك الخليفة وخاصته وهم فريقان سنة وشيعة فقيل له : من افضل الخلق بعد رسول الله ( ص ) علي ( ع ) أو أبو بكر ؟ فقال : افضلهما بعده من كانت ابنته تحته .

فأوهم الحاضرين ولم يعرفوا مذهبه فقالوا : نسأله غير هذا .

فقالوا : كم الخلفاء بعد رسول الله ؟ فصاح اربعة اربعة اربعة .

إيماء الى الائمة الاثني عشر .

وروي في كتاب الصراط المستقيم ان ابن الجوزي قال يوما على منبره : سلوني قبل ان تفقدوني فسألته إمرأة عما روي أن عليا ( ع ) سار في ليلة الى سلما فجهزه ورجع فقال : روي ذلك .

قالت فعثمان لم ثلاثة ايام منبوذ في المزابل وعلي ( ع ) حاضر قال : نعم .

قالت : فلقد لزم الخطأ لاحدهما فقال : ان كنت خرجت من بيتك بغير اذن زوجك فعليك لعنة الله .

فقالت : خرجت عائشة الى حرب علي ( ع ) باذن النبي ( ص ) أو لا ؟ فانقطع ولم يرد جوابا .

أقول : اتفق أهل العلم على أن قول سلوني قبل أن تفقدوني من خصائصامير المؤمنين ( ع ) وما قالها غيره إلا افتضح ، ولما ورد قتادة من الشام الى الكوفة قال : يوما على المنبر إن علي بن أبي طالب قال في مسجدكم هذا : سلوني قبل أن تفقدوني وأنا أقول مثل قوله أيضا .

فقام إليه رجل فسأله عن النملة التي كلمت سليمان كانت ذكرا ام انثى ؟ فافحم ولم يرد جوابا .

وفي الاثر : أن مقاتل بن سليمان أسند ظهره يوما الى الكعبة .

وقال : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عما دون العرش فأخبركم .

فقال له رجل : أو حج حجها آدم من حلق رأسه ؟ قال : لا أدري ، وقال له غيره ، الذبابة أمعاؤها في مقدمها أم في مؤخرها ؟ فتحير ، ومن المعلوم من تفوه بقول سلوني قبل أن تفقدوني ينبغي ان يكون عالما بجميع الاشياء ، حتى ولو سئل عما سئل أجاب ، ولم يفحم في الجواب ، وليس إلا أمير المؤمنين ( ع ) الذي كان باب لمدينة علم النبي ( ص ) .

وروى شيخنا البهائي أن أعرابيا سأل عليا ( ع ) فقال : رأيت كلبا وطئ شاة فأولدها فما حكم ذلك في الحل ؟ فقال ( ع ) : إعتبره في الاكل فان أكل لحما فهو كلب ، وان رأيته يأكل علفا فهو شاة .

فقال الاعرابي : رأيته يأكل هذا تارة ويأكل هذا تارة فقال ( ع ) : اعتبره في الشرب فان كرع فهو شاة ، وان ولغ فهو كلب .

فقال الاعرابي :


68

وجدته يلغ تارة ويكرع اخرى .

فقال ( ع ) : اعتبره في المشي مع الماشية فان تأخر عنها فهو كلب ، وان تقدم أو توسط فهو شاة .

قال : وجدته مرة هكذا .

قال ( ع ) : اعتبره في الجلوس فان برك فهو شاة وان أقعى فهو كلب قال : وجدته مرة هكذا ومرة هكذا فقال ( ع ) : اذبحه فان كان له كرش فهو شاة ، وان كان له أمعاء فهو كلب .

فبهت الاعرابي من علم أمير المؤمنين ( ع ) .

وعن الاصبغ بن نباتة قال بينما أمير المؤمنين يخطب وهو يقول سلوني قبل ان تفقدوني فو الله لا تسألوني عن شئ مضى ولا عن شئ يكون إلا نبأتكم به .

فقام إليهسعد بن أبي وقاص فقال : يا أمير المؤمنين : كم في راسي ولحيتي من شعرة فقال : اما والله لقد سألتني عن مسألة حدثني خليلي رسول الله انك ستسألني عنها ، وإن على كل طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك ، وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها شيطان جالس يستفزك ، وان في بيتك سخلا يقتل الحسين ابني ، وآية ذلك مصدق ما أخبرتك به ، ولولا أن الذي سألت عنه يعشر برهانه لاخبرتك به ، ولكن آية ذلك ما انبأتك به من لعنتك وسخلك الملعون ، وكان سخله ابنه عمر بن سعد ( لع ) وفي ذلك الوقت كان صغيرا ، ويدرج بين يديه ، وكان الزمان قد أمهله ورباه حتى ظهر ما أخبر به الصادق المصدق وهو أول من خرج الى قتال الحسين ( ع ) الخ .

المجلس الثلاثون ( فحملته امه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) وزعم بعض أهل التحقيق نقلا عن أبي علي سينا وغيره إن أقل مدة الحمل بحسب نص القرآن وبحسب التجارب الطبية ستة أشهر ، لانه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا كما في قوله تعالى : وحمله الخ .

وقال عز شأنه : ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فإذا اسقطت الحولين الكاملين وهي أربع وعشرون شهرا من الثلاثين بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر واما التجارب فقال قال جالينوس : اني كنت شديد التفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والاربع والثمانين ليلة ، وهي ستة أشهر واربعة أيام .


69

اقول : ثم اسمع قولا تضحك منه الثكلى .

قال الصفدي : من مذهب الشافعي ان أقل مدة الحمل ستة أشهر وأكثرها أربع سنين ، ومالك بن أنس فقيه أهل السنة حمل به أكثر من ثلاث سنين ، والحجاج بن يوسف ولد لاكثر من ثلاثين شهرا ، والشافعي حمل به أربع سنين ، والحنفية يقولون للشافعية ما جسر امامكم يظهر الى الوجود حتى توفي إمامنا فيجيبون بل إمامكم ما ثبت لظهور إمامنا .

اقول : حكاية الشافعي هذه في نهاية الغرابة لانهم رووا ان أباه سافر عن امه وبعد أربع سنين رجع الى منزله فقارن رجوعه تولد ابنه الشافعي : وهذه الحالة العجيبة ما حكيت عن أحد من الانبياء وأوصيائهم ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين بل هي خاصة اختص بها الشافعي .

وليت شعري كيف حكوا هذا عن إمام مذهبهم وبينوا له الحال في زمانه حتى ذهبوا الى هذا القول العجيب ؟ أقول : وحيث لم يستنكفوا ولم يستقبحوا من نسبة القبيح الى أم بعض الخلفاء ، والى خال المؤمنين معاوية ، والى الشهيد بزعمهم طلحة ونحوهم وفي مجمع البحرين : رباب من نساء أهل مكة من المشهورات بالزنا هي وسارة وحنتمة وممن كن يتغنين بهجاء رسول الله فكان الاليق بحالهم أن لا يستقبحوا كون الشافعي ولد من القبيح لان الاعتبار عندهم بكونه في نفسه حسن الاخلاق عارفا بالعلم ، وأما كونه طيب الاعراق طاهر الولادة فغير لازم كما أنهم لم يستنكفوا ولم يسقبحوا من نسبة الابنة الى بعض الخلفاء .

قال السيوطي في حاشيته المدونة على القاموس عند ترجمة لفظة الابنة : انها كانت في خمسة نفر في زمن الجاهلية : احدهم فلان وقد صنف استاذنا المحقق صاحب التفسير الموسوم بنور الثقلين كتابا في أن هذه الحالة كانت مع الخلفاء الامويين والعباسيين بأجمعهم واستشهد بشواهد من الشعر والنثر على وجود تلك الصفة لكل واحد منهم .

اقول : ويؤيده قول الصادق ( ع ) ان لنا حقا ابتزه منا معادن الابن ، وفيه اشارة الى ان هذه الفضيلة ابتدئت من الفلاني ، وانتهت بانتهاء خلفاء بني العباس .

أقول : فإذا لا يبعد ممن كان خبيث الولادة ، وبه غاية الفضيحة من أن يجتري على الله ورسوله .

ويظهر البدع ، وينكر السنن ، ويحرم حلال الله ، ويحلل ما حرم الله يقول مالك بن انس فقيه السنة في المنظومة : وجايز ( فيك ) غلام أمرد

لا سيما للرجل المجرد


70

هذا إذا كان وحيدا في السفر

ولم تكن انثى تفي عن الذكر قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة : بم اقتديت في جواز المتعة ؟ قال : بعمر بن الخطاب .

فقال : كيف هذا وعمر كان أشد الناس منعا لها ؟ قال : لان الخبر الصحيح قد أتى أنه صعد فقال : إن الله ورسوله أحلا لكم متعتين وانا أحرمهما عليكم وأعاقب عليهما .

فقبلنا شهادته ، ولم نقبل تحريمه ، وذكر صاحب كتاب إحقاق الحق أن السبب في تحريمه انه أضاف أمير المؤمنين ( ع ) وأنامه في داره فلما أصبح قال له : يا علي ألست قد قلت من كان في البلد لا ينبغي له أن يبيت عزبا ؟ فقال ( ع ) أسأل اختك : وكان ( ع ) قد تمتع بها في تلك الليلة ، فمنع المتعة كما منع من حي على خير العمل حين قال : إن هذه تدعوا الناس الى ترك الجهاد حيث يزعمون أن الصلاة أفضل من سائر الاعمال ، ولكن الداعي الحقيقي غير هذا ، وهو ما روي عن الصادق ( ع ) ان عمر سمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن خير العمل هو ولاية علي بن أبي طالب فموه على الناس في تركه حتى يترك .

روى صاحب زينة المجالس أن عمر بن الخطاب كان طويلا غير معتدل فاجتمع مع أمير المؤمنين ( ع ) يوما في المسجد فأراد عمر الملاطفة والاستخفاف بعلي ( ع ) فأخذ نعل أمير المؤمنين ( ع ) ووضعه في موضع عال من المسجد حتى لا تصل يده إليه فلما استشعر عليه السلام منه ما فعل رفع اسطوانة من أساطين المسجد كان متكأ عليها ووضعها على ثيابه ، فلما أراد القيام لم يقدر ، وبقي كالرجل في الوحل فقام ( ع ) وتناول نعله وأراد الخروج من المسجد فصاح عمر واجتمع عليه الناس يضحكون منه ، وهو يقوم ولا يقعد فلما تم الاستهزاء به أتى ( ع ) ورفع الاسطوانة عن ثيابه حتى خلص ، وانه أول من تسمى باسم أمير المؤمنين لانه علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سماه أمير المؤمنين بأمر من الله فسمى نفسه بأسمه ، وكان الناس يخاطبون أبا بكر بخليفة رسول الله فلما مضى لسبيله كانوا يقولون لعمر يا خليفة يعني خليفة رسول الله فقال : ان هذا يطول عليكم وانتم مؤمنون وانا أميركم قولي يا أمير المؤمنين ، وقد صنف ابن طاووس ( ره ) كتابا سماه بكشفاليقين في تسمية علي بن أبي طالب بأمير المؤمنين واختصاصه بهذا الاسم كما قال الصادق ( ع ) لبعض أصحابه .

في مدينة المعاجز دخل رجل من الشيعة على الصادق ( ع ) وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين فقام على قدميه وقال : مه هذا الاسم لا يصلح إلا لامير المؤمنين سماه الله


71

به ولم يسم به أحد غيره فمن رضي به إلا كان مريضا وان لم يكن به ابتلى به وهو قول الله عز وجل أن يدعون من دونه إلا اناثا وان يدعون من دونه إلا شيطانا مريدا ، قال الراوي فيماذا يدعى قائمكم ؟ قال يقال له : السلام عليك يا بقية الله السلام عليك يا بن رسول الله ، وهذا الاسم اسم اختاره الله لعلي بن أبي طالب قبل أن يولد وقبل أن يخلق آدم ( ع ) كما في مدينة المعاجز دخل علي ( ع ) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : السلام عليك يا رسول الله فقال صلى الله عليه وآله وسلم : وعليك السلام يا أمير المؤمنين علي أو أنت حي يا رسول الله قال : نعم وانا حي يا علي انت أمير من في الارض ، وأمير من في السماء وأمير من مضى ، وأمير من بقى فلا أمير قبلك ، ولا امير بعدك لانه لا يجوز أن يتسمى بهذا الاسم من لم يسمه الله تعالى به ثم قال : لو يعلم الناس متى سمي علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله سمي امير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ولما أسري بي الى السماء كنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى فأوحى إلي ربي ما أوحى .

ثم قال : يا محمد أقرأ علي بن أبي طالب السلام ، فما سميت بهذا الاسم أحدا قبله ولا أسمي بهذا أحدا بعده ، وفيه دخل رجل على أمير المؤمنين ( ع ) فقال : يا أبا الحسن إنك تدعي أمير المؤمنين ، ومن أمرك عليهم ؟ فقال ( ع ) : الله جل جلاله أمرني عليهم فجاء الرجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : يا رسول الله أيصدق على فيما يقول : ان الله أمره على خلقه ؟ فغضب النبي ( ص ) وقال : إن عليا أمير المؤمنين بولاية من الله عز وجل عقدها له فوق عرشه ، وأشهد على ذلك ملائكته ، أن عليا خليفة الله وحجته ، وانه لامامالمسلمين ، طاعته مقرونة بطاعة الله ، ومعصيته مقرونة بمعصية الله ، من جهله فقد جهلني ومن عرفه فقد عرفني ، ومن أنكر إمامته فقد أنكر نبوتي ، ومن جحد أمرته فقد جحد رسالتي ، ومن رجع عن فضله فقد أبغضني ، ومن قاتله فقد قاتلني ، ومن سبقه ، فقد سبقني لانه مني ، علي خلق من طينتي وهو زوج ابنتي وأبو ولدي الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين حجج الله على خلقه أعدائنا اعداء الله وأولياؤنا أولياء الله .

أقول : تبا وتعسا لهذا الزمان حيث صنع مع هذا الامام ما صنع حتى أجلسه في قعر بيته بعد أن أضرم النار على باب داره وأخرجه للبيعة ملببا بثوبه الخ .


72

المجلس الواحد والثلاثون في البحار وفي منقاب شاذان بن جبرئيل عن الاصبغ بن نباتة قال : كنت مع سليمان الفارسي وهو أمير المدائن في زمان أمير المؤمنين ( ع ) ، وقد مرض مرضه الذي توفي فيه فلما اشتد به المرض قال يا أصبغ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لي : يا سلما يكلمك ميت إذا دنت وفاتك وقد اشتهيت ان أدري هل دنت وفاتي .

فقال الاصبغ : بماذا تأمرني ؟ قال آتيني بسرير واحملني عليه الى المقبرة فقال : حبا وكرامة .

ففعل ما أمره حتى وضعوه بين القبور واستقبل القبلة : بوجهه ونادى : السلام عليكم يا أهل عرصة البلا ، السلام عليكم يا محتجبين عن الدنيا ، السلام عليكم يا من جعلت المنايا لهم غذاء السلام عليكم يا من جعلت الارض عليهم غطاء ، السلام عليكم يا من لقوا اعمالهم في دار الدنيا ، السلام عليكم يا منتظرين النفخة الاولى ، سألتكم بالله العظيم والنبي الكريم إلا أجابني منكم مجيب فأنا سلمان الفارسي مولى رسول الله ( ص ) فإذا هو بميت قد نطق من من قبره ، وقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أهل الفناء ، والمشتغلين بعرصة الدنيا ها نحن لكلامك مستمعون ولجوابك مسرعون ، فسل عما بدا لك يرحمك الله تعالى .

قال سلمان : أيها الناطق بعد الموت ، المتكلم بعد حسرة الفوت ، أمن أهل الجنة انت أم منأهل النار ؟ فقال : يا سلمان أنا ممن أنعم الله تعالى عليه بعفوه وكرمه ، وأدخله جنته برحمته فقال له سلمان : يا عبد الله صف لي الموت كيف وجدته ، وما عاينت منه ؟ قال : يا سلمان فو الله إن قرضا بالمقاريض ونشرا بالمناشير لاهون من نزعة من نزعات الموت إعلم اني كنت في دار الدنيا ممن ألهمني الله الخير وأعمل به واؤدي فرائضه وأتلوا كتابه وأبر الوالدين ، وأجتنب الكبائر والحرام ، وأطلب الحلال خوفا من السؤال ، فبينما أنا في ألذ العيش والسرور إذ مرضت وبقيت في مرضي أياما حتى دنا موتي ، أتاني عند ذلك شخص عظيم الخلقة فظيع الهيئة فوقف لا الى السماء صاعدا ولا الى الارض نازلا فأشار إلى بصري فأعماه ، والى سمعي فأصمه ، وإلى لساني فأخرسه ، فقلت له من أنت يا عبد الله ؟ فقد أشغلتني عن أهلي وولدي فقال : أنا ملك الموت أتيتك لاقبض روحك ، فقد


73

انقطعت مدتك وجاءت منيتك فجذب الروح من جسدي وليس من جذبة يجذبها إلا وهي تقوم مقام كل شدة ، حتى صارت الروح في صدري فأشار إلي بجذبة لو أشارها الى الجبال لذابت ، فقبض روحي من عرنين أنفي فعلا من أهلي الصراخ والبكاء ، وظهر خبري الى الجيران والاحباء ، وليس من شئ يقال ويفعل إلا وأنا عالم به .

فلما اشتد صراخ القوم علي إلتفت ملك الموت إليهم بغيظ وقنوط ، وقال : مم بكاؤكم ؟ فوالله ما ظلمناه فتصيحوا ، ولا اعتدينا عليه فتبكوا ، لقد انقطعت مدته ، وفنى رزقه ، وصار الى ربه الكريم نحن وأنتم عبيد رب واحد ، يحكم فينا ما يشاء ، وهو على كل شئ قدير ، فان صبرتم اجرتم ، وان جزعتم أئمتم ، كم لي من رجعة اليكم ، آخذ البنين والبنات والاباء والامهات ثم انصرف عني والروح فوق رأسي تنظر الي حتى جاء الغاسل وجردني من أثوابي وأخذ تغسيلي ، فنادته الروح يا عبد الله رفقا بالبدن الضعيف ، فو الله ما خرجت من عرق إلا انقطع ، ولا عضو إلا انصدع فو الله لو سمع الغاسل ذلك القول لما غسل ميتا ابدا .

فلما فرغوا حملوني على السرير ، والروح أماميحتى وضعوني على شفير القبر ، فلما أنزلوني في قبري عاينت هولا عظيما .

يا سلمان لقد تمثل لي اني سقطت من السماء الى الارض في لحدي ثم شرج علي اللبن وحثي التراث علي ، ورجع المشيعون ، فعند ذلك أخذت بالندم ، وقلت يا ليتني كنت من الراجعين لان أعمل صالحا .

فجاوبني مجيب من جانب القبر ﴿ كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون فقلت له : من أنت يا هذا ؟ قال : أنا ملك وكلني الله عز وجل بجميع خلقه لانبئهم بعد مماتهم ليكتبوا أعمالهم على أنفسهم بأيديهم .

ثم جذبني وأجلسني ورجعت الروح الى جسدي ، وقال : اكتب عملك .

فقلت : انا لا أحصيها فقال لي : اما سمعت قول ربك : أحصاه الله ونسوه اكتب فانا أملي عليك .

فقلت : أين البياض ؟ فجذب جانبا من كفني فقال : هذه صحيفتك .

فقلت : من أين القلم ؟ قال : سبابتك .

فقلت أين المداد ؟ قال : ريقك .

ثم أملى علي ما فعلته في دار الدنيا فلم تبق من أعمالي صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا .

ثم إنه أخذ الكتاب وختمه بخاتم وطوقه في عنقي فخيل لي أن جبال الدنيا جميعا قد طوقوها في عنقي فقلت : تفعل هذا بي ؟ قال : ألم تسمع قو ربك : ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ


74

كتابك كفى بنفسيك اليوم عليك حسيبا ) ثم انصرف عني فأتاني نكير ان بأعظم منظر وأوحش صورة بأيدهما عمودان من الحديد لو اجتمع عليهما أهل الثقلين ما حركوهما من ثقلهما فروعاني وازعجاني وهدداني ، وقبضا بلحيتي واجلساني ، وصاحا علي صيحة لو سمعها أهل الارض لماتوا جميعا ، وكان من شأنهما ما كان .

فراقب الله أيها السائل من وقفة المسائل ، وخف من هول المطلع وما قد ذكرته لك ، هذا ما لقيته وأنا من الصالحين .

ثم انقطع كلامه فعند ذلك رمق سلمان بطرفه الى السماء وبكى ، وقال : ( يا من بيده ملكوت كل شئ واليه ترجعون ) وهو يجير ولا يجارعليه .

بك آمنت .

ولنبيك اتبعت .

وبكتابك صدقت .

وقد أتاني ما وعدتني .

يا من لا يخلف الميعاد إقبضني الى رحمتك .

وانزلني دار كرامتك .

فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك .

وإن محمدا عبده ورسوله .

فلما أكمل شهادته قضى نحبه ولقي ربه .

وذلك سنة سبع وثلاثين .

وعاش سلمان ثلثمائة وخمسين سنة .

قال الاصبغ بن نباتة : فبينما نحن كذلك إذ أتى رجل على بغلة شهباء متلثما فسلم علينا فرددنا السلام عليه فقال : يا أصبغ جدوا في امره وأتيناه بماء .

وكان معه حنوط وكفن ، فلم يزل يغسله بيده فلما فرغ حنطه وكفنه بيده وصلى عليه وصلينا معه ثم وضعه في حفرته بيده فلما فرغ من دفنه وهم بالانصراف تعلقنا به وقلنا له من أنت فكشف لنا عن وجهه فسطع النور من ثناياه كالبرق الخاطف فإذا هو أمير المؤمنين ( ع ) فقلت له : يا أمير المؤمنين : كيف كان مجيئك ومن أعلمك بموت سلمان ؟ قال : آخذ عليك عهد الله وميثاقه أنك لا تحدث بهذا احدا ما دمت حيا ، فقلت يا أبا الحسن : أتموت وأنا حي ؟ قال : نعم قلت .

خذا ما تريد من العهد والميثاق فاني لا أحدث احدا بهذا قبل موتك قال يا أصبغ هذا عهد من رسول الله وانا صليت هذه الساعة بالمدينة وخرجت أريد المنزل فلما وصلت منزلي ودخلت واضطجعت إذا اتاني آت في منامي ، وقال لي يا علي إن سلمان قد قضى نحبه فركبت بغلتي وأخذت ما يصلح للموتي فجعلت أسير وقرب الله لي البعيد حتى وصلت كما ترى ، فلما تم كلامه غاب عنهم فلم يدروا الى السماء صعد ، أم الى الارض نزل فأتى المدينة والمنادي ينادي لصلاة المغرب فحضر علي عندهم في المسجد .

وعن زاذان خادم سلمان قال : جاء أمير المؤمنين ( ع ) ليغسل سلمان فرفع الشملة عن وجهه فتبسم سلمان وهم أن يقعد فقال أمير المؤمنين ( ع ) : عد الى موتك فعاد ، أقول :


75

يا أمير المؤمنين يعز علينا معشر المحبين بأن توافي سلمان من المدينة الى المدائن وتغسله بيدك وتحنطه وتكفنه وتدفنه ، ويبقى ولدك الحسين طريحا جريحا ملقى على الرمضاءبلا غسل ولا كفن ملقا ثلاثا الخ ، ولقائل أن يقول : إن لم يحضره أمير المؤمنين ( ع ) فقد حضره ولده السجاد زين العابدين لكن ما غسله ، ولا كفنه ، ولا حنطه بل اكتفى بدلا عن ذلك ببارية حمل عليها جسد أبيه الحسين ( ع ) الخ .

المجلس الثاني والثلاثون ومن يذق الدنيا فاني طعمتها

وسيق الينا عذبها وعذابها فلم أرها إلا غرورا وباطلا

كما لاح في أرض الفلاة سرابها وما هي إلا جيفة مستحيلة

عليها كلاب قد هممن اجتذابها فان تجتنبها سلما لاهلها

وان تجتذبها نازعتك كلابها أوحى الله تعالى إلى داود مثل الدنيا كمثل جيفة اجتمعت عليها الكلاب يجرونها أفتحب أن تكون كلبا مثلهم فتجر معهم ؟ يا داود ، طيب الطعام ولين اللبس والصيت بين الناس والاخرة الجنة لا تجتمع أبدا لان الجنة لا يدخلها إلا المخففون وهؤلاء هم المثقلون قال صلى الله عليه وآله وسلم : ان بين أيدينا عقبة كؤدا لا يجاوزها إلا المخفون قال أبو ذر : أنا منهم يا رسول الله قال : ألك قوت يوم وليلة ؟ قال : لا .

قال صلى الله عليه وآله وسلم : في أنت منهم .

وكان أبو ذر في مرتبة عظيمة من الزهد ، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أراد أن ينظر الى زهد عيسى بن مريم فلينظر الى أبي ذر ، وقد اكتفى من الدنيا بقرصي شعير يتغدى بأحدهما ، ويتعشى بالاخر ، وبشملتي صوف يتزر باحدهما ، ويرتدي باخرى بعث عثمان إليه بصرة عليد يد عبد له ، وقال له : إن قبلها فأنت حر .

فلم يقبلها فقال : اقبلها فان فيها عتقي فقال : إن كان فيها عتقك فان فيها رقي ، وأنا قد قطعت علائق الدنيا لئلا أكون عبد لغير الله : برزت من المنازل والقباب

فلم يعسر على أحد حجابي فمنزلي الفضاء وسقف بيتي

سماء الله أو قطع السحاب


76

وأنت إذا أردت دخول بيتي

دخلت مسلما من غير باب لاني لم أجد مصراع باب

يكون من السحاب الى التراب قال الصادق ( ع ) : ارسل عثمان الى أبي ذر مائتي دينا على يد موليين له وقال لهما : قولا له هذا من صلب مالي ، ولا بثت اليك إلا من حلالي ، فقال : لا حاجة لي فيها فقالا : عافاك الله ، والله ما نرى في بيتك قليلا ولا كثيرا مما تستمتع به .

فقال : بلى تحت هذا الاكاف الذي ترون رغيف من شعير قد أتى عليه أيام فما أصنع بهذه الدنانير ، ولقد أصبحت غنيا بولاية علي بن أبي طالب وعترته الطاهرين ، المهديين الراضين ، المرضيين الذين يهدون بالحق وبه يعدلون ، وأنا لا حاجة لي عنده حتى ألقى الله عز وجل فيكون هو الحاكم فيما بيني وبينه ، ولقد أوردوا عليه من الصدمات واللطمات ما لا يطيقه اللسان ولا البيان ، ولقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما يرد عليه في قوله : ما أظلت الخضراء ، ولا اقلت الغبراء ، على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، يعيش وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ، وهو الهاتف بفضائل أمير المؤمنين ( ع ) .

والسبب في كلام رسول الله كما ذكر الصدوق في علل الشرائع إن أبا ذر أتي يوما إلى المسجد فقال : ما رأيت كما رأيت البارحة قال : رأيت رسول الله ببابه فخرج ليلا وأخذ بيد علي بن أبي طالب ، وقد خرجا الى البقيع فما زلت أقفوا اثرهما إلى أن أتيا مقابر مكة ، فعدل الى قبر أبيه فصلى عنده ركعتين فإذا بالقبر قد انشق وإذا بعبد الله جالس وهو يقول : أشهد ان لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فقال له : من وليك يا أبة ؟ قال : وما الولي يا بني ؟ قال : هو هذا علي بن أبي طالب فقال : وأن عليا ولي قال صلى الله عليه وآله وسلم : فارجع الى روضتك .

ثم عدل الى قبر امه فصنع كما صنع عند قبر أبيه فإذا بالقبر قد انشق وخرجت امه آمنة ، وهي تقول أشهد أن لا إله إلا الله وانك نبي الله ورسوله فقال لها : من وليك يا أماه ؟ فقالت : ومن الولي يا بني ؟ فقال : هو هذا علي بن أبي طالب فقالت : وان عليا ولي .

فقال : ارجعي الى حفرتكوروضتك .

فكذبوا أبا ذر وقالوا يا رسول الله : كذب عليك اليوم أبو ذر وحكى عنك كيت وكيت .

فقال النبي ( ص ) : ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، يعيش وحده ، ويبعث وحده ، وظهر ما أخبر به رسول الله حين أخرج أبو ذر من المدينة ، وذلك كما قال في روضة الواعظين إن أبا ذر كان واليا بالشام فأمر عثمان


77

بحمله الى المدينة على قتب بلا وطاء ، وفخذاه تسيلان دما فلما دخل المدينة جرى بينه وبين عثمان ما جرى ، ثم نفاه من المدينة عن حرم الله وحرم رسوله ، وأخرجه الى الربذة وأقام بها حتى مات فقرا وجوعا وضرا وصبرا .

ولما نزل بالربذة مات بها ولده فوقف على قبره ، وقال رحمك الله يا بني لقد كنت كريم الخلق بارا بالوالدين ، وما علي في موتك من غضاضة ، وما بي الى غير الله من حاجة وقد شغلني الاهتمام لك عن الاعتماد بك ثم قال : اللهم إنك فرضت عليه لي حقوقا فأني قد وهبت له ما فرضت عليه من حقوقي ، فهب له ما فرضت عليه من حقوقك فانك أولى بالحق والكرم مني هذا وقوف أبي ذر على قبر ولده وكلماته فيه ، وأحرق من هذا وقوف الحسين ( ع ) على رأس ولده علي الاكبر ( ع ) وكلماته الخ .

فلما حضرته الوفاة دخل عليه قوم من أهل الربذة يعودونه فقالوا له : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي قالوا : فما تشتهي ؟ قال رحمة الله قالوا : فهل لك بطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني .

قال لامرأته : اذبحي شاة من غنمك واصنعيها فإذا نضجت فاقعدي على قارعة الطريق فأول ركب ترينهم قولي يا عباد الله الصالحين هذا أبو ذر صاحب رسول الله قد قضى نحبه ولقي ربه ، فأعينوني عليه فأجيبوه قال رسول الله ( ص ) : أخبرني أني أموت في أرض غربة ، وأنه يلي غسلي ودفني والصلاة علي رجال من أمته صالحون .

عن محمد ابن علقمة قال : خرجت في رهط أريد الحج منهم مالك بن الحرث الاشتر فلما قدمنا الربذة إذا بامرأة على قارعة الطريق تقول : يا عباد الله المسلمين ، هذا أبو ذرصاحب رسول الله قد هلك غريبا ، ليس لي أحد يعينني عليه .

قال : فأسترجعنا لعظم المصيبة ، ثم أقبلنا معها فجهزناه ، وتنافسنا في كفنه ، ثم قدمنا مالك بن الحرث الاشتر فصلى بنا عليه ثم دفناه ، وقام الاشتر على قبره وقال : اللهم إن هذا أبو ذر صاحب رسولك ، عبدك في العابدين ، وجاهد فيك المشركين ، لم يغير ولم يبدل ، لكنه رأى منكر فغيره بلسانه وقلبه ، حتى حفي ونفي ، وحرم واحتقر ، ثم مات غريبا وحيدا اللهم فأقصم من حرمه ونفاه من حرمك وحرم رسولك .

فرفعنا أيدينا جميعا وقلنا آمين .

كان أبو ذر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولقد جفوه ونفوه وأخرجوه عن حرم الله وحرم رسوله ( ص ) ولقد جفوه من عو أعز من أبي ذر ونفوه وأخرجوه عن حرم الله وحرم رسول الله ( ص ) ، وهو ريحانة رسول الله ( ص ) حيث جمع أهل بيته حوله


78

وقال : اللهم انا عترة نبيك محمد وقد اخرجنا وأزعجنا وطردنا عن حرم جدنا ، وتعدت علينا بنو أمية الخ .

ونفوا أيضا عن حرم الله وحرم رسوله موسى بن جعفر ، ونفوا أيضا علي بن موسى الرضا ، ونفوا أيضا محمد بن علي الجواد ، ونفوا أيضا علي بن محمد الهادي : مشردون نفوا عن عقر دارهم

كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر المجلس الثالث والثلاثون إذا كان يوم القيامة ينادي المنادي أين حواري محمد المصطفى ؟ فيقوم سلمان وأبو ذر ، والمقداد ، وعمار .

ثم ينادي المنادي أين حواري علي بن أبي طالب ؟ فيقوم ميثم التمار ، ومحمد بن أبي بكر ، وعمرو بن حمق الخزاعي ، وأويس القرني وميثم ( رض ) كان من خواص أصحاب أمير المؤمنين ، ومن اصفيائهم ، وقد حمله أمير المؤمنين ( ع ) بقدر قابليته واستعداده علما ، وقد كان يترشح منه ، وقد أطلعه علي ( ع ) على علم كثير وأسرار خفيه من أسرار الوصية ، فكان ميثم يحدث ببعض ذلك ، منها قال أبو خالد التمار كنت مع ميثم بالفرات يوم الجمعة فهبت ريح وهو في سفينة من سفن الربان ، قال : فخرجونظر الى الريح فقال : شدوا سفينتكم إن هذا الريح عاصف ، مات معاوية الساعة .

فلما كانت الجمعة القابلة قدم بريد من الشام فلقيته فاستخبرته وقلت يا عبد الله ما الخبر ؟ قال : الناس على أحسن حال توفي أمير المؤمنين وبايع الناس يزيد قلت : أي يوم توفي ؟ قال : يوم الجمعة ، وكان ميثم لا يفارق عليا صباحا ومساءا ليلا ونهارا ، ويحكى عنه بعض ما رآه منه قال ميثم : أصحر بي مولاي أمير المؤمنين ( ع ) ليلة من الليالي وقد خرج من الكوفة وانتهى الى مسجد جعفي وتوجه الى القبلة فصلى أربع ركعات فلما سلم وسبح بسط كفيه وقال إلهي كيف ادعوك وقد عصيتك ، وكيف لا أدعوك وقد عرفتك ، وحبك في قلبي مكين ، مددت اليك يدا بالذنوب مملوءة ، وعينا بالرجاء ممدودة .

الدعاء طويل ثم سجد وعفر ، وقال العفو مائة مرة وقام وخرج واتبعته حتى خرج الى الصحراء وخط لي خطة وقال : إياك أن تجاوز هذه الخطة ومضى عني وكانت ليلة مدلهمة فقلت : يا نفسي أسلمت مولاك وله أعداء كثيرون ، أي عذر يكون لك عند الله وعند رسوله ، والله


79

لاقفون أثره ولاعلمن خبره ، وان كنت قد خالفت أمره وجعلت اتبع اثره فوجدته ( ع ) مطلعا في البئر الى نصفه يخاطب البئر ، والبئر تخاطبه فحس بي والتفت ( ع ) وقال : من أنت ؟ قلت : ميثم فقال يا ميثم ألم آمرك ان لا تتجاوز الخطة ؟ قلت : يا مولاي خشيت عليك من الاعداء فلم يصبر لذلك قلبي .

فقال : أسمعت ما قلت شيئا ؟ قلت يا مولاي فقال يا ميثم : وفي الصدر لبنات

إذا ضاق لها صدري نكثت الارض بالكف

وأبديت لها سري فمهما تنبت الارض

فذاك النبت من بذري وكان ميثم ( ره ) من الزهاد وممن يبست عليهم جلودهم من العبادة والزهادة ، وقيل : كان أمير المؤمنين ( ع ) يخرج من الجامع بالكوفة فيجلس عند ميثم التمار فيحادثه ، فقالله ذات يوم : ألا أبشرك يا ميثم فقال : بماذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : بأنك تموت مصلوبا فقال يا مولاي : وأنا على فطرة الاسلام ؟ قال بلى .

وروي أنه قال له : كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني أمية عبيد الله بن زياد الى البراءة مني فقلت يا أمير المؤمنين : والله لا أبرء منك قال : إذا والله يقتلك ويصلبك .

قلت : أصبر فذاك في الله قليل .

فقال : يا ميثم إذا تكون معي في درجتي .

قال المفيد ( ره ) : إن ميثم التمار كان عبدا لامرأة من من بني أسد فاشتراه أمير المؤمنين ( ع ) منها فأعتقه فقال له : ما أسمك فقال : سالم .

فقال : أخبرني رسول الله ( ص ) أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم .

قال : صدق رسول الله وصدق أمير المؤمنين ( ع ) والله انه لاسمي قال ( ع ) : إرجع الى اسمك الذي سماك به رسول الله ( ص ) ودع سالما فرجع الى ميثم ، واكتنى بأبي سالم وأخبره بشهادته كما مر .

وحج ميثم في السنة التي قتل فيها فدخل على أم سلمة فقالت : من أنت ؟ قال : أنا ميثم .

قالت : والله لربما سمعت رسول الله ( ص ) يذكرك في جوف الليل .

فسألها عن الحسين فقالت له : إن الحسين ( ع ) خرج الى حائط له .

قال أخبريه أنني قد أحببت السلام عليه ونحن ملتقون عند رب العالمين .

فدعت أم سلمة بطيب وطيبت لحيته وقالت له : أما إنها ستخضب بالدم .

فقدم الكوفة فأخذه عبيد الله بن زياد فادخل عليه فقيل له : هذا كان من آثر الناس عند علي قال : ويحكم هذا الاعجمي ؟ قيل له : نعم .

قال له عبيد الله :


80

أين ربك ؟ قال بالمرصاد لكل ظالم وأنت أحد الظلمة .

قال : إنك عجمتك لتبلغ الذي تريد قال : أخبرني ما أخبرك صاحبك أني فاعل بك ؟ .

قال : أخبرني أنك تصلبني وأنا عاشر عشرة ، وأنا أقصرهم خشبة ، وأقربهم الى المطهرة قال : لنخالفنه قال : كيف تخالفه فوالله ما أخبرني إلا عن النبي ( ص ) عن جبرئيل عن الله تعالى فكيف تخالف هؤلاء ؟ وقد عرفت الموضع الذي أصلب عليه أين هو من الكوفة ، وأنا أول خلق الله الجم فيالاسلام .

فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيد الله فقال له ميثم : إنك تفلت وتخرج ثائرا بدم الحسين فتقتل هذا الذي يقتلنا ، فلما دعا عبيد الله بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد الى عبيد الله بتخلية سبيله فأمر بميثم أن يصلب ، فلما نظر الى النخلة قال : لك خلقت ولي غذيت .

فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمر بن حريث قال عمرو كان والله يقول لي ميثم : إني مجاورك .

فلما صلب أمر عمر وجاريته بكنس تحت خشبته ورشه وتجميره ، فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم فقيل لابن زياد : قد فضحكم هذا العبد ، فقال : ألجموه .

فكان أول خلق الله ألجم في الاسلام .

فلما كان اليوم الثالث طعن بالحربة فكبر ثم انبعث في آخر النهار فمه وأنفه دما ومات فاجتمع سبعة من التمارين لدفن ميثم فجاؤا إليه ليلا والحراسة يحرسونه ، فأوقدوا ناذا فحالت بينهم وبين الحرس فاحتملوه بخشبة حتى انتهوا به الى فيض من ماء في مراد فدفنوه فيه ورموا الخشبة في مراد في الخراب ، فلما أصبحوا بعث الخيل فلم تجد شيئا .

وممن ينتهي نسبه الى ميثم أبو الحسن الميثمي علي بن شعيب بن ميثم التمار ، وكان من متكلمي علماء الامامية في عصر المأمون والمعتصم ، وله مناظرات مع الملاحدة ومع المخالفين ، وكان معاصرا لابي الهذيل العلاف شيخ المعتزلة البصريين : حكى شيخنا المفيد قال : سأل علي بن ميثم أبا الهذيل العلاف فقال له .

ألست تعلم إبليس ينهي عن الخير كله ويأمر بالشر كله ؟ قال .

بلى .

فيجوز ان يأمر بالشر كله وهو لا يعرفه ، وينهى عن الخير كله ، وهو لا يعرفه ؟ قال .

لا .

فقال له أبو الحسن .

قد ثبت ان إبليس يعلم الشر كله ، والخير كله .

قال أبو الهذيل اجل قال .

فأخبرني عن إمامك الذي تأتم به بعد الرسول ( ص ) هلم يعلم الخير كله والشر كله ؟ قال .

لا .

قال له .

فابليس اعلم من إمامك .

فانقطع أبو الهذيل .

وكان قتل ميثم قبل قدوم الحسين الى العراق بعشرة ايام وبعد شهادة مسلم بأيام .


81

وفي منهج المقال مر ميثم على فرس له فاستقبله حبيب بن مظاهر الاسدي على فرس له عند مجلس بني أسد فتحادثا حتى اختلفت اعناق فرسيهما ثم قال حبيب .

فكأني بشيخ اصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرزق ، قد صلب في حب اهل بيت نبيه ، ويبقر بطنه على الخشبة فقال ميثم .

وإني لاعرف رجلا احمر له ظفيرتان يخرچ لنصرة ابن بنت نبيه فيقتل ، ويجال براسه في ازقة الكوفة .

ثم افترقا فقال اهل المجلس .

ما رأينا اكذب من هذين .

قال فلم يفترق اهل المجلس حتى اقبل رشيد الهجري فطلبهما فسأل اهل المجلس عنهما فقالوا .

افترقا وسمعناهما يقولان كذا .

فقال رشيد الهجري .

رحم الله ميثما نسي ويزاد في عطاء الذي يجئ بالراس مئة درهم ثم ادبر .

فقال القوم .

هذا والله اكذبهم .

فقال القوم .

والله ما ذهبت الايام والليالي حتى رأينا ميثما مصلوبا على باب دار عمرو بن حريث ، وجئ برأس حبيب بن مظاهر قد قتل مع الحسين ورأينا كل ما قالوا .

المجلس الرابع والثلاثون ومن حواري أمير المؤمنين عمرو بن حمق الخزاعي ، هاجر الى النبي ( ص ) بعد الحديبية ، وصحب النبي ( ص ) وحفظ عنه احاديث ، وإنه سقى النبي ( ص ) فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم له وقال : اللهم متعه بشبابه فمرت عليه ثمانون سنة لا يرى في لحيته شعرة بيضاء وصار بعد ذلك من شيعة علي ( ع ) وانه من السابقين الذين رجعوا الى أمير المؤمنين ( ع ) وشهد معه مشاهده كلها بجمل وصفين والنهروان ، وانه كان من أمير المؤمنين ( ع ) بمنزلة سلمان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وفي نفس المهموم عن الاختصاص لما جاء عمرو بن الحمق الكوفة الى أمير المؤمنين عليه السلام قال : والله ما جئتك لمال من الدينا تعطنيها ، ولا لالتماس سلطان ترفع به ذكري إلا لانك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعظم سهما للاسلام من المهاجرين والانصار والله لو كلفتني نقل الجبال الرواسي ونزح البحور الطوامي أبدا حتى يأتي علي يومي وفي يدي سيفي أهز به عدوك واقري به وليك ، ويعلى به كعبك ، ويفلح به حجتك


82

ما ظننت أني أديت من حقك كل الحق الذي يجب لك علي فقال أمير المؤمنين ( ع ) اللهم نور قلبه ، واهده الى الصراط المستقيم ، ليت أن في شيعتي مئة مثلك ، وكان ممن أعان حجر بن عدي ، وكان من أصحابه فخاف زيادا فهرب من العراق الى الموصل ، واختفى في غار في القرب منها ، فارسل العامل الى الموصل ليأخذه من الغار الذي كان فيه فوجده ميتا قد نهشته حية فمات ، وقبره مشهور بظاهر الموصل وهو يزار وعليه مشهد كبير ، وفي رواية اخرى لما أخذوا حجر بن عدي وأصحابه هرب عمر بن حمق الى الموصل فاخذه أسيرا في طريقه ، وبعثوا به الى عامل الموصل ، وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي ، الذي يعرف بابن أم الحكم ، وهو ابن أخت معاوية فكتب خبره الى معاوية ، فكتب إليه معاوية انه زعم انه طعن عثمان تسع طعنات ، وانه لا يتعدى عليه فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان .

فاخرج فطعن تسع طعنات ، فمات في الاولى منهم أو في الثانية .

وبعث برأسه الى معاوية فكان رأسه أول رأس حمل في الاسلام على رأس رمح وأهدي الى معاوية وأعظم من ذلك حمل رأس الحسين ( ع ) الى الشام على رأس رمح طويل الى يزيد بن معاوية .

ومن كتاب مولانا الحسين ( ع ) الى معاوية : أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفر لونه ، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله وميثاقه ، ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل ثم قتلته جرأة على ربك ، واستخفافا بذلك العهد ، ويظهر من الخبر أن آمنة بنت الرشيد زوجة عمرو بن الحمق كانت بالشام ، ويحتمل أن عمرو بن الحمق لما هرب من الكوفة الى الموصل بعث بها الى الشام ، خوفا عليها من الاعداء أو أن زيادا لما لم يظفر بعمرو بن الحمق أخذ زوجته أسيرة وبعث بها الى معاوية .

ولما جاؤوا برأسه الى معاوية بعث به الى امرأته فوضع في حجرها فقالت : سترتموه عني طويلا وأهديتموه إلي قتيلا ، فأهلا وسهلا من هدية غير قالية ولا بمقلية ، بلغ أيها الرسول عني معاوية ما أقول طلب لله بدمه ، وعجل له الويل من نقمه ، فقد أتى امرا فريا ، وقتل بارا تقيا ، فابلغ أيها الرسول معاويةما قلت .

فبلغ الرسول ما قالت .

فغضب معاوية فأحضرها في المجلس ، فقال لها : أنت القائلة ما قلت ؟ قالت : نعم غير ناكلة عنه ، ولا معتذرة منه قال لها اخرجي عن بلادي قالت : أفعل فو الله ما هو لي بوطن ولا أحن فيها الى سكن ، ولقد طال بها سهدي واشتهر بها عبري ، وكثر فيها ديني ، من غير ما قرت به عيني .

فقال عبد الله بن أبي


83

سرح ( الكلب ) : يا أمير المؤمنين إنها منافقة فألحقها بزوجها .

فنظرت إليه فقالت : يا من بين لحييه كجثمان الضفدع ، ألا قتلت من أنعملك خلعا واصفاك بكناء ، إنما المارق المنافق من قال بغير صواب ، وأتخذ العبادة كالارباب ، فأنزل كفره في الكتاب فأومى معاوية الى الحاجب فأخرجها فقالت : واعجبا من ابن هند يشير ببنانه ، ويمنعني نوافذ لسانه ، أما والله لابقرنه بكلام عتيد كنوافذ الحديد ، أوما انا بآمنة بنت الرشيد ومن المعلوم أن معاوية لم يبعث برأس هذا العبد الصالح الى زوجته إلا ليحرق قلبها ويهيج حزنها ، ويظهر الشماتة بها ويسكن قلبه من الضغائن والاحقاد المكنونة التي قد امتلا بها صدره ، واشنع من فعل معاوية ما فعله يزيد إذ بعث برأس الحسين الى يتيمته في تلك الخربة في تلك الليلة التي رأت يتيمة الحسين أباها في المنام ، قامت وقالت : عمتي أين والدي فقد أتى من سفره فلماذا غاب عنا ؟ فعرفن انها رأت أباها في المنام الخ .

وقصة تشرفه بالاسلام على ما روي في الكتب المعتبرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل سرية فقال لهم : إنكم تضلون ساعة كذا من الليل ، فخذوا ذات اليسا فانكم تمرون برجل في شأنه فتسترشدونه ، فيأبى أن يرشدكم حتى تصيبوا من طعامه فيذبح لكم كبشا فيطعمكم ثم يقوم فيرشدكم فاقرؤه مني السلام .

وأعلموه إني قد ظهرت بالمدينة .

فمضوا فضلوا الطريق فقال قائل منهم : ألم يقل لكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تياسروا ؟ ففعلوا ومروا بالرجل الذي قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاسترشدوه ، فقال لهم الرجل : لا أفعل حتى تصيبوا من طعامي ففعلوا فأرشدهم الطريق ونسوا أن يقرؤه السلام من رسول الله ( ص ) فقال : لهمالرجل وهو عمرو بن الحمق أظهر النبي ( ص ) بالمدينة ؟ فقالوا : نعم فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولبث معه ما شاء الله ثم قال له رسول الله ( ص ) : ارجع الى الموضع الذي منه هاجرت فإذا تولى أمير المؤمنين الكوفة فأته .

فانصرف الرجل حتى إذا نزل أمير المؤمنين ( ع ) الكوفة وافاه ، وأقام معه بالكوفة ، ثم أن عليا ( ع ) قال له : ألك دار ؟ قال : نعم .

قال فبعها واجعلها في الازد فاني غدا لو غبت لطلبت فمنعك الازد حتى تخرج عن الكوفة متوجها الى حصن الموصل فتمر برجل مقعد فتقعد عنده ثم تستقيه فيسقيك ويسألك عن شأنك فأخبره وادعه الى الاسلام غ فانه يسلم وامسح بيدك على وركيه فان الله تعالى يمسح ما به ، وينهض قائما فيتبعك وتمر برجل أعمى على ظهر الطريق فتستقيه ، فيسقيك ويسألك عن شأنك فاخبره وادعه الى الاسلام فانه يسلم وامسح بيدك على عينيه فان الله


84

عز وجل يعيده بصيرا فيتبعك ، وهما يوريان بدنك في التراب ، ثم تتبعك الخيل فإذا صرت قريبا من الحصن في موضع كذا وكذا رهقتك الخيل فانزل عن فرسك وفر الى الغار فانه يشترك في دمك فسقة من الجن والانس .

ففعل ما قال له أمير المؤمنين ( ع ) قال : فلما انتهى الى الحصن قال للرجلان : اصعدا فانظرا هل تريان شيئا ؟ قالا : نرى خيلا مقبلة فنزل عن فرسه ودخل الغار وانفلت فرسه وذهب ، فلما دخل الغار ضربه أسود سالخ في فيه وجاءت الخيل فلما رأوا فرسه غائرة قالوا : هذا فرسه وهو قريب فطلبه الرجال فأصابوه في الغار فكلما ضربوا أيديهم الى شئ من جسمه ينفصل العضوا فأخذوا رأسه فاتوا به معاوية فنصب على رمح وهو أول رأس نصب في الاسلام على رأس رمح .

وفي رواية واراه زاهر مولاه والمولى في هذا المقام بمعنى التابع وهو على ما في مستدرك الوسائل من أصحاب علي ( ع ) ولما هرب عمروا خرج زاهر منه فلما نزل عمرو بالوادي ونهشته الحية في جوف الليل فاصبح منتفخا قال يا زاهر : تنح عني فان حبيبي رسول الله ( ص ) قد أخبرني أنه سيشترك في دمي الجن والانس ، ولا بد لي ان اقتل فبينما هما كذلك إذارأيا نواصي الخيل في طلب عمرو فقال : يا زاهر تغيب فإذا قتلت فانهم سوف يأخذون رأسي ، فإذا انصرفوا فاخرج الى جسدي فواره ، قال زاهر .

لا بل أنثر نبلي ثم أرميهم به ، فإذا فنيت نبلي قتلت معك قال : لا بل تفعل ما سألتك به ينفعك الله به .

فاختفى زاهر ، وأتى القوم فقتلوا عمر واحتزوا رأسه فحملوه ، فلما انصرفوا خرج زاهر فوارى جسده فوفق لمواراة عمرو ودفنه ، ثم ساقته السعادة الى أن رزق الشهادة في نصرة الحسين ( ع ) .

وبقي حتى قتل مع الحسين ( ع ) والحجة عجل الله تعالى فرجه يسلم عليه في زيارة الناحية ، السلام على زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي .

وقول عمرو بن الحمق له : تفعل ما سألتك ينفعك الله به .

اشارة الى أنك ترزق الشهادة في مقام أحسن من هذا المقام وهو طف كربلاء مع سيد الشهداء ( ع ) في نصرة ابن بنت رسول الله ( ص ) نعم والله فكا أن الحسين ( ع ) سيد الشهداء فكذلك أصحابه سادات الشهداء ، وفي الخبر الشهيد معه كالشهيد مع الانبياء مقبل غير مدبر ( فطوبى لهم وحسن مآب ) الخ .


85

المجلس الخامس والثلاثون قال ابن الاثير في كامل التواريخ قال الحسن البصري : أربع خصال في معاوية لو لم نكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة ، إنتزاؤه على هذه الامة بالسيف حتى أخذ الامر منهم من غير مشورة ، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة ، واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا ، وقد قال رسول الله ( ص ) : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقتل حجر بن عدي وأصحاب حجر ، فيا ويلا له من حجر وأصحابه وكان حجر من كبار أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) ، وكان من الابدال ويعرف بحجر الخير ، وكان معروفا بالزهد والعبادة .

وحكي أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، وكان يجاب الدعوة ، وكان أهلالكوفة يقولون : أول ذل دخل الكوفة قتل حجر ودعوة زياد للبراءة من علي ( ع ) وقتل الحسين ( ع ) ، ووقع قتل حجر في سنة احدى وخمسين من الهجرة بسعاية زياد الى معاوية وكيفيته على ما أخرجناه خاليا عن الاطالة والحشو والزوائد أن المغيرة بن شعبة لما ولي الكوفة كان يقوم على المنبر فيذم أمير المؤمنين ( ع ) وشيعته وينال منهم ويلعن قتلة عثمان ويستغفر لعثمان ويزكية فيقوم حجر بن عدي فيقول : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ، وإني أشهد من تذمون أحق بالفضل ممن تطرءون ، ومن تزكون أحق بالذم ممن تعيبون .

فيقول له المغيرة : يا حجر ويحك اكفف عن هذا واتق غضبة السلطان وسطوته فانها كثيرا ما يقتل مثلك .

ثم يكف عنه فلم يزل كذلك الى أن خطب المغيرة يوما على المنبر ، وكان آخر ايامه فنال من علي ( ع ) ولعنه ولعن شيعته فوثب حجر وفغر فغرة أسمع كل من في المسجد وخارجه ، فقال : إنك لا تدري أيها الانسان بمن تولع ، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين ، وتقريظ المجرمين ثم اهلك المغيرة ، وذلك في سنة خمسين فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبيه فدخلها ووجه الى حجر فجاؤه وكان له قبل ذلك صديقا فقال : قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك ، واني والله لا احتملك على مثل ذلك ابادا أرأيت ما كنت تعرفني


86

به من حب علي ووده فان الله قد سلخه من صدري فصيره بغضا وعداوة وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فان الله قد سلخه من صدري وحوله حبا ومودة ، إنك ان تستقم تسم لك دنياك ودينك ، وان تأخذ يمينا وشمالا تهلك نفسك وتشط عندي دمك ، إني لاحب التنكيل قبل التقدمة ولا آخذ بغير حجة ، اللهم اشهد فقال حجر : ان يرى الامير مني إلا ما يحب ، وقد نصح وأنا قابل النصيحة .

ثم خرج من عنده فكان حجر يتقيه ويهابه وكان زياد يدنيه ويكرمه والشيعة تختلف الى حجر وتسمع .

وكان زياد يشتي بالبصرة ويصيف بالكوفة ، ويستخلف على البصرة سمرة بنجندب ، وعلى الكوفة عمرو بن حريث ، فقال : عمارة بن عقبة لزياد : إن الشيعة تختلف الى حجر وتسمع منه ولا أراه عند خروجك إلا أثار الفتنة .

فدعاه زياد فحذره وأنذره ووعده وخرج الى البصرة ، واستعمل عمرو بن حريث على الكوفة فجعلت الشيعة تختلف الى حجر ويجئ حجر حتى يجلس في المسجد ، فيجتمع إليه الشيعة حتى يأخذوا ثلث المسجد أو نصفه ، وتطيف بهم النظارة ثم يمتلي المسجد ثم كثروا وكثر جمعهم ولفظهم وعلت أصواتهم بذم معاوية ونقص زياد ، وبلغ ذلك عمرو بن حريث فصعد المنبر ، واجتمع إليه اشراف أهل المصر فحثهم على الطاعة والجماعة ، وحذرهم الخلاف فوثب إليه جماعة من أصحاب حجر يكبرون ويشتمون حتى دنوا منه فحصبوه وشتموه حتى نزل ودخل القصر وأغلق عليه بابه وكتب الى زياد الخبر فلما قرأ الكتاب قال ما انا بشئ ان لم أمنع الكوفة من حجر وادعه نكالا لمن بعده ويل امك يا حجر .

ثم اقبل زياد حتى دخل الكوفة وأتى قصر الامارة وخرج وعليه قباء سندسي ومطرف خز أخضر وحجر جالس في المسجد ، وحوله أصحابه ، فصعد زياد على المنبر فخطب وحذر الناس ، ثم امر أشراف اهل الكوفة وقال ليقم كل امرئ منكم الى الجماعة التي حول حجر فليدع الرجل أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل ما استطعتم ، ففعلوا وجعلوا يقيمون عنه أصحابه حتى تفرق أكثرهم فلما رأى زياد خفة أصحابه قال لشداد بن الهيثم الهلالي أمير الشرطة : علي بحجر .

فأتى به فأتاه شداد وقال : يا حجر أجب الامير .

فقال أصحاب حجر : لا والله ولانعمه عينا ولا نجيبه .

فقال شداد لاصحابه علي بغمد السيوف فاشتوا إليها فأقبلوا بها وازدحموا عليه ، وتكاثروا وكان حجر شجاعا فارسا فوقع فيهم وأعانه عليهم عدد معدود من أصحابه منهم عمرو بن


87

حمق الخزاعي ( ره ) ، وكان قد بالغ في دفع القوم عن حجر حتى ضرب رأس عمرو بعمود فوقع الى ان انتهو بحجر الى منزله ، فلما رأى قلة من معه قال لاصحابه : انصرفوا فو الله ما لكم طاقة بمن اجتمع عليكم من قومكم ، وما أن أعرضكم للهلاك يعني ما أحب نجاة نفسي وان احتقن دمي بسفك دمائكم وهتك أعراضكم على أني اعلم بانه لا بد وأن يقع هذا الامر ، فلقد أخبرني الصادق المصدق الصديق الاكبر أمير المؤمنين ( ع ) .

وذلك حين دخل حجر بن عدي على علي ( ع ) بعد ان ضربه ابن ملجم ( لع ) فقام إليه حجر بن عدي وقال : فيا أسفي على المولى التقي

أبي الاطهار حيدرة الزكي فلما بصر به أمير المؤمنين ( ع ) وسمع شعره قال له : كيف لي بك إذا دعيت الى البراءة مني فما عساك أن تقول ؟ فقال : والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف اربا اربا واضرم لي النار وألقيت فيها لاثرت ذلك على البراءة منك .

فقال ( ع ) : وفقت لكل خير يا حجر جزاك الله خيرا عن اهل بيت نبيك ، وظهر ما أخبر به أمير المؤمنين ( ع ) لان زيادا لما بعث إليه فأتي به فقال له : يا عدو الله ما تقول في أبي تراب ؟ قال : ما اعرف ابا تراب قال : ما عرفك به قال ما اعرفه قال : أما تعرف علي بن أبي طالب ؟ قال : بلى قال : فذاك أبو تراب قال : كلا ذاك أبو الحسن والحسين .

فقال له صاحب الشرطة : يقول لك الامير : هو أبو تراب وتقول انت لا ؟ قال وان كذب الامير أتريد ان اكذب وأشهد بالباطل كما شهد ؟ قال له زياد : وهذا ايضا مع ذنبك علي بالعصا فأتي بها فقال ما قولك ؟ قال احسن قول انا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين .

قال : اضربوا عاتقه في العصي حتى يلصق بالارض فضرب حتى لزم الارض ثم قال : اقلعوا عنه ايه ما قولك في علي ؟ قال والله لو شرحتني بالمواس والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني ! قال : لتلعننه أو لاضربن عنقك قال : إذا والله تضربها قبل ذلك فان أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت انت .

قال أدفعوا في رقبته ثم قال : اوقروه وحيدا والقوه في السجن .

والحاصل اخذوه وقيدوه وجد زياد في طلب أصحاب حجر وهم يهربون ويأخذ منهم من قدر عليهم حتى جمع منهم أثني عشر رجلا في السجن ، وبعث الى رؤساء أهلالكوفة واحضرهم ، وقال لهم : أشهدوا على حجر وأصحابه بما رأيتموه فشهدوا وكتبوا فشهد سبعون رجلا بهذه الكلمات :


88

بسم الله الرحمن الرحيم : هذا ما شهد به فلان الله رب العالمين شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة ، وفارق الجماعة ، ولعن الخليفة ، ودعا الى الحرب والفتنة ، وجمع إليه الجموع يدعوهم الى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية وكفر بالله كفرا شنيعا .

قال زياد على مثل هذه الشهادة فاشهدوا والله لاجهدن في قطع عنق الخائن الاحمق ثم حبس حجر ابن عدي مع أصحابه عشر ليال حتى تمت الشهادة وكتب إلى معاوية كتابا يقول فيه : لعبد الله معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان .

أما بعد : فان الله قد احسن عند أمير المؤمنين البلاء فأدله من عدوه وكفى مؤنة من بغى عليه ، إن طواغيت الترابية السبائية رأسهم حجر بن عدي خلعوا أمير المؤمنين وفارقوا جماعة المسلمين ونصبوا لنا حربا فاطفأها الله عليهم ، وامكننا منهم ، وقد دعوت خيار أهل المصر واشرافهم وذوي النهى والدين فشهدوا عليهم بما رأوا ، وعلموا هذا .

ثم أمر بحملهم الى معاوية ، وهم مغللون وقد اجتمع حولهم الناس وهم محزونون باكون .

وروى ابراهيم بن الجنيد في كتاب الاولياء ان حجر بن عدي أصابته في طريقه جنابة فقال للموكل به : اعطني شرابي أتطهر به ، ولا تعطني غدا شيئا .

فقال : أخاف أن تموت عطشا فيقتلني معاوية قال : فدعى الله فانسكبت له سحابة بالماء فأخذ منها الذي احتاج إليه فقال له أصحابه : ادع الله ان يخلصنا فقال : اللهم خر لنا قال : فقتل هو وطائفة منهم بأمر معاوية ، ومن أصحاب حجر قبيصة بن ضبيعة العبسي منزله بحبانة عرزم ، وهي منزل بالكوفة فلما بلغوه هناك فإذا بناته مشرفات للحرسة فقال : ادنوني اوص اهلي واسلي خاطرهم .

فادنوه ، فلما رأينه بكين فسكت عنهن ساعة ثم قال :اسكتن فقال : اتقين الله واصبرن فاني ارجو من ربي في وجهي هذا خيرا احدى الحسنين اما الشهادة فنعم السعادة ، واما الانصراف اليكن في عافية فان الذي كان يرزقكن ، ويكفيني مؤنتكن هو الله تبارك وتعالى ، وهو حي لا يموت ، وارجو أن لا يضيعكن ، وان يحفظني فيكن .

ثم انصرف فجعل قومه يدعون له بالعافية فمضوا بهم حتى انتهوا بهم الى مرج عذراء وهم على اميال من دمشق فحبسوا به حتى مضى القاصد الى معاوية ، وبعث الكتاب إليه فلما قرأه وعرف معناه وعرف خبر القوم قال لجلسائه : ما ترون في هؤلاء ؟ .


89

فقال يزيد بن أسد البجلي : أرى أن تفرقهم في قرى الشام فتكفيهم طواغيتها فجاء رسول معاوية الى حجر وأمر بتخلية ستة منهم بشفاعة بعض رؤساء الشام وبقي في السجن ثمانية وكانوا في تلك الليلة ينظرون الى حجر وأصحابه ، فلما أصبحوا قال لهم اصحاب معاوية : يا هؤلاء قد رأيناكم البارحة قد اطلتم الصلاة ، واحسنتم الدعاء ، فاخبرونا ما قولكم في عثمان ؟ قالوا : هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق .

فقالوا : امير المؤمنين كان اعرف بكم وانا قد أمرنا ان نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له فان فعلتم هذا تركناكم ، وان أبيتم قتلناكم وامير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت بشهادة أهل مصركم عليكم غير انه عفى عن ذلك فابرؤا من هذا الرجل يخل سبيلكم قالوا لسنا فاعلين .

فأمروا بقيودهم فحلت ، وأتى باكفانهم واخذوا يقتلونهم قال لهم حجر بن عدي دعوني اصلي ركعتين فاني والله ما توضأت قط إلا صليت قالوا له : صلي فصلى ثم انصرف فقال : والله ما صليت صلاة اقصر منها ، ولولا يروا أن ما بي جزع من الموت لاطلت فيها ولاحببت أن استكثر منها .

فمشى إليه لعين بالسيف فارعدت فرائصه فقال : كلا زعمت انك لا تجزع من الموت فانا ندعك فابرء من صاحبك .

فقال : ما لي لا اجزع وانا أرى قبرا محفورا ، وكفنا مشهورا ، واني والله ان جزعت لا اقول ما يسخط الرب .

ثم قال لمن حضره من قومه : لا تطلقوا عني حديدا ، ولا تغسلوا عنيدما ، فاني لاق معاوية غدا على الجادة ، وفي نفس الهموم للفاضل المعاصر الشيخ عباس القمي دامت تأييداته نقل عن كتاب الفرق للشيخ أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي قال في تاريخ وفاة الامام موسى بن جعفر ( ع ) ويقال في رواية اخرى : انه رأى الامام موسى ابن جعفر ( ع ) دفن بقيوده وانه أوصى بذلك .

ثم اقبلوا يقتلون اصحابه واحدا بعد واحد حتى قتلوا ستة ، وبقي منهم رجلان : عبد الرحمن بن حسان العنزي ، وكريم بن عفيف الخثعمي قالا : ابعثوا بنا الى معاوية فانا نكلمه على ما يريد فنحن نقول في هذا الرجل مقالته فبعثوا بهما الى معاوية فلما دخلا عليه قال له الخثعمي : الله الله يا معاوية انك منقول من هذا الدار الزائلة الى الدار الاخرة الدائمة ومسؤل عما اردت بسفك دمائنا فقال معاوية : ما تقول في علي ؟ فاجابه بجواب وقام شمر بن عبد الله الخثعمي فاستوهبه فوهبه على أن يحبسه شهرا ثم لا يدخل الكوفة ما دام معاوية سلطان ، ثم اقبل عبد الرحمن بن حسان فقال له : يا اخا ربيعة ما تقول


90

في علي ؟ قال : أشهد انه من الذاكرين الله كثيرا ، والامرين بالمعروف ، والناهين عن المنكر ، والعافين عن الناس ، قال فما تقول في عثمان ؟ قال : اول من فتح ابواب الظلم وارتج ابواب الحق قال : قتلت نفسك قال : بل إياك قتلت فغضب معاوية من قوله وبعث به الى زياد ، وقال ان هذا شر من بعثت به فعاقبه بالعقوبة التي هو اهلها واقتله شر قتلة فلما قدموا به على زياد أمر اللعين بان ادفنوه حيا ، وندم معاوية بعد قتله أي ( حجر بن عدي ) وجعل يقول عند موته : يوم لي من ابن الادبر طويل .

اراد بابن الادبر حجرا فانه ابن عدي الادبر ، وإنما سمي الابر لانه ضرب بالسيف على اليتيه وسمي الادبر ، وفي كتاب مولانا الحسين ( ع ) الى معاوية : الست قاتل حجر بن عدي أخا كندة ، والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ، ويستعظمون البدع ، ولا يخافون في الله لومة لائم ؟ ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الايمان المغلظةوالمواثيق المؤكدة .

وحكي ان الربيع بن زياد الحارثي كان واليا على خراسان فلما سمع قتل حجر واصحابه تمنى موته ورفع يديه الى الله وقال : اللهم ان كان لي عندك خير فاقبضني اليك عاجلا فمات بعده نعم في الخبر المؤمن كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو اشتكت الاعضاء كلها .

المؤمن لا يرضى بان يرى أخاه المؤمن في نكبة أو مصيبة .

وهو لا يقدر أن يدفع عنه ولذا يطلب الموت من الله وهو أهون عليه من ذلك .

هذا العبد الصالح يتمنى الموت في قتل حجر بن عدي وأمير المؤمنين ( ع ) يتمنى الموت في فقد عمار يوم صفين حين جلس عنده واخذ رأسه وتركه في حجره وعمار يجود بنفسه فلما رأى علي ( ع ) أنه قد فارقت روحه الدنيا بكى وأنشأ يقول : الا أيها الموت الذي هو قاصدي

أرحني فقد أفنيت كل خليل أراك بصيرا بالذين أحبهم

كأنك تنحو نحوهم بدليل نعم فقد الاحبة اصعب وأمر من الموت في مذاق الانسان الكامل وعند الاحباب والاصدقاء والاخلاء ولا سيما إذا كان الفراق والتفرقة بينهما بالموت فليس شئ أمر منه كما قال الشاعر : يقولون ان الموت صعب على الفتى

مفارقة الاحباب والله اصعب إذا فما حال الحسين ( ع ) يوم فقد اثنين وسبعين من احبته وثمانية عشر رجلا من أهل بيته وافلاذ كبده بعدما كانوا معه قبل ساعة :


91

بالامس كانوا معي واليوم قد رحلوا

وخلفوا في سويد القلب نيرانا المجلس السادس والثلاثون قال في المجلد التاسع من البحار : رشيد بضم الراء الهجري نسبته الى هجر بفتح اوله وثانيه ، مدينة هي قاعدة البحرين أي دار الخلافة ، ومقام السلطنة أو ناحية البحرين كلها كان أمير المؤمنين ( ع ) يسميه رشيد البلايا كان قد ألقى ( ع ) علم البلايا والمنايا ويقول :فلان يموت بموتة كذا وكذا ، وفلان يموت بقتلة كذا وكذا فيكون كما قال : وري عن كتاب الاختصاص قال : لما طلب زياد أبا عبد الله رشيد الهجري اختفى رشيد فجاء ذات يوم الى أبي اراكة وهو من أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) وعده البرقي من خواص أصحابه مثل الاصبغ بن نباتة ، ومالك الاشتر ، وكميل بن زياد ، وآل أبي أراكة مشهورون في رجال الشيعة ورواة الائمة عليهم السلام وكان أبو أراكة جالسا على بابه في جماعة من أصحابه فدخل منزل أبي اراكة ففزع لذلك أبو أراكة وخاف فقام ، ودخل داره في اثره ، وقال : ويحك قتلتني وايتمت ولدي واهلكتهم .

قال : وما ذاك ؟ قال : انت مطلوب وجئت حتى دخلت داري ، وقد رآك من كان عندي .

فقال : ما رآني احد منهم قال وستخرج أيضا فأخذه وشد كتافا ثم أدخله بيتا وأغلق عليه بابه ولم يكن هذا عن استخفاف به بل كان من الخوف على نفسه فان زيادا كان شديدا في طلب رشيد وامثاله من شيعة أمير المؤمنين والتنكيل والتعذيب بهم وبمن اعانهم واضافهم واجارهم ، وبعد ذلك خرج الى أصحابه فقال لهم : انه خيل الي ان رجلا شيخا قد دخل داري آنفا قالوا : ما رأينا احدا فكرر ذلك عليهم كل ذلك يقولون : ما رأينا أحدا فسكت عنهم .

ثم انه تخوف ان كيون قد رآه غيرهم فذهب الى مجلس زياد ليتجسس هل يذكرونه فان هم احسوا بذلك اخبرهم عنده ، وجعل يتكلم معه فبينما هو كذلك إذ اقبل رشيد الهجري على بغلة أبي أراكة مقبلا نحو مجلس زياد فلما نظر إليه أبو أراكة تغير وجهه وأسقط ما في يده ، وأيقن بالهلاك والقتل من زياد لنفسه واهله .

فنزل رشيد عن البغلة وأقبل الى زياد فسلم عليه فقام إليه زياد فاعتنقه فقبله ثم أخذ يسأله كيف قدمت ؟ وكيف خلفت ؟ وكيف كنت في


92

مسيرك ؟ وأخذ لحيته ثم مكث هنيئة ثم قام فذهب ، فقال أبو أراكة لزياد : أصلح الله الامير من هذا الشيخ ؟ قال : هذا اخ من اخواننا من أهل الشام وقدم علينا زائرا فانصرف أبو اراكة الى منزله فإذا رشيد بالبيت كما تركه فقال له أبو اراكة : اما إذا كان عندك من العلم كما أرى فاصنع ما بدا لك واخل علينا كيف شئت ؟ .

وروى الشيخ الكشي عن أبي حيان البجلي عن قنوا بنت رشيد الهجري قال : قلت لها اخبريني ما سمعت من أبيك ؟ قالت : سمعت من أبي يقول : أخبرني مولاي أمير المؤمنين عليه السلام فقال يا رشيد : كيف صبرك إذا أرسل اليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك فقلت : يا أمير المؤمنين أدخر ذلك الى الجنة .

فقال يا رشيد : أنت معي في الدنيا والاخرة .

قالت : فو الله ما ذهبت الايام حتى أرسل إليه عبيد الله بن زياد الدعي فدعاه الى البراءة من أمير المؤمنين ( ع ) فأبى أن يتبرأ منه فقال له الدعي : فأي ميتة قال لك تموت ؟ فقال له : أخبرني خليلي انك تدعوني الى البراءة منه فلا ابرأ فتقطع يدي ورجلي ولساني .

فقال : والله لاكذبن قوله قال : فقدموه فقطع يديه ورجليه وترك لسانه ، فحملت اطراف يديه ورجليه : فقلت يا ابتاه هل تجد الما أصابك ؟ فقال : لا يا بنية إلا كالزحام بين الناس فلما حملناه واخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله فقال : ايتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون الى يوم الساعة .

فارسل إليه حجام حتى قطع لسانه ، فمات رحمه الله في ليلته .

وروي عن فضيل بن الزبير قال : خرج أمير المؤمنين ( ع ) بالكوفة يوما الى البستان البرني ومعه أصحابه فجلس تحت نخلة ثم أمر بنخلة فقطعت فانرل منها رطب فوضع بين أيديهم فقال رشيد الهجري : يا أمير المؤمنين ( ع ) ما أطيب هذا الرطب ؟ فقال يا رشيد : اما انك تصلب على جذعها قال رشيد : فكنت اختلف إليها طرفي النهار واسقيها ومضى أمير المؤمنين فجئتها يوما وقد قطع سعفها قلت : اقترب اجلي ثم جئت يوما فجاء العريف فقال : أجب الامير فاتيته فلما دخلت القصر فإذا الخشبة ملقاة ثم جئت يوما آخر فإذا النصف قد جعل زرنوق يستسقى عليه الماء فقلت : ما كذبني خليلي فأتاني العريف فقال : أجب الامير فأتيته فلما دخلت القصر إذا الخشبة ملقاة وإذا فيها الزرنوق فجئت حتى ضربت الزرنوق برجلي ثم أدخلت على عبيد الله بن زياد قال : هات من كذب صاحبك فقلت : واللهما أنا بكاذب ولا هو ، وقد أخبرني انك تقطع يدي ورجلي ولساني .

فقال : إذا والله


93

نكذبه اقطعوا يديه ورجليه واخرجوه .

فلما حمل الى أهله أقبل يحدث الناس بالعظائم وهو يقول : ايها الناس سلوني فان للقوم عندي طلبة لما يقضوها فدخل رجل على ابن زياد فقال : ما صنعت قطعت يده ورجله وهو يحدث الناس بالعظائم ثم قال : ردوه وقد انتهى الى بابه فردوه فأمر بقطع يديه ورجليه ولسانه وأمر بصلبه .

قلت : الزرنوق بضم الزاء وسكون الراء المهملة تثنيته الزرنوقان وهما منارتان تبنيان على جانبي النهر ويظهر من كلام شيخنا المفيد قدس سره ان زيادا لعنه الله قتل رشيد الهجري ونحن نذكر الخبر بعينه .

روى شيخنا المفيد عن زياد ابن النصر الحارثي قال : كنت عند زياد إذ أتي برشيد الهجري فقال له زياد : ما قال لك صاحبك يعني عليا إنا فاعلون بك ؟ قال : تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني ، فقال زياد : اما والله لاكذبن حديثه خلوا سبيله فلما أراد أن يخرج قال زياد : والله ما نجد له شيئا شرا مما قال له صاحبه اقطعوا يديه ورجليه واصلبوه فقال رشيد : هيهات قد بقي لي عندكم شئ اخبرني به أمير المؤمنين ( ع ) فقال زياد : اقعطوا لسانه : فقال رشيد الان والله جاء تصديق خبر أمير المؤمنين ( ع ) قال في نفس المهموم : ومن السوانح العظيمة الواقعة في اوان قتل مسلم بن عقيل ، قتل ميثم التمار ورشيد الهجري .

في البحار كان قتل ميثم ( ره ) قبل قدوم الحسين بن علي للعراق بعشرة ايام .

وفي التاسع من البحار وممن قتل من أصحاب أمير المؤمنين كميل بن زياد النخعي ( ره ) قتله الحجاج لما ولي الحجاج طلب كميل بن زياد فهرب منه فحرم قوم عطاءهم فلما رأى كميل ذلك قال : انا شيخ كبير وقد نفذ عمري ، ولا ينبغي ان احرم قومي عطاءهم فخرج فدفع بيده الى الحجاج فلما رآه قال له : لقد كنت احب ان اجد عليك سبيلا فقال له كميل : لا تصرف علي أنيابك ولا تهدم علي فو الله ما بقي من عمري إلا مثل كواهل الغبار فاقض ما أنت قاض فانالموعد لله ، وبعد القتل الحساب ، لقد أخبرني أمير المؤمنين ( ع ) انك قاتلي فقال له الحجاج : الحجة عليك إذا فقال له : ذاك إذا كان القضاء اليك ؟ قال : بلى قد كنت فيمن قتل عثمان بن عفان أضربوا عنقه فضرب عنقه .

وأيضا قال في التاسع : روى عامة أصحاب السير من طرق مختلفة ان الحجاج بن يوسف الثقفي قال : ذات يوم أحب أن أصيب رجلا من أصحاب أبي تراب فأتقرب الى الله بدمه فقيل له : ما نعلم أحدا كان أطول صحبة لابي تراب من قنبر مولاه فبعث في


94

طلبه فأتي به قال له أنت قنبر ؟ قال نعم .

قال مولى علي بن أبي طالب ؟ قال : الله مولاي وعلي بن أبي طالب ولي نعمتي قال ابرأ من دينه .

قال : فإذا برئت من دينه أتدلني على دين غيره أفضل منه .

قال : اني قاتلك فاختر أي قتلة أحب إليك ؟ قال : قد صيرت ذلك اليك قال : ولم ؟ قال لانك لا تقتلني قتلة إلا قتلتك مثلها ، وقد أخبرني أمير المؤمنين ( ع ) ان ميتتي تكون ذبحا ظلما بغير حق .

قال : فأمر به فذبح وكان قنبر عبدا لامير المؤمنين ( ع ) قتلوه ذبحا ولقد ذبح من كان هو أعز من قنبر وهو ابن أمير المؤمنين وفلذة كبده الحسين ( ع ) كما قال الرضا ( ع ) : يا بن شبيب ان كنت باكيا لشئ فابك الحسين بن علي فأنه ذبح كما يذبح الكبش وقتل معه ثمانية عشر رجلا من أهل بيته ما لهم في الارض من شبيه الخ .

المجلس السابع والثلاثون ومن كلام لامير المؤمنين ( ع ) في نهج البلاغة يقول لاصحابه : أما انه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن يأكل ما يجد ، ويطلب ما لا يجد فأقتلوه ولن تقتلوه : الا وانه سيأمركم بسبي والبراءة مني أما السب فسبوني فأنه لي زكاة ولكم نجاة وأما البراءة فلا تبرؤا مني فأني ولدت على الفطرة ، وسبقت الى الايمان والهجرة .

ببيان رحب البلعوم ، البلعوم : بضمتين بينهما سكون مجرى الطعام في الحلق ، والجمع بلاعممندحق البطن واسعها برئ منه كعلم براءة تخلص وسلم ، والبراءة هنا الانسلاخ من مذهبه ، قال ابن ابي الحديد : وكثير من الناس يذهب الى انه عني زيادا وكثير منهم يقول : انه عنى الحجاج ، وقال قوم : انه عنى المغيرة بن شعبة والاشبه عندي انه عنى معاوية لانه كان موصوفا بالنهم وكثرة الاكل ؟ وكان بطينا يقعد بطنه إذا جلس على فخذيه وكان معاوية جوادا بالمال والصلاة ، وبخيلا على الطعام ، وكان معاوية يأكل فيكثر ثم يقول : ارفعوا فو الله ما شبعت ولكن تعبت ومللت ، وتظاهرت الاخبار ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا على معاوية لما بعث إليه يستدعيه فوجده يأكل ثم بعث إليه فوجده يأكل فقال : اللهم لا تشبع له بطنا وقال الشاعر : وصاحب لي بطنه لهاوية

كأن في امعائه معاوية


95

انتهى أقول : معايبه كثيرة منها : أنه كان كبير الاست كثير الحدث قال رجل لمعاوية ما أشبه استك باست أمك ؟ قال : ذلك الذي أولجها بيت أبي سفيان .

قال ابن أبي الحديد : روى شيخنا أبو عبد الله البصري المتكلم عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال : أتينا مسجد رسول الله والناس يقولون : نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله .

فقلت : ما هذا ؟ قالوا : معاوية قام الساعة فأخذ بيد أبي سفيان وخرجا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لعن الله التابع والمتبوع ، رب يوم لامتي من معاوية ذي الاستاه قالوا : يعني كبير العجز .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم لمعاوية : لتتخذن يا معاوية البدعة سنة ، والقبيح حسنا أكلك كثير وظلمك عظيم ، وفي كامل البهائي أن معاوية كان يخطب .

على المنبر يوم الجمعة فأحدث واسمع فعجب الناس منه ومن وقاحته فقطع الخطبة ، وقال : الحمد لله الذي خلق أبداننا وجعل فيها رياحا وجعل خروجها للنفس راحة ، فربما انفلتت في غير وقتها فلا جناح على من جاء منه ذلك والسلام فقام صعصة وقال : ان الله خلق أبداننا وجعل فيها رياحاوجعل خروجها للنفس راحة ، ولكن جعل ارسالها في الكنيف راحة وعلى المنبر بدعة وقباحة ، ثم قال : قوموا يا أهل الشام فقد أحدث أميركم فلا صلاة له ولا لكم ثم توجه نحو المدينة .

قوله ( ع ) الا وانه سيأمركم بسبي قال ابن أبي الحديد : فنقول ان معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسب علي ( ع ) والبراءة منه ، وخطب بذلك على منابر الاسلام وصار ذلك سنة في أيام بني أمية ( لع ) الى أن قام عمر بن عبد العزيز فأزاله ، وقال قال الواقدي : ان معاوية لما عاد من العراق الى الشام بعد بيعة الحسن واجتماس الناس عليه خطب وقال : أيها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي : انك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الارض المقدسة فأن فيها الابدال ، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب فلعنوه قال : وذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ ان معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة اللهم ان أبا تراب الحد في دينك وصد عن سبيلك فألعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا اليما وكتب بذلك الى الافاق فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر الى خلافة عمر بن عبد العزيز قال ان قوما من بني أمية قالوا لمعاوية يا أمير المؤمنين انك قد بلغت املك فلو كففت عن لعن هذا الرجل فقال لا والله حتى يربوا عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له فضلا .


96

وروى أهل السير ان الوليد بن عبد الملك في خلافته ذكر عليا فقال لعنه الله بالجر كان لص بن لص فعجب الناس من لحنه فيما لا يلحن فيه أحد ومن نسبته عليا الى اللصوصية وقالوا ما ندري أيهما أعجب وكان الوليد لحانا وقال ان معاوية ما أكتفى بسبه حتى وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي ( ع ) تقتضي الطعن فيه والبرائة منه وجعل لهم جعلا يرغب في مثله فاختلفوا ما ارضاه منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير وهؤلاء كلهم اعداء لعلي ( ع ) قال والمغيرة هو الذي ضربه على الحد في ولاية عثمان وعزله عنالكوفة وكان اللعين يبغض عليا ويسبه .

روى الزهري عن عروة بن الزبير انه حدثتني عائشة قالت كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل العباس وعلي ( ع ) فقال صلى الله عليه وآله وسلم ان هذين يموتان على غير ملتي أو قال ديني وعنه أيضا قال حدثتني عائشة قالت كنت عند النبي إذ اقبل العباس وعلي فقال يا عائشة ان سرك ان تنظري الى رجلين من أهل النار فأنظري الى هذين وقد طلعا فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب وأما عمرو بن العاص فروي عنه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسندا متصلا بعمر بن العاص قال سمعت رسول الله صلى اله عليه وآله يقول : ان آل أبي طالب ليسوا لي باولياء إنما ولي الله وصالح المؤمنين .

قال : وأما أبو هريرة فروى عنه الحديث الذي معناه ان عليا خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله ( ص ) فاسخطه النبي ( ص ) على المنبر وقال لا ها الله لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبو جهل ان فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها فأن كان علي يريد ابة أبي جهل فليفارق أبنتي وليفعل ما يريد ، ومن أحاديثه في قدح علي ( ع ) قال : قدم أبو هريرة العراق مع معاوية جاء الى مسجد الكوفة فلما كثر من استقبله من الناس جثى على ركبتيه ثم ضرب على صلعته مرارا وقال يا أهل العراق أتزعمون اني اكذب على الله وعلى رسوله واحرق نفسي بالنار لقد سمعت رسول الله يقول ان لكل نبي حرما وان حرمي بالمدينة فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وأشهد بالله ان عليا أحدث فيها أحداثا .

فلما بلغ معاوية قوله اجازه وأكرمه وولاه أمارة المدينة قال ابن أبي الحديد قال شيخنا أبو جعفر الاسكافي فأما قول أبي هريرة ان عليا أحدث في المدينة فحاش الله كان علي اتقى الله من ذلك ولقد نصر عثمان نصرا لو كان المحصور جعفر


97

ابن أبي طالب لم يبذل إلا مثله قال أبو جعفر وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية ضربه عمر بالدرة وقال له قد أكثرت الرواية وكذبت على رسول الله .

وروي عن سفيان الثوري قال منصور بن ابراهيم التميمي : كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار ، والاخر قال دعني عن أبي هريرة انهم أي أصحاب الحديث كانوا يتركون كثيرا من حديثه وروي عن علي ( ع ) أنه قال ان اكذب الناس على رسول الله أبو هريرة وروت الرواة أن أبا هريرة كان يواكل الصبيان في الطريق ويلعب معهم وكان يخطب وهو أمير المدينة فيقول الحمد لله الذي جعل الدين قياما الى رجل يمشي بين يديه وأمامه ضرب برجليه الارض ويقول الطريق الطريق جاء الامير يعني نفسه قال ابن أبي الحديد : قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب المعارف في ترجمة أبي هريرة وقوله فيه حجة لانه غير متهم عليه قال ابن أبي الحديد : قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب المعارف في ترجمة أبي هريرة وقوله فيه حجة لانه غير متهم عليه قال ابن أبي الحديد : وقد صح ان بني أمية منعوا من أظهار فضائل أمير المؤمنين وعاقبوا ذكر ذلك والراوي له حتى ان الرجل كان إذا روى عنه ( ع ) حديثا لا يتعلق بفضله بل بشرايع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه فيقول عن أبي زينب وقال أيضا قال أبو جعفر .

وقد روي ان معاوية بذل لسمرة بن جندب مئة الف درهم حتى يروي أن هذه الاية نزلت في علي بن أبي طالب ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو الد الخصام وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ﴿ والله لا يحب الفساد وان الاية الثانية نزلت في ابن ملجم وهي ﴿ ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله فلم يقبل فبذل له مئتي الف دينار فلم يقبل فبذل ثلاثة مئة الف فلم يقبل ، فبذل له أربعة مئة الف ، وقال : فالاحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل الى غاية بعيدة لانقطع نقلها للخوف والتقية من بني مروان مع طول المدة وشدة العداوة ، ولولا ان الله تعالى أودع في هذا الرجل سرا يعلمه من يعلمه لم يرو في فضله حديث ولا رويت له منقبة الا ترى ان رئيس قرية لو سخط على واحد من أهلها ومنع الناس أن يذكروه بخير أو صلاح لخمل ذكره ، ونسي أسمه ، وصاروهو موجود معدوما وهو حي ميتا .

هذه خلاصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر في هذا المعنى في كتاب التفضيل ، ونعم ما قال في هذا المقام نظما السيد السند المرحوم سيد محم


98

باقر الطباطبائي الحائري طاب رمسه الزكي في رسالته الردية على الالوسي زاده : وفي البخاري قتال المسلم

كفر ويحكى عن صحيح مسلم ففي قتال المرتضى دلالة

في كفر أهل البغي والضلالة وكيف لا نسب من يسب من

واخى بين المصطفى أبا الحسن محللا بسبه بين

ويل لمن في كفره تأملا وفتح باب الاجتهاد فيه

يفضي الى ما لست ترتضيه هذا وقد أذى عليا واستمر

ايذاؤه حتى هوى الى سقر فانظر الى حديث من آذى علي

مما رواه أحمد بن حنبل ففيه من آذى أخي عليا

يحشر يوم الملتقى ذميا ونص من اذاه إذا أتى اشتهر

وقد كفى في لعنه هذا الخبر فان من اذى نبيا استحق

لعن الاله وبه الذكر نطق فحب من على الفراش اضطجعا

وحبه ضدان لا يجتمعا فلا نحبه ورب الكعبة

كلا ولا نحب من أحبه كيف وباللعن الكتاب بشره

فأنه من فرع تلك الثمرة وهو اللعين بن اللعين وجرى

ذاك على لسان سيد الورى وجاء في الصحيح انه دعا

عليه خير الناس ان لا يشبعا وهو الذي دس الى جعدة ان

تسم بالنقيع مولانا الحسن وهو الذي قال على ما في الاثر

أني بالامر أحق من عمر وعد بعض أربعين ألفا

قتلاه ظلما وعتوا صرفاوكم له حديث خزي نسبا

ما لو شرحناه فضحنا الكتبا ويحك هل ترى غدا ما يجدي

لابن حمامة أو ابن هند وما روي فيه فكذب مفترى

وفعله الشنيع ينفي الخبرا فهل يكون هاديا مهديا

من سب صهر المصطفى عليا وهو بما أورده لمذهبه

كثعلب ستشهد في ذنبه وليته أبدله بالوارد

عن النبي في حديث القائد وليس في صلح الامام الحسن

بأس فانه لسر مكمن


99

كصلح جده نبي الرحمة

صلحا رأى فيه صلاح الامة وقد رأى بالامس خير ناصح

صلح بني الاصفر للصالح لقد آه وهو أحمى حام

وحافظ لبيضة الاسلام لما ترائى مرض القلوب

من رؤساء الجند والحروب فالمجتبى بايعه كرها كما

بايع خير منه تقدما ولا ينافي كثرة الاصحاب

يومئذ عند أولى الالباب فانه أدرى بهم وأخبر

بحالهم وغدرهم لا ينكر هم الاولى جفوا على المرضى

فضاق ذرعا بهم حتى قضا كم بث فيهم من طرائق الحكم

وكم كساهم من مطارف النعم وكم أراهم معجزات باهرة

فظلت الاراء فيها حائرة ليخشعوا وما عسى ان تخشعا

قلوبهم تبت يداهم اجمعا ولنعم ما قال السيد المرحوم السيد محمد باقر في هذا المقام : الله من اجلاف كوفان الحفا

تالله لا عهد لهم ولا وفا وما لهم في غدرهم من ثاني

كأنهم والغدر توامانهم ارسلوا رسائلا شتى الى

ريحانة الرسول ان اقدم على حتى إذا جاء إليهم عدلوا

وانقلبوا وانكروا ما ارسلوا واستقبلوا وجه الامام السامي

بالسيف والرماح والسهام فاستنطق الطف عن الذي جرى

منهم مع الحسين تسمع خبرا وهدار كان الهدى وفوضا

أعمدة الدين وحير القضا وضعضع العرش وافجع الاولى

نبوء السبع السماوات العلى وفت قلب المصطفى والبسا

صهر الرسول الطهر جلباب الاسى وجدد الحزن على البتول

والمجتبى ريحانة الرسول ما عذر طرف جامد لم ينهمل

وقرحة في القلب لما تندمل مما جرى في كربلاء من الاولى

جفوا عليا والزكي المبتلى


100

المجلس الثامن والثلاثون عن سليم بن قيس قال : قدم معاوية بن أبي سفيان حاجا في خلافته فاستقبله أهل المدينة فنظر فإذا الذين استقبلوه ما منهم قرشي فلما نزل قال : ما فعلت الانصار وما بالهم لم يستقبلوني فقيل له فانهم محتاجون ليس لهم دواب فقال معاوية : وأين نواضحهم ؟ فقال قيس بن سعد بن عبادة وكان سيد الانصار وابن سيدها : افنوها يوم بدر وأحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله حين ضربوك وأباك على الاسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون فسكت معاوية فقال قيس : أما أن رسول الله عهد الينا إنا سنلقي بعده أثره قال : معاوية فما أمركم به ؟ قال : أمرنا أن نصبر حتى نلقاه قال فأصبروا حتى تلقوه ثم أن معاوية مر بحلقة من قريش فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس فقال له : يا بن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة إني قاتلتكم بصفين ، فلا تجد من ذلك يا بن عباس فإن ابن عمي عثمان قتل مظلوما قال ابن عباس : فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما قال : ان عمرقتله كافر ، قال ابن عباس فمن قتل عثمان ؟ قال قتله المسلمون قال : فذاك أدحض لحجتك قال : فانا كتبنا في الافاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته فكف لسانك فقال ، يا معاوية : أتنهانا عن قراءة القرآن ؟ قال لا قال : أتنهانا عن تأويله ؟ قال نعم قال : فتقرأ ولا تسأل عما عني الله به .

ثم قال : فأيهما أوجب علينا قرائته أو العمل به ؟ قال : كيف العمل به ولا نعلم ما عني الله قال سل عن ذلك ما يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك قال : إنما نزل القرآن على أهل بيتي آل أب ي سفيان يا معاوية أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال أو حرام فان لم تسأل الامة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف ، قال أقرؤا القرآن وتأولوه ولا تروو شيئا مما أنزل الله فيكم وأروا وما سوى ذلك قال : فإن الله تعالى يقول في القرآن : ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) قال : يا بن عباس أربع أي أرفق على نفسك وكف لسانك وان كنت لا بد فاعلا ليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد منك علانية ثم رجع الى بيته فبعث إليه بمئة الف درهم


101

ونادى منادي معاوية إني برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي وفضل أهل بيته وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة فأستعمل زياد بن أبيه ، وضم إليه العراقين الكوفة والبصرة فجعل يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ، يقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم وقطع الايدي والارجل وصلبهم في جذوع النخل ، وسمل أعينهم وطردهم وشردهم حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور فهم بين مقتول أو مصلوب أو محبوس ، أو طريد أو شريد ، وكتب معاوية الى جميع عماله في جميع الامصار أن لا تجيزوا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة وأنظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ومحبي أهل بيته وأهل ولايته والذين يرون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقربواهم وأكرموهم وأكتبوا بمن يروي من مناقبه بأسمه وأسم أبيه وقبيلته ففعلوا حتى كثرت الرواية في عثمان وافتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصلات والخلع والقطايع من العرب ، والموالي فكثرت ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في الاموال والدنيا فليس يجئأحد من مصر من الامصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة إلا كتب أسمه وقرب واجيز فلبثوا بذلك ما شاء الله ثم كتب الى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر فأدعوا الناس الي الرواية في معاوية وفضله وسوابقه فأن ذلك أحب الينا ، وأقر لاعيننا وادحض لحجة أهل البيت وأشد عليهم ، فقرأ كل أمير وكل قاض كتابه على الناس فأخذ الناس في الروايات في فضائل معاوية على المنبر في كل كورة ، وكل مسجد زورا والقوا ذلك الى معلمي الكتاتيب فعلموا ذلك صبيانهم كما يعلمونهم القرآن حتى علموه بناتهم ونسائهم وحشمهم ، فلبثوا في ذلك ما شاء الله وكتب زياد ابن أبيه إليه في حق الحضرميين انهم على دين علي وعلى رأيه فكتب إليه معاوية : أقتل كا من على دين علي وعلى رأيه فقتلهم ومثل بهم ، وكتب معاوية الى جميع البلدان أنظروا من قامت عليه البينة إنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وكتب كتابا آخر انظروا من قبلكم من شيعة علي وأتهموه بحبه فأقتلوه ، وان لم تقم عليه البينة فخذوهم على التهمة والظنة والشبهة تحت كل حجر حتى لو كان الرجل تسقط منه كلمة ضربت عنقه حتى كان الرجل يرمي بالزندقة والكفر ، كان يكرم ويعظم ولا يتعرض به بمكروه ، والرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان لا سيما البصرة والكوفة حتى لو أن أحدا منهم أراد أن يلقي سرا إلى من يثق به لاتاه في بيته فيخاف خادمه ومملوكه ولا يحدثه إلا بعد أن يأخذ عليه


102

الايمان المغلظة ليكتمن عليه ثم لا يزداد الامر إلا شدة حتى كثر وظهرت أحاديثهم الكاذبة ونشأ عليها الصبيان يتعلمون ذلك ، وكان أشد الناس في ذلك القراء المراؤن المتصنعون الذين يظهرون الخشوع والورع فكذبوا وانتحلوا الاحاديث وأولدوها ، فيحظون بذلك عند الولاة والقضاة ويدنون مجالسهم ويصيبون بذلك الاموال ، والقطايع والمنازل حتى صارت أحاديثهم ورواياتهم عندهم حقا وصدقا ، فروها وقبلوها وتعلموها وعلموها وأحبوا عليها ، وأبغضوا من ردها وأوشك فيها فاجتمعت على ذلك جماعتهم وصارت في يد المتنسكين والمتدينين منهم الذين لا يستحلون الافتعال لمثلها فقبلوها مهم يرون إنها حقولو علموا بطلانها وتيقنوا إنها مفتعلة لاعرضوا عن روايتها ، ولم يدينوا بها ولم يبغضوا من خالفها فصار الحق في ذلك الزمان عندهم باطلا ، والباطل حقا ، والكذب صدقا ، والصدق كذبا .

فلما مات الحسن بن علي ( ع ) أزداد البلاء والفتنة فلم يبق لله ولي إلا خائف على نفسه أو مقتول أو طريد أو شريد .

فلما كان قبل موت معاوية بسنين حج الحسين بن علي ( ع ) وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس معه ، وقد جمع الحسين بن علي ( ع ) بني هاشم رجالهم ونسائهم ومواليهم وشيعتهم ، ومن حج منهم ومن لم يحج ، ومن الامصار ممن يعرفونه وأهل بيته ثم لم يدع أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن أبنائهم والتابعين ، ومن الانصار المعروفين بالصلاح والنسك إلا جمعهم فاجتمع إليهم بمنى أكثر من الف رجل ، والحسين بن علي ( ع ) في سرادقة عامتهم التابعون وأبناء الصحابة فقام الحسين ( ع ) فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فأن هذا الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ، ورأيتم وشهدتم وبلغكم ، واني أريد أن أسئلكم عن أشياء فأن صدقت فصدقوني ، وان كذبت فكذبوني أسمعوا مقالتي وأكتموا قولي ثم ارجعوا الى أمصاركم وقبائلكم من أمنتموه ووثقتم به فأدعوهم الى ما تعلمون ، فأني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب ﴿ والله متم نوره ولو كره الكافرون فما ترك الحسين شيئا أنزل الله فيهم من القرآن إلا قاله وفسره ، ولا شيئا قاله الرسول في أبيه وأمه وأهل بيته إلا رواه وكل ذلك يقول الصحابة اللهم نعم قد سمعناه وشهدناه ويقول التابعون ، اللهم نعم قد حدثناه من تصدقه ونأتمنه حتى لم يترك شيئا إلا قاله ثم قال : أنشدكم بالله إلا رجعتم وحدثتم به من تثقون به ثم نزل وتفرق الناس عن ذلك أوق ان الخطبة ذكرناها فيما تقدم


103

ولعمري ان الحسين ( ع ) بهذه الخطبة أحيا ذكر أبيه ومناقبه وفضائله وفضائل أهل بيته بل وأحيا دين جده صلى الله عليه وآله وسلم مرة أحياه بلسانه وأخرى أحياه بسيفه وببذل ماله ودمهومهجته ، وبسفك دمه ودم أصحابه وأهل بيته وسبي حريمه ونسائه على الاقتاب من بلد الى بلد ، ومن دار الى دار الخ .

المجلس التاسع والثلاثون في المنتخب للشيخ الطريحي ( قده ) روى قتادة ان أروى بنت الحارث ابن عبد المطلب دخلت على معاوية بن أبي سفيان وقد قدمت المدينة وهي عجوز كبيرة فلما رآها معاوية قال : مرحبا بك يا خالة كيف كنت بعدي ؟ قالت : كيف أنت يا بن اختي ؟ لقد كفرت النعمة وأسئت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك ، وأخذت غير حقك بلا بلاء كان منك ، ولا من آبائك في ديننا ولا سابقة كانت لكم بل كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأتعس الله منكم الجدود وأصغر منكم الخدود ، ورد الحق الى أهله فكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور على من ناواه ، فوثبت قريش علينا من بعده حسدا لنا وبغينا فكنا بحمد الله ونعمته أهل بيتي فيكم بمنزلة بني اسرائيل في آل فرعون ، وكان سيدنا فيكم بعد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة هارون من موسى ، وغايتنا الجنة ، وغايتكم النار فقال لها عمرو بن العاص ، كفي أيتها العجوز الضالة وأقصري من قولك مع ذهاب عقلك إذ لا تجوز شهادتك وحدك فقالت : وأنت يا بن الباغية تتكلم وأمك أشهر بغي بمكة وأقلهم أجرة وأدعاك خمسة من قريش فسئلت أمك عن ذلك فقالت : كان قد أتاها وواقعها فانظروا أشبههم به فألحقوه به فغلب شبه العاص بن وائل جزار قريش الامهم مكرا وانتنهم خبر فلا ألومك بغضنا .

قال مروان بن الحكم : كفى أيتها العجوز وأقصدي لما جئت له قالت : وأنت يا بن الزرقا تتكلم والله وأنت ببشير مولى ابن كلدة أشبه منك بالحكم بن عاص ، وقد رأيت الحكم سبط الشعر مديد القامة ، وما بينكما قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الاتان المقرف فأسئل عما أخبرتك به أمك فأنها ستخبرك بذلك ثم التفتت الى معاوية


104

فقالت : والله ما جرأ هؤلاء غيرك وان أمك القائلة في قتل حمزة : نحن جزينا كم بيوم بدر

والحرب بعد الحرب ذات السعر فاجابتها ابنة عمي : خزيت في بدر وغير بدر

يا بنت وقاح عظيم الكفر فالتفت معاوية ومروان وقال : والله ما جرئها علي غيركما ولا اسمعني والله هذا الكلام سواكما ثم قال : يا خالة أقصدي حاجتك ودعي أساطير النساء عنك قالت تعطني الفي دينار والفي دينار والفي دينار قال : ما تصنعين بألفي دينار ؟ أزوج بها فقراء بني الحارث بن عبد المطلب قال : هي كذلك فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت أستعين با على شدة الزمان وزيارة بيت الله الحرام ، قال : قد أمرت بها لك فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت أشتري بها عينا خرارة في أرض خوارة تكون لفقراء بني الحارث بن عبد المطلب ، قالت : هي لك يا خالة أما والله لو كان ابن عمك علي ما أمر لك بها قالت تذكر عليا فض الله فاك وأجهد بلاك ثم علا نحيبها وبكائها وجعلت تقول : ألا يا عين ويحك أسعدينا

ألا فابكي أمير المؤمنينا رزينا خير من ركب المطايا

وجال بها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها

ومن قرأ المثاني والمنينا إذا استقبلت وجه أبي حسين

رأيت البدر راق الناظرينا الا ابلغ معاوية بن حرب

فلا قرت عيون الشامتينا أفي الشهر الحرام فجعتمونا

بخير الخلق طرا اجمعينا مضى بعد النبي فدته نفسي

أبو حسن وخير الصالحينا كأن الناس إذ فقدوا عليا

نعام حل في بلد سنينا فلا والله لا أنسى عليا

وحسن صلاته في الراكعينا لقد علمت قريش حيث كانت

بانك خيرها حسبا ودينافلا تفرح معاوية بن حرب

فأن بقية الخلفاء فينا قال فبكى معاوية ثم قال : يا خالة لقد كان كما قلت وأفضل .

أقول : فإذا كانت أروة بنت الحارث بن عبد المطلب هكذا ترثي أمير المؤمنين ( ع ) وتبكي لفراقه فما حال بنات أمير المؤمنين يوم نظروا إليه وإذا الدم سائل على وجهه ولحيته الكريمة الخ .


105

المجلس الاربعون لما فرغ أمير المؤمين ( ع ) من وقعة الجمل ورجع الى الكوفة كتب إليه معاوية كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبد الله معاوية بن أبي سفيان الى علي ابن أبي طالب أما بعد فقد أتبعت ما يضرك وتركت ما ينفعك وخالفت كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولقد أنتهى الى ما فعلت بحواريي رسول الله طلحة والزبير ، وأم المؤمنين عائشة فو الله لارمينك بشهاب لا تطفيه المياه ، ولا تزعزعه الرياح إذا وقع وقب ، وإذا وقب ثقب ، وإذا ثقب نقب ، وإذا نقب التهب فلا تغرنك الجيوش واستعد للحرب فأني ملاقيك بجنود لا قبل لك بها والسلام .

فلما وصل إليه ( ع ) الكتاب وقرأه دعى بقلم ودواة وقرطاس ، وكتب فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبده علي بن أبي طالب أخا رسول الله وابن عمه ووصيه ، ومغسله ومكفنه ، وقاضي دينه وزوج أبنته البتول ، وأبي سبطيه الحسن والحسين الى معاوية بن أبي سفيان أما بعد : فاني أفنيت قومك يوم بدر ، وقتلت عمك وخالك ، وجدك والسيف الذي قتلتهم به معي يحمله ساعي د بثبات صدري وقوة من بدني ونصرة من ربي كما جعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كفي فو الله ما اخترت على الله ربا ، ولا على الاسلام دينا ، ولا على محمد نبيا ولا على السيف بدلا فبالغ من رأيك فاجتهد ، ولا تقصر فقد استحوذ عليك الشيطان واستقر بك الجهل والطغيان ، وسيلعموا الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى ثم طوى الكتاب وختمه ودعى برجل من أصحابه يقال لهالطرماح ، وكان رجلا طويلا جسيما بليغا أديبا متكلما فصيحا لا يكل لسانه ، ولا يمل من الخطاب فعممه بعمامة فدعى بجمل بازل فائق أحمر فركبه ، ووجهه الى دمشق ، وأمر بتسوية رحله فقال له انطلق بكتابي هذا الى معاوية ورد الجواب فأخذ الطرماح الكتاب وكوره في عمامته وانطلق ، وسار آناء الليل واطراف النهار حتى دخل دمشق فوقف على باب معاوية فقال له البواب : من تريد ؟ قال أريد أولا أصحاب الامير ثم الامير قال البواب : من تعني بأصحاب الامير ؟ قال : أريد حنتما وجرولا وشاجعا وقامحا فقال سمهم


106

بأسمائهم قال : هم أبو الاعور السلمي ، ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص وأبو هريرة الدوسي فقال : هم بباب الخضراء يتنزهون في بستان هناك فانطلق حتى أشرف على باب البستان فإذا هم قيام ببابه فلما رأوه تعجبوا من طول قامته فقال بعضهم لبعض : قد جائنا أعرابي طويل القامة ، عظيم الهامة تعالوا حتى نستهزء به ، فأقبلوا وسلموا عليه ، وقالوا : يا أعرابي هل عندك خبر من السماء ؟ قال : نعم قالوا : أخبرنا ما هو قال الطرماح ان الله قوي في ملكه ، جبار في قدرته ، عالم بسرائر خلقه ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ، وملك الموت في الهواء وسيف علي بن أبي طالب في القفاء ، وأستعدوا لما ينزل عليكم من البلاء يا أهل الشقاق والنفاق فقالوا له : من أين أقبلت ؟ فقال لهم : من عند حر تقي نقي زكي مؤمن رضي مرضي ، فقالوا : من تريد ؟ قال : أريد هذا الشقي الدعي الوزي المنافق الردي الذي تزعمون انه أميركم ، فعلموا أنه رسول من أمير أمير المؤمنين ( ع ) الى معاوية فقالوا : ما تريد منه ؟ فقال : أريد الدخول عليه فقالوا : هو مشغول عنك قال : لهم بماذا مشغول عني بخط مخطوط ، أو بشرط مشروط ، أو بوعد موعود فقالوا : لا ولكن يشاور أصحابه كيف يلقى علي بن أبي طالب في حربه وبما يلقاه ؟ قال الطرماح : فسحقا له وبعدا له ولاصحابه وما هذه صفة من يتولى أمور المسلمين ، وإنما هذه صفة فرعون وهامان لما تشاوروا في قتل موسى بن عمران فعند ذلك كتب عمرو بن العاص الى معاوية كتابا يقول فيه :أما بعد : فقد ورد علينا أعرابي من العراق يزعم انه رسول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وهو ذو لسان فصيح وكلام مليح ، طلق ذلق يتكلم ولا يكل ، ويطيل ولا يمل فأحذر من لسانه واستعد لجوابه كلاما بليغا ولا تكن عنه غافلا ساهيا والسلام فاناخ الطرماح ناقته وعلقها وجلس معهم ينتظر الجواب ، فلما بلغ معاوية الكتاب وقرأه أمر أن يضرب دونه ثلاثة استار وجعل عند كل ستر الف بطل عليهم الدروع والجواشن وبأيديهم أعمدة الحديد ، وكان أكثر لباس جيوشه السواد ثم أمر ابنه يزيد أن يضرب المصاف على باب داره قريبا من الاستار ، ويجلس عندها فجلس معاوية على سريره وأرخى الستور عليه وأمر بدخول الطرماح فقام معهم ودخل مارا على الستور والمصاف والابطال يحدقون من حول الاستار وعليهم ثياب سود ، قال : لا إله إلا الله من هؤلاء


107

القوم كأنهم زبانية مالك في ضيق المسالك فلما دنى من يزيد وكان على وجهه أثر ضربة إذا تكلم كان جهير الصوت وهو جالس فلم يسلم عليه وقال : من هذا الغيشوم الميشوم والمشؤم ابن المشؤم الواسع الحلقوم طويل الخرطوم ؟ فقال الواقف : يا أعرابي هذا ابن الامير يزيد فقال : ومن يزيد لا اراد الله مراده ولا بلغه مراده ، ومن أبوه ؟ كانا قدما غائصين في بحر الجلافة واليوم أستويا على سرير الخلافة فسمع ذلك يزيد فاستشاط غيظا وغظبا .

وهم ان يضربه أو يقتله ثم خاف أن يحدث أمرا دون اذن أبيه فكظم غيظه واخبأ ناره فسلم عليه ، وقال له : مرحبا بك يا أعرابي ان أمير المؤمنين يسم عليك ويقرئك السلام فقال الطرماح : سلامه معي من الكوفة قال يزيد : ما شئت قل فقد أمرني بقضاء حاجتك .

قال : حاجتي إليه ان يقوم من مقامه حتى يجلس من هو أولى منه بهذا الامر قال : ثم ماذا تريد ؟ قال : أريد الدخول عليه فأمر يزيد برفع الحجاب وأدخله على معاوية فلما دخل عليه الطرماح وهو منتعل قال له : اخلع نعليك فالتفت يمينا وشمالا فقال : هذا وادي المقدس فاخلع نعلي فنظر وإذا معاوية قاعد على سريره .

فقال له : السلام عليك أيها الملك العاصي فقال عمرو بن العاص : ويحك يا أعرابي لم لا تسلم على أمير المؤمنين ؟ فقال : ثكلتك امك نحن المؤمنون فمن أمره علينا بالخلافة والله لا أعرف أمير المؤمنين غير سيدي علي بن أبي طالب فقال معاوية : ما معك يا أعرابي ؟ قال : كتاب مختوم من امام معصوم قال : ناولينه قال : أكره ان اطأ بساطك فقال : ناوله وزيري هذا وأشار الى عمرو بن العاص فقال هيهات ظلم الامير وخان الوزير فقال ناوله ولدي يزيد فقال : ما فرحنا بابليس فكيف نفرح باولاده ؟ فقال ناوله مملوكي واشار الى غلام له قائم على رأسه فقال : مملوك اشتريته من غير حل وتستعمله في غير حق ، وان امامي اوصاني ان لا اسلمه إلا بيدك فقال : ويحك يا أعرابي فما الحيلة في أخذ الكتاب منك ؟ قال الحيلة ان تقوم من مقامك صاغرا حقيرا وتأخذه مني بيدك ، وترجع الى مكانك لانه كتاب رجل كريم ، وسيد عظيم وحر حليم ، وهو بالمؤمنين رؤف رحيم فلما سمع وثب من مكانه وأخذ منه الكتاب مغضبا ، ورجع الى مكانه وفضه وقرأه وفهم معناه .

ثم قال يا اعرابي كيف خلفت علي بن أبي طالب ؟ قال : خلفته يحمد الله كالبدر الطالع حواليه أصحابه كالنجوم الزواهر إذا أمرهم أبتدروا إليه ، وإذا نهاهم عن شر أنتهوا


108

ولم يتجاسروا عليه ، وهو قوي في بأسه ، شديد في تجلده بطل شجاع ، سيد سميدع ان لقي جيشا هزمه وارداه ، وان لقي قرنا سلبه وأفناه ، وان لقي عدوا قتله وأخزاه ، وان لقي حصنا هدمه ، وان وافى جبلا قلعه ، وهو لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين فقال معاوية : كيف خلفت الحسن والحسين ؟ قال خلفتهما شابين ، تقيين نقيين زكيين ، عفيفين صحيحين ، سيدين ، طيبين ، فاضلين ، عالمين ، عاقلين ، مصلحين في الدينا والاخرة فقال : لله درك يا أعرابي ما حسن ثنائك لصاحبك وما أظن عنده أحدا من أصحابه أفصح منك .

قال : لو بلغت باب أمير المؤمين علي بن أبي طالب لوجدت الادباء الفصحاءالبلغاء الفقهاء النجباء الاتقياء الاصفياء ، ولرأيت رجالا سيماهم في وجوههم من أثر السجود حتى إذا استعرت نار الوغى قذفوا أنفسهم في تلك الشعل لابسين القلوب على مدارعهم ، قائمين ليلهم صائمين نهارهم لا تأخذهم في الله ولا في ولي الله علي لومة لائم فإذا أنت يا معاوية رأيتهم على هذه الحالة غرقت في بحر عميق لا تنجو من لجته يا ضعيف اليقين فدنى عمرو بن العاص الى معاوية وقال : ان العرب أصحاب لقمة فلو أمرت لهذا الاعرابي بشئ من المال تقطع به لسانه كان أجل فقال معاوية : يا اعرابي ما تقول في الجائزة تأخذها مني ؟ فقال : اني أريد أن أقبض روحك من جسدك فكيف لا آخذ مالك من يدك فأمر له بعشرة آلاف دينا وقال أتحب ان أزيدك ؟ قال : زد فأنك لا تعطيه من مال أبيك وان الله ولي من يزيد .

قال : أعطوه عشرين الفا : اجعلها وترا فان الله هو الوتر ويحب الوتر فابطأ الروس ساعة فقال الطرماح : تستهزئني به على فراشك ؟ فقال : لماذا يا أعرابي ؟ قال : انك أمرت لي بجائزة لا أراها ولا تراها فأمرك بمنزة الريح التي تهب من قلل الجبال فأمر معاوية بأن يسرع في أبرازها فأتوا بها ووضعوها بين يديه فقال عمرو بن العاص : يا أعرابي كيف ترى جائزة أمير المؤمنين ؟ فقال : هذا مال المسلمين من خزانة رب العالمين أخذه عبد من عباد الله الصالحين : قال له معاوية : يا طرماح لو كان علي ما أعطاك فلسا واحدا قال : لا والله كيف له ان يعطيني مال المسلمين وهو يخشى عقوبة ربه ولا يعمل إلا بما أمر الله والمال الذي أمرت لي به ليس هو من مالك ولا من مال أبيك أبي سفيان ولا من مال جدك صخر ولا جدتك عصارة الخمر إنما هو من بعض مال المسلمين أخذت منهم بغير حق وأعطيتني إياه فأن سيدي عليا أولى به منك يدفعه الى مستحقيه فقال


109

معاوية : ثكلتك أمك يا يا طرماح أخذت مني الجائزة ولم تحسن صنعي معك وتقابلني بمثل هذا الجواب فقال : طوبى لامي حيث ولدت مؤمنا مثلي ولم تلد منافقا مثلك فالتفت معاوية الى كاتبه : أكتب جواب صاحبه لقد ضيق علي نفسي وأظلم علي الدنيا ومالي طاقة ولقد أعجزنا من الحيلة فيه فأخذ الكاتب القرطاس وكتب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبديه معاوية بن أبي سفيان الى علي بن أبي طالب أما بعد فأني قادم عليك بجنود من الشام مقدمه بالكوفة ومؤخره بساحل البحر ولارمينك بألف جمل من خردل تحت كل خردل الف مقاتل فان اطفأت نائرة الحرب والفتنة وسلمت الينا قتلة عثمان وإلا فلا تقل غال ابن أبي سفيان وطفى ولا يغرنك شجاعة أهل العراق واتفاقهم فان مثلهم كمثل الحمار الناهق يميلون مع كل ناعق والسلام .

فلما نظر الطرماح الى ما خرج من تحت قلم الكاتب ضحك حتى استلقى على قفاه وقال سبحان الله يا معاوية أخبرني أيكما أكذب انت بأدعائك ام كاتبك فيما كتب ؟ لو اجتمع أهل الشرق والغرب من الجن والانس لم يقدروا ان يصلوا مقدار ذلك به ، فقال معاوية : والله لقد كتب بغير اذني فقال الطرماح : ان كنت لم تأمره فقد استضعفك وان كنت أمرته فقد استفضحك ثم قال : اظنك تهدد البط بالشط وأنشأ : فدع الوعيد فما وعيدك ضائري

اطنين اجنحة الذباب يضير والله ان لامير المؤمنين ( ع ) لديكا على الصوت عظيم المنقار يلتقط الجيش بخيشومه ويصرفه الى قانصته ، ويحطه الى حوصلته فقال : من هو ؟ فقال هو والله مالك الاشتر النخعي فطار عقل معاوية من وصف مالك الاشتر فقال لكاتبه : اكتب ولا تطل الكلام فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان الى علي بن أبي طالب أما بعد : فأني قادم اليك بجنود أهل الشام وانداء اليمن لقتالك وحربك أو تدفع الينا من قتل عثمان فأن سلمت الينا سالمناك ، وان أبيت حاربناك ، وانت أعرف برأيك والسلام ثم طوى الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه الى الطرماح فأخذ الكتاب وحمل المال وخرج من عنده وركب جمله وسار ، في مجمع النورين لما خرج الطرماح ، وأتى ليركب ناقته وقد امتلا معاوية غيظا وحنقا أشار الى غلمانه ان يستخفوا ويستهزؤا به فقالوا :يا أعرابي هذه الناقة لنا ولها فصيل وقد اشتد رغاؤه في فقد أمه ، وما نرى إلا انك سرقتها منه فأخذوا يجرونه الى القاضي وأقاموا البينة على دعواهم ، وحكم القاضي بان الناقة لهم


110

وخرجوا وخرج الطرماح حزينا مهينا حقيرا تارة يفكر في انهم أتهموه بالسرقة واستخفوا به ، وأخرى يفكر كيف يقطع سفره راجلا فانكسر قلبه ودمعت عينه وتوجه بقلبه الى أمير المؤمنين ( ع ) واستغاث به ، وجعل يكرر من قول عليا مظهر العجائب فلما أتو ليستلموا الناقة وإذا به قد تحول جملا .

فقال انتم أقمتم البينة بان هذه ناقة وهي لكم ولي شاهدان عدلان بان هذا جمل وليس ناقة ، فمد يديه وأخذ بخصاوي الجمل .

فقال : انظروا الى الشاهدين فتحيروا وتعجبوا من ذلك وضحك معاوية وجميع من حضر ، فالتفت معاوية الى أصحابه ، وقال لو أعطيت جميع ما أملك لرجل منكم ما كان يؤدي على عشر ما أدى هذا الرجل عن صاحبه فو الله لقد أظلم الدنيا بعيني فقال له عمرو بن العاص : أتدري لماذا يا معاوية ؟ لانا تركنا الحق وراء ظهورنا إذ يدعونا علي بن أبي طالب بين المهاجرين والانصار فتركناه وأتبعناك وكل منا يتكلم على قدر صاحبه ، فما عسى أن نقول فيك فما عسى أن يقول هذا الرجل في علي فهمها قال : فعلي ازيد مما يقول : فلو ان لك من للنبي صلى الله عليه وآله وسلم منزلة كمنزلة ابن عمه وكنت على الحق لادينا أضعافا مضاعفة فقاله له معاوية رض الله فاك فو الله ان كلامك أشد علي من كلام الاعرابي وهذا مما لا شك فيه بأن معاوية أعرف من غيره بكان علي ( ع ) من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ومقامه عنده وماله من الفضائل والفواضل والسوابق والمناقب ولكن أقامه على العناد واللجاج والشحناء والبغضاء أمران : الاول عدم إيمانه بالله وبرسوله ، والاخر حب الدنيا والمال والرياسة والسلطنة ، وناهيك فيما قلنا من انه متى ذكر عليا ( ع ) أو سمع مناقبه أقر وأعترف بذلك بل وربما كان يبكي ويقول : هيهات عقمت النساء ان يلدن بمثلعلي بن أبي طالب وكثيرا ما كان يذكر أمير المؤمنين ( ع ) واوصافه ويبكي حتى تخضب لحيته بدموعه : دخل ضرار بن ضمرة على معاوية بعد ارتحال امير المؤمنين ( ع ) .

فقال معاوية : يا ضرار صف لي عليا قال : أو تعفيني قال : لا أعفيك قال : كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ويتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته كان والله عزيز العبرة طويل الفكرة يقلب كفه ويخاطب نفسه ويناجي ربه يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله فينا كأحدنا يدنينا إذا اتيناه ، ويجيبنا


111

إذا سألناه وكنا مع دنوه منا ، وقربنا منه لا نكاد نكلمه لهيبته ، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته فان تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ، ولا يبأس الضعيف من عدله وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قائم في محرابه ، قابض بيده على لحيته يتململ كتململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين فكأني الان وهو يقول يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت ؟ ام الي تشوقت ؟ هيهات هيهات لا حان حينك غري غيري لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها فعمرك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ، ووحشة الطريق ، وعظيم المورد فوكفت دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمه ، واختنق القوم بالبكاء .

ثم قال : كان والله أبو الحسن كذلك فكيف كان حبك إياه يا ضرار قال : كحب أم موسى لولدها موسى واعتذر الى الله من التقصير قال : وكيف صبرك عنه يا ضرار ؟ قال : صبر من ذبح ولدها على صدرها فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حرارتها .

ثم قام وخرج وهو باك فقال معاوية لاصحابه .

أما انكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني علي مثل هذا الثناء قال بعض الحاضرين : الصاحب على قدر الصاحب أقول : ان معاوية لما سئله عنصبره في فقد أمير المؤمنين ( ع ) قال : كصبر من ذبح ولدها على صدرها فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حرارتها ، وهذا من اشد المصائب لا يتصور فوقها مصيبة بان يذبح الولد على صدر امه وامه تنظر إليه ، ولا تلام إذا متت عند ذلك ساعد الله قلب ليلى قيل انها جلست يوم الحادي عشر من المحرم وأخذت رأس ولدها وضمته الى صدرها إذ اقبل إليها منقذين بن مرة العبدي لعنه الله ، وصنع ما صنع حتى غشي عليها الخ .

المجلس الواحد والاربعون قال الله عز من قائل : ( الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها في كل حين بأذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار ) وقال


112

تعالى : والشجرد الملعونة في القرآن وتخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا لا يخفى أن الشجرة الطيبة هي محمد وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ، والشجرة الملعونة هي أمية وأولاده .

ومعلوم أن الشجرة الرديئة لا تثمر إلا ثمرة رديئة ، وهذه الشجرة الملعونة بنو أمية مقابل الشجرة الطيبة محمد وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكل نور ظلمة ، ولكل موسى فرعون ولم يزالوا يسعون في قطع تلك الشجرة الطيبة فيا لله من ظلم هؤلاء واجترائهم على الله ولا سيما يزيد بن معاوية كان شر الخلائق من الاولين والاخرين لانه صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ، ومنادمة على الشراب والمغنين .

وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة ، واستعملت الملاهي ، واظهر الناس شرب الشراب وكان ليزيد قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته ، ويطرح له متكأ وكان قردا خبيثا ، وكان يحمله على اتان وحشية قد ربضت وذلت له بسرج ولجام ، والبس القرد قباء من الحرير ووضع على رأسه قلنسوة ذات الوان بشقائق ، وعلى الاتان سرج من الحرير الاحمر منقوش ملمع ، فإذا كان يوم الحلبة خرج القرد وركب الاتان ويساقالخيل في العدو حتى يأخذ القصبة ، ويرجع قبل الخيول والفرسان .

ولما شاع فسقه وفجوره وشربه ولهوه وما ظهر من قتل الحسين ابن بنت رسول الله خلع أهل المدينة بيعته ، وأخرجوا عامله وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان من المدينة وذلك باشارة عبد الله بن الزبير لانه خرج بمكة ودعى الناس الى مبايعته ، وأظهر شنايع يزيد وفساد افعاله ، ولما بلغ ذلك يزيد غضب غضبا شديدا وسرح الى المدينة جيشا عظيما عليهم مسلم بن عقبة وأمره بقتل أهل المدينة حتى يقروا بالعبودية ليزيد .

ثم توجه الى مكة لاخذ ابن الزبير وقتله لانه خرج بمكة ويدعو الناس الى نفسه ، وادعى الامامة فبلغ ذلك يزيد وكتب كتابا الى ابن الزبير يقول : ادع إلهك في السماء فأنني

أدعو عليك رجال عك واشعرا كيف النجاة انا خبيب منهم

فاختل لنفسك قبل أتي العسكرا ولما انتهى الجيش الى الموضع المعروف بالحرة قرب المدينة خرج إليهم اهل المدينة في عسكر عظيم عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله ابن حنظلة غسيل الملائكة الانصاري ، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس وبنو هاشم وسائر قريش والانصار وغيرهم .


113

فمن قتل من آل أبي طالب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب الحنفية ومن بني هاشم من غير آل أبي طالب ثلاثة وبضع وتسعون رجلا من سائر قريش ، ومن سائر الناس لا تعد ولا تحصى .

ثم دخل المدينة وخرب بيوت بني هاشم ونهب المدينة ، وأخاف اهلها واخد منهم البيعة على انهم عبيد ليزيد وسمى المدينة نتنة ، وخرج علي بن الحسين حتى لاذ بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعو لنفسه فأمر مسلم بن عقبة باحضار علي بن الحسين وهو مغتاظ عليه ويتبرأ منه ومن آبائه فلما رآه وقد دخل ارتعد مسلم وقام له واقعده الى جانبه وقال له : سلني حوائجك فلم يسأله في أحد ممن قدم إليه بالسيف إلا شفعه فيه .

ثم خرج من عنده فقيل لزين العابدين : رأيناكتحرك شفتيك فما الذي قلت ؟ قال ( ع ) : قلت : اللهم رب المساوات السبع وما أظللن والارضين السبع وما افللن رب العرش العظيم رب محمد وآله الطاهرين اعوذ بك من شره وادرأ بك في اسئلك ان تؤتيني خيره وان تكفيني شره .

وقيل لمسلم بن عقبة : تسب هذا الغلام وسلفه فلما اتى اليك رفعت منزلته فقال : ما كان ذلك مني لقد ملاء قلبي رعبا ، ولما فرغ من المدينة وخرج منها مسلم بن عقبة في جيشه يريد مكة لمقاتلة ابن الزبير واهل مكة ، وذلك في سنة اربع وستين فلما انتهى الى الموضع المعروف بقديدمات مسلم بن عقبة ، وتولى الجيش الحصين بن نمير ( لع ) فسار حتى أتى مكة وأحاط بها .

فلما رأى عبد الله بن الزبير ذلك وكثرة الجيش وقلة اعوانه لاذ بالبيت الحرام واظهر الزهد في الدنيا والعبادة مع الحرص على الخلافة وقال : إنما بطني شبر فما عسى ان يسع ذلك من الدنيا وانا العائذ بالبيت والمستجير بالرب وفيه يقول الشاعر : تخير من لاقيت انك عائذ

وتكثر قتلا بين زمزم والركن وسمى نفسه العائذ بالبيت ونصب الحصين بن نمير فيمن معه من اهل الشام المجانيق والعرادات على مكة والمسجد من الجبال والفجاج وابن الزبير في المسجد ومن معه المختار بن أبي عبيدة داخلا في جملته منقادا بامامته على شرائط شرطها عليه لا يخالفه رايا ولا يعصي له امرا فتواردت احجار المجانيق والعرادات على البيت ورموا مع الاحجار بالنار والنفط وغير ذلك من المحرقات ، وانهدمت الكعبة ، واحترقت البنية ففي ذلك يقول الشاعر :


114

ابن نمير بئس ما تولى

قد اخرق المقام والمصلى ووقعت صاعقة من السماء فاحرق من اصحاب المجانيق احد عشر رجلا ، وقيل : اكثر من ذلك وهو يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الاول قبل وفاة يزيد بأحد عشر يوما فيا لله من طغات بني امية ، ومن شقاوتهم واجترائهم على الله حيث ما اكتفوا برمي الاحجار ، والنبال الى بيت الله الحرام حتى اضرموا فيه النار واحرقوه وليس هذا ببعيد من قوم احرقوا خيم ابن رسول الله ، وسلبوا عياله ففي اليوم الرابع عشر من شهر ربيع الاول من سنة اربع وستين من الهجرة ، هلك يزيد بن معاوية فعند ذلك اشتد امر ابن الزبير بمكة ، وكثر جمعه ونفذت كلمته ، وبايعه جم غفير وممن بايعه المختار وكان يومئذ بمكة وداخلا في احفاد عبد الله بن الزبير فقال المختار يوما لابن الزبير : اني لاعرف قوما لو أتاهم رجل له رفق وعلم بما يأتي لاستخرج لك منهم جندا تغلب انت بهم بني امية قال : من هم ؟ قال : شيعة علي ( ع ) بالكوفة قال : كن انت ذلك الرجل فبعثه الى الكوفة فنزل المختار ناحية من الكوفة ، وجعل يظهر البكاء على الحسين وشيعته ويظهر الحنين والجزع لهم ، ويحث على اخذ الثار لهم والمطالبة بدمائهم ، فمالت الشيعة إليه وانضافوا الى جملته وسار المختار الى قصر الامارة ، فاخرج عبد الله بن مطيع الذي نصبه ابن الزبير واليا على الكوفة وابتنى لنفسه دارا واخذ نستانا انفق عليه اموالا عظيمة اخرجها من بيت المال ، وفرق الاموال على الناس تفرقة واسعة وكتب الى ابن الزبير يعمله انه إنما خرج ابن مطيع لعجزه عن القيام بها فكتب إليه ان يحتسب به بما انفق من بيت المال ، فأبى ابن الزبير ذلك عليه فخلع المختار طاعته وجحد بيعته ، وكتب المختار كتابا الى علي بن الحسين ( ع ) يريد ان يبايع ويقول بامامته ويظهر دعوته وانفذ إليه مالا كثيرا فأبى زين العابدين ( ع ) ان يقبل ذلك منه ، أو يجيبه عن كتابه فلما يئس المختار من زين العابدين كتب الى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك فأشار عليه زين العابدين أن لا يجيبه الى شئ من ذلك ، فان الذي يحمل على ذلك طلب الرياسة والملك فأتى ابن الحنفية عبد الله ابن عباس فأخبره بذلك ، فقال : لا تجيبه الى ذلك فانك لا تدري ما انت عليه من أمر ابن الزبير ، فأطاع وسكت .

وأشتد أمر المختار بالكوفة وكثر رجاله ومال الناس إليه ، ومنهم من يخاطبهبإمامة محمد بن الحنفية ، ومنهم من يرفعه عن هذا ويخاطبه بأن الملك يأتيه بالوحي


115

ويخبره بالغيب وكان من شأنه ما كان ، فلما سمع ابن الزبير ذلك غضب غضبا شديدا وكان محمد بن الحنفية بمكة يريد الحج فأحضره بن الزبير وأشار عليه بالبيعة فأبى محمد بن الحنفية فحصره بن الزبير ، ومن كان بمكة من بني هاشم في الشعب وحبسهم في ذلك المكان وجمع لهم حطبا عظيما لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد فبلغ ذلك المختار فنادى في أهل الكوفة أيها الناس قد حبس امامكم فأدركوه فجمع أربعة آلاف رجل وأرسلهم مع أبي عبد الله الجدلي الى مكة لحرب ابن الزبير وتخليص ابن الحنفية ، فجلس ابن الزبير يوما وقال بايعتني الناس ما عدا هذا الغلام يعني محمد بن الحنفية الموعد بيني وبينه الى ان تغرب الشمس ثم أضرم داره عليه فدخل ابن عباس على ابن الحنفية ، وقال يا ابن العم اني لا أمنه عليك فبايعه قال : سيمنعه عني حجاب قوي ، فجعل ابن عباس ينظر الى الشمس ويفكر في كلام ابن الحنفية ، وقد كادت الشمس ان تغرب إذ وافتهم خيل أهل الكوفة مع أبي عبد الله الجدلي ، فما شعر بن الزبير إلا والرايات تخفق على رأسه فجاؤا الى بني هاشم فأخرجوهم من الشعب وقالوا لابن الحنفية : أئذن لي فأبى ، وقال : لا تقتلوا إلا من قاتلكم وخرج ابن الحنفية الى ايلة جبل بين مكة والمدينة فأقام بها سنين حتى مات فأختلفت الكيسانية وسموا بهذا الاسم لانتسابهم الى المختار لان اسمه الكيسان ، ولقبه المختار ، وكنيته أبو عمرة وهو الذي شيع هذا المذهب بين الناس فمنهم من قطع بموته ، ومنهم من زعم انه لم يمت وإنه حي في جبال رضوى ، وكان كثير الشاعر كيسانيا ويقول : ان محمد بن الحنفية هو المهدي الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا ويقول : ألا ان الائمة من قريش

ولاة الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بينه

هم الاسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر

وسبط غيبته كربلاءوسبط لا تراه العين حتى

يقود الخيل يتبعها اللواء يغيب ولا يرى فيهم زمانا

برضوى عندهم عسل وماء ومن دخل في مذهب الكيسانية اسماعيل الحميري ويعتقد امامة محمد بن الحنفية ويقول : إنما غاب وسيظهر وله أبيات في ذلك منها : ألا قل للوصي فدتك نفسي

أطلت بذلك الجبل المقاما وعادوا فيك أهل الارض طرا

مغيبك عنه سبعين عاما


116

وما ذاق ابن خولة طعم موت

ولا وارت له أرض عظاما لقد أمسى بمردف شعب رضوى

تراجعه الملائكة الكلاما ولم يزل على هذه العقيدة حتى بصره الصادق وذلك ان في مجلس الصادق ( ع ) ذكر السيد اسماعيل الحميري فقال ( ع ) : السيد كافر فبلغه ذلك فجاء عنده وقال : انا كافر مع شدة حبي لكم ومعاداتي لعدوكم قال ( ع ) : وما ينفعك وانه كافر بحجة الدهر وحجة الزمان ثم أدخله بيده وادخله بيتا فإذا البيت قبر فصلى ركعتين ثم ضرب بيده القبر فانشق وخرج شخص ينفض التراب عن رأسه ولحيته فقال له الصادق : من انت قال : انا محمد بن علي المسمى بابن الحنفية .

قال : فمن قال : جعفر بن محمد حجة الدهر والزمان فتاب السيد من ساعته على يد الامام ( ع ) : وسأله الدعاء وانشأ الابيات التي ذكرها آنفا ، وكان يقول : قد ضللت زمانا ولكن من الله علي بالصادق جعفر بن محمد ( ع ) فأنقذني من النار وهداني الى سواء الصراط فسألته عن الغيبة وصحة كونها وبمن يقع ؟ فقال ( ع ) ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الائمة الهداة أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الارض ، وصاحب الزمان والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يخرج ويملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ، قالالسيد : فلما سمعت ذلك من الصادق ( ع ) تبت الى الله تعالى على يده وقلت : قصيدة منها هذه الابيات : تجعفرت باسم الله والله أكبر

وأيقنت ان الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ما كنت دينا

به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت فهبني قد تهودت برهة

وإلا فديني دين من يتنصر فأتى الى الرحمن من ذاك تائب

وأني قد اسلمت والله أكبر ولست بغال ما حييت وراجع

الى ما عليه كنت أخفي وأظهر وكان السيد من محبي أهل البيت ، ومن خواص شيعتهم وله أبيات كثيرة في مدح أهل البيت وكان الصادق ( ع ) كثيرا يحبه ، ولما توفي ترحم عليه بل وبعث إليه بكفن وسدر وكافور ، قيل له يا بن رسول الله إنه كان يشرب الخمر ، ويؤمن بالرجعة فقال ( ع ) : حدثني أبي عن جدي ان محبي آل محمد لا يموتون إلا تائبين وقد تاب .


117

وروى الحسين بن أبي الحرب قال : دخلت على السيد في مرضه فوجدته يساق به وعنده جماعة من العثمانية من خزانة ، وكان السيد جميل الوجه رحب الجبهة حسن الصورة فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة ثم لم تزل تزيد حتى طبقت وجهه فأغتمت الشيعة وظهر السرور من النواصب فقال السيد : هكذا يفعل بأوليائكم يا أمير المؤمنين إذ بدت لمعة بيضاء لم تزل تزيد ، وتنموا حتى أبيض وجهه ، وكأنه القمر ليلة البدر وافتر السيد ضاحكا وأنشأ يقول : كذب الزاعمون ان عليا

لا ينجي محبه من هنات قد وربي دخلت جنة عدن

وعفاني الاله عن سيئات فأبشر واليوم أولياء علي

وتولوا عليا حتى الممات ثم من بعده تولوا بنيه

واحدا بعد واحد بالصفاتثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حقا حقا وأشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا حقا ثم اغمض عينيه فكأنما كانت روحه ربانية طفيت فانتشر هذا الخبر في الناس فشهدوا جنازته لما علموا حسن حاله فكأن المعاصي والكبائر اظلم وجهه واسود لونه ، ولما بدت عليه لمعة من نور الولاية ذهبت بتلك السواد .

أقول فإذا كان نور الولاية والمحبة لعلي وأولاده المعصومين يذهب بظلمة المعاصي ، وسواد العارضي فليس بعجب ان يزيل ذلك النور السواد الذاتي من ذلك الحبشي الذي ولد في حب علي وأولاده ، وعاش في حبهم وقتل في حبهم وبذل مهجته دونهم كما في قصة جون مولى أبي ذر ولا سيما إذا دعا الامام له بقوله : اللهم بيض وجهه ، وطيب ريحه واحشره مع الابرار .

المجلس الثاني والاربعون أول من تقلد الخلافة من بني أمية عثمان بن عفان ، ثم معاوية بن أبي سفيان وكانت مدته عشرون سنة كاملة وبعده يزيد بن معاوية ، ومدته ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثمان ليالي ، ومات بحوارين من أرض دمشق وفي ذلك يقول الشاعر :


118

يا أيها القبر بحوارينا

ضممت شر الناس أجمعينا وكان ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وبعده معاوية بن يزيد بن معاوية ، وفي مروج الذهب وكان مدة أيامه أربعين يوما الى ان مات وكان يكنى بأبي يزيد ، وكني حين ولي الخلافة بأبي ليلى وكانت هذه الكنية للمستضعفين من العرب وفيه يقول الشاعر : اني أرى فتنة هاجت مراجلها

الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا ولما حضرته الوفاة اجتمعت إليه بنو أمية فقالوا له : اعهد الي ما رأيت من أهل بيتك فقال : والله ما ذقت حلاوة خلافكم فكيف أتقلد وزرها تنتحلون أنتم حلاوتها واتعجل مرارتها ، اللهم اني برئ منها ، متخل عنها ، اللهم إني لا أجد نفرا كاهلالشورى فأجعلها إليهم ينصبون من يرونه أهلا لها فقالت أمه : ليته انك خرقة حيضة ولم اسمع هذا الكلام فقال لها : وليتني خرقة حيضة ولم اتقلد هذا الامر أتفوز بنو أمية بحلاوتها وابوء بوزرها ومنعها أهلها كلا أني لبرئ منها فمات وهو ابن اثنتين وعشرين سنة ، ودفن بدمشق واختلف في سبب وفاته فقيل : انه مات حتف انفه ، وقيل سقي شربة مسمومة ، وقيل : انه طعن وقبض من ذلك وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ليكون الامر له بعد ، فلما كبر الثانية طعن وسقط ميتا قبل تمام الصلاة فقدم عثمان بن عتبة بن أبي سفيان وصلى عليه : وزال الامر عن آل أبي سفيان فلم يكن فيهم من يرومها ولا يرتجى أحد منهم لها فعند ذلك قام عبد الله بن الزبير ودعى الناس الى نفسه ومبايعته بمكة ، وكان مروان بن الحكم لما نظر الى اطباق الناس وهم على مبايعة ابن الزبير ، وأجابتهم له أراد ان يلحق بابن الزبير ويبايعه فمنعه عبيد الله بن زياد وقال : انك شيخ بني عبد مناف فلا تعجل ، ثم دخل عليه عمرو بن سعيد بن العاص فقال لمروان : هل لك فيما أقول فهو خير لي ولك قال مروان : وما هو ؟ قال : أدعوا الناس اليك وأخذها لك على أن تكون لي من بعدك فقال مروان : لا بعد خالد بن يزيد بن معاوية فرضي عمرو بن سعيد فدعي النسا الى بيعة مروان فأجابوا .

قال المسعودي في مروج الذهب : وبويع مروان وتمت بيعته ، وكان مروان أول من أخذها بالسيف كرها بغير رضا من عصبة الناس بل لخوف ، وكان مروان يلقب بخيط باطل ويكنى أبا عبد الملك ففيه قال الشاعر : لحا الله قوما أمروا خيط باطل

على الناس يعطي ما يشاء ويمنع


119

ومدة خلافته تسعة أشهر وأيام قلائل ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة وكان رجلا قصير أحمر وأختلف في سبب وفاته .

ومنهم رأى ان فاختة أم خالد بن يزيد بن معاوية هي التي قتلته ، وذلك ان مروان حين أخذ لنفسه البيعة ، ولخالد بن يزيد بعدهثم لعمرو بن سعيد بعد خالد ، ثم بدا له فجعل الخلافة لولده عبد الملك ثم ابنه عبد العزيز فلما سمع خالد بن يزيد غضب ودخل عليه فكلمه وأغلظ فغضب من ذلك مروان ، وقال أتكلمني يا ابن الرطبة ، وكان قد تزوج مروان بأم خالد بن يزيد يعني الفاختة بنت أبي هاشم بن عتبة ليذل خالد بذلك ويضع منه ، فدخل خالد مغضبا على أمه فقبح لها تزوجها بمروان وشكى إليها ما نزل به منه فقالت فاختة : يا بني لا يعيبك بعدها فلما دخل مروان عليها ونام عندها قامت ، ووضعت وساة على حلقه ، وقعدت مع جواريها فوقها حتى مات ، ومنهم من رأى ان فاختة أعدت له لبنا مسموما فلما دخل عليها ناولته إياه فشرب فلما استقر في جوفه وقع يجود بنفسه ، وأمسك لسانه وخرس فحضره عبد الملك وغيره من ولده .

فجعل يشير الى أم خالد يخبرهم إنها قتله وأم خالد جالسة تبكي وتقول : بأبي أنت وأمي حتى عند النزاع لم تشتغل عني إنه يوصيكم بي فلم يزل كذلك حتى هلك ، وكان له عشرون أخا وثمان أخوات ، وله من الولد أحد عشر وثلاث بنات ، وقد خلف يزيد ابن معاوية من الولد أكثر مما خلف مروان لانه خلف أربعة عشر ولدا ، ومن البنات أربعة فأين صاروا مع كثيرة توالدهم وتناسلهم حتى لا يبقى منهم أسم ولا رسم .

بل كان لم يكن شيئا مذكورا ولكن أنظر أيها المحب الى نبيك حيث لم يبق منه إلا بنت واحدة فكيف ملا الله من ذريتها الارض حتى لم يخل منهم مكان : كان نسل النبي بنتا فأضحى

مثل بنت الربيع عما البسيطا مع كثرة ما قتلوا وذبحوا وصلبوا ونهبوا وطردوا من بلد خوفا على أنفسهم من بني أمية وبني العباس لان هاتين الفرقتين كانتا يجدون ويحرصون على قتلهم وإطفاء نورهم لا أعلم بأية عين ينظرون الى رسول الله ، وبأي لسان يجيبون النبي إذا سألهم عن ذريته وعترته ؟ ماذا يقولون الخ .


120

المجلس الثالث والاربعونفي اللهوف والبحار قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنه سيرد علي في يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الامة : الاولى راية سوداء مظلمة قد فزعت منها الملائكة فتقف علي فأقول لهم : من أنتم فينسون ذكري ويقولون نحن أهل التوحيد من العرب فأقول لهم أنا أحمد نبي العرب والعجم فيقولون : نحن من أمتك فأقول : كيف خلفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي وكتاب ربي فيقولون : أما الكتاب فضيعناه وأما العترة فحرصنا على أن نبيدهم عن جديد الارض فلما أسمع منهم ذلك أعرض عنهم وجهي فيصدر دون عطاشا مسودة وجوههم ما لهم خذلهم الله ضيعوا الكتاب وخالفوا الحق ، وعطلوا السنن وعاندوا العترة ، وآذوهم وسفكوا دمائهم كل ذلك حرصا على الدنيا ، وحبا منهم للرياسة والسلطنة كخلفاء بني أمية وبني العباس وغيرهم حتى من كان قريبا من رسول الله بالقرابة القريبة ، منهم عبد الله بن الزبير بن عمة رسول الله وهي صفية بنت عبد المطلب خرج يطلب الخلافة ويدعو الناس الى مبايعته وذلك في زمان يزيد بن معاوية ( لع ) وبعد شهادة الحسين عليه السلام بسنة وبعث إليه يزيد مرتين بجيش عظيم فلم يقدروا عليه حتى هلك يزيد وجلس ابنه معاوية بن يزيد على سرير الملك ، ومات بعد أربعين يوما فعند ذلك أشتد أمر ابن الزبير واستقام له الامر وبعث عماله الى نواحي البلاد لاخذ البيعة له منهم أخوة مصعب بن الزبير وله ثلاث أخوة عمرو بن الزبير كان مخالفا لاخيه في الرأي حتى تقلد أمر الجيش من قبل بني أمية وخرج لمحاربة أخيه الى مكة ووقع بينهم حروب عظيمة حتى أنكسر جيشه وفر جمعه وظفر به أخوه عبد الله بن الزبير فأمر به عبد الله نزعوا أثوابه على باب مسجد الحرام وجلده حتى مات وكان مصعب موافقا له في الرأي وهو صاحب حسن وجمال وهيبة وكمال وفيه يقول الشاعر : إنما مصعب شهاب من الله

تجلت عن وجهه الظلماء وله أربعة أزواج : منها سكينة بنت الحسين ( ع ) فبعثه الى العراق فنزل البصرة أولا


121

ودعاهم الى البيعة فبايعوا توجه الى الكوفة فأعترضه جيش المختار بن أبي عبيدة وأبي المختار دخوله وجرت بينهم حروب عظيمة فقاتلوا قتالا شديدا حتى أنهزم جيش المختار ودخل مصعب الكوفة وقتل من أهل الكوفة سبعة آلاف رجل كل هؤلاء طالبون بدم الحسين ، وسماهم مصعب الحسينية ثم تتبع الشيعة بالكوفة وغيرها وقتلهم ، وضيق الامر على أهل الكوفة ، وظفر بالمختار وقتله واجتز رأسه ، وقطع أعضائه وجلس في قصر الامارة ووضع رأس المختار بين يديه ، وذلك في سنة سبع وستين من الهجرة ثم أتى بحرم المختار فدعاهن الى البرائة منه ، والدخول في طاعة أخيه عبد الله بن الزبير ففعلن إلا حرمتين له أحديهما بنت سمرة بن جندب الفرازي : والثانية أبنة النعمان بن بشير الانصاري ، وقالتا : كيف نتبرأ من رجل يقول : ربي الله كان صائم نهاره وقائم ليله قد بذل دمه لله ولرسوله في طلب قتلة ابن بنت رسول الله وأهله وشيعته فأمكنه الله منهم حتى شفى النفوس فكتب مصعب الى عبد الله يخبره بخبرهما فكتب إليه ان رجعتا عما إليه وتبرئتا منه فخل سبيلهما ، وإلا فأقتلهما فعرضهما مصعب على السيف فرجعت بنت سمرة ولعنته وتبرئت منه ، وقالت لو دعوتني الى الكفر مع السيف لكفرت أشهد أن المختار كافر وأبت أبنة النعمان بن بشير وقالت شهادة أرزقها لم أتركها كلا أنها موتة ثم الجنة والقدوم على رسول الله وأهل بيته ، والله لا يكون أتي مع ابن هند فأتبعه واترك بن أبي طالب اللهم أشهد اني متبعة لنبيك وابن بنته وأهل بيته وشيعته ثم قدمها مصعب فقتلت صبرا ففي ذاك يقول الشاعر : إنما أعجب الاعاجيب عندي

قتل بيضاء حرة عطبول قتلوها ظلما على غير جرم

ان لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا

وعلى الغانيات جر الذيول ولا يخفى ان الرجل الغيور لا يتعرض لاحد من النساء ، ولا يؤاخذها بكلامها وان اخشنت في كلامها فكيف بأن يقتلها ، ولذا لما قالت الحوراء زينب ما قالت في مجلسعبيد الله بن زياد ( لع ) وغضب اللعين وهم بها قام عمرو بن حريث : وقال يا أمير المؤمنين انها أمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها فكف اللعين عنها مع تلك الشقاوة فيا للعجب من رجل صنع صنعا لم يصنعه ابن مرجانة وهو قتل حرة مسلمة لانها لم تبايع وقتلها صبرا ، وقد نهى رسول الله ان يقتل أحد صبرا وهو ان يمسك المقتول بحيث لا يقدر


122

على الحركة ، ولم يزل يضرب ويطعن ويرمى حتى يموت وكان الله قد شاء ان هذه المرأة الصالحة تتأسى بالحسين ( ع ) لانه أيضا قتل صبرا كما قال زين العابدين ( ع ) في خطبته بالكوفة : انا ابن من قتل صبرا وكفى بذلك فخرا ، والحاصل لما صفي لمصعب العراق واخذ البيعة من أهلها لاخيه خرج الى الشام لحرب عبد الملك وأنفاذ أمره في أهله ، وسار حتى وصل بباحميرا ففي ذلك يقول الشاعر : أبيت يا مصعب الاسيرا

في كل يوم لك بباحميرا وبعث إليه عبد الملك بعساكر مصر والجزيرة والشام ، والتقوا بمسكن قرية من أرض العراق وعلى مقدمة جيش عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي وعلى جيش مصعب ابراهيم بن الاشتر النخعي ، فكاتب عبد الملك رؤساء أهل العراق الذين كانوا بعسكر مصعب وغيرهم وهو يمنيهم ويرغبهم ويرهبهم ، فلما تلاقوا العسكران أخذوا يقاتلوان حتى غشيهم المساء فأشرف ابرهيم بن الاشتر على الفتح فذكر أهل العراق الذين كانوا معه ما كتب إليهم عبد الملك من الوعد والوعيد ، فأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي ابراهيم وليس معه إلا عدد يسير ، فدارت به الرجال وازدحم إليه أهل الشام حتى أثخنوه بالجراح وسقط عن جواده ، وقعطوا رأسه وأتي بجسد ابراهيم بين يدي عبد الملك .

ثم اخذ الجسد مولى الحصين بن نمير وجمع حطبا وأحرقه بالنار .

فلما قتل ابراهيم بقي مصعب وحيدا وتفرق عنه جميع ما كان معه إلا سعد واحد منهم عيسى ابنه فقال له : يا بني أركب وأنج بنفسك والحق بمكة بعمك وأخبره بماصنع بي أهل العراق ودعني فأني مقتول فقال له : لا والله لا تتحدث بنا قريش أني فررت عنك فقال له : أما إذا ابيت فتقدم امامي حتى أحتسبك فتقد عيسى وقاتل حتى قتل ، وخر الى الارض وبقي مصعب بلا ناصر ، وجاء محمد بن مروان الى أخيه عبد الملك وسأله ان يؤمن مصعبا ، فأستشار عبد الملك من حضره فقال علي بن عبد الله بن عباس : لا تؤمنه ، وقال خالد بن يزيد بن معاوية : بل أمنه وأرتفع الكلام بين علي وخالد حتى تسابا فأمر عبد الملك أخاه أن يمضي الى مصعب ويؤمنه ، فمضى محمد بن مروان الى مصعب وقال : أمنك أمير المؤمنين على نفسك ومالك وكل ما أحدثت وأن تنزل أي البلاد شئت فبينما هو يكلمه إذ أقبل رجل من أهل من أهل الشام الى عيسى بن مصعب ليجتز رأسه فقام إليه مصعب من قفاه حتى قتله ، فأقبل إليه عبد الله بن ظبيان وكان أولا في جيش مصعب


123

وصاحب الراية ، وحمل على مصعب فأختلفا ضربتين وسبق ضربة مصعب الى رأسه وكان مصعب قد أثخن بالجراح فضربه عبد الله بضربة فقتله واجتز رأسه وأتى به عبد الملك .

فلما رأى سجد عبد الملك وكان ذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشر خلت من جمادي الاولى سنة اثنين وسبعين ثم أمر عبد الملك بمصعب وابنه فدفنا بدير الجائليق لما قتلا أمر عبد الملك بدفنهما سود الله وجوه قوم قتلوا ابن بنت رسول الله وتركوه عريانا صريعا على الارض ، ودعي عبد الملك أهل العراق الى البيعة وبايعوه ثم جاء عبد الملك حتى دخل الكوفة وجلس في قصر الامارة وبين يديه رأس مصعب ، وعن مسلم النخعي قال : كنت جالسا فرأى عبد الملك مني إظطرابا فسألني فقلت : يا أمير المؤمنين دخلت هذه الدار فرأيت رأس الحسين بين يدي ابن زياد في هذا الموضع ، ثم دخلت بعد ذلك فرأيت رأس ابن زياد بيدي يدي المختار ثم دخلت فرأيت رأس المختار بين يدي مصعب ، ودخلت وهذا رأس مصعب بين يديك فوقاك الله يا أمير المؤمنين فأمر عبد الملك بهدم الطاق وتخريب القصر ، ولكن شتان ما بين رأس الحسين ورؤس هؤلاء ما أعظمهشأنا وأشرفه قدرا وهو رأس كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يضمه الى صدره ، ويضعه على عاتقه ويقبله في جبهته وفي فمه وثناياه الخ .

ولما قتل مصعب في حرب عبد الملك وأتصل خبره بأخيه عبد الله بن الزبير بمكة أسرف في البكاء وصعد المنبر وجبينه يرشح عرقا فقال : الحمد لله مالك الدنيا والاخرة يؤتي من يشاء وينزع الملك عمن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شئ قدير إلا إنه لن يذل الله من كان الحق معه ، ولن يعز من كان أولياء الشيطان حزبه ، أتانا خبر من العراق أحزننا وأفرحنا قتل مصعب فأما الذي أحزننا من ذلك فأن فراق الحميم لدغة يجدها حميمه عند المصيبة ، ثم يحتسب بعد ذلك الى كريم الصبر وجزيل العزاء ، وأما الذي أفرحنا فأن القتل له شهادة ويجعل الله له ولنا في ذلك الخيرة أما والله إنا لا نموت كميتة آل أبي سفيان ، وإنما نموت قصعا بالرماح وقتلا تحت ظلال السيوف ، إلا وان الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا يتبدل ملكه ، فأن تقبل الدنيا علي لاخذها أخذ الاشطر البطر ، وان تدبر عني لا أبكي عليها بكاء الحزين المهين فنزل عن المنبر ، فبعد ما قتل مصعب بعث عبد الملك بجيش عظيم وعليه الحجاج بن يوسف الثقفي لحرب بن الزبير بمكة ، فأتى الحجاج الطائف وأقام بها شهورا ثم زحف الى مكة وحاصر


124

عبد الله بن الزبير ، وكتب الى عبد الملك أني قد ظفرت بأبي قبيس فلما ورد كتاب الحجاج عبد الملك فرح وكبر فكبر من في داره ، أتص التكبير بمن في جامع دمشق فكبروا واتصل ذلك بأهل السوق ثم سألوا عن الخبر فقيل لهم : ان الحجاج حاصر ابن الزبير بمكة وظفر بأبي قبيس فقال : لا نرضى حتى يحمله الينا مكبلا على رأسه برنس على جمل يمر بنا في الاسواق الترابي الملعون ، وكان حصار الحجاج لابن الزبير بمكة هلال ذي القعدة سنة أثنتين وسبعين ، ومة حصاره خمسين ليلة ، ومنع ابن الزبير الحجاج ان يدخلوا مكة ويطيفوا بالبيت ونحر ابن الزبير ولم يخرج بعرفة ، ودخل ابن الزبير على أمهأسماء بنت أبي بكر الصديق ، وقد بلغت مئة سنة لم يقلع لها سن ولا أبيض لها شعر ، وما زال عندها عقل فقال يا أماه : كيف تجدين ابنك ؟ قالت : اني لشاكية يا بني قال : يا أماه ان في الموت راحة قالت : لعلك تمنيه لي وأنا لا أحب أن أموت حتى أرى أحد طرفيك أما قتلت فأحتسبك ، وأما ظفرت فقرت عيني بك ، وأوصى عبد الله إليها بما يحتاج من أمره وأمر نسائه ، وكان عروة بن الزبير على رأي عبد الملك ، وكتب عبد الملك الى الحجاج يأمره بتعاهد عروة وان لا يسوقه في نفسه وماله فخرج عروة الى الحجاج ، ورجع الى أخيه وقال : يا أخي هؤلاء يعطونك الامان من قبل عبد الملك وان تنزل أي البلاد شئت فأبي عبد الله قبول ذلك ، وقالت له أمه أسماء : يا بني لا تقبل خطة تخاف على نفسك منها مخافة القتل مت كريما ، وإياك أن تؤسر وتعطي بيديك فقال لها : يا أماه اني أخاف ان يمثل بي بعد القتل فقالت : يا بني وهل تتألم الشاة من السلخ بعد الذبح ودخلوا على ابن الزبير في المسجد وقت الصلاة ونظر الى طائفة منهم قد أقبلوا نحوه فقال لاصحابه : من هؤلاء ؟ قالوا : أهل مصر ، قال قتلة عثمان أمير المؤمنين وركب الكعبة فحمل عليهم وتكاثر عليه الرجال من أهل الشام ومصر فلم يزل يضرب فيهم حتى أخرجهم عن المسجد ثم رجع الى أصحابه عند البيت فقال لهم : ألقو أغماد السيوف وليصن كل منكم سيفه كما يصون وجهه ، لا ينكسر سيف أحدكم فيقعد كما تقعد المرأة ، ولا يسأل منكم رجل أين عبد الله ؟ من يسأل عني فأني في الرعيل الاول ثم أنشأ : يا رب ان جنود الشام قد كثروا

وهتكوا من حجاب البيت أستارا يا رب اني ضعيف الركن مضطهد

فأبعث الي جنوا منك أنصار


125

وأزدحموا عليه الوفاد من كل باب فحمل عليهم فشدخ بالحجارة فأنصرع وأكب عليه موليان له وأحدهما يقول : العبد يحمي ربه ويحتمي حتى قتلوا جميعا وتفرق من كان معه من أصحابه وأمر به الحجاج فصلب بمكة ، وكان مقتله يوم الثلاثاء لاربع عشر ليلةخلت من جمادي الاولى سنة ثلاث وسبعين وكلمت أسماء أم عبد الله الحجاج في دفنه فأبى عليها وقد ظهر ما أخبر به الصادق المصدق أمير المؤمنين ( ع ) ، وهذا من كرامات علي ( ع ) لانه أخبر عن قتل ابن الزبير بمكة وأستحلاله حرمة البيت كما في الخبر لما عزم الحسين ( ع ) على الخروج من مكة جائه عبد الله بن الزبير ، وتكلم معه بما تكلم وأجابه الحسين ( ع ) بما أجاب حتى قال عبد الله ابن الزبير : يا بن رسول الله قد حضر الحج أو تدعه وتأتي العراق ؟ فقال ( ع ) : يا بن الزبير لان أدفن بشاطئ الفرات أحب الي من ان أدفن بفناء الكعبة ان أبي حدثني ان بها كبشا يستحل حرمتها فما أحب أن أكون ذلك الكبش يعني بذلك ابن الزبير ، فخرج ابن الزبير من عند الحسين فمر عبد الله بن العباس بأبن الزبير وقال له : قرت عينك يا بن الزبير هذا حسين يخرج الى العراق ويخليك والحجاز لان ابن الزبير قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين ( ع ) بمكة وهو أثقل خلق الله عليه ، فلم يكن شئ يؤتي به أحب إليه من شخوص الحسين عن مكة ، ولما خرج الحسين فرح ابن الزبير وسر بذلك سرورا عظيما وقرت عينه والحال إنه لم يبق بمكة إلا من حزن لمسيره بل وقد دمعت بيت الله الحرام لفقده كما قال الشاعر : لقد دمعت عيون البيت حزنا

لفقد منى القلوب العارفينا المجلس الرابع والاربعون في مروج الذهب وكان الحجاج بن يوسف بن عقيل الثقفي من عمال عبد الملك وهو الذي فتح مكة ، واستولى على ابن الزبير وقتله فولاه عبد الملك على مكة والمدينة وقام فيهما ثلاث سنين ، وكان بشر بن مروان أخو عبد الملك واليا على العراق .

فلما هلك بشر لم ير عبد الملك أحدا للعراق إلا الحجاج لانه كان ذا رأي وعقل


126

وكفاية وكان طلقا ذلقا نطقا لا يبلغه أحد في شيطنته فولاه على العراق وبعثه إليهم فلما توجه نحو العراق وبلغ ذلك أهل الكوفة قام الغضبان القبعثري الشيباني ، وكان من فصحاء العرب ومعاريفهم بالمسجد الجامع بالكوفة خطيبا فحمد الله وأثنى عليه .

ثم قال : يا أهل الكوفة أن عبد الملك قد ولى عليكم من لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم ، الظلوم الغشوم الحجاج ، ألا وأن لكم من عبد الملك منزلة بما كان منكم من خذلان مصعب وقتله ، فأعترضوا هذا الخبيث في الطريق فأقتلوه فأن ذلك لا يعد منكم خلعا فأنه متى يعلوكم على متن منبركم وصدر سريركم وقاعة قصركم ثم قتلتموه عد خلعا فأطيعوني وتغدوا به قبل أن يتعشى بكم فقال له أهل الكوفة : جننت يا غضبان بن ننتظر سيرته فأن رأينا منكرا غيرناه قال : ستعلمون فلما قدم الحجاج الكوفة بلغه أهل الكوفة مقالة الغضبان وأمر به وقال : الست صاحب الكلمة الخبيثة تغدوا بالحجاج قبل أن يتعشى بكم ؟ قال : أصلح الله الامير ما نفعت من قالها ولا ضرت من قيلت فيه ، قال لاقطعن يديك ورجليك من خلاف ولاصلبنك ، قال لا أرى الامير أصلحه الله يفعل ذلك فأمر به فقيد وحبس وكان من شأن الحجاج ما كان حتى بنى الحجاج خضراء واسط فلما أستتم بناؤها جلس في صحنها وقال : كيف ترون قبتي هذه ؟ قالوا : ما بني لخلق قبلك مثلها قال : فإن فيها مع ذلك عيبا فهل فيكم من يخبرني به قالوا والله ما نرى بها عيبا فأمر بإحضار الغضبان فأتى به يوسف في قيوده ، فلما دخل عليه قال له الحجاج : أراك يا غضبان سمينا قال : أيها الامير القد والرقعة ومن يكن ضيف الامير يسمن قال : فكيف ترى قبتي هذه ؟ قال : أرى قبة ما بني لاحد مثلها إلا أن بها عيبا فإن أمنني الامير أخبرته بها قال : قل فلك الامان قال : بنيت في غير بلدك لغير ولدك لا تتمتع به ولا تنعم فما لا يتمتع فيه من طيب ولا لذة قال اللعين : ردوه فأنه صاحب الكلمة الخبيثة قال : أصلح الله الامير أن الحديد قد أكل لحمي وبرى عظمي قال : احملوه فلما استقل به الرجال قال : الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين قال : أنزلوه فلما أستوى على الارض قال : اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين قال : جروه فلما جروه قال ( بسم الله مجريها ومرسيها أن ربي لغفور رحيم ) قال : أطلقوا عنه ، وكان اللعين الحجاج شديد العداوة لامير المؤمنين ( ع ) وهو أن عبد الله بن هاني وهورجل من أدحى من اليمن وكان شريفا في قومه ، وقد شهد مع الحجاج مشاهده كلها وشهد


127

معه في تحريق البيت وكان من أنصاره وشيعته فقال له الحجاج يوما : يا بن هاني أنا ما كافأناك حقك بعد ولك علينا حق عظيم وأنا اليوم مكافئك فأرسل اللعين الى أسماء بنت خارجة وهو من فزارة فأحضره وقال : زوج أبنتك من عبد الله بن هاني فقال : لا ولا كرامة له علينا ولا بكفؤنا فدعى الحجاج جلاوزته وقال : أضربوه بالسياط فلما رأى ذلك قال روجته أبنتي فزوجه ، ثم بعث الى سعيد بن قيس الهمداني رئيس اليمامة ان زوج عبد الله بن هاني أبنتك قال : والله ما أزوجه ولا كرامة له علي ومن أد فصاح الحجاج بالسياف أن أضرب عنقه ، فلما رأى سعيد بن قيس ذلك قال : أمهلني أيها الامير فأشاور أهلي فشاورهم فقالوا : زوجه لا يقتلك هذا الفاسق فزوجه فقال الحجاج لعبد الله ابن هاني : يا عبد الله قد زجتك بنت سيد فزارة وابنة سيد همدان ، وعظيم كهلان وما قبيلة أددهنا لك فقال عبد الله : لا تقل ذلك أصلح الله الامير فأن لنا مناقب ما هي لاحد من العرب قال وما هذه المناقب ؟ قال : الاول ما سب أمير المؤمنين عثمان في ناد لنا قط قال هذه منقبة والله ، وقال : شهد منا مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلا في حرب علي ، وما شهد مع أبو تراب منا إلا رجل واحد كان والله ما علمناه أمرء سوء قال الحجاج : وهذه والله منقبة ، قال : وما منا رجل زوج أبنته بأبي تراب ولا تولاه قال : وهذه والله منقبة ، قال وما منا رجل علم من أبيه انه شتم أبي تراب ولعنه إلا وفعل وقال : أنا أزيد أبنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة قال : وهذه والله منقبة قال : وما منا أمرأة إلا ونذرت أن قتل الحسين ان تنحر عشر جزائر لها وفعلت .

قال : وهذه منقبة لقد تأسين ببني أمية عليهم لعائن الله لانهم نذروا ان قتل الحسين ( ع ) وسلم من خرجه إليه من أهل الشام ، وصارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصومون شكرا لله ، ونذر بعضهم أن يبنوا مساجدا شكرالقتل الحسين ( ع ) ، وفي مروج الذهب وكان الحجاج شديد العداوة لعلي بن أبي طالب وشيعته ومحبيه بحيث إذا أطلع أحد من شيعته لا يستقر حتى يقتله .

وروي أيضا في مروج الذهب ان الحجاج بن يوسف الثقفي ( لع ) أمه القارعة ولدته مشوها لا دبر له وأبى أن يقبل ثدي امه ولا غيرها فأعياهم فتصور الشيطان لهم في صورة الحرث بن كلدة فقال : أذبحوا له تيسا أسود والعقوه بدمه وأطلوا به وجهه ثلاثة أيام فأنه يقبل الثدي ففعلوا فقبل الثدي فكان لا يصبر عن سفك الدماء ، ويقول : أكبر اللذات


128

عندي سفك الدماء ، ولقد قتل من الناس مئة الف وعشرين الفا سوى من قتل في الحروب ولما مات وجد في سجنه ثلاث وثلاثين الفا ما يجب على أحد قتل ولا قطع ولا صلب وان سجنه كان حائطا لا سقف فيه فإذا آوى المسجونون الى الجدران يستظلون من الشمس رمتهم الحرسة بالحجارة ، وكان يطعمهم خبز الشعير مخلوطا بالملح والرماد ، وكان لا يلبث الرجل في سجنه حتى يسود ويصير كالزنجي حتى ان غلاما حبس فيه فجائت إليه أمه بعد أيام لتعلم ما حاله فلما تقدم إليها أنكرته وقالت : ليس هذا أبني هذا زنجي فقال الغلام : لا والله يا أماه أنا ابنك أنت فلانة وأنا فلان فلما عرفته شهقت وماتت ومدة استيلائه على الناس عشرين سنة وآخر من قتل سعيد بن جبير فوقعت الاكلة في بطنه وأخذ الطبيب لحما شده في خيط وأمره بابتلاعه ثم أستخرجه من بطنه ، وإذا قد لصق به دود كثير فعلم إنه غير ناج ، وقيل : ان اللعين أمر برمي الكعبة ونصب المنجنيق فجائت صاعقة وأحرقت المنجنيق فتقاعد أصحابه عن الرمي فقال اللعين : لا عليكم من ذلك فأن هذا يدل على ان فعلكم مقبول .

وفي مدينة المعاجز روى علي بن بابويه القمي في كتاب الاربعين بأسانيد معتبرة عن الحسن البصري قال : دخلت على الحجاج فقال اللعين : يا حسن ما تقول في أبي تراب علي بن أبي طالب ؟ قلت : في أي حالاته ؟ قال : من أهل الجنة أم من أهل النار ؟ قلت :ما دخلت الجنة فأعرف أهلها ولا دخلت النار فأعرف أهلها وأني لارجو أن يكون من أهل الجنة لانه اول الناس بالله ورسوله إيمانا وزوج بنت رسول الله وأبو الحسن والحسين ، وبلاؤه في الاسلام مع رسول الله ونصره لرسول الله ، وما انزل الله تعالى فيه من الايات قال : ويحك يا حسن انه قتل المسلمين يوم الجمل ويوم صفين وقد قال الله تعالى : ( ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) ثم قال : هو من أهل النار وكان أنس ابن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا فقام أنس مغضبا وقال : يا حجاج الجأتني وأغضبتني أشهد اني قائم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد مكث رسول الله ثلاثة أيام لم يطعم اتاه جبرائيل بطير مشوي يخرج منها الدخان على خبزة بيضاء فقال : يا محمد ربك يقرأك السلام وهذه تحفة من الله اليك فكلها فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم رفع رأسه فقال : اللهم أيتني بأحب خلقك اليك يأكل معي من هذا الطائر إذ أقبل علي بن أبي طالب فضرب الباب فخرجت إليه فقال لي أستأذن لي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : ان رسول الله


129

مشغول عنك فجاء ثانيا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ويقول : اللهم ايتني بأحب خلقك اليك فقلت رسول الله مشغول عنك فجاء ثالثا ورفع صوته وقال : جئت ثلاث مرات وأنت تقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشغول عنك ولا تأذن لي فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله صوته وقال : يا أنس من بالباب فقلت : هذا علي بن أبي طالب قال أدخله يا أنس فلما دخل نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه قال : اللهم والي حتى قالها ثلاثا يعني يا رب كما إنه أحب خلقك اليك كذلك أحب خلقك الي ، ثم قام وقبله بين عينيه وقال : يا علي أين كنت يا قرة عيني فأني قد دعوت الله ربي ثلاثا أن يأتيني بأحب خلقه الي يأكل معي من هذا الطائر قال : يا رسول الله قد جئت ثلاث مرات فحجبني أنس فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : يا أنس لم حجبت علي قلت : يا رسول الله لم أحجبه لهوانه علي ولكني أحببت أن يكون رجلا من قومي فأذهب بعزها وشرفها الى يوم القيامة فقال : لست بأول رجل أحب قومهقال الحجاج ( لع ) : أنت رجل قد خرفت وذهب عقلك ، وان ضربت عنقك على ما سبق منك قال الناس : ضرب خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن أخرج عني وإياك أن تحدث بهذا الحديث من يومك هذا فقال أنس : والله لاحدثن ما دمت حيا وما كتمته فأني قد شهدته فقال الحجاج : أخرجوه عني فأنه قد خرف وذهب عقله أقول : ان الحجاج مع تلك القساوة والشقاوة التي قد بلغ قتلاه مئة وعشرين الف رجل وأراق دماءهم وأخذ منهم نفوسهم لم يرض بأن يقتل أنس بن مالك لانتسابه الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لانه خادم رسول الله وأقسى قلبا وأشقى من هذا الشقي عبيد الله بن زياد ( لع ) إذ قتل الحسين وهو فلذة كبد رسول الله وقتل شيعته وأخوته وأهل بيته شر قتلة ثم كتب بان يدوسوا الحسين بحوافر خيولهم ، ولم يبق منهم إلا ابن واحد وهو إمامنا السجاد وكان مريضا وما رق قلبه عليه حتى أراد قتله وسفك دمه أيضا ونادى بجلاوزته أخرجوه وأضربوا عنقه فسمعت عمته زينب فتعلقت به وقالت : ويلك يا بن زياد انك لم تبق منا أحدا حسبك من دمائنا والله لا أفارقه فأن قتلته فأقتلني معه .

لا والد لي ولا عم ألوذ به

ولا اخ لي يبقى أرجوه ذو رحم اخي ذبيح ورحلي قد أبيح وبي

ضاق الفسيح وأطفالي بغير حمى


130

المجلس الخامس والاربعون ومن كلام لامير المؤمنين ( ع ) قال لمروان

ن الحكم بالبصرة : قالوا : أخذ مروان أسيرا يوم الجمل فأستشفع الحسن والحسين عليهما السلام فكلماه فيه فخلى سبيله فقالا له : يبايعك يا أمير المؤمنين فقال ( ع ) : أو لم يبايعني قبل قتل عثمان لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية لو بايعني بكفه لغدر بسبته أما ان له امرة كلعقة الكلب انفه وهو أبو الاكبش الاربعة ستلقى الامة منه ومن ولده يوما أحمر ، قوله لغدر بسبته السبت بالفتح الاست كنى بها عن الغدر الخفي لانها مما يحرص الانسان على أخفائه ، وربماكان في ذلك إشارة الى ما كانت تفعله العرب إذا أرادت أن تستخف بعهد أو تغدر بعقد من انهم كانوا يحبقون عند ذكره إستهزاء ، وقوله ( ع ) : ان له امرة كعلقة الكلب إشارة الى سرعة انقضائه وقصر مدته ، وكانت تسعة اشهر كالزمن الذي يتخلل لعقة الكلب انفه وقوله ( ع ) : وهو أبو الاكبش ، الاكبش جمع كبش وهو سيد القوم ورئيسهم ، وقيل : المراد بالاكبش بني عبد الملك بن مروان وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام قالوا : ولم يتول الخلافة أربعة أخوة سوى هؤلاء وقد قدمنا ذكر مروان وقصر مدته ونأخذ الان بذكر ابنه عبد الملك أبو الاكبش .

وفي مروج الذهب للمسعودي وبويع عبد الملك بن مروان ليلة الاحد غرة شهر رمضان من سنة خمس وستين ، وكان منذ بويع الى ان توفي أحد وعشرين سنة وشهرا ونصفا ، ومدة عمره ست وستون سنة وله حروب عظيمة أولهن حرب ابن الزبير بعث إليه الحجاج بن يوسف بجيش الى مكة فلم يزل يترصد خبره حتى قتل ابن الزبير ، وبلغ ذلك عبد الملك ففرح أشد الفرح .

ثم كتب الى الحجاج يأمره بأخذ البيعة من أهلها فبايعه أهل مكة والمدينة وصفي له الحجاز وتوابعه وانقاد الناس طرا له ، حج عبد الملك شكرا لما أعطى ذلك ، فلما دخل المدينة قام الناس بالعطاء قيل خرجت بدرة مكتوب عليها : هذه من الصدقة فأبى أهل المدينة من قبولها وقالوا : إنما كان عطاؤنا من الفئ فقال عبد الملك وهو على المنبر : يا معشر قريش مثلنا ومثلكم كمثل أخوين في الجاهليية خرجا مسافرين


131

فنزلا في ظل شجرة فلما دنا الرواح خرجت اليهما من تحت الصفاة حية تحمل دينارا فألقته اليهما فقالا : ان هذا لمن الكنز فأقاما ثلاثة أيام كل يوم تخرج اليهما دينارا فقال أحدهما لصاحبه : الى متى ننتظر هذه الحية إلا نقتلها ونحفر هذا الكنز فنأخذه فنهاه أخوه وقال : ما ندري لعلك تتعب ولا تدرك المال فأبى عليه وأخذ فأسا معه ورصد الحية حتى خرجت فضربها فلم تقتلها فثارت الحية فقتلته ورجعت الى جحرها فقامأخوه ودفنه واقام حتى إذا كان الغد خرجت الحية معصوبة رأسها ليس معها شئ فقال لها : يا هذه اني والله ما رضيت ما أصابك ولقد نهيت اخي عن ذلك فهل لك أن يجعل الله بيننا ان لا تضريني ولا أضرك وترجعين الى ما كنت عليه ؟ قالت الحية : لا .

قال : ولم ذلك ؟ قالت : أني لاعلم ان نفسك لا تطيب لي أبدا وأنت ترى قبر أخيك ونفسي لا تطيب لك أبدا وانا اذكر هذه الشجة ثم انشدت هذا البيت فقالت : أرى قبرا تراه مقابلي

وضربة فاس فوق رأسي فاغره فيا معشضر قريش وليكم عمر بن الخطاب فكان فظا غليظا مضيقا عليكم فسمعتم له وأطعتم : ثم وليكم عثمان فكان سهلا فعدوتم عليه وقتلتموه ، وبعثنا عليكم يوم الحرة فقتلناكم فنحن نعلم يا معشر قريش انكم لا تحبوننا أبدا وأنتم تذكرون يوم الحرة لا نحبكم أبدا ونحن نذكر يوم الحرة ، وكان عبد الملك صاحب التدبير والكفاية ، وشديد الفكرة والمداهنة ، وكثير المزاح والبشاشة ، ويجب الشعر والفخر والمدح تاقت نفسه الى محادثة الرجال والاشراف وأخيار الناس ، وكثيرا يمازح الرجال قيل أهدي إليه يوما اترجة مكللة بالدر والياقوت فأعجبته وعنده جماعة من خاصته وأهل خلوته فقال لرجل من جلسائه اسمه خالد : اغمز منها ترسا وأراد ان يمتحن صلابته فقام فغمزه فضرط فأستضحك عبد الملك فضحك جلساؤه فقال : كم دية الضرطة فقال بعضهم : أربعمائة درهم وقطيفة فأمر له بذلك فانشأ رجل من القوم : أيضرط خالد من غمز ترس

ويحبوه الامير بها بدورا فيالك من ضرطة جلبت غناه

ويالك ضرطة أغنت فقيرا يود الناس لو ضرطوا فنالوا

من المال الذي اعطى عشيرا ولو نعلم بأن الضرط يغني

ضرطنا أصلح الله الاميرا فضحك عبد الملك وقال : أعطوه أربعة آلاف فلا حاجة لنا في ضراطه .

كان روح


132

ابن زنباع مزاحا لطيفا وهو جليس عبد الملك ونديمه فرأى من عبد الملك اعراضا وجفوة فقال لابنه الوليد : أما ترى ما أنا فيه من أمير المؤمنين باعراضه عني بوجهه حتى لقد فغرت السباع بأفواهها نحوي واهوت بمخاليبها الى وجهي فقال له الوليد : احتل له في حديث تضحكه به كما احتال مرزبان نديم سابور بن شابور ملك فارس قال روح : وما كان من خبره مع الملك ؟ قال الوليد : كان المرزبان هذا نديم سابور فظهرت له من سابور جفوة فلما علم ذلك تعلم نباح الكلب وعي الذئاب ، ونهيق الحمار ، وزقاء الديوك ، وشحيح البغال ، وصهيل الخيل ونحو ذلك ثم توصل الى موضع يقرب من مجلس خلوته وفراشه يعني سابور وأخفى اثره فلما خلا الملك نبح مرزبان نباح الكلب فلم يشك الملك إنه كلب فقال الملك : ما هذا ؟ فعوى عي الذئاب فنزل الملك عن سريره فنهق نهيق الحمار فمضى الملك هاربا ومضى الغلمان يتبعون الصوت فكلما دنوا منه ترك ذلك الصوت واحدث صوتا آخر من اصوات البهائم فأجتمعوا عليه واخرجوه وإذا هو مرزبان فضحك الملك ضحكا شديدا وقال له : ويلك ما حملك على هذا ؟ قال : ان الله مسخني كلبا وحمارا وكل حيوان لما غضبت علي ، فأمر الملك بالخلع عليه ورده الى مرتبته فقال : روح للوليد إذا اطمأن المجلس بأمير المؤمنين فاسألني عن عبد الله بن عمر هل كان يمزح أو يسمع مزاحا قال الوليد : افعل ذلك ، وكان ابن عمر صاحب سلامة لا يمزح ولا يعرف له شئ من المزاح فتقدم الوليد وسبق بالدخول فتبعه روح فلما اطمأن المجلس بهما وجلس عبد الملك على سريره قال الوليد لروح : يا أبا زرعة هل كان ابن عمر يمزح أو يسمع المزاح ؟ قال روح : حدثني ابن عتيق ان امرأته عاتكة بنت عبد الرحمن المخزومية هجته فقالت : ذهب الاله بما نعيش به

وقمرت عيشك إيما قمر انفقت مالك غير محتشم

في كل زانية في خمر وكان ابن عتيق صاحب غزل وفكاهة فاخذ هذين البيتين في رقعة وخرج فإذا هو بابن عمر فقال : يا عبد الرحمن انظر في هذه الرقعة واشر علي برأيك فيها فلما قرأها عبد الله استرجع وقال : الرأي ان تعفو وتصفح قال : والله يا أبا عبد الرحمن لان لقيته بمكانلانيكنه نيكا جيدا فأربد عبد الله لونه وأخذته الرعدة وقال : مالك غضب الله عليك قال : ما هو إلا ما قلت لك فأفترقا فلما كان بعد أيام لقيه عبد الله فأعرض عنه فقال ابن أبي عتيق : يا أبا عبد الرحمن إني لقيت صاحب البيتين ونكته نيكا جيدا فصعق عبد الله فلما رأى ابن


133

أبي عتيق ما حل به دنا منه وقال في إذنه : إنها امرأتي فقبله ما بين عينيه وضحك وقال : أحسنت فزدها فضحك عبد الملك حتى فحص برجليه وقال له : قاتلك الله يا روح ما أحسن حديثك ومد يده إليه فقام إليه روح وأكب عليه وقبل اطرافه وقال : يا أمير المؤمنين الذبن فأعتذر ام الملالة فأصبر ؟ قال : لا ذاك ولا ذاك ثم حسن حاله وتوفي عبد الملك يوم السبت الرابع عشر من شوال سنة ست وثمانين ولما أشرف على الموت جمع اولاده وقال : اوصيكم بتقوى الله فأنها عصمة باقية وجنة واقية فالتقوى خير زاد وأفضل في المعاد وهي أحسن كهف ، وليعطف الكبير على الصغير ، وليعرف الصغير حق الكبير مع سلامة الصدور ، والاخذ بجميل الامور وإياكم والبغي والتحاسد فيهما هلك الملوك الماضون ، وذوو العز المكين ثم جعل يقول : يا دنيا ان طويلك لقصير ، وإن كثيرك لقليل ، وان كان منك لفي غرور ، ودخل عليه ابنه الوليد وهو يجود بنفسه فبكى الوليد وقال : كيف اصبح أمير المؤمنين فألتفت إليه بهذا المصرع ( ومشتغل عنا يريد بنا الردى ) ثم التفت الى نسائه بهذا المصرع ( ومستعبرات والعيون سواجع ) وأيضا أنشأ هذا البيت : كم عائد رجلا وليس يعوده

إلا لينظر هل يراه يموت يعني تحضرون عندي وتعودونني ولكن ليس فيكم من يعودني ويحضر عندي إلا وهو ينتظر موتي ويترقب منيتي ، كل لاجل مناه ومراده هذا لاخذ الميراث ، والاخر ليقوم بأمر الخلافة والسلطنة ، والاخر لجري اموره على وفق مرامه ، وهذا من أشد المصائب على المحتضر إذ ينظر الى عائديه ، ويراهم إنهم يترقبون موته لاجل مرامهم هلموا لنبكي على ذاك المحتضر الذي سقط عن ظهر جواده الى الارض متشحطا بدمهوجراخاته تشخب دما وهو يجود بنفسه وقد أحاط به الوف من أهل الكوفة ، وكل منهم يترقب شهادته لينال بمرامه ومراده ومراماتهم كثيرة منها ان يأخذوا رأسه ويذهبوا به وينالوا بالجائزة .

منها ان يلبسوه ويأخذوا اثوابه .

منها : ان ينهبوا فسطاطه ويسبوا عياله وقد احتوشه القوم من كل مكان أحدهم ينادي ويلكم ما تنظرون به اقتلوه ثكلتكم امهاتكم ، والاخر يقول : اذبحوا الرجل وأريحوه ، وهو بينهم يتلظى عطشا ، ويطلب جرعة من الماء .


134

المجلس السادس والاربعون في مروج الذهب : وبويع الوليد بن عبد الملك بن مروان في اليوم الذي هلك فيه عبد الملك صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : لم ار مثلها مصيبة : ولا مثلها نعمة فقدت الخليفة وتقلدت الخلافة فإنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة ، والحمد لله رب العالمين على النعمة ، ثم دعى الناس الى بيعته فبايعوا ، ولم يختلف عليه أحد ، فكانت مدة ولايته تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين ، وهلك وهو ابن ثلاث وأربعون سنة ، وكان يكنى بأبي العباس وله أربعة عشر ذكورا ، وكان نقش خاتمه يا ولد إنك ميت ، وعدل بالخلافة عن ولده بعده ، إتباعا لوصية عبد الملك ، وكان الوليد جبارا عنيدا ظلوما غشوما وهو الذي أمر ببناء المسجد الجامع بدمشق ومسجد رسول الله بالمدينة وأنفق عليهما أموالا ، ولما ابتدأ ببناء الجامع في دمشق وجد في حائط المسجد لوح من حجارة فيه كتابة باليونانية فعرض على جماعة من أهل الكتاب فلم يقدروا على قراءته فوجه به الى وهب بن منبه فقال : هذا مكتوب في ايام سليمان بن داود ( ع ) فقرأه فإذا فيه .

بسم الله الرحمن الرحيم يا بن آدم لو عاينت ما بقي من يسير أجلك لزهدت فيما بقي من طول أملك وقصرت عن رغبتك وحيلتك وإنما تلقي ندامتك إذا زلت بك قدمك واسلك اهلك وانصرف عنك الحبيب وودعك القريب .

ثم صرت تدعى فلا تجيب فلا انت الىاهلك عائد ، ولا في عملك زائد فاغتنم الحياة قبل الموت ، واقوة قبل الفوت وقبل أن يؤخذ منك بالكظم ، ويحال بينك وبين العمل ، فبنى المسجدم واهد الكنيسة التي كانت فيه ، وكان اللعين مع تلك الشقاوة شديد العداوة على الكفر حتى إنه صعد يوما على المنبر فسمع صوت الناقوس قال : ما هذا ؟ قيل : البيعة فأمر بهدمها وتولى بعض ذلك بيده فتتابع الناس بهدمها حتى أهدموها عن آخرها فكتب إليه ملك الروم إن هذه البيعة قد أقروها من كان قبلك فإن كانوا أصابوا فقد أخطأت ، وان تكن أصبت فقد أخطأوا فقال : من يجيبه ؟ فقال الفرزدق : أكتب إليه ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان ئكلا أتينا حكما وعلما ) وهذه الاية


135

تخبر بحكمين مختلفين في زمن داود وسليمان وقضى الله بصحتهما وهي هذه ( إن الله قضى على أهل المزارع ان يحفظوا بساتينهم ومزارعهم عن الاغنام والمواشي بالنهار ، فإذا عجمت غنم بالنهار على زرع وأفسدته فليس على صاحب الغنم شئ ، وحكم على أهل الاغنام أن يرعوا أغنامهم بالليل فإذا هجمت الاغنام بالليل على زرع وأفسدتها فعلى صاحب الغنم ان يدفع الغنم الى صاحب الزرع جريمة لتلك الخسارة التي وردت على صاحب الزرع فهجمت ليلة اغنام على بستان فيها الكرم والعنب ، وفسدتها فجاؤا الى داود ليحكم بينهم فحولهم داود الى ابنه سليمان فحكم سليمان على صاحب الاغنام ان يدفع منافع الاغنام في تلك السنة الى صاحب البستان من اللبن والدهن والشعر والوبر ، فعلم داود ما حكم به سليمان وأعترض عليه فقال سليمان : إن منافع هذه السنة قد انتفت من صاحب البستان فالاشجار باقية على حالها فحكمت على صاحب الغنم ان يدفع منافع عنه في هذه السنة الى صاحب الزرع تداركا لما فاته من منافع هذه السنة فأوحى الله الى داود بصحة ما حكم به سليمان وصحة ما حكم به الانبياء قبله .

فحاصل جواب الوليد لسلطان الروم ان ما صنعت من هذم الكنيسة وتخريبها وفعل من قبلي الخلفاء بإثباتها واستقرارها حكم واحد ، وكلنا على الصواب فإنهم رأواان يقروها وانا رأيت ان أهدمها .

انتقلت الخلافة بعد الوليد بن عبد الملك الى أخيه سليمان بن عبد الملك ، وبايع الناس له يوم هلك فيه الوليد وهو يوم السبت للنصف من جمادى الاخيرة سنة ست وتسعين ولما افضى الامر إليه صعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله وخطب خطبة طويلة ودعى الناس الى نفسه ثم نزل واذن للناس اذنا عاما فدخلوا عليه وجعلوا يبايعونه وكانت مدة خلافته سنتين وستة اشهر وخمس ليال ، وهلك في عشرين من صفر سنة تسع وتسعين وهو ابن تسع وثلاثين ، وكان يلبس ثياب الرقاق وثياب الوشي وفي ايامه عمل الوشي الجيد باليمن ، والكوفة والاسكندرية ، ولبس الناس جميعا الوشي اي اللباس المنقوش جبابا واردية وسراويل وعمائم وقلانس ، وكان لا يدخل عليه رجل من أهل بيته إلا في الوشي ، وكذلك عماله واصحابه ومن في داره حتى الطباخ فانه كان يدخل عليه وفي صدره وشي ، وعلى رأسه طويلة وشي وأمر أن يكفن في الوشي ، وكان سليمان صاحب أكل كثير ومثدار شبعه في كل يوم مئة رطل بالعراقي ، وربما أتاه الطباخون


136

بالسفافيد التي فيها الدجاج المشوية ، وعليه الوشي ، فلحرصه على الاكل يدخل يده في كمه حتى يقبض على الدجاجة وهي حارة فيفصلها ، قال الاصمعي : ذكرت لهارون الرشيد حرص سليمان وتناوله الفراريخ بكمه من السفافيد فقال : قاتلك الله فما اعلمك باخبارهم إنه عرضت علي جباب بني أمية فنظرت الى جباب سليمان وإذا كل جبة منها في كمها أثر دهن فلم ادر ما ذلك حتى حدثتني بالحديث ثم قال : علي بجباب سليمان فأتي بها فنظرنا فإذا تلك الاثار فيها ظاهرة فكساني منها جبة ، فكان الاصمعي ربما يخرج احيانا فيها فيقول : هذه جبة سليمان التي كساني بها الرشيد ، وذكر ان سليمان خرج من الحمام ذات يوم ، وقد اشتد جوعه فاستعجل الطعام ولم يكن فرغ منه فأمر ان يقدم ما لحق من الشواء فقدم إليه عشرون خروفا فأكل أجوافها كلها مع أربعين رقاقة ثم قرب بعد ذلك الطعام فأكل مع ندمائه كان لم يأكل شيئا ، وكان يتخذ سلال الحلوى ويجعل ذلك حول مرقده فكان إذا قاممن نومه يمد يده فلا تقع يده إلا على سلة من السلال ، ويأكلها عن آخرها ، ولبس سليمان في يوم الجمعة لباسا جديدا ، وتعطر ودعا بصندوق فيه العمائم وبيده مرآة ، ولم يزل يعمم بعمامة ثم يعرض عنها ، ويعمم باخرى حتى رضي بواحدة وأرخى سدولها وأخذ بيده مخصرة ، وخرج وجلس على المنبر ناظرا في عظمته وخطب خطبة فاعجبته نفسه فلم يزل يقول : انا الملك الشاب السيد المهاب الكريم الوهاب ، ثم نزل ودخل قصره فتمثلت له جارية من جواريه فقال لها : كيف رأيت وترين أمير المؤمنين ؟ قالت : أراه مني النفس وقرة لولا ما قال الشاعر : قال وما قال ؟ قالت : قال : انت نعم المتاع لو كنت تبقى

غير ان لا بقاء للانسان انت من لا يرينا منك شئ

علم الله غير إنك فاني فبكى سليمان من هذا القول وكان يومه ذلك باكيا ثم دعا الجارية وقال : ما دعاك الى ما قلت لامير المؤمنين قالت : والله ما قلت هذا الكلام ، ولا رأيت أمير المؤمنين اليوم ولا دخلت عليه فعظم ذلك على سليمان ودعا بقية جواريه فصدقتها في قولها ، فرع سليمان ولم ينتفع بنفسه ، ولم يمكث بعد ذلك إلا مدة قليلة فقال يوما لابي حازم الاعرج وهو من العلماء : يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ؟ قال : لانكم عمرتم دنياكم وأخربتم آخرتكم ، فانتم النقلة من العمران الى الخراب قال : فأخبرني كيف القدوم على الله ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يأتي أهله مسرورا ، وأما المسئ فكالعبد الابق يأتي مولاه محزونا


137

قال : فأي الاعمال أفضل ؟ قال : اداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال : فأي القول أعدل ؟ قال : كلمة حق عند من تخاف وترجوه قال : فأي الناس أعقل ؟ قال : من عمل بطاعة الله قال : فأي الناس أجهل ؟ قال : من باع آخرته بدنياه قال : عظني وأوجز يا أمير المؤمنين قال نزه ربك وعظمه أن يراك حيث ما نهاك عنه ، أو يفقدك من حيث أمرك به فبكا سليمان بكاء شديدا فقال بعض جلسائه لابي حازم : ويحك أسرفت على أمير المؤمنين ؟فقال : اسكت فأن الله عز وجل أخذ الميثاق على العلماء لينبهوا الناس ، ولا يكتمونه ثم خرج فلما صار الى منزله بعث سليمان له بمال فرده ، وقال للرسول قل له : والله يا أمير المؤمنين ما أرضاه لك فكيف أرضاه لنفسي ؟ وقال يوما سليمان لعمر بن عبد العزيز وقد أعجبه سلطانه : كيف ترى ما نحن فيه ؟ قال : سرور لولا انه غرور ، وحياة لولا انه موت وملك لولا انه هلك ، وحسن لولا انه حزن ، ونعيم لولا إنه عذاب أليم فبكى سليمان نعم ولقد أحسن وأجاد فالدنيا التي تحرص عليها هذا شأنها فالمغرور ، ومن زعم بأنها حسن وهو حزن ، ويحدث نفسه بأنها نعيم وهو عذاب اليم ، ولو زالت الغفلة لسمعت من الدنيا هذه المقالة : هي الدنيا تقول لمن عليها

حذار حذار من بطشي وفتكي فلا يغرركم حسن أبتسامي

فقولي مضحك والفعل مبكي فالعاقل الكيس من يزجر نفسه ويدع زينتها وزخارفها ، ويحرز نفسه عنها ويذكرها بما قال الشاعر : دع الدنيا وزينتها لوغد

وجانبها إذا كنت الرشيدا أترجوا الخير من دنيا أهانت

حسين السبط وأختارت يزيدا المجلس السابع والاربعون واستخلف بعد سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بن مروان في يوم الجمعة العشرين من صفر سنة تسع وتسعين وهو اليوم الذي مات فيه سليمان ، وكان مدة خلافته


138

سنتين وخمسة أشهر ، وقبض وهو ابن تسع وثلاثين سنة ، ولقد توفي يوم الجمعة لخمس بقين من رجب ولم يكن خلافته بعهد تقدم بل بوصية أوصى بها سليمان ، وذلك إن سليمان لما حضرته الوفاة كتب وصيته ، وأشهد على ذلك جماعة من الاشراف ، وقال : إذا أنا مت فأذنوا بالصلاة جامعة ثم أقرأوا هذا الكتاب فلما هلك ودفن نودي في الناس بالصلاة جامعة فأجتمع الناس ، وحضر بنو مروان ثم خطب الخطيب وقال : أيها الناس أرضيتم في الخلافة بمن سماه أمير المؤمنين سليمان في وصيته ؟ قالوا : بلى فقرأ الوصية ، وإذا فيها اسم عمر بن عبد العزيز ، ومن بعده يزيد بن عبد الملك فقال مكحول وهو من الاشراف : ونادى أين عمر بن عبد العزيز وكان في أواخر الناس ؟ فلما سمع باسمه أسترجع ثلاثا فأتاه قوم وأخذوا بيده وعضديه فأقاموه وذهبوا به الى المنبر فصعد وجلس على المرقاة الثانية .

فأول من بايعه يزيد بن عبد الملك ثم بايعه الناس أجمعون لانه كان في نهاية التواضع والصلاح والسداد ، وقد رضى به الناس فأول ما صنع عمر بن عبد العزيز ترك اللعن على أمير المؤمنين ( ع ) من قنوت الصلاة ، وجعل مكانه ( ربنا أغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذبن آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم ) ثم رفع أعمال من كان قبله من بني أمية من أعمال سوء وصرفهم عن أعمالهم واستعمل اصلح من قدر عليه ويراقبهم حتى لا يعملوا بسوء في الرعية ، وبلغه من بعض أعماله شيئا فكتب إليه يا فلان قد كثر شاكوك ، وقل شاكروك فإما عدلت ، وأما أعتزلت والسلام وكثيرا يراعي العدالة في الرعية حتى كان قبل خلافته يلبس حلة بالف دينار فلما أتته الخلافة يشتري قميصا بعشرة دراهم ، ويلبس ذلك ومع ذلك يخاف على نفسه حتى قال يوما لبعض جلسائه : أسرك ما وليت أم أساءك ؟ قال : سرني للناس وسائني لك قال : إني أخاف أن أكون أو بقيت نفسي قال : ما أحسن حالك إن كنت تخاف إني أخاف أن لا تخاف .

خرج يوما في أصحابه فمر بالمقبرة فقال لهم : قفوا حتى أتي قبور الاحبة فأسلم عليها فلما توسطها وقف وسلم وتكلم وأنصرف الى أصحابه فقال : ألا تسألوني ماذا قلت لهم وما قالوا ؟ فقالوا : وماذا قلت يا أمير المؤمنين ، وما قيل لك ؟ قال : مررت بقبور الاحبة فسلمت فلم يردوا جوابي ، ودعوتهم فلم يجيبوا فبينما أنا كذلك إذ نوديت يا عمر أتعرفني ؟ أنا من الذين غيرت محاسن وجوههم ، ومزقت الاكفان عن جلودهم وقطعت أيديهم ، وبانت أكفهم من سواعدهم ثم بكى حتى كادت نفسه تخرج وكان عمر


139

ابن عبد العزيز كثير المحبة لبني هاشم وأولاد أمير المؤمنين ويكرمهم بكرامات ، كتب الى عامله بالمدينة ان قسم في ولد علي بن أبي طالب عشرة آلاف دينار ، فكتب إليه إن عليا قد ولد له في عدة قبائل من قريش وغيرها ففي أي ولده ؟ فكتب إليه لو كتبت اليك في شاة تذبحها لكتبت الى سوداء أم بيضاء إذا أتاك كتابي فأقسم في أولاده علي من فاطمة رضوان عليهم عشرة آلاف دينار فطالما غدرت حقوقهم وقد بلغ أوصافه ومحاسنه المغرب والمشرق حتى روي إنه بعث وفدا الى ملك الروم في أمر من مصالح المسلمين ، فلما دخلوا عليه إذا هو جالس على سرير ملكه والتاج على رأسه والناس على مراتبهم بين يديه فابلغوا ما قصدوا له فلقاهم بجميل وأجابهم بأحسن جواب وأنصرفوا عنه في ذلك اليوم فلما كان في غداة غد أتاهم رسول الملك فدخلوا عليه فإذا الملك قد نزل عن سريره ووضع التاج عن رأسه ، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها كأنه في مصيبة فقال الملك : هل تدرون لماذا دعوتكم ؟ قالوا : لا قال : جائني كتاب إن سلطانكم الرجال الصالح ملك العرب عمر بن عبد العزيز قد مات فبكوا هؤلاء فقال الملك : لا تبكوا له بل وأبكوا لانفسكم ولما بدا لكم فانه خرج الى خير مما خلف قد كان يخاف أن يدع طاعة الله فلم يكن الله ليجمع مخافة الدنيا والاخرة ، لقد بلغني من بره وفضله وصدقه ما لو كان أحد بعد عيسى يحيى الموتى لظننت إنه يحيي الموتى ، ولقد كانت تأتيني أخباره ظاهرا وباطنا فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدا ، بل باطنه أشد من خلوته بطاعته لمولاه ، ولم أعجب لهذا الراهب الذي ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته لكني عجبت من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدمه فزهد فيها حتى صار مثل الراهب ، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلا نعم ما أحسن وأجاد ذلك الملك كما رأينا وسمعنا وجربنا بأن أهل الخير غالبا قصيرة أعمارهم ، وقريبة آجالهم بخلاف الاشرار والفجار ، فأنهم يمكثون في الارض حتى ينالهم آمالهم ، ويؤذوا الناس بافعالهم ولكن الفضل وقصب السبق للاخيار والابرار لانهوان كانت قصيرة أعمارهم وقريبة آجالهم ، ولكن إذا ماتوا لم يغيبوا عن أعين الناس فمتى ذكروا ذكروا بالخير ، ويحمدوا بحسن افعالهم ويترحموا على مآثرهم الجميلة فهم كما قال ( ع ) أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب مشهودة ، فكأنهم حي في الدنيا وشواهدها كثيرة ، أنظروا الى هذا الرجل المذكور يعني عمر بن عبد العزيز فتراه في مقام المقايسة مع نظرائه من الخلفاء الامويين فتجده أحسنهم حالا ومذاكرة ، فأن خلفاء بني


140

أمية كلهم هلكوا ولم يبق لهم خير ولا أثر ، ولا يذكرون إلا باللعن والسب والشتم بل ونبش أبو العباس السفاح قبورهم وأحرق كل وجد منهم في القبر كلا أو جزءا وأما عمر بن عبد العزيز لم يزل يذكر بخير لحسن أفعاله ويقال : إنه أحسن الى ذراري رسول الله ، وإنه رفع ومنع السب عن أمير المؤمنين ( ع ) فمن أجل ذلك اسمه ورسه باق وقبره معلوم بدير سمعان ، ويؤتى إليه ويعظمه القريب والبعيد ، لكن أين معاوية وأين قبره ؟ وأين يزيد ابنه وجروه وأين مروان وإشباههم من الخلفاء الامويين والعباسيين الذين صنعوا بعترة نبيهم ما صنعوا من القتل والحرق ، والسلب والتشريد في البلدان ما لهم فما اعتذارهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبأية عين ينظرون الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال إمامنا السجاد في خطبته بالكوفة الخ : ومن كلام عمر بن عبد العزيز روى ابن خلكان في تاريخه قال عمر بن عبد العزيز : لو كنت من قتلة الحسين وغفر الله لي وأدخلني الجنة لما دخلتها حياء من رسول الله .

المجلس الثامن والاربعون وملك يزيد بن عبد الملك بعد عمر

بن عبد العزيز على حسب ما أوصى به سليمان بن عبد الملك يكنى أبا خالد وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية .

وفي مروج الذهب : وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومئة ومدة ولايته أربع سنين وشهرا ويومين ، ومات في يوم الخميس لثلاث بقين من شعبان وهوابن سبع وثلاثين سنة ، وكان عمر بن عبد العزيز في عهده يعظمه ويرغبه على الاداب والخيرات ، ويوصيه بالعدالة في الرعية والمراقبة لله تعالى في الامورات ، وكان مما أوصى إليه إنه قال له يوما : يا بن عبد الملك إذا أمكنتك القدرة من ظلم العباد فاذكر قدرة الله عليك بما تأتي عليهم فأعلم إنك لا تأتي عليهم أمرا كان زائلا عنهم باقيا عليك ، وان الله يأخذ للمظلوم من الظالم ، ومهما ظلمت من أحد فلا تظلمن من لا ينتصر عليك إلا بالله ولما مات عمر بن عبد العزيز وجلس يزيد على سرير الملك أخذ في اللهو واللعب والفسق والفجور ، وكان همه الشراب والغناء والطرب والمجالسة مع الجواري ، وكانت له جارية


141

مغنية يقال لها سلامة القس لسهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فغلب عليه حب تلك الجارية فأشتراها بثلاثة آلاف دينار فأعجب بها وغلبت عليه ، وله جارية إخرى تسمى بحبابة أشترتها له جدته ووهبتها له ، ويجلس على الشراب وهما عن يمينه ويساره تغنيان له فيطرب طربا شديدا حتى يقول : أريد أن أطير في السماء فقالت له حبابة يوما عند قوله : أريد أن أطير يا مولاي فعلى من تدع هذه الامة ، وأشتغل بذلك وأحتجب عن الناس حتى ظهر الجور والفساد وأقتدى به أعماله ، فعذله أخوه مسلمة بن عبد الملك وقال : إنما مات عمر بن عبد العزيز بالامس وكان من عدله ما قد علمت فينبغي ان تظهر للناس العدل وترفض هذا اللهو فقد إقتدى بك أعمالك في افعالك وسيرتك ، فأرتدع أياما ثم عاد على ما كان عليه بحيلة من الجاريتين ، وأعتلت حبابة فأقام يزيد عليها لا يظهر للناس ثم ماتت فأقامها لا يدفنها أياما جزعا عليها ، ويقبلها ويترشفها حتى جيفت ، فقيل له : إن الناس يتحدثون بجزعك وان الخلافة تجل عن ذلك ، فدفنها ثم نبشها من قبرها ثم دفنها ، وأقام على قبرها ينوح عليها بقوله : فان تسل عنك النفس أو تدع الهوى

فباليأس تسلو النفس لا بالتجلد ثم أقام بعدها قليلا ومات ( لع ) فطار بقوله الى عذاب الله .

روي إنه قال لحبابة : غنيني فامتنعت فقال لها : غنيني بحياتي فتغنت فأعجبته وطرب طربا شديدا فقال لها : ممن هذا ؟ قالت : يا أمير المؤمنين أخذتها من الاحول المكي وهون أخذها من فلان بن فلان بن أبي لهب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان أبو لهب يجيد الغناء فكتب يزيد الى عامله بمكة إذا أتاك كتابي هذا فأدفع الي فلان بن فلان بن أبي لهب الف دينار لنفقة طريقه ، وأحمله على ما شاء من دواب البريد ، وأرسله الي ففعل ، فلما قدم الرجل ودخل عليه وقال غني فغناه فأجاد وأحسن وقال أعده فأعاده فأجاد وأحسن فقال له : ممن أخذت هذا الغناء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين أخذته عن أبي وأبي أخذه عن أبيه أبي لهب ، فقال : لو لم ترث إلا هذا الصوت من أبي لهب لكان أبو لهب قد ورثكم خيرا كثيرا فقال : يا أمير المؤمنين ان أبا لهب مات كافرا مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : اعلم ما تقول ولكني دخلتني له رقة إذ كان مجيدا للغناء ، ووصله وكساه ورده الى بلده مكرما .

فكان هذا اللعين قد ورث القبائح من سمية يزيد بن معاوية لان اللعين قد بلغ في اللهو والشراب والغناء ما لم يبلغه أحد ، كان يجلس مجالس الشراب ويشرب مع ندمائه ويغني :


142

دع المسجد للعباد تسكنها

وقف على دكد الخمار وأسقينا ما قال ربك ويل للذي شربوا

بل قال ربك ويل للمصلينا سبحان الله هؤلاء يدعون إنهم خلفاء رسول الله ، ويزعمون بأنهم إمراء بين المسلمين والمؤمنين هي مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها في الاسلام ولقد أحسن وأجاد : فيا ذلة الاسلام من بعد عزة

إذا كان وال المسلمين يزيد والمصيبة كل المصيبة ان هذا اللعين مع هذه الشنايع والقبائح يجلس على سرير الملك ورأس إمامنا الحسين ( ع ) بين يديه الخ .

المجلس التاسع والاربعون وبويع هشام بن عبد الملك بعد يزيد

بن عبد الملك ، فكانت ولايته تسع عشر سنة وسبعةأشهر ، ومات لست خلوم من شهر ربيع الاخر سنة عشرين ومئة ، وكان هشام فظا غليظا خشنا خسيسا وبخيلا بعطاء الاموال ، وكان يعمر الارض ويستجيد الخيل وأقام الحلبة فأجتمع له فيها أربعة آلاف فرس ، وأصطنع الرجال وقوى الثغور ، واتخذ القنوات والبروك في طريق مكة ولم ير زمانا أشد وأصعب من زمانه ، وكان هشام أحول العينين حتى إنه عرض عليه الجند يوما فمر به رجل من الجند وهو على فرس نفور فقال هشام : مالك ان تربط فرسا نفورا ؟ فقال الرجل : لا والرحمن الرحيم يا أمير المؤمنين ما هو بنفور ولكنه أبصر حولتك فظن إنها غزوان البيطار ، وكان غزوان رجلا نصرانيا ببلاد حمص وهو أحول فقال له هشام : تنح فعليك لعنة الله وعلى فرسك .

ومن بخله روى رجلا أهدى إليه طائرين فأعجب بها فقال له الرجل : جائزتي يا أمير المؤمنين قال : وما جائزة طائرين ؟ قال : ما شئت قال خذ أحدهما فقصد الرجل لاحسنهما فأخذه فقال له هشام : وتختارهما أيضا قال : نعم والله اختار قال : دعه فأمر له بدريهمات ودخل هشام بستانا له ومعه ندماؤه فطافوا به ، وفيه من كل الثمرات وجعلوا يأكلون ويقولون : بارك الله لامير المؤمنين قال : كيف يبارك لي فيه وأنتم تأكلونه ثم قال : أدعو القيم فدعى له فقال هشام : يا فلان اقلع أشجار البستان وأغرس فيه زيتونا حتى


143

لا يأكل منه أحد شيئا ، وكتب إليه ابنه سليمان ان بغلتي عجزت فان رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بدابة وكتب إليه أن أمير المؤمنين قد فهم كتابك وما ذكرت من ضعف دابتك وأظن ان ذلك من قلة تعاهدك لعلفها أو ضياع العلف فقم عليها بنفسك ، ولعل أمير المؤمنين رأى رأيه في حملاتك .

وفي أيامه استشهد زيد بن علي بن الحسين ( ع ) في سنة إحدى وعشرين ومئة وقد شاور زيد أخاه أبا جعفر الباقر ( ع ) فأشار إليه بأن لا يركن الى أهل الكوفة إذا كانوا أهل غدر ومكر ، وقال له : بها قتل جدك علي ( ع ) ، وبها طعن عمك الحسن ( ع ) وبهاقتل أبوك الحسين ( ع ) وفيها وفي أعمالها شتمنا أهل البيت ، فأبى زيد إلا الخروج والمطالبة بدم جده الحسين فقال له الباقر : يا أخي أخاف عليك أن تكون غدا المصلوب بكناسة الكوفة وودعه وخرج زيد الى الشام حتى دخل على هشام بالرصافة فلما دخل المجلس لم ير موضعا يجلس فيه لكثرة الناس فجلس حيث أنتهى به المجلس فالتفت إليه هشام وقال : يا زيد أنت الذي تنازعك نفسك بالخلافة ، وأنت انب أمة ؟ قال زيد : يا هشام ان الامهات لا يقعدن الرجال عن الغايات ، وقد كانت أم اسماعيل امة لام إسحاق فلم يمنعه ان بعثه الله نبيا ، وجعله أبا نبينا فأخرج من صلبه خير البشر محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وعلي ؟ فخرج زيد من عند هشام وقصد الكوفة .

فلما دخل الكوفة بايعه أهل الكوفة وخرجوا معه وهم الاشراف والقراء ، فبلغ ذلك هشام فبعث إليه بجيش عظيم عليهم يوسف بن عمر الثقفي فلما تلاقيا وقامت الحرب إنهزم أهل الكوفة وبقي زيد في جماعة يسيرة فقاتلهم أشد القتال ، وجال القتال بين الفريقين فراح زيد مثخنا بالجراح وقد أصابه سهم في جبهته ودخل رحله فجاؤا بحجام لينزع السهم من جبهته فلما إستخرج النصل مات زيد من ساعته فغسلوه وكفنوه ودفنوه في ساقية ، وجعلوا على قبره التراب والحشيش واجروا الماء على قبره وكان الحجام حاضرا فعرف الموضع فلما أصبح مضى الى يوسف وأخبره بموضع قبر زيد فأخرجه من القبر وقطعوا رأسه ، وبعث يوسف الثقفي برأسه الى هشام فكتب هشام الى يوسف ان أصلبه عريانا فصلبه كذلك ثم كتب هشام باحراقه وذروه في الرياح .

وفي رواية ان زيدا كان خمسين شهرا مصلوبا عريانا حتى عشعشت الفاختة في جوفه فلم ير أحد عورته سترا من الله .

فلما كان في أيامه الوليد بن يزيد بن عبد الملك وظهر


144

ابنه يحيى بن زيد بخراسان كتب الوليد الى عامله بالكوفة وهو يوسف بن عمر أن أحرق زيدا مع خشبته ففعل ذلك ودقه وأذرى في الرياح على شاطئ الفرات .

وفي المقاتل كتب إليه فإذا أتاك كتابي هذا فانزل عجل أهل العراق فأحرقه فانسفه في اليم نسفا والسلام .

فأنزله من الجذع فأحرقه بالنار ثم جعله في قواصر ثم حمله في سفينه ثم ذراه في الفرات ، فلقد رأوا عقوبة ذلك في الدنيا قبل الاخرة لان أبي العباس السفاح لما ظهر بعث عبد الله بن العباس لنبش قبور بني أمية قال عمرو بن هاني .

فأنتهينا الى قبر هشام فأستخرجناه صحيحا ما فقدنا منه إلا خشمة أنفه فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطا ثم أحرقه بالنار ثم إستخرجنا سليمان بن عبد الملك فلم نجد منه إلا صلبه واضلاعه ورأسه فأحرقناه وفعلنا ذلك بغيره من بني أمية .

ثم أنتهينا الى دمشق فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلا ولا كثيرا وأحتفرنا عبد الملك فما وجدنا إلا وشؤون رأسه ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدناه فيه بل كان محترقا في لحده وصار رمادا ، ثم أتبعنا قبور بني أمية فأحرقنا ما جدنا فيه منهم وكان مقتل زيد ( ره ) يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر صفر سنة عشرين ومئة من الهجرة ، وكان عمره يوم قتل أثنين وأربعين سنة فلما قتل زيد سر بقتله المنافقون وحزن له المؤمنون ورثاه بعض من محبيه : ألا يا عين لا ترقي وجودي

بدمعك ليس ذا حين الجمود غداة ابن النبي أبو حسين

صليب بالكناسة فوق عود يظل على عمودهم ويمسي

بنفسي أعظم فوق العمود تعدى الكافر الجبار فيه

فأحرقه من القبر اللحيد فظلوا ينبشون أبا حسين

خضيبا بينهم بدم جسيد فكم من والد لابي حسين

من الشهداء أو عم شهيد وكيف تضن بالعبرات عيني

وتطمع بعد زيد بالهجود وأما الحكم بن الصلت ( لع ) فانه فرح بقتله وعمل يوم قتله عيدا وأنشد يقول : صلبا لكم زيدا على جذع نخلة

ولم نر مهديا على الجذع يصلبوقسم بعثمان عليا سفاهة

وعثمان خير من علي وأطيب قال : فبلغ الصادق فأغتم منه غما شديدا ورفع يده الى السماء وهما ترتعشان من شدة


145

عزمه وقال : اللهم إن كان عبدك الحكم كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك يأكله قال : فأرسله بنو أمية الى الكوفة فأفترسه الاسد لا رحمه الله فوصل خبره الى الصادق ( ع ) فخر لله ساجدا لسرعة إجابة دعائه ، وقال : الحمد لله الذي أنجز وعده وأهلك عدوه ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون أقول : قد سر المنافقون وفرحوا بقتل زيد بن علي بن الحسين وعملوا يوم قتله عيدا ، وليس هذا ببعيد من قوم فرحوا بقتل جده الحسين وأخذوا يوم قتله عيدا وصاموا شكرا لله بقتله وعيدوا لعنهم الله يوما أخر وهو أمر على المسلمين والاسلام ، وهو يوم ادخلوا نسائه وصبيانه بدمشق الشام وهن على اقتاب الجمال بغير وطاء ولا حجاب وخرج أهل الشام الخ .

المجلس الخمسون في المجلد العاشر من بحار الانوار ، روى عن أبي حمزة الثمالي قال : كنت أزور علي بن الحسين ( ع ) في كل سنة مرة في وقت الحج فأتيت الى سيدي ومولاي علي بن الحسين وهو في داره في مدينة الرسول فأستأذنت عليه بالدخول فأذن لي فدخلت فوجدته جالسا وإذا على فخذه صبي صغير وهو مشغوف به ، ويقبله ويحنو عليه فقام الصبي يمشي فعثر على عتبة الدار فأنشج رأسه فوثب الامام إليه مهرولا وقد أحزنه فجعل ينشف دمه بخرقة وهو يقول : يا بني أعيذك بالله أن تكون المصلوب في الكناس فقلت له يا مولاي فداك أبي وأمي وأي كناس ؟ قال ( ع ) : يصلب أبني هذا في موضع يقال له الكناس من أعمال الكوفة فقلت : يا مولاي أو يكون ذلك ؟ قال : والله سيكون ذلك ، والذي بعث محمدا بالحق نبيا لان عشت بعدي ترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة وهو مقتول مسحوب ، ثم يدفن وينبش ويصلب في الكناسة ، ثم ينزل بعد زمان طويل فيحرقويذرى في الهواء : فقلت جعلت فداك وما اسم هذا الغلام ؟ فقال : هذا ابني زيد وهو مع ذلك يحدثني ويبكي ، ثم قال لي : أتحب أن أحدثك بحديث ابني هذا ؟ قت : بلى قال بينما أنا ليلة ساجد في محرابي إذ ذهب بي النوم فرأيت كأني في الجنة وكان رسول الله وعليا والحسن والحسين وفاطمة كلهم مجتمعون ، وقد زوجوني بحورية فواقعتها واغتسلت عند سدرة


146

المنتهى ، وإذا أنا بهاتف يقول لي أتحب أن أبشرك بولد أسمه زيد فأستيقظت من نومي وقمت وصليت صلاة الفجر وإذا أنا بطارق يطرق الباب فخرجت إليه وإذا معه جارية وهي مخمرة بخمار فقلت له ما حاجتك ؟ فقال : أريد علي بن الحسين ( ع ) فقلت : أنا هو فقال : أنا رسول المختار اليك وهو يقرؤك السلام ويقول : قد وقعت هذه الجارية بأيدينا فأشتريناها بستمئة دينار وقد وهبتها لك ، وهذه أيضا ستمئة دينار اخرى وأستعن بها على زمانك فدفع الي المال ومعه كتاب فقبضت الكتاب والمال والجارية فقلت لها : ما اسمك ؟ قال : أسمي حورية فقلت : صدق الله ورسوله هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا فدخلت بها تلك الليلة فإذا هي بغاية الصلاح فعلقت مني هذا الغلام فلما وضعته سميته زيدا ، وستري ما قلت لك قال أبو حمزة الثمالي : فو الله لقد رأيت زيدا مقتولا ثم سحب ثم دفن ثم نشر ثم صلب ، ولم يزل مصلوبا زمانا طويلا حتى عشعشت الفاختة في جوفه ثم أحرق ودق وذرى في الهواء رحة الله عليه وكان زيد يبكي من خشية الله حتى تختلط دموعه بدمه ، نعم كان أبوه علي بن الحسين يبكي حتى يختلط دموعه بدمه تارة من خشية الله وأخرى لمصاب أبيه الحسين ( ع ) ويقول : قتل ابن رسول الله عطشانا وأعتقد كثير من الناس فيه الامامة ، وكان سبب إعتقادهم ذلك منه لخروجه بالسيف يدعو بالرضى من آل محمد فظنوه يريد بذلك لنفسه ولم يكن يريدها لمعرفته بإستحقاق من قبله وكان سبب خروجه للطلب بدم جده الحسين .

وفي كتاب ( در النظيم ) تأليف جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي العامليذكر ان زيدا دخل الكوفة وأقام بها مدة ثم خرج يريد الحجاز ، فلما بلغ عذيب الهجانات لحقته الشيعة وقالوا : أين تخرج ومعك مئة الف سيف من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل خراسان والجبال ، ننشدك الله إلا رجعت ولا تمض فأثبت فقال : لست آمنكم وغدركم لفعلكم بجدي الحسين ( ع ) وغدركم بعمي الحسن قالوا : لن نفعل وأنفسنا دون نفسك فلم يزالوا به حتى رجع معهم الى الكوفة فأقبلت الشيعة تختلف إليه يبايعونه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر الف رجل من أهل الكوفة خاصة سوى غيرهم ومن غيرهم خمس وستون ألفا حتى بلغ ثمانون الفا ، وأقام بالكوفة ثلاثة عشر شهرا ، وكانت بيعته التي يبايع الناس عليها إنه يبدأ فيقول : أيها الناس إنا ندعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، والى جهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين ، وقسم الفئ بين أهله ورد المظالم ، ونصرتنا أهل البيت


147

على من نصب لنا الحرب أتبايعون على هذا فإذا قالوا : نعم وضع يد الرجل على يده ويقول : عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله لتفين ببيعتي ولتقاتلن عدونا ولتنصحن لنا في السر والعلانية فإذا قال : نعم مسح يده على يده ثم يقول : اللهم أشهد قال : فلبث بضع عشر شهرا يدعوا ويبايع ، وخرج يوم الاربعاء غرة صفر سنة أثنتين وعشرين ومئة ، وعلى العراقيين يوسف بن عمر بن أبي عقيل الثقفي من قبل هشام بن عبد الملك فخرج زيد على أصحابه وهو على برذون أشهب في قباء أبيض تحته درع وبين يديه مصحف منشور ما أشبه برازه ببراز جده الحسين ( ع ) لانه برز الى القوم وأخذ المصحف ونشره وجعله على رأسه ، ونادى بيني وبينكم كتاب الله وجدي رسول الله يا قوم بم تستحلون دمي الخ ، وقال : سلوني فو الله ما تسألوني عن حلال وحرام ومتشابه وناسخ ومنسوخ وأمثال وقصص إلا نبأتكم به ، والله ما وقف هذا الموقف أحد إلا وأنا أعلم أهل بيتي بما يحتاج إليه هذه الامة ، ولما خفقت راياته رفع يديه الى السماء .

ثم قال : الحمد لله الذي أكمل لي ديني والله ما يسرني اني لقيت محمدا ولم أمر أمتهبالمعروف ولم أنههم عن المنكر والله ما أبالي إذا أقمت كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إنه أججت لي نار ثم قذفت فيها ثم صرت بعد ذلك الى رحمة الله ، والله لا ينصرني أحد إلا كان في الرفيق الاعلى مع محمد صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام والله ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني عن شمالي ، ولا انتكحت محرما منذ عرفت إن الله يؤاخذني عليه هلموا فسلوني قال : ثم سار حتى أنتهى الى الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام كانوا بها ثم سار الى الجبانة ويوسف ابن عمر مع أصحابه على التل فشد الجمع الذي معه على زيد وأصحابه .

قال أبو معمر : فرأيت زيدا قد شد عليهم كأنه الليث حتى قتلنا منهم أكثر من الفي رجل ما بين الحيرة والكوفة وتفرقنا فرقتين فلما كان يوم الخميس فارقنا جماعة من أصحابنا فتبعناهم وقتلنا منهم أكثر من مائتي رجل فلما جن عليه الليل ، وكانت ليلة الجمعة كثر فينا الجراح وأستبان فينا القتل ، وجعل زيد يدعو وقال : اللهم هؤلاء يقاتلون عدوك وعدو رسولك ودينك الذي أرتضيته لعبادك فأجزهم أفضل ما جزيت أحدا من عبادك المؤمنين ، ثم قال لنا : أحيوا ليلتكم هذه بقراءة القرآن والدعاء ، والتهجد والتضرع الى الله والله أعلم إنه لا أمسى على الارض عصابة أنصح لله ولرسوله وللاسلام


148

منكم ففعلوا ذلك كما إن الحسين ( ع ) وأصحابه أحيوا ليلة العاشر من المحرم بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ، باتوا ولهم دوي كدوي النحل ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد الخ .

قال أبو معمر : فلما أصبحنا حمل علينا أهل الشام وهم ثلاثة صفوف فحملنا عليهم فقضضناهم وهزمناهم وجعل يقول لئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون وأنشأ يقول : فذل الحياة وذل الممات

وكلا أراه طعاما وبيلا فإن كان لابد من واحد

فسيري الى الموت سيرا جميلا في ( مقاتل الطالبيين ) قال سعيد بن خثيم وكنا مع زيد في خمسمائة وأهل الشام إثني عشر الفا ، وكان بايع زيدا أكثر من إثني عشر الفا فغدروا به إذ فصل رجل من أهلالشام من كلب على فر دافع فلم يزل يشتم شتما لفاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل زيد يبكي حتى ابتلت لحيته ، وجعل يقول : أما أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما أحد يغضب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اما احد يغضب لله قال : ثم تحول الشامي على فرسه ، وركب بغلة قال : وكان الناس فرقتين نظارة ومقاتلة قال سعيد : فجئت الى مولى لي فأخذت منه مشملا كان معه ثم أستترت من خلف النظارة حتى إذا صرت ورائه ضربت عنقه ، وانا متمكن منه بالمشمل فوقع رأسه بين يدي ثم رميت جيفته عن السراج ، وشد أصحابه علي حتى كادوا يرهقوني فحمل أصحاب زيد عليهم ، واستنقذوني فركبت بغلته فأتيت زيدا فجعل يقبلني بين عيني ويقول : والله ادركت ثارنا ادركت شرف الدنيا والاخرة وذخرهما إذهب بالبغلة فهي هبة لك قال : وجعلت خيل أهل الشام لا تثبت لخيل زيد وسألوا يوسف بن عمران يبعث الرماة فبعث إليهم النجارية وكانوا رماة فجعلوا يرمونهم بالسهام حتى ضعف أصحاب زيد فأصاب زيد ثلاثة عشر سهما فبينما هو كذلك إذ رمي بسهم في جبهته اليسرى فخالط دماغه حتى سرج من قفاه كما إن جده الحسين ( ع ) رمي بسهم في قلبه الشريف فأخرجه من قفاه .

قال زيد : الشهادة في الله الذي رزقنيها قال أبو عمر : فحملناه على حمار الى بيت امرأة همدانية فقال : وهو في كرب الموت أدعوا الي ابني يحيى فدعوناه له فلما دخل عليه جمع قميصه في كفه ، وجعل يمسح ذلك الكرب عن وجهه ، وقال : أبشر يا بن رسول الله تقدم على رسول الله وعلي والحسن والحسن والحسين ( ع ) وخديجة وفاطمة ، وهم عنك راضون قال : صدقت يا بني فما في نفسك ؟ قال : إن أجاهد القوم والله إلا أن لا أجد أحدا يعينني


149

قال : نعم يا بني جاهدوهم فو الله إنك على الحق ، وإنهم لعلى الباطل وإن قتلاك في الجند وقتلاهم في النار قال سلمة بن ثابت : وجاؤا إليه بطبيب يقال له سفيان : فانتزع النصل من جبينه وأنا أنظر إليه فما انتزعه حتى قضى نحبه فقال أصحابه : أين ندفنه فقال بعضهم : نلبسه درعين ثم نلقيه في الماء ، وقال بعضهم : لا بل نحز رأسه ثم نطرحه بين القتلى فقال إبنه يحيى : لا والله لا يأكل السباع لحم أبي فقال بعضهم : ندفنع بالعباسية فأشرت عليهم أن ينطلقوا الى موضع قد احتقر ، فيدفن فيه ويجروا على قبره الماء فأخذوا برأيي فأنطلقنا به ودفناه ، وأجرينا عليه الماء ومعنا سندي فذهب الى الحكم بن الصلت من الغد ، وأخبره وبعث الى ذلك الموضع واستخرجه وحز رأسه وسرح به الى يوسف بن عمر وأمر بجثته فصلبت بالكناسة .

في ( مقاتل الطالبين ) قال نصر بن قابوس : فنظرت إليه حين أقبل به على جمل قد شد بالحبال وعليه قميص أصفر هروي فإلقي من البعير على باب القصر فخر كأنه جبل فأمر به فصلب بالكناسة وصلب معه جماعة .

عن سماعة بن موسى الطحان قال : رأيت زيد ابن علي مصلوبا بالكناسة عريانا فما رأى أحد له عورة إسترسل جلد من بطنه من قدامه ومن خلفه حتى ستر عورته ، في شرح القصيدة نسجت العنكبوت على عورته من يومه قال جرير بن حازم : رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وهو متساند الى جذع زيد بن علي وهو مصلوب ، وهو يقول للناس : أهكذا تفعلون بولدي ؟ أقول : يعز على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم يرى ابنه زيدا مصلوبا بلا رأس ويوم يرى حسينا مطروحا بلا رأس والخيول تجول على صدره الشريف .

وفي شرح القصيدة لما قتل زيد بعثوا برأسه الى المدينة ونصب عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما وليلة كما في الخبر وبعثوا برأس الحسين الى المدينة ودفن عند أمه فاطمة ، ولما قتل زيد بن علي بن الحسين ودفن رجع ابنه يحيى بن زيد وأقام بجبانة السبيع وتفرق الناس عنه فلم يبق معه إلا عشرة نفر .

قال سلمة بن ثابت : فقلت له أين تريد ؟ قال : أريد النهرين فقلت له : إن كنت تريد النهرين فقاتل هاهنا حتى تقتل قال : أريد نهري كربلاء فقلت له : فالنجاة قبل الصبح قال : فخرجنا معه فلما جاوزنا الابيات سمعنا الاذان فخرجنا مسرعين فكلما استقبلني قوم أستطعمتهم فيطعمونني الارغفة فأطعمه إياه وأصحابي حتى أتينا نينوى فزار جده الحسين ( ع ) وبكى عنده قال سلمة : مضيت وخليته وكان آخر


150

عهدي به ، وخرج يحيى الى المدائن وهي إذ ذاك طريق الناس الى خراسان ، وبلغ ذلك يوسف بن عمر فسرح في طلبه فخرج يحيى من المدائن حتى أتى الري ثم خرج من الري حتى أتى سرخس وأقام بها ستة أشهر ، وأتاه أناس من المحكمة يسألونه أن يخرجوا معه ويقاتلون بني أمية .

فعزم على ذلك لما رأى من نفاذ رأيهم فنهاه بعض من صحبه وقالوا له : كيف تقاتل بقوم تريد أن تستنصر بهم على عدوك وهم يبرؤن من علي وأهل بيته فلم يطمأن إليهم غير إنه قال لهم جميلا ، ثم خرج من سرخس فنزل بلخ على الجريش بن عبد الرحمن الشيباني فلم يزل عنده حتى هلك هشام بن عبد الملك ( لع ) وولي الوليد بن يزيد ابن عبد الملك في اليوم الذي هلك فيه هشام وكانت ولايته سنة وشهرين وأثنين وعشرين يوما ، وقتل ( لع ) وهو ابن أربعين سنة في يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الاخيرة وكان أبوه يزيد بن عبد الملك اراد أن يعهد إليه فلاستصغاره لسنة عهد الى اخيه هشام ثم الى الوليد من بعده ، وكان الوليد ( لع ) صاحب شراب وغناء ولهو وطرب ، وله الندماء والجلساء والمغنون ، ولا يفارق من إحدى الثلاث أما الشراب ، وأما القمار وأما الغناء وجاءه وفد من العرب فوافوا الى باب داره فدخلوا الحجاب للاستيذان فرأوه في مجلس الشراب فقالوا : يا أمير المؤمنين إن الخلافة تجل عن هذه الاحوال قال اسقوهم عن آخرهم فأبوا فقال : أجعلوا القوارير في أفواههم وهم يسقونه إضطرارا حتى خروا سكرا .

وذكر الديمري في ( حياة الحيوان ) إن الوليد بن يزيد بن عبد الملك من شرار خلفاء بني أمية ولم يكن في بني أمية أكثر إدمانا للشراب والسماع ولا أشد تهتكا واستخفافا بأمر الامة من الويد بن يزيد وقد جاء في الحديث ليكونن في هذه الامة رجل يقال له الوليد هو أشر من فرعون فتأولوه به يقال إنه واقع جارية له وهو سكران وجائه المؤذنون يؤذنونه بالصلاة فحلف أن لا يصلي بالناس إلا هي فلبست ثيابه وتعممتبعمامته وتنكرت وصلت بالمسلمين وهي جنب سكرى ، ويقال : إنه اصطنع بركة من خمر وكان إذا طرب القى نفسه فيها وشرب منها حتى يتبين النقص في أطرافها .

وحكى المارودي إنه تفال يوما بالمصحف فخرج له قوله تعالى : ﴿ وأستفتحوا وخاب كل جبار عنيد فمزق المصحف ، وفي خبر رماه بسهم وانشأ يقول اللعين : أتوعد كل جبار عنيد

فها أنا ذاك جبار عنيد


151

إذا ما جئت ربك يوم حشر

فقل يا رب مزقني الوليد فلم يلبث إلا أياما يسيرة حتى قتل شر قتلة وطيف برأسه في دمشق على رأس رمح ثم صلب رأسه على قصره ثم على اعلا سور بلده ، وقيل خلعه أهل دمشق وبايعوا ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك فقال يزيد : من احضر رأس الوليد فله مئة الف درهم فحصره أصحاب يزيد فهم أصحاب الوليد بالقتال ، فنهاهم عن ذلك فتفرقوا عنه وانفلوا من حوله ثم دخلوا عليه في قصره فقال : يوم كيوم عثمان ، فقيل له : ولا سواء فقطعوا رأسه .

والحاصل لما ولي الوليد كتب يوسف بن عمر عامل العراقين الى نصر بن سيار وهو عامل على خراسان يأمره بأخذ يحيى بن زيد أشد الاخذ فكتب نصر بن سيار الى عامل بلخ أن يأخذ يحيى ويرسله في الحديد ، فأحضر الوالي جريش بن عبد الرحمن الذي كان يحيى نازلا في منزله فضربه ستمائة سوط وقال : والله لارهقن نفسك أو تأتيني بيحيى فقال الجريش وقال للوالي : لا تقتل أبي أنا آتيك بيحيى فوجه معه جماعة فدلهم عليه وهو ببيت في جوف بين فأخذوه ومن معه وسلمه إليه وبعث به الوالي الى نصر بن سيار والي خراسان ، فحبسه عنده وقيده وجعله في سلسلة ، وكتب الى يوسف بن عمر وأخبره بخبره ، فكتب يوسف بن عمر الى الوليد يعلمه ذلك ، فكتب إليه يأمره أن يؤمنه ويخلي سبيله وأصحابه ، فكتب يوسف بذلك الى نصر بن سيار فدعى نصر بيحيى وفك سلسلته ، وأمري بتقوى الله وحذره من الفتنة ، فقال له يحيى : وهل في أمةمحمد فتنة أعظم مما أنتم فيه من سفك الدماء وأخذ ما لستم بأهله ؟ فلم يجبه لما أطلق يحيى وفك حديده صار جماعة من مياسير الشيعة الى الحداد الذي فك قيوده من رجله .

فسألوا أن يبيعهم إياه وتنافسوا في قيمة الحديد وتزايدوا حتى بلغ عشرين الف درهم فخاف الحداد أن يشيع خبره فيؤخذ منه المال ، فقال لهم : أجمعوا ثمنه بينكم فرضوا بذلك وأعطوه المال فقطعه قطعة قطعة ، وقسمه بينهم فأتخذوا منه فصوصا للخواتيم يتبركون به ، ثم أن نصر بن سيار أمر ليحيى بألفي درهم وبغلين وتقدم إليه أن يلحق بالوالي فعلم يحيى إنها مكيدة أبى أن يأتي الوليد فخرج الى سرخس ثم الى بيهق وهي أقصى عمل خراسان وقد اجتمع له سبعون رجلا من الشيعة وبايعوه ، فبلغ ذلك نصر بن سيار فكتب الى عامل سرخس طوس أن يأخذوه ويحاربوه فتجهزوا لمحاربته وصاروا في زهاء


152

عشرة آلاف فارس وخرجوا إليه وخرج يحيى وما معه إلا سبعين فارسا فقاتلهم يحيى فهزمهم وأستباح عسكرهم وأصاب منهم دوابا كثيرة ، ثم أقبل يحيى حتى مر بهرات ثم نزل بأرض الجوزجان فسرح إليه نصر بن سيار سلم بن أحور في ثمانية آلاف فارس من أهل الشام وغيرهم فلحقوه بقرية يقال لها أرغوى وعبأ سلم ( لع ) أصحابه يمنة ويسرة فأقتتلوا ثلاثة أيام ولياليها أشد القتال حيت قتل أصحاب يحيى كلهم وأتت يحيى نشابة في جبهته رماه رجل من موالي عنزة يقال له : عيسى فوجده سورة بن محمد قتيلا فأحتز رأسه ، وأخذ العنزي الذي قتله وسلبه وقميصه وسلب إسحاق بن حوية ( لع ) قميص جده الحسين ( ع ) فوجد في القميص مئة وبضع عشر ما بين ضربة وطعنة ، ورمية فبقا بعد ذلك يعني اللعينان العنزي وسورة بن محمد حتى أدركهما أبو مسلم فقطع أيديهما وأرجلهما وصلبهما ، وصلب يحيى على باب مدينة الجوزجان وهي معرب كوزكان في وقت قتله وبعث برأسه الى نصر بن سيار ثم الى الوليد ، وكان مقتله سنة خمس وعشرين ومئة فلم يزل مصلوبا حتى إذا جائت المسودة يعني بنو العباس وسموا بالمسودة لانهم كانوا يلبسون السواد فأنزلوه وكفنوهوحنطوه ثم دفنوه ، وأراد أبو مسلم أن يتبع قتلة يحيى فقيل له : عليك بالديوان فوضعه بين يديه ، وكان إذا مر به إسم ممن أعان على قتل يحيى قتله حتى لم يدع أحدا قدر عليه ممن شهد قتله إلا قتله إن كان حيا ، ومن كان ميتا خلفه في أهله سوءا ، وفي شرح القصيدة أمر أبو مسلم بإقامة العزاء على يحيى ببلخ ومرو سبعة أيام ، وسود أهل خراسان ثيابهم فصار شعار بني العباس وكل من ولد في تلك السنة من أولاد الاعيان سمي يحيى وأهل الشام أيضا ناحوا على الحسين سبعة أيام مع أهل البيت فأمر يزيد فأخليت لهن الحجر والبيوت في دمشق ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلا ولبسن السواد على الحسين ( ع ) ندبوه على ما نقل سبعة أيام ، وقتل يحيى يوم الجمعة وقت العصر كما إن أباه زيدا قتل يوم الجمعة ، وفي خبر الحسين ( ع ) أيضا قتل يوم الجمعة وقت العصر وبعث برأس يحيى الى الوليد ، وبعث اللعين برأسه الى المدينة فجعل في حجر أمه ريطة فنظرت إليه ، وقالت شردتموه عني طويلا وأهديتموه الي قتيلا صلوات الله عليه وعلى آبائه بكرة وأصيلا ساعد الله قلبها ، ولا أعلم هذا أعظم أم ما رأت ليلى أم علي الاكبر لانها كلما رفعت رأسها رأت رأس ولدها على رأس رمح طويل فلما قتل عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس مروان بن محمد بن مروان بعث برأسه حتى وضع في حجر أمه وقال : هذا بيحيى بن زيد يعني هذه المصيبة


153

بتلك المصيبة ، وقتل يحيى وله من العمر ثمانية عشر سنة وكانت أمه تندبه ليلا ونهارا وقتل علي الاكبر وهو ابن ثمانية عشر سنة وأمه تندبه ليلا ونهارا .

كم غدرة لكم في الدين واضحة

وكم دم لرسول الله عندكم المجلس الحادي والخمسون قال الله تبارك وتعالى : ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كما آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله ) والسبب في نزول هذه الاية الشريفة كما في ( مجمع البيان ) عن بريدة قال : بينا شيبة والعباس يتفاخران إذ مر بهما عليابن أبي طالب ( ع ) فقال بماذا تتفاخران ؟ فقال العباس لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد وهو سقاية الحاج وقال شيبة : أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد وهو عمارة المسجد الحرام فقال علي ( ع ) استحييت لكما فقد أوتيت في صغري ما لم تؤتيا فقالا : وما ذاك وما أوتيت يا علي ؟ قال ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله فقام العباس مغضبا يجر ذيله حتى دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال أما ترى الى ما أستقبلني به علي ( ع ) فقال النبي ( ص ) : أدعوا عليا فدعي له قال .

وما حملك على ما استقبلت به عمك فقال يا رسول الله صدعته بالحق فأن شاء فليغضب ، وان شاء فليرض ، فنزل جبرئيل وقال يا محمد : إن ربك يقرأك السلام ويقول : اتل عليهم ﴿ اجعلتم سقاية الحاج وتقديره اجعلتم سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد حتى تكون مقابلة الشخص بالشخص أو تقديره أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كأيمان من آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله فأنه لا مساواة بين الامرين عند الله في الفضل والثواب ، وللبرسي : أهل النهي عجزوا عن وصف حيدرة

والعارفون بمعنى حبه تاهوا إن أدعه بشرا ، فالعقل يمنعني

واختشي الله في قولي هو الله وقال الخليعي : سارت بانوار علمك السير

وحدثت عن جلالك السور والواصفون المحدثون غلوا

وبالغوا في علاك وأعتذروا


154

فقال العباس ثلاثا : إنا رضينا ، والعباس بن عبد المطلب عم النبي وجد الخلفاء العباسيين وكنيته أبو الفضل ، وأمه نثيلة كانت جارية لفاطمة بنت عمرو المخزومي ام عبد الله أبي النبي وأبي طالب والزبير فأخذها عبد المطلب واولدها العباس فقال الزبير لعبد المطلب : هذه الجارية ورثناها من أمنا وأبنك هذا عبد لنا فصدقه عبد المطلب وأستدعى من الزبير بأن لا يشير الى العباس بهذا الاسم يعني إنه عبد لهم ، ولا يذكرهبسوء بل هو كسائر أخوته فقال : أجبتك على ان لا يتصدر ابنك هذا في مجلس ولا يضرب معنا بسهم ، ولا يشرك معنا في أموالنا بنصيب ، وكتب عليه كتابا وأشهد عليه شهودا وهذا معنى قول أبي فراس حيث يخاطب بني العباس بقوله : لا يطغين بني العباس ملكهم

بنوا على مواليهم وان رغموا أتفخرون عليهم لا أبا لكم

حتى كأن رسول الله جدكم يعني لا يدع بني العباس ملكهم الى الكفر بالله وتجاوز الحد في الاستعلاء والتمرد والتكبر على ساداتهم وهم بنو علي لانهم عبيد لبني علي ( ع ) والملك ملك بني علي والعبد وما يملك لمولاه والسيد سيد وان ضهده الظلم ، والعبد عبد وان ظفرت يده بالحكم .

إنما الدنيا عواري والعواري مستردة

شدة بعد رخاء ورخاء بعد شدة يا بني العباس جحودكم ومستعبدكم ومستعجب افتخاركم على بني علي سيد الاوصياء كأنكم انتم احفاد سيد الانبياء ، وأولاد سيدة النساء وافتخاركم عليهم من قبيل إفتخار الارض على السماء والسهى على الشمس والدجى على الصبح كما يقول الشاعر : فوا عجبا كم يدعي الفضل ناقص

ووا اسفا كم يظهر النقص فاضل إذا وصف الطائي بالبخل مادر

وعير قسا بالسفاهة باقل وقال السهى للشمس انت خفية

وقال الدجى للصبح لونك حائل وطاولت الارض السماء سفاهة

فأخرت الشهب الحصى والجنادل فيا موت زران الحياة ذميمة

ويا نفس جدي ان دهرك هازل بيان مادر شخص لئيم سقى أبله فبقي في الحوض قليل ماء فتغوط فيه ومد الحوض به لئلا يشربه أحد ، وهذا يعير حاتم الطائي بالبخل وباقل رجل أحمق غبي اشترى ظبيا بإحدى عشر درهما فسئل عن شرائه ففتح كفيه وخرج لسانه يشير الى ثمنه فأنفلت الظبي وأنهزم ، وكان فيه درهم فأسقطه بغدير يريد يخوضه وفاته الجميع فضرب به المثل


155

في العي يقال ( هو أعيا من باقل ) .

وهذا يعير قس بن ساعدة الايادي الذي كان وحيد عصره وفريد دهره في العلم والحكمة والعقل والدراية بالحمق والسفاهة وإفتخار بني العباس علي بني علي من قبيل افختار هؤلاء على هؤلاء وللعباس عم النبي من الاولاد تسعة ذكور ، وثلاث اناث : عبد الله وعبيد الله والفضل وقثم ومعبد وعبد الرحمن وتمام وكثير والحرث وأم حبيب وآمنة وصفية ، وبنو العباس ينتهون الى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أولهم أبو العباس السفاح عبد الله ، وآخرهم المستعصم ابن المنتصر وعددهم سبع وثلاثون خليفة ومدة خلافتهم خمسمائة وأربع وعشرون سنة ، وتاريخ إنقراضهم بالفارسية خون قال الشاعر : بنو العباس دولتهم دعتهم بالتقى خونوا

فخانوا عترة يبكي لهم بالدم يسن فلما إنها انقرضت أتى تاريخها خون وفي البحار : هبط جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه قباء أسود ومنطقة فيها خنجر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا جبرئيل ما هذا الذي انت فيه ؟ فقال : زي بني عمك العباس يا محمد ويل لولدك من ولد عمك العباس قال رسول الله للعباس : ويل لولدي من ولدك فقال العباس : يا رسول الله أفاختصي قال : إنه أمر قد قضى أي لا ينفع الخصي فما مضت الايام والليالي حتى إنتهى الملك إليهم ولعبوا بالملك لعب الصبيان بالمداح جلسوا على سرير الملك وهم عبيد لاولاد علي ( ع ) وفاطمة وأجلسوهم في قعر بيوتهم وهم سادات وموالي ، بل لعبت بالملك نسائهم وخدمهم كما قال أبو فراس : بنو علي رعايا في ديارهم

والامر تملكه النسوان والخدم يعني بنو علي الذين هم أولوا الامر يلزمون البيوت كالرعية خوفا من الاعداء والذين هم رعايا بني علي يحظون بالملك ويفوضونه الى خدمهم والنساء .

وذكر أهل التواريخ : ان خيزران أم الهادي رابع الخلفاء كانت تدخل نفسها في أمور الملك والمال ، وكان الامراة والاعيان يمضون إليها كل يوم ، وكان الهادي لا يحاوزمن كلامها ، وغلب على المقتدر الخليفة الثامن عشر من العباسين أمر النساء والخدم حتى إن جارية لامة تدعى بمثل القهرمانة ، كانت تجلس للمظالم وتحضرها القضاة والشهود والفقهاء في دار العدل ، وتحكم ، وذكر أصحاب التواريخ ان المعتضد السادس عشر منهم ولى


156

مولاه بدرا بلاد فارس ، ومونس الخادم في خلافة المقتدر ولي الامر والنهي حتى إنه قتل الموفق أبا المعتضد ، وكان المقتدر يراجع النساء والخدم واموره تجري على مقتضى آرائهم قال الشاعر : إذا كان الناس عند عجوزهم

فلابد أن يلقون كل ثبور وهذه من شأن الزمان أن أولى الامر الذين فرض الله طاعتهم على من سواهم يجلسون في قعر بيوتهم مظلومين مقهورين مغضوبين مهضومين ، والذين هم رعايا وعبيد لهم يتولون الامر والسلطنة والرياسة ويفوضونه الى جواريهم وخدمهم ونسائهم : ما خلت إن الدهر من عاداته

تروي الكلاب به ويضمى الضيغم هذا من هوان الدينا على الله سميت الدنيا بالدنيا لانها أدنى من كل شئ لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما أعطى هؤلاء شربة ماء فكيف بالسلطنة والرياسة .

والحاصل صنعوا بآل علي ما صنعوا من القتل والصلب والنهب والتشريد في البلدان بل ونبش قبورهم كما لا يخفى على البصير واليه أشار بقوله أبو فراس : لبئس ما لقيت منهم وأن بليت

بجانب الطف تلك الاعظم الرمم يعني يا بني العباس وإن أفنى التراب بساحل البحر ومما يلي الفرات عظام أبي تراب وأولاده لم تصلوا إليهم بالبطش ، فقد صادفت من عداوتكم وهي في القبور ضرا وشدة بالنبش .

أول قبر سعوا في خرابه ونبشه قبر أمير المؤمنين .

في ( فرحة الغري ) عن إسماعيل ابن عيسى العباسي قال : رجعنا يوم الجمعة من الصلاة من مسجد الكوفة مع عمي داودابن علي بن عبد الله بن العباس فلما كان قبل منازلنا وقبل منازله ، وقد خلا الطريق قال لنا : أين كنتم قبل إن تغرب الشمس سيرا الي ؟ قال : فصرنا إليه آخر النهار فقال صيحوا بفلان وفلان من الفعلة فصحنا فجاؤا ومعهم آلة البنائين والجصاصين فصاح بغلامه إسمه جمل شديد القوة عظيم البأس ، فقال أركبوا في وقتكم هذا وأمضوا الى الغري الى هذا القبر الذي افتتن به الناس ، ويقولون إنه قبر علي بن أبي طالب ، وتجيئوني بما فيه فمضينا الى الغري فقلنا ، دونكم وما أمر به فحفر الحفارون وهم يقولون لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ونحن من ناحية حتى نزلوا خمسة أذرع فبلغوا الى الصلابة فلم يقدروا على نقره فقالوا : بلغنا الى موضع صلب لا نقوى على نقره ، فأنزلوا الحبشي


157

فأخذ المنقار فضرب ضربة سمعنا لها طنينا شديدا في البر ، وضرب ثانية فسمعنا طنينا أشد من ذلك ثم ضرب ثالثة فسمعنا أشد مما تقدم ثم صاح الغلام صيحة فقمنا وأشرفنا عليه وهم يستغيث فشدوه وأخرجوه بالحبل فإذا على يده من أطراف أصابعه الى مرفقه دم فسألناه فلم يقدر على الجواب فحملناه على البغل ، ورجعنا الى الكوفة ولم يزل لحمه ينثر عن عضده وجسمه وسائر شقه الايمن حتى أنتهينا الى عمي ، فحدثناه بالصورة فألتفت الى القبلة فتاب ومات الغلام من ساعته ثم وجه عمي من طم الموضع وعمل الصندوق عليه ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون نبشوا أيضا قبر الحسين ( ع ) وخربوا بنيانه ولم يزل المتوكل منذ عشرين سنة يأمر بذلك كما سيأتي وكان اللعين شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولاهل بيته بحيث لو سمع أحدا يتولى عليا ( ع ) أهله يأمر بأخذ ماله والهدم وكان يستهزئ بعلي ( ع ) ، ويستحربه ومن جملة ندمائه عبادة المخنث وهو يتمثل له مثال علي ( ع ) وكان يشد بطنه تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يديه والمغنيون يغنون قد أقبل الاصلع البطين خليفة المسلمين واللعين يشرب ويضحك ففعل ذلك يوما وكان المنتصر حاضرا فأوما الىعبادة يتهدده فسكت خوفا منه فقال المتوكل : ما حالك ؟ فقام وأخبره فقال المنتصر : يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك ، وبه فخرك فكل لحمه أنت ما شئت ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه .

فقال اللعين للمغنين ، غنو جميعا : غار الفتى لابن عمه

رأس الفتى في حر امه فهذا أحد الاسباب التي أستحل بها المنتصر قتل المتوكل .

وكان اللعين شديد الوطأة على آل أبي طالب ، وشديد الغيظ والحقد عليهم واستعمل على المدينة ومكة عمرو ابن الفرج الرجحي وتقدم إليه بالاسائه الى آل أبي طالب ومنع الناس من برهم ، ولا يبلغه أحدا بره أحدا منهم بشئ ، وان قل إلا اذاقه عقوبته وأشتد الفقر والفاقة بآل علي ( ع ) : والعلويات حتى لم يبق لهن إلا قميص واحد يكون بين جماعة من العلويات يصلين فزه واحدة بعد واحدة ثم ينزعنه ويجلسن الى مغازلهن عواري حواسر الى أن قتل المتوكل ، فعطف المنتصر عليهم وأحسن إليهم ، ووجه بمال وفرقه فيهم وهذا اللعين أمر بخراب قبر الحسين ومحو أثره وأرسل ابراهيم الديرج وكان


158

يهوديا وقد أسلم بعثه الى قبر الحسين مع جماعة من اليهود وأمر بكرب قبره واخراب كل ما حوله فمضى لذلك وخرب ما حوله وهدم البناء وما كرب ما حوله نحو مائي جريب حتى صار كالخندق ، وخلعوا الصندوق الذي كان حوالي القبر وأحرق بني أمية قتلى الحسين وأحرقوا خيامه ، وبنو العباس نبشوا قبره وأحرقوا ضريحه : تالله إن كانت أمية قد أتت

قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أمية بمثله

هذا لعمري قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا

في قتله فتتبعوه رميما قال الشاعر :ليس الرشيد رشيدا في سياسته

كلا وليس ابنه المأمون مأمونا هذا الموسى وهذا للرضا وبنو

العباس للال ما انفكوا يكيدونا قتلا وحبسا وتشريدا وغائلة

سما وسبا بلا ذنب وتهجينا المجلس الثاني والخمسون لما بنى المنصور الابنية في بغداد جعل يطلب العلويين طلبا شديدا ويجعل من ظفر منهم في الاسطوانة المبنية من الجص والاجر ، وكان اللعين من أعظم الناس سطوة وأشدهم هيبة لا يقاس باحد .

قال في الكشكول للبهائي : إن أبا أيوب المرزباني كان وزير المنصور ، وكان إذا دخل على المنصور يصفر لونه ويرعد ، فإذا خرج يرجه له لونه فقيل له إنا نراك مع كثرة دخولك على أمير المؤمنين وأنسه بك متغير إذا دخلت عليه فقال : مثلي ومثلكم مثل بازي وديك تناظرا فقال البازي للديك : ما أعرف أقل منك وفاء لاصحابك قال : وكيف ؟ قال : تؤخذ بيضة فيضنك أهلك ، وتخرج على أيديهم فيطعمونك بأيديهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت من هنا الى هنا وصحت ، وان علوت على حائط دار كنت فيها سنين طرت منها وصرت الى غيرها ، واما أنا فأوخذ من الجبال وقد كبر سني فتخاط عيني وأطعم الشئ اليسير وأساهر فأمنع من النوم ، وأنسى اليوم واليومين ثم


159

اطلق على الصيد وحدي فأطير إليه وآخذ وأجئ به الى صاحبي فقال له الديك : ذهبت منك الحجة أما لو رأيت بازيين في سفود على النر ما عدت إليهم وأنا في كل وقت أرى السفافيد مملؤة ديوكا فلانك حليما عند غضب غيرك وأنكم لو عرفتم من المنصور ما أعرفه لكنتم أسوأ حالا مني عند طلبه لكم .

والمنصور ثاني خلفاء بني العباس ويسمى الدوانيقي لانه لما حفر الخندق بالكوفة قسط على كل منهم دانق فضد وأخذه وصرفه في حفر الخندق والدانق سدس الدرهم وعاشثلاث وستون سنة ومدة خلافته إثنان وعشرون سنة ، وكان اللعين فاتكا سفاكا فاسقا زنديقا عظيم العداوة وشديد القساوة بالنسبة الى الذرية الطاهرة العلوية ، وبعث اللعين رياح بن عثمان المري أميرا على المدينة وأمره باخذ العلويين من أولاد الحسن فأخذهم وقيدهم وغللهم وحبسهم وهم ثلاثة عشر هاشميا من الشيخ والشباب وأكبرهم وأسنهم وأعظمهم عبد الله المحض ابن الحسن المثنى وله ابنان محمد وابراهيم وهما كانا بين الناس معظمان وتمد اليهما الاعناق ، ويشار اليهما بالبنان وكان عبد الله المحض يدعو الناس الى مبايعة ابنه محمد ويقول : قد علمت ان ابني هذا هو المهدي فهلموا فلنبايعه ، فاجتمعوا للبيعة وفيهم جماعة من بني هاشم وبني العباس وفيهم أبو العباس السفاح وأخوه أبو جعفر المنصور ، وأحضروا جعفر الصادق ( ع ) وأظهروا له أمر البيعة فقال ( ع ) : لا تفعلوا فان هذا الامر لم يأت بعد ثم قال ( ع ) لعبد الله المحض ، والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك فغضب عبد الله وقال : لقد علمت خلاف ما تقول ولكن يحملك على هذا الحسد لابني فقال ( ع ) : ما والله يحملني ذلك إنها يعني الخلافة والله ما هي لك ولا لابنك ، ولكن هذا أو أخوته وأبناؤهم دونكم وضرب بيده على ظهر أبي العباس السفاح وكان كما قال ( ع ) : لان الامر أنتهى الى بني العباس أولهم السفاح ثم المنصور وصنعوا ما صنعوا .

ولما أمر المنصور بأخذ بني الحسن وأخذوا غاب محمد وابراهيم أبناء عبد الله المحض وسيأتي بيان حالهم ، وأخذ أبوهما أسيرا مع بني الحسن فحج المنصور ، ولما أنصرف نزل بالربذة وأمر باشخاص بني الحسن وسار بهم رياح الى الربذة ومعهم محمد الديباج بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وهذا أي محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان إنما أخذ مع بني الحسن ولم يكن منهم لانه أخو عبد الله المحض من أمه وأمهما فاطمة


160

بنت الحسين ( ع ) وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان بفاطمة بنت الحسين بعد ما توفي الحسن المثنى فأولدها محمدا ، ولانه كان ذا رأي وعقل وتدبير ، وكان معظما بين الناس ويرجى فيه أمر الخلافة ، وكان صبيح المنظر كأنه خلق من فضة ، وسمي بالديباج لحسن صورته ، وجعلت القيود والاغلال في أرجلهم وأعناقهم وجعلهم في محامل بغير وطاء ، ولما خرج بهم من المدينة وقف جعفر الصادق ( ع ) من رواء ستر ينظر إليهم وهو يبكي ودموعه تجري عليه لحيته وهو يدعو الله تعالى فلما وصلوا الى الربذة ادخلوا محمد الديباج على المنصور ، وكان المنصور قبل ان ينتهي أمر الخلافة الى بني العباس أشار الى بني هاشم وبني العباس بالبيعة لمحمد الديباج ، وقال : لاي شئ تخدعون أنفسكم والله لقد علمتم ما الناس الى أحد أطوع أعناقا ولا اسرع إجابة منهم الى هذا الفتى يعني محمد ابن عبد الله الديباج ، قالوا : قد والله صدقت إن هذا لهو الذي تعلم فبايعوا جميعا محمد الديباج ومسحوا على يده واخلوا عليه قميص وازار رقيق ، فلما وقف بين يديه قال له : يا ديوث قال الديباج : سبحان الله لقد عرفتني بغير ذلك صغيرا وكبيرا قال : فممن حملت أبنتك رقية وكانت تحت ابراهيم بن عبد الله المحض ، وقد أعطيتني الايمان إلا تغشني ولا تمالي علي عدوا أنت ترى أبنتك حاملا وزوجها غائب ، فأنت بين أن تكون خانثا أو ديوثا ، وايم الله إني لاهم برجمها .

قال الديباج : أما إيماني فهي علي أن كنت دخلت لك في أمر غش ، وأما ما رميت به هذه الجارية فإن الله تعالى قد أكرمها بولادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياها ، وعلمت إن حين ظهر حملها ان زوجها ألم بها على حين غفلة منا وجرى بينهما ما جرى من الكلام حتى اغتاظ المنصور من كلامه وأمر بشق ثيابه وأزراره ثم أمر به فضرب مئة وخمسين سوطا ، فبلغت منه كل مبلغ والمنصور يفتري عليه فأصاب السوط وجهه فقال : ويحك أكفف عن وجهي فأن له حرمة برسول الله ، فأغرى المنصور فقال للجلاد : الرأس الرأس فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا ، وأصاب إحدى عينيه سوط فسالت ثم أخرج كأنه زنجي من الضرب ، وكان أحسن الناس صورة فلما أخرج قال له بعض من معه : إلا أطرح عليك ردائي ؟ قال : بل جزيت خيرا والله لسق أزاري أشق علي من الضرب ، ثم أمر المنصور بمحمد الديباج فقتل وأرسل برأسهالى خراسان وأرسل معه من يحلف إنه رأس محمد بن عبد الله الديباج فلما قتل محمد الديباج قال أخوه عبد الله المحض : إنا لله وإنا إليه راجعون إنا كنا لنأمن به في سلطانهم يعني


161

كنا نرجوا أن نكون آمنين في دولة بني العباس .

ثم إن المنصور اخذ بني الحسن وسار بهم الى بغداد فمر بهم على بغلة وهم في القيود فناداه عبد الله بن الحسن المثنى يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر ، ثم إن المنصور أودعهم بقصر أبي هبيرة شرقي الكوفة ، وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين ( ع ) وكان أحسن الناس صورة فقال له : أنت الديباج الاصغر ؟ قال : نعم ، قال لاقتلنك قتلة لم أقتل بها احدا ثم أمر فبني عليه إسطوانة وهو حي فمات وأبوه ابراهيم بن الحسن المثنى كان ينظر الى ولده وهم يبنو عليه ، وهذا من أشد المصائب ومن ذلك كان ابراهيم اول من مات منهم ثم مات عبد الله بن الحسن المثنى المحض ثم علي ابن الحسن المثلث ، ثم أمر ببقاياهم فقتلوا وقيل : أمر بهم فسقوا السم ولنعم ما قال دعبل : أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي

نجوم سماوات بإرض فلات قبور بكوفان وأخرى بطيبة

واخرى بفخ نالها صلوات قبور بأرض الجوزجان محلها

واخرها ببا خمرا لدى الغربات المجلس الثالث والخمسون وممن حبس ومات أو قتل في هذا الحبس علي بن الحسن المثلث ابن الحسن المثنى : ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ، ولما حبسوا بني الحسن لم يكن علي بن الحسن فيهم فلما كان من الغد بعد الصبح إذ أقبل رجل متلفف فقال له رياح مرحبا بك ما حاجتك ؟ قال جئتك لتحبسني مع قومي فإذا هو علي بن الحسن المثلث فحبسه معهم ويعرف بعلي الخير وكان عابدا زاهرا وله كرامات ، قال في المقاتل : كان يصلى يوما في طريق مكة فدخلتحية في سراويله وخرجت من جيبه ، ودهش الناس وصاحوا عليه ، وهو لم يضطرب ولم يلتفت إليها وكان مشغولا بصلاته ، وكان آل الحسن في الحبس لم يعرفوا أوقات الصلاة إلا بتلاوة قرآنه ، ولقد توفي وهو ساجد ، وكان يقول في الحبس : اللهم إن كان هذا من سخط عنك علينا فأشدد حتى ترضى ، وكانت دعواته مستجابة فقال له آل الحسن : أدع


162

الله لنا ينجينا من حبس المنصور فقال : لنا درجات عند الله لا ننالها إلا بالصبر على هذه البلية أو أعظمها ، والمنصور درجات في النار لا ينالها إلا بما أجرى علينا من هذا الظلم أو أعظمه ، فالصبر أجمل ويوشك إن نموت ونستريح ، فأن أبيتم إلا الخلاص وانحطاط الاجر عنكم فها أنا أدعوا الله لكم ، فقالوا بل نصبر فصبروا بالبلاء وقتلوا بعد ثلاثة أيام وماتو في الحبس ، وكان ذلك في اليوم الثالث والعشرين من المحرم سنة مائة وأربعين من الهجرة ، وكان علي بن الحسين يومئذ ابن خمس وأربعين سنة والطباطبائية من السادات على قول ينتهون إليه لانه كان يسمى بطباطبا .

وقال النراقي في الخزائن : سمي بطباطبا لانه كان يحرف طوبى بطباطبا أو أهدي إليه لباس فقيل له نجعله لك قميصا أو قباء فقال طباطبا - يعني قباقا - كان مثل سبيكة الذهب كلما أوقد عليه نارا أزداد خلاصا ، وهو كلما أشتد عليه البلاء أزداد صبرا وسرورا وممن قتل أو مات في حبس المنصور عبد الله بن المحض وسمي بالمحض لان أباه الحسن المثنى ابن الحسن بن أمير المؤمنين وأمه فاطمة بنت الحسين وهو أول من أجتمعت عليه ولادة الحسن والحسين ، وكان يقول أنا أقرب الناس من رسول الله ولدني رسول الله مرتين وكان يشبه رسول الله ، وكان شيخ بني هاشم في زمانه .

وقيل له بما صرتم أفضل الناس ؟ قال : لان كلهم يتمنون أن يكونوا منا ، ولا نتمنا أن نكون من أحد ، وكان قويا سخيا ومات في الحبس وهو ابن خمس وسبعين سنة وله إبنان محمد وابراهيم ، وكلاهما خرجا على المنصور وقتلا .

وأما محمد كان يلقب بالنفس الزكية وهذا هو المقتول بأحجار الزيت ، وهو موضع داخل المدينة ، ويقال له المهدي لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المهدي من ولدي اسمه إسمي وأسم أبيه إسم أبي ، وتطلعت إليه بنو هاشم وعظموه ويكنى أبا عبد الله وقيل أبا القاسم ، وكا جم الفضائل كثير المناقب وكان تمتاما وبين كتفيه خال أسود كالبيضة وكان شديد السمرة سمينا شجاعا كثير الصلاة والصوم ، شديد القوة ، وكان المنصور قد بايع له ولاخيه مع جماعة من بني هاشم .

فلما بويع لبني العباس أختفى محمد وابراهيم مدة خلافة السفاح ، ولما عزم محمد على الظهور وعد أخاه إبراهيم أن يخرجا في يوم واحد وذهب محمد الى المدينة وابراهيم الى البصرة فأتفق إن ابراهيم مرض فخرج محمد بالمدينة ، ولما بلغ المنصور خروج محمد وقد


163

إستولى على مكة واليمن وقد بويع له كثير من الامصار وقد خلا ببعض أصحابه وقال له : ويحك إن محمدا قد ظهر فماذا ترى ؟ فقال له وأين ظهر ؟ قال : بالمدينة قال : له غلبت ورب الكعبة لانه خرج بحيث لا مال ولا رجال ولا زرع ولا ضرع ، فعاجله بالحرب فأرسل المنصور إليه ابن أخيه عيسى بن موسى في جيش كثيف فحاربهم محمد خارج المدينة وتفرق أصحاب محمد عنه حتى بقي وحده ، فلما أحس الخذلان دخل داره وأمر بالتنور فسجر ، ثم عمد الى الدفتر الذي أثبت فيه أسماء الذين بايعوه فألقاه في التنور فأحترق ثم خرج فقاتل حتى قتل .

وكان قتل محمد يوم الاثنين لاربع عشرة خلت من شهر رمضان سنة 145 ودفن بالبقيع ، وإنه خرج غضبا لله وبعث عيسى برأسه الى المنصور واللعين بعث الرأس الى أبيه عبد الله المحض وسائر أقاربه في الحبس ولما رأى عبد الله رأس ولده قال : يرحمك الله لقد قتلوك صواما قواما وأنشد يقول : فتى كان يدنيه من السيف دينه

ويكفيه سوءات الامور إجتنابهاولا أعلم هذا أصعب بأن يرى الولد رأس ولده أم ير الولد رأس والده ساعد الله قلبيهما كلاهما صعب ، نظر علي بن الحسين الى رأس والده الخ ، ولما برأ ابراهيم من مرضه وكان بالبصرة وهو على المنبر يخطب إذ بلغه قتل أخيه محمد وقال : سأبكيك بالبيض الصفاح وبالقنا

فإن بها ما يدرك الطالب الوترا ولست كمن يبكي أخاه بعبرة

يعصرها من ماء مقلته عصرا ولكن أروي النفس مني بغارة

تلهب في قصري كتاتيبها جمرا وإنا اناس لا تفيض دموعنا

على هالك منا وان قصم الظهرا وكان ابراهيم يكنى أبا الحسن ، وهو من كبار العلماء في فنون كثيرة ، وكان قد تلقب بأمير المؤمنين وعظم شأنه وأحب الناس ولايته وأرتضوا سيرته ، وكان شديد القوة بحيث يأخذ بذنب البعير فلا يقدر على الحركة ، فيحكى إنه كان واقفا مع أخيه محمد وأبيه عبد الله المحض معهما إبل لهم تورد ، وفيها ناقة شرود لا تملك فأقبلت مع الابل ترد فقال محمد لابراهيم وهو ملتف في شملة أن رددتها فلك كذا وكذا ، فوثب ابراهيم فقبض على ذنبها فشردت وتبعها ابراهيم ممسكا بذنبها حتى غابا عن أعينهم فقال عبد الله لابنه محمد : بئس ما صنعت عرضت أخاك للتلف فما كانت ساعة أقبل ابراهيم ملتفا بشملته


164

فقال له محمد : ألم أقل لك إنك لا تقدر على ردها ؟ فاخرج ذنب الناقة وقال : أما تعذر من جاء بهذا ؟ وفي سنة مائة وخمس وأربعين ظهر إبراهيم ليلة الاثنين غرة شهر رمضان وبايعه من أهل البصرة نحو أربعة آلاف فلما بلغ المنصور خروجه خاف ورحل وأشتد خوفه ونزل بالكوفة ليأمن غائلة الشيعة بها ، ووجد إبراهيم في الخزانة بالبصرة ستمائة الف دينار فأنفقها في عسكره وبعث سرية الى الاهواز واخرى الى فارس واخرى الى واسط فجهز المنصور لحربه خمسة آلاف فأقتتلوا أياما وبقي المنصور لا يقر ولا ينام ، وقيل : إنعسكر ابراهيم بلغ مائة الف فلو هجم على الكوفة لاستولى على الامر ولظفر بالمنصور وقال : أخشى إن هجمنا إن تستباح الصغار والنساء وكان ببا خمرا على يومين من الكوفة فأقتحم القتال وأستظهر أصحاب ابراهيم وانهزم مقدم جيش المنصور ، ونادى إبراهيم لا يتبعن أحد منهزما ولما اتصل الخبر بالمنصور بأن عسكره قد أنهزم اضطرب اضطرابا شديدا وهيأ النجائب ليهرب الى الري وجعل يقول : فأين قول صادقهم أين لعب الغلمان والصبيان ، وأشتد قلقه وبعث إليه الجيوش كالجراد المنتشر مع عيسى بن موسى لما رجع من المدينة من حرب محمد أخي ابراهيم فلم يزل القتال بينهم حتى قتل من أصحاب أبراهيم جمع كثير ، وأنهزم الباقون فبقي ابراهيم وحده وهو يقاتل القوم ، وقد غلب عليه حرارة الشمس فكشف عن درعه فجاءه سهم في لبته فأنزلوه وهو يقول : الحمد لله وكان أمر الله قدرا مقدورا أردنا أمرا وأراد الله سبحانه وتعالى غيره ، وجاءه سهم آخر فوقع في حلقه فقضى نحبه ثم قطعوا رأسه وبعثوا به المنصور فخر المنصور ساجدا ، فوضع الرأس في طشت بين يديه والحسن بن زيد السبط كان حاضرا فخنقته العبرة ، والتفت إليه المنصور وقال : أتعرف رأس من ذهذا ؟ فقال : نعم وأنشأ : فتى كان تحميه من الظيم نفسه

وينجيه من دار الهوان اجتنابها فقال المنصور : صدقت ولكن أراد رأسي فكان رأسه أهون علي ، ما أشبه كلامه بكلام يزيد ( لع ) لما وضع رأس الحسين في الطشت بين يديه قال لعلي بن الحسين : أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين ، والحمد لله الذي قتلهما وسفك دمائهما ، فقال ( ع ) : لم تزل النبوة والامارة لابائي وأجدادي من قبل أن تولد الى آخر ما قال .

وكان قتل محمد وابراهيم في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 145 وعاش ابراهيم


165

ثمانية وأربعين سنة ، ودفن بباخمرا على مسافة يومين من الكوفة وبينهما وبين الكوفة ستة عشر فرسخا وفي تلك السنة توفي الحسن المثلث ابن الحسن الزكي في حبس المنصور .

المجلس الرابع والخمسون وممن خرج من بني الحسن وقتل : الحسين بن علي المثلث ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ، وأمه زينب بنت عبد الله بن الحسن المثنى وهو صاحب فخ والحسين كان رجلا جليلا عظيما عالما فاضلا كريما سخيا جم الفضائل عظيم المناقب .

في ( مقاتل الطالبيين ) قال الحسن بن هذيل : بعت للحسين بن علي صاحب فخ حائطا بأربعين الف دينار فنشرها على بابه فما دخل إليه أهله منها حبة كان يعطيني منها كفا كفا فأذهب به الى فقراء أهل المدينة وقال أيضا : الحسن بن هذيل قال لي : الحسين بن علي اقترض لي أربعة آلاف درهم فذهبت الى صديق لي فأعطاني الفين ، وقال لي : إذا كان غدا تعالى حتى أعطيك الفين فخرجت فوضعتها تحت حصير كان يصلي عليه فلما كان من الغداة أخذت الالفين الاخرين ثم جئت لمكان الذي وضعته تحت حصيره فلم أجده فقلت له : يا بن رسول الله ما فعلت بالالفين قال : لا تسأل عنها فأعذر فقال تبعني رجل أصفر من أهل المدينة فقلت : ألك حاجة ؟ فقال : لا ولكني أحب أن أصل جناحك فأعطيته إياه أما إني أحسبني ما أجرت على ذلك لاني لم أجد لها حسنا ، وقال الله تعالى ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال اسماعيل بن ابراهيم الواسطي : جاء رجل الى الحسين فسأله فلم يكن عنده شئ فأقعده وبعث الى أهل داره وقال : أخرجوا ثيابي ليغسلوها فلما اجتمعت قال للرجل : خذ هذه الاثواب ، وعن الحسن بن هذيل قال : كنت أصحب الحسين بن علي صاحب فخ فقدم الى بغداد فباع ضيعة له بتسعة آلاف دينار فخرجنا ونزلنا سوق أسد فبسط لنا على باب الخان ، فأتى رجل معه سلة فيه طعام فقال له : مر الغلام يأخذ مني هذه السلة فقال له : ومن أنت ؟ قال : أنا أصنع الطعام الطيب .

فإذا نزل هذه القرية رجل من أهل المودة أهديته إليه قال : يا غلام خذ السلة منه وقال للرجل : عد الينا لتأخذ سلتك ، قال : قم أقبل علينا رجل عليه ثياب رثة ، وقال


166

أعطوني مما رزقكم الله فقال لي الحسين ادفع إليه السلة ، وقال له : خذ ما فيها ورد الاناء ثم أقبل علي ، وقال : إذا أردت السلة الى السائل أدفع إليه خمسين دينارا ، وإذا جاء صاحب السلة فأدفع إليه مئة دينار فقلت : جعلت فداك أنت بعت عينا لتقضي دينا عليك فسألك سائل فأعطيته طعاما هو مقتنع له فلم ترض حتى أمرت له بخمسين دينار فقال : يا حسن إن لنا رب يعرف الحساب إذا جاء السائل فأدفع إليه مئة دينار ، وإذا جاء صاحب السلة فأدفع إليه مئة دينار .

والذي نفسي بيده إني لاخاف أن لا يقبل مني لان الذهب والفضة والتراب عندي بمنزلة واحدة ، وقد قتل الحسين بن علي صابح فخ بفخ ، والفخ بئر قريبة من مكة على فرسخ ولقد نزل رسول الله بفخ وصلى ركعتين وبكى وبكت صحابته ، وقال : نزل علي جبرئيل وقال يا محمد : إن رجلا من ولدك يقتل في هذا المكان واجر السهيد معه اجر الشهيدين ، ونزل الصادق في رواحه الى الحج من المحمل بفخ وتوضأ وصلى ثم ركب فقيل له هذا من الحج قال : لا ولكن يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم الجنة ، وأخبر أيضا الامام موسى بن جعفر بشهادته لما خرج قال له : يا بن العم إنك مقتول فأجد الضراب فأن القوم فساق يظهرون إيمانا ، ويسرون شركا وإنا لله وإنا إليه راجعون أحتسبكم عند الله من عصبة ، ولقد قتل في يوم التروية ثامن من ذي الحجة ستمائة نفر من السادات وآل أبي طالب ومواليهم ، والى هؤلاء أشار دعبل بقوله : ( وإخرى بفخ نالها صلوات ) وكان ذلك في خلافة الهادي رابع خلفاء بني العباس .

قال الامام محمد بن علي الجواد : وما وقعت وقعة بعد وقعة الطف أعظم علينا من محاربة فخ ، ولما قتل الحسين بن علي صاحب فخ سمعت نياح الجن عليه من أول الليل الى الصباح على مياه غطفان ، والسبب في خروجه إن الهادي ولي على المدينة رجلا من ولد عمر بن الخطاب اسمه عمر بن العزيز بن عبد الله بن عمر فضيق على السادات والهاشميين وآل أبي طالب ومواليهم ، وكان يؤذيهم بكل ما يستطيع حتى جرى الامر بأن ضربالحسن بن محمد بن عبد الله المحض أحد سادات بني الحسن مائتي سوطا لامر ، وضرب رجلين من خواصه ثم جعل الحبال في اعناقهم ، وطيف بهم في المدينة مكشفي الظهور ليفضحهم وأشاع في الناس بأنه وجدهم على شراب فجاء الحسين بن علي صاحب فخ الى العمري وقال له قد ضربتهم ولم يكن لك إن تضربهم فلم تطوف بهم فأمر العمري بهم


167

فردهم وحبسهم ، ثم ضمن له الحسين وكفل له فأخرجهم من الحبس فغاب الحسن بن محمد فبلغ ذلك العمري فغضب وأحضر الحسين بن علي صاحب فخ ويحيى بن عبد الله بن الحسن فأغلظ لهما وتهددهما وقال لتأتياني به ، أو لاحبسنكما فأن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض وكان اللعين يطلب بني هاشم في كل يوم بالعرض عليه ليقف على أحوالهم وشؤونهم قال : فتضاحك الحسين في وجه العمري وقال : أنت مغضب يا أبا حفص ؟ فقال له العمري : أتهزء بي وتخاطبني بكنيتي فقال له : قد كان أبو بكر وعمر هما خير منك يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية فقال له آخر : قولك أشر من أوله فإنما أدخلتك إلي لتفاخرني وتؤذيني ثم حلف العمري إنه لا يخلي سبيله أو يجيئه بالحسن بن محمد في باقي يومه وليلته ، وإنه إن لم يجئ به ليضربن الحسين الف سوط وحلف إن وقعت عينه على الحسن بن محمد ليقتلنه من ساعته فخرج الحسين من عنده ووجه الى الحسن بن محمد ، وقال : يا بن عمي قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق فأمض حيث أحببت فقال الحسن : لا والله يا بن عمي بل أجئ معك الساعة حتى أضع يدي في يده فقل الحسين : لا والله ما كان الله ليطلع علي وانا جاء ، والى محمد صلى الله عليه وآله سلم وهو خصيمي وحجيجي في أمرك لعل الله إن يقينا شره .

ثم وجه الحسين الى بني هاشم فأجتمعوا ستة وعشرون رجلا من ولد علي وعشرة نفر من الحاج ونفر من الموالي فلما أذن المؤذن بالصبح دخلوا المسجد وصعد عبد الله بن الحسن الافطس المنارة التي عند رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال للمؤذن : أذن بحي على خيرالعلم ، فلما نظر المؤذن الى السيف في يده اذن بها وسمعه العمري فأحس بالشر ودهش وركب بغلته وهرب من المدينة ، فصلى الحسين بالناس الصبح ودعى بالشهود العدول الذي كان العمري أشهدهم عليه بأن يأتي الحسن إليه فقال للشهود : هذا الحسن قد جئت به فهاتوا العمري وإلا والله خرجت من يميني ومما علي .

ثم خطب الحسين بعد صلاته فحمد الله وأثنى عليه وقال : أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله ، وفي حرم رسول الله أدعو إلى سنة رسول الله ، أيها الناس : أتطالبون آثار رسول الله في الحجر والعود ؟ تمسحون بذلك وتضيعون بضعة منه ، فأتاه الناس وبايعوه على كتاب الله تعالى وسنة نبيه ، والرضا من آل محمد فبلغ ذلك حماد البربري وكان على مسلحة السلطان بالمدينة في السلاح ، ومعه مائتين من الجند وجاء العمري ومعه


168

أناس كثرون حتى وافوا باب المجلس فأراد حماد أن ينزل فبدره يحيى بن عبد الله بن الحسن وفي يده السيف ، فضربه على جبينه وعليه البيضة والقلنسوة فقطع ذلك كله وأطار مخ رأسه ، وسقط عن دابته وحمل على أصحابه فتفرقوا وأنهزموا ، وأقام الحسين بن علي وأصحابه يتجهزون بالمدينة أحد عشر يوما وفرق ما كان في بيت المال وهي سبعون الفا على الناس ، وكان يقول لهم : أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه وعلى أن يطاع الله ولا يعصى وأدعوكم الى الرضا من آل محمد وعلى أن نعمل بينكم بكتاب الله وسنة نبيه ، والعدل في الرعية والقسمة بالسوية وعلى ان تقيموا معنا وتجاهدوا عدونا فأن نحن وفيناكم وفيتم لنا ، وان نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم ثم خرج الحسين وأصحابه لست بقين من ذي القعدة الى مكة وأستخلف على المدينة رجل من خزاعة ، وبلغ ذلك الى الخليفة الهادي وكان قد حج في تلك السنة رجال من أهل بيت الخليفة ، منهم سليمان بن أبي جعفر عم الهادي ومحمد بن سليمان والعباس بن محمد وموسى واسماعيل أبناء عيسى الدوانيقي ومبارك التركي ومبارك هذا قاتل مع الحسين بالمدينة أشد القتال الى منتصف النهار ثم أنهزموقيل إن مباركا أرسل الى الحسين يقول له : والله لان أسقط من السماء فتخطفني الطير أيسر علي من أن أشوكك بشوكة أو أقطع من رأسك شعرة فبيتني فإني منهزم عنك فوجه إليه الحسين قوما فلما دنوا صاحوا وكبروا فانهزم التركي هو وأصحابه .

ثم أمر الخليفة فرجع وعاد في جيشه والتحق بهؤلاء وهم قد ساروا بجماعة وسلاحهم من البصرة لخوف الطريق ، فكتب الهادي إليهم بتولية الحرب ، فلما قرب الحسين وأصحابه من مكة وصاروا ( بفخ وبلدح ) تلقياهم الجيش من المسودة - يعني بني العباس - فألتقوا يوم التروية وقت صلاة الصبح .

فعرض العباس بن محمد علي الحسين الامان والعفو والصلة فأبى ذلك أشد الاباء .

قال الراوي : لما ان لقي الحسين المسودة أقعد رجلا على جمله ، معه سيف يلوح والحسين بن علي يملي عليه حرفا حرفا يقول ناد فنادى يا معشر المسودة هذا الحسين بن رسول الله ، وابن عمه يدعوكم الى كتاب الله وسنة رسول الله فأمر موسى بن عيسى تبعية العسكر فصار محمد بن سليمان في الميمنة وموسى في الميسرة وسليمان بن أبي جعفر والعباس ابن محمد في القلب ، وكان أول من بدأهم موسى فحملوا عليه فأستطرد لهم شيئا حتى أنحدروا في الوادي ، وحمل عليهم محمد بن سليمن من خلفهم فطحنهم طحنة واحدة حتى


169

قتل أكثر أصحاب الحسين ، وبقي الحسين في عدد يسير وجعل يقاتل أشد القتال حتى أثخن بالجراح .

قال الراوي : رأيت الحسين بن علي صاحب فخ وقد دفن شيئا ظننت إنه شئ له قدر فلما كان من أمره ما كان نظرنا فإذا هو قطعة من جانب وجهه قد قطع وفنه .

أقول هذا الحسين قد دفن قطعة من وجهه والحسين ( ع ) دفن يوم عاشوراء قطعة من كبده وهو عبد الله الرضيع إلخ ثم عاد عليهم وكان حماد التركي ممن حضر الواقعة فقال للقوم أروني حسينا فأروه إياه فرماه بسهم فقتله فوهب له محمد بن سليمان مئة الف درهمومئة ثوب .

قال أبو القرن الجمال : إن موسى بن عيسى داني وقال لي : احضر جمالك فجئته بمئة جمل ذكر فختم أعناقها وقال : لا أفقد منها وبرة وإلا ضربت عنقك ، ثم تهيأ للسير الى الحسين صاحب فخ فسار حتى أتينا بستان بني عامر فنظر فقال لي : أذهب الى عسكر الحسين حتى تراه ، وتخبرني بكل ما رأيت فمضيت فدرت فما رأيت خللا ولا فللا ، ولا رأيت إلا مصليا أو مبتهلا أو ناظرا في مصحف أو معد للسلاح قال فجئته فقلت : ما أظن القوم إلا منصورين فقال : وكيف ذلك يا بن الفاعلة ؟ فأخبرته فضرب يدا على يد وبكى حتى ظننته إنه سينصرف ، وقال هم والله أكرم خلق الله وأحق بما في أيدينا منا ، ولكن الملك عقيم ، لو أن صاحب القبر - يعني النبي ( ص ) - نازعنا الملك لضربنا خيشومه بالسيف يا غلام أضرب بطبلك .

ثم سار إليهم فو الله ما أنثنى عن قتلهم .

فلما قتلوهم قطعوا رؤسهم وجاء الجند بالرؤس الى موسى والعباس وسليمان وبينهم رأس الحسين وبجبهته ضربة طولا وعلى قفاه ضربة إخرى ، وكانوا قد نادوا بالامان فجاء الحسن بن محمد بن عبد الله بن أبي الوقت فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد فأخذه موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس بن محمد فقتلاه فغضب سليمان غضبا شديدا .

فلما أحضروا الرؤس الى هؤلاء وكانت مئة رأس ونيفا وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين منهم موسى بن جعفر ، فلما نظر موسى بن جعفر الى رأس الحسين بكى فقيل له هذا رأس الحسين قال نعم إنا لله وإنا إليه راجعون مضى والله مسلما صالحا صواما أمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ما كان في أهل بيته مثله ، ولما بلغ العمري وهو بالمدينة قتل الحسين بن علي عمد الى داره ، ودور أهله فأحرقها وقبض أموالهم ونخيلهم


170

وجعلها في الصوافي المقبوضة ، وأحرق العمري دار الحسين ودور بني هاشم ولعمري أقتدى بمن وقف على باب دار علي وفاطمة وأضرم النار في الباب وأراد أن يحرق عليا وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم بالنار الخ .

ثم حمل الرؤس والاسارى الى الهادى أمر بقتل بعضهم وغضب على موسى بن عيسى كيف قتل الحسين بن محمد وقبض أمواله ولم تزل بيده حتى مات ، ولما وضع رأس الحسين بن علي بين يدي الهادي غضب على الذين جاءوا برأس الحسين وقال : كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت إن أقل ما أجزيكم به أحرمكم عن جوائزكم ولم يعط لاحد شيئا فرجعوا خائبين خاسرين ، كما إن زجر بن قيس ( لع ) لما جاء برأس الحسين ( ع ) الى يزيد بن معاوية ويرجوا نائلة فلم يعطه شيئا فليراجع محله ، وقيل في رثاء الحسين بن علي صاحب فخ : ألا يا عين إبكي بدمع منك منهتن

فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن صرعى بفخ تجر الريح فوقهم

اذيالها وغوادي دلج المزن حتى عفت أعظم لو كان شاهدها

محمد ذب عنها ثم لم تهن ماذا تقولون والماضون قبلهم

على العداوة والبغضاء والاحن لا الناس من مضر حاموا

ولا ربيعة والاحياء من يمن ماذا يقولون إذ قال النبي لهم

ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن يا ويحهم كيف لم يرعوا له حرما

ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن قيل : كان المنصور ( لع ) أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وآل أبي طالب وكان قبل ذلك أمرهم واحد ، وكان اللعين يبغضهم ويعاندهم كثيرا ، ولقد قتل من ذرية فاطمة الفا ويزيدون ، وبني على ستين علويا في ليلة واحدة فظفر ذات يوم بغلام من آل أبي طالب ومن ذرية العلوية الفاطمية الهاشمية ، وكان حسن الوجه عليه شعر أسود وفي وجهه خال من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب ( ع ) فسلمه الى البناء الذي كان يبني له وأمره أن يجعله ويبني عليه فدخلته رقة عليه ورحمة له فترك في الاسطوانة فرجة يدخل منها الريح والنسيم ، وقال للغلام : لا بأس عليك فإني سأمضي وأعود وأخرجك من جوف هذه الاسطوانة إذا جن الليل ، فلما جن الليل جاء البناء في ظلمته ، وأخرج ذلكالعلوي من جوف تلك الاسطوانة وقال : أتق الله في دمي ودم الفعلة الذين هم معي وغيب


171

نفسك فأني إنما خرجتك في ظلمة هذه الليلة من جوف هذه الاسطوانة لاني خفت إن تركتك في جوفها أن يكون جدك رسول الله يوم القيامة خصمي بين يدي الله عز وجل ثم أخذ شعره بآلة الجصاصين وقال له غيب شخصك وانج بنفسك ولا ترجع الى أك قال الغلام : فأن كان هذا فعرف أمي إني قد نجوت وهربت لتطيب نفسها ويقل جزعها وبكائها وإن لم أكن أعود إليها ، فهرب الغلام ولا يدري أين يقصد من أرض الله ولا أي بلد يقع ، قال ذلك البناء وقد كان الغلام عرفني مكان أمه وأعطاني العلامة فأنتهيت إليها في الموضع الذي كان دلني عليه فسمعت دويا كدوي النحل من البكاء فعلمت إنها أمه فدنوت منها وعرفتها خبر إبنها وأعطيتها شعره فلما بصرت بالشعر صرخت ووقعت مغشيا عليها .

هذا البناء خاف أن يكون رسول الله خصمه وما خاف اللعين الحارث أن يكون رسول الله خصمه يوم القيامة لما ظفر اللعين بأبني مسلم بن عقيل الخ .

المجلس الخامس والخمسون في بعض الكتب لما أشتد غضب الرشيد جعل يقطع الايدي من أولاد فاطمة ويسمل في الاعين وبنى في الاسطوانات حتى شردهم في البلدان ومن جملتهم القاسم ابن الامام موسى بن جعفر أخذ جانب الشرق لعلمه إن هناك جده أمير المؤمنين جعل يتمشى على شاطئ الفرات وإذا هو ببنتين تلعبان في التراب ، أحديهما تقول للاخرى لا وحق الامير صاحب بيعة يوم الغدير ما كان الامر كذا وكذا ، وتعتذر من الاخرى فلما رأى عذوبة منطقها قال لها من : تعنين بهذا الكلام قالت : أعني الضارب بالسيفين والطاعن بالرمحين أبا الحسن والحسين علي بن أبي طالب ( ع ) قال لها : يا بنية هل لك أن ترشديني الى رئيس هذا الحي ؟ قالت : نعم إن أبي كبيرهم فمشت ومشي القاسم خلفها حتى أتت الى بيتهم ، فبقي القاسم ثلاثة أيام بعز وأحترام ، فلما كان اليوم الرابع دنى القاسم من الشيخوقال له : يا شيخ أنا سمعت ممن سمع من رسول الله أن الضيف ثلاثة وما زاد على ذلك يأكل صدقة وأني أكره أن آكل الصدقة وأني أريد أن تختار لي عملا أشتغل فيه لئلا يكون ما آكله صدقة فقال الشيخ : أختر لك عملا فقال له القاسم : أجعلني أسقي الماء في


172

مجلسك فبقي القاسم على هذا الى إن كانت ذات ليلد خرج الشيخ في نصف الليل في قضاء حاجة له فرأى القاسم صافا قدميه ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد فعظم في نفسه وجعل الله محبة القاسم في قلب الشيخ فلما أصبح الصباح جمع عشيرته وقال لهم : أريد أن أزوج أبنتي من هذا العبد الصالح فما تقولون ؟ قالوا نعم ما رأيت فزوجه من أبنته فبقي القاسم عندهم مدة من الزمان حتى رزقه الله منها أبنة وصار لها من العمر ثلاث سنين ومرض القاسم مرضا شديدا حتى دنى أجله وتصرمت أيامه جلس الشيخ عند رأسه يسأله عن نسبه وقال : ولدي لعلك هاشمي قال له : نعم أنا بن الامام موسى بن جعفر ( ع ) جعل الشيخ يلطم على رأسه وهو يقول : وأحيائي من أبيك موسى بن جعفر قال له : لا بأس عليك يا عم إنك أكرمتني وإنك معنا في الجنة يا عم فأذا أنا مت فغسلني وحنطني وكفني وأفني ، وإذا صار وقت الموسم حج أنت وأبنتك وأبنتي هذه فإذا فرغت من مناسك الحج أجعل طريقك على المدينة فإذا أتيت المدينة أنزل أبنتي على بابها فستدرج وتمشي فأمش أنت وزوجتي خلفها حتى تقف على باب دار عالية فتلك الدار دارنا فتدخل البيت وليس فيها إلا نساء وكلهن أرامل .

ثم قضى نحبه فغسله وحنطه وكفنه ودفنه ، فلما صار وقت الحج حج هو وأبنته وأبنة القاسم فلما قضوا مناسكهم جعلوا طريقهم على المدينة فلما وصلوا الى المدينة أنزلوا البنت عند بابها على الارض فجعلت تدرج والشيخ يمشي خلفها الى أن وصلت الى باب الدار فدخلت فبقي الشيخ وأبنته واقفين خلف الباب وخرجن النساء إليها وأجتمعن حولها وقلن من تكونين ؟ وأبنة من ؟ فلما قلن لها النساء : أبنة من تكونين ؟ فلم تجبهم إلا بالبكاء والنحيب فعند ذلك خرجت أم القاسم فلما نظرت الىشمائلها جعلت تبكي وتنادي وا ولداه وا قاسماه والله هذه يتيمة ولدي القاسم فقلن لها من أين تعرفينها إنها إبنة القاسم قالت : نظرت الى شمائلها لانها تشبه شمائل ولدي القاسم ثم أخبرتهم البنت بوقوف جدها وأمها على الباب وقيل : إنها مرضت لما علمت بموت ولدها فلم تمكث إلا ثلاثة أيام حتى ماتت تسمع بموت ولدها تمرض وتقضي نحبها فما حال ليلى لما نظرت الى ولدها وهو مشقوق الرأس الخ .

أقول : إن قبر القاسم بن الكاظم ( ع ) مشهور على ستة فراسخ من الحلة وتستحب زيارته وسمعت من بعض العلماء خبرا عن الامام علي بن موسى الرضا ( ع ) إنه قال : من لم يتمكن من أن يزورني فليزر قبر أخي القاسم بأرض الحلة ، ولكني ما عثرت بهذا الخبر


173

ويقربه على فرسخين قبر حمزة أبو يعلى من أولاد العباس بن علي ( ع ) ثقة جليل القدر نبيل الشأن ، والكرامات المشاهدة من قبره أكثر من أن تحصى وأوفر من أن تستقصى وان هذا الشبل من ذاك الاسد وهذه الثمرة من تلك الشجرة ، وقبره الشريف مشهور على خمسة فراسخ من الحلة وتطلب منه الحوائج .

وكان السيد الجليل السيد مهدي القزويني صاحب الكرامات والتصانيف الكثيرة بالحلة لا يزور قبر الحمزة لانه كان يعرف بحمزة بن الامام موسى بن جعفر ( ع ) والسيد يعلم إن حمزة بن الامام ( ع ) دفن بري قبره قريبا من قبر الشاه عبد العظيم ، ومن ذلك كان لا يزوره ، وكان السيد يتوفق في بعض الاوقات للتشرف بحضور الحجة عجل الله تعالى فرجه فقال له الامام ( ع ) : ذات يوم لم لا تزور قبر الحمزة رب شهرة لا أصل لها ليس هذا حمزة بن الامام موسى بن جعفر ( ع ) بل هو بو يعلى الحمزة بن الحسين بن حمزة ابن علي بن القاسم بن عبد الله بن العباس بن أمير المؤمنين ( ع ) أحد العلماء ، وأهل الاجازة .

ثم أعلم إن للعباس بن علي ابنين فضل وعبيد الله وعقبة من عبيد الله وأولاد العباس واحفاده كلهم كانوا ذا شأن عظيم ومقام كريم من الجلالة والعظمة ، والعلم والحلموالزهد والسخاوة ، والشجاعة والخطابة والشعر والشجاحة والناس يستفيدون من علومهم وكمالاتهم ، وعطاياهم ثم أقول : إن المرحوم السيد سيد مهدي القزويني نور الله ضريحه ذكر قبورا كثيرة من قبور الانبياء والصحابة والعلماء واولاد الائمة عليهم السلام واستحباب زيارتهم في كتابه المسمى بفلك النجاة وانا أقتصر بذكر بعض أولاد الائمة ( ع ) المدفونين في العراق الغير المعهودة زيارتهم عند العموم بل مطلقا حتى كاد أن تخفى قبورهم وتعفى آثارهم ، ومن أراد الاستقصاء فليراجع هناك وغيره من الكتب المعتبرة فمنهم عونا ومعينا اولاد علي ( ع ) مما يلي الكرخ من بغداد مما يقرب من البلدة الشريفة الكاظمية وقد أصيبوا جريحا في النهروان ، ومنهم القاسم بن الحسن السبط ( ع ) وهو القاسم الاكبر غير شهيد الطف المدفون في العتيكيات المسمى الان بالمسيب القريب من الفرات ، وقد أصيب جريحا في النهروان وهو الان مشهور يقال له أبو جاسم ، وتظهر منه كرامات عديدة ومنهم عمران بن علي ( ع ) في بابل ، وقد اصيب جريحا في النهروان ومنهم القاسم بن العباس بن الكاظم ( ع ) المدفون في شوشى من قرى الكوفة مما يقرب من ذي الكفل ، ومنهم السيد أحمد بن موسى بن جعفر ( ع ) الملقب بالحارث ، وقبره


174

مشهور في المزيدية من نواحي شرقي الحلة ، ومنهم زيد بن علي بن الحسين ( ع ) في موضع صلبه ، وحرقه من كناسة الكوفة على تلعة مما يقرب من ذي الكفل وهو مشهور ومنهم ابراهيم الغمر بن الحسن المثنى في حيرة الكوفة مما يلي يمين طريق النجف بين الخندق والمسجد الاعظم آه أخي على عترة الهادي فشتتهم الخ .

المجلس السادس والخمسون وينبغي لكل من يتقرب الى الله تعالى بحب خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وآله وعترته الطيبة الطاهرة سلام الله عليهم أجمعين أن لا يترك زيارتهم وحضور مشاهدهم الشريفة والتوسل والاستشفاع بهم في مهماته والجد والاجتهاد في تعظيمهمإذ هو تعظيم لشاعئر الله وتعمير قبورهم حتى لا تندرس ولا تعفى ولا يمد الاعداء أيديهم الجائرة الى محو آثارهم آه آه آه الاسف كل الاسف على قبور أئمتنا وسادتنا في البقيع وغير البقيع قد مضى عليها سنين وهي مهدومة كاد أن تخفى علائمها ، وتمحى آثارها فأسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الاسلام في هذا العصر الميشوم من هذه الطائفة الوهابية وأنظر الى ما صدر منهم في الطائف ومكة المشرفة ، والمدينة المعظمة أما في الطائف لقد تواترت الاخبار حتى إن الملك السعود ووزيره أقروا وأعترفوا بإن النجديين قد أعطوا أهل الطائف الامان ثم نهبوا البلدة وقتلوهم بالرصاص ، وشنعوا غاية الشناعة فكم قتلوا من السادات والعلماء وكم سفكوا من دماء الرجال والنساء والصبيان والاطفال وكم حزوا من أعناقهم من أعناق كريمة قطعت بالسيوف وكم من نفوس عزيزة شربت الحتوف فكم هتكوا من حرمة وأرتكبوا من الفحش مع بعض نساء أهل الطائف وجعلوهن عراة ، وكم عذبوا أناسا لاخراج الكنوز والذخائر الى أن حبسوهم ثلاثة أيام في بستان علي باشا بلا طعام ثم أعطوا لهؤلاء البؤساء كل مئة نفس كيس دقيق ، وكم مثلوا بالقتلى وأرسلوا الباقين الى مكة حفاة عراة وأمراء الطائف اليوم في مكة فقراء والمخدرات اللواتي لم تكن ترى وجوهن يشتغلن في حوائج البيوت من الطبخ والغسل وسائر الخدمات بحالة


175

تفتت الاكباد وجعلوا أعزة أهلها أذلة واوقعوا أكرامها في ذلة ، وهدموا في الطائف قبة ترجمان القرآن الكريم إمام المفسرين عبد الله بن العباس عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وكفروا المسلمين ، وجعلوا أموالهم غنيمة هذا كله والملك ابن السعود يظهر البرائة من هذه الفظائع ويتمثل بقصة خالد بن الوليد مع إنه أخذ خمس الغنائم ومنهوبات المسلمين .

فالقياس الصحيح بالقصة يقتضي أن يصنع الملك بالمسلمين الذين عليهم جنوده وقواده مثل ما صنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ادائه رسوم الجنايات ، والتعويض لهم بما أخذ منهم ، فإن لكل مؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لماسمع بما صنع خالد تبرأ جهارا ، ورفع يديه نحو السماء وقال : اللهم إني أبرأ اليك من صنع خالد قالها ثلاث مرات ثم أرسل عليا ( ع ) لتدارك ما أتلفه خالد على الرهط ، وجنى عليهم ثم إنهم لما بلغوا مكة المشرفة هدموا المساجد المعظمة كمسجد الجن ، ومسجد الكوثر ومسجد أبي قبيس ، ومسجد جبل النور ، ومسجد الكبش ، والقباب المتبركة كقبة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبي طالب ، وقبة جده عبد المطلب ، وقبة زوجته خديجة الطاهرة أم المؤمنين ، وأمه آمنة بنت وهب ، ولو أغمضنا النظر عما لهم من الفضائل لكفى في حرمة أهانتهم كونهم من قريش .

فقد روى الامام أحمد بن حنبل الذي تدعي الوهابية إنهم على مذهبه في كتابه المسند قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أهان قريشا أهانه الله وهم عند الهدم يرتجزون ويضربون الطبل ، ويغنون بالقوافي ، ويستهزؤن بالقبور التي هدموها ، وهدموا قبة مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا : هذا الموضع الذي ولدت في تلك المرأة ذلك المولود يريدون آمنة ( ره ) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقالوا : عندما هدموا قبر خديجة طالما عبدت الناس نفسك فالان قومي وامنعينا ، وبعد تخريبها أساؤا إليها وأطلقوا الرصاص على قبرها ، وينادي بعضهم هاك يا خديجة وقال ابن السعود لاهل مكة : أطلعوا للقبب وأهدموها ، وأطرحوا الاصنام وأرموها حتى لا يكون لكم معبود غير الله وأهدموا مولد سيدتنا فاطمة عليها السلام فتلك أفعال قد ظهرت منهم في حرم الله اقلقت المسلمين واجزعتهم فلم يلبثوا حتى دخلوا مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحرم النبي ، وبلغت المسلمين من أيديهم حادثة أخرى أنستهم الحوادث الاولى وهي هدم القباب والمشاهد التي كانت في البقيع لائمتنا الهداة البررة عليهم السلام وساداتنا العترة الطاهرة الذين ( أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) وأن ذلك منهم انكار لمودة ذي القربى التي هي من


176

الضروريات الثابتة بالكتاب والسنة لقوله تعالى : ( قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فأقدمت جماعة من الاعراب على تخريب قبور أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أقدمت السابقة منهم على قتلهم عليهم السلام فتركوا جميعا وصية النبي صلى اللهوراء ظهورهم .

هذا مع إن في الهدم بعد البناء من هتك إحترام الميت ما لا يخفى كيف والحال أتفقت المذاهب على إن المشي على قبر مؤمن والاتكاء والجلوس عليه هتك لحرمته وأذية لصاحبه وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا متكئا على قبر فقال ( ص ) : لا تؤذ صاحب القبر فما بالهم يضربون على القبور المعاول فأي إيذاء أشد من هذا على صاحب القبر والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما أكتسبوا فقد أحتملوا بهتانا واثما مبينا ثم كم أطلقت الرصاصات على قبر النبي ( ص ) وكم من ضربات الرصاص على قبة النبي ( ص ) ثم منعوا الناس عن قول يا رسول الله ، ويضربونهم وجعلوا ينادون غيرهم بلفظ يا مشرك ويا كافر ويرمون من قال : يا محمد ويا رسول الله بالكفر والشرك ، ومنعوا الناس من الترحيم والتسليم على رسول الله ( ص ) في أوقاتها ومنعوا عن مسح قبر النبي ( ص ) للتبرك والالتصاق به والتوجه إليه حال الدعاء ومن المقامات الشريفة التي هدموها بالمدينة مسجد سيدنا حمزة ( ع ) ومرقده ، ومن البقاع المقدسة قبر سيدتنا فاطمة عليها السلام وقد صرح غير واحد من علماء أهل السنة بكون قبرها عليها السلام بالبقيع .

المجلس السابع والخمسون ملك ملوك الخافقين تحوطه

زمرا كأملاك السماء جنودا قد طبق الدنيا سوابغ أنعم

كانت لاثقال الندى إقليدا وأباد آساد العرين ببأسه

وبعزمه أقتاد الملوك الصيدا تزهوا بنظرته البلاد نظارة

ويعود فيه الدهر أنظر عودا تعنو له الرسل وتنشر ال‍

موتى الرمام معاندا وودودا في كتار روضة الواعظين لابي علي أحمد بن علي الفتال النيسابوري قدس سره عن الصادق ( ع ) يملك القائم سبع سنين تطول له الايام والليالي حتى تكون السنة من سنينه


177

مقدار عشر سنين من سنينكم ، فتكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه ، فقيل له : يا بن رسول الله فكيف تطول السنون قال يأمر الله الفلك باللبوث وقلة الحركة فتطول الايام لذلك قيل له يا بن رسول الله يقولون إن الفلك أن تغير فسد قال ذلك قول الزنادقة فإما المسلمون فلا سبيل لهم الى ذلك وقد شق الله القمر لنبيه ( ص ) ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون وأخبر بطول يوم القيامة وقال كالف سنة مما تعدون وهذا يؤيد ما قاله الدربندي ( ره ) من إن يوم عاشوراء طال حتى بلغ سبعين ساعة الخ .

وإذا آن قيامه مطر الناس في جمادى الاخرة وعشرة أيام من رجب مطرا لم ير الخلائق مثله فأنبت الله به لحوم الاموات من المؤمنين وأبدانهم من قبورهم ، وكأني أنظر إليهم من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب ، ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة يتل فتحيى به الارض من بعد موتها ، ويعرف بركاتها ويزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي ، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه لنصرته تطوى لهم الارض ، وذلك قوله عز وجل : ( أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا ) قال ( ع ) : إنها نزلت في المفتقدين من أصحاب الحجة ليلا فيصبحون بمكة ، وبعضهم يسير في السحاب نهارا فقيل له : وأيهم أفضل وأعظم إيمانا ؟ قال ( ع ) الذي يسير في السحاب نهارا وكأني به قائما بين الركن والمقام ويسند ظهره الى الحرم ويمد يده فترى بيضاء من غير سوء فيقول : هذه يد الله وأمر الله وعين الله فيكون أول من يقبل يده جبرئيل ويبايعه ثم يضع رجلا على بيت الحرام ورجلا على بيت المقدس وينادي بصوت طلق ذلق تسمعه عربي يسمعه من في المساوات والارضين يا معشر الخلائق هذا مهدي آل محمد ( ص ) ويسميه بأسم جده رسول الله ويكنيه وينسبه الى أبيه الحسن العسكري ( ع ) بايعوه ولا تخالفوا أمره فتبايعه الملائكة أولا ثم نجباء الجن ثم النقاء يقول المرحوم السيد صالح القزويني قدس سره .

أعظم به ملكا أعدت في السماء

لقيمه زمر الملائكة عيدايدعو به الروح الامين فيسمع ال‍

صم الدعاء ويصدع الجلودا ظهر الامام الحق والعلم الذي

لعلاه خر العالمون سجودا والارض يملؤها رشادا بعد ما

ملئت فسادا أجرعا ومهودا


178

وأعد أنصارا ليوم ظهوره

أنصار بدر عدة وعديدا ثم ينشر رايته عمودا من عمد عرش الله وسائرها من نصر الله جل جلاله لا يهوى بها الى أحد إلا أهلكه الله عز وجل يأتيه بها جبرئيل فإذا نشرها أنحط عليه ستة عشر الف ملك وثلاثماءة وثلاثة عشر ملكا كلهم ينتظرون القائم أربعة آلاف منهم كانوا مع نوح في السفينة ، وأربعة آلاف مع ابراهيم حين القي في النار ، وأربعة آلاف كانوا مع عيسى حين رفع الى السماء ، وثلاثماءة وثلاثة عشر في يوم بدر مع رسول الله وأربعة آلاف الذين هبطوا يريدون القتال مع الحسين ( ع ) فوجدوه قد قتل فهم عند قبره شعث غبر يبكون عند قبره ، وينتظرون الحجة ويكونون من أنصاره وشعارهم : يا لثارات الحسين قال الصادق ( ع ) : ما يخرج القائم إلا في أولي قوة ، وما يكون أولوا القوة أقل من عشرة آلاف وإذا خرج من مكة ينادي مناديه ألا لا يحملن أحد طعاما ولا شرابا وحمل معه حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير فلا ينزل منزلا إلا أنفجرت منه عيون ، فمن كان جائعا شبع ، ومن كان ظمآنا روى ، ورويت دوابهم حتى ينزلوا بالكوفة فيخرج منها بضعة عشر الف يدعون التبرئة منه ، ويقولون : ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة .

فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم فيقتل كل منافق مرتاب ، ويقتل مقاتليه ثم ينزل النجف .

قال الصادق ( ع ) : كأني أنظر القائم على ظهر النجف ركب فرسا أدهم ابلق بين عينيه شمراخ ويبني في ظهر الكوفة مسجدا له الف باب ، ويتصل بيوت الكوفة بنهر كربلاء وبالحيرة حتى يخرج الرجل يوم الجمعة على بغلة صفراء يريد الجمعة فلا يدركها ويأمر منيحفر من ظهر مشهد الحسين نهرا يجري الى الغري حتى ينزل الماء في النجف ويعمل عليها القناطر والارحاء فكأني بالعجوز على رأسها مكتل فيه بر تأتي تلك الارحاء فتطحنه بلا كرى ، ويفرق جنوده وعماله في البلاد فلا يبقى أهل بلدة إلا وهم يظنون إنه معهم في بلادهم ، ويضع يده على رؤس العباد فجمع بها عقولهم ، وكلت بها أحلامهم ولم يقم أحد بين يديه إلا عرفه صالح هو أم طالح .

وفيه آية المتوسمين وهي السبيل المستقيم وإن الله ينزع الخوف من قلوب شيعته ويسكنه قلوب أعدائه ، فواحدهم أمضى من سنان ، وأجرى من ليث يطعن عدوه برمحه ويضربه بسيفه ويدوسه بقدمه ، وحد الله للشيعة في أسماعهم وأبصارهم حتى يكون بينهم


179

وبين القائم بريد كلمهم ، ويسمعون ، وينظرون إليه وهو في مكانه ، وأرتفع الجور في أيامه ، وآمنت به السبل حتى تمشي المرأة ما بين العراق والشام لا تضع قدميها إلا على الثبات وعلى رأسها زينتها لا يهيجها سبع ولا تخافه ، وأخرجت الارض بركانها ورد كل حق الى أهله ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الاسلام وأعترفوا بالايمان ﴿ وله أسلم من في السماوات والارض طوعا وكرها يعني لا يحتاج الى بينة يلهمه الله فيحكم بعلمه ، ويقتل الشيخ الزاني ويقاتل مانع الزكاة ، ويورث الاخ أخاه في الاظلة ، وحكم في الناس بحكم داود ، ولم يبق على وجه الارض مسجد له شرف إلا هدمها ، ووسع الطريق الاعظم ، وكسر كل جناح خارج في الطريق ، وأبطل الكنف والميازيب الى الطرقات ، ولا يترك بدعة إلا أزالها ، ولا سنة إلا أقامها ، ويفتح القسطنطينية والصين وجبال الديلم ، وأشرقت الارض بنوره فأستغني العباد عن ضوء الشمس فذهبت الظلمة ، ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له الف ذكر لا يولد فيهم أنثى ، وتظهر الارض كنوزها حتى يراه الناس على وجهها ، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ زكاته لا يجد أحدا يقبل منه ذلك أستغناء من الناس بما رزقهم الله من فضله ، وجاء إبليس حتى يجثو على ركبتيه ويقول : يا ويلاه من هذا اليوم فيؤخذ بناصيته ، ويضرب عنقه فذلك يوم الوقت المعلوم قال الباقر ( ع ) : يصلي القائم ( ع ) بينالركن والمقام فينصرف ومعه وزيره فيقول : يا أيها الناس إنا نستنصر الله على من ظلمنا وسلب حقنا من يحاجنا في الله فإنا أولى بالله ، ومن يحاجنا في آدم فإنا أولى الناس بآدم الى أن يقول : أيها الناس إنا قد ظلمنا وطردنا ، وبغي علينا وأخرجنا من ديارنا وأموالنا ، وأهالينا ، وقهرنا إنا نستنصر الله اليوم كل مسلم .

المجلس الثامن والخمسون روى الصدوق في الامالي عن علي بن الحسين قال : خرج رسول الله ( ص ) وصلى الفجر ثم قال : معاشر الناس أيكم ينهض الى ثلاثة نفر قد آلو باللات ليقتلوني وقد كذبوا ورب الكعبة ؟ قال : فأحجم الناس وما تكلم أحد فقال : ما أحسب علي بن أبي طالب فيكم فقام إليه عامر بن قتادة فقال : إنه وعك هذه الليلة ولم يخرج يصلي


180

معك أفتأذن لي أن أخبره ؟ فقال النبي ( ص ) : شأنك إليه فأخبره فخرج أمير المؤمنين ( ع ) كأنه نشط من عقال وعليه أزال وقد عقد طرفيه وعلى رقبته فقال : يا رسول الله ما هذا الخبر ؟ قال : هذا رسول ربي يخبرني عن ثلاثة نفر قد نهضوا الى قتلي ، وقد كذبوا ورب الكعبة فقال علي ( ع ) : يا رسول الله إنا لهم سرية وحدي هو ذا ألبس على ثيابي .

فقال رسول الله ( ص ) بل هذه ثيابي ، وهذا درعي وهذا سيفي فدرعه وعممه وقلده وأركبه فرسه ، وخرج أمير المؤمنين ( ع ) فمكث ثلاثة أيام لا يأتيه جبرئيل بخبره ولا خبر من الارض ، وأقبلت فاطمة عليها السلام بالحسن والحسين عليهما السلام على وركيها تقول : أوشك أن يؤتم هذان الغلامان فأسبل النبي ( ص ) علينه يبكي ثم قال : معاشر الناس من يأتيني بخبر علي ( ع ) أبشره بالجنة وأفترق الناس في الطلب العظيم ما رأوا النبي ( ص ) وخرج العواتق ، فأقبل عامر بن قتادة يبشر بعلي ( ع ) وهبط جبرئيل على النبي ( ص ) وأخبره بما كان فيه ، وأقبل علي أمير المؤمنين ( ع ) معه أسيرين ورأس وثالثة أبعرة وثلاث أفراس ، فقال النبي ( ص ) :تحب أن أخبرك بما كنت فيه يا أبا الحسن ؟ فقال المنافقون هو منذ ساعته قد أخذه المخاض وهو الساعة يريد أن يحدثه .

فقال النبي ( ص ) : بل تحدث أنت يا أبا الحسن لتكون شهيدا على القوم قال : نعم يا رسول الله لما صرت في الوادي رأيت هؤلاء ركبانا على الاباعر فنادوني من أنت ؟ فقلت : أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله فقالوا : ما نعرف لله من رسول سواء علينا وقعنا عليك أو على محمد ( ص ) ، وشد على هذا المقتول ، ودارت بيني وبينه ضربات ، وهبت ريح حمراء سمعت صوتك فيها يا رسول الله وأنت تقول : قد قطعت لك جريان درعه فأضرب حبل عاتقه فضربته فلم اخفه ولم أصبه ثم هبت ريح صفراء سمعت صوتك فيها يا رسول الله وأنت تقول : قد قلبت لك الدرع عن فخذه فأضرب فخذه فضربته ووكزته وقطعت رأسه ورميت به ، وقال لي هذان الرجلان بلغنا إن محمدا رفيق شفيق رحيم فأحملنا إليه ، ولا تجعل علينا وصاحبنا كان يعد بألف فارس .

فقال النبي ( ص ) : يا علي أما الصوت الاول الذي صك مسامعك فصوت جبرئيل وأما الاخر فصوت ميكائيل قدم الى أحد الرجلين فقال : قل لا إله إلا الله وأشهد إني رسول الله فقال : لنقل جبل أبي قبيس أحب الي من أن أقول هذه الكلمة قال : يا علي أخرجه وأضرب عنقه ، ثم قال : قدم الاخر فقال : قل لا إله إلا الله واشهد اني


181

رسول الله قال : الحقني بصاحبي قال : يا علي أخرجه وأضرب عنقه فأخرجه وقام أمير المؤمنين ( ع ) ليضرب عنقه فهبط جبرئيل على النبي ( ص ) وقال : يا محمد إن ربك يقرأك السلام ويقول : لا تقتله فإنه حسن الخلق سخي في قومه ، فقال النبي ( ص ) : يا علي إمسك فإنه هذا رسول ربي عز وجل يخبرني إنه حسن الخلق وسخي في قومه ، فقال المشرك تحت السيف : هذا رسول ربك يخبرك ؟ قال : نعم قال والله ما ملكت درهما مع أخ لي قط ولا قطبت وجهي في الحرب وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله ( ص ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هذا ممن جره حسن خلقه وسخائه الى جنات النعيم الحمد لله ربالعالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين .

ويظهر من هذا الخبر إن من أتصف بالسخاء وحسن الخلق فهو مكرم عند الله ولا سيما إذا أنظم اليهما ما سواهما من الاخلاق الحسنة فهناك يكون أكرم الخلق وأعزهم عليه فيا لله عليكم أفمن كان أكرم للخلق وأعزهم على الله وأجمع الناس لخصال الخير وأسخى البرية من الانس والجن ، أفهل يجوز أن يقتل ويذبح عطشانا ، ويجرد ويسلب عريانا ، ويرض ويداس عدوانا ، ويقطع كفيه شيطان ؟ إلا لعنة الله على الظالمين .

المجلس التاسع والخمسون روى الصدوق في الامالي قال الراوي : وجدت في بعض كتب الله عز وجل إن ذي القرنين لما فرغ من عمل السد إنطلق على وجهه فبينما هو يسير ، وجنوده إذ مر على شيخ يصلي فوقف عليه بجنوده حتى أنصرف من صلاته فقال له ذو القرنين : كيف لم يرعك ما حضر من جنودي ؟ قال : كنت أناجي من هو أكثر جنودا منك ، وأعز سلطانا وأشد قوة ، ولو صرفت وجهي اليك لم أدرك حاجتي قبله .

فقال له ذو القرنين : هل لك في أن تنطلق معي فأواسيك بنفسي وأستعين بك على بعض أمري ؟ قال : نعم أن ضمنت لي أربع خصال نعيما لا يزول ، وصحة لا سقم فيها ، وشبابا لا هرم فيه وحياة لا موت فيها .

فقال له ذو القرنين : وأي مخلوق يقدر على هذه الخصال ؟ فقال الشيخ : فأني مع من يقدر عليها ويملكها وإياك ثم مر برجل عالم فقال لذي القرنين :


182

أخبرني عن شيئين منذ خلقهما الله قائمين ، وعن شيئين جاريين وشيئين مختلفين ، وشيئين متباغضين ، فقال له ذو القرنين : أما الشيئان القائمان فالسماوات والارضون ، وأما الشيئان الجاريان فالشمس والقمر ، وأما الشيئان المختلفان فالليل والنهار ، وأما الشيئان المتباغضان فالموت والحياة .

فقال : أنطلق فأنت عالم فأنطلق ذو القرنين يسير في البلاد حتى مر بشيخ يقلب جماجم الموتى فوقف عليه بجنوده فقال له : أخبرني أيها الشيخ لايشئ تقلب الجماجم ؟ قال : لاعرف الشريف من الوضيع ، والغني من الفقير ، فما عرفت وإني لاقلبها منذ عشرين سنة فأنطلق ذو القرنين وتركه ، وقال : ما عنيت بهذا أحدا غيري فبينما هو يسير إذ وقع على الامة العالمة من قوم موسى الذين يهدون بالحق وبه يعدلون فلما رآهم قال لهم : أيها القوم أخبروني بخبركم فإني قدرت الارض شرقها وغربها ، وبرها وبحرها ، وسهلها وجبلها ، ونورها وظلمتها ، فلم ألق مثلكم ، فأخبروني ما بال قبور موتاكم على أبواب بيوتكم ؟ قالوا : فعلنا ذلك لئلا ننسى الموت ، ولا يخرج ذكره من قلوبنا قال : فما بالكم ليس بينكم حاكم ؟ قالوا : لا نختصم قال : فما بالكم ليس فيكم ملوك قالوا : لا نتكاثر قال : فما بالكم لا تتفاضلون ولا تتفاوتون ؟ قالوا : من قبل إنا متواسون متراحمون قال : فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون ؟ قالوا : من قبل الفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا قال : فما بالكم لا تستبون ، ولا تقتلون ؟ قالوا : من قبل إنا غلبنا طبايعنا بالعزم ، وسبينا إنفسنا بالحلم قال : فما بالكم كلمتكم واحدة ، وطريقتكم مستقيمة ؟ قالوا : من قبل إنا لا نتكاذب ولا نتخادع ، ولا يغتاب بعضنا بعضا .

قال : فأخبروني لم ليس فيكم مسكين ولا فقير ؟ قالوا : من قبل إنا نقسم بالسوية .

قال فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ ؟ قالوا : من قبل الذل والتواضع ، قال : فلم جعلكم الله عز وجل أطول الناس أعمارا ؟ قالوا : من قبل إنا نتعاطى الحق ، ونحكم بالعدل قال : فما بالكم لا تقحطون ؟ قالوا : من قبل إنا لا نغفل عن الاستغفار قال : فما بالكم لا تحزنون ؟ قالوا : من قبل إنا وطنا أنفسنا على البلاء فعزينا أنفسنا .

قال : فما بالكم لا تصيبكم الافات ؟ قالوا : من قبل إنا لا نتوكل على غير الله عز وجل ولا نستمطر بالانواء والنجوم ، قال : فحدثوني أيها القوم هكذا وجدتم آبائكم يفعلون ؟ قالوا : وجدنا آبائنا يرحمون مسكينهم ، ويواسون فقيرهم ويعفون عمن ظلمهم ، ويحسنون الى من أساء إليهم


183

ويستغفرون لمسيئهم ، ويصلون أرحامهم ، ويؤدون أمانتهم ، ويصدقون ولا يكذبون فأصلح الله لهم بذلك أمرهم ، فأقام عندهم ذو القرنين حتى قبض ، وكان له خمسمائة عام .

وعن الاصبغ بن نباتة قال : قام ابن الكوا الى علي ( ع ) وهو على المنبر فقال يا أمير المؤمنين : أخبرني عن ذي القرنين نبيا كان أم ملكا ؟

وأخبرني عن قرنيه من ذهب كان أم من فضة ؟

فقال ( ع ) له : لم يكن نبيا ولا ملكا ، ولم يكن قرناه من ذهب ولا من فضة ولكنه كان عبدا أحب الله وأحبه الله ، ونصح لله فنصحه الله وإنما سمي ذي القرنين لانه دعا قومه الى الله عز وجل وفضربوه على قرنه فغاب عنهم حينا ثم عاد إليهم فضرب على قرنه الاخر ، وفيكم مثله يعني به نفسه ، ويؤيده ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي أنت أمتي وأنت هاديها ، وأنت صاحب حوضي ، وأنت ساقيه ، وانت يا علي ذو قرنيها يحتمل وجهين : الاول إنه عمر فيهم قرنين : والثاني إنه ضرب على رأسه الشريف مرتين مرة في الاحزاب يوم الخندق بضربة عمرو بن عبد ود والاخرى صبيحة ليلة التاسع من شهر رمضان : والمرتضى أردوه في محرابه

بيمين أشقى العالمين وألعن المجلس الستون روى الصدوق ( ره ) في الامالي بأسانيد معتبرة قال الراوي : حملت متاعا من البصرة الى مصر فقدمتها فبينما أنا في بعض الطريق إذ أنا بشيخ طويل شديد الادمة أصلع أبيض الرأس واللحية ، عليه طمران : أحدهما أبيض ، والاخر أسود فقلت : من هذا ؟

قالوا : هذا بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذت أواحي وأتيته فسلمت عليه ثم قلت له : السلام عليك أيها الشيخ فقال : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته قلت .

رحمك الله حدثني بما سمعت من رسول الله ( ص ) قال : وما يدريك من أنا ؟ فقلت : أنت بلال مؤذن رسول الله ( ص ) قال : فبكى وبكيت حتى أجتمع الناس علينا ونحن نبكي قال ثم قال لي : يا غلام من أي البلاد أنت ؟ قلت : من أهل العراق فقال لي : بخ بخ فمكث ساعة ثم قال : أكتب يا أخا أهل العراق بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله ( ص )


184

يقول : المؤذنون أمناء المؤمنين على صواتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم لا يسألون الله عز وجل شيئا إلا أعطاهم ، ولا يشفعون في شئ إلا شفعوا .

قلت : زدني رحمك الله قال : أكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من أذن أربعين عاما محتسبا بعثه الله يوم القيامة وله عمل أربعين صديقا عملا مبرورا مقبولا متقبلا قلت زدني رحمك الله قال : أكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من أذن عشرين عاما بعثه الله عز وجل يوم القيامة وله من النور مثل نور سماء الدنيا والاخرة .

قلت زدني رحمك الله قال : أكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من أذن عشر سنين أسكنه الله عز وجل مع ابراهيم في قبته أو في درجته .

قلت : زدني رحمك الله قال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من أذن سنة واحدة بعثه الله عز وجل وقد غفر ذنوبه كلها بالغة ما بلغت ، ولو كانت مثل زنة جبل أحد .

قلت زدني رحمك الله قال : نعم فأحفظ وأعمل وأحتسب سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من أذن في سبيل الله صلاة واحدة إيمانا وأحتسابا وتقربا الى الله عز وجل غفر الله له ما سلف من ذنوبه ومن عليه بالعصمة فيما بقي من عمره ، وجمع بينه وبين الشهداء في الجنة .

قلت : رحمك الله حدثني بأحسن ما سمعت قال : ويحك يا غلام قطعت أنياط قلبي ، وبكى وبكيت حتى إني والله لرحمته ثم قال : أكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إذا كان يوم القيامة وجمع الله الناس في صعيد واحد بعث الله عز وجل الى المؤذنين بملائكة من نور معهم ألوية وأعلام من نور يقودون نجائب أزمتها زبرجد اخضر ، وحقائبها من المسك الاذفر ، ويركبها المؤذنون فيقومون عليها قياما تقودهم الملائكة ينادون بأعلى أصواتهم بالاذان .

ثم بكا بكاء شديدا حتى أنتحبت وبكيت فلما سكت قلت مم بكاؤك ؟ قال : ويحك ذكرتني أشياء سمعت حبيبي وصفيي ( ص ) يقول : والذي بعثني بالحقنبيا إنهم ليمرون على الخلق قياما على النجائب فيقولون : الله أكبر الله أكبر فأذا قالوا ذلك سمعت لامتي ضجيجا فسأله اسامة بن زيد عن ذلك الضجيج ما هو ؟ قال : الضجيج التسبيح والتحميد والتهليل فأذا قالوا : أشهد إن لا إله إلا الله قالت أمتي إياه كنا نعبد في الدنيا .

فيقال : صدقتم فأذا قالوا اشهد إن محمدا رسول الله قالت أمتي : هذا الذي أتى بنا برسالة ربنا جل جلاله آمنا به ولم نره .

فيقال لهم : صدقتم هو


185

الذي أدى اليكم الرسالة من ربكم وكنتم به مؤمنين .

فحقيق علي أن يجمع بينكم وبين نبيكم فينتهي بهم الى منازل لهم ، وفيها ملا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ثم نظر الي فقال لي : إن أستعطت ولا قوة إلا بالله أن تموت إلا مؤذنا فأفعل فقلت : رحمك الله تفضل علي وأخبرني فاني فقير محتاج وأدلي ما سمعت من رسول الله فأنك قد رأيته ولم أره ، وصف لي كيف وصف لك رسول الله ( ص ) بناء الجنة قال : أكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إن سور الجنة لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة ، ولبنة من ياقوت ، وملاطها المسلك الاذفر ، وشرفها الياقوت الاحمر ، والاخضر ، والاصفر .

قلت : فما أبوابها ؟ قال : أبوابها مختلفة باب الرحمة من ياقوتة حمراء قلت : فما حلقته قال : ويحك كف عني فقد كلفتني شططا قلت : ما أنا بكاف عنك حتى تؤدي الي ما سمعت من رسول الله ( ص ) في ذلك قال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما باب الصبر فباب صغير وله صراع واحد من ياقوتة حمراء ولا حلق له ، وأما باب الشكر فإنه من قوتة بيضاء لها مصراعان مسيرة ما بينهما خمسمائة عام له ضجيج ، وحنين يقول : اللهم جئني بأهلي قلت : هل تتكلم الباب ؟ قال : نعم ينطقه ذو الجلالة والاكرام .

وأما باب البلاء قلت اليس باب البلاء هو باب الصبر ؟ قال : قلت : فما البلاء ؟ قال المصائب والاسقام والامراض والجذام ، وهو باب من ياقوتة صفراء في مصراع واحدما أقل من يدخل منه قلت : رحمك الله زدني وتفضل علي فأني فقير قال : يا غلام لقد كلفتني والله شططا ، أما الباب الاعظم فيدخل منه العباد الصالحون وهم أهل الزهد والورع والراغبون الى الله عز وجل المستأنسون به .

قلت : رحمك الله فأذا دخلوا الجنة ماذا يصنعون ؟ قال : يسيرون على نهرين في مصاف في سفن من الياقوت مجاذيفها اللؤلؤ ، فيها ملائكة من نور عليهم ثياب خضر شديدة خضرتها قلت : رحمك الله هل يكون من النور أخضر ؟ قال : إن الثياب هي خضر ولكن فيها نور من نور رب العالمين جل جلاله يسيرون على حافتي ذلك النهر قلت فما أسم هذا النهر ؟ قلت : هل في وسطها غير هذا ؟ قال : نعم جنة عدن وهي في وسط الجنان فأما جنة عدن فسورها من ياقوت أحمر ، وحصاؤها اللؤلؤ قلت : فهل فيها غيرها ؟ قال : نعم جنة الفردوس قلت وكيف سورها ؟ قال : ويحك كف عني حيرت علي قلبي قلت : بل أنت الفاعل بي ذلك


186

ما أنا بكاف عنك حتى تتم لي الصفة وتخبرني عن سورها ، قال : سورها نور فقلت : والغرف التي هي فيها ؟ قال : هي من نور رب العالمين .

قلت : زدني رحمك الله قال : ويحك الى هذا أنتهى الي نبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طوبى لك إن أنت وصلت الى بعض هذه الصفة ، وطوبى لمن يؤمن بهذا .

قلت : يرحمك الله أنا والله من المؤمنين بهذا قال : ويحك إنه من يؤمن أو يصدق بهذا الحق والمنهاج لم يرغب في الدنيا ولا في زهرتها ، وحاسب نفسه قلت : أنا مؤمن بهذا قال : صدقت ولكن قارب وسدد ولا تيأس وأعمل ولا تفرط وأرج وأحذر ثم بكى وشهق ثلاث شهقات ، فظننا إنه قد مات ثم قال : فداكم أبي وأمي لو رأكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقرت عينه حين تسألون عن هذه الصفة ، ثم قال : النجا النجا ، الوحا الوحا ، الرحيل الرحيل ، العمل العمل ، وإياكم والتفريط ثم قال : ويحكم أجعلوني في حل مما فرطت فقلت له : أنت في حل مما فرطت جزاك الله الجنة كما أديت وفعلت الذي يجب عليك ، ثم ودعني وقال لي أتق الله وأد الى أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما أديتاليك فقلت : أفعل إن شاء الله قال : استودع الله دينك وأمانتك وزودك التقوى وأعانة على طاعته بمشيئته وسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بناء الجنة قال ( ص ) لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة ، وملاطها المسك الاذفر ، وترابها الزعفران ، وحصاءها اللؤلؤ والياقوت من دخلها تنعم ، ولا ييأس أبدا ويخلد ، ولا يموت أبدا ، ويعيش ولا تبلى ثيابه ولا شبابه أبدا .

روى في جامع الاخبار قال صلى الله عليه وآله وسلم : إن في الجنة شجرة من أعلاها يخرج حلل ومن أسفلها خيول بلق ذوات أجنحة مسرجة ملجمة بالدر والياقوت لا تروث ولا تبول يركب عليها أولياء الله فتطير بهم حيث شاؤا ، فيراهم أهل النار فيقولون : يا رب بما بلغ عبادك هذه الدرجة ؟ فيقول الله لهم : كانوا يصومون وأنتم تفطرون ، وكانوا ينفقون وأنتم تبخلون ، وكانوا يجاهدون وأنتم تجبنون ، وكانوا يصلوان وأنتم نائمون ، وفيه قال صلى الله عليه وآله وسلم : إن في الجنة سوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء من أشتهى صورة دخل فيها ، وإن فيها مجموع حور العين يرفعن أصواتهن بصوت لم يسمع الخلائق بمثله نحن السائمات فلا نيأس أبدا ، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا ، ونحن الطاعمات فلا نجوع أبدا ، ونحن الخالدات فلا نموت أبدا ، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا ، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ، فطوبى لمن كنا له وكان لنا ، نحن خيرات حسان أزواجنا أقوام كرام .


187

وقال ( ص ) : إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى ما في الجنة دار ولا قصر ولا حجرة ولا بيت إلا وفيه غصن من تلك الشجرة ، وأن أصلها في داري .

وقال يوما آخر : وأصلها في دار علي بن أبي طالب ، فقام عمر : وقال يا رسول الله أو ليس حدثتنا عن هذا وقلت أصلها في داري ثم حدثت وتقول أصلها في دار علي ( ع ) ؟ فرفع النبي رأسه وقال : يا عمر أوما علمت إن داري ودار علي واحد ، وحجري وحجر علي واحد ، وبيتي وبيت علي واحد ، ودرجتي ودرجة علي واحد ، وستري وسترعلي واحد .

وقال ( ص ) : لما أسرى بي الى السماء أخذ جبرئيل بيدي وأقعدني على درنوك من درانيك الجنة ثم ناولني سفر جلة فبينا أنا أقلبها إذ أنفلقت فخرجت منها حوراء لم أر أحسن منها في الجنة ، فقالت : السلام عليك يا رسول الله .

فقلت : من أنت ؟ فقالت : أنا الراضية المرضية خلقني الجبار من ثلاثة أشياء : السفلى من مسك ، ووسطي من كافور ، وأعلاي من عنبر ، وعجيني من ماء الحيوان ، فقال لي الجبار : كوني فكنت خلقني الله لاخيك وابن عمك علي بن أبي طالب .

وفي البحار قال ( ص ) : لما أسري بي أخذ جبرئيل بيدي فأدخلني الجنة وأنا مسرور فإذا أنا بشجرة من نور مكللة بالنور في أصلها ملكان يطويان الحلي والحلل الى يوم القيامة ، ثم تقدمت أمامي فإذا أنا بتفاح لم أر تفاحا هو أعظم منه ، فأخذت واحدة ففلقتها فخرجت علي حوراء كان اجفانها مقاديم أجنحة النسور فقلت : لمن أنت فبكت وقالت : لابنك المظلوم المقتلول ظلما الحسين بن علي بن أبي طالب .

وفي زيارة الناحية المقدسة وأقيمت لك المآتم في أعلا عليين ، ولطمت عليك الحور العين ، وبكت السماء وسكانها والجنان وخزانها والهضاب وأقطارها والبحار وحيتانها ومكة وبنيانها والجنان وولدانها ، والبيت والمقام والمشعر الحرام ، والحل والحرام .


188

المجلس الواحد والستون روى الصدوق في الامالي عن الاصبغ بن نباتة قال : لما جلس علي ( ع ) في الخلافة وبايعه الناس خرج الى المسجد متعمما بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابسا بردة رسول الله متنعلا نعل رسول الله ، متقلدا سيف رسول الله فصعد المنبر فجلس عليه متكئا ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثم قال يا معشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله ، هذا ما زقني رسول الله زقا ، سلوني فإن عندي علم الاولينوالاخرين ، أما لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لافتيت أهل التورات بتوراتهم حتى تنطق التورات فتقول : صدق علي ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله في ، وأفتيت أهل الانجيل بأنجيلهم حتى ينطق الانجيل فيقول : صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله في ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول صدق علي ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله في وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا فهل فيكم أحد يعلم ما أنزل فيه ولولا آية في كتاب الله عز وجل لاخبرتكم بما كان وبما يكون وما هو كائن الى يوم القيامة وهي هذه الاية ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ثم قال ( ع ) سلوني قبل أن تفقدوني فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل أنزلت أو في نهار مكيها ومدنيها ، وسفريها وحضريها ، وناسخها ومنسوخها ، محكمها ومتشابهها وتأويلها وتنزيلها ، لاخبرتكم فقام إليه رجل يقال له ذعلب وكا ذرب اللسان بليغا في الخطب ، شجاع القلب فقال : لقد أرتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لاخجلنه اليوم لكم في مسألتي إياه فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك ؟ فقال : ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره .

قال : فكيف رأيته صفه لنا ؟ قال : ويلك لم تره العيون بمشاهدة الابصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان ، ويلك يا ذعلب إن ربي لا يوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون ، ولا بقيام قيام أنتصاب ، ولا بجيئة ولا بذهاب ، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف عظيم العظمة لا يوصف بالعظيم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر ، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظة ، رؤف بالرحمة لا يوصف بالرقة ، مؤمن لا بعبادة ، مدرك لا ببصر ، قائل لا بلفظ ، هو في الاشياء لا علي ممارجة ، خارج منها على غير مباينة ، فوق كل شئ ولا يقال شئ فوقه ، إمام كل شئ ، ولا يقال له إمام


189

داخل في الاشياء لا كشئ في شئ ، داخل وخارج منها لا كشئ من شئ خارج فخر ذعلب مغشيا عليه ثم قال : تا لله ما سمعت بمثل هذا الجواب والله لاعدت الى مثلها ثم قال ( ع ) : سلوني قبل أن تفقدوني فقام إليه الاشعث بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين كيف تؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث عليهم نبي ؟ فقال ( ع ) بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتابا وبعث إليهم نبيا ، وكان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بأبنته الى فراشه فأرتكبها ، فلما أصبح تسامع به قومه فأجتمعوا الى بابه فقالوا : أيها الملك دنست علينا ديننا فأهلكته فأخرج نطهرك ونقم عليك الحد .

فقال : إجتمعوا وأسمعوا كلامي فإن يكن لي مخرجا مما أرتكبت وإلا فشأنكم فأجتمعوا فقال لهم : هل علمتم إن الله عز وجل لم يخلق خلقا أكرم من أبينا آدم وأمنا حواء ؟ قالوا : صدقت أيها الملك .

قال : أفليس قد زوج بنيه من بناته وبناته من بنيه ؟ قالوا : صدقت هذا هو الدين فتعاقدوا على ذلك فمحى الله ما في صدورهم من العلم ، ورفع عنهم الكتاب فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب ، والمنافقين أشد حالا منهم .

فقال الاشعث : والله ما سمعت بمثل هذا الجواب والله لا عدت الى مثلها أبدا ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكيا على عكازه فلم يزل يتخطى الناس حتى دنا منه فقال : يا أمير المؤمنين دلني على عمل إذا أنا عملته نجاني الله من النار .

فقال ( ع ) له : أسمع بهذا ثم أفهم ثم أستيقن قامت الدنيا بثلاثة : بعالم ناطق مستعمل لعلمه ، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله عز وجل ، وبفقير صابر ، فإذا كتم العالم علمه ، وبخل الغني ، ولم يصبر الفقير فعنده الويل والثبور ، وعندها يعرف العارفون الله إن الدار قد رجعت الى بدءها أي الكفر بعد الايمان أيها السائل فلا تغترة بكثرة المساجد ، وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتى ، أيها الناس .

الناس ثلاثة : زاهد ، وراغب ، وصابر ، فأما الزاهد فلا يفرح بشئ من الدنيا إذا أتاه ، ولا يحزن على شئ منها فاته ، وأما الصابر فيتمناها بقلبه فإن أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها ، وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام قال : يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان ؟ قال : ينظر الى ما أوجب الله عليه من حق فيتولاه وينظر الى ما خالفه فيتبرء منه وإن كانحبيبا قريبا قال : صدقت والله يا أمير المؤمنين ثم غاب الرجل فلم نره وطلبه الناس فم يجدوه فتبسم علي ( ع ) على المنبر ثم قال : ما لكم هذا أخي الخضر ( ع ) ثم قال ( ع ) :


190

سلوني قبل أن تفقدوني .

فلم يقم إليه أحد فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه واله وسلم ثم قال للحسن : يا حسن قم فأصعد المنبر فتكلم بكلام لا يجهلك قريش من بعدي فيقولون : إن الحسن لا يحسن شيئا قال الحسن ( ع ) : يا أبة كيف أصعد وأتكلم وأنت في الناس تسمع وترى ؟ قال له : بأبي وأمي أروى نفسي عنك وأسمع وأرى ولا تراني ، فصعد الحسن ( ع ) المنبر فحمد الله بمحامد بليغة شريفة وصلى على النبي وآله صلاة موجزة ثم قال : أيها الناس سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أنا مدينة العلم وعلي بابها .

ثم نزل فوثب إليه علي ( ع ) فتحمله وضمه الى صدره .

ثم قال للحسين : يا بني قم فأصعد فتكلم بكلام لا يجهلك قريش من بعدي فيقولون : إن الحسين بن علي لا يبصر شيئا .

وليكن كلامك تبعا كلام أخيك فصعد الحسين ( ع ) فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم صلاة موجزة ثم قال : معاشر الناس سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : إن عليا مدينة بعدي فمن دخلها نجى ، ومن تخلف عنها هلك .

فوثب إليه علي ( ع ) فضمه الى صدره وقبله ثم قال : معاشر الناس أشهدوا أنهما فرخا رسول الله ووديعته التي استودعنيها وثم أنا أستودعكموها ، معاشر الناس ورسول الله سائكم عنها .

ليت شعري ما صنعوا بوديعتي رسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام يعز عليهما لو نظرت عيناهما اليهما ، أما الحسن فقد قضى نحبه مسموما ورمى كبده مقطعا في الطشت وأما الحسين فقد قضى نحبه مقتولا مذبوحا بقي على الارض مرملا بدمه وطافوا برأسه في البلدان : يا أيها النبأ العظيم اليك في

إبنيك مني أعظك الانباء إن الذين تسرعا يقيانك ال‍

ارماح في صفين للهيجاءفأخذت في عضديهما تثنيهما

عما أمامك من عظيم بلاء ذا قاذف كبدا له قطعا وذا

في كربلاء مقطع الاعضاء المجلس الثاني والستون في الامالي عن زين العابدين ( ع ) قال : بينا أمير المؤمنين ( ع ) ذات يوم جالس مع أصحابه يعبيهم للحرب إذ أتاه شيخ على شحبة السفر فقال : أين أمير المؤمنين ( ع ) ؟


191

فقيل : هو ذا فسلم ثم قال : يا أمير المؤمنين إني أتيتك من ناحية الشام وأنا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضل ما لا يحصى ، وأني أظنك ستغتال فعلمني مما علمك الله .

قال : نعم يا شيخ من أعتدل يوماه فهو مغبون ، ومن كانت الدنيا همته أشتدت حسرته عند فراقها ، ومن غده شر يوميه فمحروم ، ومن لم يبال بما رزئ من آخرته إذا أسلمت له دنياه فهو هالك ، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى ، ومن كان في نقص فالموت خير له ، يا شيخ إن الدنيا خضرة حلوة ولها أهل ، وإن الاخرة لها أهل عزفت أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا لا يتنافسون في الدنيا ولا يفرحون بغضارتها ولا يحزنون لبؤسها يا شيخ من خاف البيات قل لومه ، وما أسرع الليالي والايام في عمر العبد ، فأخزن لسانك ، وعد كلامك ، يقل كلامك إلا بخير ، يا شيخ أرض للناس ما ترضى لنفسك ، وآت الى الناس ما تحب أن يؤتى اليك .

ثم أقبل على أصحابه فقال : أيها الناس أما ترون الى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى فبين صريع يتلوى وبين عابد ومعود ، وآخر بنفسه يجود وآخر لا يرجى وآخر مسجى ، وطالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه وعلى أثر الماضي يصير الباقي .

فقال له زيد بن صوحان العبدي : يا أمير المؤمنين أي سلطان أغلب وأقوى ؟ قال : الهوى قال فأي ذل أذل قال الحرص على الدنيا قال : فأي فقر أشد ؟ قال : الكفر بعد الايمان قال : فأي دعوة أضل ؟ قال الداعي بمالا يكون قال : فأي عمل أفضل ؟ قال التقوى .

قال : فأي عمل انجح ؟ قال : طلب ما عند الله .

قال : فأي صاحب شر ؟ قال : المزين لك معصية الله .

قال : فأي الخلق أشقى ؟ قال من باع دينه بدنيا غيره .

قال : فأي الخلق أقوى ؟ قال الحليم .

قال : فأي الخلق أشح ؟ قال .

من أخذ من المال من غير حله فجعله في غير حقه .

قال : فأي الناس أكيس ؟ قال من أبصر رشده من غيه فمال الى رشده .

قال .

فمن أحلم الناس ؟ قال .

الذي لا يغضب قال : فأي الناس أثبت رأيا ؟ قال : من لم يغره الناس من نفسه ولم تغره الدنيا بتشوقها قال فأي الخلق أحمق ؟ قال : المغتر بالدنيا وهو يرى بما فيها من تقلب أحوالها قال : فأي الناس أشد حسرة قال الذي حرم الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين قال : فأي الخلق أعيى ؟ قال : الذي عمل لغير الله يطلب بعمله الثواب من عند الله عز وجل ، قال : فأي القنوع أفضل ؟ قال القانع بما أعطاه الله .

قال : فأي المصائب أشد ؟ قال : المصيبة


192

بالدين قال : فأي الاعمال أحب الى الله عز وجل قال : أنتظار الفرج قال : فأي الكلام أفضل عند الله عز وجل ؟ قال : كثرة ذكره والتضرع إليه ودعاؤه قال : فأي القول أصدق ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله قال : فأي الاعمال أعظم عند الله عز وجل ؟ قال : التسليم والورع قال .

فأي الناس أكرم ؟ قال .

من صدق في المواطن ثم أقبل ( ع ) على الشيخ فقال .

يا شيخ إن الله عز وجل خلق خلقا ضيق الدنيا عليهم نظرا لهم فزهدهم فيها وفي حطامها فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه ، وصبروا على المكروه ، وأشتاقوا الى ما عند الله من الكرامة ، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله ، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة فلقوا الله وهو عنهم راض ، وعلموا إن الموت سبيل من مضى ومن بقى ، فتزودوا لاخرتهم غير الذهب والفضة ولبسوا الخشن وصبروا على القوت ، وقدموا الفضل وأحبوا في الله عز وجل أولئك المصابحى وأهل النعيم والسلام .

فقال الشيخ .

فأين أذهب وأدع الجنة وأنا أراها وأرى أهلها معك يا أمير المؤمنينأمدني بقوة أتقوى بها على عدوك فأعطاه أمير المؤمنين ( ع ) سلاحا وحمله فكان في الحرب بين يدي أمير المؤمنين ( ع ) يضرب قدما وأمير المؤمنين ( ع ) يعجب مما يصنع ، فلما أشتد الحرب أقدم فرسه حتى قتل ( ره ) وأتبعه رجل من أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) فوجده صريعا ووجد دابته ، ووجد سيفه في ذراعه ، فلما أنقضت الحرب أتى أمير المؤمنين ( ع ) بدابته وسلاحه وصلى أمير المؤمنين ( ع ) عليه .

وقال : هذا والله السعيد حقا فترحموا على أخيكم .

أقول : هكذا يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه وموته على حياته في سبيل الله وينصر الحق وإن قتل وسفك دمه طلبا لمرضات الله ووصولا لما عند الله كما قال هذا السعيد لامير المؤمنين ( ع ) سيدي فأين أذهب وادع الجنة وأنا أراها وأرى أهلها معك كما إن أصحاب الحسين ( ع ) لما قال لهم الحسين ( ع ) ليلة العاشر بعد ما خطب فيهم وأخبرهم بقتله إني : غدا اقتل ، وتقتلون كلكم معي قالوا : الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك أفلا ترضى ان نكون معك وفي درجتك : نصروا ابن بنت نبيهم طوبى لهم

نالوا بنصرته مراتب سامية


193

المجلس الثالث والستون في الامالي جاء جبرئيل الى رسول الله ( ص ) بدابة دون بغل وفوق الحمار رجلاها أطول من يديها خطوها مد البصر فلما أراد النبي أن يركب أمتنعت فقال جبرئيل : إنه محمد فتواضعت حتى لصقت بالارض قال : فركب فكلما هبطت أرتفعت يداها وقصرت رجلاها ، وإذا صعدت أرتفعت رجلاها وقصرت يداها فمرت به في ظلمة الليل على عير محملة ، فنفرت العير من دفيف البراق فنادى رجل في آخر العير غلاما له في أول العير يا فلان إن الابل قد نفرت وإن فلانة القت حملها وأنكسرت يدها فكانت العير لابي سفيان قال : ثم مضى حتى إذا كان ببطن البلقاء قال يا جبرئيل : قد عطشت فتناول جبرئيلقصعة فيها ماء فتناوله فشرب ثم مضى فمر على قوم معلقين بعراقيبهم بكلاليب من نار فقال : ما هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال : هؤلاء الذين أغناهم الله بالحلال فيتبعون الحرام قال : ثم مر على قوم تخاط جلودهم بمخايط من نار فقال : ما هؤلاء يا جبرئيل فقال : هؤلاء الذين يأخذون عذرة النساء بغير حل ثم مضى فمر على رجل يرفع حزمة من حطب كلما لم يستطع أن يرفعها زاد عليها فقال : من هذا يا جبرئيل قال : هذا صاحب الدين يريد أن يقضي فإذا لم يستطع زاد عليه .

وعثرنا على رواية إخرى في البحار فأحببنا أيرادها قال ( ص ) : مررت بقوم بين أيديهم موائد فيها لحم طيب ولحم خبيث وهم يأكلون لحم الخبيث فسألت جبرئيل عنهم فقال : هؤلاء يغضون أبصارهم عن الحلال ، ويأكلون الحرام ، ومررت بقوم لهم مشافر كمشافر الابل يقرض اللحم من جنوبهم ويلقى في أفواههم فسألت جبرئيل فقال هؤلاء الفتانون والنمامون الهمازون واللمازون ﴿ ويل لكل همزة لمزة ومررت بقوم يرضخ رؤسهم بالصخرة فسألت عنهم فقال : هؤلاء الذين ناموا عن صلاة العشاء ، ومررت بقوم تقذف النار من أفواههم وتخرج من دبرهم فسألت جبرئيل عنهم فقال : هم الذين يأكلون أموال اليتامى إنما يأكلون في بطونهم نارا ، ومررت بقوم لم يقدروا على القيام من عظم بطنهم ويقولون ربنا متى تقم الساعة فسألت عنهم فقال : هؤلاء أكلة الربوا


194

ومررت بنساء معلقات بثديهم فسألت عنهن فقال : هم اللواتي يورثن أموال أزواجهن أولاد غيرهم ، ومررت بقوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم فسألت عنهم فقال : هؤلاء الذين يغتابون الناس ، ورأيت ملكين يناديان اللهم عجل لكل منفق خلفا ، ولكل ممسك تلفا ، ورأيت ملكا نصفه من النار ، ونصفه من الثلج وهو ينادي اللهم يا مؤلف بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين فقال جبرئيل : هذا أنصح ملائكة الله لاهل الارض من عباده المؤمنين يدعو لهم بما تسمع منذ خلق ، رجعنا الى رواية الصدوق ( ره )ثم مضى حتى إذا كان بالجبل الشرقي من بيت المقدس وجد ريحا حارة وسمع صوتا قال : ما هذه الريح يا جبرئيل وهذا الصوت التي أسمع قال : هذه جهنم فقال النبي : أعوذ بالله من جهنم ثم وجد ريحا عن يمينه طيبة وسمع صوتا قال : ما هذه الريح التي أجدها وهذا الصوت الذي أسمع فقال : هذه الجنة فقال : أسأل الله الجنة فقال : ثم مضى حتى أنتهى الى باب مدينة بيت المقدس وفيها هرقل ، وكانت أبواب المدينة تغلق كل ليلة ويؤتى بالمفاتيح وتوضع عند رأسه ، فلما كانت الليلة أمتنع الباب أن تنغلق فأخبروه فقال ضاعفوا عليها من الحرس .

قال : فجاء رسول الله فدخل بيت المقدس فجاءه جبرئيل الى الصخرة فرفعها فأخرج من تحتها ثلاثة أقداح قدحا من لبن وقدحا من عسل وقدحا من خمر فناوله قدح من اللبن فشرب ثم ناوله قدح العسل فشرب ثم ناوله قدح الخمر فقال : قد رويت يا جبرئيل قال : أما إنك لو شربته ضلت أمتك وتفرقت عنك قال : ثم أمر رسول الله ( ص ) في مسجد بيت المقدس بسبعين نبيا قال : وهبط مع جبرئيل ملك لم يطأ الارض قط معه مفاتيح خزائن الارض فقال يا محمد إن ربك يقرؤك السلام ويقول : هذه مفاتيح خزائن الارض فإن شئت فكن نبيا ملكا فأشار إليه جبرئيل أن تواضع يا محمد فقال : بل أكون نبيا عبدا ثم صعد الى السماء فلما أنتهى الى باب السماء أستفتح جبرئيل فقالوا : من هذا ؟ قال : محمد .

قالوا : نعم المجئ جاء فدخل على ملا من الملائكة إلا وسلوا عليه ودعوا له وشيعوه ، فمر على شيخ قاعد تحت شجرة وحوله أطفال فقال رسول الله : من هذا الشيخ يا جبرئيل ؟ قال : هذا أبوك ابراهيم قال فما هؤلاء الاطفال حوله قال : هؤلاء أطفال المؤمنين حوله يغذوهم ثم مضى فمر على شيخ قاعد على كرسي إذا نظر عن يمينه ضحك وفرح ، وإذا نظر عن يساره حزن وبكى فقال : من هذا يا جبرئيل ؟ قال : أبوك آدم إذا


195

رأى من يدخل الجنة من ذريته ضحك وفرح ، وإذا رأى من يدخل النار من ذريته حزن وبكى ثم مضى فمر على ملك قاعد على كرسي فسلم عليه فلم ير منه البشر ما رأى من الملائكة فقال : يا جبرئيل ما مررت بأحد من الملائكة إلا رأيت منه ما أحب إلا هذا فمن هذا الملك ؟ قال : هذا مالك خازن النار أما إنه قد كان من احسن الملائكة بشرا وأطلقهم وجها فلما جعل خازن النار اطلع فيها اطلاعه فرأى ما أعد الله فيها لاهلها فلم يضحك بعد ذلك ثم مضى حتى أنتهى حيث أنتهى ، فرضت عليه الصلاة خمسون صلاة قال : فأقبل فمر على موسى ( ع ) فقال يا محمد كم فرض على أمتك ؟ قال : خمسون صلاة قال : ارجع الى ربك فسأله أن يخفف عن أمتك قال : فرجع ثم مر على موسى فقال : كم فرض على أمتك ؟ قال : كذا وكذا قال : فإن أمتك أضعف الامم ارجع ربك فسأله أن يخفف عن أمتك فأني كنت في بني اسرائيل فلم يكونوا يطيقون إلا دون هذا فلم يزل يرجع الى ربه عز وجل حتى جعلها خمس صلاة قال : ثم مر على موسى فقال : كم فرض على أمتك ؟ قال : خمس صلاة قال : ارجع الى ربك فأسأله أن يخفف عن أمتك قال : قد أستحيت من ربي مما ارجع إليه ثم مضى فمر على ابراهيم خليل الرحمن فناداه من خلفه فقال : يا محمد اقرأ امتك عني السلام وأخبرهم إن الجنة مائها عذب ، وتربتها طيبة فيها قيعان بيض غرسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله فأمر الله فليكثروا من غرسها ، وفي كتاب نزهة المجالس تأليف شيخ عبد الرحمن الصفوري الشافعي عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أسري بي مررت بملك جالس على سرير من نور إحدى رجليه في المشرق والاخرى في المغرب والدنيا كلها بين عينيه وبين يديه لوح فقلت : يا جبرئيل من هذا قال : عزرائيل ، تقدم فسلم عليه فسلمت فقال : وعليك السلام يا أحمد ما فعل ابن عمك علي بن أبي طالب فقلت .

هل تعرف ابن عمي عليا قال .

وكيف لا اعرفه وقد وكلني ربي بقبض أرواح الخلائق ما خلا روحك وروح ابن عمك .

وقال ( ص ) : لما أسري بي الى السماء ما رأيت احدا من الملائكة إلا وهو يسألنيعن علي بن أبي طالب ويقول لي : يا محمد كيف خلفت علي بن أبي طالب ، وإذا رجعت الى الارض فأقرأ عليا عني السلام وأعلمه بإنه قد طال شوقنا إليه .

عن النبي ( ص ) قال : فلما اسري بي الى السماء فبلغت السماء الخامسة نظرت الى صورة


196

علي ( ع ) فقلت : حبيبي جبرئيل ما هذه الصورة فقال جبرئيل : يا محمد اشتاقت الملائكة ان ينظروا الى صورة علي ( ع ) فقالوا : ربنا ان بني آدم في دنياهم يتمتعون غدوة وعشيا بالنظر الى علي بن أبي طالب حبيب حبيبك محمد ( ص ) وخليفته ووصيه وأمينه فمتعنا بصورته بقدر ما تمتع أهل الدنيا فصور لهم صورته من نور قدسه عز وجل فعلي بين أيديهم ليلا ونهارا يزورونه ، وينظرون إليه غدوة وعشيا قال الاعمش : سمعت جعفر ابن محمد ( ص ) يقول : فلما ضربه ابن ملجم ( لع ) على رأسه صارت تلك الضربة في صورته التي في السماء ، فالملائكة ينظرون إليه غدوة وعشيا ويلعنون قاتله ابن ملجم ، فلما قتل الحسين بن علي هبطت الملائكة وحملته حتى أوقفته مع صورة علي في السماء الخامسة فكلما هبطت الملائكة من السماوات العلا وصعدت ملائكة سماء الدنيا وما فوقها الى السماء الخامسة لزيارة صورة علي والنظر إليه نظروا الى الحسين متشحطا بدمه لعنوا يزيد وابن زياد وقاتلي الحسين ابن علي الى يوم القيامة .

المجلس الرابع والستون في البحار عن الزهري قال : كنت عند علي بن الحسين ( ع ) فجائه رجل من اصحابه فقال له علي بن الحسين ( ع ) : ما خبرك أيها الرجل : فقال الرجل : خبري يا بن رسول الله إني اصبحت وعلي اربع مائة دينار دين لا قضاء عندي لها ولي عيال ثقال ليس لي ما اعود عليهم به قال : فبكى علي بن الحسين ( ع ) بكاء شديدا فقلت له : ما يبكيك ؟ يا بن رسول الله ؟ فقال : وهل يعد البكاء إلا للمصائب والمحن الكبار قالوا : كذلك يا بن رسول الله قال : فأية محنة ومصيبة أعظم على حر مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلةفلا يمكنه سدها ويشاهده على فاقة فلا يطيق رفعها قال .

فتفرقوا عن مجلسهم ذلك فقال بعض المخالفين وهو يطعن على علي بن الحسين .

عجبا لهؤلاء يدعون مرة إن السماء والارض وكل شئ يطيعهم وأن الله لا يردهم عن شئ من طلباتهم ، ثم يعترفون اخرى بالعجز عن اصلاح خواص اخوانهم فأتصل ذلك بالرجل صاحب القصة فجاء الى علي بن الحسين ( ع ) فقال له يا بن رسول الله بلغني عن فلان كذا وكذا وكان ذلك اغلظ علي من


197

محنتي فقال علي بن الحسين ( ع ) .

فقد أذن الله في فرجك يا فلانة احملي سحوري وفطوري فحملت قرصتين فقال علي بن الحسين ( ع ) لرجل : خذها فليس عندنا غيرها فإن الله يكشف عنك بهما وينيلك خيرا فأخذهما الرجل ودخل السوق لا يدري ما يصنع بهما ويتفكر في نقل دينه وسوء حاله وحال عياله ، ويوسوس إليه الشيطان أين موقع هاتين من حاجتك فمر بسماك قد بارت عليه سمكته قد أراحت فقال له سمكتك هذه بائرة عليك واحدى قرصتي هاتين بائرة علي فهل لك أن تعطيني سمكتك البائرة وتأخذ قرصتي هذه البائرة ؟ فقال : نعم فأعطاه السمكة وأخذ القرصة ، فمر برجل معه ملح قليل مزهود فيه فقال هل لك أن تعطيني ملحك المزهود فيه ؟ قال : نعم ففعل ذلك فجاء الرجل بالسمكة والملح فقال : أصلح هذا بهذا فلما شق بطن السمكة وجد فيه لؤلؤتين فاخرتين فحمد الله عليهما فبينما هو في سروره ذلك إذ قرع بابه فخرج ينظر من بالباب فإذا صاحب السمكة وصاحب الملح قد جائا يقول : كل واحد منهما له يا عبد الله جهدنا أن يأكل واحد من عيالنا هذا القرص فلم تعمل فيه أسناننا ، وما نظنك إلا وقد تناهيت في سوء الحال قد رددنا اليك هذا الخبر وطيبنا لك ما أخذته فأخذ القرصين منهما .

فلما استقر بعد انصرافهما عنه قرع بابه فإذا رسول علي بن الحسين ( ع ) فدخل فقال : إنه يقول لك إن الله قد أتاك بالفرج فأردد الينا طعامنا فانه لا يأكله غيرنا وباع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه وحسنت بعد ذلك حاله فقال بعض المخالفينما أشد هذا التفاوت بينا علي بن الحسين ( ع ) لا يقدر أن يسد منه فاقة إذا اغناه هذا الغناء العظيم كيف يكون هذا ، وكيف يعجر عن سد الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم فقال علي بن الحسين ( ع ) : هكذا قالت قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .

كيف يمض الى بيت المقدس ويشاهد ما فيه من آثار الانبياء من مكة ويرجع إليها في ليلة واحدة من لا يقدر أن يبلغ من مكة الى المدينة إلا في أثني عشر يوما وذلك حين هاجر منها .

ثم قال علي بن الحسين جهلوا والله أمر أوليائه معه إن المراتب الرفيعة لا تنال إلا بالتسليم لله جل ثناؤه وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبرهم به إن أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبرا لم يساوهم فيه غيرهم ، فجازاهم الله عز وجل عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلا ما يريده لهم نعم هكذا كانوا عليهم السلام مع إن الله جازاهم على صبرهم على المكاره والمحن ، ونجح طلباتهم لا يطلبون من الله إلا ما يريده عباد


198

مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون كما قال الحسين ( ع ) رضى الله رضانا أهل البيت فصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين ، علم زين العابدين ( ع ) بأن شاء الله أن يحملوه على بعير اضلع ، ويضعوا الجامعة في عنقه أسيرا ذليلا من بلد الى بلد رضي وسلم الامر الى الله بأبي وأمي كان يبكي ويقول .

أقاد ذليلا الخ .

المجلس الخامس والستون في الامالي عن أبي سعيد الخدري قال : أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب فقال .

يا علي إذا دخلت العروس بيتك فأخلع خفها حين تجلس وأغسل رجليها وصب الماء من باب دارك فأنك إذا فعلت ذلك أخرج الله من دارك سبعين الف لون من الفقر وادخل فيه سبعين الف لون من البركة ، وأنزل عليك سبعين رحمة وقرف على رأس العروس حتى تنال بركتها كل زواية في بيتك ، وتأمن العروس من الجنون والجذام والبرص أن يصيبها ما دامت في تلك الدار ، وامنع العروس في اسبوعها من الالبانوالخل والكزبرة والتفاح الحامض من هذه الاشياء الاربعة ، فقال علي ( ع ) : يا رسول الله ولاي شئ أمنعها من هذه الاشياء الاربعة قال : لان الرحم تعقم وتبرد من هذه الاربعة عن الولد ، والحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد فقال ( ع ) : يا رسول الله فما بال الخل تمنع منه قال إذا حاضت على الخل لم تطهر أبدا طهرا بتمام والكزبرة تثير الحيض في بطنها وتشتد عليها الولادة ، والتفاح الحامض يقطع حيضها فيصير داء عليها ثم قال يا علي : لا تجامع امرأتك في أول الشهر ووسطه وآخره فأن الجنون والجذام والخبل يسرع إليها والى ولدها يا علي لا تجامع امرأتك بعد الظهر فأنه إن قضى بينكما ولد في ذلك الوقت يكون أحول العين ، والشيطان يفرح بالحول في الانسان يا علي لا تتكلم عند الجماع فأنه إن قضى بينكما ولد لا يؤمن أن يكون أخرس ولا نظرن أحدكم الى فرج امرأته وليغض بصره عند الجماع فأن النظر الى الفرج يورث العمى في الولد ، يا علي لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك فأني أخشى إن قضى بينكما ولد أن يكون مخنثا مؤنثا مخبلا ، يا علي من كان جنبا في الفراش مع امرأته فلا يقرأ القرآن


199

فأني أخشى أن ينزل عليهما نار من السماء فتحرقهما ، يا علي لا تجامع امرأتك إلا ومعك خرقة ومع امرأتك خرقة ، ولا تمسحا بخرقة واحدة فتقع الشهوة فأن ذلك يعقب العداوة بينكما ثم يردكما الى الفرقة والطلاق ، يا علي لا تجامع امرأتك من قيام فأن ذلك من فعل الخير ، وان قضى بينكما ولد كان يوالا في الفراش كالخير البوالة في كل مكان ، يا علي لا تجامع امرأتك في ليلة الفطر فانه إن قضى بينكما ولد لم يكن ذلك الولد إلا كثير الشر يا علي لا تجامع امرأتك في ليلة الاضحى فأنه أن قضى بينكما ولد يكون له ست اصابع يا علي لا تجامع امرأتك تحت شجرة مثمرة فأنه إن قضى بينكما ولد يكون له ست أصابع عريفا ، يا علي لا تجامع أهلك في وجه الشمس وتلالؤها إلا أن يرخا ستر فيستركما فأنه إن قضى بينكما ولد لا يزال في بؤس وفقر حتى يموت ، يا علي لا تجامع أهلك بين الاذانوالاقامة فانه إن قضى بينكما ولد يكون حريصا على اهراق الدماء ، يا علي إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلا وأنت على وضوء فأنه إن قضى بينكما ولد يكون أعمى القلب بخيل اليد ، يا علي لا تجامع أهلك في النصف من شعبان فانه إن قضى بينكما ولد يكون مشوما ذا شامة في وجهه ، يا علي لا تجامع أهلك في آخر درجة من الشهر إذا بقي منه يومان فانه إن قضى بينكما ولد يكون عشارا أو عوانا للظالم ، ويكون هلاك فئات من الناس على يديه ، يا علي لا تجامع أهلك على سقوف البنيان فأنه إن قضى بينكما ولد يكون منافقا مرائيا مبتدعا يا علي وإذا خرجت في سفر فلا تجامع أهلك تلك الليلة فانه إن قضى بينكما ولد ينفق ماله في غير حق ، وقرأ رسول الله ( ص ) ﴿ إن المبذرين كانوا أخوان الشياطين يا علي لا تجامع امرأتك إذا خرجت الى سفر مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن فانه إن قضى بينكما ولد يكون عونا لكل ظالم عليك يا علي عليك بالجماع ليلة الاثنين فانه إن قضى بينكما ولد يكون حافظا للكتاب ، راضيا بما قسم الله عز وجل ، يا علي إن جامعت أهلك في ليلة الثلاثاء يقضى بينكما ولد فأنه يكون حاكما من الحكام ، أو عالما من العلماء ، وان جامعت يوم الخميس عند زوال الشمس عند كبد السماء فقضى بينكما ولد فان الشيطان لا يقربه حتى يشيب ويكون فيهما ويرزقه الله السلامة في الدين والدنيا ، يا علي فان جامعتها ليلة الجمعة


200

وكان بينكا ولد فانه يكون خطيبا قوالا مفوها ، وان جامعتها يوم الجمعة بعد العصر فقضى بينكما ولد فانه يكون معروفا مشهورا عالما ، وأن جامعتها في ليلة الجمعة بعد صلاة العشاء الاخرة فانه يرجى أن يكون لكما ولد من الابدال إنشاء الله يا علي لا تجامع أهلك في أول ساعة من الليل فانه إن قضى بينكما ولد لا يؤمن أن يكون ساحرا مؤثرا للدنيا على الاخرة ، يا علي أحفظ وصيتي هذه كما حفظتها عن جبرئيل ( ع ) .

قوله ( ص ) : يرجى أن يكون لكما ولد من الابدال في المجمع الابدال قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر ، وفي القاموس الابدالقوم يقيم الله بهم الارض وهم سبعون : اربعون بالشام : وثلاثون بغيرها لا يموت أحدهم إلا قام مقامه آخر من ساير الناس ، وممن أنعقدت نطفته ليلة الجمعة سيدنا رسول الله ( ص ) وولد أيضا ليلة الجمعة وعلي ( ع ) أيضا انعقدت نطفته ليلة الجمعة وميلاده يوم الجمعة ، وشهادته ليلة الجمعة ، والحسين ( ع ) ولد ليلة الجمعة وقبض يوم الجمعة يوم العاشر من المحرم .

المجلس السادس والستون روى الصدوق في الامالي قال : قال رسول الله ( ص ) : كان من زهد يحيى ابن زكريا ( ع ) إنه أتى بيت المقدس فنظر الى المجتهدين من الاحبار والرهبان عليهم مدارع الشعر وبرانس الصوف وإذا هم قد خرقوا تراقيهم وسلكوا في السلاسل وشدوها الى سواري المسجد ، فما نظر الى ذلك أتى أمه فقال : يا أماه أنسجي لي مدرعة من شعر وبرنسا من صوف حتى أتى بيت المقدس فأعبد الله مع الاحبار والرهبان فقالت أمه : حتى يأتي نبي الله أوامره في ذلك فلما دخل زكريا ( ع ) وأخبرته بمقالة يحيى فقال له زكريا : يا بني ما يدعوك الى هذا وإنما أنت صبي صغير فقال : يا أبة أما رأيت من هو أصغر سنا مني فقد ذاق الموت ؟ قال : بلى ثم قال ( ع ) لامه : أنسجي له مدرعة من شعر وبرنسا من صوف ففعلت فتدرع المدرعة على بدنه ، ووضع البرنس على رأسه ثم أتى بيت المقدس فأقبل يعبد الله عز وجل مع الاحبار حتى أكلت المدرعة لحمه ، فنظر ذات يوم الى ما قد حل


201

من جسمه فبكى فأوحى الله عز وجل إليه يا يحيى أتبكي مما قد نحل من جسمك ، وعزتي وجلالي لو أطلعت الى النار اطلاعة لتدرعت مدرعة الحديد فضلا عن المنسوج فبكى يحيى حتى أكلت الدموع لحم خديه وبدا للنظرين اضراسه فبلغ ذلك امه فدخلت عليه وأقبل زكريا واجتمع مع الاحبار والرهبان فأخبروه بذهاب لحم خديه فقال : ما شعرت بذلك فقال زكريا : يا بني ما يدعوك الى هذا إنما سألت ربي إن يهبك لي لتقر بك عينيقال : أنت أمرتني بذلك يا أبة قال متى وذلك يا بني قال : الست القائل إن بين الجنة والنار لعقبة لا يجوزها إلا الباكون من خشية الله قال : بلى فجد وأجتهد وشأنك غير شأني فقام يحيى فنفض مدرعته فأخذته أمه فقالت : أتأذن لي يا بني إن أتخذ لك قطعتي لبود تواريان اضراسك ، وينشفان دموعك فقال لها شأنك فأتخذت له قطعتي لبود تواريان اضراسه تنشفان دموعه فبكى حتى ابتلتا من دموع عينيه فحسر عن ذراعيه ثم أخذها فعصرها فتحدر الدموع من بين أصابعه فنظر زكريا الى ابنه والى دموع عينيه فرفع رأسه الى السماء فقال : اللهم إن هذا ابني وهذه دموع عينيه وأنت أرحم الراحمين ، وكان زكريا ( ع ) إذا أراد أن يعظ بني اسرائيل يلتفت يمينا وشمالا فإن رأى يحيى لم يذكر جنة ولا نارا فجلس ذات يوم يعظ بني اسرائيل ، وأقبل يحيى قد لف رأسه بعبائة فجلس في غمار الناس والتفت زكريا يمينا وشمالا فلم ير يحيى فأنشأ يقول : حدثني حبيبي جبرئيل عن الله تبارك وتعالى إن في جهنم جبلا يقال له السكران في أصل ذلك الجبل وادي يقال له الغضبان لغضب الرحمن تبارك وتعالى في ذلك الوادي جب قامته مائة عام في ذلك الجب توابيت من نار ، في تلك التوابيت صناديق من نار ، وثياب من نار ، وسلاسل من نار واغلال من نار فرفع يحيى ( ع ) رأسه فقال : واغفلتاه من السكران ثم أقبل هائما على وجهه فقام زكريا من مجلسه فدخل على ام يحيى فقال لها : يا ام يحيى قومي فأطلبي يحيى فأني قد تخوفت أن لا تريه إلا وقد ذاق الموت فقامت فخرجت في طلبه حتى مرت بفتيان بني اسرائيل فقالوا لها : يا ام يحيى أين تريدين ؟ قالت : أريد أن أطلب ولدي ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه فمضت ام يحيى والفتية معها حتى مرت براعي غنم فقالت له : يا راعي هل رأيت شابا من صفته كذا وكذا فقال لها : لعلك تطلبين يحيى بن زكريا ؟ قالت : نعم ذاك ولدي ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه قال : إني تركته الساعة على عقبة ثنية كذا وكذا ناقعا قدميه في الماء رافعا بصره الى السماء يقول : وعزتك يا مولاي لا ذقت


202

بارد الشراب حتى أنظر الى منزلتي منك ، واقبلت امه ، فلما رأته ام يحيى دنت منه فأخذت برأسه فوضعته بين ثدييها وهي ناشده بالله أن ينطلق معها الى المنزل فأنطلق معها حتى أتى المنزل فقالت له ام يحيى : هل لك أن تخلع مدرعة الشعر وتلبس مدرعة الصوف فإنه الين ففعل وطبخ له عدس فأكل وأستوفي فنام فذهب به النوم فلم يقم لصلاته فنودي في منامه يا يحيى بن زكريا أردت دار خيرا من داري وجوارا خيرا من جواري فأستيقظ فقام فقال : يا رب أقلني عثرتي إلهي فبعزتك لا استظل بظل سوى بيت المقدس وقال لامه : ناوليني مدرعة الشعر فقد علمت انكما ستورداني المهالك فتقدمت امه فدفعت إليه المدرعة وتعلقت به فقال لها زكريا : يا ام يحيى دعيه فان ولدي قد كشف له عن قناع قلبه ولن ينتفع بالعيش ، فقام يحيى فلبس مدرعته ووضع البرنس على رأسه ثم أتى بيت المقدس فجعل يعبد الله عز وجل مع الاحبار حتى كان من أمره ما كان يعني قضى نحبه شهيدا قتيلا مظلوما .

وكان يحيى شبيها بالحسين ( ع ) كما ورد في الخبر قال الصادق ( ع ) : زوروا الحسين ( ع ) ولا تجفوه فأنه سيد شباب أهل الجنة وشبيه بيحيى بن زكريا ، وليهما بكت السماء والارض ولما زار الحسين ( ع ) جابر بن عبد الله الانصاري قال : أشهد إنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا ( ع ) .

المجلس السابع والستون في الامالي دخل معاذ بن جبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باكيا فسلم فرد عليه ثم قال : ما يبكيك يا معاذ فقال : يا رسول الله إن بالباب شابا طري الجسد ، نقي اللون ، حسن الصورة يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها يريد الدخول عليك فقال النبي ( ص ) : ادخل على الشاب يا معاذ فأدخله عليه فسم على فرد ( ص ) ثم قال : ما يبكيك يا شاب قال كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوبا إن أخذني الله عز وجل ببعضها أدخلني نار جهنم ولا أراني إلا سيأخذني بها ولا يغفر لي أبدا فقال رسول الله ( ص ) : هل اشركت


203

بالله شيئا قال : أعوذ بالله إن بربي شيئا قال : أقتلت النفس التي حرم الله قال : لا فقال النبي ( ص ) يغفر الله لك ذنوبك وان كانت مثل الجبال الرواسي قال الشاب : فانها أعظم من الجبال الرواسي فقال النبي ( ص ) : يغفر الله لك ذنوبك وأن كانت مثل الارضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق قال : فأنها أعظم من الارضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق .

فقال النبي ( ص ) : يغفر الله لك ذنوبك وأن كانت مثل السماوات ونجومها ومثل العرش والكرسي ، قال : فأنها أعظم من ذلك قال : فنظر النبي ( ص ) كهيئة الغضبان ثم قال : ويحك يا شاب ذنوبك أعظم ام ربك فخر الشاب لوجهه وهو يقول : سبحان الله ربي ما شئ أعظم من ربي ربي أعظم يا نبي الله من كل عظيم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فهل يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم ؟

قال الشاب : لا والله يا رسول الله ثم سكت الشاب فقال النبط صلى الله عليه وآله وسلم : ويحك يا شاب إلا تخبرني بذنب واحد من ذنوبك قال : بل أخبرك إني كنت أنبش القبور سبع سنين أحرج الاموات وأنزع الاكفان فماتت جارية من بعض بنات الانصار ، فلما حملت الى قبرها ودفنت وأنصرف عنها أهلها وجن عليهم الليل أتيت قبرها فنبشتها ثم أستخرجتها ونزعت ما كان عليها من أكفانها ، وتركتها متجردة على شفير قبرها ومضيت منصرفا فأتاني الشيطان فأقبل يزينها الي ويقول : أما ترى بطنها وبياضها ؟

أما ترى وركيها فم يزل يقول لي هذا حتى رجعت إليها ولم أملك نفسي حتى جامعتها وتركتها مكانها فإذا أنا بصوت من ورائي يقول : يا شاب ويل لك من ديان يوم الدين يوم يقفني وإياك كما تركتني عريانة في عساكر الموتى ونزعتني من حفرتي ، وسلبتني أكفاني وتركتني أقوم جنبة الى حسابي فويل لشبابك من النار فما أظن أني أشم ريح الجنة أبدا فما تر الي يا رسول الله ؟

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : تنح عني يا فاسق اني أخاف أن أحترق بنارك فما أقربك من النار ثم لم يزل صلى الله عليه وآله وسلم يقول ويشير إليه حتى أمعن من بين يديه ، فذهب فأتىالمدينة فتزود منها ثم أتى بعض جبالها فتعبد فيها ولبس مسحا وغل يديه جميعا الى عنقه ونادى يا رب هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول يا رب أنت الذي تعرفني ، وأزال مني ما تعلم سيدي ، يا رب اني أصبحت من النادمين وأتيت نبيك تائبا فطردني وزادني خوفا فأسألك بإسمك وجلالك وعظمة سلطانك أن لا تخيب رجائي ، سيدي ولا تبطل دعائي ولا تؤيسني من رحمتك فلم يزل يقول ذلك أربعين يوما وليلة تبكي له السباع والوحوش ، فلما تمت له


204

أربعون يوما وليلة رفع يديه الى السماء وقال : اللهم ما فعلت في حاجتي إن كنت أستجبت دعائي ، وغفرت خطيئتي فاوح الى نبيك وأن لم تستجب لي دعائي ولم تغفر لي خطيئتي ، وأردت عقوبتي فعجل بنار تحرقني أو عقوبة في الدنيا تهلكني ، وخلصني من فضيحة يوم القيامة فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة يعني الزنا أو ظلوا أنفسهم يعني بأرتكاب ذنب أعظم من الزنا وهو نبش القبور وأخذ الاكفان ، ذكروا الله وأستغفروا لذنوبهم يقول خافوا الله فعجلوا التوبة ، ومن يغفر الذنوب إلا الله .

يقول عز وجل : أتاك عبدي يا محمد تائبا فطردته فأين يذهب ، والى من يقصد ومن يسأل أن يغفر له ذنبا غيري ثم قال عز وجل : ( ولم يصروا على ما فعلوه وهم يعون ) يقول : لم يقيموا على الزنا ونبش القبور وأخذ الاكفان ( أولئك جزائهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) فلما نزلت هذه الاية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج وهو يتلوها ويتبسم فقال لاصحابه : من يدلني على ذلك الشاب التائب فقال معاذ : يا رسول الله بلغنا إنه في موضع كذا وكذا فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه حتى أنتهوا الى ذلك الجبل فصعدوا إليه يطلبون الشاب فإذا هم بالشاب قائم بين صخرتين مغلولة يداه الى عنقه ، وقد اسود وجهه وتساقطت أشفار علينيه من البكاء وهو يقول : سيدي قد أحسنت خلقي وأحسنت صورتي ، فليت شعري ماذا تريد بي أفي النار تحرقني أو في جوارك تسكنني اللهم إنك قد أكثرت الاحسان اليوأنعمت علي .

فليت شعري ماذا يكون آخر أمري الى الجنة تزفني ام الى النار تسوقني ؟ اللهم إن خطيئتي أعظم من السماوات والارض ، ومن كرسيك الواسع وعرشك العظيم فليت شعري تغفر خطيئتي ام تفضحني بها يوم القيامة فلم يزل يقول نحو هذا وهو يبكي ويحثوا التراب على رأسه ، وقد أحاطت به السباع وصفت فوقه الطير وهم يبكون لبكائه ، فدنا رسول الله فأطلق يديه من عنقه ونفض التراب عن رأسه ، وقال : يا بهلول أبشر فأنك عتيق الله من النار ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم لاصحابه : هكذا تداكروا الذنوب كما تداركها بهلول : ثم تلا عليه ما أنزل الله عز وجل فيه وبشره بالجنة .

ذكرت قصة نباش آخر ، وذلك كما في الامالي كان في بني اسرائيل رجل ينبش القبور فمرض جار له فخاف الموت فبعث الى النباش وأحضره ، وقال : كيف كان جواري لك ؟ قال : أحسن جوار قال : فإن لي اليك


205

حاجة ؟ : قضيت حاجتك فأخرج إليه كفنين

فقال : أحب أن تأخذ احبهما اليك ، وإذا دفنت فلا تنبش قبري ولا تأخذ كفني فامتنع النباش من ذلك وأبى أن يأخذه فقال له الرجل : أحب أن تأخذه فلم يزل يلح عليه حتى أخذ أحبهما إليه ومات الرجل فلما دفن قال النباش : هذا قد دفن فما علمه بأني تركت كفنه أو أخذته لاخذنه فأتى قبره فنبشه فسمع صائحا

يقول : ويصيح به لا تغفل ففزع النباش من ذلك فتركه وترك ما كان عليه وقال لولده : أي أب كنت لكم ؟

قالوا : نعم الاب كنت لنا قال : فأن لي اليكم حاجة قالوا قل ما شئت فانا سنصير إليه إنشاء الله

قال : أحب إن مت ان تأخذوني فتحرقوني بالنار فإذا صرت رمادا فدقوني ثم تعمدوا بي ريحا عاصفا فذروا نصفي في البر ونصفي في البحر ،

قالوا : نفعل فلما مات فعل به ولده ما أوصاهم به فلما ذروه قال الله جل جلاله للبر : اجمع ما فيك وقال للبحر : اجمع ما فيك فإذا الرجل قائم بين يدي الله جل جلاله فقال الله عز وجل : ما حملك على ما أوصيت به ولدك أن يفعلوه بك

قال : حملني على ذلك وعزتك خوفك فقال الله جل جلاله : فأني سأرضي خصومك وقد أمنت خوفك وغفرت لك نعم من خاف الله في الدنيا آمنه الله يوم الفزع الاكبر من المخاوف كما قال مولانا الحسين لما قيل له ما أعظم خوفك من ربك

قال : لا يأمن القيامة إلا من خاف الله في الدنيا في الارشاد قال الله

تعالى : وعزتي وجلالي لا اجمع لعبدي بين خوفين أو آمنين إذا خافني في الدنيا آمنته في الاخرة ، وإذا آمنتني في الدنيا أخفته في الاخرة طوبى للخائفين من الله في الدنيا والامنين منه في الاخرة منهم الحسين بن علي ( ع ) الذي كان يصلي بالليل الف ركعة ، ويحيي لياليه بالعبادة والذكر وتلاوة القرآن والدعاء والاستغفار ، وآخر ليلة أحياها ليلة العاشر من المحرم لما هجم القوم أستمهل منهم الى آخر المصيبة


206

تم بعون الله تعالى


207
فهرست آيات
إنا اعطيناك الكوثر 53
والله متم نوره ولو كره الكافرون 58
والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا 65
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين 68
كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون 73
والله لا يحب الفساد 97
ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله 97
والله متم نوره ولو كره الكافرون 102
وأستفتحوا وخاب كل جبار عنيد 150
اجعلتم سقاية الحاج 153
يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون 157
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون 165
وله أسلم من في السماوات والارض طوعا وكرها 179
يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب 188
ويل لكل همزة لمزة 193
إن المبذرين كانوا أخوان الشياطين 199
والذين إذا فعلوا فاحشة 204