فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار
صوت الحق ودعوة الصدق

تأليف

لطف الله الصافي

فهرست عناوين
     مقدمة 5
الحوادث المنذرة 10
كتب الفتنة والتمزيق والإلحاد 13
عقائد الشيعة والسنة 22
كتاب الشيعة والسنة وتحريف القرآن 27
الكلام حول الأحاديث 88
إقتراح جذري لحسم الخلاف 92

سلسلة الكتب العقائدية (116)

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية


5

مقدمة

قال الله تعالى:

﴿ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين.

من أعظم الواجبات الملقاة على عواتق العلماء، والكتاب، وقادة الأُمّة، لا سيّما في هذا العصر أن يخلصوا نيّاتهم، وينزّهوا أقلامهم عن كل ما يورث الوهن، والفشل ويؤدي إلى الضعف في صفوف المسلمين، ويبعدوا نفوسهم عن سوء الظّن، وأن يتّقوا الله فيما يقولون. لا يكتمون الحقائق، ولا ينشرون الأباطيل، ولا يعتمدون فيما يكتبون على الزور والبهتان، والإفتراءت الظالمة التي تؤدّي بالناس إلى الضّلال، وإثارة العصبيات البغيضة الممزّقة لجسم الأمّة، والمفرّقة للجماعة، والدّافعة للجهلاء على تنمية التباغض والصّدام، وفعل مالا يجوّزه العقل والشرع كما يجب عليهم أن ينتهجوا أُسلوب الأنبياء عليهم السّلام في الماقشة والجدال والدّعوة إلى الحق على ضوء ما أدّبنا الله به في كتابه العزيز حيث قال عزّ اسمه:

﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالّتي هي أحسن.


6

قال سبحانه:

﴿ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.

وقال تبارك وتعالى:

﴿يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً.

وقال تعالى شانه:

﴿إدفع بالّتي هي احسن فإذا الّذي بينك وبينه عداوة كانّه وليٌّ حميمُ.

وقال تعالى جدّه حكاية عن نبيه شعيب لما قال له قومه (إنّا لنراك في سفاهةٍ، وإنا لنظنّك من الكاذبين)؟

(يا قوم ليس لي سفاهة ولكنّي رسول من ربّ العالمين).

وقد أمر نبيّه الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للمشركين:

(أنا أو اويّاكم لعلى هدىً أو في ضلالٍ مبينٍ).

فلم يصرح بضلاله المشركين في مقام التخاطب معهم مع أن المشركين في ضلال مبين من دون أدنى شك أو ريب.


7

فأقرب الطّرق الموصلة إلى الحقيقة، الأخذ بهذا المنهج الإلهي، وهو الجدال بالّتي هي أحسن ‎، وأكمل المناهج هو هذا المنهج الذي أمر الله به أنبياءه ورسله ليسيروا عليه في أداء رسالاته.

فأحرى بنا أن لا نتبع سواه أثنا الدعوة إلى الدّين الحنيف ومحاولتنا اجتذاب الآخرين إلى رسالة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيما نتناقش حوله من المسائل الخلافية بين المسلمين لأنه المنهج الوحيد البعيد عن الغلط في القول والمنزه عن أساليب الشتم والفحش والإفتراء، والمتحلّي باللين واللطف، والمستند على العلم والمعرفة، والداعي إلى حمل أقوال المسلمين، وأفعالهم على المحامل الصحيحة مهما أمكن، والإجتناب عن المزاعم والظنون الباطلة، ومتابعة الهو، والعصبية الممقوتة.

قال الله تعالى:

﴿ولا تقف ما ليس للك به علم إنّ السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولاً.

وقال سبحانه:

﴿فبما رحمةٍ من الله لنت لهم، ولو كناً فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك.

وإذا كان القرآن الكريم يخبر عن قوم شعيب، وهم كفار أثناء ردّهم عليه بقوله:

﴿وإنّا لنظنّك من الكاذبين.


8

مما يشر إلى أنهم تحلوا بشيء من الأدب حيث لم يقطعوا بكذبه حسب ما نوحي به عبارتهم. فكيف يجوز للمؤمن الذي يأخذ بأدب الله أن يحكم على أخ له في الله أوعلى طائفة كبيرة من إخوانه المسلمين بالكفر أو الفسق يتهمهم بما لا يقولون به، وما عذره عند الله تعالى إن كفّر مسلماً بما لا يوجب الكفر أو استعمل فيما رده عليه اسلوب الشتائم، والفحش إلى جانب الإفتراء والبهتان اللذين يؤدّيان إلى إثارة الضغائن، ويحولان دون ظهور الحق، وانكشاف الواقع.

فالباحث النزيه إذن لا يجوّز لنفسه ـ إن لم يكن في قلبه مرض ـ أن ينحرف عن النهج الإلهي في حواره ومناقشاته مع الآخرين، ويتبع عوضاً عن ذلك اسلوب الشتائم، والدّس، والضغينة، والتهريج بالباطل حين يؤدّي به الأمر إلى ان يحكم على طائفة لعلها الكبرى بين طوئف المسلمين، لعلمائها واُدبائها على امتداد التاريخ عشرات الاُلوف من المؤلّفات في مختلف الموضوعات، والعلوم الإسلامية عقيدة ونظاماً أن يحكم على مثل هذه الطائفة ومن خلال أخبار آحاد شاذة أهملها العلماء، والمحققون، وأساطين علم الحديث لعدم الإعتماد عليها. و الأخذ بها، وإيمانهم بكذبها فيتهم هذه الطائفة ـ نتيجة أخذه بشواذّ الأخبار هذه ـ بما هي بريئة منه، ويرميها بالآراء والأقوال الشاذة.

وإنما لنستعيذ بالله إذا كان بين المنتحلين للعلم، والكتابة من لا يحمل سلاحاً للدفاع عن آرائه إلا الشتم والإفتراء المغالطة، والقول بغير علم بل على خلاف العلم وكأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى:

(إنما يفتري الكذب الّذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون).


9

كما نستعيذ به من كتّاب يؤثرون خصائصهم الطائفية على مقوّمات الشخصية الإسلامية فيؤيدون الأولى بما يذهب بالثانية, ويفترون على غيرهم بما لو ثبت (وهو ليس بثابت قطعاً) لأصبح عاراً على الإسلام أجمع.

فهؤلاء إذن خطر على الأسلام كمبدأ وعقيدة، وخطر على جماعة المسلمين كأمّة يجب أن تصان وحدتها، والعمل على جمع كلمتها، وخصوصاً في هذه الظروف العصيبة التؤ تواجه الإسلام والمسلمين من جانب أعدائهم.

إنني لأسائل نفسي كما يسائل كل مخلص نفسه عما يقصد أمثال هؤلاء من كتاباتهم الباطلة المملوءة حقداً وبهتاناً على شيعة أهل بيت النبوة ومذهبهم غير تشويه جوهر الإسلام بتشويه منظرالتشيع.

ناهيك عما في ذلك من بثّ روح العداء، والخلاف، والفرقة بين المسلمين وخصوصاً فيما بين الشيعة والسنة في ظرف يعمل المخلصون فيه بكل جهد، وإخلاص لبثّ روح التفاهم، والتعارف بيهما.

كم كان حريّ بهؤلاء ـ عوضاً من بثّ هذه السموم ـ أن يجرّدوا أقلامهم إن كانوا حقيقة ذوي علم وإيمان وعمل للكتابة حول الإسلام وبيان جوهره الإنساني، وحقائقه السامية، ومفاهيمه الراقية ليجتذبوا إليه هذه الآجيال التائهة، وخصوصاً في عصرنا المادي هذا، وأن يكتبوا الحقائق التي تقرّب بين السنة والشيعة، وتؤلف بين مختلف المذاهب الإسلامية.

وبذلك يكونون قد أدّوا ما أوجبه الله عليهم من الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.


10

الحوادث المنذرة

الحوادث التي تقع كل يوم في داخل بلاد المسلمين من الشيعة والسنة، وفي خارج عالمنا الإسلامي تنذر الجامدين، والغافلين، والمعرضين عن الإعتصام بحبل الله، وتحتم علينا جمعاء جمعاء ان نقوم من رقدتنا، ونستيقظ من نومتنا، ونتمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا، ونحسن الظن بأنفسنا كمسلمين إلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة، وحجهم واحد، وشعائردينهم لا تكاد تختلف في شيء.

نعم، الأجدر بنا ما دمنا كذلك ان نلتفت إلى هذا الجيل المسلم خصوصاً بعد أن شاهدنا طغيان الإلحاد، وامتداد الكفر، وسموم الدّعايات المضللة التي تنفثها الإرساليات المسيحية، والشيوعية العالمية في] نفوس أبنائنا وأفكارهم لتسلخهم عن الإسلام، وتصيرهم أدوات في يدها للقضاء عليه وسلاحاً ضد جماعة المسلمين.

ثم أن أفواجاً كثيرة في مجتمعنا الإسلامي من الأجيال الصاعدة باتت لا ترحب بدعاة العصبية المذهبية، وتقاوم كل من يحاول منعها عن التفكير الحر.

ولا يستسيغون استعراض كل ما يؤدي إلى الإختلاف بين مذاهب المسلمين، ولا ينجرون وراء دعوات البهتان والإفتراء بل يعترفون بالحق أنّى كان، وفي أي مذهب انحصر.

وما ذلك منهم إلا لتأكيد الإتصال، والإتحاد والتجاوب، والتحابب بين المسلمين.

فلا يمكن لأحد في هذا العصر وإن جهد جهده. وكتب ما كتب من الكذب والإفتراء ان يجعل طائفته بعيدة عن معرفة آراء غيرها فالشيعي والسني


11

يلتقيان كل يوم وكل آن، ويتجاوبان (1)، ويعرض كل وحد منهما مذهبه على الآخر، ويتفاهمان ثم يخرجان بنتيجة مقنعة، وهي أن الأسس التي تدعو

(1) لايخفى عليك أيّها القارئ العزيز ان كتّاب الشيعة لم يحاولوا قط إبعاد أبناء الشيعة عن معرفة آراء المذاهب الأُخرى لا سيما أهل السنة فهم كانوا منذ بداية بحوثهم العلمية الإسلامية وتعليمات وشروعهم في التصنيف والتأليف كانوا مهتمين بمعرفة جوهر آراء غيرهم، وحقية مذاهبهم في الاصول والفروع.

فلم يعرضوا قط عن كتاب علم وبحث لأن مؤلفه سنّي، ولم يمنعوا طائفتهم عن مطالعة مؤلّفات غيرهم من طوائف المسلمين، وعلمائها وكتبهم في الأُصول، والفقه وفي المسائل الخلافية بين المسلمين تشهد بذلك كما تشهد بأمانتهم، وعلمهم الواسع بالمذهب فنراهم يذكرون في كتبهم في الأصول والفقه، والتفيسر وغيرها أدلة أهل كل مذهب ثم يناقشون بكل إنصاف وتبحر وعلى ضوء الكتاب والسنة.

وفي هذا العصر لا تجد في مدينة قم المشرفة، وجامعتها الإسلامية الكبرى وفي سائر البلاد والمدن الشيعية مكتبة عامة الا وهي مشحونة بمؤلفات أهل السنة في مختلف العلوم وهي في متناول الجميع يراجعها تلامذة الجامعة بكل حرية من غير أن يكون لهم غرض الا الأخذ بالرآي الصحيح الأوفق بالكتاب والسنة.

فلا يشتبه على أحد منهم شيء من آراء المسلمين ومذاهبهم لقلة المصادر فضلا من أن يتعمد ذلك ويأتي بالزور والبهتان كما يشتبه على الكاتب السني لقلة مصادره، ولاعتماده على افائك الأولين وما نسجته أيدي السياسات الجائرة في ذلك.

فترى مثل الأستاذ عبد الكريم الخطيب مع ما كتب حول المعارف الإسلامية يعتمد في كتابه (الله ذاتاً وموضوعاً) فيما ينقل عن الشيعة وهم أرقى الطوائف الإسلامية. واعمقهم تفكيراً في المعارف الإلهية على المللل والنحل للشهرستاني الكتاب المملوء بالخرافات والإشتباهات.

فيسنهد إلى الشيعة للقول بالحلول والتناسخ، والتجسيد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ولا يذكرعن آرائهم وعاقائدهم الإسلامية التي بنوها على الأدلة العقلية والنقلية شيئاً، فكأنه لم يكن عنده من كتب الشيعة في الكلام والفلسفة كتاب أولم يرد أن يراجع هذه الكتب لأن ما فيها يكذب مافي مثل (الملل والنحل) وثبت جلالة شأن الشيعة، ورقعة منزلتها في العلوم الإلهية والمعارف الحقيقية الأسلامية.


12

كل واحد منها إلى التقارب والتلاحم مع الآخر أكثر وأهم من غيرها الذي يدعوهما المغرضون بسببه إلى الإبتعاد، والتضارب، ويعرفان ان بعض الكتاب ممن نشير إليهم لم يريدوا بكتاباتهم إلا الإحتفاظ بافتراق الأُمة، ولم يأتوا إلا بما اتى به من سبقهم في أعصار لم تكن فيها الظروف مهيأة لتحقيق الإتصال كما هو حالهم اليوم من اللقاءات الجنسية والاتصالات الودية ذات الروح الإسلامية الفاضلة. نظراً لكل ذلك فإنني أقول، وأكرر بأن جيلنا المعاصر بما أصبح فيه من وعي لا يستسيغ أية صيحة تدعو المسلمين إلى الفرقة والإختلاف ولايجيب نداء إلا من كان يدعو إلى الوحدة الإسلامية، وإلى ما فيه عزّ الإسلام والمسلمين، وتوحيد كلمتهم وإعلاء أمرهم.

ومع ذلك كله فان بعض الكتّاب يغفلون أويتغافلون عما عليه جيلنا لا سيّما الشبان، وتلامذة الجامعات، وأساتذتها من المستوى الثقافي، ويظنون أن هؤلاء يقرأون كل كتاب، ويسمعون كل نداء، وانهم لا يدركون ما يريد أمثال هؤلاء المرتزقة من الإفساد بين المسلمين أعاذ الله الإسلام من شرورهم، ووقى المسلمين من فتنة أقلامهم وكتاباتهم.

فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون.


13

كتب الفتنة والتمزيق والإلحاد

إن من أعظم الأخطار على وحدة المسلمين، وتعاونهم ضد عدوانهم المشرك إقدام بعض المستهترين الأغبياء الذين لا يقدّرون عواقب ما يفعلون على ما يؤدّي إلى انشغال أبناء الأمة الإسلامية الواحدة بصراعات كلامية لا تبتنى على أساس سليم قد يؤدّي في حالة عدم وضع حدّ لعبثهم إلى تعميق جذور التباغض، والتمزق، والإنهيار المخيف الذي تعاني منه امتنا اليوم شرّ معاناة.

ومن ثم فإنهم يكونون قد ساهموا مساهمة مخلصة في تحقيق أغراض الإستعمار، والصهيونية من تكريس التفرقة، والنزاع الداخلي ليحولوا بين المسلمين، وبين الوحدة لعلمهم بأنها الكفيلة ـ لوتحققت ـ بإزالة نفوذهما عن البلاد الإسلامية وسيطرتهما عليها.

ففي كل فترة من الزمن يطلع على الأمّة واحد من امثال هؤلاء الجهلاء ـ يدافع عن عصبيتهم المذهبية الممقوتة ضد مذهب أو آخر من مذاهب المسلمين ـ بأكاذيب ملفقة، وأراجيف مزيفة قد بان الحقد الأعمى من خلال أسطرها، والجهل بحقيقة الإسلام، وبحقيقة المذهب الذي يفتري على قدسيته من مطاوي مواضعها يحبّر بها أوراقاً قد أطلق عليها إسم رسالة أو كتاب. وهي في مضمونها أبعد ما تكون عن مدلول هذين اللفظين بل أول ما تدل عليه فراغ واضعيها من العلم والفضل، والأدب لأنهم سدّوا على أنفسهم أبواب التعمق والتحقيق خصوصاّ فيما يتعلق بالمذاهب الإسلامية من مصادرها الأساسية


14

لذلك تراهم ـ ويا للعارـ يخبطون في أبحاثهم خبط عشواء فيرمون غيرهم بالكفر حياً، وبالفسق أحياناُ إلى كلام أخذوه عن هذا ورأي نسبوه ألى ذاك أو قول سمعوه من ذلك من الناس كأنما عند هؤلاء علم الأولين والآخرين أو انهم معصومون عن الخطاء والكذب، والإفتراء.

وهناك من الأقوال ما يتركون بعضاً منه، وينقلون بعضاً لغرض في نفوسهم مما يجعل الأنسان الذي يدفع به سوء الطالع لقراءة تضليلاتهم يسائل نفسه إذا كان الحق هو غرض هؤلاء، والحقيقة غايتهم، فَلِمَ يفعلون ذلك، ولِمَ لا يحققون في صحة ما يسمعون، وما يقولون.

ولم لا يرجعون إلى مصادر المذهب الذي يكتبون عنه حين ينتهي بحثهم إلى ما يريده الباحثون المنصفون ولكن هؤلاء ليست لهم من غاية إل اتشديد العداء، وإضعاف الصداقة.

لذا تراهم يأتون بالغث لا السمين أو يلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون.


15

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى أساتذة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة المحترمين.

إلى علماء باكستان لا سيما مدينة لاهور.

إلى قادة الفكر ودعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية والذين على جهادهم المخلص يتوقف مستقبل الإسلام الأزهر.

إلى كل من يؤمن بالله تعالى، وبحكمته العادلة.

وبعد فإنه قد نشرت في السنوات الأخيرة رسالة اسماها مؤلفها (الخطوط العريضة في الأسس التي قام عليها مذهب الشيعة الامامية) وملأها بالأكاذيب العجيبة التي يعرف كذبها كل من له أدنى بصيرة بالمذاهب الإسلامية وتحت هذا الستار سعى في هدم الأسس التي قام عليها دين الاسلام الحنيف حتى جعل كتاب الله تعالى القرآن المجيد هدفاً لسهامه، وبالغ في الدعوة إلى التخاصم، والتنازع، والتفرقة المنهي عنها، وتهييج العصبيات الطائفية.

ثم أني لما قرأتها أدركت خطرها على الإسلام، وعلى كتاب الله الكريم ووجدتها أمنيّة دعاة التبشير، والإلحاد، وكل من يكمن للقرآن والإسلام وحرماته من المستشرقين، وغيرهم يتخذونها سنداً لأضاليلهم وإضلالاتهم.

ومن جانب آخر تؤدّي إلى تفرقة الأمّة، وبث روح التنافر،والتشاجر، وإيقاد نار الشحناء والبغضاء.


16

فرأيت أن من الواجب على كل كاتب اسلامي دفع ما في هذه الرسالة من الشبهات سيما حول الكتاب الكريم الذي اتفقت كلمة المسلمين من الشيعة والسنة بل وغيرهم على أنّه هو هذا الكتاب الموجود بين الدفتين المطبوع المنتشر في أقطار الأرض، وأنّه لا ريب فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه تنزيل من حكيم حميد.

فكتبت كتاب (مع الخطيب في خطوطه العريضة)، وأثبت فيه صيانة الكتاب المجيد من التحريف، وأوضحت ما في هذه الرسالة من الضلالات والجهالات.

فأثر بحمد الله تعالى ومنّه في قلوب المسلمين، والأوساط الثقافية أثراً إيجابياً، ووقع عند العلماء، والمصلحين، ورجالات الإسلام، وأساتذة الجامعات، والباحثين المنصفين موقع القبول، والشكر، والتقدير،ولذلك طبع مرّات عديدة.

والله تعالى يعلم أنه ما دعاني إلى كتابة هذا الكتاب إلاّ خدمة الإسلام والقرآن المجيد، والدفاع عن كرامته والسعي لجمع الكلمة. ولم الشعث، والتحابب، والتوادد بي الأمّة.

وما كنت أظن بعد ذلك أن كاتباً يزعم أنه يكتب للإسلام، ولمصلحة اُمّته يتخذ قبال هذا الكتاب وما دافعنا به عن قداسة القرآن الكريم، وصيانة من التحريف. والدعوة إلى الوحدة الإسلامية موقفاً سلبياً يكرر ما في(الخطوط العريضة). ويقفو أثر مؤلفها ليعطي المبشرين، واعداء الإسلام. ودعاة التفرقة. والتمزيق بالزور والبهتان سلاحاً انتزعناه عنهم في (مع الخطيب في خطوطه العريضة).


17

حتى جاءنا بعض الإخوان بعد رجوعه من العمرة وتشرفه بزيارة الحرمين الشريفين بكتاب (الشيعة والسنة) وذكر بأن نائب جامعة المدينة المنورة الإسلامية قد أهداه إليه مع كتاب (العواصم من القواصم) الذي كان قد شرحه محب الدين الخطيب شرحاً أظهر فيه نصبه وعداوته للعترة النبوية، وولاءه لأعدائها، وأنكر فيه الحقائق التارخية المعلومة ظلماً وعدواناً.

فقرأته، وعجبت من سعي كاتبه في تفريق كلمة المسلمين، ولعمر الحق ما كان يخطر ببالي أنّ أحداً من المسلمين يجعل مهمته الإحتفاظ باختلاف الكلمة، والتباعد، وتشديد المجادلات الطائفية، ويعارض دعوة المصلحين من الزعماء والرؤساء والعلماء إلى التقريب إلى الوحدة الإسلامية، ويخطئهم جميعاً، ويتبع غير سبيل المؤمنين، ويرد في هذه النداءات، والصيحات التي رفعت من العلماء والرجال البارزين الغيارى على الإسلام من الشيعة والسنة في شرق الأرض وغربها ويتهم الجميع بالجهل والكذب، والنفاق والخداع.

وأعجب من ذلك وأعظم مصيبة على المسلمين أن يكون القائم بنشرها جامعة المدينة المنورة الإسلامية التي] ينبغي] أن تكرس كل جودها للدفاع عن وجودنا الإسلامي شيعة وسنة، وإرشاد المسلمين إلى ترك الجفوة والبغضاء. وأن تساهم بما عندها من طاقاتٍ مع العلماء المصلحين من الفريقين لتحقيق التقريب والاُخوة الإسلامية.

ويسوءنا زيادة على ذلك أن الحكومة السعودية التي تنفق على هذه الجامعة هي التي تعتني بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية اعتناءً كبيراً فجلالة الملك الراحل فيصل آل سعود كان من أولئك الرجال الذين ينادون الأمة بالوحدة الإسلامية وهوالذي أدرك بثاقب نظره أن الشيعة لو لم تكن في عقائدها الإسلامية، والإلتزام بأحكام الشريعة، والدفاع عن كرامة القرآن، والأمر


18

بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاددة من حاد الله ورسوله، والمحافظة على مصالح المسلمين أقوى من سائر الطوائف فهي ليست أقل من غيرها في ذلك كله.

فهم الذين يضحون بأنفسهم في الدفاع عن أحكام القرآن، ويجعلون نصب أعينهم الله ورسوله فيما يقولون وما يفعلون دليلهم كتاب الله وسنة رسوله الكريم.

وجلالة الملك الحالي الملك خالد أيضاً يعرف ذلك، ويقفو أثره أخيه لا يرتضي هذه النعرات الطائفية، ولا يحب التباعد، والتباغض، ووثوقه، واعتماده في المشاكل الإسلامية على أبناء الشيعة ليس بأقل من وثوقه واعتماده على أبناء السنة بل ربما يكون بعض أبناء الشيعة أوثق عنده من بعض أبناءالسنة المتأثرين بالدعايات الإلحادية.

والحكومة العربية السعودية الحالية هي التي تشجع الحركات الإسلامية في البلاد العربية والإسلامية، وغيرها، وتنفق عليها، وتؤديها وتدرك ان الإسلام في برامجه، واحكامه، ومناهجه مهدد من جانب الإستعمار، والإلحاد في البلاد الشيعية، والسنية,

وإذا اشتغل المسلمون بالمنازعات الطائفية، وإذا كانت حصيلة بعض الجامعات وإنتاجات كتّابهم وناشريهم لا سيما في المملكة السعودية مطلع شمس هداية الإسلام ومهبط وحي القرآن مثل كتاب (السنة والشيعة). وكتاب (حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية) وكتاب (العواصم عن القواصم) يشرح الخطيب، وغيرها من كتب كل ما فيها بعيد عن روح الإسلام بل هي مجلبة لغضب الله سبحانه لما فيها من طعن بأهل بيت رسوله الأعظم ونصب


19

العداء لهم، وولاء لأعدائهم وتحقيق أمل الأعداء في تقطيع جذور الإسلام من البلاد سواء كانت شيعية أم سنية والتفشيل لسعي الزعماء والمصلحين.

ولا ريب أن ما يكتبه هؤلاء المتمذهبون بولاء بني اُميّة، وبني مروان والمصوبون لمظالمهم، والمعلنون العداء لسيدة نساء العالمين، وبعلها أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووصيّه، وابنيها سيّدي شباب أهل الجنة، وسائر أهل البيت عليهم السلام لا يتوافق مع ما عليه أكثر أهل السنة فهذه كتبهم، ومؤلفاتهم في الحديث والتاريخ، والتراجم مملوءة بفضائل أهل البيت لا سيما أمير المؤمنين، والسيدة الزهراء، والسبطين كما هي مشحونة بمثالب أعدائهم، وقد دونوا حتى المعاصرين منهم شكر الله مساعيهم كتباً مستقلة في فضائل أهل البيت، وفي الخرافات ومثالب أعدائهم مثل معاوية وغيره، وأثبتوا فيها مطاعنهم وبدعهم.

فمن كان في قلبه حب لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولعلي عليه السلام الذي لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه الاّ منافق لا يمكن ان يشجع مثل هؤلاء الكتاب وينشرها ما هو ضد مصلحة الإسلام والمسلمين.

فإلى رئاسة جامعة المدينة المنورة الإسلامية الموقرة، وأساتذتها المحترمين نوجه نداءاتنا المتكررة طالبين منهم بأن يكونوا عند مسؤولياتهم الإسلامية مراعين مصلحة الإسلام العليا. وان لا يظنوا بأن أمثال هذه النشرات تفيد المسلمين.

والذي نرجوه منهم هو أن يكونوا من كتابها وناشريها على حذر، وان يقرءواعليهم قول الله تعالى:

﴿فريل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثّم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم ممّا كتبت أيدهم وويل لهم ممّا يكسبون.


20

ثم انكم أيها الاخوة الكرام لفي أقدس بلاد الله ـ في الحرمين الشريفين لذا فإنّ القلوب من شرق الأرض وغربها تهفوا إلى دياركم، وتشتاق إلى بلادكم، وأنتم ياعلماء الحرمين، ويا مجاوريهما محترمون عند الجميع لشرف مكانكم.

فبا ساكني أطراف طيبة كلكم
إلى القلب من أجل الحبيب حبيب

خذوا اهبتكم، وجددوا النظر في مناهجكم، وكتبكم ومقالاتكم ودروسكم وبحوثكم فقد أعطاكم الله في كل سنة فرصة سعيدة اختص الله سبحانه بها امتنا، وأقدركم بها على أن تصلحوا بين المسلمين وتعرصوا عليهم أساليب إسلامية قيمة في مناهج حياتهم التي أثرت فيها الأساليب الكافرة وأن تشجعوا الحركات الإسلامية وتؤيّدوا العلماء المصلحين، وتدعوا أبناء الأمة جميعاً من الشيعة والسنة إلى تطبيق أحكام القرآن.

فعلى الخطيب الذي يخطب في المسجدين لهذه الجموع الغفيرة القادمة لأداء فريضة الحج المقدسة من كل فج عميق أن يزودهم من تعاليم الإسلام بما يؤدي بهم إلى اتباع سبيل الإستقامة، والتضحية في سييل إعلاء كلمة الإسلام، والجهاد ضد الإلحاد الذي أحاط بالعالم الإسلامي من كل جانب ويحثهم على مقاومة التيارات الخبيثة ويوجههم إلى الأساليب التي أدت إلى إبعاد الشيعة عن المناهج الإسلامية، وجعلت مجتمعاتهم أشبه بالمجتمعات الغربية. وأن برامج تعاليمهم وسياساتهم، وحكوماتهم بعيدة عن روح الإسلام ومبادئه السمحاء التي لاخلاف فيها بين الأمة شعة وسنة.

لا أن سقول عن طوائف المسلمين ما يورث الشنآن، والبغضاء وما لا يستقبله جيلنا الحاضر إلا بالنفور، ولا يزيد الأمة إلا جهلاً، وفي كليهما خدمة لأعداء الإسلام، ـ الإستعمار والصهيونية.


21

فلا يتشوق المسلم المعاصر إلى مسألة أهم من مسألة الوحدة الإسلامية، والتقريب بين الشيعة والسنة لأنه لا يرى مانعاً من تحقيقها في عقائد الشيعة، ولا في عقائد السنة، ولو لم يوجد في بعض المنتحلين للعلم والكتابة مثل كتاب (الخطوط العريضة) و (حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية) (1) و(الشيعة والسنة) وناشر (العواصم من القواصم) وشارحه لأصبح المسلمون في وئام ووداد.

(1) يأتي ما نشرته (رسالة الجامعة، جامعة الرياض) حول هذا الكتاب وانه هراء في هراء.


22

عقائد الشيعة والسنة

المسلمون جميعاً من الشيعة والسنة يعتقدون بأن الله عز وجل وحده لا شريك له إله الجميع،وخالق كل شيء، وأنه الرزاق ذو القوة المتين، والغفار والوهاب، ومجيب الدعاء، وقاضي الحاجات، وإليه يرجع الأمر كله له الأسماء الحسنى لا إله إلاّ هو الحي القيوم.

إن الإسلام دين الجميع والقرآن هذا الموجود بين الدفتين الذي يتلى في اذاعات المسلمين، ويقرؤه الشيعة والسنة آناء الليل وأطراف النهار في صلواتهم وفي شهر رمضان يتقرّبون إلى الله بقراءته، وتعلمه وتعليمه هو كتابنا، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الخلق وأفضلهم أجمعين هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم نبينا، وأن حلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة لا نبي بعده، وأنّ كل ما جاء به من الله حق نؤمن به، وأن الكعبة قبلتنا، وأن الصلوات الخمس، والزكاة والواجبة وحج بيت الله الحرام، والجهاد في سبيل الله، وولاية أولياء الله، ومحاددة من حاد الله، ورسوله فرائضنا، وأن الله يبعث من في القبور لتجزى كل نفس بما كسبت.

فالمسلمون كلهم في هذه العقائد، وأمثالها، وفي عباداتهم، ومعاملاتهم شرع سواء يعتقدون الجميع أن الإسلام عقيدة، ونظام، وحكم وسياسة، ولا


23

ولا اعتداد لجميع المناهج السياسية، والإجتماعية والمالية والتربوية، إذا كانت خارجة عن نطاق الإسلام، ونظاماته الجامعية (1).

لا يشك أحد في اتفاق الشيعة، وأهل السنة على جميع ذلك، ولا ينكره إلا من كان في قلبه مرض أويسعى من حيث يشعر أومن حيث لا يشعر إلى إثارة الفتنة بين المسلمين ككاتب (الخطوط العريضة) و(الشيعة والسنة)، و(حقائق …)، و(مجلة البعث الهندية) ممن يحسدون المسلمين على ما آتاهم الله من الوحدة، وجعل أمتهم أمة واحدة.

فقال سبحانه وتعالى:

﴿إنّ هذه امّتكم امّة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون.

ويعتمدون في آرائهم، وأحكامهم على كتب ابن تيمية، وأمثاله أشد وأكثر مما يعتمدون علىالكتاب والسنة يردون الأحاديث الصحيحة، ويسعون لأن يسدّوا على المسلمين طريق التفكر، والتعقل، ويشجعون على الجمود الفكري، والوقوف وعدم الإنطلاق إلى الأمام، حتى أن بعضهم ممن يعد عند طائفته من أكابر علماء المسلمين كفّر في مقال نشرته جريدة البلاد كما نشرته جريدة الدعوة الإسلامية، كل من قال من المسلمين بأن الشمس ثابتة، والأرض

(1) ولا اعتداد بما أفتى به بعض علماء أهل السنة ممن تأثر بآراء الغربيين والمستعمرين على خلاف جمهور علمائهم من المقول بالعلمانية، وفصل الدين عن الدولة، والحكومة عن الإسلام، فراجع كتاب (موقف العقل والعلم من رب العالمين وعباده المرسلين).


24

جارية فقال بكل جرأة وصراحة، إن كل من قال هذا القول، فقد قال كفراً وضلالاً (1) فانا لله وانّا إليه راجعون.

ومن عجيب أحوالهم انهم يكتبون حول المذهب، ويسعون في تفريق كلمة المسلمين، ويغضبون على من يجيب عنهم،ويظهر زورهم وبهتانهم ومخاريقهم، وسوء نياتهم، وكيدهم للإسلام والمسلمين.

والجدير بنا بعدما ذقنا من مرارة المجادلات، والإختلافات في الأجواء المشحونة بالعصبيات، والسائرة في ركاب الأطماع، والإتجاهات السياسية وجربنا ما أدّى إليه تضارب الطوائف، من المعتزلة والأشاعرة والوهابية والسنة، والشيعة، وأصحاب المذاهب الأربعة من الضعف والفشل والقضاء على هذه الحالة المنكرة بالاعتصام بحبل الله، وحسن الظن بالمسلمين، والتزام طريق الأنصاف والعقل، وعدم التسرع إلى تفكير أهل القبلة وتفسيقهم بمجرد المزاعم، والاستناد إلى بعض الأخبارالمتروكة أوالمتشابهة مما يوجد الكثير فيها في كتب الفريقين.

ونحمل ما نعرف من غيرنا مما هو خلاف مذهبنا ـ مهما أمكن ـ على المحامل الصحيحة وانه ناتج عنده من الإجتهاد بعد اتفاق الكل على الأصول الإسلامية التي دلت صحاح الأحاديث على أنها هي الميزان والملاك في الحكم على الآخرين بالإسلام وعدمه.

فتعالوا نجلس اخواناً متحابين على صعيد اسلامي واحد، لننظر كيف يجب إن نقف قبالة الأعداء، ونصوص شباننا عن الإنصياع وراء الأفكار الإلحادية

(1) وقد أحدث هذا التكفير ضجة كبيرة في الأوساط العلمية، ورد هذا المقال رداً شافياً الأستاذ محمد محمود الصواف في رسالته القيمة (المسلمون وعلم الفلك).


25

التي تأتي من الشرق أو الغرب، ونوحد مساعينا لتطبيق أحكام الإسلام، ونعمل على طرد هذه البرامج التربوية المادية، التي كادت ان تذهب أو أنها ذهبت بالغيرة الدينية، وأثرت على الفتيان، والفتيات حتى صاروا يفتخرون بالدعارة والخلاعة، والرقص والغناء، والقمار، وشرب الخمر، والسفور واختلاط النساء بالرجال الأجانب، وتقليد الكفار في جميع أطوار حياتهم حتى المجالس والملابس، بعد ما كانوا يفتخرون بالآداب الحسنة من الحياء، والغيرة، والشجاعة، والفتوة، والعفة، والطهارة،والشرف، وغير ذلك من أخلاق الأنبياء سيما نبينا الذي وصفه الله تعالى بقوله:

﴿وإنّك لعلى خلقٍ عظيمٍ

وبعد ما كانوا لا يخضعون إلا لسلطان الدين وسلطان أحكام الله.

تعالوا لنذهب إلى المدارس وإلى الكليات، والجامعات، والبارلمانات وإلى دواوين القضاء، وإلى مراكز الجند، ولننظر إلى ما تحتويه أفلام السينما ومناهج التلفزيون في بلادنا، وإلى ما ينشر كل يوم في الجرائد، والمجلات، وإلى…وإلى…

حتى نرى كيف خرجت كلها عن مناهج الإسلام، وبشكل يؤدي إلى القضاء على شخصيتنا الإسلامية.

تعالوا لنرى بين من يتسمون بالمسلمين، من يبدأ باسم سمو الأمير أو الرئيس أو السلطان، بدلاً عن بسم الله الرحمن الرحيم.

تعالوا لنرى ما أصيبت به أمتنا من تجزئة البلاد، وتفرقتها بين حكومات متعددة، ودويلات صغيرة ضعيفة خاضعة للإستعمار، يوجه بعضها ضد البعض


26

لتعميق جذور التفرقة فيما بينها، والإبقاء على عدم التلاقي بين الأشقاء من شعوبها.

ثم أن هذه الحكومات التي تحتفظ بتفرقة الأمة، لتحتفظ بوجوداتها لا يمكن ان تسمح لها بوحدة حكومية سياسية، بل أنها أخذت بتطبيق مبدء العلمانية المستلزم لفصل الدين عن الدولة، والإسلام عن مسلكية الحكومة، وأبعاده عن الحياة الإجتماعية حتى ان التواريخ الإسلامية في بلاد المسلمين بدلت بالتواريخ والتقاويم الغربية.


27

كتاب الشيعة والسنة وتحريف القرآن

كان الدفاع عما الصق محب الدين الخطيب بكرامة القرآن، وإثبات صيانته عن التحريف، وابطال دعوى الزيادة، والنقصان منه أهم من دعانا إلى تأليف كتابنا (مع الخطيب في خطوطه العريضة) فرددنا على الخطيب بالأدلة القاطعة، وأوضحنا ان ما في كتب الحديث والتفسير سواء عند الشيعة أو أهل السنة مما يوهم التحريف كله أخبار آحاد، أعرض عنها محققوا الفريقين إما لضعف إسنادها، أو لضعف دلالتها فحققنا تحقيقاً كاملاً، وأبطلنا ما كتب حول ذلك من أهل السنة ككتاب (الفرقان) كما أو ضحنا أيضاً استنكار علماء الشيعة لكتاب (فصل الخطاب) وذكرنا ان مخرجي هذه الأخبار الضعيفة أيضاً لم يعتمدوا عليها حتى في مورد واحد (1)، وان اعتماد الشيعة والسنة على الأخبار المتواترة القطعية الصريحة على ان القرآن الكريم، الكتاب الذي أنزله الله على الرسول الأعظم، نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هو هذا الكتاب الموجود بين الدفتين الذي يعرفه المسلمون من الشيعة والسنة، ويعرفه غيرهم أيضاً لا شك في ذلك، ولا ريب.

(1) قد تركنا التعرض تفصيلاً لأحاديث أهل السنة، وما ألصقوه بكرامة القرآن المجيد لا ننا نزه جميع طوائف المسلمين من القول بالتحريف، والإعتماد على هذه الأحاديث، ولا يحملنا العناد، والعصبية «ان شاء الله تعالى» على ان نقول في طائفة من المسلمين ما يحط من كرامة الكتاب الكريم كما فعل محب الدين الخطيب وألهي ظهير، وناشري تابيهما من الفضلة المتعصبين المنتمين للوهابية.

وان رأيت في محدثي أهل السنة ورجالهم، من اعتمد بما قيل انه حذف عن القرآن كالسيوطي فإنه اتى بسورتي الخلع والحقد في تفسيره الدر المنثور، وفسرهما كسورتين من القرآن فلا اعتداد به ولا اعتناد.


28

كما قد بينت حال كتاب (دبستان المذاهب) المجهول مؤلفه المطبوع بالهند بانه ان صح صدوره عن بعض طوائف المسلمين (وهو بعيد) فهي غير الشيعة قطعاً لأدلة كثيرة، وشواهد تحكم بذلك من نفس هذا الكتاب، وبينت أن من الصق بكرامة القرآن الكريم من الآيات، والسور المختلقة ليست من الوحي بشيئ، وأن هذا هو الحق الواضح الذي عليه الشيعة والسنة.

يعرف ذلك كل من جال في البلاد الشيعية، والشنية، ويعرفه حتى اساتذة جامعة المدينة المنورة الإسلامية وان أعجب بعضهم برسالة (الخطوط العريضة) و(الشيعة والسنة) لإصرار كاتبيها على اسناد القول بالتحريف إلى الشيعة.

وبالجملة فليس في الإسلام والمسلمين كتاب غير هذا القرآن، الذي هو بين الدفتين لا يقدمون عليه كتاباً، ولا يقدسون، ولا يحترمون مثله أي كتاب، وهم يتلونه أناء الليل وأطراف النهار.

وانني اعلن عن ذالك، وأطلب كل من يشك فيه، ويريد ان يتأكد من كذب القائمين بنشر هذه المخاريق، سواء كان هذا الشاك من السنة أوالشيعة أومن المستشرقين، الذين يريدون أن يكتبوا عن القرآن حقاً وصدقاً لاكذباً، ووفقاً لأهوائهم الإستعمارية.

انا اطلب من الجميع ان يجولوا في البلاد الشيعية في إيران، والعراق وسوريا، ولبنان واليمن، والبحرين، والكويت، وسائر إمارات الخليج، والهند وباكستان، والقطيف والاحساء، وافغانستان، وسائر البلاد الإسلامية ويسألوا، ويفحصوا عن الشيعة، وعن شأن القرآن المجيد الموجود بين الدفتين عندهم، وعند جميع المسلمين، وعقيدتهم فيه، وعن كيفية معاملتهم له حتى يعرفوا عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، وتقديسهم، وتعظيمهم له،


29

وحتى يتخلصوا مما أوقعهم به البغاة من الشك، والتهمة حتى يعرفوا به قيمة غير ذلك مما في كتاب (الخطوط العريضة) و(الشيعة والسنة)، وغيرها من الطعن على الشيعة.

ولو أتى احسان إلهي ظهير المتخرج من جامعة المدينة المنورة، بأضعاف ما أتى من الأحاديث الضعاف، المتشابهات مع تعمده كتم الأحاديث الصحيحة المتواترة في جوامع حديث الشيعة، وكتبهم المعتبرة المصرحة بأن الكتاب الذي نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو كتاب الموجود المطبوع المنتشر في أقطار الأرض يكذبه هذا الفحص، والتجوال.

ولو بالغ في نسبة التحريف إلى الشيعة فان كتبهم، وتصريحاتهم المؤكدة تكذبه وتدفعه كما إن احتجاجهم بالقرآن في مختلف العلوم، والمسائل الإسلامية في الأصول والفروع، واستدلالهم بكل آية آية، وكلمة كلمة منه، واعتبارهم القرآن أول الحجج وأقوى الأدلة يظهر بطلان كل ما افتراه.

فيا علماء باكستان، ويا اساتذة جامعة المدينة المنورة ما الذي يريده احسان إلهي ظهير، وموزع كتابه الشيخ محسن العبادة، نايب رئيس الجامعة من تسجيل القول بتحريف القرآن، على طائفة من المسلمين يزيد عدد نفوس أبنائها عن مئة مليون نسمة، وفيهم من أعلام الفكر، والعلماء العباقرة أقطاب تفتخر بهم العلوم الإسلامية.

وما فائدة الإصرار على ذلك إلا جعل الكتاب الكريم في معرض الشك والإرتياب؟

ولماذا ينكران على الشيعة خواصهم، وعوامهم وسوقتهم قولهم الأكيد بصيانته من التحريف.


30

ولماذا يتركان الأحاديث الصحيحة المتواترة المروية بطرق الشيعة عن أئمة أهل البيت المصرحة بان القرآن مصون بحفظ الله تعالى عن التحريف؟

ولماذا يقدحان في اجماع الشيعة وضرورة مذهبهم، واتفاق كلمات أكابرهم، ورجالاتهم على صيانة القرآن الكريم من التحريف، ويجعلان اجماع المسلمين، واتفاق طوائفهم في ذلك معرضاً للشك والريب ان لم يريدا كيداً بالقرآن المجيد.

أبهذا تزود جامعة المدينة المنورة خريجيها حتى لا يعقلون ما يقولون، ويردون بلجاجهم الطائفي على من أثبت في غاية التحقيق، والتدقيق صيانة الكتاب من التحريف.

فما علماء المسلمين اقرءوا (مع الخطيب) وما كتبت وحققت فيه حول صيانة الكتاب عن التحريف، وانظروا هل كان اللائق بشأن جامعة المدينة المنورة ان توزع كتاب (مع الخطيب في خطوطه العريضة) أو كتيب (الشيعة والسنة)، و(العواصم من القواصم) مع شرحه الخبيث.

فقد دفعت بعون الله تعالى وحمده كل شبهة، ورددت على جميع الأحاديث الموهمة لذلك من طرق السنة والشيعة، وبينت علل اسنادها، وضعف اسنادها، ومتونها، واثبت عدم ارتباط كثير منها بمبحث التحريف.

فمن خدم القرآن اذن يااساتذة الجامعة، ويا علماء باكستان؟ ومن هو الذي أدّى حقه؟ ومن الخائن له، أهو الذي يصر على نسبة القول بتحريفه إلى احدى الفرقتين الكبيرتين من المسلمين زواً وبهتاناً وجهلاً وعدواناً، ومن يتفق على طبعه، ويوزع كتابه في أرجاء العالم الإسلامي، ويجعله في


31

متناول أيدي المستشرقين المأجورين الذين يغتنمون صدور هذه الزلاّت من جهلة المسلمين.

هل هذا هو الخائن او من يدفع عن الكتاب الكريم هذه المقولة النكراء هو الخائن يا ترى.

انا والله لا أدري ما أقول لهؤلاء فأمرهم عجيب، يهتكون أعظم الحرمات ويجعلون كتاب الله هدفاً لسهام الأعداء لكي يدخلوا بزعمهم شيناً وعيباً على شيعة أهل البيت، ويبلبلوا على الناس أمرهم، وعقائدهم.

(أولئك الذّين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين).

فيا أساتذة جامعة المدينة المنورة، فقد ضلّ سعيكم إن كان حصيلة مناهجكم في التعليم، والإرشاد من لا ينزل عن مركب الباطل واللجاج، وان جيء له بألف دليل حتى انه كرر ما اجبنا عنه في (مع الخطيب) من نسبة القول بالوهية الأئمة، والتعصب للمجوسية، والإشتراك في كارثة بغداد وغيرها إلى الشيعة، ولم يلتفت إلى الأجوبة المنطقية،والتاريخية المذكورة فيه عن جميع هذه الإفتراءات.

كما كرر الكلام أيضاً حول طعن الشيعة، ككثير من أهل السنة على بعض الصحابة، ولم يلتفت إلى ما في(مع الخطيب) من التحقيق حول هذه المسائل وحكم من نفى الإيمان عن بعض الصحابة، وسبّ بعضهم عند أهل السنة، وان ذلك على مذهب أهل السنة، وسيرة سلفهم لا يخرج المسلم عن الإسلام والإيمان فلا يجوز بهذا الحكم على أحد بالتكفير والتفسيق كما لايمنع من التقريب.


32

فما أتى به هذا المغرض المضلل المتطاول على العلماء حتى الشيخ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر، الأسبق الراحل في كتابه ليس إلا تكراراً بما اتى به اسلافه وقد اجبت عنه في (مع الخطيب). ولكن لم يلتفت هو إليه لأنه أراد المخادعة، والتباس الحق بالباطل.

ولو لم يكن من أهل العناد واللجاجة لنظر إلى (مع الخطيب) وإلى ما فيه من الأدلة الحلية، والنقضية، والبراهين الجلية المأخوذة من صريح الكتاب أوالسنة بعين الانصاف، ولم يكرر دعاوى البهتان، ولم يسلك سبيل العداء والنفاق.

لوافقنا ووافق مصلحي الأمة، ولاستجاب لصيحاتهم، ونداءاتهم في الدعوة إلى التقريب والإتحاد فالله تعالى هو الحكم بيننا وبينه ثم الباحثون المنصفون (1).

فجددوا يا أساتذة الجامعة النظر في مناهجكم التعليمية حتى يكون المتخرجون من مدرستكم مزودين بلباس التقوى، والعلم، والصدق والإخلاص، وشعارات الإسلام متجنبين النعرات الطائفية الممزقة متمسكين بالوحدة الإسلامية.

(1) ومن حيائه وهو الذي رمانا كثيراً في كتابه بعدم الحياء والخداع، انه يقول في كتابه (والحق انه لا يوجد في كتب أهل السنة المعتمد عليها عندهم رواية صحيحة تدل على ان القرآن الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاته نقص منه او زيد فيه.

ولم يلتفت إلى ما اخرج في (مع الخطيب) عن اكابرهم وكتبهم المعتمد مما يدل على الزيادة والنقيصة فراجع مع الخطيب (ص 59 و60 71 و72) كما لم يلتفت إلى انه ليس في كتب الشيعة أيضاً رواية صحيحة تدل على ذلك.

فاقض العجب عن هذا الحي المغالط الذي لا يتعرض لما لا يقدر على جوابه لئلا يتبين عجزه عند القراء.


33

فناشدتكم بالله تعالى ان تنظروا فيما كتب تلميذكم هذا حول القرآن الشريف، وما رمى به الشيعة، هل خدم بهذا دينه، وأمته، وبالتالي طائفته ام خدم به أعداء القرآن والإسلام؟

وناشدتكم بالله ان تطالعوا (مع الخطيب) و(أمان الأمة من الضلال) وما عرضت فيهما على جميع الأمّة، من المنهج الذي ينبغي ان يكون الجميع عليه وما بينته فيهما مما يذهب بالتنافر، والتشاجر فانظروا فيهما، وفيما يكتب في مجلة (البعث)، وفيما كتب مؤلف (الشيعة والسنة) وشارح العواصم، وكاتب (حقائق عن …) بعين الإنصاف وقارنوا بينهما، وبينها حتى تعلموا أي الفريقين اشد نفاقاً، وأيهما على هدى أو في ضلال مبين.

أنا أقول: والله تعالى يعلم اني صادق فيما أقول عن عقيدة الشيعة في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الأئمة عليهم السلام وفي معنى الرجعة، والبداء ان كل عقائدهم مأخوذة من الكتاب والسنة، وانهم يعتقدون بكل ما يجب الإعتقاد به، وما هو شرط للحكم بالإسلام، والنجاة عند أهل السنة، ودلت عليه صحاح أحاديثهم.

فلا موجب إذن أهذه الجفوة، والبغضاء، والتنافر بين المسلمين، وتفسير عقائدهم بما هم بريئون منه، ولا يقولون به.

فكم سأل علماء أهل السنة الأكابر المصلحين، وغيرهم علماء الشيعة عن عقائدهم في كل ذلك وقولهم بالرجعة، والبداء، وحتى التقية فما رأوا بعد الجواب شيئاً في عقائد الشيعة يخالف روح الإسلام، وما دل عليه الكتاب والسنة وما وجدوا في آرائهم في الفروع والأصول ما يجوز به تفسيق أحد من


34

المسلمين ولا يمكن على الأقل حمله على الإجتهاد (1)، ولا ما يمنع ان يكون الجميع صفاً واحداً، وجسداً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ومعتصمين بحبل الله تعالى.

ومع ذلك هؤلاء يأتون كل يوم بكتاب زور غايته التمزيق، والتفريق وجرح العواطف. واحياء الضغائن. فيوماً يكتبون (الخطوط العريضة)، ويوماً ينشرون (العواصم من القواصم) مع شرح خبيث، ويوماً يكتبون (حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية) حشر الله تعالى كاتبه، وناشره معه، ويوماً يأتون بكتيب (الشيعة والسنة) ويقولون عن الشيعة إنهم بمن فيهم أئمة اهل البيت عليهم السلام، والصحابة الكبار،والتابعين والمحدثين، ورجالات الدين والعلم، والتحقيق في جميع العلوم الإسلامية ممن لا تنكر مقاماتهم الرفيعة في العلم، ولا يستهان بشأنهم، وبخدماتهم لهذا الدين، وغيرتهم على الإسلام وشعائره يقولون بتحريف كتاب الإسلام (القرآن المجيد)، وانه قد زيد فيه، ونقص منه كالسورة المختلقة الموسومة بالولاية. (1)

(1) راجع في ذلك كتاب المراجعات ـ وأجوبة مسائل موسى جار الله ـ ونقض الوشيعة وغيرها.

(2) هذه السورة المكذوبة على الله تعالى التي اخترعها اعداء القرىن والإسلام ثم اسندها النصاب إلى الشيعة هي التي ذكرها الخطيب، وذكر ان النوري اوردها في الصفحة 180 من كتابه ورددنا عليه في (مع الخطيب) انه ام يوردها لا في هذه الصفحة، ولا في غيرها (وان اشار إلى اسمها كما اشار إلى اسم سورتي الحفد والخلع اللتين ذكرهما أهل السنة).

ومع ذلك أخذنا بذلك كاتب (الشيعة والسنة) واتى بما هو سيرته، وسيرة اسلافه النصاب من الفحش، واسناد الكذب إلى اهل الصدق ومع انه رأى كذب الخطيب ترحم عليه، ومضى ولم يقل منه شيئاً كما لم يدفع عما أتى به بعض أهل السنة، من سورتي الحفد والخلع كانه يقول بذلك أيضاً.


35

فإن قيل لهم: إذا اثبتم (ولا يثبت ابداً) أن هذا رأي الشيعة فكيف تدفعون شبهة التحريف عن كرامة القرآن المجيد، فلا يقبل أعداء الإسلام أن هذه الجماهير الغفيرة من عصر الصحابة إلى هذا الزمان، قد اختاروا هذا الرأي من غير أن يكون له أصل وأساس، ولا يسمع منكم في رد ذلك ما تأتون به من الإفتراء والشتم، كقولكم إن الشيعة ربيبة اليهود او إنهم يكفرون الصحابة لأن الباحثين من الأعداء في كتب التاريخ، والتراجم والرجال أيضاً يعرفون ان هذه الإفتراءات كلها جاءت من سياسة الحكام، في عهود كان الميل إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله من أكبر الجرائم السياسية.

ولهم أن يقولوا إذا كانت الشيعة ـ وهي ليست إلا ربيبة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ـ ربيبة اليهود فالسنة ربيبة المنافقين والمشركين الذين دخلوا في الإسلام كرهاً وربيبة معاوية، ويزيد، ومروان وعبدالملك والوليد ابنه، ومسلم بن عقبة، وبسر بن أرطاة، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن سمية، والحجاج، ووليد بن عقبة، والحصين بن نمير، وشبيب بن مسلمة، وعمران ابن الحطان، وحريز بن عثمان، وشبابة بن سوار، وشبث بن ربعي، وغيرهم من الجبابرة ومن في حاشيتهم من الأُمراء وعلماء السوء.

فلماذا لا تتركون العداء والعصبية حتى في هذا، ولا تقطعون جذور هذه الشبهة ولم لا تبرئون الشيعة عن هذا القول كما هم يبرّءونكم، وتعرضون عما عند الشيعة، من أدلة كثيرة قاطعة علمية وتاريخية، على صيانة القرآن من التحريف وعن ما هو المشاهد منهم في بلادهم، ومجالسهم، وعباداتهم.

فهم أشد الأمة تمسكاً بالقرآن المجيد، وينكرون هذا الرأي السخيف أشد الإنكار، ويردون أيضاً ما ورد في أحاديث أهل السنة القائلة بانه نقص من القرآن مما اشير إليه في (مع الخطيب) اشارة اجمالية؟


36

نعم إذا اوضحت كل ذلك لهذه الفضلة والمتفضلة: وهم لا يدركون قيمته من الناحية العلمية والدينية، ولا يحبون وضوحه وتقريره يقولون لا يقبل ذلك منهم لأنهم يجوزون التقية، فانا لله وانا إليه راجعون.

فما عذركم عند الله تعالى فان كنتم معادين، ومعاندين لأهل البيت وشيعتهم كما يظهر من كتبكم ومقالاتكم فلا تجعلوا القرآن معرضاً للشك بعدائكم لأهله، وافترائكم على حملته.

فحسبكم إن ضيعتم وصية الرسول الرؤف الرحيم، ولم تحفظوه، ولم تحفظوا وصيته في أهل بيته، وذريته وشيعتهم، وتركتم هداهم والتمسك بهم، واقتديتم بأعداءهم الذين نكلوا بهم، وعلموا للقضاء على فضائلهم، ودافعتم عن سيرة هؤلاء الأعداء، وعما لهم فاعملوا ما شئتم إنّ الله تعالى يقول:

﴿إنّ الّذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة. اعملوا ماشئتم إنه بما تعملون بصير.

ولا تظن يا أخي أنّي أظن بجميع إخواننا من أهل السنة سوءً فإن أكثرهم من أهل الغيرة على الإسلام، والقرآن وحرمات الله، ويقدرون الدفاع عن صيانة القرآن من التحريف سواء كان في الملأ الشيعي او السني، ولا يرتضي احد من عوامهم فضلاً عن علمائهم ومصلحيهم ان يمس امثال الخطيب، واحسان ظهير ومن يوزع كتابهما كرامة القرآن المجيد بمقالاتهم، وكتبهم فأمثالهما وإن عدوا أنفسهم من أهل السنة، الا أنّ فيهم نزعات ليست من الإسلام تحملهم على نشر هذه المقالات لتكون الشريعة سفيانية، والملة يزيدية مروانية.


37

انشدكم بالله يا اساتذة جامعة المدينة المنورة، ويا علماء لاهور اما عرفتم عن جيرانكم منشيعة المدينة المنورة، ومن شيعة لاهور وباكستان عقيدة الشيعة في صيانة القرآن المجيد وسلامته من التحريف؟

أما رأيتم تعظيمهم وتقديسهم له، وانهم لا يقدسون كتاباً مثله، ولا يكون تعظيمهم له أقل من أهل السنة ان لم يكن أكثر؟

فلم لا ترشدون هؤلاء الجهال الذين اعمت بصيرتهم العصبية الطائفية؟ ولم لا تؤاخذون من يرغبهم، ويشوقهم، وينفق عليهم ليكتبوا عن الإسلام والمسلمين، وينشروا عليهم امثال هذه المقالات الشانئة الشائكة.

ولعمر الحق ان مقالاتهم هذه في عدائهم للشيعة زينت لهم كل كذب وافتراء فهم مصداق لما قيل: «حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء» ـ

فقد حفظوا عداءهم القديم الذي ورثوه، عن أعداء آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وشيعتهم الذين لا ذنب لهم غير ولائهم لعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتمسك بهم، وبسيرتهم تمسكاً بحديث الثقلين المتواتر وغيره من الأحاديث المتواترة.

فتارة يحكمون عليهم بما زينته لهم عصبيتهم مستندين في ذلك إلى الأحاديث الضعاف أو المتشابهة التي توجد في كتب أهل السنة سواء في اصول الدين أم فروعه، وفي التراجم، والتاريخ اضعاف اضعافها.

واخرى يفترون عليهم وبانهم يقولون في رسول الله بأن علياً وأولاده أفضل منه، وانهم فوق البشر بل آلهة (1).

(1) قد اجبت عن ذلك كله، ودفعت هذه الإفتراءات في (مع الخطيب) في فصل (منزلة النبي والإمام عند الشيعة) وفي فصل (غلط الخطيب في فهم كلام العلامة الآشتياني).


38

وتارة يقولون ان شيعة أهل بيت النبي، وأبناء بنته سيدة نساء العالمين هم ربيبة اليهود، واتباع عبدالله بن سبأ الموهوم (1) متغافلين عما في كتب أهل السنة حتى الصحاح منها من أحاديث يأباها العقل، ولا توافق روح القرآن، ونسوا ما ملأوا كتبهم من الفضائل والكرامات، والعلم بالغيب لغير الأنبياء من رؤساء الصوفية، وأئمة مذاهبهم مما لا يؤيده الكتاب ولا السنة، ولم يثبت بنقل معتبر، ونسوا ما رووا في بعض الصحابة من أن علمه سبق علم النبي صلى الله عليه وآله، بل استبق في علمه ارادة الله عزوجل فيما أوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله.

فهو عرف ما لم يعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله قبل نزول الوحي، ونسوا اعتماد عمر بن الخطاب وعثمان ومعاوية، وعلمائهم ومحدثيهم على كعب الأحبار اليهودي الذي كان من أوثق الناس عند عمر ومعاوية، وكانا يرجعان إليه، ويأخذان بقوله كحجة شرعية في تفسير الكتاب والسنة كما نسوا اعتماد معاوية، وابنه يزيد على غير المسلمين ومشاورتهما لهم.

وتارة يذكرون احتراق قلوب الكفار والمجوس واليهود وحنقهم على الإسلام والمسلمين ثم يهاجمون شيعة أهل البيت (2) ويأتون باسطورة عبدالله ابن سبأ وينسبون إليه إضرام نار الثورة على عثمان التي لم تقم عليه إلا بأسباب كلها ترجع إلى سيرة عثمان، وما ارتكب من الأحداث والأعمال مما لا يرتضيه المسلمون، وكان خارجاً عن روح العدل الإسلامي، وما ابتنت عليه

(1) يراجع في ذلك أصل الشيعة واصولها للامام كاشف الغطاء، و (عبدالله بن سبأ) للعلامة المحقق المجاهد السيد مرتضى العسكري.

(2) يراجع في ذلك (مع الخطيب) ص89 ـ 100.


39

سياسة الحكم والإدارة في الإسلام وإلى استبداده بالأمر وعدم اعتنائه بنصيحة الصحابة من المهاجرين والأنصار، وكان في طليعة من اضرم. عليه نار الثورة وحرك الناس وهيجهم عليه جماعة من الصحابة كطلحة والزبير وأم المؤمنين عايشة (1).

نعم يذكرون حنق اليهود والمجوس على الإسلام ثم يحملون على شيعة أهل البيت، يجعلونهم هدفاً للإفتراء والبهتان، وينسون احتراق قلوب المنافقين الذين قتل آبائهم وأقاربهم المشركون، في غزوة بدر وغيرها، ودخلوا في الإسلام كرها ولم يذهب بالإسلام حقدهم وحنقهم على نبي الإسلام على بطلة المجاهد الإمام علي، مثل ابي سفيان، ومعاوية، والحكم وابنه مروان، وعبدالله ابن سعد بن ابي سرح، والوليد بن عقبة، وغيرهم ممن اندرجوا في حاشية عثمان وكانوا معتمدين عنده.

فهو لا يدخل في أمر ولا يخرج عن أمر إلا بمشورة هؤلاء أي والله حفظ هؤلاء شيئاً وغابت عنهم أشياء.

الإستعمار والالحاد يريدان القضاء على الفكر الشيعي في المناطق الشيعية وعلى الفكر السني في المناطق السنية، لانهما أرادا القضاء على الفكر الإسلامي والشعائر الإسلامية، وتاريخ الإسلام، ومناهجه، والتزام المسملين شيعة وسنة بأحكام القرآن، وحلاله وحرامه.

وهؤلاء عوضا عن أن يؤيدوا مواقف الشيعة قبال اعداء الإسلام، ويزودوهم ويلتحقوا في صفوفهم، ويقدروا جهادهم ونضالهم يأتون باسطورة عبدالله

(1) يراجع في ذلك جميع التواريخ المعتبرة.


40

ابن سبأ الموهوم، والبهتانات التي يكذبها التاريخ يساعدون بكل ذلك الإستعمار ويضربون المسلمين بعضهم ببعض ويفتحون باب الجدال والنزاع.

فيا ليتهم كانوا قد قصروا عداءهم وحقدهم على الشيعة فقط، وتركوا إعلان ما في سرائرهم من العداء لأهل البيت، والولاء لظالميهم امثال معاوية ويزيد.

فوالله انكم ان لم تكونوا مرتزقة تعملون لأعداء الإسلام، ولا تريدون غير خدمتهم، وكنتم تقصدون بكتبكم الممزقة للامة خدمة طائفتكم، وارشاد ابنائها فانتم من أجهل الناس بواقع الأمور، وما يجري في العالم الإسلامي المعاصر.

حفظتم ما ورثتم من اسلافكم من حب معاوية، وعمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وبسر بن أرطاة وأمير مؤمنيكم يزيد بن معاوية، والوليد وغيرهم من مبغضي أهل البيت، وناصبي العداء لعلي عليه السلام، والحرب عليه، وذلك من اظهر الأدلة على نفاقهم ومروقهم لقول رسول الله صلى الله عليه وآله (يا علي لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق).

حتى قلتم: ان الرجل لا يكون من أهل السنة إلا أن يكون فيه شيء من بغض علي عليه السلام، وضيعتم مودة أهل بيت نبيكم التي فرضها الله عليكم في القرآن، وحث الرسول صلى الله عليه وآله عليها، واكدها في الروايات المتواترة، وأمر الأُمة بالتمسك بهم، وجعل التمسك بهم اماناً من الضلال والإختلاف.

حفظتم بولائكم لآل ابي سفيان، وآل مروان، وقلتم بشرعية حكوماتهم وحكومات ملوك بني العباس كالمنصور، وهارون، والمتوكل، وحكومات غيرهم من الجبابرة الذين لا فرق بينهم، وبين جبابرة سائر الأمم إلا انهم سموا انفسهم امراء المؤمنين، وانتم وعلماء السوء قبلكم لم تأمروهم بالمعروف


41

ولم تنهوهم عن المنكر بل صوّبتم أفعالهم واعمالهم التي سودت صحائف تاريخ الإسلام، وقلتم بوجوب اطاعتهم، وحرمة الخروج عليهم، ونسيتم ان الإسلام وشريعته لا يرتضيان مثل هذه الحكومات.

لأن الإسلام جاء لإحياء العدل، وإماتة الجور والإستضعاف، وازالة الاستبداد، وقد أمر الناس بان يخرجوا من ذل حكومة المستعبدين إلى عز حكومة الله، جاء الاسلام معلناً حرية الناس، وابطل الملوكية، والكسروية والقيصرية، والحكام الذين تدعونهم أُمراء المؤمنين كان أكثرهم شراً من الأكاسرة والقياصرة في الجور والاستبداد، والإسراف، والإشتغال بالملاهي، والمناهي والمعازف.

فانتم شوهتم تعاليم الإسلام الراشدة في الحكومة، وولاية الأُمور إذ صوّبتم استمرارية حكومات لا ينسى التاريخ جرائمها، وجناياتها، ومظالمها على العباد، ووددتم ان تكتب سيرتها وتاريخها سيما تاريخ مثل يزيد بن معاوية وهارون بالذهب.

فواقعة مثل واقعة الحرة وواقعة الطف، وقتل سيد شباب أهل الجنة وضرب الكعبة بالمنجنيق وما وقع في عصر بني أُمية وبني العباس من هتك الحرمات، والغدر والخيانة، والحروب الدامية، وتعطيل الأحكام الجدير عندكم بأن يكتب بماء الذهب.

فهنيئاً لكم يا كتاب (الخطوط العريضة) و (الشيعة والسنة) و (حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية) وناشري (العواصم من القواصم) وجزاكم الله تعالى حين يجازي معاوية، وعمرو بن العاص، ويزيد ومسلم بن عقبة، والحصين بن نمير، والمتوكل وغيرهم من مبغضي الامام علي عليه السلام،


42

وحشركم الله معهم، وفرق بينكم، وبين أهل بيت الرسالة والنبوة بحبكم لأعدائهم والمرء مع من أحب.

نعم أنتم لا تفهمون كل ذلك، ولا اعتداد بكم بعدما أدرك ذلك كثيرون من علماء أهل السنة، ودافعوا عن الإسلام، ومناهجه، وتعاليمه ووقفوا في وجه هذه الحكومات حتى لا يزعم جاهل أن الإسلام أتى بها، وأن مناهجها كانت إسلامية، وان انظمته كانت مما يقره الإسلام، وأوضحوا وان كان الأمر في نفسه، في كمال الوضوح ان هذه الحكومات لم تكن سائرة على جادة الحق، ولا على مناهج الإسلام في السياسة، والحكومة، والتعليم والتربية.

ولعمر الحق ان هذا واجب على كل من يدافع عن الإسلام، ومناهجه العادلة الراشدة.

وأيضاً لما رأيتم ايها النصاب، ومصوبي اعمال معاوية، ويزيد، ومسلم ابن عقبة، والحجاج، وغيرهم من الجبابرة انه لا يمكن الدفاع على ضوء العلم والمنطق عن هؤلاء وأمثالهم، وعما صدر عن أسلافكم من الجرائم، والجنايات وسفك الدماء بغير حق، تشبثتم تارة بحديث رويتموه عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني (1).

(1) ان لم يكن هذا الحديث، وأمثاله مما دسته السياسات الحاكمة على الحديث، والتفسير والفقه والدين في الأحاديث الشريفة ما مغزاه؟ أترى ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي قال الله في حقه: وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى اراد من هذا الكلام ان صح صدوره منه ما يريد احسان الهي ظهير، وغيره من تبرئة الظلمة المستعبدين لعباد الله الذين خالف اعمالهم، وحكوماتهم روح الدين الإسلامي، ودعوته، ورسالته؟.

أترى انه اراد بذلك نجاة الابرار، والفجار جميعاً، ونجاة القاتل والمقتول، والقاهر، والمقهور وكسعد بن عبادة، وقاتله، وكمالك بن نويرة، وخالد بن الوليد، وعثمان، وقتلته، ومن شجع الناس على الثورة عليه وطلحة، وقاتله مروان، والزبير، وقاتله عمرو بن جوعوز، والإمام علي عليه السلام، وقاتله اشقى الآخرين ابن ملجم والإمام ومن كان معه، وقتل بين يديه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وشهداء مرج عذراء، ومعاوية وأصحابه، وزياد، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وبسر بن ارطاة، والإمام الحسين السبط سيد اهل الابا وسيد شباب أهل الجنة، ويزيد وعامله ابن زياد ومسلم بن عقبة وشمر وسنان بن انس، والحجاج وجميع من رأى النبي صلى الله عليه وآله او رأى من رآه من الصلحاء السعداء، ومن الفجار الأشقياء الذين يعدهم احسان الهي ظهير من المسلمين، ولا يقبل نفاق واحد منهم ولا ارتداد فكلهم اهل النجاة، واختصهم الله تعالى بذلك دون سائر الناس.

مع انه إذا كان الأمر كذلك فغير من ذكرناه في هذه الأسماء من الظلمة الخؤنة أولى بان لا تمسه النار لأن مظالم غيرهم لا تقايس بمظالم الذين يشملهم الحديث بزعمه، واذاً لبطل الثواب، والعقاب، والتكليف والأمر والنهي، ويلزم تعطيل الشريعة بالنسبة إليهم.

فهل هذا مراد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الكلام؟ وهذا مفتراه.

حاشا رسول الله، وهو الذي لا ينطق إلا بالحق ان يريد مثل ذلك وحاشا الشريعة الإسلامية أن يكون هذا منهاجها القويم. اننا لم نسمع بمثل هذا في أمة من الأمم، وشريعة من الشرائع.

فهل توافق من يقول: ان الامة بحاجة ملحة إلى تنقيح كتب الاحاديث. حتى المسانيد والصحاح الست بل والتفاسير والتواريخ، والتراجم وتخليصهما من الاسرائيليات، ومما ياباه العقل وما لا يمكن ان يكون الناطق به النبي الحكيم الذي علمه الله ما لم يكن يعلم، وكان فضله عليه عظيماً.

فيجب أن يغسل عنها ما دسّته السياسة فيها بل يترك منها كل ما يشم منه رائحة السياسة، والنزعات التي ليست من الاسلام وسواء توافق ام لا توافق فقد بدأت هذه الحركة العلمية حيث نرى ان بعض المجلات العلمية العربية من أهل السنة تشرع في البحث حول أحاديث الصحيحين، وحتى بعض المثقفين المتضلعين في علم التراجم شرع في تنقيح تراجم الصحابة على ضوء علمي دقيق.

فراجع في ذلك (شيخ المضيرة) و(اضواء على السنة المحمدية) وأبو هريرة وأحاديث عايشة أم المؤمنين و(خمسون صحابي مختلق).


43


44

وأخرى أتيتم بقول منكر مخالف لصريح الكتاب والسنة، وما في اصح كتبكم في الحديث فقلتم (ان الصحابة كلهم عدول) ما قصدتم بذلك إلا تعديل فسقتهم، وظلمتهم، والمنافقين الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن ارتدادهم في أحاديث الحوض.

فجمعتم بين المتناقضين الفسق، والعدالة، وبنيتم بزعمكم سداً وحصناً بينهم، وبين الباحثين في التاريخ، وعما جرى على الإسلام والمسلمين في عصر الصحابة، والتابعين، ونسيتم ان فسق جماعة منهم ثابت بالتاريخ والأثر الصحيح وان القرآن المجيد ناطق بنفاق جمع من الصحابة في غير واحدة من الآيات، وان أحاديث الحوض الصحيحة صريحة في ارتداد جماعة من الصحابة.

نظراً لكل ذلك فان ما قلتموه لا يقنع الباحثين، ولا يمنعهم عن البحث، والتنقيب، ولا يخفى على العلماء المحققين ما اردتم اخفاءه سيما ما جرى على أهل البيت من ظالميهم.

فلا يمكن للجيل المسلم المثقف، والباحثين المنصفين ان يستعرضوا تاريخ الإسلام دون ان يقرأوا مثل حديث يوم الدار أو يقرأوه ولا يفهموا معناه من التنصيص على خلافة الإمام علي عليه السلام.

كما انه لا يمكن ان يقرأوا تاريخ عصر الصحابة، ولا يعرفون منه شيئاً، ولا يدركون مغزى الأحداث التي وقعت قبيل ارتحال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من واقعة غدير خم التاريخية، ومنع بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الوصية، وكتابه ما لا تضل الأُمة بعده ابداً فقال في رسول الله ما قال،


45

وما وقع في السقيفة مما أدى إلى الاستبداد بالأمر دون أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبني هاشم، ثم منعهم السيدة الزهراء عن حقها في فدك حتى ماتت، وهي غاضبة تمسكاً بحديث نسب إلى النبي صلى الله وآله مع انهم قالوا حين أراد الرسول صلى الله عليه وآله أن يكتب وصية لا تضل الأُمة بعدها أبداً، حسبنا كتاب الله، ومنعوا الأُمة عن كتابة الحديث وحفظه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

مع انهم لم يردوا على الخليفة الأول حين أراد الوصية في مرض موته ولم يقولوا إنه يهجر، وحسبنا كتاب الله بل كتبوا وصيته للخليفة الثاني قبل ان ينص هو على ذلك، وكان مغمىً عليه.

كما لا يمكن أن يمنع الباحثين عما حدث في عصر عثمان حتى كتب بعض الصحابة إلى بعض. ودعوا الغائبين عن المدينة ان اتركوا محاربة الكفار، وتعالوا إلى المدينة للنهي عن المنكر، ودفع ما وقع من الأحداث.

وقد أسفرت تلك الحوادث عن الثورة التاريخية على السلطة التي صارت العوبة بيد بني أمية الذين داسوا على أحكام الإسلام في الحكومة والولاية، والمال، واستهزءوا بأحكام الله تعالى مما دفع المسلمين إلى النهوض للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستخلاص الحكم من أيدي أمثال مروان، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، ومعاوية بن أبي سفيان.

فطلبوا أولاً من الخليفة الرجوع إلى الكتاب والسنة، وابعاد هؤلاء سيما مروان عن التدخل في أمور المسلمين فلم يقبل منهم، وبقي جاداً على أفعاله بل اشتد البلاء واصر الخليفة على سيرته التي لا يرتضيها الصحابة إلاّ من كان منهم في حواشي بني أمية أو من زمرتهم.


46

وكان ممن نقم على الخليفة، وحرض عليه غاية التحريض أُم المؤمنين عايشة، وطلحة والزبير، وغيرهم من الصحابة حتى انتهت هذه الحركة بقتل عثمان بعدما كان أمير المؤمنين علي عليه السلام من أشد المدافعين عنه، واخلص نصحائه، وبعدما استقر الأمر وسكنت الإضطرابات، وسكتت أصوات الثائرين بعد تمامية البيعة، والولاية لعلي عليه السلام، ولم ينالوا بعض الثائرين والناقمين على عثمان كاُم المؤمنين عايشة، وطلحة، والزبير ما أرادوا من تهييج الناس على عثمان الذي انتهى بقتله.

أخذوا ـ ويا للسخرية ـ يطالبون بدمه، والاقتصاص من قتلته فنكث طلحة والزبير بيعتهما وخرجا بأم المؤمنين عائشة إلى البصرة. وفتحوا على المسلمين أبواب الحروب الداخلية، وتتابعت الأحداث والفتن، وتغلب على بلاد الإسلام وأُمور المسلمين ولاة وحكام لم يقل استبدادهم، واستضعافهم المسلمين عن الأكاسرة والقياصرة، وصار ما صار، وآل الأمر إلى ما آل من قضاء على الإسلام، وتمزيق للمسلمين، وديارهم، وتسليط أعداءهم عليهم.

ومع هذا كله لا يمكن مطالبة المسلم الباحث بأن يصوب أعمال هؤلاء ومن ان التاريخ حفظ من هذه الأحداث وآثارها المخزية ما حفظ كيف يمكن في هذا العصر ـ عصر الكتابة والطباعة، والقضاء على الأُمية ـ منع جيلنا المسلم عن مطالعة التاريخ، وعن البحث في هذه الأحاديث، والسؤال عما كان ورائها، وعما كان المسبب لها، والمحقق لمآسيها، وفظائعها.

فلو فرض محو اسم الشيعة، وكتبهم ومعارفهم عن صفحة الوجود فلا يقتنع الباحثون المعاصرون بقراءة التأريخ من غير تدبير ومعرفة ولا يمكن منعهم من ذلك كما لا يمكن اقناعهم بحمل كل ذلك على الاجتهاد وصدوره عن نيات صادقة خالصة.


47

إذ لا يمكن أن يكون نتيجة النيات الخالصة هذه الفتن الكبيرة، والحروب الدامية، ولا سبيل لكم أيها المغرضون إلا ترك تضليل الناس وإلا دعوتهم إلى الكتاب، وسيرة الرسول وسنته، وأن لا تزيدوا على ما قرره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من وجوب القول بعدالة الصحابة، وشرعية الحكومات التي غلبت على الأُمور، وحتى كاتباع سيرة الشيخين التي ابتدعه ابن عوف، ورده الإمام علي عليه السلام وخسر ثمن قبوله الذي ما كان أغلى منه عند أهل الجاه والرياسة، وطلاب الحكومة وهو إمارة المسلمين، وقبله الخليفة الثالث ثم لم يعمل في حكومته لا بسيرة النبي صلى الله عليه وآله ولا بسيرة الشيخين.

فعليكم ان تجددوا النظر في رأيكم في هذه الحكومات، ومن استبد على ولاية أُمور المسلمين إلى هذا العصر فلا تعرضوا هذه المسائل وغيرها إلا على الكتاب والسنة، وسيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أو أجعلوا ذلك راياً واجتهاداً منكم، ولا تطالبوا عن الباحثين المنصفين ان يواقفونكم فيه على رغم ما يؤدي إليه بحوثهم ويعرفونه من الروح الإسلامي، وعدله. ومناهجه في الحكم.

ولا تجعلوا ذلك مانعاً عن التقريب والتجاوب، وتحقيق الوحدة الإسلامية ولا تفرقوا كلمة المسلمين فالباحثون، والجيل المثقف ورأيهم، واجتهادهم وانتم يا مقلدة علماء السوء الذين باعوا دينهم بدنيا أمراء الجور، ورأيكم.

نعم احتفظتم بعداءكم لشيعة أهل البيت، ولما وقعتم في العجز أمام قوة أدلة الشيعة من الكتاب، وصحاح الأحاديث الدالة على أن النجاة منحصرة في التمسك بعترة النبي صلى الله عليه وآله، وأهل بيته، والأخذ عنهم، والرجوع إليهم، وانهم سفن النجاة، وان الحق يدور معهم وانهم والكتاب لن يفترقا


48

حتى يردا على رسول الله صلى الله عليه وآله الحوض وان حربهم حرب رسول الله وسلمهم سلم رسول الله، وان من سلك طريقاً غير طريقهم زج إلى النار، افتريتم عليهم بانهم يقولون (العياذ بالله) ان الأئمة افضل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو انهم آلهة أو انهم يقولون بعد تسليمهم في الصلوات خان الأمين (1) يريدون امين وحي الله تعالى والملك المقرب (جبرئيل عليه السلام) أو

(1) من الكلمات الحكيمة (إذا لم تستح فاصنع ما شئت أو فقل ما شئت) فبالله اسئلك يا أخي أن تقرأ كتب الشيعة في الادعية والاذكار، وما يدعون تعالى اليه في تعقيبات صلواتهم وان تذهب إلى أي بلد وقرية من البلاد الشيعية، وفي مساجدهم وصفوف صلواتهم فاسمع واسئل وافحص حتى تعرف ان ليس في الشيعة من العوام فضلا عن خواصهم احد يعرف هذه الفرية واقض العجب العجب من قلة حياة هؤلاء المفترين، وانظر بعينك واسمع باذنك ان الشيعة بعد صلواتهم يرفعون ايديهم للتكبير إلى حيال آذانهم ثلاث مرات ويقولون في كل مرة (الله أكبر) وهؤلاء يقولون أنهم يقولون: خان الامين فليقولوا ما شائوا وليفتروا ما أرادوا، فلا تحسبن الله غافلاً عما يفترون ولا يقول في الملائكة الذين منهم جبرئيل عليهم السلام ما قال الله تعالى فيهم ﴿عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملونه.

ثم ما هذه المصاحف الخاصة التي جعلوها لانفسهم، وعند من وفي أي مكتبة يوجد واحد منها وعند من رأيت نسخة منها. أهكذا تعرفون دين الحق؟ أدين الحق أمركم بالكذب والافتراء والبهتان؟ أدين الحق يأتي بالكتب المزورة، وما يوجب تفريق كلمة المسلمين والجفوة والبغضاء.

قال الله تعالى: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبائنا والله أمرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون.

ثم انه وقع بيدي بعدما كتبت هذا الكتاب كتاب اسماه مؤلفه عبدالرحمن بن حماد آل عمر «دين الحق» وجدت فيه أغلاظاً كثيرة فعجبت من جهل هذه الطائفة واصرارهم على الكذب، والقول بغير علم وتركهم التشبت والتحقيق وركونهم على ما يفضحهم ويوضح جهلهم ورهن ما بنوا عليه في اثبات مذهبهم ورد غيرهم وإذا كان هذا حال علمائهم وكتابهم فما ظنك بعوامهم.

ونذكر لك نموذجاً مما في هذا الكتاب من الهذيان ما قال في ص88 (ومن الفرق الخارجة عن الإسلام وان كانت تدعيه وتصلي، وتقوم وتحج فرقة كبيرة العدد من فرق الشيعة تدعى ان جبرئيل عليه السلام خان في الرسالة حيث صدها إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد كان مرسلا إلى علي رضي الله عنه.

ويقول هؤلاء ان القرآن الذي بأيدي المسلمين الآن فيه زيادة ونقص، وجعلوا لهم مصاحف خاصة، وصنعوا فيها سوراً من عند انفسهم الخ).

فيا أهل الإنصاف والدين، ويا حملة الكتاب والسنة، ويا من يريد ان يعرف اتباع ابن تيمية انظروا في هذه المخاريق، واعرفوهم فهذا أساس كتبهم ومقالاتهم الطائفين، واسئلوهم عن هذه الفرقة الكبيرة التي تقول بهذه المقالة الكافرة وتنسب بين وحي الله تعالى بالخيانة.

ففي أي بلد هم ساكنون، فأتوا يا أتباع ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب بواحد منهم ان كنتم صادقين والا فاعملوا انكم في ضلال مبين.

فما عذركم عند الله تعالى لعنة الله على من يقول بهذه المقالة.


49

ان لهم قرآناً غير هذا القرآن او انهم يكفرون جميع الصحابة من افتراءات خلاف بين الشيعة في كفر من قال بواحد منها. او انكرتم عليهم ما يثبتون من الفضائل والمناقب والكرامات، والعلوم لأهل البيت عليهم السلام مما ثبت بالأثر الصحيح شهد بكثير منها، واخرجها جماعة من أعلام أهل السنة ممن يطول بنا الكلام بسرد اسمائهم حتى ان جمعاً منهم صنفوا في ذلك كتباً مفردة.

أو أخذتموهم بعقائدهم الصحيحة التي تعتقدونها انتم ان كنتم من أهل السنة (ولستم منهم) كالتقية التي نزل بها القرآن الكريم.

أو أخذتموهم بآراء، وأقوال لم تحصلوها، وما دريتم قولهم فيها أو دريتم


50

وتجاهلتم كالرجعة (1) والبداء (2) وقلتم فيها ما تريدون، وتركتم النظر حول هذه المسائل، ولم تكلفوا انفسكم النظر في ادلتهم من الكتاب والسنة فأولتموها بمزاعمكم ليكون لكم عذر عند العوام والجهال حتى لا يسئلوكم عن حقيقة ما يقوم عليه مذهب شيعة أهل البيت.

فان السؤال إذا وصل إلى هنا لا يمكنكم أن تدفعوا الناس عن الميل إلى مذهب أهل البيت وإلى التشيع لأن مذهبهم اقتصر على الأخذ عن أهل البيت والتمسك بهم دون غيرهم كما قال أبان بن تغلب: إن الشيعة هم الذين إذا اختلف الناس عن النبي صلى الله عليه وآله يأخذون بقول الإمام علي، ويتركون غيره من الأقوال (3).

(1) لا يخفى عليك ان الرجعة ليست على اطلاقها عند من يقول بها من الشيعة، والا كانت بعثاً، ومن الآيات التي استدلوا بها على الأولى قوله تعالى، ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون كما استدلوا أيضاً بآيات صريحة على وقوعها في الأمم الماضية.

وأما البعث والقيامة فهو عام لجميع المكلفين لقوله تعالى ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم احداً.

ولا يخفى عليك أيضاً أن القول بالرجعة والبداء ليس من أصول الدين، ومما يدور عليه الحكم بالإسلام عند الشيعة فمن لم يثبتا عنده وانكرهما لا يخرج بذلك عن الإسلام نعم من ثبت عنده ذلك بالكتاب والسنة ثم انكره يخرج عن الإسلام لأن انكاره يرجع إلى انكار الكتاب والسنة دون من لم يثبت عنده.

(2) راجع في الرجعة (مع الخطيب)، فيها وفي البداء كتاب (أجوبة مسائل موسى جار الله، ونقض الوشيعة) وللشيعة في هاتين المسئلتين كتباً مفردة ومن عجيب ما قرأت حول أسئلة الرجعة ما أخرجه ابن حجر في تهذيب التهذيب ج5 ق323 ص187 و188) عن أبي حريز البصري قاضي سجستان: وهو من شيوخ الأربعة البخاري في التعليقات (قال ابن حجر) وقال الآجري عن أبي داود ثنا الحسن بن علي ثنا أبو سلمة ثنا هشام السجستاني قال: قال لي أبو حريز: تؤمن بالرجعة قلت لا قال: هي في اثنتين وسبعين آية من كتاب الله تعالى.

(3) اخرج في الأمالي الخميسية (ج1 ص153 ط مصر) بسنده عن أبي مسعود قال: ان لهذه الأمة فرقة وجماعة فجامعوها إذا اجتمعت فاذا افترقت فارقبوا أهل بيت نبيكم فان سالموا فسالموا. وان حاربوا فحاربوا فانهم مع الحق، والحق معهم لا يفارقهم، ولا يفارقونه.


51

والبحث والتنقيب إذا كان للوصول إلى الحقيقة ينتهي إلى مذهب الشيعة كما ترى ذلك في كتب جماعة من رجالات العلم من المتقدمين، والمعاصرين من أهل السنة في مسائل كثيرة فبعضهم صرح بما ينتهي إليه البحث في ضوء علمي، وبعضهم ان لم يصرّح فلقد أورد البحث، واتمه على نحو يلتفت من يقرؤه إلى نتيجة بحثه.

ولا يقبل المسلم المثقف، والجيل المعاصر ما ذكره بعض السلف من أعذار مختلقة للأحداث التي وقعت بعد ارتحال الرسول الأعظم إلى الرفيق الأعلى، فترى مثل سيد قطب لا ينكر سوء سيرة عثمان، وضعف سياسته، وما خسر المجتمع الإسلامي به في كتابه (العدالة الإجتماعية) ويعظم نهضة الإمام الحسين عليه السلام، وقيامه لحفظ الإسلام غاية التعظيم، يذكر عمله مع عمل إبراهيم الخليل النبي العظيم عليه السلام في تفسيره.

ولعلك لا ترى من الكتاب المثقفين من يدفع عن سيرة معاوية، وعمرو ابن العاص، ويزيد بن معاوية، ويحمل أفاعيلهم المنكرة، وأفاعيل أمثالهم على الإجتهاد فأمر هؤلاء صار أوضح من أن يخفى على الباحث المنصف وكلما قلت العصبيات، زاد الأمر وضوحاً إلى أن يقطع الله دابر المنافقين.

ومع ذلك كله نحن لم نطلب في (مع الخطيب) وفي سائر كتبنا حول الدعوة إلى الوحدة الإسلامية من هؤلاء الذين جعلو اشعارهم الدعوة إلى التفرقة والإختلاف إلا الإعتصام بالوحدة الإسلامية، وأن لا يغالوا في ولاء المنافقين الذين اظهر آثار النفاق فيهم بغضهم الإمام علي عليه السلام، وعداءهم لأهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس، وأمرنا الرسول الأعظم بالتمسك بهم، وأن يأخذوا بالروابط الأصلية الإسلامية التي تربط بين جميع الفرق والمذاهب.


52

فلا يحكموا بكفر من صرحت صحاح الأحاديث، وسيرة الرسول، وسيرة أصحابه على اسلامه لأنه يتمسك بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله. ويأتم بهم، ويقتدي بهداهم، وسيرتهم، ويتبرء من أعدائهم، ولا يقول بأن الصحابة حتى من ثبت فسقه بل ارتداده بالأثر الصحيح كلهم عدول بل يحكم على على كل منهم بما يحكم عليه التاريخ، ويؤدي إليه اجتهاده.

فإذا أنتم لا تكفرون قتلة عثمان، ومن شرك في دمه، وأثار الفتنة عليه كأُم المؤمنين عايشة، وطلحة، والزبير، وعمار، وغيرهم، ولا تفسقونهم كما لا تفسقون عايشة وطلحة والزبير، ومن كان معهم في وقعة الجمل، وتحملون كل ما صدر عنهم على خطأهم في الإجتهاد، وتقولون للمصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، وتقولون بوجوب اطاعة أمير مؤمنيكم مروان، وهو الذي قتل طلحة يوم الجمل، وكان طريد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولعينه، وقد أسلم عام الفتح اسلام الطلقاء، وهو الذي كان من وراء الأحداث التي أثارت المسلمين عن عثمان.

فَلِمَ تكفرون وتفسقون اذن من أدّى اجتهاده إلى فسق بعضهم أو نفاقهم، ومن أين جئتم بأن الإيمان بشرعية حكومة جبابرة هذه الأُمّة، ووجوب إطاعتهم وإطاعة ولاتهم داخل في الإيمان؟

ولم لا يجوز الحكم بفسق من شهد التاريخ، والأثر الصحيح، والأحاديث المعتبرة بفسقه.

وهل ان هذه الآراء جاءت إلا من قبل السياسات التي سلبت حرية التفكير الديني عن المسلمين بعد عصر الرسالة.


53

والا فهذه فاطمة الزهراء بنت رسول الله وحبيبته سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة المطهرة عن الرجس، بحكم آية التطهير ماتت، وكانت عقيدتها ورأيها عدم شرعية حكومة أبي بكر، وماتت غاضبة على الشيخين فمن كانت عقيدته عقيدتها لا يؤاخذ بها، ونفس هذه العقيدة كانت عند غيرها ممن امتنع عن البيعة لأبي بكر.

ومن جانب آخر فهذه أم المؤمنين عايشة حاربت علياً الذي قال النبي صلى الله عليه وآله في حقه: علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار، وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فحدثت من جراء ذلك في الإسلام فتنة كانت هي كالأساس لجميع الفتن التي حدثت بعدها إلى يومنا هذا.

ومع ذلك فأنتم تفضلونها على سائر أُمهات المؤمنين (1).

(1) (حتى على زينب بنت جحش التي أطاعت أمر النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع حيث قال صلى الله عليه وآله في هذه الحجة مخاطباً نساءه:

(هذه الحجة ثم ظهور الحصر) وبالغت في الاطاعة حتى بلغ الامر بها الى حد أنها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تخرج من بيتها حتى للحج وكم كان بينها وبين عائشة من معارضة الاخيرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وردها عليه وعدم اطاعتها له من فرق ولأثبات ذك نذكر مثالاً مما وقع في حجة الوداع وهو ما في السيرة الحلبية (ط مطبعة مصطفى محمد ج3 ص292 و293) من أنه في حجة الوداع (كان جمل عائشة رضي الله عنها سريع المشي من خفّة حمل عائشة وكان جمل صفية بطيء المشي مع ثقل حملها فصار يتأخر الركب بسبب ذلك فأمر صلى الله عليه وسلم أن يجعل حمل صفية على جمل عائشة وان يجعل حمل عائشة على جمل صفية فجاء صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها يستعطف خاطرها فقال لها: يا أم عبدالله حملك خفيف وجملك سريع المشي وحمل صفية ثقيل وجملها بطيء فأبطأ ذلك بالركب فنقلنا حملك على جملها وحملها على جملك ليسير الركب فقالت له: أنك تزعم أنك رسول الله (فقال) صلى الله عليه وسلم: أفي شك أني رسول الله أنت يا أم عبدالله؟ قالت. فما بالك لا تعدل؟ قالت ـ فكان أبو بكر رضي الله عنه فيه حدة فلطمني على وجهي فلامه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال. أما سمعت ما قالت؟ فقال: دعها فان المرأة الغيراء لا تعرف أعلى الوادي من أسفله (ثم ذكر قصة عجيبة من أبي بكر لا حاجة لذكرها هنا).

أفيقاس من يرد على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة بغيرها). من أمهات المؤمنين اللاتي لم يحفظ عنهن التاريخ دون ذلك.

أتعرف في النساء الصحابيات من المهاجرات، والأنصار من خاطب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذا الخطاب؟ الا تقر أن أم المؤمنين عايشة لم تحز ما حازت من الاجلال إلا لان السياسة شاءت واقتضت ان يكون لها هذا الشأن، وان كثرة حديثها،ومن يحدث عنها والاعتناء بها لم تكن الا لذلك.

نعم لا شك في انها طاهرة مما قذفت به، ومن انكر ذلك فهو كافر بالله، وبكتابه كما ان سائر أمهات المؤمنين أيضاً كلهن طاهرات مما قذفت هي به وان كان القرآن نزل بطهارتها خاصة. أما خطأها، في ما صدر عنها من الخروج على الإمام عليه السلام فذنب تاريخي لا ينكر، وما صدر عنها الا لأنها كما قال سول الله صلى عليه وآله وسلم كانت (لاتعرف أعلى الوادي من اسفله).

ألا تعجب ممن يذكر اسمها حتى قبل اسم سيدة نساء العالمين الزهراء، وسيدة النساء خديجة؟ وعندي ان تفضيل كل واحد من الأمة، وغيرهم على سائر الناس لا يصح الا بدليل صريح قاطع كما دل على افضلية سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء والسيدة خديجة أم المؤمنين، والسيدة مريم بنت عمران، والسيدة آسية، واما غيرهن فلا دليل على فضلهن على جميع النساء، ولم يدل دليل على أنه لا يوجد في نساء الامة من غير أمهات المؤمنين افضل من غير هذه الأربع لو لم نقل بدلالة الكتاب والسنة عليه بدليل قوله تعالى: (عسى ربه ان طلقكن ان يبدله ازواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وابكاراً).


54


55

فلِمَ تؤاخذو من يؤدي به اجتهاده إلى الحكم على عائشة بانها خالفت رسول الله، بخروجها على الإمام، وان الله سائلها عن هذه الدماء التي اريقت في وقعة الجمل، وما بعدها من صفين والنهروان.

والحاصل نحن نطالبكم ان لا تدخلوا في الدين ما ليس فيه، فقد عرف الله تعالى في كتابه، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في سنته الإسلام، وحدوده وما به يخرج المرء عن دينه، ولا يوجد شيء منه فيما اعتبرتموه انتم عناداً، وعصبية خروجاً عن الدين.

فلا الإيمان بشرعية بعض الحكومات ولا بصحة إيمان أبي سفيان، وابنه معاوية، والوليد بن عقبة، وبسر بن ارطاة، ولا غير ذلك مما تنقمون بسببه على شيعة أهل البيت خروج عن الإسلام، وقد أفردنا في رسالة خاصة كتبناها حول حديث افتراق الأُمّة ما هو الميزان في النجاة، ان شيعة أهل البيت أخذت بكل ما له دخل في الإسلام، وسبب للنجاة عند أهل السنة والجماعة.

و ومن جهة اُخرى فهذه الأُمور التي تأخذونها على شيعة أهل البيت ومتبعي سبلهم، ومذهبهم، وتجعلونها مانعاً من التقريب، واعتصام الأُمّة بالوحدة الإسلامية لم يبق لها في هذه العصور أثر عملي في اتجاهاتكم السياسية والإجتماعية وإنما هي آراء وتفكيرات انتجتها السياسات الغاشمة وانتم تتبعون سلفكم فيها فلا معاوية، ولا يزيد، ولا الوليد، ولا المنصور، ولا هارون، ولا الحجاج ولا مسلم بن عقبة، ولا بسر بن أرطاة، ولا زياد بن أبيه، وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة أُمراء مؤمنيكم، وولاة أُموركم حتى تلتحقون بصفوفهم، وتحاربون معهم الإمام علي، والإمام الحسين، وشيعتهم من الصحابة مثل سلمان، والمقداد وأبي ذر، وعمار وحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق،


56

والوف من الصحابة ممن كانوا في في حزب علي، ومعه في واقعة الجمل، وصفين والنهروان، وتقتلونهم.

والتفكير الشيعي أيضاً عقيدة وفكرة لا يخرج في حقيقته عما يعتبر في الإسلام مما دلت عليه صحاح احاديثكم.

نعم … انه فكرة وعقيدة تجيء طبعاً من مراجعة الاحاديث الصحيحة المتواترة، ومن مطالعة تاريخ الإسلام، والبحث، والتنقيب في سيرة الرسول وأهل بيته، واصحابه، وفي سيرة من تولى الأمر بعده وما أُثر في مسار التاريخ وظهور الحكومات في العالم الإسلامي، وسيرة الحكام المخالفة لتعاليم الإسلام الرشيدة في الحكم والإدارة، وحساب هؤلاء على الله تعالى.

وأنتم على عقيدتكم ورأيكم فيما تقولون فيهم من أنهم كانوا فيما فعلوه وأحدثوه متبعي هوى الإسلام لم يريدوا بما فعلوا رئاسة، وسلطاناً ولا جاهاً دنيوياً وما مخالفتهم لأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واستباحتهم الدماء المحقونة، وتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال إلا لرأي رأوه واجتهاد أدى بهم إلى ذلك.

أنتم وشأنكم قولوا ما شئتم، واحكموا أو تحكّموا بالتاريخ كما يحلو لكم فنعم المجتهدون مجتهديكم معاوية، وعمرو بن العاص، وبسر بن ارطاة، ووليد بن يزيد، وسمرة بن جندب، وحصين بن نمير، ومروان وغيرهم.

فنعمت الحصيلة ـ حصيلة اجتهادهم الاستبداد بأمور المسلمين، وقتلى الجمل وصفين ومرج عذراء، وامارة يزيد، وقتل الإمام الحسن السبط الأكبر وأخيه الإمام الحسين ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله، وقتل غيرهم من أهل بيت الرسول، وأصحابه، وقتل مالك بن نويرة، ونكاح زوجته قهراً


57

قبل انقضاء عدة الوفاء، ونفي ابي ذر الذي قال رسول الله في حقه ما قال (1)، وغير ذلك من المنكرات.

فانتم ورأيكم في هذه الأُمور، ولكن لماذا تطلبون ممن أدّى اجتهاده على خلاف اجتهادكم في أصحاب هذه الاحداث ترك اجتهاده، ولا تحترمون اجتهاده فيهم كأنه ارتكب كبيرة من الكبائر.

وإذا كان من الجائز أن تحمل اعمال هؤلاء، وحروبهم، وقتلهم النفوس وبغضهم للإمام علي عليه السلام الذي كان من أظهر آثار النفاق بل يعد في عهد الرسول صلى الله عليه وآله من علائم خبث الولادة على الاجتهاد، وإذا أنتم تعذرون معاوية، وقلتم بأنه مجتهد مخطىء لا ذنب له مع أفاعيله المنكرة الموبقة العظيمة، ومع انه سن سب أخ الرسول، ومن هو بمنزلة نفسه، على المنابر، وتحملون جميع ما صدر عنه، وعن اتباعه من بني أُمية، وغيرهم على الإجتهاد لا تفسقون واحداً منهم.

(1) أخرج أحمد في مسنده (ج5 ص197) عن عبدالرحمان بن غنم انه زار ابا الدرداء بحمص فمكث عنده ليالي، وأمر بحماره فاوقف فقال أبو الدرداء ما أراني الا متبعك فامر بحماره فاسرج وسارا جميعاً على حماريهما فلقيا رجلا شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابية فعرفهما الرجل، ولم يعرفاه فاخبرهما خبر الناس ثم ان الرجل قال وخبر آخر كرهت ان أخبركما أراكما تكرهانه فقال أبو الدرداء فلعل ابا ذر نفي قال نعم والله فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريباً من عشر مرات..

ثم قال أبو الدرداء ارتقبهم واصطبر كما قيل لاصحاب الناقة: اللهم ان كذبوا ابا ذر فاني لا أكذبه، اللهم وان اتهموه فاني لا اتهمه، اللهم وان استغشوه فاني لا استغشه فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتمنه حين لا يأتمن احد ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد.

أما والذي نفس ابي الدرداء بيده لو ان ابا ذر قطع يميني ما ابغضته بعد الذي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء من ذي لهجة اصدق من أبي ذر.


58

لماذا لا تحترمون اجتهاد من أدى اجتهاده إلى ما كانت تراه فاطمة سيدة نساء العالمين، والامام علي، وابي ذر والمقداد، وعمار، ووجوه الصحابة الذين رأوا وجوب الجهاد ضد معاوية، وقتله، وقتل أصحابه حلالاً، وكانوا يتقربون إلى الله بذلك وبالبراءة منه؟

فإذا كانت السيدة فاطمة المطهرة عليها السلام، وبنو هاشم وغيرهم ممن امتنع عن بيعة أبي بكر مجتهدين فالذي يرى رأيهم في ذلك عذره أولى بالقبول.

مضافاً إلى ان الرأي بشرعيتها لا يدخل أحداً في الإسلام كما ان القول بعدم شرعيتها لا يخرج أحداً عنه فتلك المسائل والعقيدة بشرعية الحكومات التي تولت الأُمور بعد رسول الله صلى الله عليه ليست من اصول الدين ولا يخرج احد بانكارها عن الإسلام، كما لم يخرج المسلمون الاولون بذلك عنه.

فمن لم يعرف اصحاب هذه الحكومات، ولم يسمع باسمهم لا يسئل عن ذلك في القيامة أصلاً، ولا يجوز لكم ان تعرضوا على الناس عند عرض الإسلام، واُصوله، واهدافه عرض شرعية حكومة هؤلاء اوا اتباع سيرتهم أو الإيمان بعدالتهم إلاّ إذا كنتم تريدون ان تزيدوا ذلك على ما جاء به النبي صلى الله عليه آله وسلم.

فمسألة كون الصحابة كلهم عدول ليست من اُصول الدين، وفروعه بشيء، ولا مدخلية لمثل هذا مما نسجته يد السياسة الأثيمة، ومبغضي أهل البيت عليهم السلام في اسلام المسلم أصلاً، ولا يجوز تكفير المسلم أو تفسيقه إذا رأى غير ذلك مع التزامه باحكام الإسلام من الصلاة، والصيام، والحج والزكاة، وغيرها، وتركه ما حرم الله تعالى في كتابه، وسنة رسوله.


59

وكل باحث في تاريخ الإسلام إذا كان منصفاً يعرف أن الأصل في ادخال هذه الأُمور في الدين، ما كان إلا سياسة الحكام الذين قلبوا الإسلام ظهراً لبطن حتى قال أبو الدرداء: والله لا أعرف فيهم من أمر محمد صلى الله عليه وآله شيئاً إلاّ أنهم يصلّون جميعاً (1).

وقال أنس:

ما أعرف شيئاً مما كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قيل: الصلاة قال: أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها (2)؟.

ولكنهم منعوا بكلمتهم (الصحابة كلهم عدول) الامة عن البحث والتنقيب حول ما شجر بين الاولين لما رأوا ان ذلك يؤدي إلى معرفتهم ما لا يحبون، ويحتم عليهم النزول عن عروشهم الاستبدادية، وينتهي إلى الحكم بعدم شرعية حكوماتهم، وجعلوا هذا كبعض الأُمور التعبدية، الذي لا يجوز لأحد ان يسئل عنه لعدم اهتداء العقل إلى حقيقته، فلا يجوز لأحد أن يتكلم في صحابي، ولو كان بسراً، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، والوليد ابن عقبة، بل ولا في من رأى الصحابي، ولو كان هو الحجاج أو مسلم بن عقبة.

أما إذا كان ممن اعتلوا عرش الحكم واستبدوا بمقدارات الأُمة، فلا يجوز القدح في أعماله أصلاً لأنه على الأُمة اطاعة الولاة، ولأنهم (العياذ بالله) صنائع الإسلام، ومطبقوا مناهجه السياسية فلا يجوز لأحد ان يقف أمام مواقفهم السياسية حراً، وينظر إليها بعين الفهم والعقل، والمحاكمة الواعية.

(1) يراجع مسند أحمد: 6/443.

(2) يراجع صحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة باب تضييع الصلاة عن وقتها.


60

لأن هذا يسفر طبعاً عما لا يناسب ما اتخذوه عقيدة في بعض الصحابة كأن الإسلام ـ مع ما في كتابه من الآيات الكثيرة في منافقي الصحابة، ومع ما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اخبار الحوض عن ارتداد ملأ منهم ـ قد سنّ للصحابة قواعد غير ما سنه لسائر أبناء الأُمّة.

وما أدري إلى متى سيستمر أمثال هذه المجادلات ومتى ينتهون من الوقوف في وجه تبصر الأُمّة، وتيقظها، وإلى متى يسدّون أسماعهم عن نداءات الوحدة الموجهة من مصلحي الأُمة، وزعماء المسلمين من الشيعة والسنة؟ ومتى سيقنعون عن خيانة الإسلام والمسلمين بمقالاتهم، وكتاباتهم الممزقة لشمل الأُمّة؟

لا نحن نحب معارضة ما كتب كاتب (الشيعة والسنة). وغيره عن الشيعة ما أخذوه عليهم من الكذب والبهتان، ولو شئنا لكتبنا نحن صدقاً وواقعاً أضعاف ما قاله هؤلاء عن الشيعة فان ما في كتبهم المعتمدة المشهورة من فضائح أعمال كثير من هؤلاء حتى قضاتهم مثل يحيى بن أكثم، وابن أبي داود وما قاله علماؤهم في الجرح والتعديل في أمثال ابن حزم، وابن تيمية، وأبي حنيفة وغيرهم من المطاعن ما يتعسّر استيعابه فمن أراد معرفة ما قيل في هؤلاء فليراجع كتب أهل السنة في التاريخ والتراجم.

نعم اننا لن نملأ كتابنا بذكر مساوئ هؤلاء فحسابهم، وما فعلوا، وما أفتوا به ودم من قتل بفتاويهم في الفتن التي وقعت بين الأُمة كفتنة اختلافهم في خلق القرآن واختلاف اتباع المذاهب، والصدمات الدموية التي وقعت نتيجة هذا الإختلاف على الله تعالى، وهو الذي يجازيهم عليه، ولسنا بحاجة لأن نخوض في هذه الأُمور بعد ما كان معنا من الآيات الكريمة، والاحاديث المتواترة ما يدل على صحة مذهب الشيعة، وبعدما قام بكشف فضائح جماعة من هؤلاء علماء أفذاذ من أهل السنة فكفونا هذه المهمة.


61

فان أردنا ان نستشهد بخيانات الأُمراء، والوزراء، والحكام وعلماء السوء، ومحبي الجاه والرياسة ـ وراجعنا التاريخ للكشف عنهم لما وسعنا الوقت لأنهم أكثر من ان يستقصى ذكرهم، وشرح خياناتهم في كتاب، وكتاب، وكتاب وان جاء احسان ظهير بواحد من المتسمين بالشيعة، ورماه بالخيانة نقابله بالمئات بل بالأُلوف من المتسمين بالسنة.

فان كنت تقول: يا احسان ظهير ان باكستان الشرقية ذهبت بزعمك في أيدي الهندوس ضحية، بخيانة يحيى خان الشيعي فماذا انت قائل عن فلسطين ذهبت ضحية بأيدي اليهود بخيانة من؟ ولماذا لا تقول بأن مجيب الرحمان وحزبه الذين تولوا الهندوس، وذهبت باكستان الشرقية بسعيهم ضحية في أيدي الهندوس كانوا من الشيعة أو السنة؟ وأثرهم في انفصال الباكستانين كان أكثر أم يحيى خان؟ (1).

(1) كل من له أدنى خبرة بما يجري في البلاد الإسلامية يعرف ان باكستان الشرقية لم تنفصل عن الغربية بغتة، وان اسبابه نشأت من قبل بسنوات كثيرة بل يرجع بعضها إلى زمان تأسيس حكومة باكستان، والحكومات التي تولت الأمور فيها لم تعمل لرفعها كما لم تعمل لاصلاح ما شجر بين زعماء الباكستانيين، ولرفع الفساد الذي ظهر في الأُمور السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية والتعليم، والتربية، وكما لم تأخذ الحكومة بنصائح المصلحين من مسلمي باكستان الشرقية والغربية ولم تأخذ أيضاً بمبادئ الإسلام ثم ترأس يحيى خان في الحالة التي تؤدي لا محالة إلى ما أدت، ومما أثر في ذلك الانفصال بعد مساعدة الظروف والأحوال الاجتماعية والاقتصادية التي لم تعمل الحكومات في اصلاحها بنية صادقة قوة بعض السياسات المستعمرة وضعف بعضها.

ومع ذلك كله لم تقع في أيدي الهندوس. وقتل مجيب الرحمان.

والآن نرى أن اختلاف باكستان الشرقية (بنكلادش) وحكومة الهند رفع إلى جامعة الدول وقامت بنكلادش قبال حكومة الهند والله يعلم ما يحدث في المستقبل.

ولا يظن أحد أنا نريد تبرءة يحي خان فما ذلك عندنا بشيء حكم عليه بالخيانة أو لم يحكم في خان حاكم من الحكام الذين لم نعرف لهم عملا في مصحلة الإسلام، ونحن لا نكرمهم، ولا نرحب بهم. كما لا نوالي الظالمين والخائنين سواء كانوا من الشيعة أو السنة.

بل نريد ان نبين ضعف مقال كاتب (الشيعة والسنة) ونظراءه، ومغالطاتهم وما يستندون إليه فيما يكتبون في المذهب حتى يعرف الباحث المنصف بماذا يحكمون هؤلاء على شيعة أهل البيت، ويفترون عليهم، ويضلون الناس عن سبيل الله، تعالى.


62

وبماذا تجيب لو سئلت عن الحكومة العثمانية وبلادها الواسعة وعن الذين تمزقت بخيانتهم وذهبت ضحية في أيدي الكفار؟ فطاغية تركيا الذي الغى الخلافة، وأعلن اللادينية، والإلحاد، ورفض شعائر الإسلام كان من الشيعة أو السنة؟

وبماذا تجيب إذا سألوك عن هذه التفرقة الموجودة في البلاد الإسلامية التي هي الأساس لاستيلاء الكفار على بلادنا، وشؤوننا جاءت من خيانة من؟

ثم ان هؤلاء الحكام الذين لا مقصد لهم إلا الإحتفاظ بحكوماتهم واماراتهم والذين اتخذوا اليهود، والنصارى، والشيوعيين أولياء، وارتدوا على الإسلام يحاربونه بكل سلاح بعد أن أهملوه اهمالاً تاماً، وأخذوا مكانه بالمبادئ العلمانية أهم من الشيعة أو السنة؟

فهل ترى سبباً لبقاء العدو في بلادنا، وأراضينا، وأفكارنا غير خيانة الرؤساء؟

وهذا لبنان قد ابتلى بالحرب الداخلية، وانهار كل شيء فيه معنوياً وانسانياً، واقتصادياً وعمرانياً، وأصبحت حواضره خربة، والمسلمون يقتلون فيه بعضهم بعضاً وقد أذاقهم الله لباس الجوع والخوف بخيانة من؟


63

نعم الشيعة تقول: لا دين لمن دان الله بولاية امام ليس من الله كما تقول: أثافي الإسلام ثلاثة: الصلاة، والزكاة، والولاية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا تعتقدان للجبابرة نصيباً من الحكم، والولاية والتصرف في الأُمور لأن الشيعي معتقد بنظام الإسلام السياسي، ولا يرى لغير الله، ولا لأحكامه حكماً وحكومة فمن لم يدن بحكومة شرعية من الله لا اعتداد بعباداته، واعماله لأن المجتمع إذا لم يقم على حكومة رشيدة صالحة تطبق مناهج الإسلام في السياسة، والقضاء، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وإذا لم يكن الحاكم من الذين قال الله فيهم ﴿الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكوة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأُمور لا عبرة بالإعتناء بالتكاليف الفردية.

لأن ذلك لا يكفي في صلاح المجتمع، واستقامة مناهجه التربوية، والمالية، والسياسية، والإجتماعية، وحفظ النظام، والأمن كما أنه على خلاف الغاية التي أرادها الله من بعث الرسل والأنبياء.

فان الله سبحانه يقول ﴿ولقد أرسلنا في كل أُمة رسولاً ان اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت من هذه الآية الكريمة نستفيد بأن أمر المجتمع الذي لم يكن حاكمه من الله، ولم تكن حكومته شرعية آيل لا محالة إلى عبادة غير الله، واطاعة الطواغيت، وقد أمر الله الناس بأن يخلصوا اطاعتهم لله في قوله تعالى ﴿وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين.

ومن هذه يظهر سر التأكيد على معرفة الإمام في الحديث المعروف (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). وسر تأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إرجاع الأُمة إلى الأئمة من أهل بيته في الأحاديث المتواترة كحديث الثقلين.


64

والشيعة قد أخذوا بهذا المبدأ فلا يرون لغير الله، وغير احكامه حرمة، وليس لمن استمد حكمه،وحكومته من غير الله سلطان، ولا حكومة قال تعالى (وإن الحكم إلاّ لله أمر ألاّ تعبدوا إلا إيّاه ذلك الدّين القيّم)، وقال سبحانه ﴿انّ هذه امتّكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون.

هذا هو الأساس الذي يجب ان يرتكز عليه نظام الحكم في الإسلام، وهذا هو النظام الإسلامي الذي يجب ان ترتكز عليه أية حكومة تدعي الإسلام.

فهل تجد لهذه الحقائق في البلاد الإسلامية رسماً أو اسماً؟ ففي كل قطر ومنطقة حاكم ونظام يدعوان إلى اسلوب في الحكم ليس من الإسلام في شيء.

فهل يجوز للمسلم في نظركم اطاعة الحاكم مهما كان، وأياً كان نظامه وهل يجوز للمسلمين التسليم بالأمر الواقع، حتى ولو كان في هذا الواقع ابقاء على تمزق بلاد المسلمين إلى دويلات صغيرة ضعيفة، والأُمّة المسلمة إلى شعوب لكل منها في محيطه الخاص عاداته، وتقاليده، وطرق تفكيره لا يكاد يتحسس آلام أخوانه في سائر الأقطار.

فإذا كانت الأرض في نظر الإسلام كلها لله، والأُمة الإسلامية أُمة واحدة كما صرح بذلك القرآن فيجب ان يكون حاكمها واحداً، وحكومتها واحدةً فما هو موقف حكامنا من ذلك؟ وما هو موقفهم من رأي الإسلام هذا؟ وما داموا مسلمين فلماذا لا يحققون كلمة الإسلام فيهم؟ ولماذا يصدون الناس عن سبيل الله ولماذا هذه الإمتيازات التي ليست من الإسلام وهم يؤثرون انفسهم بها؟ على سائر المسلمين؟

وإذا كانت بلاد المسلمين كلها دار الإسلام، وبها يتحقق الوطن الإسلامي الكبير فلماذا إذن هذه الحدود، والحواجز، والجنسيات المختلفة؟ ولماذا


65

لا توزع الأموال العامة على جميع المسلمين؟ ولماذا كان العكس من ذلك هو الحاصل فعلاً فترى بعض اقطارهم يعاني من التخم بينما أقطاراً أخرى تعاني من الجوع؟ فلماذا هذه الإختصاصات، والاستيثارات؟ فما دمنا لم نجتمع تحت كلمة الله الواحدة، وحزب الله الواحد، ونظام واحد، وجنسية واحدة فما دمنا لم نرفض هذه المناهج، والبرامج والنظم الكافرة التي جاء بها الإلحاد والعلمانية، والاستعمار الفكري والمادي في بلادنا وهذه الجنسيات التي مزقنا الإستعمار بها، حتى جعل في كل قطر، وإقليم حاكماً لحفظ مصالحه الإستعمارية وحال بين المسلمين، وبين تشكيل دولة واحدة.

نعم … مادمنا كذلك فهل يمكن ان يكون واجباً هنا أهم من توحيد المساعي لتشكيل دولة إسلامية واحدة ودخول الجميع في ولاية الله، وان لا يدينون بولاية إمام ليس من الله؟

فماذا عملتم وماذا تعملون لتحقيق هذه الأهداف الإسلامية الأصيلة؟ كأنكم يا أساتذة الجامعة لستم من أبناء هذا العالم المعاصر، ولم تطلعوا على ماكتبه أبناء السنة المصلحون حول هذه المسائل، وكأنكم تعيشون في عالم غير عالم المسلمين؟

أفما تلاحظون مايجري على المسلمين، وبلادهم وعليكم من الإستعمار وأذنابه، وكأنكم ما سمعتم بالنظم والمناهج السياسية، والاقتصادية غير الإسلامية بل الإلحادية التي تعرض على المسلمين من الشيعة، والسنة صباحاً ومساء في المدارس، والجرائد، والمجلات، والكتب، ودور السينما، ومحطات التلفزيون، ولم تلاحظوا أيضاً ان شخصية الإنسان المسلم في جميع البلاد أخذت تتغير، وتتحول إلى شخصيات أُخرى غير اسلامية.


66

وكأنكم لم تفكروا فيما يحتاج إليه المسلم المعاصر، وما يجب ان يزود به من المعارف الإسلامية الأصيلة، والدراسات العميقة حول وجود (الله) تعالى الذي قام الإلحاد على إنكاره بأشنع الوجوه، ويعتبر الإعتقاد به من الرجعية، ومانعاً من التقدم في مجالات الحياة الإجتماعية، والصناعية وغيرهما، وحول نبوات الأنبياء عليهم السلام سيما نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله، وحول معجزاتهم حتى ان الناشئة الجديدة، وكبار مثقفيكم ينكرون المعجزات المادية أو انهم يكتمون ايمانهم بتلك المعجزات وحول القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ألم تلتفتوا إلى مايعمل ضد قدسيته؟ أو ما قرأتم الكتاب الخبيث الذي وضعه أخيراً المأجورون؟ وطبع في بعض البلاد العربية نفقة المستعمرين، والملحدين، وقد انكر فيه واضعه كون القرآن وحياً، واستدل على صحة مدعاه حتى بآيات من القرآن المجيد، وبروايات كلها واردة في كتبكم(1) تتعامون عن كل ذلك ثم تتسارعون على شيعي اثبت صيانة القرآن عن التحريف، واستنكر نسبة القول بالتحريف إلى الشيعة، واتى بأقوى الأدلة المثبتة لذلك، أو عداءكم للشيعة، ومعاندتكم للحق اديا بكم إلى هذه الدرجة من التعامى؟

أفمن يهدي إلى الحق احقّ أن يتّبع امّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون.

ويبدو أنكم غافلون عما يجري في بلاد المسلمين من العمل على إقصاء الشريعة الإسلامية من مسرح الحياة، وتطبيق أنظمة أُخرى في الحكومة

(1) قد قام بعض الكتاب العلماء من أبناء الشيعة على الرد عليه في أجزاء كثيرة ينشرها في طهران عاصمة إيران جزاه الله تعالى عن الإسلام والقرآن والمسلمين خير الجزاء.


67

والمال، والقضاء، والتعليم، والتربية ليست من الإسلام بشيء، ولعلكم غافلون أو تتغافلون أيضاً عما انتهى إليه وضع شبان المسلمين من التأثر بالآداب الغربية الإستعمارية أو الشرقية الملحدة ثم تتوجهون بكل حماس للرد على دعوة مخلصة تستنهض المسلمين ليقوموا صفاً واحداً كالبنيان المرصوص لدفع هذه الكوارث التي أصابتنا جميعاً.

وكأنكم لم تقرأوا الكتب، والصحف التي تدعوا الفتيان، والفتيان إلى الخلاعة، والدعارة، وتحثهم على رفض جميع الشعائر، والآداب الإسلامية.

كل هذه المخاطر التي تهدد الإسلام بالصميم، وتزلزل اسس الدين وما أتى به سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله غير مهمة في نظركم، ولا تستنهض همتكم، والمهم الوحيد عندكم أمر يزيد، وأبيه، ومروان وهارون، والدفاع عن سيرهم ومخازيهم.

فما هو موقفكم من هذه التيارات، وماذا عملتم؟ والله تعالى يقول: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم، ورسوله، والمؤمنون) غير نشر (الخطوط العريضة) و (حقائق عن أمير المؤمنين يزيد) و (الشيعة والسنة) و (العواصم من القواصم) مع شرحه الخبيث؟، وبماذا تزودون الشباب الباحث عن دينه، وعقيدته الإسلامية، وماذا عملت جامعة المدينة المنورة في هذا السبيل؟

فهذا شاب مسلم يأتي جامعتكم بواسطة احد تلامذتها المثقفين من الذين لم يتأثروا بدعاياتكم الطائفية يطلب منكم بكل رجاء وأمل ان تزودوه بالكتب الإسلامية، وما يتمكن ان يتخذه سلاحاً فكريا في بلاده لتوحيد كلمة المسلمين، ورفع الدعوات الالحادية والارساليات التبشيرية، وغيرها من المذاهب الكافرة فاذا بكم تعطونه كتاب (العواصم من القواصم) وشرحه،


68

وكتاب (الشيعة والسنة) المملوءان بالكذب، والافتراء، والغلط، والخلط ولسان حالكم يقول لهذا الشاب ولأمثاله: دع الدعايات الكافرة تعمل عملها المدمر في أفكار ابناء الأمة، وتذهب بعقيدتك في التوحيد، والنبوة، والقرآن والمعاد، والآداب الإسلامية.

أفسح لها المجال في ذلك، وعاد شيعة أهل البيت، ومحبي أصحاب الكساء، وقل فيهم كل ما تريد، واجعل ذلك شغلاً لطائفتك خاصة، ولأهل السنة عامة شاغلاً لهم عما يتعرض له الإسلام ممن يحاربه بلسانه، ويده وقلمه، وقوته، وماله، فلا ضير أن خسرنا في سبيل ذلك الإسلام وكتابه بعدما نكون قد احتفظنا بشريعة أُموية يزيدية، وملة مروانية وليدية، ودافعنا عن شرعية حكومات أمثال معاوية، ويزيد، ومروان وعبدالملك بن مروان، وغيرهم ممن نعرفهم من أصحاب المثل العليا في الحكومات الإسلامية.

هذا حاصل ما تؤدي إليه هذه الكتيبات، وهذه الإفتراءات وصيحات الزور والبهتان التي تقشعر منها الجلود يكررونها واحداً بعد واحد كل يوم يصغون الى أجوبتها، ولا يقرأون ما كتب في دفعها، ولا يلتفتون إلى نتائجها المخزية حتى ان مؤلف (الشيعة والسنة) ما أتى بشيء إلاّ كرر ما قاله اسلافه ولم يلتفت إلى الأجوبة الشافية التي كانت بين يديه في (مع الخطيب في خطوطه العريضة).

لأنه يرى انه ان تعرض لما ذكر فيه من الأجوبة لا يبقى له مجال للتكرار ولا يمكنه الرد عليها أو مناقشتها سيما في المسائل العلمية التي ليس الخوض فيها إلا من شأن العلماء والباحثين المحققين، ولو كان منصفاً، وأتى في كتابه في كل مبحث رد به علينا بفكرتنا التي هي موضوع رده وتكراره وذكرها بألفاظه لما أمكنه التعمية، والمغالطة، ولظهرت للقراء أكاذيبه ومغالطاته كما تظهر لهم اكذوبات الخطيب.


69

ومما ترك التعرض له أو اقتصر على الإشارة إليه، في مع الخطيب حول التقية وتأويل الآيات، وصيانة الكتاب من التحريف، وحول كتاب فصل الخطاب وكتاب الفرقان(1) وكتاب «بستان المذاهب»، والأحاديث المخرجة في كتبهم وجوامعهم التي تدل على وقوع النقص، والزيادة في الكتاب المجيد، وحول رأي الشيعة في الحكومات، والأحاديث الكثيرة التي استشهدت بها وحول افتراءهم على الشيعة باتهامهم لهم بالتعصب للمجوسية وحول الفتوحات الإسلامية، وابطالها، وسبب دخول أسلاف اهل ايران في الإسلام وخدمات الإيرانيين للاسلام والمسلمين، وحول ايمان الشيعة بظهور المهدي عليه السلام وعقيدتهم بالرجعة، ومعناها وحول نهج البلاغة، وبيعة الرضوان، وحكم من نفى الإيمان عن بعض الصحابة أو سب بعضهم عند اهل السنة، ومنزلة النبي والإمام عند الشيعة، وحول غلط الخطيب في فهم كلام العلامة الآشتياني وتبرئة ابن العلقمي، والشيعة عن التدخل في فاجعة بغداد، وأسباب سقوط بغداد، وحول التقريب بين المذاهب، وحول الشيوعية وأسباب تفاقمها في البلاد الغسلامية وغيرها، وغير ذلك فمن يراجع ما في مع الخطيب حول هذه المباحث يظهر له ان مؤلف (الشيعة والسنة)، ومن يتبع سبيله لا يسلكون إلا سبيل العناد، ولا يستهدفون إلا الباس الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون، ويخافون ان لو انسدّ «بمثل كتاب مع الخطيب وأجوبة مسائل موسى جار الله ونقض الوشيعة والفصول المهمة، واصل الشيعة واصولها والمراجعات وموسوعة اعيان الشيعة والغدير والدعوة الإسلامية وغيرها» باب هذه المغالطات والإفتراءات التي يلفقونها على الشيعة ان يعرف الناس حق أهل البيت، وماخصهم

(1) جمع في هذا الكتاب مؤلفة السني وحشاه بروايات من طرق أيل السنة مما يدل على وقوع الزيادة وانقص (العياذ بالله) في الكتاب المجيد.


70

الله به، ويطلعوا على فضائلهم، ومناقبهم، ووصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهم وما نزل في شأنهم، ولم يلتفتوا إلى ان هذا أمر لا يمكن ستره عن الناس أو تضليلهم عنه، ونحن في عصر أصبحت فيه الكتب، والمقالات التي تتعرض لمختلف الموضوعات، في متناول الجميع فمن لم يطلع اليوم على الحقيقة فسيطلع عليها، ويعرفها غداً.

ويا ليت هؤلاء يدركون بان مزاج العصر مضافاً إلى الوعي الإسلامي الحديث لا يقبلان اثارة الرواسب القديمة التي سببت العداء بين المسلمين والتي قامت على سياسة حكومات ذهبت في طيات الدهور.

والذي يبدو ان هؤلاء انما يخافون من الفكر الإسلامي القويم الذي ترتكز عليه عقيدة الشيعة المأخوذة عن مصدر الوحي ومن أهل بيت النبوة وموضع الرسالة لأنهم خطر على مذاهب بني أمية وسيرة يزيد، ومعاوية وعلى الحكام الجبابرة ومبادئهم، وهم في نفس الوقت لايخافون دعاة الإلحاد وعملاء الاستعمار مع انهم خطر على الإسلام والقرآن، وسيرة محمد وابراهيم ورسالات جميع الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين والمباديء الإنسانية القويمة.

يخافون من تمسك الأمة بأهل البيت وعترة نبيهم، واتخاذهم ائمة ويخشون من ان تمتثل الأُمة امر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بهم وأخذ معالم الإسلام ومارفه عنهم دون غيرهم، ولا يخافون من النواصب والذين يدعون إلى ولاء بني أميّة، ويزيد بن معاوية، ومبادئهم الرجعية وسيرتهم الجاهلية.

يخافون من ان تكون الشريعة محمدية وعلوية، وفاطمية وحسنية وحسينية، وباقرية وجعفرية، ولايخافون من ان تكون أموية عثمانية، ويزيدية، ومروانية.


71

فأي المذاهب أصح من مذهب أهل البيت الذي نص على صحته النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في الأحاديث المتواترة فنعم ما قيل فيهم.

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهباً
ينجيك يوم الحشر من لهب النار

فدع عنك قول الشافعي ومالك
وأحمد والمروي عن كعب احبار

ووال اناساً قولهم وحديثهم
روى جدنا عن جبرئيل عن الباري (1)

ونعم ما قال الفرزدق في قصيدته المشهورة.

من معشر حبهم دين وبغضهم
كفر وقربهم منجى ومعتصم

إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم
أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

فما عذركم عند الله اذ تزودون الناس بكتب المعروفين بالإنحراف عن عترة أهل البيت الطاهرة، ومنكري فضائلهم كابن تيمية، وابن العرقي، وتهملون من الكتب التي كتبها علماء أهل السنة في فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتحدثوا فيها عن فضائل ومناقبهم.

(1) ونعم ما قال الشافعي على ما نسب إليه في ذخيرة المآل، ورشفة الصادي.

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم
مذاهبهم في أبحر الغي والجهل

ركبت على اسم الله في سفن النجا
وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وامسكت حبل الله وهو ولائهم
كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل

إذا افترقت في الدين سبعون فرقة
ونيفاً على ما جاء في واضح النقل

ولم يك ناج منهم غير فرقة
فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل

أفي الفرقة الهلاك آل محمد
أم الفرقة اللاتي نجت منهم، قل: لي

فان قلت في الناجين فالقول واحد
وان قلت في الهلاك حفت عن العدل

إذا كان مولى القوم منهم فانني
رضيت بهم لا زال في ظلهم ظلي

رضيت علياً لي إمام ونسله
وأنت من الباقين في أوسع الحل


72

ما هكذا تورد يا سعد الابل فإذا كنتم تريدون خدمة الإسلام فالله تعالى يعلم أن هذه الكتب، وهذه الطريقة المشحونة بالعصبية الطائفية لا تجلب إلا الضرر على الإسلام، والقرآن، ولا تؤدي إلا إلى الضعف، ومضاعفة المشاكل بين المسلمين.

وان كانت لكم غيرة على القرآن فزودوا الشباب، والخواص والعوام بمثل كتاب (مع الخطيب) المدافع عن قداسة القرآن وحرمته لا أن تأتوا بضده وتنسبوا بزعمكم إلى طائفة من المسلمين حيث يزيد عددها على المائة مليون نسمة القول بالتحريف وهم يستنكرون هذا القول أشد الإستنكار.

فما الذي تريدون لم يكن هدفكم الفرقة والاختلاف، وتجريح العواطف ما الذي تريدون من نشركم أمثال كتاب (حقائق عن أمير المؤمنين يزيد عن معاوية) ومن (العواصم من القواصم)، والا فأي مسلم يرضى بعد واقعة الطف والحرة أن يقول ليزيد (أمير المؤمنين).

قال نوفل بن أبي الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر رجل يزيد فقال: أمير المؤمنين يزيد فقال: تقول: أمير المؤمنين، وأمر به فضرب عشرين سوطاً،

واخرج مسلم، قال رسول صلى الله عليه وسلم من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله، والملئكة والناس أجمعين. ويزيد هو الذي أباح المدينة ثلاثة أيام لأهل الشام، حتى ارتكبوا فيها الجرائم الكبيرة من قتل الصحابة، وافتضاض العذارى، ونهب الأموال، وغير ذلك مّما سوّد به وجه الإنسانية.


73

وان كنتم يا ناشري كتاب (حقائق…) لا تعرفون يزيد أو انكم تحبون ما ارتكبه من الجرائم، ولذا تحاولون تحسين سيرته فولده معاوية عرفه وأباه وعرفهما للناس (1) كما تشهد عليه وقعة الطف، والحرة وغزو الكعبة وحبر الأمة عبد الله بن عباس، وجمع من الصحابة والتابعين.

قال ابن حنظلة الغسيل: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا ان نرمى بالحجارة من السماء انه رجل ينكح أمهات الاولاد، والبنات، والأخوات ويشرب الخمر، ويدع الصلاة.

فليهنكم اذن أمير المؤمنيكم يزيد حشركم الله معه، ومع أبيه معاوية ومع جده أبي سفيان، وجدته هند، وزياد وعبيدالله بن زياد، ومروان، والوليد(فقل في نفسك ان كنت موقناً بصحة طريقتك، وطريقة محب الدين الخطيب اللهم آمين.

يا من ترحمت في كتابك على (الخطيب ودافعت عنه) وحشرنا الله مع الحسين، وجده، وأبيه، وأمه، واُخته، وجدته أم المؤمنين، وشيعة أهل البيت، ومحبيهم، ومبغضي اعدائهم(نقول: اللهم آمين اللهم آمين ويرحم الله عبداً قال آميناً).

ولا تظننّ يا أخي ان يكون بين الكتاب المثقفين، وعلماء أهل السنة من غير طائفة محب الدين الخطيب، واحسان إلهي ظهير، وهزاع بن عبد الشمري وناشري كتبهم وغيرهم من اتباع ابن تيمية، وابن العربي من يدنس قلمه

(1) يراجع في ذلك حياة الحيوان: 1/ 61 وتاريخ اليعقوبي: 2/227 والصواعق المحرقة: 222.


74

بمثل هذه الكتابات أو يوجد غير هؤلاء من يحب افتراق الأمة، ويبغض التجاوب، والتفاهم، ولا تقايس جامعات القاهرة والاسكندرية، والرياض (1) وغيرها واساتذتها وتلامذتها وعلماء مصر، ولبنان، والهند، والمغرب، والكويت.

والكثير من علماء لاهورموطن احسان إلهي ظهير، وعلماء الحرمين الشريفين المصلحين بهؤلاء.

(1) فجامعة الرياض عمرها الله تعالى بالايمان والعلم والسداد هي التي نشرت في رسالتها (رسالة الجامعة) ـ ع 27 ـ 12 ـ 1395 ـ مقاله الأستاذ عبد الله عبداللطيف آل الشيخ بعنوان وكيف افلت من ادارة المطبوعات.

وقال فيها: ومنذ مدة وجيزة صدر كتاب لا أعرف كيف سمحت ادارة المطبوعات بوزارة الاعلام بنشره، وهو كتاب حقائق عن أمير المؤمنين بن معاوية تأليف (هزاع بن عبدالشمري).

فهذا الكتاب في الواقع أجمل ما فيه ورقة الصقيل، وطباعته الأنيقة أما غير ذلك فهراء في هراء، ويكتفي القارئ ان يقرأ مقدمته ليرى العجب في ركاكة الأسلوب، وانعدام الفكرة، وعدم التركيز، ثم هو يستدل بنصوص تاريخية يعتقد انها دليل لقوله وهي في الواقع دليل على بطلان ما ذهب إليه.

ولعل ذلك عائد إلى عدم فهمه لتلك النصوص مطلقاً إلى ان قال:

نحن هنا لسنا في معرض نقد الكتاب فهو أقل من ان ينقد سواء في اسلوبه او في افكاره ومعانيه. ولكننا نعجب من ان يعطى كتاب في مثل هذه العجالة الأذن له بالطباعة، وهم بذلك يعطونه ميزة الانتشار بين الناس في داخل المملكة، وربما في خارجها.

فهل ترضى ان يكون ذلك الكتاب صورة لنتاج بلادنا الفكري.

وهل يمكن القول بان قلة الانتاج المنشور ترجع إلى عدم وجود كتب كثيرة من هذا النوع؟ ماذا يقول مراقبونا الأفاضل في ادارة المطبوعات؟

ولا ريب ان امثال هذا الكاتب الخبير ممن لا يرضي ان يكون نتاج بلده الفكري مثل هذا الكتاب في المملكة السعودية، وفي علمائها وتلامذة اساتذة جامعاتها حتى جامعة المدينة المنورة الاسلامية ليس بقليل وفق الله تعالى الجميع لما فيه خير الاسلام والمسلمين.


75

فان شأنهم أجل، وانبل من ان يقاسوا بالمستغرقين من كتب النواصب، ومبغضي أهل البيت، وان في مكتبتي عشرات من كتب علماء مصر، ولبنان المعاصرين حول وجود الله تعالى، والنبوة، وكثير من المسائل الإسلامية، وفي التفسير، والحديث، والتاريخ، وحتى حول المذاهب، وحياة الصحابة بأقلام نزيهة بريئة من العناد، والعصبية الطائفة وغير ذلك مما يفيد الشيعة والسنة، ويزيد في الوعي الإسلامي، وتؤكد الصلات الوثيقة بين الأمة، ويسلح الشبان بسلاح الإيمان بالله والثقة به، والإيمان برسوله، وبكتابه، واصول الدين وفروعه. زاد الله في وعيهم وتوفيقهم.

فكم من فارق بين من يكتب للأمة كتاب (قصة الايمان) و (روح الدين الإسلامي) و (مع الأنبياء في القرآن)، و (روح الصلاة في الإسلام)، والإنسان بين المادية والإسلام و (العدالة الاجتماعية في الإسلام)، و (حقوق الانسان بين تعاليم الإسلام). و (محمد صلى الله عليه وآله المثل الكامل) و (نظام الأسرة وحل مشكلاتها) و (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية) و (معاوية بن أبي سفيان في الميزان) و (وابو الشهداء) و (سمو المعنى في سمو الذات) و (شيخ المضيرة) و (أضواء على السنة المحمدية) و(التعريف بالاسلام) و(الإمام الحسين) و(الإمام الصادق) و (الإسلام دين ودنيا) … (الاسلام دين وفكر) و(العلم يدعو للإيمان) و (في موكب الدعوة) و(هذا ديننا) و (الحجاب) و (عقيدة المسلم) و (خلق المسلم) و (شبهات حول الإسلام)، و (حكمة القرآن في بناء المجتمع) و (الإسلام والاستبداد السياسي) و (الاسلام والأوضاع الاقتصادية) و (اسس الاقتصاد بين الإسلام، والنظم المعاصرة) و(ملتقى الأصفياء) و(القرآن والعلم والحديث) و (مع الله في السماء) و (المسلمون والعلم الحديث) و (طريقي


76

إلى الله) و (الحياة الأخرى) و (الإسلام والعلم الحديث) و (السماء وأهل السماء) و (القرآن والمجتمع الحديث) و (الله والعلم الحديث) و (بين الدين والعلم) و (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل) و (فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي).

وغير هذه من المؤلفات القيمة التي وضعها علماء أهل السنة، وكتابها من الذين أثرت أقلامهم في الشباب، وأخذوا بأيديهم من الكبوة، والسقوط في أحضان الالجاد.

فهل يقاس هؤلاء الكتاب بغيرهم ممن لا يعتني يمصلحة الإسلام وشؤون المسلمين. والظروف والأحوال الخطيرة التي أحاطت بهم، ولا يجتنب عن الإفتراء، وسوء الظن بالمؤمنين.

ولا أقول ان جميع الكتب المذكورة خالية عن الخطأ، والإشباه وعن النزعات الطائفية في بعض الموارد فان هذا وأمثاله يصدر عن الكاتب ولا نؤاخذ من ارباب المذاهب على خوضه في موارد الاختلاف، والبحث والمناقشة إذا كان ذلك على ضوء العلم والانصاف بعيداً عن العناد، والشنآن، والإفراط في الذم والشتم.

فليكتبوا عن الشيعة، ولينظروا في أدلتهم بكل امعان وتدبر فهذا هو الذي تطلبه الشيعة من كل باحث لأن ذلك لا يزيد الحق إلا وضوحاً كما انه يرسخ التجاوب، والتفاهم بين الطائفتين، ويؤكد الأخوة الإيمانية بينهما.

فكم يوجد من أهل السنة من يراجع كتب الشيعة في التفسير، والفقه،


77

والكلام والأدب ويقدر نبوغهم، وجهودهم في العلوم الإسلامية (1). يعظم اتصاف علمائهم بالصدق، والورع والأمانة، ويتعمق في آرائهم ومقالاتهم، كما يأخذ بها بآراء علماء طائفته بل انه بعد التحقيق يرجح في بعض المسائل مذهب الشيعة (2).

وقد اعجب بكتاب (مع الخطيب) (كما أشرنا إليه) المنصفون من علماء أهل السنة واساتذه بعض الجامعات، وقدروا ما فيه من التحقيقات العلمية حول صياغة الكتاب من التحريف، والرد العلمي على الخطيب وايضاح غلطه في فهم كلام العلامة الآشتياني وغيرهما كما قد قدروا ما فيه من دعوة الأمة إلى الوئام والاتحاد.

فان كنت اردت يا أخي الاطلاع على جوهر ما اختلف فيه الشيعة، والسنة فلا تغتر بما يصدر عن هذه الأقلام المفترية، وعليك بالإمعان في كتب الحديث والتفسير والتاريخ، والمناقب، والفضائل، ومثل الخصائص للنسائي، وشواد التنزيل للحافظ الحاكم الحسكاني، وانساب الأشراف للبلاذري وترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ ابن عساكر وتاريخ صفين لنصر بن مزاحم. والسقيفة، والولاية، والغدير، والعبقات، والمراجعات، والنص، والإجتهاد

(1) منهم الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الأسبق، والشيخ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق أيضاً فهما قد قدرا جهود الامام الشيعي المفسر مؤلف التفسير القيم (مجمع البيان) وتفسير (جمع الجوامع) وكتاب (اعلام الورى) وكتبا على مجمع البيان تقريظاً ومقدمة، واديا حق التقدير والتعظيم والثناء عليه.

(2) كالشيخ الأكبر شلتوت كما أفتى يجواز التعبد بمذهب الشيعة الامامية في فتواء التاريخية التي استقبلها مصلحو الأمة، وعلمائها المخلصون ولا غرو ان نال من مقامه الرفيع مؤلف (الشيعة والسنة) وبالغ في الخروج عن حد الأدب ـ فكل اناء بالذي فيه ينضح.


78

والفصول المهمة في تأليف الأمة، وأعيان الشيعة، وأجوبة مسائل موسى جار الله، ونقض الوشيعة، وإلى المجمع العلمي العربي، واصل الشيعة واصولها، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ورسالة محمد معين السندي في أحاديث الأئمة الاثني عشر ـ المخرجة في صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد وغيرها بطرق صحيحة متواترة لا تنطبق إلا على الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ـ وفتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي، وفضائل الخمسة، واحقاق الحق، والدعوة الإسلامية ودلائل الصدق، وجواهر العقدين، ونظم درر السمطين، وكفاية الطالب وأمان الأمّة من الضلال والاختلاف، وحديث افتراق المسلمين على ثلاث وسبعين فرقة، وغيرها.

وعليك أيضاً في حميع كتب الفريقين في الحديث والتاريخ، والتفسير، والفقه، واللغة فان في جميعها مواضيع كثيرة تشرح لك حقيقة مذهب الشيعة وانهم اتخذوا اتباع العترة الطاهرة، واقتدوا بهم، واهتدوا بهداهم.

لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصى إليهم، وأوجب على الأمة التمسك بهم، وجعل التمسك بهم أمناً من الضلال في أحاديث الثقلين المتواترة وفي حديث الغدير المتواتر، وأحاديث الأمان، وأحاديث السفينة، وأحاديث الأئمة الإثني عشر، وحديث يوم الدار وغيرها من الأخبار الكثيرة المتواترة المخرجة كلها في أصح كتب الحديث عند أهل السنة.

وسترى بعد اطلاعاتك انه ليس للشيعة من ذنب إلا تمسكهم بولاية أهل البيت حيث اعتبروا ذلك من أعظم الجرائم السياسية في عصر بني أمية وبني العباس، حيث عذب هؤلاء شيعة أهل البيت، وخصوصاً العلماء والمفكرون منهم حتى ولو كانوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمختلف


79

أنواع العذاب، وسحبوهم في ظلم السجون واشقها، وقتلوهم شر قتله ومنعوهم عن رواية الأحاديث من طرق أهل البيت، ونقل علومهم، ومذاهبهم في الأصول، وفي الفقه.

ولكن الشيعة سيقفون مع خصومهم، وظالميهم، ومن افترى عليهم وعلى مذهبهم سيقفون، واياهم في محكمة الله العادلة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

فيا أساتذة جامعة المدينة المنورة، عليكم ان تفكروا في وحدة المسلمين وتطبيق مبادىء الإسلام، وشرائعه، وأحكامه، والتخلص عن ضيق العصبية الطائفية وان لا تكتبوا، ولا تنشروا ما تستعين به الأعداء على المسلمين، ولا تغرو بهذه الا'قلام الأثيمة التي تحول دون ارتفاع الجهل، وقلع جذور الضلال والاختلاف.

وان أبيتم ذلك، وقررتم مواصلة السير على الطريق التي انتم عليها لأنكم لا تريدون توحيد كلمة المسلمين من الشيعة والسنة على أساس كلمة التوحيد والقرآن والسنة، فكونوا فيما بين انفسكم معتصمين بحبل الله فالوحدة الإسلامية صارت ضحية لخيانة القادة، والحكام بتشجيع منكم يا حملة الفكر الوهابي إذ ان دعوتكم هي التي تسببت في تمزيق بلاد المسلمين بشكل عام، والعرب بشكل خاص.

إذ انها بدافع حب السيطرة، والإنتشار من قبل داعيتها الأول (محمد عبدالوهاب) ساعدت الإستعمار في القضاء على نفوذ الخلافة العثمانية في الحجاز، واحداث الإنفصال عن حكومتها تحت ستار مذهب جديد أعني الدعوة الوهابية، ومما زاد في الطين بلة، والمسلمين بعداً عنكم تصدي رؤساء


80

مذهبكم الأوائل باصدار فتاوى التكفير لاتباع المذاهب الإسلامية الأُخرى ـ والعياذ بالله ـ.

وهذا مما لا يمكن انكاره لأن اشتهاره يكاد ان يجعله في درجة البديهيات (1).

ثم انه بعد تحقق انفصال الحجاز نجد تحت ستار هذه الدعوة، اخذ الاستعمار ينفث سمومه في سائر الأقطار الإسلامية، بتشجيع ذوي النفوذ فيها على الثورة ضد العثمانيين، وهكذا حتى تحقق ـ له ما أراد من تمزيق الأمّة بين دويلات ضعيفة خاضعة لنفوذه خادمة لأغراضه قهراً او اختياراً.

ثم ان الاستعمار لم يكتف بهذا بل تجاوزه، بالتعاون مع الصهيونية العالمية على ترسيخ أُسس التمزق بين المسلمين على صعيد عرقي، فعملا على اثارة العصبية العربية تحت ستار القومية ضد إخوانهم الترك، والفرس، وغيرهما، وكذا اثارة العصبية الطورانية في نفوس الأتراك ضد إخوانهم المسلمين. من القوميات الأُخرى، وعملا أيضاً على اثارة القومية الفارسية في مقابل اخوانهم الآخرين من الشيعة والسنة.

وياليتهم اكتفوا بذلك بل تجاوزوه إلى ما هو أخطر، إذ استخدموا الأقلام المأجورة وأوحوا إلى أصحابها بالكتابة لاثارة الحساسيات المذهبية، والطائفية كي يرسخوا جذور العداء، وما انتم إلا بعض ضحاياه الغافلين أو المتغافلين، وما كتاباتكم المتعصبة ضد مذاهب المسلمين بشكل عام، والشيعة منهم بشكل خاص إلا تنفيذاً لهذه المخططات الصهيونية الحاقدة، والاستعمارية الجهنمية.

(1) كما أفتى أكبر علماء المعاصرين بكفر كل من قال الشمس ثابتة والأرض متحركة.


81

فنحن لو تفحصنا مبررات الثورة لدى الخارجين على الخلافة العثمانية لوجدنا ان أكثرهم كان يتعلل بشعار القومية العربية، والتخلص من السيطرة التركية على أُمة العرب، وهكذا حتى سقطت الخلافة العثمانية بعد ان تمزق جسم الأمّة الإسلامية إلى دويلات، وهذا بينما كان الشيعة، وحكومة ايران الشيعية في ذلك الوقت تؤيد الخلافة العثمانية، وتدافع عنها لعلمها بان الاستعمار انما يريد القضاء على الإسلام لا على فساد الخلافة العثمانية.

وكان الساعد الأيمن للإستعمار الكافر على ذهاب الدولة العثمانية هو احد ابناء السنة، وربيب اليهود لا سيما يهود الدونمة مصطفى كمال الذي لاقى كل التشجيع، والتأييد، وبكل اسف من جانب علمائكم، وزعمائكم آنذاك فصوبوا ما أتى به من المناهج ضد الإسلام كالعلمانية وغيرها (1).

وقد قامت انكلترا بكل ما عندها من وسائل الغدر، والمكر بالتعاون مع عملائها في الداخل ممن لهم نفوذ ونزعة ودعاية خاصة امثال من حملوا لواء الوهابية للقضاء على ما كان ينادي به العرب والمسلمون من الوحدة تحت ظل حكومة اسلامية واحياء الخلافة، في الجزيرة العربية رافضين تمزيق الأمة بتطبيق شعار اللامركزية الذي كان الاستعمار وعملاؤه يركزون عليه وينكلون بمعانديه، ومحاربيه من المسلمين الذين يدركون بان من المبادىء الإسلامية الرئيسية اقامة الحكومة الشرعية على أساس الإمامة الكبرى (2).

(1) يراجع في ذلك (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين) لمصطفى صبري شيخ الإسلام ـ الدولة العثمانية ـ سابقاً.

(2) لا خلاف في ذلك بين السنة والشيعة وانما الخلاف وقع بينهم في الصغرى، وشرايط الامام، وان النبي صلى الله عليه وآله أوصى إلى علي، وإلى أولاده الأئمة عليهم السلام، وعينهم ونصبهم بامر الله تعالى أم ارتحل إلى الرفيق الأعلى، واهمل هذا الأمر.

والتفصيل يطلب من الكتب الكلامية مثل (تجريد الاعتقاد) وشروحه من الشيعة والسنة، و(الشافي) و(احقاق الحق)، و(دلائل الصدق) و(عقبات الأنوار) و(الغدير) وغيرها.


82

ولكن انكلترا بالتعاون مع عملائلها، خصوصا دعاة الطائفية الوهابية الذين غذتهم، وايدتهم، قد نجحت في القضاء على فكرة الخلافة والإمامة في الجزيرة العربية التي من لوازمها اقامة الوحدة العربية والاسلامية بتمامية الانقلاب الوهابي الانفصالي، واقامة الحكوم المتسمية بالسعودية (1).

وفي هذه الأجواء المحمومة التي فجرها مصطفى كمال ضد الإسلام والمسلمين وبينما كان يعمل لواء العصبية الطورانية في تركيا، وتثيرها في عروق الأتراك ضد العرب، ويقضى بالموت البطيء على نفوذ الخلافة العثمانية في نفس هذا الوقت، حمل الوهابيون في نجد والحجاز لواء العصبية المذهبية ضد المسلمين باستحلالهم دماءهم، وتوجيه بأسهم، وسطوتهم، وأواه بنادقهم كلها إلى قتالهم خاصة، وغزوهم كلما سنحت لهم فرصة، وقتلهم بأنواع الغدر والبغي (2).

وقد كشفت الأحداث، واثبتت الوقائع انهم كانوا يقومون بكل هذه الفظائع بتأييد من بريطانيا العظمى آنذاك، عدوة المسلمين الأولى، وأداة الصهيونية

(1) في هذه التسمية أيضاً رمز انفصالي يعرفه الخبراء بالسياسة فالرسول الأعظم ومؤسس الحكومة الاسلامية وزعيمها الأول لم يسم تلك الحكومة باسم الشريف او باسم العرب، مع ان الانسانية بجميع مبادئها الفاضلة ومفاخرها تفتخر باسمه الرفيع وهذه الأسامي تؤكد انفصال مسمياتها من البلاد عن غيرها، وترمز الى الاحتفاظ بحكومات ما قامت الا على الغلبة والاستيثار واستعباد الناس، وتمنح بعنوانها واسمها عن اتحادها مع غيرها.

فالحكومة الهاشمية مع بقائها بهذه الشخصية لا يمكن ان تتحد مع السعودية، وهي مع جمهورية كذا، وحكومة اشتراكية كذا فما الاسلام وما حكومة الاسلام اذن ايها المسلمون، ويا ابناء السنة؟

(2) راجع تاريخ نجد لمحمود شكري الآلوسي، وخلاصته الكلام في امراء البلد الحرام، للشيخ أحمد بن زيني وحلان، وراجع كذلك كشف الارتياب في اتباع محمد بن عبدالوهاب.


83

النافذة، وقد كانت هذه تمهيد في نفس الوقت لطعن المسلمين في فلسطين. باقامة دولة اسرائيل، بعد تمزيق العالم الإسلامي إلى دويلات ضعيفة متنافرة لا تقوى على مواجهة الدولة اليهودية الجديدة.

فمن يكون السبب ـ بعد هذا ـ لذهاب عز المسلمين، واضعافهم، والقضاء على كيانهم؟ ومن يكون العامل على تشويه سمعة الإسلام، والساعي في اطفاء نوره.

أهم الشيعة الذين قاوموا ـ كما يشهد لهم التاريخ عند المنصفين، وكما تشهد بذلك مؤلفاتهم التي لا تحصى ـ كلما أدى أو يؤدي بالمسلمين إلى الضعف، والوهن، والتشتت. وداغعوا عن الإسلام بكل ما لديهم من وسائل وتعرضوا لدفع كافة الشبهات التي تعرض لاثارتها اعداء الإسلام، لزلزلة ابناء المسلمين عن عقيدتهم، وتحملوا في سبيل ذلك كل أنواع الأذى، والاضطهاد والتشريد، والقتل.

أم هم غيرهم، وخصوصاً محبو الرئاسة، والسيطرة منهم، والمتهالكون على الحكم، وفي مقدمتهم زعماء المذهب الوهابي كما يشهد بذلك التاريخ.

ففي جميع أنحاء العالم الإسلامي لم تجدوا خائناً بزعمكم غير يحيى خان المنسوب إلى التشيع فمن اين تجيء الوقائع الدامية، والفضائح التي تقع في بلاد الإسلام كل يوم، وتؤيد الإستعمار، وتقوي التشتت والتمزق. ومن العميل فيها، ومن العامل على مجابهة الدول العربية بعضها مع بعض كالحكومة المغربية مع الجزائرية، والليبية مع المصرية والسودانية، والسورية مع العراقية و… و… غير أبناء أهل السنة؟.

وإذا أثبت تدخل ابن العلقمي في كارثة بغداد التي لم تقل فيها خسارة أبناء


84

الشيعة عن السنة، والشواهد التاريخية التي ذكرت بعضها في (مع الخطيب) تدل على عدم تدخله.

فهل جميع المتدخلين في سائر الكوارث، والمحن والحروب، والفتن التي ابتليت بها الأمة في شرق الأرض وغربها من عصر الصحابة إلى زماننا كانوا من أبناء الشيعة أو من أبناء السنة.

انسيتم صنائعكم في الحرمين الشريفين، وما ارتكبتم بجهالاتكم من هتك للقبور، وهدم للمشاهد المشرفة، والأبنية التاريخية التي كانت من أقوى الشواهد على صحة تاريخ الإسلام، ومواقف رسوله ومناقب ابطاله فجعلتم تاريخاً ككان له في كل بقعة من بقاع نزل فيها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وأبوه، وجده، وأمه، وأقاربه شاهداً على صحة ما يحكيه ويثبت من أمجادنا خالياً عن تلك الشواهد العينية وجعلتموه معرضاً للضياع والنسيان.

فالتاريخ الخالي من الشواهد الأثرية لا يعتمد إبراهيم عليه عند المؤرخين المعاصرين.

فهل تعرف شاهداً أقوى على وجود إبراهيم الخليل، واسماعيل وهاجر من الكعبة المعظمة، ومن حجر اسماعيل، ومقام إبراهيم، ولو كانت هذه الآثار والبنايات التاريخية التي يجدد الناس بها في كل يوم ذكرى رسول الله، وأهل بيته. ومنازل الوحي، وموافقه العظيمة، ومواقف أبطال صحابته لو كانت بيد غير المسلمين، لما باعوها ولما تخلوا عنها ولو دفع لهم ثروات الدنيا باجمعها ولغله ما كان عملاً، مما قام به زعماء المذهب الوهابي بجمودهم الفكري والعصبية المذهبية، أقرلعين الإستعمار من هدم البقاع وجعلهم تاريخ الإسلام سيما في المستقبل في معرض الشك والارتياب.

فهذا عمل لا يمكن للاستعمار ان يقوم به بيده الآثمة لأنه يتهم الوحشية


85

والرجعية ولكن تحت ستار المذهب وبيد غيره من أبناء المسلمين وصل إلى مناه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فحياة الأمم، والملل، ومواقفهم الجليلة التاريخ انما تعرف بما خلفوا من آثار تدل عليها، فهل يعرف شاهد على المدنية الإسلامية، وحضارتها وعصرها الذهبي في الأندلس، غير الآثار الأندلسية الباقية عن المسلمين.

أنسيتم ما فعل امراؤكم الأقدمين الذين تقدسونهم من التجاوز على حرمات الله في الحرمين الشريفين، ومنهم مسلم بن عقبة عامل أمير مؤمنيكم يزيد، والحصين بن نمير، والحجاج عامل أمير مؤمنيكم الآخر عبد الملك الذي روج الخلاعة والدعارة في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ وتفترون على الشيعة، ويقول احسان آلهي ظهيركم (وهاهي الكعبة جريحة بجريمة طائفة منكم).

فما هي الجريمة، ومن هذه الطائفة، خذل الله، ولعن الله الكاذب، والمفتري ومن لا يخاف من الله، ويأتي بأقبح الكذب والإفتراء، ولا يستحي من الله تعالى، ولعن الله من لا يحترم الكعبة ويرى جوازهتك لبنة، من المسجد الحرام، وسائر الأبنية المشرفة في الحرمين، وغيرهما.

ولعن الله من لا يعتقد في الكعبة انها أول بيت وضع للناس فيه آيات بينات مقام إبراهيم من دخله كان آمناً.

وهاهي ألوف من كتب فقه الشيعة، وكتب أدعيتهم منتشرة في جميع الأقطار الإسلامية فيها أحكام الكعبة المعظمة، وأحكام الحرم، وآداب. الورود في الحرام والأدعية التي يدعي الله تعالى بها في الحرم وفي مكة المكرمة وفي مسجد الحرام وفي الكعبة المعظمة، وما يجب في الحرم على المحرم وغيره مما يرجع إلى حفظ احترام الحرم، والمسجد، والكعبة.


86

فقولوا: ما شئتم يحاسبكم بما تقولون، وتفترون، وهو يعلم ان الشيعة أبعد الطوائف، عن الإفتراءات، بعد المشرق من المغرب.

فقولوا واكتبوا وافتروا على شيعة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما تريدون فهم بريئون من كل افتراءاتكم مقتدين في ذلك اثر ائمتهم عليهم السلام.

فهذا إمامهم السبط الأكبر الحسن المجتبى عليه السلام حج راجلاً خمساً وعشرين حجة، وامامهم الثالث أبو الشهداء وسيد أهل الإباء الحسين عليه السلام حج أيضاً ماشياً عشرين حجة أوأكثر، وهو الذي ترك مكة المكرمة بعد ما علم ان بني امية يريدون قتله فيها غيلة حذراً من هتك حرمتها، ولما قال ابن الزبير اقم في هذا المسجد اجمع لك الناس قال: والله لئن اقتل خارجاً منها بشبر احب إلى من ان اقتل فيها، ولأن اقتل خارجاً منها بشبرين أحبّ إلى من اقتل خارجاً منها بشبر، وايم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لا ستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم، والله ليعتدن عليّ كما اعتدت في السبت (1).

ولا يخفي عليك انّا لا نؤاخذ أهل السنة، بالأفاعيل المنكرة التي صدرت من جهالهم، وطلبة الجاه، والرئاسة، وعمال السياسة، ولا نريد الاستشهاد بهذه الأمور على بطلان طائفة، واحقية أخرى، فان هذه ليست معياراً لتمييز الحق من الباطل او لمعرفة الصحيح من السقيم في المسائل الخلافية، ولا يتمسك بهذه الأمور إلاّ من يريد المغالطة، وقد ضعفت حجته، وليس عنده من الأدلة العقلية أو النقلية ما يثبت به مذهبه، وعند الشيعة بحمد الله تعالى في جميع المسائل أقوى الأدلة، وأصرح النصوص، وأصحها.

(1) الكامل لابن الإثير: 4/38.


87

بل أريد إلفات القارىء إلى انّا لو فرضنا صحة ما استشهد به احسان الهي ظهير، والخطيب مما اسنده إلى بعض الشيعة فحجج الشيعي في ذلك أقوى لأنه يأتي بها من أوثق المصادر التاريخية عند أهل السنة، فقم انت يا احسان الهي ظهير، واقرأ التاريخ بتجرد وفهم، أو تجول في البلاد الإسلامية حتى تعرف الخائنين من غير الشيعة من الذين باعوا امجادنا الإسلامية من الكافرين، واتخذوهم أولياء.

وحينئذ يمكنك ان تعرف ان الخائن ليس منحصراً بمن ترميه بالخيانة في واقعة انفصال الباكستانين من بين جميع القادة، والأمراء، والوزراء الذين كانوا يشاركونه في الحكم.

فهذه الوقائع من المصائب التي ابتلي بها المسلمون «الشيعة والسنة»، وعلى حدّ سواء أعاذ الله الجميع منها.

ولو قد أخذنا بمبدأ التحابب، والتوادد الإسلامي، ولم نتهم بعضنا بعضاً بما هو بريء عنه، ولم نجعل ما أدى إليه اجتهاد طائفة في المسائل الخلافية دليلاً على الكفر، او الفسق لأصبح المسلمون يعيشون في الوئام، والاتفاق.


88

الكلام حول الأحاديث

لا يخفي ان كتب الحديث بما فيها من الصحيح والسقيم، والقوي، والضعيف، والغريب، والمرفوع، والمرسل، والمتروك، وغيرها لا يحتج بكل ما فيها، ولا يجعل كل حديث منها حجة على ما اعتقده المسلمون من الشيعة أو السنة (1) يعرف ذلك الحذاق في هذا الفن، ويصح ان يقال ان كل عقيدة اسلامية جاءت من الكتاب والحديث، ولا يصح ان يقال كل حديث جاء بالعقيدة وبناء على ذلك فلا يقبل من الحديث إلاّ ما توفرت فيه شرايط الصحة والقبول، ولا يكون متروكاً. ولا معرضاً عنه.

اللهم الاّ يعلم جهة الترك، والاعراض، وانها ليست شرعية كما يجب ان لا يكون الحديث مخالفاً لصريح القرآن. والاّ يضرب على الجدار، وهذا من أعظم ما أخذت به سيدة العالمين عليها السلام على القوم في مسئلة تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فان بعضهم حدث عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ولم يلتفتوا إلى ان هذا مخالف لكتاب الله تعالى.

(1) نعم يعتبر أهل السنة ما في الصحاح الستة ولا سيما الصحيحين حجة فال يجوزون القدح في صحة ما اخرجه البخاري أو مسلم، اما الشيعة فيجوزون المناقشة حتى في جوامعهم الأربعة.

فاعتبارهم الحديث صحيحاً ليس باعتبار انه في (الكافي) و (من لا يحضره الفقيه) أو (الاستبصار) أو (التهذيب).

بل لهم في قبول الحديث والحكم باعتباره، وجواز العمل به قواعد، وشرائط تكشف عن كمال دقتهم في الحديث متناً وسنداً فلا تؤخذ عقائدهم بل ولا آرائهم من كتب الحديث، بل يضاف على ذلك كتبهم في الكلام، والفقه التي يبحثون فيها عن الأصول والفروع، وعن الأحاديث التي تحتج بها على ضوء علمي.


89

كما يجب ان لا يكون الحديث مخالفاً لضرورة عقلية، والا يجب تأوله وحمله على المحامل الصحيحة، وجعل الضرورة قرينة على المجاز والأحاديث الدالة على التحريف سواء أكان من طرق الشيعة أو السنة كذلك.

فاذا فرض ان يكون بينها الظاهر في ذلك فهو مخالف لضرورة العقل كما انه مخالف للقرآن المجيد، ولذا تركها العلماء، ولا تجد أحداً من الشيعة حتى من يتبع الشواذ، من يعمل بها كما لا أظن ان يكون بين أهل السنة من يفتي بذلك، ويعتمد عليهما إلاّ القليل ممن لا نحب التصريح بذكر أسمائهم.

وسواء أساء المنحرفين عن أهل البيت، ومحبّي اعدائهم ممن لا يعتد بآرائهم عند أهل السنة او لا يسوءهم، وسواء ارادوا أم لا يريدوا فالمسلمون كلهم منّ الشيعة والسنة تفكيرهم في المسائل الإسلامية، ومناهجهم في حل المشاكل، وخططهم وسيرتهم، في مواجهة التيارات المخزية الإلحادية، غير تفكير هؤلاء فقادتهم وزعماؤهم وعلماؤهم والمصلحون يجتمعون في مجلس واحد، ويتذاكرون في مستقبل الأمة مجتنبين سوء الظن فيما بينهم.

وربما يعتمد السني على الشيعي في هذه المسائل، والغيرة على حفظ نوامسينا الإسلامية، والاحتفاظ بامجادنا أكثر من اعتماده على بعض أهل السنة فقد عرف الكثيرون من علماء السنة حقيقة الشيع، والشيعة وأدركوا مبلغ اخلاصهم لدين الله، وكتابه كما يعرفون ان كل ما يقول هؤلاء عن الشيعة من الكذب والنفاق الخداع زور وبهتان.

فهم أفصح الناس للاسلام والمسلمين، وكتاب الله وسنة رسوله فليتجول كل من يريد ان يعرف عقيدة الشيعة في كتاب الله، ولا يريد الفساد والفتنة في بلاد الشيعة، وليراجع مؤلفاتهم حتى يعرف عقيدتهم فيه، وانهم ما اختاروا


90

رأياً، ولا اعتقدوا عقيدة في الإصول والفروع الاّ ويستندون فيها الى الكتاب والسنة.

واذن فلن تحصلوا من وراء سعيكم في ايقاد نار التباغض والمجادلة بغير الحق الاّ الخسران والاّ تكريس الضعيف في صفوف المسلمين، وخيانة الزعماء والمصلحين.

مع انه لا يكاد يجول في خاطري، ولا في خاطر أحد من الواعين أو يدور في مخيلته، ونحن في هذا العصر عصر النور، ومع توفير كتب الحوار المنطقي بين الفريقين، وخصوصاً تلك التي تتضمن المناظرات القيمة، حول جميع المسائل الخلافية بين أقطاب المذهبين ككتاب (المرجعات) وغيره.

نعم ما كنا نتصور بعد هذا كله أن يأتي كاتب يتلبس ثوب العلم فيكرر نقل الأكاذيب التي اخترعها ساسة الجور والظلم، ووضعها تجار الدين ممن باعوا أنفسهم للشيطان، إرضاء لهؤلاء الساسة ضدّ شيعة أهل البيت عليهم السلام.

فكل ما اتى به من الزور والبهتان وافتراه على الشيعة ليس إلاّ بعض ما كتب موسى جار الله، وقد ردّ عليه رداً شافياً لم يجعل لا لتباس الحقيقة بالباطل مجالاً، السيد شرف الدين في (أجوبة مسائل موسى جار الله) وسيد الاعيان السيد محسن الامين مؤلف (اعيان الشيعة) و (نقض الوشيعة).

فيا أهل الإنصاف اقرأوا هذه الكتب (اجوبة مسائل موسى جار الله) و (نقض الوشيعة) و (إلى المجمع العلمي العربي) و (المراجعات) و (النصّ والإجتهاد) و (الفصول المهمة) و (ابو هريرة) و (عبد الله بن سبأ) و (أصل الشيعة واصولها) و (امان الأمّة من الضلال والاختلاف) و (مع الخطيب في خطوطه العريضة).


91

فانظروا هل بقي بعد ما تضمنته هذه الكتب من حقائق سؤال عن الشيعة.

وهل يرد اعتراض عليهم؟ وهل بقي مجال لتكرار ما نسجته ايدي أهل العناد: واللجاج؟ وهل يقول بعد هذه الكتب أحد بعدم حصول التفاهم والتجاوب، والتقريب بين الفريقين؟ إلا المعاند اللجوج من يكتب لمنفعة أعداء الاسلام.

أقرأوا هذه الكتب حتى تعرفوا انه ليس هنا ما يمنع من تحقيق وحدة الأُمة. وتوحيد الكلمة، والتقريب والتجاوب، إلاّ افتراءات المفترين، وجهالات المتعصبين الجامدين.


92

إقتراح جذري لحسم الخلاف

وأخيراً نطلب من جامعة المدينة المنور، واساتذتها المصلحين تشكيل مؤتمر من اقطاب فكرة التقريب، والسكرتير العام لدار التقريب، وغيرهم من العلماء المصلحين من الشيعة والسنة ومن هذا الخادم الضعيف للمسلمين وليكن مقره في المدينة المنورة، حتى ينظر الجميع فيما يعرض من جانب المصلحين في التقريب بين الفريقين، والتجاوب، والتفاهم، وحتى يتضح لهم ان لا شيء بين الفريقين يوجب هذه الجفوة، والتباعد، والتنافر، والبغضاء.

وان امتيازية الشيعة عن السنة في بعض جوانب العقيدة انما هو عقيدة لهم أدّى اجتهادهم في الكتاب والسنة إليها، ولا تختلف عقائد الشيعة مع السنة في اركان الإسلام الاعتقادية، والعملية التي يكون الاعتقاد بها من شرايط الاسلام والتي اتفقت عليها كلمات أكابر أهل السنة، ودلت عليها صحاح أحاديثهم.

وحتى يظهر للجميع انه قد آن ان نترك هذه المناقشات ونشر هذه الكتيبات ونختم على الكلام حول الخلافات، والافتراءات المذهبية، فقد كفانا السلف مؤنة ذلك بما يغني الباحثين. فلا تجتني ثمرة من المقالات الشائكة سيما على أساس العصبية، والزور، والبهتان الاّ الضعف والتخالف والتخاصم أعاذنا الله تعالى منها ونسأله ان يجمع شملنا ويلم شعثنا ويشعب صدعنا، ويرتق فتقنا، وينصرنا على القوم الكافرين.


93

(ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً انّك أنت الوهذاب. ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيمة إنّك لا تخلف الميعاد ربّنا اغفر لنا ولاخواننا الّذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا علاًّ للذين آمنوا ربّنا انك رؤوف رحيم).

26 ـ ذي الحجة الحرام 1396

لطف الله الصافي

فهرست آيات
ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين5
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالّتي هي أحسن5
ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن6
يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً6
إدفع بالّتي هي احسن فإذا الّذي بينك وبينه عداوة كانّه وليٌّ حميمُ6
ولا تقف ما ليس للك به علم إنّ السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولاً7
فبما رحمةٍ من الله لنت لهم، ولو كناً فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك7
وإنّا لنظنّك من الكاذبين7
فريل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثّم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم ممّا كتبت أيدهم وويل لهم ممّا يكسبون19
إنّ هذه امّتكم امّة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون23
وإنّك لعلى خلقٍ عظيمٍ25
إنّ الّذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة. اعملوا ماشئتم إنه بما تعملون بصير36
عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملونه48
وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبائنا والله أمرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون48
وحشرناهم فلم نغادر منهم احداً50
الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكوة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأُمور63
ولقد أرسلنا في كل أُمة رسولاً ان اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت63
وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين63
انّ هذه امتّكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون64
فهرست اشعار
فبا ساكني أطراف طيبة كلكم   =   إلى القلب من أجل الحبيب حبيب20
إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهباً   =   ينجيك يوم الحشر من لهب النار71
فدع عنك قول الشافعي ومالك   =   وأحمد والمروي عن كعب احبار71
ووال اناساً قولهم وحديثهم   =   روى جدنا عن جبرئيل عن الباري (1)71
من معشر حبهم دين وبغضهم   =   كفر وقربهم منجى ومعتصم71
إن عدّ أهل التقى كانوا أئمتهم   =   أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم71
ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم   =   مذاهبهم في أبحر الغي والجهل71
ركبت على اسم الله في سفن النجا   =   وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل71
وامسكت حبل الله وهو ولائهم   =   كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل71
إذا افترقت في الدين سبعون فرقة   =   ونيفاً على ما جاء في واضح النقل71
ولم يك ناج منهم غير فرقة   =   فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل71
أفي الفرقة الهلاك آل محمد   =   أم الفرقة اللاتي نجت منهم، قل: لي71
فان قلت في الناجين فالقول واحد   =    وان قلت في الهلاك حفت عن العدل71
إذا كان مولى القوم منهم فانني   =   رضيت بهم لا زال في ظلهم ظلي71
رضيت علياً لي إمام ونسله   =   وأنت من الباقين في أوسع الحل71