فهرست عناوين فهرست آيات
في رحاب

الزيارة الجامعة

البيان الكامل لفضائل اهل البيت عليهم السلام

ومناقبهم الرآئعة في زيارتهم الجامعة

السيد على الحسيني الصدر

فهرست عناوين
الإهداء 5
المقدّمة 7
زيارة المعصومين (عليهم السلام) اُخذ عليها العهد 9
ثواب الزيارة 9
آداب الزيارة 11
الزيارة الجامعة ومستواها الرفيع 12
سند الزيارة واعتبارها 16
متن الزيارة وبلاغتها 19
نصّ الزيارة ولفظها 23
شرح الزيارة وبيانها 35
الفصل الأول
السلام على أهل البيت (عليهم السلام) 35
مَن هم أهل بيت الرسول (عليهم السلام) 36
أهل البيت (عليهم السلام) محل أسرار رسالات الأنبياء 38
أهل البيت (عليهم السلام) محل نزول ملائكة الله تعالى 41
أهل البيت (عليهم السلام) منازل وحي السماء 44
أهل البيت (عليهم السلام) معادن الرحمة الإلهية 47
حديث الكساء الشريف واعتباره سنداً ومتناً 48
أهل البيت (عليهم السلام) خزّان علم الله تعالى 51
أهل البيت (عليهم السلام) وعلمهم الحضوري اللّدنيّ 51
أهل البيت (عليهم السلام) وأبواب علومهم ومعالمهم 53
بيان الأحاديث الأربعين في علوم أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) 54
حلم أهل البيت (عليهم السلام) 71
كرم أهل البيت (عليهم السلام) 74
أهل البيت (عليهم السلام) قادة الاُمم من الدنيا والآخرة 77
أهل البيت (عليهم السلام) أولياء النعم 81
أهل البيت (عليهم السلام) عناصر الأبرار واُصول البرّ 86
أهل البيت (عليهم السلام) دعائم الأخيار وأعمدة الخير 89
أهل البيت (عليهم السلام) ساسة العباد ومدبّروا الخلق 91
أهل البيت (عليهم السلام) أركان العالم 96
أهل البيت (عليهم السلام) هم الطريق الوحيد للإيمان بالله تعالى 96
الشهادة الثالثة من مقدّمات الإيمان بالله تعالى 102
أهل البيت (عليهم السلام) اُمناء الله تعالى في أرضه 104
أهل البيت (عليهم السلام) هم السلالة الطيّبة لرسول الإسلام والنبيين الكرام 107
أعداء أهل البيت هم أصحاب خساسة النسب والحسب 108
أهل البيت (عليهم السلام) هم الصفوة المختارة من الرسل والرسالة 109
أهل البيت (عليهم السلام) فقط هم عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) 114
الفصل الثاني
السلام على أئمّة الهدى أهل البيت (عليهم السلام) 118
أهل البيت (عليهم السلام) هم المصابيح المنيرة في الظلمات الداجية 120
أهل البيت (عليهم السلام) هم أعلام التقوى ومَثَلها الأعلى 122
أهل البيت (عليهم السلام) هم أصحاب العقول الكاملة بمعاليها الفاخرة 126
أهل البيت (عليهم السلام) هم الملجأ والأمان في الدنيا والآخرة 128
أهل البيت (عليهم السلام) هم ورثة الأنبياء (عليهم السلام) 131
مواريث الأنبياء والأئمّة عند الإمام المهدي (عليه السلام) 136
أهل بيت الهدى هم المَثَل الأعلى 138
أهل البيت (عليهم السلام) أحسن الدعاة إلى الله تعالى 142
أهل البيت هم الحجج الإلهية البالغة في الدنيا والآخرة 145
عالم الذرّ في الكتاب والسنّة 146
الفصل الثالث
السلام على محالّ معرفة الله تعالى 151
أهل البيت (عليهم السلام) مستقرّ البركات والخيرات 154
أهل البيت (عليهم السلام) معادن الحكمة الإلهية واُصول المعارف الربّانية 155
أهل البيت (عليهم السلام) حفظة الأسرار الإلهية 157
أهل البيت (عليهم السلام) هم الحملة لعلوم القرآن ومعارف الفرقان 160
أهل البيت (عليهم السلام) هم الأوصياء الحقّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) 162
أهل البيت (عليهم السلام) هم الذرّية الدرّية للنبي (صلى الله عليه وآله) 166
الفصل الرابع
السلام على الدعاة إلى الله تعالى 172
أهل البيت (عليهم السلام) هم المرشدون الهادون إلى مرضاة الله تعالى 174
أهل البيت (عليهم السلام) هم الثابتون في أوامر الله تعالى واُموره 175
أهل البيت (عليهم السلام) في ذروة المحبّة الإلهية 178
أهل البيت (عليهم السلام) هم المخلصون الخالصون في توحيد الله تعالى 182
أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين أظهروا أوامر الله تعالى ونواهيه 184
أهل البيت (عليهم السلام) عباد الله المكرمون 186
الفصل الخامس
السلام على الأئمّة الطاهرين الداعين إلى الله تعالى 188
أهل البيت (عليهم السلام) هم القادة الهداة إلى الجنّة 196
أهل البيت (عليهم السلام) هم السادة الشرفاء والأئمّة الأولياء 197
أهل البيت (عليهم السلام) هم حماة المؤمنين 204
أهل البيت (عليهم السلام) هم أهل الذكر الذين اُمرنا بالسؤال منهم 206
أهل البيت (عليهم السلام) هم اُولوا الأمر الذين يجب إطاعتهم 208
أهل البيت (عليهم السلام) هم بقيّة الله لعباده الذين هم خير لهم 209
أهل البيت (عليهم السلام) هم خيرة الله تعالى 221
أهل البيت (عليهم السلام) هم حزب الله تعالى 222
أهل البيت (عليهم السلام) هم مستودع علم الله تعالى 224
أهل البيت (عليهم السلام) هم حجج الله تعالى 224
أهل البيت (عليهم السلام) هم الطريق إلى الله تعالى 225
أهل البيت (عليهم السلام) هم نور الله تعالى 226
أهل البيت (عليهم السلام) هم براهين الله تعالى 228
الشهادة الاُولى بالتوحيد 230
الشهادة الثانية بالرسالة 235
الشهادة الثالثة بالإمامة 239
أهل البيت (عليهم السلام) هم الأئمّة الراشدون بالحقّ 244
أهل البيت (عليهم السلام) هم المهديّون في الإرشاد 247
أهل البيت (عليهم السلام) هم المعصومون عن كل زلّة 250
أهل البيت (عليهم السلام) هم المكرّمون 251
وهم المقرّبون 252
وهم المتّقون 253
وهم الصادقون 254
وهم المصطفون 255
وهم المطيعون لله تعالى 256
وهم القوّامون بأمر الله تعالى 258
وهم العاملون بإرادة الله تعالى 260
وهم الفائزون بكرامة الله تعالى 261
وهم المختارون بعلم الله تعالى 262
وهم المرتضَون لغيب الله تعالى 265
وهم المؤتمنون على سرّ الله تعالى 271
وهم المجتَبون بقدرة الله تعالى 272
وهم المعزّزون بهداية الله تعالى 274
وهم المختصّون ببرهان الله تعالى 275
وهم المنتجبون لنور الله تعالى 275
وهم المؤيّدون بروح الله تعالى 276
أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين ارتضاهم تعالى خلفاء الله في أرضه 279
وحجج الله في بريّته 282
وأنصار الله لدينه 283
أهل البيت (عليهم السلام) هم حفظة سرّ الله 286
وخزنة علم الله 287
ومستودع حكمة الله 288
وتراجمة وحي الله 289
وأركان توحيد الله 290
والأعلام لعباد الله 293
والمنار في بلاد الله 293
والأدلاّء على صراط الله 294
أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين عصمهم الله تعالى من الزلل 294
وآمنهم من الفتن 298
وطهّرهم من الدنس 299
وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً 301
أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين عظّموا جلال الله تعالى 301
وكبّروا شأنه 306
ومجّدوا كرمه 306
وأداموا ذكره 307
ووكّدوا ميثاقه 311
وأحكموا عقد طاعته 314
ونصحوا له 316
ودعوا إلى سبيله 319
وبذلوا أنفسهم في مرضاته 321
وصبروا على ما أصابهم في جنبه 328
أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين أقاموا الصلاة 330
وآتوا الزكاة 335
وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر 341
وجاهدوا في الله تعالى حقّ جهاده 343
أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين أعلنوا دعوة الله تعالى 345
وبيّنوا فرائضه 345
وأقاموا حدوده 346
ونشروا شرائع أحكامه 347
وبيّنوا سننه 349
وبَلَغوا رضوانه 354
وكانوا تسليماً لما قدّره الله تعالى 357
ومصدّقين لرسل الله تعالى 359
أهل البيت (عليهم السلام) محور الدين الحقّ فالراغب عنهم زاهق عن الدين 363
والملازم لهم لاحق 364
والمقصّر في حقّهم هالك 366
أهل البيت (عليهم السلام) أهل الحق والحقيقة 367
وميراث الأنبياء عندهم 370
وإياب الخلق في القيامة إليهم 372
وحسابهم عليهم 373
وفصل الخطاب عندهم 377
وآيات الله لديهم 380
وعزائم الله فيهم 381
ونور الله وبرهانه عندهم 382
ودين الله مفوّض إليهم 383
متابعة أهل البيت (عليهم السلام) متابعة الله ومعاداتهم معاداة مع الله 385
أهل البيت (عليهم السلام) هم السبيل إلى الله والطريق إليه 389
أهل البيت (عليهم السلام) هم شهداء الله على خلقه 392
أهل البيت (عليهم السلام) هم شفعاء شيعتهم الناجين 393
أهل البيت (عليهم السلام) هم رحمة الله الموصولة 397
أهل البيت (عليهم السلام) هم الآية الإلهية المخزونة 401
أهل البيت (عليهم السلام) هم الأمانة الإلهية المحفوظة 402
أهل البيت (عليهم السلام) هم الباب الممتحن به الناس 404
أهل البيت (عليهم السلام) هم طريق النجاة من أتاهم نجى ومن لم يأتهم هلك 408
أهل البيت (عليهم السلام) هم المختصّون بالله تعالى من جميع شؤونهم 411
سعادة أولياء أهل البيت (عليهم السلام) 414
هلاك أعداء أهل البيت (عليهم السلام) 416
خسران جاحدي أهل البيت (عليهم السلام) 417
ضلالة مفارقي أهل البيت (عليهم السلام) 418
فاز من تمسّك بأهل البيت (عليهم السلام) 420
أمن من لجأ إليهم 421
سلم من صدّقهم 422
هدي من اعتصم بهم 423
الجنّة مأوى أتباع أهل البيت (عليهم السلام) والنار مثوى أعدائهم 425
من جحد أهل البيت (عليهم السلام) كان كافراً 428
ومن حاربهم كان مشركاً 431
ومن ردّ عليهم كان في الدرك الأسفل من الجحيم 432
أهل البيت (عليهم السلام) أرواحهم الطيّبة وطينتهم الكريمة 436
خلقتهم النوريّة 441
بيوتهم الرفيعة 445
الصلاة على أهل البيت (عليهم السلام) وحسناتها 450
ولاية أهل البيت (عليهم السلام) وآثارها 451
التسليم لفضلهم والاعتراف بصدقهم (عليهم السلام) 460
الذروة العليا والمرتبة الفضلى لهم سلام الله عليهم 462
تفدية أهل البيت (عليهم السلام) بالنفس والنفيس 482
تجديد العهد واستشهاد العبد بما يعتقده في أهل البيت (عليهم السلام) 483
الولاية لأهل البيت (عليهم السلام) والمعاداة مع أعدائهم 490
إظهار حقّية ما أثبته أهل البيت (عليهم السلام) وبطلان ما أبطلوه 492
تحقيق إطاعة أهل البيت (عليهم السلام) 493
معرفة حقّهم 494
الإقرار بفضلهم 495
تحمّل علمهم 495
الاحتجاب بذمّتهم 497
الاعتراف بإمامتهم 497
التصديق برجعتهم 498
الانتظار لفَرَجهم 504
إرتقاب دولتهم 507
الأخذ بقولهم والعمل بأمرهم 511
الاستجارة بهم 513
زيارتهم 514
الالتجاء بهم 515
طلب شفاعتهم 516
التقرّب إلى الله تعالى بهم 516
التوجّه إلى الله تعالى بتقديمهم 519
الإيمان بهم 520
تفويض الأمر إليهم 526
الانقياد في جميع الاُمور لهم 533
الاستعداد لنصرتهم 534
التبرّي من أعدائهم 538
تأكيد التبرّي من الطاغين عليهم 543
البراءة من ظالميهم وجاحدي حقوقهم والمارقين من ولايتهم والغاصبين لإرثهم والشاكّين فيهم والمنحرفين عنهم 545
دعاء الاستقرار والثبوت على ولايتهم ودينهم وتوفيق طاعتهم ونيل شفاعتهم ومتابعة آثارهم ودرك الفضائل بهم 555
معرفة أهل البيت (عليهم السلام) هي السبيل إلى معرفة الله تعالى 561
ثناء أهل البيت (عليهم السلام) سموّ لا يدرك 563
مناقب أهل البيت (عليهم السلام) حقائق لا تحصى 564
وجود أهل البيت (عليهم السلام) منشأ بركات لا تُعد 566
وسيلة أهل البيت (عليهم السلام) طريق النجاة في كل حاجة 567
أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين نزل في بيتهم الروح الأمين 570
وآتاهم الله تعالى ما لم يؤت أحداً من العالمين 572
وخصّهم الله تعالى بخضوع كل شيء لهم 582
وحباهم الله تعالى بالولاية التكوينية والتشريعية التي فيهم 593
جميل ذكر أهل البيت (عليهم السلام) في جميع شؤونهم .. ذكرهم وأسماؤهم وأجسادهم وأرواحهم وكل ما لهم 597
كريم أوصاف أهل البيت (عليهم السلام) في جميع ما يخصّهم .. كلامهم وأمرهم ووصيّتهم وفعلهم وعادتهم وسجيّتهم وقولهم ورأيهم وكل ما فيهم 602
أهل البيت (عليهم السلام) بهم أخرجنا الله من الكفر إلى الإيمان 624
أهل البيت (عليهم السلام) بهم علّمنا الله معالم الدين 624
أهل البيت (عليهم السلام) بهم منّ الله علينا بالصلاح والفلاح 625
أهل البيت (عليهم السلام) بولايتهم أكرمنا الله بقبول الطاعات والعبادات 634
أهل البيت (عليهم السلام) ببركتهم تفضّل الله علينا برفيع الدرجات والمكرمات 641
مسك ختام الزيارة بتصديق درجات أهل البيت (عليهم السلام) 645
طلب الثبات من الله تعالى على ولاية أهل البيت (عليهم السلام) 646
التوسّل إلى الله تعالى بأهل البيت (عليهم السلام) 648
الوداع بعد الزيارة 653
الاهداء

الى رسول رب العالمين وسيّد اهل بيته الطّاهرين

الى خاتم الانبياء وفخر الاصفياء

الى افضل الكائنات واشرف الموجودات

اهدي صحيفة ولايتي ومنشور خدمتي

وارفع مناقب آله الاتقياء في زيارتهم الغرّآء

والمامولمن رأفته ورحمته قبول القليل

من اقلّ امته وذرّيّته

قم المشرفة في ميلاد سيدة النسآء فاطمة الزهراء عليها السلام 1423هـ

علي بن السيّد محمد الحسيني الصدر


7

المقدّمة

أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين اصطفاهم الله تعالى لنفسه وجعلهم خلفاء في أرضه وخصّهم بفائق كراماته وجعل كامل معرفتهم منحصراً بذاته وخاتم رسله ، فلا يمكن العباد أن يعرفونهم حقّ المعرفة ، بل تكون معرفتهم بقدر ما يكون للبشر من طاقة ، وبمقدار ما يكون للإنسان من قدرة .

وقد ذكرنا بمنّه تعالى شمّة بيان وخلاصة برهان لإمامتهم الحقّة ، وولايتهم المطلقة في كتاب العقائد (1) ضمن فصول خمسة تتلخّص في :

(1) ضرورة الإمامة للبشر قاطبة .

(2) الإمامة انتصابية من الله تعالى ، لا إنتخابية من الناس .

(3) انحصار الإمامة في الهداة الغرر الأئمّة الإثنى عشر (عليهم السلام) .

(4) خصوصيات الإمام والإمامة .

(5) وظائف الاُمّة تجاه أهل بيت العصمة .

وامتداداً لتلك الفصول نرجوا من الله الوصول إلى ما تيسّر من معرفة الأئمّة ، والتعرّف على سادة الاُمّة وعرفان الخصائص والفضائل الثابتة لهم ، إستفادةً من دليل معرفتهم وحديث فضيلتهم ، أعني زيارتهم الجامعة ولئاليهم

(1) العقائد الحقّة : ص257 ـ 353 الطبعة الاُولى .


8

اللامعة الواردة عن سيّدنا الإمام الهمام علي بن محمّد الهادي (عليهما السلام) . وهي أصحّ الزيارات سنداً ، وأتمّها مورداً ، وأفصحها لفظاً ، وأبلغها معنىً ، وأعلاها شأناً ، كما عبّر بذلك عنها العلاّمة المجلسي (قدس سره) (1) .

وقد احتوت على الرياض النضرة والحدائق الخضرة .. المزدانة بأنوار المعارف والحكمة ، والمحفوفة بثمار أسرار أهل بيت العصمة .. في شطر وافر من حقوق اُولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم (2) ، والهداة الصراط الذين حثّ الله تعالى على متابعتهم (3) ، وذوي القربى الذين فرض الله مودّتهم (4) ، وأهل الذكر الذين أرشدنا الله إلى مسألتهم (5) .

وقد أفاضوا أنفسهم (صلوات الله عليهم) علينا من معرفتهم ما يوجب لنا البلوغ إلى سعادة المآل ، والوصول إلى درجة الكمال ...

وهم الصادقون الصدّيقون الذين اُمرنا أن نكون معهم (6) ، وورثة علم الرسول الذين اُلزمنا أن نأتي مدينة الحكمة من بابهم (7) .

فما أجدر أن نعرف كمالاتهم بما جاء في كلماتهم ، وما أنسب أن نتوصّل إلى معرفتهم بالتوسّل إلى بيانات أنفسهم من خلال زيارتهم هذه ، الجامعة الكبرى ، التي هي مدرسة عُليا لنيل الكمالات ودرك الكرامات ...

(1) بحار الأنوار : ج102 ص144 .

(2) في سورة النساء : الآية 59 .

(3) في سورة الأنعام : الآية 153 .

(4) في سورة الشورى : الآية 23 .

(5) في سورة النحل : الآية 43 ، وسورة الأنبياء : الآية 7 .

(6) في سورة التوبة : الآية 119 .

(7) في الأحاديث المتواترة المتّفق عليها بين الفريقين .


9

مضافاً إلى أنّ نفس التوجّه إليهم بزيارتهم في حدّ ذاتها هي من المعالم الراقية والتقرّبات الزاكية التي توجب وصول الزائر إلى الدرجات الرفيعة والمقامات المنيعة التي تلاحظها في مثل حديث شيخنا ابن قولويه القمّي باسناده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) : « ياعلي من زارني في حياتي أو بعد موتي ، أو زارك في حياتك أو بعد موتك ، أو زار إبنيك في حياتهما أو بعد مماتهما ضمنتُ له يوم القيامة أن اُخلّصه من أهوالها وشدائدها ، حتّى اُصيّره معي في درجتي » (1) .

بل إنّ زيارتهم ممّا اُخذ عليها العهد فيلزم الوفاء به ، ولا يمكن تركه كما في حديث الوشا قال سمعت الرضا (عليه السلام) يقول : « إنّ لكلّ إمام عهداً (2) في عنق أوليائه وشيعته ، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم ، فمن زارهم رغبةً في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمّتهم شفعاؤهم يوم القيامة » (3) .

إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة التي تلاحظها في كتب المزار ، نذكر بعضها تعميماً وتكميلا للفائدة ، من ذلك :

(1) ـ حديث جابر ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « زارنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أهدت لنا اُمّ أيمن لبناً وزبداً وتمراً قدّمنا منه فأكل ، ثمّ قام إلى زاوية البيت فصلّى ركعات ، فلمّا كان في آخر سجوده بكى بكاءً شديداً ، فلم يسأله أحد منّا إجلالا وإعظاماً له ، فقام الحسين فقعد في حجره وقال له :

(1) كامل الزيارات : ص11 .

(2) والعهد هو الوصيّة والأمر ، والمعاهدة هي المعاقدة كما في مجمع البحرين : ص220 .

قال الله تعالى في سورة الإسراء : الآية 34 : ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا .

(3) بحار الأنوار : ج100 ص116 ب2 ح1 .


10

ياأبه ، لقد دخلت بيتنا فما سررنا بشيء كسرورنا بدخولك ، ثمّ بكيت بكاءً غمّنا ، فما أبكاك ؟

فقال : يابنىْ أتاني جبرئيل (عليه السلام) آنفاً فأخبرني أنّكم قتلى وأنّ مصارعكم شتّى .

فقال : ياأبه فما لمن يزور قبورنا على تشتّتها ؟

فقال : يابني اُولئك طوائف من اُمّتي يزورونكم فيلتمسون بذلك البركة ، وحقيق عليّ أن آتيهم يوم القيامة حتّى اُخلّصهم من أهوال الساعة ومن ذنوبهم ويسكنهم الله الجنّة » (1) .

(2) ـ حديث عيسى بن راشد قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) فقلت : جعلت فداك ما لمن زار قبر الحسين (عليه السلام) وصلّى عنده ركعتين ؟

قال : « كتبت له حجّة وعمرة » .

قال : قلت له : جعلت فداك وكذلك كلّ من أتى قبر إمام مفترض طاعته ؟

قال : « وكذلك كلّ من أتى قبر إمام مفترض طاعته » (2) .

(3) ـ حديث أبي عامر التبّاني واعظ أهل الحجاز قال : أتيت أبا عبدالله جعفر بن محمّد (عليهما السلام) وقلت له : يابن رسول الله ما لمن زار قبره ـ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ وعمّر تربته ؟

قال : ياأبا عامر حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه الحسين بن علي (عليهما السلام) ، عن علي (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له : « والله لتُقتلنّ بأرض العراق وتُدفن بها .

قلت : يارسول الله ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها ؟

(1) بحار الأنوار : ج100 ص118 ب2 ح11 .

(2) بحار الأنوار : ج100 ص119 ب2 ح18 .


11

فقال لي : ياأبا الحسن إنّ الله تعالى جعل قبرك وقبر ولدك بقاعاً من بقاع الجنّة وعرصة من عرصاتها وأنّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحنّ إليكم وتحتمل المذلّة والأذى ، فيعمّرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلى الله ومودّة منهم لرسوله ، اُولئك ياعلي المخصوصون بشفاعتي ، الواردون حوضي ، وهم زوّاري غداً في الجنّة » (1) .

(4) ـ حديث يحيى بن سليمان المازني ، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال : « إذا كان يوم القيامة كان على عرش الرحمن أربعة من الأوّلين وأربعة من الآخرين ، فأمّا الأربعة الذين هم من الأوّلين : فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) . وأمّا الأربعة من الآخرين : محمّد وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) ، ثمّ يُمدّ الطعام ، فيقعد معنا من زار قبور الأئمّة ، ألا إنّ أعلاهم درجة وأقربهم حبوة زوّار قبر وَلَدي (عليه السلام) » (2) .

(5) ـ حديث الوشاء قال : قلت للرضا (عليه السلام) : ما لمن زار قبر أحد من الأئمّة ؟

قال : « له مثل من أتى قبر أبي عبدالله (عليه السلام) » .

قال : قلت له : وما لمن زار قبر أبي عبدالله (عليه السلام) ؟ قال :

« الجنّة والله » (3) .

ثمّ إنّ لهذه المراقد المقدّسة والزيارات المباركة آداب خاصّة ينبغي مراعاتها وقد جمعها الشهيد الأوّل في مزار الدروس في أربعة عشر أمراً قال (قدس سره) ما نصّه : « وللزيارة آداب :

(1) بحار الأنوار : ج100 ص120 ب2 ح22 .

(2) بحار الأنوار : ج100 ص123 ب2 ح29 .

(3) بحار الأنوار : ج100 ص124 ب2 ح33 .


12

أحدها : الغسل قبل دخول المشهد ، والكون على طهارة ...

وثانيها : الوقوف على بابه والدعاء والاستئذان بالمأثور ...

وثالثها : الوقوف على الضريح ملاصقاً له أو غير ملاصق ...

ورابعها : استقبال وجه المزور واستدبار القبلة حال الزيارة ...

وخامسها : الزيارة بالمأثور ، ويكفي السلام والحضور .

وسادسها : صلاة ركعتي الزيارة عند الفراغ ...

وسابعها : الدعاء بعد الركعتين بما نقل ...

وثامنها : تلاوة شيء من القرآن عند الضرائح واهداؤها إلى المزور ...

وتاسعها : إحضار القلب في جميع أحواله مهما استطاع ، والتوبة من الذنب والاستغفار ...

عاشرها : التصدّق على السدنة والحفظة للمشهد ...

حادي عشرها : أنّه إذا انصرف من الزيارة استحبّ له العود إليها ...

ثاني عشرها : أن يكون الزائر بعد الزيارة خيراً منه قبلها ...

ثالث عشرها : تعجيل الخروج عند قضاء الوطر من الزيارة ... وروي أنّ الخارج يمشي القهقرى حتّى يتوارى .

رابع عشرها : الصدقة على المحاويج بتلك البقعة » (1) .

واعلم أنّ الزيارة الجامعة في اصطلاح أهل الحديث هي الزيارة التي يزار بها جميع أهل بيت النبي (صلوات الله عليهم) ، من دون اختصاص ببعضهم .. وهي زيارات عديدة متّصفة بهذه الفضيلة ، وقد ذكر شيخ الطائفة والسيّد ابن طاووس وغيرهما من الزيارات الجامعة عدا هذه الزيارة الشريفة الكبيرة زيارات جامعة

(1) الدروس الشرعية : ج2 ص22 .


13

اُخرى تبلغ أربعة عشر زيارة تجدها مجموعة في مزار البحار (1) .

إلاّ أنّ أعلى تلك الزيارات شأناً وأرفعها مكانةً ـ كما عبّر به بعض الأعاظم ـ هي الزيارة الجامعة الكبيرة المعروفة المرويّة عن سيّدنا ومولانا الإمام الزكي أبي الحسن الهادي النقي (عليه السلام) .

وفصاحة ألفاظها وبلاغة مضامينها تشهد بصدورها من بيت الوحي ومصدر العلم وينبوع الهدى .

وقد رواها جملة جليلة من أساطين الدين وحملة علوم الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) في كتبهم المعتبرة ، نذكر منها عشرة مصادر تيمّناً بعاشر الأئمّة المفاخر صاحب هذه الزيارة المباركة ، فقد جاءت في مثل :

1 ـ من لا يحضره الفقيه للشيخ الأقدم الصدوق / ج2 / ص370 .

2 ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الجليل الصدوق أيضاً / ج2 / ص277 .

3 ـ التهذيب لشيخ الطائفة الحقّة الطوسي / ج6 / ص95 .

4 ـ روضة المتّقين لوالد العلاّمة المجلسي / ج5 / ص450 .

5 ـ بحار الأنوار للمولى المجلسي / ج102 / ص127 .

6 ـ تحفة الزائر لشيخنا المجلسي / ص363 .

7 ـ البلد الأمين للشيخ الكفعمي / ص297 .

8 ـ الوافي للفيض الكاشاني / ج10 / ص416 / ب85 / ح17 .

9 ـ عمدة الزائر للسيّد حيدر الكاظمي / ص370 .

10 ـ مستدرك الوسائل للمحدّث النوري / ج10 / ص416 .

فاعتمد عليها جميع الخاصّة ، بل حتّى بعض العامّة كالحمويني في فرائده

(1) بحار الأنوار : ج102 ص208 ـ 126 .


14

نقلا عن الشيخ الصدوق (قدس سره) (1) .

وقد ذكر المولى التقي المجلسي (2) كرامة ظريفة لهذه الزيارة الشريفة ، قال فيها : (ولمّا وفّقني الله تعالى لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وشرعت في حوالي الروضة المقدّسة في المجاهدات ، وفتح الله تعالى عليّ ببركة مولانا صلوات الله عليه أبواب المكاشفة التي لا تحتملها العقول الضعيفة رأيت في ذلك العالم ـ وإن شئت قلت بين النوم واليقظة ـ عندما كنت في رواق عمران جالساً أنّي بسرّ من رأى (سامرا) ورأيت مشهدهما في نهاية الارتفاع والزينة ، ورأيت على قبرهما لباساً أخضر من الجنّة لأنّه لم أرَ مثله في الدنيا ، ورأيت مولانا ومولى الأنام صاحب العصر والزمان (عليه السلام) جالساً ، ظهره على القبر ووجهه إلى الباب ، فلمّا رأيته شرعت في هذه الزيارة بالصوت المرتفع كالمدّاحين ، فلمّا أتممتها قال صلوات الله عليه : نعمت الزيارة .

قلت : مولاي روحي فداك ، زيارة جدّك ؟ ـ وأشرت إلى نحو القبر ـ .

فقال : نعم ، اُدخل ، فلمّا دخلت وقفت قريباً من الباب . فقال صلوات الله عليه : تقدّم .

فقلت : مولاي أخاف أن أصير كافراً بترك الأدب .

فقال صلوات الله عليه : لا بأس إذا كان باذننا ، فتقدّمت قليلا وكنت خائفاً مرتعشاً ، فقال : تقدّم .. تقدّم ، حتّى صرت قريباً منه صلوات الله عليه ، قال : اجلس .

قلت : أخاف مولاي .

(1) فرائد السمطين : ج2 ص179 .

(2) روضة المتّقين : ج5 ص451 .


15

قال صلوات الله عليه : لا تخف ، فلمّا جلست جلسة العبيد بين يدي المولى الجليل قال صلوات الله عليه : استرح واجلس مربّعاً فإنّك تعبت جئت ماشياً حافياً ...

فالحاصل أنّه لا شكّ لي أنّ هذه الزيارة من أبي الحسن الهادي سلام الله عليه بتقرير الصاحب (عليه السلام)) .

وذكر الميرزا النوري مطلوبية هذه الزيارة والتأكيد عليها في حكاية السيّد الموسوي الرشتي التي تلاحظ تفصيلها في النجم (1) .

هذا واستقصاء البحث في هذا الكتاب يكون في مقامين : سند هذه الزيارة أوّلا ، وشرح متن حديثها ثانياً ، بنصّ بيانها ثمّ حاصل شرحها .

ومن الله تعالى نسأل العون والتوفيق .

(1) النجم الثاقب : ص601 .


16

المقام الأوّل :
في سند حديث الزيارة الجامعة
روى الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن موسى بن بابويه القمّي (1) في العيون (2) قال :

حدّثنا علي بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق (رضي الله عنه) (3) ومحمّد بن أحمد السناني (4) ، وعلي بن عبدالله الورّاق (5) ، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتّب (6) قال :

(1) هو الشيخ العظيم من مشايخ الشيعة الثقات ، والركن القويم من أركان الشريعة الأجلاّء ، من الذين لا شكّ في وثاقتهم ولا حاجة إلى بيان عدالتهم .

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : ج2 ص277 .

(3) هو من مشايخ الصدوق الذين ترضّى عليهم وترحّم لهم وهو قرين المدح ، بل عديل التوثيق ، فإنّهم أثبات أجلاّء ، والحديث من جهتهم صحيح معتمد عليه كما حكي من المحقّق الداماد (قدس سره) .

بل يستفاد توثيق مشايخه عموماً من كلامه في أوّل كتاب المقنع : ص2 .

(إذ كان ما اُبيّنه فيه من الكتب الاُصولية موجوداً مبيّناً عن المشايخ العلماء والفقهاء الثقات (رحمهم الله)) .

(4) من مشايخ الصدوق الذين أكثر الحديث عنهم وترحّم عليهم ، فهو مورد الإطمئنان والوثوق .

(5) من مشيخة الصدوق وممّن روى عنهم مترحّماً عليهم ، فيطمئنّ بوثاقته .

(6) هو الحسين بن إبراهيم المؤدّب المكتّب .. روى عنه الصدوق مترضّياً عليه ، وأقلّ ما يستفاد منه حسن حاله كما حكي عن التعليقة .


17

حدّثنا محمّد بن عبدالله الكوفيّ (1) .

وأبو الحسين الأسدي (2) ، قالوا :

حدّثنا محمّد بن إسماعيل المكّي البرمكي (3) قال :

حدّثنا موسى بن عبدالله النخعي (4) قال : قلت : لعلي بن محمّد بن علي بن

(1) هو محمّد بن عبدالله بن نجيح الكوفي المعروف بالشيخ ، ذكره العلاّمة في القسم الأوّل من رجاله المعدّ للمعتمدين في الخلاصة : ص156 الرقم 108 ، وفي محكي الوجيزة والبلغة أنّه ممدوح ، وفي محكي منتهى المقال أنّه من مصنّفي الإمامية ، ويكفيه حسناً .

(2) هو محمّد بن جعفر الأسدي الكوفي المحقّق وثاقته ، وقد قال فيه النجاشي في رجاله : ص264 أنّه ثقة صحيح الحديث .

(3) وثّقه النجاشي في رجاله : ص241 وقال : كان ثقة مستقيماً له كتب منها كتاب التوحيد ، وحكى توثيقه أيضاً عن الوجيزة ، والبلغة ومشتركات الكاظمي والطريحي .

(4) ورد فيما بأيدينا من نسخة العيون موسى بن عمران النخعي ، والظاهر أنّه تصحيف ، والصحيح موسى بن عبدالله النخعي كما أثبتناه بقرينة ذكره هكذا في الفقيه من نفس الصدوق (رحمه الله) ، ونقله عنه في التهذيب : ج6 ص95 .

على أنّ موسى بن عمران النخعي لم يذكر له حديث عن الإمام الهادي (عليه السلام) ، وهو أيضاً ثقة ورد في اسناد تفسير القمّي : ج1 ص388 ، إلاّ أنّه ليس هو الراوي لهذه الزيارة الشريفة .

وموسى بن عبدالله النخعي ورد أيضاً في اسناد مشايخ علي بن إبراهيم في الكافي : ج1 ص27 ح31 .

وفي روايته الزيارة الجامعة دلالة على كونه إماميّاً ، صحيح الاعتقاد ، بل في تلقين مولانا الإمام الهادي (عليه السلام) هذه الزيارة المتضمّنة لبيان مراتب الأئمّة ، شهادة على كون الرجل من الحسان ومقبول الرواية ، كما أفاده المحقّق المامقاني في تنقيح المقال : ج3 ص257 .

وعلى الجملة فهو مقبول ، بل هو موثّق بالتوثيق العام من علي بن إبراهيم الذي وثّق عموماً سلسلة رواته بقوله في مقدّمة تفسير القمّي : ج1 ص4 « ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم وأوجب ولايتهم .. » .

وبذلك تعرف أنّ جميع رجال سلسلة السند معتبرون بالإستقصاء . مع ما عرفت من العلاّمة المجلسي في أوّل هذا الكتاب من أنّ هذه الزيارة أصحّ الزيارات سنداً .


18

موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

والسند تامّ بل أنّ هذه الزيارة لا تحتاج إلى ملاحظة السند ، لأنّ فصاحة مشحونها وبلاغة مضمونها تغني عن ذلك كنهج البلاغة العلوية ، والصحيفة المباركة السجّادية كما أفاده السيّد شبّر (قدس سره) (1) .

هذا مضافاً إلى سنده القريب والعجيب المتقدّم فيما أفاده والد العلاّمة المجلسي (2) ـ وهو الثقة العدل ـ : أنّه قرّرها سنداً ومتناً مولانا صاحب الزمان أرواحنا فداه في المكاشفة التي تقدّم نقلها ..

فالسند معتبر في النفس ، ومقرّر من مقام القدس .

(1) الأنوار اللامعة : ص33 .

(2) روضة المتّقين : ج5 ص452 .


19

المقام الثاني :
متن حديث الزيارة الجامعة
متن هذه الزيارة المباركة بعد السند المتقدّم إلى موسى بن عبدالله النخعي هو كما يلي :

قال : قلت لعليّ بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) : علّمني يابن رسول الله قولا أقوله بليغاً (1) كاملا إذا زُرتُ واحداً منكم .

فقال : إذا صرت إلى الباب (2) فقف ، واشهد الشهادتين وأنت على غسل (3) .

(1) القول البليغ هو الكلام المبيّن الموصل للحقيقة ، من البلوغ الذي هو الانتهاء والوصول إلى أقصى الحقيقة .

(2) أي باب الروضة في المشاهد المشرّفة .

(3) أي غسل الزيارة ، وتلاحظ إستحبابه في باب الأغسال المسنونة من الوسائل : (ج2 ص936 ب1 و29 الأحاديث) .

واعلم أنّ من آداب الزيارة الإستئذان في الدخول إلى روضة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين .


20

وقد ذكر العلاّمة المجلسي استئذاناً شريفاً قبل ذكر هذه الزيارة المباركة تلاحظه في البحار( ج102 ص115 باب زيارة الإمام الحجّة بن الحسن صلوات الله عليه ) جاء فيه ما نصّه :

( اَللّهُمَّ اِنَّ هذِهِ بُقْعَةٌ طَهَّرْتَها وَعَقْوَةٌ شَرَّفْتَها وَمَعالِمٌ زَكَّيْتَها ، حَيْثُ اَظْهَرْتَ فِيها اَدِلَّةَ التَّوْحِيدِ وَاَشْباحَ الْعَرْشِ الْمَجِيدِ ، الَّذِيْنَ اصْطَفَيْتَهُمْ مُلُوكاً لِحِفْظِ النِّظامِ وَاخْتَرْتَهُمْ رُؤَساءَ لِجَمِيْعِ الاَْنامِ وَبَعَثْتَهُمْ لِقِيامِ الْقِسْطِ فِي ابْتِداءِ الْوُجُودِ اِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، ثُمَّ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِاسْتِنابَةِ اَنْبِيائِكَ لِحِفْظِ شَرائِعِكَ وَاَحْكامِكَ ، فَاَكْمَلْتَ بِاسْتِخْلافِهِمْ رِسالَةَ الْمُنْذِرِيْنَ كَما اَوْجَبْتَ رِياسَتَهُمْ فِي فِطَرِ الْمُكَلَّفِيْنَ ، فَسُبْحانَكَ مِنْ اِله ما اَرْأْفَكَ وَلا اِلهَ اِلاّ اَنْتَ مِنْ مَلِك ما اَعْدَلَكَ حَيْثُ طابَقَ صُنْعُكَ ما فَطَرْتَ عَلَيْهِ الْعُقُولَ وَوافَقَ حُكْمُكَ ما قَرَّرْتَهُ فِي الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى تَقْدِيرِكَ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ ، وَلَكَ الشُّكْرُ عَلى قَضائِكَ الْمُعَلَّلِ بِاَكْمَلِ التَّعْلِيلِ ، فَسُبْحانَ مَنْ لا يُسْأَلُ عَنْ فِعْلِهِ وَلا يُنازَعُ فِي اَمْرِهِ ، وَسُبْحانَ مَنْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قَبْلَ ابْتِداءِ خَلْقِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِحُكّام يَقُومُونَ مَقامَهُ لَوْ كانَ حاضِرِاً فِي الْمَكانِ ، وَلا اِلهَ اِلاّ اللّه الَّذِي شَرَّفَنا بِاَوْصِياءَ يَحْفَظُونَ الشَّرائِعَ فِي كُلِّ الاَْزْمانِ ، وَاللّهُ اَكْبَرُ الَّذِي اَظْهَرَهُمْ لَنا بِمُعْجِزات يَعْجُزُ عَنْها الثَّقَلانِ ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ اِلاّ بِاللّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الَّذِي اَجْرانا عَلى عَوائِدِهِ الْجَمِيلَةِ فِي الاُْمَمِ السّالِفِينَ ، اَللّهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ وَالثَّناءُ الْعَلِيُّ كَما وَجَبَ لِوَجْهِكَ الْبَقاءُ السَّرْمَدِيُّ وَكَما جَعَلْتَ نَبِيَّنا خَيْرَ النَّبِيّينَ وَمُلُوكَنا اَفْضَلَ الْمَخْلُوقِيْنَ وَاخْتَرْتَهُمْ عَلى عِلْم عَلى الْعالَمِيْنَ وَفِّقْنالِلسَّعْيغ


21

فإذا دخلت ورأيت القبر فقف وقل : الله أكبر ثلاثين مرّة ، ثمّ إمشِ قليلا وعليك السكينة والوقار (1) ، وقارب بين خطاك (2) ، ثمّ قف وكبّر الله عزّوجلّ ثلاثين ، ثمّ اُدنُ من القبر وكبّر الله أربعين مرّة تمام مائة تكبيرة (3) .

اِلى اَبْوابِهِمْ الْعامِرَةِ اِلى يَوْمِ الدِّيْنِ ، وَاجْعَلْ اَرْواحَنا تَحِنُّ اِلى مُوْطِيءِ اَقْدامِهِمْ ، وَنُفُوسَنا تَهْويِ النَّظَرَ اِلى مَجالِسِهِمْ وَعَرَصاتِهِمْ ، حَتّى كَأنَّنا نُخاطِبُهُمْ فِي حُضُورِ اَشْخاصِهِمْ ، فَصَلّى اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سادَة غائِبِينَ وَمِنْ سُلالَة طاهِرِينَ وَمِنْ اَئِمَّة مَعْصُومِيْنَ اَللّهُمَّ فَأْذَنَ لَنا بِدُخُولِ هذِهِ الْعَرَصاتِ الَّتِي اسْتَعْبَدْتَ بِزِيارَتِها اَهْلَ الاَْرَضِينَ وَالسَّمواتِ ، وَاَرْسِلْ دُمُوعَنا بِخُشُوعِ الْمَهابَةِ ، وَذَلِّلْ جَوارِحَنا بِذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ وَفَرْضِ الطّاعَةِ ، حَتّى نُقِرَّ بِما يَجِبُ لَهُمْ مِنَ الاَْوْصافِ ، وَنَعْتَرِفَ بِاَنَّهُمْ شُفَعاءُ الْخَلائِقِ اِذا نُصِبَتِ الْمَوازِينُ فِي يَوْمِ الاَْعْرافِ ، وَالْحَمْدُ لِلّه وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى مُحَمَّد وَآلِهِ الطّاهِرِينَ .

ثمّ قبّل العتبة وادخل وأنت خاشعٌ باك ، فذلك إذن منهم (صلوات الله عليهم أجمعين في الدخول) .

(1) السكينة عبارة عن إطمئنان القلب بذكر عظمة الله وعظمة أوليائه ، والوقار عبارة عن اطمئنان البدن .

(2) المقاربة بين الخطوات في المشي أمّا لحصول حالة الوقار ، أو هي مع تحصيل كثرة الثواب الذي يعطى لكلّ خطوة في زياراتهم .

(3) اُفيد أنّ التكبير للدلالة على أنّ العظمة والكبرياء لله تعالى ، ولتزول الوحشة عن الداخل إلى محلّ كبريائهم .


22

ثمّ قل (1) :

وقيل : لعلّها للإحتراز عمّا قد تورثه هذه المضامين من الغلوّ أو الغفلة عن عظمة الله سبحانه .

لكن لا يمكن المساعدة على هذا الوجه الأخير ، لأنّ المضامين الواردة في الزيارة حقّ محض لا توجب الغلو أصلا ، بل توجب المعرفة قطعاً ، ومعرفتهم لا توجب الغفلة عن عظمة الله تعالى ، بل تزيد في معرفة الله والقرب إليه .

فلعلّ الصحيح أن يقال : إنّها تكبيرات التعظيم ، لأجل عظمة هذه الزيارة ، فإنّه وإن كانت الزيارات جميعها مهمّة إلاّ إنّ بعضها ذات أهميّة خاصّة ، ولأجلها ورد التكبير في أوّله ، نظير زيارة عاشوراء النازلة من العرش ، المخصوصة بأعظم المصائب ، كما ذكر التكبير لها السيّد الفقيه اليزدي (قدس سره) ، ونظير زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) المخصوصة في أوّل رجب المشتملة على تلبية الزائر لاستنصار الإمام الحسين (عليه السلام) عند قوله : « لبّيك داعي الله إن كان لم يُجبك بدني عند إستغاثتك ، ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري » . وهذه الزيارة الجامعة من هذا القبيل حائزة لأهميّة فائقة باشتمالها على أشرف المضامين المنتقاة ، وأعلى منازل الهداة ، فناسبها تكبير التعظيم .

(1) اعلم أنّ هذه الزيارة الشريفة مشتملة على خمس تسليمات فتكون فصولها خمسة ، ثمّ تليها ثلاث شهادات بيّناها باُصولها الحقّة ، ثمّ تتّصل بذكر الفضائل العلياء والمناقب الشمّاء المتمثّلة في أهل البيت (عليهم السلام) .


23

( نصّ الزيارة الجامعة )
اَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ يااَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَوْضِعَ الرِّسالَةِ وَمُخْتَلَفَ الْمَلائِكَةِ وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ وَخُزَّانَ الْعِلْمِ وَمُنْتَهَى الْحِلْمِ وَاُصُولَ الْكَرَمِ وَقادَةَ الاُْمَمِ وَاَوْلِياءَ النِّعَمِ وَعَناصِرَ الاَْبْرارِ وَدَعائِمَ الاَْخْيارِ وَساسَةَ الْعِبادِ وَاَرْكانَ الْبِلادِ وَاَبْوابَ الإيِمانِ وَاُمَناءَ الرَّحْمنِ وَسُلالَةَ النَّبِيِّينَ وَصَفْوَةَ الْمُرْسَلِينَ وَعِتْرَةَ خِيَرَةِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ .

السَّلامُ عَلى اَئِمَّةِ الْهُدى وَمَصابِيحِ الدُّجى وَاَعْلامِ التُّقى وَذَوِي النُّهى وَاُولِي الْحِجى وَكَهْفِ الْوَرى وَوَرَثَةِ الاَْنْبِياءِ وَالْمَثَلِ الاَْعْلى وَالدَّعْوَةِ الْحُسْنى وَحُجَجِ اللّهِ عَلى اَهْلِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَالاُْولى (1) وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ .

(1) في العيون : (على أهلِ الآخرةِ والاُولى) .


24

السَّلامُ عَلى مَحالِّ مَعْرِفَةِ اللّهِ وَمَساكِنِ بَرَكَةِ اللّهِ وَمَعادِنِ حِكْمَةِ اللّهِ وَحَفَظَةِ سِرِّ اللّهِ وَحَمَلَةِ كِتابِ اللّهِ وَاَوْصِياءِ نَبِيِّ اللّهِ وَذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ .

السَّلامُ عَلَى الدُّعاةِ اِلَى اللّهِ وَالاَْدِلاّءِ عَلى مَرْضاتِ اللّهِ وَالْمُسْتَقِرِّينَ (1) فِي اَمْرِ اللّهِ (2) وَالتَّامِّينَ فِي مَحَبَّةِ اللّهِ وَالْمُخْلِصِينَ فِي تَوْحِيدِ اللّهِ وَالْمُظْهِرِينَ لاَِمْرِ اللّهِ وَنَهْيِهِ وَعِبادِهِ الْمُكْرَمِينَ الَّذِينَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِاَمْرِهِ يَعْمَلُونَ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ .

السَّلامُ عَلَى الاَْئِمَّةِ الدُّعاةِ وَالْقادَةِ الْهُداةِ وَالسّادَةِ الْوُلاةِ وَالذّادَةِ الْحُماةِ وَاَهْلِ الذِّكْرِ وَاُولِي الاَْمْرِ وَبَقِيَّةِ اللّهِ وَخِيرَتِهِ وَحِزْبِهِ وَعَيْبَةِ عِلْمِهِ وَحُجَّتِهِ وَصِراطِهِ وَنُورِهِ ـ وَبُرْهانِهِ ـ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ .

اَشْهَدُ اَنْ لا اِلهَ اِلاَّ اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ كَما شَهِدَ اللّهُ لِنَفْسِهِ وَشَهِدَتْ لَهُ مَلائِكَتُهُ وَاُولُوا الْعِلْمِ مِنْ خَلْقِهِ لاا اِلهَ اِلاّ هُوَ

(1) في التهذيب : (والمستَوْفرِينَ) .

(2) في العيون إضافة : (ونَهْيه) .


25

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

وَاَشْهَدُ اَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ الْمُنْتَجَبُ (1) وَرَسُولُهُ الْمُرْتَضى اَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّيْنِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ .

وَاَشْهَدُ اَنَّكُمُ الاَْئِمَّةُ الرّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ الْمَعْصُومُونَ الْمُكَرَّمُونَ الْمُقَرَّبُونَ الْمُتَّقُونَ الصّادِقُونَ الْمُصْطَفَونَ الْمُطِيعُونَ لِلّهِ الْقَوّامُونَ بِاَمْرِهِ الْعامِلُونَ بِاِرادَتِهِ الْفائِزُونَ بِكَرامَتِهِ اصْطَفاكُمْ بِعِلْمِهِ وَارْتَضاكُمْ لِغَيْبِهِ وَاخْتارَكُمْ لِسِرِّهِ وَاجْتَباكُمْ بِقُدْرَتِهِ وَاَعَزَّكُمْ بِهُداهُ وَخَصَّكُمْ بِبُرْهانِهِ وَانْتَجَبَكُمْ لِنُورِهِ (2) وَاَيَّدَكُمْ بِرُوحِهِ وَرَضِيَكُمْ خُلَفاءَ فِي اَرْضِهِ وَحُجَجاً عَلى بَرِيَّتِهِ وَاَنْصاراً لِدِينِهِ وَحَفَظَةً لِسِرِّهِ وَخَزَنَةً لِعِلْمِهِ وَمُسْتَوْدَعاً لِحِكْمَتِهِ وَتَراجِمَةً لِوَحْيِهِ وَاَرْكاناً لِتَوْحِيدِهِ وَشُهَداءَ عَلى خَلْقِهِ وَاَعْلاماً لِعِبادِهِ وَمَناراً فِي بِلادِهِ وَاَدِلاّءَ عَلى صِراطِهِ .

عَصَمَكُمُ اللّهُ مِنَ الزَّلَلِ وَآمَنَكُمْ مِنَ الْفِتَنِ وَطَهَّرَكُمْ مِنَ

(1) في العيون بدل المنتجب : (المُصطَفى) .

(2) في الفقيه : (بنُورِه) .


26

الدَّنَسِ وَاَذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ (1) وَطَهَّرَكُمْ تَطْهِيراً ، فَعَظَّمْتُمْ جَلالَهُ وَاَكْبَرْتُمْ (2) شَاْنَهُ وَمَجَّدْتُمْ كَرَمَهُ وَاَدمتُمْ (3) ذِكْرَهُ وَوَكَّدْتُمْ (4) مِيثاقَهُ وَاحْكَمْتُمْ عَقْدَ طاعَتِهِ وَنَصَحْتُمْ لَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ وَدَعَوْتُمْ اِلى سَبِيلِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَبَذَلْتُمْ اَنْفُسَكُمْ فِي مَرْضاتِهِ وَصَبَرْتُمْ عَلى ما اَصابَكُمْ فِي جَنْبِهِ (5) وَاَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَاَمَرْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَجاهَدْتُمْ فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ حَتّى اَعْلَنْتُمْ دَعْوَتَهُ وَبَيَّنْتُمْ فَرائِضَهُ وَاَقَمْتُمْ حُدُودَهُ وَنَشَرْتُمْ (6) شَرايعَ اَحْكامِهِ وَسَنَنْتُمْ سُنَّتَهُ وَصِرْتُمْ فِي ذلِكَ مِنْهُ اِلَى الرِّضا وَسَلَّمْتُمْ لَهُ الْقَضاءَ وَصَدَّقْتُمْ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ مَضى ، فَالراغِبُ عَنْكُمْ مارِقٌ وَاللاّزِمُ لَكُمْ لاحِقٌ وَالْمُقَصِّرُ فِي حَقِّكُمْ زاهِقٌ وَالْحَقُّ مَعَكُمْ وَفِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَاِلَيْكُمْ وَاَنْتُمْ اَهْلُهُ وَمَعْدِنُهُ ، وَمِيراثُ النُّبُوَّةِ

(1) في بعض نسخ الفقيه إضافة (اأهلَ البَيت) .

(2) في العيون (وكبّرتم) .

(3) في العيون والفقيه والتهذيب (وأدْمَنْتُم) .

(4) في بعض نسخ الفقيه (وذكّرتُم) .

(5) في بعض نسخ الفقيه (حُبّه) .

(6) في بعض نسخ الفقيه (وفَسَّرتُم) .


27

عِنْدَكُمْ وَاِيابُ الْخَلْقِ اِلَيْكُمْ وَحِسابُهُمْ (1) عَلَيْكُمْ وَفَصْلُ الْخِطابِ عِنْدَكُمْ وَآياتُ اللّهِ لَدَيْكُمْ وَعَزائِمُهُ فِيكُمْ وَنُورُهُ وَبُرْهانُهُ عِنْدَكُمْ وَاَمرُهُ اِلَيْكُمْ ، مَنْ والاكُمْ فَقَدْ والىَ اللّهَ وَمَنْ عاداكُمْ فَقَدْ عادَ اللّهَ وَمَنْ اَحَبَّكُمْ فَقَدْ اَحَبَّ اللّهَ ـ وَمَنْ اَبْغَضَكُمْ فَقَدْ اَبْغَضَ اللّهَ ـ وَمَنِ اعْتَصَمَ بِكُمْ فَقَدْ اعْتَصَمَ بِاللّهِ .

اَنْتُمُ الصِّراطُ الاَْقْوَمُ (2) وَشُهَداءُ دارِ الْفَناءِ وَشُفَعاءُ دارِ الْبَقاءِ وَالرَّحْمَةُ الْمَوْصُولَةُ وَالاْيَةُ الْمَخْزُونَةُ وَالاَْمانَةُ الْمَحْفُوظَةُ وَالْبابُ الْمُبْتَلى بِهِ النّاسُ ، مَنْ اَتاكُمْ نَجى وَمَنْ لَمْ يَأْتِكُمْ هَلَكَ اِلىَ اللّهِ تَدْعُونَ وَعَلَيْهِ تَدُلُّونَ وَبِهِ تُؤْمِنُونَ وَلَهُ تُسَلِّمُونَ وَبِاَمْرِهِ تَعْمَلُونَ وَاِلى سَبِيلِهِ تُرْشِدُونَ وَبِقَوْلِهِ تَحْكُمُونَ ، سَعَدَ (3) مَنْ والاكُمْ وَهَلَكَ مَنْ عاداكُمْ وَخابَ مَنْ جَحَدَكُمْ وَضَلَّ مَنْ فارَقَكُمْ وَفازَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكُمْ وَاَمِنَ مَنْ لَجَأَ اِلَيْكُمْ وَسَلِمَ مَنْ صَدَّقَكُمْ وَهُدِيَ مَنِ اعْتَصَمَ بِكُمْ ، مَنِ اتَّبَعَكُمْ فَالْجَنَّةُ مَأْواهُ وَمَنْ خالَفَكُمْ فَالنّارُ مَثْواهُ وَمَنْ جَحَدَكُمْ كافِرٌ وَمَنْ

(1) في الفقيه (وحسابُهُ) .

(2) في العيون (أنتُمُ السَّبيلُ الأعظَمُ والصِّراطُ الأقْوَمُ) .

(3) في العيون (سَعَدَ واللّهِ مَن والاكُمْ) .


28

حارَبَكُمْ مُشْرِكٌ وَمَنْ رَدَّ عَلَيْكُمْ (1) فِي اَسْفَلِ دَرَك مِنَ الْجَحِيمِ ، اَشْهَدُ اَنَّ هذا سابِقٌ لَكُمْ فِيما مَضى وَجار لَكُمْ فِيما بَقِيَ وَاَنَّ اَرْواحَكُمْ وَنُورَكُمْ وَطِينَتَكُمْ واحِدَةٌ طابَتْ وَطَهُرَتْ بَعْضُها مِنْ بَعْض خَلَقَكُمُ اللّهُ اَنْواراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ حَتّى مَنَّ عَلَيْنا بِكُمْ فَجَعَلَكُمْ فِي بُيُوت اَذِنَ اللّهُ اَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وَجَعَلَ صَلاتَنا (2) عَلَيْكُمْ وَما خَصَّنا بِهِ مِنْ وِلايَتِكُمْ طِيباً لِخَلْقِنا وَطَهارَةً لاَِنْفُسِنا وَتَزْكِيَةً (3) لَنا وَكَفّارَةً لِذُنُوبِنا فَكُنّا عِنْدَهُ مُسَلِّمِينَ بِفَضْلِكُمْ وَمَعْرُوفِينَ بِتَصْدِيقِنا اِيّاكُمْ ، فَبَلَغَ اللّهُ بِكُمْ اَشْرَفَ مَحَلِّ الْمُكَرَّمِينَ وَاَعْلى مَنازِلِ الْمُقَرَّبِينَ وَاَرْفَعَ دَرَجاتِ الْمُرْسَلِينَ حَيْثُ لا يَلْحَقُهُ لاحِقٌ وَلا يَفُوقُهُ فائِقٌ وَلا يَسْبِقُهُ سابِقٌ وَلا يَطْمَعُ فِي اِدْراكِهِ طامِعٌ ، حَتّى لا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلا صِدِّيقٌ وَلا شَهِيدٌ وَلا عالِمٌ وَلا جاهِلٌ وَلا دَنِيٌّ وَلا فاضِلٌ وَلا مُؤْمِنٌ صالِحٌ وَلا فاجِرٌ طالِحٌ وَلا جَبّارٌ عَنِيدٌ وَلا شَيْطانٌ مَرِيدٌ وَلا خَلْقٌ فِيما بَيْنَ ذلِكَ شَهِيدٌ اِلاّ عَرَّفَهُمْ جَلالَةَ

(1) في العيون إضافة (فهُوَ) .

(2) في العيون والفقيه (صَلَواتِنا) .

(3) في التهذيب (وبَرَكَةً) .


29

اَمْرِكُمْ وَعِظَمَ خَطَرِكُمْ وَكِبَرَ شَأْنِكُمْ وَتَمامَ نُورِكُمْ وَصِدْقَ مَقاعِدِكُمْ وَثَباتَ مَقامِكُمْ وَشَرَفَ مَحَلِّكُمْ وَمَنْزِلَتِكُمْ عِنْدَهُ وَكَرامَتَكُمْ عَلَيْهِ وَخاصَّتَكُمْ لَدَيْهِ وَقُرْبَ مَنْزِلَتِكُمْ مِنْهُ .

بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَاَهْلِي وَمالِي وَاُسْرَتِي اُشْهِدُ اللّهَ وَاُشْهِدُكُمْ اَنِّي مُؤْمِنٌ بِكُمْ وَبِما آمَنْتُمْ بِهِ ، كافِرٌ بِعَدُوِّكُمْ وَبِما كَفَرْتُمْ بِهِ ، مُسْتَبْصِرٌ بِشَأْنِكُمْ وَبِضَلالَةِ مَنْ خالَفَكُمْ مُوال لَكُمْ وَلأَوْلِيائِكُمْ مُبْغِضٌ لاَِعْدائِكُمْ وَمُعاد لَهُمْ سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ مُحَقِّقٌ لِما حَقَّقْتُمْ مُبْطِلٌ لِما اَبْطَلْتُمْ مُطِيعٌ لَكُمْ عارِفٌ بِحَقِّكُمْ مُقِرٌّ بِفَضْلِكُمْ ـ مُحْتَمِلٌ لِعِلْمِكُمْ ـ مُحْتَجِبٌ بِذِمَّتِكُمْ مُعْتَرِفٌ بِكُمْ مُؤْمِنٌ بِاِيابِكُمْ مُصَدِّقٌ بِرَجْعَتِكُمْ مُنْتَظِرٌ لاَِمْرِكُمْ مُرْتَقِبٌ لِدَوْلَتِكُمْ آخِذٌ بِقَوْلِكُمْ عامِلٌ بِاَمْرِكُمْ مُسْتَجِيرٌ بِكُمْ زائِرٌ لَكُمْ لائِذٌ عائِذٌ بِقُبُورِكُمْ (1) مُسْتَشْفِعٌ اِلىَ اللّهِ عَزَّوَجَلَّ بِكُمْ وَمُتَقَرِّبٌ بِكُمْ اِلَيْهِ وُمُقَدِّمُكُمْ اَمامَ طَلِبَتِي وَحَوائِجِي وَاِرادَتِي فِي كُلِّ اَحْوالِي وَاُمُورِي مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلانِيَتِكُمْ وَشاهِدِكُمْ وَغائِبِكُمْ وَاَوَّلِكُمْ وَآخِرِكُمْ وَمُفَوِّضٌ فِي ذلِكَ كُلِّهِ اِلَيْكُمْ وَمُسَلِّمٌ

(1) هكذا في الفقيه لكن في العيون (عائذٌ بكمُ لائذٌ بقُبورِكُم) .


30

فِيهِ مَعَكُمْ وَقَلْبِي لَكُمْ مُسَلِّمٌ (1) وَرَأْييِ لَكُمْ تَبَعٌ وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ حَتّى يُحْيِيَ اللّهُ ـ تَعالى ـ دِينَهُ بِكُمْ وَيَرُدَّكُمْ فِي اَيّامِهِ وَيُظْهِرَكُمْ لِعَدْلِهِ وَيُمَكِّنَكُمْ فِي اَرْضِهِ ، فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ غَيْرِكُمْ (2) آمَنْتُ بِكُمْ وَتَوَلَّيْتُ آخِرَكُمْ بِما تَوَلَّيْتُ بِهِ اَوَّلَكُمْ وَبَرِئْتُ اِلىَ اللّهِ عَزَّوَجَلَّ مِنْ اَعْدائِكُمْ وَمِنَ الْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَالشَّياطِينِ وَحِزْبِهِمُ الظّالِمِينَ لَكُمُ الْجاحِدِيْنَ (3) لِحَقِّكُمْ وَالْمارِقِينَ مِنْ وِلايَتِكُمْ وَالْغاصِبِيْنَ لإِرْثِكُمُ الشّاكِّيْنَ فِيكُمُ (4) الْمُنْحَرِفِينَ عَنْكُمْ (5) وَمِنْ كُلِّ وَلِيجَة دُونَكُمْ وَكُلِّ مُطاع سِواكُمْ وَمِنَ الاَْئِمَّةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ اِلَى النّارِ فَثَبَّتَنِيَ اللّهُ اَبَداً ما حَيِيتُ عَلى مُوالاتِكُمْ وَمَحَبَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ وَوَفَّقَنِي لِطاعَتِكُمْ وَرَزَقَنِي شَفاعَتَكُمْ وَجَعَلَنِي مِنْ خِيارِ مَوالِيكُمُ التّابِعِينَ لِما دَعَوْتُمْ اِلَيْهِ وَجَعَلَنِي مِمَّنْ يَقْتَصُّ آثارَكُمْ وَيَسْلُكُ سَبِيلَكُمْ وَيَهْتَدِي بِهُداكُمْ

(1) في بعض نسخ الفقيه (سِلْمٌ) وفي العيون (مؤمنٌ) .

(2) في العيون وبعض نسخ الفقيه (عدوِّكُمْ) .

(3) في العيون (والجاحِدينَ) .

(4) في البحار (والشاكّينَ فيكُم) .

(5) في البحار (والمنحرفينَ عنكُم) .


31

وَيُحْشَرُ فِي زُمْرَتِكُمْ وَيَكِرُّ فِي رَجْعَتِكُمْ وَيُمَلَّكُ فِي دَوْلَتِكُمْ وَيُشَرَّفُ فِي عافِيَتِكُمْ وَيُمَكَّنُ فِي اَيّامِكُمْ وَتَقَرُّ عَيْنُهُ غَداً بِرُؤْيَتِكُمْ .

بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَنَفْسِي وَاَهْلِي وَمالِي (1) مَنْ اَرادَ اللّهَ بَدَأَ بِكُمْ وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ ، مَوالِيَّ لا اُحْصِي ثَنائَكُمْ وَلا اَبْلُغُ مِنَ الْمَدْحِ كُنْهَكُمْ وَمِنَ الْوَصْفِ قَدْرَكُمْ وَاَنْتُمْ نُورُ الاَْخْيارِ وَهُداةُ الاَْبْرارِ وَحُجَجُ الْجَبّارِ ، بِكُمْ فَتَحَ اللّهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ ـ اللّهُ ـ وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّماءَ اَنْ تَقَعَ عَلَى الاَْرْضِ اِلاّ بِاِذْنِهِ وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الْهَمَّ وَيَكْشِفُ الضُّرَّ وَعِنْدَكُمْ ما نَزَلَتْ بِهِ رُسُلُهُ وَهَبَطَتْ بِهِ مَلائِكَتُهُ وَاِلى جَدِّكُمْ .

وإن كانت الزيارة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فعوض (وإلى جدّكم) قل : (وإلى أخيك) .

بُعِثَ الرُّوُحُ الاَْمِينُ ، آتاكُمُ اللّهُ ما لَمْ يُؤْتِ اَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ طَأْطَأَ كُلُّ شَرِيف لِشَرَفِكُمْ وَنَجَعَ (2) كُلُّ مُتَكَبِّر لِطاعَتِكُمْ وَخَضَعَ كُلُّ جَبّار لِفَضْلِكُمْ وَذَلَّ كُلُّ شَيْء لَكُمْ

(1) في التهذيب إضافة (واُسْرَتي) .

(2) في العيون والفقيه (نَجَعَ) وفي التهذيب (بَخَعَ) .


32

وَاَشْرَقَتِ الاَْرْضُ بِنُورِكُمْ وَفازَ الْفائِزُونَ بِوِلايَتِكُمْ ، بِكُمْ يُسْلَكُ اِلَى الرِّضْوانِ وَعَلى مَنْ جَحَدَ وِلايَتَكُمْ غَضَبُ الرَّحْمنِ .

بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَنَفْسِي وَاَهْلِي وَمالِي ذِكْرُكُمْ فِي الذّاكِرِينَ وَاَسْماؤُكُمْ فِي الاَْسْماءِ وَاَجْسادُكُمْ فِي الاَْجْسادِ وَاَرْواحُكُمْ فِي الاَْرْواحِ وَاَنْفُسُكُمْ فِي النُّفُوسِ وَآثارُكُمْ فِي الاْثارِ وَقُبُورُكُمْ فِي الْقُبُورِ فَما اَحْلى أَسْماءَكُمْ وَاَكْرَمَ أنْفُسَكُمْ وَاَعْظَمَ شَأْنَكُمْ وَاَجَلَّ خَطَرَكُمْ وَاَوْفى عَهْدَكُمْ ـ وَاَصْدَقَ وَعْدَكُمْ ـ (1) كَلامُكُمْ نُورٌ وَاَمْرُكُمْ رُشْدٌ وَوَصِيَّتُكُمُ التَّقْوى وَفِعْلُكُمُ الْخَيْرُ وَعادَتُكُمُ الاِْحْسانُ وَسَجِيَّتُكُمُ الْكَرَمُ وَشَأْنُكُمُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ وَالرِّفْقُ ، وَقَوْلُكُمْ حُكْمٌ وَحَتْمٌ وَرَأْيُكُمْ عِلْمٌ وَحِلْمٌ وَحَزْمٌ ، اِنْ ذُكِرَ الْخَيْرُ كُنْتُمْ اَوَّلَهُ وَاَصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَمَعْدِنَهُ وَمَأْواهُ وَمُنْتَهاهُ .

بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَنَفْسِي (2) كَيْفَ اَصِفُ حُسْنَ ثَنائِكُمْ وَاُحْصِي (3) جَمِيلَ بَلائِكُمْ وَبِكُمْ اَخْرَجَنَا اللّهُ مِنَ الذُّلِّ وَفَرَّجَ عَنّا غَمَراتِ الْكُرُوبِ وَاَنْقَذَنا مِنْ شَفا جُرُفِ الْهَلَكاتِ وَمِنَ النّارِ .

(1) هذا موجود في التهذيب .

(2) في العيون إضافة (وأهلي ومالي) .

(3) في العيون (وكيفَ اُحصي) .


33

بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَنَفْسِي بِمُوالاتِكُمْ عَلَّمَنَا اللّهُ مَعالِمَ دِينِنا وَاَصْلَحَ ما كانَ فَسَدَ مِنْ دُنْيانا ، وَبِمُوالاتِكُمْ تَمَّتِ الْكَلِمَةُ وَعَظُمَتِ النِّعْمَةُ وَائْتَلَفَتِ الْفُرْقَةُ ، وَبِمُوالاتِكُمْ تُقْبَلُ الطّاعَةُ الْمُفْتَرَضَةُ وَلَكُمُ الْمَوَدَّةُ الْواجِبَةُ وَالدَّرَجاتُ الرَّفِيعَةُ وَالْمَقامُ الْمَحْمُودُ وَالْمَكانُ الْمَعْلُومُ (1) عِنْدَ اللّه عَزَّوَجَلَّ (2) وَالْجاهُ الْعَظِيمُ وَالشَّأْنُ الْكَبِيرُ (3) وَالشَّفاعَةُ الْمَقْبُولَةُ .

رَبَّنا آمَنّا بِما اَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِيْنَ ، رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً اِنَّكَ اَنْتَ الوَهّابُ ، سُبْحانَ رَبِّنا اِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا .

ياوَلِيَّ اللّهِ اِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ اللّهِ عَزَّوَجَلَّ ذُنُوباً لا يَأْتِي عَلَيْها اِلاّ رِضاكُمْ ، فَبِحَقِّ مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلى سِرِّهِ وَاسْتَرْعاكُمْ اَمْرَ خَلْقِهِ وَقَرَنَ طاعَتَكُمْ بِطاعَتِهِ لَمَّا اسْتَوْهَبْتُمْ ذُنُوبِي وَكُنْتُمْ شُفَعائِي فَاِنِّي لَكُمْ مُطِيعٌ ، مَنْ اَطاعَكُمْ فَقَدْ اَطاعَ اللّهَ وَمَنْ عَصاكُمْ فَقَدْ

(1) في العيون (والمقامُ المحْمودُ عندَ اللّهِ تعالى والمكانُ المعلومُ) وفي التهذيب (والمكانُ المحَمودُ والمقامُ المعلومُ) .

(2) في العيون بدل عزّوجلّ (تعالى) .

(3) في العيون بدل الكبير (الرَّفيعُ) .


34

عَصىَ اللّهَ وَمَنْ اَحَبَّكُمْ فَقَدْ اَحَبَّ اللّهَ وَمَنْ اَبْغَضَكُمْ فَقَدْ اَبْغَضَ اللّهَ .

اَللَّهُمَّ اِنِّي لَوْ وَجَدْتُ شُفَعاءَ اَقْرَبَ اِلَيْكَ مِنْ مُحَمَّد وَاَهْلِ بَيْتِهِ الاَْخْيارِ الاَْئِمَّةِ الاَْبْرارِ لَجَعَلْتُهُمْ شُفَعائِي ، فَبِحَقِّهِمُ الَّذِي اَوْجَبْتَ لَهُمْ عَلَيْكَ اَسْأَلُكَ اَنْ تُدْخِلَنِي فِي جُمْلَةِ الْعارِفِيْنَ بِهِمْ وَبِحَقِّهِمْ وَفِي زُمْرَةِ الْمَرْحُومِيْنَ بِشَفاعَتِهِمْ ، اِنَّكَ اَرْحَمُ الرّاحِمِيْنَ وَصَلّىَ اللّهُ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ ـ الطّاهِرِينَ ـ وَسَلَّمَ ـ تَسْلِيْماً ـ كَثِيراً وَحَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (1) .

(1) هكذا في الفقيه ، لكن في العيون (وصلّى اللّهُ على محمّد وآلِه حسُبنا اللّهُ ونعمَ الوكيل) .


35
( شرح الزيارة الجامعة )
الفصل الأوّل

اَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ (1) (1) ـ السلام نوع من التحيّة ، بل هو تحيّة أهل الجنّة ، قال تعالى : ﴿ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ (1) .

ومعنى السلام اختلف فيه على وجوه تالية :

فذكر أنّه دعاء بمعنى سَلُمْتَ عن المكاره .

وقيل : أنّ المقصود به معناه ، أي السلامة عليكم ...

وقيل : يُراد من السلام اسم الله تعالى فالمعنى اسم الله عليكم ; يعني أنت في حفظه وأمانه ببركة إسمه ، نظير أن يقال : الله معك ، وخاصّية هذا الإسم الشريف الرحمة والسلامة ، فيكون حاصل المعنى : إنّ رحمة الله وسلامته عليكم أهل البيت .

ولعلّ الأنسب هو المعنى الأخير يعني تفسيره : « باسم الله تعالى » أي اسم الله عليكم ، ويتمّمه آخر الفصل يعني ورحمة الله وبركاته .

(1) سورة إبراهيم : الآية 23 .


36

يا اَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ (1) أفاد السيّد شبّر (قدس سره) (1) : أنّه اختار الشارع لفظ السلام وجعله تحيّة الإسلام لما فيه من المعاني الجامعة ، أو لأنّه مطابق لإسم الله تيمّناً وتبرّكاً ، ويجري هذا المعنى في التسليمات الآتية أيضاً .

واعلم أنّه يجوز الإتيان بالسلام منكّراً ومعرّفاً ، تبعاً للكتاب الكريم في قوله تعالى : ﴿ وَسَلاَمٌ عَلى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى (2) وقوله سبحانه : (﴿ وَالسَّلاَمُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (3) ولعلّ المعرّف أزين لفظاً وأبلغ معنىً .

(1) ـ أهل بيت النبي هم الأئمّة الطاهرون وفاطمة الزهراء سيّدة النساء (عليهم السلام) ، كما يستفاد من حديث الإحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) الوارد في تفسير قوله تعالى : (﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (4) جاء في هذا الحديث : « فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كساءً خيبريّاً ، فضمّني فيه وفاطمة والحسن والحسين . ثمّ قال : ياربّ إنّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً » (5) (6) .

(1) الأنوار اللامعة : ص39 .

(2) سورة النمل : الآية 59 .

(3) سورة طه : الآية 47 .

(4) سورة الأحزاب : الآية 33 .

(5) تفسير البرهان : ج2 ص844 .

(6) وتلاحظ نزول هذه الآية في رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وبنيه التسعة الأئمّة (عليهم السلام) من طريق الخاصّة في أربعة وثلاثين حديثاً ، ومن طريق العامّة في أحد وأربعين حديثاً جاءت في غاية المرام : ص287 ب192 .


37

ـ وروى الصدوق (قدس سره) أنّه سُئل الصادق (عليه السلام) مَن آل محمّد ؟

فقال : ذرّيته .

فقيل : ومَن أهل بيته ؟

قال : الأئمّة .

قيل : ومَن عترته ؟

قال : أصحاب العباء .

قيل : فمن اُمّته ؟

قال : المؤمنون (1) .

والنبوّة في الأصل : امّا مأخوذة من مادّة (نبا) أي إرتفع ، ويُسمّى النبي نبيّاً لإرتفاعه وشرفه على سائر الخلق .

أو مأخوذة من مادّة (النبأ) بالهمزة ، بمعنى الخبر ، فيكون النبي بمعنى المنبئ ، وهو المخبر عن الله تعالى بغير وساطة بشر بينه وبين الله تعالى ، أعمّ من أن يكون له شريعة كنبيّنا (صلى الله عليه وآله) ، أو ليس له شريعة كيحيى سلام الله عليه (2) .

ويمكن إجتماع كلا المعنيين في النبي كما تلاحظه في رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وتلاحظ الفرق بين الرسول والنبي في حديث زرارة قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ وَكَانَ رَسُولا نَّبِيّاً (3) ما الرسول وما النبي ؟

قال : النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك ،

(1) معاني الأخبار : ص94 ح3 .

(2) مجمع البحرين : ص86 ، مادّة نبا .

(3) سورة مريم : الآية 51 .


38

وَمَوْضِعَ الرِّسالَةِ (1) والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك .

قلت : الإمام ما منزلته ؟

قال : يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك (1) .

(1) ـ أي محلّ أسرار أنبياء الله عزّ إسمه ، ومخزن علوم جميع رسل الله تعالى شأنه ، فإنّهم صلوات الله عليهم حملة علوم الرسل خصوصاً علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما تلاحظه في حديث سليم بن قيس الهلالي قال : قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام) : إنّي سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذرّ شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله (صلى الله عليه وآله) غير ما في أيدي الناس ، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله (صلى الله عليه وآله) أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أنّ ذلك كلّه باطل اَفَترى الناس يكذِّبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمّدين ، ويفسّرون القرآن بآرائهم ؟

قال : فأقبل علىَّ فقال : قد سألت فافهم الجواب : إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلا ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعامّاً وخاصّاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً ، وقد كُذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده حتّى قام خطيباً فقال : « أيّها الناس قد كثرت علىَّ الكذّابة فمن كذب علىَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار » ، ثمّ كُذب عليه من بعده ، وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :

(1) الكافي : ج1 ص176 ح1 .


39

ـ رجل منافق يظهر الإيمان ، متصنّع (1) بالإسلام لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمّداً ، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب ، لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه ، ولكنّهم قالوا : هذا قد صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورآه وسمع منه ، وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عزّوجلّ : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ (2) ثمّ بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضلالة والدُّعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فولّوهم الأعمال ، وحمّلوهم على رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا ، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلاّ من عصم الله ، فهذا أحد الأربعة .

ورجل سمع من رسول الله شيئاً لم يحمله على وجهه ووهِمَ فيه ولم يتعمّد كذباً فهو في يده ، يقول به ويعمل به ويرويه فيقول : أنا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلو علم المسلمون أنّه وَهِمَ لم يقبلوه ولو علم هو أنّه وَهِمَ لرفضه .

ورجل ثالث سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ، ولو علم أنّه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه .

وآخر رابع لم يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، لم ينسه ، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما

(1) متصنّع بالإسلام أي متكلّف له ومتدلّس به .

(2) سورة المنافقون : الآية 4 .


40

سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه ، وعلم الناسخ من المنسوخ ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ ، فإنّ أمر النبي (صلى الله عليه وآله) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاصّ وعام ومحكم ومتشابه قد كان يكون من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلام له وجهان : كلام عام وكلام خاصّ مثل القرآن وقال الله عزّوجلّ في كتابه : ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1) فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله (صلى الله عليه وآله) وليس كلّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يسأله عن الشيء فيفهم وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابي والطاري فيسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى يسمعوا .

وقد كنت أدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلّ يوم دخلةً وكلّ ليلة دخلةً فيخلّيني فيها أدور معه حيث دار ، وقد علم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري ، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر من ذلك في بيتي وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عنّي نسائه فلا يبقى عنده غيري وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عنّي فاطمة ولا أحدٌ من بنيّ ، وكنت إذا سألته أجابني وإذا سكتُّ عنه وفُنِيَت مسائلي ابتدأني ، فما نَزَلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملأها عليَّ فكتبتها بخطّي وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصّها وعامّها ، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها ، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملأه عليَّ وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا ، وما ترك شيئاً علّمه الله من

(1) سورة الحشر : الآية 7 .


41

وَمُخْتَلَفَ الْمَلائِكَةِ (1) حلال وحرام ، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علّمنيه وحفظته ، فلم أنس حرفاً واحداً ، ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً فقلت : يانبيّ الله بأبي أنت واُمّي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفُتني شيء لم أكتبه ، أفتتخوّف علىَّ النسيان فيما بعد ؟

فقال : لا لست أتخوّف عليك النسيان والجهل (1) .

(1) ـ أي محلّ إختلاف الملائكة ، يعني تردّدهم ونزولهم وعروجهم ... للخدمة ، أو لإكتساب العلوم الإلهية والمعارف الربّانية والأسرار الملكوتية ، أو للتبرّك بهم والتشرّف بصحبتهم والتحظّي بزيارتهم ، أو لكون الملائكة تنزل عليهم وتحدّثهم وتخبرهم من جانب الله ، إذ الأئمّة محدَّثون وهم وسائط معرفة الله تعالى ، ومعرفة الملائكة لله تعالى بواسطتهم ، أو نزولهم لمهام ليلة القدر في بيان الاُمور وتنفيذ المقادير كما تلاحظ ذلك في مثل :

1 ـ حديث أبي الصباح الكناني ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « والله إنّ في السماء لسبعين صفّاً من الملائكة ، لو إجتمع أهل الأرض كلّهم يحصون عدد كلّ صفّ منهم ما أحصوهم وأنّهم ليدينون بولايتنا » (2) .

2 ـ مسمع كردين البصري قال : كنت لا أزيد على أكلة بالليل والنهار ، فربما استأذنت على أبي عبدالله (عليه السلام) وأجد المائدة قد رفعت لعلّي لا أراها بين ‌

(1) الكافي : ج1 ص62 ح1 .

(2) الكافي : ج1 ص437 ح5 .


42

يديه (أي أتعمّد الإستئذان عليه بعد رفع المائدة لئلاّ يُلزمني (عليه السلام) الأكل) ، فإذا دخلت دعا بها فاُصيب معه من الطعام ولا أتأذّى بذلك ، وإذا عقّبت بالطعام عند غيره لم أقدر على أن أقرّ ولم أنم من النفخة ، فشكوت ذلك إليه ، وأخبرته بأنّي إذا أكلت عنده لم أتأذّ به ، فقال : « ياأبا سيّار ! إنّك تأكل طعام قوم صالحين ، تصافحهم الملائكة على فرشهم » .

قال : قلت : ويظهرون لكم ؟

قال : « فمسح يده على بعض صبيانه ، فقال : هم ألطف بصبياننا منّا بهم » (1) .

3 ـ أبو حمزة الثمالي قال : دخلت على علي بن الحسين (عليهما السلام) فاحتبست في الدار ساعة ، ثمّ دخلت البيت وهو يلتقط شيئاً وأدخل يده من وراء الستر فناوله من كان في البيت . فقلت : جعلت فداك هذا الذي أراك تلتقطه أيّ شيء هو ؟

فقال : « فضلة من زَغَب (2) الملائكة نجمعه إذا خلونا ، نجعله سيحاً (3) لأولادنا » .

فقلت : جعلت فداك وإنّهم ليأتونكم ؟

فقال : « ياأبا حمزة إنّهم ليزاحمونا على تكأتنا » (4) .

(1) الكافي : ج1 ص393 ح1 .

(2) الزغب بفتحتين : صغار الريش وليّنه أوّل ما ينبت .

(3) جاء في هامش الكافي إنّه بالياء ضرب من البرود ، أو بالباء بمعنى السبحة .

(4) الكافي : ج1 ص394 ح3 .


43

4 ـ علي بن أبي حمزة ، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « ما من ملك يهبطه الله في أمر ، ما يهبطه إلاّ بدأ بالإمام فعرض ذلك عليه ، وإنّ مختلف الملائكة من عند الله تبارك وتعالى إلى صاحب هذا الأمر » (1) .

5 ـ حبيب بن مظاهر الأسدي أنّه قال للحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) : أيّ شيء كنتم قبل أن يخلق الله آدم (عليه السلام) ؟ قال : « كنّا أشباح نور ندور حول عرش الرحمن ، فنعلّم الملائكة ، التسبيح والتهليل والتحميد » (2) .

6 ـ عبدالله بن عجلان السكوني قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : بيت علي وفاطمة من حجرة رسول الله صلوات الله عليهم ، وسقف بيتهم عرش ربّ العالمين وفي قعر بيوتهم فُرجة مكشوطة إلى العرش ، معراج الوحي والملائكة تنزل عليهم بالوحي صباحاً ومساءً ، وفي كلّ ساعة وطرفة عين ، والملائكة لا ينقطع فوجهم ، فوج ينزل وفوج يصعد .

وإنّ الله تبارك وتعالى كشط لإبراهيم (عليه السلام) عن السماوات حتّى أبصر العرش وزاد الله في قوّة ناظره .

وإنّ الله زاد في قوّة ناظرة محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم وكانوا يبصرون العرش (3) ولا يجدون لبيوتهم سقفاً غير العرش ، فبيوتهم مسقّفة بعرش الرحمن ، ومعارج معراج الملائكة والروح

(1) الكافي : ج1 ص394 ح4 .

(2) بحار الأنوار : ج60 ص311 ب40 الحديث .

(3) أي يبصرون ملكوت السماوات والأرض ، أو يدركون علوم الله تعالى ومعارفه وآياته كما أفاده في حاشية البحار .


44

وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ (1) فوج بعد فوج لا إنقطاع لهم ، وما من بيت من بيوت الأئمّة منّا إلاّ وفيه معراج الملائكة لقول الله : ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِّن كُلِّ أَمْر * سَلاَمٌ (1) .

قال : قلت : من كلّ أمر ؟

قال : بكلّ أمر .

قلت : هذا التنزيل ؟

قال : نعم (2) .

(1) ـ المهبِط بكسر الباء على وزن مسجد بمعنى محلّ الهبوط والنزول ، أي محلّ نزول الوحي وهبوطه .

وفسّر الوحي في اللغة بأنّه هو كلّ ما ألقيته إلى غيرك بإشارة أو كتابة أو رسالة أو إلهام أو خفيّ كلام (3) .

وذكر في المرآة (4) : مجيء الوحي بمعنى الإلهام في مثل قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ .. (5) واستقصى في المفردات (6) معاني الوحي أنّه

(1) سورة القدر : الآية 4 و 5 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ص97 ب ح71 .

(3) مجمع البحرين : ص91 .

(4) مرآة الأنوار : ص222 .

(5) سورة المائدة : الآية 111 .

(6) مفردات الراغب : ص515 .


45

قد يكون بالإلهام كما في قوله تعالى : ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ... (1) أو بمنام كما في قوله تعالى : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ (2) أو بتسخير كما في قوله تعالى : ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ... (3) أو برسول كما في تبليغ جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) ، أو سماع كلام من معاينة كسماع موسى كلام الله تعالى .

والذي يفضي إليه التحقيق ويناسب آي الكتاب الكريم هو ما جاء في السفينة(4) ما حاصله : أنّ وحيه تعالى منحصر في الإلهام والإلقاء في المنام ، وخلق الصوت ، وإرسال الملك .

فينتج « إنّ ما جاء من الله تعالى بالإلهام أو المنام أو الصوت أو الملك لأي شخص خصوصاً إذا كان رسولا يكون وحياً » .

وأهل البيت (عليهم السلام) مهبط هذا الوحي الإلهي .

إمّا باعتبار نزول الوحي على سيّدهم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كما تلاحظه في حديث الحكم بن عتيبة قال : لقي رجل الحسين بن علي (عليهما السلام) بالثعلبية وهو يريد كربلاء ، فدخل عليه فسلّم عليه .

فقال له الحسين (عليه السلام) : من أي البلاد أنت ؟

قال : من أهل الكوفة .

قال : أما والله ياأخا أهل الكوفة ، لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر

(1) سورة القصص : الآية 7 .

(2) سورة الأنبياء : الآية 25 .

(3) سورة النحل : الآية 68 .

(4) سفينة البحار : ج8 ص420 .


46

جبرئيل (عليه السلام) من دارنا ونزوله بالوحي على جدّي ، ياأخا أهل الكوفة أفمستقى الناس العلم من عندنا ، فعلموا وجهلنا ؟! هذا ما لا يكون (1) .

أو باعتبار نزول الوحي عليهم أيضاً بالمعنى الأعمّ في ليلة القدر كما تلاحظه في حديث الحسن بن العبّاس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال الله عزّوجلّ في ليلة القدر : ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم (2) . يقول : ينزل فيها كلّ أمر حكيم ، والمحكم ليس بشيئين ، إنّما هو شيء واحد ، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عزّوجلّ ، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت .

إنّه لينزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر تفسير الاُمور سنة سنة ، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا ، وفي أمر الناس بكذا وكذا .

وإنّه ليحدث لوليّ الأمر سوى ذلك كلّ يوم علم الله عزّوجلّ الخاصّ والمكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر ، ثمّ قرأ : ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الاَْرْضِ مِن شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (3) (4) .

ويضاف إلى ذلك أحاديث تفسير سورة القدر (5) وأحاديث تفسير (6)

(1) الكافي : ج1 ص398 ح2 .

(2) سورة الدخان : الآية 4 .

(3) سورة لقمان : الآية 27 .

(4) الكافي : ج1 ص248 ح3 .

(5) تفسير الكنز : ج14 ص359 .

(6) تفسير الكنز : ج12 ص469 .


47

وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ (1) آية ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى (1) . وحديث عبدالله بن عجلان السكوني المتقدّم (2) .

(1) ـ المعدِن بكسر الدال في الأصل بمعنى محلّ إستقرار الجواهر وإفاضتها ... كما في اللغة .

والرحمة هي الإحسان والإنعام والإفضال على الغير (3) .

ومعدنية أهل البيت (عليهم السلام) للرحمة الإلهية تكون لوجوه :

(الف) : لأجل أنّهم مظاهر رحمة الله على الخلق ، والشفقة على الرعيّة ، وقد بلغت رحمتهم الغاية والنهاية ، فكانوا معادن الرحمة . وقد بعث جدّهم رحمةً للعالمين وهم ورثته واُرومته ، قال عزّ إسمه : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (4) وقد وصفه الله تعالى بقوله : ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (5) .

وقد بُعث لإسعاد الخلق وصلاح معاشهم ومعادهم هو وأهل بيته (عليهم السلام) كما تلاحظه في تفسير قوله تعالى ﴿ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (6) .

وتلاحظ رحمتهم وشفقتهم بوضوح في سيرتهم الشريفة .

(ب) : لأجل إنّ الرحمة الربّانية الخاصّة والعامّة في هذا الكون حتّى

(1) سورة النجم : الآية 3 ـ 4 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ص97 ب3 ح71 .

(3) المفردات : ص191 .

(4) سورة الأنبياء : الآية 107 .

(5) سورة التوبة : الآية 128 .

(6) تفسير الكنز : ج8 ص484 .


48

الأمطار والأرزاق إنّما تنزل بسببهم وواسطتهم وبركتهم ويمنهم وفيض وجودهم كما يدلّ عليه حديث الكساء الشريف (1) الذي ورد فيه : « فقال الله عزّوجلّ : ياملائكتي وياسكّان سماواتي إنّي ما خلقت سماءً مبنيّة ولا أرضاً مدحية ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئة ولا فلكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فلكاً يسري إلاّ في محبّة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء ... » .

(1) بسنده التامّ ومتنه الشريف الوارد في العوالم : ج11 قسم2 ص933 .

علماً بأنّ السند مشتمل على أعاظم علماءنا وأكابر فقهاءنا فهو هكذا :

قال الشيخ عبدالله البحراني صاحب العوالم : رأيت بخطّ الشيخ الجليل البحراني عن شيخه الجليل السيّد ماجد البحراني ، عن الشيخ الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني ، عن شيخه المقدّس الأردبيلي ، عن شيخه علي بن عبدالعالي الكركي ، عن الشيخ علي بن هلال الجزائري ، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلّي ، عن الشيخ علي بن الخازن الحائري ، عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشهيد الأول ، عن أبيه ، عن فخر المحقّقين ، عن شيخه ووالده العلاّمة الحلّي ، عن شيخه المحقّق ، عن شيخه ابن نما الحلّي ، عن شيخه محمّد بن إدريس الحلّي ، عن ابن حمزة الطوسي صاحب ثاقب المناقب ، عن الشيخ الجليل محمّد ابن شهرآشوب ، عن الطبرسي صاحب الاحتجاج ، عن شيخه الجليل الحسن بن محمّد بن الحسن الطوسي ، عن أبيه شيخ الطائفة الحقّة ، عن شيخه المفيد ، عن شيخه ابن قولويه القمّي ، عن شيخه الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن هاشم ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي ، عن قاسم بن يحيى الجلاء الكوفي ، عن أبي بصير ، عن أبان بن تغلب ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن جابر ابن عبدالله الأنصاري رحمة الله عليهم أجمعين أنّه قال : سمعت فاطمة الزهراء عليها سلام الله ... إلخ .

هذا وقد جاء هذا السند والمتن للحديث الشريف في هامش إحقاق الحقّ أيضاً : ج2 ص554 ثمّ أفاد أنّ ممّن نقل المتن العلاّمة الجليل الثقة الثبت الشيخ الطريحي في المنتخب ، وكذا العلاّمة الجليل الديلمي صاحب الإرشاد في الغرر والدرر .

وعليه فالحديث الشريف أصلا ونقلا تامّ سنداً ومتناً بلا ريب فيه أو شك يعتريه .


49

ويُرشد إليه أيضاً الحديث الشريف المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن كلام ربّ العزّة مخاطباً رسوله الكريم : « وعزّتي وجلالي لولاك ما خلقت الأفلاك ...» (1) .

ويدلّ على هذا المعنى أيضاً حديث مروان بن صباح قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « إنّ الله خلقنا فأحسن صورنا وجعلنا عينه في عباده ولسانه الناطق في خلقه ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة ووجهه الذي يؤتى منه وبابه الذي يدلّ عليه وخزّانه في سمائه وأرضه ، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار ، وجرت الأنهار ، وبنا ينزل غيث السماء وينبت عُشب الأرض ، وبعبادتنا عُبد الله ولولا نحن ما عُبد الله » (2) .

وفي الزيارة الحسينية الشريفة المروية عن الإمام الصادق (عليه السلام) بسند

(1) بحار الأنوار : ج15 ص28 ب1 ح48 وقد حكى الحديث الشريف عن كتاب الجنّة العاصمة في تاريخ فاطمة (عليها السلام) : ص148 للسيّد مير جهاني ، نقلا عن مخطوطة (كشف اللئالي) لابن العرندس الحلّي الذي هو من علماء وشعراء القرن التاسع الهجري كما تلاحظ ترجمته في كتاب الغدير : ج7 ص13 .

وجاء الحديث الشريف في العوالم : ج7 قسم1 ص350 ، وعلل الشرائع : ج1 ص173 .

واعلم أنّه لا إشكال في دخول لولا في هذا الحديث على الضمير كما توهّمه بعض المغرضين ، بل هو صحيح لغةً كما نصّ عليه في المعجم الوسيط : ج2 ص147 بل يدلّ على فصاحته مضافاً إلى صحّته الإستعمال القرآني في قوله عزّ إسمه في سورة سبأ : الآية 31 ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ .

وفي الجنّة العاصمة بسند آخر « ياأحمد لولاك لما خلقت الأفلاك ، ولولا علي لما خلقتك ، ولولا فاطمة لما خلقتكما ... » .

(2) الكافي : ج1 ص144 ح5 .


50

صحيح : « بكم تنبت الأرض أشجارها ، وبكم تخرج الأرض ثمارها ، وبكم تنزل السماء قطرها ورزقها ، وبكم يكشف الله الكرب ، وبكم ينزّل الله الغيث ، وبكم تسبّح الأرض التي تحمل أبدانكم وتستقرّ جبالها عن [ على ] مراسيها » (1) .

(ج) : لأجل أنّهم لو لم يكونوا على الأرض لساخت وإنخسفت الأرض بأهلها ، وماجت كما تموج البحار كما ورد في حديث أبي حمزة قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : أتبقى الأرض بغير إمام ؟

قال : « لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت » (2) .

وحديث محمّد بن الفضيل ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال : قلت له : أتبقى الأرض بغير إمام ؟

قال : لا .

قلت : فإنّا نروي عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّها لا تبقى بغير إمام إلاّ أن يسخط الله تعالى على أهل الأرض أو على العباد .

فقال : لا ، لا تبقى ، إذاً لساخت (3) .

وحديث أبي هراشه ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها ، كما يموج البحر بأهله » (4) .

(1) الكافي : ج4 ص575 ح2 ، والفقيه : ج2 ص596 ب2 ح3199 ، والتهذيب : ج6 ص55 ب16 ح1 .

(2) الكافي : ج1 ص179 ح10 .

(3) الكافي : ج1 ص179 ح11 .

(4) الكافي : ج1 ص178 ح12 .


51

وَخُزَّانَ الْعِلْمِ (1) (1) ـ الخزّان والخزنة : جمع خازن مأخوذ من الخَزن بسكون الزاء ، وهو حفظ الشيء في الخزانة .

وأهل البيت (عليهم السلام) خزنة العلم وحفظة العلوم الإلهية ، والأسرار الربّانية ، والمعارف الحقيقية ، وما جرى على ألسنة الأنبياء (عليهم السلام) ، وما إشتملت عليه الكتب المقدّسة ، وما أفاضه الله على جدّهم الأكرم (صلى الله عليه وآله) من علم ما كان ، وما يكون ، وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وما ينزل في ليلة القدر ...

جميع ذلك مخزون محفوظ عندهم سلام الله عليهم ، فهم حملة علم الله وعيبة وحيه ، وهم الراسخون في العلم ، والذين آتاهم الله العلم من لدنه ، فعلمهم حضوري لدُنّي وليس بإكتسابي أو تحصيلي ، وهو موهوب لهم من الله العلاّم وليس بتعلّم من الأنام .

وقد نطق الكتاب العزيز في عدّة آيات شريفة بعلمهم الحضوري كما إستدلّ به الشيخ المظفّر (قدس سره) (1) منها :

1 ـ قوله تعالى : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (2) المفسّر بهم سلام الله عليهم كما تلاحظه في حديث عبدالرحمن بن كثير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمّة من بعده (عليهم السلام) » (3) .

والرسوخ في العلم بمعنى الثبوت فيه والتمكّن منه ، والراسخ في العلم

(1) علم الإمام : ص27 .

(2) سورة آل عمران : الآية 7 .

(3) الكافي : ج1 ص213 ، باب إنّ الراسخين في العلم هم الأئمّة (عليهم السلام) ح3 وفيه أحاديث ثلاثة .


52

هو المتمكّن فيه ، والذي لا تعرض شبهة له .

فيلزم أن يكونوا عارفين به حتّى يرسخوا فيه ، إذ كيف يرسخون فيما لا يعرفون أو فيما يلزم عليهم أن يتعلّمونه من تأويل الآيات ، فرسوخهم يقتضي حضور العلم عندهم .

2 ـ قوله تعالى : ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (1) فقد فسّر بهم (عليهم السلام) في حديث هارون بن حمزة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سمعته يقول : ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قال : « هم الأئمّة (عليهم السلام) خاصّة » (2) .

ولو لم يكن علمهم حاضراً لما صدق عليهم أنّهم اُوتوا العلم ، وكيف يكون ثابتاً في صدورهم لو لم يعلموا من لدن حكيم خبير .

3 ـ قوله تعالى : ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (3) فقد دلّت هذه الآية المباركة على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينطق إلاّ عن الوحي ، وتعليم من الله عزّوجلّ ، من دون أن يذكر لذلك التعليم حدّاً وللوحي قيداً .. علماً بأنّ حديث أهل البيت (عليهم السلام) حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) وينتهي إلى الله عزّوجلّ كما صرّحت به الأحاديث العديدة منها :

حديث هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيره قالوا : سمعنا أبا

(1) سورة العنكبوت : الآية 49 .

(2) الكافي : ج1 ص214 ، باب إنّ الأئمّة قد اُوتوا العلم وأثبت في صدورهم ح4 وفيه خمس أحاديث .

(3) سورة النجم : الآيات 3 ـ 5 .


53

عبدالله (عليه السلام) يقول : « حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ، وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول الله عزّوجلّ » (1) .

هذا كتاباً ، وأمّا سنّةً فقد ثبتت حضورية علمهم بالأدلّة القطعيّة المتظافرة المبيّنة أنّ الأئمّة المعصومين ورثوا علم الكتاب وعلم النبي وعلم جميع الأنبياء وأوصيائهم . وأنّهم خزّان العلوم وحفظة المعارف ومعادن الحقائق ، فهم كالرسول في مستسقى العلم وبمرتبته في منار الوحي .

وتلاحظ أبواب علومهم ، ومصادر معارفهم ، ووجوه معالمهم في أحاديثنا المتواترة الشريفة ، وأدلّة بيان أنّهم يعلمون ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وتعليم أبواب العلم لهم حتّى ينفتح من كلّ باب الف الف باب ، وإنّ عندهم كتاب علي (عليه السلام) ومصحف فاطمة (سلام الله عليها) ، والجفر الأبيض والجفر الأحمر ، والجامعة التي تحتوي على كلّ شيء وما يحتاج إليه الخلق إلى يوم القيامة ، وعندهم علم المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب والمواليد ، وأمامهم عمود النور الذي يرون فيه جميع الأعمال في جميع البلاد .

وعندهم كتب الأنبياء وصحفهم وذخائر علمهم كألواح موسى ، وتابوت بني إسرائيل الذي فيه الحكمة والعلم ; وأنّه يُنقر في أسماعهم ، ويُبيّن لهم في آذانهم ، وينكت في قلوبهم ، وأنّهم محدَّثون مفهّمون ويعلمون كلّ ما يشاؤون

(1) الكافي : ج1 ص53 ح14 .


54

بإذن الله حتّى العلوم المكنونة المخزونة .

ويضاف إلى ذلك علمهم في ليلة القدر وليلة الجمعة ، وفي كلّ يوم وليلة ويعلمون متى يموتون ولا يخفى عليهم ذلك ولكن يخيّرون من قبل الله تعالى فيختارون لقائه (1) .

وعلى الجملة فهم خزّان علم الله ، وخزانة وحيه ، والمرضيين لغيبه .

ونحن نختار من روايات بيان علمهم نبذةً نتبرّك بها ، وهي التي وَسَمناها بالأحاديث الأربعين في علم أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) .

1 ـ حديث عبدالرحمن بن كثير قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « نحن ولاة أمر الله ، وخزنة علم الله ، وعيبة وحي الله » (2) .

2 ـ حديث عبدالعزيز بن مسلم في فضل الإمام عن مولانا الرضا (عليه السلام) جاء فيه : « ... وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّوجلّ لاُمور عباده شرح صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهمه العلم إلهاماً ، فلم يَعْيَ بعده بجواب ، ولا يحير فيه عن الصواب » (3) .

3 ـ حديث أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله » (4) .

4 ـ حديث هارون بن حمزة المتقدّم عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال سمعته

(1) وسيأتي بيان شأنهم في علم الغيب في فقرة : « وارتضاكم لغيبه » .

(2) الكافي : ج1 ص192 ح1 .

(3) الكافي : ج1 ص202 ح1 .

(4) الكافي : ج1 ص213 ح1 .


55

يقول : ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ : « هم الأئمّة (عليهم السلام) خاصّة » (1) .

5 ـ حديث علي بن النعمان رفعه ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : « يمصّون الثماد (2) ويَدَعون النهر العظيم » .

قيل له : وما النهر العظيم ؟

قال : رسول الله (صلى الله عليه وآله) والعلم الذي أعطاه الله .

إنّ الله عزّوجلّ جمع لمحمّد (صلى الله عليه وآله) سنن النبيّين من آدم وهلمّ جرّاً إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) .

قيل له : وما تلك السنن ؟

قال : علم النبيّين بأسره ، وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) صيّر ذلك كلّه عند أمير المؤمنين (عليه السلام) .

فقال له رجل : يابن رسول الله فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيّين ؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : اسمعوا ما يقول ! إنّ الله يفتح مسامع من يشاء ، إنّي حدّثته : أنّ الله جمع لمحمّد (صلى الله عليه وآله) علم النبيّين وأنّه جمع ذلك كلّه عند أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وهو يسألني أهو أعلم أم بعض النبيّين ! (3) .

6 ـ حديث المفضّل بن عمر قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « إنّ سليمان ورث داود ، وإنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله) ورث سليمان ، وإنّا ورثنا محمّداً ، وإنّ عندنا علم

(1) الكافي : ج1 ص214 ح4 .

(2) المصّ هو الشرب بالجذب ، والثمد هو الماء القليل .

(3) الكافي : ج1 ص222 ح6 .


56

التوراة والإنجيل والزبور ، وتبيان ما في الألواح » .

قال : قلت : إنّ هذا لهو العلم ؟

قال : « ليس هذا هو العلم ، إنّ العلم الذي يحدث يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة » (1) .

7 ـ حديث جابر قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : « ما ادّعى أحدٌ من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما اُنزل إلاّ كذّاب ، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالى إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) والأئمّة من بعده (عليهم السلام) » (2) .

8 ـ ما رواه هشام بن الحكم في حديث بُريه (3) أنّه لمّا جاء معه إلى أبي عبدالله (عليه السلام) فلقي أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) فحكى له هشام الحكاية ، فلمّا فرغ قال أبو الحسن (عليه السلام) لبريه : يابريه كيف علمك بكتابك ؟

قال : أنا به عالم ، ثمّ قال : كيف ثقتك بتأويله ؟ قال : ما أوثقني بعلمي فيه .

قال : فابتدأ أبو الحسن (عليه السلام) يقرأ الإنجيل .

فقال بريه : إيّاك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك (4) .

قال : فآمن بريه وحسن إيمانه ، وآمنت المرأة التي كانت معه .

فدخل هشام وبريه والمرأة على أبي عبدالله (عليه السلام) فحكى له هشام الكلام الذي جرى بين أبي الحسن موسى (عليه السلام) وبين بُريه .

(1) الكافي : ج1 ص224 ح3 .

(2) الكافي : ج1 ص228 ح1 .

(3) في بعض النسخ : بريهة .

(4) وفي حديث البحار إضافة : وما قرأ مثل هذه القراءة إلاّ المسيح .


57

فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) .

فقال بُريه : أنّى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء ؟

قال : « هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤها ونقولها كما قالوا ، إنّ الله لا يجعل حجّة في أرضه يُسأل عن شيء فيقول لا أدري » (2) .

9 ـ حديث جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إنّ اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً وإنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتّى تناول السرير بيده ، ثمّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين .

ونحن عندنا من الإسم الأعظم إثنان وسبعون حرفاً ، وحرف واحد عند الله تعالى استأثر به في علم الغيب عنده ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم » (3) .

10 ـ حديث أبي بصير قال : دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقلت له : جعلت فداك إنّي أسألك عن مسألة ، هاهنا أحدٌ يسمع كلامي ؟

قال : فرفع أبو عبدالله (عليه السلام) ستراً بينه وبين بيت آخر فأطلع فيه ثمّ قال : ياأبا محمّد سل عمّا بدا لك .

قال : قلت : جعلت فداك إنّ شيعتك يتحدّثون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علّم عليّاً (عليه السلام) باباً يفتح له منه الف باب ؟

قال : فقال : ياأبا محمّد علّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) الف باب يفتح من

(1) سورة آل عمران : الآية 34 .

(2) الكافي : ج1 ص227 ح1 .

(3) الكافي : ج1 ص230 ح1 .


58

كلّ باب الف باب .

قال : قلت : هذا والله العلم .

قال : فنكت ساعة في الأرض ثمّ قال : إنّه لعلم وما هو بذاك .

قال : ثمّ قال : ياأبا محمّد وإنّ عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ؟

قال : قلت : جعلت فداك وما الجامعة ؟

قال : صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإملائه من فلق فيه ـ أي من شقّ فمه المبارك ـ وخطّ علي بيمينه ، فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتّى الأرش في الخدش ، وضرب بيده إليّ فقال : تأذن لي ياأبا محمّد ؟

قال : قلت : جعلت فداك إنّما أنا لك فاصنع ما شئت .

قال : فغمزني بيده وقال : حتّى أرش هذا ـ كأنّه مغضب ـ .

قال : قلت : هذا والله العلم قال : إنّه لعلم وليس بذاك ، ثمّ سكت ساعة .

ثمّ قال : وإنّ عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر ؟

قال : قلت : وما الجفر ؟

قال : وعاء من أدم فيه علم النبيّين والوصيّين ، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل .

قال : قلت : إنّ هذا هو العلم .

قال : إنّه لعلم وليس بذاك ، ثمّ سكت ساعة .

ثمّ قال : وإنّ عندنا لمصحف فاطمة (عليها السلام) وما يدريهم ما مصحف فاطمة (عليها السلام) ؟

قال : قلت : وما مصحف فاطمة (عليها السلام) ؟


59

قال : مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات ، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد ، قال : قلت : هذا والله العلم .

قال : إنّه لعلم وما هو بذاك ، ثمّ سكت ساعة .

ثمّ قال : إنّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة .

قال : قلت : جعلت فداك هذا والله هو العلم .

قال : إنّه لعلم وليس بذاك .

قال : قلت : جعلت فداك فأي شيء العلم ؟

قال : ما يحدث بالليل والنهار ، الأمر من بعد الأمر ، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة (1) .

11 ـ حديث أبي عبيدة قال: سأل أبا عبدالله(عليه السلام) بعضُ أصحابنا عن الجفر ؟

فقال : هو جلد ثور مملوٌ علماً .

قال له : فالجامعة ؟

قال : تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج (2) ، فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه ، وليس من قضية إلاّ وهي فيها ، حتّى أرش الخدش .

قال : فمصحف فاطمة ؟

قال : فسكت طويلا ثمّ قال : إنّكم لتجثون (3) عمّا تريدون وعمّالا

(1) الكافي : ج1 ص238 ح1 .

(2) الفالج هو الجمل العظيم ذو السنامين .

(3) في مرآة العقول : لتبحثون ولعلّه الأصل .


60

تريدون ، إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوماً وكان دخلها حزنٌ شديد على أبيها وكان جبرئيل (عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيِّب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها ، وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة (عليها السلام) » (1) .

12 ـ حديث فضيل بن سكرة قال : دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقال : يافضيل أتدري في أي شيء كنت أنظر قُبيل ؟

قال : قلت : لا .

قال : كنت أنظر في كتاب فاطمة (عليها السلام) ، ليس من ملك يملك ] الأرض [ إلاّ وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه وما وجدت لولد الحسن (عليه السلام) فيه شيئاً » (2) .

13 ـ حديث الحسن بن العبّاس بن الحريش المتقدّم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال الله عزّوجلّ في ليلة القدر : ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم (3) يقول : ينزل فيها كلّ أمر حكيم ، والمحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد ، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف ، فحكمه من حكم الله عزّوجلّ ، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت .

أنّه لينزل في ليلة القدر إلى ولي الأمر تفسير الاُمور سنة سنة ، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا ، وفي أمر الناس بكذا وكذا ، وإنّه ليحدث لولي الأمر سوى ذلك كلّ يوم علم الله عزّوجلّ الخاصّ والمكنون العجيب المخزون ، مثل ما

(1) الكافي : ج1 ص241 ح5 .

(2) الكافي : ج1 ص242 ح8 .

(3) سورة الدخان : الآية 4 .


61

ينزل في تلك الليلة من الأمر .

ثمّ قرأ : ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الاَْرْضِ مِن شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1) (2) .

14 ـ حديث المفضّل قال : قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) ذات يوم وكان لا يكنّيني قبل ذلك : ياأبا عبدالله .

قال : قلت : لبّيك .

قال : إنّ لنا في كلّ ليلة جمعة سروراً .

قلت : زادك الله وما ذاك ؟

قال : إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) العرش ووافى الأئمّة (عليهم السلام) معه ووافينا معهم ، فلا تردّ أرواحنا إلى أبداننا إلاّ بعلم مستفاد ، ولولا ذلك لأنفدنا (3) .

15 ـ حديث يونس بن عبدالرحمن ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ليس يخرج شيء من عند الله عزّوجلّ حتّى يبدأ برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمّ بأميرالمؤمنين (عليه السلام) ثمّ بواحد بعد واحد ، لكي لا يكون آخرنا أعلم من أوّلنا » (4) .

16 ـ حديث سماعة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إنّ لله تبارك وتعالى علمين : علماً أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله ، فما أظهر عليه ملائكته

(1) سورة لقمان : الآية 27 .

(2) الكافي : ج1 ص248 ح3 .

(3) الكافي : ج1 ص254 ح2 .

(4) الكافي : ج1 ص255 ح4 .


62

ورسله وأنبيائه فقد علّمناه .

وعلماً استأثر به فإذا بدا لله في شيء منه أعلمنا ذلك وعرض على الأئمّة الذين كانوا من قبلنا » (1) .

17 ـ حديث حمران بن أعين أنّه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ (2) .

قال أبو جعفر (عليه السلام) : إنّ الله عزّوجلّ ابتدع الأشياء كلّها بعلمه على غير مثال كان قبله ، فابتدع السماوات والأرضين ولم يكن قبلهنّ سماوات ولا أرضون ، أما تسمع لقوله تعالى : ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ (3) .

فقال له حمران : أرأيت قوله جلّ ذكره : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (4) .

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : ﴿ إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُول وكان والله محمّد (صلى الله عليه وآله) ممّن إرتضاه . وأمّا قوله : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فإنّ الله عزّوجلّ عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدّر من شيء ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه ، وقبل أن يُفضيه إلى الملائكة فذلك ياحمران علم موقوف عنده ، إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ويبدو له فيه فلا يمضيه ، فأمّا العلم الذي يقدّره الله عزّوجلّ فيقضيه ويمضيه فهو العلم الذي

(1) الكافي : ج1 ص255 ح1 .

(2) سورة البقرة : الآية 117 .

(3) سورة هود : الآية 7 .

(4) سورة الجنّ : الآية 26 .


63

انتهى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمّ إلينا (1) .

18 ـ حديث أبي عبيدة المدائني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك » (2) .

19 ـ حديث الحسن بن الجهم قال : قلت للرضا (عليه السلام) : إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها ، والموضع الذي يقتل فيه ، وقوله لمّا سمع صياح الأوز في الدار : صوائح تتبعها نوائح ، وقول اُمّ كلثوم : لو صلّيت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلّي بالناس ، فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح وقد عرف (عليه السلام) أنّ ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف ، كان هذا ممّا لم يجز تعرّضه .

فقال : ذلك كان ، ولكنّه خُيّر في تلك الليلة لتمضي مقادير الله عزّوجلّ (3) .

20 ـ حديث عبدالأعلى وأبي عبيدة وعبدالله بن بشر الخثعمي سمعوا أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : إنّي لأعلم ما في السماوات وما في الأرض ، وأعلم ما في الجنّة وأعلم ما في النار ، وأعلم ما كان وما يكون .

قال : ثمّ مكث هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه فقال : علمت ذلك من كتاب الله عزّوجلّ ، إنّ الله عزّوجلّ يقول : ﴿ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء (4) (5) .

(1) الكافي : ج1 ص256 ح2 .

(2) الكافي : ج1 ص258 ح3 .

(3) الكافي : ج1 ص259 ح4 .

(4) سورة النحل : الآية 89 .

(5) الكافي : ج1 ص261 ح2 .


64

21 ـ حديث محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : نزل جبرئيل على محمّد (صلى الله عليه وآله) برمّانتين من الجنّة ، فلقيه علي (عليه السلام) فقال : ما هاتان الرمّانتان اللتان في يدك ؟

فقال : أمّا هذه فالنبوّة ليس لك فيها نصيب ، وأمّا هذه فالعلم ، ثمّ فلقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنصفين فأعطاه نصفها وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصفها ثمّ قال : أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه .

قال : فلم يعلم والله رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرفاً ممّا علّمه الله عزّوجلّ إلاّ وقد علّمه عليّاً ثمّ انتهى العلم إلينا . ثمّ وضع يده على صدره (1) .

22 ـ حديث المفضّل بن عمر قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : روينا عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال : « إنّ علمنا غابر ، ومزبور ، ونكتٌ في القلوب ، ونقر في الأسماع . فقال : أمّا الغابر فما تقدّم من علمنا ، وأمّا المزبور فما يأتينا ، وأمّا النكت في القلوب فإلهام ، وأمّا النقر في الأسماع فأمر الملك » (2) .

23 ـ حديث عبيد بن زرارة قال : أرسل أبو جعفر (عليه السلام) إلى زرارة أن يُعلم الحكم بن عتيبة ، أنّ أوصياء محمّد عليه وعليهم السلام محدَّثون (3) .

24 ـ عمّار الساباطي قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : بما تحكمون إذا حكمتم ؟

قال : « بحكم الله وحكم داود ، فإذا ورد علينا الشيء الذي ليس عندنا ،

(1) الكافي : ج1 ص263 ح3 .

(2) الكافي : ج1 ص264 ح3 .

(3) الكافي : ج1 ص270 ح1 .


65

تلقّانا به روح القدس » (1) .

25 ـ حديث العيون عن الرضا ، عن آبائه (عليهم السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ما ينقلب جناح طائر في الهواء إلاّ وعندنا فيه علم » (2) .

26 ـ حديث المناقب عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : والله لقد اُعطينا علم الأوّلين والآخرين .

فقال له رجل من أصحابه : جعلت فداك أعندكم علم الغيب ؟

فقال له : ويحك إنّي لأعلم ما في أصلاب الرجال وأرحام النساء .

ويحكم وسّعوا صدوركم ولتبصر أعينكم ولتعِ قلوبكم ، فنحن حجّة الله تعالى في خلقه ، ولن يسع ذلك إلاّ صدر كلّ مؤمن قوي قوّته كقوّة جبال تهامة إلاّ بإذن الله (3) .

27 ـ حديث أبي الجارود قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : لمّا حضر الحسين (عليه السلام) ما حضر دعا فاطمة بنته فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصيّته ظاهرة ، فقال : يابنتي ضعي هذا في أكابر ولدي . فلمّا رجع علي بن الحسين (عليهما السلام) دفعته إليه وهو عندنا .

قلت : ما ذاك الكتاب ؟

قال : ما يحتاج إليه ولد آدم منذ كانت الدنيا حتّى تفنى (4) .

(1) الكافي : ج1 ص398 ح3 .

(2) بحار الأنوار : ج1 ص19 ب1 ح4 .

(3) بحار الأنوار : ج26 ص27 ب1 ح28 .

(4) بحار الأنوار : ج26 ص50 ب1 ح96 .


66

28 ـ حديث زيد بن شراحيل الأنصاري قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه : أخبروني بأفضلكم .

قالوا : أنت يارسول الله .

قال : صدقتم أنا أفضلكم ، ولكن اُخبركم بأفضل أفضلكم ، أقدمكم سلماً وأكثركم علماً وأعظمكم حلماً علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

والله ما استودعت علماً إلاّ وقد أودعته ، ولا علّمت شيئاً إلاّ وقد علّمته ، ولا اُمرت بشيء إلاّ وقد أمرته ، ولا وكّلت بشيء إلاّ وقد وكّلته به ، ألا وإنّي قد جعلت أمر نسائي بيده ، وهو خليفتي عليكم بعدي ، فإن استشهدكم فاشهدوا له (1) .

29 ـ حديث أبي هاشم الجعفري قال : سمعت الرضا (عليه السلام) يقول : « الأئمّة علماء حلماء صادقون مفهَّمون محدَّثون » (2) .

30 ـ حديث حمران بن أعين قال : أخبرني أبو جعفر (عليه السلام) أنّ علياً كان محدَّثاً .

فقال أصحابنا : ما صنعت شيئاً إلاّ سألته من يحدّثه ؟

فقُضي إنّي لقيت أبا جعفر (عليه السلام) فقلت : أخبرتني أنّ علياً كان محدّثاً .

قال : بلى .

قلت : من كان يحدّثه ؟

(1) بحار الأنوار : ج26 ص66 ب1 ح149 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص66 ب2 ح1 .


67

قال : ملك (1) .

31 ـ حديث ابن مسكان قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (2) قال : « كشط لإبراهيم (عليه السلام) السماوات السبع حتّى نظر إلى ما فوق العرش وكشط له الأرض حتّى رأى ما في الهواء ، وفعل بمحمّد (صلى الله عليه وآله) مثل ذلك ، وإنّي لأرى صاحبكم والأئمّة من بعده قد فعل بهم مثل ذلك » (3) .

32 ـ حديث عبدالرحمن بن أبي نجران قال : كتب أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وأقرأنيه رسالة إلى بعض أصحابه : « إنّا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق » (4) .

33 ـ حديث حذيفة بن اُسيد الغفاري قال : لمّا وادع الحسن بن علي (عليهما السلام) معاوية وانصرف إلى المدينة صحبته في منصرفه ، وكان بين عينيه حمل بعير لا يفارقه حيث توجّه .

فقلت له ذات يوم : جعلت فداك ياأبا محمّد هذا الحمل لا يفارقك حيث ما توجّهت .

فقال : ياحذيفة أتدري ما هو ؟

قلت : لا .

(1) بحار الأنوار : ج26 ص73 ب2 ح20 .

(2) سورة الأنعام : الآية 75 .

(3) بحار الأنوار : ج26 ص114 ب6 ح15 .

(4) بحار الأنوار : ج26 ص118 ب7 ح2 .


68

قال : هذا الديوان .

قلت : ديوان ماذا ؟

قال : ديوان شيعتنا فيه أسماءهم (1) .

34 ـ حديث الأعمش قال : قال الكلبي : ما أشدّ ما سمعت في مناقب علي ابن أبي طالب ؟

قال : قلت : حدّثني موسى بن طريف ، عن عباية قال : سمعت علياً (عليه السلام) يقول : « أنا قسيم النار » .

فقال الكلبي : عندي أعظم ممّا عندك ، أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً كتاباً فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء أهل النار (2) .

35 ـ حديث الثمالي قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : « إنّ الإمام منّا ليسمع الكلام في بطن اُمّه حتّى إذا سقط على الأرض أتاه ملك فيكتب على عضده الأيمن : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلا لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (3) . حتّى إذا شبَّ رفع الله له عموداً من نور يرى فيه الدنيا وما فيها ، لا يستر عنه منها شيء » (4) .

36 ـ حديث المفضّل ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « اُعطيت تسعاً لم يعطها أحد قبلي سوى النبي (صلى الله عليه وآله) لقد فتحت لي السبل ،

(1) بحار الأنوار : ج26 ص124 ب7 ح19 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص126 ب7 ح23 .

(3) سورة الأنعام : الآية 115 .

(4) بحار الأنوار : ج26 ص133 ب8 ح2 .


69

وعلمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب ، ولقد نظرت في الملكوت بإذن ربّي فما غاب عنّي ما كان قبلي ولا ما يأتي بعدي ، وإنّ بولايتي أكمل الله لهذه الاُمّة دينهم ، وأتمّ عليهم النعم ، ورضي لهم إسلامهم ، إذ يقول يوم الولاية لمحمّد (صلى الله عليه وآله) : يامحمّد أخبرهم أنّي أكملت لهم دينهم ، وأتممت عليهم النعم ، ورضيت إسلامهم ، كلّ ذلك منّاً من الله علىّ فله الحمد » (1) .

37 ـ حديث معمّر بن خلاّد ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا حذو القذّة بالقذّة » (2) .

38 ـ حديث الأصبغ بن نباتة قال : سمعت علياً (عليه السلام) يقول على المنبر : « سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله ما من أرض مخصبة ولا مجدبة ولا فئة تضلّ مائة أو تهدي مائة إلاّ وعرفت قائدها وسائقها ، وقد أخبرت بهذا رجلا من أهل بيتي يخبر بها كبيرهم صغيرهم إلى أن تقوم الساعة » (3) .

39 ـ حديث الهروي قال : كان الرضا (عليه السلام) يكلّم الناس بلغاتهم ، وكان والله أفصح الناس وأعلمهم بكلّ لسان ولغة .

فقلت له يوماً : يابن رسول الله إنّي لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على إختلافها ؟

فقال : ياأبا الصلت « أنا حجّة الله على خلقه ، وما كان ليتّخذ حجّة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم ، أو ما بلغك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : اُوتينا فصل

(1) بحار الأنوار : ج26 ص141 ب8 ح14 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص179 ب12 ح62 .

(3) بحار الأنوار : ج10 ص121 ب8 ح2 .


70

الخطاب ؟ فهل فصل الخطاب إلاّ معرفة اللغات » (1) .

40 ـ حديث الحسين بن علوان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إنّ الله فضّل اُولي العزم من الرسل بالعلم على الأنبياء ، وورثنا علمهم وفُضّلنا عليهم في فضلهم ، وعلّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لا يعلمون ، وعلّمنا علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فروينا لشيعتنا ، فمن قبل منهم فهو أفضلهم ، وأينما نكون فشيعتنا معنا » (2) .

وبدراية هذه الأحاديث الشريفة تعرف علوّ علومهم الربّانية ، ومعالمهم الرحمانية ، كما وإنّ الإيمان بها يكون من شؤون معرفتهم والإيمان بهم .

وما أحلى حديث المفضّل الجعفي في هذا المقام ; قال : دخلت على الصادق (عليه السلام) ذات يوم فقال لي : يامفضّل هل عرفت محمّداً وعلياً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) كنه معرفتهم ؟

قلت : ياسيّدي وما كنه معرفتهم ؟

قال : يامفضّل من عرفهم كنه معرفتهم كان مؤمناً في السنام الأعلى .

قال : قلت : عرّفني ذلك ياسيّدي .

قال : يامفضّل تعلم أنّهم علموا ما خلق الله عزّوجلّ وذرأه وبرأه ، وأنّهم كلمة التقوى ، وخزّان السماوات والأرضين والجبال والرمال والبحار ، وعلموا كم في السماء من نجم وملك ووزن الجبال وكيل ماء البحار وأنهارها وعيونها وما تسقط من ورقة إلاّ علموها ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس

(1) بحار الأنوار : ج26 ص190 ب14 ح1 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص199 ب15 ح11 .


71

وَمُنْتَهَى الْحِلْمِ (1) إلاّ في كتاب مبين وهو في علمهم وقد علموا ذلك .

فقلت : ياسيّدي قد علمت ذلك وأقررت به وآمنت .

قال : نعم يامفضّل ، نعم يامكرّم ، نعم يامحبور ، نعم ياطيّب ، طبت وطابت لك الجنّة ولكلّ مؤمن بها (1) .

(1) ـ المنتهى على وزن منتدى اسم مكان بمعنى محلّ نهاية الشيء ، وهنا بمعنى محلّ نهاية الحلم ومنتهى درجته .

والحِلم بكسر الحاء وسكون اللام : هي الصفة النفسانية الكريمة التي حقيقتها ضبط النفس عن هيجان الغضب ، وهو يلازم الصبر ، ويكون بمعنى الأناة وكظم الغيظ .

والحليم هو الذي لا يستنفره الغضب ، والحلم عن الشيء يكون فيما إذا صفح عنه وسَتَر عليه .

وأهل البيت (عليهم السلام) قد بلغوا الغاية والنهاية في تلك الصفة الربّانية الكريمة ; والإنسان حينما يلاحظ حلمهم (عليهم السلام) وكظم غيظهم إلى جانب قدرتهم الربّانية ، وجلالة قدرهم الواقعية ، يدرك أنّهم قد بلغوا غاية الحلم ونهايته حتّى فاقوا الأنبياء في ذلك : فيكونون هم الموصوفون بمنتهى الحلم كما في هذه الزيارة الشريفة والموسومون بملأ الحلم كما في حديث عبدالعزيز بن مسلم جاء فيه توصيف الإمام (عليه السلام) بقوله :

« ... شرف الأشراف والفرع من عبد مناف ، نامي العلم ، ملأُ الحلم ،

(1) بحار الأنوار : ج26 ص116 ب6 ح22 .


72

مضطلع بالإمامة ... » (1) .

وتلاحظ حلمهم العظيم في سيرتهم الغرّاء كحلم أمير المؤمنين وكظم غيظه (عليه السلام) في يوم الدار أمام هتك الحرمات التي إرتكبه الأعداء ممّا تلاحظها بالتفصيل في كتاب سليم بن قيس الهلالي (2) .

ومثل حلم الإمام المجتبى (عليه السلام) مع الرجل الشامي كما في حديث المبرّد وابن عائشة بأنّ شاميّاً رآه راكباً فجعل يلعنه والحسن (عليه السلام) لا يردُّ ، فلمّا فرغ أقبل الحسن (عليه السلام) فسلّم عليه وضحك فقال : « أيّها الشيخ أظنّك غريباً ولعلّك شبّهت ، فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو إسترشدتنا أرشدناك ، ولو إستحملتنا أحملناك ، وإن كنت جائعاً أشبعناك ، وإن كنت عرياناً كسوناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كان لك حاجة قضيناها لك ، فلو حرّكت رحلك إلينا ، وكنت ضيفنا إلى وقت إرتحالك كان أعود عليك ، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريقاً ومالا كثيراً .

فلمّا سمع الرجل كلامه ، بكى ثمّ قال : أشهد أنّك خليفة الله في أرضه ، الله أعلم حيث يجعل رسالته ، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ ، وحوّل رحله إليه ... » (3) .

وكذلك حلم الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن جاريته التي جعلت تسكب عليه الماء ليتهيّأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها فشجّه فرفع (عليه السلام) رأسه إليها ، فقالت

(1) الكافي : ج1 ص202 ح1 .

(2) كتاب سليم بن قيس الهلالي : ج2 ص585 .

(3) بحار الأنوار : ج43 ص344 .


73

له الجارية : إنّ الله يقول : ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ (1) .

فقال لها : كظمت غيظي .

قالت : ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ .

قال : عفى الله عنك .

قالت : ﴿ وَاللهُ يُحِبُّ الُْمحْسِنِينَ .

قال : فاذهبي فأنت حرّة لوجه الله (2) .

وهكذا حلم الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث حفص بن أبي عائشة قال : بعث أبو عبدالله (عليه السلام) غلاماً له في حاجة فأبطأ ، فخرج أبو عبدالله (عليه السلام) على أثره لمّا أبطأ ، فوجده نائماً ، فجلس عند رأسه يروّحه حتّى انتبه ، فلمّا تنبّه قال له أبو عبدالله (عليه السلام) : يافلان ، والله ما ذلك لك ، تنام الليل والنهار ، لك الليل ولنا منك النهار » (3) .

وأيضاً حلم الإمام الكاظم (عليه السلام) في حديث معتب قال : كان أبو الحسن موسى (عليه السلام) في حائط له يصرم فنظرت إلى غلام له قد أخذ كارة (4) من تمر ، فرمى بها وراء الحائط ، فأتيته وأخذته وذهبت به إليه ، فقلت : جعلت فداك إنّي وجدت هذا وهذه الكارة .

فقال للغلام : يافلان .

(1) سورة آل عمران : الآية 134 .

(2) بحار الأنوار : ج71 ص398 .

(3) الكافي : ج2 ص112 ح7 .

(4) الصرم بمعنى القطع يقال : صرمت الشيء أي قطعته ، والكارة مقدار معيّن من الطعام .


74

وَاُصُولَ الْكَرَمِ (1) قال : لبّيك .

قال : أتجوع ؟

قال : لا ياسيّدي .

قال : فتعرى ؟

قال : لا ياسيّدي .

قال : فلأي شيء أخذت هذه ؟

قال : إشتهيت ذلك .

قال : إذهب فهي لك وقال : خلّوا عنه (1) .

وقد شهد بحلمهم حتّى من خالفهم فلاحظ ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي في حلم أمير المؤمنين (عليه السلام) ، قال :

(وأمّا الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن ذنب وأصفحهم عن مسيء) ثمّ ذكر شواهد ذلك في موارد كثيرة فراجع (2) .

واعلم : أنّ في نسخة البلد الأمين يوجد بعد قوله : « ومنتهى الحلم » قوله (عليه السلام) : « ومأوى السكينة ... » أي أنّهم (عليهم السلام) تأوي السكينَة إليهم وتنزل عليهم ، وهي الطمأنينة والوقار والأمنة .

(1) ـ الاُصول جمع الأصل وهو أساس الشيء ، وما يكون منه الشيء .

والكرم ضدّ اللؤم ، وهو في اللغة صفة لكلّ ما يُرضى ويُحمد ويُحسَن ،

(1) الكافي : ج2 ص108 ح7 .

(2) شرح نهج البلاغة : ج1 ص22 .


75

ولذلك يعبّر عن الصفات الحسنة جميعها بمكارم الأخلاق .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم الأصل والأساس في هذه السجيّة الطيّبة .

وفسّر كرمهم الأصيل بتفاسير ثلاثة كلّها متوفّرة لديهم وكاملة فيهم وهي :

الأوّل : الجود في العطاء وعدم البخل ، فيكون الكريم بمعنى الجواد المعطي ، وأصالة كرمهم تفوّقهم في هذا الجود كما تلاحظه في سيرتهم الحسنة ، وكلّ واحد من أهل البيت (عليهم السلام) كان جواداً معطاءً كما تلمسه في أدوار حياتهم الكريمة .

ففي حديث المناقب أنّه وفد أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس بها ، فدُلّ على الحسين (عليه السلام) فدخل المسجد فوجده مصلّياً فوقف بازائه وأنشأ : لم يخب الآن من رجاك ومن أنت جواد وأنت معتمد لولا الذي كان من أوائلكم حرّك من دون بابك الحَلَقة أبوك قد كان قاتلَ الفَسَقة كانت علينا الجحيم منطبِقَة

قال : فسلّم الحسين وقال : ياقنبر هل بقى من مال الحجاز شيء ؟

قال : نعم أربعة آلاف دينار .

فقال : هاتها قد جاء من هو أحقّ بها منّا ; ثمّ نزع برديه ولفّ الدنانير فيها وأخرج يده من شقّ الباب حياءً من الأعرابي وأنشأ : خذها فإنّي إليك معتذر لو كان في سيرنا الغداة عصا لكنّ ريب الزمان ذو غير واعلـم بأنّي عليك ذو شفقة أمسـت سمانا عليك مندفقة والكفّ منّي قليلة النفقة

قال : فأخذها الأعرابي وبكى .


76

فقال له (عليه السلام) : لعلّك استقللت ما أعطيناك .

قال : لا ولكن كيف يأكل التراب جودك . وهو المروي عن الحسن بن علي (عليهما السلام) أيضاً (1) .

الثاني : جميع أنواع الخير والشرف والفضائل الحسنة فيكون الكريم بمعنى الشريف ذي الخير والفضيلة ...

ففي حديث عبدالعزيز بن مسلم في صفة الإمام (عليه السلام) : « مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منه له ولا إكتساب ، بل إختصاص من المفضل الوهّاب » (2) .

الثالث : ما احتمله العلاّمة المجلسي (3) ووالده (4) أعلى الله مقامهما ، من أن يكون المراد كونهم أسباب ووسائل كرم الله تعالى في الدنيا والآخرة ، حيث أنّه بيمنهم رزق الورى وببركتهم تكون الدرجات العُلى .

ويتمسّك لهذا المعنى الثالث بحديث الإمام العسكري (عليه السلام) « ... فنحن ليوث الوغى ، وغيوث الندى وطعّان العدى ، وفينا السيف والقلم في العاجل ، ولواء الحمد والحوض في الآجل ، وأسباطنا حلفاء الدين وخلفاء النبيّين ، ومصابيح الاُمم ومفاتيح الكرم ، فالكليم اُلبس حلّة الإصطفاء لمّا عهدنا منه الوفاء ، وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ، وشيعتنا الفئة الناجية

(1) بحار الأنوار : ج44 ص190 .

(2) الكافي : ج1 ص201 ح1 .

(3) بحار الأنوار : ج102 ص135 .

(4) روضة المتّقين : ج5 ص459 .


77

وَقادَةَ الاُْمَمِ (1) والفرقة الزاكية صاروا لنا رِدءً وصوناً ، وعلى الظلمة إلباً وعوناً » (1) .

(1) ـ القادة جمع قائد وهو الأمير والرئيس ومن يقود ، يقال : قوّاد أهل الجنّة أي الذين يسبقونهم ويجرّونهم إلى الجنّة .

والاُمم جمع الاُمّة بمعنى الخلق ، واُمّة كلّ نبي أتباعه ، ويُطلق على الجماعة أيضاً ، بل يطلق على الشخص الواحد الجامع للخير المقُتدى للناس ، ومنه قوله عزّ إسمه : ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً للهِِ (2) .

وأهل البيت سلام الله عليهم قادة الاُمم بكلّ معنى الكلمة ، وفسّر بتفسيرين :

التفسير الأوّل : أنّهم (عليهم السلام) الرؤساء الحقيقيون المحقّون في العالم لجميع الأنام ، كما في دعاء الاستئذان المتقدّم : « الذين إصطفيتهم ملوكاً لحفظ النظام ، وإخترتهم رؤساء لجميع الأنام ، وبعثتهم لقيام القسط في إبتداء الوجود إلى يوم القيامة ، ثمّ مننت عليهم بإستنابة أنبيائك لحفظ شرائعك وأحكامك ، فأكملت باستخلافهم رسالة المنذرين كما أوجبت رياستهم في فطر المكلّفين » (3) .

فيقودون جماعات هذه الاُمّة إلى معرفة الله تعالى وطاعته بالهداية في الدنيا ، والإيصال إلى الدرجات العليا بالشفاعة في الآخرة .

ويستفاد هذا المعنى من حديث أبان ، عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال : « إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : أين خليفة الله في

(1) بحار الأنوار : ج26 ص264 باب جوامع مناقبهم وفضائلهم ح50 .

(2) سورة النحل : الآية 120 .

(3) بحار الأنوار : ج102 ص115 .


78

أرضه ؟ فيقوم داود النبي (عليه السلام) ، فيأتي النداء من عند الله عزّوجلّ : لسنا إيّاك أردنا وإن كنت لله تعالى خليفة ; ثمّ ينادي ثانية : أين خليفة الله في أرضه ؟ فيقوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فيأتي النداء من قبل الله عزّوجلّ :

يامعشر الخلائق هذا علي بن أبي طالب خليفة الله في أرضه ، وحجّته على عباده ، فمن تعلّق بحبله في دار الدنيا فليتعلّق بحبله في هذا اليوم يستضيء بنوره ، وليتبعه إلى الدرجات العلى من الجنّات ; قال : فيقوم الناس الذين قد تعلّقوا بحبله في الدنيا فيتّبعونه إلى الجنّة .

ثمّ يأتي النداء من عند الله جلّ جلاله : ألا من إئتمّ بإمام في دار الدنيا فليتبعه إلى حيث يذهب به ، فحينئذ تبرّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب وقال الذين اتَّبعوا لو أنّ لَنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّؤوا منّا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار » (1) .

التفسير الثاني : أنّهم (عليهم السلام) يقودون في الآخرة جميع الاُمم حتّى الاُمم السابقة بالشفاعة الكبرى ، والقيادة إلى الجنان العليا .

ويستفاد هذا المعنى من حديث المفضّل الجعفي جاء فيه : « ... قال أبو عبدالله (عليه السلام) : ما من نبي وُلد من آدم إلى محمّد صلوات الله عليهم إلاّ وهم تحت لواء محمّد (صلى الله عليه وآله) ... » (2) .

وحديث جابر أنّه قال لأبي جعفر (عليه السلام) : جعلت فداك يابن رسول الله

(1) بحار الأنوار : ج8 ص10 ب9 ح3 .

(2) بحار الأنوار : ج8 ص45 ب19 ح46 .


79

حدّثني بحديث في فضل جدّتك فاطمة إذا أنا حدّثت به الشيعة فرحوا بذلك .

قال أبو جعفر (عليه السلام) : « حدّثني أبي ، عن جدّي ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : إذا كان يوم القيامة نصب للأنبياء والرسل منابر من نور ، فيكون منبري أعلى منابرهم يوم القيامة ، ثمّ يقول الله : يامحمّد اخطب ، فأخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأنبياء والرسل بمثلها .

ثمّ ينصب للأوصياء منابر من نور ، وينصب لوصيّي علي بن أبي طالب في أوساطهم منبر من نور ، فيكون منبره أعلى منابرهم ، ثمّ يقول الله : ياعلي اخطب ، فيخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأوصياء بمثلها .

ثمّ ينصب لأولاد الأنبياء والمرسلين منابر من نور ، فيكون لإبنيَّ وسبطيَّ وريحانتي أيّام حياتي منبر من نور ، ثمّ يقال لهما : اخطبا ، فيخطبان بخطبتين لم يسمع أحد من أولاد الأنبياء والمرسلين بمثلها .

ثمّ ينادي المنادي وهو جبرئيل (عليه السلام) : أين فاطمة بنت محمّد ؟ أين خديجة بنت خويلد ؟ أين مريم بنت عمران ؟ أين آسية بنت مزاحم ؟ أين اُمّ كلثوم اُمّ يحيى بن زكريّا ؟ فيقمن .

فيقول الله تبارك وتعالى : ياأهل الجمع لمن الكرم اليوم ؟

فيقول محمّد وعلي والحسن والحسين : لله الواحد القهّار .

فيقول الله تعالى : ياأهل الجمع إنّي قد جعلت الكرم لمحمّد وعلي والحسن والحسين وفاطمة ، ياأهل الجمع طأطأوا الرؤوس وغضّوا الأبصار ، فإنّ هذه فاطمة تسير إلى الجنّة ; فيأتيها جبرئيل بناقة من نوق الجنّة مدبّحة الجنبين ، خطامها من اللؤلؤ الرطب ، عليها رحل من المرجان ، فتناخ بين يديها فتركبها ،


80

ـ فيبعث الله مائة الف ملك ليسيروا عن يمينها ، ويبعث إليها مائة ألف ملك ليسيروا عن يسارها ، ويبعث إليها مائة ألف ملك يحملونها على أجنحتهم حتّى يصيّروها على باب الجنّة .

فإذا صارت عند باب الجنّة تلتفت .

فيقول الله : يابنت حبيبي ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنّتي ؟

فتقول : ياربّ أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم .

فيقول الله : يابنت حبيبي ارجعي فانظري من كان في قلبه حبّ لك أو لأحد من ذرّيتك خذي بيده فأدخليه الجنّة .

قال أبو جعفر (عليه السلام) : والله ياجابر إنّها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبّيها كما يلتقط الطير الحبّ الجيّد من الحبّ الرديء ، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنّة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا ، فإذا التفتوا يقول الله : ياأحبّائي ما التفاتكم وقد شفّعت فيكم فاطمة بنت حبيبي ؟

فيقولون : ياربّ أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم .

فيقول الله : ياأحبّائي ارجعوا وانظروا من أحبّكم لحبّ فاطمة ، انظروا من أطعمكم لحبّ فاطمة ، انظروا من كساكم لحبّ فاطمة ، انظروا من سقاكم شربة في حبّ فاطمة ، انظروا من ردّ عنكم غيبة في حبّ فاطمة فخذوا بيده وأدخلوه الجنّة .

قال أبو جعفر (عليه السلام) : والله لا يبقى في الناس إلاّ شاكّ أو كافر أو منافق ، فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله تعالى : ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ


81

وَاَوْلِياءَ النِّعَمِ (1) صَدِيق حَمِيم (1) فيقولون : ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) .

قال أبو جعفر (عليه السلام) : هيهات هيهات منعوا ما طلبوا ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (3) (4) .

هذه قيادتهم (عليهم السلام) في الاُخرى بل هم يقودون الاُمم في الدنيا أيضاً إلى حوائجهم ، بالتوسّل بأنوارهم المقدّسة كما يستفاد من حديث علي بن الحسن بن فضّال ، عن أبيه ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال : « لمّا أشرف نوح (عليه السلام) على الغرق دعا الله بحقّنا فدفع الله عنه الغرق .

ولمّا رمي إبراهيم في النار دعا الله بحقّنا فجعل الله النار عليه برداً وسلاماً .

وإنّ موسى لمّا ضرب طريقاً في البحر ، دعا الله بحقّنا فجعله يبساً .

وإنّ عيسى لمّا أراد اليهود قتله ، دعا الله بحقّنا فنجّي من القتل فرفعه إليه » (5) .

وغيره من الأحاديث في باب أنّ دعاء الأنبياء إستجيب بالتوسّل والإستشفاع بهم صلوات الله عليهم .

(1) ـ أولياء جمع ولي وهو الأولى والأحقّ الذي يلي التدبير .

والنعم جمع نِعمة بكسر النون : ما يتنعّم به الإنسان .

والنعم جمع شامل لجميع النعم وهي :

(1) سورة الشعراء : الآية 100 و101 .

(2) سورة الشعراء : الآية 102 .

(3) سورة الأنعام : الآية 28 .

(4) بحار الأنوار : ج8 ص51 ب21 ح59 .

(5) بحار الأنوار : ج26 ص325 ب7 ح7 .


82

(الف) : النعم الظاهرة : أي التي تكون مرئية في السماء والأرض وما بينهما ممّا نشاهدها .

(ب) : النعم الباطنة : أي التي لا تكون مرئية ولكنّها نِعم معنوية مدرَكة كالمعرفة والإيمان ، والصفات الحسنة والكمالات النفسيّة التي ندركها .

(ج) : النعم الاُخروية : أي التي يُتفضّل بها في الحياة الآخرة كالكوثر والشفاعة والدرجات الرفيعة .

هذه نعم الله تعالى التي تفضّل بها علينا ظاهرة وباطنة دنياً وآخرة .

قال عزّ إسمه : ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (1) كما تلاحظ بيانها وتفسيرها (2) في مثل حديث عبدالله بن عبّاس وجابر بن عبدالله الأنصاري ... أتينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده في رهط من أصحابه ـ إلى قولهما في الحكاية ـ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « وقد أوحى إلىَّ ربّي ـ جلّ وتعالى ـ أن اُذكّركم بالنعمة ، وأُنذركم بما اقتصّ عليكم من كتابه . وتلا ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ (الآية) .

ثمّ قال لهم : قولوا الآن قولكم ، ما أوّل نعمة رغّبكم الله فيها وبلاكم بها ؟

فخاض القوم جميعاً . فذكروا نعم الله التي أنعم عليهم وأحسن إليهم بها من المعاش والرياش والذرّية والأزواج إلى سائر ما بلاهم الله ـ عزّوجلّ ـ من أنعمه الظاهرة .

فلمّا أمسك القوم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) فقال : ياأبا الحسن ،

(1) سورة لقمان : الآية 20 .

(2) تفسير كنز الدقائق : ج10 ص260 .


83

قل فقد قال أصحابك .

فقال : فكيف لي بالقول ؟ فداك أبي واُمّي وإنّما هدانا الله بك .

قال : ومع ذلك فهات ، قل ما أوّل نعمة أبلاك الله عزّوجلّ وأنعم عليك بها ؟

قال : أن خلقني جلّ ثناؤه ولم أك شيئاً مذكوراً .

قال : صدقت ، فما الثانية ؟

قال : أن أحسن بي إذ خلقني ، فجعلني حيّاً لا مواتاً .

قال : صدقت ، فما الثالثة ؟

قال : أن أنشأني ـ فله الحمد ـ في أحسن صورة وأعدل تركيب .

قال : صدقت ، فما الرابعة ؟

قال : أن جعلني متفكّراً داعياً لا بلهة ساهياً .

قال : صدقت ، فما الخامسة ؟

قال : أن جعل لي شواعر أدرك ما ابتغيت لها . فجعل لي سراجاً منيراً .

قال : صدقت ، فما السادسة ؟

قال : أن هداني الله لدينه ولم يضلّني عن سبيله .

قال : صدقت ، فما السابعة ؟

قال : أن جعل لي مردّاً في حياة لا انقطاع لها .

قال : صدقت ، فما الثامنة ؟

قال : أن جعلني ملكاً مالكاً لا مملوكاً .

قال : صدقت ، فما التاسعة ؟

قال : أن سخّر لي سماءه وأرضه وما فيهما وما بينهما من خلقه .


84

قال : صدقت ، فما العاشرة ؟

قال : أن جعلنا سبحانه ذكراناً قوّاماً على حلائلنا لا إناثاً .

قال : صدقت ، فما بعدها ؟

قال : كثرت نعم الله ، يانبيّ الله ، فطابت وتلا : ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا (1) .

فتبسّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال : ليهنئك الحكمة ، ليهنئك العلم ، ياأبا الحسن . فأنت وارث علمي والمبيّن لاُمّتي ما اختلفت فيه من بعدي .

من أحبّك لدينك وأخذ بسبيلك ، فهو ممّن هُدي إلى صراط مستقيم ، ومن رغب عن هواك وأبغضك لقى الله يوم القيامة لا خلاق له (2) .

وحديث جابر قال : قرأ رجل عند أبي جعفر (عليه السلام) ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً .

قال : أمّا النعمة الظاهرة فهو النبي (صلى الله عليه وآله) وما جاء به من معرفة الله عزّوجلّ وتوحيده .

وأمّا النعمة الباطنة فولايتنا أهل البيت وعقد مودّتنا ، فاعتقد والله قوم هذه النعمة الظاهرة والباطنة ، واعتقدها قوم ظاهرة ولم يعتقدوا باطنة ، فأنزل الله ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ (3) ففرح رسول الله عند نزولها إذ لم يتقبّل الله

(1) سورة إبراهيم : الآية 34 ، وسورة النحل : الآية 18 .

(2) كنز الدقائق : ج10 ص262 .

(3) سورة المائدة : الآية 41 .


85

تعالى إيمانهم إلاّ بعقد ولايتنا ومحبّتنا » (1) .

فأهل البيت سلام الله عليهم أجمعين بأنفسهم من نعم الله عزّوجلّ ، بل هم من أعاظم النعم .

كما أنّ بيُمنهم تدبّر النعمة لنا ، وببركتهم تحصل سعادتنا وفوزنا ، وبجودهم تنال الدرجات الرفيعة والمقامات المنيعة .

فيكونون أولياء النعم الفاخرة ، وأصحاب الجود والكرم لجميع الموجودات في الدنيا والآخرة .

وتلاحظ هذه الجهات بوضوح في الأحاديث الشريفة كحديث الكساء الشريف المتقدّم .

وحديث مروان بن صباح قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « إنّ الله خلقنا فأحسن صورنا ، وجعلنا عينه في عباده ، ولسانه الناطق في خلقه ، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة ، ووجهه الذي يؤتى منه ، وبابه الذي يدلّ عليه وخزّانه في سمائه وأرضه ، بنا أثمرت الأشجار ، وأينعت الثمار ، وجرت الأنهار ، وبنا ينزل غيث السماء ، وينبت عُشب الأرض ، وبعبادتنا عبد الله ، ولولا نحن ما عبد الله» (2) .

وحديث الأصبغ بن نباتة قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ما بال أقوام غيّروا سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعدلوا عن وصيّه ؟ لا يتخوّفون أن ينزل بهم العذاب ، ثمّ

(1) تفسير القمّي : ج2 ص165 .

(2) الكافي : ج1 ص144 ح5 .


86

وَعَناصِرَ الاَْبْرارِ (1) تلا هذه الآية : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ (1) ثمّ قال : نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده ، وبنا يفوز من فاز يوم القيامة (2) .

وروى العياشي باسناده في حديث طويل قال : سأل أبو حنيفة أبا عبدالله (عليه السلام) عن هذه الآية ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ (3) .

فقال : ما النعيم عندك يانعمان ؟

قال : القوت من الطعام والماء البارد .

فقال : لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتّى يسألك عن كلّ أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولنّ وقوفك بين يديه .

قال : فما النعيم جعلت فداك ؟

قال : « نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد ، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين ، وبنا ألّف الله بين قلوبهم ، وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداء ، وبنا هداهم الله للإسلام ، وهي النعمة التي لا تنقطع ، والله سائلهم عن حقّ النعيم الذي أنعم به عليهم ، وهو النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته (عليهم السلام) » (4) .

(1) ـ عناصر جمع عُنصر بمعنى الأصل والحسب والنَسب .

والأبرار جمع بَرّ بالفتح ، بمعنى البارّ وهو فاعل الخير ، إذ البِرّ بالكسر ،

(1) سورة إبراهيم : الآية 28 و29 .

(2) الكافي : ج1 ص217 ح1 .

(3) سورة التكاثر : الآية 8 .

(4) بحار الأنوار : ج24 ص49 ب29 .


87

اسم جامع للخير ، فيكون البارّ بمعنى فاعل الخير .

وفسّر الأبرار بأنّهم هم المطيعون لله ، المحسنون في أفعالهم ، وأهل البيت صلوات الله عليهم هم الأبرار في صفتهم ، والأصل والأساس للأبرار في عنصرهم ، لما يلي من الوجوه الأربعة :

(الف) : امّا بتفسير الأبرار بنفس الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم ; كما يشهد له ظاهر عموم قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الاَْبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً (1) .

وأهل البيت هم أصل الأبرار بهذا المعنى لأنّ كلّ واحد منهم خلّف من هو سيّد الأبرار ، فيكون الأئمّة اُصولا وعناصر للأبرار .

(ب) : أو تفسير الأبرار بمطلق البارّ وجميع المؤمنين الأبرار كما يشهد له ظاهر عموم قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الاَْبْرَارَ لَفِي نَعِيم (2) .

فإنّ المؤمنين الأبرار يهتدون بهدي الأئمّة الطاهرين وينتسبون إليهم ، وينتمون إلى ولايتهم ، فكان الأئمّة سلام الله عليهم هم الأصل للبارّين ، كما تلاحظه في صفوة أصحاب المعصومين ، وفي من تلاهم من كرام المؤمنين .

(ج) : أو لأنّ الأئمّة الهداة هم السبب لإيجاد العالم وخلق الأبرار ، فكان خلق الأبرار ببركتهم ، وكانوا هم الأصل لهم ، كما يشهد له حديث « لولاك لما خلقت الأفلاك ... » المتقدّم بمصادره (3) .

(1) سورة الإنسان : الآية 5 .

(2) سورة الانفطار : الآية 13 .

(3) ص49 من هذا الكتاب .


88

(د) : أو لأنّهم (عليهم السلام) هم الأصل لشيعتهم الأبرار من حيث أنّ شيعتهم خُلقوا من فاضل طينتهم فكانوا متفرّعين منهم ، وكان أهل البيت هم الأصل لهم ، كما يشهد لهم أحاديث الطينة التي تلاحظها في مثل :

حديث بشر بن أبي عقبة ، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) قالا : « إنّ الله خلق محمّداً (صلى الله عليه وآله) من طينة من جوهرة تحت العرش ، وإنّه كان لطينته نضج فجبل طينة أمير المؤمنين (عليه السلام) من نضج طينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان لطينة أمير المؤمنين (عليه السلام)نضج فجبل طينتنا من فضل طينة أمير المؤمنين (عليه السلام) .

وكان لطينتنا نضج فجبل طينة شيعتنا من نضج طينتنا ، فقلوبهم تحنّ إلينا ، وقلوبنا تعطف عليهم تعطّف الوالد على الولد ونحن خير لهم وهم خير لنا ، ورسول الله لنا خير ونحن له خير » (1) .

وحديث أبي الحجّاج قال : قال لي أبو جعفر (عليه السلام) : « ياأبا الحجّاج إنّ الله خلق محمّداً وآل محمّد (صلى الله عليه وآله) من طينة علّيين ، وخلق قلوبهم من طينة فوق ذلك ، وخلق شيعتنا من طينة دون علّيين ، وخلق قلوبهم من طينة علّيين ، فقلوب شيعتنا من أبدان آل محمّد .

وإنّ الله خلق عدوّ آل محمّد (صلى الله عليه وآله) من طين سجّين وخلق قلوبهم من طين أخبث من ذلك ، وخلق شيعتهم من طين دون طين سجّين ، وخلق قلوبهم من طين سجّين فقلوبهم من أبدان اُولئك ، وكلّ قلب يحنّ إلى بدنه » (2) .

(1) بحار الأنوار : ج25 ص8 ب1 ح11 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ص8 ب1 ح12 .


89

وَدَعائِمَ الاَْخْيارِ (1) (1) ـ دعائم جمع دِعامة بكسر الدال ، وهي عماد البيت الذي يقوم عليه ، ويستند البيت إليه ، ويمنع عن سقوطه ، ومنه « لكلّ شيء دعامة ودعامة الإسلام الشيعة » (1) .

والأخيار جمع خَيّر بالتشديد ، وهو الرجل ذو الخير ، وقيل هو من صلح عمله بعد ما صلح دينه (2) .

والخير في اللغة هو ما يرغب فيه الكلّ كالعقل ، والعدل ، والفضل ، والشيء النافع ، وضدّه الشرّ (3) .

والخيرات هي الأعمال الصالحة وفسّر الخير بمكارم الأخلاق (4) .

وفي الحديث العلوي الشريف : وسُئل عن الخير ما هو ؟

فقال : « ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك وأن يعظم حلمك ، وأن تُباهي الناس بعبادة ربّك ، فإن أحسنت حمدت الله ، وإن أسأت استغفرت الله .

ولا خير في الدنيا إلاّ لرجلين : رجل أذنب ذنوباً فهو يتداركها بالتوبة ، ورجل يسارع في الخيرات » (5) .

وفي حديث حفص بن غياث ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سمعته يقول :

(1) مجمع البحرين : مادّة دَعَم ص515 .

(2) مجمع البحرين : مادّة خير ص258 .

(3) مفردات الراغب : ص160 .

(4) مجمع البحرين : ص258 .

(5) نهج البلاغة : رقم الحكمة 94 .


90

« جعل الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا » (1) .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم المعوَّل للصالحين والمعتمد للأخيار الطيبين ، وعليهم الاعتماد والاستناد في جميع المعارف والأحكام وكلّ معالم الإسلام (ومن لم يستند إليه كان ضالا غاوياً في دنياه واُخراه) ، وهم الأساس القوام لجميع الخيرات ، التي من أفضلها العبادات ، ولولاهم ما عُبد الله تعالى .

وتلاحظ دعاميّتهم للأخيار والخيرات في الأحاديث الشريفة مثل :

حديث أبي الجارود قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : يابن رسول الله هل تعرف مودّتي لكم وإنقطاعي إليكم وموالاتي إيّاكم ؟

قال : فقال : نعم .

قال : قلت : فإنّي أسألك مسألة تجيبني فيها فإنّي مكفوف البصر قليل المشي ولا أستطيع زيارتكم كل حين ؟ قال : هات حاجتك .

قلت : أخبرني بدينك الذي تدين الله عزّوجلّ به أنت وأهل بيتك لاُدين الله عزّوجلّ به .

قال : إن كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة ، والله لأعطينّك ديني ودين آبائي الذي ندين الله عزّوجلّ به : « شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإقرار بما جاء به من عند الله ، والولاية لوليّنا والبراءة من عدوّنا ، والتسليم لأمرنا ، وانتظار قائمنا ، والإجتهاد ، والورع » (2) .

وحديث محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : « كلّ من دان

(1) الكافي : ج2 ص128 ح2 .

(2) الكافي : ج2 ص21 ح10 .


91

وَساسَةَ الْعِبادِ (1) الله عزّوجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول ، وهو ضالّ متحيّر والله شانىء لأعماله ، ومثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها ... وكذلك والله يامحمّد من أصبح من هذه الاُمّة لا إمام له من الله عزّوجلّ ظاهر عادل ، أصبح ضالا تائهاً ، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق » (1) .

وحديث إسحاق بن غالب ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في خطبة له يذكر فيها حال الأئمّة (عليهم السلام) وصفاتهم : « أنّ الله عزّوجلّ أوضح بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه ... جعلهم الله حياة للأنام ، ومصابيح للظلام ، ومفاتيح للكلام ، ودعائم للإسلام » (2) .

وفي نسخة البلد الأمين : (دعائم الجبّار) أي الدعائم التي جعلها الله تعالى في أرضه وسمائه لدينه وشريعته .

(1) ـ ساسة جمع سائس ، يُطلق في اللغة على المعاني الآتية : سَوّس الرجل اُمور الناس إذا مُلّك أمرهم فيكون السائس هو من يملّك الأمر ، والسَّوْس هي الرئاسة ، والسياسة : فعل السائس ، وهي القيام على الشيء بما يصلحه (3) .

وجاء (ساسة العباد) وهي مأخوذة من سست الرعية سياسة : أي أمرتها ونهيتها ... وفي الخبر : « كان بنو إسرائيل تسوسهم أنبيائهم » أي تتولّى أمرهم كالاُمراء والولاة بالنسبة إلى الرعية (4) .

(1) الكافي : ج1 ص183 ح8 .

(2) الكافي : ج1 ص203 ح2 .

(3) لسان العرب : ج6 ص108 .

(4) مجمع البحرين : مادّة سوس ص327 .


92

وفلان مجرّب قد ساس واُسيس عليه : أي أَدّب واُدّب (1) .

والعباد جمع عبد ، وهو مقابل المولى ، أي عباد الله ، فالله هو المولى والخلق عبيده ، فالعباد بمعنى المخلوقين .

ويستفاد من الإستعمال القرآني لكلمة العباد أنّها تعمّ الصالحين والطالحين (2) .

من ذلك قوله تعالى : ﴿ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ (3) التي تعمّ جميع العباد ، بل تشمل حتّى الملائكة ، لإطلاق العباد عليهم في قوله عزّ إسمه : ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ... (4) .

فساسة العباد معناه ملوك العباد وخلفاء الله عليهم ، كما أفاده العلاّمة المجلسي (5) ووالده (6) والسيّد شبّر (7) رضوان الله عليهم ، وكذا من له الأمر والنهي من الله تعالى كما عن المحدّث الكاشاني (8) .

فالسياسة بالمفهوم الصحيح في معناها اللغوي والعرفي هي اُمور

(1) تاج العروس : ج4 ص169 .

(2) المعجم المفهرس : ص433 .

(3) سورة غافر : الآية 31 .

(4) سورة الزخرف : الآية 19 .

(5) بحار الأنوار : ج102 ص135 .

(6) روضة المتّقين : ج5 ص459 .

(7) الأنوار اللامعة : ص61 .

(8) الوافي : ج2 القسم الثاني ص243 ، وحكاه عن عمدة الزائر : ص377 .


93

ثلاثة : الملوكية الربّانية ، والأمر والنهي الإلهي ، وتدبير الرعية بما هو صالح لهم .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم المثل الأعلى لهذه المناصب الهامّة ، وهم المتأدّبون بآداب الله والعارفون بمصالح خلق الله فيستحقّون سياسة عباد الله ، وتلاحظ في أحاديثنا الشريفة دليل هذه المعاني وتوفّرها في سادتنا الأئمّة (عليهم السلام) .

فللمعنى الأوّل أي ملوكيتهم وخلافتهم الإلهية : لاحظ مثل :

حديث بُريد العجلي ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى : ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً (1) .

قال : « جعل منهم الرسل والأنبياء والأئمّة ، فكيف يقرّون في آل إبراهيم (عليه السلام) وينكرونه في آل محمّد (صلى الله عليه وآله) » ؟

قال : قلت : ﴿ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ؟

قال : « الملك العظيم أن جعل فيهم أئمّة ، من أطاعهم أطاع الله ، ومن عصاهم عصى الله ، فهو الملك العظيم » (2) .

وحديث عبدالله بن سليمان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سألته عن الإمام فَوّض الله إليه كما فوّض إلى سليمان بن داود ؟

فقال : « نعم ... » (3) .

وللمعنى الثاني أي الآمرية والناهوية من قبل الله تعالى : لاحظ مثل :

حديث الفضيل بن يسار قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول لبعض

(1) سورة النساء : الآية 54 .

(2) الكافي : ج1 ص206 ح5 .

(3) الكافي : ج1 ص438 ح3 .


94

أصحاب قيس الماصر : « إنّ الله عزّوجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه فلمّا أكمل له الأدب قال : ﴿ إِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم (1) .

ثمّ فوّض إليه أمر الدين والاُمّة ليسوس عباده ، فقال عزّوجلّ : ﴿ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2) .

وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس ، لا يزلّ ولا يخطىء في شيء ممّا يسوس به الخلق ، فتأدّب بآداب الله .

ثمّ إنّ الله عزّوجلّ فرض الصلاة ركعتين ، ركعتين ، عشر ركعات فأضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الركعتين ركعتين وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة ، لا يجوز تركهنّ إلاّ في سفر ، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز الله عزّوجلّ له ذلك كلّه فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة .

ثمّ سنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلَي الفريضة فأجاز الله عزّوجلّ له ذلك ، والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر ... » (3) .

ومثله أيضاً أحاديث باب التفويض إليهم في أمر الدين (4) .

وللمعنى الثالث أي تدبيرهم الرعية بما هو صالح لهم : لاحظ أحاديث

(1) سورة القلم : الآية 4 .

(2) سورة الحشر : الآية 7 .

(3) الكافي : ج1 ص266 ح4 .

(4) الكافي : ج1 ص265 الأحاديث العشرة .


95

باب جامع مكارم أخلاق أمير المؤمنين وآدابه وسننه وحسن سياسته (1) مثل :

حديث الإمام جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنّه ذكر عن آبائه (عليهم السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)كتب إلى عمّاله : « أدقّوا أقلامكم ، وقاربوا بين سطوركم ، واحذفوا عنّي فضولكم ، واقصدوا قصد المعاني ، وإيّاكم والإكثار ، فإنّ أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار » (2) .

ويكفي في النموذج الحي على عظيم تدبيره ومعالي سياسته (روحي فداه) رسائله وكتبه إلى عمّاله .

خصوصاً كتابه إلى مالك الأشتر النخعي لمّا ولاّه مصر وأعمالها وهو من أجلّ كتبه وأجمع محاسنه ، والدستور الأعلى لجميع الأزمان ، والأماكن والبلدان والجدير جدّاً دراسة نصّه بإمعان في النهج الشريف (3) .

كما يشهد للمعنى الثالث أيضاً دليل الوجدان وشهادة العيان ، بإزدهار الكوفة وترقّيها وإرتفاع مستوى حضارتها العلمية والعملية في أيّام حكومته (عليه السلام)بالرغم من قصر مدّتها وإزدحام الحروب من أعدائه فيها (4) .

وقد شهد بحسن سياسته في أيّام حكومته محبّوه ومخالفوه ، كما تلاحظه في كلام ابن أبي الحديد في شرحه (5) .

(1) بحار الأنوار : ج41 ص102 ب7 الأحاديث .

(2) بحار الأنوار : ج41 ص105 ح6 .

(3) نهج البلاغة : قسم الرسائل ص92 رقم 53 .

(4) لاحظ لمعرفة الإزدهار والرقيّ تاريخ الكوفة للبراقي .

(5) شرح نهج البلاغة : ج1 ص28 .


96

وَاَرْكانَ الْبِلادِ (1) وَاَبْوابَ الإيِمانِ (2) (1) ـ أركان جمع ركن مثل أقفال جمع قفل ، وركن الشيء هو جانبه القوي .

والبلاد جمع بلدة ، تطلق على كلّ موضع من الأرض عامراً كان أو خلأً .

فأركان البلاد هي جوانبها القويّة التي تمسكها وتحفظها وتبقيها .

وأهل البيت (عليهم السلام) أركان البلاد ، بمعنى أنّ نظام العالم ، وانتظامه ، وبقاءه يكون بوجودهم ، ولولاهم لساخت الأرض بأهلها ، وماجت كما يموج البحر ، وهم الأركان القويّة الذين ببقائهم تبقى الأرجاء ، وبوجودهم ثبتت الأرض والسماء كما في دعاء العديلة الشريف .

وقد نطقت بركنيتهم أخبارنا الشريفة في هذا الباب (1) مثل :

حديث المفضّل بن عمر الجعفي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) جاء فيه : « كان أمير المؤمنين (عليه السلام) باب الله الذي لا يؤتى إلاّ منه ، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك ، وكذلك يجري لأئمّة الهدى واحداً بعد واحد .

جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها وحجّته البالغة على من فوق الأرض ومَن تحت الثرى » (2) .

(2) ـ أبواب : جمع باب وهو طريق السلوك إلى الشيء ، فأبواب الإيمان بمعنى الطريق إليه .

والإيمان في اللغة : هو التصديق كما أفاده الشيخ الطريحي ، ثمّ قال :

(الإيمان يرد على صيغتين : الإيمان بالله والإيمان لله .

(1) الكافي : ج1 ص196 باب أنّ الأئمّة هم أركان الأرض .

(2) مجمع البحرين : ص56 .


97

فالإيمان بالله هو التصديق بإثباته على النعت الذي يليق بكبريائه .

والإيمان لله هو الخضوع والقبول عنه والاتّباع لما يأمر والإنتهاء لما ينهى) (1) .

وأمّا في الشرع : فقد قال العلاّمة المجلسي (قدس سره) : إنّ الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله وحكمته ، وبالنبوّة ، وكل ما علم بالضرورة مجيء النبي به ، مع الإقرار بذلك (وعلى هذا أكثر المسلمين بل ادّعى بعضهم إجماعهم على ذلك) والتصديق بإمامة الأئمّة الإثنى عشر وبإمام الزمان (عليه السلام) (وهذا عند الإمامية) (2) .

والأحاديث المباركة توضّح حقيقة الإيمان بأتمّ بيان فلاحظ ما يلي :

1 ـ حديث محمّد بن مسلم ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال : « الإيمان إقرار وعمل ، والإسلام إقرار بلا عمل » (3) .

2 ـ جميل بن درّاج قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ قَالَتِ الاَْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِْيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ؟ (4) .

فقال لي : « ألا ترى أنّ الإيمان غير الإسلام » (5) .

3 ـ سفيان بن السمط قال : سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) عن الإسلام

(1) مجمع البحرين : مادّة ص56 .

(2) بحار الأنوار : ج69 ص149 .

(3) الكافي : ج2 ص24 ح2 .

(4) سورة الحجرات : الآية 14 .

(5) الكافي : ج2 ص24 ح3 .


98

والإيمان . ما الفرق بينهما ؟ فلم يجبه ، ثمّ سأله فلم يجبه ، ثمّ التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل .

فقال له أبو عبدالله (عليه السلام) : كأنّه قد أزف منك رحيل ؟

فقال : نعم .

فقال : فألقني في البيت ، فلقيه فسأله عن الإسلام والإيمان ما الفرق بينهما ؟

فقال : الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس : شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصيام شهر رمضان ، فهذا الإسلام .

وقال : الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا ، فإن أقرّ بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلماً وكان ضالا » (1) .

4 ـ سماعة قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان ؟

فقال : إنّ الإيمان يشارك الإسلام ، والإسلام لا يشارك الإيمان .

فقلت : فصفهما لي .

فقال : « الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله (صلى الله عليه وآله) ، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس .

والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من

(1) الكافي : ج2 ص24 ح4 .


99

العمل به ، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة ، إنّ الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر ، والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن وإن إجتمعا في القول والصفة » (1) .

5 ـ أبو الصباح الكناني ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) : من شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مؤمناً ؟

قال : فأين فرائض الله ؟

قال : وسمعته يقول : كان علي (عليه السلام) يقول : « لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام » (2) .

6 ـ أبو الصلت الخراساني قال : سألت الرضا (عليه السلام) عن الإيمان ؟

فقال : الإيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان وعمل بالجوارح ، لا يكون الإيمان إلاّ هكذا » (3) .

7 ـ حفص الكناسي قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً ؟

قال : « يشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، ويقرّ بالطاعة ويعرف إمام زمانه ، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن » (4) .

8 ـ أبو الربيع قال : قلت : ما أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان ؟

(1) الكافي : ج2 ص25 ح1 .

(2) الكافي : ج2 ص33 ح2 .

(3) معاني الأخبار : ص186 ح2 .

(4) معاني الأخبار : ص393 ح41 .


100

قال : « الرأي يراه مخالفاً للحقّ فيقيم عليه » (1) .

والمستفاد من مجموع هذه الأحاديث الشريفة أنّ المعنى الشرعي للإيمان هو : التصديق بالله وحده لا شريك له وبصفاته ، وبالنبوّة ، وبكلّ ما جاء به النبي ومنها الإمامة للأئمّة الإثنى عشر إلى إمام الزمان (عليهم السلام) ، والمعاد ، والإقرار بذلك كلّه ، وعقد القلب عليه ، والتلفّظ به لساناً ، والعمل به جوارحاً .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم الطرق إلى الإيمان ، والإيمان لا يعرف إلاّ منهم ، ولا يحصل بدون ولايتهم .

فهم خلفاء الله وأبوابه والطريق إليه كما نصّت عليه الأخبار الواردة مثل :

حديث داود بن كثير أبي خالد الرقي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : قال الله عزّوجلّ :

« ... ألا وقد جعلت علياً علماً للناس ، فمن تبعه كان هادياً ومن تركه كان ضالاّ ، لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق » (2) .

وحديث جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « التاركون ولاية علي المنكرون لفضله المظاهرون أعداءه خارجون عن الإسلام ، من مات منهم على ذلك » (3) .

وحديث الجعفري قال : سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول :

(1) معاني الأخبار : ص393 ح42 .

(2) بحار الأنوار : ج39 ب87 ص253 ح22 .

(3) بحار الأنوار : ج39 ب87 ص302 ح116 .


101

« الأئمّة خلفاء الله عزّوجلّ في أرضه » (1) .

وحديث أبي بصير قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) :

« الأوصياء هم أبواب الله عزّوجلّ التي يؤتى منها ، ولولاهم ما عُرف الله عزّوجلّ وبهم احتجّ الله تبارك وتعالى على خلقه » (2) .

فمعرفة أهل البيت محصّل للإيمان ومحقّق له كما تقدّم في حديث سفيان ابن السمط (3) .

بل أنّهم ملاك الإيمان ومداره ، فمن قبلهم كان مؤمناً ومن جحدهم كان كافراً ، كما يستفاد من مثل حديث داود الرقي وجابر المتقدّمين .

هذا وقد عرفت من أحاديث الإيمان أنّ الإيمان إقرار وعمل كما صرّح به في حديث محمّد بن مسلم المتقدّم (4) .

ومن الواضح أنّ الإقرار بالشيء هو الإعتراف به ، والإعتراف إنّما يتحقّق باللسان ، فيلزم في الإيمان الإقرار باللسان مضافاً إلى الإذعان بالجَنان حتّى يحصل الإيمان ، كما صرّح به العلماء ، المحدّثون منهم والاُصوليون .

بل هو صريح الأحاديث المرويّة عن رسول الله والأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) ممّا تلاحظها في كتاب حقّ اليقين (5) . وقد عرفت في حديث أبي الصلت

(1) الكافي : ج1 ص193 ح1 .

(2) الكافي : ج1 ص193 ح2 .

(3) الكافي : ج2 ص24 ح4 .

(4) الكافي : ج2 ص24 ح2 .

(5) حقّ اليقين : ج2 ص227 .


102

المتقدّم (1) : أن الإيمان يحتاج إلى لفظ باللسان .

فيستفاد لزوم الشهادة لفظاً لتحصيل مقوّم الإيمان إقراراً ، فيشهد بالتوحيد والرسالة والإمامة التي يلزم معرفتها لتحقّق الإيمان .

فالشهادة الثالثة ومنها شهادة الأذان تكون من محقّقات ومقوّمات الإيمان ، وتلزم بلزومه ، وهي من شعائره وعلاماته .

مضافاً إلى الأمر بها في الأحاديث التي حكيت عن شيخ الطائفة في المبسوط ، والمحقّق في المعتبر ، والعلاّمة في المنتهى ، والشهيد الأوّل في الدروس ، وهي وإن كانت مرسلة ومرميّة بالشذوذ إلاّ أنّها تكفي في الإستحباب بضميمة التسامح في أدلّة السنن لأحاديث من بلغ .

مضافاً إلى عموم حديث الإحتجاج عن القاسم بن معاوية ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) الذي جاء فيه : « فإذا قال أحدكم : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، فليقل : علي أمير المؤمنين » (2) .

مضافاً إلى إحراز مطلوبية الشهادة الثالثة بعد الشهادة بالرسالة في الشرع المقدّس . كما تستفاد هذه المطلوبية من صدر حديث الإحتجاج المتقدّم الذي بيِّن كتابة هذه الشهادة على العرش والكرسي واللوح وجبهة إسرافيل وجناحي جبرائيل وأبواب الجنّة والشمس والقمر .

ومن حديث أصبغ بن نباتة (3) الذي بيّن نداء ملك تحت العرش وقت

(1) معاني الأخبار : ص186 ح2 .

(2) إحتجاج الطبرسي : ج1 ص231 .

(3) الإحتجاج : ج1 ص338 .


103

كلّ صلاة بعد الشهادة بالرسالة : أنّ عليّاً خير الوصيّين .

ومن حديث سنان بن طريف أنّه لمّا خلق الله السماوات والأرض أمر منادياً فنادى بعد الشهادة بالتوحيد والرسالة : أنّ علياً أمير المؤمنين حقّاً (1) .

مضافاً إلى حديث المعراج في أذان جبرائيل وأخذ الإقرار بعد ذلك بالشهادة بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) .

مضافاً إلى ما ورد في أحاديث الفريقين أنّ ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام)عبادة (3) فهي من سنخ الأذان فضلا عن عدم منافاتها له .

بل ورد من طريق المخالفين في حديث « السُلافة في أمر الخلافة » تقرير رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأذان سلمان الفارسي وأبي ذرّ الغفاري بالشهادة الثالثة في الأذان في فصوله (4) .

هذا بالإضافة إلى أنّ الشهادة الثالثة في الأذان في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان ورمز التشيّع ، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً ، بل قد يكون واجباً لكن لا بعنوان الجزئية كما في المستمسك (5) .

ويؤيّدنا في الرجحان والإستحباب فتوى مائة عالم من العلماء بذلك ‌

(1) الأمالي ، للشيخ الصدوق : المجلس 88 ح4 .

(2) بحار الأنوار : ج37 ص338 ب54 ح82 .

(3) عن عائشة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ذكر علي عبادة ... » ، غاية المرام : ص926 ح12 و14 .

(4) سياسة الحسين (عليه السلام) : ج2 ص109 .

(5) مستمسك العروة الوثقى : ج5 ص505 .


104

وَاُمَناءَ الرَّحْمنِ (1) ممّا تلاحظها في كتاب الشهادة الثالثة (1) .

وبهذا يتّضح جليّاً عدم صحّة رمي هذه الشهادة المباركة بالبدعة ، فقد تبيّن أنّها سنّة وليست ببدعة .

قال السيّد شرف الدين (قدس سره) : وقد أخطأ وشذّ من حرّم ذلك ، وقال بأنّه بدعة فإنّ كلّ مؤذّن في الإسلام يقدّم كلمة للأذان يوصلها به كقوله : ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً (2) الآية ، أو نحوها ، ويلحق به كلمة يوصله بها كقوله : (الصلاة والسلام عليك يارسول الله) أو نحوها . وهذا ليس من المأثور عن الشارع في الأذان ، وليس ببدعة ، ولا هو محرّم قطعاً ، لأنّ المؤذّنين كلّهم لا يرونه من فصول الأذان ، وإنّما يأتون به عملا بأدلّة عامّة تشمله .

وكذلك الشهادة لعلي بعد الشهادتين في الأذان فإنّما هي عمل بأدلّة عامّة تشملها .

على أنّ الكلام القليل من سائر كلام الآدميين لا يبطل به الأذان ولا الإقامة ولا هو حرام في أثنائهما ، فمن أين جاءت البدعة والحرام (3) ؟

(1) ـ اُمناء جمع أمين من الأمانة ضدّ الخيانة ، والأمانة في كلّ شيء عدم الخيانة فيه ، والأمين هو المؤتمن على الشيء الذي لا يخون فيه ; ومنه محمّد أمين الله أي ائتمنه الله تعالى ، ومحمّد الأمين أي الذي ائتمنه الناس ولم يخنهم في

(1) كتاب الشهادة الثالثة ، للسيّد المقرّم (قدس سره) .

(2) سورة الإسراء : الآية 111 .

(3) النصّ والإجتهاد : ص114 .


105

الأمانة (1) .

والرحمن هو الواسع رحمته لجميع العالم وفي عموم رزقه وإنعامه (2) .

وأهل البيت سلام الله عليهم اُمناء الله في أرضه ، والمؤتمنون منه على أمره وشهوده الاُمناء وسفراؤه النجباء في عباده .

ويدلّ عليه الزيارة المطلقة الثانية لأمير المؤمنين (عليه السلام) المروية عن الإمام السجّاد (عليه السلام) والموجودة في كتب المزار المعتبرة وقد جاء في أوّلها : « السلام عليك ياأمين الله » (3) .

وكذلك الزيارة السادسة التي رواها صفوان ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) التي ورد فيها : « قصدتك يامولاي ياأمين الله وحجّته ... » (4) .

والأئمّة الطاهرون سلام الله عليهم اُمناء الله تعالى بجميع معنى الكلمة كجدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي جاء في التسليم عليه بالأمانة فيما رواه الشيخ المفيد والشهيد الأوّل والسيّد ابن طاووس في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) الاُولى : « السلام من الله على محمّد رسول الله ، أمين الله على وحيه ورسالاته وعزائم

(1) لاحظ مجمع البحرين : مادّة أمن ص547 .

(2) توحيد الصدوق : ص203 .

(3) وقد عدّها العلاّمة المجلسي في الزيارات الجامعة ، وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) « أنّه ما قالها أحد من شيعتنا عند قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) ، أو أحد من الأئمّة (عليهم السلام) إلاّ رفع دعاؤه في درج من نور ، وطبع عليه بخاتم محمّد (صلى الله عليه وآله) حتّى يُسلّم إلى القائم (عليه السلام) ، فيلقى صاحبه بالبشرى والتحيّة والكرامة » كما في بحار الأنوار : ج102 ص176 .

(4) بحار الأنوار : ج100 ص306 ب4 ح23 .


106

أمره » (1) .

فإنّهم (عليهم السلام) مشتركون مع الرسول الأكرم في جميع الخصائص إلاّ النبوّة والنساء كما تلاحظه في حديث محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « الأئمّة بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ أنّهم ليسوا بأنبياء ، ولا يحلّ لهم من النساء ما يحلّ للنبي (صلى الله عليه وآله) ، فأمّا ما خلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) » (2) .

وكيف لا يكونون اُمناء وقد عصمهم الله من كلّ زلّة ، وليس بينهم وبين كتاب الله فرقة .

وفي حديث سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « إنّ الله تبارك وتعالى طهّرنا وعصمنا ، وجعلنا شهداء على خلقه ، وحجّته في أرضه ، وجعلنا مع القرآن ، وجعل القرآن معنا ، لا نفارقه ولا يفارقنا » (3) .

ونبّه في الشموس الطالعة على أنّ في إضافة اُمناء إلى الرحمن إشارةً إلى أنّهم لا تنحصر صفاتهم ـ ومنها أمانتهم ـ بالمؤمنين خاصّة ، بل تعمّ جميع الخلائق ، كما أنّ الرحمة الرحمانية الإلهية تعمّهم كافّة .

فهم (عليهم السلام) مظاهر الرحمة التي وسعت كلّ شيء ولذلك عرضت ولايتهم التي هي من الرحمة على جميع الخليقة أيضاً كما صرّحت بذلك رواية جامع البزنطي عن سليمان بن خالد قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول :

« ما من شيء ولا من آدمي ولا إنسي ولا جنّي ، ولا ملك في السماوات

(1) بحار الأنوار : ج100 ص284 ب4 ح18 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص50 ب18 ح2 .

(3) الكافي : ج1 ص191 ح5 .


107

وَسُلالَةَ النَّبِيِّينَ (1) إلاّ ونحن الحجج عليهم ، وما خلق الله خلقاً إلاّ وقد عرض ولايتنا عليه ، واحتجّ بنا عليه ، فمؤمن بنا وكافر وجاحد حتّى السماوات والأرض والجبال ... » (1) .

(1) ـ السَلّ : انتزاع الشيء وإخراجه برفق ، يقال : سللت السيف من الغمد أي إنتزعته وأخرجته منه ، ومنه اُخذت السُلالة بضمّ السين كما في كتب اللغويين .

وقد فسّرت لغةً بمعنى الولد ، فيطلق على الذكر سليل وعلى الاُنثى سليلة كما عن الأخفش (2) .

وفسّرها الشيخ الطريحي بمعنى الخلاصة من الشيء (3) .

فسلالة النبيين أولادهم ، والخلاصة المأخوذة منهم .

وهذه صفة أهل البيت صلوات الله عليهم ، فإنّهم الذرّية المصطفاة ، والسلالة المنتقاة ، من أنبياء الله الكرام ، ورسله العظام : آدم وشيث وإدريس ونوح وهود وإبراهيم وإسماعيل (عليهم السلام) وسيّدهم الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله) .

فآل محمّد صلوات الله عليهم هم صفوة الصفوة من البيت الهاشمي والسلالة الطاهرة من البيت النبوي .

وقد فسّر بهم (عليهم السلام) قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (4) .

وقد وردت به أحاديث متظافرة من الطريقين الخاصّة والعامّة تلاحظها

(1) مستطرفات السرائر : ج3 ص575 ، الشموس الطالعة : ص144 .

(2) لسان العرب : ج11 ص239 .

(3) مجمع البحرين : مادّة سلل ص479 .

(4) سورة آل عمران : الآية 33 ـ 34 .


108

في غاية المرام وتفسير البرهان وتفسير الصافي (1) .

فهم بحقّ ، سلالة الأنبياء وذرّية الأزكياء من الشامخين أصلاباً ، ومن الطاهرات أرحاماً ، كما تلاحظ نسبهم السامي المنبثق من رسول الله أبي القاسم محمّد بن عبدالله بن عبدالمطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (2) ... سلام الله عليهم أجمعين (3) .

فهم خاصّة ذرّية النبوّة في القرآن العظيم ، وليس لأحد من أعاديهم هذا النسب الكريم .

ولقد كذب من ادّعى أنّ بني اُميّة من بني عبد مناف ، إذ هم الشجرة الملعونة في الكتاب (4) ، وهم من أخسّ الأحساب والأنساب ، بل لم يكونوا من العرب أو من أهل الحسب والنسب .

فإنّ جدّهم اُميّة كان غلاماً روميّاً تبنّاه عبد شمس بن عبد مناف ، فصار لصيقاً به لا إبناً له ، وهذا ظاهر لا خفاء فيه ; لذلك لم يستطع معاوية إنكار ما كتبه إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه : « ليس المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كاللصيق » (5) .

(1) غاية المرام : ص318 ، تفسير البرهان : ج1 ص171 ، تفسير الصافي : ج1 ص328 .

(2) بحار الأنوار : ج15 ص110 .

(3) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص233 .

(4) سورة الإسراء : الآية 60 .

(5) بحار الأنوار : ج33 ص107 .


109

وَصَفْوَةَ الْمُرْسَلِينَ (1) خصوصاً وإنّ اُمّ معاوية كانت هند بنت عتبة التي حملت بمعاوية من أربعة أشخاص لم يكن منهم أبو سفيان حتّى ينسب إليه .

فقد صرّح الزمخشري بأنّه منسوب إلى أربعة لم يكن أبو سفيان مشتركاً معهم (1) .

وكانت جدّة معاوية حمامة بغيّة من ذوات الرايات في ذي المجاز (2) .

هذا أصل بني اُميّة اُمّاً وأباً ، فأي وصلة بينهم وبين بني عبد مناف نسباً أو حسباً ؟!

(1) ـ الصفوة بتثليث الصاد من صفو الشيء : خالصه وخياره وأحسنه (3) .

وفسّرت بمعنى النقاوة أيضاً (4) .

والمرسلين جمع المرسل ، وهو الرسول مطلقاً من الإنس والملك .

إذ المرسل بمعنى الموجّه إلى الأمر المبعوث له كالأنبياء ، بل وحتّى بعض الملائكة بدليل قوله تعالى : ﴿ اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلا (5) (6) .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم الأفضل والأحسن من المرسلين أجمعين ، ما عدا جدّهم خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) .

(1) ربيع الأبرار : ج4 ص275 الباب68 الرقم99 .

(2) الزام النواصب : ص166 .

(3) مجمع البحرين : ص54 مادّة .

(4) لسان العرب : ج14 ص462 .

(5) سورة الحجّ : الآية 75 .

(6) مرآة الأنوار : ص110 .


110

وهم الخلاصة التي إختارها الله من رسله ، اُولئك الرسل الذين كانوا هم المصطفون من الحقّ .

وقد دلّت على ذلك آية الإصطفاء في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (1) وتلاحظ تفسير آل إبراهيم بآل محمّد (صلى الله عليه وآله) في أحاديثه (2) . مثل :

حديث حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : ﴿ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ قال : « نحن منهم ونحن بقيّة تلك العترة » (3) .

وقد تمثّلت فيهم صفات الأنبياء وسنن المرسلين اُولئك الأنبياء والرسل الذين كانوا بأنفسهم القدوة العليا للصفات الفاضلة ، والمحاسن الكاملة .

كما تلاحظه في مثل :

حديث فضيل ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « كانت في علي سنّة الف نبي » (4) .

وحديث أبي ذرّ الغفاري قال : بينما ذات يوم من الأيّام بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ قام وركع وسجد شكراً لله تعالى ، ثمّ قال :

« ياجندب من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في خلّته ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى عيسى في سياحته ، وإلى

(1) سورة آل عمران : الآية 33 .

(2) تفسير كنز الدقائق : ج3 ص71 ـ 72 .

(3) تفسير كنز الدقائق : ج3 ص71 .

(4) بحار الأنوار : ج39 ص38 ب73 ح8 .


111

أيّوب في صبره وبلائه ، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل الذي هو كالشمس والقمر الساري ، والكوكب الدرّي ، أشجع الناس قلباً وأسخى الناس كفّاً ، فعلى مبغضه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » ، قال : فالتفت الناس ينظرون مَن هذا المقبل ، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام (1) .

ولذلك لم يبعث الله تعالى نبيّاً إلاّ بمعرفة حقّهم ، وتفضيلهم على مَن سواهم كما في حديث عبدالأعلى قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول :

« ما من نبي جاء قط إلاّ بمعرفة حقّنا وتفضيلنا على مَن سوانا » (2) .

بل أخذ من الأنبياء الميثاق بالشهادة بذلك كما في حديث أبي الصباح الكناني ، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال :

أتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو في مسجد الكوفة قد احتبى بسيفه قال : ياأمير المؤمنين إنّ في القرآن آية قد أفسدت قلبي وشكّكتني في ديني .

قال له (عليه السلام) : وما هي ؟

قال : قوله عزّوجلّ : ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا (3) هل كان في ذلك الزمان غيره نبيّاً يسأله ؟

فقال له علي صلوات الله عليه : اجلس اُخبرك إن شاء الله .

إنّ الله عزّوجلّ يقول في كتابه : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ

(1) بحار الأنوار : ج39 ص38 ب73 ح9 .

(2) الكافي : ج1 ص437 ح4 .

(3) سورة الزخرف : الآية 45 .


112

الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا (1) .

فكان من آيات الله عزّوجلّ التي أراها محمّداً (صلى الله عليه وآله) أنّه أتاه جبرئيل (عليه السلام)فاحتمله من مكّة ، فوافى به بيت المقدّس في ساعة من الليل .

ثمّ أتاه بالبراق فرفعه إلى السماء ، ثمّ إلى البيت المعمور ، فتوضّأ جبرئيل وتوضّأ النبي (صلى الله عليه وآله) كوضوئه ، وأذّن جبرئيل وأقام مثنى مثنى ، وقال للنبي (صلى الله عليه وآله) : تقدّم فصلّ واجهر بصلاتك ، فإنّ خلفك اُفقاً من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله ، وفي الصفّ الأوّل أبوك آدم ونوح وهود وإبراهيم وموسى وكلّ نبي أرسله الله مذ خلق السماوات والأرض إلى أن بعثك يامحمّد .

فتقدّم النبي (صلى الله عليه وآله) فصلّى بهم غير هائب ولا محتشم ركعتين ، فلمّا إنصرف من صلاته أوحى الله إليه : ﴿ اسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا الآية .

فالتفت إليهم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال : بم تشهدون ؟

قالوا : نشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنّ عليّاً أمير المؤمنين ووصيّك ، وكلّ نبي مات خلّف وصيّاً من عصبته غير هذا ـ وأشار إلى عيسى بن مريم ـ فإنّه لا عصبة له ، وكان وصيّه شمعون الصفا بن حمّون بن عمامة .

ونشهد أنّك رسول الله سيّد النبيّين ، وأنّ علي بن أبي طالب سيّد الوصيين ، اُخذت على ذلك مواثيقنا لكما بالشهادة .

(1) سورة الإسراء : الآية 1 .


113

فقال الرجل : أحييت قلبي وفرّجت عنّي ياأمير المؤمنين (1) .

وما تكاملت النبوّة لنبي في الأظلّة حتّى عرضت عليه ولاية محمّد وآل محمّد ، فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم ، كما في حديث حذيفة بن أسد الغفاري قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« ما تكاملت النبوّة لنبي في الأظلّة حتّى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي ومُثّلوا له ، فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم » (2) .

واعلم أنّ في نسخة الزيارة (3) بعد قوله هذا ، زيادة قوله : « وآل يس » ويس هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآل محمّد آل يس (عليهم السلام) .

وقد خصّهم الله بالسلام في سورة الصافات (4) التي سُلّم فيها على الأنبياء دون آلهم ، إلاّ آل يس كما تلاحظه في أحاديثنا المروية عن أئمّتنا الطاهرين سلام الله عليهم مثل حديث سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال :

« إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إسمه ياسين ، ونحن الذين قال الله : ﴿ سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ » (5) .

وفي المجمع (6) قال ابن عبّاس : آل يس آل محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وهو قراءة ابن

(1) بحار الأنوار : ج26 ص285 ح45 .

(2) المعالم الزلفى : ص303 ب26 ح6 .

(3) في البلد الأمين ، ومستدرك الوسائل .

(4) سورة الصافات : الآية 130 .

(5) بحار الأنوار : ج23 ص168 ب8 ح2 .

(6) مجمع البيان : ج8 ص456 و457 .


114

وَعِتْرَةَ خِيَرَةِ رَبِّ الْعالَمِينَ (1) عامر ونافع ورويس عن يعقوب .

(1) ـ عترة الرجل : نسله ورهطه وعشيرته الأقربون .

وجاء أيضاً بمعنى ذرّية الرجل من صلبه ، وجاء في اللغة أيضاً لمعان اُخرى فقد حكي عن ابن الأعرابي مجيئه بمعنى قطع المسك الكبار في النافجة ، وبمعنى الريقة العذبة ، وبمعنى الشجرة ، أو الشجرة المقطوعة التي تنبت من اُصولها .

وعترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم آل محمّد صلوات الله عليهم كما جاء التصريح بذلك في حديث الريّان بن الصلت قال :

حضر الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون بمرو ، وقد إجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان .

فقال المأمون : مَن العترة الطاهرة ؟

فقال الرضا (عليه السلام) : الذين وصفهم الله في كتابه ، فقال جلّ وعزّ : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) وهم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّي مخلّف فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، أيّها الناس لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم » .

قالت العلماء : أخبرنا ياأبا الحسن عن العترة ، أهم الآل أم غير الآل ؟

(1) سورة الأحزاب : الآية 33 .


115

فقال الرضا (عليه السلام) : هم الآل ... (1) .

قال الشيخ الصدوق (قدس سره) : (العترة علي بن أبي طالب وذرّيته من فاطمة وسلالة النبي (عليهم السلام) ، وهم الذين نصّ الله تبارك وتعالى عليهم بالإمامة على لسان نبيّه (صلى الله عليه وآله) ، وهم إثنى عشر أوّلهم علي وآخرهم القائم (عليهم السلام) ، على جميع ما ذهبت إليه العرب من معنى العترة ...) (2) .

والخِيَرة بكسر الخاء وفتحها ، معناها المختار ، أي رسول الله الذي هو خيرة ربّ العالمين ، إختاره الله تعالى الذي هو المنشىء للخلق ، والمربّي لهم ، والمصلح لشأنهم والعالم بخيرهم .

قال في المجمع : (محمّد خيرتك من خلقك) أي المختار المنتجب (3) .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم عترة خيرة ربّ العالمين أي أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما أوضحه وبيّنه وخصّها بهم هو صلوات الله عليه وآله في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين في قوله : « وعترتي أهل بيتي » كما لاحظته في الحديث الرضوي المتقدّم (4) .

فلا يبقى أدنى ريب ، ولا أقلّ شبهة في أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم عترة الرسول دون غيرهم ، وإن ادّعاها الغير كذباً .

فقول أبي بكر في السقيفة : (نحن عترة رسول الله) يردّه ما يلي :

(1) بحار الأنوار : ج25 ص220 ب6 ح20 .

(2) معاني الأخبار : ص92 .

(3) مجمع البحرين : مادّة خَيَر ص258 .

(4) وتلاحظ مصادر الحديث في إحقاق الحقّ : ج9 ص309 ، وغاية المرام : ص211 .


116

وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ (1). أوّلا : أنّه من بني تيم بن مرّة وليس من بني هاشم ، فكيف بنسل النبي وعشيرته الأقربين حتّى يكون من عترته ، كما هو واضح .

ثانياً : أنّه لو كانت دعواه صحيحة لكانت قريش كلّها عترة واحدة ، بل كانوا بنو مُعد بن عدنان عترة واحدة ، بل كان جميع ولد آدم عترة واحدة ، وهذا واضح الفساد (1) .

ثالثاً : أنّه يشهد بعدم كونه من العترة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ردّه حينما أمره بتبليغ سورة البراءة ، فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام) بأنّه لا يبلّغها إلاّ هو أو رجل منه . فأنفذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) وقال : « علي منّي ولا يؤدّي عنّي إلاّ علي » (2) .

ففعل الرسول يشهد على أنّ أبا بكر ليس من عترته ، بل ليس منه ، فالعترة خاصّة بأهل بيته .

(1) ـ الرحمة والبركات معطوفتان على السلام الذي تقدّم في أوّل الزيارة الشريفة في قوله (عليه السلام) : « السلام عليكم ياأهل بيت النبوّة » .

والرحمة إمّا بيان للسلام ، أو أنّ السلام لرفع المكاره ، والرحمة لجلب الفضائل .

كما وأنّ البركة التي هي الخير والكرم تشمل البركات الدنيوية

(1) تلخيص الشافي ، لشيخ الطائفة : ج2 ص242 .

(2) بحار الأنوار : ج21 ص275 ب31 ح10 بطرق الخاصّة ونقله في التلخيص : ج2 ص223 في الهامش عن البخاري والترمذي والطبري والسيوطي والشوكاني والمتّقي وابن كثير والخوارزمي والزرقاني والكنجي وابن حجر وغيرهم .


117

والاُخروية (1) .

هذا تمام بيان السلام الأوّل من السلامات الخمسة التي إشتملت عليها هذه الزيارة الشريفة .

(1) روضة المتّقين : ج5 ص461 .


118

الفصل الثاني
السَّلامُ عَلى اَئِمَّةِ الْهُدى (1) (1) ـ مضى بيان معنى السلام على ثلاثة وجوه ... وأنسبيّة المعنى الأخير منها بأن يراد من السلام إسم الله تعالى ، وخاصّية السلامة والرحمة .

فيكون حاصل المعنى من هذه الفقرة أنّ رحمة الله وسلامته على أئمّة الهدى سلام الله عليهم .

والأئمّة جمع إمام وهو المقتدى ، قال تعالى : ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً (1) أي يأتمّ بك الناس فيتّبعونك ويأخذون عنك ، لأنّ الناس يؤمّون أفعاله ، أي يقصدونها فيتّبعونها (2) .

والهدى هي الهداية والإرشاد ، والدلالة والبيان .

قال الكازراني : (خلاصة معنى الهداية في الإستعمال الشرعي ، الدلالة إلى الحقّ ، والدعاء إليه ، وإراءة طريقه ، والإرشاد إليه ، والأمر به) (3) .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم أئمّة الهدى بمعنى إنّ الهدى يلازمهم ويتبعهم ، فهم

(1) سورة البقرة : الآية 124 .

(2) مجمع البحرين : مادّة أمَمَ ص503 .

(3) مرآة الأنوار : ص227 .


119

أئمّته ، أو بمعنى أنّهم أئمّة الناس في الهداية كما أفاده شيخنا المجلسي (قدس سره) (1) .

فهم الهداة ورثة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي قال فيه ربّه سبحانه : ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (2) .

وهم عدل القرآن الكريم الذي وصفه الله عزّ إسمه بقوله : ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (3) .

وقد جعلهم الله أعلام الهداية في قوله جلّ جلاله : ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد (4) .

كما تلاحظ ذلك في تفسير هذه الآية في مثل :

حديث بريد العجلي ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال :

« رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنذر ، ولكلّ زمان منّا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله (صلى الله عليه وآله) ثمّ الهداة من بعده عليٌّ ثمّ الأوصياء واحدٌ بعد واحد » (5) .

وجاء ذلك في أحاديث الخاصّة والعامّة (6) .

فمن أتاهم اهتدى ، ومن تركهم سلك طريق الردى ، كما في حديث

(1) بحار الأنوار : ج102 ص135 .

(2) سورة الشورى : الآية 52 .

(3) سورة الإسراء : الآية 9 .

(4) سورة الرعد : الآية 7 .

(5) الكافي : ج1 ص191 ح2 .

(6) إحقاق الحقّ : ج4 ص300 .


120

وَمَصابِيحِ الدُّجى (1) عبدالرحمن بن أبي ليلى من طرقنا (1) .

ومن اقتدى بهم هُدي إلى صراط مستقيم ، ولم يهب الله محبّتهم لعبد إلاّ أدخله الله الجنّة ، كما في حديث جابر من طرق العامّة (2) .

(1) ـ مصابيح جمع مصباح ـ وهو في اللغة بمعنى السراج الثاقب المضيء ، ويكنّى به عن كل ما يهتدى به .

والدُجى جمع الدُجْيَة بضمّ الدال أي الظلمة ، يقال : ليل دَجِيّ وليل داج أي مظلم .

والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) مصابيح الدجى ، وسُرُج الهداية في الدنيا ، وهادون للخلق من ظلمة الشرك والكفر ، والضلالة والجهل ، إلى نور الإيمان والطاعة والمعرفة والعلم .

بل هم المثل الأعلى لمصباح الهدى ، ووسائل النجاة في جميع الظلمات كما تلاحظ ذلك في حديث عبدالعزيز بن مسلم ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال فيه :

« الإمام كالشمس الطالعة المجلِّلة بنورها للعالَم وهي في الاُفق ، بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار ، الإمام البدرُ المنير ، والسراج الزاهر ، والنور الساطع ، والنجم الهادي في غياهب الدجى » (3) .

وقد تقدّم في حديث بريد العجلي أنّهم الهادون في قوله تعالى : ﴿ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد .

(1) الكافي : ج1 ص181 ح6 .

(2) ينابيع المودّة : ص62 ، عنه إحقاق الحقّ : ج4 ص59 .

(3) الكافي : ج1 ص200 ح1 .


121
وأفاد في الشموس الطالعة كأنّ قوله (عليه السلام) في الزيارة الشريفة : « ومصابيح الدجى » إشارة إلى قوله تعالى في الكتاب الكريم : ﴿ اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَة مُّبَارَكَة زَيْتُونَة لاَّ شَرْقِيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الاَْمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ (1) (2) .

فقد فسّرت بأهل بيت العصمة سلام الله عليهم كما تلاحظ ذلك في مثل :

حديث صالح بن سهل الهمداني قال :

قال أبو عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ : ﴿ اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة (3) ، فاطمة (عليها السلام) .

﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ : الحسن (عليه السلام) .

﴿ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة : الحسين (عليه السلام) .

﴿ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ : فاطمة كوكب درّي بين نساء أهل الدنيا .

﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَة مُّبَارَكَة : إبراهيم (عليه السلام) .

﴿ زَيْتُونَة لاَّ شَرْقِيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة : لا يهوديّة ، ولا نصرانيّة .

﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ : يكاد العلم ينفجر بها . ﴿ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ .

﴿ نُورٌ عَلَى نُور : إمام منها بعد إمام .

(1) سورة النور : الآية 35 .

(2) الشموس الطالعة : ص157 .

(3) سورة النور : الآية 35 .


122

وَاَعْلامِ التُّقى (1) ﴿ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ : يهدي الله للأئمّة (عليهم السلام) من يشاء . ﴿ وَيَضْرِبُ اللهُ الاَْمْثَالَ لِلنَّاسِ (1) .

وقد جاء هذا التفسير من العامّة أيضاً كابن المغازلي في المناقب والحضرمي في رشفة الصادي (2) وذكر مفصّلا أحاديث التفسير في المجامع (3) .

فأهل البيت سلام الله عليهم مصابيح الهداية في السماوات والأرضين ، والسرج المنيرة في غياهب الظلمات ، وكلّهم سفن النجاة .

وفي حديث عباية ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « مَثَلُ أهل بيتي مَثَل النجوم ، كلّما أَفَل نجمٌ طلع نجم آخر » (4) .

(1) ـ أعلام : جمع عَلَم بفتحتين مثل أسباب جمع سَبَب ، معناه العَلامة .

ويطلق على الجبل الذي يُعلم به الطريق ، والمنار المرتفع الذي يوقد في أعلاه النار ليهتدي به الضالّ ، والراية التي يعرف بها أهل تلك الراية وتكون علامةً لهم .

والتُّقى مصدر إتّقى يتّقي ، وتقى يتّقي ، تُقىً وتِقاء ، معناه التقوى .

والتقوى على وزن نجوى إسم من الإتّقاء ، وهي لغةً بمعنى التحذّر (5) .

وجاء في الكتاب العزيز بمعنى الخشية والهيبة ، ومنه قوله تعالى :

(1) تفسير كنز الدقائق : ج9 ص308 .

(2) مناقب علي بن أبي طالب : ص316 ، رشفة الصادي : ص29 من الطبعة المصرية .

(3) بحار الأنوار : ج16 ص355 ب11 ح42 وما بعده .

(4) بحار الأنوار : ج24 ب20 ص82 ح32 .

(5) لسان العرب : ج15 ص402 .


123

﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (1) .

وبمعنى الطاعة والعبادة ، ومنه قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (2) .

وبمعنى تنزيه القلوب عن الذنوب ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (3) (4) .

وقال العلاّمة المجلسي : (التقوى من الوقاية ، وهي في اللغة فرط الصيانة ، وفي العرف صيانة النفس عمّا يضرّها في الآخرة ، وقصرها على ما ينفعها فيها ، ولها ثلاث مراتب :

1 ـ وقاية النفس عن العذاب المخلّد بتصحيح العقائد الإيمانيّة .

2 ـ التجنّب عن كلّ ما يؤثم من فعل أو ترك ، كما هو المعروف عند أهل الشرع .

3 ـ التوقّي عن كلّ ما يشغل القلب عن الحقّ ، وهذه درجة الخواصّ بل خاصّ الخاصّ (5) .

وجاء في الحديث تفسير جامع لطيف للتقوى ، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن تفسير التقوى ؟

(1) سورة البقرة : الآية 41 .

(2) سورة آل عمران : الآية 102 .

(3) سورة النور : الآية 52 .

(4) مجمع البحرين : مادّة تقا ص96 .

(5) بحار الأنوار : ج70 ص136 .


124

فقال : « أن لا يفقدك حيث أمرك ، ولا يراك حيث نهاك » (1) .

وهذا معنى يجمع المعاني العالية للتقوى ، رزقنا الله الإتّصاف بها .

وأمّا حقيقته فأبلغ كلام وأتمّ بيان في حقيقة التقوى وصفات المتّقين هي غوالي لئالي سيّدهم ومولاهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خطبته الجليلة التي صعق لها همّام ، فلاحظها في نهج البلاغة (2) ، وجاءت في اُصول الكافي باسناد ثقة الإسلام الكليني عن عبدالله بن يونس ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) (3) .

وتوصيف أهل البيت (عليهم السلام) في هذه الزيارة الشريفة بأنّهم أعلام التُّقى بمعنى أنّهم الهادون إلى التّقى كالمنار المنير .

فهم أتقى المتّقين وسادة أهل التقوى واليقين ، فلا تُعرف التقوى إلاّ منهم ، ولا تؤخذ إلاّ عنهم .

وما أكثر وصيّتهم بها ، وحثّهم عليها ، وسَوقهم الناس إليها ، فكانوا أعلام التّقى بحقٍّ وحقيقة باعتراف الأحبّاء والأعداء .

وهم العلامات التي جعلها الله تعالى للعالمين ، وهدى بها المخلوقين كما يستفاد من حديث داود الجصّاص (4) .

وقد تظافرت الأحاديث في أنّهم أعلام التقى ومناره (5) نتبرّك منها

(1) سفينة البحار : ج8 ص558 .

(2) نهج البلاغة : ج2 ص185 الخطبة 188 من الطبعة المصرية .

(3) الكافي : ج2 ص226 مع اختلاف يسير .

(4) الكافي : ج1 ص206 ح1 ـ 3 .

(5) بحار الأنوار : ج27 ص107 ب4 ح80 ، وج94 ص83 ب30 ح2 .


125

بحديث واحد طريف جاء ذلك من آخره وهو :

حديث النوفلي ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال : حدّثني العبد الصالح الكاظم موسى بن جعفر ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين ، قال : حدّثني أخي وحبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال :

« من سرّه أن يلقى الله عزّوجلّ وهو مقبل عليه غير معرض عنه فليتوالك ياعلي .

ومن سرّه أن يلقى الله عزّوجلّ وهو راض عنه فليتوال إبنك الحسن (عليه السلام) .

ومن أحبّ أن يلقى الله ولا خوف عليه فليتوال إبنك الحسين (عليه السلام) .

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّوجلّ وقد محا الله ذنوبه عنه فليوال علي بن الحسين (عليهما السلام) ، فإنّه ممّن قال الله عزّوجلّ : ﴿ سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ (1) .

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّوجلّ وهو قرير العين فليتوال محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام) .

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّوجلّ ويعطيه كتابه بيمينه فليتوال جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) .

ومن أحبّ أن يلقى الله طاهراً مطهّراً فليتوال موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) .

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّوجلّ وهو ضاحك فليتوال علي بن موسى ‌

(1) سورة الفتح : الآية 29 .


126

وَذَوِي النُّهى (1) الرضا (عليهما السلام) .

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّوجلّ وقد رفعت درجاته وبدّلت سيّئاته حسنات فليتوال محمّد بن علي الجواد (عليهما السلام) .

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّوجلّ ويحاسبه حساباً يسيراً ، ويدخله جنّات عدن عرضها السماوات والأرض اُعدّت للمتّقين فليتوال علي بن محمّد الهادي (عليهما السلام) .

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّوجلّ وهو من الفائزين فليتوال الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) .

ومن أحبّ أن يلقى الله عزّوجلّ وقد كمل إيمانه ، وحسن إسلامه فليتوال الحجّة بن الحسن المنتظر صلوات الله عليه .

هؤلاء أئمّة الهدى وأعلام التقى ، من أحبّهم وتوالاهم كنت ضامناً له على الله عزّوجلّ الجنّة » (1) .

وفي المقام بابٌ خاص في تقوى أمير المؤمنين (عليه السلام) وزهده وورعه في الآيات والروايات وكلمات الأصحاب فلاحظه في البحار (2) .

ولاحظ أيضاً الأخبار المتظافرة التي رواها العامّة في أنّ علياً ولي المتّقين وإمام المتّقين (3) .

(1) ـ ذَوي : جمع ذي بمعنى صاحب ، فذوي بمعنى أصحاب .

(1) بحار الأنوار : ج27 ص107 ب4 ح80 .

(2) بحار الأنوار : ج40 ص318 ب98 .

(3) فهرس إحقاق الحقّ : ص584 .


127

والنُّهى جمع نُهْيَه بضمّ النون بمعنى العقل ـ فإنّه يسمّى العقل بالنُهية لأنّه يَنهى عن القبائح ، أو لأنّ صاحبها ينتهي إليها عن القبائح ، أو ينتهي إلى إختياراته العقلية .

وللعقل أسماء اُخرى أيضاً وردت في اللغة أو إستعملت في المحاورة ، فمن أسمائه :

(الحَصاة ، والحَصافة ، والحِجْر ، والحِجى ، والأُربة ، والمِرّة ، والنّحيزَة ، والأدَب ، واللُّب ، والفِطنة) (1) .

فالنُّهية إذاً هذه التي جُمعت على نُهى بمعنى العقل ، فقوله (عليه السلام) : « ذوي النهى » بمعنى أصحاب العقول .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم أصحاب العقول الكاملة ، والألباب الفاخرة .

وهم الذين منحهم الله العقل الأكمل الذي يُعبد به الرحمن ، ويُكتسب به الجنان .

وهم ورثة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي اُعطي تسعة وتسعون جزءاً من العقل ، ثمّ قُسّم بين العباد جزء واحد ، كما في حديث النوفلي (2) .

وهم المعنيّون بقوله عزّ إسمه : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاِّيَات لاُِوْلِي النُّهَى) (3) كما في حديث عمّار (4) فقد فسّرت بالأئمّة من آل محمّد (عليهم السلام) ، حيث قد بلغوا

(1) لاحظ تهذيب الألفاظ : ص183 ، والألفاظ الكتابية : ص144 .

(2) بحار الأنوار : ج1 ص97 ب2 ح6 .

(3) سورة طه : الآية 128 .

(4) بحار الأنوار : ج24 ص118 ب40 ح1 .


128

وَاُولِي الْحِجى (1) وَكَهْفِ الْوَرى (2) القمّة في العقل ، وكانوا سادة العقلاء (1) .

(1) ـ اُولي : جمعٌ لا واحد له من لفظه ، ويستعمل بدل مفرده ذو بمعنى صاحب ، فاُولوا بمعنى أصحاب .

والحِجى هو العقل والفطنة كما عرفت ذلك آنفاً في أسماء العقل .

وهذه الفقرة الشريفة إمّا مرادفة لذوي النُّهى وبمعناها للتأكيد .

أو مغايرة معها بأن تكون الفقرة الاُولى لبيان عقل المعاش والاُمور الدنيوية ، والفقرة الثانية لبيان عقل المعاد والاُمور الاُخروية كما أفاده السيّد شبّر (قدس سره) (2) .

أو يكون الحجى بمعنى العقل مع الفطانة ، فيزاد معنى هذه الفقرة على الفقرة السابقة كما قد يستفاد هذا المعنى من تعابير اللغة .

(2) ـ الكهف هو الملجأ والملاذ ، ومنه قوله (عليه السلام) : « ياكهفي حين تعييني المذاهب » أي ملجئي وملاذي حين تعجزني مسالكي إلى الخلق وتردّداتي إليهم (3) ، ومنه أيضاً توصيف أمير المؤمنين في زيارته الشريفة في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك : « كنت للمؤمنين كهفاً وحصناً » (4) .

والوَرى على وزن فَتى بمعنى الخَلْق .

(1) كنز الدقائق : ج8 ص372 .

(2) الأنوار اللامعة : ص69 .

(3) مجمع البحرين : مادّة كَهَفَ ص420 .

(4) عمدة الزائر ، للسيّد حيدر : ص100 وأشار إليه وإلى اعتبار سنده المحدّث القمّي في المفاتيح في آخر باب زياراته (عليه السلام) المخصوصة .


129

وأهل البيت النبوي صلوات الله عليهم هم الملجأ والملاذ للخلائق في الدين والدنيا ، والآخرة والعقبى ، ففي حديث عبدالعزيز بن مسلم عن الإمام الرضا (عليه السلام)جاء فيه :

« الإمام الأنيس الرفيق ، والوالد الشفيق ، والأخ الشقيق ، والاُمّ البَرّة بالولد الصغير ، ومفزعُ العباد في الداهية النآد » (1) .

وقد التجأ إليهم ولاذ بهم أعاظم الخلق وأكابر المخلوقين من لدن سيّدنا آدم (عليه السلام) ، وهم الملجأ والملاذ إلى آخر العالم ، وإلى يوم القيام الأعظم .

وسيأتي في فقرة الشفاعة أحاديث التجاء الأنبياء مع اُممهم إليهم ، والتجاء الخلق إلى الرسول وآله الطاهرين سلام الله عليهم .

والشواهد عليها حيّة ، والدلائل عليها كثيرة . كما تلاحظه في الأحاديث الشريفة نظير :

حديث معمّر بن راشد قال : سمعت أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) يقول : أتى يهوديٌ النبي (صلى الله عليه وآله) فقام بين يديه يحدّ النظر إليه .

فقال : يايهودي ما حاجتك ؟

قال : أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلّمه الله وأنزل عليه التوراة والعصا وفلق له البحر وأظلّه بالغمام ؟

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) : إنّه يكره للعبد أن يزكّي نفسه ، ولكنّي أقول :

« إنّ آدم (عليه السلام) لمّا أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال : اللهمّ إنّي أسألك

(1) الكافي : ج1 ص200 ح1 .


130

بحقّ محمّد وآل محمّد لما غفرت لي ، فغفرها الله له .

وإنّ نوحاً لمّا ركب في السفينة وخاف الغرق قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لما أنجيتني من الغرق ، فنجّاه الله عنه .

وإنّ إبراهيم (عليه السلام) لمّا اُلقي في النار قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لما أنجيتني منها ، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً .

وإنّ موسى لمّا ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لما آمنتني فقال الله جلّ جلاله : ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاَْعْلَى (1) .

يايهودي إنّ موسى لو أدركني ثمّ لم يؤمن بي وبنبوّتي ما نفعه إيمانه شيئاً ، ولا نفعته النبوّة .

يايهودي ومن ذرّيتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم (عليه السلام) لنصرته فقدّمه وصلّى خلفه » (2) .

واعلم أنّه جاءت هذه الفقرة في البلد الأمين والمستدرك بصيغة : وكهوف الورى ، وجاء بعدها وبدور الدنيا .

وبدور جمع بدر وهو القمر في ليلة تمامه وكماله ، يعني ليلة أربعة عشر من الشهر .

فأهل البيت سلام الله عليهم هم البدور المضيئة التي أنارت العالم ،

(1) سورة طه : الآية 68 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص319 ب7 ح1 .


131

وَوَرَثَةِ الاَْنْبِياءِ (1) وهَدَته إلى الطريق الأقوم ، وإستمدّت نورها المتألّق وضيائها المشرق من شمس الهداية في سماء العالم ، رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

ولولاهم لهوى الناس في الظلمات وارتكسوا في الداجيات ، كما ترى ذلك في أحاديث تفسير قوله عزّ إسمه : ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحيها * وَالْقَمَرِ إِذَا تَليها (1) (2) .

فهم البدور الهادية والأقمار المنيرة ، التي إهتدت وتزيّنت بهم عالم الدنيا والآخرة والاُولى .

(1) ـ ورثة جمع وارث وهو من يبقى بعد المورِّث ويستحقّ ميراثه .

والميراث هو ما يخلّفه الرجل لورثته ، ويطلق على كلّ ما يورّث ، ومنه قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا (3) وهم الأئمّة الذين أورثهم الله كتابه (4) .

والأنبياء هم المبعوثون المعروفون 124000 نبي سلام الله عليهم .

وأهل البيت صلوات الله عليهم هم الورثة المحقّون ، والأئمّة الوارثون الذين وصل إليهم جميع مواريث الأنبياء بحقٍّ ، وكافّة مواريث سيّدهم الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله وسلّم باستحقاق .

ورثوا كتبهم وآثارهم وآيات نبوّتهم ، وتركة رسالتهم ، وكلّ علم

(1) سورة الشمس : الآية 1 ـ 2 .

(2) بحار الأنوار : ج24 ص72 ح1 ـ 7 .

(3) سورة فاطر : الآية 32 .

(4) مرآة الأنوار : ص217 .


132

وفضيلة وكمال ومنقبة كانت فيهم ، وهم الذين يرثون الأرض ومن فيها وما عليها .

قال تعالى : ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (1) فهم آل محمّد يبعث الله مهديهم ، فيعزّهم ويُذلّ أعدائهم كما في الأحاديث المتوفّرة (2) .

والمواريث التي وصلت إليهم ، وورثوها من سَلَفهم ، كما تستفاد من الأحاديث الشريفة المتظافرة في أبواب متعدّدة (3) هي كما يلي ملخّصاً :

(1) الكتب السماوية التي نزلت من عند الله عزّوجلّ على أنبيائه كصحف إبراهيم ، وتوراة موسى ، والألواح ، وزبور داود ، وانجيل عيسى ، وسائر الكتب الاُخرى ، بل كلّ ما كان عند الأنبياء .

وهم يعرفونها ويقرأونها على اختلاف لغاتها كما تلاحظه في أحاديث الكافي (4) .

بل هم ورثة اُصول العلم من جدّهم الرسول الأمين ، وكلّ علم أحصاه الله تعالى في خاتم النبيّين ، كما عرفت ذلك بتفصيل فيما تقدّم عند بيان علومهم في شرح قوله (عليه السلام) : « وخزّان العلم » .

(1) سورة القصص : الآية 5 .

(2) كنز الدقائق : ج10 ص29 .

(3) بصائر الدرجات : ص174 ، الكافي : ج1 ص231 ، بحار الأنوار : ج26 ص201 .

(4) الكافي : ج1 ص225 ح5 ـ 6 ، وص227 ح1 ـ 2 .


133

(2) الإسم الإلهي الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا جعله بين المسلمين والمشركين لم تصل المشركين إلى المسلمين نشّابة أبداً ، كما في حديث السمّان (1) .

بل اُعطوا إثنان وسبعون حرفاً من الإسم الأعظم كما تلاحظه في أحاديث اُصولنا (2) .

(3) سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) : السيف والدِّرع والمِغْفَر ، التي هي من مختصّات الأئمّة ، وتدور حيث دارت الإمامة ، محفوظة عندهم ، ولا تصل إليه أيدي غيرهم كما تلاحظه في أحاديثنا (3) .

(4) راية رسول الله العقاب ، ورايته المغلِّبة ، التي لا تنشر إلاّ ويكون معها النصر والغلبة (4) ، وسيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) المُخذم (5) ، وسيف أمير المؤمنين (عليه السلام) ذو الفقار الذي هبط به الأمين جبرئيل (عليه السلام) وقلّده رسول الله عليّاً سلام الله عليهما وآلهما (6) ، وكذا رايته السحابة (7) .

(5) الجفنة التي اُهديت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ملؤها اللحم والثريد ،

(1) الإرشاد ، للشيخ المفيد : ج2 ص187 .

(2) الكافي : ج1 ص232 الأحاديث .

(3) الكافي : ج1 ص232 الأحاديث .

(4) الغيبة للنعماني : ص307 ب19 ح2 ـ 3 .

(5) الكافي : ج1 ص233 .

(6) الكافي : ج1 ص232 .

(7) بحار الأنوار : ج52 ص307 .


134

وكانت مباركة ، رآها بعض الأصحاب وتمسّح بها (1) .

(6) سائر تراث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله وآثاره كخاتمه الفيروزج ، وقميص القائم عجّل الله تعالى فرجه ، وكتاب أسماء أهل الجنّة والنار كما تلاحظه في حديث حمران وأبان بن عثمان (2) وحديث ابن مهران (3) .

(7) تابوت بني إسرائيل التي فيها السكينة والعلم والحكمة ، والتي يدور معها العلم والنبوّة والمُلك ، وفيها بقيّة ممّا ترك آل موسى وآل هارون .

وفسّرت السكينة التي فيها بأنّها ريح تخرج من الجنّة لها صورة كصورة الإنسان (4) .

(8) قميص يوسف الذي كان ثوب إبراهيم الخليل ، ألبسه جبرئيل حين اُلقي في النار فلم يضرّ معه ريح ولا برد ولا حرّ ، ووصل بعده إلى إبنه إسحاق ثمّ ليعقوب ثمّ كان على عضد يوسف .

وحين أخرجه يوسف من محرزه إشتمّ يعقوب ريحه وقال : إنّي أجد ريح يوسف (5) ، وكذا قميص آدم (عليه السلام) (6) .

(1) بحار الأنوار : ج26 ص214 ح27 .

(2) الكافي : ج1 ص235 ح7 ، وص236 ح9 .

(3) بحار الأنوار : ج26 ص221 ب16 ح45 ، والغيبة للنعماني : ص243 ب13 ح42 ، وبصائر الدرجات : ص192 ح5 .

(4) كنز الدقائق : ج2 ص383 ، بحار الأنوار : ج26 ص203 ح3 .

(5) بحار الأنوار : ج26 ص214 ح28 .

(6) الكافي : ج1 ص231 ح4 .


135

(9) مواريث النبي موسى (عليه السلام) إضافة إلى التوراة والألواح وهي :

(أ) الحَجَر الذي إنفجرت منه إثنتى عشرة عيناً ، الذي يكون مع الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه ، وينادي حين خروجه من مكّة :

« ألا لا يحملنّ أحدكم طعاماً ولا شراباً » ، فلا ينزل منزلا إلاّ وإنبعثت عينٌ منه ، فمن كان جائعاً شبع ، ومن كان ظامئاً روي كما في حديث أبي سعيد الخراساني (1) .

(ب) العصى التي كانت من آس الجنّة ، وكانت تروّع وتلقف كلّ شيء بلسانها وشفتيها اللتين تنفتحان أربعين ذراعاً ، وتأتي بالعجب العجاب ممّا تلاحظها في بيان خصائصها (2) .

(ج) الطشت الذي كان يُقرّب فيها موسى (عليه السلام) القرابين فتأكله النار علامة للقبول كما تلاحظ حديثه في تفسير البرهان (3) ، وتلاحظ شأنه في كتاب البحار (4) .

(10) خاتم سليمان (عليه السلام) الذي روي أنّه كان إذا لبسه سخّر الله له الطير والريح والمَلَك (5) وتلاحظ شأن هذا الخاتم في الأحاديث المباركة (6) .

(1) بحار الأنوار : ج13 ص185 ح2 وتلاحظ التحريف في : ص192 .

(2) الكافي : ج1 ص231 ح1 ، بحار الأنوار : ج13 ص60 .

(3) تفسير البرهان : ج1 ص202 .

(4) بحار الأنوار : ج13 ص194 ، وج26 ص202 ب16 ح2 .

(5) الكافي : ج1 ص231 ح4 .

(6) بحار الأنوار : ج25 ص353 ، وج53 ص100 ، وج95 ص373 .


136

واعلم أنّ تلك المواريث موجودة الآن عند سيّدنا الإمام المهدي المنتظر أرواحنا فداه (1) مع مواريث الأئمّة (عليهم السلام) .

تكون معه قوّةً في قيامه الحقّ ، وظهوره المحقّق ، وحكومته العادلة ، متّعنا الله تعالى بذلك ، وهي من وسائل قواه الربّانية وعُدّته الإلهية .

وبوجود هذه القوّة الإلهية الفائقة يتّضح الجواب ضمناً عن السؤال الذي كثيراً ما يتساءله الشباب : أنّه كيف يخضع الأعداء ، وتخضع الحكومات للإمام المهدي (عليه السلام) ، ويكون هو الغالب عليهم ، بالرغم من حداثة أسلحتهم ؟

فجواب هذا أنّ غلبة الإمام (عليه السلام) يكون لوجوه هي :

أوّلا : إرادة الله القادر القهّار العليم الذي إذا أراد شيئاً فإنّما يقول له كن فيكون .

وقد أراد ذلك بصريح قوله الكريم : ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (2) .

وقوله الجليل : ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (3) .

وتعرف كيف تنفذ الإرادة الإلهية وتأتي بالخوارق العجيبة بالوسائل البسيطة .

نظير غلبة النبي داود (عليه السلام) على جالوت بأحجار ثلاثة فقط بالرغم من

(1) الكافي : ج1 ص235 ح7 ، بحار الأنوار : ج53 ص36 ح1 .

(2) سورة القصص : الآية 5 .

(3) سورة التوبة : الآية 33 .


137

كون جالوت مع جيش عرمرم جرّار ، كما تلاحظ تفصيل بيانه في حديث القمّي (1) .

ثانياً : إمتلاك الإمام الحجّة أرواحنا فداه للمواريث السابقة التي هي فوق القدرة البشرية ، وأعلى من الاُمور الطبيعية كالإسم الشريف الأعظم ، والراية المغلّبة ، وعصى موسى ، وخاتم سليمان ، وسيوف أصحابه النازلة من الجنّة التي إذا أصابت الجبال قطّتها أو هشمتها .

ثالثاً : إنّ الله تعالى ينصره بالملائكة المسوّمين ، والمردفين ، والمنزَلين ، والكروبيّين ، مع جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، كما في حديثي الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) (2) .

خصوصاً جبرائيل الذي هو رأس الكرّوبيين ، الذين هم سادة الملائكة المقرّبين (3) .

وقد وصفه الله تعالى بقوله عزّ إسمه : (ذِي قُوَّة عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين) (4) وأيّ قوّة أقوى من قوّته وقد قَلَب بلدة لوط بكاملها ، وجعل عاليها سافلها في آن واحد (5) .

رابعاً : إنّ الإمام المهدي (عليه السلام) منصور بالرعب في قلوب الأعداء ، فلا يتسنّى للظالمين إستعمال السلاح بواسطة الرعب الذي يُلقى في قلوبهم ، ويحول

(1) كنز الدقائق : ج2 ص388 .

(2) الغيبة للنعماني : ص244 ح44 ، وص307 ح2 .

(3) مجمع البحرين : مادّة كرب ص136 .

(4) سورة التكوير : (الآية 20) .

(5) مجمع البيان : ج1 ص446 .


138

وَالْمَثَلِ الاَْعْلى (1) بينهم وبين إعمال قدرتهم .

قال تعالى في الغلبة على الأحزاب ومظاهريهم : ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (1) .

ففي الحديث « الرعب ليسير مسيرة شهر أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله » (2) .

خامساً : أنّه يسخّر له كلّ شيء كما سخّر لبعض الأنبياء (عليهم السلام) فالأرض تنصره بالخسف ، والسماء تنصره بالصواعق ، وهاتان القوّتان بنفسهما كافيتان في التغلّب على الأعداء المعاندين وحكومات الظالمين .

مضافاً إلى تسخير الريح له سلام الله عليه (3) .

وهي نصرة الله تعالى التي لا رادّ لها بشيء ، وقدرة الله التي لا يقاومها شيء : ﴿ إِن يَنصُرْكُم اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ (4) .

(1) ـ المَثَل بفتح الميم والثاء ، وجمعه مُثُل بضمّتين وأمثال ، يأتي على معان ثلاثة :

1 ـ بمعنى الحجّة والدليل والآية ، كما يستفاد من الشموس (5) .

ولعلّ منه قوله تعالى : ﴿ وَتِلْكَ الاَْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ

(1) سورة الأحزاب : الآية 26 .

(2) الغيبة للنعماني : ص307 ح2 .

(3) الإمام المهدي (عليه السلام) من المهد إلى الظهور : ص573 .

(4) سورة آل عمران : الآية 160 .

(5) الشموس الطالعة : ص176 .


139

يَتَفَكَّرُونَ (1) أي الأمثال والآيات والدلائل القرآنية التي هي حجج .

2 ـ بمعنى الحديث والقصّة ، كما يستفاد من المجمع (2) . فالعرب تسمّي الحديث الحسن والقصّة الرائقة بالمثل ، كقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (3) .

3 ـ الصفة فإنّه يستعمل المثل في توصيف الشيء كما يستفاد من المجمع أيضاً (4) كقوله تعالى : ﴿ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّآء غَيْرِ آسِن وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَن لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْر لَّذَّة لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَل مُّصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الَّثمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ (5) أي صفتها هكذا .

هذه هي المعاني المذكورة للمَثَل ، ويمكن إرادة جميعها من لفظ المَثَل في هذه الفقرة الشريفة التي تصف آل محمّد (عليهم السلام) بأنّهم المثل الأعلى .

أمّا على المعنى الأوّل ، فأهل البيت سلام الله عليهم أعلى حجج الله تعالى ، وأكبر آياته ، وأعظم براهينه الدالّة عليه والمبيّنة لقدرته .

ولذلك ورد في الحديث عن سيّدهم أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله : « ما لله آيةٌ

(1) سورة الحشر : الآية 21 .

(2) مجمع البحرين : مادّة مثل ص495 .

(3) سورة الحجّ : الآية 73 .

(4) مجمع البحرين : مادّة مثل ص495 .

(5) سورة محمّد : الآية 15 .


140

أكبر منّي » (1) .

ولذلك أيضاً ضرب به المَثَل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شأن نزول قوله تعالى : ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (2) كما تلاحظه في أحاديث كثيرة (3) قد رويت متواتراً منّا ، بل رويت من طريق الفريقين .

وبحقٍّ كان سيّد العترة أمير المؤمنين أكبر آية وأعظم دلالة من آيات الله ودلالاته ، عجيباً في شأنه ، غريباً في معجزاته ، كما تلاحظ ذلك في سيرة حياته (4) .

ومن عجائبه وليس منه بعجيب :

أنّه لم يبارز أحداً إلاّ وظفر به .

ولا نجا أحدٌ من ضربته فصلح منها ولم يفلت منه قرن ولا شجاع .

ولا قاتل تحت راية إلاّ غلب ، وبارز عمرو بن عبد ودّ العامري بوثبته إليه أربعين ذراعاً فضربه ورجع عشرين ذراعاً .

وضرب مرحب الخيبري على رأسه فقطع العمامة والخوذة والرأس والحلق وما عليه من الجوشن من قدّام وخلف فقدّها بنصفين .

وقلع باب خيبر الذي كان يغلقه عشرون رجلا منهم فدحا به في الهواء ، وتترّس به ، وجعله جسراً لعبور العسكر ، ثمّ جرّبه العسكر فلم يستطع أن

(1) بحار الأنوار : ج36 ص3 ب25 ح7 و10 و11 .

(2) سورة الزخرف : الآية 57 .

(3) بحار الأنوار : ج35 ص321 ب10 ح18 .

(4) بحار الأنوار : ج42 ص33 ح11 ، وص50 ح1 ، وج41 ص279 .


141

يحمله أربعون رجلا منهم .

بل كان حتّى في الخِلقة والتكوين وحيداً في بدنه وفريداً في صفاته كما تعرف ذلك من أحاديث شمائله وجوامع مناقبه (1) .

وقد عقد العلاّمة المجلسي باباً خاصّاً ذكر فيه ما يتعلّق من الإعجاز ببدنه الشريف ، ذكر فيه معاجزه منذ صغر سنّه في مهده ، إلى كبره وفي حربه فلاحظه بالتفصيل (2) .

وأمّا على المعنى الثاني ، فأهل البيت صلوات الله عليهم هم حديث الله الصدق ، وقصصه الحقّ ، وأنباؤه الراشدة .

فما أحلى ذكرهم ، وما أعلى حديثهم ، وهم قادة الهداة ، وسادة السادات ، وضربت بهم الأمثال العاليات كما يشهد له القرآن والوجدان وآية النور بالعيان (3) فلاحظ أحاديثها الحسان (4) .

وفي الحديث المحكي عن كتاب الإبانة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال في حديث له : « وبنا ضُربت الأمثال » (5) .

وأمّا على المعنى الثالث .. فأهل البيت تحيّات الله عليهم هم المتّصفون بصفات الله ، بل هم أكمل مظاهر أسمائه .

(1) بحار الأنوار : ج35 ص5 ح2 ، وج40 ص89 .

(2) بحار الأنوار : ج41 ص274 ب113 .

(3) سورة النور : الآية 35 .

(4) الكافي : ج1 ص195 ح5 .

(5) مرآة الأنوار : ص202 .


142

وَالدَّعْوَةِ الْحُسْنى (1) فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) قد اشتُقّ إسمه العالي من إسم الله العلي ، وهو مظهر التعالي الإلهي ، والترفّع الربّاني ، كما تلاحظه في أحاديث ولادته (1) .

وكذلك سائر الأئمّة الطاهرين في أسمائهم المقدّسة وصفاتهم المحمودة ، وفي حلمهم وكرمهم وجودهم وسخائهم ورأفتهم وقدرتهم ، هم مظاهر الصفات الإلهية الجليلة .

وقد فسّر بهم قوله تعالى (2) : ﴿ وَللهِِ الاَْسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (3) .

فأهل البيت (عليهم السلام) هم المُثُل الربّانية العليا بجميع معنى الكلمة .

وقد يكون هذا الوصف ـ يعني المَثَليّة ـ جارياً في غيرهم كأنبياء الله الكرام عليهم سلام الملك العلاّم ، إلاّ أنّ أهل البيت هم الأعلى منهم ، والمفضّلون عليهم والمختارون فيهم فكانوا هم المثل الأعلى .

(1) ـ الدعوة جاءت هنا بأحد معنيين أو كليهما وهما :

المعنى الأوّل : مصدر دعا يدعو دعوةً وبالفارسية (فراخواندن) بمعنى أنّهم (عليهم السلام) أهل الدعوة الحسنى ، بحذف المضاف .

فإنّهم أحسن الدعاة ، والداعون بأحسن وجه ، إلى الله تعالى وإلى الإسلام وإلى الإيمان والتقوى وطريق الجنّة الذي هو طريق النجاة والفوز بالسعادات .

دَعَوا إليها بأبلغ بيان وأطرف لسان ، وهَدَوا الناس بالحجج القاطعة والأدلّة المُقنعة .

(1) بحار الأنوار : ج35 ص8 ح11 ، وص18 .

(2) سورة الأعراف : الآية 180 .

(3) كنز الدقائق : ج5 ص251 .


143

فكانوا كسيّدهم الرسول الأعظم فيما وصفه الله تعالى بقوله : ﴿ وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً (1) .

وجاء في زيارة خاتمهم الأكرم الإمام المهدي (عليه السلام) : « السلام عليك ياداعيّ الله » في زيارة آل يس المعروفة (2) .

وفي حديث البصائر عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله : « جعل الله الأئمّة الدعاة إلى التقوى » (3) .

فأهل البيت (عليهم السلام) هم الدعاة إلى الله تعالى بالدعوة الحسنى .

ويكفيك دليلا على حسن دعوتهم ، سيرتهم الحسنة ، وإحتجاجاتهم المستحسنة ، وقد شهد العدوّ بكمال حجّتهم وحسن دعوتهم ، كما تلاحظ ذلك في إعتراف ابن أبي العوجاء في أوّل حديث توحيد المفضّل (4) .

المعنى الثاني : أن تكون الدعوة بمعنى الدعاء وبالفارسية (نيايش) يقال : دعوتُ الله أدعوه دعاءً ودعوةً : أي إبتهلت إليه بالسؤال ، ورغبت فيما عنده من الخير (5) .

فالمعنى أنّ في شأنهم كانت دعوة أبيهم نبي الله إبراهيم (عليه السلام) فكانوا هم المقصودون بالدعوة الحسنة من سيّدنا إبراهيم الخليل .

(1) سورة الأحزاب : الآية 46 .

(2) الإحتجاج : ج2 ص316 .

(3) مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار : ص101 .

(4) بحار الأنوار : ج3 ص58 .

(5) مجمع البحرين : مادّة دعا ص29 .


144

ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « وأنا دعوة أبي إبراهيم (عليه السلام) » (1) .

وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : « فنحن والله دعوة إبراهيم (عليه السلام) » (2) .

فإنّ النبي إبراهيم (عليه السلام) دعا لهم في مواضع متعدّدة حكاها القرآن الكريم وهي :

(1) فيما حكاه الله تعالى بقوله : ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ... * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُوْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) (4) .

(2) فيما حكاه الله تعالى من دعائه بقوله : ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِندَ بَيْتِكَ الُْمحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (5) (6) .

(3) فيما حكاه الله تعالى من دعائه أيضاً بقوله : ﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْق فِي الاْخِرِينَ (7) حيث استجاب الله دعاءه وأخبر عنه بقوله : ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُم

(1) تفسير القمّي : ج1 ص62 .

(2) تفسير الصافي : ج3 ص91 .

(3) سورة البقرة : الآية 128 ـ 129 .

(4) تفسير الصافي : ج1 ص190 .

(5) سورة إبراهيم : الآية 37 .

(6) تفسير الصافي : ج3 ص90 .

(7) سورة الشعراء : الآية 84 .


145

وَحُجَجِ اللّهِ عَلى اَهْلِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَالاُْولى (1) وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ . مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْق عَلِيّاً (1) (2) .

(1) ـ حجج جمع حُجّة مثل غُرَف جمع غُرفة ، هي الدليل والبرهان كما في اللغة ، وهي البيّنة الصحيحة المصحّحة للأحكام ، التي تقصد إلى الحكم ، مأخوذة من حَجَّ إذا قصد كما اُفيد .

وأهل البيت سلام الله عليهم يحتجّ بهم الله تعالى ويُتمّ حجّته على جميع خلقه بواسطة ما جعل لهم من المعجزات الباهرة ، والدلائل الظاهرة ، والعلائم الواضحة ، والعلوم الحقّة ، والإحتجاجات المحقّة .

فهم حجج الله تعالى على أهل الدنيا والآخرة ، وعلى الاُولى ، يعني على أهل النشأة الاُولى أي عالم الذرّ ، أو الاُولى مقابل الاُخرى بمعنى عالم الدنيا تأكيداً .

وحجّيتهم على جميع الخلق صريحة في الأدلّة المتظافرة في باب أنّهم الحجّة على جميع العوالم وجميع المخلوقات مثل :

1 ـ حديث عبدالخالق ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ لله عزّوجلّ إثنى عشر ألف عالم ... وإنّي الحجّة عليهم » (3) .

2 ـ حديث سليمان بن خالد المتقدّم ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « ما من شيء ولا من آدمي ولا إنسي ولا جنّي ولا ملك في السماوات إلاّ ونحن الحجج عليهم ، وما خلق الله خلقاً إلاّ وقد عرض ولايتنا عليه واحتجّ بنا عليه ، فمؤمن

(1) سورة مريم : الآية 50 .

(2) تفسير الصافي : ج4 ص40 ، وج3 ص284 .

(3) بحار الأنوار : ج27 ص41 ب15 ح1 .


146

بنا وكافر وجاحد ، حتّى السماوات والأرض والجبال » (1) .

3 ـ حديث سليم بن قيس بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « وهم حجج الله على خلقه ، وشهداؤه في أرضه » (2) .

ولتوضيح النشأة الاُولى بمعنى عالم الذرّ لا بأس ببيان ما يلي :

إنّ المستفاد من كتاب الله الكريم والسنّة الشريفة أنّ جميع البشر مخلوق من الطين كما هو صريح قوله عزّ إسمه : ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الاِْنسَانِ مِن طِين (3) .

وسادة الخلق محمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين ، أبدانهم مخلوقة من طينة علّيين ـ وأرواحهم مخلوقة من النور ـ .

ومن طينة أبدان أهل البيت (عليهم السلام) خلقت أرواح شيعتهم ، وخلق أبدان الشيعة من طينة دون ذلك .

كما خلق أعداؤهم من طينة خبال من حمأ مسنون ، أي طينة فاسدة من الطين الأسود المُنتن السجّين ، وخلقت أرواحهم من طينة دون ذلك .

وقد مزج بين الطينتين الطيّبة والفاسدة فجعل في المؤمن شيء من الطينة الفاسدة ، كما جعل في غير المؤمن شيء من الطينة الطيّبة (4) لكي يتمّ الإختيار في الإنسان ، ويمكن به الطاعة والعصيان ، ولا يكون جبرٌ في الخلقة ، ولا إجبار في الجبلّة .

(1) بحار الأنوار : ج27 ص46 ب15 ح7 .

(2) كتاب سليم بن قيس : ج2 ص840 ح42 .

(3) سورة السجدة : الآية 7 .

(4) بحار الأنوار : ج5 ص243 ب10 ح30 ـ 31 .


147

والأرواح خلقت قبل الأبدان بألفي عام ، وكانت موجودة في الجوّ إلى أن خلق الله الأبدان ، وتسمّى تلك الخلقة بعالم الأظلّة والأرواح .

ثمّ خلقت الأبدان أوّل ما خلقت بصورة الذرّ الصغير جدّاً ، واُخذ منهم الميثاق واُودعوا في صلب آدم (عليه السلام) ، وتسمّى تلك الخلقة بعالم الذرّ والأبدان والميثاق ، وهي النشأة الاُولى في إحدى المعنيين المتقدّمين .

ويستدلّ لهذه النشأة يعني عالم الذرّ من الكتاب العزيز بقوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (1) وتلاحظ تفسيرها بعالم الذرّ في كتب التفسير الشريفة (2) .

كما يستدلّ لعالم الذرّ من السنّة بأحاديث كثيرة مثل :

(1) أحاديث الإشهاد (3) .

(2) أحاديث خلق الأرواح (4) .

(3) أحاديث الطينة والميثاق وعالم الذرّ (5) .

(1) سورة الأعراف : الآية 172 و173 .

(2) كنز الدقائق : ج5 ص228 .

(3) البرهان : ج1 ص374 ، ج2 ص833 ، كنز الدقائق : ج5 ص228 .

(4) بحار الأنوار : ج61 ص131 ب43 وفيه 29 حديثاً .

(5) بحار الأنوار : ج5 ص225 ب10 وفيه 67 حديثاً ، بصائر الدرجات ، للصفّار : ص70 ـ 90 .


148

نختار منها نبذة منها ونكتفي ببيانها :

1 ـ حديث داود الرقي ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « لمّا أراد الله أن يخلق الخلق ، نثرهم بين يديه .

قال لهم : مَن ربّكم ؟

فأوّل من نطق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمّة (عليهم السلام) ، فقالوا : أنت ربّنا .

فحمّلهم العلم والدين .

ثمّ قال للملائكة : هؤلاء حملة ديني وعلمي ، واُمنائي في خلقي ، وهم المسؤولون .

ثمّ قال لبني آدم : أقرّوا لله بالربوبية ، ولهؤلاء النفر بالولاية والطاعة .

فقالوا : نعم ، ربّنا أقررنا .

فقال الله للملائكة : اشهدوا .

قال الملائكة : شهدنا .

قال : على أن لا يقولوا غداً : (... إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا ...) (1) .

ياداود ، ولايتنا مؤكّدة عليهم في الميثاق (2) .

2 ـ حديث بكير بن أعين ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « إنّ الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا ، وهم ذرّ ، يوم أخذ الميثاق على الذرّ . بالإقرار له بالربوبية ،

(1) سورة الأعراف : الآية 172 و173 .

(2) كنز الدقائق : ج5 ص230 .


149

ولمحمّد (صلى الله عليه وآله) بالنبوّة .

وعرض الله عزّوجلّ على محمّد اُمّته في الطين ، وهم أظلّة ، وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم ، وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام ، وعرضهم عليهم وعرّفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وعرّفهم عليّاً ، ونحن نعرفهم في لحن القول » (1) .

3 ـ حديث صالح بن سهل ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) : إنّ بعض قريش قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : بأي شيء سبقت الأنبياء ، وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم ؟

قال : إنّي كنت أوّل من آمن بربّي ، وأوّل من أجاب حين أخذ الله ميثاق النبيّين ﴿ ... وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ... فكنت أنا أوّل نبي قال : بلى ، فسبقتهم بالإقرار بالله » (2) .

4 ـ حديث ابن مسكان ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ... قلت : معاينة كان هذا ؟

قال : « نعم ، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه ، فمنهم من أقرّ بلسانه في الذرّ ولم يؤمن بقلبه ، فقال الله : (... فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ...) » (3) .

5 ـ حديث حبيب ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « ما تقول في الأرواح

(1) كنز الدقائق : ج5 ص231 .

(2) كنز الدقائق : ج5 ص231 .

(3) بحار الأنوار : ج5 ص237 ب10 ح14 . والآية في سورة الأعراف : الآية 101 .


150

إنّها جنود مجنّدة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ؟

قال : فقلت : إنّا نقول ذلك .

قال : فإنّه كذلك ، إنّ الله عزّوجلّ أخذ من العباد ميثاقهم وهم أظلّة قبل الميلاد وهو قوله عزّوجلّ : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ... إلى آخر الآية .

قال : فمن أقرّ له يومئذ جاءت اُلفته هاهنا ومن أنكره يومئذ جاء خلافه هاهنا » (1) .

وفي الحديث السابع والخمسين من الباب أنّه سئل (عليه السلام) كيف أجابوا وهم ذرّ ؟

قال (عليه السلام) : « جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه » (2) .

(1) بحار الأنوار : ج5 ص241 ب10 ح26 .

(2) بحار الأنوار : ج5 ص257 ب10 ح57 .


151

الفصل الثالث

السَّلامُ عَلى مَحَالِّ مَعْرِفَةِ اللّهِ (1) (1) ـ محالّ جمع محلّ ، وهو المكان والموضع .

والمعرفة هي إدراك الشيء .

ومعرفة الله تعالى هي ـ كما قيل ـ : الإطّلاع على صفاته الجمالية الثبوتية ، والجلالية أي السلبية ، بقدر الطاقة البشرية ، وأمّا الإطّلاع على الذات المقدّسة فممّا لا مطمع فيه لأحد (1) .

وأهل البيت سلام الله عليهم وُصفوا في هذا التسليم الثالث من هذه الزيارة المباركة بأنّهم محالّ ومواضع معرفة الله تعالى وإدراكه ، وذلك بمعنيين :

المعنى الأوّل : أنّه لا يَعرِف الله تعالى حقّ معرفته إلاّ هم سلام الله عليهم ، فهم أعرف الناس بالله والتامّين في معرفته .

ويشهد لهذا المعنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) : « ياعلي ما عرف الله حقّ معرفته غيري وغيرك ، وما عرفك حقّ معرفتك غير الله

(1) مجمع البحرين : مادّة عرف ص415 .


152

وغيري » (1) .

وقد بلغوا أقصى غاية المعرفة الإلهية بحيث قال سيّدهم الأمير (عليه السلام) : « لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً » (2) .

وفي حديث الأصبغ بن نباتة أنّه قام إليه رجل يقال له : ذِعلب فقال : ياأمير المؤمنين هل رأيت ربّك ؟

فقال : « ويلك ياذِعلب لم أكن بالذي أعبد ربّاً لم أره .

قال : فكيف رأيته ؟ صفه لنا .

قال : ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان » (3) .

وللعلم ضمناً بأدنى ما يجزي من المعرفة لاحظ أحاديث المعارف خصوصاً حديث سيّدنا عبدالعظيم الحسني سلام الله عليه (4) .

المعنى الثاني : أنّه لا يُعرف الله تعالى إلاّ بهم ومن طريقهم ، ولا يُتوصّل إلى المعرفة الحقّة إلاّ بتعريفهم ، فتعود المعرفة الصادقة إليهم سلام الله عليهم .

كما يدلّ على ذلك مثل حديث عبدالله بن أبي يعفور ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي جاء فيه : « بنا عُرف الله وبنا عُبد الله ونحن الأدلاّء على الله

(1) بحار الأنوار : ج39 ص84 .

(2) بحار الأنوار : ج40 ص153 .

(3) بحار الأنوار : ج4 ص27 ب5 ح2 .

(4) بحار الأنوار : ج3 ص268 ب10 ح3 .


153

ولولانا ما عُبد الله » (1) .

وكذلك حديث نصر العطّار أنّه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : « ثلاث اُقسم أنّهنّ حقّ : إنّك والأوصياء من بعدك عرفاء لا يُعرف الله إلاّ بسبيل معرفتكم ... » (2) .

وهكذا حديث الأصبغ بن نباتة ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي ورد فيه : « نحن الأعراف الذين لا يُعرف الله إلاّ بسبيل معرفتنا » (3) .

فطلب المعارف يكون من طريقهم وبمعرفتهم وهو الإيمان ، وفي مقابله يكون سلوك طريق غيرهم هو الكفر والعصيان .

فإن رجعنا إليهم إهتدينا ، وإن أعرضنا عنهم أو رجعنا إلى غيرهم غوينا .

ويكفي شاهداً وجدانيّاً على معرفتهم التامّة بالله تعالى كلامهم وحديثهم الجميل الذي تلاحظه في روايات التوحيد ، وما ورد عنهم في بيان صفات الله تعالى الذي تلاحظه في مثل خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) .

وكذلك ما أثر عنهم في أدعيتهم الشريفة المربّية كدعاء الإمام الحسين (عليه السلام)المعروف يوم عرفة الذي أورده الكفعمي في البلد الأمين ، والسيّد ابن طاووس في الإقبال ، والشيخ المجلسي في زاد المعاد .

وكذلك ما اختصّ بهم من تعليم مواليهم وتهذيب شيعتهم والكمّلين

(1) التوحيد ، للصدوق : ص152 ب12 ح9 .

(2) بحار الأنوار : ج23 ص99 ب9 ح2 ـ 8 .

(3) بحار الأنوار : ج24 ص248 ب62 ح2 .

(4) نهج البلاغة : ج2 ص142 رقم الخطبة 181 من الطبعة المصرية .


154

وَمَساكِنِ بَرَكَةِ اللّهِ (1) من أصحابهم مثل كميل بن زياد ، وميثم التمّار ، ورشيد الهجري ، وحبيب بن مظاهر وغيرهم .

(1) ـ المساكن جمع مسكن بفتح الكاف وكسره ، هو محلّ النزول والسكون والإستقرار .

والبركة هي كثرة النعمة والخير والكرم ، وزيادة التشريف والكرامة ، والنماء والسعادة .

وأهل البيت سلام الله عليهم أجمعين هم محلّ الفيوضات الإلهية ، ومستقرّ البركات الربّانية ، وبهم يبارك الله تعالى على الخلائق بالأرزاق المادّية والمعنوية ، وبوسيلتهم يتفضّل الله الكريم على خلقه بالعطايا الجزيلة والمنائح الجميلة ، وبواسطتهم يهب الله العظيم العقل والمعرفة ، ويهدي إلى المعارف الحقّة .

فإنّه بيُمنهم رُزِقَ الورى ، وبوجودهم ثبتت الأرض والسماء .

ويدلّ على ذلك مضافاً إلى وجدان بركاتهم ، المشهودة في كراماتهم ، الأدلّة المتواترة مثل :

1 ـ حديث الإمام السجّاد (عليه السلام) : « وبنا يُنزّل الغيث ، وتُنشر الرحمة ، وتخرج بركات الأرض ، ولولا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها » (1) .

2 ـ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : « بنا أثمرت الأشجار ، وأينعت الثمار ، وجرت الأنهار ، وبنا اُنزل غيث السماء ، ونبت عشب الأرض » (2) .

(1) إكمال الدين : ج1 ص207 ح22 .

(2) بحار الأنوار : ج24 ص197 ب52 ح24 .


155

وَمَعادِنِ حِكْمَةِ اللّهِ (1) 3 ـ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ (1) : « نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد ، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين ، وبنا ألّف الله بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداءً ، وبنا هداهم الله للإسلام ، وهي النعمة التي لا تنقطع ، والله سائلهم عن حقّ النعيم الذي أنعم به عليهم ، وهو النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته (عليهم السلام) » (2) .

4 ـ الزيارة الرجبية المعروفة : « فَبِكُم يُجبرُ المهيض ويُشفى المريض » .

5 ـ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : « نحن أهل بيت الرحمة وبيت النعمة وبيت البركة » (3) .

ولقد بارك الله تعالى في آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين بأنواع البركات .

وجعل سيّدتهم الصدّيقة الطاهرة الكوثر والخير الكثير ، وسمّاها المباركة (4) .

وبارك فيهم وفي نسلهم وفي شيعتهم وفي محبّيهم وحتّى في تربتهم التي تضمّنتهم ، والمشاهد الشامخة التي تشرّفت بهم .

(1) ـ المعادن جمع مَعدِن بكسر الدال بمعنى محلّ إستقرار الجواهر وإفاضتها ، وهو مركز كلِّ شيء وأصله ومبدؤه .

(1) سورة التكاثر : الآية 8 .

(2) بحار الأنوار : ج24 ص49 ب29 الآيات ، كنز الدقائق : ج14 ص421 .

(3) بحار الأنوار : ج26 ص254 ب4 ح27 .

(4) بحار الأنوار : ج43 ص10 ب2 ح1 .


156

والحكمة في اللغة هي : العلم الذي يرفع الإنسان ويمنعه عن فعل القبيح ، مستعارٌ من حكمة اللجام وهي ما أحاط بحنك الدابّة ، ويمنعها عن الخروج والمخالفة (1) . ويكون هذا المنع للإصلاح (2) .

وعُرّفت الحكمة بأنّها هي : العلوم الحقيقيّة الإلهية (3) .

وقد وردت كلمة الحكمة في الكتاب المبين ، وفُسّرت في كلمات الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، بما نستغني معها عن تفاسير الآخرين .

فقد قال الله تعالى : ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْراً كَثِيراً (4) .

وقال عزّ إسمه : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ (5) .

وفسّرها المعصومون (عليهم السلام) بضياء المعرفة ، وطاعة الله تعالى ، ومعرفة الإمام (عليه السلام) ، واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار والعقاب ، والتفقّه في الدين ، والعقل والفهم (6) .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم معادن أنوار الحكمة الإلهية ، واُصول المعارف الربّانية ، وأسمى المراتب العقلانيّة .

وهم أتمّ الناس في هذه المزايا ، ومعلّموا الخلق في هذه العطايا ، كما

(1) مجمع البحرين : مادّة حكم ص511 .

(2) مفردات الراغب : ص126 .

(3) الأنوار اللامعة : ص77 .

(4) سورة البقرة : الآية 269 .

(5) سورة لقمان : الآية 12 .

(6) تفسير البرهان : ج1 ص158 ، وج2 ص818 ، كنز الدقائق : ج2 ص443 .


157

وَحَفَظَةِ سِرِّ اللّهِ (1) تلمسه في كلماتهم الصريحة ، وبياناتهم المليحة ، وفي نصوصهم وتنصيص سيّدهم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فلاحظ مثل :

1 ـ حديث جابر بن عبدالله الأنصاري قال : رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخذاً بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يقول : « ... أنا مدينة الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأت الباب » (1) .

2 ـ خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) : « أيّها الناس نحن أبواب الحكمة ، ومفاتيح الرحمة ، وسادة الأئمّة ، واُمناء الكتاب ، وفصل الخطاب ... وإنّا أهل بيت خصّنا بالرحمة والحكمة والنبوّة والعصمة ... » (2) .

3 ـ حديث يونس بن ظبيان ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال له : « يايونس إذا أردت العلم الصحيح فخذ عن أهل البيت فإنّا روينا واُوتينا شرح الحكمة وفصل الخطاب ، إنّ الله إصطفانا وآتانا ما لم يؤت أحداً من العالمين » (3) .

وفي البلد الأمين بعد هذه الفقرة زيادة : « وخزنة علم الله » فجميع العلوم الإلهية مخزونة عندهم ، محفوظة لديهم ، وقد مرّ بيان ذلك مفصّلا في الفقرة الشريفة المتقدّمة « وخزّان العلم » فلاحظ .

(1) ـ حفظة : جمع حافظ، يقال : حَفَظَ المال والسرّ أي رعاه ، والمحافظة على الشيء هي المواظبة عليه ، والمراقبة له ، والإعتناء به كما يستفاد من كتب اللغة (4) .

(1) بحار الأنوار : ج40 ص201 ب94 ح3 و9 و11 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص260 ب4 ح37 .

(3) بحار الأنوار : ج26 ص158 ب11 ح5 .

(4) لسان العرب : ج7 ص441 .


158

والسِرّ : جمعه أسرار ، هو في اللغة بمعنى ما يُكتم ، ومنه (هذا من سرّ آل محمّد) أي من مكتومهم (عليهم السلام) الذي لا يظهر لكلّ أحد (1) .

وأسرار الله تعالى هي العلوم التي لا يجوز إظهارها وإفشاؤها إلاّ لمن هو أهلٌ لها من الكمّلين والمتحمّلين مثل سلمان وكميل (2) .

فمعنى حفظة سرّ الله أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم الحافظون المراعون للأسرار الإلهية المودعة عندهم ، اللازم كتمانها ، ولا يظهرونها إلاّ لمن يتحمّلها ، ولا يظهرون منها إلاّ ما يُتحمّل ، فإنّ إلقاء السرّ إلى من لا يتحمّله تضييع للسرّ ، وإرهاق للمُلقى إليه ، وهو خلاف الحكمة .

وليس كلّ أحد قابلا لأن يُستودع السرّ ، فكيف بأن يكون صاحب أسرار الله الحكيم في هذا العالم العظيم ، المُلك والملكوت .

فإنّ الأسرار الإلهية لا يتحمّلها إلاّ مَلَكٌ مُقرّب أو نبيٌّ مرسل أو عبدٌ إمتحن الله قلبه للإيمان كما جاء في أحاديث كثيرة (3) .

وقد فسّرت الأحاديث الصعبة المستصعبة في إحدى تفاسيرها بأسرار الله المخزونة عندهم ، المكنونة لديهم (4) .

بل في بعض الأحاديث لا يتحمّلها لا مَلَك مقرّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن إمتحن الله قلبه للإيمان إلاّ أهل البيت أو من شاء أهل البيت سلام الله عليهم كما

(1) مجمع البحرين : مادّة سرر ص266 .

(2) الأنوار اللامعة : ص78 .

(3) الكافي : ج1 ص401 ح2 .

(4) مصابيح الأنوار : ج1 ص344 .


159

تلاحظه في حديث أبي بصير (1) .

فعدم التحمّل يدعو إلى حفظ السرّ وعدم إفشاءه كما في بعض قضايا من لم يتحمّل الإسم الأعظم .

بل حتّى بعض أهل التحمّل يجيش العلم والسرّ في صدورهم ويضيق بهم ذرعاً كما تلاحظه في حديث جابر الجعفي (2) .

ومثل النبي الكليم موسى (عليه السلام) إذا لم يتحمّل بعض الأسرار فما ظنّك بالآخرين فلاحظ أحاديثه الشريفة في قضايا موسى والخضر (عليهما السلام) الواردة في القرآن الكريم في أحاديث التفسير القويم (3) .

إلاّ أنّ أهل البيت سلام الله عليهم هم المثل الأعلى والقمّة العليا لأسرار الله تعالى كما تلاحظه في مثل :

1 ـ حديث إسحاق بن غالب ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في خطبته الشريفة التي يذكر فيها حال الأئمّة (عليهم السلام) : « استودعه سرّه ، واستحفظه علمه ، واستخباه حكمته ، واسترعاه لدينه ، وانتدبه لعظيم أمره » (4) .

2 ـ حديث سيف التمّار ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) جاء فيه : « لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما إنّي أعلم منهما ، ولأنبئتهما بما ليس في أيديهما ، لأنّ موسى والخضر (عليهما السلام) اُعطيا علم ما كان ، ولم يُعطيا علم ما يكون وما هو كائن

(1) الكافي : ج1 ص402 ح5 .

(2) رجال الكشّي : ص171 .

(3) بحار الأنوار : ج13 ص278 الأحاديث .

(4) الكافي : ج1 ص204 ح2 .


160

وَحَمَلَةِ كِتابِ اللّهِ (1) حتّى تقوم الساعة ، وقد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثةً » (1) .

(1) ـ حملة جمع حامل وهو من يحمل الشيء .

وكتاب الله هو القرآن الكريم .

وفسّر حامل كتاب الله بمن يكون عنده جميع القرآن ، الذي فيه تبيان كلّ شيء ، على ما نَزَل من عند الله ، من غير نقص ولا تغيير ، مع حفظ جميع ألفاظه بجميع المعاني ، بما فيها من ظاهر وباطن ، وتأويل وتفسير ، وناسخ ومنسوخ ، وعام وخاصّ ، ومطلق ومقيّد ، ومكان النزول وزمانه وشأن النزول وبيانه .

ومحمّد وآله الطاهرون صلوات الله عليهم أجمعين هم الحاملون لعلوم القرآن ومعارفه وأسراره ، والواقفون على معانيه وأبعاده وأغواره .

مضافاً إلى حفظهم ألفاظ القرآن من دون زيادة ولا نقصان .

ودليل ذلك أحاديث كثيرة مثل :

1 ـ حديث محمّد بن فضيل قال : سألته عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (2) .

قال : « هم الأئمّة (عليهم السلام) خاصّة » (3) .

2 ـ حديث جابر قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : « ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما اُنزل إلاّ كذّاب ، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله

(1) الكافي : ج1 ص261 ح1 .

(2) سورة العنكبوت : الآية 49 .

(3) الكافي : ج1 ص214 ح5 .


161

وَاَوْصِياءِ نَبِيِّ اللّهِ (1) تعالى إلاّ علي بن أبي طالب والأئمّة من بعده (عليهم السلام) » (1) .

3 ـ حديث عبدالأعلى مولى آل سام قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « والله إنّي لأعلم كتاب الله من أوّله إلى آخره كأنّه في كفّي ، فيه خبر السماء وخبر الأرض ، وخبر ما كان وخبر ما هو كائن ، قال الله عزّوجلّ : ﴿ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء (2) » (3) .

4 ـ حديث عبدالرحمن بن كثير ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) جاء فيه : « ...ففرّج أبو عبدالله (عليه السلام) بين أصابعه فوضعها على صدره ، ثمّ قال : وعندنا والله علم الكتاب كلّه » (4) .

ولاحظ أحاديث باب أنّهم الذكر وأهل الذكر (5) .

(1) ـ أوصياء : جمع وصيّ ، وهو لغة مأخوذ من الوصيّة على وزن فعيلة ، من وصى يصي : إذا وصل الشيء بغيره ، لأنّ الموصي يوصل تصرّفه بعد الموت بما قبله . والوصاية : هي إستنابة الموصي غيره بعد موته في التصرّف فيما كان له التصرّف فيه (6) ، و : (أوصى الرجل ووصّاه أي عهد إليه) (7) .

(1) الكافي : ج1 ص228 ح1 .

(2) سورة النحل : الآية 89 .

(3) الكافي : ج1 ص229 ح4 .

(4) الكافي : ج1 ص229 ح5 .

(5) بحار الأنوار : ج23 ص172 ب9 الأحاديث .

(6) مجمع البحرين : مادّة وصا ص93 .

(7) لسان العرب : ج15 ص394 .


162

وهذه الوصاية كانت ثابتة مستمرّة من النبي آدم (عليه السلام) إلى الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) .

وأوصياء نبي الله (صلى الله عليه وآله) هم الذين أوصى إليهم الرسول بأمر ربّه ، وجعلهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم كنفسه ، ونصبهم حججاً على خلقه ، وأئمّة على بريّته ، وخلفاء في أرضه .

وهم كرسول الله عليه وآله صلوات الله إلاّ في النبوّة فهو نبي وهم أئمّة .

وهؤلاء الأوصياء هم الأئمّة الإثنى عشر ، أوّلهم أمير المؤمنين وسيّد الوصيين علي بن أبي طالب ، وآخرهم الوصي الغائب والنجم الثاقب الحجّة بن الحسن المنتظر أرواحنا فداهم الذين ثبتت وصايتهم بالمعجزات الباهرات والآيات الظاهرات ، والنصوص المتواترات .

فقد تواترت الأحاديث الصريحة بالألسنة الفصيحة على وصايتهم وخلافتهم من طرق الخاصّة والعامّة ممّا جمعها في غاية المرام (1) من الخاصّة في 119 حديثاً ، ومن العامّة في 135 حديثاً .

ومنها ما رواها العامّة عن النبي (صلى الله عليه وآله) في صحاحهم فقط بما يزيد على ستّين حديثاً بطرق عديدة (2) ممّا صرّحت بوصاية الأئمّة الإثنى عشر (عليهم السلام) .

وفي بعضها التنصيص على أسمائهم إلى الإمام المهدي (عليه السلام) ، مع ذكر سيّدة النساء فاطمة الزهراء سلام الله عليها بالنصّ الجلي .

ففي حديث الزمخشري والحمويني والقندوزي وابن حسنويه الحنفي :

(1) غاية المرام : ص32 ـ 27 ب12 ـ 13 ، وص152 ـ 168 ب22 ـ 23 .

(2) إحقاق الحقّ : ج13 ص1 ـ 86 .


163

« فاطمة قلبي ، وإبناها ثمرة فؤادي ، وبعلها نور بصري ، والأئمّة من ولدها أمارتي وحبلي الممدود ، فمن إعتصم بهم نجى ، ومن تخلّف عنهم هوى » (1) .

هذا إلى جانب ما تواتر من الأحاديث الشريفة من طرق الخاصّة المعتبرة الواردة في اُصولهم الأصيلة .

ويكفيك في ذلك حديث لوح فاطمة سلام الله عليها الذي أهداه الله تعالى إلى رسوله وأعطاه رسول الله للزهراء (عليها السلام) بمناسبة ميلاد الإمام الحسين (عليه السلام)ليسرّها بذلك ويبشّرها بالأوصياء والأزكياء الذين يكونون من ولدها .

والحديث من طرائف الحكمة ننقله للإنتفاع والبركة .

روى جماعة من الأعلام الأعاظم منهم ثقة الإسلام الكليني عن محمّد بن يحيى ومحمّد بن عبدالله ، عن عبدالله بن جعفر ، عن الحسن بن ظريف وعلي بن محمّد ، عن صالح بن أبي حمّاد ، عن بكر بن صالح ، عن عبدالرحمن بن سالم ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال أبي لجابر بن عبدالله الأنصاري : إنّ لي إليك حاجة فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها .

فقال له جابر : أي الأوقات أحببته ، فخلا به في بعض الأيّام .

فقال له : ياجابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد اُمّي فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما أخبرتك به اُمّي أنّه في ذلك اللوح مكتوب ؟

فقال جابر : أشهد بالله أنّي دخلت على اُمّك فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهنّيتها بولادة الحسين (عليه السلام) ورأيت في يديها لوحاً أخضر ، ظننت أنّه

(1) إحقاق الحقّ : ج13 ص79 .


164

من زمرّد ورأيت فيه كتاباً أبيض ، شبه لون الشمس .

فقلت لها : بأبي واُمّي يابنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما هذا اللوح ؟

فقالت : هذا لوح أهداه الله إلى رسوله (صلى الله عليه وآله) فيه إسم أبي واسم بعلي واسم إبنيّ واسم الأوصياء من ولدي ، وأعطانيه أبي ليبشّرني بذلك .

قال جابر : فأعطتنيه اُمّك فاطمة (عليها السلام) فقرأته واستنسخته .

فقال له أبي : فهل لك ياجابر أن تعرضه علىّ ؟

قال : نعم ، فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رقّ .

فقال : ياجابر اُنظر في كتابك لأقرأ أنا عليك ، فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفاً ، فقال جابر : فأشهد بالله أنّي هكذا رأيته في اللوح مكتوباً :

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمّد نبيّه ونوره وسفيره وحجابه ودليله ، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين ، عظِّم يامحمّد أسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي ، إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا قاصم الجبّارين ، ومُديل المظلومين ، وديّان الدِّين ، إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا ، فمن رجا غير فضلي ، أو خاف غير عدلي ، عذّبته عذاباً لا اُعذّب به أحداً من العالمين ، فإيّاي فاعبد وعلىّ فتوكّل ، إنّي لم أبعث نبيّاً فاُكملت أيّامه وإنقضت مدّته إلاّ جعلت له وصيّاً ، وإنّي فضّلتك على الأنبياء وفضّلت وصيّك على الأوصياء ، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين ، فجعلت حسناً معدن علمي ، بعد إنقضاء مدّة أبيه ، وجعلت حسيناً خازن وحيي وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة ، فهو أفضل من


165

ـ إستشهد وأرفع الشهداء درجةً ، جعلت كلمتي التامّة معه وحجّتي البالغة عنده ، بعترته اُثيب واُعاقب ، أوّلهم علي سيّد العابدين وزين أوليائي الماضين ، وإبنه شبه جدّه المحمود محمّد الباقر علمي والمعدن لحكمتي ، سيهلك المرتابون في جعفر ، الرادُّ عليه كالرادّ عليّ ، حقّ القول منّي لأكرمنّ مثوى جعفر ولاُسرّنّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه ، اُتيحت بعد موسى فتنة عمياء حندس لأنّ خيط فرضي لا ينقطع وحجّتي لا تخفى وأنّ أوليائي يسقون بالكأس الأوفى ، من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي ومن غيّر آية من كتابي فقد افترى عليّ ، ويل للمفترين الجاحدين عند إنقضاء مدّة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي في علي وليّي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوّة وأمتحنه بالإضطّلاع بها ، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شرّ خلقي ، حقّ القول منّي لاُسرّنّه بمحمّد إبنه وخليفته من بعده ووارث علمه ، فهو معدن علمي وموضع سرّي وحجّتي على خلقي ، لا يؤمن عبد به إلاّ جعلت الجنّة مثواه وشفّعته في سبعين من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار ، وأختم بالسعادة لإبنه علي وليّي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيي ، اُخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن ، واُكمّل ذلك بإبنه « م ح م د » رحمة للعالمين ، عليه كمال موسى ، وبهاء عيسى ، وصبر أيّوب ، فيذلّ أوليائي في زمانه ، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم ، فيُقتلون ويُحرقون ، ويكونون خائفين ، مرعوبين ، وجلين ، تصبغ الأرض بدمائهم ويفشوا الويل والرنّة في نسائهم ، اُولئك أوليائي حقّاً ، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس ، وبهم أكشف الزلازل ، وأدفع الآصار والأغلال ، اُولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة ، واُولئك


166

وَذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ (1) وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ . هم المهتدون .

قال عبدالرحمن بن سالم : قال أبو بصير : لو لم تسمع في دهرك ، إلاّ هذا الحديث لكفاك ، فصُنه إلاّ عن أهله (1) .

هؤلاء خلفاء الله تعالى في أرضه ، وأوصياء الرسول في بريّته ، ووسائل الخير إلى يوم القيامة وما بعد يوم القيامة .

وتتمثّل الخلافة والوصاية هذا اليوم في خاتمهم وقائمهم ومهديّهم المنتظر (عليه السلام) الذي هو المحور الأساسي لفلك الوجود ، والوسيط الرئيسي لفيض كلّ موجود ; فينتفع بوجوده ، ويستضاء بنور ولايته في غيبته كما ينتفع بالشمس وإن جلّلها السحاب ، كما بيّنه الرسول الناطق (صلى الله عليه وآله) في حديث جابر بن عبدالله الأنصاري (2) ، ثمّ ولده الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث سليمان بن مهران الأعمش (3) ، ثمّ نفس الإمام المهدي (عليه السلام) في جواب مسائل إسحاق بن يعقوب (4) .

(1) ـ ذرّية على وزن فُعْليّة ، وجمعها ذرّيّات وذراري .

هي في اللغة اسم لجميع نسل الإنسان من ذكر واُنثى (5) .

(1) الكافي ، للكليني : ج1 ص527 ، إكمال الدين ، للصدوق : ص308 ، الإختصاص ، للشيخ المفيد : ص210 ، إعلام الورى ، لأمين الإسلام : ص225 ، الإحتجاج ، للطبرسي : ج1 ص41 ، بحار الأنوار ، للمجلسي : ج36 ص196 .

(2) إعلام الورى : ص376 .

(3) أمالي الصدوق : ص164 .

(4) الغيبة ، للشيخ الطوسي : ص177 .

(5) مجمع البحرين : مادّة ذرر ص261 .


167

وذرّية الرجل : ولده (1) .

مأخوذة من الذرّ بمعنى البثّ والنشر والتفريق (2) .

فسمّي نسل الإنسان بالذرّية لأنّ الله تعالى ذرّهم ونشرهم في الأرض حين أخرجهم من صلب آدم (عليه السلام) في عالم الذرّ (3) .

وكان القياس في نسبته أن يقال : ذَريّة بالفتح ، لكنّها لم تجيء إلاّ مضمومة الأول (4) .

وذرّية رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم أهل البيت سلام الله عليهم بدليل القرآن والسنّة ، ثمّ اللغة .

وتشمل الذرّية أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو أخ الرسول لا ولده بالتغليب كما أفاده العلاّمة المجلسي (قدس سره) (5) .

والتغليب باب شائع في اللغة وهو إيثار أحد اللفظين على الآخر ، إذا كان بين مدلوليهما عُلقة وإختلاط (6) .

وتشمل أيضاً الصدّيقة الطاهرة سيّدة الذرّية المطهّرة وبضعة النبي بالنصّ الجليّ ، وليس ذلك بخفي .

(1) المصباح المنير : مادّة ذرّ .

(2) المحيط في اللغة : ج10 ص55 .

(3) مرآة الأنوار : ص102 .

(4) لسان العرب : ج4 ص34 .

(5) بحار الأنوار : ج102 ص136 .

(6) المعجم الوسيط : ج2 ص658 .


168

وتشمل السيّدين الإمامين الحسنين ثمّ أولاد الإمام الحسين (عليهما السلام) بالنصّ القرآني والروائي ، فهم ذرّية الرسول وأبناؤه .

والدليل من نصّ الكتاب :

1 ـ أنّ الله تعالى سمّاهم أبناء الرسول في آية المباهلة : ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَّعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (1) .

ومن المتّفق عليه من الفريقين أنّه لم يكن مع الرسول من الرجال إلاّ علي ابن أبي طالب ، ومن النساء إلاّ فاطمة الزهراء ، ومن الأبناء إلاّ الحسن والحسين (عليهم السلام) رويت في طرق الخاصّة بخمسة عشر حديثاً ، وفي طرق العامّة بتسعة عشر حديثاً (2) .

2 ـ أنّ الله تعالى أطلق عليهم الذرّية في كتابه الكريم : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (3) .

فقد نزلت في الرسول والأمير والزهراء والأبناء (عليهم السلام) في تفسير ابن عبّاس (4) بل في حديث التفسير (5) .

والدليل من نصوص السنّة أحاديث كثيرة ، في أبواب كثار ممّا صرّحت

(1) سورة آل عمران : الآية 61 .

(2) غاية المرام : ص302 ـ 303 .

(3) سورة الطور : الآية 21 .

(4) بحار الأنوار : ج25 ص241 ح22 .

(5) كنز الدقائق : ج12 ص454 .


169

ونصّت على الإمامين الهمامين الحسن والحسين بالذرّية ، وجعلتهما إبنا رسول الله ، وجعلت الذرّية النبوية من صلبه وصلب علي بن أبي طالب (عليهم السلام) » (1) .

من ذلك حديث أبي الجارود ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال :

« ياأبا الجارود ما يقولون في الحسن والحسين ؟

قلت : ينكرون علينا أنّهما إبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

قال : فبأي شيء احتججتم عليهم ؟

قلت : بقول الله في عيسى بن مريم : ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ ـ إلى قوله : ـ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ (2) فجعل عيسى من ذرّية إبراهيم ، واحتججنا عليهم بقوله تعالى : ﴿ قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ (3) .

قال : فأي شيء قالوا ؟

قال : قلت : قد يكون ولد البنت من الولد ولا يكون من الصلب .

قال : فقال أبو جعفر (عليه السلام) : والله ياأبا الجارود لاُعطينّكها من كتاب الله آية تسمّي لصلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يردّها إلاّ كافر .

قال : قلت : جعلت فداك وأين ؟

قال : حيث قال الله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ

(1) بحار الأنوار : ج25 ص241 ، وج43 ص229 ب9 الأحاديث ، وص270 ح30 ، وص284 ح50 .

(2) سورة الأنعام : الآية 84 و85 .

(3) سورة آل عمران : الآية 61 .


170

ـ إلى قوله ـ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ (1) فسلهم ياأبا الجارود هل يحلّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) نكاح حليلتهما ؟ فإن قالوا : نعم فكذبوا والله ، وإن قالوا : لا ، فهما والله إبنا رسول الله لصلبه ، وما حرّمت عليه إلاّ للصلب » (2) .

هذا مضافاً إلى دليل اللغة وتصريح أهلها بتفسير الذرّية بالأولاد الشامل للذكور والإناث كما تقدّم .

ومضافاً إلى أنّه قد اُطلق على الحسنين (عليهما السلام) الإبن ، والأصل في الإستعمال الحقيقة .

ولإبن أبي الحديد كلام شاف وإعتراف واف قال فيه :

فإن قلت : أيجوز أن يقال للحسن والحسين وولدهما : أبناء رسول الله وولد رسول الله ، وذرّية رسول الله ، ونسل رسول الله ؟

قلت : نعم ; لأنّ الله تعالى سمّاهم « أبناءه » في قوله تعالى : ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ، وإنّما عنى الحسن والحسين ، ولو أوصى لولد فلان بمال دخل فيه أولاد البنات ، وسمّى الله تعالى عيسى ذرّية إبراهيم في قوله : ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيَْمانَ إلى أن قال : ﴿ وَيَحْيَى وَعِيسَى ; ولم يختلف أهل اللغة في أنّ ولد البنات من نسل الرجل .

فإن قلت : فما تصنع بقوله تعالى : ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِّن رِّجَالِكُمْ (3) ؟

قلت : أسألك عن اُبوّته لإبراهيم بن مارية ; فكما تجيب به عن ذلك ;

(1) سورة النساء : الآية 23 .

(2) بحار الأنوار : ج43 ص232 ب9 ح8 .

(3) سورة الأحزاب : الآية 40 .


171

فهو جوابي عن الحسن والحسين (عليهما السلام) .

والجواب الشامل للجميع أنّه عنى زيد بن حارثة لأنّ العرب كانت تقول : « زيد بن محمّد » على عادتهم في تبنّي العبيد ، فأبطل الله تعالى ذلك ، ونهى عن سنّة الجاهلية ، وقال : إنّ محمّداً (عليه السلام) ليس أباً لواحد من الرجال البالغين المعروفين بينكم ليعتزي إليه بالنبوّة ، وذلك لا ينفي كونه أباً لأطفال ، لم تطلق عليهم لفظة الرجال ، كإبراهيم وحسن وحسين (عليهم السلام) .

فإن قلت : أتقول إنّ ابن البنت ابن على الحقيقة الأصلية أم على سبيل المجاز ؟

قلت : لذاهب أن يذهب إلى أنّه حقيقة أصلية ; لأنّ أصل الإطلاق الحقيقة ، وقد يكون اللفظ مشتركاً بين مفهومين وهو في أحدهما أشهر ، ولا يلزم من كونه أشهر في أحدهما ألاّ يكون حقيقة في الآخر .

ولذاهب أن يذهب إلى أنّه حقيقة عرفية ، وهي التي كثر إستعمالها ; وهي في الأكثر مجاز ; حتّى صارت حقيقة في العرف ، كالراوية للمَزادة ، والسماء للمطر .

ولذاهب أن يذهب إلى كونه مجازاً قد إستعمله الشارع ، فجاز إطلاقه في كلّ حال ; وإستعماله كسائر المجازات المستعملة (1) .

(1) شرح نهج البلاغة : ج11 ص26 .


172

الفصل الرابع

السَّلامُ عَلَى الدُّعاةِ اِلَى اللّهِ (1) (1) ـ جاء في ابتداء السلام الرابع في هذه الزيارة المباركة التسليم على أهل البيت صلوات الله عليهم بوصف أنّهم الدعاة إلى الله تعالى .

والدعاة : جمع الداعي كقضاة جمع قاض ، مشتقّ من الدعوة بمعنى الطلب وبالفارسية « فراخواندن » .

والدعوة إلى الله تعالى هي الدعوة إلى معرفته ، وإطاعته ، وعبادته ، ودينه ، وشريعته .

وآل محمّد سلام الله عليهم داعون إلى الله كجدّهم الرسول الأعظم الذي كان داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، إذ هم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبمنزلته كما تلاحظه في حديث محمّد بن مسلم (1) .

وهم يدعون الخلق إلى معرفة الله تعالى ، ويطلبون منهم الإلتزام بطاعته ، ويهدونهم إلى عبادته ، ويرشدونهم إلى التخلّق بأخلاقه ، ويسلكون بهم مسالك التقوى وطرق الجنّة ، يهدونهم إلى ذلك ويدعونهم إليها ، ببياناتهم الوافية ،

(1) بحار الأنوار : ج27 ص50 ب18 ح2 .


173

ومواعظهم الشافية .

لا بالقول فحسب بل بالقول والعمل ، بل نفس وجودهم دعوة إلى الله ، وتذكرة بالله ، فهم الاُسوة والقدوة بأقوالهم وأفعالهم ، كما إعترف بذلك الصديق والعدوّ ، بل أقرّ بذلك ألدّ أعدائهم كمعاوية عليه الهاوية في مثل حديث عدي بن حاتم الطائي (1) .

والدليل على دعوتهم إلى الله تعالى ومنصبهم في ذلك :

أوّلا: من الكتاب قوله تعالى : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (2) فقد ورد تفسيره بأنّ من اتّبعني هو أمير المؤمنين والأوصياء من بعده (عليهم السلام) (3) .

ثانياً : من السنّة الأحاديث الكثيرة الناصّة على ذلك كحديث عبدالعزيز بن مسلم ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) ورد فيه : « الإمام أمين الله في خلقه ، وحجّته على عباده وخليفته في بلاده ، والداعي إلى الله ، والذابّ عن حُرُم الله » (4) .

وهم صلوات الله عليهم أعلى مُثُل الدعوة الحقّة إلى الله ، وأتمّ مصاديق الدعاة الحقيقيين إلى الربّ ، بل لا يدانيهم أحدٌ فيها ، لأنّها دعوة بأمر الله وإذنه ، وإلى رضا الله ومرضاته .

وقد بيّنت هذه الزيارة الشريفة مميّزات دعوتهم التي تختصّ بهم

(1) سفينة البحار : ج6 ص184 .

(2) سورة يوسف : الآية 108 .

(3) تفسير البرهان : ج1 ص515 ، كنز الدقائق : ج6 ص396 .

(4) الكافي : ج1 ص200 ح1 .


174

وَالاَْدِلاّءِ عَلى مَرْضاتِ اللّهِ (1) ويمتازون بها عن غيرهم في الفقرات التالية : « الأدلاّء على مرضات الله » ثمّ قوله : « عباده المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون » .

(1) ـ أدلاّء جمع دليل ، كأعزّاء جمع عزيز وأخلاّء جمع خليل ، والدليل هو الذي يدلّ ويرشد ويهدي .

والمرضات مصدر ميمي من الرضا ـ أي رضا الله عزّ إسمه ـ .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم الذين يدلّون الناس على المعارف الإلهية ، والأحكام الشرعية ، وسبل الهداية ، وطريق الجنّة ، التي توجب رضا الله تعالى والقرب إليه .

وقد بذلوا في مرضات الله النفس والنفيس كما يشهد به القرآن الكريم في قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ) (1) . حيث نزلت في سيّد الوصيّين أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) واتّفقت عليها أحاديث الفريقين (3) .

ويدلّ على أنّهم (عليهم السلام) هم الأدلاّء ، الأحاديث المتظافرة مثل :

1 ـ حديث عبدالعزيز بن مسلم المبيّن لصفات الإمام (عليه السلام) عن مولانا الرضا سلام الله عليه قال : « الإمام الماءُ العذب على الظمأ ، والدالّ على الهدى ، والمنجي من الردى » (4) .

2 ـ حديث الكفعمي عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « انّ الأئمّة الدعاة إلى الجنّة

(1) سورة البقرة : الآية 207 .

(2) كنز الدقائق : ج2 ص305 .

(3) غاية المرام : ص343 ـ 344 .

(4) الكافي : ج1 ص200 ح1 .


175

وَالْمُسْتَقِرِّينَ فِي اَمْرِ اللّهِ (1) والأدلاّء عليها إلى يوم القيامة » (1) .

3 ـ حديث كتاب المعراج عنه (عليه السلام) : « نحن الدليل الواضح لمن اهتدى » (2) .

4 ـ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : « بنا عُرِف الله وبنا عُبِد الله ، نحن الأدلاّء على الله » (3) .

5 ـ دعاء العهد الشريف : « وكما جعلتهم السبب إليك ، والسبيل إلى طاعتك والوسيلة إلى جنّتك ، والأدلاّء على طرقك » (4) .

واعلم أنّ في نسخة البلد الأمين هنا زيادة : « والمؤدّين عن الله ، والقائمين بحقّ الله ، والناطقين عن الله » .

(1) ـ المستقرّين : جمع المستقرّ بمعنى الثابت ، من الاستقرار بمعنى الثبوت .

والاستقرار في أمر الله بمعنى ثبوت العمل بأوامر الله تعالى وإطاعته ، أو أمر الخلافة والإمامة .

وأهل البيت سلام الله عليهم في أتمّ العمل والقيام بأوامر الله تعالى واجبة كانت أو مندوبة ، عبادة أو غير عبادة .

وهم المستقرّون الثابتون في أمر الإمامة والخلافة ، والقائمون بها أحسن قيام (5) .

(1 و 2) مرآة الأنوار : ص100 .

(3) بحار الأنوار : ج26 ص260 ب2 ح38 .

(4) بحار الأنوار : ج89 ص341 ب97 ح3 .

(5) والمنقول عن بعض النسخ : (المستوفرين) من الوفور بمعنى الكثرة ، أي العاملين بأوامر الله تعالى أكثر من سائر الخلق .


176

ـ وكلا المعنيين صادق فيهم سلام الله عليهم .

امّا بالمعنى الأوّل فهم أطوع الناس لله تعالى ، وامتثال أوامره ، والثبوت في طاعته ، كما تلاحظ ذلك في سيرتهم الغرّاء التي لم يأخذهم فيها لومة لائم ، حتّى كانوا من طاعة الله في الدرجات العلى والعصمة الكبرى ، كما تشهد به آية التطهير (1) .

فهم الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، كما يأتي في آخر السلام الخامس بيانه ودليله .

وأمّا بالمعنى الثاني فهم القائمون بأمر الله ، الثابتون في خلافة الله والمصطفون لولاية الأمر عن الله ، كما تشهد به آية الإطاعة (2) وتلاحظ أحاديثه في التفسير (3) .

والعقل والنقل دالاّن على استقرارهم في أمر الله .

أمّا العقل فلأنّه يحكم بلزوم أفضليّة الإمام من سائر الخلق في جميع الجهات ، وفي محاسن الصفات ، حتّى لا يلزم تقديم المفضول على الفاضل ، ومن تلك الجهات الحسنة التي يلزم أفضلية الإمام فيها استقراره في أمر الله تعالى .

(1) سورة الأحزاب : الآية 32 .

(2) سورة النساء : الآية 59 .

(3) كنز الدقائق : ج3 ص437 .


177

وأمّا النقل فمثل حديث عبدالعزيز بن مسلم المتقدّم (1) الذي جاء فيه : « الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ، ولا يوجد منه بدل ، ولا له مثل ولا نظير ... مضطلع بالإمامة ... قائم بأمر الله عزّوجلّ » .

ويشهد لثبوتهم وثباتهم في أمر الله ، وعدم ضعفهم فيه ، وعدم استكانتهم في الامتثال ، ما ذكره أديب عصره ابن دأب في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومناقبه السبعين التي ليس لأحد فيها نصيب .

فذكر في أوّل كتابه أنّه لم تجتمع هذه الخصال إلاّ في علي بن أبي طالب ، ولذلك حسدوه عليها حسداً انغلّ القلوب وأحبط الأعمال ، قال في جملة ذلك :

(ثمّ ترك الوهن والاستكانة ، أنّه انصرف من اُحُد وبه ثمانون جراحة ، يدخل الفتائل من موضع ويخرج من موضع ، فدخل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عائداً وهو مثل المُضغة على نطع (2) .

فلمّا رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكى فقال له : « إنّ رجلا يصيبه هذا في الله لحقّ على الله أن يفعل به ويفعل .

فقال مجيباً له وبكى : بأبي أنت واُمّي الحمد لله الذي لم يرني ولّيت عنك ولا فررت ، بأبي واُمّي كيف حرمت الشهادة ؟

قال : إنّها من ورائك إن شاء الله .

قال : فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنّ أبا سفيان قد أرسل موعدة بيننا وبينكم ‌

(1) الكافي : ج1 ص200 ـ 202 ح1 .

(2) النطع ـ بكسر النون وفتحها وسكون الطاء ومحرّكة وبكسر النون وفتح الطاء ـ : بساط من الجلد .


178

وَالتَّامِّينَ فِي مَحَبَّةِ اللّهِ (1) حمراء الأسد .

فقال : بأبي أنت واُمّي والله لو حُملت على أيدي الرجال ما تخلّفت عنك .

قال : فنزل القرآن : ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (1) ونزلت الآية فيه قبلها : ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْس أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاْخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (2) » .

ثمّ ترك الشكاية في ألم الجراحة شكت المرأتان (3) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يلقى وقالتا : يارسول الله قد خشينا عليه ممّا تدخل الفتائل في موضع الجراحات ، من موضع إلى موضع ، وكتمانه ما يجد من الألم .

قال : فعُدّ ما به من أثر الجراحات عند خروجه من الدنيا فكانت ألف جراحة من قرنه إلى قدمه صلوات الله عليه) (4) .

(1) ـ يقال : أتممتُ الشيء أي أكملته ـ فمعنى التامّين ـ أي الكاملين .

وتمّ في محبّة الله تعالى : أي بلغ أعلى مراتب محبّته .

في المحيط : المحبّة مأخوذة من الحبّ ضدّ البغض (5) .

(1) سورة آل عمران : الآية 146 .

(2) سورة آل عمران : الآية 145 .

(3) إحداهما نسيبة الجرّاحة ، والاُخرى امرأة غيرها تتصدّيان معالجة الجرحى في الغزوات .

(4) الاختصاص : ص158 .

(5) المحيط : ج1 ص321 .


179

وفي المفردات : الحبّ بالضمّ معناه الوداد (1) .

والمحبّة هي تلك الصفة النفسانية والعُلقة الوجدانية المعروفة ، المعبّر عنها بميل النفس ، نقيض كُره النفس .

ومحبّة العبد لله تعالى حالة يجدها العبد في قلبه ، يحصل منها التعظيم لله ، وإيثار رضاه ، والاستئناس بذكره (2) .

ويأتي مزيد بيان المحبّة في آخر هذه الفقرة إن شاء الله .

وأهل البيت سلام الله عليهم حازوا أعلى المراتب في حبّ الله عزّ شأنه ، لأنّهم عرفوا الله بأعلى درجات المعرفة ، وكلّما كانت المعرفة أرقى كانت المحبّة أقوى ، وكلّما كانت المحبّة أقوى كانت الطاعة أسنى ، فإذا ازداد المخلوق حبّاً لله ازداد توجّهه إلى الله حتّى يبلغ درجة الإنقطاع إليه .

لذلك كان أهل البيت النبوي (عليهم السلام) أطوع لله تعالى من جميع الخلق ، حتّى انقطعوا إلى الله ، واشتغلوا عن غير الله .

وقد بلغ المعصومون (عليهم السلام) في محبّة الله تعالى هذه الدرجة القصوى ، فترى أنّه جاء في دعاء الصحيفة السجّادية المباركة قول الإمام زين العابدين (عليه السلام) : « اللهمّ إنّي أخلصت بانقطاعي إليك ، وأقبلتُ بكُلّي عليك » (3) .

وأهل البيت (عليهم السلام) كملوا في خصوصية حبّ الله والمحبّة التامّة لله كما يدلّ عليه القرآن الكريم بأحاديث تفسيره بآل محمّد سلام الله عليهم مثل :

(1) المفردات : ص105 .

(2) مجمع البحرين : ص109 .

(3) الصحيفة السجّادية : الدعاء 28 .


180

1 ـ قوله تعالى : ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (1) .

2 ـ قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِِ (2) .

وأفاد العلاّمة المجلسي هنا أنّ في بعض النسخ القديمة (والنّامين) من النموّ ، أي نشأوا في بدو سنّهم في محبّة الله تعالى ، أو أنّ في كلّ آن وزمان يزدادون حبّاً لله تعالى . وكلا المعنيين يصدق على أهل البيت (عليهم السلام) كما هو واضح .

ثمّ ما هي معنى المحبّة ؟ هذا ما يحسن تفصيل بيانه فنقول :

وقعت كلمة المحبّة في القرآن الكريم ، فلنقتبس من نوره في استفادة بيانه من أحاديث أهله .

في المجمع بعد ذكر قوله تعالى : (... فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قيل : محبّة الله للعباد إنعامه عليهم ، وأن يوفّقهم لطاعته ، ويهديهم لدينه الذي إرتضاه ، وحبّ العباد لله أن يطيعوه ولا يعصوه ...

ثمّ ذكر : (إنّ المحبّة حالة يجدها المحبّ في قلبه يحصل منها طاعة المحبوب ، وتعظيمه ، وإيثار رضاه ، والاستئناس بذكره ...) (3) .

والأحاديث المباركة بيّنت محبّة الله وآثارها التي منها الطاعة فلاحظ مثل :

1 ـ حديث المفضّل الجعفي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « كان فيما ناجى الله عزّوجلّ به موسى بن عمران (عليه السلام) أن قال له :

يابن عمران ! كذب من زعم أنّه يحبّني فإذا جنّه الليل نام عنّي ، أليس

(1) سورة المائدة : الآية 54 ، لاحظ تفسيره بأهل البيت (عليهم السلام) في كنز الدقائق : ج4 ص141 .

(2) سورة البقرة : الآية 165 ، لاحظ تفسيره بأهل البيت (عليهم السلام) في تفسير العياشي : ج1 ص72 .

(3) مجمع البحرين : مادّة حبب ص109 .


181

كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه ؟

ها أنا ذا يابن عمران مطّلع على أحبّائي إذا جنّهم الليل حوّلت أبصارهم من قلوبهم ، ومثّلت عقوبتي بين أعينهم ، يخاطبوني عن المشاهدة ، ويكلّموني عن الحضور .

يابن عمران هب لي من قلبك الخشوع ، ومن بدنك الخضوع ، ومن عينك الدموع في ظلم الليل ، وادعني فإنّك تجدني قريباً مجيباً » (1) .

2 ـ حديث ابن أبي عمير عمّن سمع أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « ما أحبّ الله عزّوجلّ من عصاه ثمّ تمثّل فقال : تعصـي الإله وأنت تُظهر حبّه لو كان حبّك صادقاً لأطعته هذا محالٌ في الفعال بديعُ إنّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ » (2)

3 ـ حديث سليمان بن داود باسناده قال رجل للنبي (صلى الله عليه وآله) : يارسول الله علّمني شيئاً إذا أنا فعلته أحبّني الله من السماء وأحبّني الناس من الأرض .

فقال له : « ارغب فيما عند الله عزّوجلّ يحبّك الله ، وازهد فيما عند الناس يحبّك الناس » (3) .

4 ـ حديث نوح بن درّاج ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) ، عن آبائه (عليهم السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « أوحى الله عزّوجلّ إلى نجيّه موسى : احببني وحبّبني إلى خلقي ! قال : ياربّ هذا اُحبّك فكيف اُحبّبك إلى خلقك ؟

(1) بحار الأنوار : ج70 ص14 ب43 ح2 .

(2) بحار الأنوار : ج70 ص14 ب43 ح3 .

(3) بحار الأنوار : ج70 ص14 ب43 ح4 .


182

وَالْمُخْلِصِينَ فِي تَوْحِيدِ اللّهِ (1) قال : اذكر لهم نعماي عليهم ، وبلاي عندهم ، فإنّهم لا يذكرون أو لا يعرفون منّي إلاّ كلّ الخير » (1) .

5 ـ حديث حنّان بن سدير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : قال الله : « ما تحبّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه ، وإنّه ليتحبّب إليّ بالنافلة حتّى اُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، إذا دعاني أجبته ، وإذا سألني أعطيته ، وما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في موت المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته » (2) .

وفي نسخة البلد الأمين هنا : « والمخلصين في توحيد الله ، والصادعين بأمر الله ، الثابتين في محبّة الله ، والمظهرين لأمر الله ونهيه ، وعباده المكرمين الخ » .

(1) ـ الخلوص هو : الصفاء والخلوّ من كل شوب ، والخالص في اللغة هو : كلّما صفا وتخلّص ولم يمتزج بغيره .

والعمل الخالص في العرف هو ما كان لوجه الله ، وكان قصد القربة فيه مجرّداً عن جميع الشوائب ، ولا تريد أن يحمدك عليه إلاّ الله ; وهذا التجريد هو الإخلاص .

والمخلصين ، يُقرأ بكسر اللام وفتحه ، فبالكسر معناه : الذين أخلصوا

(1) بحار الأنوار : ج70 ص14 ب43 ح12 .

(2) بحار الأنوار : ج70 ص14 ب43 ح21 .


183

في توحيد الله تعالى وكان اعتقادهم بالتوحيد خالصاً من كلّ شوب وريب .

وقد بلغ أهل البيت المرتبة العليا في هذا الإخلاص .

بدليل قوله (صلى الله عليه وآله) : « ياعلي ما عرف الله حقّ معرفته غيري وغيرك ، وما عرفك حقّ معرفتك غير الله وغيري » (1) .

وبالفتح معناه : الذين إختارهم الله وأخلصهم لتوحيده ، بمعنى أنّهم هم المختارون الذين عرّفوا الله تعالى بأقصى مراتب التوحيد ، وبسبيلهم عرف التوحيد .

وقد بلغ أهل البيت (عليهم السلام) مرتبة أن خصّهم الله بهذه الدرجة ، بدليل قول الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث جابر : « بنا عُرف الله وبنا وُحّد الله وبنا عُبِد الله » (2) .

بل إنحصرت معرفة الله بمعرفتهم كما في حديث مِقرن ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله عزّوجلّ إلاّ بسبيل معرفتنا » (3) .

بل هم المعيار في معرفة الله والإيمان به كما في حديث الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إنّ الله عزّوجلّ نصب علياً (عليه السلام) عَلَماً بينه وبين خلقه ، فمن عرفه كان مؤمناً ومن أنكره كان كافراً ، ومن جهله كان ضالا ، ومن نصب معه شيئاً كان مشركاً ، ومن جاء بولايته دخل الجنّة » (4) .

(1) بحار الأنوار : ج39 ص84 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ص20 ب1 ح31 .

(3) بحار الأنوار : ج24 ص253 ب62 ح14 .

(4) الكافي : ج1 ص437 ح7 .


184

وَالْمُظْهِرِينَ لاَِمْرِ اللّهِ وَنَهْيِهِ (1) والخير كلّ الخير في الإخلاص ، والنجاة كلّ النجاة يكون بالخلوص ، والثمر في العمل يكون للمخلصين ، فلاحظ أحاديث باب الإخلاص مثل :

1 ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من أخلص لله أربعين يوماً فجّر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » (1) .

2 ـ حديث الإمام الرضا (عليه السلام) : « إنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول : طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ، ولم ينس ذكر الله بما تسمع اُذناه ، ولم يحزن صدره بما اُعطي غيره » (2) .

(1) ـ المظهرين جمع المُظِهر ، اسم فاعل من الظهور : بمعنى وضوح الشيء ، وبروزه ، وتبيّنه .

يقال : ظهر الشيء : إذا بان وبرز بعد الخفاء .

وأهل البيت النبوي هم خزنة علم الله وورثة علم الرسول ، فكانوا هم العالمون بأوامر الله ونواهيه ، والمظهرون لأمر الله ونهيه كما تلاحظه في حديث خطبة الإمام الصادق (عليه السلام) في شأن الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين جاء فيه : « آتاه علمه ، وأنبأه فصل بيانه ... وانتدبه لعظيم أمره وأحيا به مناهج سبيله ، وفرائضه وحدوده » (3) .

وهم العين الصافية، والمعدن الفيّاض بالأحكام الشرعية والمعالم الربّانية ، وجميع الموضوعات المأمورة والمنهيّة كما تلاحظه في حديث عبدالعزيز بن

(1) سفينة البحار : ج2 ص668 .

(2) الكافي : ج2 ص16 ح3 و5 و6 .

(3) الكافي : ج1 ص203 ح2 .


185

مسلم عن الإمام الرضا (عليه السلام) : « بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد ، وتوفير الفيء والصدقات ، وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يحلّ حلال الله ، ويحرّم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذبّ عن دين الله » (1) .

وبالعيان والوجدان نجد ما ظهر من بياناتهم الشريفة في أحاديثهم المنيفة ، المبيّنة لحلال الله وحرامه ، وأوامره ونواهيه ، وسننه وأحكامه ، ممّا حُرّرت في كتب أصحابهم ورواتهم حتّى أنّه جمعت أحاديثهم الشريفة في الكتب الكثيرة فبلغت (6600) كتاباً كما أفاده المحدّث الحرّ العاملي (2) .

منها أربعمائة كتاب لأربعمائة مصنّف ، سمّيت بالاُصول الأربعمائة فصّلنا بيانها في محلّه (3) . وقد أخذ منها محدّثونا الكبار الكتب الشريفة الجوامع :

1 / الكافي ويشتمل على (16199) حديثاً .

2 / الفقيه ويشتمل على (5963) حديثاً .

3 / مدينة العلم وهو أكثر من أحاديث الفقيه .

4 / التهذيب ويشتمل على (13590) حديثاً .

5 / الاستبصار ويشتمل على (5511) حديثاً .

وقد بلغ كبار أصحابهم (عليهم السلام) في الحديث أن كان لجابر الجعفي

(1) الكافي : ج1 ص200 ح1 .

(2) وسائل الشيعة : ج20 ص49 .

(3) الفوائد الرجالية : ص28 الفائدة الثالثة .


186

وَعِبادِهِ الْمُكْرَمِينَ الَّذِينَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِاَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (1) وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ . (70000) حديثاً ولأبان بن تغلب (30000) حديثاً ، ولكثير منهم كثيراً منها .

(1) ـ عباده : اُضيفت العبودية إلى الضمير العائد إلى الله تعالى في قوله عباده لمزيد الاختصاص والتشريف .

والمكرمين : بالتخفيف وفي نسخة بالتشديد أي الذين أكرمهم الله تعالى بالعصمة والطهارة والمعرفة .

الذين لا يسبقونه بالقول : أي لا يقولون بقول إلاّ بأمر الله تعالى ، بل كلامهم كلام الله العزيز كجدّهم الرسول الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى .

وهم بأمره يعملون : أي في جميع أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم .

وقد أبانت هذه الفقرة الصفات الكريمة في أهل البيت (عليهم السلام) من حيث شرافتهم بالعبادة ، ثمّ كرامتهم عند الله ، ثمّ أدبهم أمام الله ، ثمّ إطاعتهم لله تعالى .

وقد فسّر بهم قوله تعالى : ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (1) .

فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه أومأ بيده إلى صدره وقال : ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » (2) .

وجميع ما فعلوه وهم أهل بيت العصمة كان بعهد من الله تعالى .

(1) سورة الأنبياء : الآية 26 ـ 27 .

(2) تفسير البرهان : ج2 ص686 ، كنز الدقائق : ج8 ص404 .


187

وقد عقد ثقة الإسلام الكليني في الكافي باباً في أنّ الأئمّة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهد من الله عزّوجلّ وأمر منه لا يتجاوزونه (1) .

(1) الكافي : ج1 ص281 الأحاديث خصوصاً الحديث 4 .


188

الفصل الخامس

السَّلامُ عَلَى الاَْئِمَّةِ الدُّعاةِ (1) (1) ـ جاء في هذا التسليم الخامس والأخير من هذه الزيارة المباركة السلام على أهل البيت (عليهم السلام) بأوصافهم الجليلة الفائقة ، ومقاماتهم الربّانية الرائعة بأنّهم : الأئمّة الدُعاة ...

والأئمّة جمع إمام مثل أكسية جمع كساء ، والإمام هو المقتدى الذي يأتمّ به الناس ، فيتّبعونه ويأتمّون به ويأخذون عنه ; وهو ذلك المقام الشامخ للحجّة الذي لا يكون إلاّ بجعل من الله تعالى كما قال عزّ إسمه : ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً (1) .

وقال أيضاً : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (2) .

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « سُمّي الإمام إماماً لأنّه قدوة للناس ، منصوب من قبل الله تعالى ذكره ، مفترض الطاعة على العباد » (3) .

والأئمّة هم المحور للصفات الجليلة والمزايا النبيلة ، من ذلك كونهم :

(1) سورة البقرة : الآية 124 .

(2) سورة الأنبياء : الآية 73 .

(3) معاني الأخبار : ص64 ح17 .


189

الدعاة إلى الله تعالى .

والدعاة : جمع داعي مثل قضاة وقاضي ، مأخوذ من الدعوة بمعنى الطلب (فراخواندن) بمعنى الدعوة إلى الله تعالى ، وإلى معرفته وطاعته ، وإلى تقواه وجنّته ، وإلى هداه وعبادته .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم الأئمّة الحقّ الذين يدعون إلى الله تعالى بالدعوة الحسنى ، كما مرّ بيانه مفصّلا في الفقرة الشريفة « السلام على الدعاة إلى الله » مع الإستدلال له بالكتاب والسنّة فلاحظ .

ويكفينا دليلا على عظيم شأن الإمام والإمامة ـ مضافاً إلى ما مرّ من الأدلّة ـ حديث طارق بن شهاب المروي عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وهو حديث جامع بليغ ، نذكره لعظيم نفعه وفائدته وهذا نصّه :

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال : « ياطارق الإمام كلمة الله ، وحجّة الله ، ووجه الله ، ونور الله ، وحجاب الله ، وآية الله ، يختاره الله ، ويجعل فيه ما يشاء ، ويوجب له بذلك الطاعة والولاية على جميع خلقه .

فهو وليّه في سماواته وأرضه ، أخذ له بذلك العهد على جميع عباده ، فمن تقدّم عليه كفر بالله من فوق عرشه ، فهو يفعل ما يشاء وإذا شاء الله شاء .

ويكتب على عضده : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلا (1) فهو الصدق والعدل .

وينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء ، يرى فيه أعمال

(1) سورة الأنعام : الآية 115 .


190

العباد ، ويلبس الهيبة وعلم الضمير ، ويطّلع على الغيب ، ويرى ما بين المشرق والمغرب فلا يخفى عليه شيء من عالم الملك والملكوت ، ويعطى منطق الطير عند ولايته .

فهذا الذي يختاره الله لوحيه ، ويرتضيه لغيبه ، ويؤيّده بكلمته ، ويلقّنه حكمته ويجعل قلبه مكان مشيّته ، وينادي له بالسلطنة ، ويذعن له بالإمرة (1) ويحكم له بالطاعة .

وذلك لأنّ الإمامة ميراث الأنبياء ، ومنزلة الأصفياء ، وخلافة الله ، وخلافة رسل الله ، فهي عصمة وولاية وسلطنة وهداية ، وإنّه تمام الدين ورجح الموازين .

الإمام دليل للقاصدين ، ومنار للمهتدين ، وسبيل السالكين ، وشمس مشرقة في قلوب العارفين ، ولايته سبب للنجاة ، وطاعته مفترضة في الحياة ، وعدّة (2) بعد الممات ، وعزّ المؤمنين ، وشفاعة المذنبين ، ونجاة المحبّين ، وفوز التابعين ، لأنّها رأس الإسلام ، وكمال الإيمان ، ومعرفة الحدود والأحكام ، وتبيين الحلال (3) من الحرام ، فهي مرتبة لا ينالها إلاّ من اختاره الله وقدّمه وولاّه وحكّمه .

فالولاية هي حفظ الثغور ، وتدبير الاُمور ، وتعديد الأيّام والشهور (4) .

(1) الإمرة بالكسر : الإمارة والولاية .

(2) العدّة : ما أعددته لحوادث الدهر من مال وسلاح .

(3) في نسخة : وسنن الحلال .

(4) في نسخة : ] وهي بعدد الأيّام والشهور [ ولعلّه مصحّف : وهي بعدد الشهور كما في حاشية البحار .


191

ـ الإمام الماء العذب على الظمأ ، والدالّ على الهدى ، الإمام المطهّر من الذنوب ، المطّلع على الغيوب ، الإمام هو الشمس الطالعة على العباد بالأنوار ، فلا تناله الأيدي والأبصار .

وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿ وَللهِِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (1) والمؤمنون علي وعترته ، فالعزّة للنبي وللعترة ، والنبي والعترة لا يفترقان في العزّة إلى آخر الدهر .

فهم رأس دائرة الإيمان ، وقطب الوجود ، وسماء الجود ، وشرف الموجود وضوء شمس الشرف ونور قمره ، وأصل العزّ والمجد ومبدؤه ومعناه ومبناه ، فالإمام هو السراج الوهّاج ، والسبيل والمنهاج ، والماء الثجّاج ، والبحر العجّاج والبدر المشرق ، والغدير المغدق ، والمنهج الواضح المسالك ، والدليل إذا عمّت المهالك ، والسحاب الهاطل ، والغيث الهامل (2) والبدر الكامل ، والدليل الفاضل والسماء الظليلة ، والنعمة الجليلة ، والبحر الذي لا ينزف ، والشرف الذي لا يوصف والعين الغزيرة ، والروضة المطيرة ، والزهر الأريج ، والبدر البهيج (3) والنيّر اللائح ، والطيب الفائح ، والعمل الصالح ، والمتجر الرابح ، والمنهج

(1) سورة المنافقون : (الآية 8) .

(2) الوهّاج : شديد الاتّقاد . والثجّاج : سيّال شديد الانصباب . والعجاج : الصياح . والمغدق : من غدق عين الماء ، غزرت وعذبت ، ويقال : هطل المطر أي نزل متتابعاً متفرّقاً . عظيم القطر . ويقال : هملت عينه أي فاضت دموعاً . والسماء : دام مطرها في سكون .

(3) البهيج : الحسن .


192

الواضح ، والطيّب الرفيق (1) والأب الشفيق ، مفزع العباد في الدواهي (2) ، والحاكم والآمر والناهي .

مهيمن (3) الله على الخلائق ، وأمينه على الحقائق ، حجّة الله على عباده ومحجّته في أرضه وبلاده ، مطهّر من الذنوب ، مبرّأ من العيوب ، مطّلع على الغيوب ، ظاهره أمر لا يملك ، وباطنه غيب لا يدرك ، واحد دهره ، وخليفة الله في نهيه وأمره .

لا يوجد له مثيل ولا يقوم له بديل .

فمن ذا ينال معرفتنا ، أو يعرف درجتنا ، أو يشهد كرامتنا أو يدرك منزلتنا ؟

حارت (4) الألباب والعقول ، وتاهت الأفهام فيما أقول .

تصاغرت العظماء ، وتقاصرت العلماء ، وكلّت الشعراء ، وخرست البلغاء ولكنت الخطباء ، وعجزت الفصحاء ، وتواضعت الأرض والسماء عن وصف شأن الأولياء .

وهل يُعرف أو يوصف أو يعلم أو يفهم أو يدرك أو يملك من هو شعاع جلال الكبرياء ، وشرف الأرض والسماء ؟

جلّ مقام آل محمّد (صلى الله عليه وآله) عن وصف الواصفين ، ونعت الناعتين ، وأن يقاس بهم أحد من العالمين ، كيف وهم الكلمة العلياء ، والتسمية البيضاء ،

(1) لعلّه مصحّف والطبيب الرفيق .

(2) الدواهي : المصائب والنوائب والشدائد .

(3) المهيمن : بمعنى المؤتمن والشاهد ، والقائم على الخلق بأعمالهم وأرزاقهم .

(4) حار : وتحيّر وتاه : تحيّر وضلّ .


193

والوحدانية الكبرى ، التي أعرض عنها من أدبر وتولّى ، وحجاب الله الأعظم الأعلى .

فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول من هذا ؟ ومن ذا عرف أو وصف من وصفت ؟

ظنّوا أنّ ذلك في غير آل محمّد ، كذبوا وزلّت أقدامهم ، اتّخذوا العجل ربّاً ، والشياطين حزباً ، كلّ ذلك بغضة لبيت الصفوة ودار العصمة ، وحسداً لمعدن الرسالة والحكمة ، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم ، فتبّاً لهم وسحقاً (1) ، كيف اختاروا إماماً جاهلا عابداً للأصنام ، جباناً يوم الزحام ؟

والإمام يجب أن يكون عالماً لا يجهل ، وشجاعاً لا ينكل ، لا يعلو عليه حسب ، ولا يدانيه نسب ، فهو في الذروة من قريش ، والشرف من هاشم ، والبقيّة من إبراهيم ، والنهج من النبع الكريم ، والنفس من الرسول ، والرضى من الله ، والقول عن الله .

فهو شرف الأشراف ، والفرع من عبد مناف ، عالم بالسياسة ، قائم بالرياسة ، مفترض الطاعة إلى يوم الساعة ، أودع الله قلبه سرّه ، وأطلق به لسانه ، فهو معصوم موفّق ليس بجبان ولا جاهل ، فتركوه ياطارق واتّبعوا أهواءهم ﴿ وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ ؟

والإمام ياطارق بشر ملكيّ ، وجسد سماويّ ، وأمر إلهي ، وروح قدسي ، ومقام عليّ ، ونور جليّ ، وسرّ خفي .

(1) تبّاً له أي ألزمه الله خسراناً وهلاكاً .


194

فهو ملك الذات ، إلهيّ الصفات ، زائد الحسنات ، عالم بالمغيبات ، خصّاً من ربّ العالمين ، ونصّاً من الصادق الأمين .

وهذا كلّه لآل محمّد ، لا يشاركهم فيه مشارك ، لأنّهم معدن التنزيل ، ومعنى التأويل ، وخاصّة الربّ الجليل ، ومهبط الأمين جبرئيل ، صفوة الله وسرّه وكلمته ، شجرة النبوّة ، ومعدن الصفوة ، عين المقالة ، ومنتهى الدلالة ، ومحكم الرسالة ، ونور الجلالة ، جنب الله ووديعته ، وموضع كلمة الله ومفتاح حكمته ، ومصابيح رحمة الله وينابيع نعمته ، السبيل إلى الله والسلسلبيل ، والقسطاس المستقيم ، والمنهاج القويم والذكر الحكيم ، والوجه الكريم ، والنور القديم ، أهل التشريف والتقويم والتقديم والتعظيم والتفضيل ، خلفاء النبي الكريم ، وأبناء الرؤوف الرحيم (1) واُمناء العلي العظيم ، ذرّية بعضها من بعض والله سميع عليم .

السنام الأعظم ، والطريق الأقوم ، من عرفهم وأخذ عنهم فهو منهم ، وإليه الإشارة بقوله : ﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي (2) .

خلقهم الله من نور عظمته ، وولاّهم أمر مملكته ، فهم سرّ الله المخزون وأولياؤه المقرّبون ، وأمره بين الكاف والنون (3) ، إلى الله يدعون ، وعنه يقولون وبأمره يعملون .

علم الأنبياء في علمهم ، وسرّ الأوصياء في سرّهم ، وعزّ الأولياء في

(1) المراد به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي وصف بذلك في قوله تعالى : ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ سورة التوبة : الآية 128 .

(2) سورة إبراهيم : الآية 36 .

(3) زاد في المصدر : لا بل هم الكاف والنون .


195

عزّهم كالقطرة في البحر ، والذرّة في القفر .

والسماوات والأرض عند الإمام كيده من راحته يعرف ظاهرها من باطنها ، ويعلم برّها من فاجرها ، ورطبها ويابسها ، لأنّ الله علّم نبيّه علم ما كان وما يكون ، ووَرِثَ ذلك السرّ المصون الأوصياء المنتجبون ، ومن أنكر ذلك فهو شقي ملعون يلعنه الله ويلعنه اللاعنون .

وكيف يفرض الله على عباده طاعة من يحجب عنه ملكوت السماوات والأرض ؟

وإنّ الكلمة من آل محمّد تنصرف إلى سبعين وجهاً .

وكلّ ما في الذكر الحكيم والكتاب الكريم والكلام القديم من آية تذكر فيها العين والوجه واليد والجنب فالمراد منها الولي ، لأنّه جنب الله ، ووجه الله ، يعني حقّ الله ، وعلم الله ، وعين الله ، ويد الله ، فهم الجنب العلي ، والوجه الرضي ، والمنهل الرويّ والصراط السوي والوسيلة إلى الله ، والوصلة إلى عفوه ورضاه .

سرّ الواحد والأحد ، فلا يقاس بهم من الخلق أحد ، فهم خاصّة الله وخالصته ، وسرّ الديّان وكلمته ، وباب الإيمان وكعبته ، وحجّة الله ومحجّته وأعلام الهدى ورايته ، وفضل الله ورحمته ، وعين اليقين وحقيقته ، وصراط الحقّ وعصمته ، ومبدأ الوجود وغايته ، وقدرة الربّ ومشيّته ، واُمّ الكتاب وخاتمته ، وفصل الخطاب ودلالته ، وخزنة الوحي وحفظته ، وآية الذكر وتراجمته ، ومعدن التنزيل ونهايته .

فهم الكواكب العُلوية ، والأنوار العَلَوية ، المشرقة من شمس العصمة الفاطميه ، في سماء العظمة المحمّدية ، والأغصان النبوية النابتة في الدوحة


196

وَالْقادَةِ الْهُداةِ (1) الأحمدية ، والأسرار الإلهية المودعة في الهياكل البشرية ، والذرّية الزكية ، والعترة الهاشمية ، الهادية المهدية ، اُولئك هم خير البريّة .

فهم الأئمّة الطاهرون ، والعترة المعصومون ، والذرّية الأكرمون ، والخلفاء الراشدون ، والكبراء الصدّيقون ، والأوصياء المنتجبون ، والأسباط المرضيّون والهداة المهديّون ، والغرّ الميامين من آل طه وياسين ، وحجج الله على الأوّلين والآخرين .

إسمهم مكتوب على الأحجار ، وعلى أوراق الأشجار ، وعلى أجنحة الأطيار ، وعلى أبواب الجنّة والنار ، وعلى العرش والأفلاك ، وعلى أجنحة الأملاك وعلى حجب الجلال ، وسرادقات العزّ والجمال ، وبإسمهم تسبّح الأطيار ، وتستغفر لشيعتهم الحيتان في لجج البحار .

وإنّ الله لم يخلق أحداً إلاّ وأخذ عليه الإقرار بالوحدانية والولاية للذرّية الزكية والبراءة من أعدائهم .

وإنّ العرش لم يستقرّ حتّى كتب عليه بالنور : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله علي ولي الله » (1) .

(1) ـ القادة : جمع قائد ، وهو الأمير والرئيس ومن يقود ، يقال : (قوّاد أهل الجنّة) بمعنى الذين يسبقونهم ويقودونهم ويجرّونهم إلى الجنّة (2) .

والهداة : جمع هادي ، فاعل الهداية ، وهي الدلالة والبيان والإرشاد .

(1) بحار الأنوار : ج25 ص169 ب4 ح38 ، عن مشارق الأنوار : ص114 ـ 118 .

(2) لاحظ مجمع البحرين : ص224 .


197

وَالسّادَةِ الْوُلاةِ (1) وآل الرسول سلام الله عليهم هم القادة الهداة الذين يقودون شيعتهم إلى روضات الجنّات ، وأعلى الدرجات ، ويهدونهم إلى صراط الله ، وطريق النجاة .

وقد قال الله تعالى فيهم : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (1) كما تلاحظ تفسيرها بالأئمّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين في أحاديث البرهان (2) .

وهم المعنيّون بقوله تعالى : ﴿ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد (3) كما تلاحظه في حديث عبدالرحيم القصير (4) .

وتدلّ عليه الأحاديث المتظافرة ، من ذلك :

حديث الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال : « آل محمّد (صلى الله عليه وآله) أبواب الله وسبيله ، والدعاة إلى الجنّة ، والقادة إليها ، والأدلاّء عليها إلى يوم القيامة » (5) .

(1) ـ السادة : جمع السيّد ، مأخوذ من ساد يسود سيادةً ، والاسم : السؤدد يعني المجد الشرف .

والسيّد في اللغة هو الرئيس ، الكبير في قومه ، المطاع في عشيرته ، ويطلق على الذي يفوق في الخير ، والمالك ، والشريف ، والفاضل ، والكريم ، والحليم ، والمتحمّل أذى قومه ، والمقدَّم .

من ذلك حديث النبي (صلى الله عليه وآله) : « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » .

(1) سورة الأنبياء : الآية 73 .

(2) تفسير البرهان : ج2 ص694 ، تفسير كنز الدقائق : ج8 ص441 .

(3) سورة الرعد : الآية 7 .

(4) الكافي : ج1 ص192 ح4 .

(5) بحار الأنوار : ج2 ص104 ب14 ح60 .


198

وفي حديث الحسنين (عليهما السلام) : « أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة » (1) .

وأهل البيت (عليهم السلام) حائزون هذه السيادة المثلى على جميع أهل الدنيا ، كما يدلّ عليه :

حديث الإمام الرضا (عليه السلام) : « نحن سادة في الدنيا ، وملوك في الآخرة » (2) .

والولاة : جمع الوالي ، وهو الأولى بالتصرّف ، والأحقّ ، والذي يلي التدبير كما هو معناه الشائع الحقيقي المعهود ، وتظافر نقله في أصل اللغة .

وأهل البيت (عليهم السلام) الذين هم السادة بجميع معنى الكلمة هم أولياء الله ، والولاة من قِبَلِه ، والأولى بالخلق من أنفسهم بنصّ الكتاب الأعظم ، وتنصيص الرسول الأكرم في آيات عديدة ، وأحاديث متواترة ، متّفق عليها بين الفريقين ، ذكرنا تفصيل الإستدلال بها من الأدلّة الأربعة في مبحث الإمامة (3) .

قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (4) .

ونَصَّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في حديث الغدير الشريف بقوله : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » .

وأهل البيت (عليهم السلام) لهم ـ بإذن الله تعالى ـ الولاية الإلهية المطلقة على جميع الكائنات ، من الذروة إلى الذرّة ، تكوينية وتشريعية بالبيان التالي :

(1) مجمع البحرين : مادّة سَيَد ص210 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص262 ح44 .

(3) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص291 .

(4) سورة المائدة : الآية 55 .


199

أمّا الولاية التشريعية فهي الولاية الإلهية الثابتة لهم في عالم التشريع ، وأولويتهم بالناس من أنفسهم في كلّ شيء ، ومنصبهم الشرعي في التصدّي لجميع الاُمور الشرعية .

وهي التي أشرنا إليها آنفاً ، الثابتة بالأدلّة الأربعة .

وأمّا الولاية التكوينية فهي السلطنة الثابتة لهم (عليهم السلام) ـ بإذن الله وحوله وقوّته ـ على جميع الموجودات ، فجميعها تابعة وخاضعة ومسخّرة لهم (عليهم السلام) ، فيتصرّفون في عالم الكون تصرّفاً تكوينياً وهذه الولاية هي التي تراها في معاجزهم الثابتة بالأدلّة المتواترة والتي هي من مظاهر ولايتهم التكوينية .

وقد دلّ على هذه الولاية في أهل البيت (عليهم السلام) الدليل العلمي المتواتر مثل :

1 ـ حديث يونس الذي يبيّن الطاعة العملية الكونية لهم (عليهم السلام) ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) جاء فيه : قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : « اجتمعوا أربعة عشر رجلا أصحاب العقبة ليلة أربع عشرة من ذي الحجّة ، فقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله) : ما من نبي إلاّ وله آية ، فما آيتك في ليلتك هذه ؟

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : ما الذي تريدون ؟

فقالوا : إن يكن لك عند ربّك قدر فأمر القمر أن ينقطع قطعتين .

فهبط جبرئيل فقال : يامحمّد إنّ الله يقرئك السلام ويقول لك : إنّي قد أمرت كلّ شيء بطاعتك .

فرفع رأسه فأمر القمر أن ينقطع قطعتين ، فانقطع قطعتين ، فسجد النبي (صلى الله عليه وآله) شكراً لله وسجد شيعتنا ، ثمّ رفع النبي (صلى الله عليه وآله) رأسه ورفعوا رؤوسهم .

فقالوا : تعيده كما كان . فعاد كما كان .


200

ثمّ قالوا : ينشقّ رأسه فأمره فانشقّ ، فسجد النبي (صلى الله عليه وآله) شكراً لله وسجد شيعتنا » (1) .

2 ـ حديث هشام ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً (2) ما ذلك الملك العظيم ؟

قال : « فرض الطاعة ومن ذلك طاعة جهنّم لهم يوم القيامة ياهشام » (3) .

3 ـ حديث سلمان وأبي ذرّ ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال : ... ياسلمان وياجندب .

قالا : لبّيك ياأمير المؤمنين صلوات الله عليك .

قال (عليه السلام) : « أنا اُحيي واُميت بإذن ربّي ، وأنا اُنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم بإذن ربّي ، وأنا عالم بضمائر قلوبكم ، والأئمّة من أولادي (عليهم السلام) يعلمون ويفعلون هذا إذا أحبّوا وأرادوا لأنّا كلّنا واحد ، أوّلنا محمّد وآخرنا محمّد وأوسطنا محمّد وكلّنا محمّد فلا تفرّقوا بيننا ، ونحن إذا شئنا شاء الله وإذا كرهنا كره الله .

الويل كلّ الويل لمن أنكر فضلنا وخصوصيّتنا وما أعطانا الله ربّنا ، لأنّ من أنكر شيئاً ممّا أعطانا الله فقد أنكر قدرة الله عزّوجلّ ومشيّته فينا » .

ياسلمان وياجندب ، قالا : لبّيك ياأمير المؤمنين صلوات الله عليك .

(1) كنز الدقائق : ج12 ص529 .

(2) سورة النساء : الآية 54 .

(3) بصائر الدرجات : ص35 ب17 ح1 .


201

قال (عليه السلام) : « لقد أعطانا الله ربّنا ما هو أجلّ وأعظم وأعلى وأكبر من هذا كلّه » .

قلنا : ياأمير المؤمنين ما الذي أعطاكم ما هو أعظم وأجلّ من هذا كلّه ؟

قال : « قد أعطانا ربّنا عزّوجلّ علمنا للإسم الأعظم ، الذي لو شئنا خرقت السماوات والأرض والجنّة والنار ، ونعرج به إلى السماء ونهبط به الأرض ، ونغرّب ونشرّق وننتهي به إلى العرش فنجلس (1) عليه بين يدي الله عزّوجلّ ، ويطيعنا كلّ شيء حتّى السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والبحار والجنّة والنار ، أعطانا الله ذلك كلّه بالاسم الأعظم الذي علّمنا وخصّنا به ، ومع هذا كلّه نأكل ونشرب ونمشي في الأسواق ، ونعمل هذه الأشياء بأمر ربّنا ونحن عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .

وجعلنا معصومين مطهّرين وفضّلنا على كثير من عباده المؤمنين ، فنحن نقول : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله وحقّت كلمة العذاب على الكافرين ، أعني الجاحدين بكلّ ما أعطانا الله من الفضل والإحسان ، ياسلمان وياجندب فهذا معرفتي بالنورانية فتمسّك بها راشداً فإنّه لا يبلغ أحد من شيعتنا حدّ الإستبصار حتّى يعرفني بالنورانية ، فإذا عرفني بها كان مستبصراً بالغاً كاملا قد خاض بحراً من العلم ، وارتقى درجة من الفضل ، واطّلع على سرّ من سرّ الله ، ومكنون خزائنه » (2) .

(1) في الهامش : هذا كناية عن شدّة قربهم وعظم منزلتهم عند الله ، أو كناية عن إحاطتهم العلمية باُمور السماوات والأرضين بإفاضة الله تعالى إيّاهم ، أو قدرتهم عليها واطاعتها لهم (عليهم السلام) .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص6 ـ 7 ب1 ح1 .


202

4 ـ حديث جابر ، عن الإمام السجّاد (عليه السلام) أنّه قال : « ... اخترَعَنا من نور ذاته وفوّض إلينا اُمور عباده ، فنحن نفعل بإذنه ما نشاء ، ونحن إذا شئنا شاء الله ، وإذا أردنا أراد الله ونحن أحلّنا الله عزّوجلّ هذا المحلّ ، واصطفانا من بين عباده ، وجعلنا حجّته في بلاده .

فمن أنكر شيئاً وردّه فقد ردّ على الله جلّ إسمه وكفر بآياته وأنبيائه ورسله ياجابر من عرف الله تعالى بهذه الصفة فقد أثبت التوحيد » (1) .

5 ـ حديث زرارة ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يحدّث عن آبائه (عليهم السلام) أنّ مريضاً شديد الحمّى عاده الحسين (عليه السلام) فلمّا دخل باب الدار طارت الحمّى عن الرجل ، فقال له : رضيت بما اُوتيتم به حقّاً حقّاً ، والحمّى تهرب عنكم .

فقال له الحسين (عليه السلام) : « والله ما خلق الله شيئاً إلاّ وقد أمره بالطاعة لنا » ... الحديث (2) .

6 ـ حديث ابن فضّال ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في وفد خراسان جاء فيه : « سبحان الذي سخّر للإمام كلّ شيء ، وجعل له مقاليد السماوات والأرض لينوب عن الله في خلقه ويقيم فيهم حدوده ، كما تقدّم إليه ليثبت حجّة الله على خلقه ، فإنّ الإمام حجّة الله تعالى في خلقه » (3) .

7 ـ حديث سليمان بن خالد المتقدّم عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال :

(1) بحار الأنوار : ج26 ص14 ب1 ح2 .

(2) بحار الأنوار : ج44 ص183 ب25 ح8 .

(3) الثاقب في المناقب : ص418 ح2 .


203

سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « ما من شيء ولا من آدمي ، ولا إنسي ولا جنّي ، ولا ملك في السماوات إلاّ ونحن الحجج عليهم ، وما خلق الله خلقاً إلاّ وقد عرض ولايتنا عليه ، واحتجّ بنا عليه ، فمؤمن بنا وكافر جاحد حتّى السماوات والأرض والجبال ... » (1) .

8 ـ حديث محمّد بن سنان ، عن الإمام الجواد (عليه السلام) أنّه قال له : « يامحمّد إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيته ثمّ خلق محمّداً وعلياً وفاطمة ، فمكثوا ألف دهر ، ثمّ خلق جميع الأشياء ، فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض اُمورها إليهم ، فهم يحلّون ما يشاؤون ويحرّمون ما يشاؤون ، ولن يشاؤوا إلاّ أن يشاء الله تبارك وتعالى .

ثمّ قال : يامحمّد هذه الديانة التي من تقدّمها مَرَق ومن تخلّف عنها محق ومن لزمها لحق ، خذها إليك يامحمّد » (2) .

9 ـ حديث الثمالي ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : « أوحى الله تعالى إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) إنّي خلقتك ولم تك شيئاً ، ونفخت فيك من روحي كرامة منّي أكرمتك بها حين اُوجبت لك الطاعة على خلقي جميعاً ، فمن أطاعك فقد أطاعني ومن عصاك فقد عصاني ، وأوجبت ذاك في علي وفي نسله ممّن اختصصته منهم لنفسي » (3) .

10 ـ حديث يونس ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارة الإمام

(1) مستطرفات السرائر : ج3 ص575 .

(2) الكافي : ج1 ص441 ح5 .

(3) الكافي : ج1 ص440 ح4 .


204

وَالذّادَةِ الْحُماةِ (1) الحسين (عليه السلام) قلت : جعلت فداك إنّي اُريد أن أزوره فكيف أقول وكيف أصنع ؟

قال : إذا أتيت أبا عبدالله (عليه السلام) فاغتسل على شاطيء الفرات ، ثمّ البس ثيابك الطاهرة ، ثمّ امش حافياً فإنّك في حرم من حرم الله وحرم رسوله ، وعليك بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والتعظيم لله عزّوجلّ كثيراً ، والصلاة على محمّد وأهل بيته ، حتّى تصير إلى باب الحير ، ثمّ تقول :

السلام عليك ياحجّة الله وابن حجّته ... من أراد الله بدأ بكم ، بكم يبيّن الله الكذب وبكم يباعد الزمان الكَلِب ، وبكم فتح الله ، وبكم يختم الله ، وبكم يمحو الله ما يشاء وبكم يثبت ، وبكم يفكّ الذلّ من رقابنا ، وبكم يدرك الله ترة كلّ مؤمن يطلب بها وبكم تنبت الأرض أشجارها ، وبكم تخرج الأشجار أثمارها ، وبكم تنزّل السماء قطرها ورزقها ، وبكم يكشف الله الكرب ، وبكم ينزّل الله الغيث ، وبكم تسيخ الأرض (1) التي تحمل أبدانكم ، وتستقرّ جبالها عن مراسيها .

إرادة الربّ في مقادير اُموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم ، والصادر عمّا فصل من أحكام العباد » (2) .

(1) ـ الذادة : جمع الذائد مأخوذ من الذّود وهو دفع الضرر والضارّ ، مثل الذبّ بمعنى المنع والدفع ، أي الذين يدفعون عن دين الله تعالى ، ويُبَعّدون الناس عمّا

(1) « وبكم تسيخ » ـ بالسين المهملة والياء المثنّاة التحتانية والخاء المعجمة ـ أي تستقرّ وتثبت الأرض بكم لكونها حاملة لأبدانكم الشريفة أحياءً وأمواتاً ، وفي بعض النسخ بالباء الموحّدة والهاء المهملة يعني تسبّح فيمكن أن يقرأ على بناء المفعول أي تُقدّس وتُنزّه وتُذكر بالخير بيوتكم وضرائحكم ومواضع آثاركم ، كما في مرآة العقول .

(2) الكافي : ج4 ص576 ـ 577 ح2 .


205

يهلكهم ويردّون كيد الكائدين كما في حديث ابن وهب (1) .

وفي الحديث الجامع لصفات الإمام (عليه السلام) « يَذُبّ عن دين الله » و « الذابّ عن حُرَمِ الله » (2) .

وصرّح بها حديث جابر : « نحن الكفاة والولاة والحماة » (3) .

والحماة : جمع الحامي من الحماية ، يقال : حمى الطبيبُ المريضَ أي منعه وجنّبه عمّا يضرّه ، وحمى الضعيف أي ساعَدَه .

وأهل البيت سلام الله عليهم يحمون شيعتهم عن المذاهب الفاسدة ، والمهالك الكبيرة في الدنيا والآخرة ، بعناياتهم وبركاتهم وشفاعتهم .

وقد وردت بذلك الأخبار المتواترة ، والأدلّة المتظافرة وعرفه الوجدان ، وأقرّ به كلّ ذي إيمان كما تلاحظه في أحاديث الاستشفاع (4) وأحاديث الشفاعة (5) .

وتلاحظ لطفهم (عليهم السلام) في عدم إهمال ذكرنا ومراعاتنا في توقيع الناحية المقدّسة للشيخ المفيد (قدس سره) .

جاء في التوقيع الأوّل : « إنّا غير مهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء » .

(1) الكافي : ج1 ص54 ح5 .

(2) الكافي : ج1 ص200 ح1 .

(3) بحار الأنوار : ج25 ص22 ب1 ح38 .

(4) بحار الأنوار : ج26 ص319 ب7 الأحاديث .

(5) بحار الأنوار : ج8 ص29 ب21 ح42 و31 و59 .


206

وَاَهْلِ الذِّكْرِ (1) وجاء في التوقيع الثاني : « لأنّنا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء ، فليطمئن بذلك من أولياءنا القلوب ، وليثقوا بالكفاية منه وإن راعتهم بهم الخطوب ، والعاقبة بجميل صنع الله سبحانه تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب » (1) .

(1) ـ إشارة إلى أنّ أهل بيت العصمة سلام الله عليهم هم أهل الذكر الذين أمر الله تعالى بمسألتهم في القرآن الكريم حيث قال : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (2) .

كما ورد تفسيره بهم في الأخبار المتواترة (21) حديثاً من طرق الخاصّة ، و (23) حديثاً من طرق العامّة (3) .

والذِّكر في اللغة هو المذكِّر .

وهو إمّا عبارة عن القرآن الكريم الذي لا يزال يُذكِّر ويُذَكّرُ به بدليل قوله تعالى : ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ (4) .

وأمّا عبارة عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي هو أعظم مذكّر بالله إلى يوم القيامة ، بدليل قوله عزّ إسمه : ﴿ قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولا يَتْلُوْا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ (5) .

(1) الاحتجاج : ج2 ص323 ـ 324 .

(2) سورة النحل : الآية 43 .

(3) غاية المرام : ص240 .

(4) سورة الزخرف : الآية 44 .

(5) سورة الطلاق : الآية 10 ـ 11 .


207

وَاُولِي الاَْمْرِ (1) وبكلا المعنيين يكون المعصومون أهل الذكر ، إذ هم أهل بيت الوحي القرآني ، وأهل البيت النبوي ، كما تلاحظه في أحاديثه الوافرة (1) من ذلك :

1 ـ حديث محمّد بن مسلم ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : « إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول الله عزّوجلّ : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أنّهم اليهود والنصارى .

قال : إذاً يدعونكم إلى دينهم ، قال : ـ قال بيده إلى صدره ـ : نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون » (2) .

2 ـ حديث الفضل ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ .

قال : « الذكر القرآن ونحن قومه ونحن المسؤولون » (3) .

3 ـ حديث عبدالله بن عجلان ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) : في قول الله عزّوجلّ : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « الذكر أنا ، والأئمّة أهل الذكر » (4) .

(1) ـ تقدّم أنّ اُولي جمع لا واحد له من لفظه ، ويستعمل ذو مكان مفرده ، واُولو بمعنى أصحاب .

(1) الكافي : ج1 ص210 الأحاديث التسعة ، وبحار الأنوار : ج23 ص173 ب9 65 حديثاً .

(2) الكافي : ج1 ص211 ح7 .

(3) الكافي : ج1 ص211 ح5 .

(4) الكافي : ج1 ص210 ح1 .


208

واُولو الأمر أي الذين هم أولياء الأمر وولاة التدبير .

والأمر تقدّم معناه في فقرة « والمستقرّين في أمر الله » .

وهذا إشارة إلى أنّ أهل البيت سلام الله عليهم هم الذين أمر الله بإطاعتهم في قوله عزّ إسمه : ﴿ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ (1) .

وقد وردت الأخبار المتواترة أيضاً من طرق الفريقين بتفسيرها بالآل الكرام صلوات الله عليهم (14) حديثاً من الخاصّة ، و (11) حديثاً من العامّة (2) .

فمن الخاصّة مثل حديث الشيخ الصدوق باسناده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال : سألت النبي (صلى الله عليه وآله) عن قوله تعالى : ﴿ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ عرفنا الله ورسوله فمن اُولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك ؟

قال (صلى الله عليه وآله) : « هم خلفائي ياجابر وأئمّة المسلمين من بعدي أوّلهم علي بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ علي بن الحسين ، ثمّ محمّد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ستدركه ياجابر فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام ، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ علي بن موسى ، ثمّ محمّد بن علي ، ثمّ علي بن محمّد ، ثمّ الحسن بن علي ، ثمّ سميّي وكنيّي حجّة الله في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن علي ، ذلك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها ... » (3) .

(1) سورة النساء : الآية 59 .

(2) غاية المرام : ص263 ، إحقاق الحقّ : ج3 ص424 ، وج14 ص348 .

(3) غاية المرام : ص267 ح10 .


209

وَبَقِيَّةِ اللّهِ (1) ومن العامّة مثل حديث الحاكم الحسكاني بسنده عن علي (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« شركائي الذين قرنهم الله بنفسه وبي وأنزل فيهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ الآية ، فإن خفتم تنازعاً في أمر فأرجعوه إلى الله والرسول واُولي الأمر .

قلت : يانبي الله مَن هم ؟

قال : أنت أوّلهم » (1) .

فهم أصحاب ولاية الأمر المقترنة ولايتهم مع ولاية الله والرسول ، بل إنحصرت بهم الولاية العظمى في قوله عزّ إسمه : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (2) .

فقد فسّرت بأهل البيت (عليهم السلام) من طرق الخاصّة في (19) حديثاً ومن طرق العامّة في (24) حديثاً (3) ، واعترف به العامّة في (66) كتاباً من مصادرهم (4) ، وقد فصّلنا بيان الإستدلال به في كتاب العقائد (5) .

(1) ـ بقيّة : جمعها بقايا وبقيّات مثل عطيّة التي جمعها عطايا وعطيّات ، هي ما يُبقى ويدّخر ، وهي تكون طبعاً ممّا هي نفيسة في ذاتها وينتفع بها في بقائها .

(1) إحقاق الحقّ : ج13 ص348 .

(2) سورة المائدة : الآية 55 .

(3) غاية المرام : ص103 .

(4) الغدير : ج3 ص156 .

(5) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص291 .


210

وبقيّة الله هم من أبقاهم الله رحمة لعباده ، وحججاً على خلقه .

وهي إشارة إلى الآية المباركة قوله تعالى : ﴿ بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1) .

فقد فُسّرت بأهل البيت الذين هم بقيّة خلفاء الله وحججه في الأرض من الأنبياء والأوصياء ، فهم الذين أبقاهم الله ويبقيهم إلى آخر الدنيا حججاً لهداية الخلق إلى الله ، ولا يخلو منهم عصر .

هذا وتأتي البقيّة أيضاً بمعنى الرحمة فهم رحمة الله التي مَنّ بها على عباده كرسول الله الذي كان رحمةً للعالمين .

والآية الشريفة هذه وإن كان تنزيلها في النبي شعيب (عليه السلام) ، إلاّ أنّ تأويلها في المعصومين سلام الله عليهم أجمعين .

وقد تمثّل بها المعصومون (عليهم السلام) ووُصفوا بها في عدّة موارد وأحاديث :

1 ـ تمثّل بها الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث سفره إلى الشام ننقله بتفصيله لجزيل فائدته :

ذكر السيّد ابن طاووس (رحمه الله) في كتاب أمان الأخطار ناقلا عن كتاب دلائل الإمامة تصنيف محمّد بن جرير الطبري الإمامي ، من أخبار معجزات مولانا محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام) . ذكره باسناده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال :

حجّ هشام بن عبدالملك بن مروان سنة من السنين ، وكان قد حجّ في تلك السنة محمّد بن علي الباقر وإبنه جعفر بن محمّد (عليهم السلام) فقال جعفر بن

(1) سورة هود : الآية 86 .


211

محمّد (عليهما السلام) : « الحمد لله الذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً وأكرمنا به فنحن صفوة الله على خلقه وخيرته من عباده وخلفاؤه ، فالسعيد من اتّبعنا والشقيّ من عادانا وخالفنا » .

ثمّ قال : فأخبر مسلمة أخاه بما سمع فلم يعرض لنا ، حتّى انصرف إلى دمشق وانصرفنا إلى المدينة ، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه فأشخصنا .

فلمّا وردنا مدينة دمشق حجبنا ثلاثاً ، ثمّ أذن لنا في اليوم الرابع فدخلنا ، وإذا قد قعد على سرير الملك ، وجنده وخاصّته وقوف على أرجلهم سماطان متسلّحان ، وقد نصب البُرجاس ـ الهدف ـ حذاه ، وأشياخ قومه يرمون ، فلمّا دخلنا وأبي أمامي وأنا خلفه ، فنادى أبي وقال : يامحمّد ارم مع أشياخ قومك الغرض .

فقال له : إنّي قد كبرت عن الرمي فهل رأيت أن تعفيني ؟

فقال : وحقّ من أعزّنا بدينه ونبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله) لا أعفيك ، ثمّ أومأ إلى شيخ من بني اُميّة أن أعطه قوسك فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ ثمّ تناول منه سهماً ، فوضعه في كبد القوس ، ثمّ انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه ، ثمّ رمى فيه الثانية فشقّ فواق سهمه إلى نصله ، ثمّ تابع الرمي حتّى شقّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض ، وهشام يضطرب في مجلسه فلم يتمالك إلاّ أن قال : أجدت ياأبا جعفر وأنت أرمى العرب والعجم ، هلاّ زعمت أنّك كبرت عن الرمي ، ثمّ أدركته ندامة على ما قال .

وكان هشام لم يكن كنّى أحداً قبل أبي ولا بعده في خلافته ، فهمّ به وأطرق إلى الأرض إطراقة يتروّى فيها وأنا وأبي واقف حذاه مواجهين له .


212

ـ فلمّا طال وقوفنا غضب أبي فهمّ به ، وكان أبي (عليه السلام) إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان يرى الناظر الغضب في وجهه ، فلمّا نظر هشام إلى ذلك من أبي ، قال له : إليّ يامحمّد ! فصعد أبي إلى السرير ، وأنا أتبعه ، فلمّا دنا من هشام ، قام إليه واعتنقه وأقعده عن يمينه ، ثمّ اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي ، ثمّ أقبل على أبي بوجهه ، فقال له : يامحمّد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك ، لله درّك ، مَن علّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلّمته ؟

فقال أبي : قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيّام حداثتي ثمّ تركته ، فلمّا أراد أمير المؤمنين منّي ذلك عدت فيه .

فقال له : ما رأيت مثل هذا الرمي قطّ مذ عقلت ، وما ظننت أنّ في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي ، أيرمي جعفر مثل رميك ؟

فقال : « إنّا نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيّه (صلى الله عليه وآله) في قوله : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلاَمَ دِيناً (1) والأرض لا تخلو ممّن يكمل هذه الاُمور التي يقصر غيرنا عنها » .

قال : فلمّا سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فاحولّت واحمرّ وجهه ، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثمّ أطرق هُنيئة ثمّ رفع رأسه ، فقال لأبي : ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟

فقال أبي : « نحن كذلك ولكنّ الله جلّ ثناؤه اختصّنا من مكنون سرّه ، وخالص علمه بما لم يخصّ أحداً به غيرنا » .

(1) سورة المائدة : الآية 3 .


213

فقال : أليس الله جلّ ثناؤه بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله) من شجرة عبد مناف إلى الناس كافّة أبيضها وأسودها وأحمرها ، من أين ورثتم ما ليس لغيركم ؟ ورسول الله (صلى الله عليه وآله) مبعوث إلى الناس كافّة وذلك قول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَللهِِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ (1) إلى آخر الآية فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمّد نبي ولا أنتم أنبياء ؟

فقال : « من قوله تبارك وتعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله) : ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (2) ، الذي لم يحرّك به لسانه لغيرنا أمره الله أن يخصّنا به من دون غيرها ، فلذلك كان ناجى أخاه عليّاً من دون أصحابه فأنزل الله بذلك قرآناً في قوله : ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (3) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه : سألت الله أن يجعلها اُذنك ياعلي ، فلذلك قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالكوفة : علّمني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم ففتح كلّ باب ألف باب ، خصّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكنون سرّه بما يخصّ أمير المؤمنين أكرم الخلق عليه ، فكما خصّ الله نبيّه (صلى الله عليه وآله) خصّ نبيّه (صلى الله عليه وآله) أخاه علياً من مكنون سرّه بما لم يخصّ به أحداً من قومه ، حتّى صار إلينا فتوارثنا من دون أهلنا » .

فقال هشام بن عبدالملك : إنّ علياً كان يدّعي علم الغيب والله لم يطلع على غيبه أحداً ، فمن أين ادّعى ذلك ؟

فقال أبي : « إنّ الله جلّ ذكره أنزل على نبيّه (صلى الله عليه وآله) كتاباً بيّن فيه ما كان وما

(1) سورة آل عمران : الآية 180 .

(2) سورة القيامة : الآية 16 .

(3) سورة الحاقة : الآية 12 .


214

يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى : ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (1) وفي قوله : ﴿ وَكُلَّ شَيْء أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُّبِين (2) وفي قوله : ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْء (3) وأوحى الله إلى نبيّه (صلى الله عليه وآله) أن لا يبقي في غيبه وسرّه ومكنون علمه شيئاً إلاّ يناجي به عليّاً ، فأمره أن يؤلّف القرآن من بعده ويتولّى غسله وتكفينه وتحنيطه من دون قومه ، وقال لأصحابه : حرام على أصحابي وأهلي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي ، فإنّه منّي وأنا منه ، له ما لي وعليه ما علىّ ، وهو قاضي دَيني ومنجز وعدي . ثمّ قال لأصحابه : علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلاّ عند علي (عليه السلام) ، ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه : أقضاكم علي أي هو قاضيكم وقال عمر بن الخطّاب : لولا علي لهلك عمر ، يشهد له عمر ويجحده غيره » .

فأطرق هشام طويلا ثمّ رفع رأسه فقال : سل حاجتك .

فقال : خلّفت عيالي وأهلي مستوحشين لخروجي .

فقال : قد آنس الله وحشتهم برجوعك إليهم ولا تقم ، سر من يومك ، فاعتنقه أبي ودعا له وفعلت أنا كفعل أبي ، ثمّ نهض ونهضت معه وخرجنا إلى بابه ، إذا ميدان ببابه وفي آخر الميدان اُناس قعود عدد كثير .

قال أبي : مَن هؤلاء ؟

(1) سورة النحل : الآية 89 .

(2) سورة يس : الآية 12 .

(3) سورة الأنعام : الآية 38 .


215

فقال الحجّاب : هؤلاء القسّيسون والرهبان وهذا عالم لهم يقعد إليهم في كلّ سنة يوماً واحداً يستفتونه فيفتيهم .

فلفّ أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه وفعلت أنا مثل فعل أبي ، فأقبل نحوهم حتّى قعد نحوهم وقعدت وراء أبي ، ورُفع ذلك الخبر إلى هشام ، فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي .

فأقبل وأقبل عداد من المسلمين فأحاطوا بنا ، وأقبل عالم النصارى وقد شدّ حاجبيه بحريرة صفراء حتّى توسّطنا ، فقام إليه جميع القسّيسين والرهبان مسلّمين عليه ، فجاؤوا به إلى صدر المجلس فقعد فيه ، وأحاط به أصحابه وأبي وأنا بينهم ، فأدار نظره ثمّ قال : لأبي : أمنّا أم من هذه الاُمّة المرحومة ؟

فقال أبي : بل من هذه الاُمّة المرحومة .

فقال : من أيّهم أنت من علمائها أم من جهّالها ؟

فقال له أبي : لست من جهّالها .

فاضطرب اضطراباً شديداً .

ثمّ قال له : أسألك ؟

فقال له أبي : سل .

فقال : من أين ادّعيتم أنّ أهل الجنّة يطعمون ويشربون ولا يحدثون ولا يبولون ؟ وما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يجهل ؟

فقال له أبي : « دليل ما ندّعي من شاهد لا يُجهل : الجنين في بطن اُمّه يطعم ولا يحدث » ، قال : فاضطرب النصراني اضطراباً شديداً ، ثمّ قال : هلاّ زعمت أنّك لست من علمائها ؟


216

فقال له أبي : ولا من جهّالها ، وأصحاب هشام يسمعون ذلك .

فقال لأبي : أسألك عن مسألة اُخرى ؟

فقال له أبي : سل .

فقال : من أين ادّعيتم أنّ فاكهة الجنّة أبداً غضّة طريّة موجودة غير معدومة عند جميع أهل الجنّة ؟ وما الدليل عليه من شاهد لا يُجهل ؟

فقال له أبي : « دليل ما ندّعي أنّ ترابنا أبداً يكون غضّاً طريّاً موجوداً غير معدوم عند جميع أهل الدنيا لا ينقطع » .

فاضطرب اضطراباً شديداً ، ثمّ قال : هلاّ زعمت أنّك لست من علمائها ؟

فقال له أبي : ولا من جهّالها .

فقال له : أسألك عن مسألة ؟

فقال : سل .

فقال : أخبرني عن ساعة لا من ساعات الليل ولا من ساعات النهار .

فقال له أبي : « هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يهدأ فيها المبتلى ، ويرقد فيها الساهر ، ويفيق المغمى عليه ، جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين وفي الآخرة للعاملين لها دليلا واضحاً وحجّة بالغة على الجاحدين المتكبّرين التاركين لها » .

قال : فصاح النصراني صيحة ثمّ قال : بقيت مسألة واحدة والله لأسألك عن مسألة لا تهدي إلى الجواب عنها أبداً .

قال له أبي : سل فإنّك حانث في يمينك .

فقال : أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد عمّر


217

أحدهما خمسون سنة ، وعمّر الآخر مائة وخمسون سنة في دار الدنيا .

فقال له أبي : « ذلك عُزير وعُزيرة ولدا في يوم واحد ، فلمّا بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين عاماً ، مرّ عزير على حماره راكباً على قرية بأنطاكية وهي خاوية على عروشها ﴿ قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا (1) وقد كان اصطفاه وهداه ، فلمّا قال ذلك القول غضب الله عليه فأماته الله مائة عام سخطاً عليه بما قال .

ثمّ بعثه على حماره بعينه وطعامه وشرابه وعاد إلى داره ، وعزيرة أخوه لا يعرفه فاستضافه فأضافه ، وبعث إليه ولد عزيرة وولد ولده وقد شاخوا وعزير شاب في سنّ خمس وعشرين سنة ، فلم يزل عزير يذكّر أخاه وولده وقد شاخوا وهم يذكرون ما يذكّرهم ويقولون : ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون والشهور ، ويقول له عزيرة وهو شيخ كبير ابن مائة وخمسة وعشرين سنة : ما رأيت شابّاً في سنّ خمسة وعشرين سنة أعلم بما كان بيني وبين أخي عزير أيّام شبابي منك ! فمن أهل السماء أنت ؟ أم من أهل الأرض ؟

فقال : ياعزيرة أنا عزير سخط الله علىّ بقول قلته بعد أن اصطفاني وهداني فأماتني مائة سنة ثمّ بعثني لتزدادوا بذلك يقيناً إنّ الله على كلّ شيء قدير ، وهاهو هذا حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده الله تعالى كما كان .

فعندها أيقنوا فأعاشه الله بينهم خمسة وعشرين سنة ، ثمّ قبضه الله

(1) سورة البقرة : الآية 259 .


218

وأخاه في يوم واحد » .

فنهض عالم النصارى عند ذلك قائماً وقاموا ـ النصارى ـ على أرجلهم فقال لهم عالمهم : جئتموني بأعلم منّي وأقعدتموه معكم حتّى هتكني وفضحني وأعلم المسلمين بأنّ لهم من أحاط بعلومنا ، وعنده ما ليس عندنا ، لا والله لا كلّمتكم من رأسي كلمة واحدة ، ولا قعدت لكم إن عشت سنة ، فتفرّقوا وأبي قاعد مكانه وأنا معه ، ورفع ذلك الخبر إلى هشام .

فلمّا تفرّق الناس نهض أبي وانصرف إلى المنزل الذي كنّا فيه ، فوافانا رسول هشام بالجائزة وأمرنا أن ننصرف إلى المدينة من ساعتنا ولا نجلس ، لأنّ الناس ماجوا وخاضوا فيما دار بين أبي وبين عالم النصارى .

فركبنا دوابّنا منصرفين وقد سبقنا بريد من عند هشام إلى عامل مَدْيَن على طريقنا إلى المدينة أنّ ابنيَ أبي تراب الساحرين : محمّد بن علي وجعفر بن محمّد الكذّابين ـ بل هو الكذّاب لعنه الله ـ فيما يظهران من الإسلام وردا عليّ ولمّا صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسّيسين والرهبان من كفّار النصارى وأظهرا لهما دينهما ومرقا من الإسلام إلى الكفر دين النصارى وتقرّبا إليهم بالنصرانية ، فكرهت أن اُنكّل بهما لقرابتهما ، فإذا قرأت كتابي هذا فناد في الناس : برئت الذمّة ممّن يشاريهما أو يبايعهما أو يصافحهما أو يسلّم عليهما فإنّهما قد ارتدّا عن الإسلام ، ورأى أمير المؤمنين أن يقتلهما ودوابّهما وغلمانهما ومن معهما شرّ قتلة ، قال : فورد البريد إلى مدينة مدين .

فلمّا شارفنا مدينة مدين قدّم أبي غلمانه ليرتادوا لنا منزلا ويشروا لدوابّنا علفاً ، ولنا طعاماً ، فلمّا قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في


219

وجوهنا وشتمونا وذكروا علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقالوا : لا نزول لكم عندنا ولا شراء ولا بيع ياكفّار يامشركين يامرتدّين ياكذّابين ياشرّ الخلائق أجمعين فوقف غلماننا على الباب حتّى انتهينا إليهم فكلّمهم أبي وليّن لهم القول وقال لهم : اتّقوا الله ولا تغلظوا فلسنا كما بلغكم ولا نحن كما تقولون فاسمعونا .

فقال لهم : فهبنا كما تقولون افتحوا لنا الباب وشارونا وبايعونا كما تشارون وتبايعون اليهود والنصارى والمجوس .

فقالوا : أنتم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية وأنتم ما تؤدّون .

فقال لهم أبي : فافتحوا لنا الباب وأنزلونا وخذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم .

فقالوا : لا نفتح ولا كرامة لكم حتّى تموتوا على ظهور دوابّكم جياعاً نياعاً أو تموت دوابّكم تحتكم ، فوعّظهم أبي فازدادوا عتوّاً ونشوزاً .

قال : فثنّى أبي رجله عن سرجه ثمّ قال لي : مكانك ياجعفر لا تبرح .

ثمّ صعد الجبل المطلّ على مدينة مدين وأهل مدين ينظرون إليه ما يصنع ، فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وجسده ، ثمّ وضع إصبعيه في اُذنيه ثمّ نادى بأعلا صوته : ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً إلى قوله : ﴿ بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1) .

نحن والله بقيّة الله في أرضه ، فأمر الله ريحاً سوداء مظلمة فهبّت

(1) سورة هود : الآية 84 ـ 86 .


220

واحتملت صوت أبي فطرحته في أسماع الرجال والصبيان والنساء ، فما بقي أحد من الرجال والنساء والصبيان إلاّ صعد السطوح ، وأبي مشرف عليهم ، وصعد فيمن صعد شيخ من أهل مدين كبير السنّ ، فنظر إلى أبي على الجبل ، فنادى بأعلا صوته :

اتّقوا الله ياأهل مدين فإنّه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب (عليه السلام) حين دعا على قومه ، فإن أنتم لم تفتحوا له الباب ولم تنزلوه جاءكم من الله العذاب فإنّي أخاف عليكم وقد أعذر من أنذر » ، ففزعوا وفتحوا الباب وأنزلونا ، وكُتب بجميع ذلك إلى هشام فارتحلنا في اليوم الثاني ، فكتب هشام إلى عامل مدين يأمره بأن يأخذ الشيخ فيقتله رحمة الله عليه وصلواته وكتب إلى عامل مدينة الرسول أن يحتال في سمّ أبي في طعام أو شراب ، فمضى هشام ولم يتهيّأ له في أبي من ذلك شيء (1) .

2 ـ أشار إلى هذه الآية الشريفة أيضاً الإمام الكاظم (عليه السلام) حينما أُعطى ولده الإمام الرضا (عليه السلام) بعد ميلاده المبارك :

فعن علي بن ميثم عن أبيه قال : سمعت اُمّي تقول : سمعت نجمة اُمّ الرضا (عليه السلام) تقول : لمّا حملت بابني علي لم أشعر بثقل الحمل ، وكنت أسمع في منامي تسبيحاً وتهليلا وتمجيداً من بطني فيفزعني ذلك ويهولني ، فإذا انتبهت لم أسمع شيئاً فلمّا وضعته وقع على الأرض واضعاً يده على الأرض ، رافعاً رأسه إلى السماء يحرّك شفتيه ،كأنّه يتكلّم فدخل إليّ أبوه موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال

(1) بحار الأنوار : ج46 ص306 ب7 ح1 .


221

وَخِيرَتِهِ (1) لي : « هنيئاً لك يانجمة كرامة ربّك ، فناولته إيّاه في خرقة بيضاء ، فأذّن في اُذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، ودعا بماء الفرات فحنّكه به ، ثمّ ردّه إليّ وقال : خذيه فإنّه بقيّة الله تعالى في أرضه » (1) .

3 ـ تمثّل بها أيضاً مشيراً الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف مخاطباً أحمد بن إسحاق القمّي وكيل الإمام العسكري (عليه السلام) قال : « أنا بقيّة الله في أرضه والمنتقم من أعدائه ، فلا تطلب أثراً بعد عين ياأحمد بن إسحاق » (2) .

وهذه الآية الشريفة أوّل كلام ينطق به الإمام الحجّة (عليه السلام) في ظهوره المبارك فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة ، واجتمع إليهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، وأوّل ما ينطق به هذه الآية : ﴿ بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ثمّ يقول : « أنا بقيّة الله في أرضه ، وخليفته وحجّته عليكم » فلا يسلّم عليه مسلّم إلاّ قال : السلام عليك يابقيّة الله في أرضه (3) .

وتلاحظ خطبته المباركة في كتاب الغيبة (4) .

(1) ـ الخِيَرة بكسر الخاء وفتح الياء ، معناه المختار المنتخب ، مأخوذ من الاختيار بمعنى الانتخاب .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم الذين اختارهم ربّ العالمين ، واصطفاهم على الملائكة المقرّبين ، وفضّلهم على الخلق أجمعين .

(1) بحار الأنوار : ج49 ص9 ب1 ح14 .

(2) إكمال الدين : ص384 ، وفي المختار : ج1 ص31 .

(3) إكمال الدين : ص331 .

(4) الغيبة للنعماني : ص281 ب14 ح67 .


222

وَحِزْبِهِ (1) كما تدلّ على ذلك أحاديث متظافرة مثل :

حديث إسحاق بن غالب ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في خطبة له قال فيها : « ... فلم يزل الله تبارك وتعالى يختارهم لخلقه من ولد الحسين (عليه السلام) من عقب كلّ إمام ، يصطفيهم لذلك ويجتبيهم ، ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم ... » (1) .

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) : أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال : « إنّ الله اختارنا معاشر آل محمّد واختار النبيين واختار الملائكة المقرّبين ، وما اختارهم إلاّ على علم منه بهم أنّهم لا يوقعون ما يخرجون به عن ولايته وينقطعون به عن عصمته » (2) .

(1) ـ الحِزْب بكسر الحاء وسكون الزاء ، يأتي في اللغة بمعنى : الطائفة والجماعة والجُند ، وأكثر استعماله في المعنى الأخير .

وبهذا المعنى الأخير جاء تفسيره بالأنصار ، وأصحاب الرجل الذين يكونون على رأيه وأمره ، وقد شاع إستعماله في الأنصار .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم حزب الله تعالى أي أنصاره ، اختصّوا بالله ، ولم يقصدوا غير الله .

وفي هذه الفقرة إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (3) المفسّرة بأهل البيت العظام وشيعتهم الكرام .

وقوله تعالى : ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ

(1) الكافي : ج1 ص203 ح2 .

(2) بحار الأنوار : ج59 ص322 ب24 ح3 .

(3) سورة المجادلة : الآية 22 .


223

الْغَالِبُونَ (1) قال مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) :

« فنحن وشيعتنا حزب الله ، وحزب الله هم الغالبون » (2) .

وتلاحظ ذلك في أحاديث التفسير (3) ، وورد في أحاديث الفريقين (4) ومن ذلك :

1 ـ حديث عمّار بن أبي اليقظان ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « يجيء رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة آخذاً بحُجزة ربّه ، ونحن آخذون بحُجزة نبيّنا ، وشيعتنا آخذون بحُجزتنا فنحن وشيعتنا حزب الله ، وحزب الله هم الغالبون » (5) .

2 ـ حديث الإمام الرضا ، عن آبائه الطيبين ، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ياعلي : بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم ، عليكم بالصبر ، فإنّ العاقبة للمتّقين .

أنتم حزب الله ، وأعداؤكم حزب الشيطان ، طوبى لمن أطاعكم ، وويلٌ لمن عصاكم ، أنتم حجّة الله على خلقه والعروة الوثقى ، من تمسّك بها اهتدى ، ومن تركها ضلّ ، أسأل الله لكم الجنّة ، لا يسبقكم أحد إلى طاعة الله فأنتم أولى بها » (6) .

(1) سورة المائدة : الآية 56 .

(2) بحار الأنوار : ج24 ص213 ب56 ح7 .

(3) كنز الدقائق : ج4 ص156 .

(4) إحقاق الحقّ : ج5 ص43 .

(5) بحار الأنوار : ج4 ص25 ب4 ح3 .

(6) بحار الأنوار : ج23 ص142 ب7 ح93 .


224

وَعَيْبَةِ عِلْمِهِ (1) وَحُجَّتِهِ (2) 3 ـ حديث جابر قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : « حزب علي حزب الله وحزب أعدائه حزب الشيطان » (1) .

(1) ـ العَيْبَة بفتح العين وسكون الياء في أصل اللغة هو الوعاء من الجلد المدبوغ يُجعل فيها المتاع ، والصندوق يُحفظ فيه الثياب أو أفضل الثياب ، واستعيرت لحفظ العلم فيقال : عيبة العلم أي مستودعه .

وأهل البيت عليهم سلام الله عيبة علم الله ، ومستودع سرّه ، وخزنة معارفه والذين حمّلهم الله علمه .

وقد تقدّم تفصيله ودليله من الكتاب والسنّة في الفقرة الشريفة « وخزّان العلم » وقد نقلنا أبواب علومهم الشريفة ودلّلنا على أنّه استودعهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلّ ما استودعه الله تعالى ، فهم عيبة علمه .

قال مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) : « وعندنا أهل البيت اُصول العلم ، وعُراه ، وضياؤه وأواخيه » (2) .

وتقدّم بيان أنّ عندهم كتاب علي ، ومصحف فاطمة (عليهما السلام) ، والجفر الأبيض ، والجامعة ، وعمود النور ، وعلم المنايا والبلايا ، وفصل الخطاب ، وعلم الكتاب ، وعلم المواليد ، وكتب الأنبياء ، ويعلمون بإذن الله تعالى في كلّ يوم كلّ ما يشاؤون .

(2) ـ الحُجّة بضمّ الحاء هو الدليل والبرهان ، وجمعها حُجَج .

(1) إحقاق الحقّ : ج5 ص43 ح66 ، وفي بحار الأنوار : ج38 ص95 ب61 ح11 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص31 ب8 ح44 .


225

وَصِراطِهِ (1) وأهل البيت حجج الله تعالى على جميع خلقه يحتّج بهم .

وقد أتمّ بهم حجّته البالغة على عموم الخلق بما جعل لهم من المعجزات الباهرات ، والدلائل الظاهرات .

ومرّ تفصيل ذلك في الفقرة الشريفة المتقدّمة « حجج الله على أهل الدنيا والآخرة والاُولى » وذكرنا الأدلّة على ذلك (1) .

وفي حديث سلمان : « دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا الحسين بن علي على فخذه وتفرّس في وجهه وقبّل بين عينيه وقال : « أنت سيّد ابن سيّد أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو الأئمّة ، أنت حجّة الله ، ابن حجّة الله أبو حجج تسعة من صلبك ، تاسعهم قائمهم » (2) .

وفي نسخة البلد الأمين هنا زيادة : « وعينه وجنبه » .

(1) ـ الصراط في اللغة هو الطريق المستوي ، فلذلك سُمّي الدين صراطاً ، لأنّه طريق إلى الثواب ، وسمّي أمير المؤمنين (عليه السلام) صراطاً لأنّ معرفته والتمسّك به هو الطريق إلى الله .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم الصراط الموصل إلى الله ، والطريق المؤدّي إلى قربه كما تلاحظ أحاديثه الكثيرة في كتب الأخبار ، من ذلك :

حديث المفضّل قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الصراط ؟

فقال : « هو الطريق إلى معرفة الله عزّوجلّ ، وهما صراطان : صراط في

(1) كتاب سليم بن قيس : ج2 ص734 .

(2) كتاب سليم بن قيس : ج2 ص94 .


226

وَنُورِهِ (1) الدنيا ، وصراط في الآخرة .

فأمّا الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفروض الطاعة ، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة ، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه على الصراط في الآخرة فتردّى في نار جهنّم » (1) .

وحديث الثمالي عن الإمام السجّاد (عليه السلام) أنّه قال : « ليس بين الله وبين حجّته حجاب فلا لله دون حجّته ستر ، نحن أبواب الله ، ونحن الصراط المستقيم ، ونحن عيبة علمه ، ونحن تراجمة وحيه ، ونحن أركان توحيده ، ونحن موضع سرّه » (2) .

ثمّ إنّ هذه الفقرة إشارة إلى قوله عزّ إسمه : ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (3) المفسّر بأهل البيت سلام الله عليهم في طرق الخاصّة والعامّة (4) .

وقد جاء في الأخبار المتظافرة من أحاديث الفريقين أنّه (لا يجوز أحدٌ الصراط يوم القيامة إلاّ من كان معه صكٌّ من علي (عليه السلام) بالجواز) (5) .

(1) ـ النور هو الضوء المنتشر ، والكيفية الظاهرة بنفسها والمظهرة لغيرها .

وُصِفَ به أهل البيت سلام الله عليهم لأنّهم مضافاً إلى نورانيّتهم نوّروا العالم بعلم الله وهدايته ، ونوّروا الكائنات بنور الوجود ، وبهم تنوّرت القلوب ، وهم

(1) بحار الأنوار : ج24 ص11 ب24 ح3 .

(2) بحار الأنوار : ج24 ص12 ب24 ح5 .

(3) سورة الأنعام : الآية 153 .

(4) غاية المرام : ص434 ، كنز الدقائق : ج4 ص482 .

(5) غاية المرام : ص262 .


227

الأنوار اللائحة ، والأدلّة الواضحة ، والمصابيح الهادية التي تهدي الخلق .

وهذه الفقرة إشارة إلى مثل قوله تعالى : ﴿ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا (1) المفسّر بهم (عليهم السلام) وبولايتهم في أحاديث الخاصّة والعامّة (2) .

وقد عقد ثقة الإسلام الكليني باباً في أنّ الأئمّة (عليهم السلام) نور الله عزّوجلّ (3) .

وعقد شيخ الإسلام المجلسي باباً في معرفتهم (عليهم السلام) بالنورانية (4) .

فمن الباب الأول حديث أبي خالد الكابلي قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا .

فقال : « ياأبا خالد النور والله نور الأئمّة من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة ، وهم والله نور الله الذي اُنزل ، وهم والله نور الله في السماوات وفي الأرض ، والله ياأبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار ، وهم والله ينوّرون قلوب المؤمنين ، ويحجب الله عزّوجلّ نورهم عمّن يشاء فتظلم قلوبهم ، والله ياأبا خالد لا يحبّنا عبد ويتولاّنا حتّى يطهّر الله قلبه ، ولا يطهّر الله قلب عبد حتّى يسلّم لنا ويكون سلماً لنا ، فإذا كان سلماً لنا سلّمه الله من شديد الحساب ، وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر » (5) .

ومن الباب الثاني حديث محمّد بن صدقة المفصّل ، عن أمير

(1) سورة التغابن : الآية 8 .

(2) غاية المرام : ص437 ، كنز الدقائق : ج13 ص280 .

(3) الكافي : ج1 ص194 .

(4) بحار الأنوار : ج26 ص1 ب13 الأحاديث .

(5) الكافي : ج1 ص194 ح1 .


228

وَبُرْهانِهِ (1) وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ . المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال لسلمان وأبي ذرّ : « كنت أنا ومحمّد نوراً واحداً من نور الله عزّوجلّ ، فأمر الله تبارك وتعالى ذلك النور أن يُشقّ ، فقال للنصف : كن محمّداً ، وقال للنصف : كن عليّاً ، فمنها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : علي منّي وأنا من علي ولا يؤدّي منّي إلاّ علي » (1) .

(1) ـ البُرْهان بضمّ الباء وسكون الراء هي الحجّة والبيان كما في اللغة .

والبرهان هو الشاهد بالحقّ (2) ، وبرهانكم أي حجّتكم ، وسمّيت الحجّة برهاناً لبيانها ووضوحها (3) ، والبرهان أوكد الأدلّة ، وهو يقتضي الصدق أبداً لا محالة (4) .

وأهل البيت (عليهم السلام) براهين الله الصادقة ، وحججه الناطقة ، وآيات الله البيّنة ، ودلائله الظاهرة .

لذلك كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول : « ما لله عزّوجلّ آية هي أكبر منّي ، ولا له من نبأ أعظم منّي » (5) .

وبحقٍّ كان صلوات الله عليه الآية العظمى ، والدلالة الكبرى لله عزّ إسمه كما تلاحظ ذلك في أحواله (6) ، وقد مرّ شيء من ذلك في الفقرة الشريفة

(1) بحار الأنوار : ج26 ص3 ب13 ح1 .

(2) مجمع البيان : ج3 ص147 .

(3) مجمع البحرين : ص549 .

(4) المفردات : ص45 .

(5) الكافي : ج1 ص207 ح3 .

(6) بحار الأنوار : ج41 ـ 42 الأبواب الكثيرة فيه ، ولاحظ ج41 ص278 ح4 ، وج41 ص53 .


229

« والمثل الأعلى » .

هذا تمام الكلمة في التسليمات الخمسة .

ويتلوه ذكر الشهادات الثلاثة : التوحيد ، والرسالة ، والإمامة .

ثمّ المناقب الفاخرة لأهل بيت العصمة (عليهم السلام) .


230

الشهادات الثلاثة

اَشْهَدُ اَنْ لا اِلهَ اِلاَّ اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ (1) (1) ـ بعد تكميل السلام وأداء تحيّة الإسلام إبتدأ (عليه السلام) في هذه الزيارة الشريفة الجامعة بأداء شهادة التوحيد الكامل ، والتصديق الشامل الذي هو حصن النجاة ، في الحياة والممات ، يعني الشهادة بأركانها الثلاثة :

التوحيد والرسالة والإمامة .

فإنّ الموحِّد الحقّ هو من يوحّد الله بما أراده الله تعالى ، لا بما يريده هو نفسه .

والذي أراده الله من التوحيد هو التوحيد بشرطه وشروطه ، وولاية الأئمّة من شروطه كما تلاحظه في الأحاديث المتواترة ، نتبرّك بذكر بعضها تيمّناً وتبرّكاً مثل :

1 ـ حديث المفضّل قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « إنّ الله تبارك وتعالى ضمن للمؤمن ضماناً .

قال : قلت : وما هو ؟

قال : ضمن له إن هو أقرّ له بالربوبية ، ولمحمّد (صلى الله عليه وآله) بالنبوّة ، ولعلي (عليه السلام) بالإمامة ، وأدّى ما افترضه عليه أن يسكنه في جواره .


231

قال : قلت : فهذه والله هي الكرامة التي لا يشبهها كرامة الآدميين .

قال : ثمّ قال أبو عبدالله (عليه السلام) : اعملوا قليلا تتنعّموا كثيراً » (1) .

2 ـ حديث معتّب مولى أبي عبدالله (عليه السلام) ، عنه ، عن أبيه (عليهما السلام) قال : جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال : يارسول الله هل للجنّة من ثمن ؟

قال : نعم .

قال : ما ثمنها ؟

قال : لا إله إلاّ الله ، يقولها العبد مخلصاً بها .

قال : وما إخلاصها ؟

قال : العمل بما بعثت به في حقّه وحبّ أهل بيتي .

قال : فداك أبي واُمّي وإنّ حبّ أهل البيت لمن حقّها ؟

قال : إنّ حبّهم لأعظم حقّها » (2) .

3 ـ حديث إسحاق بن راهويه قال : لمّا وافى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور وأراد أن يخرج منها إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا له : يابن رسول الله ترحل عنّا ولا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك ؟

وكان قد قعد في العمارية فأطلع رأسه وقال : سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمّد يقول : سمعت أبي محمّد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت أبي الحسين بن علي يقول :

(1) بحار الأنوار : ج3 ص3 ح6 .

(2) بحار الأنوار : ج3 ص13 ب1 ح30 .


232

سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) يقول : سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول : سمعت الله عزّوجلّ يقول : « لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي » ، قال : فلمّا مرّت الراحلة نادانا : « بشروطها وأنا من شروطها » (1) .

والأساس العمدة في كلّ عمل هو هذا الاعتقاد الإسلامي الصحيح ، وبدونه لا يُقبل دين ولا يرفع عملٌ ولا ينفع شيء .

قال الله تعالى : ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الاِْسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاْخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (2) .

وقد جاءت هذه الشهادات الثلاثة الأركان في هذه الزيارة المباركة التي هي من مفاهيم الإيمان .

( الشهادة الاُولى ) : الشهادة بوحدانية الله تعالى .

والشهادة هي الإخبار الجازم بالشيء عن مشاهدة أو ما يقوم مقام المشاهدة من الدلالات الواضحة ، والحجج اللائحة (3) .

وبمعنى الحضور مع المشاهدة امّا بالبصر أو بالبصيرة (4) .

ومعناها الإخبار القاطع (5) .

فالشهادة بالتوحيد إذاً لابدّ وأن تكون قطعيّة علميّة ، ناشئة من دليل

(1) عيون الأخبار : ج2 ص134 ح4 .

(2) سورة آل عمران : الآية 85 .

(3) تفسير التبيان : ج2 ص416 .

(4) المفردات : ص267 .

(5) لسان العرب : ج3 ص239 .


233

علمي قطعي ، كالمعرفة الحاصلة بالأدلّة العلميّة ، والشواهد اليقينيّة الموجودة في جميع مخلوقاته وأدلّة وحدانيّته التي تدلّ على أنّه واحد ، لا شريك له ولا نظير ، ولا شبيه له ولا عديل .

تلك الدلائل التي توجب للإنسان أن يُحسّ بالوجدان ، بل يَرى بالعيان ، ويدرك بالإيمان ، معرفة الله الواحد القادر الحكيم كما أرشد إليه أمير المؤمنين (عليه السلام)في حديث ذِعْلب « رأته القلوب بحقائق الإيمان » (1) .

وأدلّة التوحيد كثيرة وفيرة نشير فيها إلى القسمين الكافيين :

1 / الدليل العلمي ، كالأدلّة الثمانية التي تلاحظها في كتاب العقائد (2) .

2 / الدليل الوجداني ، وهي الآيات النفسية والآفاقية المتجلّية في مثل حديث المفضّل الجعفي (3) وقد جاء البيان في العقائد أيضاً (4) نحيل القارىء الكريم إليه ، رعايةً للإختصار وعدم التكرار .

وبتلك البراهين الواضحة ، والآيات الشارحة يُعلم علم اليقين بصدق شهادة الصدّيقين ، وأوّلها الشهادة بالتوحيد التي وردت في فقرة الزيارة :

(أشهد أن لا إله) أي لا معبود بحقّ ، فالإله بمعنى المألوه وهو المعبود .

(إلاّ الله) المستجمع لجميع صفات الكمال لذاته ، والمُنزّه عن جميع صفات النقص .

(1) الكافي : ج1 ص138 ح4 .

(2) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص48 .

(3) بحار الأنوار : ج3 ص54 ـ 151 ب4 ح1 .

(4) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص68 .


234

كَما شَهِدَ اللّهُ لِنَفْسِهِ وَشَهِدَتْ لَهُ مَلائِكَتُهُ وَاُولُوا الْعِلْمِ مِنْ خَلْقِهِ لاا اِلهَ اِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1). (وحده لا شريك له) تأكيد ، لما تقدّم ، وبيان للتوحيد الذي هو بمعنى نفي الشريك والشبيه ، كما تلاحظه في حديث شريح بن هاني الذي جاء فيه معنى التوحيد الصحيح : « ... فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربّنا ، وقول القائل : إنّه عزّوجلّ أحديّ المعنى ، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربّنا عزّوجلّ » (1) .

(1) ـ « كما شهد الله لنفسه » إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) فالتوحيد الحقيقي ليس ممّا تطيقه القدرة البشرية ، لذلك نشهد له نحن بما شهد به هو لنفسه وبما أخبر به ذاته العليمة .

« وشهدت له ملائكته » أي وشهد له بتوحيده جميع ملائكته ، وأقرّت به .

« واُولوا العلم من خلقه » أي وشَهِدَ له بتوحيده اُولوا العلم من خلقه ، من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين .

« لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم » كرّر ذلك للتأكيد ، أو للتوصيف بالعزّة والحكمة .

والعزيز هو القاهر الغالب المنيع الذي لا يُغلب ولا يصل أحدٌ إلى كبريائه ، من العزّة بمعنى القوّة والشدّة والغلبة ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَعَزَّنِي فِي

(1) التوحيد للصدوق : ص83 ب3 ح3 .

(2) سورة آل عمران : الآية 18 .


235

وَاَشْهَدُ اَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ الْمُنْتَجَبُ وَرَسُولُهُ الْمُرْتَضى اَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّيْنِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (1). الْخِطَابِ أي غلبني .

وللعزيز معنى ثان وهو المَلِك ، ويشهد له قوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف : ﴿ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ... أي ياأيّها الملك (1) .

والحكيم هو المُحِكم لأفعاله ، والعالِم بالحِكم والمصالح ، ومعنى الإحكام هو إتقان التدبير ، وحسن التصوير والتقدير .

( الشهادة الثانية ) : الشهادة برسالة خاتم النبيّين عليه وآله صلوات المصلّين كما تلاحظها في فقرة هذه الزيارة بما يلي :

(1) ـ الأدلّة القطعيّة على نبوّته ورسالته كثيرة منها :

الأول : أنّ القرآن الكريم الذي هو مسلّم الصدور عن الخالق المتعال ، والذي عجز عن الإتيان بمثله جميع البشر أخبر برسالته ، وشهد بنبوّته ، وصدّق كلمته ، في آيات كثيرة مثل :

واحد / قوله تعالى : ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (2) .

إثنين / قوله عزّ إسمه : ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ (3) .

هذا مضافاً إلى الكتب السماوية الاُخرى التي بشّرت برسولنا

(1) التوحيد للصدوق : ص206 .

(2) سورة الأحزاب : الآية 40 .

(3) سورة الفتح : الآية 29 .


236

الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، كما أخبر به تعالى في قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الاُْمِّىَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُم فِي التَّوْرَاةِ وَالاِْنجِيلِ ... (1) .

وفي قوله عزّ إسمه : ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ... (2) .

وكفى بالقرآن سنداً قطعيّاً على صدق نبوّة ورسالة خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله .

الثاني : أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أخبر بنبوّة نفسه مقروناً بمعجزاته التي تشهد بصدقه .

إذ المعجز هو الإتيان بما يخرق العادة ، ويعجز عنه البشر ، ويطابق الدعوى ، ويكشف عن أنّ صاحبه مؤيّد من قبل الله تعالى فيكون دليلا على صدق نبوّته .

وقد ظهر الكثير الكثير من المعجزات الباهرات على يده الشريفة ، واُحصيت منها ألف معجزة فلاحظها في مدينة المعاجز للسيّد البحراني (قدس سره) ، وأشار إلى بعضها صاحب حقّ اليقين (3) .

الثالث : نفس حقيقة رسالته ، وعلو أحكامه ، وجامعيّة شريعته شاهدة على ربّانيته ، بل نفس أخلاقه وأحواله تشهد بنبوّته ، لذلك يشهد الإنسان جزماً في هذه الزيارة الشريفة :

(1) سورة الأعراف : الآية 157 .

(2) سورة الصف : الآية 6 .

(3) حقّ اليقين : ج1 ص118 .


237

(أشهد أنّ محمّداً عبدُه) أي عبد الله الذي عَبَدَه حقّ العبادة ، وقام بوظائف العبودية .

(المنتجب) أي إنتجبه الله واختاره من بين النبيين ، واصطفاه من المرسلين على الخلق أجمعين كما تقدّم بيانه في فقرة (صفوة المرسلين) .

(ورسوله المرتضى) أي أنّ محمّداً رسول الله ، الذي ارتضاه الله لرسالته وسرّه .

ففي حديث محمّد بن الفضل الهاشمي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه نظر إلى ابن هذّاب فقال : إن أنا أخبرتك أنّك مبتلى في هذه الأيّام بدم ذي رحم لك أكنت مصدّقاً لي ؟

قال : لا ، فإنّ الغيب لا يعلمه إلاّ الله .

قال : أو ليس يقول : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول (1) ؟ فرسول الله (صلى الله عليه وآله) عند الله مرتضى ، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه ، فعلّمه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة (2) .

(أرسله بالهدى ودين الحقّ) أي أرسله الله تعالى مقروناً بالهداية فجعله هادياً إلى الله ، وإلى دين الله الحقّ الذي هو دين الإسلام الباقي إلى يوم القيامة .

(ليظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون) أي ليغلبه على الأديان كلّها

(1) سورة الجن : الآية 26 ـ 27 .

(2) كنز الدقائق : ج13 ص492 .


238

عند الرجعة الشريفة ، والدولة الحقّة المنيفة ، في زمان حكومة الإمام المهدي أرواحنا فداه .

فإنّه يظهر هذا الدين آنذاك على الشرك كلّه ، ويغلب على جميع المشركين ولا يبقى بيت إلاّ ويدخله الإسلام .

وهذا إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (1) كما تلاحظ تفسير الآية الشريفة بالدولة الحقّة والرجعة في المصادر (2) ، ويأتي بيان ذلك تفصيلا إن شاء الله تعالى في الفقرة الآتية « مصدّقٌ برجعتكم » و « مرتقب لدولتكم » .

هذا ما يخصّ الشهادة بالرسالة ، واعلم أنّ في نسخة الكفعمي هنا زيادة كثيرة شريفة وهي :

« فصدع (صلى الله عليه وآله) بأمر ربّه ، وبلّغ ما حمّله ، ونصح لاُمّته ، وجاهد في سبيل ربّه ، ودعا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وصبر على ما أصابه في جنبه ، وعبده صادقاً حتّى أتاه اليقين ، فصلّى الله عليه وآله .

وأشهد أنّ الدين كما شرع ، والكتاب كما تلى ، والحلال كما أحلّ ، والحرام كما حرّم ، والفصل ما قضى ، والحقّ ما قال ، والرشد ما أمر .

وأنّ الذين كذّبوه وخالفوا عليه ، وجحدوا حقّه ، وأنكروا فضله واتّهموه ، وظلموا وصيّه وحلّوا عقده ، ونكثوا بيعته ، واعتدوا عليه ، وغصبوه خلافته ،

(1) سورة التوبة : الآية 33 .

(2) مجمع البيان : ج5 ص25 ، كنز الدقائق : ج5 ص44 .


239

وَاَشْهَدُ اَنَّكُمْ الاَْئِمَّةُ (1) ونبذوا أمره فيه ، وأسّسوا الجور والعدوان على أهله ، وقتلوهم وتولّوا غيرهم ، ذائقوا العذاب في أسفل درك من نار جهنّم ، لا يُخفّف عنهم من عذابها وهم فيه مبلسون ، ملعونون متعبون ، ناكسوا رؤوسهم ، يعاينون الندامة والخزي الطويل ، مع الأذلّين الأشرار ، قد كبّوا على وجوههم في النار .

وأنّ الذين آمنوا به وصدّقوه ، ونصروه ووقّروه وعزّروه ، واتّبعوا النور الذي اُنزل معه ، اُولئك هم المفلحون في جنّات النعيم ، والفوز العظيم ، والثواب المقيم الكريم ، والغبطة والسرور ، والفوز الكبير ، فجزاه الله عنّا أحسن الجزاء ، وخير ما جزى نبيّاً عن اُمّته ، ورسولا عمّن اُرسل إليه ، وخصّه بأفضل قسم الفضائل ، وبلّغه أعلى محلّ شرف المكرّمين ، من الدرجات العلى في أعلى علّيين ، في جنّات ونَهَر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وأعطاه حتّى يرضى وزاده بعد الرضى ، وجعله أقرب النبيّين مجلساً ، وأدناهم منزلا ، وأعظمهم عنده جاهاً ، وأعلاهم لديه كعباً ، وأحسنهم اتّباعاً ، وأوفر الخلق نصيباً ، وأجزلهم حظّاً في كلّ خير لله قاسمه بينهم ونصيباً ، وأحسن اللهمّ مجازاته عن جميع المؤمنين من الأوّلين والآخرين » .

( الشهادة الثالثة ) : الشهادة بإمامة أمير المؤمنين وأبنائه الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين كما تلاحظها في بيان فقرة الزيارة الشريفة فيما يأتي :

(1) ـ الأدلّة القطعيّة على إمام الأئمّة الإثنى عشر سلام الله عليهم كثيرة متظافرة ، وعلميّة متواترة أسلفنا ذكرها في مبحث الإمامة من كتاب العقائد (1) وفصّلنا

(1) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص259 ـ 290 .


240

البحث فيها ، ونشير هنا بالمناسبة إلى خلاصة من أدلّتها من الكتاب والسنّة والعقل والإعجاز بالبيان التالي :

1 / دليل الكتاب : ففي القرآن الكريم الذي هو كتاب الله باتّفاق جميع البشر آيات عديدة نصّت على إمامتهم وولايتهم ، ولزوم طاعتهم ومتابعتهم أحصاها القاضي التستري في المجلّد الثاني من كتاب (إحقاق الحقّ) نشير إلى آية واحدة منها وهي :

قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (1) وقد نزلت هذه الآية الشريفة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) باتّفاق أحاديث تفسير الفريقين المتواترة ، من طرق الخاصّة في (19) حديثاً ، ومن طرق العامّة في (24) حديثاً (2) .

وهذه الآية صريحة في إنحصار الولاية بمن إشتملت عليه دون غيرهم بواسطة كلمة (إنّما) المفيدة للحصر (3) .

على أنّ الاُمّة على اختلافها مجتمعة ، وأخبار الخاصّة والعامّة على كثرتها مطبقة على نزولها في أمير المؤمنين (عليه السلام) عند تصدّقه بخاتمه في حال ركوعه كما أفاده الشيخ الطوسي (4) .

ومصادر العامّة فقط التي ذكرت نزول هذه الآية المحكمة في أمير

(1) سورة المائدة : الآية 55 .

(2) غاية المرام : ص103 .

(3) مجمع البيان : ج3 ص209 .

(4) تلخيص الشافي : ج2 ص18 .


241

المؤمنين (عليه السلام) تبلغ (66) مصدراً كما أحصاها شيخنا الأميني (1) .

وقد وردت الأحاديث في أنّ المراد بالمؤمنين الذين يعطون الزكاة وهم راكعون جميع الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) الذين وُفّقوا لمثل هذه الفضيلة في حياتهم كما أفاده العلاّمة المجلسي (2) .

2 / دليل السنّة : والأحاديث الشريفة الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) في التنصيص على إمامة الأئمّة الإثنى عشر (عليهم السلام) ما أكثرها وأوفرها .

ويكفي منها النصّ الجليّ من شخص النبي (صلى الله عليه وآله) بأمر الله العلي على ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد حجّة الوداع على رؤوس الأشهاد ، في حديث الغدير الأغرّ ، المتواتر بين الفريقين .

وقد ورد من طرق الخاصّة في ثلاثة وأربعين حديثاً ، ومن طرق العامّة في تسعة وثمانين حديثاً تلاحظها باسنادها ومتونها في المصادر المعتبرة (3) .

ونقتطف زهرة اُخرى ، من الأزاهير النبويّة ، في التنصيص على إمامة سادة الإمامية ، وهو الحديث المتواتر بين المسلمين ، ورواه الخاصّة في (50) حديثاً ، والعامّة في (58) حديثاً وهو تصريح النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بقوله :

« أنّ علياً وأبنائه الأحد عشر هم أوصيائي والأئمّة من بعدي » (4) .

3 / دليل العقل : فإنّ من البديهي عدم استواء مرتبة من يعلم ومن لا

(1) الغدير : ج3 ص156 .

(2) بحار الأنوار : ج35 ص206 .

(3) غاية المرام : ص79 ـ 103 .

(4) غاية المرام : ص191 لاحظ الحديث 47 .


242

يعلم ، وأنّ العقل يحكم بتقديم الأعلم والأفضل على غيره ، فهو الحَسَن وعكسه هو القبيح .

ومن الواضح أنّ الأعلم الأفضل من جميع الاُمّة بحكم العقل وحكومة العقلاء حتّى باعتراف الخصم هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأولاده الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، وهذا أوضح من الشمس وأبين من الأمس ، فيحكم العقل بتقديمهم وإمامتهم .

وقد تصدّى العلاّمة الحلّي (قدس سره) إحصاء الأدلّة العقلية على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب (الألفين) بألف دليل عقلي ، والف دليل نقلي .

وسُئل الخليل بن أحمد الفراهيدي : ما الدليل على أنّ علياً إمام الكل في الكل ؟

فأجاب : لإحتياج الكل إليه ، واستغنائه عن الكل (1) .

فدليل العقل حاكم بإمامتهم سلام الله عليهم .

4 / دليل الإعجاز : فإنّهم سلام الله عليهم أخبروا بإمامتهم ووصايتهم وولايتهم عن الله تعالى ، مقروناً بمعجزاتهم الساطعة وبيّناتهم المصدّقة لإمامتهم التي هي شواهد قطعيّة على صدق كلامهم ، ودلائل وجدانية على انتصابهم من قِبَل ربّهم ، وإلاّ لم يكونوا قادرين على إتيان ما لم يقدر عليه إلاّ الله العزيز .

كما كانت المعاجز من أدلّة صدق نبيّنا العظيم ، ومَن قبله من الأنبياء المكرّمين حيث إنّ معاجزهم تنبىء عن صدقهم .

(1) تنقيح المقال : ج1 ص403 .


243

فكذلك بالنسبة إلى الأئمّة الإثنى عشر صلوات الله عليهم ، تكون إعجازاتهم بإذن الله تعالى من أدلّة صدقهم في إمامتهم بالإمامة الإلهية ، والولاية الربّانية .

وقد جمع المحدّث الجليل الحرّ العاملي (قدس سره) معاجزهم في الأجزاء الثلاثة من كتابه (إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات) وكذلك السيّد البحراني في (مدينة المعاجز) فلاحظها .

فحياتهم مليئة بالمعجزات الباهرات منذ ولادتهم إلى شهادتهم وبعد شهادتهم ، ومقرونة بشهادات الصدق على إمامتهم ووصايتهم .

وقد شهدت لهم الكائنات بأوثق البيّنات ويكفينا واحدة منها منقولة من طرق الفريقين وهو حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) : « ياأبا الحسن كلّم الشمس فإنّها تكلّمك .

قال علي (عليه السلام) : السلام عليك أيّها العبد المطيع لله .

فقالت الشمس : وعليك السلام ياأمير المؤمنين ، وإمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، ياعلي أنت وشيعتك في الجنّة ، ياعلي أوّل من ينشقّ عنه الأرض محمّد ثمّ أنت ، وأوّل من يحيا محمّد ثمّ أنت ، وأوّل من يكسى محمّد ثمّ أنت .

ثمّ انكبّ علي ساجداً وعيناه تذرفان بالدموع ، فانكبّ عليه النبي (صلى الله عليه وآله) فقال : ياأخي وحبيبي ارفع رأسك فقد باهى الله بك أهل سبع سماوات » (1) .

وبهذا يجزم الإنسان بوصايتهم ، ويتّضح له بالعيان إمامتهم ، وينطق بشهادتها المكمّلة للإيمان .

(1) بحار الأنوار : ج41 ص169 ب109 ح5 المروي بطريق العلاّمة والخوارزمي .


244

الرّاشِدُونَ (1) والشهادة بالإمامة لا تفارق الشهادة بالرسالة منذ اليوم الأوّل إلى يوم القيامة ، وأمرنا بالإتيان بها ، ولا يستطيع أحد أن يتخلّف عنها كما تلاحظه في أحاديثنا الكثيرة (1) .

فيلزم الإتيان بها في كلّ مقام بعد الشهادة بالرسالة حتّى في الأذان ، فالشهادة فيه من شعائر الإيمان ، ومن علائم تشيّع الإنسان ، الموجب للفوز بالجنان .

كلّ ذلك يؤكّد حتميّة الشهادة بالإمامة وعلميّة ما جاء في الزيارة الجامعة : (وأشهد أنّكم الأئمّة) .

(1) ـ (الراشدون) أي الذين يُرشدون إلى الدين الحقّ المبين ، ويهدون إلى الصواب باليقين .

من رَشِدَ يرشَدُ رَشَداً فهو راشد ، والرَشَد هي الهداية (2) ، في الاُمور الدنيوية والاُخروية (3) ، وهو نقيض الغيّ والضلال (4) .

والرَشَد والرُشْد والرَّشاد واحد وهي الإستقامة على طريق الحقّ ، مع تصلّب فيه (5) .

وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هم الأئمّة الراشدون ، كما نصّ عليه سيّدهم

(1) بحار الأنوار : ج27 ص1 ب10 الأحاديث .

(2) مجمع البحرين : مادّة رشد ص206 .

(3) المفردات : ص196 .

(4) المحيط في اللغة : ج7 ص300 .

(5) القاموس المحيط : ج1 ص294 .


245

وجدّهم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في حديث الصدوق (قدس سره) باسناده عن زيد بن أرقم قال : خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه :

« اُوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي لا يستغني عنه العباد ، فإنّ من رغب في التقوى زهد في الدنيا .

واعلموا أنّ الموت سبيل العالمين ومصير الباقين ، يخطف المقيمين ، ولا يعجزه الخلق الهاربون ، يهدم كلّ لذّة ، ويزيل كلّ نعمة ، ويبشع كلّ بهجة ، والدنيا دار الفناء ، ولأهلها منها الجلاء ، وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب ، فارتحلوا عنها يرحمكم الله بخير ما يحضر بكم من الزاد ، ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ ولا تمدّوا أعينكم منها إلى ما متّع به المترفون .

ألا أنّ الدنيا قد تنكّرت وأدبرت واخلولقت وأذنت بوداع ، وأنّ الآخرة قد رحلت وأقبلت باطّلاع .

معاشر الناس كأنّي على الحوض يرد قوم عليّ منكم وستؤخّر اُناس من دوني ، فأقول : ياربّ منّي ومن اُمّتي فيقال : هل شعرت بما عملوا بعدك والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم .

أيّها الناس اُوصيكم في عترتي وأهل بيتي خيراً ، فإنّهم مع الحقّ والحقّ معهم .

وهم الأئمّة الراشدون بعدي والاُمناء المعصومون .

فقام إليه عبدالله بن العبّاس فقال : يارسول الله كم الأئمّة بعدك ؟

قال : عدد نقباء بني اسرائيل وحواري عيسى ، تسعة من صلب


246

الحسين ، ومنهم مهدي هذه الاُمّة » (1) .

فالخلافة الهادية المهديّة الراشدة ، التي ترشد إلى الحقّ ، وتهدي إلى الصواب ، وتستقيم في طريق الحقيقة ، هي خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين (عليهم السلام) الذين عرفت أدلّة إمامتهم الراشدة ، وعصمتهم الرشيدة .

فهم خلفاء الرسول الأمين ، والأئمّة القدوة إلى يوم الدين ، دون من سواهم ممّن لم يكن عليهم أدنى تنصيص ، ولم يكن لهم أقلّ لياقة كما تلاحظ حالهم في مثل مجلّدات الفتن والمحن من البحار ، وفي السبعة من السلف ، وفي حياة الخليفة وغيرها .

والقرآن الكريم مصرّح بأنّ عهد الإمامة لا ينال الظالم ، وهو من تلبّس في حياته بالظلم شركاً أو معصية ومن تعدّى حدود الله تعالى ، فكيف تنال غير أهل البيت ممّن لا عصمة لهم ؟!

فقد قال عزّ إسمه : ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (2) .

وقد فُسّر هذا العهد بالإمامة من قِبَل الخاصّة والعامّة كما أفاده شيخ الطائفة (قدس سره) (3) .

فالحقّ المحقّق هو رشادة خصوص من اتّفق الفريقان في أحاديثهم

(1) غاية المرام : ص205 ح48 .

(2) سورة البقرة : الآية 124 .

(3) تفسير التبيان : ج1 ص448 .


247

الْمَهْدِيُّونَ (1) المتواترة على أنّه مع الحقّ والحقّ معه ، يدور الحقّ معه حيثما دار ، ولن يفترقا إلى يوم القرار ، كما تلاحظه في أحاديث الخاصّة في (10) طرق ، وأحاديث العامّة في (15) طريقاً (1) .

ثبّتنا الله على ولاية الأئمّة الراشدين ، والبراءة من أعدائهم المعاندين .

(1) ـ من الهداية والرشاد ، والإرشاد إلى طريق الحقّ والسداد ، جمع المهدي ، والمهديّ هو من هداه الله تعالى بهدايته الخاصّة .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم الذين هداهم الله بهدايته ، وأرشدهم بدلالته ، وتولاّهم بتربيته ورعايته ، وعصمهم من كلّ خطلة وزلّة ، ثمّ جعلهم أعلام الهدى وأئمّة الهداية .

فكانوا هم المهديّون من الله ، وهم الهادون لخلق الله ، كما ترى أحاديثه المتظافرة في بابه .

ففي حديث أبي الجارود ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (2) قال : « هذه الآية لآل محمّد وأشياعهم » (3) .

وفي حديث حمران عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ (4) قال : « هم الأئمّة » (5) .

(1) غاية المرام : ص539 ، بحار الأنوار : ج38 ص26 ب57 الأحاديث ، إحقاق الحقّ : ج4 ص27 ، وج9 ص479 .

(2) سورة العنكبوت : الآية 69 .

(3) بحار الأنوار : ج24 ص143 ب25 ح3 .

(4) سورة الأعراف : الآية 181 .

(5) بحار الأنوار : ج24 ص144 ب45 ح5 .


248

وفي حديث عبدالله بن جعفر ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال :

« ليس في جنّة عدن منزل ـ أشرف ولا ـ أفضل ولا أقرب إلى عرش ربّي من منزلي ، ونحن فيه أربعة عشر إنساناً ، أنا وأخي علي وهو خيرهم وأحبّهم إليّ ، وفاطمة وهي سيّدة نساء أهل الجنّة ، والحسن والحسين ، وتسعة أئمّة من ولد الحسين ، فنحن فيه أربعة عشر إنساناً في منزل واحد أذهب الله عنّا الرجس وطهّرنا تطهيراً ، هداة مهديين » (1) .

فرسول الله (صلى الله عليه وآله) هو المنذر ، ولكلّ قوم هاد إلى يوم القيامة أمير المؤمنين وأولاده المعصومون سلام الله عليهم ، كلّهم هداة مهديون ، إلى أن يبلغ خاتمهم الإمام الثاني عشر الذي هو المهدي وصفاً وإسماً ، والممتاز بهذا الإسم شخصاً .

خصّه الله بهذا الإسم الشريف لأنّه يُهدي إلى أمر خفي ، ويُهدي إلى أمر قد دُثر وضلّ عنه الناس ، كما في حديثي أبي سعيد الخراساني ومحمّد بن عجلان (2) .

وهذا الإسم المبارك من أحلى أسمائه الكريمة وسماته العظيمة ، التي هي كثيرة ، شأن العظماء الذين تتعدّد أسماؤهم لتعدّد صفاتهم ، وكثرة جوانب عظمتهم وقد فصّلنا البيان في أسماءه الشريفة ، وكنيته المباركة ، وألقابه السامية ، في كتاب الفوائد (3) .

(1) كتاب سليم بن قيس : ج2 ص840 .

(2) بحار الأنوار : ج51 ص29 ـ 30 ب2 ح2 و6 ـ 7 .

(3) الفوائد الرجالية : ص21 .


249

ويمتاز سلام الله عليه باللقب الشريف (القائم) لقيامه بالحقّ بأعظم قيام إلهي يعرفه التاريخ البشري ، وكلّهم قائمون بالحقّ .

فيلزم تعظيمه بهذا اللقب ، والقيام عنده كما قام له الإمام الرضا (عليه السلام) ، بل أمر به الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث الزام الناصب (1) .

وهذا القيام ووضع اليد على الرأس ـ مضافاً إلى التعظيم ـ هو تسليم للإمام (عليه السلام) وإستعداد لقيامه ، وطلب تعجيل فرجه التي هي من الوظائف الدينيّة ، والمرغّبات الشرعية خصوصاً في عهد الغيبة .

فاللازم على المؤمن :

1 ـ انتظار الفرج مع عدم الاستعجال في ذلك ، فإنّما يهلك المستعجلون كما دلّت عليه الأحاديث الشريفة (2) .

2 ـ العمل بما يلازم الانتظار من إصلاح النفس ، والتمسّك بتكاليف الدين ، والدعاء للفرج ، والإستعداد لنصرة الإمام (عليه السلام) كما يستفاد من الأحاديث المباركة (3) .

3 ـ العلم بأنّ نفس هذا الانتظار والحالة الانتظارية في الإنسان المؤمن مطلوب مرغوب ، مُثاب عليه شرعاً كما يستفاد من الأحاديث المرويّة (4) .

وحبّذا لو كان الدعاء لتعجيل فرجه ـ مقروناً بأن يجعلنا من أعوانه

(1) الزام الناصب : ج1 ص271 .

(2) الكافي : ج1 ص336 ح1 ، وص368 ح2 ـ 7 .

(3) الكافي : ج1 ص335 ح1 ـ 5 .

(4) إكمال الدين : ص644 ب55 الأحاديث .


250

الْمَعْصُومُونَ (1) وأنصاره ـ بالأدعية المأثورة الواردة عنهم صلوات الله عليهم ، مثل دعاء يونس ابن عبدالرحمن عن الإمام الرضا (عليه السلام) الذي رواه شيخ الطائفة في المصباح (1) .

وهكذا صلاة ودعاء الفرج لتعجيل فرجه الشريف (2) .

ويستحسن في المقام دراسة كتاب مكيال المكارم لإستقصاء معرفة فوائد الدعاء للإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف والأدعية الواردة له (عليه السلام) .

(1) ـ من العصمة التي هي في اللغة بمعنى الوقاية والمنع والدفع والحفظ والحماية ، وعرّفت بأنّها هي : « الروحية القدسيّة المانعة عن مخالفة التكاليف اللزومية شرعية وعقليّة مع القدرة عليها » .

وفُسّر المعصوم في بيان أهل العصمة بأنّه هو : « الممتنع بالله عن جميع محارم الله » كما في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) (3) .

وأهل البيت (عليهم السلام) معصومون من الذنوب الكبائر والصغائر ، ومحفوظون من السهو والخطأ والنسيان ، ومبرّؤون من العيوب والأدناس والأرجاس في مدّة عمرهم الشريف من زمن الطفولية إلى نهاية الحياة الدنيوية .

وهذا البحث من أهمّ مباحث الإمامة والخلافة ، بل من أهمّ مباحث النبوّة ، إذ العصمة من أهمّ مميّزات النبي وخليفته ، وممّا يلزم وجوده فيهما حتّى يكون كفيلا بعدم الخطأ ، وضميناً لسعادة الاُمّة إلى الأبد .

وقد ذكرنا هذا البحث مفصّلا في اُصول العقائد ، وبرهَنّا على لزوم عصمة ‌

(1) مصباح المتهجّد : ص409 .

(2) منتخب الأثر : ص501 .

(3) معاني الأخبار : ص132 ح2 .


251

الْمُكَرَّمُونَ (1) الإمام كبروياً ، ثمّ وجود العصمة في أئمّة الهدى صغروياً .

وبيّنا الأدلّة الأربعة على عصمة أهل البيت المعصومين الإثنى عشر سلام الله عليهم أجمعين ولا نكرّر فراجع (1) .

(1) ـ جمع المكرّم ، مأخوذ من الكَرَم ، والكرم ضدّ اللؤم .

وفُسّر الكرم بالنفع الكثير ، والكريم صفة لكلّ ما يُرضى ويُحمد من الاُمور فيقال : القرآن الكريم ، والإنسان الكريم ، والوجه الكريم ، والجوهر الكريم ، بمعنى المحمود المرضي .

والمكرّمون هم أهل البيت (عليهم السلام) الذين كرّمهم الله تعالى ذاتاً وصفاتاً ، وأقوالا وأفعالا وأحوالا ، فكانوا (عليهم السلام) مرضيين محمودين من جميع هذه الجهات .

وقد تكرّم الله تعالى عليهم بنورانية المبدأ والعصمة والطهارة ، والعلم والمعرفة ، والولاية والإمامة ، وجميع الكرامات والاُمور المحمودة المرضيّة ، مادّية ومعنوية ، دنيويّة واُخروية ، بحيث آتاهم الله ما لم يؤت أحداً من العالمين ، وجعلهم أفضل الخلق أجمعين .

ولقد كرّم الله بني آدم ، وأكرم من بينهم محمّداً وآله الطاهرين بأسمى آيات الكرامة ، وفضّلهم حتّى على أنبيائه المرسلين وملائكته المقرّبين ، حيث كانوا لذلك من اللائقين .

وقد تقدّم دليل كرامتهم في حديث تفسير قوله تعالى : ﴿ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ

(1) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص317 .


252

الْمُقَرَّبُونَ (1) بأهل البيت (عليهم السلام) وأنّه أومأ الإمام الباقر (عليه السلام) بيده إلى صدره عند تلاوة هذه الآية الشريفة (1) .

ولقد عمّت كراماتهم الدنيا والآخرة ، وكانت من العيان المستغنى عن البيان ، وجدانية للأولياء والأعداء .

وتلاحظ نبذة منها في أحاديث معاجزهم في الدنيا ودرجاتهم في الاُخرى (2) .

بل كُرّمت أرواحهم في الخِلقة الاُولى ، كما سيأتي بيانه في فقرة « خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين » .

(1) ـ المقرّبون من القرب بمعنى الدنوّ ، مقابل البُعد .

وجاء القرب هنا بمعنى قُرب المكانة والقدر والمنزلة .

وأهل البيت (عليهم السلام) مقرّبون عند الله تعالى قُرباً معنوياً في منزلتهم ومكانتهم وقدرهم ، فإنّ لهم ولجدّهم المحلّ الأعلى ، والدرجة الزلفى ، والمرتبة الأرقى عند الله تعالى ، بحيث لا يدانيهم ملك مقرّب ، ولا نبي مرسل ، ولا مؤمن ممتحن .

فكانوا أقرب إلى الله من كلّ من كان له قرب وجاه وشأن عند الله تعالى .

وفي حديث طارق بن شهاب المتقدّم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال :

« إنّ الإمام جسد سماوي ، وأمرٌ إلهي ، وروح قدسي ، ومقام عليّ ... » .

وقال أيضاً : « هذا كلّه لآل محمّد لا يشاركهم فيه مشارك ... » .

(1) تفسير البرهان : ج2 ص686 ، كنز الدقائق : ج8 ص404 .

(2) لاحظ بحار الأنوار : ج24 ص259 ح10 ، وص272 ح54 ، وج27 ص107 ح80 .


253

الْمُتَّقُونَ (1) وأنّ الأئمّة (عليهم السلام) من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) « ... أولياء الله المقرّبون ، وأمره بين الكاف والنون » (1) .

(1) ـ مرّ في الفقرة الشريفة « وأعلام التُّقى » بيان معنى وحقيقة التقوى مفصّلا ، وذكرنا أنّ التقوى لغةً بمعنى : التحذّر والخشية .

وعرفاً بمعنى صيانة النفس عمّا يضرّها .

ولها مراتب ثلاثة هي :

1 / تصحيح العقائد .

2 / فعل الواجبات ، وترك المحرّمات .

3 / التجنّب عن كلّ ما يُشغل القلب عن الحقّ .

وجُمعت معانيها في الحديث الصادقي الشريف : « أن لا يفقدك حيث أمرك ، ولا يراك حيث نهاك » (2) .

وأهل البيت سلام الله عليهم أبرز أمثلة التقوى وأعلى سادات المتّقين . وفي حديث المفضّل ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (3) قال :

« هي في علي وأولاده وشيعتهم ، هم المتّقون ، وهم أهل الجنّة والمغفرة » (4) .

(1) مقدّمة مرآة الأنوار : ص50 ، بحار الأنوار : ج25 ص169 ب4 ح38 .

(2) سفينة البحار : ج8 ص558 .

(3) سورة محمّد : الآية 15 .

(4) تفسير فرات الكوفي : ص417 .


254

الصّادِقُونَ (1) وهم رمز التُّقى وكلمة التقوى التي ألزمها الله تعالى على المؤمنين في قوله تعالى : ﴿ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى (1) . كما تلاحظه في أحاديث تفسيره الشريفة .

ففي أمالي الصدوق (رحمه الله) بإسناده إلى النبي (صلى الله عليه وآله) قال : « إنّ الله عهد إليّ في علي ] بن أبي طالب [ (عليه السلام) عهداً .

قلت : ياربّ بيّنه لي .

قال : اسمع .

قلت : قد سمعت .

قال : إنّ عليّاً راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور من أطاعني ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين ، من أحبّه أحبّني ، ومن أطاعه أطاعني » (2) .

وفي كتاب الخصال : عن عبدالله بن عبّاس قال : قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فينا خطيباً ، فقال في آخر خطبته : « نحن كلمة التقوى وسبيل الهدى » (3) .

وفي كتاب التوحيد ، بإسناده إلى أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته : « أنا عروة الله الوثقى وكلمة التقوى » (4) .

(1) ـ جمع الصادق من الصدق ضدّ الكذب ، والصادق هو الذي لا يكذب ،

(1) سورة الفتح : الآية 26 .

(2) أمالي الصدوق : ص386 ح23 ، بحار الأنوار : ج38 ص104 ب61 ح29 .

(3) بحار الأنوار : ج24 ص184 ب50 ح23 ، الخصال : ص432 ح14 .

(4) بحار الأنوار : ج4 ص8 ب1 ح18 ، التوحيد : ص164 ح2 .


255

الْمُصْطَفَونَ (1) والصادقون هم الذين صدقوا في دين الله نيّة وقولا وعملا (1) .

وأتمّ مصاديقه أهل بيت العصمة سلام الله عليهم الذين صدقوا في دين الله نيّة وقولا وفعلا ، وصدقوا في عهودهم المأخوذة عليهم من الله تعالى ووفوا بها ، ولازموا الصدق حتّى كانوا من الصدّيقين ، وصدّقوا النبي من عالم النور (2) .

وفي حديث أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال : سألته عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (3) .

قال : « الصادقون هم الأئمّة ، والصدّيقون بطاعتهم » (4) .

وأمير المؤمنين (عليه السلام) (هو الصدّيق الأكبر) كما في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) (5) .

وفاطمة الزهراء (عليها السلام) (هي الصدّيقة الكبرى) كما في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) (6) .

(1) ـ جمع المصطفى ، من الاصطفاء بمعنى الاختيار .

وصفو الشيء : خالصه ، وخياره ، وجيّده ، وأحسنه ، فالمصطفى هو المختار الخالص الجيّد .

(1) مجمع البحرين : ص437 .

(2) لاحظ معاني صدقهم في مرآة الأنوار : ص144 .

(3) سورة التوبة : الآية 119 .

(4) الكافي : ج1 ص208 ح2 .

(5) كتاب سليم بن قيس الهلالي : ج2 ص881 .

(6) بحار الأنوار : ج43 ص105 ب5 ح19 .


256

الْمُطِيعُونَ لِلّهِ (1) وأهل البيت (عليهم السلام) هم الذين اصطفاهم الله تعالى واجتباهم واختارهم على العالمين .

وقد تقدّم في « صفوة المرسلين » أنّهم المصطفون من آل إبراهيم في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (1) .

وهم المصطفون من جميع عباد الله كما يستفاد من قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (2) .

كما تلاحظ أحاديث تفسيره في الكنز (3) .

وورد في حديث أبي حمزة الثمالي ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« إنّ الله تعالى قال في الأئمّة الهداة : لقد اصطفيتهم وإنتجبتهم وأخلصتهم ، وإرتضيتهم ، ونجّي من أحبّهم ووالاهم وسَلَّم لفضلهم » (4) .

(1) ـ الطاعة والإطاعة في أصل اللغة بمعنى الإنقياد .

وإطاعة الله هي الإذعان به ، والإنقياد له ، وإمتثال ما أراده .

والمطيعون لله تعالى بالإطاعة التامّة الكاملة هم الرسول والعترة صلوات الله عليهم .

(1) سورة آل عمران : الآية 33 .

(2) سورة فاطر : الآية 32 .

(3) كنز الدقائق : ج10 ص564 .

(4) الكافي : ج1 ص208 ح4 .


257

والدليل على طاعتهم العليا هي عصمتهم الكبرى .

وقد ورد في زيارة صاحب الأمر عجّل الله تعالى فرجه : « أشهد يامولاي أنّكم المطيعون لله » (1) .

وقد أطاعوا الله العزيز في جميع أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وفي كل ما أراده منهم حتّى بذلوا أنفسهم وأموالهم وأرواحهم وأبدانهم في سبيله ، وصبروا على عظيم البلاء لرضاه ، وقاتلوا حتّى قُتلوا ، واضطهدوا حتّى استشهدوا في سبيل إعلاء كلمة الله وإقامة دينه .

ويدلّ على طاعتهم قوله تعالى : ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (2) (3) .

وفي دعاء الزيارة الحسينية المباركة : « لم يعصك في ليل ولا نهار » (4) .

كما يدلّ عليه ويشهد به تتبّع أحوالهم ، واستقراء سيرتهم ، والتعرّف على عباداتهم والإطّلاع على مصائبهم ومحنهم في أحاديث الخاصّة والعامّة وكتب التاريخ والسير ، ويكفيك في ذلك ما تحمّله أمير المؤمنين (عليه السلام) من الألم في سبيل طاعة الله ورسوله الذي تقدّم عن كتاب ابن دأب (5) .

وتلاحظ ما شهد به ابن أبي الحديد حيث قال :

(1) بحار الأنوار : ج102 ص181 .

(2) سورة الأنبياء : الآية 27 .

(3) كنز الدقائق : ج8 ص404 .

(4) بحار الأنوار : ج101 ص225 ب18 ح34 .

(5) الإختصاص : ص158 .


258

الْقَوّامُونَ بِاَمْرِهِ (1) (وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاةً وصوماً ، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل ، وملازمة الأوراد وقيام النافلة وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على وِرده أن يبسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير فيصلّي عليه وِرده ، والسهام تقع بين يديه ، وتمرّ على صماخيه يميناً وشمالا ، فلا يرتاع لذلك ، ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته ! وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده) (1) .

قال السيّد الهمداني : (حقيقة الطاعة عبارة عن صَرِف العبد جميع ما آتاه في إرادة الله من نفسه ، وملكاته ، وتمام جوارحه ، وإضافاته .

ولم يتحقّق ذلك ، ولا يتحقّق من عبد بالنسبة إلى مولاه إلاّ من محمّد وآل محمّد (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلى الله تعالى) (2) .

(1) ـ القوّامون : جمع القوّام : مبالغة وتكثير في القائم المتولّي للأمر .

والقَوّام بأمر : هو القائم به مع الثبات والمواظبة ، والجدّ والتجلّد ، والذي أتى به وأدّاه حقّ الأداء ، مُوفياً بحقّه ، كما يستفاد من اللغة .

وفُسّر القوّامون في قوله تعالى : ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ (3) بمعنى دائمين على القيام بالعدل ، في القول والفعل .

وأهل البيت (عليهم السلام) قوّامون بأمر الله تعالى الذي هو أمر الإمامة ، أو الأعمّ من ذلك ، كما أفادته الأحاديث الشريفة مثل :

1 ـ حديث عبدالعزيز بن مسلم ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) الذي ورد فيه

(1) شرح نهج البلاغة : ج1 ص27 .

(2) الشموس الطالعة : ص263 .

(3) سورة النساء : الآية 135 .


259

توصيف الإمام بأنّه : « قائم بأمر الله ... جعله الحجّة على عباده ، وقيّمه في بلاده » (1) .

2 ـ حديث أبي حمزة الثمالي ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) : قال فيه : كنت عند أبي جعفر محمّد الباقر (عليه السلام) ذات يوم فلمّا تفرّق من كان عنده قال لي : « ياأبا حمزة من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله قيام قائمنا ، فمن شكّ فيما أقول لقي الله وهو به كافر وله جاحد .

ثمّ قال : بأبي واُمّي المسمّى باسمي ، والمكنّى بكنيتي ، السابع من بعدي ، بأبي من يملأ الأرض عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً .

وقال : ياأبا حمزة من أدركه فلم يسلّم له فما سلّم لمحمّد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) ، وقد حرّم الله عليه الجنّة ومأواه النار ، وبئس مثوى الظالمين ..

وأوضح من هذا بحمد الله وأنور وأبين وأزهر لمن هداه الله وأحسن إليه ، قول الله تعالى في محكم كتابه : ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ (2) .

ومعرفة الشهور : المحرّم ـ لا يكون ديناً قيّماً ، لأنّ اليهود والنصارى والمجوس وسائر الملل والناس جميعاً من المنافقين والمخالفين يعرفون هذه الشهور ويعدّونها بأسمائهم .

(1) الكافي : ج1 ص202 ح1 .

(2) سورة التوبة : الآية 36 .


260

الْعامِلُونَ بِاِرادَتِهِ (1) وإنّما هم الأئمّة (عليهم السلام) القوّامون بدين الله ، والحرم منها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي اشتقّ الله تعالى له إسماً من إسمه العلي ، كما اشتقّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إسماً من إسمه المحمود ، وثلاثة من ولده أسماؤهم علي : علي بن الحسين ، وعلي بن موسى ، وعلي بن محمّد ، فصار لهذا الإسم المشتقّ من اسم الله تعالى حرمة به » (1) .

(1) ـ أي أنّ أهل البيت (عليهم السلام) أعمالهم على وفق إرادة الله ، وعلى طبق مشيئته ، بل هم أوعية مشيئة الله تعالى ، ولا يريدون إلاّ ما أراد الله .

وما أحلاها وأجلاها من كلمة تبيّن أنّ أقوالهم وأفعالهم ، وحركاتهم وسكناتهم ، وكلّ ما يصدر منهم اُمور ربّانية ، صادرة بالإرادة الإلهية .

لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهد من الله المتعال وأمر منه ، يطيعونه ولا يتجاوزونه ، وقد عرفت أنّهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، فهم ورثة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلاّ وحي يوحى .

وقد عقد لذلك ثقة الإسلام الكليني باباً (2) بأحاديث عديدة منها :

حديث ضريس الكنّاسي ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال :

قال له حمران : جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر علي والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله عزّوجلّ ، وما اُصيبوا من قتل الطواغيت إيّاهم ، والظفر بهم ، حتّى قُتلوا وغُلبوا ؟

(1) بحار الأنوار : ج36 ص393 ب25 ح9 .

(2) الكافي : ج1 ص279 الأحاديث .


261

الْفائِزُونَ بِكَرامَتِهِ (1) فقال أبو جعفر (عليه السلام) : « ياحمران إنّ الله تبارك وتعالى ] قد [ كان قدّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتّمه ، ثمّ أجراه ، فبتقدّم علم ذلك إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام علي والحسن والحسين ، وبعلم صَمَت من صَمَت منّا » (1) .

وفي الزيارة المطلقة الاُولى للإمام الحسين (عليه السلام) : « إرادة الربّ في مقادير اُموره تهبط إليكم ، وتصدر من بيوتكم » (2) .

(1) ـ أصل الفوز في اللغة هي النجاة ، وجاء بمعنى الظفر بالخير .

والكرامة : اسم من الإكرام والتكريم ، وهي أنواع الخير والشرف والفضيلة .

وأهل البيت (عليهم السلام) فازوا بما لم يَفُز به أحدٌ من الخلق أجمعين ، وظفروا بأجزل كرامات ربّ العالمين .

نالوا كلّ فضيلة ، وحازوا كلّ محمدة ، وأنعم الله عليهم بكلّ كرامة ، من الإمامة والعلم والحكمة والشرف ووجوب إطاعة الناس لهم في الدنيا ، مضافاً إلى شفاعتهم ومكانتهم ومقامهم المحمود في الاُخرى .

وقد أفاضوا أجزل الكرامات ووهبوا أجمل الخيرات ، وتقدّموا بمعالي الإحسان لمخلوقات الربّ المنّان بجميع صنوفها وأصنافها ، كما ترى ذلك في كراماتهم الإعجازية الشريفة (3) .

وقد اعترف بمكارمهم وجميل خصالهم كلّ عدوٍّ وصديق ، وصار من العيان الذي لا يحتاج إلى البيان .

(1) الكافي : ج1 ص281 ح3 .

(2) الكافي : ج4 ص575 ح2 .

(3) لاحظ مدينة المعاجز للسيّد البحراني (قدس سره) .


262

اصْطَفاكُمْ بِعِلْمِهِ (1) فازوا (عليهم السلام) بكرامات الخالق الكريم ، وصاروا مظاهر الفيض ، ووسائط الإفاضة والتكريم .

وكانوا كغيث الرحمة الإلهية العامّة ، الذي يعمّ نفعه الشكور والكفور والصالح والطالح .

ولا غرو في ذلك فإنّهم أهل بيت من هو سيّد النبيين ومن هو رحمة الله للعالمين .

وقد أكرمهم الله بشرفه ، وشرّفهم بكرامته ، كما في حديث زياد بن المنذر عن الإمام الباقر (عليه السلام) جاء فيه :

« هؤلاء أهل البيت أكرمهم الله بشرفه ، وشرّفهم بكرامته ، وأعزّهم بالهدى وثبّتهم بالوحي ، وجعلهم أئمّةً هداة ، ونوراً في الظُلَم للنجاة » (1) .

وتلاحظ كرامات الله لهم في الحديث الجامع الشريف في الإمامة في رواية طارق بن شهاب المتقدّمة (2) .

(1) ـ الإصطفاء هو الإختيار ، وصفو الشيء هو : خالصه وخياره وجيّده وأحسنه .

أي إصطفاكم الله واختاركم على خلقه ، وفضّلكم على عباده ، عالماً بأنّكم أهل لذلك ، فأنتم صفوة الخلق وأحسن العباد .

فإنّ الله تعالى محيط بكلّ شيء علماً ، عالم بحقائق الأشخاص واقعاً ، وخبيرٌ بعواقب الأفراد حقيقةً ، وعارف بالسرّ والخفيّات ، لا يعزُب عن علمه

(1) بحار الأنوار : ج23 ص245 ب13 ح16 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ص169 ب3 ح38 ، الكافي : ج1 ص198 ح1 .


263

شيء ، لا يسهو ولا يلهو .

لذلك إذا اختار شيئاً كان إختياره في أعلى مراتب الصواب والإصابة ، ولم يخطأ في ذلك قيد شعرة .

وقد اختار الله العلاّم محمّداً وآل محمّد وإصطفاهم على الخلق أجمعين ، وكان إختياره لهم بعلم منه ، مع معرفته بالوفاء منهم ، مع أهلّيتهم للإصطفاء على أهل الأرض والسماء .

وقد تقدّم حديث أبي حمزة الثمالي في إخبار الله تعالى عن الأئمّة (عليهم السلام) في الكلام القدسي : « لقد إصطفيتهم وانتجبتهم » (1) .

وفي دعاء الندبة الشريفة : « وعلمتَ منهم الوفاءَ به ، فقبلتَهم وقرّبتَهم وقدّمت لهم الذكرَ العليّ ، والثناء الجليّ » (2) .

(1) الكافي : ج1 ص208 ح4 .

(2) لا يخفى أنّ هذا الدعاء الشريف من الأدعية المعتبرة المنقولة عن مولانا صاحب الزمان أرواحنا فداه لندبة شيعته له ، وطلبهم فرجه من الله تعالى في الأعياد الأربعة ـ الغدير والفطر والأضحى والجمعة ـ .

وقد جاء هذا الدعاء في مصادر كتب الزيارة التي لها الاعتبار واعتمد عليها العلماء الأبرار مثل (مزار محمّد بن المشهدي / ص190) و (مصباح الزائر للسيّد ابن طاووس / 230) و (الإقبال / ص295) وجاء في البحار : ج102 ص104 ب56 الدعاء .

ومعلوم أنّ المصدر الأقدم هو المزار ـ وصاحبه ابن المشهدي ، هو محمّد بن جعفر المعروف بابن المشهدي الحائري ، الذي هو من مشايخ محدّثي الشيعة الأبرار ، واُستاد الشيخ نجيب الدين ابن نما الحلّي .

وقد أفاد الميرزا النوري (قدس سره) في خاتمة المستدرك : ج3 ص368 و477 اعتماد أصحابنا الأبرار على هذا الكتاب وتسميته بالمزار الكبير .

وقد نقل ابن المشهدي دعاء الندبة عن محمّد بن علي بن أبي قرّة الذي هو من المشايخ الثقات للشيخ النجاشي .

عن أبي جعفر محمّد بن الحسين البزوفري الذي هو من مشايخ الشيخ المفيد الذي ترحّم عليه نقل إنّه الدعاء لصاحب الزمان (عليه السلام) .

وسلسلة السند هؤلاء كلّهم من الأجلاّء .

وقد وثّق ابن المشهدي مشايخه الرواة إلى المعصومين (عليهم السلام) بالتوثيق العام في أوّل كتاب المزار بقوله :

(فإنّي قد جمعت في كتابي هذا من فنون الزيارات للمشاهد المشرّفات ، وما ورد في الترغيب في المساجد المباركات ، والأدعية المختارات ، وما يُدعى به عقيب الصلوات ، وما يُناجى به القدير تعالى ، من لذيذ الدعوات في الخلوات ، وما يُلجأ إليه من الأدعية عند المهمّات ، ممّا اتّصلت به من ثقات الرواة إلى السادات) .

فتكون أسناد رواياته موثّقة من قبله بالتوثيق العام في جميع سلسلة السند .

ومن ذلك سنده في دعاء الندبة ، فيكون هذا الدعاء من الأدعية المعتبرة ، فهو تامّ سنداً وشريف دلالة .

وقد ذكره العلاّمة المجلسي في ص343 من كتابه الشريف تحفة الزائر الذي صرّح في مقدّمته / ص2 بأنّها مقصورة على ذكر الزيارات والأدعية والآداب المنقولة بأسانيد معتبرة عن أئمّة الدين صلوات الله عليهم أجمعين .


264

هذا معنى ، واحتمل أن يكون بمعنى أنّ الله تعالى اصطفاكم على الخلق بسبب أن كنتم خزّان علمه .

وقد مضى بيان جهات علومهم في فقرة « وخزّان العلم » .


265

وَارْتَضاكُمْ لِغَيْبِهِ (1) وفي زيارة أئمّة البقيع (عليهم السلام) : « إصطفاكم الله على الناس ، وورّثكم علم الكتاب وعلّمكم فصل الخطاب ، وأجرى فيكم مواريث النبوّة ، وفجّر بكم ينابيع الحكمة ، وألزمكم بحفظ الشريعة ، وفرض طاعتكم ومودّتكم على الناس » (1) .

وفي نسخة الكفعمي بعد هذا (واصطنعكم لنفسه) .

(1) ـ الرضا : ضدّ السخَطَ والكراهة .

والغَيب : هو ما غاب وخفى عن الأبصار .

والارتضاء للغيب بمعنى من رضى به الله وقَبِلَه لعلم الغيب الذي لا يعلمه إلاّ هو .

وأهل البيت سلام الله عليهم إرتضاهم الله لعلم الغيب ، وحمّلهم معرفة المغيبات ، وجعلهم مخزن غيبه ، والمطّلعين على الغيب بإذنه .

وفيه إشارة إلى أنّهم (عليهم السلام) ممّن إرتضاهم في قوله تعالى : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول (2) .

إمّا بكون الرسول شاملا لهم على التغليب ، أو أنّ علمهم بالغيب واصل إليهم بواسطة الرسول وهو جدّهم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كما أفاده في كتاب الأنوار (3) ، وجاء بيانه في حديث حمران (4) .

وقد استشهد بهذه الآية الشريفة في مفصَّل حديث سلمان رضوان الله

(1) بحار الأنوار : ج100 ص209 ب9 ح8 .

(2) سورة الجنّ : الآية 26 ـ 27 .

(3) الأنوار اللامعة : ص116 .

(4) الكافي : ج1 ص256 ح2 .


266

عليه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ما أراه وأخبره عن الاُمور العجيبة .

فقال سلمان : كيف هذا ياسيّدي ؟

فأجاب (عليه السلام) : « ياسلمان أما قرأت قول الله تعالى : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فقلت : بلى ياأمير المؤمنين فقال (عليه السلام) : أنا ذلك المرتضى من الرسول الذي أظهره الله عزّوجلّ على غيبه » (1) .

وفي الحديث العلوي الجامع في وصف الإمام (عليه السلام) : « عالم بالمغيبات خصّاً من ربّ العالمين ، ونصّاً من الصادق الأمين » (2) .

ويستفاد علمهم بالغيب بإذن الله تعالى من أحاديث كثيرة وفيرة في مختلف الأبواب من ذلك :

1 ـ أحاديث اُصول الكافي / ج1 / ص258 / باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) إذا شاؤوا أن يعلموا علموا / ح1 ـ 3 ، وباب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون / ح1 ـ 2 .

2 ـ أحاديث بحار الأنوار / ج41 / ص283 / باب114 باب معجزات كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) من إخباره بالغائبات ، الأحاديث الستّة والستّين .

وكذا إخبارات باقي أئمّتنا المعصومين (عليهم السلام) التي تجدها مجموعة في سفينة البحار / ج6 / ص699 ـ 702 .

3 ـ أحاديث كنز الدقائق / ج13 / ص491 .

(1) بحار الأنوار : ج43 ص50 ب117 ح1 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ص172 ب4 ح38 .


267

نكتفي من تلك المجموعة الكبيرة بالأحاديث المتواترة الواردة في تفسير قوله تعالى : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول (1) ومن ذلك :

1 ـ حديث علي بن إبراهيم المتقدّم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن اُذينة ، عن عبدالله بن سليمان ، عن حمران بن أعين ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « إنّ جبرئيل (عليه السلام) أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) برمّانتين ، فأكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إحداهما وكسر الاُخرى بنصفين ، فأكل نصفاً وأطعم عليّاً نصفاً .

ثمّ قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ياأخي ، هل تدري ما هاتان الرمّانتان ؟

قال : لا .

قال : أمّا الاُولى فالنبوّة ، ليس لك فيها نصيب ، وأمّا الاُخرى فالعلم أنت شريكي فيه .

فقلت : أصلحك الله ، كيف كان يكون شريكه فيه ؟

قال : لم يعلّم الله محمّداً (صلى الله عليه وآله) علماً إلاّ وأمره أن يعلّمه عليّاً » (2) .

2 ـ حديث الإحتجاج للطبرسي (رحمه الله) عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وفيه : « وألزمهم الحجّة ، بأن خاطبهم خطاباً يدلّ على انفراده وتوحيده ، وبأنّ له أولياء تجري أفعالهم وأحكامهم مجرى فعله ... وعرّف الخلق اقتدارهم على علم الغيب بقوله : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ (الآية) .

(1) سورة الجنّ : الآية 26 ـ 27 .

(2) الكافي : ج1 ص263 ح1 .


268

قال السائل : مَن هؤلاء الحجج ؟

قال : هم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن حلّ محلّه من أصفياء الله ... الذين قال : ﴿ فَأَيْنََما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ الذين قرنهم الله بنفسه ، وفرض على العباد من طاعتهم مثل الذي فرض عليهم منها لنفسه » (1) .

3 ـ حديث الخرائج والجرائح المتقدّم : روى محمّد بن الفضل الهاشمي ، عن الرضا (عليه السلام) أنّه نظر إلى ابن هذّاب فقال : إن أنا أخبرتك أنّك مبتلى في هذه الأيّام بدم ذي رحم لك أكنت مصدّقاً لي ؟

قال : لا ، فإنّ الغيب لا يعلمه إلاّ الله .

قال : أو ليس يقول : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول ؟! فرسول الله (صلى الله عليه وآله) عند الله مرتضى ، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه ، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة » (الحديث) (2) .

4 ـ حديث كتاب الخصال في مناقب علي (عليه السلام) وتعدادها : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « وأمّا الثالثة والثلاثون ، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) التقم اُذني فعلّمني ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، فساق الله ذلك إليّ على لسان نبيّه (صلى الله عليه وآله) » (3) .

ولا يخفى أنّ علمهم بالغيب لا ينافي قوله تعالى : ﴿ قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي

(1) الاحتجاج : ج1 ص252 .

(2) الخرائج والجرائح : ج1 ص243 ح1 .

(3) كنز الدقائق : ج13 ص489 .


269

السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ (1) .

وذلك لأنّ علمهم بالغيب ليس ذاتياً كعلم الله بالغيب ، بل هو بإذن الله وإعلامه وتعليمه ، ورضاه ومشيئته كما عرفت ذلك من بعض الأحاديث المتقدّمة ، وبالوراثة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، والإستفادة من كتاب الله كما في مثل :

أ ـ حديث سيف التمّار الذي ورد فيه : « وقد ورثناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثة » (2) .

ب ـ حديث الخثعمي الذي ورد فيه : « علمت ذلك من كتاب الله عزّوجلّ » (3) .

ج ـ حديث ابن هذّاب الذي ورد فيه : « نحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما شاء من غيبه ، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة » (4) .

فيكون علمهم بالغيب باعلام الله ، ومن كتاب الله ، وعن رسول الله ، ومن المعلوم أنّ هذا لا ينافي كون الغيب لا يعلمه إلاّ الله .

ثمّ لا يقال : إنّهم بعد علمهم بالغيب كيف يصحّ لهم الإقدام على أسباب الشهادة التي يعلمونها ؟

لأنّه يجاب : بعدم المحذور في ذلك لأجل ما يلي :

(1) سورة النمل : الآية 65 .

(2) الكافي : ج1 ص261 ح1 .

(3) الكافي : ج1 ص261 ح2 .

(4) كنز الدقائق : ج13 ص493 ، الخرائج والجرائح : ج1 ص341 ح6 ، بحار الأنوار : ج49 ص73 ب4 ح1 .


270

أوّلا : من أجل أنّهم يخيّرهم الله تعالى في الشهادة ، ويأذن لهم في نيل الكرامة والسعادة ، ويرضى لهم الوصول إلى الدرجات العالية بالتضحية ، كما يستفاد من أحاديثها (1) .

وكما يتّضح ذلك من خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) عند المسير إلى كربلاء المقدّسة جاء فيها : « وخيّر لي مصرع أنا لاقيه » (2) .

فإذا أذن الله تعالى في الشهادة لم تحرم ، حتّى يكون إقدامهم عليها إقداماً على الحرام .

ثانياً : أنّ التكاليف منوطة بالعلم العادي البَشَري الظاهري ، لا بعلم الغيب حتّى يكون وجود العلم الغيبي بالشهادة موجباً لتكليف حرمة الإقدام عليها .

فليس الأئمّة (عليهم السلام) مكلّفون بترتيب الآثار على علم الغيب حتّى لا يصحّ إقدامهم على الشهادة التي أذن الله لهم فيها .

فلا محذور في إقدامهم على الشهادة المعلومة غيباً ، المأذون فيها شرعاً ، كعدم المحذور لمن عَلِم وجداناً بوصوله قطعاً إلى درجة الشهادة ، عند الجهاد بإذن المعصوم (عليه السلام) ، وأقدم عليها تحصيلا لكرامتها ، فهل في ذلك بأس ؟!

ثمّ إنّه لا يقال : إنّ علم الغيب غير مختصّ بهم حتّى يكون فضيلة لهم لأنّه يمكن معرفة المرتاضين للغيب أيضاً .

فإنّه يجاب : بأنّ ذلك إن صحّ كونه غيباً فهو غيب شيطاني تدليسي ، يقع

(1) الكافي : ج1 ص259 ح4 و5 و8 ، وص261 ح4 .

(2) إبصار العين : ص6 ، كشف الغمّة : ج2 ص201 .


271

وَاخْتارَكُمْ لِسِرِّهِ (1) فيه التخلّف كثيراً ، ولا يكون في نفسه جامعاً ولا في جميعه صادقاً .

بخلاف غيبهم (عليهم السلام) الذي هو غيب رحماني مأخوذ من الله تعالى كما ترى في نسبته إليه في قوله : « وارتضاكم لغيبه » ولم يقل للغيب .

والغيب الرحماني علم يقيني صادق ، جامع لكلّ الأشياء ، ليس فيه خلف أو تخلّف مأخوذ من مصدر وحي الرحمن لا إيحاء الشيطان ، وكم بينهما من فرق .

(1) ـ السرّ في اللغة بمعنى ما يُكتم ، ومنه (هذا من سرّ آل محمّد) أي من مكتومهم ، الذي لا يظهر لكلّ أحد (1) .

وسرُّ الله تعالى هي العلوم والمكاشفات والحقائق التي لا يجوز إظهارها إلاّ لمن هو أهل لها من الكُمّلين ، فإنّه لا يتحمّلها إلاّ ملك مُقرّب ، أو نبي مرسل ، أو عبد إمتحن الله تعالى قلبه للإيمان .

وقد مرّ بيانه في الفقرة الشريفة المتقدّمة « وحفظة سرّ الله » .

وأهل البيت (عليهم السلام) إختارهم الله لسرّه ، وائتمنهم على مكتوم علمه ، كما تلاحظه في حديث أبي الجارود ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال :

« إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا عليّاً (عليه السلام) في المرض الذي توفّي فيه فقال : ياعلي اُدنُ منّي حتّى أسرّ إليك ما أسرّ الله إليّ ، وائتمنك على ما ائتمنني الله عليه ، ففعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعلي ، وفعله علي بالحسن ، وفعله الحسن بالحسين ، وفعله الحسين (عليه السلام) بأبي ، وفعله أبي بي ، صلوات الله عليهم أجمعين » (2) .

(1) مجمع البحرين : مادّة سَرَرَ ص266 .

(2) بصائر الدرجات : ص377 ب3 ح1 .


272

وَاجْتَباكُمْ بِقُدْرَتِهِ (1) (1) ـ الاجتباء : هو الاختيار والاصطفاء ، وفي الأخبار الكثيرة : « إنّ الله اجتبى محمّداً بالرسالة ، وعليّاً والحسن والحسين والأئمّة من ولد الحسين (عليهم السلام) بالوصاية والإمامة » أي إختارهم وإصطفاهم لذلك (1) .

وهذه الفقرة الشريفة تبيّن أنّ الله تعالى اجتبى أهل البيت (عليهم السلام) بقدرته ، وفي ذلك معنيان كما أفاده العلاّمة المجلسي (قدس سره) (2) وهما :

1 / أن تكون بمعنى أنّ نفس إختيار هذه الصفوة الطيّبة للإمامة هي من مظاهر قدرة الله وحسن إنتخابه الواقع في أليق محلّه ، فتكون إشارة إلى علوّ مرتبة إجتبائهم .

وقد مرّ ذلك مفصّلا في فقرة « المصطفون » وفقرة « وإصطفاكم بعلمه » .

2 / أن تكون بمعنى أنّ الله اجتباهم واصطفاهم بإعطائهم قدرته العجيبة ، فأظهر منهم فوق طاقة البشر ، وهو صاحب القدرة الكاملة ، كما ترى في القُدُرات الفائقة التي ظهرت من أهل البيت (عليهم السلام) في حياتهم ، وبعد حياتهم ، ممّا اعترف بها الخاصّ والعام ، والصديق والعدو ، خصوصاً مفاخر ومآثر سيّد الوصيين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الشجاعة العلويّة والقوّة الحيدرية ، التي تجلّت منه في قمّة الاشتهار ، واستبانت كالشمس في رابعة النهار ، في جميع حروبه وغزواته ، وأخصّ بالذكر منها فتح خيبر الذي روى عنه قوله فيه :

(1) مشكاة الأنوار : ص81 .

(2) بحار الأنوار : ج102 ص137 .


273

« والله ما قلعت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوّة جسديّة ولا حركة غذائية ، لكن اُيّدتُ بقوّة ملكوتية ، ونفس بنور ربّها مضيئة ، وأنا من أحمد كالضوء من الضوء ، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت ... » (1) .

وتلاحظ مظاهر هذه القدرة الربّانية في أحاديث سيرته (2) .

من ذلك ما حكاه في البحار عن الفائق جاء فيه :

كانت لعلي (عليه السلام) ضربتان : إذا تطاول قدّ ، وإذا تقاصر قطّ . وقالوا : كانت ضرباته أبكاراً ، إذا اعتلى قدّ وإذا اعترض قطّ ، وإذا أتى حصناً هدّ ، وقالوا : كانت ضرباته مبتكرات لا عوناً ، يقال : ضربة بكر أي قاطعة لا تثنّى ، والعون التي وقعت مختلسة فأحوجت إلى المعاودة .

ويقال : إنّه (عليه السلام) كان يوقعها على شدّة في الشدّة لم يسبقه إلى مثلها بطل ، زعمت الفرس أنّ اُصول الضرب ستّة وكلّها مأخوذة عنه وهي : علويّة ، وسفليّة ، وغلبة ، وماله ، وحاله ، وجر وهام ...

وله ليلة الهرير ثلاث مائة تكبيرة ، أسقط بكلّ تكبيرة عدوّاً ، وفي رواية : خمسمائة وثلاثة وعشرون ، رواه الأعثم ، وفي رواية سبعمائة .

ولم يكن لدرعه ظهر ، ولا لمركوبه كرّ وفرّ .

(1) أمالي الصدوق : ص461 .

(2) بحار الأنوار : ج41 ب113 ص279 ، وج42 ص33 .


274

وَاَعَزَّكُمْ بِهُداهُ (1) وحمل على المشركين فما زالوا يبقّطون ـ يعني تعادوا إلى الجبال منهزمين ـ .

وكانت قريش إذا رأوه في الحرب تواصت خوفاً منه .

وقد نظر إليه رجل وقد شقّ العسكر فقال : علمت بأنّ ملك الموت في الجانب الذي فيه علي .

وقد سمّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كرّاراً غير فرّار في حديث خيبر ، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يهدّد الكفّار به (عليه السلام) (1) .

(1) ـ العِزّ : خلاف الذُلّ ، ويكون في الشيء القيّم الثمين المرغوب ، فيكون عزيزاً .

والعزّة في الأصل هي القوّة والغلبة .

وأهل البيت (عليهم السلام) جعلهم الله أعزّاء الخلق بواسطة اهتدائهم بالله ، وهدايتهم للناس ; فكانوا هم المستضيئون بالهداية الربّانية الخاصّة ، والرعاية الإلهية المخصوصة ، كما تقدّم في الفقرة الشريفة « والقادة الهداة » . مع الإستدلال له بقوله عزّ إسمه : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (2) .

وقد جعل الله العزّة الشامخة لآل محمّد (عليهم السلام) بهاتين المزيّتين .

والعزّة الإلهية لا تزول ولا تُزال كالإعتبارات الدنيوية ، بل هي الدرجة الباقية العليا التي لا تصل إليها عزّة اُخرى .

وفي الحديث العلوي الجامع : « وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿ وَللهِِ الْعِزَّةُ

(1) بحار الأنوار : ج41 ص67 ـ 68 .

(2) سورة الأنبياء : الآية 73 .


275

وَخَصَّكُمْ بِبُرْهانِهِ (1) وَانْتَجَبَكُمْ لِنُورِهِ (2) وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (1) والمؤمنون علي وعترته .

فالعزّة للنبي والعترة ، والنبي والعترة لا يفترقان في العزّة إلى آخر الدهر ... » (2) .

(1) ـ البُرهان : هي الحجّة والبيان ، والدليل العيان ، وهو ملازم للصدق .

وأهل البيت (عليهم السلام) خصّهم الله تعالى بين الخلق بأتمّ الأدلّة وأكمل البراهين وهي عبارة عن القرآن الكريم ، والإعجاز العظيم ، والآيات الباهرة ، والدلائل الظاهرة التي أدركها الوجدان ، واعترف بها الفريقان ، ودليل ذلك في حديث صفات الإمام (عليه السلام) (3) .

ففي الخصال بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال :

« عشر خصال من صفات الإمام : العصمة ، والنصوص ، وأن يكون أعلم الناس ، وأتقاهم لله ، وأعلمهم بكتاب الله ، وأن يكون صاحب الوصيّة الظاهرة ، ويكون له المعجز والدليل ، وتنام عينه ولا ينام قلبه ، ولا يكون له فَيء ، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه » (4) .

(2) ـ الانتجاب : هو الإختيار والاصطفاء .

وأهل البيت (عليهم السلام) إصطفاهم الله تعالى بنوره ، بأحد معنيين كما أفاده ‌

(1) سورة المنافقون : الآية 8 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ص170 ب4 ح38 .

(3) بحار الأنوار : ج25 ص140 ب4 ح12 .

(4) الخصال : ص428 باب العشرة ح5 .


276

وَاَيَّدَكُمْ بِرُوحِهِ (1) السيّد شبّر أعلى الله درجته (1) وهما :

1 / أن يكون المعنى أنّ الله إصطفاهم للهداية بنوره المقدّس ، فكانوا هادين للناس بالأنوار الربّانية ، والهداية الإلهية ، والعلوم القرآنية فهم مع القرآن والقرآن معهم ، وهذا واضح .

2 / أن تكون الباء بمعنى « من » أي إنتجبكم من نوره ، وخلقكم من نور عظمته ، كما يشهد له حديث محمّد بن مروان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « إنّ الله خلقنا من نور عظمته ... » (2) .

وفي نسخة الزيارة المباركة في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : « وانتجبكم لنوره » ويحتمل فيه أن يكون بمعنى اصطفاكم لنور القرآن أو لنور الولاية ، كما تلاحظ هذين المعنيين في تفسير قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً (3) (4) .

وقد عقد ثقة الإسلام الكليني باباً في أنّهم عليهم نور الله عزّوجلّ ، وقد إشتمل على أحاديث عديدة منها حديث أبي خالد الكابلي المتقدّم (5) .

(1) ـ الرُوح : بضمّ الراء ، وجمعه أرواح في أصل اللغة هي النفس التي يحيى بها

(1) الأنوار اللامعة : ص119 .

(2) بصائر الدرجات : ص20 ب10 ح3 ، بحار الأنوار : ج25 ص13 ب1 ح26 .

(3) سورة النساء : الآية 174 .

(4) كنز الدقائق : ج3 ص598 .

(5) الكافي : ج1 ص194 ح1 .


277

البدن (1) .

وفسّره في القاموس بما به حياة النفس ، ثمّ ذكر أنّه يؤنّث (2) .

لكن قوله بتأنيثه فقط خطأً ظاهراً لقول ابن منظور في اللسان : إنّ الروح مذكّر ، والنفس مؤنّثه عند العرب ، والروح يذكّر ويؤنّث (3) .

وحقيقة الروح هو جسم رقيق ، وشيء لطيف ، مجانس للريح ، كما يستفاد من أحاديث أهل بيت العصمة (عليهم السلام) مثل :

حديث الاحتجاج في قوله (عليه السلام) : « والروح جسم رقيق قد اُلبس قالباً كثيفاً ... الروح بمنزلة الريح في الزق » (4) .

وحديث السفينة في قوله (عليه السلام) : « إنّ الروح متحرّك كالريح ، وإنّما سمّي روحاً لأنّه اشتقّ إسمه من الريح ، وإنّما أخرجه على لفظة الريح لأنّ الروح مجانس للريح » (5) .

فليس هو مجرّداً غير جسم ، كما قيل (6) . بل هو جسم لطيف كالهواء .

ثمّ إنّ المستفاد من الأحاديث الشريفة أنّ الأرواح خمسة :

روح القُدُس ، وروح الإيمان ، وروح القوّة ، وروح الشهوة ، وروح

(1) ترتيب العين : ج1 ص725 ، والمحيط : ج3 ص197 .

(2) القاموس : ج1 ص224 .

(3) لسان العرب : ج2 ص462 .

(4) الاحتجاج : ج2 ص96 .

(5) سفينة البحار : ج3 ص413 .

(6) مجمع البحرين : مادّة رَوَح ص175 .


278

البدن المعبّر عنه بروح الحياة ..

وبالترتيب الأرواح الخمسة تجتمع في النبي والإمام ، والأربعة الأخيرة تكون في المؤمن ، والثلاثة الأخيرة تكون في غيرهم كما نقله الطريحي (1) .

وروح القُدُس هو الروح النوري الملكوتي المقدّس ، الذي كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمّ مع الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين ، فهم مؤيّدون به . فاتّضح أنّ معنى « وأيّدكم بروحه » أيّدكم الله تعالى بروح القدس .

وهذا الروح لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو .

وهذا الروح يسدّدهم ، وقد عرفوا به ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى ، وقد دلّت عليه الأحاديث المستفيضة (2) مثل :

1 ـ حديث جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : سألته عن علم العالم ؟ فقال لي : « ياجابر ! إنّ في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح : روح القدس ، وروح الإيمان وروح الحياة ، وروح القوّة ، وروح الشهوة .

فبروح القدس ياجابر ! عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى .

ثمّ قال : ياجابر ! إنّ هذه الأربعة أرواح يصيبها الحدثان إلاّ روح القدس ، فإنّها لا تلهو ولا تلعب » (3) .

2 ـ حديث أبي بصير قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ

(1) مجمع البحرين : مادّة رَوَح ص176 .

(2) مشكاة الأنوار : ص96 .

(3) الكافي ج1 ص272 ح2 .


279

وَرَضِيَكُمْ خُلَفاءَ فِي اَرْضِهِ (1) الاِْيمَانُ (1) .

قال : « خلقٌ من خلق الله عزّوجلّ أعظم من جبرئيل وميكائيل ، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُخبره ويسدّده ، وهو مع الأئمّة من بعده » (2) .

3 ـ حديث أبي بصير الآخر قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (3) .

قال : « خلقٌ أعظم من جبرئيل وميكائيل ، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهو مع الأئمّة وهو من الملكوت » (4) .

فأهل البيت (عليهم السلام) يؤيّدهم الله تعالى منه بهذه الروح العظيمة القدسيّة كما في هذه الفقرة : « وأيّدكم بروحه » .

وما أجمل التعبير الأوحدي في الحديث العلوي : « ... والإمام ياطارق بشر ملكي ، وجسد سماوي ، وأمر إلهي ، وروح قدسي ... » (5) .

(1) ـ الخلفاء : جمع خليفة ، وهو في اللغة من يقوم مقام الشخص ويسدّ مسدّه ، والتاء فيه للمبالغة (6) .

والخليفة : هو المدبّر للاُمور من قِبَلِ غيره بدلا من تدبيره ، وفلان خليفة

(1) سورة الشورى : الآية 52 .

(2) الكافي : ج1 ص273 ح1 .

(3) سورة الإسراء : الآية 85 .

(4) الكافي : ج1 ص273 ح3 .

(5) بحار الأنوار : ج25 ص172 ب4 ح38 .

(6) مشكاة الأنوار : ص96 .


280

الله في أرضه معناه أنّه جعل الله إليه تدبير عباده بأمره (1) .

وفي العرف يراد بالخليفة معنيان : كونه خَلَفاً لمن قبلَه ، أو مدبّراً للاُمور من قِبَل غيره (2) .

وهذه الخلافة والنيابة إن كانت من قِبَل الله تعالى فهي تشريف للخليفة ، كما في مثل : ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ (3) (4) .

وحقيقة الخلافة من الله تعالى هي النيابة عنه عزّ إسمه .

لذلك يلزم أن تكون بجعل من حضرته ، ونصب من جنابه ، ورضىً من مقامه ، فإنّه لا تصحّ نيابة بدون إستنابة ، ولا تُعقل خلافة بدون استخلاف .

وإمامة آل محمّد صلوات الله عليهم هي خلافة الله ، وخلافة الرسول ، ومقام أمير المؤمنين ، وميراث أبنائه المعصومين ، كما في حديث الإمام الرضا (عليه السلام) (5) .

وأهل البيت سلام الله عليهم رضى بهم الله تعالى خلفاء في أرضه ، ونصبهم مستخلَفين على بريّته ، كما تضمّنته هذه الفقرة الشريفة من الزيارة الجامعة ، فكانت خلافةً إلهية حقّة .

بل تواترت بخلافتهم أحاديث الفريقين من الخاصّة في (52) حديثاً ،

(1) مجمع البيان : ج8 ص473 .

(2) مجمع البحرين : مادّة خَلَف ص405 .

(3) سورة ص : الآية 26 .

(4) مفردات غريب القرآن : ص156 .

(5) الكافي : ج1 ص199 .


281
ومن العامّة في (66) حديثاً جاءت في بابين خاصّين مفصّلين في تنصيص رسول الله على علي بن أبي طالب وبنيه الأحد عشر (عليهم السلام) أنّهم الأئمّة من بعده وخلفاؤه وأوصياؤه فراجع (1) .

وبهم (عليهم السلام) فُسّر قوله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَُيمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (2) .

كما تراه في الكافي في بابه الخاصّ ، من ذلك :

حديث عبدالله بن سنان قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله جلّ جلاله : ﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ؟

قال : هم الأئمّة (عليهم السلام) .

وحديث الجعفري ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) : « الأئمّة خلفاء الله عزّوجلّ في أرضه » (3) .

وقد جاء من العامّة في تفسير أبي عبيدة (4) ، وكذا عن ابن حيّان في

(1) غاية المرام : ص32 ـ 56 .

(2) سورة النور : الآية 55 .

(3) الكافي : ج1 ص193 ح1 .

(4) غاية المرام : ص376 .


282

وَحُجَجاً عَلى بَرِيَّتِهِ (1) حياة النبي ، والحسكاني في شواهد التنزيل كما في الإحقاق (1) . ومن الخاصّة في أحد عشر حديثاً (2) .

فالمستخلفون من الله تعالى في كتابه الكريم هم الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين ، ومعلوم أنّ كمال الأمر والتمكّن لهم يكون في زمان الدولة الحقّة للإمام المهدي أرواحنا فداه ، كما تلاحظ بيانه في الأحاديث المبيّنة لخصائص تلك الحكومة المحقّة (3) ، ويأتي ذكرها في فقرة « مرتقب لدولتكم » .

فخلافة الله تعالى الثابتة بنصّه وتنصيصه ، في أرضه وبريّته ، التي هي الخلافة الشرعية ، إنّما ثبتت بعد الأنبياء ، لنبي الإسلام وآله الأوصياء ، وتدوم إلى يوم القيامة واللقاء ، لبقاء دينه واستمرار شريعته .

خلافة إلهيّة ثابتة من الله تعالى الذي هو الجاعل في الأرض خليفة ، كما تلاحظ تفصيله في أحاديثنا الشريفة (4) .

(1) ـ مرّ أنّ حجج جمع حجّة مثل غُرَف جمع غرفة ، وهي في اللغة بمعنى الدليل والبرهان .

وحجج الله : هم الذين يحتجّ بهم الله على خلقه ، وأتمّ الله حجّته البالغة بما جعل لهم من المعجزات الباهرات ، والدلائل الواضحات .

والبريّة بمعنى الخليقة : من برأ الله الخلق ، أي خلقهم .

(1) إحقاق الحقّ : ج14 ص473 .

(2) غاية المرام : ص376 .

(3) بحار الأنوار : ج52 ص309 ب27 الأحاديث .

(4) كنز الدقائق : ج1 ص329 .


283

وَاَنْصاراً لِدِينِهِ (1) وأهل البيت سلام الله عليهم حجج الله البالغة على خلقه أجمعين ، ورضى بهم الله تعالى حججاً على العالمين .

دلّت على ذلك أحاديث باب أنّهم الحجّة على جميع العوالم والمخلوقات (1) .

وفي الحديث الرضوي الشريف : « إنّ الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلاّ بإمام حتّى يعرف » (2) .

لذلك ورد في زياراتهم التسليم عليهم بذلك ، ففي زيارة الإمام الصادق (عليه السلام) : « السلام عليك أيّها الحجّة على الخلق أجمعين ... » .

وفي زيارة الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه : « السلام عليك ياحجّة الله على من في الأرض والسماء » .

وقد تقدّم مفصّل البيان والدليل في فقرة « وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والاُولى » .

وفي نسخة الكفعمي : « وجعلكم حججاً على بريّته » .

(1) ـ الأنصار : جمع ناصر ، مأخوذ من النصرة بمعنى الإعانة وحسن المعونة ، كما وإنّ الانتصار هو الإنتقام .

ودينه : بمعنى دين الله ، وهو دين الإسلام كما صرّح به القرآن الكريم في ‌

(1) بحار الأنوار : ج27 ص41 ب15 ح7 ، ولاحظ ما سبق من ولايتهم التكوينية وسلطنتهم على جميع الأشياء الثابتة كتاباً وسنّة في فقرة « والسادة الولاة » .

(2) الكافي : ج1 ص177 ح3 .


284

قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الاِْسْلاَمُ (1) .

علماً بأنّ دين الإسلام يشتمل على التوحيد والرسالة والولاية ، ولاية آل محمّد (عليهم السلام) .

فإنّ دين الله المقبول لا يتحقّق إلاّ بمعرفتهم ، ومن جهلهم جهل الدين ، ومات ميتةً جاهلية .

والدين مع معرفتهم هو الذي اصطفاه الله تعالى لعباده بقوله عزّ إسمه : ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (2) كما وردت به الأحاديث الشريفة المفسّرة (3) .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم خير الأنصار وأحسن الأعوان لدين الإسلام الشريف .

إذ هم الذين بذلوا مهجهم وقدّموا نفوسهم لإعلاء كلمة الدين ، ولنصرة شريعة سيّد المرسلين ، كما صبروا على غليظ المِحَن وسجون الضغن ، في سبيل الله العظيم ودينه القويم .

فآل محمّد صلوات الله عليهم في أعلى مراتب نصرة الدين وتأييده ، وفي أعظم مراحل الانتصار للدين والدفاع عنه .

جرى فيهم هذا من سيّدهم الأمير (عليه السلام) الذي ما استقام الدين إلاّ

(1) سورة آل عمران : الآية 19 .

(2) سورة البقرة : الآية 132 .

(3) تفسير البرهان : ج1 ص100 .


285

بسيفه (1) ، إلى خاتمهم الحجّة المهدي (عليه السلام) الذي لا يظهر الدين على الأرض كلّه إلاّ بدولته .

قال تعالى : ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (2) ـ (3) .

وقد تقدّم في الحديث القدسي : « المهدي أنتصر به لديني » (4) .

وكلّهم كانوا أنصار دين الله والذابّين عنه ، بل كان السبط الشهيد (عليه السلام) هو المحيي للدين والمبقي لشريعة سيّد المرسلين .

ففي الصلاة عليه بعد الزيارة : « وقام بين يديك يهدم الجور بالصواب ويحيي السنّة بالكتاب » (5) .

وفي زيارته (عليه السلام) : « كنت لله طائعاً ... وللإسلام عاصماً ، تنصر الدين وتظهره » (6) ، وقال فيه جدّه الأمين : « حسين منّي وأنا من حسين » (7) إذ نصر دين جدّه بنفسه وأولاده ، وأهله وعياله ، وأصحابه وأحبّائه ، فكانت الشريعة الغرّاء حسينيّ البقاء .

والحقيقة سجّلت الانتصار في النتيجة له لا لعدوّه ، وسيكون هو

(1) بحار الأنوار : ج36 ص180 ب39 ح174 ، شجرة طوبى : ج2 ص233 .

(2) سورة التوبة : الآية 33 .

(3) تفسير الصافي : ج2 ص338 .

(4) مشكاة الأنوار : ص208 .

(5) مصباح الزائر : ص248 .

(6) مصباح الزائر : ص231 .

(7) بحار الأنوار : ج43 ص271 ح36 .


286

وَحَفَظَةً لِسِرِّهِ (1) المنتصر عند رجعته ، وقيام دولته (1) .

(1) ـ أي ورضيكم حفظة لسرّه ، وقد تقدّم في الفقرة الشريفة : « وحفظة سرّ الله » بيان المعنى والدليل بما حاصله : الحفظة جمع حافظ ، من الحفظ بمعنى الرعاية والمواظبة والإعتناء .

وسرّ الله تعالى هو ما يلزم أن يكتم ، ولا يجوز إظهارها إلاّ لمن يتحمّلها من الكُمّلين كالملك المقرّب ، والنبي المرسل ، والعبد الممتحن .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم الحافظون للأسرار الإلهية المكنونة ، وعلوم الغيب المخزونة ، وحِكَم الكائنات ، وحكمة المخلوقات .

وتضيف هذه الفقرة من الزيارة المباركة أنّ الله تعالى رَضِيَ بهم حفظة لتلك الأسرار ، وحافظين لتلك الآثار .

حيث عَلِمَ تعالى فيهم كمال القابلية ، ومنتهى التحمّل ، ورآهم المثل الأعلى والقمّة العليا لأسرار عالَم المُلك والملكوت ، وعرفهم الصفوة اللائقة لتحمّل غيب السماوات والأرضين .

وتعرف حافظيّتهم وتحمّلهم للأسرار والغيوب الإلهية من خلال دراسة سيرتهم وحياتهم وعشرتهم وكلماتهم ، التي توجب العلم بكونهم خزنة مكنون الأسرار ، والمرضيين لذلك من قبل الله القهّار .

وقد عرفت حديث سيف التمّار ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « لو كنت بين

(1) بحار الأنوار : ج53 ص39 ب29 الأحاديث .


287

وَخَزَنَةً لِعِلْمِهِ (1) موسى والخضر لأخبرتهما أنّي أعلم منهما ، ولأنبئتهما بما ليس في أيديهما » (1) .

وفي حديث زياد بن المنذر ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « أنا شجرة النبوّة ... وموضع سرّ الله ووديعته » (2) .

وفي حديث النعمان بن سعد ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « وأنا المؤتمن على سرّ الله » (3) .

وجاء في حديث حمران بن أعين ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « لم يُعلّم الله محمّداً (صلى الله عليه وآله) علماً إلاّ وأمره أن يعلّمه عليّاً (عليه السلام) » (4) .

وفي نسخة الكفعمي : « وحفظة لحكمته » .

(1) ـ أي رضيكم الله تعالى خازنين لعلمه .

وتقدّم أنّ الخزن هو حفظ الشيء في الخزانة .

وأهل البيت سلام الله عليهم إرتضاهم الله تعالى لأن يكونوا حافظين للعلوم الإلهية ، وخزائن للمعارف الربّانية ، وكانوا هم الصفوة اللائقون لميراث العلم وحقائق الحكمة .

وقد تقدّم ذكر دليل خازنيّتهم لعلم الله تعالى ، مع بيان جهات علومهم في قوله (عليه السلام) : « وخزّان العلم » فراجع .

وقد عقد ثقة الإسلام الكليني باباً من الأحاديث في أنّ الأئمّة (عليهم السلام) ولاة

(1) الكافي : ج1 ص260 ح1 .

(2) بحار الأنوار : ج23 ص245 ب13 ح16 .

(3) بحار الأنوار : ج39 ص335 ب90 ح1 .

(4) الكافي : ج1 ص263 ح1 .


288

وَمُسْتَوْدَعاً لِحِكْمَتِهِ (1) أمر الله وخزنة علمه (1) ، من ذلك :

حديث عبدالله بن أبي يعفور قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) :

« يابن أبي يعفور إنّ الله واحدٌ متوحّدٌ بالوحدانيّة ، متفرّد بأمره ، فخلق خلقاً فقدّرهم لذلك الأمر ، فنحن هم يابن أبي يعفور ، فنحن حجج الله في عباده ، وخزّانه على علمه ، والقائمون بذلك » (2) .

(1) ـ المستودع بفتح الدال : هو من يودَع عنده الشيء ، من الإستيداع بمعنى الإستنابة في الحفظ ، يقال : إستودعته المال أي استحفظته إيّاه وجعلته حافظاً له .

والحكمة تقدّم بيانها بأنّها في اللغة : العلم الذي يرفع الإنسان ويمنعه عن فعل القبيح .

وفي الإصطلاح هي العلوم الحقيقية الإلهية كما عرّفه الأعاظم .

وفُسّرت في الأحاديث الشريفة بطاعة الله تعالى ، ومعرفة الإمام (عليه السلام) ، والولاية ، والتفقّه في الدين ، والعقل ، والفهم ، واجتناب الكبائر التي اُوجب عليها النار .

وأهل البيت (عليهم السلام) رضى الله تعالى بهم مستودعاً لحكمته ، ومحلا لحفظها ، وكنزاً لمحافظتها ، وخزانةً لرعايتها .

حيث كانوا في أسمى مراتب اللياقة لأن يكونوا خزائن للحكمة الإلهية ، ومعادن للمعارف الربّانية ، فآتاهم الله الحكمة ، وفصل الخطاب .

(1) الكافي : ج1 ص192 .

(2) الكافي : ج1 ص193 ح5 .


289

وَتَراجِمَةً لِوَحْيِهِ (1) والأدلّة تقدّم بيانها في فقرة « معادن حكمة الله » وقد تقدّم ذكر أحاديث حكمتهم كحديث أبي سعيد الخدري عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) فراجع .

ويضاف الحديث عن الإمام الكاظم (عليه السلام) : « نحن حكماء الله في أرضه » (2) . وفي نسخة الكفعمي : « ومستودعاً لسرّه » .

(1) ـ تراجمة بكسر الجيم : جمع تَرجُمان ، بفتح التاء وضمّ الجيم على الأجود .

وهو الذي يبيّن الكلام ويوضّحه ، والذي يترجم الكلام ويعبّر عنه بلغة اُخرى غير لغة المتكلّم (3) .

والوحي : معروف المعنى وقد تقدّم معناه في قوله (عليه السلام) : « ومهبط الوحي » .

وفسّر الوحي في هذه الفقرة المباركة بأنّه يراد به القرآن الكريم ، أو الوحي الإلهي بنحو عام ، ممّا اُوحي إلى نبيّنا الأكرم (صلى الله عليه وآله) قرآناً ، وحديثاً قدسيّاً ، وما اُوحي إلى الأنبياء السلف سلام الله عليهم .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم الذين إرتضاهم الله تعالى لبيان وحيه ، وهداية خلقه كما في خطبة الإمام الصادق (عليه السلام) (4) .

وهم الذين جعلهم ورثة القرآن الكريم كما في حديث الإمام الرضا (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ : ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا (5) .

(1) بحار الأنوار : ج26 ص290 ح37 .

(2) مرآة الأنوار : ص89 .

(3) مجمع البحرين : مادّة ترجم ص506 .

(4) الكافي : ج1 ص203 ح2 .

(5) سورة فاطر : الآية 32 .


290

وَاَرْكاناً لِتَوْحِيدِهِ (1) قال : « ولد فاطمة (عليها السلام) » (1) .

وهم الذين اختارهم وجعلهم الوارثين لعلوم وكتب أنبيائه التي تجد ذكرها في حديث أبي ذرّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2) .

فهم ورثة الكتب الإلهية المقدّسة ، وتراجمة الوحي الربّاني الأقدس كما دلّت عليه الأحاديث الشريفة (3) . ومن ذلك :

ما تقدّم عن هشام بن الحكم في حديث بريهة عن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي ورد فيه :

أنّ كتب الأنبياء هي عندنا وراثة من عندهم ، نقرأها كما قرأوها ونقولها كما قالوا (4) .

(1) ـ الأركان : جمع ركن ، وهو الجانب القوي للشيء الذي يكون به قوام ذلك الشيء وعليه استناده ، ومنه ركن البيت .

وتوحيده : هو الاعتقاد بوحدانية الله تعالى .

أي رضيكم الله تعالى بأن تكونوا أركاناً لتوحيده .

بمعنى أنّ ولايتهم هو الركن لتوحيد الله ، ولا يُقبل اعتقاد التوحيد من أحد إلاّ إذا كان مقروناً بالاعتقاد بولاية أهل البيت سلام الله عليهم .

كما يستفاد من الروايات الشريفة مثل حديث بُريد العجلي قال : سمعت

(1) الكافي : ج1 ص215 ح3 ، وص228 ح1 ـ 3 .

(2) مجمع البيان : ج10 ص476 .

(3) الكافي : ج1 ص222 ح6 ، وص225 ح5 و6 .

(4) الكافي : ج1 ص227 ح1 .


291

وَشُهَداءَ عَلى خَلْقِهِ (1) أبا جعفر (عليه السلام) يقول : « بنا عُبد الله ، وبنا عُرف الله ، وبنا وُحّد الله تبارك وتعالى » (1) .

فقبول التوحيد مشروط باعتقاد الولاية كما تقدّم ذكره في فقرة « أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له » مع أحاديثه المتواترة ، ويأتي بيانه في فقرة : « بموالاتكم تمّت الكلمة » .

وقد تظافرت الأخبار في عدم موحّدية أعدائهم ومخالفيهم ، وذمّ معانديهم ومبغضيهم (2) كما سيأتي في الفقرة المذكورة .

وعلى هذا إجماع الإمامية الحقّة ، واعتقاد الطائفة المحقّة (3) .

(1) ـ شهداء : جمع شاهد ، وهو : من يُخبر خبراً جزميّاً عن مشاهدة ، أو ما يقوم مقام المشاهدة من الأدلّة والبراهين كما يستفاد من شيخ الطائفة (قدس سره) (4) .

فحقيقة الشهادة هي الحضور مع المشاهدة بصراً أو بصيرة .

وأهل البيت (عليهم السلام) رضى بهم الله تعالى شهداء على الخلق في أعمالهم وأفعالهم ، وفي تصديقهم وتكذيبهم .

وقد فُسّر بهم (عليهم السلام) قوله تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (5) (6) .

(1) الكافي : ج1 ص145 ح10 .

(2) الكافي : ج1 ص437 ح7 ، بحار الأنوار : ج27 ص218 ب10 الأحاديث .

(3) مرآة الأنوار : ص14 .

(4) تفسير التبيان : ج2 ص416 .

(5) سورة البقرة : الآية 143 .

(6) تفسير الصافي : ج1 ص197 .


292

وقد أفاد والد العلاّمة المجلسي تواتر الأخبار بكونهم (عليهم السلام) الشهداء على خلق الله (1) .

وقد عقد ثقة الإسلام الكليني (قدس سره) باباً في أنّ الأئمّة (عليهم السلام) شهداء الله عزّوجلّ على خلقه (2) من ذلك :

حديث بريد العجلي قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ ؟

قال : « نحن الاُمّة الوسطى ، ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه ... فرسول الله (صلى الله عليه وآله) الشهيد علينا بما بلّغنا عن الله عزّوجلّ ، ونحن الشهداء على الناس ، فمن صدّق صدّقناه يوم القيامة ، ومن كذّب كذّبناه يوم القيامة » (3) .

ورواه العامّة أيضاً كالحاكم الحسكاني (4) .

ولا غرو ولا عجب في شهادتهم على الخلق بعد أن كانوا حجج الله على خلقه ، وسادة بريّته ، وبعد أن كانوا حججاً صدّيقين وصادقين ومسدّدين ، وبعد عرض أعمال العباد عليهم (5) ، بل بعد مشاهدتهم لها في عمود النور (6) ،

(1) روضة المتّقين : ج5 ص472 .

(2) الكافي : ج1 ص190 .

(3) الكافي : ج1 ص190 .

(4) شواهد التنزيل : ج1 ص92 .

(5) بحار الأنوار : ج23 ص333 ب20 الأحاديث ، والكافي : ج1 ص219 الأحاديث .

(6) بحار الأنوار : ج25 ص132 ب8 الأحاديث .


293

وَاَعْلاماً لِعِبادِهِ (1) وَمَناراً فِي بِلادِهِ (2) فيشهدون عليها في المحكمة الإلهية العادلة ، شهادة الصدق على هذا الخلق .

وفي نسخة الكفعمي بعد هذه الفقرة : « وأسباباً إليه » .

(1) ـ الأعلام : جمع عَلَم بفتحتين مثل أسباب وسبب : يُطلق على الراية التي تكون علامة لأهلها ، والجبل الذي يُعلم به الطريق ، وسيّد القوم .

وأهل البيت (عليهم السلام) رضى بهم الله تعالى أعلاماً لهداية عباده كما في حديث إسحاق بن غالب ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) :

« كلّ ما مضى منهم إمام ، نَصَب لخلقه من عقبه إماماً عَلَماً بيّناً ، وهادياً نيّراً ، وإماماً قيّماً ، وحجّة عالماً ، أئمّة من الله ، يهدون بالحقّ وبه يعدلون » (1) .

وقد نصب الله تعالى عليّاً عَلَماً بينه وبين خلقه كما تلاحظه في حديث الفضيل بن يسار (2) .

وفي حديث الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث شأن أهل البيت (عليهم السلام) : « هم النجوم الأعلام » (3) .

(2) ـ المنار بفتح الميم : هو الموضع المرتفع الذي يوقد في أعلاه النار للهداية .

وأهل البيت (عليهم السلام) رضى بهم الله تعالى نجوماً رفيعة هداة ، يهتدي بهم أهل البلاد ، وتتنوّر بهم قلوب العباد ، كما يُهتدى بالمنار .

وقد تقدّمت الإشارة إلى أحاديثها في فقرة « وأعلام التُّقى » وتقدّم

(1) الكافي : ج1 ص203 ح2 .

(2) الكافي : ج1 ص437 ح7 .

(3) بحار الأنوار : ج23 ص246 ب13 ح16 .


294

وَاَدِلاّءَ عَلى صِراطِهِ (1) عَصَمَكُمْ اللّهُ مِنَ الزَّلَلِ (2) دليله فراجع (1) .

وفي نسخة الكفعمي بعد هذه الفقرة زيادة « وسبيلا إلى جنّته » .

(1) ـ الأدِلاّء : جمع دالّ ، وهو الهادي والمرشد .

والصراط : هو الطريق المؤدّي إلى الله ، والموصل إلى قربه ، والسالك إلى الجنّة .

وأهل البيت سلام الله عليهم رضى بهم الله تعالى هداة مرشدين إلى صراطه في الدنيا ، وصراطه في الاُخرى كما تلاحظه في أحاديث بابه (2) .

وقد تقدّم بيان ذلك بدليله في فقرة « وصراطه » .

فهم الطريق الفرد ، والسبيل الأوحد إلى الله تعالى ، وسبيل الهداية والنجاة في الدنيا والآخرة .

يستنقذون العباد من الغواية ، ويهدونهم صراط الهداية .

يخرجون الناس من الظلمات ، ويقودونهم إلى روضات الجنّات .

كما تلمس ذلك وجداناً في سيرتهم الشريفة وكلماتهم الهادية .

(2) ـ تقدّم في الفقرة الشريفة « المعصومون » بيان أنّ :

العصمة في اللغة بمعنى المنع والدفع والوقاية .

فتكون العصمة من الزلل بمعنى المنع عن وقوعها ، ودفعها ، والوقاية منها .

وتقدّم أيضاً أنّ العصمة هي (الروحية القدسيّة التي تمنع عن مخالفة

(1) الكافي : ج1 ص206 الأحاديث .

(2) بحار الأنوار : ج24 ص11 ح3 .


295

التكاليف اللازمة شرعاً أو عقلا مع القدرة عليها) فيكون الامتناع عن الزلل بواسطة وجود تلك الروحية القدسيّة في المعصوم (عليه السلام) .

علماً بأنّ هذه الروحية القدسيّة والعصمة الربّانية إنّما تكون في المحلّ اللائق ، ومحلّها اللائق هي الاُسرة النبوية الكريمة سلام الله عليهم الذين عرف الله منهم الوفاء ، وعلم بطاعتهم عند الإصطفاء ، فعصمهم من الزلل والأخطاء .

وهذه الفقرات الآتية تفيد شؤون العصمة ومراتب الإعتصام ، وأنّها حصلت فيهم بلطف الله العاصم ، وفضله الدائم ، عناية منه ورعاية لهم ، مع لياقتهم صلوات الله عليهم ، ولا تخلّف لإرادته وعلمه وعصمته .

فالله تعالى هو الذي عصم أهل البيت (عليهم السلام) بواسطة إعطائهم النفوس القدسيّة ، والطهارة الأصلية ، والأرواح النورانية ، والمعرفة التامّة الربّانية لطفاً منه تعالى وقابلية منهم (عليهم السلام) ، عصمهم من الزلل .. أي من كلّ زلّة .

والزلّة هي : المزلقة والخطأ والذنب (1) .

وهي في الأصل إسترسال الرِّجل من غير قصد ، وسُمّي به الذنب من غير قصد تشبيهاً بزلّة الرجل (2) .

وتطلق الزلّة على خطأ المقال أيضاً ، وعلى الزلّة الشيطانية وهـو الضلال (3) . ‌

(1) مجمع البحرين : مادّة زَلَلَ ص476 .

(2) المفردات : ص214 .

(3) العين : ج7 ص348 .


296

كما تطلق على النقصان كذلك (1) .

وتطلق على زلّة الرأي أيضاً (2) .

وأهل البيت (عليهم السلام) معصومون عن جميع هذه الزلاّت ، وعصمهم الله تعالى عن كلّ زلّة .

بدليل أدلّة العصمة الأربعة التي تقدّمت الإشارة إليها في فقرة « المعصومون » واستوفينا بحثها في محلّها (3) .

مضافاً إلى الأحاديث المستفيضة الدالّة على أنّ الله تعالى يسدّدهم بروح القدس النوري الملكوتي ، الذي لا ينام ولا يغفل ولا يسهو ولا يزهو (4) كما تقدّم .

مضافاً إلى التصريح بصيانتهم وعصمتهم عن الزلل في حديث الإمام الباقر (عليه السلام) قال : « لمّا قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) بات آل محمّد (صلى الله عليه وآله) بأطول ليلة ، حتّى ظنّوا أنّ لا سماء تظلّهم ، ولا أرض تقلّهم ، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتر الأقربين والأبعدين في الله .

فبينا هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه فقال :

« السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، إنّ في الله عزاء من كلّ مصيبة ، ونجاة من كلّ هلكة ، ودركاً لما فات .

﴿ كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ

(1) المحيط في اللغة : ج9 ص11 .

(2) لسان العرب : ج11 ص306 .

(3) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص317 .

(4) الكافي : ج1 ص282 ح2 و3 ، وص273 الأحاديث .


297

عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (1) .

إنّ الله اختاركم وفضّلكم وطهّركم وجعلكم أهل بيت نبيّه ، واستودعكم علمه ، وأورثكم كتابه ، وجعلكم تابوت علمه ، وعصا عزّه ، وضرب لكم مثلا من نوره ، وعصمكم من الزلل ، وآمنكم من الفتن .

فتعزّوا بعزاء الله ، فإنّ الله لم ينزع منكم رحمته ، ولن يزيل عنكم نعمته ، فأنتم أهل الله عزّوجلّ الذين بهم تمّت النعمة ، واجتمعت الفُرقة ، وائتلفت الكلمة ، وأنتم أولياؤه ، فمن تولاّكم فاز ، ومن ظلم حقّكم زهق ، مودّتكم من الله واجبة في كتابه على عباده المؤمنين ، ثمّ الله على نصركم إذا يشاء قدير ، فاصبروا لعواقب الاُمور فإنّها إلى الله تصير .

قد قبلكم الله من نبيّه وديعة ، واستودعكم أولياءه المؤمنين في الأرض ، فمن أدّى أمانته أتاه الله صدقه ، فأنتم الأمانة المستودعة ، ولكم المودّة الواجبة ، والطاعة المفروضة .

وقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أكمل لكم الدين ، وبيّن لكم سبيل المخرج ، فلم يترك لجاهل حجّة ، فمن جهل أو تجاهل أو أنكر أو نسي أو تناسى فعلى الله حسابه ، والله من وراء حوائجكم ، وأستودعكم الله ، والسلام عليكم » ، فسألت أبا جعفر (عليه السلام) ممّن أتاهم التعزية ؟

فقال : « من الله تبارك وتعالى » (2) .

(1) سورة آل عمران : الآية 185 .

(2) الكافي : ج1 ص445 ح19 .


298

وَآمَنَكُمْ مِنَ الْفِتَنِ (1) وفي نسخة الكفعمي هنا « عصمكم الله من الذنوب ، وبرّأكم من العيوب ، وائتمنكم على الغيوب وجنّبكم الآفات ، ووقاكم من السيّئات ، وطهّركم من الدنس والزيغ ، ونزّهكم من الزلل والخطأ ، وأذهب عنكم الرجس وطهّركم تطهيراً ، وآمنكم من الفتن ، واسترعاكم الأنام ، وعرّفكم الأسباب وأورثكم الكتاب ، وأعطاكم المقاليد ، وسخّر لكم ما خلق » .

(1) ـ آمنكم : من الأمان بمعنى عدم الخوف ، أي جعلكم آمنين مأمونين من الفتن ، وأعطاكم الأمان منها .

والفِتَن : جمع فتنة ، جاءت لمعان عديدة كالإبتلاء ، وبمعنى الامتحان ، والإختبار ، والذنب ، والعقوبة ، والضلالة والشرّ والفساد .

وأهل البيت (عليهم السلام) بعيدون عن المفاتن الدينية ، وآمنون من الفتنة في الدين ، فلا يقع منهم ذنب ولا عصيان ، ولا يؤتى منهم الكبائر ولا الصغائر ، ولا يصدر منهم ضلال ولا فساد ، ولا يكون منهم شرٌّ ولا عليهم عقوبة ، ولا يحتاجون إلى الاختبار والامتحان بعد أن كانوا صفوة الاصطفاء ، والمعلوم منهم الوفاء .

وذلك لأنّ لازم العصمة الكبرى التي ثبتت بالأدلّة المتقدّمة هو عدم وجود هذه الفتن ، بل وجود العصمة ينافي حدوث الفتنة .

فيكونون (عليهم السلام) مبرّئين عنها ، ومأمونين منها ، بأمان الله الوثيق الذي لا يخذل من آمنه به .

هذا مع التصريح بها في حديث الإمام الباقر (عليه السلام) المتقدّم الذي ورد فيه :


299

وَطَهَّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ (1) « وآمنكم من الفتن » (1) .

وأمّا الإبتلاء بالمصائب فهو ليس بابتلاء في الدين ، بل هو ابتلاءٌ دنيوي كتب على المؤمنين .

ففي حديث الإمام الباقر (عليه السلام) : « إنّ الله ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة ... » (2) .

وهم (عليهم السلام) سادة المؤمنين والأولياء ، والدنيا اُعدّت لبلاء النبلاء .

وفي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : « إنّ أشدّ الناس بلاءٌ الأنبياء ، ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ الأمثل فالأمثل » (3) .

فيرفع الله لهم به المقامات المنيعة والدرجات الرفيعة ، كما تلاحظه في كلام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لولده الإمام الحسين (عليه السلام) : « إنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلاّ بالشهادة » (4) .

(1) ـ الطهارة في الأصل هي النزاهة والنظافة .

والدنس ، بفتحتين ، وجمعه أدناس : أصله الوَسَخ ، يقال : دَنِس الثوب إذا توسّخ ، وبالفارسية : چركى وآلودگى .

وأهل البيت (عليهم السلام) مطهّرون ومنزّهون من جميع ما يدنّس ساحتهم المقدّسة ، ما يدنّس النسب ، وما يدنّس العِرض ، وما يدنّس المروءة ، وما يدنّس

(1) الكافي : ج1 ص445 ح19 .

(2) بحار الأنوار : ج67 ص240 ب12 ح62 .

(3) الكافي : ج2 ص252 ح1 .

(4) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) : ج2 ص260 .


300

القلب ، وما يدنّس الروح ، وما يدنّس الأخلاق .. فالدَّنس لغةً يستعمل في جميع هذه المعاني ، وهم (عليهم السلام) مطهّرون من جميعها .

وذلك لكون الطهارة منها هي من لوازم العصمة ، وقد ثبتت العصمة بالأدلّة الأربعة كما عرفت فيما تقدّم فثبتت هذه الطهارة .

مضافاً إلى التنصيص الصريح على الطهارة المطلقة المؤكّدة في آية التطهير بقوله عزّ إسمه : ﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، وهي تقتضي التنزّه والخلوص عن لوث جميع الأرجاس ، والأنجاس والمعاصي والذنوب والخبائث والعيوب ، والنقائص الظاهرية والباطنية ، والقذارات والمآثم والأعمال القبيحة .

كلّ هذا بالإضافة إلى الأدلّة الخاصّة على طهارتهم من الأدناس نظير :

قوله (عليه السلام) في الزيارة الغديرية العلوية : « ولا شَرِهتَ إلى الحُطام ، ولا دَنَّسَك الآثام » (1) .

وقوله (عليه السلام) في الزيارة المطلقة الحسينية : « أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة ، لم تنجّسك الجاهلية بأنجاسها ، ولم تلبسك من مدلّهمات ثيابها » (2) .

وفي الزيارة الحسينية المفصّلة : « أشهد أنّك طهر ، طاهر مطهّر ، من طهر طاهر مطهّر ، طهرت وطهرت أرض أنت بها ، وطهر حرمك » (3) .

وعرفت أنّ في نسخة الكفعمي هنا : « وطهّركم من الدَنَس والزيغ »

(1) بحار الأنوار : ج100 ص362 ب5 ح6 .

(2) بحار الأنوار : ج101 ص200 ب18 ح32 .

(3) بحار الأنوار : ج101 ص182 ب18 ح30 .


301

وَاَذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ (أهلَ البيت) وَطَهَّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) فَعَظَّمْتُمْ جَلالَهُ (2) والزيغ هو الشكّ والميل عن الحقّ .

كما جاء فيه إضافة فقرات اُخرى نظير : « وبرّأكم من العيوب » التي تفيد أنّهم مبرّؤون عن المعايب والنقائص فلاحظ .

(1) ـ إشارة إلى عصمتهم الرفيعة الثابتة من الله تعالى في محكم كتابه بقوله : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) .

وقد سبق منّا ذكر الإجماع على نزولها في آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين ، مع أحاديث الفريقين المتواترة في ذلك من الخاصّة في (34) طريقاً ، ومن العامّة في (41) طريقاً (2) .

وقد فصّلناه في محلّه فراجع (3) .

(2) ـ الفاء في فعظّمتم لبيان النتيجة ، ولإفادة أنّ في قبال ذلك الفضل الإلهي السامي عليكم أهل البيت بمنحكم العصمة الربّانية الكبرى ، وإعطائكم النعمة القدسيّة العظمى ... أنتم شكرتم النعمة ، وقدّرتم العطيّة ، فعظّمتم جلال الله تعالى ، وأكبرتم شأنه ، ومجّدتم كرمه ، وأدمتم ذكره ، ووكّدتم ميثاقه ... الخ .

والتعظيم في اللغة هو : التوقير والتبجيل والتفخيم والتكبير والخشوع .

وجلال الله تعالى : هي عظمته .

فالله تبارك وتعالى جليل ذو الجلال : ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ

(1) سورة الأحزاب : الآية 33 .

(2) غاية المرام : ص287 ـ 300 .

(3) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص317 .


302

وَالاِْكْرَامِ (1) .

والجليل هو الموصوف بصفات العظمة من الغنى والمُلك والقدرة والعلم وكذلك المتقدّس والمنزّه عن صفات النقص كالإحتياج والضعف والنوم .

فهو تعالى الجليل الذي يصغر دونه كلّ جليل ، ويضع عنده كلّ رفيع .

و (الجليل) من أسمائه المقدّسة الحسنى الراجعة إلى كمال صفاته ، كما أنّ (الكبير) من أسمائه الشريفة الحسنى الراجعة إلى كمال ذاته ، المبيّنة لكبر شأنه وتعاليه عن شبه المخلوقين .

وقد ورد توصيفه تعالى بالجليل في أسمائه وصفاته تعالى المجموعة الألف (1000) في دعاء الجوشن الكبير المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) .

وفي أسمائه المباركة الحسنى التسعة والتسعين (99) التي من دعا الله بها استجاب له ، ومن أحصاها دخل الجنّة (3) .

فمن الأسماء الحسنى الشريفة : (الجليل) الذي يفيد سيادة الله وعظمته وجلالته ، فهو جليل بصفات الجلالة والعظمة ، وهو يجلّ عن صفات النقص والحاجة ، فهذا الإسم الكريم يجمع الصفات الثبوتية الجمالية والصفات السلبية الجلالية .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم المثل الأعلى والقمّة العليا لتعظيم

(1) سورة الرحمن : الآية 78 .

(2) البلد الأمين : ص402 .

(3) كتاب التوحيد : ص194 ب29 ح8 ، وتلاحظ شرحها من الصدوق بعد الحديث ، ومن الكفعمي في المصباح : ص312 .


303

وتوقير جلال الله تعالى وعظمته ، ولم يصدر منهم أدنى ما ينافي تعظيم الله وتبجيله .

عظّموا الله تعالى معرفةً واعتقاداً ، ووقّروه قولا وفعلا ، وبجّلوه في السرّ والعلانية ، وكبّروه عملا وعبادةً ، وخشعوا له في جميع مراحل الحياة ، بل في جميع عوالم الوجود دائماً وأبداً .

كما يدلّنا على ذلك بوضوح سيرتهم المتلألئة ، وحياتهم الكريمة ، وأقوالهم الهادية ، وعباداتهم وصلاتهم التي يكون بها غاية التعظيم والتبجيل للمولى الجليل ..

وبكلّها عظّموا جلال الله ، وكانوا في تعظيم الله .

وفي الزيارة المطلقة لأمير المؤمنين (عليه السلام) التي يرويها في المزار الكبير : « ... وأعطاكم المقاليد ، وسخّر لكم ما خلق ، فعظّمتم جلاله ، وأكبرتم شأنه » (1) .

وللمثال لاحظ كيفية عبادة سيّد أهل البيت أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وكذلك عبادة سيّدة نساء العالمين ، كذلك عبادة سيّد الساجدين . حتّى تلمس أنّهم كانوا في أقصى درجة تعظيم جلال الله تعالى . ونموذج ذلك عبادة أمير المؤمنين (عليه السلام) .

ففي حديث عروة بن الزبير قال : كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان .

فقال أبو الدرداء : ياقوم ألا اُخبركم بأقلّ القوم مالا ، وأكثرهم ورعاً

(1) بحار الأنوار : ج100 ص244 ب4 ح33 .


304

وأشدّهم اجتهاداً في العبادة ؟

قالوا : مَن ؟

قال : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ... ياقوم إنّي قائل ما رأيت وليقل كلّ قوم منكم ما رأوا .

شهدت علي بن أبي طالب بشويحطات النجّار ، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه ، واستتر بمغيلات النخل ، فافتقدته وبَعُدَ عليَّ مكانه ، فقلت : لحق بمنزله ، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول : « إلهي كم من موقبة حلمتَ عن مقابلتها بنقمتك (1) ، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا مؤمّل غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك » .

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر ، فإذا هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعينه ، فاستترت له وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثمّ فرغ إلى الدعاء والبكاء والبثّ والشكوى ، فكان ممّا به الله ناجاه أن قال : « إلهي اُفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم علىّ بليّتي » ثمّ قال : « آه إن أنا قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول : خذوه ، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملأ إذا اُذن فيه بالنداء » ثمّ قال : « آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزّاعة للشوى ، آه من غمرة من ملهبات لظى » .

(1) في المصدر : كم من موبقة حملت عنّي فقابلتها بنعمتك .


305

قال : ثمّ أنعم في البكاء فلم أسمع له حسّاً ولا حركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر ، اُوقظه لصلاة الفجر .

قال أبو الدرداء : فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون » مات والله علي بن أبي طالب .

قال : فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم .

فقالت فاطمة (عليها السلام) : ياأبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصّته ؟ فأخبرتها الخبر .

فقالت : هي والله ياأبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله .

ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ، ونظر إليّ وأنا أبكي ، فقال : ممّا بكاؤك ياأبا الدرداء ؟

فقلت : ممّا أراه تنزله بنفسك .

فقال : « ياأبا الدرداء فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب . واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار ، قد أسلمني الأحبّاء ورحمني أهل الدنيا ، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية » .

فقال أبو الدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) .

وفي نهج البلاغة تلمس بوضوح أسمى آيات تعظيم الله ، ومعاني تجليل

(1) بحار الأنوار : ج41 ص11 ب101 ح1 .


306

وَاَكْبَرْتُمْ شَاْنَهُ (1) وَمَجَّدْتُمْ كَرَمَهُ (2) الله ، فأمعن النظر من أوّل خطبة منه إلى آخر كلمة فيه ، تدرك أجلّ المعارف في معانيه .

وقد شهد الفريقان بشدّة تعظيمه لله جلّ جلاله ، وعظيم عبادته للمولى عزّ شأنه .

وتلاحظ شهادة عدوّه اللدود معاوية بذلك في حديث ضرار بن ضمرة (1) . وشهادة ابن أبي الحديد في شرح النهج (2) .

(1) ـ الإكبار والتكبير : هو التعظيم والإستعظام .

والشأن : هو الأمر والمقام والمنزلة .

أي أنّكم أهل البيت عظّمتم مقام الله ومنزلته الشامخة ، وأعظمتم أمر الله تعالى فيما يفعله من أفعاله الحكيمة ومقاديره العظيمة .

وذلك أنّهم أعرف الناس بعظمة الله ، وأعلم الناس بمنزلة الله ، فكانوا أكثر الناس تعظيماً لله ، وأكثرهم إكباراً لشأن الله .

وتدلّ عليه الزيارة المطلقة العلويّة المتقدّمة التي ورد فيها : « وأكبرتم شأنه » ونفس سيرتهم وعباداتهم الرائعة المفيدة للتعظيم والإكبار .

وفي نسخة الكفعمي بعد هذه الفقرة : « وهِبتم عظمته » .

(2) ـ المجد في اللغة هو الشرف الواسع ، والرفعة العالية ، والعظمة الكاملة ، والتمجيد هو التعظيم والتشريف .

(1) بحار الأنوار : ج41 ص14 ح6 .

(2) شرح نهج البلاغة : ج1 ص27 .


307

وَاَدمتُمْ ذِكْرَهُ (1) والكَرَم ضدّ اللؤم ، وفُسّر بالخير الكثير ، والكريم هو الجامع لأنواع الخير والشرف والكرامة .

أي أنّكم أهل البيت سلام الله عليكم عظّمتم كرم الله تعالى على خلقه وخيره بعباده .

كما عظّمتم كرامته العلياء التي أكرمكم بها في الدنيا والآخرة فعرفتم قدرها ، وعظّمتم مقدارها ، وشكرتم المنعم بها .

وعظّمتم ذاته الكريمة المشتملة على الصفات المجيدة .

وأدعيتهم الغرّاء تدلّ على تمجيداتهم العلياء هذه .

ويتجلّى ذلك بوضوح في مثل مناجاة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ودعاء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة ، ودعاء الإمام السجّاد (عليه السلام) في الأسحار الذي رواه أبو حمزة الثمالي فلاحظها .

(1) ـ أدمتم : من الدوام وهو الثبوت والاستمرار .

وفي نسخة العيون (أدمنتم) مأخوذ من الإدمان ، وهي المداومة والمواظبة ، والاستمرار .

وذِكرُ الله هو ما يذكّر بالله تعالى من الأذكار الشريفة بالقلب واللسان ، والعبادات المقرّبة كإقامة الصلاة وقراءة القرآن ، فهذه تذكّر الإنسان بالمولى المتعال لساناً وجَناناً .

قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا (1) .

(1) سورة الأحزاب : الآية 41 ـ 42 .


308

وأهل البيت (عليهم السلام) أعظم العاملين بهذه الآية الشريفة ، والمديمين للأذكار المنيفة .

وتشهد سيرتهم وحياتهم أنّهم بلغوا الدرجة القصوى ، والمكانة العظمى في ذكر الله تعالى بجميع معنى الكلمة .

فأوّلا : كانوا مستمرّين في ذكر الله تعالى بالقلب واللسان في كلّ حال .

ففي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « وكان أبي (عليه السلام) كثير الذكر ، لقد كنت أمشي معه وإنّه ليذكر الله ، وآكل معه الطعام وإنّه ليذكر الله ، ولقد كان يحدّث القوم [ و ] ما يشغله ذلك عن ذكر الله ، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول : لا إله إلاّ الله .

وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتّى تطلع الشمس ، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا ، ومن كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر » (1) .

وتلاحظ أنحاء الذكر في سفينة البحار (2) .

وثانياً : كانوا مداومين على عبادة الله المذكّرة بأحسن الوجوه ، وأكثر المقادير في أدوم الأزمان ، بالليل والنهار .

ففي حديث نوف قال : بتُّ ليلة عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان يصلّي الليل كلّه ، ويخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء ويتلو القرآن ، قال : فمرّ بي بعد هدء من الليل فقال : « يانوف أراقد أنت أم رامق ؟

قلت : بل رامق ، أرمقك ببصري ياأمير المؤمنين .

(1) الكافي : ج2 ص498 ح1 .

(2) سفينة البحار : ج1 ص486 ، معاني الأخبار : ص192 .


309

قال : يانوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، اُولئك الذين اتّخذوا الأرض بساطاً ، وترابها فراشاً ، وماءها طيباً ، والقرآن دثاراً ، والدعاء شعاراً ، وقرّضوا من الدنيا تقريضاً على منهاج عيسى بن مريم .

إنّ الله عزّوجلّ أوحى إلى عيسى بن مريم : قل للملأ من بني إسرائيل : لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلاّ بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، وأكفّ نقيّة ، وقل لهم : اعلموا أنّي غير مستجيب لأحد منكم دعوة ولأحد من خلقي قِبَله مظلمة » ، الخبر (1) .

وفي حديث حبّة العرني قال : بينا أنا ونوف نائمين في رحبة القصر إذ نحن بأمير المؤمنين (عليه السلام) في بقيّة من الليل ، واضعاً يده على الحائط شبيه الواله ، وهو يقول : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ (2) إلى آخر الآية .

قال : ثمّ جعل يقرأ هذه الآيات ويمرّ شبه الطائر عقله ، فقال لي : أراقد أنت ياحبّة أم رامق ؟

قال : قلت : رامق ، هذا أنت تعمل هذا العمل فكيف نحن ! فأرخى عينيه فبكى .

ثمّ قال لي : « ياحبّة إنّ لله موقفاً ولنا بين يديه موقفاً [ موقف ـ خ ] لا يخفى عليه شيء من أعمالنا ، ياحبّة إنّ الله أقرب إليّ وإليك من حبل الوريد ، ياحبّة إنّه لن يحجبني ولا إيّاك عن الله شيء .

(1) بحار الأنوار : ج41 ص16 ب101 ح9 .

(2) سورة البقرة : الآية 164 .


310

قال : ثمّ قال : أراقد أنت يانوف ؟

قال : قال : لا ياأمير المؤمنين ما أنا براقد ، ولقد أطلت بكائي هذه الليلة .

فقال : يانوف إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافة من الله تعالى قرّت عيناك غداً بين يدي الله عزّوجلّ ، يانوف إنّه ليس من قطرة قطرت من عين رجل من خشية الله إلاّ أطفأت بحاراً من النيران ، يانوف إنّه ليس من رجل أعظم منزلة عند الله من رجل بكى من خشية الله ، وأحبَّ في الله ، وأبغضَ في الله ، يانوف إنّه من أحبّ في الله لم يستأثر على محبّته ، ومن أبغض في الله لم ينل ببغضه خيراً ، عند ذلك استكملتم حقائق الإيمان ، ثمّ وعظهما وذكّرهما وقال في أواخره : فكونوا من الله على حذر ، فقد أنذرتكما .

ثمّ جعل يمرّ وهو يقول : ليت شعري في غفلاتي أمعرض أنت عنّي أم ناظر إلىّ ؟ وليت شعري في طول منامي وقلّة شكري في نعمك علىّ ما حالي ؟ » .

قال : فوالله ما زال في هذا الحال حتّى طلع الفجر (1) .

ثالثاً : كانوا موظبين على ذكر الله القرآني ووحيه الرحماني بأتمّ قراءة ، وأحسن كيفية .

ففي حديث إبراهيم بن العبّاس قال : كان الرضا (عليه السلام) يختم القرآن في كلّ ثلاث ، ويقول : « لو أردت أن أختمه في أقلّ من ثلاث لختمته ، ولكن ما مررت بآية قطّ إلاّ فكّرت فيها وفي أي شيء اُنزلت ، وفي أي وقت ، فلذلك صرت

(1) بحار الأنوار : ج41 ص23 ب ح13 .


311

وَوَكَّدْتُمْ مِيثاقَهُ (1) أختم ثلاثة أيّام » (1) .

وفي حديث معاوية بن عمّار ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل لا يرى أنّه صنع شيئاً في الدعاء والقراءة ، حتّى يرفع صوته .

فقال : « لا بأس إنّ علي بن الحسين (عليهما السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن ، وكان يرفع صوته حتّى يسمعه أهل الدار ، وإنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن ، وكان إذا قام من الليل ، وقرأ رفع صوته فيمرّ به مارّ الطريق من السقّائين وغيرهم ، فيقومون فيستمعون إلى قراءته » (2) .

وذكرهم القرآني الأعلى ثابت حتّى باعتراف غيرنا (3) .

ولم يسبق لهم نظير في التاريخ أن يقرأ أحد القرآن حتّى بعد وفاته ، كما قرأه سيّد الشهداء الحسين (عليه السلام) بعد شهادته ممّا تلاحظه في النقل المتظافر (4) .

فهم (عليهم السلام) أعظم الذاكرين لله تعالى ، ذكرهم الله تعالى بالسلام وحيّاهم بالتحيّة والإكرام .

(1) ـ وكّدتم : من التوكيد بمعنى التأكيد وهي التقوية ، والتوكيد أفصح من التأكيد .

والميثاق : هو العهد الموثّق ، مفعالٌ من الوثاق ، وهو في الأصل : الحبل الذي يُقيّد ويُشدّ به ، سمّي به العهد لوثاقته واستحكامه .

وأهل البيت (عليهم السلام) ممّن اتّصفوا بتقوية عهد الله تعالى ، والتزموا بالوفاء

(1) بحار الأنوار : ج92 ص204 ب24 ح1 .

(2) بحار الأنوار : ج92 ص194 ب21 ح9 .

(3) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : ج1 ص27 ، الإمام الصادق : ج1 ص53 ـ 54.

(4) معالي السبطين : ج2 ص68 .


312

بميثاق الله ، إذ هم أطوع الخلق لله تعالى فكانوا أوفى بميثاقه .

والميثاق هذا فُسّر بمعنيين :

1 / الميثاق الذي أخذه الله تعالى من النبيّين بالدعوة إلى التوحيد ، وتبليغ الرسالة وإعلاء الكلمة ، وهو ما قال الله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقاً غَلِيظاً (1) (2) .

وأهل البيت (عليهم السلام) كانوا في أعلى درجات تأكيد هذا الميثاق ، كما يشهد له جهودهم وجهادهم إلى أن وقعت شهادتهم .

2 / الميثاق الذي أخذه الله تعالى من بني آدم في عالم الذرّ ، المشار إليه بقوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (3) (4) .

وأهل البيت (عليهم السلام) أسبق الخلق وأوفاهم بهذا الميثاق .

وقد تقدّم حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : « لمّا أراد الله أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه ، فقال لهم : مَن ربّكم ؟

فأول من نطق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمّة (عليهم السلام) فقالوا :

(1) سورة الأحزاب : الآية 7 .

(2) البرهان : ج1 ص374 ، وج2 ص833 .

(3) سورة الأعراف : الآية 172 .

(4) البرهان : ج1 ص375 ، بحار الأنوار : ج5 ص225 ، وج60 ص131 .


313

أنت ربّنا » (1) .

وقد مضى بيانه في الفقرة الشريفة : « وحججُ الله على أهل الدنيا والآخرة والاُولى » . فراجع .

ونُضيف هنا بمناسبة ذكر الميثاق ما أفادته الأحاديث الشريفة : أنّ هذا الميثاق الذي أخذه الله تعالى من عباده في عالم الذرّ ، وأقرّوا له بذلك سجّله الله تعالى وأثبته ، وكتب أسماء عبيده في رَقٍّ ـ وهو الجلد الرقيق الذي يكتب فيه ـ وأودعه في الحجر الأسود .

وكان لهذا الحجر آنذاك عينان ولسانان وشفتان ، لأنّه كان يومئذ قبل تبديله إلى هذه الصورة مَلَكاً من ملائكة الله العظام ، فقال له : إفتح فاك ، ففتح فاه ، فألقمه ذلك الرقّ ثمّ قال له : إشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة ، وسيشهد .

ولهذا استحبّ للطائف حول الكعبة المعظّمة، وللداخل إلى المسجد الحرام إستلام الحجر ، وأن يقول عنده مشيراً إليه مخاطبة له : « أمانتي أدّيتُها وميثاقي تعاهدتُه ، لتشهد لي بالموافاة » (2) .

ولهذا الحجر المبارك خصوصيات فريدة ، فإنّه أنزله الله من الجنّة على آدم (عليه السلام) وهو بأرض الهند ، فحمله على عاتقه حتّى وافى به مكّة المكرّمة ، فجعله في ركن البيت الشريف (3) .

واعلم أنّ هذا الحجر موضوع في الزاوية الشرقية من الكعبة المعظّمة

(1) كنز الدقائق : ج5 ص230 .

(2) علل الشرائع : ص423 ب161 الأحاديث .

(3) سفينة البحار : ج1 ص225 .


314

وَاحْكَمْتُمْ عَقْدَ طاعَتِهِ (1) في الركن العراقي في مبدأ الطواف ، وعلى إرتفاع متر ونصف من أرض المسجد الحرام ، ملبّساً بإطار من فضّة .

ويمتاز الحجر الأسود عن أحجار العالم بأنّه حجر كبير ضخامته (30) سنتيمتراً ، وبالرغم من ذلك يساوي وزنه (2) كيلو غرام فقط .

وهو أخفّ من الماء ، ولذلك لا يرسب فيه .

وهو ضدّ النار والحرارة ، ولذلك لا يتأثّر بالحرارة ، ولا يحترق بالنار ، بالرغم من إصابة الحريق له عدّة مرّات .

وأكبر خصوصية فيه أنّه (يمينُ الله في أرضه يصافح بها خلقه) كما ورد في الحديث ، فيجدر تعظيمه وتقبيله واستلامه (1) .

كما وأنّه امتاز من بين الأحجار بعد وضعه في ركن البيت الشريف بخصوصية أن أنطقه الله تعالى وتكلّم بلسان عربيّ مبين بإمامة مولانا الإمام زين العابدين (عليه السلام) كما تلاحظه في حديثي زرارة (2) والكابلي (3) .

(1) ـ أحكمتم من الإحكام بالكسر بمعنى : ضبط الشيء ، وجعله مستحكماً .

والعقد بمعنى المعقود ، وهو أوكد العهود ، وفيه معنى الإستيثاق والشدّ ، مأخوذ من عقد الشيء بغيره : أي وصله به كما يعقد الحبل .

أي أنّ أهل البيت (عليهم السلام) ضبطوا وأتقنوا وقوّوا ميثاق إطاعة الخلق لله تعالى وعهده الذي أخذه منهم ، بواسطة هدايتهم بالمواعظ الشافية والنصائح

(1) أحكام حج واسرار آن : ص98 .

(2) الكافي : ج1 ص348 ح5 .

(3) بحار الأنوار : ج46 ص29 ب3 ح20 .


315

الوافية ، وإرشادهم بتحبيب الطاعة لهم ، وتحذيرهم عن وقوع المعصية منهم ، وبترغيبهم إلى الثواب وتجنيبهم عن العقاب .

فكان من تبعهم واهتدى بهداهم مطيعاً لله ، منقاداً لحضرته ، خاضعاً لجنابه كما هو الملحوظ في الخيرة من أصحابهم الكرام وشيعتهم العظام ، الذين ربّوهم على طاعة الله ، وهذّبوهم على عبادة الله ، وزيّنوهم بترك معصية الله .

وللنموذج من ذلك راجع أحوال كبار أصحابهم وما أكثرهم وأطوعهم من أمثال محمّد بن أبي عمير الأزدي رضوان الله تعالى عليه .

ففي رجال الكشّي : وجدت في كتاب أبي عبدالله الشاذاني بخطّه : سمعت أبا محمّد الفضل بن شاذان يقول :

دخلت العراق فرأيت واحداً يعاتب صاحبه ويقول له : أنت رجل عليك عيال ، وتحتاج أن تكتب عليهم ، وما آمن أن يذهب عيناك لطول سجودك ، فلمّا أكثر عليه قال : أكثرتَ علىّ ، ويحك لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير ، ما ظنّك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما يرفع رأسه إلاّ زوال الشمس .

وسمعته يقول : أخذ يوماً شيخي بيدي ، وذهب بي إلى ابن أبي عمير فصعدنا في غرفة وحوله مشايخ له يعظّمونه ويبجّلونه ، فقلت لأبي : مَن هذا ؟

قال : هذا ابن أبي عمير .

قلت : الرجل الصالح العابد ؟

قال : نعم .

وسمعته يقول : ضُرب ابن أبي عمير مائة خشبة وعشرين خشبة بأمر


316

وَنَصَحْتُمْ لَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ (1) هارون لعنه الله ، تولّى ضربه السندي بن شاهك على التشيّع ، وحبس فأدّى مائة وإحدى وعشرين ألفاً حتّى خلّي عنه .

فقلت : وكان متموّلا ؟

قال : نعم كان ربّ خمسمائة ألف درهم (1) .

كما كانوا هم (عليهم السلام) في أنفسهم المثل الأعلى ، والقدوة العُليا لطاعة الله ، وتطويع الخلق لله ، وقد تقدّم شيء من ذلك في فقرة « المطيعون لله » .

ولم يستطع أحد من الناس أن يصل إليهم في قدر الطاعة ، وما زالوا على ذلك حتّى أقاموا الحقّ والدين ، وقطعوا ظهور الشياطين ، وقامت بهم الطاعة والعبادة .

ولذلك ورد في الحديث : « ولولانا ما عُبِدَ الله » (2) .

وفي نسخة الكفعمي : « وأحكمتم عقد عُرى طاعته » .

(1) ـ النُصح ، والإسم منه النصيحة هو : الخلوص وعدم الغشّ .

يُقال : نَصَحَه ونَصَحَ له : إذا فعل فعلا أو تكلّم بكلام أراد به الخير والصلاح للمنصوح .

وإشتقاقه من نصحت العسل إذا صفّيته ، فالناصح يُصفّي فعله وكلامه من الغشّ ، أو من نصحت الثوب إذا خطته ، فالناصح يصلح خلل أخيه كما يصلح الخيّاط خرق الثوب على ما يستفاد من اللغة .

(1) رجال الكشّي : ص494 .

(2) الكافي : ج1 ص193 ح6 .


317

والسرّ والعلانية هي الخفاء والظهور .

وفُسّرت النصيحة في السرِّ بالنصح في الإعتقاد والنيّة فيما بين الله تعالى وبين أنفسهم .

كما فُسّرت النصيحة في العلانية بالنصح في الأقوال والأفعال فيما بينهم وبين الناس .

والمعنى أنّكم أهل البيت سلام الله عليكم نصحتم لله تعالى عباده ، وأردتم لهم الخير ، وأصلحتم خللهم ، في السرّ والعلانية (1) .

فإنّهم صلوات الله عليهم أرادوا بأقوالهم وأفعالهم الخير والصلاح لجميع عباد الله تعالى صالحهم وطالحهم .

كما تشهد به سيرتهم الطيّبة مع أوليائهم وأعدائهم ، بل مع الخلق كلّهم .

لذلك تظافرت زياراتهم بالشهادة لهم أنّهم نصحوا لله ولرسوله ...

وما مرّت عليهم فرصة في حياتهم إلاّ وتحرّوا الطريق الأرشد ، والمنهاج الأسعد لخير المخلوقين ، وصلاح العالمين ، وقد جَلَبوا لهم المصالح وجنّبوهم عن المفاسد .

فأهل البيت (عليهم السلام) اتّصفوا بالنصيحة بالنحو الأكمل والنهج الأفضل .

ولم يكتفوا بنصيحة العباد بأنفسهم ، بل أمروا المؤمنين بالنصح فيما بينهم ، وأوجبوا عليهم النصيحة لهم ، وجعلوها من أفضل الأعمال .

ففي حديث سفيان بن عيينة قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « عليكم ‌

(1) لاحظ روضة المتّقين : ج5 ص474 .


318

بالنصح لله في خلقه ، فلن تلقاه بعمل أفضل منه » (1) .

وقد ضمنوا الجنّة لمن نصح لله ولرسوله ولكتابه ولدينه وللمسلمين ، على ما في حديث تميم الداري قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من يضمن لي خمساً أضمن له الجنّة .

قيل : وما هي يارسول الله ؟

قال : النصيحة لله عزّوجلّ ، والنصيحة لرسوله ، والنصيحة لكتاب الله ، والنصيحة لدين الله ، والنصيحة لجماعة المسلمين » (2) .

وقد فسّر العلاّمة المجلسي أعلى الله مقامه هذه النصائح بقوله :

(المراد بنصيحة المؤمن : إرشاده إلى مصالح دينه ودنياه ، وتعليمه إذا كان جاهلا ، وتنبيهه إذا كان غافلا ، والذبّ عنه عن أعراضه إذا كان ضعيفاً ، وتوقيره في صغره وكبره ، وترك حسده وغشّه ، ودفع الضرر عنه ، وجلب النفع إليه ، ولو لم يقبل النصيحة سلك به طريق الرفق حتّى يقبلها ، ولو كانت متعلّقة بأمر الدين سلك به طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المشروع ...

ومعنى نصيحة الله : صحّة الإعتقاد في وحدانيّته ، وإخلاص النيّة في عبادته .

والنصيحة لكتاب الله هو : التصديق والعمل بما فيه .

ونصيحة رسوله (صلى الله عليه وآله) : التصديق بنبوّته ورسالته ، والإنقياد لما أمر به

(1) الكافي : ج2 ص208 ح6 .

(2) الخصال : ج1 ص294 ح60 .


319

وَدَعَوْتُمْ اِلى سَبِيلِهِ بِالْحَكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (1) ونهى عنه .

ونصيحة الأئمّة (عليهم السلام) : أن يطيعهم في الحقّ ، ولا يرى الخروج عليهم ..

ونصيحة عامّة المسلمين : إرشادهم إلى مصالحهم) (1) .

(1) ـ إشارة إلى أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم المصداق الكامل العامل بقوله تعالى : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (2) .

بمعنى أنّكم أهل البيت عليكم سلام الله دعوتم الخلق ، وهديتم المخلوق إلى سبيل الله القويم ، وصراطه المستقيم ، ودينه العظيم ، بلسان الحكمة والموعظة الحسنة .

فما هي الحكمة وما هي الموعظة الحسنة ؟

أمّا الحكمة فقد جاء تعريفها بالعلوم الحقيقيّة الإلهية (3) .

وفُسّرت هنا بالقرآن الكريم (4) .

وسُمّي القرآن حكمة لأنّه يتضمّن الأمر بالأفعال الحسنة والنهي عن الأفعال القبيحة ، وأصل الحكمة المنع عن القبيح والفساد كما اُفيد .

وأهل البيت سلام الله عليهم دَعَوا الخلق إلى دين الله تعالى بالقرآن الكريم وبما أخذوه من كلام الله الحكيم ، فكلّموا كلّ واحد بغرر الحكم على ما يوافق عقله وبمقدار فهمه وبقدر إدراكه ، فإنّهم سلام الله عليهم كانوا كرسول الله (صلى الله عليه وآله)

(1) مرآة العقول : ج9 ص142 ـ 144 .

(2) سورة النحل : الآية 125 .

(3) الأنوار اللامعة : ص77 .

(4) تفسير البرهان : ج1 ص585 .


320

يكلّمون الناس على قدر عقولهم ، كما في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) (1) .

وأمّا الموعظة الحسنة فمعناه : الوعظ الحسن ، وهو الصَّرف عن القبيح ، على وجه الترغيب في تركه ، والتزهيد في فعله ، ومن ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع (2) .

فالوعظ ، والاسم منه الموعظة هو التذكير بالعواقب ، كالوصيّة بالتقوى ، والحثّ على الطاعات ، والتحذير عن المعاصي والإغترار بالدنيا وزخارفها ، ونحو ذلك (3) .

فيكون الوعظ بالزجر المقترن بالتخويف ، وبالتذكير بالخير فيما يرقّ له القلب (4) .

وعليه فتكون الموعظة الحسنة في محصّل معناها عبارة عن الوعظ بما يكون حسناً في نفسه ، ومؤثّراً في غيره ، بحيث يكون جاذباً للقلوب ، ومقرّباً للمطلوب .

وجاء في الآية الشريفة بعد الأمر بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة الأمر بالجدال بالتي هي أحسن .

وقد فُسّرت في حديث الإمام العسكري (عليه السلام) بالحجج الإلهية .

مثل التي بيّنها الله تعالى لنبيّه الأكرم في جواب من قال : ﴿ مَن يُحْىِ

(1) الكافي : ج1 ص23 ح15 .

(2) مجمع البيان : ج6 ص393 .

(3) مجمع البحرين : مادّة وعظ ص369 .

(4) المفردات : ص527 .


321

وَبَذَلْتُمْ اَنْفُسَكُمْ فِي مَرْضاتِهِ (1) الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ؟

فقال الله تعالى في ردّه : ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الاَْخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (1) كما في حديث التفسير (2) .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم المثل الأعلى للدعوة إلى سبيل الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة .

ومن لاحظ سيرتهم ومواعظهم الحسان أيقن بذلك غاية الإيقان .

والدليل الوجداني ظاهرٌ بالتدبّر في مواعظهم (عليهم السلام) المرويّة وإرشاداتهم العالية (3) .

وأخصّ بالذكر مواعظ الإمام الصادق (عليه السلام) في رسالته المباركة إلى أصحابه ، التي رواها ثقة الإسلام الكليني في أوّل حديث من الروضة وهي موعظة جليلة الشأن ، بليغة المتن ، مفصّلة مستوفية ، يأتي مقدار منها في فقرة « وسننتم سنّته » فراجع (4) .

(1) ـ البذل في اللغة هو العطاء ضدّ المنع .

والمرضاة : مصدر ميمي من الرضا .

أي أنّكم أهل البيت سلام الله عليكم فديتم بأرواحكم الشريفة في

(1) سورة يس : الآيات 78 ـ 80 .

(2) تفسير البرهان : ج1 ص585 .

(3) بحار الأنوار : كتاب الروضة ج78 أبواب مواعظ الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين .

(4) روضة الكافي : ج8 ص2 .


322

سبيل ما يُرضي الله تعالى من المداومة على أوفر العبادات ، والإلتزام بأعظم الطاعات وإعلاء كلمة الله في جميع المجالات ، حتّى تحملّتم ما تحمّلتم من المشاقّ ، وأصابكم ما أصابكم من المحن ، ولاقيتم ما لاقيتم من المصائب ، إلى درجة الشهادة في سبيل الله وتحصيل مرضاته ، حتّى لم يكن منكم إلاّ مسموم أو مقتول ، كما في حديث جُنادة عن الإمام المجتبى (عليه السلام) أنّه عهد إلينا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) .

وفي خطبته (عليه السلام) :

« لقد حدّثني حبيبي جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّ الأمر يملكه إثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفوته ، ما منّا إلاّ مقتول أو مسموم » (2) .

ودراسة حياتهم المليئة بهذه المفاخر كفيلة بمعرفة غاية جهدهم ، في عبادتهم وجهادهم ، والإطّلاع على مدى محنهم ومصائبهم موصلٌ إلى العلم ببذل أنفسهم في سبيل مرضاة ربّهم .

وللنموذج تلاحظ بذل نفسهم في العبادة في مثل حديث عبادة الإمام السجّاد (عليه السلام) الذي رواه شيخ الطائفة الطوسي جاء فيه :

أنّ فاطمة بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمّا نظرت إلى ما يفعل ابن أخيها علي ابن الحسين (عليهما السلام) بنفسه من الدأب في العبادة ، أتت جابر بن عبدالله بن عمرو بن حزام الأنصاري ، فقالت له : ياصاحب رسول الله ، إنّ لنا عليكم حقوقاً ، ومن

(1) بحار الأنوار : ج27 ص217 ب9 ح18 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص217 ب9 ح19 .


323

حقّنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه إجتهاداً أن تذكّروه الله ، وتدعوه إلى البُقيا على نفسه .

وهذا علي بن الحسين بقيّة أبيه الحسين (عليهما السلام) ، قد انخرم أنفه ، وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه دأباً منه لنفسه في العبادة .

فأتى جابر بن عبدالله باب علي بن الحسين (عليهما السلام) ، وبالباب أبو جعفر محمّد ابن علي (عليهما السلام) في اُغيلمة من بني هاشم قد اجتمعوا هناك ، فنظر جابر إليه مقبلا ، فقال : هذه مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسجيّته ، فمن أنت ياغلام ؟

قال : فقال : أنا محمّد بن علي بن الحسين ، فبكى جابر بن عبدالله (رضي الله عنه) . ثمّ قال : أنت والله الباقر عن العلم حقّاً ، اُدنُ منّي بأبي أنت واُمّي ، فدنا منه فحلّ جابر ازاره ووضع يده في صدره فقبّله ، وجعل عليه خدّه ووجهه ، وقال له : اُقرئك عن جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله) السلام ، وقد أمرني أن أفعل بك ما فعلت ، وقال لي : يوشك أن تعيش وتبقى حتّى تلقى من ولدي من إسمه محمّد يبقر العلم بقراً . وقال لي : إنّك تبقى حتّى تعمى ثمّ يكشف لك عن بصرك .

ثمّ قال لي : ائذن لي على أبيك ، فدخل أبو جعفر على أبيه (عليهما السلام) فأخبره الخبر ، وقال : إنّ شيخاً بالباب ، وقد فعل بي كيت وكيت .

فقال : يابني ذلك جابر بن عبدالله . ثمّ قال : أمن بين ولدان أهلك قال لك ما قال وفعل بك ما فعل ؟ قال : نعم [ قال : ] إنّا لله ، إنّه لم يقصدك فيه بسوء ، ولقد أشاط بدمك .

ثمّ أذن لجابر ، فدخل عليه فوجده في محرابه قد أنضته العبادة ، فنهض علي (عليه السلام) فسأله عن حاله سؤالا حفيّاً ، ثمّ أجلسه بجنبه .


324

فأقبل جابر عليه يقول : يابن رسول الله ، أما علمت أنّ الله تعالى إنّما خلق الجنّة لكم ولمن أحبّكم ، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم ، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك ؟

قال له علي بن الحسين (عليهما السلام) : ياصاحب رسول الله ، أما علمت أنّ جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر فلم يدع الإجتهاد له ، وتعبّد ـ بأبي هو واُمّي ـ حتّى انتفخ الساق وورم القدم ، وقيل له : أتفعل هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر !

قال : أفلا أكون عبداً شكوراً .

فلمّا نظر جابر إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) وليس يغني فيه من قول يستميله من الجهد والتعب إلى القصد ، قال له : يابن رسول الله ، البُقيا على نفسك ، فإنّك لمن اُسرة بهم يُستدفع البلاء ، وتستكشف اللأواء ، وبهم تُستمطر السماء .

فقال : ياجابر ، لا أزال على منهاج أبويّ مؤتسيّاً بهما صلوات الله عليهما حتّى ألقاهما ، فأقبل جابر على من حضر فقال لهم : والله ما أرى في أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين إلاّ يوسف بن يعقوب (عليهما السلام) ، والله لذرّية علي بن الحسين (عليهما السلام)أفضل من ذرّية يوسف بن يعقوب ، إنّ منهم لمن يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً (1) .

وتلاحظ بذل النفس في مصائبهم ومحنهم في الأحاديث التي عقد لها شيخ الإسلام المجلسي باباً ، من ذلك :

(1) أمالي الشيخ الطوسي : ص636 ح1314 .


325

حديث أبان ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) جاء فيه : قال أبان : ثمّ قال لي أبو جعفر الباقر (عليه السلام) : « ما لقينا أهل البيت من ظلم قريش وتظاهرهم علينا وقتلهم إيّانا ، وما لقيت شيعتنا ومحبّونا من الناس .

إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قُبض وقد قام بحقّنا وأمر بطاعتنا وفرض ولايتنا ومودّتنا ، وأخبرهم بأنّا أولى الناس بهم من أنفسهم وأمرهم أن يبلّغ الشاهد منهم الغائب .

فتظاهروا على علي (عليه السلام) ، فاحتجّ عليهم بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه وما سمعته العامّة . فقالوا : صدقت ، قد قال ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن قد نَسَخَه فقال : « إنّا أهل بيت أكرمنا الله عزّوجلّ وإصطفانا ولم يرض لنا بالدنيا ، وإنّ الله لا يجمع لنا النبوّة والخلافة » ! فشهد بذلك أربعة نفر : عمر وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة ، فشبّهوا على العامّة وصدّقوهم وردّوهم على أدبارهم وأخرجوها من معدنها من حيث جَعَلها الله .

واحتجّوا على الأنصار بحقّنا وحجّتنا فَعَقَدوها لأبي بكر . ثمّ ردّها أبو بكر إلى عمر يكافيه بها . ثمّ جعلها عمر شورى بين ستّة ، فقلّدوها عبدالرحمن . ثمّ جعلها ابن عوف لعثمان على أن يردّها عليه ، فغدر به عثمان وأظهر ابن عوف كفره وجهله وطعن عليه (1) في حياته وزعم ولده أنّ عثمان سمّه فمات .

(1) وفي « د » هكذا : فأظهر ابن عوف خلعه وكفره فذكر لنا أنّ عثمان سمّه ، فمات ابن عوف .

روى العلاّمة الأميني في الغدير : ج9 ص86 : أنّه لمّا أحدث عثمان ما أحدث قيل لعبدالرحمن ابن عوف : هذا كلّه فعلك . فقال : ما كنت أظنّ هذا به . لكن لله عليّ أن لا اُكلّمه أبداً . ومات عبدالرحمن وهو مهاجر لعثمان ، ودخل عليه عثمان عائداً في مرضه فتحوّل إلى الحائط ولم يكلّمه . مات عبدالرحمن سنة (32) .

وروى العلاّمة المجلسي في البحار : ج8 ص319 الطبع القديم عن الثقفي في تاريخه قال : كثر الكلام بين عبدالرحمن وبين عثمان حتّى قال عبدالرحمن : أما والله لئن بقيت لك لاُخرجنّك من هذا الأمر كما أدخلتك فيه وما غررتني إلاّ بالله .


326

ثمّ قام طلحة والزبير فبايعا عليّاً (عليه السلام) طائعين غير مكرهين . ثمّ نَكَثا وغَدَرا ، ثمّ ذهبا بعائشة معهما إلى البصرة مطالبة بدم عثمان . ثمّ دعا معاوية طغاة أهل الشام إلى الطلب بدم عثمان ونصب لنا الحرب . ثمّ خالفه أهل حروراء على أن يحكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ، فلو كانا حكما بما اشترط عليهما لَحَكما أنّ عليّاً (عليه السلام)أمير المؤمنين في كتاب الله وعلى لسان نبيّه وفي سنّته ، فخالفه أهل النهروان وقاتلوه .

ثمّ بايعوا الحسن بن علي (عليه السلام) بعد أبيه وعاهدوه ، ثمّ غَدَروا به وأسلموه ووثبوا عليه حتّى طعنوه بخنجر في فخذه وانتهبوا عسكره وعالجوا خلاخيل اُمّهات أولاده . فصالح معاوية وحقن دمه ودم أهل بيته وشيعته ، وهم قليل حقّ قليل ، حين لا يجد أعواناً .

ثمّ بايع الحسين (عليه السلام) من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً . ثمّ غدروا به ثمّ خرجوا إليه فقاتلوه حتّى قُتل .

ثمّ لم نَزَل أهل البيت ـ منذ قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ نذلّ ونقصي ونحرم ونقتل ونطرد ونخاف على دمائنا وكلّ مَن يحبّنا . ووجد الكاذبون لكذبهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقُضاتهم وعمّالهم في كلّ بلدة ، يحدّثون عدوّنا عن ولاتهم الماضين بالأحاديث الكاذبة الباطلة ، ويروون عنّا ما لم نقل تهجيناً ‌


327

منهم لنا وكذباً منهم علينا وتقرّباً إلى ولاتهم وقضاتهم بالزور والكذب .

وكان عظم ذلك وكثرته في زمن معاوية بعد موت الحسن (عليه السلام) ، فقُتلت الشيعة في كلّ بلدة وقطعت أيديهم وأرجلهم وصلبوا على التهمة والظنّة من ذكر حبّنا والإنقطاع إلينا .

ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان ابن زياد بعد قتل الحسين (عليه السلام) . ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم بكلّ قتلة وبكلّ ظنّة وبكلّ تهمة ، حتّى أنّ الرجل ليقال له : « زنديق » أو « مجوسي » كان ذلك أحبّ إليه من أن يُشار إليه أنّه من « شيعة الحسين صلوات الله عليه !! » (1) (2) .

وزيارة جامعة أئمّة المؤمنين التي رواها السيّد ابن طاووس نوّهت عن شيء من مصائبهم ومحنهم صلوات الله عليهم أجمعين ولعن الله أعدائهم إلى يوم الدين ، جاء فيها :

« ياموالي ، فلو عاينكم المصطفى وسهام الاُمّة مغرقة في أكبادكم ، ورماحهم مشرعة في نحوركم ، وسيوفها مولعة في دمائكم ، يشفي أبناء العواهر غليل الفسق من ورعكم ، وغيظ الكفر من إيمانكم ، وأنتم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته ، وشهيد فوق الجنازة قد شكّت أكفانه بالسهام ، وقتيل بالعراء قد رفع فوق القناة رأسه ، ومكبّل في السجن قد رضّت بالحديد أعضاؤه ، ومسموم قد قطّعت بجرع السمّ أمعاؤه ، وشملكم عباديد تفنيهم العبيد وأبناء

(1) كتاب سليم بن قيس : ج2 ص630 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص211 ب9 الأحاديث .


328

وَصَبَرْتُمْ عَلى ما اَصابَكُمْ فِي جَنْبِهِ (1) العبيد .

فهل المحن ياسادتي إلاّ التي لزمتكم ، والمصائب إلاّ التي عمّتكم ، والفجائع إلاّ التي خصّتكم ، والقوارع إلاّ التي طرقتكم صلوات الله عليكم وعلى أرواحكم ، وأجسادكم ورحمة الله وبركاته » (1) .

(1) ـ أي أنّكم أهل البيت سلام الله عليكم صبرتم على ما أصابكم من المشقّة والتعب والظلم والأذى وسفك الدماء وسبي النساء ونهب الأموال ، في جنب الله وجهته وفي طريقه ومرضاته .

والصبر في اللغة : نقيض الجزع (2) .

وفي الإصطلاح : (حبس النفس على المكروه إمتثالا لأمر الله تعالى) (3) .

وفسّر بالإمساك في الضيق وحبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع (4) .

وفي الشموس بيّن أنّ حقيقة الصبر هو وقار النفس ، ولازمه عدم الإضطراب عند الإبتلاء (5) .

وعرّفه المحقّق الطوسي أنّه (حبس النفس عن الجزع عند المكروه ، وهو يمنع الباطن عن الإضطراب ، واللسان عن الشكاية ، والأعضاء عن الحركات

(1) مصباح الزائر : ص464 .

(2) المحيط في اللغة : ج8 ص134 .

(3) مجمع البحرين : مادّة صبر ص272 .

(4) المفردات : ص373 .

(5) الشموس الطالعة : ص298 .


329

غير المعتادة) (1) .

والصبر يكون في مواطن كثيرة كالصبر على الطاعة ، والصبر على المعصية ، والصبر على المصيبة .

ولقد أشاد الله تعالى بذكر الصبر والصابرين في أكثر من (70) موضع من القرآن الكريم (2) .

كما مدحه المعصومون (عليهم السلام) بفائق المدح والثناء في أحاديث كثيرة تلاحظها في كتب الأخبار (3) .

وأهل البيت سلام الله عليهم بلغوا أعلى مراتب الصبر ، وأعلى درجات الصابرين الذي كان جزاؤه معيّة الله تعالى والزلفى عنده عزّ إسمه ﴿ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .

ويكفي لذلك دليلا ومثالا ، كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) :

« فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن الموت ، وأغضيت على القذى ، وشربت على الشجى ، وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمرّ من العلقم ، وآلم للقلب من حرّ الشفار » (4) .

وتلاحظ صبرهم في أحاديثهم الشريفة الواردة في البحار (5) .

(1) سفينة البحار : ج2 ص4 .

(2) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم : مادّة صبر .

(3) بحار الأنوار : ج71 ص56 ب62 الأحاديث .

(4) نهج البلاغة : قسم الخطب ، الخطبة 26 .

(5) بحار الأنوار : ج41 ص1 ب99 ، وج24 ص214 ب57 .


330

وَاَقَمْتُمُ الصَّلاةَ (1) ولقد عجبت من صبرهم ملائكة السماء ، كما في زيارة الناحية المقدّسة (1) .

وقد اعترف بعظيم صبرهم شيعتهم وغير شيعتهم كما تلاحظه في ما تقدّم من حديث ابن دأب (2) .

وفي نسخة الكفعمي بعد هذه الفقرة : « وصدعتم بأمره ، وتلوتم كتابه ، وحذّرتم بأسه ، وذكّرتم بأيّامه ، وأوفيتم بعهده » .

(1) ـ الصلاة هي العبادة القربيّة المعروفة التي هي معراج المؤمن ، وقربان كلّ تقيّ ، وقرّة عين الصالحين .

وإقامتها فُسّرت بمعان ثلاثة :

1 / بمعنى تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ وإنحراف في أفعالها ، أخذاً من أقام العُود يعني عود الخيمة : أي قوّمه .

2 / بمعنى المواظبة على الصلاة وترويجها ، أخذاً من قامت السوق : أي راجت .

3 / بمعنى التشمير والاستعداد لأدائها من غير فتور ولا توان ولا تهاون ، أخذاً من قام بالأمر : أي جدّ فيه ، وتجلّد ، ولم يتهاون (3) .

ولعلّ جامع المعاني في إقامة الصلاة هي المحافظة عليها ، تلك المحافظة التي أمر بها في قوله عزّ إسمه : ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ

(1) بحار الأنوار : ج101 ص240 ب18 ح38 .

(2) الاختصاص : ص108 .

(3) مجمع البحرين : مادّة قَوَمَ ص532 .


331

الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِِ قَانِتِينَ (1) .

والتي هي من صفات المؤمنين المفلحين المبشَّرين بالجنّة في كتاب الله الكريم في قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (2) .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم الذين أقاموا الصلاة حقّ إقامتها بكلّ خضوع وخشوع ، وإخلاص وحضور قلب ، وجاؤوا بها تامّة الأجزاء والشرائط ، وحافظوا على أدائها بكلّ ما هو من شروط قبولها وكمالها ، وواظبوا على إتيانها بكلّ جدٍّ واجتهاد ، واستعدّوا لها أتمّ الإستعداد ، وعلّموها أحسن التعليم ، ومنحوها غاية التعظيم ، والتزموا بها في الشدّة والرخاء ، واعتنوا بها غاية الاعتناء .

كما تلاحظ ذلك بوضوح في سيرتهم وحياتهم ، وفي سفرهم وإقامتهم ، حتّى في حروبهم وسجونهم .

وغني عن البيان صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) .

وصلاة الإمام السجّاد (عليه السلام) (4) .

وصلاة الإمام الكاظم (عليه السلام) (5) .

(1) سورة البقرة : الآية 238 .

(2) سورة المؤمنون : الآية 9 ـ 11 .

(3) بحار الأنوار : ج41 ص11 .

(4) سفينة البحار : ج6 ص387 .

(5) بحار الأنوار : ج48 ص100 ب39 الأحاديث .


332

نقل أحمد بن عبدالله عن أبيه قال : دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح فقال لي : أشرفْ على هذا البيت وانظر ما ترى ؟

فقلت : ثوباً مطروحاً .

فقال : انظر حسناً .

فتأمّلت فقلت : رجل ساجد .

فقال لي : تعرفه ؟ هو موسى بن جعفر ، أتفقّده الليل والنهار ، فلم أجده في وقت من الأوقات إلاّ على هذه الحالة ، إنّه يصلّي الفجر فيعقّب إلى أن تطلع الشمس ، ثمّ يسجد سجدة ، فلا يزال ساجداً حتّى تزول الشمس ، وقد وكّل من يترصّد أوقات الصلاة ، فإذا أخبره وثب يصلّي من غير تجديد وضوء ، وهو دأبه ، فإذا صلّى العتمة أفطر ، ثمّ يجدّد الوضوء ثمّ يسجد ، فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتّى يطلع الفجر .

وقال بعض عيونه : كنت أسمعه كثيراً يقول في دعائه : « اللهمّ إنّك تعلم أنّني كنت أسألك أن تفرّغني ... » (1) .

ولقد شهد بسموّ عباداتهم حتّى غير شيعتهم ، كما تقدّم عن أبي الحديد في شرحه حيث قال في صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) :

وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على وِرده أن يُبسط له نطعٌ بين الصفّين ليلة الهرير ، فيصلّي عليه ورْدَه ، والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صِماخيه يميناً وشمالا ، فلا يرتاع لذلك ، ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته !

(1) بحار الأنوار : ج48 ص107 ب39 ح9 .


333

ثمّ قال : وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته ، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله ، وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته ، والخشوع لعزّته والاستخذاء له ، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وفهمت من أي قلب خرجت ، وعلى أي لسان جرت !

وقيل لعلي بن الحسين (عليه السلام) ـ وكان الغاية في العبادة : أين عبادتك من عبادة جدّك ؟

قال : « عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) » (1) .

فإقامة الصلاة وإتمام العبادات كانت بأهل بيت العصمة سلام الله عليهم كما في حديث الإمام الرضا (عليه السلام) :

« بالإمام تمام الصلاة والصيام والحجّ والجهاد ... » (2) .

وأهل البيت سلام الله عليهم قد أتمّوا الحجّة ، وأوضحوا المحجّة في بيان الحثّ على الصلوات ، والمحافظة عليها في جميع الأوقات ، والترغيب إليها في جميع المناسبات كما تشاهده في أحاديثهم الوافية (3) .

وقد بيّنوا حدود الصلاة وأبوابها وأحكامها بجميع سننها وآدابها .

وقد فسّر الشهيد الأوّل (قدس سره) حديث (إنّ للصلاة أربعة آلاف حدّ) بواجباتها ومندوبها ، فجعل أحكام الواجبات ألفاً وصنّف لها كتاب الألفية ، وجعل

(1) شرح نهج البلاغة : ج1 ص27 .

(2) الكافي : ج1 ص200 .

(3) بحار الأنوار : ج83 ص1 ب6 الأحاديث .


334

مندوباتها ثلاثة آلاف وصنّف لها كتاب النفليّة (1) .

فأهل البيت (عليهم السلام) هم الذين أقاموا الصلاة حقّ إقامتها ، بل علّموا وهذّبوا وأمروا الخلق بالصلاة التامّة الكاملة التي يلزم مراعاتها .

ويحسن التدبّر لذلك في مفصّل حديث حمّاد في هذا الباب قال : قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) يوماً : « تحسن أن تصلّي ياحمّاد ؟ قال :

قلت : ياسيّدي أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة .

قال : فقال (عليه السلام) : لا عليك قم صلّ .

قال : فقمت بين يديه متوجّهاً إلى القبلة فاستفتحت الصلاة ، وركعت ، وسجدت .

فقال (عليه السلام) : ياحمّاد لا تحسن أن تصلّي ، ما أقبح بالرجل (منكم) أن يأتي عليه ستّون سنة أو سبعون سنة ، فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامّة ؟!

قال حمّاد : فأصابني في نفسي الذلّ فقلت : جعلت فداك فعلّمني الصلاة .

فقام أبو عبدالله (عليه السلام) مستقبل القبلة ، منتصباً ، فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضمّ أصابعه ، وقرّب بين قدميه حتّى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات ، واستقبل بأصابع رجليه (جميعاً) لم يحرّفهما عن القبلة ، بخشوع واستكانة فقال : الله أكبر ، ثمّ قرأ الحمد بترتيل ، وقل هو الله أحد ، ثمّ صبر هنيئة بقدر ما تنفّس وهو قائم ، ثمّ قال : الله أكبر وهو قائم ، ثمّ ركع وملأ كفّيه من ركبتيه مفرّجات ، وردّ ركبتيه إلى خلفه حتّى استوى ظهره ، حتّى لو صبّت عليه قطرة ماء أو دهن

(1) سفينة البحار : ج1 ص43 .


335

وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ (1) لم تزل لاستواء ظهره وتردّد ركبتيه إلى خلفه ، ونصب عنقه ، وغمض عينيه ، ثمّ سبّح ثلاثاً بترتيل وقال : سبحان ربّي العظيم وبحمده ، ثمّ استوى قائماً ، فلمّا استمكن من القيام قال : سمع الله لمن حمده ، ثمّ كبّر وهو قائم ، ورفع يديه حيال وجهه ، وسجد ، ووضع يديه إلى الأرض قبل ركبتيه وقال : سبحان ربّي الأعلى وبحمده ثلاث مرّات ، ولم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه ، وسجد على ثمانية أعظم : الجبهة ، والكفّين ، وعيني الركبتين ، وأنامل إبهامي الرجلين ، والأنف ، فهذه السبعة فرض ، ووضع الأنف على الأرض سنّة وهو الإرغام ، ثمّ رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالساً قال : الله أكبر ، ثمّ قعد على جانبه الأيسر ، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى ، وقال : استغفر الله ربّي وأتوب إليه ، ثمّ كبّر وهو جالس ، وسجد الثانية وقال : كما قال في الاُولى ، ولم يستعِنْ بشيء من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود ، وكان مجنّحاً ، ولم يضع ذراعيه على الأرض ، فصلّى ركعتين على هذا .

ثمّ قال : ياحمّاد هكذا صلّ ، ولا تلتفت ، ولا تعبث بيديك وأصابعك ، ولا تبزق عن يمينك ولا (عن) يسارك ولا بين يديك » (1) .

(1) ـ الإيتاء هو البذل والإعطاء .

والزكاة جاءت لغةً بمعنى الطهارة وبمعنى النماء .

لأنّها إمّا مصدر زكّى بالتشديد بمعنى طَهَّرَ ، ومنه قوله تعالى : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ

(1) وسائل الشيعة : ج4 ص673 ب1 ح1 .


336

مَن زَكَّاهَا (1) أي طهّر نفسه ، أو مصدر زكى بالتخفيف بمعنى نَما ، ومنه قوله تعالى : ﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ (2) أي أنمى لكم .

والزكاة تناسب كلا المعنيين الطهارة والنمو ، فزكاة المال طهر للمال ، وزكاة الفطرة طهر للأبدان .

وكذلك زكاة المال تطهّر المال من الخبث فتكون بمعنى الطهارة ، وتستجلب البركة في المال فتكون بمعنى النموّ (3) .

وحكى صاحب الجواهر عن الشهيد الأول (قدس سرهما) معنىً ثالثاً للزكاة وهو العمل الصالح فإنّه قد تطلق عليه ، ثمّ أفاد أنّه لعلّ منه قوله تعالى : ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (4) (5) .

فتكون معاني الزكاة في اللغة ثلاثة : الطهارة ، والنماء ، والعمل الصالح .

هذا لغةً وأمّا إصطلاحاً فالمستفاد من تعاريف الفقهاء رضوان الله عليهم أنّ الزكاة : (اسم للصدقة المقدّرة بأصل الشرع ، المتعلّقة بالنصاب ، الثابتة في المال أو في الذمّة) .

وأهل البيت سلام الله عليهم آتوا الزكاة ، وأعطوا الصدقات الواجبة

(1) سورة الشمس : الآية 9 .

(2) سورة البقرة : الآية 232 .

(3) مجمع البحرين : مادّة زكا ص41 .

(4) سورة مريم : الآية 31 .

(5) جواهر الكلام : ج15 ص2 .


337

والمستحبّة ، بكلّ معنى الكلمة ، وبأكمل ما يمكن ، وبأسخى بذل يتصوّر .

وقد صنعوا المعروف ، وجادوا بكلّ خير ، وأحسنوا إلى كلّ ذي روح ، لا يريدون في قبال ذلك جزاءً ولا شكوراً ، فبارك الله لهم كثيراً وطهّرهم تطهيراً .

ويشهد بذلك تصفّح سيرتهم الغرّاء ، وحياتهم العلياء ، المليئة بالبذل السخيّ والعطاء الوافي ، لأنحاء الصدقات وأبرّ الخيرات ..

فإنّه يظهر ذلك بوضوح في أحوال جميعهم رسول الله وأمير المؤمنين ، وفاطمة سيّدة نساء العالمين ، وأولادهم الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين .

وقد اتّفق على هذا الفريقان ، واعترف بذلك المؤالف والمخالف .

قال المعتزلي في أمير المؤمنين (عليه السلام) :

وأمّا السخاء والجود فحاله فيه ظاهرة ، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده ، وفيه اُنزل : ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً (1) .

وروى المفسّرون أنّه لم يكن يملك إلاّ أربعة دراهم ، فتصدّق بدرهم ليلا وبدرهم نهاراً ، وبدرهم سرّاً وبدرهم علانية ، فاُنزل فيه : ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً (2) .

وروي عنه أنّه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة ، حتّى

(1) سورة الإنسان : الآية 8 ـ 9 .

(2) سورة البقرة : الآية 274 .


338

مَجَلَت (1) يده ، ويتصدّق بالاُجرة ، ويشدّ على بطنه حجراً .

وقال الشعبي وقد ذكره (عليه السلام) : كان أسخى الناس ، كان على الخُلُق الذي يحبّه الله : السخاء والجود ، ما قال : « لا » لسائل قطّ .

وقال عدوّه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمِحْقَن بن أبي محْقَن الضبي لمّا قال له : جئتك من عند أبخل الناس ، فقال : ويحك ! كيف تقول إنّه أبخل الناس ، لو مَلَك بيتاً من تِبْر وبيتاً من تِبْن لأنفد تبره قبل تبنه .

وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلّي فيها . وهو الذي قال : « ياصفراء ، ويابيضاء ، غرّي غيري ، وهو الذي لم يخلِّف ميراثاً ، وكانت الدنيا كلّها بيده إلاّ ما كان من الشام » (2) .

وتلاحظ إنفاقهم الزكوات وبذلهم الخيرات ، وشيمتهم السخيّة ، ومكارمهم الزكيّة في أحاديثنا الشريفة في أبواب صدقاتهم وإنفاقاتهم (3) .

وقد بذلوا كلّ ما لديهم من الله في سبيل الله حتّى نزل فيهم كتاب الله ، فإنّه نزل في أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله تعالى : ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّة بِرَبْوَة أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا

(1) مجلت يده : أي ثخن جلده وتعجّر وظهر فيه ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة .

(2) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي : ج1 ص21 .

(3) بحار الأنوار : ج36 ص59 ب36 ح1 ـ 3 ، وج41 ص24 ب103 ، وج42 ص71 ب119 ، وسائل الشيعة : ج6 ص284 ب19 ح1 و3 و5 ، وص319 ب39 ح2 و3 .


339

ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (1) (2) .

ونزل فيه قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (3) .

ونزل فيهم (عليهم السلام) قوله تعالى : ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (4) (5) .

وسجّل شيخ الإسلام المجلسي المصادر من الفريقين فيما أوقفه أمير المؤمنين (عليه السلام) من أمواله بخيبر ، ووادي القرى ، وأبي نيزر ، والبغيبغة ، وأرباح ، واُدينة ، ورغد ، ورزين ، ورياح .

ثمّ ما أوقفه من مساجده ، وآباره ، ونخيله ، وأنّه كانت غلّته أربعين ألف دينار ، جعلها صدقة ..

وإنّه كان يدعو اليتامى فيطعمهم العسل ، حتّى قال بعض أصحابه : لوددت أنّي كنت يتيماً ..

وأنّه كان مثالا للجود والعطاء حتّى نزل فيه قوله تعالى في سورة الليل : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (6) .

(1) سورة البقرة : الآية 265 .

(2) تفسير العياشي : ج1 ص148 .

(3) سورة البقرة : الآية 274 .

(4) سورة الحشر : الآية 9 .

(5) كنز الدقائق : ج13 ص175 .

(6) سورة الليل : الآية 5 ـ 7 .


340

كما تلاحظه في حديث فرات الكوفي بسنده عن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) قال : « كان رجل مؤمن على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) في دار حديقة ، وله جار له صِبية ، فكان يتساقط الرطب من النخلة فينشدون صبيته يأكلونه ، فيأتي الموسر فيخرج الرطب من جوف أفواه الصبية .

وشكا الرجل ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، فأقبل وحده إلى الرجل فقال : بعني حديقتك هذه بحديقة في الجنّة .

فقال له الموسر : لا أبيعك عاجلا بآجل !

فبكى النبي (صلى الله عليه وآله) ورجع نحو المسجد ، فلقيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له : يارسول الله ما يبكيك لا أبكى الله عينيك ؟ فأخبره خبر الرجل الضعيف والحديقة .

فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى استخرجه من منزله وقال له : بعني دارك .

قال الموسر : بحائطك الحسنيّ .

فصفق علي يده ، ودار إلى الضعيف فقال له : تحوّل إلى دارك فقد ملّكها الله ربّ العالمين لك .

وأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ونزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له : يامحمّد اقرأ : ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالاُْنْثَى (1) إلى آخر السورة ، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وقبّل بين عينيه ، ثمّ قال : بأبي أنت قد أنزل

(1) سورة الليل : الآية 1 ـ 3 إقرأها إلى آخرها .


341

وَاَمَرْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ (1) الله فيك هذه السورة الكاملة » (1) .

(1) ـ الأمر بالشيء : الدعوة إلى ذلك الشيء ، والحثّ على إتيانه .

والمعروف : اسم جامع لكلّ ما عُرف من طاعة الله تعالى ، والإحسان إلى الناس ، والمندوبات في الشرع ، والأفعال الحسنة الراجحة .

وهو يشمل الواجبات والمستحبّات ، فيكون الأمر بالواجب واجباً والأمر بالمستحبّ مستحبّاً ، كما صرّح به كثير من الفقهاء .

والنهي عن الشيء : الزجر عن ذلك ، والتحذير عن إتيانه .

والمنكر : ضدّ المعروف ، وهو كلّما قبّحه الشارع ، ولذلك ذكروا أنّه يكون فرض النهي عن المنكر في المحرّمات فقط .

لكن أفاد بعض الفقهاء عمومية المنكر وشموله للمحرّمات والمكروهات ، فان كان الشيء محرّماً كان النهي عنه واجباً ، وإن كان مكروهاً كان النهي عنه محبوباً .

وقد وقع شرعاً النهي عن المكروهات أيضاً فيما تلاحظه في حديث مناهي النبي (صلى الله عليه وآله) (2) .

كما نُهي عن الذنوب وبُيّن آثارها في حديث الإمام السجّاد (عليه السلام) (3) واُحصيت الكبائر الأربعين المنهيّة ، في الكتب المفصّلة الفقهية ، مثل مفتاح

(1) بحار الأنوار : ج41 ص37 ب102 ح15 .

(2) بحار الأنوار : ج76 ص359 ب67 ح30 .

(3) وسائل الشيعة : ج11 ص519 ب41 ح8 .


342

الكرامة للسيّد العاملي (قدس سره) فلاحظ (1) .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الأساسية في الشريعة المقدّسة .

وقد أمر الله تعالى بهما في قوله تعالى : ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (2) .

وتظافرت بهما السنّة الشريفة كما تجده في الأحاديث (3) .

وقام عليهما إجماع المسلمين ، وحكم العقل المستقلّ (4) .

فالأدلّة الأربعة محقّقة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وأهل البيت سلام الله عليهم خير من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وهدى بأمر الله ، وبذل كلّ غال ونفيس في سبيل إقامة الحقّ وتشييد العدل .

ففي حديث حمران ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ : ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (5) .

قال : « هم الأئمّة » (6) .

وفي حديث أبي حمزة عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ : ﴿ كُنْتُمْ

(1) مفتاح الكرامة : ج3 ص59 .

(2) سورة آل عمران : الآية 104 .

(3) بحار الأنوار : ج100 ص68 ب1 الأحاديث التسعة والتسعون .

(4) جواهر الكلام : ج21 ص358 .

(5) سورة الأعراف : الآية 181 .

(6) بحار الأنوار : ج24 ص144 ب45 ح5 .


343

وَجاهَدْتُمْ فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ (1) خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (1) .

قال : « نحن هم » (2) .

فهم (عليهم السلام) خير من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر .

وكانت هذه سيرتهم وسنّتهم في مدى حياتهم .

وقد تجلّت هذه المنقبة بأسمى معانيها في عاشوراء الإمام الحسين (عليه السلام) ، حيث كانت شهادته وخروجه إليها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب الإصلاح في دين جدّه (صلى الله عليه وآله) كما في الوصيّة المروية عنه (عليه السلام) (3) .

وفي نسخة الكفعمي بعد هذه الفقرة : « وجادلتم بالتي هي أحسن » .

(1) ـ الجهاد بكسر الجيم : مأخوذ في اللغة من الجهد بالفتح بمعنى التعب والمشقّة ، أو من الجُهد بالضمّ بمعنى الوسع والطاقة .

وفي الإصطلاح هو : بذل النفس وما يتوقّف عليه كالمال في محاربة المشركين أو الباغين ، على وجه مخصوص .

وبذل النفس والمال والوُسع في سبيل إعلاء كلمة الإسلام ، وإقامة شعائر الإيمان .

قال تعالى : ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ (4) .

وذكر في مجمع البيان : أنّ أكثر المفسّرين حملوا الجهاد هيهنا على ‌

(1) سورة آل عمران : الآية 110 .

(2) بحار الأنوار : ج24 ص155 ب46 ح8 .

(3) بحار الأنوار : ج44 ص329 .

(4) سورة الحجّ : الآية 78 .


344

جميع أعمال الطاعات ، وقالوا : حقّ الجهاد أن يكون بنيّة صادقة خالصة لله تعالى (1) .

وفي الأنوار فسّر حقّ الجهاد بالجهاد لساناً وجَناناً وأركاناً (2) .

وأهل البيت سلام الله عليهم أتمّ المصاديق ، وأكمل مورد حقيق للجهاد في الله عزّ إسمه ، كما يشهد به حياتهم الغرّاء وسيرتهم العلياء .

وهم المعنيّون بهذه الآية الشريفة كما تلاحظه في حديث الإمام الباقر (عليه السلام) الوارد في تفسيرها (3) .

وللنموذج إقرأ جهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي شهد به الفريقان .

ففي ما حكي عن المناقب : اجتمعت الاُمّة أنّ عليّاً كان المجاهد في سبيل الله ، والكاشف للكرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، المقدّم في سائر الغزوات ، وصاحب الراية ... وما رُئي أحد عمل في الجهاد ما عمل علي (عليه السلام) .

وقال سفيان الثوري : كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) كالجبل بين المسلمين والمشركين ، أعزّ الله به المسلمين ، وأذلّ به المشركين (4) .

وقال ابن أبي الحديد : (وأمّا الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوّه أنّه سيّد المجاهدين ، وهل الجهاد لأحد من الناس إلاّ له) (5) .

(1) مجمع البيان : ج7 ص97 .

(2) الأنوار اللامعة : ص131 .

(3) تفسير البرهان : ج2 ص716 .

(4) لاحظ بحار الأنوار : ج41 ص60 ـ 62 .

(5) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : ج1 ص24 .


345

حَتّى اَعْلَنْتُمْ دَعْوَتَهُ (1) وَبَيَّنْتُمْ فَرائِضَهُ (2) ولا يخفى على مسلم مدى جهاد سلالته الطيّبة وريحانته الطاهرة الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء الذي أحيا به السنّة وأقام به القرآن كما تلاحظه في زيارة الناحية المباركة (1) .

وقد واصلوا (عليهم السلام) جهادهم وجهدهم حتّى تحقّقت الغايات التالية في هذه الزيارة الشريفة ، يعني الفقرات الآتية : « حتّى أعلنتم دعوته ... » .

(1) ـ العلانية : خلاف السرّ ، والإعلان هو النشر والإظهار .

وأعلنتم دعوته : أي أظهرتم ونشرتم دعوة الله الحقّة بين الناس ، وبعلانية الدعوة حصل للناس العلم والمعرفة ، وتمّ البيان والحجّة .

ودعوة الله التي أعلنوها هي دعوته تعالى خلقه إلى معرفته ومعرفة أوليائه وعبادته ، وسنّته وفرائضه ، وأوامره ونواهيه .

وهي دعوة إلى أسباب السعادة ، ودعوة إلى الجنّة ، ودعوة إلى الحياة الأبدية كما نطق به الكتاب الكريم في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (2) (3) .

وكلّ ما أعلنه أهل البيت (عليهم السلام) هي دعوة الله تعالى ، إذ هم خلفاء رسول الله فهم الدعاة إلى الله .

وفي نسخة الكفعمي زيادة : « وقمعتم عدوّه ، وأظهرتم دينه » .

(2) ـ التبيين : إظهار الشيء وتمييزه بحيث لا يشتبه بغيره ، من البيان بمعنى

(1) تحفة الزائر : ص277 .

(2) سورة الأنفال : الآية 24 .

(3) كنز الدقائق : ج5 ص315 .


346

وَاَقَمْتُمْ حُدُودَهُ (1) الوضوح والإنكشاف .

أي أوضحتم فرائض الله تعالى .

وفرائض الله تعالى هي واجباته المفروضة ، أو أحكامه بنحو عام .

وفي الشموس الطالعة : (إنّ الفرائض هي ما بيّن الله وجوبه في كتابه كالصلاة والصوم والحجّ والجهاد ...) (1) .

وأهل البيت سلام الله عليهم هم أوصياء النبي الأعظم ، والخلفاء على الدين الأقوم ، والمخبرون عن الأنبياء ، وموضّحوا الشريعة الغرّاء ، فيكونون قد بيّنوا فرائض الله تعالى بدليل الوجدان ومشاهدة العيان ، كما سيأتي في فقرة « ونشرتم أحكامه » .

وفي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : « حتّى كان أبو جعفر ففتح لهم وبيّن لهم مناسك حجّهم وحلالهم وحرامهم ... » (2) .

(1) ـ إقامة الشيء : تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ وإنحراف ، والمواظبة عليه ، والتشمير لأدائه من غير فتور ولا توان (3) .

والحدود : جمع حدّ ، وحدّ الشيء هو ما يتميّز به الشيء عمّا سواه .

ولكلّ شيء من اُمور الدين حدّ كما في أحاديثه (4) .

وحدود الله تعالى أحكامه ، وسمّيت حدوداً لأنّها كالحدود المضروبة

(1) الشموس الطالعة : ص302 .

(2) بحار الأنوار : ج68 ص337 ب27 ح11 .

(3) مجمع البحرين : ص532 .

(4) بحار الأنوار : ج2 ص170 ب22 الأحاديث .


347

وَنَشَرْتُمْ شَرايعَ اَحْكامِهِ (1) للمكلّفين ، لا يجوز لهم أن يتجاوزوها (1) .

ومن حدود الله تعالى المناهي الشرعية والممنوعات ، والتأديبات المقرّرة على الجنايات .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم الذين أقاموا حدود الله تعالى حقّ الإقامة ، وبيّنوها وعلّموها في كلّ زمان بحسبه ، وللأزمنة الآتية تلوه ، كما تلاحظه في سيرتهم الشريفة .

فجميع ما جاء في الحدود الشرعية بمعناها العام والخاصّ ، فإنّما هو منهم سلام الله عليهم ، خصوصاً سيّدهم أمير المؤمنين (عليه السلام) ، الذي تلاحظ إقامته الحدود الشرعية الحقّة في أصعب الموارد القضائية بما علّمه الله تعالى من العلم والحكمة ، كما تصل إليه وجداناً في باب قضاياه سلام الله عليه (2) .

أقام حدود الله من دون أن تأخذه لومة لائم أو تضييع حقّ ، حتّى ذكر ابن دأب في كتابه أنّه أحجم الناس عن إقامة الحدّ عن غير واحد من أهل الشرف ، والنباهة ، وأقدم هو (عليه السلام) بإقامة الحدود عليهم ، فهل سمع أحد أنّ شريفاً أقام عليه أحد حدّاً غيره) (3) .

(1) ـ النشر : مأخوذ من نشرت الخبر أي أذعته ، وانتشر الخبر أي ذاع .

والشرائع : جمع شريعة ، وهي في الأصل اللغوي بمعنى مورد الناس للاستقاء ، سمّيت بذلك شريعة الإسلام المقدّسة التي هي المورد الصافي

(1) مجمع البحرين : ص202 .

(2) بحار الأنوار : ج40 ص218 ب97 الأحاديث .

(3) لاحظ الإختصاص : ص159 .


348

والمنهل العذب للعلم والحكمة .

وشريعة الإسلام هي ما شرّع الله تعالى وافترضه على الناس .

وإضافة الشرائع إلى الأحكام بيانيّة ، أي نشرتم الشرائع التي هي أحكام الله عزّوجلّ .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم المعدن الفيّاض لنشر الأحكام الإلهية ، والأدلّة الدينية ، وفي زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) : « وأقمت أحكام الله » (1) .

وقد سارت بعلومهم الركبان ، وعمّ ذكرهم كلّ إنسان .

كما تربّى عندهم جيل كبير من الرواة العلماء ، وأعاظم الفقهاء حتّى أحصى ذكر أصحابهم الرواة في رجال شيخ الطائفة فكانوا زهاء (8900) راوياً .

وقد تخرّج على يد الإمام الصادق (عليه السلام) ما يقارب (4000) من الرواة ، وكتب من مسائله المروية عنه أربعمائة مصنَّف (2) .

وأمّا ما كتب من الروايات عن جميع المعصومين (عليهم السلام) فقد قال المحدّث الحرّ العاملي : إنّ ما نقلوا عنه الأحاديث ، وذكرت في كتب الرجال يزيد على (6600) كتاباً كما أحصيناه (3) .

ومن تلك الكتب أربعمائة كتاب ، اُصول معروفة بالاُصول الأربعمائة لأربعمائة مصنِّف (4) .

(1) بحار الأنوار : ج100 ص279 ب4 ح15 .

(2) المعتبر : ص5 .

(3) وسائل الشيعة : ج20 ص49 .

(4) الذكرى : ص6 .


349

وَسَنَنْتُمْ سُنَّتَهُ (1) ومن تلك الاُصول اختيرت أحاديث الكتب الأربعة الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار بأحاديثها الوفيرة (1) .

مضافاً إلى كتاب مدينة العلم المشتمل على أحاديث كثيرة ، وهو أكبر من الفقيه (2) .

بالإضافة إلى كتب الحديث الاُخرى المحرّرة بعدها ، مثل :

بحار الأنوار ، وعوالم العلوم ، والوسائل ، والمستدرك ، والوافي ، وجامع الأحكام وغيرها ، ممّا هي دلائل حيّة وشواهد صادقة على أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين نشروا الشرائع الإلهية والأحكام الربّانية .

وفي نسخة الكفعمي بدل هذه الفقرة : « وشرّعتم أحكامه » .

(1) ـ أي بيّنتم سنّة الله عزّوجلّ ، وسلكتم طريقه .

والسنّة وجمعها سنن مثل غرفة وغُرف : هي في اللغة بمعنى الطريقة والسيرة .

وفي الصناعة والإصطلاح : هي طريقة النبي (صلى الله عليه وآله) قولا وفعلا وتقريراً (3) .

فسنّة الله تعالى هي سنّة الرسول ، وسنّة الرسول هي سنّة أهل البيت (عليهم السلام) . وقد جاهدوا حقّ الجهاد حتّى أدّوا غاية الأداء سنّة الله وطريقه ، وأمروا بمتابعتها وأوصوا بإتّباعها كما تلاحظه في أحاديثهم الغرّاء ; خصوصاً في رسالة الإمام الصادق (عليه السلام) إلى جماعة الشيعة ، المشتملة على أهمّ الوصايا التي ينبغي

(1) تأسيس الشيعة : ص288 ، ولنا تفصيل بيان لذلك في الفوائد الرجالية : ص28 .

(2) الفهرست : ص185 .

(3) مجمع البحرين : ص561 .


350

تعاهدها ، وأنفع السنن التي ينبغي التزامها .

والحديث هذا رواه ثقة الإسلام الكليني بأسانيد ثلاثة عن الإمام أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) في الروضة وممّا جاء فيه من مضامينه العالية :

قوله (عليه السلام) : « واتّبعوا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنّته فخذوا بها ولا تتّبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلّوا ، فإنّ أضلّ الناس عند الله من اتّبع هواه ورأيه بغير هدى من الله ، وأحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم ، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ، وجاملوا الناس ولا تحمّلوهم على رقابكم ، تجمعوا (1) مع ذلك طاعة ربّكم . وإيّاكم وسبّ أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبّوا الله عَدْواً بغير علم ، وقد ينبغي لكم أن تعلموا حدّ سبّهم لله كيف هو ؟ إنّه من سبّ أولياء الله فقد انتهك سبّ الله ، ومن أظلم عند الله ممّن استسبّ لله ولأولياء الله ، فمهلا مهلا فاتّبعوا أمر الله ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله » .

وقال : « أيّتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم : عليكم بآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنّته وآثار الأئمّة الهداة من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده وسنّتهم ، فإنّه من أخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضلّ ، لأنّهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم ، وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله) : المداومة على العمل في اتّباع الآثار والسنن وإن قلّ أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الإجتهاد في البدع واتّباع الأهواء ، ألا إنّ اتّباع الأهواء واتّباع البدع بغير هدى من الله ضلال ،

(1) جواب للأمر أي أنّكم إذا جاملتم الناس عشتم مع الأمن وعدم حمل الناس على رقابكم بالعمل بطاعة ربّكم فيما أمركم به من التقيّة .


351

وكلّ ضلالة بدعة ، وكلّ بدعة في النار .

ولن ينال شيء من الخير عند الله إلاّ بطاعته والصبر والرضا ، لأنّ الصبر والرضا من طاعة الله ، واعلموا أنّه لن يؤمن عبد من عبيده حتّى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحبّ وكره ، ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلاّ ما هو أهله وهو خير له ممّا أحبّ وكره ، وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وإيّاكم ...

وعليكم بحبّ المساكين المسلمين فإنّه من حقّرهم وتكبّر عليهم فقد زلّ عن دين الله والله له حاقر ماقت ، وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أمرني ربّي بحبّ المساكين المسلمين منهم ، واعلموا أنّ من حقّر أحداً من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقّرة حتّى يمقته الناس والله له أشدّ مقتاً ، فاتّقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين فإنّ لهم عليكم حقّاً أن تحبّوهم فإنّ الله أمر رسوله (صلى الله عليه وآله) بحبّهم ، فمن لم يحبّ مَن أمر الله بحبّه فقد عصى الله ورسوله ، ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين .

وإيّاكم والعظمة والكبر فإنّ الكبر رداء الله عزّوجلّ ، فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذلّه يوم القيامة .

وإيّاكم أن يبغي بعضكم على بعض فإنّها ليست من خصال الصالحين ، فإنّه من بغى صيّر الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بُغي عليه ، ومن نصره الله غلب وأصاب الظفر من الله .

وإيّاكم أن يحسد بعضكم بعضاً فإنّ الكفر أصله الحسد .


352

وإيّاكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم ويستجاب له فيكم ، فإنّ أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول : إنّ دعوة المسلم المظلوم مستجابة .

وليعن بعضكم بعضاً ، فإنّ أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول : إنّ معونة المسلم خير وأعظم أجراً من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام .

وإيّاكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بالشيء يكون لكم قِبَله وهو معسر فإنّ أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول : ليس لمسلم أن يعسر مسلماً ، ومن أنظر معسراً أظلّه الله بظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه .

وإيّاكم أيّتها العصابة المرحومة المفضّلة على مَن سواها وحبس حقوق الله قبلكم يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة ، فإنّه من عجّل حقوق الله قِبَله كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والآجل ، وإنّه من أخّر حقوق الله قِبَله كان الله أقدر على تأخير رزقه ، ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه ، فأدّوا إلى الله حقّ ما رزقكم يطيّب الله لكم بقيّته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الأضعاف الكثيرة التي لا يعلم عددها ولا كنه فضلها إلاّ الله ربّ العالمين » .

وقال (عليه السلام) : « واعلموا أيّتها العصابة أنّ السنّة من الله قد جرت في الصالحين قبل . وقال : من سرّه أن يلقى الله وهو مؤمن حقّاً فليتولّ الله ورسوله والذين آمنوا وليبرأ إلى الله من عدوّهم ويسلّم لما انتهى إليه من فضلهم ، لأنّ فضلهم لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك .

ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل أتباع الأئمّة الهداة وهم المؤمنون قال : ﴿ أُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ


353

وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً (1) فهذا وجه من وجوه فضل أتباع الأئمّة فكيف بهم وفضلهم .

ومن سرّه أن يتمّ الله له إيمانه حتّى يكون مؤمناً حقّاً حقّاً ] فليتّق [ الله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فإنه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمّة المؤمنين إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وإقراض الله قرضاً حسناً ، واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، فلم يبق شيء ممّا فسّر ممّا حرّم الله إلاّ وقد دخل في جملة قوله (2) ، فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصاً لله ولم يرخّص لنفسه في ترك شيء من هذا فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقّاً .

وإيّاكم والإصرار على شيء ممّا حرّم الله في ظهر القرآن وبطنه ، وقد قال الله تعالى : ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (3) » .

« ... ومن سرّه أن يعلم أنّ الله يحبّه فليعمل بطاعة الله وليتّبعنا ، ألم يسمع قول الله عزّوجلّ لنبيّه (صلى الله عليه وآله) : ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (4) ؟ والله لا يطيع الله عبدٌ أبداً إلاّ أدخل الله عليه في طاعته اتّباعنا .

ولا والله لا يتّبعنا عبد أبداً إلاّ أحبّه الله ، ولا والله لا يَدَع أحد اتّباعنا أبداً إلاّ أبغضنا ، ولا والله لا يبغضنا أحد أبداً إلاّ عصى الله ، ومن مات عاصياً لله أخزاه

(1) سورة النساء : الآية 69 .

(2) أي في الفواحش ، فقوله تعالى اجتناب الفواحش يشمل اجتناب جميع المحرّمات . وقوله : « فمن دان الله » أي عبد الله فيما بينه وبين ربّه أي مختفيّاً ولا ينظر إلى غيره ولا يلتفت إلى مَن سواه .

(3) سورة آل عمران : الآية 135 .

(4) سورة آل عمران : الآية 31 .


354

وَصِرْتُمْ فِي ذلَكَ مِنْهُ اِلَى الرِّضا (1) الله وأكبّه على وجهه في النار والحمد لله ربّ العالمين » (1) .

(1) ـ أي صرتم في الجهاد وفيما ذكر من الاُمور أي : بذل نفسكم ، وصبركم على ما أصابكم ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإعلان دعوة الله ، وبيان فرائضه ، وإقامة حدوده ، ونشر أحكامه ، وتبيين سنّته ، إلى الرضا ورضوان الله ، بحيث رضى الله عنكم ، ورضيتم عنه ، فبلغتم رضوان الله الذي هو أكبر ، قال تعالى في شأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وكانوا خير البريّة وهم آل محمّد (عليهم السلام) كما ورد في التفسير : ﴿ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (2) (3) .

ومقام الرضا هو من أعظم المقامات العالية التي ينالها الصدّيقون ، بل هو أعلى درجة اليقين ، بل هو الموجب لاستجابة الدعاء من قِبَل ربّ العالمين كما تلاحظه في الأحاديث مثل :

1 ـ حديث عمرو بن نهيك بيّاع الهروي قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : قال الله عزّوجلّ : « عبدي المؤمن لا أصرفه في شيء إلاّ جعلته خيراً له ، فليرض بقضائي وليصبر على بلائي ، وليشكر نعمائي ، أكتبه يامحمّد من الصدّيقين عندي » .

2 ـ حديث علي بن أسباط ، عمّن ذكره ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : لقي الحسن بن علي (عليهما السلام) عبدالله بن جعفر فقال : ياعبدالله ! « كيف يكون المؤمن

(1) روضة الكافي : ج8 ص2 ح1 .

(2) سورة البيّنة : الآية 8 .

(3) كنز الدقائق : ج14 ص381 .


355

مؤمناً وهو يسخط قسمه ويحقّر منزلته والحاكم عليه الله ، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلاّ الرضا أن يدعو الله فيستجاب له » .

3 ـ حديث ابن سنان ، عمّن ذكره ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قلت له : بأي شيء يُعلم المؤمن بأنّه مؤمن ؟

قال : « بالتسليم لله والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط » (1) .

ومقام الرضا هذا هو الداعي إلى محبوبية المخلوق عند ربّ العالمين ، بغاية الحبّ المتين كما تلاحظه في حديث حديقة الحكمة المنقول في السفينة جاء فيما أراده النبي موسى (عليه السلام) من الله تعالى :

أنّ موسى (عليه السلام) قال : « أرني أحبّ خلقك إليك وأكثرهم لك عبادة » .

فأمره الله تعالى أن ينتهي إلى قرية على ساحل بحر ، وأخبره أنّه يجده في مكان قد سمّاه له ، فوصل (عليه السلام) إلى ذلك المكان فوقع على رجل مجذوم مقعد أبرص يسبّح الله تعالى ، فقال موسى : ياجبرئيل أين الرجل الذي سألت ربّي أن يُريني إيّاه ؟

فقال جبرئيل : هو ياكليم الله هذا .

فقال : ياجبرئيل إنّي كنت اُحبّ أن أراه صوّاماً قوّاماً .

فقال جبرئيل : هذا أحبّ إلى الله تعالى وأعبد له من الصوّام والقوّام ، وقد اُمرت بإذهاب كريمتيه فاسمع ما يقول ، فأشار جبرئيل إلى عينيه فسالتا على خدّيه ، فقال : متّعتني بهما حيث شئت ، وسلبتني إيّاهما حيث شئت ، وأبقيت

(1) الكافي : ج2 ص60 باب الرضا بالقضاء الأحاديث 6 و11 و12 .


356

لي فيك طول الأمل يابارّ ياوصول .

فقال له موسى (عليه السلام) : ياعبد الله إنّي رجل مجاب الدعوة فإن أحببت أن أدعو لك تعالى يردّ عليك ما ذهب من جوارحك ويبريك من العلّة ، فعلت .

فقال (رحمة الله عليه) : لا اُريد شيئاً من ذلك ، اختياره لي أحبّ إليّ من اختياري لنفسي (وهذا هو الرضا المحض كما ترى) .

فقال له موسى : سمعتك تقول : يابارّ ياوصول ، ما هذا البرّ والصلة الواصلان إليك من ربّك ؟

فقال : ما أحد في هذا البلد يعرفه غيري ، أو قال يعبده .

فراح (عليه السلام) متعجّباً وقال : هذا أعبد أهل الدنيا » (1) .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم المثل الأعلى وأصحاب الدرجة القصوى في هذا المقام الأوفى .

ودليله ما عرفت من نطق الله تعالى به في آية الرضا المتقدّمة .

خصوصاً سيّدنا ومولانا الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) الذي هو التجلّي الأعظم لهذا المقام المكرّم ، مضافاً إلى أنّه رضى به المخالفون من أعدائه كما رضى به الموافقون من أوليائه .

ففي حديث البزنطي قال : قلت لأبي جعفر محمّد بن علي بن موسى (عليهم السلام) : إنّ قوماً من مخالفيكم يزعمون أنّ أباك إنّما سمّاه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده ؟

فقال (عليه السلام) : « كذبوا والله وفجروا ، بل الله تبارك وتعالى سمّاه بالرضا (عليه السلام)

(1) سفينة البحار : ج3 ص366 .


357

وَسَلَّمْتُمْ لَهُ الْقَضاءَ (1) لأنّه كان رضي لله عزّوجلّ في سمائه ، ورضي لرسوله والأئمّة بعده صلوات الله عليهم في أرضه .

قال : فقلت له : ألم يكن كلّ واحد من آبائك الماضين (عليهم السلام) رضي الله عزّوجلّ ولرسوله والأئمّة بعده (عليهم السلام) ؟

فقال : بلى .

فقلت : فلِمَ سمّي أبوك (عليه السلام) من بينهم الرضا ؟

قال : لأنّه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه ، ولم يكن ذلك لأحد من أبائه (عليهم السلام) فلذلك سمّي من بينهم الرضا (عليه السلام) » (1) .

وهو الإمام الرؤوف العطوف والرضيّ المرضي ، فعليه صلوات الله الربّ العلي .

(1) ـ أي أنّكم أهل البيت حيث صرتم إلى رضا الله تعالى في جميع أعمالكم سلّمتم له القضاء في جميع اُموركم ; فكنتم تسليماً لجميع ما قدّره الله لكم حتّى الشهادة التي كتبت عليكم كرامةً لشأنكم ، وتعليةً لدرجتكم ، وترفيعاً لمنزلتكم .

والتسليم هو : عدم الإعتراض بل الإنقياد ظاهراً وباطناً ، كما يستفاد من تفسيره الوارد عند قوله تعالى : ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (2) .

(1) بحار الأنوار : ج49 ص4 ب1 ح5 .

(2) سورة النساء : الآية 65 .


358

كما تلاحظه في كتب التفسير (1) .

والتسليم لله تعالى من أبرز الصفات الحسنة ، والملكات المستحسنة .

ففي الحديث السجّادي الشريف : « إنّ المراتب الرفيعة لا تُنال إلاّ بالتسليم لله عزّوجلّ » (2) .

ولقد بلغ أهل البيت (عليهم السلام) القمّة في هذا المقام ، فسلّموا أمرهم كاملا إلى الله ربّهم واطمأنّوا بما قدّره الله وقضاه عليهم في قيامهم وقعودهم .

ففي حديث ضريس الكنّاسي عن الإمام الباقر (عليه السلام) جاء فيه : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ـ وعنده اُناس من أصحابه ـ : « عجبت من قوم يتولّونا ويجعلونا أئمّة ويصفون أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثمّ يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم ، فينقصونا حقّنا ويعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسليم لأمرنا .

أترون أنّ الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ، ثمّ يُخفي عنهم أخبار السماوات والأرض ، ويقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينهم ؟!

فقال له حمران : جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر قيام علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله عزّ ذكره وما اُصيبوا من قتل الطواغيت إيّاهم والظفر بهم حتّى قُتلوا وغلبوا ؟

(1) كنز الدقائق : ج3 ص457 ، تفسير البرهان : ج1 ص240 .

(2) سفينة البحار : ج4 ص236 .


359

وَصَدَّقْتُمْ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ مَضى (1) فقال أبو جعفر (عليه السلام) : ياحمران ! إنّ الله تبارك وتعالى قد كان قدّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتّمه على سبيل الاختيار ثمّ أجراه .

فبتقدّم علم إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام علي والحسن والحسين (عليهم السلام) ، وبعلم صمت من صمت منّا ، ولو أنّهم ياحمران ! حيث نزل بهم ما نزل من أمر الله عزّوجلّ وإظهار الطواغيت عليهم سألوا الله عزّوجلّ أن يدفع عنهم ، وألحّوا عليه في طلب إزالة تلك الطواغيت ، وذهاب ملكهم إذاً لأجابهم ودفع ذلك عنهم ، ثمّ كان إنقضاء مدّة الطواغيت ، وذهاب ملكهم أسرع من سلك منظوم إنقطع فتبدّد .

وما كان ذلك الذي أصابهم ياحمران ! لذنب اقترفوه ، ولا لعقوبة معصية خالفوا الله فيها ، ولكن لمنازل وكرامة من الله ، أراد أن يبلغوها ، فلا تذهبنّ بك المذاهب فيهم » (1) .

ولقد أحسنوا في هدايتهم ، وصبروا في مصيبتهم ، وسلّموا الأمر لربّهم إلى حين شهادتهم ، لتتمّ الحجّة البالغة ، وليميّز الله الخبيث من الطيّب ، وليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة .

ولذلك ترى لهجة التسليم الكامل في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع تلك المصائب العظيمة التي تحمّلها في سبيل الله تعالى يقول : « شكراً لله على نعمائه ، وصبراً على بلائه ، وتسليماً ورضاً بقضائه » (2) .

(1) ـ يقال : صدّقه تصديقاً أي نسبه إلى الصدق ، واعترف بصدقه ، وحقّقه .

(1) الكافي : ج1 ص261 ح4 .

(2) بحار الأنوار : ج33 ص153 ب16 ح421 .


360

أي إنّكم أهل البيت صدّقتم رسل الله تعالى السابقين ، ورسالة أنبياءه الماضين .

ولو لم يكن تصديقهم (عليهم السلام) للمرسلين لم تعلم رسالة الأنبياء وأحوالهم وعددهم وسيرتهم وزهدهم وعبادتهم ومواعظهم ومكارمهم وصبرهم وسجاياهم وأحكامهم وشرائعهم .

مع طول الزمان ، وبُعد المكان ، وخيانة الأهواء المختلفة ، والأغراض المتخالفة ، وافتراءات أعدائهم ، وتحريفات رؤسائهم .

فبإخبار الله العلاّم أخبر أهل البيت الكرام بالرسالات الماضية ، وصدّقوا رسله السالفين ، وبيّنوا أنباء الأنبياء السابقين بالحقّ والصدق .

فكان لهم الحقّ العظيم على كلّ رسول كريم في استدامة حقيقتهم الإلهية وامتداد شخصيتهم الربّانية ، ولولاهم لشوّه الاُمم تأريخ الأنبياء حتّى شخصية أنبيائهم .

ولم يكن تصديق أهل البيت للأنبياء بالقول فقط ، بل صدّقوهم بالعمل أيضاً حيث كانوا النموذج الحي لعمل الأنبياء ، والمثل الأعلى لرسالات السماء ، والدليل الواضح على علم المرسلين وعبادتهم وزهدهم وعصمتهم ومعجزتهم وصبرهم وكرمهم وكلّ فضيلة ومكرمة عندهم .

وهذه منقبة خاصّة بأهل البيت النبوي سلام الله عليهم أجمعين .

قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (1) .

(1) سورة البقرة : الآية 101 .


361

وقال عزّ إسمه : ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (1) .

قال في كنز الدقائق في تفسيره أي : (رقيباً على سائر الكتب يحفظه عن التغيير ، ويشهد لها بالصحّة والثبات) (2) .

وقد أُثبت ذكر الكتب السماوية والشرائع الإلهية التي تبلغ (104) كتاب وصحيفة ، مع ذكر الأنبياء الكرام في أحاديثنا (3) .

وأهل البيت وسيّدهم الرسول الأعظم عليهم سلام الله آمنوا بتلك الكتب المقدّسة كلّها ، وصدّقوا جميع المرسلين ، وشهدوا بالإخلاص لجميع النبيين كما تلاحظه في حديث مناجاة موسى (عليه السلام) وهي مناجاة جميلة جليلة جاء فيها :

« اُوصيك ياموسى وصيّة الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم صاحب الأتان والبرنس والزيت والزيتون والمحراب (4) ، ومن بعده بصاحب

(1) سورة المائدة : الآية 48 .

(2) كنز الدقائق : ج4 ص132 .

(3) بحار الأنوار : ج11 ص32 ب1 ح24 و25 و28 .

(4) الأتان ـ بالفتح : الحمارة . والبرنس ـ بالضمّ ـ : قلنسوة طويلة وكان النسّاك يلبسونها في صدر الإسلام . والمراد بالزيتون والزيت : الثمرة لأنّه (عليه السلام) كان يأكلهما أو نزلتا له في المائدة من السماء ، أو المراد بالزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام كما ذكره الفيروزآبادي أي أعطاه الله بلاد الشام . وبالزيت الدهن الذي روي أنّه كان في بني إسرائيل وكان غليانها من علامات النبوّة . والمحراب لزومه وكثرة العبادة فيه . كما في مرآة العقول : ج25 ص92 .


362

فَالراغِبُ عَنْكُمْ مارِقٌ (1) الجمل الأحمر ، الطيّب الطاهر المطهّر ، فمَثله في كتابك أنّه مؤمن مهيمن على الكتب كلّها ، وأنّه راكع ساجد ، راغب ، راهب ، إخوانه المساكين وأنصاره قوم آخرون ويكون في زمانه أزل وزلزال وقتل ، وقلّة من المال ، إسمه أحمد ، محمّد الأمين من الباقين من ثلّة الأوّلين الماضين ، يؤمن بالكتب كلّها ، ويصدّق جميع المرسلين ويشهد بالإخلاص لجميع النبيين .

اُمّته مرحومة مباركة ما بقوا في الدين على حقائقه ، لهم ساعات موقّتات يؤدّون فيها الصلوات أداء العبد إلى سيّده نافلته ، فبه فصدّق ومنهاجه فاتّبع فإنّه أخوك .

ياموسى إنّه اُمّي ، وهو عبد صدق يبارك له فيما وضع يده عليه ويبارك عليه كذلك كان في علمي وكذلك خلقته ، به أفتح الساعة وباُمّته أختم مفاتيح الدنيا فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا إسمه ولا يخذلوه وإنّهم لفاعلون .

وحبّه لي حسنة ، فأنا معه وأنا من حزبه وهو من حزبي وحزبهم الغالبون ، فتمّت كلماتي لأظهرنّ دينه على الأديان كلّها ، ولاُعبدنّ بكلّ مكان ، ولاُنزلنّ عليه قرآناً فرقاناً شفاءاً لما في الصدور من نفث الشيطان ، فصلّ عليه يابن عمران فإنّي اُصلّي عليه وملائكتي » (1) .

(1) ـ الفاء تفريع ونتيجة لما تقدّم ، أي بعد ما ثبت أنّكم الأئمّة الراشدون

(1) روضة الكافي : ج8 ص43 ح8 .


363

المهديّون المعصومون ـ إلى آخره ـ يكون الراغب عنكم أي المعرض عنكم مارقٌ ، أي خارج عن دين الله .

يقال : رَغِبَ عن الشيء أي : أعرض عنه وزهد فيه ولم يُردْه ، بخلاف الرغبة فيه .

ويقال : مَرَقَ من الدين أي : خرج منه وتجاوزه وتعدّى عنه ، مأخوذ من مرق السهم عن القوس أي تجاوز عنه بغير مهلة ، فمن أعرض عن أهل البيت (عليهم السلام)كان خارجاً عن الدين ، وضالا عن شريعة سيّد المرسلين ، وداخلا في حزب الشيطان اللعين ، ومعدوداً من الكافرين .

بأي وجه من وجوه الاعراض عنهم سواء بمعاداتهم ، أو ردّ قولهم ، أو تصغير قدرهم ، أو إنكار فضائلهم ، أو جحود ولايتهم ، أو صرف وجوه الناس عنهم ، أو تقديم غيرهم عليهم ، أو الحرب معهم .

وقد تواترت بذلك الأحاديث الشريفة من الخاصّة والعامّة من ذلك :

1 ـ حديث ابن عباس قال : قلت للنبي (صلى الله عليه وآله) : أوصني .

قال : « عليك بمودّة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً لا يقبل الله من عبد حسنة حتّى يسأله عن حبّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وهو تعالى أعلم ، فإن جاءه بولايته قبل عمله على ما كان منه ، وإن لم يأت بولايته لم يسأله عن شيء ، ثمّ أمر به إلى النار .

يابن عبّاس والذي بعثني بالحقّ نبيّاً إنّ النار لأشدّ غضباً على مبغض علي (عليه السلام) منها على من زعم أن لله ولداً .


364

وَاللاّزِمُ لَكُمْ لاحِقٌ (1) يابن عبّاس لو أنّ الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين اجتمعوا على بغضه ولن يفعلوا لعذّبهم الله بالنار .

قلت : يارسول الله وهل يبغضه أحد ؟

قال : يابن عبّاس نعم يبغضه قوم يذكرون أنّهم من اُمّتي لم يجعل الله لهم في الإسلام نصيباً .

يابن عبّاس إنّ من علامة بغضهم له تفضيلهم من هو دونه عليه ، والذي بعثني بالحقّ ما بعث الله نبيّاً أكرم عليه منّي ، ولا أوصياء أكرم عليه من وصيّي علي .

قال ابن عبّاس : فلم أزل له كما أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأوصاني بمودّته ، وإنّه لأكبر عملي عندي » .

2 ـ حديث أنس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من ناصب عليّاً حارب الله ، ومن شكّ في علي فهو كافر » .

3 ـ حديث جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « التاركون ولاية علي (عليه السلام) ، المنكرون لفضله ، المظاهرون أعداءه ، خارجون عن الإسلام من مات منهم على ذلك » (1) .

(1) ـ يقال : لزم الشيء أي : اعتنقه ولازمه ، وثبت ودام عليه ولم يفارقه .

أي أنّ من لازمكم ، ولزم طريقتكم ، وقال بإمامتكم ، وأخذ بأقوالكم ،

(1) بحار الأنوار : ج27 ص218 ـ 238 ب10 الأحاديث 4 و44 و60 ، فهرس إحقاق الحقّ : ص487 مادّة كفر .


365

وتبع أعمالكم كان لاحقاً بكم في الدنيا والآخرة ، ومدركاً للدرجات العالية ، وواصلا إلى الحقّ والحقيقة .

وتدلّ عليه الأخبار المتظافرة مثل :

1 ـ حديث بشر بن غالب ، عن الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) قال : قال لي : « يابشر بن غالب من أحبّنا لا يحبّنا إلاّ لله جئنا نحن وهو كهاتين ـ وقدّر بين سبّابتيه ـ ، ومن أحبّنا لا يحبّنا إلاّ للدنيا فإنّه إذا قام قائم العدل وسع عدله البرّ والفاجر » .

2 ـ حديث جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « الروح والراحة والفلج والفلاح والنجاح والبركة والعفو والعافية والمعافاة والبشرى والنضرة والرضا والقرب والقرابة والنصر والظفر والتمكين والسرور والمحبّة من الله تبارك وتعالى على من أحبّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ووالاه ، وائتمّ به ، وأقرّ بفضله ، وتولّى الأوصياء من بعده .

وحقّ عليّ أن اُدخلهم في شفاعتي ، وحقّ على ربّي أن يستجيب لي فيهم ، وهم أتباعي ، ومن تبعني فإنّه منّي » .

3 ـ حديث الأنصاري ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من أحبّنا وانتحل محبّتنا أسكنه الله معنا ، وتلا هذه الآية : ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْق عِندَ مَلِيك مُّقْتَدِر (1) » (2) .

4 ـ حديث الشيخ الذي كان يحبّ أهل البيت (عليهم السلام) ويبغض أعدائهم ،

(1) سورة القمر : الآية 55 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ب4 ص90 ـ 129 الأحاديث 44 و52 و120 .


366

وَالْمُقَصِّرُ فِي حَقِّكُمْ زاهِقٌ (1) صرّح فيه الإمام السجّاد (عليه السلام) بقوله : « إن تمّت ترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ويثلج قلبك ، ويبرد فؤادك ، وتقرّ عينك ، وتستقبل بالروح والريحان ، مع الكرام الكاتبين » (1) .

وهذا مضافاً إلى أنّ ملازمة أهل البيت (عليهم السلام) هي السعادة العظمى التي توجب التفضّل منهم بملازمتهم لنا أيضاً وعدم مفارقتهم إيّانا ، كما في حديث إبراهيم بن أبي محمود ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) : « من لزمنا لزمناه » (2) .

والتوقيع الشريف الصادر من الإمام الحجّة (عليه السلام) للشيخ المفيد جاء فيه : « إنّا غير مهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء ، وإصطلمكم الأعداء ... » (3) .

(1) ـ التقصير في الشيء هو : التواني فيه .

والحقّ هو : كلّ شيء ثابت محقّق ذو حقيقة ، ضدّ الباطل الذي لا حقيقة له ولا ثبات فيه .

قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ (4) .

والزهوق هو : الهلاك والتلف ، من قولهم زَهَقَت نفسه أي خرجت روحه ، وزهق الباطل .

(1) روضة الكافي : ج8 ص76 ح30 .

(2) بحار الأنوار : ج2 ص115 ب16 ح11 .

(3) الإحتجاج : ج2 ص322 .

(4) سورة الحجّ : الآية 62 .


367

وَالْحَقُّ مَعَكُمْ وَفِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَاِلَيْكُمْ (1) أي اضمحلّ ، أي إنّ من قصّر في إمامتكم وولايتكم وحبّكم وطاعتكم ومتابعتكم ورتبتكم العالية وحقوقكم الراقية يكون من الهالكين المعذّبين .

فإنّ لأهل البيت (عليهم السلام) علينا حقوقاً شرعية ووظائف دينية يلزم علينا أداؤها والوفاء بها مثل : معرفتهم ، والإقرار بإمامتهم ، والتسليم لهم ، وموالاتهم ، والتبرّي من أعدائهم ، وإطاعتهم ، والرجوع إليهم ، والاستغاثة بهم ، وحبّهم ، ونصرتهم .

ذكرناها بأدلّتها تفصيلا في العقائد فلاحظ (1) .

وقد دلّت الأحاديث الشريفة أنّ المقصّر في حقّهم يكون من الهالكين ، من ذلك :

1 ـ حديث ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم من ادّعى إمامة من الله ليست له ، ومن جحد إماماً من الله ، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيباً » (2) .

2 ـ حديث الحلاّل قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : أخبرني عمّن عاندك ولم يعرف حقّك من ولد فاطمة هو وسائر الناس سواء في العقاب ؟

فقال : « كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول : عليهم ضعفا العقاب » (3) .

وفي نسخة الكفعمي : « والمقصّر عنكم زاهق » .

(1) ـ أي أنّ الحقّ والحقيقة منتسبة إليكم من جميع الجهات ، فهي دائماً معكم وفيكم ومنكم وإليكم .

فمعكم الحقّ ، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي وأهل بيته : أنّ الحقّ

(1) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص34 .

(2) الكافي : ج1 ص374 ح12 .

(3) الكافي : ج1 ص377 ح2 .


368

معهم حيث كانوا ، وأنّ علياً مع الحقّ والحقّ معه ، يدور حيثما دار .

كما تلاحظه في أحاديث الفريقين المتواترة من الخاصّة في عشرة أحاديث ، ومن العامّة في خمسة عشر حديثاً (1) .

وفيكم الحقّ ، أي في متابعتكم وإطاعتكم .

حيث قد أمرنا الله تعالى بذلك في مثل قوله عزّ إسمه : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ (2) المفسّرة بأهل البيت (عليهم السلام) في أحاديث الخاصّة والعامّة (3) .

ومنكم الحقّ ، فكلّ ما صدر منكم هو الحقّ ، وما لم يخرج منكم وخالفتموه هو باطل فإنّكم المتّصلون بوحي السماء والحقيقة العلياء .

كما تلاحظه في الأحاديث المتظافرة (4) .

وإليكم مرجع الحقّ ، فكل حقّ يكون في أيدي الناس يرجع إليكم ، ويؤخذ منكم ، أو مستنبط من كلامكم ، أو مستفاد من حكمتكم ، أو واصل إلى الخلق ببركتكم ، حتّى أنّ أعداءهم أخذوا ما حقّ في كلماتهم منهم (عليهم السلام) كما تلاحظه في أحوال البصري وغيره (5) . ويدلّ عليه معيّة الحقّ لهم ، ومعرفة الحقّ بهم .

(1) غاية المرام : ص539 ـ 542 ب45 و46 الأحاديث ، وفهرس إحقاق الحقّ : ص178، ومنها حديث شدّاد بن أوس ، فلاحظ .

(2) سورة النساء : الآية 59 .

(3) غاية المرام : ص263 ـ 265 ب58 و59 .

(4) الكافي : ج1 ص399 ح2 و3 و5 .

(5) سفينة البحار : ج2 ص207 .


369

وَاَنْتُمْ اَهْلُهُ وَمَعْدِنُهُ (1) (1) ـ أهل الرجل بمعنى أتباعه وأشياعه .

ومعدن الجوهر بمعنى محلّ استقرار الجوهر وإفاضته .

فمعنى هذه الفقرة الشريفة هو أنّكم أهل البيت سلام الله عليكم أهل الحقّ يعني أتباع الحقّ وأشياعه ، ومحلّ استقرار الحقّ وإفاضته .

حيث إنتهت إليكم العلوم الحقّة ، والمعالم الصادقة ، وصدر منكم كلّ حقّ وصدق ، وكنتم النموذج الكامل للحقائق ظاهراً وباطناً ، قولا وعملا .

فهم (عليهم السلام) المحور المركزي للحقّ ، يدور معهم الحقّ حيثما دار ، وهم المحك لمعرفة الحقّ عن الباطل .

وقد تواترت الأحاديث في ذلك من الفريقين (1) .

ونموذج ذلك قوله (صلى الله عليه وآله) : « فإنّهم مع الحقّ والحقّ معهم ، لا يفارقهم ولا يفارقونه » (2) .

وفي الحديث الجامع الذي رواه الحمويني في فرائد السمطين :

فقام زيد بن أرقم والبراء بن عازب وسلمان وأبو ذرّ والمقداد بن عمّار فقالوا : نشهد لقد حفظنا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قائم على المنبر وعلي (عليه السلام) إلى جنبه وهو يقول : « أيّها الناس إنّ الله عزّوجلّ أمرني أن أنصب لكم إمامكم والقائم فيكم بعدي ووصيي وخليفتي ، والذي فرض الله عزّوجلّ على المؤمنين في كتابه طاعته فقرنه بطاعته وطاعتي ، آمركم بولايته ، وإنّي راجعت ربّي خشية طعن

(1) غاية المرام : ص539 ، فهرس إحقاق الحقّ : ص178 .

(2) إحقاق الحقّ : ج9 ص479 ح77 .


370

وَمِيراثُ النُّبُوَّةِ عِنْدَكُمْ (1) أهل النفاق وتكذيبهم فأوعدني لتبلغنّها أو ليعذّبني .

أيّها الناس إنّ الله أمركم في كتابه بالصلاة فقد بيّنتها لكم ، والزكاة والصوم والحجّ فبيّنتها لكم وفسّرتها ، وأمركم بالولاية وإنّي اُشهدكم أنّها لهذا خاصّة ووضع يده على علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثمّ قال : لإبنيه بعده ثمّ للأوصياء من بعدهم من ولدهم ، لا يفارقون القرآن ولا يفارقهم القرآن حتّى يردوا علىّ حوضي .

أيّها الناس : قد بيّنت لكم مفزعكم بعدي وإمامكم ودليلكم وهاديكم وهو أخي علي بن أبي طالب ، وهو فيكم بمنزلتي فيكم ، فقلّدوه دينكم وأطيعوه في جميع اُموركم ، فإنّ عنده جميع ما علّمني الله من علمه وحكمته ، فسلوه وتعلّموا منه ومن أوصيائه بعده ، ولا تعلّموهم ، ولا تتقدّموهم ، ولا تخلّفوا عنهم ، فإنّهم مع الحقّ والحقّ معهم لا يزايلوه ولا يزايلهم » (1) .

(1) ـ الميراث : مفعالٌ من الإرث ، بمعنى ما يورث .

وفسّر بالقُنية التي تنتقل إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد ، وسمّي بذلك المنتقل عن الميّت ، فيقال للقُنية الموروثة : ميراث وإرث (2) .

وميراث النبوّة : هو الذي كان عند الأنبياء ووصل إلى خاتمهم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) .

وقد وصل مع مواريثه صلوات الله عليه وآله إلى أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)خلفاً بعد سلف .

فصار عندهم ميراث النبوّة ، لأنّهم كانوا الورثة المحقّين للأنبياء ، وقد ‌

(1) إحقاق الحقّ : ج5 ص36 ح63 .

(2) المفردات : ص518 .


371

اُوحي إلى الرسول الأكرم بجعلها عند أهل بيته الكرام (عليهم السلام) .

دلّ عليه حديث الثمالي ، عن الإمام السجّاد (عليه السلام) قال : قلت له : أسألك جعلت فداك عن ثلاث خصال أنفي عنّي فيه التقيّة ؟

قال : فقال : ذلك لك .

قلت : أسألك عن فلان وفلان ؟

قال : « فعليهما لعنة الله بلعناته كلّها ، ماتا والله هما كافران مشركان بالله العظيم .

ثمّ قلت : الأئمّة يحيون الموتى ويبرؤون الأكمه والأبرص ويمشون على الماء ؟

قال : ما أعطى الله نبيّاً شيئاً قطّ إلاّ وقد أعطاه محمّداً (صلى الله عليه وآله) ، وأعطاه ما لم يكن عندهم .

قلت : وكلّ ما كان عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد أعطاه أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟

قال : نعم ، ثمّ الحسن والحسين (عليهما السلام) ثمّ من بعد كلّ إمام إماماً إلى يوم القيامة ، مع الزيادة التي تحدث في كلّ سنة وفي كلّ شهر ، ثمّ قال : إي والله في كلّ ساعة » (1) .

وقد تقدّم بيانه ودليله في فقرة : « ورثة الأنبياء » .

وذكرنا هناك مفصّلا المواريث التي وصلت إليهم ، وهي موجودة الآن عند خاتمهم الإمام المهدي أرواحنا فداه ممّا نصّت عليها الأخبار الشريفة التي أشرنا إليها وإلى مؤدّاها فيما سبق فراجع .

(1) بصائر الدرجات : ص270 ب3 ح2 ، بحار الأنوار : ج27 ص29 ب13 ح1 .


372

وَاِيابُ الْخَلْقِ اِلَيْكُمْ (1) (1) ـ الإياب بكسر الهمزة : بمعنى الرجوع .

أي إنّ رجوع الخلق للحساب والشفاعة إليكم أهل البيت في الآخرة ، كما كان رجوعهم في اُمور دينهم وأحكام شرائعهم إليكم في الدنيا .

فهم المرجع والميزان في حساب الإنسان في يوم المعاد وبعث العباد ، كما يدلّ عليه النقل والعقل ممّا يأتي بيانه في الفقرة التالية .

وهم الشهداء على الخلق والعارفون بأعمال العباد كما ثبت بقوله تعالى : ﴿ لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (1) ، حيث فسّر الشهداء بأهل البيت (عليهم السلام) عند الخاصّة والعامّة (2) .

فيكون رجوع الخلق إلى من هم الشهداء على أعمالهم بشهادة الصدق ، ويدلّ على إياب الخلق إليهم (عليهم السلام) أخبار الباب ، ومنها :

حديث جابر ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال : « إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأوّلين والآخرين لفصل الخطاب دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا أمير المؤمنين (عليه السلام)فيُكسى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلّة خضراء تضيء ما بين المشرق والمغرب ، ويُكسى علي (عليه السلام) مثلها ، ويكسى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلّة وردية تضيء ما بين المشرق والمغرب ، ويكسى علي (عليه السلام) مثلها .

ثمّ يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس ، فنحن والله ندخل أهل الجنّة الجنّة ، وندخل أهل النار النار .

(1) سورة البقرة : الآية 143 .

(2) الكافي : ج1 ص190 ، شواهد التنزيل ، للحاكم الحسكاني : ج1 ص92 ، كما نقله في إحقاق الحقّ : ج1 ص553 .


373

وَحِسابُهُمْ عَلَيْكُمْ (1) ثمّ يدعى بالنبيين (عليهم السلام) فيقامون صفّين عند عرش الله عزّوجلّ حتّى نفرغ من حساب الناس .

فإذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار بعث الله تبارك وتعالى عليّاً فأنزلهم منازلهم في الجنّة وزوّجهم ، فعليٌّ والله الذي يزوّج أهل الجنّة في الجنّة ، وما ذلك إلى أحد غيره ، كرامة من الله عزّ ذكره له ، وفضلا فضّله به ، ومنّ به عليه .

وهو والله يدخل أهل النار النار ، وهو الذي يغلق على أهل الجنّة إذا دخلوا فيها أبوابها ، ويغلق على أهل النار إذا دخلوا فيها أبوابها ، لأنّ أبواب الجنّة إليه وأبواب النار إليه » (1) .

(1) ـ أي أنّ حساب الخلق يوم القيامة فيما لهم أو عليهم لإثابتهم أو معاقبتهم يكون عليكم أهل البيت ، وأنتم تتولّون الحساب من قبل الله تعالى الملك الحاكم العدل الرحيم ، وهذا ثابت عقلا ونقلا .

أمّا العقل : فلأنّ الله تعالى أعظم وأجلّ من أن يبرز للخلق ليحاسبهم بذاته المقدّسة ، بل لابدّ من نصب خليفة عنه في إيفاء الحساب في الآخرة ، كما كان خليفة منه في إبلاغ الأحكام وشرائع الأديان في الدنيا .

ولا شكّ في أنّ أهل البيت خلفاؤه وحججه على الخلق أجمعين ، فلهم الأولوية بأن يتولّوا حساب العالمين .

وأمّا النقل فقد ورد ذلك كتاباً وسنّة ، بالروايات المتواترة المبيّنة والمفسّرة بالبيان التالي :

(1) بحار الأنوار : ج27 ص316 ب9 ح14 .


374

أوّلا : قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم (1) .

وهي مفسّرة بأهل البيت (عليهم السلام) ويشعر به صيغة الجمع وعدم التعبير بالإفراد ، وتصرّح به أحاديث تفسيره في الكنز (2) .

ثانياً : وردت الأحاديث المتواترة المفيدة للعلم بذلك ، والتي هي حجّة في الإستدلال ، ومنها :

1 ـ حديث جابر الجعفي المتقدّم عن الإمام الباقر (عليه السلام) الذي ورد فيه : « فيدفع إلينا حساب الناس ، فنحن والله ندخل أهل الجنّة الجنّة ، وأهل النار النار » (3) .

2 ـ حديث سماعة ، عن الإمام الكاظم (عليه السلام) جاء فيه : كنت قاعداً مع أبي الحسن الأول (عليه السلام) والناس في الطواف في جوف الليل .

فقال : « ياسماعة إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم ، فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عزّوجلّ حتّمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك ، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوّضهم الله عزّوجلّ » (4) .

3 ـ حديث داود بن سليمان ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) ، عن آبائه الكرام (عليهم السلام) ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : « إذا كان يوم القيامة ولينا حساب شيعتنا ، فمن كانت مظلمته فيما بينه وبين الله عزّوجلّ حكمنا فيها فأجابنا ، ومن كانت مظلمته فيما

(1) سورة الغاشية : الآية 25 و26 .

(2) كنز الدقائق : ج14 ص258 ـ 263 .

(3) الكافي : ج8 ص159 ح154 .

(4) الكافي : ج8 ص162 ح167 .


375

بينه وبين الناس استوهبناها فوهبت لنا ، ومن كانت مظلمته بينه وبيننا كنّا أحقّ ممّن عفى وصفح » (1) .

4 ـ حديث عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إذا كان يوم القيامة وكّلنا الله بحساب شيعتنا ، فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا فهو لهم ، وما كان لنا فهو لهم ، ثمّ قرأ أبو عبدالله (عليه السلام) : ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم » (2) .

5 ـ حديث زيد الشحّام ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقال لي : « يازيد جدّد التوبة واحدث عبادة .

قال : قلت : نعيت إليّ نفسي ؟

قال : فقال لي : يازيد ما عندنا لك خير وأنت من شيعتنا ، إلينا الصراط وإلينا الميزان وإلينا حساب شيعتنا ، والله لأنّا لكم أرحم من أحدكم بنفسه .

يازيد كأنّي أنظر إليك في درجتك من الجنّة ورفيقك فيها الحارث بن المغيرة النصري » (3) .

6 ـ حديث القمّي ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « كلّ اُمّة يحاسبها إمام زمانها ، ويعرف الأئمّة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم ، وهو قوله : ﴿ وَعَلَى الاَْعْرَافِ رِجَالٌ (4) وهم الأئمّة يعرفون كلاًّ بسيماهم فيعطون أولياءهم كتابهم بيمينهم ، فيمرّون إلى الجنّة بغير حساب ، ويعطون أعداءهم كتابهم بشمالهم ،

(1) عيون الأخبار : ج2 ص57 ح213 .

(2) أمالي الشيخ الطوسي : ص406 ح911 .

(3) رجال الكشّي : ص286 .

(4) سورة الأعراف : الآية 45 .


376

فيمرّون إلى النار بغير حساب » (1) .

7 ـ حديث شرح الآيات الباهرة عن الإمام الباقر (عليه السلام) ، في قوله : ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم .

قال : « إذا كان يوم القيامة ، وكّلنا الله بحساب شيعتنا ، فما كان لله سألناه أن يهبه لنا ، فهو لهم ، وما كان لمخالفيهم فهو لهم ، وما كان لنا فهو لهم .

ثمّ قال : هم معنا حيث كنّا » (2) .

8 ـ حديثه الآخر عن جميل بن درّاج ، عن الإمام الكاظم (عليه السلام) جاء فيه : قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : اُحدّثهم بتفسير جابر ؟

قال : « لا تحدّث به السفلة فيذيعوه ، أما تقرأ : ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ؟

قلت : بلى .

قال : إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأوّلين والآخرين ولاّنا حساب شيعتنا ، فما كان بينهم وبين الله حكمنا على الله فيه فأجاز حكومتنا ، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم فوهبوه لنا ، وما كان بيننا وبينهم ، فنحن أحقّ من عفى وصفح » (3) .

9 ـ حديث صفوان الجمّال قال : دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقلت : جعلت فداك سمعتك تقول : « شيعتنا في الجنّة ، وفيهم أقوام مذنبون ، يركبون

(1) كنز الدقائق : ج14 ص260 .

(2) كنز الدقائق : ج14 ص261 .

(3) كنز الدقائق : ج14 ص261 .


377

وَفَصْلُ الْخِطابِ عِنْدَكُمْ (1)
الفواحش . ويأكلون أموال الناس ، ويشربون الخمور ويتمتّعون في دنياهم .

فقال (عليه السلام) : هم في الجنّة ، اعلم أنّ المؤمن من شيعتنا لا يخرج من الدنيا حتّى يبتلي بدَين أو بسقم أو بفقر ، فإن عفي عن هذا كلّه شدّد الله عليه في النزع عند خروج روحه حتّى يخرج من الدنيا ولا ذنب عليه .

قلت : فداك أبي واُمّي فمن يردّ المظالم ؟

قال : الله عزّوجلّ يجعل حساب الخلق إلى محمّد وعلي (عليهما السلام) فكلّ ما كان على شيعتنا حاسبناهم ممّا كان لنا من الحقّ في أموالهم ، وكلّ ما بينه وبين خالقه استوهبناه منه ، ولم نزل به حتّى ندخله الجنّة برحمة من الله ، وشفاعة من محمّد وعلي (عليهما السلام) » (1) .

10 ـ حديث قبيصة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم .

قال : « فينا ، قلت : إنّما أسألك عن التفسير ؟

قال : نعم ياقبيصة إذا كان يوم القيامة جعل الله حساب شيعتنا إلينا ، فما كان بينهم وبين الله استوهبه محمّد (صلى الله عليه وآله) من الله ، وما كان فيما بينهم وبين الناس من المظالم أدّاه محمّد (صلى الله عليه وآله) عنهم ، وما كان فيما بيننا وبينهم وهبناه لهم حتّى يدخلوا الجنّة بغير حساب » (2) .

(1) ـ الفصل في اللغة : إبانة أحد الشيئين من الآخر حتّى يكون بينهما فُرجة (3) .

(1) بحار الأنوار : ج68 ص114 ب18 ح33 .

(2) الأنوار اللامعة : ص137 ، ويوجد هذا الحديث في البحار : ج7 ص203 ب8 ح89 ، وص274 ب11 ح48 . ويرويه العلاّمة عن تفسير فرات بن إبراهيم .

(3) المفردات : ص380 .


378

والخطاب لغةً هو : توجيه الكلام نحو الغير للإفهام ، وقد ينقل إلى الكلام الموجّه (1) .

وفُسّر فصل الخطاب بالخطاب الفاصل بين الحقّ والباطل (2) .

فتكون إضافته من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي الخطاب الفصل ، نحو كريم الأب ، وطيّب النفس .

وقد ورد في الأخبار الشريفة أنّ الأئمّة (عليهم السلام) فصل الخطاب كما في تفسير فرات الكوفي عن الإمامين الباقرين (عليهما السلام) .

قالا : « نحن فصل الخطاب ودلالة الخير » (3) .

وقد ذكر في معنى فصل الخطاب معان عديدة هي :

1 ـ فصل الخصام والخصومة بتمييز الحقّ عن الباطل .

2 ـ الكلام المخلَص ـ الواضح ـ الذي ينبّه المخاطب على المقصود ، من غير التباس .

3 ـ الخطاب القصد يعني الذي ليس فيه اختصار مُخل ولا إشباع مملّ .

4 ـ معرفة جميع اللغات (4) .

5 ـ الحكم المخصوص في كلّ واقعة ، والجواب المُسكت للخصم في كلّ مسألة .

(1) مجمع البحرين : ص113 .

(2) الأنوار اللامعة : ص138 .

(3) مرآة الأنوار : ص176 .

(4) كنز الدقائق : ج11 ص212 .


379

6 ـ القرآن الكريم الذي فيه بيان الحوادث من ابتداء الخلق إلى يوم القيامة (1) .

وجميعها معان مناسبة للموضوع وتناسب أهل البيت (عليهم السلام) .

فقد اُعطوا معرفة جميع اللغات كما اُعطي النبي سليمان بن داود (عليهما السلام) بما فسّر من قوله تعالى : ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (2) ، كما يدلّ عليه حديث الهروي ، قال : كان الرضا (عليه السلام) يكلّم الناس بلغاتهم ، وكان والله أفصح الناس وأعلمهم بكلّ لسان ولغة .

فقلت له يوماً : يابن رسول الله إنّي لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها .

فقال : « ياأبا الصلت أنا حجّة الله على خلقه ، وما كان الله ليتّخذ حجّة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم ، أوَ ما بلغك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : « اُوتينا فصل الخطاب » فهل فصل الخطاب إلاّ معرفة اللغات » (3) .

واُعطوا (عليهم السلام) أيضاً غير ذلك من معاني الكلام الفصل كما يستفاد من إطلاق حديث المفضّل الجعفي عن الإمام الصادق (عليه السلام) .

قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « اُعطيت تسعاً لم يُعطها أحد قبلي سوى النبي (صلى الله عليه وآله) لقد فتحت لي السبل ، وعلمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب » (4) .

(1) بحار الأنوار : ج26 ص142 .

(2) سورة ص : الآية 20 .

(3) بحار الأنوار : ج49 ص87 ب6 ح3 .

(4) بحار الأنوار : ج26 ص141 ب9 ح14 .


380

وَآياتُ اللّهِ لَدَيْكُمْ (1) وقد فسّره العلاّمة المجلسي (قدس سره) بالخطاب الفاصل بين الحقّ والباطل ، والخطاب الواضح ، والخطاب المسكت .

(1) ـ الآيات جمع آية وهي : العلامات والعجائب (1) .

أي أنّ آيات الله تعالى عندكم أهل البيت .

وهذه الفقرة الشريفة تحتمل معان ثلاثة اتّصفوا بها (عليهم السلام) وهي :

1 ـ أنّ معرفة آيات الله تعالى القرآنية كاملة عندكم .

وذلك لأنّهم أهل الذكر ومنزل الوحي ، والعارفون ببطون القرآن والإستدلال به في الدين .

2 ـ إنّ الآيات الإعجازية التي اُعطيت للأنبياء عندكم أيضاً .

كما يدلّ عليه معاجزهم المذكورة في كتب الفريقين .

3 ـ أنّ مطلق براهين الله وآياته موجودة عندكم .

كما يشهد به إحتجاجاتهم وبياناتهم .

وفي الحديث الرضوي الشريف : « وقال في الأئمّة من أهل بيت نبيّه وعترته وذرّيته صلوات الله عليهم : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (2) .

وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّوجلّ لاُمور عباده شرح صدره لذلك ، وأودع

(1) مجمع البحرين : ص8 .

(2) سورة النساء : الآية 54 ـ 55 .


381

وَعَزائِمُهُ فِيكُمْ (1) قلبه ينابيع الحكمة ، وألهمه العلم إلهاماً ، فلم يعي بعده بجواب ، ولا يحير فيه عن الصواب » (1) .

(1) ـ العزائم جمع عزيمة ، وقد جاءت في اللغة بمعنى : إرادة الفعل والقطع عليه والجدّ فيه ، وجعل منه قوله تعالى : ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ (2) .

وجاءت أيضاً بمعنى المحافظة على ما اُمر ، وجعل منه قوله تعالى : ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (3) .

وبمعنى الفريضة مقابل الرخصة ومنه عزائم السجود أي ما فرض الله السجود فيها وهي السور الأربعة : الم تنزيل ، وحم السجدة ، والنجم ، واقرأ .

وبمعنى القسم والإقسام بشيء ومنه الدعاء على الأسد : « عزمت عليك بعزيمة الله وعزيمة محمّد وعزيمة سليمان بن داود وعزيمة أمير المؤمنين » .

هذا في اللغة ، وأمّا في هذه الفقرة الشريفة فقد فُسّرت عزائمه بما يلي :

1 ـ إنّ الجدّ والاجتهاد ، والاهتمام في التبليغ ، والمحافظة على ما اُمرتم به ، والصبر على المكاره ، والصدع بالحقّ ، وردت فيكم ، ووجبت عليكم .

2 ـ إنّ الفرائض اللازمة التي لم يرخص العباد في تركها مثل الاعتقاد بإمامتكم وولايتكم وعصمتكم قد وردت فيكم ، أي في شأنكم .

3 ـ إنّ معاني العزائم التي أقسم الله تعالى بها في القرآن الكريم كالشمس والقمر والضحى والتين والزيتون والبلد الأمين ونحوها إنّما هي فيكم ، فأنتم

(1) الكافي : ج1 ص202 .

(2) سورة آل عمران : الآية 159 .

(3) سورة طه : الآية 115 .


382

وَنُورُهُ وَبُرْهانُهُ عِنْدَكُمْ (1) المقصودون بها كما جاء في تفسيرها .

4 ـ إنّ السور العزائم في القرآن الكريم المشتملة على الآيات المادحة نزلت فيكم .

5 ـ إنّ قبول الفرائض والواجبات يكون بمتابعتكم وبوسيلتكم .

وكلّها معان مناسبة لشأنهم الإلهي ، ومقامهم الربّاني .

أمّا المعنى الأول : فلأنّهم الخلفاء الإلهيون وأوصياء الرسول الأمين ، وحجج ربّ العالمين .

وأمّا المعنى الثاني : فهو ثابت لركنية إمامتهم ، وقد مضى بيانه في دليل الإمامة والولاية والعصمة .

وأمّا المعنى الثالث والرابع : فلأنّهما وردا في تفسير تلك الآيات المباركات فلاحظ مثل تفسير البرهان .

وأمّا المعنى الخامس : فلما سيأتي بيانه تفصيلا واستدلالا في فقرة : « وبموالاتكم تقبل الطاعة المفترضة » فراجع .

(1) النور في اللغة هو : الضوء المنتشر ، الظاهر في نفسه والمظهر لغيره .

وفسّر هنا بالقرآن الكريم الذي هو نور مبين أنزله الله تعالى .

والبرهان في اللغة هي : الحجّة والبيان والدليل الصادق .

وفسّر بالقرآن الكريم أيضاً الذي هو حجّة على الخلق ، واحتجّ به أئمّة الحقّ ، وفسّر أيضاً بالمعجزات الباهرة .

قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ


383

وَاَمرُهُ اِلَيْكُمْ (1) نُوراً مُّبِيناً (1) .

ومن الواضح أنّ النور القرآني موجود عند أهل البيت (عليهم السلام) الذي نزل في بيتهم الكتاب .

وقد مرّ بيانه ودليله في فقرة : « وحملة كتاب الله » .

كما وأنّ الإحتجاج بالكتاب بالنحو الأتمّ عندهم .

وهو مشهود بوضوح في إحتجاجاتهم البهيّة وكلماتهم الدرّية والمعجزات الباهرة والدلائل الحقّة الظاهرة ، بل هم نور الله في السماوات والأرض ونور الزهراء (عليها السلام) أضاءت السماوات والأرض كما في الحديث (2) .

وهم برهان الله تعالى وآيته الباهرة كما في أحاديثنا الزاهرة (3) .

وفي نسخة الكفعمي : « ونوره معكم ، وبرهانه عندكم » .

(1) ـ يقال : الأمر إليك بمعنى أنّ الأمر مفوّض إليك كما بيّنه الشيخ الطبرسي في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَالاَْمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (4) (5) .

وأهل البيت (عليهم السلام) قد فُوّض إليهم أمر الله تعالى في الإمامة والولاية وبيان العلوم وإظهار الأحكام ، وهم لا يأمرون إلاّ بما يأمر الله ، ولا ينهون إلاّ عمّا ينهى الله ، ولا يبيّنون إلاّ ما يريد الله ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .

(1) سورة النساء : الآية 174 .

(2) الكافي : ج1 ص194 ح1 ، وبحار الأنوار : ج43 ص12 ب2 ح5 .

(3) الكافي : ج1 ص207 ح3 .

(4) سورة النمل : الآية 33 .

(5) مجمع البيان : ج7 ص220 .


384

وقد جعلهم الله تعالى تراجمة وحيه وأوعية مشيئته وحفظة علمه ، فيكون نطقهم عن الله ، وكلامهم من الله ، وسكوتهم بأمر الله .

فلا عجب في أن يُفوّض إليهم دين الله ، ويُجعل إليهم أمر الله .

وقد عقد ثقة الإسلام الكليني أعلى الله مقامه في اُصول الكافي بابين في هذا المعنى (1) .

أحدهما : في التفويض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأئمّة (عليهم السلام) في أمر الدين .

ثانيهما : في معرفتهم أولياءَهم والتفويض إليهم .

وذكر (قدس سره) الأحاديث المتظافرة في ذلك ومنها :

1 ـ حديث موسى بن أشيم قال : كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزّوجلّ فأخبره بها ، ثمّ دخل عليه داخلٌ فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأوّل ، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتّى كأنّ قلبي يُشرّح بالسكاكين ، فقلت في نفسي : تركت أبا قتادة بالشام لا يخطىء في الواو وشبهه وجئت إلى هذا ، يخطي هذا الخطأ كلّه ، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي ، فسكنت نفسي فعلمت أنّ ذلك منه تقيّة ، قال : ثمّ التفت إلي فقال لي :

« يابن أشيم إنّ الله عزّوجلّ فوّض إلى سليمان بن داود فقال : ﴿ هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب (2) .

(1) الكافي : ج1 ص265 ص438 .

(2) سورة ص : الآية 39 .


385

مَنْ والاكُمْ فَقَدْ والى اللّهَ (1) وفوّض إلى نبيّه (صلى الله عليه وآله) فقال : ﴿ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا (1) .

فما فوّض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد فوّضه إلينا » (2) .

2 ـ حديث الفضيل بن يسار قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر : « إنّ الله عزّوجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه ، فلمّا أكمل له الأدب قال : ﴿ إِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم (3) ثمّ فوّض إليه أمر الدين والاُمّة ليسوس عباده ، فقال عزّوجلّ : ﴿ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس ، لا يزلّ ولا يخطىء في شيء ممّا يسوس به الخلق ، فتأدّب بآداب الله ... » (4) .

3 ـ حديث عبدالله بن سليمان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سألته عن الإمام فوّض الله إليه كما فوّض إلى سليمان بن داود ؟ فقال : « نعم ... » (5) .

وفي نسخة الكفعمي : « وأمره نازل إليكم » .

(1) ـ والا : بمعنى تابَعَ ، والولاية بمعنى المتابعة .

والمتابعة لأهل البيت (عليهم السلام) متابعة لله تعالى ، والمعاداة معهم معاداة مع الله جلّ شأنه .

(1) سورة الحشر : الآية 7 .

(2) الكافي : ج1 ص265 ح2 .

(3) سورة القلم : الآية 4 .

(4) الكافي : ج1 ص266 ح4 .

(5) الكافي : ج1 ص438 ح3 .


386

وَمَنْ عاداكُمْ فَقَدْ عادَ اللّهَ ، وَمَنْ اَحَبَّكُمْ فَقَدْ اَحَبَّ اللّهَ ، وَمَنْ اَبْغَضَكُمْ فَقَدْ اَبْغَضَ اللّهَ ، وَمَنِ اعْتَصَمَ بِكُمْ فَقَدْ اعْتَصَمَ بِاللّهِ (1) ومحبّتهم محبّة لله المتعال ، والبغض لهم بغض لله العزيز .

والإعتصام والتمسّك بهم تمسّك بالله الكريم .

وذلك لأنّهم حجج الله تعالى وأولياؤه وخلفاؤه ومظاهر صفاته وأخلاقه ، والأدلاّء عليه والدعاة إليه .

وأمر الله تعالى بموالاتهم ومحبّتهم والتمسّك بهم ، ونهى عن معاداتهم وبغضهم .

فكانوا المظاهر الربّانية التامّة لطاعة الله وعصيانه ، وحبّه وبُغضه ، ومتابعته والمخالفة معه .

في حين أنّهم عباده ، وخلقه ، لكن عبادٌ مكرمون وخلق مصطفون .

(1) ـ المعنى واضح ، ويدلّ على ذلك آيات الكتاب الكريم ، وروايات الحجج المعصومين (عليهم السلام) المبيّنة لها فيما يلي :

1 ـ حديث ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ولاية علي بن أبي طالب ولاية الله عزّوجلّ ، وحبّه عبادة الله ، واتّباعه فريضة الله ، وأولياؤه أولياء الله ، وأعداؤه أعداء الله ، وحربه حرب الله ، وسلمه سلم الله عزّوجلّ » (1) .

2 ـ حديث حمزة بن بزيع ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ : ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ (2) .

(1) بحار الأنوار : ج38 ب57 ص31 ح9 .

(2) سورة الزخرف : الآية 55 .


387

فقال : « إنّ الله عزّوجلّ لا يأسف كأسفنا ولكنّه خَلَق أولياء لنفسه ، يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون ، فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه ، لأنّه جعلهم الدعاة إليه والأدلاّء عليه ، فلذلك صاروا كذلك ، وليس أنّ ذلك يصل ] إلى الله كما يصل [ إلى خلقه ، لكن هذا معنى ما قال من ذلك ، وقد قال : « من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها » .

وقال : ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ (1) .

وقال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (2) .

فكلّ هذا وشبهه على ما ذكرت لك ، وهكذا الرضا ، الغضب وغيرهما من الأشياء ممّا يشاكل ذلك » (3) .

3 ـ حديث زرارة ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : سألته عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (4) .

قال : « إنّ الله تعالى أعظم وأعزّ وأجلّ وأمنع من أن يُظلم ، ولكنّه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته ، حيث يقول : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا (5) يعني الأئمّة منّا » (6) .

(1) سورة النساء : الآية 80 .

(2) سورة الفتح : الآية 10 .

(3) الكافي : ج1 ص144 ح6 .

(4) سورة البقرة : الآية 57 .

(5) سورة المائدة : الآية 55 .

(6) الكافي : ج1 ص146 ح11 .


388

4) حديث جابر بن عبدالله الأنصاري ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّما فاطمة بضعة منّي فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله » (1) .

5 ـ حديث التفسير عن جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « آل محمّد (عليهم السلام) هم حبل الله الذي اُمر بالإعتصام به ، فقال : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا (2) » (3) .

فيلزم علينا ولايتهم وحبّهم والإعتصام بهم تحصيلا لولاية الله وحبّه والاعتصام به الموجبة للفوز في الدنيا والآخرة .

كما يلزم علينا الاجتناب عن معاداتهم وبغضهم والتفرّق عنهم الموجبة للهلاك في الدنيا والآخرة .

فهم أولياء اُمورنا وحجج ربّنا ، والذين جعلهم الله تعالى مصابيح هدايتنا ، وسفن نجاتنا .

إن التجأنا إليهم وتمسّكنا بهم كنّا من الناجين ، وإن تركناهم وتخلّفنا عنهم كنّا من الهالكين .

واتّضح من مظهريّة أهل البيت (عليهم السلام) لله تعالى أنّ من والاهم فقد والى الله عزّ إسمه ، ومن عاداهم كان معادياً لله تعالى ، وأنّ محبّهم محبّ لله العزيز ، ومبغضهم مبغض لله القهّار .

وإنّ المعتصم بهم معتصم بالمولى القدير ، فمن ترك الاعتصام بهم ترك

(1) بحار الأنوار : ج43 ص39 ب3 ح40 .

(2) سورة آل عمران : الآية 103 .

(3) كنز الدقائق : ج3 ص185 .


389

اَنْتُمُ الْسَّبِيلُ الأَعْظَمُ (1) الإعتصام بالله تعالى .

ثبّتنا الله تعالى على ولايتهم ومحبّتهم والإعتصام بهم ومودّتهم سلام الله عليهم .

وفي نسخة الكفعمي هنا زيادة : « أنتم يامواليّ نعم الموالي لعبيدهم » .

(1) ـ السبيل في اللغة بمعنى : الطريق ، وجمعه سُبل يعني طرق ..

والسبل التي يسلكها الناس مختلفة ، إلاّ أن السبيل الذي من سلكه نجا ومن تخلّف عنه هوى هو سبيل أهل البيت (عليهم السلام) ، وهو سبيل الله الحقّ ، وليس بعد الحقّ إلاّ الضلال .

لذلك كان ذلك السبيل الإلهي هو السبيل الأعظم ومسلكه هم آل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) .

فإنّهم سبيل الله الأعظم كما دلّت عليه الأدلّة الوفيرة من الكتاب الكريم والروايات الشريفة المفسِّرة مثل :

1 ـ حديث جابر ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : سئل عن قول الله : ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ (1) .

قال : أتدري ياجابر ما سبيل الله ؟

فقلت : لا والله إلاّ أن أسمعه منك .

قال : « سبيل الله علي (عليه السلام) وذرّيته ، فمن قُتل في ولايته قتل في سبيل

(1) سورة آل عمران : الآية 157 .


390

الله ، ومن مات في ولايته مات في سبيل الله ... الحديث » (1) .

2 ـ حديث الخطبة العلوية الشريفة الوسيلة :

« فأنا الذكر الذي عنه ضلّ ـ الشيطان ـ والسبيل الذي عنه مال ، والإيمان الذي به كفر ، والقرآن الذي إيّاه هجر ، والدين الذي به كذّب ، والصراط الذي عنه نكب » (2) .

3 ـ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (3) .

قال : « هذه نزلت في آل محمّد (صلى الله عليه وآله) وأشياعهم » (4) .

4 ـ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً في قوله تعالى : ﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (5) .

قال : « اتّبع سبيل محمّد وعلي (عليهما السلام) » (6) .

5 ـ حديث أسباط قال : كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) فسأله رجل عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِّلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُّقِيم (7) .

(1) كنز الدقائق : ج3 ص249 .

(2) روضة الكافي : ج8 ص28 .

(3) سورة العنكبوت : الآية 69 .

(4) بحار الأنوار : ج24 ص21 ح38 .

(5) سورة لقمان : الآية 15 .

(6) بحار الأنوار : ج24 ص21 ح39 .

(7) سورة الحجر : الآية 75 ـ 76 .


391

وَالْصِّراطُ الاَْقْوَمُ (1) قال : فقال : « نحن المتوسّمون والسبيل فينا مقيم » (1) .

واعلم أنّ هذه الفقرة الشريفة وإن كانت لم تذكر في نسخة الفقيه ، لكن ذكرت في عيون الأخبار وسائر المزارات .

(1) ـ الصراط في اللغة هو : الطريق ، ومنه سمّي الدين صراطاً لأنّه طريق إلى الله ، وكذلك سمّي صراط الآخرة الصراط لأنّه طريق إلى الجنّة .

والأقوم : تفضيل للقويم ، مأخوذ من الإستقامة بمعنى الثُبات والتمامية والعدل .

وأهل البيت (عليهم السلام) مضافاً إلى كونهم السبيل الأعظم هم الصراط المستقيم الثابت والطريق القويم الموصِل في جميع اُمور الحياة الدنيا ، وهم الطريق الأقوم لسعادة الحياة الاُخرى في كلّ العقائد والأفعال ، وعموم الأقوال والأعمال ، وفي مطلق الحالات والأحوال .

بل هم الطريق الوحيد إلى الله المجيد كما دلّ عليه الدليلان الكتاب والسنّة فيما يلي :

1 ـ أحاديث تفسير قوله تعالى : ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (2) جاءت أحاديث تفسيرها بهم (عليهم السلام) في الكنز (3) .

2 ـ حديث الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى

(1) الكافي : ج1 ص208 ح1 .

(2) سورة الأنعام : الآية 153 .

(3) كنز الدقائق : ج4 ص482 .


392

وَشُهَداءُ دارِ الْفَناءِ (1) الطَّرِيقَةِ لاََسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً (1) .

قال : « يعني لو استقاموا على ولاية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين والأوصياء من ولده (عليهم السلام) وقبلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم لأسقيناهم ماءاً غدقاً ، يقول : لأشربنا قلوبهم الإيمان والطريقة هي الإيمان بولاية علي والأوصياء » (2) .

3 ـ حديث الفضيل بن يسار ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم (3) .

قال : « يعني والله علياً والأوصياء (عليهم السلام) » (4) .

(1) ـ أي شهداء الله تعالى على خلقه في دار الدنيا التي هي دار الفناء لأنّها تفنى وتضمحل وتزول ، مقابل الآخرة التي هي دار البقاء لأنّها تبقى وتخلد وتدوم .

وقد تقدّم في الفقرة السابقة : « وشهداء على خلقه » أنّ أهل البيت (عليهم السلام)مشاهدين وشاهدين لجميع الأعمال والأفعال .

وهذه الدنيا الفانية دار امتحان للعباد في سبيل يوم المعاد ، لتنال كلّ نفس جزاءها بالقسط والعدل .

ومن تمام الحجّة وعدالة المحجّة أن يُوفّى الناس حسابهم على طبق شهادة شهودهم .

ومن أصدق شهادة من أهل بيت العصمة (عليهم السلام) الذين هم الصادقون

(1) سورة الجنّ : الآية 16 .

(2) الكافي : ج1 ص220 ح1 .

(3) سورة الملك : الآية 22 .

(4) بحار الأنوار : ج24 ص22 ح44 .


393

وَشُفَعاءُ دارِ الْبَقاءِ (1) المصدّقون ، والذين يُعرض عليهم أعمال العباد من قبل ربّهم ، بل يشاهدونها في عمود نورهم .

وقد عرفت الدليل على شاهديتهم (عليهم السلام) من الكتاب في قوله تعالى : ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ (1) (2) .

ومن السنّة في الأحاديث المتواترة التي عقد لها باب كما تقدّم (3) .

(1) أي الشفعاء إلى الله تعالى لشيعتهم في الدار الاُخرى .

والشفاعة هي : السؤال في التجاوز عن الجرائم والذنوب (4) .

وأهل البيت (عليهم السلام) لهم وسام الشرف في الوجاهة عند الله تعالى ، ولهم مقام التكريم من قبل الله عزّوجلّ ، إعظاماً لهم وإحساناً إلى شيعتهم .

فيشفعون إلى الله الذي ارتضى شفاعتهم في العفو عن أهل الخطأ من مذنبي المؤمنين .

وهذا ثابت بالأدلّة الأربعة كما فصّلنا بيانها في العقائد فلا نودّ التكرار (5) ، لكنّا نشير إليها باختصار :

1 ـ أمّا دليل الكتاب فمثل قوله تعالى : ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى

(1) سورة البقرة : الآية 143 .

(2) كنز الدقائق : ج2 ص177 .

(3) الكافي : ج1 ص190 .

(4) مجمع البحرين : ص383 .

(5) العقائد الحقّة الطبعة الأولى : ص454 .


394

وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (1) وتلاحظ أحاديث تفسيره في الكنز (2) .

2 ـ وأمّا دليل السنّة فالأحاديث التي تفوق على المئة ممّا جمعت في بابي الشفاعة والصفح عن الشيعة في المجلّد الثامن والستّين من بحار الأنوار .

ونتبرّك هنا بذكر حديثين فقط من طرق الخاصّة والعامّة وهما :

أمّا أولا : فمن طريق الخاصّة حديث فرات الكوفي بسنده عن الإمام الباقر (عليه السلام) .

قال جابر لأبي جعفر (عليه السلام) : جعلت فداك يابن رسول الله حدّثني بحديث في فضل جدّتك فاطمة (عليها السلام) إذا أنا حدّثت به الشيعة فرحوا بذلك .

قال أبو جعفر (عليه السلام) : حدّثني أبي ، عن جدّي ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : « إذا كان يوم القيامة نصب للأنبياء والرسل منابر من نور ، فيكون منبري أعلى منابرهم يوم القيامة ثمّ يقول الله : يامحمّد اخطب . فأخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأنبياء والرسل بمثلها .

ثمّ ينصب للأوصياء منابر من نور وينصب لوصيي علي بن أبي طالب في أوساطهم منبر من نور فيكون ، منبره أعلى منابرهم ثمّ يقول الله : ياعلي اخطب فيخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأوصياء بمثلها .

ثمّ ينصب لأولاد الأنبياء والمرسلين منابر من نور ، فيكون لإبنيّ وسبطيّ وريحانتيّ أيّام حياتي منبر من نور ، ثمّ يقال لهما : اخطبا فيخطبان بخطبتين لم

(1) سورة الأنبياء : الآية 28 .

(2) كنز الدقائق : ج8 ص406 .


395

يسمع أحد من أولاد الأنبياء والمرسلين بمثلهما .

ثمّ ينادي المنادي وهو جبرئيل (عليه السلام) : أين فاطمة بنت محمّد ؟ أين خديجة بنت خويلد ؟ أين مريم بنت عمران ؟ أين آسية بنت مزاحم ؟ أين اُمّ كلثوم اُمّ يحيى بن زكريا ؟ فيقمن .

فيقول الله تبارك وتعالى : ياأهل الجمع لمن الكرم اليوم ؟

فيقول محمّد وعلي والحسن والحسين : لله الواحد القهّار .

فيقول الله جلّ جلاله : ياأهل الجمع إنّي قد جعلت الكرم لمحمّد وعلي والحسن والحسين وفاطمة ، ياأهل الجمع طأطؤا الرؤوس وغضّوا الأبصار فإنّ هذه فاطمة تسير إلى الجنّة ، فيأتيها جبرئيل بناقة من نوق الجنّة مدبّجة الجنبين ، خطامها من اللؤلؤ المحقّق الرطب ، عليها رحل من المرجان ، فتناخ بين يديها ، فتركبها ، فيبعث إليها مائة ألف ملك فيصيروا على يمينها ، ويبعث إليها مائة ألف ملك يحملونها على أجنحتهم حتّى يصيّروها عند باب الجنّة ، فإذا صارت عند باب الجنّة تلتفت .

فيقول الله : يابنت حبيبي ، ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنّتي ؟

فتقول : ياربّ أحببت أن يُعرف قدري في مثل هذا اليوم .

فيقول الله : يابنت حبيبي ارجعي فانظري من كان في قلبه حبّ لك أو لأحد من ذرّيتك خذي بيده فأدخليه الجنّة » .

قال أبو جعفر (عليه السلام) : « والله ياجابر أنّها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبّيها كما يلتقط الطير الحبّ الجيّد من الحبّ الردي ، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنّة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا فإذا التفتوا يقول الله :


396

ياأحبّائي ما التفاتكم وقد شفعت فيكم فاطمة بنت حبيبي ؟

فيقولون : ياربّ أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم .

فيقول الله : ياأحبّائي ارجعوا وانظروا من أحبّكم لحبّ فاطمة ، انظروا من أطعمكم لحبّ فاطمة ، انظروا من كساكم لحبّ فاطمة ، انظروا من سقاكم شربة في حبّ فاطمة ، انظروا من ردّ عنكم غيبة في حبّ فاطمة خذوا بيده وأدخلوه الجنّة » .

قال أبو جعفر (عليه السلام) : « والله لا يبقى في الناس إلاّ شاكّ أو كافر أو منافق فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله : ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيق حَمِيم فيقولون : ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1) .

قال أبو جعفر (عليه السلام) : هيهات هيهات منعوا ما طلبوا ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (2) » (3) .

وأمّا ثانياً : ومن طريق العامّة فحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : « الزموا مودّتنا أهل البيت ، فإنّه من لقى الله عزّوجلّ وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا ، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا » .

رواه نور الدين بن أبي بكر في مجمع الزوائد ، والهيثمي في الصواعق ، والسيوطي في إحياء الميت ، والقندوزي في الينابيع ، والنبهاني في الشرف المؤبّد ، والحمزاوي في مشارق الأنوار ، والطبراني في الأوسط ، والصبّان في

(1) سورة الشعراء : الآيات 100 ـ 102 .

(2) سورة الأنعام : الآية 28 .

(3) تفسير فرات الكوفي : ص298 ح403 .


397

وَالرَّحْمَةُ الْمَوْصُولَةُ (1) الإسعاف ، والحضرمي في رشفة الصادي ، وباكثير في وسيلة المآل ، والسمهودي الشافعي في الأشراف ، كما تلاحظ كامل مصادر جميعها في الإحقاق (1) .

3 ـ وأمّا دليل الإجماع فقد أفاده الشيخ الصدوق (2) ، والشيخ الطبرسي (3) ، والعلاّمة شبّر (4) .

4 ـ وأمّا دليل العقل فلإبتناء الشفاعة على عفو الله تعالى ، وهو إحسان حسن ، والعقاب حقّه فجاز إسقاطه ، كما إستدلّ به العلاّمة أعلى الله مقامه (5) .

(1) ـ الرحمة من الله تعالى : عطفه وبرّه ورزقه وإحسانه (6) .

وهي الإحسان والإنعام والإفضال إلى الغير (7) .

والموصولة : مأخوذة من الوصل مقابل القطع ، يعني الرحمة المتّصلة غير المنقطعة .

وأهل البيت (عليهم السلام) رحمة الله تعالى الموصولة إلى خلقه ، والنعمة التي يتنعّم بها العباد .

وهم (عليهم السلام) أيضاً قد اتّصلت الرحمة فيما بينهم حيث كان كلّ إمام منهم

(1) إحقاق الحقّ : ج9 ص428 ، وج18 ص531 .

(2) الإعتقادات : ص66 .

(3) مجمع البيان : ج1 ص103 .

(4) حقّ اليقين : ج2 ص134 .

(5) نهج المسترشدين : ص82 .

(6) مجمع البحرين : ص516 .

(7) المفردات : ص191 .


398

يخلفه إمام آخر إلى آخر الدنيا ، إذ هم (عليهم السلام) ورثة جدّهم (صلى الله عليه وآله) الذي كان بالمؤمنين رؤوف رحيم .

وهم أسباب الرحمة الإلهية ، ومحور استقرار الكرة الأرضية ، ومظاهر الألطاف الربّانية ، كما تقدّمت أدلّته في الفقرة السابقة : « ومعدن الرحمة » .

ونضيف للتبرّك حديثاً آخر في ذلك ، وهو حديث الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال :

« نحن المثاني الذي أعطاه الله نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله) ، ونحن وجه الله نتقلّب في الأرض بين أظهركم ، ونحن عين الله في خلقه ، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده ، عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا ... » (1) .

وهم (عليهم السلام) سلالة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي بعث رحمةً للعالمين ، حيث إنّ ما بُعث به سبب لإسعادهم ، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم (2) .

وكان رحمةً لا للبشر فقط بل لجميع العالمين ، حتّى الملائكة المقرّبين كما ينبىء عنه حديث المجمع :

روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال لجبرائيل لمّا نزلت هذه الآية : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ : هل أصابك من هذه الرحمة شيء ؟

قال : نعم ، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر فآمنت بك لمّا أثنى الله عليّ بقوله : ﴿ ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين (3) (4) .

(1) الكافي : ج1 ص143 ح3 .

(2) كنز الدقائق : ج8 ص484 .

(3) سورة التكوير : الآية 20 .

(4) مجمع البيان : ج7 ص67 .


399

ولقد كان (صلى الله عليه وآله) رحمة للدين والدنيا كليهما .

أمّا في الدين فلأنّه بُعث سراجاً للخلق ، وهادياً إلى الحقّ ، ومبيّناً للأحكام ومميّزاً للحلال عن الحرام ، بُعث والناس في جاهلية وضلالة ، وأهل الكتاب في جهل وحيرة للتحريفات التي وقعت عندهم ، والاختلافات التي حدثت بين علماءهم .

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُّبِين (1) .

وأمّا في الدنيا فلأنّه بعث بركة على العباد والبلاد ، وتخلّصوا بسببه من مذلاّت الجاهلية وحروبها ، وأنجاس تلك العصور وخبائثها .

﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الاُْمِّىَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِْنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاَْغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (2) .

فببركة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) طابت مآكلهم وحسنت معيشتهم ، بعد أن كان من أفضل مآكلهم العِلهز ، وهو الوبر المخلوط والمطبوخ بالدم .

(1) سورة آل عمران : الآية 164 .

(2) سورة الأعراف : الآية 157 .


400

وفي الخطبة الفاطمية المباركة : « وكنتم على شفا حفرة من النار ، مُذقةَ الشارب ، ونُهزةَ الطامع ، وقُبسةَ العجلان ، وموطىءَ الأقدام ، تشربون الطَرَق ، وتقتاتون القدّ ] والورق [ ، أذلّةً خاسئين ، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّد (صلى الله عليه وآله) بعد اللّتيا والتي » (1) .

ممّا تعلم من ذلك أنّه صلوات الله عليه وآله كان رحمة للدين والدنيا معاً .

بل كان رحمة للمؤمن والكافر كليهما في دنياهما .

حيث إنّ بيمنهم رُزق الورى كلّهم ، وبوجودهم ثبتت الأرض والسماء فانتفع بهما جميعهم ، وبواسطتهم عمّت النعم لأصناف الخلق عمومهم .

هذا مضافاً إلى أنّ نفس تعريض الكافر للإيمان والثواب الدائم ترحّم عليه ورحمة له ، وهو نعمة عليه وإن لم يهتد بهدايته ، نظير من قدّم طعاماً إلى جائع فلم يأكل الجائع من ذلك ، فإنّ المقدِّم منعم عليه وإن لم يقبل (2) .

قال شيخ الطائفة (قدس سره) : (وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبّرة في أنّه ليس لله على الكافرين نعمة ، لأنّه تعالى بيّن أنّ إرسال الله رسوله نعمة للعالمين وعلى كلّ من اُرسل إليهم ، ووجه النعمة على الكافر أنّه عرّضه للإيمان ولطف له في ترك معاصيه) (3) .

وعلى الجملة أهل البيت كسيّدهم الرسول الأعظم (صلوات الله عليهم) رحمة الله المتّصلة والموصولة إلى خلقه وخليقته ، تلك الرحمة الإلهية التي

(1) الإحتجاج : ج1 ص135 .

(2) مقتنيات الدرر : ج7 ص205 .

(3) التبيان : ج7 ص285 .


401

وَالاْيَةُ الْمَخْزُونَةُ (1) وسعت كلّ شيء ، ولم تضِق بشيء كما تلاحظه في أحاديثه المجموعة (1) .

ويكفيك في سعة الرحمة الإلهية حديث الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ (2) قال (عليه السلام) :

« المختصّ بالرحمة نبي الله ووصيّه صلوات الله عليهما وآلهما ، إنّ الله خلق مائة رحمة ، تسعة وتسعون رحمة عنده مذخورة لمحمّد وعلي وعترتهما (عليهم السلام) ، ورحمة واحدة مبسوطة على سائر الموجودين » (3) .

لذلك روي أنّه قيل للإمام السجّاد (عليه السلام) يوماً : إنّ الحسن البصري قال : ليس العجب ممّن هلك كيف هلك ؟ وإنّما العجب ممّن نجى كيف نجى .

فقال (عليه السلام) : « أنا أقول : ليس العجب ممّن نجى كيف نجى ، وأمّا العجب ممّن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله » (4) .

(1) ـ الآية هي : العلامة والعجيبة (5) .

والمخزونة بمعنى : المكتومة مأخوذة من قولهم : خزنت المال واختزنته أي كتمته وجعلته في المخزن ، وكذا خزنت السرّ أي كتمته ولم أذعه (6) ، والخزن هو حفظ الشيء في الخزانة .

(1) سفينة البحار : ج3 ص333 .

(2) سورة البقرة : الآية 105 .

(3) بحار الأنوار : ج24 ص61 ب29 ح44 .

(4) بحار الأنوار : ج78 ص153 ب21 ح17 .

(5) مجمع البحرين : ص8 .

(6) المجمع : ص556 .


402

وَالاَْمانَةُ الْمَحْفُوظَةُ (1) أي أنّ أهل البيت (عليهم السلام) علامة قدرة الله وعظمته المخزونة ، ومعرفة ذلك كما ينبغي مخزونة عند خالص عباده العارفين بعظيم مراتبهم ، ومكتومة عن الناس إلاّ الخواصّ من أولياءهم .

وفي حديث الإمام الباقر (عليه السلام) : « إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أكبر آية من آيات الله عزّوجلّ » (1) . وبحقّ كان أعظم آية في جميع الفضائل والكمالات حتّى في البدن والصفات كما تلاحظ أخباره (2) .

وهنا باب في أنّ الآيات الواردة في القرآن الحكيم هم الأئمّة الطاهرون (عليهم السلام) ، وجاء فيه حديث تفسير القمّي في قوله تعالى : ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ (3) .

قال (عليه السلام) : « أنّ الآيات أمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام) » (4) .

قال العلاّمة المجلسي أعلى الله مقامه بعد هذا الحديث : (إنّما أطلق عليهم الآيات لأنّهم علامات جليلة واضحة لعظمة الله وقدرته وعلمه ولطفه ورحمته) .

(1) ـ الأمانة هي : ما يؤتمن عليها الإنسان .

وهو أمين أي ثقة مأمون به .

والمحفوظة أي : التي يجب حفظها ويلزم الاعتناء بها ، فإنّ الأمانة وديعة .

والوجوه المفسّرة بها هذه الفقرة الشريفة ثلاثة :

(1) الكافي : ج1 ص207 ح3 .

(2) بحار الأنوار : ج41 ص274 ب113 .

(3) سورة ص : الآية 29 .

(4) بحار الأنوار : ج23 ص207 ب11 ح8 . وتفسير القمّي : ج2 ص234 .


403

1 ـ بمعنى أنّكم أهل البيت الأمانة المستودعة .. وديعة الله ورسوله التي إستودعها أولياءه المؤمنين في أرضه ، والتي يجب على العالمين حفظها وبذل أنفسهم وأموالهم في حراستها ، شأن الودائع الإلهية .

مضافاً إلى أنّ بهم قوام دينهم ونظام اُمورهم في دنياهم وآخرتهم ، فيلزم مراعاتهم .

قال في المرآة : (الظاهر أنّ المراد وجوب مراعاتهم وموالاتهم وإطاعتهم وترك ما لا يرضيهم كما ورد في حديث الثقلين) (1) .

يعني قوله (صلى الله عليه وآله) في الحديث المتّفق عليه بين الفريقين :

« إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا من بعدي أبداً وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، ألا وإنّي سائلكم عنهما فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ، فاحفظوني فيهما » .

وقد ورد حديث الثقلين الشريف هذا متواتراً من الطريقين ، فمن الخاصّة في (82) حديثاً ومن العامّة في (39) حديثاً (2) .

2 ـ بمعنى أنّكم ذو الأمانة المحفوظة ، يعني صاحب الولاية التي هي الأمانة المحفوظة التي عرضت على السماوات والأرض .

كما يشهد له الأخبار الشريفة الكثيرة الواردة في بيان أنّ الأمانة المعروضة هي الولاية ، ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ، في تفسير قوله تعالى : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا

(1) مرآة الأنوار : ص59 .

(2) غاية المرام : ص211 ـ 235 .


404

وَالْبابُ الْمُبْتَلى بِهِ النّاسُ (1) الاَْمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الاِْنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا (1) (2) .

3 ـ بمعنى أنّكم صلوات الله عليكم أصحاب الأمانة المحفوظة ، بمعنى أمانة الإمامة التي اُمر كلّ إمام منكم أن يؤدّيها إلى الإمام الذي بعده ، مثل العلم والكتب الإلهية وسلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وهو المعنى المفسّر به قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الاَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (3) وله باب خاصّ من الأحاديث الشريفة (4) .

وعلى الجملة يصدق في حقّهم سلام الله عليهم جميع المعاني الثلاثة ، لما عرفت من الشواهد والأدلّة .

(1) ـ أي الباب الممتحن به الناس ، من الإبتلاء بمعنى الامتحان .

فإنّ الإبتلاء في الأصل هو : الاختبار والامتحان (5) .

قال تعالى : ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات (6) أي اختبره (7) .

(1) سورة الأحزاب : الآية 72 .

(2) بحار الأنوار : ج23 ص279 ب16 الأحاديث 20 و22 و27 ، تفسير البرهان : ج2 ص864 .

(3) سورة النساء : الآية 58 .

(4) الكافي : ج1 ص276 الأحاديث 1 ـ 7 ، وقد جاءت أيضاً في بحار الأنوار : ج23 ص275 ب16 الأحاديث ، وتفسير البرهان : ج1 ص234 .

(5) مرآة الأنوار : ص72 .

(6) سورة البقرة : الآية 124 .

(7) مجمع البحرين : ص12 .


405

واعلم أنّه يقال في الله تعالى : أنّه أبلى فلاناً فليس المراد منه إلاّ ظهور جودته أو رداءته دون التعرّف على حاله والوقوف عليه ، لأنّ الله لا يجهل ذلك وهو علاّم الغيوب (1) .

وبالامتحان يحصل تمييز الخبيث من الطيّب ، والغشّ من الذهب ، والجيّد من الرديء ، إتماماً للحجّة ، وإظهاراً للمحجّة ، وهو عام للجميع .

وقد ورد الامتحان في القرآن الكريم .

قال عزّ إسمه : ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) .

وقال تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا (3) .

ونطقت به الأحاديث الكثيرة مثل :

1 ـ حديث ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق (عليه السلام) جاء فيه : « لابدّ للناس من أن يمحّصوا ويميّزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلقٌ كثير » .

2 ـ حديث منصور قال : قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : « يامنصور ! إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلاّ بعد إياس ، ولا والله حتّى تميّزوا ولا والله حتّى تمحّصوا ولا والله حتّى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد » .

3 ـ حديث معمّر بن خلاّد قال : سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول : ﴿ الم

(1) المفردات : ص61 .

(2) سورة العنكبوت : الآية 2 .

(3) سورة الملك : الآية 2 .


406

أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (1) ثمّ قال لي : « ما الفتنة ؟ قلت : جعلت فداك الذي عندنا الفتنة في الدِّين .

فقال : يفتنون كما يفتن الذهب ، ثمّ قال : يخلّصون كما يخلّص الذهب » (2) .

فالإبتلاء الإمتحاني عام للناس أجمعين حتّى الأنبياء المكرّمين ، كما تلاحظه في ابتلاء سيّدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام) في التكاليف الموضوعة عليه والأوامر الملقاة إليه (3) .

إلاّ أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم الباب الإلهي الذين اصطفاهم الله تعالى في بدء الخلق ، ثمّ جعلهم باباً لامتحان الناس ليتبيّن المطيع من العاصي ، والمحسن من المسيء ، والسعيد من الشقي ، كباب حطّة التي امتحن الله تعالى بها بني اسرائيل بدخوله سُجّداً وأن يقولوا عند دخولهم حطّة يعني حطة لذنوبنا ، أو حطّ عنّا ذنوبنا ، فدخلها قوم قائلين حطةً فنجوا ، وبدّل الذين ظلموا قولا غير ذلك فهلكوا .

وأهل البيت (عليهم السلام) مثل ذلك الباب الامتحاني ، من دخل في باب متابعتهم نجى وغفر له ، ومن لم يدخل هلك وعوقب عليه .

بل هم أفضل من باب حطّة بني إسرائيل ، التي كانت من الخشب ، وأهل البيت ناطقون صادقون هادون .

(1) سورة العنكبوت : الآية 2 .

(2) الكافي : ج1 ص370 باب التمحيص والامتحان ح2 ـ 4 .

(3) كنز الدقائق : ج2 ص133 .


407

وقد ورد في ذلك الأحاديث المتّفق عليها بين الفريقين كما تلاحظها في المصادر ، منها :

1 ـ ما عن ابن عبّاس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من دان بديني ، وسلك منهاجي ، واتّبع سنّتي فليُدِن بتفضيل الأئمّة من أهل بيتي على جميع اُمّتي ، فإنّ مثلهم في هذه الاُمّة مثل باب حطّة في بني إسرائيل » .

2 ـ ما عن تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « هؤلاء بنو إسرائيل نصب لهم باب حطّة وأنتم يامعشر اُمّة محمّد نصب لكم باب حطّة أهل بيت محمّد (عليهم السلام) ، واُمرتم باتّباع هداهم ، ولزوم طريقتهم ليغفر لكم بذلك خطاياكم وذنوبكم ، وليزداد المحسنون منكم .

وباب حطّتكم أفضل من باب حطّتهم ، لأنّ ذلك كان بأخاشيب ونحن الناطقون الصادقون المؤمنون الهادون الفاضلون ، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنّ النجوم في السماء أمان من الغرق ، وأهل بيتي أمان لاُمّتي من الضلالة في أديانهم لا يهلكون ما دام منهم من يتّبعون هديه وسنّته .

أما إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قال : من أراد أن يحيى حياتي ، ويموت مماتي ، وأن يسكن جنّة عدن التي وعدني ربّي وأن يمسك قضباً غرسه بيده وقال الله : كن فكان ، فليتولّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وليوال وليّه ، وليعاد عدوّه ، وليتولّ ذرّيته الفاضلين المطيعين لله من بعده ، فإنّهم خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهمي وعلمي ، فويل للمكذّبين بفضلهم من اُمّتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي » .

3 ـ ما عن أبي ذرّ الغفاري قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : « إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق ، ومثل


408

مَنْ اَتاكُمْ نَجى وَمَنْ لَمْ يَأْتِكُمْ هَلَكَ (1) باب حطّة يحطّ الله بها الخطايا » (1) .

فأهل البيت (عليهم السلام) مضافاً إلى أنّهم باب مدينة علم الرسول (صلى الله عليه وآله) هم باب النجاة للعالم (2) .

وهم أبواب الله تعالى وبيوته التي يؤتى منها حيث قال تعالى : ﴿ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (3) ، كما تلاحظ في أحاديث تفسيره (4) .

(1) ـ النجاة : الخلاص من الهلاكة ، والهلاك : العطب .

أي من أتاكم أهل البيت وعرفكم واتّبعكم وأطاعكم ووالاكم كان ناجياً ، ومن تخلّف عنكم كان هالكاً .

لأنّهم (عليهم السلام) ـ مضافاً إلى كونهم باب حطّة النجاة ـ هم الطريق إلى الله الرحمن ، وخلفاء الربّ المنّان ، فمن أتاهم فقد أتى الله وكان ناجياً ، ومن أباهم فقد أبى الله وكان هالكاً .

وهم (عليهم السلام) أبواب الإيمان ، فمن توجّه إليهم كان مؤمناً ، ومن أدبر كان كافراً .

بل طريق النجاة منحصر بهم ، وسلوك الفوز لا يكون إلاّ منهم . دلّ على ذلك الكتاب والسنّة .

(1) بحار الأنوار : ج23 ص119 ـ 123 ب7 الأحاديث 39 و47 و48 ، إحقاق الحقّ : ج5 ص86 ، وج9 ص385 ، وج18 ص312 .

(2) لاحظ حديث مدينة العلم المتّفق عليه بين الفريقين في غاية المرام : ص520 .

(3) سورة البقرة : الآية 189 .

(4) كنز الدقائق : ج2 ص260 .


409

فمن الكتاب : قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنجِيكُم مِّنْ عَذَاب أَلِيم (1) حيث هي مفسّرة بأهل البيت (عليهم السلام) (2) .

ومن السنّة : الأحاديث المتظافرة في ذلك منها :

1 ـ حديث عبدالرحمن بن أبي ليلى : « أنّه من أتى البيوت من أبوابها اهتدى ، ومن أخذ في غيرها سلك طريق الردى ، وصل الله طاعة وليّ أمره بطاعة رسوله وطاعة رسوله بطاعته ، فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ولا رسوله ... » (3) .

2 ـ حديث مقرن قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : جاء ابن الكوّا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال : ياأمير المؤمنين ! ﴿ وَعَلَى الاَْعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيَماهُمْ (4) ؟

فقال : « نحن على الأعراف ، نعرف أنصارنا بسيماهم ، ونحن الأعراف الذي لا يُعرف الله عزّوجلّ إلاّ بسبيل معرفتنا ، ونحن الأعراف يعرّفنا الله عزّوجلّ يوم القيامة على الصراط ، فلا يدخل الجنّة إلاّ من عرفنا وعرفناه ولا يدخل النار إلاّ من أنكرنا وأنكرناه .

إنّ الله تبارك وتعالى لو شاء لعرّف العباد نفسه ، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه ، فمن عدل عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا ،

(1) سورة الصفّ : الآية 10 .

(2) كنز الدقائق : ج13 ص236 .

(3) الكافي : ج1 ص182 ح6 .

(4) سورة الأعراف : الآية 46 .


410

فإنّهم عن الصراط لناكبون .

فلا سواء من اعتصم الناس به ، ولا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة ، يفرغ بعضها في بعض ، وذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمر ربّها ، لا نفاد لها ولا إنقطاع » (1) .

3 ـ حديث أبي سلمة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « نحن الذين فرض الله طاعتنا ، لا يسع الناس إلاّ معرفتنا ولا يعذر الناس بجهالتنا ، من عرفنا كان مؤمناً ، ومن أنكرنا كان كافراً .

ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالا حتّى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء » (2) .

4 ـ حديث داود الرقي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : قال الله عزّوجلّ : « لولا أنّي أستحيي من عبدي المؤمن ما تركت عليه خرقة يتوارى بها ، وإذا كملت له الإيمان ابتليته بضعف في قوّته وقلّة في رزقه ، فإن هو حرج أعدت عليه ، فإن صبر باهيت به ملائكتي .

ألا وقد جعلت علياً علماً للناس ، فمن تبعه كان هادياً ومن تركه كان ضالا ، لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق » (3) .

5 ـ حديث السفينة المتقدّم المتّفق عليه بين الفريقين أنّه قال رسول

(1) الكافي : ج1 ص184 ح9 .

(2) الكافي : ج1 ص187 ح11 .

(3) بحار الأنوار : ج39 ص253 ب87 ح22 ، ولاحظ بقيّة أحاديث الباب التي تفيد أنّ النجاة من النار لا يكون إلاّ بولايتهم .


411

اِلى اللّهِ تَدْعُونَ (1) الله (صلى الله عليه وآله) : « مَثَل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق » (1) .

واعلم أنّ في البلد الأمين جاء بعد هذه الفقرة الشريفة قوله : « ومن أباكم هوى » .

(1) ـ هذه الفقرة الشريفة والفقرات التي تليها إلى قوله : « وبقوله تحكمون » تبيّن اختصاص أهل البيت (عليهم السلام) بذات الله المقدّسة في جميع ما يتعلّق بهم من أفعالهم وأقوالهم ، وأنّهم الإلهيون الحقيقيّون بجميع معنى الكلمة .

فدعوتهم إلى الله فقط ، ودلالتهم على الله فقط ، وإيمانهم بالله فقط ، وتسليمهم إلى الله فقط ، وعملهم بأمر الله فقط ، وإرشادهم إلى سبيل الله فقط ، وحكمهم بقول الله فقط . كما يشهد به الوجدان ودليل العيان .

فهم المختصّون بالله خاصّة في جميع شؤونهم عامّة .

ومن كان بهذا الشأن العظيم ترتّب عليه ما يأتي في الفقرات المتعقّبة بعدها أنّه : « سعد من والاكم وهلك من عاداكم » الخ .

ويفهم الحصر والاختصاص من تقديم قوله إلى الله ، وعليه ، وبه ، وله ، وبأمره ، وإلى سبيله ، وبقوله ، على أفعالها .

إذ أنّ تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر ، فيستفاد إنحصار شؤونهم بربّهم المتعال جلّ جلاله .

فمعنى هذه الجملة الشريفة أنّكم أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الله تدعون

(1) غاية المرام : ص237 .


412

وَعَلَيْهِ تَدُلُّونَ (1) وَبِهِ تُؤْمِنُونَ (2) وَلَهُ تُسَلِّمُونَ (3) وَبِاَمْرِهِ تَعْمَلُونَ (4) بالحكمة والموعظة الحسنة ، ودعوتكم منحصرة بالله تعالى .

فإنّه قد يكون لغيرهم في حال من أحواله دعوة إلى غير الله أو غفلة عن الدعوة إلى الله ، لكن أهل البيت (عليهم السلام) يدعون إلى الله فقط من دون غفلة ولا سهو ، فهم الدعاة وأكمل الدعاة إلى الله تعالى لا غير .

(1) ـ أي على الله تعالى لا على غيره تدلّون بمعارفكم الحقّة ، وبراهينكم الناطقة ، وعلمكم الفيّاض ، وقدرتكم الفائقة .

فكلّها منكم تدلّ على الله المتعال وصفاته المتعالية .

والدلالة هي ما يتوصّل به إلى معرفة الشيء كدلالة الألفاظ على المعاني بحيث متى اُطلقت فُهم منها معانيها .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم المظهر الأتمّ المنبىء عن الحقّ المطلق ، والمذكّر بالله تعالى ، والدالّ عليه ، والهادي إليه .

(2) ـ أي بالله تعالى لا بغيره تؤمنون ، بالإيمان الحقيقي الكامل التامّ الخالص من جميع شوائب الشرك الجلي والخفي .

(3) ـ أي لله تعالى لا لغيره تسلّمون ـ بتشديد اللام ـ أي تسلّمون اُموركم وتفوّضونها إلى الله تعالى ، وتنقادون فيها له عزّ إسمه .

من التسليم بمعنى الإنقياد ظاهراً وباطناً ، وعدم الإعتراض أبداً .

وقد يقرأ بتخفيف اللام يعني تُسلمون ويكون بنفس المعنى المتقدّم .

(4) ـ أي بأمر الله تعالى لا بأمر غيره تعملون في جميع أقوالكم وأفعالكم وأحوالكم وشؤونكم ، فإنّهم (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهد من الله عزّوجلّ وأمر


413

وِاِلى سَبِيلِهِ تُرْشِدُونَ (1) وَبِقَوْلِهِ تَحْكُمُونَ (2) منه لا يتجاوزونه كما مرّ ذكره بأحاديثه (1) .

(1) ـ أي إلى سبيل الله تعالى القويم وصراطه المستقيم ودينه العظيم لا إلى غيره ترشدون الخلق بأكمل إرشاد وأجمل بيان وأفضل هداية .

وسبيل الله تعالى هو : دينه وطاعته وأولياؤه وولاية أوليائه (2) .

والإرشاد هي : الهداية إلى طريق الحقّ ، مأخوذ من الرُشد والرشاد الذي هو بمعنى الهدى والهداية .

يقال : أرشده الله تعالى أي هداه ، والأئمّة الراشدون أي الهادون إلى طريق الحقّ والصواب ، والطريق الأرشد أي الأصوب والأقرب إلى الحقّ (3) .

(1) ـ أي بقول الله تعالى وبالإستناد إليه فقط لا بالإستحسانات والآراء والقياسات تحكمون بين الناس ، فإنّهم (عليهم السلام) كرسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّما يحكمون بما أعلمهم الله تعالى حيث قال في كتابه الكريم : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللهُ (4) ، فهي جارية في أوصياءه (عليهم السلام) كما صرّح به في حديث عبدالله ابن سنان (5) .

واعلم أنّ في البلد الأمين بعد هذه الفقرة زيادة : « وإليه تنيبون ، وإيّاه تعظّمون » .

(1) الكافي : ج1 ص279 ح1 ، وص283 تتمّة الحديث 4 .

(2) مشكاة الأنوار : ص124 .

(3) مجمع البحرين : ص206 .

(4) سورة النساء : الآية 105 .

(5) الكافي : ج1 ص267 ح8 .


414

سَعَدَ مَنْ والاكُمْ (1) (1) ـ هكذا في الفقيه ، لكن في العيون : « سعد والله من والاكم » ، وفي البلد الأمين : « سعد والله بكم من والاكم » .

وهذه الفقرات الآتية تفيد البشارات العظمى التي توجبها التولّي لأهل البيت (عليهم السلام) والتمسّك بهم والإلتجاء إليهم وتصديقهم والإعتصام بهم .. ثبّتنا الله تعالى على ذلك .

وفي مقابلها سوء العقبى الذي يوجبه معاداة أهل البيت أو جحودهم أو مفارقتهم أعاذنا الله تعالى من ذلك .

وما أقرّها للعين من بشارة سارّة هذه الكلمة الفاخرة : « سعد من والاكم » .

أي سعد في الدنيا والآخرة ، وفاز في النشأة الاُولى والاُخرى من كان من مواليكم وشيعتكم .

وسعد مأخوذ من السعادة خلاف الشقاوة ، ومنه سعد الرجل في دين أو دنيا خلاف شقي فهو سعيد والجمع سعداء (1) .

والسَّعد والسعادة : (معاونة الاُمور الإلهية للإنسان على نيل الخير) (2) .

والسعادة والشقاوة تكون باختيار العبد لنفسه ما يسعدها أو يشقيها وليست باجبار أو اضطرار حتّى يستلزم إشكال ، كما هو ثابت في محلّه ، وراجع بشأنه إذا شئت الأحاديث الشريفة (3) .

وممّا يوجب السعادة بل لا تكون السعادة إلاّ بها ولاية أهل البيت (عليهم السلام)

(1) مجمع البحرين : ص210 .

(2) المفردات : ص232 .

(3) بحار الأنوار : ج5 ص154 ب6 ح4 و5 و10 .


415

التي فرضها الله تعالى كما تطابقت عليه الأدلّة من الكتاب والسنّة في مبحث الإمامة ، والأحاديث متواترة في ذلك منها :

1 ـ حديث عبّاد الكلبي ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن فاطمة الصغرى ، عن الحسين بن علي ، عن اُمّه فاطمة بنت محمّد صلوات الله عليهم قالت : خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشيّة عرفة فقال :

« إنّ الله تبارك وتعالى باهى بكم وغفر لكم عامّة ولعلي خاصّة ، وإنّي رسول الله إليكم غير محاب لقرابتي ، هذا جبرئيل يخبرني أنّ السعيد كلّ السعيد حقّ السعيد من أحبّ عليّاً في حياته وبعد موته ، وإنّ الشقي كلّ الشقي حقّ الشقي من أبغض عليّاً في حياته وبعد وفاته » .

2 ـ حديث زيد بن ثابت قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من أحبّ عليّاً في حياته وبعد موته كتب الله عزّوجلّ له من الأمن والإيمان ما طلعت عليه شمس وغربت .

ومن أبغضه في حياته وبعد موته مات موتة جاهلية وحوسب بما عمل » .

3 ـ حديث الثمالي ، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر ، عن آبائه (عليهم السلام)قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) :

« ياعلي ما ثبت حبّك في قلب امرىء مؤمن فزلّت به قدم على الصراط إلاّ ثبتت له قدم حتّى يدخله الله عزّوجلّ بحبّك الجنّة » (1) .

فولاية آل محمّد (عليهم السلام) هي السعادة العظمى والفوز الأكبر كما ثبت حتّى

(1) بحار الأنوار : ج27 ص73 ـ 77 ب4 ح1 و7 و8 .


416

وَهَلَكَ مَنْ عاداكُمْ (1) في أحاديث العامّة .

فقد ورد حديث عبّاد الكلبي المتقدّم في المناقب للخوارزمي ، وذخائر العقبى للطبري ، وشرح النهج للمعتزلي ، ومنتخب كنز العمّال لحسام الدين الهندي ، والينابيع للقندوزي ، والأربعين للهروي ، ومفتاح النجا للبدخشي ، وأرجح المطالب للأمرتسري ، كما تلاحظ النقل مفصّلا في الإحقاق (1) .

فولاية أهل البيت (عليهم السلام) توجب سعادة الدنيا بالحياة الطيّبة ، والتوفيق لأعمال الخير المقبولة ، وغفران الذنوب ، وحياة القلوب .

وتوجب أيضاً سعادة الاُخرى بفوز الحساب ، وشفاعة الأولياء ، ودخول الجنّة ، ورضوان من الله أكبر .

كما أنّ ترك ولايتهم أو معاداتهم توجب الشقاء ، والجاهلية الجهلاء ، وسوء العقبى ، والنار الكبرى .

قال تعالى : ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَْرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَْرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذ (2) .

(1) ـ الهلاك هو : العطب والفناء .

والهلاك المعنوي هي الهلاكة الأبدية ، التي هي الخلود في النار (3) .

(1) إحقاق الحقّ : ج7 ص253 .

(2) سورة هود : الآية 106 ـ 108 .

(3) مرآة الأنوار : ص226 .


417

وَخابَ مَنْ جَحَدَكُمْ (1) أي أنّ من كان عدوّاً لكم أهل البيت كان من الهالكين في الدين ، ومن الخالدين في عذاب ربّ العالمين ، وهي الشقاوة الأبدية ، وفقد السعادة الحقيقيّة ، فيشقى عدوّكم في آخرته بواسطة سوء مصيره ، بل يشقى في دنياه بواسطة فقده الحياة الطيّبة والروح المطمئنة والمغفرة والرحمة .

وقد تظافرت الأحاديث في ذلك ، نتبرّك منها بذكر حديث واحد منها وهو :

حديث ميسّر ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) (في حديث) قال : أي البقاع أعظم حرمة ؟

قال : قلت : الله ورسوله وابن رسوله أعلم .

قال : « ياميسّر ما بين الركن والمقام روضة من رياض الجنّة ، وما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنّة ، والله لو أنّ عبداً عمّره الله ما بين الركن والمقام ، وما بين القبر والمنبر ، يعبده ألف عام ، ثمّ ذبح على فراشه مظلوماً كما يذبح الكبش الأملح ، ثمّ لقى الله عزّوجلّ بغير ولايتنا لكان حقيقاً على الله عزّوجلّ أن يكبّه على منخريه في نار جهنّم » (1) .

(1) ـ خاب : مأخوذ من الخيبة وهي الحرمان والخسران .

والخائب هو الذي فاته الظفر بالمطلوب (2) .

والجحود هو : الإنكار مع العلم ، يقال : جحد حقّه أي أنكره مع علمه بثبوته (3) .

(1) وسائل الشيعة : ج1 ص94 ب29 ح16 ، وفي ثواب الأعمال : ص250 ح16 .

(2) مجمع البحرين : ص113 .

(3) مجمع البحرين : ص198 .


418

وَضَلَّ مَنْ فارَقَكُمْ (1) أي خاب وخسر ولم يظفر بمطلوبه من جحد وأنكر إمامتكم ولم يؤمن بها .

فإنّ إنكار إمامتهم إنكار لنعمة الله ، وإنكار لرسول الله ، وهو يوجب ميتة الجاهلية وخسران الدنيا والآخرة ، كما تلاحظه في أحاديثه الشريفة (1) .

وفي خطبة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) : « ياعلي : ما عُرف الله إلاّ بي ثمّ بك ، من جحد ولايتك جحد الله ربوبيته » (2) .

في نسخة الكفعمي : « وخاب من جهلكم » .

(1) ـ الضلال والضلالة : ضدّ الهدى والهداية (3) .

والضلالة عن الطريق : ضدّ الرشاد (4) .

والضلال هو : العدول عن الطريق المستقيم (5) .

أي قد ضلّ وعدل عن طريق الحقّ ولم يهتد إلى الحقّ من فارقكم أهل البيت وترك متابعتكم .

إذ هو مفارقة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كما نُصّ عليه في أحاديث الفريقين (6) .

والحقّ فيكم ومنكم وإليكم أهل البيت ، وليس بعد الحقّ إلاّ الضلال ، فمن تخطّى عن الحقّ وقع في الضلالة ، والضلالة خسران مبين .

(1) بحار الأنوار : ج23 ص76 ـ 103 ب4 ـ 6 الأحاديث 16 و24 و34 و38 ، و4 و5 و4 .

(2) كتاب سليم بن قيس : ج2 ص855 .

(3) مرآة الأنوار : ص149 .

(4) مجمع البحرين : ص480 .

(5) المفردات : ص297 .

(6) غاية المرام : ص542 .


419

قال عزّ إسمه : ﴿ مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (1) .

فملازمة أهل البيت (عليهم السلام) توجب الهداية ، ومفارقتهم توجب الضلالة كما تستفيده من حديث الثقلين المتقدّم نقله ، الذي يفيد كون الهداية مقيّدة بالتمسّك بهما فقط .

وخصوص حديث ابن عبّاس ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : « لن تضلّوا ولن تهلكوا وأنتم في موالاة علي ، وإن خالفتموه فقد ضلّت بكم الأهواء في الغي ، فاتّقوا الله ، فإنّ ذمّة الله علي بن أبي طالب » (2) .

وأهل البيت (عليهم السلام) من اقتدى بهم هدي إلى الصراط المستقيم كما في حديث جابر ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل البيت (عليهم السلام) قال :

« هم أبواب العلم في اُمّتي من تبعهم نجى من النار ، ومن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم ، لم يهب الله محبّتهم لعبد إلاّ أدخله الله الجنّة » (3) .

وهم الثابتون على الهدى والملازمون للحقّ فلا يخرجونا من الهدى ولا يُدخلونا في الضلالة كما في حديث عمّار بن ياسر ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال :

« من أحبّ أن يحيى حياتي ويموت موتي ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي ... فليتولّ علي بن أبي طالب فإنّه لن يخرجكم من هدى ، ولم

(1) سورة الأعراف : الآية 178 .

(2) إحقاق الحقّ : ج6 ص57 ب42 ح1 عن ينابيع المودّة ، وغيره من الأحاديث الاُخرى التي تجدها في غاية المرام : ص542 .

(3) إحقاق الحقّ : ج4 ص59 عن الينابيع .


420

وَفازَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكُمْ (1) يدخلكم في ضلالة » (1) .

(1) ـ الفوز هو : النجاة والظفر بالخير (2) .

وهو الظفر بالخير مع حصول السلامة (3) .

والتمسّك بالشيء هو : الإعتصام به (4) ، وهو التعلّق به وحفظه (5) .

والمعنى نجى وظفر بالخير وسلم من اعتصم بكم وتمسّك بحبل ولايتكم وتعلّق بحجزتكم ، وهو الفوز العظيم .

فإنّ من اعتصم بهم فقد اعتصم بالله ، وهو الفوز اليقين .

قال عزّ إسمه : ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ (6) (7) .

وقال عزّ إسمه : ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (8) (9) .

وفي الحديث الثابت من طريق الفريقين : « شيعة علي هم الفائزون » (10) .

(1) إحقاق الحقّ : ج5 ص109 عن كنز العمّال .

(2) مجمع البحرين : ص318 .

(3) المفردات : ص387 .

(4) مجمع البحرين : ص455 .

(5) المفردات : ص468 .

(6) سورة آل عمران : الآية 185 .

(7) كنز الدقائق : ج3 ص282 .

(8) سورة الأحزاب : الآية 71 .

(9) كنز الدقائق : ج10 ص449 .

(10) لمصادر الخاصّة بحار الأنوار : ج38 ص95 ب61 ح11 ، وج39 ص304 ب87 ح120 ، وج40 ص25 ب91 ح50 ، وج68 ص9 ب15 ح5 ، ولمصادر العامّة إحقاق الحقّ : ج5 ص43 ، وج7 ص298 ، وج14 ص258 ، وج17 ص262 ، وج20 ص257 .


421

وَاَمِنَ مَنْ لَجَأَ اِلَيْكُمْ (1)

(1) ـ أصل الأمن : طمأنينة النفس وزوال الخوف .

والأمن والأمان والأمانة مصادر تجعل تارةً للحالة التي يكون عليها الإنسان عند الأمن (1) .

وأمِنَ هنا فعل ماض بمعنى : اطمأنّ وزال خوفه .

أي اطمأنّ ولم يخف عذاب الله تعالى وغضبه من لجأ إليكم أهل البيت .

ولجأ : مأخوذ من اللجوء .

يقال : لجأ إلى الحصن والتجأ إليه أي اعتصم به ، فالحصن هو الملجأ .

والجأت ظهري إليك أي اعتمدت في اُموري عليك ، والجأت أمري إلى الله تعالى أي أسندته إليه (2) .

فاللجوء بمعنى الاعتصام والاعتماد والاستناد .

ومعنى هذه الفقرة الشريفة : أمن من اعتصم بكم واعتمد عليكم واستند إليكم أهل البيت بالاعتقاد والاتّباع والاستشفاع ، فأنتم الملجأ الأمين ، والحصن الحصين لخلق الله إلى يوم الدين .

يدلّ عليه :

1 ـ تأويل قوله تعالى : ﴿ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (3) المفسّر

(1) المفردات : ص25 .

(2) مجمع البحرين : ص78 .

(3) سورة سبأ : الآية 18 .


422

وَسَلِمَ مَنْ صَدَّقَكُمْ (1) بالسير في ولايتهم (عليهم السلام) (1) .

2 ـ الأحاديث الدالّة على أنّ أهل البيت (عليهم السلام) أمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء ، ولولاهم لهلك أهل الأرض ، كما تلاحظه في أحاديثه المتظافرة ، من ذلك :

حديث فضيل الرسّان قال : كتب محمّد بن إبراهيم إلى أبي عبدالله (عليه السلام) : أخبِرنا ما فضلكم أهل البيت ؟

فكتب إليه أبو عبدالله (عليه السلام) : « إنّ الكواكب جعلت في السماء أماناً لأهل السماء ، فإذا ذهبت نجوم السماء جاء أهل السماء ما كانوا يوعدون ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : جُعل أهل بيتي أماناً لاُمّتي ، فإذا ذهب أهل بيتي جاء اُمّتي ما كانوا يوعدون » (2) .

(1) ـ سَلِمَ : مأخوذ من السَّلْم والسلامة ، وهي التعرّي عن الآفات الظاهرة والباطنة (3) .

وصدّقكم : مأخوذ من التصديق ، يقال : صدّقه أي اعترف بصدق كلامه ، واعتبره صحيحاً مخلَصاً لا كذب فيه (4) وبمعنى حقّقه (5) .

أي سَلِمَ من العذاب والهلاك ، ومن الزيغ والشكّ والضلال من صدّقكم

(1) كنز الدقائق : ج10 ص486 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ب8 ص309 ح5 .

(3) المفردات : ص239 .

(4) الرائد : ص916 .

(5) المعجم الوسيط : ج1 ص510 .


423

وَهُدِيَ مَنِ اعْتَصَمَ بِكُمْ (1) في الإمامة وغيرها من شؤونكم ، واعترف بصدقكم واعتبر كلامكم .

وذلك لأنّهم لا ينطقون إلاّ عن الله تعالى ، فيكون تصديقهم تصديقاً لله عزّ إسمه ، وهو مقرون ومضمون بالسلامة القطعية والسَّلْم اليقين .

وقد أمر الله تعالى بإطاعتهم في آية اُولي الأمر الشريفة : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ (1) .

وأمر بالكون معهم في آية الصادقين المباركة : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (2) .

والآيتان واردتان في شأن أهل البيت (عليهم السلام) في أحاديث الفريقين (3) .

فهل يكون طريقهم إلاّ طريق السعادة والسلامة .

(1) ـ هُدِيَ : مأخوذ من الهدى ، وهي الهداية والإرشاد إلى طريق الحقّ والسداد والاعتصام بالشيء هو : التمسّك بالشيء والتعلّق به (4) .

أي هُدي إلى طريق النجاة ، واهتدى به من اعتصم بكم ، وتمسّك بحبلكم وتعلّق بحُجزتكم .

لأنّهم (عليهم السلام) حبل الله المتين الذي من تمسّك به نجى ، ومصباح الهداية الذي من استضاء به اهتدى ، فالاعتصام بهم إعتصام بالله تعالى ، ومن يعتصم بالله فقد هُدى إلى صراط مستقيم .

(1) سورة النساء : الآية 59 .

(2) سورة التوبة : الآية 119 .

(3) غاية المرام : ص263 و248 .

(4) المفردات : ص337 .


424

قال الله تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا (1) .

وفي حديث جابر عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : « آل محمّد (عليهم السلام) هم حبل الله الذي اُمر بالإعتصام به فقال : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا » (2) .

وفي حديث شرح الآيات الباهرة عن الإمام السجّاد (عليه السلام) قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالساً في المسجد ، وأصحابه حوله ، فقال لهم : « يطلع عليكم رجل من أهل الجنّة يسأل عمّا يعنيه .

قال : فطلع علينا رجل شبيه برجال مصر ، فتقدّم وسلّم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجلس ، وقال : يارسول الله ، إنّي سمعت الله يقول : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا فما هذا الحبل الذي أمر الله بالإعتصام ولا نتفرّق عنه ؟

قال : فأطرق ساعة ، ثمّ رفع رأسه وأشار إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال : هذا حبل الله الذي من تمسّك به عُصِم في دنياه ، ولم يضلّ في اُخراه .

قال : فوثب الرجل إلى علي بن أبي طالب واحتضنه من وراء ظهره ، وهو يقول : اعتصمت بحبل الله وحبل رسوله ، ثمّ قام فولّى وخرج . فقام رجل من الناس فقال : يارسول الله ـ صلّى الله عليك وأهلك ـ أَلحقُه وأسأله أن يستغفر لي ؟

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إذا تجده مرفقاً .

قال : فلحقه الرجل وسأله أن يستغفر له .

فقال له : هل فهمت ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما قلت له ؟

(1) سورة آل عمران : الآية 103 .

(2) كنز الدقائق : ج3 ص185 .


425

مَنِ اتَّبَعَكُمْ فَالْجَنَّةُ مَأْواهُ وَمَنْ خالَفَكُمْ فَالنّارُ مَثْواهُ (1) قال الرجل : نعم .

فقال له : إن كنت متمسّكاً بذلك الحبل فغفر الله لك ، وإلاّ فلا غفر الله لك وتركه ومضى » (1) .

وفي حديث جعفر بن محمّد بن سعيد الأحمسي مسنداً ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « نحن حبل الله الذي قال : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا [ و ] ولاية علي (عليه السلام) من استمسك بها كان مؤمناً ، ومن تركها خرج عن الإيمان » (2) .

وقد تظافرت الأحاديث الشريفة في إنحصار الهداية بهم في بابين فلاحظ :

1 ـ (باب إنّ الناس لا يهتدون إلاّ بهم) (3) .

2 ـ (باب إنّهم (عليهم السلام) الهداية والهدى والهادون في القرآن) (4) .

(1) ـ المأوى : اسم للمكان الذي يُأوى إليه ، مأخوذ من الايواء بمعنى النزول والرجوع ، فالمأوى معناه المنزل والمرجع (5) .

والمثوى : اسم مكان أيضاً مأخوذ من الثواء بمعنى الإقامة مع الإستقرار كما في قوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (6) .

(1) كنز الدقائق : ج3 ص186 .

(2) كنز الدقائق : ج3 ص188 .

(3) بحار الأنوار : ج23 ص99 ب6 .

(4) بحار الأنوار : ج24 ص143 ب45 .

(5) المرآة : ص61 ، المفردات : ص32 .

(6) المفردات : ص84 .


426

فالمثوى معناه المقام والمنزل الذي يُقام فيه ، والجمع مثاوي (1) .

ومعنى الفقرتين في الزيارة الشريفة إنّ من كان تابعاً لكم فالجنّة منزله ومرجعه الذي يؤوي إليه في الآخرة .

ومن كان مخالفاً لكم فنار جهنّم مقامه ومنزله الذي ينزله ويستقرّ فيه يوم القيامة فهو مخلّد في النار .

وهذا أمر مصيري ، وغاية نهائية تكشف عن عظمى الأهمية في متابعة أهل البيت (عليهم السلام) ، ومدى خسران الصفقة في مخالفة أهل البيت (عليهم السلام) .

وقد تظافرت الأخبار في تفسير آيات الجنّة في القرآن الحكيم أنّها في أولياء أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وفي آيات النار في القرآن الكريم أنّها في أعداء أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ويمكنك ملاحظتها من طريق الفريقين في غاية المرام للسيّد الجليل البحراني أعلى الله مقامه .

ونموذجها قوله تعالى : ﴿ لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (2) (3) (4) .

والمستفاد من كتاب الشموس : أنّ الأخبار في ذلك بحدّ التواتر ، بل المطلب من ضروريات المذهب ، بل من ضروريات الدين في الجملة بحيث لا

(1) مجمع البحرين : ص17 .

(2) سورة الحشر : الآية 20 .

(3) كنز الدقائق : ج13 ص191 .

(4) غاية المرام : ص328 .


427

نحتاج إلى ذكر دليل آخر (1) .

لكن نتبرّك بذكر حديث واحد تيمّناً ، وهو ما رواه ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« ياعلي إنّ جبرئيل أخبرني عنك بأمر قرّت به عيني وفرح به قلبي ، قال : يامحمّد قال الله عزّوجلّ : اقرأ محمّداً منّي السلام واعلمه أنّ علياً إمام الهدى ، ومصباح الدجى ، والحجّة على أهل الدنيا ، وأنّه الصدّيق الأكبر ، والفاروق الأعظم .

وإنّي آليت وعزّتي وجلالي أن لا اُدخل النار أحداً توالاه وسلّم له وللأوصياء من بعده .

حقّ القول منّي لأملأنّ جهنّم وأطباقها من أعدائه ، ولأملأنّ الجنّة من أوليائه وشيعته » (2) .

فالجنّة مأوى تابعيه ، والنار مثوى معاديه ، بل هو قسيم الجنّة والنار وبيده مفاتيحهما ، فيُدخل شيعته الجنّة التي أعدّها الله تعالى للمتّقين ، ويُدخل أعدائه النار التي أعدّها الله تعالى للكافرين .

وقد تظافرت في ذلك أحاديث الفريقين مثل : ما رواه ابن عبّاس عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) .

إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) وعليّاً ينصب لهما منبر فيه الف مرقاة ثمّ يتسلّم النبي (صلى الله عليه وآله)

(1) الشموس الطالعة : ص343 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص132 ب4 ح124 .


428

وَمَنْ جَحَدَكُمْ كافِرٌ (1) مفاتيح الجنّة والنار فيسلّمها لعلي (عليه السلام) فيدخل شيعته الجنّة ، وأعداءه النار (1) .

وما أحلى الحديث القدسي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ربّ العزّة جلّ جلاله أنّه قال :

« من عرف حقّ علي ذكا وطاب ، ومن أنكر حقّه لُعن وخاب ، أقسمت بعزّتي أن اُدخل الجنّة من أطاعه وإن عصاني ، وأقسمت بعزّتي أن اُدخل النار من عصاه وإن أطاعني » (2) .

(1) ـ الجحود هو : الإنكار مع العلم كما تقدّم ، يقال : جحد حقّه جحداً وجحوداً أي أنكره مع علمه بثبوته ، قال تعالى : ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتهَا أَنفُسُهُمْ (3) ، أي جحدوا بالآيات بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم ، والاستيقان أبلغ من الإيقان (4) .

فالمعنى هو أنّ من جحد أهل البيت (عليهم السلام) وأنكر حقّهم أو ولايتهم أو فضلهم كان كافراً .

فإنّ حقّهم ثبت من رسول الله من قبل الله تعالى ، فيكون إنكاره إنكاراً لرسالة الرسول ، وردّاً على الله ، وهو كفر بالله العظيم .

فمن البديهيات العقليّة أنّه لا معنى لأن يقول أحد أنّ الله تعالى معبودي ، لكنّي لا أعترف بما عبّدني به من ولاية أولياءه المعصومين (عليهم السلام) .

(1) إحقاق الحقّ : ج6 ص213 ب91 ح1 وله أسانيد عديدة من طرف العامّة .

(2) لاحظه عن مصادر العامّة في إحقاق الحقّ : ج4 ص221 .

(3) سورة النمل : الآية 14 .

(4) مجمع البحرين : ص198 .


429

ولا معنى لأن يدّعي أحد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نبيّي ، لكنّي أنكر ما اُرسل به من إمامة أوصياءه الطيّبين (عليهم السلام) .

وليس الإنكار هذا إلاّ ردّاً على الله ورسوله ، وهو كفر قطعاً .

وقد تواترت الروايات في كفر من جحد أهل البيت (عليهم السلام) .

مثل : حديث يحيى بن القاسم عن الإمام الصادق (عليهم السلام) عن آبائه الطاهرين عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) .

قال : « الأئمّة بعدي إثنا عشر أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم ... المقرّ بهم مؤمن ، والمنكر لهم كافر » (1) .

بل في حديث الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ ترك ولاية علي بن أبي طالب وإنكار فضله ومظاهرة عدوّه يُخرج عن الإسلام (2) .

هذا وقد ورد كفر جحود ولاية الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) في أحاديث كثيرة من طرق العامّة أيضاً منها : ما ذكره الخوارزمي بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال :

« ليلة اُسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ وعلا : ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ (3) .

قلت : والمؤمنون ؟

قال : صدقت يامحمّد ، من خلّفت في اُمّتك ؟

(1) وسائل الشيعة : ج18 ص557 ب10 الأحاديث8 و11 و13 و18 و19 و27 و28 و34 و38 و40 و43 و48 و49 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص238 ب10 ح60 .

(3) سورة البقرة : الآية 285 .


430

قلت : خيرها .

قال : علي بن أبي طالب ؟

قلت : نعم ياربّ .

قال : يامحمّد إنّي اطلعت إلى أهل الأرض اطلاعة فاخترتك منها فشققت لك إسماً من أسمائي فلا اُذكر في موضع إلاّ ذكرت معي ، فأنا المحمود وأنت محمّد ، ثمّ اطلعت الثانية فاخترت عليّاً وشققت له إسماً من أسمائي ، فأنا الأعلى وهو علي .

يامحمّد إنّي خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولده من سنخ نور من نوري ، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات وأهل الأرض ، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ، ومن جحدها كان عندي من الكافرين .

يامحمّد لو أنّ عبداً من عبيدي عبدني حتّى ينقطع أو يصير كالشنّ البالي ، ثمّ أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم .

يامحمّد أتحبّ أن تراهم ؟

قلت : نعم ياربّ .

فقال لي : التفت عن يمين العرش فالتفتُّ فإذا أنا بعلي ، وفاطمة ، والحسن والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمّد بن علي ، وجعفر بن محمّد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمّد بن علي ، وعلي بن محمّد ، والحسن بن علي ، والمهدي في ضحضاح من نور ، قياماً يصلّون ، وهو في وسطهم « يعني المهدي » كأنّه كوكب درّي . قال :


431

وَمَنْ حارَبَكُمْ مُشْرِكٌ (1) يامحمّد هؤلاء الحجج وهو الثائر من عترتك ، وعزّتي وجلالي أنّه الحجّة الواجبة لأوليائي ، والمنتقم من أعدائي » (1) .

(1) ـ الحرب في اللغة هو : القتال كما هو معروف .

أي من قاتلكم أهل البيت كان مشركاً بالله تعالى ، ومطيعاً لهوى نفسه ويدخل فيه كلّ من أطلق لسانه بسبّهم ومعارضتهم ومضادّتهم فإنّه حربٌ عرفاً .

وقد تظافرت الأحاديث من الفريقين في أنّ حرب علي (عليه السلام) حرب الله ، وحرب رسول الله ، وقول النبي (صلى الله عليه وآله) لأهل البيت (عليهم السلام) : « أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم » والحرب مع الله ورسوله كفر وشرك .

دلّت على ذلك أحاديث الخاصّة مثل ما تقدّم من حديث ابن عبّاس :

« أنّ أعداء علي أعداء الله ، وحرب علي حرب الله » .

حديث أبي أيّوب الأنصاري : « من تقلّد سيفاً أعان به عدوّ علي قلّده الله تعالى يوم القيامة وشاحاً من نار » (2) .

كما دلّت على ذلك أحاديث العامّة أيضاً التي نقلها في الإحقاق (3) .

هذا مضافاً إلى أنّ المحاربة مع أهل البيت (عليهم السلام) إنكار لإمامتهم ودفع لها وهو كفر ، كما أنّ دفع النبوّة وإنكارها كفر ، فأنّ من آمن بنبيٍّ أو إمام لا يحاربه .

وهو شرك لا يغفر كما فسّر به قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ

(1) إحقاق الحقّ : ج5 ص45 .

(2) بحار الأنوار : ج38 ص31 ب57 ح9 ـ 10 ، وج32 ص319 ب8 الأحاديث ، العوالم : ج11 ص933 . والوشاح هو ما يُتقلّد به .

(3) إحقاق الحقّ : ج5 ص43 ، وج6 ص439 .


432

وَمَنْ رَدَّ عَلَيْكُمْ فِي اَسْفَلِ دَرَك مِنَ الْجَحِيمِ (1) بِهِ (1) ففي حديث جابر ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) : يعني أنّه لا يغفر لمن يكفر بولاية علي (عليه السلام) (2) .

قال شيخ الطائفة (قدس سره) : (عندنا أنّ من حارب أمير المؤمنين (عليه السلام) وضرب وجهه ووجه أصحابه بالسيف كافر .

والدليل المعتمد في ذلك إجماع الفرقة المحقّة من الإمامية على ذلك ، فإنّهم لا يختلفون في هذه المسألة على حال من الأحوال ، وقد دللنا أنّ إجماعهم حجّة فيما تقدّم ...) .

ثمّ تمسّك (قدس سره) بالأحاديث الشريفة الدالّة على ذلك فراجع (3) .

(1) ـ يقال : ردّ عليه الشيء أي : لم يقبله منه (4) .

والدَّرْك هو : الطبَق الأسفل ، فإنّ للنار دركات متسافلة ، كما أنّ للجنّة درجات متعالية .

والمنافق في أسفل طبقة من جهنّم لقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الاَْسْفَلِ مِنَ النَّارِ (5) (6) .

والمعنى أنّ من لم يقبل شيئاً من أقوالكم أو أخباركم أو أحكامكم أهل

(1) سورة النساء : الآية 48 .

(2) تفسير العياشي : ج1 ص245 ح149 .

(3) تلخيص الشافي : ج4 ص131 .

(4) مجمع البحرين : ص205 .

(5) سورة النساء : الآية 145 .

(6) مجمع البحرين : ص450 .


433

البيت كان صالياً نار الحميم ، وفي الدرك الأسفل من الجحيم .

فإنّ أقوالهم وأخبارهم وأحكامهم صادرة عن رسول الله عن ربّ العزّة ، فيكون ردّه ردّاً وتكذيباً لكلام الله تعالى وهو كفر وجحود موجب للنار ، ويكون هذا الردّ نفاقاً من المتظاهر بالإسلام يوجب الحشر مع المنافقين في أسفل درك من الجحيم .

فردّ كلامهم يكون كفراً بالله العظيم كما تلاحظه في الأحاديث الشريفة مثل :

1 ـ حديث جابر ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّ حديث آل محمّد صعب مستصعب لا يؤمن به إلاّ ملك مقرّب ، أو نبي مرسل ، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان ، فما ورد عليكم من حديث آل محمّد صلوات الله عليهم فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه ، وما اشمأزّت قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) .

وإنّما الهالك أن يحدّث بشيء منه لا يحتمله فيقول : والله ما كان هذا شيئاً والإنكار هو الكفر » (1) .

2 ـ حديث جابر ـ الآخر ـ عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « ما أحد أكذب على الله ولا على رسوله ممّن كذَّبَنا أهل البيت ، أو كذب علينا لأنّا إنّما نتحدّث عن رسول الله وعن الله ، فإذا كذَّبَنا فقد كذّب الله ورسوله » (2) .

(1) بحار الأنوار : ج2 ص189 ب26 ح21 .

(2) بحار الأنوار : ج2 ص191 ب26 ح29 .


434

اَشْهَدُ اَنَّ هذا سابِقٌ لَكُمْ فِيما مَضى وَجار لَكُمْ فِيما بَقِيَ (1) 3 ـ حديث فرات الكوفي باسناده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « لمّا نزلت هذه الآية : ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ (1) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لا يردّ أحد على عيسى بن مريم (عليه السلام) ما جاء به فيه إلاّ كان كافراً ، ولا يردّ على علي ابن أبي طالب (عليه السلام) أحد ما قال فيه النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ كافر » (2) .

4 ـ حديث أبي خالد الكابلي ، عن الإمام السجّاد (عليه السلام) قال : قلت له : كم الأئمّة بعدك ؟

قال : « ثمانية لأنّ الأئمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إثنا عشر ـ إلى أن قال : ـ

ومن أبغضنا وردّنا ، أو ردّ واحداً منّا فهو كافر بالله وبآياته » (3) .

5 ـ الأخبار الاُخرى التي صرّحت بأنّ الرادّ عليهم (عليهم السلام) رادّ على الله تعالى مثل حديث ابن حنظلة ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) جاء فيه :

« الرادّ علينا الرادّ على الله ، وهو على حدّ الشرك بالله » (4) .

(1) ـ احتمل في معنى هذه الفقرة الشريفة وجوه عديدة هي :

أمّا بالنسبة إلى المشار إليه بقوله (عليه السلام) (هذا) فيحتمل :

1 ـ أن يكون هذا إشارة إلى ما تقدّم قريباً من وجوب متابعتهم في قوله (عليه السلام) : « من اتّبعكم فالجنّة مأواه الخ » .

2 ـ أن يكون إشارة إلى جميع الأوصاف المذكورة بالنسبة إليهم

(1) سورة النساء : الآية 159 .

(2) وسائل الشيعة : ج18 ص561 ب10 ح21 .

(3) وسائل الشيعة : ج18 ص563 ب10 ح29 .

(4) وسائل الشيعة : ج18 ص99 ب11 ح1 .


435

صلوات الله عليهم من أوّل الزيارة الشريفة أو من قوله : « وأشهد أنّكم الأئمّة الراشدون » ، أو من قوله : « من والاكم فقد والى الله » أو من قوله : « أنتم السبيل الأعظم » أو من قوله : « من أتاكم نجى » أو من قوله : « سعد من والاكم » .

وأمّا بالنسبة إلى معنى « ما مضى » و « ما بقى » فيحتمل فيه أيضاً :

1 ـ أن يكون بمعنى ثبوت هذه الأوصاف لكم فيما مضى من الأزمنة السابقة من أوّل زمان خلقتكم المباركة ، إلى ما يبقى من الأزمنة الآتية من دون إختصاص بزمان دون زمان .

2 ـ أن يكون بمعنى ثبوتها فيما مضى منكم من الأئمّة الطاهرين ، وما يبقى منكم من الأئمّة المعصومين إلى الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف .

3 ـ أن يكون بمعنى ثبوتها فيما مضى من الكتب المقدّسة المتقدّمة ، وما بقى منها إلى القرآن الكريم .

وجميع هذه المعاني صادقة فيهم ومنطبقة عليهم قطعاً ، لكن لعلّ الذي يلوح أقرب في النظر بالنسبة إلى هذه الفقرة هما المعنيان الأوّلان .

أمّا بالنسبة إلى كلمة هذا فلقرب المرجع الأوّل ومناسبته مع كلمة هذا التي هي إشارة إلى القريب .

وأمّا بالنسبة إلى معنى وما بقى فلمناسبة المعنى الأوّل أيضاً مع سياق ما يأتي في الزيارة الشريفة بدون تكرار الشهادة يعني فقرة : « وإنّ أرواحكم » وفقرة : « خلقكم الله » التي تبيّن بدو خلقتهم النورية وطينتهم العُلوية ، فتناسب أزمنة الخلقة .

وعلى هذا يكون المعنى ـ والله العالم ـ : إنّي أشهد أنّ ما تقدّم من وجوب


436

وَاَنَّ اَرْواحَكُمْ وَنُورَكُمْ وَطِينَتَكُمْ واحِدَةٌ طابَتْ وَطَهُرَتْ بَعْضُها مِنْ بَعْض (1) متابعتكم وحرمة مخالفتكم الخ لا يختصّ بزمان دون زمان ، بل هو جار ثابت لكم منذ بدو خلقتكم المباركة ، وباق لكم إلى الأزمنة الآتية ، إلى ما شاء الله ، وإلى الأبد .

إذ هم الصفوة الطيّبة الذين إستخلصهم الله تعالى لنفسه ، واختار لهم أسنى نعمه ، وأوجب طاعة الخلق لهم ، وتصديق المخلوقين إيّاهم منذ عالم الذرّ ، كما جعل دينهم هو الإسلام الخالد الباقي مدى الدهر .

وذلك بعد أن علم منهم (عليهم السلام) الوفاء بشرطه وعهده كما في دعاء الندبة الشريفة :

« الذين إستخلصتهم لنفسك ودينك ، إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم الذي لا زوال له ولا إضمحلال ، بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنيّة ، فشرطوا لك ذلك ، وعلمت منهم الوفاء فقبلتهم وقرّبتهم ، وقدّمت لهم الذكر العلي والثناء الجلي ... » (1) .

(1) ـ أي وأشهد أنّ أرواحكم الشريفة ، ونوركم الذي خُلقتم منه ، وطينتكم التي جبلتم منها واحدة وطيبةٌ طاهرة ، مخلوقة من أعلى علّيين كما أنّ أبدانكم من علّيين .

وقد ورد ذلك في الأخبار الكثيرة ، نختار منها ثلّة منها يكون بها البيان والتبيين مثل :

(1) بحار الأنوار : ج102 ص104 .


437

1 ـ حديث أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إنّ الله خلقنا ـ أي أجسادنا ـ من علّيين وخلق أرواحنا من فوق ذلك ، وخلق أرواح شيعتنا من علّيين وخلق أجسادهم من دون ذلك ، فمن أجل ذلك القرابة بيننا وبينهم وقلوبهم تحنّ إلينا » (1) .

2 ـ حديث معاذ بن جبل أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : « إنّ الله خلقني وعليّاً وفاطمة والحسن والحسين من قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام .

قلت : فأين كنتم يارسول الله ؟

قال : قدّام العرش ، نسبّح الله ونحمده ونقدّسه ونمجّده .

قلت : على أي مثال ؟

قال : أشباح نور ، حتّى إذا أراد الله عزّوجلّ أن يخلق صورنا صيرنا عمود نور ، ثمّ قذفنا في صلب آدم ، ثمّ أخرجنا إلى أصلاب الآباء وأرحام الاُمّهات ، ولا يصيبنا نجس الشرك ، ولا سفاح الكفر ، يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون .

فلمّا صيّرنا إلى صلب عبدالمطلّب أخرج ذلك النور فشقّه نصفين ، فجعل نصفه في عبدالله ، ونصفه في أبي طالب ، ثمّ أخرج الذي لي إلى آمنة ، والنصف إلى فاطمة بنت أسد ، فأخرجتني آمنة ، وأخرجت فاطمة علياً .

ثمّ أعاد عزّوجلّ العمود إليّ فخرجت منّي فاطمة ، ثمّ أعاد عزّوجلّ العمود إلى علي فخرج منه الحسن والحسين ـ يعني من النصفين جميعاً ـ فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن ، وما كان من نوري صار في ولد الحسين ،

(1) الكافي : ج1 ص389 باب خلق أبدان الأئمّة وأرواحهم وقلوبهم (عليهم السلام) ح1 .


438

فهو ينتقل في الأئمّة من ولده إلى يوم القيامة » (1) .

3 ـ حديث سلمان الفارسي رضوان الله عليه قال : قال النبي (صلى الله عليه وآله) : « ياسلمان فهل علمت مَن نقبائي ومَن الإثنا عشر الذين اختارهم الله للإمامة بعدي ؟ فقلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ياسلمان خلقني الله من صفوة نوره ودعاني فأطعت ، وخلق من نوري علياً فدعاه فأطاعه ، وخلق من نوري ونور علي فاطمة فدعاها فأطاعته ، وخلق منّي ومن علي وفاطمة الحسن والحسين فدعاهما فأطاعاه ، فسمّانا بالخمسة الأسماء من أسمائه :

الله المحمود وأنا محمّد ، والله العلي وهذا علي ، والله الفاطر وهذه فاطمة ، والله ذو الإحسان وهذا الحسن ، والله المحسن وهذا الحسين ، ثمّ خلق منّا من صلب الحسين تسعة أئمّة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماءً مبنيّة وأرضاً مدحيّة ، أو هواءً أو ماءً أو ملكاً أو بشراً ، وكنّا بعلمه نوراً نسبّحه ونسمع ونطيع » الخبر (2) .

4 ـ حديث محمّد بن حرب الهلالي ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ محمّداً وعلياً صلوات الله عليهما كانا نوراً بين يدي الله جلّ جلاله قبل خلق الخلق بألفي عام ، وإنّ الملائكة لمّا رأت ذلك النور رأت له أصلا وقد انشعب منه شعاع لامع .

فقالت : إلهنا وسيّدنا ما هذا النور ؟

(1) بحار الأنوار : ج15 ب1 ص7 ح7 .

(2) بحار الأنوار : ج15 ب1 ص9 ح9 .


439

فأوحى الله عزّوجلّ إليهم : هذا نور من نوري أصله نبوّة ، وفرعه إمامة ، فأمّا النبوّة فلمحمّد عبدي ورسولي ، وأمّا الإمامة فلعلي حجّتي ووليي ، ولولاهما ما خلقت خلقي » الخبر (1) .

5 ـ حديث جابر الجعفي قال : كنت مع محمّد بن علي (عليهما السلام) فقال : « ياجابر خُلقنا نحن ومحبّينا من طينة واحدة بيضاء نقيّة من أعلى علّيين فخُلقنا نحن من أعلاها وخلق محبّينا من دونها ، فإذا كان يوم القيامة التفّت العليا بالسفلى .

وإذا كان يوم القيامة ضربنا بأيدينا إلى حجزة نبيّنا ، وضرب أشياعنا بأيديهم إلى حجزتنا ، فأين ترى يصيّر الله نبيّه وذرّيته ؟ وأين ترى يصيّر ذرّيته محبّيها ؟

فضرب جابر يده على يده فقال : دخلناها وربّ الكعبة ثلاثاً » (2) .

وقد طابت تلك الأرواح الزكيّة .

وطهرت تلك الأبدان الشريفة .

وقد كانت واحدة تشعّب بعضها من بعض ، كما قال عزّ إسمه : ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض (3) .

وقد خلقوا جميعاً من نور عظمة الله تعالى ، خلقهم الله من نور تحت العرش الإلهي كما في حديث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) (4) . وخلق عدوّهم من سجّين كما

(1) بحار الأنوار : ج15 ب1 ص11 ح13 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ب1 ص11 ح16 .

(3) سورة آل عمران : الآية 34 .

(4) كتاب سليم بن قيس : ج2 ص854 .


440

تلاحظه في الحديث (1) .

واعلم أنّ الطيّب مقابل الخبيث ، والطيّب من الإنسان هو : من تعرّى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال ، وتحلّى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال ومنه قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ (2) (3) .

كما وأنّ التطهير هو : التنزّه والتخليص عن لوث الأرجاس والأنجاس والخبائث والمعاصي وغيرها من المعايب الظاهرية والباطنية (4) .

وأهل البيت (عليهم السلام) نور واحد طيّبون طاهرون روحاً وبدناً ، من نفس طينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وقد تظافرت أخبار الطينة في ذلك حتّى من العامّة بطرق عديدة نختار منها حديث الحافظ أبي نعيم باسناده عن ابن عبّاس قال :

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من سرّه أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي فليوال علياً من بعدي وليوال وليّه وليقتد بالأئمّة من بعدي ، فإنّهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، رزقوا فهماً وعلماً ، وويل للمكذّبين بفضلهم من اُمّتي للقاطعين فيهم صلتي ولا أنالهم الله شفاعتي » (5) .

واعلم أنّ في نسخة مصباح الشيخ الكفعمي وردت هذه الفقرة هكذا :

(1) البصائر : ص14 ح2 و5 .

(2) سورة النحل : الآية 32 .

(3) المفردات : ص309 .

(4) مرآة الأنوار : ص150 .

(5) إحقاق الحقّ : ج5 ص111 .


441

خَلَقَكُمْ اللّهُ اَنْواراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ حَتّى مَنَّ عَلَيْنا بِكُمْ (1) « وأنّ أنواركم وأشباحكم وسناءكم وظلالكم وأرواحكم وطينتكم واحدة ، جلّت وعظمت وبوركت وقدّست وطابت وطهرت بعضها من بعض ، لم تزالوا بعين الله وعنده في ملكوته أنواراً تأمرون ، وله تخافون ، وإيّاه تسبّحون ، وبعرشه محدقون ، وبه حافّون ، حتّى مَنّ بكم علينا » .

(1) أي خلقكم الله مُذ خلقكم ـ أنواراً من نور عظمته ـ كما تقدّم ـ فجعلكم بعرشه محدقين ، أي : طائفين حوله ..

من أحدق بالشيء أي أطاف وأحاط به (1) .

وأمّا معنى العرش فهو وإن كان لا يعلم حقيقته العليا إلاّ الله تعالى وأهل بيت الهدى (عليهم السلام) (2) إلاّ أنّا نستضىء بأشعّة ممّا يمكن فهمه فنقول :

كلمة العرش أساساً في اللغة العربية جاءت لمعان عديدة منها :

1 ـ سرير الملك ، ويكنّى به عن العزّة والسلطان والمملكة والملك .

2 ـ عرش الرجل : قوام أمره ، فإذا زال عنه ذلك قيل ثُلَّ عرشه .

3 ـ ركن القصر وجانبه .

4 ـ سقف البيت .

5 ـ ما عرّش من بناء يُستظلّ به .

6 ـ عرش الكُرم إذا حمل على خشب ونحوه ليمتدّ عليه .

7 ـ وعرش القوم رئيسهم المدبّر لأمرهم .

(1) مجمع البحرين : ص425 .

(2) جاء في دعاء تعقيب صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) : « وأسألك باسمك الذي خلقت به عرشك الذي لا يعلم ما هو إلاّ أنت » . بحار الأنوار : ج58 ص36 ب1 ح60 .


442

8 ـ وعرش القدم ما ارتفع من ظهر القدم كما يستفاد من كتب اللغة (1) .

وأمّا معناه الشرعي فقد قال الشيخ الصدوق (قدس سره) : (اعتقادنا في العرش أنّه جملة جميع الخلق .

والعرش في وجه آخر هو العلم .

فأمّا العرش الذي هو جملة جميع الخلق فحَمَلَته ثمانية من الملائكة .

وأمّا العرش الذي هو العلم ، فحملته أربعة من الأوّلين ، وأربعة من الآخرين .

فأمّا الأربعة من الأوّلين : فنوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى . وأمّا الأربعة من الآخرين : فمحمّد ، وعلي ، والحسن ، والحسين ، صلّى الله عليهم .

هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمّة (عليهم السلام) في العرش وحملته) (2) .

فيستفاد من كلامه (قدس سره) أنّ للعرش معنيان في الشرع .

وجاء في التصحيح :

(فأمّا العرش الذي تحمله الملائكة فهو بعض الملك ، وهو عرش خلقه الله تعالى في السماء السابعة ، وتعبّد الملائكة (عليهم السلام) بحمله وتعظيمه ، كما خلق سبحانه بيتاً في الأرض وأمر البشر بقصده وزيارته والحجّ إليه وتعظيمه .

وقد جاء في الحديث : أنّ الله تعالى خلق بيتاً تحت العرش سمّاه : البيت

(1) العين : ج2 ص1171 ، مجمع البحرين : ص340 ، المفردات : ص329 ، مرآة الأنوار : ص160 ، لسان العرب : ج6 ص313 ، النهاية الأثيرية : ج3 ص207 ، المصباح : مادّة عرش ، القاموس : ج2 ص277 ، تاج العروس : ج4 ص331 ، أساس البلاغة : ص414 .

(2) الإعتقادات : ص45 .


443

المعمور ، تحجّه الملائكة في كلّ عام ، وخلق في السماء الرابعة بيتاً سمّاه الضرّاح وتعبّد الملائكة بحجّه والتعظيم له والطواف حوله ، وخلق البيت الحرام في الأرض وجعله تحت الضراح .

وروي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « لو اُلقي حجر من العرش لوقع على ظهر البيت المعمور ، ولو اُلقي حجر من البيت المعمور لسقط على ظهر البيت الحرام .

ولم يخلق الله عرشاً لنفسه ليستوطنه ، تعالى الله عن ذلك . لكنّه خلق عرشاً أضافه إلى نفسه تكرمة له وإعظاماً وتعبّد الملائكة بحمله ، كما خلق بيتاً في الأرض ولم يخلقه لنفسه ولا ليسكنه ، تعالى الله ذلك كلّه . لكنّه خلقه لخلقه وأضافه لنفسه إكراماً له وإعظاماً ، وتعبّد الخلق بزيارته والحجّ إليه ») (1) .

وأمّا الأحاديث الشريفة الواردة في ذلك فهي كثيرة وفيرة نتبرّك منها بما يلي :

1 ـ حديث البرقي ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء فيه : « إنّ العرش خلقه الله تعالى من أنوار أربعة : نور أحمر منه احمرّت الحمرة ، ونور أخضر منه اخضرّت الخضرة ، ونور أصفر منه اصفرّت الصفرة ، ونور أبيض منه ] ابيضّ [ البياض وهو العلم الذي حمّله الله الحملة ... » (2) .

2 ـ حديث صفوان بن يحيى ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) الذي جاء فيه : « العرش ليس هو الله ، والعرش اسم علم وقدرة ، وعرش فيه كلّ شيء ... » (3) .

(1) تصحيح الإعتقاد : ص76 .

(2) الكافي : ج1 باب العرش والكرسي ص129 ح1 .

(3) الكافي : ج1 ص130 ح2 .


444

3 ـ حديث داود الرقي ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ (1) أنّه قال :

« إنّ الله حمّل دينه وعلمه الماء قبل أن يكون أرض أو سماء أو جنّ أو إنس أو شمس أو قمر ، فلمّا أراد الله أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم : مَن ربّكم ؟

فأوّل من نطق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمّة صلوات الله عليهم فقالوا : أنت ربّنا ، فحمّلهم العلم والدين ... » (2) .

4 ـ حديث مقاتل بن سليمان قال : سألت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن قول الله عزّوجلّ : ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (3) .

قال : « استوى من كلّ شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء » (4) .

5 ـ حديث المفضّل ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن العرش والكرسي ما هما ؟

فقال : « العرش في وجه هو جملة الخلق ، والكرسي وعاؤه ، وفي وجه آخر العرش هو العلم الذي أطلع الله عليه أنبياءه ورسله وحججه ، والكرسي هو العلم الذي لم يطلع الله عليه أحداً من أنبيائه [ ورسله ] وحججه (عليهم السلام) » (5) .

(1) سورة هود : الآية 7 .

(2) الكافي : ج1 ص132 ح7 .

(3) سورة طه : الآية 5 .

(4) التوحيد : ص317 ح7 ، معاني الأخبار : ص29 ح1 .

(5) معاني الأخبار : ص29 ح1 .


445

فَجَعَلَكُمْ فِي بُيُوت اَذِنَ اللّهُ اَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ (1) هذا تفسير العرش في الأحاديث التي بيّنها الأئمّة الطاهرون (عليهم السلام) الذين هم الألسنة الناطقة عن صاحب العرش جلّ جلاله .

وأهل البيت (عليهم السلام) خلقهم الله أنواراً كانوا يطوفون حول العرش الإلهي حتّى مَنّ علينا بهم فجعلهم أئمّتنا وسادتنا وقادتنا في الدنيا والآخرة ، وأولياءنا وموالينا وهداتنا إلى الكتاب والحكمة ، ووسائل البركة لنا بدين الإسلام وسعادة الختام .

قال الله تعالى : ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (1) .

والمَنّ هو الإنعام والإحسان ، وقد أنعم الله علينا وأحسن إلينا بأهل البيت أئمّتنا (عليهم السلام) ، الذين هم النعمة الكبرى والعطيّة العظمى ، والحمد لله ربّ العالمين .

(1) ـ أي أنّ الله تعالى حيث خلقكم أنواراً ثمّ مَنّ علينا بكم جعلكم في بيوت أذن في رفعة قدرها وذكر إسمه الشريف فيها .

وهذه الفقرة الشريفة إشارة إلى قوله عزّ إسمه : ﴿ فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالاَْبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب (2) .

(1) سورة آل عمران : الآية 164 .

(2) سورة النور : الآية 36 ـ 38 .


446

فإنّها نزلت في أهل البيت (عليهم السلام) باتّفاق الفريقين .

وقد نقل رواياته العلاّمة البحراني (قدس سره) في تسعة أحاديث من طرق الخاصّة وأربعة أحاديث من طرق العامّة (1) .

وأضاف العلاّمة التستري (قدس سره) في الإحقاق نقل نصوصه عن ثلّة من أعلام العامّة في كتبهم مثل الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ، والسيوطي في الدرّ المنثور ، والبدخشي في مفتاح النجا ، وابن حسنويه في دُرّ بحر المناقب ، والثعلبي في الكشف والبيان ، والأمرتسري في أرجح المطالب ، والبغدادي في عوارف المعارف ، والآلوسي في روح المعاني (2) .

وللتبرّك بتفسير الآية الشريفة نذكر بعض أحاديث تفسيرها :

1 ـ حديث أنس بن مالك وبريدة ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالا : قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ﴿ فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ فقام إليه رجل فقال : أيّ بيوت هذه يارسول الله ؟

فقال : « بيوت الأنبياء .

فقام إليه أبو بكر فقال : يارسول الله هذا البيت منها ؟

وأشار إلى بيت علي وفاطمة (عليهما السلام) .

قال : نعم من أفضلها » (3) .

2 ـ حديث الثمالي ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : أتى قتادة بن دعامة

(1) غاية المرام : ص317 .

(2) إحقاق الحقّ : ج3 ص558 ، وج9 ص137 ، وج14 ص421 ، وج18 ص515 .

(3) بحار الأنوار : ج23 ص325 ب19 ح1 .


447

البصري أبا جعفر (عليه السلام) فقال (عليه السلام) له : « أنت فقيه أهل البصرة ؟

قال : نعم .

فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : ويحك ياقتادة إنّ الله عزّوجلّ خلق خلقاً من خلقه فجعلهم حججاً على خلقه ، فهم أوتاد في أرضه ، قوّام بأمره ، نجباء في علمه ، إصطفاهم قبل خلقه أظلّة عن يمين عرشه .

قال : فسكت قتادة طويلا ثمّ قال : أصلحك الله ، والله لقد جلستُ بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك .

فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : أتدري أين أنت ؟ بين يدي ﴿ بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ فأنت ثَمّ ، ونحن اُولئك .

فقال له قتادة : صدقت والله جعلني الله فداك ، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين » (1) .

3 ـ حديث عيسى بن داود ، عن الإمام الكاظم عن أبيه (عليهما السلام) في قول الله عزّوجلّ : ﴿ فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ * رِجَالٌ .

قال : « بيوت آل محمّد (صلى الله عليه وآله) بيت علي وفاطمة والحسن والحسين وحمزة وجعفر (عليهم السلام) .

قلت : ﴿ بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ .

(1) بحار الأنوار : ج23 ص329 ب19 ح10 .


448

قال : الصلاة في أوقاتها ، قال : ثمّ وصفهم الله عزّوجلّ وقال : ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالاَْبْصَارُ قال : هم الرجال لم يخلط الله معهم غيرهم ، ثمّ قال : ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّنْ فَضْلِهِ قال : ما اختصّهم به من المودّة والطاعة المفروضة ، وصيّر مأواهم الجنّة ﴿ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب » (1) .

كما وأنّ الآيات التي تليها نزلت في أعدائهم بما تلاحظه في حديث صالح ابن سهل الهمداني عن الإمام الصادق (عليه السلام) فراجع (2) .

ثمّ أنّ البيوت : يحتمل أن يراد بها البيوت المعنويّة التي هي بيوت العلم والحكمة وغيرهما من الكمالات ، والذكر فيها كناية عن إستفاضة تلك الأنوار منهم .

أو البيوت الصورية التي هي بيوت النبي والأئمّة صلوات الله عليه وعليهم في حياتهم ومشاهدهم بعد وفاتهم كما فسّره العلاّمة المجلسي (قدس سره) (3) .

وأضاف أعلى الله مقامه عند احتمال إرادة البيوت المعنوية قوله : فأنّه شائع في العرب والعجم التعبير عن الأنساب الكريمة والأحساب الشريفة بالبيوت (4) .

(1) بحار الأنوار : ج23 ص326 ب19 ح4 .

(2) الكافي : ج1 ص195 ح5 .

(3) بحار الأنوار : ج102 ص141 .

(4) بحار الأنوار : ج23 ص326 .


449

وأمّا إذن الله تعالى : ففُسّر بأمره تعالى في مثل الحديث الرضوي الشريف الوارد في تفسير قوله عزّ إسمه : ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْس أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ (1) جاء فيه : « وإذنه أمره لها بالإيمان » (2) .

وأن ترفع : فسّر بمعنى أن ترفع بالتعظيم ورفع القدر من الأرجاس ، والتطهير من المعاصي والأدناس .

وقيل : رفع الحوائج فيها إلى الله تعالى ، أو عمومها مع الرفع بالبناء ، حيث قال المفسّر المشهدي : والأولى الحمل على الأعمّ منهما ومن الرفع بالبناء ، ثمّ قال : (ويذكر فيها إسمه عام فيما يتضمّن ذكره) (3) .

واعلم أنّ في نسخة المصباح للكفعمي هنا بعد هذه الفقرة إضافة كثيرة جاء فيها : « تولّى عزّ ذكره تطهيرها ، ورضى من خلقه بتعظيمها ، فرفعها على كلّ بيت قدّسه ، وأعلاها على كلّ بيت طهّره في السماء ، لا يوازيها خطر ، ولا يسمو إلى سمائها النظر ، ولا يقع على كنهها الفكر ، ولا يطمح إلى أرضها البصر ، ولا يغادر [ ولا يعادل ] سكّانها البشر ، يتمنّى كلّ أحد أنّه منكم ، ولا يتمنّون [ تتمنّون ] أنّكم من غيركم ، إليكم انتهت المكارم والشرف ، وفيكم استقرّت الأنوار والعزم والمجد والسؤدد ، فما فوقكم أحد إلاّ الله ، ولا أقرب إليه ، ولا أخصّ لديه ، ولا أكرم عليه منكم . أنتم سكن البلاد ، ونور العباد ، وعليكم الإعتماد يوم التناد ، كلّما غاب منكم حجّة ، أو أفل منكم عَلَم أطلع الله على خلقه (لخلقه نسخة) من عقب

(1) سورة يونس : الآية 100 .

(2) مرآة الأنوار : ص58 .

(3) كنز الدقائق : ج9 ص312 .


450

وَجَعَلَ صَلَواتِنا عَلَيْكُمْ وَما خَصَّنا بِهِ مِنْ وِلايَتِكُمْ طِيباً لِخَلْقِنا (1) الماضي خَلَفاً إماماً ونوراً هادياً ، وبرهاناً مبيّناً نيّراً ، داعياً عن داع ، وهادياً بعد هاد ، وخزنة وحفظة ، لا يفيض بكم غوره ، ولا تنقطع عنكم موادّه ، ولا يسلب منكم أريجه ، سبباً موصولا من الله إليكم ، ورحمة منه علينا ، يرشدنا إليه ، ويقرّبنا منه ويزلفنا لديه » .

(1) ـ صلواتِنا ـ ورد هكذا في العيون والفقيه ، وفي بعض النسخ صلاتنا ـ مأخوذة من الصلاة ، وألفها في الأصل واو لأنّ جمعها صلوات (1) .

وصلوات الله على أنبيائه والصالحين من خلقه : حسن ثنائه عليهم ، وحسن ذكره لهم (2) .

والصلاة في الأصل اللغوي هو : الدعاء ، وطلب الرحمة من الله بالصلوات دعاء (3) .

ويراد بالصلوات في الإستعمال : الإعتناء بإظهار الشرف ورفع الشأن .

وجاءت بمعنى التعظيم ، قيل : ومنه اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد أي عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره ، وإظهار دعوته ، وإبقاء شريعته ، وفي الآخرة بتشفيعه في اُمّته وتضعيف أجره ومثوبته (4) .

هذا ما في اللغة ، وأمّا المستفاد من الأخبار الشريفة في معنى الصلوات فقد أفاد في المرآة : ‌

(1) المحيط : ج8 ص184 .

(2) كتاب العين : ج2 ص1006 .

(3) لسان العرب : ج14 ص464 .

(4) مجمع البحرين : ص54 .


451

(الصلوات قد نسبت في القرآن الكريم إلى الله تعالى ، وإلى الملائكة ، وإلى المؤمنين .

فهي من الله الرحمة والتزكية والثناء ، ومن الملائكة مدحهم وتزكيتهم ، ومن المؤمنين والناس الدعاء والتصديق والإقرار بالفضل وفعل العبادة كما يستفاد من الأخبار) (1) .

وهناك معنى إقتضائي دقيق للصلوات في حديث معاني الأخبار بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) جاء فيه :

« من صلّى على النبي (صلى الله عليه وآله) فمعناه أنّي أنا على الميثاق والوفاء الذي قبلتُ حين قوله : ألست بربّكم قالوا : بلى » (2) .

وولايتكم : من الولاية بالكسر وهي الأولوية الثابتة لهم (عليهم السلام) .

وقد تقرأ بفتح الواو فتكون بمعنى المحبّة .

وولايتهم (عليهم السلام) هي الولاية الإلهية التامّة المطلقة على الجميع ، الثابتة لله تعالى ولرسوله بقرينة المسانخة والحصر في قوله عزّ إسمه :

﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (3) .

وهي الولاية الثابتة للنبي الأكرم في قوله تعالى : ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى

(1) مرآة الأنوار : ص146 .

(2) معاني الأخبار : ص115 ح1 .

(3) سورة المائدة : الآية 55 .


452

بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ (1) .

وقد أثبتها الرسول بأمر الله تعالى ، وجاءت في الأحاديث المتواترة بين الفريقين مثل حديث الغدير الشريف ، لأمير المؤمنين وأولاده المعصومين سلام الله عليهم أجمعين .

فولايتهم هي الولاية العظمى ، والإمامة الكبرى ، والمالكية المُثلى ، التي هي أساس الدين في شريعة سيّد المرسلين كما تشهد به الأحاديث المتظافرة (2) .

وقد تقدّم بيان ولايتهم التكوينية والتشريعية في فقرة : « والسادة الولاة » .

وطِيْباً : مفعول ثان لجَعَلَ ، والطيب يطلق على معان عديدة :

الأول : المستلذّ ، الثاني : ما حلّله الشارع ، الثالث : ما كان طاهراً ، الرابع : ما خلى عن الأذى في النفس والبدن ، والطيّب يقابله الخبيث (3) .

وطيب الخَلق : بفتح الخاء هي طهارة المولد ، يقال : فلان طاب مولده أي ولد من حلال .

وقد يقرأ طيب الخُلق بضمّ الخاء فهو بمعنى تزكية الأخلاق ، والأخلاق الحسنة .

فمعنى هذه الفقرة الشريفة أنّه جعل الله تعالى صلواتنا عليكم أهل البيت ، وموالاتكم التي خصّنا الله تعالى بها موجبة لطيب ولادتنا ، وسبباً لتزكية أخلاقنا ـ على قراءة ضمّ الخُلق ـ فإنّهم اُسوة الأخلاق الحسنة ، فالصلوات

(1) سورة الأحزاب : الآية 6 .

(2) الكافي : ج2 ص18 باب دعائم الإسلام الأحاديث .

(3) مجمع البحرين : ص125 .


453

عليهم يذكّر بأخلاقهم ويُبارك لشيعتهم ، وفي جدّهم جاء : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم (1) .

والصلوات حينما كانت تصديقاً بالنبي وآله ، وإقراراً بفضلهم ، ووفاءً بميثاقهم كانت قبولا لولايتهم ومحبّة لهم .

وقبول ولايتهم وحبّهم علامة لطيب الولادة ، وموجب لطهارة المولد كما إستفاضت وتواترت به الأخبار الشريفة ، ومنها :

أوّلا / أحاديث كتاب المحاسن مثل :

1 ـ حديث المدائني قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « إذا برد على قلب أحدكم حبّنا فليحمد الله على اُولي النعم .

قلت : على فطرة الإسلام ؟

قال : لا ، ولكن على طيب المولد ، إنّه لا يحبّنا إلاّ من طابت ولادته ولا يبغضنا إلاّ الملزق الذي ] تأتي [ به اُمّه من رجل آخر فتلزمه زوجها ، فيطّلع على عوراتهم ويرثهم أموالهم ، فلا يحبّنا ذلك أبداً ، ولا يحبّنا إلاّ من كان صفوة ، من أي الجيل كان » .

2 ـ حديث إسحاق قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « من وجد منكم برد حبّنا على قلبه فليحمد الله على أولى النعم .

قلت : وما أولى النعم ؟

قال : طيب الولادة » .

(1) سورة القلم : الآية 4 .


454

3 ـ حديث الحسين بن علوان عمّن ذكره ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إذا كان يوم القيامة يُدعى الناس جميعاً بأسمائهم وأسماء اُمّهاتهم ستراً من الله عليهم إلاّ شيعة علي (عليه السلام) فإنّهم يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم ، وذلك أن ليس فيهم عهر » (1) .

ثانياً / أحاديث كتاب البحار مثل :

1 ـ حديث الطبرسي ، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) : « ياعلي لا يحبّك إلاّ من طابت ولادته ، ولا يبغضك إلاّ من خبثت ولادته ، ولا يواليك إلاّ مؤمن ولا يعاديك إلاّ كافر » .

2 ـ حديث الكرخي ، عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال : « علامات ولد الزنا ثلاث : سوء المحضر ، والحنين إلى الزنا ، وبغضنا أهل البيت » .

3 ـ حديث قيس العطّار قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : « إنّما يحبّنا من العرب والعجم أهل البيوتات وذوو الشرف وكلّ مولود صحيح ، وإنّما يبغضنا من هؤلاء كلّ مدنّس مطرّد (2) » .

4 ـ حديث جابر بن عبدالله الأنصاري قال : كنّا بمنى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ بصرنا برجل ساجد وراكع ومتضرّع .

فقلنا : يارسول الله ما أحسن صلاته ؟

فقال (عليه السلام) : هو الذي أخرج أباكم من الجنّة .

فمضى إليه علي (عليه السلام) غير مكترث فهزّه هزّة أدخل أضلاعه اليمنى في

(1) المحاسن : ص104 باب9 طيب المولد الأحاديث 25 و26 و34 .

(2) يقال : دنّس ثوبه أي فعل به ما يشينه ، وطردته أي نفيته عنّي .


455

اليسرى واليسرى في اليمنى ، ثمّ قال : لأقتلنّك إن شاء الله .

فقال : لن تقدر على ذلك إلى أجل معلوم من عند ربّي ، ما لك تريد قتلي ؟ فوالله ما أبغضك أحد إلاّ سَبَقت نطفتي إلى رحم اُمّه قبل نطفة أبيه ، ولقد شاركت مبغضيك في الأموال والأولاد ، وهو قول الله عزّوجلّ في محكم كتابه : ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الاَْمْوَالِ وَالاَْولاَدِ (1) .

قال النبي (صلى الله عليه وآله) : صدق ياعلي لا يبغضك من قريش إلاّ سفاحي ، ولا من الأنصار إلاّ يهودي ، ولا من العرب إلاّ دعي ، ولا من سائر الناس إلاّ شقي ، ولا من النساء إلاّ سلقلقية وهي التي تحيض من دبرها .

ثمّ أطرق مليّاً ثمّ رفع رأسه فقال : معاشر الأنصار أعرضوا أولادكم على محبّة علي .

قال جابر بن عبدالله : فكنّا نعرض حبّ علي (عليه السلام) على أولادنا فمن أحبّ عليّاً علمنا أنّه من أولادنا ، ومن أبغض عليّاً انتفينا منه » (2) .

هذا كلّه في فضل الولاية ، وأمّا الفضائل الشامخات في أنواع الصلوات فتلاحظها مجموعة في كتاب الوصايا (3) عند بيان وصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله : « ياعلي : من نسى الصلاة عليَّ فقد أخطأ طريق الجنّة .. » فلاحظها ، ومن تلك الفضائل السنيّة ما صرّحت به هذه الزيارة المباركة : أنّ الصلاة عليهم مع ولايتهم تكونان طيباً لخلقنا .

(1) سورة إسراء : الآية 64 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص145 ب5 الأحاديث الثلاثون ومنها الحديث1 و2 و14 و20 .

(3) وصايا الرسول لزوج البتول (عليهم السلام) : ص123 .


456

وَطَهارَةً لاَِنْفُسِنا (1) وَتَزْكِيَةً لَنا (2) وفي نسخة الكفعمي : « وجعل صلواتنا عليكم وذكرنا لكم وما خصّنا به من ولايتكم وعرفناه من فضلكم طيباً لخلقنا » .

(1) ـ وطهارة لأنفسنا ، أي وتكونان يعني الصلوات والولاية سبباً لطهارة أي نزاهة أنفسنا أي أرواحنا .

فإنّ التطهّر هو التنزّه عن لوث الأرجاس والأنجاس والمعاصي والنقائص الظاهرية والباطنية .

والصلوات والولاية توجبان طهارة الباطن والنفس وصفائها ، وخلوصها عن الرذائل ، وتحليتها بالفضائل .

فإنّ ذكرهم مع ولايتهم عبادة مقبولة ومغفرة موفورة تقتضي القرب إليهم في الصفات الفضائل ، والبعد عن أعداءهم أصحاب الصفات الرذائل .

وخير صفاء للروح وكرامة للباطن يكون بإزدياد الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)وارتقاء درجات الإيمان بهم ، كما تلاحظه في صفوة أصحابهم ، وخُلّص المؤمنين بهم ، من دون حاجة إلى الرياضات الباطلة .

فإنّ الولاء لهم يوجب الإطاعة لهم ، إذ المحبّ مطيعٌ لمن أحبّ ، وطاعتهم هي طاعة الله تعالى .

لذلك تكون الولاية محصّلة للتقوى التي هي طاعة الله في إتيان الواجبات وترك المحرّمات فتوجب طهارة النفس وتزكية الإنسان .

(2) ـ أي تطهيراً لنا من الأعمال القبيحة ، والعقائد الفاسدة ، والآراء الباطلة .

إذ التزكية هي : التطهير من الأخلاق الذميمة الناشئة من شَرَه البطن والكلام ، والغضب ، والحسد ، والبخل ، وحبّ الجاه ، وحبّ الدنيا ، والكبر ،


457

وَكَفّارَةً لِذُنُوبِنا (1) والعجب (1) .

والزكاة هو : ما أخرجته من مالك لتطهّره به ، وزكى المال أي : نمى وزاد ، والزكيّ من الطعام : الطيّب الحلال ، ومن الناس الطاهر من الذنوب ، وقيل : التامّ في أفعال الخير (2) .

والصلوات والولاية توجبان طهارة نفوسنا ، للملاك المتقدّم أي القرب إليهم (عليهم السلام) .

والمحكي عن بعض النسخ هنا « وبركةً لنا » فإنّ الصلاة عليهم مع ولايتهم جالبة للبركة الدائمة والخيرات المهمّة ، فهم مستقر بركة الله كما تلاحظ شرحه في الفقرة المتقدّمة من هذه الزيارة الشريفة : « ومساكن بركة الله » .

(1) أي ماحيّةً لذنوبنا الكبائر والصغائر .

من التكفير الذي هو محو السيّئات والذنوب .

يقال : كفّر الله عنه الذنوب أي محاها ، ومنه الكفّارة ، وهي فَعّالة من الكَفر وهي التغطية ، لأنّها تكفّر الذنب عن الإنسان أي تمحوه وتستره وتغطّيه (3) .

وفي قوله تعالى : ﴿ فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا (4) .

فُسّرت الذنوب بالكبائر ، والسيّئات بالصغائر (5) .

(1) مجمع البحرين : ص41 .

(2) مرآة الأنوار : ص115 .

(3) مجمع البحرين : ص301 .

(4) سورة آل عمران : الآية 193 .

(5) مجمع البحرين : ص115 .


458

فالصلوات والولاية توجبان محو الذنوب حتّى الكبائر .. للوجه المتقدّم مضافاً إلى الأدلّة الخاصّة في فضل الصلوات وأنّها تمحو الذنوب وقد ذكرناها في كتاب الوصايا فلا نعيد (1) .

وكذا الأدلّة الاُخرى في أنّ ولايتهم ومحبّتهم تحطّ الذنوب ، كما تلاحظه في باب ثواب حبّهم ونصرهم وولايتهم مثل :

1 ـ حديث الأزدي قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « من أحبّنا نفعه الله بذلك ولو كان أسيراً في يد الديلم ، ومن أحبّنا لغير الله فإنّ الله يفعل به ما يشاء .

إنّ حبّنا أهل البيت ليحطّ الذنوب عن العباد كما تحطّ الريح الشديدة الورق عن الشجر » .

2 ـ حديث حفص الدهّان قال : قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : « إنّ فوق كلّ عبادة عبادة ، وحبّنا أهل البيت أفضل عبادة » .

3 ـ حديث الحسين بن مصعب قال : سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول : « من أحبّنا وأحبّ محبّنا لا لغرض دنيا يصيبها منه ، وعادى عدوّنا لا لإحنة كانت بينه وبينه ثمّ جاء يوم القيامة وعليه من الذنوب مثل رمل عالج وزبد البحر غفر الله تعالى له » .

4 ـ حديث جرير بن عبدالله البجلي قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً .

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له .

(1) وصايا الرسول لزوج البتول (عليهم السلام) : ص124 .


459

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً .

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان .

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير .

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها .

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله زوّار قبره الملائكة بالرحمة .

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة .

ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه : آيس من رحمة الله .

ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة » (1) .

بل ثبت في المؤمنين الذين تابوا وعملوا صالحاً أنّه تبدّل سيّئاتهم حسنات كما في سورة الفرقان (الآية 70) (2) وتلاحظ حكاية دعاء مولاهم الإمام المنتظر (عليه السلام) لهم بالغفران (3) .

كلّ هذا الفيض يضاف إليه : أنّ الصلاة عليهم مع لعن أعدائهم من مصاديق التولّي والتبرّي اللذين هما الركنان الأساسيان في الدين الحنيف .. « وهل

(1) بحار الأنوار : ج27 ص73 ب4 الأحاديث خصوصاً الحديث9 و48 و77 و84 .

(2) كنز الدقائق : ج9 ص431 .

(3) كتاب جنّة المأوى المطبوع في البحار : ج53 ص302 .


460

فَكُنّا عِنْدَهُ مُسَلِّمِينَ بِفَضْلِكُمْ (1) الدين إلاّ الحبّ والبغض » (1) .

فلا عجب في أن يكون الولاء لهم والصلاة عليهم كفّارة للذنوب ، وماحية للعيوب .

(1) ـ قوله (عليه السلام) : « فكنّا » : مرتبط بجعل الصلاة والتولّي طيباً لخلقنا الخ ، وكبيان الوجه له .

وعنده : أي في علمه ، أو في اللوح المحفوظ .

ومسلّمين : بالتشديد أي منقادين ، من التسليم بمعنى الإنقياد .

وبفضلكم : أي بفضلكم على العالمين ، واعلائية درجتكم عليهم .

فالمعنى إنّه كنّا نحن في علم الله تعالى منقادين بالإنقياد القلبي الحقيقي بفضلكم أهل البيت على العالمين .

ويدلّ على هذا أخبار الطينة وعرض الولاية علينا في العالم السابق ، وقبولنا للولاية في الذرّ والأظلّة ، وقد أشرنا إليها في آخر الفصل الثاني في فقرة : « وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والاُولى » فراجع .

وتلاحظ أخبار الطينة مجموعة عند تفسير قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (2) (3) .

واعلم أنّ في بعض النسخ مسمّين ـ بدل مسلّمين ـ أي كنّا مكتوبة

(1) بحار الأنوار : ج68 ص63 ب15 ح114 .

(2) سورة الأعراف : الآية 172 .

(3) كنز الدقائق : ج5 ص228 .


461

وَمَعْرُوفِينَ بِتَصْدِيقِنا اِيّاكُمْ (1) أسماؤنا أنّنا من شيعتكم .

ويدلّ عليه الحديث الرضوي الشريف : « ... وإنّ شيعتنا لمكتوبون بأسماءهم وأسماء آبائهم ، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق ، يردون موردنا ، ويدخلون مدخلنا ، ليس على ملّة الإسلام غيرنا وغيرهم » (1) .

وفي نسخة الكفعمي : « إذ كنّا عنده بكم مؤمنين مسوّمين ، وبفضلكم معروفين ، وبتصديقنا إيّاكم مشكورين ، وبطاعتنا لكم مشهورين » .

(1) ـ أي وكنّا عند الله تعالى معروفين أيضاً بتصديقنا إيّاكم في الإمامة والفضيلة وفرض الطاعة .

والتصديق هو : الإعتراف بالصدق .

وفي تلك النشأة الاُولى حصل تصديق الشيعة الأبرار للأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ، وعُرفوا عند الله تعالى بتصديقهم لحججه وخلفائه ، والحمد لله على آلائه .

ويدلّ عليه أخبار الطينة والميثاق التي تقدّم ذكرها ومنها :

حديث بكير بن أعين ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « إنّ الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذرّ يوم أخذ الميثاق على الذرّ بالإقرار له بالربوبية ، ولمحمّد بالنبوّة ، وعرض على محمّد (صلى الله عليه وآله) اُمّته في الظلِّ وهم أظلّة ، وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم ، وخلق أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام ، وعرضهم عليه ، وعرّفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ونحن نعرفهم في لحن

(1) الكافي : ج1 ص223 ح1 .


462

فَبَلَغَ اللّهُ بِكُمْ اَشْرَفَ مَحَلِّ الْمُكَرَّمِينَ وَاَعْلى مَنازِلِ الْمُقَرَّبِينَ وَاَرْفَعَ دَرَجاتِ الْمُرْسَلِينَ (1) القول » (1) .

فالمؤمنون بأهل البيت (عليهم السلام) معروفون عند الله تعالى .

وسيعرّفهم يوم القيامة بنور الإيمان الذي يتجلّى منهم ، مع بشارة الملائكة لهم بجنّات الخلد كما في قوله عزّ إسمه : ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (2) (3) .

وفي حديث جابر بن عبدالله الأنصاري قال : كنت ذات يوم عند النبي إذ أقبل بوجهه على علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال : « ألا اُبشّرك ياأبا الحسن ؟

قال : بلى يارسول الله .

قال : هذا جبرئيل يخبرني عن الله جلّ جلاله أنّه قد أعطى شيعتك ومحبّيك سبع خصال : الرفق عند الموت ، والاُنس عند الوحشة ، والنور عند الظلمة ، والأمن عند الفزع ، والقسط عند الميزان ، والجواز على الصراط ، ودخول الجنّة قبل الناس ، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم » (4) .

(1) يعني بلّغكم الله تعالى أشرف محلّ عباده المكرّمين ، أي أفضل مراتبهم ، وأعلى منازل المقرّبين من الأنبياء والمرسلين .

(1) بحار الأنوار : ج5 ص250 ب10 ح43 .

(2) سورة الحديد : الآية 12 .

(3) كنز الدقائق : ج13 ص86 .

(4) الخصال : باب السبعة ص402 ح112 .


463

وأرفع درجات المرسلين وهي درجة نبيّ الإسلام عليه وآله أفضل التحيّة والسلام .

وهذه الفقرات تقتضي بل تلازم أفضلية أهل البيت (عليهم السلام) على الأنبياء كأفضلية خاتم النبيين عليهم .

لأنّ لازم الأشرفية والأعلائية والأرفعية هي الأفضلية ، إذ غير الأفضل لا يكون أشرف أو أعلى أو أرفع .

ويدلّ على هذا المقام الكتاب الكريم والأحاديث الشريفة .

أمّا الكتاب : فقوله تعالى في آية المباهلة : ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ (1) .

فالأنفس مفسّرة بأمير المؤمنين (عليه السلام) عند الخاصّة والعامّة .

والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أفضل من جميع الأنبياء ، فيكون نفسه يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) أفضل منهم أيضاً ، فلاحظ تفسير الآية من طرق الخاصّة في الكنز (2) ومن طرق العامّة بتسعة عشر حديثاً في الغاية (3) .

والأئمّة الطاهرون (عليهم السلام) بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما صرّح به في حديث محمّد ابن مسلم المتقدّم (4) .

(1) سورة آل عمران : الآية 61 .

(2) كنز الدقائق : ج3 ص121 .

(3) غاية المرام : ص300 .

(4) بحار الأنوار : ج27 ص50 ب18 ح2 .


464

وأمّا الأحاديث فهي متواترة في ذلك ، كما صرّح بالتواتر في روضة المتّقين (1) ومن ذلك :

1 ـ حديث عبدالله بن الوليد قال : قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : أي شيء يقول الشيعة في عيسى وموسى وأمير المؤمنين (عليه السلام) ؟

قلت : يقولون : إنّ عيسى وموسى أفضل من أمير المؤمنين (عليه السلام) .

قال : فقال : أيزعمون أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد علم ما علم رسول الله ؟

قلت : نعم ، ولكن لا يقدّمون على اُولوا العزم من الرسل أحداً .

قال أبو عبدالله (عليه السلام) : فخاصمهم بكتاب الله .

قال : قلت : وفي أي موضع منه اُخاصمهم ؟

قال : قال الله تعالى لموسى : ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَْلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلا (2) إنّه لم يكتب لموسى كلّ شيء وقال الله تبارك وتعالى لعيسى : ﴿ وَلاُِبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ (3) وقال الله تعالى لمحمّد (صلى الله عليه وآله) : ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاَءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء (4) .

2 ـ حديث الحسين بن علوان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إنّ الله خلق اُولوا العزم من الرسل وفضّلهم بالعلم ، وأورثنا علمهم وفضلهم ، وفضّلنا عليهم في

(1) روضة المتّقين : ج5 ص485 .

(2) سورة الأعراف : الآية 145 .

(3) سورة الزخرف : الآية 63 .

(4) سورة النحل : الآية 89 .


465

علمهم ، وعلّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم يعلموا ، وعلّمنا علم الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلمهم » (1) .

3 ـ حديث علي بن إسماعيل عن بعض رجاله قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) لرجل : تمصّون الثماد (2) وتدعون النهر الأعظم .

فقال له الرجل : ما تعني بهذا يابن رسول الله ؟

فقال : عُلّم النبي (صلى الله عليه وآله) علم النبيين بأسره ، وأوحى الله إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) فجعله محمّد (صلى الله عليه وآله) عند علي (عليه السلام) .

فقال له الرجل : فعلي (عليه السلام) أعلم أو بعض الأنبياء ؟

فنظر أبو عبدالله (عليه السلام) إلى بعض أصحابه فقال : إنّ الله يفتح مسامع من يشاء ، أقول له : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعل ذلك كلّه عند علي (عليه السلام) فيقول : علي (عليه السلام) أعلم أو بعض الأنبياء » (3) .

4 ـ حديث سدير ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لمّا لقي موسى العالم كلّمه وسائله نظر إلى خطّاف يصفر ويرتفع في السماء ويتسفّل في البحر .

فقال العالم لموسى : أتدري ما يقول هذا الخطّاف ؟

قال : وما يقول ؟

قال : يقول : وربّ السماء وربّ الأرض ما علمكما في علم ربّكما إلاّ مثل ما أخذت بمنقاري من هذا البحر .

(1) بصائر الدرجات : ص227 ب5 ح2 .

(2) الثماد : جمع الثمد بالفتح وبالتحريك ، هو ماء المطر يبقى محقوناً تحت رمل فإذا كشفت عنه أدّته الأرض .

(3) بصائر الدرجات : ص227 ب5 ح4 ، بحار الأنوار : ج26 ص195 ب15 ح3 .


466

قال : فقال أبو جعفر (عليه السلام) أما لو كنت عندهما لسألتهما عن مسألة لا يكون عندهما فيها علم » (1) .

5 ـ حديث أبي ذرّ الغفاري قال : بينما ذات يوم من الأيّام بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ قام وركع وسجد شكراً لله تعالى ، ثمّ قال :

« ياجندب من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في خلّته ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى عيسى في سياحته ، وإلى أيّوب في صبره وبلائه ، فلينظر إلى هذا الرجل المقابل [ المقبل ] الذي هو كالشمس والقمر الساري ، والكوكب الدرّي ، أشجع الناس قلباً ، وأسخى الناس كفّاً ، فعلى مبغضه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

قال : فالتفت الناس ينظرون من هذا المقبل فإذا هو علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام » (2) .

فالدليل تامّ صريح على أفضلية أهل البيت (عليهم السلام) حتّى من الأنبياء اُولي العزم من الرسل .

وهذا المقام السامي تجري فيه الأوصاف التالية في هذه الزيارة المباركة : « حيث لا يلحقه لاحق » الخ .

وفي نسخة الكفعمي : « فبلغ الله بكم أشرف محلّ المكرّمين ، وأفضل شرف المشرّفين » .

(1) بصائر الدرجات : ص230 ب6 ح2 ، بحار الأنوار : ج26 ص196 ب15 ح5 .

(2) بحار الأنوار : ج39 ص38 ب73 ح9 .


467

حَيْثُ لا يَلْحَقُهُ لاحِقٌ (1) وَلا يَفُوقُهُ فائِقٌ (2) وَلا يَسْبِقُهُ سابِقٌ (3) (1) ـ يقال : لحقه أي أدركه ، فعدم اللحوق هو عدم الإدراك .

أي لا يلحق ذلك المقام الأسمى والمحلّ الأشرف أحد غيركم ولا يبلغه أيّ واحد ممّن هو دونكم ، بل هو مختصّ بكم أهل البيت لا يدرككم أحد .

فإنّ مناقبهم الجميلة لا تنتهي إلى حدّ ، ولا تستقصى بالعدّ ، فكيف يلحقها لاحق ؟!

كما يدلّ على ذلك حديث الإمام الهادي (عليه السلام) عند سؤال يحيى بن أكثم منه عن قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الاَْرْضِ مِن شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1) .

قال (عليه السلام) : « ... ونحن الكلمات التي لا تدرك فضائلنا ولا تستقصى » (2) .

(2) ـ يقال : فاق الرجل أصحابه : أي علاهم في الفضل والشرف وغلبهم .

أي لا يعلوكم ولا يغلبكم في مقامكم الأسمى غالبٌ من المتفوّقين كالأنبياء حتّى اُولي العزم من المرسلين ، غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي هو سيّدكم أهل البيت ، ولا يتوصّل فكر أحد إلى مقامهم الأسمى ، بل تقصر العقول عن الوصول إلى معرفتهم العليا .

كما تجلّى ذلك في قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته الشقشقية : « ولا يرقى إليّ الطير » (3) .

(3) يقال : سبق الشيء : أي تقدّمه وتجاوز عنه .

(1) سورة لقمان : الآية 27 .

(2) الإحتجاج : ج2 ص295 .

(3) نهج البلاغة : الخطبة 3 .


468

وَلا يَطْمَعُ فِي اِدْراكِهِ طامِعٌ (1) حَتّى لا يَبْقى (2) أي لا يتقدّم ولا يتجاوز عن مقاكم الأرفع أحد من السابقين إلى الفضائل . فإنّه إذا لم يتمكّن أحد من أن يلحقهم لم يتمكّن من سبقهم بالأولوية .

(1) ـ يقال : طمع في الشيء : إذا حرص عليه ورجاه ، ولا مطمع له في هذا الأمر أي أنّه يائس منه ولا أمل له فيه .

فالمعنى أنّه لا يرجو راج من الأنبياء والأوصياء والملائكة الإدراك والوصول إلى المقام الأسمى الذي وصلتم إليه أنتم أهل البيت .

فإنّهم يعلمون أنّه موهبة خاصّة من الله تعالى لكم ، فلا يمكن الوصول إليه بالسعي والجدّ والإجتهاد ، ولا يشاركهم أحد فيه من العباد .

كما تعرف كلّ ذلك من الحديث العلوي الشريف الذي جاء فيه :

« فلا يقاس بهم من الخلق أحد ، فهم خاصّة الله وخالصته ، وسرّ الديّان وكلمته ، وباب الإيمان وكعبته ، وحجّة الله ومحجّته ، وأعلام الهدى ورايته ، وفضل الله ورحمته ، وعين اليقين وحقيقته ، وصراط الحقّ وعصمته ، ومبدؤ الوجود وغايته ، وقدرة الربّ ومشيّته ، واُمّ الكتاب وخاتمته ، وفصل الخطاب ودلالته ، وخزنة الوحي وحفظته ، وآية الذكر وتراجمته ، ومعدن التنزيل ونهايته ...» (1) .

(2) أي حتّى لم يبق في عالم الأرواح ولا في عالم الأجساد من سائر أصناف الموجودات ، إلاّ وعرّفهم الله تعالى في الكتب الإلهية والصحف السماوية على ألسنة الأنبياء والمرسلين جلالة أمركم .

(1) بحار الأنوار : ج25 ص174 ب3 ح38 .


469

بل إنّ ولايتهم جعلت في فطرة المكلّفين ، وميثاق إمامتهم اُخذت حتّى من الأنبياء والمرسلين .

كما تدلّ على ذلك الأحاديث الكثار التي عقد لها باب مستقلّ في البحار يشتمل على (88) حديثاً (1) نختار منها ما يلي :

1 ـ حديث التفسير أنّه قال الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ الآية ، كان الميثاق مأخوذاً عليهم لله بالربوبية ولرسوله بالنبوّة ولأمير المؤمنين والأئمّة بالإمامة ، فقال : ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ومحمّد نبيّكم وعلي إمامكم والأئمّة الهادون أئمّتكم ؟ فـ ﴿ قَالُوا بَلَى فقال الله : ﴿ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي لئلاّ تقولوا يوم القيامة : ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (2) .

فأوّل ما أخذ الله عزّوجلّ الميثاق على الأنبياء بالربوبية ، وهو قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ فذكر جملة الأنبياء ثمّ أبرز أفضلهم بالأسامي فقال : ﴿ وَمِنْكَ يامحمّد ، فقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنّه أفضلهم ﴿ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (3) فهؤلاء الخمسة أفضل الأنبياء ، ورسول الله أفضلهم » (4) .

2 ـ حديث عبدالرحمن بن كثير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله

(1) بحار الأنوار : ج26 ص267 ب6 .

(2) سورة الأعراف : الآية 172 .

(3) سورة الأحزاب : الآية 8 .

(4) المصدر المتقدّم : ص268 ح2 .


470

عزّوجلّ : ﴿ فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (1) قال : « التوحيد ، ومحمّد رسول الله ، وعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) » (2) .

3 ـ حديث حذيفة بن أسيد قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ما تكاملت النبوّة لنبي في الأظلّة حتّى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي ومثّلوا له ، فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم » (3) .

4 ـ حديث حبّة العرني قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « إنّ الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض ، أقرّ بها من أقرّ وأنكرها من أنكر ... » (4) .

5 ـ حديث ابن محرز ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « إنّ الله تبارك وتعالى علّم آدم أسماء حجج الله كلّها ثمّ عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّكم أحقّ بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم :

قالوا : سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم .

قال الله تبارك وتعالى : ياآدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله تعالى ذكره ، فعلموا أنّهم أحقّ بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته ، ثمّ غيّبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبّتهم وقال لهم : ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما

(1) سورة الروم : الآية 30 .

(2) المصدر المتقدّم : ص277 ح18 .

(3) المصدر المتقدّم : ص281 ح27 .

(4) المصدر المتقدّم : ص282 ح34 .


471

تبدون وما كنتم تكتمون » (1) .

والمستفاد من هذه الأحاديث الشريفة أنّ ولاية أهل البيت (عليهم السلام) وجلالة شأنهم قد عُرّفت لجميع المخلوقات في الأرضين والسماوات .

بل عُرضت حتّى على نفس السماوات والأرضين ، والحيوانات والنباتات (2) ، فكل بقعة آمنت بها جعلها طيّبة زكيّة وجعل ثمرتها ونباتها حلواً عذباً وجعل ماءها زلالا ، وكلّ بقعة جحدت بها وأنكرتها جعلها سبخاً ، وجعل نباتها مرّاً علقماً كما في الحديث (3) .

ولا عجب في أن تعرض ولايتهم حتّى على الجمادات فتصدّقها الطيّبات منها ، بقدرة الله تعالى التي تُنطق كلّ شيء ، وتخلق الشعور في الأشياء .

كما يشهد به النظائر في الكتاب الكريم ، وكذلك الروايات التي ورد فيها نطق الجمادات إعجازاً .

فاسرح الفكر في قوله تعالى : ﴿ وَإِن مِّن شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (4) .

وقوله تعالى : ﴿ قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْء (5) .

وتدبّر في الأحاديث التي تبيّن نطق الحيوانات بأمر المعصومين (عليهم السلام)

(1) المصدر المتقدّم : ص283 ح38 .

(2) بحار الأنوار : ج23 ص281 ب16 ح27 .

(3) بحار الأنوار : ج27 ص280 ب17 ح4 .

(4) سورة الإسراء : الآية 44 .

(5) سورة فصّلت : الآية 21 .


472

وإعجازهم كحديث ابن عبّاس المروي من طريق الفريقين .

قال : خرج أعرابي من بني سليم يدور في البرية ، فصاد ضبّاً فصيّره في كمّه ، وجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، وقال : يامحمّد ، أنت الساحر الكذّاب الذي تزعم أنّ في السماء إلهاً بعثك إلى الأسود والأبيض ؟ فواللات والعزّى لولا أن يسمّيني قومي العجول لضربتك بسيفي حتّى أقتلك .

فقام عمر بن الخطاب ليبطش به ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : « مهلا ياأبا حفص ، فإنّ الحليم كاد أن يكون نبيّاً » .

ثمّ قال النبي (صلى الله عليه وآله) : « ياأخا بني سليم ، هكذا تفعل العرب ؟ تأتينا في مجالسنا وتهجونا بالكلام ! أسلم ياأعرابي فيكون لك ما لنا ، وعليك ما علينا ، وتكون في الإسلام أخانا » .

فقال : فواللات والعزّى ، لا اُؤمن بك حتّى يؤمن بك هذا الضبّ . وألقى الضبّ من كمّه .

قال : فعدا الضبّ ليخرج من المسجد ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : « ياضبّ » فالتفت إليه ، فقال (صلى الله عليه وآله) له : « من أنا ؟ » .

فقال : أنت محمّد رسول الله .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : من تعبد .

فقال : أعبد من اتّخذ إبراهيم خليلا ، وناجى موسى كليماً ، وإصطفاك حبيباً .

فقال الأعرابي : سبحان الله ، ضبّ إصطدته بيدي ، لا يفقه ولا يعقل ، كلّم محمّداً وشهد له بالنبوّة ، لا أطلب أثراً بعد عين ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وحده


473

مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَلا صِدِّيقٌ (1) وَلا شَهِيدٌ ، وَلا عالِمٌ وَلا جاهِلٌ وَلا دَنِيٌّ وَلا فاضِلٌ (2) وَلا مُؤْمِنٌ صالِحٌ وَلا فاجِرٌ طالِحٌ (3) وَلا جَبّارٌ عَنِيدٌ (4) لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله .

وأنشأ يقول : ألا يارسول الله إنّك صادق شرعت لنا دين الحنيفة بعد ما فياخير مدعوٍّ وياخير مرسل فنحن اُناس من سليم عديدنا فبوركت في الأقوام حيّاً وميّتاً فبوركت مهديّاً وبوركت هاديا غدونا كأمثال الحمير الطواغيا إلى الإنس ثمّ الجنّ لبّيك داعيا أتيناك نرجو أن ننال العواليا وبوركت طفلا ثمّ بوركت ناشيا

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : « علّموا الأعرابي » فعُلّم سوراً من القرآن » (1) .

(1) ـ الصدّيق : هو المداوم على التصديق بما يوجب الحقّ ، والذي عادته الصدق .

(2) ـ الدنيّ : هو الخسيس من الرجال ، والدناءة : النقص .

بينما الفضيلة هي خلاف النقيصة ، وهي الدرجة الرفيعة ، وصاحبها هو الفاضل .

(3) ـ الصالح : هو صاحب الصلاح ، ويقال : صلح الرجل ، خلاف فسد .

والطالح : ضدّ الصالح ، فهو الرجل الفاسد .

(4) ـ الجبّار : هو المتسلّط والمتكبّر .

والعنيد : هو الجائر عن القصد ، والباغي الذي يردّ الحقّ مع العلم به ،

(1) الثاقب في المناقب : ص73 .


474

وَلا شَيْطانٌ مَرِيدٌ (1) وَلا خَلْقٌ فِيما بَيْنَ ذلِكَ شَهِيدٌ (2) اِلاّ عَرَّفَهُمْ (3) جَلالَةَ اَمْرِكُمْ (4) وَعِظَمَ خَطَرِكُمْ (5) وَكِبَرَ شَأْنِكُمْ (6) وَتَمامَ نُورِكُمْ (7) يقال : عَنَد ، أي خالف الحقّ وردّه وهو يعرفه .

(1) ـ المَريد بفتح الميم : هو الخارج عن الطاعة وهو متمكّن منها .

(2) ـ أي خلق في حدّ الإعتدال شهيد ، أي عالم أو حاضر .

(3) ـ يقال : عرّفته الشيء أي أعلمته إيّاه .

وعَرِفْت الشيء أي أدركته واطّلعت عليه .

وحقيقة التعريف : تمييز الشيء بما لا يشتبه بغيره (1) .

(4) ـ يقال : جلّ فلان جلالةً أي عظم قَدْرُه .

فالمعنى : عرّفهم الله تعالى عظمة أمركم أهل البيت .

(5) ـ عِظَم : على وزن عنب ضدّ الصِغَر .

والخطر : بفتحتين هو القدر والمنزلة .

أي عرّفهم عظم قدركم ومنزلتكم عند الله تعالى .

(6) ـ أي كبر أمركم وحالكم وولايتكم المطلقة .

(7) ـ أي نوركم التامّ الكامل .

فإنّ أبا الأئمّة أمير المؤمنين (عليه السلام) خُلق مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نور واحد من نور الله عزّوجلّ وكذا الصدّيقة الطاهرة والذرّية الباهرة (عليهم السلام) كما صرّحت به أحاديث معرفتهم بالنورانية مثل حديث سلمان وأبي ذرّ المتقدّم (2) . وغيره ممّا

(1) الشموس الطالعة : ص379 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص3 ب13 ح1 .


475

وَصِدْقَ مَقاعِدِكُمْ (1) وَثَباتَ مَقامِكُمْ (2) وَشَرَفَ مَحَلِّكُمْ وَمَنْزِلَتِكُمْ عِنْدَهُ (3) وَكَرامَتَكُمْ عَلَيْهِ (4) ذكرناها في فقرة « خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين » .

(1) ـ أي أنّكم أهل البيت صادقون في مقاماتكم ومراتبكم السامية ، وهي حقّكم ومرتبتكم المختصّة بكم .

قال العلاّمة شبّر : ولعلّه إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْق عِندَ مَلِيك مُّقْتَدِر (1) .

وفي نسخة الكفعمي : « وصدق مقالكم » .

(2) ـ الثبات : هو الإستقرار .

أي إستقرار مقامكم المرضي ، وقيامكم في طاعة الله ومرضاته ومعرفته .

(3) ـ الشرف : هو العلوّ والمكان العالي ، وسمّي الشريف شريفاً تشبيهاً للعلوّ المعنوي بالعلو المكاني .

أي علوّ مقامكم ومنزلتكم عند الله تعالى .

(4) يقال : كرُم الشيء أي عزّ ونَفُس ، ومنه التكريم ، والإسم منه الكرامة .

أي عرّفهم كرامتكم وعزّتكم على الله تعالى .

فإنّ النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم أعزّ الخلق على الله وأوجههم عند الله ، وببركتهم وصل من وصل إلى عالي المقام وشرافة الأنام ، وبالتوسّل بهم والاستشفاع بمقامهم استجيب دعاء الأنبياء ودعوات الأولياء كما تلاحظ ذلك في أبوابها الكثيرة ومواردها الوفيرة ، نختار منها بعض الأحاديث الشريفة

(1) سورة القمر : الآية 55 .


476

مثل :

1 ـ حديث معمّر بن راشد المتقدّم قال : سمعت أبا عبدالله الصادق (عليه السلام)يقول : أتى يهودي النبي (صلى الله عليه وآله) فقام بين يديه يحدّ النظر إليه ، فقال : يايهوديّ ما حاجتك ؟

قال : أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلّمه الله ، وأنزل عليه التوراة والعصا ، وفلق له البحر ، وأظلّه بالغمام ؟

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) : « إنّه يكره للعبد أن يزكّي نفسه ، ولكنّي أقول .

إنّ آدم (عليه السلام) لمّا أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا غفرت لي ، فغفرها الله له .

وإنّ نوحاً (عليه السلام) لمّا ركب في السفينة وخاف الغرق قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا أنجيتني من الغرق ، فنجّاه الله عنه .

وإنّ إبراهيم (عليه السلام) لمّا اُلقي في النار قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا أنجيتني منها ، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً .

وإنّ موسى (عليه السلام) لمّا ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لمّا آمنتني فقال الله جلّ جلاله : ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاَْعْلَى (1) .

يايهودي إنّ موسى لو أدركني ثمّ لم يؤمن بي وبنبوّتي ما نفعه إيمانه شيئاً ، ولا نفعته النبوّة .

يايهودي ومن ذرّيتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم (عليه السلام) لنصرته

(1) سورة طه : الآية 68 .


477

فقدّمه وصلّى خلفه » (1) .

2 ـ حديث المفضّل قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « إنّ الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة بعدهم صلوات الله عليهم ، فعرضها على السماوات والأرض والجبال فغشيها نورهم .

فقال الله تبارك وتعالى للسماوات والأرض والجبال : هؤلاء أحبّائي وأوليائي وحججي على خلقي وأئمّة بريّتي ، ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منهم [ و ] لهم ولمن تولاّهم خلقت جنّتي ، ولمن خالفهم وعاداهم خلقت ناري .

فمن ادّعى منزلتهم منّي ومحلّهم من عظمتي عذّبته عذاباً لا اُعذّبه أحداً من العالمين ، وجعلته مع المشركين في أسفل درك من ناري .

ومن أقرّ بولايتهم ولم يدّع منزلتهم منّي ومكانهم من عظمتي جعلتهم معهم في روضات جنّاتي ، وكان لهم فيها ما يشاؤون عندي ، وأبحتهم كرامتي وأحللتهم جواري ، وشفّعتهم في المذنبين من عبادي وإمائي ، فولايتهم أمانة عند خلقي ، فأيّكم يحملها بأثقالها ويدّعيها لنفسه دون خيرتي ؟

فأبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها ، وأشفقن من ادّعاء منزلتها وتمنّي محلّها من عظمة ربّها .

فلمّا أسكن الله عزّوجلّ آدم وزوجته الجنّة قال لهما : ﴿ كُلاَ مِنْهَا رَغَداً

(1) بحار الأنوار : ج16 ص366 ب16 ح72 عن جامع الأخبار : ص8 ، أمالي الصدوق : ص181 ح4 .


478

حَيْثُ شِئْتَُما وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ يعني شجرة الحنطة ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (1) فنظر إلى منزلة محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة [ من ] بعدهم فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة فقالا : ياربّنا لمن هذه المنزلة ؟

فقال الله جلّ جلاله : ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي ، فرفعا رؤوسهما فوجدا اسم محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة [ بعدهم ] صلوات الله عليهم مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبّار جلّ جلاله .

فقالا : ياربّنا ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك ، وما أحبّهم إليك ، وما أشرفهم لديك ؟!

فقال الله جلّ جلاله : « لولاهم ما خلقتكما ، هؤلاء خزنة علمي واُمنائي على سرّي ، إيّاكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد وتتمنّيا منزلتهم عندي ، ومحلّهم من كرامتي فتدخلا بذلك في نهيي وعصياني ﴿ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ الحديث (2) .

3 ـ أنس بن مالك ، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : « لمّا أراد الله عزّوجلّ أن يهلك قوم نوح (عليه السلام) أوحى [ الله ] إليه : أن شقّ ألواح الساج ، فلمّا شقّها لم يدر ما يصنع بها ، فهبط جبرئيل فأراه هيئة السفينة ومعه تابوت فيه مائة ألف مسمار وتسعة وعشرون ألف مسمار ، فسمّر بالمسامير كلّها السفينة إلى أن بقيت خمسة مسامير .

(1) سورة البقرة : الآية 35 .

(2) بحار الأنوار : ج11 ص172 ب3 ح19 ، عن معاني الأخبار : ص108 ح1 باب معنى الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض ... .


479

فضرب بيده إلى مسمار [ منها ] فأشرق في يده وأضاء كما يضيء الكوكب الدرّي في اُفق السماء ، فتحيّر [ من ذلك ] نوح ، فأنطق الله [ ذلك ] المسمار بلسان طلق ذلق فقال له : ياجبرئيل ما هذا المسمار الذي ما رأيت مثله ؟

قال : هذا باسم خير الأوّلين والآخرين : محمّد بن عبدالله ، أسمره في أوّلها على جانب السفينة اليمين .

ثمّ ضرب بيده على مسمار ثان فأشرق وأنار ، فقال نوح : وما هذا المسمار ؟

فقال : مسمار أخيه وابن عمّه علي بن أبي طالب فأسمره على جانب السفينة الأيسر في أوّلها .

ثمّ ضرب بيده إلى مسمار ثالث فزهر وأشرق وأنار .

فقال : هذا مسمار فاطمة فأسمره إلى جانب مسمار أبيها .

ثمّ ضرب بيده إلى مسمار رابع فزهر وأنار .

فقال : هذا مسمار الحسن فأسمره إلى جانب مسمار أبيه .

ثمّ ضرب بيده إلى مسمار خامس ، فأشرق وأنار وبكى فقال : ياجبرئيل ما هذه النداوة ؟

فقال : هذا مسمار الحسين بن علي سيّد الشهداء فأسمره إلى جانب مسمار أخيه .

ثمّ قال النبي (صلى الله عليه وآله) : ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاح وَدُسُر (1) قال

(1) سورة القمر : الآية 13 .


480

وَخاصَّتَكُمْ لَدَيْهِ (1) وَقُرْبَ مَنْزِلَتِكُمْ مِنْهُ (2) النبي (صلى الله عليه وآله) : الألواح خشب السفينة ، ونحن الدّسر ، [ و ] لولانا ما سارت السفينة بأهلها » (1) .

ومعاجزهم الباهرة تنبىء عن عظيم كرامتهم على الله تعالى ، ومقاماتهم الزاهرة في الدنيا والآخرة تشهد بأنّهم أعزّ الخلق عند الله .

(1) ـ الخاصّة : مأخوذة من الخصوصية ، يقال : خصّ الشيء خلاف عمَّ ، وفي الدعاء محمّد حبيبك وخاصّتك ، أي اختصصته من سائر خلقك .

فالمعنى عرَّفَهم خصوصيتكم أهل البيت عند الله تعالى .

وقد خصّهم بفضائل ومناقب ومقامات لم يشترك فيها معهم حتّى الأنبياء . فجمعوا (عليهم السلام) صفات الأنبياء وزادوا عليهم وفاقوهم .

وقد تقدّم بيانه ودليله في فقرة « فبلغ الله بكم أشرف محلّ المكرمين » فلاحظ .

(2) ـ المنزلة : هي المرتبة ، ومنه الحديث « اعرفوا منازل الرجال على قدر روايتهم عنّا » أي منزلتهم ومراتبهم في الفضيلة والتفضيل (2) .

أي أنّ الله تعالى عَرَّف من سبق ذكرهم قرب منزلتكم ومرتبتكم عنده .

فإنّكم أهل البيت أقرب المقرّبين والمرسلين عند ربّ العالمين . فقد اختاركم صفوة أوليائه ، وخوّلكم معالي درجاته ، وجعلكم مظاهر قدرته وأفضل خليقته ، وهذا يدلّ على أنّكم أقرب الخلق منزلة عند الله .

(1) بحار الأنوار : ج11 ص328 ب3 ح49 .

(2) مجمع البحرين : ص498 .


481

وأيّ قرب ودُنوٍّ معنوي أعظم من أن يكتب اسم أمير المؤمنين على عرش ربّ العالمين مقروناً باسم الله واسم نبيّه .

ففي حديث الصدوق بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال في وصيّته لي :

« ياعلي إنّي رأيت إسمك مقروناً باسمي في أربعة مواطن ، فآنست بالنظر إليه ، إنّي لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرتها مكتوباً : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره ، فقلت لجبرئيل : مَن وزيري ؟

فقال : علي بن أبي طالب .

فلمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوباً عليها : إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي ، محمّد صفوتي من خلقي ، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره . فقلت لجبرئيل : مَن وزيري ؟

فقال : علي بن أبي طالب .

فلمّا جاوزت السدرة انتهيت إلى عرش ربّ العالمين جلّ جلاله فوجدت مكتوباً على قوائمه : أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي محمّد حبيبي أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره .

فلمّا رفعت رأسي وجدت على بُطنان العرش مكتوباً : أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي ، محمّد عبدي ورسولي أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره » (1) .

(1) الخصال : ص207 ح26 .


482

بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَاَهْلِي وَمالِي وَاُسْرَتِي (1) إلى أن يرقى مع النبي في المعراج إلى قاب قوسين أو أدنى كما في حديث شيخ الطائفة ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « لمّا عُرج بي إلى السماء دنوت من ربّي عزّوجلّ حتّى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى (1) ، فقال : يامحمّد ، من تُحبّ من الخلق ؟

قلت : ياربّ عليّاً .

قال : التفِت يامحمّد ، فالتفتُّ عن يساري ، فإذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) » (2) .

(1) ـ هذه الكلمات إنشاء للتحبيب ، وتعظيم للمحبوب ، بتفدية ما أحبّ الإنسان من الأب والاُمّ والأهل والمال والاُسرة لمحبوبه (3) .

وجاء في الحديث : « بآبائنا واُمّهاتها يارسول الله » ، وهذه الباء يسمّيها بعض النحّاة باء التفدية ، حذف فعلها في الغالب ، والتقدير نفديك بآبائنا واُمّهاتنا (4) .

فالمعنى هنا : أفديكم أهل البيت بأبي واُمّي ... ، أو أنتم مفديّون بأبي واُمّي ...

واُسرة الرجل : بالضمّ هم رهطه وعشيرته وأهل بيته الذين يتقوّى بهم ، والرهط الأدنون .

(1) لا يخفى أنّ الدنو هنا بمعنى الدنوّ المعنوي ، أو الدنو بالعلم أو الدنو من نعمة الله ورحمته ، أو الدنوّ من حجب النور كما تلاحظه في أحاديثه في الكنز : ج12 ص475 .

(2) الأمالي : ص352 ح727 .

(3) الشموس الطالعة : ص385 .

(4) مجمع البحرين : ص3 .


483

اُشْهِدُ اللّهَ وَاُشْهِدُكُمْ (1) ولقد حقَّ أن نفدي أهل البيت (عليهم السلام) بآبائنا واُمّهاتنا ، ونبذل في سبيلهم غوالي ما يعزّ علينا ، حتّى نقيهم عن كلّ محذور ، وندفع عنهم كلّ محظور .

فإنّ المحافظة على أنفسهم الزكيّة ، ونفوسهم القدسيّة لازمة علينا بكلّ ما نملكه من النفس والنفيس .

لأنّهم أولياؤنا ، والأولى بأنفسنا ، وودائع الله ورسوله عندنا ، فيكون حفظهم لازماً علينا . كما بيّنا ذلك في فقرة « والأمانة المحفوظة » .

ولأنّهم زمام الدين ، وأساس الإسلام المبين ، وقرين القرآن الكريم ، فيكون حفظهم حفظاً للدين القويم ، كما عرفت ذلك من حديث عبدالعزيز بن مسلم المتقدّم (1) .

وفي نسخة الكفعمي هنا زيادة : (ياسادتي وأئمّتي) .

(1) ـ هذا تجديدٌ للعهد ، واستشهادٌ من العبد .

فيُقرّ الزائر بالمعتقدات الحقّة التي بيّنها بقوله : « إنّي مؤمن بكم ... » الخ .

وهي من أبرز المعالم الإعتقادية الشريفة التي يشهد بها المؤمن ، ويستشهد عليها شاهدين :

الشاهد الأوّل : أصدق الصادقين وهو ربُّ العالمين ، وكفى بالله شهيداً .

﴿ قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (2) .

الشاهد الثاني : نفس أهل البيت (عليهم السلام) الذين يخاطبهم بهذه الشهادات

(1) الكافي : ج1 ص188 ح1 .

(2) سورة الإسراء : الآية 96 .


484

اَنِّي مُؤْمِنٌ بِكُمْ وَبِما آمَنْتُمْ بِهِ (1) فإنّهم الشهداء الصادقون على ما يعمله المخلوقون .

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (1) .

فما أعظمهم من شهود صدق : ربّ العزّة ، وحججه الأعزّة .

وما أعظمها من شهادات حقّ : أركان الإيمان ، ومُسعدات الإنسان .

وهي ما يلي في الفقرات التالية : « أنّي مؤمن بكم » الخ .

(1) ـ أي إنّي مؤمن بإمامتكم ووجوب طاعتكم وفضلكم وعصمتكم ومقاماتكم القدسيّة ، فإنّ إمامتهم من اُصول الدين ، وخلافتهم من دعائم شريعة سيّد المرسلين ، وولايتهم ثابتة بالبرهان المبين .

وتعرف من أحاديث دعائم الإسلام أنّ الإمامة من الأركان .

كما تعرف من أحاديث معرفة إمام الزمان أنّ تركها يوجب الجاهلية الجهلاء .

ولمزيد المعرفة لاحظ مبحث الإمامة ، فقد فصّلنا البحث هناك في الأدلّة الخمسة للإمامة يعني دليل الكتاب والسنّة والعقل والإجماع والإعجاز (2) .

وكذلك إنّي مؤمن بما آمنتم به إيماناً بجميعها ، لأنّها اُمور حقّة يقيناً ، فيكون الإيمان بها حقّاً ، أكون مؤمناً بها جملةً وإن لم أعلمها تفصيلا .

إذ أنّ أهل البيت (عليهم السلام) متّصلون بمبدأ الوحي الإلهي والعلم الربّاني ،

(1) سورة البقرة : الآية 143 .

(2) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص259 .


485

كافِرٌ بِعَدُوِّكُمْ وَبِما كَفَرْتُمْ بِهِ (1) فتكون قلوبهم منيرة بالمعارف الحقيقية ، ومشرقة بالعلوم اللدنّية .

(1) ـ الكفر : ضدّ الإيمان ، وقد كفر بالشيء أي جحده وأنكره .

أي إنّي منكر وجاحد لأعدائكم ، فإنّ أعدائهم أعداء الله ، والبراءة من أعداء الله لازمة .

قال السيّد شبّر في شرحه : (وفيه إشارة إلى أنّ الإيمان بهم لا يتمّ إلاّ مع الكفر بعدوّهم والبراءة منه ، وإنّ حبّهم لا يجتمع مع حبّ أعدائهم ، فإنّ المحبّ من يحبّ أولياء المحبوب ويبغض أعدائه .

وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله : ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (1) ) .

فالتبرّي من أعداء أهل البيت من الأركان الاُخرى التي بها يتمّ الدين كما تلاحظه في الأحاديث المتظافرة مثل :

1 ـ حديث أبي الجارود ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله : ﴿ مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ (2) « فيحبّ بهذا ويبغض بهذا ، فأمّا محبّنا فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه .

من أراد أن يعلم حبّنا فليمتحن قلبه فإن شاركه في حبّنا حبّ عدوّنا فليس منّا ولسنا منه ، والله عدوّهم وجبرئيل وميكائيل والله عدوٌ للكافرين » (3) .

2 ـ حديث الأعمش ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال :

(1) سورة البقرة : الآية 256 .

(2) سورة الأحزاب : الآية 4 .

(3) بحار الأنوار : ج27 ص51 ب1 ح1 .


486

« حبّ أولياء الله واجب ، والولاية لهم واجبة .

والبراءة من أعدائهم واجبة ومن الذين ظلموا آل محمّد صلّى الله عليهم ، وهتكوا حجابه وأخذوا من فاطمة (عليها السلام) فدك ومنعوها ميراثها وغصبوها وزوجها حقوقهما وهمّوا باحراق بيتها وأسّسوا الظلم وغيّروا سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين واجبة ، والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمّة الضلال وقادة الجور كلّهم أوّلهم وآخرهم واجبة ، والبراءة من أشقى الأوّلين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام) واجبة ، والبراءة من جميع قتلة أهل البيت (عليهم السلام) واجبة .

والولاية للمؤمنين الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا بعد نبيّهم (صلى الله عليه وآله) واجبة ، مثل سلمان الفارسي ، وأبي ذرّ الغفاري ، والمقداد بن الأسود الكندي ، وعمّار بن ياسر ، وجابر بن عبدالله الأنصاري ، وحذيفة بن اليمان ، وأبي الهيثم بن التيهان ، وسهل بن حنيف ، وأبي أيّوب الأنصاري ، وعبدالله بن الصامت ، وعبادة بن الصامت ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ، وأبي سعيد الخدري ، ومن نحا نحوهم وفعل مثل فعلهم ، والولاية لأتباعهم والمقتدين بهم وبهداهم واجبة » (1) .

3 ـ حديث هشام بن سالم ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « من جالس لنا عائباً ، أو مدح لنا قالياً ، أو واصل لنا قاطعاً ، أو قطع لنا واصلا ، أو والى لنا عدوّاً ، أو عادى لنا وليّاً ، فقد كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم » (2) .

(1) بحار الأنوار : ج27 ص52 ب1 ح3 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص52 ب ح4 .


487

4 ـ حديث الصفواني عن الإمام الصادق (عليه السلام) قيل للصادق (عليه السلام) : إنّ فلاناً يواليكم إلاّ أنّه يضعف عن البراءة من عدوّكم .

فقال : « هيهات كذب من ادّعى محبّتنا ولم يتبرّأ من عدوّنا » (1) .

5 ـ حديث سليمان الأعمش ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال : قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ياعلي أنت أمير المؤمنين وإمام المتّقين .

ياعلي أنت سيّد الوصيّين ووارث علم النبيّين وخير الصدّيقين وأفضل السابقين .

ياعلي أنت زوج سيّدة نساء العالمين وخليفة خير المرسلين .

ياعلي أنت مولى المؤمنين والحجّة بعدي على الناس أجمعين ، استوجب الجنّة من تولاّك ، واستوجب دخول النار من عاداك .

ياعلي والذي بعثني بالنبوّة واصطفاني على جميع البريّة لو أنّ عبداً عبد الله ألف عام ما قبل ذلك منه إلاّ بولايتك وولاية الأئمّة من ولدك .

وإنّ ولايتك لا تقبل إلاّ بالبراءة من أعدائك وأعداء الأئمّة من ولدك .

بذلك أخبرني جبرئيل (عليه السلام) فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر » (2) .

لذلك قال الصدوق (قدس سره) في كتاب الإعتقادات :

(واعتقادنا في البراءة أنّها واجبة من الأوثان الأربعة ، والإناث الأربع ،

(1) بحار الأنوار : ج27 ص58 ب1 ح18 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص63 ب1 ح22 .


488

ومن جميع أشياعهم وأتباعهم ، وأنّهم شرّ خلق الله عزّوجلّ ، ولا يتمّ الإقرار بالله وبرسوله وبالأئمّة (عليهم السلام) إلاّ بالبراءة من أعدائهم) (1) .

وغير خفي على المنصفين أنّ أعداء أهل البيت قد غيّروا الدين وبدّلوا شريعة سيّد المرسلين فكان عليهم وزر الوازرين إلى يوم الدين كما تلاحظه في الأحاديث الشريفة مثل :

1 ـ حديث القمّي ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « والله ما اُهريقت محجمة من دم ، ولا قُرعت عصا بعصا ، ولا غُصب فَرْج حرام ، ولا اُخذ مال من غير حلّه ، إلاّ ووزرُ ذلك في أعناقهما ، من غير أن ينقص من أوزار العالمين شيء » (2) .

2 ـ حديث سدير قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عنهما ؟

فقال : « ياأبا الفضل ! ما تسألني عنهما ؟! فوالله ما مات منّا ميّت قطّ إلاّ ساخطاً عليهما ، وما منّا اليوم إلاّ ساخطاً عليهما يوصّي بذلك الكبير منّا الصغير ، إنّهما ظلمانا حقّنا ، ومنعنانا فيئنا ، وكانا أوّل من ركب أعناقنا وبثقا (3) علينا بَثْقاً في الإسلام لا يسكر أبداً حتّى يقوم قائمنا أو يتكلّم متكلّمنا .

ثمّ قال : أما والله لو قد قام قائمنا وتكلّم متكلّمنا لأبدى من اُمورهما ما

(1) الإعتقادات ، للشيخ الصدوق : ص105 .

(2) بحار الأنوار : ج30 ص149 ب20 ح4 .

(3) من قولهم : بثق النهر : انكسر شطّه ، أي ثلما علينا ثلمة في الإسلام لا يسدّها شيء ، ويقال : بثقت الماء بثقاً ـ من بابي ضرب وقتل ـ : إذا أهرقته .

اُنظر : مجمع البحرين : ص424 .


489

مُسْتَبْصِرٌ بِشَأْنِكُمْ (1) كان يُكْتَم ، وَلَكَتَمَ من اُمورهما ما كان يظهر .

والله ما اُسّست من بليّة ولا قضيّة تجري علينا أهل البيت إلاّ هما أسّسا أوّلها ، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » (1) .

لذلك كلّه تعرف الوجه في البراءة من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) ، ويتّضح الدليل لقوله (عليه السلام) في هذه الزيارة الشريفة « كافر بعدوّكم » .

وأمّا قوله (عليه السلام) : « وبما كفرتم به » فمعناه : إنّي كافرٌ ومنكرٌ لكلّ ما كفرتم به وأنكرتموه وإن لم أعلمها تفصيلا . فإنّ ما كفر به أهل البيت (عليهم السلام) وأنكروه هو الطاغوت بجميع أفراده من المشركين والكافرين والمنافقين ، وبجميع أعمال الطاغوت من المعاصي والمنكرات والسيّئات والأباطيل .

وبعبارة موجزة : الذي آمن به أهل البيت (عليهم السلام) هو الحقّ ، فيكون الإيمان بما آمنوا به هو الإيمان بالحقّ .

والذي كفر به أهل البيت (عليهم السلام) هو الباطل ، فيكون الكفر بما كفر به أهل البيت هو إنكار الباطل .

فالمدار في الواقع هنا هو الإيمان بالحقّ واستنكار الباطل .

(1) ـ الاستبصار : هو طلب البصيرة .

والبصيرة والبُصرة هي الخبرة والعلم ، والبصائر هي البيّنات والدلائل التي يبصر بها الهدى ويميّز بها الحقّ عن الباطل ، والمستبصر هو المستبين

(1) بحار الأنوار : ج30 ص269 ب20 ح138 .


490

وَبِضَلالَةِ مَنْ خالَفَكُمْ (1) مُوال لَكُمْ وَلأَوْلِيائِكُمْ مُبْغِضٌ لاَِعْدائِكُمْ وَمُعاد لَهُمْ (2) للشيء (1) .

فالمعنى إنّي طالب للبصيرة والعلم والخبرة بشأنكم ، أي مقامكم وأمركم وحالكم .

وفيه إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن ادّعاء البصيرة بمقامهم السامي ومرتبتهم العليا فنطلب البصيرة الكاملة بها .

فإنّهم أنوار الله ومظاهر صفاته ، والقوّة البشرية لا تطيق الإحاطة بمعرفتها وكمال التبصّر فيها .

(1) ـ الضلالة : ضدّ الهداية ، والضلال هو العدول عن الطريق المستقيم ، فإنّ المخالفة مع أهل البيت (عليهم السلام) ضلالة ، وعدم معرفتهم جاهلية .

وقد تقدّم دليل ذلك في فقرة : « وضلّ من خالفكم » .

وفي نسخة الكفعمي : « عارف بضلالة من خالفكم » .

(2) ـ قد سلف الإستدلال في فقرة : « من والاكم فقد والى الله ، ومن عاداكم فقد عادى الله » بالآيات الشريفة والروايات المباركة على ذلك .

فيلزم التولّي لهم ، ولأوليائهم ، والتبرّي من أعدائهم ومعاداتهم .

وتلاحظ وجوب ذلك ـ مضافاً إلى ما تقدّم ـ في الحديث الرضوي الشريف في بيان محض الإسلام وشرائع الدين الذي ورد فيه :

« والبراءة من الذين ظلموا آل محمّد (صلى الله عليه وآله) وهمّوا بإخراجهم وسنّوا ظلمهم وغيّروا سنّة نبيّهم (صلى الله عليه وآله) ، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين الذين

(1) لاحظ مجمع البحرين : ص242 .


491

هتكوا حجاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونكثوا بيعة إمامهم وأخرجوا المرأة وحاربوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقتلوا الشيعة المتّقين رحمة الله عليهم واجبة .

والبراءة ممّن نفى الأخيار وشرّدهم وآوى الطرداء اللعناء وجعل الأموال دولة بين الأغنياء واستعمل السفهاء مثل معاوية وعمرو بن العاص لعينَي رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

والبراءة من أشياعهم والذين حاربوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقتلوا الأنصار والمهاجرين وأهل الفضل والصلاح من السابقين .

والبراءة من أهل الاستيثار ومن أبي موسى الأشعري وأهل ولايته ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وبولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ﴿ وَلِقَائِهِ كفروا بأن لقوا الله بغير إمامته ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (1) فهم كلاب أهل النار .

والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمّة الضلالة وقادة الجور كلّهم أوّلهم وآخرهم .

والبراءة من أشباه عاقري الناقة أشقياء الأوّلين والآخرين وممّن يتولاّهم .

والولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) والذين مضوا على منهاج نبيّهم (صلى الله عليه وآله) ولم يغيّروا ولم يبدّلوا مثل سلمان الفارسي وأبي ذرّ الغفاري والمقداد بن الأسود وعمّار بن ياسر وحذيفة اليماني وأبي الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وعبادة ابن الصامت وأبي أيّوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي سعيد الخدري

(1) سورة الكهف : الآية 104 و105 .


492

سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ (1) مُحَقِّقٌ لِما حَقَّقْتُمْ مُبْطِلٌ لِما اَبْطَلْتُمْ (2) وأمثالهم رضي الله عنهم ورحمة الله عليهم والولاية لأتباعهم وأشياعهم والمهتدين بهداهم والسالكين منهاجهم رضوان الله عليهم ... » (1) .

(1) ـ السِّلم : بكسر السين هي المسالمة والمصالحة والإنقياد ، مقابل الحرب .

أي إنّي مسالم ومصالح ومنقاد لمن كان مسالماً ومصالحاً ومنقاداً لكم أهل البيت وكذلك إنّي حربٌ وعدوٌّ لمن كان حرباً معكم وعدوّاً لكم .

وقد ثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّه كان سلماً لمن سالم أهل البيت ، وحرباً لمن حاربهم .

ورواه الفريقان وجاء حتّى من طريق العامّة متواتراً (2) .

(2) ـ الحقّ : ضدّ الباطل ، وحقائق الشيء هي ما ثبتت ، والباطل : غير الثابت .

وتحقيق الشيء هو إثباته وإظهاره ، ويُحقّ الله الحقّ أي يُثبته ويُظهره (3) .

فمعنى الفقرة الشريفة إنّي اُثبت واُظهر واُبيّن حقّية ما حقّقتموه وأثبتموه ، وكذا إنّي اُبطل واُنفي ما أبطلتموه ونفيتموه .

وفُسّر أيضاً بأنّي أعتقد حقّية ما حقّقتم ، وبطلان ما أبطلتم .

فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) مدار الحقّ ومحور الحقيقة ، وليس بعد الحقّ إلاّ الضلال ، فيكون كلّ ما أثبتوه حقّاً ، وكلّ ما نفوه باطلا .

وقد تقدّم دليل أنّ أهل البيت (عليهم السلام) مع الحقّ والحقّ معهم ، لا يفارقهم ولا

(1) عيون الأخبار : ج2 ص125 .

(2) إحقاق الحقّ : ج9 ص161 ـ 174 .

(3) مجمع البحرين : ص425 .


493

مُطِيعٌ لَكُمْ (1) يفارقونه (1) .

وفي حديث مناقب الخوارزمي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « علي أمير البررة وقاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ، ألا وإنّ الحقّ معه ويتبعه ، ألا فميلوا معه » (2) .

(1) ـ الطاعة في اللغة : إسم من طاعَ طوعاً إذا أذعن وانقاد .

فالطاعة هو الإذعان والإنقياد (3) .

وحقيقة الطاعة جَرْيُ العامل على ما وافق رضا الآمر ابتغاء مرضاته (4) .

فالمعنى : إنّي مذعن بكم ومنقاد لكم ومعترف بوجوب إطاعتكم ، وإن صدر منّي مخالفة في بعض الأحيان .

فإنّهم اُولو الأمر الذين أوجب الله طاعتهم ، وأمر في كتابه بإطاعتهم كما تلاحظه في أحاديث باب وجوب إطاعتهم المشتمل على (65) حديثاً منها حديث الإمام الباقر (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى : ﴿ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً (5) « فجعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمّة فكيف يقرّون في آل إبراهيم وينكرون في آل محمّد (صلى الله عليه وآله) ؟

قلت : فما معنى قوله : ﴿ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً .

(1) إحقاق الحقّ : ج9 ص479 .

(2) لاحظ الحديث بطرقه وأسانيده في إحقاق الحقّ : ج4 ص237 وص27 .

(3) مجمع البحرين : ص387 .

(4) الشموس الطالعة : ص388 .

(5) سورة النساء : الآية 54 .


494

عارِفٌ بِحَقِّكُمْ (1) قال : الملك العظيم أن جعل فيهم أئمّة ، من أطاعهم أطاع الله ، ومن عصاهم عصى الله ، فهو الملك العظيم » (1) .

وترى وجوب طاعتهم بدليل الكتاب في أحاديث الفريقين في الغاية ص263 .

(1) ـ معرفة الشيء : إدراكه ، ومعرفة أهل البيت (عليهم السلام) هو تصديقهم ، والاعتراف بإمامتهم .

وعارفٌ بحقّكم أي بحقّهم الواجب علينا مثل وجوب طاعتهم ومعرفتهم والوفاء بعهدهم وإجابتهم وعدم خيانتهم .

وقد ورد ذلك في باب حقّ الإمام على الرعية ، في مثل :

1 ـ حديث أبي حمزة قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) : ما حقّ الإمام على الناس ؟

قال : « حقّه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا .

قلت : فما حقّهم عليه ؟

قال : يقسّم بينهم بالسويّة ويعدل في الرعية ، فإذا كان ذلك في الناس فلا يبالي من أخذ ههنا وههنا » .

2 ـ حديث هارون بن صدقة ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « لا تختانوا ولاتكم ، ولا تغشّوا هداتكم ، ولا تجهّلوا أئمّتكم ، ولا تصدّعوا عن حبلكم فتفشلوا وتذهب ريحكم ، وعلى هذا فليكن تأسيس اُموركم ، والزموا هذه الطريقة ، فإنّكم لو عاينتم ما عاين من قدمات منكم ممّن خالف ما قد تدعون إليه لبدرتم وخرجتم ولسمعتم ، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا

(1) بحار الأنوار : ج23 ص287 ب17 ح10 .


495

مُقِرٌّ بِفَضْلِكُمْ (1) مُحْتَمِلٌ لِعِلْمِكُمْ (2) وقريباً ما يطرح الحجاب » .

3 ـ حديث النهج الشريف قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه : « أيّها الناس إنّ لي عليكم حقّاً ، ولكم عليّ حقٌّ ، فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كي لا تجهلوا وتأديبكم كي ما تعلموا .

وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين أدعوكم ، والطاعة حين آمركم » (1) .

(1) ـ من الإقرار وهو الإعتراف أي معترف بفضلكم الشامخ .

والفضل والفضيلة : هي الدرجة الرفيعة (2) .

وأهل البيت (عليهم السلام) بلغوا ذروة الفضيلة ، وأعلى درجات الفضل .

ففي حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

« ياعلي إنّ الله تبارك وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين ، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلين ، والفضل بعدي لك ياعلي وللأئمّة من بعدك ... » (3) .

(2) ـ محتمل : من الاحتمال بمعنى التحمّل .

أي إنّي أتحمّل علمكم الفيّاض ، وأعلمُ أنّه حقّ ، ولا أردّ ما ورد عنكم وإن لم يبلغه فكري القاصر .

فإنّ تحمّل علمهم يستدعي الإيمان ، وحديثهم إنّما يتحمّله المؤمن

(1) بحار الأنوار : ج27 ص242 ب13 ح4 و5 ، وص251 ح12 .

(2) مجمع البحرين : ص489 .

(3) بحار الأنوار : ج26 ص335 ب8 ح1 .


496

الممتحن كما في حديث ميثم التمّار قال :

بينما أنا في السوق إذ أتى أصبغ بن نباتة قال : ويحك ياميثم لقد سمعت من أمير المؤمنين (عليه السلام) حديثاً صعباً شديداً .

قلت : وما هو ؟

قال : سمعته يقول : « إنّ حديث أهل البيت صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب ، أو نبي مرسل ، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان » ، فقمت من فورتي فأتيت علياً (عليه السلام) .

فقلت : ياأمير المؤمنين حديث أخبرني به أصبغ عنك قد ضقت به ذرعاً .

فقال (عليه السلام) ما هو ؟

فأخبرته به فتبسّم ثمّ قال : « اجلس ياميثم ، أوَكلّ علم يحتمله عالم ؟ إنّ الله تعالى قال للملائكة : ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَْرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (1) فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم ؟

قال : قلت : وإنّ هذا أعظم من ذلك .

قال : والاُخرى أنّ موسى بن عمران أنزل الله عليه التوراة فظنّ أن لا أحد أعلم منه فأخبره أنّ في خلقه أعلم منه ، وذلك إذ خاف على نبيّه العُجب قال : فدعا ربّه أن يرشده إلى العالم قال : فجمع الله بينه وبين الخضر (عليهما السلام) فخرق السفينة فلم يحتمل ذلك موسى ، وقتل الغلام فلم يحتمله ، وأقام الجدار فلم يحتمله

(1) سورة البقرة : الآية 30 .


497

مُحْتَجِبٌ بِذِمَّتِكُمْ (1) مُعْتَرِفٌ بِكُمْ (2) وأمّا النبيّون فإنّ نبيّنا (صلى الله عليه وآله) أخذ يوم غدير خمّ بيدي فقال : « اللهمّ مَن كنت مولاه فعلي مولاه » فهل رأيت احتملوا ذلك إلاّ من عصم الله منهم !

فأبشروا ثمّ أبشروا ، فإنّ الله قد خصّكم بما لم يخصّ به الملائكة والنبيّين والمرسلين فيما احتملتم ذلك في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلمه ... » (1) .

وفي نسخة الكفعمي هنا زيادة : « مقتد بكم » .

(1) ـ الاحتجاب : هو الإستتار ، مأخوذ من الحجاب وهو الستر الحائل بين الرائي والمرئي (2) .

والذمّة : هو العهد ، وما يجب أن يُحفظ ، وبمعنى الأمان ، والضمان ، والحرمة ، والحقّ (3) .

أي إنّي مستتر عن المهالك بدخولي في ذمّتكم وأمانكم وإمامتكم ، فإنّ الدخول في ذلك هو الحصن الحصين من العذاب المهين ، وهو الأمان الأمين من وسوسة الشياطين .

وقد ثبت من طريق الفريقين الحديث القدسي في قول الله عزّوجلّ : « ولاية علي بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي » (4) .

(2) ـ أي معترف ومقرّ بإمامتكم .

وهي المنصب الإلهي الحقّ الذي يجب الإقرار به كما ثبت بأدلّته

(1) بحار الأنوار : ج25 ص383 ب13 ح38 .

(2) مجمع البحرين : ص119 .

(3) مجمع البحرين : ص516 .

(4) عيون الأخبار : ج2 ص135 ، إحقاق الحقّ : ج14 ص522 .


498

مُؤْمِنٌ بِاِيابِكُمْ (1) مُصَدِّقٌ بِرَجْعَتِكُمْ (2) العلمية في مبحث الإمامة (1) .

(1) ـ الإياب : هو الرجوع .

أي أنّي مؤمنٌ ومعتقد ومقرّ برجوعكم إلى الدنيا قبل القيامة ، لإعلاء الدين المبين ، والإنتقام من المنافقين والكافرين .

وهي الرجعة التي يأتي بيانها وتفسيرها في الفقرة التالية .

(2) ـ يقال : صدّقَه أي نسبه إلى الصدق ، وصدّق الشيء أي اعترف بصدقه ، وصدّق كلامه أي اعتبره صحيحاً لا كذب فيه .

أي إنّي على الصعيد الاعتقادي الإيماني بإيابكم ، معترف بصدق رجعتكم وصحّتها ووقوعها في وقتها .

يعني رجعة الأئمّة الطاهرين في زمان ظهور الإمام المهدي المنتظر سلام الله عليهم أجمعين .

وهاتان الفقرتان في زيارتهم الجامعة يستفاد منها رجعة جميع الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) .

والرجعة من الحقائق الجليّة الثابتة بالأدلّة القطعية من الكتاب العزيز ، والأحاديث المتواترة ، مع الإجماع المحقّق ، والحكم العقلي كما تلاحظ بيانها كاملا في مبحثها الخاصّ فلا نكرّر (2) .

والمخالفون قد أنكروا الرجعة ، إلاّ أنّه يردّهم مفاد الأدلّة العلميّة ،

(1) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص259 .

(2) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص358 ـ 368 .


499

مضافاً إلى البراهين الوجدانية بوقوع الرجوع إلى الدنيا في الأنبياء السالفين ، والاُمم السابقين ، وأدلّ برهان على إمكان الشيء وقوعه ، وأصدق دليل على وقوعه إخبار الله تعالى به في آيات من الذكر الحكيم مثل :

1 ـ قوله تعالى ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (1) .

2 ـ قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (2) .

3 ـ قوله تعالى : ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَام فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ (3) .

وكذلك إخبار المعصومين (عليهم السلام) بوقوع الرجوع إلى الدنيا في الأحاديث المتظافرة مثل :

(1) سورة البقرة : الآية 55 ـ 56 .

(2) سورة البقرة : الآية 243 .

(3) سورة البقرة : الآية 259 .


500

1 ـ حديث البزنطي قال : سمعت الرضا (عليه السلام) يقول : « إنّ رجلا من بني اسرائيل قتل قرابة له ، ثمّ أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني اسرائيل ، ثمّ جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى : إنّ سبط آل فلان قتلوا فلاناً فأخبِرنا من قتله ؟ قال : ايتوني ببقرة ﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (1) ولو أنّهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم . ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم (إلى أن قال :) فاشتروها وجاءوا بها ، فأمر بذبحها ، ثمّ أمر أن يضربوا الميّت بذَنَبها ، فلمّا فعلوا ذلك حيى المقتول وقال :

يارسول الله إنّ ابن عمّي قتلني دون من يدّعي عليه قتلي » الحديث (2) .

2 ـ حديث الهاشمي في ذكر احتجاج الإمام الرضا (عليه السلام) على أهل المقالات جاء فيه : قال الرضا (عليه السلام) لبعض علماء النصارى : « ما أنكرت أنّ عيسى (عليه السلام) كان يحيي الموتى باذن الله ؟ » .

قال الجاثليق : أنكرت ذلك من قبل أنّ مَن أحيى الموتى وأبرىء الأكمه والأبرص فهو ربّ مستحقّ لأن يُعبد .

فقال الرضا (عليه السلام) : « فإنّ اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى (عليه السلام) : مشى على الماء ، وأحيى الموتى ، وأبرىء الأكمه والأبرص فلم تتّخذه اُمّته ربّاً ، ولم يعبده أحد من دون الله ، ولقد صنع حزقيل النبي مثل ما صنع عيسى بن مريم (عليه السلام) ، فأحيى خمسة وثلاثين رجلا بعد موتهم بستّين سنة .

(1) سورة البقرة : الآية 67 .

(2) بحار الأنوار : ج74 ص68 ب2 ح41 ، عن عيون أخبار الرضا : ج2 ص13 ب30 ح31 .


501

ثمّ التفت إلى رأس الجالوت فقال له : أتجد هؤلاء في شباب بني اسرائيل في التوراة ؟ اختارهم بخت نصّر من سبي بني اسرائيل حين غزى بيت المقدس ، ثمّ انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله إليهم فأحياهم ، هذا في التوراة لا يدفعه إلاّ كافر منكم ؟ » .

قال رأس الجالوت : قد سمعنا به وعرفناه .

قال : صدقت ... ثمّ أقبل على النصراني فقال : « يانصراني هؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم ؟ » .

قال : بل كانوا قبله .

قال الرضا (عليه السلام) : « لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يحيي لهم موتاهم ، فوجّه معهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال : ياعلي اذهب إلى الجبّانة فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك : يافلان ويافلان ويافلان ، يقول لكم محمّد (صلى الله عليه وآله) : قوموا بإذن الله ، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ، فأقبلت قريش تسألهم عن أحوالهم ، ثمّ أخبروهم أنّ محمّداً قد بعث نبيّاً قالوا : وددنا إنّا أدركناه فنؤمن به .

(إلى أن قال) : ... إنّ قوماً من بني اسرائيل خرجوا من ديارهم من الطاعون وهم اُلوف حذر الموت ، فأماتهم في ساعة واحدة ، فعمد أهل القرية فحظروا عليهم حظيرة ، فلم يزالوا فيها حتّى نخرت عظامهم وصارت رميماً ، فمرّ بهم نبي من أنبياء بني اسرائيل فتعجّب من كثرة العظام البالية ، فأوحى الله إليه : أتحبّ أن اُحييهم لك فتُنذرهم ؟

قال : نعم ياربّ .


502

فأوحى الله إليه : نادهم .

فقال : أيّتها العظام البالية قومي بإذن الله تعالى ، فقاموا أحياء أجمعون ، ينفضون التراب عن رؤوسهم .

ثمّ إبراهيم خليل الرحمن حين أخذ الطير فقطّعهنّ قطعاً ، ثمّ وضع على كلّ جبل منهم جزءاً ، ثمّ ناداهنّ فأقبلن سعياً إليه .

ثمّ موسى بن عمران وأصحابه الذين كانوا سبعين اختارهم فصاروا معه إلى الجبل ، فقالوا : إنّك قد رأيت الله سبحانه فأرناه كما رأيته .

فقال : إنّي لم أره .

فقالوا : لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرةً ، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم ، فبقى موسى وحيداً فقال : ياربّ أنّي اخترت منهم سبعين رجلا فجئت بهم وأرجع وحدي فكيف يصدّقني قومي بما أخبرهم به ؟ فلو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي ، أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا ؟ فأحياهم الله تعالى من بعد موتهم .

وكلّ شي ذكرته لك لا تقدر على دفعه ، لأنّ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به » (1) .

3 ـ حديث الإمامين الصادقين (عليهما السلام) في قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ (2) فقال : « إنّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام وكانوا سبعين ألف بيت ، كان

(1) بحار الأنوار : ج10 ص303 ب19 ح1 ، عن عيون أخبار الرضا : ج1 ص159 ب12 ح1 ، التوحيد : ص477 ح1 .

(2) سورة البقرة : الآية 243 .


503

الطاعون يقع فيهم في كلّ أوان ، وكانوا إذا أحسّوا به خرج الأغنياء لقوّتهم ، وبقي الفقراء لضعفهم ، فيقلّ الطاعون في الذين خرجوا ويكثر في الذين أقاموا ، قال : فاجتمع رأيهم جميعاً أنّهم إذا أحسّوا بالطاعون خرجوا من المدينة كلّهم ، فلمّا أحسّوا بالطاعون خرجوا جميعاً وتنحّوا عن الطاعون حذر الموت ، فساروا في البلاد ما شاء الله .

ثمّ إنّهم مرّوا بمدينة خربة قد جلا أهلها وأفناهم الطاعون ، فنزلوا بها فلمّا حطّوا رحالهم قال لهم الله : موتوا جميعاً ، فماتوا من ساعتهم ، وصاروا رميماً وكانوا على طريق المارّة ، فجمعوهم في موضع فمرّ بهم نبي من أنبياء بني اسرائيل يقال له : حزقيل ، فلمّا رأى تلك العظام بكى واستعبر وقال : ربّ لو شئت لأحييتهم الساعة كما أمتّهم فعمّروا بلادك ، وولدوا عبادك ، وعبدوك مع من يعبدك من خلقك .

فأوحى الله إليه أفتحبّ ذلك ؟

قال : نعم ياربّ فأوحى الله إليه أن قل كذا وكذا ، فقال الذي أمره ، إلى أن يقول ... قال أبو عبدالله (عليه السلام) : وهو الاسم الأعظم ، قال : فلمّا قال حزقيل ذلك الكلام ونظر إلى العظام يطير بعضها إلى بعض ، فعادوا أحياءاً ينظر بعضهم إلى بعض ، يسبّحون الله ويكبّرونه ويهلّلونه .

فقال حزقيل عند ذلك : أشهد أنّ الله على كل شيء قدير » (1) .

فبإخبار الله أصدق الصادقين ، وإخبارات الهداة المعصومين ، بالتواتر

(1) الإيقاظ من الهجعة : ص113 ح1 و2 و9 .


504

مُنْتَظِرٌ لاَِمْرِكُمْ (1) الموجب للعلم واليقين نعلم بوقوع الرجعة إلى الدنيا ، والوقوع أدلّ شيء في البراهين المُثلى ، وقد دلّت الأدلّة القطعية على رجعة الأئمّة (عليهم السلام) فلاحظ .

(1) ـ الانتظار : هي الكيفية النفسانية التي ينبعث منها التهيّؤ لما تنتظره ، وضدّ اليأس .

والأمر فسّر في اللغة بالشأن والحادثة .

والمعنى هنا أنّي منتظر ومتهيّؤٌ لظهوركم ، وغلبتكم على الأعداء ، ودولتكم العلياء بعد ظهور الإمام المهدي (أرواحنا فداه) .

وانتظار الفَرَج هذا من أفضل الأعمال ، بل من دعائم الدين كما يظهر من أحاديثه المتظافرة التي تلاحظها في باب مستقل (1) مثل :

1 ـ حديث الأربعمائة قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « انتظروا الفَرَج ولا تيأسوا من روح الله ، فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّوجلّ انتظار الفَرَج » .

وقال (عليه السلام) : « الآخذ بأمرنا معنا غداً في حظيرة القدس ، والمنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله » .

2 ـ حديث الفيض بن المختار قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائم في فسطاطه ، قال : ثمّ مكث هنيئة ثمّ قال : لا بل كمن قارع معه بسيفه ، ثمّ قال : لا والله إلاّ كمن استشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) » .

(1) مكيال المكارم : ج2 ص152 ، بحار الأنوار : ج6 ص333 ب3 ح9 ، وج13 ص385 ب14 ح6 ، عن روضة الكافي : ج8 ص198 ح237 .


505

3 ـ حديث الكوفي قال : دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فكنت عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) ، وهو غلام فقمت إليه وقبّلت رأسه وجلست .

فقال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : « ياأبا إبراهيم أما إنّه صاحبك من بعدي أما ليهلكنّ فيه أقوام ويسعد آخرون ، فلعن الله قاتله ، وضاعف على روحه العذاب .

أما ليُخرجنّ الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه ، بعد عجائب تمرّ به حسداً له ، ولكنّ الله بالغ أمره ولو كره المشركون .

يخرج الله تبارك وتعالى من صلبه تكملة اثني عشر إماماً مهديّاً اختصّهم الله بكرامته ، وأحلّهم دار قدسه ، المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذبّ عنه .

فدخل رجل من موالي بني اُميّة فانقطع الكلام ، وعدتُ إلى أبي عبدالله (عليه السلام)خمسة عشر مرّة اُريد استتمام الكلام فما قدرت على ذلك ، فلمّا كان من قابل دخلت عليه وهو جالس ، فقال لي :

ياأبا إبراهيم هو المفرِّج للكرب عن شيعته ، بعد ضنك شديد ، وبلاء طويل وجور ، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان وحسبك ياأبا إبراهيم » .

قال أبو إبراهيم : فما رجعت بشيء أسرَّ إليّ من هذا ولا أفرح لقلبي منه .

4 ـ حديث أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال ذات يوم : « ألا اُخبركم بما لا يقبل الله عزّوجلّ من العباد عملا إلاّ به ؟

فقلت : بلى .

فقال : شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله والإقرار بما أمر الله ، والولاية لنا ، والبراءة من أعدائنا ، يعني أئمّة خاصّة والتسليم لهم ، والورع


506

والاجتهاد ، والطمأنينة ، والانتظار للقائم ثمّ قال : إنّ لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء .

ثمّ قال : من سرّ أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق ، وهو منتظر ، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه ، فجدّوا وانتظروا هنيئاً لكم أيّتها العصابة المرحومة » .

5 ـ حديث جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال : « يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم ، فياطوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان ، إنّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم الباري عزّوجلّ : عبادي آمنتم بسرّي ، وصدّقتم بغيبي ، فأبشروا بحسن الثواب منّي ، فأنتم عبادي وإمائي حقّاً ، منكم أتقبّل وعنكم أعفو ، ولكم أغفر ، وبكم أسقي عبادي الغيث ، وأدفع عنهم البلاء ، ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي » .

قال جابر : فقلت : يابن رسول الله فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان ؟

قال : « حفظ اللسان ولزوم البيت » (1) .

ولا يخفى أنّه كلّما كان الانتظار أشدّ كان التهيّؤ آكد ، والاستعداد يظهر بالإعداد .

والمؤمن المنتظر لقدوم مولاه كلّما اشتدّ انتظاره إزداد جهده في التهيّؤ لذلك بالورع والاجتهاد ، وتهذيب النفس عن الأخلاق الرذيلة ، واقتناء الأخلاق

(1) بحار الأنوار : ج52 ص122 ب22 المشتمل على (77) حديثاً ح7 و18 و24 و50 و66 .


507

مُرْتَقِبٌ لِدَوْلَتِكُمْ (1) الحميدة ، ولذلك أمر الأئمّة الطاهرون (عليهم السلام) بتهذيب الصفات ، وملازمة الطاعات كما أفاده السيّد التقي الأصفهاني (1) .

واستدلّ لذلك بما تقدّم من حديث أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) الذي جاء فيه : « من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر ... » (2) .

(1) ـ الإرتقاب : هو الإنتظار .

أي منتظر لدولتكم الحقّة التي تكون عند الرجعة .

وهي الدولة الكريمة التي يُعزّ الله تعالى بها الإسلام وأهله ، ويُذلّ بها النفاق وأهله ، ويكون بها كرامة الدنيا والآخرة .

وفي حديث ابن أبي عمير ، عمّن سمع أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لكلّ اُناس دولة يرقبونها ودولتنا في آخر الدهر تظهرُ (3)

وتمتاز دولة الإمام المهدي (أرواحنا فداه) بأنّها تكون أفضل العصور الذهبية في الكرة الأرضية ، في جميع مجالات الحياة الفردية والاجتماعية .

فأوّلا : الحياة الثقافية تزدهر بالعلم والحكمة في أرقى المراتب .

ففي حديث الإمام الباقر (عليه السلام) : « ... تؤتون الحكمة في زمانه ... » (4) .

وثانياً : الحياة الإقتصادية تكون في أعلى الدرجات ، إذ يسود فيها

(1) مكيال المكارم : ج2 ص152 .

(2) الغيبة ، للنعماني : ص200 ح16 .

(3) بحار الأنوار : ج51 ص143 ب6 ح3 .

(4) بحار الأنوار : ج52 ص352 ب27 ح106 .


508

الخيرات والبركات والغنى والاستغناء ، ويزول الفقر والاحتياج .

ففي حديث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : « اُبشّركم بالمهدي يبعث في اُمّتي على اختلاف من الناس ، وزلزال ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلا ، كما ملئت جوراً وظلماً ، يرضى عنه ساكن السماء ، وساكن الأرض ، يقسم المال صحاحاً » .

فقال له رجل : ما صحاحاً ؟

قال : بالسويّة بين الناس .

قال : « ويملأ الله قلوب اُمّة محمّد غنىً ، ويسعهم عدله ، حتّى يأمر منادياً فينادي ، فيقول : من له في المال حاجة ؟

فما يقوم من الناس إلاّ رجل واحد ، فيقول : أنا .

فيقال له : إيت السادن ـ يعني الخازن ـ فقل له : إنّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالا .

فيقول له : احْثُ . فيحثي ، حتّى إذا جعله في حجره وأبرزه في حجره ندم ، فيقول : كنت أجشع اُمّة محمّد نفساً ، أو عَجَزَ عنّي ما وسعهم . فيردّه فلا يُقبل منه ، فيقال له : إنّا لا نأخذ شيئاً أعطيناه » (1) .

وثالثاً : الحياة الزراعية التي هي من أقوى مصادر الثروة تكون في غاية الحسن وغزارة البركة ، ونهاية النماء كما تلاحظ ذلك في الأحاديث التالية :

1 ـ حديث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) : « يخرج في آخر اُمّتي المهدي ، يسقيه

(1) عقد الدرر : ص219 ب8 .


509

الله الغيث ، وتخرج الأرض نباتها ، ويعطي المال صحاحاً ، وتكثر الماشية ، وتعظم الاُمّة » (1) .

2 ـ حديث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قال : « تنعم اُمّتي في زمن المهدي نعمة لم يتنعّموا مثلها قطّ ، ترسل السماء عليهم مدراراً ، ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلاّ أخرجته » (2) .

3 ـ حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) : « ... ويزرع الإنسان مُدّاً يخرج له سبعمائة مدّ ، كما قال الله تعالى : ﴿ كَمَثَلِ حَبَّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَة مِّائَةُ حَبَّة وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ (3) ، ويذهب الربا والزنا ، وشرب الخمر والرياء ، وتقبل الناس على العبادة ، والمشروع ، والديانة ، والصلاة في الجماعات ، وتطول الأعمار ، وتؤدّى الأمانة ، وتحمل الأشجار ، وتتضاعف البركات ، وتهلك الأشرار ، ويبقى الأخيار ، ولا يبقى من يبغض أهل البيت (عليهم السلام) » (4) .

ورابعاً : الحياة السكنية لا يكون فيها مشكلة قطّ ، بل يزدهر بالبناء والعمران حتّى أنّه تعمر الصحاري والقفار .

ففي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : « إذا قام اتّصلت بيوت الكوفة بنهر كربلاء » (5) .

(1) عقد الدرر : ب7 ص194 .

(2) عقد الدرر : ب7 ص195 .

(3) سورة البقرة : الآية 261 .

(4) عقد الدرر : ب7 ص211 .

(5) بحار الأنوار : ج52 ص337 ب27 ح76 .


510

وخامساً : كلّ هذا مع اقتران العيش والحياة بالأمن والأمان كما في حديث الأربعمائة :

« ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ، ولأخرجت الأرض نباتها ، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد ، واصطلحت السباع والبهائم ، حتّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام ، لا تضع قدميها إلاّ على النبات ، وعلى رأسها زبّيلها لا يهيّجها سبع ولا تخافه » (1) .

حتّى إنّ الحيوانات تعيش بأمان كما في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « فيبعث المهدي (عليه السلام) إلى اُمرائه بسائر الأمصار بالعدل بين الناس ، وترعى الشاة والذئب في مكان واحد ، ... ويذهب الشرّ ، ويبقى الخير » (2) .

ولا يكون ما ينغّص العيش ويكدّره بل تكون الحياة حياة سلامة وعافية كما في الحديث المروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) :

« من أدرك قائم أهل بيتي من ذي عاهة برىء ، ومن ذي ضعف قوي » (3) .

ويتجلّى أهنأ العيش ، وأعدل الحياة ، تحت القيادة الحكيمة العليمة الجامعة لمولانا صاحب الزمان (عليه السلام) التي هي مشرفة على جميع نقاط الكون والمكان .

ففي الحديث قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « إنّه إذا تناهت الاُمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى له كلّ منخفض من الأرض ، وخفّض له كلّ مرتفع

(1) بحار الأنوار : ج52 ص316 ب27 ح11 .

(2) عقد الدرر : ب7 ص211 .

(3) بحار الأنوار : ج52 ص335 ب27 ح68 .


511

آخِذٌ بِقَوْلِكُمْ (1) عامِلٌ بِاَمْرِكُمْ (2) حتّى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته ، فأيّكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها » (1) .

(1) ـ إذ من المعلوم أنّ ما قاله أهل البيت (عليهم السلام) هو الحقّ ، وما نطق به آل محمّد (عليهم السلام) هو الصدق ، ففي طريق الحقّ لا آخذ إلاّ بقولكم أنتم المعصومون الصادقون .

وفي حديث أبي مريم قال أبو جعفر (عليه السلام) لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة : « شرّقا وغرّبا ، لن تجدا علماً صحيحاً إلاّ شيئاً يخرج من عندنا أهل البيت » (2) .

وهم أبواب مدينة العلم والحكمة فيلزم أخذ العلم منهم لا من غيرهم .

كلّ هذا مع وجوب إطاعتهم الذي يقتضي وجوب الأخذ بقولهم كما يأتي في الفقرة التالية .

(2) ـ فإنّكم أهل البيت حجج الله الصدّيقون ، لا تأمرون إلاّ بما يأمر به الله تعالى ويريده .

فيكون العمل بأمركم عملا بأمر الله عزّ إسمه ، لذلك فإنّي عامل بأمركم ، ومعتقد لذلك ، وعازمٌ عليه إن عصيت أحياناً .

وأنتم أهل البيت أبواب الله وسبيل الوصول إليه وطاعتكم طاعة الله تعالى ، فلا تتحقّق الإطاعة إلاّ بإمتثال أوامركم ونواهيكم ، ولا يصاب العلم إلاّ منكم .

كما تلاحظه في الأحاديث الشريفة ، مثل :

1 ـ حديث سعد ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : سألته عن هذه الآية : ﴿ لَيْسَ

(1) بحار الأنوار : ج52 ص328 ب27 ح46 .

(2) بحار الأنوار : ج2 ص92 ب14 ح20 .


512

الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (1) .

فقال : « آل محمّد (صلى الله عليه وآله) أبواب الله ، وسبيله ، والدعاة إلى الجنّة ، والقادة إليها ، والأدلاّء عليها ، إلى يوم القيامة » .

2 ـ حديث اليقطيني قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بالأسباب فجعل لكلّ شيء سبباً ، وجعل لكلّ سبب شرحاً ، وجعل لكلّ شرح مفتاحاً ، وجعل لكلّ مفتاح علماً ، وجعل لكل علم باباً ناطقاً ، من عرفه عرف الله ، ومن أنكره أنكر الله ، ذلك رسول الله ونحن » (2) .

وإنّما كانت إطاعتهم إطاعة الله تعالى لأنّ الله أمر بطاعتهم يدلّ على ذلك :

أوّلا : دليل الكتاب مثل قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ ... (3) فإنّها نزلت فيهم باتّفاق الفريقين في أحاديثهم (4) .

وتلاحظ أحاديث نزولها فيهم من الخاصّة في الكنز (5) ، ومن مصادر العامّة مجموعة في الإحقاق (6) .

(1) سورة البقرة : الآية 189 .

(2) بحار الأنوار : ج2 ص104 ح60 ، وص90 ح15 .

(3) سورة النساء : الآية 59 .

(4) غاية المرام : ص263 و265 .

(5) كنز الدقائق : ج3 ص437 .

(6) إحقاق الحقّ : ج3 ص424 ، وج14 ص654 .


513

مُسْتَجِيرٌ بِكُمْ (1) وثانياً : دليل السنّة الشريفة كما تجده في مثل :

1 ـ حديث الثمالي المتقدّم سألت أبا جعفر (عليه السلام) : ما حقّ الإمام على الناس ؟

قال : « حقّه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا ... » (1) .

2 ـ حديث النهج الشريف المتقدّم قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه : « أيّها الناس إنّ لي عليكم حقّاً ولكم عليَّ حقّ ، فأمّا حقّكم عليَّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كي لا تجهلوا وتأديبكم كي ما تعلموا ، وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين أدعوكم ، والطاعة حين آمركم » (2) .

3 ـ حديث الثمالي أيضاً قال : قال علي بن الحسين (عليهما السلام) : « إنّ دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة ، ولا يصاب إلاّ بالتسليم ، فمن سلّم لنا سلم ومن اهتدى بنا هُدي ، ومن دان بالقياس والرأي هلك ، ومن وجد في نفسه شيئاً ممّا نقوله أو نقضي به حرجاً كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم » (3) .

واعلم أنّ كمال الطاعة بل حقيقة الإيمان تكون بالتسليم لهم (عليهم السلام) في أوامرهم ونواهيهم وعدم ردّ كلامهم (4) .

(1) ـ الاستجارة : طلب الحفظ ، مأخوذ من الإجارة ، وهو الحفظ والإنقاذ ،

(1) بحار الأنوار : ج27 ص244 ب11 ح4 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص251 ب11 ح12 .

(3) بحار الأنوار : ج2 ص303 ب34 ح41 .

(4) لاحظ أحاديث سفينة البحار : ج4 ص236 ، وج6 ص41 .


514

زائِرٌ لَكُمْ (1) وأجاره الله من العذاب أي أنقذه منه (1) .

فالمعنى أنّي أطلب الحفظ والإنقاذ بكم أهل البيت أو بولايتكم أو بمحبّتكم أو بزيارتكم أو بجميع ذلك .

فإنّ المستجير بكم مأمون من أن يصل إليه سوء .

لأنّكم حجج الله والوسيلة إليه ، فتكون الاستجارة بكم استجارة واعتصاماً بذمام الله تعالى ، والله هو المجير ، والأمن والأمان يقيني بجوار الله تعالى .

وهم (عليهم السلام) ملجأ كلّ ضعيف كما في الحديث العلوي الشريف (2) .

(1) ـ الزيارة في أصل اللغة هو القصد ، يقال : زاره يزوره ، زوْراً وزيارةً أي قصده ، فهو زائر وزَوْر وزَوّار .

والزيارة في العرف : قصد المزور إكراماً وتعظيماً له واستيناساً به (3) ، والقصد هو إتيان الشيء (4) .

فتكون الزيارة إتيان المزور والحضور عنده .

وزيارة أهل البيت (عليهم السلام) من المعالم الدينية المقدّسة التي أُمر بها وأخذ العهد عليها ، ورُتّب عليها الدرجات العالية ، والمثوبات الباقية .

لذلك تبيّن هذه الفقرة المباركة بأنّي زائر لكم ، ومتوجّه بهذه الزيارة الشريفة إليكم ، راجياً الفوز بالمقامات الكريمة ، والنجاة من الأهوال والشدائد

(1) مجمع البحرين : ص248 .

(2) بحار الأنوار : ج4 ص8 ب1 ح18 .

(3) مجمع البحرين : ص264 .

(4) مجمع البحرين : ص223 .


515

لائِذٌ عائِذٌ بِقُبُورِكُمْ (1) العظيمة .

وقد تقدّم بيانه ودليله في أوّل الكتاب عند ذكر الأحاديث في ذلك (1) .

وفضل الزيارة الشريفة متّفق عليه بين الخاصّة والعامّة كما تلاحظه في (22) حديثاً من طرق العامّة ، مع بيان استحبابها في كلمات (42) شخص من أعلامهم ، جاءت بالتفصيل في كتاب الغدير (2) .

(1) ـ هكذا في الفقيه ، لكن في العيون : (عائذ بكم ، لائذ بقبوركم) .

أمّا معنى الفقرة الاُولى يعني عائذ بكم فيقال : عذت إليه : أي لجأت إليه واعتصمت به .

أي إنّي ملتجاٌ إليكم ومعتصم بكم .

لأنّهم حبل الله المتين الذي يكون الاعتصام به إعتصاماً بالله تعالى كما يشهد به تفسير آية الاعتصام الذي تلاحظه في الكنز (3) .

وأمّا معنى الفقرة الثانية : يعني لائذ بقبوركم فيقال : لاذ به لوذاً أي لجأ إليه واستغاث به ، وفي الدعاء : اللهمّ بك ألوذ أي ألتجأ وأنضم وأستغيث .

أي إنّي ملتجاٌ بقبوركم الشريفة التي هي من مظاهر إظهار الولاء ، ومن أسباب النجاة في السرّاء والضرّاء .

وقد تقدّمت أحاديثه في أوّل الكتاب .

(1) بحار الأنوار : ج100 ص116 ب2 الأحاديث 1 و11 و22 ، كامل الزيارات : ص121 .

(2) الغدير : ج5 ص86 ـ 180 .

(3) كنز الدقائق : ج3 ص184 .


516

مُسْتَشْفِعٌ اِلى اللّهِ عَزَّوَجَلَّ بِكُمْ (1) وَمُتَقَرِّبٌ بِكُمْ اِلَيْهِ (2) ومراقدهم المقدّسة من بيوت النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الرفيعة (1) .

ومن البُقع التي طهّرها الله وزكّاها وأظهر فيها أدلّة التوحيد ، وأشباح العرش المجيد كما في استئذاناتهم الشريفة (2) .

وهي متضمّنة لأبدان حجج الله وخلفائه الذين يكون الالتجاء بهم التجاء بالله تعالى .

وكم من شدائد كُشفت ، وحوائج قضيت ببركة الالتجاء بهم سلام الله عليهم وهي من المشاهدات الوجدانية الواضحة ، إضافة إلى ما سُجّلت في الكتب المعتبرة .

ولكلّ من المؤمنين بل حتّى بعض غير المؤمنين حوائج مقضيّة بواسطة التجائهم بأهل البيت (عليهم السلام) ... يستدعي ذكرها الكتب المفصّلة .

(1) ـ الاستشفاع : هو طلب الشفاعة .

أي إنّي أطلب شفاعتكم أهل البيت وأجعلكم شفعائي إلى الله تعالى .

وذلك لأنّهم الشفعاء إليه ، والمرضيين في مقام شفاعتهم لديه .

كما تقدّم دليله في الفقرة السابقة « وشفعاء دار البقاء » .

(2) ـ أي إنّي أتقرّب بكم أهل البيت وأجعلكم وسائل قربي المعنوي إلى الله الجليل . حيث إنّهم الوسائل إلى الله تعالى كما تلاحظه في تفسير قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (3) (4) .

(1) بحار الأنوار : ج102 ص141 .

(2) بحار الأنوار : ج102 ص115 .

(3) سورة المائدة : الآية 35 .

(4) كنز الدقائق : ج4 ص104 .


517

ـ وفي حديث طارق بن شهاب ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : إنّ الأئمّة من آل محمّد الوسيلة إلى الله (1) .

وفي عدّة الداعي عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) قال : سمعت محمّداً (صلى الله عليه وآله) يقول : « إنّ الله عزّوجلّ يقول : ياعبادي أوليس من له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها إلاّ أن يتحمّل عليكم بأحبّ الخلق إليكم ، تقضونها كرامة لشفيعهم ؟

ألا فأعلموا أنّ أكرم الخلق عليّ وأفضلهم لديّ محمّد وأخوه علي ومن بعده الأئمّة ، الذين هم الوسائل إليّ .

ألا فليدعني من همّته حاجة يريد نفعها ، أو دهته داهية يريد كشف ضررها بمحمّد وآله الطيبيّن الطاهرين أقضها له أحسن ما يقضيها من يستشفعون بأعزّ الخلق عليه » .

فقال له قوم من المشركين والمنافقين وهم المستهزؤون به : ياأبا عبدالله فما لك لا تقترح على الله بهم أن يجعلك أغنى أهل المدينة ؟

فقال سلمان (رضي الله عنه) : دعوت الله وسألته ما هو أجلّ وأنفع وأفضل من ملك الدنيا بأسرها ، سألته بهم (عليهم السلام) أن يهب لي لساناً ذاكراً لتحميده وثنائه ، وقلباً شاكراً لآلائه ، وبدناً على الدواهي الداهية صابراً ، وهو عزّوجلّ قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك ، وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها وما اشتمل عليه من خيراتها مائة ألف ألف مرّة .

(1) بحار الأنوار : ج25 ص174 ب3 ح38 .


518

وفي هامش الكتاب نقل حديث الأمالي عن الإمام العسكري (عليه السلام) ، عن آبائه (عليهم السلام) ، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال :

« إنّ الله سبحانه يقول : عبادي من كانت له إليكم حاجة فسألكم بمن تحبّون أجبتم دعائهم ، ألا فأعلموا أنّ أحبّ عبادي إليّ وأكرمهم لدي محمّد وعلي حبيبي ووليي .

فمن كانت له إليّ حاجة فليتوسّل إليّ بهما ، فإنّي لا أردّ سؤال سائل يسألني بهما وبالطيبين من عترتهما ، فمن سألني بهم فإنّي لا أردّ دعاءه ، وكيف أردّ دعاء من سألني بحبيبي وصفوتي ووليي وحجّتي وروحي ونوري وآيتي وبابي ورحمتي ووجهي ونعمتي !

ألا وإنّي خلقتهم من نور عظمتي ، وجعلتهم أهل كرامتي وولايتي ، فمن سألني بهم عارفاً بحقّهم ومقامهم ، أوجبت لهم منّي الإجابة وكان ذلك حقّاً » (1) .

وفي حديث شعيب العقرقوفي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إنّ يوسف أتاه جبرئيل فقال : يايوسف إنّ ربّ العالمين يقرئك السلام ، ويقول لك : من جعلك أحسن خلقه ؟

قال : فصاح ووضع خدّه على الأرض ثمّ قال : أنت ياربّ .

قال : ثمّ قال له : ويقول لك : من حبّبك إلى أبيك دون إخوتك ؟

قال : فصاح ووضع خدّه على الأرض ثمّ قال : أنت ياربّ .

قال : ويقول لك : من أخرجك من الجُبّ بعد أن طرحت فيها وأيقنت

(1) عدّة الداعي : ص151 .


519

وُمُقَدِّمُكُمْ اَمامَ طَلِبَتِي وَحَوائِجِي وَاِرادَتِي فِي كُلِّ اَحْوالِي وَاُمُورِي (1) بالهلكة ؟

قال : فصاح ووضع خدّه على الأرض ثمّ قال : أنت ياربّ .

قال : فإنّ ربّك قد جعل لك عقوبة في استعانتك بغيره ، فالبث في السجن بضع سنين .

قال : فلمّا انقضت المدّة أذن له في دعاء الفَرَج ، ووضع خدّه على الأرض ثمّ قال : اللهمّ إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك ، فإنّي أتوجّه إليك بوجه آبائي الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب . قال : ففرّج الله عنه » .

قال : فقلت له : جعلت فداك أندعو نحن بهذا الدعاء ؟

فقال : ادع بمثله ، « اللهمّ إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإنّي أتوجّه إليك بوجه نبيّك نبيّ الرحمة (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة (عليهم السلام) » (1) .

وفي نسخة الكفعمي : (ومتقرّب إليه بمحبّتكم) .

(1) ـ التقديم هنا بمعنى : التوجّه والاستشفاع .

أي إنّي أتوجّه إلى الله تعالى وأستشفع إليه بكم أهل البيت وأسأله بحقّكم لتنجيز جميع ما أطلبه وأحتاجه واُريده من الله تعالى في جميع أحوالي ولجميع اُموري .

وذلك لأنّكم الوسائل المقبولة عند الله تعالى ، كما تقدّم بيانه ودليله في الفقرة السابقة .

(1) بحار الأنوار : ج94 ص19 ب28 ح13 .


520

مُؤْمِنٌ بِسِرِّكُمْ وَعَلانِيَتِكُمْ (1) وفُسّرت هذه الفقرة بمعنى آخر أيضاً وهو إنّي اُقدّم الصلاة عليكم قبل طلباتي وحوائجي ليُستجاب دعائي وتُقبل حاجتي .

للأخبار الواردة المتواترة في أنّ الدعاء لا يقبل بدون الصلوات على محمّد وآل محمّد سلام الله عليهم (1) .

فلاحظ مثل :

1 ـ حديث هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا يزال الدعاء محجوباً حتّى يُصلّي على محمّد وآل محمّد » (2) .

2 ـ حديث السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من دعا ولم يذكر النبي (صلى الله عليه وآله) رفرف الدعاء على رأسه فإذا ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) رفع الدعاء » (3) .

3 ـ حديث ابن جمهور عن أبيه عن رجاله ، قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « من كانت له إلى الله عزّوجلّ حاجة فليبدأ بالصلاة على محمّد وآله ، ثمّ يسأل حاجته ، ثمّ يختم بالصلاة على محمّد وآل محمّد ، فإنّ الله عزّوجلّ أكرم من أن يقبل الطرفين ويدع الوسط إذ [ ا ] كانت الصلاة على محمّد وآل محمّد لا تحجب عنه » (4) .

وفي نسخة الكفعمي : « ومقدّمكم أمام طلبتي ومسألتي وحوائجي وإرادتي ، ومتوسّل بكم إليه ، ومقدّمكم بين يدي من كلّ أحوالي واُموري » .

(1) ـ السرّ : هو الشيء الذي يُكتم ، وهذا من سرّ آل محمّد (عليهم السلام) أي من مكتوم آل

(1) روضة المتّقين : ج5 ص388 ، الأنوار اللامعة : ص170 .

(2) الكافي : ج2 ص491 ح1 .

(3) الكافي : ج2 ص494 ح2 .

(4) الكافي : ج2 ص494 ح16 .


521
محمّد (عليهم السلام) الذي لا يظهر لكلّ أحد (1) .

ومقابله العلانية هو : الشيء الذي يظهر ، يقال : عَلَن الأمر عُلوناً . أي ظَهَر وانتشر ، والاسم منه العلانية (2) .

ومعنى الفقرة إنّي مؤمن بما استتر عن أكثر الخلق من غرائب أحوالكم وكمالاتكم ، وبما علن وظهر منها .

أو أنّي مؤمن باعتقاداتكم التي هي سرّ ، وبأقوالكم وأفعالكم التي هي علانية .

أمّا المعنى الأوّل فلأنّ أهل البيت (عليهم السلام) حفظة الأسرار الإلهية .

وأسرار الله تعالى هي العلوم التي لا يجوز إظهارها وإفشاؤها إلاّ لمن هو أهل لها من الكمّلين والمتحمّلين كما أفاده في الأنوار (3) .

وقد فصّلنا فيه البحث عند بيان فقرة « حفظة سرّ الله » ، وذكرنا حديث أبي الجارود المتقدّم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا علياً (عليه السلام) في المرض الذي توفّى فيه فقال :

ياعلي اُدن منّي حتّى أسرّ إليك ما أسرّ الله إليّ وأئتمنك على ما ائتمنني الله عليه ، ففعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعلي (عليه السلام) ، وفعله علي بالحسن (عليه السلام) ، وفعله الحسن (عليه السلام) بالحسين (عليه السلام) ، وفعله الحسين (عليه السلام) بأبي ، وفعله أبي بي صلوات الله

(1) مجمع البحرين : ص266 .

(2) مجمع البحرين : ص564 .

(3) الأنوار اللامعة : ص78 .


522

وَشاهِدِكُمْ وَغائِبِكُمْ (1) عليهم أجمعين » (1) .

وأمّا المعنى الثاني فلأنّ أهل البيت (عليهم السلام) أعظم العارفين بالله ، بل لم يعرف الله حقّ المعرفة إلاّ هم فنؤمن باعتقادهم ، كما أنّهم حجج الله تعالى على الخلق فنؤمن بأقوالهم وأفعالهم .

وقد تقدّم بيانه ودليله في فقرة « وحجج الله » وفقرة « السلام على محال معرفة الله » .

(1) ـ الشاهد : هو الحاضر نظير : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ) أي من كان حاضراً .

والغائب : هو المستتر ، يقال : غاب القمر أي توارى واستتر عن الأبصار (2) .

أي إنّي مؤمن بالإمام الشاهد الحاضر منكم وهم الأئمّة الأحد عشر ، والإمام الغائب وهو الإمام الثاني عشر (عليهم السلام) .

فإنّه لابدّ للخلق من حجّة فيما بينهم وبين الله تعالى إمّا ظاهر مشهور ، أو غائب مستور .

ويكون الانتفاع بالإمام الغائب كالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها السحاب ، كما تلاحظه في التوقيع الشريف لمحمّد بن عثمان العمري عن مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) (3) .

وقد تقدّم لزوم الإيمان بجميعهم سلام الله عليهم في الشهادة الثالثة من هذه الزيارة المباركة فراجع .

(1) بصائر الدرجات : ص377 ب3 ح1 .

(2) مجمع البحرين : ص212 و131 .

(3) إكمال الدين : ص485 ب45 ح4 .


523

وَاَوَّلِكُمْ وَآخِرِكُمْ (1) (1) ـ أي إنّي مؤمن بكم أهل البيت وبإمامتكم أيّها الأئمّة الاثنى عشر من أوّلكم وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى آخركم الحجّة بن الحسن المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) ، ولا أنكر أحداً منكم كما أنكره العامّة أو الواقفة والفرق المنحرفة .

فإنّ إنكار واحد منهم إنكار لبقيّتهم وهو موجب للنار كما تلاحظه في الأحاديث مثل :

1 ـ حديث ابن أبي يعفور ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم : من ادّعى إمامة من الله ليست له ، ومن جحد إماماً من الله ، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيباً » (1) .

2 ـ حديث ابن مسكان قال : سألت الشيخ (عليه السلام) (2) عن الأئمّة (عليهم السلام) ؟

قال : « من أنكر واحداً من الأحياء فقد أنكر الأموات » (3) .

فالأئمّة الطاهرون الذين يجب الإيمان بهم جميعاً ، هم إثنى عشر كاملا ، بالنصّ الثابت من طريق الفريقين ، من طريق الخاصّة في (19) حديثاً ومن طريق العامّة في (65) حديثاً (4) .

وهم الذين نصّ عليهم في حديث اللوح الشريف المتقدّم (5) .

(1) الكافي : ج1 ص373 ح4 .

(2) يعني به الإمام الكاظم (عليه السلام) .

(3) الكافي : ج1 ص373 ح8 .

(4) غاية المرام : ص28 .

(5) إكمال الدين : ص308 ب28 ح1 .


524

وهم الذين ثبتت وصايتهم وخلافتهم ، وبُشّر بهم في الأديان السابقة على الإسلام كما تلاحظه في أحاديث كثيرة منها :

حديث أبي الطفيل قال : شهدت جنازة أبي بكر يوم مات ، وشهدت عمر حين بويع ، وعلي (عليه السلام) جالس ناحية إذ أقبل عليه غلام يهودي عليه ثياب حسان ، وهو من ولد هارون ، حتّى قام على رأس عمر فقال : ياأمير المؤمنين أنت أعلم هذه الاُمّة بكتابهم وأمر نبيّهم ؟

قال : طأطأ عمر رأسه ، فقال : إيّاك أعني ، وأعاد عليه القول .

فقال له عمر : ما شأنك ؟

فقال : إنّي جئتك مرتاداً لنفسي ، شاكّاً في ديني .

فقال : دونك هذا الشاب .

قال : ومن هذا الشابّ ؟

قال : هذا علي بن أبي طالب ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أبو الحسن والحسين إبني رسول الله وهذا زوج فاطمة إبنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فأقبل اليهودي على علي (عليه السلام) فقال : أكذلك أنت ؟

قال : نعم .

فقال اليهودي : إنّي اُريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة .

قال : فتبسّم علي (عليه السلام) ، ثمّ قال : ياهاروني ما منعك أن تقول : سبعاً .

قال : أسألك عن ثلاث فإن علمتهنّ سألتك عمّا بعدهنّ وإن لم تعلمهنّ علمت أنّه ليس لك علم .

فقال علي (عليه السلام) : فإنّي أسألك بالإله الذي تعبده إن أنا أجبتك في كلّ ما


525

تريد لتدعنّ دينك ولتدخلنّ في ديني ؟

فقال : ما جئت إلاّ لذلك .

قال : فسل .

قال : فأخبرني عن أوّل قطرة دم قطرت على وجه الأرض أىّ قطرة هي ؟ وأوّل عين فاضت على وجه الأرض أىّ عين هي ؟ وأوّل شيء اهتزّ على وجه الأرض أي شيء هو ؟ فأجابه أمير المؤمنين (عليه السلام) .

فقال : أخبرني عن الثلاث الاُخرى أخبرني عن محمّد كم بعده من إمام عدل ؟ وفي أي جنّة يكون ؟ ومن الساكن معه في جنّته ؟

فقال : ياهاروني إنّ لمحمّد (صلى الله عليه وآله) من الخلفاء إثنا عشر إماماً عدلا لا يضرّهم خذلان من خذلهم ولا يستوحشون بخلاف من خالفهم وإنّهم أرسب [ أثبت ] في الدين من الجبال الرواسي في الأرض ، ومسكن محمّد (صلى الله عليه وآله) في جنّة عدن معه ، اُولئك الإثنا عشر الأئمّة العدل .

فقال : صدقت والله الذي لا إله إلاّ هو إنّي لأجدها في كتاب أبي هارون ، كتبه بيده وأملاه عمّي موسى (عليه السلام) .

قال : فأخبرني عن الواحدة فأخبرني عن وصي محمّد كم يعيش من بعده ، وهل يموت أو يقتل ؟

قال : ياهاروني يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوماً ولا ينقص يوماً ، ثمّ يضرب ضربة ههنا ـ يعني قرنه ـ فتخضب هذه من هذا .

قال : فصاح الهاروني ، وقطع كستيجه ـ أي شعاره ـ وهو يقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، وأنّك وصيّه ، ينبغي أن


526

وَمُفَوِّضٌ فِي ذلِكَ كُلِّهِ اِلَيْكُمْ (1) تفوق ولا تُفاق ، وأن تعظَّم ولا تُستضعف .

قال : ثمّ مضى به (عليه السلام) إلى منزله فعلّمه معالم الدين » (1) .

(1) ـ التفويض في اللغة بمعنى : ردّ الأمر إلى أحد وتحكيمه فيه ، وفي القرآن الكريم : ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ (2) أي أردّه إليه .

وفي الدعاء : « فوّضت أمري إليك » أي رددته إليك وجعلتك الحاكم فيه ، ومنه قوله في الحديث : « قد فوّض الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أمر دينه » (3) (4) .

والتفويض هنا هو : إرجاع الأمر إليهم وعدم الاعتراض عليهم .

وفسّرت هذه الفقرة بمعنيين :

1 / إنّي مفوّض الأمر في أعمالكم إليكم ، ولا أعترض عليكم في شيء من اُموركم ، لأنّي أعلم أنّ كلّما تأتون به فهو بأمر الله تعالى ، بإرجاع كلمة ذلك إلى قوله (عليه السلام) : « مؤمن بسرّكم وعلانيتكم » الخ .

ففي حديث الأنصاري ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « من سرّه أن يستكمل الإيمان فليقل : القول منّي في جميع الأشياء قول آل محمّد (عليهم السلام) فيما أسرّوا وفيما أعلنوا ، وفيما بلغني وفيما لم يبلغني » (5) .

فنفوّض إليهم ، ولا نعترض عليهم ، علماً بأنّهم سلام الله عليهم لا يفعلون

(1) إكمال الدين : ص299 ب26 ح66 .

(2) سورة غافر : الآية 44 .

(3) مجمع البحرين : ص356 .

(4) الكافي : ج1 ص265 ح2 ، وص440 ح5 .

(5) بحار الأنوار : ج25 ص364 ب13 ح2 ـ 7 .


527

إلاّ ما أمرهم الله تعالى ، ولا يعملون إلاّ بإرادته ، فلا وجه للاعتراض عليهم .

كما تلاحظ ذلك في باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهد من الله عزّوجلّ لا يتجاوزونه (1) .

2 / إنّي مفوّض اُموري جميعها إليكم ، لكي تصلحوا خللها وما فسد منها ، وتجعلوني في كفاية منها ، حيث إنّ أعمال الخلائق تعرض عليكم ، بإرجاع كلمة (ذلك) إلى قوله (عليه السلام) : « ومقدّمكم أمام حوائجي وإرادتي في كلّ أحوالي واُموري » وذلك لأنّهم (عليهم السلام) الملجأ للخلق ، والوسيلة إلى الله تعالى ، فنتوسّل إلى الله تعالى بهم (عليهم السلام) ونفوّض اُمورنا إليهم .

وأفاد العلاّمة المجلسي (قدس سره) هنا أنّ المعنى الأوّل أظهر (2) .

ولعلّ وجه الأظهرية هو رجوع إشارة ذلك إلى السرّ والعلانية .

وهو المرجع الأقرب ، بل هو الأنسب بما بعده يعني قوله (عليه السلام) : « ومسلّم فيه معكم » .

وكيف كان فتفويض الأمر إلى المعصومين (عليهم السلام) الذين هم حجج الله تعالى وخلفاؤه المعصومون هو تفويض إلى الله تعالى ، وهو المستحسن في كلّ حال .

بل في الحديث النبوي الشريف : التفويض إلى الله من أركان الإيمان (3) .

ولا يخفى أنّ التفويض إلى الله تعالى هو الموجب لراحة الأبد ، والعيش الرغد ، والنجاة من الهلكات ، وكفاية الاُمور في موارد العسر ، كما تجده

(1) الكافي : ج1 ص279 الأحاديث خصوصاً ح2 .

(2) بحار الأنوار : ج102 ص142 .

(3) بحار الأنوار : ج71 ص135 ب63 ح13 .


528

وتدركه وجداناً في موارده ، وللتقريب نمثّل بموارد ثلاثة :

الأوّل : تفويض حزقيل مؤمن آل فرعون وكفاية أمره .

ففي حديث كتاب الاحتجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث طويل ، يذكر فيه حزقيل وأنّ قوم فرعون وشوا به إلى فرعون وقالوا : إنّ حزقيل يدعو إلى مخالفتك ، ويعين أعداءك على مضادّتك .

فقال لهم فرعون : ابن عمّي وخليفتي على ملكي ووليّ عهدي ، إن كان قد فعل ما قلتم فقد استحقّ العذاب على كفره نعمتي ، وإن كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم أشدّ العقاب لإيثاركم الدخول في مساءته .

فجاء بحزقيل وجاء بهم ، فكاشفوه ، فقالوا : أنت تجحد ربوبيّة فرعون الملك وتكفر نعماءه .

فقال حزقيل : أيّها الملك ، هل جرّبت عليّ كذباً قطّ ؟

قال : لا .

قال : فاسألهم من ربّهم ؟

قالوا : فرعون .

قال : ومن خالقكم ؟

قالوا : فرعون .

قال : ومن رازقكم الكافل لمعاشكم ، والدافع عنكم مكارهكم ؟

قالوا : فرعون هذا .

قال حزقيل : أيّها الملك ، فاُشهدك وكلّ من حضرك : أنّ ربّهم هو ربّي وخالقهم هو خالقي ، ورازقهم هو رازقي ، ومصلح معائشهم هو مصلح


529

معائشي ، لا ربّ لي ولا خالق [ ولا رازق ] غير ربّهم وخالقهم ورازقهم . واُشهدك ومن حضرك : أنّ كلّ ربّ وخالق [ ورازق سوى ] ربّهم وخالقهم ورازقهم فأنا بريء منه ومن ربوبيته وكافر بإلهيّته .

يقول حزقيل هذا وهو يعني : أنّ ربّهم هو الله ربّي ، ولم يقل : إنّ الذي قالوا : هم أنّه ربّهم هو ربّي ، وخفي هذا المعنى على فرعون ومن حضره ، وتوهّموا أنّه يقول : فرعون ربّي وخالقي ورازقي .

فقال لهم [ فرعون ] : يارجال السوء ، وياطلاّب الفساد في ملكي ، ومريدي الفتنة بيني وبين ابن عمّي وهو عضدي ، أنتم المستحقّون لعذابي لإرادتكم فساد أمري ، وإهلاك ابن عمّي ، والفتّ في عضدي .

ثمّ أمر بالأوتاد ، فجعل في ساق كلّ واحد منهم وتداً ، [ وفي عضده وتداً ، ] وفي صدره وتداً ، وأمر أصحاب أمشاط الحديد فشقّوا بها لحومهم من أبدانهم ، فذلك ما قال الله تعالى : ﴿ فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا لمّا وشوا به إلى فرعون ليهلكوه ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (1) وهم الذين وشوا بحزقيل إليه لمّا أوتد فيهم الأوتاد ، ومشّط عن أبدانهم لحومها بالأمشاط » (2) .

الثاني : كفاية سيّدنا إبراهيم (عليه السلام) من شرّ نمرود وصيرورة النار له روضة خضراء كما في حديث تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) جاء فيه :

« ... فحُبس إبراهيم وجمع له الحطب ، حتّى إذا كان اليوم الذي ألقى فيه

(1) سورة غافر : الآية 45 .

(2) كنز الدقائق : ج11 ص389 ، الاحتجاج : ج1 ص370 ـ 371 .


530

نمرود إبراهيم في النار برز نمرود وجنوده ، وقد كان بُنى لنمرود بناء ينظر منه إلى إبراهيم كيف تأخذه النار ، فجاء إبليس واتّخذ لهم المنجنيق لأنّه لم يقدر أحد أن يتقارب من النار ، وكان الطائر إذا مرّ في الهواء يحترق .

فوضع إبراهيم (عليه السلام) في المنجنيق وجاء أبوه فلطمه لطمةً وقال له : ارجع عمّا أنت عليه .

وأنزل الربّ [ ملائكته ] إلى السماء الدنيا ، ولم يبق شيء إلاّ طلب إلى ربّه ، وقالت الأرض : ياربّ ليس على ظهري أحد يعبدك غيره فيُحرق ، وقالت الملائكة : ياربّ خليلك إبراهيم يُحرق .

فقال الله عزّوجلّ : أما إنّه إن دعاني كفيته ، وقال جبرئيل : ياربّ خليلك إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره سلّطت عليه عدوّه يحرقه بالنار .

فقال : اسكت إنّما يقول : هذا عبد مثلك يخاف الفوت ، هو عبدي آخذه إذا شئت ، فإن دعاني أجبته .

فدعا إبراهيم (عليه السلام) ربّه بسورة الإخلاص : « يالله ياواحد ياأحد ياصمد يامن لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد نجّني من النار برحمتك » .

قال : فالتقى معه جبرئيل في الهواء وقد وضع في المنجنيق فقال : ياإبراهيم هل لك إليّ من حاجة ؟

فقال إبراهيم : أمّا إليك فلا ، وأمّا إلى ربّ العالمين فنعم .

فدفع إليه خاتماً عليه مكتوب : « لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ألجأت ظهري إلى الله وأسندت أمري إلى الله وفوّضت أمري إلى الله » .

فأوحى الله إلى النار : « كوني برداً » فاضطربت أسنان إبراهيم من البرد


531

حتّى قال : « وسلاماً على إبراهيم » .

وانحطّ جبرئيل وجلس معه يحدّثه في النار ، ونظر إليه نمرود فقال : من اتّخذ إلهاً فليتّخذ مثل إله إبراهيم ، فقال عظيم من عظماء أصحاب نمرود : إنّي عزمت على النار أن لا تحرقه ، فخرج عمود من النار نحو الرجل فأحرقه ، ونظر نمرود إلى إبراهيم في روضة خضراء في النار مع شيخ يحدّثه ، فقال لآزر : ياآزر ما أكرم إبنك على ربّه » (1) .

الثالث : كفاية رسول الله (صلى الله عليه وآله) منذ طفولته إلى يوم شهادته في السلم والحرب ، خصوصاً في واقعة اغتياله ومحاولة قتله في عقبة هرشى عند رجوعه إلى المدينة بعد يوم الغدير الشريف ، وتلاحظها في حديث حذيفة جاء فيه :

فدعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا عمّار بن ياسر وأمره أن يسوقها ـ أي ناقته ـ وأنا أقودها ، حتّى إذا صرنا رأس العقبة ، ثار القوم من ورائنا ، ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة ، فذعرت وكادت تنفر برسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فصاح بها النبي (صلى الله عليه وآله) : أن اسكني ، وليس عليك بأس . فأنطقها الله تعالى بقول عربي مبين فصيح .

فقالت : والله ، يارسول الله (صلى الله عليه وآله) لا أزلت يداً عن مستقر يد ، ولا رجلا عن موضع رجل ، وأنت على ظهري .

فتقدّم القوم إلى الناقة ليدفعوها فأقبلت أنا وعمّار نضرب وجوههم بأسيافنا ، وكانت ليلة مظلمة ، فزالوا عنّا وأيسوا ممّا ظنّوا ، وقدّروا ودبّروا .

فقلت : يارسول الله من هؤلاء القوم الذين يريدون ما ترى ؟

(1) بحار الأنوار : ج12 ص32 ب1 ح8 .


532

فقال (صلى الله عليه وآله) : ياحذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا والآخرة .

فقلت : ألا تبعث إليهم يارسول الله رهطاً فيأتوا برؤوسهم ؟

فقال : إنّ الله أمرني أن أعرض عنهم ، فأكره أن تقول الناس : إنّه دعا اُناساً من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا ، فقاتل بهم حتّى إذا ظهر على عدوّه ، أقبل عليهم فقتلهم ، ولكن دعهم ياحذيفة ، فإنّ الله لهم بالمرصاد ، وسيمهلهم قليلا ثمّ يضطرّهم إلى عذاب غليظ .

فقلت : ومن هؤلاء القوم المنافقون يارسول الله (صلى الله عليه وآله) أمن المهاجرين أم من الأنصار ؟ فسمّاهم لي رجلا رجلا حتّى فرغ منهم ، وقد كان فيهم اُناس أنا كاره أن يكونوا فيهم ، فأمسكت عند ذلك .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ياحذيفة كأنّك شاكّ في بعض من سمّيت لك ، ارفع رأسك إليهم ، فرفعت طرفي إلى القوم ، وهم وقوف على الثنيّة ، فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا ، وثبتت البرقة حتّى خلتها شمساً طالعة فنظرت والله إلى القوم فعرفتهم رجلا رجلا ، فإذا هم كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وعدد القوم أربعة عشر رجلا ، تسعة من قريش ، وخمسة من سائر الناس .

فقال له الفتى : سمّهم لنا يرحمك الله تعالى !

قال حذيفة : هم والله أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، وعبدالرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقّاص ، وأبو عبيدة بن الجرّاح ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، هؤلاء من قريش ، وأمّا الخمسة الاُخر فأبو موسى الأشعري ، والمغيرة بن شعبة الثقفي ، وأوس بن الحدثان البصريّ ، وأبو هريرة ، وأبو


533

وَمُسَلِّمٌ فِيهِ مَعَكُمْ (1) وَقَلْبِي لَكُمْ سِلْمٌ (2) طلحة الأنصاري ... » (1) .

وفي نسخة الكفعمي بدل هذه الفقرة من الزيارة : « ومفوّض في ذلك كلّه إلى الله عزّوجلّ ثمّ إليكم » .

(1) ـ مسلّم : من التسليم وهو الإنقياد .

أي إنّي مسلّم ومنقاد في جميع اُموركم ما أعلنتم وما أسررتم ، لله تعالى ، كما أسلمتم أنتم ورضيتم ، فلا أعترض على الله تعالى في شيء من ذلك .

فإنّه لا يكمل إيمان المؤمن إلاّ بالتسليم .

وقد تقدّم حديث يحيى بن زكريا الأنصاري ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « من سرّه أن يستكمل الإيمان كلّه فليقل : القول منّي في جميع الأشياء قول آل محمّد (عليهم السلام) فيما أسرّوا وفيما أعلنوا ، وفيما بلغني وفيما لا يبلغني » (2) .

ولاحظ في التسليم الأحاديث الواردة في تفسير قوله تعالى : ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (3) (4) .

(2) ـ في هامش الفقيه أنّ في بعض النسخ : « وقلبي لكم مسلّم » ، وفي عيون الأخبار : « وقلبي لكم مؤمن » .

(1) بحار الأنوار : ج28 ص99 ب3 ح3 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ص364 ب13 ح2 .

(3) سورة النساء : الآية 65 .

(4) كنز الدقائق : ج3 ص457 .


534

وَرَأْييِ لَكُمْ تَبَعٌ (1) وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ (2) فعلى نسخة سلم المعنى : إنّ قلبي لكم صلح ، أي لا اعتراض له عليكم .

وقد تقدّم دليله في فقرة : « ومفوّض في ذلك كلّه إليكم » .

وعلى نسخة مسلّم المعنى : إنّ قلبي منقاد مطيع مذعن لكم ، لا يختلج فيه اعتراض على شيء من أفعالكم أو أقوالكم أو أحوالكم .

لأنّي أعلم علم اليقين أنّكم حجج الله ، ومعصومون من قبله ، وعاملون بإرادته .

وعلى نسخة مؤمن المعنى : إنّ قلبي يؤمن بكم فأنا مؤمن بكم بلساني وقلبي فأكون لكم أنا بقلبي سلمٌ ومسلّم ومؤمن مضافاً إلى تصديقي بلساني . فإنّ هذا من شؤون الإيمان ، الذي يلزم تحقّقه في كلّ إنسان .

(1) ـ أي أنّ رأيي تابع لرأيكم ، ولا رأي لي مع رأيكم ، ولا أختار رأياً على رأيكم .

لأنّي أعلم أنّكم تنطقون عن الله ، وأنّكم أوعية مشيئة الله تعالى ، فالرأي المصيب هو ما إرتأيتم ، فأكون تابعاً لكم .

(2) ـ النصرة : حسن المعونة ، والإعداد : هي التهيئة .

أي أنّ حسن معونتي مهيّأة لكم .

بمعنى إنّي منتظر ومتهيىءٌ لخروجكم والجهاد في خدمتكم مع أعدائكم .

أو إنّي متهيىءٌ لبيان دينكم وإعلاء كلمتكم بالبراهين والأدلّة بحسب الإمكان .

وذلك لأنّ نصرتهم من وظائفنا تجاه إمامتهم .

ففي حديث الفضيل عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « ... إنّما اُمروا أن يطوفوا بها ـ أي الكعبة ـ ثمّ ينفروا إلينا ، فيُعلمونا ولايتهم ومودّتهم ، ويعرضوا علينا


535

حَتّى يُحْيِيَ اللّهُ ـ تَعالى ـ دِينَهُ بِكُمْ (1) وَيَرُدَّكُمْ فِي اَيّامِهِ (2) نصرتهم ... » (1) .

(1) ـ أي حتّى يحيي الله تعالى دين الإسلام بكم أهل البيت ، لأنّ الإسلام هو دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره ، واحياؤه يكون بتمكّن أهل البيت (عليهم السلام) وظهورهم واستيلائهم .

كما وعد الله تعالى بقوله : ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (2) (3) .

وقوله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَُيمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (4) (5) .

(2) ـ أي يردّكم في أيّام ظهور دينه واستيلاء كلمته بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ، وهي أيّام الرجعة ، التي هي أيّام الله تعالى .

كما ورد بها تفسير قوله تعالى : ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ (6) (7) .

(1) الكافي : ج1 ص392 ح1 .

(2) سورة التوبة : الآية 33 .

(3) كنز الدقائق : ج5 ص145 .

(4) سورة النور : الآية 55 .

(5) الكافي : ج1 ص193 ح1 .

(6) سورة إبراهيم : الآية 5 .

(7) كنز الدقائق : ج7 ص29 .


536

وَيُظْهِرَكُمْ لِعَدْلِهِ (1) وَيُمَكِّنَكُمْ فِي اَرْضِهِ (2) فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُمْ (3) (1) ـ أي يظهركم في تلك الأيّام الزاهرة لإقامة عدله وإظهاره .

حيث يملؤون الأرض قسطاً وعدلا بعد ما ملئت ظلماً وجوراً كما وردت في أحاديث الفريقين (1) .

(2) ـ من المُكنة والسلطنة والثبات .

ففي المجمع : مكّناهم في الأرض أي ثبّتناهم ، وأمكنته من الشيء تمكيناً جعلت له عليه سلطاناً وقدراً فتمكّن منه (2) .

أي يمكّنكم الله تعالى في أرضه بدولتكم الزاهرة كما وعد الله تعالى في قوله عزّوجلّ : ﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَُيمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (3) (4) .

(3) ـ أي فأنا معكم بالقلب واللسان ، أو في أيّام الغيبة والرجعة ، أو في الدنيا والآخرة فتكرار المعيّة يفيد معنيين .

ويحتمل أن يكون تكرار المعيّة لمجرد التأكيد .

وفي هامش الفقيه أنّ في بعض النسخ : « لا مع غيركم » ، وفي نسخة الكفعمي : « فمعكم معكم إن شاء الله لا مع غيركم » .

(1) غاية المرام : ص750 .

(2) مجمع البحرين : ص572 .

(3) سورة النور : الآية 55 .

(4) كنز الدقائق : ج9 ص337 .


537

آمَنْتُ بِكُمْ وَتَوَلَّيْتُ آخِرَكُمْ بِما تَوَلَّيْتُ بِهِ اَوَّلَكُمْ (1) (1) ـ تبيّن هذه الفقرة الشريفة والتي تليها دعائم الدين وحدود الإيمان ، أعني التولّي والتبرّي كما تلاحظ دعاميّتها في الأحاديث المعتبرة (1) .

ومعنى هذه الفقرة : آمنت بكم قلباً ولساناً ، وفي عالم الذرّ وهذه الدنيا أتولّى آخركم وأعتقد به وأتّخذه وليّاً بنحو ما كنت أتولّى به أوّلكم وأعتقد به وأتّخذه وليّاً .

أي أتولّى الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه بمثل ما كنت أتولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) كما هو المعنى الظاهر .

أو أتولّى كلّ واحد منكم بنحو ما كنت أتولّى به أوّلكم لأنّ كلّ واحد منهم (عليهم السلام) آخر ، بالنسبة إلى سابقه (2) .

وعلى الجملة على صعيد إيماني بكم أتولّى جميعكم ، وكلّكم أوليائي بالولاية الإلهية التي ولاّكم بها الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) في يوم العهد المعهود .

فإنّه يلزم الاعتقاد بجميعهم ، ولا يجوز إنكار واحد منهم ، كما تقدّم في الأحاديث (3) .

وذكرناها في فقرة « وأوّلكم وآخركم » فراجع .

لذلك قال الشيخ المفيد قدّس الله روحه في كتاب المسائل ـ فيما حكي عنه ـ : (اتّفقت الإمامية على أنّ من أنكر إمامة أحد من الأئمّة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضالّ ، مستحقّ للخلود في النار .

(1) الكافي : ج2 ص18 ح1 ـ 10 .

(2) الأنوار اللامعة : ص174 .

(3) الكافي : ج1 ص373 ح4 ـ 8 .


538

وَبَرِئْتُ اِلى اللّهِ عَزَّوَجَلَّ مِنْ اَعْدائِكُمْ (1) وقال في موضع آخر : اتّفقت الإمامية على أنّ أصحاب البدع كلّهم كفّار ، وأنّ على الإمام أن يستتيبهم عند التمكّن بعد الدعوة لهم ، وإقامة البيّنات عليهم ، فإن تابوا من بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلاّ قتلهم لردّتهم عن الإيمان ، وأنّ من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار) (1) .

(1) ـ البراءة والتبرّي من الشيء والشخص : هو التنزّه والتباعد عنه (2) .

وبرأ فلان من فلان إذا سقط عنه طلبه وكان متبرّءاً منه (3) .

فالتبرّي من العدوّ هو التباعد منه ، ويعبّر عنه بالفارسية (بيزاري) .

وتمهيداً لبيان هذه الفقرة الشريفة نلفت النظر إلى أنّ التبرّي من العدوّ فطرة بشريّة وحقيقة ثابتة طبيعية ، فنحن نرى ونحسّ أنّ كلّ إنسان يحبّ صديقه ويتنفّر من عدوّه ومن ظلمه .

وهذا التنفّر من دواعي العقل والحكمة ، بحيث أنّه لو ساوى الإنسان في المحبّة بين صديقه وعدوّه لكان ظالماً لصديقه .

بل التبرّي من ركائز الدين القويم .

لذلك ترى أنّ الله تعالى يقول : ﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً للهِِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (4) .

(1) بحار الأنوار : ج23 ص390 .

(2) لسان العرب : ج1 ص33 .

(3) مجمع البحرين : ص10 .

(4) سورة البقرة : الآية 98 .


539

وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً (1) فمعاداة الأعداء إذاً أمر فطري وديني .

خصوصاً إذا كان الأعداء هم أعداء الله ورسوله ، فإنّه يلزم معاداتهم والتبرّي منهم بأنحاء التبرّي كبغضهم ولعنهم وإظهار البراءة منهم ، فإنّه نوع تقرّب إلى الله تعالى وتحبّب إليه .

لذلك تبيّن هذه الزيارة المباركة بأنّنا في حال التجائنا إلى الله عزّ إسمه نتبرّأ من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) يعني الناصبين والضالّين والجاحدين والمعاندين والقاتلين ، فإنّ أعداءهم أعداء الله تعالى كما في حديث الإحقاق (2) .

والتبرّي منهم بمثل اللعن ثابت بالكتاب والسنّة .

أمّا الكتاب : فقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً (3) (4) .

وأمّا السنّة : فالأحاديث المتظافرة مثل :

1 ـ حديث الإمام الرضا (عليه السلام) المتقدّم الذي ورد فيه أنّ من محض الإسلام وشرائع الدين (البراءة من الذين ظلموا آل محمّد ...) (5) .

2 ـ حديث الأعمش المتقدّم ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي ورد فيه

(1) سورة فاطر : الآية 6 .

(2) إحقاق الحقّ : ج5 ص41 .

(3) سورة الأحزاب : الآية 57 .

(4) كنز الدقائق : ج10 ص439 .

(5) عيون الأخبار : ج2 ص124 ب35 ح1 .


540

(والبراءة من أعدائهم واجبة ...) (1) .

3 ـ حديث هشام ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « من جالس لنا عائباً أو مدح لنا قالياً أو واصل لنا قاطعاً أو قطع لنا واصلا أو والى لنا عدوّاً أو عادى لنا وليّاً فقد كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم » (2) .

4 ـ حديث سعدان ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله : ﴿ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ (3) قال : « حقيق على الله أن لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من حبّهما » (4) .

5 ـ حديث الصفواني ، قيل للصادق (عليه السلام) : إنّ فلاناً يواليكم إلاّ أنّه يضعف عن البراءة من عدوّكم .

فقال : « هيهات كذب من ادّعى محبّتنا ولم يتبرّأ من عدوّنا » (5) .

6 ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) المتقدّم الذي ورد فيه : « ياعلي والذي بعثني بالنبوّة واصطفاني على جميع البريّة لو أنّ عبداً عبد الله ألف عام ما قُبل ذلك منه إلاّ بولايتك وولاية الأئمّة من ولدك .

وإنّ ولايتك لا تقبل إلاّ بالبراءة من أعدائك وأعداء الأئمّة من ولدك .

(1) بحار الأنوار : ج27 ص52 ب1 ح3 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص52 ب1 ح4 .

(3) سورة البقرة : الآية 284 .

(4) بحار الأنوار : ج27 ص57 ب1 ح15 .

(5) بحار الأنوار : ج27 ص58 ب1 ح18 .


541
بذلك أخبرني جبرئيل (عليه السلام) فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر » (1) .

7 ـ حديث الثمالي ، عن الإمام السجّاد (عليه السلام) قال : قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام)ـ وقد خلا ـ : أخبرني عن هذين الرجلين ؟

قال : « هما أوّل من ظلمنا حقّنا وأخذا ميراثنا ، وجلسا مجلساً كنّا أحقّ به منهما ، لا غفر الله لهما ولا رحمهما ، كافران ، كافر من تولاّهما » (2) .

8 ـ حديث الكميت ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) ياسيّدي أسألك عن مسألة ؟ وكان متكئاً فاستوى جالساً وكسر في صدره وسادة ثمّ قال : سل .

فقال : أسألك عن رجلين .

فقال : « ياكميت بن زيد ما اُهريق في الإسلام محجمة من دم ، ولا اكتسب مال من غير حلّه ، ولا نكح فَرْجٌ حرام إلاّ وذلك في أعناقهما إلى يوم يقوم قائمنا .

ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبّهما والبراءة منهما » (3) .

لذلك قال الشيخ الصدوق (قدس سره) : (واعتقادنا في البراءة أنّها واجبة من الأوثان الأربعة ومن الأنداد الأربعة ومن جميع أشياعهم وأتباعهم ، وأنّهم شرّ خلق الله ، ولا يتمّ الإقرار بالله وبرسوله ، وبالأئمّة إلاّ بالبراءة من أعدائهم واعتقادنا في قتلة الأنبياء وقتلة الأئمّة أنّهم كفّار مشركون مخلّدون في أسفل درك من النار .

ومن اعتقد فيهم غير ما ذكرناه فليس عندنا من دين الله في شيء) (4) .

(1) بحار الأنوار : ج27 ص63 ب1 ح22 .

(2) بحار الأنوار : ج30 ص381 ب20 ح165 .

(3) رجال الكشّي : ص180 .

(4) كتاب الاعتقادات : ص105 .


542

فالتبرّي من أعداء آل محمّد واجب ركني من أركان الدين الإسلامي .

وممّا يتحقّق به التبرّي لعنهم كما لعنهم الله تعالى ورسوله .

واللعن هو الطرد من الرحمة ، والإبعاد عنها (1) .

فيتحقّق التبرّي الواجب بأن نسأل الله تعالى أن يطردهم ويبعدهم من رحمته الواسعة .

هذا مضافاً إلى الثواب العظيم في ذلك الذي تلاحظه في مثل : حديث الإمام الصادق (عليه السلام) حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن رسول الله صلوات الله عليهم أنّه قال :

« من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في خلواته أعداءنا بلّغ الله صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش ، فكلّما لعن هذا الرجل أعداءنا لعناً ساعدوه ولعنوا من يلعنه ، ثمّ ثنّوا فقالوا : اللهمّ صلّ على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه ، ولو قدر على أكثر منه لفعل .

فإذا النداء من قبل الله عزّوجلّ : قد أجبت دعاءكم وسمعت نداءكم وصلّيت على روحه في الأرواح وجعلته عندي من المصطفين الأخيار » (2) .

وتقدّم الأمر به في حديث الكميت الأسدي (3) .

وعلى الجملة تعرف ممّا تقدّم من الأدلّة المتظافرة أنّ التبرّي من أعداء أهل البيت ركن من أركان الدين مع التولّي لأهل البيت سلام الله عليهم أجمعين .

(1) مجمع البحرين : ص570 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص223 ب10 ح11 .

(3) رجال الكشّي : ص180 .


543

وَمِنَ الْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَالشَّياطِينِ وَحِزْبِهِمُ (1) (1) ـ وقد تأكّد التبرّي بالخصوص من الجبت وهو الأول ، والطاغوت وهو الثاني ، والشياطين وهم سائر خلفاء الجور وبنو اُميّة وبنو العبّاس وحزبهم أي أتباعهم والجِبْت في الأصل هو كلّ معبود سوى الله تعالى كنّي به عن الأوّل .

والطاغوت في الأصل هو من تجاوز عن الحدّ في الطغيان فكان رئيساً في الضلالة كنّي به عن الثاني لأنّه الأخبث .

كما وأنّ اللاّت صنم من حجارة كانت لثقيف في الكعبة يعبدونها يكنّى به عن الثالث .

والعُزّى صنم من حجارة كانت في جوف الكعبة لغطفان يعبدونها يكنّى به عن معاوية .

فيتأكّد التبرّي عن جميع الأعداء بالعموم ، وعن هؤلاء الأربعة بالخصوص ، وعن الثاني بنحو أخصّ كما يشهد به حديث الاختصاص مسنداً عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن علي الوشّاء ، عن أبي الصخر أحمد بن عبدالرحيم ، عن الحسن بن علي رجلٌ كان في جباية مأمون (1) قال :

دخلت أنا ورجل من أصحابنا على أبي طاهر عيسى بن عبدالله العلوي ، قال أبو الصخر : وأظنّه من ولد عمر بن علي وكان نازلا في دار الصيديين فدخلنا عليه عند العصر وبين يديه ركوة من ماء وهو يتمسّح ، فسلّمنا عليه فردّ علينا السلام ، ثمّ ابتدأنا فقال : معكما أحد ؟

فقلنا : لا .

(1) أي وكان الحسن هذا من الذين يأخذون الزكاة جبايةً للمأمون .


544

ثمّ التفت يميناً وشمالا هل يرى أحداً ، ثمّ قال : أخبرني أبي جنديّ أنّه كان مع أبي جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) بمنى وهو يرمي الجمرات ، وإنّ أبا جعفر رمى الجمرات فاستتمّها وبقي في يديه بقيّة ، فعدّ خمس حصيّات فرمى ثنتين في ناحية وثلاثة في ناحية .

فقلت له : أخبرني جعلت فداك ما هذا فقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعه أحد قطّ ، إنّك رميت بخمس بعد ذلك ثلاثة في ناحية وثنتين في ناحية ؟

قال : نعم إنّه إذا كان كلّ موسم اُخرجا الفاسقان غضيّين طريّين فصُلبا ههنا ، لا يراهما إلاّ إمام عدل ، فرميت الأوّل ثنتين والآخر بثلاث ، لأنّ الأخر أخبث من الأوّل » (1) .

والوجه في هذا التبرّي الخاص من اُولئك الأعداء مبيّن بنفس الفقرات التالية : (الظالمين لكم ، الجاحدين لحقّكم ، والمارقين من ولايتكم ، والغاصبين لإرثكم ، الشاكّين فيكم ، المنحرفين عنكم) كما تدلّ على ذلك الأحاديث الكثيرة الآتية في فقرة (الظالمين لكم) .

كلّ هذا مضافاً إلى الجنايات الاُخرى التي ارتكبوها مثل الإقدام على قتل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في العقبة ، وعصيان أمره في التخلّف عن جيش اُسامة ، والردّ عليه في نسبته إلى الهُجر ، وتجاسرهم على صحيفة الرسول وكتاب فدك بالقاء البصاق عليه وتمزيقه (2) .

(1) الاختصاص : ص277 .

(2) بحار الأنوار : ج53 ص17 ب25 ح1 .


545

الظّالِمِينَ لَكُمْ (1) إلى غير ذلك من المثالب المذكورة في كتب مطاعنهم ، كمطاعن البحار ، والسبعة من السلف ، وغيرهما .

مع الكفر والعار والشنار الذي أظهره معاوية ونغله يزيد ممّا يندى لها جبين التاريخ ، وتسوّد صفحات الحياة البشرية ، وقد اعترف بها كلا الفريقين في النقل المتظافر (1) .

فاستحقّوا بذلك اللعن المؤبّد ، والعذاب المخلّد ، والتبرّي منهم ، والتباعد عنهم .

وفي نسخة الكفعمي : « ومن الجبت والطاغوت وأوليائهم والشياطين وحزبهم » .

(1) ـ فإنّهم ظلموا أهل البيت (عليهم السلام) بما أمكنهم من الظلم ، بل فتحوا أبواب الظلم عليهم إلى يوم القيامة كما سجّله التاريخ ، وأثبتته معتبرات الأحاديث فلاحظ في ذلك :

1 ـ حديث عبدالرحمن بن كثير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَاد بِظُلْم (2) قال : « نزلت فيهم ، حيث دخلوا الكعبة فتعاهدوا وتعاقدوا على كفرهم وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليّه ﴿ فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (3) » (4) .

(1) بحار الأنوار : ج33 ص296 ـ 584 ، الغدير : ج1 ص80 ـ 384 ، السبعة من السلف : ص183 ـ 220 ، الكنى والألقاب : ج1 ص84 ، سفينة البحار : ج2 ص290 .

(2) سورة الحجّ : الآية 25 .

(3) سورة المؤمنون : الآية 41 .

(4) بحار الأنوار : ج30 ص264 ب20 ح129 .


546

2 ـ حديث الورد بن زيد ـ أخي الكميت ـ قال : سألنا محمّد بن علي (عليهما السلام) عن الأول والثاني ؟

فقال : « من كان يعلم أنّ الله حَكَمٌ عدل برىء منهما ، وما من محجمة دم يهراق إلاّ وهي في رقابهما » (1) .

وعنه (عليه السلام) : « ... هما أوّل من ظلمنا وقبض حقّنا ، وتوثّب على رقابنا ، وفتح علينا باباً لا يسدّه شيء إلى يوم القيامة ، فلا غفر الله لهما ظلمهما إيّانا » (2) .

3 ـ حديث داود الرقي قال : كنت عند الصادق (عليه السلام) والمفضّل وأبو عبدالله البلخي إذ دخل علينا كثير النوى ، وقال : إنّ أبا الخطّاب يشتم الأول والثاني ويظهر البراءة منهما .

فالتفت الصادق (عليه السلام) إلى أبي الخطّاب وقال : يامحمّد ! ما تقول ؟

قال : كذب والله ، ما سمع قطّ شتمهما منّي .

فقال الصادق (عليه السلام) : « قد حلف ، ولا يحلف كاذباً .

فقال : صدق ، لم أسمع أنا منه ، ولكن حدّثني الثقة به عنه .

قال الصادق (عليه السلام) : إنّ الثقة لا يبلغ ذلك ، فلمّا خرج كثير النوى قال الصادق (عليه السلام) : أما والله لئن كان أبو الخطّاب ذكر ما قال كثير لقد علم من أمرهم ما لم يعلمه كثير .

والله لقد جلسا مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) غصباً ; فلا غفر الله لهما ولا

(1) بحار الأنوار : ج30 ص383 ب20 ح ذيل 65 .

(2) بحار الأنوار : ج30 ص383 ب20 ح ذيل 65 .


547

عفا عنهما .

فبهت أبو عبدالله البلخي ، فنظر إلى الصادق (عليه السلام) متعجّباً ممّا قال فيهما ، فقال الصادق (عليه السلام) : أنكرت ما سمعت فيهما ؟!

قال : كان ذلك .

فقال : فهلاّ الإنكار منك ليلة دفع إليك فلان بن فلان البلخي : جارية فلانة لتبيعها ، فلمّا عبرت النهر افترشتها في أصل شجرة .

فقال البلخي : قد مضى والله لهذا الحديث أكثر من عشرين سنة ، ولقد تُبتُ إلى الله من ذلك .

فقال الصادق (عليه السلام) : لقد تبتَ وما تابَ الله عليك ، وقد غضب الله لصاحب الجارية » (1) .

لذلك قال الفقيه الأعظم أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف في فصل ما يقدح في الثلاثة وذكر مطاعنهم :

(قصدهم أهل بيت نبيّهم (عليهم السلام) بالتحيّف والأذى والوضع من أقدارهم واجتناب ما يستحقّونه من التعظيم .

فمن ذلك : أمان كلّ معتزل بيعتهم ضررهم ، وقصدهم علياً (عليه السلام) بالأذى لتخلّفه عنهم ، والإغلاظ له في الخطاب ، والمبالغة في الوعيد ، وإحضار الحطب لتحريق منزله ، والهجوم عليه بالرجال من غير إذنه ، والإتيان به ملبّباً ، واضطرارهم بذلك زوجته وبناته ونساؤه وحامّته من بنات هاشم وغيرهم إلى

(1) بحار الأنوار : ج30 ص398 ب20 ح72 .


548

الخروج عن بيوتهم ، وتجريد السيوف من حوله ، وتوعّده بالقتل إن امتنع من بيعتهم .

ولم يفعلوا شيئاً من ذلك بسعد بن عبادة ، ولا بالخبّاب بن المنذر ، وغيرهما ممّن تأخّر عن بيعتهم ، حتّى مات .

ومن ذلك : ردّهم دعوى فاطمة (عليها السلام) وشهادة علي والحسنين (عليهم السلام) ، وقبول دعوى جابر بن عبدالله في الجنينات ، وعائشة في الحجرة والقميص والنعل وغيرهما .

ومنها : تفضيل الناس في العطاء ، والاقتصار بهم على أدنى المنازل .

ومنها : عقد الرايات والولايات لمسلّمة القبح والمؤلّفة قلوبهم ومكيدي الإسلام من بني اُميّة وبني مخزوم وغيرهما ، والإعراض عنهم واجتناب تأهّلهم لشيء من ذلك .

ومنها : موالاة المعروفين ببغضهم وحسدهم وتقديمهم على رقاب العالم ، كمعاوية وخالد وأبي عبيدة والمغيرة وأبي موسى ومروان وعبدالله بن أبي سرح وابن كريز ومن ضارعهم في عداوتهم .

والغضّ من المعروفين بولايتهم وقصدهم بالأذى ، كعمّار وسلمان وأبي ذرّ والمقداد واُبيّ بن كعب وابن مسعود ومن شاركهم في التخصّص بولايتهم عليهم الصلاة والسلام .

ومنها : قبض أيديهم عن فدك مع ثبوت استحقاقهم لها على ما بيّناه ، وإباحة معاوية الشام ، وأبي موسى العراق ، وابن كريز البصرة ، وابن أبي سرح مصر والمغرب ، وأمثالهم من المشهورين بكيد الإسلام وأهله .


549

وتأمّل هذا بعين إنصاف يكشف لك عن شديد عداوتهم ، وتحاملهم عليهم ، كأمثاله من الأفعال الدالّة على تميّز العدوّ من الولي .

ولا وجه لذلك إلاّ تخصّصهم بصاحب الشريعة صلوات الله عليه وعلى آله في النسب ، وتقدّمهم لديه في الدين ، وتحقّقهم من بذل الجهد في طاعته ، والمبالغة في نصيحته ونصرة ملّته ، بما لا يشاركون فيه .

وفي هذا ما لا يخفى ما فيه على متأمّل) .

ثمّ ذكر الفقيه أبو الصلاح نكير أهل البيت (عليهم السلام) على هؤلاء الظالمين فقال :

(ورووا عن الحارث الأعور قال : دخلت على علي (عليه السلام) في بعض الليل ، فقال لي : ما جاء بك في هذه الساعة ؟

قلت : حبّك ياأمير المؤمنين .

قال : الله ؟

قلت : الله .

قال : ألا اُحدّثك بأشدّ الناس عداوةً لنا وأشدّهم عداوةً لمن أحبّنا ؟

قلت : بلى ياأمير المؤمنين ، أما والله لقد ظننت ظنّاً ، وقال : هات ظنّك .

قلت : الأول والثاني ؟

قال : اُدنُ منّي ياأعور ، فدنوتُ منه ، فقال : ابرأ منهما .

وفي رواية اُخرى : فقال : « إي والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، إنّهما لهما ظلماني حقّي وتغاصاني ريقي ، وحسداني ، وآذياني ، وإنّه ليؤذي أهل النار ضجيجهما ونصبهما ورفع أصواتهما وتعيير رسول الله (صلى الله عليه وآله) إيّاهما ») (1) .

(1) تقريب المعارف : ص232 ـ 242 .


550

الْجاحِدِيْنَ لِحَقِّكُمْ (1) (1) ـ في العيون : « والجاحدين لحقّكم » .

وجحود الشيء : هو إنكاره مع العلم بثبوته كما في قوله تعالى : ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنْفُسُهُمْ (1) .

واُولئك الظالمون جحدوا حقوق آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين مع علمهم بأنّها حقوق إلهية ثابتة لهم كالإمامة ، والخلافة ، وما كان لهم من الفيء والخمس ، وفدك والعوالي .

قال السيّد ابن طاووس في وصاياه لولده : (وقد وهب جدّك محمّد (صلى الله عليه وآله) اُمّك فاطمة صلوات الله عليها فدكاً والعوالي من جملة مواهبه ، وكان دخلها في رواية الشيخ عبدالله بن حمّاد الأنصاري أربعة وعشرون ألف دينار في كلّ سنة وفي رواية غيره سبعين ألف دينار) (2) .

وقد اتّفقت الآراء بعد صريح نصّ الكتاب الكريم والأحاديث الشريفة من أنّ فدك كانت لفاطمة الزهراء (عليها السلام) نحلة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كانت له فدك خالصة ، من الأراضي التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب فيما صالح أهل خيبر ـ كما تلاحظ تفصيله في محلّه ـ (3) .

وتلاحظ الاعتراف بذلك من ابن أبي الحديد المعتزلي الذي صرّح (بأنّ هذا كلام صحيح) في شرحه (4) .

(1) مجمع البحرين : ص198 ، والآية من سورة النمل : الآية 14 .

(2) كشف المحجّة : ص182 .

(3) بهجة قلب المصطفى : ص391 .

(4) شرح نهج البلاغة : ج16 ص236 ـ 284 .


551

وَالْمارِقِينَ مِنْ وِلايَتِكُمْ (1) وَالْغاصِبِيْنَ لإِرْثِكُمْ (2) (1) ـ المروق : هو الخروج ، والمارق : هو الخارج عن الدين .

والمارقين من ولايتهم هم الذين كانوا مع أهل البيت (عليهم السلام) ثمّ خرجوا عن دين الله بترك ولايتهم .

فقد ارتدّ الناس بعد رسول الله وخرجوا عن دين الله إلاّ قليل ، كما تلاحظه في أحاديث بابه الخاصّ (1) .

وفي نسخة الكفعمي « والمارقين من دينكم وولايتكم » .

(2) ـ الغصب : هو إثبات اليد على مال الغير ظلماً وعدواناً (2) .

وقد غصب اُولئك الظالمون آل محمّد حقّهم لكن الحَكَم الله والزعيم محمّد (صلى الله عليه وآله) وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون .

وتقدّم قريباً حديث داود الرقي ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « والله لقد جلسا مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) غصباً » .

فلهم جزاء السوأى من العذاب الأليم والدرك الأسفل من الجحيم كما تلاحظه في الأحاديث المتظافرة في المقام منها :

1 ـ حديث داود الرقي قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : حدّثني عن أعداء أمير المؤمنين وأهل بيت النبوّة .

فقال : الحديث أحبّ إليك أم المعاينة ؟

قلت : المعاينة .

(1) بحار الأنوار : ج28 ص2 ب1 الأحاديث .

(2) مجمع البحرين : ص130 .


552

فقال لأبي إبراهيم موسى (عليه السلام) : ائتني بالقضيب فمضى وأحضره إيّاه ، فقال له : ياموسى اضرب به الأرض وأرهم أعداء أمير المؤمنين (عليه السلام) وأعدائنا ، فضرب به الأرض ضربةً فانشقّت الأرض عن بحر أسود ، ثمّ ضرب البحر بالقضيب فانفلق عن صخرة سوداء ، فضرب الصخرة فانفتح منها باب ، فإذا بالقوم جميعاً لا يحصون لكثرتهم ووجوههم مسودّة وأعينهم زرق ، كلّ واحد منهم مصفّد مشدود في جانب من الصخرة ، وهم ينادون يامحمّد ! والزبانية تضرب وجوههم ويقولون لهم : كذبتم ليس محمّد لكم ولا أنتم له .

فقلت له : جعلت فداك مَن هؤلاء ؟

فقال : « الجبت والطاغوت والرجس واللعين ابن اللعين ، ولم يزل يعدّدهم كلّهم من أوّلهم إلى آخرهم حتّى أتى على أصحاب السقيفة ، وأصحاب الفتنة ، وبني الأزرق ، والأوزاع ، وبني اُميّة جدّد الله عليهم العذاب بكرةً وأصيلا .

ثمّ قال (عليه السلام) للصخرة : انطبقي عليهم إلى الوقت المعلوم » (1) .

2 ـ حديث تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ .

قال : « الفلق جبّ في جهنّم يتعوّذ أهل النار من شدّة حرّه ، سأل الله أن يأذن له أن يتنفّس ، فأذن له فتنفّس فأحرق جهنّم .

قال : وفي ذلك الجبّ صندوق من نار يتعوّذ أهل تلك الجبّ من حرّ ذلك الصندوق وهو التابوت ، وفي ذلك التابوت ستّة من الأوّلين وستّة من الآخرين ، فأمّا الستّة من الأوّلين : فابن آدم الذي قتل أخاه ، ونمرود إبراهيم الذي ألقى

(1) بحار الأنوار : ج48 ص84 ب38 ح104 .


553

الشّاكِّيْنَ فِيكُمْ (1) إبراهيم في النار ، وفرعون موسى ، والسامري الذي اتّخذ العجل ، والذي هوّد اليهود ، والذي نصّر النصارى ، وأمّا الستّة من الآخرين فهو الأوّل والثاني والثالث والرابع وصاحب الخوارج وابن ملجم .

﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِق إِذَا وَقَبَ قال : الذي يلقى في الجبّ يقب فيه » (1) .

3 ـ حديث حذيفة بن اليمان ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : « أوحى إليّ جلّ ذكره فقال لي :

يامحمّد كان في سابق علمي أن يمسّك وأهل بيتك محن الدنيا وبلاؤها وظلم المنافقين والغاصبين من عبادي ، مَن نصحتهم وخانوك ، ومحضتهم وغشّوك ، وصافيتهم وشاجروك ، وأرضيتهم وكذّبوك ، وانتجبتهم وسلّموك .

فإنّي أولى بحولي وقوّتي وسلطاني لأفتحنّ على روح من يغصب بعدك علياً حقّه من سفال الفيلوق ، ولأصلينّه وأصحابه قعراً يشرف عليه إبليس فليلعنه ، ولأجعلنّ ذلك المنافق عبرة في القيامة لفراعنة الأنبياء والأعداء الذين في المحشر ، ولأحشرنّهم وأوليائهم وجميع الظلمة والمنافقين إلى نار جهنّم زرقاً كالحين أذلّة خزايا نادمين ، ولاُخلّدنّهم فيها أبد الآبدين » (2) .

(1) ـ الشكّ : هو الارتياب .

أي المرتابين في إمامتكم الحقّة .

وهو شكّ في اُصول الدين ، وموجب للإنحراف عن شريعة سيّد

(1) بحار الأنوار : ج8 ص296 ب24 ح46 .

(2) المعالم الزلفى : ص325 ب98 ح1 .


554

الْمُنْحَرِفِينَ عَنْكُمْ (1) وَمِنْ كُلِّ وَلِيجَة دُونَكُمْ (2) المرسلين ، وعمّا أمر به ربّ العالمين كما عرفته في الشهادة الثالثة من هذه الزيارة المباركة .

وفي بعض النسخ : « والشاكّين » بالواو ، وهو أظهر كما أفاده السيّد شبّر (1) .

(1) ـ الانحراف : هو الميل والعدول عن الحقّ .

أي المائلين والعادلين عنكم أئمّة الحقّ إلى غيركم من أهل الباطل وأعداء الدين وزمرة المنافقين .

فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم محور الحقّ ومداره كما عرفت من أخبار الفريقين ، وليس بعد الحقّ إلاّ الضلال .

(2) ـ وليجة الرجل : بطانته وخاصّته ومن يعتمد عليه .

قال في المجمع : الوليجة كلّ شيء أدخلته في شيء وليس منه ، والرجل يكون في القوم وليس منهم فهو وليجة فيهم (2) .

فالمعنى إنّي ـ حيث لا أتّخذ غيركم من أعتمد عليه في ديني وسائر اُموري ـ برئت إلى الله عزّوجلّ من كلّ من أدخلوه معكم في الإمامة والخلافة وهو ليس منكم .

وفيه إشارة إلى قوله عزّ إسمه : ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (3) (4) .

(1) الأنوار اللامعة : ص175 .

(2) مجمع البحرين : ص171 .

(3) سورة التوبة : الآية 16 .

(4) كنز الدقائق : ج5 ص413 .


555

وَكُلِّ مُطاع سِواكُمْ (1) وَمِنَ الاَْئِمَّةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ اِلَى النّارِ (2) فَثَبَّتَنِيَ اللّهُ اَبَداً ما حَيِيتُ عَلى مُوالاتِكُمْ وَمَحَبَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ (3) (1) ـ فإنّ الإطاعة الحقّة هي إطاعة الله ورسوله واُولي الأمر المنصوبين من قبله بنصّ آية الإطاعة الشريفة .

فإطاعة غيرهم إطاعة باطلة ، مقرونة بالبراءة منها والابتعاد عنها .

(2) ـ أي وبرئت إلى الله عزّوجلّ من أئمّة الضلالة الذين يدعون إلى النار .

فإنّهم بأعمالهم وعقائدهم الموصلة إلى النار يكونون دعاة النار ، في مقابل أئمّة الحقّ الذين هم دعاة الجنّة وقادة الهداية إلى الجنان .

قال تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ (1) .

وفي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : « إنّ الأئمّة في كتاب الله عزّوجلّ إمامان .

قال الله تبارك وتعالى : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (2) لا بأمر الناس ، يقدّمون أمر الله قبل أمرهم ، وحكم الله قبل حكمهم .

قال : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ يقدّمون أمرهم قبل أمر الله ، وحكمهم قبل حكم الله ، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عزّوجلّ » (3) .

(3) ـ جملة دعائية شريفة تبدأ بسؤال سبيل الأمان وأرقى الإيمان ، وهو الإيمان المستقرّ الثابت في القلب .

(1) سورة القصص : الآية 41 .

(2) سورة الأنبياء : الآية 73 .

(3) الكافي : ج1 ص216 ح2 .


556

وهو الإيمان الذي لا ينتزع من القلب أبداً ، ولا يسلب في العاقبة قطعاً .. والمعنى إنّي أدعو الله تعالى أن يثبّتني دائماً مدّة حياتي على موالاتكم ومحبّتكم ودينكم الإسلامي الحقّ الذي جاء بيانه منكم (1) .

والثبات هذا يكون للمؤمنين كما تلاحظه في قوله تعالى : ﴿ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ (2) .

وتلاحظ معنى الإيمان المستقرّ عند بيان قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ (3) .

فعن سعيد بن أبي الأصبغ قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) وهو سئل عن « مستقرّ ومستودع » ؟

قال : « مستقرّ » في الرحم . و « مستودع » في الصلب .

وقد يكون مستودع الإيمان ثمّ ينزع منه ; ولقد مشى الزبير في ضوء الإيمان ونوره حين قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى مشى بالسيف وهو يقول : لا نبايع إلاّ علياً .

وعن محمّد بن الفضل ، عن أبي الحسن (عليه السلام) في قوله : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ .

قال : ما كان من الإيمان المستقرّ ، فمستقرّ إلى يوم القيامة أو أبداً ، وما كان مستودعاً ، سلبه الله قبل الممات .

(1) الكافي : ج2 ص21 ح10 ـ 14 .

(2) سورة إبراهيم : الآية 27 .

(3) سورة الأنعام : الآية 98 .


557

وَوَفَّقَنِي لِطاعَتِكُمْ (1) وعن صفوان قال : سألني أبو الحسن (عليه السلام) ومحمّد بن خلف جالس ، فقال لي : مات يحيى بن القاسم الحذّاء ؟

فقلت له : نعم ، ومات زرعة .

فقال : كان جعفر (عليه السلام) يقول : « فمستقرّ ومستودع » . فالمستقرّ ، قوم يُعطون الإيمان ويستقرّ في قلوبهم ، والمستودع قوم يعطون الإيمان ثمّ يسلبونه » (1) .

(1) ـ أي وفّقني الله تعالى لإطاعتكم في أوامركم ونواهيكم ، وفي أقوالكم وأفعالكم .

والتوفيق من الله : توجيه الأسباب نحو المطلوب الخير ، مقابل الخذلان (2) .

ويتّضح معنى التوفيق جليّاً ، كما يتّضح مقابلته للخذلان من الأحاديث الشريفة مثل :

1 ـ حديث الهاشمي ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : فقلت : قوله عزّوجلّ : ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ (3) وقوله عزّوجلّ : ﴿ إِن يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ (4) .

فقال : « إذا فعل العبد ما أمره الله عزّوجلّ به من الطاعة كان فعله وفقاً لأمر الله عزّوجلّ ، وسمّي العبد به موفّقاً .

وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي الله فحال الله تبارك

(1) كنز الدقائق : ج4 ص404 .

(2) مجمع البحرين : ص447 .

(3) سورة هود : الآية 88 .

(4) سورة آل عمران : الآية 160 .


558

وَرَزَقَنِي شَفاعَتَكُمْ (1) وَجَعَلَنِي مِنْ خِيارِ مَوالِيكُمُ التّابِعِينَ لِما دَعَوْتُمْ اِلَيْهِ (2) وَجَعَلَنِي مِمَّنْ يَقْتَصُّ آثارَكُمْ (3) وتعالى بينه وبين تلك المعصية فتركها كان تركه لها بتوفيق الله تعالى ذكره .

ومتى خلّي بينه وبين تلك المعصية فلم يحل بينه وبينها حتّى يرتكبها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفّقه » (1) .

2 ـ حديث سليمان بن خالد ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيراً نكت في قلبه نكتة من نور ، وفتح مسامع قلبه ، ووكّل به ملكاً يسدّده .

وإذا أراد بعبد سوءاً نكت في قلبه نكتة سوداء ، وسدّ مسامع قلبه ووكّل به شيطاناً يضلّه .

ثمّ تلا هذه الآية : ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاِِْسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ (2) » (3) .

(1) ـ دعاء بارتزاق النعمة العظمى في الآخرة وهي شفاعة أهل البيت (عليهم السلام) .

وقد مرّ في فقرة « وشفعاء دار البقاء » حقيقة الشفاعة ودليلها فلاحظ .

(2) ـ أي دعوتم إليه قولا وعملا في دعوتكم الحسنى .

وتلاحظ بيان ذلك في فقرتي « دعائم الأخيار » و « الدعوة الحسنى » .

(3) ـ الاقتصاص : هي المتابعة .

والآثار : هي السنن الباقية .

(1) التوحيد : ص242 ب35 ح1 .

(2) سورة الأنعام : الآية 125 .

(3) التوحيد : ص415 ب64 ح14 .


559

وَيَسْلُكُ سَبِيلَكُمْ (1) وَيَهْتَدِي بِهُداكُمْ (2) وَيُحْشَرُ فِي زُمْرَتِكُمْ (3) وَيَكِرُّ فِي رَجْعَتِكُمْ (4) أي جعلني الله تعالى ممّن يتّبع آثاركم الطيّبة وسننكم الحسنة قولا وعملا .

(1) ـ السبيل معناه : الطريق أي جعلني الله ممّن يسلك طريقكم الذي تسلكوه .

وقد ورد صريحاً في الأحاديث المباركة أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم سبيل الله وسبيل الهدى وسبيل الرشاد ومن سلكه نجا ، كما تلاحظها مجموعة في أحاديث المرآة (1) .

(2) ـ أي جعلني الله تعالى ممّن يهتدي بهداكم الذي هو هدى الله تعالى .

فهم (عليهم السلام) أئمّة الهداية والإرشاد ، كما تقدّم بيان ذلك في فقرة « السلام على أئمّة الهدى » .

(3) ـ الحشر : هو الجمع بكثرة مع سَوق ، كما تلاحظ تفصيله في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (2) (3) .

والزمرة : هي الجماعة من الناس .

أي جعلني الله تعالى ممّن يُحشر يوم القيامة في جماعتكم أهل البيت ..

لأنّه الحشر الفائز يوم القيامة ، والموصل إلى الجنّة تحت راية الأئمّة ..

فهم (عليهم السلام) يقودون شيعتهم إلى روضات الجنّات وأعلى الدرجات كما تقدّم بيانه مع أحاديثه في فقرة : « والقادة الهداة » .

(4) ـ كرَّ يكرُّ على وزن مدّ يمُدّ بمعنى : رجَعَ ، من الكرّة بمعنى الرجعة .

(1) مرآة الأنوار : ص124 .

(2) سورة الكهف : الآية 47 .

(3) كنز الدقائق : ج8 ص90 .


560

وَيُمَلَّكُ فِي دَوْلَتِكُمْ (1) وَيُشَرَّفُ فِي عافِيَتِكُمْ (2) والرجعة : هي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت والحياة قبل يوم القيامة عند ظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه ، كما تقدّم بيانها ودليلها في فقرة « مصدّق برجعتكم » .

أي جعلني الله تعالى من خواصّ شيعتكم الذين يكرّون في رجعتكم الغرّاء .

(1) ـ يُملّك بصيغة المبني للمجهول أي : يُجعل مَلِكاً .

أي جعلني الله تعالى ممّن يصير مَلِكاً لإعلاء كلمته وإظهار دينه في دولتكم الحقّة .

فإنّ خواصّ الشيعة في الرجعة يصيرون ملوكاً في دولتهم المظفّرة .

(2) ـ الشرف : هو العلو والمكان العالي ، وشُبّه به العلو المعنوي في الشرافة .

والعافية : هي السلامة من المكاره والبلايا .

أي جعلني الله تعالى ممّن يصير شريفاً معظّماً في زمان سلامتكم من أعاديكم ، وسلامتكم من بغي كلّ باغ وطاغ عليكم ، وهو زمان دولتهم السعيدة .

واحتمل السيّد شبّر قراءة عافيتكم بالقاف ، يعني عاقبتكم بمعنى عاقبة أمركم وهي : دولتهم وأيّام ظهورهم (1) .

كما احتمله والد العلاّمة المجلسي (2) ، كما هو هكذا في نسخة الكفعمي أعلى الله مقامه .

(1) الأنوار اللامعة : ص177 .

(2) روضة المتّقين : ج5 ص491 .


561

وَيُمَكَّنُ فِي اَيّامِكُمْ (1) وَتَقَرُّ عَيْنُهُ غَداً بِرُؤْيَتِكُمْ (2) بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَنَفْسِي وَاَهْلِي وَمالِي (3) مَنْ اَرادَ اللّهَ بَدَأَ بِكُمْ (4) وكيف كان فمقتضيات الشرافة السامية لشيعتهم الزاكية متوفّرة في تلك الدولة الزاهرة .

وقد تقدّم شيء منها في فقرة « مرتقب لدولتكم » .

(1) ـ يمكّن بصيغة المبني للمجهول أي : يجعل له التمكّن والمُكنة .

يقال : أمكنه من الشيء أي جعل له سلطاناً وقدرةً عليه فتمكّن منه ، ومعنى تمكّن منه أي قدر عليه ، وله مُكنة أي قوّة وشدّة (1) .

فالجملة دعاء بأن يُجعل للزائر الداعي القدرة والسلطة والقوّة في أيّامهم السعيدة ودولتهم الرشيدة .

وفي نسخة الكفعمي : « ويمكّن في ولايتكم ، ويتمكّن في أيّامكم » .

(2) ـ قال في المجمع : (قُرّة العين برودتها وإنقطاع بكائها ...) (2) .

أي جعلني الله تعالى ممّن تسرّ عينه برؤيتكم البهيجة ، فإنّها اُمنيّة كلّ محبّ واُنشودة كلّ مشتاق .

(3) ـ مرّ أنّها تفدية ما أحبّه الإنسان تعظيماً للمخاطب وتحبيباً له .

وأهل البيت (عليهم السلام) أجدر من يُفدَّون بكلّ غال ونفيس .

(4) ـ أي أنّ من أراد معرفة الله تعالى ومرضاته بدأ بكم ، وأراده من طريقكم .

إذ لا يمكن الوصول إلى معرفته ومعارفه ومراضيه إلاّ بطريقكم

(1) مجمع البحرين : ص572 .

(2) مجمع البحرين : ص296 .


562

وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ (1) وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ (2) واتّباعكم ، عقيدةً وقولا وفعلا .

فإنّكم حجج الله والسبيل إليه والأدلاّء عليه كما تقدّم بيانه ودليله في فقرة : « السلام على محالّ معرفة الله » .

(1) ـ أي أنّ كلّ موحّد معتقد بتوحيد الله تعالى يقبل قولكم .

فإنّ البرهان اليقيني كما يدلّ على توحيد الله يدلّ على إمامتكم وخلافتكم لله ، فلابدّ من القبول عنكم خلفاء الله تعالى .

كما وأنّ حقيقة التوحيد إنّما عرفت منكم ، فمن لم يقبل علومكم وأدلّتكم لم يعرف التوحيد الحقّ .

كما وأنّ التوحيد الخالص يكون بشرطه وشروطه ، وأهل البيت (عليهم السلام) من شروطه ، فلابدّ من الإذعان بولايتهم وهو يقتضي قبول قولهم .

وقد تقدّم بيان ذلك ودليله في فقرة : « وأركاناً لتوحيده » .

قال العلاّمة المجلسي : (ومن وحّده قَبِل عنكم : أي من لم يقبل عنكم فليس بموحّد ، بل هو مشرك وإن أظهر التوحيد) (1) .

(2) ـ أي من قصد الله تعالى توجّه إليه بكم وعن طريقكم .

لأنّكم وجه الذي يتوجّه به ، وباب الله الذي يؤتى منه ، والوسيلة التي يلزم أن تبتغى إليه ، كما تلاحظ بيانه ودليله في فقرة : « مستشفع إلى الله عزّوجلّ بكم » .

(1) بحار الأنوار : ج102 ص143 .


563

مَوالِيَّ لا اُحْصِي ثَنائَكُمْ وَلا اَبْلُغُ مِنَ الْمَدْحِ كُنْهَكُمْ وَمِنَ الْوَصْفِ قَدْرَكُمْ (1) (1) ـ موالي : جمع مولى ، أي ياموالي ، نداء وخطاب لأهل البيت (عليهم السلام) .

والثناء بالمدّ : هو الذكر الحسن والكلام الجميل ، يقال : أثنيت عليه أي مدحته .

وكنه الشيء : نهايته .

أي إنّي لا أتمكّن من إحصاء مدحكم من حيث لا يمكنني إحصاء معروفكم ومحامدكم التي توجب الثناء عليكم .

وحتّى لو مدحتكم لا أصل في المدح إلى نهايتكم ، وفي الوصف إلى توصيف قدركم .

وأنّى لنا بمعرفة كنهكم ، أو توصيف شأنكم الذي لا تناله العقول ، ولا تصل إليه الألباب .

كما تلاحظ ذلك في أحاديث الإمامة مثل :

1 ـ حديث طارق بن شهاب ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء فيه : « وهل يعرف أو يوصف أو يُعلم أو يفهم أو يدرك أو يملك من هو شعاع جلال الكبرياء ، وشرف الأرض والسماء ؟

جلّ مقام آل محمّد (صلى الله عليه وآله) عن وصف الواصفين ، ونعت الناعتين وأن يقاس بهم أحد من العالمين » (1) .

2 ـ حديث عبدالعزيز بن مسلم ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) جاء فيه : « الإمام

(1) بحار الأنوار : ج25 ص171 ب4 ح38 .


564

وَاَنْتُمْ نُورُ الاَْخْيارِ (1) وَهُداةُ الاَْبْرارِ (2) واحد دهره ، لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ، ولا يوجد منه بدل ، ولا له مثل ، ولا نظير » (1) .

(1) ـ هذه الفقرات الشريفة تعليل لقوله : « مواليّ لا اُحصي ثنائكم » الخ ، وبيان لوجه العجز عن إحصاء ثنائهم وبلوغ المدح إلى كنههم وتوصيف قدرهم .

يعني كيف أحصي ثنائكم وأبلغ في المدح كنهكم وأتمكّن من وصف قدركم ؟ والحال أنّكم في هذه الدرجات السامية :

فأنتم نور الأخيار أي : منوّروهم ومعلّموهم وهادوهم ، أنتم شمس الهداية للأخيار .

والأخيار : هم الأنبياء المرسلون والملائكة المقرّبون .

وأنا عاجز عن إحصاء ما لاُولئك الأخيار من الكمالات والمحمدات ، فكيف باحصاء كمالاتكم ومحامدكم التي توجب الثناء عليكم وأنتم منوّروا اُولئك الأخيار .

ففي حديث الإمام الرضا (عليه السلام) المتقدّم : « الإمام كالشمس المضيئة ... » (2) .

وفي نسخة الكفعمي : « لأنّكم نور الأنوار ، وخيرة الأخيار » .

(2) ـ الأبرار : جمع بَرّ بالفتح بمعنى البارّ ، وهو فاعل الخير .

أي أنتم هداة الأبرار ، وهم شيعتهم الطيّبون وأولياؤهم المحسنون .

فهم (عليهم السلام) الهادون في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ

(1) الكافي : ج1 ص201 ح1 .

(2) الكافي : ج1 ص200 ح1 .


565

وَحُجَجُ الْجَبّارِ (1) بِكُمْ فَتَحَ اللّهُ (2) وَبِكُمْ يَخْتِمُ (3) بِأَمْرِنَا (1) .

لاحظ بيان ذلك ودليله في فقرة : « والقادة الهداة » .

(1) ـ أي وأنتم حجج الله الملك الجبّار .

فأهل البيت (عليهم السلام) جعلهم الله تعالى حجّته البالغة على جميع خلقه ومخلوقاته ، وتقدّم له باب كامل من الأحاديث المتظافرة في أنّهم الحجج على جميع العوالم وجميع المخلوقات (2) في فقرة : « وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والاُولى » .

(2) ـ أي بكم أهل البيت فتح الله تعالى الوجود والخلق ، أو الخلافة والولاية الكبرى ، أو الخيرات والفيوضات .

ففي حديث الكساء الشريف : « فقال الله عزّوجلّ ياملائكتي وياسكّان سماواتي إنّي ما خلقت سماء مبنيّة ، ولا أرضاً مدحيّة ، ولا قمراً منيراً ، ولا شمساً مضيئة ، ولا فلكاً يدور ، ولا بحراً يجري ، ولا فُلكاً يسري إلاّ في محبّة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء .

فقال الأمين جبرائيل : ياربّ ومن تحت الكساء ؟

فقال عزّوجلّ : هم أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها » (3) .

(3) ـ أي بدولتكم المباركة تُختم الدول ، فإنّها آخر الدول كما تقدّم في بيان

(1) سورة الأنبياء : الآية 73 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص46 ب15 الأحاديث .

(3) العوالم : ج11 القسم الثاني ص933 .


566

وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ (1) وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّماءَ اَنْ تَقَعَ عَلَى الاَْرْضِ اِلاّ بِاِذْنِهِ (2) وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الْهَمَّ (3) الرجعة في فقرة : « مرتقب لدولتكم » .

أو يختم بدولتكم في الآخرة كما تقدّم عند بيان فقرة : « إياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم » .

وفي نسخة الكفعمي : « بكم ختم الله » .

(1) ـ فإنّهم (عليهم السلام) معدن الرحمة والبركة ، وببركتهم يُنزّل الغيث وتنشر الرحمة كما تلاحظه في الأحاديث المتواترة المتقدّم بيانها في فقرة : « ومساكن بركة الله » .

وفي نسخة الكفعمي : « وبكم ينزّل الغيث والرحمة » .

(2) ـ أي بكم أهل البيت وببركة وجودكم يمسك الله تعالى السماء ويحفظها عن أن تقع على الأرض ، عند حصول أسباب ذلك ، من عصيان بعض المخلوقين ، وشرك المشركين واتّخاذهم الآلهة الباطلة كما قال تعالى : ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الاَْرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً (1) .

فلا تسقط السماء إلاّ بإذنه ، ومورد إذنه عند قيام الساعة ، أو في كلّ وقت يريده الله تعالى ويأذن فيه .

ولولاهم (عليهم السلام) لساخت الأرض ولسقطت السماء .

ففي دعاء العديلة : « بيُمنه رُزق الورى ، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء » .

(3) ـ التنفيس : هو إذهاب الهمّ والغمّ ، يقال : نفّس الله كربته أي فرّجها ، والأصل

(1) سورة مريم : الآية 90 ـ 91 .


567

وَيَكْشِفُ الضُّرَّ (1) في التنفيس هو التفريج ، كأنّه مأخوذ من قولهم : أنت في نَفَس من أمرك أي سعة (1) .

والهمّ : هو الحزن (2) .

وفي الدعاء : « اللهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والغمّ والحزن » ، قيل : الهمّ قبل نزول الأمر ، والغمّ بعد نزوله ، والحزن هو الأسف على ما فات ، وأهمّني الأمر أي أقلقني (3) .

وأهل البيت (عليهم السلام) بهم تزول الهموم وتسرّ النفوس ، بكفاية الاُمور وقضاء الحاجات .

لأنّهم الوسيلة إلى الله تعالى والشفعاء إليه كما تلاحظه في أحاديثه (4) وقد شهد بتفريجهم الهموم حتّى عدوّهم كما تلاحظه في الحديث (5) .

(1) ـ كشف الشيء : إزالته وإزاحته .

وكشف الله غمّه : أزاله ، وفي التنزيل : ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (6) .

والضُرّ بضمّ الضاد : سوء الحال ، والضرر في النفس من مرض وهزال .

(1) مجمع البحرين : ص336 .

(2) ترتيب العين : ج3 ص1901 .

(3) مجمع البحرين : ص543 .

(4) بحار الأنوار : ج26 ص319 ب7 الأحاديث .

(5) بحار الأنوار : ج10 ص26 ب1 ح14 .

(6) المعجم الوسيط : ج2 ص789 ، سورة الدخّان : الآية 12 .


568

وأهل البيت (عليهم السلام) يدفع الله تعالى ببركتهم الأسواء والأضرار عن الخلق .

وقد جاء في الزيارة الجامعة الاُخرى : « بكم ينزّل الغيث وينفّس الهمّ ويكشف السوء ويدفع الضرّ ويُغنى العديم ويشفى السقيم » (1) .

وفي الزيارة الرجبية الشريفة : « فبكم يجبر المهيض ، ويشفى المريض » (2) .

فإنّهم (عليهم السلام) أمان لأهل الأرض ، وبهم تنزل الرحمة ويصرف العذاب كما في أحاديث كثيرة منها :

حديث خيثمة الجعفي ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال : سمعته يقول : « نحن جنب الله ، ونحن صفوته ، ونحن حوزته ، ونحن مستودع مواريث الأنبياء ، ونحن اُمناء الله عزّوجلّ ، ونحن حجج الله ، ونحن أركان الإيمان ، ونحن دعائم الإسلام ، ونحن من رحمة الله على خلقه ، ونحن مَن بنا يفتح وبنا يختم ، ونحن أئمّة الهدى ، ونحن مصابيح الدجى ، ونحن منار الهدى ، ونحن السابقون ، ونحن الآخرون ، ونحن العَلم المرفوع للخلق ، مَن تمسّك بنا لحق ، ومن تأخّر عنّا غرق ، ونحن قادة الغرّ المحجّلين ، ونحن خيرة الله ، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله عزّوجلّ ، ونحن من نعمة الله عزّوجلّ على خلقه ، ونحن المنهاج ، ونحن معدن النبوّة ، ونحن موضع الرسالة ، ونحن الذين إلينا تختلف الملائكة ، ونحن السراج لمن استضاء بنا ، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا ، ونحن ‌

(1) بحار الأنوار : ج102 ص154 ب57 ح5 .

(2) بحار الأنوار : ج102 ص195 ب8 ح6 .


569

وَعِنْدَكُمْ ما نَزَلَتْ بِهِ رُسُلُهُ ، وَهَبَطَتْ بِهِ مَلائِكَتُهُ (1) الهداة إلى الجنّة ، ونحن عرى الإسلام ، ونحن الجسور والقناطر ، من مضى عليها لم يُسبق ، ومن تخلّف عنها محق ، ونحن السنام الأعظم ، ونحن الذين بنا ينزّل الله عزّوجلّ الرحمة ، وبنا يسقون الغيث ، ونحن الذين بنا يُصرف عنكم العذاب .

فمن عرفنا وأبصرنا وعرف حقّنا وأخذ بأمرنا فهو منّا وإلينا » (1) .

والشواهد كثيرة والمشاهدات وفيرة فيما تفضّل الله تعالى ببركتهم من إرسال الخيرات ودفع المضرّات .

(1) ـ الجملة الثانية مفسّرة للجملة الاُولى .

والمعنى أنّ عندكم أهل البيت سلام الله عليكم ما أنزلته الملائكة إلى الأنبياء (عليهم السلام) ، فجمع الله تعالى لكم كلّ ما خصّ الله به أنبياءه ، وشرّفكم وحدكم بجميع فضائل النبيين كلّهم ، بما هبط به الملائكة المقرّبون من الصحف الإلهية والكتب السماوية ، والعلوم الربّانية ، والأسرار الحقّانية ، والمواريث القدسيّة .

فعندهم صحف إبراهيم ، وتوراة موسى ، والألواح ، وزبور داود ، وانجيل عيسى وسائر الكتب المقدّسة كما في أحاديث الكافي (2) .

وعندهم تابوت بني اسرائيل الذي فيه السكينة وبقيّة ممّا ترك آل موسى وآل هارون كما في حديث الكنز (3) .

وعندهم مواريث النبي موسى (عليه السلام) كالحجر ، والطست ، والعصى التي

(1) إكمال الدين : ص205 ب21 ح20 .

(2) الكافي : ج1 ص225 ح4 و5 ، وص227 ح1 .

(3) كنز الدقائق : ج2 ص383 .


570

وَاِلى جَدِّكُمْ (1) بُعِثَ الرُّوُحُ الاَْمِينُ (1) تأتي بالعجائب كما في حديث البحار (2) .

وعندهم العلوم والأسرار الإلهية ، والمواريث النبوية كما تقدّم تفصيلها ودليلها في فقرات « خزّان العلم » و « حفظة سرّ الله » و « ورثة الأنبياء » ، وهذه كرامات جُمعت لهم واختصّت بهم سلام الله عليهم .

وفي العيون : « وعندكم ما ينزل به رسله » .

(1) ـ أي إلى جدّكم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بُعث واُرسل جبرائيل (عليه السلام) .

والإنبعاث : هو الإسراع إلى الطاعة للباعث (3) .

والروح الأمين : هو أمين وحي الله جبرائيل (عليه السلام) كما عبّر عنه بذلك في قوله تعالى : ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَْمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (4) .

وهذا من معالي مزاياهم (عليهم السلام) أن يكون جدّهم وأخو أمير المؤمنين (عليه السلام) هو من بُعث إليه جبرئيل (عليه السلام) رسولا من قبل الله تعالى ، بأتمّ بعثة وأكمل إرسال .

ولعلّ تقديم « إلى جدّكم » المفيد للاختصاص يفيد هذه الخصوصية المنحصرة برسول الله (صلى الله عليه وآله) أن كانت بعثة جبرئيل إليه بأتمّ وأكمل بعثة ..

من حيث الكمّية والكيفية ، بحيث لم تكن بهذه الخصوصية لسائر الأنبياء ، عليهم سلام الله في جميع الآناء .

(1) في الفقيه : ج2 ص615 : [ وإن كانت الزيارة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فقل : « وإلى أخيك بُعث الروح الأمين » ] .

(2) بحار الأنوار : ج13 ص60 .

(3) مجمع البحرين : ص150 .

(4) سورة الشعراء : الآية 193 ـ 194 .


571

أمّا من حيث الكمّ فنُقل أنّ جبرائيل (عليه السلام) نزل على إبراهيم (عليه السلام) خمسين مرّة وعلى موسى (عليه السلام) أربعمائة مرّة وعلى عيسى (عليه السلام) عشر مرّات وعلى محمّد (صلى الله عليه وآله) أربعة وعشرين ألف مرّة (1) .

وأمّا من حيث الكيف ففي غاية العظمة والتشريف كما في أحاديثه التي منها :

1 ـ حديث أبي الجارود ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « ... فلمّا بعث الله جبرئيل إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) سمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا ، فصعق أهل السماوات .

فلمّا فرغ من الوحي انحدر جبرئيل ، كلّما مرّ بأهل السماء فزّع عن قلوبهم ... فقال بعضهم لبعض : ماذا قال ربّكم قالوا الحقّ وهو العلي الكبير » .

2 ـ حديث كمال الدين : سُئل الصادق (عليه السلام) عن الغشية التي كانت تأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) أكانت تكون عند هبوط جبرئيل ؟

فقال : « لا ، إنّ جبرئيل (عليه السلام) إذا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدخل عليه حتّى يستأذنه ، فإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد ، وإنّما ذلك ـ أي الغشية ـ عند مخاطبة الله عزّوجلّ إيّاه بغير ترجمان وواسطة » .

3 ـ حديث عمر بن يزيد ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « إنّ جبرئيل كان يجيء فيستأذن على رسول الله ، وإن كان على حال لا ينبغي أن يأذن له قام في مكانه حتّى يخرج إليه ، وإن أذن له دخل عليه .

(1) سفينة البحار : ج1 ص544 .


572

آتاكُمُ اللّهُ ما لَمْ يُؤْتِ اَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (1) فقلت : وأين المكان ؟

قال : حيال الميزاب الذي إذا خرجت من الباب الذي يقال له : باب فاطمة بحذاء القبر ، إذا رفعت رأسك بحذاء الميزاب ، والميزاب فوق رأسك ، والباب من وراء ظهرك . الخبر » (1) .

وفي نسخة الكفعمي هنا زيادة : « وبمفتاح منطقكم نطق كلّ لسان ، وبكم يسبّح القدّوس السبّوح ، وبتسبيحكم جرت الألسن بالتسبيح ، والله بمنّه آتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين » .

(1) ـ أي آتاكم الله تعالى من العلوم والمعارف ، والأسرار والمواهب ، والمواريث والعطايا ، والخصائص والفضائل ما لم يؤتها أحداً من العالمين حتّى الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين .

فإنّ العالمين بفتح اللام جمع ، محلّى باللام يفيد العموم ، ويشمل جميع العوالم التي ترى الإشارة إليها في حديث الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ لله عزّوجلّ إثنى عشر الف عالم ... إنّي الحجّة عليهم » (2) .

والعالمين بمعنى : أصناف الخلق وكلّ صنف منهم عالَم كما في المجمع (3) . وأحداً نكرة في سياق النفي ، فيفيد عموم كلّ أحد أيضاً .

فأهل البيت وسيّدهم الرسول الأكرم سلام الله عليهم أعطاهم الله هذه

(1) بحار الأنوار : ج18 ص259 ب2 الأحاديث 11 و12 و18 ، كنز الدقائق : ج12 ص489 .

(2) بحار الأنوار : ج57 ص320 ب1 ح2 .

(3) مجمع البحرين : ص527 .


573

العطايا الفضلى ، وتفضّل عليهم بهذه المنح العظمى ، لأنّهم المفضّلون على الخلق أجمعين ، والمصطفون على العالمين .

حيث إنّهم سبقوا جميع الخلق إلى طاعة الله ، وفاقوهم في التقرّب إلى الله من النشأة الاُولى إلى المراحل الاُخرى .

وقد علم الله تعالى منهم الوفاء فاختارهم باختياره الثاقب المصيب .

ففي حديث الوصيّة : « ياعلي إنّ الله عزّوجلّ أشرف على [ أهل ] الدنيا فاختارني منها على رجال العالمين ، ثمّ أطلع الثانية فاختارك على رجال العالمين ، ثمّ أطلع الثالثة فاختار الأئمّة من ولدك على رجال العالمين ، ثمّ أطلع الرابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين » (1) .

وقد فُضّلوا حتّى على الأنبياء العظام كما في حديث حذيفة بن أسيد قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ما تكاملت النبوّة لنبي في الأظلّة حتّى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي ومثّلوا له ، فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم » .

وعن أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : ما من نبي نُبّيء ، ولا من رسول اُرسل إلاّ بولايتنا وتفضيلنا على من سوانا » (2) .

وفُضّلوا على الملائكة الكرام كما في حديث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) : « ياعلي إنّ الله تبارك وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين ، وفضّلني على جميع النبيين والمرسلين ، والفضل بعدي لك ياعلي وللأئمّة من بعدك ،

(1) من لا يحضره الفقيه : ج4 ص374 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص281 ب6 الأحاديث 27 و29 .


574

وإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا .

ياعلي الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا .

ياعلي لولا نحن ما خلق آدم ولا حوّا ولا الجنّة ولا النار ولا السماء ولا الأرض ، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربّنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ، لأنّ أوّل ما خلق الله عزّوجلّ خلق أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتحميده » (1) .

وتلاحظ إختصاصهم بالمزايا والخصائص العلياء التي فُضّلوا بها على العالمين حتّى الأنبياء ، في أحاديث متظافرة منها :

حديث إبراهيم ، عن أبيه ، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال : قلت له : جعلت فداك أخبرني عن النبي (صلى الله عليه وآله) ورث النبيين كلّهم ؟

قال : نعم .

قلت : من لدن آدم حتّى انتهى إلى نفسه ؟

قال : ما بعث الله نبيّاً إلاّ ومحمّد (صلى الله عليه وآله) أعلم منه .

قال : قلت : إنّ عيسى بن مريم كان يحيي الموتى بإذن الله .

قال : صدقت وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطير وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقدر على هذه المنازل ؟

قال : فقال : إنّ سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشكّ في أمره

(1) بحار الأنوار : ج26 ص335 ب8 ح1 .


575

﴿ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (1) حين فقده ، فغضب عليه فقال : ﴿ لاَُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لاََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَان مُّبِين (2) .

وإنّما غضب لأنّه كان يدلّه على الماء ، فهذا ـ وهو طائر ـ قد اُعطي ما لم يعط سليمان وقد كانت الريح والنمل والإنس والجنّ والشياطين والمردة له طائعين ، ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء ، وكان الطير يعرفه وإنّ الله يقول في كتابه : ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاَْرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى (3) وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسيّر به الجبال وتقطّع به البلدان ، وتحيى به الموتى ، ونحن نعرف الماء تحت الهواء ، وإنّ في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلاّ أن يأذن الله به مع ما قد يأذن الله ممّا كتبه الماضون ، جعله الله لنا في اُمّ الكتاب ، إنّ الله يقول : ﴿ وَمَا مِنْ غَآئِبَة فِي السَّمَآءِ وَالاَْرْضِ إِلاَّ فِي كِتَاب مُّبِين (4) . ثمّ قال : ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (5) .

فنحن الذين اصطفانا الله عزّوجلّ وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كلّ شيء (6) .

وحديث جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إنّ اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً ، وإنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به فخسف

(1) سورة النمل : الآية 20 .

(2) سورة النمل : الآية 21 .

(3) سورة الرعد : الآية 31 .

(4) سورة النمل : الآية 75 .

(5) سورة فاطر : الآية 32 .

(6) الكافي : ج1 ص226 ح7 .


576

بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتّى تناول السرير بيده ، ثمّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة العين .

ونحن عندنا من الإسم الأعظم إثنان وسبعون حرفاً ، وحرفٌ واحد عند الله تعالى استأثر به في علم الغيب عنده ، ولا حول ولا قوّة إلاّ الله العلي العظيم » .

وحديث هارون بن الجهم ، عمّن رواه قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « إنّ عيسى بن مريم (عليه السلام) اُعطي حرفين كان يعمل بهما ، واُعطي موسى أربعة أحرف واُعطي إبراهيم ثمانية أحرف ، واُعطي نوح خمسة عشر حرفاً ، واُعطي آدم خمسة وعشرين حرفاً ، وإنّ الله تعالى جمع ذلك كلّه لمحمّد (صلى الله عليه وآله) .

وإنّ اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعون حرفاً ، اعطي محمّداً (صلى الله عليه وآله) إثنين وسبعين حرفاً وحجب عنه حرف واحد » (1) .

هذا مضافاً إلى ما آتاهم الله تعالى من معاجزهم الخاصّة وقدرتهم الفائقة التي تلاحظها في أفعالهم ، مثل ما أبداه أمير المؤمنين (عليه السلام) في قضيّة الغلام الذي جاءه من قبل معاوية وادّعى ما ادّعى .

فروى ميثم التمّار أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رقى المنبر وراقى ثمّ تنحنح فسكت جميع من في الجامع ، فقال : « رحم الله من سمع فوعى ، أيّها الناس من يزعم أنّه أمير المؤمنين ؟ والله لا يكون الإمام إماماً حتّى يحيي الموتى ، أو ينزل من السماء مطراً ، أو يأتي بما يشاكل ذلك ممّا يعجز عنه غيره ، وفيكم من يعلم أنّي الآية الباقية ، والكلمة التامّة ، والحجّة البالغة .

(1) الكافي : ج1 ص226 ح7 ، وص230 ح1 و2 .


577

ولقد أرسل إليّ معاوية جاهلا من جاهليّة العرب عجرف في مقاله ، وأنتم تعلمون لو شئت لطحنت عظامه طحناً ، ونسفت الأرض من تحته نسفاً ، وخسفتها عليه خسفاً ، إلاّ أنّ احتمال الجاهل صدقة .

ثمّ حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي (صلى الله عليه وآله) . وأشار بيده إلى الجوّ فدمدم ، وأقبلت غمامة وعلت سحابة ، وسمعنا منها نداءً يقول : السلام عليك ياأمير المؤمنين ، وياسيّد الوصيّين وياإمام المتّقين ، وياغياث المستغيثين ، وياكنز المساكين ، ومعدن الراغبين .

وأشار إلى السحابة فدنت !

قال ميثم : فرأيت الناس كلّهم قد أخذتهم السكرة ، فرفع (عليه السلام) رجله وركب السحابة وقال لعمّار : اركب معي وقل : ﴿ بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا فركب عمّار وغابا عن أعيننا ، فلمّا كان بعد ساعة أقبلت سحابة حتّى أظلّت جامع الكوفة ، فالتفتُّ فإذا مولاي جالس على دكّة القضاء ؟

وعمّار بين يديه : والناس حافّون به ثمّ قام وصعد المنبر ، وأخذ بالخطبة المعروفة بالشقشقيّة . فلمّا فرغ اضطرب الناس ! وقالوا فيه أقاويل مختلفة . فمنهم من زاده الله إيماناً ويقيناً ! ومنهم من زاده كفراً وطغياناً .

قال عمّار : قد طارت بنا السحابة في الجوّ ، فما كان هنيئة حتّى أشرفنا على بلد كبير حواليها أشجار وأنهار ، فنزلت بنا السحابة وإذا نحن في مدينة كبيرة ، والناس يتكلّمون بكلام غير العربية ، فاجتمعوا عليه ولاذوا به ، فوعظهم وأنذرهم بمثل كلامهم ، ثمّ قال : ياعمّار اركب ففعلت ما أمرني ، فأدركنا جامع الكوفة ثمّ قال لي : ياعمّار تعرف البلدة التي كنت فيها ؟


578

قلت : الله أعلم ورسوله ووليّه .

قال : كنّا في الجزيرة السابعة من الصين أخطب كما رأيتني ، إنّ الله تبارك وتعالى أرسل رسوله إلى كافّة الناس ، وعليه أن يدعوهم ويهدي المؤمنين منهم إلى الصراط المستقيم ، وأشكر ما أوليتك من نعمة ، وأكتم من غير أهله ، فإنّ لله تعالى ألطافاً خفيّة في خلقه ، لا يعلمها إلاّ هو ومن ارتضى من رسول .

ثمّ قالوا : أعطاك الله هذه القدرة الباهرة وأنت تستنهض الناس لقتال معاوية ؟

فقال : إنّ الله تعبّدهم بمجاهدة الكفّار والمنافقين ، والناكثين ، والقاسطين ، والمارقين .

والله لو شئت لمددت يدي هذه القصيرة في أرضكم هذه الطويلة ، وضربت بها صدر معاوية بالشام ، وأجذب بها من شاربه ـ أو قال من لحيته ـ فمدّ يده وردّها وفيها شعرات كثيرة ، فتعجّبوا من ذلك . ثمّ وصل الخبر بعد مدّة أنّ معاوية سقط من سريره في اليوم الذي كان (عليه السلام) مدّ يده ، وغشي عليه ، ثمّ أفاق وافتقد من شاربه ولحيته شعرات » (1) .

إلى غير ذلك ممّا اُعطوا دون العالمين ، من خصائصهم السامية الواردة في زياراتهم العالية ، خصوصاً هذه الزيارة وكذا الزيارة السادسة المطلقة لأمير المؤمنين (عليه السلام) التي تضمّنت المواهب الربّانية التي حازوها هم (عليهم السلام) دون الخلق ، فتدبّر في المعالي الشريفة التي جاءت في تلك الزيارة أيضاً :

(1) بحار الأنوار : ج57 ص344 ب1 ح36 .


579

« .. السلام على مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، صاحب السوابق والمناقب والنجدة ومبيد الكتائب ، الشديد الباس ، العظيم المراس ، المكين الأساس ساقي المؤمنين بالكاس ... السلام على صاحب النُهى والفضل والطوائل ، والمكرمات والنوائل ... السلام على من أيّده الله بجبرائيل ، وأعانه بميكائيل ، وأزلفه في الدارين ، وحباه بكلّ ما تقرّ به العين ... السلام عليك ياعين الله الناظرة ، ويده الباسطة ، واُذنه الواعية ، وحكمته البالغة ونعمته السابغة ... السلام على قسيم الجنّة والنار ، السلام على نعمة الله على الأبرار ونقمته على الفجّار ، السلام على سيّد المتّقين الأخيار ... أخ الرسول ، وزوج البتول ، وسيف الله المسلول ... وقايةً لمهجته ، وهادياً لاُمّته ، ويداً لبأسه ، وتاجاً لرأسه ... » .

ومن عطايا الله تعالى لهم (عليهم السلام) التي لم يعطها أحداً من العالمين ولدهم الحجّة الثاني عشر ، الذي يظهر على الكون كلّه ويقيم دين جدّه ، ويملأ الأرض قسطاً وعدلا ونوراً .

وقد بشّر به الأئمّة المعصومون ، والنبي الأعظم والأنبياء الآخرون (عليهم السلام) (1) .

بل بشّر به الله تعالى في حديثي المعراج الشريف الذي رواه ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « لمّا عرج بي إلى ربّي جلّ جلاله أتاني النداء : يامحمّد !

قلت : لبّيك ربّ العظمة لبّيك .

فأوحى الله تعالى إليّ : يامحمّد فيم اختصم الملأ الأعلى ؟

(1) لاحظ مجموع البشارات به سلام الله عليه في المجلّد الأول من إلزام الناصب .


580

قلت : إلهي لا علم لي .

فقال : يامحمّد هلاّ اتّخذت من الآدميين وزيراً وأخاً ووصيّاً من بعدك ؟

فقلت : إلهي ومن أتّخذ ؟ تخيّر لي أنت ياإلهي .

فأوحى الله إليّ : يامحمّد قد اخترت لك من الآدميين علي بن أبي طالب .

فقلت : إلهي ابن عمّي ؟

فأوحى الله إليّ : يامحمّد إنّ علياً وارثك ووارث العلم من بعدك وصاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة وصاحب حوضك ، يسقي من ورد عليه من مؤمني اُمّتك .

ثمّ أوحى الله عزّوجلّ إليّ : يامحمّد إنّي قد أقسمت على نفسي قسماً حقّاً لا يشرب من ذلك الحوض مبغضٌ لك ولأهل بيتك وذرّيتك الطيّبين الطاهرين ، حقّاً أقول : يامحمّد لاُدخلنّ جميع اُمّتك الجنّة إلاّ من أبى من خلقي .

فقلت : إلهي هل واحد يأبى من دخول الجنّة ؟

فأوحى الله عزّوجلّ إليّ : بلى .

فقلت : وكيف يأبى ؟

فأوحى الله إليّ : يامحمّد اخترتك من خلقي ، واخترت لك وصيّاً من بعدك ، وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدك ، وألقيت محبّته في قلبك وجعلته أباً لولدك ، فحقّه بعدك على اُمّتك كحقّك عليهم في حياتك ، فمن جحد حقّه فقد جحد حقّك ، ومن أبى أن يواليه فقد أبى أن يواليك ، ومن أبى أن يواليك فقد أبى أن يدخل الجنّة ، فخررت لله عزّوجلّ ساجداً شكراً لما أنعم علىّ ، فإذا منادياً ينادي : ارفع يامحمّد رأسك ، وسلني أعطك .


581

فقلت : إلهي اجمع اُمّتي من بعدي على ولاية علي بن أبي طالب ليردوا جميعاً عليَّ حوضي يوم القيامة ؟

فأوحى الله تعالى إليّ : يامحمّد إنّي قد قضيت في عبادي قبل أن أخلقهم ، وقضائي ماض فيهم ، لاُهلك به من أشاء وأهدي به من أشاء . وقد آتيته علمك من بعدك ، وجعلته وزيرك وخليفتك من بعدك على أهلك واُمّتك ، عزيمةً منّي لاُدخل الجنّة من أحبّه ، ولا اُدخل الجنّة من أبغضه وعاداه وأنكر ولايته بعدك ، فمن أبغضه أبغضك ، ومن أبغضك أبغضني ، ومن عاداه فقد عاداك ، ومن عاداك فقد عاداني ، ومن أحبّه فقد أحبّك ، ومن أحبّك فقد أحبّني ، وقد جعلت له هذه الفضيلة .

وأعطيتك أن اُخرج من صلبه أحد عشر مهديّاً ، كلّهم من ذرّيتك من البكر البتول ، وآخر رجل منهم يصلّي خلفه عيسى بن مريم . يملأ الأرض عدلا كما ملئت منهم ظلماً وجوراً ، اُنجي به من الهلكة ، واُهدي به من الضلالة ، واُبرىء به من العمى ، واُشفي به المريض ... » .

وفي حديث المعراج الآخر : « ... يامحمّد لو أنّ عبداً عبدني حتّى ينقطع ويصير كالشنّ البالي ، ثمّ أتاني جاحداً لولايتهم فما أسكنته جنّتي ولا أظللته تحت عرشي ، يامحمّد تحبّ أن تراهم ؟

قلت : نعم ياربّ .

فقال عزّوجلّ : ارفع رأسك فرفعت رأسي وإذا أنا بأنوار علي وفاطمة والحسن والحسين ، وعلي بن الحسين ، ومحمّد بن علي ، وجعفر بن محمّد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمّد بن علي ، وعلي بن محمّد ،


582

طَأْطَأَ كُلُّ شَرِيف لِشَرَفِكُمْ (1) والحسن بن علي ، و « م ح م د » بن الحسن القائم في وسطهم كأنّه كوكب درّي .

قلت : ياربّ ومَن هؤلاء ؟

قال : هؤلاء الأئمّة وهذا القائم الذي يحلّل حلالي ويحرّم حرامي وبه أنتقم من أعدائي ، وهو راحة لأوليائي ، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين ، فيخرج اللات والعزّى طريّين فيحرقهما » (1) .

وكلّ هذه خصائص ودرجات اختصّ بها أهل البيت الطيبين دون العالمين .

(1) ـ التطأطأ : هو الإنحناء والخضوع ، يقال : طأطأ رأسه أي خفضه .

وطأطأ كلّ شريف أي تواضع وخضع .

والشَرَف في أصل اللغة : هو العُلو ، وشرف الأرض : المكان العالي منها ، ومنه سمّي الشريف شريفاً تشبيهاً للعُلوّ المعنوي بالعلوّ المكاني كما تقدّم .

فالمعنى أنّه تواضع وخضع كلّ شريف لشرافتكم العلياء التي تفوق كلّ شرافة ، ولم يصل إليها أيّ شريف .

وهذا أمر وجداني نلاحظه في جميع الشرفاء تجاه أهل البيت (عليهم السلام) .

فقد شرّفهم الله تعالى بأسمى الشرافات في علمهم وعملهم وحسبهم ونسبهم وسائر مزاياهم التي لا يدانيها أحد ، كما هو واضح مُبان من دون حاجة إلى دليل وبيان .

وتجد شطراً منها في الخطبة الشريفة الغرّاء للإمام زين العابدين عليه آلاف الثناء فيما عرّف به أهل بيته الأزكياء (عليهم السلام) (2) .

(1) إكمال الدين : ص250 ب33 ح1 و2 .

(2) بحار الأنوار : ج45 ص138 .


583

وَنَجَعَ [ وَبَخَعَ ] كُلُّ مُتَكَبِّر لِطاعَتِكُمْ (1) وَخَضَعَ كُلُّ جَبّار لِفَضْلِكُمْ (2) (1) ـ في نسخة التهذيب : « بخع » بالباء ثمّ الخاء .

البخوع : هو الإقرار والخضوع ، يقال : بخع بالحقّ أي أقرّ به وخضع له .

لكن في العيون والفقيه وفي نسخة الكفعمي : « نجع » بالنون وهو بمعنى الخضوع أيضاً .

والمعنى خضع كلّ متكبّر في طاعتكم ، أو في إطاعتكم لله تعالى ، حتّى أقرّ لهم بالطاعة ألدّ أعدائهم .

وقد تقدّم بيانه .

(2) ـ الخضوع : هو التواضع والإنقياد .

والجبّار : هو المتسلّط وقيل : هو العظيم الشأن في المُلك والسلطان .

أي تواضع وانقاد كلّ متسلّط لفضلكم ودرجتكم الرفيعة .

وهذه اُمور وجدانية يجدها الإنسان ، ويراها بالعيان في سير الأزمان ويكفيك في ذلك اعترافات جائري عصورهم .

في مثل اعترافات الثلاثة : (لولا علي لهلك فلان) كما ورد جميع تلك الاعترافات بمصادرها من العامّة في محلّه (1) .

وفي مثل تصديق معاوية لذلك في آخر حديث عدي بن حاتم وحديث الطرماح ، أمّا حديث عدي فهو : أنّ عدي بن حاتم دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية : ياعدي أين الطَرَفات ؟ يعني بنيه طريفاً وطارفاً وطرفة .

قال : قتلوا يوم صفّين بين يدي علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

(1) الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) از ديدگاه خلفا : ص120 و129 و187 .


584

فقال : ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدّم بنيك وأخّر بنيه .

قال : بل ما نصفتُ أنا علياً إذ قُتِلَ وبقيتُ .

قال : صف لي علياً .

فقال : إن رأيت أن تعفيني .

قال : لا أعفيك .

قال : كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول عدلا ، ويحكم فصلا ، تنفجر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته ، وكان والله غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يحاسب نفسه إذا خلا ويقلّب كفّيه على ما مضى ، يعجبه من اللباس القصير ومن المعاش الخشن ، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويدنينا إذا أتيناه ، ونحن مع تقريبه لنا وقربه منّا لا نكلّمه لهيبته ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته ، فإن تبسّم فعن اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ويتحبّب إلى المساكين ، لا يخاف القوي ظلمه ، ولا ييأس الضعيف من عدله .

فاُقسم لقد رأيته ليلة وقد مَثُل في محرابه ، وأرخى الليل سرباله وغارت نجومه ، ودموعه تتحادر على لحيته ، وهو يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول : يادُنيا ألِيَّ تعرّضت أم إليّ أقبلت ، غُرّي غيري لا حان حينُك قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ، فعيشُكِ حقير ، وخطرك يسير ، آه من قلّة الزاد وبُعد السفر وقلّة الأنيس .

قال : فوكفت عينا معاوية وجعل ينشفهما بكمّه .

ثمّ قال : يرحم الله أبا الحسن كان كذلك فكيف صبرُك عنه ؟


585

قال : كصبر من ذُبح ولدُها في حِجرها فهي لا ترقأ دمعتها ولا تسكن عبرتها .

قال : فكيف ذكرك له ؟

قال : وهل يتركني الدهر أن أنساه ؟! » (1) .

وأمّا حديث الطرماح فهو ما رواه الشيخ الأديب أبو بكر بن عبدالعزيز البستي بالأسانيد الصحاح أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمّا رجع من وقعة الجمل كتب إليه معاوية بن أبي سفيان عليه اللعنة :

بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله وابن عبدالله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أمّا بعد فقد اتّبعت ما يضرّك وتركت ما ينفعك وخالفت كتاب الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) وقد انتهى إليّ ما فعلت بحواري رسول الله (صلى الله عليه وآله) طلحة والزبير واُمّ المؤمنين عائشة ، فوالله لأرمينّك بشهاب لا تطفيه المياه ولا تزعزعه الرياح إذا وقع وقب ، وإذا وقب ثقب ، وإذا ثقب نقب ، وإذا نقب التهب ، فلا تغرنّك الجيوش واستعدّ للحرب فإنّي ملاقيك بجنود لا قبل لك بها والسلام .

فلمّا وصل الكتاب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فكّه وقرأه ودعى بدواة وقرطاس وكتب إليه :

« بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله وابن عبده علي بن أبي طالب أخي رسول الله وابن عمّه ووصيّه ومغسّله ومكفّنه وقاضي دَينه وزوج إبنته البتول وأبي سبطيه الحسن والحسين إلى معاوية بن أبي سفيان .

أمّا بعد فإنّي أفنيت قومك يوم بدر وقتلت عمّك وخالك وجدّك ،

(1) سفينة البحار : ج6 ص184 .


586

والسيف الذي قتلتهم به معي ، يحمله ساعدي بثبات من صدري ، وقوّة من بدني ، ونصرة من ربّي كما جعله النبي (صلى الله عليه وآله) في كفّي .

فوالله ما اخترت على الله ربّاً ، ولا على الإسلام ديناً ، ولا على محمّد نبيّاً ، ولا على السيف بدلا ، فبالغ من رأيك ، فاجتهد ولا تقصّر فقد استحوذ عليك الشيطان ، واستفزّك الجهل والطغيان ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

والسلام على من اتّبع الهدى وخشي عواقب الردى .

ثمّ طوى الكتاب وختمه ودعى رجلا من أصحابه يقال له : الطرماح بن عدي بن حاتم الطائي وكان رجلا جسيماً طويلا أديباً لبيباً فصيحاً لَسِناً متكلّماً لا يكلّ لسانه ولا يعيي عن الجواب ، فعمّمه بعمامته ، ودعى له بجمل بازل وثيق فائق أحمر ، فسوّى راحلته ، ووجّهه إلى دمشق ، فقال له : ياطرماح انطلق بكتابي هذا إلى معاوية بن أبي سفيان وخذ الجواب .

فأخذ الطرماح الكتاب ، وكوّر بعمامته ، وركب مطيّته ، وانطلق حتّى دخل دمشق فسأل عن دار الإمارة فلمّا وصل إلى الباب قال له الحجّاب : من بغيتك ؟

قال : اُريد أصحاب الأمير أوّلا ثمّ الأمير ثانياً .

فقالوا له : من تريد منهم ؟

قال : اُريد جعشماً وجرولا ومجاشعاً وباقعاً ـ وكان أراد أبا الأعور السلمي وأبا هريرة الدّوسي وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم ـ .

فقالوا : هم بباب الخضراء يتنزّهون في بستان .

فانطلق وسار حتّى أشرف على ذلك الموضع فإذا قوم ببابه فقالوا : جاءنا أعرابي بدوي دوين إلى السماء تعالوا نستهزىء به ، فلمّا وقف عليهم قالوا :


587

ياأعرابي هل عندك من السماء خبر ؟

فقال : بلى ، الله تعالى في السماء ، وملك الموت في الهواء ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في القفاء ، فاستعدّوا لما ينزل عليكم من البلاء ، ياأهل الشقاوة والشقاء .

قالوا : من أين أقبلت ؟

قال : من عند حرّ تقي نقيّ زكيّ مؤمن رضيّ مرضيّ .

فقالوا : وأي شيء تريد ؟

فقال : اُريد هذا الدعي الرديّ المنافق المردي الذي تزعمون أنّه أميركم ، فعلموا أنّه رسول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى معاوية .

فقالوا : هو في هذا الوقت مشغول .

قال : بماذا بوعد أو وعيد ؟

قالوا : لا ولكنّه يشاور أصحابه فيما يلقيه غداً .

قال : فسحقاً له وبُعداً .

فكتبوا إلى معاوية بخبره : أمّا بعد فقد ورد من عند علي بن أبي طالب رجل أعرابي بدوي فصيح لسن طلق ذلق ، يتكلّم فلا يكلّ ، ويطيل فلا يملّ فأعد لكلامه جواباً بالغاً ، ولا تكن عنه غافلا ولا ساهياً والسلام .

فلمّا علم الطرماح بذلك أناخ راحلته ، ونزل عنها وعقلها ، وجلس مع القوم الذين يتحدّثون .

فلمّا بلغ الخبر إلى معاوية أمر إبنه يزيد أن يخرج ويضرب المصاف على باب داره ، فخرج يزيد وكان على وجهه أثر ضربة ، فإذا تكلّم كان جهير


588

الصوت فأمر بضرب المصاف ففعلوا ذلك ، وقالوا للطرماح : هل لك أن تدخل على باب أمير المؤمنين ؟

فقال : لهذا جئت وبه اُمرت ، فقام إليه ومشى ، فلمّا رأى أصحاب المصاف وعليهم ثياب سود فقال : من هؤلاء القوم كأنّهم زبانية لمالك على ضيق المسالك ؟ فلمّا دنى من يزيد نظر إليه فقال : من هذا الميشوم ابن الميشوم ، الواسع الحلقوم ، المضروب على الخرطوم ؟!

فقالوا : مه ياأعرابي ابن الملك يزيد .

فقال : ومن يزيد لا زاد الله مزاده ولا بلّغه مراده ومن أبوه ؟ كانا قدماً غائصين في بحر الجلافة ، واليوم استويا على سرير الخلافة ، فسمع يزيد ذلك واستشاط وهمّ بقتله غضباً ثمّ كره أن يحدث دون إذن أبيه فلم يقتله خوفاً منه وكظم غيظه وخبا ناره وسلّم عليه فقال : ياأعرابي إنّ أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام .

فقال : سلامه معي من الكوفة .

فقال يزيد : سلني عمّا شئت ، فقد أمرني أمير المؤمنين بقضاء حاجتك .

فقال : حاجتي إليه أن يقوم من مقامه حتّى يجلس من هو أولى منه بهذا الأمر !!

قال : فماذا تريد آنفاً ؟

قال : الدخول عليه .

فأمر برفع الحجاب وأدخل إلى معاوية وصواحبه .

فلمّا دخل الطرماح وهو متنعّل قالوا له : اخلع نعليك .


589

فالتفت يميناً وشمالا ثمّ قال : هذا ربّ الواد المقدّس فأخلع نعلي ؟! فنظر فإذا هو معاوية قاعد على السرير مع قواعده وخاصّته ، ومثل بين يديه خدمه فقال : السلام عليك أيّها الملك العاصي .

فقرب إليه عمرو بن العاص فقال : ويحك ياأعرابي ، ما منعك أن تدعوه بأمير المؤمنين ؟

فقال الأعرابي : ثكلتك اُمّك ياأحمق ، نحن المؤمنون ، فمن أمّره علينا بالخلافة .

فقال معاوية : ما معك ياأعرابي ؟

فقال : كتاب مختوم من إمام معصوم .

فقال : ناولنيه .

قال : أكره أن أطأ بساطك .

قال : ناوله وزيري هذا وأشار إلى عمرو بن العاص .

فقال : هيهات هيهات ظلم الأمير وخان الوزير .

فقال : ناوله ولدي هذا وأشار إلى يزيد .

فقال : ما نرضى بإبليس فكيف بأولاده ؟

فقال : ناوله مملوكي هذا وأشار إلى غلام له قائم على رأسه .

فقال الأعرابي : مملوك اشتريته من غير حلّ وتستعمله في غير حقّ !!

قال : ويحك ياأعرابي فما الحيلة وكيف نأخذ الكتاب ؟

فقال الأعرابي : أن تقوم من مقامك وتأخذه بيدك على غير كره منك ، فإنّه كتاب رجل كريم وسيّد عليم وحبر حليم بالمؤمنين رؤوف رحيم .


590

فلمّا سمع منه معاوية وثب من مكانه وأخذ منه الكتاب بغضب ، وفكّه وقرأه ووضعه تحت ركبتيه ، ثمّ قال : كيف خلّفت أبا الحسن والحسين ؟

قال : خلّفته بحمد لله كالبدر الطالع ، حواليه أصحابه كالنجوم الثواقب اللوامع ، إذا أمرهم بأمر ابتدروا إليه ، وإذا نهاهم عن شيء لم يتجاسروا عليه ، وهو من بأسه يامعاوية في تجلّد بطل شجاع سميدع ، إن لقي جيشاً هزمه وأرداه ، وإن لقي قرناً سلبه وأفناه ، وإن لقي عدوّاً قتله وجزاه .

قال معاوية : كيف خلّفت الحسن والحسين ؟

قال : خلّفتهما بحمد الله شابّين نقيّين تقيّين زكيّين عفيفين صحيحين سيّدين طيّبين فاضلين عاقلين عالمين مصلحين في الدنيا والآخرة .

فسكت معاوية ساعة فقال : ما أفصحك ياأعرابي ؟

قال : لو بلغت باب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لوجدت الاُدباء الفصحاء البلغاء الفقهاء النجباء الأتقياء الأصفياء ، ولرأيت رجالا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، حتّى إذا استعرت نار الوغى قذفوا بأنفسهم في تلك الشعل ، لابسين القلوب على مدارعهم ، قائمين ليلهم صائمين نهارهم ، لا تأخذهم في الله ولا في وليّ الله علي لومة لائم ، فإذا أنت يامعاوية رأيتهم على هذه الحال غرقت في بحر عميق لا تنجو من لجّته .

فقال عمرو بن العاص لمعاوية سرّاً : هذا رجل أعرابي بدوي لو أرضيته بالمال لتكلّم فيك بخير .

فقال معاوية : ياأعرابي ما تقول في الجائزة أتأخذها منّي أم لا ؟

قال : بل آخذها فوالله أنا اُريد استقباض روحك من جسدك ، فكيف


591

باستقباض مالك من خزانتك .

فأمر له بعشرة آلاف درهم ثمّ قال : أتحبّ أن أزيدك ؟

قال : زد فإنّك لا تعطيه من مال أبيك ، وإنّ الله تعالى وليّ من يزيد .

قال : أعطوه عشرين ألفاً .

قال الطرماح : اجعلها وتراً فإنّ الله تعالى هو الوتر ويحبّ الوتر .

قال : أعطوه ثلاثين ألفاً فمدّ الطرماح بصره إلى إيراده فأبطأ عليه ساعة فقال : ياملك تستهزىء بي على فراشك ؟

فقال : لماذا ياأعرابي ؟

قال : إنّك أمرت لي بجائزة لا أراها ولا تراها ، فإنّها بمنزلة الريح التي تهبّ من قلل الجبال !! فأحضر المال ووضع بين يدي الطرماح فلمّا قبض المال سكت ولم يتكلّم بشيء .

فقال عمرو بن العاص : ياأعرابي كيف ترى جائزة أمير المؤمنين ؟

فقال الأعرابي : هذا مال المسلمين من خزانة ربّ العالمين ، أخذه عبد من عباد الله الصالحين .

فالتفت معاوية إلى كاتبه وقال : اكتب جوابه ، فوالله لقد أظلمت الدنيا عليّ وما لي طاقة ، فأخذ الكاتب القرطاس فكتب :

بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله وابن عبده معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أمّا بعد فإنّي اُوجّه إليك جنداً من جنود الشام مقدّمته بالكوفة وساقته بساحل البحر ، ولأرمينّك بألف حمل من خردل تحت كلّ خردل ألف مقاتل فإن أطفأت نار الفتنة وسلّمت إلينا قتلة عثمان وإلاّ فلا تقل غال ابن أبي


592

سفيان ، ولا يغرنّك شجاعة أهل العراق واتّفاقهم فإنّ اتّفاقهم نفاق فمثلهم كمثل الحمار الناهق يميلون مع كلّ ناعق والسلام .

فلمّا نظر الطرماح إلى ما يخرج تحت قلمه قال : سبحان الله لا أدري أيّكما أكذب أنت بادّعائك أم كاتبك فيما كتب !! لو اجتمع أهل الشرق والغرب من الجنّ والإنس لم يقدروا به على ذلك .

فنظر معاوية فقال : والله لقد كتب من غير أمري .

فقال : إن كنت لم تأمره فقد استضعفك وإن كنت أمرته فقد استفضحك .

أو قال : إن كتب من تلقاء نفسه فقد خانك ، وإن أمرته بذلك فأنتما خائنان كاذبان في الدنيا والآخرة ثمّ قال الطرماح : يامعاوية أظنّك تهدّد البطّ بالشطّ . فدع الوعيد فما وعيدك ضائر أطنين أجنحة الذباب يضير

والله إنّ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لديكاً علىَّ الصوت ، عظيم المنقار ، يلتقط الجيش بخيشومه ، ويصرفه إلى قانصته ، ويحطّه إلى حوصلته .

فقال معاوية : والله كذلك هو مالك بن الأشتر النخعي ثمّ قال : ارجع بسلام منّي » (1) .

هكذا خضع الجبابرة أمام أهل البيت (عليهم السلام) وكذلك خضع الظالمون تجاههم .

وروي أنّ الرشيد لمّا أراد قتل الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أرسل إلى عمّاله في الأطراف فقال : التمسوا لي قوماً لا يعرفون الله أستعين بهم في مهم لي ، فأرسلوا إليه قوماً يقال لهم : العبدة ، فلمّا قدموا عليه وكانوا خمسين رجلا

(1) بحار الأنوار : ج33 ص289 ح550 .


593

وَذَلَّ كُلُّ شَيْء لَكُمْ (1) أنزلهم في بيت من داره قريب من المطبخ ، ثمّ حمل إليهم المال والثياب والجواهر والأشربة والخدم ، ثمّ استدعاهم وقال : مَن ربّكم ؟

فقالوا : ما نعرف ربّاً وما سمعنا بهذه الكلمة ، فخلع عليهم ، ثمّ قال للترجمان : قل لهم : إنّ لي عدوّاً في هذه الحجرة فادخلوا إليه وقطّعوه ، فدخلوا بأسلحتهم على الكاظم (عليه السلام) والرشيد ينظر ماذا يفعلون .

فلمّا رأوه رموا أسلحتهم وخرّوا له سجّداً فجعل موسى (عليه السلام) يمرّ يده على رؤوسهم وهم منكّسون وهو يخاطبهم بألسنتهم .

فلمّا رأى الرشيد ذلك غشي عليه وصاح بالترجمان أخرجهم فأخرجهم يمشون القهقري إجلالا لموسى (عليه السلام) ثمّ ركبوا خيولهم وأخذوا الأموال ومضوا » (1) .

(1) ـ ذلّ : مأخوذ من الذِّل بكسر الذال بمعنى اللين والإنقياد والسهولة ضدّ الصعوبة ، كما وأنّ الذُّل بضمّ الذال بمعنى الخفّة والهوان ضدّ العزّة .

فكلمة ذَلَّ بمعنى انقاد ولانَ وسَهُل ، كما في قوله تعالى : ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا (2) .

وهذا الإنقياد هو غاية الخضوع ، يقال لكلّ مطيع من الناس ذليل ، ومن غير الناس ذلول (3) .

فالمعنى : انقاد وخضع كلّ شيء في العالم لكم بقدرة الله تعالى .

(1) جلاء العيون : ج3 ص71 .

(2) سورة الإنسان : الآية 14 .

(3) مجمع البحرين : ص474 .


594

وهذه هي الولاية التكوينية الثابتة بقدرة الله تعالى وإرادته لأهل البيت (عليهم السلام) .

فإنّ كلّ شيء في الكون خاضع ومنقاد وتابع لهم ، ويمكنهم التصرّف بولايتهم في جميع أشياء ، الكون والتكوين .

وهذا مضافاً إلى ولايتهم التشريعية الثابتة لهم بنصب الله تعالى ، وهي إمامتهم وأولويتهم بالأمر وهدايتهم وإرشادهم مع وجوب إطاعتهم ، الثابتة بأدلّة الإمامة من الكتاب والسنّة والعقل والإعجاز .

كما ثبتت ولايتهم التكوينية بالأدلّة المتظافرة المتقدّمة في فقرة : « والسادة الولاة » .

ونضيف هنا بياناً أنّ من الأدلّة عليها :

1 / الاقتران في آية الولاية في سورة المائدة / الآية 55 (1) .

2 / حديث طارق بن شهاب الذي جاء فيه : « خلقهم الله من نور عظمته ، وولاّهم أمر مملكته ، فهم سرّ الله المخزون وأولياؤه المقرّبون ، وأمره بين الكاف والنون » (2) .

3 / تصرّفاتهم الإعجازية في الكون والمكان والكائنات ، ممّا تلاحظها في كتاب الثاقب في المناقب .

فهم (عليهم السلام) أولياء الكون ، وكلّ شيء خاضع لهم بالتكوين ، بالقدرة الإلهية ، والإرادة الربّانية .

(1) كنز الدقائق : ج4 ص144 .

(2) بحار الأنوار : ج25 ص169 ب4 ح38 .


595

وَاَشْرَقَتِ الاَْرْضُ بِنُورِكُمْ (1) وَفازَ الْفائِزُونَ بِوِلايَتِكُمْ (2) بِكُمْ يُسْلَكُ اِلَى الرِّضْوانِ (3) (1) ـ أي أشرقت الأرض بنور وجودكم ، فإنّه لولاهم (عليهم السلام) لما وجدت ولا ثبتت أرض ولا غيرها من سائر الموجودات . كما أشرقت القلوب بنور هدايتكم .

وتلاحظ بيان ذلك في فقرة : « ونوره وبرهانه » .

قال الله تعالى : ﴿ وَأَشْرَقَتِ الاَْرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا (1) وجاء تفسيرها بنور الإمام (عليه السلام) كما في حديث علي بن إبراهيم (2) .

(2) ـ الفوز : هو النجاة والظفر بالخير .

أي نجى وظفر الناجون بولايتكم أهل البيت ، وباعتقاد إمامتكم ، ومتابعتكم فإنّ شيعتكم هم الفائزون كما تظافر به الحديث من الفريقين .

وتلاحظ بيان ذلك ودليله في فقرة « وفاز من تمسّك بكم » .

وكذلك فقرة « من اتّبعكم فالجنّة مأواه » .

(3) ـ أي بكم أهل البيت عليكم السلام لا بغيركم يسلك إلى جنان الله تعالى ورضوانه فإنّكم حجج الله وخلفاؤه والوسيلة إليه ، فاتّباعكم إطاعة لله ، وموجب لرضوانه .

إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِّن اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (3) .

وفي حديث تفسيره عن الإمام الهادي (عليه السلام) قال : « إذا صار أهل الجنّة

(1) سورة الزمر : الآية 69 .

(2) كنز الدقائق : ج11 ص338 .

(3) سورة التوبة : الآية 72 .


596

وَعَلى مَنْ جَحَدَ وِلايَتَكُمْ غَضَبُ الرَّحْمنِ (1) في الجنّة ودخل ولي الله جنّاته ومساكنه ، واتّكى كلّ مؤمن منهم على أريكته ، حفّته زوجاته وخدّامه ، وتهدّلت عليه الثمار ، وتفجّرت حوله العيون ، وجرت من تحته الأنهار ، وبُسطت له الزرابي ، وصُفّفت له النمارق ، وأتته الخدّام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك .

قال : وتخرج عليهم الحور العين من الجنان ، فيمكثون بذلك ما شاء الله ، ثمّ أنّ الجبّار يشرف عليهم ، فيقول لهم : أوليائي وأهل طاعتي وسكّان جنّتي في جواري ، ألا هل اُنبّئكم بخير ممّا أنتم فيه ؟

فيقولون : ربّنا ، وأيّ شيء خير ممّا نحن فيه ؟ نحن فيما اشتهت أنفسنا ولذّت أعيننا من النعم في جوار الكريم .

قال : فيعود عليهم بالقول .

فيقولون : ربّنا نعم ، فأتنا بخير ممّا نحن فيه .

فيقول لهم تبارك وتعالى : رضاي عنكم ومحبّتي لكم خير وأعظم ممّا أنتم فيه .

قال : فيقولون : نعم ، ياربّنا رضاك ومحبّتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا .

ثمّ قرأ علي بن الحسين (عليهما السلام) هذه الآية : ﴿ وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ـ إلى قوله ـ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » (1) .

(1) ـ أي على من جحد وأنكر ولايتكم وإمامتكم وخلافتكم ووجوب طاعتكم غضب الله الرحمن أي سخطه وعذابه وعقابه .

(1) كنز الدقائق : ج5 ص498 .


597

بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَنَفْسِي وَاَهْلِي وَمالِي (1) ذِكْرُكُمْ فِي الذّاكِرِينَ وَاَسْماؤُكُمْ فِي الاَْسْماءِ وَاَجْسادُكُمْ فِي الاَْجْسادِ وَاَرْواحُكُمْ فِي الاَْرْواحِ وَاَنْفُسُكُمْ فِي النُّفُوسِ وَآثارُكُمْ فِي الاْثارِ وَقُبُورُكُمْ فِي الْقُبُورِ (2) قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (1) .

وفي حديث تفسيره عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : قال الله عزّوجلّ : ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بتركهم ولاية علي (عليه السلام) ﴿ عَذَاباً شَدِيداً في الدنيا ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ في الآخرة ﴿ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ والآيات : الأئمّة (عليهم السلام) » (2) .

(1) ـ سبق أنّ هذه الكلمات إنشاء للتحبيب وتعظيم للمحبوب ، بتفدية ما أحبّه الإنسان ، أي أفديكم ياأهل البيت بأبي واُمّي ، أو أنتم مفديّون بأبي واُمّي .

(2) ـ الروح هنا : هي التي بها حياة الإنسان ويشتمل عليه البدن .

والنفس : هي جملة الشيء وحقيقته .

والآثار : جمع الأثر هي بقيّة الشيء وما يبقى منه .

وقد فُسّرت هذه الفقرات المباركة بتفسيرات عديدة منها :

الأوّل : إنّ ذكركم الشريف وإن كان في الظاهر مذكوراً بين الذاكرين فيذكرونكم ويذكرون غيركم ، لكن لا نسبة بين ذكركم وذكر غيركم ، من جهة ما لكم من كمال الامتياز والسموّ والرفعة والقدر والمنزلة .

(1) سورة فصّلت : الآية 28 .

(2) كنز الدقائق : ج11 ص444 .


598

وكذا بقيّة الفقرات يعني أسماؤكم وأجسادكم وأرواحكم الخ .

والقرينة على هذا المعنى قوله : فما أحلى أسماؤكم الخ المفيد للامتياز .

وهذا المعنى يستفاد من العلاّمة المجلسي (1) ، وأفاد السيّد شبّر (2) أنّه أحسن المعاني وأوضحها .

الثاني : أنّ الأخبار في هذه الفقرات هي الأحسنية المحذوفة ، وتقدّر بما يناسبها .

يعني ذكركم في الذاكرين أحسنُ الذكر ، وأسماءكم في الأسماء أحسن الأسماء وهكذا .

احتمل هذا المعنى الفاضل التفرشي (3) .

الثالث : أن يكون المعنى أنّ ذكركم في الذاكرين أي ذاكري الله تعالى لأنّكم سادات الذاكرين ، وكذلك إذا ذُكرت الأسماء الشريفة ، والأجساد الطاهرة ، والأرواح الطيّبة ، والأنفس السليمة ، والآثار الحسنة ، والقبور المقدّسة ، فأسماؤكم وأجسادكم وأرواحكم وأنفسكم وآثاركم وقبوركم داخلة فيها لأنّكم سادة السادات وقادة الهداة وأقدس الموجودات .

احتمل هذا المعنى السيّد شبّر أيضاً (4) .

وجميع هذه المعاني تعطي تفوّق أهل البيت (عليهم السلام) على الآخرين ،

(1) بحار الأنوار : ج102 ص143 .

(2) الأنوار اللامعة : ص188 .

(3) هامش الفقيه : ج2 ص616 .

(4) الأنوار اللامعة : ص188 .


599

ورفعتهم في جميع الجهات على الخلق أجمعين .

فذكرهم الشريف ذكر الله الأكبر ، وهو يمتاز حتّى على ذكر الطيّبين .

كما تلاحظه في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ (1) ففي حديث سعد الخفّاف عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « نحن ذكر الله ونحن أكبر » (2) .

وأسماؤهم المباركة هي أسماء الله الحسنى ، فتكون لها المرتبة العليا على جميع الأسماء كما تلاحظه في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَللهِِ الاَْسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (3) ـ (4) .

وأجسادهم الشريفة مخلوقة من أعلى علّيين ، كما أنّ أرواحهم السامية مخلوقة من نور عظمة الله العظيم ، فلا يدانيهم أجساد وأرواح العالمين .

وقد عرفت أحاديثه فيما تقدّم من فقرة : « وأنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة » .

وأنفسهم الطيّبة نفوس عالية مطمئنة راضية مرضية ، فلا يقاس بها نفوس الآخرين .

تلاحظها في تفسير قوله تعالى : ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (5) (6) .

(1) سورة العنكبوت : الآية 45 .

(2) الكافي : ج2 ص598 ح1 .

(3) سورة الأعراف : الآية 180 .

(4) كنز الدقائق : ج5 ص251 .

(5) سورة الفجر : الآية 27 ـ 28 .

(6) كنز الدقائق : ج4 ص279 ـ 280 .


600

فَما اَحْلى أَسْماءَكُمْ (1) وآثارهم الحسنة تتعالى على كلّ حسنة ، بل هي الهادية إلى الحسنات والموصلة إلى المكرمات .

حيث إنّ من آثارهم الحكم بالحقّ ، والتذكير بالله تعالى ، والدعوة إليه ، والحرص على سعادة الخلق وصلاح شأنهم والرأفة بهم وغير ذلك .

تلاحظ بيان الآيات والروايات لذلك في فصل ضرورة الإمامة (1) .

وقبورهم الشامخة من البقع التي طهّرها الله تعالى وشرّفها ، بل هي من البيوت التي أذن الله أن ترفُع (2) .

وقد تقدّم بيانه في فقرة « فجعلكم في بيوت أذن الله أن تُرفع » .

فأهل البيت (عليهم السلام) في جميع شؤونهم السامية لا يقاس بهم أحد من الخلق قاطبة .

وفي حديث نهج البلاغة : « لا يقاس بآل محمّد (صلى الله عليه وآله) من هذه الاُمّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً » (3) .

وكذا في حديث طارق بن شهاب ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « ... فلا يقاس بهم من الخلق أحد ، فهم خاصّة الله وخالصته ... » (4) .

(1) ـ ما أحلى : فعل تعجّب من الحلاوة بمعنى الحُسن .

(1) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص266 .

(2) بحار الأنوار : ج102 ص141 .

(3) نهج البلاغة : الخطبة رقم 2 ص24 .

(4) بحار الأنوار : ج25 ص174 ب3 ح38 .


601

وَاَكْرَمَ أنْفُسَكُمْ (1) وَاَعْظَمَ شَأْنَكُمْ (2) وَاَجَلَّ خَطَرَكُمْ (3) وَاَوْفى عَهْدَكُمْ (4) والحلاوة : نقيض المرارة ، وحلا الشيء بعينىْ أي أعجبني وحسُن عندي ، قيل : الحلاوة هي ما تلائم الطبع ويلتذّ به ، ويكون في كلّ شيء بحسبه ، ويستعمل للاُمور الحسّية والمعنوية كلتيهما .

فالمعنى : ما أحسن أسماؤكم الشريفة .

حيث عرفت أنّها أسماء الله تعالى .

(1) ـ أي وما أكرم ، وهو أيضاً فعل تعجّب من الكرم الذي هو ضدّ اللؤم ، والذي هو صفة لكل ما يُرضى ويحمد من الصفات الحسنة والسجايا الطيّبة .

فالمعنى : ما أكرم وأحمد وأطيب نفوسكم العالية .

حيث عرفت أنّها النفوس المطمئنة الراضية المرضية .

(2) ـ الشأن : هو الأمر والحال ، أي ما أعظم شأنكم الرفيع وأمركم المنيع ورتبتكم الشامخة .

حيث إنّهم آتاهم الله تعالى ما لم يؤت أحداً من العالمين ، فكان شأنهم أعظم من الخلق أجمعين .

(3) ـ الخَطَر : بفتحتين هو القدر والمنزلة ، أي ما أجلّ وأعظم قدركم ومنزلتكم عند الله تعالى .

حيث كانوا أحبّ الخلق إلى الله وأقربهم إليه وأعزّهم عنده ، إذ هم صفوته .

(4) ـ العهد : ورد في اللغة لمعان منها الوصيّة ، والتقدّم في الأمر في الشيء ، والمَوثِق ، واليمين ، والأمان ، والذمّة والضمان (1) .

(1) مرآة الأنوار : ص158 .


602

وَاَصْدَقَ وَعْدَكُمْ (1) كَلامُكُمْ نُورٌ (2) أي ما أوفى عهدكم الذي عاهدتم به الله تعالى ، كما تقدّم في فقرة : « ووكّدتم ميثاقه » وكذلك ما أوفى عهودكم مع الناس .

حيث إنّ الوفاء بالعهد من شيمة الصادقين ، وأمثل الصادقين هم الأئمّة الطاهرون .

(1) ـ أي وما أصدق وعدكم ، والوعد في الخير .

وقد صدقهم الله تعالى وعده ، وهو أصدق الصادقين .

كما صدقوا هم في وعدهم مع الناس .

حيث إنّهم أهل آية الصادقين . وقد تقدّم بيانه ودليله في فقرة « الصادقون » .

(2) ـ النور : هو الضوء المنتشر ، والكيفية الظاهرة بنفسها المُظهرة لغيرها .

وُصف به كلام أهل البيت (عليهم السلام) لأنّه علمٌ وهداية نَوَّر القلوب ، ونوّر العالَم ، فكان كلامهم نوراً في نفسه ، ومنوّراً بالهداية لغيره ، ومجلّياً مذهِباً للعمى والظلمة عن الناس .

وذلك لما يلي :

أوّلا : أنّهم مخلوقون من نور عظمة الله تعالى فكانوا بشراً نورانيين ، ومن الواضح أنّ كلامهم شعاع منهم ، ولا يشعّ من النور إلاّ النور .

وتلاحظ خلقتهم النورية في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) (1) .

وحديث أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) .

(1) الكافي : ج1 ص389 ح2 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص1 ب13 ح1 .


603

وتفصيل البيان والدليل مرّ في فقرة « خلقكم الله أنواراً » .

ثانياً : أنّهم (عليهم السلام) نور الله عزّوجلّ ، ومظاهر نوره في السماوات والأرض ، ينوّر الله بهم قلوب المؤمنين ، فكان كلامهم نوراً .

وتلاحظ حديث ذلك في مجامعنا (1) ومضى البيان والدليل في فقرة « ونوره » .

وقد ورد في زيارة الإمام الحجّة (عليه السلام) : « السلام عليك يانور الله الذي يهتدي به المهتدون » (2) .

ثالثاً : أنّ كلامهم (عليهم السلام) مأخوذ من كلام الله تعالى وقرآنه الذي هو نور منزّل على الرسول ، فيكون كلامهم نوراً أيضاً ، بتبعية الجزء للكل والفرع للأصل .

ففي حديث هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيره قالوا : سمعنا أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول الله عزّوجلّ » (3) .

ويدلّ على نوريّة كلام الله تعالى قوله عزّ إسمه : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً (4) .

(1) الكافي : ج1 ص194 ح1 .

(2) بحار الأنوار : ج102 ص215 ب58 .

(3) وسائل الشيعة : ج18 ص58 ح26 .

(4) سورة النساء : الآية 174 .


604

وقد برهن الدليل الوجداني حسّاً على نورانية كلام الله تعالى في وقائع عديدة مثل قضية محمّد كاظم الكريمي الساروقي رحمه الله تعالى .

وحاصل قضيّته كما حكى هو أنّه : كان يسكن هذا المؤمن البالغ من العمر (70) سنة في قرية ساروق التابعة لبلدة أراك ، وفي عصر إحدى أيّام الخميس يذهب إلى زيارة حرم بعض أولاد المعصومين (عليهم السلام) (امامزاده باقر وجعفر) فيرى هناك سيّدين جليلين ، يقولان له : إقرأ هذه الكتيبة القرآنية المكتوبة في أطراف الحرم .

فيجيب : أنا لا أعرف القراءة والكتابة .

فيقولان له : إقرأ ما تتمكّن من القراءة .

فيلتفت الساروقي وتطرأ عليه حالة خاصّة ، يسقط فيها على الأرض في ذلك الحرم إلى عصر يوم غد حين يأتي أهل القرية لزيارة الحرم ، فيفيقونه من حالته .

ومباشرةً يرى الساروقي نفسه حافظاً لجميع القرآن الكريم ويشير إلى الكتيبة الموجودة في الحرم ويقول : إنّها سورة الجمعة فيقرأها ، ويقرأ جميع السور القرآنية بنحو الحفظ وبشكل صحيح . بل يمكنه قراءة كلّ سورة بالعكس من الآخر إلى الأوّل ، ويعرف كلّ آية من كلّ سورة .

وكان يميّز في كلّ كتاب الآية القرآنية عن غيرها وسُئل عن ذلك .

فقال : إنّي أرى الآية القرآنية نوراً ومنيرة ، فاُميّزها عن غيرها (1) .

(1) داستانهاى شگفت : ص100 .


605

وبرهن الوجدان أيضاً على نورانية كلام أهل البيت (عليهم السلام) في مثل مكاشفة العالم الجليل الميرزا مهدي الأصفهاني أعلى الله مقامه الشريف ، فيما حكاه عنه بعض تلامذته بما حاصله :

أفاد الميرزا (قدس سره) : إنّي حيث عرفت أنّ طريق القرآن الكريم والأحاديث الشريفة مختلف مع طريق الفلسفة اليونانية والتصوّف العرفاني ، وعلمت أنّ أكبر عالم واُستاذ لهداية الاُمّة إلى حقيقة المعرفة في زماننا هو بقيّة الله الحجّة بن الحسن المهدي (عليه السلام) التجئت إليه وتضرّعت له وتوسّلت به في مواضع عديدة ، في مسجد السهلة وغيره ، للهداية إلى المعرفة الحقّة .

فتشرّفت يوماً عند النبيَّين هود وصالح في وادي السلام في النجف الأشرف بخدمة الإمام المنتظر سلام الله عليه ، وقرّت عيني به ، رأيته واقفاً وعلى صدره المبارك ورقةٌ مزيّنة الأطراف بماء الذهب ، وقد كتب في وسطها سطر واحد بخطّ نوريّ أخضر : « طلب المعارف من غيرنا أهل البيت مساوق لإنكارنا » .

وكتب تحته بخطّ أنعم امضاؤه الشريف :

« وقد أقامني الله وأنا الحجّة بن الحسن » .

فأحسست في نفسي نوراً من المعرفة ، وتجسّم في نظري فساد الفلسفة ومخالفتها لمعارف الإسلام (1) .

وأضاف السيّد شبّر في تفسير : « كلامكم نور » إنّ لكلامهم امتياز عن غيره كامتياز النور عن الظلمة ، فإنّ كلامهم دون كلام الخالق وفوق كلام

(1) أبواب الهدى : المقدّمة ص45 .


606

وَاَمْرُكُمْ رُشْدٌ (1) المخلوق .

ثمّ قال (قدس سره) : (وما ترى في كثير من الروايات من عدم سلاسة الألفاظ وجزالة المعاني والتكرار ونحو ذلك فإمّا لأنّه نقل بالمعنى ، أو لأنّهم يكلّمون الناس على قدر عقولهم وأفهامهم) (1) .

وأهل البيت (عليهم السلام) اُمراء الكلام منهم نشبت عروقه ، وعليهم تهدّلت أغصانه ، وهم ورثة رسول الله تعالى الذي كلامه وحي الله ، وهم بمنزلة الرسول في خصائصهم (2) .

(1) ـ الرُشد : هي الهداية مع إصابة الحقّ (3) . ويكون في الاُمور الدنيوية والاُخروية (4) . وهي الاستقامة في طريق الحقّ ، مع تصلّب فيه (5) .

ومن أسماء الله تعالى : (الرشيد) أي الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم أي هداهم ودلّهم .

ومن أوصاف الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) : (الراشدون) أي الهادون إلى طريق الحقّ والصواب .

ومعنى « أمركم رشد » : أنّ ما أمرتم به أنتم يكون مصيباً للحقّ ، وموجباً للهداية ، ومؤدّياً إلى الإستقامة في طريق الحقّ .

(1) الأنوار اللامعة : ص190 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص50 ب18 ح2 .

(3) مجمع البحرين : ص205 .

(4) المفردات : ص196 .

(5) القاموس : ج1 ص294 .


607

فإنّهم (عليهم السلام) لا يأمرون إلاّ بأمر الله تعالى ، ولا يكون ذلك إلاّ صلاحاً للعباد في الدنيا والمعاد .

والدليل على ذلك :

1 / أنّهم (عليهم السلام) مع الحقّ والحقّ معهم ولن يفترقا إلى يوم القرار .

فلا يكون أمرهم إلاّ بما هو حقّ ورشد وصواب كما نصّت على ذلك الأحاديث المتواترة بين الفريقين (1) .

2 / أنّهم (عليهم السلام) هم الأئمّة الراشدون كما نصّ على ذلك الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) (2) فتكون أوامرهم راشدة .

وبذلك تعرف أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم الراشدون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لملازمة الحقّ معهم ، وعصمتهم ، والتنصيص على راشديتهم .

ولا يتّصف بالرشد غيرهم ممّن ادّعى لهم ذلك ، لما تلاحظه من الجهل والزلل الصادر منهم ، ممّا سُجّلت في مصادر نفس العامّة .

وليحكم بعدها ذوو الانصاف والسداد هل تجتمع هذه الاُمور مع الرشاد ؟!

مثل ما في :

1 ـ حديث ابن سعد في طبقاته : لمّا بويع أبو بكر قام خطيباً (فقال :) أمّا بعد فإنّي ولّيت هذا الأمر وأنا له كاره (إلى أن قال :) وإنّما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني ، فإذا رأيتموني استقمت فاتّبعوني ، وإن رأيتموني زغت

(1) غاية المرام : ص539 من الخاصّة في (10) طرق ومن العامّة في (15) طريقاً ، وتلاحظها بالتفصيل في بحار الأنوار : ج38 ص26 ، إحقاق الحقّ : ج4 ص27 ، وج9 ص479 .

(2) غاية المرام : ص205 ح48 .


608

فقوّموني .

واعلموا أنّ لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني (الخطبة) روى هذا الحديث ابن جرير الطبري في تاريخه ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، والهيثمي في المجمع ، والهندي في كنز العمّال (1) .

2 ـ حديث ابن حجر في كتابه فتح الباري : أنّه عقد أبو طلحة زيد بن سهل مجلس خمر في بيته ودعا عشرة أشخاص من المسلمين ، فشربوا وسكروا ، حتّى أنّ أبا بكر أنشد أشعاراً في رثاء قتلى المشركين في بدر !! وهم :

1 ـ أبو بكر بن أبي قحافة 2 ـ عمر بن الخطّاب 3 ـ أبو عبيدة الجرّاح 4 ـ اُبيّ ابن كعب 5 ـ سهل بن بيضاء 6 ـ أبو أيّوب الأنصاري 7 ـ أبو طلحة « صاحب البيت » 8 ـ أبو دجانة سمّاك بن خرشة 9 ـ أبو بكر بن شغوب 10 ـ أنس بن مالك ، وكان عمره يومذاك (18) سنة ، فكان يدور في المجلس بأواني الخمر ويسقيهم .

وروى البيهقي في سننه عن أنس أنّه قال : وكنت أصغرهم سنّاً وكنت الساقي في ذلك المجلس !

وروى هذا الحديث البخاري في صحيحه ، في تفسير الآية الكريمة : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ (2) .

(1) السبعة من السلف : ص9 .

(2) سورة المائدة : الآية 91 .


609

ومسلم في صحيحه في كتاب الأطعمة والأشربة / باب تحريم الخمر .

والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج3 / 181 و227 .

وابن كثير في تفسيره ج2 / 93 و94 .

وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور ج2 / 321 .

والطبري في تفسيره ج7 / 24 .

وابن حجر العسقلاني في الإصابة ج4 / 22 ـ وفي فتح الباري ج10/30 .

وبدر الدين الحنفي في عمدة القاري ج10 / 84 .

والبيهقي في سننه 286 و290 (1) .

3 ـ حديث الأبشيهي قال ما نصّه : قد أنزل الله تعالى في الخمر ثلاث آيات الاُولى : قوله تعالى : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (2) الآية فكان من المسلمين من شارب ومن تارك ، إلى أن شرب رجل فدخل في الصلاة فهجر ، فنزل قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (3) .

فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها ، حتّى شربها عمر فأخذ بلحى بعير وشجّ به رأس عبدالرحمن بن عوف ، ثمّ قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر ويقول :

(1) ليالي پيشاور : ص656 .

(2) سورة البقرة : الآية 219 .

(3) سورة المائدة : الآية 43 .


610

ألا من مبلغ الرحمن عنّي فقل لله يمنعني شرابي بأني تاركٌ شهر الصيام وقل لله يمنعني طعامي

فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج مغضباً يجرّ رداءه ، فرفع شيئاً كان في يده فضربه به .

فقال : أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله .

فأنزل الله تعالى : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ .

فقال عمر : انتهينا انتهينا (1) .

4 ـ حديث جرأة عثمان على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإيذاءه له فيما حكي عن الحميدي في الجمع بين الصحيحين أنّه قال السدي في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَلاَ أَن تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (2) أنّه لمّا توفّي أبو سلمة ، وعبدالله بن حذافة وتزوّج النبي (صلى الله عليه وآله) امرأتيهما : اُمّ سلمة وحفصة .

قال طلحة وعثمان : أينكح محمّد نساءنا إذا متنا ولا تنكح نساؤه إذا مات ؟! والله لو قد مات لقد أجلبنا على نسائه بالسهام ، وكان طلحة يريد عائشة ، وعثمان يريد اُمّ سلمة .

فأنزل الله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا

(1) المستطرف : ج2 ص229 .

(2) سورة الأحزاب : الآية 53 .


611

وَوَصِيَّتُكُمُ التَّقْوى (1) أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً * إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً (1) ، وأنزل : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً (2) (3) .

(1) ـ الوصيّة : هو العهد .

والتقوى وبالفارسية پرهيز كارى هي في اللغة : فرط الصيانة ، وفي العرف : صيانة النفس عمّا يضرّها في الآخرة وقصرها على ما ينفعها فيها ، ولها ثلاث مراتب كما تقدّم بيانه (4) ، وتقدّم التفصيل في فقرة : « وأعلام التقى » .

وقلنا : إنّ أجمع وألطف تفسير للتقوى هو ما في الحديث الصادقي (عليه السلام) :

« أن لا يفقدك حيث أمرك ، ولا يراك حيث نهاك » (5) .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم سادة المتّقين ، ولم يزالوا يوصون بالتقوى الخلق أجمعين ، أرشدوا الناس إليها وحثّوهم عليها بالقول والعمل ، فكانوا في ذلك الاُسوة والقدوة ، شهد لهم بذلك الولي والعدوّ .

فقد روى سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس : ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ (6) علي بن أبي طالب (عليه السلام) خاف فانتهى عن

(1) سورة الأحزاب : الآية 53 ـ 54 .

(2) سورة الأحزاب : الآية 57 .

(3) بحار الأنوار : ج31 ص237 ، وجاء في حديث ابن عبّاس عن رجل في الدرّ المنثور : ج5 ص215 .

(4) بحار الأنوار : ج70 ص136 .

(5) سفينة البحار : ج8 ص558 .

(6) سورة النازعات : الآية 40 .


612

المعصية ، ونهى عن الهوى نفسه .

﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (1) خاصّاً لعلي (عليه السلام) ومن كان على منهاجه هكذا عامّاً .

وروى قتادة ، عن الحسن ، عن ابن عبّاس في قوله : ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (2) هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) سيّد من اتّقى عن ارتكاب الفواحش .

ثمّ ساق التفسير إلى قوله : ﴿ جَزَآءً مِّنْ رَّبِّكَ (3) لأهل بيتك خاصّاً لهم وللمتّقين عامّاً .

وفي تفسير أبي يوسف : يعقوب بن سفيان ، عن مجاهد وابن عبّاس ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَل وَعُيُون (4) من اتّقى الذنوب علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام) .

وروى الأصبغ بن نباتة قال علي (عليه السلام) : « دخلت بلادكم بأشمالي هذه ورحلتي وراحلتي هاهي ، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنّني من الخائنين » .

وفي رواية : « ياأهل البصرة ما تنقمون منّي ، إنّ هذا لمن غزل أهلي ؟ » ـ وأشار إلى قميصه ـ .

وترصّد غداءه عمرو بن حريث ، فأتت فضّة بجراب مختوم ، فأخرج

(1) سورة النازعات : الآية 41 .

(2) سورة النبأ : الآية 31 .

(3) سورة النبأ : الآية 36 .

(4) سورة المرسلات : الآية 41 .


613

منه خبزاً متغيّراً خشناً .

فقال عمرو : يافضّة لو نخلت هذا الدقيق وطيّبتيه .

قالت : كنت أفعل فنهاني ، وكنت أضع في جرابه طعاماً طيّباً فختم جرابه .

ثمّ إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) فتّه في قصعة ، وصبّ عليه الماء ، ثمّ ذرّ عليه الملح وحسر عن ذراعه ، فلمّا فرغ قال : ياعمرو لقد حانت هذه ـ ومدّ يده إلى محاسنه ـ وخسرت هذه أن اُدخلها النار من أجل الطعام ، وهذا يجزيني .

ورآه عدي بن حاتم وبين يديه شنّة فيها قراح ماء وكسرات من خبز شعير وملح ، فقال : إنّي لا أرى لك ياأمير المؤمنين لتظلّ نهارك طاوياً مجاهداً وبالليل ساهراً مكابداً ، ثمّ يكون هذا فطورك ، فقال (عليه السلام) : علّل النفس بالقنوع وإلاّ طلبت منك فوق ما يكفيها (1)

هذه سيرتهم في التقوى عملا ، وقد أوصوا بها قولا أيضاً .

ففي الرسالة الجليلة للإمام الصادق (عليه السلام) في جواب النجاشي : « واعلم أنّ الخلائق لم يوكّلوا بشيء أعظم من التقوى فإنّه وصيّتنا أهل البيت » (2) .

وقد أكّدوا (عليهم السلام) على التقوى غاية التأكيد ، ويحسن ملاحظة خطبة المتّقين لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، ورسالته إلى عثمان بن حنيف ، وكلام جميع المعصومين (عليهم السلام)في الوصية بذلك .

وبحق كانوا (عليهم السلام) سادة المتّقين ، بل أعلام التقى ، والمثل الأعلى في

(1) بحار الأنوار : ج40 ص320 ـ 325 ب98 .

(2) بحار الأنوار : ج77 ص194 ب7 ح11 .


614

وَفِعْلُكُمُ الْخَيْرُ (1) وَعادَتُكُمُ الاِْحْسانُ (2) وَسَجِيَّتُكُمُ الْكَرَمُ (3) الوصية بالتقوى .

(1) ـ الخير : ضدّ الشرّ ، وكلّ شيء لا سوء فيه (1) .

والخيرات هي الأعمال الصالحة ، وفسّر الخير بمكارم الأخلاق (2) .

والخير هو ما يرغب فيه الكل كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع (3) .

والمعنى : أنّ ما تفعلونه أهل البيت هو الخير ، فلا يصدر منكم الشرّ أبداً ، فإنّهم (عليهم السلام) خلفاء الله تعالى الذي هو أصل كلّ خير ، ولا يريد بعباده الشرّ ، فيكون خلفاؤه أيضاً مظاهر فعل الخير .

(2) ـ العادة : اسم لتكرير الشيء مراراً بحيث يكون تعاطيه سهلا كالطبع ، لذلك قيل : العادة طبيعة ثانية (4) .

والإحسان : ضدّ الإساءة ، وهو الإنعام على الغير (5) .

والمعنى : أنّ ما اعتاده أهل البيت (عليهم السلام) هو الإحسان والإنعام إلى الخلق جميعهم ، صديقهم وعدوّهم وبرّهم وفاجرهم .

فإنّهم خلفاء الله المحسن إلى جميع خلقه فيحسنون .

مضافاً إلى قيام دليل الوجدان على هذا الإحسان .

(3) ـ السجيّة : هي الغريزة والطبيعة التي جُبل عليها الإنسان (6) .

(1) مرآة الأنوار : ص94 .

(2) مجمع البحرين : ص258 .

(3) المفردات : ص160 .

(4) المفردات : ص352 .

(5) المفردات : ص119 .

(6) مجمع البحرين : ص43 .


615

والكرم : ضدّ اللؤم ، وهو كلّ ما يُرضى ويحمد ويحسن ، من الجود في العطاء ، وبذل أنواع الخير .

والمعنى : أنّ أهل البيت (عليهم السلام) طبيعتهم الكرم ، جادوا بالمكارم حتّى صار الكرم لهم طبيعة وسجيّة .

فإنّهم خلفاء الله تعالى الذي هو أكرم الأكرمين ، وهم وسائل الفيض الإلهي من ربّ العالمين ، كما تقدّم في الزيارة الشريفة في فقرة « واُصول الكرم » .

ويكفيك دليلا وجدانياً على هذه الصفات الحسنة فيهم ، ملاحظة حياتهم المليئة بالخيرات ، والموسومة بالبركات .

ولقد جادوا بكلّ غال ونفيس في سبيل ربّهم ، وأنفقوا وأحسنوا إلى غيرهم بالرغم من خصاصتهم ، فأنزل الله تعالى فيهم : ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (1) (2) .

ولقد آثروا غيرهم على أنفسهم في مواضع عديدة يكفيك منها إيثار المسكين واليتيم والأسير ثلاثة أيّام مع تحمّل الجوع حتّى أنزل الله فيهم : ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً الآيات (3) (4) .

وتظافر الحديث في كرمهم وكراماتهم فيما تلاحظه في سيرتهم (5) .

(1) سورة الحشر : الآية 9 .

(2) كنز الدقائق : ج13 ص175 ، إحقاق الحقّ : ج9 ص144 .

(3) سورة الدهر : الآية 8 .

(4) كنز الدقائق : ج14 ص52 .

(5) بحار الأنوار : ج41 ص24 ب102 الأحاديث .


616

وَشَأْنُكُمُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ وَالرِّفْقُ (1) وَقَوْلُكُمْ حُكْمٌ وَحَتْمٌ (2) ولقد كان معروفهم وفضلهم مبذولا حتّى في ساعة عسرتهم كما في إنفاق الإمام الحسين (عليه السلام) في عاشوراء .

وقد شهد بسخائهم وكرمهم حتّى أعداؤهم كما تلاحظه في النقل (1) .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم المختصّون برحمة الله الواسعة الفيّاضة التي تلاحظ المثل الأعلى منها في حديث الإمام الرضا (عليه السلام) المتقدّم (2) .

(1) ـ الشأن : هو الأمر والحال .

والحقّ : هو كلّ شيء ثابت محقّق ذو حقيقة ، ضدّ الباطل الذي لا حقيقة له .

والصدق : خلاف الكذب ، وهو مطابقة الخبر لما في نفس الأمر .

والرفق : ضدّ العنف والخرق ، وهو لين الجانب ، وأن يحسن الرجل العمل .

والمعنى : أنّكم أهل البيت شأنكم هو الحقّ في أحوالكم ، والصدق في أقوالكم ، والرفق في أفعالكم ومعاشرتكم .

فإنّهم (عليهم السلام) حجج الله تعالى على خلقه ، والسائرون فيهم من قِبَله ، ومظاهر صفاته فيكونون متّصفين بالحقّ والصدق والرفق .

وفي نسخة الكفعمي : « وشأنكم الحقّ ، وكلامكم الصدق ، وطبعكم الرفق » .

(2) ـ الحكم : هو العلم والفقه والقضاء بالعدل (3) .

وفسّره والد المجلسي والسيّد شبّر بالحكمة ، التي عرفت بأنّها هي العلوم

(1) شرح نهج البلاغة : ج1 ص21 .

(2) بحار الأنوار : ج24 ص26 ب29 ح44 .

(3) مجمع البحرين : ص512 .


617

وَرَأْيُكُمْ عِلْمٌ وَحِلْمٌ وَحَزْمٌ (1) اِنْ ذُكِرَ الْخَيْرُ كُنْتُمْ اَوَّلَهُ وَاَصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَمَعْدِنَهُ وَمَأْواهُ وَمُنْتَهاهُ (2) الحقيقيّة الإلهية .

والحتم : هو المعزوم الذي يجب اتّباعه .

والمعنى : أنّ قولكم أهل البيت هو ما قضاه الله تعالى الذي هو محتوم يجب اتّباعه ، أو حكمة الله التي يجب متابعتها .

وحتميّة اتّباع أقوال أهل البيت (عليهم السلام) ووجوب طاعتهم ممّا ثبت بصريح الكتاب في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ (1) .

(1) ـ الحلم : هو العقل ، وفسّر به قوله تعالى : ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم (2) أي عقولهم .

والحزم : ضبط الرجل أمره ، والحذر من فواته ، من قولهم : حزمت الشيء حزماً أي شددته ... وقوله : أخذت بالحزم أي المتقن المتيقّن (3) .

فالمعنى : أنّ رأيكم أهل البيت هو علم إلهي وليس برأي ظنّي أو تخميني ، وهو صادر عن عقل سليم لا عن سفه ، وهو مضبوط متقن متيقّن لا شكّ فيه .

فإنّه رأي معصوم عصمه الله من الزلّة ، وأيّده بالروحية القدسيّة ، فلا مجال فيه لسفاهة النظر أو خطل الرأي ، كما تقدّم في فقرة : « عصمكم الله من الزلل » .

وفي نسخة الكفعمي : « ورأيكم علم وحلم وكرم ، وأمركم عزم وحزم » .

(2) ـ عرفت فيما تقدّم أنّ الخير هو ما لا سوء فيه ، والعمل الصالح ، ومكارم

(1) سورة النساء : الآية 59 .

(2) سورة الطور : الآية 32 .

(3) مجمع البحرين : ص510 .


618

الأخلاق ، وما يرغب فيه الجميع ، والشيء النافع .

وأهل البيت (عليهم السلام) مثال الخير الكامل ، وأكمل الخير ، والخير الكثير كما يدلّ عليه الكتاب والسنّة .

فمن الكتاب سورة الكوثر المباركة .

ومن السنّة أحاديث تفسيرها (1) .

وهم (عليهم السلام) أوّل الخير ... فابتداؤه بهم ومنهم وببركتهم ، كما ينبىء عنه حديث لولاك (2) .

وأصل الخير منهم (عليهم السلام) ... فهم المقصودون بالخير أصالة ، ثمّ وصل منهم إلى غيرهم ، وهم أصل الوجود الذي هو مبدأ الخيرات .

وفرع الخير هم (عليهم السلام) .. من حيث إنّ وجودهم وخيرهم نشأ من خير الله تعالى وفضله .

وهم (عليهم السلام) معدن الخير ... أي محلّ استقراره وإفاضته فإنّهم يفيضون كلّ خير .

وهم (عليهم السلام) مأوى الخير ... أي مرجعه إذ لا يوجد الخير إلاّ عندهم ، ولا يصدر إلاّ منهم .

وهم (عليهم السلام) منتهى الخير ... أي أنّ كلّ خير صادر من غيرهم يكون راجعاً إليهم ، فيكونون منتهى الخير .

فالخير الأمثل بالوصف الأفضل هو لأهل البيت (عليهم السلام) لأنّهم سبب الخير ،

(1) كنز الدقائق : ج14 ص459 ، مجمع البيان : ج10 ص549 .

(2) بحار الأنوار : ج15 ص28 ب1 ح48 ، وفي العوالم : ج11 قسم 2 ص43 .


619

بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَنَفْسِي (1) ووسيلة الفيض ، ومهبط الخيرات الإلهية ، والبركات الربّانية .

ففي الزيارة المطلقة الاُولى للإمام الحسين (عليه السلام) : « إرادة الربّ في مقادير اُموره تهبط إليكم ، وتصدر من بيوتكم » (1) .

وقد دعا لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخير الكثير ودعاؤه مستجاب غير مردود (2) .

وهم الأساس لجميع الخيرات التي أفضلها العبادات التي هي خير الدنيا والآخرة ، ولولاهم ما عُبد الله تعالى .

وفي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) :

« نحن أصل كلّ خير ، ومن فروعنا كلّ برّ ، فمن البرّ التوحيد ، والصلاة والصيام وكظم الغيظ ، والعفو عن المسيء ، ورحمة الفقير ، وتعهّد الجار ، والإقرار بالفضل لأهله ، وعدوّنا أصل كلّ شرّ ... » (3) .

وفي نسخة الكفعمي هنا : « إن ذكر الخير كنتم أوّله وآخره ، وأصله وفرعه ، ومعدنه ومأواه ، وإليكم منتهاه » .

(1) ـ مضى أنّ هذه الكلمات موضوعة لإنشاء التحبيب في الخطاب ، وتعظيم المخاطب ، وتكريرها تأكيد وتثبيت لتفدية أعزّ ما يحبّه الإنسان أبيه واُمّه ونفسه لسادته وأئمّته الذين هم سبل النجاة في المحيا والممات .

(1) الكافي : ج4 ص575 ح2 ، من لا يحضره الفقيه : ج2 ص596 ب2 ح3199 ، التهذيب : ج6 ص55 ب16 ح1 .

(2) بحار الأنوار : ج43 ص120 ب5 ح29 .

(3) الكافي : ج8 ص242 ب8 ح336 .


620

كَيْفَ اَصِفُ حُسْنَ ثَنائِكُمْ (1) وَاُحْصِي (1) جَمِيلَ بَلائِكُمْ (2) (1) ـ الثناء : هو المدح ، والذكر الحسن ، والكلام الجميل .

وحسن ثنائكم من إضافة الصفة إلى الموصوف ، نظير قولهم كريم الأب ، وأبيّ النفس ، يعني أبوه كريم ، ونفسه أبيّة ، وكذلك هنا بمعنى أنّ ثناؤهم ومدحهم حسن .

فالمعنى أنّه كيف أقدر على توصيف حسن مدحكم يعني مدحكم الحسن الجميل ، أو حسن ثناءكم وتمجيدكم لله تعالى ؟ والحال أنّه بكم أخرجنا الله من الذلّ الخ .

فإنّ حسن ثنائهم لا يُتوصّل إلى غايته فكيف يوصف حقّ وصفه .

إذ أنّهم (عليهم السلام) أهل الثناء من بداية الخلقة إلى يوم القيامة .

(2) ـ البلاء هنا هي : النعمة ومنه الدعاء : « الحمد لله على ما أبلانا » أي أنعم علينا وتفضّل ، من الإبلاء الذي هو الإحسان والإنعام (2) .

وجميل بلائكم أيضاً من إضافة الصفة إلى الموصوف ، يعني نعمكم الجميلة وإحسانكم الجميل .

فالمعنى : أنّه كيف أقدر أيضاً على إحصاء نعمكم الجميلة التي أنعم الله تعالى بها علينا ، ومنها النعم الآتية يعني الإخراج من الذلّ الخ ، التي هي من أعظم النعم .

وأهل البيت (عليهم السلام) هم بأنفسهم نعم الله ، وولايتهم أولى النعم ، وبركاتهم

(1) في العيون : « وكيفَ اُحصي » .

(2) مجمع البحرين : ص13 .


621

وَبِكُمْ اَخْرَجَنَا اللّهُ مِنَ الذُّلِّ (1) وَفَرَّجَ عَنّا غَمَراتِ الْكُرُوبِ (2) وَاَنْقَذَنا مِنْ شَفا جُرُفِ الْهَلَكاتِ وَمِنَ النّارِ (3) سوابغ النعمة ، وقد تقدّم بيانه ودليله في فقرة : « وأولياء النعم » .

ونعمهم الجميلة لا تستقصى فلا يمكن أن تحصى .

(1) ـ أي بسببكم ووجودكم وإمامتكم أخرجنا الله تعالى من ذلّ الكفر والشرك إلى عزّ الإسلام والإيمان ، ومن ذلّ الجهل إلى عزّ العلم ، ومن ذلّ العذاب الدنيوي والاُخروي إلى عزّ الأمن والأمان كما يأتي بيانه .

وفي نسخة الكفعمي هنا زيادة : « وأطلق عنّا رهائن الغلّ » .

(2) ـ الكرب : هو الغمّ الشديد الذي يأخذ بالنفس .

أي وبكم فرّج الله تعالى عنّا شدائد الغموم التي كانت تأخذ بالنفس ، وتنتج من الكفر والظلم والخوف كما يأتي بيانه أيضاً في الفقرة الآتية .

(3) ـ شفا : على وزن نوى هو طرف الشيء وجانبه .

وجُرُف بضمّتين ، وقد يسكّن الراء تخفيفاً هو : ما جرفته السيول وأكلته من الأرض .

وفي نسخة الكفعمي : « ومن عذاب النار » .

أي وبكم أنقذنا الله تعالى وخلّصنا ونجّانا من جانب مسيل المهالك ومن عذاب النار ، حيث كنّا مشرفين على مسالك الكفر والضلال ومخاطر النيران والتبعات ، فهدانا الله ببركتكم ، ونجّانا بهدايتكم .

فبرسول الله وأمير المؤمنين وأهل البيت الطاهرين (عليهم السلام) أخرجنا الله تعالى وأخرج آباءنا من الذلّ ، وفرّج عنّا غمرات الكروب ، وأنقذنا من المهالك والنار ، وجعل لنا وسام الشرف والعزّة ، وقد قال تعالى : ﴿ وَللهِِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ


622

وَلِلْمُؤْمِنِينَ (1) .

وأتمّ برهان وبيان لهذه الفقرات الثلاثة المتقدّمة خطبة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) حيث جاء فيها :

« ... وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب (2) ونُهزة الطامع (3) وقبسة العجلان ، وموطىء الأقدام (4) ، تشربون الطَرَق (5) ، وتقتاتون القدّ (6) ، أذلّة خاسئين ، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم .

فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّد (صلى الله عليه وآله) ، بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مني ببهم (7) الرجال ، وذؤبان العرب ، ومردة أهل الكتاب .

كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ، أو نجم قرن الشيطان (8) أو فغرت فاغرة من المشركين (9) قذف أخاه في لهواتها (10) ، فلا ينكفىء حتّى يطأ

(1) سورة المنافقين : الآية 8 .

(2) مذقة الشارب : شربته .

(3) نهزة الطامع : بالضمّ ـ الفرصة ، أي الفرصة التي ينتهزها الطامع .

(4) قبسة العجلان : مثل في الاستعجال . وموطىء الأقدام : مثل مشهور في المغلوبية والمذلّة .

(5) الطرق : بالفتح ماء السماء الذي تبول به الإبل وتبعر فيه .

(6) القد : ـ بكسر القاف وتشديد الدال ـ سير يُقد من جلد غير مدبوغ ، وفي البحار : وتقتاثون الورق .

(7) بهم الرجال : شجعانهم .

(8) نجم : ظهر ، وقرن الشيطان اُمّته وتابعوه .

(9) فغر فاه : أي فتحه ، والفاغرة من المشركين : الطائفة منهم .

(10) قذف : رمى ، واللهوات بالتحريك : ـ جمع لهات ـ : وهي اللحمة في أقصى شفة الفمّ .


623

جناحها بأخمصه (1) ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في أمر الله قريباً من رسول الله ، سيّداً في أولياء الله ، مشمّراً ناصحاً ، مجدّاً ، كادحاً ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، وأنتم في رفاهية من العيش ، وادعون (2) فاكهون (3) ... » (4) .

ودونك شواهد وجدانية على تحقّق العزّ والفوز بأهل البيت (عليهم السلام) وعلى رأسهم سيّد العترة أمير المؤمنين (عليه السلام) في السيرة الغرّاء والجهود العصماء التي بذلوها سلام الله عليهم في سبيل الدين وأهله ، ولإنقاذ الناس من الجحيم وذُلّه (5) .

ففي يوم الخندق لم يبق بيت من بيوت المشركين إلاّ ودخله الوهن ، ولم يبق بيت من المسلمين إلاّ ودخله العزّ (6) .

وقد أقرّ الصديق والعدوّ بذلك ، بل أجمعت الاُمّة على ذلك .

قال ابن دأب : (هدم الله عزّوجلّ به بيوت المشركين ونصر به الرسول (صلى الله عليه وآله) واعتزّ به الدين ...

(1) لا يتكفىء : لا يرجع ، والأخمص ما لا يصيب الأرض من باطن القدم ، وفي البحار : حتّى يطأ صماخها بأخمصه .

(2) وادعون : ساكنون .

(3) فاكهون : ناعمون .

(4) الاحتجاج : ج1 ص135 ، بحار الأنوار : ج29 ص224 ، وتلاحظ الشرح في كتاب فاطمة الزهراء : ص423 ، وبهجة قلب المصطفى : ص337 ، وسوگنامه فدك : ص523 .

(5) بحار الأنوار : ج41 ص59 ب106 الأحاديث .

(6) لاحظ الإمام علي من المهد إلى اللحد : ص79 .


624

بِاَبِي اَنْتُمْ وَاُمِّي وَنَفْسِي (1) بِمُوالاتِكُمْ عَلَّمَنا اللّهُ مَعالِمَ دِينِنا (2) ثمّ الشجاعة كان منها على أمر لم يسبقه الأوّلون ، ولم يدركه الآخرون من النجدة والبأس ومباركة الأخماس على أمر لم يرَ مثله ، لم يولّ دبراً قطّ ، ولم يبرز إليه أحد قطّ إلاّ قتله ، ولم يكعّ عن أحد قطّ دعاه إلى مبارزته ، ولم يضرب أحداً قطّ في الطول إلاّ قدّه ، ولم يضربه في العرض إلاّ قطعه بنصفين ، وذكروا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حمله على فرس ، فقال : بأبي أنت واُمّي ما لي وللخيل أنا لا أتبع أحداً ولا أفرّ من أحد ، وإذا ارتديت سيفي لم أضعه إلاّ للذي أرتدي له) (1) .

وقال ابن أبي الحديد : (وأمّا الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوّه أنّه سيّد المجاهدين وهل الجهاد لأحد من الناس إلاّ له ... وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه لأنّه من المعلومات الضرورية) (2) .

فأهل البيت (عليهم السلام) مثال العزّة لدين الإسلام ووسيلة النجاة للأنام ، وتفريج الكربات والإنقاذ من الهلكات ، وهم نعمة الربّ للمخلوقين ، والحمد لله ربّ العالمين .

روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد ... » (3) .

(1) ـ هذه هي التفدية الخامسة والأخيرة في هذه الزيارة المباركة لأنفس خلق الله تعالى صلوات الله وسلامه عليهم .

(2) ـ الموالاة : هي المتابعة .

(1) الاختصاص : ص145 ـ 149 .

(2) شرح نهج البلاغة : ج1 ص24 .

(3) بحار الأنوار : ج24 ص49 ب29 .


625

وَاَصْلَحَ ما كانَ فَسَدَ مِنْ دُنْيانا (1) ومعالم : جمع معلم مصدر ميمي بمعنى موضع العلم .

فالمعنى أنّ بمتابعتكم أهل البيت علّمنا الله تعالى معالم دين الإسلام .

وبأخباركم وأقوالكم وأفعالكم وآثاركم حصل لنا العلم بمواضع الدين ومعرفة شريعة سيّد المرسلين ، كما عرفت ذلك في فقرة : « ونشرتم شرائع أحكامه » .

قال المحدّث الحرّ العاملي عند إحصاء كتب الأحاديث والأخبار للشيعة الأبرار : (إنّ ما نقلوا عنه الأحاديث وذكرت في كتب الرجال يزيد على (6600) كتاباً كما أحصيناه) (1) . كلّها من بركاتهم ويستضاء منها بموالاتهم .

فإنّهم أئمّة المسلمين ، وحملة علم ربّ العالمين ، وعِدل القرآن في ما خلّفه الرسول الأمين ، وبهم يعرف معالم الدين ، الذي ارتضاه ربّ العالمين .

فهم (عليهم السلام) أخذوا العلم والمعالم من الخالق العليم جلّ جلاله ، كما تقدّم ذلك في باب علم الإمام (عليه السلام) (2) .

وهم (عليهم السلام) علّموا الخلق من ذلك النمير العلمي الصافي ، فتعلّم منهم العلماء والنبلاء ، وسعد بهم الأصفياء والأولياء ، كما تلاحظ ذلك في شيعتهم وأوليائهم من الصدر الأوّل كسلمان وأبي ذرّ ، إلى الظهور الأزهر كالكمّلين في زمان دولة الإمام المهدي (عليه السلام) في كمال علمهم وحكمتهم ورشدهم (3) .

(1) ـ أي أنّ بمتابعتكم أيضاً أصلح الله تعالى ما كان فسد من اُمور دنيانا فضلا عن

(1) وسائل الشيعة : ج20 ص49 .

(2) بحار الأنوار : ج26 ص18 ب1 الأحاديث .

(3) الغيبة للنعماني : ص238 ب13 ح30 .


626

وَبِمُوالاتِكُمْ تَمَّتِ الْكَلِمَةُ (1) الآخرة .

فإنّ بإتّباع أوامرهم ونواهيهم ، وبالعمل بما رسموه وسنّوه في اُمور الدين من العبادات والمعاملات وأحكام المعاشرات ، تطيب الأموال والأولاد ويصلح نظام العيش والحياة .

ويشهد لذلك ملاحظة ما تكفّلته أحاديثهم الشريفة من بيان السُبل الصالحة الدينية في جميع الجوانب الحياتية ، وفي جميع الجهات الاجتماعية والفرديّة ممّا تجدها في أبوابها العديدة من الأحكام والمواعظ والأخلاق والآداب والإرشاد والتربية والتعليم والحكم وغيرها .

ممّا يحكم الوجدان أنّه لو طُبّقت تلك المعالم الشرعية ، لكانت الحياة أسعد الحياة الإنسانية .

وفي مقابله لو تركت واُهملت كانت المعيشة عيشة الجاهلية ، ومفسدة الحياة الهمجية .

(1) ـ يقال : أتممت الشيء بمعنى : أكملته ، ومنه قوله تعالى : ﴿ مُتِمُّ نُورِهِ (1) أي مكمّله (2) فتمّت الكلمة تكون بمعنى كملت الكلمة .

وفي الكلمة معنيان :

الأوّل : بمعنى تمّت كلمة التوحيد .

فيكون بموالاتكم التوحيد التامّ الكامل . إشارة إلى حديث سلسلة

(1) سورة الصف : الآية 8 .

(2) مجمع البحرين : ص506 .


627

الذهب المرويّة عن الإمام الرضا (عليه السلام) وقد تقدّم ذكره في الشهادة الاُولى (1) .

الثاني : بمعنى تمّت كلمة الإيمان والدين .

فيكون بموالاتكم الإيمان والدين الكامل .

إشارة إلى قوله عزّ إسمه : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (2) (3) .

فولاية أهل البيت (عليهم السلام) هو الركن الركين في حقيقة الدين ، والمكمّل لشريعة سيّد المرسلين ، والضمين لإمتداد الإسلام الذي يريده ربّ العالمين .

الإسلام الذي يريده الله تعالى الذي هو الحكيم في تدبيره ، والعليم بالطريق اللائح والفرد الصالح للدين القويم .

وينحصر اختيار الطريق الصحيح والفرد الصالح بذاته المقدّسة : ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (4) .

ولا اختيار لمن لا يعلم ما تخفى الصدور ، وما تكنّ الضمائر كما في حديث سعد بن عبدالله الأشعري القمّي ، عن الإمام الحجّة (عليه السلام) (5) .

وقد اختار الله تعالى الدين المبين ، وجعل تمامه وكماله بولاية أمير المؤمنين والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) .

كما عرفت ذلك من آية كمال الدين ، والحديث الرضوي المتين .

(1) عيون الأخبار : ج2 ص134 ب37 ح4 .

(2) سورة المائدة : الآية 3 .

(3) كنز الدقائق : ج4 ص32 .

(4) سورة القصص : الآية 68 .

(5) بحار الأنوار : ج23 ص68 ب3 ح2 .


628

وَعَظُمَتِ النِّعْمَةُ (1) (1) ـ عظم الشيء عِظَماً : أي كَبُر (1) .

أي أنّ بموالاتكم عظمت النعمة علينا ، ونلنا النعمة الكبيرة .

فأهل البيت (عليهم السلام) هم رحمة الله على خلقه ، وولايتهم هي السعادة الكبرى والنعمة العظمى على خليقته ، وبها كملت وعظمت النعمة على عباده .

كما قال تعالى : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (2) .

وتعرف قيمة هذه النعمة العظمى إذا تدبّرت فيها ، وعرفت أنّ وجودها يوجب قبول أعمال الإنسان ثمّ الفوز بالجنان ، وأنّ فقدانها يوجب الخسارة والنيران ، فأي نعمة هي أعظم من نعمة الولاية التي توجب سعادة الدنيا والبرزخ والآخرة ، وتدفع الشقاء والعناء .

ويكفيك في المقام ملاحظة الأحاديث المباركة التي تبيّن قيمة هذه النعمة القيّمة مثل :

1 ـ حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ياعلي أبشر وبشّر فليس على شيعتك كرب عند الموت ، ولا وحشة في القبور ، ولا حزن يوم النشور » (3) .

2 ـ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) ] قال الراوي : [ خرجت أنا وأبي ذات يوم فإذا هو باُناس من أصحابنا بين المنبر والقبر فسلّم عليهم ثمّ قال :

أما والله إنّي لاُحبّ ريحكم وأرواحكم ، فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد ، من ائتمّ بعبد فليعمل بعمله .

(1) مجمع البحرين : ص527 .

(2) سورة المائدة : الآية 3 .

(3) تفسير فرات الكوفي : ص348 ح475 .


629

أنتم شيعة آل محمّد (صلى الله عليه وآله) وأنتم شُرَطُ الله ، وأنتم أنصار الله ، وأنتم السابقون الأوّلون ، والسابقون الآخرون في الدنيا ، والسابقون في الآخرة إلى الجنّة .

قد ضمنّا لكم الجنّة بضمان الله تبارك وتعالى وضمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ، أنتم الطيّبون ونساؤكم الطيّبات ، كلّ مؤمنة حوراء وكلّ مؤمن صدّيق .

كم مرّة قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لقنبر : « ياقنبر أبشر وبشّر واستبشر ، والله لقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ساخط على جميع اُمّته إلاّ الشيعة .

ألا وإنّ لكلّ شيء شرفاً ، وإنّ شرف الدين الشيعة .

ألا وإنّ لكلّ شيء عروة ، وإنّ عروة الدين الشيعة .

ألا وإنّ لكلّ شيء إماماً ، وإمام الأرض أرض يسكن فيها الشيعة .

ألا وإنّ لكلّ شيء سيّداً ، وسيّد المجالس مجالس الشيعة .

ألا وإنّ لكل شيء شهوة ، وإنّ شهوة الدنيا سكنى شيعتنا فيها .

والله لولا ما في الأرض منكم ما استكمل أهل خلافكم طيّبات ما لهم ، وما لهم في الآخرة من نصيب .

والله إنّ صائمكم ليرعى في رياض الجنّة ، تدعو له الملائكة بالعون حتّى يفطر ، وإنّ حاجّكم ومعتمركم لخاصّ الله تبارك وتعالى ، وإنّكم جميعاً لأهل دعوة الله وأهل إجابته وأهل ولايته ، لا خوف عليكم ولا حزن ، كلّكم في الجنّة ، فتنافسوا في فضائل الدرجات .

والله ما من أحد أقرب من عرش الله تبارك وتعالى تقرّباً بعدنا يوم القيامة من شيعتنا ، ما أحسن صنع الله تبارك وتعالى إليكم ، ولولا أن تُفتنوا فيشمت


630

بكم عدوّكم ويعلم الناس ذلك لسلّمت عليكم الملائكة قبلا .

وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يخرج يعني أهل ولايتنا من قبورهم يوم القيامة مشرقة وجوههم قرّت أعينهم ، قد اُعطوا الأمان ، يخاف الناس ولا يخافون ، ويحزن الناس ولا يحزنون .

والله ما من عبد منكم يقوم إلى صلاته إلاّ وقد اكتنفته الملائكة من خلفه يصلّون عليه ، ويدعون له حتّى يفرغ من صلاته .

ألا وإنّ لكلّ شيء جوهراً ، وجوهر ولد آدم (عليه السلام) محمّد (صلى الله عليه وآله) ونحن وشيعتنا » (1) .

3 ـ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً : « ... ياقبيصة إذا كان يوم القيامة جعل الله حساب شيعتنا علينا فما كان بينهم وبين الله استوهبه محمّد (صلى الله عليه وآله) من الله ، وما كان فيما بينهم وبين الناس من المظالم أدّاه محمّد (صلى الله عليه وآله) عنهم ، وما كان فيما بيننا وبينهم وهبناه لهم حتّى يدخلون الجنّة بغير حساب » (2) .

كلّ هذا بالإضافة إلى أحاديث ثواب حبّهم ونصرهم وولايتهم (عليهم السلام) التي تبلغ (154) حديثاً ، منها ما يلي :

4 ـ حديث الهروي قال : سمعت الرضا (عليه السلام) يحدّث ، عن آبائه (عليهم السلام) ، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : سمعت الله جلّ جلاله يقول : « علي بن أبي طالب حجّتي على خلقي ، ونوري في بلادي

(1) تفسير فرات الكوفي : ص549 ح705 .

(2) تفسير فرات الكوفي : ص552 ح707 .


631

وأميني على علمي ، لا اُدخل النار من عرفه وإن عصاني ، ولا اُدخل الجنّة من أنكره وإن أطاعني » (1) .

5 ـ حديث ابن عمر قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « من أراد التوكّل على الله فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد أن ينجو من عذاب القبر فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد الحكمة فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد دخول الجنّة بغير حساب فليحبّ أهل بيتي ، فوالله ما أحبّهم أحد إلاّ ربح في الدنيا والآخرة » (2) .

6 ـ حديث بلال قال : طلع علينا النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم ووجهه مشرق كدارة القمر ، فقام عبدالله بن عوف وقال : يارسول الله ما هذا النور ؟

فقال : « بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي ، وأنّ الله زوّج علياً بفاطمة وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاعاً يعني صكاكاً بعدد محبّي أهل بيتي ، وأنشأ من تحتها ملائكة من نور ، ودفع إلى كلّ ملك صكّاً فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق ، فلا تلقى محبّاً لنا أهل البيت إلاّ دُفعت إليه صكّاً فيه فكاكه من النار .

بأخي وابن عمّي وابنتي فكاك رجال ونساء من اُمّتي من النار » (3) .

7 ـ حديث موسى بن سيّار قال كنت مع الرضا (عليه السلام) وقد أشرف على حيطان طوس ، وسمعت واعية فاتّبعتها ، فإذا نحن بجنازة ، فلمّا بصرت بها رأيت سيّدي وقد ثنى رجله عن فرسه ، ثمّ أقبل نحو الجنازة فرفعها ، ثمّ أقبل يلوذ بها كما

(1) بحار الأنوار : ج27 ص116 ب4 ح91 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص116 ب4 ح92 .

(3) بحار الأنوار : ج27 ص117 ب4 ح96 .


632

تلوذ السخلة باُمّها ثمّ أقبل عليَّ وقال :

« ياموسى بن سيّار من شيّع جنازة ولي من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته اُمّه لا ذنب عليه » .

حتّى إذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيّدي قد أقبل فأفرج الناس عن الجنازة حتّى بدا له الميّت ، فوضع يده على صدره ثمّ قال : يافلان بن فلان ابشر بالجنّة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة .

فقلت : جعلت فداك هل تعرف الرجل فوالله إنّها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا ؟

فقال لي : ياموسى بن سيّار أما علمت إنّا معاشر الأئمّة تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحاً ومساءً ، فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا الله تعالى الصفح لصاحبه ، وما كان من العلوّ سألنا الله الشكر لصاحبه » (1) .

8 ـ حديث تفسير قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ (2) عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « النعيم حبّنا أهل البيت وموالاتنا » (3) .

9 ـ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير : ﴿ فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ : « هي أعظم نعم الله على خلقه ، وهي ولايتنا » (4) .

10 ـ حديث الإمام أبي الحسن (عليه السلام) : « كلّ من تقدّم إلى ولايتنا تأخّر عن

(1) الأنوار البهيّة : ص106 .

(2) سورة التكاثر : الآية 8 .

(3) بحار الأنوار : ج24 ص50 ب29 ح1 .

(4) بحار الأنوار : ج24 ص59 ب29 ح35 .


633

وَائْتَلَفَتِ الْفُرْقَةُ (1) سقر ، وكلّ من تأخّر عن ولايتنا تقدّم إلى سقر » (1) .

وفي نسخة الكفعمي زيادة : « وكملت المنّة » .

(1) ـ الائتلاف والاُلفة : ضدّ الاختلاف ، وهو الإلتئام والإجتماع .

والفُرقة : هو التفرّق وإنفصال الأجزاء .

والمعنى : أنّ بموالاتكم ومتابعتكم والرجوع إليكم حصل الإئتلاف والاتّفاق والإلتئام بين الاُمّة .

وارتفعت الفُرقة والتفرّق الحاصل بالآراء الفاسدة والمذاهب الباطلة ، وطبيعي عدم حصول الفُرقة حتّى بين الاُمم المتعدّدة إذا رجعت إلى زعيم واحد إمام معصوم ، متّصل بربّ السماء ، ويهدي الاُمم بالأنوار العليا .

وفي خطبة الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) : « وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً للفُرقة » (2) .

إذ هم (عليهم السلام) عدل القرآن الذي يلزم التمسّك به مع القرآن ، ولا يحصل بينهما خلاف في أيّ آن ، وولايتهم قطب كلام الرحمن .

ففي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : « إنّ الله جعل ولايتنا أهل البيت قطب القرآن ، وقطب جميع الكتب ، عليها يستدير محكم القرآن ، وبها يوهب الكتب ، ويستبين الإيمان ، وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقتدى بالقرآن وآل محمّد (عليهم السلام) ، وذلك حيث قال في آخر خطبة خطبها : إنّي تارك فيكم الثقلين ... » (3) .

(1) بحار الأنوار : ج8 ص273 ب24 ح2 .

(2) الاحتجاج : ج1 ص134 .

(3) بحار الأنوار : ج92 ص27 ب1 ح29 .


634

وَبِمُوالاتِكُمْ تُقْبَلُ الطّاعَةُ الْمُفْتَرَضَةُ (1) وبهم تأتلف القلوب وتجتمع الفُرقة كما في حديث النوادر عن الإمام الباقر (عليه السلام) جاء فيه : « فأنتم أهل الله الذين بكم تمّت النعمة ، واجتمعت الفُرقة ، وائتلفت الكلمة » (1) .

ولقد ائتلفت الفرقة بجدّهم الرسول ثمّ بهم ، ولم يظهر الشقاق والنفاق إلاّ بالخلاف معهم (عليهم السلام) .

وستجتمع الاُمم على كلمة واحدة عند ظهور مهديّهم المنتظر (عليه السلام) ، قال تعالى : ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (2) (3) .

(1) ـ المفترضة بصيغة اسم المفعول : أي التي اُوجبَتْ وصارت واجبة ، يقال : افترضه الله أي أوجبه .

أي أنّ بموالاتكم أهل البيت تُقبل الطاعات المفترضة ، والفرائض الواجبة ، وبدون ولايتكم لا تكون مقبولة عند الله تعالى .

وإنّما لا تقبل الطاعات والعبادات بدون ولايتهم :

أوّلا : لأنّها ليست من العبودية والطاعة في شيء ، لأنّ عبادة الله وطاعته لا تكون إلاّ من حيث أراد الله لا حيث أراد العبد ، والذي ثبت فيما أراده الله هو طاعة أهل البيت (عليهم السلام) .

ثانياً : أنّ الولاية من الاُصول ، ولا تقبل الطاعات من الفروع بدون الاُصول .

(1) بحار الأنوار : ج59 ص194 ب23 ح58 .

(2) سورة التوبة : الآية 33 .

(3) كنز الدقائق : ج5 ص444 .


635

ثالثاً : للأخبار المتواترة في ذلك ومنها :

1 ـ حديث محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ، يقول : « كلّ من دان الله عزّوجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه ، ولا إمام له من الله ، فسعيه غير مقبول ، وهو ضالّ متحيّر ، والله شانىء لأعماله .

(إلى أن قال) : وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق .

واعلم يامحمّد أنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله ، قد ضلّوا وأضلّوا ، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء ، ذلك هو الضلال البعيد » (1) .

2 ـ حديث زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) (في حديث) قال : « ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته .

أما لو أنّ رجلا قام ليله وصام نهاره ، وتصدّق بجميع ماله ، وحجّ جميع دهره ، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله حقّ في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان » (2) .

3 ـ حديث محمّد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) (في حديث) قال : « من لم يأت الله عزّوجلّ يوم القيامة بما أنتم عليه لم يتقبّل منه حسنة ، ولم يتجاوز له عن سيّئة » (3) .

4 ـ حديث الثمالي قال : قال لنا علي بن الحسين (عليه السلام) : « أيُّ البقاع

(1) وسائل الشيعة : ج1 ص90 ب29 ح1 .

(2) وسائل الشيعة : ج1 ص91 ب29 ح2 .

(3) وسائل الشيعة : ج1 ص91 ب29 ح3 .


636

أفضل ؟

فقلنا : الله ورسوله وابن رسوله أعلم .

فقال لنا : أفضل البقاع ما بين الركن والمقام ; ولو أنّ رجلا عمّر ما عمّر نوح في قومه ; ألف سنة إلاّ خمسين عاماً ; يصوم النهار ; ويقوم الليل في ذلك المكان ، ثمّ لقى الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئاً » (1) .

5 ـ حديث ميسر قال : دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقلت له : جعلت فداك إنّ لي جاراً لست أنتبه إلاّ على صوته إمّا تالياً كتابه يكرّره ويبكي ويتضرّع وإمّا داعياً ... فسألت عنه في السرّ والعلانية فقيل لي : إنّه مجتنب لجميع المحارم .

قال : فقال : ياميسر يعرف شيئاً ممّا أنت عليه ؟

قال : قلت : الله أعلم .

قال : فحججت من قابل فسألت عن الرجل فوجدته لا يعرف شيئاً من هذا الأمر ، فدخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فأخبرته بخبر الرجل فقال لي مثل ما قال في العام الماضي : يعرف شيئاً ممّا أنت عليه ؟

قلت : لا .

قال : ياميسر أيُّ البقاع أعظم حرمة ؟

قال : قلت : الله ورسوله وابن رسوله أعلم .

قال : ياميسر ما بين الركن والمقام روضة من رياض الجنّة ، وما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنّة ، والله لو أنّ عبداً عمّره الله فيما بين الركن

(1) وسائل الشيعة : ج1 ص93 ب29 ح12 .


637

والمقام وفيما بين القبر والمنبر يعبده ألف عام ، ثمّ ذبح على فراشه مظلوماً كما يذبح الكبش الأملح ثمّ لقى الله عزّوجلّ بغير ولايتنا لكان حقيقاً على الله عزّوجلّ أن يكبّه على منخريه في نار جهنّم » (1) .

6 ـ حديث المفضّل في الكتاب الذي كتبه إليه الإمام الصادق (عليه السلام) : « ... وإنّ من صلّى وزكّى وحجّ واعتمر وفعل ذلك كلّه بغير معرفة من افترض الله عليه طاعته فلم يفعل شيئاً من ذلك .

لم يصلّ ولم يصم ولم يزكّ ولم يحجّ ولم يعتمر ولم يغتسل من الجنابة ولم يتطهّر ولم يحرّم لله حراماً ولم يحلّ لله حلالا ، ليس له صلاة وإن ركع وإن سجد ، ولا له زكاة ولا حجّ .

وإنّما ذلك كلّه يكون بمعرفة رجل منّ الله جلّ وعزّ على خلقه بطاعته ، وأمر بالأخذ عنه .

فمن عرفه وأخذ عنه أطاع الله ، ومن زعم أنّ ذلك إنّما هي المعرفة وأنّه إذا عرف اكتفى بغير طاعة فقد كذب وأشرك .

وإنّما قيل : اعرف واعمل ما شئت من الخير ، فإنّه لا يقبل منك ذلك بغير معرفة ، فإذا عرفت فاعمل لنفسك ما شئت من الطاعة قلّ أو كثر ، فإنّه مقبول منك » (2) .

7 ـ حديث الخوارزمي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : « ياعلي لو أنّ

(1) عقاب الأعمال : ص250 ح16 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص176 ب7 ح20 .


638

وَلَكُمُ الْمَوَدَّةُ الْواجِبَةُ (1) عبداً عبد الله مثل ما قام نوح في قومه ، وكان له مثل اُحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ، ومدّ في عمره حتّى حجّ ألف عام على قدميه ، ثمّ قتل بين الصفا والمروة مظلوماً ثمّ لم يوالك ياعلي لم يشمّ رائحة الجنّة ولم يدخلها » (1) .

8 ـ حديث الأعمش المتقدّم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي ورد فيه : « ياعلي والذي بعثني بالنبوّة واصطفاني على جميع البريّة لو أنّ عبداً عبد الله ألف عام ما قبل الله ذلك منه إلاّ بولايتك وولاية الأئمّة من ولدك ، وإنّ ولايتك لا تقبل إلاّ بالبراءة من أعدائك وأعداء الأئمّة من ولدك .

بذلك أخبرني جبرئيل (عليه السلام) فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر » (2) .

والأحاديث في هذا متواترة والأدلّة متظافرة ، فالطاعة إنّما تكون مقبولة من موالي العترة الطاهرة (عليهم السلام) .

واعلم أنّ في نسخة الكفعمي هنا : « وبموالاتكم تقبل الأعمال ، ولكم الطاعة المفترضة » .

(1) ـ المودّة : هي المحبّة ، مأخوذة من الوُِدّ بضمّ الواو وكسرها بمعنى الحبّ ، يقال : وددت الرجل أي أحببته ، والاسم المودّة (3) .

والمعنى : أنّ لكم أهل البيت المودّة التي وجبت من الله تعالى أجراً للرسالة ، في آية المودّة ، فوجب علينا أن نحبّكم ونصلكم .

إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي

(1) بحار الأنوار : ج27 ص194 ب7 ح53 .

(2) بحار الأنوار : ج27 ص199 ب7 ح66 .

(3) مجمع البحرين : ص20 .


639

الْقُرْبَى (1) .

فهي فريضة من الله تعالى على العباد بنصّ الكتاب الكريم ، والأحاديث المتواترة بين الفريقين ، من الخاصّة في (22) حديثاً ، ومن العامّة في (17) حديثاً (2) .

فمن أحاديث الخاصّة حديث سلام بن المستنير قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن قوله تعالى : ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ؟

فقال : « هي والله فريضة من الله على العباد لمحمّد (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته » .

وحديث ابن عبّاس قال : لمّا نزلت ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً (الآية) قالوا : يارسول الله ، مَن هؤلاء الذين أمرنا الله بمودّتهم ؟

قال : « علي وفاطمة وولدهما » (3) .

ومن أحاديث العامّة ما تواتر نقله من نزول هذه الآية المباركة في قربى النبي الأكرم علي وفاطمة والحسن والحسين سلام الله عليهم ، فيما رواه الجمهور في صحاحهم وتفاسيرهم كالبخاري ، وابن حنبل ، والطبري ، والثعلبي ، والحاكم ، والزمخشري ، والخوارزمي ، والرازي ، وابن الأثير ، والشافعي ، والكنجي ، والبيضاوي ، والنسفي ، والحمويني ، وابن كثير ، والهيثمي ،

(1) سورة الشورى : الآية 23 .

(2) تلاحظها في :

غاية المرام : ص306 ـ 307 ب5 و6 الأحاديث ، بحار الأنوار : ج23 ص228 ب13 الأحاديث الإثنان والثلاثون ، وكنز الدقائق : ج11 ص500 الأحاديث .

(3) كنز الدقائق : ج11 ص500 .


640

والسيوطي ، وغيرهم ممّا تلاحظ كلامهم ومصادرهم في الإحقاق (1) .

وهذه المودّة الواجبة خصوصية خاصّة لقربى رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

ففي حديث الريّان بن الصلت ، عن الإمام الرضا (عليه السلام) : « وما بعث الله عزّوجلّ نبيّاً إلاّ أوحى إليه أن لا يسأل قومه أجراً لأنّ الله عزّوجلّ يوفيه أجر الأنبياء .

ومحمّد (صلى الله عليه وآله) فرض الله عزّوجلّ مودّة قرابته على اُمّته ، وأمره أن يجعل أجره فيهم ، ليودّوه في قرابته بمعرفة فضلهم الذي أوجب الله عزّوجلّ لهم ، فإنّ المودّة إنّما تكون على قدر معرفة الفضل .

فهذه المودّة لا يأتي بها أحد مؤمناً مخلصاً إلاّ استوجب الجنّة لقول الله عزّوجلّ في هذه الآية : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ * ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (2) مفسّراً ومبيّناً » (3) .

واعلم أنّ النجاة والاتّصال بالله تعالى إنّما يكون بمودّتهم دون غيرهم .

ففي حديث الثمالي ، عن الإمام الباقر (عليه السلام) : « إنّ الله تبارك وتعالى طهّر أهل بيت نبيّه ، وجعل لهم أجر المودّة ، وأجرى لهم الولاية ، وجعلهم أوصياءه وأحبّاءه وأئمّته في اُمّته من بعده .

(1) إحقاق الحقّ : ج3 ص2 ـ 19 .

(2) سورة الشورى : الآية 22 ـ 23 .

(3) بحار الأنوار : ج25 ص226 ب6 ح20 .


641

وَالدَّرَجاتُ الرَّفِيعَةُ (1) فاعتبروا أيّها الناس وتفكّروا فيما قلت ، حيث وضع الله عزّوجلّ ولايته وطاعته ومودّته واستنباط علمه وحجّته ، فإيّاه فتعلّموا [ فتقبّلوه ] ، وبه فاستمسكوا تنجوا ، ويكون لكم به حجّة يوم القيامة والفوز ، فإنّهم صلة بينكم وبين ربّكم ، ولا تصل الولاية إلى الله عزّوجلّ إلاّ بهم .

فمن فعل ذلك كان حقّاً على الله أن يكرمه ولا يعذّبه ، ومن يأت بغير ما أمره كان حقّاً على الله أن يذلّه ويعذّبه » (1) .

ومن دخل في ولايتهم دخل الجنّة ومن دخل في ولاية عدوّهم دخل النار ، كما في حديث الإمام الباقر (عليه السلام) الآخر (2) .

ومودّتهم من الباقيات الصالحات كما في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) (3) .

فالفوز كلّ الفوز في مودّتهم ومحبّتهم والبراءة من أعدائهم .

فإنّ محبّتهم هي النجاة الكبرى ، كما أنّ محبّة أعدائهم هي المردية السفلى .

(1) ـ الرفيع : هو الشريف ، ومنه الدرجات الرفيعة ، ورفعه رفعةً : ارتفع قدره (4) .

أي ولكم أهل البيت الدرجات الشريفة المرتفعة ، والمراتب العالية بعلوّ المنزلة .

وهذا واضح لكلّ من تدبّر في درجاتهم السامية في الدنيا والآخرة ،

(1) بحار الأنوار : ج11 ص50 ب1 ح49 .

(2) بحار الأنوار : ج8 ص348 ب26 ح7 .

(3) بحار الأنوار : ج23 ص250 ب3 ح25 .

(4) مجمع البحرين : ص379 .


642

وَالْمَقامُ الْمَحْمُودُ (1) تلك الدرجات التي منحتهم الأشرفية على جميع الخلق .

ويكفيك الدرجات والمراتب التي ذكرتها هذه الزيارة الشريفة ، وذكرنا بيانها في الأدلّة ، خصوصاً إمامتهم الكبرى ، وولايتهم العظمى .

(1) ـ أي ولكم المقام المحمود ، وهو مقام الشفاعة الكبرى التي منحها الله تعالى لأهل بيت رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) .

وفي نسخة الكفعمي : « والمكان المحمود » .

وهو المقام الذي ذكرته الآية الشريفة : ﴿ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً (1) .

نصّت على مقام الشفاعة الأحاديث المتظافرة التي ذكرناها في مبحثها فراجع التفصيل (2) .

ونختار منها الأحاديث التالية :

1 ـ حديث شيخ الطائفة مسنداً عن أنس بن مالك ، قال : رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً مقبلا على علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يتلو هذه الآية : ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً (3) .

فقال : « ياعلي ، إنّ ربّي عزّوجلّ ملّكني الشفاعة في أهل التوحيد من اُمّتي ، وحظر ذلك عمّن ناصبك وناصب ولدك من بعدك » (4) .

(1) سورة الإسراء : الآية 79 .

(2) العقائد الحقّة الطبعة الاُولى : ص452 .

(3) سورة الإسراء : الآية 79 .

(4) أمالي الشيخ الطوسي : ص455 ح1017 .


643

وَالْمَكانُ الْمَعْلُومُ عِنْدَ اللّه عَزَّوَجَلَّ (1) 2 ـ حديث القندوزي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ياعلي أنت أخي وأنا أخوك ، أنا المصطفى للنبوّة وأنت المجتبى للإمامة ، أنا وأنت أبوا هذه الاُمّة ، وأنت وصيي ووارثي وأبو ولدي ، أتباعك أتباعي ، وأولياؤك أوليائي ، وأعداؤك أعدائي ، وأنت صاحبي على الحوض وصاحبي في المقام المحمود ... » (1) .

3 ـ حديث صفوان الجمّال قال : دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقلت : جعلت فداك سمعتك تقول : شيعتنا في الجنّة ، وفيهم أقوام مذنبون ، يركبون الفواحش ، ويأكلون أموال الناس ، ويشربون الخمور ويتمتّعون في دنياهم .

فقال (عليه السلام) : « هم في الجنّة ، اعلم أنّ المؤمن من شيعتنا لا يخرج من الدنيا حتّى يبتلى بدَين أو بسقم أو بفقر ، فإن عفي عن هذا كلّه شدّد الله عليه في النزع عند خروج روحه حتّى يخرج من الدنيا ولا ذنب عليه .

قلت : فداك أبي واُمّي فمن يردّ المظالم ؟

قال : الله عزّوجلّ يجعل حساب الخلق إلى محمّد وعلي (عليهما السلام) ، فكلّ ما كان على شيعتنا حاسبناهم ممّا كان لنا من الحقّ في أموالهم ، وكلّ ما بينه وبين خالقه استوهبناه منه ، ولم نزل به حتّى ندخله الجنّة برحمة من الله ، وشفاعة من محمّد وعلي (عليهما السلام) » (2) .

(1) ـ أي ولكم أهل البيت المكان المعلوم في القُرب والكمال عند الله عزّوجلّ .

وفي التهذيب : والمقام المعلوم إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (3) .

(1) إحقاق الحقّ : ج4 ص227 .

(2) بحار الأنوار : ج68 ص114 ب18 ح33 .

(3) سورة الصافات : الآية 164 .


644

وَالْجاهُ الْعَظِيمُ (1) وَالشَّأْنُ الْكَرِيمُ (2) كما تلاحظ ذلك في التفسير (1) .

(1) ـ الجاه : هو القدر والمنزلة ، يقال : فلان ذو جاه أي ذو قدر ومنزلة .

والمعنى : أنّ لكم أهل البيت القدر العظيم والمنزلة العظيمة عند الله عزّوجلّ .

وأىّ قدر ومنزلة أعظم من قدرهم ومنزلتهم ، ولولاهم ما خلق الله تعالى السماوات والأرض ، كما يدلّ عليه حديث الكساء الشريف وقد تقدّم .

(2) ـ الشأن : هو الأمر والحال .

أي ولكم الشأن الكبير عند الله عزّوجلّ . وفي العيون « والشأن الرفيع » .

وما أعظم وأكبر وأرفع شأنهم وقد منحهم الله أعظم سمات الشرافة والكرامة في الدنيا والآخرة .

وكلّ شأن من شؤونهم لا يدانيه أحد ، ويكفيك شأن واحد لأبي الأئمّة أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو كونه صاحب لواء الرسول في الدنيا وصاحب لواء الحمد في الآخرة .

ففي حديث ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أتاني جبرئيل وهو فرح مستبشر ، فقلت : حبيبي جبرئيل مع ما أنت فيه من الفرح ! ما منزلة أخي وابن عمّي علي بن أبي طالب عند ربّه ؟

فقال : والذي بعثك بالنبوّة واصطفاك بالرسالة ما هبطت في وقتي هذا إلاّ لهذا ، يامحمّد الله العلي الأعلى يقرأ عليكما السلام وقال : محمّد نبيّ رحمتي ، وعلي مقيم حجّتي ، لا اُعذّب من والاه وإن عصاني ، ولا أرحم من عاداه وإن

(1) تفسير القمّي : ج2 ص227 .


645

وَالشَّفاعَةُ الْمَقْبُولَةُ (1) رَبَّنا آمَنّا بِما اَنْزَلْتَ (2) أطاعني .

قال : ثمّ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إذا كان يوم القيامة يأتيني جبرئيل ومعه لواء الحمد وهو سبعون شقّة ، الشقّة منه أوسع من الشمس والقمر ، وأنا على كرسيّ من كراسي الرضوان ، فوق منبر من منابر القدس ، فآخذه وأدفعه إلى علي بن أبي طالب .

فوثب عمر بن الخطّاب فقال : يارسول الله وكيف يطيق على حمل اللواء وقد ذكرت أنّه سبعون شقّة ، الشقّة منه أوسع من الشمس والقمر ؟!

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : إذا كان يوم القيامة يعطي الله علياً من القوّة مثل قوّة جبرئيل ، ومن النور مثل نور آدم ، ومن الحلم مثل حلم رضوان ، ومن الجمال مثل جمال يوسف ، ومن الصوت ما يداني صوت داود ، ولولا أن يكون داود خطيباً لعلي في الجنان لاُعطي مثل صوته ، وإنّ علياً أوّل من يشرب من السلسبيل والزنجبيل ، لا تجوز لعلي قدم على الصراط إلاّ وثبتت له مكانها اُخرى .

وإنّ لعلي وشيعته من الله مكاناً يغبطه به الأوّلون والآخرون » (1) .

(1) ـ أي ولكم الشفاعة المقبولة عند الله عزّوجلّ .

وقد تقدّم بيان الشفاعة ودليلها في فقرة : « وشفعاء دار البقاء » فراجع .

(2) ـ في مسك الختام هذا إيمان وتصديق وقبول لما ورد من درجات أهل البيت (عليهم السلام) ومناقبهم ومقاماتهم وشؤونهم الرفيعة ، التي كان منها ما ورد في

(1) بحار الأنوار : ج8 ص3 ب18 ح3 .


646

وَاتَّبَعْنا الرَّسُولَ (1) فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِيْنَ (2) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَنا (3) هذه الزيارة المباركة .

وقد عرفت أنّ جميعها كانت فضائل سامية ، مستندة إلى أدلّة شافية ، مأخوذة من كتاب الله الكريم وأحاديث رسوله العظيم وأهل بيته المعصومين سلام الله عليهم أجمعين ، مع دليل العقل والوجدان الذي هو بيانٌ عيان .

إيماناً بالعترة وصاحب الولاية المطلقة ، الذي أنزل الله تعالى خلافته ، وأمر نبيّه بتبليغ إمامته في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (1) .

(1) ـ أي اتّبعنا الرسول فيما أمَرَنا به من ذلك .

(2) ـ أي اكتبنا مع المؤمنين الشاهدين الذين آمنوا بذلك عن شهود وحضور ، أو مع أئمّتنا الشاهدين (عليهم السلام) الذين هم شهداء الله على خلقه .

وهذا دعاءٌ بأن يجعلنا الله تعالى مع أهل الإيمان والمؤمنين .

كما أنّ الفقرة الآتية دعاء بأن يثبّتنا الله تعالى على هذا الإيمان ، ولا يجعلنا مع المنحرفين .

(3) ـ الزيغ : هو الميل عن الحقّ ، وفي الدعاء : « لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني » أي لا تمله عن الإيمان ، أي لا تسلبني التوفيق ، بل ثبّتني على الاهتداء الذي

(1) سورة المائدة : الآية 67 .


647

وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً (1) اِنَّكَ اَنْتَ الوَهّابُ (2) سُبْحانَ رَبِّنا (3) اِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا (4) منحتني (1) .

فالمعنى : هو الدعاء بأنّه : ياربّنا لا تمِل قلوبنا إلى الباطل بعد إذ هديتنا إلى الحقّ .

وفي الحديث : عن سماعة قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « أكثروا من أن تقولوا : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا (2) ولا تأمنوا الزيغ » (3) .

(1) ـ أي هب لنا رحمة في الدنيا والآخرة ، وإن كنّا غير مستوجبين لذلك وغير مستحقّين لها ، أو رحمة تزلفنا إليك ونفوز بها عندك .

أو توفيقاً للثبات على الحقّ .

(2) ـ الوهّاب : هو المعطي للنعمة ، الذي شأنه الهبة والعطية (4) .

وفسّره الشيخ الصدوق بقوله : (يهب لعباده ما يشاء ، ويمنّ عليهم بما يشاء) (5) .

(3) ـ أي منزّه ربّنا تنزيهاً عمّا لا يليق به .

وسبحان منصوب على المصدرية : لفعل محذوف .

(4) ـ إن : مخفّفة من المثقلة أي أنّه كان وعد ربّنا لمفعولا .

(1) مجمع البحرين : ص397 .

(2) سورة آل عمران : الآية 8 .

(3) تفسير العياشي : ج1 ص164 ح9 .

(4) مجمع البيان : ج2 ص412 .

(5) كتاب التوحيد : ص214 .


648

ياوَلِيَّ اللّهِ (1) اِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ اللّهِ عَزَّوَجَلَّ ذُنُوباً لا يَأْتِي عَلَيْها اِلاّ رِضاكُمْ (2) ووعد ربّنا : أي ما وعده تعالى من إجابة الدعوات ومضاعفة المثوبات .

لمفعولا : أي كائناً واقعاً لا محالة .

قال عزّ إسمه : ﴿ وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ (1) .

(1) ـ بعد إبراز الإيمان والتصديق بفضائلهم (عليهم السلام) بقولنا : « ربّنا آمنّا ... » .

ثمّ السؤال من الله الثبات عليه بقوله : « ربّنا لا تزغ ... » .

ثمّ طلب الرحمة من الله تعالى التي هي أمل كلّ آمل بقوله : « وهب لنا » .

هذا توجّه واستشفاع إلى الإمام المعصوم (عليه السلام) لاستيهاب الذنوب لأنّه الوسيلة إلى الله تعالى والوجيه عنده .

وفي حديث الكفعمي هنا : (ثمّ انكبّ على الضريح فقبّله ، وقل : ياولي الله ...) .

والمخاطب هنا هو الإمام المزور المقصود بالزيارة .

أو المراد جميع الأئمّة (عليهم السلام) بشمول جنس الوليّ ، ويؤيّده الإتيان بلفظ الجمع بعد ذلك يعني لفظ رضاكم وما بعده كما يستفاد من والد العلاّمة المجلسي (2) .

(2) ـ أي لا يمحوها ولا يُذهبها إلاّ رضاكم أهل البيت عنّا وشفاعتكم لنا .

مأخوذ من قولهم : (أتى عليه أي أهلكه) واهلاك الذنوب محوها .

وفي نسخة الكفعمي : « إلاّ رضى الله ورضاكم » .

(1) سورة الزمر : الآية 20 .

(2) الروضة : ج5 ص497 .


649

فَبِحَقِّ مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلى سِرِّهِ (1) وَاسْتَرْعاكُمْ اَمْرَ خَلْقِهِ (2) وَقَرَنَ طاعَتَكُمْ بِطاعَتِهِ (3) لَمَّا اسْتَوْهَبْتُمْ ذُنُوبِي (4) (1) ـ الباء للقَسَم أي اُقسم عليكم بحقّ الله تعالى الذي جعلكم اُمناء على سرّه .

فأهل البيت (عليهم السلام) هم اُمناء الله تعالى على أسراره ، كما تقدّم بيانه ودليله مع معنى الأسرار في فقرة : « وحفظة سرّ الله » .

(2) ـ أي اُقسم عليكم بحقّ الله تعالى الذي جعلكم أئمّة ورعاة لاُمور خلقه ، وجعل الخلق رعيّة لكم ، كما تقدّم بيانه ودليله في فقرة : « وساسة العباد » .

(3) ـ أي واُقسم عليكم بحقّ الله تعالى الذي قرن طاعتكم بطاعته في قوله تعالى : ﴿ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ (1) .

قال والد المجلسي : (ويفهم من المقارنة ـ أي في الإطاعة ـ أنّه لا يقبل واحدة منها بدون البقيّة بل الجميع واحد كما قال تعالى : ﴿ مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ (2) ) (3) .

وقد نزلت آية إطاعة اُولي الأمر في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما تلاحظه في أحاديث الخاصّة والعامّة (4) .

(4) ـ كلمة (لمّا) إيجابية بمعنى إلاّ ، هذا إذا كانت لمّا مشدّدة .

ويحتمل أن تكون مخفّفة ، فتكون اللام فيها لتأكيد القسم ، وما زائدة

(1) سورة النساء : الآية 59 .

(2) سورة النساء : الآية 80 .

(3) روضة المتّقين : ج5 ص497 .

(4) غاية المرام : ص263 ـ 265 ب58 ـ 59 الأحاديث ، كنز الدقائق : ج3 ص437 .


650

وَكُنْتُمْ شُفَعائِي (1) فَاِنِّي لَكُمْ مُطِيعٌ (2) مَنْ اَطاعَكُمْ فَقَدْ اَطاعَ اللّهَ وَمَنْ عَصاكُمْ فَقَدْ عَصَى اللّهَ وَمَنْ اَحَبَّكُمْ فَقَدْ اَحَبَّ اللّهَ وَمَنْ اَبْغَضَكُمْ فَقَدْ اَبْغَضَ اللّهَ (3) للتأكيد (1) .

وكيف كان فالجملة متعلَّق القسم ، أي اُقسم عليكم بحقّ الله تعالى أن تطلبوا منه هبة ذنوبي وغفرانها لي .

(1) ـ أي اُقسم عليكم أيضاً أن تكونوا شفعائي إلى الله تعالى في الدنيا والآخرة .

وهو مقام الاستشفاع والشفاعة ، وقد تقدّم بيانهما في فقرتي : « مستشفع إلى الله عزّوجلّ بكم » و « شفعاء دار البقاء » .

(2) ـ بيانٌ بأنّ هذا الطلب منهم (عليهم السلام) إنّما هو مع الموالاة لهم التي توجب أمل القبول منهم ببركه ولايتهم ومحبّتهم .

فإنّي لكم مطيع ، أي مطيع في الجملة وإن صدرت منّي المخالفة أحياناً ، وسوّلت لي نفسي الخطيئة تسويلا .

أو بمعنى إنّي مقرّ معتقد بوجوب طاعتكم كما احتمله بعض الأعاظم .

(3) ـ هذا وجه إطاعتهم ، واعتقاد وجوب طاعتهم وموالاتهم .

أي إنّي لكم مطيع لأنّ الله تعالى أمر بطاعتكم ، وأوجب علينا متابعتكم .

فإطاعتكم في الحقيقة إطاعة الله تعالى ، ومعصيتكم معصية الله عزّوجلّ .

وأنتم القربى الذين أمر الله بمودّتكم وجعلكم الحجّة على خلقه ، فمحبّتكم محبّة الله ، والبغض لكم بغض الله تعالى شأنه .

(1) الأنوار اللامعة : ص200 .


651

اَللَّهُمَّ اِنِّي لَوْ وَجَدْتُ شُفَعاءَ اَقْرَبَ اِلَيْكَ مِنْ مُحَمَّد وَاَهْلِ بَيْتِهِ الاَْخْيارِ الاَْئِمَّةِ الاَْبْرارِ (1) فأهل البيت (عليهم السلام) هم المظاهر الربّانية لطاعة الله وعصيانه ، وحبّه وبغضه ، ومتابعته والمخالفة معه .

وقد تقدّم بيان ذلك ودليله من الكتاب الكريم وروايات الحجج المعصومين (عليهم السلام) في الفقرات المتقدّمة :

من قوله : « من والاكم فقد والى الله » .

إلى قوله : « ومن اعتصم بكم فقد اعتصم بالله » .

(1) ـ هذا آخر المطاف في هذه الزيارة المباركة في التوجّه إلى الله تعالى بأحبّ خلقه إليه وأقربهم منه محمّد وآله الطاهرين سلام الله عليهم لطلب معرفتهم الكاملة ، ثمّ رحمة الله الواسعة ببركة شفاعة العترة الطاهرة (عليهم السلام) .

وفي حديث الكفعمي هنا : (ثمّ ارفع يديك إلى السماء وقل : اللهمّ ...) .

والمعنى : إنّي لم أجد أحداً من العالمين أفضل منهم (عليهم السلام) عندك ، ولا أقرب منهم لديك ، لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل حتّى أجعلهم شفعائي إليك ، فلهذا اُقدّمهم (عليهم السلام) دون غيرهم ، في طلبتي وحوائجي إليك بشفاعتهم .

ويكفي في بيان قربهم إلى الله ومنزلتهم عنده حديث الأنوار حيث أفاد ، فروي عنهم أنّهم قالوا : نزّهونا عن الربوبية ، وادفعوا عنّا حظوظ البشرية يعني الحظوظ التي تجوز عليكم ، فلا يقاس بنا أحد من الناس ، فإنّا نحن الأسرار الإلهية المودعة في الهياكل البشرية ، والكلمة الربّانية الناطقة في الأجساد الترابية ، وقولوا بعد ذاك ما استطعتم ، فإنّ البحر لا ينزف ، وعظمة الله لا


652

لَجَعَلْتُهُمْ شُفَعائِي ، فَبِحَقِّهِمُ الَّذِي اَوْجَبْتَ لَهُمْ عَلَيْكَ (1) اَسْأَلُكَ اَنْ تُدْخِلَنِي فِي جُمْلَةِ الْعارِفِيْنَ بِهِمْ (2) وَبِحَقِّهِمْ (3) وَفِي زُمْرَةِ الْمَرْحُومِيْنَ بِشَفاعَتِهِمْ ، اِنَّكَ اَرْحَمُ الرّاحِمِيْنَ وَصَلّى اللّهُ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ الطّاهِرِينَ وَسَلَّمَ [ تَسْلِيْماً ] كَثِيراً وَحَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (4) توصف (1) .

(1) ـ من عدم ردّ شفاعتهم ، واستجابة دعائهم ، بل استجابة دعاء من توسّل واستشفع بهم (عليهم السلام) .

وفي نسخة الكفعمي : « اللهمّ فبحقّهم » .

(2) ـ أي في جملة العارفين بكمال المعرفة بهم أي بإمامتهم .

(3) ـ أي أسألك أن تدخلني في جملة العارفين بحقّهم علينا مثل : الإقرار بإمامتهم وموالاتهم ، والتسليم لهم ، وإطاعتهم ، ووجوب محبّتهم ومودّتهم ونصرتهم ، والرجوع إليهم ، والتولّي لهم ، والتبرّي من أعدائهم من الحقوق التي هي وظائفنا تجاه أئمّتنا (عليهم السلام) .

(4) ـ أي وأسألك اللهمّ أن تدخلني في جماعة المرحومين بشفاعتهم (عليهم السلام) إنّك أرحم الراحمين .

إشارة إلى أنّ ذلك غير واجب لي باستحقاق منّي ، بل هو بفضلك وكرامتك ورحمتك .

هذا تمام الزيارة المباركة الجامعة .

ولا يخفى حُسن ذكر الوداع الشريف المذكور بعد هذه الزيارة الشامخة

(1) الأنوار اللامعة : ص205 .


653

المروية (1) ، وهو ما نصّه :

( الوداع )
إذا أردت الإنصراف فقل : « السلام عليكم سلام مودّع لا سئم ولا قال ولا مال ورحمة الله وبركاته عليكم ياأهل بيت النبوّة ، إنّه حميد مجيد ، سلام وليٍّ لكم غير راغب عنكم ، ولا مستبدل بكم ، ولا مؤثر عليكم ، ولا منحرف عنكم ، ولا زاهد في قربكم ، لا جعله الله آخر العهد من زيارة قبوركم ، وإتيان مشاهدكم ، والسلام عليكم وحشرني الله في زمرتكم ، وأوردني حوضكم ، وجعلني في حزبكم ، وأرضاكم عنّي ومكّنني في دولتكم ، وأحياني في رجعتكم ، وملّكني في أيّامكم ، وشكر سعيي بكم ، وغفر ذنبي بشفاعتكم ، وأقال عثرتي بمحبّتكم ، وأعلى كعبي بموالاتكم ، وشرّفني بطاعتكم ، وأعزّني بهداكم ، وجعلني ممّن إنقلب مفلحاً منجحاً غانماً سالماً معافاً غنيّاً فائزاً برضوان الله وفضله وكفايته بأفضل ما ينقلب به أحد من زوّاركم ومواليكم ومحبّيكم وشيعتكم ، ورزقني الله العود ثمّ العود أبداً ما أبقاني ربّي ، بنيّة صادقة وإيمان وتقوى وإخبات ، ورزق واسع حلال طيّب ، اللهمّ لا تجعله آخر العهد من زيارتهم وذكرهم والصلاة عليهم ، وأوجِب لي المغفرة والرحمة والخير والبركة والفوز والنور والإيمان ، وحسن الإجابة كما أوجبت لأوليائك العارفين بحقّهم ، الموجبين طاعتهم ، الراغبين في زيارتهم ، المتقرّبين إليك وإليهم ، بأبي أنتم واُمّي ونفسي وأهلي ومالي اجعلوني في همّكم ، وصيّروني في حزبكم ، وأدخلوني في شفاعتكم واذكروني عند ربّكم ،

(1) عيون الأخبار : ج2 ص277 ، من لا يحضره الفقيه : ج2 ص617 .


654

اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، وأبلغ أرواحهم وأجسادهم منّي السلام ، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته ، وصلّى الله على محمّد وآله وسلّم كثيراً وحسبنا الله ونعم الوكيل » . نسأل الله تعالى برحمته الواسعة ، وبرسوله وعترته الطاهرة أن لا يفرّق بيننا وبينهم طرفة عين في الدنيا والآخرة بل يجعلنا معهم ، ويحشرنا في زمرتهم ، مع أوسع الخير والمغفرة والحمد لله ربّ العالمين ، وصلوات الله على أهل البيت المعصومين واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين السبت ـ 12 ـ شهر رمضان المبارك / 1421هـ ق

علي بن السيّد محمّد الحسيني الصدر


655
فهرست آيات
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا 9
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ ...35
وَسَلاَمٌ عَلى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى 36
وَالسَّلاَمُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى 36
إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 36
وَكَانَ رَسُولا نَّبِيّاً 37
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ 39
وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا 40
تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِّن كُلِّ أَمْر سَلاَمٌ 44
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ .. 44
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ... 45
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ 45
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ... 45
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم 46
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الاَْرْضِ مِن شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ ...46
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى 47
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ 47
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ 47
رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ 47
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ 49
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ 51
بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ 52
بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ 52
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى 52
بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ 55
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 57
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم 60
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الاَْرْضِ مِن شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ ...61
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ 62
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ 62
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً 62
إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُول 62
عَالِمُ الْغَيْبِ 62
تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء 63
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ 67
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلا لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ ...68
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ 73
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ 73
وَاللهُ يُحِبُّ الُْمحْسِنِينَ 73
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً للهِِ 77
فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ وَاَوْلِياءَ النِّعَمِ (1) صَدِيق حَمِيم 80
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 81
وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 81
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً 82
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ 82
وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا 84
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً 84
يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ...84
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ ...86
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ 86
إِنَّ الاَْبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً 87
إِنَّ الاَْبْرَارَ لَفِي نَعِيم 87
وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ 92
وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ... 92
فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً 93
وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً 93
إِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم 94
مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا 94
قَالَتِ الاَْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ...97
وَقُلِ الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً 104
إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ...107
اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلا 109
إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ 110
إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ 110
وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا 111
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ ...111
اسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا 112
سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ 113
إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 114
إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً 118
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم 119
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ 119
إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد 119
وَلِكُلِّ قَوْم هَاد 120
اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ ...121
اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة 121
فِيهَا مِصْبَاحٌ 121
الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة 121
الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ 121
يُوقَدُ مِن شَجَرَة مُّبَارَكَة 121
زَيْتُونَة لاَّ شَرْقِيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة 121
يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ 121
وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ 121
نُورٌ عَلَى نُور 121
يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ 122
وَيَضْرِبُ اللهُ الاَْمْثَالَ لِلنَّاسِ 122
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ 123
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ 123
وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ 123
سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ 125
لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاَْعْلَى 130
وَالشَّمْسِ وَضُحيها وَالْقَمَرِ إِذَا تَليها 131
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا 131
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ...132
وَنُرِيدُ أَنْ نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ...136
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ...136
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً 138
إِن يَنصُرْكُم اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ 138
وَتِلْكَ الاَْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 138
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ ...139
مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّآء غَيْرِ آسِن ...139
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ 140
وَللهِِ الاَْسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا 142
وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً 143
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ... ...144
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِندَ بَيْتِكَ الُْمحَرَّمِ ...144
وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْق فِي الاْخِرِينَ 144
وَوَهَبْنَا لَهُم وَحُجَجِ اللّهِ عَلى اَهْلِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَالاُْولى (1) ...144
وَبَدَأَ خَلْقَ الاِْنسَانِ مِن طِين 146
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ...147
... وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ... 149
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ...149
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ...150
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ 155
وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْراً كَثِيراً 156
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ 156
بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ 160
تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء 161
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ ...168
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ 168
وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ ـ إلى قوله : ـ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ 169
قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا ...169
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ـ إلى قوله ـ وَحَلاَئِلُ ...169
نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ 170
وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيَْمانَ 170
وَيَحْيَى وَعِيسَى 170
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِّن رِّجَالِكُمْ 170
قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي 173
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي ...178
وَمَا كَانَ لِنَفْس أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ...178
فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ 180
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِِ 180
بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 186
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 186
إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً 188
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا 188
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلا 189
وَللهِِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ 191
وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ 193
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي 194
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 194
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا 197
وَلِكُلِّ قَوْم هَاد 197
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ...198
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ...200
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن ...206
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ 206
قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولا يَتْلُوْا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ 206
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ 207
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ 207
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ 207
أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ 208
أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ 208
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ 209
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ...209
بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 210
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ...212
وَللهِِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ 213
لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ 213
وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ 213
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى ...214
وَكُلَّ شَيْء أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُّبِين 214
مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْء 214
قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا 217
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً 219
بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 219
بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 221
أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 222
وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ ...222
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ...226
فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا 227
فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا 227
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الاِْسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاْخِرَةِ مِنَ ...232
شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً ...234
وَعَزَّنِي فِي وَاَشْهَدُ اَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ الْمُنْتَجَبُ وَرَسُولُهُ الْمُرْتَضى ...234
يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ... 235
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ 235
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ 235
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الاُْمِّىَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً ...236
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم ...236
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول 237
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ...238
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ...240
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ ...246
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا 247
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ 247
عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 251
مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ 253
فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ...254
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ 255
إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ 256
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا 256
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 257
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ 258
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ ...259
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول 265
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول 266
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول 267
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ 267
فَأَيْنََما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ 268
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول 268
قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ 268
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا 274
وَللهِِ الْعِزَّةُ وَخَصَّكُمْ بِبُرْهانِهِ (1) وَانْتَجَبَكُمْ لِنُورِهِ (2) وَلِرَسُولِهِ ...274
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً ...276
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ ...278
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي 279
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ 280
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ...281
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ...281
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الاِْسْلاَمُ 284
يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ 284
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 285
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا 289
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ ...291
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ 292
كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن ...296
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 300
إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 301
تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالاِْكْرَامِ 301
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا 307
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ 309
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ...312
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ...312
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي ...319
مَن يُحْىِ وَبَذَلْتُمْ اَنْفُسَكُمْ فِي مَرْضاتِهِ (1) الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ 320
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ ...321
إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 329
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِِ قَانِتِينَ 330
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ ...331
قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 335
ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ 336
وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً 336
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ ...337
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً 337
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ ...338
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ ...339
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ...339
فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى 339
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالاُْنْثَى 340
وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ ...342
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ 342
كُنْتُمْ وَجاهَدْتُمْ فِي اللّهِ حَقَّ جِهادِهِ (1) خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ 342
وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ 343
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ 345
أُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ...352
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ 353
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ...353
رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ 354
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا ...357
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ...360
وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ...361
فِي مَقْعَدِ صِدْق عِندَ مَلِيك مُّقْتَدِر 365
ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ ...366
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ 368
لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً 372
إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم 374
إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم 375
وَعَلَى الاَْعْرَافِ رِجَالٌ 375
إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم 376
إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم 376
إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم 377
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ 379
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ ...380
فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ 381
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً 381
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ...382
وَالاَْمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ 383
هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب 384
مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا 385
إِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم 385
مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا 385
فَلَمَّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ 386
مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ 387
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ 387
وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 387
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا 387
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا 388
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ 389
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا 390
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ 390
إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِّلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُّقِيم 390
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ...391
وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى وَشُهَداءُ دارِ الْفَناءِ (1) الطَّرِيقَةِ لاََسْقَيْنَاهُم ...391
أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم 392
لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ 393
وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ 393
فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيق حَمِيم 396
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 396
وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 396
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ 398
ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين 398
لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا ...399
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الاُْمِّىَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ ...399
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ 401
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ 402
إِنَّا عَرَضْنَا وَالْبابُ الْمُبْتَلى بِهِ النّاسُ (1) الاَْمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ ...403
إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الاَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا 404
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات 404
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ 405
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا 405
الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ 405
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا 408
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنجِيكُم مِّنْ عَذَاب أَلِيم 409
وَعَلَى الاَْعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيَماهُمْ 409
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللهُ 413
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا ...416
مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 419
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ 420
وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً 420
سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ 421
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ ...423
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ 423
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا 424
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا 424
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا 424
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا 425
أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ 425
لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ 426
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتهَا أَنفُسُهُمْ 428
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ 429
إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ وَمَنْ رَدَّ عَلَيْكُمْ فِي اَسْفَلِ دَرَك مِنَ ...431
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الاَْسْفَلِ مِنَ النَّارِ 432
وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ 434
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض 439
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ 440
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ 444
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى 444
لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا ...445
فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ ...445
فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ ...446
بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ ...447
فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ ...447
بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ 447
رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ ...448
لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّنْ فَضْلِهِ 448
وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب 448
وَمَا كَانَ لِنَفْس أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ 449
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ...451
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ 451
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم 453
وَشَارِكْهُمْ فِي الاَْمْوَالِ وَالاَْولاَدِ 455
فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا 457
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ...460
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ...462
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ ...463
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَْلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلا 464
وَلاُِبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ 464
وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاَءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ ...464
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الاَْرْضِ مِن شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ ...467
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ 469
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ 469
قَالُوا بَلَى 469
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ 469
إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ 469
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ 469
وَمِنْكَ 469
وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ 469
فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا 470
وَإِن مِّن شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ 471
قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْء 471
فِي مَقْعَدِ صِدْق عِندَ مَلِيك مُّقْتَدِر 475
لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاَْعْلَى 476
كُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتَُما وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ 477
فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ 478
فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ 478
وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاح وَدُسُر 479
قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً 483
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ ...484
فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى 485
مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ 485
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ ...491
وَلِقَائِهِ 491
فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً 491
فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً 493
وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً 493
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَْرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ...496
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ...499
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ ...499
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ ...499
قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ 500
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ ...502
كَمَثَلِ حَبَّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَة مِّائَةُ حَبَّة وَاللهُ يُضَاعِفُ ...509
لَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ...511
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ ...512
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ 516
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ 526
فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا 529
وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ 529
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا ...533
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 535
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ...535
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ 535
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ...536
مَن كَانَ عَدُوّاً للهِِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ ...538
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً 539
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ ...539
وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن ...540
وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَاد بِظُلْم 545
فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 545
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنْفُسُهُمْ 550
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ 552
وَمِن شَرِّ غَاسِق إِذَا وَقَبَ 553
وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ ...554
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ 555
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا 555
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ 555
يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي ...556
وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ 556
وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ 556
وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ 557
إِن يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم ...557
فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاِِْسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ ...558
وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً 559
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ وَحُجَجُ الْجَبّارِ (1) بِكُمْ فَتَحَ اللّهُ (2) ...564
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الاَْرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَن ...566
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ 567
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَْمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ 570
فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ 575
لاَُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لاََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَان مُّبِين 575
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاَْرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ...575
وَمَا مِنْ غَآئِبَة فِي السَّمَآءِ وَالاَْرْضِ إِلاَّ فِي كِتَاب مُّبِين 575
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا 575
بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا 577
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا 593
وَأَشْرَقَتِ الاَْرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا 595
وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ ...595
وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ـ إلى قوله ـ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 596
ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا ...597
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا 597
عَذَاباً شَدِيداً 597
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ 597
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا ...597
وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ 599
وَللهِِ الاَْسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا 599
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً 599
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً ...603
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ ...608
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ 609
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا ...609
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ ...610
وَلاَ أَن تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً 610
وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا وَوَصِيَّتُكُمُ التَّقْوى ...610
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ ...611
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ 611
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى 612
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً 612
جَزَآءً مِّنْ رَّبِّكَ 612
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَل وَعُيُون 612
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ 615
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً 615
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ 617
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم 617
وَللهِِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ 621
مُتِمُّ نُورِهِ 626
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ 627
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ 627
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ 628
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ 632
فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ 632
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 634
قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى 638
قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى 639
قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً 639
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ ...640
عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً 642
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً ...642
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ 643
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا ...646
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا 647
وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ 648
أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنكُمْ 649
مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ 649