فهرست عناوين فهرست آيات
فضل الجمعة والجماعة

للشيخ عبدالزهراء الكعبي الاهوازي

فهرست عناوين
الاهداء5
دعاء يوم الجمعة7
فضل المسجد والجماعة7
الجمعة فضلها وآدابها وأحكامها14
أهمية غسل الجمعة16
فضيلة صلاة الجمعة17
من أحكامها وبعض آدابها18
من المكلف بصلاة الجمعة ؟20
ما قاله الشهيد الثاني في الجمعة:20
ما قاله الشهيد الثاني أيضاً في الجمعة22
خطبة أمير المؤمنين عليه السلام23
لزوم كون الجمعة جماعة26
صلاة الجمعة و«المذاهب الخمسة»27
تاريخ صلاة الجمعة في الاسلام29
فضل امة محمد (ص) على سائر الامم في صلاة الجمعة29
ما جاء في «الميزان» حول تفسير سورة الجمعة29
محاضرة للشهيد المطهري حول صلاة الجمعة32
القائلون بالوجوب العيني التعييني في عصر الغيبة34
ما ينبغي لخطيب الجمعة37
ما يستحب لامام الجمعة38
ما يجب على امام الجمعة38
ما ينبغي لمستمعي الخطبة39
ما قاله العلامة المجلسي حول وجوب الجمعة40
كلام صدر المتألهين في صلاة الجمعة وفضل يومها63

5

الاهداء

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الى ولي اللّه الأعظم صاحب العصر والزمان عجل اللّه فرجه الشريف.

الى روح قائد الثورة الاسلامية الامام الخميني - رضوان اللّه تعالى عليه -.

الى شهداء المحراب أئمة الجمعة الذين ضرجوا بدمائهم، وعرجوا الى روح وريحان، وجاوروا سادة شباب أهل الجنة.

الى الذين لبّو نداء ربهم حيث يقول: يا أيها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه

الى الذين يهتفون في صلاة جماعتهم: الموت للمستكبرين والملحدين ولاسرائيل الغاصبة.

الى الذين أقاموا صلاة الجمعة وطائرات العدو تقصفهم بنيرانها وهو يهتفون «هيهات منا الذلة، هيهات منا الذلة».

الى كل الذين سارعوا على طريق الحق والخير، وقالوا ربنا اللّه ثم استقاموا نقدم هذا المجهود هدية متواضعة.

عبد الزهراء الكعبي الاهوازي


6

بسم اللّه الرحمن الرحيم

لا يخفى على أهل الايمان ما لصلاة الجمعة من الأهمية في نظر التشريع الاسلامي حيث ورد الحث الشديد عليها كتاباً وسنة، والتهديد والوعيد لمن ترك الحضور فيها من غير علة، وكيف لا تكون كذلك وهي العبادة الالهية التي من بركاتها وفوائدها اجتماع الناس في كل مدينة وتداول ما يهمهم من امور الدين والدنيا، وطرح المشاكل الاجتماعية التي تتعرض لها البلدان الاسلامية ومحاولة المشاركة في علاجها والاهتمام بها.

ولم تتهيّأ الفرصة لاقامة العبادة المقدسة بشروطها وشرائطها نتيجة ظلم الجبّارين وجور السلاطين إلا بعد إقامة الجمهورية الاسلامية في إيران حيث أكد زعيمها فقيد الانسانية الراحل الامام الخميني - قدس اللّه سره - ومنذ أيامها الاولى على إقامة الجمعة والاهتمام بها أشدّ الاهتمام فكان يقول - رضوان اللّه تعالى عليه -: إن صلاة الجمعة ساعد الثورة وحصنها المنيع.

ومشاركة منا في تعظيم هذا الفريضة رأينا لزاماً علينا أن نشير الى ما يتعلق بهذه العبادة من فضائل وأحكام وآداب.

والذي دعاني وحثّني على إعداد هذا الكراس هو مارواه رئيس المحدّثين الشيخ الصدوق - رحمة اللّه عليه - في أماليه بإسناده عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال


7

المؤمن اذا مات وترك ورقة واحدة وعليها علم تكون تلك الورقة يوم القيامة ستراً له فيما بينه وبين النار، وأعطاه اللّه تبارك وتعالى بكل حرف مكتوب عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرات، وما من مؤمن يقعد ساعة عند العالم إلا ناداه ربه عز وجل: جلست الى حبيبي وعزتي وجلالي لأسكننّك الجنة معه ولا ابالي (1).

أسأل اللّه تعالى أن يتقبل مني عملي، ويوفقني لما يحبّه ويرضاه، وصلّى اللّه على حبيبه ونجيبه محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

عبد الزهراء الكعبي

(1) أمالي الصدوق: ص 40 المجلسي العاشر ح 3.


8

دعاء يوم الجمعة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الأول قبل الانشاء والاحياء، والآخر بعد فناء الأشياء العليم الذي لا ينسى من ذكره، ولا ينقص من شكره، ولا يخيب من دعاه، ولا يقطع رجاء من رجاه، اللهم إني اشهدك وكفى بك شهيداً واشهد جميع ملائكتك وسكان سماواتك وحملة عرشك ومن بعثت من أنبيائك ورسلك وأنشأت من أصناف خلقك أني أشهد أنك انت اللّه لا إلاه إلا أنت، وحدك لا شريك لك، ولا عديل ولا خلف لقولك ولا تبديل، وأن محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم عبدك ورسولك أدّى ما حمّلته الى العباد وجاهد في اللّه عز وجل حق الجهاد، وأنه بشّر بما هو حق من الثواب وأنذر بما صدق من العقاب، اللهم ثبّتني على دينك ما أحييتني، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب، صل على محمد وعلى آل محمد، واجعلني من أتباعه وشيعته، واحشرني في زمرته ووفقني لأداء فرض الجمعات، وما أوجبت عليّ فيها من الطاعات، وقسمت لأهلها من العطاء في يوم الجزاء، إنك أنت العزيز الحكيم (1).

(1) مفاتيح الجنان: ص 27.


9

فضل المسجد والجماعة

فصل الصلاة في المسجد:

قوله تعالى ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين(1) هو حثّ وترغيب للمسلمين على إقامة الصلاة اليومية في المساجد، كما وردت بذلك الأخبار.

منها: ما روي أن في التوراة مكتوباً:إن بيوتي في الأرض المساجد، فطوبى لمن تطهر في بيتي، وحقّ على المزور أن يكرم الزائر (2).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنة، لأن الجنة فيها رضا نفسي والجامع فيه رضا ربي (3).

وعن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: صلوا من المساجد بقاعاً مختلفة فإن كل بقعة تشهد للمصلي عليها يوم القيامة(4).

وعنه عليه السلام أنه قال: من مشى إلى المسجد لم يضع رجله على رطب ولا يابس إلا سبّحت له الارض الى الأرضين السابعة (5).

وعن علي عليه السلام قال: صلاة في بيت المقدس تعدل ألف صلاة، وصلاة في المسجد

(1) الاعراف 29

(2) و(3) الوسائل: ج 3 ص 482 ب 3 من أبواب أحكام المساجد ح 5 و 6..

(4) الوسائل: ج 3 ص 474 ب 42 من أبواب مكان المصلي ح 7.

(5) الوسائل: ج 3 ص 482 ب 4 من أبواب أحكام المساجد ح1.


10

الأعظم مائة صلاة، وصلاة في مسجد القبيلة خمس وعشرون صلاة، وصلاة في مسجد السوق اثنتا عشرة صلاة، وصلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة (1).

ويكره تعطيل المسجد، ففي الخبر عن الصادق عليه السلام قال: ثلاثة يشكون الى اللّه عز وجل: مسجد خراب لا يصلي فيه أهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه (2).

ويستحب التردد الى المساجد، ففي الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: من مشى الى مسجد من مساجد اللّه فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع الى منزله عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات (3).

ويكره لجار المسجد أن يصلى في غيره لغير علة، ففي الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في مسجده (4).

فضل صلاة الجماعة:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: من مشى الى مسجد يطلب فيه الجماعة كان له بكل خطوة سبعون ألف حسنة، ويرفع له من الدرجات مثل ذلك، فإن مات وهو على ذلك وكّل اللّه به سبعين ألف ملك يعودونه في قبره ويبشرونه ويؤنسونه في وحدته، ويستغفرون له حتى يبعث (5).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: من صلى الخمس في جماعة فظنوا به خيراً (6).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر اللّه عز وجل

(1) الوسائل: ج 3 ص 551 ب 64 من أبواب المساجد ح 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 483 ب 5 من أبواب أحكام المساجد ح 1.

(3) الوسائل: ج 3 ص 483 ب 4 من أبواب أحكام المساجد ح 3.

(4) الوسائل: ج 3 ص 478 ب 2 من أبواب أحكام المساجد ح 1.

(5) الوسائل: ج 5 ص 372 ب1 من أبواب صلاة الجماعة ح 7.

(6) الوسائل: ج 5 ص 371 ب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 4.


11

حتى تطلع الشمس كان له في الفردوس سبعون درجة، بعد ما بين كل درجتين كحضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة، ومن صلى الظهر في جماعة كان له في جنات عدن خمسون درجة، بعد كل درجتين كحضر الفرس الجواد خمسين سنة، ومن صلى العصر في جماعة كان له كأجر ثمانية من ولد إسماعيل كلهم رب بيت يعتقهم، ومن صلى المغرب في جماعة كان له كحجة مبرورة وعمرة مقبولة، ومن صلى العشاء في جماعة كان له كقيام ليلة القدر (1).

وقال الصادق عليه السلام: من صلى الغداة والعشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمة اللّه عز وجل (2).

وعن الرضا عليه السلام قال: إنما جعلت الجماعة لئلا يكون الاخلاص والتوحيد والاسلام والعبادة للّه إلا ظاهراً مكشوفاً مشهوراً، لأن في إظهاره حجة على أهل الشرق والغرب للّه وحده، وليكون المنافق والمستخف مؤدياً لما أقر به يظهر الاسلام والمراقبة، وليكون شهادات الناس بالاسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة، مع ما فيه من المساعدة على البر والتقوى، والزجر عن كثير من معاصي اللّه عز وجل (3).

وعن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة (4)

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أتاني جبرئيل مع سبعين ألف ملك بعد صلاة الظهر، فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، وأهدى اليك هديتين لم يهدهما الى نبي قبلك، قلت: ما الهديتان ؟ قال: الوتر ثلاث ركعات والصلوات الخمس في جماعة قلت: يا جبرئيل، وما لامتي في الجماعة ؟ قال: يا

(1) الوسائل: ج 5 ص 373 ب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 11.

(2) الوسائل: ج 5 ص 378 ب 3 من أبواب صلاة الجماعة ح 2.

(3) الوسائل: ج 5 ص 372 ب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 9.

(4) الوسائل: ج 5 ص 374 ب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 14.


12

محمد، اذا كانا اثنين كتب اللّه لكل واحد بكل ركعة مائة وخمسين صلاة، واذا كانوا ثلاثة كتب اللّه لكل واحد منهم بكل ركعة ستمائة صلاة، واذا كانوا أربعة كتب اللّه لكل واحد منهم بكل ركعة ألفاً ومائتي صلاة، واذا كانوا خمسة كتب اللّه لكل واحد بكل ركعة ألفين وأربعمائة صلاة، واذا كانوا ستة كتب اللّه لكل واحد بكل ركعة أربعة آلاف وثمانمائة صلاة، واذا كانوا سبعة كتب اللّه لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة آلاف وستمائة صلاة، واذا كانوا ثمانية كتب اللّه تعالى لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة عشر ألفاً ومائتي صلاة، واذا كانوا تسعة كتب اللّه لكل واحد منهم بكل ركعة ستة وثلاثين ألفاً وأربعمائة صلاة، واذا كانوا عشرة كتب اللّه تعالى لكل واحد بكل ركعة سبعين ألفاً وألفين وثمانمائة صلاة، فإن زادوا على العشرة فلو صارت بحار السماوات والأرض كلها مداداً والأشجار أقلاماَ والثقلان مع الملائكة كتاباً لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة واحدة.

يا محمد، تكبيرة يدركها المؤمن مع الامام خير له من ستين ألف حجة وعمرة، وخير من الدنيا وما فيها سبعين ألف مرة، وركعة يصليها المؤمن مع الامام خير من مائة ألف دينار يتصدق بها على المساكين، وسجدة يسجدها المؤمن مع الامام في جماعة خيرمن عتق مائة رقبة (1).

وعن الامام الصادق عليه السلام: الصلاة خلف العالم بألف ركعة، وخلف القرشي بمائة (2).

ولا يخفى أنه اذا تعددت جهات الفضل تضاعف الأجر، فاذا كانت في مسجد السوق الذي تكون الصلاة فيه باثنتي عشر صلاة يتضاعف بمقداره، واذا كانت في مسجد القبيلة الذي تكون الصلاة فيه بخمسة وعشرين فكذلك، واذا كانت في مسجد الجامع الذي تكون الصلاة فيه بمائة يتضاعف بقدره، وكذا اذا كانت في

(1) مستدرك الوسائل: ج 1 ص 487 ب 1 عن أبواب صلاة الجماعة ح 3.

(2) مستدرك الوسائل: ج 1 ص 492 ب 23 من أبواب صلاة الجماعة ح 6.


13

مسجد الكوفة الذي بالف، أوكانت عند علي عليه السلام الذي فيه بمائتي الف، واذا كانت خلف العالم أو السيد فأفضل، وكلما كان الامام أوثق وأورع وأفضل فأفضل، واذا كان المأمومون ذو فضل فتكون أفضل، وكلما كان المأمومون أكثر كان الأجر أزيد.

ولا يجوز تركها رغبة عنها أو استخفافاً بها، ففي الخبر عن الصادق عليه السلام: لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلا من علة (1).

وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: لا غيبة إلا لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، وسقطت بينهم عدالته ووجب هجرانه، واذا دفع الى إمام المسلمين أنذره وحذره، فإن حضر جماعة المسلمين وإلا احرق عليه بيته (2).

وفي آخر: أن أمير المؤمنين عليه السلام بلغه أن قوماً لا يحضرون الصلاة في المسجد فخطب فقال: إن قوماً لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا، فلا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يشاورونا ولا يناكحونا ولا يأخذوا من فيئنا شيئاً أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، وإني لاوشك أن آمرهم بنار تشعل في دورهم فاحرق عليهم أو ينتهون، قال: فامتنع المسلمون من مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتى حضروا الجماعة مع المسلمين (3).

وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ألا أدلكم على شيء يكفر اللّه به الخطايا ويزيد في الحسنات ؟ قيل: بلى يا رسول اللّه قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى الى هذه المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وما منكم أحد يخرج من بيته متطهراً فيصلي الصلاة في الجماعة مع المسلمين ثم يقعد ينتظر للصلاة

(1) الوسائل: ج 5 ص 376 ب 2 من أبواب صلاة الجماعة ح 8.

(2) الوسائل: ج 18 ص 289 ب 41 من أبواب الشهادات ح 2.

(3) الوسائل: ج 3 ص 479 ب 2 من أبواب أحكام المساجد ح 9


14

الاخرى إلا والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فاذا قمتم الى الصلاة فاعدلوا صفوفكم وأقيموها وسدوا الفرج، واذا قال إمامكم: اللّه اكبر، فقولوا: اللّه أكبر، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد إن خير الصفوف صف الرجال المقدم وشرها المؤخر (1)

الىغير ذلك من الأخبار الكثيرة.

فمقتضى الايمان عدم الترك من غير عذر، سيما مع الاستمرار عليه، فإنه كما ورد لا يمنع الشيطان من شيء من العبادات منعها، ويعرض عليهم الشبهات من جهة العدالة ونحوها، حيث لا يمكنهم إنكارها، لأن فضلها من ضروريات الدين (2).

أول جماعة في الاسلام:

عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: أول جماعة كانت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يصلي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام معه إذ مر به أبو طالب وجعفر معه فقال: يا بني صل جناح ابن عمك، فلما أحس رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم تقدمهما وانصرف أبوطالب مسروراً - الى أن قال: - فكانت أول جماعة جمعت ذلك اليوم (3)

(1) أمالي الشيخ الصدوق: ص 264 المجلسي 52 ح 10.

(2) العروة الوثقى: ص 252 مطبعة المرتضوية في النجف الاشرف سنة 1345 هـ.

(3) الوسائل: ج 5 ص 373 ب 1 من أبواب صلاة الجماعة ح 12.


15

الجمعة فضلها وآدابها وأحكامها

فضل يوم الجمعة وليلته:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: اطرقوا أهاليكم كل يوم جمعة بشيء من الفاكهة واللحم حتى يفرحوا بالجمعة (1).

وعن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال: إن للجمعة حقاً وحرمة، فإياك أن تضيّع أو تقصّر في شيء من عبادة اللّه والتقرب إليه بالعمل الصالح وترك المحارم كلها، فإن الله يضاعف فيه الحسنات ويمحو في السيئات ويرفع فيه الدرجات، وأن يومه مثل ليلته، فإن استطعت أن تحييها بالصلاة والدعاء فافعل (2) الحديث.

وعن الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: إن يوم الجمعة سيد الأيام يضاعف اللّه فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات ويستجيب فيه الدعوات ويكشف فيه الكربات ويقضي فيه الحوائج العظام وهو يوم المزيد للّه فيه عتقاء وطلقاء من النار، ما دعا به أحد من الناس وقد عرف حقه وحرمته إلا كان حقاً على اللّه عز وجل أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار، فإن مات في يومه وليلته مات شهيداً وبعث آمناً، وما استخف أحد بحرمته وضيّع حقه إلا كان حقاً على اللّه عز وجل أن يصليه نار جهنم، إلا أن يتوب (3).

(1) الوسائل: ج 5 ص 82 ب 50 من أبواب صلاة الجمعة ح 1.

(2) و (3) الكافي: ج 3 ص 414 ح 6 و 5.


16

عن أبي جعفر عليه السلام وقد سئل عن يوم الجمعة وليلتها فقال: ليلتها غراء ويومها يوم زاهر، وليس على الأرض يوم تغرب فيه الشمس أكثر معافاً من النار، من مات يوم الجمعة عارفاً بحق اهل هذا البيت كتب اللّه له براءة من النار وبراءة من العذاب، ومن مات ليلة الجمعة اعتق من النار (1).

وروي أنه ما طلعت الشمس في يوم أفضل من يوم الجمعة وكان اليوم الذي نصب فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام بغدير خم يوم الجمعة، وقيام القائم عجل اللّه فرجه يكون يوم الجمعة، وتقوم القيامة في يوم الجمعة (2).

روى أبو بصير أن أحدهما عليهما السلام قال: إن العبد المؤمن ليسأل اللّه الحاجة فيؤخر اللّه قضاء حاجته التي سأل عنها الى يوم الجمعة ليخصه بفضل يوم الجمعة (3).

عن أبي عبد اللّه عليه السلام في الرجل يريد أن يعمل شيئاً من الخير مثل الصدقة والصوم ونحوها قال: يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة، فإن العمل يوم الجمعة يضاعف (4)

(1) الكافي: ج 3 ص 415 ح 8.

(2) الفقيه: ج 1 ص 272 باب وجوب الجمعة وفضلها ح 23.

(3) الوسائل: ج 5 ص 74 ب 44 من أبواب صلاة الجمعة ح 4.

(4) الوسائل: ج 5 ص 66 ب 40 من أبواب صلاة الجمعة ح 14.

أهمية غسل الجمعة

قال الصادق عليه السلام: من اغتسل يوم الجمعة للجمعة فقال: أشهد أن لا إلاه إلا اللّه وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، كان طهراً له من الجمعة الى الجمعة (5).

(5) الوسائل ج 2 ص 951 ب 12 من أبواب الاغسال المسنونة ح 1.


17

وقال عليه السلام أيضاً: غسل الجمعة طهور وكفارة لما بينهما من الذنوب من الجمعة الى الجمعة (1).

وقال عليه السلام في علة غسل يوم الجمعة: إن الانصار كانت تعمل في نواضحها وأموالها، فاذا كان يوم الجمعة حضروا المسجد، فتأذى الناس بأرواح آباطهم، وأجسادهم، فأمرهم رسول اللهّ صلى اللّه عليه وآله وسلم بالغسل، فجرت بذلك السنة (2).

وعن سهل بن اليسع قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يدع غسل الجمعة ناسياً أو غير ذلك، قال: إن كان ناسياً فقد تمّت صلاته، وأن كان متعمداً فالغسل أحب إلي، فإن هو فعل فليستغفر اللّه ولا يعود (3).

وعن أبي عبد اللّه عليه السلام في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في أول النهار، قال: يقضيه آخر النهار، فإن لم يجد فليقضه من يوم السبت (4).

(1) و(2) الوسائل ج 2 ص 945 ب 6 من أبواب الاغسال المسنونة ح 14 و 15.

(3) الوسائل: ج 2 ص 948 ب 7 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3.

(4) الوسائل: ج 2 ص 949 ب 10 من أبواب الاغسال المسنونة ح 3.

فضيلة صلاة الجمعة

عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: جاء أعرابي الى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقال له: قليب، فقال: يا رسول اللّه: إني تهيأت الى الحج كذا وكذا مرة فما قدر لي ؟ فقال صلى اللّه عليه وآله: يا قليب عليك بالجمعة فإنها حج المساكين (5).

وورد ان موسى بن جعفر عليه السلام كان يتهيأ يوم الخميس للجمعة (6).

وعن ابي جعفر عليه السلام: أن الملائكة المقربون يهبطون في كل يوم جمعة معهم قراطيس الفضة وأقلام الذهب فيجلسون على أبواب المسجد على كراسي من نور فيكتبون من حضر الجمعة الأول والثاني والثالث حتى يخرج الامام، فاذا خرج

(5) الوسائل: ج 5 ص 5 ب 1 من أبواب صلاة الجمعة ح 17.

(6) الوسائل: ج 5 ص 47 ب 31 من ابواب صلاة الجمعة ح 3.


18

الامام طووا صحفهم (1).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يشرب أحدكم الدواء يوم الخميس، فقيل: يا أمير المؤمنين ولم ؟ قال: لئلا يضعف عن إتيان الجمعة (2).

(1) و (2) الفقيه: ج 1 ص 274 باب وجوب الجمعة وفضلها ح 42 و 44.

من أحكامها وبعض آدابها

قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا كلام والامام يخطب، ولا التفات إلا كما يحل في صلاة، وإنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الأخيرتين فهما صلاة حتى ينزل الامام (3).

وعن أبي عبد اللّه قال: اذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة وإن فاتته فليصل أربعاً (4).

ويستحب أن يعتمّ الرجل يوم الجمعة وأن يلبس أحسن أثوابه وأنظفها ويتطيب فيدهن بأطيب دهنه (5) ويقلم أظفاره ويقص شاربه (6) ويغتسل للجمعة (7).

وقال الامام الصادق عليه السلام: صلاة الجمعة مع الامام ركعتان (8).

وقال عليه السلام أيضاً: إنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهي صلاة حتى ينزل الامام (9).

وقال عليه السلام: اذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة وليلبس - يعني الامام - البرد والعمامة، ويتوكأ على قوس أو عصا، وليقعد قعدة بين الخطبتين، ويجهر

(3) الوسائل: ج 5 ص 29 ب 14 من أبواب صلاة الجمعة ح 2.

(4) الوسائل: ج 5 ص 41 ب 26 من أبواب صلاة الجمعة ح 2.

(5) الفقيه: ج 1 ص 274 باب وجوب الجمعة وفضلها ذيل ح 40.

(6) راجع الوسائل: ج 5 ص 48 ب 33 من أبواب صلاة الجمعة.

(7) راجع الوسائل: ج 2 ص 943 ب 6 من أبواب الاغسال المسنونة.

(8) الوسائل: ج 5 ص 14 ب 6 من أبواب صلاة الجمعة ح 2.

(9) الوسائل ج 5 ص 15 ب 6 من أبواب صلاة الجمعة ح 4.


19

بالقراءة ويقنت في الركعة الاولى منهما قبل الركوع (1).

وسأله محمد بن مسلم عن صلاة الجمعة فقال: بأذان وإقامة يخرج الامام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب ولا يصلي الناس ما دام الامام على المنبر، ثم يقعد الامام على المنبر قدر ما يقرأ قل هو اللّه أحد، ثم يقوم فيفتتح خطبة، ثم ينزل فيصلي بالناس فيقرأ بهم في الركعة الاولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقين (2).

العدد:

قال الامام الصادق عليه السلام: يجمع القوم يوم الجمعة اذا كانوا خمسة فما زادوا فإن كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم (3) وجاء في بعض الروايات سبعة (4) وفي رواية ذكر السبعة والخمسة معاً كما في رواية زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: على من تجب الجمعة ؟ فقال: تجب على سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الامام (5).

الخطبتان:

قال الامام الصادق عليه السلام: يخطب - يعني إمام الجمعة - وهو قائم يحمد اللّه ويثني عليه ثم يوصي بتقوى اللّه، ثم يقرأ سورة من القرآن قصيرة، ثم يجلس، ثم يقوم فيحمد اللّه ويثني عليه ويصلي على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أئمة المسلمين ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فاذا فرغ من هذا أقام المؤذن فصلى بالناس ركعتين، يقرأ في الاولى بسورة الجمعة وفي الثانية بسورة المنافقين (6).

قال إمام الامة السيد روح اللّه الموسوي الخميني - قدس اللّه سره الشريف - في

(1) و (2) الوسائل: ج 5 ص 15 ب 6 من أبواب صلاة الجمعة ح 5 و 7.

(3) الوسائل: ج 5 ص 8 ب 2 من أبواب صلاة الجمعة ح 7.

(4) الوسائل: ج 5 ص 9 ب 2 من أبواب صلاة الجمعة ح 9 و 10.

(5) الوسائل: ج 5 ص 8 ب 2 من أبواب صلاة الجمعة ح 4.

(6) الوسائل: ج 5 ص 38 ب 25 من أبواب صلاة الجمعة ح 2.


20

بحثه لصلاة الحمعة: ينبغي للامام الخطيب أن يذكر في ضمن خطبته ما هو من مصالح المسلمين في دينهم ودنياهم ويخبرهم بما جرى في بلاد المسلمين وغيرها ومن الأحوال التي لهم فيها المضرة أو المنفعة، وما يحتاج المسلمون إليه في المعاش والمعاد: والامور السياسية والاقتصادية مما هي دخلية في استقلالهم وكيانهم، وكيفية معاملتهم مع سائر الملل والتحذيرعن تدخل الدول الظالمة المستعمرة في أمورهم سيما السياسية والاقتصادية المنجر الى استعمارهم واستثمارهم. وبالجملة الجمعة وخطبتاها من المواقف العظيمة للمسلمين كسائر المواقف العظيمة مثل الحج - الى أن يقول إمام الامة - ومع الأسف أغفل المسلمون عن الوظائف المهمة السياسية فيها وفي غيرها من المواقف السياسية الاسلامية. فالاسلام دين السياسة بشؤونها يظهر لمن له أدنى تدبر في أحكامه الحكومية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية فمن توهّم أن الدين منفك من السياسة فهو جاهل لم يعرف الاسلام ولا السياسة (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

(1) تحرير الوسيلة: ج 1 ص 212 مسألة 9 من شرائط صلاة الجمعة.

من المكلف بصلاة الجمعة ؟

قال الامام محمد الباقر عليه السلام: إنما فرض اللّه على الناس من الجمعة الى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها اللّه في جماعة وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير - أي الشيخ الهرم - والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ومن كان على رأس فرسخين (2).

(2) الوسائل: ج 5 ص 2 ب 1 من أبواب صلاة الجمعة ح 1.

ما قاله الشهيد الثاني في الجمعة:

قال الشهيد الثاني زين الدين العاملي - قدس سره - في «أسرار الصلاة»:


21

تختص الجمعة باستحضار أن يومها يوم عظيم وعيد شريف، خص اللّه تعالى به هذه الامة وجعله وقتاً شريفاً لعبادته، ليقربهم فيه من جواره، ويبعدهم من طرده وناره، وحثّهم فيه على الاقبال بصالح الأعمال، وتلافي ما فرط منهم في بقية الاسبوع من الاهمال، وجعل أهم ما يقع فيه من طاعته وما يوجب الزلفى والقرب الى شريف حضرته صلاة الجمعة، وعبّر عنها في محكم كتابه العزيز الكريم بذكر اللّه الجسيم، وخصها من بين سائر الصلوات التي هي أفضل القربات بالذكر الخاص، فقال سبحانه ﴿يا أيها الذي آمنو إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كمنتم تعلمون (1).

وفي هذه الآية الشريفة من التنبيهات والتأكيدات ما يتنبّه من له حظ من المعاني لا يليق بسطه بهذه الرسالة، ومن أهم رمزها هنا التعبير عن الصلاة بذكر اللّه ونبه بذلك على أن الغرض الاقصى من الصلاة ليس هو مجرد الحركات والسكنات والركوع والسجود بل ذكر اللّه بالقلب، وإحضار عظمته بالبال، فإن هذا وأشباهه هو السر في كون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر في قوله تعالى ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر اذا كان سببهما القوة النزوعية اذا خرجت عن حكم العقل. وهذا كله إنما يتم مع التوجه التام الى اللّه تعالى، وملاحظة جلاله الذي هو الذكر الأكبر الكثير، على ما ورد في بعض تفسيراته فضلاً عن أن يكون ذكراً مطلقاً وإذا كان الاستعداد بهذه المثابة - لا جرم - وجب الاهتمام به زيادة على غيرها من الصلوات والتهيؤ والاستعداد للقاء اللّه تعالى، والوقوف بين يديه في الوقت الشريف والنوع الشريف من العبادات، واحضر ببالك أن لو أمرك ملك عظيم من ملوك الدنيا بالمثول في حضرته والفوز بمخاطبته في وقت معين أما كنت متأهب له بتمام الاستعداد والتهيئة والسكينة والوقار والتنظيف والتطيب، وغير ذلك مما يليق بحال الملك، ومن هنا جاء استحباب الغسل يوم الجمعة والتنظيف والتطييب

(1) الجمعة: 9.


22

والتعمم وحلق الرأس وقصّ الشارب والأظفار، وغير ذلك من السنن فبادر عند دخول الجمعة الى ذلك بقلب مقبل صاف، وعمل مخلص، وقصد متقرب ونية خالصة كما تعمل ذلك في لقاء ملك الدنيا إن لم تعظّم همّتك من ذلك، ولا تقصد بهذه الوظائف حظّك من الرفاهية، وتطيب نفسك من الطيب والزينة، فتخسر صفقتك وتظهر بعد ذلك حسرتك، وكلما أمكنك تكثير المطالب التي يترتب عليها الثواب بعملك فاقصدها، يضاعف ثواب عملك بسبب قصدها (1) انتهى كلام الشهيد - قدس سره -.

(1) اسرار الصلاة: ص 161 ضمن رسائله المطبوعة.

ما قاله الشهيد الثاني أيضاً في الجمعة

وقال الشهيد الثاني «في روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان» (2) في بحث صلاة الجمعة:

هي واجبة بالنص والاجماع قال اللّه تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه أجمع المفسرون على أن المراد به صلاة الجمعة.

وقال تعالى في السورة التي يذكر فيها المنافقون ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم اموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللّه ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون (3) قيل المراد بالذكر صلاة الجمعة وقرينة الذكر السابق في الجمعة تدل عليه ومن ثم استحب قراءة السورتين فيها وفي صلاة يوم الجمعة، ليكرر على الأسماع الحث عليها.

وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: إن اللّه تعالى قد فرض عليكم الجمعة، فمن تركها

(2) روض الجنان: ص 284.

(3) المنافقون: 9.


23

في حياتي أو بعد موتي استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا برّ له حتى يتوب (1).

وروى محمد بن مسلم وأبو بصير قالا: سمعنا أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام يقول: من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات بغير علّة طبع اللّه على قلبه (2).

وروى زرارة عنه عليه السلام قال: صلاة الجمعة فريضة، والاجتماع اليها فريضة مع الامام، فإن ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق (3).

انتهى كلام الشهيد - رحمه اللّه -.

(1) الوسائل: ج 5 ص 7 ب 1 من أبواب صلاة الجمعة ح 28.

(2) و (3) الوسائل: ج 5 ص 4 ب 1 من أبواب صلاة الجمعة ح 11 و 12.

خطبة أمير المؤمنين عليه السلام

خطب أمير المؤمنين عليه السلام في الجمعة فقال:

الحمد للّه الولي الحميد، الحكيم المجيد، الفعال لما يريد، علام الغيوب وخالق الخلق، ومنزل القطر، ومدبر أمر الدنيا والآخرة، ووارث السماوات والأرض الذي عظم شأنه فلا شيء مثله تواضع كل شيء لعظمته، وذل كل شيء لعزته واستسلم كل شيء لقدرته، وقر كل شيء قراره لهيبته، وخضع كل شيء لمملكته وربوبيته الذي يمسك السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه، وأن تقوم الساعة إلا بأمره، وأن يحدث في السماوات والأرض شيء إلا بعلمه نحمده على ما كان، ونستعينه من أمرنا على ما يكون، ونستغفره ونستهديه.

ونشهد أن لا أله إلا اللّه، وحده لا شريك له، ملك الملوك، وسيد السادات وجبار الأرض والسماوات القهار الكبير المتعال، ذو الجلال والاكرام، ديان يوم الدين، رب آبائنا الأولين، ونشهد أن محمد عبده ورسوله، أرسله بالحق


24

داعياً الى الحق، وشاهدا على الخلق، فبلغ رسالات ربه كما أمره لا متعدياً، ولا مقصراً، وجاهد في اللّه أعدائه لا وانياً ولا ناكلاً، ونصح له في عباده صابراً محتسباً، فقبضه اللّه اليه، وقد رضي عمله، وتقبل سعيه، وغفر ذنبه، صلى اللّه عليه وآله.

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، واغتنام ما استطعتم عملاً به من طاعته في هذه الأيام الخالية، وبالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تكونوا تحبون تركها، والمبلية لكم وإن كنتم تحبون تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلاً فكأن قد قطعوه، وأفضوا الى علم فكأن قد بلغوه، وكم عسى المجري الى الغاية أن يجري اليها حتى يبلغها، وكم عسى أن يكون بقاء من يوم لا يعدوه وطالب حثيث في الدنيا يحدوه حتى يفارقها، فلا تتنافسوا في عز الدنيا وفخرها ولا تعجبوا من زينتها ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فإن عزّها وفخرها الى انقطاع، وإن زينتها الى زوال، وإن ضرها وبؤسها الى نفاد، وكل مدة منها الى منتهى، وكل حي منها الى فناء وبلاء أوليس لكم في آثار الأولين وفي آبائكم الماضين معتبر وتبصرة إن كنتم تعقلون ؟ ألم تروا الى الماضين منكم لم يرجعون، والى الخلف الباقين منكم لا يبقون ؟.

قال اللّه تبارك تعالى ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (1) وقال: ﴿كل نفس ذائقة الموت وأنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (2) أولستم ترون إلى أهل الدنيا وهم يصبحون ويمسون على أحوال شتى فميت يبكى، وآخر يعزى وصريع يتلوى، وعائد ومعود، وآخر بنفسه يجود وطالب الدنيا والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضين يمضي الباقي.

(1) الانبياء: 95.

(2) آل عمران: 185.


25

والحمد للّه رب العالمين، رب السماوات السبع، ورب الأرضين، ورب العرش العظيم، الذي يبقى ويفنى ما سواه، وإليه يؤول الخلق ويرجع الأمر، ألا إن هذا اليوم يوم جعله الله لكم عيداً، وهو سيد أيامكم وأفضل أعيادكم، وقد أمركم اللّه في كتابه بالسعي فيه الى ذكره، فلتعظم رغبتكم فيه، ولتخلص نيتكم فيه، وأكثروا فيه التضرع والدعاء، ومسألة الرحمة والغفران، فإن اللّه عز وجل يستجيب لكل من دعاه، ويورد النار من عصاه وكل مستكبر عن عبادته، قال اللّه عز وجل: ﴿ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين.

وفيه ساعة مباركة لا يسأل اللّه عبد مؤمن فيها شيئاً إلا أعطاه، والجمعة واجبة على كل مؤمن، إلا على الصبي والمريض والمجنون والشيخ الكبير والأعمى والمسافر والمرأة والعبد المملوك ومن كان على رأس فرسخين، غفر اللّه لنا ولكم سالف ذنوبنا فيما خلا من أعمارنا، وعصمنا وإياكم من اقتراف الآثام بقية أيام دهرنا، إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب اللّه عز وجل، أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم إن اللّه هو الفتاح العليم، بسم اللّه الرحمن الرحيم - ثم يبدأ بعد الحمد بـ ﴿قل هو اللّه أحد أو بـ ﴿قل يا ايها الكافرون أو بـ ﴿إذا زلزت الأرض زلزالها، أو بـ ﴿ألهكم التكاثر أو بـ ﴿العصر، وكان مما يدوم عليه ﴿قل هو اللّه أحد ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيقول: -

الحمد للّه، نحمده ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، صلوات اللّه وسلامه عليه وآله، ومغفرته ورضوانه، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ونبيك صلاة نامية زاكية، ترفع بها درجته، وتبيّن بها فضله، وصل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد


26

اللّهم عذب كفرة اهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويجحدون آياتك، ويكذبون رسلك اللهم خالف بين كلمتهم وألق الرعب في قلوبهم، وأنزل عليهم رجزك ونقمتك وبأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين.

اللهم انصر جيوش المسلمين وسراياهم ومرابطيهم في مشارق الأرض ومغاربها، إنك على كل شيء قدير.

اللهم أغفر للمؤمنين و المؤمنات والمسلمين والمسلمات اللهم اجعل التقوى زادهم والايمان والحكمة في قلوبهم، وأوزعهم أن يشكروا نعمتك التي أنعمت عليهم، وأن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، إله الحق وخالق الخلق، اللهم اغفر لمن توفي من المؤمنين والمؤمنات المسلمين والمسلمات ولمن هو لاحق بهم من بعدهم منهم إنك أنت العزيز الحكيم ﴿إن اللّه يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون اذكروا اللّه يذكركم فإنه ذاكر لمن ذكره، واسألوا اللّه من رحمته وفضله فإنه لا يخيب عليه داع دعاه، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (1).

(1) الفقيه ج 1 ص 275 ب 57 في وجوب الجمعة وفضلها ح 46.

لزوم كون الجمعة جماعة

قال اللّه تبارك وتعالى ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (2). فأمر اللّه بالجماعة كما أمر بالصلاة، وفرض اللّه تبارك وتعالى على الناس من الجمعة الى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة. فيها صلاة واحدة فرضها اللّه في جماعة وهي الجمعة، فأما سائر الصلوات فليس الاجماع اليها بمفروض ولكنه سنة من تركها رغبة عنها وعن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له، ومن ترك ثلاث جمعات متواليات من غير علة فهو منافق، وصلاة الرجل في جماعة تفضل على

(2) البقرة: 43.


27

صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة في الجنة، والصلاة في الجماعة تفضل صلاة الفرد بأربع وعشرين صلاة فيكون خمساً وعشرين صلاة (1).

(1) الفقيه: ج 1 ص 245 ب 56 في الجماعة وفضلها.

صلاة الجمعة و«المذاهب الخمسة»

وهنا نذكر ما كتبه العلامة الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه «الفقه على المذاهب الخمسة» قال - رحمة اللّه -

وجوبها: أجمع المسلون كافة على وجوب صلاة الجمعة، لقوله تعالى:﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه وذروا البيع وللأحاديث المتواترة من طريق السنة والشيعة.

واختلفوا هل يشترط في وجوبها وجود السلطان، أو من يستنيبه لها، أو أنها واجبة على كل حال ؟

وقال الحنفية والامامية: يشترط وجود السلطان أو نائبه، وسقط الوجوب مع عدم وجود أحدهما. واشترط الامامية عدالة السلطان، وإلا كان وجوده كعدمه. واكتفى الحنفية بوجود السلطان ولو غير عادل.

ولم يعتبر الشافعية والمالكية والحنابلة وجود السلطان. وقال كثير من الامامية إذا لم يوجد السلطان أو نائبه ووجد فقيه عادل يخيّر بينها وبين الظهر مع ترجيح الجمعة.

شروطها: اتفقوا على أنه يشترط في صلاة الجمعة ما يشترط في غيرها من الطهارة والستر والقبلة، وأن وقتها من أول الزوال الى أن يصير ظل كل شيء مثله وانها تقام في المسجد وغيره، ما عدا المالكية فإنهم قالوا: لا تصح إلا في المسجد.

واتفقوا على أنها تجب على الرجال دون النساء، وأن من صلاها تسقط عنه الظهر، وأنها لا تجب على الأعمى، وأنها لا تصح إلا جماعة.


28

واختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجماعة، فقال المالكية: أقله (12) ما عدا الامام. وقال الامامية: (4) غيرالامام. وقال الشافعية والحنابلة: (40) مع الامام وقال الحنفية: (5)، وقال بعضهم:(7).

واتفقوا على عدم جواز السفر لمن وجبت عليه الجمعة، واستكمل الشروط بعد الزوال قبل أن يصليها، ما عدا الحنفية فإنهم قالوا بالجواز.

الخطبتان: اتفقوا على أن الخطبتين شرط في انعقاد الجمعة، وأن مكانهما قبل الصلاة، وفي الوقت لا قبله.

واختلفوا في وجوب القيام حال الخطبتين، فقال الامامية والشافعية والمالكية: يجب. وقال الحنفية والحنابلة: لا يجب.

أما كيفيتها فقال الحنفية: تتحقق الخطبة بأقل ما يمكن من الذكر، فلو قال: الحمد للّه، أو استغفر اللّه أجزأه، ولكن يكره الاقتصار على ذلك.

وقال الشافعية: لابد في كل من الخطبتين من حمد اللّه، والصلاة على النبي والوصية بالتقوى، وقراءة آية في أحدهما على الأقل، وكونها في الأولى أفضل والدعاء للمؤمنين في الثانية.

وقال المالكية: يجزي كل ما يسمى خطبة في العرف على أن تكون مشتملة على تحذير أو تبشير.

وقال الحنابلة: لابد من حمد اللّه والصلاة على النبي، وقراءة آية، والوصية بالتقوى.

وقال الامامية: يجب في كل خطبة حمد اللّه والثناء عليه، والصلاة على النبي وآله، والوعظ، وقراءة شيء من القرآن، وأن يزيد في الخطبة الثانية الاستغفار والدعاء للمؤمنين والمؤمنات.

وقال الشافعية والامامية: يجب على الخطيب أن يفصل بين الخطبتين بجلسة قصيرة. وقال المالكية والحنفية: لا يجب بل يستحب.


29

وقال الحنابلة: يشترط في الخطبة أن تكون بالعربية مع القدرة.

وقال الشافعية: تشترط العربية اذا كان القوم عرباً، أما اذا كانوا عجماً فله ان يخطب بلغتهم وإن كان يحسن العربية.

وقال المالكية: يجب أن يخطب بالعربية وإن كان القوم عجماً لا يفهمون شيئاً من العربية، فاذا لم يوجد فيهم من يحسن العربية سقطت عنهم صلاة الجمعة وقال الحنفية والامامية: ليست العربية شرطاً في الخطبة.

كيفية الصلاة: صلاة الجمعة ركعتان كصلاة الصبح. وقال الامامية والشافعية يستحب أن يقرأ في الركعة الاولى الجمعة، وفي الثانية المنافقين بعد الحمد في كل من الركعتين.

وقال المالكية: يقرأ في الاولى الجمعة وفي الثانية الغاشية.

وقال الحنفية: يكره تعيين سورة بالخصوص (1) تم كلام العلامة محمد جواد مغنية - رحمه اللّه -.

(1) الفقه على المذاهب الخمسة: ص 120.

تاريخ صلاة الجمعة في الاسلام

اقيمت صلاة الجمعة في المدينة المنورة بأمر من الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم وبإمامة أسعد بن زرارة أو مصعب بن عمير، هذا ما جاء في التاريخ حول صلاة الجمعة.

فضل امة محمد (ص) على سائر الامم في صلاة الجمعة

جاء في مناجاة موسى عليه السلام مع ربه تعالى قال: يارب لم فضلت امة محمد على سائر الامم ؟ فقال اللّه تعالى: فضلتهم لعشر خصال، قال موسى: وما تلك الخصال التي يعملونها حتى آمر بني إسرائيل يعملونها ؟ قال اللّه تعالى: الصلاة والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والجمعة، والجماعة، والقرآن، والعلم، والعاشوراء (2).

(2) مجمع البحرين: ج 3 ص 405 نشر المكتبة المرتضوية.


30

ما جاء في «الميزان» حول تفسير سورة الجمعة

قال العلامة الطباطبائي - رحمه اللّه - في تفسير الميزان بعد ذكر آية الجمعة:

(بيان) تأكيد إيجاب صلاة الجمعة وتحريم البيع عند حضورها، وفيها عتاب لمن انفضّ إلى اللهو والتجارة عند ذلك واستهجان لفعلهم.

قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع... إلخ المراد بالنداء للصلاة من يوم الجمعة الأذان كما في قوله ﴿وإذا ناديتم الى الصلاة أتخدوها هزواً ولعباً (1).

والجمعة - بضمتين أو بالضم فالسكون - أحد أيام الاسبوع، وكان يسمى أولاً يوم العروبة، ثم غلب عليه اسم الجمعة، والمراد بالصلاة من يوم الجمعة المشرّعة يومها، والسعي هو المشي بالاسراع، والمراد بذكر اللّه الصلاة، كما في قوله ﴿ولذكر اللّه أكبر (2) على ما قيل. وقيل: المراد بالخطبة قبل الصلاة.

وقوله ﴿وذروا البيع أمر بتركه، والمراد به - على ما يفيده السياق - النهي عن الاشتغال بكل عمل يشغل عن صلاة الجمعة، سواء كان بيعاً أو غيره، وإنما علّق النهي بالبيع لكونه من أظهر مصاديق ما يشغل عن الصلاة، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا اذّن لصلاة الجمعة يومها فجدّوا في المشي الى الصلاة، واتركوا البيع، وكل ما يشغلكم عنها.

وقوله تعالى ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل اللّه... إلخ» المراد بقضاء الصلاة: إقامة صلاة الجمعة، والانتشار في الأرض: التفرق فيها وابتغاء فضل اللّه طلب الرزق نظراً الى مقال مقابلته ترك البيع في الآية السابقة، لكن تقدم أن المراد ترك كل ما يشغل عن صلاة الجمعة، وعلى هذا فابتغاء فضل

(1) المائدة: 58.

(2) العنكبوت: 45.


31

اللّه: طلب مطلق عطيته في التفرق لطلب رزقه بالبيع والشراء، وطلب ثوابه بعيادة مريض، والسعي في حاجة مسلم وزيارة أخ في اللّه، وحضور مجلس علم، ونحو ذلك.

وقوله ﴿فانتشروا في الأرض أمر واقع بعد الحظر، فيفيد الجواز والاباحة دون الوجوب، وكذا قوله «وابتغوا، واذكروا».

وقوله تعالى ﴿واذكروا اللّه لعلكم تفلحون المراد بالذكر أعم من الذكر اللفظي.

ثم قال - رحمه اللّه - في تفسير قوله ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائما... إلخ»: الانفضاض - على ما ذكره الراغب - استعارة عن الانفضاض بمعنى انكسار الشيء وتفرق بعضه من بعض.

وقد اتفقت روايات الشيعة والسنة على أنه ورد المدينة عير معها تجارة، وذلك يوم الجمعة، والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قائم يخطب، فضربوا بالطبل والدف لاعلام الناس، فانفض أهل المسجد إليهم، وتركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائماً يخطب فنزلت الآية فالمراد باللهو استعمال المعازف وآلات الطرب ليجتمع الناس للتجارة، وضمير «اليها» راجع الى التجارة، لأنها كانت المقصودة في نفسها، واللهو مقصود لأجلها.

وقوله تعالى:﴿ قل ما عند اللّه خير من اللهو ومن التجارة واللّه خير الرازقين. أمر للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن ينبههم على خطاهم فيما فعلوا - وما أفظعه - والمراد بما عند اللّه: الثواب الذي يستعقبه سماع الخطبة والموعظة.

وفي بحثه الروائي لآية الجمعة قال - قدس سره -:

روي أنه كان بالمدينة إذا أذن المؤذن يوم الجمعة نادى مناد: حرم البيع لقول اللّه عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع (1). وفي رواية ينادون في الأسواق: حرم البيع،

(1) الفقيه: ج 1 ص 195 باب الاذان والاقامة ح 52.


32

حرم البيع (1).

وفي تفسير القمي (2): قوله تعالى ﴿فاسعوا الى ذكر اللّه قال: السعي: هو الاسراع في المشي. وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في الآية يقال: فاسعوا أي امضوا، ويقال اسعوا اعملوا لها وهو قص الشارب ونتف الابط وتقليم الأظفار والغسل ولبس انظف الثياب والتطيّب للجمعة فهو السعي، يقول اللّه تعالى ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن (3).

وفي المجمع: وروى انس عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال في قوله ﴿فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض الآية ليس بطلب الدنيا، ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في اللّه (4).

وعن عوالي اللئالي (5): روى مقاتل بن سليمان قال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية الكلبي من الشام بتجارة وكان اذا قدم لم يبق في المدينة عاتق (أي: الجارية أوائل ما أدركت) إلا أتته، وكان يقدم بكل ما يحتاج اليه الناس من دقيق وبر وغيره، ثم ضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج الناس فيبتاعون منه. فقدم ذات جمعة - وكان قبل ان يسلم - ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يخطب على المنبر، فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا أثنا عشر، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لولا هؤلاء لسوّمت عليهم الحجارة من السماء، وأنزل اللّه الآية في سورة الجمعة وهي ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً... إلخ» (6).

(1) الدر المنثور: ج 6 ص 220.

(2) تفسير القمي: ج 2 ص 367.

(3) الاسراء: 19.

(4) مجمع البيان: ج 10 ص 288.

(5) عوالي اللئالي: ج 2 ص 195 ح 52.

(6) تفسير الميزان: ج 19 ص 273 - 277.

محاضرة للشهيد المطهري حول صلاة الجمعة

الاستاذ الشهيد المطهري - رضوان اللّه تعالى عليه - من الذين يؤكدون على ضرورة إقامة هذه الفريضة العبادية السياسية، وكان من المتألمين لترك صلاة الجمعة،


33

حيث يقول: أنا شخصياً من الذين لم أستطع أن أعرف لماذا تركت هذه الصلاة المباركة المهمة ذات الشرائط المؤكّدة؟ وأصبحت من المنسوخات والمتروكات عمداً، لكن - ولله الحمد - اليوم ببركة توجيهات القائد الملهم، الخميني الكبير - دام ظله الوارف على رؤوس المسلمين - وبهمة أمة حزب اللّه، تقام هذه الفريضة المهمة في كل أرجاء الجمهورية الاسلامية على أحسن وجه، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم.

وقد ألقى رحمه اللّه - محاضرة في هذا الصدد قبل قيام الثورة الاسلامية المباركة وذلك في عام 1380 هجري قمري في محل لجنة المهندسين المسلمين في طهران قال فيها بعد ذكر آية الجمعة:

الاسلام عنده صلاة اسبوعية. وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في سورة الجمعة، وقد تقدم ذكرها في الآية المباركة، وهذا النداء باتفاق تمام المفسرين - شيعة وسنة - المقصود منه صلاة الجمعة.

وصلاة الجمعة هي نفس صلاة الظهر يوم الجمعة، ولكن تختلف عن سائر الصلوات:

أولاً: كل ظهر أربع ركعات، أما في صلاة ظهر يوم الجمعة التي اسمها صلاة الجمعة ركعتان.

ثانياً: تجب مع الجماعة، ولكن سائر الصلوات - صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء - لا تجب مع الجماعة.

ثالثاً: أينما تقام صلاة الجمعة على شعاع فرسخين يجب على الناس السعي اليها.

رابعاً: في كل نقطة تقام صلاة الجمعة، وعلى شعاع فرسخ يحرم إقامة جمعة اخرى، وعلى الناس أن يجتمعوا إليها، ويستمعوا الخطبتين قبل الصلاة، لا يتكلمون ولا يصلون، ويتوجهون الى القبلة بكل وجودهم وشعورهم، وعليهم أن يصلوها


34

ركعتين، لما جاء في الحديث: وإنما جعلت الجمعة ركعتين لمكان الخطبتين (1).

ما هو الهدف من الاجتماع في صلاة الجمعة ؟

﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه... إلخ» قد تتعجبون من هذا النداء وتسألون ما هو الهدف من هذا الاجتماع والتشريفات ؟ ويزداد تعجبكم أن الهدف استماع الخطبتين. إذن ما أعظم هاتين الخطبتين ! نعم إنه واجب عظيم من حيث إنه اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة يجب رفض كل عمل، والسعي الى استماع الخطبتين، وإقامة صلاة الجمعة ثم أنت حرّ كما يقول الحق في سورة الجمعة ﴿فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض.. إلخ» من عيادة مريض أو زيارة إخوان أو صلة أرحام.

ما هو محتوى خطبتي صلاة الجمعة ؟

لما اتضح أن سر الاجتماع في صلاة الجمعة هو الاستماع الى الخطبتين، بقي علينا ان نعلم ما يقال في الخطبتين

أولاً: حمد اللّه والثناء عليه.

ثانياً: الصلاة على خاتم الأنبياء وأئمة المسلمين.

ثالثاً: الحث على التقوى والموعظة.

رابعاً: قراءة سورة قصيرة من القرآن الكريم.

ولكي تعلموا أهمية الحضور في صلاة الجمعة فقد جاء في الروايات أن على الامام أن يخرج المحبسين في الدين يوم الجمعة الى الجمعة ويوم العيد الى العيد ويرسل معهم، فاذا قضوا الصلاة والعيد ردّهم الى السجن (2) و (3)

(1) الوسائل: ج 5 ص 10 ب 3 من أبواب صلاة الجمعة ح 2.

(2) الوسائل: ج 5 ص 36 ب 21 من ابواب صلاة الجمعة ح 1.

(3) مقتطف من مجلة «باسدار اسلام» مع بعض التصرف.


35

القائلون بالوجوب العيني التعييني في عصر الغيبة

ورأينا من الضروري أن تذكر طائفة من أعلام الطائفة ذهبوا الى الوجوب العيني التعييني في زمان غيبة الامام الحجة - عجل اللّه فرجه - وهم:

1 - الشيخ المفيد في المقنعة.

2 - أبو الصلاح الحلبي في كتابه الكافي في الفقه.

3 - أبو الفتح الكراجكي في تهذيب المسترشدين.

4 - عماد الدين الطبرسي في نهج العرفان.

5 - الكليني في الكافي.

6 - الصدوق في الفقيه.

7 - الشهيد الثاني في رسالة وجوب الجمعة.

8 - حفيده السيد محمد العاملي في المدارك.

9 - الحسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي في رسالته المسماة بالعقد الطهماسي.

10 - الحسن ابن الشهيد الثاني صاحب المعالم في رسالته الموسومة بالاثني عشرية.

11 - ابنه محمد بن الحسن في شرح الرسالة المذكورة.

12 - فخر الدين بن طريح النجفي في شرح الرسالة المتقدمة.

13 - المحدث محمد تقي المجلسي في رسالة مبسوطة ألفها في وجوبها العيني.

14 - العلامة المجلسي الثاني محمد باقر في باب وجوب صلاة الجمعة من كتاب البحار.

15 - المولى محمد باقر السبزواري في رسالة ألفها في وجوبها التعييني.

16 - المولى المحسن الفيض الكاشاني في رسالة الشهاب الثاقب ألفها في


36

وجوبها التعييني.

17 - أحمد بن محمد البحراني صاحب رياض المسائل.

18 - السيد أمير محمد زمان.

19 - الشيخ سليمان بن عبد اللّه البحراني في إسالة الدمعة للقائل بتحريم صلاة الجمعة.

20 - عبد اللّه بن صالح البحراني تلميذ الشيخ سليمان البحراني.

21 - المولى عبد اللّه التستري.

22 - ملا رفيعا المشهدي.

23 - محمد بن الحسن الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة.

24 - علي بن جعفر البحراني.

25 - أحمد بن عبد اللّه البحراني.

26 - المولى الشريف أبو الحسن النجفي في شرحه على المفاتيح.

27 - حكاية الفيض الكاشاني ووجوب هذه الصلاة عن السيد الداماد.

28 - حكايته أيضاً عن السيد ماجد البحراني (1).

29 - المحدث الشيخ يوسف البحراني في كتاب الحدائق الناضرة.

30 - أبو محمد المشتهر بمحمد أمان الكلهنوي.

31 - السيد جعفر بن الحسين بن قاسم الخوانساري.

32 - المولى رفيع الجيلاني تلميذ العلامة المجلسي.

33 - السيد حسين بن الحسن بن أحمد بن سليمان القزويني.

34 - الشيخ سلمان بن عبد اللّه الماحوزي.

35 - السيد صدر الدين القزويني مؤلف الرسالة الصدرية.

(1) الى هنا تم نقله من الحدائق الناضرة: ج 9 ص 378.


37

36 - المولى محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي القمي.

37 - الميرزا عبد اللّه بن عيسى الافندي صاحب رياض العلماء

38 - السيد عبد العظيم بن عباس الاسترابادي.

39 - الشيخ علي بن حسين المحقق الكركي على ما في الذريعة وقصص العلماء

40 - الشيخ علي بن سليمان درويش.

41 - الشيخ علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم العصفوري.

42 - المولى عوض التستري الكرماني.

43 - ميرزا عيسى ابن الميرزا محمد صالح التبريزي.

44 - الشيخ كلب علي، وليس هو الكاظمي كما ذكره رياض العلماء.

45 - المولى محمد بن الحسن الشيرواني المعاصر للعلامة المجلسي.

46 - العلامة السيد محمد الموسوي الجزائري نزيل الأهواز.

47 - المولى محمد بن عبد الفتاح التنكابني ألف أربع رسائل في وجوبها التعييني.

48 - المولى الحاج آقا رحيم أرباب الاصبهاني.

49 - الآية الحجة المرحوم الحاج السيد محمد تقي الخوانساري.

50 - العلامة الحجة الشيخ محمد رضا الحرقوئي الحائري.

51 - العلامة السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني.

ما ينبغي لخطيب الجمعة

ينبغي أن يكون الخطيب بليغاً مراعياً لمقتضيات الأحوال بالعبارات الفصيحة الخالية عن التعقيد، عارفاً بما جرى على المسلمين في الأقطار سيّما قطره، عالماً بمصالح الاسلام والمسلمين، شجاعاً لا يلومه في اللّه لومة لائم، صريحاً في إظهار الحق وإبطال الباطل حسب المقتضيات والظروف، مراعياً لما يوجب تأثير كلامه


38

في النفوس من مواظبة أوقات الصلوات والتلبس بزي الصالحين والأولياء وأن تكون أعماله موافقاً لمواعظه وترهيبه وترغيبه، وأن يجتنب عما يوجب وهنه ووهن كلامه حتى كثرة الكلام والمزاح وما لا يعني كل ذلك إخلاصاً لله تعالى وإعراضه عن حب الدنيا والرئاسة فإنه رأس كل خطيئة، ليكون لكلامه تأثير في النفوس (1)

وقد جاء في وسائل الشيعة وعلل الشرائع وعيون أخبار الرضا عن الامام الرضا عليه السلام: أنه قال: إنما جعلت الخطبة يوم الجمعة لأن الجمعة مشهد عام، فأراد ان يكون للأمير سبب الى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم من المعصية وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق ومن الاهوال التي لهم فيها المضرة والمنفعة (2).

(1) راجع تحرير الوسيلة: ج 1 ص 213 ضمن مسألة 14 من مسائل شرائط صلاة الجمعة.

(2) الوسائل: ج 5 ص 39 ب 25 من أبواب صلاة الجمعة ح 6.

ما يستحب لامام الجمعة

ويستحب له أن يتعمم في الشتاء والصيف ويتردى (3) ببرد يمني أو عدني ويتزين ويلبس أنظف ثيابه متطيباً على وقار وسكينة، وأن يسلّم إذا صعد المنبر واستقبل الناس بوجهه ويستقبلونه بوجوههم، وأن يعتمد على شيء من قوس أو عصا أو سيف، وأن يجلس على المنبر أمام الخطبة حتى يفرغ المؤذنون (4)

(3) تردى: لبس الرداء.

(4) راجع تحرير الوسيلة: ج 1 ص 214 ضمن مسألة 14 من مسائل شرائط صلاة الجمعة.

ما يجب على امام الجمعة

يجب في كل من الخطبتين التحميد ويعقبه بالثناء عليه تعالى على الأحوط والأحوط أن يكون التحميد بلفظ الجلالة، وإن كان الأقوى جوازه بكل ما يعد حمداً له تعالى، والصلاة على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على الاحوط في الخطبة الاولى. وعلى الأقوى في الثانية، والايصاء بتقوى اللّه تعالى في الاولى على الأقوى، وفي الثانية


39

على الأحوط، وقراءة سورة صغيرة في الاولى على الأقوى، والأحوط الأولى في الثانية الصلاة على أئمة المسلمين عليهم السلام بعد الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، والأولى اختيار بعض الخطب المنسوبة الى أمير المؤمنين سلام اللّه عليه أو المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام (1).

يجب ان يكون الخطيب قائماً وقت إيراد الخطبة ويجب وحدة الخطيب والامام (2).

الأحوط لو لم يكن الأقوى وجوب رفع الصوت في الخطبة بحيث يسمع العدد، بل الظاهر عدم جواز الاخفات بها، بل لا إشكال في عدم جواز إخفات الوعظ والايصاء، وينبغي أن يرفع صوته بحيث يسمع الحضار، بل هو أحوط (3).

الأحوط إتيان الحمد والصلاة في الخطبة بالعربي وإن كان الخطيب والمستمع غير عربي وأما الوعظ والايصاء بتقوى اللّه تعالى فالأقوى جوازه بغيره، بل الأحوط أن يكون الوعظ ونحوه من ذكر مصالح المسلمين بلغة المستمعين، وإن كانوا مختلطين يجمع بين اللغات، نعم لو كان العدد أكثر من النصاب جاز الاكتفاء بلغة النصاب، لكن الأحوط أن يعظهم بلغتهم (4).

يجوز إيقاع الخطبتين قبل زوال الشمس، بحيث اذا فرغ منهما زالت، والأحوط إقاعهما عند الزوال (5).

(1) راجع تحرير الوسيلة: ج 1 ص 211 مسألة 7 من شرائط صلاة الجمعة.

(2) راجع تحرير الوسيلة: ج 1 ص 213 مسألة 12 من شرائط صلاة الجمعة.

(3) راجع تحرير الوسيلة: ج 1 ص 213 مسألة 13 من شرائط صلاة الجمعة.

(4) راجع تحرير الوسيلة: ج 1 ص 212 مسألة 8 من شرائط صلاة الجمعة.

(5) راجع تحرير الوسيلة: ج 1 ص 212 مسألة 10 من شرائط صلاة الجمعة.

ما ينبغي لمستمعي الخطبة

الأحوط بل الأوجه وجوب الاصغاء الى الخطبة، بل الأحوط الانصات وترك الكلام بينها وأن كان الأقوى كراهته، نعم لو كان التكلم موجباً لترك


40

الاستماع وفوات فائدة الخطبة لزم تركه، والأحوط الأولى استقبال المستمعين الامام حال الخطبة، وعدم الالتفات زائداً على مقدار الجواز في الصلاة، وطهارة الامام حال الخطبة عن الحدث والخبث، وكذا المستمعين (1).

(1) راجع تحرير الوسيلة: ج 1 ص 213 مسألة 14 من شرائط صلاة الجمعة.


41

ما قاله العلامة المجلسي حول وجوب الجمعة

وتتميماً للفائدة ندرج ما ذكره العلامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي في كتاب «بحار الأنوار» (1) حول وجوب صلاة الجمعة وفضلها.

قال - رحمة اللّه - بعد ذكر الآيات التالية:

1 - ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا للّه قانتين (2)

2 - ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل اللّه واذكروا اللّه لعلكم تفلحون* وأذا رأوا تجارة أو لهوا أنفضوا أليها وتركوك قائماً قل ما عند اللّه خير من اللهو ومن التجارة واللّه خير الرازقين (3).

3 - ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللّه ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون (4).

(1) بحار الانوار: ج 89 ص 122 - 153.

(2) البقرة: 238.

(3) الجمعة: 9 - 11

(4) المنافقون: 9.


42

تفسير: قد مضت الأخبار في تفسير الصلاة الوسطى بصلاة الجمعة (1) وأن المراد بقوله ﴿قوموا للّه قانتين أي في الصلاة الوسطى. وقال الراوندي - رحمه اللّه - في فقه القرآن: قالوا: نزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في سفر فقنت فيها وتركها على حالها في السفر والحضر.

﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة لا ريب في نزول هذه السورة وتلك الآيات في صلاة الجمعة، وأجمع مفسرو الخاصة والعامة عليه، بمعنى تواتر ذلك عندهم، والشك فيه كالشك في نزول آية الظهار في الظهار، وغيرها من الآيات، والسور التي مورد نزولها متواتر معلوم ومدار علماء الخاصة والعامة في الاستدلال على أحكام الجمعة على هذه الآية.

وخصّ الخطاب بالمؤمنين تشريفاً لهم وتعظيماً، ولأنهم المنتفعون به، وإيذاناً بأن مقتضى الايمان العمل بفرائض اللّه تعالى وعدم الاستهانة بها، وأن تاركها كأنه غير مؤمن، وفسّر الأكثر النداء بالأذان.

قال في مجمع البيان: أي أذّن لصلاة الجمعة، وذلك أذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، وذلك لأنه لم يكن على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نداء سواء (2)

ونحوه ذلك قال في الكشاف (3).

والظاهر أن المراد حضور وقت النداء، كما أن قوله ﴿اذا قمتم الى الصلاة (3). المراد إرادة القيام، ولما كان النداء شائعاً في ذلك الوقت عبّر عنه به، وفيه الحثّ علىالأذان، لتأكّد استحبابه لهذه الصلاة، حتى ذهب بعضهم الى الوجوب.

واللام في قوله «للصلاة» للأجل والتوقيت، وحينئذ يدلّ على عدم اعتبار

(1) راجع البحار: ج 82 ص 277 - 291.

(2) مجمع البيان: ج 10 ص 288.

(3) الكشاف: ج 4 ص 532.

(4) المائدة: 6.


43

الأذان قبل وقت الصلاة في ذلك.

و «من» بيانية ومفسرة لـ «اذا». أو بمعنى «في» أو للتبعيض.

والجمعة - بضم الميم والسكون - لغتان اليوم المعهود، وإنما سمى به لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: لأنه تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات وقيل: أول من سماه به كعب بن لؤي وكان يقال له: العروبة.

﴿فاسعوا إلى ذكر اللّه الظاهر أن التعبير بهذه العبارة لتأكيد الأمر والمبالغة في الاتيان به، وعدم المساهلة فيه، كما أنه اذا قال المولى لعبده: امض الى فلان، يفهم منه الوجوب، واذا قال: اسع وعجّل واهتم، كان آكد من الأول وأدل على الوجوب.

قال في مجمع البيان: أي فامضوا الى الصلاة مسرعين غير متشاغلين، عن قتادة وابن زيد والضحاك. وقال الزجاج: فامضوا الى السعي الذي هو الاسراع. وقرأ عبد اللّه بن مسعود «فامضوا الى ذكر اللّه» وروي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه السلام وعمر وابي وابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السلام. وقال ابن مسعود: لو علمت الاسراع لأسرعت حتى يقع ردائي من كتفي. وقال الحسن: ما هو السعي على الأقدام، وقد نهوا ان يأتوا الصلاة إلا وعليهم االسكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع (1).

وكل ذلك مما يؤكد الوجوب، فإن المراد به شدة العزم والاهتمام وإخلاص النية فيه، فإنه أقرب المجازات الى السعي بالأقدام، بل هو مجاز شايع يعادل الحقيقة.

قال في الكشاف: قيل المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى:﴿ولما بلغ معه السعي - ﴿وأن ليس للانسان إلا ما سعى (2) انتهى.

(1) مجمع البيان: ج 10 ص 288.

(2) الكشاف: ج 4 ص 534.


44

وعليه ينبغي حمل ما رواه الراوندي وغيره عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: السعي قص الشارب ونتف الابط وتقليم الأظفار والغسل والتطيب ليوم الجمعة ولبس أفضل الثياب والذكر، فالمعنى أهتموا وعجلوا الفراغ من الآداب والمستحبات لادراك الجمعة، كل ذلك لا ينافي فهم الوجوب من الامر، بل هي مؤكدة له كما لايخفي على العارف بقوانين البلاغة.

وقال الراوندي: المراد بذكر اللّه الخطبة التي تتضمن ذكر اللّه والمواعظ وقيل: المراد الصلاة انتهى. وانما جعل الذكر مكان الضمير إيذانا بأن الصلاة متضمنة لذكره تعالى، ولذا يجب السعي إليها وأن الصلاة الكاملة هي التي تتضمن ذكر اللّه وحضور القلب، وقيل: المراد هما جميعاً، ولعله أظهر.

﴿وذروا البيع أي اتركوه ودعوه «ذلكم» أي ما امرتم به من السعي وترك البيع ﴿خير لكم وأنفع عاقبة ﴿إن كنتم تعلمون الخير والشر أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز.

﴿فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض أي إذا صليتم الجمعة وفرغتم منها فتفرقوا في الأرض.

«وابتغوا من فضل اللّه» أي واطلبوا الرزق في الشراء والبيع فأطلق لهم ما حرم عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح والنفع من فضل الله ورحمته، مشيراً الى أن الطالب ينبغي أن لا يعتمد على سعيه وكدّه، بل على فضل الله ورحمته وتوفيقه وتيسيره طالباً ذلك من ربه.

قال في مجمع البيان: هذا إباحة وليس بأمر إيجاب، وروي عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال في قوله «فانتشروا»: الآية ليس لطلب دنيا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في اللّه وقيل: المراد به طلب العلم (1)

وروي عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال: الصلاة يوم الجمعة والانتشار يوم السبت

(1) مجمع البيان: ج 10 ص 288.


45

وروى عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: إني لأركب في الحاجة التي كفاها اللة، ما أركب فيها إلا التماس أن يراني اللّه اضحي في طلب الحلال، أما تسمع قول اللّه عز وجل ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل اللّه أرأيت لو أن رجلاً دخل بيتاً وطيّن عليه بهبه ثم قال: رزقي ينزل عليّ أكان يكون هذا ؟ أما أنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم، قال: قلت: من هؤلاء الثلاثة ؟ قال: رجل يكون عنده المرأة فيدعوا عليها فلا يستجاب له لأن عصمتها في يده لو شاء أن يخلي سبيلها [ لخلّى سبيلها ] والرجل يكون له الحق على الرجل فلا يشهد عليه فيجحده حقه، فيدعو عليه فلا يستجاب له، لأنه ترك ما أمر به. والرجل يكون عنده الشيء، فيجلس في بيته ولا ينتشر ولا يطلب ولا يلتمس حتى يأكله، ثم يدعو فلا يستجاب له (1).

﴿واذكروا اللّه كثيراً قال الطبرسي - رحمه اللّه -: أي اذكره على إحسانه إليكم واشكروه على نعمه وعلى ما وفقكم من طاعته وأداء فرضه.

وقيل: المراد بالذكر هنا الفكر، كما قال: تفكر ساعة خير من عبادة سنة.

وقيل: معناه اذكروا الله في تجاراتكم وأسواقكم، كما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: من ذكر اللّه في السوق مخلصاً عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه كتب له الف حسنة ويغفر اللّه له يوم القيامة مغفرة لم يخطر على قلب بشر (2) انتهى.

ويحتمل أن يكون المراد به أذكروا اللّه في الطلب، فراعوا أوامره ونواهيه فلا تطلبوا إلا ما يحل من حيث يحل والأعم أظهر. والحاصل أنه تعالى وصّاهم بأن لا تشغلهم التجارة عن ذكره سبحانه كما قال اللّه تعالى ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه (3) ويكونوا في أثناء التجارة مشغولين بذكره، مراعين أوامره ونواهيه.

(1) و (2) مجمع البيان: ج 10 ص 289.

(3) النور: 37.


46

﴿لعلكم تفلحون قال الطبرسي - رحمه اللّه -: أي لتفلحوا وتفوزوا بثواب النعيم علّق سبحانه الفلاح بما تقدم ذكره من أعمال الجمعة وغيرها. وصح الحديث عن أبي ذر - رضي اللّه عنه - قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله ولبس صالح ثيابه ومس من طيب بيته أو دهنه ثم لم يفرق بين اثنين غفر اللّه له بينه وبين الجمعة الاخرى. وزيادة ثلاثة أيام بعدها. وروى سليمان التميمي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: إن للّه عز وجل في كل جمعة ست مائة ألف عتيق من النار كلهم قد استوجب النار.

قال: ثم أخبر سبحانه عن جماعة قابلوا أكرم الكرم بألأم اللؤم، فقال:﴿واذا رأوا تجارة أو لهواً أي عاينوا ذلك، وقيل معناه، اذا اعلموا بيعاً أو شراء أو لهواً وهو الطبل عن مجاهد. وقيل: المزامير عن جابر.

﴿انفضوا إليها أي تفرّقوا عنك خارجين إليها، وقيل: مالوا إليها والضمير للتجارة وإنما خصت برد الضمير إليها لأنها كانت أهم إليهم وهم بها أسر من الطبل، لأن الطبل إنما دلّ على التجارة عن الفراء وقيل: عاد الضمير الى أحدهما اكتفاء به وكأنه على حذف، والمعنى: وأذا رأوا تجارة أنفضوا اليها واذا رأوا لهواً انفضوا إليه، فحذف «إليه» لأن «إليها» تدل عليه.

وروي عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنه قال: انصرفوا اليها وتركوك قائماً تخطب على المنبر.

قال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم خطب إلا وهو قائم. فمن حدّثك أنه خطب وهو جالس فكذبه وسئل ابن مسعود: أكان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم خطب قائماً ؟ فقال: أما تقرأ ﴿وتركوك قائماً وقيل: أراد «قائما» في الصلاة.

ثم قال تعالى «قل» يا محمد لهم «ما عند اللّه من الثواب على الخطبة وحضور الموعظة والصلاة والثبات مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم «خير» وأحمد عاقبة وأنفع ﴿من اللهو


47

ومن التجارة واللّه خير الرازقين ويرزقكم إن لم تتركوا الخطبة والجمعة (1).

وقال - رحمه اللّه - في سبب نزول الآية: قال جابر بن عبد اللّه: أقبلت عير ونحن نصلي مع رسول اللّه صلىاللّه عليه وآله وسلم الجمعة فانفض الناس إليها فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم فنزلت.

وقال الحسن وابو مالك: اصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية ابن خليفة بتجارة زيت من الشام والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا اليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا رهط فنزلت الأية فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لو تنابعتم حتى لا يبقى أحد لسال بكم الوادي نارا.

وقال المقاتلان: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بتجارة، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أو بر أو غيره، وينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه فقدم ذات جمعة - وكان ذلك قبل أن يسلم - ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قائم على المنبر يخطب، فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلاً وامراة، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم لولا هؤلاء لسومّت لهم الحجارة من السماء وأنزل اللّه هذه الآية.

وقيل: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط عن الكلبي عن ابن عباس. وقيل: إلا أحد عشر رجلاً عن ابن كيسان، وقيل: إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة عن قتادة ومقاتل (2) انتهى.

(1) مجمع البيان: ج 10 ص 289.

(2) مجمع البيان: ج 10 ص 287


48

وقال - رحمه اللّه - في تذييلة لما تقدم:

اعلم أن اللّه سبحانه أكد في هذه السورة الشريفة للأمر الذي نزلت فيه - وهو وجوب صلاة الجمعة تقدمة وتذييلاً - أنواعاً من التأكيد. لم يأت بها في شيء من العبادات فيدل على انه آكدها وافضلها عنده، وأحبها اليه وذلك من وجوه:

أولها: أنزل سورة مخصوصة لذلك ولم ينزل في غيره سورة.

الثاني: أنه قدّم قبل الآية المسوقة لذلك آيات كلها معدّات لقبولها والاتيان بها، حيث افتتح السورة بأن جميع ما في السماوات والأرض تسبح له، فينبغي للانسان الذي هو أشرف المخلوقات أن لا يقصر عنها بل يكون تنزيهه له سبحانه وطاعته له أكثر منها.

ثم وصف سبحانه نفسه بأنه ملك العالم ويجب على جميع الخلق طاعته ثم بأنه القدوس المنزّه عن الظلم العبث. بل إنما كلّفهم بالطاعات لأعظم المصالح ولوصولهم الى درجات السعادات.

ثم هدّدهم بأنه عزيز غالب قادر مع مخالفتهم على عقوبتهم في الدنيا والآخرة وأنه حكيم لا يفعل شيئاً ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة، فلا ينبغي أن يتجاوز عن مقتضى أمره ونهيه.

ثم ذكر امتناعه على عباده بأنه بعث في قوم اميين عارين عن العلوم والمعارف رسولاً منهم، ليكون أدعى لهم الى قبول قوله: يتلو عليهم آياته المشتملة على مصالحهم ويطهرهم من الصفات الذميمة والنقائص والجهالات، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ولقد كانوا من قبله لفي ضلال مبين عن الملة والشريعة، فلابد لهم من قبول قوله في كل ما يأمرهم به ومنها هذه الصلاة.

ثم بيّن أن شريعة هذا النبي وأحكامه لا تختص بقوم ولا بالموجودين في زمانه، بل شريعته باقية وحلاله حلال وحرامه حرام الى يوم القيامة. رداً على


49

من يزعم أن الخطاب مخصوص بالموجودين، فقال «وآخر منهم» أي ويعلم آخرين من المؤمنين «لما يلحقوا بهم» وهم كل من بعد الصحابة الى يوم القيامة.

ثم هدّد وحثّ بوصف نفسه سبحانه مرة اخرى بالعزيز الحكيم، ثم عظم شأن النبوة لئلاّ يجوّزوا مخالفة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما أتى به من الشرائع، ثم ذم الحاملين للتوراة، العالمين غير العاملين به، تعريضاً لعلماء السوء مطلقاً بأنهم لعدم عملهم بعلمهم كالحمار يحمل أسفاراً.

ثم أوعد بالموت الذي لابد من لقائه وبما يتبعه من العذاب والعقاب ونبههم على أن ولاية اللّه لا تنال إلا بالعمل باوامره سبحانه وأجتناب مساخطه، وليس ذلك بالعلم فقط ولا بمحض الدعوى.

ثم لما مهد جميع ذلك خاطبهم بما هو المقصود من السوره أحسن خطاب وألطفه.

الثالث: أنه سبحانه أكد في نفس الآية المنزلة لذلك ضروباً من التأكيد:

الاول: إقباله تبارك وتعالى إليهم بالخطاب، تنشيطاً للمكلفين وجبراً لكلفة التكليف بلذة المخاطبة.

الثاني: أنه ناداهم بياء الموضوعة لنداء البعيد، تعظيماً لشأن المنادى له، وتنبيهاً على أنه من العظم والجلالة بحيث المخاطب في غفلة منه وبعد عنه وإن كان في نهاية التيقظ والتذكر له.

الثالث: أنه أطنب الكلام تعظيماً لشأن ما فيه الكلام وايماء إلى أنه من الشرافة والكرامة بحيث يتلذذ المتكلم بما تكلم فيه كما يتلذذ بذكر المحبوبين ووصفهم بصفاتهم والاطناب في أحوالهم.

الرابع: أنه أجمل أولاً المنادى حيث عبّر بـ «أي» العامة لكل شيء تخييلاً، لأن هذا الأمر لعظم شأنه مما لا يمكن المتكلم أن يعلم أول الأمر وبادئ الرأي أنه بمن يليق ومن يكون له ؟ حتى اذا تفكر وتدبر علم من يصلح له ويليق به.


50

الخامس: أنه أتى بكلمة «هاء» التي للتنبيه لمثل ما قلناه في «ياء».

السادس: أنه عبر عنهم بصيغة الغائب تنبيهاً على بعدهم لمثل ما قلناه في «ياء».

السابع: أنه طوّل في اسمهم ليحصل لهم التنبيه الكامل، فإنهم في أول النداء يتأخذون في التنبّه، فكلما طال النداء واسم المنادي ازداد تنبيههم.

الثامن: أنه خصّ المؤمنين بالنداء مع أن غيرهم مكلّفون بالشرائع، تنبيهاً على أن الأمر من عظمه بحيث لا يليق به إلا المؤمنون.

التاسع: أنه عظم المخاطبين به بذكر اسمهم ثلاث مرات من الاجمال والتفصيل فإن «أيها» مجمل و «الذين» مفصل بالنسبة اليه، ثم الصلة تفصيل للموصول

العاشر: أنه عظمهم بصيغة الغيبة.

الحادي عشر: أنه خص المعرفة بالنداء تنبيهاً على انه لا يليق بالخطاب إلا رجال معهودون معروفون بالايمان.

الثاني عشر: أنه علّق الحكم على وصف الايمان تنبيها على عليته له واقتضائه إياه.

الثالث عشر: أنه أمرهم بالسعي الذي هو الاسراع بالمشي إما حقيقية أو مجازاً - كما مرّ - والثاني أبلغ.

الرابع عشر: أنه رتبه على الشرط بالفاء الدالة على عدم التراخي.

الخامس عشر: أنه عبّر عنها بـ «ذكر اللّه» فوضع الظاهر موضع الضمير إن فسّر بالصلاة للدلالة على أنها ذكر اللّه فمن تركها كان ناسياً لذكر اللّه غافلاً عنه، وإن فسّر بالخطبة أيضاً يجري فيه مثله.

السادس عشر: تعقيبه بالأمر بترك ما يشغل عنه من البيع.

السابع عشر: تعقيبه بقوله ﴿ذلكم خير لكم وهو يتضمن وجوهاً من التأكيد:

الأول: نفس تعقيب هذا الكلام لسابقه.


51

والثاني: الاشارة بصيغة البعيد المتضّن لتعظيم المشار اليه.

والثالث: تنكير «خير» إن لم نجعله اسم تفضيل لأنه أيضاً للتعظيم.

الثامن عشر: تعقيبه بقوله ﴿إن كنتم تعلمون وهو يتضمن التأكيد من وجوه:

الأول نفس هذا الكلام فإن العرف يشهد بأنه يذكر في الامور العظام المرغّب فيها: إن كنت تعلم ما فيه من الخير لفعلته.

الثاني: الدلالة على أن من توانى فيه فإنما هو لجهله بما فيه من الفضل ففيه تنزيل لبعض العالمين منزلة الجاهلين ودلالة على أنه لا يمكن أن يصدر الترك أو التواني فيه عن أحد إلا عن جهل بما فيه.

والثالث: أنه ترك الجزاء ليذهب الوهم كل مذهب ممكن، وهو نهاية في المبالغة.

والرابع: أنه ترك مفعول العلم فإما أن يكون لتنزيله منزلة اللازم فيدل على انه يكفي في الرغبة والمسارعة اليه وترك ما يشغل عنه الاتصاف بمجرد العلم والكون من أهله، أو ترك إبهاماً له لتعظيمه، وليذهب الوهم كل مذهب ممكن، فيكون المفهوم أن كل من علم شيئاً من الأشياء أسرع إليها، لأن فضلها من البديهيات التي ليس شيء أجلى منها.

الرابع: ما أكد الحكم به بعد هذه الآية وهو أيضاً من وجوه:

الأول: قوله «فاذا قضيت الصلاة» فإنه - بناء على كون الأمر للاباحة كما هو الأشهر والأظهر هنا - دل بمفهوم الشرط على عدم إباحة الانتشار قبل الصلاة.

الثاني: أن أصل هذا الكلام نوع تأكيد للحكم بإزاحة علتهم في ذلك أي: إن كان غرضكم التجارة فهو ميسور ومقدور بعد الصلاة فلم تتركون الصلاة لذلك.

الثالث: تعليق الفلاح بما مر كما مر.

الرابع: الاتيان به بلفظ الترجي ليعلموا أن تحصيل الفلاح أمر عظيم، لا يمكن الجزم بحصوله بقليل من الأعمال، ولا مع عدم حصول شرائط القبول،


52

فيكون أحث لهم على العمل ورعاية شرائطه.

الخامس: لومهم على ترك الصلاة والتوجه إلى التجارة واللهو أشد لوم.

السادس: بيان المثوبات المترتبة على حضور الصلاة.

السابع: إجمال هذه المثوبات إيذاناً بأنه لا يمكن وصفه ولا يكتنه كنهه ولا يصل عقول المخاطبين اليه.

الثامن: بيان أن اللذات الاخروية ليست من جنس المستلذات الدنيوية وأنها خير منها بمراتب.

التاسع: بيان أنه الرازق والقادر عليه فلا ينبغي ترك طاعته وخدمته لتحصيل الرزق فإنه قادر على أن يحرمكم مع ترك الطاعة ويرزقكم مع فعلها.

العاشر: بيان أنه خير الرازقين على سبيل التنزل، أي لو كان غيره رازق فهو خير منه، فكيف ولا رازق سواه ويحتاج إليه كل ما عداه.

الحادي عشر: تعقيب هذه السورة بسورة المنافقين إيذاناً بأن تارك هذه الفضيلة من غير علة منافق، كما ورد في الأخبار الكثيرة من طرق الخاصة والعامة وبه يظهر سرّ تلك الأخبار، ويشهد له الأمر بقراءتهما في الجمعة وصلوات ليلة الجمعة ويومها، وتكرر ذكر اللّه فيهما على وجه واحد.

وروى الكليني في الحسن كالصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن اللّه أكرم بالجمعة المؤمنين فسنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بشارة لهم، والمنافقين توبيخاً للمنافقين، ولا ينبغي تركها، فمن تركها متعمداً فلا صلاة له(1).

وبالجملة: قوله سبحانه في الجمعة ﴿فاسعوا الى ذكر اللّه وقوله ﴿إذا رأوا تجارة أو لهواُ انفضوا إليها وقوله في المنافقين ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللّه أي لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها عن ذكره

(1) الكافي: ج 3 ص 425 ح 4.


53

سبحانه ﴿ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون حيث طلبوا تجارة الدنيا الفانية وربحها فخسروا الآخرة الباقية ذلك هو الخسران المبين، فكل ذلك مما يورث الظن القوي بأن هذه الآية أيضاً مسوقة للتهديد على ترك الجمعة أو ما يشملها ولذا أوردناها هنا تأييداً لا استدلالاً، فلا تغفل.

وفي ذكره للأحكام المستنبطة في تلك الآيات بصورة مجملة قال - رحمه اللّه -:

إن تلك الآيات تدل على وجوب صلاة الجمعة عيناً في جميع الأزمان، ولنذكر أولاً الاختلافات الواقعة فيها، ثم لنتعرض لوجه الاستدلال بالآيات على ما هو الحق عندي منها.

أعلم أنه لا خلاف بين الامة في وجوب صلاة الجمعة وجوباً عينياً في الجملة وإنما الخلاف في بعض شرائطها، والكلام على وجوه تفصيلها أنه هل يشترط الامام أو نائبه أم لا ؟ وعلى تقدير الاشتراط هل هو شرط الانعقاد أو شرط الوجوب فبدونها يستحب ؟ وإن كان شرط الانعقاد فهل هو مخصوص بزمن حضور الامام أو عام ؟ أو أنه مخصوص بإمكان الوصول بأحدهما حتى لو تعذّر كفى إمام الجماعة ؟ أو عام حتى لو تعذر لم تنعقد ؟

فكلام الفاضلين (1) في التحرير والمعتبر، والشهيد في الدروس والبيان، صريح في أنه شرط الوجوب دون الانعقاد، وهو ظاهر الشيخ في النهاية، وصريح العلامة في غير التحرير. وظاهر ابن إدريس والمرتضى، بل كل من نسب اليه التحريم في الغيبة. والشهيد في الذكرى والألفية، والشهيد الثاني في شرح الألفية وكذا الرسالة، أنه شرط الانعقاد وكلام الشيخ في المبسوط والخلاف مضطرب، والشهيد في شرح الألفية تردد بين أن يكون شرطاً للانعقاد أو للوجوب العيني.

ثم الذين شرطوا الانعقاد به أختلفوا في أنه عام أو مخصوص بزمان الحضور ؟

(1) أي: العلامة والمحقق - رحمهما اللّه -.


54

أو مخصوص بإمكان أحد الأمرين ؟ فصريح الشهيد الثاني في كتبه، والشهيد الأول في الذكرى، والعلامة في النهاية، أنه مخصوص بزمان الحضور، وصريح ابي الصلاح أنه مخصوص بالامكان والمحرمون لها في الغيبة مع بعض الموجبين والمجوزين يعمّمون الاشتراط إلا أن الموجبين والمجوزين يعدّون الفقيه من نواب الامام، وبعضم وافق ظاهر الشيخ في عد كل من يصلح للامامة من نوابه.

فقد تحقق أن هاهنا مقامات:

الأول: هل الامام أو نائبه شرط أم لا ؟

والثاني: شرط لأي شيء ؟ فيه خمسة أقوال: (الأول) شرط الوجوب، (الثاني) شرط الوجوب العيني، (والثالث) شرط الانعقاد مطلقاً، (والرابع) شرط له حين حضور الامام، (الخامس) شرط له ما أمكن.

والثالث: النائب من هو ؟ فيه وجوب ثلاثة: (الأول) من استنابه الامام بعينه، (والثاني) هو والفقيه، (والثالث)

هما وكل من يصلح لامامة الجماعة.

فأما القائلون بوجوبها عيناً في الغيبة فهو أبو الصلاح، والمفيد في المقنعة والاشراف، الكراجي، وكثير من الأصحاب، حيث أطلقوا ولم يقيدوا الوجوب بشيء كالكليني والصدوق وسائر المحدثين التابعين للنصوص الواردة عن أئمة الدين عليهم السلام

أما الكليني (1) فلأنه قال «باب وجوب الجمعة، وعلى كم تجب ؟» ثم أورد الأخبار الدالة على الوجوب العيني، ولم يورد خبراً يدل على اشتراط الامام أو نائبه، حتى أنه لم يورد رواية محمد بن مسلم الآتية التي توهم جماعة دلالتها على اعتبار الامام أو نائبه.

ولا يخفى على المتتبع أن قدماء المحدثين لا يذكرن وفي كتبهم مذاهبهم وأنما يوردون أخباراً يصححونها ومنه يعلم مذاهبهم وآراؤهم.

(1) الكافي: ج 3 ص 418.


55

وكذا الصدوق في الفقيه (1) قال «باب وجوب الجمعة وفضلها» وأورد الأخبار ولم يورد معارضاً، و رواية ابن مسلم نتكلم على دلالتها، وعبارته في المقنع كالصريح في ذلك كما سيأتي.

وقال - رحمه اللّه - في كتاب المجالس (2) في مجلس أورده لوصف دين الامامية: «والجماعة يوم الجمعة فريضة وفي سائر الأيام سنة فمن تركها رغبة عنها وعن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له، ووضعت الجمعة عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ومن كان على رأس فرسخين».

وتخصيصها بزمان الحضور مع كونه بصدد بيان مذهب الامامية ليعمل به تلامذته والآخذون عنه من غير قرينة في غاية البعد (3) وكذا سائر المحدثين ظواهر كلماتهم ذلك.

وممن ظاهر كلامه ذلك الشيخ عماد الدين الطبرسي في كتابه المسمى بنهج العرفان، حيث قال - بعد نقل الخلاف بين المسلمين في شروط وجوب الجمعة -: إن الامامية أكثر إيجابا للجمعة من الجمهور، ومع ذلك يشنّعون عليهم بتركها، حيث إنهم لا يجوّزون الائتمام بالفاسق ومرتكب الكبائر والمخالف في العقيدة الصحيحة.

وأما القائلون بالتحريم فيهم ابن ادريس وسلاّر والعلامة في المنتهى وجهاد التحرير، ونسب إلى الشيخ، وعبارته مضطربه، والى علم الهدى في مسائل الميافارقيات، وهي أيضاً ليست بصريحة فيه، لأنه قال: صلاة الجمعة ركعتان من غير زيادة عليهما، ولا جمعة إلا مع إمام عادل أو مع من نصبه الامام العادل فاذا عدم صليت الظهر أربع ركعات، فيحتمل أن يكون الفقيه، أو كل من جمع

(1) الفقيه: ج 1 ص 266.

(2) أمالي الصدوق: ص 515 ضمن المجلس 93.

(3) راجع حاشية البحار: ج 89 ص 144.


56

صفات إمام الجماعة من المنصوبين من قبل الامام عنده كما أن الشيخ قال مثل هذا الكلام ثم صرح بالجواز في زمان الغيبة.

وقال ابن البراج في النسخة التي عندنا من المهذب: واعلم أن فرض الجمعة لا يصح كونه فريضة إلا بشروط متى اجتمعت صح كونه فريضة جمعة ووجبت لذلك، ومتى لم تجتمع لم يصح ولم يجب كونه كذلك، بل يجب كون هذه الصلاة ظهراً ويصليها المصلي بنية كونها ظهراً. والشروط التي ذكرناها هي أن يكون المكلف لذلك حراً بالغاً كامل العقل، سليماً عن المرض والعرج والعمى والشيخوخة التي لا يمكنه الحركة معها، وأن لا يكون مسافراً ولا في حكم المسافر، وأن يكون بينه وبين موضع الجمعة فرسخان فما دونهما، ويحضر الامام العادل أو من نصبه أو من جرى مجراه، ويجتمع من الناس سبعة نفر أحدهم الامام، ويتمكن من الخطبتين، ويكون بين الجمعتين ثلاثة أميال.

فهذه الشروط اذا اجتمعت وجب كون هذه الصلاة فريضة جمعة، ومتى لم تجتمع سقط كونها فريضة جمعة، وصليت ظهراً كما قدمناه فإن اجتمع من الناس خمسة نفر أحدهم الامام وحصل باقي هذه الشروط كانت صلاتها ندباً واستحباباً.

ويسقط فرضها مع حصول الشروط المذكورة عن تسعة نفر وهم: الشيخ الكبير والطفل الصغير والعبد والمرأة والأعمى والمسافر والأعرج والمريض وكل من كان منزله من موضعها على أكثر من فرسخين (1).

ثم قال: واذا كان الزمان زمان تقية جاز للمؤمنين أن يجمعوا في مكان لا يلحقهم فيه ضرر وليصلوا جماعة بخطبتين، فإن لم يتمكنوا من الخطبة صلّوا جماعة أربع ركعات، وصلى فرض الجماعة مع إمام يقتدى به فليصل العصر بعد الفراغ من فرض الجمعة، ولا يفصل بينهما إلا بالاقامة (2) انتهى.

(1) المهذب: ج 1 ص 100.

(2) المهذب: ج 1 ص 104.


57

ولا يخفى أن المستفاد من كلامه أولاً وآخراً أنه تجب الجمعة عيناً مع الامام أو نائبه الخاص أو العام - أعني الفقيه الجامع لشرائط الفتوى - وهو المراد بقوله «أو من جرى مجراه» وحمله على أن المراد من نصبه لخصوص الصلاة أو من جرى مجراه بأن نصبه للأعم منها بعيد مع أنه يشمل الفقيه أيضاً، ومع عدم النائب والفقيه ووجود العادل يجب تخييراً من التمكن من الخطبة فتدبر.

ثم أقول: اذا عرفت هذه الاختلافات فالذي يترجح عندي منها الوجوب المضيّق العيني في جميع الأزمان، وعدم اشتراط الامام أو نائبه الخاص أو العام بل يكفي العدالة المعتبرة في الجماعة، والعلم بمسائل الصلاة أما اجتهاداً أو تقليداً، أعم من الاجتهاد والتقليد المصطلح بين الفقهاء، أو العالم والمتعلم على اصطلاح المحدثين.

نعم يظهر من الأخبار زائداً على إمام الجماعة القدرة على إيراد الخطبة البليغة المناسبة للمقام بحسب أحوال الناس والأمكنة والازمنة والأعوام والشهور والأيام، والعلم بآدابها وشرائطها.

فاذا عرفت ذلك، فاعلم أنه استفيد من تلك الآيات أحكام:

الأول: وجوب الجمعة على الأعيان في جميع الأزمان، وجه الاستدلال اتفاق المفسرين على ان المراد بالذكر في الآية الاولى صلاة الجمعة أو خطبتها، أو هما معاً، حكى ذلك غير واحد من العلماء، والأمر للوجوب على ما تحقق في موضعه، لا سيما أوامر القرآن المجيد.

والمراد بالنداء الأذان أو دخول وقته كما مر فالمستفاد من الآية الأمر بالسعي الى صلاة الجمعة أي الاهتمام في إيقاعها لكل واحد من المؤمنين، متى تحقق الأذان لأجل الصلاة أو وقت الصلاة، وحيث كان الأصل عدم التقييد بشرط يلزم عموم الوجوب بالنسبة الى زمان الغيبة والحضور.


58

واعترض عليه بوجوه: (الأول) أن كلمة «اذا» غير موضوعة للعموم لغة، فلا يلزم وجوب السعي كلما تحقق النداء.

والجواب: أن «اذا وإن لم تكن موضوعة للعموم لغة لكن يستفاد منها العموم في أمثال هذه المواضع، إما بحسب الوضع العرفي، أو بحسب القرائن الدالة عليه، كما قالوا في آية الوضوء وأمثالها، مع أن حمله على الاهمال يجعل الكلام خالياً عن الفائدة المعتدّ بها، ويجب تنزيه كلام الحكيم عنه.

وأيضاً لا يخلوا إما يكون المراد إيجاب السعي ولو في العمرة مرة، أو إيجابه على سبيل العموم، أو إيجابه عند حضور الامام أو نائبه لا سبيل الى الأول إذ ظاهر أن المسلمين متفقون على أن ليس المراد من الآية إيجاب السعي مطلقاً، بحيث يتحقق بالمرة، بل أطبقوا على أن المراد بها التكرار. ولا سبيل الى الثالث لكونه خلاف الظاهر من اللفظ إذ لا دلالة للفظ عليه، ولا قرينة تدل عليه، فالعدول عن الظاهر إليه يحتاج الى دليل واضح فثبت الثاني وهو المطلوب.

وأيضاً الخطاب عام بالنسبة الى جميع المؤمنين، سواء تحقق الشرط المدعى بالنسبة إليه أم لا، فعلى تقدير تجويز أن لم يكن المراد بالآية التكرار يلزم إيجاب السعي على من لم يتحقق الشرط بالنسبة إليه ولو مرة ويلزم منه الدوام والتكرار لعدم القائل بالفصل.

(الثاني) أن الخطاب إنما يتوجه الى الموجودين عند المحققين ولا يشمل من سيوجد إلا بدليل خارج، وليس إلا الاجماع وهو لا يجري في موضع الخلاف

والجواب: أن التحقيق أن الخطاب يتوجه الى المعدومين بتبعية الموجودين اذا كان في اللفظ ما يدل على العموم كهذه الآية وقد حقق في محله والاجماع على عدم اختصاص الأحكام بزمانه لم يتحقق على كل مسألة حتى يقال لا يجري في موضع الخلاف، بل على هذا المفهوم الكلي مجملاً، وإلا فلا يمكن الاستدلال


59

بالآيات ولا بالأخبار على شيء من المسائل الخلافية إذا ورد بلفظ الخطاب، وهذا سفسطة.

مع أن الأخبار المتواترة تدل على عدم اختصاص أحكام القرآن والسنة بزمان دون زمان، وأن حلال محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم حلال الى يوم القيامة، وحرامه حرام الى يوم القيامة.

(الثالث) أن الأمر معلق على الأذان فمن أين ثبت الوجوب مطلقاً ؟

والجواب: أنه يلزم بصريح الآية الايجاب مع تحقق الأذان، ويلزم منه الايجاب مطلقاً، مع أنا قد قدمنا أن الظاهر أن المراد دخول وقت النداء.

واعترض عليه بوجوه سخيفة اخرى، وبعضها يتضمن الاعتراض على اللّه تعالى، إذ لم يرتب متتبع في أن الآية إنما نزلت لوجوب صلاة الجمعة والحث عليها، فقصورها عن إفادة المرام يؤول الى الاعتراض على الملك العلّام، ويظهر الجواب عن بعضها مما قررنا سابقا في تفسير الآيات.

ثم إن أمثال تلك الاعتراضات إنما يحسن ممن لم يستدل في عمره بآية ولا خبر على حكم من الأحكام، وأما من كان دأبه الاستدلال بالظواهر والابهامات على الأحكام الغريبة لا يليق به تلك المناقشات، وهل يوجد آية أو خبر لا يمكن المناقشة في الاستدلال بها بأمثال ذلك !

ومن العجب أنهم يقولون: ورد في الخبر أن الذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فيمكن أن يكون المراد به هنا السعي اليه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا يعرفون أن الأخبار الواردة في تأويل الآيات وبطونها لا ينافي الاستدلال بظاهرها فقد ورد في كثير من الأخبار أن الصلاة رجل، والزكاة رجل وأن العدل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، والاحسان أمير المؤمنين عليه السلام.. وأمثال ذلك أكثر من أن تحصى، وشيء منها لا ينافي العمل بظواهرها والاستدلال بها، وقد حققنا معانيها وأشبعنا الكلام فيها في تضاعيف هذا الكتاب، واللّه الموفق للصواب.


60

الثاني: تدل الآية على شرعية الأذان لتلك الصلاة، وقد مر الكلام فيه، والمشهور أن الأذان إنما يؤتى به بعد صعود الامام المنبر. قال في مجمع البيان في قوله تعالى ﴿واذا نودي أي أذا اذّن لصلاة الجمعة وذلك اذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، وذلك لأنه لم يكن على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نداء سواه

قال السائب بن يزيد: كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مؤذنان أحدهما بلال فكان اذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فاذا أذن أقام للصلاة ثم كان أبوبكر وعمر كذلك حتى اذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً فأمر بالتأذين الأول على سطح دار له بالسوق يقال له الزوراء وكان يؤذن عليها، فأذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه، فاذا نزل أقام للصلاة (1) انتهى، ولذا حكم أكثر الأصحاب بحرمة الأذان الثاني وبعظهم بالكراهة.

واختلفوا في أن الحرام أو المكروه هل الثاني زماناً أو وضعاً ؟

ويدل على استحباب كون الأذان بعد صعود الامام المنبر، ما رواه الشيخ عن عبد اللّه بن ميمون عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم اذا خرج الى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون (2).

لكن تعارضه حسنة إبراهيم بن هاشم عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الجمعة فقال: بأذان وإقامة، يخرج الامام بعد الأذان فيصعد المنبر (3) الخبر.

وهذا يدل على استحبابه قبل صعود الامام، كما ذهب اليه أبو الصلاح حيث قال، أذا زالت الشمس أمر مؤذنيه بالاذان فاذا فرغوا منه صعد المنبر فخطب (4). والأول مؤيد بالشهرة، ويمكن حمل الثاني على التقية. والتخيير لا يخلو من قوة

(1) مجمع البيان: ج 10 ص 288.

(2) التهذيب: ج 3 ص 244 ح 45.

(3) الكافي: ج 3 ص 424 ح 7 وفيه «عن حريز عن محمد بن مسلم».

(4) الكافي في الفقه: ص 151.


61

الثالث: ربما يتوهم رجحان العدو والاسراع الى الجمعة، لقوله تعالى:﴿ فاسعوا وقد عرفت أنه غير محمول على ظاهره، وقد وردت الأخبار باستحباب السكينة والوقار إلا مع ضيق الوقت وخوف فوت الصلاة فلا يبعد وجوب الاسراع حينئذ.

الرابع: بناء على تفسير الذكر بالخطبة فقط أو مع الصلاة يدل على شرعية الخطبة بل وجوبها، إذ الظاهر أن وجوب السعي إليها يستلزم وجوبها. ولا خلاف في وجوب الخطبتين في الجمعة ولا تقديمها على الصلاة في الجمعة إلا من الصدوق - رحمه اللّه - حيث يقول بتأخير الخطبتين في الجمعة والعيدين، وهو ضعيف، وفيها دلالة ما على التقديم إن فسر بالخطبة فقط إذ مع تقديم الصلاة الأمر بالسعي الى الخطبة فقط بعيد، بخلاف ما اذا كانتا متقدمتين فإن حضورهما يستلزم حضور الصلاة، وهما من مقدماتها.

الخامس: استدل بها على وجوب إيقاع الخطبة بعد الزوال، واختلف الأصحاب فيه، فذهب الأكثر - منهم المرتضى وابن أبي عقيل وأبو الصلاح - ألى أن وقتها بعد الزوال. وقال الشيخ في الخلاف والنهاية والمبسوط: انه ينبغي للامام اذا قرب من الزوال أن يصعد المنبر ويأخذ في الخطبة بمقدار ما اذا خطب الخطبتين زالت الشمس، فاذا زالت نزل فصلى بالناس. واختاره ابن البراج والمحقق والشهيدان، وظاهر ابن حمزة وجوب التقديم. وجواز التقديم لا يخلو من قوة، وتدل عليه صحيحة ابن سنان (1) وغيرها.

واحتج المانعون بهذه الآية حيث أوجب السعي بعد النداء الذي هو الأذان فلا يجب قبله، وأجيب بأنه موقوف على عدم جواز الأذان يوم الجمعة قبل الزوال وهو ممنوع.

السادس: تدل الآية على تجريم البيع بعد النداء ونقل الاجماع عليه العلامة

(1) التهذيب: ج 3 ص 12 ح 39.


62

وغيره، والاستدلال بقوله ﴿وذروا البيع فإنه في قوة اتركوا البيع بعد النداء وربما يستدل عليه بقوله تعالى «فاسعوا» بناء على ان ان الفورية تستفاد من ترتّب الجزاء على الشرط، والأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، وهذا على تقدير تمامه إنما يدل على التحريم مع المنافاة، والمشهور التحريم مطلقاً.

ثم اعلم أن المذكور في عبارة أكثر الأصحاب تحريم البيع بعد الأذان حتى أن العلامة في المنتهى والنهاية نقل إجماع الأصحاب على عدم تحريم البيع قبل النداء ولو كان بعد الزوال، وفي الارشاد أناط التحريم بالزوال، وتبعه الشهيد الثاني في شرحه، وهو ضعيف، إلا أن يفسر النداء بدخول وقته فتدل الآية عليه.

واختلف الأصحاب في تحريم غير البيع من العقود والايقاعات، والمشهور عدم التحريم، وذهب بعضهم الى التحريم للمشاركة في العلة المومي إليها بقوله «ذلكم خير لكم» وبأن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، والأخير إنما يتم مع منافاة، والدعوى أعم من ذلك، والأحوط الترك مطلقاً لاسيما مع المنافاة وهل الشراء مثل البيع في التحريم ؟ ظاهر الأصحاب ذلك، وحملو البيع الواقع فيها على ما يعم الشراء، وللمناقشة فيه مجال.

واختلفوا أيضاً فيما لو كان أحد المتعاقدين ممن لا يجب عليه السعي، فذهب جماعة من المتأخرين الى تحريم، والمحقق إلى عدمه وفاقاً للشيخ فإنه كرهه، والأحوط الترك لا سيما اذا اشتمل على معاونة الآخر على الفعل.

ثم اختلفوا في أنه مع التحريم هل يبطل العقد ؟ فالمشهور عدم البطلان، لأن النهي في المعاملات لا يستلزم الفساد عندهم، وذهب ابن الجنيد والشيخ في المبسوط والخلاف الى عدم الانعقاد، ولعل الأول اقوى.

السابع: في الآية الأخيرة دلالة على وجوب الحضور في وقت الخطبة إن فسر قوله «وتركوك قائماً» على القيام في وقت الخطبة، ولعله لا خلاف فيه وإنما


63

اختلفوا في وجوب الانصات، فذهب الأكثر إلى الوجوب، وذهب الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر إلى أنه مستحب، وعلى تقدير الوجوب هل يجب أن يقرب البعيد بقدر الامكان ؟ المشهور بينهم ذلك، ولا يبعد كون حكمه حكم القراءة، فلا يجب قرب البعيد واستماعه.

وكذا اختلفوا في تحريم الكلام فذهب الأكثر الى التحريم فمنهم من عمّم التحريم بالنسبة الى المستمعين والخطيب، ومنهم من خصه بالمستمعين. ونقل عن الشيخ الجليل أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أنه قال في جامعه: اذا قام الامام يخطب فقد وجب على الناس الصمت. وذهب الشيخ في المبسوط وموضع من الخلاف والمحقق الى الكراهية، ولعله أقرب. ومن القائلين بالتحريم من صرح بانتفاء التحريم بالنسبة الى البعيد الذي لا يسمع والأصم لعدم الفائدة.

ومن المتأخرين من صرح بعموم التحريم ولم يصرح الأكثر ببطلان الصلاة أو الخطبة بالكلام، والأقرب العدم. قال العلامة في النهاية: ولا تبطل جمعة المتكلم وإن حرمناه إجماعاً، والخلاف في الاثم وعدمه، والظاهر تحريم الكلام أو كراهته بين الخطبتين، ولا يحرم بعد الفراغ منهما، ولا قبل الشروع فيهما اتفاقاً.

الى هنا نكتفي نقله ما جاء في البحار، وله - رحمه اللّه - تتمة في البحث فمن أراد التوسعة فليراجع.


64

كلام صدر المتألهين في صلاة الجمعة وفضل يومها

قال الفيلسوف الكبير والحكيم الالهي محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي بعد ذكر آية الجمعة:

وفيه إشراقات:

الاول: في اللغة والقراءة

قال الشيخ أبو علي الطبرسي - رحمه اللّه -: الجمعة: والجمعة لغتان وجمعها جمع وجمعات. قال الفراء: وفيه لغة ثالثة جمعة - بفتح الميم - كضحكة وهمزة.

وفي الكشاف: يوم الجمعة يوم الفوج المجموع كقولهم: ضحكة للمضحوك منه. ويوم الجمعة - بفتح الميم - يوم الوقت الجامع كقولهم ضحكة ولعنة ولعبة ويوم الجمعة تثقيل للجمعة كما قيل: عسرة في عسر. وقرئ بالوجوه الثلاثة.

و «من» بيانية مفسرة لـ «اذا».

و النداء الأذان، وقد كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مؤذن واحد، وكان اذا جلس على المنبر أذن المؤذن على باب المسجد، فاذا نزل أقام الصلاة، وكان ذلك مستمراً الى زمان عثمان، فكثر الناس وتباعدت المنازل فأحدث الأذان الثاني،


65

فزاد مؤذناً آخر فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء، فاذا جلس على المنبر أذن الموذن الثاني، فاذا نزل أقام الصلاة.

وإنما سميت جمعة لأن اللّه تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء، فاجتمعت فيه المخلوقات.

وقيل: لأنه يجتمع فيه الجماعات.

وقيل: إن أول من سماها جمعة كعب بن لؤي، وهو أول من قال: أما بعد وكان يقال لها العروبة، عن ابي سلمة.

وقيل: أول من سماها جمعة الأنصار. وذكر ابن سيرين: جمع أهل المدينة قبل قدوم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ونزول هذه السورة، فقالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك فهلموا نجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر اللّه فيه ونصلي، فقالوا: يوم السبت لليهود: ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا الى سعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فانزل آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الاسلام.

وأما أول جمعة جمعها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فهي أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل «قبا» على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب وصلى الجمعة (1).

الاشراق الثاني: في فضل يوم الجمعة

عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، وفيه خلق آدم،

(1) الكشاف: ج 4 ص 532.


66

وفيه ادخل الجنة وفيه اهبط الى الأرض، وفيه تقوم الساعة (1).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أتاني جبرئيل وفي كفه مرآة بيضاء وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك ليكون لك عيداً ولامتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه الى الآخرة يوم المزيد (2).

وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أن للّه في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار (3).

وفي الحديث: اذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بايديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأول فالأول على مراتبهم (4).

قيل: كانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مختصة بالمبكّرين الى الجمعة يمشون بالسرج.

وقيل: أول بدعة احدثت في الاسلام ترك البكور الى الجمعة.

وعن ابي جعفر عليه السلام يقول: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعه (5).

وروى سهل بن زياد عن ابن ابي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إن يوم الجمعة سيد الأيام يضاعف اللّه فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات، ويستجيب فيه الدعوات ويكشف به الكربات، ويقضي فيه الحوائج العظام وهو يوم المزيد للّه فيه عتقاء وطلقاء من النار ما دعا أحد من الناس وعرف حقه وحرمته إلا كان حقاً للّه ان يجعله من عتقائه وطلقائه من النار، فإن مات في يومه أو ليلته مات شهيداً وبعث آمناً، وما استخف أحد بحرمته وضيّع حقه إلا كان حقاً على اللّه عز وجل أن يصليه نار جهنم إلا أن يتوب (6).

(1) سنن الترمذي: ج 2 ص 359، سنن ابن ماجة: ج 1 ص 345، الوسائل: ج 5 ص 67.

(2) و (3) الكشاف: ج 4 ص 532.

(4) جاء قريب منه في الوسائل: ج 5 ص 42 ب 27 من أبواب صلاة الجمعة ح 1.

(5) الوسائل: ج 5 ص 62 ب 40 من أبواب صلاة الجمعة ح 2.

(6) الوسائل: ج 5 ص 63 ب 40 من أبواب صلاة الجمعة ح 4.


67

وفي فضله أحاديث كثيرة، وفيما نقلناه كفاية للمستبصر (1).

(1) تفسير القرآن الكريم لصدر المتألهين الشيرازي: ص 210 - 213.

{5

وأخيراً أسأل اللّه جل وعلا أن يسددنا لمراضيه ويوفقنا لاقامة شعائره

«ومن يعظم شعائر اللّه فإنها من تقوىالقلوب»

وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين

شعبان المعظم 1410 هـ. ق

عبد الزهراء الكعبي الأهوازي

فهرست آيات
وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين7
يا أيها الذي آمنو إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع ذلكم خير لكم إن ...21
إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر21
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه22
يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم اموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللّه ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون22
وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون24
كل نفس ذائقة الموت وأنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة ...24
ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين25
قل هو اللّه أحد25
قل يا ايها الكافرون25
إذا زلزت الأرض زلزالها25
ألهكم التكاثر25
العصر25
قل هو اللّه أحد25
إن اللّه يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون26
وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين26
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه وذروا البيع27
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع29
وإذا ناديتم الى الصلاة أتخدوها هزواً ولعباً29
ولذكر اللّه أكبر29
وذروا البيع29
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل اللّه29
فانتشروا في الأرض31
واذكروا اللّه لعلكم تفلحون31
وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائما31
قل ما عند اللّه خير من اللهو ومن التجارة واللّه خير الرازقين31
يا أيها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع31
فاسعوا الى ذكر اللّه32
ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن32
فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض32
وإذا رأوا تجارة أو لهواً32
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه34
فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض34
حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا للّه قانتين40
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع ذلكم خير لكم إن ...40
يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللّه ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون40
قوموا للّه قانتين42
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة42
اذا قمتم الى الصلاة42
فاسعوا إلى ذكر اللّه43
ولما بلغ معه السعي43
وأن ليس للانسان إلا ما سعى43
وذروا البيع44
خير لكم44
إن كنتم تعلمون44
فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض44
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل اللّه45
واذكروا اللّه كثيراً45
رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه45
لعلكم تفلحون46
واذا رأوا تجارة أو لهواً46
انفضوا إليها46
وتركوك قائماً46
من اللهو 47 ومن التجارة واللّه خير الرازقين46
ذلكم خير لكم50
إن كنتم تعلمون51
فاسعوا الى ذكر اللّه52
إذا رأوا تجارة أو لهواُ انفضوا إليها52
يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللّه52
ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون53
واذا نودي60
فاسعوا61
وذروا البيع62