فهرست عناوين
فوائد الاصول
فهرست عناوين
مقدمة الاستاذ المحقق محمود الشهابى الخراسانى‏3
نشأة علم الاصول و سيره و ارتقائه‏3
تعريف علم الاصول و بيان موضوعه و مسائله و غايته‏18
الضابطة الكلية لمعرفة مسائل علم الاصول‏19
المايز بين المسئلة الاصولية و القاعدة الفقهية19
تفسير العرض الذاتى و العرض الغريب‏20
بيان النسبة بين موضوع العلم و موضوع كل مسئلة من مسائله‏22
اشكال لزوم اخذ عقد الحمل فى عقد الوضع و بيان حله‏23
المايز بين العلوم، و بيان وجه العدول عن مسلك المشهور24
بيان ما قيل: من ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و تمايز الموعات بتمايز الحيثيات‏25
البحث فى موضوع علم الاصول‏25
الاشكالات الواردة على اخذ الموضوع خصوص الادلة الاربعة26
تحقيقق انه لاداعى لجعل موضوع علم الاصول خصوص الادلة الاربعة28
المبحث الاول فى بيان ماهية الوضع ‏29
تقسيم الوضع الى التعيينى و التعينى، و الاشكال عليه‏29
تقسيم الوضع بحسب الوضع و الموضوع له الى اربعة اقسام‏31
فى بيان معانى الحروف و المايز بينها و بين الاسماء33
شرح ما قيل: من ان الاسم مادل على معنى فى نفسه و الحرف ما دل على معنى فى غيره‏35
تقسيم معانى الالفاظ الى الاخطارية و الايجادية37
الاشكال على كون جميع معانى الحروف ايجادية، و حله‏38
بيان معنى ( النسبة ) و اقسامها و ترتيبها39
تحقيق معنى قول النحاة فى تعريف الظرف المستقر و اللغو40
تحقيق كون معانى الحروف كلها ايجادية42
بيان ان النسبة بين المعانى الحرفية و المعانى الاسمية هى النسبة بين المصداق و المفهوم‏43
قوام المعنى الحرفى بامور اربعة44
بيان الفرق بين المعانى الايجادية فى باب الحروف و المعانى الايجادية فى باب الانشائيات‏45
تضعيف مقالة من يقول: ليس للحروف معنى اصلا بل انما هى علامات‏47
فساد القول باتحاد المعنى الاسمى و المعنى الحرفى و انما لم يصح استعمال احد هما مكان الاخر باشتراط الواضع‏47
الاشكال على ما عرف به الحرف: من انه ما دل على معنى فى الغير50
بيان معنى ما روى عن اميرالمؤمنين ( عليه السلام ) من قوله: الاسم ما أنبا عن المسمى الخ‏51
تحقيق مبدء الاشتقاق و انه ليس بمصدر و لا اسم مصدر51
الفرق بين معانى الاسماء و الافعال و السر فى تثليث اقسام الكلمة53
بيان المراد من قوله عليه السلام ( و الفعل ما انبأ عن حركة المسمى ) و انه هو الحركة من القوة الى الفعل‏53
تحقيق الموضوع له فى الحروف، هل انه عام او خاص؟54
تفسير الكلية و الجزئية فى الحروف، و انها بمعنى آخر غير ما تتصف الاسماء بهما54
وقوع المفاهيم الاسمية فى عقد الحمل، و عدم صحة وقوع المفاهيم الحرفية فيه‏57
ان الحق هو كلية المعنى الحرفى و كون الموضوع له فيه عاما58
المبحث الثانى فى الصحيح والاعم‏60
تعريف الصحة و الفساد60
ملاحظة الصحة بالنسبة الى الاجزاء و الشرائط السابقة للامر و باالنسبة الى الاجزاء و الشرائط اللاحقة للامر60
رد تو هم ان الصلاة وضعت للافراد الطولية والعرضية بالاشتراك اللفظى و انها من قبيل الوضع العام و الموضوع له الخاص‏61
الاشكال فى تصوير الجامع المسمى على كل من القول بالصحيح و الاعم‏64
بيان ما قيل: من ان الجامع بين الافراد الصحيحة هو ( المسمى ) و الاشارة اليه اما من ناحية المعلول و اما من ناحية العلة و بيان ما فيه من الاشكالات‏65
بسط الكلام فى المايز بين باب الدواعى و بين باب المسببات التوليدية و ان الملاكات هل هى من قبيل الدواعى او من قبيل المسببات‏67
تصوير الجامع بناء على الاعم و المناقشة فى الوجوه التى ذكروها74
فساد توهم ان تكون الصلوة من الماهيات القابلة للتشكيك‏75
بيان ما قيل فى الثمرة بين القول بالصحيح و الاعم‏77
اشكال جريان الاصل فى المعاملات على القول بالصحيح، و حله‏79
المبحث الثالث فى المشتق‏82
اختصاص النزاع بالعناوين العرضية لاالذاتية التى يتقوم بها الذات‏83
فى ان المراد من المشتق كل عنوان عرضى كان جاريا على الذات متحدا معها وجودا84
نقل ما حكى عن ( القواعد ) من تفريع مسئلة الرضاع على المشتق‏85
بيان الفرق بين المحمول بالضميمة و الخارج المحمول‏88
الاستشكال فى ادراج مثل اسم الزمان فى محل النزاع‏89
تحقيق ان المراد من الحال هو حال التلبس بالمبدء90
تحقيق المراد من الحال فى قول النحاة حيث قالوا: 90
فى ان البحث فى باب المشتق انما يكون فى مفهومه الافرادى، فلا يرتبط بالمقام اختلاف الشيخ والفارابى‏91
بيان المراد من ( الاستعمال ) و ( التطبيق ) و الفرق بينهما و عدم اتصاف التطبيق و الانطباق بالحقيقة و المجاز93
فى بيان مبدء الاشتقاق، و عدم الترتب بين صيغها96
تحقيق وجود الترتب بين المعانى التى تكفلتها الصيغ‏99
شرح ما قيل: من ان الاوصاف قبل العلم بها اخبار كما ان الاخبار بعد العلم بها اوصاف‏101
رد ما اشتهر: من ان المضارع يكون بمعنى الحال و الاستقبال‏102
فى بساطة المشتق و تركيبه‏103
تحقيق ما حكى عن الشيخ ( ره ) من قياس المشتق بالجوامد من حيث عدم اخذ الذات فيه‏104
تحقيق ما حكى عن الميرزا الشيرازى‏107
استدلال السيد الشريف ( ره ) على بساطة المشتق‏109
ايراد ( صاحب الكفاية ) على ( الفصول ) و ( السيد الشريف )111
اشكال ( السيد الشريف ) على اخذ مصداق الشى فى مفهوم المشتق بلزوم الانقلاب، و ايراد ( صاحب الفصول ) عليه‏113
فى شرح ما يقال: من ان الفرق بين المشتق و مبدئه هو البشرط اللائية و اللابشرطية116
بيان الاقوال فى وضع المشتق، للمتلبس بخصوصه او للاعم‏119
تحقيق ان المشتق موضوع لخصوص المتلبس و مجاز فى غيره‏120
اشكال عدم تصور الجامع بين التلبس والانقضاء حتى على القول بالتركيب‏121
بيان ما استدل به القائل بالاعم‏124
ضعف التمسك بايتى السرقة و الزنا للقول بالاعم‏125
المقصد الاول فى الاوامرذكر معانى مادة الامر و اشكال تصور الجامع بين المعانى‏128
ذكر معانى صيغة الامر، و تحقيق انها من قبيل الدواعى لايجاد النسبة الايقاعية129
فى تغاير الطلب والارادة130
عدم امكان دفع شبهة الجبر الا بالقول بتغاير الطلب والارادة132
فى طريق استفادة الوجوب من الصيغة، و اختيار انها بحكم العقل‏134
فى التعبدى و التوصلى بيان معنى التعبدية و التوصلية و ان كلا منهما على معنيين‏137
تحقيق اصالة التعبدية بمعنى اعتبار المباشرة والارادة و الاختيار و الاباحة138
مقتضى الاصل العملى فى المسئلة142
تحقيق اصالة التعبدية بمعنى اعتبار قصد الامر و الجهة145
انقسامات متعلق الحكم و موضوعه‏145
ابطال اخذ العلم بالحكم فى الموضوع بلزوم تقدم الشى على نفسه‏148
بيان مذهب الاستاذ، و هو كفاية كون الفعل ( لله ) ولو مع عدم قصد الامتثال‏151
الاشكال على الاستاذ بان الداعى علة للارادة فلا يعقل ان يكون معلولا للاراد152
فى امتناع اخذ العبادية فى متعلق الامر، و وجوه التفصى عن الاشكال‏152
تحقيق عدم جريان الاصلين فى المسئلة155
عدم صحة الاستدلال بالايات و الاخبار على اصالة التعبدية157
دفع ما يتوهم من كلام الشيخ ( ره ) من التمسك بقاعدة الاجزاء العقلية لاصالة التوصلية158
فى بيان نتيجة الاطلاق و التقييد159
بيان الفرق بين استكشاف نتيجة الاطلاق فى المقام و استكشاف الاطلاق فى ساير المقامات‏160
تقريب اعتبار قصد الامثال من ناحية الغرض‏160
تحقيق انحصار كيفية الاعتبار بمتمم الجعل، و بيان وجه الاصطلاح بذلك‏161
دفع ما فى بعض الكلمات: من الاشكال على تعدد الامر، و تحقيق ان ملاك الامرين واحد162
بيان ما افاده بعض الاعلام: من ان التعبدية من الاحكام العقلية162
فى بيان ما يقتضيه الاصل العملى فى المسئلة163
فساد توهم الفرق بين المحصلات الشرعية و المحصلات العقلية163
بيان الفرق بين تعلق الامر بالاسباب و بين تعلقه بالمسببات، والايراد عليه‏166
فى الواجب المطلق و المشروط بيان الفرق بين القضية الخارجية و الحقيقية170
تحقيق ان الاشكال على الشكل الاول بلزوم الدور انما نشأ من الخلط بين القضية الخارجية و القضية الحقيقية172
الجهات التى تمتاز بها القضية الخارجية عن القضية الحقيقية173
الاحكام الشرعية مشروطة بموضوعاتها ثبوتا و اثباتا178
فى تحقيق مرجع الشرط و انه راجع الى مفاد الجملة179
ظهور بطلان ما فى التقريرات من ارجاع الشرط الى المادة، و اعتذار السيد الشيرازى عنه‏180
بيان الفرق بين المقدمة الوجوبية و المقدمة الوجودية183
تقرير قول ( صاحب الفصول ) فى الواجب المعلق‏185
وضوح امتناع الواجب المعلق فى الاحكام الشرعية التى تكون على نهج القضايا الحقيقية186
امتناع الواجب المعلق، على فرض كون الاحكام من قبيل القضايا الخارجية ايضا188
بيان الامر الذى الجأ ( صاحب الفصول ) الى الالتزام بالواجب المعلق، و هو فتوى الفقهاء بلزوم تحصيل المقدمات المفوته قبل حصول الشرط194
بيان وجه وجوب تلك المقدمات قبل وجوب ذيها194
دفع الاشكال باعتبار الملاك، و بيان عدم تماميته‏195
الكلام فى المقدمات المفوته‏ تقسيم القدرة الى العقلية و الشرعية، و بيان احكامهما197
لزوم تحصيل المقدمات العقلية و حرمة تفويتها197
تفصيل القول فى القدرة الشرعية198
الكلام فى وجوب التعلم، و ما يظهر من الشيخ ( ره ) من ادراج المقام فى باب المقدمات المفوة ، و الاشكال عليه‏204
التفصيل بين ما تعم به البلوى و مالاتعم‏206
فى كيفية فعلية وجوب الصوم‏208
ضعف ابتناء المسألة على الشرط المتأخر و الواجب المعلق‏209
فى كيفية فعلية وجوب الصلوة212
حكم صورة الشك فى ان المشروط هو الوجوب ؟ اوالواجب ؟213
بيان ما قيل فى المقام: من تقديم تقييد المادة على تقييد الهيئة، والايراد عليه‏213
بيان ما ذكره الشيخ ( ره ) من الوجهين لرجوع القيد الى المادة215
فى الواجب النفسى والغيرى و تعريفهما فيما يقتضيه الاصل اللفظى عند الشك فى المسئلة220
تحقيق ان الشك فى الوجوب الغيرى له اقسام ثلثة و لكل حكم يخصه‏222
فى استحقاق الثواب و العقاب على فعل الواجب الغيرى و تركه‏224
فى الطهارات الثلث و الاشكال على ترتب الثواب عليها و قصد التعبدبها226
الاشارة الى ضابط تبدل الاحكام بعضها مع بعض‏229
بعض الفروع المتعلقة بباب الطهارات‏231
فى الواجب التعيينى و التخييرى‏ الوجوه الاربعة التى ذكروها لتصوير الواجب التخييرى‏232
تصوير التخيير بين الاقل والاكثر235
فى الواجب العينى والكفائى‏ تحقيق ان البحث فيه هو البحث فى الواجب التخييرى‏235
فى الواجب الموقت‏ مقتضى القاعدة فى الفائت الموقت‏236
فى مايقتضيه دليل القضاء237
هل يمكن احراز ( الفوت ) الذى اخذ موضوعا فى دليل القضاء باستصحاب عدم الفعل فى الوقت ؟239
اشارة اجمالية الى مسئلة المرة و التكرار و الفور و التراخى240‏
مباحث الاجزاء و ذلك فى مقامات‏ المقام الاول: فى اقتضاء الاتيان بمتعلق كل امر للاجزاء عن نفس ذلك الامر عقلا241
مسئلة تبديل الامتثال و تحقيق القول فيه‏242
المقام الثانى: فى اقتضاء المأتى به بالامر الثانوى للاجزاء بالنسبة الى القضاء فى خارج الوقت‏243
تحقيق اجزاء الامر الثانوى بالنسبة الى الاعادة فى الوقت عند زوال العذر245
المقام الثالث: فى اقتضاء المأتى به بالامر الظاهرى الشرعى للاجزاء عن الامر الواقعى عند انكشاف الخلاف، و البحث فيه يقع من جهات‏246
الجهة الاولى: فى اقتضاء مؤدى الطرق و الامارات فى باب الاحكام الكلية الشرعية للاجزاء عند انكشاف الخلاف طعا/ 246
الجهة الثانية: فى اقتضاء مؤدى الامارات فى باب الموضوعات للاجزاء عند انكشاف الخلاف قطعا248
الجهة الثالثة: فى اقتضاء مودى الاصول العملية الشرعية للاجزاء، و اختيار بعض الاعلام الاجزاء فى المقام بنحو الحكومة248
اربع اشكالات للاستاذ على الحكومة فى هذا المقام‏249
الجهة الرابعة: فى اقتضاء المأتى به بالامر الظاهرى الشرعى للاجزاء عند انكشاف الخلاف ظنا، كموارد تبدل الاجتهاد و التقليد251
تحقيق عدم الفرق بين انكشاف الخلاف قطعا و بين انكشافه ظنا، و ان مقتضى القاعدة فى جميع ذلك عدم الاجزاء252
بيان ما قيل: من ان القاعدة تقتضى الاجزاء لوجوه ثلثة و هى 1 لزوم العسر و الحرج 2 عدم ترجيح الاجتهاد الثانى على الاجتهاد الاول 3 ان المسئلة الواحدة لاتتحمل اجتهادين‏256
نقل الاجماع على الاجزاء، و الاشكال عليه‏259
تحقيق عدم اقتضاء الامر الظاهرى العقلى للاجزاء259
فى مقدمة الواجب‏ تحقيق كون البحث فيها من المسائل الاصولية261
بيان المراد من الوجوب المبحوث عنه فى المقام‏262
فى تقسيمات المقدمة263
الاستشكال فى مقدمية الاجزاء، و دفعه من الشيخ ( قدس سره ) بان الكل عبارة عن الاجزاء لابشرط، و الجزء عبارة عنه بشرط لا264
تحقيق ان قياس المقام بالهيولى و الصورة و الجنس و الفصل فى غير محله‏265
حاصل ما افاده الاستاذ فى تصوير الغيرية بين الاجزاء و الكل‏267
عدم كفاية الغيرية اللحاظية لدخول الاجزاء فى محل النزاع‏268
بيان ما قد يقال: بخروج العلة التامة عن محل النزاع‏269
التفصيل بين العناوين التوليدية و المسببات التوليدية: بخروج الاول عن محل النزاع و دخول الثانى فيه‏269
تقسيم المقدمة الى العقلية و العادية و الشرعية271
تقسيمها الى المقارنة و المتقدمة و المتأخرة المعبر عنها بالشرط المتأخر271
تحرير محل النزاع فى الشرط المتأخر فى الفرق بين القضايا الحقيقية و الخارجية276
رد ما صنعه فى الكفاية و الفوائد: من ارجاع الشرط المتأخر الى الوجود العلمى و الى عالم اللحاظ278
فساد ما يتوهم: من ان امتناع الشرط المتأخر انما يكون فى التكوينيات دون الاعتباريات والشرعيات‏280
احسن ما قيل فى المقام من الوجوه، والايراد عليه من جهة الاثبات‏281
تحقيق ارجاع الشرط فى باب المركبات الارتباطية ( كالصوم ) الى عنوان التعقب‏281
عدم صحة الارجاع الى عنوان التعقب فى باب الاجازة فى البيع الفضولى‏282
تحقيق وجوب المقدمة، و مقايسة ارادة الامر بارادة الفاعل‏284
الاشكال على ( صاحب المعالم ) حيث جعل ارادة ذى المقدمة من قيود وجوب المقدمة286
النظر فيما اختاره الشيخ: من جعل قصد التوصل الى ذيها من شرائط وجود المقدمة287
فساد ما افاده ( صاحب الفصول ) من اعتبار نفس التوصل‏290
فساد ما سلكه الشيخ ( ره ) و غيره، حيث جعلوا نتيجة امتناع التقييد هو الاطلاق‏294
بيان الفرق بين الاطلاق و التقييد فى المقام و بين الاطلاق و التقييد فى مسئلتى اعتبار قصد القربة و العلم بالاحكام .295
الاشارة الى تابعية خطاب المقدمة لخطاب ذى المقدمة فى الاهمال، بالنسبة الى حصول ذيها و عدم حصول ذيها295
حل الاشكال بالخطاب الترتبى‏296
الثمرة الاولى: فساد العبادة اذا كانت ضدا لواجب اهم‏296
الاشكال على الثمرة اولا: بان ترك احد الضدين ليست مقدمة لفعل الضد الاخر، و ثانيا: بانه لايتوقف فساد العبادة على وجوب تركها من باب المقدمة296
انكار ( صاحب الفصول ) هذه الثمرة على طريقته: من القول بالمقدمة الموصلة، و اشكال الشيخ ( ره ) عليه‏297
ايراد ( صاحب الكفاية ) على اشكال الشيخ ( ره )298
فى بيان ساير ما ذكر من الثمرات لوجوب المقدمة و ردها، و هى:298
5- ما نسب الى ( الوحيد البهبهانى ) من لزوم اجتماع الامر و النهى فيما اذا كانت المقدمة محرمة298
تحقيق انه لا اصل فى وجوب المقدمة عند الشك، لامن حيث المسئلة الاصولية، ولا من حيث المسئلة الفقهية300
القول فى اقتضاء الامر بالشى النهى عن ضده‏ و انها من الملازمات، و بيان المراد من الاقتضاء301
المقام الاول: فى اقتضاء الامر النهى عن ضده بمعنى النقيض، و بيان كيفية الاقتضاء302
المقام الثانى: فى اقتضاء الامر للنهى عن ضده الوجودى سواء كان الضد الخاص او القدر المشترك بين الاضداد الوجودية303
استدلال القائل بالاقتضاء، باستلزام وجود الضد المأمور به لعدم الضد الاخر، و الاشكال عليه‏303
تحقيق الفرق بين الضدين لاثالث لهما والاضداد الوجودية، و اختيار الاقتضاء فى الضدين بالملازمة العرفية304
استدلال القائل بالاقتضاء، بالمقدمية306
الاشارة الى مسئلة مقدمية ترك احد الضدين للاخر و بيان الاقوال فى هذه المسئلة306
بيان المراد من المانع، و اثبات تأخر رتبته عن المقتضى و الشرط، و ما يتفرع عليه: من عدم امكان مانعية وجود احد الضدين للاخر307
بيان ما يرد على المقدمية: من لزوم الدور، و ما اجيب عن هذا الدور بوجوه‏309
فى انكار المقدمية من الطرفين، و اندفاع شبهة الكعبى‏311
فى بيان ثمرات النزاع، و العمدة منها فساد الضد اذا كان عبادة، و ما عن البهائى ( ره ) من انكار هذه الثمرة312
ما حكى عن ( المحقق الكركى ) من المنع من اطلاق مقالة ( البهائى ) و تخصيص ذلك بمزاحمة الواجب المضيق لواجب آخر اهم‏312
الاشكال على ما افاده المحقق الثانى ( ره )314
تحقيق كفاية الملاك فى صحة المزاحم‏315
المقام الاول: فى الفرق بين التزاحم و التعارض و ذلك فى جهات‏317
الجهة الاولى: هى ان باب التعارض يرجع الى تعاند المدلولين فى مقام الثبوت‏317
الجهة الثانية: هى ان نتيجة تقديم احد المتعارضين على الاخر ترجع الى رفع الحكم عن موضوعه، و فى باب التزاحم ترجع الى رفع الحكم برفع موضوعه 318
الجهة الثالثة: هى ان المرجحات فى باب بالتعارض ترجع اما الى الدلالة و اما الى السند، و فى باب التزاحم فالمرجحات هى امور اخر318
الجهة الرابعة: ان التزاحم انما يكون فى الشرائط التى ليس لها دخل فى الملاك بل كان من شرائط حسن الخطاب كالقدرة319
ردما فى بعض الكلمات: من ارجاع باب التزاحم الى تزاحم المقتضيين و التعارض الى تعارض المقتضى واللامقتضى‏320
المقام الثالث: فى مرجحات باب التزاحم و هى ايضا امور321
الامر الاول: ترجيح مالابدل له على ماله البدل رضا321
الامر الثانى: ترجيح مالايكون مشروطا بالقدرة الشرعية على ما يكون مشروطا بها322
الاشكال على التمسك بالاطلاق لاثبات ان القدرة المأخوذة عقلية لاشرعية323
دفع الاشكال عن التمسك بالاطلاق‏325
المرجح الثالث: ترجيح مالابدل له شرعا على ماله البدل شرعا327
فيما يتعلق بالمرجحات الثلثة، و المرجع عند فقدها328
فى بيان تقديم المتقدم زمانا فى المشروطين بالقدرة الشرعية الا فى النذر، و بيان خصوصيته‏330
رد ما حكى فى تصحيح عمل ( صاحب الجواهر ) حيث نذر زيارة الحسين ( عليه السلام ) يوم عرفة لئلا يتوجه عليه خطاب الحج‏331
فى ترجيح الاهم و المتقدم فى المشروطين بالقدرة العقلية333
تحقيق انه لا معنى للتخيير فى الطوليين المتساويين، بل يتعين الاشتغال بالمتقدم، و ما يتفرع على القولين من الفروع‏334
حكم ما اذا اتحد زمان امتثال المشروطين بالقدرة العقلية، والاشارة الى مسئلة الاهمية المستفادة من الادلة335
الترجيح بالاهمية انما هو بعد فقد المرجحات الثلثة السابقة335
مسألة الترتب و تنقيح محل النزاع فيها 335
المسألة الاولى: فى امكان الترتب فى المتزاحمين الذين كان التزاحم فيهما لاجل تضاد المتعلقين و كان احد هما اهما من الاخر . و تنقيح البحث يستدعى رسم مقدمات .336
المقدمة الاولى: فى ان الموجب لايجاب الجمع بين الضدين هل هو نفس الخطابين ؟ او اطلاق الخطابين ؟ فعلى الثانى تبتنى صحة الترتب و على الاول بطلانه 336
بيان ما يترتب على القولين: من كون التخيير عقليا او شرعيا فى المتزاحمين المتساويين‏337
بيان ما يترتب على القولين من وحدة العقاب و تعدده، عند ترك الضدين معا338
المقدمة الثانية: فى ان المشروط لايصير مطلقا بتحقق شرطه‏339
المقدمة الثالثة: فى تقسيم الشروط الى ما لوحظ فيه الانقضاء والى مالوحظ فيه المقارنة341
فى استحالة تخلف التكليف بالمضيق عن شرطه و امتثاله‏342
ما يرد على ( صاحب الكفاية ) حيث اعتبر سبق زمان التكليف على زمان الامتثال فى جميع الواجبات‏344
تحقيق ان ما يتوقف عليه الانبعاث بالصوم مثلا، هو سبق العلم بالتكليف على اول الفجر، لاسبق التكليف على الفجر344
اثبات ان الانبعاث دائما يكون من البعث المقارن لا البعث السابق‏345
تحقيق انه على هذا التقدير لايختص لزوم سبق التكليف بالمضيقات، بل يلزم القول بذلك حتى فى الموسعات‏345
دفع بعض الاشكالات التى اشكلوها على الخطاب الترتبى، منها: ‏346
المقدمة الرابعة: فى انحاء الاطلاق والتقييد، و هى ثلاثة‏348
بيان الفرق بين الوجه الثالث و الوجهين الاولين‏350
بيان ما يترتب على الفرق المذكور: من طولية الخطابين و خروجهما من العرضية351
بيان ما يترتب على المقدمات‏352
المقدمة الخامسة: فى انقسام موضوعات التكاليف و شرائطها الى ما لايمكن ان تنالها يد الوضع و الرفع التشريعى، و الى ما يمكن ان تناله ذلك‏352
فى ان الخطاب تارة يكون بنفس وجوده رافعا لموضوع خطاب آخر ‏354
حكم مالا تناله يد الوضع والرفع التشريعى 355
حكم ما اذا كان قابلا للرفع و الوضع ولكن الخطاب المجامع لم يكن متعرضا لموضوع الاخر، فالكلام فيه هو الكلام فى السابق‏356
تحقيق انه لا اثر لقدرة المكلف على رفع الموضوع اذا استلزم ايجاب الجمع محذورا، 356
حكم ما اذا كان احد الخطابين متعرضا لموضوع خطاب آخر ورافعا له بنفس الخطاب‏357
حكم ما اذا كان احد الخطابين بامتثاله و اتيانه رافعا لموضوع الاخر357
التنبيه على بعض الفروع الفقهية التى لامحيص للفقيه عن الالتزام بالترتب فيها357
فى معنى الجمع و ما يوجب الجمع‏359
فى استحالة اقتضاء الخطاب الترتبى لايجاب الجمع فى كل من طرف الطلب و المطلوب‏360
فى ان الامر الترتبى لايعقل اقتضائه لايجاب الجمع و ذلك لوجوه ثلاثة361
ايراد بعض الاشكالات التى تختلج فى الذهن بلسان ( ان قلت ) و الجواب عن كل واحد منها362
التنبيه على امور ترتبط بالمقام‏امر الاول: فى امتناع الامر الترتبى فى المتزاحمين الذين كان احد هما مشروطا بالقدرة الشرعية الامر الثانى: ‏368
تقرير الامر الثانى ببيان آخر370
تحقيق عدم جريان الخطاب الترتبى فى الجهر والاخفات والقصر والا تمام ببيان آخر، و هوان التضاد فى المسئلتين دائمى فتخرجان بذلك عن باب التزاحم و تدخلان فى باب التعارض‏371
تحقيق عدم جريان الخطاب الترتبى فى الجهر و الاخفات ببيان ثالث، و هو لزوم تحصيل الحاصل فى الضدين الذين لاثالث لهما372
الامر الثالث: تقرير جريان الخطاب الترتبى فى الموسع و المضيق، كالصلوة و الازالة373
الامر الرابع: 374
جواب حلى عن الاشكال المطرد فى جميع المركبات‏376
فى بيان ان الامر الترتبى قد يحدث فى اثناء العمل، و ربما ينعكس الامر بحيث يكون الامر المترتب مترتبا عليه‏377
فيما حكى عن ( صاحب الفصول ) فى مسئلة الاغتراف من الانية المغصوبة ‏378
المسئلة الثانية: فيما اذا كان التزاحم ناشئا عن قصور قدرة المكلف على الجمع بينهما من دون ان يكون هناك تضاد فى المتعلقين‏380
تحقيق ان الخطاب الترتبى فى هذه المسئلة مما لايمكن و لايعقل‏380
المسئلة الثالثة ‏383
المقام الاول: 384
الجهة الاولى: 384
الجهة الثانية: 384
الجهة الثالثة: 386
المقام الثانى ‏389
المسئلة الرابعة ‏392
المسئلة الخامسة ‏392


1


3

الجزء الأول‏

مقدمة الأستاذ المحقق محمود الشهابي‏الخراسانيّ‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏الحمد للّه ربّ العالمين،و الصّلاة على رسوله و على آله الطّاهرين.-1-كان النّاس أمّة واحدة و في غمرات من الجهالة و الضّلالة،فبعث اللّه‏النّبيين مبشّرين و منذرين،و أنزل معهم الكتاب و اصطفى لهم الدّين،و أكمل‏عليهم الرّحمة و الهدى،فأرسل رسله تترى و اتبع بعضهم بعضا.تلك الرّسل و ان لم يفرّق اللّه بين أحد منهم في أصل الرسالة،لكنّه‏فضّل بعضهم على بعض بما آتاهم من الكمال في الشّريعة حتّى جاء بأفضلهم‏فرقا و جمعا و أشرفهم أصلا و فرعا و أكملهم دينا و شرعا.فختم بإرساله دور النّبوةو الرّسالة،و حتم على كافّة النّاس اتّباعه إلى يوم القيامة.و أرسله شاهدا و مبشّرا ونذيرا و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا منيرا.و أشار إلى هذا الختم و الإتمام بالحصر في قوله تعالى‏ ﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ‏الإسْلامِ بل صرّح بذلك و أكّده بالتّأبيد حيث قال عزّ و جلّ: ﴿ وَ مَنْ يَبْتَغِ غيرالإسْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ في الآخرةِ مِنَ الْخَاسِرينَ (1) .

1)آل عمران:85


4

-2-الدّين الإسلامي بما انّه خاتم للشرائع الإلهيّة يشتمل على جميع ما يجب أويناسب ان يقصده الشّارع في وضع الشّريعة:من المقاصد،و الحاجيّات،و الكماليّات‏فليس شي‏ء ممّا يتوقّف عليه حفظ مصالح الدّين و الدّنيا من الضّروريات الخمس‏الّتي هي المقاصد إلاّ و قد شرّع له في الإسلام ما يقوم به أركانها و يحفظ وجودهاو كيانها،و ما يدفع به عمّا يورث اختلالها و يمكن ان يؤثّر في زوالها.و كذلك الشّأن في الحاجيّات،فليس امر يحتاج إليه في التوسعة على‏النّاس إلاّ و قد ثبت له في الشّريعة السمحة السهلة موادّ،و انتفى التّضييق فيه برفع‏العسر،و الحرج،و المشقة،و الضّرر عن العباد،و وسع عليهم فيما لا يعلمون،و رفع‏عنهم المؤاخذة في الخطاء،و النّسيان،و ما اضطرّوا إليه،و ما استكرهوا عليه،و مالا يطيقون...إلخ‏و هكذا الأمر في الكماليّات و محاسن العادات،فليس شي‏ء يصلح لأن يجعل‏ذريعة إلى تحصيل مكارم الأخلاق،و يناسب ان يتوسّل به إلى تطهير الأعراق إلاّ وقد أرشد إليه أئمّة الإسلام،و توصّل إلى رعايته بتعليم الآداب و مندوبات الأحكام.و بالجملة،الدّين الإسلامي جامع لكل ما يحتاج الإنسان إليه،أو ينفعه،أو يحسن له في نشأتيه.-3-صدر من الشّارع في بيان وظائف الأمّة أحكام من طريق الكتاب و السّنة،لكنّها غير مجتمعة بالتّدوين،بل هو آيات بيّنات في صدور الّذين أوتوا العلم و الدّين،و مع ذلك كان تحصيل العلم بالأحكام في ذلك العصر،عصر السّعادة و خيرالقرون،سهلا ميسورا إذ كان باب العلم على الأمّة مفتوحا،و المسألة عن الرّسول‏للمؤمنين مقدورا.انقضى عصر الوحي و التنزيل،و خضع النّاس لسلطان الإسلام و إطاعةالأحكام جيلا بعد جيل،انبسط حكم الشّريعة على البلاد البعيدة و الأمم المختلفةمن حيث الخلق و العادة و العقيدة،فانعطف توجّه الزّعماء من الصّحابة إلى جمع‏


5

القرآن أوّلا،و البحث عن الأحكام و أدلّتها ثانيا،فحصل لبادئ بدء طور جديد في‏الأحكام،طور الاستنباط و الاستدلال.طلعت غرّة هذا الطّور في أوائل القرن الأوّل من الإسلام،و بادرت مسرعةنحو التّقدّم بالانتظام.فما انسلخ ذلك القرن إلاّ عن البشارة بحدوث علم في العالم‏الإسلامي كافلا لجميع ما يحتاج الإنسان إليه في معاشه و معاده،ضامنا لسعادة من‏يعمل بمتضمّنه و مفاده.

ألا و هو علم الفقه.

-4-وجد في العالم أنحاء شتّى من القوانين،يجمعها قسمان أصليان و هما:1-الشّرائع السّماوية.2-الشّرائع المدنيّة.لا يهمّنا هنا استقصاء ما يكون بين القسمين من وجوه الفرق،لكن ما يجدربان لا يهمل ذكره هنا و جهان أساسيّان:الأوّل-انّ الشّرائع الإلهيّة ناظرة إلى حفظ جميع المصالح،سواء كانت‏متعلّقة بالفرد أم بالمجتمع،و على تعلقه بالفرد سواء كانت من حيث جسمه أم‏روحه،و سواء كانت باعتبار نشأته الفانية أم باعتبار حياته الباقية الخالدة،على انّ‏حيثيّة مناسبات هذه الشّئون بينها ملحوظة في تلك الشّرائع.الثاني-انّ مقصود المعتقد المتعبّد بتلك الشّرائع ليس رفع المسئوليّة تجاه‏الشّرع و إسقاط التّكليف فحسب،بل يولّي وجه دقّته شطر«الواقع»ليحرزه ويصرف عنان همّته نحو ما خوّله الشّارع ليحفظه،و ذلك لأنّ الأحكام عنده تابعةللمصالح و المفاسد،و الشّرعيّات في نظره ألطاف في العقليّات من العوائد و الفوائد.على انّ نفسه مطمئنّة بأنّ الشارع أصاب الواقع و لا يتخلّف حكم من‏أحكامه عمّا يكون هو له تابع.هذا الفرق الثّاني هو الّذي حمل حماة الدّين و حملة الفقه على أنحاء من‏البحث في نواحي أدلّة الأحكام و مناحيها،فبحثوا عن الأوامر و معانيها،و عن‏


6

النّواهي و مطاويها،و عن مداليل هذه الكلمات،و عن المنطوق و المفهوم،و عن‏العموم و الخصوص و التّخصيص،و عن الإطلاق و التّقييد،و عن الإجمال و التّبيين،و عن حقيقة النّسخ و كيفيّة النّاسخ و المنسوخ،و غير ذلك ممّا لا يستغنى عن تحقيقه‏من يتصدّى لاستنباط«الواقع»و استخراجه من الأدلّة التّفصيليّة الّتي اعتبرهاالشّارع و اعتمد عليها التّابع.فتحصّل عن جميع هذه المباحث علم جديد في عالم الإسلام،علم أوجده‏كثرة العناية باحكام الدّين و شدّة العلاقة بإحراز«الواقع»من طريق القطع واليقين.علم يحتاج إلى الانتفاع بمضامينه و الاستناد إلى أصوله و قوانينه كلّ من‏كان له مساس القانون بأقسامه و أفانينه،علم لا يختصّ«المنفعة»فيه بحملة الفقه وان اختصّ الفقيه بالاستفادة منه،علم ابتكره الإسلام و يكون تأسيسه من مفاخرالأعلام.

ألا و هو علم أصول الفقه.

-5-وجود علل أشرنا إلى بعضها آنفا انتج حدوث علم في العلوم الإسلاميةلتحقيق أدلة الاستنباط و مداركها،و تنقيح مسائل الفقه و توضيح مسالكها.و قد بحثنا في مقدّمة مختصرة علّقناها على تقريراتنا الأصوليّة عن تلك العلل‏و العوامل،و فحصنا عن زمان حدوث هذا السنخ من المباحث و المسائل،و شخصناالبصر لتشخيص أوّل من شرع في تدوين هذا العلم الحادث،و درسنا تاريخ العلم‏للاطّلاع على أوّل عصر توجه فيه اعتماد فقهاء الشّيعة نحو هذه المباحث،و أتممناالدّراسة بالحديث عن كيفيّة مجاراتهم مع هذا العلم بتتابع البحث،و سرد التّصنيف‏و التّأليف من بادئ بدء الاستناد به،و الانتحاء لتدوين مطالبه إلى عصرنا الحاضرو بالوضع الموجود،و ألممنا في ختام الكلام بما ألّف في عصرنا من المؤلّفات المهامّ،امّاالآن فلمّا لا يساعدني الحال،و لا يسعني المجال لبسط المقال،فلنقتصر بالإشارة إلى‏بعض تلك الأحوال.


7

فنقول و على اللّه الاتكال‏1:-6-اعلم انّ بعض مباحث الأصول كانت في القرن الأوّل كما أشرنا مورداللبحث و النّظر و لكنّه لم يخرج الأصول إلى عرصة التّدوين و التأليف إلاّ بعدمضيّ النّصف الأوّل من القرن الثّاني.و قد صرّح جمع من الجهابذة كابني خلكان و خلدون،و صاحب كشف‏الظّنون بأنّ أوّل من صنّف في أصول الفقه محمّد بن إدريس الشافعي،بل نقل عن‏كتاب«الأوائل»للسيوطي إطباقهم على ذلك حيث قال:«أوّل من صنّف في‏أصول الفقه،الشّافعي بالإجماع».لكنّي لست على يقين من ذلك،بل المحتمل عندي ان يكون أبو يوسف‏يعقوب بن إبراهيم،و هو أوّل من لقّب ب«قاضي القضاة»سابقا على الشّافعي‏بتأليف الأصول،لأنّ القاضي توفي في سنة(182 ه.ق)و الشّافعي مات في سنة(204 ه.ق)و قد قال ابن خلّكان في ترجمته:انّ أبا يوسف«أوّل من صنّف في‏أصول الفقه وفق مذهب أستاذه أبي حنيفة».و هكذا يحتمل جدّاً ان يكون محمّد بن حسن الشّيباني فقيه العراق،الّذي‏لمّا مات هو و الكسائي في يوم واحد بري و كانا ملازمين للرّشيد في سفره إلى‏خراسان قال في حقّه الرشيد:«دفنت الفقه و الأدب بر نبوية2»مقدّما على‏الشّافعي في تأليف الأصول لأنّ الشّيباني توفّي(سنة 182 ه.ق أو سنة 189)وقد صرّح ابن النّديم في«الفهرست»بان للشيباني من مؤلّفاته الكثيرة تأليف يسمّى‏ب«أصول الفقه»و تأليف سمّاه«كتاب الاستحسان»و تأليف«كتاب اجتهادالرّأي».على انّ الشافعي،بتصريح من ابن النّديم،لازم الشّيباني سنة كاملة و1-و من أراد اطلاعا أزيد فعليه بمراجعة التّعليقة المزبورة،و إذا شاء إحاطة كاملة على الموضوع‏فليسأل اللّه ان يوفّقنا لإتمام طبع كتاب ألفناه في تاريخ الفقه الإسلامي و تحوّلاته،و قد طبع منه إلى الآن عدّةصفحات.2و هي على ما في معجم البلدان قرية كانت قرب الرّي.


8

استنسخ في المدّة لنفسه من كتب الشّيباني ما استحسن و قد أذعن الشّافعي نفسه‏بذلك،و أعلن فقال من غير نكير«كتبت من كتب الشّيباني حمل بعير».و كيف كان فان لم يحصل اليقين بتقدّم القاضي و الشّيباني على الشّافعي‏في التأليف،فلا أقلّ من ان لا يحصل لنا يقين بتقدّمه عليهما.فالحكم البات بكون‏الشّافعي«أوّل من صنّف في أصول الفقه»كما ترى.-7-هذا بالنّسبة إلى حدوث العلم و الاستناد به على نحو الإطلاق،امّا بدءالاستناد به في خصوص مذهب التّشيع فهو كما احتملناه و علّلناه في التّعليقة المزبورةلا يتقدّم على الغيبة الكبرى(329 ه.ق).أوّل من انتحى إلى أصول الفقه و اعتمد عليه في مقام الاستنباط واستمدّ منه الشّيخ الثّقة الجليل حسن بن عليّ بن أبي عقيل‏1صاحب كتاب‏«المتمسّك بحبل آل الرّسول»في الفقه،و هو أيضا«أوّل من هذّب الفقه،واستعمل النّظر،و فتق البحث عن الأصول و الفروع في ابتداء الغيبة الكبرى.»ثمّ اقتفى أثر ابن أبي عقيل و استحسن إراءة أبو علي محمّد بن أحمد بن جنيدالإسكافي الّذي قال السّيد الأجلّ بحر العلوم بعد عنوانه في ترجمته:«من أعيان‏الطّائفة و أعاظم الفرقة و أفاضل قدماء الإماميّة،و أكثرهم علما و فقها و أدبا،وأكثرهم تصنيفا و أحسنهم تحريرا،و أدقّهم نظرا متكلّم فقيه محدّث أديب واسع‏العلم.صنّف في الفقه و الكلام و الأصول و الأدب و غيرها تبلغ مصنّفاته،عداأجوبة مسائله،من نحو خمسين كتابا منها كتاب«تهذيب الشيعة لأحكام الشّريعة»كتاب كبير من نحو عشرين مجلّدا يشتمل على جميع كتب الفقه،و عدّة كتبه تزيدعلى مائة و ثلاثين كتابا،و كتاب«المختصر الأحمدي في الفقه المحمّدي»مختصركتاب التّهذيب و هو الّذي وصل إلى المتأخرين و منه انتشرت مذاهبه و أقواله...»1-كان ابن أبي عقيل من مشايخ جعفر بن محمّد بن قولويه،أحد شيوخ العالم السّديد المعروف بابن‏المعلّم و الملقب بالشيخ المفيد.


9

إلى ان قال السّيّد العلاّمة بعد تعديد كتبه و أجوبة مسائله:«و هذا الشّيخ على‏جلالته في الطّائفة و رئاسته و عظم محلّه قد حكى القول عنه بالقياس،و نقل ذلك‏عنه جماعة من أعاظم الأصحاب،و على ذلك فقد اثني عليه علماؤنا و بالغوا في‏إطرائه و مدحه و ثناؤه...»كان هذا الشّيخ الجليل شيخنا و أستاذا للشّيخ المفيد و معاصرا للشيخ‏الكليني و توفّي،على ما ذكره المحدّث القمّي(ره)(سنة 381 ه.ق)في الرّي.-8-ثمّ وصل دور البحث عن عوارض أدلّة الأحكام إلى أبي عبد اللّه محمّد بن‏محمّد بن نعمان بن عبد السّلام الملقّب ب«المفيد»عند الأعلام،المتولّد(سنة 336)و المتوفّى(413 ه.ق)،فالشّيخ المفيد تبع أستاذه ابن الجنيد و ابن أبي عقيل في‏الاعتماد على الأصول و ان لم يتلقّ كلّ ما قاله ابن الجنيد بالقبول،بل و كتب على‏ردّه و نقضه كما هو المنقول.نقل صاحب«الذّريعة»عن النّجاشي ذكر كتاب للشّيخ المفيد في الأصول‏مشتمل مع اختصاره على أمّهات المباحث و الفصول.و نقل أيضا انّ العلاّمةالكراجكي ضمّن ذلك في كتابه المسمّى ب«كنز الفرائد».حدث الاستناد بالأصول من زمن ابن أبي عقيل و توجّه نحو التّكامل في‏أيّام ابن جنيد و دخل ذلك العلم في طور البحث و التّأليف في عصر المفيد.فراج في‏عصره و شاء و انتشر صيته و ذاع،و ذلك لأنّ الشّيخ المفيد كان يفيد العلم على‏تلامذة له،كلّهم أساتذة و في نقد العلوم جهابذة،منهم السيّد السّند و الأجلّ الأوحدالسّيد المرتضى الملقّب ب«علم الهدى»توفّي السّيد سنة«336 ه.ق»،و منهم‏تلميذه أستاذ الفرقة و شيخ الطّائفة أبو جعفر محمّد بن حسين بن علي الطّوسي‏(المتوفّى 460 ه.ق)و منهم سلاّر«معرّب سالار»بن عبد العزيز الدّيلمي صاحب‏كتاب«التّقريب»في أصول الفقه(المتوفّى 436 ه.ق)و غيرهم من أساطين‏العلم و أساتيذ الفنّ.فقد صنّف السّيد في الأصول كتبا شريفة و رسائل منيفة،قال السّيد


10

الأجلّ بحر العلوم في فوائده الرّجاليّة«...و من مصنّفاته في أصول الفقه كتاب‏«الذّريعة إلى الأصول الشّريعة»،و هو أوّل كتاب صنف في هذا الباب،و لم يكن‏للأصحاب قبله إلاّ رسائل مختصرة،كتاب مسائل الخلاف في الأصول أثبته الشيخ والنّجاشي قال الشّيخ و لم يتمه.رسالة في طريقة الاستدلال موجودة عندنا.كتاب‏المنع من العمل باخبار الآحاد تعرف بالمسائل التبانية و هي أجوبة الشّيخ الفاضل‏محمّد بن عبد الملك التّبان في ما عمله في انتصار حجّية الأخبار تشتمل على عشرةفصول قد بسط السّيد القول فيها.رسالة أخرى عندنا في المنع من خبر الواحد منقولةمن خطّ الشّهيد الثّاني طاب ثراه...»و قد صنّف الشّيخ الطّوسي كتاب«عدّة الأصول»الّذي قال في شأنه بحرالعلوم:«و هو أحسن كتاب صنّف في الأصول».و بالجملة فصار علم الأصول(بعد ما صار في أواسط النّصف الأوّل من القرن‏الرّابع موردا للاستناد و عمدة في الاجتهاد)في أواخر القرن الرابع موضوع البحث و الدرس‏و التّأليف،و توجه إليه أمثال هذه الفحول و صنّفوا فيها،لا رسائل مختصرة فقط،بل‏كتبا قيّمة مرتّبة على أبواب و فصول.-9-ثمّ لعلّه توقّف سير الاجتهاد في مسائل الفقه بعد الشّيخ الطّوسي مدّة تقرب‏من قرن،و ذلك لحسن ظنّ من تلامذة الشّيخ بما استنبطه و أفتى به في كتبه،فكانوابالحقيقة في تلك المدّة،على ما قيل«مقلّدين»(بل لقبوا به)لما استنبط،و مقتفين‏اثره في ما اجتهد و اعتقد،لا يتجاوزون عمّا قال،و لا يتكلّفون البحث في المقال حتّى‏قام بإعباء الاجتهاد و أقام سوق البحث و الانتقاد الفقيه الفحل الأوحد محمّد بن‏أحمد،سبط الشّيخ الطّوسي الأمجد و حفيد ابن إدريس الممجّد،فألّف في الفقه‏الاستدلالي كتابه السّامي«السّرائر الحاوي لتحرير الفتاوى»(توفّي هذا الفقيه‏سنة 598 ه.ق)انفتح باب البحث و الاجتهاد بعد ما وقع فيه الانسداد أو كاد.فانتحى‏تلامذة ابن إدريس،تبعا للأستاذ،نحو الأصول بالاستناد.ثمّ تلاميذ تلامذته‏


11

كالمحقّق الحلّي صاحب«شرائع الإسلام»أبي القاسم نجم الدّين جعفر بن حسن بن‏يحيى بن سعيد(تولد المحقّق سنة 602 و توفّي سنة 676 ه.ق)و ألّفوا فيه كتبانفيسة.فممّا ألّفه المحقّق كتاب«نهج الوصول إلى معرفة الأصول»و كتاب‏«المعارج».انتقل الدّور بعد المحقّق إلى تلميذه و ابن أخته الّذي انتشر صيت علمه في‏الآفاق و اشتهر له لقب«العلاّمة»على الإطلاق آية اللّه بالاستحقاق أبو منصور جمال‏الدّين حسن بن يوسف بن عليّ بن مطهر(648-726 ه.ق)فأحكم أساس‏البحث و النّظر،و نظر في كتب القوم ما تقدّم منها و ما تأخّر،فهذّبها و حرّر.أرشدالعلاّمة إلى نهج الوصول و منتهاه لمن أراد السّلوك إلى هذه الأصول و تمنّاه فألّف‏كتاب«النّكت البديعة في تحرير الذّريعة»و كتاب«تهذيب الوصول إلى علم‏الأصول»و كتاب«نهج الوصول إلى علم الأصول»و كتاب«منتهى الوصول إلى‏علمي الكلام و الأصول»و كتاب«غاية الوصول...»و كتاب«مبادئ الوصول إلى‏علم الأصول»و صادف ما كتبه العلاّمة في الأصول كسائر ما ألّفه في المعقول والمنقول إقبالا خاصّا،يليق بشأنها،من العلماء الفحول و لا سيّما كتابه الّذي سمّاه‏«نهج الوصول...»فقد تصدّى لشرح هذا الكتاب جمع من فضلاء الأصحاب‏كالسّيد عميد الدّين عبد المطّلب بن محمّد الحسيني(681-754)،و أخيه السّيدضياء الدّين عبد اللّه بن محمّد ابني أخت العلاّمة و تلميذيه و شيخي الإجازة للأوّل‏من الشّهيدين و كفخر المحقّقين أبو طالب محمّد بن العلاّمة(682-771 ه.ق)وكالأمير جمال الدّين عبد اللّه الحسيني الأسترآبادي صدر دولة السّلطان الأجلّ الشّاه‏إسماعيل الصّفوي الأوّل.و هذا الشّرح الأخير على ما قال صاحب الروضات أحسن من شرح‏الأميدي و الضّيائي و الفخري و المنصوري(تأليف الفقيه الفاضل منصور بن عبد اللّه‏الشّيرازي المشتهر ب«راستگو»و المعاصر للشّهيد الثّاني،و قد فرغ الشّارح من تأليف‏هذا الشّرح سنة 929 ه.ق).جمع الفقيه الأجلّ محمّد بن مكّي المشهور بالشّهيد الأوّل(الفائز بالشّهادة


12

سنة 786 ه.ق)بين شرحي العميدي و الضّيائي،و هذا الجمع بالحقيقة شرح آخرعلى كتاب التّهذيب.و خلاصة القول انّ من زمان العلاّمة إلى زمان الشّهيد الثّاني،أي في القرن‏الثّامن و التّاسع و شطر من القرن العاشر،كان أكثر مدار البحث و الدّرس في‏الأصول على ما ألّفه العلاّمة.نعم كان للمختصر الحاجبي الّذي ألّفه أبو عمر و عثمان بن عمر بن أبي بكر(المعروف بابن الحاجب المتوفّى سنة 646 ه.ق)في القرن السّابع أيضا شأن عندعلماء المذهب،فقد كانوا يدرسونه و يشرحونه و يعلّقون عليه الحواشي،و يرفعون عن‏وجوه مقاصده الغواشي.-10-كان جريان الأمر في تلك القرون على ما حدّد،حتّى مهّد العالم الرّباني‏زين الدّين بن نور الدّين المشهور بالشّهيد الثّاني(توفّي شهيدا سنة 966)قواعدالاستنباط للمجتهد و سمّاه«تمهيد القواعد».ثمّ ألّف أبو منصور جمال الدّين حسن بن زين الدّين(ابن الشّهيد الثّاني‏المتوفّى سنة 1011 ه.ق)كتابه الموسوم ب«معالم الدّين».كتاب المعالم في الأصول‏لسلاسة تعبيره و سلامة تنظيمه و جودة جمعه و تأليفه صار سهل التناول كثيرالتّداول بحيث أنسى ما كتبه السّلف،و ما أغنى عنه ما ألّفه الخلف.صنّف المعالم وتداول فيه البحث و الدّرس بين الأعاظم،فأقبلوا عليه بالتّحشية و التّعليق و أمعنوافي مباحثه بالتّدقيق و التّحقيق.من أحسن تلك التّعاليق و أمتنها و أدقّها و أتقنها ما علّقه عليه العالم‏الأصولي الشّيخ محمّد تقي(المتوفّى 1248 ه.ق)،و سمّاه ب«هداية المسترشدين».بعد القرن العاشر إلى عصرنا الحاضر ألّفت في الأصول كتب كثيرة مشهورةو غير مشهورة،لكنه كانت مدارسة كتاب المعالم في جميع المدّة معمولة،و لعلّه يكون‏كذلك متى كان قلوب طلاّب العلم بتحصيل الأصول مشغولة.


13

-11-و ممّا ينبغي ان لا يترك هنا الإشارة إليه و التّنبيه عليه،انّ للأصول في‏سيره من زمان تأليف المعالم إلى عصرنا الحاضر ثلث مراحل:الأولى:مرحلة البطء أو التّوقّف.الثّانية:مرحلة البسط و التقدّم.الثّالثة:مرحلة التّحرير و التّلخيص.فهذه ثلاثة أدوار حصلت للأصول في تلك القرون.الدّور الأوّل من الأدوار الثّلاثة استوعب القرنين،الحادي عشر و الثّاني عشر،فكان أكثر مدار البحث و الدّرس في ذينك القرنين على كتاب المعالم،و لم يؤلّف‏فيهما مؤلّفات مهمّة تقع من حيث المدارسة في عرض المعالم أو في طوله،و لعلّه كان‏ذلك ناشئا عن كثرة الإقبال على الأخبار و غلبة علمائنا الأخباريين الأخيار.و كان الدّور الثاني في القرن الثّالث عشر،فجدّد فيه أساس البحث والنّظر و حصل في هذا الدّور للأصول صولة و للأصوليّين في ميدان التّصنيف والتّأليف و التّحقيق جولة،فصار هذا الدّور دور البسط و التّفصيل بل دور الإطناب‏و التّطويل،و ناهيك ما ترى من كتاب«هداية المسترشدين»(حاشية على المعالم)و كتاب«قوانين الأصول»للمحقّق الجيلاني القمّي(الميرزا أبو القاسم المتوفى‏1231 ه.ق)،و كتاب«الفصول»للشّيخ محمّد حسين(تلميذ الشّيخ محمّد تقي وأخيه المتوفّى 1261 ه.ق)،و كتاب«بحر الفوائد»للآشتياني(الحاج مرزا حسن‏المتوفّى 1319 ه.ق)حاشية على«فرائد الأصول»تأليف أستاذه الأنصاري(أوّل‏من أدرك الأصول في هذا الدّور بالتنقيح و التّهذيب،و رتّبه على ترتيبه الأنيق‏المتين الشّيخ المطلق في لسان المتأخّرين الحاج شيخ مرتضى بن محمّد أمين المتوفّى‏1281)و غيرها من الكتب المؤلّفة في ذلك القرن.كان هذا التّحوّل في سير الأصول من آثار الأصولي الفحل ما لك أزمّةالفضل الأستاذ الأكبر المولى الأجلّ الأفضل آقا محمّد باقر بن محمّد أكمل(المتوفّى‏سنة 1206 أو 1208 ه.ق)إذ الأستاذ بقوّة تقريره و جودة تحريره في مناظراته‏


14

المكرّرة و مراسلاته المحرّرة برع على خصماء الأصول و جعل دعاويهم كعصف‏مأكول.-12-شرع الدّور الثّالث من ابتداء القرن الرّابع عشر،و انعكس طور التّأليف في‏هذا الدّور فتلخّص و تحرّر.أوّل من بادر إلى تحرير الأصول عن الفضول تدريسا وتدوينا و هيّج الأشواق إلى سلوك هذا السّبيل تدريبا و تمرينا،هو أستاذالمتأخّرين على الإطلاق شيخ المجتهدين المعاصرين في الآفاق الّذي لخّص المقاصد والمعاني،و أسّس في الأصول جملة من المباني المولى محمّد كاظم الخراسانيّ(المتوفّى‏1329 ه.ق).خلب المحقّق الخراسانيّ قلوب طلبة العلم بمعاليه،و جلب عقول حملته من‏تلامذته و معاصريه بما أنعم اللّه عليه من لباقة تقرير لا يعادله فيها أحد و إناقة تحريرلا يسهل تحديدها بحدّ،فاقتفوا في التّلخيص و التّحرير اثره،و آثروا في إيراد ما اصطلح‏عليه أرباب المعقول و الاستناد به في تآليفهم الأصوليّة فكره.صار كتاب«كفاية الأصول»الّذي ألّفه المحقّق الخراسانيّ كتابا نهائيالمدارسة الأصول.جملة الكلام،انّ أهل العلم في هذا القرن حملوا العناء و بذلوا العناية لا في‏التّلخيص و التّحرير فحسب،بل في التّدقيق و التّحقيق،و أيضا في التّنسيق والتأنيق.-13-ممن تابع في تنقيح مطالب الأصول و توضيح مآربه أئمته و ألقى إليه التّحقيق‏في هذا العصر أزمّته،العالم العليم الأستاذ الأعظم الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني‏فهو قد أكبّ مجاهدا على تهذيب الأصول بالبحث،و ألبّ لتدريب الفضلاء وتعليمهم على الدّرس،فتخرّج من معهد بحثه و مجلس درسه علماء جلّة و فضلاء أولى‏تجلّة يوعون ما يسمعون و يكتبون ما يستفيدون و يوعون.


15

و هذه المكتوبات هي الّتي اصطلح عليها عنوان«التّقريرات»1-14-من جملة ما عرف بعنوان التّقريرات هذا الكتاب(كتاب فوائد الأصول)الّذي يراه النّاظر حاضرا بين يديه،و تهوي أفئدة عشّاق الفضل إليه ألّفه قرّة عين‏الأستاذ الأجلّ و غرّة وجه العلم و العمل الشّيخ محمّد علي الكاظمي الخراسانيّ،الّذي مات(ره)و لم تظهر أسرار دفائنه و لم تفتح أغلاق خزائنه(توفي سنة1365 ه.ق)هذا التّأليف ان لم يكن أحسن ما كتب من دروس الأستاذ على الإطلاق‏فهو من أحسنها تنقيحا و أجودها توضيحا و أمتنها تعبيرا و أكثرها تحريرا،و كيف‏لا؟و قد أفاد الأستاذ في شأن المؤلّف و ما أفاد عين هذه الكلمات و هي ترشدناإلى الفرق بينه و بين غيره«...فانّ من أعظم ما أنعم به سبحانه و تعالى على العلم وأهله،هو ما حباه من التّوفيق و التّأييد لقرّة عيني العالم العلم العلاّم و الفاضل البارع‏الهمام الفائز بأسنى درجات الصّلاح و السّداد بجهده و الفائز بأسنى رتبة الاستنباط والاجتهاد بجدّه،صفوة المجتهدين العظام و ركن الإسلام،المؤيد المسدد التقيّ الزكيّ‏جناب الآغا الشّيخ محمّد علي الخراسانيّ الكاظمي أدام اللّه تعالى تأييده و إفضاله وكثّر في العلماء الأعلام أمثاله.«فقد أودع في هذه الصّحائف الغرّ ما نقحناه في أبحاثنا مجدّا في تنقيحه‏مجيدا في توضيحه ببيان رائق و ترتيب فائق فللّه درّه و عليه سبحانه أجره...»هكذا كان سير الأصول في تلك القرون الإسلاميّة إلى زماننا الحاضر،و1في القرون الأوليّة من الإسلام قد يلقون الأساتذة على تلاميذهم عبارات مربوطة بالكتاب أو السّنة أوغير ذلك فيملونها و سمّى تلك المكتوبات ب«الأمالي»و من ذلك أمالي الصدوق و المفيد و الطوسي.و في القرون الأخيرة و لا سيّما في القرن الثالث عشر كان التّلامذة يكتبون بعد درس الأستاذ مايستفيدون ممّا حقق و أفاد و يعرضونه عليه للبحث و الانتقاد،و تسمى تلك المكتوبات ب«التّقريرات».أوّل ما اشتهر بذلك العنوان على ما أظنّ،كتاب«مطارح الأنظار»الّذي ألّفه المحقّق العالم الميرزا أبو القاسم‏(المشهور بكلانتري المتوفى 1292 ه.ق)من إفادات أستاذه و أستاذ الكلّ الشيخ الأنصاري.


16

على ما دريت صار هذا العلم منتقلا من الغابرين إلى المعاصرين،فللّه درّ المجتهدين‏من العلماء،و جزاهم اللّه عن الإسلام و العلم خير الجزاء.هذا ما قصدنا إيراده على سبيل الاستعجال و طريق الإجمال مقدّمة على‏الكتاب،حسب ما أشار عليّ بذلك من عنى بطبع هذا المجلّد الأوّل و هو صديقي‏الممجّد المبجّل العالم العامل و الفاضل الكامل حجّة الإسلام الشّيخ نصر اللّه المشتهربالخلخالي بين الأعلام أدام اللّه بركاته و زاد،تبارك و تعالى،في حسناته.و الحمد للّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطناطهران 20 ربيع الثّاني 1368محمود الشهابي الخراسانيّ‏


17

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏و به نستعين‏الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على أشرف بريّته و على اله‏الطيّبين الطّاهرين و اللّعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين.و بعد،فيقول العبد المذنب الرّاجي عفو ربّه محمّد علي الكاظمي ابن‏المرحوم الشّيخ حسن الكاظمي قدّس سره:انّى لمّا حضرت مجلس بحث المولى‏خاتمة المجتهدين،فريد عصره و فقيه زمانه،من إليه انتهت الرّئاسة العامّة،شيخنا وملاذنا آية اللّه حضرة الميرزا محمّد حسين الغروي النّائيني متّع اللّه المسلمين ببقائه،رأيت انّ بحثه الشّريف ذو فوائد جليلة،بحيث ينتفع منه المنتهى من أهل العلم فضلاعن المبتدئ،و يستفيد منه من كثر باعه فضلا عمّن قصر،فأحببت تزيين هذه‏الأوراق بما استفدته من إفاداته الشّريفة حسبما يسعني و يؤدّى إليه فهمي القاصر.فأقول:و من اللّه أستمد

القول في أصول الفقه‏

و تنقيح البحث عن ذلك يستدعى رسم مقدّمة،و مقاصد،و خاتمة

امّا المقدّمة:ففي بيان نبذة من مباحث الألفاظ

و لمّا كان دأب أرباب العلوم عند الشّروع في العلم ذكر موضوع العلم،وتعريفه،و غايته،فنحن أيضا نقتفي أثرهم.و ينبغي قبل ذلك بيان مرتبة علم‏


18

الأصول و موقعه،إذ لعلّه بذلك يظهر تعريفه و غايته.فنقول:لا إشكال في انّ العلوم ليست في عرض واحد،بل بينها ترتّب وطوليّة،إذ ربّ علم يكون من المبادي لعلم اخر،و لأجل ذلك دوّن علم المنطق مقدّمةلعلم الحكمة،و كذلك كان علم النّحو من مبادئ علم البيان،و من الواضح انّ جلّ‏العلوم تكون من مبادئ علم الفقه و من مقدماته حيث يتوقف الاستنباط على العلوم‏الأدبيّة:من الصّرف،و النّحو،و اللّغة،و كذا يتوقّف على علم الرّجال،و علم‏الأصول،و لكن مع ذلك ليست هذه العلوم في عرض واحد بالنّسبة إلى الفقه،بل‏منها ما يكون من قبيل المقدّمات الإعداديّة للاستنباط،و منها ما يكون من قبيل‏الجزء الأخير لعلّة الاستنباط.و علم الأصول هو الجزء الأخير لعلّة الاستنباط بخلاف‏سائر العلوم،فانّها من المقدّمات،حتّى علم الرّجال الّذي هو اقرب العلوم‏للاستنباط،و لكن مع هذا ليس في مرتبة علم الأصول بل علم الأصول متأخّر عنه،و علم الرّجال مقدّمة له.و الحاصل‏انّ علم الأصول يقع كبرى لقياس الاستنباط و سائر العلوم تقع في صغرى‏القياس.مثلا استنباط الحكم الفرعيّ من خبر الواحد يتوقّف على عدّة أمور فانّه‏يتوقّف على معرفة معاني الألفاظ الّتي تضمّنها الخبر،و يتوقّف أيضا على معرفة أبنيةالكلمات و محلّها من الإعراب ليتميّز الفاعل عن المفعول و المبتداء عن الخبر،ويتوقّف أيضا على معرفة سلسلة سند الخبر و تشخيص رواته و تمييز ثقتهم عن غيره،ويتوقّف أيضا على حجّية الخبر.و من المعلوم:انّ هذه الأمور مترتّبة من حيث دخلهافي الاستنباط حسب ترتّبها في الذّكر و المتكفّل لإثبات الأمر الأوّل هو علم اللّغة،و لإثبات الثّاني هو علم النّحو و الصّرف،و لإثبات الثّالث هو علم الرّجال،ولإثبات الرّابع الّذي به يتمّ الاستنباط هو علم الأصول،فرتبة علم الأصول متأخّرةعن جميع العلوم،و يكون كبرى لقياس الاستنباط.فيقال:الشّي‏ء الفلاني مما قام‏على وجوبه خبر الثّقة،و كلّما قام على وجوبه خبر الثّقة يجب،بعد البناء على حجّيةخبر الواحد الّذي هو نتيجة البحث في مسألة حجّية خبر الواحد،فيستنتج من تأليف‏


19

القياس وجوب الشّي‏ء الفلاني.بما ذكرنا من مرتبة علم الأصول يظهر الضّابطة الكليّة لمعرفة مسائل علم‏الأصول،و حاصل الضّابط:انّ كلّ مسألة كانت كبرى لقياس الاستنباط فهي‏من مسائل علم الأصول.و بذلك ينبغي تعريف علم الأصول،بان يقال:انّ علم الأصول عبارةعن العلم بالكبريات الّتي لو انضمت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعيّ كلّي،فانّ ما عرّف به علم الأصول:من انّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط إلخ-لا يخلوعن مناقشات عدم الاطراد و عدم الانعكاس،كما لا يخفى على من راجع كتب‏القوم.و هذا بخلاف ما عرّفنا به علم الأصول،فانّه يسلم عن جميع المناقشات،ويدخل فيه ما كان خارجا عن تعريف المشهور مع انّه ينبغي ان يكون داخلا،ويخرج منه ما كان داخلا في تعريف المشهور مع انّه ينبغي ان يكون خارجا.ثمّ انّ المائز بين المسألة الأصوليّة و القاعدة الفقهيّة بعد اشتراكهما في انّ‏كلاّ منهما يقع كبرى لقياس الاستنباط،هو انّ المستنتج من المسألة الأصوليّة لا يكون‏إلاّ حكما كليّا،بخلاف المستنتج من القاعدة الفقهيّة،فانّه يكون حكما جزئيّا و ان‏صلحت في بعض الموارد لاستنتاج الحكم الكلّي أيضا إلاّ انّ صلاحيتها لاستنتاج‏الحكم الجزئي هو المائز بينها و بين المسألة الأصوليّة،حيث انّها لا تصلح إلاّ لاستنتاج‏حكم كلّي،كما يأتي تفصيله في أوائل مباحث الاستصحاب‏ (1) إن شاء اللّه،و يأتي‏هناك أيضا انّ المسألة الأصوليّة قد تقع أيضا صغرى لقياس الاستنباط و تكون‏كبراه مسألة أخرى من مسائل علم الأصول،إلاّ انّ مع وقوعها صغرى لقياس‏الاستنباط تقع في مورد اخر كبرى للقياس.و هذا بخلاف مسائل سائر العلوم،فانّها لا تقع كبرى لقياس الاستنباطأصلا فراجع.و على كلّ حال،فقد ظهر لك مرتبة علم الأصول و تعريفه.

1)الجزء الرابع من فوائد الأصول،الأمر الثاني‏


20

و امّا غايته‏فهي غنية عن البيان،إذ غايته هي القدرة على استنباط الأحكام الشّرعيّةعن مداركها.بقي الكلام في بيان موضوعه‏و قد اشتهر انّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذّاتيّة،و قدأطالوا الكلام في البحث عن العوارض الذّاتيّة و الفارق بينها و بين العوارض‏الغريبة،و ربّما كتب بعض في ذلك ما يقرب من الف بيت أو أكثر.و قد يفسّر العرض الذّاتي بما يعرض الشي‏ء لذاته،أي بلا واسطة في العروض‏و ان كان هناك واسطة في الثبوت.و المراد من الواسطة في العروض،هو ما كان‏العرض أوّلا و بالذات يعرض نفس الواسطة و يحمل عليها،و ثانيا و بالعرض يعرض‏لذي الواسطة و يحمل عليه،كحركة الجالس في السّفينة،فانّ الحركة أوّلا و بالذات‏تعرض السّفينة و تستند إليها،و ثانيا و بالعرض تعرض الجالس و تستند إليه و تحمل‏عليه،من قبيل الوصف بحال المتعلّق.و هذا بخلاف ما إذا لم يكن هناك واسطة في العروض،سواء لم يكن هناك‏واسطة أصلا-كإدراك الكليّات بالنّسبة إلى الإنسان،فانّ إدراك الكليّات من لوازم‏ذات الإنسان و هويّته،و يعرض على الإنسان بلا توسيط شي‏ء أصلا،و ليس إدراك‏الكليّات فصلا للإنسان،بل الفصل هو الصّورة النّوعيّة الّتي يكون بها الإنسان‏إنسانا،و من لوازم ذلك إدراك الكليّات،إلاّ انّه لازم نفس الذات بلا واسطة-أوكان هناك واسطة إلاّ انّها لم تكن واسطة في العروض،بل كانت واسطة في‏الثبوت،سواء كانت تلك الواسطة منتزعة عن مقام الذات،كالتعجب العارض‏للإنسان بواسطة إدراكه الكليّات الّذي هو منتزع عن مقام الذات،حيث كان ذات‏الإنسان يقتضى الإدراك كما عرفت،أو كانت الواسطة امرا خارجا عمّا يقتضيه‏الذات كالحرارة العارضة للماء بواسطة مجاورة النّار.و السر في تفسير العرض الذاتي بذلك،أي بان لا يكون هناك واسطة في‏العروض،مع انّ هذا خلاف ما قيل في معنى العرض الذاتي:من انّ العرض الذاتي‏


21

ما كان يقتضيه نفس الذات،و منتزعا عن مقام الهويّة،فمثل حرارة الماء يكون من‏العرض الغريب لأنّ عروض الحرارة على الماء يكون بواسطة امر خارج مباين،بل ماكان يعرض الشّي‏ء بواسطة امر خارج مط،سواء كان أعمّ أو أخصّ أو مباينا،يكون من العرض الغريب اتّفاقا،و انّما المختلف فيه ما كان يعرض الشّي‏ء بواسطةامر خارج مساوي،كالضّحك العارض للإنسان بواسطة التّعجب،حيث ذهب‏بعض إلى انّه من العرض الذّاتي،و بعض اخر إلى انّه من العرض الغريب،فالعبرةفي العرض الذاتي عندهم هو كونه بحيث يقتضيه نفس الذات،لا ما لا يكون له‏واسطة في العروض،هو انّ البحث في غالب مسائل العلوم ليس بحثا عن العوارض‏الذّاتية لموضوع تلك المسألة على وجه يقتضيه ذات الموضوع،بداهة انّ خبر الواحد مثلابهوية ذاته لا يقتضى الحجّية،إذ الحجّية انّما هي من فعل الشّارع.فالبحث عن حجّية خبر الواحد ليس بحثا عن العوارض الذاتية للخبر،وكذا الكلام في سائر المسائل لعلم الأصول و غيره من العلوم،كقولنا:الفاعل مرفوع،و المفعول منصوب،فانّ الرّفع و النّصب ليسا ممّا يقتضيه نفس ذات الفاعل والمفعول بهويتهما،بل لمكان لسان العرب،حيث انّهم يرفعون الفاعل و ينصبون‏المفعول،فيلزم بناء على ما قيل في تفسير العرض الذاتي ان يكون البحث في غالب‏العلوم بحثا عن العوارض الغريبة لموضوع العلم،فلا بدّ من توسعة العرض الذاتي،حتّى يكون البحث في مسائل العلوم بحثا عن العوارض الذاتيّة لموضوعاتها،بان يقال:انّ العرض الذاتي هو ما كان يعرض نفس الذات بلا واسطة في العروض و ان‏كان لأمر لا يقتضيه نفس الذات.و على هذا يكون البحث في جميع مسائل العلوم‏بحثا عن العوارض الذاتيّة،بداهة انّ الحجّية عارضة لذات الخبر و ان كان ذلك‏بواسطة الجعل الشّرعي،و كذلك الرّفع و النّصب يعرضان لذات الفاعل و المفعول،وان كان ذلك لأجل لسان العرب.فالضّابط الكلّي للعرض الذاتي،هو ان لا يتوسّط بينه و بين الموضوع امريكون هو معروض العرض أوّلا و بالذات،كما هو الشّأن في الوسائط العروضيّة.إذا عرفت ذلك فالكلام في المقام يقع من جهات:


22

الأولى:في نسبة موضوع كلّ علم إلى موضوع كلّ مسألة من مسائله.الثانية:في المائز بين العلوم بعضها من بعض.الثّالثة:في موضوع علم الأصول.امّا الجهة الأولى‏فنسبة موضوع كلّ علم إلى موضوع كلّ مسألة من مسائله،هو نسبة الكلّي‏لأفراده و الطّبيعي لمصاديقه،بداهة انّ الفاعل في قولنا كلّ فاعل مرفوع مصداق من‏مصاديق كلّي الكلمة،الّتي هي موضوع لعلم النّحو.فان قلت:ان الرّفع انّما يعرض الفاعل،و بتوسّطه يعرض الكلمة،و ليس هو عارضالذات الكلمة من حيث هي،فيكون الرّفع بالنّسبة إلى الكلمة من العوارض‏الغريبة و ان كان بالنّسبة إلى الفاعل من العوارض الذّاتية.و بعبارة أخرى:الموضوع للرّفع هي الكلمة بشرط الفاعليّة،و موضوع علم النّحو هو نفس‏الكلمة من حيث هي،و من المعلوم مغايرة الشي‏ء بشرط شي‏ء مع الشّي‏ء لا بشرط،فيلزم اختلاف موضوع العلم مع موضوعات المسائل،و يلزم ان يكون المبحوث عنه في‏مسائل العلم من العوارض الغريبة لموضوع العلم.و هذا ينافى قولكم:موضوع كلّ‏علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذّاتية،و انّ موضوع العلم عين موضوعات المسائل.وهذا الإشكال سيأتي في جميع العلوم.قلت:الفاعليّة علّة لعروض الرّفع على نفس الكلمة،لا انّ الرّفع يعرض للفاعليّةأوّلا و بالذات،فالواسطة في المقام انّما تكون واسطة في الثّبوت لا واسطة في‏العروض،و قد تقدّم انّ الواسطة الثّبوتية لا تنافي العرض الذّاتي.و الحاصل:انّ ما يعرض الفاعل من الرّفع يعرض الكلمة بعين عروضه الفاعل من دون‏


23

واسطة.و توضيح ذلك‏هو انّ الموضوع في علم النحو مثلا ليس هو الكلمة من حيث هي لا بشرط،بل الكلمة من حيث لحوق الإعراب و البناء لها،كما انّ الكلمة من حيث لحوق‏الصّحة و الاعتلال لها موضوع لعلم الصّرف،فيتحد موضوع العلم مع موضوعات‏المسائل،لأنّ الموضوع في قولنا:كلّ فاعل مرفوع أيضا،هو الكلمة من حيث لحوق‏الإعراب و البناء لها،بداهة انّ البحث عن الفاعل ليس من حيث صدور الفعل‏عنه،أو من حيث تقدّم رتبته عن رتبة المفعول،بل من حيث لحوق الإعراب له،والمفروض انّ الكلمة من هذه الحيثيّة أيضا تكون موضوعا لعلم النّحو،و كذا يقال في‏مثل الصّلاة واجبة،حيث انّ الموضوع في علم الفقه ليس هو فعل المكلّف من حيث‏هو،بل من حيث عروض الأحكام الشّرعيّة عليه،فيتّحد موضوع العلم مع‏موضوعات المسائل،لأنّ كلاّ من موضوع العلم مع موضوعات المسائل يكون ملحوظابشرط شي‏ء و هو قيد الحيثيّة.و ربّما يستشكل‏في أخذ قيد الحيثيّة،بأنه يلزم أخذ عقد الحمل في عقد الوضع،إذ الموضوع في‏قولنا:الكلمة امّا معربة أو مبنيّة ليس هو مطلق الكلمة حسب الفرض،بل الكلمةمن حيث لحوق الإعراب و البناء لها،فيلزم ان يكون قولنا:كلّ كلمة امّا معربة أومبنيّة،بمنزلة قولنا:الكلمة المعربة أو المبنيّة،امّا معربة أو مبنيّة.و هذا كما ترى يلزم‏منه أخذ المحمول في الموضوع،و هو ضروريّ البطلان،لاستلزامه حمل الشّي‏ء على‏نفسه.هذا.و لكن لا يخفى عليك ضعف الأشكال،بداهة انّ المراد من قولنا:الكلمةمن حيث البناء و الإعراب موضوع لعلم النّحو،ليس الكلمة المتحيّثة بحيثيّةالإعراب و البناء فعلا المتلوّنة بذلك حالا،بل المراد الكلمة القابلة للحوق الإعراب‏و البناء لها،و الّتي لها استعداد و قوّة لحوق كلّ منهما لها،فهذه الكلمة امّا معربةفعلا،و امّا مبنيّة فعلا.


24

و الحاصل:انّ الكلمة من حيث ذاتها قابلة للحوق كلّ من الإعراب و البناء لها،كماانّها قابلة للحوق كلّ من الصّحة و الاعتلال و الفصاحة و البلاغة لها.فتارة:تلاحظ الكلمة من حيث قابليتها لقسم خاص من هذه العوارض،كالإعراب‏و البناء،فتجعل موضوعا لعلم النحو.و أخرى:تلاحظ من حيث قابليتها لقسم آخر من‏هذه العوارض،كالصّحة و الاعتلال،فتجعل موضوعا لعلم الصّرف و هكذا.فتحصّل:انّ اعتبار قيد الحيثية بهذا المعنى يوجب ارتفاع إشكال تغاير موضوع العلم مع‏موضوعات المسائل،و يتحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل اتحادا عينيّا،ويكون ما به يمتاز موضوع كلّ مسألة عن موضوع مسألة أخرى هو عين ما به‏يشتركان،لأن الموضوع في قولنا:كلّ فاعل مرفوع،هو الكلمة القابلة للحوق‏الإعراب لها،و تكون الفاعلية علّة لعروض الرّفع عليها،كما انّ الموضوع في قولنا:كلّ‏مفعول منصوب هو ذلك،و تكون المفعوليّة علّة لعروض النّصب عليها،فيحصل‏الاتحاد بين موضوعات المسائل و موضوع العلم.و بما ذكرنا من اعتبار قيد الحيثيّة في موضوع العلم يظهر لك البحث عن‏الجهة الثّانية،و هو المائز بين العلوم.و توضيح ذلك:انّ المشهور ذهبوا إلى انّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات،و ذهب بعض إلى‏انّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض و الجهات الّتي دوّن لأجلها العلم،كصيانة المقال‏عن الإلحان في علم النّحو،و الفكر عن الخطاء في علم المنطق،و استنباط الأحكام‏الشّرعية في علم الأصول.و وجه العدول عن مسلك المشهور:هو انّه يلزم تداخل العلوم بعضها مع‏بعض لو كان المائز بينها هو الموضوع،و هذا الأشكال انّما يتوجّه بناء على ان يكون‏ما يعرض الشي‏ء لجنسه من العوارض الذّاتية،كالتحرّك بالإرادة العارض للإنسان‏


25

بواسطة كونه حيوانا،أو العارض للجنس بواسطة الفصل،كالتّعجّب العارض‏للحيوان بواسطة كونه ناطقا،فانّ كلاّ من هذين القسمين وقع محلّ الكلام في كونه‏من العرض الذّاتي،حيث ذهب بعض إلى انّ ما يعرض الشّي‏ء لجزئه الأعمّ أوالأخصّ يكون من العرض الغريب،كما انّ من العرض الغريب ما كان لأمر خارج‏أعمّ أو أخصّ أو مباين على مشرب المشهور،فيلزم ان يكون البحث عن كلّ مايلحق الكلمة و لو بواسطة فصولها بحثا عن عوارض الكلمة،فيتداخل علم النّحو والصّرف و اللّغة،لأن البحث في الجميع يكون عن عوارض الكلمة الّتي هي موضوع‏في العلوم الثّلاثة،و ان اختلفت جهة البحث،حيث انّ جهة البحث في النّحو هي‏الإعراب و البناء،و في الصّرف هي الصّحة و الاعتلال،و في اللّغة هي المعاني والمفاهيم،إلاّ انّ الجميع يكون من العوارض الذّاتيّة لجنس الكلمة حسب الفرض،وان كان عروضها لها باعتبار ما لها من الفصول:من الفاعل و المفعول،و الثّلاثي والمزيد فيه،إلاّ انّ الجميع يعرض جنس الكلمة،و المفروض انّ عوارض الجنس‏عوارض ذاتيّة للكلمة،فيلزم تداخل العلوم الثّلاثة.و لأجل ورود هذا الأشكال زيد قيد الحيثيّة،و قيل:ان تمايز العلوم‏بتمايز الموضوعات،و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيّات.و قد أشكل على زيادة الحيثية:بأنها ممّا لا تسمن و لا تغني من جوع،كمالا يخفى على المراجع في المطوّلات هذا.و لكنّ الإنصاف‏انّه يمكن حسم مادة الأشكال بما ذكرناه من معنى الحيثية الّتي أخذت قيدافي موضوع العلم،فانّه هب انّ هذه العوارض من العوارض الذّاتيّة للكلمة،إلاّ انّ‏المبحوث عنه في علم النّحو ليس مطلق ما يعرض الكلمة من العوارض الذّاتيّة لها،بل من حيث خصوص قابليّتها للحوق البناء و الإعراب لها،على وجه تكون هذه‏الحيثيّة هي مناط البحث في علم النّحو،فالحيثيّة في المقام حيثيّة تقييديّة،لا تعليلية،و لا الحيثيّة الّتي تكون عنوانا للموضوع كالحيثيّة في قولنا:الماهيّة من حيث هي هي‏ليست إلا هي.فإذا صار الموضوع في علم النّحو هي الكلمة من حيث خصوص لحوق‏


26

البناء و الإعراب لها،و الموضوع في علم الصّرف هي الكلمة من حيث خصوص‏لحوق الصّحة و الاعتلال لها،فيكون المائز بين علم النّحو و الصّرف هو الموضوع‏المتحيّث بالحيثيّة الكذائية.و بعد ذلك،لا موجب لدعوى انّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض،مع انّ‏هناك مائز ذاتي في الرّتبة السابقة على الغرض.و ما يقال:من انّ الموضوع في علم المعاني هو الكلمة القابلة للحوق البناء والإعراب لها،فيرتفع المائز بين علم النّحو و علم المعاني فضعفه ظاهر،إذا لموضوع في‏علم المعاني،ليس هو الكلمة من حيث لحوق الإعراب و البناء لها،بل هو الكلمةمن حيث لحوق الفصاحة و البلاغة لها،و ان كان لحوق الفصاحة و البلاغة لها في‏حال لحوق البناء و الإعراب لها،إلاّ انّ كون الكلمة في حال كذا موضوعا لعلم لايكون البحث في ذلك العلم عن ذلك الحال غير كون الكلمة موضوعا بقيد ذاك‏الحال فتأمل.و بما ذكرنا من قيد الحيثية يظهر:انّ البحث في جلّ مباحث الأوامر و النّواهي ممّا يرجع البحث عن مفاهيم‏الألفاظ و مداليل صيغ الأمر و النّهى،يكون بحثا عمّا يلحق موضوع علم الأصول وليس من المعاني اللّغويّة،إذ البحث في تلك المباحث انّما يكون من حيثيّة استنباطالحكم الشّرعي،و ان كان عنوان البحث أعمّ،إلاّ انّ قيد الحيثيّة ملحوظ فتأمّل.و إذا عرفت ما ذكرناه:من انّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات،و تمايزالموضوعات بتمايز الحيثيّات،فلا يهمّنا البحث عن انّ عوارض الجنس من العوارض‏الذّاتيّة أو العوارض الغريبة،و نفصل القول في أقسام كلّ منها،فليطلب من‏المطوّلات.بقي في المقام البحث عن الجهة الثّالثةو هي البحث عن موضوع خصوص علم الأصول.فقيل:انّ موضوع علم الأصول هو الأدلّة الأربعة بذواتها،أو بوصف كونها أدلّة.


27

و الإشكالات الواردة على أخذ الموضوع ذلك ممّا لا تخفى على المراجع.و كفى‏في الأشكال هو انّه لو كان موضوع علم الأصول ذلك يلزم خروج أكثر مباحثه:من‏مسألة حجيّة خبر الواحد،و مسألة التّعادل و التّراجيح،و مسألة الاستصحاب،وغير ذلك ممّا لا يرجع البحث فيها عمّا يعرض الأدلّة الأربعة،بل يلزم خروج جلّ‏من مباحث الألفاظ،كالمباحث المتعلّقة بمعاني الأمر و النّهى،و مثل مقدمةالواجب،و اجتماع الأمر و النهي،حيث تكون من المبادي التّصوريّة أو التّصديقيّة،أو من مبادئ الأحكام الّتي زادها القوم في خصوص علم الأصول،حيث أضافواإلى المبادي التّصوريّة و التّصديقيّة مبادئ أحكاميّة.و توضيح ذلك:هو انّ لكلّ علم مبادئ تصوريّة،و مبادئ تصديقيّة.و المراد من المبادي‏التّصوريّة هو ما يتوقّف عليه تصوّر الموضوع و اجزائه و جزئياته و تصوّر المحمول‏كذلك.و المراد من المبادي التّصديقيّة هو مما يتوقّف عليه التّصديق و الإذعان‏بنسبة المحمول إلى الموضوع.فمسألة العلم تكون حينئذ،هي عبارة عن المحمولات‏المنتسبة،أو مجموع القضيّة-على الخلاف.و المراد من المبادي الأحكاميّة هو مايتوقف عليه معرفة الأحكام الشّرعيّة:من التّكليفيّة و الوضعيّة بأقسامهما،و كذاالأحوال و العوارض للأحكام:من كونها متضادة،و كون الأحكام الوضعيّة متأصلةفي الجعل،أو منتزعة عن التّكليف،و غير ذلك من حالات الحكم.و وجه اختصاص‏المبادي الأحكاميّة بعلم الأصول،هو انّ منه يستنتج الحكم الشّرعي و واقع في‏طريق استنباطه.ثمّ انّ البحث عن المبادي بأقسامها،ليس من مباحث العلم،بل كان‏حقّها ان تذكر في علم اخر،ممّا كانت المبادي من عوارض موضوعه،إلاّ انّه جرت‏سيرة أرباب العلوم على ذكر مبادئ كلّ علم في نفس ذلك العلم،لعدم تدوينها في‏علم آخر.و على كلّ تقدير يلزم بناء على ان يكون موضوع علم الأصول هوخصوص الأدلّة الأربعة كون كثير من مباحثه اللّفظيّة مندرجة في مبادئ العلم:


28

المبادي الأحكاميّة،أو المبادي التّصديقيّة،أو التّصوّريّة،على اختلاف الوجوه الّتي‏يمكن البحث عنها،مضافا إلى لزوم خروج كثير من مهمّات مسائله عنه،كمسألةحجّية خبر الواحد،و تعارض الأدلّة،و غير ذلك.و ما تكلّف به الشّيخ قده‏في باب حجيّة (1) خبر الواحد،من إدراج تلك المسألة في مسائل علم الأصول‏على وجه يكون البحث فيها بحثا عن عوارض السّنة بما لفظه:«فمرجع هذه المسألةإلى انّ السّنة أعني قول الحجّة أو فعله أو تقريره هل يثبت بخبر الواحد،أم لايثبت إلاّ بما يفيد القطع من التّواتر و القرينة،و من هنا يتّضح دخولها في مسائل‏أصول الفقه،الباحثة عن أحوال الأدلّة إلخ»لا يخلو عن مناقشةفانّ البحث عن ثبوت الموضوع بمفاد كان التّامّة،ليس بحثا عن عوارض‏الموضوع،فانّ البحث عن العوارض يرجع إلى مفاد كان النّاقصة،أي البحث عن‏ثبوت شي‏ء لشي‏ء،لا البحث عن ثبوت نفس الشّي‏ء.هذا ان أريد من السّنة،نفس قول الحجّة،أو فعله،أو تقريره،كما هوظاهر العبارة.و ان أريد من السّنة،ما يعمّ حكايتها،بان يكون خبر الواحد قسما من‏أقسام السّنة،فهو واضح البطلان،بداهة انّ السّنة ليست إلاّ نفس قول الحجّة،أوفعله،أو تقريره.و بالجملة:لا داعي إلى جعل موضوع علم الأصول،خصوص الأدلّةالأربعة،حتّى يلتزم الاستطراد،أو يتكلّف في الإدراج،بل الأولى ان يقال:ان‏موضوع علم الأصول،هو كلّ ما كان عوارضه واقعة في طريق استنباط الحكم‏الشرعي،أو ما ينتهى إليه العمل ان أريد من الحكم الحكم الواقعي،و ان أريدالأعمّ منه و من الظّاهري،فلا يحتاج إلى قيد(أو ما ينتهى إليه العمل)لأنّ المستفاد

1)فرائد الأصول-مباحث الظن-بحث خبر الواحد-بعد قوله قدس سره:«اما المقدمة الأولى...»ص.


29

من الأصول العمليّة أيضا هو الحكم الشّرعي الظّاهري.اللّهم إلاّ ان يكون المرادمن القيد،بعض الأصول العقليّة فتأمل جيّدا.و لا يلزمنا معرفة الموضوع بحقيقته و اسمه،بل يكفى معرفة لوازمه و خواصّه.فموضوع علم الأصول هو الكلّي المتّحد مع موضوعات مسائله،الّتي يجمعها عنوان‏وقوع عوارضها كبرى لقياس الاستنباط،و هذا المقدار من معرفة الموضوع يكفى ويخرج عن كون البحث عن امر مجهول.فظهر من جميع ما ذكرنا:رتبة علم الأصول،و تعريفه،و غايته،و موضوعه.حيث كانت رتبته:هي الجزء الأخير من علّة الاستنباط.و تعريفه:هو العلم‏بالكبريات الّتي لو انضمّ إليها صغرياتها يستنتج حكم فرعيّ.و غايته:الاستنباط.و موضوعه:ما كان عوارضه واقعة في طريق الاستنباط.و إذ فرغنا من ذلك فلنشرع في المقدّمة الّتي هي في مباحث الألفاظ،و فيهامباحث:

المبحث الأول في الوضع‏

اعلم:انّه قد نسب إلى بعض،كون دلالة الألفاظ على معانيها بالطّبع،أي‏كانت هناك خصوصيّة في ذات اللّفظ اقتضت دلالته على معناه،من دون ان‏يكون هناك وضع و تعهد من أحد،و قد استبشع هذا القول،و أنكروا على صاحبه‏أشدّ الإنكار،لشهادة الوجدان على عدم انسباق المعنى من اللّفظ عند الجاهل‏بالوضع،فلا بدّ من ان يكون دلالته بالوضع.ثمّ أطالوا الكلام في معنى الوضع و تقسيمه إلى التّعييني و التّعيّني،مع ماأشكل على هذا التقسيم،من انّ الوضع عبارة عن الجعل و التّعهد و احداث علقةبين اللّفظ و المعنى،و من المعلوم انّ في الوضع التّعيني ليس تعهّد و جعل عقلة،بل‏اختصاص اللّفظ بالمعنى يحصل قهرا من كثرة الاستعمال،بحيث صار على وجه‏ينسبق المعنى من اللّفظ عند الإطلاق.و ربّما فسّر الوضع بمعناه الاسم المصدري،الّذي هو عبارة عن نفس العلقة والاختصاص الحاصل تارة:من التّعهد و أخرى:من كثرة الاستعمال هذا.


30

و لكنّ الّذي ينبغي ان يقال:انّ دلالة الألفاظ و ان لم تكن بالطّبع،إلاّ انّه لم تكن أيضا بالتّعهد من‏شخص خاص على جعل اللفظ قالبا للمعنى،إذ من المقطوع انّه لم يكن هناك تعهّدمن شخص لذلك و لم ينعقد مجلس لوضع الألفاظ،و كيف يمكن ذلك مع كثرةالألفاظ و المعاني على وجه لا يمكن إحاطة البشر بها؟بل لو ادعى استحالة ذلك لم‏تكن بكلّ البعيد بداهة عدم تناهي الألفاظ بمعانيها،مع انّه لو سلّم إمكان ذلك،فتبليغ ذلك التّعهد و إيصاله إلى عامة البشر دفعة محال عادة.و دعوى:انّ التّبليغ و الإيصال يكون تدريجا،ممّا لا ينفع،لأنّ الحاجة إلى‏تأدية المقاصد بالألفاظ يكون ضروريّا للبشر،على وجه يتوقّف عليه حفظ نظامهم،فيسأل عن كيفيّة تأدية مقاصدهم قبل وصول ذلك التّعهد إليهم،بل يسأل عن الخلق‏الأوّل كيف كانوا يبرزون مقاصدهم بالألفاظ،مع انّه لم يكن بعد وضع و تعهّد من‏أحد.و بالجملة:دعوى انّ الوضع عبارة عن التّعهد و احداث العلقة بين اللّفظو المعنى من شخص خاصّ مثل يعرب بن قحطان،كما قيل،ممّا يقطع بخلافها.فلا بدّ ح من انتهاء الوضع إليه تعالى،الّذي هو على كلّ شي‏ء قدير،و به محيط،و لكن‏ليس وضعه تعالى للألفاظ كوضعه للأحكام على متعلّقاتها وضعا تشريعيّا،ولا كوضعه الكائنات وضعا تكوينيا،إذ ذلك أيضا ممّا يقطع بخلافه.بل المراد من‏كونه تعالى هو الواضع انّ حكمته البالغة لمّا اقتضت تكلّم البشر بإبراز مقاصدهم‏بالألفاظ،فلا بدّ من انتهاء كشف الألفاظ لمعانيها إليه تعالى شأنه بوجه،امّا بوحي‏منه إلى نبيّ من أنبيائه،أو بإلهام منه إلى البشر،أو بإبداع ذلك في طباعهم،بحيث‏صاروا يتكلّمون و يبرزون المقاصد بالألفاظ بحسب فطرتهم،حسب ما أودعه اللّه في‏طباعهم،و من المعلوم انّ إيداع لفظ خاص لتأدية معنى مخصوص لم يكن باقتراح‏صرف و بلا موجب،بل لا بدّ من ان يكون هناك جهة اقتضت تأدية المعنى بلفظه‏المخصوص،على وجه يخرج عن التّرجيح بلا مرجح.و لا يلزم ان تكون تلك الجهةراجعة إلى ذات اللّفظ،حتّى تكون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّة،كما ينسب‏


31

ذلك إلى سليمان بن عباد،بل لا بدّ و ان يكون هنا جهة ما اقتضت تأدية معنى‏الإنسان بلفظ الإنسان،و معنى الحيوان بلفظ الحيوان.و على كلّ حال:فدعوى انّ مثل يعرب بن قحطان أو غيره هو الواضع ممّالا سبيل إليها،لما عرفت من عدم إمكان إحاطة البشر بذلك.ثمّ انّه قد اشتهر تقسيم الوضع:إلى الوضع العامّ و الموضوع له العامّ،و إلى‏الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ،و إلى الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ.و ربّمازاد بعض على ذلك الوضع الخاصّ و الموضوع له العام،و لكنّ الظاهر انّه يستحيل‏ذلك،بداهة انّ الخاصّ بما هو خاصّ لا يصلح ان يكون مرآة للعامّ.و من هنا قيل:انّ الجزئي لا يكون كاسبا و لا مكتسبا،و هذا بخلاف العامّ،فانّه يصلح ان يكون‏مرآة لملاحظة الأفراد على سبيل الإجمال.نعم ربّما يكون الخاصّ سببا لتصور العام و انتقال الذهن منه إليه،إلاّ انّه‏يكون حينئذ الوضع عاما كالموضوع له،فدعوى إمكان الوضع الخاصّ و الموضوع له‏العامّ،ممّا لا سبيل إليها.و هذا بخلاف بقيّة الأقسام،فان كلا منها بمكان من‏الإمكان إذ يمكن ان يكون الملحوظ حال الوضع عامّا قابل الانطباق على كثيرين،أو يكون خاصّا.ثمّ ما كان عامّا،يمكن ان يوضع اللّفظ بإزاء نفس ذلك العامّ،فيكون‏الموضوع له أيضا عامّا على طبق الملحوظ حال الوضع،كما انّه يمكن ان يوضع اللفظبإزاء مصاديق ذلك العام و افراده المتصوّرة إجمالا بتصوّر ما يكون وجها لها و هو العامّ‏و تصور الشّي‏ء بوجهه بمكان من الإمكان،فيكون الموضوع له ح خاصّا،هذا.و لكن لا يخفى عليك،انّ هذا صرف إمكان لا واقع له،بداهة انّ الوضع‏العامّ و الموضوع له الخاصّ،يتوقّف تحققه على ان يكون هناك وضع و جعل من‏شخص خاصّ،حتّى يمكنه جعل اللّفظ بإزاء الأفراد،و قد عرفت المنع عن تحقّق‏الوضع بهذا الوجه،و انّه لم يكن هناك واضع مخصوص،و تعهّد من قبل أحد،بل‏الواضع هو اللّه تعالى بالمعنى المتقدّم.و ح فالوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ بالنّسبةإلى الألفاظ المتداولة الّتي وقع النّزاع فيها ممّا لا واقع له.نعم يمكن ذلك بالنّسبة إلى‏


32

المعاني المستحدثة و الأوضاع الجديدة.ثمّ لا يذهب عليك انّ الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ يكون قسما من‏أقسام المشترك اللّفظي،بداهة انّ الموضوع له في ذلك انّما يكون هي الأفراد،و من‏المعلوم تباين الأفراد بعضها مع بعض،فيكون اللّفظ بالنّسبة إلى الأفراد من المشترك‏اللّفظي،غايته انّه لم يحصل ذلك بتعدد الأوضاع،بل بوضع واحد،و لكن ينحلّ في‏الحقيقة إلى أوضاع متعددة حسب تعدّد الأفراد.و بالجملة:لا فرق بين الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ،و بين قوله:كلّما يولد لي في‏هذه اللّيلة فقد سمّيته عليّا،فكما انّ قوله ذلك يكون من المشترك اللّفظي،إذ مرجع‏ذلك إلى انّه قد جمع ما يولد له في اللّيلة في التّعبير،و سمّاهم بعليّ،فيكون من‏المشترك اللّفظي،إذ لا جامع بين نفس المسمّيات،لتباين ما يولد له في هذه اللّيلة،فكذلك الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ.بل يمكن ان يقال:انّ قوله كلّما يولد لي في هذه إلخ يكون من الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ أيضا،غايته انّ الجامع المتصوّر حين الوضع،تارة يكون ذاتيّاللأفراد كما إذا تصوّر الإنسان و جعل اللّفظ بإزاء الأفراد،و أخرى يكون عرضيّاجعليّا،كتصوّر مفهوم ما يولد فتأمّل جيّدا،هذا.و لكن يظهر1من الشيخ قده-على ما في التّقرير-في باب الصّحيح والأعمّ عند تصوّر الجامع بناء على الصحيح،الفرق بين الوضع العامّ و الموضوع له‏1و إليك نصّ ما أفاده صاحب التقريرات:«ان المتشرعة توسعوا في تسميتهم أيها صلاة،فصارت حقيقة عندهم لا عند الشارع من حيث حصول ماهو المقصود من المركب التام من غيره أيضا.كما سموا كلما هو مسكر خمرا و ان لم يكن مأخوذا من العنب مع ان‏الخمر هو المأخوذ منه و ليس بذلك البعيد،و نظير ذلك لفظ الإجماع...»إلى ان قال:«فكان مناط التسمية بالصلاة موجود عندهم في غير ذلك المركب الجامع،فالوضع فيها نظيرالوضع العام و الموضوع له الخاصّ،دون الاشتراك اللفظي».مطارح الأنظار-ص 5-في تصوير الجامع بناء على القول بوضع الألفاظ للصحيح.


33

الخاصّ و بين المشترك اللّفظي هذا.و لكن يمكن ان يكون مراده من المشترك‏اللّفظي في ذلك المقام،هو ما تعدّد فيه الوضع حقيقة،لا ما كان التعدّد بالانحلال،كما في الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ.و على كلّ حال،لا إشكال في ثبوت الوضع العامّ و الموضوع له العامّ كوضع‏أسماء الأجناس،و الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ كوضع الأعلام.و امّا الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ،فقيل:انّه وضع الحروف و ما يلحق‏بها،و قيل:انّ الموضوع له فيها أيضا عامّ،كالوضع.و ربّما قيل:انّ كلاّ من الوضع‏و الموضوع له فيها عامّ،و لكن المستعمل فيه خاصّ.و ينبغي بسط الكلام في ذلك،حيث جرت سيرة الأعلام على التّعرّض لذلك في هذا المقام.فنقول:البحث في الحروف يقع في مقامين:المقام الأوّل:في بيان معاني الحروف و المائز بينها و بين الأسماء.المقام الثّاني:في بيان الموضوع له في الحروف،من حيث العموم والخصوص.

امّا البحث عن المقام الأوّل‏

فقد حكى في المسألة أقوال ثلاثة

القول الأوّل‏

هو انّه لا مائز بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي في هويّة ذاته و حقيقته،لا في الوضع و لا في الموضوع له،بل المعنى الحرفي هو المعنى الاسمي،و كلّ من معنى‏لفظة(من)و لفظة(الابتداء)متّحد بالهوية،و انّ الاستقلاليّة بالمفهوميّة المأخوذة في‏الأسماء،و عدم الاستقلاليّة المأخوذة في الحروف،ليس من مقوّمات المعنى الاسمي‏و المعنى الحرفي.فمرجع هذا القول في الحقيقة إلى انّ كلاّ من لفظ(من)و لفظ(الابتداء)موضوع للمعنى الجامع بين ما يستقلّ بالمفهوميّة،و ما لا يستقلّ،فكان كلّ‏منهما في حدّ نفسه يجوز استعماله في مقام الأخر،إلاّ انّ الواضع لم يجوّز ذلك،و وضع‏لفظة(من)لأن تستعمل فيما لا يستقلّ بان يكون قائما بغيره،و لفظة(الابتداء)لأن‏تستعمل فيما يستقلّ و ما يكون قائما بذاته،فكأنّه شرط من قبل الواضع،مأخوذ في‏


34

ناحية الاستعمال من دون ان يكون مأخوذا في حقيقة المعنى.

القول الثّاني‏

هو انّه ليس للحروف معنى أصلا،بل هي نظير علامات الإعراب من الرّفع‏و النّصب و الجرّ،حيث انّ الأوّل علامة للفاعليّة،و الثّاني علامة للمفعوليّة،والثّالث علامة للمضاف إليه،من دون ان يكون لنفس الرّفع و النّصب و الجرّ معنى‏أصلا،فكذلك الحروف،حيث وضعت لمجرّد العلامة لما أريد من مدخولها حسب‏تعدد ما يراد من المدخول،مثلا الدّار تارة:تلاحظ بما لها من الوجود العيني،الّتي هي‏موجودة كسائر الموجودات التكوينيّة،و أخرى:تلاحظ بما لها من الوجود الأيني‏الّذي هو عبارة عن المكان الّذي يستقرّ فيه الشي‏ء،و كذلك البصرة مثلا تارة:تلاحظ بما لها من الوجود العيني،و أخرى:تلاحظ بما لها من الوجود الأيني،وثالثة:تلاحظ بما انّها مبدأ السّير،و رابعة:تلاحظ بما انّها ينتهى إليها السّير.و من المعلوم:انّه في مقام التّفهم و التّفهم لا بدّ من علامة،بها يقتدر على‏تفهيم المخاطب ما أريد من الدار و البصرة من اللحاظات،فوضع الإعراب علامةلملاحظة الدار بوجودها العيني،فتقع ح مبتدأ أو خبرا فيقال:الدار كذا،أو زيد في‏الدار،و وضعت كلمة(من)للعلامة على انّ الدّار أو البصرة لوحظت كونها مبدأالسّير،و(إلى)علامة كونها ملحوظة منتهى السّير،و كلمة(في)علامة لكونها ملحوظةبوجودها الأيني المقابل لوجودها العيني،فليس لكلمة(من)و(إلى)و(في)معنى‏أصلا،بل حالها حال أداة الإعراب،من كونها علامة صرفة لما يراد من‏مدخولاتها،من دون ان يكون تحت قوالب ألفاظها معنى أصلا.و هذان القولان نسباإلى الرّضي رحمه الله لأن اختلاف عبارته يوهم ذلك.

القول الثّالث‏

هو انّ للحروف معاني ممتازة بالهويّة عن معاني الأسماء،و يكون الاختلاف‏بين الحروف و الاسم راجعا إلى الحقيقة،بحيث تكون معاني الحروف مباينة لمعاني‏الأسماء تباينا كليّا،لا انّ معانيها متّحدة مع معاني الأسماء،و لا انّها علامات‏صرفة ليس لها معاني.و هذا القول هو الموافق للتّحقيق الّذي ينبغي البناء عليه.و


35

توضيح ذلك يقتضى رسم أمور:

الأمر الأوّل:

في شرح ما قيل في معنى الاسم:من انّه ما دلّ على معنى في نفسه أو قائم‏بنفسه،و الحرف ما دلّ على معنى في غيره أو قائم بغيره،و قبل ذلك ينبغي الإشارةإلى ما يراد من المعنى و المفهوم.فنقول:المراد من المعنى و المفهوم هو المدرك العقلاني،الّذي يدركه العقل‏من الحقائق،سواء كان لتلك الحقائق خارج يشار إليه،أو لم يكن،و ذلك المدرك‏العقلاني يكون مجرّدا عن كلّ شي‏ء و بسيطا غاية البساطة،بحيث لا يكون فيه شائبةالتّركيب،إذ التّركيب من المادة و الصّورة انّما يكون من شأن الخارجيّات،و اماالمدركات العقليّة فليس فيها تركيب،بل لا تركيب في الأوعية السّابقة على وعاءالعقل من الواهمة و المتخيّلة بل الحسّ المشترك أيضا،إذ ليس في الحسّ المشترك‏إلاّ صورة الشي‏ء مجرّدا عن المادّة،ثمّ يرقى الشّي‏ء المجرّد عن المادة إلى القوّة الواهمة،ثمّ‏يصعد إلى ان يبلغ صعوده إلى المدركة العقلانية،فيكون الشّي‏ء في تلك المرتبة مجرّداعن كلّ شي‏ء حتّى عن الصّورة،فالمفهوم عبارة عن ذلك المدرك العقلاني الّذي‏لا وعاء له إلاّ العقل،و لا يمكن ان يكون ذلك الشّي‏ء في ذلك الوعاء مركّبا من مادّة وصورة،بل هو بسيط كلّ البساطة.و ما يقال:من انّ الجنس و الفصل عبارة عن الأجزاء العقليّة،فليس المرادانّ المدركات العقليّة مركّبة من ذلك،بل المراد انّ العقل بالنظر الثانوي إلى الشّي‏ءيحكم:بأنّ كلّ مادي لا بدّ و ان يكون له ما به الاشتراك الجنسي،و ما به الامتيازالفصلي،و إلاّ فالمدرك العقلي لا يكون فيه شائبة التّركيب أصلا،فمرادنا من المعنى‏و المفهوم في كلّ مقام،هو ذلك المدرك العقلي.إذا عرفت ذلك فنقول:في شرح قولهم:انّ الاسم ما دلّ على معنى في نفسه،أو قائم بنفسه،هو انّ‏المعنى الاسمي مدرك من حيث نفسه،و له تقرّر في وعاء العقل،من دون ان يتوقف‏إدراكه على إدراك امر اخر،حيث انّه هو بنفسه معنى يقوم بنفسه في مرحلة التّصور و


36

الإدراك،و له نحو تقرر و ثبوت،سواء كان المعنى من مقولة الجواهر،أو من مقولةالأعراض،إذ الأعراض انّما يتوقّف وجودها على محلّ،لا انّ هويّتها تتوقّف على ذلك‏،حتّى الأعراض النّسبيّة،كالأبوة و البنوة،فانّ تصوّر الأعراض النّسبيّة و ان كان‏يتوقّف على تصوّر طرفيها،إلاّ انّه مع ذلك لها معنى متحصّل في حدّ نفسه عند العقل،وله نحو تقرّر و ثبوت في وعاء التّصور و الإدراك.و الحاصل:انّ المراد من كون المعنى الاسميّ قائما بنفسه،هو انّ للمعنى نحو تقرّر وثبوت في وعاء العقل،سواء كان هناك لافظ و مستعمل،أو لم يكن،و سواء كان‏واضع،أو لم يكن،كمعاني الأسماء:من الأجناس و الأعلام،من الجواهر المركّبة والمجرّدات و الأعراض و كل موجود في عالم الإمكان،فانّه كما ان لكل منها نحو تقرّر وثبوت في الوعاء المناسب له من عالم المجردات و عالم الكون و الفساد،فكذلك لكلّ‏منها نحو تقرّر و ثبوت في وعاء العقل عند تصوّرها و إدراكها،من دون ان يكون‏لاستعمال ألفاظها دخل في ذلك،بل معاني تلك الألفاظ بأنفسها ثابتة و متقرّرة عندالعقل في مقام التّصور،كما يشاهد انّ للفظة الجدار مثلا معنى ثابتا عند العقل في‏مرحلة إدراكه و تصوّره على نحو ثبوته العيني التّكويني،من دون ان يتوقف إدراكه‏على وضع و لفظ و استعمال،كما لا توقف لوجوده العيني على ذلك،فهذا معنى‏قولهم:انّ الاسم ما دلّ على معنى قائم بنفسه،إذ معنى كونه قائما بنفسه هو ثبوته‏النّفسي،و تقرّره عند العقل.و امّا معنى قولهم:انّ الحرف ما دلّ على معنى في غيره،أو قائم بغيره،فالمراد منه:هو انّ المعنى الحرفيّ ليس له نحو تقرّر و ثبوت في حدّ نفسه،بل معناه قائم‏بغيره،لا بمعنى انّه ليس له معنى،كما توهّمه من قال انّه ليس للحروف معنى بل‏هي علامات صرفه،بل بمعنى انّ معناه ليس قائما بنفسه و بهويّة ذاته،بل قائم‏بغيره،نظير قيام العرض بمعروضه و ان لم يكن من هذا القبيل،إلاّ انّه لمجرّد التّنظيرو التّشبيه،و إلاّ فللعرض معنى قائم بنفسه عند التّصور،و ان كان وجوده الخارجي‏يحتاج إلى محل يقوم به.


37

و الحاصل:انّ المعنى الحرفيّ يكون قوامه بغيره،و نحو تقرّره و ثبوته بتقرّرالغير و ثبوته،كالنّسبة الابتدائية و الظرفية القائمة بالبصرة و الدّار عند قولنا:سرت من‏البصرة و زيد في الدّار.و لعلّ من توهم انّه ليس للحروف معنى اشتبه من قولهم في‏تعريف الحرف:بأنه ما دلّ على معنى في غيره،فتخيّل انّ مرادهم من ذلك هو انّه‏ليس له معنى،و لكن قد عرفت:انّه ليس مرادهم ذلك،بل مرادهم انّ المعنى الحرفي‏ليس قائما بنفسه نظير قيام المعنى الاسمي بنفسه.و الفرق بين كونه علامة صرفة،و بين كون معناه قائما بغيره،هو انّه بناءعلى العلامة يكون الحرف حاكيا عن معنى في الغير متقرّر في وعائه،كحكاية الرّفع‏عن الفاعليّة الثّابتة لزيد في حدّ نفسه،مع قطع النّظر عن الاستعمال.و هذابخلاف كون معناه قائما بغيره،فانّه ليس فيه حكاية عن ذلك المعنى القائم بالغير،بل‏هو موجد لمعنى في الغير،على ما سيأتي توضيحه إن شاء اللّه تعالى.

الأمر الثاني:

لا إشكال في انّ المعاني المرادة من الألفاظ على قسمين منها:ما تكون‏إخطاريّة،و منها:ما تكون إيجاديّةامّا الأولى:فكمعاني الأسماء حيث انّ استعمال ألفاظها في معانيها يوجب‏إخطار معانيها في ذهن السّامع و استحضارها لديه،و السّر في ذلك هو ما ذكرناه‏من انّ المفاهيم الاسميّة لها نحو تقرّر و ثبوت في وعاء العقل،الّذي هو وعاء الإدراك،فيكون استعمال ألفاظها موجبا لإخطار تلك المعاني في الذّهن.و امّا الثّانية:فكمعاني الحروف حيث انّ استعمال ألفاظها موجب لإيجادمعانيها من دون ان يكون لمعانيها نحو تقرّر و ثبوت مع قطع النّظر عن الاستعمال،بل توجد في موطن الاستعمال،و ذلك ككاف الخطاب و ياء النّداء،و ما شابه ذلك‏،بداهة انّه لو لا قولك يا زيد و إيّاك،لما كان هناك نداء و لا خطاب،و لا يكاديوجد معنى ياء النّداء و كاف الخطاب إلاّ بالاستعمال و قولك يا زيد و إيّاك،فنداءزيد و خطاب عمرو انّما يوجد و يتحقق بنفس القول،فتكون ياء النّداء و كاف‏الخطاب موجدة لمعنى لم يكن له سبق تحقق،بل يوجد بنفس الاستعمال،لوضوح انّه‏


38

لا يكاد توجد حقيقة المخاطبة و النّداء بدون ذلك،فواقعيّة هذا المعنى و هويّته تتوقّف‏على الاستعمال،و به يكون قوامه.و هذا بخلاف معنى زيد،فانّ له نحو تقرّر و ثبوت‏في وعاء التّصور مع قطع النّظر عن الاستعمال،و من هنا صار استعماله موجبالإخطار معناه،بخلاف معنى ياء النّداء و كاف الخطاب،فانّه ليس له نحو تقرّر وثبوت مع قطع النّظر عن الاستعمال.نعم مفهوم النّداء و مفهوم الخطاب له تقرّر في‏وعاء العقل،إلاّ انّه لم توضع لفظة يا و كاف الخطاب بإزائه بل الموضوع بإزاء ذلك‏المفهوم هو لفظة النّداء و لفظة الخطاب،لا لفظة يا و كاف الخطاب،بل هما وضعتالإيجاد النّداء و الخطاب،و هذا في الجملة ممّا لا إشكال فيه.انّما الأشكال في انّ‏جميع معاني الحروف تكون إيجاديّة أولا.ظاهر كلام المحقّق‏1صاحب الحاشية:هواختصاص ذلك ببعض الحروف،و كأنّ منشأ توهّم الاختصاص،هو تخيّل انّ مثل‏(من)و(إلى)و(على)و(في)و غير ذلك من الحروف تكون معانيها إخطاريّة،حيث‏كان استعمالها موجبا لإخطار ما وقع في الخارج من نسبة الابتداء و الانتهاء،مثلافي قولك سرت من البصرة إلى الكوفة تكون لفظة(من)و(إلى)حاكية عمّا وقع في‏1هداية المسترشدين في شرح معالم الدين.الفائدة الثانية من الفوائد التي وضعها في تتمة مباحث‏الألفاظ.ص 22و إليك نصّ ما أفاده قدس سره في هذا المقام:«الثانية:الغالب في أوضاع الألفاظ ان تكون بإزاء المعاني الّتي يستعمل اللفظ فيها،كما هو الحال في‏معظم الألفاظ الدائرة في اللغات،و حينئذ فقد يكون ذلك المعنى امرا حاصلا في نفسه مع قطع النّظر عن اللفظالدال عليه،فليس من شأن اللفظ إلاّ إحضار ذلك المعنى ببال السامع،و قد يكون ذلك المعنى حاصلا بقصده‏من اللفظ من غير ان يحصل هناك معنى قبل أداء اللفظ،فيكون اللفظ آلة لإيجاد معناه و أداة لحصوله و يجري كل‏من القسمين في المركبات و المفردات.»إلى ان قال:«و النوع الأوّل من المفردات معظم الألفاظ الموضوعة،فانها انّما تقضى بإحضار معانيها ببال السامع من غيران تفيد إثبات تلك المعاني في الخارج فهي أعم من ان تكون ثابتة في الواقع أولا.و النوع الثاني منها كأسماء الإشارةو الأفعال الإنشائية بالنسبة إلى وضعها النسبي،و عدة من الحروف كحروف النداء و الحروف المشبّهة بالفعل ونحوها،فانّ كلا من الإشارة و النسبة الخاصّة و النداء و التأكيد حاصل من استعمال هذا،و اضرب،و يا،و انّ،في‏معاينها...»


39

الخارج كحكاية لفظة زيد عن معناه هذا.و لكن الّذي يقتضيه التّحقيق انّ معاني الحروف كلّها إيجاديّة و ليس شي‏ءمنها إخطاريّة.و توضيح ذلك يستدعى بسطا من الكلام في معنى النّسبة و اقسامها.فنقول:انّ النّسبة عبارة عن العلقة و الرّبط الحاصل من قيام إحدى‏المقولات التّسع بموضوعاتها،بيان ذلك هو انّه لمّا كان وجود العرض-في نفسه ولنفسه-عين وجوده-لموضوعه و في موضوعه-لاستحالة قيام العرض بذاته،فلا بدّان تحدث هناك نسبة و إضافة بين العرض و موضوعه،بداهة انّ ذلك من لوازم قيام‏العرض بالموضوع،و عينيّة وجوده لوجوده الّذي يكون هو المصحح للحمل،فانّه لو لاقيام البياض بزيد و اتحاد وجوده بوجوده لما كاد ان يصح الحمل،فلا يقال:زيدأبيض،الا بلحاظ العينيّة في الوجود،إذ لو لا لحاظ ذلك لكان البياض امرا مباينالزيد،و لا ربط لأحدهما بالآخر،و لا يصح حمل أحدهما على الأخر،إذ ملاك الحمل‏هو الاتحاد في الوجود في الحمل الشائع الصناعي،فالإضافة الحاصلة من قيام العرض‏بموضوعه هي المصحح للحمل،إذ بذلك القيام يحصل الاتحاد و العينيّة في الوجود،بل‏الإضافة تحتاج إليها في كلّ حمل،و ان لم يكن من الحمل الشّائع الصّناعي،كقولك:الإنسان حيوان ناطق،و زيد زيد،غايته ان في مثل هذا الحمل لا بدّ من تجريد الموضوع بنحومن التّجريد،حتّى لا يكون من حمل الشّي‏ء على نفسه،إلاّ انّ التّجريد يكون بضرب من‏الجعل و التنزيل،إذ لا يمكن تجريد الشّي‏ء عن نفسه حقيقة،بل لا بدّ من اعتبار التّجريد،حتّى يصح الحمل،و يخرج عن كونه من حمل الشّي‏ء على نفسه.و هذا بخلاف التّجريدفي الحمل الشّائع الصّناعي،فانّ التجريد فيه يكون حقيقيّا ذاتيا،لتغاير ذات زيد وحقيقته عن حقيقة الأبيض،و لا ربط لأحدهما بالآخر لو لا الاتحاد الخارجي.و على كلّ‏حال،فلا إشكال في انّه عند قيام كلّ عرض من أيّ مقولة بمعروضه تحدث إضافة بينهما،وتلك الإضافة هي المعبّر عنها بالنّسبة.ثمّ انّه،لما كان قيام العرض بموضوعه و عينيّة وجوده لوجوده فرع وجوده،بداهة انّ وجوده لنفسه كان عين وجوده لموضوعه،و من المعلوم:انّ عينيّة الوجودلموضوعه متأخّرة بالرتبة عن أصل وجوده،كان أوّل نسبة تحدث هي النّسبة


40

الفاعليّة،الّتي هي واقعة في رتبة الصّدور و الوجود،إذ الفاعل ما كان يوجد عنه‏الفعل على اختلاف الأفعال الصّادرة عنه،فنسبة الفعل إلى الفاعل هي أوّل‏النّسب،و من ذلك تحصل الأفعال الثّلاثة من الماضي و المضارع و الأمر،على ماهي عليها من الاختلاف،إلاّ انّ الجميع يشترك في كون النّسبة فيه نسبة التّحقق والصّدور،و إيجاد المبدأ،فهذه أوّل نسبة تحدث بين العرض و الموضوع،ثمّ بعد ذلك‏تحدث نسبة المشتق،لأنّ المشتقّ انّما يتولّد من قيام العرض بالموضوع و الاتحاد في‏الوجود الموجب للحمل،فيقال:زيد ضارب،و من المعلوم:انّ هذا الاتحاد لمكان‏صدور الضّرب عنه،فالنّسبة الأوليّة الحادثة هي النّسبة الفاعليّة،و في الرتبة الثّانيةتحدث نسبة المشتق،ثمّ بعد ذلك تصل النّوبة إلى نسبة الملابسات من المفاعيل‏الخمسة،من حيث انّ وقوع الفعل من الفاعل لا بدّ و ان يكون في زمان خاصّ،ومكان مخصوص،في حالة خاصّة،فالنّسبة الحاصلة بين الفعل و ملابساته انّما هي‏بعد نسبة الفعل إلى الفاعل و قيامه به و اتّحاده معه المصحّح للحمل،فهذه النّسب‏الثّلاث هي الّتي تتكفّلها هيئة تراكيب الكلام،من قولك:ضرب زيد عمرا،وزيد ضارب،و غير ذلك.ثمّ انّ هناك أدوات اخر تفيد النّسبة،إذ لا يختص ما يفيد النّسبة بهيئات‏التّراكيب،بل الحروف أيضا تفيد النّسبة ك(من)و(إلى)و(على)و(في)و غيرذلك من الحروف الجارّة،فانّ(من)مثلا تفيد نسبة السّير الصّادر من السّائر إلى‏المكان المسير عنه،و(إلى)تفيد النّسبة إلى المكان الّذي يسير إليه،فيقال:سرت من‏البصرة إلى الكوفة،فلو لا كلمة(من)و(إلى)لما كاد يكون هناك نسبة بين السّير والبصرة و الكوفة.و كذا الكلام في كلمة(في)حيث انّها تفيد النّسبة بين الظّرف والمظروف،فيقال:زيد في الدّار،و ضرب زيد في الدار،غايته انّها تارة:تفيد نسبةقيام العرض بالموضوع،فيكون الظّرف مستقرّا،و أخرى:تفيد نسبة ملابسات‏الفعل،فيكون الظّرف لغوا،فمثل زيد في الدّار يكون من الظّرف المستقر،إذ معنى‏قولك:زيد في الدار،هو ان زيدا موجود في الدار و كائن فيها،و هذا معنى قول النحاةفي تعريف الظرف المستقر بأنه ما قدّر فيه:كائن،و مستقرّ،و حاصل،و ما شابه‏


41

ذلك.و ليس مرادهم انّ هناك لفظا منويا في الكلام و مقدّرا فيه،بل الظّرف المستقرّهو بنفسه يفيد ذلك من دون ان يكون هناك تقدير في الكلام،إذ معنى قولك:زيدفي الدّار،هو وجود زيد في الدّار،و انّه كائن فيها.و هذا بخلاف قولك:ضرب زيدفي الدّار،فانّه يفيد نسبة الضّرب الحاصل من زيد إلى الدّار،فالظّرف اللّغو ما أفادنسبة المبدأ إلى ملابسات الفعل بعد فرض تحقّق المبدأ و صدوره عن الفاعل.وهكذا الكلام في كلمة(على)حيث انّها تارة:تفيد نسبة قيام العرض،و أخرى:تفيد نسبة الملابسات،فيقال زيد على السّطح،و ضرب زيد على السّطح،و كذاالكلام في كلمة(من)فانّها تارة يكون الظّرف فيها مستقرّا كقوله صلى اللَّه عليه و آله:حسين‏منّي و انا من حسين،و أخرى:يكون لغوا كقولك:سرت من البصرة،حيث انّهاتفيد نسبة السّير إلى ملابسه من المكان المخصوص.و حاصل الفرق بين الظّرف اللّغو و المستقرّ،هو انّ الظّرف المستقر ماكان بنفسه محمولا كقولك:زيد في الدّار،و الظّرف اللّغو يكون من متمّمات‏الحمل.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ النّسبة على أقسام،و المتكفّل لبيانها أمور:من هيئات التّراكيب،و الحروف الجارة.و ليكن هذا على ذكر منك لعلّه ينفعك في‏مبحث المشتق.إذا عرفت ذلك،فلنرجع إلى ما كنّا فيه من انّ الهيئات و الحروف المفيدةللنّسبة أيضا تكون معانيها إيجادية لا إخطاريّة.فنقول:قد تقدّم انّ منشأ توهّم ذلك هو تخيّل انّ هذه الحروف انّما تكون حاكيةعن النّسبة الخارجية المتحقّقة من قيام إحدى المقولات بموضوعاتها،و من هنا تتصف‏بالصّدق و الكذب،إذ لو لا حكايتها عن النّسبة الخارجيّة لما كانت تتصف بذلك،بداهة انّ الإيجاديّات لا تتصف بالصّدق و الكذب،بل بالوجود و العدم،و مايتّصف بالصّدق و الكذب هي الحواكي،حيث انّه ان طابق الحاكي للمحكي‏يكون الكلام صادقا،و إلاّ فلا،فكلمة(من)في قولك سرت من البصرة إلى الكوفةتكون حاكية عن النسبة الخارجية الواقعة بين السّير و البصرة و مخطرة لها في ذهن‏


42

السّامع.هذا و لكن التّحقيق:انّ معاني الحروف كلّها إيجاديّة حتّى ما أفاد منها النّسبةو بيان ذلك:هو انّ شأن أدوات النّسبة ليس إلاّ إيجاد الرّبط بين جزئيّ‏الكلام،فانّ الألفاظ بما لها من المفاهيم متباينة بالهويّة و الذات،لوضوح مباينة لفظزيد بما له من المعنى للفظ القائم بما له من المعنى،و كذا لفظ السّير مباين للفظ الكوفةو البصرة بما لها من المعنى،و أداة النّسبة انّما وضعت لإيجاد الربط بين جزئيّ‏الكلام بما لهما من المفهوم،على وجه يفيد المخاطب فائدة تامّة يصح السّكوت عليها،فكلمة(من)و(إلى)انّما جي‏ء بهما لإيجاد الرّبط،و احداث العلقة بين السّير و البصرةو الكوفة الواقعة في الكلام،بحيث لو لا ذلك لما كان بين هذه الألفاظ ربط و علقةأصلا.ثمّ بعد إيجاد الرّبط بين جزئيّ الكلام بما لهما من المفهوم،يلاحظ المجموع‏من حيث المجموع،أي يلاحظ الكلام بما له من النّسبة بين اجزائه،فان كان له‏خارج يطابقه يكون الكلام صادقا،أي كانت النّسبة الخارجيّة على طبق النّسبةالكلامية،و إلاّ يكون الكلام كاذبا،و ذلك فيما إذا لم تطابق النّسبة الكلامية للنسبةالخارجيّة،و أين هذا من كون النّسبة الكلاميّة حاكية عن النّسبة الخارجيّة؟بل النّسبة الكلاميّة انّما توجد الرّبط بين اجزاء الكلام،و المجموع المتحصّل يكون‏امّا مطابقا للخارج،أو غير مطابق.و فرق واضح بين كون النّسبة الكلاميّة حاكيةعن النّسبة الخارجيّة و مخطرة لها في ذهن السّامع و بين ان تكون النّسبة موجدةللرّبط بين اجزاء الكلام،و يكون المجموع المتحصّل من جزئيّ الكلام بما لهما من‏النّسبة له خارج يطابقه أو لا يطابقه،فظهر:انّ الحروف النّسبية أيضا تكون معانيهاإيجاديّة لا إخطاريّة.

الأمر الثّالث:

قد ظهر ممّا ذكرنا وجه المختار من امتياز معاني الحروف بالهويّة عن معاني‏الأسماء تمايزا كليّا،لمّا تقدّم:من انّ معاني الأسماء متقررة في وعاء العقل،ثابتة


43

بأنفسها،مع قطع النّظر عن الاستعمال،بخلاف معاني الحروف،فانها معان إيجاديّةتتحقّق في موطن الاستعمال،من دون ان يكون لها سبق تحقق قبل الاستعمال،نظيرالمعاني الإنشائيّة الّتي يكون وجودها بعين إنشائها،كإيجاد الملكيّة بقوله بعت،حيث‏انّه لم يكن للملكية سبق تحقق مع قطع النّظر عن الإنشاء،و معاني الحروف تكون‏كذلك بحيث كان وجودها بنفس استعمالها،و ان كان بين الإنشائيّات والإيجاديّات فرق على ما سيأتي بيانه،فالحروف وضعت لإيجاد معنى في الغير،على‏وجه لا يكون ذلك الغير واجدا للمعنى من دون استعمال الحرف،كما لا يكون زيدمنادى من دون قولك يا زيد،و يكون النّسبة بين ما يوجده الحرف من المعنى و بين‏المعاني الاسميّة المتقرّرة في وعاء العقل نسبة المصداق إلى المفهوم.مثلا يكون النّداء مفهوم متقرّر عند العقل مدرك في وعاء التّصور و هو من‏هذه الجهة يكون معنى اسميّا،و قد جعل لفظة النداء بإزائه،و امّا النّداء الحاصل‏من قولك يا زيد،فهو انّما يكون مصداقا لذلك المفهوم،و يتوقّف تحقّقه على التّلفظ بقولك‏يا زيد،بحيث لا يكاد يوجد مصداق النّداء و صيرورة زيد منادى إلاّ بقولك يا زيد،فلفظة(ياء النّداء)انّما وضعت لإيجاد مصداق النّداء،لا انّها وضعت بإزاء مفهوم‏النّداء،كما يدعيّه من يقول بعدم الفرق بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي،و كذاالحال في سائر الحروف،حيث انّها بأجمعها وضعت لإيجاد المصاديق.مثلا لفظة(الابتداء)وضعت بإزاء المفهوم المتقرّر عند العقل،و امّا لفظة(من)فلم توضع بإزاءذلك المفهوم،بل وضعت لإيجاد نسبة ابتدائية بين المتعلّقين.و قول النّحاة:من انّ‏(من)وضعت للابتداء لا يخلو عن تسامح،بل حقّ التّعبير ان يقال:انّ لفظة(من)وضعت لإيجاد النّسبة الابتدائية،و تلك النّسبة الابتدائية الّتي توجدهما لفظة(من)لا يكاد يمكن ان يكون لها سبق تحقّق في عالم التّصوّر نعم يمكن تصوّرها بوجه ما،أي‏بتوسط المفاهيم الاسميّة،كان يتصوّر الواضع النّسبة الابتدائية الكذائية الّتي توجدبين السّير و البصرة،و هذه كلّها مفاهيم اسميّة قد توصل بها إلى معنى حرفي فوضع‏لفظة(من)بإزاء ذلك المعنى الحرفي المتصوّر بتلك المفاهيم.فتحصل:انّ النّسبة بين المعاني الحرفية و المعاني الاسمية،هي النّسبة بين‏


44

المصداق و المفهوم،و كم بين المفهوم و المصداق من الفرق،بداهة تغاير المفهوم والمصداق بالهويّة،و بالأثر و الخاصّية،إذ المفهوم لا موطن له الا العقل،و موطن‏المصداق هو الخارج،و لا يعقل اتحاد ما في العقل مع ما في الخارج الا بالتجريد وإلقاء الخصوصيّة،و لا يمكن إلقاء الخصوصيّة في الحرف،لأنّ موطنه الاستعمال وهو قوامه،فالتّجريد و إلقاء الخصوصيّة يوجب خروجه عن كونه معنى حرفيا،هذابحسب الهويّة.و كذا الحال في الآثار و الخواصّ،فانّ الرّافع للعطش مثلا مصداق‏الماء،لا مفهومه،و المحرق هو مصداق النّار،لا مفهومها.و حاصل الكلام:انّ الحروف بأجمعها،و ما يلحق بها ممّا يتكفل معنى نسبيّا رابطيا،انّماوضعت لإيجاد مصاديق الرّبط و النّسبة،على ما بين النّسب و الرّوابط من‏الاختلاف من النّسبة الابتدائية و الانتهائية و الظّرفيّة و غير ذلك،و الأسماءوضعت بإزاء مفاهيم تلك الرّوابط،فلا ترادف بين لفظة(ياء)النّداء و بين لفظة(النّداء)بما لهما من المعنى،و لا يصحّ حمل أحدهما على الأخر،لأنّ لفظة(يا)موجدةلمعنى في الغير،و لفظة(النّداء)حاكية عن معنى متقرّر في وعائه.و لا يتوهّم انّه لو كانت نسبة المعنى الحرفي للمعنى الاسميّ نسبة المصداق‏إلى المفهوم لكان اللاّزم صحّة حمل أحدهما على الأخر،كصحّة حمل الإنسان على‏زيد،فلازمه صحّة حمل(النّداء)على(ياء).و ذلك لأنّ صحّة الحمل في قولك زيد إنسان انّما هو لأجل حكاية زيد عن‏معنى متّحد في الخارج مع الإنسان،و هذا بخلاف(يا)فانّها ليست حاكية عن‏معنى متّحد مع(النّداء)بل هي موجدة لمعنى في الغير.نعم ما يوجد بياء النّداءيحمل عليه انّه نداء من باب حمل الكلّي على المصداق فتأمل في المقام جيّدا.

الأمر الرّابع:

قد ظهر ممّا ذكرنا انّ قوام المعنى الحرفيّ يكون بأمور أربعة:الأوّل:ان يكون المعنى إيجاديّا،لا إخطاريّا.الثّاني:ان يكون المعنى قائما بغيره لا بنفسه،كالمعاني الموجدة في باب العقود


45

و الإيقاعات،على ما يأتي بيانه.الثّالث:ان لا يكون لذلك المعنى الإيجاديّ نحو تقرّر و ثبوت بعد إيجاده،بل‏كان إيجاده في موطن الاستعمال،و يكون الاستعمال مقوّما له،و يدور حدوثه وبقائه مدار الاستعمال.الرّابع:ان يكون المعنى حين إيجاده مغفولا عنه غير ملتفت إليه،و هذا لازم‏كون المعنى إيجاديّا و كون موطنه الاستعمال،بداهة انّه لو كان المعنى الحرفي بما انّه‏معنى حرفيّا ملتفتا إليه قبل الاستعمال أو حين الاستعمال لما كان الاستعمال‏موطنه،بل كان له موطن غير الاستعمال،إذ لا يمكن الالتفات إلى شي‏ء من دون ان‏يكون له نحو تقرّر في موطن،فحيث انّه ليس للمعنى الحرفي موطن غير الاستعمال،فلا بدّ من ان يكون غير ملتفت إليه و مغفولا عنه حين الاستعمال،نظير الغفلة عن‏الألفاظ حين تأدية المعاني بها لفناء اللّفظ في المعنى و كونه مرآة له،و لا يمكن‏الالتفات إلى ما يكون فانيا في الشّي‏ء حين الالتفات إلى ذلك الشّي‏ء،كما لا يمكن‏الالتفات إلى الظّل حين الالتفات إلى ذي الظّل و المرآة حين الالتفات إلى المرئي.و بالجملة:لما كان قوام المعنى الحرفي هو الاستعمال،و لا موطن له سواه،فلا بدّ من ان‏يكون المعنى غير ملتفت إليه،بل يوجد مصداق النّداء بنفس قولك يا زيد مثلا،من‏دون ان يكون هذا المصداق ملتفتا إليه عند القول،إذ قوامه بنفس القول،فكيف‏يكون له سبق التفات.نعم ما يكون ملتفتا إليه هو تنبيه زيد و إحضاره و ما شابه‏ذلك،و هذه كلّها معاني اسميّة،و المعنى الحرفي هو ما يتحقّق بقولك يا زيد،و لا يمكن‏سبق الالتفات إلى ما لا وجود له إلاّ بالقول كما لا يخفى.فهذه أركان أربعة بها يتقوّم‏المعنى الحرفي و يمتاز عن المعنى الاسمي.و بذلك يظهر الفرق بين المعاني الإيجاديّة في باب الحروف،و المعاني‏الإيجادية في باب المنشآت بالعقود و الإيقاعات.و توضيح ذلك:هو انّ للصّيغ الإنشائية كبعت و طالق جزء ماديّا و جزء صوريّا.امّا


46

الجزء المادي:فهو مبدأ الاشتقاق،و هو معنى اسمي و له مفهوم متقرّر في وعاءالعقل.و امّا الجزء الصّوري فهو عبارة عن الهيئة الّتي وضعت لإيجاد انتساب المبدأإلى الذات،و امّا الأخباريّة و الإنشائية فهما خارجان عن مدلول اللّفظ،و انّمايستفادان من المقام و السّياق و قرائن الحال،لا انّ لفظ بعت مثلا يكون مشتركا بين‏الأخباريّة و الإنشائية.و حينئذ إذا كان المتكلّم في مقام الأخبار بحيث استفيد من‏السّياق انّه في ذلك المقام،كان اللّفظ موجبا لإخطار المعنى في الذّهن من دون ان‏يوجد باللّفظ معنى أصلا،كما في الأسماء،و إذا كان المتكلّم في سياق الإنشاء فائضايكون موجبا لإخطار المعنى في ذهن السّامع،إلاّ انّه مع ذلك يكون موجدا للمنشإ من‏الملكيّة،و موجبا لإيجاد شي‏ء لم يكن قبل التلفظ ببعت من ملكيّة المشتري للمال،و لكن الّذي يوجده اللّفظ امر متقرّر في حدّ نفسه،لا انّ تقرّره يكون منحصرا في‏موطن الاستعمال،بل بالاستعمال يوجد معنى متقرّر في الوعاء المناسب له من‏وعاءات الاعتبار،حيث كانت الملكيّة من الأمور الاعتباريّة.و الحاصل:انّ استعمال صيغ العقود في معانيها يوجب حدوث امر لم يكن‏إذا كان في مقام الإنشاء،و امّا بقاء ذلك الأمر فلا يدور مدار الاستعمال،بل يدورمدار بقاء وعائه من وعاء الاعتبار،فملكيّة المشتري للمال تبقى ببقاء الاعتبار،ولا تدور مدار بقاء الإنشاء و الاستعمال،بل الملكيّة هي بنفسها متقرّرة بعد الإنشاء،و هذا بخلاف المعنى الموجد بالحرف،فانّ المعنى الحرفي قراره و قوامه يكون في موطن‏الاستعمال،بحيث يدور مدار الاستعمال حدوثا و بقاء،مثلا(من)في قولك سرت‏من البصرة إلى الكوفة انّما توجد الرّبط و النّسبة بين لفظة السّير بما لها من المفهوم،ولفظة البصرة كذلك،و من المعلوم:انّ هذا الرّبط يدور مدار الاستعمال،فما دام‏متشاغلا بالاستعمال يكون الرّبط محفوظا،و بمجرّد خروج المتكلّم عن موطن‏الاستعمال ينعدم الرّبط،و كذلك النّداء في قولك:يا زيد انّما يكون قوامه بنفس‏الاستعمال،و يكون قائما بقولك:يا زيد،و ليس للنداء الحاصل من القول نحو تقرّرو ثبوت في وعاء من الأوعية غير وعاء الاستعمال،بخلاف الملكيّة الحاصلة من قولك‏بعت،حيث انّ لها تقرّرا في وعاء الاعتبار،فالمعنى الحرفي حدوثا و بقاء متقوّم‏


47

بالاستعمال.و بالجملة:هناك فرق بين المعنى المنشأ بقولك بعت،و المعنى الموجد بهيئةبعت،فان الهيئة انّما توجد النّسبة بين المبدأ و الفاعل،و هذا قوامه بالاستعمال،فمادام متشاغلا بقوله بعت تكون النّسبة بين المبدأ و الفاعل محفوظة،و بمجرّد الخروج‏عن موطن الاستعمال تنعدم النّسبة،و يكون لفظ البيع بما له من المعنى مباينا للبائع‏من دون ان يكون بينهما ربط،و هذا بخلاف الموجد بالإنشاء،فانّه لا يقوم‏بالاستعمال و ان كان يوجد بالاستعمال،بل يقوم في الوعاء المناسب له.فتحصل:ان صيغ العقود و ان اشتركت مع الحروف في إيجادها المعنى،إلاّ انّها تفترق عنها في انّ المعنى الحرفي يكون قائما بغيره و المعنى الإنشائي يكون‏قائما بنفسه،و المعنى الحرفي لا موطن له إلاّ الاستعمال و المعنى الإنشائي موطنه‏الاعتبار،و المعنى الحرفي مغفول عنه عند الاستعمال و المعنى الإنشائي ملتفت إليه‏فتأمل جيّدا.و إذا عرفت مباينة المعنى الحرفي للمعنى الاسمي،ظهر لك ضعف ما قيل:من انّه ليس للحروف معنى أصلا بل انّما هي علامات لإفادة ما أريد من‏متعلّقاتها،كما حكى نسبة ذلك إلى الشّيخ الرّضي ره.وجه الضّعف:هو انّ العلامة لم تحدث في ذي العلامة معنى يكون فاقدا له‏لو لا العلامة،بل يكون ذو العلامة على ما هو عليه،و تكون العلامة لمجرّد التّعريف،و شأن الحروف ليس كذلك لوضوح انّها تحدث معنى في الغير كان فاقدا له لو لادخول الحرف عليه،بداهة انّ زيدا لم يكن منادى و يصير منادى بسبب يا النّداء،ومع ذلك كيف يمكن القول بأنها علامة؟و كذلك ظهر ضعف ما قيل أيضا:من انّه لا مائز بين معاني الحروف ومعاني الأسماء في ناحية الوضع و الموضوع له،و انّما لم يصح استعمال أحدهما مكان‏الأخر،لاعتبار الواضع قيد(ما قصد لنفسه)في الأسماء في ناحية الاستعمال،و(ما قصد لغيره)في الحروف في تلك النّاحية.و بعبارة أخرى:الأسماء وضعت لتستعمل في المعاني الاستقلاليّة،و


48

الحروف وضعت لتستعمل في المعاني الغيريّة،فلا مائز بين المعنى الحرفي و المعنى‏الاسمي بالهويّة.وجه الضّعف:هو انّ صاحب هذا القول تتركّب دعواه من امرين:الأوّل:دعوى انّ كلاّ من الحرف و الاسم وضع للقدر المشترك،بين مايستقلّ بالمفهوميّة،و ما لا يستقلّ.الثّاني:دعوى كون عدم صحّة استعمال الحرف في مقام الاسم وبالعكس انّما هو لأجل منع الواضع عن ذلك في مقام الاستعمال و أخذ كلّ من قيدالآليّة و الاستقلاليّة شرطا في ناحية الاستعمال،و لكن لا يخفى فساد كلّ من‏الأمرين.امّا الأوّل:فلأنّ المعنى في حاق هويّته،امّا ان يستقل بالمفهوميّة،و امّا ان‏لا يستقل،فالأمر يدور بين النّفي و الإثبات من دون ان يكون في البين جامع،إذليس في المعنى تركيب من جنس و فصل حتّى يتوهّم وضع كلّ من الحرف و الاسم‏بإزاء الجنس،و تكون الآليّة و الاستقلاليّة من الفصول المنوعة للمعنى كالناطقيةو الصاهلية،لما تقدّم في الأمر الأوّل من انّ المعنى بسيط غاية البساطة،ليس فيه‏شائبة التّركيب،و عليه يبتنى عدم الدلالة التضمنيّة،كما نوضحه في محلّه إن شاء اللّه‏فالمعاني في وعاء العقل،كالأعراض في وعاء الخارج في كونها بسيطةلا تركيب فيها،و لذا كان ما به الامتياز فيها عين ما به الاشتراك،كما في السّواد والبياض،أو السّواد الشّديد و الضّعيف،حيث كان امتياز السّواد الشّديد عن‏الضّعيف بنفس السّواد،و كذا امتياز السّواد عن البياض انّما يكون بهويّة ذاته‏لا بالفصول المنوعة،كما في المركبات،بل السّواد بما انّه لون يمتاز عن البياض في حدّذاته،و كذا الشّديد و الضّعيف مع اشتراكهما في الحقيقة يمتاز ان بنفس الحقيقة،من دون ان يكون هناك مائز خارجيّ،هذا حال الأعراض.و كذا الحال في المعاني،حيث انّ المعاني عبارة عن المدركات العقليّة الّتي لا موطن لها إلاّ العقل و هي من‏أبسط البسائط،و امتياز بعضها عن بعض يكون بنفس الهويّة،لا بالفصول المنوعة،وليس لها جنس و فصل،فدعوى كون ألفاظ الحروف و الأسماء موضوعة للقدر


49

الجامع بين الآليّة و الاستقلاليّة ممّا لا محصّل لها،إذ لا يعقل ان يكون المعنى لا مستقلّ‏و لا غير مستقل،فانّه يكون من ارتفاع النقيضين،فتأمل جيّدا.و امّا الثّاني:فهو أوضح فسادا لما فيه.أوّلا:من انّ ذلك مبنى على ان يكون للألفاظ واضع خاصّ حتى يتأتّى منه‏اشتراط ذلك،و قد تقدّم امتناع ذلك في أوّل المبحث،مع انّه لو فرض ثبوت واضع‏خاصّ فمن المقطوع انّه لم يشترط ذلك في مقام الوضع،لأنّ ذلك خارج عن وظيفةالواضع،إذ وظيفة الواضع انّما هو تعيين مداليل الألفاظ،لا تعيين تكليف على‏المستعملين،لأنّه لا ربط للاستعمال بالواضع.و ثانيا:هب انّ الواضع اشترط ذلك،و فرض انّ هذا الشّرط ممّا يلزم‏العمل به،فما الّذي يلزم من مخالفة الشّرط باستعمال الحروف مقام الأسماء،إذ غايةما يلزم هو مخالفة الواضع،و هذا لا يوجب كون الاستعمال غلطا،إذ لا يقصر عن‏المجاز،بل ينبغي ان يكون هذا أولى من المجاز،لأنّ المجاز استعمال اللفظ في غير ماوضع له،و هذا استعمال في ما وضع له،غايته انه على غير جهة ما وضع له،و هذالا يوجب استهجان الاستعمال،مع انّه من الواضح استهجان استعمال كلمة(من)في مقام كلمة(الابتداء)و(إلى)في مقام(الانتهاء)و(في)في مقام(الظّرفيّة).الا ترى:انّه لو أراد المتكلّم ان يتكلم بألفاظ مفردة بلا نسبة،يصحّ ان‏يتكلّم بلفظة الابتداء،و الانتهاء،و الظّرف،و النّداء،و الخطاب،و غير ذلك من‏الألفاظ المفردة الّتي يكون لكلّ منها معنى متحصل في نفسه،بحيث يسبق إلى ذهن‏السّامع لتلك الألفاظ معانيها،و لا يصح ان يقال للمتكلّم:انّه ليس لمفردات كلامه‏معنى متحصّل،و ان صحّ ان يقال له:انّه ليس لكلامه نسبة يصح السكوت عليها.وهذا بخلاف التكلّم بلفظة(من)و(إلى)و(في)و(يا)و(كاف)و غير ذلك من‏الحروف،فأنّه لا يسبق إلى ذهن السّامع من هذه الألفاظ معنى أصلا،و يصحّ ان يقال‏للمتكلّم بذلك:انّه ليس لمفردات كلامه معنى،بل يعدّ هذا الوجه من التكلّم مستهجناو مستبشعا،فهذا أقوى شاهد على مباينة الحروف للأسماء،و عدم اتّحاد معاينهما،بداهة انّ الاتّحاد في المعنى يوجب صحّة استعمال كلّ منهما في مقام الأخر،و


50

المفروض انّه لا يصح،فلا بدّ من ان يكون هناك مائز بينهما على وجه يختلف هويةكلّ منهما عن هوية الأخر،بحيث لا يصح استعمال كلّ منهما في مقام الأخر و لو على‏نحو المجازيّة،لعدم ثبوت علاقة بين المعنيين مصحّحة للاستعمال.فتحصل‏من جميع ما ذكرنا انّه لا جامع بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي،و انّ‏الحروف وضعت لإيجاد معنى في الغير بالقيود الأربعة المتقدّمة،و الأسماء وضعت‏بإزاء المفاهيم المقرّرة في وعاء العقل،فتأمّل في المقام فانّه ممّا زلّت فيه الأقدام.و بما ذكرنا ظهر:الخلل في ما عرّف به الحرف،من انّه ما دلّ على معنى في‏الغيروجه الخلل:هو انّ الدلالة تستدعى ثبوت المدلول و تقرّره،و المفروض انّه‏ليس للمعنى الحرفي تقرّر و ثبوت.و نحن لم نجد في تعاريف القوم ما يكون مبيّنالحقيقة المعنى الحرفي،على وجه يكون جامعا لأركانه الأربعة،إلاّ ما روى‏1عن‏أمير المؤمنين عليه السّلام من قوله:الاسم ما أنبأ عن المسمى،و الفعل ما أنبأ عن‏حركة المسمى،و الحرف ما أوجد معنى في غيره،على بعض النّسخ،و في بعض‏آخر:و الحرف ما أنبأ عن معنى ليس بفعل و لا اسم،و الظّاهر ان يكون الأوّل هوالصّحيح،لأنّه هو المناسب لأن يكون عن إفاداته عليه السلام الّتي يفتتح منها الف باب،و1نقلت هذه الرواية من مآخذ متعددة بعبارات مختلفة:منها:فالاسم ما أنبأ عن المسمى و الفعل ما أنبأ به و الحرف ما جاء لمعنى.و منها:فالاسم ما دلّ على المسمى و الفعل ما دلّ على حركة المسمى و الحرف ما أنبأ عن معنى و ليس باسم‏و لا فعل.و منها:الاسم ما أنبأ عن المسمى و الفعل ما أنبأ حركة المسمى و الحرف ما أوجد معنى في غيره.راجع لتحقيق مأخذ هذه الرواية«تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام»تصنيف العالم الجليل السيد حسن‏الصدر.ص 46 إلى 61و صنف العالم الجليل السيد علي البهبهاني(ره)كتابا مستقلا في تحقيق معنى الرواية و سماه(بالاشتقاق)وذكر فيه:«الرواية مشتهرة بين أهل العربيّة اشتهار الشمس في رابعة النهار».


51

قد جمع عليه السلام في هذا الحديث تمام علم النّحو،و من هنا اعترف المخالف بأنه‏عليه السّلام هو المبتكر لعلم النّحو،و لا بأس بشرح الحديث المبارك على وجه‏الاختصار.فنقول:امّا قوله عليه السّلام الاسم ما أنبأ عن المسمّى،فهو عين ما ذكرناه:من انّ‏المعاني الاسمية إخطاريّة،و الأسماء وضعت لإخطار تلك المعاني في الذّهن،فانّ‏الإنباء بمعنى الإظهار و الإخطار.و امّا قوله عليه السلام:و الحرف ما أوجد معنى في غيره فكذلك أي انّه منطبق على‏ما ذكرناه:من انّ معاني الحروف إيجاديّة بقيودها الأربعة،إذ لازم كونه ما أوجدمعنى في غيره،هو ان يكون المعنى إيجاديّا،و ان يكون ذلك المعنى قائما في غيره،و ان‏لا يكون له موطن غير الاستعمال،و ان يكون مغفولا عنه،على ما عرفت:من انّ‏القيدين الأخيرين من لوازم كون المعنى في الغير.و امّا قوله عليه السلام:و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى،فتوضيحه يتوقّف على‏معرفة حقيقة معنى الفعل،و ما يكون المائز بينه و بين الاسم و الحرف،إذ ربّمايستشكل في تصوير معنى لا يكون باسم و لا حرف،مع ان الفعل مركب من مادة وهيئة،و المادة معنى اسمي،و الهيئة معنى حرفي،فالفعل يكون مركّبا من اسم وحرف،و ليس خارجا عنهما،فما وجه تثليث الأقسام؟و جعل الفعل مقابلاللاسم و الحرف؟و ليس تثليث الأقسام من كلام النّحويين حتّى يقال:أخطئوافي تثليث الأقسام،بل هو من كلام أمير المؤمنين عليه السلام الّذي كلامه ملوك الكلام،فلا بد من بذل الجهد لمعرفة معنى يقابل المعنى الاسمي و المعنى الحرفيّ،بان يكون‏متوسّطا بين المعنيين،و لا بدّ أوّلا من معرفة مبدأ الاشتقاق و الأصل فيه.فنقول:انّه قد اختلفت الكلمات في مبدأ الاشتقاق،فقيل:انّه المصدر،و قيل:انه اسم المصدر،و الحقّ انّه لا هذا و لا ذاك.و ذلك،لأنّ مبدأ الاشتقاق لا بدّ ان يكون امرا محفوظا في تمام الهيئات‏الاسميّة و الفعليّة،و يكون بالنّسبة إليها من قبيل المادة و الصّورة،فلا بدّ ان يكون‏


52

مبدأ الاشتقاق معرّى عن الهيئة،حتى يكون معروضا لكلّ هيئة،و من المعلوم انّ‏لكلّ من المصدر و اسم المصدر هيئة تخصّه،و يكون ما يستفاد من اسم المصدر بهيئته‏مباينا لما يستفاد من المصدر بهيئته،كالغسل و الغسل،فلا يمكن ان يكون مبدأالاشتقاق المصدر أو اسم المصدر1بل لا بدّ من ان يكون مبدأ الاشتقاق امرامعرى عن الهيئة قابلا لعروض كلّ هيئة عليه،كالضّاد و الرّاء و الباء في‏ضرب،و لا يمكن ان يتلفظ به،لأنّ كلّ ملفوظ لا بدّ ان يكون ذا هيئة.و حاصل الكلام:انّ مبدأ الاشتقاق لا بدّ ان يكون امرا غير متحصّل في‏عالم اللّفظ و المعنى،و يكون تحصّله في كلتا المرحلتين بواسطة الهيئة،فنسبة المبدأ إلى‏الهيئات كنسبة المادّة إلى الصّور النّوعيّة،حيث انّ المادّة تكون صرف القوّة،و يكون فعليّتها بالصّور النّوعيّة،كذلك مبدأ الاشتقاق يكون معنى غير متحصّل‏بالذات،و يكون في عالم المفهوميّة صرف قوّة،و يتوقّف فعليّته و تحصّله على الهيئة،فمبدأ الاشتقاق في الأفعال أسوأ حالا من الحروف،إذ الحروف و ان لم يكن لها معنى‏في حدّ أنفسها،و لكن يمكن التّلفظ بها.و هذا بخلاف مبدأ الاشتقاق فانّه لا يمكن‏التّلفظ به،كما عرفت،إلاّ بتوسط الهيئات،و سيأتي مزيد توضيح لذلك في بحث‏المشتق إن شاء اللّه تعالى.ثمّ انّ الهيئات اللاّحقة المبدإ الاشتقاق‏منها:ما يكون مفادها معنى إفراديّا استقلاليّا لا يحتاج في تحصّله إلى ضمّ نسبةتركيبيّة،و ذلك كالأسماء المشتقّة كضارب و مضروب،و ما شابه ذلك،فانّ لكلّ‏منها معنى إفراديّا استقلاليّا متحصّلا بهويّة ذاته بلا ضمّ نسبة،على ما هو الحقّ من‏بساطة معاني الأسماء المشتقّة،كما يأتي تفصيله.فللضّارب معنى متحصّل إفراديّ‏اسمي،و التّلفظ به موجب لإخطار ذلك المعنى في الذّهن،و من هنا صار معربا يقبل‏1و ربّما يظهر من بعض الكلمات انّ مبدأ الاشتقاق هو اسم المصدر و لا دخل لهيئته في معناه،و انّماتكون الهيئة حافظة للمادة،بخلاف هيئات سائر المشتقات،فانّ لها دخلا في المعنى،فتأمل-منه.


53

الحركات الإعرابية،إذ لو كان مفاد هيئته معنى حرفيّا لكان مبنيّا و لم يقبل‏الحركات الإعرابية،إذ لو كان مفاد هيئته معنى حرفيّا لكان مبنيّا و لم يقبل‏الحركات الإعرابيّة،كما هو الشّأن في هيئات الأفعال،حيث كان مفادها معنى‏حرفيّا،و لأجل ذلك صارت مبنيّة.و ليس مفاد هيئة ضارب نسبة تركيبيّة،حتّى‏يكون معنى ضارب هو ذات ثبت لها الضّرب كما زعم من يقول:بأنّ المشتقّات‏مركّبة.و منها:ما يكون مفادها معنى حرفيا نسبيّا،و ذلك كهيئات الأفعال من الماضي والمضارع و الأمر،فانّ هيئاتها تفيد معنى نسبيّا أعني انتساب المبدأ إلى الذات،فهيئات الأفعال تغاير هيئات الأسماء،حيث كان مفاد هيئات الأفعال النّسبة،وهيئات الأسماء معرّاة عن النّسبة.إذا عرفت ذلك‏ظهر لك:تغاير معاني الأفعال لمعاني الأسماء و الحروف،و انّ الفعل له‏معنى متوسط بين الاسم و الحرف،فانّ له حظّا من المعنى الاسمي،حيث يكون‏موجبا لإخطار المعنى في الذّهن عند إطلاق لفظ الفعل،و يكون له معنى استقلالي‏تحت قالب لفظه،غايته انّه ليس بإفرادي بل هو تركيبي،و له حظّ من المعنى‏الحرفي،حيث لم يكن لمبدئه تحصّل و لا لهيئته معنى متحصّل،بل كان المبدأ صرف‏القوّة و مفاد الهيئة معنى حرفي نسبي،فكلا جزئيّ الفعل لا يكون لهما معنى متحصّل‏بهويّة ذاته.و حاصل الكلام:انّ تثليث الأقسام،انّما هو لأجل انّ للفعل حقيقة ثالثةغير حقيقة الاسم و الحرف،فانّ مفاد الفعل و ان كان إخطاريّا،إلاّ انّه إخطارنسبة تركيبيّة بين المبدأ و الفاعل.و هذا بخلاف مفاد الأسماء،فانّ مفادها معان‏إفراديّة استقلاليّة،و مفاد الحروف إيجاديّة،على ما عرفت.إذا عرفت ذلك،فلنرجع‏إلى شرح الحديث المبارك.فنقول:انّه قد اختلفت الأنظار في شرح قوله عليه السلام:و الفعل ما أنبأ عن‏حركة المسمّى.و الّذي يقتضيه النّظر الدّقيق،هو ان يقال:انّ المراد من الحركة هو


54

الحركة من القوة إلى الفعل،لا بمعنى الحركة من العدم إلى الوجود،كما ذهب إليه‏بعض الأوهام،بل المراد الحركة في عالم المفهومية،حيث انّ المبدأ خرج عن‏اللاتحصّلية و تحرك من القوة إلى التّحصلية و الفعلية،فالمراد من المسمّى هو مبدأالاشتقاق،و الفعل بجملته يظهر و ينبأ عن حركة ذلك المسمّى من القوّة إلى‏الفعليّة،و من اللاتحصّلية إلى التحصّلية في عالم المفهوميّة،حيث كان غير متحصّل‏فصار بواسطة هيئة الفعل متحصّلا فتأمل،في المقام فانّه بعد يحتاج إلى مزيد توضيح.

المقام الثّاني:في عموم الموضوع له و خصوصه‏

و الأقوال فيه ثلاثةقول:بأنّ كلاّ من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف عامّ.و قول:بأنّ الوضع و الموضوع له عامّ و المستعمل فيه خاصّ.و قول:بأنّ الوضع عامّ و الموضوع له و المستعمل فيه خاصّ.و قبل تحقيق الحال ينبغي تمهيد مقدّمة لتحرير محلّ النّزاع،و بيان الفارق‏بين الكليّة و الجزئية المبحوث عنهما في الحروف،و الكلّيّة و الجزئية الّتي تتصف‏الأسماء بهما.

و حاصل المقدّمة:

هو انّ ما يقال في تفسير الكلّية و الجزئية:من انّ المفهوم من انّ امتنع فرض‏صدقه على كثيرين فجزئيّ و إلاّ فكلّي،انّما يستقيم في المفاهيم الاسمية،وامّا المعاني الحرفية،فلا يمكن اتصافها بالكلية و الجزئية بهذا المعنى،لما عرفت:من انّه‏ليس للحروف مفاهيم متقرّرة يمكن لحاظها،حتّى يحكم عليها بامتناع الصّدق و عدم‏الامتناع،بل الحروف انّما وضعت لإيجاد المعاني في الغير في موطن الاستعمال،من‏دون ان يكون لها وعاء غير وعاء الاستعمال،و من المعلوم انّ وصف الشّي‏ء بامتناع‏فرض صدقه على كثيرين و عدم امتناعه،انّما هو بعد تقرّر ذلك الشّي‏ء في وعاء من‏الأوعية،و المعنى الحرفي لم يكن له تقرّر إلاّ في وعاء الاستعمال،فلا معنى لأن‏يتّصف بامتناع فرض صدقه على كثيرين و عدم امتناعه.و الحاصل:انّ الشّي‏ء الموجود الخارجي بما انّه موجود خارجيّ لا يتّصف‏


55

بالكليّة و الجزئية،إذ الكليّة و الجزئيّة انّما تعرضان المفاهيم،و المفروض انّ المعنى‏الحرفي قوامه بإيجاده،فلا يتصوّر فيه الكليّة و الجزئية بذلك المعنى بل الكليّة و الجزئيةالمبحوث عنهما في باب الحروف انّما تكون بمعنى اخر،و هو انّ الموجد في الحروف في‏جميع مواطن الاستعمالات،هل هو امر واحد بالهوية،و تكون الخصوصيّات اللاّحقةلها في تلك المواطن خارجة عن حريم المعنى الحرفي،و انّما هي من خصوصيّات‏الاستعمالات؟أو انّ تلك الخصوصيّات داخلة في حريم المعنى الحرفي،و مقوّمة له؟و توضيح ذلك‏هو انّه لا إشكال في انّ كلّ استعمال متخصّص بخصوصيّة خاصّة يكون‏الاستعمال الأخر فاقدا لها،فقولك:سرت من البصرة إلى الكوفة مغاير لقولك:سرت من الكوفة إلى البصرة،بل مغاير لنفس قولك:سرت من البصرة إلى الكوفةثانيا عقيب القول الأوّل،و يكون المعنى الّذي وجد بأداة النّسبة الابتدائيّة في كلّ‏استعمال متخصّصا بخصوصيّة خاصّة،فيرجع النّزاع في المقام حينئذ إلى انّ تلك‏الخصوصيّات اللاّحقة للمعنى الحرفي عند كلّ استعمال،هل هي مقوّمة للمعنى‏الحرفي و داخلة في هويّته حتّى يكون الموضوع له في الحروف خاصّا؟أو انّهاخارجة عن حقيقة المعنى الحرفي،و انّما هي من لوازم تشخّص المعنى فيكون الموضوع له‏عامّا كالوضع؟و إلى ذلك يرجع ما أفاده‏1في الفصول:من انّ التّقييد و القيد كلاهماخارجان،فانّه بناء على كلّية المعنى الحرفي يكون كلّ من نفس القيد الّذي هوالمتعلّق في قولك:سرت من البصرة مثلا و التّقييد و هو الخصوصيّة اللاحقة للنّسبةالابتدائية الّتي أوجدتها كلمة(من)في خصوص ذلك الاستعمال خارجين من المعنى‏الحرفي،فلا يرد على صاحب الفصول(ره):انّه كيف يكون القيد و التقييد1الفصول ص 14«فهي عند التحقيق موضوعة بإزاء المفاهيم المقيدة بأحد افراد الوجود الذهني الآلي‏من غير ان يكون القيد و التقييد داخلا،فيكون مداليلها جزئيات حقيقيّة متحدة في مواردها ذاتا و متعددة تقييدا وقيدا».


56

خارجين؟و أيّ معنى لهذا التّقييد حينئذ و ما فائدته؟و لكن بالبيان الّذي بينّاه،اتّضح مراده(قده)من كون كلّ من التّقييد و القيد خارجين.و حاصله:انّه بعد ما كان قوام المعنى الحرفي بالغير،و كان وجوده بعين‏استعماله،فالخصوصيّة اللاحقة له باعتبار ذلك الغير،كالبصرة في قولك:سرت من‏البصرة،و مكّة في قولك:سرت من مكة،هل هي ممّا يتقوم بها المعنى الحرفي ولاحقة له بالهويّة؟على نحو التّقييد داخل و القيد خارج،لأن نفس ذلك الغير خارج‏عن المعنى الحرفي قطعا،لأنّه معنى اسميّ فالّذي يمكن هو دخول التقيد،أو انّ تلك‏الخصوصيّة خارجة عن المعنى الحرفي؟على نحو خروج القيد،و هي من لوازم التّحقيق‏في موطن الاستعمال،حيث لا يمكن إيجاد المعنى الحرفي إلاّ باحتفافه بخصوصيّةخاصّة لا حقة له في موطن الاستعمال،نظير المحلّ الّذي يحتاج إليه العرض في‏التّحقق مع انّه خارج عن هويّة ذاته و ممّا لا يتقوّم به معنى العرض،فان كان على‏الوجه الأوّل فيكون الموضوع له خاصا،و ان كان على الوجه الثّاني فيكون الموضوع له‏عامّا كالوضع.و بما ذكرنا ظهر الفرق بين عموم الموضوع له في الأسماء،و بين عموم‏الموضوع له في الحروف،فانّ عموم الموضوع له في الأسماء،انّما يكون على وجه يصح‏حمله على ماله من الأفراد الخارجيّة،نحو حمل الكلّي على الفرد بالحمل الشائع‏الصّناعي الّذي يكون ملاكه الاتحاد في الوجود،كما يقال:زيد إنسان،و هذافرس،و ما شابه ذلك.و هذا بخلاف عموم الموضوع له في الحروف،فانّه ليس له‏افراد خارجيّة يصح حمله عليها،إذ قوام المعنى الحرفي بالإيجاد،بحيث لا موطن له إلاّالاستعمال على ما تقدّم،و الشّي‏ء الّذي يكون قوامه بالوجود ليس له وراء ذلك خارج‏يمكن حمله عليه،كما كان للمفهوم الكلّي الاسمي خارج من افراده الموجودة يمكن‏حمله عليه.و بالجملة:فرق بين اتّصاف المعنى الحرفي بالكليّة،و اتّصاف المعنى‏الاسمي بالكليّة،فانّ الكلية في الأسماء عبارة عمّا كان ينطبق على الخارجيّات،ويحمل عليها بالحمل الشّائع الصّناعي،كزيد إنسان.و امّا الكليّة في الحروف‏


57

فليست بمعنى انّ لها افراد يمكن حمل الكلّي عليها،إذ المعنى الحرفي انّما يكون إيجاديّاموطنه الاستعمال،و لا معنى لحمل ما يكون موطنه الاستعمال و ما يكون إيجاديّا على‏غيره،إذ ليس هناك خارج وراء نفسه يمكن ان يحمل عليه،بل هو بنفسه من‏الخارجيّات،و الخارجيّات ليس لها خارج وراء نفسها،كما كان للمفاهيم الاسميّةخارج يصح حملها عليه.و حاصل الكلام:انّ المفاهيم الاسميّة انّما تقع في عقد الحمل،و يكون عقدالوضع مصداقا من مصاديقه الخارجيّة،كما يقال:زيد إنسان.و امّا المفاهيم‏الحرفيّة،فلا يصح ان تقع في عقد الحمل،إذ هي بنفسها من الإيجاديّات الخارجيّة،و ليس لها مصداق خارجيّ يصح حملها عليه،بل المعاني الحرفيّة دائما تقع في عقدالوضع،و يكون المحمول مفهوما اسميّا.كما يقال عند قولك يا زيد،هذا نداء،أي‏ما وجد بقولك يا زيد مصداق من مصاديق كليّ النّداء،و هذا لا ينافى كليّة المعنى‏الحرفيّ،إذ قد عرفت المراد من الكلّية في المعنى الحرفي مع حفظ أركانه الأربعةالمتقدّمة:من كونه إيجاد معنى في الغير في موطن الاستعمال مغفولا عنه،و هذه القيودالأربعة كلّها لا تنافي كليّة المعنى الحرفي،بعد ما عرفت المراد من الكليّة:من انّ‏الّذي يوجد ب(من)مثلا في جميع مواطن الاستعمالات معنى واحد بالهويّة الّذي‏لا يمكن تصوّره و لا التّعبير عنه إلاّ بتوسّط المفاهيم الاسميّة،بحيث لا يمكن ان يقع ذلك‏المعنى بنفسه في جواب ما هو،بل الّذي يصح ان يقع في جواب ما هو،هو وجه‏المعنى و عنوانه من المعاني الاسميّة.كما يقال:في جواب السّؤال عمّا يوجد ب(من)نسبة ابتدائيّة،و معلوم،انّ كلاّ من لفظة(النسبة)و(الابتدائية)له مفهوم اسمي،و لكن ذلك المفهوم الاسمي يصلح ان يكون معرفا للمعنى الحرفي الّذي يوجد ب(من)لما عرفت:من انّ نسبة المعنى الحرفي إلى المفهوم الاسمي نسبة المصداق إلى المفهوم،ومن المعلوم:انّ المفهوم يكون وجها و عنوانا لمصاديقه،و معرفة الشّي‏ء بوجهه بمكان‏من الإمكان.و بالجملة:الكليّة المتنازع فيها في الحروف،انّما هي بمعنى انّ ما توجده لفظة(من)في جميع الاستعمالات معنى واحد بالهويّة و الحقيقة،و تكون الخصوصيّات‏


58

اللاحقة لذلك المعنى بتوسّط الاستعمالات خارجة عن حقيقة المعنى،لازمة لتحققه في‏موطن الاستعمال،نظير خصوصيّة القيام بالمحلّ الّذي هي من لوازم وجود العرض مع‏عدم قوام هويّته به.و هذا بخلاف ما إذا قلنا بجزئيّة المعنى الحرفي،فانّه تكون تلك‏الخصوصيّات حينئذ مقوّمة لهويّة المعنى الحرفي و داخلة في حقيقته.إذا عرفت المتنازع فيه في المقام فنقول:انّ الحقّ هو كليّة المعنى الحرفي،و كون الموضوع له في الحروف عامّاكالوضع،إذ لا منشأ لتوهّم الجزئيّة و كون الموضوع له خاصّا إلاّ أحد امرين‏الأوّل:اعتبار كون المعنى الحرفي قائما بالغير،فيتوهّم انّ الخصوصيّة اللاحقةللمعنى بتوسّط ذلك الغير مما يتقوّم بها هوية المعنى الحرفي.الثّاني:اعتبار كونه إيجاديّا،و من المعلوم انّ الشّي‏ء ما لم يتشخّص لم يوجد،و التشخص مساوق للجزئيّة هذا.و لكنّ كلاّ من هذين الوجهين لا يصلح ان يكون مانعا عن كلّية المعنى‏الحرفي.امّا الأمر الأوّل:فلوضوح انّ وجود المعنى الحرفي خارجا يتقوّم بالغير،لا هويته و حقيقته،و فرق بين ما كان من لوازم الوجود،و بين ما كان من لوازم‏الهوية.و الحاصل:انّ المعنى الحرفي لمّا كان إيجاد معنى في الغير،فتوهّم انّ‏الخصوصيّة اللاحقة للمعنى بتوسط الغير مقوّمة لهويّة المعنى الحرفي،و كأنه غفل من‏انّ خصوصيّة الغير ليست مقوّمة لهويّة المعنى،بل هي من لوازم وجود ذلك المعنى،كماكان القيام بالغير في العرض من لوازم وجوده،و ليس مقوّما لهويّته.و امّا الأمر الثّاني:فلوضوح انّ كونه إيجاديّا لا ينافى كلّية المعنى إلاّ بناء على‏القول بعدم وجود الكلّي الطّبيعي،و إلاّ فبعد البناء على وجوده لا يبقى مجال لتوهّم‏انّ كون المعنى إيجاديّا ينافى كلّيته،و سيأتي إن شاء اللّه تعالى انّ الحقّ هو وجود الكلّي‏الطّبيعي،بحيث يكون التّشخص و الوجود يعرضان له دفعة،لا انّه يتشخّص فيوجدكما حكى القول به،و لا انّه انتزاعيّ صرف لا وجود له.نعم بناء على سبق التّشخّص أو عدم الوجود يتمّ التّنافي بين الإيجاديّة و


59

الكليّة.فتحصل:انّه لا الحاجة إلى قيام المعنى الحرفي بالغير ينافى كلّيته،و لا كونه‏إيجاديّا ينافى ذلك،و من المعلوم انّه لا نرى اختلافا بين ما يوجد(بمن)في جميع موارداستعمالاتها،كما نرى الاختلاف بين ما يوجد(بمن)و ما يوجد(بإلى)حيث انّ مايوجد(بمن)نسبة ابتدائيّة و ما يوجد(بإلى)نسبة انتهائيّة،و هذا بخلاف ما يوجد(بمن)فانّه معنى واحد في جميع الاستعمالات.و لو كان المعنى جزئيّا لكان ما يوجدبقولك:سرت من البصرة مباينا لما يوجد بقولك:سرت من الكوفة،كمباينة زيد مع‏عمرو،بداهة تباين الجزئيّات بعضها مع بعض،و حيث نرى انّه لا يكون هناك‏اختلاف و تباين في النّسب الابتدائية التي توجدها لفظة(من)في جميع مواردالاستعمالات،فيعلم انّ لفظة(من)موضوعة للقدر الجامع بين ما يوجد في تلك‏الموارد،و لا نعنى بكليّة المعنى الحرفي إلاّ ذلك فتأمّل جيدا.هذا تمام الكلام في المعاني الحرفيّة.ثمّ انّ شيخنا الأستاذ قد أسقط بعض المباحث الّتي قد تعرّض لها القوم في‏المقدّمة الّتي يبحث فيها عن نبذة من المباحث اللغوّية،و نحن نقتفي اثره.و الحمد للّه‏أوّلا و آخرا.

المبحث الثّاني في الصحيح و الأعمّ‏

و تنقيح البحث في ذلك يستدعى رسم مقدّمات:

الأولى‏

لا يختصّ النّزاع في الصّحيح و الأعمّ بالقول بثبوت الحقيقة الشّرعيّة،بل‏يجري حتّى على القول بعدمها،إذ لا إشكال في إطلاق الشّارع ألفاظ العبادات والمعاملات على ما لها من المعاني عند المتشرعة،فيقع الكلام في ذلك المعنى الّذي أطلق‏اللّفظ عليه حقيقة أو مجازا،و انّه هل هو خصوص الصّحيح،أو الأعمّ منه و من‏الفاسد؟و بعبارة أخرى:لو لم نقل بالحقيقة الشّرعيّة،فلا إشكال في ثبوت الحقيقةالمتشرّعية،فيقع الكلام في المسمى عند المتشرّعة،و انّه هل هو الصّحيح أو الأعمّ؟ومن المعلوم انّ ما هو المسمّى عند المتشرّعة هو المراد الشّرعي عند إطلاق تلك الألفاظ،


60

سواء كان الإطلاق على نحو الحقيقة،أو على نحو المجاز،فدعوى اختصاص النّزاع في‏المقام بالقول بثبوت الحقيقة الشّرعيّة ممّا لا وجه لها.

(الثانية)

قد عرّف الفقهاء الصحة و الفساد بما يوجب سقوط الإعادة و القضاء وعدمه،و المتكلّمون بما وافق الشّريعة و عدمه،هذا.و لكن الظّاهر:انّه ليس للصحة و الفساد معنى مغاير لما هو عند العرف واللّغة،و تعريف الفقيه أو المتكلّم بذلك انّما يكون تعريفا باللازم،كما هو الشّأن في‏غالب التّعاريف،غايته انّ المهمّ في نظر الفقيه لمّا كان سقوط الإعادة و القضاءفسّر الصحة بذلك،و لمّا كان المهمّ في نظر المتكلّم هو موافقة الشّريعة فسّر الصحةبذلك،و إلاّ فمعنى الصحة و الفساد أوضح من ان يخفى،بل لا يمكن تعريفهما بما يكون‏أجلى أو مساويا لما هو المرتكز عند العرف من معناهما،فالصحة ليس إلاّ عبارة عمّايعبر عنها بالفارسيّة ب(درست)في مقابل(نادرست)الّذي هو عبارة عن الفساد.واختلاف الآثار في العبادات و المعاملات و المركّبات الخارجيّة انّما هو باعتباراختلاف الموارد و ما هو المطلوب منها،لا انّ الصحة في العبادات تكون بمعنى مغايرلمعنى الصحة في المعاملات،أو في ساير المركّبات الخارجيّة كما لا يخفى.

(الثّالثة)

اتصاف الشّي‏ء بالصّحة و الفساد تارة:يكون باعتبار الأجزاء الخارجيّة،وأخرى:يكون باعتبار الأجزاء الذّهنيّة،المعبر عنها بالشّروط،مثلا الصّلاة تارة:تكون‏صحيحة باعتبار اشتمالها على تمام ما لها من الأجزاء و ان كانت فائدة للشّرائط،وأخرى:تكون صحيحة باعتبار اشتمالها على الشرائط و ان كانت فاقدة للأجزاء،إذ الصّحة من جهة لا تنافي الفساد من جهة أخرى،إذ الصّحة و الفساد من الأمورالإضافيّة،و من هنا ذهب بعض إلى وضع ألفاظ العبادات للصحيح بالنّسبة إلى‏الأجزاء،و للأعمّ بالنّسبة إلى الشّرائط.ثمّ انّ وصف الصّلاة مثلا بالصّحة باعتبار الشّرائط تارة:يكون باعتبارخصوص الشّرائط الملحوظة في مرحلة الجعل و تعيين المسمّى الّتي يمكن الانقسام‏


61

إليها قبل تعلق الطلب بها،كالطهور،و الاستقبال،و السّتر،و غير ذلك من‏الانقسامات السّابقة.و أخرى:تكون باعتبار الشّرائط الّتي لا يمكن لحاظها في مرحلةتعيين المسمى،بل هي من الانقسامات اللاحقة عن مرحلة تعلّق الطلب بها،كقصد القربة و ما يستتبعها من قصد الوجه و وجه الوجه،على القول باعتباره.لا ينبغي الأشكال في خروج الصّحة بالاعتبار الثّاني عن حريم النّزاع في‏المقام،بداهة تأخّر اتّصاف الشّي‏ء بالصّحة بهذا المعنى عن تعيين المسمّى بمرتبتين:مرتبة تعيين المسمّى،و مرتبة تعلّق الطّلب به،و ما يكون متأخّرا عن المسمّى لا يعقل‏أخذه في المسمّى،بل لا يعقل أخذه في متعلّق الطّلب،فضلا عن أخذه في المسمّى،فلا يمكن القول بأنّ لفظ الصّلاة موضوعة للصحيح الواجد لشرط قصد القربة،أوللأعمّ من الواجد لها و الفاقد،كما لا يمكن القول بوضعها للأعمّ من تعلّق النّهى بهاو عدم تعلّقه،أو للأعمّ من وجود المزاحم لها و عدم المزاحم.فالفساد اللاحق لها من‏ناحية النّهى في العبادات،أو من ناحية اجتماع الأمر و النّهى،بناء على الجواز مع‏تغليب جانب النّهى في مقام المزاحمة عند عدم المندوحة على ما سيأتي بيانه،خارج‏عن حريم النّزاع أيضا،كخروج الصّحة اللاحقة لها من باب عدم النّهى،أو من‏باب عدم المزاحم.و السر في ذلك كله،هو تأخّر رتبة الاتّصاف بالصّحة أو الفسادبذلك عن مرتبة تعيين المسمّى.فالّذي ينبغي ان يكون محلّ النّزاع،هو خصوص‏الأجزاء و الشّرائط الملحوظة عند مرحلة الجعل و تعيين المسمّى الّتي يجمعها-ما يمكن‏فرض الانقسام إليها قبل تعيين المسمّى-فتأمل جيّدا.

(الرّابعة)

لا إشكال في انّ لكلّ من العبادات افراد عرضيّة و طوليّة تختلف باختلاف‏حالات المكلّفين،كالصّلاة مثلا حيث انّ لها افرادا لا تحصى من حيث اختلاف‏حالات المكلّفين من السّفر و الحضر و الصّحة و المرض و القدرة و العجز والخوف و الأمن و غير ذلك.و لا ينبغي توهّم ان لفظة الصّلاة موضوعة بالاشتراك‏اللّفظي لكلّ من هذه الأفراد،بحيث يكون لكلّ فرد وضع يخصّه،فانّ ذلك بعيدغايته.و كذلك لا ينبغي الأشكال في انّها ليست من قبيل الوضع العامّ و الموضوع له‏


62

الخاصّ،و ذلك لأنّه.أوّلا:يحتاج في الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ إلى الوضع التعييني،بان‏يكون هناك واضع مخصوص يتصوّر جامعا،و يضع اللّفظ بإزاء افراده،و لا يمكن‏تحقّق الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ بالوضع التعيني كما لا يخفى،و من المعلوم:انّ‏لفظة الصّلاة لم توضع كذلك إذ غايته حصول التعيّني لها،سواء قلنا بالحقيقة الشّرعيّةأو لم نقل،لأنّ غاية ما يمكن ان يقال،هو انّ الشّارع استعمل لفظ الصّلاة في هذه‏الماهيّة مجازا،ثم كثر استعمالها في ذلك في لسانه و لسان تابعيه،حتى صارت حقيقة،فمن يدعى الحقيقة الشّرعيّة يريد بها هذا المعنى.و امّا دعوى انّ الشّارع من أوّل الأمر عيّن لفظ الصّلاة لهذه الماهيّة على وجه‏النقل،فممّا لا يمكن المساعدة عليها،إذ لو كان ذلك لبان و نقل مع توفر الدواعي‏لنقله.و بالجملة من المقطوع:انّه صلّى اللّه عليه و آله لم يرق المنبر و قال:أيّهاالنّاس انّى وضعت لفظة الصّلاة بإزاء هذه الماهيّة.و ثانيا:انّ ذلك بالأخرة يرجع إلى الاشتراك اللّفظي،إذ لو كان الموضوع له‏هو خصوص الأفراد المتباينة لكان لكلّ فرد وضع يخصّه،فلا تكون لفظة الصّلاةموضوعة بإزاء الجامع،إذ المسمّى يكون هي الأفراد حينئذ و الأفراد متباينة.و ثالثا:انّ الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ،انّما يتصوّر بالنّسبة إلى‏الأفراد العرضيّة،و هذا لا يمكن بالنّسبة إلى الصّلاة،بداهة انّ فرديّة صلاة الجالس‏للصّلاة انّما تكون بعد ثبوت الأمر بها،و انّ الصّلاة لا تسقط بحال،و ما يكون فرديته‏متوقّفة على الأمر به لا يعقل أخذه في المسمّى،فتأمل،فانّ هذا يمكن دفعه.فيدورالأمر،بين ان نقول بالاشتراك المعنوي،و بين ان نقول بأنّ لفظة الصّلاة موضوعةبإزاء قسم خاصّ من أقسام الصّلاة،و هو الجامع لجميع الأجزاء و الشّرائط عدا قصدالقربة و أمثالها ممّا تكون مرتبة اعتبارها متأخّرة عن مرتبة تعيين المسمّى حسب ماتقدّم تفصيله،و يكون إطلاق الصّلاة حينئذ على سائر الأقسام بنحو العناية،بتنزيل‏الفاقد لبعض الأجزاء و الشّرائط منزلة الواحد ادّعاء،على ما ذهب إليه السّكاكي‏في الحقيقة الادعائية.


63

و هذا الوجه،هو الّذي قربه شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه،و مال إلى انّ الموضوع‏له للفظة الصّلاة،هو خصوص الصّلاة الواجدة لجميع الأجزاء و الشّرائط،و هوالصّحيح التّام،و يكون إطلاقها على الفاقد لها بالعناية و التنزيل.و حيث انّ هذاالمعنى بإطلاقه لا يستقيم،بداهة انّ التّنزيل و الادعاء يحتاج إلى مصحّح،إذلا يمكن تنزيل كل شي‏ء منزل كلّ شي‏ء،بل لا بدّ ان يكون هناك مصحح للادعاء،و لوباعتبار الصورة و الشكل،و من العلوم:انّ صلاة الغرقى الّتي يكتفى فيها بالإيماء القلبي‏ممّا لا يمكن تنزيلها منزله الصّلاة التّامّة الواجدة لجميع الأجزاء و الشّرائط،و لا يصح‏ادعاء انّها هي،التزم مدّ ظلّه بأنّ إطلاق الصّلاة على مثل هذا انّما يكون شرعيّا،بحيث لو لا إطلاق الشّارع الصّلاة على مثل صلاة الغرقى لما كان هناك مصحح‏للإطلاق،ثم بعد إطلاق الشارع الصلاة على صلاة الغرقى و أمثالها ممّا لا يمكن ادّعاء انّها تلك‏الصلاة التّامة،يصح إطلاق الصلاة على الفاسد من تلك الحقيقة بالتنزيل و الادعاء.و حاصل الكلام:انّ لفظة الصّلاة موضوعة بإزاء الصّلاة التّامة،و يكون إطلاقها على الفاسدأو الصّحيح الفاقد لبعض الأجزاء و الشّرائط بحسب اختلاف حال المكلّف بالعنايةو التّنزيل و ادعاء انّها هي إذا كان هناك مصحّح للادعاء،بان لا تكون فاقدةلمعظم الأجزاء و الشّرائط،و ان لم يكن هناك مصحح الادعاء،فيدور إطلاق الصّلاةعليه مدار إطلاق الشّارع،و بعد الإطلاق الشّرعي يمكن التّنزيل و الادعاء بالنّسبةإلى ما يكون فاقد البعض و ما هو فاسد من تلك الحقيقة الّتي أطلق عليها الشّارع‏الصّلاة،و ح لا يلزم هناك مجاز و لا سبك من مجاز،بل يكون الإطلاق على نحوالحقيقة،غايته انّه لا حقيقة بل ادّعاء.هذا حاصل ما أفاده في المقام،موافقا لما أفاده‏الشّيخ(قده)على ما في تقرير1بعض الأجلة.و لازم ذلك،هو انّه لا يمكن التّمسك‏1مطارح الأنظار-ص 6-عند البحث عن تصوير الجامع عند الأعمي من قوله:«و هناك وجه آخر في‏تصوير مذهب القائل بالأعم...»و عبر عنه بان ذلك مما لا ينبغي ان يستبعد عند الملاحظ المتأمل في طريقةالمحاورات العرفيّة.


64

بإطلاق قوله لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب مثلا،على اعتبار الفاتحة في صلاة الجالس،للشّك في انّ المراد من الصّلاة في قوله لا صلاة إلخ،هل هي الصّلاة التّامّة الّتي تكون‏موضوعا لها لفظ الصّلاة؟أو الأعم من ذلك و من الصّلاة الّتي تكون صلاة بالتّنزيل والادعاء؟هذا و لكن مع ذلك ربّما لا يخلو عن بعض المناقشات،كما لا تخفى على‏المتأمّل.ثمّ لو أغمضنا عن ذلك،و قلنا بالاشتراك المعنوي من قبيل الوضع العامّ والموضوع له العامّ،فلا محيص من ان يكون هناك جامع بين تلك الأفراد الّتي لا تحصى‏حسب اختلاف أصناف المكلّفين،بحيث وضع اللّفظ بإزاء نفس ذلك الجامع حتّى‏يكون الموضوع له عامّا،فالجامع ممّا لا محيص عنه بعد إبطال الاشتراك اللّفظي والإغماض عما ذكرنا في وجه تصحيح الإطلاق،و حينئذ يقع الأشكال في تصويرالجامع المسمّى على كلّ من القول بالصّحيح و الأعم.فينبغي ح بيان ما قيل أويمكن ان يقال في ما يكون جامعا بين الأفراد الصّحيحة،أو الأعمّ منها و من‏الفاسدة.و قبل بيان ذلك لا بدّ من تمهيد مقال‏و هو انّه لا بدّ ان يكون الجامع على وجه يصلح ان يتعلّق به التّكليف نفسه،إذ الجامع انّما يكون هو المسمّى،و من المعلوم انّ المسمّى هو متعلّق التّكليف،فهناك‏ملازمة بين المسمّى و بين متعلّق التّكليف،فلا يمكن ان يكون المسمّى امرا و متعلّق‏التّكليف امرا اخر.و أيضا لا بدّ ان يكون ذلك الجامع بسيطا على وجه لا يصلح للزّيادة والنّقيصة بناء على الصّحيحي،إذ لو كان مركّبا فكلّ مركّب يتصف بالصّحة والفساد باعتبار اشتماله على تمام الأجزاء أو بعضها،و ما يكون قابلا للاتّصاف‏بالصّحة و الفساد لا يصلح ان يكون جامعا بين الأفراد الصّحيحة.و أيضا لا بدّ ان يكون ذلك الجامع ممّا لا يتوقّف تحقّقه على الأمر،لما عرفت‏من سبق رتبة المسمّى على متعلّق الأمر،فضلا عن نفس الأمر،فمثل عنوان(المطلوب)أو(وظيفة الوقت)و ما شابه ذلك من العناوين لا يصلح ان يكون هو الجامع المسمّى‏بالصّلاة مثلا،لتأخّر رتبة هذه العناوين عن رتبة المسمّى،مضافا إلى انّ الأسماء و


65

الألفاظ انّما تكون موضوعة بإزاء الحقائق،لا بإزاء المفاهيم العقليّة،فلا يصح ان يكون‏لفظ الصّلاة موضوعا بإزاء مفهوم المطلوب،بل بإزاء الواقع و الحقيقة،فيسأل عن تلك‏الحقيقة الّتي تسمّى بالصّلاة ما هي؟و بالجملة:لا بدّ ان لا يكون ذلك الجامع من سنخ المفاهيم الّتي لا موطن لهاإلاّ العقل،و لا ما يكون مرتبة وجوده متأخّرة عن مرتبة الطلب و الأمر،و لا ممّا يمكن‏اتّصافه بالصّحة و الفساد،و لا ممّا لا يمكن ان يتعلّق به الطلب،فهذه القيودالأربعة ممّا لا بد منها في الجامع.إذا عرفت ذلك فنقول:قد قيل انّه يمكن فرض الجامع بين الأفراد الصّحيحة على وجه يكون هوالمسمّى،غايته انّه لا يمكن الإشارة إليه تفصيلا بل يشار إليه بوجه ما،امّا من ناحيةالمعلول،و امّا من ناحية العلّة،أي امّا من ناحية الأجر و الثّواب المترتّب على افرادالصّلاة الصّحيحة،أو من ناحية المصالح و المفاسد الّتي اقتضت الأمر بها.امّا الأوّل:فتفصيله هو انّه لا إشكال في انّ وحدة الأثر تستدعى وحدةالمؤثّر،إذ لا يمكن صدور الشّي‏ء عن متعدّد،و لا يمكن توارد علل متعدّدة على معلول‏واحد،فوحدة الأثر بالنّسبة إلى افراد الصّلاة الصّحيحة المختلفة بالصّورة المشتملة على‏تمام الأجزاء و الشّرائط تارة و على بعضها أخرى لا يمكن إلاّ بان يكون هناك جامع‏بين تلك الأفراد المختلفة يقتضى ذلك الجامع ذلك الأثر،إذ لا يمكن ان تكون تلك‏الأفراد بما انّها متباينة تقتضي ذلك،لاستلزام ذلك صدور الواحد عن متعدّد و هومحال،فلا محيص من ثبوت جامع بين تلك الأفراد يكون هو المؤثر،و يكون ذلك‏الجامع هو المسمّى بالصّلاة،و هو متعلّق الطّلب هذا.و لكن لا يخفى عليك ما فيه‏امّا أولا:فلإمكان تعدّد الأثر و منع وحدته،بداهة انّه لا طريق لنا إلى‏إثبات وحدة الأثر،فمن الممكن جدّاً ان يكون الأثر المترتّب على الصّلاة الواجدةلجميع الأجزاء و الشّرائط غير الأثر المترتّب على الصّلاة الفاقدة لبعضها.و ثانيا:انّ الاشتراك في الأثر لا يقتضى وحدة المؤثّر بالهويّة و الحقيقة و لا


66

دليل على ذلك،بل الوجدان يقتضى خلافه،بداهة اشتراك الشّمس مع النّار في‏الحرارة مع عدم اتّحاد حقيقتهما،بل هما ممتازان بالهويّة.و بالجملة:مجرّد اشتراك‏شيئين في أثر لا يكشف عن اتّحاد حقيقتهما،بل هما ممتازان بالهويّة.و بالجملة:مجرّد اشتراك‏شيئين في أثر لا يكشف عن اتّحاد حقيقتهما،و لم يقم برهان على ذلك‏1نعم لا بدّ ان يكون بين الشيئين جامع يكون ذلك الجامع هو المؤثّر لذلك إذلا يمكن صدور الواحد عن متعدّد،إلاّ انّ مجرّد ثبوت الجامع بينهما لا يلازم اتّحادهويّتهما و حقيقتهما،بل من الممكن ان يكونا مختلفي الحقيقة،و مع ذلك يكون بينهماجامع في بعض المراتب يقتضى ذلك الجامع حصول ذلك الأثر،فإذا لم يكن ذلك‏الجامع راجعا إلى وحدة الهويّة و الحقيقة لم يكن هو المسمّى بالصّلاة مثلا،لما عرفت:انّ الأسماء انّما تكون بإزاء الحقائق،و المفروض اختلاف حقائق مراتب الصّلاةو ان كان بينهما جامع بعيد يقتضى أثرا واحدا فتأمل.و ثالثا:الأثر انّما يكون مترتبا على الصّلاة بعد الإتيان بها و بعد الأمر بها،و الأمر بها انّما يكون بعد التّسمية،فلا يمكن ان يكون ذلك الأثر المتأخّر في الوجودعن المسمّى بمراتب معرّفا و كاشفا عن المسمّى،بداهة انّه عند تعيين المسمّى لم يكن‏هناك أثر حتّى يكون ذلك الأثر وجها للمسمّى لكي يمكن تصوّر المسمّى بوجهه،لأنّ تصوّر الشّي‏ء بوجهه انّما هو فيما إذا كان الوجه سابقا في الوجود عن التّصور،والمفروض انّ الأثر انّما يكون متأخرا في الوجود من تصور المسمّى،فكيف يمكن جعله‏معرّفا للمسمّى فتأمل.و رابعا:لو جعل المسمّى هو ما يترتّب عليه ذلك الأثر على وجه يكون ذلك‏الأثر قيدا في المسمّى،لكان اللازم هو القول بالاشتغال عند الشّك في الأقلّ و الأكثرالارتباطيين،بداهة انّ المأمور به ح ليس هو نفس افعال الصّلاة،بل ما يترتّب عليهاذلك الأثر،فمرجع الشّك في جزئية شي‏ء للصّلاة هو الشّك في ترتب ذلك الأثر على‏الفاقد لذلك الجزء،و يكون ح من الشّك في حصول ما هو قيد للمأمور به،و من‏1فانّ الاشتراك في أثر غير الاشتراك في جميع الآثار،كما هو المدّعى في المقام،فانّ الاشتراك في جميع الآثاريلازم وحدة الحقيقة-منه.


67

المعلوم:انّه لا مجال للبراءة في ذلك،لأنّ المقام يكون من صغريات الشّك في المحصّل‏الّذي لا تجري فيه البراءة،هذا كلّه إذا أردنا ان نستكشف الجامع من ناحية المعلول.و امّا إذا أردنا ان نستكشفه من ناحية العلل و ملاكات الأحكام ففساده‏أوضح،و ذلك لعدم إمكان تعلّق التّكليف بالملاكات،لا بأنفسها،و لا بما يكون‏مقيدا بها،فلا تكون هي المسمّيات،و لا ما هو مقيّد بها.و توضيح ذلك يستدعى بسطا من الكلام في المائز،بين باب الدّواعي،و بين باب المسبّبات التّوليديّة،حتّى يتضح انّ الملاكات،هل هي من قبيل‏الدّواعي؟أو من قبيل المسبّبات التّوليديّة؟و نحن و ان استقصينا الكلام في ذلك في‏الأصول العمليّة،بل تكرر منا الكلام في ذلك،إلاّ انّه لا بأس بالإشارة الإجماليّة إليه‏في المقام،لما فيه من المناسبة و نحيل تفصيله إلى تلك المباحث.فنقول:انّ المقصود الأصلي و الغرض الأولى للفاعل تارة:يكون هو بنفسه‏فعلا اختياريا للمكلّف من دون نظر إلى ما يترتب على ذلك الفعل من الأثر،بل انّ‏نفس الفعل يكون مقصودا بالأصالة،كما إذا كان مقصوده القيام أو القعود و أمثال‏ذلك.و أخرى:يكون المقصود الأصلي و الغرض الأولى هو الأثر المترتّب على ذلك‏الفعل الاختياري،بحيث يكون الفعل لمجرّد المقدّميّة للوصول إلى ذلك الأثر.و هذاأيضا تارة:يكون الفعل الاختياري تمام العلّة أو الجزء الأخير منها لحصول ذلك‏الأثر،بحيث لا يتوسّط بين الفعل و بين ذلك الأثر شي‏ء اخر أصلا،كالإلقاء بالنّسبةإلى الإحراق،حيث انّ أثر الإحراق يترتّب على الإلقاء في النّار ترتّب المعلول على‏علته،من دون ان يتوسّط بين الإلقاء و الإحراق شي‏ء أصلا.و أخرى:يكون الفعل‏الاختياري مقدّمة إعداديّة لترتّب ذلك الأثر المقصود،بحيث يتوسّط بين الفعل‏الاختياري و بين الأثر أمور اخر،كالزّرع فانّ الأثر المترتب على الزّرع هوصيرورته سنبلا،و من المعلوم:انّ الفعل الاختياري:من البذر و السّعي والحرث،ليس علّة تامة لتحقّق السّنبل،إذ يحتاج صيرورة الزّرع سنبلا إلى مقدّمات‏اخر متوسّطة بين ذلك و بين الفعل الاختياري،كإشراق الشّمس،و نزول الأمطار،


68

و غير ذلك‏1.فان كان الأثر المقصود مترتبا على الفعل الاختياري ترتّب المعلول‏على علته،من دون ان يكون هناك واسطة أصلا،أمكن تعلق إرادة الفاعل به،نحوتعلّق إرادته بالفعل الاختياري الّذي هو السّبب لحصول ذلك الأثر،بداهة انّ الأثريكون مسبّبا توليديّا للفعل،و ما من شأنه ذلك يصح تعلّق إرادة الفاعل به،لأنّ‏قدرته على السّبب عين قدرته على المسبّب و يكون تعلق الإرادة بكلّ منهما عين تعلق‏الإرادة بالآخر2و يصح حمل أحدهما على الأخر نحو الحمل الشّائع الصّناعي‏فيقال:الإلقاء في النّار إحراق،إذ لا انفكاك بينهما في الوجود،و هذا الحمل و ان لم‏يكن حملا شايعا صناعيّا بالعناية الأوليّة،لأنّ ضابط الحمل الصّناعي هو الاتّحاد في‏الوجود،و لا يمكن اتّحاد الوجود بين العلّة و المعلول،إلاّ انّه لمّا لم يمكن الانفكاك‏بينهما في الوجود و كان المعلول من رشحات وجود العلة صحّ الحمل بهذه العناية.و بالجملة:كلّما كان نسبة الأثر إلى الفعل الاختياري نسبة المعلول إلى‏العلّة التّامة أو الجزء الأخير من العلّة يصح تعلّق إرادة الفاعل به نحو تعلّقها بالفعل‏الاختياري،و ان كان الفعل الاختياري من المقدّمات الإعداديّة للأثر المقصود،فلا يمكن تعلق إرادة الفاعل به،لخروجه عن تحت قدرته و اختياره،و لا يمكن تعلّق‏الإرادة بغير المقدور،بل الإرادة الفاعليّة مقصورة التّعلق بالفعل الاختياري،و امّا ذلك‏الأثر فلا يصلح إلاّ ان يكون داعيا للفعل الاختياري،فمثل صيرورة الزّرع سنبلا انّمايكون داعيا إلى الحرث و السقي،فظهر الفرق بين باب الدّواعي و بين باب‏المسبّبات التوليدية.و حاصل الفرق،هو إمكان تعلّق الإرادة الفاعلية بالمسببات التّوليديّة،دون الدّواعي،لتوسّط أمور خارجة عن تحت القدرة بين الفعل الاختياري و بين‏1أفاد ذلك الشاعر بقوله:

ابر و باد و مه و خورشيد و فلك در كارند
تا تو نانى بكف آرى و به غفلت نخورى‏
منه.2لا يخفى انّ باب العلة و المعلول غير باب العناوين التوليدية،فجعل الإلقاء و الإحراق من باب العلةو المعلول لا يخلو عن مسامحة،فعليك بمراجعة ما ذكرناه في أول مقدمة الواجب(في ضابط البابين)و لكن لا فرق‏بين البابين في الجهة المبحوث عنها في المقام،فتأمل-منه.


69

الأثر المقصود،فلا يمكن تعلّق إرادة الفاعل به.و الضّابط الكلّي بين باب الدواعي وبين باب المسبّبات التّوليديّة،هو ما ذكرنا من انّه ان كان الفعل الاختياري تمام‏العلّة أو الجزء الأخير منها لحصول الأثر فهذا يكون من المسبّبات التّوليديّة،و ان لم‏يكن كذلك بل كان أوّل المقدّمات أو وسط المقدّمات و كان حصول الأثر متوقّفاعلى مقدّمات اخر،فهذا يكون من الدّواعي.و حيث عرفت إمكان تعلّق إرادة الفاعل بما كان من المسبّبات التوليدية،و عدم إمكان تعلّق الإرادة بما كان من الدّواعي،فنقول:ان هناك ملازمة بين‏الإرادة الآمرية و الإرادة الفاعلية،و انه كلما صح تعلق إرادة الفاعل به يصح تعلق‏إرادة الآمر به،و كلّما لا يصح تعلّق إرادة الفاعل به لا يصح تعلق إرادة الآمر به،و السّر في ذلك واضح،لأنّ الإرادة الأمريّة انّما تكون تحريكا للإرادة الفاعليّة نحوالشّي‏ء المطلوب،فلا بدّ من ان يكون ذلك الشّي‏ء قابلا لتعلّق إرادة الفاعل به حتّى‏تتعلّق به إرادة الآمر،فإذا فرض انّه لا يمكن تعلّق إرادة الفاعل به لكونه غير مقدورله،فلا يمكن تعلق إرادة الآمر به،لأنّه يكون من طلب المحال.و حيث قد عرفت:انّه لو كان نسبة الفعل الاختياري إلى الأثر الحاصل‏منه نسبة السّبب التّوليدي إلى مسببه التوليدي،كان تعلّق إرادة الفاعل بذلك‏المسبّب بمكان من الإمكان،فيصح تعلق إرادة الأمر بإيجاد ذلك المسبب،بل لا فرق‏في الحقيقة بين تعلق الأمر بالسّبب أو بالمسبّب،لأنّ تعلّقه بالسّبب أيضا لمكان انّه‏يتولد منه المسبب،و من هنا قيل:في‏1مقدّمة الواجب:انّ البحث عن وجوب‏السّبب قليل الجدوى،إذ تعلّق الأمر بالمسبّب هو عين تعلّقه بالسّبب و بالعكس،فلافرق بين ان يقول أحرق الثّوب،أو ألق الثّوب في النّار،لأنّ الأمر بالإلقاء انّما هومن حيث ترتّب الإحراق عليه،فيكون الإلقاء معنونا بعنوان الإحراق.1و القائل هو صاحب المعالم(قدس سره)،فانه قد صرح في مبحث مقدمة الواجب من المعالم:«...فالذي أراه ان البحث في السبب قليل الجدوى،لأن تعليق الأمر بالمسبب نادر،و أثر الشك في‏وجوبه هيّن»(معالم الأصول.ص 64)


70

و هذا هو المراد لما ذكره الشّيخ قده‏1في مبحث الأقلّ و الأكثرالارتباطيّين:من انّه لو كان المأمور به عنوانا لفعل المكلّف لم تجر فيه البراءة،إذ العنوانيّة انّما تكون فيما إذا كان المأمور به من المسببات التّوليديّة لفعل المكلّف ويكون فعل المكلف سببا له،فانه يكون الفعل معنونا بذلك المسبب و لا تجري فيه‏البراءة،لرجوع الشك فيه إلى الشك في المحصل،بداهة ان فعل المكلف بما هو لم يكن‏متعلّق التّكليف،بل متعلّق التّكليف هو ما يستتبع الفعل من السّبب،فلو شك في‏انّ الجزء الفلاني له دخل في ترتّب المسبب كان مقتضى الأصل عدم الترتّب و يلزمه‏الاشتغال،من غير فرق بين ان يتعلّق الأمر بالمسبّب فيقول:أحرق الثّوب،و بين‏ان يتعلّق بالسّبب فيقول:ألق الثّوب في النّار،لما عرفت من انّ الأمر بالإلقاءلا لمطلوبيّة نفس الإلقاء بما هو فعل من افعال المكلّف،بل بما هو محصّل للإحراق،فعند الشّك في حصول الإحراق لاحتمال دخل شي‏ء فيه كان اللازم فيه هوالاحتياط،و لا مجال للبراءة أصلا،كما هو الشّأن في الشّك في باب المحصّلات مط.هذا كلّه فيما إذا كان الأثر من المسببات التّوليدية لفعل المكلّف و امّا إذاكان الأثر من الدّواعي،و كان الفعل من المقدّمات الإعداديّة،فحيث لا يصح تعلّق‏إرادة الفاعل به فلا يصح تعلق إرادة الأمر بإيجاده،لما عرفت من الملازمة،فمتعلق‏التّكليف إنّما يكون هو الفعل الاختياري لا غير،و لو شكّ في اعتبار جزء أو شرط فيه‏تجري فيه البراءة،إذ ليس وراء الفعل شي‏ء تعلّق التّكليف به،و المفروض انّ الفعل‏المتعلق به التّكليف مردّد بين الأقل و الأكثر،فالبراءة العقلية و الشّرعية أو خصوص‏1ذكر الشيخ قدس سره في المسألة الأولى من صور دوران الأمر في الواجب بين الأقل و الأكثر بعد الفراغ‏عن تقريب حكم العقل:«نعم قد يأمر المولى بمركب يعلم ان المقصود منه تحصيل عنوان يشك في حصوله إذا أتى بذلك المركب‏بدون ذلك الجزء المشكوك كما إذا امر بمعجون و علم ان المقصود منه إسهال الصفراء بحيث كان هو المأمور به‏في الحقيقة،أو علم انه الغرض من المأمور به،فان تحصيل العلم بإتيان المأمور به لازم كما سيجي‏ء في المسألةالرابعة».و اختار هناك بان الشك فيه كان من قبيل الشك في المحصل الّذي يجب فيه الاحتياط.(فرائد الأصول‏ص 265-254)


71

الشّرعية تجري بلا مانع.فتحصل من جميع ما ذكرنا:ضابط جريان البراءة في الأقلّ و الأكثر وعدم جريانها،و انّه لو كان الأثر المترتب على الفعل الاختياري من المسببات‏التّوليدية فلا تجري فيه البراءة لرجوع الشك فيه إلى الشك في المحصّل،و ان كان‏الأثر من الدّواعي فالبراءة تجري فيه لأنّ نفس متعلّق التّكليف مردّد بين الأقلّ والأكثر.ثمّ انه ان علم انّ من أيّ القبيلين فهو،و ان لم يعلم،فان كان هناك‏مائز عرفي فهو المتّبع،كما في الطّهارة الخبثية،حيث انّ العرف يفهم من الأمربالغسل انّ الأمر به انّما هو لإفراغ المحلّ عن القذارة و الخباثة،لا بما انّه غسل و إجراءالماء على المحلّ،ففي مثل هذا يكون الغسل معنونا بالطّهارة،و تكون الطّهارة بنظرالعرف من المسببات التّوليدية للغسل،فلو شك في حصول الطّهارة بالغسل الكذائي‏كمرّة في البول،كان مقتضى الأصل عدم حصول الطّهارة،من غير فرق بين تعلّق‏الأمر بالطّهارة و بين تعلّقه بالغسل،لأن المرتكز العرفي في الأمر بالغسل انّما هوالغسل المستتبع للطّهارة المعنون بذلك،كالأمر بالإلقاء من حيث تعنونه بالإحراق،وعلى هذا يترتّب فروع كثيرة في باب الطّهارة الخبثيّة.و ان لم يكن هناك مائز عرفي،فلا طريق لنا إلى معرفة كون الأثر من‏المسببات أو من الدّواعي،إلاّ من ظاهر الأمر،فان تعلّق الأمر بالأثر،فمن نفس‏تعلّقه يستكشف انّه من المسببات التوليدية،لاستحالة تعلّق الأمر بما لا يكون فعلااختياريّا و لا مسببا توليديّا،و يلزمه عدم جريان البراءة كما عرفت.و ان لم يتعلّق‏التّكليف به،بل تعلّق بنفس الفعل الاختياريّ فيستكشف من ذلك كشفا إنيّا انّ‏متعلّق التّكليف هو نفس الفعل،و ذلك الأثر لا يكون من المسببات التوليدية،إذلو كان كذلك لوجب على الحكيم التنبيه عليه بعد ما لم يكن مرتكزا عرفيّا،بداهة انّه‏لو كان متعلّق التّكليف هو الأثر الحاصل من الفعل الاختياري لا نفسه لكان قدأخلّ بغرضه حيث لم يبينه.و من هنا قيل:انّ القول بعدم اعتبار قصد الوجه في‏العبادات من حيث خلوّ الاخبار عن التّكليف به،مع انّه ليس ممّا يفهمه العرف.


72

و بالجملة:من نفس تعلّق التّكليف بالفعل الاختياري يستكشف انّه هوالمأمور به،لا الأثر الحاصل منه،و إلاّ لوجب التنبيه عليه،و إلاّ لم يكن الآمر متكلّماعلى طبق غرضه و يكون قد أخلّ ببيان غرضه،فتأمل جيّدا.إذا عرفت ذلك كلّه،فنقول:انّ باب الملاكات و علل التّشريع لا تكون من المسببات التوليدية لأفعال‏العباد،بل ليست العبادات بالنّسبة إلى الملاكات إلاّ كنسبة المقدّمات الإعداديّة،والّذي يدلّ على ذلك عدم وقوع التّكليف بها في شي‏ء من الموارد،من أوّل كتاب‏الطّهارة إلى اخر كتاب الدّيات.فالملاكات انّما تكون من باب الدّواعي،لاالمسببات التوليدية،و ليست الصّلاة بنفسها علّة تامّة لمعراج المؤمن و النّهى عن‏الفحشاء،و لا الصّوم بنفسه علّة تامّة لكونه جنّة من النار،و لا الزكاة بنفسها علةتامّة لنمو المال،بل تحتاج هذه المقدّمات إلى مقدّمات اخر،من تصفية الملائكة وغيرها حتّى تتحقق تلك الآثار،كما يدلّ على ذلك بعض الأخبار.فإذا لم تكن‏الملاكات من المسببات التّوليدية،فلا يصحّ تعلّق التّكليف بها،لا بنفسها،ولا بأخذها قيدا لمتعلّق التّكليف،فكما لا يصحّ التّكليف بإيجاد معراج المؤمن مثلا،لا يصح التّكليف بالصّلاة المقيدة بكونها معراج المؤمن،إذ يعتبر في التّكليف ان يكون‏بتمام قيوده مقدورا عليه،فإذا لم يصحّ التّكليف بوجه من الوجوه بالملاكات لم يصح‏ان تكون هي الجامع بين الافراد الصّحيحة للصّلاة،و لا أخذها معرّفا و كاشفا عن‏الجامع،بداهة انّه يعتبر في المعرّف ان يكون ملازما للمعرف بوجه،و بعد ما لم تكن‏الملاكات من المسببات التوليدية لا يصح أخذ الجامع من ناحية الملاكات.و الحاصل:انّه قد عرفت انّ هناك ملازمة بين الجامع المسمّى و بين كونه‏متعلّق التكليف،فإذا لم يمكن تعلّق التكليف بالملاكات بوجه من الوجوه لا يصح‏استكشاف الجامع من ناحية الملاكات بوجه من الوجوه،لا على ان تكون هي‏المسمّى،و لا قيدا في المسمّى،و لا كاشفا عن المسمّى،بداهة انّه بعد ما كانت‏الملاكات من باب الدّواعي و كان تخلّف الدّواعي عن الأفعال الاختياريّة بمكان‏


73

من الإمكان،فكيف يصح أخذها معرّفا أو قيدا للمسمّى،فتأمل‏1جيّدا.ثمّ على فرض تسليم كون الملاكات من المسببات التوليدية و أخذ الجامع‏من ناحيتها بأيّ وجه كان،فلا محيص عن القول بالاشتغال و سدّ باب إجراء البراءةفي العبادات بالمرّة،لما عرفت:من انّ الأثر المقصود لو كان مسببا توليديا للفعل‏الاختياريّ،كان تعلّق التّكليف بالسّبب أو بالمسبب موجبا لرجوع الشّك في اعتبارشي‏ء إلى الشّك في المحصّل،و لا مجال فيه لإجراء البراءة.و ما يقال:من انّ المسبّب التّوليدي إذا كان مغايرا في الوجود للسبب كان‏الأمر كما ذكر من القول بالاشتغال،و امّا إذا كان متّحدا معه في الوجود فنفس‏متعلّق التّكليف يكون مردّدا بين الأقل و الأكثر و لا مانع من الرّجوع إلى البراءةحينئذ،فليس بشي‏ء،إذ لا نعقل ان يكون هناك مسبّب توليدي يكون متّحدا في‏الوجود مع السّبب على وجه يرجع الشّك في حصوله إلى الشّك في نفس متعلّق‏التّكليف فتأمل.فتحصل:انّ تصوير الجامع بناء على الصّحيح في غاية الأشكال،بل ممّالا يمكن.نعم يمكن ان يقال في خصوص الصّلاة،انّ المسمّى هو الهيئة الاتّصاليّةالقائمة بالأجزاء المستكشفة من أدلّة القواطع،و هذه الهيئة المعبّر عنها بالجزء الصّوري‏محفوظة في جميع افراد الصّلاة،لعموم أدلّة القواطع بالنّسبة إلى جميع افراد الصّلاة على‏حسب اختلاف حالات المكلّفين،و هذه الهيئة امر واحد مستمرّ يوجد بأوّل الصّلاةو ينتهى بآخرها،و بهذا الاعتبار يجري فيه الاستصحاب عند الشّك في عروض‏القاطع،هذا.1و كذا لا يمكن جعل الملاكات من قبيل الصور النوعيّة و الأجزاء من قبيل المواد على وجه لا يضرتبادلها ببقاء الصورة،فتكون الصلاة موضوعة بإزاء تلك الصورة القائمة بتلك المواد المتبادلة،حسب اختلاف‏حالات المكلّفين.و نقل ان شيخنا الأستاذ مدّ ظله كان يميل إلى هذا الوجه في الدورة السابقة،و لكن أشكل عليه‏في هذه الدورة بعين ما أشكل على الوجه الأول:من انّ تلك الصورة لا يمكن ان تكون متعلّق التكليف،مع انّه يلزم‏القول بالاشتغال،فتأمل-منه.


74

و لكنّ الإنصاف:انّ ذلك أيضا لا يخلو عن إشكال،لمنع ان يكون هناك امروجوديّ قائم باجزاء الصّلاة،و أدلّة القواطع لا يستفاد منها أزيد من اعتبار عدم تخلّل‏القواطع:من الالتفات و الوثبة و غير ذلك في أثناء الصّلاة،مع انّه لو سلّم انّ هناك‏امر وجوديّ قائم بالأجزاء،فكونه هو المسمّى و متعلّق التّكليف محلّ منع.هذا كلّه‏بناء على الصّحيح.و امّا بناء على الأعمّ،فتصوير الجامع فيه أشكل،و الوجوه الّتي ذكروهافي تصويره لا تخلو عن مناقشة.فمنها:ما نسب إلى المحقّق القمي‏1من انّ المسمّى هو خصوص الأركان،و امّا الزّائد عليها فهي أمور خارجة عن المسمّى اعتبرها الشّارع في المأمور به.و فيه ما لا يخفى‏امّا أوّلا:فلوضوح انّ التسمية لا تدور مدار الأركان،إذ يصح السّلب عن‏الفاقد لما عدا الأركان،كما لا يصح السّلب عن الواجد لما عدا بعض الأركان.وكان منشأ توهّم كون المسمّى هو الأركان،هو ما يستفاد من صحيحة (1) لا تعاد،من صحّة الصّلاة الفاقدة لما عد الأركان إذا كان ذلك عن نسيان هذا.1و من استظهر ذلك من كلام صاحب القوانين الشيخ قدس سره في التقريرات.قال:«أحدها:ما يظهر من المحقق القمي من كون ألفاظ العبادات اسما للقدر المشترك بين اجزاء معلومةكالأركان الأربعة في الصلاة و بين ما هو أزيد من ذلك و ان لم يقع شي‏ء من تلك الأركان أو ما هو زائد عليهاصحيحة في الخارج،فجميع هذه الافراد،أعني لصحيحة المشتملة على الأركان و الزائدة عليها،و الفاسدة المقتصرةعليها و الزائدة عليها من حقيقة الصلاة و يطلق على جميعها لفظ الصلاة على وجه الاشتراك المعنوي،و لعل نظره بعدما ذهب إليه من القول بالأعم إلى الحكم باجزاء الصلاة المشتملة على الأركان و ان لم يشتمل على جزء غيرها إذاوقعت نسيانا،فجعل الأركان مدار صدق التسمية،و لازمه انتفاء الصدق بانتفاء أحد الأركان و ان اشتملت على‏بقيّة الاجزاء و الصدق مع وجودها و ان لم يشتمل على شي‏ء من الاجزاء و الشرائط».مطارح الأنظار مبحث الصحيح و الأعم.الهداية الثانية(تصوير الجامع على مذهب الأعمي)ص 5راجع القوانين،قانون،كل ما ورد في كلام الشارع فلا بد ان يحمل على ما علم إرادته.بحث الصحيح‏و الأعم.ص 17-18

1)الوسائل الجزء 4-كتاب الصلاة الباب 7 من أبواب التشهد.الحديث 1 ص 995


75

و لكن لا يخفى ما فيه،فانّه مضافا إلى انّ ذلك مقصور بصورة النّسيان،دون‏سائر الأعذار،لوضوح انّ العاجز عن الأركان تصحّ منه الصّلاة الفاقدة للأركان،انّ‏اجتزاء الشّارع بخصوص الأركان في صورة النّسيان لا يدلّ على انّ المسمّى هوخصوص الأركان.و امّا ثانيا:فلأنّ نفس الأركان تختلف بحسب اختلاف حال المكلّف،بداهة انّ الواجب في الرّكوع أوّلا هو الانحناء إلى ان يبلغ كفاه ركبتيه،فان عجزعن ذلك يجب عليه الانحناء بمقدار ما تمكن إلى ان يبلغ الإيماء،و كذا الحال في سائرالأركان،فالقول بأنّ المسمّى هو خصوص الأركان،امّا ان يراد به خصوص‏الأركان التّامّة في حال الاختيار،و امّا ان يراد به الأركان بجميع مراتبها،فان كان‏المراد هو الأوّل يلزمه عدم صدق الصّلاة على من لم يتمكّن من الأركان التّامة،و الالتزام بذلك كما ترى.و ان كان المراد هو الثّاني يلزمه القول بالوضع للجامع بين‏مراتب الأركان،فيقع الكلام في ذلك الجامع و انّه ما هو؟فيعود المحذور،كما لا يخفى‏ذلك على المتأمّل.و امّا ثالثا:فلأنّ الأجزاء الأخر غير الأركان،امّا ان يقال:بخروجها عن‏المسمّى عند وجودها،و امّا ان يقال:بدخولها،فان قيل بخروجها يلزم ان يكون‏إطلاق الصّلاة على التّامة الأجزاء مجازا من باب إطلاق اللّفظ الموضوع للجزء على‏الكل،و هو كما ترى.و ان قيل بالثّاني يلزم ان تكون الأجزاء عند وجودها داخلة في‏المسمّى عند عدمها خارجة عن المسمّى فيعود المحذور و الأشكال،إذ مبنى‏الأشكال،هو انّه كيف يعقل ان يكون الشّي‏ء الواحد داخلا و خارجا في الماهيّة؟مع امتناع اختلاف معنى واحد بالزّيادة و النّقصان.و توهّم انّه يمكن ان تكون الصّلاة من الماهيّات القابلة للتّشكيك بناء على‏إمكان التّشكيك في الذاتيّات فتكون الصلاة حينئذ من الماهيّات القابلة للشدةو الضعف،بزيادة بعض الأجزاء و نقصانها مع انحفاظ الماهية في جميع المراتب،و ليس شي‏ء من تلك المراتب خارجا عن الهويّة و الذات،كالسّواد الضعيف‏و الشديد،حيث يكون كلّ من الشدة و الضعف من مراتب نفس السواد و ليسا


76

خارجين عن حقيقته،و يكون ما به الامتياز عن ما به الاشتراك.ففساده غني عن البيان،بداهة انّ التشكيك انّما يمكن في البسيط المتّحدالحقيقة كالسّواد،لا في مختلفي الحقيقة كالصّلاة الّتي تكون مركّبة من عدّة اجزاءمختلفة في المقولة،حيث انّ بعضها من مقولة الفعل،و بعضها من مقولة الوضع.و الحاصل:انّ التّشكيك انّما يكون في مثل الوجود،و المقولات الكيفيّة:من السّواد و البياض،و لا يعقل التّشكيك في المركبات الّتي تكون اجزائها مختلفةبالحقيقة كما هو أوضح من ان يخفى.و منها:ما نسب إلى المعظم من انّ الصلاة موضوعة لمعظم الأجزاء التي تدورالتّسمية مداره.و فيه:ما لا يخفى،بداهة انّه ان أريد انّ الصّلاة موضوعة لمفهوم المعظم،ففساده غنيّ عن البيان،فانّ الألفاظ موضوعة بإزاء الحقائق،لا المفاهيم الّتي لا موطن‏لها إلاّ العقل كما تقدّم،و ان أريد واقع المعظم و حقيقته،فالمفروض انّ المعظم‏يختلف حسب اختلاف حالات المكلّفين،فيلزم كون المعظم بالنّسبة إلى بعض غيرالمعظم بالنّسبة إلى الأخر،فيعود المحذور،و هو كون الشّي‏ء الواحد داخلا عند وجوده وخارجا عند عدمه،مع انّه يلزم ان يكون إطلاق الصّلاة على التّامّة الأجزاء و الشّرائطمجازا بعلاقة الكلّ و الجزء كما تقدّم.و قد مال شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه،إلى تصحيح كون الصّلاة مثلا موضوعةلمعظم الأجزاء،بتقريب كون الموضوع له من قبيل الكلّي في المعيّن الصّادق على كلّ‏ما يمكن ان ينطبق عليه،نظير الصّاع من الصّبرة،فتكون الصّلاة مثلا موضوعة لسبعةاجزاء من عشرة اجزاء على نحو الكلّي،بحيث لا يضر تبادل السبعة بحسب اختلاف‏الحالات فتأمل،فانّه يلزم أيضا ان يكون الإطلاق على مجموع العشرة مجازا كمالا يخفى،مع انّ تصوير كون المسمّى من قبيل الكلّي في المعين،بحيث يكون المسمّى‏محفوظا مع تبادل المعظم،في غاية الأشكال.و منها:غير ذلك،ممّا لا يخفى على المراجع،مع ما فيها من الإشكالات.فالإنصاف:انّ تصوير الجامع بين الأفراد الصّحيحة في غاية الأشكال،فضلا عن‏


77

تصوير الجامع بين الأفراد الصّحيحة و الفاسدة.ثمّ انّه قد استدلّ لكلّ من القول بالصّحيح و الأعمّ بما لا يخلو عن مناقشة،ولا يهمّنا التّعرض لها،انّما المهمّ بيان ما قيل في الثّمرة بين القولين،و قد ذكر لذلك‏ثمرتان:

الأولى:

صحّة التّمسك بالإطلاقات بناء على الأعمّ،و عدم صحته بناء على‏الصّحيح.الثّانية:عدم جريان البراءة عند الشّك في الأجزاء و الشّرائط بناء على‏الصّحيح،و جريانها بناء على الأعمّ.و توضيح ذلك:هو انّه لا ينبغي الأشكال في عدم جواز التّمسك‏بالإطلاقات الواردة في الكتاب و السنّة:من قوله تعالى أقيموا الصّلاة،و آتوا الزكاة،و للّه على النّاس حجّ البيت،إلى غير ذلك،إلاّ بعد معرفة الصّلاة،و الزكاة،و الحج،و العلم بما هو المصطلح عليه شرعا من هذه الألفاظ،بداهة انّ هذه الماهيّات من‏المخترعات الشّرعيّة،و ليس في العرف منها عين و لا أثر،فلو خلينا و أنفسنا لم نفهم‏من قوله-أقيموا الصّلاة-شيئا،فلا يمكن ان تكون مثل هذه الإطلاقات واردة في مقام‏البيان.نعم بعد معرفة ما هو المصطلح الشّرعيّ من هذه الألفاظ و العلم بعدة من‏الأجزاء و الشّرائط بدليل منفصل،تظهر الثّمرة حينئذ بين الأعمي و الصّحيحي،إذبعد معرفة عدة من الأجزاء بحيث يصدق عليها المسمّى،و يطلق عليها في عرف‏المتشرّعة-الّذي هو مرآة للمراد الشّرعي-انّها صلاة أو حجّ،فبناء على الأعمّ بتمسّك‏بالإطلاق في نفى اعتبار ما شك في جزئيّته أو شرطيّته،إلاّ إذا شك في مدخليّةالمشكوك في المسمّى،و هذا في الحقيقة ليس تمسكا بإطلاق أقيموا الصّلاة،بل هوتمسّك بإطلاق ما دلّ على اعتبار تلك الأجزاء و الشّرائط كما لا يخفى.و الحاصل:انه بناء على الأعمّ يمكن التّمسك بإطلاق قوله: (1) انّما صلاتناهذه ذكر و دعاء و ركوع و سجود،ليس فيها شي‏ء من كلام الآدميين-على نفى جزئيّةشي‏ء لو فرض انّه وارد في مقام البيان للمسمّى بالصّلاة،و امّا لو كان واردا في مقام‏

1)راجع المستدرك المجلد الأول كتاب الصلاة.الباب 1 من أبواب افعال الصلاة الحديث 9،ص 995


78

بيان ما هو المأمور به،فيمكن التّمسك بإطلاقه على كلا القولين.و امّا بناء على‏الصّحيحي فلا يمكن التّمسك بإطلاق ذلك،لاحتمال ان يكون المشكوك له دخل في‏الصّحة.نعم يمكن التّمسك بالإطلاق المقامي في مثل صحيحة حمّاد (1) الواردة في‏مقام بيان كلّ ما له دخل في الصّلاة،و لو فرض كون الصّلاة اسما لذلك الجامع الّذي‏يكون هذه الأفعال محصّلة له،فانّ مثل صحيحة حمّاد حينئذ تكون واردة في مقام‏بيان كلّ ما له دخل في حصول ذلك الجامع.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:انّ التّمسك بالإطلاقات الواردة في الكتاب‏لا يمكن على كلا القولين،و وجهه:انّه لا يمكن ان تكون تلك الإطلاقات واردة في‏مقام البيان،و التّمسك بإطلاق مثل صيحة حمّاد يمكن على القولين،و التّمسك‏بإطلاق مثل قوله عليه السلام انّما صلاتنا هذه ذكر و دعاء،يصح على الأعمّي لوكان واردا في مقام بيان المسمّى.و ما يقال:من انّه لا يمكن التّمسك بإطلاق ذلك حتّى على القول‏بالأعمّي،للعلم بأنّ المراد و متعلّق الطّلب هو الصّحيح و ان كان اللّفظ موضوعاللأعمّ،فمجرّد صدق المسمّى لا يكفى في نفى ما شك في جزئيّته مع عدم العلم بحصول‏المراد،-ففساده غنيّ عن البيان،لأنّ الصّحيح ليس إلاّ ما قام الدّليل على اعتباره،و المفروض انّ ما قام الدّليل على اعتباره هو هذا المقدار،فبالإطلاق يحرز انّ‏الصّحيح هو ما تكفّله الدليل،كما هو الشأن في جميع الإطلاقات،و المانع من التمسك‏بالإطلاق-بناء على القول الصحيحي-هو ان متعلق التكليف امر اخر غير ما تكفّله‏الإطلاق،فلا يمكن إحرازه بالإطلاق،و هذا بخلاف القول الأعميّ،فانّ متعلّق‏التكليف بناء عليه هو نفس ما تكفّله الإطلاق،فتأمل في المقام جيّدا.هذا كلّه في الثّمرةالأولى.

و امّا الثّمرة الثّانية:

و هي الرّجوع إلى الأصول العمليّة،فقد قيل:انّه لا فرق في الرّجوع إلى‏

1)راجع الوسائل،الجزء 4 كتاب الصلاة الباب 1 من أبواب افعال الصلاة الحديث 1 ص 673


79

البراءة و الاشتغال على القولين عند فقد الأصول اللّفظيّة،و لكن الحقّ هو التّفصيل،لما عرفت من انّه بناء على الصّحيح و أخذ الجامع بالمعنى المتقدّم لا محيص من القول‏بالاشتغال،لرجوع الشّك فيه إلى الشّكّ في المحصّل،و عدم التزام القائلين بالصّحيح‏بذلك لا ينافى ذلك،إذ التّكلّم في المقام انّما هو على ما تقضيه القاعدة،و القاعدةتقتضي الاشتغال بناء على الصّحيح،و لا بدّ من التزامهم بذلك فعدم التزامهم بذلك‏ينافى مبناهم،أو يكشف عن فساد المبنى فتأمل.هذا كلّه بناء على مشرب القوم.و امّا بناء على ما اخترناه:من انّ الصّلاة انّما تكون اسما للتّامّة الاجزاء والشّرائط و هي الّتي تستحقّ إطلاق الصلاة عليها أوّلا و بالذات و بلا عناية وإطلاق الصّلاة على ما عدا ذلك انّما يكون بعناية الاجتزاء حيث انّ الشّارع لمّااجتزئ عند الاستعجال بما عدا السّورة،صح إطلاق الصّلاة على الفاقدة للسّورة عندالاستعجال،و لمكان المشابهة في الصّورة صح إطلاق الصّلاة على الفاقدة للسّورة،ولو لا الاستعجال تكون حينئذ فاسدة،نظير سبك المجاز من المجاز،و ان لم يكن هو هوحقيقة،على ما تقدّم،فجريان البراءة عند الشّك في الأجزاء و الشّرائط واضح،لأنّ‏متعلّق التّكليف يكون حينئذ نفس الأجزاء.نعم في التّمسّك بالإطلاقات إشكال تقدّم وجهه،و لكنّ الأشكال بالتّمسك‏بالإطلاقات مطّرد على جميع المسالك،فلا ينبغي جعل مسألة التّمسّك بالإطلاقات من‏ثمرات الصّحيح و الأعمّ،بل تختصّ الثّمرة بالرّجوع إلى الأصول على عكس ماذكره في الكفاية (1) من اختصاص الثّمرة بالتّمسّك بالإطلاقات،فتأمل جيّدا.هذاتمام الكلام في العبادات.

و امّا المعاملات:

فظاهر عبارة الشّهيد قده‏1انّها كالعبادات في وضعها للصّحيح،حيث‏1قال الشهيد الأول(قدس سره)في القواعد:«الماهيّات الجعليّة كالصورة و الصوم و سائر العقود لاتطلق على الفاسد الا الحج لوجود المضي فيه».القواعد و الفوائد.القسم الأوّل-الفائدة الثانية من قاعدة 43 ص 158-الطبعة الجديدة.

1)كفاية الأصول الجلد الأوّل ص 43-42«و منها ان ثمرة النزاع...»


80

عطف العقود على الماهيّات المخترعة في عبارته المحكيّة عن القواعد،و حينئذ ربّمايشكل عليه بأنها لو كانت موضوعة للصّحيح،فلازمه عدم جواز التّمسّك بالمطلقات‏الواردة في باب المعاملات على نفى ما شكّ في اعتباره،كالماضويّة،و العربيّة،كماكان لازم القول بوضع العبادات للصّحيح عدم التّمسك بالمطلقات عند الشّك في‏اعتبار شي‏ء منها،على ما عرفت،مع انّه جرت سيرة الاعلام على التّمسك بالمطلقات‏في باب المعاملات،و لو لا التّمسّك بالمطلقات لكان اللازم هو الاحتياط،لأنّ‏الأصل العملي في المعاملات يقتضى الفساد.و التّحقيق في حلّ الأشكال:هو انّه لو قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات موضوعةبإزاء الأسباب و نفس العقد من الإيجاب و القبول،فلا ينبغي الأشكال في صحّةالتّمسك بالمطلقات و لو قلنا بأنها موضوعة للصّحيحة،لأنّ الإطلاق يكون منزلا على‏ما يراه العرف صحيحا،حيث كانت الأسباب أمورا عرفيّة،و إطلاق دليل الإمضاءيدلّ على إمضاء كلّ ما هو سبب عند العرف،فالعقد الفارسي لو كان عند العرف‏سببا لحصول الملكيّة أو الزّوجيّة كان إطلاق أحلّ اللّه البيع إمضاء لذلك‏نعم لو قلنا بأنها موضوعة للمسبّبات-كما هو كذلك بداهة انّ ألفاظالمعاملات موضوعة بإزاء المسببات لا الأسباب،و لا محلّ لتوهّم انّ البيع مثلا اسم‏للسّبب،نعم في خصوص قوله تعالى أوفوا بالعقود ربّما يتوهّم ذلك،إلاّ انّه مع ذلك‏لا يصح بقرينة الوفاء الّذي لا يتعلّق إلاّ بالمسبّب-فيشكل الأمر،لأنّ إمضاء المسبّب‏لا يلازم إمضاء السّبب.و ما يقال في حلّه:من انّ إمضاء المسبب يلازم عرفا إمضاء السّبب،إذلو لا إمضاء السّبب كان إمضاء المسبّب لغوا،فليس بشي‏ء،إذ لا ملازمة عرفا في ذلك‏و ان يظهر1من الشّيخ(قده)الميل إلى ذلك حسب ما أفاده قبل المعاطاة بأسطر1قال الشيخ في المكاسب بعد ذكر كلام الشهيد الثاني في المسالك.و الشهيد الأول في القواعد:«و يشكل ما ذكراه بان وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسك بإطلاق نحو أحلّ اللّه البيع و إطلاقات‏أدلة ساير العقود في مقام الشك في اعتبار شي‏ء فيها،مع ان سيرة علماء الإسلام التمسك بها في هذه المقامات.نعم يمكن ان يقال:ان البيع و شبهه في العرف إذا استعمل في الحاصل من المصدر الّذي يراد من قول‏


81

عند نقل كلام الشّهيد(قده)و اللّغوية انّما تكون إذا لم يجعل الشّارع سببا،أو لم‏يمض سببا أصلا،إذ لا لغوية لو جعل سببا أو أمضى سببا في الجملة،غايته انه يلزم‏حينئذ الأخذ بالمتيقّن،فلزوم اللّغويّة لا يقتضى إمضاء كلّ سبب،بل يقتضى‏إمضاء سبب في الجملة،و يلزمه الأخذ بالمتيقّن.فالتّحقيق في حلّ الأشكال:هو انّ باب العقود و الإيقاعات ليست من‏باب الأسباب و المسببات،و ان أطلق عليها ذلك،بل انّما هي من باب الإيجادبالأدلة،و الفرق بين باب الأسباب و المسبّبات،و بين الإيجاد بالأدلة،هو انّ‏المسبب في باب الأسباب لم يكن بنفسه فعلا اختياريّا للفاعل،بحيث تتعلّق به‏إرادته أوّلا و بالذات،بل الفعل الاختياري و ما تتعلّق به الإرادة هو السّبب،ويلزمه حصول المسبّب قهرا.و هذا بخلاف باب الإيجاد بالأدلة،فانّ ما يوجد بالأدلة كالكتابة،هو بنفسه‏فعل اختياريّ للفاعل،و متعلّق لإرادته و يصدر عنه أوّلا و بالذات،فانّ الكتابةليس إلا عبارة عن حركة القلم على القرطاس بوضع مخصوص،و هذا هو بنفسه فعل‏اختياري صادر عن المكلّف أوّلا و بالذات،بخلاف الإحراق،فانّ الصّادر عن‏المكلّف هو الإلقاء في النّار لا الإحراق،و كذا الكلام في سائر ما يوجد بالأدلة:من‏آلات النّجار،و الصّائغ،و الحداد،و غير ذلك،فانّ جميع ما يوجده النّجار يكون‏فعلا اختياريّا له،و المنشار مثلا آلة لإيجاده،و باب العقود و الإيقاعات كلّها من هذاالقبيل،فانّ هذه الألفاظ كلّها آلة لإيجاد الملكيّة،و الزّوجيّة،و الفرقة،و غير ذلك،القائل(بعت)عند الإنشاء لا يستعمل حقيقة إلاّ فيما كان صحيحا مؤثرا و لو في نظرهم،ثمّ إذا كان مؤثرا في‏نظر الشارع كان بيعا عنده و إلاّ كان صورة بيع نظير بيع الهازل عند العرف.فالبيع الّذي يراد منه ما حصل عقيب قول القائل(بعت)عند العرف و الشرع حقيقة في الصحيح المفيدللأثر و مجاز في غيره إلاّ ان الإفادة و ثبوت الفائدة مختلف في نظر العرف و الشرع،و اما وجه تمسك العلماء بإطلاق‏أدلة البيع و نحوه فلأنّ الخطابات لما وردت على طبق العرف حمل لفظ البيع و شبهه في الخطابات الشرعيّة على ماهو الصحيح المؤثر عند العرف أو على المصدر الّذي يراد من لفظ بعت فيستدل بإطلاق الحكم بحلّه أو بوجوب الوفاءعلى كونه مؤثرا في نظر الشارع أيضا فتأمل...(المكاسب،كتاب البيع،ص 81-80)


82

و ليس البيع مثلا مسببا توليديّا لهذه الألفاظ،بل البيع هو بنفسه فعل اختياريّ‏للفاعل متعلّق لإرادته أوّلا و بالذات،و يكون إيجاده بيده،فمعنى حلّية البيع هو حلّيةإيجاده،فكلّ ما يكون إيجادا للبيع بنظر العرف فهو مندرج تحت إطلاق قوله تعالى:أحل اللَّه البيع،و المفروض انّ العقد بالفارسيّة مثلا يكون مصداقا لإيجاد البيع بنظرالعرف،فيشمله إطلاق حلّية البيع،و كذا الكلام في سائر الأدلّة و ساير الأبواب،فيرتفع موضوع الأشكال،إذ مبنى الأشكال هو تخيّل انّ المنشآت بالعقود من قبيل‏المسبّبات التّوليديّة،فيستشكل فيه من جهة انّ إمضاء المسبّب لا يلازم إمضاءالسّبب،و الحال انّ الأمر ليس كذلك،فتأمل في المقام جيّدا.

المبحث الثّالث في المشتق‏

و تحقيق الحال فيه يستدعى رسم أمور:

(الأمر الأوّل)

اختلفوا في انّ إطلاق المشتق على ما انقضى عنه التّلبس بالمبدإ،هل هوعلى نحو الحقيقة أو المجاز؟بعد اتّفاقهم على المجازيّة بالنّسبة إلى من يتلبّس في‏المستقبل،و على الحقيقة بالنّسبة إلى المتلبس في الحال.و السّر في اتّفاقهم على المجازيّة في المستقبل،و الاختلاف فيما انقضى،هوانّ المشتق لمّا كان عنوانا متولّدا من قيام العرض بموضوعه،من دون ان يكون‏الزّمان مأخوذا في حقيقته،بل لم يؤخذ الزّمان في الأفعال-كما سيأتي-فضلا عن‏المشتق،وقع الاختلاف بالنّسبة إلى ما انقضى عنه المبدأ،حيث انّه قد تولّد عنوان‏المشتق لمكان قيام العرض بمحلّه في الزّمان الماضي،و هذا بخلاف من يتلبّس بعد،فانّه لم يتولّد عنوان المشتق لعدم قيام العرض بمحلّه،فكان للنزاع في ذلك مجال،دون‏هذا،إذ يمكن ان يقال فيما تولّد عنوان المشتق:أنّ حدوث التّولد في الجملة و لو فيمامضى يكفى في صدق العنوان على وجه الحقيقة و لو انقضى عنه المبدأ،كما انّه يمكن‏ان يقال:انّه يعتبر في صدق العنوان على وجه الحقيقة بقاء التّولّد في الحال،و لا يكفى‏حدوثه مع انقضائه.هذا فيما إذا تولد عنوان المشتق في الجملة.و امّا فيما لم يتولد فلا مجال للنّزاع في انّه على نحو الحقيقة،لعدم قيام العرض‏


83

بمحلّه،فكيف يمكن ان يتوهّم صدق العنوان على وجه الحقيقة،مع انّه لم يتحقق‏العنوان بعد،فلا بدّ ان يكون على وجه المجاز بعلاقة الأول و المشارفة.

(الأمر الثّاني)

لا إشكال في اختصاص النّزاع بالعناوين العرضيّة المتولّدة من قيام أحدالمقولات بمحالّها،و خروج العناوين الذّاتيّة الّتي يتقوم بها الذات و ما به قوام شيئيّةالشّي‏ء،كحجريّة الحجر،و إنسانيّة الإنسان،و ما شابه ذلك من المصادر الجعليّة الّتي‏بها قوام الشّي‏ء،فلا يصح إطلاق الحجر على ما لا يكون متلبّسا بعنوان الحجريّة فعلا،و لا إطلاق الإنسان على ما لا يكون متلبسا بالإنسانيّة فعلا،فلا يقال للتراب:انّه‏إنسان باعتبار انّه أحد العناصر التي يتولد منها الإنسان،و ذلك لأنّ إنسانيّة الإنسان‏ليست بالتّراب،بل انّما تكون بالصّورة النّوعيّة الّتي بها يمتاز الإنسان عن غيره،بل‏التّراب لم يكن إنسانا في حال من الحالات،حتّى في حال تولّد الإنسان منه،فضلاعن حال عدم التّولد.و بعبارة أخرى:في حال كون الإنسان إنسانا لم يكن إنسانيّته‏بالتّراب الّذي هو أحد عناصره،بل إنسانيته انّما هي بالصّورة النّوعيّة،فإذا لم يكن‏التّراب في حال كونه عنصر الإنسان ممّا يصح إطلاق اسم الإنسان عليه،فكيف‏يصح إطلاق اسم الإنسان عليه في غير ذلك الحال،مع انّه لا علاقة بينه و بين‏الإنسان،حتّى علاقة الأول و المشارفة،لأنّ التّراب لا يصير إنسانا،و لا يؤل إليه‏أبدا.و هذا بخلاف العناوين العرضيّة،كضارب،فانّ ضاربيّة الضّارب انّمايكون بالضّرب،لمكان قيام الضّرب به على جهة الصّدور،و من المعلوم:انّ من لم‏يكن ضاربا في الحال،هو الّذي يكون ضاربا في الغد حقيقة،و هو الّذي يتعنون بهذاالعنوان،و إليه مآله،فعلاقة الأول و المشارفة في مثل هذا ثابتة و متحقّقة،بخلاف‏التّراب و الإنسان حيث لم يكن مآل التّراب إلى الإنسان في حال من الحالات،بخلاف ضارب،فانّ الّذي يكون ضاربا هو زيد،فصح إطلاق الضّارب على زيدبعلاقة انّه يؤل إلى هذا العنوان في المستقبل.و حاصل الكلام:انّه فرق،بين أسماء الذوات:من الأجناس و الأنواع‏


84

و الأعلام،و بين أسماء العرضيّات،فانّه في الأوّل لا يصح إطلاق الاسم عليها الافي حال ثبوت الذات بما لها من الصّور النّوعيّة الّتي بها يتحقّق عنوان الذات‏كحيوانية الحيوان و إنسانية الإنسان و زيدية زيد،بخلاف الثّاني،فانّه يصح‏إطلاق الاسم عليها،و ان لم تكن متلبّسة بالعرض فعلا بعلاقة الأول و المشارفة.و كذا الكلام في علاقة ما كان،فانّ زيدا الفاقد للضّرب في الحال،هوالّذي كان ضاربا بالأمس حقيقة،فصح إطلاق الضّارب عليه بعلاقة ما كان،وهذا بخلاف الكلب الواقع في المملحة بحيث صار ملحا،فانّ هذا الملح لم يكن كلبا،إذ الكلبية انّما هي بالصّورة النّوعيّة الّتي لم تكن.فظهر:سرّ اختصاص النزاع‏بالعرضيّات،دون الذاتيّات‏1فتأمل.

(الأمر الثّالث)

ليس المراد من المشتقّ مطلق ما كان له مصدر حقيقيّ مقابل المصدرالجعلي،بحيث يعمّ الأفعال،و لا خصوص اسم الفاعل و المفعول و الصّفة المشبّهة كماتوهم،بل المراد من المشتقّ كلّ عنوان عرضي كان جاريا على الذات متّحدا معهاوجودا على وجه يصح حمله عليها،سواء كان من المشتق الاصطلاحي كضارب ومضروب،أو لم يكن كبعض الجوامد التي تكون من العناوين العرضيّة مقابل‏العناوين الذّاتيّة،كالزّوجيّة،و الرّقيّة،و الحرّيّة،و غير ذلك من العناوين العرفيّة.ولا موجب لتوهم الاختصاص بخصوص المشتق الاصطلاحي،و ان كان‏ظاهر العنوان ربّما يعطى ذلك،إلاّ انّه يظهر من بعض الكلمات التّعميم لكلّ عنوان‏عرضيّ،و يدلّ على ذلك:العبارة المحكيّة عن القواعد،مع ما في الإيضاح من‏شرحها،و العبارة المحكيّة عن المسالك‏2فيمن كان له زوجتان كبيرتان و زوجة1و كان غرض شيخنا الأستاذ مدّ ظله من هذا البيان هو انّه بالنسبة إلى الذاتيّات لا يصح إطلاق‏الاسم على غير المتلبّس بالذّات،لا على وجه الحقيقة،و لا على وجه المجاز،بل يكون الاستعمال غلطا،و لكن‏الظاهر من بعض الكلمات:هو انّه بالنّسبة إلى الذاتيّات لا يصح الإطلاق على غير المتلبس على وجه الحقيقة،و امّاعلى وجه المجاز فكأنّه لا كلام في صحة الإطلاق،فتأمل-منه.2قال الشهيد الثاني(قدس سره)في المسالك:


85

صغيرة و أرضعت الكبيرتان الصّغيرة،حيث بنوا حرمة المرضعة الثّانية على مسألةالمشتق،و لا بأس بنقل العبارة المنقولة عن الإيضاح و القواعد و بيان المراد منها و ان‏كانت المسألة فقهيّة.فنقول:انّه حكى من القواعد (1) «انّه لو أرضعت الصّغيرة زوجتاه على‏التّعاقب،فالأقرب تحريم الجميع،لأنّ الأخيرة صارت أم من كانت زوجته،ان‏كان قد دخل بإحدى الكبيرتين،و إلاّ حرمت الكبيرتان مؤبدا،و انفسخ عقدالصّغيرة انتهى»و حكى عن الإيضاح‏ (2) انّه قال:«أقول تحريم المرضعة الأولى والصّغيرة مع الدّخول بإحدى الكبيرتين بالإجماع،و امّا المرضعة الأخيرة ففي تحريمهاخلاف،فاختار والدي المصنف و ابن إدريس تحريمها،لأنّ هذه يصدق عليها انّهاأمّ زوجته،لأنّه لا يشترط في صدق المشتقّ بقاء المعنى المشتق منه،فكذا هنا،و لأنّ‏عنوان الموضوع لا يشترط صدقه حال الحكم،بل لو صدق قبله كفى،فيدخل تحت‏قوله:و أمّهات نسائكم،و لمساواة الرّضاع النّسب،و هو يحرم سابقا و لا حقافكذا مساويه»انتهى موضع الحاجة.أقول:عبارة القواعد مع ما عليها من الشّرح قد تكفّلت لبيان فروع:الأوّل:حرمة المرضعة الكبيرة الأولى على كلّ حال،و عدم ابتنائها على‏المشتق.الثّاني:توقّف حرمة المرتضعة الصغيرة على الدّخول بإحدى الكبيرتين.الثّالث:انفساخ عقد الصّغيرة مع عدم الدّخول بإحدى الكبيرتين،و ان لم‏تحرم عليه مؤبّدا،فله تجديد العقد عليها.«و بقي الكلام في تحريم الثانية من الكبيرتين،فقد قيل انها لا تحرم،و إليه مال المصنف حيث جعل‏التحريم أولى و هو مذهب الشيخ في النهاية و ابن الجنيد لخروج الصغيرة عن الزوجيّة إلى البنتيّة،و أم البنت غيرمحرمة على أبيها خصوصا على القول باشتراط بقاء المعنى المشتق منه في صدق الاشتقاق كما هو رأى جمع من‏الأصوليين.(مسالك الإفهام في شرح شرائع الإسلام،الجلد الأول كتاب النكاح،ص 475)

1)إيضاح الفوائد في شرح القواعد-الطبعة الجديدة،الجزء 3 ص 52

2)إيضاح الفوائد في شرح القواعد-الطبعة الجديدة،الجزء 3 ص 52


86

الرّابع:ابتناء حرمة المرضعة الثّانية الكبيرة على مسألة المشتق.و لا بأس‏ببيان مدرك هذه الفروع.فنقول:امّا الفرع الأوّل،و هو حرمة المرضعة الأولى على كلّ حال،فلصيرورتها أمّ الزّوجة في حال إكمال الرّضعة الخامسة عشر،بداهة انّه في ذلك الحال‏تكون المرتضعة الصّغيرة زوجة،و المرضعة الكبيرة أمّ الزّوجة،فيصدق عليها في ذلك‏الحال-أمّهات نسائكم-فتحرم.و امّا الفرع الثّاني:و هو حرمة المرتضعة الصّغيرة مع الدّخول بإحدى‏الكبيرتين،فلأنّ الصّغيرة تكون حينئذ ربيبته إذا لم يكن اللبن للزّوج،كما هومفروض الكلام،حيث انّهم ذكروا ذلك في فروع المصاهرة،و من المعلوم:حرمةالرّبيبة إذا كانت أمّها مدخولا بها،من غير فرق بين الدّخول بالأولى أو الدّخول‏بالثّانية،لأنّها على كلّ تقدير تصير ربيبة من الزّوجة المدخول بها.و امّا الفرع الثّالث:و هو انفساخ عقد الصّغيرة فيما إذا لم يكن قد دخل‏بإحدى الكبيرتين و عدم حرمتها،فلأنّها و ان صارت ربيبة بالإرضاع،إلاّ انّهاربيبة لم يكن قد دخل بأمها فلا تحرم،و امّا انفساخ عقدها،فلأنّه في حال إكمال‏الرّضعة الخامسة عشر يلزم اجتماع الأمّ و الرّبيبة في عقد الازدواج،و هو موجب‏لانفساخ عقد الصّغيرة،لعدم جواز الاجتماع.و امّا الفرع الرّابع:و هو ابتناء حرمة المرضعة الثّانية على مسألة المشتق،فلأنّه في حال إرضاع الثّانية لم تكن الصّغيرة زوجة،لخروجها عن الزوجيةبارتضاعها من الأولى،فإذا لم تكن في ذلك الحال زوجة،فلا تكون المرضعة الثّانية أمّ‏الزّوجة فعلا،بل تكون أم من كانت زوجة في السّابق،فلو قلنا بان المشتق حقيقةفيمن انقضى منه المبدأ،تحرم المرضعة الثّانية أيضا،لصدق أمّ الزّوجة عليها حقيقة،و ان لم نقل فلا موجب لحرمتها.بقي الكلام فيما ذكره في الإيضاح من الوجهين الأخيرين لحرمة المرضعةالثّانيةامّا الوجه الأوّل منهما،و هو قوله:و لأنّ عنوان الموضوع لا يشترط صدقه‏


87

حال الحكم بل لو صدق قبله كفى فيدخل تحت قوله:و أمّهات نسائكم،فربّمايتخيّل انّه يرجع إلى الوجه الأوّل،و هو صدق المشتق على من انقضى عنه المبدأ،فهو تكرار لذلك الوجه بعبارة أخرى هذا.و لكن يمكن ان يكون مراده منه،هو انّه لايتوقّف الحكم بحرمة أمّ الزّوجة على صدق هذا العنوان حال الحكم،حتّى يقال:انّ‏ذلك مبنى على كون المشتق حقيقة فيمن انقضى،بل يكفى في حرمة الأمّ تلبس‏البنت بالزّوجة آنا ما.و الحاصل:انّه و ان لم يصدق على الأم انّها أمّ الزّوجة فعلا لخروج الزوجةعن الزّوجيّة،إلاّ انّه لا يتوقّف الحكم بحرمة الأم على صدق الزّوجيّة على البنت في‏حال صيرورتها امّا لها،بل يكفى في الحكم بحرمة أمها ثبوت الزّوجيّة لها في زمان،وهو الزّمان الّذي قبل الارتضاع من المرضعة الأولى،نظير قوله تعالى:لا ينال عهدي‏الظّالمين،حيث انّ التّلبس بالظّلم في زمان يكفى في عدم نيل العهد و ان لم يكن‏حال النّيل ظالما،فتأمل جيّدا.و امّا الوجه الأخير:فحاصله انّ لحمة الرّضاع كلحمة النّسب،و انّه يحرم‏من الرّضاع ما يحرم من النّسب،و من المعلوم:انّه لو تزوّج بابنة ثمّ طلّقها،يحرم عليه‏أمّها مع زوال زوجيّتها بالطّلاق،فكذلك في الأمّ و البنت الرّضاعية تحرم الأم‏الرّضاعيّة و لو خرجت البنت عن الزّوجيّة،كما في المقام.و على كلّ حال:فقدخرجنا عمّا هو المقصود في المقام،من عدم اختصاص المشتق المتنازع فيه بالمشتق‏الاصطلاحي،و هو ما كان له مصدر حقيقي،بل يجري في الجو أمد الّتي تكون لهامصادر جعليّة إذا كانت من العرضيات لا الذاتيات.و ضابط العرضيّ هو ما كان متولّدا من قيام إحدى المقولات بموضوعاتها،سواء كانت من الأمور المتأصّلة في عالم العين،كما إذا كان العنوان متولّدا من مقولةالكم و الكيف،كالأبيض و الأسود،أو كان متولّدا من الأمور النّسبيّة،كسائرالمقولات السّبع:من مقولة الفعل و الانفعال و الإضافة و الجدة و غير ذلك،وسواء كان من الأمور الاعتباريّة،أو كان من الأمور الانتزاعيّة،و سواء كان من‏


88

المحمول بالضّميمة،أو كان خارج المحمول،و لعلّ هذا هو مراد صاحب‏ (1) الكفايةمن تعميم محلّ النّزاع بالنّسبة إلى العرض و العرضي،و ان كان ذلك خلاف ما اشتهرمن اصطلاح العرض و العرضي،حيث ان مرادهم من العرض نفس المقولة،أي‏عرضا مباينا غير محمول كالبياض،و مرادهم من العرضي،المتحد مع الذّات المحمول‏عليها كالأبيض،فالتّعبير عن المحمول بالضّميمة و خارج المحمول-بالعرض والعرضي-خلاف ما اشتهر من اصطلاحهم في ذلك.و على كلّ حال:المراد من المحمول بالضّميمة،هو ما كان الحمل بلحاظقيام أحد الأعراض التسعة بمحالّها،و لو كان العرض من مقولة الإضافة و النّسبةكقولك:هذا أبيض،هذا أسود،هذا أب،هذا زوج،هذا فوق،هذا تحت،و غير ذلك‏ممّا كان من مقولة الكمّ،و الكيف،و الإضافة،و النّسبة المتكرّرة.و المراد من‏الخارج المحمول،ما كان المحمول امرا خارجا عن الذّات،و لكن كان من مقتضيات‏الذّات،كهذا ممكن،هذا واجب،و غير ذلك ممّا لم يكن المحمول من أحد المقولات.و ربّما عبّر عن الأمور الانتزاعيّة الّتي تنتزع من قيام العرض بمحلّه بخارج‏المحمول،كالسّبق و اللّحوق و التّقارن المنتزعة من تقارن الشّيئين في زمان أومكان أو سبق أحد الشيئين في المكان و الزّمان،فمثل السّبق و اللّحوق و التقارن‏ينتزع من قيام مقولة الأين و متى بموضوعها،فمثل هذا أيضا ربّما يعبّر عنه بخارج‏المحمول على ما حكاه شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه،و لكنّ المعروف من اصطلاح-خارج‏المحمول-هو ما كان من مقتضيات الذّات خارجا عن حقيقتها،كالإمكان والوجوب.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ الخارج عن محلّ النّزاع هو خصوص‏العناوين الذّاتيّة المنتزعة عن نفس مقام الذّات،على ما تقدّم في الأمر الثّاني،و امّاسائر العناوين المتولّدة من أيّ مقولة كانت،فهي داخلة في محلّ النّزاع،سواء كانت‏من خارج المحمول،أو من المحمول بالضّميمة.

1)كفاية الجلد الأوّل ص 59«ثم انه لا يبعد ان يراد بالمشتق...»


89

و ممّا ذكرنا من تعريف المحمول بالضّميمة ظهر:ان جعل مثل الزّوجيّة من‏خارج المحمول،كما يظهر من صاحب الكفاية (1) حيث أمّ بالتّعميم إدراج مثل‏الزّوجيّة كما يشهد بذلك سياق كلامه ممّا لا وجه له،إذ الزّوجيّة من المحمول‏بالضّميمة،لا خارج المحمول،حيث انّ الزّوجيّة من مقولة النّسبة الّتي هي من‏المقولات التّسع،فتكون من المحمول بالضّميمة،على ما بيّناه من ضابط المحمول‏بالضّميمة.

(الأمر الرّابع)

يعتبر في المشتق المتنازع فيه،بقاء الذّات مع انقضاء المبدأ،كالضّارب،حيث تكون الذّات فيه باقية مع انقضاء الضّرب،و لأجل ذلك ربّما يستشكل في‏إدراج مثل اسم الزّمان في محلّ النّزاع،لانعدام الذّات فيه كانقضاء المبدأ،لأنّ‏الذّات فيه انّما يكون هو الزّمان،و هو مبنىّ على التّقضيّ و التّصرّم،فمثل مقتل‏الحسين عليه السلام لا يمكن إدراجه في محلّ النّزاع،لأنّ كلاّ من الزّمان و القتل قدانقضى،فلا يصح ان يقال:انّ هذا اليوم مقتل الحسين عليه السلام هذا.و لكن يمكن ان يقال:انّ المقتل عبارة عن الزّمان الّذي وقع فيه القتل،وهو اليوم العاشر من المحرّم،و اليوم العاشر لم يوضع بإزاء خصوص ذلك اليوم المنحوس‏الّذي وقع فيه القتل،بل وضع لمعنى كلّي متكرّر في كلّ سنة،و كان ذلك اليوم‏الّذي وقع فيه القتل فردا من افراد ذلك المعنى العامّ المتجدّد في كلّ سنة،فالذّات في‏اسم الزّمان انّما هو ذلك المعنى العامّ،و هو باق حسب بقاء الحركة الفلكية،و قدانقضى عنه المبدأ الّذي هو عبارة عن القتل،فلا فرق بين الضّارب و بين المقتل،إذكما انّ الذات في مثل الضّارب باقية و قد انقضى عنها الضّرب،فكذا الذّات في مثل‏المقتل الّذي هو عبارة عن اليوم العاشر من المحرّم باقية لتجدّد ذلك اليوم في كلّ سنة وقد انقضى عنها القتل،نعم لو كان الزّمان في اسم الزّمان موضوعا لخصوص تلك‏القطعة الخاصّة من الحركة الفلكيّة الّتي وقع فيها القتل،لكانت الذّات فيه‏

1)المدرك السابق ص 60«فعليه كلما كان مفهومه منتزعا...»


90

متصرّمة،كتصرّم نفس المبدأ،إلاّ انّه لا موجب للحاظ الزّمان كذلك،فتأمل جيّدا.

(الأمر الخامس)

المراد من الحال في قولهم:إطلاق المشتق على المتلبّس بالمبدإ في الحال‏يكون حقيقة،ليس زمان الحال المقابل لزمان الماضي و الاستقبال الّذي هو عبارةعن زمان التكلّم و النّطق،بل المراد من الحال،هو حال التّلبس بالمبدإ في حال‏تحقق المبدأ و فعليّة قيامه بالذّات.و بعبارة أخرى:المراد بالحال،هو وجود العنوان‏المتولد من قيام العرض بمحله،سوآء كان مقارنا لزمان الحال،كما إذا كان زيدضاربا حين قولي:زيد ضارب،أو كان سابقا على زمان الحال،أو لا حقا له،كماإذا قلت:كان زيد ضاربا،أو سيكون زيد ضاربا.و بذلك يندفع:ما ربّما يستشكل في المقام:من المنافاة،بين الاتفاق على‏انّ إطلاق المشتقّ على المتلبّس في الحال يكون على وجه الحقيقة،و بين الاتفاق على‏انّ الأسماء مط لا تدلّ على الزّمان،سواء في ذلك الجوامد و المشتقّات،و انّما قيل‏بدلالة الأفعال على الزّمان،و هو أيضا محلّ منع كما سيأتي‏وجه المنافاة،هو انّه لو لم يكن الزّمان مأخوذا في مفهوم الاسم و لا جزءالموضوع له،فكيف يكون إطلاق المشتق على المتلبّس في الحال على وجه الحقيقة؟إذمعنى كونه على وجه الحقيقة،هو انّه تمام ما وضع له اللّفظ،فيكون زمان الحال جزءمدلول اللّفظ،و هذا كما ترى ينافى الاتّفاق على عدم دلالة الأسماء على الزّمان،هذا.و ممّا ذكرنا من معنى الحال يظهر لك وجه الدّفع و عدم المنافاة بين‏الاتفاقين،إذ ليس المراد من-الحال-في اتّفاقهم على انّ إطلاق المشتقّ على‏المتلبّس في الحال يكون حقيقة هو زمان الحال حتّى يكون زمان الحال جزء مدلول‏المشتق،بل المراد من-الحال-هو حال فعليّة المبدأ و تحققه،غايته انّ فعليته لا بدّ ان‏يكون في زمان لاحتياج الزّماني إلى الزّمان،إلاّ انّ ذلك غير كونه جزء مدلول اللّفظ.و ممّا ذكرنا أيضا من معنى الحال يندفع إشكال آخر،و هو انّ النّحاة قالوا:انّ اسم الفاعل ان كان بمعنى الحال أو الاستقبال يعمل عمل الفعل المضارع،و ان‏


91

كان بمعنى الماضي لا يعمل عمل الفعل،و هذا الكلام منهم ربّما يوهم المنافاة لمااتّفقوا عليه:من عدم دلالة الأسماء على الزّمان،هذا.و لكن قد عرفت عدم المنافاة،إذ ليس المراد من الحال و الاستقبال في‏قولهم:يعمل عمل الفعل-هو زمان الحال و الاستقبال،بل المراد حال تلبّسه بالمبدإأو تلبّسه فيما بعد في مقابل من كان متلبّسا في السّابق،مع انّه لو فرض انّ مرادهم‏من الحال و الاستقبال هو زمان الحال و الاستقبال،فلا يلازم ان يكون اسم الفاعل‏بنفسه يدل على زمان الحال و الاستقبال،حتّى ينافى قولهم بعدم دلالة الأسماء على‏الزّمان،بل يمكن استفادة زمان الحال و الاستقبال من وقوع اسم الفاعل في طيّ‏التّركيب،حيث انّ الكلام إذا كان مشتملا على الرّابط الزّماني:من-كان وأخواتها-أو السّين و سوف الّذين لا يدخلان إلاّ على الفعل المضارع،فلا محالة يستفادمنه الزّمان الماضي أو زمان الاستقبال،كقولك:كان زيد ضاربا،أو سيكون زيدضاربا.و ان لم يكن مشتملا على الرابط الزّماني كقولك:زيد قائم،أو زيد ضارب،فيستفاد منه زمان الحال بمقتضى ظهور إطلاق الكلام في ذلك،و هذا معنى قولهم:انّ‏الجملة الحمليّة ظاهرة في زمان الحال،حيث انّ الأخبار عن شي‏ء يقتضى‏تحقّق المخبر به في زمان النّطق إذا لم تكن الجملة مشتملة على ما يصرفها عن هذا الظهور،من‏الرّوابط الزّمانيّة الّتي يستفاد منها المضي و الاستقبال،فلا منافاة بين قولهم:بعدم‏دلالة الأسماء على الزّمان،و بين قولهم:انّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أوالاستقبال يعمل عمل الفعل،و قولهم:انّ الجملة الخبريّة ظاهرة في تحقّق المخبر به في‏زمان النّطق،فان ظهور الجملة في ذلك انّما يكون لمكان الإطلاق و عدم اقترانهابالرّابط الزّماني،كما انّ كون اسم الفاعل بمعنى الاستقبال انّما يكون بالرّابطالزّماني،لا انّ نفس اسم الفاعل يدل على الزّمان.و حاصل الكلام:انّ البحث في باب المشتقّ،انّما يكون في مفهومه‏الأفرادي من انّه حقيقة في خصوص المتلبس،أو الأعم منه و ممّا انقضى عنه‏التّلبس؟و كلامهم في ظهور الجملة الخبريّة في تحقق المخبر به في حال النّطق،انّما هولمكان النّسبة و ظهور تركيب الكلام في ذلك عند خلوّه عمّا يدلّ على تحقق المخبر به في‏


92

الماضي،فلا ربط له بما نحن فيه من تعيين المفهوم الأفرادي للمشتقّ،كما لا يرتبطبالمقام ما حكى عن الفارابي و الشّيخ:من انّ اتّصاف الموضوع بالعنوان في القضاياالموجّهة،هل يكفى فيه الإمكان؟كما عن الفارابي،أو يعتبر الفعليّة و وجود العنوان‏في أحد الأزمنة الثّلاثة؟كما عن الشيخ الرّئيس،و ذلك:لأنّ كلامنا على ماعرفت ناظرا إلى معنى المشتق و ما هو مفهومه الأفرادي،و كلام الفارابي و الشّيخ‏ناظر إلى جهة صحّة الحمل في القضيّة،و انّه هل يكفى في صحّة الحمل إمكان تحقّق‏الوصف العنواني للموضوع في مقابل الامتناع؟أو يعتبر تحقق الوصف في أحد الأزمنةو لا يكفى الإمكان؟فالموضوع في قولنا:كلّ كاتب متحرك الأصابع،هو ما يمكن ان‏يكون كاتبا و ان لم يصدر منه الكتابة في زمان على رأي الفارابي،أو ما يتحقق منه‏الكتابة في أحد الأزمنة على رأي الشّيخ،و كذا قولنا:كلّ مركوب زيد حمار،هو ماأمكن ان يكون مركوب زيد و ان لم يتلبّس بالمركوبيّة في زمان من الأزمنة،أو ماكان متلبّسا في زمان،و هذا كما ترى لا ربط له بما نحن فيه من انّ معنى الكاتب والمركوب ما هو؟و حاصل الكلام:انّ كلام الفارابي و الشّيخ انّما هو في انّ المحمول الّذي‏يكون موجها بإحدى الجهات:من الضّرورة و الإمكان و الفعليّة هل يصح حمله‏على موضوع لم يتلبّس بالوصف العنواني في زمان من الأزمنة إلاّ انّه ممكن التّلبس؟أوانّه لا يصح إلاّ إذا تلبس به في أحد الأزمنة؟و هذا أجنبي عمّا نحن فيه من معنى‏المشتق و انّ صدقه بالنّسبة إلى المستقبل مجاز و بالنّسبة إلى حال التّلبس حقيقة وبالنّسبة إلى ما انقضى حقيقة أو مجاز على الخلاف،فلا يتوهّم المنافاة،بين ما حكى‏عن الفارابي و الشّيخ في ذلك المقام،و بين ما ذكرناه في هذا المقام،كما لا يتوهّم‏المنافاة،بين ما ذكرناه في الأمر الثّاني:من اعتبار التّلبس بالعنوان بالفعل في‏الذّاتيّات و لا يكفى التّلبس فيما مضى فضلا عن التّلبس في المستقبل،و بين ما ذكره‏الفارابي:من كفاية إمكان التّلبس بالعنوان في عقد الوضع في صحّة الحمل،بناءعلى تعميم العنوان في كلامه بالنّسبة إلى الذّاتيّات كما هو الظّاهر،و ذلك لما عرفت‏من انّ كلامه في صحّة الحمل،و كلامنا في المفهوم الأفرادي،فتأمل جيّدا.


93

(الأمر السّادس)

هل النّزاع في المقام راجع إلى ناحية الاستعمال،و انّ استعمال المشتقّ فيماانقضى عنه المبدأ حقيقة أو مجاز أو انّ النّزاع راجع إلى ناحية التّطبيق و الانطباق؟و لا بدّ قبل ذلك من بيان المراد من الاستعمال،و التّطبيق،و الانطباق.فنقول:انّ الاستعمال عبارة عن إلقاء المعنى باللّفظ و جعل اللّفظ مرآة له،فان كان ذلك هو المعنى الموضوع له اللّفظ،كان الاستعمال على وجه الحقيقة.و ان لم‏يكن ما وضع له اللّفظ،فان كان هناك علاقة بينه و بين الموضوع له،كان‏الاستعمال على وجه المجاز،و ان لم يكن علاقة كان الاستعمال غلطا،فالاستعمال‏يتّصف بكلّ من الحقيقة و المجاز و الغلطيّة.و امّا الانطباق،فهو عبارة عن انطباق المعنى الكلّي على مصاديقه و صدقه‏عليها،و هذا لا يتّصف بالحقيقة و المجاز،بل هو من الأمور الواقعيّة التّكوينيّة،يتّصف بالوجود و العدم،إذ الكلّي امّا منطبق على هذا و امّا غير منطبق،هذابحسب الواقع.و امّا بحسب الإطلاق فكذلك لا يتّصف بالحقيقة و المجاز،بل بالصّدق‏و الكذب،فلو أطلق الكلّي على ما يكون مصداقا له يكون الكلام صادقا،و ان‏أطلق على ما لا يكون مصداقا له يكون الكلام كاذبا،فإطلاق الإنسان على زيديكون صدقا،و إطلاقه على الحمار يكون كذبا،و من هنا أنكر على السّكاكي‏القائل بالحقيقة الادعائية،بأنه لا معنى للحقيقة الادعائية،إذ إطلاق الأسد بمعناه‏الحيوان المفترس على زيد الشّجاع يكون كذبا،و مجرّد الادّعاء لا يصحح الكلام.و الحاصل:انّه لو أطلق الأسد على زيد من دون تصرف في معنى الأسد،بل يراد منه معناه الحقيقي الّذي هو الحيوان المفترس،يكون هذا الكلام كذبا،ومجرّد الادعاء بأنّ زيدا من افراد الأسد لا يخرج الكلام عن الكذب،بل يكون في‏ادعائه لها أيضا كاذبا،فإطلاق الأسد على زيد انّما يصح إذ توسّع في معنى الأسدبجعل معناه مطلق الشّجاع الصّادق على الحيوان المفترس و على زيد الشّجاع،ثم بعدهذه التّوسعة يطلق الأسد على زيد فيكون زيد من افراد المعنى الموسّع فيه حقيقة،ويكون من مصاديقه واقعا إذا كان شجاعا،فالإطلاق يكون ح على نحو الحقيقة و ان‏


94

كان استعمال الأسد في مطلق الشّجاع مجازا،لأنّه استعمال في خلاف ما وضع له.و بالجملة:صحّة إطلاق شي‏ء على شي‏ء انّما يكون بتوسعة في ناحية ذلك‏الشّي‏ء على وجه يعمّ ذلك الشّي‏ء الّذي أطلق عليه،فتارة يكون الشّي‏ء هو بنفسه موسّعابلا عناية و يكون نسبته إلى المصاديق نسبة المتواطئ،كما لو أطلق الماء على ماءالدّجلة و الفرات،ففي مثل هذا يكون كلّ من الإطلاق و الاستعمال حقيقيا إذا لم‏يكن الإطلاق بلحاظ الخصوصيّة الفرديّة،بل جرّد الفرد عن الخصوصيّة و أريد به‏نفس تلك الحصّة من الطّبيعة الموجودة في ضمنه.و أخرى:لا يكون الشّي‏ء هو بنفسه بلا عناية يعمّ ذلك الشّي‏ء الّذي أطلق‏عليه،و ان كان من افراده الحقيقية،إلاّ انّ نسبته إلى ذلك الشّي‏ء نسبة المشكّك‏لا المتواطئ كإطلاق الماء على ماء الزّاج و الكبريت،فانّ ماء الزّاج و الكبريت وان كان من افراد الماء حقيقة،إلاّ انّ الماء لما كان منصرفا عن ذلك فإطلاق الماءعليه يحتاج إلى نحو عناية و توسعة،و لكن تلك العناية لا توجب المجازيّة،بل يكون‏أيضا كلّ من الإطلاق و الاستعمال على وجه الحقيقة.و ثالثة:لا يكون الشّي‏ء ممّا يعمّه على وجه الحقيقة،بل يكون مباينا له‏بالهويّة،إلاّ انّه يصح تعميم دائرة الشّي‏ء على وجه يكون ذلك الشّي‏ء من افراده حقيقةبعد التّعميم،و ذلك كصحّة تعميم الأسد لمطلق الشّجاع لمكان العلاقة،و بعد التّعميم‏و التّوسعة في دائرة مفهوم الأسد يطلق على زيد الشّجاع،و يكون زيد من افرادالمفهوم الموسع حقيقة،و ان كان استعمال الأسد في مطلق الشّجاع مجازا،لأنّه‏خلاف ما وضع له اللّفظ.إذا عرفت ذلك فنقول:انّ السّكاكي ان أراد من قوله:إطلاق الأسد على‏زيد يكون حقيقة ادّعائيّة،هو انّه يطلق الأسد على زيد من دون توسعة في دائرةمفهوم الأسد،فهذا ممّا لا معنى له و يكون الكلام كذبا،و ان أراد انّ الإطلاق بعدالتّوسعة في دائرة مفهوم الأسد،فهذا هو المجاز الّذي يقول به المشهور،و يكون من‏المجاز في الكلمة،حيث انّه قد استعمل لفظ الأسد في مطلق الشّجاع،و هو خلاف‏ما وضع له فتأمل،فانّ الإنكار على السكاكي ربّما لا يساعد عليه الشّخص ابتداء و


95

ان كان بعد التأمّل يعترف‏1بفساد مقالته.و على كلّ حال،فلنرجع إلى ما كنّا فيه من انّ النّزاع في المقام،هل هو في‏صحّة الإطلاق و التّطبيق؟أو في الحقيقة و المجاز بالنّسبة إلى استعمال المشتقّ فيماانقضى عنه المبدأ؟ربّما قيل:انّ النّزاع في المقام انّما هو في صحّة الإطلاق و تطبيق‏عنوان المشتقّ على ما انقضى عنه المبدأ،لا في انّ استعماله فيما انقضى عنه المبدأحقيقة أو مجاز.قلت:هذا الكلام بمكان من الغرابة،ضرورة انّ الإطلاق و تطبيق‏عنوان المشتقّ على ما انقضى عنه المبدأ،لا في انّ استعماله فيما انقضى عنه المبدأحقيقة أو مجاز.قلت:هذا الكلام بمكان من الغرابة،ضرورة انّ إطلاق عنوان على‏شي‏ء و تطبيقه على المصاديق يتوقّف على معرفة ذلك العنوان،إذ لا معنى للتّطبيق مع‏الجهل بالعنوان.و بالجملة:صحّة إطلاق المشتق على ما انقضى عنه المبدأ و عدم صحّته‏يتوقّف على معرفة الموضوع له للمشتق،و الكلام بعد في أصل مفهوم المشتق و ماوضع له،فكيف يكون النّزاع في الإطلاق و التطبيق؟مع انّ انطباق الكلّي على‏مصاديقه امر خارجي تكويني لا معنى لوقوع النّزاع فيه من الأعلام.و الحاصل:انّ صدق عنوان الضّارب على زيد الّذي انقضى عنه الضّرب وعدم صدقه يدور مدار مفهوم الضّارب و انّ الموضوع له ما هو؟فان قلنا:انّ الموضوع‏له هو المعنى الأعمّ من المتلبّس بالحال و ما انقضى عنه المبدأ،فلا محالة يصدق على‏زيد عنوان الضّارب،و ان قلنا:انّ الموضوع له هو خصوص المتلبس،فلا يصدق على‏زيد عنوان الضّارب،فالعمدة هو تعيين الموضوع له و ما هو المفهوم الأفرادي،فكيف‏صار النّزاع في صحّة الإطلاق و التّطبيق،مع انّه بعد لم يتّضح الموضوع له.هذا كلّه،مضافا إلى انّ جعل محلّ النّزاع هو الإطلاق و الانطباق،انّمايصح فيما إذا كان هناك فرد أطلق عليه عنوان المشتق كما في زيد الضّارب و عمرو1هذا ما أفاده شيخنا الأستاذ مدّ ظله في هذا المقام،و لكن ربّما يختلج في البال انّ الكذب لازم على‏كل حال،سواء قلنا بالتوسعة في ناحية المفهوم،أو قلنا بمقالة السكاكي:من الحقيقة الادعائية و انّ إطلاق الأسدعلى زيد لمكان ادّعاء انّه من افراد الحيوان المفترس.نعم لو قلنا:بأنّ المجاز عبارة عن استعمال اللّفظ في خلاف ماوضع له لعلاقة بين المعنيين من دون ان يكون هناك تصرّف لا في ناحية المفهوم و لا في ناحية الفرد-كما هو المشهورفي الألسن-لما كان يلزم كذب في الكلام أصلا،فتأمل-منه.


96

الرّاكب،و امّا إذا لم يكن هناك فرد أطلق عليه عنوان المشتق،كقولك:جئني‏بضارب،أو تحرم أمّ الزّوجة و ما شابه ذلك من العناوين الكليّة الّتي تكون موضوعاللأحكام،فلا إطلاق هناك و لا تطبيق و انطباق،بل عنوان كلّي وقع موضوعالحكم،فلا بدّ ان يكون النّزاع في هذا في نفس المفهوم الأفرادي و حقيقة الضّارب وأمّ الزّوجة،و المفروض انّ عقد البحث في المشتق انّما هو لمعرفة مفاهيم تلك العناوين‏ليصح موضوع الحكم.و الحاصل:انّ التّكلم في الإطلاق و التّطبيق،انّما هو فيما إذا كان التّطبيق‏مذكورا في الكلام صريحا،كقولك زيد ضارب.و امّا إذا لم يكن التطبيق مذكورا في‏الكلام صريحا،سواء كان مذكورا فيه ضمنا،كقولك:رأيت ضاربا حيث انّ‏الرّؤية لا بدّ ان تتعلق بشخص،أو لم يكن مذكورا فيه و لو ضمنا،كما في العناوين‏المشتقة الّتي وقعت موضوعا للأحكام الشّرعيّة،كقوله عليه السلام مثلا يكره‏البول تحت الشّجرة المثمرة أو تحرم أمّ الزّوجة و ما شابه ذلك،فلا محالة ان يكون‏التّكلم فيه من حيث الحقيقة و المجاز و تعيين ما هو الموضوع له لتلك العناوين‏المشتقّة.و ثمرة النّزاع انّما تظهر في مثل هذا،إذ غالب الفروع الّتي رتّبها الأعلام على‏مسألة المشتق،انّما ترتّب على العناوين الكليّة الّتي وقعت موضوعا للأحكام‏الشّرعيّة،و مع هذا كيف يصح ان يقال:انّ الكلام في المقام في الإطلاق والانطباق؟و لو كان من عادتنا إساءة الأدب،لأسأنا الأدب بالنّسبة إلى من قال‏بهذه المقالة كما أساء الأدب بالنّسبة إلى الأعلام.فتأمل في المقام جيّدا،حتّى لا تعثربمقالته.

(الأمر السابع)

في شرح الحال في الاشتقاق و مبدأ الاشتقاق‏اعلم:انّ بناء المتقدّمين كان على انّ مبدأ الاشتقاق هو المصدر،و حكى‏عن المتأخرين انّ مبدأ الاشتقاق هو اسم المصدر.و الحق:انّه لا هذا و لا ذلك،وتوضيحه يتوقّف على بيان المراد من المصدر و اسم المصدر و ما هو المائز بينهما،و ان‏كان قد تقدّم منّا في المعاني الحرفيّة شرح ذلك على وجه الإجمال،و نزيده في المقام‏


97

وضوحافنقول:انّه لا إشكال في انّ المقولة هي بنفسها من الماهيّات الإمكانيّة في‏قبال الماهيّة الجوهريّة،و في عالم الهويّة لا ربط لإحداهما بالأخرى،و لكن ماهيّةالعرض تحتاج في مقام التّحقق إلى محلّ تقوم به،لعدم إمكان قيام الماهية العرضيّةبنفسها،بل وجودها انّما يكون بوجود الموضوع،و من هنا قالوا:انّ وجود العرض‏لنفسه و في نفسه عين وجوده لمحلّه و في محلّه،و المراد من عينية الوجود للمحلّ هوالاتّحاد في الوجود خارجا،بحيث لا يكون هناك امران منحازان في الخارج،و لأجل‏ذلك صحّ لحاظ العرض بما هو هو،و بما هو قائم بالمحلّ و متّحد وجوده مع وجوده.وبعبارة أخرى تارة:يلاحظ بشرط لا عمّا يتّحد معه،و أخرى:يلاحظ لا بشرط عمّايتّحد معه،فان لوحظ بما هو هو و بشرط لا عمّا يتّحد معه و بما انّه شي‏ء من‏الموجودات الإمكانيّة،يقال له العرض كالسّواد و البياض،و ان لو حظ بما هو قائم‏بالمحلّ و لا بشرط عمّا يتّحد معه في الوجود و بما انّه وجود رابطيّ،يقال له العرضي‏كالأبيض و الأسود.و بعبارة أخرى تارة:يلاحظ امرا مباينا غير محمول،و أخرى:يلاحظ امرا متّحدا محمولا كقولك:زيد أبيض،حيث انّه يصح ذلك،و لا يصح قولك:زيد بياض.ثمّ انّ العرض ان لوحظ امرا مباينا غير محمول،فامّا ان يلاحظ بما هو هو،من دون لحاظ انتسابه إلى محلّه،فهو المعبّر عنه باسم المصدر،حيث قيل في تعريفه:انّه ما دلّ على نفس الحدث بلا نسبة.و امّا ان يلاحظ منتسبا إلى فاعله،فتارة:يكون‏اللّحاظ بنسبة ناقصة تقييديّة،و هو المعبّر عنه بالمصدر كقولك:ضرب زيد،و أخرى:بنسبة تامّة خبريّة،و هو المعبّر عنه بالفعل بأقسامه الثّلاثة:من الماضي و المضارع‏و الأمر،فيشترك كلّ من المصدر و الفعل في الدّلالة على النّسبة،غايته انّ هيئةالمصدر تدلّ على النّسبة النّاقصة التقييدية على ما قيل،و ان كان لنا فيه كلام يأتي‏إن شاء اللّه تعالى،و هيئة الفعل تدلّ على النّسبة التّامّة الخبريّة،فإذا كان معنى المصدرهو ذلك،فلا يمكن ان يكون هو مبدأ الاشتقاق،بداهة انّه يكون للمصدر ح هيئةتخصّه،و يكون بما له من المعنى مباينا لسائر المشتقات،فكيف يكون هو مبدأ


98

الاشتقاق؟مع انه يعتبر في مبدأ الاشتقاق ان يكون معرّى عن الهيئة حتّى يمكن‏عروض الهيئات المشتقة عليها،و ما يكون له هيئة مخصوصة غير قابل لذلك،إذلا يعقل عروض الهيئة على الهيئة،فالمصدر بما له من المادّة و الهيئة لا يمكن ان يكون‏مبدأ الاشتقاق.و كذا الحال في اسم المصدر،إذ اسم المصدر على ما عرفت،هوعبارة عن نفس الحدث بشرط انتسابه إلى محلّه،و الغالب اتّحاد هيئته مع هيئةالمصدر من دون ان يكون له هيئة تخصّه،كما في الضّرب و القتل،و غير ذلك من‏المصادر الّتي يمكن ان يراد منها الاسم المصدر،و قد يكون له هيئة تخصّه،كما في‏الغسل بالضّم حيث انّه اسم المصدر و المصدر هو الغسل بالفتح.و على كلّ حال:اسم المصدر أيضا بما له من المعنى و الهيئة يباين معاني سائر المشتقات و هيئاتها،فلايصح ان يكون هو مبدأ الاشتقاق،بل لا بدّ ان يكون مبدأ الاشتقاق امرا معرّى عن‏كلّ هيئة(كالضّاد)و(الرّاء)و(الباء)و لا بأس بالتّعبير عنه بالضّرب من دون‏لحاظ وضع هيئة و دلالتها على النّسبة،بل تكون الهيئة لمجرّد حفظ المادّة ليسهل‏التعبير عنها.و حاصل الكلام:انّه لا بدّ ان يكون مبدأ الاشتقاق من حيث المعنى واللّفظ لا بشرط،ليكون قابلا لأن يرد على لفظه كلّ هيئة مع انحفاظ معناه في جميع‏المعاني المشتقّة،و معنى المصدر و اسم المصدر،انّما يكون بشرط شي‏ء كما في المصدرحيث يلاحظ فيه الانتساب،أو بشرط لا كما في اسم المصدر حيث يلاحظ فيه‏عدم الانتساب،فلا يصلحان لأن يكونا مبدأ الاشتقاق،فتأمل في المقام جيّداهذا.و لكن لا يخفى عليك:انّ ما قيل:من انّ المصدر بهيئته يدلّ على الانتساب‏ممّا لا معنى له،بداهة انّ الانتساب انّما يستفاد من إضافة المصدر إلى فاعله،كما هوالغالب،و إلى مفعوله نادرا كما في قولك:ضرب زيد عمراً حيث يكون زيد فاعلا،أو ضرب زيد عمرو بالرّفع حيث يكون عمرو فاعلا،و على كلّ تقدير ليست هيئةالمصدر موضوعة للدّلالة على انتساب الحدث إلى فاعله بالنّسبة النّاقصة التّقيديّة،كوضع هيئة الأفعال للدّلالة على النّسبة التّامة الخبرية،بل النّسبة انّما تستفاد من‏


99

الإضافة أي إضافة المصدر إلى معموله،بحيث لو لا الإضافة لما كاد يستفاد نسبةأصلا،بل المصدر بهيئته انّما وضع للدّلالة على ذات المنتسب،لكن لا بشرط عدم‏لحاظ الانتساب،كما في اسم المصدر،بل في حال قابليّته للانتساب.و بعبارة أخرى:المصدر انّما وضع للحدث في حال صدوره عن فاعله،لا بماهو هو كما في اسم المصدر،و لا بما هو منتسب كما في الأفعال،و بهذا يباين المصدركلّ من الفعل و اسم المصدر.فلا يتوهّم انّه إذا لم تكن هيئة المصدر موضوعة للدّلالةعلى النّسبة النّاقصة التّقييديّة بل كان المصدر بهيئته موضوعا لنفس ذات الحدث‏المنتسب،فامّا ان يرتفع المائز بينه و بين اسم المصدر إذا لو حظ ذات المنتسب بشرطعدم الانتساب،و امّا ان لا يلاحظ ذلك بل يكون لا بشرط من هذه الجهة فيكون‏هو المعنى المحفوظ في جميع الصّيغ المشتقّة،و يلزمه ان يكون هو مبدأ الاشتقاق.و ذلك:لأنّ اسم المصدر موضوع لنفس الحدث الغير القابل للانتساب،فمعناه ملحوظ بشرط لا،و المصدر بمادّته و هيئته موضوع للحدث القابل لورودالانتساب عليه،فالتّباين بين المصدر و اسم المصدر أوضح من ان يخفى.و كذا عدم‏إمكان كون المصدر مبدأ الاشتقاق،لأن للمصدر هيئة تخصّه،و ما كان له هيئةمخصوصة لا يمكن ان يكون مبدأ الاشتقاق،لاعتبار ان يكون مبدأ الاشتقاق معرّى‏عن الهيئة القابل لطروّ الهيئات المختلفة عليه.فتحصل:انّ كلاّ من المصدر و اسم المصدر و الأفعال و المفاعيل واسم الفاعل و الصّفة المشبّهة و غير ذلك من المشتقات،انّما يشتقّ من مبدأ واحدمحفوظ في جميع هذه الصّيغ،و هو في حدث الضّرب يكون(الضّاد)و(الرّاء)و(الباء)و في حدث القتل يكون(القاف)و(التّاء)و(اللام)و هكذا الحال في‏سائر الأحداث و الأعراض.هذا كلّه في الاشتقاق اللّفظي،و قد عرفت انّ جميع الصّيغ تشتقّ في‏عرض واحد من مبدأ واحد،و ليست الصّيغ المشتقّة مترتّبة في الاشتقاق لفظا،أوتكون بعض الصّيغ مشتقّة من بعض آخر،بل الكلّ يشتق من امر واحد.و امّا المعاني الّتي تكفّلتها الصّيغ المشتقّة،فلا إشكال في انّ بينها ترتبا،


100

بحيث يكون بعض المعاني متولّدا من بعض آخر.و تفصيل ذلك هو انّه لا إشكال في‏ان معنى الاسم المصدري متولّد عن المعنى المصدري،و من هنا قيل في تعريف اسم‏المصدر:بأنه ما حصل من المصدر.و السّر في ذلك:هو انّ اسم المصدر عبارة عن‏نفس الحدث و العرض كما تقدّم،و من المعلوم:انّ تحقّق العرض انّما هو لمكان‏انتسابه إلى محلّه،إذ لا وجود له مع قطع النّظر عن الانتساب،فلا بدّ ان يحصل‏الغسل(بالفتح)من الشّخص حتّى يتحقّق الغسل(بالضم)و ذلك واضح.و امّا المصدر فقد اختلف في تقدّم معناه على معنى الفعل الماضي أو تأخّره،وقد نسب إلى الكوفيين تأخّره و انّ معناه اشتقّ من معنى الفعل الماضي،و ذلك لأنّ‏الفعل الماضي انّما هو متكفّل لبيان النّسبة التّحققية أي كون العرض متحقّقا في‏الخارج مع انتسابه إلى فاعله بنسبة تامّة خبريّة،فالماضي انّما يدلّ على تحقق الحدث‏من فاعله و ليس مفاده أزيد من ذلك و ما اشتهر من انّه يدلّ على الزّمان الماضي فهواشتباه،بل انّ فعل الماضي بمادّته و هيئته لا يدلّ إلاّ على تحقّق الحدث من فاعله،نعم لازم الأخبار بتحقّقه عقلا هو سبق التّحقق على الأخبار آنا ما قبل الأخبار و الالم يكن اخبارا بالتحقق،و أين هذا من ان يكون الزّمان الماضي جزء مدلول الفعل‏الماضي،و كيف يعقل ذلك؟مع انّ هيئة الفعل الماضي انّما وضعت للدلالة على‏النّسبة التّحققيّة،و هي معنى حرفيّ،و لذا كان الفعل الماضي مبنيا الّذي هو لازم‏المعنى الحرفيّ،و الزّمان انّما يكون معنى اسميّا استقلاليّا،فلا يعقل ان يكون مفادالحرف معنى اسميّا.و الحاصل:انّ دلالة الفعل الماضي على الزّمان،امّا ان يكون بمادّته،و امّاان يكون بهيئته.امّا المادّة فهي مشتركة بين الأفعال و الأسماء المشتقّة،فليس فيهادلالة على الزّمان،و إلاّ كانت الأسماء المشتقّة أيضا لها دلالة على الزّمان،و هوضروريّ البطلان.و امّا الهيئة:فليس مفادها إلاّ انتساب العرض إلى محلّه بالنّسبةالتّحققيّة،و ذلك معنى حرفيّ لا يمكن ان يدلّ على الزّمان الّذي هو معنى اسميّ،فإذاكان مفاد الفعل الماضي هو تحقّق العرض منتسبا إلى محلّه،فهذا أوّل نسبة يتحقّق‏بين العرض و المحلّ،لأنّه واقع في رتبة الصّدور و التّحقق،و قبل ذلك لا تكون إلاّ


101

الماهيّة الإمكانية المباينة لماهيّة المحلّ،فانتساب العرض إلى محلّه بالنّسبة التّحققيةالتي تكون تامّة خبريّة يكون أوّل النّسب،ثم بعد ذلك تحصل النّسبة النّاقصةالتّقييديّة الّتي تكون مفاد المصدر بالبيان المتقدّم بداهة انّه بعد تحقّق الضّرب من‏زيد و صدوره عنه يضاف الضّرب إلى زيد،و يقال:ضرب زيد كذا من الشّدة والضّعف،فإضافة العرض إلى الذّات بالإضافة التّقييديّة الّتي تكون مفاد المصدر،تكون متأخّرة عن إضافة العرض إلى الذّات بالإضافة الفاعليّة التّحققيّة،الّتي‏تتكفّلها هيئة الفعل الماضي.و من هنا قيل:انّ الأوصاف قبل العلم بها اخبار،كما انّ الأخبار بعدالعلم بها أوصاف،إذ معنى ذلك هو انّ توصيف الذات بالشّي‏ء كزيد العالم مثلايكون متأخّرا عن العلم بتحقّق الوصف منه الّذي يخبر به،كقولك:زيد عالم،فبعدالأخبار بعالميّة زيد يتّصف زيد بالعالميّة عند المخاطب الجاهل واقعا أو المفروض‏جهالته في مقام الأخبار،فتنقلب النّسبة التّامّة الخبريّة من قولك زيد عالم إلى النّسبةالنّاقصة التّقييديّة من قولك:زيد العالم.هذا في الجمل الاسميّة،و قس على ذلك‏الجمل الفعليّة بعد إخبارك بضرب زيد بقولك:ضرب زيد،تنقلب النّسبة التّامّةالخبريّة إلى النّسبة النّاقصة التقييديّة،و يقال:ضرب زيد مثلا شديد.فهذا معنى مانسب إلى الكوفيّين،من اشتقاق المصدر من الفعل الماضي،فانّ مرادهم من‏الاشتقاق هو ترتّب معناه على معناه،لا انّه مشتق منه لفظا،هذا.و لكن شيخنا الأستاذ مد ظلّه،لم يرتض هذه المقالة،و قال:يتأخّر رتبةمعنى الفعل الماضي عن معنى المصدر،و التزم بأنّ ما اشتهر:من انّ الأوصاف قبل‏العلم بها اخبار و الأخبار بعد العلم بها أوصاف،مقصور على الجمل الاسميّة.والسّر في ذلك:هو انّ المصدر-على ما تقدّم-عبارة عن الحدث القابل للانتساب،و لم‏يؤخذ فيه انتساب فعلى،و من المعلوم:انّ الحدث القابل للانتساب هو الّذي يصدرمن الفاعل،فالنّسبة التّحققيّة الّتي تكفّلها هيئة الماضي متأخّرة بالرتبة عن معنى‏المصدر فتأمل.و على كلّ حال:فان وقع الاختلاف في اشتقاق المصدر عن الفعل‏


102

الماضي أو اشتقاق الفعل الماضي عن المصدر،فلم يقع خلاف بينهم في اشتقاق‏الفعل المضارع عن الفعل الماضي بمعنى تأخّر رتبته عن رتبة الفعل الماضي،و ذلك‏لما عرفت:من انّ الفعل الماضي بهيئته يدلّ على النّسبة التّحققيّة الّتي هي أوّل نسبةيمكن ان تفرض بين العرض و محلّه،و هذا بخلاف الفعل المضارع فانّه يدلّ على‏انتساب الذات إلى العرض و اتّصافها به كقولك:يضرب زيد،فانّ مفاده تكيّف‏زيد بالضّرب و تلوّنه و اتّصافه به،و من المعلوم:انّ هذا متأخر رتبة عن تحقق العرض‏منتسبا إلى فاعله،إذ بعد التّحقق تتكيّف الذات بتلك الكيفيّة و توصف به.و الحاصل:انّه في الفعل الماضي يلاحظ العرض منتسبا إلى فاعله بالنّسبةالتّحققيّة فيقال:ضرب زيد،و في الفعل المضارع يلاحظ الذات متّصفة بالعرض‏فيقال:يضرب زيد،و من المعلوم:انّ رتبة اتّصاف الذات بالعرض متأخّرة عن رتبةتحقّق العرض عن الذّات،إذ بعد التحقّق و صدور العرض من الذات يتّصف به‏الذات،فمعنى المضارع انّما يتولّد من الفعل الماضي،فهذه هي النّسبة الثّانية للعرض،و النّسبة الأولى هي النّسبة التّحققيّة.ثمّ انّ ما اشتهر:من انّ المضارع يكون بمعنى الحال و الاستقبال أيضا من‏الاشتباهات،فانّ الظّاهر من إطلاق الفعل المضارع من قولك:يضرب أو يقول وغير ذلك هو التّلبس الحالي،و صرفه إلى الاستقبال يحتاج إلى قرينة من إدخال السّين‏و سوف،و إلاّ فظهوره الأولى هو التلبس بالحال،كما هو الظّاهر من قوله تعالى:ويقول الّذين كفروا إلخ،فانّ الظّاهر منه هو انّ حال نزول الآية كان ما تكفّلته الآيةمقولا لقول الكفّار،لا انّهم بعد ذلك يقولون و يصدر منهم ذلك القول.و على كلّ‏حال،فقد ظهر لك تأخّر رتبة المضارع عن الماضي.ثمّ انّ رتبة اسم الفاعل متأخّرة عن رتبة المضارع،لأنّ مفاد اسم الفاعل‏انّما يكون عنوانا متولّدا من قيام العرض بمحلّه و اتصافه به،فانّ مفاده هو الاتّحاد في‏الوجود،و عينيّة وجود العرض لمحلّه،و هذا المعنى كما ترى متأخّرا بالرتبة عن تحقق‏العرض من فاعله الّذي هو مفاد الفعل الماضي،و عن اتّصاف الذّات بالعرض الّذي‏هو مفاد الفعل المضارع،فمفاد اسم الفاعل انّما يتولّد من مفاد الفعل المضارع.و من‏


103

هنا قيل:انّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال يعمل عمل الفعل‏المضارع،لأنّ المضارع مبدئه القريب،بخلاف الماضي فانّه يكون مبدئه البعيد،فنسبة اسم الفاعل واقعة في المرتبة الثّالثة من النّسب.ثمّ بعد ذلك،تصل النّوبة إلى نسبة ملابسات الفعل من المفاعيل،من‏حيث وقوع الضّرب من زيد في زمان خاصّ،أو مكان مخصوص،فيقال:زيدضارب في المسجد،أو في اللّيل و أمثال ذلك،فنسبة ملابسات الفعل تكون في المرتبةالرّابعة من النّسب.

(الأمر الثّامن)

في بساطة مفهوم المشتقّ و تركيبه،و هو من أشكل الأمور المبحوث عنها في‏المشتق،و قبل بيان المختار لا بدّ من تقديم أمور:

الأوّل:

الظاهر انّ هناك ملازمة،بين القول بدلالة هيئة المشتقّ على النّسبةالنّاقصة التّقييديّة،و القول بأخذ الذات في مفهومه،إذ المراد من النّسبة النّاقصةنسبة المبدأ إلى الذّات،فلا بدّ من دلالته على الذات الّتي هي طرف النّسبة،كدلالته على المبدأ الّذي هو الطرف الآخر لها،فلا يجتمع القول بخروج الذات عن‏مفهوم المشتق مع القول بدلالته على النّسبة النّاقصة التّقييديّة1فتأمل.

الثّاني:

المراد من التّركيب المتنازع فيه في المقام،هو التّركيب بحسب‏التحليل العقلي في عالم الإدراك و أخذ المفهوم،بحيث يكون المدرك العقلاني من‏ضارب،هو من جملة الذات الّتي ثبت لها الضّرب على وجه يكون مدلول اللّفظ هوهذه الجملة المركبة من الذات و المبدأ و ثبوته لها،و يقابله البساطة،فانّه معنى‏البساطة هو خروج الذّات عن مدلوله،بحيث يكون المدرك العقلاني من ضارب مثلاامرا واحدا و معنى فاردا ليست الذات داخلة فيه.و الحاصل:انّ للقائم مثلا وجودا خارجيا،و وجودا عقلانيّا.امّا الوجود1يمكن ان يقال:بأنه موضوع لنفس النّسبة مع خروج المنتسبين عن المدلول،كخروج الفاعل عن‏مدلول الفعل،مع انّه وضع للنسبة التحققيّة في الماضي-منه.


104

الخارجي:فهو عبارة عن الهيئة الخاصّة و الشّكل المخصوص القائم بالهواء.و امّاالوجود العقلاني المدرك من إطلاق القائم فهو المتنازع فيه من حيث أخذ الذّات فيه،فمن يقول بالتّركيب،يقول:انّ المدرك العقلاني و المفهوم من قائم،هو الذات التي‏ثبت لها تلك الهيئة الخاصّة و القائم بها ذلك المبدأ.و من يقول بالبساطة يقول:بخروج الذّات عن المفهوم،و انّما المفهوم من قائم هو عنوان الذات يتولّد من قيام‏المبدأ بها،من دون ان يكون الذّات جزء المفهوم و المدرك حتّى عند التّحليل العقلي،إذا التّركيب و لو تحليلا ينافى البساطة.فما يظهر من بعض الأعلام:من الالتزام بالتّركيب عند التّحليل العقلي مع‏الالتزام بالبساطة1ممّا لا وجه له.ثمّ انّ أخذ الذات في مفهوم المشتق يتصوّر على وجهين:الأوّل:ان يكون الذّات المبهمة الكليّة مأخوذة فيه بمعنى أخذ ذات ما فيه.الثّاني:أخذ الذوات الشّخصيّة في مفهومه من باب الوضع العامّ و الموضوع‏له الخاصّ،و سيأتي ما في كلا الوجهين إن شاء اللّه تعالى.

الثّالث:

حكى عن الشّيخ قده،انّه قاس المشتق بالجوامد من حيث عدم أخذ الذات‏فيه،و قال:كما انّ الذات لم تؤخذ في مفهوم الجوامد،و ليس معنى الحجر هو ذات‏ثبت له الحجريّة،بل هو معنى بسيط،فكذلك المشتق لم تكن الذّات مأخوذة فيه.وقد تعجّب من هذا القياس بعض و قال في وجه التّعجب:انّ الذّات لا محالة مأخوذةفي مفهوم الجوامد،إذ الحجر مثلا من أسماء الذّوات،فلا يعقل خروج الذّات عنه،فلا مجال لقياس المشتقات بالجوامد.ثمّ أشكل على ما أفاده الشّيخ قده بقوله:أوّلا،وثانيا،و ثالثا،و رابعا،و خامسا،كما لا يخفى على المراجع هذا.1هذا ما ذكره شيخنا الأستاذ مدّ ظله،و لكن حكى انّه يظهر من كلمات القوم:انّ القائلين بالبساطةمختلفون،فمنهم من يقول ببساطة المفهوم و ان كان عند التحليل العقلي مركبا،و منهم من يقول بالبساطة حتّى‏عند التحليل،فراجع-منه.


105

و لكن الظاهر انّ القياس في محلّه،و ذلك:لأنّ الحجر و ان كان من أسماءالذّات،إلاّ انّ منشأ توهّم دخول الذّات في المشتق هو بعينه موجود في الجوامد،ويلزمه القول بتركيب الجوامد مع بداهة بساطتها،إذ لا منشأ لتوهّم تركّب المشتق من‏المبدأ و الذات،سوى انّ المبدأ في المشتق انّما يلاحظ لا بشرط عمّا يتّحد معه من‏الذات الّذي بهذا اللحاظ يكون عرضيّا و يصح حمله على الذّات،على ما سيأتي من‏معنى اللابشرطيّة في المقام،بخلاف ما إذا لوحظ بشرط لا،فانّه يكون عرضا غيرمحمول.و هذا اللّحاظ أي لحاظ اللابشرطيّة بعينه موجود فيما يتحصّل منها الأنواع،كالإنسان،و الشجر،و الحجر،و غير ذلك،فانّ المادّة أو الصّورة ان لو حظت بشرطلا،يكون كلّ منها مباينا للآخر،و لا يصح حمل أحدهما على الأخر و لا حملهما على‏ثالث،بل تكون المادّة ح صرف القوّة مباينة للصّورة الّتي هي فعليّة صرفة.و ان لوحظت لا بشرط يصح حمل أحدهما على الآخر و حملهما على ثالث،و يعبّر عن أحدهماحينئذ بالجنس و الأخر بالفصل،فانّ الجنس هو المادّة و انّما الفرق بينهما بالاعتبار،حيث انّ المادّة تعتبر بشرط لا،و الجنس يعتبر لا بشرط،و كذا الحال في الصّورة والفصل.و حينئذ ان كان لحاظ مبدأ الاشتقاق في المشتقات لا بشرط موجبا لدخول‏الذات فيه،فليكن لحاظ الجنس لا بشرط عمّا يتّحد معه من الفصل موجبا لدخول‏الفصل في الجنس،و كذلك دخول الجنس في الفصل،إذ الفصل أيضا يلاحظ لابشرط عن الجنس،فيلزم دخول الجنس في الفصل،و الفصل في الجنس،و دخولهمافي النّوع،و دخول النّوع في كلّ منهما،فانّ حمل الحيوان على الإنسان في قولك:الإنسان حيوان انّما يكون بعد لحاظ الحيوان لا بشرط عن اتّحاده مع الإنسان،و إلاّبان لو حظ بشرط لا يكون ح صرف المادّة،و لا يصحّ حمله على الإنسان،فلو كان‏لحاظ الشي‏ء لا بشرط عمّا يتّحد معه موجبا لدخول ذلك المتحد مع الشّي‏ء في الذّات،لكان يلزم دخول الإنسان في الحيوان عند حمله عليه،فانّ ما يكون حيوانا هوالإنسان،و ما يكون إنسانا هو الحيوان،و كذلك في الفصل.و هذا معنى ما قلنا:من‏انّه يلزم دخول كلّ من الجنس و الفصل و النّوع في مفهوم الأخر،مع انّ ذلك بديهيّ‏البطلان‏


106

فيعلم من ذلك:انّ لحاظ المبدأ لا بشرط عمّا يتّحد معه من الذات في‏المشتقّات غير مستلزم لدخول الذّات فيه،و إلاّ لاستلزم في الجوامد دخول كلّ من‏الجنس و الفصل و النّوع في الأخر،فيكون معنى الحجر حينئذ شي‏ء ثبت له الحجريّةإذا الفصل في الحجر انما يكون فصلا له بعد لحاظه لا بشرط عمّا يتّحد معه من‏الجسميّة فتكون الجسميّة داخلة في مفهوم الحجر،و هكذا الكلام في سائر الأنواع والأجناس و الفصول،عاليها و سافلها1.إذا عرفت ذلك فاعلم:انّه يدلّ على المختار من بساطة المشتق وجوه:الأوّل:انّ المشتق على ما عرفت مرارا انّما ينتزع من لحاظ المبدأ لا بشرط،فلوكانت الذات مأخوذة في مفهومه و جزء لمدلوله لخرج عن كونه لا بشرط إلى بشرطشي‏ء،و هذا خلف،إذ الفرق بين المشتق و مبدئه ليس إلاّ باللابشرطيّة و البشرطاللائية،و اعتبار الذّات يلازم الشرط الشيئيّة،و هو خلاف ما اتّفقوا عليه.الثّاني:انّ الألفاظ موضوعة بإزاء المفاهيم بما انّها مرآة الحقائق،لا بما هي هي‏حتّى يمتنع صدق ما وضع له الألفاظ على الخارجيّات،و المفهوم عبارة عن المدرك‏العقلاني،و هو في غاية البساطة ليس فيه شائبة التّركيب،فلا يمكن ان يكون مفهوم‏المشتق مركّبا من الذات و المبدأ.الثّالث:انّه يلزم تكرار الموصوف في مثل قولك:ذات باردة،لأنّه لو كان معنى‏1و ينبغي مراجعة كلام المستشكل فانّ ظاهر كلامه انّ اشكاله مقصور بدعوى خروج الذّات عن‏الجوامد،كما هو الظاهر من الكلام المحكي عن الشيخ(قدس سره)و ظنّي انّ استلزام دخول الجنس في الفصل وبالعكس لا يرفع إشكال المستشكل،فتأمّل-منه.


107

الباردة ذات ثبت لها البرودة لزم تكرار الذّات في القضيّة،مع شهادة الوجدان‏بخلافه،بل يلزم التّكرار في كلّ قضيّة كان المحمول فيها من العناوين المشتقّة إذاكان المراد من أخذ الذّات أخذ مصداق الذات،أي الذّوات الشّخصيّة،لا مفهوم‏الذّات،فانّ في قولك:زيد كاتب،يكون شخص زيد مأخوذا في مفهوم الكاتب،فيكون مفاد القضيّة زيد زيد ثبت له الكتابة،فيلزم تكرار الموصوف في كلّ قضيّة،وانسباقه إلى الذّهن مرّتين و هو كما ترى،بل يلزم ان يدخل المشتق في متكثّر المعنى،بناء على أخذ الذّوات الشّخصيّة في مفهومه،و يكون من باب الوضع العامّ و الموضوع‏له الخاصّ،مع انّ هيئة فاعل موضوعة بوضع نوعيّ لكلّي المتلبّس بالمبدإ على نحوعموم الموضوع له.و من الغريب:ما صدر عن بعض في هذا المقام،حيث أساء الأدب إلى‏أستاذ الأساتيذ السّيد الجليل الميرزا الشّيرازي قده،عند ما أورد إشكال لزوم كون‏المشتق من متكثّر المعنى،بناء على أخذ الذّوات الشخصيّة في مفهومه،و قال:انّ‏الأشكال بذلك انّما هو لأجل عدم تعقّل المعاني الحرفيّة،ثمّ أطال الكلام في انّ هيئةالمشتق كهيئات الأفعال انّما هي موضوعة للمعاني الحرفيّة النّسبية بالوضع العامّ والموضوع له العامّ،غايته انّ هيئات الأفعال موضوعة للنّسبة التّامّة الخبريّة،و هيئةالمشتق موضوعة للنّسبة النّاقصة التقييديّة.و أنت خبير بما في هذا الكلام من الخلط والاشتباه في قياس هيئة المشتق على هيئة الأفعال،و حسبان انّ الهيئة مط موضوعةللمعنى الحرفي النّسبي،مع وضوح بطلان القياس.و ذلك:لأنّه لا يعقل ان يكون مفاد الهيئة في المشتق معنى حرفيّا،بان تكون‏موضوعة للنّسبة النّاقصة التّقييديّة،بداهة انّ النّسبة النّاقصة التقييديّة انّما تكون‏نتيجة النّسبة التّامة الخبريّة،و متأخّرة عنها بالذّات،و لذا قالوا:انّ الأخبار بعدالعلم بها تكون أو صافا،فالنسبة النّاقصة التقيدية دائما انّما تحصل من النّسبة التّامّةالخبريّة و تكون من نتائجها،و حينئذ نسأل عن النّسبة التّامّة الخبريّة الّتي تكون‏النّسبة النّاقصة المستفادة من هيئة ضارب نتيجة لها،مع انّه لم يكن هناك نسبة تامّةخبريّة قبل حمل الضّارب على زيد في قولك:زيد ضارب،إذ هذا القول هو الّذي‏


108

يتضمّن النّسبة التّامّة،و تنقلب هذه النّسبة التّامّة بعد الاخبار بها إلى النّسبة النّاقصةالتّقييديّة.و امّا قبل الحمل و الأخبار فليس هناك نسبة تامّة خبريّة حتّى تكون‏نتيجتها النّسبة النّاقصة المستفادة من هيئة ضارب.و الحاصل:انّه يلزم القول بدلالة هيئة المشتق على النّسبة النّاقصةالتقييديّة،القول بأنّ في مثل حمل الضّارب على زيد في قولك:زيد ضارب يتضمّن‏1نسبا أربع:نسبتين تامّتين،و نسبتين ناقصتين.امّا التامّتان:فإحداهما نسبة الضّارب إلى زيد الّتي تكفّلها نفس الكلام،وثانيهما النّسبة التّامّة التي تكون نتيجتها النّسبة النّاقصة المستفادة من هيئة ضارب،لماعرفت:من انّ كلّ نسبة ناقصة تقييديّة فهي من نتائج النّسبة التامة،فيلزم القول‏بدلالة الهيئة على النّسبة النّاقصة القول بوجود نسبة تامّة أخرى،غير نسبة الضّارب‏إلى زيد في قولك:زيد ضارب،حتّى تكون نتيجة تلك النسبة التّامة هي النّسبةالنّاقصة المدّعى دلالة الهيئة عليها.و امّا النّاقصتان:فإحداهما هي النّسبة النّاقصة التّقييديّة،الموضوع لها هيئةضارب كما هو المدعى،و ثانيهما النّسبة النّاقصة التّقييديّة الّتي تكون نتيجة حمل‏الضّارب على زيد،حيث انّ الأخبار بعد العلم بها تكون أوصافا،فلا بدّ ان تحصل‏هناك نسبة ناقصة أخرى بعد الأخبار بضاربيّة زيد،فيتحصّل من قولك زيد ضارب‏نسب أربع،و هو كما ترى يكذبه الوجدان.مع انّه يلزم ان تكون النّسبة النّاقصةالتّقييديّة في عرض النّسبة التّامّة الخبريّة،إذ قولك:زيد ضارب،متكفّل لنسبة تامّةخبريّة،و متكفّل لنسبة ناقصة تقييديّة الموضوع لها هيئة ضارب،و الحال انّه‏لا يعقل ان تكون النّسبة النّاقصة في عرض النّسبة التّامة،لما عرفت من انّ النّسبةالنّاقصة تكون في طول النّسبة التّامّة و من نتائجها،فكيف يعقل ان تكون في‏عرضها؟و بالجملة:دعوى انّ هيئة ضارب موضوعة بوضع حرفيّ للنّسبة النّاقصة1مرادنا من التضمّن الأعم من المطابقة و الالتزام،فلا تغفل و تتخيّل خلاف المراد-منه.


109

التّقييديّة،1ممّا لا ترجع إلى محصّل،إذ يلزم عليه مضافا إلى ما ذكرنا،ان يكون‏المشتق لازم البناء،و لا يمكن ان يكون معربا يقع مسندا و مسندا إليه،لأنّ المعنى‏الحرفيّ يلازم البناء،فكيف صار معربا يقع مبتدأ و خبرا في الكلام؟2فلا محيص‏من القول بأنّ هيئة المشتق موضوعة بوضع استقلالي اسمي للعنوان المتولّد من قيام‏العرض بمحلّه.فظهر صحّة ما حكى عن سيّدنا الميرزا قده:من انّه لو كانت الذّوات‏الشّخصيّة مأخوذة في مفهوم المشتقّ يلزم ان يكون من متكثّر المعنى مع انّه ليس كذلك‏فإذا لا يمكن ان تكون الذّوات الشّخصيّة مأخوذة في مفهومه،كما لا يمكن ان تكون‏الذات الكلّية مأخوذة فيه لما تقدّم من المحاذير،مضافا إلى انّه يلزم دخول الجنس في‏مفهوم الفصل و بالعكس على ما عرفت،فلا محيص ح عن القول ببساطة المشتق.بقي في المقام:ما أفاده السّيد الشّريف في حاشيته على شرح المطالع،من‏الاستدلال على بساطة المشتقّ عند تعريف صاحب المطالع النّظر بأنه«ترتيب أمورحاصلة في الذّهن،يتوصّل بها إلى تحصيل غير الحاصل»حيث قال الشارح:«و انّماقال أمور،لأنّ التّرتيب لا يتصوّر في امر واحد و المراد منها ما فوق الواحد»ثمّ قال‏الشّارح:«و الأشكال الّذي استصعبه قوم،بأنه لا يشتمل تعريف النّظر التّعريف‏بالفصل وحده أو بالخاصّة وحدها حتّى غيّروا التّعريف إلى ترتيب امر أو أمور فليس‏من تلك الصّعوبة في شي‏ء،و ذلك لأنّ التّعريف بالمفردات انّما يكون بالمشتقّات،والمشتقّ و ان كان في اللّفظ مفردا،إلاّ انّ معناه شي‏ء له المشتقّ منه،فيكون من حيث‏المعنى مركّبا31و لا ينافى ذلك ما تقدّم منّا:من انّ المشتق واقع في المرتبة الثالثة من النسب،لأنّ مرادنا من ذلك:هو انّ معنى المشتق متأخرة في الرتبة عن الماضي و المضارع،لا انّه يدل على النسبة حقيقة،فتأمل-منه.2و لكن لا إشكال في انّ هيئة المضارع تدل على النسبة التّامة مع انّه قد يعرض عليه الإعراب،فدلالته‏على النسبة لا يلازم البناء-منه.3و لا يخفى ان المحقق المقرر(قدس سره)نقل عبارة شارح المطالع مع تصرفات موضحة لمعنى المقصودمنها.و إليك نصّ عبارته:«و انما قال أمور لأن الترتيب لا يتصور في امر واحد،و المراد بها ما فوق الواحد سواء كانت متكثرة أولا،و


110

فأورد عليه السّيد الشّريف في حاشيته على هذا الجواب:بأنّ مفهوم الشّي‏ءلا يعتبر في معنى النّاطق،و إلاّ لكان العرض العامّ داخلا في الفصل،و لو اعتبر في‏المشتق ما صدق عليه الشّي‏ء انقلب مادّة الإمكان الخاصّ ضروريّة،فانّ الشّي‏ء الّذي‏له الضّحك هو الإنسان،و ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروريّ‏ (1) .انتهى ما حكى عن‏المطالع و شرحها و المحشّى.و حاصل ما أفاده المحشّي في وجه بساطة المشتقّ:هو انّه ان أخذ مفهوم‏الشّي‏ء في مفهوم الفصل يلزم ان يدخل العرض العامّ في الفصل،فانّ النّاطق الّذي‏هو الفصل يكون معناه شي‏ء ثبت له النّطق،و الشّي‏ء امر عرضيّ و النّطق ذاتي‏و لا يعقل دخول العرضي في الذّاتي،و ان أخذ مصداق الشّي‏ء يلزم انقلاب القضيّةالممكنة إلى القضيّة الضّروريّة،فانّ المصداق الّذي يثبت له الضّحك في قولك:الإنسان ضاحك ليس هو إلاّ الإنسان،فيرجع الأمر في القضيّة الحمليّة إلى ثبوت‏الإنسان للإنسان،و من المعلوم:انّ ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروريّ،فتنقلب القضيّةمن الإمكان إلى الضّرورة.ثمّ انّه أورد على كلّ من شقّي الترديد اللّذين ذكرهما المحشّي.فما أورد على‏الشّق الأوّل(و هو ما إذا كان المأخوذ في المشتقّ مفهوم الشّي‏ء يلزم دخول العرض‏العامّ في الفصل)ما ذكره صاحب الفصول:1من انّ النّاطق انّما يكون فصلا في‏هي أعم من الأمور التصورية و التصديقيّة،و قيّدها بالحاصلة لامتناع الترتيب فيها بدون كونها حاصلة و يندرج فيهامواد جميع الأقيسة»إلى ان قال:«و الإشكال الّذي استصعبه قوم بأنه لا يتناول التعريف بالفصل وحده و لا بالخاصّة و حدها،مع انه‏يصح التعريف بأحدهما على رأي المتأخرين حتى غيّروا التعريف إلى تحصيل امر أو ترتيب أمور فليس من تلك‏الصعوبة في شي‏ء،اما أولا،فلأنّ التعريف بالمفردات انما يكون بالمشتقات كالناطق و الضاحك و المشتق و ان‏كان في اللفظ مفردا إلاّ ان معناه شي‏ء له المشتق منه فيكون من حيث المعنى مركّبا.(انتهى موضع الحاجة من‏كلامه).1الفصول ص 62.تنبيهات المشتق.«و يدفع الإشكال بان كون الناطق مثلا فصلا مبنى على عرف‏المنطقيين حيث اعتبروه مجردا عن مفهوم الذات و ذلك لا يوجب ان يكون وضعه لغة كذلك».

1)حاشية ميرسيد شريف هامش ص 8 من شرح المطالع.


111

عرف المنطقيّين،و الّذي جعله المنطقيّون فصلا ليس هو تمام ما وضع له لفظالنّاطق،بل الّذي جعل فصلا هو المعنى المجرّد عن مفهوم الشّي‏ء،فيكون الفصل أحدجزئيّ المدلول فلا يلزم دخول العرض في الفصل بعد هذا التّجريد هذا.و قد أورد على الفصول المحقّق صاحب الكفاية (1) بما حاصله:انّه من‏المقطوع انّ المنطقيّين لم يتصرّفوا في مفهوم النّاطق،بل جعلوا النّاطق فصلا بما له من‏المعنى من دون تجريد.و ممّا أورد على المحشّي أيضا ما ذكره المحقق صاحب‏الكفاية (2) و حاصله:انّ النّاطق ليس بفصل حقيقيّ،بل انّما هو من لوازم‏الفصل و خواصّه،و يكون بالنّسبة إلى الإنسان من الأعراض الخاصّة و ليس هو من‏الذّاتي له،فلا يلزم من أخذ مفهوم الشّي‏ء في مفهوم النّاطق إلاّ دخول العرض العامّ‏في العرض الخاصّ،و هو ليس بمحذور هذا.و لكن لا يخفى عليك:انّ هذا الإيراد مبنىّ على جعل النّاطق بمعنى المدرك‏للكليّات فانّ إدراك الكليّات يكون من خواص الإنسان و عوارضه،و امّا لو كان‏النّاطق عبارة عمّا يكون له النّفس النّاطقة،الّتي بها يكون الإنسان إنسانا،فهو فصل‏حقيقيّ للإنسان و ليس من العوارض.و ممّا أورد على المحشّي أيضا ما ذكره شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه‏و حاصل ما ذكره:هو انّ جعل الشّي‏ء من العرض العامّ ممّا لا يستقيم،إذ الضّابط في العرض العامّ،و المائز بينه و بين الخاصّة،هو انّه إذا كان الشّي‏ء امراخارجا عن حقيقة الذّات و كان يلحق الذّات لجنسها-كالمتحرك بالإرادة والحسّاس اللاحق للإنسان لمكان كونه حيوانا-فهو يكون من العرض العامّ،كما انّ‏ما يلحق الذّات باعتبار فصلها يكون من العرض الخاصّ،كالضّحك و التّعجّب‏اللاحقين للإنسان بواسطة كونه ناطقا،فيعتبر في العرض العامّ ان يكون امرا خارجا

1)الكفاية-المجلد الأول ص 78«و فيه:ان من المقطوع ان مثل الناطق قد اعتبر فصلا بلا تصرّف في‏معناه أصلا،بل بما له من المعنى كما لا يخفى.

2)المدرك السابق ص 78 قوله:«و التحقيق ان يقال ان مثل الناطق ليس بفصل حقيقي...»


112

عن الحقيقة و الهويّة،و يكون ممّا يلحق الجنس و يعرض له،سوآء كان ممّا يعرض‏الجنس القريب كالمتحرّك بالإرادة العارض للحيوان،أو الجنس البعيد كالنّامي‏العارض للجسم.و حينئذ لو كان مفهوم الشّي‏ء من العرض العامّ لكان اللازم ان‏يكون من اللّواحق و العوارض الجنسيّة،و نحن لا نتعقل ان يكون هناك جنس يكون‏الشّي‏ء من عوارضه،إذ ليس فوق مفهوم الشّي‏ء امر يكون الشّي‏ء عارضا عليه،بل‏الشّي‏ء هو فوق كلّ موجود في العالم،بحيث يصدق على جميع الموجودات من المادّيات‏و المجرّدات و الجواهر و الأعراض-انّه شي‏ء،فكيف يمكن ان يكون الشّي‏ء من‏العوارض الجنسيّة؟و أيّ جنس يكون فوق الشّي‏ء؟حتّى يكون الشّي‏ء عارضا له،فلا بدّان يكون الشّي‏ء هو بنفسه جنسا عاليا لجميع الموجودات الإمكانية من المادّيات وغيرها.و امّا توهّم انّه لا يمكن ان يكون الشّي‏ء جنسا للموجودات،لإطلاق الشّي‏ءعلى الباري تعالى،مع انّه لا جنس له لاستلزامه التّركيب‏فلا يخفى فساده،فانّه تعالى شي‏ء إلاّ انّه لا كالأشياء،كما ورد ذلك في‏خطبته عليه السلام 1فليس إطلاق الشّي‏ء عليه كإطلاقه على سائر الأشياء حتّى‏يلزم التّركيب في ذاته تعالى.فان قلت:انّ الشّيئية انّما تكون من الأمور الانتزاعيّة الخارجية المحمول،فلا يمكن ان تكون جنسا عاليا،لأنّ الجنس لا بدّ ان يكون ذاتيّا للشّي‏ء،فلا يمكن ان‏1لم نجد في خطب نهج البلاغة ما ورد بهذا المضمون‏نعم ورد هذا المضمون في بعض الروايات كقوله عليه السلام:هو شي‏ء بخلاف الأشياء في خبر هشام بن الحكم‏عن أبي عبد اللّه عليه السلام و قوله عليه السلام انه شي‏ء لا كالأشياء في خبر محمد بن عيسى بن عبيد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام‏و لكن الأول مجهول بعباس بن عمرو الفقيمي و الثاني مرسل.و في المقام روايات أخرى يستفاد منها صحة إطلاق القول بأنه تعالى شي‏ء،راجع أصول الكافي الجزء 1،كتاب التّوحيد،باب إطلاق القول بأنه شي‏ء ص 109توحيد الصدوق.باب في انه تبارك و تعالى شي‏ء ص 62بحار الأنوار الجزء 3،باب 9 من كتاب التوحيد ص 257


113

يكون ما هو خارج المحمول و ما يكون انتزاعيّا محضا جنسا للأنواع المندرجة تحته.قلت:انّ الشّيئيّة و ان كانت من الأمور الانتزاعيّة،إلاّ انّها لمّا كانت‏تنتزع من مقام الذات فهي ملحقة بالذّاتي،كما انّ ما يكون منتزعا من غير مقام‏الذّات ملحق بالعرض كالتّقدم و التّأخّر،على ما تقدّم تفصيل ذلك،فكون الشّيئيةمن الأمور الانتزاعيّة لا يضر بدعوى كون الشّي‏ء جنسا للأجناس،فانّ الشّيئيّة انّما تنتزع‏من الماهيّات عند وجودها،و لذا كان شيئيّة الشّي‏ء مساوقة لوجوده،لأنّ الماهيّة عندوجودها تكون شيئا فتأمل.فتحصل:انّ دعوى كون الشّي‏ء من العرض العامّ ممّا لا نتعقّله،فلو أبدل‏المحشّي إشكال دخول العرض العامّ في الفصل بإشكال دخول الجنس في الفصل‏كان أولى.فتأمل في المقام جيّدا،فانّ ما ذكره شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه في المقام ممّالا يخلو عن إشكال‏1.هذا تمام الكلام في الشّق الأوّل الّذي ذكره المحشّي.و امّا الشّق الثّاني:و هو ما إذا أخذ مصداق الشّي‏ء في مفهوم المشتق،حيث قال:يلزم انقلاب الإمكان إلى الضّرورة.فقد أورد2عليه صاحب الفصول بما حاصله:ان أخذ مصداق الشّي‏ء في‏مفهوم المشتقّ لا يلازم الانقلاب،فانّ عقد الحمل قد قيّد بقيد تكون القضيّة باعتبارذلك القيد ممكنة.مثلا في قولنا:الإنسان ضاحك،قد قيّد الإنسان الّذي تضمّنه‏الضّاحك بقيد الضحك،فيكون المحمول المجموع من القيد و المقيّد،و ثبوت الإنسان‏1و ظنّي انّ مرادهم من العرض العام في المقام غير العرض العام الّذي اصطلح عليه المنطقيّون الّذي‏يجعلونه مقابل العرض الخاصّ و هو ما كان يعرض الشي‏ء لجنسه،بل المراد من العرض العامّ في المقام هو المعقول‏الثانوي الّذي ينتزعه العقل كالإمكان و الوجوب و غير ذلك،و ما ذكره شيخنا الأستاذ من جعل(الشي‏ء)جنس‏الأجناس ممّا لا يمكن المساعدة عليه،إذ يلزم ان يكون بين الجوهر و العرض جنسا ذاتيّا،و يلزم تركب العرض،وغير ذلك ممّا لا يخفى على المتأمل-منه.2الفصول ص 62 تنبيهات المشتق التنبيه الأول،«و يمكن ان يختار الوجه الثاني أيضا و يجاب بان‏المحمول ليس مصداق الشي‏ء و الذات مطلقا،بل مقيدا بالوصف،و ليس ثبوته حينئذ للموضوع بالضرورة،لجوازان لا يكون ثبوت القيد ضروريا.


114

المقيّد بالضّحك لمطلق الإنسان الّذي أخذ موضوعا في القضيّة ليس ضروريّا باعتبارقيد الضّحك و ان كان ثبوت الإنسان المجرّد عن القيد للإنسان ضروريّا لأنّ ثبوت‏الشّي‏ء لنفسه ضروريّ،فالقضيّة باعتبار القيد لا تخرج عن كونها ممكنة،لأنّ النتيجةتتبع أخس المقدّمات.ثمّ تنظّر هو قده‏1في الإيراد بما حاصله:انّ القيد ان كان ثابتا للمقيّدواقعا صدق الإيجاب بالضّرورة،و ان لم يكن ثابتا له صدق السّلب بالضّرورة هذا،و لكن لا يخفى ما في كلّ من الإيراد و الجواب من النّظر.امّا في الإيراد فتوضيحه:انّ الجزئي بما هو جزئيّ غير قابل للتّقييد،لأن‏التّقييد انّما يرد على الماهيّات الكليّة القابلة للتّنويع بالقيود،و امّا الأمور الجزئيّةفهي غير قابلة للتّنويع،فلا يمكن ان تقيّد بقيد.نعم الأمور الجزئية قابلة للتّوصيف،حيث انّ الجزئي يمكن ان يكون موصوفا بوصف في حال و بوصف اخر في حال آخركما يقال:زيد راكب في اليوم و جالس في الغد،و امّا أخذ الرّكوب قيدا لزيد على‏وجه يكون متكثرا للموضوع واقعا فهو غير معقول.و من هنا قالوا:انه لو قال:بعتك‏هذا الكاتب يكون المبيع هو الشخص المشار إليه كاتبا كان أو لم يكن،غايته انّه عندتخلّف الوصف يكون للمشتري الخيار،بخلاف ما إذا قال:بعتك عبدا كاتبا فانّ‏المبيع يكون المقيّد بالكتابة.و بالجملة:لا إشكال في انّ الجزئيّ غير قابل للتّقييد،و ان كان قابلاللتّوصيف،فحينئذ إذا أخذ مصداق الشّي‏ء في مفهوم الضّاحك مثلا فلا يمكن ان يكون‏المصداق مقيّدا بالضّحك،لأنّ المصداق ليس هو إلاّ الجزئيّ،و قد عرفت انّ الجزئيّ‏غير قابل للتّقييد،فليس المحمول في قولك:زيد ضاحك أو الإنسان ضاحك،هو زيدالمقيّد بالضّحك،بل المحمول زيد الموصوف بالضحك،و من المعلوم:ان المحمول حينئذ1المدرك السابق.قوله:«و فيه نظر،لأن الذات المأخوذة مقيدة بالوصف قوة أو فعلا ان كانت مقيدةبه واقعا صدق الإيجاب بالضرورة و إلاّ صدق صدق السلب بالضرورة،مثلا لا يصدق زيد كاتب بالضرورة لكن‏يصدق زيد الكاتب بالفعل أو بالقوة بالضرورة».


115

يكون كلا من الموصوف و الصفة،فتنحل قضية زيد ضاحك أو الإنسان ضاحك إلى‏قولنا الإنسان إنسان و قولنا الإنسان ذو ضحك،لأنّ القضيّة تتعدّد حسب تعدّدالموضوع أو المحمول،و في المقام المحمول متعدّد واقعا و ان كان واحدا صورة،لماعرفت:من انّ المحمول يكون كلاّ من الصّفة و الموصوف،و ليس المحمول امرا واحدامقيّدا،فقضيّة الإنسان ضاحك أو كاتب تنحل إلى قضيّة ضروريّة،و هي قولناالإنسان إنسان،و إلى قضيّة ممكنة،و هي قولنا الإنسان ذو ضحك أو كتابة،و المرادمن الانقلاب في كلام السّيد الشّريف هو هذا،أي انّ القضيّة بعد ما كانت ممكنةتنقلب إلى قضيّة ضروريّة و ان كان هناك قضيّة أخرى ممكنة،لأن ذلك لا يضربدعوى الانقلاب.و الحاصل:انّه فرق،بين ان يكون المحمول امرا واحدا مقيّدا،و بين ان‏يكون المحمول متعدّدا من الوصف و الموصوف.ففي الأوّل لا تنحلّ القضيّة إلى‏ضروريّة و ممكنة،و في الثّاني تنحلّ إلى ضروريّة و ممكنة،فانّ أخذ الموضوع في‏المحمول يوجب كون القضيّة ضروريّة،كما في قولك:زيد زيد الكاتب.كما انّ أخذالمحمول في الموضوع يوجب كون القضيّة ضروريّة كقولك:زيد الكاتب كاتب،فتأمل‏في المقام جيّدا.و امّا ما أجاب به عن الإيراد بقوله:و فيه نظر إلخ،فلم نعرف له معنى‏محصّلا،فانّ العبرة في كون القضيّة ضروريّة أو ممكنة،هو ملاحظة مادّة المحمول ونسبته إلى الموضوع،فان كان المحمول ممّا يقتضيه ذات الموضوع،فالقضيّة تكون‏ضروريّة لا محالة كما في قولك:الإنسان ناطق،فانّ ذات الإنسان يقتضى الناطقية.و ان لم يكن المحمول ممّا يقتضيه ذات الموضوع بل كان من الأوصاف الخارجة عن‏مقتضيات الذّات،فالقضيّة لا محالة لا تكون ضروريّة،سواء دام ثبوت الوصف‏للموضوع كما في قولك:كلّ فلك متحرّك دائما،أو لم يدم كما في قولك:الإنسان‏كاتب،فالعبرة في كون القضيّة ممكنة أو ضروريّة هو هذا،لا انّ العبرة بقيام‏الوصف بالموضوع خارجا و عدم قيامه،كما يعطيه ظاهر كلام الفصول(ره)فانّ‏القيام و عدم القيام خارجا أجنبي عن جهة القضيّة و انّها موجّهة بأيّ جهة من‏


116

الضّرورة و الدّوام و الإمكان كما لا يخفى.فتأمل،فانّ عبارة الفصول في قوله-و فيه‏نظر-تحتمل وجها اخر.و على كلّ حال لا إشكال فيما ذكره السيّد الشّريف في كلا شقّي التّرديد،وان كان الأولى تبديل الشّق الأوّل بدخول الجنس في الفصل.ثمّ انّه يمكن ان يجاب عن الشق الثّاني(و هو لزوم انقلاب الممكنة إلى‏الضّروريّة)بأنّ الانقلاب انّما يكون إذا أخذ الكاتب مثلا بمفهومه المركّب من الذّات‏و المبدأ محمولا في القضيّة،و امّا إذا جرّد عن الذّات،كما لا محيص عنه لئلا يلزم حمل‏الشّي‏ء على نفسه،فلا تنقلب القضيّة إلى الضّروريّة.و دعوى:انّه لم يكن هناك عنايةالتّجريد،بل الكاتب بما له من المعنى يحمل على زيد،فهي من الشّواهد على بساطةالمفهوم.فتحصل:انّه لا محيص عن القول ببساطة المشتقّ و لا يمكن القول بتركبه.

(الأمر التّاسع)

في شرح ما يقال:من انّ الفرق بين المشتقّ و مبدئه،هو البشرط اللائيّة واللابشرطيّة،كما هو الفرق بين الجنس و المادّة و الفصل و الصّورة.فنقول:انّ المراد من لا بشرط و بشرط لا في المقام،غير المراد من بشرط لا ولا بشرط و بشرط شي‏ء في تقسيم الماهيّة المبحوث عنها في باب المطلق و المقيّد،فانّ‏تقسيم الماهيّة إلى ذلك في ذلك المبحث انّما هو باعتبار الطّواري و الانقسامات اللاحقةللماهيّة المنوعة و المصنّفة لها.فتارة:تلاحظ الماهيّة مجرّدة عن جميع الطواري و اللواحق و الانقسامات‏الّتي يمكن ان يفرض لها،فهذه هي الماهيّة بشرط لا الّتي تكون من الأمور العقليّة،الّتي يمتنع صدقها على الخارجيّات،بداهة انّه لا وجود لها بما هي كذلك‏و أخرى:تلاحظ واجدة لطور خاصّ و امر مخصوص كالإيمان بالنّسبة إلى‏الرقبة،فهذه هي الماهيّة بشرط شي‏ءو ثالثة:تلاحظ على وجه السّريان في جميع الانقسامات و الطّواري،بحيث‏


117

يساوي كلّ لا حق مع نقيضه،فهذه هي الماهيّة لا بشرط،و هي المعبّر عنها بالمطلق‏كما أوضحناه في محلّه.و هذا المعنى من اللابشرط و بشرط لا غير مقصود في المقام.بل مرادهم من‏قولهم:انّ الفرق بين المشتق و مبدئه،هو انّ المشتق أخذ لا بشرط،و المبدأ أخذ بشرطلا،انّما هو معنى آخر،غير المعنى المذكور في باب المط و المقيّد.و توضيح المراد في المقام:هو انّ العرض لمّا كان وجوده لنفسه و بنفسه وفي نفسه عين وجوده لغيره و بغيره و في غيره لاستحالة قيام العرض بذاته بل تقرّره‏انّما يكون بمحلّه،فيمكن ان يلاحظ العرض بما هو هو و مع قطع النّظر عن عينيّةوجوده لوجود الموضوع،كما انّه يمكن ان يلاحظ على ما هو عليه من القيام و الاتحاد،من دون تجريده و تقطيعه عمّا هو عليه من الحالة،أي حالة القيام بالغير.فان لوحظعلى الوجه الأوّل كان حينئذ عرضا مباينا غير محمول و يكون ملحوظا بشرط لا،أي‏بشرط عدم الاتّحاد و القيام بالمحلّ.و ان لوحظ على الوجه الثّاني كان حينئذ عرضيّامتّحدا محمولا و يكون ملحوظا لا بشرط،أي لا بشرط عن التّجرد و التّقطيع،بل‏لوحظ على ما هو عليه من الحالة من القيام بالموضوع.و الحاصل:انّه لا إشكال في انّ العرض مط من أيّ مقولة كان،هو بنفسه‏من الماهيّات الإمكانيّة الّتي لها حظّ من الوجود،و يقابل الجوهر عند تقسيم‏الممكنات.و كذا لا إشكال في انّ قوام تقرر العرض بالموضوع،حيث انّه ليس هوبنفسه متقرّرا في الوجود كتقرّر الجوهر،بل لا بدّ في العرض من ان يوجد في محلّ ويقوم به و يتّحد معه بنحو من الاتّحاد،و هو الاتّحاد في الوجود،و هذا معنى مايقال:من انّ وجود العرض لنفسه و بنفسه و في نفسه عين وجوده لموضوعه و بموضوعه‏و في موضوعه.و إذا كان الأمر كذلك،فتصل النوبة حينئذ إلى التّفكيك بين‏الحيثيّتين في مرحلة اللّحاظ،فيمكن لحاظه من الحيثيّة الأولى و ذلك لا يكون إلاّبالتّجريد عن عينيّة وجوده لوجود موضوعه،فيكون عرضا مفارقا غير محمول،إذالتّجريد يوجب مباينة وجوده لوجود موضوعه،و من المعلوم:انّه لا يصح حمل أحدالمتباينين على الأخر،إذ يعتبر في الحمل نحو من الاتّحاد،سوآء كان على وجه‏


118

الاتّحاد في الهويّة،كما في اتّحاد الحدّ للمحدود في قولك:الإنسان حيوان ناطق،أوعلى وجه الاتّحاد في الوجود كقولك:زيد ضارب،فلا يصح قولنا:زيد ضرب.ولحاظه بهذا الوجه هو المعنى بقولهم بشرط لا أي بشرط ان لا يكون في الموضوع،لا انّه‏لا يكون واقعا لاستحالة ذلك،بل يقطع النّظر عن كونه في الموضوع،إذ قطع النّظر عن‏ذلك و لحاظه على هذا الوجه بمكان من الإمكان.كما انّه يمكن لحاظه من الحيثيّةالثّانية،أي لحاظه لا بشرط التّجرد،بل يلاحظ على ما هو عليه من العينيّة والاتّحاد،فيكون عرضيّا متحدا محمولا و يكون هو مفاد المشتق.و من هنا يظهر:انّ مبدأ الاشتقاق لا بدّ ان يكون معنى قابلا للحاظه بشرطلا أولا بشرط،بان يكون هو بنفسه مجرّدا عن ذلك،فلا يصح جعل المصدر أو اسم‏المصدر مبدأ الاشتقاق،لأنّ كلاّ من المصدر و اسم المصدر له معنى لا يمكن لحاظه لابشرط،بحيث يصح حمله على الخارج إلاّ إذا جرد عن معناه فيخرج حينئذ عن كونه‏مصدرا أو اسم مصدر،فتأمل جيّدا.و على كلّ حال،فقد ظهر المراد من قولهم:انّ الفرق بين المشتق و مبدئه هواللابشرطيّة و البشرط اللائيّة،و اتّضح انّ المشتقّ عبارة عن تلك الكيفيّة الحاصلةللعرض من قيامه بمعروضه،و اتّحاد وجوده لوجوده،و أين هذا من دخول الذات في‏مفهومه؟ثمّ انّه لا فرق في ما ذكرناه من معنى المشتق،بين اسم الفاعل و الصّفةالمشبّهة،و غيرهما من الأسماء المشتقّة:من اسم المفعول،و اسم المكان،و اسم الآلةكمضروب و مقتل و مفتاح و غير ذلك،فانّه بعد ما كان وجود العرض وجودارابطيّا،فلا محالة يكون بين العرض و بين موضوعه-من الآلة و المكان و غير ذلك من‏ملابسات الفعل-نحو من الرّبط و الاتّحاد المصحّح للحمل،غايته انّ كيفيّة الاتّحادتختلف،ففي اسم الفاعل يكون نحو من الاتّحاد،و في اسم المفعول يكون نحوا آخرمن الاتّحاد،و في اسم الآلة أو اسم المكان نحو آخر.و يجمع الجميع:انّ من قيام‏المبدأ بالذّات-على اختلاف أنحاء القيام و الإضافة الحاصلة بين المبدأ و الذات-يحصل عنوان للعرض و كيفيّة للمبدإ،يكون الاسم موضوعا لذلك‏


119

العنوان و لتلك الكيفيّة.إذا عرفت هذه الأمورفاعلم:انّه اختلف القوم في كون المشتقّ حقيقة في خصوص المتلبّس أوللأعمّ منه و ما انقضى على أقوال‏ثالثها:التّفصيل،بين اسم الفاعل و اسم المفعول،و غيره من سائر هيئات‏المشتقّات.و رابعها:التّفصيل،بين ما ذا كان المبدأ من الملكات و الصّناعات،وغيرهما.و خامسها:التّفصيل،بين المتعدّي كضارب،و غيره كعالم.و سادسها:التّفصيل،بين ما إذا طرء ضدّ وجوديّ،و غيره.و غير ذلك من الأقوال الّتي يقف عليها المراجع.إلاّ انّ الظّاهر:انّ هذه الأقوال حادثة بين المتأخّرين،بعد ما كانت المسألةذات قولين:قول بوضعه لخصوص المتلبّس مط في جميع التّقادير،و قول بوضعه للأعمّ‏كذلك.و هذه التّفاصيل كلّها نشأت من حسبان اختلاف الهيئات الاشتقاقيّة،أواختلاف مبادئ المشتقّات فيما نحن فيه،مع انّ الظّاهر انّ ذلك لا يوجب اختلافا فيمانحن فيه،إذ الكلام في وضع الهيئة للأخصّ أو الأعمّ،و ذلك ممّا لا يختلف فيه‏المبادي كما لا يخفى،غايته لو كان المبدأ ملكة أو حرفة يكون الانقضاء باعتبار ذهاب‏الملكة و رفع اليد عن الحرفة،و لو كان المبدأ من الفعليّات يكون الانقضاء بعدم‏الفعليّة.و كأنّ منشأ توهّم التّفصيل بين المبادي،هو تخيّل صدق البقّال مثلابالنسبة إلى من لم يكن مشتغلا ببيع البقل،فتوهّم انّ البقّال لا بدّ ان يكون للأعمّ.وكذا الكلام في غير البقّال من سائر الصّيغ الّتي تكون المبادي فيها حرفة أو صناعة أوملكة،و لكن لا يخفى فساد التّوهم،فانّه بعد ما كان المبدأ حرفة أو ملكة أو صناعةيكون العبرة في الانقضاء هو تبدّل الحرفة و الصّناعة بحرفة و صناعة أخرى،أو مجرّدرفع اليد عن تلك الحرفة و ان لم يتلبّس بحرفة أخرى.و بالجملة:لا وجه للتّفصيل بين مبادئ المشتقات أو هيئاتها،فالعمدة في‏


120

المسألة هو إثبات وضع المشتقّ لخصوص المتلبّس مط في جميع الموارد،أو وضعه للأعمّ‏كذلك مط.و الأقوى:انّه موضوع لخصوص المتلبّس مجاز في غيره و يدلّ على المختار أمورالأوّل:انّه بعد القول بالبساطة و خروج الذّات عن مفهوم المشتقّ،لا محيص عن‏القول بوضعه لخصوص المتلبّس،و لا يمكن ان يكون موضوعا للأعمّ،إذا الوضع للأعمّ‏لا يكون إلاّ إذا كان هناك جامع بين المتلبّس و المنقضى عنه المبدأ،حتّى يكون‏اللّفظ موضوعا بإزاء ذلك الجامع و ليس في البين جامع بناء على البساطة،و ذلك لأنّ‏المشتقّ يكون ح عبارة عن نفس العرض الملحوظ لا بشرط كما تقدّم،و ليس وظيفةالهيئة إلاّ جعل العرض المباين عرضيّا محمولا،فالمشتقّ هو عبارة عن العرض المحمول،و من المعلوم:توقّف ذلك على وجود العرض حتّى يصح لحاظه لا بشرط.و الحاصل:انّ انقضاء المبدأ موجب لانعدام ما هو قوام المشتقّ و حقيقته،إذ بعد ما كانت الذّات منسلخة عن مدلول المشتقّ و كان حقيقة المشتقّ عبارة عن‏نفس العرض لا بشرط،فلا يعقل ان يكون هناك جامع بين حالتي الانقضاء والتّلبس يكون اللّفظ موضوعا بإزائه،لأنّ الانقضاء موجب لانعدام عنوان المشتقّ،و لا يعقل ان يكون اللّفظ موضوعا بإزاء كلتا حالتي وجود المعنى و انعدامه،إذ لاجامع بين الوجود و العدم،فلا محيص من ان يكون المشتقّ موضوعا لخصوص‏المتلبّس.و بالجملة:بناء على البساطة يرتفع الفارق بين الجوامد و المشتقّات،إلاّ من‏حيث كون الجوامد عناوين للذاتيات،و المشتقّات عناوين للعرضيات،و امّا من‏حيث الوضع لخصوص المتلبّس فلا فرق بينهما،إذ كما ان انعدام الصورة النوعيّةالذاتيّة الّتي بها يكون الحجر حجرا يوجب انعدام العنوان و عدم انحفاظ ماوضع اللّفظ بإزائه،كذلك انعدام الصورة النوعية العرضية التي بها يكون الضارب‏ضاربا موجب لانعدام عنوان الضارب و عدم انحفاظ ما وضع اللفظ بإزائه.كلّ‏ذلك لمكان عدم ثبوت الجامع الباقي بين الحالتين إلاّ الهيولى في الجوامد و الذّات‏


121

في المشتقّات،و كلّ من الهيولى و الذّات خارجة عن المعنى و أجنبية عنه.فظهر:انّ هناك ملازمة بين القول بالبساطة و القول بالوضع لخصوص‏المتلبّس،و حيث اخترنا البساطة على ما تقدّم بيانه،فلا بدّ ان نقول بوضع المشتقّ‏بإزاء خصوص المتلبّس.نعم للقائل بالتّركيب ان يقول بوضعه للأعمّ،إذ للقائل بالتّركيب ان‏يقول:انّ(ضارب)مثلا موضوع للذّات الّتي ثبت لها الضّرب في الجملة،من غير تقييدبخصوص المتلبّس هذا.و لكن مع ذلك لا يستقيم،لتوجّه إشكال عدم ثبوت الجامع بين التّلبس والانقضاء حتّى على القول بالتّركيب،و ذلك لأنّ أقصى ما يدعيّه القائل‏بالتّركيب،هو انّ المشتقّ موضوع للذّات المقيّدة بالمبدإ على وجه النّسبة النّاقصةالتقييدية معرّى عن الزّمان،بداهة خروج الزّمان عن مداليل الأسماء،و من المعلوم:انه ليس هناك جامع بين الانقضاء و التلبس إلاّ الزمان،فلو كان الزمان جزءمدلول المشتق لأمكن للقائل بالتّركيب ان يقول:انّ الهيئة موضوعة للذّات الّتي ثبت‏لها المبدأ في زمان مّا،الصّادق على الزّمان الماضي و المتلبّس،و امّا لو لم يكن الزّمان‏جزء مدلول اللّفظ فلا يكون هناك جامع يمكن ان يوضع اللّفظ بإزائه،بداهة انّ‏الذّات انّما تنتسب إلى المبدأ عند فعليّة المبدأ،و امّا مع عدم فعليّته فليست منتسبةإليه إلاّ باعتبار الزّمان الماضي،و المفروض انّ الزّمان خارج عن مدلول اللّفظ.و حاصل الكلام:انّ المشتقّ،اما ان يكون موضوعا لخصوص المتلبّس،وامّا ان يكون موضوعا للأعمّ بالاشتراك المعنوي،إذ لا يحتمل ان يكون موضوعالخصوص ما انقضى عنه المبدأ،أو موضوعا لكلّ منهما بالاشتراك اللّفظي،فلا بدّ ان‏يكون موضوعا،امّا للمتلبّس،و امّا للأعمّ،و من المعلوم:انّ الوضع للأعمّ يتوقّف‏على ان يكون هناك جامع قريب عرفيّ،و لا يمكن ان يكون هناك جامع بين التّلبّس‏و الانقضاء إلاّ من ناحية الزّمان،و المفروض انّ الزّمان خارج عن مدلول الأسماء،فلا بدّ ان يكون موضوعا لخصوص المتلبّس.


122

فظهر:انّ القول بالتّركيب لا يلازم القول بالأعمّ،كما ربّما يتخيّل،1بل‏قوى ذلك شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه ابتداء،و ان كان قد عدل عنه أخيرا و أفاد:انّه‏لا يمكن القول بالوضع للأعمّ مط،سواء قلنا بالبساطة،أو قلنا بالتّركيب،و ان كان‏الأمر على البساطة أوضح،لما عرفت:من انّ المشتقّ بناء على البساطة ليس إلاّعبارة عن نفس الحدث لا بشرط،و اللّفظ انّما يكون موضوعا بإزاء هذا المعنى،و بعدالانقضاء لم يبق حدث حتّى يتوهّم كونه حقيقة فيه،كما انّه عند انعدام الصّورةالنوعية في الجوامد لم يبق ما هو الموضوع له.و لا يتوهّم انّه بناء على هذا ينبغي ان لا يصح إطلاق المشتقّ على ماانقضى عنه المبدأ،إذ معنى المشتق لم يبق و الذات الباقية أجنبيّة عن المشتق،فعلى‏أيّ وجه يصح إطلاق المشتق على ما انقضى عنه المبدأ؟فانّ الذات و ان لم تكن‏مأخوذة في المشتق،إلاّ انّها لمّا كانت معروضة للمشتق و متّصفة به في السّابق،صحّ إطلاق المشتق عليها بعلاقة ما كان.و بالجملة:لا محيص عن القول بوضع المشتق لخصوص المتلبّس،و لا يمكن‏عقلا ان يكون موضوعا للأعمّ.هذا مضافا إلى وجود علائم الحقيقة و المجاز في المقام،حيث انّه يتبادر خصوص المتلبّس عند الإطلاق،و يصح سلب عنوان المشتقّ عمّن‏انقضى عنه المبدأ،فيصح ان يقال:زيد ليس بضارب إذا كان قد انقضى عنه‏الضّرب،و لا ينافى صحّة السّلب لصحّة الحمل،بداهة انّ صحة الحمل ليس لمكان‏جوهر اللّفظ،بل بعناية ما كان،بخلاف صحّة السلب،فانّه يصح سلب الضّارب‏بما له من المعنى من دون عناية عن زيد الّذي لم يكن بضارب فعلا،كما يصح سلب‏الأسد بما له من المعنى عن الرّجل الشّجاع،مع صحّة حمله عليه أيضا،إلاّ انّ صحّةالحمل لمكان العناية،بخلاف صحّة السّلب.1بتقريب انّه موضوع لنفس النسبة من غير تقييد بالانقضاء و التلبّس،و بعبارة أخرى:موضوع للذّات‏التي ثبت لها الضرب كما هو المتأول في تفسير الضارب،و من المعلوم:انّ هذا المعنى يصدق على المنقضى و المتلبس،فاعتبار خصوص المتلبس يحتاج إلى مئونة زائدة،فتأمل-منه.


123

و بالجملة:لو أنكر صحّة السّلب في سائر المقامات،فليس لأحد إنكاره في‏المقام،لأنّ سائر المقامات يمكن دعوى وضع اللّفظ فيها للأعم،كما لو ادّعى انّ‏الأسد موضوع لمطلق الشّجاع الجامع بين الحيوان المفترس و الرّجل فمن ادّعى ذلك‏فليس ممّن ادّعى ما يخالف العقل،غايته انّه ادّعى ما يخالف الواقع.و هذا بخلاف المقام،فانّ ادّعاء وضع المشتقّ للأعم ممّا لا يمكن،لعدم‏الجامع في البين عقلا على ما تقدّم بيانه.فالتّمسّك في المقام بصحة السّلب ممّالا غبار عليه،كما لا غبار لصحّة التّمسّك بلزوم اجتماع الضّدّين بناء على القول‏بالأعم فيما إذا تلبّس بضدّ ما كان متلبّسا به كالقيام و القعود،و توضيح ذلك:هوانّه لا إشكال في تضادّ نفس المبادي:من القيام و القعود و السّواد و البياض وغير ذلك،و حينئذ فان قلنا ببساطة المشتقّ و انّه عبارة عن نفس المبادي لا بشرط،فلا إشكال في تحقّق التّضادّ بين نفس المشتقّات أيضا:من القائم و القاعد والأسود و الأبيض،إذ القائم هو عبارة عن نفس القيام المتّحد وجودا مع الذّات وكذلك القاعد،فالتّضاد بين القيام و القعود لا محالة يستلزم التّضادّ بين القائم والقاعد بل هو هو،فبناء على البساطة لا مجال لتوهّم عدم التّضاد بين القائم و القاعد،و يلزم الوضع للأعمّ اجتماع الضّدّين فيما إذا تلبّس القائم بالقعود،لصدق القائم والقاعد عليه حقيقة،و هو كما ترى يكون من اجتماع الضّدّين.و امّا بناء على القول بالتّركيب،فربّما يتوهّم عدم التّضاد بين المشتقّات وان كان هناك تضادّ بين نفس المبادي،بتقريب انّ الهيئة موضوعة للذّات الّتي ثبت‏لها المبدأ في الجملة،و لو آنا ما،فيكون القائم هو الّذي صدر عنه القيام،و هذا المعنى‏كما ترى يجامع القاعد الّذي هو عبارة عن الذّات التي صدر عنها القعود.و الحاصل:انّ الهيئة توجب توسعة في ناحية المبادي على وجه يقع‏التّخالف بينها،فيكون ضدّ القائم هو القاعد الدّائمي بحيث لم يتلبّس بالقيام أصلا،وكذا الحال في القاعد،و امّا التلبّس بالقيام في الجملة فليس ضدّا للقعود،و كذاالعكس هذا.و لكن مع ذلك لا يستقيم،بداهة انّه بعد تعرية الأسماء المشتقّة عن الدّلالة


124

على الزّمان يكون شغل الهيئة هو الصادق المبدأ بالذّات و ربطه بها،من دون تصرّف‏في المبادي و الذّوات،بل المبادي باقية على ما هي عليه من المعاني و كذا الذّوات،و بعد تسليم التّضادّ بين المبادي فلا معنى لعدم تسليمه بين المشتقّات،مع انّ الهيئات‏المشتقّة لم تحدث في المبادي و الذّوات ما يوجب خروجها عن التّضاد.نعم لو أخذالزّمان في مدلول الهيئة لكان للتّوهّم المذكور مجال.فظهر:انّ التّضاد بين المبادي‏يسرى إلى التّضاد بين نفس المشتقات،و ذلك ينافى وضعها للأعمّ للزوم اجتماع‏الضّدين،فلا بدّ عن القول بوضعها لخصوص المتلبّس،لأنّه لا يتصادق عنوان القائم والقاعد في آن واحد.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّه لا محيص عن القول بوضع المشتق لخصوص‏المتلبّس و لا يمكن عقلا وضعه للأعمّ،مضافا إلى الوجوه الأخر.

بقي الكلام فيما استدلّ به القائل بالأعمّ،و هو أمور:

الأوّل:تبادر الأعمّ.الثّاني:عدم صحّة السّلب.و فيهما ما عرفت:من تبادر خصوص المتلبّس،وصحّة السّلب عمّا انقضى عنه المبدأ.الثّالث:كثرة الاستعمال في المنقضى.و فيه انّها دعوى لا شاهد عليها،إذالمسلّم هو كثرة إطلاق المشتقّ على ما انقضى عنه المبدأ،و لكن مجرّد ذلك لا يكفى،لأنّ الإطلاق انّما يكون بلحاظ حال التّلبس،لا إطلاقه عليه في الحال و جعله‏معنونا بالعنوان فعلا بلحاظ انّه كان متلبّسا قبل ذلك.و بالجملة:فرق،بين ان يكون الاستعمال بلحاظ حال التلبّس و ان‏انقضى عنه التلبس،و بين ان يكون باللحاظ الفعلي لمكان انّه كان متلبّسا،و الّذي‏ينفع القائل بالأعمّ هو ان يكون الاستعمال على الوجه الثّاني دون الأوّل،إذلا إشكال في انّ الاستعمال بلحاظ حال التلبّس يكون على وجه الحقيقة،و أنت إذاراجعت وجدانك و استعمالك،ترى انّ استعمالاتك انّما تكون بلحاظ حال التلبس،إذ الاستعمال بهذا اللحاظ لا يحتاج إلى عناية و مئونة،بخلاف استعماله بلحاظالفعلي لمكان تلبّسه قبل،فانّ ذلك يحتاج إلى لحاظ زائد عما هو عليه.


125

و الحاصل:انّ المصنف يرى انّ إطلاق الضّارب على من لم يكن متلبّسابالضّرب فعلا و كان متلبّسا في الزّمان الماضي انّما يكون بلحاظ حال تلبّسه،لا بلحاظه الفعلي بحيث يكون الإطلاق لمكان تعنونه فعلا بالعنوان لمكان صدورالضّرب عنه في الزّمان الماضي.و بذلك يظهر:ضعف التّمسك بآيتي السّرقة و الزّنا اللّتين تمسّك بهما القائل‏بالأعمّ،بتوهم انّ المشتقّ في الآيتين انّما استعمل في الأعمّ من المنقضى،بل ربّمايتخيّل انّه مستعمل في خصوص المنقضى،حيث انّه بعد تحقق السرقة و الزنا يحكم‏عليه بالقطع و الحدّ،لوضوح انّه لو لا تحقّق الموجب للحدّ،و انقضاء زمانه و لو آنا ما،لا يحكم عليه بالحدّ من القطع و الجلد.و لكن لا يخفى عليك فساد التّوهم،لأنّ المشتقّ في الآيتين لم يستعمل في‏المنقضى،بل لا يمكن ان يكون مستعملا في ذلك،لأنّ المشتقّ انّما جعل في الآيتين‏موضوعا للحكم،و من المعلوم:انّه لا يعقل تخلّف الحكم عن الموضوع و لو آنا ما،و إلاّلزم ان لا يكون المشتقّ وحده موضوعا،بل كان مضى الزّمان و لو آنا ما له دخل في‏الموضوع،و المفروض انّ المشتقّ تمام الموضوع للحكم.و الحاصل:انّ كل عنوان أخذ موضوعا لحكم من الأحكام فلا يخلو،امّا ان‏يكون أخذه لمجرّد المعرفيّة من دون ان يكون له دخل في الموضوع،و امّا ان يكون له‏دخل فيه.و هذا أيضا على قسمين،لأنّه،امّا ان يكون له دخل حدوثا و بقاء،بحيث‏يدور الحكم مدار فعليّة العنوان،كما في مثل حرمة وطء الحائض،حيث انّ الحرمةتدور مدار فعليّة الحيض في كلّ زمان.و أخرى:يكون له دخل حدوثا فقط،كما في‏عنوان السّارق و الزّاني.و في كلا القسمين انّما يكون الحكم بلحاظ التّلبس،و لا يمكن ان يكون‏بلحاظ الانقضاء،لأنّ المفروض انّ العنوان هو الموضوع للحكم،فلا بدّ ان يكون‏الحكم بلحاظ التلبس،إذ لو أخذ بلحاظ الانقضاء يلزم ان لا يكون العنوان تمام‏الموضوع،بل كان مضيّ الزّمان له دخل،فيلزم الخلف.و بالجملة:لا إشكال في انّ السرقة و الزناء علّة للحكم بالجلد و القطع،


126

و لا يمكن تخلّف الحكم عنهما،و ليس الحكم بالجلد و القطع و كذا سائر الحدود من‏الأحكام الّتي يتوقّف استمرارها على استمرار موضوعاتها،كما في مثل حرمة وطءالحائض،حيث انّ الحرمة في كلّ زمان يتوقف على ثبوت الحائض في ذلك الزّمان،لا ان يكون حدوث الحيض في زمان كافيا في بقاء الحرمة و لو مع عدم التّلبس بعنوان‏الحائض،بداهة انّ الأمر لا يكون كذلك‏و هذا بخلاف باب الحدود،فانّه يكفى في ترتّب الحكم بالحدّ التلبّس‏بالعنوان آنا ما،و بعد التلبس يبقى الحكم إلى ان يمتثل،و لا يتوقّف بقاء الحكم على‏بقاء الموضوع في كلّ آن.فظهر:انّ في مثل آية السرقة و الزناء لا يمكن ان يراد من المشتق المنقضى ولا الأعمّ منه و من التلبس،بل لا محيص من ان يراد منه خصوص المتلبّس لئلا يلزم‏تخلّف الحكم عن موضوعه.و بما ذكرنا يظهر الجواب عمّا استدلّ به القائل بالأعمّ أيضا،بقوله‏تعالى: (1) و لا ينال عهدي الظّالمين بضميمة استدلال الإمام‏ (2) بها على عدم قابليّةالرّجلين للخلافة لمكان عبادتهما الأوثان.تقريب الاستدلال:هو انّه لو لا كون المشتقّ للأعمّ لما صح استدلاله عليه السلام‏لعدم كون الرّجلين حين التّصدي للخلافة من عبدة الأوثان هذا.و لكن ظهر الجواب عن ذلك،لأنّ استدلال الإمام عليه السلام لا يتوقّف‏على استعمال المشتق في المنقضى،بل الاستدلال يتمّ و لو كان موضوعا لخصوص‏المتلبّس،لأنّ التلبس بالعنوان و لو آنا ما يكفى في عدم نيل العهد إلى الأبد،ولا يتوقّف على بقاء العنوان،فحدوث العنوان في مثل هذا يوجب ترتّب الحكم،فالمشتق في مثل الآية أيضا قد استعمل في المتلبّس.و يؤيد ذلك:انّ جلالة قدر الخلافة و ولاية العهد تناسب ان لا يكون‏

1)سورة البقرة،الآية 124

2)راجع أصول الكافي،الجزء 1،كتاب الحجة،باب طبقات الأنبياء و الرسل و الأئمة،ص 326


127

الخليفة متلبّسا بالظلم أبدا في آن من الآنات،فالتلبّس بالظّلم في آن ينافى منصب‏الخلافة الّذي هو منصب إلهي،لسقوطه عن أعين النّاس،فلا يؤثر كلامه في تزكيةالنّفوس.فتحصل:انّ المشتق في هذه الآية و في آيتي السرقة و الزناء انّما استعمل في‏خصوص المتلبّس،لا في الأعمّ،و لا في خصوص المنقضى.


128

المقصد الأوّل في الأوامر

و قبل البحث عمّا يتضمّنه هذا المقصد من المباحث الأصوليّة،ينبغي تقديم‏أمور:يبحث فيها عن بعض ما يتعلّق بمادّة الأمر و صيغته‏

(الأمر الأوّل)

قد ذكر لمادّة الأمر معان عديدة،حتّى أنهاها بعض إلى سبعة أو أكثر،و عدّمنها:الطّلب،و الشّأن،و الفعل،و غير ذلك.و قد طال التشاجر بينهم في كون ذلك‏على نحو الاشتراك اللّفظي أو المعنوي،و حيث لم يكن البحث عن ذلك كثير الجدوى،فالإعراض عنه أجدر.و ان كان ادّعاء الاشتراك اللّفظي بين تمام المعاني السبعةبعيدا غايته،بل لا يبعد ان يكون ذلك على نحو الاشتراك المعنوي بين تمام المعاني‏السبعة،أو ما عدى الطّلب منها،و انّه بالنّسبة إلى الطّلب و ما عداه مشترك لفظي‏كما في الفصول،1بل مال شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه،إلى انّ مادّة الأمر موضوعة لمعنى‏كلّي و مفهوم عامّ جامع للمعاني السّبعة،نحو جامعيّة الكلّي لمصاديقه،و ان كان‏التّعبير عن ذلك المعنى العامّ بما يسلم عن الأشكال مشكلا،إلاّ انّ الالتزام بالاشتراك‏اللّفظي أشكل.و على كلّ حال،لا إشكال في انّ الطّلب من معاني الأمر،سوآء كان‏بوضع يخصّه،أو كان من مصاديق الموضوع له،و لكن ليس كلّ طلب امرا،بل إذاكان الطّالب عاليا و مستعليا على إشكال في اعتبار الأخير.1الفصول ص 63.المقالة الأولى.«الحق ان لفظ الأمر مشترك بين الطلب المخصوص كما يقال امره‏بكذا،و بين الشأن كما يقال شغله كذا لتبادر كل منهما من اللفظ عند الإطلاق...»


129

و امّا اعتبار العلو فلا ينبغي الأشكال فيه،بداهة انّ الطّلب من المساوي‏يكون التماسا،و من الداني يكون دعاء،و لا يصدق على ذلك انّه امر،بل لا يبعد عدم‏صدق الأمر على طلب العالي الغير المستعلى،فانّ ذلك بالإرشاد و الاستشفاع أشبه.كما يؤيّد ذلك قوله صلى اللّه عليه و آله (1) لا بل انا شافع عند قول السائل:أ تأمرني‏يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله .

(الأمر الثاني)

الوجوب و الاستحباب خارجان عن مفاد الأمر بحسب وضعه،و ان كان‏إطلاقه يقتضى الوجوب على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى،إلاّ انّ اقتضاء الإطلاق‏ذلك غير كونه مأخوذا فيه وضعا كما لا يخفى.

(الأمر الثالث)

قد ذكر لصيغة الأمر معان عديدة أيضا،حتى نقل انّ بعضنا أنهاها إلى‏أربعة و عشرين،أو أكثر،و عدّ منها:الطّلب و التّعجيز و التّهديد و غير ذلك.و قد وقع البحث أيضا في انّ ذلك على نحو الاشتراك اللّفظي أو المعنوي،إلاّانّ الإنصاف انّه لا وقع للبحث عن ذلك في الصّيغة،و ان كان له وقع في المادة،بداهة انّ صيغة الأمر كصيغة الماضي و المضارع تشتمل على مادّة و هيئة،و ليس‏للمادّة معنى سوى الحدث،كما انه ليس للهيئة معنى سوى الدلالة على نسبة المادةإلى الفاعل.نعم تختلف كيفية انتساب المادة إلى الفاعل حسب اختلاف الأفعال،ففي الفعل الماضي الهيئة انّما تدلّ على النّسبة التحقّقيّة،و في المضارع تدلّ على النّسبةالتّلبسيّة،على ما مرّ ذلك مشروحا في مبحث المشتق.و امّا فعل الأمر،فهيئته انّما تدلّ على النّسبة الإيقاعيّة،من دون ان تكون‏الهيئة مستعملة في الطّلب،أو في التّهديد،أو غير ذلك من المعاني المذكورة للهيئة،لوضوح انّه ليس معنى اضرب:أطلب،و لا أهدد،و لا غير ذلك.بل الطّلب،و

1)راجع سنن أبي داود.الجزء الثاني.كتاب الطلاق،باب«المملوكة تعتق و هي تحت حر أو عبد»ص 270


130

التّهديد،و التّعجيز،انّما تكون من قبيل الدّواعي لإيجاد النّسبة الإيقاعيّة بقوله:افعل.و من هنا تمحّضت صيغة افعل للإنشاء و لا تصلح ان تقع اخبارا،إذ الإيقاع‏لا يمكن ان يكون اخبارا.و هذا بخلاف صيغة الماضي و المضارع،حيث انّهمايصلحان لكلّ من الإنشاء و الأخبار.امّا الماضي،فوقوعه إنشاء في باب العقودواضح.و امّا المضارع،فإنشاء العقد به محلّ خلاف و إشكال.نعم المضارع انّما يقع‏إنشاء في مقام الطّلب و البعث،كيصلّي،و يصوم،و ما شابه ذلك و هذا بخلاف‏الماضي،فانّه لم يعهد وقوعه إنشاء في مقام البعث و الطّلب ابتداء،و ان استعمل في‏القضايا الشّرطيّة في ذلك لانقلابه فيها إلى الاستقبال،و لكن استعماله في الطّلب في‏غيرها ممّا لم نعهده.و على كلّ حال،لا إشكال في انّ صيغة افعل ليست بمعنى‏الطّلب و لا غيره من سائر المعاني،و انّما هي موضوعة لإيقاع النّسبة بين المبدأ والفاعل لدواعي:منها الطّلب و منها التّهديد و منها غير ذلك،فتأمل جيّدا1.فتحصّل:انّ الصّيغة لم تستعمل في الطلب،بل ان كان إيقاع النسبةبداعي البعث و الطلب يوجد مصداق من كلي الطلب عند استعمال الصيغة و إيقاع‏النّسبة،كما هو الشأن في غير النّسبة من سائر الحروف حيث انّ باستعمالها يوجدمصداق من معنى كلي اسمي،كالنداء عند قولك:يا زيد،و الخطاب عند قولك:إيّاك‏،و غير ذلك من الحروف على ما تقدّم تفصيل ذلك.

(الأمر الرّابع)

لا بأس في المقام بالإشارة إلى اتّحاد الطّلب و الإرادة و تغايرهما،حيث‏جرت سيرة الأعلام على التّعرض لذلك في هذا المقام،و ان لم يكن له كثير ارتباطبه.و على كلّ حال،ذهبت الأشاعرة إلى تغاير الطّلب و الإرادة،و ان ما بحذاءأحدهما غير ما بحذاء الآخر.و ذهبت المعتزلة إلى اتّحادهما و انّ الإرادة عين الطّلب،و الطّلب عين الإرادة.و لا يخفى انّ الكلام في المقام أعمّ من إرادة الفاعل و إرادة1و في بعض الكلمات انّ النسبة التي تكون في صيغة(افعل)انّما هي بين المبدأ و الآمر،غايته انّه‏نسبة تسبيبيّة كما انّه تكون بينه و بين الفاعل نسبة مباشرية،فتأمل-منه.


131

الآمر،إذ لا خصوصيّة في إرادة الآمر حتّى يختصّ الكلام فيها،فانّ المقدّمات الّتي‏يحتاج إليها الفعل الاختياري في مرحلة وقوعه من فاعله،هي بعينها يحتاج إليها الأمرفي مرحلة صدوره عن الآمر.و بعد ذلك نقول:لا إشكال في توقّف الفعل الاختياري على مقدّمات:من‏التّصور و التّصديق و العزم و الإرادة.و هذا ممّا لا كلام فيه،انّما الكلام في انّه‏هل وراء الإرادة امر آخر؟يكون هو المحرّك للعضلات يسمّى بالطّلب،أو انّه ليس‏وراء الإرادة امر آخر يسمّى بالطّلب؟بل الإرادة بنفسها تستتبع حركة العضلات.ثمّ لا إشكال أيضا في انّ الإرادة من الكيفيّات النّفسانيّة الّتي تحصل في النّفس قهراكسائر المقدّمات السّابقة عليها:من التّصور و العلم و غير ذلك و ليست الإرادة من‏الأفعال الاختياريّة للنّفس بحيث تكون من منشئاتها الاختياريّة.إذا عرفت ذلك،فنقول:لا ينبغي الأشكال في انّ هناك وراء الإرادة امرآخر يكون هو المستتبع لحركة العضلات و يكون ذلك من افعال النّفس،و ان شئت‏سمّه بحملة النّفس،أو حركة النّفس،أو تصدّى النّفس،و غير ذلك من التّعبيرات.و بالجملة:الّذي نجده من أنفسنا،انّ هناك وراء الإرادة شيئا آخر يوجب‏وقوع الفعل الخارجي و صدوره عن فاعله.و من قال باتّحاد الطّلب و الإرادة لم يزدعلى استدلاله سوى دعوى الوجدان،و انّه لم نجد من أنفسنا صفة قائمة بالنّفس وراءالإرادة تسمّى بالطّلب.و قد عرفت:انّ الوجدان على خلاف ذلك،بل البرهان‏يساعد على خلاف ذلك،لوضوح انّ الانبعاث لا يكون إلاّ بالبعث،و البعث انّما هومن مقولة الفعل،و قد عرفت انّ الإرادة ليست من الأفعال النّفسانيّة،بل هي من‏الكيفيّات النّفسانيّة،فلو لم يكن هناك فعل نفساني يقتضى الانبعاث يلزم ان يكون‏انبعاث بلا بعث.و بالجملة:لا سبيل إلى دعوى اتّحاد مفهوم الإرادة و مفهوم الطّلب،لتكذيب اللّغة و العرف ذلك،إذ ليس لفظ الإرادة و الطّلب من الألفاظ المترادفة،كالإنسان و البشر.و ان أريد من حديث الاتحاد التّصادق الموردي و ان تغايرامفهوما فله وجه،إذ يمكن دعوى صدق الإرادة على ذلك الفعل النّفسانيّ،كما تصدق‏


132

على المقدمات السّابقة من التّصديق،و العزم،و الجزم،و يطلق عليها الإرادة هذا.و لكن فيه:ما فيه،إذ دعوى ذلك لا يكون إلاّ بدعوى انّ الإرادة لها مفهوم‏واسع،يسع المقدّمات السّابقة و ما هو فعل النّفس،و الحال انّه ليس كذلك،إذ الإرادة كيفيّة خاصّة للنّفس تحدث بعد حدوث مباديها فيها،و لذا تسمى بالشّوق‏المؤكد،إذ التّعبير بذلك انّما هو لبيان انّه ليس كلّ ما يحدث في النّفس يسمّى‏بالإرادة،بل الإرادة انّما تحدث بعد التّصور و التّصديق و غير ذلك من مباديها،وإطلاق الإرادة على بعض المبادي أحيانا انّما هو لمكان التّسامح في توسعة المفهوم،لا انّ المفهوم هو بنفسه موسع بحيث يشمل ذلك.فظهر:انّه لا سبيل إلى دعوى‏الاتّحاد،بل المغايرة بينهما عرفا أوضح من ان تخفى.بل لا يمكن دفع شبهة الجبر إلاّ بذلك،بداهة انّه لو كانت الأفعال الخارجيّةمعلولة للإرادة لكان اللازم وقوع الفعل من فاعله بلا اختيار،بل يقع الفعل قهراعليه،إذ الإرادة كما عرفت،كيفيّة نفسانيّة تحدث في النّفس قهرا بعد تحقّق مباديها وعللها،كما انّ مبادئ الإرادة أيضا تحصل للنّفس قهرا،لأنّ التّصور امر قهري‏للنّفس،و هو يستتبع التصديق استتباع العلّة لمعلولها و هو يستتبع العزم و الإرادةكذلك استتباع العلّة لمعلولها،و المفروض انّها تستتبع الفعل الخارجي كذلك،فجميع‏سلسلة العلل و المعلولات انّما تحصل في النّفس عن غير اختيار،و مجرد سبق الإرادةلا يكفى في اختيارية الفعل.و ليس كلامنا في الاصطلاح حتى يقال:انهم اصطلحواعلى انّ كل فعل يكون مسبوقا بالإرادة فهو اختياري،إذ هذا الاصطلاح ممّا لا يغنى‏عن شي‏ء،لأن كلامنا في واقع الأمر و مقام الثبوت،و انّه كيف يكون الفعل‏اختياريّا؟مع انّه معلول لمقدّمات كلّها غير اختياريّة،فكيف يصح الثّواب والعقاب على فعل غير اختياريّ؟و الحاصل:انّه لو كانت الأفعال معلولة للإرادة،و كانت الإرادة معلولةلمبادئها السّابقة،و لم يكن بعد الإرادة فعل من النّفس و قصد نفسانيّ،لكانت شبهةالجبر ممّا لا دافع لها،و لقد وقع في الجبر من وقع مع انّه لم يكن من أهله،و ليس ذلك‏إلاّ لإنكار التّغاير بين الطلب و الإرادة و حسبان انّه ليس وراء الإرادة شي‏ء يكون‏


133

هو المناط في اختياريّة الفعل.و امّا بناء على ما اخترناه من انّ وراء الإرادة و الشّوق المؤكّد امرا آخر،وهو عبارة عن تصدّى النّفس نحو المطلوب و حملتها إليه،فيكون ذلك التّصدي‏النفسانيّ هو مناط الاختيار،و ليس نسبة الطلب و التصدي إلى الإرادة نسبةالمعلول إلى علّته حتّى يعود المحذور،بل النّفس هي بنفسها تتصدّى نحو المطلوب،من‏دون ان يكون لتصدّيها علة تحملها عليه.نعم الإرادة بما لها من المبادي تكون من المرجّهات لطلب النّفس و تصدّيها،فللنفس بعد تحقّق الإرادة بما لها من المبادي التّصدي نحو الفعل.كما انّ لها عدم‏التّصدي و الكفّ عن الشّي‏ء،و ليس حصول الشّوق المؤكد في النّفس علّة تامّةلتصدي النّفس،بحيث ليس لها بعد حصول ذلك الكيف النفسانيّ الامتناع عن‏الفعل،كما هو مقالة الجبريّة،بل غايته انّ الشّوق المؤكد يكون من المرجحات‏لتصدّي النّفس و لا يخفى الفرق بين المرجح و العلّة.هذا كلّه في نفى الجبر.و امّا نفى التّفويض‏فالأمر فيه أوضح،لأنّ أساس التّفويض هو تخيّل عدم حاجة الممكن في‏بقائه إلى العلّة،و انّه يكفى فيه علّة الحدوث،مع انّ هذا تخيّل فاسد لا ينبغي ان‏يصغى إليه،بداهة انّ الممكن بحسب ذاته يتساوى فيه الوجود و العدم،و يحتاج في‏كلّ آن إلى ان يصله الفيض من المبدأ الفيّاض،بحيث لو انقطع عنه الفيض آنا مالانعدم و فني،فوجوده في كلّ آن يستند إلى الفيّاض.هذا بالنّسبة إلى أصل وجوده.و كذا الحال بالنّسبة إلى إرادته و أفعاله يحتاج إلى المبدأ لكن لا على نحو الجبر كماعرفت.فتأمل في المقام جيّدا،فانّه خارج عمّا نحن فيه و لا يسع التّكلّم فيه أزيد من‏ذلك،و الغرض في المقام بيان تغاير الطلب و الإرادة،و قد عرفت بما لا مزيد عليه‏تغايرهما.هذا كلّه في إرادات العباد و أفعالهم التّكوينيّة،و قس على ذلك الطلب والإرادة التّشريعيّة،فانّ المبادي الّتي يتوقّف عليها الفعل التّكويني كلّها ممّا يتوقّف‏عليها الأمر التّشريعيّ،غايته:انّ الطّلب في التّكوينيّات انّما هو عبارة:عن تصدّى‏


134

النّفس لحركة عضلاتها نحو المطلوب،و في التّشريعي عبارة عن تصدّى الآمر بامره‏لحركة عضلات المأمور نحو المطلوب،و إلاّ فمن حيث معنى الطلب لا فرق بينهما،و انّه‏في كلا المقامين بمعنى التّصدي.و بما ذكرنا ظهر:ما في بعض الكلمات-من تقسيم الإرادة و الطّلب إلى‏الواقعي و الإنشائيّ-من الخلل،لوضوح انّ الإرادة من الكيفيّات النّفسانيّة الغيرالقابلة للإنشاء،إذ الإنشاء عبارة عن الإيجاد،و الإرادة غير قابلة لذلك فتأمل.

(الأمر الخامس)

قد عرفت انّ صيغة الأمر ليست موضوعة للطّلب،و لا غيره من المعاني‏المذكورة لها،بل انّما هي موضوعة لإيقاع النّسبة بين المبدأ و الفاعل لدواعي:منهاالطّلب و منها التّهديد و منها الامتحان و منها غير ذلك.و ليست الصّيغة من أوّل‏الأمر مستعملة في الطّلب،و لا المنشأ فيها مفهوم الطّلب،بل بها يوجد مصداق من‏الطّلب إذا كان إيقاع النّسبة بداعي الطّلب،دون ما إذا كان بداعي التّهديد والسّخريّة.نعم،فيما إذا كان بداعي الامتحان يمكن ان يقال:انّه طلب،غايته انّ‏صدق الطّلب عليه ليس لمكان مطلوبيّة الفعل لمصلحة فيه،بل لمكان بعث حركةعضلات العبد.و بعبارة أخرى:المطلوب في الأوامر الامتحانيّة نفس حركة عضلات العبدلا نفس الفعل،و على أيّ حال الأمر في ذلك سهل.انّما الأشكال في طريق استفادة الوجوب من الصّيغة،بعد ما كان استفادةالوجوب منها ممّا لا إشكال فيه،كما يدلّ على ذلك قوله تعالى: (1) ما منعك ان‏لا تسجد إذا أمرتك،مع انّ الأمر كان بصيغته،كما هو ظاهر قوله تعالى:فقعوا له‏ساجدين.و بالجملة:لا إشكال في استفادة الوجوب منها،انّما الأشكال في طريق‏استفادة الوجوب منها.

1)سورة الأعراف الآية 12


135

فنقول:لهم في ذلك طرق:منها:دعوى وضعها لغة للوجوب.و هذه الدّعوى بظاهرها لا تستقيم،لماعرفت:انّ الصّيغة لها مادّة و هيئة،و المادّة موضوعة لمعناها الحدثي،و مفاد الهيئةمعنى حرفيّ،لكونها موضوعة لنسبة المادّة إلى الفاعل بالنّسبة الإيقاعيّة.فلا معنى‏لدعوى وضعها للوجوب.اللّهمّ إلاّ ان يتوجّه بأنّ المراد وضعها لإيقاع النّسبة إذا كان‏بداعي الطّلب الوجوبيّ،بان يؤخذ-بداعي الطّلب الوجوبيّ-قيدا في وضع الهيئة.و امّا دعوى:أكثريّة استعمالها في الاستحباب فيلزم أكثريّة المجاز على‏الحقيقة،فهذا ممّا ليس فيه محذور إذا كان ذلك بقرينة تدلّ على ذلك انّما الشّأن في‏إثبات هذه الدّعوى أي دعوى الوضع لذلك بل هي فاسدة من أصلها.و توضيح الفساد يتوقّف على بيان حقيقة الوجوب و الاستحباب و بيان‏المائز بينهما.فنقول:ربّما قيل بأنّ الوجوب عبارة عن الأذان في الفعل مع المنع من التّرك‏و الاستحباب عبارة عن الإذن في الفعل مع الرّخصة في التّرك،فيكون مفاد كلّ‏من الوجوب و الاستحباب مركّبا من امرين.و لمّا كان التّفسير بذلك واضح‏الفساد،لوضوح بساطة مفهوم الوجوب و الاستحباب،عدل عن ذلك المتأخّرون،وجعلوا المائز بينهما بالشّدة و الضّعف،و قالوا:انّ الوجوب و الاستحباب حقيقةواحدة مقولة بالتّشكيك،فالوجوب عبارة عن الطّلب الشّديد،و الاستحباب عبارةعن الطّلب الضّعيف هذا.و لكنّ الإنصاف:انّ هذه الدّعوى كسابقتها واضحة الفساد،لأنّ الطّلب‏لا يقبل الشّدة و الضّعف،لوضوح انّ طلب ما كان في غاية المحبوبيّة و ما لم يكن‏كذلك على نهج واحد،و هذا ليس من الأمور الّتي يرجع فيها إلى اللّغة،بل العرف‏ببابك،فهل ترى من نفسك اختلاف تصدى نفسك و حملتها نحو ما كان في منتهى‏درجة المصلحة و قوّة الملاك،كتصدي نفسك نحو شرب الماء الّذي به نجاتك،أو نحو ماكان في أوّل درجة المصلحة،كتصدي نفسك لشرب الماء لمحض التّبريد،كلالا يختلف تصدى النّفس المستتبع لحركة العضلات باختلاف ذلك،بل انّ بعث‏


136

النّفس للعضلات في كلا المقامين على نسق واحد.نعم ربّما تختلف الإرادة بالشّدةو الضّعف كسائر الكيفيّات النّفسانيّة،إلاّ انّ الإرادة ما لم تكن واصلة إلى حدّالشّوق المؤكّد الّذي لا مرتبة بعده لا تكون مستتبعة لتصدي النّفس.هذا في طلب‏الفاعل و إرادته،و قس على ذلك طلب الآمر،فانّه لا يختلف بعث الآمر حسب‏اختلاف ملاكات البعث،بل انّه في كلا المقامين يقول:افعل،و يبعث المأمور نحوالمطلوب،و يقول مولويا:اغتسل للجمعة،كما يقول:اغتسل للجنابة.فدعوى اختلاف الطّلب في الشّدة و الضّعف،و كون ذلك هو المائز بين‏الوجوب و الاستحباب ممّا لا وجه لها،بل العرف و الوجدان يكذبها و ان قال به‏بعض الأساطين.و الّذي ينبغي ان يقال:هو انّ الوجوب انّما يكون حكما عقليّا،لا انّه امرشرعيّ ينشئه الآمر حتّى يكون ذلك مفاد الصّيغة و مدلولها اللّفظي،كما هو مقالةمن يقول بوضعها لذلك،و معنى كون الوجوب حكما عقليّا،هو انّ العبد لا بدّ ان‏ينبعث عن بعث المولى إلاّ ان يرد منه التّرخيص بعد ما كان المولى قد أعمل ما كان‏من وظيفته و أظهر و بعث و قال مولويّا:افعل،و ليس وظيفة المولى أكثر من ذلك،وبعد إعمال المولى وظيفته تصل النّوبة إلى حكم العقل من لزوم انبعاث العبد عن‏بعث المولى،و لا نعنى بالوجوب سوى ذلك.و بما ذكرنا يندفع ما استشكل:من انّه كيف يعقل استعمال الصّيغة في‏الأعمّ من الوجوب و الاستحباب،كما ورد في عدّة من الأخبار ذكر جملة من‏الواجبات و المستحبّات بصيغة واحدة كقوله:اغتسل للجمعة،و الجنابة،و التّوبة،و غير ذلك،فانّه لو كان الوجوب عبارة عن شدّة الطّلب،و الاستحباب عبارة عن‏ضعفه لكان الأشكال في محلّه،بداهة انّه لا يعقل ان يوجد الطّلب بلا حدّ خاصّ من‏الشّدة و الضّعف،إذ لا يمكن وجود الكلّي بلا حدّ.و امّا بناء على ما قلناه من معنى الوجوب فلا إشكال فيه،إذ ليس الطّلب‏منقسما إلى قسمين،بل الطّلب انّما يكون عبارة عن البعث،و هو غير مقول بالتّشكيك‏و الصّيغة في جميع المقامات لم تستعمل إلاّ لإيقاع النّسبة بداعي البعث و التّحريك‏


137

غايته انّه في بعض المقامات قام الدّليل على عدم لزوم الانبعاث عن ذلك البعث،وفي بعض المقامات لم يقم،فيكون المورد على ما هو عليه من حكم العقل بلزوم‏الانبعاث عن البعث.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ الوجوب لا يستفاد من نفس الصيغة وضعاأو انصرافا،بل انّما يستفاد منها بضميمة حكم العقل.و بتقريب آخر:الوجوب‏ليس معناه لغة إلاّ الثّبوت،و منه قولهم:الواجب بالذّات و الواجب بالغير،فانّ‏معنى كونه واجبا بالذات،هو انّ ثبوته يكون لنفسه و لمكان اقتضاء ذاته لا لعلةخارجيّة تقتضي الثّبوت،و معنى كونه واجبا بالغير،هو ثبوت علّة وجوده،أي انّ‏علّة وجوده قد تمّت و ثبتت.هذا في الواجبات التّكوينيّة،و قس عليه الواجبات‏التّشريعيّة،فانّ معنى كون الشّي‏ء واجبا شرعا هو ثبوت علّة وجوده في عالم التّشريع،و ليس علّة وجوده إلاّ البعث،فالبعث يقتضى الوجود لو خلّى و طبعه و لم يقم دليل‏على انّ البعث لم يكن للتّرغيب الّذي هو معنى الاستحباب.و ليكن هذا معنى قولهم:إطلاق الصّيغة يقتضى الوجوب،فتأمل في المقام جيّدا.

(الأمر السّادس)

في دلالة الصّيغة على التّعبديّة و التّوصّليّةاعلم:انّ البحث في ذلك يقع في مقامين:المقام الأوّل:فيما يقتضيه الأصل اللّفظي‏المقام الثّاني:فيما يقتضيه الأصل العملي عند عدم الأصل اللّفظي،

و تنقيح‏البحث عن المقام الأوّل يستدعى تقديم أمور:

الأمر الأوّل:

في معنى التّعبديّة و التّوصّليّة امّا التّعبديّة:فهي عبارة عن الوظيفة الّتي‏شرعت لأجل ان يتعبّد بها العبد لربّه و يظهر عبوديّته،و هي المعبّر عنها بالفارسيّة(بپرستش)و معلوم:انّ أهل كلّ نحلة لهم افعال يظهرون بها عبوديّتهم،و يعبدون بهامعبودهم حتّى عبدة الصّنم و الشّمس،فانّ لهم حركات خاصّة و أفعالا مخصوصة،بها يتذلّلون لمعبودهم،و يظهرون له العبوديّة.فالمراد من العبادة في شرعنا،هو ما


138

شرع لأن يتعبّد به العبد لربّه،و معلوم:انّ فعل الشّي‏ء لإظهار العبوديّة لا يكون إلاّبفعله امتثالا لأمره،أو طلبا لمرضاته،أو طمعا في جنّته،أو خوفا من ناره أو غير ذلك‏ممّا يحصل به قصد التّقرب،على ما ذكرنا تفصيل ذلك في الفقه عند البحث عن‏نيّة الصّلاة، (1) و لا يكون الشّي‏ء عبادة بدون ذلك كما لا يخفى.و يقابلها التّوصّليّة،و هي ما لم يكن تشريعه لأجل إظهار العبوديّة.و قد يطلق التّوصّليّة و يراد منها:عدم اعتبار المباشرة،أو عدم اعتبار الإرادةو الاختيار،أو عدم اعتبار الإباحة و السقوط بفعل المحرّم.و لا يخفى انّه النّسبة بين‏الإطلاقين هي العموم من وجه،إذ ربّما يكون الشّي‏ء توصّلها بالمعنى الأوّل،أي(لم‏يشرع لأجل إظهار العبوديّة)و مع ذلك يعتبر فيه الإرادة و الاختيار،كوجوب ردّالتّحيّة،فانّه لا يعتبر فيه قصد التّعبد،و مع ذلك يعتبر فيه المباشرة،و ربّما ينعكس‏الأمر و يكون الشّي‏ء توصّليّا بالمعنى الثّاني أي لا يعتبر فيه المباشرة و يسقط بالاستنابة وفعل الغير،و مع ذلك لا يكون توصّليّا بالمعنى الأوّل بل يكون تعبّديا،كقضاء صلاةالميّت الواجب على الوليّ،فانّه يعتبر فيه التّعبّد مع عدم اعتبار المباشرة.و على كلّ‏حال البحث يقع في مقامين:المقام الأوّل:في أصالة التّعبديّة المقابلة للتّوصّليّة بالمعنى الأوّل لها.المقام الثّاني:في أصالة التّعبديّة المقابلة للتوصّليّة بالمعنى الثاني لها.و لنقدم الكلام في المقام الثّاني،ثمّ نعقّبه بالمقام الأوّل.فنقول:انّ الحقّ فيه،هو أصالة التّعبديّة،بمعنى اعتبار المباشرة و الإرادة والاختيار و الإباحة،فلا يسقط بفعل الغير،و لا بلا إرادة و اختيار،و لا بفعل المحرّم،إلاّ ان يقوم دليل على عدم اعتبار أحد القيود الثّلاثة أو جميعها،و لكن تحرير الأصل‏بالنّسبة إلى هذه القيود الثّلاثة يختلف،و ليس هناك أصل واحد يقتضى القيودالثّلاثة.فينبغي تحرير الأصل الجاري في اعتبار كلّ قيد على حدة.

1)راجع تفصيل هذه البحث في المجلد الثاني من تقرير أبحاث المحقق النائيني قدس سره في مباحث‏الصلاة لتلميذه المحقق الحاج شيخ محمد تقي الآملي طالب مضجعه.الفصل الأول من فصول افعال الصلاة ص 2.


139

فنقول:امّا تحرير أصالة التّعبديّة،بمعنى اعتبار المباشرة و عدم سقوطه‏بالاستنابة و فعل الغير،فيتوقّف على بيان كيفيّة نحو تعلّق التكليف فيما ثبت‏جواز الاستنابة فيه و سقوطه بفعل الغير تبرّعا،بعد ما كان هناك ملازمة بين‏جواز الاستنابة و جواز التبرع،فانّ كلما يدخله الاستنابة1يدخله التّبرع‏كذا العكس.و ليعلم:انّ التّكليف لا يسقط بمجرّد الاستنابة فيما ثبت جواز الاستنابةفيه،بل انّما يسقط بفعل النّائب،لا بنفس الاستنابة،فيقع الأشكال ح في كيفيّةتعلّق التّكليف على هذا النّحو،و انّه من أيّ سنخ من الأقسام المتصوّرة في‏التّكاليف؟من حيث الإطلاق و الاشتراط و التّعيينيّة و التّخييرية و غير ذلك‏من الأقسام.فنقول:امّا تعلّق التّكليف بالنّسبة إلى المادة،أي الفعل المطالب به،فيكون على وجه التّعيين،بمعنى انّه لا يقوم شي‏ء مقامه،كما يقوم العتق مقام الصّيام والصّيام مقام الإطعام في خصال الكفّارة.و امّا من حيث جهة الصّدور عن الفاعل‏فلا يعتبر فيه التّعيينية،بمعنى انّه لا يعتبر فيه مباشرة المأمور بنفسه،و إصدار المكلّف‏بعينه،بل للمكلّف الاستنابة فيه و استئجار الغير له.و بذلك يمتاز عن الواجب الكفائي،فانّ الوجوب فيه بالنّسبة إلى المادة و ان‏كان على وجه التّعيين،و لا يعتبر مباشرة شخص خاصّ فيه،إلاّ انّ الوجوب فيه‏متوجّه إلى عامّة المكلّفين،بحيث انّ كلّ من أتى به فقد أتى بما هو واجب عليه نفسه،لا انّه يأتي به نيابة عن الغير.و هذا بخلاف المقام،فانّ الآتي بالعمل،سواء كان‏على وجه الاستنابة،أو على وجه التّبرع،انّما يأتي به عن الغير،و يقصد تفريغ ذمّةالغير،بحيث لو لم يأت به على هذا الوجه لكان الواجب بعد باقيا في ذمّة الغير ولا يسقط عنه،كما في القضاء عن الميّت،و أداء الدّين،و أمثال ذلك من الواجبات‏1إلاّ في بعض فروع الجهاد،حيث يجوز الاستنابة فيه و يقع الفعل عن المنوب عنه و يترتب عليه قسمةالغنيمة و لا يدخله التّبرع بل يقع الفعل عن المتبرع،إلاّ ان يتأمل في ذلك أيضا،فتأمل و راجع أدلة الباب-منه.


140

الّتي يكون المكلّف بها شخصا خاصّا،و مع ذلك يسقط بفعل الغير استنابة أو تبرّعا،فقولنا في المقام:انّه لا يعتبر فيه صدوره عن المكلّف لا يلازم كونه واجبا كفائيّا،بل‏التّكليف بالنّسبة إلى جهة جواز الاستنابة يكون على وجه التخيير،و يكون نتيجةالتكليف بعد قيام الدليل على جواز الاستنابة فيه هو التخيير بين المباشرة و الاستنابةلأنّ الاستنابة أيضا فعل اختياريّ للشّخص قابلة لتعلّق التّكليف بها تخييرا أوتعيينا،و معلوم انّ التّخيير على هذا الوجه انّما يكون شرعيّا لا عقليّا،إذ ليس هناك‏جامع قريب عرفيّ حتّى يكون التّخيير عقليّا.و بعبارة أخرى:ليس هناك جامع خطابي بين المباشرة و الاستنابة،و ما لم‏يكن في البين جامع خطابي لا يكون التّخيير عقليّا و ان كان هناك جامع ملاكي،فانّ مجرّد وجود الجامع الملاكي لا يكفى في التّخيير العقلي.و بعبارة ثالثة:يعتبر في التّخيير العقلي ان تكون افراد التّخيير مندرجة تحت‏حقيقة واحدة عرفيّة،كالإنسان بالنّسبة إلى افراده،و لا يكفى في التّخيير العقلي‏الاشتراك في الأثر مع تباين الأفراد بالهويّة،كالشّمس و النّار،حيث انّهما متباينان‏بالهويّة مع اشتراكهما في الأثر و هو التّسخين،فالتّخيير بين المباشرة و الاستنابة لا بدّان يكون شرعيّا.و ربّما يتوهّم:انّ الاستنابة ترجع إلى التّسبيب،و انّ المنوب عنه يكون سببالوقوع الفعل عن الفاعل الّذي هو النّائب و الفعل يستند إليه بتسبيبه.و فيه انّ ضابط باب التّسبيب،هو ان لا يتوسّط بين السّبب و بين الأثرإرادة فاعل مختار تام الإرادة و الاختيار،كفتح قفص الطّائر الّذي يكون سببا لهلاك‏الطّير و امر الصبيّ الغير المميز،فانّ الفعل في مثل هذا يستند إلى السّبب دون‏المباشر،و امّا إذا توسّط في البين إرادة فاعل مختار فالفعل انّما يستند إلى المباشر دون‏السّبب كما في المقام،حيث انّ الفعل يستند إلى النّائب دون المنوب عنه إلاّ بعناية وتسامح،كما في بنى الأمير المدينة.فجعل باب الاستنابة من صغريات باب التّسبيب‏كما يظهر من بعض الكلمات ممّا لا وجه له،بل الاستنابة هي باب على حدة و عنوان‏مستقلّ و تكون في موارد جوازها أحد فردي التّخيير الشّرعي هذا.


141

و حيث عرفت:انّ جواز الاستنابة يلازم جواز التّبرع و لو مع عدم رضاالمتبرّع عنه،بل تفرغ ذمّته قهرا عليه،فينبغي ح ان يبحث عن كيفيّة سقوطالتّكليف بتبرّع المتبرّع،و انّ نحو تعلّق التّكليف بالمكلّف مع سقوطه بفعل المتبرّع‏على أيّ وجه يكون؟فانّ في مثل هذا لا يمكن ان يكون على وجه التّخيير،و ليس‏تبرّع المتبرّع من قبيل الاستنابة،بان يكون أحد فردي التّخيير الشّرعي فضلا عن‏التّخيير العقلي،لأنّ أحد طرفي التّخيير لا بدّ ان يكون مقدورا للمكلّف و يتعلّق به‏إرادته نحو تعلّقه بالطّرف الآخر،و فعل الغير لا يدخل تحت قدرة المكلّف،و لا يمكن‏تعلّق الإرادة به،فلا معنى لأن يقال:افعل أنت بنفسك أو غيرك.و الحاصل:انّه لا يمكن ان يكون الشّخص مكلّفا بفعل غيره و لو على وجه‏التّخيير بين فعله و فعل غيره.بل فيما يكون فعل الغير مسقطا للتّكليف عن المكلّف‏إذا توقّف إسقاطه على قصد النّيابة و إتيان الفعل عنه-كما في الحج،و القضاء عن‏الميّت،و أداء الدّين حيث لا يسقط التّكليف عن المكلّف إلاّ بإتيان الغير نيابة عنه وبقصد تفريغ ذمّته،و إلاّ لا يقع الفعل عن المكلّف و لا تفرغ ذمّته،بخلاف إزالةالنّجاسة حيث انّ الوجوب يسقط فيها على أيّ وجه اتّفق-يكون هناك جهة أخرى‏تمنع من كونه أحد فردي التّخيير،مضافا إلى انّه خارج عن تحت القدرة و الاختيار،و هي انّ إسقاط فعل الغير التّكليف عن غيره انّما يكون بعد توجّه التّكليف إليه ومطالبته به،حتّى يمكن للغير قصد النيابة عنه و إتيانه بالفعل بداعي تفريغ الذّمّة وتنزيل نفسه منزلة المكلّف،فيكون السّقوط بفعل الغير في طول التّكليف و توجّهه نحوالمكلّف،إذ بعد توجّه التّكليف نحوه و اشتغال ذمّته به يمكن للغير تفريغ ذمّته و فعله‏نيابة عنه،و من المعلوم:انّ ما كان في طول الشّي‏ء لا يمكن ان يكون في عرضه واحدفردي التّخيير فتأمل.و على كلّ حال،انّ فعل الغير و تبرّعه لا يمكن ان يكون أحد فردي التّخيير،و ليس فعل الغير كالاستنابة،حيث انّها يمكن ان تكون أحد فردي التّخيير،لأنّ‏الاستنابة فعل اختياريّ للمكلّف،فيمكن تعلّق التّكليف بها تعيينا أو تخييرا،و أين‏هذا من فعل الغير الّذي لا يكون تحت قدرة المكلّف و إرادته؟فسقوط التّكليف بفعل‏


142

الغير لا يمكن ان يكون على وجه التّخيير،بل لا بدّ ان يكون ذلك على وجه تقييدالموضوع فيما إذا كان للتكليف تعلّق بموضوع خارجيّ كخطاب أدّ الدّين،أو تقييدالحكم فيما إذا لم يكن له تعلّق بموضوع خارجيّ كالحجّ،فيكون وجوب أداء الدّين من‏جهة السّقوط بفعل الغير من قبيل الواجب المشروط،و يرجع حقيقة التّكليف إلى‏وجوب أداء الدّين الّذي لم يؤدّه الغير،فالواجب على المكلّف هو الدّين المقيّد.و كذايقال في الحجّ:ان وجوب الحجّ مشروط بعد قيام الغير به تبرّعا.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:انّ التّكليف الّذي ثبت فيه جواز الاستنابة وجواز تبرّع الغير يجتمع فيه جهات ثلث:جهة تعيينية و هي بالنّسبة إلى المادّة حيث‏لا يقوم شي‏ء مقامها،وجهة تخييريّة و هي بالنّسبة إلى الاستنابة،و جهة اشتراط وتقييد و هي بالنّسبة إلى السقوط بفعل الغير.هذا إذا ثبت جواز الاستنابة فيه.و امّا إذا شك،كما هو المقصود بالكلام،فالشّك في جواز الاستنابة يستتبع‏الشّك في السّقوط بفعل الغير،لما عرفت من الملازمة بينهما،فيحصل الشّك فيه من‏جهتين:التّعيين و التّخيير،و من جهة الإطلاق و الاشتراط،و أصالة التّعيينيّة والإطلاق ترفع كلتا جهتي الشّك،كما هو الشّأن في جميع موارد دوران الأمر بين‏التّعيين و التّخيير،و الإطلاق و الاشتراط،حيث انّ ظاهر الأمر و مقتضى الأصل‏اللّفظي هو التّعيين و الإطلاق،فالأصل اللّفظي يقتضى التّعبديّة بمعنى عدم جوازالاستنابة و عدم السّقوط بفعل الغير،هذا إذا كان هناك إطلاق.و امّا إذا لم يكن،و وصلت النّوبة إلى الأصل العملي،فمقتضى الأصل‏يختلف باختلاف جهتي الشّك.امّا من جهة الشّك في التّعيين و التّخيير،فالأصل‏يقتضى الاشتغال و عدم السّقوط بالاستنابة،على ما هو الأقوى عندنا:من انّ‏الأصل هو الاشتغال في دوران الأمر بين التعيين و التّخيير كما حررناه في محله.و امّا من جهة الشّك في الإطلاق و الاشتراط،فالأصل العملي في موارددوران الأمر بين الإطلاق و الاشتراط و ان كان ينتج نتيجة الاشتراط،على عكس‏الأصل اللّفظي،لرجوع الشّك فيه إلى الشّك في التّكليف في صورة فقدان الشّرط،والأصل البراءة عنه،كالشّك في وجوب الحجّ عند عدم الاستطاعة لو فرض الشّك في‏


143

اشتراط الوجوب بها،إلاّ انّه في المقام لا يمكن ذلك،لأنّ الشّك في المقام راجع إلى‏مرحلة البقاء و سقوط التّكليف بفعل الغير،لا في مرحلة الجعل و الثّبوت،و مقتضى‏الاستصحاب هو بقاء التّكليف و عدم سقوطه بفعل الغير.و ما قلناه:من أصالةالبراءة عند دوران الأمر بين الإطلاق و الاشتراط،انّما هو فيما إذا رجع الشّك إلى‏ناحية الثّبوت كمثال الحجّ،لا إلى ناحية البقاء كما في المقام.هذا تمام الكلام في‏أصالة التّعبديّة بمعنى اعتبار المباشرة و عدم السّقوط بالاستنابة و فعل الغير.و امّا الكلام في أصالة التّعبديّة بمعنى اعتبار الإرادة و الاختيار و عدم‏السّقوط بدون ذلك،فمجمل القول فيه:هو انّ الأقوى فيه أيضا أصالة التّعبديّة،بمعنى‏عدم سقوط التّكليف عند فعله بلا إرادة و اختيار،و ليس ذلك لأجل أخذ الاختيارفي موادّ الأفعال،لوضوح فساده،بداهة عدم توقّف الضّرب و القتل و غير ذلك من‏الموادّ على وقوعها عن إرادة و اختيار،و كذا ليس ذلك لأجل أخذ الاختيار في‏هيئات الأفعال،لوضوح انه لا يتوقف صدق انتساب المادة إلى الفاعل على الإرادةو الاختيار،و كيف يمكن ذلك؟مع انّ الأفعال تعمّ افعال السّجايا و غيرها،كنجل و علم،و كرم،و أحمر،و أصفر،و ذلك ممّا لا يمكن فيه الإرادة و الاختيار،فهيئة الفعل الماضي و المضارع لا دلالة فيها على الاختيار.نعم تمتاز هيئة فعل الأمرعن سائر الأفعال في اعتبار الاختياريّة و ذلك لأمرين:الأوّل:انّه يعتبر في متعلّق التّكليف ان يكون صدوره عن الفاعل حسنا.وبعبارة أخرى:يعتبر عقلا في متعلّق التّكليف القدرة عليه ليتمكّن المكلّف من‏امتثال الأمر على وجه يصدر الفعل عنه حسنا،و من المعلوم:انّ صدور الفعل حسنامن فاعله يتوقّف على الإرادة و الاختيار،إذ الأفعال الغير الاختياريّة لا تتّصف‏بالحسن و القبح الفاعلي،و ان اتصفت بالحسن و القبح الفعلي،فلا بدّ من خروج‏ما لا يكون بإرادة و اختيار عن متعلّق التّكليف عقلا،و لا يمكن ان يعمّه سعة دائرةالأمر.الثّاني:هو انّ نفس الأمر يقتضى اعتبار الإرادة و الاختيار مع قطع النّظرعن الحكم العقلي،و ذلك لأنّ الأمر الشّرعي انّما هو توجيه إرادة العبد نحو المطلوب و


144

تحريك عضلاته،فالأمر هو بنفسه يقتضى اعتبار الإرادة و الاختيار،و لا يمكن ان‏يتعلّق بالأعمّ لأنّه بعث للإرادة و تحريك لها،و ح لو قام دليل على سقوط التّكليف‏عند فعل متعلّقه بلا إرادة و اختيار،كان ذلك من قبيل سقوط التّكليف بفعل الغير،و هو يرجع إلى تقييد الموضوع،و إطلاق الخطاب عند الشّك يدفع التّقييد المذكور،فالأصل اللّفظي يقتضى عدم السّقوط عند عدم الإرادة و الاختيار.و كذا الحال في‏الأصل العملي على حذو ما تقدّم عند الشّك في سقوطه بفعل الغير.و امّا أصالة التّعبديّة بمعنى عدم سقوطه بفعل المحرّم،فتوضيح الكلام فيه:هو انّ السّقوط بفعل المحرّم لا بدّ ان يكون لمكان اتّحاد متعلّق الأمر مع متعلّق النّهى‏خارجا،و إلاّ لم يعقل السّقوط بدون ذلك،و هذا الاتحاد انّما يكون بأحد امرين:امّالكون النّسبة بين المتعلّقين العموم و الخصوص المطلق،و امّا لكون النّسبة هي العموم‏من وجه،إذ لا يمكن الاتّحاد بدون ذلك.فان كان بين المتعلّقين العموم و الخصوص‏المطلق،فيندرج في باب النّهى عن العبادة و يخرج الفرد المحرّم عن سعة دائرة الأمرو يقيّد الأمر لا محالة بما عدا ذلك،من غير فرق بين العبادة و غيرها كما لا يخفى.وان كان بين المتعلّقين العموم من وجه،فيندرج في باب اجتماع الأمر و النّهى،فان‏قلنا في تلك المسألة بالامتناع مع تقديم جانب النّهى،كان من صغريات النّهى عن‏العبادة أيضا على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى،و ان قلنا بالجواز كما هو المختارفالمتعلّق و ان لم يتّحد و اندرج في باب التّزاحم،إلاّ انّه مع ذلك لا يصلح الفرد المحرّم‏للتّقريب‏1لعدم حسنه الفاعلي و ان كان فيه ملاك الأمر،إلاّ انّه لمّا يقع مبغوضاعليه لمكان مجامعته للحرام،فلا يصلح لأن يتقرّب به،فلا يسقط الأمر به.فالأصل‏1لا يخفى:انّ هذا البيان انّما يتمّ فيما إذا كان المأمور به عبادة،و امّا إذا لم يكن عبادة فبغضه الفاعلي‏ممّا لا أثر له بعد ما كان المقام من باب التزاحم و اشتمال الفعل على تمام الملاك،فلا محيص من سقوط الأمرحينئذ و لا مجال للشك فيه.و هذا بخلاف المقامات المتقدمة،فانّ في جميعها مجالا واسعا لتطرّق الشك فيها،لاحتمال دخل الاختيار مثلا أو المباشرة في ملاك الحكم،و لأجله نحتاج إلى دليل خارجيّ يدل على السقوط بذلك‏بخلاف ما كان من باب التزاحم،فانّ نفس دليل الحكم يقتضى السقوط لمكان كشفه عن الملاك حتّى في‏الفرد المزاحم للحرام،كما هو لازم القول بجواز الاجتماع،فتأمّل-منه.


145

اللّفظي و كذا العملي يقتضى عدم السّقوط بفعل المحرّم،كما اقتضيا عدم السّقوطبالاستنابة و فعل الغير،و عن لا إرادة و اختيار.هذا تمام الكلام في المقام الثّاني.فلنعطف الكلام إلى المقام الأوّل،الّذي هو المقصود بالأصالة في هذا المبحث،و هوانّ الأصل يقتضى التّعبّديّة بالمعنى الآخر لها أو لا يقتضى،و قد عرفت في الأمرالأوّل من الأمور الّتي أردنا تقديمها في هذا المبحث معنى التّعبّديّة،و حاصله:انّ‏التّعبّديّة عبارة عن الوظيفة الّتي شرعت لأجل ان يتعبّد بها،و يظهر العبد عبوديّته‏لمولاه.

الأمر الثّاني:

لا إشكال في انّ كلّ حكم له متعلّق و موضوع.و المراد من المتعلّق هو مايطالب به العبد من الفعل أو التّرك،كالحج،و الصّلاة،و الصّوم،و غير ذلك من‏الأفعال.و المراد بالموضوع هو ما أخذ مفروض الوجود في متعلّق الحكم،كالعاقل‏البالغ المستطيع مثلا.و بعبارة أخرى:المراد من الموضوع هو المكلّف الّذي طولب‏بالفعل أو التّرك بما له من القيود و الشّرائط:من العقل و البلوغ و غير ذلك.ثمّ انّ كلاّ من الموضوع و المتعلّق له انقسامات عقليّة سابقة على مرحلةورود الحكم عليه،و هذه الانقسامات تلحق له بحسب الإمكان العقلي و لو لم يكن‏هناك شرع و لا حكم،ككون المكلّف عاقلا،بالغا،قادرا،روميا،زنجيا،أحمر،أبيض،أسود،و غير ذلك من الانقسامات الّتي يمكن ان تفرض له.و ككون الصّلاةمثلا إلى القبلة،أو في المسجد،أو الحمّام،مقرونة بالطهارة،إلى غير ذلك من‏الانقسامات الّتي يمكن ان تفرض لها في حدّ نفسها و لو لم تكن متعلّقة لحكم أصلا.و لكلّ منهما أيضا انقسامات تلحقهما بعد ورود الحكم عليهما،بحيث لو لاالحكم لما أمكن لحوق تلك الانقسامات لهما،ككون المكلّف عالما بالحكم،أو جاهلابه،بداهة انّ العلم بالحكم لا يمكن إلاّ بعد الحكم.و هذا بخلاف العلم بالموضوع،فانّه يمكن لحوقه بدون الحكم.هذا بالنّسبة إلى الموضوع.و امّا بالنّسبة إلى المتعلّق،ككون الصّلاة ممّا يتقرّب و يمتثل بها،فانّ هذا انّما يلحق الصّلاة بعد الأمر بها،إذلو لا الأمر لما كان عروض هذا الوصف لها ممكنا.


146

ثمّ انّه لا إشكال في إمكان التّقييد أو الإطلاق بالنّسبة إلى كلّ من الموضوع‏و المتعلّق بلحاظ الانقسامات السّابقة على ورود الحكم،بل لا محيص امّا من‏الإطلاق أو التّقييد،لعدم إمكان الإهمال الواقعي بالنّسبة إلى الآمر الملتفت،لوضوح‏انّه لا بد من تصوّر موضوع حكمه و متعلّقه،فإذا كان ملتفتا إلى الانقسامات اللاحقةللموضوع أو المتعلّق،فامّا ان لا يعتبر فيه انقساما خاصّا فهو مطلق،أو ان يعتبر فيه‏انقساما خاصّا فهو مقيد.و بالجملة:لو أوجب إكرام الجيران و هو ملتفت إلى انّ الإكرام يمكن ان‏يكون بالضّيافة و يمكن ان يكون بغيرها،و كذا كان ملتفتا إلى انّ في الجيران عدواو صديقا،فان تساوت الأقسام في نظره فلا محيص من إطلاق حكمه،و إلاّ فلا بدّ من‏التّقييد بما يكون منها موافقا لنظره،هذا بحسب الثّبوت و نفس الأمر.و امّا بحسب‏مقام الإثبات و مرحلة الإظهار،فيمكن فيه الإهمال لغرض له في ذلك.هذا في‏الانقسامات السّابقة على الحكم اللاحقة للموضوع أو المتعلّق.و امّا الانقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن فيها التّقييد ثبوتا،و إذا امتنع‏التّقييد امتنع الإطلاق أيضا لما بين الإطلاق و التقييد من تقابل العدم و الملكة،فالقدرة على أحدهما عين القدرة على الآخر،كما انّ امتناع أحدهما عين امتناع الآخرو ذلك واضح.فالشّأن انّما هو في إثبات امتناع التّقييد.فنقول:يقع الكلام تارة:بالنّسبة إلى الموضوع،و أخرى:بالنّسبة إلى المتعلّق.امّا بالنّسبة إلى الموضوع،فالتّقييدتارة:يكون في مرحلة فعليّة الحكم،و أخرى:يكون في مرحلة إنشائه.و امّا التّقييد في مرحلة فعليّة الحكم فلا يعقل،اللزوم الدّور.و ذلك لأنّ‏فعليّة الحكم انّما يكون بوجود موضوعه،كما أوضحناه في محلّه،فنسبة الموضوع إلى‏الحكم نسبة العلّة إلى المعلول،و لا يعقل تقدّم الحكم على موضوعه،و إلاّ يلزم عدم‏موضوعيّة ما فرض كونه موضوعا،و ذلك واضح.و من المعلوم:انّ العلم بالشّي‏ءيتوقّف على ثبوت الشّي‏ء في الموطن الّذي تعلّق العلم به،إذ العلم لا بدّ من متعلّق ورتبة المتعلّق سابقة على العلم ليمكن تعلّق العلم به،فلو فرض انّ العلم بالحكم أخذقيدا للموضوع فلا بد من ثبوت الموضوع بما له من القيود في المرتبة السابقة على الحكم،لما


147

عرفت:من لزوم تقدم الموضوع على الحكم،ففعلية الحكم تتوقف على وجود الموضوع،فلو فرض ان العلم بالحكم أخذ قيدا في الموضوع يلزم توقّف الموضوع على الحكم،لأنّ من أجزاء الموضوع العلم بالحكم،فلا بدّ من وجود الحكم ليلتئم الموضوع بما له من‏الأجزاء،و هذا كما ترى يلزم منه الدّور المصرّح،غايته انّ التّوقّف من أحد الجانبين‏يكون شرعيّا و هو توقّف الحكم على الموضوع لأنّ الموضوع انّما يكون بحسب الجعل‏الشّرعيّ إذ لو لم يعتبره الشّارع لما كاد ان يكون موضوعا،و من الجانب الأخر يكون‏عقليّا و هو توقّف الموضوع على الحكم،لأنّ توقّف العلم الّذي أخذ قيدا للموضوع على‏المعلوم الّذي هو الحكم حسب الفرض عقلي،و لك ان تجعل التّوقف من الجانبين‏عقليّا فتأمل.و على كلّ حال،لا إشكال في لزوم الدّور ان أخذ العلم بالحكم قيداللموضوع في مقام فعليّة الحكم.و امّا ان أخذ قيدا في مقام الإنشاء فربّما يتوهّم عدم‏المانع من ذلك،لأنّ إنشاء الحكم لا يتوقّف على وجود الموضوع و ان توقّف فعليّته‏عليه،بل إنشاء الأحكام انّما يكون قبل وجود موضوعاتها،فيرتفع التّوقّف من أحدالجانبين هذا.و لكن أخذ العلم بالحكم قيدا للموضوع في مرحلة الإنشاء و ان لم يلزم منه‏الدّور المصطلح،إلاّ انّه يلزم منه توقّف الشّي‏ء على نفسه ابتداء بدون توسيط الدّور.و توضيح ذلك:هو انّ الدّور عبارة عن الذّهاب و الإياب في سلسلة العلل‏و المعلولات،بان يقع ما فرض كونه علّة لوجود الشّي‏ء في سلسلة معلوله،امّا بلا واسطةكتوقّف(ا)على(ب)و(ب)على(ا)أو مع الواسطة كما إذا فرض توسط(ج)في‏البين،و الأوّل هو المصرّح،و الثّاني هو المضمر.و الوجه في امتناع الدّور،هو لزوم تقدّم الشّي‏ء على نفسه الّذي هو عبارة عن‏اجتماع النّقيضين،فانّ هذا هو الممتنع الأوّلي العقلي الّذي لا بدّ من رجوع كلّ ممتنع‏إليه،و إلاّ لم يكن ممتنعا،فالممتنع الأولى هو ان يكون الشّي‏ء موجودا في حال كونه‏معدوما الّذي هو عبارة عن اجتماع الوجود و العدم في شي‏ء واحد في آن واحد،و الدّور انّما يكون ممتنعا لأجل استلزامه ذلك،فان توقّف(ا)على(ب)يستدعى تقدّم‏


148

(ب)في الوجود على(الف)،فلو فرض توقّف(ب)على(الف)أيضا يلزم تقدّم‏(الف)على(ب)المفروض تأخّره عنه،و يرجع بالأخرة إلى توقّف(الف)على‏نفسه،فلو فرض في مورد لزوم هذا المحذور بلا توسّط الدّور،فهو أولى بان يحكم عليه‏بالامتناع.و بعد ذلك نقول في المقام:لو أخذ العلم بالحكم قيدا للموضوع في مرحلةالإنشاء يلزم تقدّم الشّي‏ء على نفسه،و ذلك لأنّه لا بدّ من فرض وجوده بما انّه مرآةلخارجه قبل وجود نفسه،إذ الإنشاءات الشّرعيّة انّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّةالّتي هي المعتبرة في العلوم،و ليست من القضايا العقليّة الّتي لا موطن لها إلاّالعقل،و لا من أنياب الأغوال الّتي تكون مجرّد فرض لا واقعيّة لها أصلا،بل‏الإنشاءات الشّرعيّة انّما هي عبارة عن جعل الأحكام على موضوعاتها المقدّرةوجوداتها،و هذا الجعل انّما يكون قبل وجود الموضوعات في الخارج،و عند وجودهاتصير تلك الأحكام فعليّة.و حينئذ لو فرض أخذ العلم بالإنشاء قيدا للموضوع في ذلك المقام،فلا بدّمن تصور الموضوع بما له من القيود لينشأ الحكم على طبقه،و المفروض انّ من قيودالموضوع العلم بهذا الإنشاء نفسه،فلا بدّ من تصوّر وجود الإنشاء مرآة لخارجه قبل‏وجود نفسه،و هذا كما ترى يلزم منه تقدّم الإنشاء على نفسه،و هو ضروريّ‏الامتناع.و الحاصل:انّه لو أخذ العلم بالحكم قيدا في مقام الإنشاء،و المفروض انّه لا حكم سوى‏ما أنشأ،فلا بدّ من تصوّر وجود الإنشاء قبل وجوده ليمكن أخذ العلم به قيدا،و ليس‏ذلك مجرّد قضيّة فرضيّة من قبيل أنياب الأغوال،حتّى يقال:لا مانع من تصوّر وجودالشّي‏ء قبل نفسه لإمكان فرض اجتماع النّقيضين،بل قد عرفت:انّ الأحكام‏الشّرعيّة و إنشاءاتها انّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة القابلة الصّدق على‏الخارجيّات،و تصوّر وجود الشّي‏ء القابل للانطباق الخارجي قبل وجود نفسه محال‏هذا كلّه في الانقسامات اللاحقة للموضوع المترتّبة على الحكم.


149

و امّا الانقسامات اللاحقة للمتعلّق المترتّبة على الحكم،كقصد امتثال‏الأمر في الصّلاة مثلا،فامتناع أخذه في المتعلّق انّما هو لأجل لزوم تقدّم الشّي‏ء على‏نفسه في جميع المراحل،أي في مرحلة الإنشاء،و مرحلة الفعليّة،و مرحلة الامتثال.امّا في مرحلة الإنشاء:فالكلام فيه هو الكلام في أخذ العلم في تلك المرحلة،حيث قلنا:انّه يلزم منه تقدّم الشّي‏ء على نفسه،فان أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق‏نفس ذلك الأمر يستلزم تصوّر الأمر قبل وجود نفسه،و كذا الحال عند أخذه في مقام‏الفعليّة،فانّ قصد امتثال الأمر يكون ح على حذو سائر الشّرائط و الأجزاء كالفاتحة،و من المعلوم:انّ فعل المكلّف إذا كان له تعلّق بما هو خارج عن قدرته،فلا بدّ من أخذذلك مفروض الوجود ليتعلّق به فعل المكلّف و يرد عليه،كالأمر في قصد امتثال‏الأمر،فانّ قصد الامتثال الّذي هو فعل المكلّف انّما يتعلّق بالأمر،و هو من فعل‏الشّارع خارج عن قدرة المكلّف،فلا بدّ ان يكون موجودا ليتعلّق القصد به،كالفاتحةالّتي يتعلّق بها القراءة الّتي هي فعل المكلّف،و كالقبلة حيث يتعلّق الأمرباستقبالها،فلا بدّ من وجود ما يستقبل ليتعلّق الأمر بالاستقبال،إذ لا يعقل الأمربالاستقبال فعلا مع عدم وجود المستقبل إليه.و في المقام لا بدّ من وجود الأمر ليتعلّق‏الأمر بقصده،و المفروض انّه ليس هناك إلاّ امر واحد تعلق بالقصد و تعلّق القصدبه،و هذا كما ترى يلزم منه وجود الأمر قبل نفسه كما لا يخفى.و بالجملة:قصد امتثال الأمر إذا أخذ قيدا في المتعلّق في مرحلة فعليّة الأمربالصّلاة فلا بدّ من وجود الأمر ليتعلّق الأمر بقصد امتثاله،مع انّه ليس هناك إلاّ امرواحد،فيلزم وجود الأمر قبل نفسه.و امّا في مرحلة الامتثال:فكذلك أي يلزم وجود الشّي‏ء قبل نفسه،بمعنى انّه‏لا يمكن للمكلّف امتثاله لاستلزامه ذلك المحذور،و ذلك لأنّ قصد امتثال الأمر إذاتعلّق الطّلب به و وقع تحت دائرة الأمر و أخذ في المتعلّق قيدا على حذو سائرالشّروط و الأجزاء،فلا بدّ للمكلّف من ان يأتي بهذا القيد بداعي امتثال امره،كمايأتي بسائر الأجزاء بداعي امتثال امرها،فيلزم المكلّف ان يقصد امتثال الأمربداعي امتثال امره،و هذا كما ترى،يلزم منه ان يكون الأمر موجودا قبل نفسه،


150

ليتحقّق منه قصد امتثال الأمر بداعي الأمر المتعلّق به.و الحاصل:انّ المكلّف لا يتمكّن من الامتثال،إذ ليس له فعل الصّلاةبداعي امرها،لأنّ الأمر لم يتعلّق بنفس الصّلاة فقط حسب الفرض،بل تعلّق بها مع‏قصد امتثال الأمر،فالأمر قد تعلّق بقصد امتثال الأمر و لو في ضمن تعلّقه بالصّلاةعلى هذا النّحو،فيلزم المكلّف ان يقصد امتثال الأمر بداعي امره،و هذا لا يكون إلاّبعد فرض وجود الأمر قبل نفسه ليمكن القصد إلى امتثاله بداعي امره الّذي هو نفسه،إذ ليس في المقام إلاّ امر واحد،و هذا معنى لزوم وجود الأمر قبل نفسه.هذا كلّه،ان أخذ خصوص امتثال الأمر قيدا للمتعلّق،بناء على ما حكى‏عن الجواهر:1من انّ العبرة في العبادة انّما هو فعلها بداعي امتثال امرها و لا يكفى‏قصد الجهة و لا سائر الدّواعي الأخر.بل جعل سائر الدّواعي في طول داعي امتثال‏1قال في الجواهر:«اما العبادات فلا إشكال في اعتبار القصد فيها،لعدم صدق الامتثال و الطاعة بدونه،و اعتبارهما في كل‏امر صدر من الشارع معلوم بالعقل و النقل كتابا و سنة،بل ضرورة من الدين،بل لا يصدقان الا بالإتيان بالفعل‏بقصد امتثال الأمر فضلا عن مطلق القصد،ضرورة عدم تشخص الأفعال بالنسبة إلى ذلك عرفا الا بالنّية،فالخالي‏منها عن قصد الامتثال و الطاعة لا ينصرف إلى ما تعلق به الأمر إذ الأمر و العبثية فضلا عن غيرها على حد سواءبالنسبة إليه،و من هنا إذا كان الأمر متعددا توقف صدق الامتثال على قصد التعيين لعدم انصراف الفعل بدونه‏إلى أحدهما...و ذكر بعد سطور:«اما القربة بمعنى القرب الروحاني الّذي هو شبيه بالقرب المكاني فهو من غايات قصد الامتثال المزبور ودواعيه،و لا يجب نية ذلك و قصده قطعا».و ذكر أيضا بعد رد الاستدلال على اعتبار قصد الوجه بان جنس الفعل لا يستلزم وجوهه إلاّ بالنيّة.«...و لا ريب في عدم توقف صدق الامتثال على شي‏ء من هذه المشخصات،ضرورة الاكتفاء باتحادالخطاب مع قصد امتثاله عن ذلك كله،إذ هو متشخص بالوحدة مستغن بها عنها،و الا لوجب التعرض لغيرها من‏المشخصات الزمانية و المكانيّة و سائر المقارنات،إذ الكل على حد سواء بالنسبة إلى ذلك.بل ليست صفةالوجوب إلاّ كتأكد الندب في المندوب المعلوم عدم وجوب نيته زيادة على أصل الندب.»راجع جواهر الكلام،الجزء 9،ص 161-157-155 و ملخص مختاره هناك،عدم كون تلك الدواعي عرضية،بل المعتبر في صحةالعبادة إتيانها بداعي امتثال الأمر و هذا مما لا محيص عنه.


151

الأمر،و جعل هذا هو الأصل في تحقّق العبادة،و تلك الدّواعي من باب الدّاعي‏للدّاعي،و لا تصلح ان تكون هي تمام الدّاعي،بل لا بدّ من ان يأتي بالصّلاةبداعي امتثال امرها و يكون داعيه إلى ذلك هو دخول الجنّة مثلا،أو خوف النّار،أوكونه أهلا لذلك.فجعل أهليّته للعبادة الّتي هي أقصى مراتب العبادة في طول داعي‏امتثال الأمر.و ذهب جماعة (1) إلى كفاية قصد جهة الأمر في العبادة،و لا تتوقّف على‏قصد خصوص امتثال الأمر،بل يكفى قصد الملاك و المصلحة الّتي اقتضت الأمر.وذهب شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه إلى كفاية فعل العبادة للّه و لو مع عدم قصد الامتثال أوالجهة،بل يكفى كونها للّه كما يدلّ على ذلك بعض الأخبار،و قد ذكرنا تفصيل ذلك‏في الفقه عند البحث عن نيّة الصّلاة (2) فراجع.و على كلّ حال،ان أخذ خصوص قصد امتثال الأمر في متعلّق الأمريستلزم ما ذكرناه من تقدّم الشّي‏ء على نفسه في مرحلة الإنشاء،و الفعليّة،والامتثال.و ان أخذ قصد الجهة في متعلّق الأمر لا قصد امتثال الأمر يلزم الدّور،و ذلك‏لأنّ قصد المصلحة يتوقّف على ثبوت المصلحة و لو فيما بعد،و المفروض انّه لا مصلحةبدون قصدها،إذ قصد المصلحة يكون من أحد القيود المعتبرة،و الصلاة لا تشتمل‏على المصلحة إلاّ بعد جامعيّتها لجميع القيود المعتبرة فيها الّتي منها قصد المصلحة،فكماانّ الصّلاة الفاقدة للفاتحة لا يكون فيها مصلحة،كذلك الصّلاة الفاقدة لقصد المصلحةلا تشتمل على المصلحة،فيلزم ح ان تكون المصلحة متوقّفة على القصد إليها،والقصد إليها يتوقّف على ثبوتها في نفسها من غير ناحية القصد إليها،فلو جاءت من‏ناحية نفس القصد إليها يلزم الدّور،و ذلك واضح.فإذا امتنع القصد على هذاالوجه،امتنع جعل قصد المصلحة قيدا في المتعلّق،لأنّ جعل ما يلزم منه المحال محال.هذا إذا قلنا باعتبار قصد الجهة.

1)ذهب إليه أستاذ الأساطين الشيخ الأنصاري،و عليه جماعة من محققي تلامذته.

2)راجع المجلد الثاني من تقريرات بحث الأستاذ في مباحث الصلاة للمحقق الآملي قدس سره.ص 27


152

و امّا إذا لم نعتبر ذلك أيضا،و قلنا بكفاية القصد إلى كون العبادة للّه في‏مقابل العبادة للسمعة و الرّياء،فهو و ان لم يستلزم منه محذور الدّور و تقدّم الشّي‏ءعلى نفسه لإمكان الأمر بالصّلاة الّتي يأتي بها للّه،بان يؤخذ ذلك في متعلّق الأمر من‏دون استلزام محذور الدّور و لا تقدّم الشّي‏ء على نفسه،إلاّ انّه يرد عليه محذور آخر سارفي الجميع حتّى أخذ قصد الأمر و الجهة،مضافا إلى ما يرد عليهما من المحاذيرالمتقدّمة،و هو انّ باب الدّواعي لا يمكن ان يتعلّق بها إرادة الفاعل،لأنّها واقعة فوق‏الإرادة،و الإرادة انّما تنبعث عنها،و لا يمكن ان تتعلّق الإرادة بها،لأنّ الإرادة انّماتتعلّق بما يفعل،و لا يمكن ان تتعلّق بما لا يكون من سنخ الفعل كالدّواعي.و الحاصل:انّ الدّاعي انّما يكون علّة للإرادة،فلا يعقل ان تكون معلولةللإرادة،و إذا لم يكن الدّواعي متعلّقة لإرادة الفاعل فلا يمكن ان يتعلّق بها إرادةالآمر عند إرادته للفعل،لما بيّناه مرارا من الملازمة بين إرادة الفاعل و إرادة الآمر،بمعنى انه كلّما يتعلّق به إرادة الفاعل يتعلّق به إرادة الآمر و كلّما لا يتعلّق به إرادةالفاعل لا يتعلّق به إرادة الآمر،لأنّ إرادة الآمر انّما تكون محرّكة لإرادة الفاعل،فلا بدّ من ان تتعلّق إرادة الآمر بما يمكن تعلّق إرادة الفاعل به،و الدّواعي لا يمكن‏تعلّق إرادة الفاعل بها عند إرادته للفعل،لأنّها واقعة في سلسلة علل الإرادة،فلا تتعلّق بها إرادة الآمر عند إرادته الفعل من العبد.فتحصل من جميع ما ذكر:انّه لا يمكن أخذ ما يكون به العبادة عبادة في‏متعلّق الأمر مط،سواء كان المصحّح لها خصوص قصد الأمر،أو الأعمّ منه و من‏قصد الجهة،أو الأعمّ من ذلك و كفاية إتيانها للّه تعالى.فيقع الأشكال ح في كيفيّةاعتبار ما يكون به العبادة عبادة،و لهم في التّفصي عن هذا الأشكال وجوه:الوجه الأوّل:ما نسب إلى الميرزا الشّيرازي قده‏و حاصله:انّ العباديّة انّما هي كيفيّة في المأمور به و عنوان له،و يكون‏قصد الأمر،أو الوجه،أو غير ذلك،من المحقّقات لذلك العنوان و محصّلا له،من دون‏ان يكون ذلك متعلّقا للأمر،و لا مأخوذا في المأمور به.و بالجملة:العبادة كما


153

فسّرناها في أوّل العنوان،هي عبارة عن الوظيفة الّتي شرعت لأجل ان يتعبّد العبدبها،فالصّلاة المأتي بها بعنوان التّعبد و إظهارا للعبوديّة هي المأمور بها،و الأمر بها على‏هذا الوجه بمكان من الإمكان،و المكلّف يتمكّن من إتيان الصّلاة كذلك،بان يأتي‏بالصّلاة إظهارا للعبوديّة.و حينئذ فللمكلّف ان يأتي بالصّلاة على هذا الوجه،من‏دون ان يقصد الأمر،و لا الجهة،و لا غيرهما من الدّواعي،فتقع عبادة.و له ان يأتي‏بها بداعي الأمر أو الجهة،و يكون ذلك محقّقا لعنوان العبادة في الصّلاة و محصّلا لها،من دون ان يتعلّق امر بتلك الدّواعي أصلا،إذ ليس حصول العبادة منحصرا بتلك‏الدّواعي،حتّى نقول:لا بدّ من تعلّق الأمر بها،بل عباديّة العبادة انّما هي امر آخروراء تلك الدّواعي،و ذلك الأمر الآخر عنوان للمأمور به و كيفيّة له يمكن تعلّق إرادةالفاعل به،غايته انّ بتلك الدّواعي أيضا يمكن تحقّق العنوان هذا.و لكن هذا الوجه ممّا ينبغي القطع بعدمه،لوضوح انّ الملاك في العباديّة انّماهو فعلها بأحد الدّواعي القريبة كما يدل عليه الأخبار،فلو أتى بالفعل لا بأحد تلك‏الدّواعي تبطل،كما انّه لو أتى بها بأحد تلك الدّواعي تصح و لو فرض محالا عدم‏حصول ذلك العنوان في المأمور به،فالعبرة في عباديّة العبادة انّما هي بتلك الدّواعي.الوجه الثّاني:هو ان يكون الأمر التّعبدي بهوية ذاته يقتضى عدم سقوطه إلاّ بقصده،بحيث يكون هناك خصوصيّة في ذاته تستدعى ذلك،من دون ان يؤخذ ذلك في‏متعلّقه،و يكون الميز بين التّعبدي و التّوصّلي بنفس الهويّة و ان اشتركا في البعث‏و الطّلب.نعم لا بدّ هناك من كاشف يدلّ على انّ الأمر الفلاني تعبّديّ أو توصّلي‏هذا.و لكن يرد عليه:أوّلا:عدم انحصار التّعبديّة بقصد الأمر،بل يكفى سائر الدّواعي أيضا.و ثانيا:انّ هذه دعوى لا شاهد عليها،إذ نحن لا نتعقّل ان يكون هناك‏خصوصيّة في ذات الأمر تقتضي التّعبديّة،بحيث يكون ذات الأمر يقتضى قصد نفسه‏تارة،و أخرى لا يقتضيه،حتّى يكون الأوّل تعبّديّا،و الثّاني توصّليّا،بل الأمر في‏


154

التعبدي و التّوصلي يكون على نسق واحد،بمعنى انّه لا ميز هناك في الذّات.الوجه الثّالث:هو ان تكون التّعبديّة من كيفيّات الأمر و خصوصيّة لا حقة له،لكن‏لا لمكان اقتضاء ذاته ذلك حتّى يرجع إلى الوجه الثاني،بل هي لا حقة له من ناحيةالغرض،و ليس مرادنا من الغرض في المقام ملاكات الأحكام و المصالح الكامنة في‏الأفعال،فانّ تلك المصالح ممّا لا عبرة بها في باب التّكاليف،بمعنى انّها ليست لازمةالتّحصيل على المكلّف،لأنّ نسبة فعل المكلّف إليها نسبة المعدّ و ليست من المسبّبات‏التوليديّة-كما أوضحنا ذلك فيما تقدّم في بحث الصّحيح و الأعمّ-بل الغرض في المقام‏يكون بمعنى آخر حاصله:ان يكون غرضه من الأمر التّعبدية و قصد امتثاله،لوضوح‏انّ الغرض من الأمر يختلف،فتارة:يكون الغرض منه مجرّد تحقّق الفعل من المكلّف‏خارجا على أيّ وجه اتّفق،و أخرى:يكون الغرض منه تعبد المكلّف به و قصدامتثاله،فيلحق الأمر لمكان هذا الغرض خصوصيّة يقتضى التّعبديّة و يكون طوراللأمر و شأنا من شئونه،فيرتفع ح محذورا أخذ قصد الأمر في المتعلّق،بل اعتبار قصدالأمر انّما هو لمكان اقتضاء الأمر ذلك،حيث انّ الغرض منه يكون ذلك.و لعلّ هذاالمعنى من الغرض هو الّذي ذكره الشّيخ قده في بحث الأقلّ و الأكثر،و ان كان‏لا يساعد عليه ذيل كلامه عند قوله فان قلت،فراجع ذلك المقام مع ما علّقناه عليه.و على كلّ حال يرد على هذا الوجه:أولا:ما أوردناه على الوجه الثّاني من انّ ذلك انّما يتمّ على مقالة صاحب‏الجواهر باعتبار خصوص قصد الأمر في العبادة،و نحن قد أبطلنا ذلك،و قلنا:بكفاية قصد الجهة أو الأعمّ من ذلك.ثانيا:انّ ذلك ممّا لا يرفع الأشكال،لوضوح انّ الأمر هو بنفسه لا يمكن ان‏يتكفّل الغرض منه و يبيّن المقصود منه،بل لا بدّ هناك من بيان آخر يدعو إلى‏الغرض،و يبيّن ما هو المقصود من الأمر و الغرض الدّاعي إليه‏1.1قد عدل شيخنا الأستاذ عن هذا الإشكال،فراجع ما يأتي في الهامش في هذا المقام-منه.


155

و حيث قد عرفت عدم سلامة هذه الوجوه،فيقع الكلام ح في الأمر الثّالث‏من الأمور الّتي أردنا تمهيدها.

الأمر الثالث:

و هو انّه لا أصل في المسألة يعيّن أحد طرفيها،فلا أصالة التوصّليّة تجري في‏المقام و لا أصالة التّعبديّة فيما لم يحرز توصّليّته و تعبّديّته.امّا جريان أصالة التّوصّليّة،فلا نعقل لها معنى سوى دعوى:انّ إطلاق الأمر يقتضى التّوصّليّة،و حيث قد عرفت‏امتناع التّقييد فلا معنى لدعوى إطلاق الأمر،فانّ امتناع التّقييد يستلزم امتناع‏الإطلاق،بناء على ما هو الحق:من انّ التّقابل بين الإطلاق و التّقييد تقابل العدم والملكة،كما هو طريقة سلطان المحقّقين و من تأخّر عنه.و عليه يبتنى عدم استلزام التّقييد للمجازيّة.و السّر في ذلك:هو انّ‏الإطلاق انّما يستفاد ح من مقدّمات الحكمة،و ليس نفس اللّفظ متكفّلا له،كما هومقالة من يقول:بأنّ التّقابل بينهما تقابل التّضادّ،و عليه يبتنى كون التّقييد مجازا.ومن مقدّمات الحكمة عدم بيان القيد مع انّه كان بصدد البيان،و من المعلوم:انّ هذه‏المقدّمة انّما تصح فيما إذا أمكن بيان القيد حتّى يستكشف من عدم بيانه عدم‏اعتباره،لا فيما إذا لم يمكن كما فيما نحن فيه،فانّ عدم بيان ذلك انّما يكون لعدم‏إمكانه لا لعدم اعتباره كما هو واضح.بل لو قلنا:انّ التّقابل بين الإطلاق و التّقييدهو التّضاد-كما هو مسلك من تقدّم على سلطان المحقّقين-كان الأمر كذلك،فانّ‏الإطلاق يكون ح عبارة عن الإرسال و التّساوي في الخصوصيّات،و هذا انّما يكون‏إذا أمكن التّقييد بخصوصيّة خاصّة،و إلاّ فلا يمكن الإرسال كما هو واضح.و بالجملة:بعد امتناع التّقييد بقصد الأمر و غير ذلك من الدّواعي لا يمكن‏القول بأصالة التّوصّليّة اعتمادا على الإطلاق،إذ لا إطلاق في البين يمكن التّمسك‏به.و العجب من الشّيخ قده،فانّه مع تسليمه كون امتناع التّقييد يوجب‏امتناع الإطلاق،و لكن مع ذلك يقول في المقام:انّ ظاهر الأمر يقتضى التّوصّليّة،و لم‏يظهر لنا المراد من الظّهور،إذ لا نعقل للظّهور معنى سوى الإطلاق،و المفروض انّه هو


156

بنفسه قد أنكر الإطلاق،فراجع عبارة التّقرير في هذا المقام،فانّها ربّما لا تخلو عن‏توهّم التّناقض‏1.و على كلّ حال،لا موقع لأصالة التّوصّليّة،كما انّه لا موقع لأصالة التّعبديّة،كما ربّما يظهر من بعض الكلمات،نظرا إلى انّ الأمر انّما يكون محرّكا لإرادة العبدنحو الفعل،و لا معنى لمحركية الأمر سوى كون الحركة عنه،إذ لو لا ذلك لما كان هوالمحرّك بل كان المحرّك هو الدّاعي الأخر.و الحاصل:انّ الأمر بنفسه يقتضى ان يكون محرّكا للإرادة نحو الفعل،فإذاكانت حركة العبد نحو الفعل لمكان الأمر كان الأمر محرّكا،و إلاّ لم يكن الأمرمحرّكا،و هذا خلف لما فرض انّ الأمر هو المحرّك،و لا نعنى بقصد الامتثال سوى‏كون الحركة عن الأمر هذا.و لكن لا يخفى عليك ما فيه‏امّا أوّلا:فلأنّ ذلك يقتضى انحصار التّعبديّة بقصد الأمر،كما هو مقالةصاحب الجواهر،و الحال انّه لا ينحصر التّعبديّة بذلك كما تقدّمت الإشارة إليه.1ذكر الشيخ قدس سره في التقريرات حسب ما نقل عنه المحقق المقرر:«و يظهر من جماعة أخرى ان الأمر ظاهر في التّوصّليّة و لعله الأقرب».ثم قال بعد سطور:«و احتج بعض موافقينا على التوصليّة بان إطلاق الأمر قاض بالتوصليّة...»و ردّه:بان«الاستناد إلى إطلاق الأمر في مثل هذا التقييد فاسد،إذ القيد ممّا لا يتحقق إلاّ بعد الأمر.توضيحه:ان الإطلاق انما ينهض دليلا فيما إذا كان القيد مما يصح ان يكون قيدا له،كما إذا قيل:أكرم إنسانا،أو أعتق‏رقبة،فانه يصح ان يكون المطلق في المثالين مقيدا بالايمان و الكفر و السواد و البياض و نحوها من أنواع القيود التي لامدخل في الأمر فيها،و اما إذا كان القيد من القيود التي لا يتحقق إلاّ بعد اعتبار الأمر في المطلق،فلا يصح الاستنادإلى إطلاق اللفظ في دفع الشك في مثل التقييد المذكور،و ما نحن فيه من قبيل الثاني...»ثم أفاد في آخر البحث:«فالحق الحقيق بالتصديق هو ان ظاهر الأمر يقتضى التوصلية،إذ ليس المستفاد من الأمر الا تعلق‏الطلب الّذي هو مدلول الهيئة للفعل على ما هو مدلول المادّة،و بعد إيجاد المكلف نفس الفعل في الخارج،فلامناص من سقوط الطلب لامتناع تحصيل الحاصل».راجع مطارح الأنظار-ص 59-58


157

و ثانيا:ان ذلك مغالطة،لأنّ الأمر انّما يكون محرّكا نحو الفعل،و امّا كون‏هذه الحركة عنه و بداعيه فهو امر آخر لا يمكن ان يكون الأمر متعرّضا له.و الحاصل:انّ الأمر لا يكاد يكون متعرّضا لدواعي الحركة و انّه عنه أو عن غيره،فانّ الأمر انّمايدعو للفعل،و امّا دواعي الفعل فلا يكون الأمر متكفّلا له فتأمل جيّدا.فدعوى‏أصالة التّعبديّة من هذه الجهة لا يمكن.كما انّ دعوى أصالة التّعبديّة-من جهة دلالة قوله تعالى: (1) و ما أمروا إلاّليعبدوا اللّه مخلصين إلخ،و قوله صلى اللّه عليه و آله: (2) انّما الأعمال بالنّيّات،و غيرذلك من الآيات و الأخبار الّتي استدلّوا بها على اعتبار التّعبد في الأوامر-واضحةالفساد،لوضوح انّ قوله تعالى:و ما أمروا-انّما يكون خطابا للكفّار،كما يدلّ عليه‏صدر الآية،و معنى الآية:انّ الكفّار لم يؤمروا بالتّوحيد إلاّ ليعبدوا اللّه و يعرفوه‏و يكونوا مخلصين له غير مشركين،و هذا المعنى كما ترى أجنبي عمّا نحن فيه،مع انّه‏لو كان ظاهرا فيما نحن فيه لكان اللازم صرفه عن ذلك،لاستلزامه تخصيص الأكثرلقلة الواجبات التّعبديّة بالنّسبة إلى الواجبات التّوصّلية،فتأمل فانّه لو عمّ الأمرللمستحبّات لأمكن منع أكثريّة التّوصّليّات بالنّسبة إلى التّعبديّات لو لم يكن الأمربالعكس لكثرة الوظائف التّعبدية الاستحبابيّة.و امّا قوله‏ (3) صلى اللّه عليه و آله:انّما الأعمال بالنّيات،فهو لا دلالة له على‏المقام،فانّ مساقه كمساق قوله:لا عمل إلاّ بالنيّة،و ليس فيه دلالة على انّ كلّ‏عمل لا بدّ فيه من نيّة التّقرّب،بل معناه انّ العمل المفروض كونه عبادة لا يقع إلاّبالنّية،أو يكون معناه كمعنى قوله صلى اللَّه عليه و آله: (4) لكلّ امرئ ما نوى،فتأمل جيّدا.و على‏كلّ حال،لا دلالة في الأخبار و الآيات على اعتبار قصد الامتثال في الأوامر.

1)سورة البيّنة،الآية 5

2)راجع الوسائل،الجزء الأول،باب 5 من أبواب مقدمة العبادات حديث 7 ص 34

3)نفس المصدر،حديث 1 ص 33

4)نفس المصدر،حديث 10 ص 35


158

الأمر الرّابع:

و ربّما يتوهّم من بعض كلمات الشّيخ-على ما في التقرير-التّشبّث‏1بقاعدة(الأجزاء العقليّة)لأصالة التّوصّليّة و عدم اعتبار قصد الأمر،حيث انّ الأمر لم‏يتعلّق إلاّ بذات الأجزاء و الشّرائط،من دون ان يكون له تعلّق بقصد الامتثال ولا غير ذلك من الدّواعي،و ح يكون إتيان ما تعلّق به الأمر مجزيا عقلا،فيسقط الأمرح و لو مع عدم قصد امتثاله هذا.و لكن هذا الكلام بمكان من الغرابة،لوضوح انّ قاعدة(الأجزاء العقلي)انّماتكون فيما إذا أتى بتمام ما يعتبر في المأمور به،و هذا انّما يكون بعد تعيين المأمور به،ومن مجرّد تعلّق الأمر بذات الأجزاء و الشّرائط لا يمكن تعيين المأمور به،لما عرفت:من‏انّه لا يمكن ان يتعلّق الأمر بمثل قصد الامتثال،و مع ذلك كيف يمكن تعيين المأمور به‏من نفس تعلّق الأمر بذات الأجزاء و الشّرائط؟حتّى يقال:انّ إتيانها يكون مجزياعقلا.نعم لو كان للأمر إطلاق أمكن تعيين المأمور به من نفس الإطلاق حسب‏ما يقتضيه مقدّمات الحكمة،و المفروض انّه ليس للأمر إطلاق بالنّسبة إلى قصدالامتثال،لامتناع التّقييد به الملازم لامتناع الإطلاق كما تقدّم،فالأمر من هذه‏الجهة يكون مهملا لا إطلاق فيه و لا تقييد،كما كان بالنّسبة إلى العلم و الجهل به‏مهملا لا إطلاق فيه و لا تقييد،هذا بحسب عالم الجعل و التّشريع.1نظير قوله:قدس سره«و بعد إيجاد المكلف نفس الفعل في الخارج فلا مناص من سقوط الطلب‏لامتناع تحصيل الحاصل.»و كذا ما أفاده في جواب المحقق الكرباسي القائل بان ظاهر الأمر قاض بالتعبدية:«فان أريد بالامتثال مجرد عدم المخالفة و الإتيان بالفعل فهو مسلّم لكنّه ليس بمفيد،و ان أريد به‏الإتيان بالفعل على وجه التقرب،كان يكون الداعي إلى الفعل نفس الأمر فهو ممنوع،و القول بان العقل قاض‏بذلك ليس بسديد إذ غاية ما يحكم به العقل هو عدم المخالفة و عدم ترك المأمور به في الخارج فان استند في ذلك‏إلى ان الإتيان بنفس الفعل في الخارج على تقدير ان يكون الامتثال به مطلوبا للآمر يعد من المخالفة التي يحكم‏بقبحها العقل على ما عرفت،نقول:نعم،و لكن الكلام بعد في اعتبار الامتثال في المأمور به و ليس المستفاد من‏الأمر إلاّ مطلوبية الفعل فقط،فلا مخالفة على تقدير الإتيان به كما لا يخفى...»(راجع مطارح الأنظار ص 58)


159

و امّا بحسب الثّبوت و الواقع،فلا بدّ امّا من نتيجة الإطلاق،و امّا من نتيجةالتّقييد.و السّر في ذلك:هو انّه في الواقع و في عالم الثّبوت،امّا ان يكون ملاك‏الحكم و الجعل محفوظا في كلتا حالتي العلم و الجهل و كلتا حالتي قصد الامتثال‏و عدمه،و امّا ان يكون مختصّا في أحد الحالين،فالأوّل يكون نتيجة الإطلاق،والثّاني يكون نتيجة التّقييد.و ليس مرادنا من الإهمال هو الإهمال بحسب الملاك،فان ذلك غير معقول،بل المراد الإهمال في مقام الجعل و التّشريع حيث لا يمكن فيه الإطلاق و التّقييد كماتقدّم.إذا عرفت ذلك كلّه،فيقع الكلام في كيفيّة اعتبار قصد الامتثال على وجه‏نتيجة التّقييد من دون ان يستلزم فيه محذورا،و كيفيّة استكشاف نتيجة الإطلاق وعدم اختيار قصد الامتثال.فنقول:امّا طريق استكشاف نتيجة الإطلاق فليس هو على حذو طريق‏استكشاف الإطلاق في سائر المقامات بالنّسبة إلى الانقسامات السّابقة على الحكم،فان استكشاف الإطلاق في تلك المقامات انّما هو لمكان السّكوت في مقام البيان بعدورود الحكم على المقسم،كقوله:أعتق رقبة،الّتي تكون مقسما للإيمان و غيره،فحيث ورد الحكم على نفس المقسم و سكت عن بيان خصوص أحد القسمين مع‏انّه كان في مقام البيان،فلا بدّ ان يكون مراده نفى المقسم،من دون اعتبارخصوص أحد القسمين و هو معنى الإطلاق.و لكن هذا البيان في المقام لا يجري،إذا الحكم لم يرد على المقسم،لأنّ‏انقسام الصّلاة إلى ما يقصد بها امتثال الأمر و ما لا يقصد بها ذلك انّما يكون بعد الأمربها،فليست الصّلاة مع قطع النّظر عن الأمر مقسما لهذين القسمين،حتى يكون‏السّكوت و عدم التّعرض لأحد القسمين دليلا على الإطلاق.نعم سكوته عن اعتبارقصد الامتثال في مرتبة تحقّق الانقسام يستكشف منه نتيجة الإطلاق.و بعبارةأخرى:عدم ذكر متمّم الجعل-على ما سيأتي بيانه-في المرتبة القابلة لجعل المتمّم‏


160

يكون دليلا على نتيجة الإطلاق.و الفرق بين استكشاف نتيجة الإطلاق في المقام،و استكشاف الإطلاق في‏سائر المقامات،هو ان من عدم ذكر القيد في سائر المقامات يستكشف انّ مراده من‏الأمر هو الإطلاق،و هذا بخلاف المقام،فان من عدم ذكر متمّم الجعل‏لا يستكشف انّ مراده من الأمر هو الإطلاق،لما عرفت:من انّه لا يمكن ان يكون‏مراده من الأمر هو الإطلاق،بل من عدم ذكر متمّم الجعل يستكشف انّه ليس له‏مراد آخر سوى ما تعلّق به الأمر.و بعبارة أخرى:من عدم ذكر متمّم الجعل في مرتبة وصول النّوبة إليه‏يستكشف انّ الملاك لا يختصّ بصورة قصد الامتثال،بل يعمّ الحالين فيحصل نتيجةالإطلاق.و امّا كيفيّة اعتبار قصد الامتثال على وجه تحصل نتيجة التّقييد،فقدحكى عن الشّيخ قده:التّرديد فيه بالنّسبة إلى الغرض أو الجعل الثّانوي،بمعنى انّ‏اعتبار قصد الامتثال،امّا ان يكون من ناحية الغرض،و امّا ان يكون من ناحيةالجعل الثّانوي.امّا اعتبار قصد الامتثال من ناحية الغرض،فيمكن ان يقرب‏بوجهين قد تقدّمت الإشارة إليهماالوجه الأوّل:هو ان يكون المراد من الغرض،الغرض من الأمر عند إرادته،بان يكون‏غرضه من الأمر التّعبديّه و قصد امتثاله،فيكون امره لأن يتعبّد به.و قد تقدّم فساد هذا الوجه،و انّه ممّا لا يرجع إلى محصّل،لما فيه:أوّلا:من انّ ذلك يتوقّف على خصوص قصد امتثال الأمر و نحن لا نقول به.و ثانيا:1انّ مجرد كون غرضه ذلك ممّا لا أثر له ما لم يلزم به المكلّف و يؤمر1و قد عدل شيخنا الأستاذ عن هذا الإشكال بعد ذلك،و قال:انّه لو علم انّ غرض المولى من الأمرالتّعبد به فنفس ذلك يكفى في إلزام العقل به،لاندراجه تحت الكبرى العقليّة من لزوم الإطاعة،و من المعلوم:انّه‏لو كان الأمر بهذا الغرض كان إطاعته بقصد امتثاله،فيكون الغرض في عرض الأمر و مرتبته ملقى إلى المكلّف،و كما انّ الأمر الملقى يجب إطاعته كذلك الغرض الملقى يجب إطاعته.هذا و قد تقدّم سابقا انّ هناك إشكالا آخر


161

به و يقع تحت دائرة التّكليف،و إلاّ فلا يزيد هذا المعنى من الغرض عن الغرض‏بمعنى المصلحة الّذي سيأتي انّه ممّا لا أثر له.الوجه الثّاني:ان يكون مراده من الغرض المصالح الّتي هي ملاكات الأحكام،فيكون‏اعتبار قصد التّقرب و الامتثال لأجل انّ المصلحة الواقعيّة لا تحصل إلاّ بذلك،وحينئذ لا يحتاج إلى جعل مولوي لاعتبار قصد الامتثال،بل نفس المصلحة الواقعيّةتقتضي قصد الامتثال،فلو علم ان المصلحة الواقعيّة لا تحصل إلاّ بقصد الامتثال‏فهو،و ان شك فسيأتي الكلام فيه.و هذا الوجه أردأ من سابقه إذ المصالح الواقعيّة انّما تكون مناطات للأوامرو ليست هي لازمة التّحصيل،لعدم كونها من المسبّبات التّوليديّة لفعل المكلّف،كمايدلّ على ذلك عدم تعلّق التّكليف بها في شي‏ء من المقامات.و قد تقدّم منا تفصيل‏الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في مبحث الصّحيح و الأعمّ فراجع‏ (1) .و حينئذنفس العلم بالمصلحة لا يكفى في إلزام المكلّف بشي‏ء الا من جهة استكشاف الحكم‏المولوي لمكان انّه يقبح على الحكيم تفويت المصلحة على العباد،فلو لم يستكشف ذلك‏كان العلم بالمصلحة ممّا لا أثر له،فأثر العلم بالمصلحة ليس إلاّ استكشاف الجعل‏المولويّ لمكان الملازمة.فيرجع الكلام إلى انّ الواجب على المكلّف هو ما تعلّق الجعل‏به،لا ما قامت المصلحة به من دون جعل مولوي و من دون تعلّق الأمر الشّرعي بالفعل‏الّذي قامت المصلحة به.و حينئذ يبقى الكلام في كيفيّة تعلّق الجعل و الأمر المولويّ‏باعتبار قصد الامتثال على وجه يسلم عن كلّ محذور.

و التّحقيق في المقام:

انّه ينحصر كيفيّة الاعتبار بمتمّم الجعل و لا علاج له سوى ذلك،فلا بدعلى اعتبار الغرض بهذا الوجه،و هو انّ الأمر لا يمكن ان يتكفّل بيان الغرض منه،و لكن هذا الإشكال سهل‏الجواب،لأنّه يمكن ان يكون غرضه من الأمر ذلك غايته انّه تحتاج إلى كاشف يكشف عن انّ غرضه من الأمركان ذلك،فتأمل-منه.

1)راجع مباحث الصحيح و الأعم من هذا الكتاب ص 67


162

للمولى الّذي لا يحصل غرضه إلاّ بقصد الامتثال من تعدد الأمر بعد ما لا يمكن ان‏يستوفى غرضه بأمر واحد،فيحتال في الوصول إلى غرضه.و ليس هذان الأمران عن‏ملاك يخصّ بكلّ واحد منهما حتّى يكون من قبيل الواجب في واجب،بل هناك‏ملاك واحد لا يمكن ان يستوفى بأمر واحد.و من هنا اصطلحنا عليه بمتمّم الجعل،فانّ‏معناه هو تتميم الجعل الأولى الّذي لم يستوف تمام غرض المولى،فليس للأمرين إلاّامتثال واحد و عقاب واحد.و بذلك يندفع ما في بعض الكلمات:من الأشكال على من يقول بتعدّدالأمربما حاصله:انّ الأمر الأوّلي ان كان يسقط بمجرّد الموافقة و لو مع عدم قصدالامتثال فلا موجب للأمر الثّاني إذ لا يكون له موافقة حينئذ،و ان كان لا يسقطفلا حاجة إليه لاستقلال العقل ح باعتباره إلخ ما ذكره في المقام.و حاصل الدّفع:انّ الأشكال مبنىّ على تخيّل انّ تعدّد الأمر انّما يكون عن‏ملاك يختصّ بكلّ واحد،و قد عرفت:انّه ليس المراد من تعدّد الأمر ذلك بل ليس‏هناك إلاّ ملاك واحد لا يمكن ان يستوفى بأمر واحد.ثمّ انّ متمّم الجعل تارة:ينتج نتيجة الإطلاق،و أخرى:ينتج نتيجةالتّقييد.فالأوّل:كمسألة اشتراك الأحكام بالنّسبة إلى العالم و الجاهل،حيث‏حكى تواتر الأخبار على الاشتراك.و الثّاني:كمسألة قصد الامتثال في موارداعتباره.و تفصيل الكلام في متمّم الجعل بأقسامه ذكرناه في بعض مباحث الأصول‏العمليّة.و على كلّ حال،قد عرفت انّ التّعبّديّة انّما تستفاد من متمّم الجعل،لا من‏الغرض بكلا معنييه.ثمّ انّ هنا طريقا آخر لاستفادة التّعبّديّة بنى عليه بعض الأعلام،و هو انّ‏قصد الامتثال انّما يعتبره العقل في مقام الإطاعة،حيث انّه من كيفيّات الإطاعةالّتي هي موكولة إلى نظر العقل من دون ان يكون للشّارع دخل في ذلك هذا.و لكن الإنصاف:انه لم نعرف معنى محصلا لهذا الوجه،فانه ان أراد انّ‏العقل يعتبر قصد الامتثال من عند نفسه فهو واضح الفساد،إذ العقل لم يكن مشرّعا


163

يتصرف من قبل نفسه و يحكم بما يريد،إذ ليس شأن العقل إلاّ الإدراك‏و ان أراد انّ العقل يعتبر ذلك بعد العلم بأنّ ما تعلّق الأمر به انّما شرع لأجل‏ان يكون من الوظائف الّتي يتعبّد بها العباد،فهذا ليس معنى اعتبار العقل ذلك من‏قبل نفسه،بل العقل ح يستقلّ بجعل ثانوي للمولى على اعتبار قصد التّقرّب،و يكون‏حكمه في المقام نظير حكمه بوجوب المقدّمة،حيث انّه بعد وجوب ذيها شرعا يستقلّ‏العقل بوجوبها أيضا،بمعنى انّه يدرك وجوب ذلك و يكون كاشفا عنه،لا انّه هو يحكم‏بالوجوب،فانّه ليس ذلك من شأن العقل.فكذا في المقام،حيث انّه بعد اطّلاع‏العقل بأنّ وجوب الصّلاة مثلا انّما هو لأجل ان تكون من الوظائف المتعبّد بها،فلا محالة يدرك انّ هناك جعلا مولويّا تعلّق باعتبار قصد الامتثال،و يكشف عن ذلك‏ككشفه عن وجوب المقدّمة،و أين هذا من دعوى كون قصد الامتثال ممّا يعتبره‏العقل من دون ان يكون للشّارع دخل في ذلك؟و بالجملة:دعوى انّ التّعبديّة من الأحكام العقليّة بالمعنى المذكور ممّالا يمكن المساعدة عليها،بل الحقّ الّذي لا محيص عنه،هو انّ التّعبديّة انّما تكون بأمرثانوي متمّم للجعل،فتأمل في أطراف المقام فانّه من مزال الأقدام.

المقام الثاني من الأمر السادس‏

ثمّ انّه ان علم بالتّوصليّة و التّعبديّة فهو،و ان شك فيقع الكلام فيما يقتضيه‏الأصل العملي:من البراءة،و الاشتغال.فاعلم:انّه قد قال بالاشتغال في المقام من‏لم يقل به عند الشّك في الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين،و ربّما يبنى ذلك على الفرق بين‏المحصّلات الشّرعيّة و المحصّلات العقليّة،بجريان البراءة في الأولى دون الثانية.فينبغي أوّلا تحقيق الحال في ذلك،و ان كنّا قد تعرّضنا له في مبحث الأقل والأكثر،إلاّ انّه لا بأس بالإشارة إليه في المقام.فنقول:ربّما يتوهّم الفرق بين المحصّلات الشّرعيّة و غيرها بما حاصله:انّ المحصّل‏ان كان عقليّا أو عاديّا لا مجال لإجراء البراءة فيه عند الشّك في دخل شي‏ء فيه،لأنّه‏يعتبر في البراءة ان يكون المجهول ممّا تناله يد الجعل و الرّفع الشّرعي،و المفروض انّ‏المحصّل العقلي و العادي ليس كذلك،فلو كان إحراق زيد واجبا،و شكّ في انّ‏


164

الإلقاء الخاصّ هل يكون موجبا للإحراق أولا؟كان المرجع هو الاشتغال،لرجوع‏الشّك فيه إلى الشّك في المسقط،و لا يجري فيه حديث الرفع لأنّ ما هو المجعول‏الشّرعي غير مجهول و ما هو المجهول غير مجعول شرعيّ.و هذا بخلاف ما إذا كان المحصّل شرعيّا،كالغسلات بالنّسبة إلى الطّهارةالخبثيّة،حيث انّه لمّا كان محصّلية الغسلات للطّهارة بجعل شرعيّ،فلو شكّ في‏اعتبار الغسلة الثّانية أو العصر كان موردا للبراءة و يعمّه حديث الرّفع،إذ امر وضعه‏بيد الشّارع،فرفعه أيضا بيده،هذا.و لكن لا يخفى عليك فساده،فانّ المحصّلات ليست هي بنفسها من المجعولات‏الشّرعيّة،بل لا يمكن تعلّق الجعل بها،إذ السّببيّة غير قابلة للجعل الشّرعي،فانّهاعبارة عن الرشح و الإفاضة،و هذا ممّا لا تناله يد الجعل التّشريعي،كما أوضحناه‏في محلّه،بل المجعول الشّرعي هو نفس المسببات و ترتّبها عند وجود أسبابها،فالمجعول‏هو الطّهارة عقيب الغسلات لا سببيّة الغسلات للطّهارة،و كذا المجعول هو وجوب‏الصّلاة عند الدلوك،لا سببيّة الدّلوك لوجوب الصّلاة،و ح لا يمكن إجراء حديث‏الرّفع عند الشّك في دخل شي‏ء في المحصّل،لما عرفت:من انّه يعتبر في المرفوع ان يكون‏مجعولا شرعيّا،و المجعول المجهول في المقام،هو ترتّب المسبّب على الفاقد للمشكوك،وإجراء حديث الرّفع في هذا ينتج ضدّ المقصود،إذ يرفع ترتّب المسبّب على الأقلّ وينتج عدم حصول المسبب عقيب السّبب الفاقد للخصوصيّة المشكوكة،و هذا كماترى يوجب التضييق و ينافى الامتنان،مع ان الرّفع انّما يكون للامتنان و التّوسعة على‏العباد.و الحاصل:انّ الأمر في باب المحصّلات و متعلّقات التّكاليف يختلف،فانّ‏في باب متعلّقات التكاليف يكون تعلق التكليف بالأقلّ معلوما و بالأكثر مشكوكا،فيعمّه‏حديث الرّفع،لأنّ في رفعه منّة و توسعة.و هذا بخلاف باب المحصّلات،فانّ ترتّب‏المسبّب على الأكثر معلوم و على الأقلّ مشكوك،فما هو معلوم لا يجري فيه حديث‏الرّفع،و ما هو مشكوك لا موقع له فيه،لاستلزام جريانه الضيق على العباد،مع انّه‏ينتج عكس المقصود.


165

هذا إذا لم نقل بجعل السّببيّة.و امّا إذا قلنا محالا بجعل السّببية فكذلك‏أيضا،لأنّ سببيّة الأكثر الواجد للخصوصيّة المشكوكة معلومة،فلا يجري فيه حديث‏الرّفع،و سببيّة الأقلّ مشكوكة،و رفعها ينتج عدم جعله سببا،و هذا يوجب‏التّضييق.نعم لو قلنا:بجعل الجزئيّة مضافا إلى جعل السّببيّة أمكن جريان البراءةحينئذ،لأنّ جزئيّة الغسلة الثّانية مثلا أو شرطيّة العصر مشكوك،و فرضنا انّها تنالهايد الجعل،فيعمّها حديث الرّفع و يوجب رفع جزئيّتها للسّبب،فيكون السّبب هوالفاقد للعصر أو الغسلة الثّانية،و لكن هذا يستلزم الالتزام بمحال في محال،محال‏جعل السّببيّة،و محال جعل الجزئيّة فتأمل.فتحصل:انّه لا فرق بين المحصّل الشّرعي و المحصّل العقلي،و انّه في الكل‏لا مجال إلاّ للاشتغال،لرجوع الشّك فيه إلى الشّك في المسقط و الامتثال.ثمّ انّه لا فرق في المحصّلات،بين ان تكون مسبّباتها من الواجبات الشّرعيّةكالطّهارة بالنّسبة إلى الغسلات،أو كان من الملاكات و مناطات الأحكام والمصالح الّتي تبتنى عليها،بناء على كونها من المسبّبات التّوليديّة و ان منعناه سابقاأشدّ المنع،و لكن بناء على كونها من المسبّبات التّوليديّة يكون حالها بالنّسبة إلى‏الأفعال الّتي تقوم بها حال الطّهارة بالنّسبة إلى الغسلات الّتي تحصل بها،في عدم‏جريان البراءة عند الشّك في دخل شي‏ء في حصولها.مع انّه لو سلّم الفرق بين‏المحصّلات الشّرعيّة و المحصّلات العقليّة،و قلنا بجريان البراءة في المحصّلات‏الشّرعيّة،لا يمكن القول بها عند الشّك في دخل شي‏ء في حصول الملاك،بناء على‏كونه من المسبّبات التّوليديّة،و ذلك:لأن محصّليّة الصّلاة مثلا للملاك ليس بجعل‏شرعيّ،بل هو امر واقعيّ تكويني،و ليس من قبيل محصّليّة الغسلات للطّهارةحيث تكون بجعل شرعيّ،لوضوح انّ سببيّة الصّلاة للنّهي عن الفحشاء ليس بجعل‏شرعيّ،فيكون حال الصّلاة بالنّسبة إلى النّهى عن الفحشاء كحال الأسباب‏العقليّة بالنّسبة إلى مسبّباتها و انّه لا مجال لجريان البراءة فيها،و حينئذ ينسدّ جريان‏البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطيين.


166

فان قلت:نعم و ان كان دخل الصّلاة في حصول الملاك امرا واقعيّا تكوينيّا،إلاّ انّ‏الأمر لمّا تعلّق بالصّلاة و وقعت هي مورد التّكليف،كان جريان البراءة فيما شكّ في‏اعتباره في الصّلاة بمكان من الإمكان.و الحاصل:انّه فرق في باب الأسباب و المسبّبات،بين تعلّق التّكليف‏بالمسبّب كقوله تعالى: (1) و ثيابك فطهّر،و بين تعلّقه بالسّبب كالصّلاة و غيرها ممّايكون سببا لحصول الملاك،حيث انّ التّكليف انّما تعلّق بنفس الأسباب،لا المسبّبات الّتي هي عبارة عن الملاكات.فان تعلّق التّكليف بالمسبّب فلا مجال‏لجريان البراءة عند الشّك في دخل شي‏ء في حصوله،كما إذا شكّ في دخل الغسلةالثّانية أو العصر في حصول الطّهارة،لأنّ متعلّق التّكليف معلوم،و الشّك انّما هو في‏ناحية الامتثال،فالمرجع أصالة الاشتغال لا البراءة.و هذا بخلاف ما إذا تعلّق‏التّكليف بالسّبب،فانّه يكون ح للسّبب بما له من الأجزاء و الشّرائط حيثيّتان:حيثيّة دخله في حصول الملاك،و حيثيّة تعلّق التّكليف به،و البراءة و ان لم تجر فيه‏من الحيثيّة الأولى لأنّها ليست جعليّة بل هي واقعيّة تكوينيّة،إلاّ انّها تجري فيه من‏الحيثيّة الثّانية،لرجوع الشّك فيها إلى الشّك في التّكليف،و بعد إخراج المشكوك‏كالسّورة مثلا عن تحت دائرة الطلب و التّكليف يكون المحصّل هو خصوص الفاقدللسّورة،و تخرج الحيثيّة الأولى عن اقتضائها الاشتغال،ببركة جريان البراءة عن‏الحيثيّة الثّانية.و بذلك يحصل الفرق،بين قصد الامتثال المعتبر في العبادة،و بين سائرالأجزاء و الشرائط،فانّ قصد الامتثال لما لم يتعلّق به الطلب لاستحالته على ماعرفت،بل كان ممّا يعتبره العقل في حصول الطاعة،كان المرجع عند الشك في‏اعتباره هو الاشتغال،لعدم تعلّق التكليف بناحية السّبب،فلو شك في حصول‏الملاك بدون قصد الامتثال كان اللازم عليه قصد الامتثال،للشك في حصوله بدون‏

1)سورة المدثر،الآية 4


167

ذلك من دون ان يكون له مؤمّن شرعيّ.و هذا بخلاف سائر الأجزاء و الشرائط ممّاأمكن تعلّق الطلب به،فانّه لمكان إمكان ذلك لو شك في تعلّق الطلب بالسورة كان‏المرجع هو البراءة،لرجوع الشّك فيه إلى الشك في التكليف،و بعد جريان البراءةيحصل المؤمن الشرعي عن الشك في حصول الملاك،لأنّ لازم خروج المشكوك عن‏دائرة الطلب،هو كون المحصل للملاك خصوص الصلاة بلا سورة مثلا.قلت:يرد على ذلك‏أوّلا:انّه لا فرق في باب الأسباب و المسببات بين تعلّق التكليف بنفس‏المسبّب أو تعلّقه بالسّبب،لأنه لا يكون السبب بما هو فعل جوارحيّ متعلّق‏التكليف،بل هو معنون بمسبّبه التوليديّ يكون متعلق التكليف،فليس الأمر بالغسل‏بما هو هو و بما انّه إجراء الماء على المحل مطلوبا،بل بما انّه إفراغ للمحلّ عن النّجاسةالّذي هو عبارة عن الطهارة وقع متعلّق الطلب.و من هنا قيل-كما في المعالم-انّ البحث عن وجوب المقدمة السّببيّة قليل‏الجدوى،و ليس ذلك إلاّ لأنّ تعلّق التكليف بكل من السبب و المسبّب عين تعلقه‏بالآخر،و حينئذ لا يجدى تعلق التكليف بالسبب في جريان البراءة،إذ ليس السّبب‏بما هو متعلق التكليف،بل بما هو معنون بالمسبّب و متولد منه قد تعلّق التكليف به،فليس هناك حيثيتان:حيثية دخله في حصول المسبب،و حيثيّة تعلق التكليف به،بل ليس هناك إلاّ حيثيّة واحدة،و هي حيثيّة دخله في حصول المسبب و قد تعلّق‏التكليف به من نفس تلك الحيثيّة،و المفروض انّ الشك من تلك الحيثيّة راجع إلى‏الشك في الامتثال الّذي لا مجال فيه للبراءة،فتعلّق التكليف بالصلاة انّما يكون من‏حيثية دخلها بما لها من الأجزاء و الشرائط في الملاك،فعند الشك في دخل السورةفي الملاك يلزم الاحتياط.و ثانيا:هب انّ هناك حيثيّتين،إلاّ انّ إحدى الحيثيّتين تقتضي الاشتغال‏و الأخرى لا تقتضيه،و من المعلوم:انّ ما ليس له الاقتضاء لا يمنع عن اقتضاء ما فيه‏الاقتضاء،فلو اجتمع في شي‏ء واحد جهتان:جهة تقتضي الاشتغال،و جهة تقتضي‏


168

البراءة،فالاعتماد على الجهة التي تقتضي الاشتغال،لأنّ عدم المقتضى لا يمكن ان‏يزاحم ما فيه المقتضى.و امّا دعوى:انّ مقتضى إجراء البراءة عن تعلّق التكليف بالسورة،هو انّ‏المجعول الشّرعي و ما هو المحصّل هو خصوص الفاقد للسّورة،فلا يبقى مجال لدعوى‏دخل السورة في الملاك حتى تكون هذه الحيثيّة مقتضية للاشتغال،بل هذه الحيثيّةتنعدم ببركة إجراء البراءة في الحيثيّة الأخرى.فهي في غاية السقوط،لابتنائها على اعتبار الأصل المثبت الّذي لا نقول به،إذ لا فرق في الأصل المثبت،بين باب اللّوازم و الملزومات،و بين باب الملازمات.و بعبارة أخرى:كما انّ إثبات الحكم الشّرعي المترتّب على اللازم العقلي‏أو العادي لمؤدّى الأصل المثبت-كإثبات الآثار المترتّبة على إنبات اللّحية الملازم‏للحياة باستصحاب الحياة-كذلك لو ترتّب جعل شرعيّ على جعل آخر أو نفى جعل‏آخر و كان مؤدى الأصل إثبات أحد الجعلين أو نفيه-كما فيما نحن فيه-لا يمكن‏إثبات ذلك الجعل الشرعي إلاّ على القول بالأصل المثبت،فتأمل في المقام جيّدا.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ القول بالاشتغال عند الشك في اعتبارقصد القربة لمكان الشك في حصول الملاك ممّا لا يرجع إلى محصّل،لعدم كون‏الملاكات من المسبّبات التوليديّة حتّى يلزم تحصيلها على المكلف،بحيث لو شك في‏حصولها لزمه الاحتياط.هذا إذا كان مبنى اعتبار قصد الامتثال هو حيثيّة دخله في‏حصول الملاك.و امّا إذا كان مبنى اعتباره أحد الأمرين الآخرين،و هما الغرض بمعناه‏الأخر-أي الغرض من الأمر لأن يتعبّد به العبد-و متمّم الجعل(على ما هو الحقّ‏عندنا)فان كان منشأ اعتباره هو غرض الأمر،فالّذي ينبغي ان يقال عند الشك في‏ذلك،هو الرجوع إلى البراءة،للشك في انّه امر لذلك.و قد عرفت فيما تقدم:انّه لو امرلذلك يكون الغرض من كيفيّات الأمر و ملقى إلى العبد بنفس إلقاء الأمر و يكون‏ملزما به شرعا،كما يكون ملزما بتعلق الأمر شرعا،و يندرج الأمر على هذا الوجه‏تحت الكبرى العقليّة،و هي لزوم الانبعاث عن امر المولى على ما مرّ بيانه،و حينئذ لو


169

شك في انّه هل كان غرضه من الأمر تعبّد المكلّف به أو لم يكن غرضه ذلك كان‏الشّك راجعا إلى إلزام شرعيّ،فينفى بالأصل.و الحاصل:انّ الأمر يدور بين الأقل و الأكثر،لاشتراك التّعبدي و التوصلي‏في تعلّق الأمر بالفعل،فيكون في التّعبدي امر زائد اراده المولى من المكلف.و ليس‏المقام من دوران الأمر بين المتباينين،بدعوى انّا نعلم انّ للمولى غرضا و لكن نشّك‏في انّ غرضه من الأمر نفس المتعلق أو انّ غرضه تعبّد المكلّف بامره،و ذلك:لاشتراك التّعبدي و التوصلي في تعلّق الغرض بالفعل،و في التّعبدي يكون غرض زائدعلى ذلك،و هو تعبّد المكلّف بامره،فيكون الأمر من الدّوران بين الأقل و الأكثر.نعم يمكن ان يقال:انّه بالنّسبة إلى فروع التّعبد:من قصد الوجه و التّميز وغير ذلك،يكون الأصل هو الاشتغال،للشك في حصول المسقط المفروض انّه غرض‏المولى بدون ذلك.و بالجملة:فرق بين الشّك في أصل التّعبد،و بين الشّك فيما يحصل به‏التّعبد،فانّ الأول مجرى البراءة و الثاني مجرى الاشتغال،فتأمل.هذا بناء على ان يكون التّعبد جائيا من ناحية الغرض.و امّا إذا كان لمتمّم‏الجعل،فعند الشّك يكون المرجع هو البراءة مط،سواء كان الشّك في أصل التعبد أوفروع التّعبّد،لرجوع الشّك إلى الشّك في قيد زائد على كلّ حال كما لا يخفى.و ليكن‏هذا آخر ما أردنا بيانه في مسألة التّعبديّة و التّوصلية.ثمّ انّه كان المناسب ان يستوفى أقسام الواجب:من كونه تعبديا أو توصليّا،و كونه مط أو مشروطا،و كونه عينيّا أو كفائيا،و كونه تعيينيّا أو تخييريّا،إلى غير ذلك‏من الأقسام المتصوّرة فيه،ثمّ بعد ذلك يذكر مسألة الأجزاء،و المرّة و التّكرار،لأنّ‏هذه تقع في مرحلة سقوط التّكليف،و ذلك يقع في مرحلة ثبوت التّكليف،و تفرّع‏الأوّل على الثّاني واضح،و لكنّ الأعلام لم يسلكوا هذا المسلك و قدموا ما حقّه‏التّأخير و أخّروا ما حقّه التقديم.كما انّهم ذكروا تقسيم الواجب إلى المط و المشروط في‏بحث مقدّمة الواجب،مع انّ ذلك المبحث متكفّل لحال المقدّمة و اقسامها،لا لأقسام‏الواجب،و تقسيم المقدّمة إلى الوجوبيّة و الوجوديّة و ان كان باعتبار إطلاق وجوب‏


170

ذيها و اشتراطه،إلاّ انّ ذلك لا يوجب البحث عنه في ذلك المقام.فالأولى:ان يستوفى‏أقسام الواجب أوّلا،ثمّ بعد ذلك يبحث عن مسألة الأجزاء و غيرها ممّا يقع في‏مرحلة السّقوط،و ان كان ذلك على خلاف ما رتّبه الأعلام في الكتب الأصوليّة،و لكن الأمر في ذلك سهل.

و على كلّ حال ينقسم الواجب،إلى كونه مطلقا و مشروطا

،و تنقيح‏البحث عن ذلك يستدعى رسم أمور:

الأوّل:

قسّم أهل المعقول القضيّة إلى كونها عقليّة،و طبيعيّة،و حقيقيّة،و خارجيّة.و لا يتعلّق لنا غرض بالعقليّة و الطّبيعيّة،و انّما المهمّ بيان الفرق بين الخارجيّةو الحقيقيّة،و ما يختلفان فيه بحسب الآثار و الأحكام،حتّى لا يختلط أحدهمابالأخرى و لا يرتّب ما لأحدهما على الأخرى،كما وقع هذا الخلط في جملة من المواردكما نشير إليه إن شاء اللّه تعالى.فنقول:القضيّة الخارجيّة عبارة عن ثبوت وصف أو حكم على شخص‏خاصّ،بحيث لا يتعدّى ذلك الوصف و الحكم عن ذلك الشّخص إلى غيره و ان‏كان مماثلا له في الأوصاف،و لو فرض انّه ثبت ذلك المحمول على شخص آخر كان‏ذلك لمجرّد الاتفاق من دون ان يرجع إلى وحدة الملاك و المناط،بل مجرّد المقارنةالاتّفاقيّة،من غير فرق في ذلك بين ان تكون القضيّة خبريّة،أو طلبيّة،كقولك:زيدقائم،أو أكرم زيدا.و من غير فرق أيضا،بين إلقاء القضيّة بصورة الجزئيّة،أوإلقائها بصورة الكليّة،نحو كلّ من في العسكر قتل و كلّ ما في الدّار نهب،إذ إلقائهابصورة الكليّة لا يخرجها عن كونها خارجيّة،إذ المناط في القضيّة الخارجية،هو ان‏يكون الحكم واردا على الأشخاص لا على العنوان،كما سيأتي في بيان القضيّةالحقيقيّة.و هذا لا يتفاوت بين وحدة الشّخص و تعدّده كما في المثال،بعد ما لم يكن‏بين الأشخاص جامع ملاكي أوجب اجتماعهم في الحكم،بل كان لكلّ مناطيخصّه،غايته انّه اتّفق اجتماعهم في ثبوت المحمول كما في المثال،حيث انّ ثبوت‏القتل لكلّ من زيد و عمرو و بكر كان لمحض الاتّفاق و اجتماعهم في المعركة،و


171

إلاّ لم يكن مقتوليّة زيد بمناط مقتوليّة عمرو،بل زيد انّما قتل لمناط يخصّه،حسب‏موجبات قتله من خصوصيّاته و خصوصيّات القاتل،و كذا مقتوليّة عمرو.و بالجملة:العبرة في القضيّة الخارجيّة،هو ان يكون الحكم واردا على‏الأشخاص و ان كانت بصورة القضيّة الكليّة،مثل كلّ من في العسكر قتل،فانّه‏بمنزلة زيد قتل،و عمرو قتل،و بكر قتل،و هكذا.و امّا القضيّة الحقيقيّة:فهي عبارة عن ثبوت وصف أو حكم على عنوان‏أخذ على وجه المرآتيّة لأفراده المقدّرة الوجود،حيث انّ العناوين يمكن ان تكون‏منظرة لمصاديقها و مرآة لأفرادها،سواء كان لها افراد فعلية أو لم يكن،بل يصح‏أخذ العنوان منظرة للأفراد و ان لم يتحقّق له فرد في الخارج لا بالفعل و لا فيما سيأتي،لوضوح انّه لا يتوقّف أخذ العنوان مرآة على ذلك،بل العبرة في القضيّة الحقيقية هوأخذ العنوان موضوعا فيها،لكن لا بما هو هو حتّى يمتنع فرض صدقه على الخارجيّات ويكون كليّا عقليّا،بل بما هو مرآة لأفراده المقدّر وجودها بحيث كلّما وجد في الخارج‏فرد ترتّب عليه ذلك الوصف و الحكم،سواء كانت القضيّة خبريّة،أو طلبيّة،نحوكلّ جسم ذو أبعاد ثلاثة،أو كلّ عاقل بالغ مستطيع يجب عليه الحجّ،فانّ الحكم‏في مثل هذا يترتّب على جميع الأفراد الّتي يفرض وجودها بجامع واحد و بملاك واحد.و بذلك تمتاز القضيّة الخارجيّة عن القضيّة الحقيقيّة،حيث انّه في القضيّةالخارجيّة ليس هناك ملاك جامع و عنوان عامّ ينطبق على الأفراد،بل كلّ فرديكون له حكم يخصّه بملاك لا يتعدّى عنه،و من هنا لا تقع القضيّة الخارجيّة كبرى‏القياس و لا تقع في طريق الاستنباط،لأنّ القضيّة الخارجيّة تكون في قوّة الجزئيةلا تكون كاسبة و لا مكتسبة،فلا يصح استنتاج مقتوليّة زيد من قوله:كلّ من في‏العسكر قتل،لأنّه لا يصح قوله:كلّ من في العسكر قتل،إلاّ بعد العلم بمن في العسكرو انّ زيدا منهم،و بعد علمه بذلك لا حاجة إلى تأليف القياس لاستنتاج مقتوليّة زيد،و على فرض التّأليف يكون صورة قياس لا واقع له،كقوله:زيد في العسكر و كلّ‏من في العسكر قتل فزيد قتل،لما عرفت:من انّه لا يصح قوله:كلّ من في العسكرقتل،إلاّ بعد العلم بقتل زيد،فلا يكون هذا من الأقيسة المنتجة.


172

و هذا بخلاف القضيّة الحقيقيّة،فانّها تكون كبرى لقياس الاستنتاج ويستفاد منها حكم الأفراد،كما يقال:زيد مستطيع و كلّ مستطيع يجب عليه الحج‏فزيد يجب عليه الحج،و لا يتوقّف العلم بكليّة الكبرى على العلم باستطاعة زيد ووجوب الحج عليه،كما كان يتوقّف العلم بكليّة القضيّة الخارجيّة على العلم بكون‏زيد في العسكر و انّه قد قتل،بل كليّة الكبرى في القضيّة الحقيقيّة انّما تستفاد من‏قوله تعالى‏ (1) و للّه على النّاس حجّ البيت إلخ.و بما ذكرنا ظهر:انّ ما أشكل على الشّكل الأول الّذي هو بديهيّ الإنتاج‏من استلزامه الدّور-حيث انّ العلم بالنّتيجة يتوقّف على العلم بكليّة الكبرى،والعلم بكليّة الكبرى يتوقّف على العلم باندراج النّتيجة فيها-فانّما هو لمكان الخلطبين القضيّة الخارجيّة و القضيّة الحقيقيّة،فانّ في القضيّة الحقيقيّة لا يتوقّف العلم‏بكليّة الكبرى على العلم باندراج النّتيجة فيها،بل كليّة الكبرى انّما تستفاد من‏مكان آخر كما عرفت.نعم في القضيّة الخارجيّة العلم بكليّة القضيّة يتوقّف على‏العلم بما يندرج تحتها من الأفراد،و قد عرفت:انّ القضيّة الخارجيّة لا تقع كبرى‏القياس،و لا يتألّف منها القياس حقيقة،و انّما يكون صورة قياس لا واقع له،فانّ‏القضايا المعتبرة في العلوم الّتي يتألف منها الأقيسة انّما هي ما كانت على نحو القضاياالحقيقيّة،فيرتفع الإشكال من أصله،و لا حاجة إلى التّفصيّ عن الدور بالإجمال والتفصيل،كما في بعض كلمات أهل المعقول.و قد وقع الخلط بين القضيّة الخارجيّة و الحقيقيّة في جملة من الموارد،كمسألة امر الآمر مع علمه بانتفاء الشّرائط،و كمسألة التّمسّك بالعامّ في الشّبهات‏المصداقيّة،و كمسألة الشّرط المتأخر،و غير ذلك ممّا يأتي الإشارة إليه كلّ في محلّه.فانّ هذه الفروع كلّها تبتنى على تخيّل كون القضايا الشّرعيّة من قبيل القضاياالخارجيّة،و هو ضروريّ البطلان،لوضوح انّ القضايا الواردة في الكتاب و السّنة انّما

1)سورة آل عمران،97


173

هي قضايا حقيقيّة،و ليست إخبارات عمّا سيأتي بان يكون مثل قوله تعالى:و للّه‏على الناس إلخ اخبارا بأنّ كل من يوجد مستطيعا فأوجه عليه خطابا يخصه،بل انماهي إخبارات عن إنشاءات في عالم اللّوح المحفوظ.و بالجملة:كون القضايا الشّرعيةمن القضايا الحقيقيّة واضح لا يحتاج إلى مزيد برهان و بيان.إذ عرفت ذلك فاعلم:انّ الجهات الّتي تمتاز بها القضيّة الخارجيّة عن‏القضيّة الحقيقيّة و ان كانت كثيرة قد أشرنا إلى بعضها،إلاّ انّ ما يرتبط بما نحن فيه‏من الواجب المشروط و المط،هي جهات ثلاث:الجهة الأولى:انّ العبرة في القضيّة الخارجيّة،هو علم الآمر باجتماع الشّروط و ما له‏دخل في حكمه،فلا يوجه التّكليف على عمرو مثلا بوجوب إكرام زيد إلاّ بعد علمه‏باجتماع عمرو لجميع الشّروط المعتبرة في حكمه:من العقل،و البلوغ،و القدرة،و غيرذلك ممّا يرى دخله في مناط حكمه،و لو فرض انّ الآمر كان جاهلا بوجود شرطمن شروط صدور الحكم،كمجي‏ء بكر الّذي له دخل في تكليف عمرو بوجوب‏إكرام زيد،فلا محالة يعلّق حكمه بصورة وجود الشّرط،و يقول:ان جاء بكر فأكرم‏زيدا،و تكون القضيّة الخارجيّة من هذه الجهة-أي من جهة تعليقها على الشّرط-ملحقة بالقضيّة الحقيقيّة،على ما سيأتي بيانه.و الحاصل:انّ المدار في صدور الحكم في القضيّة الخارجيّة انّما هو على علم‏الآمر باجتماع شروط حكمه و عدم علمه،فان كان عالما بها فلا محالة يصدر منه‏الحكم و لو فرض خطاء علمه و عدم اجتماع الشّروط واقعا،إذ لا دخل لوجودهاالواقعي في ذلك،بل المناط في صدور الحكم هو وجودها العلمي،فان كان عالما بهايحكم و ان لم تكن في الواقع موجودة،و ان لم يكن عالما بها لا يحكم و ان كانت‏موجودة في الواقع الا على وجه الاشتراط بوجودها،فيرجع إلى القضيّة الحقيقيّة من‏هذه الجهة،فلا يعتبر في صدور الحكم في القضيّة الخارجيّة إلاّ علم الآمر باجتماع‏الشّرائط.و امّا في القضيّة الحقيقيّة:فيعتبر فيها تحقّق الموضوع خارجا،إذ الشّرط في‏


174

القضيّة الحقيقيّة هو وجود الموضوع عينا و لا عبرة بوجوده العلمي،لأنّ الحكم في‏القضيّة الحقيقيّة على الأفراد المفروض وجودها،فيعتبر في ثبوت الحكم وجود الأفراد،و لا حكم مع عدم وجودها و لو فرض علم الآمر بوجودها،فالحكم في مثل قوله:العاقل البالغ المستطيع يحجّ،مترتّب على واقع العاقل البالغ المستطيع،لا على ما يعلم‏كونه عاقلا بالغا مستطيعا،إذ لا أثر لعلمه في ذلك،فلو فرض انّه لم يعلم انّ زيداعاقل بالغ مستطيع لترتب حكم وجوب الحجّ عليه قهرا بعد جعل وجوب الحجّ على‏العاقل البالغ المستطيع،كما انّه لو علم انّ زيدا عاقل بالغ مستطيع و في الواقع لم يكن‏كذلك لما كان يجب عليه الحجّ،فالمدار في ثبوت الحكم في القضيّة الحقيقية انّما هوعلى وجود الموضوع خارجا،من دون دخل للعلم و عدمه في ذلك.و بذلك يظهر:امتناع الشّرط المتأخّر،لأنه بعد ما كان الشّي‏ء شرطا و قيداللموضوع فلا يعقل ثبوت الحكم قبل وجوده،و إلاّ يلزم الخلف و عدم موضوعيّة مافرض كونه موضوعا،على ما سيأتي بيانه،و إرجاع الشّرط المتأخر إلى الوجود العلمي‏انما نشأ من الخلط بين القضيّة الخارجية و القضية الحقيقية،فانّ الوجود العلمي‏بتحقق الشرائط انّما ينفع في القضيّة الخارجيّة كما عرفت،لا في القضيّة الحقيقيّة.نعم في القضيّة العلم بترتّب الملاك و المصلحة على متعلق حكمه له دخل‏أيضا في صدور الحكم،إلاّ انّ ذلك يرجع إلى باب الدّواعي الّتي تكون بوجودهاالعلمي مؤثّرة،و أين هذا من باب الشّروط الرّاجعة إلى قيود الموضوع كما سيأتي‏بيانه،فانّ العبرة في ذلك انّما هو بوجودها العيني،و لا أثر لوجودها العلمي.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ الشّرط في ثبوت الحكم في القضيّةالخارجيّة هو العلم باجتماع شرائط التّكليف لا وجودها الواقعي،و في القضيّةالحقيقيّة هو وجودها الواقعي لا وجودها العلمي.فهذه إحدى الجهات الثّلاث الّتي‏تمتاز بها القضيّة الحقيقيّة عن القضيّة الخارجيّة.الجهة الثّانية:هي انّ القضيّة الخارجيّة لا يتخلّف فيها زمان الجعل و الإنشاء عن زمان‏ثبوت الحكم و فعليّته،بل فعليّته تكون بعين تشريعه و إنشائه،فبمجرّد قوله:أكرم‏


175

زيدا،يتحقّق وجوب الإكرام،إلاّ إذا كان مشروطا بشرط لم يحرزه الآمر فتلحق‏بالقضيّة الحقيقيّة من هذه الجهة كما أشرنا إليه،و إلاّ لا يعقل تخلّف الإنشاء عن‏فعليّة الحكم زمانا،و ان كان متخلّفا رتبة نحو تخلّف الانفعال عن الفعل.و امّا في القضيّة الحقيقيّة:فالجعل و الإنشاء انّما يكون أزليّا،و الفعليّة انّماتكون بتحقّق الموضوع خارجا،فانّ إنشاءه انّما كان على الموضوع المقدر وجوده،فلا يعقل تقدّم الحكم على الموضوع،لأنّه انّما إنشاء حكم ذلك الموضوع،و ليس‏للحكم نحو وجود قبل وجود الموضوع حتّى يسمّى بالحكم الإنشائي في قبال الحكم‏الفعلي،كما في بعض الكلمات.و الحاصل:انّه فرق بين إنشاء الحكم و بين الحكم الإنشائي،و الّذي‏تتكفّله القضايا الحقيقيّة الشّرعيّة انّما هو إنشاء الحكم،نظير الوصيّة،حيث انّ‏الوصيّة انّما هي تمليك بعد الموت و لا يعقل تقدّمه على الموت،لأنّ الّذي أنشأ بصيغةالوصيّة هو هذا أي ملكيّة الموصى له بعد موته،فلو تقدّمت الملكيّة على الموت يلزم‏خلاف ما أنشأ،و لا معنى لأن يقال الملكيّة بعد الموت الآن موجودة،لأنّ هذاتناقض.فكذا الحال في الأحكام الشّرعيّة،فانّ إنشاءها عبارة عن جعل الحكم على‏الموضوع المقدّر وجوده،فما لم يتحقّق الموضوع لا يكون شي‏ء أصلا،و إذا تحقّق الموضوع‏يتحقّق الحكم لا محالة و لا يمكن ان يتخلّف.فتحصّل:انّه ليس قبل تحقّق الموضوع شي‏ء أصلا حتّى يسمّى بالحكم‏الإنشائي في قبال الحكم الفعلي،إذ ليس الإنشاء إلاّ عبارة عن جعل الحكم في‏موطن وجود موضوعه،فقبل تحقّق موطن الوجود لا شي‏ء أصلا،و مع تحقّقه يثبت‏الحكم و يكون ثبوته عين فعليّته،و ليس لفعليّة الحكم معنى آخر غير ذلك.و حاصل الكلام:انّه ليس للحكم نحو ان من الوجود يسمّى بالإنشاءتارة،و بالفعلي أخرى،بل الحكم هو عبارة عمّا يتحقّق بتحقّق موضوعه،و هذا هوالّذي أنشأ أزلا قبل خلق عالم و آدم،فلو فرض انه لم يتحقّق في الخارج عاقل بالغ‏مستطيع فلم يتحقق حكم أيضا أصلا،فالحكم الفعلي عبارة عن الّذي أنشأ و ليس‏وراء ذلك شي‏ء آخر،فلو أنشأ الحكم على العاقل البالغ المستطيع،فلا محيص من‏


176

ثبوت الحكم بمجرّد تحقّق العاقل البالغ المستطيع،و لا يعقل ان يتخلّف عنه،فلوتوقّف ثبوت الحكم و فعليّته على قيد اخر كعدم قيام الأمارة على الخلاف مثلا يلزم‏تخلف المنشأ عن الإنشاء،لأنّا فرضنا انّ ذلك القيد لم يؤخذ في إنشائه،بل إنشاءالحكم على خصوص العاقل البالغ المستطيع،فإذا وجد العاقل البالغ المستطيع و لم‏يوجد الحكم يلزم ان لا يوجد ما أنشأه و هو محال،إذ لا يعقل تخلّف المنشأ عن‏الإنشاء.و معنى عدم معقولية تخلّف المنشأ عن الإنشاء،هو انّه لا بدّ من ان يوجدالمنشأ على طبق ما أنشأ و على الوجه الّذي أنشأه،فلو أنشأ الملكيّة في الغد فلا بدّ من‏وجود الملكيّة في الغد،و لا يعقل ان تتقدّم عليه أو تتأخّر عنه،بان توجد الملكيّة قبل‏الغد أو بعد الغد،لأنّه يلزم تخلّف المنشأ من الإنشاء،إذ الّذي أنشأ هو خصوص‏ملكيّة الغد لا غير،فكيف تتقدّم الملكيّة على الغد أو تتأخّر عنه؟و حاصل الكلام:انّه لو كان زمام المنشأ بيد المنشئ و له السّلطنة على‏إيجاده كيف شاء و بأيّ خصوصيّة أراد كما هو مفروض الكلام،فحينئذ يدور المنشأمدار كيفيّة إنشائه،فله إنشائه في الحال كما في البيع الفعلي فلا بدّ ان يتحقّق المنشأفي الحال و إلاّ يلزم التّخلف،و له ان ينشئه في الغد فلا بدّ ان يكون البيع في الغد وإلاّ لزم التّخلّف.و ليس الإنشاء و المنشأ من قبيل الكسر و الانكسار التّكويني،بحيث لا يمكن ان يتخلّف زمان الانكسار عن الكسر،كما ربّما يختلج في بعض‏الأذهان،و لأجل ذلك تخيّل انّه لا يعقل تخلّف زمان وجود المنشأ عن زمان وجودالإنشاء،فكيف يعقل ان يكون إنشاءات الأحكام أزليّة و منشئاتها تتحقق بعد ذلك‏عند وجود موضوعاتها في الخارج؟مع انّه يلزم ان يتخلّف زمان الإنشاء عن زمان‏وجود المنشأ لأنّه لا يمكن ان يتخلّف زمان الوجود عن الإيجاد،و زمان الانكسار عن‏الكسر،و لأجل هذه الشّبهة ربّما وقع بعض في إشكال كيفيّة تصوّر كون إنشاءات‏الأحكام أزليّة مع عدم وجود منشئاتها في موطن إنشائها،هذا.و لكن لا يخفى ضعف الشّبهة،و انّ قياس باب الإنشائيات بباب‏التّكوينيّات في غير محلّه،فانّ في التّكوينيّات زمان الانكسار ليس بيد الكاسر،بل‏الّذي بيده هو الكسر و امّا الانكسار فيحصل قهرا عليه.


177

و هذا بخلاف باب المنشآت،فانّها أمور اعتباريّة،و يكون زمامها بيدالمعتبر النافذ اعتباره،و له إيجادها على أيّ وجه أراد.فالّذي بيده زمام الملكيّة،له ان‏يوجد الملكيّة في الحال،و له ان يوجدها في المستقبل كما في الوصيّة،فلو أنشأ الملكيّةفي المستقبل بمعنى انّه جعل ملكيّة هذا الشّي‏ء لزيد في الغد فلا بدّ من ان توجد الملكيّةفي الغد،و إلاّ يلزم تخلّف المنشأ عن الإنشاء.و كذا الحال في الأحكام الشرعيّة،فانّ زمام الأحكام بيد الشارع،فله جعلها وإنشاؤها على أيّ وجه أراد،فلو جعل الحكم على موضوع ليس له وجود في زمان الجعل‏بل يوجد بعد الف سنة،فلا بدّ ان يوجد الحكم عند وجود موضوعه و لا يمكن ان‏يتخلّف عنه.و السّر في ذلك:هو انّه الآن يلاحظ ذلك الزّمان المستقبل و يجعل‏الحكم في ذلك الزّمان،حيث انّ اجزاء الزمان بهذا اللّحاظ تكون عرضيّة كأجزاءالمكان،فكما انّه يمكن وضع الحجر في المكان البعيد عن الواضع إذا أمكنه ذلك‏لطول يده،كذلك يمكن وضع الشّي‏ء في الزّمان البعيد لمن كان محيطا بالزّمان.فظهر معنى كون إنشاءات الأحكام أزليّة،و انّ تحقّق المنشأ يكون بتحقّق‏الموضوع و لا يلزم منه تخلّف المنشأ عن الإنشاء،و انّما التّخلف يحصل فيما إذا وجد غيرما أنشأه،امّا لمكان الاختلاف في الكيف،و امّا لمكان الاختلاف في الزّمان،أو غيرذلك من سائر أنحاء الاختلافات.فتأمل في المقام جيّدا،لئلا ترسخ الشّبهة المتقدّمةفي ذهنك.فظهر الفرق،بين القضيّة الخارجيّة و القضيّة الحقيقيّة،بعدم تخلّف زمان‏الفعليّة عن الإنشاء في الخارجيّة نظير الهبة،و تخلّفه في الحقيقية نظير الوصيّة.فهذه‏هي الجهة الثّانية الّتي تمتاز إحداهما عن الأخرى.الجهة الثّالثة:انّ السّببيّة المتنازع فيها من حيث كونها مجعولة أو غير مجعولة و انّ المجعول‏الشّرعي هل هو نفس المسبّبات عند وجود أسبابها أو سببيّة السّبب،انّما يجري في‏القضايا الحقيقيّة،دون القضايا الخارجيّة،لوضوح انّ القضايا الخارجيّة ليس لهاموضوع أخذ مفروض الوجود حتّى يتنازع في انّ المجعول ما هو،بل ليس فيها إلاّ


178

حكم شخصي على شخص خاص،كقول الآمر لزيد اضرب عمراً،فلا معنى لأن‏يقال:ان المجعول في قوله اضرب عمراً ما هو،إذ ليس فيه الأحكام و علم باجتماع‏شرائط الحكم من المصالح،و المصالح غير مجعولة بجعل شرعيّ،بل هي أمور واقعيّةتكوينيّة تترتّب على افعال المكلّفين فلم يبق فيها إلاّ الحكم و هو المجعول الشّرعي.و هذا بخلاف القضايا الحقيقيّة،فانّه لمّا أخذ فيها موضوع و رتّب الحكم‏على ذلك الموضوع في ظرف وجوده،كان للنّزاع في انّ المجعول الشّرعي ما هو،هل هوالحكم على فرض وجود الموضوع؟أو سببيّة الموضوع لترتّب الحكم عليه؟مجال.و ان‏كان الحقّ هو الأوّل،و الثّاني غير معقول،على ما أوضحناه في باب الأحكام‏الوضعيّة.و الغرض في المقام مجرّد بيان انّ النّزاع انّما يتأتّى فيما إذا كان جعل‏الأحكام على نحو القضايا الحقيقيّة،و لا يتصوّر النّزاع في القضايا الخارجيّة لانتفاءالموضوع فيها بالمعنى المتقدّم،أي بمعنى أخذ عنوان الموضوع منظرة و مرآة لأفراد المقدّروجودها.فهذه جهات ثلث تمتاز بها القضيّة الحقيقيّة عن القضيّة الخارجيّة.

الأمر الثاني:

من الأمور الّتي أردنا رسمها في مبحث الواجب المطلق و المشروط،هو انّه‏قد عرفت انّ القضايا الشرعية انّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة،دون القضاياالخارجيّة،و ح تكون الأحكام الشّرعيّة مشروطة بموضوعاتها ثبوتا و إثباتا.امّا ثبوتا،فلما تقدّم من انّ القضيّة الحقيقيّة عبارة عن ترتّب حكم أو وصف‏على عنوان أخذ منظرة لأفراده المقدّر وجودها،فلا يمكن جعل الحكم إلاّ بعد فرض‏الموضوع،فالحكم ثبوتا مشروط بوجود الموضوع،نظير اشتراط المعلول بوجود علّته.و امّا إثباتا،و المراد به مرحلة الإبراز و إظهار الجعل فتارة:يكون الإبرازلا بصورة الاشتراط أي لا تكون القضيّة مصدّرة بأداة الشّرط،كما إذا قيل:المستطيع‏يحجّ.و أخرى:تكون القضيّة مصدّرة بأداة الشّرط،كما إذا قيل:ان استطعت‏فحجّ،و على أيّ تقدير لا يتفاوت الحال،إذ مآل كلّ إلى الآخر،فانّ مآل الشّرط إلى‏الموضوع و مآل الموضوع إلى الشّرط،و النّتيجة واحدة،و هي عدم تحقّق الحكم إلاّ بعدوجود الموضوع و الشّرط.


179

نعم يختلف الحال بحسب الصّناعة العربيّة و القواعد اللّغويّة،فانّه ان لم‏تكن القضيّة مصدّرة بأداة الشّرط تكون القضيّة ح حمليّة طلبيّة أو خبريّة،و ان كانت‏مصدّرة بأداة الشّرط تكون القضيّة الشرطيّة،و لكن مآل القضيّة الحمليّة إلى القضيّةالشّرطيّة أيضا،كما قالوا:انّ كلّ قضيّة حمليّة تنحلّ إلى قضيّة شرطيّة،مقدّمها وجودالموضوع،تاليها عنوان المحمول.فقولنا الجسم ذو أبعاد ثلاثة يكون بمنزلة قولنا:كلّماوجد في العالم شي‏ء و كان ذلك الشي‏ء جسما فهو ذو أبعاد ثلاثة،فبالأخرة لا يتفاوت‏الحال،بين كون القضيّة حمليّة طلبيّة،أو شرطيّة طلبيّة.كما هو الشّأن في الخبريّة،حيث لا يتفاوت الحال فيها،بين كونها حملية كالمثال المتقدّم،أو شرطيّة كقوله كلّماطلعت الشّمس فالنهار موجود،إذ الحمليّة ترجع إلى الشّرطيّة،كما انّ نتيجة القضيّةالشّرطيّة ترجع إلى قضيّة حمليّة،فانّ النّتيجة في قولنا كلّما طلعت الشّمس فالنّهارموجود،هي عبارة عن وجود النّهار عند طلوع الشّمس،فلا فرق،بين ان نقول:النّهار موجود عند طلوع الشّمس،و بين قولنا:كلّما طلعت الشّمس فالنّهار موجود.وقس على ذلك حال القضايا الطّلبيّة،و انّ مرجع الحمليّة منها إلى الشّرطيّة،والشّرطيّة إلى الحمليّة،و النتيجة هي وجود الحكم عند وجود الموضوع و الشّرط.و من‏هنا قلنا:انّ الشّرط يرجع إلى الموضوع،و الموضوع يرجع إلى الشّرط.فتحصّل:انّه لا فرق،بين إبراز القضيّة بصورة الشّرطيّة،و بين إبرازها بصورةالحمليّة.نعم بحسب الصّناعة ينبغي ان يعلم محلّ الاشتراط و الّذي يقع الشّرطعليه،بحسب القواعد العربيّة عند إبراز القضيّة بصورة الشّرطيّة.فنقول:يمكن تصوّر ان يرجع الشّرط إلى المفهوم الأفرادي قبل ورودالتّركيب و النّسبة عليه،أي يرجع القيد إلى المتعلّق الّذي هو فعل المكلّف في المرتبةالسّابقة على ورود الحكم عليه،و هذا هو المراد من رجوع القيد إلى المادّة الّذي ينتج‏الوجوب المط،فانّ معنى رجوع القيد إلى المادّة هو لحاظ المتعلّق في المرتبة السّابقة على‏ورود الحكم عليه مقيّدا بذلك القيد،و بعد ذلك يرد الحكم عليه بما انّه مقيّد بذلك‏القيد،كما إذا لاحظ الصّلاة مقيّدة بكونها إلى القبلة أو مع الطّهارة و بعد ذلك أوجبهاعلى هذا الوجه.فحينئذ يكون وجوب الصّلاة مطلقا غير مقيّد بقيد،و انّ المقيّد هو


180

الصّلاة.و يمكن ان يرجع الشّرط إلى المفهوم التّركيبي أي إلى النّسبة التّركيبية،بمعنى ان تكون النّسبة الإيقاعيّة الّتي تتكفّلها الهيئة مقيدة بذلك القيد.و يمكن ان يكون المنشأ بتلك النّسبة أي الطّلب المستفاد منها مقيّدا بذلك‏القيد.و يمكن ان يكون راجعا إلى المحمول المنتسب،و هذا و ان كان يرجع إلى‏تقييد المنشأ،إلاّ انّهما يفترقان اعتبارا من حيث المعنى الاسميّ و الحرفيّ على ما يأتي‏بيانه.ثمّ انّ رجوعه إلى المحمول المنتسب تارة:يكون في رتبة انتسابه،و أخرى:يكون في الرّتبة المتأخّرة رتبة أو زمانا،فهذه جملة الوجوه المتصوّرة في الشّرط و القيد،و لكن بعض هذه الوجوه ممّا لا يمكن.و بيان ذلك:هو انّهم عرفوا القضيّة الشّرطيّة بما حكم فيها بثبوت نسبة على‏تقدير أخرى،و معنى ذلك هو لزوم ان يكون راجعا إلى مفاد الجملة و المفهوم‏التّركيبي،و لا يصح إرجاعه إلى المفهوم الأفرادي،بل تقييد المفهوم الأفرادي انّمايكون بنحو التّوصيف و الإضافة،لا بأداة الشّرط،فما في التّقرير1من إرجاع‏الشّرط إلى المادّة اشتباه.1و ربّما يختلج في البال:انّ رجوع الشرط إلى وجوب الإكرام عبارة عن رجوع الشرط إلى المنشأ الّذي‏قد تقدّم انّه لا يمكن رجوع الشرط إليه لكونه معنى حرفيّا،إذ المنشأ هو وجوب الإكرام المستفاد من الهيئة،و كونه‏في المرتبة المتأخرة عن النسبة الإيقاعيّة لا يخرجه عن كونه معنى حرفيّا غير ملتفت إليه عند إيقاع النسبة الطلبيّة.كماانّه ربّما يختلج في البال:عدم إمكان رجوع الشرط إلى المادة الواجبة،لأنّه عند ورود الهيئة على المادة،امّا ان تردعليها غير مشروطة بشرط،و امّا ان ترد عليها مشروطة.و على الأوّل:لا يمكن لحوق الاشتراط لها.و على الثاني:يرجع القيد إلى المادة الّذي أنكرناه.و ربّما يختلج في البال أيضا:رجوع الشرط إلى ما هو الموضوع في القضيّة الجزائيّة،و هو النّهار في مثل النّهارموجود إذا كانت القضيّة خبريّة،و إلى الفاعل المكلّف إذا كانت القضيّة طلبيّة،فيكون المعنى:النّهار الّذي طلع‏عليه الشمس موجود،و زيد المستطيع يحجّ،فتأمل جيدا-منه.


181

و قد حكى عن السّيد الكبير الشّيرازي قده،بأنّ المقرّر قد اشتبه و لم يصل‏إلى مطلب الشّيخ قده،و كان نظر الشّيخ قده في إنكار رجوع الشّرط إلى الهيئة إلى‏انّ الإنشاء غير قابل للتقييد.و على كل حال لا يهمّنا تصحيح ما في التقرير بعدوضوح المطلب،و ان الشرط لا يمكن ان يرجع إلى المفهوم الأفرادي،بل الشّرط لا بدّ ان‏يرجع إلى المفهوم التّركيبي و مفاد الجملة،كما هو ظاهر تعريف القضيّة الشّرطيّة:بأنها ما حكم فيها بثبوت نسبة على تقدير أخرى.و كذلك لا يمكن إرجاع الشّرط إلى الهيئة بمعناها الإيقاعي،بحيث يرجع‏الشّرط إلى الإنشاء،لوضوح انّ الإنشاء غير قابل للاشتراط و التّعليق،و لا يتصف‏بالإطلاق و الاشتراط،و انّما يتّصف بالوجود و العدم.و كذلك لا يمكن إرجاع الشّرط إلى المنشأ بالهيئة،لأنّ الاشتراط يتوقّف على‏لحاظ المعنى اسميّا استقلاليّا،و لا يعقل ورود الشّرط على المعنى الحرفي،لا لكون المعنى‏الحرفي جزئيا و انّ الموضوع له فيه خاصّ،حتّى يرد عليه ان المعنى الحرفي ليس‏بجزئي بل الموضوع له فيه عام كالوضع،بل لأن المعنى الحرفي ممّا لا يمكن ان يلتفت‏إليه بما انّه معنى حرفي،لفنائه في الغير و كونه مغفولا عنه في موطن وجوده الّذي هوموطن الاستعمال،على ما تقدم بيانه في مبحث الحروف،فالمنشأ بهذه الهيئة لا يمكن‏ان يقيد،لعدم الالتفات إليه و لا يقع النّظر الاستقلالي نحوه،بل هو مغفول عنه عندإلقاء الهيئة،فلا يعقل ان يرجع الشّرط إلى مفاد الهيئة الّذي هو معنى حرفيّ.و كذا لا يعقل ان يرجع الشّرط إلى المحمول المنتسب بعد الانتساب في الزّمان‏لاستلزامه النّسخ،إذ لو فرض تأخّر الاشتراط عن وجوب الإكرام مثلا زمانا يلزم‏النسخ كما لا يخفى.و كذا لا يمكن ان يرجع الشرط إلى المحمول في رتبة الانتساب،سواء أريد من المحمول المتعلق،و هو الإكرام الّذي يحمل على الفاعل،أو أريد منه‏الوجوب،لأنّه على كلّ تقدير يرجع التّقييد إلى المفهوم الأفرادي.فلا بدّ من ان يرجع‏التّقييد إلى المحمول المنتسب بوصف كونه منتسبا،1أي وجوب الإكرام أو1مطارح الأنظار-الهداية الرابعة من مباحث مقدمة الواجب«إذا ثبت وجوب شي‏ء و شك في كونه‏


182

الإكرام الواجب.و بعبارة أوضح:الشّرط لا بدّ ان يرجع إلى ما هو نتيجة الحمل في القضيّةالخبريّة،أو نتيجة الطّلب في القضيّة الطّلبيّة.ففي مثل كلّما كانت الشّمس طالعةفالنّهار موجود يكون المشروط هو وجود النّهار،و في مثل ان جاءك زيد فأكرمه،يكون المشروط هو الإكرام الواجب أو وجوب الإكرام.و الظّاهر رجوع كلّ منهما إلى‏الأخر،و السّر في لزوم رجوع الشّرط إلى مفاد الجملة و المتحصّل منها،هو ما عرفت:من كون القضيّة الشّرطيّة انّما هي تعليق جملة بجملة أخرى،و هذا لا يستقيم إلاّ ان‏يرجع الشّرط إلى مفاد الجملة الخبريّة أو الطّلبيّة،و هو في القضيّة الخبريّة وجودالنّهار مثلا،و في القضيّة الطّلبيّة وجوب الإكرام أو الإكرام المتلوّن بالوجوب،والنّتيجة امر واحد.و على كلّ تقدير يحصل المطلوب،و هو أخذ الشّرط مفروض‏الوجود،لأنّ أداة الشّرط انّما خلقت لفرض وجود متلوّها،و يرجع بالأخرة إلى‏الموضوع و يكون مفاد(ان استطعت فحج)مع(يجب الحجّ على المستطيع)امرا واحدا،كما عرفت بما لا مزيد عليه.مشروطا أو مطلقا...»ص 46.و قد تكلم صاحب التقريرات حول هذا المعنى في الهداية الخامسة أيضا راجع‏ص 48 من المصدر.و اعلم ان المذكور في«قوامع الفضول»أيضا رجوع القيد إلى المادّة دون الهيئة و استدل له بنفس الوجهين‏الذين استدل بهما صاحب التقريرات حكاية عن الشيخ قدس سره.راجع قوامع الفضول-المقالة الأولى-مبحث مقدمة الواجب الأمر الثاني،ص 141-140و المحقق الجليل الحاج ميرزا حبيب اله الرشتي قدس سره نسب هذا الوجه في«بدائع الأفكار»إلى الشيخ‏قدس سره مترددا.قال:«و قد يجاب عن هذا الإشكال بما أجنبا به عن الإشكال الأوّل من رجوع القيد إلى المادّة،و كأنّه يقول به شيخ مشايخنا الأعظم العلامة الأنصاري طاب ثراه و ان معنى قوله:أكرم زيدا ان جاءك،أريدمنك الإكرام بعد المجي‏ء فيكون أصل الإكرام مقيّدا لا الوجوب المتعلق به حتى يرد:ان التقييد لا يناسب‏المبهمات...»راجع بدائع الأفكار.المقصد الأوّل من المقاصد الخمسة.المبحث الثالث من مباحث تقسيم الواجب إلى‏المطلق و المشروط.ص 314.و هذا ما يستفاد منه عدم تفرد صاحب التقريرات في تقرير هذا المعنى من الشيخ قدس سرّهما و اللّه اعلم.


183

قد ظهر ممّا قدّمناه:الفرق بين المقدّمة الوجوبيّة و المقدّمة الوجوديّة،حيث‏انّ المقدّمة الوجوبيّة ما كانت واقعة فوق دائرة الطّلب،و تؤخذ مفروضة الوجود في‏المرتبة السّابقة على الطّلب،و لا يمكن وقوعها بعد ذلك تحت دائرة الطّلب بحيث يلزم‏تحصيلها،للزوم الخلف كما لا يخفى.و هذا بخلاف المقدّمة الوجوديّة،فانّها واقعة تحت دائرة الطّلب و يلزم‏تحصيلها.و بعد ذلك نقول:انّ القيود و الإضافات الّتي اعتبرت في ناحية المتعلّق أوالمكلّف على اختلافها،من حيث كونها من مقولة المكان أو الزّمان و غير ذلك من‏ملابسات الفعل حتّى الحال،لا تخلو امّا ان تكون اختياريّة تتعلّق بها إرادة الفاعل،وامّا ان تكون غير اختياريّةفان كانت غير اختياريّة فلا محيص من خروجها عن تحت دائرة الطّلب،إذلا يعقل التّكليف بأمر غير اختياريّ،فكلّ طرف إضافة خارج عن تحت الاختيارلا بدّ من خروجه عن تحت الطّلب و يكون الطّلب متعلّقا بالقطعة الاختياريّة،والقطعة الغير الاختياريّة لا بدّ من أخذها مفروضة الوجود واقعة فوق دائرة الطّلب،وتكون ح من المقدّمات الوجوبيّة و يكون الواجب مشروطا بالنّسبة إليها.و امّا إذا كانت الملابسات اختياريّة و تتعلّق بها إرادة الفاعل فوقوعها تحت‏دائرة الطلب بمكان من الإمكان،كما انّ وقوعها فوق دائرة الطّلب أيضا بمكان من‏الإمكان،فتصلح ان تكون مقدّمة وجوديّة بحيث يتعلّق الطّلب بها،و تكون لازمةالتّحصيل كالطّهارة بالنّسبة إلى الصّلاة،و تصلح ان تكون مقدّمة وجوبيّة تؤخذمفروضة الوجود و تكون غير لازمة التّحصيل كالاستطاعة في الحجّ.هذا بحسب عالم‏الثّبوت.و امّا في عالم الإثبات فالمتّبع هو لسان الدّليل و ما يستفاد منه بحسب القرائن‏و مناسبات الحكم و الموضوع.فان استفيد منه انّه مقدّمة وجوبيّة فهو،و ان استفيدانّه مقدّمة وجوديّة كانت لازمة التّحصيل.و ان لم يمكن استفادة أحد الوجهين من‏الأدلّة و وصلت النّوبة إلى الشّك،كان ذلك من الشّك بين الواجب المشروط و


184

المطلق،و سيأتي ما هو الوظيفة عند الشّك في ذلك.ثمّ انّ القيود ربّما يكون لها دخل في أصل مصلحة الوجوب بحيث لا يتمّ‏ملاك الأمر إلاّ بعد تحقّق القيد.و قد تكون لها دخل في مصلحة الواجب،بمعنى انّ‏فعل الواجب لا يمكن ان يستوفى المصلحة القائمة به إلاّ بعد تحقّق القيد الكذائي،و ان‏لم يكن ذلك القيد له دخل في مصلحة الوجوب‏1.و هذان الوجهان يتطرقان في جميع‏القيود الاختياريّة و غيرها.مثلا الزّمان الخاصّ يمكن ان يكون له دخل في مصلحةالوجوب،و يمكن ان لا يكون له دخل في ذلك بل له دخل في مصلحة الواجب،ولا ملازمة بين الأمرين،مثلا خراب البيت يقتضى الأمر بالبناء،و هذا الخراب‏حصل في أوّل الصّبح،فمصلحة الأمر بالبناء قد تمّت و تحقّقت من أوّل الصّبح،و لكنّ البناء و التّعمير الواجب لا يمكن ان يستوفى المصلحة القائمة به إلاّ بعد الزّوال.و الحاصل:انّه يمكن ان تكون مصلحة الوجوب قد تحقّقت،و لكن مصلحةالواجب لم تتحقّق إلاّ من بعد مضيّ زمان،كما ربّما يدعى ذلك في باب الصّوم،حيث يدّعى انّ المستفاد من الأخبار هو انّ مصلحة وجوب الصّوم في الغد متحقق‏من أوّل اللّيل،و لكنّ المصلحة القائمة بالصّوم لا يمكن تحقّقها إلاّ عند الفجر،كما ربّمايدعى ظهور مثل قوله:إذا زالت الشّمس وجب الصّلاة و الطّهور (1) في انّ الزّوال له‏دخل في كلّ من مصلحة الوجوب و الواجب.و على كلّ حال،إذا كان القيد غير اختياريّ،فلا بد من ان يؤخذ مفروض‏الوجود،و يكون من الشّرائط الوجوبيّة الواقعة فوق دائرة الطّلب،سواء كان ذلك‏القيد ممّا له دخل في مصلحة الوجوب أو كان له دخل في مصلحة الواجب،و سواءكان ذلك القيد من مقولة الزّمان أو كان من سائر المقولات،إذ العبرة في أخذه‏مفروض الوجود،هو كونه غير اختياريّ غير قابل لتعلّق الطلب به،من غير فرق في ذلك‏1كما انّه يمكن ان لا يكون للخصوصيّة الكذائيّة دخل لا في ملاك الوجوب و لا في ملاك الواجب،فيكون كلّ من الوجوب و الواجب بالنّسبة إليه مطلقا،كطيران الغراب مثلا-منه.

1)الوسائل،الجزء الأول،الباب 4 من أبواب الوضوء الحديث 1 ص 261 و لا يخفى ان في الخبر«إذا دخل‏الوقت وجب الطهور و الصلاة»


185

بين الزّمان و غيره.و خالف في ذلك صاحب الفصول‏1و قال:بإمكان وقوع الطّلب فوق قيدغير اختياريّ إذا لم يكن ذلك القيد ممّا له دخل في مصلحة الوجوب و ان كان له‏دخل في مصلحة الواجب،و التزم بإمكان كون الطّلب و الوجوب حاليّا و ان كان‏الواجب استقباليّا،و سمّى ذلك بالواجب المعلّق،و جعله مقابل الواجب المشروطو المطلق،و تبعه في ذلك بعض من تأخّر عنه،و عليه بنى لزوم تحصيل مقدّماته قبل‏حضور وقت الواجب إذا كان لا يمكنه تحصيلها في وقته،كالغسل قبل الفجر في باب‏الصّوم،فانّه لمّا كان الوجوب حاليا قبل حضور وقت الواجب كان ترشح الوجوب‏من ذي المقدّمة إلى مقدّماته بمكان من الإمكان،و يرتفع إشكال وجوب المقدّمة قبل‏وقت ذيها.ثمّ انّ صاحب الفصول قد عمّم ذلك بالنّسبة إلى المقدّمة المقدورة،و قال:بإمكان الواجب المطلق فيما إذا كان القيد امرا اختياريّا،فراجع‏2كلامه في المقام.و على كلّ حال،قد تبع بعض صاحب الفصول في إمكان الواجب المعلّق و انّه‏مقابل الواجب المشروط و المط،إلاّ انّه قال:لا ينحصر التفصي عن إشكال وجوب‏تحصيل المقدّمات قبل مجي‏ء وقت الواجب بذلك،بل يمكن دفع الأشكال أيضابالتزام كون الوقت أو غيره ممّا أخذ قيدا للواجب من قبيل الشّرط المتأخّر،و حينئذ1الفصول ص 81-80 تمهيد مقال لتوضيح حال.«و ينقسم باعتبار آخر إلى ما يتعلق وجوبه‏بالمكلف و لا يتوقف حصوله على امر غير مقدور له كالمعرفة و ليسمّ منجزا،و إلى ما يتعلق وجوبه به و يتوقف حصوله‏على امر غير مقدور له و ليسمّ معلقا كالحج،فان وجوبه يتعلق بالمكلف من أوّل زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة ويتوقف فعله على مجي‏ء وقته و هو غير مقدور له،و الفرق بين هذا النوع و بين الواجب المشروط هو ان التوقف هناك‏للوجوب،و هنا للفعل...»2نفس المصدر فانه قدس سره ذكر بعد سطور مما نقلنا عنه في الصدر:«و اعلم انه كما يصح ان يكون وجوب الواجب على تقدير حصول امر غير مقدور(و قد عرفت بيانه)كذلك‏يصح ان يكون وجوبه على تقدير حصول امر مقدور فيكون بحيث لا يجب على تقدير عدم حصوله و على تقديرحصوله يكون واجبا قبل حصوله و ذلك كما لو توقف الحج المنذور على ركوب الدّابّة المغصوبة.»


186

يكون الوجوب فيه أيضا حاليا إذا فرض وجود الشّرط في موطنه،فتجب مقدّماته قبل‏وقته.و الفرق بين هذا و الواجب المعلّق الّذي قال به صاحب الفصول،هو انّ‏الشّرط في الواجب المعلّق انّما يكون شرط الواجب و ممّا يكون له دخل في مصلحته،من دون ان يكون الوجوب مشروطا به و له دخل في ملاكه.و هذا بخلاف ذلك،فانّ الشّرط انّما يكون شرطا للوجوب و له دخل في ملاكه،لكن لمّا أخذ على نحوالشّرط المتأخّر كان تقدّم الوجوب عليه بمكان من الإمكان،للعلم بحصول الشّرط في‏موطنه،على ما حقّقه من إرجاع الشّرط المتأخّر إلى الوجود العلمي.و على كلّ حال،كلامنا الآن في إمكان الواجب المعلّق و عدم إمكانه،و انّه‏هل يعقل ان يكون الوجوب حاليا مع توقّف الواجب على قيد غير اختياريّ بحيث‏يترشّح منه الوجوب إلى مقدّماته؟أو انّ ذلك غير معقول،بل لا بدّ ان يكون الوجوب‏مشروطا بالنّسبة إلى ذلك الأمر الغير الاختياري،و لا محيص من أخذه مفروض‏الوجود قبل الطّلب حتّى يكون الطّلب متأخّرا عنه على ما أوضحناه.و ح إذا فرض‏وجوب مقدماته قبل ذلك،فلا بدّ ان يكون ذلك بملاك آخر غير ملاك الوجوب الغيري‏الّذي يترشّح من وجوب ذي المقدّمة،إذ لا وجوب له قبل حصول الشرط،فكيف‏يترشّح الوجوب إلى مقدّماته؟بل وجوب المقدمات يكون حينئذ لبرهان التفويت‏على ما سيأتي بيانه.إذا عرفت ذلك‏فاعلم:انّ امتناع الواجب المعلّق في الأحكام الشّرعيّة الّتي تكون على نهج‏القضايا الحقيقيّة بمكان من الوضوح،بحيث لا مجال للتّوهّم فيه.نعم في القضاياالخارجيّة يكون للتّوهّم مجال،و ان كان الحقّ في ذلك أيضا امتناعه كما سيأتي.امّا امتناعه في القضايا الحقيقيّة،فلأنّ معنى كون القضيّة حقيقيّة،هو أخذالعنوان الملحوظ مرآة لمصاديقه المفروض وجودها موضوعا للحكم،فيكون كلّ حكم‏مشروطا بوجود الموضوع بما له من القيود،من غير فرق بين ان يكون الحكم من‏الموقّتات أو غيرها،غايته انّ في الموقّتات يكون للموضوع قيد آخر سوى القيود المعتبرة


187

في موضوعات سائر الأحكام:من العقل و البلوغ و القدرة و غير ذلك،و هذه‏القضيّة إنشائها انّما يكون أزليّا و فعليتها انّما تكون بوجود الموضوع خارجا.و حينئذينبغي ان يسأل ممّن قال بالواجب المعلّق،انّه أيّ خصوصيّة بالنّسبة إلى الوقت‏حيث قلت بتقدّم الوجوب عليه،و لم تقل بذلك في سائر القيود؟فكيف لم تقل‏بفعليّة الوجوب قبل وجود سائر القيود من البلوغ و الاستطاعة،و قلت بها قبل وجودالوقت مع اشتراك الكلّ في أخذه قيدا للموضوع؟و ليت شعري ما الفرق بين الاستطاعة في الحجّ و الوقت في الصّوم،حيث‏كان وجوب الحجّ مشروطا بالاستطاعة بحيث لا وجوب قبلها،و كان وجوب الصّوم‏غير مشروط بالفجر بحيث يتقدّم الوجوب عليه،فان كان ملاك اشتراط وجوب الحجّ‏بالاستطاعة لمكان قيديّة الاستطاعة للموضوع و أخذها مفروضة الوجود،فلا يمكن ان‏يتقدّم الوجوب عليها و إلاّ يلزم الخلف،فالوقت أيضا كذلك بالنّسبة إلى الصّوم فانّه‏قد أخذ قيدا للموضوع،بل الأمر في الوقت أوضح،لأنّه لا يمكن إلاّ أخذه مفروض‏الوجود،لأنّه امر غير اختياريّ ينشأ من حركة الفلك و لا يمكن إلاّ أخذه مفروض‏الوجود،لأنّه امر غير اختياريّ ينشأ من حركة الفلك و لا يمكن ان تتعلّق به إرادةالفاعل من وجوه،و قد عرفت انّ كلّ قيد غير اختياريّ لا بدّ ان يؤخذ مفروض‏الوجود و يقع فوق دائرة الطّلب،و يكون التّكليف بالنّسبة إليه مشروطا لا محالة وإلاّ يلزم تكليف العاجز.و هذا بخلاف الاستطاعة،فانّها من الأمور الاختياريّة الّتي‏يمكن تحصيلها.و بالجملة:التّكليف في القضايا الحقيقيّة لا بدّ ان يكون مشروطا بالنّسبةإلى جميع القيود المعتبرة في الموضوع،من غير فرق في ذلك بين الزّمان و غيره،مضافاإلى ما في الزّمان و أمثاله من الأمور الغير الاختياريّة،من انّه لا بدّ من أخذه مفروض‏الوجود،و إلاّ يلزم تكليف العاجز.و ح كيف يمكن القول بأنّ التّكليف بالنّسبة إلى‏سائر قيود الموضوع يكون مشروطا؟و بالنّسبة إلى خصوصيّة الوقت و الزّمان يكون‏مط؟فانّه مضافا إلى امتناع ان يكون مط بالنّسبة إليه،يسأل عن الخصوصيّة الّتي‏امتاز الوقت بها عن سائر القيود،فانّه ان كان لمكان تقدّم الإنشاء عليه فالإنشاءمتقدّم على جميع القيود،لأنّه أزليّ،و ان كان لمكان عدم دخله في مصلحة الوجوب‏


188

و انّما يكون له دخل في مصلحة الواجب،فهذا ممّا لا دخل له بالمقام بعد ما فرض انّه‏أخذ قيدا للموضوع و قال:يجب الصّوم عند طلوع الفجر،و قد عرفت:انّ قيديّة شي‏ءللموضوع انّما يكون باعتبار أخذه مفروض الوجود،كما هو الشّأن في القضاياالحقيقيّة،و بعد أخذه مفروض الوجود لا يعقل ان يتقدّم التّكليف عليه،لأنّ معنى‏تقدّم التّكليف عليه هو ان يكون التّكليف بالنّسبة إليه مط،كما هو الشّأن في سائرالقيود الّتي يتقدّم التّكليف عليها،كالطّهارة،و السّاتر،و غير ذلك.و هذا كما ترى‏يستلزم محالا في محال،لأنّه يلزم أوّلا لزوم تحصيله،كما هو الشّأن في جميع القيود الّتي‏تقع تحت دائرة الطّلب،كالطّهارة و السّتر،و المفروض انّه لا يمكن تحصيله،لأنّه غيراختياريّ للمكلّف،و يلزم أيضا تحصيل الحاصل لاستلزامه تحصيل ما هو مفروض‏الوجود.و بالجملة:دعوى إمكان الواجب المعلّق في القضايا الشّرعيّة الّتي تكون‏على نهج القضايا الحقيقيّة في غاية السّقوط و الفساد،بحيث لا ينبغي ان يتوهّم.و امّا دعوى إمكانه في القضايا الخارجيّة فكذلك أيضا،بل انّ برهان‏الامتناع يطرد في كلا المقامين على نسق واحد،لوضوح انّه لو قال:صلّ في مسجدالكوفة عند طلوع الفجر،فقد أخذ طلوع الفجر مفروض الوجود،و لا يمكن ان لايأخذه كذلك،و بعد أخذه مفروض الوجود لا يمكن ان يتقدّم التّكليف عليه،و إلاّيلزم ما تقدّم من المحال،فكما انّ التّكليف يكون مشروطا بمجي‏ء زيد عند قوله:لو جاءك‏زيد فأكرمه،فكذلك يكون التّكليف يكون مشروطا بطلوع الفجر عند قوله:صلّ في‏المسجد عند طلوع الفجر،و برهان الاشتراط في الجميع واحد،و انّه لا بدّ من أخذالقيد مفروض الوجود إذا كان القيد غير اختياريّ للمكلّف،كمجي‏ء زيد،و قدوم‏الحاجّ،و طلوع الفجر،و غير ذلك،و بعد أخذه مفروض الوجود لا يمكن ان يكون‏التّكليف مط و يتقدّم الوجوب عليه.فظهر:انّ برهان امتناع الواجب المعلّق انّما هو لأجل انّه لا يمكن ان يكون‏التكليف مطلقا بالنسبة إلى قيد غير اختياري للمكلف،بحيث لا يمكن ان تتعلق‏إرادته به،بل لا بد ان يكون التكليف بالنّسبة إليه مشروطا.و ليس برهان امتناع‏


189

الواجب المعلّق هو امتناع تعلّق التّكليف بأمر مستقبل كما توهم،فان ذلك ممّالا يدّعيه أحد و لا يمكن ادّعائه،و كيف يمكن إنكار إمكان تعلّق التّكليف بأمرمستقبل؟مع انّ الواجبات الشّرعيّة كلّها من هذا القبيل،فلا كلام في ذلك،و انّماالكلام في كون التّكليف مط أو مشروطا،و إلاّ فان تعلّق الإرادة بأمر مستقبل‏بمكان من الوضوح،بحيث لا مجال لإنكاره،بل يستحيل ان لا تتعلّق الإرادة من‏الملتفت بأمر مستقبل إذا كان متعلّقا لغرضه،لوضوح انّ الشّخص إذا التفت إلى‏شي‏ء:من أكل،و شرب،و صلاة،و صوم،فامّا ان لا يكون ذلك الشّي‏ء متعلّقالغرضه و لا تقوم به مصلحة و لا مفسدة،فلا كلام فيه.و إما ان يكون ذلك الشي‏ءمتعلقا لغرضه،فاما ان يكون متعلقا لغرضه على كلّ تقدير و في جميع الحالات،و امّاان يكون متعلّقا لغرضه على تقدير دون تقدير.و على الثّاني امّا ان يكون ذلك التّقديرحاصلا عند الالتفات إلى الشّي‏ء،و امّا ان يكون غير حاصل.و على الجميع،امّا ان‏يكون ذلك امرا اختياريّا له بحيث يمكن ان تتعلّق الإرادة به،و امّا ان يكون غيراختياريّ فهذه جملة ما يمكن ان يكون الشّخص الملتفت عليه،و لا يمكن ان يخلو عن‏أحدها.فان التفت إلى الشّي‏ء و كان ذلك الشّي‏ء متعلّقا لغرضه بقول مط و على جميع‏التّقادير،فلا محيص من ان تنقدح الإرادة الفاعليّة و الآمريّة نحو ذلك الشّي‏ء إرادة فعليّةغير منوطة بأمر أصلا.و ان كان ذلك الشّي‏ء و كان ذلك الشّي‏ء متعلّقا لغرضه على تقدير دون تقدير،فان لم يكن ذلك التّقدير حاصلا فلا يمكن ان تتعلّق إرادته الفعليّة به،بل تتعلّق‏الإرادة به على تقدير حصول ذلك التّقدير،بمعنى انّه تحصل له إرادة منوطة بذلك‏التّقدير،و امّا فعليّة الإرادة بان يستتبع حملة النّفس و تصدّيها المستتبع لحركةالعضلات فلا يمكن إلاّ بعد حصول ذلك التّقدير،هذا بالنّسبة إلى إرادة الفاعل.و قس على ذلك إرادة الآمر،فانّ الآمر لو التفت إلى انّ الشّي‏ء الفلاني ذومصلحة على تقدير خاصّ من مجي‏ء زيد،أو طلوع الفجر،فلا بدّ له من الأمر بذلك‏الشّي‏ء مشروطا بحصول ذلك التّقدير،و لا يتوقّف عن الأمر عند الالتفات إليه و يصبرحتّى يحصل التّقدير فيأمر في ذلك الحال،بل يأمر في حال الالتفات قبل حصول‏التّقدير لكن مشروطا بحصول التّقدير،و هذا هو معنى كون إنشاء الأحكام أزليّة،و


190

انّه ليست الأحكام من قبيل القضايا الجزئيّة الخارجيّة،بحيث يكون إنشاء الحكم‏بعد حصول الموضوع و تحقق القيود خارجا،فانّه مضافا إلى إمكان دعوى قيام‏الضّرورة على خلافه،لا يمكن ذلك بعد ما كان الآمر الحكيم ملتفتا أزلا إلى انّ‏الشّي‏ء الفلاني ذو مصلحة في موطن وجوده،فلا بدّ من الأمر بذلك الشّي‏ء قبلا،لكن‏مشروطا بتحقّق موطن وجوده،و لا يصبر و يسكت فعلا عن الأمر إلى ان يتحقّق‏موطن وجوده.و إلى هذا كان نظر الشّيخ قده فيما أفاده بقوله:لأنّ العاقل إذا توجّه إلى‏شي‏ء و التفت إليه،فامّا ان يتعلّق طلبه به أولا يتعلّق إلخ،1فراجع ما في التّقرير،1اعلم ان لصاحب التقريرات في المقام تقريبان ذكرهما في دفع ما ذهب إليه صاحب الفصول من‏التخلص عن العويصة بالالتزام بالواجب المعلق.أحدهما:ما ذكره بناء على ما ذهب إليه الإماميّة من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد،قال:«فالطالب إذا تصوّر الفعل المطلوب فهو اما ان تكون المصلحة الداعية إلى طلبه موجودة فيه على تقديروجوده في ذلك الزمان فقط،أولا يكون كذلك،بل المصلحة فيه تحصل على تقدير خلافه أيضا،فعلى الأوّل فلا بدان يتعلّق الأمر بذلك الفعل على الوجه الّذي يشتمل على المصلحة كان يكون المأمور به هو الفعل المقيد بحصوله‏في الزمان الخاصّ،و على الثاني يجب ان يتعلق الأمر بالفعل المطلق بالنسبة إلى خصوصيات الزمان و لا يعقل ان‏يكون هناك قسم ثالث يكون القيد الزماني راجعا إلى نفس الطلب دون الفعل المطلوب،فانّ تقييد الطلب حقيقةمما لا معنى له،إذ لا إطلاق في الفرد الموجود منه المتعلق بالفعل حتى يصح القول بتقييده بالزمان أو نحوه،فكل مايحتمل رجوعه إلى الطلب الّذي يدلّ عليه الهيئة فهو عند التحقيق راجع إلى نفس المادة و بعد ذلك يظهر عدم‏اختلاف المعنى الّذي هو المناط في وجوب المقدمة.»ثانيهما:ما ذكرناه بناء على عدم الالتزام بالتبعيّة.قال:«فان العاقل إذا توجه إلى امر و التفت إليه،فاما ان‏يتعلق طلبه بذلك الشي‏ء أولا يتعلق طلبه به،لا كلام على الثاني.و على الأوّل فاما ان يكون ذلك الأمر موردا لأمره‏و طلبه مطلقا على جميع اختلاف طوارئه أو على تقدير خاص،و ذلك التقدير الخاصّ قد يكون شيئا من الأمورالاختياريّة كما في قولك:ان دخلت الدار فافعل كذا و قد يكون من أمور التي لا مدخل للمأمور به فيه لعدم‏ارتباطه بما هو مناط تكليفه كما في الزمان و أمثاله،لا إشكال فيما إذا كان المطلوب مطلقا.و اما إذا كان مقيدابتقدير خاص راجع إلى الأفعال الاختيارية فقد عرفت فيما تقدم اختلاف وجوه مصالح الفعل،إذ قد يكون‏المصلحة في الفعل على وجه يكون ذلك القيد خارجا عن المكلف به بمعنى ان المصلحة في الفعل المقيد لكن على وجه‏لا يكون ذلك القيد أيضا موردا للتكليف،هذا على القول بالمصلحة.و اما على تقدير عدمها كما هو المفروض‏


191

فانّ نظر الشّيخ في هذا التّقسيم انّما هو إلى ما ذكرنا:من انّه ليس إنشاءات الأحكام‏الشّرعيّة بعد تحقّق الموضوع خارجا حتّى تكون من قبيل القضايا الخارجيّة،بل انّماتكون إنشاءاتها أزليّة حيث انّ الآمر يكون ملتفتا إليها أزلا،و ليس غرض الشّيخ قده‏من هذا التّقسيم إرجاع القيود إلى المادّة حتّى ينتج امتناع الواجب المشروط،أوإثبات الواجب المعلّق كما استظهره بعض،و ان كانت عبارة التّقرير لا تخلو عن‏مسامحة و إيهام.و على كلّ تقدير،ليس مبنى إنكار الواجب المعلّق هو امتناع التّكليف بأمرمستقبل،بل مبنى الإنكار هو ما عرفت:من ان كلّ قيد غير اختياريّ لا بدّ ان يؤخذمفروض الوجود،و يقع فوق دائرة الطّلب،و معه لا يكاد يمكن تقدّم الوجوب عليه‏لأنّه يلزم الخلف،و ح لو وجبت مقدّماته قبل الوقت،فلا بدّ ان يكون ذلك بملاك‏اخر غير ملاك الوجوب الغيري الّذي يترشّح من وجوب ذي المقدّمة و يستتبع إرادته‏إرادتها.فان قلت:نحن لا نجد فرقا،بين ما لو امر المولى بشي‏ء في وقت خاصّ على نحو أخذ الوقت‏قيدا،كما إذا قال:صلّ في مسجد الكوفة عند طلوع الفجر،و بين ما لو أطلق امره ولم يقيّده بوقت خاصّ،و لكنّ المكلّف لا يتمكّن من امتثاله إلاّ بعد مضيّ مقدار من‏الوقت،كما لو امر بالصّلاة في مسجد الكوفة من غير تقييد،و لكنّ المكلّف كان في‏مكان لا يمكنه الصّلاة في مسجد الكوفة إلاّ عند طلوع الفجر لاحيتاجه إلى السّيرو المشي الّذي لا يصل إليه قبل ذلك،فانّه كما انّ نفس الأمر يقتضى وجوب المشي وفالطلب متعلق بالفعل على هذا الوجه فيصير واجبا مشروطا،و قد يكون المصلحة في الفعل المقيد مطلقا فيصير واجبامطلقا،لكن المطلوب شي‏ء خاص يجب تحصيل تلك الخصوصيّة أيضا،و مما ذكرنا في المشروط يظهر الإطلاق أيضابناء على عدم المصلحة لتعلق الطلب بالفعل على الوجه المذكور.و اما إذا لم يكن راجعا إلى الأمور الاختياريّةفالمطلوب في الواقع هو الفعل المقيد بذلك التقدير الخاصّ و لا يعقل فيه فيه الوجهان كما إذا كان فعلا اختيارياكما عرفت،فرجوع القيد تارة إلى الفعل و أخرى إلى الحكم بحسب القواعد العربيّة مما لا يجهل بعد اتحاد المناط في‏هذه المسألة العقليّة.»(مطارح الأنظار،الهداية الخامسة من مباحث مقدمة الواجب ص 49-48)


192

السّير عند إطلاقه،و يستتبع وجوب مقدّمات الصّلاة في المسجد،و تترشّح إرادةالمقدّمات من نفس إرادة الصّلاة في المسجد،فكذلك في صورة تقييد الأمر بالصّلاة في‏المسجد عند طلوع الفجر،فانّه يجب عليه أيضا المشي و السّير لإدراك الصّلاة في‏المسجد عند الطّلوع،و يستتبع وجوب المقدّمات،و تترشّح إرادتها من نفس إرادةالصّلاة في المسجد عند الطّلوع،و هذا لا يكون إلاّ بتقدم الوجوب على الفجر حتى‏يقتضى وجوب السّير و ان كان الواجب استقباليّا،و لا نعنى بالواجب المعلّق إلاّهذاو الحاصل:انّه بعد تماميّة مبادئ الإرادة كما هو مفروض الكلام،حيث‏انّ الكلام فيما إذا لم يكن للزّمان دخل في مصلحة الوجوب و كان له دخل في‏مصلحة الواجب،فلا بدّ من انقداح الإرادة الآمرية و الفاعلية في نفس الآمرو الفاعل.و كون المراد متأخرا أو متوقفا على قيد غير حاصل لا يمنع من انقداح‏الإرادة الفعليّة في النّفس،كما يتّضح ذلك بما قدمناه من المثال،حيث لا نجد فرقابين ما كان المطلوب نفس الصّلاة في المسجد،أو كان المطلوب الصلاة في المسجد في‏وقت خاصّ،فانّه في كلام المقامين يقتضى الجري نحو المقدّمات،و يوجب السّعي والمشي لإدراك المطلوب،و ليس ذلك إلاّ لمكان فعليّة الإرادة.قلت:ليس الأمر كذلك،فانّه لو كان المطلوب نفس الصّلاة في المسجد من غيراعتبار وقت خاصّ،فالإرادة الفاعليّة أو الآمريّة تتعلّق بنفس الصّلاة لكونهامقدورة،و ان توقّف فعلها على سعى و مشى و لكن ذلك لا يخرجها عن كونها مقدورةو لو بالواسطة،كما هو الشّأن في جميع ما يكون مقدورا بالواسطة،حيث تتعلق الإرادةبه نفسه في الحال،و من تعلّق الإرادة به تتعلّق إرادة تبعيّة بمقدّماته،فلو كانت نفس‏الصّلاة بلا قيد مطلوبا كانت الإرادة لا محالة متعلّقة بها،و يلزمها تعلّق الإرادة التّبعيّةبمقدّماتها من السّعي و المشي.و امّا لو كانت الصّلاة مطلوبة على تقدير خاصّ من وقت مخصوص،والمفروض انّ ذلك التّقدير ليس اختياريّا للشّخص بحيث يمكنه تحصيله،فلا يمكن ان‏


193

تتعلّق الإرادة بها مرسلة،بل انّما تتعلّق الإرادة بها على تقدير حصول الوقت،و كيف‏يمكن ان تتعلّق الإرادة بأمر مقيّد بما هو خارج عن القدرة مع عدم حصوله؟إذ ليست‏الإرادة عبارة عن نفس الحبّ و الشوق حتّى يقال:يمكن تعلّق الحبّ و الشّوق بأمرمحال التّحقق،فضلا عمّا يمكن تحقّقه و لو عن غير اختيار،فضلا عمّا هو مقطوع‏التّحقق كالفجر في المثال،بل المراد من الإرادة هي الّتي يعبّر عنها بالطّلب عند من‏يقول باتحاد الطّلب و الإرادة،و معلوم:انّ الطّلب عبارة عن حملة النّفس و تصدّيهانحو المطلوب،و هل يعقل تصدّى النّفس نحو ما يكون مقيّدا بأمر غير اختياريّ؟كلاّلا يمكن ذلك،بل النّفس انّما تتصدّى نحو الأمر الاختياري،و هو ذات الصّلاة،والمفروض انّ ذاتها ليست مطلوبة،بل المطلوب منها هو خصوص المقيّدة بكونها عندالطّلوع،و فرضنا انّها باعتبار القيد غير اختياريّة،فكيف يمكن ان تتعلّق الإرادةالفعليّة بها؟و ما يتراءى من المشي و السّعي نحو مسجد الكوفة لإدراك الصّلاة عندطلوع الفجر إذا كانت مطلوبة بهذا الوجه،فانّما هو لمكان التّفويت،حيث انّه لو لم‏يسع إلى ذلك يفوت عنه مصلحة الصّلاة في المسجد عند الفجر،و أين هذا ممّا نحن‏فيه،من تعلّق الإرادة التّبعيّة الناشئة من إرادة ذي المقدّمة؟فانّ باب الإرادة التّبعيّةامر،و باب التّفويت امر آخر،فالمستشكل كان حقّه ان لا يمثّل بما يجري فيه برهان‏التّفويت،بل يفرض الكلام فيما إذا لم يتوقّف المطلوب على مقدّمات يلزم تحصيلهالمكان التّفويت،كما لو فرض انّ الشّخص حاضر في مسجد الكوفة،ففي مثل هذايتّضح الفرق بين المثالين:مثال كون الصّلاة مطلوبة بلا قيد،و مثال كونها مطلوبةعند طلوع الفجر،فهل يمكنه ان يقول:انّه لا نجد فرقا بين المثالين؟كلاّ لا يمكنه‏ذلك،فانّه لو كانت نفس الصّلاة مطلوبة بلا قيد فلا محالة انّه يحرّك عضلاته نحوها ويأتي بها في الحال،بخلاف ما إذا كانت مطلوبة على تقدير طلوع الفجر،فانه لا يحرّك‏عضلاته نحوها في الحال بل ينتظر و يصبر حتّى يطلع الفجر.و ليس ذلك إلاّ لمكان‏عدم تعلق الإرادة الفعليّة بها،و هل يمكن لأحد ان يدّعى عدم الفرق بين المثالين وانّ الإرادتين في كليهما على نهج واحد؟.فعلم من جميع ما ذكرنا:انّه لا مجال لدعوى إمكان الواجب المعلّق،و انّ‏


194

تثليث الأقسام ممّا لا وجه له،بل الواجب ينقسم إلى مطلق و مشروط،من دون ان‏يكون لهما ثالث،فكلّ خصوصيّة لم تؤخذ مفروضة الوجود فالواجب يكون بالنّسبةإليها مط،و ان أخذت مفروضة الوجود فالواجب بالنّسبة إليها مشروط،و تقسيم‏المقدّمة إلى الوجوديّة و الوجوبيّة انّما ينشأ من هذا،فانّ المقدّمة الوجوديّة هي ماأخذت تحت دائرة الطّلب،و المقدّمة الوجوبيّة هي ما أخذت فوق دائرة الطّلب،وهي الّتي لو حظت مفروضة الوجود،سواء كانت اختياريّة أو غير اختياريّة،فانّه‏لا يفترق الحال في ذلك بعد أخذها مفروضة الوجود.ثمّ انّه لا إشكال،في انّ وجوب المقدّمات الوجوديّة يتبع في الإطلاق والاشتراط وجوب ذيها،فان كان وجوب ذي المقدّمة مط فلا بدّ ان يكون وجوب‏المقدّمات الوجوديّة أيضا مط،و ان كان مشروطا فكذلك،و السّر في ذلك واضح،لأن وجوب المقدّمة انّما يترشّح من وجوب ذيها،فلا يعقل ان يكون وجوب ذي‏المقدّمة مشروطا و وجوب المقدّمة مط،لأنّ فاقد الشّي‏ء لا يمكن ان يكون معطي‏الشّي‏ء،فلا تجب المقدّمات الوجوديّة إلاّ عند وجوب ذيها و حصول ما يكون شرطالوجوبها.هذا حسب ما تقتضيه قاعدة التّبعيّة عقلا.و لكن انخرمت هذه القاعدة في عدة موارد،حيث كانت المقدّمات الوجوديّةلازمة التّحصيل قبل وجوب ذيها و حصول المقدّمة الوجوبيّة،و الّذي ألجأ صاحب‏الفصول إلى الالتزام بالواجب المعلّق هو هذا،حيث شاهد وجوب بعض المقدّمات‏الوجوديّة قبل حصول ما هو الشّرط في وجوب ذي المقدّمة كالوقت،فالتزم بتقدم‏الوجوب على الوقت.و حيث أبطلنا الواجب المعلّق فلا بدّ لنا من بيان وجه وجوب تلك‏المقدّمات الوجوديّة قبل وجوب ذيها.و لا يخفى عليك:اختلاف كلمات الفقهاء و اضطرابها في بيان الموارد الّتي‏تجب فيها المقدّمات،فتراهم في مورد يحكمون بوجوب المقدّمة الوجوديّة قبل حصول‏وقت ذي المقدّمة،و تريهم في مورد آخر لا يحكمون بذلك،كما انّه في المورد الواحديفرّقون بين المقدّمات الوجوديّة،فيوجبون بعضها و لا يوجبون البعض الأخر،مثلاتريهم يقولون:لا يجوز إراقة الماء قبل الوقت لمن يعلم بأنه لا يتمكّن من الوضوء بعد


195

الوقت،و مع ذلك يقولون:بجواز إجناب نفسه مع علمه بعدم تمكّنه من الغسل.وكذا تريهم في باب الاستطاعة يقولون:انّه لا يجوز تفويتها بعد حصولها و لو قبل أشهرالحجّ،و ربّما خصّ ذلك بعض بأشهر الحجّ و انّه قبل ذلك يجوز تفويتها.و ربّمايفرقون،بين المقدّمات الوجوديّة الحاصلة قبل الوقت فلا يجوز تفويتها،و بين المقدّمات‏الغير الحاصلة فلا يجب تحصيلها.و بالجملة:المسألة مشكلة جدّاً و الكلمات فيها مضطربة غاية الاضطراب.و قد يدفع الأشكال باعتبار الملاك،حيث انّ المقدّمات الوجوديّة لمّا لم‏يكن لها دخل في الملاك،فكلّ مورد تمّ ملاك الوجوب لزم تحصيل مقدمات‏الواجب و ان كان ظرف امتثال الواجب متأخّرا،إلاّ انّه لمّا لم يتمكّن من تحصيل‏المقدّمات في ظرف وجوبه،كان اللازم عليه عقلا حفظ قدرته من قبل لمكان تماميّةالملاك،و يكون هذا الحكم العقلي كاشفا عن متمّم الجعل و انّ هناك جعلا مولويّابلزوم تحصيل المقدّمات.لكن هذا البيان لا يفي بالموارد الّتي حكموا فيها بلزوم تحصيل المقدّمات قبل‏وجوب ذي المقدّمة،فإنّك تريهم يحكمون بلزوم تحصيل بعض المقدّمات و لو قبل‏تماميّة الملاك،كإراقة الماء قبل الوقت،مع انّ الوقت في باب الصّلاة له دخل في‏أصل الملاك،كما ربّما يستظهر ذلك من قوله:إذا زالت الشّمس وجب الطّهور والصّلاة،فانّ الظّاهر منه انّ للزّوال دخلا في أصل ملاك الوجوب،مع انّه بناء على‏هذا لا ينبغي الفرق بين المقدّمات الوجوديّة،فكيف حرم إراقة الماء؟و لم يجب‏تحصيل الماء لمن كان فاقدا له؟حيث انّ الظّاهر انّهم لم يقولوا بوجوب تحصيل الماءقبل الوقت لمن يعلم بعدم حصوله بعده.و بالجملة:هذا البيان انّما يتمّ في بعض موارد المسألة كوجوب المسير للحجّ‏بعد الاستطاعة،و الغسل قبل الفجر،حيث تمّ ملاك وجوب الحجّ و الصّوم‏بالاستطاعة و دخول اللّيل،فلا بدّ من بيان آخر يكون حاويا لأطراف المسألة.و الّذي ينبغي ان يقال هو انّه تارة:يقع الكلام في المقدّمات المفوّتة الّتي‏يوجب فواتها عجز المكلف عن فعل المأمور به و عدم قدرته عليه،كترك المسير إلى‏


196

الحجّ،و إراقة الماء،و عدم الغسل قبل الفجر،و أمثال ذلك من المقدّمات الوجوديّةالّتي يوجب فواتها سلب قدرة المكلّف عن الفعل.و أخرى:يقع الكلام في المقدّمات‏العلميّة،أي في لزوم تحصيل العلم بالأحكام و الفحص عنها،و لا يندرج هذا في‏المقدّمات المفوتة على ما سيأتي بيانه،فالكلام يقع في مقامين:المقام الأوّل:في المقدّمات المفوّتة أي المقدّمات الّتي لها دخل في قدرة المكلّف على فعل‏المأمور به بحيث انّه لولاها لما كان قادرا عليه،و بعبارة أخرى:المراد من المقدّمات‏المفوتة هي المقدّمات الّتي لها دخل في حصول الواجب بما له من القيود الشّرعيّة في‏وقته على وجه لا يتمكّن المكلّف من فعله في وقته بدون تلك المقدّمات،كالماء الّذي‏يتوقّف الصّلاة مع الطّهارة عليه،و السّاتر الّذي يتوقّف الصّلاة مع السّتر عليه،وهكذا،و كنفس حفظ القدرة الّتي يتوقف عليها الواجب،كما لو فرض انّه لو عمل‏العمل الكذائي لا يتمكّن من الصّلاة في وقتها فيكون العمل مفوّتا للقدرة عليها،و بذلك‏يندرج في المقدّمات المفوّتة،فالمراد من المقدّمات المفوّتة هي المقدّمات العقليّة الّتي‏يتوقّف عليها الواجب،لا المقدّمات الشّرعيّة من القيود و الشّرائط،و من هنا نقول:لا يجب الوضوء قبل الوقت لمن يعلم انّه لا يتمكّن من الوضوء بعده،بخلاف حفظالماء حيث انّه يجب حفظه.و السّر في ذلك:هو انّ الوضوء انّما يجب بعد الوقت لأنّه من قيود المأمور به،فحاله من هذه الجهة كحال الأجزاء و كذا السّتر و غير ذلك من القيود الشّرعيّة،ومعلوم:انّه لم يقم دليل على هذه الكليّة بحيث يلزم تحصيل كلّ مقدمة يكون لها دخل‏في قدرة المكلّف مط و لو قبل حصول شرط الوجوب و قبل مجي‏ء وقته لمن يعلم‏بحصوله فيما بعد،إذ لم يقل أحد بوجوب السّير إلى الحج قبل الاستطاعة لمن يعلم‏بحصولها فيما بعد مع عدم تمكّنه من السّير بعدها،فلزوم تحصيل المقدّمات المفوّتةبهذه الكليّة ممّا لا دليل عليه،و لم يدّعه أحد،بل انّما قالوا بلزوم تحصيل المقدّمات‏المفوّتة في الجملة في بعض الموارد،و في بعض الحالات في خصوص بعض المقدّمات،و معلوم:انّه لم يقم دليل بالخصوص في كلّ مورد حكموا فيه بلزوم تحصيل المقدّمات‏


197

المفوّتة،فلا بدّ ح من بيان ما يكون ضابطا للموارد الّتي يجب تحصيل المقدّمات فيها ويحرم تفويتها،و يتوقّف ذلك على تحرير كيفيّة اعتبار القدرة على متعلّقات التّكاليف‏بعد ما كان لا إشكال في اعتبارها.فنقول:انّ القدرة امّا ان تكون عقليّة،و إمّا أن تكون شرعيّة،و نعنى بالقدرةالعقليّة:ما إذا لم تؤخذ في لسان الدّليل،بل كان اعتبارها لمكان حكم العقل بقبح‏تكليف العاجز من دون ان يكون الشّارع قد اعتبرها،و يقابلها القدرة الشّرعيّة،وهي ما إذا أخذت في لسان الدّليل بحيث يكون الشّارع قد اعتبرها.فان كانت القدرة المعتبرة هي القدرة العقليّة،فحيث لم يكن للقدرة العقليّةدخل في ملاك الحكم و انّما يكون لها دخل في حسن الخطاب،فلا بدّ من الاقتصارعلى المقدار الّذي يحكم العقل باعتباره،و معلوم:انّ مناط حكم العقل باعتبارالقدرة انّما هو قبح تكليف العاجز،و هذا انّما يكون فيما إذا كان الشّخص عاجزابنفسه و بذاته،بحيث لا يكون له إلى الفعل سبيل كالطّيران في الهواء،فانّ التّكليف‏بمثل هذا قبيح على المولى كما يقبح العقاب منه عليه.و امّا إذا لم يكن الشّخص عاجزا بنفسه و بذاته،بل هو عجّز نفسه بسوءاختياره و سلب عنه القدرة،ففي مثل هذا لا يحكم العقل بقبح عقابه و ان قبح‏تكليفه بعد عجزه،و لا ملازمة بين قبح التّكليف و قبح العقاب،فانّ قبح التّكليف‏لمن عجّز نفسه انّما هو لمكان لغويّة التّكليف حيث لا يصلح ان يكون التّكليف‏محرّكا و باعثا نحو الفعل،و هذا بخلاف العقاب فانّه لا يقبح عقابه بعد ما كان‏الامتناع بسوء اختياره.و هذا معنى ما يقال:انّ الامتناع بالاختيار لا ينافى‏الاختيار،فانّه انّما لا ينافيه عقابا لا خطابا خلافا للمحكي عن أبي هاشم حيث قال:انّه لا ينافيه لا خطابا و لا عقابا،و سيأتي ضعفه في بعض المباحث الآتية إن شاء اللّه‏تعالى.إذا عرفت ذلك‏فنقول:انّ كلّ واجب لم يعتبر فيه القدرة شرعا،كان مقتضى القاعدة لزوم‏


198

تحصيل مقدّماته الّتي لم تكن حاصلة و حرمة تفويت المقدّمات الحاصلة و لو قبل‏مجي‏ء زمان الواجب،بل و قبل تماميّة ملاك الوجوب أيضا،إذ العقل يستقلّ بحفظالقدرة و لزوم تحصيل المقدّمات الإعداديّة،لما عرفت:من انّ اعتبار القدرة العقليّةانّما هو لمكان قبح تكليف العاجز،و مثل هذا الشّخص لا يكون عاجزا بل يكون‏قادرا و لو بحفظ قدرته،أو تحصيلها بتهيئته المقدّمات الإعداديّة الّتي له إليها سبيل،وإلاّ لاندرج في قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار،فانّ القاعدة لا تختصّ بمابعد ثبوت التّكليف و توجّه الخطاب،حتى يقال:ان الكلام في لزوم تحصيل‏المقدمات قبل ثبوت التّكليف و توجّه الخطاب،بل مورد القاعدة أعمّ من ذلك،فتشمل ما نحن فيه،فأنه لو فرض انّ التّكليف بصوم الغد لم يقيّد بالقدرة الشّرعيّة،و انّما اعتبر فيه القدرة العقليّة حتّى لا يكون من التّكليف العاجز،و كان صوم الغديتوقّف على مقدّمات لا يمكن تهيئتها في الغد،و كان متمكّنا من تهيئتها قبل ذلك،كان عدم تهيئة المقدّمات موجبا لامتناع التّكليف بالصّوم بسوء اختياره،فيندرج في‏القاعدة،من غير فرق بين ان يكون لزمان الغد دخل في ملاك الواجب فقط،أوكان له دخل في ملاك الوجوب أيضا،فانّ العبرة انّما هو بكون الامتناع بالاختيار،و هذا لا يفرّق فيه بين القسمين كما لا يخفى.فتحصل:انّ كل واجب كان مشروطا بالقدرة العقليّة يلزم تحصيل‏مقدّماته الّتي يتوقّف القدرة عليه في زمانه عليها.هذا إذا كانت القدرة المعتبرة عقليّة.و ان كانت القدرة المعتبرة شرعيّة،فلا بدّ من النّظر في كيفيّة اعتبارها،فتارة:تعتبر شرعا على النّحو الّذي تعتبر عقلا من دون ان يتصرّف الشّارع فيها،بان‏اعتبر القدرة على وجه خاصّ أو في زمان مخصوص،بل اعتبرها بتلك السّعة الّتي كان‏العقل معتبرا لها،كما إذا قال:ان قدرت فأكرم زيدا في الغد،و ح يكون الكلام فيهاهو عين الكلام في القدرة العقليّة،من لزوم تهيئة المقدّمات الّتي يتوقّف القدرة على‏صوم الغد عليها،فانّه لا فرق ح بين هذه القدرة الشّرعيّة و القدرة العقليّة.سوى انّ‏القدرة العقليّة لا دخل لها في الملاك،و القدرة الشّرعيّة لها دخل فيه،و هذا لا يصلح‏فارقا في المقام.


199

فان قلت:كيف لا يصلح فارقا؟فانّه بعد البناء على انّ القدرة الشّرعيّة لها دخل في‏الملاك كيف يمكن القول بلزوم تهيئة مقدّمات القدرة؟فانّ معنى ذلك هو لزوم تهيئةمقدّمات حدوث الملاك،و بعبارة أخرى:الملاك انّما يحصل و يحدث بالقدرة،بحيث‏لو لا القدرة لما كان هناك ملاك،كما هو الحال في سائر القيود الشّرعيّة الّتي لها دخل‏في الملاك،و مع هذا كيف توجبون تحصيل القدرة عليه؟و كيف يندرج عند عدم‏تحصيلها تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار؟فانّه لو لم يحصل القدرة لم‏يكن هناك ملاك للحكم و مع عدم ثبوت الملاك واقعا كيف يعاقب و على أي‏شي‏ء يعاقب؟مع انّه لا ملاك و لا حكم واقعا،و مورد قاعدة الامتناع بالاختيار-حيث نقول بالعقاب فيه-انّما هو فيما إذا أوجب الامتناع بالاختيار تفويت الملاك‏بعد ثبوته،و امّا الامتناع بالاختيار مع عدم ثبوت الملاك واقعا في ظرف التّفويت،فانّ العقاب يكون حينئذ بلا موجب.قلت:نعم القدرة الشّرعيّة و ان كان لها دخل في الملاك بحيث لولاها لما كان‏هناك ملاك واقعا،إلاّ انّ المفروض انّ الّذي له دخل في الملاك،هي القدرةبمعناها الأعمّ الشّامل للقدرة على تحصيلها و تهيئة مقدّماتها الإعداديّة،لأنّ محلّ‏الكلام هو ما إذا اعتبر القدرة بتلك السعة الّتي يحكم بها العقل في لسان الدّليل،فالّذي يكون له دخل في الملاك هي القدرة الواسعة الشّاملة للقدرة على تحصيلها وحفظها بعد حصولها و تهيئة مقدّماتها،و هذا المعنى من القدرة حاصل بالفرض،لأنّ‏الكلام فيمن يمكنه تهيئة مقدّمات القدرة و حفظها،و إلاّ كان خارجا عن الكلام‏موضوعا،فما له دخل في الملاك حاصل،و معه يندرج تحت قاعدة الامتناع بالاختيارلا ينافى الاختيار،لأنّه لو لم يحفظ قدرته مع تمكّنه من حفظها فقد فوّت الملاك بسوءاختياره مع ثبوته،لحصول شرطه و هو تمكّنه من حفظ القدرة أو تحصيلها،فتأمل في‏المقام جيّدا فانه لا يخلوا من دقّة.فتحصل:انّه لو اعتبرت القدرة شرعا بنحو ما يعتبرها العقل من السّعة،


200

كان اللازم وجوب تهيئة مقدّمات القدرة على الواجب،و لو قبل مجي‏ء زمان وجوبه‏إذا لم يتمكّن من تهيئتها في زمانه،و إلاّ كان مندرجا تحت قاعدة الامتناع بالاختيار.و يندرج في هذا القسم مسألة حفظ الماء قبل الوقت،فانّ القدرة على الماءانّما اعتبرت شرعا بقرينه قوله تعالى: (1) فلم تجدوا ماء فتيمّموا إلخ،حيث انّ‏التّفصيل قاطع للشّركة،فيظهر منه انّ الوضوء مقيّد شرعا بوجدان الماء،و بعد قيام‏الدّليل على وجوب حفظ الماء قبل الوقت-على ما حكى شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه بأنه‏وردت رواية في ذلك،و ان لم أعثر عليها-يستفاد منه:انّ القدرة المعتبرة في الوضوءانّما تكون على نحو القدرة العقليّة و بتلك السعة1و لكن هذا بعد قيام الدّليل على‏وجوب حفظ الماء،و إلاّ فانّ من نفس أخذ القدرة شرعا في الوضوء لا يمكن استفادةذلك،بل غايته استفادة القدرة بعد الوقت.هذا بالنّسبة إلى الماء.و امّا بالنّسبة إلى السّاتر و نحوه ممّا يتوقّف عليه القدرة على الواجب بقيوده‏في الوقت،فالقدرة المعتبرة فيه انّما تكون عقليّة محضة كالقدرة على نفس الصلاة،و عليه يجب حفظ السّاتر أو تحصيله قبل الوقت لمن لا يتمكّن منه بعده،و لا نحتاج في‏ذلك إلى قيام دليل عليه،بل القدرة العقليّة تقتضي ذلك كلزوم حفظ القدرة على‏أصل الصّلاة بان لا يعمل عملا يوجب فوات القدرة عليها في وقتها،و السّر في ذلك:هو انّ القدرة المعتبرة فيها عقليّة فيجب حفظها.هذا إذا اعتبرت القدرة شرعا بتلك‏السّعة.و أخرى:لا تعتبر بتلك السّعة،بل اعتبرت على وجه خاص،فالمعتبرملاحظة كيفيّة الاعتبار،فتارة:تعتبر على كيفيّة يقتضى أيضا تحصيل مقدّمات‏القدرة و لو قبل مجي‏ء وقت الواجب،كما إذا قال:أكرم عمراً في الغد ان،قدرت‏عليه بعد مجي‏ء زيد،ففي مثل هذا يكون العبرة بحصول القدرة بعد مجي‏ء زيد،و لا أثر1و لازم ذلك هو لزوم تحصيل الماء قبل الوقت،و الظاهر:انّه لا يلتزمون بذلك،فتأمل-منه.

1)المائدة،الآية 6


201

للقدرة قبل مجيئه و لا يلزم تحصيلها من قبل لو علم بعدمها بعد مجي‏ء زيد،لأنّ‏المفروض انّ القدرة بعد المجي‏ء هي المعتبرة و هي الّتي يكون لها دخل في الملاك،فما لم‏تحصل القدرة بعد المجي‏ء لم يكن هناك ملاك للحكم ثبوتا،و ح لا موجب لإيجاب‏تحصيلها قبل مجي‏ء زيد،فانّ عدم تحصيلها لا يوجب إلاّ عدم ثبوت الملاك،و هذالا ضير فيه لعدم اندراجه تحت دائرة الامتناع بالاختيار،لما عرفت غير مرّة انّ موردالقاعدة انّما هو فيما إذا كان الامتناع موجبا لتفويت الملاك بعد ثبوته،فلا يدخل فيهامورد عدم ثبوته،نعم يلزمه تحصيل القدرة على الإكرام في الغد بعد مجي‏ء زيد بتهيئةمقدّماته لو لم يمكنه ذلك في الغد،لاندراجه حينئذ تحت قاعدة الامتناع بالاختيار كمالا يخفى وجهه.و لعلّ مثال الحجّ من هذا القبيل،حيث نقول:انّه لا يجب عليه تحصيل‏المقدّمات من السّير و غيره قبل تحقّق الاستطاعة،و يجب عليه ذلك بعد حصولها،فانّ السّير قبل الاستطاعة يكون من قبيل تحصيل القدرة قبل مجي‏ء زيد في المثال‏المتقدّم،بخلافه بعد الاستطاعة فانّه يكون من قبيل تحصيلها بعد مجيئه الّذي قلنابلزومه.و أخرى:تعتبر على وجه لا يلزم تحصيل المقدّمات قبل مجي‏ء زمان الواجب،كما إذا أخذت القدرة شرطا شرعيّا في وقت وجوب الواجب،كما إذا قال:ان‏قدرت على إكرام زيد في الغد فأكرمه،بان يكون الغد قيدا للقدرة أيضا،كما انّه قيدللإكرام،و في مثل هذا لا يلزم تحصيل مقدّمات القدرة من قبل الغد كما لا يخفى.ثمّ لا يخفى عليك:انّ عدم وجوب تحصيل القدرة في هذا القسم،انما هو فيماإذا لم يتوقّف الواجب على تهيئة مقدّماته العقليّة الّتي لها دخل في القدرة قبل الوقت‏دائما أو غالبا،فلو توقّف الواجب دائما أو غالبا على تهيئة المعدّات قبل الوقت،بحيث‏يكون حصول المقدّمات في الوقت لا يمكن،أو أمكن بضرب من الاتّفاق،كان‏اللازم تهيئة المقدّمات من قبل،لأنّ نفس كون الواجب كذلك يلازم الأمر بتحصيل‏المقدّمات من قبل،و إلاّ للغا الواجب بالمرّة فيما إذا كان التّوقّف دائميّا،أو قلّ مورده‏فيما إذا كان غالبيّا،ففي مثل هذا لا نحتاج إلى قاعدة الامتناع بالاختيار،بل نفس‏


202

الدّليل الدّال على وجوب الواجب يدلّ على وجوب تحصيل مقدّماته من قبل بالملازمةو دليل الاقتضاء،و ذلك كما في الغسل قبل الفجر،حيث انّ الأمر بالصّوم متطهّرامن الحدث الأكبر من أوّل الفجر يلازم دائما وقوع الغسل قبل الفجر،و ح نفس الأمربالصّوم يقتضى إيجاب الغسل قبله بالملازمة المذكورة،هذا.و لكنّ المثال خارج عمّا نحن فيه لأن الغسل من القيود الشّرعيّة،و قدعرفت في أوّل البحث انّ الكلام في المقدّمات المفوّتة،انّما هو في المقدّمات العقليّة والمعدّات الّتي لها دخل في القدرة على الواجب،و لك ان تجعل مثال الحجّ ممّا نحن‏فيه،حيث انّ الحجّ بالنّسبة إلى البعيد دائما يتوقف على السّير من قبل،فنفس الأمربالحجّ يقتضى الأمر بالسّير من قبل أيّام الحجّ للملازمة المذكورة.و على كلّ حال،قد عرفت أقسام اعتبار القدرة في الواجب،من كونهاعقليّة،أو شرعيّة على اقسامها الثّلاثة،و عرفت أيضا مورد المقدّمات المفوّتة للقدرة،و اندراجها تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار.و حينئذ نقول:انّ كلّ مورد حكم العقل بتحصيل القدرة أو حفظها قبل‏مجي‏ء زمان الواجب،فلا بدّ ان نستكشف من ذلك خطابا شرعيّا على طبق ما حكم‏به العقل بقاعدة الملازمة،و عليه يجب تحصيل القدرة أو حفظها شرعا،و يكون السّيرللحجّ و حفظ الماء و تحصيل السّاتر مأمورا به شرعا،و كذا حرمة العمل الّذي يوجب‏سلب القدرة على الواجب،و غير ذلك من المقدّمات المفوّتة.و لكن ينبغي ان يعلم:انّ الوجوب الشّرعي في المقام ليس على حدّ سائرالواجبات الشّرعيّة في كونه نفسيّا يثاب و يعاقب على فعله و تركه،بل الوجوب في‏المقام مقدّميّ و يكون من سنخ وجوب المقدّمة،غايته:انّ وجوب المقدّمة في سائرالمقامات يجي‏ء من قبل وجوب ذيها و يترشّح منه إليها،و هذا في المقام لا يمكن لعدم‏وجوب ذيها بعد،فلا يعقل ان يكون وجوبها ترشحيّا،إلاّ انّه مع ذلك لم يكن وجوب‏المقدّمات المفوّتة نفسيّا لمصلحة قائمة بنفسها بحيث يكون الثّواب و العقاب على‏فعلها و تركها،بل وجوبها انّما يكون لرعاية ذلك الواجب المستقبل،و لمكان التّحفظعليه و عدم فواته في وقته أوجب الشّارع تحصيل المقدمات و حفظ القدرة،فيكون‏


203

وجوبها من سنخ وجوب المقدّمة،و ان افترقا فيما ذكرناه،فالثّواب و العقاب انّمايكون على ذلك الواجب المستقبل.و حاصل الكلام:انّ التّكليف الشّرعي المتعلق بحفظ المقدّمات المفوّتةليس تكليفا نفسيّا استقلاليّا،بل يكون من متمّم الجعل،و يكون كلّ من هذاالتّكليف المتعلّق بحفظ المقدّمات مع ذلك التّكليف المتعلّق بنفس الواجب المستقبل‏ناشئا عن ملاك واحد و مناط فارد،لا انّ لكلّ منهما ملاكا يخصّه،حتّى يكونا من‏قبيل الصّوم و الصّلاة يستدعى كلّ منهما ثوابا و عقابا،بل ليس هناك إلاّ ملاك‏واحد،و لمّا لم يمكن استيفاء ذلك الملاك بخطاب واحد،حيث انّ خطاب الحجّ في‏أيّام عرفة لا يمكن ان يستوفى الملاك وحده مع عدم وجوب السير،احتجنا إلى خطاب‏آخر بوجوب السير يكون متمما لذلك الخطاب،و يستوفيان الملاك باجتماعهما،فليس‏هناك إلاّ ملاك واحد اقتضى خطابين،و ليس لهذين الخطابين إلاّ ثواب واحد وعقاب فارد،و يكون عصيان الخطاب المقدّمي عصيانا للخطاب الآخر،حيث انّه‏يمتنع الحجّ بنفس ترك السّير،فبتركه للسّير قد ترك الحجّ و تحقق عصيانه،ولا يتوقّف العصيان على مضيّ أيّام الحجّ إذ قد امتنع عليه الحجّ بسوء اختياره لتركه‏السّير في أوانه،فبنفس ترك السّير يتحقّق عصيان الحجّ.فان قلت:لا إشكال في انّ العقاب انّما يكون لعصيان الخطاب و ترك المأمور به،و ح‏نقول في المقام:انّ العقاب على أيّ شي‏ء يكون؟لا يمكن ان يقال علي عصيان‏خطاب السّير و تركه له،لأنّ خطاب السّير انّما كان مقدميّا و لم يكن الملاك قائما به،و ليس في البين خطاب آخر يوجب العصيان،لأنّ الحجّ لم يكن له خطاب فعليّ‏قبل أيّام عرفه،لاشتراطه بها حسب ما تقدّم من امتناع الواجب المعلّق،و المفروض‏انّه بتركه للسّير قد امتنع عليه الحجّ فلا يعقل تكليفه بالحجّ،و من هنا أطبقوا على ردّالهاشم،حيث ذهب إلى انّ الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار خطابا و عقابا،فالتّارك للسّير ليس مخاطبا بالحجّ لعدم القدرة عليه و لو بسوء اختياره،فإذا لم يكن‏مخاطبا بالحجّ لم يكن معاقبا على تركه،لأنّ العقاب انّما يكون على ترك المأمور به.


204

و مجرّد اشتمال الحجّ على الملاك و تفويته له لا يوجب العقاب ما لم يكن الحجّ واجباو متعلّقا للأمر،حسبما تقدم منّا مرارا،من انّ الملاكات غير لازمة التّحصيل ولا يوجب فواتها شيئا،و انّما العبد ملزم عقلا بالخطابات الشّرعيّة لا بملاكاتها.قلت:ما كنت أحبّ بعد البيان المتقدّم موقعا لهذا الأشكال،و لا مجال لهذاالتّوهّم،فانّ السّير انّما صار واجبا لرعاية الحجّ،و امر به شرعا تحفّظا على تركه،و مع‏ذلك كيف يسأل عن انّ العقاب على أيّ شي‏ء يكون؟مع وضوح انّ العقاب يكون‏على ترك الحجّ حينئذ،لأنّ مناط حكم العقل باستحقاق العقاب على ترك الواجب‏الفعلي كترك الصّلاة بعد الوقت-و لو لمكان امتناعها بسوء اختياره-بعينه متحقّق‏في مثل المقام،و ما أنكرناه سابقا من انّ الملاكات غير لازمة التّحصيل انّما هو لمكان‏انّ الملاكات ليست مقدورة للمكلّف،و لا تكون من المسبّبات التّوليديّة لأفعاله،وأين هذا من ترك الحجّ الّذي يقوم به الملاك بسوء اختياره،مع إيجاب الشّارع السّيرعليه تحفّظا عن ترك الحجّ و عدم فواته منه؟و بالجملة:لا فرق في نظر العقل الّذي هو الحاكم في هذا الباب،بين ان‏يعجّز المكلّف نفسه عن الحجّ في أيّام عرفه،و بين ان يعجّز نفسه عنه قبل ذلك بتركه‏السّير،فانّه في كلا المقامين يستحقّ العقاب على ترك الحجّ على نسق واحد،فتأمل في‏المقام جيّدا.هذا تمام الكلام في المقام الأوّل،و هو باب المقدّمات المفوّتة.و امّا الكلام في المقام الثّاني:و هو باب وجوب تعلّم الأحكام.فحاصله:انّه يظهر من الشّيخ قده‏ (1) في‏آخر مبحث الاشتغال عند التّعرض لشرائط الأصول،إدراج المقام في باب المقدّمات‏المفوّتة،و جعله من صغريات باب القدرة،و لكنّ الإنصاف انّه ليس الأمر كذلك،فان بين البابين بونا بعيدا،إذ باب المقدّمات المفوّتة يرجع إلى مسألة القدرة على ماعرفت،و باب وجوب التّعلّم أجنبيّ عن باب القدرة،لأنّ الجهل بالحكم لا يوجب‏

1)راجع الرسائل.آخر مباحث البراءة،خاتمة في ما يعتبر في العمل بالأصل.شرط البراءة.ص 282.


205

سلب القدرة،و من هنا كانت الأحكام مشتركة بين العالم و الجاهل.و الحاصل:انّه فرق بين ترك الشّي‏ء لعدم القدرة عليه،و بين تركه لجهله‏بحكمه،فالتّعلّم ليس من المقدّمات العقليّة الّتي لها دخل في القدرة،و ح لا يكون‏تركه من باب ترك المقدّمات المفوّتة،و ليس ملاك وجوبه هو قاعدة الامتناع‏بالاختيار لا ينافى الاختيار،بل ملاك وجوب التّعلم هو ملاك وجوب الفحص في‏الشّبهات الحكميّة،و هو حكم العقل بلزوم أداء العبد وظيفته،حيث انّ العقل يرى‏انّ ذلك من وظائف العبد بعد تماميّة وظائف المولى،فانّ العقل يستقلّ بأنّ لكلّ من‏المولى و العبد وظيفة،فوظيفة المولى هي إظهار مراداته،و تبليغها بالطرق المتعارفة الّتي‏يمكن للعبد الوصول إليها ان لم يحدث هناك مانع،فوظيفة المولى هي تشريع الأحكام‏و إرسال الرّسل و إنزال الكتب،و بعد ذلك تصل النوبة إلى وظيفة العبد،وانّه على العبد الفحص عن مرادات المولى و أحكامه،و حينئذ يستقلّ العقل‏باستحقاق العبد للعقاب عند ترك وظيفته،كما يستقل بقبح العقاب عند ترك‏المولى وظيفته.و الحاصل:انّه بعد التفات العبد إلى انّ هناك شرعا و شريعة،يلزمه‏تحصيل العلم باحكام تلك الشّريعة،و إلاّ كان مخلا بوظيفته،حيث انّ وظيفة العبدهو الرّواح إلى باب المولى لامتثال أوامره،و لو لا استقلال العقل بذلك لانسدّ طريق‏وجوب النّظر إلى معجزة من يدّعى النّبوة،و للزم إفحام الأنبياء،إذ لو لم يجب على‏العبد النّظر إلى معجزة مدّعى النّبوة لما كان للنّبي ان يحتجّ على العبد بعدم تصديقه‏له،إذ للعبد ان يقول:لم اعلم انّك نبيّ،و ليس للنّبي ان يقول:لم لم تنظر في معجزتي‏ليظهر لك صدق مقالتي؟إذ للعبد ان يقول انّه لم يجب عليّ النّظر في معجزتك.و بالجملة:العقل كما يستقلّ بوجوب النّظر في معجزة مدّعى النّبوة،كذلك‏يستقلّ بوجوب تعلّم أحكام الشّريعة و الفحص عن الأدلّة و المقيّدات و المخصّصات،إذ المناط في الجميع واحد،و هو استقلال العقل بأنّ ذلك من وظيفة العبد،و من‏هنا لا يختصّ وجوب التعلّم بالبالغ،كما لا يختصّ وجوب النّظر إلى المعجزة به،بل‏يجب ذلك قبل البلوغ إذا كان مميّزا مراهقا ليكون أول بلوغه مؤمنا و مصدقا بالنّبوة،


206

و الا يلزم ان لا يكون الأيمان واجبا عليه في أوّل البلوغ،هذا بالنّسبة إلى الأيمان وكذلك بالنّسبة إلى سائر أحكام الشّريعة يجب على الصّبيّ تعلّمها إذا لم يتمكّن منه‏بعد البلوغ،أو نفرض الكلام في الأحكام المتوجّهة عليه في آن أول البلوغ،فانه يلزمه‏تعلّم تلك الأحكام قبل البلوغ،كما لو فرض انّه سيبلغ في آخر وقت إدراك الصّلاة،فانّه لا إشكال في وجوب الصّلاة عليه حينئذ،و يلزمه تعلّم مسائلها قبل ذلك.و ما قيل من انّ الأحكام مشروطة بالبلوغ،ليس المراد انّ جميع الأحكام‏مشروطة به،حتّى مثل هذا الحكم العقليّ المستقلّ،فانّ هذا غير مشروط بالبلوغ،بل مشروط بالتّميز و الالتفات مع العلم بعدم التّمكن من التّعلم عند حضور وقت‏الواجب.فتحصل:انّه لا يقبح عند العقل عقاب تارك التّعلّم،و الأحكام تتنجّز عليه‏بمجرّد الالتفات إليها و القدرة على امتثالها إلاّ ان يكون هناك مؤمن عقليّ أوشرعيّ.نعم حكم العقل بوجوب التّعلم ليس نفسيّا،بان يكون العقاب على تركه‏و ان لم يتفق مخالفة الواقع،و ان قال بذلك صاحب المدارك،بل حكم العقل في‏المقام انّما يكون على وجه الطريقيّة،و يدور العقاب مدار مخالفة الواقع كما استقصيناالكلام في ذلك في اخر مبحث الاشتغال فراجع ذلك المقام.و من الغريب انّ الشّيخ قده مع التزامه بأنّ التعلّم لم يكن واجبا نفسيّا وانّ العقاب على مخالفة الواقع،حكم بفسق تارك تعلّم مسائل الشّك و السّهو في‏الصّلاة و لو لم يتّفق الشّك و السّهو فيها،على ما حكى عنه في بعض الرّسائل العمليّة،و هذه الفتوى من الشّيخ قده لا توافق مسلكه في وجوب التّعلم.ثمّ انّه لا إشكال في وجوب التّعلم قبل الوقت مع العلم أو الاطمئنان بعدم‏تمكّنه منه بعد الوقت،و علمه أو اطمئنانه أيضا بتوجّه التّكليف إليه في وقته،سواءكان الحكم ممّا تعمّ به البلوى أولا،إذ ليس ما وراء العلم شي‏ء.و امّا لو لم يعلم بتوجّه التّكليف إليه بعد ذلك،و لكنّه كان يحتمل،فان‏كانت المسألة ممّا تعمّ بها البلوى فكذلك يجب التّعلم،لأنّه يكفى في حكم العقل‏


207

كون الشّخص في معرض الابتلاء و ان لم يعلم بالابتلاء،لأنّ مناط حكم العقل-وهو لزوم رواح العبد إلى باب المولى و انّ ذلك من وظيفته-لا يختصّ بالعالم بأنّ للمولى‏مرادا،بل يكفى احتمال ذلك مع كونه في معرض ذلك،و من هنا قلنا:انّه يجب على‏المكلّف تعلّم مسائل الشّك و السّهو و لو لم يعلم بابتلائه بهما،إلاّ إذا علم بعدم‏الابتلاء فانّه لا يجب عليه ذلك،و لكن انّى له بهذا العلم؟و كيف يمكن ان يحصل‏لأحد،مع انّ الشّك و السّهو امر يقع بغير اختيار و على خلاف العادة،فمجرّد انّه‏ليس من عادته السّهو و الشّك لا يكفى في حصول العلم.و على كلّ حال:لا إشكال في لزوم التّعلم إذا كانت المسألة ممّا تعمّ بهاالبلوى،كمسائل السّهو و الشّك،و التّيمم و غير ذلك،من غير فرق بين ان يعلم‏بالابتلاء أو لا يعلم.و امّا لو لم تكن المسألة ممّا تعمّ بها البلوى،فظاهر الفتاوى عدم وجوب‏التّعلم مع عدم العلم أو الاطمئنان بعدم الابتلاء و لعلّه لجريان أصالة عدم الابتلاء،فانّ حكم العقل بوجوب التّعلم لمّا كان حكما طريقيّا،نظير حكمه بالاحتياط في‏باب الدّماء و الفروج و الأموال،كان الأصل الموضوعي رافعا لموضوع حكم العقل،فيكون استصحاب عدم الابتلاء في المقام نظير استصحاب ملكيّة المال في باب‏الأموال،فكما لا يجب الاحتياط عند استصحاب ملكيّة المال لخروج المال ببركةالاستصحاب عن احتمال كونه مال الغير الّذي هو موضوع حكم العقل بلزوم‏الاحتياط،كذلك استصحاب عدم الابتلاء يوجب دفع احتمال الابتلاء الّذي هوالموضوع عند العقل بلزوم التّعلم.و بعبارة أخرى:موضوع حكم العقل بلزوم التّعلّم انّما هو الحكم الّذي يبتلى‏به،و استصحاب عدم الابتلاء يرفع ذلك الموضوع،و لا دافع لهذا الاستصحاب إلاّتوهّم عدم جريان الاستصحاب بالنّسبة إلى المستقبل،أو توهّم انّ حكم العقل في‏المقام نظير حكمه بقبح التشريع الّذي يحكم بقبحه في صورة العلم و الظن و الشك‏و الوهم بمناط واحد،و من هنا لا تصل النّوبة إلى الأصول الشرعيّة كما فصّلنا الكلام‏في ذلك في محلّه.


208

و يدفع الأوّل بأنه:لا مانع من جريان الاستصحاب في المستقبل إذا كان‏الشّي‏ء بوجوده الاستقبالي ذا أثر،و ان لم يكن بوجوده الماضي أو الحال ذا أثر،وتفصيل ذلك في محلّه.و يدفع الثاني:انّ حكم العقل في المقام،ليس كحكمه في باب‏التّشريع،فانّ مناط حكمه بقبح التشريع انّما هو لمكان حكمه بقبح اسناد ما لا يعلم‏انّه من قبل المولى إلى المولى،و هذا المناط موجود في صورة العلم و الظّن و الشّك،وليس حكم العقل بقبح التشريع يدور مدار واقع عدم التّشريع حتّى يكون حكمه في‏صورة عدم العلم حكما طريقيّا،كحكمه بلزوم التّحرز عن المال المحتمل كونه مال‏الغير حذرا عن الوقوع في الظّلم و التّصرف في مال الغير،و حكم العقل في المقام‏كذلك يكون طريقيّا محضا،و ح يكون الاستصحاب الموضوعي حاكما عليه هذا.و لكن شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه،كان بنائه في السّابق،هو التّفصيل بين ماتعمّ به البلوى و ما لا تعم،من حيث وجوب التّعلم في الأوّل دون الثّاني،و عليه جرى‏في رسائله العمليّة،و لكن لمّا وصل بحثه إلى هذا المقام توقّف في ذلك بل قرّب عدم‏التّفصيل،و انّ احتمال الابتلاء يكفى في حكم العقل بوجوب التّعلم كحكمه‏بوجوب النّظر عند احتمال صدق مدعى النّبوة،فتأمل في المقام،فانّ المسألة ممّا تعمّ‏بها البلوى و يترتّب عليها آثار عمليّة.هذا تمام الكلام في المقدّمات المفوّتة و ما يلحق بها من وجوب التّعلم.و تحصل:انّ وجوب بعض المقدّمات قبل الوقت لا يتوقّف على القول بالواجب المعلّق‏كما ذكره في الفصول،أو على أحد الأمرين من الواجب المعلّق أو الشّرط المتأخّر كماذكره في الكفاية.بقي في المقام،التّنبيه على بعض المسائل الفقهيّة،الّتي توهّم انّها تبتنى على‏تصحيح الواجب المعلّق و الشّرط المتأخّر معا.(منها)مسألة الصّوم،حيث انّه لا إشكال في انّه يعتبر في الصّوم اجتماع‏شرائط التّكليف من القدرة و الصّحة و عدم الحيض و السّفر،من أوّل الطّلوع إلى‏الغروب،بحيث لو اختلّ أحد هذه الشّرائط في جزء من النّهار لم يكن الصّوم واجبا،


209

فوجوب الإمساك في أوّل الفجر يتوقّف على بقاء الحياة و القدرة إلى الغروب،و هذالا يكون إلاّ على نحو الشّرط المتأخّر بحيث تكون القدرة على الإمساك فيما قبل الغروب‏شرطا في وجوب الإمساك في أوّل الفجر،و هذا عين الشّرط المتأخّر،و أيضا لاإشكال في انّ التّكليف بالإمساك في الآن الثّاني،و الثّالث،و هكذا،انّما يكون‏متحقّقا في الآن الأوّل،و هو آن طلوع الفجر،إذ ليس هناك إلاّ تكليف واحديتحقّق في أوّل الطّلوع و يستمرّ إلى الغروب،و ليس هناك تكاليف متعدّدة يحدث‏في كلّ آن تكليف يخصّه،فانّ ذلك ينافى الارتباطيّة،بل التّكليف بالإمساك في‏جميع آنات النّهار انّما يتحقّق في الآن الأوّل،و هو آن الطّلوع،فيكون التّكليف‏بإمساك ما قبل الغروب ثابتا قبل ذلك،و هذا عين الواجب المعلّق حيث يتحقّق‏الوجوب الفعلي قبل وقت الواجب،و هو آن ما قبل الغروب الّذي هو وقت الإمساك‏الواجب فيه.و كذا الحال بالنّسبة إلى التّكليف بالصّلاة في أوّل الوقت،حيث انّ‏الكلام فيها عين الكلام في الصّوم،من حيث ابتنائه على الشّرط المتأخّر و الواجب‏المعلّق كما لا يخفى،هذا.و لكن لا يخفى عليك ضعف ذلك بكلا وجهيه‏امّا ضعف وجه ابتنائه على الشّرط المتأخّر،فلما يأتي إن شاء اللّه تعالى من انّ‏الشّرط في أمثال ذلك هو وصف التّعقّب،و يكون الإمساك في أوّل الطّلوع واجباعند وجود الحياة في ذلك الآن و تعقّبه بالحياة فيما بعد إلى الغروب،فيكون الشّرط في‏وجوب الإمساك في كلّ آن هو فعليّة الحياة في ذلك الآن و تعقّبها بالحياة في الآن‏الثّاني،و هذا المعنى امر معقول يساعد عليه الدّليل و الاعتبار،بل المقام من أوضح ماقيل فيه:انّ الشّرط هو وصف التّعقّب،و سيأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى.و امّا ضعف ابتنائه على الواجب المعلّق،فلأنّ الخطاب و ان كان امراواحدا مستمرّا يتحقّق بأوّل الطّلوع و يستمرّ إلى الغروب،إلاّ انّ فعليته تدريجيّةحسب تدريجية المتعلّق و الشّروط،فكما انّ الشّروط من الحياة و القدرة و غير ذلك‏تحصل تدريجا-إذ لا يعقل تحقّق الحياة من الطّلوع إلى الغروب دفعة واحدة و في آن‏واحد،بل لا بدّ من ان تتحقّق تدريجا حسب تدرج آنات الزمان،و كذا الحال‏


210

بالنسبة إلى الإمساك فيما بينها الّذي يكون متعلّقا لا بد و ان يتحقق متدرّجا في آنات‏الزمان-فكذلك فعليّة الخطاب انّما تكون تدريجيّة،و يكون فعليّة وجوب الإمساك في‏كلّ آن مشروطا بوجود ذلك الآن،و تكون الفعليّة متدرّجة في الوجود حسب تدرج‏آنات الزّمان،و لا يعقل غير ذلك،إذ كما لا يعقل تحقق إمساك الآن الثاني في الآن‏الأوّل لعدم معقوليّة جرّ الزّمان،كذلك لا يعقل فعليّة وجوب إمساك الآن الثاني في‏الآن الأوّل،و كما يكون إمساك كلّ آن موقوفا على وجود ذلك الآن،كذلك فعليّةوجوب الإمساك في كلّ آن موقوفة على وجود ذلك الآن،ففعليّة الخطاب في التدرج‏و الدّفعيّة تتبع الشروط و المتعلّق في التدرج و الدّفعيّة،فإذا كانت الشروط و المتعلّق‏تدريجيّة فلا بدّ ان يكون فعليّة الخطاب أيضا تدريجيّة،و لا فرق في هذا بين ان نقول‏انّ الزّمان في باب الصوم أخذ قيدا للمتعلّق،أو أخذ قيدا لنفس الحكم على مابيّنا (1) تفصيله في التنبيه العاشر من تنبيهات الاستصحاب في مسألة استصحاب‏حكم المخصّص أو الرجوع إلى حكم العام.نعم تظهر الثّمرة بين الوجهين في وجوب إمساك بعض اليوم لمن يعلم‏بفقدان بعض الشّروط في أثناء النّهار أو عدم وجوبه،فانه بناء على ان يكون الزّمان‏قيدا لنفس الحكم يكون وجوب الإمساك في البعض و الكفّارة عند المخالفة على‏القاعدة،بخلاف ما إذا قلنا بكون الزّمان قيدا للمتعلّق،فانّه يكون وجوب إمساك‏البعض و الكفّارة على خلاف القاعدة،يتبع ورود الدّليل،و لا بأس بالإشارة إلى‏وجه ذلك إجمالا.فنقول:ان كان الزّمان قيدا للمتعلّق و هو الإمساك فيكون الواجب هو الإمساك مابين الحدّين(الطّلوع و الغروب)عند اجتماع الشّرائط:من القدرة و عدم السّفر والحيض فيما بين الحدّين،فيكون متعلّق التّكليف امرا واحدا مستمرّا و هو الإمساك‏

1)راجع تفصيل هذا البحث في التنبيه الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب.الجزء الرابع من‏هذا الكتاب-ص 196 الطبعة القديمة


211

ما بين الطّلوع و الغروب،و يكون هذا هو الصّوم المأمور به،فلو اختلّ أحد الشّرائط في‏جزء من النّهار لم يكن الإمساك حينئذ واجبا واقعا،إذ إمساك بعض اليوم لم يكن‏واجبا و ليس صوما شرعا،و حينئذ كان مقتضى القاعدة عدم وجوب الإمساك من‏أوّل الفجر عند العلم باختلال بعض الشّرائط،كمن يعلم انّه يسافر في أثناء النّهارأو علمت المرأة انّها تحيض،فوجوب الإمساك عليه و ثبوت الكفّارة يحتاج إلى دليل‏تعبّديّ،و لا يكفى في ذلك أدلّة نفس وجوب الصّوم.و امّا إذا كان الزّمان قيدا للحكم،فيصير المعنى،انّ الحكم بوجوب الصّوم‏و الإمساك مستمرّ إلى الغروب،بحيث يكون الغروب منتهى عمر الحكم،فيحدث‏من أوّل الطّلوع و ينتهى بالغروب،و مرجع ذلك إلى انّ الحكم بالإمساك في كلّ‏آن من آنات النّهار ثابت،فاختلال الشّرائط في أثناء النّهار لا يكون كاشفا عن عدم‏ثبوت الحكم من أوّل الأمر،بل الحكم كان واقعا ثابتا إلى زمان اختلال الشّرائط وينقطع بالاختلال.و هذا لا ينافى ارتباطيّة الصّوم و انّه ليس هناك تكاليف متعدّدة مستقلّة،فانّ ارتباطيّة التّكليف ليس إلاّ عبارة عن وحدة الملاك و ترتّبه على مجموع الإمساك‏الواقع في النّهار،لا انّ لكلّ إمساك ملاكا يخصّه،و هذا أجنبيّ عمّا نحن فيه من‏استمرار الحكم في مجموع النّهار على وجه يكون قيدا للحكم،فيكون ثبوت الحكم في‏كلّ زمان تابعا لثبوت الشّرط في ذلك الزّمان،و انتفاء الشّرط في زمان لا يوجب‏انتفاء الحكم في الزّمان السّابق عليه،و ح يجب الإمساك على من يعلم انّه يسافر وتلزمه الكفّارة عند المخالفة،لأنّه قد خالف حكما واقعيّا ثابتا في الواقع،فتأمل في‏المقام جيّدا.و على كلّ حال تكون فعليّة الحكم في باب الصّوم تدريجيّة،سواء قلنا بأنّ‏الزّمان فيه قيد للحكم أو قيد للمتعلّق،لأنّ مناط التّدريجيّة هو تدريجيّة الشّروط والمتعلّق،الّذي قد عرفت انّ مع تدريجيّتها لا يعقل فعليّة الحكم دفعة،إذ فعليّة الحكم‏يدور مدار تحقّق شرطه،و تكون تابعة لوجوده،و مع كون الشّرط تدريجيّ الحصول‏فلا محالة يكون الفعليّة أيضا تدريجيّة،حسبما تقتضيه التّبعيّة،هذا بالنّسبة إلى الصّوم.


212

و امّا بالنّسبة إلى الصّلاة فيفترق الحال فيها بالنّسبة إلى أوّل الوقت في مضيّ‏مقدار أربع ركعات منه،و ما عدا ذلك من بقيّة الوقت،فانّ التّكليف بأربع‏ركعات لما كان مشروطا بالزّمان الّذي يمكن إيقاع الأربع فيه،إذ لا يعقل ان يكون‏الزّمان أضيق دائرة عن متعلّق التّكليف،فالتّكليف بأربع ركعات مشروط بزمان‏يسع الأربع،و ح لا يمكن ان يكون التّكليف بالأربع من أوّل الوقت فعليّا،بل لا بدّان يكون فعليّته تدريجيّة حسب تدريجيّة اجزاء الزّمان إلى مقدار أربع ركعات،و عندانقضاء ذلك المقدار تتمّ الفعليّة لتماميّة شرطها من مضيّ مقدار أربع ركعات،ولأجل ذلك أفتوا بعدم وجوب القضاء على من حصل له أحد الأعذار الموجبة لسقوطالتّكليف كالجنون و الحيض قبل مضيّ مقدار أربع ركعات من الوقت و وجوب‏القضاء عند حصوله بعد ذلك،و السّر في ذلك هو ما ذكرنا من انّ الحكم بالأربع لايكون فعليّا من أوّل الوقت دفعة واحدة،بل فعليّته تكون تدريجيّة حسب تدرّج شرطالحكم من الزّمان،فلا تتم الفعليّة إلاّ عند انقضاء ذلك المقدار من الزّمان،فالعذرالحاصل قبل ذلك يكون حاصلا قبل تماميّة فعليّة لحكم،فلا موجب للقضاء.و هذابخلاف ما إذا انقضى ذلك المقدار من الزّمان فانّ شرط الفعليّة ح حاصل،فلا مانع‏من فعليّة الحكم بالأربع،و تكون التّسليمة ح في عوض التّكبيرة من حيث فعليّةحكمها و كونه مخاطبا بها كخطابه بالتّكبيرة.فان قلت:كيف يكون الحكم بالتّسليمة فعليّا مع عدم القدرة عليها شرعا إلاّ بعدالتّكبيرة و ما يلحقها من الأجزاء،و بعبارة أخرى:كيف يكون الحكم فعليّا دفعةمع تدريجيّة المتعلّق؟قلت:العبرة في الفعليّة التّدريجيّة هي تدريجيّة الشّرائط لا تدريجيّة المتعلّق،وقولك:لا يقدر على التّسليمة في الحال،قلنا:هي مقدورة له بتوسّط القدرة على الأجزاءالسّابقة،فتكون ح من المقدور بالواسطة،غايته انّ الواسطة تارة تكون عقليّة كنصب‏السّلم بالنّسبة إلى الصّعود على السّطح،و أخرى تكون جعليّة شرعيّة كالأجزاء


213

السّابقة بالنّسبة إلى التّسليمة،و قد تقدّم صحّة فعليّة التّكليف بالنّسبة إلى كلّ مايكون مقدورا بالواسطة،فالتّكليف بالتّسليمة بعد مضيّ مقدار أربع ركعات من‏الوقت يكون كالتّكليف بالصّلاة في مسجد الكوفة غير مقيّد بالزّمان،و امّا التّكليف‏بها قبل ذلك فيكون كالتّكليف بالصّلاة في المسجد عند طلوع الفجر،و قد تقدّم‏الكلام في الفرق بين المثالين،و انّ التّكليف في أحدهما يكون مط و في الآخر يكون‏مشروطا،فتأمل جيّدا.هذا تمام الكلام في الواجب المشروط و المطلق و المعلّق.بقي في المقام:حكم صورة الشّك في كون الواجب مشروطا أو مطلقا،الّذي يرجع الشّك فيه إلى الشّك في كون القيد قيدا للهيئة أو قيدا للمادّة،و قداضطربت الكلمات في ذلك،و سلك كلّ مسلكا،و ينبغي ان يعلم أوّلا:انّ محلّ‏الكلام فيما إذا كان القيد فعلا اختياريّا للمكلّف،إذ لو لم يكن كذلك فلا بدّ ان‏يكون التّكليف مشروطا به،على ما تقدّم تفصيل ذلك،و كذا محل الكلام فيما إذا لم‏يكن في البين ما يُعيّن أحدهما كما إذا سيق القيد بصورة القضيّة الشّرطيّة فانّه يتعين‏رجوعه إلى الهيئة،حيث انّ القضيّة الشّرطيّة ما تكوّن ربط جملة بجملة أخرى على ماتقدّم بيانه أيضا،أو سيق القيد على وجه أخذ وصفا للمادّة،كما إذا قيل متطهّرا وأمثال ذلك،ممّا يكون القيد ظاهرا في رجوعه إلى المادّة.إذا عرفت ذلك‏فنقول:ربّما قيل انّه عند الدّور ان يقدّم تقييد المادّة على تقييد الهيئة،لأنّ‏في تقييد الهيئة يلزم كثرة التّقييد و تعدّده،و الأصل يقتضى خلافه،بخلاف تقييدالمادّة،فانّ تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادّة لا محالة،إذ لا يمكن إطلاق المادّة مع تقييدالهيئة،و هذا معنى ما يقال:من انّ اشتراط الوجوب بشي‏ء يرجع إلى اشتراطالواجب به أيضا و لا عكس،إذ تقييد المادّة لا يستلزم تقييد الهيئة كما لا يخفى هذا.و لكن لا يخفى عليك ما فيه‏لأنّ التّقابل بين الإطلاق و التّقييد تقابل العدم و الملكة،فإذا امتنع‏الإطلاق امتنع التّقييد و حينئذ نقول في المقام:انّه لو رجع القيد إلى الهيئة و كان‏وجوب الحجّ مثلا مشروطا بالاستطاعة،فلا يعقل الإطلاق في طرف المادّة،إذ بعد ما


214

كان وجوب الحجّ بعد فرض حصول الاستطاعة،فكيف يكون الحجّ واجبا في كلتاصورتي وجود الاستطاعة و عدمها الّذي هو معنى الإطلاق؟و هل هذا إلاّ الخلف والتّناقض؟فإذا امتنع الإطلاق في طرف المادّة امتنع التّقييد أيضا لا محالة،فانّ‏تقييد المادّة بالاستطاعة مثلا يقتضى لزوم تحصيلها،كما هو الشّأن في كلّ قيد يرجع‏إلى المادّة،و بعد فرض حصول الاستطاعة،كما هو لازم أخذها قيدا للهيئة-لماعرفت من انّ القيود الرّاجعة إلى الحكم لا بدّ ان يؤخذ مفروضة الوجود-لا معنى‏لتقييد المادّة بالاستطاعة الّذي يقتضى تحصيلها،لأنّه يكون من طلب الحاصل.فدعوى انّ تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادّة ممّا لا ترجع إلى محصل.نعم النّتيجة المقصودة من تقييد المادّة حاصلة عند تقييد الهيئة،لأنّ المقصودمن تقييد الحجّ بالاستطاعة ليس إلاّ وقوع الحجّ بعد التّلبس بالاستطاعة،كما انّ‏المقصود عن تقييد الصّلاة بالطّهارة هو وقوع الصّلاة في حال التّلبس بالطّهارة،و هذاالمعنى حاصل بعد تقييد الهيئة،لأنّه لو تأخّر وجوب الحجّ من الاستطاعة،فالحجّ‏الواجب يقع بعد الاستطاعة لا محالة،فالنّتيجة المطلوبة من تقييد المادّة حاصلة قهراعند تقييد الهيئة،و لكن هذا غير تقييد المادّة بحيث يكون رجوع القيد إلى لهيئة موجبالتعدّد التّقييد و يرجع الشّك في المقام إلى الشّك في قلّة التّقييد و كثرته حتّى يقال:انّ الأصل اللّفظي يقتضى قلّة التّقييد.فظهر انّه عند دوران الأمر بين تقييد المادّة و تقييد الهيئة يكون من الدّوران‏بين المتباينين،لا الأقل و الأكثر.و بعد ذلك نقول:انّ القيد تارة يكون متّصلا بالكلام،كما إذا ورد:حجّ‏مستطيعا،و دار الأمرين بين رجوع قيد الاستطاعة إلى الوجوب حتّى لا يجب تحصيلها،أوإلى الحجّ حتّى يجب تحصيلها.و أخرى يكون منفصلا،كما إذا ورد حجّ،و بعد ذلك ورد دليل منفصل‏يدل على اعتبار قيد الاستطاعة،و دار امرها بين الأمرين،فان كان القيد متصلابالكلام فلا إشكال في إجمال الكلام حينئذ لاحتفافه بما يصلح لكلا الأمرين بلامعيّن،فلا يكون للهيئة إطلاق و لا للمادّة،لاتّصال كلّ منهما بما يصلح للقرينيّة،


215

فلا يمكن التّمسّك بإطلاق أحدهما بعد العلم الإجمالي بورود القيد على أحدهما،بل‏لا بدّ ح من الرّجوع إلى الأصول العمليّة،و سيأتي البحث عن ذلك.و امّا لو كان القيد منفصلا،فهذا هو الّذي‏ (1) ذكر الشّيخ(قده)فيه‏وجهين لرجوع القيد إلى المادّة لا إلى الهيئة(الوجه الأول)انّ الأمر في المقام يدور بين تقييد إطلاق الهيئة،و تقييد إطلاق المادّة،لأنّ‏المفروض انّه انعقد الظّهور الإطلاقي لكلّ منهما حيث كان التّقييد بالمنفصل،و لذلك‏خصصنا كلام الشّيخ(قده)بالمنفصل،إذ مع الاتّصال لا ينعقد ظهور إطلاقيّ لكلّ‏منهما،فلا معنى للدوران ح.و هذا بخلاف ما إذا كان بالمنفصل،فانّ الظّهور الإطلاقي‏انعقد لكلّ منهما،فيدور الأمر بين تقييد إطلاق المادّة و تقييد إطلاق الهيئة،و لمّا كان إطلاق‏الهيئة شموليّا و كان إطلاق المادّة بدليّا،كان اللازم تقييد إطلاق المادّة،لأقوائيّةالإطلاق الشّمولي من الإطلاق البدلي،كما هو الشّأن في كلّ ما دار الأمر بين تقييدإطلاق الشّمولي و تقييد إطلاق البدلي.اما كون إطلاق الهيئة شموليا و إطلاق المادة بدليا،فلان معنى إطلاق الهيئة هوثبوت الوجوب في كلتا حالتي ثبوت القيد و عدمه،فيكون إطلاق الوجوب شاملا لصورةوجود الاستطاعة و صورة عدمها،و هذا بخلاف إطلاق المادة فانه بدلي،حيث ان‏الواجب هو صرف وجود الحج،و المطلوب فرد واحد منه على البدل بين الفرد قبل‏الاستطاعة و الفرد بعده،و هذا عين الإطلاق البدلي.و امّا تقديم تقييد الإطلاق البدلي على تقييد الإطلاق الشّمولي،فهو موكول إلى‏محلّه في مبحث التّعادل و التّراجيح،و قد أوضحناه في محلّه.ثمّ انّ المحقّق الخراسانيّ قده، (2) سلّم انّ المقام يكون من دوران الأمر بين‏تقييد الإطلاق البدلي و الإطلاق الشّمولي.إلاّ انّه ناقش في الكبرى،و منع تقديم‏

1)راجع مطارح الأنظار،الهداية الرابعة من مباحث مقدمة الواجب ص 47.

2)الكفاية،الجلد 1 ص 169«فلان مفاد إطلاق الهيئة و ان كان شموليّا...»


216

الإطلاق الشّمولي على الإطلاق البدلي،نظرا إلى انّ الإطلاق في كلّ منهما يكون‏بمقدّمات الحكمة لا بالوضع،فلا موجب لتقديم أحدهما على الأخر هذا.و لكنّ الإنصاف انّ المقام أجنبيّ عن مسألة تقديم الإطلاق الشّمولي على‏الإطلاق البدلي،لأنّ تلك المسألة انّما هي في ما إذا تعارض الإطلاقان و تنافيابحسب المدلول،كما إذا ورد لا تكرم الفاسق و ورد أيضا أكرم عالما،حيث انّ‏إطلاق لا تكرم الفاسق يقتضى عدم إكرام العالم الفاسق،و إطلاق أكرم عالمايقتضى إكرامه،فيتنافيان في مورد الاجتماع،و يصح التّعارض بينهما،فيبحث ح‏عن انّ إطلاق الشّمولي مقدّم على الإطلاق البدلي أو غير مقدّم.و المقام ليس من هذاالقبيل،إذ ليس بين إطلاق المادّة و إطلاق الهيئة تعارض و تناف،بل بينهما كمال‏الملائمة و الألفة،إذ لا يلزم من إطلاق كلّ منهما محذور لزوم اجتماع المتناقضين الّذي‏هو المناط في باب التعارض،و العلم بورود المقيد على أحدهما من الخارج لمكان‏الدّليل المنفصل لا يوجب التّنافي بينهما.غايته انّه يعلم بعدم إرادة أحد الإطلاقين وانّ أحدهما لا محالة مقيّد،و أيّ ربط لهذا بأقوائيّة إطلاق الهيئة لكونه شموليّا من‏إطلاق المادّة لكونه بدليّا؟فانّ الأقوائية لا توجب ان يكون القيد واردا على‏الضّعيف،و أيّ ملازمة في ذلك؟بل لو فرض انّ الهيئة بالوضع تدلّ على الشّمول‏لا بالإطلاق كان ذلك العلم الإجمالي بحاله،فانّ القيد لا محالة امّا ان يكون واردا على‏الهيئة أو يكون واردا على المادّة،و أقوائيّة الهيئة لا ربط لها بذلك،فالمقام نظير ما إذاعلم بكذب أحد الدّليلين من دون ان يكون بين مدلوليهما تناف،حيث أوضحنا في‏محلّه انّه لا يعامل معاملة التّعارض في مثل هذا،بل يكون من باب اشتباه الحجّةباللاحجّة،و يعامل معهما معاملة قواعد العلم الإجمالي،و المقام بعينه يكون من هذاالقبيل.(الوجه الثّاني)الّذي ذكره الشّيخ(قده)لترجيح إرجاع القيد إلى المادّة،هو انّ تقييدالهيئة و ان لم يستلزم تقييد المادّة،بحيث يلزم تعدد التّقييد كما تقدّم،إلاّ انّه لاإشكال في انّه يوجب بطلان اقتضاء المادّة للإطلاق،و يخرجها عن قابليّه،و كما انّ‏


217

أصل التّقييد مخالف للأصل،كذلك عمل ما ينتج نتيجة التّقييد و إخراج المحلّ عن‏قابليّة الإطلاق يكون مخالفا للأصل،لاشتراكهما في الأثر.و هذا بخلاف إرجاع‏القيد إلى المادّة،فانّه سالم عن هذا المحذور لبقاء إطلاق الهيئة على حاله هذا.و لكن لا يخفى عليك ما فيه فانّ التّقييد انّما كان على خلاف الأصل لمكان‏جريان مقدمات الحكمة،و أين هذا من عمل ما يوجب عدم جريان مقدّمات الحكمةو هدم أساسها كما هو الحال عند إرجاع القيد إلى الهيئة حيث انّه يوجب عدم‏جريان مقدّمات الحكمة في صرف المادّة و هدم أساس إطلاقها،فانّه لا أصل يقتضى‏بطلان مثل هذا العمل.و بالجملة ما ذكره الشّيخ(قده)من الوجهين لإرجاع القيد إلى المادّة،ممّالا يمكن المساعدة عليه.فلا بدّ من إعمال قواعد العلم الإجمالي،إذ الأصول اللّفظيّةمن أصالة إطلاق المادّة و أصالة إطلاق الهيئة متعارضة،للعلم بتقييد أحدالإطلاقين،فتصل النّوبة حينئذ إلى الأصول العمليّة،و معلوم انّ الشّك في المقام‏يرجع إلى الشّك في لزوم تحصيل القيد،و مقتضى أصالة البراءة عدم لزوم تحصيله.هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه في هذا المقام.ثمّ تنظّر في جميع ما أفاده بما حاصله:انّ المراد من تقييد الهيئة هو تقيد المادّةالمنتسبة على ما عرفت،إذ تقييد الهيئة بما انّها معنى حرفيّ لا يعقل،فلا بدّ من رجوع‏القيد إلى المادّة المنتسبة،و يكون الفرق بين تقييد المادّة و تقييد الهيئة هو انّه تارة:يكون التّقييد للمادّة بلحاظ ما قبل الاستناد،و أخرى:يكون تقييدا لها بلحاظالاستناد-كما تقدّم تفصيل ذلك-و حينئذ يكون رجوع القيد إلى المادّة متيقّنا،و الشّك‏يرجع إلى امر زائد و هو تقييدها بلحاظ الاستناد،و إطلاق الهيئة ينفى هذا الأمرالزّائد،من غير فرق بين ان يكون التّقييد بالمتّصل أو المنفصل،إذ رجوع القيد المتّصل‏إلى المادّة أيضا متيقّن،و رجوعه إلى المادّة المنتسبة مشكوك و أصالة الإطلاق‏الجارية في طرف الهيئة تنفي ذلك.و توهّم انّه يكون من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة فاسد،إذ الضّابطفيما يصلح للقرينيّة هو إمكان رجوع القيد إلى ما تقدّم بلا حاجة إلى عناية زائدة و


218

صلوحه للقرينيّة بلا كلفة،كاستثناء الفسّاق من العلماء مع تردّد الفساق بين‏مرتكب الكبيرة فقط،أو الأعمّ منه و من مرتكب الصّغيرة لأجل إجمال المفهوم،و كالضّمير المتعقّب لجمل متعدّدة،أو الاستثناء المتعقّب لذلك،فانّه في الجميع‏يكون القيد صالحا لرجوعه إلى ما تقدّم بلا عناية،بحيث يصح للمتكلّم الاعتماد على‏ذلك و بذلك ينهدم أساس مقدّمات الحكمة.و هذا بخلاف المقام،فانّ رجوع القيدإلى الهيئة يحتاج إلى عناية زائدة،و هي لحاظ الانتساب في طرف المادّة هذا.مع انّ رجوع القيد إلى الهيئة و الوجوب،لا يصح إلاّ بعد أخذ القيد مفروض‏الوجود كما تقدّم،و ذلك أيضا أمر زائد ينفيه إطلاق القيد،حيث انّه لم يتعقّب بمثل‏أداة الشّرط الّتي خلقها اللّه تعالى لأجل فرض الوجود،فمقتضى إطلاقه عدم لحاظه‏مفروض الوجود.هذا كلّه.مضافا إلى انّ القيود الّتي تصلح لأنّ ترجع إلى المادّة أو الوجوب‏انّما هي القيود الّتي تكون بصيغة الحال،كحجّ مستطيعا،إذ ما عدا ذلك لا تصلح‏لذلك،فانّ ما كان مصدرا بأدوات الشّرط1و ما يلحق بها لا تصلح إلاّ للرّجوع إلى‏الهيئة،و ما كان من قبيل المفعول به و فيه لا تصلح إلاّ للمادّة كصلّ في المسجد،حيث انّ ظاهره الأوّلي يقتضى بناء المسجد إلاّ ان تقوم قرينة شخصيّة أو نوعيّة على‏خلافه.فينحصر ما يصلح للرّجوع إلى كلّ منهما بما كان على هيئة الحال،و معلوم انّ‏مقتضى الظّهور النّوعي في مثل حجّ مستطيعا،و صلّ متطهّرا،و أمثال ذلك،هورجوع القيد إلى المادّة،حيث لا يستفاد منه إلاّ ذلك،هذا إذا كان التّقييد بالمتّصل.و امّا إذا كان التّقييد بالمنفصل،فان كان لفظيّا فالكلام فيه هو الكلام في المتّصل،بل هو أولى كما لا يخفى.و ان كان لبيا،كما إذا انعقد إجماع على انّ الحجّ لا يقع بصفة المطلوبيّة إلاّ1كالعقود التي لا تتعلّق بها إرادة الفاعل لكونها خارجة عن القدرة كالزمان،حيث عرفت انّ مثل‏ذلك لا بدّ ان يؤخذ مفروض الوجود-منه.


219

في حال الاستطاعة،و شكّ في كون الاستطاعة شرطا للوجوب أو للحجّ،فالظّاهرأيضا رجوع القيد إلى المادّة فقط،لاحتياج رجوع القيد إلى الهيئة إلى عناية زائدة،والإطلاق يدفع ذلك.نعم لا يتمشّى الوجه الثّاني‏1و الثّالث فيما إذا كان دليل القيد لبيا كمالا يخفى.هذا حاصل ما أفاده مدّ ظلّه،و لكن للنظر فيه مجال،كما لا يخفى على المتأمّل.هذا تمام الكلام في الواجب المشروط و المطلق و ما يتعلّق بذلك من المباحث.

و ينقسم الواجب أيضا إلى نفسيّ و غيريّ‏

و عرف الغيري:بما أمر به للتّوصّل إلى واجب آخر.و يقابله النّفسي،و هوما لم يؤمر به لأجل التّوصّل به إلى واجب آخر.و قد يعرف النّفسيّ:بما أمر به‏لنفسه،و الغيري:بما أمر به لأجل غيره.و قد أشكل على التّعريف الأوّل بما حاصله:انّه يلزم ان يكون جلّ‏الواجبات غيريّة،لأنّ الأمر بها انّما هو لأجل التّوصّل بها إلى ما لها من الفوائد والملاكات المترتّبة عليها،الّتي تكون هي الواجبة في الحقيقة،و كونها مقدورةبالواسطة لأنّها من المسبّبات التوليديّة.ثمّ وجّه المستشكل بأنّ ترتّب الملاكات على الواجبات و كون الملاكات‏من المسبّبات التّوليديّة لا ينافى الوجوب النّفسي،لأنّه يمكن ان تكون الواجبات‏معنونة بعنوان حسن،و بانطباقه عليها تكون واجبات نفسية،و ارجع تعريف الواجب‏النّفسي بأنه ما أمر به لنفسه إلى ذلك هذا.و قد أشبعنا الكلام في بطلان توهّم كون الملاكات من المسبّبات التّوليديّةفي مبحث الصّحيح و الأعمّ،و انّه ليست الملاكات واجبة التّحصيل لكونها من‏الدّواعي،و لا يمكن تعلّق إرادة الفاعل بها.فراجع ذلك المبحث.و عليه لا يرد1مرادنا من الوجه الثاني:هو ظهور دليل القيد في عدم أخذه مفروض الوجود،و من الوجه الثالث:هو الظهور النّوعي في رجوع ما كان بصيغة الحال إلى المادة فقط-منه.


220

الأشكال على التّعريف المذكور.نعم يرد عليه،خروج الواجبات التّهيئيّة و الواجبات الّتي يستقلّ العقل‏بوجوبها لأجل برهان التّفويت عن كونها واجبات نفسيّة،لأن الأمر في جميعها انّمايكون لأجل التّوصّل بها إلى واجبات آخر،من الحجّ في وقته،و الصّلاة مع الطّهور في‏وقتها،و غير ذلك،فيلزم ان يكون جميعها واجبات غيريّة،مع انّها ليست كذلك كماتقدّم سابقا.فالأولى ان يعرّف الواجب النّفسي بما أمر به لنفسه،أي تعلّق الأمر به‏ابتداء و كان متعلّقا للإرادة كذلك،و يقابله الواجب الغيري،و هو ما إذا كانت‏إرادته ترشّحيّة من ناحية إرادة الغير،فتكون الواجبات التهيئية كلها من الواجبات‏النفسيّة،حيث لم تكن إرادتها مترشّحة من إرادة الغير،لوجوبها مع عدم وجوب‏الغير،على ما تقدّم تفصيل ذلك.ثمّ ان ما دفع به الأشكال عن الواجبات النّفسيّة،بأنه يمكن ان يكون ذلك‏لأجل انطباق عنوان حسن إلخ،لم نعرف معناه،فانّ العنوان الحسن من أين جاء؟و هل ذلك العنوان الا جهة ترتّب الملاكات عليها الّذي التزم انّها من تلك الجهةتكون واجبات غيريّة؟فتأمل جيّدا.و على كلّ حال لو شكّ في واجب انّه نفسيّ أو غيريّ فتارة،يقع الكلام‏فيما يقتضيه الأصل اللّفظي و أخرى،فيما يقتضيه الأصل العملي.

(امّا الأوّل)

فمجمل القول فيه:هو انّ الواجب الغيري لمّا كان وجوبه مترشّحا عن‏وجوب الغير،كان وجوبه مشروطا بوجوب الغير،كما انّ وجود الغير يكون مشروطابالواجب الغيري،فيكون وجوب الغير من المقدّمات الوجوبيّة للواجب الغيري،ووجود الواجب الغيري من المقدّمات الوجوديّة لذلك الغير،مثلا يكون وجوب الوضوءمشروطا بوجوب الصّلاة،و تكون نفس الصّلاة مشروطة بوجود الوضوء،فالوضوءبالنّسبة إلى الصّلاة يكون من قيود المادّة،و وجوب الصّلاة يكون من قيود الهيئةبالنّسبة إلى الوضوء بالمعنى المتقدّم من تقييد الهيئة،بحيث لا يرجع إلى تقييد المعنى‏


221

الحرفيّ.و حينئذ يرجع الشّك في كون الوجوب غيريّا إلى شكّين:أحدهما:الشّك في‏تقييد وجوبه بوجوب الغير،و ثانيهما:الشّك في تقييد مادّة الغير به.إذا عرفت ذلك فنقول:انّه ان كان هناك إطلاق في كلا طرفي الغيرو الواجب الغيري،كما إذا كان دليل الصّلاة مط لم يأخذ الوضوء قيدا لها،و كذاكان دليل إيجاب الوضوء مط لم يقيّد وجوبه بالصّلاة،كما في قوله تعالى‏ (1) إذا قمتم‏إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم إلخ،حيث انّه قيّد وجوب الوضوء بالقيام إلى الصّلاةفلا إشكال في صحّة التّمسّك بكلّ من الإطلاقين،و تكون النّتيجة هو الوجوب‏النّفسي للوضوء،و عدم كونه قيدا وجوديا للصّلاة،فانّ إطلاق دليل الوضوء يقتضى‏الأوّل،و إطلاق دليل الصّلاة يقتضى الثّاني.و الأشكال في التّمسك بإطلاق الهيئة في طرف الوضوء،بأنّ الهيئة موضوعةلأفراد الطّلب و مصاديقه لا لمفهومه،فلا معنى للرّجوع إلى إطلاق الهيئة كما في‏التّقريرات‏ (2) ضعيف جدّاً.و أضعف منه،دفع الأشكال بأنّ الهيئة موضوعةلمفهوم الطّلب،و هو الّذي ينشأ،إذ لا معنى لإنشاء المصداق إلخ ما ذكره في‏الكفاية (3) امّا ضعف ما في التّقرير،فلأنّ كون الهيئة موضوعة لمفهوم الطّلب أولمصاديقه أجنبيّ عمّا نحن فيه،إذ لا إشكال في ثبوت الواجبات الغيريّة في‏الشريعة،فيسأل انّ الشّي‏ء بأيّ صناعة يكون واجبا غيريّا؟و هل يكون الشّي‏ءواجبا غيريّا إلاّ بتقييد وجوبه بالغير؟على معنى تقييد جملة بجملة،على ما تقدّم بيانه‏في الواجب المشروط.و بالجملة:الواجب الغيري يكون قسما من الواجب المشروط،و كما انّ إطلاق دليل الحجّ مثلا يقتضى عدم تقييد وجوبه بالاستطاعة،كذلك‏

1)المائدة،الآية 6

2)مطارح الأنظار،مباحث مقدمة الواجب«هداية:ينقسم الواجب باعتبار اختلاف دواعي الطلب‏على وجه خاص كما ستعرفه إلى غيري و نفسي...»ص 65

3)كفاية الأصول،الجلد 1 ص 173«ففيه ان مفاد الهيئة كما مرت الإشارة إليه ليس الافراد،بل هومفهوم الطلب...»


222

إطلاق دليل الوضوء يقتضى عدم تقييد وجوبه بمثل«إذا قمتم إلى الصّلاة»فتأمل.و امّا ضعف ما في الكفاية،فلأنه لا معنى لوضع الهيئة لمفهوم الطّلب،ولا معنى لإنشاء مفهوم الطّلب،بل الهيئة على ما عرفت لم توضع إلاّ لإيقاع النّسبة بين‏المبدأ و الفاعل بالنّسبة الإيقاعيّة،مقابل النّسبة التّحققية و التّلبّسيّة،الّتي وضعت‏هيئة الماضي و المضارع لهما،و بإيقاع هذه النّسبة إذا كان بداعي الطّلب يتحقّق‏مصداق من الطّلب،حيث انّ حقيقة الطّلب هو التّصدي لتحصيل المطلوب،و الآمربإيقاعه للنّسبة مع كونه بداعي الطّلب قد تصدّى لتحصيل مطلوبه بتوسّط عضلات‏العبد،فالهيئة لم توضع للطّلب أصلا لا لمفهومه و لا لمصداقه،و قد تقدّم ذلك‏مشروحا في أوّل مبحث الأوامر،فراجع.و على كلّ حال ظهر صحّة التّمسك بإطلاق كلّ من الغير و الواجب‏الغيري لو كان لكلّ منهما إطلاق.بل لو كان لأحدهما إطلاق يكفى في المقصود من‏إثبات الوجوب النّفسي،لأنّ مثبتات الأصول اللّفظيّة حجّة،فلو فرض انّه لم يكن‏لدليل الوضوء إطلاق و كان لدليل الصّلاة إطلاق،فمقتضى إطلاق دليلها هو عدم‏تقييد مادّتها بالوضوء،و يلزمه عدم تقييد وجوب الوضوء بها،لما عرفت من الملازمةبين الأمرين،و كذا الحال لو انعكس الأمر و كان لدليل الوضوء إطلاق دون دليل‏الصّلاة.و بالجملة الأصل اللّفظي يقتضى النّفسيّة عند الشّك فيها،سواء كان لكلّ‏من الدّليلين إطلاق أو كان لأحدهما إطلاق،و لا تصل النّوبة إلى الأصول العمليّة،إلاّ إذا فقد الإطلاق من الجانبين،

و حينئذ ينبغي البحث عمّا يقتضيه الأصل‏العملي.

فنقول:الشّك في الوجوب الغيري له أقسام ثلاثة:

القسم الأوّل‏

ما إذا علم بوجوب كلّ من الغير و الغيري من دون ان يكون وجوب الغيرمشروطا بشرط غير حاصل،كما إذا علم بعد الزّوال بوجوب كلّ من الوضوء والصّلاة،و شكّ في وجوب الوضوء من حيث كونه غيريّا أو نفسيّا،ففي هذا القسم‏


223

يرجع الشّك إلى الشّك في تقييد الصّلاة بالوضوء و انّه شرط لصحتها،حيث عرفت‏ملازمة الشّكّ في ذلك للشّك في تقييد الصّلاة،و ح يرجع الشّك بالنّسبة إلى الصّلاةإلى الشّك بين الأقلّ و الأكثر الارتباطي،و أصالة البراءة تقتضي عدم شرطيّةالوضوء للصّلاة و صحّتها بدونه،فمن هذه الجهة تكون النّتيجة النّفسيّة.و امّا من‏جهة تقييد وجوب الوضوء بوجوب الصّلاة فلا أثر لها،للعلم بوجوب الوضوء على كلّ‏حال نفسيّا كان أو غيريّا،نعم ربّما يثمر في وحدة العقاب و تعدّده عند تركه لكلّ‏من الوضوء و الصّلاة،و ليس كلامنا الآن في العقاب.

القسم الثّاني‏

ما إذا علم بوجوب كلّ من الغير و الغيري،و لكن كان وجوب الغيرمشروطا بشرط غير حاصل،كالمثال المتقدّم فيما إذا علم قبل الزّوال،ففي هذا القسم‏يرجع الشّك في غيريّة الوضوء و نفسيّته إلى الشّك في اشتراطه بالزّوال و عدم‏اشتراطه،إذ لو كان واجبا غيريّا يكون مشروطا بالزّوال لمكان اشتراط الصّلاة به،وحينئذ يكون من افراد الشّك بين المط و المشروط،و قد تقدّم انّ مقتضى الأصل‏العملي هو الاشتراط،للشّك في وجوبه قبل الزّوال،و أصالة البراءة تنفي وجوبه،كماتنفي شرطية الصلاة بالوضوء،و لا منافاة بين إجراء البراءة لنفي وجوب الوضوء قبل‏الزوال و إجراء البراءة لنفي قيديّته للصّلاة كما لا يخفى.

القسم الثّالث‏

ما إذا علم بوجوب ما شكّ في غيريّته،و لكن شكّ في وجوب الغير،كما إذاشكّ في وجوب الصّلاة في المثال المتقدّم و علم بوجوب الوضوء،و لكن شكّ في كونه‏غيريّا حتّى لا يجب لعدم وجوب الصّلاة ظاهرا بمقتضى البراءة،أو نفسيّا حتّى يجب.فقد قيل في هذا القسم بعدم وجوب الوضوء و إجراء البراءة فيه،لاحتمال‏كونه غيريّا،فلا يعلم بوجوبه على كلّ حال هذا.و لكن الأقوى وجوبه،لأنّ المقام يكون من التّوسّط في التنجيز الّذي عليه‏يبتنى جريان البراءة في الأقلّ و الأكثر الارتباطي،إذ كما انّ العلم بوجوب ما عداالسّورة مع الشّك في وجوبها يقتضى وجوب امتثال،ما علم،و لا يجوز إجراء البراءة


224

فيه،مع انّه يحتمل كون ما عدا السّورة واجبا غيريّا و مقدّمة للصّلاة مع السّورة،فكذلك المقام من غير فرق بينهما،سوى تعلّق العلم بمعظم الواجب في مثل الصّلاةبلا سورة،و في المقام تعلّق العلم بمقدار من الواجب كالوضوء فقط،و هذا لا يصلح ان‏يكون فارقا فيما نحن بصدده.كما لا يصلح الفرق بين المقامين:بأنه في المقام قد تعلّق‏العلم بما يحتمل كونه مقدّمة خارجيّة كالوضوء بالنّسبة إلى الصّلاة،و في ذلك المقام‏تعلّق العلم بما يحتمل كونه مقدّمة داخليّة،فانّ المناط في الجميع واحد و هو العلم‏بالوجوب،مع انّه لنا ان نفرض مثال المقام بما يحتمل كونه مقدّمة داخليّة،كما إذاعلم بوجوب السّورة فقط و شكّ في النّفسيّة و الغيريّة،فتأمل.

بقي في المقام التّنبيه على أمرين‏

(الأوّل)

قد اختلف الأعلام في استحقاق الثّواب و العقاب على فعل الواجب‏الغيري و تركه على أقوال‏(ثالثها)التّفصيل بين ما إذا كان الوجوب الغيري مستفادا من خطاب‏أصليّ فيترتّب،أو تبعيّ فلا يترتّب.(رابعها)التّفصيل بين استحقاق الثّواب فلا يترتّب،و استحقاق العقاب‏فيترتّب.و الأولى تحرير محلّ النزاع في المقام،بالأعمّ من الاستحقاق و التّفضّل،إذاستحقاق الثّواب في الواجبات النفسيّة محلّ كلام.فقد حكى شيخنا الأستاذ مدّ ظله،عن المفيد(ره)القول بعدم استحقاق‏العبد للثّواب على الإطاعة و امتثال أوامر مولاه عقلا على وجه يكون عدم ترتّب‏الثّواب على إطاعته من الظّلم المستحيل في حقّه تعالى و كيف يحكم العقل بذلك؟مع انّ العبد مملوك لمولاه،فعليه إطاعته و امتثال أوامره،و لا يمتنع عقلا عدم إثابةالعبد لإطاعة مولاه،بل الثّواب انّما يكون بالتّفضل منه تعالى على عبيده و منّة عليهم‏بذلك.و قد خالف في ذلك المتكلّمون،حيث قالوا بالاستحقاق.و نظير هذا البحث‏وقع في وجوب قبول التّوبة،حيث ذهب المتكلّمون إلى وجوب قبولها عليه تعالى و


225

خالف في ذلك بعض.و على كلّ حال مسألة استحقاق الثّواب في امتثال الواجبات‏النّفسيّة محلّ كلام،فما ظنّك بالواجبات الغيريّة؟فالأولى تحرير النّزاع بالأعمّ من‏الاستحقاق،1و التّفضّل.ثمّ انّه لا إشكال في انّ استحقاق الثّواب على القول به،انّما يتوقّف على‏قصد الطّاعة و امتثال الأمر،و ليس هو من لوازم فعل ذات الواجب من دون قصدذلك،بداهة انّ الإتيان بذات الواجب من دون قصد امتثال الأمر ممّا لا يوجب‏استحقاق الثّواب.إذا عرفت هذافنقول:انّه لا معنى للبحث عن استحقاق الثّواب على امتثال الواجب‏الغيري،لأنّ امتثاله انّما يكون بعين امتثال ذي المقدّمة الّذي تولّد أمره منها،و ليس له‏أمر بحيال ذاته،حتّى يبحث عن استحقاق الثّواب عند امتثاله،من غير فرق في ذلك‏بين المقدّمات الشّرعيّة أو العقليّة.امّا المقدّمات الشّرعيّة فواضح،لأنّ أمرها انّما يكون بعين الأمر المنبسط على‏الواجب بما له من الأجزاء و الشّرائط و الموانع،و يكون حال المقدّمات الخارجيّةحال المقدّمات الدّاخليّة،من حيث إنّ امتثال أمرها انّما يكون بامتثال الأمر الواقع‏على الجملة،سواء قلنا بوجوب المقدّمة أو لم نقل،بداهة تعلّق الأمر بالشّرائط في ضمن‏تعلّقه بالمركّب،و يكون امتثال الأمر بالشّرائط بعين امتثال الأمر بالمركّب،و ينبسط الثّواب على الجميع،و يختلف سعة دائرة الثّواب و ضيقه بسعة المركّب وضيقه،فلا معنى للبحث عن انّ امتثال الأمر بالمقدّمات الشّرعيّة يوجب استحقاق‏الثّواب،و ذلك واضح.امّا المقدّمات العقليّة:فما كان منها من قبيل الأسباب التّوليديّة،فقد عرفت‏في بعض المباحث السّابقة انّ الأمر بالسّبب أمر بالمسبّب و كذا العكس،لأنّ‏1و الإنصاف:انّ البحث عن التّفضل ممّا لا ينبغي لسعة فضله(تعالى)فلا معنى للبحث عن تفضله‏بالثواب على الواجبات الغيرية،فالأولى:إبقاء عنوان النّزاع على حاله من استحقاق الثواب،غايته انّه يبنى البحث‏على استحقاق الثواب في الواجبات النّفسيّة،و يكون التكلّم في المقام بعد الفراغ عن ذلك-منه.


226

المسبّب يكون عنوانا للسّبب و يكون وجوده بعين وجود سببه و يتّحد معه في الوجودبنحو من الاتّحاد،فليس هناك أمران:تعلّق أحدهما بالسّبب و الآخر بالمسبّب،حتّى يبحث عن استحقاق الثّواب على امتثال أمر السّبب،بل هناك أمر واحد و له‏امتثال فارد،و ذلك أيضا واضح.و امّا ما كان منها من قبيل المعدّات،فقد يتوهّم جريان البحث فيه،حيث‏انّه قد تعلّق بالمعدّ أمر مقدّمي،فيبحث عن استحقاق الثّواب عند امتثال ذلك الأمرهذا.و لكنّ الإنصاف انّه أيضا لا مجال للبحث عن ذلك،لأنّ الأمر المقدّمي‏بالمعدّ انّما تولّد من الأمر بذي المقدّمة،فليس له امتثال بحيال ذاته،بل امتثاله انّمايكون بامتثال الأمر الّذي تولّد هو منه،و ليس له امتثال على غير هذا الوجه،فيسقطالبحث عن استحقاق الثّواب عند امتثال الواجب الغيري بالمرّة،فتأمل في المقام.

(الأمر الثّاني)

قد أشكل في الطّهارات الثّلث،أوّلا في وجه استحقاق الثّواب عند فعلهاالمعلوم بالضّرورة،مع أنّ أوامرها غيريّة لمكان مقدّميتها للصّلاة،و قد تقدّم انّ الأمرالغيري لا يقتضى استحقاق الثّواب.و ثانيا أنّ الأوامر الغيريّة كلّها توصّليّة،لا يعتبر في سقوطها قصد امتثال‏أمرها و التّعبد بها،مع قيام الضّرورة على اعتبار قصد التّعبّد بالطهارات الثّلث.و هذان الإشكالان قد ذكرهما الشّيخ(قده)على ما في التّقرير (1) و تبعه‏صاحب الكفاية(قده) (2) و لكن الشّيخ(قده)قد قرّر الأشكال في كتاب الطّهارةعند البحث عن نيّة الوضوء بوجه آخر (3) و لعلّه يرجع إلى إشكال ثالث.

1)راجع مطارح الأنظار،مباحث مقدمة الواجب-«هداية،لا ريب في استحقاق العقاب عقلا على‏مخالفة الواجب النفسيّ...»ص 66

2)كفاية الأصول-الجلد الأول،تقسيمات الواجب،و منها تقسيمه إلى النفسيّ و الغيري،التذنيب‏الأوّل ص 175

3)كتاب الطهارة،لأستاذ الأساطين الشيخ الأنصاري.الركن الثاني،في كيفية نيّة الوضوء،الأمرالأوّل مما لزم التنبيه عليه،فيما بقي في نية الوضوء.ص 80


227

و حاصل ما ذكره في ذلك المقام:هو انّه لا إشكال في انّ نفس افعال‏الوضوء من الغسلات و المسحات ليست مقدّمة للصّلاة،إذ ليست هذه الأفعال رافعةللحدث،أو مبيحة للصّلاة الّتي يكون الوضوء بهذا الاعتبار مقدّمة لها،بل المقدّمة هوالوضوء المتعبّد به و ما يكون عبادة،و لا إشكال أيضا انّ العباديّة تتوقّف على الأمر،إذ لا يقع الشّي‏ء عبادة إلاّ بقصد امتثال أمره.و بعد ذلك نقول:انّه يتوقّف رافعيّة الحدث للوضوء على ان يكون عبادة،ويتوقّف عباديّته على الأمر الغيري،إذ المفروض انّه لا أمر له سوى ذلك،و الأمرالغيري يتوقّف على ان يكون الوضوء عبادة،إذ الأمر الغيري لا يقع إلاّ على ما كان‏بالحمل الشائع مقدّمة،و الوضوء العبادي يكون بالحمل الشّائع مقدّمة،فلا بدّ ان‏يكون عبادة قبل تعلّق الأمر الغيري به،و المفروض انّ عباديّته تتوقّف على الأمرالغيري،إذ لا أمر له سوى ذلك حسب الفرض،فيلزم الدّور.و الإنصاف انّ الشّيخ(قده)قد بعد المسافة في تقريب الأشكال،لأنّه قال‏في تقرير الدّور ما لفظه:«فتحقّق الأمر الغيري يتوقّف على كونه مقدّمة،و مقدّميّته‏بمعنى رفعه للمانع متوقّفة على إتيانه على وجه العبادة المتوقّفة على الأمر به،فيلزم‏الدّور»انتهى.فانّه لا وجه لأخذ إتيانه على وجه العبادة من أحد المقدّمات إذ لا ربطللإتيان و عدم الإتيان بالدّور،بل الدّور انّما يتوجّه في مرحلة الجعل و الأمر،فلا يحتاج إلى هذه المقدّمة،بل الأولى في تقريب الدّور هو ان يقال:انّ الأمر الغيري‏يتوقّف على ان يكون الوضوء عبادة،و عباديّته تتوقّف على الأمر الغيري،فيلزم الدّورالمصرح،فتأمل.ثمّ لا يخفى عليك انّ هذا الأشكال لا ربط له بالإشكال الثّاني الّذي ذكره‏في التّقريرات،فانّ ذلك الأشكال مبنىّ على انّ الأمر الغيري لا يقتضى العباديّة بل‏هو توصّلي.و هذا الأشكال يتوجّه بعد الغضّ عن ذلك،و تسليم اقتضاء الأمر الغيريّ‏التّعبديّة،و مع ذلك يلزم الدّور،كما هو واضح هذا.


228

و لكن لا يذهب عليك،ان هذه الإشكالات كلّها مبنيّة على انّ جهةعباديّة الوضوء انّما تكون من ناحية امره الغيري،و هو بمعزل عن التّحقيق،بل‏الوضوء انّما يكتسب العباديّة من ناحية الأمر النفسيّ المتوجّه إلى الصّلاة بما لها من‏الأجزاء و الشّرائط،بداهة انّ نسبة الوضوء إلى الصّلاة كنسبة الفاتحة إليها من الجهةالّتي نحن فيها،حيث انّ الوضوء قد اكتسب حصّة من الأمر بالصّلاة لمكان قيديّته‏لها،كاكتساب الفاتحة حصّتها من الأمر الصّلاتي لمكان جزئيّتها،فكما انّ الفاتحةاكتسبت العباديّة من الأمر الصّلاتي،كذلك الوضوء اكتسب العباديّة من الأمرالصّلاتي بعد ما كان الأمر الصّلاتي عباديّا،و كذا الحال في الغسل و التّيمم.فان قلت:نسبة الوضوء إلى الصّلاة كنسبة السّتر و الاستقبال إليها،فكيف‏اكتسب الوضوء العباديّة،و لم يكتسب السّتر و الاستقبال العباديّة؟قلت:التّفاوت بين الطّهارات الثّلث و غيرها من القيود الّتي لا يعتبرإيقاعها على وجه العباديّة،انّما هو من ناحية الملاك،حيث ان الملاك الّذي اقتضى‏قيديّة الوضوء للصّلاة اقتضاه على هذا الوجه،أي وقوعه على وجه العباديّة،بخلاف‏ملاكات سائر الشّروط،حيث لم تقتضي ذلك.و الحاصل:انّ عباديّة الأمر الصّلاتي انّما يكون بمتمّم الجعل،على ما تقدّم‏تفصيله،و ذلك المتمّم انّما اقتضى عباديّة الأمر بالنّسبة إلى خصوص الأجزاء والطّهارات الثّلث،دون غيرها من الشّرائط،و لا منافاة في ذلك بعد ما كان‏استكشاف العباديّة بأمر آخر اصطلحنا عليه بمتمّم الجعل.فتحصّل:انّ الوضوء انّما اكتسب العباديّة من الأمر الصّلاتي،و الأمرالغيري بالوضوء على القول به انّما يكون متأخرا عن الأمر الصّلاتي الّذي أخذ الوضوءحصّة منه،فالأمر الغيري لا يكون له جهة العباديّة،حتّى يستشكل بأنّ الأوامرالغيريّة توصّليّة،و كذا عباديّة الوضوء لا يتوقّف على الأمر الغيريّ،و ان كان الأمرالغيري متوقّفا عليها،فلا دور.و امّا مسألة الثّواب فقد عرفت الوجه فيها في الأمر المتقدّم،فترتفع‏الإشكالات بحذافيرها.


229

ثمّ لو أغمضنا عن ذلك كلّه،كان لنا التّفصيّ عن الإشكالات بوجه آخريختصّ بالوضوء و الغسل فقط،و لا يجري في التّيمم.و حاصل ذلك الوجه،هو انّ‏الوضوء و الغسل لهما جهة محبوبيّة ذاتيّة و مطلوبيّة نفسيّة أوجبت استحبابهما قبل‏الوقت،و عروض الوجوب لهما بعد الوقت لا ينافى بقاء تلك الجهة و ان قربت بعدالوقت و حصلت لها شدّة أوجبت الوجوب.و الحاصل:انّ عروض ملاك الوجوب على ملاك الاستحباب لا يوجب‏انعدام الملاك الاستحبابي،و حدوث ملاك آخر للوجوب،بل غايته تبدّل‏الاستحباب بالوجوب و فوات الرّخصة من التّرك الّتي كانت قبل الوقت،مع‏اندكاك الملاك الاستحبابيّ في الملاك الوجوبيّ،نظير اندكاك السّواد الضّعيف في‏السّواد الشّديد.و لكن لا يخفى عليك،انّ ما ذكرناه من تبدّل الاستحباب بالوجوب،فانّماهو بالنّسبة إلى الوجوب النّفسيّ الثّابت للوضوء بعد الوقت،لا الوجوب الغيريّ له،فانّ التّبدل بالوجوب الغيري لا يعقل لاختلاف المتعلّق.و لا بأس بالإشارة إلى ضابط تبدّل الأحكام بعضها مع بعض،ليتّضح‏المقصود في المقام.فنقول:ضابط التبدّل هو ان يتعلّق الوجوب بعين ما تعلّق به الاستحباب،كما لونذر صلاة اللّيل،فانّ الأمر الاستحبابي انّما تعلّق بذات صلاة اللّيل لا بما انّهامستحبّة،و النّذر أيضا انّما يتعلّق بالذات،إذ لا يمكن ان يتعلق النّذر بصلاة اللّيل‏بوصف كونها مستحبّة،لأنّها بالنّذر يصير واجبة فلا يمكنه إتيانها بوصف‏الاستحباب،فلا بدّ ان يتعلّق النّذر بالذّات،فيكون الأمر الوجوبيّ الجائي من قبل‏النّذر متعلّقا بعين ما تعلّق به الأمر الاستحبابي،فيتبدّل الأمر الاستحبابيّ بالأمرالوجوبيّ،و يكتسب الأمر الوجوبيّ التّعبديّة،كما اكتسب الأمر الاستحبابيّ‏الوجوب،فانّ الأمر النّذريّ و ان كان توصّليّا،إلاّ انّه لمّا تعلّق بموضوع عباديّ‏اكتسب التّعبديّة،فتأمل.


230

فتحصل:انّ تبدّل حكم إلى غيره،انّما يكون بوحدة المتعلّق،و تعلّق الثاني‏بعين ما تعلّق به الأوّل.و امّا إذا لم يكن كذلك،بل تعلّق الثّاني بما تعلق به الأوّل‏بقيد كونه مأمورا به بالأمر الأوّل،ففي مثل هذا لا يعقل التّبدّل كما في صلاة الظّهر،حيث اجتمع فيها امران:امر تعلّق بذاتها و هو الأمر النّفسي العباديّ الّذي لا يسقطإلاّ بامتثاله و التّعبد به،و لمكان كون صلاة الظّهر مقدّمة لصلاة العصر-حيث انّ‏فعلها شرط لصحّتها-قد تعلّق بها امر آخر مقدّمي،و لكن الأمر المقدّمي قد تعلّق بصلاةالظّهر بقيد كونها مأمورا بها بالأمر النّفسي و بوصف وقوعها عبادة امتثالا لأمرهاالنّفسي،حيث ان ذات صلاة الظهر لم تكن مقدمة لصلاة العصر،بل المقدمة هي‏صلاة الظهر المتعبد بها بالأمر النفسيّ،و الأمر المقدّمي انّما يقع على ما هو مقدّمة،فيختلف موضوع الأمر النّفسي مع موضوع الأمر المقدّمي،و لا يتّحدان،فلا يمكن‏التّبدّل في مثل هذا،فلو قصد الأمر المقدّمي في فعل صلاة الظّهر تقع باطلة،فانّ‏الأمر المقدّمي يكون توصّليّا و لا يكتسب التّعبديّة،لاختلاف متعلّق الأمر العباديّ‏مع الأمر التّوصّلي.و كذا الحال بالنّسبة إلى الصّوم حيث يكون للاعتكاف.و مثل ذلك أيضاالأمر الإجاري عند استئجار شخص لعبادة فانّ المستأجر عليه هو العبادة المأمور بهابالنّسبة إلى المنوب عنه،و هي بهذا الوصف تقع متعلّقا للإجارة،فلا يعقل ان يتّحدالأمر الجائي من قبل الإجارة مع الأمر المتعلّق بالعبادة،حيث انّ الأمر العبادي انّماتعلّق بالذّات،و الأمر الإجاريّ تعلّق بها بوصف كونها مأمورا بها بالنّسبة إلى المنوب‏عنه،فلا اتّحاد.و من هنا يظهر:انّه لا يمكن تصحيح عبادة الأجراء،بقصد امتثال‏الأمر الإجاري،و للكلام محلّ آخر.إذا عرفت ذلك فنقول:انّ الوضوء قبل الوقت كان امره استحبابيّا،و بعدالوقت يكون وجوبيّا بالأمر الصّلاتي،و لمكان اتّحاد المتعلّق يتبدّل الأمر الاستحبابيّ‏بالأمر الوجوبيّ،حيث انّ الأمر الاستحبابي قبل الوقت قد تعلّق بالذّات،و الأمرالوجوبيّ النّفسيّ العارض من جهة الأمر بالصّلاة بعده أيضا تعلّق بالذات،فيتبادلان.و امّا الأمر الغيريّ العارض له بعد الأمر بالصّلاة،فلا يعقل ان يتّحد مع‏


231

الأمر الاستحبابي أو النّفسيّ،لأنّ الأمر الغيري امّا يعرض على ما هو بالحمل الشّائع‏مقدّمة،و الوضوء المأمور به بالأمر الصّلاتي يكون مقدّمة،فيكون حال الوضوء بالنّسبةإلى الأمر النّفسيّ و الأمر الغيري كحال صلاة الظّهر الّتي تكون مقدّمة لصلاةالعصر من حيث عدم تبدّل أمريها،و بالنّسبة إلى الأمر النّفسي و الأمر الاستحبابي‏كحال نذر صلاة اللّيل من حيث التّبدل،فتأمل.و ممّا ذكرنا يظهر:انّ قصد الأمر الغيري لا يكفى في وقوع الوضوء عبادة،لأنّ العبرة في وقوع الشّي‏ء عبادة هو قصد امره المتعلّق به نفسه،لا قصد الأمر المتعلّق‏به بوصف كونه مأمور به بامره الّذي تعلّق به أوّلا و بالذات فتأمل.ثمّ انّه قد بقي في المقام بعض الفروع المتعلّقة بباب الطّهارات،قد تعرّض‏لها الشّيخ(قده)في كتاب الطّهارة (1) و أشار إليها شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه في المقام.منها:انّه هل يعتبر في وقوع الطّهارات بل كلّ مقدّمة عباديّة قصد فعل ذي‏المقدّمة و لا يكفى قصد امرها الغيري من دون قصد امتثال امر ذي المقدّمة،أو انّه‏لا يعتبر ذلك؟و الأقوى اعتبار ذلك،لأنّ امتثال الأمر الغيري بنفسه لا يوجب قربامن دون امتثال امر ذيها،فلا يقع السّتر أو الاستقبال مثلا عبادة بقصد أمرهما الغيري‏مع عدم القصد إلى الصّلاة.و منها:انّه لو توضّأ بقصد الصّلاة ثمّ بدا له عدم الصّلاة،فلا ينبغي‏الأشكال في صحّة وضوئه،لأنّ قصد الصّلاة عند فعل الوضوء يكون شرطا لصحّته،مع قطع النّظر عن كونه بنفسه عبادة،أو نفرض الكلام في التّيمّم،فإذا قصد ذلك‏يقع وضوئه صحيحا و رافعا للحدث،و يجوز فعل كلّ مشروط بالطّهارة،كما لا يخفى.و لا يقتضى المقام تفصيل ذلك،فانّه من المسائل الفرعيّة الخارجة عن عنوان‏البحث.هذا تمام الكلام في الواجب النّفسيّ و الغيريّ.

1)طهارة الشيخ قدس سره،الركن الثاني،في كيفيّة نية الوضوء،الكلام هنا في مقامات،المقام‏الأوّل،الثالث ص 82-81


232

و ينقسم الواجب،باعتبار آخر إلى تعييني و تخييريّ.

و قد يستشكل في تصوير الواجب التّخييري،و انّه كيف يعقل تعلّق إرادةالآمر بأحد الشّيئين أو الأشياء من غير تعيين؟مع عدم إمكان تعلّق إرادةالفاعل بذلك،لوضوح انّ إرادة الفاعل المستتبعة لحركة العضلات لا تتعلق إلاّ بمعيّن‏محدودة بحدوده الشّخصيّة،و لا يعقل تعلّقها بأحد الشّيئين على وجه الإبهام و التّرديد،فإذا لم يعقل تعلّق إرادة الفاعل على هذا الوجه،فكيف يعقل تعلّق إرادة الآمربذلك؟و من هنا اختلفت الكلمات في كيفيّة الواجب التّخييري.و الوجوه العلميّةالّتي ذكروها في المقام ترجع إلى أربعة:

الوجه الأوّل:

هو انّ الواجب في الواجب التّخييري،الكلّي الانتزاعيّ،و هو عنوان‏(أحدها)و لا مانع من تعلّق التّكليف بالأمور الانتزاعيّة إذا كان منشأ انتزاعهابيد المكلّف،و لم تكن من أنياب الأغوال،و واضح انّ هذا العنوان الانتزاعي قابل‏للانطباق على كلّ من افراد الواجب المخيّر،فانّه يصدق على كلّ من العتق و الصّيام‏و الإطعام عنوان(أحدها)فيكون هو متعلّق التّكليف هذا.و لكن يرد عليه‏انّ ذلك خلاف ظواهر الأدلّة المتكفّلة لبيان الواجب التّخييري،حيث انّ‏الظّاهر منها،كون كلّ من الخصال واجبا،لا انّ الواجب هو عنوان(أحدها).و الحاصل:انّ هذا الوجه و ان كان ممكنا ثبوتا،و لا محذور فيه عقلا،إلاّانّه خلاف ظواهر الأدلّة لا يصار إليه إلاّ بقرينة معيّنة،أو انحصار الوجه في ذلك وعدم تماميّة الوجوه الآتية.

الوجه الثاني:

هو ان يكون الوجوب في كلّ واحد من افراد التّخيير مشروطا بعدم فعل‏الأخر،فيكون العتق واجبا عند عدم الصّيام و الإطعام،و كذا العكس،فتكون‏الإرادة قد تعلّقت بكلّ على نحو الواجب المشروط،و ذلك انّما يكون إذا كان لكلّ‏من الصّيام و العتق و الإطعام ملاك يخصّه،و لكن لا يمكن الجمع بين الملاكات و


233

كان استيفاء واحد منها مانعا عن استيفاء الباقي،فإذا كان كذلك فلا بدّ من إيجاب‏الكلّ على نحو الواجب المشروط،إذ تخصيص الوجوب بأحدهما يكون بلا مرجح،هذا.و لكن يرد عليه:أولا:انّه لا يتوقّف الواجب التّخييري على ان يكون لكلّ‏من الأفراد ملاك يخصّه،بل يمكن ان يكون هناك ملاك واحد قائم بكلّ من‏الأفراد،غايته انّه يحتاج إلى جامع بينها حتّى لا يصدر الواحد من المتعدّد.و سيأتي‏توضيح ذلك.و ثانيا:لو فرض انّ هناك ملاكات متعدّدة،و لكن بعد فرض وقوع‏التّزاحم و التّمانع بينها في المرتبة السّابقة على الخطاب لا يمكن ان يكون كلّ واحدمنها تامّا في الملاكيّة،إذ الملاك المزاحم بغيره لا يكون تامّا في ملاكيّته،فبالأخرةيرجع إلى انّ الملاك التّامّ واحد،و العبرة بالملاك التّام،و مع وحدة الملاك لا تكون‏الأفراد من الواجب المشروط،إذ مبنى ذلك كان على تعدّد الملاكات.نعم:لو وقع التّزاحم في المرتبة المتأخّرة عن الخطاب لمكان عدم القدرة على‏الجمع بين متعلقي الخطابين-كما في إنقاذ الغريقين-كان الخطاب في كلّ واحدمشروطا بعدم فعل متعلّق الأخر،إذا قلنا في باب التّزاحم بسقوط إطلاق الخطابين،لا أصل الخطابين،كما سيأتي تفصيله في مبحث التّرتّب إن شاء اللّه تعالى،لأنّ الملاك‏في كلّ واحد يكون تامّا،و انّما المانع عدم قدرة المكلّف على الجمع بين المتعلّقين،ولمكان اشتراط كلّ تكليف بالقدرة يكون الخطاب في كلّ مشروطا بعدم فعل الآخر،لثبوت القدرة على هذا الوجه.و الحاصل:انّه فرق بين عروض التّزاحم في المرتبة المتأخّرة عن الخطاب‏بعد تماميّة الملاك في كلّ من المتعلّقين،و بين وقوع التّزاحم في المرتبة السّابقة على‏الخطاب لمكان التّمانع بين الملاكات،ففي الأوّل يكون الخطاب في كلّ مشروطابعدم الأخر،لمكان اشتراط كلّ خطاب بالقدرة،و ينتج نتيجة،الواجب التّخييري،حيث يكون المكلّف مخيّرا في اختيار أيّهما شاء.و في الثّاني لا يكون الخطاب بكلّ مشروطا بعدم الأخر،إذ ليس هناك إلاّ


234

ملاك واحد،و مع وحدة الملاك و انطباقه على كلّ واحد من الخصال مثلا لا يمكن ان‏يكون التّكليف بكلّ واحد مشروطا بعدم فعل الآخر،إذ يلزم فعليّة جميع التّكاليف‏عند ترك فعل الكلّ،لتحقّق شرط الوجوب في كلّ واحد،و لازم ذلك تعدّد العقاب‏و هو ضروريّ البطلان إذ ليس في ترك الواجب التّخييري إلاّ عقاب واحد،مع انّه‏كيف يعقل ان يكون هناك واجبات متعدّدة فعليّة مع وحدة الملاك؟و هذابخلاف الاشتراط الناشئ عن تزاحم الخطابين،فانّ تعدّد العقاب لا مانع منه،وفعليّة كلّ من الواجبين لا محذور فيه لتماميّة الملاك في كلّ منهما،كما سيأتي تفصيله في‏مبحث التّرتّب إن شاء اللّه تعالى.مع انّ إرجاع الواجب التّخييري إلى الواجب‏المشروط خلاف ظاهر الأدلّة،حيث انّ الواجب المشروط لا بدّ ان يكون مشروطابأحد أدوات الشّرط فتأمل جيّدا.

(الوجه الثّالث)

هو انّ الواجب في الحقيقة في الواجب التّخييري هو الجامع بين الأفرادالّذي يؤثّر في الملاك الواحد،لوضوح انّ المتعدّد بما هو متعدد لا يمكن ان يقتضى أثراواحدا،لأنّ الواحد لا يصدر إلاّ من واحد،فلا بدّ ان يكون هناك جامع بين الأفراديقتضى الأثر الواحد،و يكون الواجب هو ذلك الجامع،فيرجع التّخيير الشّرعي إلى‏التّخيير العقلي،هذا.و لكن لا يخفى عليك ما فيه‏فانّ وجود الجامع بين الأفراد و ان كان ممّا لا بدّ منه فرارا عن المحذورالمتقدّم،إلاّ انّه ليس كلّ جامع ينفع في التّخيير العقلي،بل يعتبر في الجامع ان يكون‏امرا قريبا عرفيّا يصح تعلّق التّكليف به بنفسه،بحيث يكون من المسبّبات التوليديّة،بل لا يكفى مجرّد كونه سببا توليديّا،إذ التّسخين يكون من المسبّبات التّوليديّة لكلّ‏من الشّمس و النّار،و مع ذلك ليس بينهما جامع قريب عرفيّ،و ان كان بينهماجامع عقلي لا محالة.و تباين افراد خصال الكفّارة عرفا ليس بأدون من تباين‏الشّمس و النّار،فلا يمكن إرجاع التّخيير بينهما إلى التّخيير العقلي،لما عرفت من انّه‏يعتبر في التّخيير العقلي ان يكون الجامع بين الأفراد جامعا قريبا عرفيّا،كالماء،و


235

الإنسان،و الحيوان،و غير ذلك من العناوين المنطبقة على الأفراد الخارجيّة،فهذاالوجه أردأ من الوجهين السّابقين.

(الوجه الرّابع)

هو الّذي اختاره شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه،و حاصله:انّه لا مانع من تعلّق‏إرادة الآمر بكلّ واحد من الشّيئين أو الأشياء على وجه البدليّة،بان يكون كلّ‏واحد بدلا عن الأخر،و لا يلزم التّعيين في إرادة الآمر بان تتعلّق إرادته بأمر معين،بل يمكن تعلّق إرادة الآمر بأحد الشّيئين بهما،و ان لم يمكن تعلّق إرادة الفاعل بذلك،و لا ملازمة بين الإرادتين على هذا الوجه.مثلا لا إشكال في تعلّق إرادة الآمر بالكلي،مع انّ إرادة الفاعل لا يعقل ان تتعلّق بالكلّي مجرّدا عن الخصوصيّة الفرديّة.و الحاصل:ان بعض الخصوصيّات من لوازم الإرادة الفاعليّة،حيث انّ‏الإرادة الفاعليّة انّما تكون مستتبعة لحركة عضلاته و لا يمكن حركة العضلات نحوالمبهم المردّد،و هذا بخلاف إرادة الآمر،فانّه لو كان كلّ من الشّيئين أو الأشياءممّا يقوم به غرضه الوجداني،فلا بدّ ان تتعلّق إرادته بكلّ واحد لا على وجه التّعيين‏بحيث يوجب الجمع،فانّ ذلك ينافى وحدة الغرض،بل على وجه البدليّة،و يكون‏الاختيار ح بيد المكلّف في اختيار أيّهما شاء،و يتضح ذلك بملاحظة الأوامر العرفيّة،فانّ امر المولى عبده بأحد الشّيئين أو الأشياء بمكان من الإمكان،و لا يمكن إرجاعه‏إلى الكلّي المنتزع كعنوان(أحدهما)،فانّ ذلك غير ملحوظ في الأوامر العرفيّة قطعا ولا يلتفت إليه،فلتكن الأوامر الشّرعيّة كذلك،فالإرادة في الواجب التّخييري سنخ‏من الإرادة في قبال الإرادة المشروطة أو الإرادة المطلقة بشي‏ء معيّن،فتأمل جيّدا.بقي في المقام:التّخيير بين الأقلّ و الأكثر،و هو مع ملاحظة الأقلّ لا بشرطلا يعقل،و مع ملاحظته بشرط لا بمكان من الإمكان،و يخرج حينئذ عن الأقلّ‏و الأكثر،لمباينة الشّي‏ء بشرط لا مع الشّي‏ء بشرط شي‏ء كما هو واضح.هذا تمام‏الكلام في الواجب التّعييني و التّخييري.

و ينقسم الواجب أيضا:إلى عيني و كفائيّ‏

و البحث في الواجب الكفائي هو البحث في الواجب التّخييري،غايته انّ‏


236

البحث في الواجب التّخييري كان بالنّسبة إلى المكلّف به و متعلّق التّكليف،وفي الكفائي بالنّسبة إلى الفاعل و المكلّف،و يكون المكلّف هو جميع الآحاد و جميع‏الأشخاص على وجه يكون كلّ واحد بدلا عن الآخر،و من هنا يتّجه عقاب الجميع‏عند ترك الكلّ،أو ثواب الجميع عند فعل الكلّ دفعة واحدة،لعصيان كلّ واحدحيث انّه ترك متعلّق التكليف لا إلى بدل،أي مع عدم قيام الآخر به،و إطاعة كلّ‏واحد حيث فعل متعلّق التكليف،و قد أطال شيخنا الأستاذ مدّ ظله البحث في ذلك‏،و لقلّة فائدته قد تسامحنا في كتابته.

و ينقسم الواجب:إلى موقّت و غير موقّت‏

و الموقّت إلى مضيق و موسّع،و لا إشكال في إمكان كلّ واحد من ذلك ووقوعه في الشّريعة،نعم:ربّما يستشكل في المضيق بأنه لا يعقل اتحاد زمان البعث و الانبعاث،بل لا بدّ من تقدّم البعث و لو آنا ما،و لكن سيأتي في مبحث التّرتب إن شاء اللّه تعالى‏ضعف هذا الأشكال،و عدم اختصاصه بالمضيق فانتظر.ثمّ انّه وقع البحث في الموقّتات،في انّ الأصل يقتضى سقوط الواجب فيمابعد الوقت،أو انّ الأصل يقتضى عدم سقوطه.و بعبارة أخرى:وقع البحث في‏دلالة الأمر بالموقت على بقاء الوجوب بعد الوقت و عدم دلالته،و ربّما يعنون البحث‏بأنّ القضاء هل هو بالأمر الأوّل أو بأمر جديد؟و لا يخفى ما في هذا التّعبير من‏المسامحة،لوضوح انّه لا معنى لتسمية الفعل قضاء مع دلالة الدّليل الأوّل على بقاءالوجوب فيما بعد الوقت،بل يكون الواجب بعد الوقت هو ذلك الواجب بعينه قبل‏الوقت،فلا معنى لإطلاق القضاء عليه،و على كلّ حال:انّ البحث في الواجب‏الموقّت يقع من جهات‏

(الجهة الأولى)

في دلالة الأمر على بقاء الوجوب فيما بعد الوقت،و هو المراد من كون‏القضاء بالأمر الأوّل،و الوجوه المحتملة في ذلك ثلاثة:الأوّل:دلالة الأمر على ذلك مط،سواء كان التّوقيت بالمتّصل أو المنفصل.


237

الثّاني:عدم دلالته على ذلك مط.الثّالث:التّفصيل بين المتّصل فلا دلالة فيه،و المنفصل فيدلّ على بقاءالوجوب فيما بعد الوقت،و لكن إذا لم يكن لدليل القيد إطلاق،و هذا هو الّذي‏اختاره في الكفاية (1) .و الأقوى:هو الوجه الثّاني،و وجهه ظاهر،لأنّ التّقييد بالوقت يكون‏كالتّقييد بغيره من الأوصاف و الملابسات،و قد بيّنا في محلّه وجه حمل المطعلى المقيد مط متّصلا كان أو منفصلا،و عدم صحة حمل دليل القيد على كونه واجبافي واجب،أو كونه أفضل الأفراد،و لا خصوصية لقيدية الوقت،فكما ان التقييدبالإيمان يوجب انحصار الواجب في المؤمنة و عدم وجوب عتق الكافرة من غير فرق‏بين المتّصل و المنفصل،فكذا التّقييد بالوقت.و ما ذكره في الكفاية من التّفصيل‏ممّا لا يمكن المساعدة عليه،فانّ دليل التّوقيت امّا ان يدلّ على التّقييد و امّا ان‏لا يدلّ،فان دلّ على التّقييد فلا يمكن دلالته على بقاء الوجوب بعد ذلك و استفادةكونه من قبيل تعدّد المطلوب،و ان لم يدلّ على التّقييد فيخرج عن كونه واجباموقّتا.و الحاصل:انّه مع كون الواجب موقّتا لا يمكن دعوى انّ التّقييد بالوقت‏يكون على نحو تعدّد المطلوب و انّه من قبيل الواجب في واجب،من غير فرق بين‏المتّصل و المنفصل.فوجوب الفعل في خارج الوقت يحتاج إلى دليل،و لا يكفى الدّليل‏الأوّل.

(الجهة الثانية)

لا إشكال في قيام الدّليل في بعض الموارد على وجوب الفعل في خارج‏الوقت عند فوته في الوقت كالفرائض اليوميّة،و صوم رمضان،و النّذر المعيّن،فحينئذيقع البحث في انّه بعد قيام الدّليل على ذلك هل يكون التقييد بالوقت من باب تعدّدالمطلوب و كونه واجبا في واجب؟أو يكون من باب التّقييد و لكن قيديته مقصورة

1)كفاية الأصول،الجلد الأوّل،ص 230«ثم انه لا دلالة للأمر بالموقت بوجه...»


238

بحال التّمكن،كما هو الشّأن في سائر القيود المعتبرة في العبادة ما عدا الطّهور،حيث‏تكون مقصورة بحال التّمكّن و تسقط عند التّعذر،لا انّ المقيّد يسقط،لأنّ الصّلاة لاتسقط بحال،أو انّه لا يكون هذا و لا ذاك،بل يكون القضاء واجبا آخر مغايراللواجب الأوّل بحسب العنوان،و ليس هو ذلك الواجب بعينه و انّما سقط قيده.و لا يخفى عليك الفرق بين الوجوه الثّلاثة،فانّه لو كان من قبيل الواجب في‏واجب،لكان اللازم عند ترك القيد عمدا حصول الامتثال بالنّسبة إلى أصل‏الواجب و ان تحقّق العصيان بالنّسبة إلى الواجب الآخر،و لو كان من قبيل القيديّةالمقصورة بحال التّمكن كان اللازم عدم حصول الامتثال عند ترك القيد عمدا مع‏التّمكن منه،و لكن هذا انّما يثمر بالنّسبة إلى غير التّقييد بالوقت من سائر القيود الّتي‏يمكن فيها الإتيان بالمقيّد بدون القيد كالصّلاة بلا ركوع مع التّمكن،و امّا بالنّسبةإلى التّقييد بالوقت فلا يتحقّق أثر بين الوجهين،إذ لا يعقل وقوع الصّلاة في خارج‏الوقت مع كونها في الوقت،فلا فرق بين ان يكون قيديّة الوقت من باب الواجب في‏واجب،أو من باب القيديّة المقصورة بحال التّمكّن.نعم:ثبوتا يمكن ان يكون على أحد الوجهين،كما يمكن ان يكون على الوجه‏الثّالث،و هو اختصاص الواجب بما كان في الوقت و الّذي يجب خارجه هو واجب‏آخر أجنبيّ عمّا وجب في الوقت،و ان اشتمل على مقدار من مصلحة ذلك‏الواجب.و الفرق بين هذا الوجه و الوجهين الأوّلين:هو انّ الواجب في خارج الوقت‏بناء على الوجهين الأوّلين،هو ذلك الواجب في الوقت بعينه،و انّما السّاقط قيد من‏قيوده،أو واجب آخر الّذي كان يجب في ذلك الظّرف،و يكون وجوبه في خارج‏الوقت بنفس العنوان الّذي كان يجب قبله،و هذا بخلاف الوجه الثّالث فانّه يكون‏ح واجبا آخر مغايرا للواجب الأوّل و معنونا بغير ذلك العنوان.و الحاصل:انّه لو لم يقم دليل على وجوب القضاء كان مقتضى الدّليل،القيديّة المطلقة الّتي يسقط فيها المقيّد عند تعذّر القيد،و لا يكون من قبيل تعدّدالمطلوب،و لا من قبيل كون القيديّة مقصورة بحال التّمكّن،من غير فرق بين ان‏


239

يكون دليل التّوقيت متّصلا أو منفصلا كما عرفت،و لكن بعد قيام الدّليل على‏القضاء يمكن ان يستظهر منه أحد الوجوه الثّلاثة،فانّه لا مانع من كلّ منها ثبوتا.و لكن الإنصاف:انّه لا سبيل إلى أحد الوجهين الأوّلين،لأنّ الظّاهر من‏قوله عليه السلام (1) (اقض ما فات)هو انّ الواجب في خارج الوقت امر آخرمغاير لما وجب أوّلا،و انّ ما وجب أوّلا قد فات،و ان هذا الواجب هو قضاء ذلك.و بالجملة دلالة لفظة القضاء و الفوت على انّه لم يكن التّوقيت من قبيل‏تعدّد المطلوب و لا من قبيل القيديّة المقصورة بحال التّمكن،ممّا لا تخفى،لأنّه لو كان‏على أحد الوجهين لا يستقيم التّعبير بالفوت،إذ بناء عليهما لم يتحقق فوت،بل‏كان ذلك الواجب هو بعينه باق،فيظهر منه انّ الواجب في خارج الوقت امر آخرمغاير لما وجب أوّلا و معنون بعنوان آخر.و يدلّ على ذلك أيضا انّه ربّما يتحقّق الفعل‏زمانا بين وجوب الأداء و وجوب القضاء،كما إذا لم يبق من الوقت مقدار ركعة و لم‏يتحقّق الغروب بعد،فانّه لم يكن مكلّفا في هذا المقدار من الزّمان إلى ان يتحقّق‏الغروب لا بالأداء و لا بالقضاء،فيظهر منه انّ المكلّف به في خارج الوقت مغاير لماكلّف به أوّلا،فتأمل.

(الجهة الثّالثة)

بعد ما ثبت انّ القضاء انّما يكون بأمر جديد،و يكون الواجب في خارج‏الوقت مغايرا لما وجب في الوقت،فيقع البحث ح عن موضوع ما يجب في خارج‏الوقت و انّه هل يمكن إحراز موضوعه باستصحاب عدم الفعل في الوقت؟و بعبارةأخرى:الفوت الّذي أخذ موضوعا في دليل القضاء هل هو عبارة عن عدم الفعل في‏الوقت؟حتّى يجري استصحاب عدم الفعل في الوقت و يحرز به الفوت،أو انّ‏الفوت ليس عبارة عن عدم الفعل،بل هو ملازم لذلك،فالاستصحاب لا ينفع‏

1)راجع الوسائل،الجزء 5 الباب 6 من أبواب قضاء الصلاة الحديث 1 ص 359 و في متن الخبر«يقضى ما فاته كما فاته»


240

إلاّ بناء على اعتبار الأصل المثبت.ثمّ لا يخفى عليك:انّ هذا البحث لا أثر له بالنّسبة إلى قضاء الصّلوات،لجريان قاعدة الشّك بعد الوقت الحاكمة على الاستصحاب المذكور.و من هناأشكلنا على الشيخ قده-عند توجيه مقالة المشهور القائلين بوجوب قضاء الفوائت‏حتّى يعلم بالبراءة مع انّ قاعدة الشّك في الأقلّ و الأكثر الغير الارتباطي تقتضي‏جريان البراءة فيما عدا المتيقن من الفوائت،بأنّ استصحاب عدم فعل المشكوك في‏وقته يقتضى وجوب قضائه-بما حاصله:انّ الاستصحاب لا ينفع و لا يوجّه به مقالةالمشهور،لجريان قاعدة الشك بعد الوقت،كما اعترف هو(قده)بذلك،بل لا بد من‏العمل بما يقتضيه العلم الإجمالي فيما ذكره المشهور و قد بيّنا وجه مقالة المشهور في‏تنبيهات البراءة،فراجع.و على كلّ حال البحث عن معنى الفوت لا أثر له في باب‏الصّلاة.نعم:تظهر الثّمرة في سائر المقامات ممّا ثبت فيه القضاء كالصّوم المعيّن ونحوه،فلو قلنا:بأنّ الفوت عبارة عن عدم الفعل في وقته فبأصالة عدم الفعل فيه‏يترتّب وجوب القضاء،و لو قلنا:انّ الفوت ليس مجرّد عدم الفعل،بل هو عبارة عن‏خلوّ المحلّ عن الشّي‏ء و عدم وجوده مع انّه كان فيه اقتضاء الوجود و كان ممّا من‏شأنه ان يوجد بحيث يبقى المحلّ خاليا عنه و هذا المعنى ملازم لعدم الفعل لا انّه هوبعينه،فيكون أصالة عدم الفعل مثبتة بالنّسبة إلى ذلك،و لا يتحقّق بها موضوع‏الفوت،فيكون المرجع في صورة الشّك البراءة،للشّك في التّكليف.و قد اختار هذاالوجه شيخنا الأستاذ مدّ ظله،فتأمل جيّدا.هذا تمام الكلام في أقسام الواجب‏فلنشرع ح في مباحث الأجزاء،و الفور و التّراخي،و المرّة و التّكرار،و لمّاكانت مباحث مسألتي الفور و التّراخي،و المرّة و التّكرار،قليلة الجدوى بل لا طائل‏تحتها كان الأعراض عنهما أجدر،و لكن تبعا للقوم لا بأس بالإشارة الإجماليّة إليهماأوّلا،ثمّ نتكلّم في مسألة الأجزاء فنقول:


241

امّا مسألة المرّة و التكرار

فقد أطالوا القول في البحث عنها،و ذهب إلى دلالة الأمر على التّكرارطائفة،و إلى المرّة طائفة أخرى،و إذا لاحظت أدلة الطّرفين ترى انّها خالية عن‏السّداد و لم يكن فيها ما يدلّ على المدّعى،فانّ من جملة أدلّة القائلين بالتّكرار،هوتكرار الصّلاة في كلّ يوم و هذا كما ترى،فانّ تكرار الصّلاة في كلّ يوم انّما هو لمكان‏قيام الدّليل،و انّ الأمر بالصّلاة من قبيل الأوامر الانحلالية الّتي تتعدّد حسب تعدّدموضوعاتها،و ليس هذا محلّ الكلام،بل محلّ الكلام في التّكرار انّما هو بالنّسبة إلى‏موضوع واحد كتكرار إكرام العالم الواحد،كما إذا قال:أكرم عالما،و لا أظنّ ان‏يلتزم أحد في إفادة مثل هذا الأمر للتّكرار،كما لا يستفاد منه المرة أيضا،و الاكتفاءبالمرة لمكان انّ الأمر لا يقتضى إلاّ طرد العدم،و هو يتحقّق بأوّل الوجود،لا انّ الأمربالدّلالة اللّفظيّة يدلّ على ذلك،فالبحث عن المرّة و التّكرار ممّا لا طائل تحته،كالبحث عن الفور و التّراخي،فانّ الأمر يصلح لكلّ منهما من دون ان يكون له دلالةلفظيّة على أحدهما.فالأولى عطف الكلام إلى مسألة الأجزاء الّتي تعمّ بها البلوى.

في مباحث الإجزاء

فنقول:ربّما عنون في بعض الكلامات مسألة الأجزاء،بأنّ الأمر هل يقتضى‏الأجزاء أو لا يقتضيه؟و لمكان انّ التّعبير بذلك فيه مسامحة واضحة-بداهة انّ‏الأجزاء لا يستند إلى الأمر و ليس من مقتضياته،بل يستند إلى فعل المكلف و ما هوالصّادر عنه-عدل المحقّقون و أبدلوا العنوان بأنّ إتيان المأمور به على وجهه هل‏يقتضى الأجزاء أو لا يقتضيه؟و معلوم انّ المراد من قيد(وجهه)ليس الوجه الّذي‏اعتبره المتكلّمون في العبادة من قصد الوجوب أو الاستحباب أو جهتهما،بل المراد منه‏الكيفيّة الّتي اعتبرت في متعلّق الأمر،أي انّ إتيان المأمور به على الوجه الّذي امر به‏و بالكيفيّة الّتي تعلّق الأمر بها هل يقتضى الأجزاء أو لا يقتضيه؟ثمّ لا يخفى عليك:انّه لا ربط لهذه المسألة بمسألة المرّة و التّكرار،فانّ البحث‏عن مسألة المرّة و التّكرار انّما هو في مفاد الأمر بحسب ما يقتضيه من الدّلالة،و


242

البحث عن مسألة الأجزاء انّما هو بعد الفراغ عن مفاد الأمر،فتكون تلك المسألةبمنزلة الموضوع لهذه المسألة،فانّه لو قلنا بأنّ الأمر يدلّ على المرة يقع البحث في انّ‏الإتيان بالمتعلّق يقتضى الأجزاء أو لا يقتضيه،و كذا لو قلنا بالتّكرار فانّه يقع‏البحث في انّ الإتيان بالتّكرار بأيّ مقدار أريد من التّكرار هل يقتضى الأجزاء أولا يقتضيه؟نعم:لو قلنا بإفادته للتّكرار أبدا تتّحد نتيجة المسألتين.و الحاصل:ان البحث في هذا المقام عقليّ،و في ذلك المقام لفظي،و على‏كلّ حال انّ استقصاء الكلام في مسألة الأجزاء يتمّ برسم مقامات.(المقام الأوّل)في انّ الإتيان بالأمور به يقتضى الأجزاء عن نفس ذلك الأمر،أولا يقتضيه؟أي الإتيان بمتعلّق الأمر الواقعي الأولى يقتضى الأجزاء عن نفس ذلك‏الأمر و يوجب سقوطه؟أو لا يقتضيه؟و الإتيان بمتعلّق الأمر الواقعي الثّانوي‏يقتضى الأجزاء من نفس ذلك الأمر؟أو لا يقتضيه؟و كذا الحال في الأمرالظاهري.و الحاصل:انّه يلاحظ كلّ امر بالنّسبة إلى متعلّقه و يبحث عن اقتضائه‏للأجزاء و عدم اقتضائه له.(المقام الثّاني)في انّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الثّانوي هل يقتضى الأجزاء عن‏الأمر الواقعي الأوّلي عند تبدّل الموضوع و زوال العذر في الوقت أو في خارجه؟أولا يقتضيه؟(المقام الثّالث)في انّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الظّاهري هل يقتضى الأجزاء عن الأمرالواقعي؟أو لا يقتضيه؟عند انكشاف الخلاف ظنّا أو علما.

امّا الكلام في المقام الأوّل:

فالإنصاف انّه ممّا لا ينبغي فيه توهّم عدم الأجزاء،بل الإتيان بمتعلّق كلّ‏امر يقتضى الأجزاء عن نفس ذلك الأمر عقلا،و يسقط به الأمر قهرا،فلا ينبغي‏البحث عن ذلك.نعم:ينبغي البحث عن مسألة تبديل الامتثال مع سقوط الأمر.و


243

الّذي يظهر من بعض الأعلام:انّ تبديل الامتثال يكون على القاعدة،و للمكلّف‏ان يبدّل امتثاله،و يعرض عمّا امتثل به أوّلا،و يأتي بالفعل ثانيا،هذا.و لكنّ الإنصاف:انّه لا يمكن المساعدة على ذلك،بل يحتاج تبديل الامتثال‏إلى قيام دليل على ذلك،فانّ تبديل الامتثال يحتاج إلى عدم سقوط الغرض عندسقوط الأمر،كما لو امر بالماء لغرض الشّرب و أتى به العبد و المولى لم يشربه بعد،فانّ الأمر بالإتيان بالماء و ان سقط إلاّ انّ الغرض بعد لم يحصل،فللعبد تبديل‏الامتثال و رفع ما أتى به من الماء و تبديله بماء آخر،فيحتاج تبديل الامتثال إلى بقاءالغرض أو مقدار منه،و إمكان قيام الفعل الثّاني مقام الغرض.و هذا كما ترى يحتاج في الشّرعيّات إلى دليل يكشف عن ذلك،و مع عدم‏قيامه لا يمكن للمكلّف التّبديل من عند نفسه،و لم نعثر في الشّريعة على دليل يقوم‏على جواز تبديل الامتثال،إلاّ ما ورد (1) في باب إعادة الصّلاة جماعة و انّ اللّه يختارأحبهما إليه،و ذلك مقصور أيضا على إعادة المنفرد صلاته جماعة،أو إعادة الإمام‏صلاته إماما لا مأموما و لا منفردا مرّة واحدة،و ليس له الإعادة ثانيا و ثالثا على ماهو مذكور في محلّه.

و امّا الكلام في المقام الثّاني:

و هو اقتضاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الثّانوي للأجزاء عن الأمر الواقعي‏الأوّلي،فالبحث فيه يقع في مقامين:(المقام الأوّل)في اقتضائه للأجزاء بالنّسبة إلى القضاء في خارج الوقت‏عند استيعاب العذر لتمام الوقت و زواله بعد الوقت.(المقام الثّاني)في اقتضائه للأجزاء بالنّسبة إلى الإعادة عند زوال العذر في‏الوقت.

1)الوسائل،الجزء 5 الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة الحديث 10 ص 457


244

امّا المقام الأوّل:

فإجمال القول فيه،انّه لا محيص عن الأجزاء و عدم وجوب القضاء،و السّرفي ذلك هو انّ المقيد السّاقط بالتّعذر كالطّهارة المائيّة لا بدّ ان لا يكون ركنا مقوّماللمصلحة الصّلاتية مط،و إلاّ لما امر بالصّلاة مع الطّهارة التّرابيّة،فانّ امره يكون ح‏بلا ملاك،و هو مناف لمسلك العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد،فمن‏نفس تعلّق الأمر بالصّلاة الفاقدة للطّهارة المائيّة عند تعذرها يستكشف عدم ركنيّةالطّهارة المائيّة للصّلاة،و عدم قوام المصلحة الصّلاتيّة بها في حال تعذّرها،و انّ‏الصّلاة مع الطّهارة التّرابيّة واجدة لمصلحة الصّلاتيّة الّتي لا بدّ منها في الأمر بها،فلا بدّمن اجزائها و سقوط القضاء،فانّ وجوب القضاء يدور مدار الفوت،و المفروض انّه‏لم يفت من المكلّف شي‏ء،لفعله المكلّف به الواجد للمصلحة الصّلاتيّة.مع انّه لم‏يكن الشّخص مكلّفا إلاّ بصلاة واحدة و قد أتى بها،فأيّ موجب للقضاء؟و أيّ شي‏ءفات من المكلف حتى يقضيه؟فلو وجبت في خارج الوقت و الحال هذه كان‏ذلك واجبا آخر مستقلاّ أجنبيّا عمّا نحن بصدده من قضاء ما فات من المكلّف.و حاصل الكلام:انّ قيديّة الطّهارة المائيّة،امّا ان تكون ركنا في الصّلاةمط،و بها قوام مصلحتها في كلتا حالتي التّمكن و عدمه،و امّا ان لا تكون ركناكذلك،بل كانت ركنا في خصوص حال التّمكّن و امّا في غير ذلك الحال فليست‏بركن و لا تقوم بها المصلحة الصّلاتيّة.فان كانت ركنا مط فلا يعقل الأمر بالصّلاةالفاقدة للطّهارة المائيّة،بل لا بدّ من سقوط الأمر الصّلاتي كما في صورة فقدالطّهورين،و حيث انّه امر بالصّلاة كذلك،فلا بدّ ان لا يكون لها دخل لا في الخطاب‏بالصّلاة و لا في الملاك الصّلاتي و تكون الصّلاة مع الطّهارة التّرابيّة واجدة لكلّ من‏الخطاب و الملاك الّذي يتقوّم به الصّلاة،و لا محذور في ان يكون الشّي‏ء له دخل في‏الملاك في حال و ليس له دخل في حال أُخرى،فتكون الطّهارة المائيّة لها دخل في‏الملاك في حال التّمكن و لا يكون لها دخل فيه في حال عدم التّمكن،فإذا كانت‏الصّلاة مع الطّهارة التّرابيّة واجدة للخطاب و للملاك الصّلاتي،امّا على الوجه الّذي‏كانت الصّلاة مع الطّهارة المائيّة واجدة له في حال التّمكّن منها،بان تكون تلك‏


245

المصلحة بما لها من المرتبة قائمة بالصّلاة مع الطّهارة التّرابيّة عند عدم التّمكّن،فانّ ذلك‏بمكان من الإمكان كما لا يخفى،و امّا لا على ذلك الوجه بل دون تلك المصلحةو لكن كانت واجدة لأصل المصلحة الصّلاتيّة،فانّ هذا المقدار ممّا لا محيص عنه‏لكشف الأمر انّا عن ذلك.فلا يعقل القضاء ح إذا لم يفت من المكلّف شي‏ء حتّى‏يقضيه.امّا على الوجه الأوّل فواضح،فانّه تكون الصّلاة مع الطّهارة التّرابيّة واجدةلجميع الملاك بما له من المرتبة،فلم يتحقّق فوت شي‏ء أصلا.و امّا على الوجه الثّاني،فلأنه و ان فات من المكلّف مقدار من المصلحة،إلاّانّ ذلك المقدار ممّا لا يمكن استيفائه،لأنّ استيفائه انّما يكون في طي استيفاءالمصلحة الصّلاتيّة و في ضمنه،و المفروض انّ المكلّف قد استوفى المصلحة الصّلاتيّةفي ضمن الطّهارة التّرابيّة،فلا يمكنه استيفاء مصلحة الطّهارة المائيّة،إذ ليست‏مصلحتها قائمة بنفسها بل في ضمن الصّلاة،مع انّ القضاء لا يدور مدار فوت‏المصلحة،بل يدور مدار فوت المكلّف به،و المفروض انّه قد أتى به في وقته فلا يمكن‏قضائه.

و امّا المقام الثّاني:

و هو سقوط الإعادة،فقد اتّضح وجهه ممّا ذكرناه في سقوط القضاء،إذالكلام فيه هو الكلام في القضاء،فانّه بعد البناء على جواز البدار لذوي الأعذار امّامط،أو مع القطع بعدم زوال العذر إلى آخر الوقت،أو مع اليأس عن زواله-على‏الأقوال في المسألة-و بعد البناء على انّ جواز البدار له يكون حكما واقعيّا لا حكماظاهريّا لا يمكن القول بعدم الأجزاء،لأنّ جواز البدار على هذا يرجع إلى سقوط القيدالمتعذّر و عدم ركنيّته للواجب و عدم قوام المصلحة الصّلاتيّة به مط فتكون التّوسعةفي الوقت محفوظة و عدم خروج تلك القطعة من الزّمان الّذي تعذّر فيه القيد عن‏صلاحية وقوع الصّلاة فيها،و يكون معنى البدار البدار إلى صلاة الظهر المكلّف بها،ومعه كيف يمكن القول بعدم الأجزاء؟مع انّه لا يجب على المكلّف في الوقت صلاتان‏للظّهر.و الحاصل:انّه امّا ان نقول بعدم جواز البدار لذوي الأعذار مط،و امّا ان‏


246

نقول بجوازه امّا مط أو على التّفصيل المتقدّم.فان قلنا بعدم جواز البدار له كان ماأتى به من الفعل الفاقد للقيد غير مأمور به و خاليا عن المصلحة،و معه لا يعقل‏الأجزاء،و ليس الكلام فيه أيضا،و ان قلنا بجواز البدار له على الوجه الّذي نقول به‏كاليأس عن زوال العذر-كما هو المختار-فامّا ان نقول:انّ جواز البدار يكون حكماطريقيّا ظاهريّا،و امّا ان نقول:انّه حكم واقعيّ.فان قلنا:انّه حكم طريقيّ‏ظاهريّ فهو خارج عن محلّ الكلام،فانّه عند زوال العذر في الوقت ينكشف عدم‏كون المأتيّ به مأمورا به،فلا يكون مجزيا على ما سيأتي في المقام الثّالث من عدم‏اقتضاء الحكم الظّاهري للأجزاء،و ان قلنا:انّ جواز البدار يكون حكما واقعيّا،فمعناه انّ المصلحة الصّلاتيّة قائمة بالفاقد للقيد في زمان تعذّره و انّه ليس ركنا مقوّماللمصلحة و انّ التّوسعة في الوقت بعد محفوظة،و معه لا محيص من القول بالأجزاء وسقوط الإعادة عند زوال العذر.

و امّا المقام الثّالث:

و هو اقتضاء المأتيّ به بالأمر الظّاهري للأجزاء عن الأمر الواقعي عندانكشاف الخلاف،فالكلام فيه أيضا يقع في مقامين:المقام الأوّل:في اقتضاء المأتيّ به بالأمر الظّاهري الشرعي للأجزاء كما في‏موارد الطرق و الأمارات و الأصول الشرعية.المقام الثاني:في اقتضاء المأتي به بالأمر الظاهري العقلي للأجزاء،كما في‏موارد القطع.

امّا الكلام في المقام الأوّل فيقع من جهات:

الجهة الأولى:

في اقتضاء المأتيّ به بالأمر الظّاهري الشّرعي الّذي يكون مؤدّى الطّرق والأمارات في باب الأحكام الكليّة الشّرعيّة عند انكشاف الخلاف القطعي،كما إذاقام خبر الواحد على عدم وجوب السّورة في الصّلاة،فأفتى المجتهد على طبقه،و عمل هوو مقلّدوه عليه،ثمّ بعد بذلك عثر على خبر متواتر قطعي يدلّ على وجوب السّورة في‏الصّلاة،ففي مثل هذه الصّورة،الحقّ عدم الأجزاء بالنّسبة إلى الإعادة و القضاء،بل‏


247

يلزمه الإعادة أو القضاء عند انكشاف الخلاف في الوقت أو خارجه،و قد حكى على ذلك دعوى الإجماع،بل جعلوا ذلك من فروع التّخطئة والتّصويب،و انّ القول بالأجزاء يلازم القول بالتّصويب،حيث انّه لا يمكن القول‏بالأجزاء إلاّ بعد الالتزام بحدوث مصلحة في متعلّق الأمارة عند قيام الأمارة عليه وإنشاء حكم على طبق الأمارة على خلاف الحكم الواقعيّ المجعول الأوّلي،بحيث‏يوجب تقييد الأحكام الأوّليّة أو صرفها إلى مؤدّيات الطّرق و الأمارات،و هذا كماترى عين القول بالتّصويب المخالف لمسلك الإماميّة،فانّه بناء على أصول المخطئةليست الأحكام إلاّ الأحكام الواقعيّة المجعولة الأوّليّة من غير تقييدها بالعلم و الظّن والشّك،و لا بقيام الأمارة على الوفاق أو الخلاف،و ليس هناك تقييد و صرف إلى‏مؤدّيات الطّرق و الأمارات،و ليس شأن الطّرق و الأمارات إلاّ التنجيز عند الموافقةو العذر عند المخالفة،و انّ المجعول فيها ليس إلاّ الطّريقيّة و الحجّية و الوسطيّة في‏الإثبات،من دون ان توجب حدوث مصلحة أو مفسدة في المتعلّق،بل المتعلّق باق‏على ما هو عليه قبل قيام الأمارة عليه،و مع هذا كيف يمكن القول بالأجزاء؟مع انّه‏لم يأت بالمأمور به و المكلّف به الواقعي.و بالجملة:ليس حال الطّرق و الأمارات إلاّ كحال العلم،و انّما الفرق انّ‏العلم طريق عقليّ و الطّريقيّة ذاتيّة له،و الأمارات طرق شرعيّة و طريقيّتها مجعولةبجعل شرعيّ،فكأنّما جعلها من افراد العلم جعلا تشريعيّا لا تكوينيّا،و ح يكون‏حالها حال العلم،و سيأتي في المقام الثّاني انّ الطّريق العقلي من العلم و القطع‏لا يوجب الأجزاء و كذا الطّريق الشّرعي.و توهم انّ السّببيّة الّتي ذهب جملة من الإماميّة إليها في باب الطّرق والأمارات يلازم القول بالأجزاء،فاسد،فانّ المراد من تلك السّببيّة هي اقتضاء جعل‏الأمارة للمصلحة السّلوكيّة،و ليس المراد من السّببيّة المذكورة هو سببيّة الأمارةلحدوث مصلحة في المتعلّق،لما عرفت من انّها عين التّصويب،فكيف يقول بها من‏أنكر التصويب؟و من المعلوم:انّ المصلحة السّلوكيّة لا تقتضي الأجزاء عندانكشاف الخلاف،فانّ المصلحة السّلوكيّة على القول بها انّما هو لتدارك فوت‏


248

مصلحة الواقع،و هذا مع انكشاف الخلاف و إمكان تحصيل المصلحة الواقعيّةلا يتحقّق.فتحصل:انّه لا محيص عن القول بعدم الأجزاء في باب الطّرف و الأمارات‏القائمة على الأحكام الكليّة الشّرعيّة.

الجهة الثّانية:

في اقتضاء المأتيّ بالأمر الظّاهريّ الشّرعي الّذي يكون مؤدّى الأمارات في‏باب الموضوعات الشّرعيّة للأجزاء،كما إذا قامت البيّنة على نجاسة الماء،فصلّى‏مثلا مع التّيمّم،ثمّ انكشف مخالفة البيّنة للواقع و انّ الماء كان طاهرا،و الحقّ فيه‏أيضا عدم الأجزاء،فانّ تقييد الموضوعات الشّرعيّة بالعلم و الظّن و الشّك واقعا و ان‏كان بمكان من الإمكان،كما إذا رتّب النّجاسة على معلوم البوليّة،و الحرمة على‏معلوم الخمريّة أو الّذي لم تقم أمارة على نجاسته أو خمريّته،إلاّ انّ الكلام فيما إذا لم‏يقيّد الموضوع بذلك،و كان الشّي‏ء بعنوانه الأوّلي موضوعا للحكم،و ان حجّيّة البيّنةلمجرّد الطّريقيّة من دون ان يكون لها شائبة الموضوعيّة-كما هو ظاهر أدلّة اعتبارها-و ح يكون الكلام في هذه الجهة كالكلام في الجهة الأولى،من حيث عدم اقتضاءالأجزاء،على ما عرفت تفصيله.

الجهة الثّالثة:

في اقتضاء المأتيّ به بالأمر الظّاهري الشّرعيّ الّذي يكون مؤدّى الأصول‏الشّرعيّة العمليّة للأجزاء،كقاعدة الطّهارة،و استصحابها.و قد ذهب بعض الأعلام إلى اقتضاء ذلك للأجزاء،على تفصيل بين‏الأصول الغير المتكفّلة للتّنزيل كأصالة الطّهارة و الحلّ،و بين الأصول المتكفّلةللتّنزيل كاستصحابهما،حيث انّه في الأوّل جزم بالأجزاء،و في الثّاني تردّد،و لعلّ‏الوجه في التفصيل،هو انّ الاستصحاب له جهتان:جهة تلحقه بالطرق و الأمارات،وجهة تلحقه بالأصول العمليّة،و الجهة الّتي تلحقه بالأمارات هي جهةإحرازه و تكفّله للتّنزيل،و الجهة الّتي تلحقه بالأصول العمليّة هي كون المجعول فيه‏البناء العملي لا الطّريقيّة،فبالنظر إلى الجهة الأولى يقتضى عدم الأجزاء،كما في‏الطّرق و الأمارات،و بالنّظر إلى الجهة الثّانية يقتضى الأجزاء.


249

و على كلّ حال:انّ نظره في اقتضاء الأصول للأجزاء إلى انّها توجب‏توسعة في دائرة الشّرط و تعميما له،بحيث يعمّ الطّهارة الواقعيّة و الطهارة الظاهريةالمجعولة بقاعدتها أو باستصحابها،و حينئذ تكون الصلاة المأتي بها بقاعدة الطهارة أوالحليّة واجدة للشّرط،فلا موجب للإعادة و القضاء،و الالتزام بهذه التّوسعة انّما هولحكومة أدلّة الأصول على الأدلّة الواقعيّة،و دليل الحاكم قد يوجب التّوسعة،و قديوجب التّضييق،و في المقام أوجب التّوسعة هذا.و لكن قد أشكل عليه شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه‏أوّلا:بأنّ هذا لا يستقيم على مسلكه،من تفسير الحكومة من كون أحدالدّليلين مفسّرا للدّليل الآخر على وجه يكون بمنزلة قوله:أي أو أعني أو أريد و ماشابه ذلك من أدوات التّفسير،لوضوح انّ قوله:كلّ شي‏ء طاهر أو حلال،ليس‏مفسرا لما دلّ على انّ الماء طاهر و الغنم حلال،و لا لما دلّ على انّه يعتبر الوضوء بالماءالمطلق الطّاهر،و الصّلاة مع اللّباس المباح و أمثال ذلك،فتأمل.و ثانيا:انّ التّوسعة و الحكومة انّما تستقيم إذا كانت الطّهارة أو الحليّة الظّاهريّةمجعولة أولا،ثمّ يأتي دليل على انّ ما هو الشّرط في الصّلاة أعمّ من الطّهارة الواقعيّة والطّهارة الظّاهريّة فيكون حينئذ هذا الدليل موسعا و حاكما على ما دل على اعتبارالطهارة الواقعيّة،و المفروض انه لم يقم دليل سوى ما دل على جعل الطهارة الظاهريةو هو قوله‏1 عليه السلام:كلّ شي‏ء لك طاهر،و السّرّ في اعتبار كون الطهارةالظاهرية مجعولة في التوسعة و الحكومة،هو انّ الطهارة الظاهريّة بناء على التوسعةو الحكومة تكون بمنزلة الموضوع للدّليل الحاكم،فتأمل.1الوسائل،الجزء 2،الباب 37 من أبواب النجاسات،الحديث 4 ص 1054 و في هذا الخبر«كل شي‏ءنظيف حتى تعلم انه قذر»و روى في المستدرك عن الصدوق قدس سره في(المقنع)كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر»راجع‏المستدرك الجلد 1 ص 164


250

و ثالثا:و هو العمدة،انّ الحكومة الّتي نقول بها في الطّرق و الأمارات و الأصول غيرالحكومة الّتي توجب التّوسعة و التّضييق،فانّ الحكومة الّتي توجب التّوسعة والتّضييق انّما هي بالنّسبة إلى الأدلّة الأوّليّة الواقعيّة بعضها مع بعض،كما في مثل‏قوله‏ (1) لا شكّ لكثير الشّك،حيث يكون حاكما على مثل قوله‏1ان شككت فابن‏على الأكثر،و أين هذا من حكومة أدلة الأحكام الظّاهريّة على أدلّة الأحكام‏الواقعيّة؟و إجمال الفرق بينهما-و ان كان تفصيله موكولا إلى محلّه-هو انّ الحكمين‏اللّذين تكفّلهما الدّليل الحاكم و الدّليل المحكوم في الأدلّة الواقعيّة انّما يكونان‏عرضيين،بان يكونا مجعولين في الواقع في عرض واحد،لأنّ الحكومة بمنزلةالتّخصيص،و حكم الخاصّ انّما يكون مجعولا واقعيّا في عرض جعل الحكم العامّ من‏دون ان يكون بينهما طوليّة و ترتّب،فكان هناك حكم مجعول على كثير الشّك،وحكم آخر مجعول على غير كثير الشّك،و تسمية ذلك حكومة لا تخصيصا انّما هوباعتبار عدم ملاحظة النّسبة بين الدّليلين،و إلاّ فنتيجة الحكومة التّخصيص.و امّا الحكومة في الأدلّة الظّاهريّة،فالمجعول فيها انّما هو في طول المجعول‏الواقعيّ و في المرتبة المتأخّرة عنه،خصوصا بالنّسبة إلى الأصول الّتي أخذ الشّك في‏موضوعها.و بعبارة أخرى:المجعول الظّاهري انّما هو واقع في مرتبة إحراز الواقع والبناء العملي عليه بعد جعل الواقع و انحفاظه على ما هو عليه من التّوسعة و التّضييق،فلا يمكن ان يكون المجعول الظاهري موسّعا أو مضيّقا للمجعول الواقعي،مع انّه لم‏يكن في عرضه و ليس هناك حكمان واقعيّان مجعولان.و لتفصيل الكلام محلّ آخر،و الغرض في المقام مجرّد بيان انّ الأحكام الظّاهريّة ليست موسعة للأحكام الواقعيّةو لا مضيقة لها،و لا توجب تصرّفا في الواقع أبدا.1الوسائل،الجزء 5 الباب 8 من أبواب الخلل،ص 317 الحديث 1.و في متن هذا الخبر«متى شككت‏فخذ بالأكثر»و في خبر 3 من هذا الباب.«إذا سهوت فابن علي الأكثر».

1)الوسائل،الجزء 5 الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ص 329


251

و رابعا:انّه لو كانت الطّهارة المجعولة بأصالة الطّهارة أو استصحابها موسعة للطّهارةالواقعيّة،لكان اللازم الحكم بطهارة ملاقى مستصحب الطّهارة و عدم القول‏بنجاسته بعد انكشاف الخلاف و انّ الملاقى(بالفتح)كان نجسا،لأنّه حين‏الملاقاة كان طاهرا بمقتضى التّوسعة الّتي جاء بها الاستصحاب،و بعد انكشاف‏الخلاف لم تحدث ملاقاة أخرى توجب نجاسة الملاقى(بالكسر)فينبغي القول‏بطهارته،و هو كما ترى.فظهر من جميع ما ذكرنا:انّ التّوسعة المدّعاة في باب الأصول ممّا لا محصّل‏لها،و معه لا محيص عن القول بعدم اقتضاء الأصول للأجزاء عند انكشاف الخلاف‏القطعيّ مط،سواء كانت جارية في الشّبهات الحكميّة أو في الشّبهات الموضوعيّة.

الجهة الرّابعة:

في اقتضاء المأتي به بالأمر الظّاهري الشّرعي للأجزاء عند انكشاف‏الخلاف الظّني،كما في موارد تبدلّ الاجتهاد و التّقليد،و لا يتفاوت الحال في البحث‏عن هذه الجهة بين كون الأمر الظّاهري مؤدّى الطّرق و الأمارات،أو مؤدّى الأصول‏العمليّة،نعم:البحث في المقام مقصور على خصوص الطّرق و الأمارات و الأصول‏الّتي يكون مؤدّاها الأحكام الشّرعيّة.و امّا ما كانت جارية في الموضوعات الخارجيّة،فلا إشكال في عدم اقتضائهاالأجزاء،كما لو كان الشّي‏ء مستصحب الطّهارة أو الملكيّة،ثمّ قامت البيّنة على‏النّجاسة أو عدم الملكيّة،فانّ البيّنة توجب نقض الآثار الّتي عمل بها بمقتضى‏الاستصحاب من أوّل الأمر،و لا يتوهّم الأجزاء في مثل هذا.و هذا بخلاف ما إذاكانت الأمارات و الأصول قائمة على الأحكام الشّرعيّة ثمّ انكشف الخلاف،كمافي موارد تبدّل الاجتهاد،فانّ الأجزاء في مثل ذلك وقع محلّ الخلاف،و قد قيل فيهابالأجزاء،و ان كان الأقوى عندنا عدم الأجزاء أيضا مط في جميع موارد تبدّل‏الاجتهاد،سواء كان تبدّله لأجل استظهاره من الدّليل خلاف ما استظهره أوّلا،كمالو استظهر من الدّليل الاستحباب أو الإباحة ثمّ عدل عن استظهاره و استظهر


252

الوجوب أو الحرمة،أو كان تبدّله لأجل عثوره على المقيّد أو المخصّص أو الحاكم أوالمعارض الأقوى،و غير ذلك من موارد تبدّل الرّأي،فانّ مقتضى القاعدة في جميع ذلك‏عدم الأجزاء،و انّ حال متعلّق الطّرق و الأمارات و الأصول حال متعلّق العلم‏عند انكشاف الخلاف،و كذا حال الأمارات و الأصول حال نفس العلم إذا زال‏و تبدّل بغيره.فلنا في المقام دعويان:الأولى:اتّحاد متعلّق الأمارات و الأصول مع متعلّق العلم من الجهة الّتي‏نحن فيها.الثّانية:اتّحاد نفس الأمارات و الأصول مع العلم،و انّ قيام الأمارة على‏شي‏ء كقيام العلم عليه،و يتّضح الوجه في كلتا الدّعويين برسم أمور:

(الأمر الأوّل)

انّه ليس المراد من الحكم الظّاهري إلاّ عبارة عن الحكم الواقعي المحرزبالطرق و الأمارات و الأصول،و ليس هناك حكمان:حكم واقعيّ و حكم ظاهريّ،بان يكون للشّارع إنشاءان و جعلان،بل ليس الحكم إلاّ الحكم الواقعيّ المجعول أزلاو الحكم الظّاهريّ عبارة عن إحراز ذلك الحكم بالطّرق و الأصول المقرّرة الشّرعيّة،وتسميته ظاهريّا لمكان احتمال مخالفة الطّريق و الأصل للواقع و عدم إيصاله إليه،وإلاّ فليس الحكم الظّاهري إلاّ هو الحكم الواقعي الّذي قامت عليه الأمارات والأصول مط،محرزة كانت الأصول أو غير محرزة،و هذا هو الّذي قام عليه المذهب ويقتضيه أصول المخطئة.نعم:بناء على أصول المصوّبة من المعتزلة،من انّ قيام الأمارة يوجب‏حدوث مصلحة في المتعلّق،و يقع التّزاحم بينها و بين المصلحة الواقعيّة،و تكون‏مصلحة مؤدّى الطّريق غالبة على مصلحة الواقع،يكون هناك حكمان و إنشاءان،ويكون للشّارع جعلان،أحدهما متعلّق بالواقع الأوّلي،و الثّاني متعلّق بمؤدّى الطّريق‏و الأصل،و لكن بناء على هذا لا ينبغي تسمية ذلك حكما ظاهريّا،بل يكون ح حكماواقعيّا ثانويّا كما لا يخفى وجهه،و هذا هو الوجه الثّاني من الوجوه الثّلاثة من وجوه‏التّصويب الّتي ذكرها الشّيخ(قده)في أوّل حجّية الظّن حيث ذكر للتّصويب‏


253

وجوها ثلاثة: (1) الأوّل التّصويب الأشعري،و انّه لم يكن في الواقع حكم إلاّ مؤدّى‏الأمارات و الأصول.الثّاني التّصويب المعتزلي،و هو ما أشرنا إليه،و حاصله انّه و ان كان هناك‏في الواقع حكم يشترك فيه العالم و الجاهل،إلاّ انّه عند قيام الأمارة على الخلاف‏يحدث في المتعلّق مصلحة غالبة على مصلحة الواقع،و يكون الحكم الفعلي هومؤدّيات الطّرق و الأصول.الثّالث التّصويب الإمامي و هو المصلحة السّلوكيّة على ما يأتي الإشارةإليها.و بالجملة،بناء على أصول المخطئة ليس الحكم الظّاهري امرا في قبال‏الحكم الواقعي،بل الحكم الظّاهري هو عبارة عن الحكم الواقعيّ المحرز بالطّرق والأصول.

(الأمر الثّاني)

انّ جعل الطّرق و الأمارات و الأصول انّما يكون في رتبة إحراز الحكم‏الواقعي،و من هنا كان في طول الحكم الواقعي و لا يعارضه و يزاحمه،فكما انّ إحرازالواقع بالعلم يكون في المرتبة المتأخّرة عن الواقع،كذلك ما جعله الشّارع بمنزلة العلم‏من الطّرق و الأمارات و الأصول،حيث انّه جعلها محرزة له تشريعا،و فردا للعلم‏شرعا،فكأنّ الشّارع بجعله للطّرق و الأصول خلق فردا آخر للعلم في عالم التّشريع،و نفخ فيها صفة الإحراز و جعلها علما،فجعل الطّرق و الأصول انّما يكون في وادالإحراز و واقعا في رتبة العلم،و هذا معنى حكومتها على الواقع،فانّ معنى حكومتهاعليه،هو انّها محرزة للواقع و موصلة إليه،لا انّها توجب توسعة أو تضييقا في ناحيةالواقع.و بالجملة:ليس حال الطّرق و الأمارات و الأصول إلاّ كحال العلم في‏

1)راجع الرسائل،أول مباحث حجية الظن.ص 24


254

كونه محرزا للواقع،غايته انّ العلم محرز بذاته،و تلك محرزة بالجعل التّشريعيّ.

(الأمر الثّالث)

بعد ما عرفت من انّ جعل الأمارات و الأصول واقع في رتبة الإحراز،يظهرلك انّ طريقيّة الطّريق و محرزيّته يتوقّف على وجود العلم به،بان يكون واصلا لدى‏المكلف عالما به موضوعا و حكما،إذ لا معنى لكون الشّي‏ء طريقا و حجّة فعليّة مع عدم‏الوصول إليه،لأنّ طريقيّته انّما تكون لمحرزيّته و محرزيّته تتوقّف على الوصول،و بذلك‏تمتاز الطّرق و الأصول عن الأحكام الواقعيّة،فان ثبوت الأحكام الواقعية و تحققهالا يتوقف على العلم بها،و انما العلم يكون موجبا لتنجيزها بخلاف الأمارات‏و الأصول،فانّ أصل تحقّقها يتوقّف على العلم بها.لا أقول انّ أصل إنشائها و جعلها يتوقّف على العلم بها،فانّ ذلك واضح‏البطلان لاستلزامه الدّور.بل أقول تحقّق المنشأ خارجا و ثبوت وصف الحجّية و الطّريقيّة و المحرزيّةللشّي‏ء فعلا يتوقّف على الوصول و الوجود العلمي،فإنشاؤها يكون نظير إيجاب‏الموجب الّذي لا يتحقّق ما أوجبه خارجا إلاّ بقبول الأخر،كما انّ إنشاء الأحكام‏الواقعيّة يكون نظير الإيقاعات الّتي لا يتوقّف تحقّق منشئاتها على شي‏ء.و بالجملة:إنشاء الطّرق و الأصول و ان لم يتوقّف على العلم،إلاّ انّ واجديّةالمنشأ لصفة الطّريقيّة و المحرزيّة و كونه طريقا فعلا يتوقّف على العلم به،و لا معنى‏لطريقيّة طريق لم يعلم به المكلّف،كما إذا كان هناك خبر عدل لم يعثر عليه،فالخاصّ الّذي لم يعثر عليه المكلّف و لم يصل إليه لا يكون حجّة فعليّة،و لا طريقامحرزا،بل الحجّة الفعليّة و الطّريق المحرز هو العامّ،نعم بعد العثور على الخاصّ والوصول إليه يتبدّل إحرازه و يخرج العامّ عن الطّريقيّة،و يكون الخاصّ ح طريقا.و لا يتوهّم:انّ العامّ المخصّص واقعا الّذي لم يعثر المكلّف على مخصّصه لم‏يكن حجة واقعا بل كان من تخيّل الحجّة،فانّ ذلك واضح البطلان،لأنّ المفروض‏انّ الخاصّ لم يكن حجّة فعليّة،و حيث لم تخل الواقعة عن حجّة فالعامّ الّذي كان قدعثر عليه هو الحجّة فعلا،كما انّه لو لم يعثر على العامّ أيضا كان الأصل الجاري في‏


255

المسألة هو الحجّة.و بالجملة:الحجّة هو الطّريق الواصل ليس إلاّ،و من هنا كانت أصالةالعموم متبعة عند الشّكّ في المخصّص و لو كان هناك مخصّص في الواقع،فانّه حيث‏لم يصل الخاصّ إليه كان العموم هو المرجع و الحجّة فعلا.إذا عرفت ذلك،ظهر لك الوجه في عدم الأجزاء عند تبدّل الاجتهاد،فانّ‏حقيقة تبدّل الاجتهاد ليس إلاّ تبدّل الإحراز،حيث كانت الطّرق و الأصول واقعةفي مرتبة الإحراز،فتبدّل اجتهاده عبارة عن تبدّل حجّته و طريقه و إحرازه،و انّه إلى‏الآن كان الحجّة هو العامّ،و الآن صار الحجّة هو الخاصّ،فيكون حاله حال تبدّل‏الإحراز العلمي بغيره،و ليس حال ما قام عليه الطّريق إلاّ حال متعلّق العلم عندمخالفته للواقع،من حيث عدم إيجاب العلم في المتعلّق شيئا من مصلحة أو مفسدة،بل هو باق على ما هو عليه قبل تعلّق العلم،و لا يوجب تبدلا في الواقع،فكذا الحال‏في متعلّق الطّريق،فلا فرق بين تعلّق العلم بشي‏ء و بين تعلّق الطّريق به،و كذالا فرق بين تبدّل العلم و تبدّل الطريق،فلا معنى للفرق بينهما من حيث الأجزاء وعدمه،فكلّ من قال بعدم الأجزاء عند تبدّل العلم يلزمه القول بعدم الأجزاء عندتبدّل الاجتهاد.هذا إذا لم يعمل في استنباطه بعض الظّنون الاجتهاديّة.و امّا إذا أعمل ذلك،كما هو الغالب،حيث انّ الاستنباط غالبا يتوقّف‏على الاستفادة و إعمال الرّأي في الجمع بين الأدلّة و مقدار مفادها،فعدم الأجزاءيكون ح أوضح،لأنّ تبديل الاجتهاد في مثل هذا يرجع في الحقيقة إلى عدم صحّةالاجتهاد الأوّل،و عدم استناده إلى حجّة شرعيّة،بل هو مستند إلى فهمه و رأيه‏و هو ليس حجّة شرعيّة.ثمّ انه لا فرق فيما ذكرنا بين القول بالسّببيّة أو الطّريقيّة،لأنّ المراد من‏السّببيّة على وجه لا ترجع إلى التّصويب هو انّها توجب مصلحة سلوكيّة،لا انّهاتوجب مصلحة في المؤدّى،و من المعلوم:انّ المصلحة السّلوكيّة لا تقتضي الأجزاء مع‏انكشاف الخلاف،فانّ المراد من المصلحة السّلوكيّة هي مصلحة تدارك الواقع،حيث انّ الشّارع لمكان نصبه الطّرق في حال تمكّن المكلّف من الوصول إلى الواقع‏


256

و انفتاح باب العلم لديه قد فوّت الواقع عليه فلا بدّ من تداركه،و من المعلوم:انّ‏تدارك الواقع انّما يكون بالمقدار الّذي يستند فوته إلى الشّارع،أي بمقدار سلوك‏الأمارة مع كونها قائمة عنده،فلو فرض انّه قامت الأمارة في أوّل الوقت على وجوب‏الجمعة،فصلاّها ثمّ بعد انقضاء فضيلة الوقت تبيّن مخالفة الأمارة للواقع و انّ‏الواجب هو صلاة الظّهر،فالّذي فات من المكلّف في مثل هذا هو فضيلة أوّل الوقت‏ليس إلاّ،و امّا فضيلة أصل الوقت و أصل الصّلاة فلم تفت من المكلّف،لإمكان‏تحصيلها.و كذا الكلام فيما إذا انكشف الخلاف بعد الوقت،فانّه بالنّسبة إلى‏القضاء لم يفت.و بالجملة:المصلحة السّلوكية تدور مدار البناء على مقدار إعمال الأمارة ومقدار فوت الواقع.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ القاعدة لا تقتضي الأجزاء عندتبدّل الاجتهاد،بل القاعدة تقتضي عدم الأجزاء.و ربّما قيل بأنّ القاعدة تقتضي الأجزاء لوجوه:

الأوّل.

لزوم العسر و الحرج من القول بعدم الأجزاء،و قد وقع الاستدلال بذلك في‏جملة من الكلمات بدعوى انّه يكفى الحرج النّوعي في نفى الحكم رأسا،و لا يعتبرالحرج الشّخصي حتّى يدور الأجزاء مداره،و نظير هذا وقع في التّمسك بلا ضرر.و قد تكرّر في جملة من الكلمات كون العبرة بالضّرر و الحرج الشّخصي أو النّوعي،حتّى أثبتوا جملة من الأحكام بواسطة استلزام عدمها الحرج في الجملة،و لو بالنسبةإلى بعض الأشخاص و في بعض الأحوال كمسألتنا،حيث أثبتوا الأجزاء بواسطةاستلزام عدم الأجزاء الحرج في بعض المقامات،و كان منشأ ذلك هو تعليل بعض‏الأحكام الشرعية الكلية بالضرر و الحرج،كما ورد في بعض اخبار الشفعة (1) تعليلهابنفي الضرر،و طهارة الحديد بنفي الحرج،و من المعلوم انّ عدم الشّفعة و نجاسةالحديد لا يستلزم الضّرر و الحرج بالنّسبة إلى جميع الأشخاص في جميع الأحوال،

1)الوسائل،الجزء 17 الباب 5،من أبواب الشفعة الحديث 1 ص 319


257

فتخيّل انّ الضّرر و الحرج المنفيّ هو الضّرر و الحرج النّوعي لا الشّخصي هذا.و لكن الظّاهر انّ ذلك من جهة الاشتباه و الخلط بين ما يكون حكمةالتّشريع،و بين ما يكون علّة الحكم،فانّ الضّرر و الحرج المعلّل بهما حكم الشّفعة وطهارة الحديد انّما يكونان حكمة للتّشريع،حيث انّ الحكيم تعالى لمكان فضله على‏العباد و توسعته على النّاس جعل طهارة الحديد مع انّ فيه مقتضى النّجاسة،و جعل‏الأخذ بالشفعة لحكمة استلزامه الضّرر و الحرج بالنّسبة إلى نوع العباد،و لكن هذه‏الحكمة صارت سببا لجعل حكم كلّي إلهي على جميع العباد،و ليس من شأن الحكمةالاطراد،ففي مثل هذا لا معنى لدعوى الضّرر الشّخصي،و ليس لأحد الفتوى‏بنجاسة الحديد أو عدم الشّفعة بالنّسبة إلى من لم يكن في حقّه ضرر و حرج،لأنّ‏الفتوى بذلك فتوى على خلاف حكم اللّه تعالى،حيث جعل الشّفعة و طهارة الحديدحكما كلّيا في حقّ جميع العباد،فكيف يمكن الفتوى على خلاف ذلك؟إلاّ ان‏يكون مبدعا في الدّين و العياذ باللَّه.و لكن هذا غير الضّرر المنفي بمثل قوله:لا ضرر ولا ضرار-الوارد في قضيّة سمرة بن جندب،و الحرج المنفيّ بقوله تعالى:ما جعل‏عليكم في الدّين من حرج،فانّ الضّرر و الحرج في مثل ذلك انّما يكون علّة لنفي‏الحكم الضّرري و الحرجي،و يكون أدلّة نفى الضّرر و الحرج حاكمة على الأدلّةالأوليّة المتكلّفة لبيان أحكام الموضوعات مط الشّاملة لحالة الضّرر و الحرج،ففي مثل‏هذا لا يمكن ان يكون الضّرر و الحرج نوعيّا،لأنّ حكومتها على تلك الأدلّة تكون‏بمنزلة تخصيصها و قصر دائرتها بغير حالة الضّرر و الحرج،فيكون الحكم الأولى ثابتافي غير صورة الضّرر و الحرج،و لا معنى لتوهّم انّ العبرة في ذلك بالضّرر و الحرج‏النّوعي،و لا يمكن الفتوى بنفي الحكم كليّة في حقّ جميع العباد بعد تشريعه لمكان‏استلزامه الضّرر و الحرج بالنّسبة إلى بعض العباد،فانّ المفتي بذلك يكون مبدعا في‏الدّين،و كيف يمكن رفع الحكم الثّابت في الشريعة لمكان استلزامه الضّرر و الحرج‏في الجملة؟فالعبرة في ذلك لا يكون إلاّ بالضّرر و الحرج الشّخصي.إذا عرفت ذلك فنقول:انّه بعد تشريع الأحكام من وجوب صلاة الظّهر في‏الوقت و قضائها في خارجه بالنّسبة إلى كلّ أحد،كيف يمكن القول بعدم وجوب‏


258

ذلك مط إعادة و قضاء بالنّسبة إلى جميع العباد لمكان استلزام الإعادة و القضاءالحرج في الجملة في حقّ بعض الأشخاص في بعض الأحوال،بل لا بدّ في مثل ذلك‏من الاقتصار على المورد الّذي يلزم منه الحرج.و بالجملة:إثبات حكم كلّي إلهيّ و هو الأجزاء مط بأدلّة نفى الحرج‏لا يمكن،لأنّ أدلّة نفى الحرج و الضّرر انّما تنفي الحكم الضّرري و الحرجي،و ليس‏من شأنها إثبات حكم في الشّريعة.

الوجه الثّاني:

من الوجوه الّتي استدلّوا بها للأجزاء،هو انّه لا ترجيح للاجتهاد الثاني‏على الاجتهاد الأوّل،بعد ما كان كلّ منهما مستندا إلى الطّرق الشّرعيّة الظّنيّة،هذا.و لكن لا يخفى عليك ما في هذا الاستدلال،فانّه ليس المقام من باب‏التّعارض حتّى يقال:انّه لا موجب لترجيح أحدهما على الأخر،بل المفروض انّ‏الاجتهاد الأوّل قد زال بسبب الاجتهاد الثّاني،و كان المستنبط بالاجتهاد الثّاني هوالحكم الإلهي الأزلي و الأبديّ،و المستنبط بالاجتهاد الأول و ان كان كذلك أيضا،إلاّ انه قد زال،فلم يبق إلاّ العمل على مقتضى الاجتهاد الثّاني،و ليس ذلك ترجيحاللاجتهاد الثّاني،حتّى يقال:انّه ترجيح بلا مرجّح.

الوجه الثّالث:

هو ما حكى عن بعض الكلمات،من انّ المسألة الواحدة لا تتحمّل‏اجتهادين،فلا يمكن ان يرد الاجتهادان على صلاة ظهر هذا اليوم،و ح فإذا اجتهد في‏عدم وجوب السّورة و صلّى صلاة الظّهر بلا سورة بمقتضى اجتهاده،فالاجتهاد الثّاني‏الّذي يكون مؤدّاه وجوب السّورة لا يتعلق بتلك الصّلاة الّتي صلاّها في ذلك اليوم،بل‏يتعلّق بصلاة سائر الأيّام،هذا.و لكن لم يظهر لنا معنى محصّل لقولهم:انّ المسألة الواحدة لا تتحمّل‏اجتهادين،فانّه ان أريد عدم التّحمل في زمان واحد فذلك ضروريّ،لعدم تعلّق‏اجتهادين في زمان واحد بمسألة واحدة،و ان أريد عدم التّعلق و لو في زمانين فذلك‏واضح البطلان،لتحمّلها الف اجتهاد،و لم يكن مؤدّى الاجتهاد صلاة هذا اليوم أو ذلك‏


259

اليوم،بل مؤدّاه هو الحكم الكلّي المتعلّق بجميع الأيّام،و عليك بملاحظة سائرالوجوه الّتي استدلّوا بها للأجزاء،فانّها ممّا لا تسمن و لا تغني.فتحصل:انّ مقتضى القاعدة عدم الأجزاء مط في جميع موارد تبدّل‏الاجتهاد.و كذا الحال بالنّسبة إلى المقلّد إذا عدل من تقليده لموجب من موت،أوخروج المقلّد من أهليّة التّقليد،أو غير ذلك من موجبات العدول،فانّ حال المقلّدحال المجتهد،غايته انّ طريق المجتهد هو الأدلّة الاجتهادية و الأصول العمليّة التي يجريهافي الشبهات الحكميّة،و طريق المقلّد هو رأي المجتهد،و ليس لرأي المجتهد موضوعيّةحتّى يتوهّم الأجزاء،بل انما يكون طريقا صرفا كطريقيّة الأدلّة بالنّسبة إلى المجتهد،كما لا يخفى.ثمّ انّك بعد ما عرفت من انّ القاعدة لا تقتضي الأجزاء بل تقتضي عدمه،فنقول:انّه قد حكى الإجماع على الأجزاء،و نحن و ان لم نعثر على من ادّعى‏الإجماع،إلاّ انّ شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه ادّعاه،و لكن لو فرض تحقّق الإجماع،فربّمايشكل التمسك به من جهة احتمال كون الإجماع في المقام مدركيّا،لذهاب جمله إلى‏انّ القاعدة تقتضي الأجزاء،و مع هذا لا عبرة بهذا الإجماع.ثمّ لو أغمضنا عن ذلك و قلنا بكفاية الإجماع على النّتيجة،فيقع الكلام في‏مقدار دلالة هذا الإجماع،فنقول:لعلّ المتيقن من هذا الإجماع هو سقوط الإعادة والقضاء،و امّا فيما عدا ذلك من الوضعيّات-في باب العقود و الإيقاعات،و باب‏الطّهارة و النّجاسة،و مسألة الاقتداء و غير ذلك من المسائل العامّة البلوى الّتي‏تتفرّع على مسألة الأجزاء-فالأمر فيها مشكل،و لا بدّ من الفحص التّام في كلمات‏الأعلام في المقام.هذا تمام الكلام في اقتضاء الأمر الظّاهري الشّرعيّ للأجزاء.

المقام الثاني‏

و امّا اقتضاء الأمر الظّاهري العقلي للأجزاء،فمجمل القول فيه،هو انّ‏المراد من الأمر الظّاهري العلم،و ما يلحق به من الأصول العقليّة،و ما يعمله المجتهدمن الظّنون الاجتهاديّة و الاستفادات،حيث انّه في الجميع ليس امرا شرعيّاظاهريا،لما عرفت من انّ المراد من الأمر الشّرعي هو الطّرق و الأصول الشّرعيّة،وما عدا ذلك يكون ملحقا بالعلم الّذي يكون حجيته عقليّة محضة،


260

و على كلّ حال فلا ينبغي توهّم الأجزاء في الأمر العقليّ،بل لا يفيد شيئاسوى المعذوريّة،و ذلك أيضا إذا لم يكن مقصّرا في المقدّمات و إلاّ لا يفيد المعذوريّةأيضا،من غير فرق بين تعلّق العلم بالفروع أو الأصول،و ذلك واضح لا غبار عليه،هذا تمام الكلام في مسألة الأجزاء.ثمّ انّ شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه،تعرّض في المقام لبعض المسائل الأصوليّةالّتي لا طائل تحتها،كمسألة انّ الأمر بالأمر امر،و مسألة انّه إذا نسخ الوجوب فهل‏يبقى الجواز أم لا؟و مسألة امر الآمر مع علمه بانتفاء الشّرط،و نحن قد أعرضنا عن‏ذكرها لأنّه لا فائدة فيها و هو مدّ ظلّه أيضا قد طواها و لم يعتن بالبحث فيها.و الحمد للّه أوّلا و آخراو قد وقع الفراغ من تسويده ليلة الجمعة 10 شعبان سنة 1346.


261

القول في مقدّمة الواجب‏

و تنقيح البحث فيها يستدعى تقديم أمور:

الأمر الأوّل:

لا ينبغي الإشكال في كون المسألة من المسائل الأصوليّة،و ليست من المبادي‏الأحكاميّة،و لا من المسائل الفقهيّة،و ذلك لما تقدّم من انّ الضابط في‏مسألة الأصوليّة هو وقوعها في طريق الاستنباط بحيث تكون نتيجتها كبرى لقياس‏الاستنباط على وجه يستنتج منها حكم فرعيّ كلّي،و هذا المعنى موجود في المقام،فانّ البحث في المقام انّما يكون عن الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدّماته،لا عن‏نفس وجوب المقدّمة،بل يكون وجوب المقدّمة نتيجة الملازمة على القول بها،فلا وجه‏لجعل المسألة من المسائل الفقهيّة،كما لا وجه لجعلها من المبادي الأحكاميّة الّتي هي‏عبارة عن البحث عن الأحكام و ما يلازمها،كالبحث عن تضادّ الأحكام الخمسة،و تقسيم الحكم إلى الوضعي و التكليفي،و غير ذلك ممّا عدّوه من المبادي الأحكاميّة،في مقابل المبادي التّصوريّة و التصديقيّة،فانّ جعلها من المبادي الأحكاميّة بلاموجب،بعد إمكان جعلها من المسائل الأصوليّة.نعم:هي ليست من المسائل اللّفظيّة،كما يظهر من المعالم(ره)بل هي من‏المسائل العقليّة،و لكن ليست من المستقلات العقليّة الراجعة إلى باب التّحسين والتّقبيح و مناطاة الأحكام،بل هي من الملازمات العقليّة،حيث انّ حكم العقل في‏المقام يتوقّف على ثبوت وجوب ذي المقدّمة،فيحكم العقل بالملازمة بينه و بين‏وجوب مقدّماته،و ليس من قبيل حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان الّذي‏


262

لا يحتاج إلى توسيط حكم شرعيّ،بل البحث في المقام نظير البحث عن مسألة الضدّو مسألة اجتماع الأمر و النّهى يتوقّف على ثبوت امر أو نهى شرعيّ،حتّى تصل‏النّوبة إلى حكم العقل بالملازمة كما في مسألتنا،أو اقتضاء النّهى عن الضّد كما في‏مسألة الضّد،أو جواز الاجتماع و عدمه كما في مسألة جواز اجتماع الأمر و النّهى،و لكن القوم لمّا لم يفرّدوا بابا للبحث عن الملازمات العقليّة-مع انّه كان حقّه ذلك‏أدرجوا المسألة و ما شابهها في مباحث الألفاظ مع انّها ليست منها كما لا يخفى.

الأمر الثّاني:

ليس الوجوب المبحوث عنه في المقام بمعنى اللابدّيّة العقليّة،فانّ ذلك ممّالا سبيل إلى إنكاره إذ هو معنى المقدّميّة كما هو واضح،و ليس المراد من الوجوب‏أيضا الوجوب التّبعي العرضي نظير وجوب استدبار الجدي عند وجوب استقبال‏القبلة،حيث انّ الاستدبار لم يكن واجبا،و انّما ينتسب الوجوب إليه بالعرض والمجاز لمكان الملازمة نظير اسناد الحركة إلى الجالس في السّفينة،فانّ هذا المعنى من‏الوجوب أيضا ممّا لا ينبغي إنكاره،بل هو يرجع إلى المعنى الأوّل من اللابديّة،وكذا ليس المراد من الوجوب المبحوث عنه في المقام الوجوب الاستقلالي الناشئ عن‏مبادئ مستقلّة و إرادة متأصّلة،فانّ هذا المعنى ممّا لا يمكن الالتزام به،و كيف‏يمكن ذلك مع انّه كثيرا ما تكون المقدّمة مغفولا عنها و لا يلتفت إلى أصل مقدّميّتها،بل ربّما يقطع بعدمها،مع انّها في الواقع تكون مقدّمة،و هذا المعنى من وجوبهايستدعى الالتفات إليها تفصيلا.بل المراد من الوجوب في المقام:هو الوجوب القهري المتولّد من إيجاب ذي‏المقدّمة،بحيث يريد المقدّمة عند الالتفات إليها و لا يمكن ان لا يريدها،فالمقدّمةمتعلّقة لإرادة الآمر،و ليس اسناد الوجوب إليها بالعرض و المجاز بل يكون الإسنادعلى وجه الحقيقة،و لكن ليست الإرادة عن مبادئ مستقلّة،بل يكون مقهورا في‏إرادتها بعد إرادة ذي المقدّمة و لو على جهة الإجمال،بحيث تتعلّق الإرادة بالعنوان‏الكلّي الّذي يتوقّف عليه ذو المقدّمة و ان لم يلتفت إلى المقدّمات الخاصّة،و لكن‏المقدّمات الخاصّة تتّصف بالوجوب حقيقة بعد انطباق العنوان عليها.


263

الأمر الثّالث:

في تقسيمات المقدّمة:و لها تقسيمات باعتبارات مختلفة

فمنها تقسيمها إلى‏الدّاخليّة و الخارجيّة

،و الدّاخليّة إلى الدّاخليّة بالمعنى الأخصّ و الدّاخليّة بالمعنى‏الأعمّ.كما انّ الخارجيّة أيضا تنقسم إلى الأعمّ،و الأخصّ.و المراد من الدّاخليّةبالمعنى الأخص خصوص الأجزاء الّتي يتألّف منها المركّب،و المراد من الدّاخليّةبالمعنى الأعمّ ما يعمّ الأجزاء و الشّرائط و الموانع الّتي اعتبر التّعبد بها داخلا في المأموربه.و بعبارة أخرى:المراد من الدّاخليّة بالمعنى الأخصّ ما كان كلّ من القيد والتّقييد داخلا في حقيقة المأمور به و هويّته،و ذلك يختصّ بالأجزاء لا غير،و يقابلهاالخارجيّة بالمعنى الأعمّ،و هي ما كان ذات الشّي‏ء خارجا عن حقيقة المأمور به،سواءكان التّقييد و الإضافة داخلا كالشّرائط و الموانع،حيث يكون ذات الشّرط و المانع‏خارجا و التّقييد و الإضافة داخلا،أو كانت الإضافة أيضا خارجة كالمقدّمات‏العقليّة الّتي لا دخل لها في المأمور به أصلا،كنصب السّلم بالنّسبة إلى الصّعود إلى‏السّطح.و المراد من الدّاخليّة بالمعنى الأعمّ ما كان التّقييد داخلا،سواء كان نفس‏القيد أيضا داخلا كالأجزاء أو كان نفسه خارجا كالشّرائط،و يقابلها الخارجيّةبالمعنى الأخصّ،و هي ما كان كلّ من القيد و التّقييد خارجا،كالمقدّمات العقليّة،فالشّرط و المانع له جهتان:بجهة يكون من المقدّمات الدّاخليّة باعتبار دخول التّقييد،و بجهة يكون من المقدّمات الخارجيّة باعتبار خروج ذاته.ثمّ انّ المقدّمة الخارجيّة بالمعنى الأخصّ تنقسم إلى علّة و معدّ،و المراد من‏المعدّ ما كان له دخل في وجود الشّي‏ء،من دون ان يكون وجود ذلك الشّي‏ء مترشّحامنه بحيث يكون مفيضا لوجوده،بل كان لمجرّد التّهيئة و الاستعداد لإفاضة العلّةوجود معلولها،كدرجات السّلم ما عدا الدّرجة الأخيرة،حيث انّ كلّ درجة تكون‏معدّة لكون على السّطح،كما تكون معدّة أيضا للكون على الدرجة الّتي فوقها بمعنى‏انّه يتوقّف وجود الكون على الدّرجة الثّانية على الكون على الدرجة الأولى،و قد


264

يطلق المعدّ على ما يكون له دخل في وجود المعلول،من دون ان يكون له دخل في‏وجود الجزء اللاحق كالبذر،حيث انّ له دخلا في وجود الزّرع،و لا يتوقّف وجودالشّمس أو الهواء عليه،و ان توقّف تأثيرهما عليه.و لكن فرق بين التّوقف في التّأثير،و بين التّوقف في الوجود،كمثال السّلم.و قد يطلق المعدّ بهذا المعنى على المعدّ بالمعنى‏الأخصّ.و المراد من العلّة هو ما يترشّح منه وجود المعلول و بإفاضته يتحقّق.ثمّ انّ العلة تنقسم إلى بسيطة،و مركّبة،و المركّبة إلى ما تكون اجزائهامتدرّجة في الوجود،و ما لا تكون كذلك.فالأوّل كالصّعود على السّلم بالنّسبة إلى الصّعود على السّطح،حيث انّ‏الصّعود على السّلم يكون متدرجا في الوجود.و الثّاني كالنّار المجاورة مع عدم البلّة بالنّسبة إلى الإحراق،حيث تكون‏العلّة مركّبة من النّار و المجاورة و عدم البلّة،و لكن ليست هذه الأجزاء متدرّجة في‏الوجود،بل يمكن ان توجد العلّة بجميع اجزائها دفعة واحدة،فان كانت العلّةمتدرّجة في الوجود كانت العلّة التّامّة هي الجزء الأخير منها الّتي يتعقّبها وجودالمعلول،و الأجزاء السّابقة عليها تكون من المعدّات.و هذا بخلاف ما إذا لم تكن‏متدرّجة في الوجود،فانّ العلّة التّامّة هو مجموع الأجزاء،بل المعلول يستند إلى‏المقتضى و ان فرض تأخّره في الوجود عن الشّرط و عدم المانع،فظهر انّ ما اشتهر من‏انّ الشّي‏ء يستند إلى الجزء الأخير من العلّة انّما هو فيما إذا كانت اجزاء العلّة متدرّجةفي الوجود.و على كلّ حال،لا إشكال في دخول المقدّمات الخارجيّة بالمعنى الأخصّ‏في محلّ النّزاع ما عدا العلّة التّامّة،و امّا العلّة التّامّة ففيها كلام يأتي إن شاء اللّه تعالى،و كذا لا إشكال في دخول الشروط و عدم الموانع الشّرعيّة في محلّ النّزاع،سواءجعلت من المقدّمات الدّاخليّة أو المقدّمات الخارجيّة على اختلاف الاعتبارات كماتقدّم.و امّا دخول المقدّمات الدّاخليّة بالمعنى الأخصّ أي الأجزاء في محلّ النّزاع‏فلا يخلو عن كلام،بل ربّما حكى عن بعض خروجها عن حريم النّزاع،بل ربّما


265

يستشكل في كون الأجزاء مقدّمة،مع انّه لا بدّ من المغايرة بين المقدّمة و ذي المقدّمة،إذ لا يعقل ان يكون الشّي‏ء مقدّمة لنفسه،فكيف تكون الأجزاء مقدّمة للكلّ مع انّهاليست إلاّ عين الكلّ إذا الكلّ عبارة عن نفس الأجزاء بالأسر،و ح تكون الأجزاءواجبة بالوجوب النّفسي و لا معنى لوجوبها بالوجوب المقدّمي بعد كونها عين الكلّ واتّحادها معه هذا.و قد دفع الأشكال الشّيخ(قده)على ما في التقريرات‏ (1) بما حاصله:انّ‏الكلّ هو عبارة عن الأجزاء لا بشرط،و الجزء عبارة عنه بشرط لا،فالأجزاء لهالحاظان:لحاظها بشرط لا فتكون اجزاء و مقدّمة،و لحاظها لا بشرط فتكون عين‏الكلّ و ذا المقدّمة،فاختلفت المقدّمة مع ذيها اعتبارا و لحاظا هذا.و كأنّ الشّيخ(قده)قاس المقام بالهيولى و الصّورة،و الجنس و الفصل،والمشتقّ و مبدأ الاشتقاق،حيث انّهم في ذلك المقام يفرّقون بين الهيولى و الصّورة،وبين الجنس و الفصل،باللابشرطيّة و البشرط اللائيّة،فانّ اجزاء الإنسان مثلا ان‏لو حظت بشرط لا،تكون هيولى و صورة،و يغاير كلّ منهما الآخر،و يمتنع حمل أحدهماعلى الأخر،و حملهما على الإنسان،و حمل الإنسان على كلّ منهما.و ان لو حظت‏لا بشرط تكون جنسا و فصلا و يصح حمل أحدهما على الأخر،و حمل كلّ منهما على‏الإنسان،و حمل الإنسان على كلّ منهما.و كذا الحال بالنّسبة إلى المشتقّ و مبدأالاشتقاق على ما تقدّم تفصيله في مبحث المشتقّ هذا.و لكن لا يخفى عليك ما فيه،فانّ قياس الأجزاء في المقام بمثل الهيولى والصّورة و الجنس و الفصل مع الفارق،فانّ معنى اللابشرط الّذي يذكرونه في ذلك‏المقام انّما هو بمعنى لحاظ الشّي‏ء لا بشرط عمّا يتّحد معه بنحو من الاتّحاد،سواء كان‏من قبيل اتّحاد المشتقّ مع ما يجري عليه من الذّات على اختلاف أنواعه:من كونه‏

1)راجع مطارح الأنظار،الهداية الثانية من مباحث مقدمة الواجب،«و تحقيق ذلك ان يقال...»ص‏38-37


266

اتّحادا صدوريّا،أو حلوليّا،أو غير ذلك،أو كان من قبيل اتحاد الجنس و الفصل،فانّه في مثل هذا إذا لوحظ الشّي‏ء لا بشرط كان قابلا للحمل لمكان الاتّحاد الّذي‏بينهما،و أين هذا ممّا نحن فيه من الأجزاء العرضيّة الّتي يكون كل جزء منها مبايناللآخر و للكلّ؟و لا يعقل ان يتّحد الجزء مع الكلّ في الوجود و ان لوحظ بألف‏لا بشرط،و لا يمكن حمل الفاتحة على الصّلاة و لا حمل الأنكبين على السّكنجبين.و السّر في ذلك:هو انّ المركّب من الأجزاء العرضيّة الّذي يكون التّركيب‏فيه انضماميّا لا يمكن فيه اتّحاد الأجزاء بعضها مع بعض و لا بعضها مع الكلّ في‏الوجود،بل لكلّ وجود مغاير،سواء كان من المركّبات الاعتباريّة أو كان من‏المركّبات الخارجيّة،فلا يصح حمل الفاتحة على الصّلاة و ان لو حظت لا بشرط،فانّ‏لحاظ الفاتحة لا بشرط ليس معناه لحاظها لا بشرط عمّا يتّحد معها،إذ لم تتّحد هي‏مع شي‏ء في الوجود حتّى يمكن لحاظها كذلك،كما أمكن لحاظ الجنس كذلك لمكان‏الاتّحاد الّذي بينه و بين الفصل،بل المعنى المتصوّر من لحاظ الفاتحة لا بشرط انّما هولحاظها بنفسها،سواء كانت منضمة إلى غيرها أو غير منضمة،و هذا المعنى كما ترى‏لا يوجب ان تكون عين الكلّ و لا حملها عليه،بل بعد بينهما كمال المباينة.و هذا بخلاف التّركيب الاتّحادي بنحو من الاتّحاد،و لو كان من قبيل‏اتّحاد المشتقّ مع الذات الّذي هو أضعف من اتّحاد الجنس و الفصل،فانّه لمكان‏الاتّحاد الّذي بينهما-حيث انّ وجود العرض لنفسه عين وجوده لغيره-يمكن لحاظالأجزاء لا بشرط،أي لحاظها على ما هي عليها من الاتّحاد من دون لحاظ تجرّدهاعمّا اتّحد معها،فتكون بهذا اللّحاظ عين الكلّ و يصح الحمل حينئذ،كما يمكن‏لحاظها بشرط لا-أي لحاظها غير متّحدة-فتكون مغايرة للكل و يمتنع الحمل،و أين هذامن اجزاء المركّب بالتّركيب الانضمامي الّذي ليس فيه شائبة الاتّحاد؟كما فيمانحن فيه.و بالجملة:دعوى انّ الأجزاء في المقام ان لو حظت لا بشرط تكون عين‏الكلّ،ما كانت ينبغي ان تصدر من مثل الشّيخ(قده)و لعلّ المقرّر لم يصل إلى مرادالشّيخ(قده)


267

و الّذي ينبغي ان يقال في المقام:هو انّ الكلّ عبارة عن الأجزاء بالأسر،أي مجموع الأجزاء منضمّا بعضها مع بعض،فهي بشرط الاجتماع تكون عين الكلّ،لا هي لا بشرط،كما في التّقرير،و الأجزاء انّما تكون لا بشرط.و اعتبار الكلّ والأجزاء على هذا الوجه ممّا لا إشكال فيه.و لكن مع ذلك إشكال دخول الأجزاء في محلّ النّزاع بعد على حاله،لأنّه‏هب ان الأجزاء انّما تكون لا بشرط،و الكلّ يكون بشرط الانضمام،إلاّ انّ‏اللابشرط لمّا كان يجتمع مع الف شرط من دون ان يكون ذلك موجبا لتبدّل في‏ذاته و تغيّر في حقيقته،فالفاتحة الّتي تكون لا بشرط هي بعينها الفاتحة الّتي تكون‏منضمّة إلى السّورة و الرّكوع و السّجود و غير ذلك من اجزاء الصّلاة،فانّ لا بشرطيّتهالا يمنع عن انضمام الغير معها،و المفروض انّ الفاتحة الّتي تكون منضمة إلى غيرهاواجبة بالوجوب النّفسي المتعلّق بالكلّ،و ليس هناك ذات أخرى و شي‏ء آخر يكون‏واجبا بالوجوب المقدّمي.و حاصل الكلام:انّ اعتبار الجزء لا بشرط و اعتبار الكلّ بشرط الانضمام،لا يدفع إشكال كون ما وجب بالوجوب النّفسي يلزم ان يكون واجبا مقدّميا لنفسه‏بناء على دخول الأجزاء في محلّ النّزاع،فانّ الأجزاء الّتي اعتبرت لا بشرط هي بعينهاتكون منضما بعضها مع بعض،لما عرفت من انّ اللاشرطيّة لا تنافي الانضمام،و مايكون واجبا بالوجوب النّفسي هو هذه الأجزاء المنضمة بعينها،فيعود محذور كون‏الشّي‏ء واجبا مقدّميّا لنفسه الواجب بالوجوب النّفسي حسب الفرض.هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه في تقريب الأشكال في الدّورةالسّابقة على ما حكى عنه،و كأنّ الأشكال كان قويّا في نظره سابقا و رجّح قول من‏قال بخروج الأجزاء عن محلّ النّزاع،و لكنّه في هذه الدّورة قد ضعف الأشكال وبنى على دخول الأجزاء في محلّ النّزاع.و حاصل ما أفاده في وجه ذلك:هو انّ المراد من البشرط الشّيئيّة الّتي هي‏عبارة عن الكلّ ليس مجرّد انضمام الأجزاء بعضها مع بعض بمعنى مجرّد الاجتماع في‏الوجود،حتّى يقال:انّ لا بشرطيّة الأجزاء لا ينافى هذا الانضمام و الاجتماع في‏


268

الوجود بل هي هي بعينها لأنّ اللابشرط يجامع هذا الانضمام فلا يحصل المغايرةبين الأجزاء و الكل،بل المراد من البشرط الشيئية في المقام هو لحاظ الجملة شيئاواحدا على وجه يكون للأجزاء المجتمعة حالة وحدة بها يقوم الملاك و المصلحة،و هذاالمعنى من البشرط الشيئيّة يباين اللابشرطيّة و يضادّه،إذ ذوات الأجزاء ح لم تكن‏ملحوظة بهذا اللحاظ،بل هذا اللحاظ يوجب فناء الذّوات و اندكاكها في ضمن‏الوحدة على وجه لا تكون الذّوات ملحوظة إلاّ تبعا،و لا بشرطيّة الجزء لا يمكن ان‏يجامع هذا المعنى من الاجتماع و الانضمام،بل الّذي يجامعه هو مجرّد الاجتماع في‏الوجود و انضمام بعضها مع بعض.و لكن قد عرفت انّه ليس المراد من الانضمام‏المعتبر في الكلّ هذا المعنى،بل الانضمام المعتبر هو الانضمام على وجه تكون الجملةشيئا واحدا.و الّذي يدلّ على انّ المراد من الانضمام المعتبر في الكلّ هذا المعنى،هو انّه‏لو نوى الصّلاة لا على وجه لحاظ الوحدة،بل نوى كلّ جزء جزء مستقلا و أتى‏بالأجزاء على هذا الوجه متعاقبة و منضما بعضها مع بعض كانت صلاته باطلة.فيظهر من ذلك:انّ المعتبر في الكلّ ليس مجرّد الانضمام،بل لا بدّ من لحاظ الوحدة.و هذا المعنى من الانضمام كما ترى متأخّر في الرّتبة عن لحاظ ذوات الأجزاءلا بشرط،إذ لا بدّ أوّلا من تصوّر ذوات الأجزاء و بعد ذلك يجعل الجملة شيئا واحدا،فحصلت المغايرة بين الأجزاء و الكلّ،و تقدّم الأوّل على الثّاني.هذا غاية ما يمكن‏ان يوجّه دعوى مقدّميّة الأجزاء للكلّ.و لكن مع ذلك لا ينفع في دخول الأجزاء في محلّ النّزاع،فانّ التّقدّم المدّعى‏للأجزاء انّما هو التّقدم بحسب عالم اللّحاظ و التّصور،و امّا بحسب عالم الوجود والتّحقق فليس بين الأجزاء و الكلّ تقدّم و تأخّر،بل الأجزاء بوجودها العيني عين‏الكلّ،و تكون واجبة بنفس وجوب الكلّ،و ليس لها وجود آخر تكون به واجبةبالوجوب المقدّمي،فتأمل في المقام جيّدا.هذا تمام الكلام في المقدّمات الداخليةبالمعنى الأخصّ،و امّا المقدّمات الخارجيّة بالمعنى الأخصّ قد عرفت انّ ما عدا العلّةالتّامّة منها داخلة في محلّ النّزاع.


269

و امّا العلّة التامّة:فقد يقال بخروجها عن محلّ النّزاع،نظرا إلى انّ إرادة الآمر لا بدّ ان تتعلّق‏بما تتعلّق به إرادة الفاعل،و إرادة الفاعل لا تتعلّق بالمعلول لأنّه ليس فعلا اختياريّاله،بل هو يتبع العلّة و يترشّح وجوده منها قهرا،بل إرادة الفاعل انّما تتعلّق بالعلّةالّتي هي فعل اختياريّ له،و مقتضى الملازمة بين الإرادتين ان تكون العلّة هي‏متعلّقة لإرادة الآمر،فتكون هي الواجبة بالوجوب النّفسي،و لا معنى لأن تكون‏واجبة بالوجوب المقدّمي،و ربّما ينقل عن السيّد المرتضى(ره)القول بذلك،و لكنّ‏العبارة المحكيّة عنه لا تنطبق على ذلك فراجع.و على كلّ حال الّذي ينبغي ان يقال:هو انّه تارة يكون لكلّ من العلّة والمعلول وجود مستقلّ،و كان ما بحذاء أحدهما غير ما بحذاء الأخر كطلوع الشّمس‏الّتي يكون علّة لضوء النّهار،حيث انّ لكلّ من الطّلوع و الضّوء وجودا يخصّه،و ان‏كان وجود الضّوء مترشّحا عن وجود الطّلوع و كان متولّدا منه،إلاّ انّه مع ذلك يكون‏ما بحذاء أحدهما غير ما بحذاء الأخر.و أخرى لا يكون كذلك،بل كان هناك وجود واحد معنون بعنوانين:عنوان أوّلي،و عنوان ثانويّ،كالإلقاء و الإحراق،و الغسل و الطّهارة،حيث انّه‏ليس هناك إلاّ فعل واحد،و يكون هذا الفعل بعنوانه الأوّلي إلقاء أو غسلا،وبعنوانه الثّانوي إحراقا أو تطهيرا،و ليس ما بحذاء الإلقاء أو الغسل غير ما بحذاءالإحراق أو الطهارة،بل هو هو و لذا يحمل أحدهما على الآخر فيقال:الإلقاء إحراق وبالعكس و الغسل طهارة و بالعكس،لما بين العنوانين من الاتّحاد في الوجود.فان كانت العلّة على الوجه الأوّل بحيث يغاير وجودها وجود المعلول،فالحقّ انّها داخلة في محلّ النّزاع،و تكون واجبة بالوجوب المقدّمي،و الّذي يكون‏واجبا بالوجوب النّفسي هو المعلول،و إرادة الفاعل انّما تتعلّق به لكونه مقدورا له و لوبالواسطة،و لا يعتبر في متعلّق التّكليف أزيد من ذلك.و لا يمكن ان تكون العلّةواجبة بالوجوب النّفسي مع انّ المصلحة و الملاك قائمة بالمعلول،بل الّذي يكون‏واجبا بالوجوب النّفسي هو المعلول،و هو الّذي تتعلق به إرادة الفاعل و الآمر،و


270

العلّة لا تكون واجبة إلاّ بالوجوب المقدّمي.و ان كانت العلّة على الوجه الثّاني أي لم يكن هناك وجودان منحازان،بل‏كان هناك فعل واحد معنون بعنوانين طوليين،فالحقّ انّه ليس هناك إلاّ وجوب‏نفسيّ تعلّق بالفعل،غايته انّه لا بعنوانه الأوّلي بل بعنوانه الثّانوي،فانّ الأمربالإحراق امر بالإلقاء و الأمر بالإلقاء امر بالإحراق،و كذا الحال في الغسل والطّهارة و الانحناء و التّعظيم،و غير ذلك من العناوين التّوليديّة،و ذلك لوضوح انّه‏لم يصدر من المكلّف فعلان يكون أحدهما الإلقاء و الأخر إحراقا،بل ليس هناك‏إلاّ فعل واحد معنون بعنوانين:عنوان أوّلي و عنوان ثانويّ،بل ليس ذلك في الحقيقةمن باب العلّة و المعلول،إذ العلّة و المعلول يستدعيان وجودين،و ليس هنا إلاّ وجودواحد و فعل واحد،فليس الإحراق معلولا للإلقاء،بل المعلول و المسبّب التّوليدي هوالاحتراق لا الإحراق الّذي هو فعل المكلّف،و كذا لكلام في الغسل و التّطهير،حيث انّ التّطهير ليس معلولا للغسل،بل المعلول هو الطّهارة،و من ذلك ظهر انّ‏إطلاق المسبّبات التّوليديّة على العناوين التّوليديّة لا يخلو عن مسامحة،لأنّ المسبّب‏التّوليديّ ما كان له وجود يخصّه غير وجود السّبب كطلوع الشّمس و إضاءة النّهار،و ليس المقام من هذا القبيل،مثلا فرق بين فري الأوداج الّذي يكون معنونا بعنوان‏القتل،و بين إسقاء السّم الّذي يتولّد منه القتل،فانّ القتل في الأوّل يكون من‏العناوين التّوليديّة،و في الثّاني يكون من المسبّبات التّوليديّة،و الأسباب الّتي‏جعلوها موجبة للضّمان في مقابل المباشرة كلّها ترجع إلى المسبّبات التّوليديّة،فتأمل‏جيّدا.فالإلقاء أو الغسل ليس واجبا بالوجوب المقدّمي،بل هو واجب بالوجوب‏النّفسي،غايته لا بعنوانه الأوّلي أي بما انّه إلقاء أو صبّ الماء،بل بعنوانه الثّانوي أي‏بما انّه إحراق و إفراغ للمحلّ عن النّجاسة.و الّذي يدلّ على انّه ليس هناك فعلان وليس من باب المقدّمة و ذي المقدّمة،هو صحّة حمل أحدهما على الأخر و صحّة تعلّق‏التّكليف بكلّ منهما،كما ورد:اغسل ثوبك عن أبوال ما لا يؤكل،و ورد أيضا وثيابك فطهّر.


271

و بالجملة باب العناوين التّوليديّة،ليس من باب المقدّمة و ذي المقدّمة،فليس هناك إلاّ واجب نفسيّ واحد تعلّق بالفعل لا بما هو و بعنوانه الأولى،بل بعنوانه‏الثّانوي.هذا تمام الكلام في المقدّمات الدّاخليّة و الخارجيّة بمعناهما الأعمّ‏و الأخصّ.

و من جملة تقسيمات المقدّمة:تقسيمها إلى العقليّة و العادية و الشّرعيّة

.و المراد من الشّرعيّة الشّروط والموانع،و قد تقدّم انّها مندرجة في المقدّمات الدّاخليّة أو الخارجيّة على اختلاف‏الاعتبارين.و المراد من العاديّة ما جرت العادة على التّوقّف عليها كنصب السّلم،وهي في الحقيقة ترجع إلى العقليّة باعتبار و ليس هذا تقسيما آخر للمقدّمة،بل تكون‏من الخارجيّة بالمعنى الأخصّ.و قد تقسم المقدّمة إلى مقدّمة الصّحة و مقدّمة الوجود،و مقدّمة الصّحةترجع إلى مقدّمة الوجود،و هي تدخل في المقدّمة الدّاخليّة أو الخارجيّة.و قد تقسم أيضا إلى مقدّمة العلم و مقدّمة الوجود،و لا يخفى انّ مقدّمة العلم‏ليست من أقسام المقدّمة المبحوث عنها في المقام،بل هي مقدّمة للعلم بتحقّق‏الامتثال الّذي يحكم به العقل في موارد العلم الإجمالي.

و من جملة تقسيمات المقدّمة:تقسيمها إلى المقارنة،و المتقدّمة،و المتأخّرة في الوجود

،و هي المعبّر عنهابالشّرط المتأخّر،و قد وقع النّزاع في جوازه و امتناعه.و تحرير محلّ النّزاع يتوقّف على‏تقديم أمور:

(الأمر الأوّل)

ينبغي خروج شرط متعلّق التّكليف عن حريم النّزاع،لأنّ حال الشّرطحال الجزء في توقّف الامتثال عليه و عدم الخروج عن عهدة التّكليف إلاّ به،فكماانّه لا إشكال فيما إذا كان بعض اجزاء المركّب متأخّرا عن الأخر في الوجودو منفصلا عنه في الزّمان،كما إذا امر بمركّب بعض اجزائه في أوّل النّهار و البعض‏الأخر في آخر النّهار،كذلك لا ينبغي الأشكال فيما إذا كان شرط الواجب متأخّرا في‏


272

الوجود و منفصلا عنه في الزّمان،و مجرّد دخول الجزء قيدا و تقييدا في المركّب وخروج الشّرط قيدا لا يكون فارقا في المقام بعد ما كان التّقييد داخلا في متعلّق‏التّكليف.و الحاصل:انّ إشكال الشّرط المتأخّر انّما هو لزوم الخلف و المناقضة،وتقدّم المعلول على علّته،و تأثير المعدوم في الموجود على ما سيأتي بيانه،و شي‏ء من ذلك‏لا يجري في شرط متعلّق التّكليف،لأنّه بعد ما كان الملاك و الامتثال و الخروج عن‏عهدة التّكليف موقوفا على حصول التقييد الحاصل بحصول ذات القيد،فأيّ خلف‏يلزم؟و أيّ معلول يتقدّم على علّته؟أو أيّ معدوم يؤثّر في الموجود؟فأيّ محذور يلزم‏إذا كان غسل اللّيل المستقبل شرطا في صحّة صوم المستحاضة؟فانّ حقيقةالاشتراط يرجع إلى انّ الإضافة الحاصلة بين الصّوم و الغسل شرط في صحّة الصوم،بحيث لا يكون الصّوم صحيحا إلاّ بحصول الإضافة الحاصلة بالغسل.نعم لو قلنا:انّ غسل اللّيل المستقبل موجب لرفع حدث الاستحاضة عن‏الزّمان الماضي،بحيث يكون غسل المغرب يوجب رفع الحدث من الظّهر،أو قلنا:انّ‏غسل اللّيل يوجب تحقّق الامتثال من السّابق و ان لم يوجب رفع الحدث عنه،كان‏الأشكال في الشّرط المتأخّر جاريا فيه كما لا يخفى،إلاّ انّ حديث جعل الغسل شرطاللصّوم لا يقتضى ذلك،بل أقصاه انّه لا يتحقّق صحّة الصّوم إلاّ به،غايته انّه لا على‏وجه الجزئيّة،بل على وجه القيدية،و ذلك ممّا لا محذور فيه بعد ما كان الغسل فعلااختياريّا للمكلّف و كان قادرا على إيجاده في موطنه،فتسرية إشكال الشّرط المتأخّرإلى قيود متعلّق التّكليف ممّا لا وجه له.

(الأمر الثّاني)

لا إشكال في خروج العلل الفائتة عن حريم النّزاع،فانّ العلل الفائتة غالبامتأخّرة في الوجود عمّا تترتّب عليه،و ليست هي بوجودها العيني علّة للإرادة وحركة العضلات نحو ما تترتّب عليه حتّى يلزم تأثير المعدوم في الموجود،و تقدّم‏المعلول على علّته،بل العلّة و المحرّك هو وجوده العلمي،مثلا علم النّجار بترتّب‏النّوم على السّرير موجب لحركة عضلاته نحو صنع السّرير،و كذا علم المستقبل‏


273

بمجي‏ء زيد في الغد يوجب إرادته للاستقبال،و لا أثر لوجودهما العيني في ذلك،فانّ‏من لم يعلم بقدوم زيد في الغد لا يتحقّق منه إرادة الاستقبال و ان فرض قدومه في‏الغد،كما انّ علمه بقدومه يوجب إرادة الاستقبال و ان فرض عدم قدومه،فالمؤثّر هوالوجود العلمي،و كذا الحال في علل التّشريع،فانّ علل التّشريع هي العلل الفائتةو لا فرق بينهما،إلاّ انّهم اصطلحوا في التّعبير عنها في الشّرعيّات بعلل التّشريع و حكم‏التّشريع،و في التّكوينيّات بالعلل الفائتة،و على كلّ حال علم الآمر بترتّب الحكمةموجب للأمر و ان كانت هي بوجودها العيني متأخّرة عن الأمر،فما كان من العلل‏الفائتة و العلل التّشريعيّة لا يندرج في الشّرط المتأخّر المبحوث عنه في المقام،و ذلك‏واضح.

(الأمر الثّالث)

ليس المراد من الشّرط المتأخّر المبحوث عنه في المقام باب الإضافات‏و العناوين الانتزاعيّة،كالتّقدّم،و التّأخّر،و السّبق،و اللّحوق،و التّعقّب،و غير ذلك‏من الإضافات و الأمور الانتزاعيّة،فلو كان عنوان التّقدم و التّعقّب شرطا لوضع أوتكليف لا يكون ذلك من الشّرط المتأخّر،و لا يلزم الخلف و تأثير المعدوم في الموجود وتقدّم المعلول على علّته،و ذلك لأنّ عنوان التّقدم ينتزع من ذات المتقدم عند تأخرشي‏ء عنه،و لا يتوقف انتزاع عنوان التقدم عن شي‏ء على وجود المتأخر في موطن‏الانتزاع،بل في بعض المقامات ممّا لا يمكن ذلك،كتقدّم بعض اجزاء الزّمان على‏بعض،فانّ عنوان التّقدم ينتزع لليوم الحاضر لتحقّق الغد في موطنه،فيقال:هذااليوم متقدّم على غد،و لا يتوقّف انتزاع عنوان التقدّم لليوم الحاضر على مجي‏ء الغد،بل لا يصح لتصرّم اليوم الحاضر عند مجي‏ء الغد،و لا معنى لاتّصافه بالتّقدم حال‏تصرّمه و انعدامه.هذا حال الزّمان،و قس على ذلك حال الزّمانيّات الطّوليّة في‏الزّمان،حيث يكون أحد الزّمانيين مقدّما على الأخر في موطن وجوده لمكان وجودالمتأخّر في موطنه،فيقال زيد مقدّم على عمرو و لو لم يكن عمرو موجودا في الحال،بل يكفى وجوده فيما بعد في انتزاع عنوان التّقدّم لزيد في موطن وجوده.


274

(الأمر الرّابع)

لا إشكال في خروج العلل العقليّة عن حريم النّزاع مط بجميع اقسامها وشئونها:من البسيطة،و المركّبة،و التّامّة،و النّاقصة،و الشّرط،و المقتضى،و عدم‏المانع،و المعدّ،و كلّ ما يكون له دخل في التّأثير،سواء كان له دخل في تأثيرالمقتضى كالشّرط و عدم المانع،أو كان له دخل في وجود المعلول بحيث يترشّح منه‏وجود المعلول كالمقتضي،فانّ امتناع تأخّر بعض اجزاء العلّة عن المعلول من القضاياالّتي قياساتها معها،و لا يحتاج إلى مئونة برهان،لأنّ اجزاء العلّة بجميع اقسامها تكون‏ممّا لها دخل في وجود المعلول على اختلاف مراتب الدّخل حسب اختلاف مراتب‏اجزاء العلّة من الجزء الأخير منها إلى أوّل مقدّمة إعداديّة،و يشترك الكلّ في إعطاءالوجود للمعلول،و معلوم:انّ فاقد الشّي‏ء لا يكون معطي الشّي‏ء،و كيف يعقل‏الإفاضة و الرّشح ممّا لاحظ له من الوجود.و بالجملة:امتناع الشّرط المتأخّر في باب العلل العقليّة أوضح من ان يحتاج‏إلى بيان بعد تصوّر معنى العليّة و المعلوليّة.و عليك بمراجعة1ما علّقه السّيّد1هذا إشارة إلى ما ذكره الفقيه الجليل السيد محمد كاظم الطباطبائي في التعليقة في دفع ما أفاده الشيخ‏قدس سره في المكاسب من عدم الفرق في استحالة تأثير المتأخر في المتقدم شرطا كان أو سببا بين الأمور العقليّةو الشرعيّة.توضيح ذلك:ان صاحب الجواهر قدس سره التزم بكاشفية الإجازة في العقد الفضولي و ذكر ان استحالة تأثير المتأخرفي المتقدم سببا كان أو شرطا تختص بالأمور العقلية،و اما الاعتباريات و منها المجعولات الشرعية ليست مجرى هذه‏القاعدة،و ذكر ان الشارع كثيرا ما جعل ما يشبه تقديم السبب على المسبب كغسل الجمعة يوم الخميس و إعطاءالفطرة قبل وقته فضلا عن تقدم المشروط على الشرط كغسل الفجر بعد الفجر للمستحاضة الصائمة و...و دفعه الشيخ قدس سره:بأنه لا فرق فيما فرض شرطا أو سببا بين الشرعي و غيره،و تكثير الأمثلة لايوجب وقوع المحال العقلي.و أورد عليه السيد في حاشيته على المكاسب بما هذا لفظه:«و دعوى ان ذلك من المحال العقلي،و تكثير الأمثلة لا يوجب وقوعه مدفوعة.أولا:بان الوجه في الاستحالة ليس الا كونه معدوما و لا يمكن تأثير المعدوم في الموجود و هذا يستلزم عدم‏


275

الطّباطبائي رحمه الله على المكاسب في باب الإجازة في العقد الفضولي،ليظهر لك ما وقع في‏كلامه من الخلط و الاشتباه.إذا عرفت هذه الأمور،ظهر لك انّ محلّ النّزاع في الشّرط المتأخّر انّما هو في‏الشّرعيّات في خصوص شروط الوضع و التّكليف،و بعبارة أخرى:محل الكلام انماهو في موضوعات الأحكام وضعية كانت أو تكليفية،فقيود متعلق التكليف،وجواز تقدم الشرط أيضا على المشروط،لأنه حال وجود المشروط معدوم،و كذا تقدم المقتضى و اجزائه،و لازم هذاالتزام ان المؤثر في النقل(التاء)من قوله:(قبلت)و ان الاجزاء السابقة ليست بمؤثرة أو انها معدات.و ثانيا:بإمكان دعوى ان المؤثر انما هو الوجود الدهريّ للإجازة و هو متحقق حال العقد و انما تأخره في‏سلسلة الزمان.و ثالثا:نقول:ان الممتنع انما هو تأثير المعدوم الصرف،لا ما يوجد و لو بعد ذلك.و رابعا:على فرض تسليم الامتناع نقول:ان ذلك مسلّم فيما إذا كان المؤثر تاما لا مجرد المدخليّة،فان‏التأخر في مثل هذا مما لا مانع منه،و أدل الدليل على إمكانه وقوعه اما في الشرعيات ففوق حد الإحصاء،و امّافي العقليّات فلأنّ من المعلوم ان وصف التعقب مثلا متحقق حين العقد مع انه موقوف على وجود الإجازة بعد ذلك‏،فان كانت في علم اللّه موجودة فيما بعد فهو متصف الآن بهذا الوصف و الا فلا،لا يقال:انه من الأمورالاعتباريّة.لأنا نقول:لو لم يكن هناك معتبر أيضا يكون هذا الوصف متحققا،و كذا الكلام في وصف الأولويةو التقدم مثلا يوم أول الشهر متصف الآن بأنه أول،مع انه مشروط بوجود اليوم الثاني بعد ذلك و متصف بالتقدم‏فعلا مع انه مشروط بمجي‏ء التأخر،و هكذا الجزء الأول من الصلاة متصف بأنه صلاة إذا وجد في علم اللّه بقيةالاجزاء،و كذا لو اشتغل بتصوير صورة من أول الشروع يقال:انه مشتغل بالتصوير بشرط ان يأتي ببقيةالاجزاء،و هكذا إمساك أول الفجر صوم لو بقي إلى الآخر،و كذا لو هيّأ غذاء للضيف يقال:انه فيه مصلحةو ليس بلغو إذا جاء الضيف بعد ذلك،و الا فهو من أول الأمر متصف بأنه لغو،و كذا لو حفر بئرا ليصل إلى الماءفانه متصف من الأوّل بعدم اللغوية ان وصل إليه،و الا فباللغويّة،و هكذا إلى ما شاء اللّه من اتصاف شي‏ءبوصف فعلى مع إناطته بوجود مستقبلي.بل أقول:لا مانع من ان يدعى مدع ان النفوس الفلكية و الأوضاع السماويّة و الأرضيّة كما ان كل‏سابق معد لوجود اللاحق كذلك كل لا حق له مدخلية في وجود السابق.بل يمكن ان يقال:ان جميع اجزاء العالم مرتبطة بمعنى انه لو لا هذا لم يوجد ذاك و بالعكس،فلو لم يوجدالغد لم يوجد اليوم،و هكذا،فجميع العالم موجودا واحد تدريجي و لا يمكن إيجاد بعضه من دون بعض و الإنصاف:انه لا سادّ لهذا الاحتمال و لا دليل على بطلان هذا المقال...»(حاشية السيد على المكاسب.كتاب البيع.في‏تحقيق وجوه الكشف و النقل ص 150


276

العلل الفائتة،و الأمور الانتزاعيّة،و العلل العقليّة،خارجة عن حريم النّزاع.و بعد ذلك نقول:انّ امتناع الشّرط المتأخر في موضوعات الأحكام يتوقّف‏على بيان المراد من الموضوع،و هو يتوقّف على بيان الفرق بين القضايا الحقيقيّة والقضايا الخارجيّة،و انّ المجعولات الشّرعيّة انّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة لاالقضايا الخارجيّة،و قد تقدّم منّا شطر من الكلام في ذلك في باب الواجب المشروطو المطلق،و لا بأس بالإشارة الإجماليّة إليه ثانيا.فنقول:القضايا الخارجيّة عبارة عن قضايا جزئيّة شخصيّة خارجيّة،كقوله:يا زيد أكرم عمراً،و يا عمرو حجّ،و يا بكر صلّ،و غير ذلك من القضاياالمتوجّهة إلى آحاد النّاس من دون ان يجمعها جامع،و هذا بخلاف القضاياالحقيقيّة،فانّ الأشخاص و الآحاد لم تلاحظ فيها،و انّما الملحوظ فيها عنوان كلّي‏رتّب المحمول عليه،كما إذا قيل:أهن الجاهل،و أكرم العالم،فانّ الملحوظ هو عنوان‏الجاهل و العالم و يكون هو الموضوع لوجوب الإكرام من غير ان يكون للآمر نظر إلى‏زيد و عمرو و بكر،بل ان كان زيد من افراد العالم أو الجاهل فالعنوان ينطبق عليه‏قهرا،كما هو الشّأن في جميع القضايا الحقيقية،حيث يكون الموضوع فيها هو العنوان‏الكلي الجامع و يكون ذلك العنوان بمنزلة الكبرى الكليّة،و من هنا يحتاج في إثبات‏المحمول لموضوع خاصّ إلى تأليف قياس،و يجعل الموضوع الخاصّ صغرى القياس والعنوان الكلّي كبرى القياس،فيقال:زيد عالم و كلّ عالم يجب إكرامه فزيد يجب‏إكرامه،و هذا بخلاف القضايا الخارجيّة،فانّ المحمول فيها ثابت لموضوعه ابتداء من‏دون توسّط قياس كما هو واضح،و قد استقصينا الكلام في الفرق بين القضيّةالحقيقيّة و القضيّة الخارجيّة و الأمور الّتي تترتّب عليه،و الغرض في المقام مجرّدالإشارة إلى الفرق،حيث انّ المقام أيضا من تلك الأمور المترتّبة على الفرق بين‏القضيّتين.و مجمل الفرق بينهما:هو انّ الموضوع في القضيّة الحقيقيّة حمليّة كانت أوشرطيّة،خبريّة كانت أو إنشائيّة،هو العنوان الكلّي الجامع بين ما ينطبق عليه من‏الأفراد،و في القضيّة الخارجيّة يكون هو الشّخص الخارجي الجزئيّ،و يتفرّع على‏هذا الفرق أمور تقدّمت الإشارة إليها-منها:انّ العلم انّما يكون له دخل في القضيّة


277

الخارجيّة دون القضيّة الحقيقيّة.و توضيح ذلك:هو انّ حركة إرادة الفاعل نحو الفعل،أو الآمر نحو الأمر انّمايكون لمكان علم الفاعل و الآمر بما يترتّب على فعله و امره،و ما يعتبر فيه من القيود والشّرائط،و ليس لوجود تلك القيود دخل في الإرادة،بل الّذي يكون له دخل فيها هوالعلم بتحقّقها،مثلا لو كان لعلم زيد دخل في إكرامه،فمتى كان الشّخص عالما بأنّ‏زيدا عالم يقدم على إكرامه مباشرة أو يأمر بإكرامه،سواء كان زيد في الواقع عالما أولم يكن،و ان لم يكن الشّخص عالما بعلم زيد لا يباشر إكرامه و لا يأمر به و ان كان‏في الواقع عالما،فدخل العلم في وجوب إكرام زيد يلحق بالعلل الفائتة الّتي قدعرفت انّها انّما تؤثّر بوجودها العلمي لا بوجودها الواقعي،و هكذا الحال في سائرالأمور الخارجيّة،مثلا العلم بوجود الأسد في الطّريق يوجب الفرار لا نفس وجودالأسد واقعا،و كذا العلم بوجود الماء في الطريق يوجب الطلب لا نفس الماء،و هكذاجميع القضايا الشّخصيّة حمليّة كانت أو إنشائيّة المدار فيها انّما يكون على العلم بوجودما يعتبر في ثبوت المحمول،لا على نفس الثّبوت الواقعي.و هذا بخلاف القضايا الحقيقيّة،فانّه لا دخل للعلم فيها أصلا،لمكان انّ‏الموضوع فيها انّما هو العنوان الكلّي الجامع لما يعتبر فيه من القيود و الشرائط،و المحمول‏فيها انما هو مترتب على ذلك العنوان الجامع،و لا دخل لعلم الآمر بتحقق تلك القيودو عدم تحقّقها،بل المدار على تحقّقها العيني الخارجيّ،مثلا الموضوع في مثل-للّه على‏النّاس حجّ البيت إلخ-انّما هو المستطيع،فان كان زيد مستطيعا يجب عليه الحجّ ويترتّب عليه المحمول،و لو فرض انّ الآمر لم يعلم باستطاعة زيد بل علم عدم‏استطاعته.و لو لم يكن مستطيعا لا يجب عليه الحجّ و لو فرض انّ الآمر علم بكونه‏مستطيعا.فالقضيّة الخارجيّة انّما تكون في طريق النّقيض للقضيّة الحقيقيّة من حيث‏دخل العلم و عدمه.و ان أردت توضيح ذلك فعليك بمراجعة ما سطرناه في الواجب‏المعلّق‏ (1) .

1)راجع بحث الواجب المعلق من مباحث تقسيمات الواجب من هذا الكتاب،ص 170


278

إذا عرفت ذلك‏فنقول:لا ينبغي الأشكال في انّ المجعولات الشّرعيّة ليست على نهج القضاياالشخصيّة الخارجيّة،بحيث يكون ما ورد في الكتاب و السّنة إخبارات عن‏إنشاءات لا حقة،حتّى يكون لكلّ فرد من افراد المكلّفين إنشاء يخصّه عند وجوده،فانّ ذلك ضروريّ البطلان كما أوضحناه فيما سبق،بل هي إنشاءات أزليّة،و ان‏المجعولات الشّرعيّة انّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة،كما هو ظاهر ما ورد في‏الكتاب و السّنة.و حيث عرفت الفرق بين القضيّتين،و انّ المجعولات الشّرعيّة ليست على‏نهج القضايا الخارجيّة،ظهر لك المراد من موضوعات الأحكام الّتي هي محلّ النّزاع‏في المقام،و انّها عبارة عن العناوين الكليّة الملحوظة مرآة لمصاديقها المقدّر وجودهافي ترتّب المحمولات عليها،و يكون نسبة ذلك الموضوع إلى المحمول نسبة العلّة إلى‏معلولها و ان لم يكن من ذاك الباب حقيقة بناء على المختار من عدم جعل السّببيّة،إلاّ انّه يكون نظير ذلك من حيث التّوقّف و التّرتّب،فحقيقة النّزاع في الشّرط المتأخّريرجع إلى تأخّر بعض ما فرض دخيلا في الموضوع على جهة الجزئيّة أو الشّرطيّة عن‏الحكم التّكليفي أو الوضعيّ،بان يتقدّم الحكم على بعض اجزاء موضوعه.و ممّا ذكرنا ظهر انّ ما صنعه في الكفاية (1) و الفوائد (2) من إرجاع‏الشّرط المتأخّر إلى الوجود العلمي و إلى عالم اللّحاظ،ممّا لا ماسّ له فيما هو محلّ‏النّزاع،و خروج عن موضوع البحث بالكليّة،فانّ تأثير الوجود العلمي انّما يكون في‏العلل الفائتة،لا في موضوعات الأحكام.و إرجاع الشّرط المتأخّر في باب الأحكام‏إلى الوجود العلمي لا يستقيم،إلاّ إذا جعلنا الأحكام من قبيل القضايا الخارجيّة،و ان يكون ما ورد في الكتاب اخبارا عن إنشاء لا حق عند تحقّق افراد المكلّفين،

1)راجع كفاية الأصول،الجلد الأول،مباحث مقدمة الواجب منها تقسيمها إلى المتقدم و المتأخر بحسب‏الوجود بالإضافة إلى ذي المقدّمة.ص 145 إلى 148

2)راجع الفوائد،المطبوعة في آخر حاشية على الرسائل ص 291،فائدة:لا يخفى ان قضية الاشتراطتقدم الشرط على المشروط...


279

فيكون لكلّ فرد إنشاء يخصّه عند وجوده،و ح يكون المناط هو علم الآمر بواجديّةالفرد لمناط حكمه من كونه عالما مستطيعا،أو كون هذا العقد ممّا يلحقه إجازةالمالك،و غير ذلك من العناوين الّتي تكون في القضايا الخارجيّة كلّها من العلل‏الفائتة الّتي تكون بوجودها العلمي مؤثره،على ما تقدّم بيانه،و ليس في القضاياالخارجيّة طائفتان:طائفة تسمّى بموضوعات الأحكام،و طائفة تسمّى بالعلل الفائتةو علل التّشريع،كما كان في القضايا الحقيقيّة كذلك،أي كان لكلّ قضيّةطائفتان:موضوع الحكم،و علّة التّشريع،بناء على ما ذهبت إليه العدليّة من تبعيّةالأحكام للمصالح و المفاسد.و هذا بخلاف القضيّة الخارجيّة،فانّ جميع العناوين فيها تكون من علل‏التّشريع،و ليس لها موضوع يترتب الحكم عليه سوى شخص زيد،و ما عدا شخص‏زيد لا دخل له في الحكم بوجوده العيني،و انّما يكون له دخل بوجوده العلمي،و من‏هنا تسالم الفقهاء:على انّه لو اذن لزيد في أكل الطعام أو دخول الدّار لمكان علمه‏بأنّ زيدا صديق له جاز لزيد أكل الطعام أو دخول الدّار،و ان لم يكن في الواقع‏صديقا له،بل كان عدوّا له،لأنّ الإذن قد تعلّق بشخص زيد و لا أثر لعلمه‏بصداقته في جواز الدّخول،و انّما يكون العلم له دخل في نفس اذنه.و هذا بخلاف ما إذا اذن لعنوان صديقه و قال:من كان صديقي فليدخل،أو قيّد الحكم بالصّداقة و قال:يا زيد ادخل الدّار ان كنت صديقي،فانّه في مثل‏هذا لا يجوز لزيد دخول الدّار إذا لم يكن صديقا و ان علم الآذن بأنه صديق،فانّه‏ليس المدار على علم الآذن،بل المدار على واقع الصّداقة،من غير فرق بين أخذالصّداقة عنوانا أو قيدا من الجهة الّتي نحن فيها.نعم:بينهما فرق من جهة أخرى:و هو انّه لو أخذ الشّي‏ء على جهة العنوانيّةأوجب تعدّي الحكم عن مورده إلى كلّ ما يكون العنوان منطبقا عليه،فلو قال مخاطبالزيد:يا صديقي ادخل الدّار جاز لعمرو أيضا دخول الدّار إذا كان صديقا،إلاّ إذاعلم مدخليّة خصوصيّة زيد فيخرج العنوان عن كونه تمام الموضوع.و هذا بخلاف ماإذا كان قيدا،فانّه لا يجوز لغير زيد دخول الدّار و ان كان مشاركا له في القيد،و


280

تفترق العنوانيّة و القيديّة أيضا في باب العقود،حيث انّ العقد على عنوان يوجب‏بطلان العقد عند تخلّفه،بخلاف العقد على مقيّد،فانّه عند تخلّف القيد يوجب‏الخيار.و على كلّ حال:قد أطلنا الكلام في ذلك،لتوضيح انّ العلم لا دخل له في‏القضايا الّتي تكون موضوعاتها العناوين الكليّة.و انّما العلم يكون له دخل في‏القضايا الشّخصيّة.و إرجاع الشّرط المتأخّر المبحوث عنه في المقام إلى الوجودالعلمي و انّ المؤثّر هو العلم،لا يستقيم إلاّ بجعل الأحكام الشّرعيّة من قبيل القضاياالخارجيّة،و لكن هو(قده)لم يلتزم بذلك،و لا يمكن الالتزام به،لما تقدّم من انّ‏الضّرورة قاضية بأنّ الأحكام الشّرعيّة كلّها من قبيل القضايا الحقيقيّة،فلا معنى‏لإرجاع الشّرط المتأخّر إلى عالم اللّحاظ و الوجود العلمي.إذا عرفت ذلك ظهر لك:انّ امتناع الشّرط المتأخّر من القضايا الّتي‏قياساتها معها،و لا يحتاج إلى برهان،بل يكفى في امتناعه نفس تصوّره،من غير فرق‏في ذلك بين ان نقول بجعل السّببيّة،أو لا نقول بذلك و قلنا:انّ المجعول هو نفس‏الحكم الشّرعي مترتّبا على موضوعه،فانّه بناء على جعل السّببيّة يكون حال‏الشّرعيّات حال العقليّات،الّتي قد تقدم امتناع تأخّر العلّة فيها أو جزئها أو شرطهاأو غير ذلك ممّا له أدنى دخل في تحقّق المعلول،عن معلولها.و امّا توهّم انّ الممتنع هو تأخّر المقتضى الّذي يستند وجود المعلول إليه-دون تأخّر الشّرط حيث لا محذور في تأخّره-ففساده غنيّ عن البيان،و ان كان‏ربّما يظهر من بعض الكلمات القول به،فانّه بعد فرض كون الشي‏ء شرطا امّا لتأثيرالمقتضى،و امّا لقابليّة المحلّ-على الوجهين في الشّروط العقليّة-كيف يعقل‏حصول أثر المقتضى مع عدم وجود شرطه؟و هل هذا إلاّ لزوم تقدّم المعلول على‏علّته؟و امّا بناء على عدم جعل السّببيّة كما هو المختار،فلأنّ الموضوع و ان لم يكن علّةللحكم،إلاّ انّه ملحق بالعلّة من حيث ترتّب الحكم عليه،فلا يعقل تقدّم الحكم‏عليه بعد فرض أخذه موضوعا،للزوم الخلف،و انّ ما فرض موضوعا لم يكن موضوعا.و امّا توهّم انّ امتناع الشّرط المتأخّر انّما يكون في التّكوينيّات-دون‏


281

الاعتباريّات و الشّرعيّات الّتي امرها بيد المعتبر و الشّارع،حيث انّ له ان يعتبر كون‏الشّي‏ء المتأخّر شرطا لأمر متقدّم-ففساده أيضا غنيّ عن البيان،لأنّه ليس المراد من‏الاعتبار مجرّد لقلة اللّسان،بل للاعتباريّات واقع،غايته انّ واقعها عين اعتبارها،وبعد اعتبار شي‏ء شرطا لشي‏ء و أخذه مفروض الوجود في ترتّب الحكم عليه كما هوالشّأن في كلّ شرط،كيف يمكن تقدّم الحكم على شرطه؟و هل هذا إلاّ خلاف مااعتبره؟و بالجملة:بعد فرض اعتبار شي‏ء موضوعا للحكم لا يمكن ان يتخلّف ويتقدّم ذلك الحكم على موضوعه،فظهر فساد ما ذكر من الوجوه لجواز الشّرط المتأخّر.و أحسن ما قيل في المقام من الوجوه:هو انّ الشّرط عنوان التّعقب والوصف الانتزاعي،و قد تقدّم عدم توقّف انتزاع وصف التّعقّب على وجود المتأخّر في‏موطن الانتزاع،بل يكفى في الانتزاع وجود الشّي‏ء في موطنه،فيكون الشّرط في باب‏الفضولي هو وصف التّعقّب،و انّ السّبب للنقل و الانتقال هو العقد المتعقّب‏بالإجارة،و هذا الوصف حاصل من زمن العقد هذا.و لكن لا يخفى عليك،انّ هذا الوجه و ان لم يلزم منه محذور عقليّ،و لا يردعليه شي‏ء من المحاذير المذكورة في الشّرط المتأخّر،إلاّ انّ إرجاع الشّرط إلى الأمرالانتزاعي و وصف التّعقب يحتاج إلى قيام الدّليل عليه،و ان يكون ممّا يساعد عليه‏العقل و الاعتبار،و ليس لنا إرجاع كلّ شرط إلى عنوان التّعقب.نعم:يستقيم ذلك في باب المركّبات الارتباطيّة الّتي اعتبرت الوحدة فيها،كالصّوم على ما تقدّم بيانه في الواجب المعلّق،حيث قلنا:انّ في باب الصّوم،لمّاكان ظرف التّكليف و شرطه و امتثاله متّحدا،لمكان انّ الصّوم ليس إلاّ عبارة عن‏الإمساكات المتتابعة في آنات النّهار المتّصلة،و التّكليف بالإمساك في كلّ آن‏مشروط بالقدرة عليه في ذلك الآن،و امّا القدرة على الإمساكات الآخرة المتأخّرةفليست شرطا للتّكليف بالإمساك في الآن السّابق حتّى يلزم اشتراط التكليف بأمرمتأخّر،بل الشّرط هو تعقّب القدرة في الآن السّابق بالقدرة في الآن اللاحق،فالتّكليف في كلّ آن يكون مشروطا بالقدرة على ذلك الآن نفسه،و مشروطا أيضا


282

بتعقّبها بالقدرة على الآن اللاّحق لمكان اعتبار الصّوم امرا واحدا و كون إمساكاته‏مرتبطا بعضها مع بعض،فنفس اعتبار الوحدة و الارتباطيّة يقتضى ان يكون الشّرطهو عنوان التّعقّب،و لا نلتمس في ذلك دليلا آخر.و ان أردت تفصيل ذلك فعليك‏بمراجعة ما ذكرناه في الواجب المعلّق.و بالجملة:اعتبار عنوان التّعقّب في الارتباطيّات الّتي لها جهة وحدة ممّايساعد عليه الاعتبار،حيث انّ أصل التّكليف بالجزء السّابق و حصول امتثاله بماانّه جزء للمركّب انّما يكون بتعقّب ذلك الجزء للأجزاء الأخر،فاعتبار الوحدة في‏المكلّف به يقتضى ذلك.و ليس الشّأن في باب الإجازة كذلك،لأنّ الاعتبار و العقل لا يساعد على انتقال‏المال عن مالكه من زمن العقد لمجرّد انه يتعقّبه الرضا و الإجازة،مع انّ الرضا مقوم‏للانتقال،حيث انّه لا يحلّ مال امرئ إلاّ عن طيب نفسه.و هل يمكن لأحد ان‏يقول:بإباحة مال النّاس لمكان تحقق الرّضاء منهم بعد ذلك؟أو هل يفرق بين‏الإباحة و بين خروج المال عن ملكه؟فدعوى انّ الشّرط في باب الفضولي هو وصف‏التّعقّب ممّا لا يساعد عليه لا العقل،و لا الدّليل،و لا الاعتبار،فلا محيص ح عن‏القول بالنّقل و انّه من حين الإجازة ينتقل المال إلى المشتري.إلاّ ان يقوم دليل على‏ترتيب بعض الآثار من حين الإجازة من زمن العقد،بان يقوم دليل على انّه حين ماأجاز المالك يكون النّماء للمشتري من حين العقد،و هذا في الحقيقة يرجع إلى النّقل،لأنّه من حين الإجازة ينتقل النّماء السّابق إلى المشتري،كما ربّما يدّعى دلالة روايةعروة البارقي على ذلك،و هذا هو المراد من الكشف الحكمي الّذي اختاره الشيخ‏(قده) (1) .و ربّما حكى عن بعض المشايخ عدم الحاجة إلى قيام دليل في الكشف‏الحكمي،بل نفس دليل نفوذ الإجازة و اعتبارها يقتضى ترتيب الآثار من حين‏العقد عند إجازة المالك،و ذلك لأنّ مفاد العقد هو النّقل من حينه،و الإجازة انّما

1)راجع المكاسب،قسم البيع،تحقيق وجوه الكشف من مباحث بيع الفضولي ص 133


283

تتعلّق بما أنشأه العاقد،فيكون مفاد الإجازة هو إنفاذ ما أنشأه العاقد،و قام الدّليل‏على صحّة إنفاذ المالك ما أنشأه العاقد،و المفروض انّ العاقد انّما أنشأ الملكيّة من‏حين العقد،غايته انّ أصل الملكيّة لا يمكن ان تكون حين العقد،لاستلزامه المحذورالمتقدّم في الشّرط المتأخّر،و امّا ترتيب الآثار من زمن العقد عند الإجازة فلا محذورفيه،و لا نلتمس في ذلك دليلا آخر غير دليل صحّة الإجازة هذا.و لكن لا يخفى عليك ما فيه،فانّ العاقد لم ينشأ الملكيّة من حين العقد،بل‏إنشائه كان في ذلك الحين،و امّا منشأه فهو أصل الملكيّة معرّاة عن الزّمان،و ليس‏للعاقد تقييد الملكيّة من زمان خاصّ،فانّ امر ذلك ليس بيده،فهل ترى ان يكون‏للعاقد إنشاء الملكيّة من قبل السنة؟و بالجملة:المنشأ هو أصل الملكيّة معرّاة عن الزّمان،و الإجازة انّما تتعلّق‏بأصل الملكيّة المنشأة،و دليل نفوذها لا يقتضى أزيد من تحقّق الملكيّة،و مقتضى‏ذلك هو النّقل من حيث الملكيّة و من حيث الآثار،فالكشف الحكمي لا بدّ من قيام‏الدّليل عليه،و إلاّ فالقاعدة لا تقتضي أزيد من النّقل.و ما استدلّ به على بطلان النّقل و انّ القاعدة تقتضي الكشف الحقيقي:من انّ العقد عدم حين الإجازة،فلو قيل بالنّقل يلزم تأثير المعدوم في الموجود،و هذاهو الّذي حكاه الفخر عن بعض،و ليس من كلام نفس الفخر-على ما حكاه‏شيخنا الأستاذ من عبارته-حيث نقل(مد ظله)انّ الفخر بعد ما نقل الاستدلال‏بذلك ردّه و التزم بالنّقل بعد التّنزّل و القول بصحّة عقد الفضولي،و إلاّ فهو منكرلأصل صحّة الفضولي.و على كلّ حال:انّ الاستدلال للكشف بذلك واضح الفساد،فانّ العقدبناء على كون الإجازة شرطا يكون حاله حال العقد في الصّرف و السّلم،حيث‏تتوقّف الملكيّة على القبض فيهما،و ليس المقام من باب التّأثير و التأثّر حتى يقال:يلزم تأثير المعدوم في الموجود،لأنّ التأثير و التأثّر انّما يكون بناء على جعل السّببيّةالّذي قد أبطلناه.و امّا بناء على انّ المجعول هو الحكم على فرض وجود موضوعه فلا يلزم تأثير


284

المعدوم في الموجود،بل غايته انّ الشّارع رتّب الملكيّة على الإيجاب و القبول والإجازة،فيكون كلّ من الإيجاب و القبول و الإجازة جزء الموضوع،و لا يلزم ان‏تكون اجزاء الموضوع مجتمعة في الزّمان،بل يكفى وجودها و لو متفرّقة،و يكون نسبةالجزء السّابق إلى اللاحق نسبة المعدّ في اجزاء العلّة التّكوينيّة المتصرّمة في الوجود،حيث انّ الجزء السّابق انّما يكون معدّا و اثره ليس إلاّ الأعداد و هو حاصل عندوجوده،فلا يلزم تأخّر الأثر عن المؤثّر،بل أثر كلّ جزء انّما يتحقّق في زمان ذلك‏الجزء،غايته انّ الأثر يختلف،فأثر الأجزاء السّابقة على الجزء الأخير من العلّة التامّةانّما هو الأعداد،و أثر الجزء الأخير هو وجود المعلول،فليس في سلسلة اجزاء العلّةالمتدرّجة في الوجود ما يلزم منه تأخّر الأثر عن المؤثّر و تأثير المعدوم في الموجود.و بما ذكرنا ظهر فساد مقايسة الشّرط المتأخّر بالشّرط المتقدّم،و تسريةإشكال الشّرط المتأخّر إلى الشّرط المتقدّم،و ذلك لما عرفت من انّ الشّرط المتقدّم‏كالجزء المتقدّم ممّا لا إشكال فيه حيث انّه ليس أثر المتقدّم إلاّ الأعداد،و هوحاصل مقارنا لوجود المتقدّم،كما لا يخفى.هذا تمام الكلام في تحرير محلّ النّزاع في مقدّمة الواجب.و بعد ذلك نقول:لا ينبغي الأشكال في وجوب المقدّمة بالمعنى المتقدّم،لوضوح انّه لا يكاد يتخلّف إرادةالمقدّمة عند إرادة ذيها بعد الالتفات إلى كون الشّي‏ء مقدّمة و انّه لا يمكن التّوصل إلى‏المطلوب إلاّ بها،و ان أردت توضيح ذلك،فعليك بمقايسة إرادة الآمر بإرادة الفاعل،فهل ترى انّك لو أردت شيئا و كان ذلك الشّي‏ء يتوقف على مقدمات يمكنك ان لاتريد تلك المقدمات؟لا بل لا بد من ان تتولد إرادة المقدمات من إرادة ذلك الشي‏ءقهرا عليك،بحيث لا يمكنك ان لا تريد بعد الالتفات إلى المقدّمات،و إلاّ يلزم ان‏لا تريد ذا المقدّمة،و هذا واضح وجدانا،و إرادة الآمر حالها حال إرادة الفاعل.و دعوى انّه لا موجب لإرادة المقدّمات-بعد حكم العقل بأنه لا بد من‏إتيانها لتوقف الطّاعة عليها،و بعد ذلك لا حاجة إلى تعلّق الإرادة بها-فاسدة،فانّه‏ليس كلامنا في الحاجة و عدم الحاجة،بل كلامنا انّ إرادة المقدّمات تنقدح في‏نفس الآمر قهرا،بحيث لا يمكن ان لا يريدها،فلا تصل النّوبة إلى الحاجة و عدم‏


285

الحاجة،حتى يقال:لا حاجة إلى إرادتها بعد حكم العقل.نعم:لو كان الوجوب المبحوث عنه في المقام هو الوجوب الأصلي الناشئ‏عن مبادئ مستقلّة لكانت دعوى عدم الحاجة في محلّها،و كان الأقوى ح عدم‏وجوبها،إلاّ انّه ليس الكلام في هذا النّحو من الوجوب،بل الكلام في الوجوب‏القهري التّبعي التّرشحي،و هذا النّحو من الوجوب ممّا لا بدّ منه و ان لم يكن له أثرعلى ما يأتي بيانه في ثمرة المسألة-إلاّ انّ عدم الثّمرة لا يضرّ بهذا المعنى من الوجوب‏القهري،و انّما يضرّ بالوجوب الأصلي النّفسي،و نحن لا نقول به.و بالجملة:بعد شهادة الوجدان بتعلّق الإرادة بالمقدّمة عند إرادة ذيها،لا حاجة إلى إطالة الكلام في الاستدلال على ذلك بما لا يخلو عن مناقشة،فلاحظ مااستدلّ به في المقام للطّرفين،و الأولى إحالة الأمر إلى الوجدان.

و ينبغي التّنبيه على أمور:

(الأمر الأوّل)

لا إشكال في انّ وجوب المقدّمة يتبع في الإطلاق و الاشتراط وجوب ذيها،و لا يعقل ان يكون وجوبها مغايرا لوجوب ذيها،لأنّ المفروض انّ وجوبها انّما تولد من‏ذلك،فلا يمكن ان يتلون بلون مغاير،و ما يشاهد في بعض المقامات من وجوب‏المقدّمة قبل وجوب ذيها فانّما هو لبرهان التّفويت،و قد تقدّم الكلام فيه سابقا.

(الأمر الثّاني)

اختلفوا في انّ معروض الوجوب في باب المقدّمة ما هو؟فقيل:انّ معروضه هو ذات المقدّمة مط.و قيل:انّ معروضه هو الذّات الموصلة إلى ذيها.و قيل:هو الذّات عند إرادة ذيها،و قيل:هو الذّات بشرط قصد التّوصّل بها إلى ذيها،و لعلّ منشأ اعتبار القيود الزّائدة على الذّات هو استبعاد كون الواجب هونفس الذّات من غير اعتبار شي‏ء،مع انّه قد تكون الذّات محرّمة و يتوقّف واجب أهمّ‏عليها،كما لو فرض توقّف إنقاذ الغريق على التّصرّف في ملك الغير،فان القول بكون‏


286

التّصرف واجبا مط و لو لم يكن من قصد المتصرّف إنقاذ الغريق-بل تصرّف‏للعدوان،أو للتنزّه و التّفرّج-ممّا يأباه الذّوق و لا يساعد عليه الوجدان،و كذايبعد ان يكون خروج من وجب عليه الحجّ من داره إلى السّوق لقضاء حاجة واجبا،بحيث يكون كلّما خرج من داره قد اشتغل بفعل الواجب،و يكون عوده إلى داره‏هدما لذلك الواجب،فانّ هذا بعيد غايته.و لمكان هذا الاستبعاد قيّد صاحب المعالم(ره)1وجوب المقدّمة بقيدإرادة ذيها،فلا تتّصف المقدّمة بالوجوب إلاّ عند إرادة ذيها.و قيّد الشّيخ(قده)2على ما في التّقرير وجوبها بصورة قصد التّوصّل إلى ذي المقدّمة.و قيّد3صاحب‏الفصول بصورة التّوصّل بها إلى ذيها،فيكون الواجب هو المقدّمة الموصلة.كلّ ذلك‏يكون دفعا للاستبعاد المذكور هذا.و لكن لا يخفى عليك،انّه لا يمكن المساعدة على شي‏ء من هذه القيود.امّا ما اختاره صاحب المعالم(ره)حيث جعل إرادة ذي المقدّمة من قيودوجوب المقدّمة،ففيه:انّ اشتراط الوجوب بالإرادة،امّا ان يكون مقصورا على‏1هذا ما يوهمه ظاهر عبارة صاحب المعالم في آخر بحث الضد.المعالم بحث الضد ص 77 قال:«و أيضافحجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها انما ينهض دليلا على الوجوب في حال كون المكلف مريدا للفعل‏المتوقف عليها كما لا يخفى على من أعطاها حق النّظر».و قد صرح الشيخ قدس سره في التقريرات دفعا لهذا التوهم«و نحن بعد ما أعطينا الحجج الناهضة على وجوب‏المقدمة حق النّظر و استقصينا التأمل فيها ما وجدنا رائحة من ذلك فيها...»(مطارح الأنظار،ص 70»2مطارح الأنظار ص 70 قوله:«و هل يعتبر في وقوعه على صفة الوجوب ان يكون الإتيان بالواجب‏الغيري لأجل التوصل به إلى الغير أولا،و جهان أقواهما الأوّل...»3الفصول،ص 87 التنبيه الأوّل.«ان مقدمة الواجب لا تتصف بالوجوب و المطلوبيّة من حيث كونهامقدمة الا إذا ترتب عليها وجود ذي المقدمة،لا بمعنى ان وجوبها مشروط بوجوده فيلزم الا يكون خطاب بالمقدمةأصلا على تقدير عدمه فان ذلك متضح الفساد،كيف؟و إطلاق وجوبها و عدمه عندنا تابع لإطلاق وجوبه وعدمه،بل بمعنى ان وقوعها على الوجه المطلوب منوط بحصول الواجب حتى انها إذا وقعت مجردة عنه تجردت عن‏وصف الوجوب و المطلوبيّة،لعدم وجوبها على الوجه المعتبر،فالتوصل بها إلى الواجب من قبيل شرط الوجود لها لا من‏قبيل شرط الوجوب،و هذا عندي هو التحقيق الّذي لا مزيد عليه،و ان لم أقف على من يتفطن له».


287

وجوب المقدّمة و ليس هذا شرطا في وجوب ذيها،و امّا ان يكون وجوب ذيها أيضامشروطا بإرادته.فعلى الأوّل:يلزم ان يكون وجوب المقدّمة مشروطا بشرط لا يكون‏وجوب ذيها مشروطا به،و هذا ينافى ما قدّمناه في الأمر الأوّل،من تبعيّة وجوب‏المقدّمة لوجوب ذيها في الإطلاق و الاشتراط،قضية للتّبعيّة و التّرشّحية.و على الثّاني:يلزم إناطة التّكليف بشي‏ء بإرادة ذلك الشّي‏ء و هو محال،لأنّه‏يلزم ان يكون التّكليف به واقعا في رتبة حصوله،لحصول الشي‏ء عند تعلق الإرادةبه،فلو تأخر التكليف عن الإرادة-كما هو لازم الاشتراط-يلزم ما ذكرنا:من وقوع‏التكليف في مرتبة حصول المكلّف به.هذا مضافا:إلى انّه لا معنى لاشتراط التّكليف بالإرادة،لأنّ التّكليف انّماهو بعث للإرادة و تحريكها،فلا يمكن إناطة التّكليف بها،لاستلزام ذلك إباحةالشّي‏ء،كما لا يخفى.و امّا ما اختاره الشّيخ:من جعل قصد التّوصّل إلى ذيها من شرائط وجودالمقدّمة لا وجوبها،فيكون قصد التّوصّل من قيود الواجب،فهو يتلو كلام المعالم في‏الضّعف.و الإنصاف:انّ المحكي عن الشّيخ في المقام مضطرب غاية الاضطراب،ولم يتحصّل لنا مراد الشّيخ(ره)كما هو حقّه،فانّ جملة من كلامه ظاهرة في انّ قصدالتّوصّل انّما يكون شرطا في وقوع المقدّمة على صفة العباديّة،بحيث لا تقع المقدّمةعبادة إلاّ إذا قصد بها التّوصّل إلى ذيها.و جملة أخرى من كلامه ظاهرة في انّ‏الواجب هو عنوان المقدّمة لا ذات ما يتوقّف عليه الشّي‏ء بل بوصف كونه ممّا يتوقّف‏عليه الشي‏ء.و جملة من كلامه ظاهرة فيما ذكرناه:من ان قصد التّوصّل من قيودالواجب،و انّه يعتبر في وقوع المقدّمة على صفة الوجوب قصد التّوصّل إلى ذيها.ثمّ انّ الا عجب من ذلك،ما فرّعه على اعتبار قصد التّوصّل،من بطلان‏الصّلاة إلى بعض الجهات إذا لم يكن من قصده الصّلاة إلى الجهات الأربع فيمن‏كان تكليفه ذلك،و انّه لو صلّى إلى بعض الجهات قاصدا للاقتصار عليه فبدا له‏الصّلاة إلى سائر الجهات الأخر فلا يجزيه،إلاّ إذا أعاد ما صلاّه أوّلا.فانّ تفريع ذلك‏


288

على اعتبار قصد التّوصّل في باب المقدّمة ممّا لم يظهر لنا وجهه،حيث انّ الكلام في‏المقام انّما هو في مقدّمة الواجب،و التّفريع انّما يكون في مقدّمة العلم،و لا ملازمة بين‏البابين،لأنّه هب انّه لم نعتبر قصد التّوصل في وقوع المقدّمة على صفة الوجوب،مع‏ذلك يقع الكلام في المقدّمة العلميّة،و انّه هل يعتبر في صحّة المقدّمة العلميّة إذاكانت عبادة ان يكون قاصدا لامتثال الواجب المعلوم في البين على كلّ تقدير؟أوانّه لا يعتبر ذلك؟بل يكفى قصد امتثال الواجب على تقدير دون تقدير.و تظهرالثّمرة،فيما إذا تبيّن مطابقة ما أتى به للواقع،فانّه بناء على الأوّل لا يكفى عن الواقع‏إذا لم يكن من قصده الامتثال على كلّ تقدير،بل يجب عليه الإعادة.و بناء على‏الثّاني يكفى و لا يجب عليه الإعادة.و أين هذا ممّا نحن فيه من اعتبار قصد التّوصّل‏في باب المقدّمة؟و بالجملة:المحكي عن الشّيخ(قده)في المقام مضطرب من حيث المبنى،ومن حيث ما فرّع عليه،و ظنّي انّ المقرّر لم يصل إلى مراد الشّيخ.و على كلّ حال:لا ينبغي الأشكال،في انّه لا يعتبر قصد التّوصّل في وقوع‏المقدّمة على صفة الوجوب،فانّ اعتبار القصد امّا ان يكون في العناوين القصديّةالّتي يتوقّف تحقّق عنوان المأمور به على القصد نظير التّعظيم و التأديب و غير ذلك من‏العناوين القصديّة،و امّا عن جهة قيام الدّليل على ذلك.و ليس المقام من العناوين‏القصديّة،و لا ممّا قام الدّليل عليه،فمن أين يجي‏ء اعتبار القصد في وقوع المقدّمة على‏صفة الوجوب؟و توهّم انّ الواجب هو عنوان المقدّمة،فلا بدّ من القصد إلى ذلك العنوان،و قصده انّما يكون بقصد التّوصّل إلى ذيها-و إلى ذلك ينظر بعض ما حكى عن الشّيخ‏(ره)في المقام-واضح الفساد،فانّ عنوان المقدّمة ليس موضوعا للحكم بل الموضوع‏للحكم هو الذات،و مقدّميتها انّما تكون علّة لثبوت الحكم على الذّات،فهي تكون‏من قبيل علل التّشريع.و بعبارة أوضح:جهة المقدّميّة انّما تكون من الجهات‏التّعليليّة لا التّقييديّة،و ليست المقدّميّة واسطة في العروض بل هي واسطة في‏الثّبوت.


289

و بالجملة:دعوى انّ الواجب هو الذّات المقيّدة بقصد التّوصّل أو عنوان‏المقدّمة ممّا لا يمكن المساعدة عليها،و هي من الشّيخ غريبة.هذا إذا أريد اعتبارقصد التّوصّل في مطلق المقدّمات.و امّا إذا أريد اعتبار ذلك في خصوص المقدّمة المحرّمة بالذات الّذي صارت‏مقدّمة لواجب أهمّ-كما ذكر شيخنا الأستاذ(مدّ ظلّه)انّ ببالي حكاية ذلك عن‏الشّيخ(قده)و انّه خصّ اعتبار ذلك في خصوص المقدّمة المحرّمة-فممّا يمكن ان‏يوجه بدعوى انّ وجوب المقدّمة حينئذ لمكان حكم العقل حيث زاحم حرمتها واجب‏أهمّ،و المقدار الّذي يحكم به العقل هو ما إذا أتى بها بقصد التّوصّل إلى الواجب‏الأهمّ،لا بقصد التّنزه و التّفرج و التّصرف في ملك الغير عدوانا،فانّ مثل ذلك يأبى‏العقل عن وجوبه.و لا يقاس ذلك بالمقدّمة المباحة،فان المقدّمة المباحة لمكان‏وجوبها لمجرّد توقّف واجب عليها و كان ما يتوقّف عليه هو الذّات،و حيث لم تكن‏الذّات مقتضية لشي‏ء بل كانت لا اقتضاء،فتكون الذات واجبة من دون اعتبارقصد التّوصل،لأنّ اللامقتضي لا يزاحم المقتضى.و امّا المقدّمة المحرّمة فوجوبها انّماهو لأجل المزاحمة،و إلاّ فالذّات بنفسها مقتضية للحرمة،و المقدار الّذي نرفع اليدعمّا يقتضيه الذّات من الحرمة هو صورة قصد التّوصّل بها إلى الواجب الأهمّ لا مط.هذا غاية ما يمكن ان يوجه به مقالة الشّيخ(قده)على تقدير اختصاص اعتبار قصدالتّوصّل بخصوص المقدّمة المحرّمة.و لكن مع ذلك لا يتم،لأنّ وجوب المقدّمة و ان كان لأجل المزاحمة إلاّ انّ‏المزاحمة انّما تكون بين الإنقاذ الّذي يتوقّف على التّصرف في ملك الغير و بين التّصرف‏في ملك الغير،و لا ربط لها بالقصد و عدم القصد.و بعبارة أخرى:التّصرّف المؤدّى إلى الإنقاذ واقعا هو الّذي يكون مزاحمالحرمة التّصرف في ملك الغير،لا التّصرف الّذي قصد به الإنقاذ،إذ لا يلزم التّصرف‏الّذي قصد به الإنقاذ ان يترتّب عليه الإنقاذ،و يرجع ح إلى تقييد حرمة التّصرّف‏بخصوص الصّورة الّتي لا يترتّب عليها الإنقاذ،و هو راجع إلى مسألة التّرتّب،على ماسيأتي بيانه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.


290

و امّا ما أفاده صاحب الفصول من اعتبار نفس التّوصّل فهو أوضح فسادا،فانّ اعتبار التّوصّل ان أخذ قيدا للوجوب،فيلزم ان يكون وجود ذي المقدمة من‏شرائط وجوب المقدمة،لأن قيدية التوصل انّما تحصل بحصول ذي المقدّمة،و هو كماترى يكون أردأ من طلب الحاصل،إذ يلزم ان يتأخّر الطّلب عن وجود المقدّمة و عن‏وجود ذيها المتأخّر عن وجودها،و لكن الظّاهر ان لا يكون هذا مراد صاحب‏الفصول،لأنّه يصرّح بأنّ التّوصّل يكون قيدا للواجب لا للوجوب،فلا يرد عليه ماذكرنا.نعم يرد عليه:انّه يلزم حينئذ ان يكون وجود ذي المقدّمة من شرائط وجودالمقدّمة،و ان لم يكن من شرائط وجوبها،إلاّ انّه لا فرق في الاستحالة،ضرورة انّه‏لا يعقل ان يكون وجود ذي المقدّمة من شرائط وجود المقدّمة لاستلزامه الدّور،فانّه‏يلزم ان يكون وجود كلّ من المقدّمة و ذي المقدّمة متوقّفا على الأخر.هذا مضافا إلى انّه يلزمه القول بمقدّميّة الذّات أيضا،فانّ المقدّمة ح تكون‏مركّبة من امرين:أحدهما الذّات،و الأخر قيديّة التّوصّل،و لو على وجه دخول‏التّقييد و خروج القيد،فتكون الذّات مقدّمة لحصول المقدّمة المركّبة،كما هو الشّأن‏في جميع اجزاء المركّب،حيث يكون وجود كلّ جزء مقدّمة لوجود المركّب.مثلا لوكان الوضوء الموصل إلى الصّلاة مقدّمة أو السّير الموصل إلى الحجّ مقدّمة،فذات‏الوضوء و السّير يكون مقدّمة للوضوء الموصل و السّير الموصل،و ان اعتبر قيد الإيصال‏فيه أيضا يلزم التّسلسل.و لا محيص بالأخرة من ان ينتهى إلى ما يكون الذّات‏مقدّمةفإذا كان الأمر كذلك،فلتكن الذّات من أوّل الأمر مقدّمة لذيها من دون‏اعتبار قيد التّوصّل.و بالجملة:انّ وصف التّوصّل للمقدّمة لمّا لم يكن منوّعا لها حال وجودها،نظير الفصول بالنّسبة إلى الأجناس،بل يكون متأخّرا عن وجودها،و يكون رتبةحصول الوصف رتبة وجود ذي المقدّمة،فلو اعتبر قيد التّوصل يلزم ما ذكرنا من‏المحاذير المتقدّمة.


291

و من الغريب‏1ما استدلّ به على مدّعاه بما حاصله:انّ العقل لا يأبى ان‏يقول الآمر الحكيم:أريد الحجّ و أريد المسير الّذي يتوصّل به إلى الحجّ،دون مالا يتوصّل به إليه،و الضّرورة قاضية بجواز تصريح الآمر بمثل ذلك.و ذلك لأنّ‏الكلام في إرادة المقدّمة الّتي تترشّح من إرادة ذيها،و معلوم:ان مناط إرادة المقدمةانما هو توقف ذيها عليها،بمعنى انّها لولاها لما أمكن التّوصّل إلى ذي المقدّمة،واستلزام عدمها عدم ذيها،و ليس مناط وجوب المقدّمة استلزام وجودها وجود ذيها،فانّ الشأن في غالب المقدّمات ليس كذلك،فانّ الملازمة بين الوجودين انّما يكون‏في العلّة التّامّة بحيث لا يمكن التّخلّف بينها و بين معلولها،فلو كان مناط وجوب‏المقدّمة هو استلزام وجودها لوجود ذيها يلزم القول بوجوب خصوص العلّة التّامّة،وصاحب الفصول لا يقول بذلك.فيظهر من ذلك:انّه ليس ملاك إرادة المقدّمة إلاّاستلزام عدمها عدم ذيها،و هذا الملاك مطّرد في جميع المقدّمات موصلها و غيرموصلها.فتحصّل:انّ الأمر المقدمي لا يدعو إلاّ إلى ما يلزم من عدمه عدم الواجب،فكلّ ما يعتبر زائدا على ذلك يكون خارجا عمّا يقتضيه الأمر المقدمي.و بذلك يظهر ما في استدلاله بجواز تصريح الآمر الحكيم بإرادة خصوص‏السّير الموصل إلى الواجب،فانّ التّصريح بذلك انّما يجوز إذا كان السّير واجبا نفسيامشروطا بشرط متأخّر،لما عرفت من انّ اعتبار التّوصّل ممّا لا يقتضيه الأمر المقدّمي،فاعتباره يكون امرا زائدا،و لا محالة يكون واجبا نفسيّا،فمجرّد جواز تصريح الآمربذلك لا يوجب ان يكون التّوصّل من مقتضيات الأمر المقدّمي،بل يكون من‏الواجبات النّفسيّة الخارجة عن محلّ الكلام،فالّذي يهمّ صاحب الفصول،هو إثبات‏1الفصول ص 87 قوله:«و أيضا لا يأبى العقل ان يقول الآمر الحكيم:أريد الحج و أريد المسير الّذي‏يتوصل به إلى فعل الحج له دون مالا يتوصل به إليه و ان كان من شأنه ان يتوصل به إليه،بل الضرورة قاضية بجوازالتصريح بمثل ذلك كما انها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيّتها له مطلقا أو على تقدير التوصل بها إليه،و ذلك‏آية عدم الملازمة بين وجوب الفعل و وجوب مقدمته على تقدير عدم التوصل بها إليه.»


292

انّ التّوصّل ممّا يقتضيه الأمر المقدّمي،و انّى له بإثبات ذلك بعد ما عرفت من انّ‏ملاك إرادة المقدّمة هو الاستلزام بين العدمين،لا الملازمة بين الوجودين.ثمّ انّه استدلّ صاحب الفصول‏1أيضا على عدم المانع من اعتبارخصوص المقدّمة الموصلة بجواز منع المولى من غيرها و قصر الرّخصة عليها،كما إذاقال:أنت مرخّص في التّصرّف في ملك الغير المؤدّى إلى إنقاذ الغريق و ممنوع عمّاعداه.و ردّ بمنع ذلك،و انّه ليس للمولى قصر الرّخصة على خصوص المقدّمة الموصلةلاستلزامه التّكليف بما لا يطاق و طلب الحاصل،لأنّ رتبة موصليّة المقدّمة رتبةحصول ذيها،فلا يمكن ان يريدها بهذا القيد،هذا.و لكن الإنصاف:انّه لو أغمضنا عمّا يرد على المقدّمة الموصلة من المحاذيرالمتقدّمة لم يتوجّه على استدلاله ما ذكر من الرّد،لأنّ قصر الرّخصة على خصوص‏المقدّمة الموصلة ممّا لا يلزم منه التّكليف بغير المقدور،لأنّه يكون من قبيل اشتراطالشّي‏ء بأمر متأخّر،فالتّوصّل و ان تأخّر وجوده عن وجود المقدّمة،و كان يحصل‏بالإنقاذ مثلا،إلاّ انّه أخذ شرطا في جواز المقدّمة،و هذا ممّا لا محذور فيه بعد ما كان‏الإنقاذ فعلا اختياريّا للمكلّف،فيكون شرطيّة التّوصّل كشرطيّة الغسل للصّوم،فلا يجوز له الدّخول إلاّ إذا كان من عزمه إنقاذ الغريق.و لا يرد على ذلك شي‏ء أصلا لو قطعنا النّظر عمّا تقدّم من محاذير المقدّمةالموصلة،و لكن لا يمكن قطع النّظر عن تلك المحاذير،فانّها لازمة على القول باعتبارقيد التّوصّل لا محالة.ثمّ انّه ربّما يوجه مقالة اعتبار المقدّمة الموصلة بما حاصله:انّه ليس المراد1نفس المصدر قوله:«و أيضا حيث ان المطلوب بالمقدمة مجرد التوصل بها إلى الواجب و حصوله فلاجرم يكون التوصل إليه و حصوله معتبرا في مطلوبيتها،فلا تكون مطلوبة إذا انفكت عنه،و صريح الوجدان قاض‏بأنّ من يريد شيئا لمجرد حصول شي‏ء آخر لا يريده إذا وقع مجردا عنه،و يلزم منه ان يكون وقوعه على الوجه المطلوب‏منوطا بحصوله.»


293

تقييد الواجب بخصوص الموصلة،بان يكون التّوصّل قيدا للواجب،بل يكون على‏وجه خروج القيد و التّقييد معا،و لكن مع ذلك لا تكون الذّات مط واجبة بل الذّات‏من حيث الإيصال،و المراد بالذّات من حيث الإيصال هو الذات في حال‏الإيصال،على وجه يلاحظ الآمر المقدّمة و ذا المقدّمة توأمين،من دون ان يكون‏أحدهما قيدا للآخر،بل يلاحظ المقدّمة على ما هي عليها من وقوعها في سلسلة العلّة،فانّه لو كانت سلسلة العلّة مركّبة من اجزاء فكلّ جزء انّما يكون جزء العلّة إذا كان‏واقعا في سلسلة العلّة لا واقعا منفردا،فانّ لحاظ حالة انفراده ينافى لحاظه جزء للعلّة،بل انّما يكون جزء العلّة إذا لوحظ على ما هو عليه من الحالة،أي حالة وقوعه في سلسلةالعلّة من دون ان تؤخذ سائر الأجزاء قيدا له،ففي المقام يكون معروض الوجوب‏المقدّمي هي الذات،لكن لا بلحاظ انفرادها،و لا بلحاظ التّوصّل بها،بان يؤخذالتّوصّل قيدا،بل بلحاظها في حال كونها ممّا يتوصّل بها أي لحاظها و لحاظ ذيها على‏وجه التّوأميّة.و بذلك يسلم عن المحاذير المتقدّمة،فانّ تلك المحاذير انّما كانت ترد على‏تقدير كون التّوصّل قيدا،و بعد خروج قيديّة التّوصّل لا يكون فيه محذور.و قد تقدّم‏ (1) نظير هذا الكلام في المعاني الحرفيّة،حيث كانت لصاحب الفصول في ذلك‏المقام عبارة خروج القيد و التّقييد معا،و قد وجّهنا مراده من ذلك في ذلك المقام بمالا مزيد عليه فراجع.فيمكن ان يكون المقام أيضا من باب خروج القيد و التّقييدمعا.و هذا و ان لم يمكن ان ينطبق عليه مقالة صاحب الفصول لتصريحه بأخذالتّوصّل قيدا،إلاّ انّه يمكن ان ينطبق عليه كلام‏ (2) أخيه المحقّق صاحب الحاشية،حيث انه قد تكرّر في كلامه نفى اعتبار قيد التّوصّل،و مع ذلك يقول انّ الواجب هوالمقدّمة من حيث الإيصال،فيمكن ان يكون مراده من قيد الحيثيّة ما ذكرنا من‏

1)قد مر توجيه ذلك في المقام الثاني من المبحث الأوّل ص 55

2)راجع هداية المسترشدين في شرح معالم الدين،الأمر الرابع من الأمور التي ذكرها في خاتمة بحث‏مقدمة الواجب.«قد يتخيّل ان الواجب من المقدمة هو ما يحصل به التوصل إلى الواجب دون غيره...»


294

خروج كلّ من القيد و التّقييد على وجه لا يستلزم الإطلاق أيضا هذا1.و لكن لا يخفى عليك،انّه ان كان المراد من الحيثيّة،و التّوأميّة،و الحاليّة،وغير ذلك ممّا شئت ان تعبر به،هو نفى التّقييد بالموصلة لحاظا و ان أوجب التّقييد بهانتيجة،فسيأتي انّ نتيجة التّقييد بالموصلة أيضا لا يمكن كالتّقييد اللّحاظي،و ان أريدنفى نتيجة التّقييد أيضا فمرجعه إلى انّ معروض الوجوب هي الذّات المهملةلا إطلاق فيها و لا تقييد لا لحاظا و لا نتيجة،فهو حقّ لا محيص عنه،فانّ امتناع التّقييدعين امتناع الإطلاق،لما سيأتي في محلّه من انّ التّقابل بين الإطلاق و التّقييد تقابل‏العدم و الملكة على ما هو الحقّ،أو تقابل التّضاد على ما هو المشهور قبل سلطان‏العلماء،حيث جعلوا الإطلاق امرا وجوديّا مدلولا للّفظ،و لأجل ذلك قالوا انّ‏التقييد يوجب المجازيّة و سيأتي ضعف ذلك في محلّه.و على كلا التّقديرين يكون‏امتناع التّقييد موجبا لامتناع الإطلاق،و ليس التّقابل بينهما تقابل السّلب والإيجاب،حتّى يقال:انّ امتناع أحدهما يوجب ثبوت الآخر لئلا يلزم ارتفاع‏النّقيضين.و بما ذكرنا ظهر فساد ما سلكه الشّيخ(قده)في المقام‏ (1) و غير الشّيخ،حيث قالوا بإطلاق القول بوجوب المقدّمة مط موصلة كانت أو غيرها،لمكان امتناع‏التّقييد بالموصلة،فجعلوا نتيجة امتناع التّقييد هو الإطلاق،مع انّك قد عرفت انّ ذلك‏لا يعقل،لأنّ امتناع التّقييد يوجب امتناع الإطلاق أيضا.و قد سلك الشّيخ‏قده‏ (2) هذا المسلك أيضا في مسألة امتناع اعتبار قصد القربة في متعلّق الأمر و1و لكن الظاهر انّ مراد المحقّق من الحيثيّة التّعليليّة،و يكون حيثية الإيصال علّة لعروض الوجوب على‏ذات المقدّمة و لو لم تكن موصلة،و ظنّي انّ المحقق يصرح بذلك منه.

1)راجع ما حققه الشيخ قدس سره في دفع مقالة صاحب الفصول من إطلاق القول بوجوب المقدمةلامتناع تقييده بالموصلة.مطارح الأنظار مباحث مقدمة الواجب،«هداية،زعم بعض الأجلّة...»ص 74

2)نفس المصدر.مبحث التعبدي و التوصلي ص 58 و قد نقلنا ما أفاده الشيخ قدس سره هناك،من‏عدم جواز التمسك بإطلاق الأمر عند الشك في تقييده بقصد القربة،لمكان امتناع تقييده به في هامش ص 158فراجع.


295

امتناع تقييد الأحكام بالعلم بها،حيث انّه استنتج الإطلاق من امتناع ذلك و قال:بأصالة التوصلية و اشتراك الأحكام بين العالم بها و الجاهل،و قد عرفت ان امتناع‏الإطلاق ملازم لامتناع التّقييد مط في المقام،و في مسألة اعتبار قصد القربة،و في‏مسألة العلم بالأحكام.نعم:بين المقام و بين المسألتين فرق،و هو انّ الممتنع في تينك المسألتين انّماهو الإطلاق و التّقييد اللّحاظي،لا نتيجة الإطلاق و التّقييد،فانّه بمكان من‏الإمكان،بل هو ثابت كما في مسألة الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام،حيث‏كان الحكم مخصوصا بالعلم به بنتيجة التّقييد،و فيما عدا ذلك كان الحكم يعمّ العالم‏و الجاهل بنتيجة الإطلاق لقيام الدّليل على كلّ ذلك.و امّا في المقام فلا يمكن فيه،لا الإطلاق و التّقييد اللّحاظيان،و لا نتيجة الإطلاق و التّقييد،بل معروض‏الوجوب يكون مهملا ثبوتا،و ذلك لأنّ خطاب المقدّمة انّما يتولّد من خطاب ذيها،فهو تابع لخطاب ذي المقدّمة،و يكون له ما يكون له،و لا يكون له ما لا يكون له،وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في مبحث التّرتّب،انّ كلّ خطاب لا يمكن ان يكون مط أومقيّدا بالنّسبة إلى حالتي حصول متعلّقه و عدم حصول أي حالتي إطاعته و عصيانه،فانّ ذلك لا يعقل لا بالإطلاق و التّقييد اللّحاظيين،و لا بنتيجة الإطلاق و التّقييد،بل يكون الخطاب من هذه الجهة مهملا ثبوتا ليس له تعرّض إلى ذلك،إذ الشّي‏ءلا يمكن ان يكون متعرّضا لحالة وجوده أو عدمه،و سيأتي برهان ذلك إن شاء اللّه‏تعالى،فإذا كان خطاب ذي المقدّمة بالنّسبة إلى حالة حصوله و عدم حصوله مهملا،فلا بدّ ان يكون خطاب المقدّمة بالنّسبة إلى حصول ذيها و عدم حصول ذيها أيضامهملا،قضيّة للتّبعيّة و التّرشّحيّة.و ليس خطاب المقدّمة مع خطاب ذيها خطابين،حتّى يقال:انّ الممتنع هوالإطلاق و التّقييد في كلّ خطاب بالنّسبة إلى متعلّق نفسه،و امّا بالنّسبة إلى متعلّق‏خطاب آخر فالإطلاق و التّقييد بمكان من الإمكان،فلا مانع من إطلاق أو تقييدخطاب المقدّمة بحصول متعلّق خطاب ذيها،و ربّما يختلج ذلك في جملة من الأذهان.و لكن لا يخفى ما فيه،فانّ الممكن هو إطلاق الخطاب أو تقييده بالنّسبة إلى‏


296

متعلّق خطاب آخر مغاير له،كإطلاق خطاب الصّلاة بالنّسبة إلى الصّوم و عدمه،وليس ما نحن فيه من هذا القبيل،لأنّ خطاب المقدّمة لم يكن مغاير الخطاب ذيها،لمكان التّولّد و التّبعيّة فلا بدّ ان يكون تابعا له فيما هو مهمل فيه،كما كان تابعا له في‏الإطلاق و الاشتراط،فإذا كان خطاب المقدّمة مهملا بالنّسبة إلى حصول ذيها وعدم حصوله،فلا يمكن تقييد المقدّمة بالموصلة الّتي هي بمعنى الحصول،و لا إطلاقهالا لحاظا و لا نتيجة.فتصل النّوبة ح إلى الخطاب التّرتّبي،و تكون حرمة المقدّمة فيماإذا كانت محرّمة و إباحتها فيما إذا كانت مباحة لو لا عروض وصف توقّف الواجب‏عليها مشروطة بعصيان خطاب ذي المقدّمة و عدم إنقاذ الغريق،فيتحقّق التّرتّب بين‏الخطاب الأصلي الّذي كان للمقدّمة،و بين خطاب ذيها المتولّد منه خطاب المقدّمة،و ببركة الخطاب التّرتّبي يرتفع ما ذكرناه من استبعاد كون مطلق التّصرّف في ملك‏الغير واجبا و لو لم يتوصّل به إلى إنقاذ الغريق.هذا تمام الكلام في المقدّمة الموصلة،و بعده لم يبق لنا من مباحث المقدّمةالواجبة ما يهمّنا البحث عنه،لأنّ أكثر المباحث الّتي تعرّضوا لها في مقدّمة الواجب‏قد تقدّم منّا الكلام فيها،نعم ينبغي ختم المسألة بذكر امرين:

الأمر الأوّل:

في الثّمرات الّتي رتّبوها على وجوب المقدّمة.فمنها:فساد العبادة إذا كانت ضدّا الواجب أهمّ،حيث انّ ترك تلك‏العبادة يكون مقدّمة لذاك الواجب،و على القول بوجوب المقدّمة يكون التّرك‏واجبا،فيكون الفعل منهيّا عنه فلا يصلح لأن يتقرّب به فيفسد،فلا تصح الصّلاة إذاتوقّف إزالة النّجاسة عن المسجد على تركها،لأنّ تركها يكون واجبا من باب كونه‏مقدّمة لإزالة النّجاسة،فيكون فعلها منهيّا عنه فلا تصح،هذا.و قد أشكل على هذه الثّمرة بما حاصله:انّه مبنيّ أوّلا:على ان يكون ترك‏أحد الضدّين مقدّمة لفعل الضّد الآخر،و سيأتي فساد ذلك.و ثانيا:انّه لا يتوقّف‏فساد العبادة على وجوب تركها من باب المقدّمة،بل لو لم نقل بوجوب المقدّمة أوبمقدّميّة التّرك لكانت العبادة فاسدة أيضا لمكان عدم الأمر بها،حيث انّ ضدّها و


297

هو الإزالة مثلا يكون مأمورا به،و لا يمكن الأمر بالضّدّين،فلا تكون الصّلاة مأمورابها،و عدم الأمر بها يكفى في فسادها.و سيأتي البحث عن ذلك إن شاء اللّه تعالى في‏مبحث الضّد.ثمّ انّ صاحب الفصول‏ (1) أنكر هذه الثّمرة على طريقته من القول بالمقدّمةالموصلة،و حاصل ما أفاده في وجه ذلك:هو انّ مطلق ترك الصّلاة مثلا لم يكن‏واجبا بالوجوب المقدّمي،حتّى يكون نقيضه-و هو فعل الصّلاة-منهيّا عنه،بل‏الواجب هو التّرك الموصل للإزالة،و مع فعل الصّلاة لا تحصل الإزالة،و مع عدم‏حصولها لا يكون ترك الصّلاة واجبا،و مع عدم وجوب تركها لا يكون فعلها منهيّاعنه،و مع عدم النّهى لا تفسد،هذا.و قد أشكل‏ (2) عليه الشّيخ(قده)على ما في التقرير بما حاصله:انّ فعل‏الصّلاة و ان لم يكن ح نقيض التّرك الموصل،لأنّ نقيض الأخصّ أعمّ كما انّ نقيض‏الأعمّ أخصّ،فنقيض التّرك الموصل هو ترك التّرك الموصل،و ترك التّرك الموصل‏له افراد،منها النّوم و الأكل و الشّرب،و منها الصّلاة،فالصّلاة تكون أحد افرادالنّقيض المنهيّ عنه،و معلوم انّ النّهى عن الكلّي يسرى إلى افراده،فتكون الصّلاةمنهيّا عنها،غايته انّه لا بخصوصها بل بما انّها من أحد افراد نقيض الواجب.و الحاصل انّه لو كان مط ترك الصّلاة واجبا بالوجوب المقدّمي لإزالةالنّجاسة،فنقيض مط التّرك ترك التّرك و هو متّحد خارجا مع فعل الصّلاة،فتكون‏الصّلاة بما انّها نقيض التّرك الواجب منهيّا عنها.و امّا لو كان التّرك الخاصّ واجباإلى التّرك الموصل للإزالة،فنقيض التّرك الموصل هو ترك الترك الموصل،و هوالّذي يكون منهيّا عنه لكونه نقيض الواجب،و ترك التّرك الموصل المنهيّ عنه له افراد،

1)الفصول-مسألة الضد«إذا تقرر هذا فاعلم ان جماعة زعموا ان ثمرة النزاع في الضد الخاصّ‏تظهر...»ص 96

2)مطارح الأنظار،مبحث مقدمة الواجب،تذنيب،«إذا تقرر ذلك نقول:ان الترك الخاصّ نقيضه‏رفع ذلك الترك...»ص 76


298

منها الصّلاة،فتكون الصّلاة منهيّا عنها.فلا فرق في فساد الصّلاة بين ان نقول مط التّرك‏واجب،أو خصوص التّرك الموصل-بعد البناء على مقدميّة ترك أحد الضّدين‏لفعل الضّد الأخر-هذا.و قد أورد عليه المحقّق الخراسانيّ ره‏ (1) في كفايته بما حاصله:انّه فرق بين‏القول بوجوب مط التّرك و بين القول بوجوب التّرك الموصل،فانّه على الأوّل يكون‏نقيضه ترك التّرك،و ترك التّرك و ان كان مفهوما غير الصّلاة،إلاّ انّه خارجا عين‏الصّلاة،لأنّ ترك ترك الصّلاة ليس هو إلاّ عبارة عن الصّلاة.و هذا بخلاف ما إذاكان التّرك الخاصّ واجبا،فانّ نقيض التّرك الخاصّ ترك التّرك الخاصّ،و الصّلاةليست من افراد هذا النّقيض بحيث يحمل عليه بالحمل الشّائع الصّناعي و تتّحد معه‏خارجا،بل هي من المقارنات،فانّ رفع التّرك الخاصّ قد يجامع فعل الصّلاة و قدلا يجامعها،كما إذا ترك الصّلاة و الإزالة معا،و معلوم انّ النّهي عن شي‏ء لا يسرى‏إلى ما يلازمه فضلا عمّا يقارنه،هذا.و قد ارتضى شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه ما ذكره‏المحقّق في المقام و استجوده،فتأمل.و منها:برء النّذر بإتيان مقدّمة الواجب عند نذر الواجب بناء على القول‏بوجوب المقدّمة،هذا.و لكن لا يخفى انّ مسألة برء النّذر لا تصلح ان تكون ثمرة للمسألة الأصوليّة،لأنّ ثمرتها ما تقع في طريق الاستنباط،و تكون كبرى قياس الاستنباط،و مسألة برءالنذر هي بنفسها حكم فرعيّ،مع انّ البرء يتبع قصد النّاذر،فقد يقصد نذر الواجب‏النّفسي فلا يحصل بفعل الواجب المقدّمي،و قد لا يقصد ذلك.و منها:حصول الفسق عند ترك واجب له مقدّمات عديدة،حيث يحصل‏به الإصرار،لمكان ترك عدّة واجبات بناء على وجوب المقدّمة.و فيه،انّ الواجب مهما تعدّدت مقدّماته ليس فيه إلاّ عصيان واحد و إطاعةواحدة،و يكون تركه بترك أوّل مقدّمة له،حيث يمتنع الواجب ح عليه فلا يحصل‏

1)كفاية الأصول،الجلد الأول«قلت:و أنت خبير بما بينهما من الفرق...»ص 193


299

الإصرار.و منها:صلاحية وقوع التّعبّد بها،بناء على وجوبها و ذلك بقصد امرها.و فيه،انه قد تقدّم انّ الأمر الغيري يكون التّعبد به بتعبّد امر ذي المقدّمة،وليس هو بما انّه امر غيريّ ممّا يتعبّد به ما لم يرجع إلى التعبد بأمر ذيها.و منها:عدم جواز أخذ الأجرة عليها،بناء على عدم جواز أخذ الأجرة على‏الواجبات.و فيه،انّه ليس مط الواجب ممّا لا يجوز أخذ الأجرة عليه،بل تختلف‏الواجبات في ذلك،فربّما يكون الواجب هو الفعل بمعناه المصدري فيجوز أخذ الأجرةعليه،و ربّما يكون الواجب هو الفعل بمعناه الاسم المصدري فلا يجوز أخذ الأجرةعليه،على ما أوضحناه في محلّه،و جواز أخذ الأجرة على المقدّمات يتبع وجوب ذي‏المقدّمة،فلو كان الواجب فيها هو الفعل بمعناه الاسم المصدري لا يجوز أخذ الأجرةحتّى على مقدّماتها،لأنّه قد خرجت المقدّمات عن تحت سلطانه،و لو لمكان اللابديّةالعقليّة،فتكون الإجارة عليها من قبيل و هب الأمير ما لا يملك.و ان كان الواجب‏في ذي المقدّمة هو الفعل بمعناه المصدري يجوز أخذ الأجرة على مقدّماتها و لو قلنابوجوبها،لأنّ وجوبها لا يزيد على وجوب ذيها،كما لا يخفى.و منها:ما نسب إلى الوحيد البهبهاني رحمه الله من لزوم اجتماع الأمر و النّهي على‏القول بوجوب المقدّمة،فيما إذا كانت المقدّمة محرّمة.و قد أورد عليه:بأنه لا يكون من ذاك الباب،بل من باب النّهي في‏العبادة أو المعاملة.و الإنصاف انّ ما نسب إلى الوحيد بإطلاقه غير تامّ،و كذا ما أوردعليه،و توضيح ذلك:هو انّه تارة:تكون المقدّمة في نوعها محرّمة بحيث لا يكون‏للمكلّف مندوحة،كما إذا انحصر الإنقاذ بالتّصرّف في ملك الغير،ففي مثل هذا يقع‏التّزاحم بين وجوب الإنقاذ و حرمة التّصرف،و ينبغي مراعاة الأهمّ أو سائرمرجّحات باب التّزاحم،و لا يندرج هذا إلاّ في باب اجتماع الأمر و النّهي،لا في‏باب النّهي من العبادة أو المعاملة.و أخرى:لا تكون المقدّمة في نوعها محرّمة بل كان‏لها افراد مباحة،فتارة:يرد النّهي عن فرد منها بالخصوص،كما إذا نهى عن سير


300

خاصّ للحجّ،فهذا يندرج في باب النّهي عن العبادة ان كانت المقدّمة عباديّة،أوالمعاملة ان لم تكن كذلك.و أخرى:لا يرد النّهي عن فرد منها بالخصوص،بل كان المنهيّ عنه عنواناكليا انطبق على بعض افراد المقدّمة،كما في السّير على الدّابة المغصوبة في الحجّ،حيث انّ الواجب بالوجوب المقدّمي هو السّير الّذي له افراد و المنهيّ عنه هو الغصب‏الّذي له افراد أيضا،و قد اجتمع كلّ من عنوان الواجب و الحرام في السّير على الدّابةالمغصوبة،فهذا يكون من باب اجتماع الأمر و النّهي،و ليس من باب النّهي عن‏العبادة أو المعاملة،و لا يتوقّف اندراجه في باب الاجتماع على ان يكون الواجب‏بالوجوب المقدمي هو عنوان المقدمة حتى يمنع عن ذلك بل يكفى ان يكون الواجب‏عنوانا كليّا ذا افراد،كالمثال المتقدّم فتأمل جيّدا.ثمّ انّه لا ثمرة في إدراج المسألة بباب اجتماع الأمر و النّهي،فانّه ان‏كانت المقدّمة توصّليّة فالغرض منها يحصل بمجرّد فعلها،قلنا بوجوب المقدّمة أو لم‏نقل،قلنا بجواز اجتماع الأمر و النّهي أو لم نقل.و ان كانت عباديّة فلمّا كان‏وجوبها مترشّحا عن وجوب ذيها و كان لها افراد مباحة فالوجوب انّما يترشّح إلى‏المقدّمة المباحة لا محالة،و معه لا يصح التّعبد بها على كلّ حال،فتأمل.

الأمر الثّاني:

لا أصل في وجوب المقدّمة عند الشّك،لا من حيث المسألة الأصوليّة،و لامن حيث المسألة الفقهيّة.امّا من حيث المسألة الأصوليّة،فلأنّ البحث فيها من هذه‏الحيثيّة انّما كان في الملازمة و عدمها،و معلوم:انّ الملازمة و عدم الملازمة ليست‏مجرى لأصل من الأصول،لعدم الحالة السّابقة لها،بل ان كانت فهي أزليّة،و ان لم‏تكن فكذلك.و امّا من حيث المسألة الفقهيّة،فلأنّ وجوب المقدّمة و ان لم يكن عند عدم‏وجوب ذيها،فتكون بهذا الاعتبار مجرى للاستصحاب عند وجوب ذيها و الشّك في‏وجوبها،إلاّ انّه لا أثر لهذا الاستصحاب بعد ما فرض كونها مقدّمة و انّه ممّا لا بدّمنها،لمكان التّوقّف.


301

و الحاصل:انّه بعد ما تقدّم من انّه لا يترتّب على البحث في وجوب المقدّمةثمرة عمليّة أصلا،بل كان البحث علميا صرفا،فلا تكون المسألة مجرى لأصل من‏الأصول،بعد ما كانت الأصول مجعولة في مقام العمل،و ذلك واضح.هذا تمام الكلام في مقدّمة الواجب.و الحمد للّه أوّلا و آخرا و الصّلاة على‏محمّد و آله.و قد وقع الفراغ من تسويده ليلة الحادي عشر من شهر ذي القعدة.

القول في اقتضاء الأمر بالشّي‏ء النّهي عن ضدّه‏

و تنقيح البحث فيه يستدعى تقديم أمور

الأمر الأوّل:

لا إشكال في انّ المسألة من مسائل الأصول،و ليست من المبادي‏الأحكاميّة،و ان كان فيها جهتها،إلاّ انّ مجرّد ذلك لا يكفى في عدّها من المبادي بعدما كان نتيجتها تقع في طريق الاستنباط،على ما تكرّر منّا في ضابط المسألةالأصوليّة.

الأمر الثّاني:

ليست المسألة من المباحث اللّفظيّة،لوضوح انّ المراد من الأمر العنوان‏الأعمّ من اللّفظي و اللّبي المستكشف من الإجماع و نحوه،بل هي من المباحث‏العقليّة،و ليست من المستقلاّت العقليّة،بل هي من الملازمات-على ما تقدّم شرح‏ذلك في أوّل البحث عن وجوب المقدّمة-و ذكرها في المباحث اللّفظيّة لكون الغالب‏في الأوامر كونها لفظيّة.

الأمر الثّالث:

المراد من الاقتضاء في العنوان الأعمّ من كونه على نحو العينيّة،أو التّضمّن،أو الالتزام بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ،لأنّ لكلّ وجها بل قائلا.كما انّ المراد من‏الضّد ليس خصوص الأمر الوجوديّ،و ان كان الظّاهر منه ذلك،بل المراد منه‏مطلق المعاند الشّامل:للنّقيض بمعنى التّرك،و للأمر الوجوديّ الخاصّ المعبّر عنه‏


302

بالضّد الخاصّ،و للقدر المشترك بين الأضداد الوجوديّة ان كان للشّي‏ء أضدادمتعدّدة،و هو المعبّر عنه بالضّد العامّ في كلام جملة.إذا عرفت ذلك،فنقول:

البحث يقع في مقامين:

المقام الأوّل‏

في اقتضاء الأمر النّهي عن ضدّه بمعنى النّقيض،و الظاهر انّه لا خلاف في‏اقتضائه،انّما الكلام في كيفيّة الاقتضاء.فربّما قيل:انّه بنحو العينيّة،و انّ الأمر بالصّلاة عين النّهي عن تركها،لأنّ النّهي عن التّرك عبارة عن طلب ترك التّرك،و هو عين طلب الفعل خارجا،حيث انّه لا فرق بين ان يقول:صلّ،و بين ان يقول:لا تترك الصّلاة،فانّ العبارتين‏تؤدّيان معنى واحدا،و هو طلب وجود الصّلاة في الخارج،هذا.و لكن لا يخفى ضعفه،فانّه ان كان المراد من عدم الفرق بين العبارتين:انّهمايكونان بمنزلة الإنسان و البشر لفظين مترادفين،و كان ما بإزاء أحدهما عين ما بحذاءالآخر مفهوما و خارجا،ففساده غنيّ عن البيان،لوضوح انّ مدلول لا تترك الصّلاةأو أطلب منك ترك ترك الصّلاة غير مدلول صلّ،لأنّ معاني مفردات تلك الجملة غيرمعنى جملة صلّ،فلا يكون هناك اتّحاد مفهومي.و ان كان المراد:انّ النّتيجة واحدةو المقصود هو طلب وجود الصّلاة،فهو ممّا لا ينفع القائل بالعينيّة،فانّ حديث‏العينيّة ان يكون قوله:صلّ-عين قوله:لا تترك الصّلاة،و ذلك لا يكون إلاّ بدعوى‏الاتّحاد المفهومي،و قد عرفت انّه ممّا لا سبيل إلى دعواه.و ربّما قيل:انّه بنحو التّضمّن،بتوهّم انّ معنى الوجوب مركّب من الإذن‏في الفعل مع المنع من التّرك،فيدلّ على المنع من التّرك تضمّنا.و فيه،انّه ليس معنى الوجوب مركّبا بل هو بسيط بالهويّة لا تركيب فيه‏أصلا،و انّما الوجوب عبارة عن مرتبة من الطّلب،و بذاته يمتاز عن الاستحباب،بل‏قد تقدّم في أوّل الأوامر (1) انّه ليس الفرق بين الوجوب و الاستحباب باختلاف‏

1)بحث الأوامر-الأمر الخامس ص 134


303

المرتبة أيضا،و انّما الوجوب حكم عقليّ،و الشدّة و الضعف انّما تكون في‏ملاكات الأحكام لا في نفسها،فراجع.فلا دعوى العينيّة تستقيم و لا دعوى‏التّضمّن.نعم:لا بأس بدعوى اللّزوم بالمعنى الأخصّ،حيث انّ نفس تصوّر الوجوب‏و الحتم و الإلزام يوجب تصوّر المنع من التّرك و الانتقال إليه،و ذلك معنى اللازم‏بالمعنى الأخصّ.و الحاصل:انّه سواء قلنا:بأنّ الوجوب عبارة عن مرتبة شديدة من الطّلب،أو قلنا:بأنّ الوجوب عبارة عن حكم العقل بلزوم الانبعاث من بعث المولى،يلزمه‏المنع من التّرك،كما لا يخفى.و على كلّ حال الأمر في ذلك سهل،لأنّ الظّاهر عدم‏ترتّب ثمرة عمليّة على ذلك،كما هو واضح.

المقام الثّاني‏

في اقتضاء الأمر للنّهي عن ضدّه الوجوديّ،سواء كان الضّد الخاصّ،أوالقدر المشترك بين الأضداد الوجوديّة.فقد قيل:بالاقتضاء أيضا على نحو العينيّة،أوالاستلزام بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ،على اختلاف الأقوال في ذلك.نعم:لا يعهد القول بالتّضمّن في هذا المقام،و لا سبيل إلى دعواه.و الأقوى‏في هذا المقام عدم الاقتضاء مطلقا.و قد استدلّ القائل بالاقتضاء بوجهين:الوجه الأوّل:استلزام وجود الضّدّ المأمور به لعدم الضّدّ الآخر ان كان‏الضّدان ممّا لا ثالث لهما،و لعدم كلّ من الأضداد الأخر ان كان هناك ثالث،لوضوح انّه لا يمكن الجمع بين الضّدين أو الأضداد في الوجود،فوجود كلّ ضدّ يلازم‏عدم الأضداد الأخر،و المتلازمان لا بدّ ان يكونا متوافقين في الحكم،فلو كان أحدالضّدين واجبا لا بدّ ان يكون عدم الأخر أيضا واجبا،قضيّة للتّوافق،فإذا كان عدمه‏واجبا كان وجوده محرما،فيثبت المقصود من كونه منهيّا عنه،هذا.و فيه،انّ المتلازمين لا يلزم ان يكونا متوافقين في الحكم،بل الّذي لا بدّ منه‏هو ان لا يكونا متخالفين في الحكم،بان يكون أحد الضّدين واجبا و الأخر محرّما،و


304

إلاّ كان بين الدّليلين تعارض ان كانت الملازمة دائميّة،و ان كانت اتّفاقيّة كان من‏التزاحم.و بالجملة،حديث الملازمة لا يقتضى أزيد من عدم المخالفة بين حكمي‏المتلازمين،و امّا التّوافق،فلا،بل يمكن ان لا يكون أحد المتلازمين محكوما بحكم‏ملازمه أصلا هذا.و لكن يمكن ان يقال:في الضدين الّذين لا ثالث لهما،كالحركة والسّكون،و الاجتماع و الافتراق(بناء على ان يكون السّكون و الافتراق وجوديّين)انّ الأمر بأحد الضّدين يلازم الأمر بعدم ضدّه الأخر،فانّ الحركة و ان لم تكن‏مفهوما عين عدم السّكون،و لا الاجتماع عين عدم الافتراق مفهوما،إلاّ انّه خارجايكون عدم السّكون عبارة عن الحركة،و عدم الافتراق عبارة عن الاجتماع بحسب‏المتعارف العرفي،و ان كان بحسب العقل ليس كذلك،لوضوح انّه عقلا لا يكون‏عدم السّكون عين الحركة،بل يلازمها،فانّ العدم لا يتّحد مع الوجود خارجا ولا يكون هو هو مفهوما و عينا،و لكن بحسب المتعارف العرفي يكون الحركة عبارة عن‏عدم السّكون،و يكون الأمر بأحدهما امرا بالآخر،بحيث لا يرى العرف فرقا بين ان‏يقول-تحرّك-و بين ان يقول-لا تسكن-و يكون مفاد إحدى العبارتين عين مفادالأخرى،فيكون حكم الضدين الذين لا ثالث لهما حكم النقيضين،من حيث ان الأمربأحدهما امر بعدم الآخر،و ان كان في النّقيضين أوضح من جهة انّ عدم العدم في‏النّقيضين هو عين الوجود خارجا،و ليس الأمر في الضّدين كذلك،إلاّ انّ العرف‏لا يرى فرقا بينهما،و الأحكام انّما تكون منزلة على ما هو المتعارف العرفي،فدعوى انّ‏الأمر بالشّي‏ء يقتضى النّهي عن ضدّه الخاصّ فيما لا ثالث لهما ليس بكلّ البعيد،وامّا فيما كان لهما ثالث فالأمر بأحد الأضداد لا عقلا يلازم النّهي عن الأضداد الأخرو لا عرفا،إذ لا يكون صلّ بمعنى لا تبع مثلا و لا بمعنى لا تأكل حتّى عند العرف.و توهّم انّه و ان لم يقتض النّهي عن كلّ واحد من الأضداد الوجوديّةبخصوصه عرفا،إلاّ انّه يقتضى النّهي عن الجامع بين أضداده الوجوديّة،فانّ الضّدالمأمور به مع ذلك الجامع يرجع إلى الضّدين الّذين لا ثالث لهما،فيكون ذلك الجامع‏


305

منهيّا عنه،و لمكان انطباق ذلك الجامع على كلّ واحد من الأضداد الوجوديّة يسرى‏النّهي إلى كلّ واحد من تلك الأضداد،لسراية النّهي أو الأمر المتعلّق بالكليّ إلى‏افراده،فيكون كلّ واحد من تلك الأضداد الوجوديّة منهيّا عنه،غايته انّه‏لا بخصوصه،بل لمكان انطباق المنهيّ عنه عليه،فيصح ان يقال:انّ الأمر بالشّي‏ءيقتضى النّهي عن ضدّه الخاصّ مط،سواء كان الضدّان ممّا لا ثالث لهما أو لم يكن‏فاسد.فانّه يرد عليه:أوّلا:انّ هذا الجامع ليس من الأمور المتأصّلة الّتي يتعلّق بها التّكليف‏كالكلّي الطّبيعي،بل هو من الأمور الانتزاعيّة،و النّهي عن الجامع الانتزاعيّ‏يكون نهيا عن منشأ الانتزاع،و منشأ الانتزاع في المقام ليس إلاّ الأضداد الخاصّة،ولا ملازمة بين الأمر بالشّي‏ء و النّهي عن شي‏ء منها.و ثانيا:انّ النّهي عن كلّ جامع و كلّي انّما يكون بلحاظ المرآتيّة لما ينطبق‏عليه في الخارج،كما انّ الأمر بكلّ جامع يكون كذلك،وضوح انّ الكلّي بما هو هومن غير لحاظه مرآة لما في الخارج لا يتعلّق به امر و لا نهى،لأنّه كلّي عقليّ لا موطن له‏إلاّ العقل و يمتنع امتثاله،و في المقام يكون المرئي بذلك الجامع انّما هو الأضدادالخاصّة،و الأمر بشي‏ء لا يلازم النّهي عن شي‏ء منها كما هو واضح.فتأمل،فانّ ماأفاده مدّ ظلّه في المقام لا يخلو عن إشكال.هذا كلّه،إذا كان بين الشّيئين تناقض أو تضادّ،و قد عرفت انّ الأمربالشّي‏ء يقتضى النّهي عن النّقيض باللازم بالمعنى الأخصّ،و يقتضيه بالنّسبة إلى‏الضّدين الّذين لا ثالث لهما باللازم بالمعنى الأعمّ،حيث لم يكن بوضوح النّقيض كماعرفت،و في الضّدين و الّذين لهما ثالث لا يقتضيه أصلا.و امّا فيما إذا كان بين‏الشّيئين عدم و ملكة فالظّاهر انّه ملحق بالنّقيضين في الموضوع القابل لهما،حيث انّ‏الأمر بأحدهما يلازم النّهي عن الآخر باللزوم بالمعنى الأخصّ،فالأمر بالعدالة يلزمه‏النّهي عن الفسق،كما لا يخفى.


306

الوجه الثّاني:من الوجهين الّذين استدل بهما القائل باقتضاء الأمر بالشّي‏ء للنّهي عن ضدّه‏الخاصّ،هو مقدّميّة عدم أحد الضّدين لوجود الضّد الأخر،فيكون عدمه واجبالوجوب مقدّمة الواجب،فيكون وجوده منهيّا عنه و هو المقصود.امّا وجه كون عدم‏الضّد مقدّمة لوجود الآخر،فلما بين المتضادّين من التّمانع،و معلوم انّ عدم المانع من‏اجزاء علّة وجود الشّي‏ء،و حيث انجرّ الكلام إلى ذلك،فلا بأس بالإشارة إلى مسألةمقدّميّة ترك أحد الضّدين للآخر الّتي وقعت معركة للآراء بين المتقدّمين والمتأخّرين.فنقول:الأقوال في هذه المسألة على ما يظهر منهم خمسة:1-قول بمقدّمية وجود أحد الضدين لعدم الآخر و مقدمية عدم أحدهمالوجود الآخر،فتكون المقدمية من الطرفين و هذا هو الّذي ينسب إلى الحاجبي والعضدي.2-و قول بمقدّميّة عدم أحد الضّدين لوجود الآخر و لا عكس،و هذا هوالّذي ينسب إلى المحقّق القمّي،و صاحب الحاشية،و السبزواري و غيرهم،و على‏ذلك بنوا اقتضاء الأمر بالشّي‏ء للنّهي عن ضدّه الخاصّ.3-و قول بمقدّميّة الوجود للعدم و لا عكس،و عليه يبتنى شبهة الكعبي من‏نفى المباح.4-و قول بنفي المقدّميّة من الجانبين لا مقدّمية الوجود للعدم و لا مقدميةالعدم للوجود و هذا هو الّذي اختاره بعض المحققين و الّذي ينبغي البناء عليه،على ما سيأتي.5-و قول بالتّفصيل بين الضّد الموجود فيتوقّف وجود الآخر على رفع‏الموجود و عدمه فيكون عدم الضّد الموجود من اجزاء علّة وجود الضّد الآخر،و بين‏ما لم يكن أحد الضّدين موجودا،فانّه لا توقّف ح من الجانبين.امّا القول الأوّل،ففساده غنيّ عن البيان،لاستلزامه الدّور الّذي لا يخفى‏على أحد.و امّا القول الثاني،فقد عرفت انّ عمدة استدلالهم عليه هو تمانع الضّدين‏


307

و ان عدم المانع من اجزاء علّة وجود الشّي‏ء،و توضيح فساده يتوقّف على بيان المرادمن المانع الّذي يكون عدمه من اجزاء العلّة.فنقول:المانع هو ما يوجب المنع عن رشح المقتضى،بحيث انّه لولاه لأثرالمقتضى اثره من إفاضته لوجود المعلول،فيكون الموجب لعدم الرّشح و الإفاضة هووجود المانع،و هذا المعنى من المانع لا يتحقّق إلاّ بعد فرض وجود المقتضى بما له من‏الشّرائط فانّه عند ذلك تصل النّوبة إلى المانع،و يكون عدم الشّي‏ء مستندا إلى وجودالمانع،و امّا قبل ذلك فليس رتبة المانع،لوضوح انّه لا يكون الشّي‏ء مانعا عند عدم‏المقتضى أو شرطه،فلا يقال للبلّة الموجودة في الثّوب انها مانعة عن احتراق الثّوب إلاّبعد وجود النار و تحقّق المجاورة و المماسة بينها و بين الثّوب،فحينئذ يستند عدم احتراق‏الثّوب إلى البلّة الموجودة فيه،و امّا مع عدم النّار أو عدم المجاورة فيكون عدم‏الاحتراق مستندا إلى عدم المقتضى أو شرطه،فانّ الشّي‏ء يستند إلى أسبق علله،و لايصح إطلاق المانع على البلّة مع عدم وجود النّار،فرتبة المانع متأخّرة عن رتبةالمقتضى و الشّرط و لا يقال للشّي‏ء انّه مانع إلاّ بعد وجود المقتضى و الشّرط،فكما انّ‏المعلول مترتّب على علته بجميع اجزائها فيقال:وجدت العلّة فوجد المعلول و يتخلّل‏بينهما فاء الترتّب،كذلك اجزاء العلّة من المقتضى و الشّرط و عدم المانع تكون‏مترتّبة،فيقال:وجد المقتضى فوجد شرطه فلم يكن ما يمنعه،فالشرط و المانع متأخران‏عن المقتضى،و المانع متأخر عن الشرط أيضا.و مرادنا من ترتّب اجزاء العلّة ليس‏ذواتها في الوجود فانّ ذلك واضح البطلان،لوضوح انّه يمكن وجود ذات البلةفي الثّوب قبل وجود النّار،كما انّه يمكن وجود النّار و المجاورة دفعة واحدة،بل مرادنامن التّرتّب في الاستناد و التّأثير على وجه يصح إطلاق الشّرط أو المانع على الشّي‏ء،و قد عرفت التّرتب في التأثير و صحّة الإطلاق و انّه لا يصح إطلاق كون الشي‏ء شرطاأو مانعا إلاّ بعد وجود المقتضى.إذا عرفت ذلك،فاعلم انه ممّا يتفرّع على ما قلناه من تأخّر رتبة المانع عن‏المقتضى و الشّرط،هو عدم إمكان جعل أحد الضّدين شرطا و الآخر مانعا،و انّ‏مثل هذا الجعل ممتنع،كما استقصينا الكلام في ذلك في رسالة اللّباس المشكوك عند


308

بيان كون اللّباس من محلّل الأكل شرطا أو انّ كونه من محرّم الأكل مانعا،حيث‏أوضحنا بما لا مزيد عليه في ذلك انّه لا يمكن الجميع بين هذين الجعلين فراجع‏ (1) .و ممّا يتفرّع على ما قلناه:من تأخّر رتبة المانع عن وجود المقتضى و الشّرط،هوعدم إمكان مانعيّة وجود أحد الضّدين للآخر،لأنّ مانعيّة وجود أحدهما لوجود الآخرانّما يمكن بعد فرض وجود المقتضى لكلا الضّدين،لأنّ كون وجود أحدهما مانعالا يكون إلاّ بعد تحقّق علّته التّامّة من المقتضى و الشّرط و عدم المانع،حتّى يتحقّق‏له وجودا ليكون مانعا من وجود الآخر،فالمقتضى لهذا الضّد الّذي فرض مانعا لا بدّان يكون موجودا،ثمّ فرض مانعيّة هذا الضّد للضّد الأخر لا يكون إلاّ بعد وجودمقتضية،لما تقدّم من انّه لا يكون الشّي‏ء مانعا عن وجود الشّي‏ء إلاّ بعد وجود مقتضى‏ذلك الشّي‏ء،ففرض مانعيّة أحد الضّدين للآخر لا يكون إلاّ بعد فرض وجود المقتضى‏لكلّ من الضّدين و ذلك محال.لأنّه كما لا يمكن اجتماع الضّدين،كذلك لا يمكن‏اجتماع مقتضى الضّدين لمضادّة مقتضيهما أيضا،و بعد عدم إمكان اجتماع مقتضى‏الضّدين لا يمكن كون أحدهما مانعا عن الآخر،لما عرفت من توقّف المانعيّة على‏ذلك،فالمانعيّة موقوفة على فرض محال،و هو اجتماع كلّ من مقتضى الضّدين،من‏غير فرق بين المقتضيات التّكوينيّة الخارجة عن القدرة و الإرادة و بين المقتضيات‏الإراديّة،فانّ تعلّق الإرادة بإيجاد كلّ من الضّدين محال،سواء كانت إرادة شخص‏واحد أو إرادة شخصين،فانّ المقتضى في الشّخصين يكون هو الإرادة القاهرة والغالبة على إرادة الأخر،فتخرج الإرادة المغلوبة عن كونها مقتضية فعلا،فلا يمكن‏وجود المقتضى لكلّ من الضّدين مط.و من الغريب انّ المحقّق الخوانساري،و المحقّق صاحب الحاشية،قد حاولادفع الدّور الوارد على القول بمقدميّة عدم أحد الضّدين لوجود الآخر-على ما سيأتي‏بيانه-بذلك،أي بامتناع اجتماع المقتضيين للضّدين،و مع ذلك ذهبا إلى المقدّميّة،و

1)راجع ما ألّفه المحقق النائيني قدس سره في حكم اللباس المشكوك فيه المطبوع في آخر الجزء الثاني‏من كتاب«منية الطالب في حاشية المكاسب»،الأمر الثالث من مقدمة البحث،ص 243


309

الحال انّ ما دفعا به الدّور يهدم أساس المقدّميّة،لما عرفت من انّ امتناع اجتماع‏المقتضيين يوجب ان لا يكون وجود أحد الضّدين مانعا عن وجود الأخر،فلا يكون‏عدمه من اجزاء علّة وجوده،فلا يجتمع القول بالمقدّميّة مع القول بامتناع اجتماع‏المقتضيين.و على كلّ حال،فقد ظهر لك انّه لا سبيل إلى القول بمقدّميّة عدم أحدالضّدين لوجود الأخر.هذا كلّه،مضافا إلى ما يرد على القول بالمقدميّة من لزوم الدّور،فانّه لو كان‏عدم أحد الضّدين مقدّمة لوجود الآخر،كان وجود أحد الضّدين علّة لعدم الآخر،و ذلك لأنّه لا موجب لدعوى مقدميّة العدم للوجود إلاّ كون وجود أحدهما مانعا عن‏وجود الآخر ليكون عدمه من اجزاء العلّة،فإذا كان وجود أحد الضّدين مانعا عن‏وجود الأخر،فيكون علّة لعدم الأخر،لأنّ كلّ مانع يكون سببا لعدم ما لولاه لوجد،فيلزم ان يكون وجود أحد الضّدين علّة لعدم الآخر و عدم أحدهما من اجزاء علّةوجود الآخر و ان لم يكن تمام علّته،إلاّ انّه لا فرق في الاستحالة و لزوم الدّور بين ان‏يكون كلّ من طرفي التّوقّف علّة تامّة للآخر،و بين ان يكون أحدهما علّة تامّة والآخر جزء العلّة كما في المقام،حيث انّ وجود أحد الضّدين علة تامّة لعدم الأخرلكونه مانعا،و عدم أحد الضّدين من اجزاء علّة وجود الآخر لكونه من قبيل عدم‏المانع الّذي هو جزء العلّة،فالقول بمقدّميّة العدم للوجود موجب للدّور المحال.و قد أجيب عن هذا الدّور بوجوه:أحدهما:ما حكى عن المحقّق الخوانساري و صاحب الحاشية1من‏إمكان منع مانعيّة أحد الضّدين لوجود الآخر حتّى يكون علّة لعدمه،لأنّ مانعيته له‏1حكاه الشيخ قدس سره في التقريرات،راجع مطارح الأنظار،الهداية الثانية من مباحث الضد،ص‏102.هداية المسترشدين،مبحث الضد،ما أفاده في مقام الجواب عن الوجه الثاني من الوجوه الّتي استدل بهالنفي المقدميّة،و هو محذور الدور،«ان وجود الضد من موانع وجود الضد الآخر...».


310

فرع وجود المقتضى له،و لا يمكن فرض وجود المقتضى له مع وجود المقتضى للآخر-على ما تقدّم بيانه-فلا دور.و توهم انّه يفرض وجود المقتضى و الشّرط للضّد الآخر فيكون وجود هذاالضّد مانعا فيعود محذور الدّور،فاسد،لاستحالة هذا الفرض و امتناع صلاحية وجودالضّدّ لأن يكون مانعا عن الآخر و علّة لعدمه على هذا الفرض المحال،فانّ فرض‏وجود المقتضى له ممنوع،أي لا نسلّم امتناع مثل هذه الصّلاحيّة الفرضيّة،لأنّ ذلك‏لا يوجب دورا فعليّا،فتأمل،فانّه يكفى في الدّور الصلاحيّة.و لقد أجادوا في منع‏كون أحد الضّدين مانعا عن الآخر،و في عدم إمكان اجتماع المقتضيين،إلاّ انّهم‏غفلوا عن انّ لازم ذلك إنكار المقدميّة من الطّرفين،و ذهبوا إلى مقدّمية العدم‏للوجود.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّه لا يمكن القول بمقدّمية العدم للوجود،و منه‏يظهر فساد القول الثّالث من مقدّمية الوجود للعدم.و امّا التّفصيل بين الضّد الموجود فيتوقّف وجود الأخر على رفعه،و بين فراغ‏المحلّ عن كلا الضّدين فلا توقّف من الجانبين،فهو الّذي ينسب إلى المحقّق‏الخوانساري،و حكى ميل الشّيخ إليه،و لعلّ منشأ التّوهّم هو ما يشاهد بالوجدان‏من انّ وجود البياض في مكان مشغول بالسّواد يتوقّف على رفع السّواد و إعدامه،فيكون إعدام السّواد من مقدّمات وجود البياض.و لكن لا يخفى عليك،انّ مناط الاستحالة مطّرد في الضّد الموجود و الضّدالمعدوم،فانّه لا يفرّق الحال في كون الشّي‏ء مقدّمة بين ان يكون موجودا و بين ان‏يكون معدوما،فانّه في كلا الحالين يكون مقدّمة،لأنّ مناط المقدّمية هو كونه ممّايتوقّف عليه الشّي‏ء،فإذا امتنع كون الشّي‏ء مقدّمة في حال عدمه امتنع كونه مقدّمة في‏حال وجوده أيضا،فانّ صعود السّلم مقدّمة للكون على السّطح في كلّ حال.و من الغريب،انّ المحقّق الخوانساري مع اعترافه بامتناع اجتماع المقتضيين‏للضّدين كيف ذهب إلى ذلك،مع انّه يلزمه القول باجتماع المقتضيين،فانّ الضّدالموجود انّما يكون وجوده بوجود المقتضى،و مع وجود مقتضية كيف يمكن وجود


311

مقتضى الآخر حتى يكون عدم الموجود و رفعه من مقدّمات وجود الآخر؟الا ان‏يقول:باستغناء الضّد الموجود في بقائه عن المؤثّر و المقتضى،و انّما الّذي يحتاج إلى‏المقتضى هو الحدوث و امّا البقاء فلا يحتاج إلى ذلك بل هو يبقى بنفسه،فلا يكون‏بقاء وجود الضّد الموجود مجامعا لوجود مقتضية حتى يمتنع وجود مقتضى الأخر،هذا.و لكن مع انّ هذه المقالة من أصلها فاسدة،لوضوح انّ الموجب لحاجة الشّي‏ءفي حدوثه إلى المؤثّر ليس هو إلاّ الإمكان،و ذلك بعينه يقتضى الحاجة في بقائه إلى‏المؤثّر لبقائه على صفة الإمكان،و إلاّ يلزم تعطيل الباري تعالى،و ما مثّل به من‏الحجر و اللّون حيث انّ بقائه لا يحتاج إلى مؤثّر فليس كذلك بل يحتاج أيضا إلى‏ذلك،غايته انّه في بعض المقامات تكون العلّة المحدثة هي المبقية،مثلا في مثل‏الحجر يكون الميل إلى المركز موجبا لبقائه في المكان،و في مثل اللون يكون الموجب‏هو ما أودعه اللّه تعالى في طبعه من انّه لا يزول إلاّ برافع،و بالجملة:كون المحدثة هي‏المبقية غير كون البقاء لا يحتاج إلى مؤثّر،كما لا يخفى.ثمّ انّ ذلك على تقدير تسليمه فهو في الأمور التّكوينيّة الخارجة عن الإرادة،و امّا في الأمور الإراديّة فلا يمكن ذلك،لأنّ الفعل الإرادي لا بدّ ان يكون حدوثه وبقائه بالإرادة،فبقاء الصّلاة انّما تكون ببقاء إرادتها،و مع ذلك كيف يجامع إرادةضدّها من الإزالة،و هل هو إلاّ اجتماع المقتضيين؟فلو كان وجود الإزالة متوقّفاعلى عدم الصّلاة و رفعها يلزم ما فرّ منه:من اجتماع المقتضيين.فالإنصاف:انّه لا فرق في الاستحالة بين كون المحلّ،مشغولا بأحد الضّدين‏أو كونه خاليا عنها،و انّه ليس في البين توقّف و مقدميّة أصلا،و مجرّد تمانع‏الضّدين في الوجود لا يقتضى المقدّميّة،بل هو مجرّد التّعاند في الوجود حسب ذاتهما،و لكن العلّة المحدثة لأحدهما هي الطاردة للآخر،و ليس التّعاند بين الضّدين أقوى‏من التّعاند بين النّقيضين،بل تعاند النّقيضين أقوى و أشد و أتمّ،و مع ذلك ليس‏بين النّقيضين ترتّب و توقّف و مقدّمية،و إلاّ يلزم توقّف الشّي‏ء على نفسه،فكذلك‏ليس بين الضدّين ترتّب و توقّف لاستلزام توقّف الشّي‏ء على نفسه أيضاكالنقيضين.و كما انّ العلّة للوجود هي الطّاردة للعدم في النّقيضين،فكذلك العلة


312

لوجود أحد الضدين هي الطّاردة للآخر،سواء كان المحلّ فارغا عنه أو مشغولا به.و بما ذكرنا اندفعت شبهة الكعبي أيضا،و هي انتفاء المباح بدعوى انّ ترك‏الحرام يتوقّف على فعل وجوديّ لعدم خلوّ الإنسان عنه،فيكون الفعل مقدّمة لترك‏الحرام.وجه الدّفع:هو انّ ترك الحرام لا يتوقّف على فعل وجوديّ،بل يتوقّف على‏الصّارف عنه،و الفعل لا يكون إلاّ من المقارنات،نعم لا مضايقة في وجوب الفعل‏إذا توقّف بقاء الصّارف عليه،كما إذا توقّف بقاء الصّارف عن الزّنا على الخروج‏عن الدّار بحيث لولاه لوقع في الزّنا،فالالتزام بوجوب الخروج في مثل هذا الفرض‏لا محذور فيه و لا يلزم نفى المباح رأسا.مع انّه يمكن المنع حتى في هذا الفرض،لأنّ‏الصّارف لم يكن واجبا شرعيّا حتى يجب ما يتوقّف عليه،بل هو واقع في مرحلةالامتثال الّذي يكون الحاكم به العقل،فتأمل جيّدا.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ الأمر بالشّي‏ء لا يقتضى النّهى عن ضدّه‏الخاصّ فيما كان للضدّين ثالث،كما هو الغالب،لا من جهة الملازمة و لا من جهةالمقدّميّة،كما مرّ.ثمّ انهم عدوا للنّزاع في الاقتضاء و عدم الاقتضاء ثمرات:منها:و هي العمدة-فساد الضّد إذا كان عبادة بناء على الاقتضاء لأنّه‏يكون من النّهى في العبادة،و عدم فساده بناء على عدم الاقتضاء.و عن البهائي‏ (1) إنكار هذه الثّمرة،و القول بان الفساد لا يتوقّف على القول بالاقتضاء،بل يكفى في‏الفساد عدم الأمر بالضّد،حيث انّ صحّة العبادة تتوقّف على الأمر بها،و بعد ما لم‏يكن الضّد مأمورا به لامتناع الأمر بالضّدين فلا محالة من ان يقع فاسدا،هذا.و حكى‏1عن المحقّق الكركي‏ (2) و جماعة ممّن تأخّر عنه:المنع عن‏1و لا يخفى عليك انّه ليس في عبارة المحقق تصريح بهذا البيان و التفصيل،بل له كلام في شرح قول‏العلامة ببطلان الصلاة في أوّل وقتها لمن كان عليه دين واجب الأداء فورا يظهر منه انّ إطلاق الأمر بالموسّع يعمّ‏الفرد المزاحم للمضيق و لازم كلامه ذلك هو ما ذكرناه من التفصيل في المقام،كما انّ له كلاما يظهر منه صحّة الأمرالتّرتبي،فراجع كلامه و تأمل في ما أفاده من جواب الإشكالات التي أوردها على نفسه-منه.

1)راجع زبدة الأصول،المطلب الأوّل من المنهج الثالث بحث الضد،ص 82.

2)راجع«جامع المقاصد في شرح القواعد»كتاب الدين و توابعه،المطلب الأوّل من المقصد الأوّل.


313

إطلاق مقالة البهائي رحمه الله من فساد الضّد لو قلنا بتوقّف العبادة على الأمر،بل ذلك انّمايتمّ في خصوص المتزاحمين المضيقين إذا كان أحدهما أهمّ،كما لو فرض مزاحمةالصّلاة في اخر الوقت لواجب آخر أهمّ،فانّ في مثل هذا يتمّ كلام البهائي من فسادالصّلاة بناء على توقّف صحّة العبادة على الأمر بها،لأنّه لا امر بها ح مع مزاحمتهالواجب أهمّ.و امّا لو فرض وقوع التّزاحم بين مضيق و موسّع،كما لو فرض مزاحمةالصّلاة في بعض أوقات وجوبها لواجب آخر مضيق،ففي مثل هذا يمكن القول بصحّةالفرد المزاحم من الصّلاة لذلك الواجب،و لو قلنا بتوقّف صحّة العبادة على الأمر.و حاصل ما يمكن من توجيه ما أفاده المحقّق هو انّه:لما تعلّق الأمر بالطّبيعةعلى نحو صرف الوجود،لا على نحو السّريان كما في النّهى عن الطّبيعة كانت القدرةعلى إيجاد الطّبيعة و لو في ضمن فرد ما كافية في تعلّق الأمر بالطّبيعة،لخروجه بذلك‏عن قبح التّكليف بما لا يطاق،و لا يتوقّف الأمر بالطّبيعة على القدرة على جميع‏افرادها،بل يكفى في صحّة تعلّق الأمر بالطّبيعة تمكن المكلّف من صرف الإيجادحتّى لا يلزم التّكليف بما لا يطاق،و بعد تعلّق الأمر بالطّبيعة تكون جميع الأفرادمتساوية الأقدام في الانطباق،لأنّ انطباق الكلّي على افراده قهريّ،و بعدالانطباق يكون الأجزاء عقليّا،و حينئذ لا مانع من الإتيان بذلك الفرد من الصّلاةالمزاحم للإزالة مثلا بداعي امتثال الأمر المتعلّق بالطّبيعة،و لا يتوقّف صحته على‏تعلّق الأمر به بالخصوص،حتى يقال:بعد الأمر بالإزالة لا يمكن الأمر بذاك الفردالمزاحم لاستلزامه الأمر بالضّدين،بل يكفى في صحّته تعلق الأمر بالطبيعة،و بعد ذلك‏يكون الانطباق قهريّا و الأجزاء عقليّا.فلو قلنا:انّ صحّة العبادة تتوقّف على الأمربها كان الضّد الموسّع صحيحا إذا كان عبادة،نعم لو قلنا:انّ الأمر بالشّي‏ء يقتضى‏النّهى عن ضدّه كان ذلك الفرد من الصّلاة المزاحم للإزالة منهيّا عنه،و بعد تعلّق‏النّهى به يخرج عن قابليّة انطباق الطّبيعة المأمور بها عليه،فلا يصلح ان يأتي به‏بداعي الأمر بالطبيعة،لأنّ هذا الدّاعي انّما يصح في الأفراد المنطبقة لا الأفراد الغيرالمنطبقةفظهر انّ نفى الثّمرة في اقتضاء الأمر بالشّي‏ء للنّهي عن ضدّه و عدم اقتضائه‏


314

بناء على توقّف صحّة العبادة على الأمر-كما عن البهائي ره-على إطلاقه لا يستقيم،بل هو مختصّ بالمضيقين المتزاحمين،و امّا في المضيق و الموسّع فالثّمرة تظهر على مابيّنا.هذا غاية ما يمكن ان يوجه به مقالة المحقّق و من وافقه.و لكن لا يخفى عليك ما فيه،فانّه لو كان وجه اعتبار القدرة في التّكاليف هومجرّد حكم العقل بقبح تكليف العاجز لكان الأمر كما ذكر،حيث انّه يكفى في‏صحّة التّكليف بالطّبيعة القدرة على إيجادها و لو في ضمن فرد ما،و لكن هناك وجه‏آخر في اعتبار القدرة و هو اقتضاء الخطاب ذلك،حيث انّ البعث و التّكليف انّمايكون لتحريك إرادة المكلّف نحو أحد طرفي المقدور،بل حقيقة التّكليف ليس إلاّذلك،فالقدرة على المتعلّق ممّا يقتضيه نفس الخطاب،بحيث انّه لو فرض عدم حكم‏العقل بقبح تكليف العاجز،و قلنا بمقالة الأشاعرة من نفى التّحسين و التّقبيح‏العقليّين،لقلنا باعتبار القدرة في متعلّق التّكليف لمكان اقتضاء الخطاب و البعث‏ذلك،حيث انّ حقيقة الخطاب هي البعث و تحريك الإرادة نحو أحد طرفي المقدور وترجيح أحد طرفيه،و حينئذ يدور سعة دائرة المتعلّق و ضيقه مدار سعة القدرة وضيقها،و لا يمكن ان يكون دائرة المتعلّق أوسع من دائرة القدرة،فالفرد المزاحم‏لواجب مضيق لا يمكن ان يعمّه سعة المتعلّق لعدم سعة قدرته ذلك حسب الفرض،حيث انّ الممتنع الشّرعيّ كالممتنع العقليّ،و مجرّد انطباق طبيعة الصّلاة على ذلك‏الفرد لا ينفع بعد عدم انطباق الصّلاة المتعلّقة للطّلب عليه.فدعوى انّه لا يحتاج الفردإلى القدرة عليه بعد القدرة على إيجاد الطّبيعة و لو في ضمن فرد ما-لأنّ الانطباق‏يكون ح قهريّا و الأجزاء عقليّا-ممّا لا تستقيم،بعد ما كان الخطاب يقتضى القدرةعلى المتعلّق بحيث يدور سعة دائرة المتعلّق أو ضيقه مدار سعة القدرة و ضيقها،و بعدعدم القدرة على إيجاد الطّبيعة في ضمن الفرد المزاحم لواجب مضيق تخرج تلك‏الحصّة من الطّبيعة عن متعلّق الأمر،فلا يمكن إيجاد الفرد امتثالا للأمر المتعلّق‏بالطبيعة،فلو قلنا بتوقّف العبادة على الأمر يبطل ذلك الفرد المزاحم و لا يمكن تصحيحه.

تبصرة:

لا يخفى عليك انّ ما قلناه:من انّ كلّ خطاب يقتضى القدرة على متعلّقه،


315

لا يلزم منه ان يكون القدرة المعتبرة في جلّ التّكاليف شرعيّة حتّى ينافى تقسيم القدرةإلى شرعيّة و عقليّة و ترتيب ما يترتّب على هذا التّقسيم من الثّمرات كما سيأتي،وذلك لأنّ مرادنا من القدرة الشّرعيّة ما أخذت في لسان الدّليل بحيث يستكشف منه‏انّ لها دخلا في ملاك الحكم و مناطه،كما في قوله‏ (1) تعالى،للّه على الناس حجّ‏البيت من استطاع إليه سبيلا،حيث قيد الوجوب بالاستطاعة في نفس الدّليل،و أين‏هذا ممّا نقوله في المقام من اقتضاء كلّ خطاب القدرة على متعلّقه،فانّ ذلك لا يوجب ان‏تكون القدرة شرعيّة.و حاصل الضّابط بين القدرة الّتي نسمّيها شرعيّة و القدرة الّتي نسمّيها عقليّة،هوانّه إذا أخذت القدرة في موضوع الخطاب المستكشف من ذلك مدخليّتها في ملاك‏الخطاب كانت القدرة حينئذ شرعيّة،سواء أخذت في موضوع الخطاب صريحا كما في آيةالحجّ،أو كانت مستفادة من خطاب آخر كما في آية الوضوء-على ما سيأتي بيانه-و ان‏لم تؤخذ في موضوع الخطاب،بل كانت ممّا يقتضيه نفس الخطاب،امّا لمكان قبح‏مخاطبة العاجز عقلا،و امّا لمكان كون الخطاب هو البعث و التّحريك نحو المقدور-على ما بيّناه-كانت القدرة عقليّة،و سيأتي مزيد توضيح لذلك.و على كلّ حال،فقد ظهر لك:انّه بناء على توقّف صحّة العبادة على الأمربها يكون الحق مع البهائي من عدم الثّمرة في اقتضاء الأمر بالشّي‏ء للنّهي عن ضده وعدم اقتضائه،إذ لا امر بالضّد على كلّ حال،فالعبادة لا تصح مطلقا،إلاّ انّ الشّأن‏في أصل المبنى،لوضوح انّه لا يتوقّف صحّة العبادة على الأمر بها،بل يكفى في صحةالعبادة اشتمالها على الملاك التّام،و ان لم يؤمر بها فعلا لمانع.و من هنا قلنا:يكفى‏قصد الجهة في العبادة و لا يحتاج إلى قصد امتثال الأمر،خلافا للمحكي عن‏صاحب الجواهر (2) حيث اعتبر خصوص قصد امتثال الأمر في صحّة العبادة،ويلزمه القول ببطلان الضّد إذا كان عبادة.و لكنّ الإنصاف:انّ الالتزام بذلك‏

1)آل عمران،الآية 97.

2)قدم كلام صاحب الجواهر قدس سره في المقام في هامش ص 150


316

بلا موجب،بل يكفى في صحّة العبادة اشتمالها على الملاك التّامّ سواء امر بها فعلاكما إذا لم يتزاحم ما هو أهمّ منها،أو لم يؤمر بها فعلا كما في صورة المزاحمة،فوجودالأمر و عدمه سيّان في ذلك.و لكن مع ذلك لا تظهر الثّمرة في اقتضاء الأمر بالشّي‏ء للنّهي عن ضدّه،لأنّه هب انّ الضّد يكون منهيّا عنه،و لكن لمّا كان النّهى غيريّا لمكان الملازمة أوالمقدّميّة-على الوجهين الّذين بنوا عليهما النّهى عن الضّد-لم يكن ذلك موجبا لخلل‏في الملاك،بل الضّدّ يكون باقيا على ما هو عليه من الملاك لو لا المزاحمة،و ليس‏النّهى في المقام عن ملاك يقتضيه،كما في باب النّهى عن العبادة،و باب‏الاجتماع الأمر و النّهى بناء على الامتناع و تقديم جانب النّهى،فانّ النّهى في‏البابين يكون استقلاليّا عن ملاك يقتضيه و لم يبق معه الملاك المصحح للعبادة،لأنّه‏لا يتعلّق النّهى الاستقلاليّ بالعبادة إلاّ لمكان أقوائية ملاك النّهى و المفسدة الّتي‏أوجبته عن ملاك العبادة و مصلحتها،و معه لا يكون في العبادة ملاك تام يقتضى‏صحّة العبادة.و هذا بخلاف النّهى الغيري المتعلّق بالعبادة،فانّه لمّا لم يكن عن‏مفسدة تقتضيه بل كان لمجرّد المزاحمة لواجب آخر أهمّ و الوصلة إليه كانت العبادةعلى ما هي عليه من الملاك التّامّ المقتضى لصحّتها.و ممّا ذكرنا ظهر فساد ما تسالموا عليه من فساد العبادة بناء على اقتضاءالأمر بالشّي‏ء للنّهي عن ضدّه،لما عرفت من انّه لا فساد حتى بناء على الاقتضاءلصحّة الضد بالملاك الّذي لا يضرّه النّهى الغيري.و امّا توهّم انّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك،لتعارض الأمر بالإزالة مثلامع الأمر بالصّلاة،و بعد تقديم الأمر بالإزالة،امّا لضيق وقتها،و امّا لأهميّتها،لم يبق‏مجال لاستكشاف الملاك للصّلاة كما هو الشّأن في جميع موارد التّعارض،حيث انّه‏لا يمكن القول ببقاء الملاك لأحد المتعارضين عند تقديم الآخر لأحد موجبات‏التّقديم‏ففساده غنيّ عن البيان،لوضوح انّه ليس المقام من باب التّعارض،بل من‏باب التّزاحم،و كم بين البابين من الفرق بحيث لا يمكن ان يشتبه أحدهما بالآخر.


317

في مباحث التزاحم‏

و حيث انجرّ الكلام إلى ذلك،فلا بأس بتفصيل الكلام في التّزاحم وأحكامه،حيث انّ الأعلام أهملوا ذلك،مع انّه ممّا يترتّب عليه فروع كثيرة،و كان‏حقّه ان يفرّدوا له عنوانا مستقلاّ.و على كلّ حال:انّ تفصيل القول في التّزاحم يقع‏في مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل‏

في الفرق بين التّزاحم و التّعارض‏و توضيح الفرق:هو انّه يفترق باب التّعارض عن باب التّزاحم من جهات:

(الجهة الأولى)

هي انّ باب التّعارض يرجع إلى تعاند المدلولين في مقام الثّبوت،بحيث‏لا يمكن جمعهما في مرحلة الجعل و التّشريع،لاستلزامه التّناقض و اجتماع الإرادة والكراهة في نفس الآمر بالنسبة إلى متعلّق واحد،أو لزوم التّكليف بما لا يطاق‏لتضادّ المتعلّقين ذاتا مع اتّحادهما في الحكم،كما إذا أوجب القيام دائما و أوجب‏القعود كذلك،أو لتلازم المتعلّقين تلازما دائميا مع اختلافهما في الحكم،كما إذاأوجب استقبال المشرق و حرّم استدبار المغرب،أو غير ذلك ممّا لا يمكن فيه الجمع‏بين الحكمين ثبوتا لتعاندهما في مقام تشريع الأحكام على موضوعاتها المقدّرةوجوداتها،بحيث يلزم من الجمع:امّا اجتماع الإرادة و الكراهة في موضوع واحد،وامّا لزوم التكليف بما لا يطاق،كلّ ذلك في مقام الجعل و التّشريع.و هذا بخلاف باب التّزاحم،فانّه لم يكن بين الحكمين المتزاحمين منافرة وتعاند في مقام الجعل و التّشريع،بل كان بينهما كمال الملائمة و الموافقة،و انّما نشأالتّعاند في مقام فعليّة الحكمين و تحقّق موضوعهما خارجا،كالمزاحمة بين إنقاذي‏الغريقين،أو بين حرمة المقدّمة و وجوب ذيها،أو غير ذلك من أقسام التّزاحم على مايأتي بيانه،فانّه لا محذور في تشريع إنقاذ كلّ غريق،أو تشريع حرمة التّصرف في ملك‏الغير و وجوب إنجاء المؤمن من الهلكة،إذ لا ربط لأحد الحكمين بالآخر،بل شرع‏كلّ منهما على موضوعه المقدّر وجوده من دون ان يستلزم ذلك التّشريع اجتماع‏الإرادة و الكراهة في شي‏ء واحد،أو التّكليف بما لا يطاق،بل اتّفق التّزاحم في مقام‏


318

الفعليّة كما إذا اتّفق انّه صار التّصرف في ملك الغير مقدّمة لإنجاء المؤمن،أو اتّفق‏عدم التّمكن من إنقاذ كلّ من الغريقين،فانّ هذا الاتّفاق لا يضر بذلك التّشريع والجعل أصلا.

(الجهة الثّانية)

هي انّ نتيجة تقديم أحد المتعارضين على الأخر-بأحد وجوه التّقديم‏المذكورة في محلّها-ترجع إلى رفع الحكم عن موضوعه.و في باب التّزاحم ترجع إلى‏رفع الحكم برفع موضوعه،مثلا في العامين من وجه،لو حكمنا أكرم العلماء على‏لا تكرم الفسّاق في مورد الاجتماع يكون نتيجة التّحكيم هو رفع حكم لا تكرم عن‏موضوعه،حيث انّه مع بقاء زيد العالم مثلا على فسقه و مع قدرة المكلّف على إكرامه‏يرتفع حكمه.و امّا في مثل الغريقين،لو قدّمنا أحدهما على الآخر لأحد موجبات‏التّقديم في باب التّزاحم تكون نتيجة التّقديم هو سلب قدرة المكلّف عن إنقاذ الأخرو تعجيزا مولويّا بالنّسبة إليه،لوجوب صرف قدرته إلى الأهمّ،فعدم وجوب إنقاذه‏لعدم قدرته عليه،حيث انّ الممتنع الشّرعيّ كالممتنع العقليّ.

(الجهة الثّالثة)

هي انّ المرجّحات لأحد المتعارضين على الأخر كلّها ترجع،امّا إلى باب‏الدّلالة،و امّا إلى باب السّند.و امّا في باب التّزاحم:فالمرجّحات هي أمور آخرلا ربط لها بباب الدّلالة و السّند،بل ربّما يقدّم ما هو أضعف دلالة و سندا على ماهو الأقوى،نعم:ربّما يكون بعض المرجّحات مرجّحا لكلا البابين،لكن لا بمناطواحد بل بمناطين،كالأهميّة مثلا،حيث انّه في باب التّعارض تكون مرجّحة أيضافي بعض الأحيان،كما قيل فيما لو تعارض الأمر و النّهى قدّم جانب النّهى،لأهميّةالتّحرز عن المفسدة،أو أولويّة دفعها عن جلب المصلحة.و في باب التّزاحم أيضايقدّم ما هو الأهمّ،لكن مناط التّقديم ليس من جهة انّ في النّهى مفسدة،بل امرآخر بحسب ما يقتضيه المقام،و كتقديم ما لا بدل له على ما له البدل،فانّه في باب‏التّعارض يقدّم ذلك من باب انّ ما لا بدل له يكون حاكما و مبيّنا لما له البدل،كمافي مثل تقديم العامّ الأصولي و المطلق الشّمولي على المطلق البدلي.و في باب التّزاحم‏


319

أيضا يقدّم ما لا بدل له،لكن لا بذلك المناط،بل بمناط انّ ما له البدل لا يصلح ان‏يكون معجزا مولويّا لما لا بدل له،بخلاف العكس-على ما سيأتي توضيحه إن شاء اللّه‏تعالى و بالجملة:المرجّحات في أحد البابين أجنبيّة عن المرجّحات في الباب الأخر.

(الجهة الرّابعة)

هي انّ التّزاحم انّما يكون باعتبار الشّرائط المعتبرة في التّكليف الّتي يمكن‏وضعها و رفعها في عالم التّشريع،فمثل العقل و البلوغ من الأمور التّكوينيّة المعتبرة في‏التّكليف لا يقع فيها التّزاحم،بل الّذي يقع فيه التّزاحم هو خصوص القدرة،حيث‏انّ للشّارع تعجيز العبد و صرف قدرته إلى أحد الواجبين في عالم التّشريع،و ان كان‏قادرا في عالم التّكوين.و ان شئت قلت:انّ التّزاحم انّما يكون في الشّرائط الّتي ليس لها دخل في‏الملاك،بل كانت من شرائط حسن الخطاب،فمثل البلوغ و العقل اللذين لهما دخل‏في ثبوت الملاك ليسا موقعا للتّزاحم،و انّما الّذي يكون موقع التّزاحم هو خصوص‏القدرة الّتي هي من شرائط حسن الخطاب،نعم:قد يتّفق التّزاحم في غير باب القدرة،كما في بعض فروع الزكاة مثل‏ما إذا كان مالكا لخمس و عشرين من الإبل في ستّة أشهر،ثمّ ملك واحدة أخرى،فمقتضى القاعدة الأوليّة هو انّه عند انقضاء حول الخمس و العشرين يؤدّى خمس‏شياة(لكلّ خمس شاة)و بعد انقضاء ستّة أشهر الّذي به يتمّ حول السّتة و العشرين‏يؤدّى(بنت لبون)زكاة السّتّ و العشرين،فيلزمه في كلّ ستّة أشهر زكاة.و لكن‏بعد ما قام الدّليل على انّه لا يزكى المال في عام مرتين،يقع التزاحم بين حول‏النّصاب الخمس و العشرين و السّت و العشرين و لا بدّ من سقوط ستّة أشهر من‏حول أحدهما،و لعلّه يتفق التّزاحم في غير هذا المورد،إلاّ انّ الغالب في باب‏التّزاحم هو التّزاحم في القدرة.و على كلّ حال،فقد ظهر لك الفرق بين باب التّزاحم و باب التّعارض،وانّ بينهما بونا بعيدا،بحيث لا يمكن ان يشتبه أحدهما بالآخر،فلا محلّ بعد ذلك لأنّ‏يقال:انّ الأصل في الدّليلين المتنافيين هو التّزاحم،أو التّعارض،إذ لم يكن مورد


320

يصلح لكلّ منهما حتّى يبحث عمّا هو الأصل عند الشّك.و من جميع ما ذكرنا ظهر أيضا ضعف ما في بعض الكلمات:من إرجاع‏باب التّزاحم إلى تزاحم المقتضيين،و التّعارض إلى تعارض المقتضى و اللامقتضي،و جعل مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفسّاق من باب التّزاحم لوجود المقتضى لكلّ‏منهما،و ليسا من باب التّعارض.و ذلك لأنّ مجرّد تزاحم المقتضيين لا يصحح‏الاندراج في باب التّزاحم المقابل لباب التّعارض،و إلاّ لكان جميع موارد التعارض‏من باب التّزاحم،لكاشفيّة كلّ دليل عن ثبوت المقتضى لمؤدّاه،فيلزم ان يكون جميع‏موارد تعارض الدّليلين من تزاحم المقتضيين.فالعبرة في التزاحم انّما يكون بتزاحم الحكمين في مقام الفعليّة لا تزاحم‏المقتضيين،و إلاّ فقد يتزاحم المقتضيان ثبوتا في نفس الأمر و لا محالة يقع الكسر والانكسار بينهما،فينشأ الحكم على طبق أحدهما ان ترجّح في نظره أحد المقتضيين،وإلاّ فعلى كلّ منهما تخييرا.و ليس ذلك من تزاحم الحكمين،و لذا يعتبر في باب‏التّزاحم ان يكون المكلّف عالما بالحكم و أصلا إليه،لأنّ الحكم الّذي لم يصل إلى‏المكلّف لا يمكن ان يكون مزاحما لغيره،لأنّ المزاحمة انّما تنشأ من شاغليّة كلّ من‏الحكمين عن الآخر و اقتضاء صرف القدرة إليه،و الحكم الغير الواصل لا يكون‏شاغلا لنفسه،فكيف يكون شاغلا عن غيره؟فالتّزاحم لا يكون إلاّ بعد العلم والوصول.و هذا لا ربط له بتزاحم المقتضيين،لأنّ تزاحم المقتضيين انّما يكون في عالم‏الثّبوت و نفس الأمر من دون دخل لعلم المكلّف و جهله،فإرجاع باب التّزاحم إلى‏تزاحم المقتضيين ممّا لا يستقيم،و سيأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى في‏مبحث اجتماع الأمر و النّهى.

المقام الثّاني‏

في منشأ التّزاحم و هو أمور خمسة:الأوّل:تضادّ المتعلّقين،بمعنى انّه اجتمع المتعلّقان في زمان واحد،بحيث‏لا يمكن للمكلّف فعلهما،كما في الغريقين،و الإزالة و الصّلاة،و أمثال ذلك ممّااجتمع المتعلّقان في زمان واحد.


321

الثّاني:عدم قدرة المكلّف على فعل كلّ من المتعلّقين مع اختلاف زمانهما،كما إذا لم يتمكّن من القيام في الرّكعة الأولى و الثّانية معا،بل كان قادرا على القيام‏في أحدهما فقط.و الفرق بين هذا و سابقه:هو انّ عدم القدرة في هذا الوجه ناش‏عن عجز المكلّف في حدّ ذاته عن فعل المتعلّقين،و في سابقه كان ناشئا عن وحدةزمان المتعلّقين،من دون ان يكون المكلّف في حدّ ذاته عاجزا لو لا اتّحاد الزّمان.الثّالث:تلازم المتعلّقين مع اختلافهما في الحكم،كما إذا وجب استقبال‏القبلة و حرم استدبار الجدي،مع تلازمهما في بعض الأمكنة.الرّابع:اتّحاد المتعلّقين وجودا،كما في موارد اجتماع الأمر و النّهى بناء على‏الجواز،و سيأتي في مبحث اجتماع الأمر و النّهى إن شاء اللّه تعالى توضيح هذا الوجه‏و الفرق بينه و بين الاتّحاد المصداقي،كالعالم الفاسق،و انّ الثّاني ليس من باب‏التزاحم.الخامس:صيرورة أحد المتعلّقين مقدّمة وجوديّة لمتعلّق الأخر،كما إذاتوقّف إنجاء المؤمن على التّصرّف في ملك الغير بغير رضاه.و ليعلم انّ هذه الأمور انّماتكون من باب التّزاحم إذا كان وقوعها اتّفاقيا لا دائميّا،بحيث اتّفق تضادّ المتعلقين‏و اجتماعهما في الزّمان،أو اتّفق عدم قدرة المكلف على جمعهما،أو اتّفق تلازم‏المتعلقين،أو اتّحادهما،أو مقدّمية أحدهما للآخر.و امّا إذا كان التّضاد أو التّلازم أو الاتّحاد أو غير ذلك من الأمور المذكورةدائميّا،فيخرج عن باب التّزاحم و يندرج في باب التّعارض،على ما تقدّم من‏الضّابط بين البابين،فان دائميّة ذلك توجب امتناع جعل الحكمين و تشريعهما ثبوتا،كما لا يخفى.و ليعلم أيضا انّ التّزاحم انّما يتحقّق بعد البناء على كون الأحكام مجعولةعلى نهج القضايا الحقيقيّة.و امّا لو قلنا بجعلها على نهج القضايا الخارجيّة فالتّزاحم‏غير معقول،بل جميع ذلك يكون من التّعارض،لأنّه يرجع إلى امتناع الجعل أيضا كمالا يخفى وجهه.

المقام الثّالث‏

في مرجّحات باب التّزاحم و هي أيضا أمور:


322

(الأمر الأوّل)

ترجيح ما لا بدل له،على ما له البدل عرضا،كما لو زاحم‏واجب موسّع له افراد تخييريّة عقليّة لمضيق لا بدل له،أو زاحم أحد افراد الواجب‏التّخييري الشّرعيّ لواجب تعييني،فانّه لا إشكال في تقديم ما لا بدل له على ما له‏البدل،بل هذا في الحقيقة خارج عن باب التّزاحم،و انّما يكون التّزاحم فيه بالنّظرالبدويّ،لأنّ ما لا اقتضاء له لا يمكن ان يزاحم ما فيه الاقتضاء،فانّ الواجب‏المضيق يقتضى صرف القدرة له في زمانه،و الواجب الموسّع لا يقتضى صرف القدرةفي ذلك الزّمان،لأنّ المفروض انّه موسّع،فلا معنى لمزاحمته للمضيق،و ذلك واضح.

(الأمر الثّاني)

من المرجّحات،ترجيح ما لا يكون مشروطا بالقدرة الشّرعيّةعلى ما يكون مشروطا بها،و المراد من القدرة الشّرعيّة هي ما إذا أخذت في لسان‏الدّليل،كما في الحجّ و أمثاله ممّا قيّد المتعلّق بالقدرة في نفس الخطاب.و السّر في‏ترجيح ما لا يكون مشروطا بالقدرة الشّرعيّة على ما يكون مشروطا بها،هو انّ الغيرالمشروط بها يصلح لأنّ يكون تعجيزا مولويّا عن المشروط بها،حيث انّ وجوبه لم‏يكن مشروطا بشرط سوى القدرة العقليّة،و المفروض انّها حاصلة فلا مانع من‏وجوبه،و مع وجوبه يخرج ما كان مشروطا بالقدرة الشّرعيّة عن تحت سلطانه‏و قدرته شرعا،للزوم صرف قدرته في ذلك،فإذا لم يكن قادرا شرعا لم يجب،لانتفاءشرط وجوبه،و هو القدرة.و الحاصل:انّ ما يكون مشروطا بالقدرة العقليّة يصلح ان يكون معجزامولويّا عمّا يكون مشروطا بالقدرة الشّرعيّة،لأنّ وجوبه لا يتوقّف على أزيد من‏القدرة العقليّة الحاصلة بالفرض،و مع التّعجيز المولوي لم يتحقّق شرط وجوب‏الواجب الأخر،و هذا من غير فرق بين فعليّة وجوب ما لا يكون مشروطا بالقدرةالشّرعيّة لمكان تحقّق شرائط وجوبه،و بين ما إذا كان مشروطا بشرط لم يتحقّق‏بعد،غايته انّ المزاحم لما يكون مشروطا بالقدرة الشّرعيّة نفس وجوب الواجب الغيرالمشروط بها على الأوّل،أي إذا كان وجوب الغير فعليّا قد تحقّق زمان امتثاله.و على‏الثّاني يكون المزاحم هو الخطاب الطّريقي العقلي و هو خطاب احفظ قدرتك.و بعبارة أخرى:المزاحم هو عدم جواز تفويت القدرة،فانّ وجوب حفظ


323

القدرة و عدم جواز تفويتها لا يتوقّف على فعليّة وجوب ما يجب حفظ القدرة له،على‏ما تقدم تفصيله في المقدّمات المفوّتة.و كذا لا فرق بين ان يكون الغير المشروطبالقدرة الشّرعيّة أهمّ ممّا يكون مشروطا بها،أو مساويا له،أو أضعف منه،لأنّه على‏جميع التّقادير يكون معجزا مولويّا،امّا بنفسه،و امّا بخطاب لزوم حفظ القدرة له،فأيّ واجب فرض يكون مقدّما على الحجّ مثلا عند المزاحمة،سواء كان أهمّ من الحجّ‏أو أضعف،و سواء كان وجوبه فعليّا،أو مشروطا بشرط يتحقق بعد ذلك.كلّ ذلك‏لمكان عدم اشتراط ذلك الواجب بالقدرة الشّرعيّة.ثمّ انّ في المقام إشكالا ربّما يختلج في البال،و حاصله:انّه لا طريق لنا إلى‏معرفة تقييد المتعلّق بالقدرة شرعا و عدم تقييده،لأنّه في غير المقام لو شكّ في التّقييدو عدمه فالإطلاق يدفعه،و امّا في المقام فلا سبيل إلى دفع احتمال التّقييد بإطلاق‏الخطاب.امّا أوّلا:فلما عرفت من ان كلّ خطاب بنفسه يقتضى القدرة على متعلّقه،لأنّ حقيقة الخطاب ليس إلاّ ترجيح أحد طرفي المقدور،فاعتبار القدرة على المتعلّق وتقييده بها انّما يكون من مقتضيات نفس الخطاب،بناء على ما هو الحقّ عندنا من انّ‏المدرك في اعتبار القدرة انّما هو اقتضاء الخطاب ذلك،لا مجرّد حكم العقل بقبح‏تكليف العاجز.و عليه بنينا فساد مقالة المحقّق الكركي من صحّة إتيان الفردالواجب الموسّع المزاحم للمضيق امتثالا للأمر بالطّبيعة المنطبقة عليه قهرا فيجزي‏عقلا.و مع اقتضاء كلّ امر القدرة على متعلّقه كيف يصح التّمسك بإطلاق الأمرعلى عدم تقييد المتعلّق بالقدرة،حتى يقال:انّ القدرة المعتبرة فيه عقليّة لا شرعيّة،فيقدّم على ما قيّد بالقدرة الشّرعيّة عند المزاحمة،بل نتيجة اقتضاء الخطاب القدرةعلى متعلّقة هو انّ القدرة في جميع التّكاليف تكون شرعيّة،و ليس لنا ما يكون‏القدرة المعتبرة فيه عقليّة محضة ليترتّب عليها ما يترتّب.و امّا ثانيا:فلأنّه هب انّ اقتضاء الخطاب ذلك لا يوجب تقييد المتعلّق‏شرعا بالقدرة،إلاّ انّه لا أقلّ من ان يكون من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح‏للقرينيّة المانع من التّمسك بالإطلاق،لأنّه لا إشكال في صلاحية اقتضاء الخطاب‏


324

لأن يكون مقيدا شرعا،و كفاية اكتفاء الشّارع بذلك عن التّصريح بتقييد المتعلّق‏بالقدرة،و مع هذه الصّلاحيّة كيف يجوز التّمسك بإطلاق المتعلّق على عدم‏أخذ القدرة قيدا له؟و امّا ثالثا:فلأنّ التّمسك بالإطلاق في رفع ما شكّ في قيديّته في سائرالمقامات انّما هو لأجل مقدّمات الحكمة،الّتي منها لزوم نقض الغرض،و إيقاع‏المكلّف في خلاف الواقع،لو كان المشكوك في الواقع قيدا،فمن عدم بيانه نستفيد انه‏لم يكن في الواقع قيدا.و هذا البيان في المقام لا يتمشى لأنّ المتعلق لو كان في الواقع‏مقيدا بالقدرة و كانت القدرة لها دخل في ملاكه لم يلزم من إهمال ذكر القدرة نقض‏الغرض و لا إيقاع المكلف في خلاف الواقع لأنّه لا يمكنه فعل غير المقدور حتى يقع في‏خلاف الواقع.فلا مجال ح للتّمسك بالإطلاق لعدم قيديّة القدرة.و هذا الأشكال يرد على كلا المسلكين في كيفيّة اعتبار القدرة،من كونهامن مقتضيات الخطاب كما هو الحقّ عندنا،أو كونها من باب حكم العقل بقبح‏مطالبة العاجز،لأنّ مقدّمات الحكمة لا تجري على كلّ تقدير.و لا يخفى عليك:انّ هذا الأشكال يوجب هدم أساس ما قلناه من صحّةالضّد إذا كان عبادة بالملاك كما عليه بعض الأعلام،أو بالأمر التّرتّبي كما هو الحقّ‏عندنا،لأنّه لا طريق لنا إلى استكشاف الملاك و اشتمال الصّلاة مثلا على المصلحةإلاّ من ناحية إطلاق الأمر و عدم تقييد المتعلّق بالقدرة،فلو لم يكن للأمر إطلاق كماحرّر في وجه الأشكال،فمن أين يمكن استفادة الملاك في صورة سقوط الأمرللمزاحمة؟حتّى نقول انّ سقوط الأمر لا يوجب سقوط الملاك فتصحّ العبادة به أوبالأمر التّرتّبي.و بالجملة:بعد تقييد المتعلّق بالقدرة،أو احتمال تقييده-على اختلاف‏وجوه تقرير الأشكال،حيث انّ على بعض وجوهه يوجب التّقييد،كما هو مقتضى‏الوجه الأوّل،و على بعض وجوهه يحتمل التقييد كما هو مقتضى الوجهين الأخيرين‏-لا يمكن دعوى بقاء الملاك عند سقوط الأمر بالمزاحمة.و لعلّه لأجل ذلك حكى عن صاحب الجواهر:المنع عن ثبوت الملاك،بعد


325

المنع عن كفايته في صحّة العبادة و احتياج العبادة إلى الأمر.فعلى كلّ من قال‏بصحّة العبادة بالملاك أو بالأمر التّرتبي دفع هذا الأشكال.كما انّه يتوقّف على دفعه‏دعوى ترجيح ما لا يكون مشروطا بالقدرة الشّرعيّة على ما يكون مشروطا بها عندالمزاحمة،لأنّ مقتضى الأشكال هو انّ جميع التّكاليف مشروطة بالقدرة الشّرعيّة،فليس هناك واجب لم يكن مشروطا بها حتّى يقدّم على ما يكون مشروطا بها،هذا.و الّذي ينبغي ان يقال في حلّ الأشكال على الوجه الأخير من وجوه‏تقريره:هو انّه ليس من مقدّمات الحكمة لزوم إيقاع المكلّف في خلاف الواقع،حتّى‏يقال في المقام انّه لا يلزم ذلك،بل الّذي نحتاج إليه في مقدّمات الحكمة هو كون‏المتكلّم في مقام بيان مراده،و حيث لم يبيّن القيد فلا بدّ ان يكون مراده الإطلاق.و الحاصل:انّه يكفى في صحّة التّمسّك بالإطلاق مجرّد عدم بيان القيد مع‏انّه كان بصدد بيان مراده.و لا نحتاج في التّمسك بالإطلاق إلى توسيط لزوم وقوع‏المكلّف في مخالفة الواقع،مع انّه في المقام أيضا يلزم ذلك لو كانت القدرة المعتبرةقيدا في المتعلّق،لوضوح انّ المراد من القدرة الأعمّ من القدرة العقليّة المقابلة للعجزالعقلي،أو القدرة الشّرعيّة المقابلة للعجز الشّرعي،فلو كان المتعلّق مقيدا ثبوتابالقدرة عليه و عدم العجز عنه و مع ذلك لم يبينه في لسان الدّليل و أخلّ ببيان ذلك‏يلزم أحيانا وقوع المكلّف في مخالفة الواقع،لأنّه ربّما يتخيّل المكلّف انّه قادر على‏إيجاد المتعلّق شرعا فيأتي به،مع انه عاجز عنه شرعا،فيلزم وقوعه في خلاف الواقع‏من جهة عدم تقييد المولى المتعلق بالقدرة،فانّه لو قيّده بذلك لم يلزم ذلك.مثلا لوكانت الصّلاة مقيّدة بالقدرة عليها و عدم العجز عنها و لو شرعا،بان اعتبر فيها عدم‏العجز الشّرعي عنها،و مع ذلك أخلّ ببيان ذلك في لسان الدّليل،فقد يكون الشّخص‏عاجزا عن الصّلاة شرعا لمكان مزاحمتها بالأهمّ،و مع هذا يغرّه إطلاق الأمر بالصّلاةو عدم تقييدها بالقدرة عليها فيأتي بها،مع انّه لو لم يخل ببيان التّقييد لم يأت بها،فالإتيان بها و إيقاع الشّخص في مخالفة الواقع انّما جاء من قبل الإطلاق.فدعوى:انّ اعتبار القدرة في المتعلّق لا يضرّ بإيراد الكلام مطلقا و لا قبح في‏


326

الإخلال ببيانه لأنّه لا يلزم منه مخالفة الواقع،فاسدة جدّاً.فالإنصاف انّه لو كان‏المدرك في اعتبار القدرة في التّكاليف مجرّد حكم العقل بقبح تكليف العاجز وأغمضنا عن انّ ذلك من مقتضيات نفس الخطاب،لكان التّمسّك بالإطلاق في رفع‏احتمال قيديّة القدرة و دخلها في الملاك في محلّه.فالتّقرير الثّالث من وجوه تقريرالأشكال ساقط.نعم:يبقى التقرير الأوّل و الثّاني منه،و قد عرفت انّ هذين التّقريرين انّمايردان بناء على المختار:من انّ اعتبار القدرة ليس لمجرّد حكم العقل بقبح تكليف‏العاجز،بل لمكان اقتضاء الخطاب ذلك.و التّحقيق في حلّ الأشكال بناء على المختار هو انّ هذا الاقتضاء الآتي من‏قبل الخطاب لا يمكن ان يكون مقيّدا للمتعلّق و غير صالح لذلك،و توضيح ذلك:هوانّ للإطلاق جهتين:جهة إثباته للمراد،و جهة كشفه عن قيام الملاك بالمتعلّق.و المحرز للجهة الأولى هو مقدّمات الحكمة من كون المتكلّم في مقام بيان‏المراد و عدم ذكر القيد،فلا بدّ ان يكون مراده الإطلاق.و هذه المقدّمات وحدهالا تنفع في إحراز الجهة الثّانية،لأنّه لا يمكن إثبات كون المتكلّم في مقام بيان ما قام‏به الملاك و متى كان المتكلّم في مقام بيان ذلك بل يحتاج في إثبات قيام الملاك‏بالمتعلّق إلى مقدّمة أخرى و هي:ما ذهب إليه العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد الكامنة في المتعلّقات،و لو لا هذه المقدّمة لم يكن لنا طريق إلى قيام الملاك‏بالمتعلّق،فإطلاق الأمر بضميمة تلك المقدّمة يكون كاشفا عن قيام الملاك بذات‏المتعلّق و المادّة،فلا بدّ ان يكون ذات المتعلّق ممّا قام به الملاك ثبوتا،ليتطابق عالم‏الإثبات و عالم الثّبوت،و الكاشف و المنكشف،فالإطلاق يكشف عن قيام الملاك‏بما يرد عليه الهيئة،و الّذي يرد عليه الهيئة هو نفس المتعلّق بلا قيد و ان كان بورودالهيئة يتقيّد،فالتّقييد الآتي من قبل الهيئة لا ينافى إطلاق ما يرد عليه الهيئة.و الّذي ينفعنا في المقام في استكشاف الملاك و عدم قيديّة القدرة هوالثّاني،و المفروض انّ الكلام فيما إذا كان ما يرد عليه الهيئة مط غير مقيّد بالقدرة،وان كان يتقيّد بورود الهيئة.فيصح التّمسّك بالإطلاق في قيام الملاك بالمتعلّق و عدم‏


327

تقييده بالقدرة،فتكون القدرة المعتبرة في مثل هذا عقليّة لا شرعيّة،و ينحصر القدرةالشرعيّة بما إذا قيّد المتعلّق بالقدرة،كما في مثال الحجّ.فارتفع الأشكال بحذافيره،فتأمل في المقام جيّدا.إذا عرفت ذلك،فلنرجع إلى ما كنّا فيه من مرجّحات باب التّزاحم.و قدظهر لك:انّ المرجّح الثّاني ما كان أحد المتزاحمين غير مشروط بالقدرة الشّرعيّة فانّه‏يقدّم على ما كان مشروطا بها.

(المرجّح الثّالث)

ترجيح ما لا بدل له شرعا على ما له البدل شرعا،كما إذا زاحمت الطّهارةالمائيّة واجبا آخر لا بدل له،فانّه يقدّم ما لا بدل له على ما له البدل.و السّرّ في ذلك‏واضح،لأنّ كلّ مورد ثبت فيه البدل شرعا لواجب فلا محالة يكون ذلك الواجب‏مقيّدا بالقدرة و التّمكن،لأنّه لا معنى لجعل شي‏ء بدلا طوليّا لشي‏ء إلاّ كون ذلك‏البدل مقيّدا بالعجز عن ذلك الشّي‏ء و عدم التّمكن منه،و لازم ذلك هو تقييد ذلك‏الواجب بصورة التّمكن و القدرة،سواء وقع التّصريح بذلك في لسان الدّليل-كما في‏قوله تعالى:فان لم تجدوا ماء فتيمّموا،حيث انّه قيّد التّيمم بصورة عدم وجدان الماءفيستفاد منه تقييد الوضوء بصورة وجدان الماء و التّمكن منه-أو لم يقع التّصريح بذلك‏في لسان الدّليل.و بالجملة:نفس جعل البدليّة الطّوليّة يقتضى التّقييد بالقدرة،فتكون‏النسبة بين هذا المرجّح و المرجّح السّابق العموم المطلق،لأنّ كلّ ما له البدل يكون‏مقيّدا بالقدرة الشّرعيّة،و ليس كلّ ما يكون مقيّدا بالقدرة الشّرعيّة له البدل،كما هوواضح.فالوضوء إذا زاحم واجبا آخر من واجبات الصّلاة يسقط و ينتقل التّكليف‏إلى التّيمّم،من غير فرق في ذلك بين الوقت و غيره،فلو دار الأمر بين الوضوء و إدراك‏ركعة أو أزيد من الوقت و بين التّيمّم و إدراك جميع الوقت،قدّم الوقت و تيمّم‏ليدرك جميع الوقت.و امّا توهّم انّ الوقت أيضا ممّا ثبت له البدل،حيث انّ الظّاهر من‏


328

قوله: (1) من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت جميعا،هو بدليّة الرّكعة من‏الوقت عن جميع الوقت،فيكون الوقت أيضا مقيّدا بالقدرة كتقييد الوضوء بها،فلا وجه لتقديمه على الوضوء عند المزاحمة،بل لا بدّ امّا من التّخيير،و امّا من ملاحظةالأهميّة على الوجهين الآتيين في تزاحم الواجبين المشروطين بالقدرة الشّرعيّة-و لعلّه‏لذلك حكى عن بعض الأعلام تقديم الوضوء عند مزاحمته للوقت-فهو في غايةالفساد،لوضوح انّ الوقت غير مقيّد بالقدرة من أوّل الأمر كتقييد الوضوء بها كذلك،بل بعد فرض تحقق العجز عن المكلّف و عدم تمكّنه من الوقت و إدراكه له،جعل‏الشّارع إدراك الركعة من الوقت بمنزلة إدراك جميع الوقت.و الحاصل:انّه فرق بين تقييد الشّي‏ء من أوّل الأمر بالقدرة امّا بلا واسطةو امّا بواسطة جعل البدليّة،و بين جعل شي‏ء بدلا عن شي‏ء بعد فرض تحقق العجزخارجا و عدم تمكّن المكلّف منه كذلك،أي بعد فرض عدم التّمكن خارجا،فانّ‏الثّاني لا يقتضى التّقييد بالقدرة شرعا،بل أقصاه جعل البدليّة بعد فرض العجز عن‏القدرة العقليّة.و مسألة من أدرك ركعة من الوقت فقد إلخ يكون من هذا القبيل،فتأمل جيّدا.و على كلّ حال،قد ظهر:انّ المرجّح الثّالث من مرجّحات باب التزاحم‏هو ترجيح ما لا بدل له شرعا على ما له البدل.و في هذه المرجّحات الثّلاثة لا يلاحظمسألة الأهميّة و المهميّة،و لا السّبق و اللّحوق الزّماني.فيقدم ما لا بدل له أو ما لم‏يكن مشروطا بالقدرة الشّرعيّة،على ما له البدل أو المشروط بالقدرة الشّرعيّة و ان‏تأخّر زمان امتثاله أو زمان خطابه،إذا فرض تماميّة ملاكه،كالصّلاة قبل الوقت،حيث تقدم منا في الواجب المعلق:انه يستفاد من وجوب حفظ الماء قبل الوقت‏تمامية ملاك الصلاة قبله،و ان الوقت شرط للخطاب بالصّلاة لا لملاكها.و حينئذ لو فرض قبل الوقت انّه توجّه عليه تكليف له بدل أو مشروطبالقدرة الشّرعيّة و كان الاشتغال به يوجب سلب القدرة عن الصّلاة في وقتها،

1)لم نجد حديثا بهذه العبارة،و لعله مصطاد من روايات الباب،راجع الوسائل باب 30 من أبواب‏المواقيت و المستدرك باب 24 منه.


329

فمقتضى القاعدة ترك الاشتغال بذلك الواجب و وجوب حفظ قدرته للصلاة في‏وقتها كما تقدم.نعم لو فرض عدم ثبوت الملاك للصلاة قبل وقتها و كان ملاكهاكخطابها مشروطا بالوقت،كان اللازم الاشتغال بذلك الواجب الّذي له بدل‏أو المشروط بالقدرة الشرعيّة،حيث لا مزاحم له فعلا،بل في الحقيقة هذا خارج عمّانحن فيه،فتأمل‏1.فتحصل:انّه في هذه المرجحات الثلاث لا يلاحظ الأهميّة،و لا السّبق واللّحوق الزّماني،نعم:لو فرض تساوى المتزاحمين من هذه المرجّحات،بان كان كلّ‏من المتزاحمين مشروطا بالقدرة الشّرعيّة،أو كان كلّ منهما مشروطا بالقدرة العقليّة،فتصل النّوبة ح إلى التّرجيح بالأهميّة و المهمّيّة،و السّبق و اللّحوق.و تفصيل ذلك:هو انّه لو تزاحم الواجبان المتساويان من جهة المرجّحات‏الثّلاثة المتقدّمة،فامّا ان يكون الواجبان كلّ منهما مشروطا بالقدرة الشّرعيّة،و امّا ان‏يكون كلّ منهما مشروطا بالقدرة العقليّة.فان كان الأوّل،فلا يخلو امّا ان يتقدّم زمان‏امتثال أحدهما أو لا يتقدّم،فان تقدّم زمان امتثال أحدهما فهو المتقدّم،و في مثل‏هذا لا يلاحظ أهميّة المتأخّر و عدم أهميّته،لأنّ المفروض انّه ليس هناك إلا ملاك‏واحد،حيث انّه لا يمكنه الجمع بينهما،و كانت القدرة في كلّ منهما معتبرة في‏الملاك،و مع عدم القدرة على كلّ منهما لا يتحقّق الملاك في كلّ منهما،بل ليس هناك‏إلا ملاك واحد،فلا موقع لملاحظة الأهميّة و المهميّة،فانّ لحاظ ذلك يستدعى ثبوت‏ملاكين،فلا محيص من ترجيح المتقدّم زمان امتثاله،لقدرته عليه فعلا و عدم مايوجب سلب قدرته عنه شرعا.فلو فرض انّه نذر صوم يوم الخميس،و صوم يوم‏الجمعة،و بعد ذلك عرض له ما يمنعه من الجمع بين صوم اليومين،و دار امره بين‏صوم أحدهما و ترك الآخر،كان مقتضى القاعدة تقديم صوم يوم الخميس و ترك‏صوم يوم الجمعة،لتقدّم زمان امتثال الأوّل و عدم مانع شرعيّ عنه،لاعتبار القدرة1وجهه:هو انه يمكن ان يقال بلزوم حفظ القدرة في هذا الفرض أيضا،للعلم بتحقق الملاك التّام بعدذلك،فيكون اشتغاله بذلك الواجب موجبا لتفويت الملاك في موطنه،فتأمل-منه.


330

الشّرعيّة في كلّ منهما،حيث انّ خطاب الوفاء بالنّذر مشروط بالقدرة الشّرعيّة،لأنّ‏دليل الوفاء بالنّذر تابع لما التزم به المكلّف على نفسه،و ما التزم به المكلّف على‏نفسه هو الفعل المقدور،فقد أخذ المكلّف في الالتزام القدرة،و خطاب الوفاء متأخّرعن الالتزام فالخطاب يرد على الفعل الّذي أخذت القدرة فيه في المرتبة السّابقة على‏ورود الخطاب،فيكون كما إذا قيّد المتعلّق في لسان الدّليل بالقدرة صريحا،فتأمل‏جيّدا.و بعد ما ظهر انّ النّذر مشروط بالقدرة الشّرعيّة،ففي الفرع المتقدّم-من‏تزاحم الواجبين المشروط كلّ منهما بالقدرة الشّرعيّة مع تقدّم زمان امتثال أحدهماعلى الآخر-فقد عرفت انّ المتقدّم زمان امتثاله هو المتقدّم،و كذا إذا فرض اتّحادزمان امتثالهما و لكن تقدّم زمان خطاب أحدهما،كما إذا وجب عليه فعل شي‏ء معيّن‏في وقت خاصّ مشروط بالقدرة الشّرعيّة،و صادف توجّه واجب آخر مشروطبالقدرة الشّرعيّة في ذلك الوقت،فانّه يقدّم الأوّل لمكان سبق خطابه،فيكون خطاب‏السّابق قد شغل ذلك الوقت،فلم يبق موقع للواجب الآخر،إلاّ إذا كان السابق‏مشتملا على خصوصيّة توجب تأخّره و تعيّن امتثال اللاحق خطابه،كما في النّذر وشبهه،حيث انّه يعتبر فيه ان لا يكون موجبا لتحليل حرام أو تحريم حلال،سواء كان‏نفس متعلّقه حراما،كما إذا نذر ما يحرم فعله لو لا النّذر،أو كان ملازما لذلك‏1كما إذا نذر ما يوجب تفويت واجب لو لا النّذر.كما لو نذر زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة قبل أشهر الحج،ثم حصلت له الاستطاعة في أشهر الحج،فانّ مقتضى‏القاعدة انحلال النّذر و تعين الحجّ عليه،و ان تقدّم خطاب الوفاء بالنّذر و كان كلّ‏من النّذر و الحج مشروطا بالقدرة الشرعيّة.و السّر في ذلك:هو انّ النّذر في المقام يوجب تفويت الحجّ الواجب لو لاالنّذر،و تفويت الواجب كذلك يوجب انحلال النّذر،و المفروض انّ الحجّ لو لا1و لا يخفى عليك انّ الظاهر من تحليل الحرام هو ان يكون نفس المتعلّق موجبا لذلك،بان نذر ما هوحرام أو نذر ترك واجب،لا ما إذا استلزم ذلك كما في المقام،فتأمل.منه‏


331

النّذر كان واجبا لحصول ما هو شرط وجوبه و هو الاستطاعة،فلا مانع من وجوبه‏سوى النّذر،و النّذر لا يصلح ان يكون مانعا،لأنّه قد اعتبر في انعقاد النّذر ان لا يكون‏موجبا لتحليل الحرام و لو بالاستلزام،فالنّذر و الحجّ و ان اشتركا في أخذ القدرةالشّرعيّة في متعلّقهما،إلاّ انّ النّذر قد اشتمل على خصوصيّة أوجبت عدم مزاحمته‏للحجّ و تقدّم الحجّ عليه،و تلك الخصوصيّة هي عدم كونه موجبا لتحليل ما هو حرام‏أو واجب لو لا النّذر،و الحجّ واجب لو لا النّذر فلا بدّ من انحلاله.فانحلال النذر في مثل هذا ليس لمكان اعتبار الرّجحان في متعلّقه حال‏الفعل حتّى يستشكل بأنه يكفى الرّجحان حال النّذر،و زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفةفي حال النّذر كانت راجحة لعدم تحقّق الاستطاعة بعد،فلا موجب لانحلاله.أويفرض الكلام في العهد و اليمين الّذين لا يعتبر الرّجحان في متعلّقهما-و لعلّه لذلك‏حكى انّه كان عمل صاحب الجواهر(قده)على ذلك،حيث كان ينذر قبل أشهرالحجّ زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة لئلا يتوجّه عليه خطاب الحجّ في أشهره-بل‏انّ انحلال النّذر انّما هو لمكان استلزامه تفويت واجب لو لا النّذر.فان قلت:انّ هذه الخصوصيّة لا تختصّ بالنّذر،بل ورد في باب الشّروط و الصّلح و غيرذلك ان لا يكون موجبا لتحليل الحرام أو تحريم الحلال.و ح يلزم وجوب الحجّ عليه‏إذا آجر نفسه قبل أشهر الحجّ لعمل كذائي في يوم عرفة،ثمّ حصلت الاستطاعة له،فانّ مقتضى ما تقدّم هو بطلان الإجارة و وجوب الحجّ عليه،مع انّ الظّاهر انّه‏لا يمكن الالتزام به،و انّ سبق الإجارة يوجب عدم تحقّق الاستطاعة،فلا يتحقّق‏موضوع وجوب الحجّ.قلت:فرق بين التّكليف و الوضع،و كلامنا في المقام من الحيثيّة الأولى،و انّ‏التّكليف بالوفاء بالنّذر لا يزاحم تكليف الحجّ،فلو فرض انّ هناك جهة أخرى من‏وضع و ملكية بحيث كان عمله مملوكا للغير فذلك امر آخر لا ربط له بالجهة الّتي‏نحن فيها،فتأمل.


332

و حاصل الكلام:انّ تصحيح عمل صاحب الجواهر رحمه الله لا يكون إلاّبأمرين:الأوّل:انّ مثل هذا النّذر لا يوجب تحليل الحرام،بل الموجب له هو ما كان‏متعلّقه حراما و المقام ليس كذلك.الثّاني:كفاية الرّجحان حال النّذر في انعقاده،و زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة حال النّذر كانت راجحة،لعدم تحقّق الاستطاعة في ذلك الحال.و كلّ من الأمرين محلّ منع.امّا الأمر الأوّل:فقد عرفت كفاية كون المتعلّق ممّا يوجب تفويت‏واجب لو لا النّذر في اندراجه في كونه محلّلا للحرام.و امّا الأمر الثّاني:فلأنّ المستفاد من أدلّة النّذر هو اعتبار ان يكون متعلّق‏النّذر حال الفعل راجحا و لا عبرة بحال النّذر،و زيارة الحسين عليه السلام حال‏فعلها مع كون الشّخص مستطيعا يجب عليه الحجّ لو لا النّذر ليست راجحة،و لذالا يصح نذرها بعد أشهر الحجّ،و ليس المراد من الرّجحان هو الرّجحان الذّاتي،حتّى‏يقال:انّ زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة راجحة ذاتا و لو مع الاستطاعة،و لذالو ترك الحجّ و زار الحسين عليه السلام يوم عرفة فقد يثاب لزيارته و ليس ذلك إلاّلمكان رجحانها الذّاتي،بل المراد من الرّجحان المعتبر في متعلق النذر هو الرّجحان‏الفعلي،بحيث يكون ممّا رغب فيه شرعا،و زيارة الحسين عليه السلام في حقّ‏المستطيع ليست ممّا رغب فيها،و لذا لا يصح نذرها في حال كونه مستطيعا اتّفاقا.فيظهر منه انّ الرّجحان الذّاتي لا ينفع.هذا حاصل ما أفاده شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه في المقام.و عليك بالتّأمل في‏أطراف المسألة و في أدلّة النّذر.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ المتزاحمين المشروطين بالقدرة الشّرعيّةيقدّم منهما ما هو الأسبق امتثالا أو خطابا،و إلاّ فالتّخيير.و لا يلاحظ في مثل هذاالأهميّة و المهميّة،فانّه ليس هناك إلاّ ملاك واحد،فلا معنى لملاحظة الأهميّة،فتأمل.


333

و لا يخفى عليك:انّ التّخيير في المشروطين بالقدرة الشّرعية عند التّساوي‏غير التّخيير في المشروطين بالقدرة العقليّة عند التّساوي،فانّ التّخيير في القدرة العقليّةانّما هو لمكان تقييد كلّ من الإطلاقين بعدم فعل الأخر،من دون سقوط أصل‏الخطابين على أقوى المسلكين فيه كما يأتي،و لكن في القدرة الشّرعيّة التّخيير انّما هولسقوط الخاطبين و استكشاف العقل خطابا تخييريا،لمكان وجود ملاك تامّ في البين‏و عدم العلم بمتعلّقه،فيكون التّخيير في المشروطين بالقدرة الشّرعيّة كالتّخيير في‏المشروطين بالقدرة العقليّة على المسلك الأخر الّذي هو خلاف التّحقيق عندنا،وسيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.و امّا المتزاحمان المشروطان بالقدرة العقليّة:فان كان أحدهما أهمّ قدّم على‏الآخر،سواء تقدّم زمان امتثاله أو خطابه أو تأخّر،للزوم حفظ القدرة له فيكون‏خطابه أو خطاب(احفظ قدرتك)معجزا مولويّا عن المهمّ.و امّا ان لم يكن في‏البين أهميّة و مهميّة فالسّابق امتثاله هو المقدّم،و لا تصل النّوبة إلى التّخيير سواءكان من قبيل المقدّمة و ذيها،أو كان من قبيل القيام في الرّكعة الأولى و الثّانية،وسواء تنجّز التّكليف بالمتأخّر كمثال القيام أولا،كما إذا كان المتأخّر مشروطابشرط لم يحصل بعد،فانّه على جميع التّقادير يقدّم ما هو الأقدم امتثالا.إلاّ إذا كان‏المتأخّر أهمّ،كما إذا دار الأمر بين القيام حال الفاتحة،أو القيام قبل الرّكوع،حيث انّ الثّاني أهمّ لركنيّة،فانّ أهميّة المتأخر يوجب التّعجيز المولوي عن المتقدّم،لمكان انّه يتولد من أهميّته خطاب(احفظ قدرتك)فيكون عاجزا شرعا عن‏المتقدّم.و امّا إذا لم يكن المتأخّر أهمّ كالقيام في الركعة الأولى أو الثّانية أوالتّصرف في أرض الغير لإنقاذ مال الغير حيث انّه ليس إنقاذ مال الغير أهمّ من‏التّصرف في أرض الغير،فمقتضى القاعدة تقديم قيام الرّكعة الأولى و ان أوجب‏القعود في الثّانية،و ترك التّصرف في أرض الغير و ان أوجب تلف مال الغير المتوقّف‏عليه.و السّر في ذلك:هو انّه ليس له معجز مولوي عن القيام في الرّكعة الأولى،أوترك التّصرف في أرض الغير،لعدم أهميّة المتأخّر حتّى يلزم حفظ القدرة له،فليس‏


334

خطاب المتأخّر شاغلا مولويّا عن المتقدّم.و إذا لم يكن للمتقدّم شاغل مولوي كان‏هو المتعين،لحصول القدرة عليه بالفعل،فلا موجب لتركه ليحفظ قدرته للمتأخّر.و بالجملة:التّخيير انّما يكون في الواجبين المتساويين من حيث عدم أهميّةأحدهما مع اتحاد زمان امتثالهما،لصلاحيّة الاشتغال بكلّ منهما للتّعجيز عن الآخر.فالتّعجيز في العرضيين انّما يكون بالاشتغال بأحدهما لا بنفس الخطاب،و انّما يكون‏التّعجيز بالخطاب إذا كان أحدهما أهمّ.و امّا في غير ذلك فالتّعجيز انّما يكون بالاشتغال،لعدم صلاحية الخطاب‏للتّعجيز،لتساوي كلّ من الخطابين،و التّعجيز عن أحدهما بالاشتغال بالآخر انّما يكون‏في العرضيين.و امّا في الطّوليين المتقدّم زمان امتثال أحدهما على الآخر،فلا يتصوّر فيه‏التّعجيز عن أحدهما بالاشتغال بالآخر،بل يتعيّن الاشتغال بالمتقدّم لتقدم زمان‏امتثاله،و بالاشتغال به يحصل التّعجيز عن المتأخّر.فتحصل:انّه لا موقع للتّخيير في الطّوليين،و لعلّ منشأ القول بالتّخيير هوتوهّم سقوط الخطابين في المتزاحمين،و استكشاف العقل من تماميّة الملاك في كلّ‏منهما و عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما خطابا تخييريّا شرعيّا.و امّا بناء على‏المختار:من انّ التّخيير في المتزاحمين العرضيين انّما هو لمكان اشتراط إطلاق كلّ من‏الخطابين بعدم فعل الآخر مع بقاء أصل الخطاب،فلا معنى للتّخيير في الطّوليين،إذليس المتأخّر في رتبة المتقدّم حتى يقيّد به إطلاق خطاب المتقدم.و سيأتي بيان وجه‏المختار و ضعف القول الأوّل،و ما يتفرّع على القولين من الفروع التي:منها:تعدّد العقاب عند ترك الكلّ بناء على المختار،و وحدته بناء على‏القول الأخر.و منها:دوران الأمر بين التّعيين و التّخيير عند احتمال أهميّة أحدهما،بناءعلى سقوط كلا الخطابين و استكشاف العقل خطابا تخييريّا،فيبنى:امّا على البراءة،أو الاشتغال،على القولين في مسألة دوران الأمر بين التّعيين و التّخيير.و امّا بناء على المختار:من تقييد الإطلاقين،فلا محيص من القول بالاشتغال‏


335

عند أهميّة أحدهما،للقطع بتقييد غير محتمل الأهميّة و الشّك في تقييد محتمل الأهميّة،فيرجع الشّك فيه إلى الشّك في المسقط.هذا إذا تقدم زمان امتثال أحد المتزاحمين المشروطين بالقدرة العقليّة.و امّاإذا اتحد زمان امتثالهما كالغريقين فحينئذ تصل النّوبة إلى التّرجيح بالأهميّة،فأيّ‏منهما أهمّ يقدّم،لأنّ الأمر بالأهمّ يكون معجزا مولويا عن غيره.و مسألة الأهميّةيختلف باختلاف ما يستفاد من الأدلة و مناسبة الحكم و الموضوع،فما كان لحفظبيضة الإسلام يقدّم على كلّ شي‏ء،و ما كان من حقوق النّاس يقدم على غيره،كماانّ ما كان من قبيل الدّماء و الفروج يقدّم على غيره،و امّا فيما عدا ذلك فاستفادةالأهميّة يحتاج إلى ملاحظة المورد و ملاحظة الأدلة.و على كلّ حال قد ظهر لك:انّ التّرجيح بالأهميّة،انّما هو بعد فقدالمرجحات السّابقة:من البدلية و اللابدلية،و الاشتراط بالقدرة الشرعية و عدم‏الاشتراط،و غير ذلك من المرجحات السابقة،و عند فقد جميع المرجّحات يكون‏الحكم هو التّخيير.هذا تمام الكلام في تزاحم الحكمين في التّكليف الاستقلاليّة.و امّا الكلام في التّزاحم في باب القيود و الواجبات الغيريّة،كما لو دارالأمر بين ترك جزء أو شرط،أو دار الأمر بين ترك شرط أو شرط آخر،أو جزء وجزء آخر،فله عرض عريض و يحتاج إلى بسط من الكلام لا يسعه المقام،و ان كان‏شيخنا الأستاذ قد تعرّض له في هذا المقام على سبيل الإجمال،إلاّ انّا قد أعرضنا عن‏بيانه لإجمال ما ذكره(مد ظلّه)في هذا المقام.فالأولى عطف عنان الكلام إلى مسألةالتّرتب الّتي هي من فروع باب التّزاحم،و وقعت معركة الآراء بين الأعلام‏خصوصا في زماننا الحاضر.

في مسألة الترتب‏

و ينبغي أوّلا:تنقيح ما هو محلّ النّزاع في المقام فنقول:قد عرفت انّ أقسام‏التّزاحم خمسة.الأوّل:تضادّ المتعلّقين،لاجتماعهما في زمان واحد،كالغريقين.الثّاني:قصور قدرة المكلّف عن الجمع بينهما من دون ان يكون بينهمامضادّة،لاختلاف زمانهما،كالقيام في الرّكعة الأولى أو الثّانية.


336

الثّالث:تلازم المتعلقين كاستقبال القبلة و استدبار الجدي.الرّابع:مقدّميّة أحد المتعلقين للآخر،كالتّصرف في أرض الغير لإنجاءمؤمن.الخامس:اتّحاد المتعلّقين في الوجود،كالصّلاة في الأرض المغصوبة.و عنوان النّزاع في مسألة التّرتب في كلمات الأعلام و ان كان في خصوص‏القسم الأوّل،و هو ما إذا كان التّزاحم لأجل تضادّ المتعلقين،إلاّ انّ الظّاهر عدم‏اختصاص مسألة التّرتب بذلك،بل تجري في بعض الأقسام الاخر و ان لم تجري في جميع‏الأقسام الخمسة.فالأولى جعل الكلام في باب التّرتب في مسائل خمس حسب‏أقسام التّزاحم،و افراد كلّ قسم بالبحث عن جريان التّرتّب فيه.

المسألة الأولى:

في إمكان التّرتب في المتزاحمين الّذين كان التّزاحم فيها لأجل تضادّالمتعلّقين،و كان أحدهما أهمّ من الآخر،بحيث يكون إطلاق الأمر بالأهمّ على‏حاله،و الأمر بالمهمّ يقيّد بصورة عصيان الأهمّ و تركه.فيرجع النّزاع في التّرتب إلى‏انّ تقييد المهمّ بذلك مع بقاء إطلاق الأهم هل يوجب رفع غائلة التّمانع و المطاردة،و التّكليف بالمحال،و خروج الأمر بالضّدين عن العرضيّة إلى الطّوليّة؟كما هو مقالةمصحّح التّرتّب.أو انّ هذا التّقييد لا يوجب رفع تلك الغائلة،بل التّكاليف بالمحال‏بعد على حاله،و لا يخرج الأمر بالضدّين عن العرضيّة إلى الطّوليّة بذلك التّقييد.بل‏رفع تلك الغائلة لا يكون إلاّ بسقوط الأمر بالمهمّ رأسا كما هو مقالة منكر التّرتّب.والأقوى هو الأوّل.و ينبغي ان يعلم انّه لا يختصّ التّرتّب بخصوص الأهمّ و المهمّ،بل يجري في‏الموسّع و المضيق أيضا،و على كلّ حال انّ تنقيح البحث فيه يستدعى رسم‏مقدّمات:

المقدّمة الأولى:

لا إشكال في انّ الّذي يوجب وقوع المكلّف في مضيقة المحال و استلزام‏التّكليف بما لا يطاق،انّما هو إيجاب الجمع بين الضّدين،إذ لو لا إيجاب الجمع على‏


337

المكلّف لم يقع المكلّف في مضيقة المحال.فالمحذور كلّ المحذور انّما ينشأ من إيجاب‏الجمع بين الضّدين.و لا إشكال أيضا في انّه لا بدّ من سقوط ما هو منشأ إيجاب‏الجمع ليس إلاّ،و لا يمكن سقوط ما لا يوجب ذلك.و هذان الأمران مما لا كلام‏فيهما.فالكلام كلّه في انّ الموجب لإيجاب الجمع بين الضّدين هل هو نفس‏الخطابين و اجتماعهما و فعليّتهما مع وحدة زمان امتثالهما لمكان تحقّق شرطهما؟أو انّ‏الموجب لإيجاب الجمع ليس نفس الخطابين بل الموجب هو إطلاق كلّ من الخطابين‏لحالتي فعل متعلّق الآخر و عدمه.و الحاصل:انّه لا إشكال في انّ الموجب لإيجاب الجمع في غير باب‏الضّدين انّما هو إطلاق الخطابين لحالتي فعل متعلّق الأخر و عدمه،كالصّلاة والصّوم،فانّ الموجب لإيجاب الجمع بينهما انّما هو إطلاق خطاب الصّلاة و شموله‏لحالتي فعل الصّوم و عدمه،و إطلاق خطاب الصّوم و شموله لحالتي فعل الصّلاةو عدمه.و نتيجة الإطلاقين إيجاب الجمع بين الصّلاة و الصّوم على المكلّف.و لوكان كلّ من خطاب الصّوم و الصّلاة مشروطا بعدم فعل الآخر،أو كان أحدهمامشروطا بذلك،لما كانت النّتيجة إيجاب الجمع بين الصّوم و الصّلاة.و هذا في غيرالضّدين واضح.فيقع الكلام في انّ حال الضّدين حال غيرهما في انّ الموجب‏لإيجاب الجمع بينهما هو إطلاق كلّ من الخطابين حتى يكون هو السّاقط ليس إلاّ؟أوانّ الموجب لذلك هو فعليّة الخطإ بين مع وحدة زمان امتثالهما حتى يكون السّاقطأصل الخطابين.و على ذلك يبتنى المسلكان في التّخيير في المتزاحمين المتساويين من‏حيث المرجّحات،من حيث كون التّخيير عقليّا،أو شرعيّا،فانّه لو كان المقتضى‏لإيجاب الجمع هو إطلاق الخطابين فالسّاقط هو الإطلاق ليس إلاّ مع بقاء أصل‏الخطابين،و يكون التّخيير لمكان اشتراط كلّ خطاب بالقدرة على متعلّقة،فيكون‏كلّ من الخطابين بالضّدين مشروطا بترك الآخر،لحصول القدرة عليه عند ترك‏الآخر و ينتج التّخيير عقلا.و هذا بخلاف ما إذا قلنا:بأنّ المقتضى لإيجاب الجمع‏هو أصل الخطابين و وحدة زمان امتثالهما،فانّه ح لا بدّ من سقوط كلا الخطابين،لأنّ‏سقوط أحدهما ترجيح بلا مرجّح،و لمكان تماميّة الملاك في كلّ منهما يستكشف‏


338

العقل خطابا شرعيّا تخييريّا بأحدهما،و يكون كسائر التّخييرات الشّرعية كخصال‏الكفارات،غايته انّ التخيير الشرعي في الخصال يكون بجعل ابتدائيّ،و في المقام يكون‏بجعل طارئ.و يكون وزان التّخيير في المشروطين بالقدرة العقليّة وزانه في المشروطين‏بالقدرة الشّرعيّة،حيث تقدّم انّ التّخيير فيهما يكون شرعيّا.و على ذلك أيضا يبتنى وحدة العقاب و تعدّده عند ترك الضّدين معا،فانّه‏بناء على سقوط الخطابين لا يكون هناك إلاّ عقاب واحد،لأنّ الواجب شرعا ح هوأحدهما.و امّا بناء على اشتراط الإطلاقين فيتعدّد العقاب،لحصول القدرة على كلّ‏منهما،فيتحقّق شرط وجوب كلّ منهما،فيعاقب على ترك كلّ منهما.و ربّما يترتّب‏على ذلك ثمرات اخر قد تقدّمت الإشارة إلى بعضها.فتحصل:انّ الّذي ينبغي ان يقع محلّ النّفي و الإثبات،هو انّ الموجب‏لإيجاب الجمع ما هو؟هل إطلاق الخطابين؟أو فعليّتهما؟و على الأوّل يبتنى صحّةالتّرتب،و على الثّاني يبتنى بطلانه.و من الغريب:ما صدر عن الشّيخ(قده)حيث انّه في الضّدين الّذين‏يكون أحدهما أهمّ ينكر التّرتّب غاية الإنكار (1) و لكن في مبحث التّعادل والتراجيح التزم بالتّرتب من الجانبين عند التّساوي و فقد المرجّح،حيث قال في ذلك‏المقام،في ذيل قوله:«فنقول و باللَّه المستعان قد يقال بل قيل:انّ الأصل في‏المتعارضين عدم حجيّة أحدهما»ما لفظه:«لكن لمّا كان امتثال التّكليف بالعمل‏بكلّ منهما كسائر التّكاليف الشّرعيّة و العرفيّة مشروطا بالقدرة،و المفروض انّ‏كلا منهما مقدور في حال ترك الآخر،و غير مقدور مع إيجاد الآخر،فكلّ منهما مع ترك‏الأخر مقدور يحرم تركه و يتعيّن فعله،و مع إيجاد الآخر يجوز تركه و لا يعاقب‏عليه،فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلّة وجوب الامتثال و العمل بكلّ منهما بعدتقييد وجوب الامتثال بالقدرة.و هذا ممّا يحكم به بديهة العقل،كما في كلّ واجبين‏

1)راجع تفصيل ما أفاده الشيخ قدس سره في المقام في مباحث مقدمة الواجب من مطارح الأنظار،الهداية التي تكلم فيها عن صحة اشتراط الوجوب عقلا بفعل محرم مقدم عليه و عدمها،ص 54 إلى 57.


339

اجتمعا على المكلّف و لا مانع من تعيين كلّ منهما على المكلّف بمقتضى دليله إلاّتعيين الأخر عليه كذلك» (1) انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علوّ مقامه.و هذا كما ترى صريح في انّ التّخيير في الواجبين المتزاحمين انّما هو من نتيجةاشتراط كلّ منهما بالقدرة عليه و تحقّق القدرة في حال ترك الآخر،فيجب كلّ منهماعند ترك الآخر،فيلزم التّرتّب من الجانبين مع انّه(قده)أنكره من جانب واحد.وليت شعري انّ ضمّ ترتّب إلى ترتّب آخر كيف يوجب تصحيحه.و بالجملة:هذه المناقضة من الشّيخ غريبة.و على كلّ حال،فقد تحصّل‏من المقدّمة الأولى:انّ العمدة هو إثبات ما يوجب إيجاب الجمع بين الضّدين على‏المكلّف،حتى يكون هو السّاقط.

المقدّمة الثّانية:

الواجب المشروط بعد تحقّق شرطه حاله حاله قبل تحقّق شرطه،من حيث‏انّه بعد على صفة الاشتراط،و لا يتّصف بصفة الإطلاق،و لا ينقلب عمّا هو عليه.و ذلك لما عرفت في الواجب المشروط:من انّ الشّرط فيه يرجع إلى الموضوع،فيكون‏الواجب المشروط عبارة عن الحكم المجعول على موضوعه المقدّر وجوده على نهج‏القضايا الحقيقيّة.و ليست الأحكام من قبيل القضايا الشّخصيّة،بل هي أحكام‏كليّة مجعولة أزليّة على موضوعاتها المقدّرة،و الحكم المجعول على موضوعه لا ينقلب عمّاهو عليه،و لا يخرج الموضوع عن كونه موضوعا،و لا الحكم عن كونه مجعولا على‏موضوعه.و وجود الشّرط في الواجب المشروط عبارة عن تحقّق موضوعه خارجا،وبتحقّق الموضوع خارجا لا ينقلب الواجب المجعول الأزليّ عن الكيفيّة التي جعل‏عليها،و لا يتصف بصفة الإطلاق بعد ما كان مشروطا،لأنّ اتّصافه بذلك يلزم‏خروج ما فرض كونه موضوعا عن كونه موضوعا.فوجوب الحجّ انّما أنشأ أزلامشروطا بوجود موضوعه الّذي هو العاقل البالغ المستطيع،و هذا لا يفرق الحال فيه،بين تحقّق الاستطاعة لزيد أو عدم تحقّقها،إذ ليس لزيد حكم يخصّه حتى يقال:انّه‏

1)فرائد الأصول(الرسائل)،مباحث التعادل و التراجيح،المقام الأوّل في المتكافئين.ص 416.


340

لا معنى لكون وجوب الحجّ بالنّسبة إلى زيد المستطيع مشروطا بالاستطاعة،بل لا بدّمن ان يكون الخطاب بالنّسبة إلى زيد ح مط.و هو كذلك لو كانت الأحكام‏الشّرعيّة من قبيل القضايا الجزئيّة الخارجيّة،و عليه يكون الشّرط من علل التّشريع‏لا من قيود الموضوع،كما استقصينا الكلام في ذلك في الواجب المشروط و المعلّق،وتقدّم بطلان ذلك و انّ الأحكام الشّرعيّة مجعولة على نهج القضايا الحقيقيّة.فما في بعض الكلمات:من انّ الواجب المشروط بعد تحقّق شرطه يكون‏واجبا مط مبنىّ على ذلك المبنى الفاسد:من كون الأحكام الشّرعيّة قضايا جزئيّة.وامّا بناء على ما هو الحقّ عندنا،فالواجب المشروط دائما يكون مشروطا،و لو بعدتحقّق شرطه و فعليّته.و بعبارة أخرى:الشّرط دائما يكون من وسائط العروض،لا وسائط الثّبوت.و بذلك ظهر فساد ما في بعض الألسن:من انّ الواجب المشروط بعد تحقّق شرطه‏يكون واجبا مط.فالأمر بالمهمّ المشروط بعصيان الأمر بالأهمّ دائما يكون مشروطا،ولو بعد تحقّق شرطه.نعم يصير فعليّا عنده.و على ذلك تبتنى طوليّة الأمر بالمهمّ‏بالنّسبة إلى الأمر بالأهمّ و خروجه عن العرضيّة،كما سيأتي توضيحه إن شاء اللّه‏تعالى.و المحقّق الخراسانيّ(قده)مع اعترافه‏ (1) برجوع الشّرط إلى الموضوع الّذي‏عليه يبتنى الواجب المشروط،و انّه يكون قسيما للواجب المطلق-كما أوضحناه‏ (2) في‏محلّه-ذهب في جملة من الموارد إلى كون الشّرط من وسائط الثّبوت،و انّه من قبيل‏العلل للتّشريع كما يظهر من إرجاعه الشّرط المتأخر إلى الوجود العلمي-على ما تقدّم‏تفصيله‏ (3) و كما يظهر منه في المقام‏ (4) حيث جعل الأمر بالمهمّ بعد تحقّق‏

1)راجع كفاية الأصول،الجلد الأوّل،تقسيمات الواجب،منها تقسيمه إلى المطلق و المشروط ص 152-

2)راجع الجزء الأول من هذا الكتاب،مباحث تقسيمات الواجب،منها تقسيمه إلى المطلق و المشروط،الأمر الأوّل ص 170

3)الجزء الأوّل من هذا الكتاب،مباحث تقسيمات الواجب في الفرق بين القضايا الحقيقية و الخارجيةص 276 و راجع الكفاية،الجلد الأوّل.مباحث مقدمة الواجب.منها تقسيمها إلى المتقدم و المتأخر.

4)كفاية الأصول.الجلد الأوّل،الأمر الرابع من الأمور التي رسمها في مقدمة بحث الضد،ص 213


341

شرطه في عرض الأمر بالأهمّ.و ذلك لا يستقم إلاّ بعد القول بصيرورة الواجب‏المشروط مطلقا بعد تحقّق شرطه.و يظهر منه ذلك أيضا في موارد أخر لعلّه نشير إليهافي محلّها.

المقدّمة الثّالثة

قسّموا الواجب إلى موسّع و مضيق و عرّفوا الأوّل بما إذا كان الزّمان‏المضروب لفعل الواجب أوسع من الفعل،و بعبارة أخرى:ما كان له افراد و أبدال‏طوليّة بحسب الزّمان.و يقابله المضيق و هو ما إذا كان الزّمان المضروب للفعل‏بقدره،أي ما لا يكون له بدل طولي بحسب الزّمان.ثمّ انّ المضيق على قسمين:قسم أخذ فيه الشّي‏ء شرطا للتكليف بلحاظحال الانقضاء،سواء كان ذلك الشّي‏ء من مقولة الزّمان،أو من مقولة الزّماني،أي‏يكون انقضاء ذلك الشّي‏ء و سبقه شرطا للتّكليف.و لعلّ باب الحدود و الدّيات من‏هذا القبيل،بناء على ان يكون التّكليف بالحدّ مضيقا،فانّ الشّرط لوجوب الحدّ هوانقضاء القتل من القاتل و تحقّقه منه،و لا يتوجّه التّكليف بالحدّ حال تلبّس القاتل‏بالقتل،بل يعتبر انقضاء القتل منه و لو آنا ما.و لو ناقشت في المثال فهو غير عزيز،مع انّ مع المقصود في المقام مجرّد تصوّر أخذ الشّي‏ء شرطا للتّكليف بلحاظ حال‏انقضائه،وجد له في الشّريعة مثال أو لم يوجد.و يمكن تصوير ذلك في الواجب الموسّع أيضا،بان يؤخذ الشّي‏ء شرطاللتّكليف بالموسّع بلحاظ حال الانقضاء،و ان لم نعثر على مثال له،أو قلنا انّ الحدّمن الواجبات الموسّعة.و المقصود انّه لا اختصاص لما قلناه بالمضيق.و قسم أخذ الشّي‏ء فيه شرطا بلحاظ حال وجوده،و لا يعتبر فيه الانقضاء،فيثبت التّكليف مقارنا لوجود الشّرط،و لا يتوقّف ثبوته على انقضاء الشّرط،بل‏يتّحد زمان وجود الشّرط و زمان وجود التّكليف و زمان امتثاله و يجتمع الجميع في‏آن واحد حقيقي.و أغلب الواجبات المضيقة في الشّريعة من هذا القبيل،كما في‏باب الصّوم،حيث انّ الفجر شرط للتّكليف بالصّوم،و مع ذلك يثبت التّكليف‏مقارنا لطلوع الفجر،كما انّ زمان امتثال التّكليف بالصّوم أيضا يكون من أوّل‏


342

الطّلوع،لأنّ الصّوم هو الإمساك من أوّل الطّلوع،ففي الآن الأوّل الحقيقيّ من‏الطّلوع يتحقق شرط التّكليف و نفس التّكليف و امتثاله،بمعنى انّ ظرف امتثاله‏أيضا يكون في ذلك الآن و ان لم يتحقّق الامتثال خارجا و كان المكلّف عاصيا،إلاّانّ اقتضاء التّكليف بالصّوم للامتثال انّما يكون من أوّل الفجر،ففي أوّل الطّلوع‏تجتمع الأمور الثّلاثة:شرط التّكليف،و نفس التّكليف،و زمان الامتثال.ولا يتوقّف التّكليف على سبق تحقق شرطه آنا ما.كما انّه لا يتوقّف الامتثال على‏سبق التّكليف آنا ما،بل يستحيل ذلك.امّا استحالة تقدّم زمان شرط التّكليف على نفس التّكليف،فلما عرفت‏من رجوع كلّ شرط إلى الموضوع.و نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلّة إلى معلولها،أي من سنخ العلّة و المعلول،و ان لم يكن من العلّة و المعلول حقيقة،إلاّ انّ الإرادةالتّشريعيّة تعلّقت بترتّب الأحكام على موضوعاتها نحو تعلّق الإرادة التّكوينيّة بترتّب‏المعلولات على عللها.فيستحيل تخلّف الحكم عن موضوعه،كاستحالة تخلّف المعلول‏عن علّته،لأنّ مع التّخلف يلزم:امّا عدم موضوعيّة ما فرض كونه موضوعا و هوخلف،و امّا تأخّر المعلول عن علّته و هو محال.و لذا قلنا بامتناع كلّ من الشّرطالمتقدّم و المتأخّر،و انّه يعتبر في شرط التّكليف ان يكون مقارنا له زمانا،و ان تأخّرعنه رتبة،و ذلك لأنّ الآن المتخلّف امّا ان يكون له دخل في ثبوت الحكم،و امّا ان‏لا يكون،فان كان له دخل فيلزم ان لا يكون ما فرض كونه تمام الموضوع أو الجزءالأخير منه كذلك،بل كان انقضاء ذلك الآن هو الجزء الأخير من الموضوع.و ان لم‏يكن لذلك الآن دخل يلزم تخلّف المترتب عمّا رتب عليه و تأخّر المعلول عن علته،وذلك واضح.و امّا استحالة تأخّر زمان الامتثال عن التّكليف،فلأنّ التّكليف هو الّذي‏يقتضى الامتثال و يكون هو المحرّك،فيكون نسبة اقتضاء التّكليف للحركة كنسبةاقتضاء حركة اليد لحركة المفتاح،و غير ذلك من العلل و المعلولات التكوينيّة.نعم:الفرق بين المقام،و العلل التّكوينيّة،هو انّه لا يتوسّط في سلسلة العلل‏التّكوينيّة العلم و لا الإرادة،بل يوجد المعلول بعد علّته التّكوينيّة من دون دخل‏


343

للعلم و الإرادة في ذلك.و امّا في المقام فيتوسّط بين الامتثال و التّكليف علم الفاعل‏بالتّكليف و إرادته الامتثال،إذ مع عدم العلم بالتّكليف،أو عدم إرادة الامتثال،يستحيل تحقّق الامتثال.إلاّ انّه على كلّ تقدير لا يخرج التّكليف عن كونه واقعا في‏سلسلة العلل،غايته انّ العلم و الإرادة أيضا واقعة في سلسلتها،و لا يتفاوت في‏استحالة تخلّف المعلول عن علّته زمانا بين قلّة ما يقع في سلسلة العلّة و كثرته.فالامتثال المعلول للتّكليف و العلم و الإرادة يستحيل ان يتخلّف عن ذلك زمانا،وانّما التّخلّف في الرتبة فقط.فلا يعقل سبق زمان التّكليف على زمان الامتثال.و قدتقدّم منّا في الواجب المعلّق امتناع فعليّة التّكليف قبل زمان امتثاله،لأنّ الزّمان‏المتخلّل،امّا ان يكون لانقضائه دخل في فعليّة التّكليف فيستحيل فعليّة التّكليف‏قبل انقضائه،و امّا ان لا يكون له دخل فيستحيل تأخّر الامتثال عنه أي اقتضائه‏للامتثال.و بالجملة:مقتضى البرهان،هو ان لا يتخلّف التّكليف عن الشّرط،ولا الامتثال عن التّكليف زمانا،بل يتقارنان في الزّمان،و ان كان بينهما تقدّم و تأخّررتبي،هذا.و لكن حكى عن بعض الأعلام:انّه لا بد في هذا القسم من المضيق(و هوما إذا اتّحد زمان وجود الشّرط و التّكليف و الامتثال،كالصّوم و كصلاة الآيات)من تقدير سبق التّكليف آنا ما قبل زمان الامتثال،ليتمكّن المكلف من الامتثال،ولا يمكن ان يقارن التّكليف لزمان الامتثال.بل يظهر1من المحقّق الخراسانيّ في الواجب المعلّق:انّه يعتبر سبق زمان‏التّكليف على زمان الامتثال في جميع الواجبات فراجع.1الكفاية المجلد الأول ص 163،قوله:«مع انه لا يكاد يتعلق البعث الا بأمر متأخر عن زمان‏البعث،ضرورة ان البعث انما يكون لإحداث الداعي للمكلف إلى المكلف به بان يتصوره بما يترتب عليه من‏المثوبة و على تركه من العقوبة،و لا يكاد يكون هذا إلاّ بعد البعث بزمان،فلا محاله يكون البعث نحو امر متأخر عنه‏بالزمان،و لا يتفاوت طوله و قصره فيما هو ملاك الاستحالة و الإمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب».


344

و قد يوجّه ذلك:بأنه لو لا السّبق يلزم:امّا التّكليف بالحاصل،و امّاالتّكليف بالمتعذّر،لأنّه ان كان المكلّف في الآن الأوّل الحقيقي من الفجر ممسكافتوجّه التّكليف إليه في ذلك يكون من الطّلب الحاصل،و ان لم يكن ممسكا فيتعذّرعليه التّكليف بالإمساك في آن الطّلوع،فلا بدّ من سبق التّكليف على الطّلوع آنا ماليتمكّن المكلّف من الإمساك في أوّل الفجر منبعثا عن التّكليف السّابق،هذا.و لكن لا يخفى عليك ما فيه:امّا أوّلا:فلأنّه لا موجب لهذا التّقدير،لأنّ توقّف الانبعاث على البعث ليس بأزيدمن توقّف المعلول على علّته،فكما انّ وجود المعلول يكون مستندا إلى علّته المقارنة له‏في الوجود و يكون صادرا عنها،فكذلك الانبعاث يكون مستندا إلى البعث المقارن له‏في الوجود و يكون حاصلا بذلك البعث.و دعوى انّه يكون من تحصيل الحاصل ممنوعة،فانّه لو كان الانبعاث‏حاصلا بنفسه لا عن البعث كان من تحصيل الحاصل،و ليس الأمر كذلك،بل‏يكون حاصلا عن البعث،و إلاّ فيمكن تقريب ذلك بالنّسبة إلى العلل و المعلولات‏التّكوينيّة أيضا،بان يقال:انّ المعلول حاصل في زمان علّته فتكون العلّة علّة لما هوحاصل.و كما يجاب عن ذلك بأنّ المعلول حاصل من قبل علّته المقارنة له في الوجودالمتقدّمة عليه في الرّتبة،كذلك يقال في المقام:انّ الانبعاث حاصل من قبل البعث‏المقارن له في الوجود المتقدّم عليه رتبة.فلا يتوقّف الانبعاث على سبق البعث زمانا.نعم:يتوقّف على سبق العلم بالبعث في زمانه،فانّه لو لم يكن عالما بتحقّق‏البعث في أوّل طلوع الفجر لم يكن يصدر عنه الانبعاث و الإمساك من أوّل الطّلوع.و من هنا قلنا بوجوب تحصيل العلم بالأحكام قبل أوقاتها لمن لا يتمكن من تحصيله‏في وقتها،كالمضيّقات مط،و كالموسّعات في بعض الأحيان.و الحاصل:انّ الّذي يتوقّف عليه الانبعاث في أوّل الفجر،هو سبق العلم‏بالتّكليف على أوّل الفجر،لا سبق التّكليف على الفجر.و أظنّ انّ الّذي أوجب‏القول بتقدير التّكليف آنا ما قبل الفجر في هذا القسم من المضيّقات،هو ملاحظة


345

عدم إمكان تحقّق الانبعاث من أوّل الفجر إلاّ بسبق التّكليف عليه.و لكن هذاخلط بين سبق التّكليف و بين سبق العلم به.و الّذي يتوقّف عليه الانبعاث هوسبق العلم،لا سبق التّكليف،و إلاّ فسبق التكليف لا يوجب تحقّق الانبعاث من‏دون سبق العلم،كما لا يخفى.فتقدير سبق التّكليف آنا ما يكون بلا موجب.و امّا ثانيا:فلأنّ سبق التّكليف لا أثر له،و يكون لغوا إذا لمكلّف انّما ينبعث‏عن البعث المقارن،لا عن البعث السّابق،لأنّ البعث السّابق،امّا ان يكون مستمرّاإلى زمان الانبعاث،و امّا ان لا يكون.فان لم يكن مستمرّا فلا يعقل الامتثال والانبعاث،إذ لا يمكن امتثال تكليف معدوم،و ان كان مستمرّا فالّذي يوجب‏الانبعاث هو استمراره و انحفاظه إلى زمان الانبعاث،فوجوده السّابق لغو و الانبعاث‏دائما يكون عن البعث المقارن.و امّا ثالثا:فلأنّ سبق التّكليف و لو آنا ما لا يعقل و من المستحيل،كما تقدّمت الإشارةإليه في المقام،و تقدّم تفصيله في الواجب المعلّق و عليه بنينا امتناع الواجب المعلّق،فراجع‏ (1) .و امّا رابعا:فلأنّه لا اختصاص لهذا التّقدير بهذا القسم من المضيّقات،بل يلزم القول‏بسبق التّكليف حتى في الموسّعات،لوضوح صحّة الصّلاة المقارنة لأوّل الزّوال‏حقيقة،بحيث شرع فيها في الآن الأوّل الحقيقي من الزّوال،فانّه و ان لم يلزم ذلك،إلاّ انّه لا إشكال في الصّحة.و لو فعل ذلك فيلزم تقدير سبق التّكليف بالصّلاة على‏الزّوال ليكون الامتثال عن التّكليف السّابق،مع انّ الظّاهر انّ القائل بالتّقدير لم‏يلتزم به في الموسّعات،فيطالب حينئذ بالفرق.

1)راجع مباحث مقدمة الواجب،ما أفاده المصنف قدس سره في امتناع الواجب المعلق.ص 186


346

فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّه لا يتوقّف التّكليف بالمضيّقات على سبقه على زمان امتثالها،بل‏يستحيل ذلك،و انّه لا بدّ من اجتماع التّكليف و الشّرط و الامتثال في زمان واحدحقيقي،و يكون التّقدّم و التّأخّر بالرّتبة فقط.إذا عرفت ذلك‏ظهر لك:دفع بعض الإشكالات التي أشكلوها على الخطاب الترتبي‏منها:انّه يتوقّف صحّة الخطاب الترتّبي على صحّة الواجب المعلّق و الشّرطالمتأخّر،و حيث أبطلنا كلاّ منهما في محلّه،فيلزم بطلان الخطاب التّرتّبي.و هذا الأشكال انّما يكون من القائل بالتّقدير،و انّه يعتبر سبق التّكليف‏على زمان الامتثال في الواجبات المضيقة.فالإشكال انّما يرد على ذلك المبنى الفاسد.و وجه الابتناء:هو انّه لمّا كان الكلام في الخطاب التّرتّبي واقعا في المتزاحمين‏المضيقين الّذين كان أحدهما أهمّ،فكان كلّ من خطاب الأهمّ و المهمّ مضيقا،ولمّا كان خطاب المهمّ مشروطا بعصيان الأهمّ،و كان زمان عصيانه هو زمان‏امتثال المهمّ،كما هو لازم التّضييق،فلا يمكن ان يكون الخطاب بالمهمّ مقارنا لزمان‏عصيان الأهمّ،لأنّه زمان امتثاله.فلا بدّ ان يتقدّم الخطاب بالمهمّ آنا ما على عصيان‏الأهمّ،لما تقدّم من اعتبار سبق التّكليف في المضيقات،فيلزم كل من الواجب‏المعلق و الشرط المتأخر،لأنه باعتبار سبق زمان التكليف على زمان الامتثال يكون‏من الواجب المعلّق،إذ لا نعنى بالواجب المعلّق إلاّ ما يكون ظرف الامتثال فيه‏متأخّرا عن ظرف التّكليف،و يكون الامتثال معلّقا على مضيّ ذلك الآن الّذي قدّرسبق التّكليف عليه.و باعتبار انّ الخطاب بالمهمّ مشروط بعصيان الأهمّ و قد سبقه‏يكون من الشّرط المتأخّر،فالخطاب التّرتبي يتوقّف على كلّ من الواجب المعلّق والشّرط المتأخّر هذا.و لكن لا يكاد ينقضي تعجّبي من هذا الأشكال.امّا أوّلا:فلا اختصاص لهذا الأشكال بالخطاب التّرتّبي،بل يجري في جميع‏


347

المضيقات،فانّ الصّوم مثلا بناء على سبق التّكليف به على الفجر يلزم أيضا كونه‏من الواجب المعلّق و الشّرط المتأخّر.فباعتبار سبق التّكليف على زمان الامتثال يلزم‏الواجب المعلّق.و باعتبار اشتراط التّكليف بالصّوم بالفجر يلزم الشّرط المتأخّر،فهذاالأشكال بناء على التّقدير يرد في جميع المضيّقات،بل في الموسّعات أيضا،بناء على‏ما تقدّم من انّ التّقدير في المضيّقات يلزمه التّقدير في الموسّعات أيضا،و لا اختصاص‏لهذا الأشكال بالخطاب التّرتّبي،فما يجاب به عن الأشكال في سائر المقامات يجاب‏به أيضا في الخطاب التّرتّبي.و امّا ثانيا:فلما عرفت من ان الأشكال مبنى على ذلك المبنى الفاسد،و هو تقدير سبق‏التكليف،و قد أوضحنا فساده.فلا إشكال في المقام،كما لا إشكال في سائرالمضيقات،فضلا عن الموسعات.و منها:انّ الخطاب المهمّ لو كان مشروطا بنفس عصيان الأهمّ لم يلزم محذور طلب‏الجمع،لأنّ امتثال خطاب المهمّ اعتبر في زمان خلوّ المكلّف عن الأهمّ،فلا يعقل‏اقتضائه لطلب الجمع.و امّا ان أخذ الشّرط هو العنوان الانتزاعي و وصف التّعقب‏-أي كون المكلّف ممّن يعصى-فيلزم محذور طلب الجمع،لأنّ خطاب المهمّ يكون‏فعليّا قبل عصيان الأهمّ إذا كان ممّن يعصى بعد ذلك،فلم يعتبر في ظرف امتثاله‏خلوّ المكلّف عن الأهمّ،بل يلزم اجتماع كلّ من الأهم و المهمّ في زمان واحد،هذا.و لكن لا يخفى عليك ضعفه،لما فيه:أوّلا:انّه لا موجب لجعل الشّرط هو العنوان الانتزاعي و وصف التّعقب إلاّ بناءعلى اعتبار سبق التّكليف آنا ما مع عدم القول بالشّرط المتأخّر،فيستقيم ح ان يكون‏الشّرط هو الوصف الانتزاعي،لأنّ المفروض انّ خطاب المهمّ لا بدّ ان يكون قبل‏زمان امتثاله و هو زمان عصيان الأهمّ،و لا يمكن ح ان يكون نفس العصيان شرطا،لاستلزامه الشّرط المتأخّر،فلا بدّ ان يكون الشّرط هو العنوان الانتزاعي.إلاّ انّه قد


348

تقدّم فساد المبنى،و ان تقدير سبق التّكليف بلا موجب بل مستحيل.و حينئذ لا يتمّ‏جعل الشّرط هو العنوان المنتزع،بل يكون الشّرط هو نفس العصيان،و قد اعترف انّه‏بناء على ذلك لا يلزم طلب الجمع.و ثانيا:لو فرض انّ الشّرط هو الوصف الانتزاعي فلا يلزم أيضا طلب الجمع،لأنّ‏الوصف انّما انتزع من العصيان الّذي هو زمان خلوّ المكلّف عن الأهمّ،فمعنى كونك‏ممّن تعصي:كونك ممّن تخلو عن فعل الأهمّ.و مع ذلك كيف يلزم طلب الجمع؟و مجرّد اجتماع الخطابين في زمان و فعليّتهما بتحقق شرطهما لا يقتضى إيجاب الجمع،بل انّ أساس التّرتب انّما هو على اجتماع الخطابين في زمان،فغاية ما يلزم من أخذالشّرط الوصف الانتزاعي هو اجتماع كلّ من خطاب الأهمّ و المهمّ في زمان واحد،و هذا ممّا لا محيص عنه في الخطاب التّرتّبي.بل لو أخذ نفس العصيان شرطا فلا بدّان يؤخذ على وجه يجتمع فيه كلّ من خطاب الأهمّ و المهمّ،و ذلك‏بان يكون الشّرط هو التّلبس بالعصيان الّذي يكون خطاب الأهمّ في حاله محفوظا،لا تحقّق العصيان بمعنى الانقضاء و المضي الّذي يكون خطاب الأهمّ عنده ساقطا،لسقوط كلّ خطاب بعصيانه.و بالجملة:لا فرق بين ان يكون الشّرط هو نفس العصيان أو الوصف‏الانتزاعي،في اجتماع كلّ من الخطابين في زمان واحد،و في عدم اقتضائهما لطلب‏الجمع بعد ما اعتبر في خطاب المهمّ خلوّ المكلّف عن فعل الأهمّ،سواء كان الشّرطنفس ذلك،أو كان هو منشأ انتزاع ما هو الشّرط كما لا يخفى،فتأمل جيّدا.

المقدّمة الرّابعة:

الّتي هي أهمّ المقدّمات،بل عليها يبتنى أساس التّرتّب،هي انّ انحفاظكل خطاب بالنّسبة إلى ما يتصوّر من التّقادير و الانقسامات يكون على أحد أنحاءثلاثة:الأوّل:ما كان انحفاظه بالإطلاق أو التّقييد اللّحاظي،و ذلك بالنّسبة إلى كلّ‏


349

تقدير و انقسام يمكن لحاظه عند الخطاب،و ذلك انّما يكون في التّقادير و الانقسامات‏المتصوّرة في المتعلّق مع قطع النّظر عن ورود الخطاب،بحيث أمكن وقوع المتعلّق‏مقترنا بتلك التّقادير و ان لم يتعلّق به خطاب أصلا،كقيام زيد و قعوده،و طيران‏الغراب و عدمه،حيث يكون الأمر بالصّلاة محفوظا عنده بالإطلاق اللّحاظي،وكالوقت،حيث يكون الأمر بالصّلاة محفوظا عنده بالتّقييد اللّحاظي،لمكان إمكان‏إيقاع الصّلاة عند قيام زيد و قعوده،و في الوقت و خارجه،و لو لم يتعلّق بها امر،فيمكن لحاظ هذه التّقادير عند الخطاب و الأمر بالصّلاة،فلو لاحظ تقديرا خاصّاكان ذلك تقييدا لحاظيّا،كما لاحظ الوقت عند الأمر بالصّلاة.و ان لم يلاحظتقديرا خاصّا،بل ساوى في امره لكلتا حالتي وجود التّقدير و عدمه يكون ذلك‏إطلاقا لحاظيّا،كما ساوى في امره بالصّلاة في كلتا حالتي قيام زيد و قعوده.الثّاني:ان يكون انحفاظ الخطاب بنتيجة الإطلاق أو التقييد،و ذلك بالنّسبة إلى‏كلّ تقدير و انقسام لا حق للمتعلّق بعد تعلّق الخطاب به،بحيث لا يكون لذلك‏التّقدير وجود إلاّ بعد ورود الخطاب كتقدير العلم و الجهل بالخطاب،حيث انّ‏تقدير العلم و الجهل بالأحكام لا يكون إلاّ بعد ورود الخطاب،لأنّه بعد ورودالخطاب يتحقّق تقدير العلم و الجهل بذلك الخطاب،فلا وجود لهذا التّقدير قبل‏الخطاب.فلا يمكن فيه الإطلاق أو التقييد اللّحاظي،بل لا بدّ امّا من نتيجةالإطلاق،كما في تقديري العلم و الجهل،حيث يكون الخطاب محفوظا في كلاالتّقديرين بنتيجة الإطلاق،و امّا من نتيجة التقييد كما في العلم و الجهل أيضابالنّسبة إلى خصوص مسألتي القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات،لأنّ الإهمال‏الثّبوتي في مثل هذه التّقادير لا يعقل،لأنّ الملاك و المصلحة الباعثة للأمر بالصّلاةامّا:ان يكون محفوظا في كلا الحالين،أي حالة وجود التّقدير و عدمه،فلا بدّ من‏نتيجة الإطلاق كما في العلم و الجهل بعد قيام الأدلّة و الضّرورة على اشتراك العالم والجاهل في الأحكام إلاّ في موارد القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات،و امّا:ان‏يكون الملاك محفوظا في تقدير خاصّ دون عدمه فلا بدّ من نتيجة التّقييد.


350

الثّالث:ما كان انحفاظ الخطاب لا بالإطلاق و التّقييد اللّحاظي،و لا بنتيجةالإطلاق و التّقييد.و ذلك بالنّسبة إلى كلّ تقدير يقتضيه نفس الخطاب،و هوالفعل أو التّرك الّذي يطالب به أو بنقيضه،حيث يكون انحفاظ الخطاب في حالتي‏الفعل و التّرك بنفسه و باقتضاء هويّة ذاته،لا بإطلاقه لحاظا أو نتيجة،إذ لا يعقل‏الإطلاق و التّقييد بالنّسبة إلى تقديري فعل متعلّق الخطاب و تركه،بل يؤخذ المتعلّق‏معرّى عن حيثيّة فعله و تركه و يلاحظ نفس ذاته،فيحمل عليه بالفعل ان كان‏الخطاب وجوبيّا،و بالتّرك ان كان الخطاب تحريميّا.فيكون البعث نحو فعل المتعلّق‏أو تركه نظير حمل الوجود أو العدم على شي‏ء،حيث انّه يؤخذ ذلك الشّي‏ء معرّى عن‏الوجود و العدم،فيحمل عليه الوجود تارة،و العدم أخرى،و يقال مثلا زيد موجودأو معدوم.و لا يعقل تقييد زيد بالوجود في حمل الوجود عليه،و لا تقييده بالعدم،ولا إطلاقه بالنّسبة إلى الوجود و العدم،للزوم حمل الشّي‏ء على نفسه في الأوّل،واجتماع النّقيضين في الثّاني،و كلا المحذورين في الثّالث.و كذا يقال في المقام:انّه لا يمكن تقييد المتعلّق بالفعل في مقام البعث إليه،و لا تقييده بالتّرك،و لا إطلاقه بالنّسبة إلى تقديري الفعل و التّرك،لاستلزامه‏طلب الحاصل في الأوّل،و طلب الجمع بين النّقيضين في الثّاني،و كلا المحذورين‏في الثّالث،فلا بدّ من لحاظ ذات المتعلّق مهملا معرّى عن كلا تقديري الفعل والتّرك،فيخاطب به بعثا أو زجرا.و ليس فيه تقييد و لا إطلاق لا لحاظا و لا نتيجة،و لكن مع ذلك يكون الخطاب محفوظا في كلتا حالتي الفعل و التّرك ما لم تتحقّق‏الإطاعة أو العصيان،فانّه عند ذلك يسقط الخطاب.و انحفاظ الخطاب في كلاالتّقديرين انّما يكون باقتضاء ذاته،لأنّه بنفسه يقتضى فعل المتعلّق و طرد تكره،فيكون وجود الخطاب في الحالين لمكان نفسه و لأنّه خطاب بالفعل أو التّرك.و بذلك يظهر لك:انّ الفرق بين هذا التّقدير الّذي يكون الخطاب محفوظاعنده،و بين سائر التّقادير الّتي يكون الخطاب محفوظا عندها أيضا من وجهين:الأوّل:انّ نسبة تلك التّقادير إلى الخطاب نسبة العلّة إلى معلولها،بمعنى انّ‏


351

تلك التّقادير تكون علّة أو ملحقة بالعلّة بالنّسبة إلى الخطاب،و يكون الخطاب بمنزلةالمعلول لها.فان أخذ تلك التّقادير قيدا و شرطا للخطاب،فلمكان رجوع الشرط إلى‏الموضوع و كون الموضوع علة لترتب الخطاب عليه يكون ذلك التقدير علة للخطاب.و ان أطلق الخطاب بالنّسبة إلى تقدير فذلك التقدير و ان لم يكن علّة للخطاب-لعدم أخذ ذلك التّقدير شرطا-إلاّ انّه يجري مجرى العلّة من حيث انّ الإطلاق والتّقييد من الأمور الإضافيّة،فهما في مرتبة واحدة،فإذا كان التّقييد علّة للخطاب،فالإطلاق الواقع في رتبته يجري مجرى العلّة من حيث الرتبة،فتأمل.و هذا بخلاف تقديري فعل المتعلّق و تركه،فانّ الأمر يكون فيه بالعكس،حيث انّ التقدير معلول الخطاب و الخطاب يكون علّة له،لأنّ الخطاب يقتضى فعل‏متعلّقه و طرد تركه،فيكون تقديرا الفعل و الترك معلولي الخطاب بالنّسبة إلى الفعل‏من حيث الوجود،و بالنّسبة إلى الترك لمكان اقتضائه عدم التّرك.الثّاني:انّ الخطاب بالنّسبة إلى سائر التّقادير يكون متعرّضا و متكفّلا لبيان‏امر آخر غير تلك التّقادير.غايته انّه تعرّض لذلك الأمر عند وجود تلك التّقادير،فانّ‏خطاب الحجّ يكون متعرّضا لفعل الحجّ من الإحرام و الطّواف و غير ذلك عند وجودالاستطاعة،و ليس لخطاب الحجّ تعرّض لتقدير الاستطاعة.و هذا بخلاف تقديري‏الفعل و الترك،فانّ الخطاب بنفسه متكفّل لبيان هذا التّقدير و متعرّض لحاله،حيث انّه يقتضى فعل المتعلّق و عدم تكره،و ليس للخطاب تعرّض لشي‏ء آخر سوى‏هذا التّقدير،بخلاف سائر التّقادير فانّ الخطاب فيها متعرّض لشي‏ء آخر غير تلك‏التّقادير.إذا عرفت ذلك‏فاعلم:انّه يترتّب على ما ذكرناه(من الفرق بين تقديري الفعل أو التّرك‏المطالب به بالخطاب أو بنقيضه و بين سائر التّقادير)طوليّة الخطابين،و خروجها من‏العرضيّة.و ذلك لأنّ خطاب الأهمّ حينئذ يكون متعرّضا لموضوع خطاب المهمّ وطاردا و مقتضيا لهدمه و رفعه في عالم التّشريع،لأنّ موضوع خطاب المهمّ هو عصيان‏خطاب الأهمّ و ترك امتثاله،و خطاب الأهمّ دائما يقتضى طرد التّرك و رفع‏


352

عصيانه،لأنّ البعث على الفعل يكون زجرا عن التّرك،فخطاب الأهمّ يقتضى طردموضوع المهمّ و رفعه.و امّا خطاب المهمّ فهو انّما يكون متعرّضا لحال متعلّقه ولا تعرّض له لحال موضوعه،لأنّ الحكم لا يتكفّل حال موضوعه من وضع أو رفع،بل‏هو حكم على تقدير وجوده و مشروط به،و لا يخرج عن هذا الاشتراط إلى الإطلاق ولو بعد تحقّق موضوعه،لما عرفت:من انّ الواجب المشروط لا يصير مط بعد تحقّق‏شرطه.فلسان خطاب المهمّ هو:انّه ان وجد موضوعي و تحقّق خارجا فيجب فعل‏متعلقي.و لسان خطاب الأهم هو:انّه ينبغي ان لا يوجد موضوع خطاب المهمّ و ان‏لا يتحقّق.و هذان اللّسانان كما ترى ليس بينهما مطاردة و مخالفة،و ليسا في رتبةواحدة،بل خطاب الأهم يكون مقدما في الرتبة على خطاب المهمّ،لأن خطاب‏الأهم واقع في الرتبة السابقة على موضوع خطاب المهم السّابق عليه،فهو متقدّم عليه‏برتبتين أو ثلاث،و لا يمكن ان ينزل خطاب الأهمّ عن درجته و يساوي خطاب‏المهمّ في الرّتبة،و كذا لا يمكن ان يصعد خطاب المهمّ من درجته و يساوي خطاب‏الأهمّ،بل كلّ منهما يقتضى مرتبة لا يقتضيها الآخر.و مع هذا الاختلاف في الرّتبةكيف يعقل ان يكونا في عرض واحد؟فاتّضح من المقدّمة الثّانية و المقدّمة الرّابعة،و طوليّة الخطابين المترتّبين وخروجهما عن العرضيّة.بقي في المقام:بيان انّ هذين الخطابين المترتّبين لا يقتضيان إيجاب الجمع،فلا يبق محذور في الخطاب التّرتبي.و المقدّمة الخامسة الّتي سنذكرها هي المتكفّلةلبيان عدم اقتضائهما إيجاب الجمع.ففي الحقيقة المقدّمات الّتي يتوقّف عليها صحّةالخطاب الترتبي هي ثلث:المقدّمة الثّانية،و المقدّمة الرّابعة،و المقدّمة الخامسة.و امّاالمقدّمة الأولى،فهي لبيان تحرير محلّ النزاع.و المقدّمة الثّالثة،لبيان دفع بعض ماتخيّل:من توقّف الخطاب التّرتبي عليه،من كونه موقوفا على الواجب المعلّق و الشّرطالمتأخّر،على ما تقدّم تفصيله.

المقدّمة الخامسة:

تنقسم موضوعات التّكاليف و شرائطها،إلى ما لا يمكن ان تنالها يد الوضع‏


353

و الرّفع التّشريعي،و إلى ما يمكن ان تناله ذلك.فالأوّل:كالعقل،و البلوغ،و الوقت،و غير ذلك من الأمور التّكوينيّةالخارجيّة التي لا يمكن وضعها و رفعها في عالم التّشريع.و الثّاني:كالاستطاعة في الحجّ،و فاضل المئونة في الخمس و الزكاة،فانّهاو ان كانت من الأمور التكوينيّة أيضا،إلاّ انّها قابلة للوضع و الرّفع التّشريعيّ،فانّه‏يمكن رفع الاستطاعة بخطاب شرعيّ كوجوب أداء الدّين،حيث انّه بذلك يخرج‏عن كونه مستطيعا.و كذا الحال بالنّسبة إلى فاضل المئونة.ثمّ انّ الموضوع و الشّرط،امّا ان يكون لحدوثه دخل في ترتّب الحكم‏و بقائه،من دون ان يكون لبقائه دخل في بقاء الحكم،كالسّفر و الحضر،بناء على‏ان العبرة بحال الوجوب لا الأداء،فانّ ثبوت السّفر أو الحضر في أوّل الوقت يكون له‏دخل في وجوب القصر أو التّمام و ان زال السّفر أو الحضر عنه،فانّ الحكم يبقى و ان‏زالا.و هذا القسم من الموضوع انّما يكون قابلا للدّفع فقط لا للرّفع،إذ ليس له بقاءحتى يكون قابلا للرّفع.و امّا ان يكون لبقائه أيضا دخل في بقاء الحكم،بحيث يدور بقاء الحكم‏مدار بقاء الموضوع،كما في المثال لو قلنا بأنّ العبرة بحال الأداء،فحينئذ يكون بقاءوجوب القصر لمن كان مسافرا في أوّل الوقت مشروطا ببقاء السّفر إلى زمان الأداء،و يسقط وجوب القصر بسقوط السّفر.و امّا ان يكون لبقائه في مقدار من الزّمان دخل في بقاء الحكم،كاشتراطوجوب الصّوم بالحضر إلى الزّوال فيكون بقاء الحضر إلى الزّوال شرطا لبقاء وجوب‏الصّوم إلى الغروب.و هذان القسمان قابلان لكلّ من الدّفع و الرّفع،كما لا يخفى.و على كلّ حال:الموضوع القابل للوضع و الرّفع التّشريعي،امّا ان يكون‏قابلا للوضع و الرّفع الاختياري أيضا بحيث يكون اختيار الموضوع بيد المكلّف له‏ان يرفعه ليرتفع عنه التّكليف،و امّا ان لا يكون قابلا للوضع و الرّفع الاختياريين،بل كان امرا وضعه و رفعه بيد الشّارع فقط،و امّا ان يكون امر رفعه بيد المكلّف واختياره فقط و ليس بيد الشّارع.


354

فالأوّل:كالسّفر فانّه للمكلّف رفعه باختيار الحضر،فيرتفع عنه وجوب‏القصر.و للشّارع أيضا رفعه بإيجاب الإقامة عليه فلا يجب عليه القصر أيضا.و الثّاني:كالاستطاعة فانّه ليس للمكلّف رفعها و تفويتها بعد حدوثها،فلوفوّتها لم يسقط عنه وجوب الحجّ،بل يستقرّ في ذمّته،و لكن للشّارع رفعها بخطاب‏مثل وجوب أداء الدّين مثلا فيسقط عنه وجوب الحجّ.و الثّالث:لم نعثر له على مثال.ثمّ انّ الخطاب الرافع لموضوع خطاب آخر،امّا ان يكون بنفس وجوده‏رافعا،كالتّكاليف الماليّة التي توجب ان تكون متعلّقها من المؤن كخطاب أداءالدّين إذا كان من عام الرّبح لا من العام الماضي(و امّا إذا كان من العام الماضي‏فأداؤه و امتثال التّكليف يكون رافعا لموضوع الخمس لا نفس اشتغال الذّمة به)فيرتفع موضوع وجوب الخمس الّذي هو عبارة عن فاضل المئونة،فانّ نفس تلك‏التّكاليف توجب جعل متعلّقاتها من المؤن،فيخرج الرّبح عن كونه فاضل المئونة،ولا يتوقّف صيرورتها من المؤن على امتثالها،بل نفس وجود الخطاب رافع لموضوع‏خطاب الخمس.و امّا ان يكون بامتثاله رافعا كخطاب الأهمّ فيما نحن فيه،حيث يكون‏بامتثاله رافعا لموضوع خطاب المهمّ لا بوجوده،على ما سيأتي بيانه.فهذه جملة الأقسام التي يهمّنا تنقيحها في المقام،ليعلم الموارد التي يلزم‏إيجاب الجمع من اجتماع الخطابين،و الموارد التي لا يلزم ذلك.و إلاّ فالأقسام‏المتصوّرة في موضوعات التّكاليف أكثر من ذلك.و حاصل التّقسيم:هو انّ الموضوع لحكم،امّا ان يكون قابلا للوضع و الرّفع‏التّشريعيّ،و امّا ان لا يكون قابلا لذلك.و الأوّل:امّا ان يكون قابلا لكلّ من‏الدّفع و الرّفع،و امّا ان يكون قابلا للدّفع فقط.و على كلا التّقديرين:امّا ان يكون‏قابلا للرّفع الاختياري أيضا،و امّا ان لا يكون.و الرّفع التّشريعي امّا ان يكون‏بنفس التّكليف،و امّا ان يكون بامتثاله.و قد تقدّم أمثلة ذلك كلّه فينبغي ح‏التّكلم في أحكام هذه الأقسام.


355

فنقول:فما كان الموضوع لخطاب ممّا لا تناله يد الوضع و الرّفع التّشريعي،كالوقت‏بالنّسبة إلى الصّلاة،فالخطاب المجامع لهذا الخطاب يقتضى إيجاب الجمع على‏المكلّف،إذا كان كلّ من الخطابين مط بالنّسبة إلى حالتي فعل الآخر و تركه.و ان لم يكونا مطلقين،بل كان كلّ منهما مشروطا بعدم فعل الآخر،أو كان‏أحدهما مشروطا بفعل الآخر،فلا يعقل اقتضائهما لإيجاب الجمع.مثلا لو جامع‏خطاب آخر لخطاب الصّلاة في وقتها،فامّا ان يكون كلّ من خطاب الصّلاة و ذلك‏الخطاب الأخر المجامع له مط بالنّسبة إلى حالتي فعل متعلّق الأخر و تركه،و امّا ان‏يكون كل منهما مشروطا بعدم فعل الآخر،أو كان أحدهما مشروطا دون الآخر.فان كان كلّ منهما مط،فلا محالة يقتضيان إيجاب الجمع،فان أمكن‏للمكلّف جمع المتعلّقين وجبا معا،كالصّوم المجامع للصّلاة خطابا و امتثالا و يمكن‏للمكلّف الجمع بينهما أيضا.و المفروض انّ كلاّ من الخطابين أيضا مطلق فيجب‏الجمع بينهما.و ان لم يكن للمكلّف الجمع بينهما،امّا لتضادّ المتعلّقين،و امّا لقصورقدرة المكلّف عن الجمع بينهما،فلا محالة يكون الحكم فيه هو التّخيير،على ما تقدّم‏تفصيله.و ان كان كلّ منهما مشروطا بعدم فعل الأخر،أو كان أحدهما مشروطابذلك،فلا يعقل ان يقتضيا إيجاب الجمع،لأنّ المفروض انّ التّكليف بكلّ منهمامقيّد بعدم الآخر،فيكون حكمه حكم الأحكام التّخييريّة الأوّليّة،كخصال‏الكفّارات،بل يكون هو هو بناء على انّ الأحكام التّخييريّة عبارة عن اشتراطالتّكليف بكلّ فرد بعدم فعل الأخر،كما هو أحد الوجوه في تصوير الواجب‏التّخييري،على ما تقدّم بيانه.و كذا الحال ان كان أحدهما بالخصوص مشروطابعدم فعل الآخر،فانّه أيضا لا يلزم منه إيجاب الجمع كما هو واضح.و كيف يعقل‏اقتضائهما لا يجاب الجمع،مع انّ الجمع لا يكون مطلوبا،بحيث لو أمكن للمكلّف‏الجمع بينهما لم يقعا على صفة المطلوبيّة،بل لو قصد بكلّ منهما امتثال الأمر كان من‏التّشريع المحرّم،بل لا يقع الامتثال بكلّ منهما لو كان كلّ منهما مشروطا بعدم فعل‏


356

الآخر،لعدم تحقق شرط التّكليف في كلّ منهما،فلا يكون كلّ منها متعلّق التّكليف‏و ذلك كلّه واضح.هذا إذا كان موضوع الخطاب غير قابل للتّصرّف التّشريعي.و امّا إذا كان قابلا لذلك،فالخطاب المجامع له ان لم يكن متعرّضا لموضوع‏الآخر:من دفع أو رفع،فالكلام فيه هو الكلام في القسم السّابق طابق النّعل‏بالنّعل.فان كان كلّ من الخطابين مط يلزم إيجاب الجمع،فان أمكن وجب،و ان‏لم يمكن فالتّخيير.و ان لم يكن كلّ منهما مط فلا يلزم إيجاب الجمع،لاتّحاد المناط في‏هذا القسم و القسم السّابق في ذلك.و مجرّد كون الموضوع في هذا القسم قابلا للدّفع‏و الرّفع التّشريعي لا يكون فارقا بين القسمين،ما لم يكن أحد الخطابين متعرّضا لدفع‏موضوع الآخر أو رفعه.و هذا من غير فرق،بين ان يكون الموضوع قابلا للرفع الاختياري أيضا،أو لم‏يكن.فانّه يلزم إيجاب الجمع على المكلّف أيضا إذا كان كلّ من الخطابين مطلقا.ومجرّد انّه يمكنه رفع الموضوع اختيارا لا يرتفع عنه محذور إيجاب الجمع،إذا استلزم‏إيجاب الجمع محذورا،كما إذا كان بين المتعلّقين تضادّ،فانّ القدرة المعتبرة في‏التّكاليف انّما هو القدرة على متعلّقاتها،لا على موضوعاتها،و لا أثر للقدرة على‏موضوعاتها،فهل ترى انّه يصح تكليف المسافر بالمحال من جهة انّه قادر على رفع‏السّفر؟و الحاصل:انّ قبح التّكليف بما لا يطاق انّما هو بالنّظر إلى المتعلّق فالعبرةبه،لا بالموضوع.فاجتماع التّكليفين الموجبين لإيجاب الجمع على المكلّف مع عدم‏قدرة المكلّف على الجمع قبيح و لو فرض انّ امر الموضوع بيد المكلّف و ان له رفعه،ليرتفع عنه أحد التّكليفين.و بذلك ظهر:انّ تصحيح الأمر التّرتّبي-بأنّ العصيان الّذي هو موضوع‏خطاب المهمّ امر اختياريّ للمكلّف،له رفعه بعدم عصيان الأهمّ و إطاعته فلا مانع‏من اجتماع كلّ من خطاب الأهمّ و المهمّ-فاسد جدّاً.لما عرفت:من انّ القدرةعلى رفع الموضوع لا أثر لها في قبح التّكليف بما لا يطاق،فالخطاب التّرتّبي لا يمكن‏تصحيحه بذلك.هذا إذا كان الخطاب المجامع لخطاب آخر غير متعرّض لموضوع‏


357

الآخر من دفع و رفع.و اما إذا كان متعرّضا له،فامّا ان يكون نفس الخطاب رافعا أو دافعالموضوع الآخر،و امّا ان يكون امتثاله.فان كان الأوّل،فهذا ممّا يوجب عدم‏اجتماع الخطابين في الفعليّة،و لا يعقل ان يكون كلّ من الخطابين فعليّا،لأنّ وجودأحد الخطابين رافع لموضوع الآخر،فلا يبقى مجال لفعليّة الآخر حتّى يقع المزاحمة بينهما.بل أحد الخطابين يكون مقدّما على الآخر بمرتبتين،فانّه يكون مقدّما على موضوع‏الآخر،كما هو مقتضى رفعه له،و الموضوع أيضا يكون مقدّما على ما يستتبعه من‏الخطاب،فالخطاب الرّافع لموضوع الآخر يكون مقدّما على الآخر بمرتبتين.و مع هذاكيف يعقل ان يقع التّزاحم بين الخطابين؟فخطاب أداء الخمس لا يعقل ان يزاحم‏خطاب أداء الدّين،بعد ما كان خطاب أداء الدّين رافعا لموضوع خطاب الخمس وذلك واضح.و ان كان الثّاني،أي كان أحد الخطابين بامتثاله رافعا لموضوع الآخر،فهذا هو محلّ البحث في الخطاب التّرتّبي،حيث يتحقّق اجتماع كلّ من الخطابين في‏الفعليّة،لأنّه ما لم يتحقّق امتثال أحد الخطابين الّذي فرضنا انّه رافع لموضوع الآخربامتثاله لا يرتفع الخطاب الآخر،لعدم ارتفاع موضوعه بعد،فيجتمع الخطابان في‏الزّمان و في الفعليّة بتحقق موضوعهما،فيقع البحث حينئذ عن انّ اجتماع مثل‏هذين الخطابين أيضا يوجب إيجاب الجمع حتّى يكون من التّكليف بالمحال،أولا يوجب ذلك؟و الحق انّه لا يوجب ذلك لجهتين.و ينبغي أوّلا التنبيه على بعض الفروع‏الفقهيّة التي لا محيص للفقيه عن الالتزام بها،مع انّها تكون من الخطاب التّرتبي.منها:ما لو فرض حرمة الإقامة على المسافر من أوّل الفجر إلى الزّوال،فلو فرض‏انّه عصى هذا الخطاب و أقام،فلا إشكال في انّه يجب عليه الصّوم و يكون مخاطبابه،فيكون في الآن الأوّل الحقيقي من الفجر قد توجّه إليه كلّ من حرمة الإقامة ووجوب الصّوم،و لكن مترتّبا،يعنى انّ وجوب الصّوم يكون مترتّبا على عصيان حرمة


358

الإقامة،ففي حال الإقامة يجب عليه الصّوم مع حرمة الإقامة أيضا لأنّ المفروض‏حرمة الإقامة عليه إلى الزّوال،فيكون الخطاب التّرتّبي محفوظا من الفجر إلى الزّوال.فيكون عين الخطاب التّرتّبي فيما نحن فيه من مسألة الضّدين،ان قلنا بان الإقامةقاطعة لحكم السفر لا لموضوعه،فانه يكون خطاب الصوم حينئذ مترتبا على عصيان‏خطاب الإقامة بلا توسيط شي‏ء،كترتّب خطاب المهمّ على عصيان خطاب الأهمّ‏حذو النّعل بالنّعل.نعم:لو قلنا بأنّ الإقامة قاطعة لموضوع السّفر،كالمرور على الوطن،كان‏خطاب الصّوم مترتّبا على موضوع الحاضر و غير المسافر،لا على عصيان حرمة الإقامة.و لكن يكون عصيان حرمة الإقامة علة لتحقق ما هو موضوع وجوب الصوم،حيث ان‏بعصيان حرمة الإقامة يتحقّق عدم السّفر و عنوان الحاضر،و بتحقق ذلك العنوان‏يتحقّق خطاب الصّوم،فيتوسّط بين عصيان خطاب الإقامة و خطاب الصّوم هذاالعنوان.بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الإقامة قاطعة لحكم السّفر لا لموضوعه،فانّه لا يتوسّطبين الخطابين شي‏ء أصلا.و لكن على كلّ حال و تقدير:انّ توسّط العنوان لا يدفع المحذور لو كان هناك‏محذور،فانّه يجتمع كلّ من خطاب حرمة الإقامة و وجوب الصّوم في الآن الأوّل من‏الفجر.غايته انّه بناء على قاطعيّة الإقامة لحكم السّفر يكون خطاب الصّوم مترتّباعلى نفس عصيان خطاب الإقامة.و لو كانت قاطعة لموضوع السّفر يكون خطاب‏الصّوم مترتّبا على ما يكون عصيان خطاب الإقامة علّة له.و منها:ما لو فرض وجوب الإقامة على المسافر من أوّل الزّوال،فيكون وجوب‏القصر عليه مترتّبا على عصيان وجوب الإقامة،حيث انّه لو عصى و لم يقصد الإقامةتوجّه عليه خطاب القصر.و كذا لو فرض حرمة الإقامة،فانّ وجوب التّمام يكون‏مترتّبا على عصيان حرمة الإقامة.و منها:وجوب الخمس المترتّب على عصيان خطاب أداء الدّين إذا لم يكن الدّين‏


359

من عام الرّبح.و امّا إذا كان من عام الرّبح فيكون خطاب أداء الدّين بنفس‏وجوده رافعا لخطاب الخمس لا بامتثاله،على ما تقدّم.و منها:غير ذلك من الفروع التي لا مفرّ للفقيه عن الالتزام بها،مع انّها كلّها تتوقّف‏على الخطاب التّرتّبي.و لا فرق بين الفروع المتقدّمة و بين ما نحن فيه،سوى انّ‏الفروع المتقدّمة تكون في ممكني الجمع،حيث لا تضادّ بين المتعلّقين،فيمكنه الجمع‏بين ترك الإقامة و الصّوم معا،حيث لا تضادّ بينهما من حيث أنفسهما و ان كان بعدالنّهى الشّرعي عن الصّوم في السّفر لا يمكنه الصّوم الصّحيح في السّفر،إلاّ انّ هذاغير التّضاد بحسب ذاتهما،كما فيما نحن فيه،حيث انّ الكلام في الخطاب التّرتّبي،لا فيما إذا كان بين المتعلّقين تضادّ.و لكن إمكان الجمع و عدم إمكانه لا يوجب فرقافيما هو ملاك الاستحالة كما لا يخفى.فان استحال الخطاب التّرتبي ففي الجميع لا بدّان يستحيل،و إلاّ ففي الجميع أيضا ينبغي الالتزام به.و الغرض من هذا التّطويل‏التّنبيه على انّ الخطاب التّرتّبي ليس بعزيز الوجود في الفقه.فلنرجع إلى ما كنّا فيه:من انّ الخطاب التّرتّبي لا يقتضى إيجاب الجمع،وما لم يكن مقتضيا لإيجاب الجمع لا وجه لاستحالته.امّا عدم اقتضائه لإيجاب الجمع‏فمن وجهين.و لا بدّ أوّلا من معرفة معنى الجمع و ما يوجب إيجابه.فنقول:امّا الجمع فهو عبارة عن اجتماع كلّ منهما في زمان امتثال الآخر،بحيث يكون امتثال أحد الخطابين مجامعا في الزّمان لامتثال الأخر،كمجامعة الصّلاةللصّوم و بالعكس.و امّا الّذي يوجب إيجاب الجمع فهو أحد امرين:امّا تقييد كلّ من المتعلّقين بحال فعل الأخر،أو تقييد أحدهما بحال الآخر،كتقييد القراءة بحال القيام.و امّا إطلاق كلّ من الخطابين لحال فعل الأخر،كإطلاق الأمر بالصّلاة في‏حال فعل الصّوم و بالعكس،فانّ الإطلاق ينتج نتيجة التّقييد في اقتضائه إيجاب‏الجمع.


360

إذا عرفت ذلك،ظهر لك انّ الخطاب التّرتّبي لا يقتضى إيجاب الجمع،بل يقتضى نقيض إيجاب الجمع،بحيث لا يكون الجمع مطلوبا لو فرض إمكانه،لمكان انّ الخطاب بالمهمّ مشروط بعصيان الأهمّ و خلوّ الزّمان عنه،و مع هذا كيف‏يقتضيان إيجاب الجمع؟فلو اقتضيا إيجاب الجمع و الحال هذه يلزم من المحالات مايوجب العجب في كلّ من طرف الواجب الّذي هو المهمّ و وجوبه،أي يلزم المحال‏في كلّ من طرف الطّلب و المطلوب.امّا استلزام المحال في طرف المطلوب:فلأنّ مطلوبيّة المهمّ و وقوعه على هذه‏الصّفة انّما تكون في ظرف عصيان الأهمّ و خلو الزمان عنه،بداهة انّ ما يكون قيداللطّلب يكون قيدا للمطلوب،لا بمعنى انّه يكون من قيود المادّة التي يجب تحصيلها،حتّى يقال:انّ ذلك ينافى كونه قيدا للطّلب،بل بمعنى انّه يقتضى وقوع المطلوب‏عقيب وجود القيد،كوقوع الحجّ على صفة المطلوبيّة عقيب الاستطاعة،فوقوع المهمّ‏على صفة المطلوبيّة يكون بعد عصيان الأهمّ،بحيث يعتبر فيه ذلك.فلو فرض وقوعه‏على صفة المطلوبيّة في حال وجود الأهم و امتثاله أيضا،كما هو لازم إيجاب الجمع،يلزم الجمع بين النقيضين،إذ يلزم ان يعتبر في مطلوبية المهمّ وقوعه بعد العصيان،ويعتبر أيضا في مطلوبيته وقوعه في حال عدم العصيان،بحيث يكون كلّ من حالتي‏وجود العصيان و عدمه قيدا في المهمّ،و هذا كما ترى يستلزم الجمع بين النّقيضين.و امّا استلزام المحال في طرف الوجوب:فلأنّ خطاب الأهمّ يكون من علل‏عدم خطاب المهمّ،لاقتضائه رفع موضوعه،فلو اجتمع خطاب الأهمّ و المهمّ و صارخطاب المهمّ في عرض خطاب الأهمّ كما هو لازم إيجاب الجمع،لكان من اجتماع‏الشّي‏ء مع علّة عدمه.و ح امّا ان تقول:بأنه قد خرجت العلّة عن كونها علّة للعدم،وامّا ان تقول:قد خرج العدم عن كونه عدما،و امّا ان تقول:ببقاء العلّة على علّيتها والعدم على عدمه و مع ذلك اجتمعا،و كلّ هذا كما ترى يلزم منه الخلف والمناقضات العجيبة.فدعوى انّ الخطاب التّرتّبي يقتضى إيجاب الجمع مساوقة لدعوى وقوع‏الخلف و اجتماع النّقيضين من جهات عديدة.


361

مضافا إلى انّ البرهان المنطقي يقتضى أيضا عدم إيجاب الجمع،فانّ الأمرالتّرتّبي المبحوث عنه في المقام إذا أبرزناه بصورة القضيّة الحمليّة يكون من المنفصلةالمانعة الجمع لا مانعة الخلوّ.و ذلك لأنّ الضّابط في كون القضيّة مانعة الجمع،هوكون الحكم فيها بتنافي النّسبتين بحيث يمتنع اجتماعهما،كقولك:ان فاض ماءالشّط فامّا ان يغرق الزّرع و امّا ان يسيل الماء إلى الأودية،حيث يمتنع اجتماع كلّ‏من غرق الزّرع و سيلان الماء إلى الأودية،فان سيلان الماء إلى الأودية يوجب عدم‏غرق الزّرع،لنقصان ماء الشّط بتوجّه مائه إلى الأودية،فلا يصل الماء إلى الزّرع‏ليغرقه،فغرق الزّرع ينافى سيلان الماء إلى الأودية،و لا يمكن اجتماعهما،بل غرق‏الزّرع مترتّب على عدم السّيلان و لا غرق مع السّيلان.و حينئذ نقول في المقام:انّ امر الأهمّ له نسبتان،كما تقدّم منّا في أوّل‏مبحث الأوامر من انّ هيئة افعل تتضمّن نسبتين:نسبة المادّة إلى الآمر بالنّسبةالطّلبيّة،و نسبتها إلى الفاعل بالنّسبة التّلبسيّة.و التّنافي في الأمر التّرتّبي انّما يكون‏بين النّسبة الطّلبيّة في جانب المهمّ و النّسبة الفاعليّة في جانب الأهمّ،لا النّسبةالطّلبيّة في جانبه فانّ المفروض انحفاظ طلب الأهمّ عند طلب المهمّ.فلا تنافي بين‏النّسبتين الطّلبيتين،كما في باب الوضوء و التّيمم،حيث انّ التّنافي هناك بين‏النّسبة الطّلبيّة للتّيمّم و النّسبة الطّلبيّة للوضوء،و كان طلب التيمّم مترتبا على عدم‏طلب الوضوء.و هذا بخلاف المقام،فانّ التّنافي فيه انّما يكون بين النّسبة الطّلبيةمن جانب المهمّ و النّسبة الفاعليّة من جانب الأهم.فصورة القضيّة الحمليّة تكون‏هكذا:امّا ان يكون الشّخص فاعلا للأهمّ،و امّا ان يجب عليه المهمّ،فهناك تناف‏بين وجوب المهمّ و فعل الأهمّ،و مع هذا التّنافي كيف يعقل إيجاب الجمع؟مع‏انّ إيجاب الجمع يقتضى عدم التّنافي بين كون الشّخص فاعلا للأهمّ و بين‏وجوب المهمّ عليه.بل لا بد ان يكون كذلك فضلا عن عدم التّنافي.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ الأمر التّرتّبي لا يعقل اقتضائه لإيجاب الجمع،حتى يقال باستحالته و انّه تكليف‏بالمحال لعدم القدرة على الجمع بين الضّدّين،و ذلك لوجوه ثلاثة:


362

الأوّل:انّ الأمر التّرتّبي لا يختصّ بالضّدّين الّذين لا يمكن جمعهما في الوجود،بل‏يجري في ممكني الجمع أيضا،كما في مثل الإقامة و الصّوم،و الدّين و الزكاة،و غيرذلك من الأمثلة المتقدّمة.فكما انّ الأمر التّرتّبي في ممكني الجمع لا يقتضى إيجاب‏الجمع،فكذلك في ممتنعي الجمع كالضّدين.و دعوى انّ الأمثلة المذكورة مجرّد فرض لا تحقّق له في الخارج فلا تصلح ان‏تجعل دليلا على إمكان الخطاب التّرتّبي واضحة الفساد،فانّ مبنى الاستنباط على‏فرض الأحكام على نهج القضايا الحقيقيّة.فهذه الدّعوى أشبه شي‏ء بما يقال:من انّ‏الغراب لا يقع في البئر فلا معنى لتقدير ما ينزح له عند فرض وقوعه في البئر.الثّاني:انّ الأمر التّرتّبي لو اقتضى إيجاب الجمع يلزم من الجمع بين المتنافيين في‏كلّ من طرف الوجوب و الواجب و من الخلف في طرف الوجوب،ما لا يخفى،على‏ما تقدّم تفصيله.الثّالث:انّ إيجاب الجمع ينافى البرهان المنطقي،كما تقدّم.فهذه الوجوه الثّلاثة كلّهاتقتضي انّ الأمر التّرتّبي لا يوجب إيجاب الجمع،و بعد ذلك لا ينبغي لمن هو من‏أفضل العلماء الإصغاء إلى دعوى امتناع الخطاب التّرتّبي من جهة استلزامه إيجاب‏الجمع.نعم بقي في المقام:بعض الإشكالات التي ربّما تخلج في الذّهن و نحن‏نوردها بلسان(ان قلت)و نجيب عن كلّ واحد منها.فان قلت:انّ إيجاب الجمع لا يتوقّف على ثبوت الإطلاق من الطّرفين،بل يكفى فيه‏ثبوت الإطلاق من طرف واحد.و في المقام و ان كان خطاب المهمّ مشروطابعصيان الأهمّ و خلو الزّمان عنه،إلاّ انّ خطاب الأهمّ مطلق و يعمّ كلتا حالتي فعل‏المهمّ و عدمه.ففي رتبة تحقّق خطاب المهمّ و هي رتبة عصيان الأهمّ،يكون خطاب‏


363

المهمّ مقتضيا لإيجاد متعلّقه و باعثا نحوه،و في تلك الرتبة يكون خطاب الأهم محفوظاحسب الفرض فيقتضى إيجاد متعلقه و البعث إليه،فتكون نتيجة الخطابين البعث‏نحو الضّدين،و نتيجة ذلك هو إيجاب الجمع،فانّه حال اشتغال المكلّف بفعل المهمّ‏المطالب به يطالب بفعل الأهمّ أيضا حسب إطلاقه،و مع هذا كيف لا يلزم إيجاب‏الجمع؟قلت:دعوى انّ إيجاب الجمع لا يتوقّف على ثبوت الإطلاق من الطّرفين و يكفى‏فيه الإطلاق من طرف واحد،مساوقة لدعوى جواز اجتماع النّقيضين،لما عرفت:من انّ إيجاب الجمع معناه انّه في حال الاشتغال بكلّ من متعلّقي الخطابين يطالب‏بالآخر و يؤمر به،و في المقام في حال الاشتغال بالأهمّ لا يطالب بالمهمّ و لا يتعلّق‏الأمر به،فيكون نسبة المهمّ إلى الأهمّ في حال الاشتغال بالأهمّ كنسبة المباحات‏إليه،و مع هذا كيف يلزم إيجاب الجمع؟و الحاصل:انّ إيجاب الجمع لا يكون إلاّ إذا كان هناك مطلوبان،بحيث‏لو فرض محالا إمكان الجمع بينهما،كان كلّ منهما مطلوبا و يقع محبوبا.و في المقام لوفرض محالا انّه جمع المكلّف بين الأهمّ و المهمّ كان المهمّ لغوا،و لا يقع على صفةالمطلوبيّة،لعدم تحقّق ملاك وجوبه من ترك الأهمّ،فإذا لم يكن هناك إلاّ مطلوب‏واحد في جميع الحالات،غايته انّه في حال فعل الأهمّ يكون هو المطلوب،و في حال‏تركه يكون المهم مطلوبا و ان كان طلب الأهمّ لم يسقط،فكيف يقال انّه يجب‏الجمع،و هل هذا إلاّ تناقض؟فان قلت:لا يصح الخطاب المولوي الشّرعيّ إلاّ إذا أمكن ان يكون داعيا نحو الفعل،و باعثا إليه.و داعويّة الخطاب بالنّسبة إلى غالب نفوس البشر انّما هي باعتبار مايستتبعه من الثّواب و العقاب،إذ قلّ ما يكون في نفس الخطاب بما هو خطاب صادرامن المولى المنعم داعيا نحو الامتثال،إلاّ بالنّسبة إلى الأوحدي،بل ينحصر ذلك‏بالأولياء المقرّبين الّذين لا يعبدون اللّه خوفا من النّار أو طمعا في الجنة بل وجدوه‏


364

أهلا للعبادة فعبدوه.و امّا ما سوى ذلك فالعبادة انّما تكون للخوف من العقاب والطّمع في الثّواب،فلا بدّ ان يكون كلّ خطاب إلزاميّ مولوي مستتبعا لاستحقاق‏العقاب ليصلح ان يكون داعيا،و إلاّ خرج عن المولويّة إلى الإرشاديّة.و حينئذ نقول:انّ الخطابين المترتّبين،امّا ان يستتبعا عقابين،و امّا ان‏لا يستتبعا إلاّ عقابا واحدا.فان استتبعا عقابين يلزم ان يكون العقاب على غيرالمقدور،و هو في الاستحالة كالخطاب بغير المقدور،لوضوح انّه لا يمكن للمكلّف‏امتثال الخطابين المترتّبين،لتضادّ متعلّقهما،فلا يمكنه الجمع في الامتثال.فإذا امتنع‏امتثالهما امتنع العقاب على تركهما،لاستلزام العقاب على الممتنع و غير المقدور،فلا بدّ ح من الالتزام بوحدة العقاب عند ترك امتثال الخطابين،و معلوم انّ العقاب‏حينئذ يكون على ترك الأهمّ لا على ترك المهمّ،فيخرج خطاب المهمّ عن كونه‏مولويّا،لامتناع ما يستتبعه من العقاب،و يكون إرشاديّا محضا لإدراك مصلحته.فظهر انّ الخطاب التّرتّبي لو لم يكن محالا من جهة اقتضائه لإيجاب الجمع،فهو محال‏من جهة ما يستتبعه من العقاب.قلت:منشأ امتناع تعدّد العقاب في المقام ليس إلاّ من جهة انّه ليس هناك إلاّمطلوب واحد في جميع الحالات،لا مطلوبان،لعدم الأمر بالجمع حتى يكون هناك‏مطلوبان،كما تقدّم من انّه حال فعل الأهمّ لا يكون المطلوب إلاّ هو،و في حال‏تركه لا يكون المطلوب إلاّ المهمّ،و ان لم يسقط طلب الأهمّ بعد،و المطلوب الواحدلا يستتبع إلاّ عقابا واحدا.و حينئذ نقول:انّ المطلوب الواحد لا يستلزم وحدة العقاب دائما لما فيه‏أوّلا:نقضا بالواجبات الكفائيّة،و تعاقب الأيادي،فانّه ليس هناك إلاّمطلوب واحد و هو دفن الميّت مثلا أو تكفينه،أو أداء مال النّاس في تعاقب‏الأيادي.و هذا المطلوب الواحد لا يمكن ان يجتمع المكلّفون على امتثاله،بل لا يصلح‏الخطاب الكفائي أو خطاب أداء مال النّاس إلاّ لامتثال واحد.و ذلك الامتثال‏الواحد لا يمكن ان يصدر إلاّ من مكلّف واحد،و مع ذلك عند ترك الجميع يتعدّد


365

العقاب،حسب تعدّد المكلّفين و ذوي الأيادي،فكيف تعدّد العقاب مع عدم‏إمكان تعدّد الامتثال؟فما يجاب به عن ذلك في ذلك المقام،نجيب به في المقام.و ثانيا:حلاّ و حاصله:انّ العبرة في استحقاق العقاب هو ملاحظة كلّ‏خطاب بالنّسبة إلى كلّ مكلّف في حدّ نفسه و بحيال ذاته،بمعنى انّه يلاحظ الخطاب‏هو وحده مع قطع النّظر عن اجتماعه مع خطاب آخر،و يلاحظ كلّ مكلّف أيضاهو وحده مع قطع النّظر عن اجتماعه مع مكلّف آخر،فان كان متعلّق ذلك الخطاب‏الملحوظ وحده مقدورا بالنّسبة إلى ذلك المكلّف الملحوظ وحده،فعند تركه و عصيانه‏يستحق العقاب،و إلاّ فلا.و امّا ملاحظة اجتماع الخطاب لخطاب آخر،أو اجتماع‏المكلّف مع مكلّف آخر،و اعتبار القدرة على المجموع من متعلّقي الخطابين،أو مجموع‏المكلّفين،فهو ممّا لا عبرة به و لا موجب لهذا اللّحاظ،بل العبرة انّما هي بالقدرة على‏متعلّق كلّ خطاب من حيث نفسه لكلّ مكلّف كذلك.نعم:لو تعلّق التّكليف في مكان بالجمع بين الشيئين،أو اجتماع المكلّفين‏في شي‏ء واحد،فلا بدّ حينئذ ان يكون الجمع بين الشيئين مقدورا،ليصحّ التّكليف‏به،و كذا اجتماع المكلّفين.إلاّ انّ هذا يحتاج إلى دليل بالخصوص على اعتبارالجمع.و مع عدم قيامه،فالعبرة بالقدرة على متعلّق كلّ خطاب من حيث نفسه مع‏قطع النّظر عن اجتماعه مع خطاب آخر و كلّ مكلّف كذلك.و من المعلوم:تحقّق القدرة في كلّ من متعلّق الخطابين المترتّبين في حدّ نفسه و كلّ مكلّف في‏الواجب الكفائي و في أداء مال النّاس من حيث نفسه،فعند ترك كلا المتعلّقين‏يستحق عقابين.و كذا عند ترك الكل للواجب الكفائي أو أداء مال الناس يستحقّ‏الجميع للعقاب،لتحقّق شرط استحقاق العقاب،و هو القدرة على كلّ متعلّق في‏حدّ نفسه و قدرة كلّ مكلّف على امتثال الواجب الكفائي و أداء الدّين.و ان لم‏تتحقّق القدرة على الاجتماع بعد عدم تعلّق التّكليف بالاجتماع،فضمّ لفظالاجتماع في المقام ممّا لا معنى له.مع انّه لو فرض انّ للاجتماع دخلا في العقاب،فالّذي له دخل هو الجمع في العصيان لا الجمع في الامتثال،فانّ العقاب انّما يكون‏مترتّبا على العصيان،لا على الامتثال.


366

فالّذي يعتبر فيه القدرة هو الجمع في العصيان،و المفروض انّه قادر على‏الجمع في العصيان بترك الأهمّ و المهمّ،إذ ليس الكلام في الضّدين الّذين لا ثالث‏لهما،فعند جمعه في العصيان لا بدّ ان يتعدّد عقابه،كما انّه لا بدّ عند اجتماع المكلّفين‏في ترك الواجب الكفائي من استحقاق كلّ منهم العقاب.فلا محيص في المقام من‏الالتزام بتعدّد العقاب عند ترك كلّ من الأهمّ و المهمّ،و لا محذور فيه أصلا.فان قلت:هب انّه أمكن الخطاب التّرتبي من حيث الخطاب و العقاب،إلاّ انّه‏مجرّد الإمكان لا يكفى في الوقوع،بل لا بدّ من إقامة الدّليل عليه.نعم:الخطاب التّرتّبي‏في مثل الإقامة و الصّوم لا يحتاج إلى دليل،بل نفس أدلّة وجوب الصّوم على من كان‏مقيما في أوّل الفجر إلى الزّوال يكفى في إثبات الأمر التّرتبي عند عصيان حرمةالإقامة،و لكن في مثل الضّدين لم يقم دليل على وجوب المهمّ عند عصيان الأهمّ.فالقائل بالتّرتّب لا بدّ له من إقامة الدّليل على ذلك.قلت:نفس الأدلّة الأوّليّة المتعرّضة لحكم المتزاحمين مع قطع النّظر عن تزاحمهماكافية في إثبات الأمر التّرتبي،لأنّ المفروض انّ لكلّ من الأهمّ و المهمّ حكما بحيال‏ذاته مع قطع النّظر عن وقوع المزاحمة بينهما،و كان الدّليل المتكفّل لذلك الحكم مطيعمّ حالتي فعل الآخر و عدمه،فإذا وقع التّزاحم بينهما من حيث قدرة المكلّف و عدم‏تمكّنه من الجمع الّذي كان يقتضيه الإطلاق،فان لم يكن لأحد الحكمين مرجّح من‏أهمّية أو غيرها،فلا بدّ من سقوط كلا الإطلاقين،لأنّ سقوط أحدهما ترجيح‏بلا مرجّح،و تكون نتيجة الخطابين بعد سقوط إطلاقهما(لمكان اعتبار القدرة)هوالتّخيير عقلا.و ان كان لأحدهما مرجّح،كالأهميّة فيما نحن فيه،فالسّاقط هو إطلاق‏المرجوح فقط،مع بقاء إطلاق الرّاجح على حاله.و امّا أصل الخطاب بالمرجوح فلاموجب لسقوطه إذ من إطلاقه نشأت المزاحمة لا من أصل وجوده،و الضّرورات تتقدّربقدرها،فإذا سقط إطلاقه يبقى مشروطا بترك الرّاجح،و هو المراد من الأمر التّرتبي.فالمتكفّل لإثبات الأمر التّرتّبي هي الأدلّة الأوّليّة المتعرّضة لحكم المتزاحمين من‏


367

حيث أنفسهما،بضميمة حكم العقل باشتراط التّكليف بالقدرة و قبح ترجيح‏المرجوح على الرّاجح أو مساواته له.فانّه من هذه الأمور الثّلاثة ينتج اشتراطخطاب المهمّ بترك الأهمّ،كما لا يخفى.هذا تمام الكلام في المسألة الأولى من‏مسائل التّرتب،و هي ما إذا كان التّزاحم ناشئا عن تضادّ المتعلّقين.

و ينبغي التّنبيه على أمور:

الأمر الأوّل:

قد عرفت في أوّل البحث،انّ مورد البحث في الأمر التّرتّبي انّما هو فيما إذاكان الملاك لكلّ من الأمرين-من المترتّب و المترتّب عليه-ثابتا و متحقّقا عندالتّزاحم،بحيث لو منعنا عن الأمر التّرتبي أمكن تصحيح العبادة بالملاك،بناء على‏كفاية ذلك في صحّة العبادة،و عدم القول بمقالة صاحب الجواهر:من توقّف‏الصّحة على الأمر و عدم كفاية الملاك على ما هو المحكيّ عنه.و السّر في اعتبارالملاك في الأمر التّرتّبي واضح،فانّه لو لم يكن ملاك امتنع الأمر،لتوقّف الأمر على‏الملاك،على ما عليه العدليّة.و من ذلك يظهر:امتناع الأمر التّرتّبي في المتزاحمين الّذين كان أحدهمامشروطا بالقدرة الشّرعيّة،لأنّ المزاحم المشروط بذلك يكون خاليا عن الملاك،لماتقدّم:من انّ القدرة الشّرعيّة لها دخل في الملاك،فعند انتفائها ينتفي الملاك،و مع‏انتفائه يمتنع الأمر التّرتبي.و هذا من غير فرق بين استفادة اعتبار القدرة الشّرعيّة من دليل متّصل كمافي الحجّ،أو بدليل منفصل كما في الوضوء،حيث ان الأمر الوضوئي و ان لم يقيّدبالقدرة في لسان دليله،إلاّ انّه من تقييد الأمر التّيمّمي بذلك يستفاد تقييد الأمرالوضوئي بالقدرة.و هذا بعد تفسير الوجدان المأخوذ في آية التّيمّم بالتّمكن،فانّ‏مقتضى المقابلة بين الوضوء و التّيمّم من حيث تقييد التّيمّم بعدم التّمكن من الماءيستفاد انّ الوضوء مشروط شرعا بالتّمكن،و إلاّ لم تتحقّق المقابلة بين الوضوءو التّيمّم،و لزم ان يكون ما في طول الشّي‏ء في عرضه،و ان يكون التّفصيل غير قاطع‏للشّركة،و بطلان كلّ ذلك واضح.مع انّ نفس بدليّة التّيمّم للوضوء يقتضى‏


368

اشتراط الوضوء بالقدرة الشّرعيّة،على ما تقدّم في مرجّحات التّزاحم:من انّ لازم‏البدليّة الشّرعيّة ذلك.فاستفادة اعتبار القدرة الشّرعيّة في الوضوء تكون من‏وجهين:من تقييد التّيمّم بعدم التّمكن،و من بدليّة التّيمّم للوضوء.و ح لو فرض‏انتفاء القدرة الشّرعيّة للوضوء،بحيث انتقل تكليفه إلى التّيمم-كما لو وجب صرف‏ما عنده من الماء لحفظ النّفس المحترمة-كان وضوئه خاليا عن الملاك،فلو عصى وتوضّأ كان وضوئه باطلا،و لا يمكن تصحيحه لا بالملاك،و لا بالأمر التّرتّبي.و من‏الغريب ما حكى عن بعض الأعاظم في حاشيته على النّجاة:من القول بصحّةالوضوء و الحال هذه،و لا يخفى فساده.

الأمر الثّاني:1

قد عرفت أيضا انّ مورد الخطاب التّرتّبي انّما هو في التّكليفين المتزاحمين‏الّذين لا يمكن الجمع بينهما لمكان عدم القدرة،و تزاحم التّكاليف انّما يكون بعدتنجّزها و وصولها إلى المكلّف و كونها محرزة لديه بأنفسها،امّا بالإحراز الوجداني‏العلمي،و امّا بالطّرق المحرزة للتّكاليف:من الطّرق و الأمارات و الأصول المحرزة،فلا يتحقّق التّزاحم فيما إذا لم تكن التّكاليف واصلة إلى المكلّف و كانت مجهولةلديه،و ان كان بالجهل التّقصيري،بحيث كان الواجب عليه الاحتياط أو التّعلم،فانّ مجرّد ذلك لا يكفى في التّزاحم لعدم خروج التّكليف بذلك عن كونه مجهولا.و العقاب انّما يكون على ترك التّعلم عند مصادفته لترك الواقع،لا مطلقا كما هوالمحكيّ من المدارك،على ما فصّلنا القول في ذلك في محلّه.و الحاصل:انّه في صورة الجهل بالتّكليف لا يعقل الخطاب التّرتّبي،لعدم‏المزاحمة بين التّكليفين،و ان فرض استحقاق العقاب على ترك التّكليف المجهول في‏1لا يخفى عليك:انّ شيخنا الأستاذ مدّ ظله عدل عمّا أفاده في هذا التنبيه بكلا التقريبين الآتيين،و التزم بالأخرة بجريان الخطاب الترتبي في كل ما يكون منجزا،و لو كان من جهة وجوب التّعلم،سواء في ذلك‏الشبهات الموضوعيّة و الحكميّة.نعم:في خصوص مسألتي الجهر و الإخفات و ما شابههما لا يجري الخطاب الترتبي‏لكون التضاد فيهما دائميّا و كونه يلزم الأمر بالحاصل،على ما بيّناه في المتن،فراجع-منه.


369

صورة كون الجاهل مقصّرا.و كيف يعقل الخطاب التّرتّبي مع انّه عبارة عن أخذعصيان أحد التّكليفين شرطا للتّكليف الآخر؟و معلوم انّ الجاهل بالتّكليف و ان‏كان عن تقصير لا يرى نفسه عاصيا و لا يلتفت إلى ذلك،إذ الالتفات إلى كونه عاصيايتوقّف على العلم بالتّكليف،فيخرج عن كونه جاهلا،فلا يعقل ان يقال:أيّهاالعاصي للتّكليف المجهول يجب عليك كذا،فانّه بمجرّد التفاته إلى كونه عاصياينقلب جهله بالتّكليف إلى كونه عالما به.و هذا نظير ما قلنا في محلّه:من انّه لا يعقل تكليف النّاسي لجزء بالفاقد له،لأنّه بمجرد الالتفات إلى كونه ناسيا يخرج عن كونه ناسيا.و من هنا ظهر:انّ‏تصحيح عبادة تارك الجهر أو الإخفات و القصر أو الإتمام بالخطاب التّرتّبي-كماعن الشّيخ الكبير كاشف الغطاء-1ممّا لا يستقيم.إذ لا يعقل ان يقال:أيّهاالعاصي بترك الجهر أخفت أو بالعكس،لأنّ التفاته إلى كونه عاصيا يستدعى‏العلم بوجوب الجهر عليه و مع علمه بوجوب الجهر لا يصح الإخفات منه،إذ صحّةالإخفات مقصورة بصورة الجهل بوجوب الجهر عليه.و لا يتوهّم:انّه لا يتوقّف صحّة التّكليف بالإخفات على الالتفات إلى كونه‏عاصيا للجهر،بل يكفى كونه عاصيا في الواقع،كما حكى عن الشّيخ(قده)نظيرهذا في النّاسي‏2و قال بصحّة تكليف النّاسي و ان لم يلتفت إلى كونه ناسيا،بل‏يرى نفسه ذاكرا إلى انّه يقصد الأمر المتوجّه إليه واقعا،غايته انّه يتخيّل انّه ذاكر1قال في مقدمة كشف الغطاء:«ان انحصار المقدمة بالحرام بعد شغل الذّمّة لا ينافى الصحة و ان استلزم المعصية،و أي مانع من ان يقول‏الآمر المطاع لمأموره:إذا عزمت على معصيتي في ترك كذا فافعل كذا كما هو أقوى الوجوه في حكم جاهل الجهرو الإخفات و القصر و الإتمام...»(مقدمات كشف الغطاء،البحث الثامن عشر من المقصد الأوّل من الفنّ‏الثاني،ص 272ذكر المحقق المقرر قدس سره في المجلد الثاني من الفوائد،في الأمر الأوّل من تنبيهات الأقل و الأكثر«هذاما حكاه شيخنا الأستاذ مد ظله عن تقريرات بعض الأجلة لبحث الشيخ قدس سره في مسائل الخلل و هو إلى‏الآن لم يطبع»الأمر الأوّل من تنبيهات الأقل و الأكثر،الجهة الأولى من المقام الثاني ص 70 الطبعة القديمة


370

فيكون من قبيل الخطاء في التّطبيق.و في المقام يجري هذا الكلام أيضا.و ذلك لأنّه لا يصح التّكليف إلاّ فيما إذا أمكن الانبعاث عنه،و لا يمكن‏الانبعاث عن التّكليف إلاّ بعد الالتفات إلى ما هو موضوع التّكليف و العنوان الّذي‏رتّب التّكليف عليه.و في المقام لا يعقل الالتفات إلى ما هو موضوع التّكليف‏بالإخفات الّذي هو كون الشّخص عاصيا للتّكليف الجهري،و كذا الكلام في‏النّاسي.و قد أوضحنا الكلام في ذلك و فساد كون المقام من باب الخطاء في‏التّطبيق في تنبيهات الأقلّ و الأكثر،فراجع.هذا ما ذكره شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه في اللّيلة الأولى تحت عنوان(الأمرالثّاني)و في اللّيلة الثّانية قرّر ما يلي:الأمر الثّاني:يعتبر في الخطاب التّرتبي ان يكون التّكليف في المترتّب عليه‏منجزا واصلا إلى المكلّف بنفسه وجدانا،أو بالطّرق المحرزة من الأمارات و الأصول‏المحرزة.فلو لم يكن منجّزا-كما في الشّبهات البدويّة التي تكون مجرى البراءة،أو كان‏منجزا و لكن ما كان واصلا إلى المكلّف بنفسه،كما في الشّبهات البدويّة التي تكون‏مجرى الاحتياط،كباب الدّماء و الفروج و الأموال،و كالشّبهات الحكميّة قبل‏الفحص و التعلم،و كما في الشّبهات المقرونة بالعلم الإجمال-لم يكن موقع للخطاب‏التّرتبي.امّا في الشّبهات البدويّة التي تكون مجرى البراءة فمن جهات ثلث:الأولى:انّ التّكليف الواقعي المجهول غير قابل لأن يكون محرّكا و باعثامولويّا نحو متعلّقه،فلا يكون مزاحما للتّكليف الآخر،و بعبارة أخرى:التّكليف‏الواقعي المجهول لا يكون شاغلا لنفسه،فبان لا يكون شاغلا عن غيره أولى.الثّانية:انّه لا يتحقّق عصيانه الّذي هو شرط للخطاب المترتّب،لأنّ‏المفروض انّ الشّبهة مورد البراءة فلا عصيان له.الثّالثة:انّه لا يمكن تحقّق العلم بالخطاب المترتّب،لمكان عدم العلم بما هوموضوعه:من كونه عاصيا للخطاب المترتّب عليه،لأنّ العلم بالعصيان فرع العلم‏بالتّكليف،و المفروض انّه جاهل به.


371

و امّا الشّبهات الحكميّة قبل الفحص،و الشّبهات التي تكون مجرى‏الاحتياط،فلا يجري فيها الخطاب التّرتّبي من جهتين:الأولى:انّه لا يتحقّق عصيان التّكليف المجهول،حيث لا عقاب على نفس‏التّكليف المجهول،بل العقاب على ترك التّعلم و الاحتياط عند المصادفة.الثّانية:انّه لا يتحقّق العلم بالخطاب المترتّب،لعدم تحقّق ما هو موضوعه‏من عصيان الخطاب المترتّب عليه.و امّا في الشّبهات المقرونة بالعلم الإجمالي،فمن جهة واحدة لا يجري فيهاالخطاب التّرتّبي،و هي الجهة الأخيرة أعني من عدم إمكان حصول العلم بالخطاب‏التّرتّبي،لعدم العلم بعصيان الخطاب المترتّب عليه،و ان كان منجزا بالعلم الإجمالي‏و تحقّق عصيانه في صورة المصادفة،حيث انّه لو ارتكب بعض الأطراف و صادف‏الواقع كان عاصيا له و معاقبا عليه،لا على ترك الاحتياط،بخلاف الشّبهات‏البدويّة.هذا ما قرّره شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه في اللّيلة الثّانية.و حيث انّه يرد على‏هذا التّقرير من الأشكال ما لا يخفى،عدل مدّ ظلّه عن هذا التّقرير في اللّيلة الثّالثة والتزم بجريان الخطاب التّرتّبي في جميع الشّبهات الموضوعيّة التي لا تجري فيها البراءة،وفي الشّبهات الحكميّة المقرونة بالعلم الإجمالي،أو التي تكون مجرى الاحتياط،كما إذابنينا على الاحتياط في الشّبهات التّحريميّة،كما عليه الأخباريّون حتى بعد الفحص.نعم في خصوص الشّبهات الحكميّة التي يجب فيها الفحص قال:بعدم جريان‏الخطاب التّرتبي‏1.امّا تصحيح عبادة الجاهل بالجهر و الإخفات و القصر و الإتمام،بالخطاب التّرتّبي فلا يمكن،لأنّ التّضادّ بين القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات‏1و الّذي يقوى في النّظر:جريان الخطاب الترتبي حتّى في ذلك أيضا،إلاّ إذا كان الجاهل مركّباقاطعا بعدم الحكم،فانّ مثل هذا لا مجال فيه لجريان الخطاب الترتبي،و ان فرض كون الجاهل مقصّرا معاقبا،فتأمل جيّدا-منه.


372

يكون دائميّا،بعد ما كان الواجب في اليوم فريضة واحدة،امّا جهريّة أو إخفائيّة،و امّا القصر أو الإتمام،فليس في عالم التّشريع إلاّ حكم واحد و ملاك واحد.و لوفرض انّ كلاّ من الجهر و الإخفات ذو ملاك في الواقع،فلا بدّ من وقوع الكسرو الانكسار بين الملاكين في عالم التشريع و إنشاء الحكم على طبق أقوى الملاكين.وقد عرفت:انّ مورد البحث عن التّرتب انما هو بعد ثبوت الملاكين و تشريع الحكم‏على طبق كلّ منهما على نهج القضايا الحقيقيّة و وقوع التّزاحم و التّضادّ بينهما اتّفاقا،لمكان عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما.و أين هذا ممّا إذا كان التّضادّ دائميّا،فانّه يكون حينئذ من باب التّعارض،لا التّزاحم،على ما تقدّم من الفرق بينهما.والتّضاد في مسألتي القصر و الإتمام و الجهر و الإخفات،يكون من التّضادالدّائمي،بحيث لو ورد الدّليل على وجوب كلّ منهما كان الدّليلان متعارضين،و ذلك‏بعد ما كان الواجب في اليوم صلاة واحدة واضح.فلا تندرج المسألة في صغرى‏التّزاحم،حتى يجري فيها الخطاب التّرتّبي.هذا كلّه،مضافا إلى انّ الأمر التّرتبي في الضّدين الّذين لا ثالث لهما،كالجهر و الإخفات في القراءة،ممّا لا يعقل-مع قطع النّظر عمّا ذكرنا-فانّه يكون‏من الأمر بالحاصل،لأنّ ترك الجهر يلازم خارجا الإخفات فيها فلا معنى للأمربالإخفات مثلا عند ترك الجهر،لأنّ الإخفات عند ترك الجهر يكون حاصلابنفسه،فلا يعقل ان يكون الأمر به باعثا مولويّا.و الحاصل:انّه كما لا يعقل الأمر بأحد النّقيضين عند عدم الآخر-لأنّ عدم‏أحد النّقيضين عين وجود الآخر خارجا،و ان لم يكن عينه مفهوما(على ما تقدّم في‏بعض المباحث السّابقة)فلا يعقل ان يقال مثلا:لا تغصب الغصب الصّلاتي،و ان‏غصبت الغصب الصّلاتي فصلّ،فانّه يكون من تحصيل الحاصل-كذلك لا يعقل‏الأمر بأحد الضّدين الّذين لا ثالث لهما عند عدم الآخر،فانّ عدم أحد الضّدين و ان‏لم يكن خارجا عين وجود الضّد الآخر،كما كان في النّقيضين كذلك،إلاّ انّه‏يلازمه خارجا،فيلزم أيضا الأمر بالحاصل.فالأمر التّرتّبي في الضّدين الّذين لا ثالث‏لهما لا يعقل،كما في النّقيضين.


373

فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّه يرد على إدراج مسألة جاهل القصر والإتمام و الجهر و الإخفات في صغرى التّرتّب و دفع الأشكال الوارد فيها الناشئ‏عن الالتزام باستحقاق العقاب مع القول بصحّة الصّلاة بذلك أمور ثلاثة:الأوّل:انّ مورد الأمر التّرتّبي انّما يكون بعد نحو تنجّز التّكليف بكلّ من‏الواجبين و وصول كلّ من التّكليفين إلى المكلّف وصولا وجدانيّا أو بأحد طرقه،والمفروض في المسألة كون الشّخص جاهلا بوجوب الإخفات عليه.الثّاني:انّ مورد التّرتب انّما هو في التّضاد الاتّفاقي،و المسألة تكون من‏التّضادّ الدائمي.الثّالث:انّ مورد الأمر التّرتّبي في الضّدين الّذين لهما ثالث،و المسألة ممّالا ثالث لهما،فتأمل جيّدا.

الأمر الثّالث:

انّ عقد الكلام في المسألة و ان كان في المتزاحمين المضيقين كالغريقين،إلاّانّه قد ظهر من مطاوي ما ذكرنا حال مزاحمة المضيق للموسّع،كمزاحمة أداء الدّين‏أو إزالة النّجاسة عن المسجد للصّلاة،فانّه يجري في الموسّع أيضا الأمر التّرتّبي،بناءعلى ما اخترناه سابقا:من خروج الفرد من الموسّع المزاحم للمضيق عن إطلاق الأمربالطّبيعة و عدم اندراجه تحت الطبيعة المأمور بها.فانّه ح يصح ان يقال:انّ خروجه‏عن تحت الإطلاق ليس مطلقا،سواء اشتغل بالمضيق أو لم يشتغل،بل ان الخروج‏مقصور على صورة الاشتغال بالمضيق،و امّا عند عدم الاشتغال به و عصيانه‏فالإطلاق يعمّه.و يكون الفرق بين المضيقين و الموسّع و المضيق،هو انّه في المضيقين أصل‏الأمر بالمهمّ يكون مشروطا بعصيان الأهمّ،و في الموسع و المضيق إطلاق الأمر بالموسّع‏على وجه يشمل الفرد المزاحم للمضيق يكون مشروطا بعصيان المضيق،لا أصل‏الأمر،لأنّ جميع افراد الموسّع لم تكن مزاحمة للمضيق،حتى يكون أصل الأمر به‏مشروطا بعصيان المضيق.و لكن هذا إذا قلنا:بخروج الفرد المزاحم عن إطلاق‏الأمر لمكان اشتراط كل امر بالقدرة على متعلقه،حيث انّ الأمر يكون بعثا لأحد


374

طرفي المقدور و تحريكا لأحد جانبي الاختيار،فانّه حينئذ نحتاج في صحّة الفردالمزاحم إلى الأمر التّرتّبي.و امّا بناء على ما اختاره المحقّق الكركي قده‏ (1) «من انّ تعلّق الأمربالطّبيعة مع القدرة عليها في الجملة و لو في بعض الأفراد يكفى في صحّة الفرد المزاحم‏للمضيق،لانطباق الطّبيعة عليه قهرا،و يتحقّق الأجزاء عقلا»فلا نحتاج في صحّةالفرد المزاحم إلى الأمر التّرتّبي،بل نفس الأمر الأوّل بالصّلاة يكفى في صحّة الفردالمزاحم.و قد تقدّم تفصيل الكلام في ذلك،فراجع‏ (2) .

الأمر الرّابع:

الخطاب المترتّب عليه،تارة:يكون آنيّا ليس له نحو بقاء و استمرار في‏وعاء الزّمان حتى يكون لعصيانه الّذي هو شرط للخطاب المترتّب أيضا نحو بقاء واستمرار،بل يكون عصيانه دفعيّا آنيّا و لو عرفا،لعدم قابليّة بقاء الموضوع حتّى‏يستمر عصيانه،كإنقاذ الغريق الّذي لو لم يبادر إليه يوجب موت الغريق الموجب‏لسقوط التّكليف.و أخرى:لا يكون كذلك،بل يكون له نحو بقاء و استمرار بحيث‏يستمرّ عصيانه و يبقى مع عدم الامتثال،لبقاء الموضوع،كأداء الدّين حيث انّه يستمرالخطاب و العصيان ببقاء الدّين،و لا يسقط إلاّ بأدائه.فان لم يكن للخطاب المترتّب عليه بقاء و لا يكون لعصيانه استمرار،فهذاالّذي تقدّم الكلام عنه:من انّ الخطاب المترتّب يكون مشروطا بعصيان الخطاب‏المترتّب عليه،من دون استلزامه للشّرط المتأخّر،بل يكون الشّرط الّذي هو العصيان‏مقارنا للأمر المترتّب،سواء كان الأمر المترتّب أيضا كالمترتّب عليه آنيّا ليس له نحوبقاء و استمرار،كالغريقين الّذين كان أحدهما أهمّ،أو كان الأمر المترتّب له نحو

1)راجع ما أفاده المحقق الثاني قدس سره في جامع المقاصد،في شرح قول العلامة قدس سره في القواعد«و لا يصح الصلاة في أوّل وقتها ممن عليه دين واجب الأداء...»كتاب الدين و توابعه،المطلب الأوّل‏من المقصد الأوّل.

2)راجع ما أفاده المصنف في تحقيق ثمرات الاقتضاء و عدمه صلى اللَّه عليه و آله 312-313 من هذا الكتاب.


375

بقاء و استمرار لتدرّج امتثاله في الوجود و ليس آنيّ الحصول،كالصّلاة حيث انّ‏فعلها ليس آنيّ الحصول،بل هو متدرّج في الوجود حسب تدرّج الأجزاء.غايته انّه‏في مثل هذا يكون الأمر بالجزء الأوّل من الصّلاة المقارن لعصيان إنقاذ الغريق من‏الأمر التّرتّبي،و امّا الأمر بسائر الأجزاء الأخر،التي يكون وجودها بعد تحقّق عصيان‏الأمر المترتب عليه،فلا يكون من الأمر الترتبي،لعدم بقاء الأمر المترتب عليه،لفرض تحقق عصيانه و انعدام موضوعه بموت الغريق مثلا.فمثل الحمد و الركوع‏و السجود الّذي يكون ظرف وجوده بعد موت الغريق،لا يكون امره من الأمرالتّرتّبي،بل الأمر بالتّكبير يكون من ذلك،لمقارنة وجودها لعصيان الأمر بالإنقاذ.وذلك واضح.و امّا إذا كان للخطاب المترتّب عليه نحو بقاء،و كان لعصيانه استمرار،فان كان امتثال الخطاب المترتب دفعيا ليس متدرّجا في الزّمان-كالأمر بردّ السّلام‏مثلا المترتّب على الأمر بترك أداء الدّين أو إزالة النّجاسة من المسجد مثلا-فهذاأيضا ممّا لا إشكال فيه،فانّه يكون في حال ردّ السّلام عاصيا لخطاب الإزالة،و يكون عصيان الإزالة أيضا من الشّرط المقارن لوجوب ردّ السّلام،و ان كان‏العصيان يبقى بعد سقوط الأمر بردّ السّلام،لمكان امتثاله.و امّا إذا كان امتثال الأمر المترتّب تدريجيّ الوجود كالصّلاة،و كان‏لعصيان الأمر المترتّب عليه استمرار و بقاء-كأداء الدين و إزالة النجاسةعن المسجد-فربما يستشكل في مثل هذا بتوقف الأمر المترتب على الشّرط المتأخّر،وحيث امتنع الشّرط المتأخّر امتنع الخطاب التّرتّبي.وجه التّوقّف:هو توهّم انّ الأمر بالمتدرّج مشروط باستمرار عصيان الأمرالمترتّب عليه إلى آخر جزء من المتدرّج الّذي فرض تعلّق الأمر التّرتّبي به،مثلاالأمر بالصّلاة بالأمر التّرتّبي يكون مشروطا باستمرار عصيان الأمر بالإزالة إلى آخرالصّلاة،فيكون عصيان الأمر بالإزالة في حال التّسليمة شرطا للأمر بالتّكبيرة،إذلو لا العصيان في ذلك الحال لما تعلّق الأمر بالتّكبيرة،فيكون تعلّق الأمر التّرتّبي‏بالتّكبيرة مشروطا بشرط مقارن،و هو عصيان الأمر بالإزالة في حال التّكبيرة،


376

و مشروطا بالشّرط المتأخّر أيضا،و هو العصيان في حال التّسليمة،و حيث كان‏المختار امتناع الشّرط المتأخّر كان اللازم امتناع الأمر التّرتّبي.و إرجاع الشّرط إلى‏عنوان التعقب انّما يكون بعد مساعدة الدّليل و الاعتبار عليه،و المفروض انّه لم يقم‏دليل بالخصوص على ثبوت الأمر التّرتّبي في جميع موارد التدريجيّات،حتى يقال:انّ‏دلالة الاقتضاء تقتضي كون الشّرط هو عنوان التعقب،بل قد تقدّم انّ نفس الأدلّةالأوليّة تقتضي الخطاب الترتبي،بعد اشتراط كل تكليف بالقدرة على متعلقه،ومعلوم:ان اقتضاء الأدلة الأولية ذلك انّما هو فيما إذا لم يلزم من الخطاب التّرتّبي امرغير معقول:من الشّرط المتأخّر.و امّا مع استلزامه ذلك،فالأدلة ح لا تقتضي‏الخطاب التّرتّبي،و تقل فائدة البحث عنه ح،لأنّ الغالب في الخطابات التّرتبيّة كون‏متعلقاتها تدريجيّة،مع استمرار عصيان الأمر المترتّب عليه،فيلزم في الغالب من‏الخطاب التّرتّبي الشّرط المتأخّر.أقول:ضعف هذا الأشكال ممّا لا يكاد يخفى،لوضوح انّ هذا ليس إشكالامخصوصا بالأمر التّرتّبي،بل توهّم هذا الأشكال مطّرد في جميع الأوامر التي تتعلّق‏بعدّة اجزاء متدرّجة في الوجود،كالصّوم،و الصّلاة،و الوضوء،و غير ذلك من‏المركّبات الارتباطيّة،لوضوح انّ الأمر بكلّ جزء مشروط بالقدرة على الأجزاءاللاحقة،فيلزم الشّرط المتأخّر في جميع المركّبات،و لو لم يكن هناك امر ترتّبي.ولا يلزم من القول بالأمر التّرتّبي إشكال زائد على الأشكال المطرد،فانّ الأمر المترتّب‏المتعلّق بما يكون تدريجيّ الحصول أيضا يكون مشروطا ببقاء القدرة إلى آخر الأجزاء،غايته انّ القدرة على الأجزاء اللاحقة انّما تكون باستمرار عصيان الأمر المترتّب‏عليه،فليس في الأمر التّرتبي إشكال سوى إشكال اعتبار بقاء القدرة إلى آخرالأجزاء في الأمر بأوّل الأجزاء في المركّبات الارتباطيّة،هذا.و قد تقدّم الجواب عن هذا الأشكال المطرد،و بيان ضعف توهم استلزام‏الأمر بالمركّب للشّرط المتأخّر في بعض المباحث المتقدّمة.و حاصل الجواب:هو انّ‏لازم اعتبار الوحدة في المركّب من عدّة اجزاء متدرّجة في الوجود،هو ان تكون القدرةعلى كلّ جزء في حال وجوده شرطا بوجودها العينيّ الخارجيّ،و بالنّسبة إلى‏


377

الأجزاء الأخر من السّابقة و اللاحقة يكون الشّرط هو التّقدم و التأخّر.مثلا الأمربالتّكبيرة مشروط بالقدرة عليها خارجا و تعقّبها بالقدرة على سائر الأجزاء.و كذاالأمر بالحمد مشروط بالقدرة عليها خارجا و سبقها بالقدرة على التّكبيرة و تعقّبهابالقدرة على الأجزاء المتأخّرة.فشرطيّة التّعقب و التّقدم ممّا يقتضيه نفس الأمربالمركّب بعد اعتبار الوحدة فيه و أخذه على جهة الارتباطيّة.فالقول بأنّ الشّرط في‏مثل هذا هو عنوان التّعقب ليس قولا بلا دليل،بل نفس دليل المركّب بعد اعتبارالوحدة فيه يقتضى ذلك،و عليه يساعد الاعتبار.و قد تقدّم تفصيل الكلام في ذلك‏في مسألة الشّرط المتأخّر،فراجع‏ (1) .و على كلّ حال:لا يرد على الأمر التّرتّبي في‏التدريجيّات إشكال زائد على الأشكال في المركّبات،و الجواب واحد في الجميع.و حينئذ نقول:انّ الأمر بأوّل جزء من متعلّق الأمر المترتّب مشروطبعصيان الأمر المترتّب عليه بالشّرط المقارن و بتعقّبه باستمرار العصيان إلى آخرالأجزاء.و لا محذور فيه أصلا،لأنّ شرطيّة عنوان التّعقب انّما تستفاد من نفس‏اعتبار الوحدة في متعلّق الأمر المترتّب‏ثمّ لا يخفى عليك:انّ الأمر التّرتّبي قد يثبت من أوّل الشروع في العمل‏التّدريجي و يستمرّ إلى آخره،و قد يحدث في أثناء العمل،و ربّما ينعكس الأمر،بحيث يكون الأمر المترتّب مترتّبا عليه لو حدث في الأثناء،بعد ما كان مترتّبا لوكان من أوّل العمل.مثلا في إزالة النّجاسة عن المسجد و الصّلاة يختلف الحال فيها.فتارة:يعلم بنجاسة المسجد قبل الدّخول في الصّلاة،و أخرى:يعلم به في أثناءالصّلاةفان كان عالما بها قبل الصّلاة مع سعة الوقت،يكون ح الأمر بالصّلاة من‏أوّلها إلى آخرها مترتّبا على عصيان الإزالة،لأنّه يكون من مزاحمة الموسّع و المضيق.وقد تقدّم انّ الأمر بالموسّع يكون مترتّبا على عصيان الأمر بالمضيق.و هذا الأمرالتّرتّبي محفوظ من أوّل الصّلاة إلى آخرها،فله بعد الشّروع في الصّلاة قطع الصّلاة

1)راجع الجزء الأوّل من هذا الكتاب،مباحث الشرط المتأخر ص 280-281


378

للاشتغال بالإزالة،بل يجب عليه قطعها لبقاء موضوع الإزالة و استمرار عصيانها إلى‏آخر الصّلاة،فلا يحرم قطع مثل هذه الصّلاة.و لا موقع للتّمسّك بحرمة الأبطال،بعدما كان الأمر التّرتّبي محفوظا من أوّل الصّلاة إلى آخرها.فأقصى ما يقتضيه‏الأمر التّرتّبي هو صحّة الصّلاة لو لم يقطعها،و لا يقتضى حرمة قطعها.هذا إذا كان‏عالما بالنّجاسة قبل الصّلاة.و امّا ان كان جاهلا بها،فحيث لم يتنجّز عليه الأمر بالإزالة لمكان الجهل‏بها،كان دخوله في الصّلاة ليس بالأمر التّرتّبي بل بأمرها الأوّلي،و توجّه عليه حرمةالابطال و قطع الصّلاة.فإذا علم بنجاسة المسجد في الأثناء،فيكون كما لو حدثت‏النّجاسة في المسجد في الأثناء،و من حين العلم يتوجّه عليه الأمر بالإزالة،فتقع‏المزاحمة ح بين الأمر بالإزالة مع حرمة قطع الصّلاة،و كلّ منهما يكون من المضيق.ودعوى أهمية حرمة القطع من وجوب الإزالة ليس بكلّ البعيد،فيكون الأمر بالإزالةحينئذ مترتّبا على عصيان الأمر بإتمام الصّلاة،مع انّه كان مترتّبا عليه لو كان عالمابالنّجاسة من أوّل الصّلاة.و هذا ما قلناه:من انّ الأمر قد ينعكس و يكون المترتّب‏مترتّبا عليه.ثمّ انّ هناك فرعا محكيّا عن الفصول،يناسب ذكره في المقام‏ (1) و هو انّه لوانحصر ماء الوضوء فيما يكون في الآنية المغصوبة،على نحو يحرم عليه الاغتراف منهاللوضوء،و ذلك فيما إذا لم يكن بقصد التّخليص-على ما سيأتي ضابط التّخليص-فان اغترف منها ما يكفيه للوضوء دفعة واحدة،فهذا ممّا لا إشكال في وجوب‏الوضوء عليه بعد اغترافه،و ان عصى في أصل الاغتراف،إلاّ انّه بعد العصيان والاغتراف يكون واجدا للماء،فيجب عليه الوضوء.و امّا إذا لم يغترف ما يكفيه‏للوضوء دفعة واحدة،بل كان بنائه على الاغتراف تدريجا فاغترف ما يكفيه لغسل‏الوجه فقط،فالمحكيّ عن صاحب الفصول:انّه لا مانع من صحّة وضوئه ح بالأمر

1)راجع الفصول،تقسيمات الواجب،تقسيمه إلى الواجب و المشروط،بيان وجه الفرق بين الواجب‏المعلق و الواجب المشروط،و تظهر الثمرة في وجوب المقدمات التي...»ص 81


379

التّرتّبي،فانّه يكون واجدا للماء بعد ما كان يعصى في الغرفة الثّانية و الثّالثة التي تتمّ‏بها الغسلات الثّلث للوضوء،فيكون امره بالوضوء نظير امره بالصّلاة إذا كان ممّايستمرّ عصيانه للإزالة إلى آخر الصّلاة،فانّ المصحّح للأمر بالصّلاة،انّما كان من‏جهة حصول القدرة على كلّ جزء منها حال وجوده،لمكان عصيان الأمر بالإزالة في‏ذلك الحال و تعقّبه بالعصيان بالنّسبة إلى الأجزاء اللاحقة،على ما تقدّم بيانه.وفي الوضوء يأتي هذا البيان أيضا،فانّ القدرة على كلّ غسلة من غسلات الوضوءتكون حاصلة عند حصول الغسلة،لمكان العصيان بالتّصرّف في الآنية المغصوبة،والعصيان في الغرفة الأولى لغسل الوجه يتعقّبه العصيان في الغرفة الثّانية و الثّالثةلغسل اليدين،فيجري في الوضوء الا مر التّرتّبي كجريانه في الصّلاة،هذا.و لكن لا يخفى عليك:الفرق بين باب الوضوء،و باب الصّلاة،فانّ الصّلاةلا يعتبر فيها أزيد من القدرة العقليّة على اجزائها،المفروض حصولها باستمرار عصيان‏الإزالة،فلا مانع من الأمر التّرتّبي فيها.و امّا في الوضوء،فالقدرة المعتبرة فيه انّماتكون شرعيّة و ممّا لها دخل في الملاك،و لا قدرة شرعيّة على الوضوء بعد ما كان‏موقوفا على التّصرّف في الآنية المغصوبة،و لا ملاك له حينئذ،فيكون غسل الوجه‏بالغرفة الأولى لغوا لا أثر له،بعد ما لم يكن في ذلك الحال واجدا لماء مباح شرعا يكفى‏للوضوء،فلا يجري في الوضوء الأمر التّرتّبي.هذا إذا لم يكن الاغتراف للتّخليص.وامّا إذا كان للتّخليص،فلا إشكال في جواز الاغتراف دفعة واحدة،بل بدفعات-على إشكال في الأخير-فيكون مكلّفا بالوضوء و لا ينتقل تكليفه إلى التّيمّم.ثمّ انّه ليس المراد من التّخليص مجرّد القصد و النّية،بل ضابطه ان يكون‏الماء الموجود في الآنية المغصوبة ملكا له لا مباحا،و كان وقوعه في الآنية لا باختياره،فانّه ح له تخليص مائه عن الآنية و ان استلزم التّصرف فيها.و امّا إذا كان مباحا،أو كان وقوعه في الآنية بسوء اختياره،ففي مثل هذالا يجوز له التّصرف في الآنية.امّا فيما إذا كان الماء مباحا فواضح،حيث انّه لا ربطله به حتّى يجوز له التّصرف في الآنية.و امّا فيما إذا كان ملكا له فلأنّ الماء و ان لم‏يخرج عن ملكه،إلاّ انّه هو بسوء اختياره سلب سلطنته عن ملكه،فليس له‏


380

التّصرف في الآنية لإخراج مائه من دون اذن صاحبها،فتأمل جيّدا.هذا تمام الكلام في المسألة الأولى من مسائل الترتب،مع ما يستتبعها من‏التّنبيهات.

المسألة الثّانية:

هي ما إذا كان التّزاحم ناشئا عن قصور قدرة المكلّف على الجمع بينها،من‏دون ان يكون هناك تضادّ في المتعلّقين،كالقيام في الرّكعة الأولى و الثّانية.و قدتقدّم حكم التّزاحم في ذلك،و انّ المتأخّر ان كان أهمّ يجب حفظ القدرة له،ويكون بأهميته شاغلا مولويّا عن المتقدّم.و ان لم يكن أهمّ وجب صرف القدرة إلى‏المتقدّم،و ليس مخيّرا في صرف القدرة في أيّهما شاء،فانّ التّخيير انّما يكون في‏المتزاحمين العرضيين،لا الطّوليين.و قد تقدّم انّ عدم التّخيير في المقام من ثمرات‏كون التّخيير في المتزاحمين المتساويين عقلا باعتبار اشتراط التّكليف بالقدرةعقلا،لا شرعيّا على ما تقدّم تفصيله-فراجع-فلا موجب لإعادته.و الغرض في المقام هو بيان جريان الخطاب التّرتبي فيما إذا كان المتأخّرأهمّ الّذي فرضنا وجوب حفظ القدرة إليه.فلو خالف و عصى و لم يحفظ القدرةإليه،فهل يجب صرف القدرة إلى المتقدّم بالخطاب التّرتبي،أو انّ المقام لا يجري فيه‏الخطاب التّرتّبي؟و الأقوى:انّ الخطاب التّرتبي في هذه المسألة ممّا لا يمكن و لا يعقل،وتوضيح ذلك هو انّ الخطاب التّرتبي،امّا ان يلاحظ بالنّسبة إلى نفس الخطاب‏المتأخّر و أخذ عصيانه شرطا للأمر بالمتقدّم،و امّا ان يلاحظ بالنّسبة إلى الخطاب‏المتولّد منه،و هو وجوب حفظ القدرة له،فيكون عصيان هذا الخطاب شرطا للأمربصرف القدرة إلى المتقدّم.فان كان الأوّل،فيرد عليه-مضافا إلى استلزامه للشّرط المتأخر من دون‏قيام دليل عليه بالخصوص ليرجع الشّرط إلى وصف التّعقب،فانّه في التّدريجيّات‏التي قلنا فيها انّ الأمر بالأجزاء السّابقة مشروط باستمرار العصيان إلى الأجزاءاللاحقة و أرجعنا الشّرط إلى عنوان التّعقب انّما كان من جهة انّ استمرار العصيان‏


381

عبارة أخرى عن استمرار القدرة المعتبرة فيها التي لا يمكن إلاّ بكون الشّرط هو عنوان‏التعقب،لمكان اعتبار الوحدة في الأجزاء التّدريجيّة،و أين هذا ممّا نحن فيه؟من‏جعل عصيان الواجب المتأخّر شرطا للمتقدّم،فانّ هذا لا ربط له بباب اشتراطالواجب بالقدرة حتّى نلتجئ إلى إرجاع الشّرط إلى عنوان التعقب كما لا يخفى-انّ‏ذلك لا يجدى في رفع المزاحمة،فانّ المزاحم للمتقدّم ليس نفس خطاب المتأخّر و لوكان أهمّ،بل المزاحم له هو الخطاب المتولّد منه،و هو لزوم حفظ القدرة له و عدم‏صرفها في غيره،إذ لو لا ذلك لما كاد يقع مزاحمة بين المتقدّم و المتأخّر،لعدم‏اجتماعهما في الزّمان،فالمزاحم هو خطاب وجوب حفظ القدرة،و معلوم:انه من‏فرض عصيان المتأخر في زمانه لا يسقط خطاب وجوب حفظ القدرة،لعدم سقوطخطاب المتأخّر بعد ما لم يتحقّق عصيانه،ففرض عصيان المتأخّر في موطنه لا يوجب‏سقوط خطاب-احفظ قدرتك-فإذا لم يسقط فالمزاحمة بعد على حالها،و خطاب-احفظ قدرتك-موجب للتّعجيز عن المتقدّم،و لا يعقل الأمر بالمتقدّم في مرتبة وجوب‏حفظ القدرة للمتأخّر،فتأمل.و ان كان الثّاني،أي لو حظ الخطاب التّرتبي بالنّسبة إلى خطاب-احفظقدرتك-فهو و ان كان يسلم عن إشكال الشّرط المتأخّر،إلاّ انّه يرد عليه:انّ عدم‏حفظ القدرة للمتأخّر لا يكون إلاّ بفعل وجوديّ يوجب صرف القدرة إليه،و ذلك‏الفعل الوجوديّ امّا نفس المتقدّم،أو فعل آخر.فان كان الأوّل يلزم طلب الحاصل،و ان كان الثّاني يلزم تعلّق الطّلب بالممتنع،فانّه مع صرف قدرته في المتقدّم يكون‏المعنى:ان لم تحفظ قدرتك إلى الرّكعة المتأخّرة مثلا و قمت في الرّكعة الأولى فقم فيها.و هذا كما ترى يلزم تحصيل الحاصل.و ان صرف قدرته في فعل آخر كما إذا صار حمالا بحيث يمتنع عليه القيام في‏الرّكعة الثّانية مع ذلك الفعل،يكون المعنى:ان لم تحفظ قدرتك للقيام في الرّكعةالثّانية و صرت حمّالا فقم في الرّكعة الأولى.و هذا أيضا كما ترى يلزم طلب‏الممتنع،لأنّه مع صرف قدرته في ذلك يتعذّر عليه القيام في الرّكعة الأولى.و ان كان المراد من عدم حفظ القدرة في المتأخّر:المعنى الجامع بين صرف‏


382

القدرة إلى المتقدّم أو فعل وجوديّ آخر مضادّ لذلك،يلزم كلا المحذورين،من طلب‏الحاصل،و التّكليف بالممتنع.و لا يقاس المقام بالإزالة و الصّلاة،حيث قلنا:انّه يصح الأمر بالصّلاة عندترك الإزالة،و لا يلزم من ذلك طلب الحاصل،و لا التّكليف بالممتنع.مع انّه يمكن‏هذا التقريب في ذلك أيضا،بان يقال:ان تركت الإزالة و اشتغلت بالصّلاة فصلّ،فيلزم طلب الحاصل،و ان اشتغلت بغيرها يلزم طلب الممتنع،و ان كان الأعمّ يلزم‏كلا المحذورين.فانّ قياس المقام بذلك فاسد جدا،لوضوح انّ ترك الإزالة لا يلازم‏الصّلاة،و لا فعلا آخر مضادّا لها،بل كلّ فعل وجوديّ يفرض فانّما هو مقارن لترك‏الإزالة،لا عينه و لا يلازمه،لتمكّن المكلّف من عصيان الأمر بالإزالة مع عدم اشتغاله‏بفعل وجوديّ أصلا،كما تقدّم في ردّ شبهة الكعبي.و ليست الأفعال الوجوديّة من‏مصاديق ترك الإزالة،إذ الوجود لا يكون مصداقا للعدم،فمع فرض تركه للإزالةيمكنه ان لا يشتغل بفعل وجوديّ،فلا مانع من امره بالصّلاة ح عند ترك الإزالة،و لا يكون من طلب الحاصل أو الطلب بالممتنع و لو فرض انّه اشتغل بفعل وجوديّ‏آخر،لأنّه لم يقيّد الأمر الصّلاتي بصورة الاشتغال بالصلاة،أو صورة الاشتغال بفعل‏وجودي آخر حتى يلزم ذلك،بل الأمر الصلاتي كان مقيّدا بترك الإزالة فقط ليس‏إلاّ.و قد عرفت انّ الأفعال الوجوديّة،لا هي عين ترك الإزالة مفهوما أو مصداقا،ولا ملازمة بينهما.و هذا بخلاف المقام،فانّ ترك حفظ قدرته للمتأخّر لا يكون إلاّ بالاشتغال‏بفعل وجوديّ يوجب سلب القدرة عن المتأخّر،لوضوح انّه لو لم يشتغل بفعل وجوديّ‏كذلك تكون قدرته إلى المتأخّر محفوظة،فالفعل الوجوديّ يكون ملازما لعدم انحفاظالقدرة،و لا يكون الفعل الوجوديّ مقارنا.و حينئذ يرجع الكلام السّابق:من انّ‏ذلك الفعل الوجوديّ،امّا ان تفرضه هو المتقدّم،أو فعل آخر مضادّ،أو الجامع بين‏الأفعال الوجوديّة الموجبة لسلب القدرة عن المتأخّر.و على كلّ تقدير يلزم أحدالمحاذير المتقدّمة.و بتقريب آخر:انّ الحكم في المقام عقليّ،و ليس هناك دليل لفظيّ.و


383

العقل يستقل بقبح صرف القدرة إلى غير المتأخر الّذي فرضناه أهمّ و بلزوم حفظالقدرة إلى المتأخّر.و معلوم انّ كلّ فعل وجوديّ يفرض كونه موجبا لعدم القدرة على‏المتأخّر،فانّما هو من مصاديق صرف القدرة إلى غير المتأخّر،و معلوم انّ قبح الشّي‏ءيسرى إلى مصاديقه،و لا مجال للأمر التّرتّبي في مثل هذا.فالمقام نظير ما سيأتي من عدم جريان التّرتّب في مسألة اجتماع الأمرو النّهى،حيث نقول في ذلك:انّه لا يمكن تصحيح الصّلاة بالأمر التّرتّبي بعدم تقديم‏جانب النّهى،فلا يصح ان يقال:لا تغصب و ان غصبت فصلّ.فانّ المراد من قوله‏(ان غصبت)ان كان خصوص الغصب الصّلاتي يلزم طلب الحاصل،و ان كان غيرذلك يلزم طلب الممتنع،و ان كان الأعمّ يلزم كلا المحذورين.و ليس ذلك إلاّ لمكان‏انّ كلّ فعل وجوديّ يفرض فانّما يكون من مصاديق الغصب،فالصّلاة أيضا تكون‏مصداقا للغصب،لا مقارنة له،كما في الصّلاة و الإزالة.فالصّلاة تكون منهيّا عنهابنفس النّهى عن الغصب.و يرجع الأمر التّرتّبي في ذلك إلى قوله:لا تغصب الغصب‏الصّلاتي و ان فعلت ذلك فصلّ،و هو كما ترى يلزم طلب الحاصل.و سيأتي لذلك‏مزيد توضيح في محلّه إن شاء اللّه.و على كلّ حال قد ظهر لك:انّ الأمر التّرتّبي لا يجري في المسألة الثّانيةمن مسائل التّزاحم،و هي ما كان التّزاحم فيه لقصور قدرة المكلّف،لا لتضادّالمتعلّقين.

المسألة الثّالثة:

من مسائل التّرتّب هي:ما إذا كان التّزاحم واقعا بين المقدّمة و ذيها.والأقوى جريان التّرتب فيها.و تفصيل الكلام في ذلك:هو انّ المقدّمة،امّا ان تكون سابقة في الوجودعلى ذيها كالتّصرف في أرض الغير لإنقاذ الغريق.و امّا ان تكون مقارنة في الوجودلذيها كالتّصرف في الماء الّذي وقع الغريق فيه لإنقاذه،و كترك أحد الضّدين‏لوجود الآخر،بناء على مقدّميّة ترك أحد الضّدين لوجود الآخر فينبغي عقد الكلام‏في مقامين:


384

(المقام الأوّل)

في المقدّمة السّابقة في الوجود على ذيها.و الكلام فيها يقع من جهات:

الجهة الأولى:

قد تقدّم انّ المقدّمة المحرّمة ذاتا بحسب حكمها الأولى لا تسقط حرمتها بمجرّدكونها مقدّمة لواجب،بل ان كان وجوب ذي المقدّمة أهمّ من حرمة المقدّمة،ففي‏مثل هذا تسقط حرمتها و تجب بالوجوب المقدّمي.و ان لم تكن أهمّ فحرمة المقدّمةباقية على حالها،و لا تصل النّوبة إلى التّخيير في صورة التّساوي.و قد تقدّم أيضا انّ‏ذلك من ثمرات كون التّخيير في الواجبين المتزاحمين المتساويين عقليّا أو شرعيّا،و انّه‏بناء على المختار:من كون التّخيير عقليّا،لا يتحقّق التّخيير بين المقدّمة و ذيها،بل ان‏كان ذو المقدّمة أهمّ كان بأهميّته موجبا للتّعجيز عن المقدّمة و سلب القدرة عنهافتجب.و ان لم تكن أهمّ فلا معجّز مولوي يوجب سقوط الحرمة على المقدّمة،بل‏يكون حرمتها الحاليّة معجزا عن وجوب ذيها،فلا يجب و تبقى الحرمة على حالها.ولا يختصّ هذا بالمقدّمة السّابقة في الوجود على ذيها،بل يجري في المقدّمة المقارنة أيضا،لوضوح انّ التّصرف في ماء الغير انّما يجب إذا توقّف عليه واجب أهمّ:من إنقاذنفس محترمة أو تلف مال كثير.و امّا إذا لم يكن الواجب أهمّ،فحرمة التّصرّف تبقى‏على حالها،إذ ليس له معجّز مولوي عن ذلك،فتأمل.هذا إذا كانت المقدّمة محرّمة ذاتا،و امّا إذا كانت مباحة أو مستحبّة أومكروهة،فلا إشكال في سقوط كلّ من هذه الأحكام عند كونها مقدّمة لواجب،لأنّ‏الوجوب لا يمكن ان يزاحمه الإباحة و الاستحباب و الكراهة.

الجهة الثّانية:

قد تقدّم في مبحث مقدّمة الواجب:انّ الذّوق و الاعتبار يأبى عن وقوع‏المقدّمة المحرّمة الذّاتيّة على صفة الوجوب و المطلوبيّة الغيريّة مطلقا و لو لم يقصد بهافعل ذي المقدّمة و لا ترتّب عليها ذلك،لوضوح انّه لا يمكن الالتزام بكون التّصرف‏في أرض الغير واجبا لمجرّد انّه توقّف إنقاذ الغريق عليه،مع انّ الشّخص لم يتصرف‏لأجل ذلك،بل قصد في تصرّفه النّزهة و العدوان و التّفرّج.فانّ دعوى كون‏


385

التّصرّف مع هذا واجبا و مطلوبا يكذبها الوجدان و الاعتبار،و لأجل ذلك تشتّتت‏الآراء فيما هو الواجب من المقدّمة،و سلك كلّ مسلكا.فذهب صاحب المعالم إلى انّ‏وجوب المقدّمة مشروط بإرادة ذيها،و ذهب صاحب الفصول إلى المقدّمة الموصلة،وذهب الشّيخ(قده)إلى اعتبار قصد التّوصّل‏ (1) .كلّ ذلك لأجل استبعاد كون‏المقدّمة واجبة مط.و قد تقدّم منّا بيان فساد ذلك كلّه،و انّه لا يمكن اعتبار قيدالتّوصّل أو قصد التوصل في وجوب المقدّمة،أو في وقوعها على صفة الوجوب بحيث‏يكون قيدا للواجب،لاستلزام تلك المحاذير المتقدّمة.و لنا في المقام مسلك آخر به يحسم مادّة الأشكال،و يوافق عليه الذّوق والاعتبار و هو:انّ الحرمة الذّاتيّة التي كانت للمقدّمة لم تسقط مطلقا،بل سقطإطلاقها لحالتي فعل ذي المقدّمة و تركها مع انحفاظ الحرمة في صورة ترك ذي‏المقدّمة،بل انحفاظ كلّ حكم كان للمقدّمة ذاتا و لو لم يكن الحرمة،بل كان‏الحكم هو الإباحة أو الكراهة أو الاستحباب.و بالجملة:الدّعوى هو انّ كل حكم كان للمقدّمة مع قطع النّظر عن‏عروض وصف المقدّمية عليها فهو محفوظ في حال ترك ذي المقدّمة،أعني الواجب‏الّذي فرضناه أهمّ.و ذلك لا يكون إلاّ بالأمر الترتبي الّذي قد تقدّم الكلام عنه،وعن إمكانه بل وقوعه.نعم:يختصّ الأمر التّرتّبي في المقام ببعض الإشكالات،التي‏لا ترد على الأمر التّرتبي في سائر المقامات.و حاصل تلك الإشكالات يرجع إلى‏امرين:الأوّل:انّ الأمر التّرتبي في المقام يوجب اجتماع الوجوب و الحرمة في نفس‏المقدّمة،و الوجوب و الحرمة متضادّ ان لا يمكن اجتماعهما.الثّاني:انّ الأمر التّرتبي في المقام يتوقّف على القول بالشّرط المتأخّر،لأنّ‏الحرمة ح تكون مشروطة بعصيان ذي المقدّمة المتأخّر زمانا عن المقدّمة،و لم يقم دليل‏بالخصوص على اعتبار الشّرط المتأخّر في المقام،حتى نرجعه إلى وصف التعقب.هذا

1)قدم تحقيق ذلك في هامش ص 286 من هذا الكتاب‏


386

و سيتّضح لك دفع الإشكالين بما سنذكره في الجهة الثّالثة التي نذكر فيها مقدّمتين‏لبيان جريان الأمر التّرتبي في المقام.

الجهة الثّالثة

(المقدّمة الأولى)لا إشكال في انّ الأمر بالمقدّمة انّما يكون في رتبة كون المولى بصدد تحصيل‏مراده من ذي المقدّمة و في مرتبة الوصول إلى غرضه و مطلوبه النّفسي،فانّه في هذه‏المرتبة تنقدح إرادة المقدّمة في نفس المولى،لوضوح انّ إرادة المقدّمة لا تكون إلاّ لمكان‏الوصول إلى ذيها،فتكون واقعة في رتبة الوصول إلى ذي المقدّمة و كون المولى بصددتحصيله،لا في رتبة اليأس عن ذي المقدّمة و عدم الوصول إليه،فانّ هذه المرتبة ليست‏مرتبة انقداح إرادة المقدّمة في نفس المولى،و ذلك واضح.(المقدّمة الثّانية)قد تقدّم في المقدّمة الرّابعة من مقدّمات التّرتّب:انّه لا يعقل الإطلاق و التّقييدلحاظا و نتيجة بالنّسبة إلى حالتي فعل الواجب و تركه،و انّ هذا الانقسام ليس‏كسائر الانقسامات اللاحقة للمتعلّق ممّا يمكن فيها الإطلاق و التّقييد اللّحاظي أونتيجة الإطلاق و التّقييد،لاستلزامه طلب الحاصل،أو طلب النّقيضين،على ماتقدّم تفصيله.و لكن هذا في كلّ واجب بالنّسبة إلى حالتي فعله و تركه.و امّا بالنّسبة إلى حالتي فعل واجب آخر و تركه،فالإطلاق و التّقييد بمكان‏من الإمكان،بل لا محيص عنه إذا لا يعقل الإهمال الثّبوتي بالنّسبة إلى ذلك،إلاّ انّ‏هذا انّما يكون في الواجبين الملحوظين على جهة الاستقلاليّة و الاسميّة،كالصّوم والصّلاة،حيث لا محيص:امّا من إطلاق الأمر بالصّوم لحالتي فعل الصّلاة و تركها،وامّا من تقييده بإحدى الحالتين.و كذلك الأمر بالصّلاة.و امّا إذا كان أحد الواجبين ملحوظا على جهة التّبعيّة و الحرفيّة،كالأمرالمقدّمي فهو في الإطلاق،و الاشتراط،و الإهمال،تابع للأمر بذي المقدّمة.و انّه كلّ‏ما يكون الأمر بذي المقدّمة مطلقا أو مقيّدا بالنّسبة إليه،فالأمر المقدّمي أيضا يكون‏مطلقا أو مقيّدا بالنّسبة إلى ذلك الشّي‏ء،و كلّ ما يكون الأمر بذي المقدّمة مهملابالنّسبة إليه،فالأمر المقدّمي أيضا مهمل بالنّسبة إليه.و السّر في ذلك واضح،لأنّ‏


387

الأمر المقدّمي انّما يتولّد من الأمر بذي المقدّمة،و يكون معلولا له و مترشّحا منه،وليس ناشئا عن مبادئ استقلاليّة،بل يكون إنشائه قهرا على المولى،بحيث لا يمكن ان‏لا ينشئه بعد إنشاء الأمر بذي المقدّمة،على ما تقدّم بيانه في مقدّمة الواجب.فإذاكان كذلك،فلا بد ان يكون الأمر المقدّمي تابعا في الإطلاق و الاشتراط و الإهمال‏للأمر بذيها،كما يكون تابعا في أصل وجوده،فلا يقاس الأمر بالمقدّمة مع الأمر بذيهابالأمر بالصّلاة و الصّوم حيث قلنا:انه في مثل الصّلاة و الصّوم لا بدّ من الإطلاق أوالتّقييد،من دون ان يكون الإطلاق في أحدهما تابعا للإطلاق في الآخر،فانّ بين‏الأمر المقدّمي و ذيها و بين الأمر بالصّلاة و الصّوم بونا بعيدا.نعم:ان لو حظ الأمر المقدّمي معنى اسميّا صحّ القياس،إلاّ انّ الأمرالمقدّمي لم يلاحظ معنى اسميّا،فلا بدّ ح من التّبعيّة المذكورة.و حيث كان الأمربذي المقدّمة مهملا بالنّسبة إلى حالتي فعله و تركه،فلا بدّ ان يكون الأمر المقدّمي‏أيضا مهملا بالنّسبة إلى حالتي فعل ذي المقدّمة و تركه،فلا يكون فيه إطلاق ولا تقييد بالنّسبة إلى ذلك،بل يكون الأمر المقدّمي كالأمر بذيها مقتضيا في عالم‏التّشريع لرفع التّرك عن ذي المقدمة و طاردا له.و بعد ما عرفت ذلك،يتّضح جريان‏الأمر التّرتّبي في باب المقدّمة و ذيها،و انّه لا مانع من انحفاظ حرمة المقدّمة أو كلّ‏حكم فرض لها و لو كان هو الإباحة في مرتبة ترك ذي المقدّمة و عصيان امره،بحيث يكون الحكم الأصلي لها مترتبا على عصيان ذي المقدمة،فانّ هذه الرّتبة ليست‏رتبة الأمر بالمقدّمة.لأنّا قد فرضنا انّ الأمر بالمقدّمة مهمل بالنّسبة إلى حالة ترك ذي‏المقدّمة و عصيانه،بل الأمر بالمقدّمة يكون في الرّتبة السّابقة على ذلك،و هي رتبةالوصول إلى ذي المقدّمة،لا على وجه يكون مقيّدا بذلك،حتّى يرجع إلى المقدّمةالموصلة،بل هو واقع في تلك الرّتبة مع كونه مهملا بالنّسبة إلى حالتي الفعل والتّرك.فارتفع الأشكال الأوّل الّذي ذكرنا انّه مختصّ بالأمر التّرتّبي في المقام،و هولزوم اجتماع الحكمين المتضادّين في المقدّمة،لأنّ الحكمين و ان اجتمعا في المقدّمةزمانا إلاّ انّهما قد اختلفا بالرّتبة،حيث انّ الأمر واقع في رتبة الوصول،و النّهى واقع‏في رتبة اليأس و ترك الوصول بعصيان ذي المقدّمة.و لا مانع من اجتماع الحكمين‏


388

المتضادين في الزّمان مع اختلافهما بالرتبة،إذ ليس عدم جواز اجتماع الحكمين‏المتضادّين ممّا قام عليه دليل لفظيّ،حتى نتمسّك بإطلاقه و نقول:لا يكفى اختلاف‏الرّتبة بل الحكم في المقام عقليّ و العقل لا يمنع عن الاجتماع مع الاختلاف بالرتبة.إذ امتناع اجتماع الضّدين انّما هو لمكان انّه يرجع إلى اجتماع النّقيضين،و يعتبر في‏النّقيضين الممتنعي الجمع وحدة الرتبة.فتحصل:انّه لا مانع من كون المقدّمة محكوما بحكمين متضادّين،مع كونهمامختلفي الرّتبة.نعم:يبقى إشكال استلزام الأمر التّرتبي في المقام للشّرط المتأخّر الّذي لم يقم‏عليه دليل بالخصوص.و لكن هذا الأشكال أيضا مندفع بأنّ الشّرط المتأخّر في المقام‏ممّا يحكم به العقل و يستقلّ به،بعد ما بيّنا سابقا:من إباء الذّوق و الاعتبار عن‏اتّصاف المقدّمة بالمطلوبيّة مط على أيّ وجه اتّفقت و لو كان التّصرف في أرض الغيرمثلا لأجل التّنزه و التّفرج،و بعد ما بيّناه من انّ الأمر بالمقدّمة واقع في رتبة الوصول‏إلى ذيها،لا في رتبة اليأس عنه،و بعد ما كان كلّ مقدّمة منقسمة في حدّ ذاتها إلى مايتعقّبها وجود ذي المقدّمة و ما لا يتعقّبها،فانّ هذه الأمور توجب استقلال العقل‏باعتبار الشّرط المتأخّر،فهو ممّا قام عليه دليل بالخصوص،غايته انّه ليس شرعيّا بل‏عقليّا.و الحاصل:انّه لا يختصّ اعتبار الشّرط المتأخّر بمعنى التعقب بباب القدرة،بل يجري في المقام أيضا،لأنّ صريح العقل و الوجدان حاكم باعتبار الشّرط المتأخّر(بمعنى التّعقب)بعد ما كان الوجدان شاهدا على عدم وقوع المقدّمة على صفةالمطلوبيّة كيف ما اتّفقت.و هذا الوجدان هو الّذي أوجب الشّرط المتأخّر،وأوجب الأمر التّرتبي.فليس اعتبار الشرط المتأخر في المقام من جهة اقتضاء الأمرالتّرتبي ذلك،حتى يقال:انّه لم يقم دليل بالخصوص في المقام على الأمر التّرتّبي‏ليقتضي بدلالة الاقتضاء اعتبار الشّرط المتأخّر،بل الموجب للذّهاب إلى الأمرالترتبي في المقام هو الموجب لاعتبار الشّرط المتأخّر فيه،و هو تلك المقدّمات العقليّةفلا تغفل.


389

و لا تقس المقام بالمسألة المتقدّمة التي أنكرنا جريان الأمر الترتبي فيها لمكان‏استلزام الشّرط المتأخر،و هي ما إذا كان التّزاحم لأجل قصور قدرة المكلّف على‏الجمع بينها،و ذلك لأنّ المقدّمات العقليّة الخارجيّة في المقام لم تكن جارية في تلك‏المسألة.هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

(المقام الثّاني)

ما إذا كانت المقدمة مقارنة بحسب الزّمان لذيها،و له أمثلة كثيرة،و لكن‏المثال المهمّ الّذي يترتّب عليه الأثر،هو باب الضّدين،بناء على مقدّميّة ترك‏أحدهما لفعل الآخر.و الأقوى جريان الأمر التّرتبي فيه أيضا.و إشكال استلزام‏الأمر التّرتبي للشّرط المتأخر لا يجري في المقام،لأنّ المفروض كون المقدمة مقارنةبحسب الزّمان.نعم:إشكال استلزام اجتماع الوجوب و الحرمة في زمان واحد يجري،كالمقدّمة المتقدّمة بحسب الزّمان.و يزداد الأشكال في الضّدين،حيث انّه يلزم‏اجتماع الحكمين في كلّ من طرف الأهمّ و المهمّ،حيث انّه كما انّ ترك المهمّ يكون‏مقدّمة لفعل الأهمّ فيجب من باب المقدّمة مع انّه حرام لغرض وجوب فعل المهمّ‏بمقتضى الأمر التّرتبي،فيكون ترك الصّلاة واجبا بالوجوب الغيري و حراما نفسيّالغرض وجوب الصّلاة.كذلك يكون ترك الأهمّ مقدّمة لفعل المهمّ الّذي فرضناه‏واجبا بالأمر التّرتبي،فيجب ترك الأهمّ بالوجوب المقدمي مع انّه يحرم لوجوب فعل‏الأهمّ.فإشكال اجتماع الحكمين المتضادّين يأتي في كلّ من الأهمّ و المهمّ بناءعلى المقدّمية.و لكن يندفع الأشكال في طرف المهمّ بما دفعنا به الأشكال في المقدّمةالمتقدّمة بحسب الزّمان.و حاصله:انّ ترك المهمّ و ان كان حراما نفسيّا و واجبا مقدّميا،إلاّ انّ‏وجوبه المقدمي انّما يكون في مرتبة الوصول إلى الأهمّ،و الحرمة انّما تكون في مرتبةتركه و عصيانه،فتختلف رتبة الوجوب و الحرمة و لا مانع من الاجتماع مع‏الاختلاف بالرتبة.و امّا الأشكال في طرف الأهمّ فلا يندفع بذلك،لأنّ الأمر في طرف الأهمّ‏


390

ليس ترتّبيا حتّى يتحقّق اختلاف الرتبة و يصح اجتماع كلّ من الوجوب و الحرمةلمكان اختلاف الرتبة،بل انّ الأمر في طرف الأهمّ هو الأمر الأوّلي الذّاتيّ.إلاّ انّ‏الّذي يسهل الخطب هو انّ ترك الأهمّ لا يكون واجبا بالوجوب المقدّمي أصلا،بل‏ليس حكمه إلاّ الحرمة،فانّ ترك الأهمّ و ان كان مقدّمة وجوديّة لفعل المهمّ،إلاّ انّه‏مع ذلك يكون مقدّمة وجوبيّة له أيضا،لأنّ وجوب المهمّ مشروط بترك الأهمّ،ومعلوم انّ المقدّمة الوجوبيّة لا تجب بالوجوب المقدّمي،فترك الأهمّ حرام ليس إلاّ،ولا يجتمع فيه الحكمان المتضادّان.نعم لو قيل:بأنّ المقدّمة الوجوبيّة أيضا تجب بالوجوب المقدّمي يلزم ذلك،إلاّ انّه لا يعقل القول بذلك لما فيه:أوّلا:من انّ المقدّمة الوجوبيّة تكون علّة لثبوت الوجوب على ذيها،و لا يعقل‏ان يؤثّر المعلول في علّته،لأنّ التّأثير يستدعى سبق الرّتبة،و المعلول لا يعقل ان يسبق‏علّته في الرّتبة،بل هو متأخّر عنها.و ثانيا:انّ المقدّمة الوجوبيّة لا بدّ ان تؤخذ مفروضة الوجود،و مع أخذهامفروضة الوجود لا يعقل ان تجب بالوجوب المقدّمي لاستلزامه طلب الحاصل.و ثالثا:انّه يلزم من وجوب المقدّمة الوجوبيّة ان يتقدّم زمان وجوب ذيهاعلى موطنه،و ذلك في كلّ مقدّمة تكون سابقة التّحقق في الزّمان على موطن وجوب‏ذي المقدّمة،مثلا لو كان قيام زيد في أوّل طلوع الشّمس مقدّمة وجوبيّة لوجوب‏الصّلاة في أوّل الزّوال،فلو وجب قيام زيد مع ذلك بالوجوب المقدّمي يلزم تقدّم‏وجوب الصّلاة على موطنه،و ان يتحقّق من أوّل الشّمس ليترشّح منه الوجوب إلى‏المقدّمة.و هذا خلف،لأنّا فرضنا انّ موطن وجوب الصّلاة هو الزّوال.فالمقدّمةالوجوبيّة لا يمكن ان تتّصف بالوجوب المقدّمي لهذه الجهات الثّلث.فترك الأهم‏الّذي يكون مقدّمة وجوبيّة للمهمّ لا يجب بالوجوب المقدّمي من الجهات الثّلث.نعم:الجهة الأخيرة لا ترد،بناء على القول بالتّقدير و فرض سبق زمان‏وجوب المهمّ على ترك الأهمّ آنا ما،على ما تقدّم تفصيله.فانّه لا يلزم من وجوب‏ترك الأهمّ بالوجوب المقدّمي تقدّم وجوب ذي المقدّمة على موطنه و زمانه،لأنّا قد


391

فرضنا انّ موطن وجوب ذي المقدّمة الّذي هو المهمّ سابق على مقدّمته الوجوبيّة الّذي‏هو ترك الأهمّ،فلا يلزم الخلف من وجوب المقدّمة الوجوبيّة.و لكن مع ذلك لا يعقل ان يكون ترك الأهمّ واجبا بالوجوب المقدّمي،لكفاية الجهتين الأوليين في امتناعه،و هما العمدة لاطرادها في جميع المقدّمات‏الوجوبيّة و اختصاص الجهة الثّالثة بالمقدّمة السّابقة في الزّمان على ذيها.و كان المحقّق الرّشتي(ره)لم يلتفت إلى الجهتين الأوليين،و اقتصرعلى الأخيرة،فأنكر على المحقّق صاحب الحاشية الّذي أجاب‏ (1) عن إشكال لزوم‏اجتماع الحكمين المتضادّين في ترك الأهمّ بناء على المقدّمية و الأمر الترتبي بماذكرنا:من انّ ترك الأهمّ مقدّمة وجوبيّة فلا تجب،بما حاصله:انّه لا مانع من‏وجوب ترك الأهمّ بالوجوب المقدّمي،بعد القول بالتّقدير و سبق زمان وجوب المهمّ‏على ترك الأهمّ،لأنّه لا يلزم بناء على هذا القول سبق وجوب ذي المقدّمة على‏موطنه.و حيث انّ المحقّق صاحب الحاشية من القائلين بالتّقدير،فأنكر (2) عليه‏المحقّق الرّشتي:بأنه يلزمك القول بوجوب ترك الأهمّ مقدّمة لوجود المهمّ،فيلزم‏اجتماع الحكمين المتضادّين في ترك الأهمّ.و جعل المحقّق الرّشتي هذا هو المانع عن‏الأمر التّرتّبي،و كأنّه سلم انّ الأمر التّرتّبي لا مانع عنه سوى ذلك،و تخيّل انّ هذاالمانع ممّا لا دافع عنه.و أنت خبير بأنه لو انحصر المانع عن الأمر التّرتّبي بذلك فالأمرفيه هين،لأنّه أوّلا مبنىّ على التّقدير الّذي قد تقدّم فساده بما لا مزيد عليه،و ثانياانّ المانع عن وجوب المقدّمة الوجوبيّة لا ينحصر بالجهة الثّالثة،بل الجهتان الأوليان‏هما العمدة في المنع،فترك الأهمّ لا يعقل ان يجب بالوجوب المقدّمي،حتّى يجتمع‏فيه الحكمان المتضادّان.فتحصل:انّه لا مانع من الأمر التّرتّبي،حتى بناء على اقتضاءالأمر بالشّي‏ء للنّهي عن ضدّه من جهة المقدّميّة،فتأمل جيّدا.

1)راجع هداية المسترشدين-بحث الضد-في بيان الثمرة المتفرعة-على الخلاف في المسألة.«فان قلت:ان المنافاة حاصلة في المقام...»

2)بدائع الأفكار-المقصد الأول من المقاصد الخمسة-بحث الضد،القول في ثمرات المسألة،اماالإشكال الخامس...»ص 391


392

المسألة الرّابعة:

من مسائل التّرتّب،ما إذا كان التّزاحم لأجل لملازمة بين المتعلّقين.والأقوى عدم جريان الأمر التّرتبي في ذلك،لأنّه يلزم منه طلب الحاصل.فانّه لوكان استقبال القبلة الملازم لاستدبار الجدي هو المأمور به الأصلي،و أريد إثبات‏وجوب استقبال الجدي بالأمر التّرتبي عند عصيان استقبال القبلة،لزم من ذلك‏طلب استقبال الجدي بعد فرض حصوله.فلا يصح ان يقال:ان لم تستقبل القبلةفاستقبل الجدي،لأنّ عدم استقبال القبلة ملازم لاستقبال الجدي خارجا،فيلزم‏طلب استقبال الجدي بعد حصوله.و ان ناقشت في المثال فعليك بمثال الجهر والإخفات،و قد تقدّم الكلام عن ذلك في الأمر الثّاني في ردّ مقالة الشّيخ كاشف‏الغطاء (1)

المسألة الخامسة:

من مسائل التّرتب،ما إذا كان التّزاحم لأجل اتّحاد المتعلّقين خارجا،ولا يمكن جريان الأمر الترتبي فيه أيضا،لأنه يلزم امّا طلب الممتنع،و امّا طلب‏الحاصل.فانّه لو قال:لا تغصب و ان غصبت فصلّ،فالمراد من(ان غصبت)ان‏كان العزم و القصد على الغصب،فهذا لا يكون من الأمر الترتبي،لأن شرط الأمرالتّرتّبي هو التّلبس بالعصيان،لا العزم على العصيان،و إلاّ لزم الأمر بالضدّين على‏وجه المحال كما لا يخفى.و ان كان المراد منه التّلبس بالعصيان خارجا و فعليّة الغصب‏منه،فان كان المراد التّلبس بالغصب الصّلاتي يلزم طلب الحاصل بالعينيّةلا بالملازمة،و ان كان المراد التّلبّس بغير الصّلاة يلزم طلب الممتنع،و ان كان الأعمّ‏يلزم كلا المحذورين،و قد تقدّم الكلام في ذلك أيضا في طيّ المباحث السّابقة (2) .فتحصل:انّ الأمر التّرتبي لا يجري إلاّ في مسألتين من مسائل التّزاحم،إحداهما مسألة الضّدين،و ثانيهما مسألة المقدّمة و ذيها.و امّا فيما عدى ذلك من‏

1)راجع الأمر الثاني من تنبيهات الترتب،ص 369

2)تقدم تفصيل هذا البحث في المسألة الثانية ص 380


393

المسائل الثّلث الأخر فلا يعقل فيها التّرتّب أصلا.و الحمد للّه أوّلا و آخرا و الصّلاة على محمّد و آله الطّيبين الطّاهرين و اللّعنةعلى أعدائهم أجمعين.و قد وقع الفراغ من تسويده يوم الثّلاثاء تاسع عشر من شهر ربيع المولودسنة 1347و انا الأحقر الجاني محمّد علي بن حسن الكاظمي الخراسانيّ.