فهرست عناوين
فوائد الاصول
فهرست عناوين
المبحث الاول: فى مفاد صيغة النهى‏394
المبحث الثانى: فى اجتماع الامر و النهى، و البحث عنه يقع فى مقامين‏396
تحرير المقامين المبحوث عنهما فى مسئلة الاجتماع و هما: لزوم الاجتماع و عدمه، و تأثير وجود المندوحة فى رفع غائلة التزاحم و عدمه‏397
منها: ان الظاهر كون المسئلة من المبادى الاصولية398
و منها: ان متعلقات التكاليف انما هى المفاهيم و العناوين الملحوظة مرآة لحقايقها الخارجية .400
و منها: ان العناوين و المفاهيم التى يكون بينها التباين الجزئى لايعقل ان يتصادقا على متحد الجهة .402
فى بيان النسب الاربع و ان الحصر فيها عقلى‏403
فى ان نسبة العموم من وجه لايعقل ان تتحقق بين العنوانين الجوهريين‏404
و منها: ان التركيب فى العناوين الاشتقاقية اتحادى بخلاف التركيب بين المبادى فانه يكون انضماميا406
و منها: ان التركيب الاتحادى يقتضى ان تكون جهة الصدق و الانطباق فيه تعليلية و لايعقل ان تكون تقييدية408
و منها: ان مورد البحث انما هو فيما اذا كان بين العنوانين العموم من وجه، و ذلك ايضا ليس على اطلاقه‏410
و منها: ان الحركة المقرونة للصلوة و الغصب ليست معنونة بعنوانين و موجهة بهما412
و منها: ان العناوين المجتمعة فى فعل المكلف و ما هو الصادر عنه سواء كانت من العناوين المستقلة للحمل، او كانت من متعلقات الفعل و متمماته، او اجتماع العناوين التوليدية مع اسبابها باقسامها الثلاثة تندرج فى مسئلة اجتماع الامر و النهى‏415
و منها: انهم قد بنو المسئلة على كون متعلقات الاحكام هل هى الطبايع او الافراد ؟ و قد انكر بعض الاعلام هذا الابتناء، و الحق انه يختلف الحال فى ذلك على بعض وجوه تحرير النزاع ولايختلف الحال على بعض الوجوه الاخر .416
منها: ما افاده المحقق القمى ( ره ): من ان متعلقات الاوامر و النواهى هى الطبايع و الفرد انما يكون مقدمة لوجودها419
ردما افاده المحقق القمى ( ره ) بوجوه ثلاثة420
و منها: ان متعلقات الاحكام هى الصور الذهنية و الصور الذهنية متباينة لا اتحاد بينها421
و منها: ان الاجتماع انما يكون مأموريا لا آمريا، و هذا الوجه هو المحكى المعتمد عليه فى عصر ( شريف العلماء )421
و منها: ان متعلقات الاحكام انما تكون هى الماهيات الواقعة فى رتبة الحمل، لاالواقعة فى رتبة نتيجة الحمل‏422
بيان ادلة المانعين . و عمدتها ما ذكره المحقق الخراسانى ( ره ) الذى يتركب من مقدمات‏424
منع بعض المقدمات التى ذكرها المحقق الخراسانى ( ره )424
بيان الوجه المختار، و هو عدم امكان اتحاد المقولتين و كون التركيب فيهما انضماميا424
حاصل البرهان على الوجه المختار، الذى يتركب من امور بديهية427
الاشكال على ما افاده بعض الاعلام: من ان الفرق بين البابين انما هو باشتمال كل من الحكمين على المقتضى فى باب اجتماع الامر و النهى و عدم اشتمال احد هما على ذلك فى باب التعارض‏428
التنبيه الاول: فى بيان ان الصحة عند الجهل مبنية على التزاحم و الجواز . و الاشكال على ما افاده الشيخ ( ره ) فى المقام‏429
فى امتناع الحكم الاقتضائى الذى لايصير فعليا ابدا432
التنبيه الثانى: فى رد ما استدل للجواز بوقوعه فى الشرعيات فى مثل العبادات المكروهة434
البحث عن كيفية تعلق الكراهة بالعبادة، و بيان المراد منها434
تحقيق بقاء اطلاق الامر فى العبادات المكروهة، و ان الكراهة لاتنافى اطلاق الرخصة فى الامر435
الكلام فيما اذا تعلق النهى التنزيهى بعين ما تعلق به الامر، كصوم يوم عاشوراء و الصلوة عند طلوع الشمس‏438
فى ان مقتضى ما تقدم عن المحقق الكركى، هو كفاية وجود المندوحة فى المقام ايضا . و بيان الفرق بين المقام و بين ما افاده المحقق ( ره ) و ان هذا الفرق لايكون فارقا فى المناط441
بيان فساد مبنى المحقق الكركى ( ره )442
بيان عدم المنافاة بين القول بالجواز و عدم صحة الصلوة فى المكان الغصبى فى صورة العلم و العمد، لبغضها الفاعلى‏443
تحقيق انه اذا كان كل من اطلاق الامر و النهى شموليا تندرج المسئلة فى باب التعارض و ان كان التركيب انضماميا443
فى حكم صلوة المحبوس فى المكان المغصوب‏444
فى حكم الخروج من المكان المغصوب و بيان الاقوال فيه‏446
فى عدم اندراج المقام فى قاعدة الامتناع بالاختيار449
فى بيان حكم الصلوة حال الخروج عند ضيق الوقت‏452
بيان الفرق بين هذه المسئلة و مسئلة اجتماع الامر و النهى‏454
اثبات كون المسئلة من مسائل علم الاصول، و انها ليست من مباحث الالفاظ بل من مباحث الملازمات العقلية للاحكام فى تحرير محل النزاع، و بيان المراد من العبادة، و المعاملة، و الفساد455
فى بيان المراد من الصحة و الفساد فى محل البحث‏457
اشكال اتصاف المعاملات بالصحة و الفساد، و حله‏458
فى كون الصحة و الفساد النتزاعيين مطلقا460
فى ان البحث عن اقتضاء النهى للفساد لايتوقف على ثبوت مقتضى الصحة للمنهى عنه لولا النهى‏461
تحقيق انه لا اصل فى المسئلة بالنسبة الى المسئلة الاصولية462
المقام الاول: فى اقتضاء النهى عن العبادة للفساد463
وجوه تصوير النهى عن العبادة463
الاشارة الى ما ربما يستشكل فى تعلق النهى بالعبادة، و الجواب عنه‏463
تحقيق ان النهى المتعلق بالعبادة يقتضى الفساد مطلقا464
التنبيه على امرين‏ الاول: فى فساد العبادة مع الاضطرار او النسيان، 467
الثانى: فى ان الحرمة التشريعية توجب فساد العبادة دون المعاملة469
المقام الثانى: فى النهى عن المعاملة471
فيما يقتضيه النهى المولوى عن السبب و المسبب والاثر فى المعاملات‏471
الاستدلال بالرواية على فساد المعاملة المنهية473
فساد ما حكى عن ( ابى حنيفة ) من دلالة النهى عن العبادة و المعاملة على الصحة474
المقصد الثالث فى المفاهيم‏ …… و بيان ان النزاع فى المقام انما يكون صغرويا476
الجهات التى تقع البحث فيها ( فى القضية الشرطية )478
فيما يتوقف عليه ثبوت مفهوم الشرط479
فى ان دلالة القضية الشرطية على ثبوت العلقة بين الشرط و الجزاء وضعية، و دلالتها على كون العلقة بينهما علقة الترتب و علية الشرط للجزاء سياقية480
تقريب الاستدلال بمقدمات الحكمة، لاثبات كون الشرط علة منحصرة481
الاشكال على استفادة انحصار العلة من مقدمات الحكمة481
تقريب مقدمات الحكمة لاستفادة الانحصار بوجه آخر، و هو اجراء المقدمات فى ناحية الجزاء482
تنبيهات المسئلةالاول: فى ان المراد من انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط 484
الثانى: فى ان المفهوم يتبع المنطوق فى جميع القيود المعتبرة فيه485
اشكال منطقى على استفادة نجاسة الماء القليل من مفهوم قوله ( ع ) ( اذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شى ) والجواب عنه‏485
الثالث: فى تعارض المفهومين، و تحقيق انه لابد من الجرى على ما يقتضيه العلم الاجمالى‏486
الرابع: فى تداخل الاسباب و المسببات‏489
مقتضى الاصل الاعملى عند الشك فى تداخل الاسباب او المسببات بحسب الحكم التكليفى و الوضعى‏490
فى ان الجزاء القابل للتعدد و القابل للتقيد بالسبب داخل فى محل النزاع، و الجزاء الغير القابل للتعدد و التقيد خارج عن حريم النزاع‏491
تحقيق عدم ابتناء مسئلة التداخل على كون الاسباب الشرعية معرفات، او مؤثرات‏492
فى بيان عدم التنافى بين القول بعدم التداخل و بين ما حكى عن المشهور: من القول بكفاية صوم يوم واحد فى مثال ( صم يوما و صم يوما ) .492
فى ان الاصل اللفظى يقتضى عدم تداخل الاسباب و المسببات‏493
فى ان الجملة الشرطية فى كونها انحلالية اظهر من اتحاد الجزاء فى القضيتين‏494
اشكال: ان الجزاء لم يترتب بوجوده على الشرط حتى يمكن التعدد، بل رتب من حيث حكمه فان وجوده هو مقام امتثاله و الجواب عنه .495
البرهان المحكى عن العلامة ( ره ) لعدم تداخل الاسباب الذى اتمه بمقدمات ثلث‏495
اشارة اجمالية الى ما هو ضابط و مميز بين العلل للجعل و بين موضوعات المجعول‏496
تحقيق اصالة عدم التداخل فى ناحية المسببات‏497
التنبيه على امرين‏ الاول: فى بيان موارد قيام الدليل على التداخل،498
الثانى: فى بيان ارتباط مسئلة التداخل بمسئلة القول بتعدد حقايق الاغسال كما هو المشهور 499
الفصل الثانى فى مفهوم الوصف‏ و تخصيص محل النزاع بالوصف المعتمد على الموصوف‏501
تحقيق عدم دلالة الوصف على المفهوم مطلقا502
مقايسة المقام بمسئلة حمل المطلق على المقيد، و رد هذه المقايسة502
فى ان محل البحث هو فيما كان بين الموصوف و الصفة عموم مطلق، 503
الفصل الثالث فى مفهوم الغاية هل الغاية داخلة فى المغيى ام لا ؟504
تحقيق انه لايمكن اثبات وضع ولاقرينة عامة فى الدخول او الخروج بل لابد من قرينة خارجية خاصة، و المرجع عند الشك هو الاصول العملية .504
الظاهر ان الغاية قيد للحكم فيقتضى المفهوم‏505
الفصل الرابع فى مفهوم الحصر 505
فى ان النزاع فى الحقيقية راجع الى ان كلمة ‏506
الاشكال فى افادة كلمة ( لااله الا الله ) التوحيد، و دفعه‏508
فى افادة كلمة ( انما ) الحصر، و احتياج ساير الادوات بالقرائن الخاصة509
المقصد الرابع فى العام و الخاص‏ فى بيان المراد من العموم‏511
فى بيان الفرق بين القضية الحقيقية و القضية الخارجية، و اندفاع الدور الوارد على الشكل الاول‏511
فى بيان اقسام العموم، و ان الاصل اللفظى الاطلاقى يقتضى الاستغراقية514
فى ان العام المخصص ليس مجازا، و بيان ما افيد فى وجه عدم استلزامه للمجازية516
حاصل ما افاده الاستاذ فى وجه عدم المجازية517
رد تو هم المجازية فى التخصيص الافرادى .519
المناقشة فى ما افاده الشيخ ( ره ) فى وجه حجية العام فيما بقى بعد تسليم المجازية521
توجيه مقالة الشيخ بتقريب آخر522
فى اقسام المخصص المجمل و حكم اصالة العموم فيها حكم ما لو كان المخصص متصلا523
حكم ما لو كان المخصص منفصلا ودار امره بين المتبانين‏523
حكم ما لو كان المخصص منفصلا ودار امره بين الاقل و الاكثر524
دفع ما يتوهم: من صحة التمسك بالعموم فى الشبهة المصداقية اذا كان العام‏525
بصورة القضايا الخارجية526
فى ان قياس الاصول اللفظية بالاصول العملية قياس مع الفارق‏528
بيان وجه حكم المشهور بالضمان عند تردد اليد بين كونها عادية او غير عادية529
تحقيق جريان الاصل فى الموضوعات المركبة و منها يد المشكوكة530
بيان عدم جريان الاصل فيما كان التركيب من العرض و محله، لكون العدم فيه نعتيا532
فى ضعف التفصيل الذى افاده المحقق الخراسانى ( ره ) بين ما اذا كان دليل التقييد منفصلا او كان من قبيل الاستثناء، و بين ما اذا كان متصلا بالكلام على وجه‏التوصيف‏533
بيان ما تداول بين المتأخرين من جواز التمسك بالعام عند الشبهة المصداقية اذا كان المخصص لبيا536
فى ما يصح التمسك فيه بالعموم من المخصص اللبى‏536
الوجهان العمدتان لوجوب الفحص، فى الاصول العملية540
الوجهان العمد تان لوجوب الفحص فى الاصول اللفظية540
الاشكال على العلم الاجمالى المقتضى للفحص، على وجه يختص بالاصول العملية، و دفعه بالانحلال الحكمى‏541
تقرير الاشكال على وجه يشترك فيه البابان، و هو انحلال العلم بعد الفحص و العثور على المقدار المتيقن من الاحكام و المقيدات و المخصصات، فلا موجب للفحص التام .543
دفع الاشكال: بان المعلوم بالاجمال هنا معلم بعلامة ( ما بايدينا من الكتب ) فلا ينحل بالعثور على المقدار المتيقن من الاحكام‏543
الاشكال على ما لوجعل المدرك لوجوب الفحص، كون دأب المتكلم و ديدنه التعويل على المنفصلات، و الذب عنه .546
البحث عن مقدار الفحص، و تحقيق انه يكفى فى ذلك حصول الاطمينان و سكون النفس‏547
تحرير محل الكلام، و تعيين جهة البحث هل انه عقلى ام لغوى ؟548
تحقيق عدم ابتناء الثمرة على مقالة المحقق القمى ( ره ) حيث ذهب الى حجية الظواهر بالنسبة الى خصوص من قصد افهامه‏549
تفصيل الكلام بين القضية الحقيقية و الخارجية بشمول الاولى للغائبين و المعدومين دون الثانية550
بيان ما قد يقال: ان اصالة العموم معارضة باصالة عدم الاستخدام‏552
تقرير عدم جريان اصالة عدم الاستخدام بوجوه ثلاثة552
فى ان الاستثناء المتعقب لجمل متعددة، هل يرجع الى خصوص الجملة الاخيرة او الجميع او يقتضى التوقف ؟553
التفصيل بين ما اذا كانت الجمل المتقدمة مشتملة على الموضوع و المحمول و بين ما اذا حذف فيها الموضوع‏554
فى تخصيص العام بالمفهوم الموافق و المخالف‏555
بيان معنى المفهوم الموافق‏555
فى ان المفهوم الموافق يتبع المنطوق فى التقدم على العام عند المعارضة556
الاشارة الى الخلط الواقع فى جملة من الكلمات فى المفهوم المخالف‏557
تحقيق ان المفهوم المخالف مهما كان اخص مطلق من العام يقدم على العام، و مهما كان بين المفهوم و العام العموم من وجه يعامل معهما معاملة العموم من وجه‏559
الوجهان الفارقان بين المفهوم المخالف و الموافق‏560
بيان عدم صلاحية العام ان يكون قرينة على عدم كون القضية ذات مفهوم و ان كان متصلا560
فى تخصيص العام الكتابى بالخاص الخبرى‏561
المقصد الخامس فى المطلق و المقيدبيان معنى الاطلاق و التقييد، 563
فى خروج الاعلام و المعانى الحرفية و الجمل التركيبية عن محل الكلام، 564
فى ان التقابل بين الاطلاق و التقييد ليس من تقابل السلب و الايجاب، فيدور امره بين ان يكون من تقابل العدم و الملكة او من تقابل التضاد565
تحرير ما هو محل البحث فيما ينسب الى المشهور و ما ينسب الى سلطان العلماء566
فى انقسامات الماهية566
فى بيان اللابشرط القسمى، و الفرق بينه و بين المقسمى‏568
اشكال بعض المحققين على المشهور القائلين: بان الاطلاق و الارسال جزء مدلول اللفظ، بانه يلزم ان يكون الاطلاق حينئذ كليا عقليا، و الجواب عنه‏570
فى ان الكلى الطبيعى هو اللابشرط القسمى‏571
فى ان الحق هو كون اسماء الاجناس موضوعة بازاء اللابشرط المقسمى، كما هو مقالة السلطان ( ره )572
فى بيان احتياج الاطلاق الى اعمال مقدمات الحكمة فى موردين باعتبار كل من التقييد الانواعى و التقييد الافرادى‏573
3- عدم ذكر القيد من المتصل و المنفصل.573
فى ان عدم القدر المتيقن ليس من مقدمات الحكمة574
فى ان التقييد لايوجب المجازية على مسلك ( السلطان ) و المحققين من المتأخرين، و انما تلزم بناء على مقالة المشهور: من كون الالفاظ موضوعة لللابشرط القسمى‏576
الجهة الاولى: فى ان المقيد بمنزلة القرينة فيقدم على المطلق الذى يكون بمنزلة ذى القرينة، من غير ملاحظة اقوى الظهورين، و من غير فرق بين المتصل و المنفصل‏577
الجهة الثانية: فى بيان صور ذكر السبب و عدمه فى كل من المطلق و المقيد، و احكام كل من الصور الاربعة579
الجهة الثالثة: فى بيان انحاء ورود المطلق و المقيد، و تمييز ما يحمل منها مما لايحمل‏581
تحقيق انه لاموجب لحمل المطلق على المقيد مطلقا اذا كان التكليف استحبابيا585

394
الجزء الثاني‏
المقصد الثاني في النواهي‏
و فيه مباحث:
المبحث الأوّل:في مفاد صيغة النّهي‏
لا إشكال في انّ متعلّقات النّواهي كمتعلّقات الأوامر انّما هي الطّبائع‏الكليّة،و ان كان المطلوب في باب الأوامر هو وجود الطّبيعة،و في باب النّواهي هوالتّرك.و ليس المطلوب في باب النّواهي هو الكفّ،بتوهّم انّ نفس التّرك امرعدميّ،و العدم خارج عن الاختيار،فلا يصح ان يتعلق التكليف به.و ذلك لأنّ‏نفس العدم الأزلي و ان كان خارجا عن الاختيار إلاّ انّ إبقاء العدم و استمراره امراختياري،و هو المطلوب في النّواهي،و هذا لا إشكال فيه.انّما الأشكال في انّ المطلوب في باب النّواهي،هل هو السّلب الكلّي على‏نحو العام المجموعي؟بحيث يتحقّق عصيانه بأوّل وجود الطّبيعة و يسقط النهي حينئذرأسا،أو انّ المطلوب هو العامّ الاستغراقي الانحلالي؟بحيث تكون جميع وجودات‏الطّبيعة مبغوضة و يكون لكلّ وجود عصيان يخصّه.و لا إشكال في إمكان كلّ من‏الوجهين في عالم الثّبوت،بل قد ذكرنا في رسالة المشكوك،انّه يتصوّر و جهان‏آخران في باب النّواهي‏أحدهما:ان يكون المطلوب هو ترك مجموع الأفراد،بمعنى انّ ارتكاب جميع‏الأفراد مبغوض،فلا يتحقّق عصيانه إلاّ بارتكاب الجميع.كما ربّما يدّعى ظهور مثل‏قوله-لا تأكل كلّ رمّانة في البستان-في ذلك،فلو أكل جميع رمّانات البستان‏إلاّ واحدة لم يكن فاعلا للمنهيّ عنه.ثانيهما:ان يكون المطلوب في النهّي على نحو القضيّة المعدولة المحمول،بحيث‏يكون المطلوب في مثل لا تشرب الخمر هو كون الشّخص لا شارب الخمر،على وجه‏
395
يكون وصفا للمكلّف.ففي عالم الثّبوت يمكن ان يكون المطلوب بالنّهي على أحدوجوه أربعة.و امّا في مقام الإثبات و الاستظهار،فلا إشكال في انّ الوجهين‏الأخيرين خلاف ظواهر النّواهي.و امّا الوجهان الأولان،فاستظهار كون المطلوب‏بالنّهي هو السّلب الكلّي على نحو العامّ المجموعي مبنىّ على استظهار كون المطلوب‏بالنّهي هو السّلب الكلّي على نحو العامّ المجموعي مبنىّ على استظهار كون المطلوب‏بالنّهي هو خلوّ صفحة الوجود عن الطّبيعة المنهيّ عنها،بحيث يلاحظ خلوّ الصّفحةمعنى اسميّا،و يكون المبغوض هو اشتغال صفحة الوجود بالطّبيعة،فيكون مفادالنهّي ح هو السّلب الكلّي.و مقتضى مقابلة النهّي للأمر،هو ان يكون مفاد النهّي السّلب الكلّي،حيث انّ المطلوب في باب الأوامر هو صرف الوجود على نحو الإيجاب الجزئي،لامطلق الوجود على نحو الإيجاب الكلي،فان ظاهر تعلق الأمر بالطّبيعة يقتضى ان‏يكون المطلوب إيجاد الطّبيعة و خروجها عن كتم العدم إلى عرصة الوجود،و ذلك‏يتحقّق بأوّل وجود الطّبيعة،إلاّ ان تقوم قرينة على إرادة مطلق الوجود.و الإيجاب‏الجزئي انّما يقابل السّلب الكليّ،حيث انّ نقيض الموجبة الجزئيّة هو السّالبة الكليّة،هذا.و لكنّ الظّاهر في باب النّواهي،ان يكون النهّي لأجل مبغوضيّة متعلّقه‏لقيام المفسدة فيه،لا انّ المطلوب هو خلوّ صفحة الوجود عنه،بل مبغوضيّة الطّبيعةبأفرادها أوجبت النهّي عنها،و مبغوضيّة الطّبيعة تسرى إلى جميع افرادها،فينحلّ‏النهّي حسب تعدّد الأفراد و يكون لكلّ فرد معصية تخصّه،من غير فرق بين ان يكون‏للنّهي تعلّق بموضوع خارجيّ،كقوله:لا تشرب الخمر،أو ليس له تعلّق بموضوع‏خارجيّ،كقوله:لا تكذب.غايته انّ الانحلال فيما إذا كان له تعلّق بموضوع‏خارجيّ يكون بالنّسبة إلى كلّ من الموضوع و المتعلّق،فيكون كلّ فرد من افرادالشّرب الّذي يمكن ان يقع الشّرب عليه لكلّ فرد من افراد الخمر مبغوضا و متعلّقاللنّهي.و فيما إذا لم يكن له تعلّق بموضوع خارجيّ يكون الانحلال في ناحية المتعلّق‏فقط.و على كلّ حال،لا ينبغي التّأمل في انّ الظّاهر في باب النّواهي هو ان‏يكون المطلوب فيها هو ترك كلّ فرد فرد،على نحو العامّ الاستغراقي.و دلالة النهّي‏
396
على ذلك في الأفراد العرضيّة ممّا لا إشكال فيه.و امّا الأفراد الطّوليّة:فدلالة النهّي عليها مبنيّة على ان يكون نفس تعلّق‏النهّي بالطّبيعة يقتضى نهى جميع الأفراد العرضيّة و الطّوليّة،بحيث يكون مفاد صيغةالنهّي في مثل قوله:لا تشرب الخمر،هو ان يكون شرب الخمر في كلّ آن آن‏مبغوضا،فيدلّ النهّي على المنع في الأفراد الطوليّة أيضا،و يكون العموم الزّماني‏مستفادا من نفس تعلّق النهّي بالطّبيعة،بلا حاجة إلى استفادة العموم الزّماني من‏دليل الحكمة،بل النهّي وضعا يدلّ على ذلك،و يكون مصبّ العموم الزّماني هوالمتعلّق لا الحكم.و قد ذكرنا ما عندنا في ذلك،في-التّنبيه الثّاني عشر من تنبيهات‏الاستصحاب-عند تعرّض الشّيخ(قده)لمقالة المحقّق الكركي(ره)في مفاد أوفوابالعقود،من انّ المرجع بعد تخصيص العامّ في بعض الأزمنة بالنّسبة إلى بعض الأفرادو الشّك في الزّمان الزّائد هل هو عموم العام أو استصحاب حكم المخصّص،و بيّناالفرق بين استفادة العموم الزّماني من نفس مفاد النهّي،أو من دليل الحكمة.و قداختار شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه في المقام كون العموم الزّماني في باب النهّي مستفادامن دليل الحكمة،و في ذلك المقام اختار كونه مستفادا من نفس تعلّق النهّي‏بالطّبيعة.فراجع ذلك المقام لكي تكون على بصيرة.ثمّ انّ القوم قد تعرّضوا في باب النّواهي لبعض المباحث التي لا يهمّناالبحث عنها.فالأولى عطف عنان الكلام إلى مسألة جواز اجتماع الأمر و النهّي،التي وقعت معركة الآراء قديما و حديثا فنقول:و من اللّه التّوفيق‏
المبحث الثّاني:في جواز اجتماع الأمر و النهّي.
و القوم و ان عنونوا النّزاع على هذا الوجه،إلاّ انّه ليس ظاهر العنوان مراداقطعا،فانّ ظاهر العنوان يعطى ان يكون النّزاع في تضاد الأمر و النهّي و عدمه،مع‏انّ تضادّ الأحكام بأسرها امر مفروغ عنه غير قابل للنّزاع فيه.بل المبحوث عنه في‏المقام،هو أصل لزوم الاجتماع و عدمه،لا جوازه و عدمه.فالأولى تبديل العنوان‏بان يقال:إذا اجتمع متعلّق الأمر و النهّي من حيث الإيجاد و الوجود،فهل يلزم من‏
397
الاجتماع كذلك ان يتعلّق كلّ من الأمر و النهّي بعين ما تعلّق به الآخر؟كما هومقالة القائل بالامتناع،أو لا يلزم ذلك؟كما هو مقالة القائل بالجواز.و سيأتي ماهو المراد من الاجتماع إيجادا و وجودا.ثمّ انّ البحث عن مسألة اجتماع الأمر و النهّي يقع في مقامين.المقام الأوّل:هو ما عنونا به المسألة،من انّ اجتماع متعلّق الأمر و النهّي من حيث‏الإيجاد و الوجود هل يوجب ان يتعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النهّي و لو لمكان‏إطلاق كلّ منهما لمتعلّق الآخر؟فيمتنع صدور مثل هذا الأمر و النهّي و تشريعهما معابلحاظ حال الاجتماع،و يكون بين الدّليلين المتكفّلين لذلك تعارض العموم من‏وجه.أو انّه لا يلزم من الاجتماع المذكور تعلّق كلّ منهما بعين ما تعلّق به الآخر؟فلا يمتنع تشريع مثل هذا الأمر و النهّي،و لا يكون بينهما تعارض.و بعبارة أخرى:البحث في المقام الأوّل،انّما هو في ان جهة الأمر و النهّي هل تكون تقييديّة مكثّرةللموضوع؟فلا تعلّق لأحدهما بالآخر،أو انّ الجهة تعليليّة؟فيتعلّق كل منهما بعين ماتعلّق به الآخر.المقام الثّاني:هو انّه بعد ما كانت الجهتان تقييديّتين و لا يتعلّق الأمر و النهّي بعين ماتعلّق به الآخر و لا يكون بين الدّليلين تعارض،فهل وجود المندوحة للمكلّف وتمكّنه من إيجاد الصّلاة خارج الدّار الغصبيّة يجدى في رفع غائلة التّزاحم بين الأمر والنهّي؟و يكفى في انطباق المأمور به و المنهي عنه على الجامع و هو الصّلاة في الدّارالغصبيّة فتصح الصّلاة.أو انّ وجود المندوحة لا يجدى في ذلك؟و لا ينطبق المأموربه على المجمع.و البحث عن المقام الثّاني هو عين البحث المتقدّم مع المحقّق الكركي‏(ره)من انّ القدرة على الطّبيعة المأمور بها في الجملة و لو في ضمن فرد ما يكفى في‏انطباق الطّبيعة المأمور بها على الفرد المزاحم بالأهمّ فيكون الأجزاء عقليّا-على ما (1)
1)راجع الجزء الأوّل من هذا الكتاب،مبحث الضد ص 312-313

398
تقدّم تفصيله في بعض مقدّمات التّرتب-و المحقّق الكركي(ره)و ان كانت‏مقالته في وجود المندوحة بالنّسبة إلى الأفراد الطولية،إلاّ انّ جهة البحث مشتركةبين الأفراد الطّوليّة و العرضيّة،حيث انّ العبرة بوجود المندوحة و تمكّنه من فعل مالا يكون مزاحما بالأهمّ منه،سواء في ذلك الأفراد الطّوليّة كتمكّنه من الإتيان‏بالفرد من الصّلاة الّذي لا يكون مزاحما لأداء الدّين أو إزالة النّجاسة،أو الأفرادالعرضيّة كتمكّنه من الإتيان بالفرد من الصّلاة الّذي لا يكون مجامعا للغصب.و على كلّ حال:البحث عن المقام الثّاني،انّما يكون بعد الفراغ عن المقام‏الأوّل كما عرفت،إذ لا يتفاوت الحال في البحث عن المقام الأوّل بين وجودالمندوحة و عدمه،فانّ البحث في ذلك المقام يكون بحثا عن عالم التشريع و الثّبوت،الّذي لا يتفاوت الحال فيه بين وجود المكلّف و المندوحة و عدمه،فاعتبار المندوحةانّما تنفعنا في البحث عن المقام الثّاني.و من هنا يمكن ان يستظهر من أخذ قيد المندوحة في عنوان النّزاع-كما عليه‏قاطبة المتقدّمين-انّ النزاع انّما كان في المقام الثّاني،و انّ المقام الأوّل كأنّه كان‏مفروغا عنه،و انه لا كلام في جواز الاجتماع من الجهة الأولى.و لكن المتأخّرين‏كأنّهم أهملوا البحث عن المقام الثّاني،و خصّوا النّزاع بالمقام الأوّل.و لكن نحن‏نتكلّم في كلّ من المقامين على حدّه.و الأقوى عندنا في المقام الأوّل الجواز،و انّ الاتّحاد لا يوجب تعلّق كلّ من‏الأمر و النهّي بعين ما تعلّق به الآخر،و في المقام الثّاني عدم كفاية المندوحة في رفع‏التّزاحم.و لنقدّم امام المقصود مقدّمات:منها ما يشترك فيها كلا المقامين،و منها ماتختصّ بالمقام الأوّل،و منها ما تختصّ بالمقام الثّاني.
امّا المقدّمات المشتركة.
فمنها:
انّ الظّاهر كون المسألة من المبادي،لا من المسائل الأصوليّة،و لا من‏مسائل علم الكلام،و لا من المسائل الفقهيّة.امّا عدم كونها من المسائل الكلاميّة و الفقهيّة فواضح،فلأنّ البحث في‏
399
المقام ليس عن إمكان الاجتماع و امتناعه،حتى يكون البحث عن مسألة كلاميّة،حيث انّ علم الكلام هو المتكفّل لبيان حقائق الأشياء من واجباتها و ممكناتها وممتنعاتها.و كان توهّم كون المسألة كلاميّة نشأ عن ظاهر العنوان،حيث انّ ظاهره‏يعطى كون البحث عن جواز اجتماع الأمر و النهّي و امتناعه،فتخيل كون البحث‏راجعا إلى مسألة كلاميّة،إلاّ انّه قد تقدّم انّ البحث في المقام راجع إلى أصل‏الاجتماع و عدمه،لا إلى جوازه و امتناعه.و كذا ليس البحث في المقام راجعا إلى صحّة الصّلاة في الدّار الغصبيّة وعدم الصّحة أو حرمتها و عدم الحرمة حتى تكون المسألة فقهيّة،فانّ جهة البحث‏ليست ذلك،و ان كانت النّتيجة تنتهي بالأخرة إلى ذلك،إلاّ انّ مجرّد ذلك لا يكفى‏في كون المسألة فقهيّة ما لم تكن الجهة المبحوث عنها ممّا تتعلّق بفعل المكلّف‏بلا واسطة،و ذلك واضح.و اما عدم كون المسألة من المسائل الأصوليّة،فلأنّ البحث فيها و ان كان‏راجعا إلى باب الملازمات العقليّة للخطابات الشّرعيّة،كالبحث عن مقدّمةالواجب،و اقتضاء الأمر بالشّي‏ء للنّهي عن ضدّه-و ان كان الفرق بين المسألة و تلك‏المسائل،هو انّ البحث في تلك المسائل عن لازم خطاب واحد،و في هذه المسألة عن‏لازم خطابين أعني خطاب الأمر و خطاب النهّي-إلاّ انّ مجرّد ذلك لا يكفى في كون‏المسألة أصوليّة ما لم تكن الكبرى المبحوث عنها بنفسها واقعة في طريق الاستنباط،بحيث تصلح ان تكون كبرى لقياس الاستنباط و يستنتج منها حكم كلّي فقهيّ.و الكبرى المبحوث عنها في المقام لا تصلح ان تكون كبرى لقياس الاستنباط،فانّ‏الكبرى المبحوث عنها انّما هي اقتضاء اتّحاد المتعلّقين من حيث الإيجاد و الوجود وتعلّق كلّ من الأمر و النهّي بعين ما تعلّق به الآخر.و هذا كما ترى يكون بحثا عن‏صغرى التّعارض.و في المقام الثّاني أعني كفاية المندوحة يكون بحثا عن صغرى‏التّزاحم،فتكون المسألة من مبادئ مسائل التّعارض و التّزاحم.فانّ حقيقة البحث‏في المقام،يرجع إلى البحث عمّا يقتضى تعارض الأمر و النهّي-في مورد الاجتماع واتّحاد المتعلّقين من حيث الإيجاد و الوجود-و عدم ما يقتضى تعارضهما،أو تزاحم‏
400
الأمر و النهّي عند وجود المندوحة و عدم التّزاحم.و هذا بحث عن وجود ما هو الموضوع‏لمسائل التّعارض و التّزاحم،و أين هذا من المسألة الأصوليّة؟و الحاصل:انّ البحث عن الملازمات العقليّة للخطابات الشّرعيّة،تارة:يكون بحثا عن المسألة الأصوليّة،كالبحث عن مسألة الضّد و مقدّمة الواجب،فانّ‏المبحوث عنه في هذه المسألة عن اقتضاء الأمر بالشّي‏ء للنّهي عن ضدّه،و اقتضاءإيجاب الشي‏ء لا يجاب مقدّماته يكون بحثا عن كبرى قياس الاستنباط،و يستنتج منه‏حكم كلّي فقهي،و هو فساد الضّد إذا كان عبادة،و وجوب مقدّمة الواجب.وأخرى:لا يكون البحث عن الملازمات العقليّة بنفسه بحثا عن مسألة أصوليّة،لعدم‏وقوع المبحوث عنه كبرى لقياس الاستنباط،كما في المقام.فانّ المبحوث عنه فيما نحن فيه في المقام الأوّل انّما هو استلزام تعلّق الأمرو النهّي بعين ما تعلّق به الآخر عند اتّحاد المتعلّقين،فيكون الأمر و النهّي متعارضين،أو عدم استلزام ذلك فلا تعارض.و ثبوت التّعارض و عدمه لا يقع بنفسه كبرى‏القياس،ما لم ينضمّ إليه قواعد التّعارض من التّرجيح و التّخيير.و في المقام الثّاني:انّما هو في كفاية وجود المندوحة في رفع غائلة التّزاحم و عدم كفايته،فيكون بحثاعمّا يقتضى وجود التّزاحم و عدمه و هو أيضا ليس بنفسه كبرى القياس،ما لم‏ينضمّ إليه قواعد التّزاحم.فالإنصاف:انّ البحث في المسألة أشبه بالبحث عن المبادي التّصديقيّة،لرجوع البحث فيه إلى البحث عمّا يقتضى وجود الموضوع لمسألة التّعارض والتّزاحم،و ليس بحثا عن المسألة الأصوليّة،و لا عن المبادي الأحكاميّة التي هي‏عبارة عمّا يتوقّف عليه معرفة الأحكام الشّرعيّة المستنبطة،ككون الحكم تكليفيّا أووضعيّا،و انّ الحكم الوضعيّ قابل للجعل أو غير قابل.و قد كان بناء شيخنا الأستاذ(مدّ ظلّه)سابقا على انّ البحث في المقام راجع إلى البحث عن مسألة أصوليّة،إلاّ انّه‏عدل عن ذلك و جعل البحث راجعا إلى المبادي.و الأمر في ذلك سهل.
و منها:
انّ متعلّقات الأحكام ليست هي المفاهيم و العناوين الكليّة،التي يكون‏
401
موطنها العقل بما انّ موطنها العقل،لامتناع انطباق تلك المفاهيم على الحقائق‏الخارجيّة،بل هي من المعقولات الثّانويّة الممتنعة الصّدق على الخارجيّات،فلا يعقل‏ان يتعلّق بها التّكليف.بل تلك المفاهيم انّما تكون كليّات عقليّة ليس موطنها إلاّالعقل،و هي باعتبار ذلك الموطن متباينة دائما،ليس بينها نسبة التّساوي،أو العموم‏من وجه،أو العموم المطلق،بل متعلّقات التّكاليف انّما هي المفاهيم و العناوين‏الملحوظة مرآة لحقائقها الخارجيّة القابلة الصّدق و الانطباق على الخارجيّات،التي‏تكون بهذا الاعتبار كليّات طبيعيّة،و بذلك يصح ملاحظة النّسبة بينها،فتارة:يكونان متلازمين في الصّدق فيكون النّسبة هي التّساوي.و أخرى:لا يكونان كذلك‏،فامّا ان لا يتصادقا في مورد أصلا فالنّسبة تكون هي التّباين،و أخرى يتصادقان‏في مورد و يفترقان في مورد آخر فالنّسبة تكون هي العموم من وجه ان كان الافتراق‏من الجانبين،و إلاّ فالعموم المطلق،على ما سيأتي من ضابطة النّسب الأربع.وملاحظة النّسبة كذلك لا يكون إلاّ في الكليّات الطّبيعيّة الملحوظة مرآة لما في‏الخارج،لا الكليّات العقليّة.ثمّ انّ المفاهيم و العناوين الملحوظة مرآة لما تنطبق عليه من الخارجيّات،تارة:تكون متأصّلة في عالم العين سواء كانت من مقولة الجواهر أو الأعراض،وأخرى:تكون متأصّلة في عالم الاعتبار،بحيث يكون وجودها عين اعتبارها ممّن بيده‏الاعتبار.و للأمر الاعتباري نحو وجود متأصّل في عالمه نحو وجود المتأصّل في عالم‏العين،و ان كان وجود الأمر الاعتباري أضعف من وجود الأمر العيني،إلاّ انّ ذلك‏لا يلحقه بالانتزاعيّات التي ليس لها وجود إلاّ بوجود منشأ انتزاعها،و تكون من‏خارج المحمول،بل الانتزاعي امر و الاعتباري امر آخر،و ليس الاعتباري عين‏الانتزاعي،و ان كان ربّما يطلق أحدهما على الآخر،إلاّ انّ ذلك لا يخلو عن مسامحة.فالأمر الاعتباري مقابل للأمر الانتزاعي،حيث انّ للأوّل نحو وجود في وعاءالاعتبار و ليس للثّاني وجود،بل الموجود هو منشأ الانتزاع،سواء كان المنشأ من‏الأمور المتأصّلة في عالم العين،أو كان من الأمور المتأصّلة في عالم الاعتبار،فانّ الأمرالاعتباري يصلح ان يكون منشأ لانتزاع امر،كصلاحيّة الأمر العيني لذلك.
402
فالعنوان الملحوظ على وجه المرء آتية يكون على أقسام ثلاثة:متأصّل في عالم‏العين،و متأصّل في عالم الاعتبار،و منتزع عن أحدهما،و هو بأقسامه يصلح ان‏يتعلّق به التّكليف،غايته انّ التّكليف بالانتزاعي يكون تكليفا بمنشإ الانتزاع،إذهو المقدور الّذي تتعلّق به إرادة الفاعل،و الانتزاعي انّما يكون مقدورا بواسطته،وذلك كلّه واضح‏1.
و منها:
انّ العناوين و المفاهيم التي يكون بينها التّباين الجزئي لا يعقل ان يتصادقاعلى متّحد الجهة،فانّ جهة الصّدق و الانطباق في أحد العنوانين لا بدّ ان تغاير جهةالصّدق و الانطباق في الآخر،و إلاّ لامتنع صدق أحدهما بدون صدق الآخر،و كانامتلازمين في الصّدق و الانطباق و لم يحصل بينهما افتراق.فانّه بعد فرض وحدة الجهةيكون الموجب لانطباق أحد العنوانين على شي‏ء هو الموجب لانطباق العنوان الآخرعليه،فلا يعقل الافتراق من جانب أو من جانبين،فافتراق العنوانين في الصّدق والانطباق يكشف عن تعدّد جهة الصّدق في مورد الاجتماع،فلا يعقل تصادق‏عنوانين على متّحد الجهة مع فرض إمكان افتراق أحد العنوانين عن الآخر و لو في‏الجملة و من جانب واحد.و لا ينتقض ذلك بالباري تعالى حيث انّه ينطبق عليه عناوين متباينةبالتّباين الجزئي،مع انّه تعالى ليس فيه تعدّد جهة لكونه تعالى بسيطا كلّ البساطة،ومع ذلك ينطبق عليه عنوان العالم و القادر،مع انّ بينهما العموم من وجه:و ذلك لأنّه‏لا يقاس التّراب مع رب الأرباب،فانّ العناوين المنطبقة عليه تعالى كلّها راجعةإلى الذّات،فهو بذاته قادر،و عالم،و حيّ قيوم،و ليس العلم أو القدرة مغايراللذّات.و الحاصل:انّ القياس ليس في محلّه،فانّ مقام الباري تعالى مقام لا تصل‏1و لا يخفى عليك انّ هذه المقدّمة و ما يتلوها من المقدمات ليس لها كثير ربط بالمقام الثاني،بل ينبغي‏جعلها من مقدّمات المقام الأوّل كما لا يخفى-منه.
403
إليه الأوهام،و لا يمكن تعقّل حقيقة انطباق تلك العناوين عليه،فلا يصح جعل‏ذلك نقضا للبرهان العقلي الفطري الّذي هو-عدم إمكان انطباق العناوين المتباينةالمفترقة في الصّدق على متّحد الجهة-و هذا يكفى في تصديقه نفس تصوّره،ولا يحتاج إلى مزيد بيان.نعم:ينبغي بيان مناط تصادق العناوين و عدم تصادقها و انّه كيف‏يتصادق بعض العناوين دون بعض.فنقول:لا إشكال في انّ صدق أيّ عنوان على أيّ شي‏ء لا بدّ ان يكون لجهةتقتضي ذلك الصّدق،سواء كانت تلك الجهة راجعة إلى الذّات كصدق الإنسان‏على زيد،أو إلى امر خارج عن الذّات كصدق العالم عليه،إذ لا يعقل صدق عنوان‏من دون ان يكون هناك جهة الصّدق،و إلاّ لصدق كلّ شي‏ء على كلّ شي‏ء.ثمّ انّ جهة صدق أحد العنوانين،امّا ان تكون متباينة مع جهة صدق‏العنوان الآخر،و امّا ان لا تكون متباينة.و ما كانت متباينة،فامّا ان يكون بينهمامضافا إلى التّباين منافرة و مضادّة،و امّا ان لا يكونا كذلك،بل كان بينهما مجرّدالمخالفة و المغايرة.و المخالفة و المغايرة،امّا ان تكون من قبيل المغايرة الجنسيّة والفصليّة و ما يلحق بذلك بحيث يكون التّخلف من إحدى الجهتين دون الأخرى،وامّا ان لا تكون من هذا القبيل بل كان التّخلّف من الجهتين.فهذه جملة ما يمكن ان‏يتصوّر عقلا في الجهات الموجبة لصدق العناوين على حقائقها الخارجيّة،و لا خامس‏لهذه الأقسام،فانّ الحصر عقليّ لا استقرائي.فان لم يكن بين الجهتين مباينة و مخالفة:فلا محالة يتلازم العنوانان في‏الصّدق،فانّ عدم التّلازم يكشف عن تخلّف إحدى الجهتين عن الأخرى،مع انّ‏المفروض عدم المخالفة بينهما،فلا بدّ ان يكون بين العنوانين تلازم في الصّدق و يكون‏العنوانان متساويين في الانطباق،بحيث انّه كلّما صدق أحدهما صدق الآخر كما في‏الإنسان و الضّاحك.و ان كان بين الجهتين مخالفة و مباينة:فان كان التّخالف على وجه التّنافرو التّضادّ،كالفصول المنوّعة للأجناس-حيث انّ بين الفصول و الصّور النّوعيّة
404
كمال المنافرة و المضادّة،لأنّ الجنس لا يمكن ان يتحمّل فصلين و يعتوره صورتان‏مجتمعتان-فلا محالة يكون بين العنوانين تباين كلّي،كالإنسان و الشّجر،حيث انّ‏جهة صدق الإنسان هي الفصل المقوّم له و الصّورة النّوعيّة التي يكون بها الإنسان‏إنسانا،و جهة صدق الشّجر أيضا هي الفصل و الصّورة النّوعيّة التي يكون بها الشّجرشجرا.و بين الصّورتين كمال المنافرة و المضادّة،فلا محالة يكون بين الإنسان و الشّجرتباين كلّي.و ان لم يكن بين الجهتين تنافر و تضادّ،بل كان بينهما مجرّد المخالفة:فان‏كان التّخلف من إحدى الجهتين دون الأخرى،كما إذا كان إحدى الجهتين جهةالجنسيّة و الأخرى جهة الفصليّة-حيث انّ التّخلّف انّما يكون من جهة الفصليّةلإمكان تحمّل الجنس فصلا آخر دون جهة الجنسيّة،لعدم إمكان إلقاء الفصل جهةالجنسيّة،كما يتّضح ذلك في مثل الحيوان و الإنسان-فلا محالة يكون بين العنوانين‏العموم المطلق.و ان كان التّخلّف من جانب كلّ من الجهتين،فيكون بين العنوانين‏العموم من وجه.و ممّا ذكرنا ظهر انّ نسبة العموم من وجه لا يعقل ان تتحقّق بين العنوانين‏الجوهريّين،لأنّ جهة صدق العنوان الجوهري على شي‏ء انّما يكون باعتبار ماله من‏الصّورة النّوعيّة التي بها يكون الشي‏ء شيئا،و قد عرفت:ان الصور النوعية متباينةبالتباين الكلي لا يمكن ان يجتمعا،نعم:جهة الجنسية و الفصلية يمكن اجتماعهما.والنّسبة بين الجهة الجنسيّة و الفصليّة دائما تكون العموم المطلق.فالعموم من وجه لا بدّان يكون،امّا بين الجوهري و العرضي كالإنسان و الأبيض،و امّا بين العرضيين‏كالعالم و الفاسق.و معلوم:انّ جهة الصّدق و الانطباق في العرضيين المجتمعين انّماتكون هي مبدأ الاشتقاق،حيث انّ المبدأ هو العلّة لتولّد عنوان المشتقّ منه،و يكون‏انطباق العالم على زيد من جهة علمه،و انطباق الفاسق عليه من جهة فسقه،فالعلّةلانطباق العنوانين الّذين يكون بينهما العموم من وجه ليست إلاّ مبدأ الاشتقاق،وذلك المبدأ هو الّذي أوجب حدوث نسبة العموم من وجه بين العنوانين،حيث لم‏يكن بين المبدأين منافرة و مضادّة،و قد تقدّم في المشتقّ انّه لا فرق بين المشتقّ و مبدأ
405
الاشتقاق إلاّ باللابشرطيّة و البشرط اللائيّة،حيث انّ العرض ان لوحظ لا بشرطعمّا يتّحد معه يكون عنوانا عرضيّا محمولا،و ان لو حظ بشرط لا يكون عرضا مفارقاغير محمول.فالعرض هو الّذي يكون عرضيّا عند ملاحظته لا بشرط،و يكون هو العلّةلصدق العرضيّ المشتقّ منه على الذات فجهة الصّدق في المشتقّات ليست إلاّ مبدأالاشتقاق.و من هنا ظهر:انّ الجهتين اللتين أوجبتا صدق العنوانين العرضيين على‏شي‏ء لا تكونان إلاّ تعليليّتين،و لا تصلحان ان تكونا تقييديتين،لما عرفت:من انّ‏المبدأ دائما يكون علّة لصدق المشتقّ على الذّات المتّحدة معه،فجهة انطباق عنوان‏العالم على زيد و كذا جهة انطباق الفاسق عليه تكون تعليليّة،و يقال:زيد عالم وفاسق،لعلّة علمه و فسقه.هذا بالنّسبة إلى العناوين الاشتقاقيّة.و امّا بالنّسبة إلى نفس المبادي الاشتقاقيّة،فلا يعقل اتّحاد بعضها مع‏بعض،و لا اتّحادها مع الذات القائمة بها،فانّها من هذه الحيثيّة تكون بشرط لا دائما،و لا يعقل ان تلاحظ المبادي بعضها مع بعض لا بشرط،إذ المبادي كلّها متباينة،والعلم على أيّ وجه لو حظ يكون غير الفسق،و كذا الفسق يكون غير العلم،و لا يصح‏حمل أحدهما على الآخر،و لا حملهما على الذّات،فلا يقال:زيد علم و لا العلم فسق.و الحاصل:انّ العرض بالنّسبة إلى الذّات القائم بها يصح لحاظه لا بشرطفيكون عنوانا مشتقّا يصح حمله على الذّات المنطبق عليها،و يصح لحاظه بشرط لافيكون مفارقا لا يصح حمله على الذّات.فصحة لحاظه لا بشرط أو بشرط لا انّما يكون‏بالنّسبة إلى الذّات القائم بها،و امّا بالنّسبة إلى عرض آخر فدائما يكون بشرط لا،إذلا ربط بينهما،لعدم قيام عرض بعرض آخر،فلا يصح لحاظ العلم لا بشرط بالنّسبة إلى‏الفسق،و ان صحّ لحاظه لا بشرط بالنّسبة إلى الذّات القائم بها.و ح فلا يعقل‏الاتّحاد بين المبادي.نعم:تختلف المبادي من حيث إمكان اجتماع بعضها مع بعض في الوجودو عدم إمكانه،لأنّ المبادي ان كانت مقولة الكيف،كالعلم،و الفسق،و الحلاوة،و البياض،فلا يعقل اجتماع بعضها مع بعض في الوجود،بحيث يكون مبدأ مجامعا
406
المبدإ آخر في الوجود،على وجه يلتصق به و يتّحد معه في الوجود بنحو من الاتّحاد،لوضوح انّ مثل العلم لا يلتصق بالفسق و لا يتّحد معه بوجه من الوجوه.نعم همايجتمعان في الذّات التي يقومان بها،فيكون زيد مثلا مجمعا للعلم و الفسق،بمعنى انه‏وجد فيه كلّ من المبدأين،و لمكان وجود المبدأين فيه انطبق عليه عنوان العالم والفاسق،إلاّ انّ اجتماعهما في الذّات غير اجتماع العلم مع الفسق على وجه‏الالتصاق و التّركيب،بحيث يتركّب العلم مع الفسق و يكونان بمنزلة شي‏ء واحد وما بحذاء أحدهما عين ما بحذاء الآخر،فانّ ذلك امر غير معقول في مثل ذلك.و امّا ان كانت من الأفعال الصّادرة عن الشّخص-بالمعنى المصطلح عليه‏عند الفقهاء لا بالمعنى المصطلح عليه عند أهل المعقول من معنى الفعل-فيمكن‏اجتماع المبادي بعضها مع بعض،على وجه يكون فعل واحد مصداقا لمبدأين،ويتركّب أحدهما مع الآخر و يلتصق به،بحيث لا يكون ما بحذاء أحدهما غير ما بحذاءالآخر.و ذلك كما في مثل الصّلاة و الغصب،حيث يمكن ان يوجدا بفعل واحد وحركة فاردة،و تكون تلك الحركة مجمعا لكلّ من الصّلاة و الغصب،على وجه‏لا يتميّز أحدهما عن الآخر،مع ما هما عليه من المغايرة و عدم الاتّحاد،لما تقدّم:من‏انّه لا يعقل اتّحاد المبدأين و ملاحظتهما لا بشرط بالنّسبة إلى الآخر الّذي هو ملاك‏الاتّحاد،كما في العناوين المشتقّة،فيكون التّركيب في مثل الصّلاة و الغصب نظيرالتّركيب في الهيولى و الصّورة.
و منها:
انّ العناوين المجتمعة تارة:تكون من العناوين الاشتقاقيّة،و أخرى:تكون من المبادي.و ما تكون من المبادي تارة:يكون اجتماعهما لا على وجه‏الانضمام و التّركيب،بل كان ما بحذاء أحدهما خارجا غير ما بحذاء الآخر و كان‏كلّ منهما قابلا للإشارة الحسيّة إليه و كان اجتماعهما مجرّد واجديّة الموضوع لهما واجتماعهما فيه،سواء كان ذلك من جهة تلازمهما في الوجود،كالاستقبال‏و الاستدبار للقبلة و الجدي،حيث انّه و ان وجد كلّ من استقبال القبلة و استدبارالجدي في الشّخص،إلاّ انّ الاستقبال انّما يكون باعتبار مقاديم البدن و الاستدبار
407
باعتبار مآخيره،و كان لكلّ منهما ما بحذاء غير ما بحذاء الآخر و قابلا للإشارةالخارجيّة إليه و ان كانا متلازمين في الوجود.أو كان ذلك من جهة الاتّفاق والمقارنة من دون ان يكون بينهما تلازم،كالعلم و الفسق المجتمعين في زيد،حيث‏انّه و ان اجتمعا في زيد،إلاّ انّه كان لكلّ منهما ما بحذاء في الخارج غير ما بحذاءالآخر،و قابل للإشارة إليه.و أخرى:يكون اجتماعهما على جهة التّركيب و الانضمام و الالتصاق،وذلك كما في الصّلاة و الغصب و أمثال ذلك ممّا كان المبدأ من الأفعال الاختياريّة،حيث انّه و ان اجتمعا في الدّار الغصبيّة،إلاّ انّ اجتماعهما يكون على وجه الانضمام‏و التّركيب بينهما،و كان الموجود في الدّار الغصبيّة مركّبا منهما على وجه لا يمكن‏الإشارة الحسيّة إلى أحدهما دون الآخر.هذا مع ما هما عليه من المغايرة،بحيث‏لا يصح حمل أحدهما على الآخر،و لا تكون الصّلاة غصبا و لا الغصب صلاة،لما تقدّم‏من انّ المبادي بالقياس إلى أنفسها تكون بشرط لا،و ان كان بالقياس إلى الذّات‏التي تقوم بها يصح لحاظها لا بشرط.و هذا بخلاف العناوين الاشتقاقيّة،فانّها ملحوظة لا بشرط بالنّسبة إلى‏أنفسها و بالنّسبة إلى الذات القائمة بها.و من هنا كان التركيب فيها تركيبا اتحاديابحيث يصح حمل كل من العنوانين على الآخر،و حملهما على الذّات،و حمل الذّات‏عليهما،فيقال:زيد عالم و فاسق،و العالم و الفاسق زيد،و العالم فاسق،و الفاسق‏عالم،لمكان اتحاد الجميع بحسب الخارج.و هذا بخلاف التركيب بين المبادي فيماإذا كان بينهما تركيب،فانّ التركيب بينهما يكون انضماميّا،لا اتّحاديّا،لاعتبارهابشرط لا،فلا اتّحاد بينها حتى يصح حمل بعضها على بعض،لأنّ العرض لا يعقل ان‏يقوم بعرض آخر حتى يمكن فيهما الاتحاد.فالتركيب بين المبادي يكون نظير التركيب‏بين المادّة و الصورة،حيث انّ التركيب فيهما يكون انضماميا،لا اتّحاديا،لمكان انهماأيضا ملحوظان بشرط لا،كالمبادي،و ان كان بين المبادي و الصورة و الهيولى فرق و هو:انّ اجتماع المبادي انّما يكون في الموضوع القائمة به،إذ لا جامع بينها سوى ذلك،و الموضوع في مثل الصلاة و الغصب هو الشخص.و هذا بخلاف اجتماع المادة و الصورة،
408
فانّ اجتماعهما يكون باعتبار كون الهيولى مركب الصورة و محلا لها،و هذالمكان انّ الهيولى قوة محضة و الصورة فعليّة محضة،و إلاّ فالجواهران الفعليان أيضاكالعرضيّين لا يعقل ان يقوم أحدهما بالآخر.و على كلّ حال:جهة تشبيه اجتماع‏المبادي باجتماع الهيولى و الصورة في مجرّد كون التركيب انضماميّا لا اتّحاديا،كماانّ التركيب بين العناوين المشتقة نظير التركيب بين الجنس و الفصل من حيث‏كونه اتّحاديا،حيث انّ الجنس و الفصل أيضا ملحوظان لا بشرط كالعناوين‏المشتقة.
و منها:
انّ التركيب الاتحادي يقتضى ان تكون جهة الصدق و الانطباق‏فيه تعليلية،و لا يعقل ان تكون تقييدية،لأنّ الجهة لا تكون مكثرة للموضوع،فإنّا قدفرضنا كون التركيب اتحاديا،و مع التركيب الاتحادي لا تكثر لوحدة الموضوع.و بالجملة:علم زيد و فسقه لا يوجب ان يكون زيد العالم غير زيد الفاسق،بل هو هو،و انّما يكون العلم و الفسق علّة لانطباق العالم و الفاسق عليه.و هذابخلاف التركيب الانضمامي فانّ الجهة فيه تكون تقييديّة و لا تصلح ان تكون‏تعليلية،لأنا قد فرضنا عدم الاتحاد بين العنوانين.و الجهتان في التركيب الانضمامي‏هما عبارة عن نفس العنوانين المجتمعين،و ليس هناك عنوان آخر حتّى يصح كون‏الجهة تعليليّة.و بالجملة:لازم عدم اتّحاد العنوانين هو كون الجهة تقييديّة،و المراد من‏التقييد في المقام غير التقييد المراد منه في باب المطلق،بمعنى انّ التقييد في باب المطلق‏انّما يرد على الماهيّة الجنسية أو النوعية،و يوجب تضييق دائرة الماهية،و يجعلهامنقسمة إلى نوعين أو صنفين.و التقييد في المقام انّما يرد على الشخص،و يوجب‏اندراج الشخص تحت نوعين أو صنفين باعتبار الجهتين اللتين هما فيه.ففي مثل‏الصلاة في الدار الغصبيّة التي اجتمع فيها عنوان الغصب و عنوان الصلاة تكون كلّ‏من الجهتين اللّتين هما عبارة عن الصلاة و الغصب مقيّدة لذلك الموجود في الدّار وموجبة لاندراجه تحت نوعين،أي مقولتين،على ما سيأتي بيانه.فظهر:انّ هذه المقدمات الثلث الأخيرة كلّها متلازمة،و ترتضع من ثدي‏
409
واحد،فانّ لازم كون العنوانين ملحوظين على وجه اللابشرطية،هو ان يكون‏التركيب بينهما اتحاديا و كون الجهتين تعليليتين،كالعالم،و الفاسق،و المصلّي،و الغاصب.و لازم لحاظها بشرط لا كون التركيب بينهما انضماميّا و كون الجهتين‏تقييديتين،كالصلاة و الغصب،و ما شابه ذلك من المبادي التي أمكن التركيب‏بينها،لا مثل العلم و الفسق الذين ليس بينهما تركيب.فان قلت:انّه بناء على هذا يلزم ان لا يكون بين المبادي نسبة العموم من وجه،لأنّ‏ضابط العموم من وجه هو تصادق العنوانين على جهة الاتحاد الموجب لصحة الحمل،فمثل الصلاة و الغصب ينبغي ان لا تكون النّسبة بينهما العموم من وجه،لعدم الاتحادالمصحّح لحمل أحدهما على الآخر.قلت:لا يختص العموم من وجه بصورة تصادق العنوانين على جهة الاتحاد،بل‏ضابط العموم من وجه هو تصادق العنوانين على جهة التركيب،سواء كان التركيب‏اتحاديا أو انضماميّا.مع انّه ليس كلامنا في المقام في التّسمية و الاصطلاح،بل‏كلامنا في المقام فيما يمكن في العناوين و بيان أنحاء تصادقها عقلا،و امّا التسميةفهي بيدك ما شئت فسمّ.و الغرض في المقام:الفرق بين تصادق مثل العالم‏و الفاسق،و تصادق مثل الصلاة و الغصب.و الّذي يدل على انّ التصادق في مثل‏العالم و الفاسق يكون على وجه التركيب الاتحادي و في مثل الصلاة و الغصب يكون‏على وجه الانضمام،هو انّ العناوين الاشتقاقيّة ليس الموجود منها في مادة الافتراق‏هو تمام ما هو الموجود في مادّة الاجتماع،بل الموجود في مادّة الافتراق نفس الجهة وتبدل تلك الذات التي كان العنوانان قائمين بها بذات أخرى،حيث انّ الّذي يكون‏عالما هو بكر،و الّذي يكون فاسقا هو عمرو،و الّذي يكون عالما و فاسقا هو زيد،فهناك ذوات ثلث بحسب مادّة الاجتماع و مادتي الافتراق،و لا يكون تمام ما هومناط الصدق في مادة الاجتماع من المبدأ و الذات محفوظا في مادّة الافتراق.و هذابخلاف مثل الصلاة و الغصب،فانّ تمام ما هو مناط صدق الصلاة بهويتها و
410
حقيقتها محفوظ في مادّة الافتراق،من دون نقصان شي‏ء أصلا،و كذا في مادةالافتراق في جانب الغصب.و لو كان التركيب في مثل الصلاة و الغصب اتحاديا وكانت الجهة تعليليّة،لكان ينبغي ان يكون مثل العناوين الاشتقاقيّة موجبا لأن لايكون في مادة الافتراق الصلاة بتمامها محفوظة،كما لا يخفى.
و منها:
انّ مورد البحث انّما هو فيما إذا كان بين العنوانين العموم من وجه،فان في‏العموم المطلق يلزم تعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النّهى ان لم نقل بالتّخصيص،و ان‏قلنا بالتخصيص فلا اجتماع،فلو قال(صلّ و لا تغصب بالصلاة)كان الفرد من‏الصلاة المجامع للغصب خارجا من إطلاق الأمر بالصلاة،و إلاّ لزم ان يكون فعلا موردالحكمين متضادّين.فما ذكره‏1في الفصول و غيره من جريان البحث في العموم المطلق فممالا وجه له،بل لا بدّ ان تكون النسبة بين العنوانين العموم من وجه،و ذلك أيضاليس على إطلاقه،بل لا بدّ ان تكون نسبة العموم من وجه بين نفس الفعلين‏الصادرين عن المكلف بإرادة و اختيار اللذين تعلّق بهما الطلب الأمري و النهيي،كمافي مثل الصلاة و الغصب.و امّا إذا كانت النّسبة بين الموضوعين-كما في العالم و الفاسق في مثل قوله:أكرم العالم و لا تكرم الفاسق-فهو خارج عن محلّ البحث،و ان توهم أيضا دخوله‏فيه،إلاّ انه لا ينبغي التأمل في خروجه لما عرفت:من انّ التركيب في مثل ذلك‏يكون على جهة الاتحاد،و يكون متعلّق الأمر بعينه هو متعلّق النهي،من غير فرق‏بين العام الأصولي،أو الإطلاق الشمولي،أو الإطلاق البدلي،أو بالاختلاف،فانّه‏1قال في الفصول:«ثم لا فرق في موضع النزاع بين ان يكون بين الجهتين عموم من وجه كالصلاةو الغصب،و بين ان يكون بينهما عموم مطلق مع عموم المأمور به،كما لو امره بالحركة و نهاه عن التداني إلى موضع‏مخصوص فتحرك إليه،فانّ الحركة و التداني طبيعتان متخالفتان،و قد أوجدهما في فرد واحد و الأولى منها أعم...»راجع الفصول،بحث الاجتماع،في تحرير محل النزاع،ص 126
411
في الجميع ينبغي إعمال قواعد التعارض.و ليس من مسألة اجتماع الأمر و النّهى،بل مسألة الاجتماع انّما تكون فيما إذا كانت النّسبة العموم من وجه بين نفس‏الفعلين الصادرين من المكلّف بإرادة و اختيار،بحيث يجتمع الفعلان بتأثير واحدو إيجاد فارد.و من ذلك ينقدح أيضا انّه ليس من(مسألة الاجتماع)ما إذا كانت‏النّسبة بين العناوين المتولدة من الفعل الصادر عن المكلّف،كما إذا كانت للفعل‏عنوانان توليديان تكون النّسبة بين العنوانين العموم من وجه،كما لو أكرم العالم‏المأمور بإكرامه و الفاسق المنهيّ عنه بفعل واحد تولد منه كلّ من الأكرمين،كما لوقام بقصد التعظيم لكلّ من العالم و الفاسق،فانّ تعظيم كلّ منهما و ان اجتمعا بتأثيرواحد،و كان اجتماع التعظيمين على وجه التركيب الانضمامي،لا الاتّحادي-فانّ تعظيم زيد غير تعظيم عمرو،و كل منهما يكون بالإضافة إلى الآخر بشرط لا،و لايصح حمل أحدهما على الآخر-إلاّ انه لمّا كان التعظيمان من المسبّبات التوليديةالتي لم تتعلّق إرادة المكلّف بها أولا و بالذات،لكونها غير مقدورة له بلا واسطة،فلاجرم يكون متعلّق التكليف هو السبب الّذي يتولّد منه ذلك،لا بما هو هو،بل بماانّه معنون بعنوان التعظيم-على ما تقدّم تفصيله في بعض المباحث السابقة-و المفروض انّ السبب هو فعل واحد بالحقيقة و الهوية،و يكون العنوان المتولد منه‏بمنزلة العلّة غير موجب لتكثّر السّبب،بل العنوانان التّوليديان يكونان من قبيل العلم‏و الفسق القائمين بزيد،من حيث انّهما لا يوجبان تكثّرا في الذات،بل الوحدة فيهامحفوظة و الجهتان تعليليّتان.و باب العناوين التوليدية بعينه يكون من هذا القبيل،حيث انّ تعدّد العناوين لا يوجب تعدد المعنون،و المفروض انّ المعنون هو الفعل‏الاختياري الّذي تعلّق به الطلب،فيجتمع الأمر و النهي في شي‏ء واحد شخصيّ،و لا بدّ حينئذ من إعمال قواعد التعارض،و لا يكون من مسألة اجتماع الأمر و النهي،فتأمل‏1.1سيأتي في بعض الأمور اللاّحقة انّ ذلك على إطلاقه ممنوع،بل بعض العناوين التوليدية تندرج في‏مسألة اجتماع الأمر و النّهى منه.
412
و لا يتوهّم:انّ الصلاة و الغصب في الدار الغصبية يكونان كذلك،أي‏يكون الغصب من العناوين التوليدية،فانّ ذلك واضح الفساد،بداهة انّ‏الغصب الّذي هو عبارة عن التصرف في أرض الغير بنفسه من الأفعال الاختياريةالصادرة عن المكلّف أولا و بالذات،و ليس من العناوين التوليدية،مع انّ المناقشةفي المثال ليس بسديد.فان لم يعجبك مثال الصلاة و الغصب لمسألة الاجتماع-مع‏انّه من أوضح أمثلتها-فعليك بمثال آخر،لأنّ المثال ليس بعزيز.و المقصود هو:انّ مسألة الاجتماع،انّما تكون فيما إذا كانت نسبة العموم من‏وجه بين نفس الفعلين الصادرين عن المكلّف أولا و بالذات،لا بين العناوين‏المتولدة عن الفعل،و لا بين الموضوعين،كالعالم و الفاسق.بل نفس كون النّسبة بين‏الفعلين العموم من وجه لا يكفى ما لم يكن التركيب بينهما على جهة الانضمام،و إلاّفربّما تكون النّسبة كذلك مع كون التركيب اتحاديا،كما في مثل قوله:أنفق على‏أقاربك،أو اشرب الماء،و لا تغصب،فانّ التركيب في مورد الاجتماع من شرب‏الماء المغصوب أو إنفاق الدّرهم المغصوب يكون على وجه الاتحاد،فانّ الفرد من‏الماء الّذي يشر به مصداق لكلّ من الشرب و الغصب،و يكون نفس شرب الماءغصبا،فيتّحد متعلّق الأمر و النّهى،و لا بد في مثل ذلك من إعمال قواعدالتعارض،و ليس من مسألة اجتماع الأمر و النهي.و السر في ذلك:هو انّ كلا من الأمر و النهي تعلّق بموضوع خارجيّ،ويكون الاتحاد من جهة هذا التعلّق،حيث انّ المأمور به هو شرب الماء،و المنهي عنه‏هو التصرف في مال الغير الّذي من جملة افراده الماء الّذي يكون من جملة افرادالمأمور به،فيتّحد المتعلّقان.نعم:الشرب من حيث كونه شربا و فعلا اختيارياللمكلّف مع قطع النّظر عن متعلّقه لا يتّحد مع القصد.و من هنا لو شرب الماءالمباح في أرض الغير كان من مسألة اجتماع الأمر و النّهى،فلا يشتبه عليك الأمر،فتأمل جيدا.
و منها:
انّه بعد ما ظهر من انّ التركيب بين المبادي لا يكون إلاّ على وجه‏
413
الانضمام،و لا يمكن ان يكون على وجه الاتحاد-حيث انّ المبادي دائما تكون بشرط لابالنسبة إلى أنفسها،أي بعضها مع بعض-فربّما بتوهم في مثل الصلاة و الغضب:ان الصلاة و ان كانت بشرط لا بالنّسبة إلى الغصب و كذا الغصب بالنّسبة إلى‏الصلاة،إلاّ انّ كلاّ من الصلاة و الغصب يكون لا بشرط بالنّسبة إلى الحركة الموجودةفي الدّار المغصوبة،و يتّحد كلّ من الصلاة و الغصب في تلك الحركة و تكون تلك‏الحركة صلاة و غصبا،فيعود اجتماع تعلّق كلّ من الأمر و النّهى بعين ما تعلّق به‏الآخر،لأنّ تلك الحركة حركة واحدة بالهوية،و ينطبق عليها كلّ من الصلاةو الغصب،كانطباق العالم و الفاسق على زيد،من غير فرق بينهما،سوى انّ كلاّمن العالم و الفاسق يكون لا بشرط بالنّسبة إلى الآخر،و لا بشرط بالنّسبة إلى زيد.واما في مثل الصلاة و الغصب،فاللابشرطيّة انما تكون بالنّسبة إلى الحركة التي تقوم بهاكل من الصلاة و الغصب فقط،و لكن النّتيجة واحدة،و هي استلزام اتحاد متعلّق‏الأمر و النهي و تواردهما على واحد شخصيّ و هو المعنون بعنوان الصلاة و الغصب،و الموجّه بذلك هو الحركة الشّخصية.فالمقدمات السابقة كلّها تكون عقيمة،هذا.و لكن لا يخفى عليك:فساد التوهم،لوضوح انّ الغصب لا يعقل ان يكون‏قائما بالحركة،فانّ الحركة لا تكون موضوعا للصلاة و الغصب،لأنّ موضوعيّتها لذلك‏اما ان يكون من قبيل موضوعيّة الجنس للفصل و المادّة للصورة،و اما ان يكون من‏قبيل موضوعيّة المعروض لعرضه،و كلّ منهما لا يعقل،لأنّ الجنس لا يعقل ان‏يتحمّل فصلين،و العرض لا يعقل ان يقوم بعرض،مع انّ الحركة في كلّ مقولة تكون‏عين تلك المقولة،و ليست هي مقولة مستقلّة،مع انّ الأعراض بسيطة ليست مركبة وكان ما به الامتياز فيها عين ما به الاشتراك،فلا يعقل ان يكون الغصب قائمابالحركة.إلاّ ان يدّعى انّ الغصب من العناوين التوليدية،و هو بمراحل عن الواقع،بل الغصب هو بنفسه من الأفعال الاختيارية الصادرة عن المكلّف بلا واسطة.و ليس الغصب من مقولة الفعل باصطلاح أهل المعقول،بل الغصب انّما يكون من‏مقولة الأين،و ليس الغصب إلاّ عبارة عن شاغلية الشخص للمكان،فهو قائم‏بالشخص،و يكون الغصب عبارة عن الكون الصلاتي الّذي هو عبارة عن شاغلية
414
المكان،و أين هذا من قيام الغصب بالحركة و اتحاده معها؟فليست الحركة معنونةبعنوان الغصب و موجهة به،و ليس اجتماع الصلاة و الغصب من قبيل اجتماع‏العناوين في المعنونات و الجهات في الموجهات،بل ليس هناك إلاّ نفس العنوانين‏و الجهتين،من دون ان يكون هناك معنون و موجّه يكون الغصب و الصلاة قائمين به،و الغصب و الصلاة انّما يكونان قائمين بالشّخص،و يكون هو الموضوع،نظير قيام العلم‏و الفسق بزيد،و ان كان بينهما فرق من حيث عدم التركيب في مثل العلم و الفسق،بخلاف الصلاة و الغصب،على ما تقدّم تفصيله.فان قلت:انّ التركيب بين الصلاة و الغصب على أيّ وجه يكون،بعد ما لم يكن هناك‏جامع بينهما و كانا متباينين بالهوية و الحقيقة و ليسا من مقولة واحدة،فمن أين جاءالتركيب بينهما؟و ليس تركيبهما نحو تركيب المادّة و الصورة،فانّ التركيب هناك‏لمكان انّ المادة صرف القوّة و فعليّتها تكون بالصورة،و في المقام كلّ من الصلاةو الغصب يكون فعليّا.قلت:التركيب في المقام انّما يكون لأجل تشخّص كلّ من الصلاة و الغصب‏بالآخر و يجري كلّ منهما بالنّسبة إلى الآخر مجرى المشخّص،فتكون الصلاة متشخّصةبالغصب،و يكون الغصب متشخّصا بالصلاة.و من المعلوم:انّ كل طبيعيّ يوجدفي الخارج لا بدّ ان يكون محفوفا بمشخصات عديدة من مقولات متعدّدة،و كلّ واحدمن تلك المشخصات لا بدّ ان يكون مندرجا تحت عنوان كلّي،و يكون من أحدمصاديقه.مثلا المشخّص المكاني مندرج تحت مقولة الأين،و المشخّص الزماني‏مندرج تحت مقولة متى،و غير ذلك من المشخصات.و المشخصات،تارة:تكون‏ملتفتا إليها،و أخرى:تكون مغفولا عنها،و لكن مع ذلك لا محيص من وقوع‏الطبيعي محفوظا بمشخص.ففي المقام تكون كلّ من طبيعة الصلاة و الغصب،متشخّصة بالأخرى،أي يكون وجود كلّ من الصلاة و الغصب مشخّصا للآخر،و التشخص بذلك يكون في رتبة وجودهما،و يكون من المشخّص للصلاة هو الفرد
415
الغصبي،و بالعكس.
و منها:
انّ العناوين المجتمعة في فعل المكلّف و ما هو الصادر عنه بإيجاد واحد لاتخلو:امّا ان تكون من العناوين القابلة للحمل مستقلا و المتأصلة في الصدق،كالصلاة و الغصب،حيث انّ كلاّ من الصلاة و الغصب قابل للحمل على فعل‏المكلّف،و يكون هو الصادر عنه ابتداء،و ليسمع مثل هذه العناوين بالمقولات‏المستقلّة،و تسميتها بذلك لا ينافى كونها من المقولات النّسبية التي لا تكون مستقلّةفي التّعقل،كالكمّ و الكيف،حيث انّهما مستقلان في التّعقل،من دون توقف تعقلهماعلى تعقّل امر آخر،بخلاف ما عداهما من المقولات النّسبية،حيث انّ تعقّلها يتوقف‏على تعقّل المنتسبين،و لكن عدم استقلالها في التعقّل لا ينافى استقلالها في الحمل‏و الصدق على ما هو الصادر من الشخص ابتداء،كما لا يخفى.و امّا ان لا تكون من العناوين المستقلّة،بمعنى انّها لا تكون هي الصادرةعن المكلّف ابتداء،بل كانت من متعلّقات الفعل و متمّماته،كالإضافات‏اللاحقة لفعل المكلّف:من الظرفيّة،و الابتدائية،و الانتهائية،كما تقول:ضرب زيدفي الدّار،و سير زيد من البصرة،و انتهائه إلى الكوفة،و كون أكله استعمالا لآنيةالذهب و الفضّة،و غير ذلك من المتعلّقات ممّا يكون الظرف فيها لغوا،حيث انّه في‏ظرف اللّغو دائما يكون من اجتماع المقولتين،غايته انّ إحدى المقولتين تكون من‏متعلّقات الأخرى و متمماتها،بخلاف الظرف المستقر،حيث انّه ليس فيه إلاّ مقولةواحدة،كقولك:زيد في الدار،بخلاف قولك:ضرب زيد في الدار،حيث انه‏اجتمع فيه عنوانان أحدهما:الضرب،و الآخر:إضافته إلى الدّار،و كما في الأكل من‏آنية الذهب و الفضة،حيث انّه اجتمع فيه أيضا الأكل و الاستعمال،و ليس‏الأكل عين الاستعمال،بل هناك مقولتان مجتمعتان،غايته انّ إحداهما تكون من‏متمّمات الأخرى،لأنّ الاستعمال لا يكون إلاّ بإضافته إلى الأكل أو الشرب أو غيرذلك من وجوه الاستعمالات.و هناك قسم آخر من العناوين المجتمعة،و هو اجتماع العناوين التوليدية
416
مع أسبابها.و نحن سابقا و ان قلنا بخروجها عن محلّ الكلام،إلاّ انّ الأقوى دخولهافي محلّ البحث في غير العناوين القصدية،كالتعظيم و التوهين،فلو كان الإلقاء مثلامأمورا به و الإحراق منهيا عنه،فألقى المكلّف ما امر بإلقائه في النّار فيكون من‏اجتماع الأمر و النّهى،لأنّ الإلقاء بنفسه لا يكون إحراقا،و إلاّ كان كلّ إلقاءإحراقا،بل الإلقاء انّما يكون إحراقا باعتبار إضافته إلى النّار،فيكون من اجتماع‏المقولتين لا محالة.و كذا الحال لو فرض انّ هناك عنوانين توليديّين لسبب واحد،فانّ السبب الواحد لا يعقل ان يتولد منه عنوانان،إلاّ ان يكون فيه جهتان من‏الإضافة،فيتعدّد السبب حسب تعدّد الجهة،و تكون الجهة تقييديّة لا محالة،على ماتقدّم من الضابط.و على كلّ حال:جميع هذه الأقسام الثلاثة من اجتماع العنوانين‏يندرج في مسألة اجتماع الأمر و النّهى،فلا تفغل و تأمل جيدا.
و منها:
انهم قد بنوا المسألة على كون متعلّقات الأحكام،هل هي الطبائع‏أو الأفراد؟و قد أنكر بعض الأعلام هذا الابتناء،و أفاد انّه لا يفترق الحال في الجوازو الامتناع،بين ان نقول بتعلّق الأحكام بالطبائع،أو الأفراد،هذا.و لكن الحق:هو ان يقال:انّه يختلف الحال في ذلك على بعض وجوه تحريرالنّزاع في مسألة تعلّق الأحكام بالطبائع أو الأفراد،و لا يختلف الحال على بعض‏الوجوه الآخر.و تفصيل ذلك:هو انّ النزاع في كون متعلّقات الأحكام الطبائع أو الأفراديمكن ان يكون مبنيّا على وجود الطبيعي و عدمه،و انّ القائل بتعلّق الأحكام بالأفرادمبناه على عدم وجود الكلّي الطبيعي و انّه انتزاعي صرف،بخلاف القائل‏بتعلق الأحكام بالطبائع،فانّه يقول بوجود الكلي الطبيعي،و على هذا لا تبتنى مسألةجواز اجتماع الأمر و النّهى على ذلك،بل انّ للبحث عن المسألة مجالا،سواء قلنابوجود الكليّ الطبيعي،أو لم نقل،غايته انّه بناء على عدم وجود الطبيعي يكون المتعلق‏للأحكام هو منشأ الانتزاع،و يجري فيه ما يجري على القول بوجود الطبيعي:من‏كون الجهة تقييدية أو تعليليّة،و انّ التركيب اتحادي أو انضماميّ،لوضوح انّ انتزاع‏الصلاة لا بدّ ان يكون لجهة غير جهة انتزاع الغصب،هذا.
417
و لكن يبعد ان يكون النّزاع بتعلّق الأحكام بالطبائع أو الأفراد مبنيّا على‏وجود الطبيعي و عدمه،إذا لظاهر انّ من يقول بتعلّق الأحكام بالأفراد،لا ينكروجود الطبيعي.فلا بدّ ان يرجع نزاعهم في ذلك إلى امر آخر.و معلوم:انه ليس‏المراد من تعلق الأحكام بالأفراد تعلّقها بالأفراد الشخصية،لاستلزام ذلك طلب‏الحاصل حيث انّ فرديّة الفرد انّما يكون بالتّشخص،و التشخص يساوق الوجود.و لا يمكن أيضا ان يكون مراد القائل بتعلّق الأحكام بالأفراد،تعلّقها بها على‏وجه يكون التّخيير بينها شرعيّا،بحيث تكون الخصوصيات الشخصية مطلوبةعلى البدل،فيكون قوله(صلّ)بمنزلة قوله:صلّ في هذا المكان أو في ذلك المكان،و في‏هذا الزّمان أو ذلك الزمان،و هكذا.بحيث يكون قوله(صلّ)بمنزلة الف(صلّ)فانّ‏سدّ باب التخيير العقلي بمكان من الفساد.فالذي يمكن ان يكون محلّ النزاع على وجه يرجع إلى امر معقول:هو ان‏يكون النّزاع في سراية الأمر بالطبيعة إلى الأمر بالخصوصيات و لو على النّحو الكلي،أي خصوصية ما،بحيث تكون الخصوصية داخلة تحت الطلب تبعا،نظير تعلق‏الإرادة التّبعية بالمقدمة و ان لم يكن من ذلك.فالقائل بتعلق الأحكام بالأفراديدّعى السّراية و التبعيّة،و القائل بتعلّق الأحكام بالطبائع يدّعى عدم السراية و انّ‏المأمور به هو الطبيعة المعرّاة عن كلّ خصوصيّة،أي الساذجة الغير الملحوظ معهاخصوصيّة أصلا،و لا يسرى الأمر إلى الخصوصيّات بوجه من الوجوه.فلو كان النّزاع‏في تعلّق الأحكام بالطبائع أو الأفراد على هذا الوجه،فالحقّ انّ مسألة اجتماع الأمرو النّهى تبتنى على ذلك،و تكون من مقدمات المسألة،فانّه بعد ما عرفت:من انّ‏كلاّ من متعلّق الأمر و النّهى يجري بالنّسبة إلى الآخر مجرى المشخّص،لو قيل بتعلّق‏الأحكام بالأفراد بالمعنى المتقدم من سراية الأمر إلى الخصوصيّة و لو تبعا،فلا مجال‏للنّزاع في جواز الاجتماع،لأنه يلزم ان يتعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النّهى و لوبالتبعية،فيمتنع الاجتماع،و لو قلنا بتعلّق الأحكام بالطبائع،من دون ان يسرى‏الأمر إلى الخصوصيات كان للنّزاع مجال،من جهة وجود المتعلّقين بتأثير واحد.فظهر:انّ منع ابتناء المسألة على تلك المسألة بإطلاقه لا يستقيم.
418
نعم:ابتناء المسألة على مسألة أصالة الوجود أو الماهيّة ممّا لا وجه له،فانّه‏لا يفرق الحال فيما نحن فيه،بين ان نقول:بأصالة الوجود،أو أصالة الماهيّة،فانّه‏حتى على القول بأصالة الوجود يجري النّزاع،من جهة دعوى اتّحاد وجود المتعلّقين‏أو عدم اتّحاد،و ان لكلّ منهما حظّا من الوجود يخصّه لا ربط له بالآخر،و ان كان‏المتراءى وجودا واحدا بالعدد،إلاّ انّه في الحقيقة وجودان منضمان،فلا ربط للمسألةبمسألة أصالة الوجود أو الماهيّة.كما انّ ابتناء المسألة،على كون كلّ من الدليلين متكفلا للمناط و المصلحةالتي أوجبت الأمر و المفسدة التي أوجبت النّهى ممّا لا وجه له،فانّ البحث‏في المقام لا يتوقف على المناط و المصلحة و المفسدة،حيث انّ البحث يجري و لو قلنابمقالة الأشاعرة و أنكرنا المصالح و المفاسد،بل الّذي يتوقف عليه البحث في المقام،هو ان يكون الموجود في مورد الاجتماع تمام ما هو موضوع الأمر و تمام ما هو موضوع‏النّهى،من دون ان يكون أحدهما فاقدا لقيد اعتبر فيه.فراجع ما ذكره في الكفاية في‏هذا المقام و ما وقع منه من الخلط و الاشتباه و تقسيمه الحكم إلى:اقتضائي،وإنشائيّ،و فعليّ،و تصويره كون الحكم إنشائيّا بعد تحقق موضوعه.فانّه ذلك كلّه‏لا نعقله.و تقدّم منّا في بحث الواجب المشروط:المعنى الصحيح للإنشاء و الفعليّة،فراجع‏ (1) و لعلّه يأتي أيضا ما يتعلق بمراتب الأحكام و فسادها في بعض المباحث.إذا عرفت ما مهدناه لك من المقدمات فاعلم:انّ المسألة ذات أقوال:ثالثها:التفصيل بالامتناع عرفا و الجواز عقلا.و رابعها:التفصيل بين الأوامر النّفسية فالامتناع،و الأوامر الغيريّةفالجواز.و قد استدل لكل من الجواز و الامتناع بوجوه،لا بأس أوّلا بالإشارة إلى جملةمنها و بيان ما فيها من الخلل ثم نذكر ما عندنا من الوجه الصحيح،فنقول:قد استدلّ‏للجواز بوجوه:
1)راجع الجزء الأول،مباحث تقسيمات الواجب تقسيمه إلى المطلق و المشروط،الجهة الثانية من الأمرالأول صلى اللَّه عليه و آله 174

419
منها:ما أفاده المحقق القمي(قده):من انّ متعلّقات الأوامر و النّواهي هي‏الطبائع،و الفرد انّما يكون مقدمة لوجودها،فالفرد من الصلاة الموجود في الدارالغصبيّة انّما يكون مقدمة لوجود الطبيعة المأمور بها،و مقدمة الواجب ليست واجبة،فلم يجتمع هناك الوجوب و الحرمة.و لو قيل:بوجوب المقدمة،فوجوبها يكون غيريّاتبعيّا،و لا مانع من اجتماع الوجوب الغيري مع النّهى النّفسي،و انّما المانع هواجتماع الوجوب النفسيّ مع النّهى النّفسي،على ما صرّح به في مبحث مقدمةالواجب‏1هذا.1قوانين الأصول،بحث الاجتماع،الوجه الأول من الوجوه التي استدل بها لجواز الاجتماع،ص 77و إليك نصّ ما أفاده في المقام:«ان الحكم انّما تعلق بالطبيعة على ما أسلفنا لك تحقيقه،فمتعلق الأمر طبيعة الصلاة و متعلق النهي طبيعةالغصب،و قد أوجدهما المكلف بسوء اختياره في شخص واحد و لا يرد من ذلك قبح على الآمر لتغاير متعلق‏المتضادين،فلا يلزم التكليف بالمتضادين و لا كون الشي‏ء الواحد محبوبا و مبغوضا من جهة واحدة.فان قلت:الكلي لا وجود له الا بالفرد،فالمراد بالتكليف بالكلي هو إيجاد الفرد و ان كان متعلقا بالكليّ‏على الظاهر،و ما لا يمكن وجوده في الخارج يقبح التكليف بإيجاده في الخارج.قلت:ان أردت عدم إمكان الوجود في الخارج بشرط لا فهو مسلّم و لا كلام لنا فيه،و ان أردت استحالةوجوده لا بشرط فهو باطل جزما،لأن وجود الكليّ لا بشرط لا ينافى وجوده مع الف شرط فإذا تمكن من إتيانه في‏ضمن فرد فقد تمكن من إتيانه لا بشرط،غاية الأمر توقف حصوله في الخارج على وجود الفرد و الممكن بالواسطة لايخرج عن الإمكان و ان كان ممتنعا بدون الواسطة و هذا كلام سار في جميع الواجبات بالنسبة إلى المقدمات،فالفرد هنا مقدمة لتحقق الكليّ في الخارج فلا غاية في التكليف به مع التمكن عن المقدمات.فان قلت:سلمنا ذلك،لكن نقول ان الأمر بالمقدمة اللازم من الأمر بالكليّ على ما بنيت عليه الأمريكفينا،فان الأمر بالصلاة امر بالكون،و الأمر بالكون امر بهذا الكون الخاصّ الّذي هو مقدمة الكون الّذي هو جزءالصلاة،فهذا لكون الخاصّ مأمور به و هو بعينه منهي عنه لأنه فرد من الغصب،و النهي عن الطبيعة يستلزم النهي عن جميع‏افراده و لو كان ذلك أيضا من باب مقدمة الامتثال بمقتضى النهي فان مقدمة الحرام حرام أيضا فعاد المحذور و هواجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد شخصي.قلت:نمنع أولا وجوب المقدمة،ثم نسلم وجوبه التبعي الّذي بيناه في موضوعه و لكن غاية الأمر حينئذتوقف الصلاة على فرد ما من الكون،لا الكون الخاصّ الجزئي و انما اختار المكلف مطلق الكون في ضمن‏هذا الشخص المحرّم».و قد بين في المقدمة السابعة من المقدمات التي مهدها لتحقيق وجوب مقدمة الواجب،في مبحث المقدمة،
420
و لكن لا يخفى عليك ما فيه:امّا أولا:فلأنّ الفرد لا يكون مقدّمة لوجود الطبيعي،بل هو عينه خارجا.و لو قيل:انّ المحقق لم يدّع مقدّميّة الفرد للطبيعة مطلقا،بل ادّعى ذلك في طرف‏الأمر فقط،بقرينة قوله(انّه بناء على وجوب المقدّمة يلزم اجتماع الأمر الغيري مع‏النّهى النفسيّ)فلو كان مدّعاه مقدميّة الفرد مطلقا،لكان في طرف النّهى أيضا نهى‏غيريّ،فمن ذلك يعلم:انّ ما قاله من المقدّمية مقصور على طرف الأمر،و حينئذلا بدّ ان يكون مراده من الأمر خصوص الأمر المطلوب منه صرف الوجود،لا الأمرالانحلالي،لأنّه لا فرق بين الأوامر الانحلاليّة و النواهي الانحلالية من حيث عدم‏مقدمية الفرد للطبيعة.و الّذي يمكن،هو الفرق بين الأوامر المطلوب منها صرف‏الوجود،كالصلاة،و بين الأوامر و النّواهي الانحلاليّة،حيث انه تصحّ دعوى كون‏الفرد مقدمة لتحقق صرف الوجود،بحيث يكون الفرد من المحصلات و المحققات‏لصرف الوجود.ففيه:انّ ذلك و ان كان توجيها لكلامه،إلاّ انّه مع ذلك لا يستقيم،بداهةانّ الفرد في صرف الوجود أيضا لم يكن مقدمة،بل هو عينه.نعم:لو قلنا بعدم وجودالكلي الطبيعي و انّه انتزاعيّ صرف،كان الفرد مقدمة لانتزاعه،كما هو الشأن في‏جميع الأمور الانتزاعية،حيث يكون منشأ الانتزاع مقدّمة لانتزاعها،و لكن لا المحقّق‏قائل بعدم وجود الطبيعي،و لا يمكن القول به.فدعوى مقدّمية الفرد ممّا لا أساس‏لها مطلقا.ص 49.«و اما الوجوب المذكور أي وجوب المقدمة فلما كان هو أيضا تبعيا كأصل الخطاب به بمعنى انه لازم لأجل‏التوصل إلى ذي المقدّمة،و حكمه حكم الخطابات الأصليّة التوصلية كإنقاذ الغريق و إطفاء الحريق و غسل الثوب‏النجس للصلاة،فلم يحكم بكونه واجبا أصليا و لم يثبت له أحكام الواجب الأصلي الذاتي،فلا عقاب عليه لعدم‏ثبوت العقاب على الخطاب التبعي كما سنشير إليه،و يجتمع مع الحرام لأجل كونه توصليا نظير الإنقاذ و الغسل‏الواجبين لاستخلاص النّفس المحترمة و الصلاة في الثوب الطاهر و لذلك يحصل المطلوب بالحرام أيضا،بل بفعل‏الغير أيضا...»
421
و امّا ثانيا:فلأن دعوى عدم وجوب المقدمة ممّا يكذبها الوجدان،و لا يمكن‏القول به،كما تقدم في بحث مقدمة (1) الواجب.و امّا ثالثا:فلأنّ دعوى:انّ الممنوع هو اجتماع الوجوب النّفسي مع النّهى‏النفسيّ لا الوجوب الغيري،فممّا لا شاهد عليها،ضرورة انّه لا فرق بين الوجوب‏النّفسي و الوجوب الغيري بعد ما كان مطلق الوجوب مضادّا من حيث الاقتضاءللحرمة،حيث انّ الوجوب يقتضى البعث،و الحرمة تقتضي الزّجر،و التدافع بين‏الاقتضائين ممّا لا يخفى.نعم:لو سقط أحدهما عن اقتضائه أمكن الاجتماع،و ذلك‏لا يكون إلاّ بالأمر الترتّبي،كما تقدم في مسألة المقدّمة المحرّمة.و منها:انّ متعلّقات الأحكام ليست هي الموجودات الخارجيّة،بل الصّور الذهنية،و الصور الذهنية متباينة لا اتّحاد بينها.و لا يخفى عليك:انّ هذا الاستدلال بظاهره في غاية الفساد،لوضوح انّ‏الصور الذهنيّة،بما هي صور ذهنيّة،لا يعقل ان يتعلّق بها الطلب و التكليف،لأنهاكليّات عقليّة غير منطبقة على الخارجيات،و لا تحمل عليها،كما تقدم في المقدمات،بل الصور الذهنية انّما تتعلّق بها التكاليف بلحاظ المرآتية لما في خارج،و الاتحادو الاجتماع بين المتعلّقات انّما يكون بهذا اللّحاظ.و منها:انّ الاجتماع انّما يكون مأموريّا لا آمريّا،بمعنى انّ المأمور جمع بين متعلّق‏الأمر و متعلق النّهى بسوء اختياره،و الآمر لم يجمع بين المتعلّقين في امره،حيث انّ الآمر أخذ متعلق الأمر امرا مباينا لمتعلق النّهى،و كان أحدهما الصلاةو الآخر الغصب،و لا ربط لأحدهما بالآخر.و هذا الوجه كسابقه في وضوح فساده،فانّ المأمور انّما جمع في مقام‏الامتثال،و لا بدّ ان يكون الامتثال على طبق المأمور به،فلو لم يجمع الآمر بين المتعلقين‏
1)راجع مباحث مقدمة الواجب،بيان وجوب المقدمة ص 284

422
و لو بالإطلاق الشمولي أو البدلي،فكيف يمكن للمكلف الجمع في الامتثال؟مع انه‏ان كان المراد من(ان الآمر لم يجمع بين المتعلّقين)هو ان المتعلّقات لا تكون‏بلحاظ الخارج،رجع إلى ان الصور الذّهنيّة بما انّها صور ذهنية متعلّقات الطلب،وقد عرفت فساد ذلك.و ان كان المراد:انه لم يجمع مع كونها مرآة لما في الخارج،فالاجتماع لا محالة يكون آمريّا لا مأموريّا،مع انّه لو بنينا على انّ الاجتماع مأموريّ‏يلزم سدّ باب التّعارض من وجه،فانّه دائما يكون الاجتماع مأموريا و في مقام‏الامتثال،فيلزم ان لا يتحقّق مورد للتعارض من وجه،و تكون جميع الموارد من باب‏التزاحم.فهذا الوجه أيضا ليس بشي‏ء،و ان حكى انّه كان هو المعتمد عليه في‏عصر شريف العلماء.و منها:انّ متعلّقات الأحكام انّما تكون هي الماهيّات الواقعة في رتبة الحمل،لاالواقعة في رتبة نتيجة الحمل،و لا الواقعة في الرتبة المباينة للحمل التي تكون بتلك‏الرتبة كليّات عقليّة،كما انّ الواقعة في رتبة نتيجة الحمل تكون من الأمور الخارجيّةو تكون تلك الرتبة رتبة الاتحاد و رتبة عينيّة الكلي لمصداقه.فلو كان المتعلّق للحكم‏هي الماهيّة الواقعة في هذه الرتبة،يلزم اتّحاد المتعلقين،لأنّ هذه الرتبة كما عرفت‏رتبة عينية كل كلي لمصداقه،و المفروض انّ المصداق واحد،فيلزم اتحاد المتعلقين.واما إذا كان متعلق الحكم هو الماهية بلحاظ الرتبة السابقة على الحمل القابلةللحمل،فلا يلزم حينئذ اتحاد المتعلقين،لأن هذه الرتبة رتبة مغايرة الموضوع‏للمحمول المصحّحة للحمل،فلا اتّحاد.و بعبارة أوضح:متعلّقات التكاليف انّما تكون هي الصور الذهنية،القابلةالصدق على الخارجيّات،الممكنة الانطباق عليها،و هي بهذا المعنى متغايرة لا اتّحادبينها.و التي بينها اتحاد،هي المنطبقة على الخارجيّات انطباق المحمول على موضوعه،المعبّر عنه بنتيجة الحمل.و لعلّ هذا مراد من قال:انّ ظرف عروض الأحكام على‏متعلّقاتها انّما هو الذّهن،و ظرف اتصاف المتعلّقات بالمطلوبية هو الخارج.و الاتحاد انّمايكون في ظرف الاتصاف،لا في ظرف العروض،هذا.
423
و لكن لا يخفى عليك:فساد هذا الوجه أيضا،فانّ واقع الأمر لا يخلو عن‏أحد وجهين:فانّه اما ان يكون متعلّقات الأحكام هي الصور الذّهنيّة بما انّها صورذهنيّة،و امّا ان تكون هي بما انّها مرآة لما في الخارج فانية فيه فناء الوجه في‏ذي الوجه و المرآة في المرئي.فان كان الأوّل،يلزم ان تكون المتعلّقات هي الكليات‏العقليّة،و هذا ممّا لا يعقل.و ان كان الثاني يلزم محذور الاتحاد،لاتحاد المرئي وذي الوجه،و تعدّد المرآة و الوجه لا أثر له،بعد ما لم يكن هو الملحوظ استقلالاو المتعلق للحكم بنفسه.فدعوى انّ متعلقات الأحكام انّما تكون الماهيّات الواقعة في‏رتبة الحمل لا الواقعة في نتيجة الحمل،ممّا ليس لها محصّل.و يتلو هذا الوجه في الضّعف،دعوى:انّ متعلّقات الأحكام هي الماهيّات‏الغير المتحصّلة و هي ليست متّحدة بعضها مع بعض،و الاتحاد انّما يكون بين‏الماهيّات المتحصّلة،فان هذا عبارة أخرى عن الوجه السابق،و لا يكون له معنى‏محصل،فانّ متعلّقات الأحكام و ان كانت هي الماهيّات الغير المتحصلة،إلاّ انّ‏الأمر بها انّما يكون بلحاظ التّحصل،و هي في مقام التّحصل متّحدة.و الحاصل:انّ الأمر و النّهى،انّما يكونان بعثا لتحصيل الطبيعة،أو عدم‏تحصيلها.و بالجملة:هذه الوجوه كلّها مشتركة في المعنى،و انّما التّفاوت بالتّعبير،وهي جميعا ناظرة إلى انّ الأحكام من العوارض الذّهنيّة للصّور الذّهنيّة،و ليست‏من العوارض الخارجيّة،و انّما الخارج يكون ظرف الاتصاف،لا العروض،بل‏ظرف العروض هو الذهن ليس إلاّ،و ان كان المتصور الذهني ملحوظا على وجه‏المرآتية لما في الخارج.و الجواب عن الكلّ أيضا مشترك بأنه بعد تسليم اتّحاد المتعلّقين في الخارج‏و كون التركيب بينهما اتّحاديّا-كما هو مبنى الوجوه-لا سبيل إلى دعوى تغاير متعلّق‏الأمر و النّهى،من جهة كون المتعلّقات هي الصور الذهنيّة،فان الصور الذهنيّةالملحوظة مرآة لما في الخارج يكون العبرة فيها بالمرئي و ذي الوجه.فلو كانت وجوه‏الجواز هذه،فالحق مع المانعين.و الّذي ينفع في المقام هو إثبات عدم الاتحاد بين‏المتعلّقين في الخارج و كون التركيب بينهما انضماميّا،لا اتّحاديّا،على ما سيأتي‏
424
توضيحه.و امّا أدلة المانعين:فعمدتها ما ذكره المحقق الخراسانيّ(قده)في كفايته‏ (1) و حاصل ما أفاده في وجه المنع يتركّب من مقدّمات،بعضها مسلّمة،ككون‏متعلّقات التكاليف هي الكليّات الطبيعيّة و نفس المعنونات،لا العناوين و الكليّات‏العقليّة.و بعضها ممنوعة أشدّ المنع،ككون تعدد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون وانّه يمكن انطباق العناوين المتعددة على ما ليس فيه جهة و انّ ذلك لا يوجب عدم‏بساطته.فانّه قد تقدّم في المقدمات انّ ذلك غير معقول،و قياسه بصفات الباري‏مع الفارق،بل لا بدّ من تعدّد الجهة عند تعدّد العنوان،غايته انّه يمكن ان تكون الجهةتعليليّة،و يمكن ان تكون تقييديّة.فالمهمّ إثبات هذا المعنى.و إذ قد عرفت عدم تماميّة ما استدلّ به للجواز و الامتناع،فينبغي حينئذبيان وجه المختار،و هو و ان تقدّمت الإشارة إليه في ضمن المقدّمات،إلاّ أنّنا نزيده‏في المقام وضوحا.و حاصله:انّ اجتماع المبادي و المقولات،لا يعقل ان يكون على‏نحو الاتحاد،بحيث يكون ما بحذاء أحدهما في الخارج عين ما بحذاء الآخر حتّى يلزم‏تعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النّهى،و ذلك لما عرفت:من بساطة المقولات و عدم‏تركّبها من مادة و صورة،بحيث كان ما به الاشتراك فيها غير ما به الامتياز،بل انّ‏ما به الاشتراك فيها يكون عين ما به الامتياز،و يكون السواد مثلا بهويّة ذاته يمتازعن البياض،مع اشتراكهما في كون كل منهما لونا،و لكن يمتازان أيضا بنفس اللّون،و ليس اللّون فيهما من قبيل الجنس و يكون هناك فصل مميّز لأحدهما عن الآخر.وكذا الحال في سائر المقولات،من غير فرق بين ان تكون من مقولة الحكم و الكيف،أومن المقولات النّسبيّة:من الفعل،و الانفعال،و الإضافة،و الأين،و متى،و الوضع،و النّسبة المتكرّرة،فانّها جميعا تكون بسائط خارجيّة،و يكون ما به الاشتراك فيها
1)كفاية الأصول،الجلد الأول صلى اللَّه عليه و آله 248 قوله قدس سره«و تحقيقه على وجه يتضح به....»إلى ص‏253

425
عين ما به الامتياز،و حينئذ لا يعقل التركيب الاتحادي بينها،لأنّ التركيب‏الاتحادي يستدعى ان يكون ما به الامتياز غير ما به الاشتراك حتى يتّحدا في الموضوع‏في مادّة الاجتماع،و يفترقا عنه في مادّة الافتراق،و يستدعى كلّ منهما موضوعا غيرموضوع الآخر،كما في-العالم و الفاسق-المجتمعين في زيد،و المفترقين في عمرو وبكر،و يكون ما به يمتاز العالم عن الفاسق في مادّة الافتراق مغايرا لما يشتركان‏فيه في مادة الاجتماع.و هذا بخلاف المبادي،فانّ امتيازها و اشتراكها في مادّة الاجتماع‏و الافتراق يكون بنهج واحد،و يكون امتيازها بهوية ذاتها و بنفس حقيقتها مجتمعة ومفترقة،و إلاّ كان ما به الامتياز غير ما به الاشتراك،فيلزم تركبها.و حينئذ نقول:أيّ مقولتين فرض اجتماعهما فلا محالة انّهما يكونان في عين‏اجتماعهما ممتازتين،و يكون ما بحذاء إحداهما في الخارج غير ما بحذاء الأخرى،و هذه‏المغايرة تكون بهويّة ذاتهما،من دون ان تكون هذه المغايرة بالفصول المنوعة لها،بان‏يكون هناك ما هو بمنزلة الجنس لهما،فانّ ذلك كلّه غير معقول،بل هما على حدّسواء اجتمعا أو افترقا،و تكون الهوية و الحقيقة محفوظة بتمامها و كمالها في صورتي‏الافتراق و الاجتماع،فكلّ ما تستحق الصلاة من الحقيقة و الهوية محفوظ في صورةاجتماعها مع الغصب و في صورة افتراقها عنه،و كذا الحال في الغصب،من دون ان‏تكون الصلاة المجامعة مع الغصب مغايرة مع الصلاة المفترقة عنه بجنس أو فصل،و انّماالمغايرة تكون بالخصوصيات الفرديّة،حيث انّها في صورة الاجتماع متشخصةبالغصب،و في صورة الافتراق متشخصة بأمر آخر:من كونها في المسجد،أو الدّار.و الخصوصيات الشخصية لا ربط لها بالحقيقة و ليست ممّا يتعلّق بها الطلب،لاأصالة و لا تبعا،كما عرفت من انّ الأحكام متعلّقة بنفس الطبائع و الحقائق،بلاسراية إلى الخصوصيّات.و المفروض امتياز الحقائق مجتمعة و مفترقة،و بعد ذلك لايهمّنا البحث عن انّ الصلاة من أيّ مقولة،و الغصب من أيّ مقولة،فانّهما من أيّ‏مقولة يفرضان على كلّ حال هما متعدّدان بحسب الحقيقة و المقولة كتعدّد همابحسب المفهوم.و الظاهر ان تكون افعال الصلاة من مقولة الوضع،سواء قلنا انّ‏
426
المأمور به في مثل الركوع و السجود هو الهيئة،كما هو مختار الجواهر (1) أو الفعل كماهو المختار (2) فانّ المراد من(الفعل)ليس هو الفعل باصطلاح أهل المعقول،بل‏الفعل الصادر عن المكلّف،فيكون الانحناء إلى الركوع أوضاعا متلاصقة متّصلة.و بذلك يندفع،توهم اجتماع الصلاة و الغصب في الحركة،مع وحدتها وكونها من أصول الأكوان الأربعة التي لا بدّ منها في كلّ جسم و عدم خلوّه عن‏أحدها.و في هذا الأصل الكوني قد اجتماع عنوان الغصب و الصلاة،مع انّه كون‏واحد.وجه الدّفع هو انّه:ان كان المراد من وحدة الحركة وحدتها بالعدد،بحيث‏تعدّ حركة واحدة،فهذا ممّا لا ينفع.و ان كان المراد من وحدة الحركة وحدةالحركة الصلاتيّة و الحركة الغصبية بالهوية و الحقيقة،فهذا مما لا يعقل،لاستدعاءذلك اتّحاد المقولتين،لأنّ الحركة في كلّ مقولة عين تلك المقولة.فلو كانت الحركةحركة واحدة حقيقة و هويّة يلزم عينيّة الصلاة للغصب،و هو كما ترى بمكان من‏الفساد،لأنّ المقولات تكون بشرط لا بعضها مع بعض،فلا يعقل الاتحاد فيها،كماتقدّم.و بالجملة:الحركة لا يعقل ان تكون بمنزلة الجنس للصلاة و الغصب،بحيث‏يشتركان فيها و يمتازان بأمر آخر،لما عرفت من انّه يلزم التركيب في الأعراض،مع‏كونها بسيطة.و ليست هي أيضا عرضا آخر غير المقولات،لأنه يلزم قيام العرض‏بالعرض،و هو محال.فلا بدّ ان تكون الحركة في كلّ مقولة عين تلك المقولة.و حينئذنقول:كما انّ الصلاة مغايرة بالحقيقة و الهويّة للغصب،فكذا الحركة الصلاتيّة مغايرة
1)إشارة إلى ما اختاره صاحب الجواهر قدس سره من ان الركوع هو الانحناء الخاصّ و الحالة الخاصة من‏التقوس و السجود القسم الخاصّ من الخضوع و الانحناء بالمعنى الاسم المصدري(راجع جواهر الكلام الجزء 10الخامس من افعال الصلاة الركوع ص 74،الواجب السادس السجود ص 123-الجزء 9 تحقيق القول في القيام‏المتصل بالركوع.ص 238.
2)راجع تفصيل ما أفاده قدس سره في المقام،الجزء الثاني من تقرير أبحاثه في مباحث الصلاة للمحقق‏الآملي قدس سره.الفصل الثالث في القيام ص 60 الفصل الخامس في الركوع ص 194

427
للحركة الغصبيّة،بعين مغايرة الصلاة و الغصب،و يكون في المجمع حركتان:حركةصلاتيّة،و حركة غصبيّة.و ليس المراد من الحركة رفع اليد و وضع اليد و حركةالرّأس و الرّجل و وضعهما،فانّ ذلك لا دخل له في المقام حتى يبحث عن انّها واحدةأو متعددة،بل المراد من الحركة:الحركة الصلاتيّة و الحركة الغصبيّة،و هما متعدّدتان‏لا محالة.و حاصل البرهان على ذلك يتركّب من أمور بديهيّة:الأول:بساطة المقولات،و ان ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز.الثاني:تغاير المقولات بحسب الحقيقة و الهويّة،و اعتبارها بشرط لا بالنّسبةإلى أنفسها،و ان كانت بالنّسبة إلى موضوعها يمكن لحاظها لا بشرط.الثالث:كون الحركة في كلّ مقولة عين تلك المقولة،و ليست هي بمنزلةالجنس للمقولات،حتّى يلزم التركيب فيها،و لا هي أيضا من الأعراض المستقلّة،حتى يلزم قيام عرض بعرض.و بعد هذه الأمور الواضحة،كيف يعقل اتّحاد متعلّق‏الأمر و النهي و تعلّق كلّ منهما بعين ما تعلّق به الآخر؟فانه يلزم الخلف،إذا الاتّحاديوجب عدم تباين المقولات و انّ ما به اشتراكها غير ما به امتيازها.هذا كلّه،مضافا إلى انّ نسبة المكان إلى المكين و الإضافة الحاصلة بين‏المكين و المكان لا يعقل ان تختلف بين ان يكون المكين من مقولة الجواهر أو من مقولةالأعراض.و كما لا يعقل التّركيب الاتحادي بين الجوهر و الإضافة في قولك:زيدفي الدّار،فكذلك لا يعقل التركيب الاتحادي بين الضّرب و الإضافة في قولك:ضرب زيد في الدّار،أو الصلاة و الإضافة في قولك:صلاة زيد في الدّار.و كما لا يكون‏زيد غصبا،كذلك لا تكون الصلاة غصبا،أو الضّرب غصبا،لما عرفت من وحدةطرف الإضافة من مقولة الجواهر،أو مقولة الأعراض،و ذلك واضح.و بعد هذا لاينبغي الشبهة في جواز اجتماع الأمر و النّهى،و عدم لزوم تعلّق الأمر بعين ما تعلّق به‏النّهى و بذلك يمتاز باب اجتماع الأمر و النّهى عن باب التّعارض‏بالعموم من وجه،حيث ان اجتماع العنوانين في باب التّعارض يكون على وجه‏
428
التّركيب الاتّحادي،كالعالم و الفاسق،و في باب اجتماع الأمر و النّهى على وجه‏التّركيب الانضمامي.و بين البابين بون بعيد.و من الغريب:ما أفاده بعض الأعلام من انّ الفرق بين البابين انّما هوباشتمال كلّ من الحكمين على المقتضى في باب اجتماع الأمر و النّهى،و عدم‏اشتمال أحدهما على ذلك في باب التّعارض بالعموم من وجه،فانّ الفرق بذلك ممّالا محصّل له،لما فيه:أولا:انّ المسألة لا تبتنى على المقتضيات و الملاكات،بل النّزاع في مسألةاجتماع الأمر و النّهى أعم من ذلك،فانّ النزاع جار حتّى لو قلنا بمقالة الأشاعرةمن عدم الملاكات.و ثانيا:انّ عدم ثبوت المقتضى لأحد الحكمين لا يكون ضابطا لباب‏التّعارض،ضرورة انّه مع العلم بعدم المقتضى لأحدهما يعلم بكذب أحد الدّليلين،ومعه يكون من باب اشتباه الحجة باللاحجّة،و لا يكون حينئذ من باب التّعارض،و لا يجري فيه شي‏ء من أحكام التّعارض،بل لا بدّ من إعمال قواعد العلم الإجمالي‏حينئذ.و ثالثا:انّه لا طريق لنا إلى إحراز المقتضى و الملاك إلاّ بالدليل،حيث انّ‏كل دليل كاشف عن ثبوت المقتضى،و ليس لنا طريق سوى ذلك إلاّ بإلهام أووحي.و الدّليلان في باب اجتماع الأمر و النّهى و في باب التّعارض من وجه سيّان‏في الكاشفيّة،فمن أين صار الدّليلان في مثل أكرم العالم و لا تكرم الفاسق‏متعارضين؟و في مثل صلّ و لا تغصب من مسألة اجتماع الأمر و النّهى؟و إحالةالأمر إلى الإجماع كما ترى،لأنّه ليس في جميع موارد البابين إجماع يمكن الاعتمادعليه.و بالجملة:إرجاع المائز بين البابين إلى المقتضيات و الملاكات ممّا لا يستقيم،بل المائز بين البابين هو ما ذكرنا من انّ اجتماع المتعلّقين في باب الاجتماع يكون‏على وجه الانضمام،و في باب التعارض يكون على وجه الاتحاد.و قد عرفت بمالا مزيد عليه انّ مسألة اجتماع الأمر و النّهى لا تندرج في صغرى التّعارض،لكون‏
429
التّركيب فيها انضماميّا.و بعد ذلك‏
ينبغي التّنبيه على أمور
الأول:
انّه لو قلنا:بالتركيب الاتحادي و امتناع اجتماع الأمر و النّهى،فلا محالةتندرج المسألة في صغرى التّعارض،للزوم تعلّق الأمر حينئذ بعين ما تعلّق به النّهى،و استلزامه لاجتماع الضّدين في واحد شخصيّ عددا و هويّة،و عليه لا بدّ من إعمال‏قواعد التّعارض.و من الغريب‏1انّ الشيخ(قده)قال:انّ المسألة بناء على الامتناع تكون‏من صغرى التّعارض،و مع ذلك يجعلها من صغرى التّزاحم عند ذكر الوجه الثالث‏للجواز.و حيث كان المطلوب في(صلّ)هو صرف الوجود و يكون الإطلاق فيه‏1فانه قدس سره قد أفاد في التقريرات في مقدمة بحث الاجتماع:«و قد يظهر من بعض آخر ان البحث فيها يرجع إلى البحث عن مقاصد الأصول،فانها يستنبط منها صحةالصلاة في الدار المغصوبة و فسادها،و ليس بشي‏ء فأن الصحة و الفساد لا يترتبان على الجواز و العدم،بل التحقيق‏ان الصحة متفرعة على عدم التعارض و التناقض بين مدلولي الأمر و النهي و تشخيص ذلك موقوف على مسألة الجوازو الامتناع،فهذه المسألة من مباني المسألة الأصولية و هي وجود التعارض و تحقق التناقض بين الأدلّة و عدمه...»(مطارح الأنظار-مقدمة بحث اجتماع الأمر و النهي ص 124)و ذكر في الوجه الثالث من وجوه الجواز«فان قلت:فعلى ما ذكرت من ان الآمر لا بد و ان يكون الفرد المحرم خارجا عن مطلوبه و مقصوده أيضايلزم فساد الصلاة في الدار المغصوبة و لو في حال النسيان و الاضطرار،لا بواسطة امتناع الامتثال بالمحرّم بل بواسطةامتناع الأمر كما هو قضية التقييد مع ان المشهور ان المانعين يحكمون بصحتها،و كذا صحة نظائرها كصلاة الصبي‏بناء على كونها تشريعية في الدار المغصوبة و قد سمعت فيما تقدم كلام المقدس الأردبيلي طيب اللّه رمسه.قلت:ان المخصص لو كان لفظا كما في قولك:أكرم العلماء الا زيدا كان الوجه عدم إكرام زيد في جميع‏الأحوال،و اما لو كان المخصص عقلا فلا بد من الاقتصار على قدر يقضيه،و ليس وجه التخصيص بالافراد الغيرالمحرّمة في المقام الا مناقضة الطلب التحريمي و الطلب الوجوبيّ،و بعد ارتفاع التحريم بواسطة النسيان فلا مانع من‏القول بالصحّة و الأخذ بإطلاق الأمر بالصلاة،فيكون ذلك من باب التزاحم كإنقاذ الغريقين فان عدم تعلق‏التكليف بكل واحد منهما على سبيل الاجتماع ليس الا بواسطة وجود المصلحة فيهما على وجه سواء مع امتناع‏الاجتماع منهما،و إذا فرضنا ارتفاع المانع صح الأمر من غير إشكال.»(نفس المصدر،ص 148)
430
بدليّا،و في(لا تغصب)مطلق الوجود و يكون الإطلاق فيه شموليّا،و كان الإطلاق‏الشّمولي مقدّما عند التّعارض مع الإطلاق البدلي،حيث انّ مقدّمات الحكمةفي الإطلاق الشّمولي موجبة لخروج الأفراد عن كونها متساوية الأقدام في الإطلاق‏البدلي،على ما بيّناه في محلّه‏ (1) فلا بدّ حينئذ من تقييد إطلاق متعلّق الأمر بماعدا الفرد المجامع للغصب،و يكون المأمور به حينئذ هو الصلاة المقيدة بان لا تكون‏في الدّار الغصبيّة،و هذا التّقييد راجع إلى مرحلة الثّبوت و الواقع،كما هو الشّأن في‏جميع الإطلاقات و المقيّدات،حيث انّ دليل المقيد كاشف عن عدم تعلّق إرادة الآمربما تضمّنه المطلق،و لا دخل لعلم المأمور و جهله بذلك،فانّ علم المأمور و جهله انّماينفع في باب التزاحم،لا في باب التّعارض،كما تقدّم تفصيله في مبحث‏التّزاحم‏ (2) و لازم ذلك هو فساد الصلاة في الدّار الغصبيّة،سواء علم المكلّف‏بغصبيّة الدار أو لم يعلم،لأنه لم يأت بما هو المأمور به.مع انّ الظاهر تسالم الفقهاء على‏صحّة الصلاة في الدّار الغصبية عند الجهل بالغصب،و هذا يكشف عن عدم‏إدراجهم المسألة في صغرى التّعارض،و ذلك لا يكون إلاّ بالبناء على جواز اجتماع‏الأمر و النّهى.و يدلّ على ذلك أخذهم في عنوان البحث قيد المندوحة،فانّ المندوحةلا دخل لها بالتّعارض،و انّما تنفع في باب التّزاحم،لأنّ الضّابط في باب التّعارض،هو عدم إمكان تشريع الحكمين الذين تكفّلهما الدّليلان في عالم الثّبوت و التّشريع،كان هناك مكلّف أو لم يكن،حصلت القدرة أو لم تحصل،فاعتبار المندوحة لا دخل‏له بباب التّعارض.نعم:هي تنفع في باب التزاحم،حيث انّ التّزاحم انما يكون باعتبارالقدرة،فيتوهم حينئذ انّ القدرة على إيجاد الطبيعة في الجملة تكفي في صحة الفردالمزاحم للأهمّ أو المضيق،على ما تقدّم من مقالة المحقق الكركي و سيأتي توضيحه‏أيضا.
1)راجع الجزء الرابع من الفوائد،التعادل و التراجيح،المبحث الخامس،ص 272-273 الطبعة القديمة
2)راجع بحث الضد،المقام الأوّل في الفرق بين التزاحم و التعارض ص 317

431
و بالجملة:التّسالم على أخذ قيد المندوحة في عنوان المسألة و على صحةالصلاة في الدّار الغصبيّة عند الجهل بالغصب،يكشف كشفا قطعيّا عن كون الجوازمن الجهة الأولى كان عندهم مفروغا عنه.و ما يقال:من انّ الصحة عند الجهل انما هي لوجود الملاك و المقتضى،حيث انّه يعتبر في مورد الاجتماع ثبوت كل من ملاك الحكمين،و بذلك حصل‏المائز بين باب الاجتماع و باب التّعارض من وجه،فليس بشي‏ء،لأنّ ثبوت الملاك‏المغلوب بما هو أقوى منه و المسكور بغيره في عالم الجعل و التشريع-بحيث كان الحكم‏المنشأ في عالم الثبوت و الواقع هو خصوص ما كان واجدا للملاك الغالب و المقتضى‏الأقوى-لا يصلح ان يكون موجبا للصّحة،فانّ الموجب للصّحة،هو الملاك التّام‏الّذي لا يكون مكسورا بما هو أقوى منه في عام الجعل و التّشريع.و الحاصل:انّ تصحيح العبادة بالملاك انّما يكون بعد الفراغ عن ثبوت‏حكمها و تشريعه مطلقا،غايته انّه وقع التزاحم بين ذلك الحكم و بين حكم آخر في‏مقام الامتثال و صرف القدرة عند عدم تمكّن المكلّف من كلا الامتثالين.و التّزاحم‏بين الحكمين امر،و بين المقتضيين امر آخر،بينهما بون بعيد،فانّ تزاحم الحكمين على‏ما عرفت،انّما يكون في مقام الفعليّة و تحقق الموضوع بعد الفراغ عن تشريعهما على‏طبق موضوعاتهما المقدّر وجودها،و في هذا القسم من التزاحم يكون لعلم المكلّف‏و جهله دخل،حيث انّ الحكم المجهول لا يصلح ان يكون مزاحما لغيره،فانّه لا يكون‏شاغلا لنفسه،فبان لا يكون شاغلا عن غيره أولى.و اما تزاحم المقتضيين،فانّما يكون في مقام الجعل و التشريع،حيث يتزاحم‏المقتضيان في نفس الآمر و إرادته،و يقع الكسر و الانكسار بينهما في ذلك المقام،ويكون لعلم الآمر و جهله دخل في تزاحم المقتضيين،حيث لو لم يعلم الآمر بثبوت‏المقتضيين،لا يعقل ان يقع التزاحم بينهما في إرادة الآمر.و علم المكلّف و جهله‏أجنبيّ عن ذلك،فان عالم الجعل و التّشريع انّما يكون بيد الآمر،و المأمور أجنبيّ‏عنه،فيكون لعلم الآمر و جهله دخل،كما انّ عالم الامتثال و صرف القدرة وإعمالها يكون بيد المكلّف،و الآمر أجنبيّ عنه،فيكون لعلم المأمور دخل.
432
و اما دعوى:انه بعد ما كان لكلّ من الحكمين مقتض في عالم الثّبوت فلامانع من إنشاء كل من الحكمين على طبق المقتضى و يكون الحكم في كلّ منهمااقتضائيّا و كان الحكم الفعلي هو ما يكون ملاكه أقوى و أتمّ،ففسادها غنيّ عن‏البيان،بداهة انّ المقتضى المزاحم بما هو أقوى منه دائما،لا يصلح لإنشاء حكم على‏طبقه،لأنه‏أولا:يلزم اللّغويّة،إذا لحكم الّذي لا يصير فعليّا و لا يجب امتثاله بوجه من‏الوجوه يكون تشريعه لغوا،مثلا لو فرض انّ العالم له اقتضاء الإكرام،و الفاسق له‏اقتضاء عدم الإكرام،ففي غير مورد التّصادق لا مزاحمة بين المقتضيين،و امّا في موردالتصادق فيتزاحم المقتضيان،فان لم يكن أحدهما أقوى،فلا بدّ من الحكم بالتّخييرثبوتا،و ان كان أحدهما أقوى-كما لو فرض،انّ العلم أقوى ملاكا للإكرام من‏الفسق لعدم الإكرام-فلا بدّ حينئذ من إنشاء الحكم على طبق الأقوى و تشريع‏وجوب إكرام العالم مطلقا بحيث يشتمل مورد التصادق و عدم تشريع حرمة إكرام‏الفاسق مطلقا،بل لا بدّ من تخصيص دائرة التشريع بما عدا مورد التّصادق.وتشريعه مطلقا-حتى في مورد التصادق و لكن الحكم الفعلي يدور مدار الأقوى،ويكون الحكم الفعلي في مورد التّصادق هو وجوب الإكرام-يوجب اللّغويّة،إذ لا أثرللتشريع المطلق،مع انّه لا تصل النّوبة إلى امتثاله في مورد التصادق،لأنّ المفروض‏انّ الحكم الفعلي غيره‏1.و ثانيا:انّ ذلك غير معقول،لأنّ إرادة الآمر في عالم الثبوت،اما ان تتعلّق‏بإكرام العالم الفاسق،و امّا ان تتعلّق بعدم إكرامه،و لا يعقل الإهمال الثبوتي،فان‏تعلّقت إرادته بإكرام العالم الفاسق لأقوائية ملاكه،فلا بدّ ان لا تتعلق إرادته بعدم‏1لا يخفى عليك انّ القائل بهذه المقالة يدّعى:انّه في صورة الجهل لا يكون الحكم الّذي ملاكه أتمّ وأقوى فعليّا،بل الحكم الفعلي هو الّذي يكون ملاكه أنقص و أضعف،فيظهر لتشريعه أثر في صورة الجهل،فهو على‏مبناه من معنى الحكم الفعلي صحيح لا يرد عليه شي‏ء من الإيرادات،نعم الأشكال الّذي يرد عليه هو فساد المبنى‏و انّ معنى الحكم الفعلي ليس ذلك،على ما تقدّم بيانه.منه‏
433
الإكرام،لامتناع اجتماع النّقيضين،و مع عدم تعلّق إرادته بعدم الإكرام في موردالتّصادق و الاجتماع،كيف يعقل ان يكون محكوما بحرمة الإكرام؟حتى نسمّيه‏حكما اقتضائيّا.و قس على ذلك مسألة الصلاة و الغصب،فانّه بناء على الامتناع،يكون حالهما حال العالم و الفاسق.و الحاصل:انّ تشريع الحكم على وجه الإهمال لا يعقل في عالم الثّبوت،وان كان الإهمال في عالم الإثبات و الدليل ممكنا،من جهة انّه لم يكن فعلا بصددبيان تمام غرضه،بل اعتمد على المبيّن المنفصل.و امّا في عالم الثبوت،فذلك امرغير معقول،إذ لا يعقل ان لا يدرى الآمر الملتفت أين تعلّقت إرادته،و تعلّق الإرادتين‏المتضادتين في مورد الاجتماع و التصادق لا يعقل،فلا بدّ ان تكون الإرادة واحدة،امّا ان تتعلّق بوجود الإكرام،و امّا ان تتعلّق بعدمه.و بعد ذلك ما معنى إنشاءالحكمين على طبق كلا المقتضيين و كون الحكم الفعلي هو الأقوى ملاكا؟و هل‏للحكم معنى غير الإرادة؟و هل هذا إلاّ عبارة عن القول بإهمال متعلّق الإرادة؟أواجتماع الإرادتين المتضادتين؟و ثالثا:هب،انّه سلّمنا ذلك كلّه و قلنا بهذا المحال،و لكن مع ذلك لادخل لعلم المكلّف و جهله في ذلك،لا في مقام تشريع الحكمين على طبق كلاالمقتضيين،و لا في مقام فعليّة الحكم بالمعنى المذكور،لأنّ فعليّة الحكم على هذا تدورمدار ما هو الأقوى ملاكا،و هو امر واقعي لا دخل فيه لعلم المكلّف و جهله،فبأيّ‏وجه صحّت الصلاة في الدّار الغصبيّة في صورة الجهل؟مع انّ الحكم الفعلي بناء على‏هذا المبنى الفاسد،هو حرمة الغصب،لأقوائية ملاكه،و الملاك الثابت في الصلاةلا يصلح لذلك،لمغلوبيّته و انكساره بالأقوى،فتأمل‏1جيدا.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّه بناء على الامتناع لا محيص عن القول بفساد1وجهه هو ما تقدّم منّا في الحاشية السّابقة،من انّه في صورة الجهل لا يكون الحكم فعليّا،فلعلم‏المكلّف و جهله دخل في فعليّة الحكم و عدمه فالمهمّ هو منع دخل علم المكلّف و جهله في فعليّة الحكم،بل فعليّةالحكم تدور مدار تحقّق موضوعه،على ما أوضحناه في محلّه.منه‏
434
الصلاة،و تندرج المسألة في باب التعارض،و تكون بعد تقديم جانب النهي من‏صغريات النّهى في العبادة.و قد عرفت انّه لا بدّ من تقديم جانب النّهى،لكون‏الإطلاق فيه شموليّا،دون الأمر.و امّا بناء على الجواز،فتكون المسألة مندرجة في باب التزاحم.و الحكم فيه‏و ان كان أيضا تقديم جانب الحرمة،إلاّ انّه بملاك آخر،و هو تقديم ما لا بدل له على‏ما له البدل-على ما تقدم تفصيله في مرجّحات باب التزاحم-و يكون لعلم المكلّف‏و جهله حينئذ دخل في ذلك،لما عرفت من انّ المزاحمة تتوقّف على الإحراز و الوجودالعلمي،فظهر ممّا ذكرنا:انّ القول بصحة الصلاة في الدار الغصبيّة في صورة الجهل‏و النّسيان لا يجتمع مع القول بالامتناع.و من هنا يمكن ان نستكشف انّ المشهوربنائهم على الجواز،لقولهم بصحة الصلاة في صورة الجهل،مضافا إلى اعتبار قيدالمندوحة،التي لا تنفع إلاّ بعد الفراغ من الجهة الأولى،كما أشرنا إليه.
التّنبيه الثاني:
قد استدل لجواز اجتماع الأمر و النّهى بوقوعه في الشّرعيات كثيرا،و جعلوا موارد العبادات المكروهة من ذلك الباب،بتقريب:انّ الأحكام انّ الأحكام بأسرهامتضادة،و لا اختصاص لذلك بالوجوب و الحرمة،و قد اجتمع في العبادات المكروهةالوجوب و الكراهة،أو الاستحباب و الكراهة،هذا.و لكن لا يخفى عليك:فساد الاستدلال بذلك لما عرفت:من انّ موردالبحث في مسألة اجتماع الأمر و النّهى،هو ما إذا كان بين المتعلّقين العموم من‏وجه،و النّسبة بين المتعلّقين في العبادات المكروهة هو العموم المطلق،فلا ينبغي‏جعلها من موارد اجتماع الأمر و النّهى.نعم:ينبغي البحث عن كيفيّة تعلّق الكراهة بالعبادة،و انّه ما المراد من‏الكراهة فيها،فهل هي بمعناها المصطلح؟أو انّها بمعنى الأقلّ ثوابا؟كما قيل.فنقول‏-و من اللّه التوفيق-تعلّق النّهى التنزيهي بالعبادة يكون على أقسام ثلاثة:الأول:ما إذا تعلّق الأمر بعنوان،و النّهى التنزيهي بعنوان آخر،و كان‏
435
بين العنوانين العموم من وجه،كالأمر بالصلاة و النّهى عن الكون في بيوت الظلمة،وهذا القسم يكون داخلا في مسألة اجتماع الأمر و النّهى،غايته انّ النّهى تارة يكون‏تحريميّا،و أخرى يكون تنزيهيّا،نعم يختلف النّهى التحريمي و التنزيهي من جهةأخرى،كما سنبيّن.الثاني:ان يكون بين متعلّق النّهى التنزيهي و متعلّق الأمر العموم المطلق،كالنّهي عن الصلاة في الحمام.الثالث:ان يتعلّق النّهى التنزيهي بعين ما تعلّق به الأمر،و ذلك كمافي العبادات المكروهة التي لا بدل لها،كالنّهي عن النّوافل المبتدئة في الأوقات‏الخاصة،و كالنّهي عن صوم يوم عاشوراء و أمثال ذلك،ممّا تكون نفس العبادةالمأمور بها منهيّا عنها بالنّهي التنزيهي،و ينبغي البحث عن كلّ واحد من هذه‏الأقسام مستقلا،فنقول:
اما القسم الأول:
فحاصل الكلام فيه:هو انّ التنزيهي ليس كالنّهي التحريمي ممّا يوجب‏تقييد متعلّق الأمر بما عدا مورد الاجتماع مطلقا،سواء قلنا بجواز اجتماع الأمرو النّهى،أو قلنا بامتناعه.امّا لو قلنا بالجواز فواضح.و امّا لو قلنا بالامتناع،فلأنّ‏منشأ التّقييد في النّهى التحريمي انّما هو لمكان منافاة المنع عن كل وجود للطبيعة-الّذي تضمّنه النّهى التحريمي المتعلّق بالطبيعة بلحاظ مطلق الوجود-مع الرّخصةالمستفادة من إطلاق الأمر بأيّ وجود من وجودات الطبيعة،لأنّ تعلّق الأمر بالطبيعةبلحاظ صرف الوجود لا محالة يتضمّن الرّخصة بالنّسبة إلى أيّ وجود يفرض من‏الطبيعة و أيّ فرد يأتي به المكلّف،لمكان انطباق الطبيعة المأمور بها على كلّ فرد،و ليس المأتي به في الخارج هو عين متعلّق الأمر،لأنّه لو كان المأمور به عين ذلك وكان هو الواجب لما جاز تركه إلى بدل،و المفروض جواز تركه إلى بدل،فالمأتي به لايكون هو عين متعلّق الأمر،بل متعلّق الأمر هو الطبيعة المنطبقة على المأتيّ به انطباق‏الطبيعي على افراده،و الأمر بالطبيعة يقتضى الرّخصة بإتيان الفرد المأتي به بمقتضى‏الإطلاق،و المفروض انّ النّهى التحريمي لمكان إطلاقه الشمولي يقتضى المنع و
436
عدم الرخصة في إتيان ذلك الفرد،فيحصل التدافع بين كلّ من إطلاق الأمرو إطلاق النّهى،من حيث ما يقتضيانه:من الرخصة و عدم الرّخصة.فلا بدّ حينئذمن إطلاق متعلّق الأمر بما عدا ذلك الفرد،لقوة إطلاق النّهى من حيث كونه‏شموليّا،و يخرج ذلك الفرد عن صلاحيته لانطباق الطبيعة المأمور بها عليه.و هذا بخلاف النّهى التنزيهي،فانّ النّهى التنزيهي لا يقتضى المنع و عدم‏الرّخصة عن ذلك الفرد،بل النهي التنزيهي بنفسه يقتضى الرخصة و المفروض ان‏الأمر أيضا يقتضى الرخصة بذلك الفرد،فلا تدافع بين ما يقتضيه إطلاق الأمر،وما يقتضيه إطلاق النّهى التّنزيهي،و بعد عدم التّدافع لا موجب لتقييد إطلاق الأمربما عدا المجمع،بل إطلاق الأمر بعد محفوظ على حاله،من دون تصرّف فيه.و ذلك‏لا ينافى التّضاد بين الوجوب و الكراهة،فانّ التضاد بينهما انّما يمنع عن اجتماعهما في‏امر واحد شخصيّ،بحيث تتعلّق الكراهة بعين ما تعلّق به الوجوب،كما إذا كان‏هناك شي‏ء واحد تعلّق به الوجوب بحيث لا يرضى الآمر بتركه،و تعلّق به الكراهةبحيث يرضى بتركه،من غير فرق بين ان يكون ذلك الشي‏ء متعلّقا للوجوب‏و الكراهة،بالنصوصيّة،أو بالإطلاق،بان يكون كلّ من إطلاق الأمر و النّهى‏شموليّا يعمّ جميع الأفراد،فانّه يلزم أيضا تعلق الأمر و الكراهة في واحد شخصيّ.و امّا إذا لم يتعلّق الأمر الوجوبيّ بعين ما تعلّق به النّهى الكراهتي-لابالنّصوصيّة و لا بالإطلاق الشمولي،بحيث ينحلّ إلى جميع الأفراد و الوجودات الّتي‏تفرض للطبيعة،بل تعلّق الأمر بالطبيعة على نحو صرف الوجود،و تعلّق النّهى‏الكراهتي بالطبيعة على نحو مطلق الوجود-فلم تجتمع الكراهة مع الوجوب حتّى يلزم‏اجتماع الضدين،لما عرفت:من انّ الأفراد فيما إذا كان المطلوب صرف الوجودليست هي بنفسها متعلّق الأمر،و إلاّ للزم الإتيان بجميعها،و ليس المطلوب ومتعلق الأمر(أحدها)على نحو الواجب التّخييري الشرعي،بل كان كلّ فرد من‏الأفراد ممّا تنطبق عليه الطبيعة،لمكان الإطلاق.و انطباق الطبيعة على فرد انّمايقتضى الرّخصة في إتيانه بحيث يجوز تركه إلى بدل،لا تعيّنه،كما إذا كان المطلوب‏مطلق الوجود.و الرّخصة في الفرد لا ينافى كراهته،لأنّها أيضا تتضمّن الرّخصة.
437
فالقائل بامتناع اجتماع الأمر و النّهى لا يلزمه التقييد و إخراج المجمع عن‏إطلاق الأمر فيما إذا كان النّهى تنزيهيّا،كما كان يلزمه فيما كان النّهى تحريميّا،للمنافاة بين الرّخصة في إتيان الفرد المستفادة من إطلاق الأمر،و عدم الرّخصة فيه‏المستفاد من إطلاق النّهى،كما عرفت.و لا يتوهّم:ان القائل بالامتناع،انّما يقول به لأجل لزوم تعلّق الأمر بعين ماتعلّق به النّهى،و مع العينيّة لا يفرق الحال بين ما إذا كان النّهى تحريميا أو كان‏تنزيهيا،لثبوت المضادّة بين جميع الأحكام الخمسة.و ذلك:لأنّ المراد من حديث العينيّة،ليس هو انّ المأتيّ به من الفرد هوعين ما تعلق به الأمر و النهي،لوضوح ان الأمر لم يتعلّق بالمأتي به،بل تعلّق الأمربالطبيعة بما انّها مرآة لما في الخارج،و يكون المأتي به ممّا ينطبق عليه الطبيعة بمقتضى‏إطلاقها.و قد عرفت:انّ الإطلاق لا يقتضى أزيد من الرّخصة في كلّ فرد مع جوازتركه إلى بدل،لمكان كون الأفراد متساوية الأقدام في انطباق الطبيعة على كلّ منها.و النّهى التحريمي يوجب دفع هذا التّساوي،و إلاّ لزم اجتماع الرّخصة و اللارخصة،و النّهى التنزيهي لا يرفع هذا التّساوي لبقاء الرّخصة على حالها،فتأمل جيّدا.فانّه‏لا يخلو عن دقّة و لطافة.هذا إذا كان بين متعلّق الأمر و النّهى التنزيهي العموم من وجه.
و امّا القسم الثاني:
و هو ما إذا كان بين المتعلّقين العموم المطلق،كصلّ،و لا تصل في الحمّام،فالكلام فيه هو الكلام في القسم السّابق،لما عرفت سابقا:من انّ القسم السابق بناءعلى الامتناع يكون من صغريات مسألة النّهى عن العبادة،و قد عرفت انّ النّهى‏التنزيهي عن العبادة لا يقتضى التقييد و ليس كالنّهي التحريمي.ففي مثل قوله:صلّ،و لا تصلّ في الحمام،يكون كلّ من الأمر الوجوبيّ و النّهى التنزيهي على حاله،حيث انّ الأمر الوجوبيّ بإطلاقه يقتضى الرّخصة في الصلاة في الحمام.و النّهى‏التنزيهي لا ينافى هذه الرّخصة،و لا يلزم أيضا اتحاد متعلق الأمر الوجوبيّ و النّهى‏التنزيهي و عينيّة أحدهما للآخر،حتّى يلزم اجتماع الضّدين،فانّ الأمر الوجوبيّ‏
438
تعلق بالطبيعة على نحو صرف الوجود و لم يتعلّق بجميع حصصها على نحو الشّمول‏و السّريان،و الأمر المتعلّق بالطبيعة على نحو صرف الوجود لا يقتضى أزيد من‏الرّخصة في إيجاد الطبيعة في ضمن أيّ حصّة،و هذا لا ينافى النّهى التنزيهي عن‏حصة خاصّة،لأنه أيضا يقتضى الرّخصة.و هذا هو السر فيما يصنعه الفقهاء في مقام الجمع بين الأخبار:من حمل النّهى‏على التّنزيه و الكراهة،و لا يعاملون النّهى التّنزيهي معاملة التعارض من وجه‏أو المطلق،و لا يحملون المطلق على المقيّد في مثل أعتق رقبة و لا تعتق الكافرة،إذااستفادوا منه كون النّهى تنزيهيّا و كذا لا يعملون قواعد التّعارض من وجه في مثل:أكرم عالما،و لا تكرم الفاسق،إذا كان النّهى للتنزيه.بل ربّما يجمعون بين الأخبارالمتعارضة بحمل النّهى فيها على التنزيه،و يستشكلون بأنه لا شاهد على هذا الجمع.و إشكالهم من حيث عدم ما يدل على انّ النّهى تنزيهي،لا من حيث انّ النّهى‏التنزيهي بعد الفراغ عن كونه تنزيهيّا لا يوجب الجمع بين الأخبار المتعارضة،بل ذلك‏عندهم مفروغ عنه،و انّما ينازعون في الصّغرى.فاحفظ ما ذكرناه فانّه يفتح به باب‏من أبواب الفقه في مقام الجمع بين الأخبار.و ما قيل:من انّ التنزيهي في باب العبادات انّما يكون بمعنى أقلّ ثوابا،فهوبظاهره ممّا لا يستقيم،لأنّه ليس معنى النّهى التّنزيهي أقلية الثواب،و لا موجب‏لإخراج النّهى عن ظاهره من المولويّة إلى الإرشاديّة و جعله بمنزلة الأخبار عن قلّةالثواب،بل النّهى على ظاهره من المولوية.نعم هو كاشف عن وجود حزازة ومنقصة في تلك الحصّة من الطبيعة.و بهذا المعنى تكون جميع الأوامر و النّواهي كاشفةو إرشادا إلى المصالح و المفاسد،و مع ذلك تكون الأوامر و النّواهي مولويّة.
بقي الكلام في القسم الثالث:
و هو ما إذا تعلّق النّهى التنزيهي بعين ما تعلّق به الأمر،كصوم يوم عاشوا.و التّوجيه الّذي ذكرناه في القسمين الأولين لا يجري في هذا القسم،لأنّ صوم يوم‏عاشوراء بما انّه صوم يوم عاشوراء مستحبّ،لاستحباب صوم كلّ يوم بالخصوص،ومعه لا يعقل ان يتعلّق به النّهى التنزيهي،لما بين الأمر و النّهى من التّضاد،و ان‏
439
كان أحدهما استحبابيّا و الآخر تنزيهيّا.و ما قيل في توجيه ذلك:من انّه يمكن ان يكون ترك صوم يوم عاشوراء ملازما لعنوان راجح،أو سببا توليديّا له،فيكون الترك كالفعل راجحا و مستحبّا وان كان التّرك أرجح،لمواظبة الأئمة عليهم السلام و أصحابهم عليه‏فاسد،فانّه لا يعقل ان يكون كلّ من الفعل و الترك راجحا و مستحبّاشرعا،لأن المتيقّن من وقوع الكسر و الانكسار بين الجهات و المصالح هو ما إذاكانت الجهات بين النّقيضين:من فعل شي‏ء و تركه،و كيف يعقل عدم وقوع الكسرو الانكسار بين النّقيضين؟مع وقوعهما بين الضدين الذين لا ثالث لهما و المتلازمين‏في الوجود دائما.فإذا كان هذا حال المتضادّين و المتلازمين،فما ظنّك في النّقيضين.و بالجملة:لا يعقل ان لا يقع الكسر و الانكسار بين الجهات في باب‏النّقيضين،و لا يعقل ان يكون كلّ من النّقيضين مأمورا به بالأمر الاستحبابي‏و يكون كلّ من الفعل و التّرك راجحا مبعوثا إليه شرعا،فلا محيص من وقوع الكسرو الانكسار إذا كان في كلّ من الفعل و التّرك مصلحة.و حينئذ امّا ان تغلب إحدى‏المصلحتين على الأخرى،فيكون البعث نحوها فقط.و امّا ان لا تغلب،فيكون الحكم‏هو التّخيير ليس إلاّ.فهذا الوجه الّذي أفاده في التقرير (1) و تبعه صاحب‏ (2) الكفايةممّا لا يحسم مادّة الأشكال.فالأولى في التوجيه،هو ان يقال:انّ مركب النّهى التّنزيهي غير مركب‏الأمر الاستحبابي،و انّ مركب الأمر الاستحبابي هو نفس العمل و ذات الصوم،ومركب النّهى التنزيهي هو التّعبد بالعمل و التّقرب به إليه تعالى،فيكون الصوم‏مستحبّا،و مع ذلك يكون التّعبد به مكروها.و لا منافاة بينهما،إذ لم يتّحد مركب‏الأمر الاستحبابي و مركب النّهى التّنزيهي،حتّى يلزم اجتماع الضّدين.
1)مطارح الأنظار،بحث الاجتماع،الهداية التي تكلم فيها عن حجج المجوّزين.المقام الثاني في تصويرالكراهة في العبادات.قوله:«الثالث لا يبعد ان يكون حاسما لمادة الإشكال و هو...»ص 135
2)كفاية الأصول،الجلد الأوّل،بحث الاجتماع قوله:«اما القسم الأول فالنهي تنزيها عنه...»ص 255

440
فالمقام يكون نظير تعلّق الأمر النّفسي بصلاة الظهر،مع الأمر المقدّمي بها،من حيث كونها مقدّمة وجوديّة لصلاة العصر،فانّ الأمر النفسيّ متعلّق بذات صلاةالظهر،و الأمر المقدّمي تعلّق بها بوصف كونها مأمورا بها،إذ ليست ذات صلاة الظهرمقدّمة لصلاة العصر،بل صلاة الظهر المأتي بها بداعي امرها و بما انّها متعبّد بها تكون‏مقدّمة لصلاة العصر،فيختلف مركب الأمر المقدّمي مع مركب الأمر النّفسي.و لايكون من اجتماع المثلين،و لا من اتّحاد الأمرين،كاتّحاد الأمر بالوفاء بالنّذر مع‏الأمر بصلاة الليل عند نذرها،لوحدة متعلّق الأمرين في مثل هذا،فانّ المنذور هوفعل ذات صلاة الليل،لا صلاة الليل بوصف كونها مستحبّة،فانّ وصف‏الاستحباب لا يدخل تحت النّذر،إذ لا يمكنه بعد النّذر إتيان صلاة الليل بوصف‏كونها مستحبّة،لصيرورتها واجبة بالنّذر،و المنذور لا بدّ ان يكون مقدورا للنّاذر في‏ظرف الامتثال،فلا بدّ ان يكون متعلّق النّذر هو ذات صلاة الليل،و الأمرالاستحبابي أيضا تعلّق بالذّات،فيتّحد متعلّق الأمر الاستحبابي المتعلّق بالذّات مع‏متعلّق الأمر الوجوبيّ الآتي من قبل الوفاء بالنّذر،و معلوم انّ الأمر الاستحبابي يندك‏حينئذ في الأمر الوجوبيّ،كما انّ الأمر التوصلي الآتي من قبل النّذر يكتسب‏التّعبديّة،فيكتسب كلّ من الأمر الوجوبيّ و الاستحبابي من الأخر ما يكون فاقدا له،فالأمر الوجوبيّ يكتسب التّعبديّة،و الأمر الاستحبابي يكتسب الوجوب،لأنّ الفاقديكون من قبيل اللامقتضي،و الواجد يكون من المقتضى.و لا يعقل في مثل هذا بقاءالأمر الاستحبابي على حاله،لما عرفت من وحدة المتعلّقين،فيلزم اجتماع الوجوب‏و الاستحباب في شي‏ء واحد.و هذا بخلاف مثل الأمر الآتي من قبل الإجارة إذا آجر الشّخص نفسه لمايكون مستحبّا على الغير أو واجبا،فأن الأمر الوجوبيّ الآتي من قبل الوفاء بالعقودانّما يكون متعلّقا بالعمل بوصف كونه مستحبّا على الغير أو واجبا عليه،لا بما هوذات العمل حتى يلزم اجتماع الضدين أو المثلين،لأنّ الشخص انّما صار أجيرالتفريغ ذمّة الغير،و لا يحصل ذلك إلاّ بقصد الأمر المتوجه إلى ذلك الغير،فيكون متعلّق‏الإجارة هو العمل المأمور به بوصف كونه كذلك.
441
و المقام بعينه يكون من هذا القبيل،حيث انّ الأمر الاستحبابي انّما يكون‏متعلّقا بذات الصوم في يوم عاشوراء ،أو الصلاة عند طلوع الشّمس.و النّهى التنزيهي‏غير متعلّق بذلك،بل تعلّق بالتّعبّد بالصوم و الصلاة في ذلك اليوم و الوقت،لمافي التّعبد بهما من التشبه ببني أميّة و عبدة الشمس،حيث انّ بنى أميّة لعنهم اللّه انّماكانوا يتعبّدون بصوم يوم عاشوراء و يتقرّبون به إلى اللّه،و كذا عبدة الشمس كانوايتعبدون بعملهم في أوّل الشّمس،فيكون المنهيّ عنه بالنّهي التنزيهي هو ما كان‏عليه عمل أولئك،و ليس هو إلاّ التّعبد،فيكون التّعبد مكروها مع كون العمل‏مستحبّا،إذ لا منافاة بين كراهة التّعبد و رجحان تركه و بين استحباب العمل ورجحان فعله.نعم:لو كان النّهى تحريميّا،كان ذلك منافيا لاستحباب العمل،لأنّ حرمةالتّعبد لا يجامع صحّة العمل.بخلاف كراهة التّعبد المتضمّن للرّخصة،فتأمل في ماذكرناه جيّدا.هذا تمام الكلام فيما يتعلّق بالعبادات المكروهة.ثم انّ شيخنا الأستاذ مدّ ظله،أراد ان يتعرّض للتّنبيه الثالث،المتعلّق‏بالمضطرّ و المتوسط في الأرض المغصوبة،و لكنّه أعرض عن ذلك و أخّره،لأنّ له تعلّقابكلا المقامين المبحوث عنهما في مسألة اجتماع الأمر و النّهى.و الأولى عطف عنان‏الكلام إلى المقام الثّاني،و هو انّه هل وجود المندوحة يكفى في رفع غائلة التّزاحم‏و التّكليف بما لا يطاق،أو انّه لا يكفى؟و الأقوى في هذا المقام عدم الكفاية.و ان كان مقتضى ما تقدّم عن المحقق الكركي(قده)-من كفاية القدرةعلى الطبيعة في الجملة و لو في بعض الأفراد في صحّة تعلّق التكليف بها و انطباقهاعلى الفرد المزاحم للمضيق أو الأهمّ و يتحقّق الأجزاء عقلا-هو كفاية وجودالمندوحة في المقام أيضا.و ان كان فرق بين المقام و بين ما أفاده المحقّق(قده)من‏حيث انّ المراد بالمندوحة في المقام انّما هي بالنّسبة إلى الأفراد العرضيّة،حيث ان‏للمكلّف إيجاد الصلاة في الدار المباحة و في المسجد و في الدّار الغصبيّة،فتكون‏الصلاة في الدّار الغصبيّة من أحد افراد الصلاة العرضيّة.و المراد من المندوحة في مقالة
442
المحقق(قده)هي المندوحة بالنّسبة إلى الأفراد الطولية،لأنّ كلامه انّما كان‏في الواجب المضيق المزاحم لبعض افراد الواجب الموسّع في بعض الوقت.و لكن هذاالفرق لا يكون فارقا في المناط،فانّ مناط كفاية المندوحة في الأفراد الطوليّة،هو القدرة على الطبيعة في الجملة و لو في غير الفرد المزاحم للمضيق،و هذا المقدار يكفى‏في حسن التّكليف عقلا،إذ لا يلزم التّكليف بما لا يطاق لقدرة الفاعل على إيجادالطبيعة و لو في الجملة.فلا مانع من شمول إطلاق الأمر بالصلاة للفرد المزاحم للإزالة،و تنطبق الطبيعة المأمور بها عليه قهرا فيتحقّق الأجزاء عقلا.و هذا الكلام كما ترى‏يجري في الأفراد العرضيّة أيضا،لتمكن المكلّف من إيجاد الصلاة مثلا في غير الدّارالغصبيّة،و هذا المقدار يكفى في صحة التكليف بالصلاة،و يكون الفرد المأتي به من‏الصلاة في الدّار الغصبيّة ممّا تنطبق عليه الطبيعة،هذا.و لكن أصل المبنى عندنا فاسد،كما تقدّم في مبحث الترتّب،حيث انّ‏القدرة المعتبرة في التكاليف لا ينحصر مدركها بحكم العقل بقبح التّكليف بما لايطاق،بل القدرة معتبرة و لو لم يحكم العقل بذلك،لمكان اقتضاء الخطاب القدرةعلى متعلّقه،حيث انّ حقيقة الخطاب هو البعث على أحد طرفي المقدور و ترجيح‏أحد طرفي الممكن،فيعتبر في التكليف-مضافا إلى قدرة الفاعل التي يحكم بها العقل‏-القدرة على الفعل الّتي يقتضيها الخطاب.و الفرد المزاحم للإزالة أو للغصب فيما نحن‏فيه ليس مقدورا عليه،لأنّ المانع الشرعيّ كالمانع العقلي،فلا تنطبق عليه الطبيعةالمأمور بها بما انّها مأمور بها،لأنّ الانطباق من حيث السّعة و الضّيق يدور مدار سعةالقدرة و ضيقها،و ليس للقدرة سعة تشمل الفرد،على ما تقدّم تفصيله في مبحث‏التّرتب.و عليه لا تصح الصلاة في الدّار الغصبية بإطلاق الأمر بالصلاة كما انّه لايمكن تصحيحها بالأمر الترتبي كما تقدم أيضا في ذلك المبحث،لاستلزامه الأمربتحصيل الحاصل،أو الأمر بالمحال،إذ لا معنى لقوله:لا تغصب و ان غصبت‏بالصلاة فصلّ،لأنه يكون من تحصيل الحاصل،أو ان غصبت بغير الصلاة فصلّ،لأنّه‏يكون من طلب المحال،على ما مرّ تفصيله.و امّا تصحيحها بالملاك فربّما يتوهّم انّه لا مانع عنه،و لازم ذلك صحة
443
الصلاة في الدّار الغصبية،و لو عن علم و عمد،مع انّ الظاهر تسالم الأعلام على عدم‏الصحة حينئذ،كتسالمهم على الصحة في صورة الجهل و النّسيان.فيتوجّه في المقام‏إشكال،من حيث انّه لو بنينا على الامتناع في المقام الأول،يلزم القول ببطلان‏الصلاة في صورة الجهل و النّسيان،و لو بنينا على الجواز،يلزم القول بصحّتها في صورةالعلم و العمد،و لا يمكن الالتزام بكلّ من القولين،لتسالمهم على الخلاف،هذا.و لكن يمكن دفع الأشكال،بأنه ليس لازم القول بالجواز في المقام الأوّل،هو الصّحة في صورة العمد،لأنّ الصلاة في الدّار الغصبيّة و ان كانت مشتملة على‏الملاك،إلاّ انّها لمكان اتّحادها مع الغصب في الإيجاد و الصدور كان ذلك مانعا عن‏التّقرب بها،لبغضها الفاعلي و عدم اتصاف صدورها منه بالحسن الفاعلي،لخلطه‏بين المأمور به و المنهيّ عنه في الإيجاد و الصدور.و الحسن الفعلي لا يكفى في التّقرب ما لم‏ينضم إليه الحسن الفاعلي،بحيث يصدر من الفاعل حسنا.و ليس خلط الصلاةبالغصب و اتحادها معه في الإيجاد كالنّظر إلى الأجنبيّة في الصلاة،فانّ النّظر إلى‏الأجنبيّة لا ربط له بجهة إيجاد الصلاة،بخلاف الغصب المتّحد معها في الإيجاد.فالقول بجواز اجتماع الأمر و النّهى لا يلازم القول بصحة الصلاة في صورة العلم‏و العمد،كما كان القول بالامتناع يلازم القول بالبطلان في صورة الجهل و النّسيان،فتأمل جيدا.هذا كلّه إذا كان للمكلّف مندوحة،بحيث كان يمكنه فعل الصلاةفي المكان المباح.و امّا إذا لم يكن للمكلّف مندوحة بل انحصر مكان الصلاة في الدّارالغصبيّة،فترجيح الغصب بكونه ممّا لا بدل له لا يجري في الفرض،لأنّ الصلاةأيضا ممّا لا بدل لها حسب الفرض،بل لا بدّ من إعمال سائر مرجّحات باب‏التّزاحم.و قبل بيان ذلك،لا بدّ من التّنبيه على امر،و ان كان حقّه ان يذكرفي المقام الأوّل،إلاّ انّه قد فاتنا ذكره هناك.و حاصل ذلك الأمر:هو انّه لو فرض تعلّق الأمر بعنوان و تعلّق النّهى‏بعنوان آخر،و كانت النّسبة بين العنوانين العموم من وجه،و كان التّركيب بينهماانضماميّا لا اتّحاديا،و لكن كان كل من إطلاق الأمر و النّهى شموليّا،فهل‏
444
يندرج ذلك في المسألة المبحوث عنها؟و يتأتى القول بجواز اجتماع الأمر و النّهى في‏مورد التصادق في الفرض المذكور،أو انّه لا يندرج في ذلك؟بل لا بدّ من القول‏بتعارض الأمر و النّهى في مورد التصادق و إعمال قواعد التّعارض.الحقّ هو الثاني،لأنّ التلازم بين متعلّق الأمر و متعلّق النّهى في موردالتّصادق دائمي،و يمتنع اختلاف المتلازمين في الحكم إذا كان التلازم دائميّا،لعدم‏قدرة العبد على امتثالهما،كما في الضّدين.فكما لا يجوز الأمر بالقيام و القعود في زمان‏واحد،كذلك لا يجوز الأمر باستقبال المشرق و النّهى عن استدبار المغرب في زمان‏واحد،لأنه لا يعقل امتثال كل من الأمر و النّهى،و التكليف الغير القابل للامتثال‏لا يعقل تشريعه،و ذلك واضح.فالأقوى إعمال قواعد التعارض،فيما إذا كان كلّ من إطلاق الأمر و النّهى‏شموليّا و كانت النسبة بينهما العموم من وجه،سواء كان التّركيب في موردالاجتماع من التركيب الاتحادي،أو من التركيب الانضماميّ،و بعد هذا لا تصل‏النّوبة إلى إعمال مرجّحات باب التزاحم.إذا عرفت ذلك،فلنرجع إلى ما كنّا فيه،و هو انّه لو لم يكن للمكلّف‏مندوحة و انحصرت الصلاة في الدّار الغصبية،فهذا تارة:يكون بسوء اختياره كمن‏توسط في الأرض المغصوبة اختيارا و ضاق الوقت إلاّ عن الصلاة فيها.و أخرى:يكون لا بسوء اختياره كالمحبوس في الدار الغصبية.فان كان عدم المندوحة لا بسوءاختياره فهذا ممّا لا إشكال في صحّة الصلاة منه في الدّار الغصبية و سقوط قيديّةلزوم عدم إيقاعها في المكان المغصوب مطلقا،سواء قلنا بجواز اجتماع الأمر و النّهى-كما هو المختار-أو قلنا بامتناعه.اما بناء على القول بالامتناع:فلأنّ القيدية انّما استفيدت من تعلّق النّهى‏بالصلاة في الدّار الغصبية،لما عرفت:من انه بناء على الامتناع يكون مورد التصادق‏من صغريات النّهى في العبادة،و القيدية المستفادة من الحرمة النفسيّة تدور مدارالحرمة.و ليست كالقيدية المستفادة من النّواهي الغيريّة،مثل قوله:لا تصل في‏غير المأكول،حيث قلنا انّ الظاهر منها هو القيدية المطلقة،سواء تمكن المكلّف منها
445
أو لم يتمكن،غايته انّه مع عدم التّمكن من القيد يسقط التكليف عن المقيد،إلاّ ان‏يقوم دليل على عدم سقوط بسقوط القيد،فيستفاد منه كون القيديّة مخصوصة بحال‏التّمكن،كما ربّما يستفاد ذلك من قوله:الصلاة لا تسقط بحال،و لكن هذافي القيديّة المستفادة من النّهى أو الأمر الغيري.و امّا القيديّة المستفادة من النّهى‏النّفسي فهي تابعة للنّهي،و بعد سقوط النّهى بالاضطرار تسقط القيدية فقط،و لاموجب لسقوط المقيّد،هذا.و لكن للتأمل في ذلك مجال،لأنّ القيدية و ان استفيدت من النّهى،إلاّانّها ليست معلولة للنّهي،بل هي معلولة للملاك الّذي أوجب النهي.فالحرمةو القيدية معلولان لعلة ثالثة،و هو الملاك،و سقوط أحد المعلولين بالاضطرار لا يوجب‏سقوط المعلول الآخر.فالأولى ان يقال:انّ القيدية المستفادة من النّهى النّفسي أيضا تقتضي‏القيدية المطلقة.و قد ذكرنا شطرا من الكلام في ذلك في رسالة المشكوك.و سيأتي‏إن شاء اللّه البحث عنه أيضا في مسألة النّهى في العبادات.و لكن هذا لا أثر له في باب الصلاة،لأن الظاهر من قوله عليه السلام:الصلاةلا تسقط بحال،هو كون قيديّة كل قيد مقصورة بحال التمكن،سواء كانت القيديةمستفادة من النّهى الغيري،أو من النّهى النّفسي.هذا كلّه بناء على الامتناع.و امّا بناء على الجواز فسقوط القيديّة عند الاضطرار أولى،من جهة انّه بناء على الجوازتكون المسألة من صغريات التّزاحم كما عرفت.و القيدية المستفادة من التّزاحم تدورمدار وجود المزاحم لا محالة،و بعد سقوط المزاحم بالاضطرار تنتفي القيديّة لا محالة.و ليس هناك ملاك اقتضى القيديّة في صورة التّزاحم،حتى يقال:انّه لا موجب‏لسقوط القيديّة بسقوط المزاحم،كما كان الأمر في النّهى النّفسي كذلك-على ماعرفت-بل القيديّة في باب التّزاحم انّما تكون معلولة للمزاحم،و بعد سقوط المزاحم‏تسقط القيديّة لا محالة،ففساد الصلاة في الدار الغصبيّة لم يكن لها موجب إلاّ حرمةالغصب و مزاحمة الصلاة للغصب،و بناء على الجواز،و بعد الاضطرار إلى الغصب لايكون هناك مزاحم حتّى يقتضى فساد الصلاة،فالمحبوس في الدّار الغصبيّة تصح‏
446
صلاته.و تقييد بعض بما إذا لم تستلزم الصلاة تصرّفا زائدا لم يظهر لنا وجهه،فانّ‏شاغليّة الشّخص للمكان لا يختلف بين كونه قائما أو قاعدا أو نائما،و لا يزيد بذلك‏أو ينقص،فليس صلاة المحبوس تصرّفا زائدا على ما إذا كان قاعدا،بل لا يعقل ان‏يكون تصرّفه في حال الصلاة زائدا على تصرّفه في حال العقود،و ان كان العرف ربّمايعد الصلاة لمكان اشتمالها على الهويّ و الجلوس و الرّكوع و السجود تصرفا زائدا على ماإذا كان ساكنا،إلاّ انه لا عبرة بالنّظر العرفي،بعد ما كان تصرّفه بحسب الدّقة لايزيد و لا ينقص.هذا إذا كان محبوسا في الدّار المغصوبة.و امّا إذا دخل في الدّارالغصبيّة لا عن اختيار،و لكن كان مختارا في الخروج عنها،فاللازم هو الصلاة في‏حال الخروج ماشيا إذا ضاق وقتها،و ليس له المكث فيها للصلاة،لأنه اختياري‏محرّم،فتأمل جيدا.ثم لا يخفى عليك:انّ المراد من عدم المندوحة هو عدم المندوحة في الغصب،بحيث كان غير متمكّن من ترك الغصب،كالمحبوس.و امّا لو كان متمكّنا من ترك‏الغصب،و لكن كان غير متمكّن من الصلاة إلاّ في المغصوب،بحيث دار الأمربين ترك الصلاة و بين ترك الغصب،فهذا خارج عمّا نحن فيه،و في مثل هذا لا بدّمن ملاحظة الأهميّة و المهميّة،و لا يجري فيه قوله عليه السلام:الصلاة لا تسقطبحال،لأنه انّما يكون بالنّسبة إلى القيود الغير المحرّمة ذاتا،فتأمل جيدا.هذا كلّه إذا لم يكن عدم المندوحة بسوء الاختيار،و اما إذا كان ذلك‏بسوء الاختيار،كمن توسط أرضا مغصوبة باختياره،فالكلام فيه تارة:يقع من‏حيث الحكم التكليفي و انّ خروجه هل يكون مأمورا به أو منهيّا عنه؟و أخرى:يقع‏من حيث صحّة الصلاة في حال الخروج و عدمها.امّا الجهة الأولى:فقد وقعت معركة الآراء و تعدّدت فيها الأقوال‏فقول:بأنّ الخروج واجب ليس إلاّ و لا يعاقب عليه،و هو المنسوب‏
447
إلى الشيخ(قده)على ما في التقرير (1) .و قول:بأنه واجب و حرام بمعنى انّه مأمور به و منهيّ عنه،و هو المنسوب إلى‏أبي هاشم،و حكى أيضا عن المحقّق القمي‏ (2) .و قول:بأنه مأمور به مع جريان حكم المعصية عليه،بمعنى انّه يعاقب عليه‏لا بالنّهي الفعلي،بل بالنّهي السابق على الدخول الساقط حال الخروج،وهو المنسوب إلى صاحب الفصول‏ (3) .و قول:بأنه غير مأمور به و لا منهيّ عنه بالنّهي الفعلي،و لكن يعاقب عليه ويجري عليه حكم المعصية مع إلزام العقل بالخروج لكونه أقلّ محذورا،من دون ان‏يكون مأمورا به شرعا،و هو الّذي اختاره المحقّق الخراسانيّ في كفايته‏ (4) .و قول:بأنه منهيّ عنه بالنّهي الفعلي و ليس بمأمور به شرعا.و الأقوى من هذه الأقوال هو القول الأول الّذي اختاره الشيخ(قده):فانّ‏مبنى سائر الأقوال هو كون المقام من صغريات قاعدة-الامتناع بالاختيار لا ينافى‏الاختيار-و سيتّضح فساد ذلك،و انّ المقام ليس مندرجا في ذلك.و لكن لو بنينا على كون المقام من صغريات تلك القاعدة فالحقّ ما عليه‏المحقّق الخراسانيّ(قده):من انّه ليس بمأمور به شرعا و لا منهيّا عنه مع كونه يعاقب‏عليه،و ذلك لأنّ الامتناع بالاختيار انّما لا ينافى في الاختيار عقابا،لا خطابا،فانّه‏
1)مطارح الأنظار،ص 151 قوله قدس سره«و الأقوى كونه مأمورا به فقط و لا يكون منهيا عنه و لايفترق فيه النهي السابق و اللاحق»
2)قوانين الأصول،التنبيه الثاني ص 86 قوله قدس سره«الثالث انه مأمور به و منهي عنه أيضا،ويحصل العصيان بالفعل و الترك كليهما،و هو مذهب أبي هاشم و أكثر أفاضل متأخرينا،بل هو ظاهر الفقهاءو هو الأقرب...»
3)الفصول،ص 140 قوله قدس سره«و الحق انه مأمور بالخروج مطلقا أو بقصد التخلص،و ليس منهياعنه حال كونه مأمورا به،لكنه عاص به بالنظر إلى النهي السابق...»
4)كفاية الأصول،الجلد الأول صلى اللَّه عليه و آله 263«و الحق انه منهي عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرارإليه،و عصيان له بسوء الاختيار و لا يكاد يكون مأمورا به...»

448
يستحيل الخطاب بالممتنع و ان كان امتناعه بسوء الاختيار،حيث انّه لا يصلح‏الخطاب للدّاعويّة و الباعثيّة،و مع هذا كيف يصح الخطاب؟و دعوى انّ الخطاب في مثل هذا يكون تسجيليّا ليس فيه بعث حقيقيّ ممّالا نعقلها،فانّ الخطاب التّسجيلي من المولى الحكيم ممّا لا يعقل،بل يتوقّف صحةالخطاب من الحكيم على إمكان ان يكون داعيا و محرّكا لعضلات العبد،و ان لم‏يكن بمحرّك فعليّ،كالخطابات المتوجهة إلى العصاة و الكفّار.و امّا الخطاب الّذي‏لا يمكن ان يكون داعيا و محرّكا فهو مستحيل من الحكيم.فدعوى:انّ الامتناع‏بالاختيار لا ينافى الاختيار خطابا،فاسدة جدّاً.و منه يظهر فساد القول بكون الخروج مأمورا به و منهيّا عنه،مضافا إلى‏اقتضاء ذلك للأمر بالنّقيضين و النّهى عنهما كما لا يخفى.و امّا القول بكونه مأمورا به فعلا مع جريان حكم المعصية عليه-لمكان‏النّهى السابق الساقط-فهو أيضا ممّا لا يعقل،لأنّ اختلاف زمان الأمر و النّهى مع‏تواردهما على شي‏ء واحد بلحاظ حال وجوده ممّا لا أثر له،لوضوح انّ النّهى‏عن الخروج في الزّمان السابق على الدخول انّما يكون بلحاظ حال وجود الخروج،ومع كونه بهذا اللّحاظ منهيّا عنه كيف يكون مأمورا به؟و هل هذا إلاّ توارد الأمرو النّهى على شي‏ء واحد؟و دعوى:انّه لا مانع من كون الخروج منهيّا عنه قبل الدخول على نحو المعلّق‏-بان يكون النّهى فعليّا و كان المنهيّ عنه استقباليّا-لا تصحح هذا القول،فانّ‏المعلّق انّما يقتضى تقدم زمان فعليّة الحكم على زمان امتثاله،و لكن مع‏استمرار الحكم إلى زمان الامتثال لا مع انقطاعه،و المفروض من صاحب هذا القول‏هو سقوط النّهى في حال الخروج،و انّما يجري عليه حكم المعصية.فظهر:انّه بناء على كون المقام من صغريات قاعدة-الامتناع بالاختيار-لامحيص عن القول بأنّ الخروج غير مأمور به و لا منهيّ عنه في الحال،و ان كان منهيّاعنه قبل الدخول.و يجري على الخروج حكم المعصية من حيث العقاب،إلاّ انّ‏الشّأن في كون المقام مندرجا تحت تلك القاعدة،فانّ دعوى ذلك في غاية السقوط لما
449
فيها:1أولا:انّ الخروج غير ممتنع للتّمكن من تركه،و الّذي امتنع عليه هو مقدارمن الكون في المغصوب،الّذي يحصل بالخروج تارة و بتركه أخرى،و لكن ذلك لايوجب امتناع الخروج،لأنّ الاضطرار إلى الجامع لا يلازم الاضطرار إلى ما يحصل‏به.و الحاصل:انّ الاضطرار إلى مقدار من الغصب غير الاضطرار إلى الخروج،و محلّ الكلام هو امتناع الخروج.و امّا الاضطرار إلى الكون الغصبي في الجملةفسيأتي الكلام فيه،فدعوى:انّ الخروج ممّا يكون من الامتناع بالاختيار،واضحةالفساد.و ثانيا:انّ مورد قاعدة الامتناع بالاختيار،هو ان يكون التّكليف بالممتنع‏بالنّسبة إلى المقدّمة الإعدادّية،التي بتركها حصل الامتناع مطلقا،بحيث تكون تلك‏المقدّمة من المقدّمات الوجوديّة،على وجه لا يكون الخطاب مشروطا بها و لا الملاك،كالسير بالنسبة إلى الحجّ،فانّ الحجّ و ان كان مشروطا بالزّمان من يوم عرفة امتثالاو خطابا-على ما هو الحقّ عندنا من امتناع الواجب المعلّق-إلاّ انّه غير مشروطبالنّسبة إلى السير.و من هنا قلنا:انّ السير واجب لا بالوجوب المقدّمي الآتي من‏قبل وجوب الحجّ،بل بالوجوب الطريقي الناشئ عن ملاك وجوب الحجّ،على وجه‏يكون من قبيل متمّم الجعل،حيث انّه لا يمكن للآمر استيفاء ملاك الحج إلاّبأمرين:امر بالحجّ،و امر بالسّير إليه.و على كلّ حال،ليس السير مقدمة وجوبيّةللحجّ،بحيث يكون الملاك و الخطاب مشروطا به،فتركه حينئذ يوجب امتناع الحج‏عليه في يوم عرفة،و يكون من الامتناع بالاختيار.و امّا إذا كان الواجب بالنّسبة إلى تلك المقدّمة الإعداديّة مشروطا خطابا1و لا يخفى عليك:انّ صاحب الكفاية لم يجعل الخروج ممّا امتنع على المكلّف،و انّما يكون الخروج‏منهيّا عنه قبل الدّخول،و بعد الدّخول لمكان إلزام العقل به لا يعقل بناء النّهى،بل لا بدّ من سقوطه،و ان يعاقب‏عليه.فالمهمّ في ردّ مقالة الكفاية،هو إثبات انّ الخروج لم يكن منهيّا عنه قبل الدّخول فتأمل-منه‏
450
و ملاكا،فترك تلك المقدمة الإعدادية و ان كان يوجب امتناع الواجب،إلاّ انّه‏ليس من صغريات تلك القاعدة.مثلا لو فرض،انّ السير كان مقدمة وجوبيّةللحجّ،بحيث كان الحج واجبا إذا كان الشّخص في الحرام و اتّفق وقوع السّير منه،فترك مثل هذا السير لا يوجب العقاب على ترك الحج،و ان امتنع عليه.و في المقام‏يكون الدّخول في الدّار الغصبية من المقدمات التي يتوقّف عليها أصل الخطاب‏بالخروج،إذ لا يعقل الخروج إلاّ بالدخول،فلا يعقل النّهى من الخروج إلاّ مشروطابالدخول،و لا يتحقّق للخروج ملاك النّهى إلاّ بعد الدخول،فهو مشروط بالدخول‏خطابا و ملاكا،و المفروض انّه بعد الدخول ليس الخروج منهيّا عنه حسب تسليم‏الخصم.فمتى كان الخروج منهيّا عنه؟حتى يندرج تحت تلك القاعدة.و بعبارة أخرى:الدخول يكون موضوعا للخروج،حيث انّه لا موضوع‏للخروج بدون الدخول،فكيف يعقل النّهى عنه قبل الدخول؟حتى يندرج تحت‏قاعدة الامتناع بالاختيار.و بتقريب آخر:(و ان شئت فاجعله وجها ثالثا لفساد كون المقام من‏صغريات تلك القاعدة)و هو انّ امتناع الخروج انّما يكون بترك الدخول لا بفعل‏الدّخول،فهو عكس قاعدة-الامتناع بالاختيار-لأنّ مورد تلك القاعدة هو ما إذاكان مخالفة الأمر المقدمي يوجب امتناع ذي المقدّمة،كترك السير في مثال الحج.وامّا في المقام،فامتثال النّهى المقدمي و ترك الدخول يوجب امتناع الخروج لعدم‏تحقق موضوعه،لا فعل الدّخول فانّ فعل الدّخول موجب للتّمكن من الخروج،لا انّه‏موجب لامتناعه.و ثالثا أو رابعا:انّه يعتبر في مورد القاعدة،ان يكون الفعل الممتنع عليه‏بالاختيار حال امتناعه غير محكوم بحكم يضاد حكمه السابق على الامتناع،بل لا بدّان لا يكون محكوما بحكم،أو لو كان محكوما بحكم لكان هو الحكم السّابق‏على الامتناع،كما يدّعيه القائل بأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافى في الاختيار خطابا وملاكا.مثلا الحجّ حال امتناعه على الشخص بترك المسير،امّا غير محكوم بحكم‏أصلا،كما هو مقالة من يقول:انّ الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار ملاكا فقط،
451
أو محكوما بحكم الوجوب كما هو مقالة من يقول:انّه لا ينافى الاختيار خطابا وملاكا.و امّا لو فرض ان الفعل الممتنع حال امتناعه محكوم بحكم يضاد حكمه‏السّابق على الامتناع فهو لا يكون من صغريات تلك القاعدة،كما في المقام،حيث‏انّ الخروج عن الدّار الغصبية ممّا يحكم بلزومه العقل.و هذا في الجملة ممّا لاإشكال فيه،سواء قلنا:انّه حكمه من باب اختيار أقلّ المحذورين،كما قيل.أو قلنا:انّه من باب وجوب ردّ المغصوب،كما هو الأقوى على ما سيأتي.و على كلّ حال:يكون الخروج حال وقوعه ممّا يلزم به العقل،و معه كيف يندرج في قاعدة-الامتناع بالاختيار-هذا كلّه إذا كانت الدعوى انّ الخروج ممّا يكون ممتنعا بالاختيار.و امّا إذا كانت الدعوى انّ مقدارا من الكون الغصبي ممتنع،فهي حق،إذلا محيص من مقدار من الكون الغصبيّ،سواء مكث في الدّار الغصبية أو خرج،إلاّان الكون الغصبيّ المتحقّق في ضمن الخروج لا يكون منهيّا عنه بوجه من الوجوه و في‏زمان من الأزمنة،بل هو يكون واجبا في جميع الحالات،لوجوب ردّ المغصوب إلى‏صاحبه بالضّرورة من الدّين.و كونه هو الّذي أوقع نفسه في هذا التّصرف الغصبي‏بسوء اختياره-حيث دخل في الدّار عن اختيار-لا يوجب كون الخروج حال وقوعه‏مبغوضا،كمن شرب دواء مهلكا و انحصر حفظ نفسه بشرب الخمر،فانّ شرب‏الخمر في هذا الحال يكون واجبا عقلا و شرعا،لتوقّف حفظ النّفس عليه،و ان‏كان بسوء اختياره أوقع نفسه في شرب الخمر.لمكان شربه الدّواء المهلك.فالعقاب‏(لو كان)انّما يكون في شرب ذلك الدّواء لو كان شرب الخمر من الأمور التي لم يردالشّارع وقوعها في الخارج لما فيه من المفسدة،فانّه ح يحرم على الشّخص إدخال نفسه في‏موضوع يوجب شرب الخمر.و ليس ذلك كشرب المرأة الدّواء الموجب للحيض المستلزم لعدم امرهابالصلاة،حيث انّه يمكن القول بجواز شربها للدّواء،إذ لم يعلم من مذاق الشارع‏مبغوضيّة إيقاع الشخص نفسه في موضوع يوجب عدم تكليفه بالصلاة.و هذا بخلاف‏
452
شرب الخمر،فانّ إدخال الشخص نفسه في موضوع يوجب تكليفه بشرب الخمرمبغوض للشارع،كما انّ إدخال الشخص نفسه في موضوع يوجب تكليفه بالتّصرف‏في مال الغير مبغوض للشّارع،فالدّخول في الدار الغصبيّة يكون مبغوضا و محرّما من‏جهتين:من جهة كونه هو بنفسه تصرّفا في ملك الغير،و من جهة استلزامه للتّصرف‏الخروجيّ،بخلاف مثل شرب الدّواء الموجب لشرب الخمر فانّه محرم من جهةاستلزامه شرب الخمر،و ليس له جهة أخرى إذا كان الدّواء في حدّ نفسه ممّا يجوزشربه.و الحاصل:انّه ينبغي ان يقع التّكلم في الدخول من جهة انّ حرمته تكون‏من جهتين،لا في الخروج فانّ الخروج واجب على كلّ حال.و ليس وجوبه من باب‏حكم العقل باختيار أقلّ المحذورين،فانّ مناط حكم العقل بلزوم الخروج عن ملك‏الغير في صورة ما إذا كان الدخول فيه بالاختيار،و في صورة ما إذا كان الدخول فيه‏بلا اختيار امر واحد،و هو لزوم فراغ ملك الغير و ردّه إلى صاحبه،الّذي يحصل‏بالتّخلية في غير المنقول.و ليس حكم العقل بلزوم الخروج فيما إذا كان الدخول‏بالاختيار بمناط يغاير مناط حكمه بلزوم الخروج فيما إذا كان الدخول بغير الاختيار-حيث انّه في الأول يكون من باب أقلّ المحذورين،و في الثاني يكون من باب ردّالمغصوب و رفع اليد عنه-حتى يكون الثاني واجبا شرعا و عقلا دون الأول،بل‏مناط حكم العقل معلوم عندنا مطّرد في جميع أقسام الغصب من المنقول و غيره،و انّه‏في الجميع يجب ردّ المغصوب إلى أهله شرعا و عقلا،غايته انّه في المنقول يكون الرّدبالقبض،و في غيره يكون برفع اليد و التّخلية.فظهر:انّه لا محيص عن القول بأنّ الخروج عن الدّار الغصبيّة فيما إذاتوسطها بالاختيار مأمور به ليس إلاّ،و لا يجري عليه حكم المعصية.هذا تمام الكلام‏في الحكم التكليفي.و امّا الحكم الوضعي:و هو صحّة الصلاة في حال الخروج عند ضيق الوقت،فمجمل الكلام فيه:هو انّه ان قلنا بأنّ الخروج مأمور به و لا يجري عليه حكم المعصية،فلا إشكال في‏
453
صحّة الصلاة في حال الخروج و كونها مأمورا بها،نعم لا بدّ من ملاحظة عدم وقوع‏تصرّف زائد على الخروج،فيؤمي للرّكوع و السجود.و امّا ان قلنا بجريان حكم المعصية عليه،فبناء على جواز اجتماع الأمرو النّهى يقع التزاحم بين المأمور به و المنهي عنه،حيث انّ القيام في حال المشي‏يكون واجبا من جهة كونه من اجزاء الصلاة،و الساقط هو الاستقرار في حال القيام لاأصل القيام،و لمكان انّه يقتضى إشغال ملك الغير يكون منهيّا عنه،و لو بالنّهي‏السابق الساقط،حيث انّ الكلام فيما إذا كان الخروج معصية حكميّة،فيقع التزاحم‏بين الأمر بالقيام و بين النّهى عن إشغال المكان حاله،و لمكان-انّ الصلاة لا تسقطبحال-يمكن ان يقال بوجوب الصلاة و سقوط قيديّة القيام،فتكون الصلاة في مثل‏هذا خالية عن القيام،أو نقول ببقاء القيام على جزئيته للصلاة و يكون مأمورا به وان كان من جهة شاغليته لمكان الغير معصية،أو نقول بأنه لا يجري عليه‏حكم المعصية في مثل هذا الفرض لأهميّة الصلاة،فتأمل.و امّا بناء على الامتناع،فيكون نفس هذا القيام بما انّه قيام معصية ومبغوضا للشّارع،و معه ينبغي ان نقول بعدم صحّة الصلاة،و ان كان يمكن ان يقال‏بسقوط قيديّة القيام،لمكان انّ الصلاة لا تسقط بحال-فتأمل في المقام،فانّه بعد لايخلو عن إشكال،و يحتاج إلى زيادة بيان.و شيخنا الأستاذ مدّ ظله لم يستوف الكلام‏في الحكم الوضعي على ما ينبغي.و نسأل اللّه حسن العاقبة و التّوفيق لما يحبّ ويرضى.و قد وقع الفراغ من تسويد هذه الأوراق المتعلّقة بمبحث اجتماع الأمرو النّهى في ليلة الثلاثاء غرة جمادى الأولى سنة 1347.
454
فصل في اقتضاء النهي عن العبادة أو المعاملة للفساد
و تنقيح البحث عن ذلك يستدعى تقديم أمور:
الأمر الأول:
قد أطالوا البحث في الفرق بين هذه المسألة و مسألة اجتماع الأمر و النهّي،مع انّه ما كان ينبغي إطالة البحث عن ذلك،فانّ الفرق بين المسألتين جلي لايكاد يخفى،لما عرفت:من انّ موضوع مسألة اجتماع الأمر و النهّي هو ما إذا تعلّق‏الأمر بعنوان و النهّي بعنوان آخر و كانت النّسبة بين العنوانين العموم من وجه،و البحث فيه يكون عن اتّحاد المتعلّقين و عدم اتّحادهما.و الموضوع في هذه المسألة هوما إذا تعلّق النهّي ببعض ما تعلّق الأمر به على وجه تكون النّسبة بين المتعلّقين العموم‏المطلق،و يكون البحث فيها عن اقتضاء النهّي للفساد.فموضوع كلّ من المسألتين مع‏جهة البحث فيه يفترق عن موضوع الأخرى و عن جهة البحث فيها.نعم:من لم يعتبر في موضوع مسألة اجتماع الأمر و النهّي كون النّسبة العموم‏من وجه انحصر الفرق بين المسألتين عنده في جهة البحث،لا في الموضوع،إلاّ انّه قدتقدّم فساد ذلك و انّه لا بدّ في مسألة اجتماع الأمر و النهّي من كون النّسبةهي العموم من وجه.نعم:بناء على القول بالامتناع و تقديم جانب النهّي تندرج مسألةالاجتماع في صغرى مسألة النهّي عن العبادة و تكون من افرادها،إلاّ انّ ذلك لايوجب اتحاد المسألتين.ثم انّه لا إشكال في كون المسألة من مسائل علم الأصول و ليست من‏المبادي،فانّها تقع كبرى في قياس الاستنباط ابتداء.و ليست كمسألة اجتماع‏
455
الأمر و النهّي،حيث تقدّم انّها تكون من مبادئ مسألة التعارض و التّزاحم و ليست‏هي بنفسها من المسائل.و اما مسألة النهّي عن العبادة و المعاملة فهي بنفسها من‏المسائل،و يستنتج منها فساد العبادة أو المعاملة.و بذلك يظهر فرق آخر بين المسألتين و ذلك واضح،كوضوح انّ المسألةليست من مباحث الألفاظ،بل البحث فيها انّما يكون عن الملازمات العقليّةللأحكام،خصوصا بناء على ما هو التحقيق عندنا من انّ الفساد يدور مدار عدم‏الأمر و الملاك معا،و لا يكفى فيه عدم الأمر كما حكى عن الجواهر،فانّه لا دخل‏للّفظ بالملاك،بل الملاك امر واقعيّ تكوينيّ لا بدّ من استكشاف عدمه في العبادةمن مقدّمات،على ما سيأتي بيانها.و النهّي بنفسه لا يكفى في الفساد مع قطع النّظرعن كونه كاشفا عن عدم الملاك،سواء كان مدلول اللّفظ أو لم يكن،كالنّهي‏المستفاد من الإجماع و العقل.نعم:لو قلنا بأنه يكفى في الفساد عدم الأمر و لا يحتاج إلى عدم الملاك كان‏النهّي بنفسه دالاّ على عدم الأمر،و مع ذلك لا دخل للّفظ،فانّ النهّي الواقعيّ‏يدل على عدم الأمر،سواء كان الدّال على النهّي لفظا أو عقلا أو إجماعا،فلا موجب‏لعدّ المسألة من مباحث الألفاظ.و كان حقّ الأعلام ان يعقدوا بابا مستقلا للبحث‏عن الملازمات العقليّة،و يبحثوا فيه عن هذه المسألة و ما شابهها ممّا يكون البحث‏فيه عن الملازمات العقليّة للأحكام الشرعية،كمسألة مقدّمة الواجب،و في مسألةالضّد.إلاّ انّهم لما لم يعقدوا لذلك بابا مستقلا أدرجوا هذه المسائل في مباحث‏الألفاظ.
الأمر الثاني:
ينبغي خروج النهّي التنزيهي عن حريم النّزاع،فانّه قد تقدّم في مسألةالأمر و النهّي انّه لا يقتضى الفساد،لأنّ الرّخصة الوضعيّة بالنّسبة إلى الإتيان بأيّ‏فرد(المستفادة من تعلّق الأمر بالطبيعة)لا تنافي النهّي التنزيهي المتضمن للرّخصةأيضا،على ما عرفت سابقا.نعم:لو تعلّق النهّي التنزيهي بذات ما يكون عبادة لكان لدعوى اقتضائه‏
456
الفساد مجال،من جهة انّ ما يكون مرجوحا ذاتا لا يصلح ان يتقرّب به،إلاّ انّ‏النواهي التنزيهيّة الواردة في الشريعة المتعلقة بالعبادات لم تتعلّق بذات العبادة على‏وجه يتّحد متعلّق الأمر و النهّي،على ما تقدم تفصيله.فالقول بأنّ النهّي التنزيهي‏كالنّهي التحريمي داخل في حريم اقتضاء النهّي للفساد ضعيف جدّاً.ثمّ انّه لا إشكال في دخول النهّي النفسيّ في حريم النّزاع،و هل يختصّ‏النّزاع به أو يعمّ النهي الغيري أيضا؟و الّذي ينبغي ان يقال:هو انّ النهّي الغيري‏المسوق لبيان المانعيّة كالنّهي عن الصلاة في غير المأكول خارج عن مورد النّزاع،لأنه بنفسه يقتضى الفساد،حيث يدل على دخل عدم ما تعلّق النهّي به في حقيقةالمأمور به،و انتفاء الشي‏ء بوجود مانعه ضروريّ غير قابل للنّزاع فيه.و امّا النهّي الغيري التّبعي المستفاد من الأمر بالشي‏ء-بناء على اقتضائه‏النهّي عن ضده-و أمثال ذلك من النّواهي التّبعيّة المتعلّقة بالعبادة،ففي دخوله في‏محلّ النزاع كلام،من جهة كونه غير كاشف عن عدم الملاك،بل غايته انّه يوجب‏عدم الأمر مع قطع النّظر عن الأمر الترتّبي،و مع عدم كشفه عن عدم الملاك لايوجب الفساد،بناء على كفاية الملاك في صحّة العبادة،و سيأتي البحث في ذلك.فظهر:انّ المراد من النهّي في عنوان النّزاع هو النهّي التحريمي النّفسي،أو الغيري التّبعي،على ما فيه من الكلام.و امّا العبادة:فالمراد بها في المقام معناها الأخص،أي الوظيفة التي شرعت‏لأجل ان يتعبد بها و يتقرّب بها منه تعالى.و المراد من المعاملة:هي الإنشائيّات الأعمّ من العقود و الإيقاعات،لا خصوص العقود،و لا المعاملة بالمعنى الأعمّ الشاملة لمثل إحياء الموات،و الحدود،و المواريث،و غير ذلك من الموضوعات لآثار شرعيّة،فانّ النهّي التحريمي فيها لايوجب الفساد،فانّ النهّي عن الأحياء بالآية الغصبيّة مثلا لا يوجب فساد الأحياء،و ذلك واضح.إلاّ إذا كان النهّي إرشاد إلى عدم كون المحياة ملكا للمحيي،و هذاخارج عمّا نحن فيه.و امّا المراد من الفساد:فهو عبارة عن عدم ترتب الأثر المطلوب من الشي‏ء
457
عليه.و من هنا كان التقابل بين الصحة و الفساد تقابل العدم و الملكة لا التّضاد،على ما سيأتي بيانه.
الأمر الثالث:
للصّحة إطلاقان:إطلاق في مقابل العيب،و إطلاق في مقابل الفساد،كمايقال:ان هذا الجواز صحيح،أي غير معيوب،و أخرى يقال:صحيح،أي غير فاسد.و المراد من الصحّة في المقام هو ما يقابل الفساد.و حيث كانت الصّحة و الفساد من‏المحمولات المترتّبة على الماهيّات بعد وجودها،فلا محالة لا يكون التّقابل بينهما تقابل السلب‏و الإيجاب،و حيث لم يكن الفساد امرا وجوديا فلا محالة لا يكون التقابل بينهما تقابل‏التضاد،و انحصر ان يكون التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة،فيكون المراد من الصحيح هوما يترتّب عليه الأثر المطلوب منه،و الفاسد ما لم يترتّب عليه ذلك الأثر.و حينئذ لا بدّ ان‏يكون المورد قابلا لأن يتّصف بالصّحة و الفساد،فيحمل عليه الصحيح تارة،و الفسادأخرى.فالبسائط لا تتّصف بالصّحة و الفساد،بل تتّصف بالوجود و العدم،إذ فسادالشي‏ء انّما هو باعتبار عدم ترتّب الأثر،و ذلك انّما يكون باعتبار فقدانه بعض ما اعتبر فيه:من جزء،أو شرط.و هذا انّما يتصوّر في المركبات.و امّا البسائط،فهي ان كانت موجودةفلا محالة تكون صحيحة،إذ ليس لها جزء أو شرط،حتّى يتصوّر فقدانه.و ان لم تكن موجودةفلا تتّصف،لا بالصّحة،و لا بالفساد،لما عرفت:من انّ الصحة و الفساد من المحمولات‏المترتّبة على وجود الشي‏ء.ثمّ انّه ليس كلّ مركب ذي حكم شرعيّ ممّا يتّصف بالصحّة و الفساد،فانّ موضوعات التكاليف مع كونها مركّبة لا تتّصف بالصّحة و الفساد،فمثل قوله:العاقل البالغ المستطيع يحجّ،مع كون الموضوع فيه مركبا من العقل و البلوغ‏و الاستطاعة،لا يتّصف بالصّحة و الفساد،بل بالوجود و العدم،كالبسائط.و الّذي‏يتّصف بالصّحة و الفساد هي متعلّقات التكاليف و ما يلحق بها من الأسباب‏كالعقد المركب من الإيجاب و القبول،و الإيقاع المشتمل على الشرائط المعتبرة فيه،حيث ان المتعلق أو العقد يمكن ان يكون صحيحا باعتبار انطباقه على ما يترتّب عليه‏الأثر،و يمكن ان يكون فاسدا باعتبار عدم الانطباق.كما انّ اجزاء المتعلّق و العقد
458
أيضا تتّصف بالصّحة و الفساد باعتبار أثرها الإعدادي،و لا يلزم ان يكون الشي‏ءصحيحا باعتبار كونه علة تامة للأثر المطلوب منه و المرغوب فيه،بل يكفى ان يكون‏على وجه الأعداد،كما هو الشأن في جميع متعلقات التكاليف،حيث تكون من‏المعدات للمصالح التي من أجلها امر بها،و ليست هي علّة تامة لذلك،بحيث تكون‏المصالح من قبيل المسبّبات التوليديّة لتلك المتعلّقات،و إلاّ كانت نفس الملاكات‏متعلّقة للتكليف،و كان فعل المكلّف من قبيل المحصّل و السّبب لذلك،و ذلك‏يكون بمراحل عن الواقع و ان توهّمه بعض الأعلام،و قد تقدّم منّا مرارا فساد التوهم.فظهر:انّه ليس المراد من الصحيح هو ما يكون علّة تامة لترتّب الأثر الّذي‏لأجله صار متعلّقا للتكليف،بل يكفى ان يكون معدا لذلك.و ان شئت قلت:ان‏المراد من الصحيح هو كون المأتي به في مقام الامتثال و الخروج من عهدة التكليف‏مطابقا لما تعلّق التكليف أو الوضع به،لوضوح انّ الّذي يتّصف بالصّحة و الفساد هوما يوجد في الخارج من الأفراد،لا العنوان الكلّي المتعلّق للتكليف أو الوضع،فانّ‏ذلك لا يتّصف بالصحّة و الفساد،و انّما المتّصف بهما هو المأتيّ به في وادي الفراغ،و ما يلحق بذلك ممّا يأتي به في وادي الإنشاء.و بذلك يندفع ما ربّما يتوهم:انّه بعد ما كان الصحيح عبارة عما ترتب‏الأثر و الملاك عليه في باب العبادات،فكيف قلتم بكون الأثر و الملاك لم يتعلّق به‏التّكليف و كان متعلّق التكليف هو الأجزاء و الشرائط؟فانّ ذلك ينافى لحاظالصّحة باعتبار ترتّب الأثر.وجه الدّفع:هو انّ لحاظ الصحة بهذا الاعتبار لا ينافى خروج الأثر عن‏دائرة التكليف،بل يكفى في ذلك كون الأثر حكمة التشريع،فانّه بعد ما كان‏الصحيح عبارة عن كون المأتيّ به مطابقا لما تعلّق التكليف به أو الوضع به،فلا فرق‏بين كون الأثر ممّا تعلّق التكليف به،أو لم يتعلّق.نعم يبقى في المقام إشكال:و هو انّ ألفاظ المعاملات انّما تكون موضوعةلنفس المسبّبات،لا للأسباب،فالبيع اسم للنقل،و النّكاح اسم للازدواج،و هكذاسائر ألفاظ المعاملات.و من المعلوم:انّ المسبّبات تكون بسائط لا تتّصف بالصّحة
459
و الفساد،بل بالوجود و العدم،فانّ النقل مثلا امّا ان يكون حاصلا و امّا ان‏لا يكون،و لا معنى لحصوله فاسدا.و حينئذ ينبغي خروج المعاملات عن حريم‏النّزاع،لأنّ الّذي يتّصف بالصّحة و الفساد هو الأسباب،حيث تكون مركّبة من‏الإيجاب و القبول،و هذا ليس بيعا،و الّذي يكون بيعا لا يتّصف بالصّحة و الفساد،هذا.و لكن يمكن ان يدفع،بما تقدم منّا في الصحيح و الأعمّ عند دفع إشكال‏التّمسك بالإطلاقات لنفي شرطيّة ما شك في المعاملات بناء على كونها موضوعةللمسبّبات.و حاصل ما ذكرناه في ذلك المقام،هو انّ العقد المؤلف من الإيجاب‏و القبول في باب المعاملات ليس من قبيل العلل و الأسباب و يكون النّقل و الانتقال‏في البيع معلولا له،بل الإيجاب و القبول انّما يكون آلة لحصول النّقل،و يكون النّقل‏هو الصّادر عن المنشئ ابتداء،غايته انّه لا بنفسه بل بآلته،و يكون قوله(بعت)إيجادا للنقل بنفس القول،لا انّ القول علّة لحصول النّقل،بحيث يكون هناك امران‏ممتازان،بل ليس هناك إلاّ شي‏ء واحد و فعل فارد صادر عن المنشئ،و يكون ذلك‏الفعل بما انّه فعل صادر عن الشّخص بمعناه المصدري إيجابا للبيع و النّقل،و بمعناه‏الاسم المصدري يكون بيعا و نقلا.و من المعلوم:انّه لا فرق بين المصدر واسم المصدر إلاّ بالاعتبار،فهذا القول(إيجاب)باعتبار صدوره و إيجاده عن الشّخص،و(نقل)باعتبار انّه أثر ذلك الصدور و الإيجاد.فحصول النقل من قوله(بعت)نظيرحصول الكتابة من مد القلم على القرطاس،و حصول قطع الخشب من إعمال النّجارالمنشار،و اشتراك الكلّ في كونها من الإيجاد بالآلة.غايته انّ القلم و المنشار آلةتكوينيّة،بخلاف قوله(بعت)و حينئذ يكون المتّصف بالصحّة و الفساد هو نفس‏الإيجاب و القبول بما انّه آلة لحصول النّقل و بذلك يدخل في حريم النّزاع في المقام.كما انّه بذلك يظهر وجه التّمسك بالإطلاقات،فراجع ما ذكرناه‏ (1) في مبحث‏
1)راجع الجزء الأول من الفوائد،بحث الصحيح و الأعم ص 79-80.«و اما المعاملات...»

460
الصحيح و الأعمّ.فظهر:انّ المعاملات تتّصف بالصّحة و الفساد،و ان قلنا بكونها أسماءللمسبّبات.ثمّ انه ربّما يتوهّم:انّ الصحة و الفساد في المعاملات من الأحكام الوضعيّةالمتأصلة بالجعل،بخلاف الصحة و الفساد في العبادات،فانّهما منتزعان عن مطابقةالمأتيّ به للمأمور به و عدم المطابقة.و ربّما يقال:بأنهما مطلقا من المنتزعات الغيرالمتأصلة بالجعل في العبادات و المعاملات.و قد يقال:أيضا بأنهما مطلقا من‏المتأصلات في الجعل،كالملكيّة و الزوجية.و الأقوى:كونهما من الأمور الانتزاعيّة مطلقا في العبادات و المعاملات،كالسّببيّة و الشرطيّة و الجزئيّة و المانعيّة،و انّما المجعول هو منشأ الانتزاع.و هذا أيضاليس على إطلاقه،بل ربّما يكون منشأ الانتزاع أيضا غير مجعول شرعيّ.و تفصيل ذلك:هو انّ الإتيان بكلّ من متعلّق الأمر الواقعيّ الأوّلي،و الواقعي الاضطراري الثانوي،و الظاهري،يكون مجزيا كلّ عن امره عقلا،و ينطبق‏عليه تكوينا،و من هذا الانطباق ينتزع وصف الصّحة و كون ما أتى به صحيحا،فالصحّة في مثل هذا تنتزع عن كون المأتي به منطبقا على ما هو المأمور به،حسب‏اختلاف المأمور به من كونه:واقعيّا أوّليّا،أو ثانويّا،أو ظاهريّا.و كون المأتي به منطبقاعلى المأمور به ليس امرا مجعولا شرعيّا،و انّما المجعول الشرعي هو تعلّق الأمر بما ينطبق على‏المأتي به،و امّا كون المأتيّ به منطبقا عليه أو غير منطبق فهو يدور مدار واقعه،و الصحةو الفساد تنتزع من نفس الانطباق و عدمه.فلا الصحة و الفساد في مثل هذا مجعولان‏شرعيّان،و لا منشأ الانتزاع مجعول شرعيّ.هذا إذا كان الشي‏ء منطبقا على المأمور به أو غير منطبق.و اما إذا شك في‏الانطباق و عدم الانطباق،فللشارع حينئذ الحكم بالبناء على الانطباق،كما هوشأن الأصول الجارية في وادي الفراغ،و من حكم الشّارع بالانطباق ينتزع وصف‏الصحة،فيكون منشأ الانتزاع في مثل هذا مجعولا شرعيّا،حيث انّ الشارع حكم‏بكون المأتي به منطبقا على المأمور به حسب ما أدّى إليه الأصل.و لكن هذه الصحة
461
الظاهرية المنتزعة عن حكم الشّارع بانطباق المأتي به على المأمور به انّما تكون إذا لم‏ينكشف الخلاف،و امّا إذا انكشف الخلاف و تبيّن عدم الانطباق فالصحة تنعدم،بناء على ما هو الحقّ من عدم اقتضاء الأمر الظاهري للأجزاء.نعم:للشارع أيضا بعد انكشاف الخلاف الحكم بالصحّة،و مرجع الصّحةفي مثل هذا إلى الاكتفاء بما أتى به امتثالا للواقع عن الواقع و هذه ترجع إلى الصّحةالواقعيّة بوجه.و على كلّ حال:الصحة و الفساد أينما كانا فانّما يكونان من الانتزاعيّات.و دعوى انها في المعاملات من الأحكام المجعولة فاسدة،فانّ المجعول في باب‏المعاملات هو ترتّب الأثر عند تحقق سببه،و هذا لا يتّصف بالصحّة و الفساد،بل‏المتّصف بهما هو الفرد المأتيّ به من المعاملة.و هذا الفرد انّما يتّصف بالصحّة عندانطباقه عليه ما يكون مؤثرا،و قد عرفت:انّ الانطباق يكون امرا واقعيّا و منه ينتزع‏الصّحة،فحال الصّحة في المعاملات حالها في العبادات.
الأمر الرابع:
البحث عن اقتضاء النهّي للفساد لا يتوقف على ثبوت مقتضى الصّحةللمنهيّ عنه لو لا النهّي،بحيث كان صحيحا لو لا النهّي لمكان اندراجه تحت إطلاق‏دليل العبادة أو المعاملة،كما يظهر من المحقق القميّ(ره)بل يصح البحث عن‏اقتضاء النهّي للفساد و لو كان المنهي عنه لو لا النهّي مشكوك الصّحة و الفساد من‏جهة الشّبهة الحكميّة أو المفهوميّة،و كان الأصل العملي فيه يقتضى الفساد.مثلالو كان(صوم الوصال)أو(المقامرة)مشكوك الصحة و الفساد من جهة:عدم‏الدليل،أو تعارض الدّليلين،أو غير ذلك من أسباب الشك،فلا إشكال في انّ‏الأصل عند الشّك في ذلك هو الفساد،لأصالة عدم مشروعيّة صوم الوصال،و أصالةعدم ترتّب الأثر من النّقل و الانتقال في المقامرة،إذا فرض انّ أوفوا بالعقود لا يعمّ‏المقامرة،و عمومات الصّوم لا تشمل صوم الوصال.و لكن مع ذلك لو تعلّق النهّي‏عن صوم الوصال أو المعاملة القماريّة،كان للبحث عن اقتضاء مثل هذا النهّي‏للفساد مجال.
462
و لا يتوهم:انّه لا معنى للبحث عن ذلك بعد ما كان مقتضى الأصل‏الفساد،لأنه بناء على اقتضاء النهّي للفساد يكون الفساد مستندا إلى الدّليل‏الاجتهادي الحاكم على الأصل العملي،و ان كان موافقا له في المؤدى كما حقّق في‏محلّه.فدعوى انّ مورد البحث يختص فيما إذا كان هناك مقتض للصّحة ممّا لا شاهدعليها.
الأمر الخامس:
لا أصل في نفس الجهة المبحوث عنها لو شك فيها،سواء كان البحث عن‏اقتضاء النهّي الفساد من حيث الدلالة اللّفظيّة،أو كان من حيث الملازمات‏العقليّة،إذا لملازمة العقليّة لو كانت فيه أزليّة فليس لها حالة سابقة،فلا أصل يحرزالملازمة و عدم الملازمة،و كذلك لا أصل لنا يعيّن دلالة اللّفظ و عدم دلالته لو شك‏في الدلالة،و ذلك واضح.هذا بالنّسبة إلى المسألة الأصوليّة المبحوث عنها في المقام.و امّا بالنّسبة إلى المسألة الفرعيّة المستنتجة عن المسألة الأصوليّة،ففي‏العبادات يرجع الشك فيها إلى الشك في المانعيّة،لأن الشك في اقتضاء النهّي‏للفساد يستتبع الشك في مانعيّة المنهيّ عنه عن العبادة،و يندرج في مسألة الأقلّ‏و الأكثر الارتباطيين،و يكون المرجع هو البراءة فيها أو الاشتغال،كلّ‏1على‏مسلكه.هذا إذا كان هناك امر بالعبادة مع قطع النّظر عن النهّي.و امّا لو لم يكن‏امر بها فالشك في اقتضاء النهّي للفساد يوجب الشك في مشروعيّة العبادة،و الأصل يقتضى عدم المشروعيّة،فتأمل.و امّا في المعاملات:فالشك في اقتضاء النهّي للفساد يستتبع الشك في‏1-و قد أطلق شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه القول باندراج المقام في مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر،و لكن ينبغي التّفصيل،بين ما إذا تعلّق النهّي بنفس العبادة،و بين ما إذا تعلّق بجزئها أو شرطها،فانّه لو تعلّق‏بنفس العبادة لا يرجع الشّك فيها إلى الشّك في المانعيّة،لاقتضاء النهّي حرمة العبادة على كلّ حال و ان شكّ في‏اقتضائه الفساد،و مع حرمة العبادة لا يمكن تصحيحها،إذ ليس هناك شي‏ء وراء العبادة تعلّق النهّي به يشك في‏مانعيّة،حتى ينفى بالأصل،فتأمل جيّدا.منه‏
463
صحّة المعاملة،و الأصل يقتضى عدم الصّحة،لأصالة عدم ترتّب الأثر عليها،إلاّ إذاكان هناك إطلاق أو عموم يقتضى الصّحة و ترتّب الأثر،فتدبّر جيّدا.و إذ تمهّدت هذه المقدّمات،
فالكلام في اقتضاء النهّي للفساد يقع في مقامين:
المقام الأوّل:
في اقتضاء النهّي عن العبادة للفسادو تعلّق النهّي عن العبادة يتصور على وجوه:إذ قد تكون العبادة منهيّا عنهالذاتها،و قد تكون منهيّا عنها لجزئها على وجه يكون الجزء واسطة في الثّبوت،و قدتكون منهيّا عنها لشرطها كذلك،و قد تكون لوصفها الخارج كذلك.و قد يكون‏نفس الجزء،أو الشرط،أو الوصف منهيّا عنه،و كان النهّي عن العبادة المشتملة على‏ذلك الجزء،أو الشرط،أو الوصف،بالعرض و المجاز.و قبل ذكر حكم هذه الأقسام،لا بأس بالإشارة إلى ما ربّما يستشكل في‏تعلّق النهّي بالعبادة.فمنها:انّه كيف يعقل ان تكون العبادة منهيّا عنها؟مع انّ العبادة ما توجب‏القرب إليه تعالى،و لا يعقل النهّي عن ذلك.و منها:انّ النهّي عن العبادة لا يجتمع مع الأمر بها،و مع عدم الأمر بهاتكون العبادة فاسدة لعدم مشروعيتها،فلا تصل النوبة إلى اقتضاء النهي للفساد،بل الفساد يستند إلى أسبق علله،و هو عدم المشروعية.و منها:انه لا يمكن النهي عن العبادة لذاتها،حيث انّ ذات العبادة بما انّهاذات لم يتعلّق بها النهّي،بل لا بدّ ان تكون هناك خصوصيّة أوجبت النهّي،كصلاةالحائض،و صوم العيدين،و أمثال ذلك مما كانت نفس العبادة منهيا عنها.فجعل‏النهّي عن العبادة لذاتها قسيما للنّهي عن العبادة لوصفها لا يستقيم،بل دائما يكون‏النهّي عن العبادة لوصفها،و لو كان ذلك مثل الحيض في الحائض و الزّمان‏في العيدين،هذا.و لكن لا يخفى عليك ضعف جميع ذلك.امّا الأول:فلأنه،ليس المراد من تعلّق النهّي بالعبادة الفعليّة،بل المراد تعلّق النهي بما
464
كان من سنخ الوظائف التي يتعبد بها،بحيث لو لم يتعلّق بها نهى و تعلق بها أمر كان‏أمرها أمرا عباديّا لا يسقط إلاّ بالتعبد به و التّقرب إليه تعالى،من غير فرق بين ماكان ذاتا عبادة،كالسجود للّه-لو فرض تعلّق النهّي به-و ما لم يكن كذلك،كالصوم و الصلاة،فانّ السجود للّه بوصف كونه ممّا يتقرّب به إليه تعالى فعلا لا يعقل‏تعلّق النهّي به،بل تعلّق النهّي به موجب لعدم كونه مقرّبا،و ان كان مقرّبا لو لاالنهّي،كما هو الحال في مثل الصلاة و الصوم.و امّا الثاني:فلأنه قد تقدم انّ الفساد لو لا النهّي كان من جهة أصالة عدم المشروعيّة،وامّا لو تعلّق النهّي بها كان الفساد من جهة قيام الدليل الاجتهادي عليه،و الأصل لايقاوم الدّليل،مضافا إلى انّه ربّما تكون العبادة مندرجة تحت إطلاق ما دلّ على‏مشروعيّتها في نوعها،فيكون الفساد مستندا إلى النهّي ليس إلاّ،كما لا يخفى.و امّا الثالث:فلأن ذلك مناقشة مثالية.و المقصود:انّ النهّي قد يتعلّق بذات العبادةلأجل خصوصيّة نوعية قائمة بذاتها،و ان كانت تلك الخصوصيّة من قبيل أوصاف‏المكلف الآتي بالعبادة،كالحيض.و أخرى:يتعلّق النهّي بالعبادة لأجل خصوصيّةصنفيّة أو شخصيّة خارجة عن الذّات لا حقة لها.و المناقشة بأنّ الحيض ليس من‏الخصوصيات المنوعة للذات لا أهميّة لها.إذا عرفت ذلك،فاعلم:انّ النهّي المتعلّق بالعبادة يقتضى الفساد مطلقا،سواء كان لذاتها،أو لجزئها،أو لشرطها،أو لوصفها،إذا كانت هذه من الوسائطالثبوتيّة،سواء قلنا:بكفاية عدم الأمر لفساد العبادة-كما يحكى عن الجواهر-أوعدم كفاية ذلك بل يتوقف الفساد على عدم الملاك أيضا-كما هو المختار-و سواءكان إطلاق الأمر بدليّا(كصلّ)أو شموليّا(كأكرم العالم)لو فرض أنّه أمر عبادي‏فانّه على جميع هذه التقادير النهّي يقتضى الفساد،فانّه لا محيص عن تقييد إطلاق‏متعلّق الأمر بما عدا مورد النهّي بعد ما كانت النّسبة بين المتعلّقين العموم المطلق وكان متعلّق النهّي أخصّ،فانّه لو لا التقييد يلزم إلغاء النهّي بالمرة،أو اجتماع‏
465
الضدين،و كلاهما لا يمكن.فالتقييد ممّا لا بدّ منه،فلا أمر،و مع عدم الأمر،فان‏قلنا بمقالة صاحب الجواهر،ففساد العبادة المنهيّ عنها واضح لا يحتاج إلى تجشّم‏برهان.و امّا بناء على المختار:فكذلك أيضا لأنه و ان قلنا بكفاية الملاك في صحّةالعبادة،إلاّ انه ليس كل ملاك مصحّحا للعبادة،بل لا بدّ ان يكون الملاك تامّا في‏عالم ملاكيّته،بحيث انّه لم يكن مغلوبا و مقهورا بما هو أقوى منه،إذا الملاك المغلوب‏غير صالح للعباديّة،و إلاّ لما صار مغلوبا.و من المعلوم:انّ النهّي عن العبادة يكشف‏عن ثبوت مفسدة في العبادة أقوى من مصلحتها لو فرض انّه كان فيها جهة مصلحة،و إلاّ فمن الممكن ان لا يكون في العبادة المنهيّ عنها جهة مصلحة أصلا،و على تقديرثبوتها فهي مغلوبة بما هو أقوى منها الّذي أوجب النهّي عنها،إذ لو كانت مساوية أوأقوى من مفسدة النهّي لما تعلق بها النهّي،فإذا كانت المصلحة مغلوبة سقطت عن‏صلاحيتها للتقرب،و كانت العبادة فاسدة لا محالة.و ينحصر تصحيح العبادةبالملاك بما إذا كان عدم الأمر بها لأجل عدم القدرة عليها لمكان المزاحمة،لا ما إذاكان عدم الأمر بها من جهة التقييد و التخصيص.هذا إذا تعلق النهّي بنفس العبادةو امّا إذا تعلق بجزئها:فالأقوى انّه كذلك أي يقتضى الفساد،سواء كان‏الجزء من سنخ الأفعال،أو كان من سنخ الأقوال.و سواء اقتصر على ذلك الجزءالمنهي عنه،كما إذا اقتصر على قراءة سورة العزيمة بناء على كونها منهيّا عنها،أو لم‏يقتصر،كما إذا قرأ سورة أخرى بعد قراءة العزيمة أو قبلها.و سواء كان اعتبار ذلك‏الجزء في العبادة بشرط لا،كما إذا قلنا بحرمة القرآن بين السورتين في الصلاة،أو كان‏لا بشرط،كما إذا قلنا بجواز القرآن.فانّه على جميع هذه التقادير يكون المنهي عنه‏مفسدا للعبادة،لأنّ النهّي عن جزء يوجب تقييد العبادة بما عدا ذلك الجزء،وتكون بالنّسبة إليه بشرط لا لا محالة.و نفس اعتبار العبادة بشرط لا عن شي‏ء يقتضى‏فساد العبادة الواجدة لذلك الشي‏ء،لعدم كون الواجد له من افراد المأمور به بل المأموربه غيره،فالآتي بالمنهي عنه غير آت بالمأمور به.مضافا إلى انّه يعمّه أدلة الزيادة،و
466
يكون قد زاد في صلاته مثلا فتفسد.و مضافا إلى انّه يعمّه أيضا أدلة التكلّم إذا كان‏المنهيّ عنه من سنخ الأقوال،فانّه و ان لم يخرج بالنّهي عن كونه قرآنا مثلا و لايدخل في كلام الآدمي،إلاّ انه بعد النهّي عنه يخرج عن أدلة جواز القرآن و الذّكرفي الصلاة،و بعد خروجه عن ذلك يندرج في إطلاقات مبطليّة مطلق التكلم من غيرتقييد بكلام الآدمي،و القدر الخارج عن هذا الإطلاق هو التّكلم بالقرآن و الذّكرالجائز،و يبقى الذّكر أو القرآن المنهيّ عنه داخلا تحت الإطلاق.و بما ذكرنا يظهر:انّه لا فرق في بطلان الصلاة بقراءة العزيمة،بين ما إذاقرأها بعد الحمد في مكان السورة،أو قرأها في حال التّشهد،أو الركوع،أو غير ذلك‏،إذ مناط الفساد مطّرد بعد ما كانت العزيمة منهيّا عنها في الصلاة مطلقا و في جميع‏الحالات،فتأمل جيّدا.هذا إذا تعلّق النهّي بالجزء.و امّا إذا تعلّق بالشرط فهو كتعلّقه بالوصف،إذ الشرط يرجع إلى الوصف.و مجمل القول في ذلك:هو انّ الوصف المنهيّ عنه‏تارة:يكون متّحدا مع العبادة في الوجود و ليس له وجود استقلاليّ مغاير للموصوف،كالجهر و الإخفات في القراءة،حيث انّه ليس للجهر وجود مغاير لوجود القراءة،بل‏هو من كيفيّاتها.و أخرى:يكون للوصف وجود مغاير،كالتّستر و الاستقبال‏في الصلاة.فان كان على الوجه الأول،فالنّهي عنه في الحقيقة يرجع إلى النهّي‏عن العبادة الموصوفة بذلك الوصف،و يندرج فيما تقدّم من اقتضاء النهّي للفساد،كما لا يخفى.و امّا إذا كان على الوجه الثّاني،فالنّهي عنه لا يقتضى فساد العبادة،حيث انّه لا موجب له،إذ أقصى ما يقتضيه ذلك النهّي هو حرمة ذلك الوصف‏و الشرط،و وقوع شي‏ء محرّم في أثناء العبادة لا يوجب فسادها إذا لم تقيد العبادةبالخالي عنه،فيكون حال الوصف المنهي عنه في العبادة حال النّظر إلى الأجنبيّة في‏أثناء العبادة،و غير ذلك من المقارنات.نعم:إذا كان الشرط المنهي عنه عبادة يكون الشرط فاسدا و بفساده تفسدالعبادة المشروطة به أيضا،و السرّ في ذلك واضح.هذا كلّه فيما إذا كان النهّي عن‏العبادة نفسيّا.و امّا إذا كان غيريّا تبعيّا،كالنّهي المتولّد من الأمر بالشي‏ء،فقد تقدّم‏
467
في مبحث الضّد انّه لا يقتضى الفساد،إلاّ إذا قلنا بتوقف العبادة على الأمر و لم نقل‏بالأمر التّرتبي،على ما تقدّم.هذا تمام الكلام في النهّي عن العبادة.
و ينبغي التّنبيه على أمرين:
الأمر الأول:
انّ مقتضى القاعدة كون النهّي عن العبادة موجبا لفسادها مطلقا،و انّه‏مانع من صحّتها،من غير فرق بين صورة الاضطرار و النّسيان الموجب لارتفاع الحرمةواقعا،لأنّ المانعيّة ليست معلولة للحرمة حتّى تدور مدارها،بل هي و الحرمةكلاهما معلولان للجهة التي أوجبت النهّي:من المفسدة و المبغوضيّة الواقعيّة التي لاترتفع بالاضطرار و النّسيان.هذا،و لكن المحكيّ عن المشهور خلاف ذلك،حيث حكى عنهم:انّه لواضطرّ إلى لبس الحرير و الذّهب في الصلاة صحت صلاته،و كذا في صورة النّسيان.و كذا حكى عنهم:انّه لو شك في كون اللّباس حريرا،أو كون الشي‏ء ذهبا،المستتبع للشك في حرمة لبسه المستتبع للشك في مانعيّته،فبأصالة الحلّ و البراءةيرتفع الشك في المانعيّة،كما هو الشأن في كلّ شك سببيّ و مسببيّ،حيث انّ‏الأصل الجاري في الشك السّببي رافع للشك المسببيّ،و لا يجري الأصل فيه موافقاكان أو مخالفا،هذا.و لنا في كلّ من المحكيّ عن المشهور نظر.امّا في الأول:فلما فيه‏أولا:انّ الموجب للمانعيّة ليس إلاّ التضادّ بين إطلاق الأمر و الحرمة،إذلو لا التّضاد لما كان وجه للمانعيّة و فساد العبادة،و قد تقدّم في مبحث الضّد انّ‏الضدين في عرض واحد،ليس بينهما طوليّة و ترتّب،و ليس وجود أحدهما مقدّمةلعدم الآخر،و لا عدم أحدهما مقدمة لوجود الآخر.فيكون في المقام عدم الأمربالعبادة مع حرمتها في رتبة واحدة،و ليست الحرمة مقدمة لعدم الأمر،و لا عدم الأمرمقدمة للحرمة،فلو كان عدم الحرمة و ارتفاعها في صورة الاضطرار و النّسيان موجباللأمر بالعبادة،يلزم كون عدم أحد الضدين مقدمة لوجود الآخر.و كأنّ المشهورغفلوا عن مبناهم من عدم المقدميّة في باب الضد،و التزموا في المقام بأنّ ارتفاع الحرمة
468
عن العبادة موجب لثبوت الأمر بالعبادة،مع انّ هذا عين القول بالمقدّمية،فتأمل‏جيداو ثانيا:انه هب انّ الحرمة في طول الأمر و بينهما ترتّب،إلاّ انّ المانعيّةليست معلولة للحرمة و مسبّبة عنها،حتى يكون ارتفاعها موجبا لارتفاع المانعيّة،بل‏المانعيّة و الحرمة معا معلولان لعلّة ثالثة،و هي الملاك و المفسدة التي أوجبت الحرمة وأوجبت المانعيّة،و من المعلوم:انّ ارتفاع أحد معلولي علّة ثالثة لا يوجب ارتفاع المعلول‏الآخر إلاّ إذا ارتفعت نفس العلة.و الاضطرار و النّسيان لا يوجبان إلاّ رفع الحرمة،و امّا الملاك و المفسدة فهو بعد على حاله.إلاّ ان يقال:انّ الاضطرار و النّسيان حيث وردا في حديث الرّفع كان‏رفعهما في الدليل كاشفا عن عدم لملاك.و لكن هذا لا يستقيم،لورود حديث الرفع‏مورد الامتنان فهو لا ينافى بقاء الملاك و المفسدة،و يكون المرفوع هو الحرمة فقط.و امّا في الثّاني:فلما فيه أولا:ما عرفت من انّ المانعيّة ليست مسبّبة عن‏الحرمة،حتّى يكون جريان أصالة الحلّ عند الشك في الحرمة موجبا لرفع الشك‏في المانعيّة،بل الشك في المانعيّة بعد على حاله،و لا بدّ ان يجري الأصل في نفس‏المانعيّة،و لا يكفى جريان الأصل في الحرمة.و ثانيا:هب،انّ المانعيّة مسبّبة عن الحرمة،إلاّ انّه ليس كلّ أصل جارفي السّبب يكون رافعا للشك المسبّبي،بل لا بدّ ان يكون المسبّب من الآثار الشرعيةالمترتبة على السّبب،بحيث يكون التّعبد بالسّبب تعبّدا بالمسبب،كما في طهارة الثوب‏المغسول بالماء المشكوك الكرية.و هذا المعنى غير متحقّق فيما نحن فيه،لأنّ الحلّية المجعولةبأصالة الحلّ تكون من سنخ الحليّة المجعولة في حال الاضطرار إلى أكل ما هو محرّم‏الأكل،كالأرنب،غايته انّ الحليّة المجعولة في حال الاضطرار تكون واقعيّة،و المجعولةبأصالة الحلّ تكون ظاهرية.و من المعلوم:انّ حليّة أكل لحم الأرنب عند الاضطرارلا توجب عدم مانعيّة المتّخذ منه من اللّباس للصلاة،لأنّ الأرنب بعد محرّم الأكل،أي خلقه اللّه تعالى محرّم الأكل،كما خلق الغنم محلّل الأكل،و هذه الحرمةالاقتضائية المجعولة لذات الأرنب لا ترتفع بالحليّة المجعولة في حال الاضطرار،كما انّ‏
469
الحليّة المجعولة للغنم بحسب الذّات لا ترتفع بالحرمة العارضة له بسبب الجلل‏أو الوطء،إذ لا تنافي بينهما،فانّ أحدهما حليّة أو حرمة اقتضائيّة وضعيّة ذاتيّة،و الأخرى حليّة أو حرمة تكليفيّة فعليّة عارضيّة.و المانعيّة في غير المأكول على تقديركونها معلولة للحرمة،فانّما هي معلولة لتلك الحرمة الذاتيّة الاقتضائية،و هي كما لاترتفع بالاضطرار،كذلك لا ترتفع بأصالة الحلّ عند الشك في كون الحيوان محلّل‏الأكل أو محرّمة،لما عرفت:من انّ الحليّة المجعولة بأصالة الحلّ من سنخ الحليّةالمجعولة في حال الاضطرار المجامعة للحرمة الذاتيّة.فإجراء أصالة الحلّ لا ينفع في رفع‏الشك في المانعيّة،بل انّ الشك في المانعيّة بعد على حاله،إلاّ ان يدعى انّ أصالةالحلّ تثبت الحليّة الواقعيّة الاقتضائية،و هو بمكان من الفساد بحيث لا يخفى.و هذابالنّسبة إلى مانعيّة غير المأكول واضح.و امّا فيما نحن فيه.من مانعيّة الحرير و الذهب،فان كانت حرمة لبس‏الحرير و الذّهب في الصلاة(نظير حرمة أكل لحم الأرنب)المحفوظة في حال الاضطرارإلى لبس الحرير و الذّهب،فأصالة الحلّ لا تنفع في رفع الشك في المانعيّة،كما في‏غير المأكول.و امّا إذا لم يكن للبس الحرير و الذّهب إلاّ حرمة واحدة و حكم فاردترتفع في حال الاضطرار إلى لبسهما،فبجريان أصالة الحلّ يرتفع الشك في المانعيّة،على تقدير تسليم كون المانعيّة معلولة للحرمة.و قد مال شيخنا الأستاذ مدّ ظله إلى انّ‏الحرمة في لبس الحرير و الذهب نظير الحرمة في غير المأكول،و حينئذ تكون المانعيّةالمستفادة من الحرمة كالمانعيّة المستفادة من النهّي الغيري،في انّها لا ترتفع‏بالاضطرار و النّسيان،و عند الشك فيها من جهة الشبهة الموضوعيّة لا بدّ ان يجري‏الأصل في نفس المانعيّة،و لا تنفع أصالة الحلّ،فتأمل في المقام جيّدا.
الأمر الثاني:
محلّ الكلام في اقتضاء النهّي للفساد،انّما هو فيما إذا كان النهّي متعلّقابالعبادة ابتداء،أي كانت العبادة محرّمة ذاتا.و امّا إذا كان النهّي عنها من جهةقبح التّشريع،أي الحرمة المأتية من قبل قبح التشريع،فهل هو كذلك؟أي‏يقتضى الفساد،أو انّه لا يقتضيه؟أو التفصيل بين العبادة فيقتضيه،و المعاملة فلا
470
يقتضيه.و محلّ الكلام انّما هو في العبادة أو المعاملة التي كانت في الواقع مشروعة وممضاة،أي كانت ممّا تعلّق بها الأمر و الإمضاء و لكن المكلّف لم يعلم بذلك‏و أسندها إلى الشّارع تشريعا.و الحق في مثل هذا،التفصيل بين العبادة و المعاملة،ففي المعاملة:حرمةالتشريع لا تقتضي الفساد،لأنّه هب انّه كان إصدارها قبيحا عقلا و محرّما شرعا،إلاّ انّ حرمة الإصدار و مبغوضيّة الإيجاد لا تقتضي الفساد،على ما سيأتي في المقام‏الثاني.و امّا في العبادة:فالحرمة التشريعيّة كالحرمة الذاتيّة تقتضي الفساد لقبح‏التّشريع عقلا المستتبع بقاعدة الملازمة للحرمة الشرعيّة.و حكم العقل بقبح التّشريع‏لا يدور مدار الواقع،بحيث إذا كانت العبادة في الواقع مشروعة كان المكلّف‏متجرّيا،بل تمام مناط حكم العقل بقبح التشريع هو الإسناد إلى المولى ما لم يعلم انّه‏منه،من غير فرق بين ان يعلم انّه ليس منه،أو يظنّ،أو يشك.و ليس حكم العقل‏بقبح التشريع كحكمه بقبح التصرف في مال الغير،بحيث يكون له حكم واقعي وحكم طريقيّ في صورة الشك،على ما بيّناه في محلّه.فنفس عدم العلم بأنّ الشارع‏لم يأمر بالعبادة يتحقق تمام موضوع حكم العقل بقبح التشريع،و يتبعه الحرمةالشرعيّة.و ليس حكم العقل بقبح التشريع،كحكمه بقبح المعصية ممّا لا يستتبع‏حكما شرعيّا،فانّ قبح المعصية منجعل بذاته كحجيّة العلم،ليس يقبل جعلاشرعيّا،موافقا أو مخالفا.بخلاف قبح التشريع،فانّه قابل لجعل حكم مخالف و لامحذور فيه،إذ يصح للشارع تجويز التشريع،فهذا يدل على انّ قبح التشريع ليس‏ممّا لا يستتبع بقاعدة الملازمة حكما شرعيّا،فحكم العقل بقبح التشريع يقتضى‏الحرمة الشرعيّة.و ليس قبح التشريع أيضا من الآثام القلبيّة،بحيث لا يسرى إلى‏العمل و الفعل المتشرّع به،بل الفعل يكون مبغوضا و قبيحا،غايته انّه لا لذاته،بل‏القبيح هو جهة الإصدار و الإيجاد،و هذا المقدار يكفى في فساد العبادة لجهة بغضهاالفاعلي.و قد تقدّم منا:انّ العبادة تحتاج إلى حسنها الفعلي و الفاعلي معا،و لا يكفى‏حسنها الفعلي،فالحرمة التشريعيّة و ان لم تناف المطلوبيّة الذاتيّة لكونهما في مرتبتين،
471
إلاّ انّها تنافي حسنها الفاعلي فتفسد،فتأمل.
المقام الثاني في النهّي عن المعاملة
و مجمل القول في ذلك:انّ النهّي عن المعاملة تارة يكون للإرشاد إلى عدم‏حصولها،فهذا لا إشكال في كونه موجبا لفسادها،سواء تعلّق بناحية السّبب،أوبناحية المسبّب.فان تعلّق بناحية السّبب فهو يقتضى عدم ترتّب المسبب على ذلك‏السّبب،و ان تعلّق بناحية المسبّب فهو يقتضى عدم حصوله في الخارج.و هذا ممّا لاإشكال فيه،فانّ النهّي الإرشادي حيث ما تعلّق يقتضى الفساد،حيث انّه إرشادإلى الفساد.و امّا إذا كان النهّي عن المعاملة مولويّا مفاده الحرمة،فتارة:يتعلق‏بالسّبب،و أخرى:يتعلّق بالمسبّب،و ثالثة:يتعلّق بآثار المسبّب:من التّصرف‏في الثّمن و المثمن،و غير ذلك من الآثار المترتّبة على المعاملة.و التّعبير بالسّبب‏و المسبّب لا يخلو عن مسامحة،لما تقدم من انّه ليس باب العقود و الإيقاعات من‏الأسباب و المسبّبات،بل هي من باب الإيجاديّات،و الإيجاب و القبول بمنزلة الآلةلذلك،و يكون المنشأ بنفسه هو الصادر عن المكلّف ابتداء،و هو الموجد له في وعاءالاعتبار،لا انّ الصادر عنه هو السّبب،حتّى يكون النقل و الانتقال من المسببات‏التوليديّة.و قد تقدّم تفصيل ذلك.فالمراد من تعلّق النهّي بالسّبب تعلّقه بالإيجادبمعناه المصدري،و يكون المحرّم المنهيّ عنه هو إيجاد المعاملة و إنشائها و الاشتغال بها،كالبيع وقت النداء،حيث انّ المحرّم هو الاشتغال بالبيع وقت النداء،لا النّقل‏و الانتقال.و المراد من تعلّقه بالمسبّب تعلّقه بالموجد،بمعناه الاسم المصدري،و يكون‏المحرّم المبغوض هو المنشأ و النقل و الانتقال،كبيع المسلم و المصحف للكافر،حيث انّ‏المبغوض هو نقل المسلم و المصحف للكافر،لا إنشاء النّقل،و مبغوضيّة الإنشاءلمكان ما يستتبعه من الأثر،و هو النّقل و الانتقال.إذا عرفت ذلك فنقول:انّ النهّي لو كان عن نفس الإيجاد و الإنشاءو الاشتغال بالمعاملة،فهو لا يقتضى الفساد،إذ حرمة الإيجاد لا يلازم مبغوضيّةالموجد و عدم تحقّقه.و امّا لو تعلّق النهّي بنفس المنشأ و الموجد،فهو يقتضى الفساد
472
لخروج المنشأ حينئذ عن تحت سلطانه،و لا قدرة عليه في عالم التّشريع،و المانع‏التّشريعي كالمانع العقلي.و الحاصل:انّ الأمر و النهّي الشرعيّين موجبان لخروج متعلّقهما عن سلطة المكلّف،ويكون في عالم التشريع مقهورا على الفعل أو التّرك،و من هنا كان أخذ الأجرة على‏الواجبات حراما،لخروج الفعل بالإيجاب الشرعي عن تحت قدرته و سلطانه،فليس‏يمكنه تمليكه إلى الغير ليأخذ الأجرة عليه،إلاّ إذا تعلّق الإيجاب بنفس الإيجادو الإصدار كما في الصّناعات النّظاميّة،فانّه له أخذ الأجرة على عمله،لعدم خروج‏عمله بمعناه الاسم المصدري عن تحت سلطانه،لعدم تعلّق الإيجاب به،بل تعلّق‏الإيجاب بنفس الإيجاد و الإصدار و عدم احتكار العمل.و امّا إذا تعلّق الأمر بنفس‏العمل بمعناه الاسم المصدري فقد خرج العمل عن تحت سلطانه،كما انّه لو تعلّق‏النهّي بنفس العمل فانه أيضا يخرج عن تحت سلطانه،و يكون النهّي مخصّصالعموم(الناس مسلّطون على أموالهم)و على ذلك يبتنى عدم جواز بيع منذور الصدقةو مشروطها في ضمن العقد،أو نذر البيع من زيد أو شرط ذلك،فانّه لا يصح بيعه‏من غير زيد.و السر في جميع ذلك:هو انّ النذر،و الشرط،و الأمر و النهّي،موجب‏لخروج المتعلّق عن دائرة السلطنة،و مخصّص لعموم(النّاس مسلّطون على أموالهم)ومن شرائط صحّة المعاملة السلطنة و عدم الحجر.و دعوى انّ الوجوب و الحرمة لاينافيان السلطنة ضعيفة غايته،فانّه لا معنى لبقاء السلطنة مع المنع الشرعيّ،كما لامعنى لبقاء السلطنة مع سلبها عن نفسه بنذر أو شرط،بعد ما دلّ الدليل على لزوم‏الوفاء بالنذر و الشرط.و قد عرفت:انّ جميع ذلك مندرج تحت جامع واحد و ملاك‏فارد،و هو انّ الممنوع عنه شرعا موجب لسلب السلطنة.و بعض ما يترتّب على ذلك من‏الفروع كأنّه متسالم عليه عند الأصحاب،و ان كان بعضه الآخر لا يخلو عن خلاف.هذا إذا تعلّق النهّي بنفس المنشأ.و امّا إذا تعلّق بآثاره،كقوله:ثمن‏العذرة أو الكلب سحت،فهو يكشف أيضا انّا عن عدم ترتّب المنشأ و عدم تحققه.و
473
من الغريب:ان بعض الأعلام سلم دلالة النهي عن الآثار على الفساد،و أنكر دلالةالنهي عن نفس المنشأ على الفساد،مع انّ الثاني أولى،فتأمل جيدا.ثمّ انّه ربّما يستدلّ على الفساد،ببعض الأخبار (1) المعلّلة لعدم فساد نكاح‏العبد بدون اذن مولاه:بأنه لم يعص اللّه و انّما عصى سيّده.تقريب الاستدلال:هو انّ الظاهر من الرواية،انّ الشي‏ء إذا كان معصيةللّه تعالى فهو فاسد،و لا يصححه إجازة الغير،و النهّي التحريمي المتعلّق بالمعاملةيوجب كون المعاملة معصية للّه فتفسد.و هذا بخلاف ما إذا لم تكن المعاملة ممّا نهى‏عنها الشارع ابتداء،بل كان نهيه عنها يتبع حقّ الغير،لكونها تصرّفا في سلطان الغير وتضييعا لحقّه،فهذا لا يقتضى الفساد،لأنّ الحق راجع إلى الغير،فله إسقاط حقّه وإجازة المعاملة.فهذه الرواية تكون من أدلّة جريان الفضولي في كلّ ما يكون متعلّقالحق الغير،و لا يختصّ الفضولي بما إذا كانت الرقبة ملكا للغير،بل مطلق تعلّق حق‏الغير بالرقبة،و لو لأجل الرّهانة،أو الخيار،أو الجناية،يوجب كون المعاملة معصيةلذلك الغير المستتبع لمعصية اللّه تعالى،لمكان تضييع حقّ الغير،و ليست معصية اللّه‏تعالى فيما إذا كانت المعاملة ممّا تعلّق بها حق الغير سوى كونه تضييعا لحقّ الغير وتفويتا لسلطنته.و هذا بخلاف ما إذا كانت المعاملة بنفسها معصية اللّه تعالى وتصرّفا في سلطنته تعالى،لمكان النهّي عنها و البعث إلى تركها،فانّ مثل هذه المعصيةتوجب الفساد.فيكون متحصّل مفاد الرواية:انّ المعاملة ان كانت معصية اللّه تعالى ابتداءو لم تكن معصية لغيره تعالى فهي فاسدة و لا تتحقّق.و ان كانت معصية للغير،لمكان‏كونها تصرّفا في سلطنة الغير،فهي لا تقع فاسدة،بل أمرها يرجع إلى ذلك الغير،فان‏أجاز نفذت.و بذلك يندفع ما يقال:من انّ معصية السيد أيضا معصية اللّه،فتدلّ‏الرواية على انّ معصية اللّه لا توجب فساد المعاملة،و المراد من قوله:لم يعص اللّه،هوانّه ليس نكاح العبد ممّا لم يشرع اللّه تعالى كالنّكاح في العدّة،فأقصى ما تدلّ عليه‏
1)الوسائل،الجزء 14 الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء ص 523

474
الرواية هو انّ المعاملة ان كانت ممّا لم يشرعها اللّه تعالى فهي تقع فاسدة،و ان‏كانت ممّا شرعها اللّه تعالى في نوعها و لكن نهى عن بعض افرادها لخصوصيّة هناك‏،كالنّكاح بلا اذن السّيد،فهذه المعاملة لا تقع فاسدة،فالرّواية أدلّ على الصحة من‏دلالتها على الفساد.وجه الدفع:هو انّ معصية السيد و ان كانت معصية اللّه تعالى إلاّ انّه قدعرفت انّ المراد من كونها معصية اللّه ليس إلاّ كون المعاملة تضييعا لحقّ السيد وتصرّفا في سلطنته،حيث انّ العبد مملوك للمولى و ليس له سلطنة على شي‏ء،فالروايةتدلّ على انّ كلّ ما يكون تصرّفا في سلطنة الغير.فأمره راجع إلى الغير،و كلّ مايكون تصرّفا في سلطان اللّه تعالى فهو يقع فاسدا.و المعاملة المنهي عنها شرعا تكون‏تصرّفا في سلطانه تعالى و معصية له فتقع فاسدة،لكونها خروجها عن وظيفة العبودية.كما انّ إطلاق المعصية على معصية السيّد تكون بهذه العناية،حيث انّ العبد خرج‏عن وظيفته بنكاحه بلا اذن سيّده،فتأمل جيّدا.
تنبيه‏
حكى عن أبي حنيفة:دلالة النّهى عن العبادة و المعاملة على الصّحة،و قد تبعه في خصوص المعاملة بعض أصحابنا،بتقريب:انّ متعلّق النّهى كمتعلّق‏الأمر لا بد ان يكون مقدورا بعد النّهى،ليمكن موافقة النّهى و مخالفته،و معلوم:انّ‏النّهى لم يتعلّق بالعبادة أو المعاملة الفاسدة،إذ لا حرمة في إتيان العبادة أو المعاملةالفاسدة،فالمنهي عنه لا بدّ ان يكون صحيحا حتى بعد النّهى ليمكن مخالفة النّهى،فلواقتضى النّهى الفساد يلزم ان يكون النّهى سالبا لقدرة المكلّف،و موجبا لرفع قدرةالمكلّف على مخالفته،هذا.و لكن لا يخفى عليك:فساد الأشكال.امّا في العبادات:فلأنّ النّهى فيهالم يتعلّق بما هو عبادة فعليّة،بل تعلّق بشي‏ء لو امر به لكان امره عباديا،على ما تقدّم‏بيانه،و المكلّف قادر على فعل متعلّق النّهى و مخالفته و لو بعد النّهى.و الّذي لا يكون‏قادرا عليه،هو فعل ما يكون عبادة فعليّة،و ليس هذا متعلّق النّهى،و ذلك واضح.و امّا في المعاملة:فلأنّ متعلّق النّهى هو المبادلة الّتي يتعاطاها العرف و ما
475
هي بيدهم،لا المبادلة الصحيحة،فانّ المبادلة العرفيّة لا تتّصف بالصّحة و الفساد،بل الصحة و الفساد انما ينتزعان من إمضاء الشارع لتلك المبادلة و عدم إمضائها،وما ينتزع عن الحكم الشرعيّ لا يعقل ان يؤخذ في متعلّق ذلك الحكم،و المبادلةالعرفيّة مقدورة للمكلّف و لو بعد النّهى الشرعي،كما هو المشاهد انّ بائع الخمر مع علمه‏بالفساد و النّهى الشرعي حقيقة يبيع الخمر و يقصد المبادلة،بحيث يكون بيعه للخمرمع علمه بالفساد كبيعه له مع عدم علمه به،بل مع علمه بالصّحة.و كذا سائرالمبادلات العرفيّة التي تكون منهيّا عنها،فانّ جميعها مقدورة و ممّا يتعلّق بها القصدحقيقة،و النّهى الشرعيّ يوجب فسادها،أي عدم تحقق المبادلة خارجا شرعا،و ان‏تحقّقت عرفا.فدعوى انّ النهي من المعاملة يقتضى الصحة ضعيفة جدّاً،فتأمل‏جيّدا.هذا تمام الكلام في النّهى عن العبادة و المعاملة.و قد وقع الفراغ من‏تسويده ليلة الجمعة 25 ج 1 سنة 1347.
476
المقصد الثالث:في المفاهيم‏
و قبل الخوض في المقصد ينبغي تقديم مقدمة.و هي:انّ المفهوم-على ما عرفت منّا مرارا-عبارة عن المدرك العقلاني‏الّذي يدركه العقل عند الالتفات إلى الشي‏ء،حيث انّ لكل شي‏ء وجودا عقلانيّا على‏طبق وجوده الخارجي،سواء كان ذلك الشي‏ء من الماديّات،أو المجرّدات.و سواءكان جزئيّا،أو كليّا.و ذلك المدرك العقلاني يكون بسيطا،و ليس مركّبا من مادةو صورة،إذ المادة و الصورة تكون من شئون الوجود الخارجي،و امّا الوجود العقلاني‏فهو مجرّد عن ذلك لا تركيب فيه.و ذلك المدرك هو المعبّر عنه:بالمفهوم،و المدلول،و المعنى،و المقصود،كلّ من جهة،إلاّ انّ الجميع يشير إلى امر فارد و شي‏ء واحد.و المفهوم،كما يكون في الألفاظ الأفراديّة،كذلك يكون في الجمل‏التركيبيّة،حيث انّه كما انّ للمفردات معنى و مفهوما مدركا عقلانيّا،كزيد،وعمرو،و إنسان،و شجر،كذلك يكون للجمل التّركيبيّة معنى و مفهوم،كزيدقائم،و النّهار موجود،و غير ذلك.و كما انّ للألفاظ المفردة معنى مطابقيّا و معنى‏التزاميّا،فكذلك يكون للجمل التركيبيّة معنى مطابقيّ و معنى التزامي.و كما انّ‏لازم المعنى الأفرادي تارة:يكون بيّنا أخصّ،و أخرى:يكون أعمّ،فكذلك لازم‏المعنى التركيبي ينقسم إلى هذين القسمين.و اما الدلالة التضمنيّة فهي لا واقع لها،سواء في الألفاظ الأفراديةأو الجمل التركيبيّة لما عرفت:من انّ المعنى و المفهوم هو المدرك العقلاني الّذي يكون‏بسيطا مجرّدا عن المادة و ليس له جزء،فالدلالة التضمنيّة لا أساس لها و ان كانت‏مشهورة في الألسن،بل الدّلالة امّا ان تكون مطابقية،و امّا ان تكون التزاميّة.
477
و اللازم في الدلالة الالتزامية،امّا ان يكون لازما بالمعنى الأخصّ،و امّا ان يكون‏لازما بالمعنى الأعمّ.و اللازم بالمعنى الأعم،سواء كان في المعاني الأفراديّة أو في‏الجمل التركيبيّة،ليس من المداليل اللفظيّة لأن اللفظ لا يدل عليه و لا ينتقل الذّهن‏إليه بواسطة اللفظ،بل يحتاج إلى مقدّمة عقليّة.و من هنا قلنا:انّ مسألة مقدمة الواجب،و مسألة الضد،ليست من المباحث‏اللّفظيّة،لكون اللازم فيها لازما بالمعنى الأعم،لتوقف اللزوم على توسيط حكم العقل.و لعلّ دلالة الاقتضاء كقوله تعالى:و اسئل القرية،و دلالة الإشارةو الإيماء كدلالة الآيتين على انّ أقلّ الحمل يكون ستة أشهر،و دلالة قوله صلى اللّه‏عليه و آله:كفّر،عقيب قول السائل(هلكت و أهلكت جامعت أهلي في نهار شهررمضان)على عليّة الجماع للتكفير-إذ لو العليّة لبطل الاقتران-كلّ ذلك يكون‏اللازم فيه من اللازم بالمعنى الأعمّ،فلا يكون من الدلالة اللفظيّة.و على تقدير تسليم‏كون بعضها من الدلالة اللّفظية فهو ليس من المنطوق و المفهوم المبحوث عنه في المقام،إذ المراد من المنطوق:هو ما دلّ عليه الجملة التركيبيّة بالدلالة المطابقيّة،و المراد من‏المفهوم:هو ما دلت عليه الجملة التركيبيّة بالدلالة الالتزاميّة بالمعنى الأخصّ.فما لم‏يكن مدلولا مطابقيّا للجملة و لا مدلولا التزاميّا بالمعنى الأخصّ،لا يكون من المنطوق‏و المفهوم،سواء قلنا:بأنه مدلول اللفظ-كما قيل في مثل دلالة الإشارة-أو قلنا:بأنه‏خارج عن مدلول اللّفظ و كان من اللازم بالمعنى الأعمّ.فما يظهر من بعض من‏إدراج مثل دلالة الإشارة في المنطوق فاسد.كما انّ ما يظهر من بعض من إدراجهافي المفهوم فاسد أيضا،فانّها و ان قلنا بأنها من الدلالة اللفظيّة تكون خارجة عن‏المفهوم و المنطوق،و لا مانع من ثبوت الواسطة بين المنطوق و المفهوم.و على كلّ حال:الأمر في ذلك سهل،من جهة انّه بحث يرجع إلى‏الاصطلاح.و المقصود في المقام بيان انّ المراد من المنطوق:هو المدلول المطابقي للجملةالتركيبيّة،و المراد من المفهوم:هو المدلول الالتزامي لها على وجه يكون بيّنا بالمعنى‏الأخصّ.و لعلّه إلى ذلك يرجع ما عن بعض من تعريف المنطوق:بما دلّ عليه اللفظ
478
في محلّ المنطق،و المفهوم:بما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق،بان يكون المراد من‏محلّ النطق و لا محلّه هو المدلول المطابقي و المدلول الالتزامي.و بعد ذلك لا يهمّناالبحث و إطالة الكلام في التعريفات التي ذكروها للمنطوق و المفهوم،مع ما يردعليها من عدم الانعكاس و الاطراد،فانّها تعاريف لفظيّة قلّما تسلم عن الأشكال.كما لا يهمّنا البحث عن انّ المنطوق و المفهوم من صفات الدال أو المدلول،و انّما المهمّ‏هو البحث عن الجمل التي يكون لمدلولها المطابقي لازم بالمعنى الأخصّ،المعبّر عنه‏بالمفهوم.و ينبغي ان يعلم:انّ النزاع في المقام انّما يكون صغرويّا،أي انّه بحث عن‏أصل ثبوت المفهوم و اللازم،لا عن حجيّته،لأنّ حجيّته بعد ثبوته مفروغ عنها و لاكلام فيها.إذا عرفت ذلك فاعلم:انّ هناك جملا تركيبيّة وقع النزاع في ثبوت اللازم‏و المفهوم لها.
الفصل الأوّل في مفهوم الشرط
و البحث عن القضيّة الشرطيّة تارة:يقع في معنى الشرط،و أخرى:في مفادالقضيّة الشرطية أي المدلول المطابقي لها،و ثالثة:في ثبوت المفهوم لها أي المدلول‏الالتزامي.امّا معنى الشرط:فهو يطلق على معنيين:أحدهما:المعنى الحدثي(أي الجعل)و هو بهذا المعنى يكون متصرّفا يشتقّ منه‏الشارط و المشروط و غير ذلك،و هو المراد من قوله عليه السلام: (1) شرط اللَّه قبل‏شرطكم،و قوله عليه السلام:في الدعاء و لك شرطي ان لا أعود في معصيتك.و لايختصّ هذا المعنى من الشرط بان يكون في ضمن عقد،و ان كان يظهر من القاموس‏ذلك.و ثانيهما:ما يلزم من عدمه العدم،مع قطع النّظر عن استلزام وجوده‏
1)الوسائل،الجزء 17 الباب 22 من أبواب موانع الإرث الحديث 1 ص 409

479
الوجود،و هو بهذا المعنى جامد لا يتصرّف.و لتفصيل الكلام في ذلك محل آخر،إذ البحث عن ذلك لا ربط له بالمقام.و امّا مفاد الجملة الشرطيّة،و انّ الشرط إلى أيّ شي‏ء يرجع،فقد تقدّم‏البحث عن ذلك مفصلا في الواجب المشروط (1) و قلنا:انّ التعليق لا يرجع إلى‏النّسبة،و ان كان يظهر من عبارة التهذيب ذلك،حيث عرّف القضية الشرطية:بماحكم فيها بثبوت نسبة على تقدير أخرى.بل التعليق و الشرط يرجع إلى المحمول‏المنتسب،لا نفس المحمول بمعناه الأفرادي،حتى يرجع التقييد إلى المادة و يكون شرطالواجب،بل يرجع إلى المحمول المنتسب.و بذلك دفعنا إشكال:ان النسبة معنى‏حرفيّ و المعنى الحرفي غير قابل للتّقييد لأنّ التقييد يستدعى لحاظ المقيّد معنى‏اسميّا،فراجع ما تقدّم منا في الواجب المشروط.و المهم في المقام،هو البحث عن‏المدلول الالتزامي للقضيّة الشرطيّة،المعبّر عنه بالمفهوم.فاعلم:انّ ثبوت المفهوم للقضيّة الشرطيّة يتوقف:على كون الترتّب بين الجزاء و الشرط ناشئا عن علاقة ثبوتية في نفس الأمرو الواقع،و ليس الترتب بينهما لمجرّد الاتفاق و المصادفة،كما في قولك:إذا كان‏الإنسان ناطقا فالحمار ناهق،إذ لا علاقة بين نهيق الحمار و نطق الإنسان في نفس‏الأمر،بل العلاقة بينهما تكون علاقة جعليّة لحاظيّة.و على ان يكون الترتب ترتّب العليّة و المعلوليّة،بان تكون العلاقة بين الجزاءو الشرط علاقة العليّة و المعلوليّة لا علاقة التلازم و التضايف،و ان تكون العلّةهو المقدّم و الشرط لا التالي و الجزاء،و ان يكون الشرط علّة منحصرة لا يخلفه شرطآخر،و لا يكون لشي‏ء آخر دخل في عليّته.فإذا تمّت هذه الأمور للقضيّة الشرطيّة كان لها مفهوم،و إذا انتفى أحد هذه‏الأمور لم يكن للقضيّة مفهوم.و السرّ في اعتبار هذه الأمور واضح،فانّه لو لم يكن بين‏
1)راجع الجزء الأول من الكتاب مبحث تقسيمات الواجب.الأمر الثاني من بحث الواجب المشروطص 178

480
الجزاء و الشرط علقة ثبوتيّة و كانا متقارنين من باب الاتفاق،لم يكن انتفاء الشرطمستتبعا لانتفاء الجزاء،إذ لا مدخليّة للشرط حينئذ في وجود الجزاء.و كذا لو فرض انّ بينهما علاقة ثبوتيّة و لكن لم تكن تلك العلاقة علاقةالعلية و المعلوليّة بل كانت علاقة التلازم،فانّه أيضا لا يقتضى انتفاء الشرط انتفاءالجزاء،لأنّ انتفاء أحد المتلازمين لا يستلزم انتفاء اللازم الآخر.إلاّ إذا كان التلازم‏دائميّا،بحيث كانا معلولين لعلّة ثالثة منحصرة،فانّ انتفاء أحد المتلازمين في مثل‏هذا يقتضى انتفاء الآخر،إلاّ ان القضيّة الشرطية حينئذ لا تدلّ على هذا الوجه من‏التلازم،فانّ العلّة لم تكن مذكورة في القضيّة حتى يستفاد منها الانحصار أو عدم‏الانحصار،و أقصى ما تقتضيه القضيّة الشرطية-بناء على عدم استفادة علية الشرطللجزاء-هو مجرّد التلازم بين الشرط و الجزاء،و امّا كونه على هذا الوجه أو على ذلك‏الوجه فليس للقضيّة الشرطيّة دلالة عليه،و لا بدّ في إثبات ذلك من الخارج،فيخرج‏عمّا نحن فيه:من دلالة نفس القضيّة الشرطيّة على المفهوم.و كذا لو فرض عدم دلالةالقضيّة الشرطيّة على كون الشرط علة منحصرة،فانّ انتفاء الشرط في مثل ذلك أيضالا يقتضى انتفاء الجزاء،لإمكان ان يخلفه شرط آخر.فالمهمّ هو إثبات ظهور القضيةالشرطيّة في كون الشرط علة منحصرة،اما وضعا و اما إطلاقا.فنقول:امّا دلالة القضيّة الشرطيّة على ثبوت العلقة بين الشرط و الجزاء وانّه ليس ذلك محض الاتفاق،فممّا لا ينبغي الأشكال فيها،بل لا يبعد كون دلالتهاعلى ذلك بالوضع،لعدم صحّة مثل-إذا كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا-بلاعناية،بل يتوقّف على لحاظ عناية و علاقة جعليّة لحاظيّة.و إلاّ فانّ نفس القضيةالشرطيّة تقتضي ان يكون بين الشرط و الجزاء علاقة لزوميّة،فان لم يكن ذلك‏بالوضع-كما هو ليس ببعيد-فلا أقلّ من ظهورها العرفي في ذلك.و امّا دلالة القضيّة الشرطيّة على كون العلقة بين الجزاء و الشرط علقةالترتب و علية الشرط للجزاء،فهي و ان لم تكن بالوضع و ليس لنفس القضيّةالشرطيّة ظهور عرفيّ في ذلك،إلاّ انّه لا يبعد دعوى الظهور السياقي في ذلك،حيث‏انّ سوق الكلام من جعل الشرط مقدّما و الجزاء تاليا،هو ان يكون الكلام على وفق‏
481
ما هو الواقع بمقتضى تبعيّة عالم الإثبات لعالم الثبوت،فانّه لو كان الجزاء علةللشرط،أو كانا معا معلولين لعلّة ثالثة،لكان الكلام مسوقا لبيان البرهان الإني،ويتوقف ذلك على كون المتكلّم في مقام الاستدلال على انتفاء الشرط عند انتفاءالجزاء،حسب ما يقتضيه الاستدلال الإني،و هذا يحتاج إلى مئونة خارجيّة،و إلاّ فانّ‏طبع الكلام يقتضى كون المقدّم هو المقدّم و التالي هو التالي في الواقع و عالم الثبوت،فيكون الكلام قد سيق على طبق الواقع.و الإنصاف:انّ دعوى الظهور السياقي للقضيّة الشرطيّة في كون الشرط علّةللجزاء قريبة جدّاً لا مجال لإنكارها،و لكن هذا بنفسه لا يكفى في ثبوت المفهوم‏للقضية ما لم يكن الشرط علّة منحصرة،و إثبات الانحصار لا يمكن إلاّ بدعوى إطلاق‏الشرط و إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات انحصاره،بتقريب:انّه لو لم يكن الشرطوحده علّة منحصرة لكان على المولى الحكيم،الّذي فرض انّه في مقام البيان،ان يقيدإطلاق الشرط بكلمة الواو،أو بكلمة أو،ليبيّن بذلك انّ الشرط ليس بعلّة وحده،بل يشاركه في عليّته شي‏ء آخر و لو عند الاجتماع،أو انّ الشي‏ء الفلاني أيضا علّة،و حيث لم يبين ذلك يستفاد منه انّ الشرط وحده علّة،سواء سبقه شي‏ء آخر أو لم‏يسبقه،قارنه شي‏ء أو لم يقارنه،و هو معنى كون الشرط علّة منحصرة،هذا.و لكن الإنصاف:انّ هذا التقريب لا يستقيم،لأنه أولا:انّ مقدمات‏الحكمة انّما تجري في المجعولات الشرعيّة،و مسألة العليّة و السببيّة غير مجعولة،على ماتقدّم منّا مرارا،و انّما المجعول هو المسبّب على تقدير وجود سببه،فلا معنى للتّمسك‏بإطلاق الشرط على كونه علّة منحصرة.و ثانيا:انّ القضية الشرطية لا دلالة لها على استناد الجزاء إلى الشرط،وكون وجوده معلولا لوجوده،بل غاية ما تدلّ عليه القضية الشرطيّة،هو الترتّب بين‏الجزاء و الشرط و وجود الجزاء عند وجود الشرط.و هذا المعنى لا يتفاوت الحال فيه،بين كون الشرط علّة منحصرة،أو غير منحصرة،فانّ الجزاء يكون مترتّبا على الشرطعلى نسق واحد،سواء كان هناك شرط آخر،أو لم يكن.بل لو فرض دلالة القضيّةالشرطيّة على استناد الجزاء إلى الشرط و كونه معلولا له لم يكن أيضا موقع للتمسك‏
482
بإطلاق الشرط و جريان مقدّمات الحكمة على الانحصار،فانّ استناد المعلول إلى علّته‏المنحصرة و غير المنحصرة على نسق واحد،إذ في العلّة الغير المنحصرة يكون المعلول‏مستندا إليها،على نحو استناده إلى المنحصرة،هذا.و لكن لا يخفى عليك:انّ هذه الكلمات كلّها أجنبيّة عن مسألة استظهارالمفهوم للقضيّة الشرطيّة،بل استظهار المفهوم لها يحتاج إلى بيان آخر.و حاصله:هوانّه قد عرفت انّ المفهوم عبارة عمّا يكون لازما للكلام،و يكون الكلام دالاّ عليه‏بالدلالة الالتزاميّة بالمعنى الأخصّ،و الدّلالة الالتزاميّة للكلام لا تكون إلاّ إذا كان‏الكلام مشتملا على خصوصيّة توجب ذلك،بحيث تكون تلك الخصوصيّة ممّا أنيطبها المحمول في الكلام،سواء كان المحمول من سنخ الأحكام الشرعيّة،أو غيرها،على‏وجه يدور المحمول مدار تلك الخصوصيّة،فانّه عند ذلك يدلّ الكلام بالدلالةالالتزاميّة على انتفاء المحمول عند انتفاء الخصوصية،فلو لم تكن تلك الخصوصيّة ممّاأنيط بها المحمول لا يكون انتفاء الخصوصيّة موجبا لانتفاء المحمول.و هذا المعنى لايختصّ بالقضيّة الشرطيّة،بل في جميع القضايا التي تكون من ذوات المفهوم لا بدّ ان‏تكون على هذا الوجه،أي تكون مشتملة على خصوصيّة قد أنيط بها المحمول،و ليست‏القضيّة الشرطيّة تختص بذلك،فانّ كلّ قضيّة حمليّة تتضمّن القضية الشرطية يكون‏موضوعها المقدّم و محمولها التالي.و من هنا قلنا:انّ كلّ شرط يرجع إلى الموضوع،ويكون معنى(ان جاءك زيد فأكرمه)هو انّ زيد الجائي يجب إكرامه.إذا عرفت ذلك،فنقول:انّ الشرط الّذي تتضمّنه القضية الشرطيّة،تارة:يمكن ان يناط به المحمول منوطا بذلك الشرط،و أخرى:لا يمكن جعل الإناطة،بل‏يكون المحمول بنفسه منوطا بالشرط تكوينا،بحيث لا يعقل تحقّقه بدون تحقّق‏الشرط،فان كان الشرط على الوجه الثاني فليس للقضية مفهوم،لأنّ القضية تكون‏حينئذ مسوقة لبيان فرض وجود الموضوع،مثل:ان رزقت ولدا فاختنه،و ان ركب‏الأمير فخذ ركابه،حيث لا يعقل ختان الولد و أخذ ركاب الأمير إلاّ بعد تحقق‏الشرط،فالمحمول في مثل هذا لا يمكن ان يقيّد بالشرط و يناط به،إذا التقييد فرع‏إمكان الإطلاق.و المحمول الّذي يتوقف على الشرط عقلا لا يمكن فيه الإطلاق،فهو
483
بنفسه مقيّد تكوينا.و هذا هو السّر في عدم المفهوم للقضيّة اللقبيّة،من جهة انّ‏الاشتراط الّذي يتضمّنه اللقب ليس إلاّ فرض وجود الموضوع،فمثل قوله:أكرم زيدامعناه انّه ان وجد زيد فأكرمه،و الإكرام يتوقف عقلا على وجود زيد.و ان كان الشرط على الوجه الأول،كمجي‏ء زيد،و ركوبه،و جلوسه،و غير ذلك من الحالات التي لا يتوقّف إكرامه عليها عقلا،فلا محالة يكون الجزاءمقيّدا بذلك الشرط في عالم الجعل و التشريع،و معنى التّقييد هو إناطة الجزاء بذلك‏الشرط،و مقتضى إناطته به بالخصوص هو دوران الجزاء مداره وجودا و عدما،بمقتضى الإطلاق و مقدمات الحكمة،حيث انّه قيد الجزاء بذلك الشرطبخصوصه،و لم يقيّد بشي‏ء آخر،لا على نحو الاشتراك بان جعل شي‏ء آخر مجامعالذلك الشرط قيدا للجزاء،و لا على نحو الاستقلال بان جعل شي‏ء آخر موجبالترتب الجزاء عليه و لو عند انفراده و عدم مجامعته لما جعل في القضيّة شرطا،ومقتضى ذلك هو دوران الجزاء مدار ما جعل شرطا في القضيّة،بحيث ينتفي عندانتفائه،و هو المقصود من تحقق المفهوم للقضيّة.فمقدمات الحكمة انّما تجري في ناحية الجزاء من حيث عدم تقييده بغير ماجعل في القضيّة من الشرط،لا في الشرط،حتى يرد عليه ما تقدّم من الأشكال.و الحاصل:انّ إطلاق الجزاء في المقام بالنّسبة إلى ما عدا الشرط في اقتضائه‏المفهوم يكون كإطلاق الوجوب في اقتضائه النّفسيّة العينيّة التعيينيّة،من غير فرق‏بين المقامين أصلا،حيث انّ مقدّمات الحكمة انّما تجري لاستكشاف المراد،و انّ‏المراد النّفس الأمري هو ما تضمّنه الكلام بعد إحراز كون المتكلّم في مقام البيان،كما هو الأصل الجاري عند العقلاء في محاوراتهم،حيث انّ الأصل العقلائي يقتضى‏كون المتكلم في مقام بيان مراده النّفس الأمري،الا ان تكون هناك قرينة نوعيةعلى الخلاف،و في المقام مقتضى تقييد الجزاء بالشرط هو كون المتكلّم في مقام‏البيان.و دعوى انّه في مقام البيان من هذه الجهة دون سائر الجهات و القيود،فاسدةفانّه لو بنى على ذلك لانسدّ باب التّمسك بالإطلاقات في جميع المقامات،إذ ما من‏
484
مورد إلاّ و يمكن فيه هذه الدّعوى.و مقتضى كونه في مقام البيان و عدم تقييد الجزاءبقيد آخر هو انّ الجزاء مترتّب على ذلك الشرط فقط،من دون ان يشاركه شرط آخرأو ينوب عنه.و بعد ذلك لا ينبغي التوقف في ثبوت المفهوم للقضيّة الشرطيّة التي لايتوقف الجزاء فيها على الشرط عقلا،فتأمل جيدا.
و ينبغي التنبيه على أمور:
الأمر الأول:
انّ المراد من انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط-المعبّر عنه بالمفهوم-هو انتفاءسنخ الحكم و نوعه،لا شخصه،فانّ انتفاء الشخص انّما يكون بانتفاء موضوعه عقلا،من غير فرق في ذلك بين القضيّة الشرطيّة،و الوصفيّة،و اللقبيّة.فالذي تمتاز بهاالقضيّة الشرطيّة عن القضية اللقبيّة،انّما هو انتفاء سنخ الحكم في القضيّة الشرطيّةعند انتفاء الشرط،دون القضيّة اللقبيّة،حيث انّ القضية الشرطيّة تدل على انتفاءسنخ الحكم،بخلاف القضيّة اللقبية،من غير فرق بين كون الجزاء في القضيّة الشرطيةبصورة الأخبار،كما إذا قال:انّ جاءك زيد يجب عليك إكرامه،أو بصورة الإنشاءكما إذا قال:ان جاء زيد أكرمه.و توهم الفرق بينهما-بأنّ الشرط في الصورة الأولى انّما كان شرطا للوجوب،فبانتفاء الشرط ينتفي أصل الوجوب و نوعه،و هذا بخلاف الصورة الثانية،فانّ‏الشرط انّما كان شرطا للإنشاء المستفاد منه الوجوب و انتفاء الشرط انّما يوجب‏انتفاء الإنشاء الخاصّ،و هذا لا يقتضى انتفاء نوع الوجوب و سنخه-ضعيف‏غايته،لما عرفت سابقا من انّ الشرط لا يرجع إلى الهيئة و ان قلنا بأنّ الموضوع له‏في الحروف عامّ لأنّ المعنى غير قابل للتّعليق و التقييد فان التقييد و التعليق يقتضى لحاظالشي‏ء معنى اسميّا،بل الشرط يرجع إلى المحمول المنتسب،أي المحمول في رتبة الانتساب،على ما تقدّم تفصيله في الواجب المشروط،فالمعلّق عليه هو وجوب الإكرام على جميع‏الصور،و هو الّذي ينتفي بانتفاء الشرط.و ممّا ذكرنا ظهر:انه لا يبتنى التوهم المذكور على كون الوضع في الحروف‏خاصّا،و لا جوابه على كون الوضع فيها عامّا،فتأمل جيدا.
485
الأمر الثاني:
انّ المفهوم يتبع المنطوق في جميع القيود المعتبرة فيه،و انّما التفاوت بينهمابالسلب و الإيجاب،فالموضوع في المفهوم هو الموضوع في المنطوق،و المحمول فيه هو المحمول‏فيه.فلو قال:ان جاءك زيد في يوم الجمعة راكبا فأكرمه،كان مفهومه ان لم يجئك‏زيد في يوم الجمعة راكبا فلا تكرمه.و يكفى في انتفاء وجوب الإكرام انتفاء أحدالقيود المأخوذة في المنطوق فينتفى وجوب الإكرام إذا جاء زيد في يوم الجمعة غيرراكب.و السّر في ذلك هو ما عرفت:من انّ المفهوم تابع للمنطوق موضوعا ومحمولا و نسبة،سوى انّ المنطوق قضيّة موجبة أو سالبة،و المفهوم عكس ذلك،أي يكون مفهوم الإيجاب السلب و مفهوم السلب الإيجاب،و لازم ذلك هو انّه لوكان المنطوق سالبة كلّية كان مفهومه موجبة جزئية،لأنّ نقيض السالبة الكليّةموجبة جزئية،كما انّ نقيض الموجبة الكليّة سالبة جزئية.و من هنا ربّما يستشكل في الحكم بنجاسة الماء القليل،بمفهوم قوله:إذا بلغ‏الماء قدر كرّ لم ينجسه شي‏ء،حيث انّ المنطوق سالبة كليّة،لمكان إفادة النكرة في‏سياق النّفي العموم،فمفاد المنطوق هو عدم نجاسة الكرّ بكلّ نجاسة،و يكون مفهومه‏هو انّه إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجسه شي‏ء،و النكرة في سياق الإثبات لا تفيدالعموم،فأقصى ما يقتضيه المفهوم،هو نجاسة الماء القليل في الجملة بنجاسة ما،و لايفيد نجاسته بجميع النجاسات،هذا.و لكن يمكن ان يقال:انّ المباحث الفقهيّة و الأصوليّة انّما يبتنى على‏الاستظهارات العرفيّة من الأدلة،بخلاف المباحث المنطقيّة،فانّها تبتنى على‏البراهين العقليّة،و ربّما يكون بين نظر الفقيه و نظر المنطقي العموم من وجه.فقديكون نقيض السالبة الكليّة موجبة كلّية بحسب ما يستظهر من الدليل،مع انّه بنظرالمنطقي يكون النّقيض موجبة جزئية كما في المقام،فانّ المستفاد من المنطوق في مثل‏قوله:إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شي‏ء،هو عموم السلب،لا سلب العموم،أي‏يكون الظاهر من قوله:لم ينجّسه شي‏ء،لم ينجسه كلّ فرد فرد من أنواع النّجاسات:
486
من البول،و الدّم،و المنيّ و غير ذلك،و يكون المنطوق في قوة قوله:إذا بلغ الماء قدركرّ لم ينجسه الدّم،و البول،و الغائط،و هكذا،لوضوح انّ المراد من الشي‏ء هو أنواع‏النّجاسات،لا كلّ شي‏ء في العالم،فيكون المفهوم إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجسه الدّم،و البول و الغائط،و غير ذلك،فيكون دليلا على نجاسة الماء القليل بجميع أنواع‏النّجاسات.و ليست النّكرة في سياق النفي كلفظة(كل)و ما شابهها من أدوات‏العموم التي يكون لها معنى اسميّ،حتى يصح لحاظها على نحو العام المجموعي ويكون المنفيّ هو سلب العموم،كقوله:لا تأكل كلّ رمانة في البستان،بل العموم‏المستفاد من النّكرة في سياق النّفي انّما هو بمقدّمات الحكمة،حسب ما يقتضيه‏المقام،و المنفيّ في المثال انّما هو أنواع النّجاسات،أي كلّ فرد فرد منها،و يلزمه ماذكرنا من كون المفهوم من مثل هذا المنطوق هو الإيجاب الكلي،لا الجزئي.مع انّه‏يكفى الإيجاب الجزئي في إثبات نجاسة ماء القليل في الجملة في قبال عدم نجاسته‏أصلا،كما هو المدّعى،و المسألة فقهيّة ليس المقام محلّ تفصيلها.
الأمر الثالث:
لو تعدّد الشرط،على وجه كان شرطيّة كلّ منهما تنافي شرطيّة الآخر،امّالتباين الشرطين،أو لحصول أحدهما قبل حصول الآخر دائما،كما في خفاء الأذان والجدران،الّذي جعل كلّ منهما شرطا لوجوب القصر،مع انّ خفاء الأذان دائما يحصل‏قبل خفاء الجدران على ما قيل،فهل اللازم رفع اليد عن استقلال كلّ منهمافي السّببيّة و جعل كل منهما جزء السّبب؟أو انّ اللازم رفع اليد عن انحصار كلّ‏منهما في السّببيّة و جعل كلّ منهما سببا مستقلا.فعلى الأول:يكون الحكم في المثال هوانحصار وجوب التقصير عند خفاء كلّ من الأذان و الجدران معا،و لا يكفى خفاءأحدهما.و على الثاني:يكفى خفاء أحدهما في الحكم.و لكن الوجه الثاني في مثل‏المثال لا يستقيم،لأنّ المفروض حصول خفاء الأذان دائما قبل حصول خفاءالجدران،فيلزم لغوية جعل خفاء الجدران شرطا،لعدم وصول النوبة إليه أبدا.نعم‏فيما إذا كان بين الشرطين التّباين في الجملة-و لو بالعموم من وجه-يجري فيه كلّ من‏الوجهين.
487
و البحث في المقام تارة:يقع في خصوص المثال من حيث المسألة الفقهيّة.وأخرى:يقع في كلي ما كان من هذا القبيل من حيث المسألة الأصولية.امّا البحث عن المقام الأول:فهو و ان كان خارجا عمّا نحن فيه إلاّ انّه لابأس بالإشارة إليه فنقول:انّه لا تنافي في مثل قوله:إذا خفي الأذان فقصّر،و إذا خفي الجدران فقصر،من حيث انّ الظاهر من خفاء الجدران هو خفاء صورة الجدران لا شبحها،فهو من‏هذه الجهة لا إجمال فيه.و امّا خفاء الأذان فلمّا كان له مراتب:مرتبة خفاء فصوله‏في مقابل تميزها على وجه يمتاز كل فصل عن الآخر،و مرتبة خفاء مجموع الأذان في‏مقابل تميزه بنفسه و انّ الصوت صوت أذان،و مرتبة خفاء الهمهمة في مقابل عدم خفائها،بحيث لا يظهر من الصوت بنفسه كونه أذانا،بل يستفاد كونه صوت أذان من‏القرائن.و مقتضى الجمع بين الدليلين و حمل المجمل على المبيّن،هو حمل خفاءالأذان على المرتبة التي تنطبق على خفاء الجدران،و لا يبعد ان تكون تلك المرتبة حين‏خفاء الأذان المجموع من حيث المجموع،لا خفاء خصوص الفصول،و لا خفاءالهمهمة.فيرتفع التّنافي بين الشرطين،و تفصيله موكول إلى محلّه.و امّا البحث عن المقام الثاني:فمجمله انّه و ان قيل فيه وجوه أربعة أوخمسة:من تقييد مفهوم كلّ منهما بمنطوق الأخرى،و من رفع اليد عن المفهوم في كلّ‏منهما،و غير ذلك،كما لا تخفى على المراجع.إلاّ انّ الإنصاف:انّ ذلك تطويل بلاطائل،بل لا محصّل لبعض الوجوه،فانّ تقييد مفهوم كلّ منهما بمنطوق الأخرى لايستقيم،إذ ليس المفهوم قضيّة مستقلّة يمكن تقييدها ما لم يقيّد أولا المنطوق،فانّ‏المفهوم تابع للمنطوق في جميع القيود،فلا يعقل تقييد المفهوم بلا تقييد المنطوق.فالتحقيق،هو ان يقال:انّه بعد ما كان الشرط ظاهرا في العلّة التامةالمنحصرة،و كان تعدّد الشرط ينافى ذلك،فلا بدّ اما:من رفع اليد عن كونه علّةتامة و جعله جزء العلّة،فيكون المجموع من الشرطين علّة تامة منحصرة ينتفي الجزاءعند انتفائهما معا،و يكون قوله:مثلا،إذا خفي الأذان فقصّر و إذا خفي الجدران‏
488
فقصّر،بمنزلة قوله:إذا خفي الأذان و الجدران فقصّر.و امّا:من رفع اليد عن كونه‏علّة منحصرة مع بقائه على كونه علّة تامة،فيكون الشرط أحدهما تخييرا،و يكون‏المثال بمنزلة قوله:إذا خفي الأذان أو خفي الجدران فقصّر،و يكفى حينئذ أحدهما في‏ترتّب الجزاء،مع قطع النّظر عن كون خفاء الأذان يحصل قبل خفاء الجدران دائما.و حينئذ لا بدّ من رفع اليد عن أحد الظهورين،امّا ظهور الشرط في كونه علّة تامة،وامّا ظهوره في كونه علة منحصرة.و حيث لم يكن أحد الظهورين أقوى من ظهورالآخر و لا أحدهما حاكما على الآخر-لمكان انّ كلاّ من الظهورين انّما يكون‏بالإطلاق و مقدّمات الحكمة،على ما تقدم-كان اللازم الجري على ما يقتضيه العلم‏الإجمالي من ورود التقييد على أحد الإطلاقين.و ربّما يتوهّم انّ ظهور الشرط في كونه علّة تامة أقوى من ظهوره‏في الانحصار،لأنّ دلالة القضيّة على استناد الجزاء إلى الشرط انّما يكون بالنّصوصيّةفلا بدّ ان يكون الشّرط في الجملة و لو في مورد مما يستند إليه الجزاء،و استناده إليه لايكون الا بان يكون الشرط علة تامة لترتب الجزاء و لو في مورد،إذ استناد الشي‏ءإلى جزء العلة ليس استنادا حقيقيّا،بل الاستناد الحقيقيّ هو ما يكون إلى تمام‏العلّة.و لو تصرفنا في ظهور الشرط في كونه علّة تامة و جعلناه جزء العلة يلزم ان لايستند الجزاء إليه أبدا و لو في الجملة،فظهور القضية في كون الشرط علة تامة ربّمايدعى كونه بالنصوصيّة،بخلاف ظهورها في الانحصار،فانّه لا يكون بتلك المثابة،بل انّما هو بالإطلاق،فلا بدّ من رفع اليد عن ظهوره في الانحصار و القول بكفاية أحدالشرطين.و قد حكى:انّ شيخنا الأستاذ مدّ ظله مال إلى هذا الوجه في الدّورةالسابقة،و لكن عدل عنه في هذه الدّورة،و أفسد التوهم المذكور بما حاصله:انّ أصل‏استناد الجزاء إلى الشرط انّما يكون بالإطلاق،إذ من إطلاق الشرط و عدم ذكر شي‏ء آخرمعه يستفاد الاستناد،و لو لا الإطلاق لما كاد يستفاد الاستناد،و هذا لا ينافى انّ‏حقيقة الاستناد انّما يكون في استناد الشي‏ء إلى علّته التامّة،فانّ ذلك بعد الفراغ عن‏الاستناد و انّ الجزاء يكون مستندا إلى الشرط،و هذا المعنى انّما يكون بالإطلاق،
489
فظهور القضيّة في كون الشرط علّة تامة كظهورها في الانحصار،في انّ كلاّ منهما يكون‏بالإطلاق.و توهم انّ تقييد العلية التامة و جعل الشرط جزء العلّة يستلزم تقييدالانحصار أيضا-فانّه لا يعقل الانحصار مع كونه جزء العلة،و هذا بخلاف تقييدالانحصار،فانّه لا يلزم منه تقييد العليّة التامة،كما لا يخفى،فيدور الأمر بين:تقييدواحد،و تقييدين،و معلوم انّ الأول أولى،فلا بدّ من تقييد الانحصار-فاسد أيضا،فانّ تقييد العلة التامة يوجب رفع موضوع الانحصار،لا انّه يوجب تقييدا زائدا،وهذا نظير ما تقدّم في الواجب المشروط:من انّ تقييد الهيئة يوجب رفع موضوع إطلاق‏المادة،لا انّه يوجب تقييدا زائدا.فراجع ما ذكرناه في ذلك المقام‏ (1) .فتحصّل:انّه لا محيص من إعمال قواعد العلم الإجمالي في المقام.و ما ربّما يتوهم أيضا،انّ رتبة تقييد العلية التامة مقدمة على رتبة تقييدالانحصار-لوضوح انّ كون الشي‏ء علة منحصرة أو غير منحصرة انّما يكون بعد كون‏الشي‏ء علة تامة،و مقتضى تقدّم الرتبة هو إرجاع القيد إلى العليّة التامة و جعل‏الشرط جزء العلّة-فهو في غاية الفساد،فانّ تقدّم الرتبة لا ينفع بعد العلم الإجمالي‏بورود التقييد على أحد الإطلاقين،و ليس تقدّم الرتبة موجبا لانحلال هذا العلم‏الإجمالي،كما لا يخفى،فتأمل جيدا.
الأمر الرابع:
لو تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء،فهل اللازم تعدد الجزاء و فعله عقيب كلّ‏شرط؟أولا،بل يكتفى بفعل الجزاء مرّة واحدة.و هذا هو العنوان المعروف بمسألةتداخل الأسباب،أو تداخل المسببات.و لتوضيح البحث عن ذلك ينبغي تقديم أمور:
الأول:في المراد من تداخل الأسباب و المسبّبات‏
اما المراد من تداخل الأسباب:فهو انّ اجتماع الأسباب المتعددة لايقتضى إلاّ إيجاد جزاء واحد،بمعنى انّ الأسباب التي هي عند الانفراد تقتضي إيجاد
1)راجع الأمر الثاني من مباحث الواجب المشروط ص 178

490
جزاء واحد،فعند الاجتماع لا تقتضي أيضا إلاّ إيجاد جزاء واحد،لا انّها يقتضى‏كلّ سبب إيجاد جزاء حتى يتعدد الجزاء حسب تعدّد الأسباب.و هذا من غير فرق‏بين ان تكون الأسباب المجتمعة مندرجة تحت نوع واحد-كما إذا تعدّد منه النوم‏أو البول-أو انّها غير مندرجة تحت نوع واحد-كما إذا نام،و بال-فهذا معنى تداخل‏الأسباب.و امّا معنى تداخل المسببات:فهو عبارة عن الاكتفاء بإيجاد جزاء واحد وعدم وجوب التعدد،بعد الفراغ عن عدم تداخل الأسباب و اقتضاء كلّ سبب جزاء،إلاّ انّه في مقام الامتثال يكتفى بجزاء واحد،فانّ ذمّته و ان اشتغلت بالمتعدّد إلاّ انّه‏يصح تفريغها عن المتعدد بالواحد.و تظهر الثمرة بين تداخل الأسباب و تداخل المسبّبات بالرخصة و العزيمة فانه‏لو قلنا:بتداخل الأسباب،لا يجوز له إيجاد الجزاء متعددا،إذ لم تشتغل ذمته إلاّ بجزاءواحد،فالزائد يكون تشريعا محرّما.و لو قلنا:بتداخل المسبّبات فله إيجاد الجزاءمتعدّدا،و له أيضا الاكتفاء بالواحد.و هذا بخلاف ما إذا قلنا بعدم تداخل الأسباب‏و المسبّبات،فانه لا بد له من إيجاد الجزاء متعددا حسب تعدّد السبب.
الثاني:
مقتضى الأصل العملي عند الشك في تداخل الأسباب،هو البراءة،لرجوع‏الشك فيه إلى الشك في التكليف،لأنّ الشك في تداخل الأسباب يرجع إلى الشك‏في اقتضاء السبب الثاني لتعقّبه بالجزاء و توجّه التكليف به زائدا على التكليف‏المتوجّه بالسّبب الأول.و اما الشك في تداخل المسبّبات،فالأصل فيه يقتضى‏الاشتغال لرجوع الشك فيه إلى الشك في فراغ الذّمّة بإيجاد جزاء واحد،مع انّها قدكانت مشغولة بالمتعدد.و المرجع في ذلك هو الاشتغال ليس إلاّ.هذا في باب‏التكاليف.و امّا باب الوضعيّات:فربّما يختلف الأصل فيه.مثلا لو شك في اقتضاءالعيب للخيار زائدا على ما اقتضاه بيع الحيوان أو المجلس،فمقتضى الأصل و ان كان‏عدم ثبوت خيار العيب،و لكن يمكن ان يقال:انّ مقتضى الأصل بقاء الخيار
491
بعد الثلاثة أيّام،فتأمل جيدا.
الثالث:
الجزاء المأخوذ في القضيّة الشرطية:اما ان يكون قابلا للتّعدد-كالوضوءو الغسل-و امّا ان لا يكون قابلا للتعدد-كالقتل و الخيار-حيث انّه لا يمكن تكرّرالقتل و كذا الخيار،فانّ الخيار ليس إلاّ ملك فسخ العقد و إقراره و هذا امر واحدلا يمكن فيه التعدد.ثمّ انّ الجزاء الغير القابل للتّعدد:اما ان يكون قابلا للتقيد بالسبب كالخيار،حيث انّه قابل للتقيد:بالمجلس و الحيوان و العيب و الغبن و غير ذلك من أسباب الخيار.و معنى تقيده بالسّبب،هو انّه يلاحظ الخيار المستند إلى المجلس فيسقطه أو يصالح‏عليه،و يبقى له الخيار المستند إلى الحيوان.و كذا في القتل لأجل حقوق النّاس،فلوقتل زيد عمراً و بكرا و خالدا،فقتل زيد قصاصا و ان لم يقبل التعدّد،إلاّ انّه قابل‏للتّقيد بالسّبب،أي يلاحظ استحقاق زيد للقتل باعتبار قتله لعمرو،فلو أسقط ورثةعمرو حق القود لم يسقط حق ورثة بكر و خالد.و امّا ان لا يكون قابلا للتقيد بالسبب،كقتل زيد إذا كان له أسباب‏متعدّدة راجعة إلى حقوق اللّه تعالى كما إذا كان محاربا،و زانيا محصنا،و مرتدّا،وغير ذلك من أسباب القتل،فانّ قتل زيد لا يتقيّد بهذه الأسباب،إذ لا أثر لتقيّده،فانّ حقوق اللّه تعالى غير قابلة للإسقاط حتى يظهر للتّقيد بالسّبب أثر.نعم في المثال‏يتأكد وجوب قتل زيد من جهة اجتماع تلك الأسباب،و لكن التأكد غير التقيدبالسّبب،كما لا يخفى.ثمّ انّه لا إشكال في دخول القسم الأول-و هو ما إذا كان الجزاء قابلاللتعدد-في محلّ النّزاع في تداخل الأسباب و المسبّبات و عدم التداخل.و كذالا ينبغي الأشكال في دخول القسم الثاني-و هو ما إذا كان الجزاء قابلا للتقيدبالسبب-في محلّ النزاع أيضا،إذ يتحقّق أثر للقول بعدم التداخل باعتبار قابليّةالإسقاط من جهة خاصة،مع بقاء الجزاء من سائر الجهات كما عرفت.و امّا القسم‏الثالث:فهو خارج عن محلّ النزاع،إذ لا أثر عملي فيه للقول بالتداخل و عدم‏
492
التداخل،و مجرّد قابليّته للتأكّد لا يوجب أثرا عمليا،كما هو واضح.
الرابع:
ربّما يبتنى النّزاع في المقام على كون الأسباب الشرعيّة معرّفات أو مؤثرات،فعلى الأول:فالأصل التداخل،و على الثاني:فالأصل عدم التداخل.و لكن الإنصاف:انّ قضية كون الأسباب الشرعيّة معرفات أو مؤثرات‏ممّا لا محصل لها،فانّه ان كان المراد من الأسباب الشرعيّة هي موضوعات‏التكاليف،فدعوى كونها مؤثرة أو معرّفة ممّا لا ترجع إلى محصل،لأنّ موضوع‏التكليف ليس بمؤثر و لا معرّف،إلاّ إذا كان المراد من المؤثر عدم تخلّف الأثر عنه‏فيستقيم،لأن الحكم لا يتخلّف عن موضوعه،إلاّ انّ إطلاق المؤثر على هذا الوجه‏ممّا لا يخلو عن مسامحة.و ان كان المراد من الأسباب المصالح و المفاسد فهي مؤثرة باعتبار(من‏حيث تبعيّة الأحكام لها)و معرّفة باعتبار(من حيث انّها لا تقتضي الاطرادو الانعكاس)كما هو شأن الحكمة ان كان المراد من المعرف هذا المعنى،أي عدم‏الاطراد و الانعكاس.و على كلّ حال:الكلام في المقام انّما هو في الشروط الراجعةإلى موضوعات التكاليف،و إطلاق المعرّف على ذلك ممّا لا معنى له.
الخامس:
قد يقال:انّ القول بعدم تداخل المسبّبات و الأسباب يستلزم القول بتعدّدالتكليف و المكلّف به،في مثل قوله:صم يوما و صم يوما،مع انّ المحكيّ عن‏المشهور:القول بكفاية صوم يوم واحد في المثال و حمل الطلب الثاني على التأكيد لاالتأسيس.و من هنا ربّما يتوهم:المنافاة بين المحكيّ عن المشهور في مثل المثال،وبين المحكيّ عنهم في مسألة تداخل الأسباب و المسبّبات،حيث انّهم ذهبوا إلى عدم‏التداخل،و يتخيّل انّ القول بكفاية صوم يوم واحد في المثال يرجع إلى القول بتداخل‏الأسباب،حيث انّ كلّ طلب سبب لإيجاد متعلّقه،فالاكتفاء بصوم واحد يرجع‏إلى تداخل الطلبين و اقتضائهما إيجاد متعلّق واحد،هذا.و لكن التحقيق:انّ المثال ليس من تداخل الأسباب و المسببات،فانّ‏
493
المثال لما كان المتعلّق واحدا،و هو صوم اليوم،و لم يكن هناك ظهور لفظي في تعدّدالتكليف و الطلب،لأنّ قوله ثانيا:صم يوما،لا يكون ظاهرا في التأسيس إلاّ من‏جهة الظهور السياقي،و الظهور السياقي لا يقاوم الظهور اللفظي في وحدة المتعلّق،بل الظهور اللّفظي في وحدة المتعلّق أقوى من الظهور السياقي في كون الطلب الثاني‏للتأسيس،و لأجل ذلك يحمل على كونه للتأكيد.و لو سلم انه ليس بأقوى،فلا أقلّ‏من انّه يوجب التوقف.و أين هذا من مسألة تداخل الأسباب التي سيأتي انّ الظهوراللّفظي فيها يقتضى عدم التداخل،فلا ملازمة بين المسألتين.إذا عرفت هذه الأمور فاعلم:انّ الأصل اللفظي يقتضى عدم تداخل‏الأسباب و المسبّبات.
امّا عدم تداخل الأسباب‏
فتوضيحه:هو انّ تعلّق الطلب‏بصرف الوجود من الطبيعة و ان كان مدلولا لفظيّا،إلاّ انّ عدم قابليّة صرف الوجودللتكرار ليس مدلولا لفظيّا،حتى يعارض ظاهر القضية الشرطية في تأثير كل شرطلجزاء غير ما اثره الآخر،بل من باب حكم العقل بأنّ المطلوب الواحد إذا امتثل‏لا يمكن امتثاله ثانيا.و امّا انّ المطلوب واحد أو متعدّد،فلا يحكم به العقل،و لا يدلّ‏عليه اللفظ،و لذا اختلف في دلالة الأمر على المرّة و التكرار.و بعبارة أخرى:وضعت‏صيغة الأمر لطلب إيجاد الطبيعة،و العقل يحكم بأنّ إيجاد الطبيعة يحصل بإتيانها مرّةفلا موجب لإتيانها ثانيا،و هذا لا ينافى ان يكون المطلوب إيجادها مرتين،بحيث‏يكون امتثال كلّ مرة كافيا لامتثال مطلوب،أي لو دلّ الدليل على انّ المطلوب‏متعدّد لا يعارضه حكم العقل على انّ امتثال الطبيعة يحصل بإتيانها،لأن كلّ‏مطلوب يحصل امتثاله بإتيانه مرّة عقلا.امّا انّ المطلوب متعدّد أولا،فلا يحكم به‏العقل.فإذا دلّ ظاهر الشرطيتين على تعدّد المطلوب لا يعارضه شي‏ء أصلا.و ممّا ذكرنا انقدح:ما في تقديم ظهور القضيتين من جهة كونه بيانالإطلاق الجزاء،لأنه على ما ذكرنا ظهور الجزاء في الاكتفاء بالمرّة ليس من باب‏الإطلاق أصلا،حتى يقع التّعارض،بل يكون ظهور القضيّة الشرطيّة في تأثير الشرطمستقلا في الجزاء رافعا حقيقة لموضوع حكم العقل:بأنّ المطلوب واحد يحصل امتثاله‏بإتيانه مرّة،و واردا عليه،بل على فرض ظهور الجزاء في المرّة يكون ظهور الشرطية
494
حاكما عليه،كما لا يخفى.نعم:لو شك في الطلب الواحد،كقوله:صلّ،أو الجزاء المترتّب على شرطواحد،كقوله:إذا سهوت فاسجد سجدتي السهو،انه يكفى المرّة أم يجب تعدّدالصلوات و السجدات،فإطلاق الأمر يقتضى حصول الامتثال بالمرّة.و أين هذا ممّاإذا تعدّد الأمر أو الشرط؟لأنه لا يمكن ان يكون الإطلاق متكفّلا لوحدة الطلبين،أوتأثير الشرطين أثرا واحدا.فتأمل في ذلك لئلا تخلط بين المقامين.ثمّ انّ عدم ظهور القضيّتين في الاتحاد لا ينافى ما تقدّم:من حكومة ظهورالأمر في تعلّقه بصرف الوجود في نحو(صم يوما صم يوما)على الظهور السياقي،للفرق‏بين البابين،فانّ الأمر في مقام الجزاء حيث انّه متفرّع على الشرط فيقتضى تعدّدالشرط تعدّد الجزاء.و هذا بخلاف الأمر الابتدائي المكرّر،فانّه ليس ظاهرافي التعدد إلاّ من جهة الظهور السياقي المحكوم بظهور تعلق الأمر بصرف الوجود.و اماالثاني فعلى فرض ظهور الجزاء في القضيتين في الاتحاد،أي هذه الحقيقة الّتي جعلت‏جزاء في مثل(إذا بلت توضأ)بعينها هي التي جعلت جزاء فيما إذا تكرّر منه البول،و الحقيقة الواحدة لا تقبل التكرار،فيكون الجزاء الممكن فيه التعدد كالجزاء الّذي لايمكن فيه التّعدد من لزوم التداخل في الأسباب.و لكنّا نقول:انّ الجملة الشرطية في كونها انحلاليّة أظهر من اتّحاد الجزاء في‏القضيتين،و ذلك لأنه لا شبهة انّ القضيّة الشرطيّة كالقضيّة الحقيقة،فكما انّ قوله:المستطيع يحجّ-عام لمن استطاع في أيّ وقت،فكذلك قوله:ان استطعت فحج،لأنّ كلّ قضيّة حقيقيّة راجعة إلى الشرطيّة،و بالعكس،غاية الأمر انّهما متعاكسان.فالشرطيّة تتضمّن عنوان الموضوع،لأنّ نتيجة(ان استطعت)هو(المستطيع)و هي‏صريحة في الاشتراط.و الحقيقية تتضمّن الشرط،و هي صريحة في عنوان الموضوع.ولازم الانحلاليّة ان يترتب على كلّ شرط جزاء غير ما رتّب على الآخر.فعلى هذالا إشكال في عدم التداخل،حتى في مورد تعدّد الشرط من جنس واحد،فضلا عمّا إذاتعدّد من الأجناس المختلفة،فيصير هذا الظهور قرينة للجزاء،و يصير بمنزلة ان يقال:إذا بلت فتوضّأ و إذا بلت ثانيا فتوضأ وضوء آخر،كما إذا تحقق منه النوم و البول.
495
ثمّ ان ظهور كل شرط في تأثيره أثرا غير أثر الشرط الآخر لا يختصّ بالأدلةاللّفظيّة،بل يمكن استفادته من اللّبيات،لأنّ المدار على ظهور الشرط في الانحلاليّة،فإذا كان الدّليل عليه لفظيّا فاستفادة الانحلالية امّا:بالوضع،كالعموم الأصولي‏المستفاد من الأسماء المتضمّنة للشرط،كمتى و انى و أين و إذا و مهما و حيثما،و هكذا.و امّا:بالإطلاق،ك(إن)و أخواتها،فانّ استفادة كون مدخولها علّة تامة لترتب الجزاءعليه بالإطلاق،و إذا كان الدليل عليه لبيا،فاستفادة الانحلال كأصل الاشتراطيمكن قيام الإجماع عليه،أو دلالة العقل عليه.ان قلت:سلّمنا ظهور كل شرط في كونه تمام السّبب للجزاء،إلاّ انّ الجزاء حيث‏انّه لم يترتّب بوجوده على الشرط حتّى يمكن التّعدد-فانّ وجوده هو مقام امتثاله-بل‏رتّب من حيث حكمه و هو لا يقبل التعدد.و بعبارة واضحة:وجود الإكرام لم يعلّق‏على المجي‏ء حتى يمكن ان يتعدد،بل وجوبه الّذي هو حكمه علّق عليه،و غاية تأثيركل سبب ان يتأكد الحكم،لأنّ الوجوب لا يمكن فيه التعدد.قلت:قد بيّنا في المقدّمات:انّ الوجوب-و هو المعنى النّسبي المستفاد من الهيئة-غيرقابل للتعليق،بل المعلّق هو محصل الجملة،و هو طلب الإيجاد الّذي يتحقق بإيقاع‏نسبة المادّة إلى الفاعل في مقام الإنشاء.و بعبارة واضحة:قد تقدم في مبحث‏الأوامر (1) ان مفاد صيغة الأمر ليس طلب الفعل كما هو المشهور،لأنه ليس معنى‏(صلّ)أطلب منك الصلاة،بل وضعت صيغة الأمر لنسبة المادة إلى الفاعل إنشاء وتشريعا،فكون المتكلّم في مقام التشريع ملقيا نسبة المادة إلى الفاعل يوجب ان‏يتحقّق بنفس هذا الإلقاء مصداق للطلب،ففي مقام التشريع يطلب الشارع إيجادالصلاة،و الإيجاد قابل للتكرر.إذا عرفت ذلك،فلنرجع إلى ما برهن عليه العلاّمة-على ما يحكى عنه-لعدم تداخل الأسباب فنقول:هو(قده)أتمّ البرهان بمقدمات ثلث،و المقدّمتان منهاصريحتان في كونهما من برهان عدم التداخل في الأسباب،و الثالثة ظاهرة فيه،لا
1)راجع تفصيل هذا البحث في الأمر الثالث من المقصد الأوّل،الجزء الأول من الفوائد ص 129

496
صريحة،لإمكان رجوعها إلى برهان عدم التداخل في المسبّب.المقدّمة الأولى:انّه لا إشكال،في انّ ظاهر القضيّة الشرطيّة،هو كون‏الشرط مؤثرا في الجزاء.و الثانية:انّ ظاهر كلّ شرط ان يكون اثره غير أثر الشرط الأخر.و الثالثة:انّ ظاهر التأثير،انّ الأثر هو تعدّد الوجود لا تأكد المطلوب.و العمدة من هذه المقدّمات هي الأولى،لأنّ المقدمتين الأخيرتين‏واضحتان.امّا الثانية:فلأنّه،بعد ثبوت الأولى لا بدّ ان يكون أثر كلّ شرط غير أثرالآخر،لأنّ معنى تأثير الشرط التأثير بالاستقلال لا الانضمام.و اما الثالثة:فلأنّ‏التأكيد و ان كان مغايرا لغير المؤكد،إلاّ انّه في الحقيقة راجع إلى وحدة الأثر،فمهماأمكن التعدّد في المسبّب لا موجب لتأثير الشرط التأكد.نعم:مع حفظ المقدّمتين و عدم إمكان التعدد يجب المصير إلى التأكيد.و امّا المقدمة الأولى:فعمدة المناقشة فيها مناقشة فخر المحققين: (1) من‏ابتنائها على كون العلل الشرعيّة مؤثرات،لأنّها بناء على كونها معرّفات،لا تأثيرللشرط في الجزاء.و لكن ظهر ممّا ذكرنا:انّ التداخل و عدمه لا يبتنى على هذاالنّزاع،بل لا محصّل لهذا النّزاع أصلا،لأنّ علل التشريع ليست عللا حقيقيّة،فلايمكن النّزاع فيها و القول بأنها مؤثرات.و امّا موضوعات الأحكام،فليست إلاّكالعلل الحقيقيّة و لا يمكن ان تكون معرّفات.و بالجملة لا وجه لهذه المناقشة أصلا.ثمّ انّه،قد ذكرنا ضابطا مميّزا بين العلل للجعل و بين موضوعات المجعول‏في غير مبحث.و إجماله:انّ كل ما لا يمكن ان يجعل عنوانا لفعل المكلّف و يلقى إليه‏لعدم تميّزه بين مورد حصوله و عدم حصوله،كاختلاط المياه و النّهى عن الفحشاء،فهذا لا يمكن ان يكون موضوعا الّذي قد يعبّر عنه بالعلّة للمجعول،بل يجب ان‏يكون علّة للجعل و ملاكا له،فهذا غير مطرد و لا منعكس.و ما أمكن ان يلقى إلى المكلّف،كإسكار الخمر،لإمكان تمييز المكلّف‏بين حصوله و عدم حصوله،فهذا يلاحظ فيه لسان الدليل،فان أخذ فيه علّة للجعل‏و التشريع،فهو لا يطّرد و لا ينعكس،كقولهم عليهم السلام أ تدري لم جعل أو لم شرّع‏
1)راجع إيضاح الفوائد الجزء 1 ص 48

497
كذا،و لم صار ماء الاستنجاء لا بأس به لأنّ الماء الماء أكثر من القذر،و أمثال هذه‏القضايا التي صنّف الصدوق(قده)لها كتاب على حدة،و سمّاه علل الشرائع.و ان‏أخذ فيه علّة للمجعول،كقوله عليه السلام الخمر حرام لأنّه مسكر،فهذا هو العلةالتي يتعدّى عن مورد معلولها إلى المشارك معه في هذه العلّة.فتحصّل مما ذكرنا:انّ عمدة برهان القائل بالتداخل،هو انّ صرف‏الشي‏ء لا يتكرر.و هذا الكلام ممّا لا ريب فيه بعد إثبات انّ متعلّق الأمرهو الطبيعة المشتركة بين المرّة و التكرار،لا خصوص المرّة،و لا التكرار،فإذا كان‏المتكلّم في مقام البيان،فبالإطلاق يثبت انّه أراد القدر الجامع،و بحكم العقل يثبت‏انّ القدر الجامع إذا تحقّق لا مجال لامتثاله ثانيا.و لكن فيه أولا:انّ هذا لا ينافى ظهور القضيّة الشرطيّة في تأثير كلّ شرط أثراغير أثر الشرط الآخر،لأنّ كون صرف الشي‏ء لا يتكرّر لا يكون مستندا إلى ظهورلفظيّ،حتى يعارض ظهور الشرطيّة.و بعبارة أخرى:حكم العقل مفاده انّ المطلوب‏الواحد لا يتكرّر،فلا يعارض ظهور ما دلّ على تعدّد المطلوب.و ثانيا:انّ ظهوره في‏عدم التكرار بالإطلاق و عدم موجب التّعدد،و يكفى ظهور الشرطيّتين في بيان‏موجب التّعدد.
و امّا المقام الثاني:
فالحق فيه أيضا عدم التداخل،لأنه بعد ما ظهر انّ كل سبب يؤثر غير ماأثره الآخر،فمع إمكان التّعدد في المسبب لا موجب للتداخل،و لا وجه لدعوى‏أصالة التداخل.فالاكتفاء في الامتثال بمسبّب واحد،مع القول بعدم التداخل‏في الأسباب،لا بدّ فيه امّا:من ثبوت دليل عليه،كالاكتفاء بغسل واحد إذا اجتمع‏عليه حقوق‏ (1) لقيام الدليل الواضح على كفاية غسل واحد،امّا مطلقا،و امّا لو نوى‏الجميع،و امّا لو كان في الأسباب الجنابة.و على أيّ حال:انّ ثبوته بالدليل غيردعوى أصالة التداخل.و امّا:من كون المسبّب مصداقا لعنوانين بينهما عموم من وجه،كضيافة الهاشميّ العالم،لو قال:أكرم هاشميّا و أضف عالما،فانّ إطلاق كلّ دليل‏حيث انه يشمل مورد الاجتماع يوجب عدم البأس بإتيان المجمع،لامتثال الإكرام‏
1)المراد من الحقوق هو حقوق اللّه تعالى.

498
الّذي بينه و بين الضيافة عموم من وجه في العالم الّذي بينه و بين الهاشميّ عموم من‏وجه.و لا يبتنى صحّة الامتثال بالمجمع على مسألة الاجتماع،لأنّ موضوع تلك‏المسألة في الحكمين المتضادّين.و المتماثلان و ان كان كالمتضادّين إلاّ انّه إذا بقي‏الحكمان باثنينيتهما،و امّا مع اتحادهما كما في الحكمين الانحلاليّين،كقوله:أكرم العلماءو أكرم السادات،و اجتمع في مصداق واحد عنوان العالم و السيّد،أو في البدليّين كمافي امتثالهما بإتيان المجمع،فيتحدان و يؤثر كلاهما بوصف الاجتماع أثرا واحدا.و بالجملة:تداخل المسبّب لا بدّ ان يثبت بالدليل،أو يصدق الامتثال في‏إتيان واحد إذا كان بين العنوانين عموم من وجه.و الكلام الّذي نحن بصدد تنقيحه‏مفروض فيما كان بين الأسباب تباين،كالبول و النّوم،أو الجماع و الأكل،أو تساوكتعدّد النوم أو الأكل،مع اتّحاد المسبّب بحسب المفهوم.ثمّ انه ينبغي التّنبيه على امرين:
الأول:
انّ هذا الّذي ذكرنا من عدم تداخل الأسباب،انّما هو بمقتضى‏القواعد اللّفظية،فأصالة عدم التداخل تامة لو لم يقم دليل على خلافها،كما في كلّ‏أصل قام الدّليل على خلافه.فمن جملة ما قام الدليل فيه على خلاف هذا الأصل موجبات الوضوء،و بعض‏موجبات الكفّارة.امّا الوضوء:فقيام الدّليل على كفاية وضوء واحد لجميع أسبابه‏موجب لاستكشاف أحد أمور ثلاثة فيه‏أوّلها:كون سبب الوضوء هو العنوان الواحد الحاصل بأحد النّواقض،بمعنى‏كون النواقض محصلة لهذا العنوان،و نفس ذلك العنوان هو السّبب،و هذا غير قابل‏للتّعدد بتعدّد محصلاته،و يعبر عنه بالقذارة المعنويّة و الحالة الحدثية.ثم انّه إذا تحقق‏المحصلان في عرض واحد،فالعنوان مستند إلى وصف الاجتماع،و لو تحقّقا طولافمستند إلى أوّل الوجود منهما،كما لا يخفى.ثانيها:كون السبب هو صرف الوجود من النّواقض،لا مطلق وجوده،فأول سبب حصل في الخارج هو المؤثر في الوضوء،دون ما يتحقّق ثانيا و ثالثا.ثالثها:انّ المسبّب-و هو الطهارة الحاصلة بأوّل وضوء-غير قابل للتّعددو لا التأكد و لا الانتساب إلى سبب من حيث و إلى سبب آخر من حيث آخر،فيخرج المورد عن محلّ النزاع.و لكنه لا يخفى:انّ هذا الاحتمال في باب الوضوء لا
499
يتطرّق،لأنه ثبت:انّ الوضوء على الوضوء نور.و امّا باب بعض الكفارات:فهو في غير الجماع،كالأكل و الشرب ونحوهما،لأنه ورد في الدليل(من أفطر في نهار شهر رمضان فعليه الكفارة)و المفطرصادق بأوّل وجود من المفطرات،و هو عنوان غير قابل للتّعدد،فكلّ من شرب وأكل و ارتمس،يصدق عليه انّه أفطر بمجرد تحقق أول المفطرات،فأكله بعد شربه‏غير قابل للتأثير.و لا ينافى ذلك وجوب الإمساك على المفطر أو استحبابه،لأنه‏حكم تعبّدي من جهة احترام شهر رمضان،لا لإمكان الإفطار ثانيا لبقاء الصوم.و بالجملة:لا ينافى الأصل قيام الدليل على خلافه،كما انّ أصالة عدم‏تداخل المسبّبات-أي عدم كفاية امتثال واحد لأسباب متعدّدة مؤثرة-لا ينافى قيام‏الدليل على كفايته،كما في الأغسال،و كما لو لم يكن المسبب قابلا للتّعدد و التأكدو لا التّقيد،كما إذا اجتمع حقوق اللّه تعالى في القتل،فانّه لا يمكن ان يتقيّد القتل‏بحقّ دون حقّ،لأنّ حقه تعالى غير قابل للعفو،حتّى يتقيّد بسبب غير تقيّده بسبب‏آخر،و كما في تداخل المسبّبين في ضيافة العالم الهاشميّ.
الثاني:
انّه قيل:بتعدد حقائق الأغسال،كما هو المشهور.و قيل:باتحادها،كماهو المحكيّ عن الأردبيلي(قده)و تابعيه.و معنى اتحاد حقيقتها انّ ما يوجبه الجنابةمن الغسل عين ما يوجبه الحيض أو مسّ الميت أو الجمعة،و هكذا.ثم انّه و ان‏اختلف القولان بحسب الآثار الفقهيّة و الأحكام الشرعيّة،ككفاية غسل واحد حتى‏الجمعة عن جميع الأغسال و لو لم ينو غيرها،و كفاية كلّ غسل عن الوضوء بناءعلى الاتحاد،و عدم كفايته في كلا المقامين بناء على التغاير،إلاّ انّه ليس المقام مقام‏البحث عن الحكم الفرعي و بيان انّ المختار هو التّعدد كما هو المشهور،لظاهرالأخبار (1) بأنه«إذا اجتمع عليك حقوق أجزأك غسل واحد»الظاهر في انّ‏الموجب للغسل متعدّد.و لا معنى لاتحاد حقيقة الغسل مع تعدد موجبه،لأنه لو كان ما
1)الوسائل،الجزء 1 الباب 43 من أبواب الجنابة الحديث 1 ص 526

500
توجبه الجنابة عين ما يوجبه الحيض للزم ان يكون السبب واحدا أيضا و رجوع جميع‏الأسباب إلى حدث واحد،كموجبات الوضوء،على ما عرفت،لعدم إمكان ترتب‏معلول واحد على علل مختلفة،كما برهن في محلّه.بل المهمّ في المقام،انّما هو بيان‏الحكم الأصولي على المسلكين.فنقول:لو قلنا بالاتحاد،فلا محيص عن الالتزام بالتداخل و عدم تأثير كلّ‏ما هو السبب في الظاهر و لو قلنا بأصالة عدم التداخل في الأسباب و المسبّبات،لعدم‏قابليّة المورد لتعدّد الوجود،لأنّ محل النزاع في باب التداخل هو ما لو كان الجزاءالمترتّب على الأسباب واحدا مفهوما و قابلا للتعدد مصداقا،أو بحكم المتعددالمصداقي من التأكيد أو التقييد.و المفروض-بناء على الاتحاد-انّ ما يوجبه الجنابةمن الغسل عين ما يوجبه الحيض.و لو قلنا بالتباين فلا محيص عن الالتزام بعدم‏التداخل و لو قلنا بأصالة التداخل في باب الأسباب و المسببات،لما عرفت انّ موردالنّزاع هو المتّحد في المفهوم القابل لتعدد الوجود،و معنى متّحد المفهوم المتعدد في الوجودهو المشترك المعنويّ،كالرقبة المترتب عتقها على الإفطار و الظهار.و هذا بخلاف‏متباين الحقيقة المترتّب أحد المتباينين على سبب كالوضوء مثلا على البول،و المباين‏الآخر كالكفارة على سبب آخر كالإفطار،فانّه لا معنى في هذا المقام للتداخل.ثمّ انّه بناء على التباين،كما هو المختار،فمقتضى القاعدة عدم كفاية غسل‏واحد عن الأسباب المتعدّدة،الا انّه قام الدليل على انّه لو نوى الجميع بغسل واحديجزى،كما انّه قام الدليل على كفاية نيّة الجنابة لجميع الأغسال و لو لم ينوغيرها.فالأوّل:كقوله في كتاب‏ (1) حريز:إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك‏غسلك ذلك للجنابة و الجمعة و عرفة إلى آخر الحديث،فانّ قوله:إذا اغتسلت-بإطلاقه يشمل لو كان المتعدّد هو الأغسال المستحبة،أو الواجبة،أو المركّب منهما،لاسيّما بقرينة ذيل هذا الخبر(فإذا اجتمعت للّه عليك أجزأها عنك غسل واحد)و امّااعتبار نيّة الجميع،فلقوله عليه السلام (للجنابة و الجمعة)الظاهر في لحاظ الجنابة
1)الوسائل،الجزء 1 الباب 43 من أبواب الجنابة الحديث 1 ص 526

501
و الجمعة و غيرهما في الغسل.و الثاني:كقوله عليه السلام (1) «إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه‏ذلك عن كلّ غسل يلزمه في ذلك اليوم»فانّ إطلاقه يشمل ما لو لم يلتفت الجنب‏حين غسل الجنابة إلى أسباب آخر.و بالجملة:لو قام الدليل كذلك لكشف عن‏كفاية نيّة الشي‏ء عن إتيانه عن الأسباب المتعددة،و يصير المميّز للأسباب هو النّية.
الفصل الثاني:في مفهوم الوصف‏
و لا يخفى:انّ عنوان محلّ البحث،و ان جعل في كلمات الأساطين-كالكفاية بل‏التقرير-هو الأعمّ،و لكن الحق هو اختصاص محلّ النزاع بالوصف‏المعتمد على الموصوف دون غيره،فانّ غيره ليس إلاّ كمفهوم اللّقب،فانّ إثبات‏حكم لموضوع بعد فرض كونه لا يدلّ على انتفاء سنخ هذا الحكم عن غير هذاالموضوع لا فرق فيه،بين ان يكون الموضوع في القضيّة شخصيّا كأكرم زيدا،أو كليّاكجي‏ء بإنسان،أو اشتقاقيّا كأكرم عالما،فكما لا يدل إثبات حكم لزيد على‏انتفاء سنخ هذا الحكم عن غيره،فكذلك إثبات حكم للعالم لا يدلّ على انتفاءسنخ هذا الحكم عن غير العالم.و توهّم انّ المشتق مأخوذ فيه الذات بناء على قول،أو متضمّن لها على آخر-فكان الموضوع قد ذكر في القضيّة-من أعجب الغرائب.و بالجملة:الالتزام بالمفهوم فيما إذا ذكر الموصوف صريحا،انّما هو لخروج‏الكلام عن اللّغوية،و تقريبه:انّ الحكم لو لم يختصّ بمورد الوصف و كان ثابتا له وللفاقد لما كان لذكر الوصف وجه.و هذا لا يجري في مثل أكرم عالما،فانّ ذكرموضوع الحكم لا يحتاج إلى نكتة غير إثبات الحكم له،لا إثباته له و انتفائه عن غيره.و بالجملة:الوصف الغير المعتمد على الموصوف ليس إلاّ اللّقب.فالأولى ان يجعل العنوان هكذا:لو نعّت موضوع القضيّة بنعت،فهل يدلّ‏ذكر النّعت بعد المنعوت على انتفاء الحكم عن ذات المنعوت الغير المتّصف بهذا
1)الوسائل-الجزء الباب 43-من أبواب الجنابة-الحديث 1-2-ص 526

502
الوصف مطلقا؟أولا يدلّ مطلقا؟أو يفصل بين ما إذا كان مبدأ الاشتقاق للوصف‏علّة للحكم فله الدّلالة و بين ما لم يكن كذلك؟أي التفصيل بين الوصف المشعربعليّة مبدأ اشتقاقه للحكم،و عدمه.و الحق:عدم الدلالة مطلقا،و ذلك لما ظهر في مفهوم الشرط:من انّ كون‏القضيّة ذات مفهوم انّما يتصور فيما إذا كان القيد راجعا إلى الحكم،بالمعنى المعقول‏الّذي بيّناه،و هو تقييد المتحصّل من الجملة،لا ذات الانتساب الّذي هو معنى‏حرفيّ.و امّا لو كان القيد راجعا إلى عقدي الوضع و الحمل-أي لو كان القيد وارداقبل الانتساب و كان مقيدا لأحد المنتسبين-فلا يتصوّر ثبوت المفهوم للقضيّة،وفي المقام لا يمكن إرجاع القيد إلاّ إلى الموضوع،فيكون كالشرطيّة التي سيقت لفرض‏وجود الموضوع،فلا مجال لتوهم المفهوم فيها.و بالجملة:القيد في المقام ليس كالقيد في‏باب القضيّة الشرطيّة،و لا كالغاية التي يمكن ان تكون غاية للحكم.ان قلت:فلا وجه على هذا،لحمل المطلق على المقيد،فانّه لا وجه للحمل إلاّ كون‏التقييد بالمنفصل كالتقييد بالمتصل،و لا شبهة انّ التقييد بالمتصل يوجب اختصاص‏الحكم بالمقيّد،فكذلك المنفصل،و لو لم يكن الوصف ذا مفهوم لما كان وجه لحمل‏المطلق على المقيد.و بعبارة أخرى:من أجل ظهور المقيد في اختصاص الحكم به،لأن‏الأصل في القيد الاحترازية،يحمل المطلق على المقيّد.قلت:حمل المطلق على المقيّد ليس من جهة المفهوم،بل من جهة التنافي بين‏التعيين الّذي يكون المقيد نصا فيه،و التخيير الّذي يكون المطلق ظاهرا فيه مع وحدةالتكليف.و إلاّ فانّ مجرد اختصاص الحكم بالرّقبة المؤمنة في المقيد ليس إلاّ مثل ان‏يذكر المقيّد ابتداء من دون ذكر المطلق،فلا يفيد التقييد إلاّ تضييق دائرة موضوع‏الحكم.و هذا ليس معنى المفهوم،فانّه يجب ان يدلّ على انتفاء سنخ هذا الحكم عن‏غير هذا الموضوع بأيّ سبب فرض.و بعبارة أخرى:كون الموضوع خاصّا و امرا مخصوصا غير دلالة القضيّة على‏
503
انتفاء الحكم من غير هذا الموضوع.و من هنا ظهر:انّ كون الأصل في القيد احترازيّا-لا للفوائد الأخر التي تذكر لمجي‏ء القيد-لا يفيد إثبات المفهوم،فانّ الاحترازية ان‏كانت بمعنى دلالة القيد على انتفاء الحكم عن ذات المقيّد الخالي عن هذا القيد،فالمسلّم منها انّما هو في الحدود،لأنّ بناء التعريف على الاطراد و الانعكاس،دون‏غيرها،و ان كانت بمعنى دلالته على اختصاص الحكم بالمقيد،فهذا لا يفيد إلاّاختصاص هذا الحكم بهذا الموضوع الخاصّ،لا نفيه عن غيره.فان قلت:حمل المطلق على المقيّد في المطلق المطلوب منه صرف وجوده و ان لم يكن‏من باب المفهوم،إلاّ انّه في المطلق الانحلالي يكون التقييد مستلزما للمفهوم لا محالة،فانّ تقييد وجوب الزكاة في مطلق الغنم بالسائمة،معناه نفيها عن المعلوفة،فكون القيداحترازيا لا يستقيم إلاّ بإخراج المعلوفة من دليل المطلق،و هذا عين المفهوم.قلت:أولا:لا موجب للتّقييد في المطلق الانحلالي لو كان القيد منفصلا،نعم‏في المتّصل لا مناص عن اختصاص الحكم بمورد القيد،و ذلك لعدم التنافي بين تعلّق‏الزكاة بمطلق الغنم و تعلّقها بالسائمة.و ثانيا:على فرض تسليم التقييد،انّ التقييد ليس إلاّ قصر دائرة الحكم على‏الموضوع المقيّد،لا نفيه عمّا عداه.و فرق بين إثبات حكم لموضوع خاصّ مع سكوته‏عن غير هذا الموضوع،و إثباته له و نفيه عمّا عداه،و الثاني هو المفهوم،لاالأوّل.و لذا لو دلّ دليل ثالث على تعلّق الزكاة بالمعلوفة،فبناء على التقييد لاتعارض بين المقيّدين،و نتيجة تقييد الحكم بكليهما هو الإطلاق،لاستيعابهما جميع‏افراد المطلق.و بناء على المفهوم يتعارضان،لأنّ إثبات الحكم في السائمة مع القول‏بالمفهوم معناه:عدم ثبوت الزكاة في المعلوفة.ثمّ انّه لا إشكال في انّ محل البحث هو فيما لو كان بين الموصوف و الصّفةعموم مطلقا أي كان الموصوف عامّا و الصفة أخصّ منه،و يلحق به ما لو كان بينهماالعموم من وجه مع الافتراق من جانب الموضوع،أي وجد الموصوف كالغنم و لم يكن‏
504
سائمة.و امّا الافتراق من جانب الوصف،أي وجدت السائمة و لم تكن غنما،فهذا غيرداخل في محلّ النّزاع،لأنّ كون الوصف ذا مفهوم معناه تخصيص موصوفه به وإخراج سائر افراد الموصوف عن ثبوت هذا الحكم لها،لا تخصيص موصوف خارج‏عن هذين التركيبين.فلا بدّ من ملاحظة التقييد بالنّسبة إلى الإبل السائمة و عدم‏وجوب الزكاة في معلوفها من ملاحظة نفس دليل تعلّق الزكاة بالإبل،و هذاواضح.و قول الشافية لا يعتنى به.و استفادة العلية من وصف خاصّ خارج عن‏ظهور الكلام بحسب طبعه.
الفصل الثالث:في مفهوم الغاية
و تنقيحه يتوقف على تحرير نزاع آخر وقع في باب الغاية،و هو انّه.هل‏الغاية داخلة في المغيا مطلقا،أم لا مطلقا،أو التفصيل بين أدواتها،أو التفصيل بين‏كون الغاية من جنس المغيا و عدمه؟و لا يخفى:انّه لا يمكن إثبات وضع و لا قرينةعامة في الدخول أو الخروج.و كون لفظة الغاية و النّهاية دالة على دخول الغاية-لأنّ‏نهاية الشي‏ء كابتدائه من حد الشي‏ء،و حدّ الشي‏ء من اجزائه لا انّه أوّل جزء من‏خارج الشي‏ء-لا يفيد إثبات الوضع(لحتى و إلى)فانّهما لم يوصفا لما يستفاد من هذااللّفظ الاسمي.و الأمثلة التي تذكر للدخول أو الخروج لا تفيد إثبات الوضع،فانّ‏استفادة الدخول أو الخروج من هذه الأمثلة انّما هي لقرائن خاصة خارجيّة.فدعوى‏ظهور الأداة في الدخول أو الخروج أو التفصيل دعوى بلا برهان.و ليس هنا أصل‏لفظيّ يدلّ على الدخول أو الخروج،فالمرجع عند الشك هو الأصول العمليّة.إذا عرفت هذا،فالكلام يقع في ثبوت المفهوم للغاية،و قد ذكرنا في مفهوم‏الشرط:انّ كون القضيّة ذات مفهوم مرجعه إلى تقييد الحكم،و عدم كونها كذلك‏مرجعه إلى رجوع القيد إلى أحد عقدي الوضع أو الحمل.و بعبارة أخرى:لو كان‏التقييد-سواء كان للموضوع أو المحمول-قبل الاستناد فهذا يرجع إلى مفهوم اللّقب.و لو كان في رتبة الإسناد-أي قيد الحكم و هو اسناد المحمول إلى الموضوع أي تقييدالجملة لا تقييد المفردات-فهذا يرجع إلى ثبوت المفهوم،فهذان الأمران ممّا لا نزاع‏فيهما.فالأليق في النّزاع ان يكون البحث في إحراز الصغرى،و انّ الغاية غاية للحكم‏
505
أو الموضوع.و الظاهر:انّ الغاية قيد للحكم،إلاّ ان تقوم قرينة على خلافه،لأنّ قوله‏عليه السلام:كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام،مع قوله‏ (1) عز اسمه):و أتمّوا الصيام إلى الليل-بنسق واحد.فكما انّ الحكم لو جعلت غايته المعرفة تكون‏الغاية قيدا للحكم،فكذلك سائر الأمثلة التي جعلت فيها الغاية غاية بعد اسنادالمحمول إلى موضوعه.و كون الغاية قيدا للموضوع-و أخرت عن الجملة لعدم إمكان تقديمها-لايصغى إليه،لإمكان تبديل هذا التركيب إلى آخر بان يقال:الصيام إلى الليل‏أتمه،و السير من البصرة إلى الكوفة أوجده،فجعل الغاية بعد اسناد المحمول إلى‏الموضوع كاشف عن رجوعها إلى الجملة،لا إلى مفردات الكلام.و بالجملة:ظاهر القضيّة بحسب القواعد العربيّة رجوع الغاية إلى اسنادالمحمول إلى الموضوع،فكأنّه جعل وجوب إتمام الصيام مغيا بغاية الليل،فيقتضى‏رجوع الغاية إلى الحكم انتفائه عمّا بعد الغاية،و ينفى ثبوت حكم آخر من سنخ‏هذا الحكم للّيل.
الفصل الرابع:في مفهوم الحصر
لا يخفى:انّ النّزاع فيه أيضا يرجع إلى انّ الحصر حصر للحكم،أو للموضوع.و لا إشكال في انّ مثل(إلاّ)يفيد حصر الحكم في المستثنى منه و إخراج المستثنى عنه بعدالإسناد.و ما نقل عن نجم الأئمة:انّ رفع التناقض المتوهم في باب الاستثناءمنحصر بان يخرج المستثنى قبل الإسناد،كلام لا ينبغي صدوره عن جنابه،لأنه لاتناقض أبدا بين المستثنى منه و المستثنى حتّى يتوقف رفعه على جعل الإخراج قبل‏الإسناد،لأنّ الكلام يحمل على ما هو ظاهر فيه بعد تماميته بمتمّماته:من لواحقه وتوابعه،بل لو عوّل المتكلم على بيان مرامه بقرينة منفصلة لا تعد القرينة مناقضة لذي‏القرينة.
1)البقرة،178

506
و بالجملة:هذا التناقض المتوهم يجري بين قرائن المجازات‏و التّخصيصات و التقييدات،مع ذي القرائن و العمومات و المطلقات،و لااختصاص له بباب الاستثناء،مع انّه لا وقع لهذا التوهم أصلا.فأخذ الإخراج قبل‏الإسناد الّذي يرجع في المآل إلى انّ كلمة(إلاّ)صفتية و بمعنى الغير لا استثنائية،لاوجه له،بعد ظهورها في الاستثنائية في القضايا المتعارفة،لأنها لو كانت صفتيةلاقتضى مجي‏ء الاستثناء قبل الحكم،بان يقال:القوم إلاّ زيد أي الموصوف بغيرزيد جاءوا،كما ورد هكذا في الآية المباركة:لو كان فيهما آلهة إلاّ اللّه لفسدتا.و بالجملة:فالنّزاع في الحقيقة راجع في قوله:جاء القوم إلاّ زيد-إلى انّ قوله‏(إلاّ زيد)من قيود القوم؟حتى تكون(إلاّ)صفتيه،فيكون محصّل المعنى:انّ القوم‏الّذين هم غير زيد جاءوا،فلا يكون لهذه القضيّة مفهوم،لأنّ إثبات حكم لموضوع‏خاصّ لا يدل على انتفاء سنخه عن غير هذا الموضوع.أو من قيود الحكم؟حتى تكون‏(إلاّ)استثنائية و يكون للقضية مفهوم،لأنّ إثبات حكم القوم و إخراج زيد عن‏هذا الحكم الثابت لعشيرته مع انّه منهم موضوعا عين المفهوم،لأنّ المدّعى ليس إلاّدلالة القضيّة على عدم ثبوت الحكم المذكور للقوم نفيا و إثباتا لزيد و خروج حكمه‏عن حكمهم.و على هذا فلا إشكال انّه إذا قال:له على عشرة إلاّ درهما فهو إقراربالتّسعة،و لو قال:له على عشرة إلاّ درهم بالرّفع فهو إقرار بالعشرة،لأنّ مقتضى‏القواعد العربية التي يجب حمل كلام المتكلّم عليها لا على الغلط ان يجعل الدّرهم‏بالرّفع صفة للعشرة،فكأنّه قال:العشرة التي هي غير الدّرهم عليّ،هذا في‏الإثبات.و امّا في النفي فحيث انّه يجوز الوجهان في الاستثناء الواقع بعده،فلو قال:ما له عليّ عشرة إلاّ درهم أو إلاّ درهما،فيحمل على إقراره بالدّرهم،فما أفادوه في انّه‏على النّصب لم يكن إقرار بشي‏ء لا وجه له.و العجب ممّا يحكى عن‏ (1) المسالك،فانّه مع اعترافه بأنّ كلمة إلاّ
1)راجع المسالك،المجلد الثاني،كتاب الإقرار،المقصد الرابع في صيغ الاستثناء،ما أفاده في شرح قول‏المحقق قدس سره في الشرائع«و لو قال:ما له عندي شي‏ء إلاّ درهم كان إقرارا بدرهم...»ص 171

507
استثناء حمله على الإخراج قبل الإسناد فكان النّفي دخل على المستثنى و المستثنى منه،ومرجع الكلام إلى انّ المقدار الّذي هو عشرة إلاّ درهما ليس عليّ،و بعبارة أخرى:التسعة ليس عليّ،لأنّ العشرة إلاّ الدرهم هي التّسعة.و لا يخفى:انّه مع كون كلمة(إلاّ)استثنائية لا يعقل ان يكون الإخراج قبل الإسناد،فانّها يكون حينئذ وصفيّة،ورفع إشكال التناقض ليس بإخراج المستثنى من المستثنى منه قبل الإسناد.و بالجملة:مع انّ القواعد العربيّة تساعد النصب بعد النفي أيضا،فحمل(إلاّ)على الوصفيّة لاوجه له.و مجرّد كونه مطابقا لأصل البراءة لا يقتضى صرف الكلام عن ظاهره وإخراجه عن كونه إقرارا،فما أفاده في الجواهر (1) هو الأقوى،و هو ثبوت الدرهم على‏كلّ تقدير من الرّفع و النّصب.ثمّ لا يخفى:انّه يمكن ان يكون منشأ توهّم أبي حنيفة:كون الموضوع له للفظة(إلاّ)هو الأعمّ من الصفتية و الاستثنائية،و إلاّ فانّها لو كانت موضوعة للاستثناء لم‏يمكن توهم عدم ثبوت المفهوم للقضيّة.و الأمثلة التي ذكرها لعدم الإفادة هي‏في الإفادة أظهر من عدمها،لأنّ قوله عليه السلام‏ (2) لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب،أوإلاّ بطهور-مثلا-لو كان المراد من الصلاة هي الجامعة لجميع الشرائط إلاّ الطهور،فيفيد نفى الصلاتيّة عن فاقدة الطهور كون الصلاة المفروضة(أي الجامعة مع الطهور)صلاة،و لا محذور فيه.و لو كان المراد من الصلاة الأعمّ من الجامع و الفاقد فإثبات‏الصلاتية بمجرّد وجدان الطهارة وحدها أيضا لا محذور فيه،لأنّ معناه انّ الصلاة من‏هذه الجهة صلاة،و لا ينافى عدم كونها كذلك من جهة فقد سائر الشروط و الأجزاء.و بعبارة أخرى:بناء عليه،الحصر إضافيّ و لا بأس به.فتحصل ممّا ذكرنا:انّ القيد لو كان راجعا إلى عقد الوضع و الحمل،أي‏كان التقييد قبل الإسناد،فبانتفاء الموضوع المقيّد أو المحمول المقيّد لا ينتفي الحكم عن‏موضوع آخر،و انتفاء الحكم عن هذا الموضوع عقليّ لا ربط له بالمفهوم.و السرّ في‏
1)جواهر الكلام الجزء 35،كتاب الإقرار،المقصد الرابع في صيغ الاستثناء ص 88
2)المستدرك الجلد الأول الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 5 ص 274

508
ذلك:انّ التقييد لا يوجب إلاّ تضييق دائرة الموضوع أو المحمول،و ثبوت حكم‏لموضوع خاصّ لا يلازم انتفائه عن موضوع آخر.و لو كان راجعا إلى الحكم-أي‏المتحصّل من الجملة أي كان التقييد في رتبة الإسناد-فالحكم المقيّد ينتفي بانتفاءقيده بالملازمة،و هذا هو المفهوم.و لا فرق فيما ذكرنا بين مفهوم الغاية،و الحصر،أوغيرهما.نعم:لا يمكن في باب الشرط إرجاع القيد إلى الموضوع،لأنّ أداة التّعليق‏وضعت لتعليق جملة على جملة،فمرجع النّزاع فيه إلى كون القضيّة مسوقة لغرض وجودالموضوع،أو لتحديد الحكم.فعلى هذا لو رجع الحصر إلى الإسناد-و كان الإخراج‏في رتبة قوله:جاء القوم إلاّ زيدا-يدلّ على انتفاء الحكم الثابت للمستثنى منه عن‏المستثنى،و محلّ النّزاع انّما هو في(إلاّ)الاستثنائية لا الوصفيّة،فالقول بعدم دلالةالقضيّة على المفهوم مرجعه إلى استعمال(إلاّ)الاستثنائي في الوصف،و المصير إليه‏من دون قرينة عليه لا وجه له.ثمّ انّ هنا إشكالا،في إفادة كلمة(لا اله إلاّ اللّه)التوحيد،و حاصله:انّ‏خبر(إلاّ)لو قدر(موجود)فلا دلالة لهذه الكلمة على عدم إمكان اله آخر،و لو قدر(ممكن)فلا دلالة لها على وجود الباري تعالى و ان دلّت على عدم إمكان آلهة أخرى.و لا يخفى:انّ هذا الأشكال انّما نشأ من قول أكثر النحويين انّ خبر(لا)مقدر،و لذا عدّوها من نواسخ المبتداء و الخبر،و جعلوا الفرق بين لا النّافية للجنس‏و لا المشبهة بليس،هو الفرق بين لو لا الغالبيّة و لو لا الغير الغالبيّة،فانّ لو لا الغالبيّةحيث انّ خبرها من افعال العموم أي الوجود المطلق،فيجب ان يكون محذوفاكقوله:لو لا عليّ لهلك عمر،و منشأ وجوب حذفه دلالة الكلام عليه،فيكون ذكره‏لغوا،كحذف الفاعل في فعل الأمر،و المضارع المخاطب منه،و المتكلّم وحده،ومع الغير.و لو لا الغير الغالبيّة حيث انّ خبرها فعل خاصّ وجب ذكره كقوله‏عليه السلام:لو لا قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة و جعلت لها بابين.وقالوا:انّ لو لا الغالبيّة هي لا النّافية للجنس المركّبة مع لو،و غيرها هي المشبهةبليس المركّبة مع لو.
509
و بالجملة:(لو لا)على قسمين:قسم يمتنع فيها جوابها بمجرّد وجود المبتداءبعدها،و هذا القسم لا بدّ ان يكون خبر المبتداء و هو الكون المطلق،نحو لو لا على،ويجب ان يكون محذوفا لتعيين المحذوف.و قسم يمتنع فيها جوابها لا بمجرّد وجودالمبتداء،بل لنسبة الخبر إلى المبتداء،و هذا القسم خبر المبتداء امر خاصّ،و يجب ان‏يذكر،إلاّ ان يدلّ قرينة عليه.و لا النافية للجنس هي لو لا الغالبيّة،فيجب ان‏يكون خبره الوجود المطلق المحذوف،فيكون معنى(لا اله إلاّ اللّه)لا اله موجود.و حاصل الكلام:حيث انّهم عدّوا كلمة(لا)من نواسخ المبتداء و الخبرفالتجئوا إلى تقدير الخبر.و لكن الالتزام بذلك بلا موجب،فانّ كلمة(لا)كماوضعت لمعنى حرفي رابطيّ،كذلك وضعت لمعنى استقلاليّ،و هو نفى الحقيقةو الهويّة،أي وضعت تارة:للنّفي الربطي و عدم وصف لموضوع،و أخرى:لنفي‏المحمول،أي عدم الشي‏ء.كما انّ الأفعال الناقصة،مثل(كان)قد تكون ناسخة وهي الرابطة الزمانيّة،و قد تكون تامّة و غير محتاجة إلى الخبر،بل قيل(ان)النّافيةمن الأفعال النّاقصة كليس أيضا لها جهتان:ربطي،و هو ليس الناقصة،و غيرربطيّ،و هو ليس التّامة.و هذا الكلام في(ليس)و ان لم يكن بصحيح،بل ليس‏وضعها الا وضع الحروف،ربطيّ صرف وضعت لنفي شي‏ء عن موضوع في الحال،و استعمالها في نفى الوجود مسامحة،إلاّ انّ هذا التّقسيم للأفعال النّاقصة التي وضعها وهيئتها كهيئة الأفعال تامّ،فانّها قد تكون زمانيّة،و أخرى منسلخة عنها و تكون أداةربطيّة.و على أيّ حال:فلا النافية للجنس،حيث انّها وضعت لنفي هوية الشي‏ءالمعرّاة عن الوجود و العدم،فلا خبر لها،لا انّه محذوف دلّ عليه الكلام،فيصير معنى‏الكلمة الشريفة نفى هوية واجب الوجود و إثباته لذاته تعالى،و نفى واجب الوجود وإثبات فرد منه هو عين التوحيد،لأنّ غيره لو كان واجب الوجود لوجب وجوده‏لوجوبه ذاتا،فلو لم يكن غيره تعالى واجب الوجود،فامّا:ممتنع الوجود ذاتا،و امّا:ممكن الوجود ذاتا،و كلاهما ليسا بواجب الوجود ذاتا،فانحصر الواجب فيه تعالى.و على أيّ حال:سواء قلنا بتقدير خبر لا،أو لم نقل به لعدم احتياجه إليه،لايرد الأشكال على كلمة التوحيد،امّا بناء على عدم التقدير فلما ذكرنا،و امّا بناء
510
عليه فكذلك،سواء قدّر ممكن،أو موجود،لأنّ المراد من الإله المنفيّ هو واجب‏الوجود.فلو قدّر ممكن فنفى الإمكان عن غيره تعالى و إثبات الإمكان له مساوق‏لوجوده تعالى،لأنّه لو أمكن وجوده لوجب،لأنّ المفروض انّه واجب الوجود،فلو لم‏يمتنع لوجب.و لو قدّر موجود فنفى الوجود عن غيره ملازم لامتناع غيره،لأنه لو لم يمتنع‏لوجب وجوده بالملازمة التي بيّناها:من انّه لو خرج الشي‏ء عن الامتناع و أمكن‏لوجب وجوده،لأنّ المفروض انّه واجب الوجود.ثمّ انّه لا إشكال في إفادة كلمة(انّما)الحصر،كإفادة الاستثناء له،امّا:لأنّه بمعنى ما و إلاّ،و امّا:لأنها مركبة من كلمة(انّ)التي للتحقيق و إثبات الشي‏ءو كلمة(ما)التي لنفي الشي‏ء،و النّفي يرد على تالي انّما،و الإثبات على الجزء الآخر.و قوله عليه السلام:انّما الأعمال إلخ بمنزلة لا عمل إلاّ بنيّة.نعم سائر أداة الحصرمثل(بل)و تعريف المسند إليه،فإفادتها له انّما هي بقرائن المقام،لا الوضع،و لاالقرينة العامّة.
511
المقصد الرابع:في العامّ و الخاصّ‏
و فيه مباحث.و قبل الخوض في المباحث ينبغي تقديم أمور:
الأمر الأول:
العموم هو الشمول و سريان المفهوم لجميع ما يصلح الانطباق عليه.و هذاالشمول و السريان قد يكون مدلولا لفظيّا،و قد يكون بمقدّمات الحكمة.و المقصودبالبحث في المقام هو الأوّل،لأنّ المتكفّل للبحث عن الثاني هو مبحث المطلق‏و المقيّد.و لا فرق بين هذين القسمين من الشمول سوى انّه عند التعارض يقدم‏الشمول اللّفظي على الشمول الإطلاقي،لأنّ الشمول اللّفظي يصلح ان يكون بياناللمطلق الّذي علّق الحكم فيه على الطبيعة،فلا تجري فيه مقدّمات الحكمة.وسيجي‏ء توضيحه في بعض المباحث الآتية.و الغرض في المقام:هو بيان انّ البحث‏انّما هو في الشمول الّذي يكون مدلولا لفظيّا،المعبّر عنه بالعامّ الأصولي،في مقابل‏الإطلاق الشمولي،كلفظة(كلّ)و ما رادفها،من أي لغة كان،حيث انّ الشمول‏في مثل ذلك مدلول للّفظ بحسب الوضع.و بعد ما عرفت:من انّ معنى العموم‏هو الشمول اللّفظي،فلا حاجة إلى إتعاب النّفس و تعريف العموم بما لا يسلم عن‏إشكال عدم الاطراد و الانعكاس،فانّ مفهوم العموم أجلى و أوضح من ان يحتاج إلى‏التعريف.
الأمر الثاني:
قد تقدّم في بعض المباحث السابقة الفرق بين القضيّة الحقيقيّة و القضيّةالخارجيّة،و نزيده في المقام وضوحا،لابتناء كثير من المباحث الآتية على ذلك.فنقول:القضيّة الحقيقيّة،هي ما كان الحكم فيها واردا على العنوان‏
512
و الطبيعة بلحاظ مرآتيّة العنوان لما ينطبق عليه في الخارج،بحيث يرد الحكم على‏الخارجيّات بتوسط العنوان الجامع لها.و بذلك تمتاز القضيّة الحقيقية عن القضيّةالطبيعيّة،حيث انّ الحكم في القضيّة الطبيعيّة وارد على نفس الطبيعة،لا بلحاظوجودها الخارجي،بل بلحاظ تقرّرها العقلي،كما في قولك:الإنسان نوع،أو كلّي،و غير ذلك من القضايا الطبيعيّة.و هذا بخلاف القضيّة الحقيقيّة،فانّ الحكم فيها وان رتّب على الطبيعة لكن لا بلحاظ تقرّرها العقلي،بل بلحاظ تقرّرها الخارجي،و هو معنى لحاظ العنوان مرآة لما في الخارج.و ممّا ذكرنا ظهر:المائز بين القضيّة الخارجيّة و القضيّة الحقيقيّة أيضا،فانّ‏الحكم في القضيّة الحقيقيّة كما عرفت مترتّب على الخارج بتوسط العنوان،و امّا في‏القضيّة الخارجيّة فالحكم فيها ابتداء مترتب على الخارج بلا توسط عنوان،سواءكانت القضيّة جزئيّة أو كليّة،فانّ الحكم في القضيّة الخارجيّة الكليّة أيضا انّمايكون مترتبا على الأفراد الخارجيّة ابتداء،من دون ان يكون هناك بين الأفرادجامع اقتضى ترتب الحكم عليها بذلك الجامع،كما في القضيّة الحقيقيّة.و لو فرض‏انّ هناك جامعا بين الأفراد الخارجيّة فانّما هو جامع اتفاقيّ،كما في قولك:كلّ‏من في العسكر قتل،و كلّ ما في الدار نهب،فانّ قولك:كلّ من في العسكر قتل،بمنزلة قولك:زيد قتل،و عمرو قتل،و بكر قتل،و ليس بين قتل زيد و عمرو و بكرجامع عنواني اقتضى ذلك الجامع قتل هؤلاء،بل اتّفق انّ كلاّ من زيد و عمرو وبكر كان في المعركة،و اتفق انّهم قتلوا،و أين هذا من القضيّة الحقيقية التي يكون فيهاجامع بين الأفراد؟بحيث متى تحقّق ذلك الجامع ترتّب الحكم،سواء في ذلك‏الأفراد الموجودة و الّتي توجد بعد ذلك.و لأجل ذلك تقع القضيّة الحقيقيّة كبرى‏لقياس الاستنتاج،و تكون النتيجة ثبوتا و إثباتا موقوفة على تلك الكبرى،بحيث‏يتوصّل بتلك الكبرى بعد ضمّ الصغرى إليها إلى امر مجهول يسمّى بالنتيجة،كمايقال:هذا خمر و كلّ خمر يحرم،فانّ حرمة هذا الخمر انّما يكون ثبوتا موقوفا على حرمةكلّ خمر،كما انّ العلم بحرمة هذا الخمر يكون موقوفا على العلم بحرمة كلّ خمر،فالعلم‏بالنّتيجة يتوقّف على العلم بكليّة الكبرى،و امّا العلم بكليّة الكبرى فلا يتوقّف‏
513
على العلم بالنّتيجة،بل العلم بكليّة الكبرى يكون موقوفا على مباد اخر:من عقل،أو كتاب،أو سنة.و هذا بخلاف القضيّة الخارجيّة،فانّها لا تقع كبرى القياس بحيث تكون‏النتيجة موقوفة عليها ثبوتا،و ان كان قد يتوقف عليها إثباتا،كما يقال للجاهل بقتل‏زيد:زيد في العسكر،و كلّ من في العسكر قتل،فزيد قتل،فان العلم بقتل زيد و ان‏كان يتوقف على العلم بقتل كل من في العسكر إلاّ انّه لا يتوقف على ذلك ثبوتا،إذليس مقتوليّة كلّ من في العسكر علّة لمقتوليّة زيد،بل علّة مقتوليّة زيد هو امر آخربملاك يخصّه،فالقضيّة الكليّة الخارجيّة ليست كبرى لقياس الاستنتاج بحيث‏تكون كليّتها علّة لتحقق النّتيجة.و ممّا ذكرنا ظهر:اندفاع الدّور الوارد على الشكل الأول الّذي هو بديهي‏الإنتاج،فانّ منشأ توهم الدور ليس إلاّ تخيّل توقّف العلم بكليّة الكبرى على العلم‏بالنّتيجة،مع انّ العلم بالنتيجة يتوقف على العلم بكليّة الكبرى،و الحال انّه قدعرفت انّ العلم بكليّة الكبرى في القضايا الحقيقيّة لا يتوقّف على العلم بالنتيجة،بل‏يتوقف على مباد أخر:من عقل،أو كتاب،أو سنّة،أو إجماع.و القضايا المعتبرة في العلوم انّما هي القضايا الحقيقيّة،و لا عبرة بالقضاياالخارجيّة،لأنّ القضيّة الخارجيّة و ان كانت بصورة الكليّة،إلاّ انّها عبارة عن قضاياجزئيّة لا يجمعها عنوان كلّي،كما عرفت.فالقياس الّذي يتألف من كبرى كليّةعلى نهج القضيّة الحقيقيّة لا يكون مستلزما للدّور،لما تقدّم من انّ النتيجة ثبوتا وإثباتا تتوقف على كليّة الكبرى،و لا عكس.و القياس الّذي يتألف من قضيّةخارجيّة أيضا لا يستلزم الدّور،فانّ النتيجة ثبوتا لا يتوقف على الكبرى،بل ثبوت‏النتيجة له مبادئ أخر لا ربط لها بالكبرى،على عكس نتيجة القضيّة الحقيقيّة.و كأنّ من توهم الدور في الشكل الأول قد خلط بين القضيّة الخارجيّةو القضيّة الحقيقيّة،و الحال انّه قد عرفت انّه لا ربط لإحدى القضيّتين بالأخرى.و قد وقع الخلط في عدّة موارد بين القضيّتين،قد أشرنا إلى جملة منها في الشرط المتأخّر،و سيأتي جملة منها في محلّه أيضا.
514
ثمّ انّ العموم و الكليّة كما تكون على نهج القضيّة الحقيقيّة و على نهج القضيةالخارجيّة،كذلك التخصيص تارة:يكون تخصيصا أنواعيّا،و أخرى:يكون تخصيصاافراديا،سواء كان التخصيص بالمتّصل أو بالمنفصل.و التّخصيص الأنواعي يناسب‏ان يرد على العموم المسوق بصورة القضيّة الحقيقية،كما انّ التخصيص الأفرادي‏يناسب ان يرد على العموم المسوق بصورة القضيّة الخارجيّة،بل القضيّة الخارجيّة لاتصلح إلاّ للتّخصيص الأفرادي،لما عرفت:من انّ القضيّة الخارجيّة ما ورد الحكم‏فيها على الأفراد،فالتّخصيص فيها انّما يكون تخصيصا افراديا،و لو فرض انّ المخصّص‏سيق بصورة الأنواعي،كما لو قال:كلّ من في العسكر قتل إلاّ من كان في الجانب‏الشرقي،فالمراد به أيضا الأفرادي،فهو بمنزلة قوله:إلاّ زيد و عمرو و بكر،كما انّ‏أصل القضيّة كانت بهذا الوجه.نعم:القضيّة الحقيقيّة تصلح لأن يرد عليها المخصص الأفرادي،كما تصلح‏لأن يرد عليها المخصص الأنواعي.و لا إشكال في انّ التخصيص الأنواعي انّما يهدم‏إطلاق مصبّ العموم و مدخوله،و امّا التخصيص الأفرادي فهو كذلك،أي يردعلى مصبّ العموم،أو انّه يرد على نفس العموم و يوجب هدمه،و يكون التصرف في‏(كلّ)لا في(العالم)في قولك:أكرم كلّ عالم.و النتيجة و ان كانت واحدة إلاّ انّ‏الصناعة اللّفظية تختلف.و على كلّ حال:لمّا كانت الأحكام الشرعيّة كلّها على‏نهج القضايا الحقيقيّة،كان التخصيص الوارد في الأحكام الشرعيّة كلّها من‏التخصيصات الأنواعيّة،إلاّ ما كان من قبيل خصائص النّبي صلى اللّه عليه و آله .
الأمر الثالث:
قسّموا العموم إلى:عموم استغراقي،و عموم مجموعيّ،و عموم بدليّ الّذي‏هو بمعنى أيّ.و تسمية العموم البدلي بالعموم مع انّ العموم بمعنى الشمول و البدليّةتنافي الشمول لا تخلو عن مسامحة.و على كلّ تقدير:العموم بمعنى الشمول ليس إلاّالاستغراقي و المجموعي،و تقسيم العموم إلى هذين القسمين ليس باعتبار معناه‏الأفرادي بحيث يكون التقسيم إلى ذلك باعتبار وضع العموم بمعناه الأفرادي،بل‏التقسيم إلى ذلك انّما يكون باعتبار الحكم،حيث انّ الغرض من الحكم تارة:تكون‏
515
على وجه يكون لاجتماع الأفراد دخل،بحيث تكون مجموع الأفراد بمنزلة موضوع‏واحد،و له إطاعة واحدة بإكرام جميع افراد العلماء،في مثل قوله:أكرم كلّ عالم،وعصيانه يكون بعدم إكرام فرد واحد.و أخرى:يكون الغرض على وجه يكون كلّ‏فرد فرد من العالم موضوعا مستقلا،و تتعدّد الإطاعة و العصيان حسب تعدّد الأفراد،و ذلك أيضا واضح،لأنّ العموم بمعناه الأفرادي بحسب الوضع ليس إلاّ الشمول،فالتقسيم إلى المجموعيّة و الاستغراقيّة انّما هو باعتبار ورود الحكم على العموم.ثمّ انه ان كان هناك قرينة على انّ المراد هو الاستغراقيّ أو المجموعي فهو،و إلاّ فالأصل اللّفظي الإطلاقي يقتضى الاستغراقيّة،لأنّ المجموعيّة تحتاج إلى عنايةزائدة،و هي لحاظ جميع الأفراد على وجه الاجتماع و جعلها موضوعا واحدا.و هذامن غير فرق بين أقسام العموم،سواء كان العموم مدلولا اسميّا للأداة،ككلّ و ماشابهها،أو عرفيّا،كالجمع المحلّى باللاّم،بناء على انّ العموم و تعيين أقصى مراتب‏العلماء في قوله:أكرم العلماء،انّما هو لإفادة الألف و اللام ذلك،حيث لا يكون‏هناك عهد-و يلحق بذلك الأسماء التي تتضمن المعنى الحرفيّ،كأسماء الاستفهام‏و الشرط-أو سياقيّا كالنكرة الواقعة في سياق النفي بلا النّافية للجنس،فانّ العموم‏في جميع هذه الأقسام انّما يكون على نحو العموم الاستغراقي الانحلاليّ،و لا يحمل على‏المجموعي إلاّ إذا قامت قرينة على ذلك،و السّر في ذلك واضح.امّا في مثل-أكرم كلّ عالم-ممّا كان العموم فيه معنى اسميّا،فانّ مفاد(كلّ)انّما هو استيعاب ما ينطبق عليه مدخولها،و المدخول ينطبق على كلّ فرد فرد من‏افراد العالم،فهي تدلّ على استيعاب كلّ فرد فرد من افراد العالم،و هو معنى‏الاستيعاب الانحلالي.و امّا العموم السياقي فكذلك،فانّ العموم انّما يستفاد من ورود النّفي‏أو النّهى على الطبيعة،و هو يقتضى انتفاء كلّ ما يصدق عليه الطبيعة و تنطبق عليه،و كلّ فرد فرد من افراد الجنس ممّا تنطبق عليه الطبيعة،فيقتضى انتفاء كلّ فردفرد،و هو معنى الاستغراق.و امّا العموم المستفاد من الجمع المحلّى باللام و ما يلحق به من الأسماء
516
المتضمنة للمعاني الحرفيّة،فقد يتوهّم انّ ظاهره يقتضى المجموعي،لأنّ مدخول اللام‏هو الجميع،فانّ مثل زيدون،أو علماء،لا ينطبق على كلّ فرد فرد،بل ينطبق على‏كلّ جماعة جماعة من الثلاثة فما فوق،و غاية ما يستفاد من اللام،هو أقصى مراتب‏الجمع التي تنطوى فيه جميع المراتب مع حفظ معنى الجمعيّة،فاللام توجد معنى‏في المدخول كان فاقدا له،و هو أقصى المراتب،كما هو الشأن في جميع المعاني الحرفيّةالتي توجد معنى في الغير،و ذلك يقتضى العموم المجموعي،لا الاستغراقيّ.و قد أفاد شيخنا الأستاذ مدّ ظله في دفع التّوهم بما حاصله:انّ أداة العموم‏من الألف و اللام ان كان نفس الجمع،بحيث كان ورود أداة العموم متأخّرا عن‏ورود أداة الجمع:من الألف و التاء،و الواو و النّون،على المفرد لكان للتّوهم المذكورمجال،و لكن كيف يمكن إثبات ذلك؟بل ورود أداة العموم و أداة الجمع‏على المفرد انّما يكون في مرتبة واحدة،فالألف و اللاّم تدلّ على استغراق افرادمدخولها،و هو المفرد،غايته انّه لا مطلق المفرد حتى يقال:انّ المفرد المحلّى باللاّم لايدل على العموم،بل المفرد الّذي ورد عليه أداة الجمع عند ورود أداة العموم.و الحاصل:انّ مبنى الأشكال انّما هو ورود أداة العموم على الجمع،و امّا لوكانت أداة العموم واردة على المفرد الّذي يرد عليه أداة الجمع،فأداة العموم تدلّ على‏استغراق افراد ذلك المفرد،و يكون حال الجمع المحلّى باللام حال(كل)في الدلالةعلى استغراق الأفراد على نحو الانحلال،فتأمل.فانّ المقام يحتاج إلى بيان آخر.
الأمر الرابع:
ذهب بعض إلى انّ تخصيص العامّ يوجب المجازيّة مطلقا،و بعض قال بذلك‏في خصوص المنفصل.و عليه رتّبوا عدم حجيّة العامّ في الباقي بعد التّخصيص،لإجماله بعد تعدّد مراتب المجازو الحق:انّ التخصيص لا يقتضى المجازيّة مطلقا،كما انّ تقييد المطلق لايقتضى ذلك،و ان قال به من تقدّم على سلطان المحققين(ره)و قد استقرّت طريقةالمحقّقين من المتأخرين على عدم اقتضاء التخصيص و التّقييد للمجازيّة.امّا تقييدالمطلق:فسيأتي الكلام فيه في محلّه إن شاء اللّه.
517
و امّا تخصيص العام:فقد أفيد في وجه عدم استلزامه للمجازيّة انّ العامّ لم‏يستعمل إلاّ في العموم،غايته انّ العموم ليس بمراد بالإرادة الجدّية النّفس الأمريّة،فالتّخصيص انّما يقتضى التّفكيك بين الإرادة الاستعماليّة و الإرادة الجدّية،و الحقيقةالمجاز انّما تدور مدار الاستعمال،لا مدار الإرادة الواقعيّة،ففي مثل أكرم كلّ عالم لم‏تستعمل أداة العموم إلاّ في الاستغراق و استيعاب جميع افراد العالم،غايته انّه لم‏تتعلّق الإرادة الجدّية بإكرام جميع الأفراد،بل تعلّقت الإرادة بإكرام ما عدى‏الفاسق،و المصلحة اقتضت عدم بيان المراد النّفس الأمري متّصلا بالكلام فيما إذاكان المخصص منفصلا،و يكون العامّ قد سيق لضرب القاعدة،ليكون عليه المعوّل‏قبل بيان المخصّص و العثور عليه.و بذلك وجّه الشيخ(قده)1في مبحث التّعادل و التراجيح،العمومات‏الواردة في لسان الأئمة السابقين عليهم السلام،و المخصّصات الواردة في لسان الأئمةاللاحقين عليهم السلام،هذا.و لكن شيخنا الأستاذ مدّ ظله لم يرتض هذا الوجه.و حاصل ما أفاده في‏وجه ذلك:هو انّ حقيقة الاستعمال ليس إلاّ إلقاء المعنى بلفظه،بحيث لا يكون‏الشّخص حال الاستعمال ملتفتا إلى الألفاظ،بل هي مغفول عنها،و انّما تكون‏الألفاظ قنطرة و مرآة إلى المعاني،و ليس للاستعمال إرادة مغايرة لإرادة المعنى‏الواقعي،فالمستعمل ان كان قد أراد المعاني الواقعة تحت الألفاظ فهو،و إلاّ كان‏هازلا.و دعوى:انّ العام قد سيق لبيان ضرب القاعدة ممّا لا محصل لها،فانّ أداة1فرائد الأصول،مبحث التعادل و التراجيح المقام الرابع المسألة الأولى،ص 433قال قدس سره:«فالأوجه هو الاحتمال الثالث(كون المخاطبين بالعامّ تكليفهم ظاهرا العمل بالعموم المراد به الخصوص‏واقعا)فكما ان رفع مقتضى البراءة العقليّة ببيان التكليف كان على التدريج كما يظهر من الاخبار و الآثار مع‏اشتراك الكلّ في الأحكام الواقعية،فكذلك ورود التقييد و التخصيص للعمومات و المطلقات،فيجوز ان يكون‏الحكم الظاهري للسابقين الترخيص في ترك بعض الواجبات و فعل بعض المحرمات الّذي يقتضيه العمل‏بالعمومات و ان كان المراد منها الخصوص الّذي هو الحكم المشترك.»
518
العموم و المدخول انّما سيقت لبيان الحكم النّفس الأمري،و ليست القاعدة جزءمدلول الأداة و لا جزء مدلول المدخول.نعم:قد يعبّر عن العام بالقاعدة،إلاّ انّ المراد من القاعدة هي القاعدةالعقلائيّة:من حجيّة الظهور،و أصالة العموم.و قد تكون القاعدة مجعولة شرعيّة،كأصالة الطهارة و الحلّ،و أمثال ذلك من الأحكام الظاهرية.و أين هذا من العامّ‏المسوق لبيان الحكم الواقعي؟و الحاصل:انّ تفكيك الإرادة الاستعماليّة عن‏الإرادة الواقعيّة ممّا لا محصل له،بل العام قبل ورود التّخصيص عليه و بعده يكون‏على حدّ سواء في تعلّق الإرادة به و انّ هناك إرادة واحدة متعلّقة بمفاده،فهذا الوجه‏ليس بشي‏ء.بل التحقيق،هو ان يقال:انّ كلّ من أداة العموم و مدخولها لم يستعمل‏إلاّ في معناه،و التّخصيص سواء كان بالمتّصل أو بالمنفصل،و سواء كان التّخصيص‏أنواعيّا أو أفراديّا،و سواء كانت القضيّة حقيقيّة أو خارجيّة،لا يوجب المجازيّة،لافي الأداة،و لا في المدخول.امّا في الأداة:فلأنّ الأداة لم توضع إلاّ للدّلالة على استيعاب ما ينطبق عليه‏المدخول،و هذا لا يتفاوت الحال فيها بين سعة دائرة المدخول،أو ضيقه.فلا فرق‏بين ان يقال:أكرم كلّ عالم،و بين ان يقال:أكرم كلّ إنسان،فانّ لفظة(كلّ)في‏كلا المقامين انّما تكون بمعنى واحد،مع انّ الثاني أوسع من الأوّل و ذلك واضح.و امّا في المدخول:فلأنّ المدخول لم يوضع إلاّ للطبيعة المهملة المعراة عن كلّ‏خصوصيّة،فالعالم مثلا لا يكون معناه إلاّ من انكشف لديه الشي‏ء،من دون دخل‏العدالة،و الفسق،و النّحو،و المنطق فيه أصلا.فلو قيد العالم بالعادل أو النّحوي أوغير ذلك من الخصوصيّات و الأنواع،لم يستلزم ذلك مجازا في لفظ العالم،لأنّه لم يردمن العالم إلاّ معناه و لم يستعمل في غير من انكشف لديه الشي‏ء،و الخصوصيّة انّمااستفيدت من دال آخر.و على هذا لا يفرق الحال بين ان يكون القيد متّصلابالكلام،أو منفصلا،أو لم يذكر تقييد أصلا لا متّصلا و لا منفصلا،و لكن كان‏المراد من العالم هو العالم العادل مثلا،فانّه في جميع ذلك لم يستعمل العالم إلاّ في‏
519
معناه،فمن أين تأتي المجازيّة؟و أيّ لفظ لم يستعمل في معناه؟حتى يتوهّم المجازيةفيه.و هذا في التّخصيص الأنواعي واضح لا سترة فيه.نعم:في التّخصيص الأفرادي ربّما يتوهم استلزامه المجازيّة،سواء كان ذلك‏في القضيّة الحقيقيّة أو في القضيّة الخارجيّة،من جهة انّ التخصيص الأفرادي لايوجب تضييق دائرة المصبّ و مدخول الأداة كما في التخصيص الأنواعي،من جهةانّ المدخول كما تقدّم لم يوضع إلاّ للطبيعة،فالتخصيص الأفرادي انّما يصادم نفس‏الأداة،حيث انّ الأداة موضوعة لاستيعاب افراد المدخول،و التخصيص الأفرادي‏يوجب عدم استيعاب الأفراد،فيلزم استعمال لفظ الأداة في خلاف ما وضع له.و الّذي يدلّ على وضع الأداة لاستيعاب افراد المدخول هو تقديم العامّ الأصولي‏على الإطلاق الشمولي،بعد اشتراكهما في الحاجة إلى مقدّمات الحكمة لسريان الحكم‏إلى جميع الأنواع،و لكن بالنّسبة إلى افراد النّوع الواحد يكون السّريان مدلولا لفظيّافي العام الأصولي،و بحسب مقدّمات الحكمة في الإطلاق الشمولي،فيكون زيد العالم‏الفاسق الّذي تعارض فيه قوله:أكرم عالما،و قوله:لا تكرم الفاسق،مندرجا تحت‏العام الأصولي بالدّلالة اللّفظيّة،و تحت الإطلاق الشمولي بمقدمات الحكمة التي من‏جملتها عدم ورود ما يصلح للبيان،و الدلالة اللّفظيّة في العام الأصولي تصلح ان تكون‏بيانا،فيحكم في المثال المتقدم بعدم وجوب إكرام زيد العالم الفاسق،فتأمل.و هذالا يكون إلاّ من جهة انّ لفظ(كل)يدلّ على استيعاب الأفراد.فيكون التّخصيص‏الأفرادي مصادما لمفاد الأداة و استعمالا لها في خلاف ما وضعت له.هذا.و لكن الأقوى:انّ التخصيص الأفرادي أيضا لا يوجب المجازيّة.امّافي القضيّة الحقيقيّة:فلأنّ الأفراد ليست مشمولة للّفظ ابتداء،بحيث يكون مثل‏أكرم كلّ عالم بمدلوله اللّفظي يدلّ على إكرام زيد،و عمرو،و بكر،و غير ذلك،و إلاّ لما احتجنا في القضيّة الحقيقيّة إلى تأليف القياس،و استنتاج حكم الأفراد من‏ضمّ الكبرى إلى الصغرى.و الحاصل:ان كلّ فرد في القضيّة الحقيقيّة انّما يعلم حكمه بواسطة تأليف القياس‏و تطبيق الكبرى الكليّة عليه،فهذا يدلّ على انّ اللّفظ بنفسه ابتداء لا يدلّ على‏
520
حكم الأفراد،بل التّخصيص الأفرادي أيضا يوجب تضييق دائرة المصبّ و مدخول‏الأداة.و السّر في تقدّم العام الأصولي على الإطلاق الشمولي،ليس من جهة انّ العام‏الأصولي بنفسه متكفّل لحكم الأفراد ابتداء،بل التّقدم من جهة انّ القضيّة الشرطيةالتي تتكفّلها القضيّة الحقيقية في الإطلاق الشمولي انّما تكون بمقدّمات الحكمة،وفي العامّ الأصولي انّما تكون مفاد نفس اللّفظ.مثلا في مثل أكرم العالم اللّفظ لا يدلّ‏على أزيد من وجوب إكرام الطبيعة،و امّا الشمول و الاستيعاب،بحيث كلّما وجدفي العالم عالم يجب إكرامه فانّما يستفاد من مقدمات الحكمة،و اما مفاد مثل أكرم‏كل عالم فهو بنفسه يدل على انه كلما وجد في العالم عالم فأكرمه بلا حاجة إلى‏مقدّمات الحكمة.فالفرق بين العام الأصولي و الإطلاق الشمولي هو هذا(فتأمل)لاانّ العام الأصولي ابتداء يدلّ على شمول الأفراد،حتى يكون التخصيص الأفرادي‏موجبا لاستعمال أداة العموم في غير ما وضعت له،بل التخصيص الأفرادي‏كالأنواعي يرد على المصبّ و يضيق دائرته.هذا في القضيّة الحقيقيّة.و امّا التخصيص الأفرادي في القضيّة الخارجيّة:فالتوهم المذكور و ان كان‏فيها أمسّ من جهة انّ القضيّة الخارجيّة ابتداء متكفّلة لحكم الأفراد،بلا حاجة إلى‏تأليف القياس ثبوتا و ان احتاج إليه في بعض الأحيان إثباتا،كما تقدّم،إلاّ انه مع‏ذلك التخصيص الأفرادي في القضيّة الخارجيّة لا يوجب المجازيّة أيضا،للعلم بأنّ‏استعمال أداة العموم و مدخولها في القضيّة الحقيقيّة و القضيّة الخارجيّة انّما يكون بنهج‏واحد،و ليس للأداة في القضيّة الخارجيّة وضع و استعمال مغاير لوضع الأداة واستعمالها في القضيّة الحقيقيّة.و انقسام القضيّة إليهما ليس باعتبار اختلاف الوضع‏و الاستعمال،بل الاختلاف انّما يكون باعتبار اللحاظ،من حيث لحاظ الأفرادالموجودة الفعليّة في القضيّة الخارجيّة،و عدم لحاظ الموجودة بالفعل في القضيّةالحقيقيّة.و اختلاف اللّحاظ انّما يكون باختلاف الملاك في القضيّتين،حيث انّ‏الملاك الّذي أوجب ترتّب المحمول على الموضوع في القضيّة الحقيقيّة انّما يكون مطّردافي جميع افراد الموضوع،و ليس هناك إلاّ ملاك واحد قائم بالجميع،سواء كانت‏موجودة بالفعل أو الّذي توجد بعد ذلك.بخلاف الملاك في القضيّة الخارجيّة،فانّ‏
521
هناك ملاكات متعددة حسب تعدّد الأفراد،فإذا لم يختلف كيفيّة الوضع‏و الاستعمال في القضيّتين،فكيف يوجب التّخصيص المجازية في الخارجيّة و لا يوجبه‏في الحقيقيّة؟فالتّخصيص الأفرادي في القضيّة الخارجيّة أيضا يرد على المصبّ‏و المدخول و يوجب تضييق دائرته.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ التخصيص لا يقتضى المجازية مطلقا،و انّماهو يوجب تضييق دائرة المصبّ،من غير فرق بين المتّصل و المنفصل.و ممّا ذكرنا،ظهر المناقشة فيما أفاده الشيخ(قده)على ما في التقرير1في‏وجه حجيّة العام فيما بقي بعد التّخصيص،بعد تسليم المجازيّة:من انّ دلالة العامّ على‏كلّ فرد غير منوطة بالدّلالة على الأفراد الأخر إلى آخر ما ذكره(قده)فانّه يرد على‏ظاهر ما أفاده:انّ العامّ لا دلالة له على الأفراد في القضيّة الحقيقيّة،و انّما يكون‏الدّلالة على الأفراد في القضيّة الخارجيّة،إلاّ ان يكون مراده من الأفراد الأنواع،أويكون كلامه في الخارجيّة.مع انّه لم يظهر وجه تسليمه المجازية،فانّه لا يمكن توجيه‏المجازيّة بوجه من الوجوه.هذا كلّه،مضافا إلى ما أورد عليه:من انّه بعد تسليم‏المجازيّة لا مجال لدعوى بقاء دلالة العامّ على الأفراد الباقية من جهة انّ دلالة العامّ‏على كلّ فرد غير منوطة بدلالته على الأفراد الاخر.و ذلك لأنّ دلالة العام على الأفرادالباقية انّما كانت باعتبار دلالته على الجميع،فدلالته على الأفراد الباقية التي كانت‏قبل التخصيص انّما كانت باعتبار دلالته على الجميع،فدلالته على الأفراد الباقيةالتي كانت قبل التخصيص انّما كانت ضمنيّة،لأنّ العام حسب الفرض كان‏1مطارح الأنظار،مبحث العام و الخاصّ،هداية 1 ص 190قوله:«و الأولى ان يجاب بعد تسليم مجازية الباقي بان دلالة العام على كل فرد من افراده غير منوطة بدلالةعلى فرد آخر من افراده و لو كانت دلالة مجازيّة،إذ هي انما بواسطة عدم شموله للافراد المخصوصة لا بواسطة دخول‏غيرها في مدلوله،فالمقتضى للحمل على الباقي موجود و المانع مفقود،لأن المانع في مثل المقام انما هو ما يوجب صرف‏اللفظ عن مدلوله و المفروض انتفائه بالنسبة إلى الباقي لاختصاص المخصص بغيره،فلو شك فالأصل عدمه،فليس‏ذلك على حد ساير المجازات حتى يحتاج إلى معيّن آخر بعد الصرف مع تعددها،فان الباقي متعيّن على حسب تعيّن‏الجميع عند عدم المخصص مطلقا.»
522
موضوعا لجميع الأفراد على نحو الاجتماع،كما هو لازم تسليم المجازيّة،و التّخصيص‏يوجب عدم بقاء دلالته على الجميع،و الدلالة على الباقي لم تكن مستقلّة حتى تبقى‏بعد التخصيص،هذا.و لكن يمكن توجيه مقالة الشيخ(قده)بما لا يرد عليه ذلك،بتقريب:انّ‏توهّم المجازية في العامّ المخصّص لا يكون إلاّ بدعوى:انّ المركّب من الأداة و المدخول‏موضوع لجميع الأفراد،بحيث يكون للمركّبات وضع وراء وضع المفردات.فانّه لاتستقيم دعوى المجازيّة إلاّ بذلك.و حينئذ نقول:لو سلّمنا هذه الدّعوى الفاسدة،فغاية ما يلزم من التخصيص هو خروج بعض افراد الموضوع له عن العموم،و لكن‏خروج بعض الأفراد لا يقتضى عدم دلالة العامّ على الأفراد الباقية،إذ دلالة العام‏على الأفراد ليست على وجه الارتباطية،بحيث يكون خروج البعض موجبا لانعدام‏الدلالة بالنّسبة إلى الباقي،بل العامّ يدلّ على كلّ فرد بدلالة مستقلّة،لما تقدم:من‏انّ الأصل في العموم هو الانحلال،فالعامّ لا محالة يدلّ على الباقي،سواء خرج بعض‏الأفراد عنه أو لم يخرج،و المجازيّة انّما جاءت من قبل خروج بعض الأفراد،لا من قبل‏دخول الباقي.و نظير العامّ في الدلالة على الباقي،الإشارة بلفظ(هؤلاء)مشيرا إلى جماعة،مع عدم إرادة جميع آحاد تلك الجماعة بل بعضها،فانّ عدم إرادة البعض لا يوجب‏عدم وقوع الإشارة على الأفراد،بل الإشارة وقعت على تلك الأفراد لا محالة.و ليست‏دلالة(هؤلاء)على الأفراد المرادة من قبيل دلالة الأسد على الرّجل الشجاع،بحيث‏تكون دلالة مجازيّة صرفة أجنبيّة عن المعنى الموضوع له،بل دلالة(هؤلاء)على الأفرادالمرادة دلالة حقيقيّة،فكذلك دلالة العام على الأفراد الباقية تكون دلالة حقيقيّة،و ان خرج بعض الأفراد عنه.هذا ما تحصل لي من توجيه شيخنا الأستاذ مدّ ظله لمقالة الشيخ(قده)و لكن‏بعد في النّفس من ذلك شي‏ء،فانّ تسليم المجازية لا يمكن إلاّ بدعوى وضع العامّ لجميع‏الأفراد،فإرادة البعض منه ينافى الموضوع له لا محالة.و حينئذ يصح ان يقال:انّ العام‏لا دلالة له على الباقي بعد التخصيص،لأنّ دلالته كانت على الجميع من حيث‏
523
المجموع،فتأمل.و على كلّ حال:نحن في غنى عن هذه المقالات،لما عرفت:من انّ‏التخصيص لا يقتضى المجازيّة أصلا،لا في الأداة،و لا في المدخول.إذا عرفت هذه الأمور،فلنشرع في مباحث العامّ و الخاصّ.
المبحث الأول:
بعد ما عرفت من انّ التخصيص لا يوجب المجازيّة،فلا ينبغي الأشكال في‏حجيّة العامّ في الباقي بعد التّخصيص،إذ مبنى الأشكال في ذلك هو المجازيّة.و قد تقدم‏فساد المبنى،و ذلك واضح.
المبحث الثاني:
إذا كان المخصص مجملا مفهوما،فتارة:يكون الإجمال من جهة دورانه بين‏المتباينين،و أخرى:يكون بين الأقلّ و الأكثر.و على كلا التّقديرين،فتارة:يكون‏المخصّص متصلا،و أخرى:يكون منفصلا.و حكم هذه الأقسام:هو انه لو كان المخصّص متّصلا،فالعامّ يسقط عن‏الحجيّة بالنّسبة إلى محتملات المخصّص مطلقا،سواء دار امره بين المتباينين أو بين‏الأقلّ و الأكثر،لسراية إجمال المخصّص إلى العامّ،و عدم انعقاد ظهور له،لاحتفافه‏بالمخصّص المجمل،فلا يكون للعام دلالة تصديقيّة على معنى بحيث يصح ان يخبربمفاده،و يترجم بلفظ آخر أو لغة أخرى.و ما لم يحصل للكلام هذه الدّلالة لا يكون‏له ظهور في معنى،و مع عدم الظهور لا يكون حجّة.فسقوط العام عن الحجيّةفي المخصص المتصل ليس من جهة العلم بالتخصيص حتى يقال:انّ العلم‏بالتخصيص انما يوجب سقوط العام عن الحجيّة في المتباينين،لا في الأقلّ و الأكثرلعدم العلم بتخصيص الأكثر-كما سيأتي بيانه في المخصّص المنفصل-بل من جهةإجمال العام و عدم انعقاد ظهور له،و ذلك واضح.و امّا لو كان المخصّص منفصلا:ففي صورة دورانه بين المتباينين يسقط العامّ‏عن الحجيّة أيضا في جميع الأطراف المحتملة،فانّه و ان انعقد للعامّ ظهور،إلاّ انّه‏بعد العلم بالتخصيص يخرج العام عن كونه كبرى كليّة،و لا تجري فيه أصالة
524
العموم،لأنّ أصالة العموم انّما تجري في صورة الشك،و لا مجال لها مع العلم‏بالتّخصيص.و بعبارة أخرى:يعلم انّ الظهور المنعقد للعامّ ليس بمراد بالنّسبة إلى‏بعض الأطراف المحتملة.و حيث انّ ذلك البعض تردّد امره بين فردين،أو افراد،و لامعيّن في البين،فلا محالة يسقط العامّ عن الحجيّة في جميع الأفراد المحتملة،و ذلك أيضاواضح.و امّا لو دار امر المخصص المنفصل بين الأقلّ و الأكثر:فبالنّسبة إلى الأكثرالعام بعد باق على حجيّته،و أصالة العموم جارية فيه،و انّما سقطت حجيّة العام في‏خصوص الأقلّ المتيقّن التّخصيص،لأنّه بالنّسبة إلى الأكثر يكون شكافي التخصيص،و المرجع حينئذ هو أصالة العموم و عدم التخصيص بعد ما انعقد ظهورللعامّ.فلو قال:أكرم العلماء،ثمّ ورد:لا تكرم فسّاق العلماء،و تردّد الفاسق بين ان‏يكون خصوص مرتكب الكبيرة،أو الأعمّ منه و من مرتكب الصغيرة،فبالنّسبة إلى‏مرتكب الكبيرة العامّ سقط عن الحجيّة،للعلم بخروجه على كلّ حال.و امّابالنّسبة إلى مرتكب الصغيرة فيشك في خروجه،و مقتضى أصالة العموم عدم‏خروجه.و توهّم:انّ الخارج هو عنوان الفاسق لا خصوص مرتكب الكبيرة-و العامّ‏ليس كبرى كليّة بالنّسبة إلى عنوان الفاسق للعلم بخروج هذا العنوان عن العامّ،فلا مجال للتمسك بأصالة العموم بالنّسبة إلى من شك في دخوله تحت عنوان الفاسق‏-فاسد،لأنّ الخارج ليس مفهوم الفاسق بل واقع الفاسق،و حيث لم يعلم انّ‏مرتكب الصغيرة مندرج في الفاسق الواقعي يشك لا محالة في تخصيص العامّ واقعابالنّسبة إلى مرتكب الصغيرة،و المرجع حينئذ هو أصالة العموم.تنبيه:لو ورد عامّ و ورد خاصّ،و دار امر الخاصّ بين ان يكون مخصصا،أو غير مخصّص،كما لو قال عقيب قوله أكرم العلماء:لا تكرم زيدا،و كان هناك‏زيد عالم و زيد جاهل،و لم يعلم انّ مراده من قوله:لا تكرم زيدا أيّ منهما،فالمرجع‏في مثل هذا أيضا أصالة العموم،للشك في التخصيص،و ذلك واضح.هذا كلّه فيماإذا كان المخصص مجملا مفهوما.
525
و امّا إذا كان مجملا مصداقا،كما لو تردّد زيد بين ان يكون فاسقا أو غيرفاسق،لأجل الشبهة المصداقيّة،ففي الرّجوع إلى العامّ و عدم الرجوع،خلاف.و الأقوى:عدم الرجوع إليه.امّا في القضايا الحقيقيّة:فالأمر فيها واضح،من جهة انّ عنوان العامّ قبل‏العثور على المخصّص كان تمام الموضوع للحكم الواقعي بمقتضى أصالة العموم المحرزةلعدم دخل شي‏ء في موضوع الحكم غير عنوان العام و انّه يتساوى في ترتّب الحكم‏كلّ انقسام و نقيضه من الانقسامات المتصوّرة في عنوان العامّ،و يكون مفاد قوله:أكرم العلماء-بمقتضى أصالة العموم-هو وجوب إكرام كلّ عالم،سواء كان فاسقا أوغير فاسق،و سواء كان نحويّا أو غير نحويّ.و هكذا الحال في جميع الانقسامات‏اللاّحقة لعنوان العالم،و لكن بعد العثور على المخصّص بخرج عنوان العامّ عن كونه‏تمام الموضوع و يصير جزء الموضوع،و الجزء الآخر هو عنوان الخاصّ،و تسقط أصالةالعموم بالنّسبة إلى ما تكفّله الخاصّ،و ينهدم التسوية في بعض الانقسامات التي‏كانت في العامّ،و لا يكون مفاد العامّ وجوب إكرام العالم سواء كان فاسقا أو غيرفاسق،بل يكون مفاد العام بضميمة المخصّص هو وجوب إكرام العالم الغير الفاسق،فيكون أحد جزئيّ الموضوع عنوان(العالم)و جزئه الآخر(غير الفاسق)فكما انّه لوشك في عنوان العامّ من جهة الشبهة المصداقيّة لا يجوز التّمسك بالعامّ بالنسبة إلى‏المشتبه،كذلك لو شك في عنوان الخاصّ من جهة الشبهة المصداقيّة لا يجوز التمسك‏بالعامّ لإحراز حال المشتبه،لأنه لا فرق حينئذ بين مشكوك العلم و بين مشكوك‏الفسق،بعد ما كان لكلّ منهما دخل في موضوع الحكم.و كلّ دليل لا يمكن ان‏يتكفّل وجود موضوعه،بل الدليل انّما يكون متكفّلا لثبوت الحكم على فرض وجودموضوعه،و لأجل ذلك كانت القضيّة الحمليّة متضمّنة لقضيّة شرطيّة مقدّمها عنوان‏الموضوع و تاليها عنوان المحمول.و حاصل الكلام:انّ القضايا الحقيقيّة غير متعرّضة للأفراد،و انّما يكون‏الحكم فيها مترتّبا على العنوان بما انّه مرآة لما ينطبق عليه من الخارجيّات،و ليس لهاتعرّض لحال المصاديق،و مع هذا كيف يمكن ان نحرز بالعامّ حال المشتبه بالشّبهة
526
المصداقيّة؟و كيف تجري فيه أصالة العموم؟مع ما عرفت من انّ أصالة العموم انّماتكون لإحراز المراد واقعا و لا تحرز المصاديق أصلا،و هذا في القضايا الحقيقيّةواضح.و اما القضايا الخارجيّة:فقد يتوهم صحة التمسك فيها بالعامّ في الشبهات‏المصداقيّة،من جهة انّ القضيّة الخارجيّة و ان سيقت بصورة الكبرى الكلّية،إلاّ انّه‏قد تقدّم انّ الحكم فيها ابتداء يرد على الأفراد بلا توسط عنوان،و العنوان المأخوذ في‏ظاهر القضيّة ليس له دخل في مناط الحكم،فالعام في القضيّة الخارجيّة بنفسه ابتداءمتكفّل لحكم الأفراد،و قد تعرّض العام لحكم الفرد المشتبه قبل ورود التّخصيص،و بعد ورود الخاصّ يشك في خروج الفرد المشتبه عن حكم العامّ،و المرجع حينئذهو أصالة العموم.فلو قال:أكرم كلّ من في الدّار،ثمّ قال:لا تكرم من كان‏في الطرف الشرقي منها،أو قال:لا تكرم أعدائي الّذين هم في الدّار،و تردد حال زيدبين ان يكون من الطرف الشرقي أو غيره،أو تردّد بين ان يكون من الأعداء أولا،فحيث انّ قوله أوّلا(أكرم كلّ من في الدّار)قد شمل زيدا و تعرض لوجوب‏إكرامه،و لم يعلم خروجه بعد ذلك عن حكم العام،كان اللازم وجوب إكرامه‏لأصالة العموم و عدم التخصيص،هذا.و لكن الإنصاف:انّه لا فرق بين القضيّة الحقيقيّة و القضيّة الخارجيّة،في‏عدم التعويل على العام في الشبهات المصداقيّة،للعلم بأنّ كيفيّة استعمال العامّ‏و الخاصّ يكون فيهما على نهج واحد و لا يكون الاستعمال في القضيّة الخارجيّة على‏نحو يغاير نحو الاستعمال في القضيّة الحقيقيّة و انّ المناط في عدم صحة الرجوع إلى‏العامّ فيهما واحد لا يختلف.غايته انّ أصالة العموم في القضيّة الحقيقيّة قبل العثورعلى المخصص انّما كانت محرزة لكون عنوان العام تمام الموضوع للحكم الواقعي،و في القضيّة الخارجيّة كانت محرزة لكون المتكلّم لم يحرز انّ في الدّار عدوّا له بعد العلم بأنه‏لا يريد إكرام عدّوه،و بعد ورود الخاصّ يعلم انّ المتكلم أحرز انّ له عدوّا في الدار.كما انّ بعد ورود الخاصّ في القضيّة الحقيقيّة يعلم انّ عنوان العام لم يكن تمام‏الموضوع للحكم الواقعي،و بعد ما علم المخاطب انّ المتكلّم لا يريد إكرام العدو و انّه‏
527
محرز لوجود عدو له في الدّار،يعلم:انّه لا يريد إكرام كلّ من في الدار بل خصوص‏من لم يكن له عدّوا و انّه ليس مجرّد الوجود في الدّار موجبا لإكرامه بل يعتبر عدم‏عداوته.فالمشكوك عداوته لا يعلم اندراجه تحت قوله:أكرم كلّ من في الداربضميمة قوله:لا تكرم عدوي.و الحاصل:انّ العنوان في القضايا الخارجيّة و ان لم يكن له دخل في مناطالحكم،إلاّ انّه على أيّ حال لوحظ مرآتا لما تحته من الأفراد،و الأفراد التي تكون تحته‏هي ما عدى عنوان الخاصّ،و حينئذ فالمشكوك لا يحرز كونه من افراد العام الّذي‏لا يكون معنونا بعنوان الخاصّ،فيكون حال القضيّة الخارجيّة كحال القضيّةالحقيقيّة.و لا ينتقض ما ذكرناه في القضيّة الخارجيّة،بمثل قوله:أكرم(هؤلاء)مشيراإلى جماعة،و بعد ذلك قال:لا تكرم هؤلاء مشيرا إلى جماعة من تلك الجماعة التي‏أشار إليها أوّلا،ثمّ شك في شمول(هؤلاء)الثاني لبعض ما شمله(هؤلاء)الأوّل،فانّه لا إشكال في مثل هذا في الأخذ بما شمله(هؤلاء)الأوّل فيما عدى المتيقّن‏خروجه و إدراج المشكوك في الإشارة الأولى في وجوب إكرامه.و ذلك:لأنّ ماذكر من المثال يكون من قبيل إجمال المخصّص مفهوما،لا مصداقا،لرجوع الشك فيه‏إلى أصل وقوع الإشارة الثانية إلى المشكوك من حيث تردّد مقدار الإشارة.و المثال‏المنطبق على الشبهة المصداقيّة،هو ما إذا علم انّ الإشارة الثانية وقعت على عشرةافراد من تلك الجماعة المشار إليها أوّلا،ثم تردد حال زيد بين ان يكون من جملةالعشرة،أولا،و في مثل هذا قطعا لا يجب إكرام زيد،و لا يجوز الرجوع في حكمه إلى‏الإشارة الأولى،كما هو واضح.و ممّا ذكرنا ظهر:انّ ما يستدلّ به القائل بصحة التعويل على العام‏في الشبهات المصداقيّة-من انّ المتكلّم في إلقائه العام كأنّه قد جمع النتائج و ذكرحكم الأفراد بعبارة العام،فكلّ فرد من افراد العامّ قد ذكر حكمه بذكر العام،و من‏جملة الأفراد الفرد المشكوك،و حيث لم يعلم دخول الفرد المشكوك في الخاصّ وجب‏ترتّب ما ذكره أوّلا من حكم الفرد المشكوك-فانّما هو يناسب القضيّة الخارجيّة،لا
528
القضيّة الحقيقيّة،فانّ القضيّة الحقيقيّة ليس لها تعرّض لحكم الأفراد،و انّما سيقت‏لبيان الكبرى الكليّة،و انّما يعلم حكم النتائج و الأفراد بعد ضمّ الصغرى إليها.و القضيّة الخارجيّة قد عرفت الحال فيها،و انّ الاستدلال لا يتمّ فيها أيضا.كما انّه ظهر ممّا ذكرنا أيضا:ضعف ما استدل به القائل بذلك:من انّ‏عنوان العامّ مقتض لثبوت الحكم على افراده،و عنوان الخاصّ مانع،و يجب الأخذبالمقتضى إلى ان يحرز المانع.لمنع كلّ من الصغرى و الكبرى.امّا الصغرى:فلأنه لاطريق إلى إحراز كون عنوان العام مقتضيا و الخاصّ مانعا،لإمكان ان يكون عنوان‏الخاصّ جزء المقتضى.و امّا الكبرى:فلأنّ قاعدة المقتضى و المانع لا أساس لها كماحقّق في محلّه.و كذلك ظهر ضعف الاستدلال على ذلك:بأنّ العامّ حجّة بالنّسبة إلى‏الفرد المشكوك لكونه من افراد العامّ،و الخاصّ ليس بحجّة فيه للشك في كونه‏فردا له،فيجب الأخذ بالحجة،لأنّ اللاحجّة لا تزاحم الحجّة.و ذلك:لأنّ عنوان‏العامّ بعد ما صار جزء الموضوع لمكان الخاصّ لا يكون حجّة بالنّسبة إلى الفردالمشكوك،و يكون الفرد المشكوك بالنّسبة إلى كلّ من العامّ و الخاصّ على حدّسواء في عدم الحجيّة،و لا تجري فيه أصالة العموم،على ما تقدّم.و قياس الأصول اللّفظيّة بالأصول العمليّة-حيث انّه عند الشك في كون‏الشي‏ء حلالا أو حراما يتمسّك بمثل أصالة الحلّ،فكذلك عند الشك في اندراج‏الفرد المشكوك فيما هو المراد من العامّ يتمسك بمثل أصالة العموم-قياس مع الفارق،لأنّ الأصول العمليّة مجعولة في مرتبة عدم الوصول إلى الواقع و اليأس عنه،بخلاف‏الأصول اللفظيّة،فانها واقعة في طريق إحراز الواقع و الوصول إليه و استخراج المرادالنّفس الأمري منها،و المفروض انّه قد أحرز المراد الواقعي من العامّ و هو العالم الغيرالفاسق مثلا،و امّا كون زيد عالما غير فاسق فهو أجنبيّ عن المراد الواقعي،حتى‏تجري فيه أصالة العموم.و بالجملة:لا ينبغي التأمل في عدم جواز التعويل على العامّ في الشبهات‏المصداقيّة،سواء في ذلك المخصّص المتّصل و المنفصل و القضيّة الحقيقيّة و الخارجيّة.
529
ثمّ انّه ربّما يتوهم:انّ الوجه في حكم المشهور بالضّمان عند تردّد اليد بين‏كونها عادية أو غير عادية،هو التعويل على العامّ في الشبهة المصداقيّة.بل قد يتخيّل انّ‏ذلك يكون من الرجوع إلى العامّ مع الشك في مصداق العامّ الّذي لم يقل به أحد،بناء على ان يكون المستفاد من قوله(على اليد)خصوص اليد العادية،و لا يعمّ اليدالمأذون فيها من أول الأمر،فتكون اليد المأخوذ فيها خارجة بالتّخصّص،لابالتّخصيص.و بالجملة،ان قلنا:انّه لا يستفاد من عموم(على اليد)إلاّ خصوص اليدالعادية،كانت اليد المشكوك كونها عادية من الشبهة المصداقيّة بالنّسبة إلى نفس‏عنوان العام،كما إذا شك في عالميّة زيد عند قوله:أكرم العلماء.و ان قلنا:انّ قوله‏(على اليد)يعمّ اليد العادية و المأذون فيها و يكون اليد المأذون فيها خارجةبالتّخصيص،كانت اليد المشكوك كونها عادية من الشبهة المصداقيّة بالنّسبة إلى‏عنوان المخصّص،كما إذا شك في فاسقيّة زيد في مثل قوله:أكرم العلماء إلاّ فسّاقهم.و على كلا التقديرين لا يصح الحكم بالضّمان عند الشك في حال اليد،خصوصاعلى الأوّل.مع انّ المشهور قالوا بالضمان،و ليس ذلك إلاّ من جهة تعويلهم‏على العامّ في الشبهة المصداقيّة،هذا.و لكن لا يخفى عليك:انّ ذهاب المشهور إلى ذلك ليس لأجل صحّةالتعويل على العام في الشبهة المصداقيّة،بل لأجل انّ هناك أصلا موضوعيّا ينقح‏حال المشكوك و يدرج المشكوك تحت عنوان العامّ،فيتمسّك بالعامّ لإثبات‏حكمه،و هو أصالة عدم اذن المالك و رضاه بالتّصرف.فيكون المقام من صغريات‏الموضوعات المركبة المحرز بعض اجزائها بالأصل،و بعضها الآخر بالوجدان.و الأصل الموضوعي في مثل المقام يجري بلا إشكال،لكونه مسبوقا بالتحقق بمفادليس التامّة،و الأثر مترتّب على مؤدّى الأصل بما هو كذلك،و ليس من المقامات‏التي يكون الأثر فيها مترتبا على مفاد ليس النّاقصة،حتّى يستشكل في جريان‏الأصل من جهة عدم كون مؤدّاه مسبوقا بالتحقق كما في مثل أصالة عدم قرشيّةالمرأة،و لا بأس ببسط الكلام في هذا المقام ليتّضح خلط بعض الأعلام.
530
فنقول:انّ العنوان الّذي تكفّله دليل المقيّد و المخصّص امّا:ان يكون من‏العناوين اللاحقة لذات موضوع العامّ،بحيث يكون من أوصافه و انقساماته،كالعادل و الفاسق بالنّسبة إلى العالم،و كالقرشيّة و النّبطية بالنّسبة إلى المرأة.و امّا:ان يكون من مقارنات الموضوع،بحيث لا يكون من انقسامات ذاته،بل من‏الانقسامات المقارنة،كما إذا قيد وجوب إكرام العالم بوجود زيد،أو مجي‏ء عمرو،أوفوران ماء الفرات،و ما شابه ذلك.فانّ وجود زيد،و مجي‏ء عمرو،و فوران ماءالفرات،ليس من أوصاف العالم و الانقسامات اللاحقة له لذاته،بل يكون من‏مقارناته الاتفاقيّة،أو الدائميّة،و لا يمكن ان يكون نعتا و وصفا للعالم،فانّ وجود زيدبنفسه من الجواهر لا يكون نعتا للعالم،و مجي‏ء عمرو و فوران ماء الفرات يكون وصفالعمرو و لماء الفرات،لا للعالم،و ذلك واضح.فان كان عنوان المقيّد و المخصّص من الأوصاف اللاحقة لذات الموضوع،فلا محالة يكون موضوع الحكم في عالم الثبوت مركّبا من العرض و محلّه،إذ العامّ بعدورود التخصيص يخرج عن كونه تمام الموضوع للحكم لا محالة و يصير جزء الموضوع،و جزئه الآخر يكون نقيض الخارج بدليل المخصّص.ففي مثل قوله:أكرم العلماء إلاّفسّاقهم-يكون الموضوع هو العالم الغير الفاسق،و يكون العالم أحد جزئيّ الموضوع،وجزئه الآخر غير الفاسق،و لمّا كان غير الفاسق من أوصاف العالم و نعوته اللاحقةلذاته،كان موضوع الحكم مركّبا من العرض و محلّه.و ان كان عنوان المقيّد و المخصّص من المقارنات،يكون موضوع الحكم‏مركّبا أيضا،لكن لا من العرض و محلّه،بل امّا ان يكون مركّبا من جوهرين،أوعرضين لمحلّين،أو من جوهر و عرض لمحلّ آخر،أو من عرضين لمحلّ واحد،و أمثلةالكلّ واضحة.إذا عرفت ذلك فاعلم:انّه ان كان الموضوع مركّبا من غير العرض و محلّه‏بل من الأمور المتقارنة في الزّمان،كان الأصل الجاري في اجزاء المركّب هو الوجودو العدم المحمولين بمفاد كان و ليس التّامّتين،لأنّ الأمور المتقارنة في الزّمان لا رابطبينها سوى الاجتماع في عمود الزّمان،فمجرّد إحراز اجتماعها في الزّمان يكفى في‏
531
ترتّب الأثر،سواء كان إحرازها بالوجدان،أو بالأصل،أو بعضها بالوجدان وبعضها بالأصل.نعم:لو كان موضوع الأثر هو العنوان البسيط المنتزع،أو المتولّد من اجتماع‏الأجزاء في الزّمان-كعنوان التّقدم،و التّأخر،و التقارن،و القبليّة،و البعديّة،و قضيّةالحال،و غير ذلك من العناوين المتولّدة من اجتماع الأمور المتغايرة في الزّمان-كان‏إحراز بعض الأجزاء بالوجدان و بعضها بالأصل لا أثر له،من جهة انّه لا يثبت‏ذلك العنوان البسيط الّذي هو موضوع الأثر،الا بناء على القول بالأصل المثبت.و ذلك كما في قوله عليه السلام:لو أدرك المأموم الإمام قبل رفع رأس‏الإمام.فانّ استصحاب عدم رفع رأس الإمام عن الرّكوع إلى حال ركوع المأموم لايثبت عنوان القبليّة.و كما في قوله:يعزل نصيب الجنين من التّركة فان ولد حيّاأعطى نصيبه.فان استصحاب حياته إلى زمان الولادة لا يثبت عنوان الحاليّة و انّه‏ولد في حال كونه حيّا.و بالجملة:لا يجري الأصل فيما إذا كان الموضوع للأثر هو العنوان البسيطالمنتزع.و لكن كون الموضوع هو ذلك يحتاج إلى قيام الدليل عليه بالخصوص أواستظهاره من الدليل،و إلاّ فالعنوان الأوّلي الّذي يحصل من الأمور المتغايرة ليس إلاّاجتماعها في الزّمان.و امّا سائر العناوين المتولّدة من الاجتماع في الزمان فجعلهاموضوعا للأثر يحتاج إلى عناية زائدة،و قد عرفت:انه إذا كان نفس اجتماع الأمورالمتغايرة في الزّمان موضوعا للأثر،كان الأصل في تلك الأجزاء بمفاد كان التّامةو ليس التامة جاريا بلا إشكال فيه،إذا الأصل يثبت هذا الاجتماع.و ممّا ذكرنا يظهر:وجه حكم المشهور بالضّمان عند الشك في كون اليد يدعادية،من جهة انّ موضوع الضّمان مركّب من اليد و الاستيلاء الّذي هو فعل‏الغاصب و من عدم اذن المالك و رضاه الّذي هو عرض قائم بالمالك،و أصالةعدم رضاء المالك تثبت كون اليد يد عادية،إذ اليد العادية ليست إلاّ عبارة عن‏ذلك،و هذا المعنى يتحقّق بضمّ الوجدان إلى الأصل.فليس حكمهم بالضّمان من جهة التّمسك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة،
532
بل من جهة جريان الأصل الموضوعي المنقح حال المشتبه.و قس على ذلك سائرالموضوعات المركّبة من غير العرض و محلّه،فانّه في الجميع يكفى إحراز الأجزاءبالأصول الجارية بمفاد كان أو ليس التّامتين،إلاّ إذا كان العنوان المتولّد موضوعاللأثر،فانّ الأصل يكون حينئذ مثبتا،كما عرفت.و امّا إذا كان التركيب من العرض و محلّه،فالأصل بمفاد كان و ليس‏التامتين لا أثر له،بل لا بدّ ان تكون الجهة النّعتيّة و الوصفيّة مسبوقة بالتّحقق،حتى‏يجري الأصل بمفاد كان أو ليس النّاقصتين،لأنّ العرض بالنّسبة إلى محلّه انّما يكون‏نعتا و وصفا له،و يكون للجهة النّعتيّة و التوصيفيّة دخل لا محالة،و لا يمكن أخذالعرض شيئا بحيال ذاته في مقابل المحلّ القائم به،إذ وجود العرض بنفسه و لنفسه‏عين وجوده لمحلّه و بمحلّه،فلا محيص من أخذ العرض بما هو قائم بمحله موضوعاللحكم،و هذا لا يكون إلاّ بتوصيف المحلّ به.فكل أصل أحرز التوصيف و التّنعيت‏كان جاريا،و هذا لا يكون إلاّ إذا كانت جهة التوصيف مسبوقة بالتّحقق بعدوجود الموصوف،و هذا انّما يكون بالنسبة إلى الأوصاف اللاحقة لموصوفها بعد وجودالموصوف،كالفسق،و العدالة،و المشي،و الرّكوب،و غير ذلك.و امّا الأوصاف المساوق وجودها زمانا لوجود موصوفها،كالقرشيّةو النّبطيّة،و غير ذلك،فلا محلّ فيها لجريان الأصل بمفاد كان و ليس النّاقصتين،لعدم وجود الحالة السابقة.و الأصل بمفاد كان و ليس التّامتين و ان كان جاريا إلاّانّه لا يثبت جهة التوصيف إلاّ على القول بالأصل المثبت.ففي مثل أكرم العلماء إلاّفسّاقهم،يكون الموضوع مركّبا من العالم الغير الفاسق،و عند الشك في فسق زيدالعالم تجري أصالة عدم فسقه بمفاد ليس النّاقصة إذا كان عدم فسق زيد مسبوقابالتّحقق،أو أصالة فسقه بمفاد كان النّاقصة إذا كان فسقه مسبوقا بالتّحقق،ويترتّب على الأوّل وجوب إكرامه،و على الثاني عدم وجوبه.و سيأتي في مبحث‏الاستصحاب(إن شاء اللّه)انّه لا فرق في مورد جريان الاستصحاب،بين ان يكون‏المستصحب نفس موضوع الحكم،أو نقيضه.و الأشكال:بأنه لا معنى لاستصحاب نقيض موضوع الحكم-إذ الأثر
533
الشرعي مترتّب على وجود الموضوع و لا أثر لنقيضه-ضعيف غايته،فانّه يكفى في‏جريان الاستصحاب إثبات عدم الأثر الشرعي،و إلاّ لانسد باب الاستصحابات‏العدميّة بالنّسبة إلى الأحكام،إذ عدم الحكم ليس مجعولا شرعيّا.و سيأتي تفصيل‏ذلك في محلّه إن شاء اللّه.و على أيّ حال:ان كان الوجود أو العدم النّعتي مسبوقابالتّحقق،فلا إشكال في جريان الأصل فيه بما انّه وجود و عدم نعتي،و امّا إذا لم‏يكن مسبوقا بالتّحقق،فلا محلّ للأصل فيه،و ذلك-كالمرأة القرشيّة-فانّ عروض‏وصف القرشيّة للمرأة مساوق زمانا لوجود المرأة،فهي امّا ان توجد قرشيّة و امّا ان‏توجد غير قرشيّة،و ليس العدم النّعتي مسبوقا بالتّحقق،لأنّ سبق تحقّق العدم النّعتي‏يتوقّف على وجود الموضوع آنا ما فاقدا لذلك الوصف،و امّا إذا لم يكن كذلك‏كالمثال فلا محلّ لاستصحاب العدم النّعتي.نعم:استصحاب العدم الأزلي يجري،لأنّ وصف القرشيّة كان مسبوقابالعدم الأزلي لا محالة،لأنّه من الحوادث،إلاّ انّ الأثر لم يترتّب على العدم الأزلي،بل‏على العدم النّعتي،و إثبات العدم النّعتي باستصحاب العدم الأزلي يكون من أوضح‏أنحاء الأصل المثبت،إذ عدم وجود القرشيّة في الدّنيا يلازم عقلا عدم قرشيّة هذه‏المرأة المشكوك حالها.و دعوى:انّ عدم القرشيّة لم يؤخذ جزء الموضوع إلاّ بمعناه الأزليّ لا بمعناه‏النّعتي،قد عرفت ضعفها،فانّه بعد ما كانت القرشيّة من الأوصاف اللاحقة لذات‏المرأة،لا يمكن أخذها إلاّ على جهة النّعتيّة،هذا.و للمحقّق الخراسانيّ‏ (1) (قده)كلام في المقام يعطى صحّة جريان الأصول‏العدميّة في مثل هذه الأوصاف،لكن لا مطلقا،بل فيما إذا كان دليل التّقييدمنفصلا،أو كان من قبيل الاستثناء،لا ما إذا كان متّصلا بالكلام على وجه‏التّوصيف،فانّ في مثله لا يجري الأصل.مثلا تارة:يقول:أكرم العالم الغير الفاسق،أو
1)كفاية الأصول،المجلد الأول صلى اللَّه عليه و آله 346-345«إيقاظ،لا يخفى ان الباقي تحت العام بعد تخصيصه‏بالمنفصل،أو كالاستثناء من المتصل...

534
انّ المرأة الغير القرشيّة تحيض إلى خمسين.و أخرى:يقول:أكرم العالم إلاّ فسّاقهم،أوبدليل منفصل يقول:لا تكرم فسّاق العلماء،أو يقول:المرأة تحيض إلى خمسين إلاّالقرشيّة أو بدليل منفصل يقول:المرأة القرشيّة تحيض إلى ستّين.ففي الأوّل:لا بدّ ان‏يكون الأصل بمفاد ليس النّاقصة جاريا،بحيث تكون النّعتية مسبوقة بالتّحقق،و لاأثر للأصل بمفاد ليس التامّة.و في الثاني:يكفى جريان الأصل بمفاد ليس التّامة و لايحتاج إلى إثبات جهة النّعتيّة.و وجه هذا التفصيل-على ما يظهر في كلامه-انّ التّقييد في الأول يوجب‏تنويع العامّ و جعله معنونا بنقيض الخاصّ،و الأصل الجاري فيه لا بدّ ان يكون بمفادليس النّاقصة على ما بيّناه.و هذا بخلاف الثاني،فانّه حيث لم يكن عنوان القيدوصفا و نعتا لعنوان العامّ في الكلام،فلا يوجب التّقييد تنويع العام،بل العامّ بعدباق على اللاعنوانيّة و يتساوى فيه كلّ عنوان.نعم:لا بدّ ان لا يكون عنوان الخاصّ‏مجامعا لعنوان العامّ،لمكان التّخصيص.و حينئذ يكفى نفى عنوان الخاصّ بأيّ وجه‏أمكن نفيه في ترتّب الأثر،لأنّ المفروض انّا لا نحتاج إلى إثبات عنوان خاصّ‏و وصف مخصوص للعام،حتى لا يكفى نفى عنوان الخاصّ في إثبات ذلك للعام،بل‏العام بعد باق على لا عنوانيته،غايته انّه خرج عنه عنوان الخاصّ،فيكفى في ثبوت‏الأثر نفى عنوان الخاصّ و لو بمفاد ليس التّامة،فصحّ حينئذ ان يقال:الأصل عدم‏تحقّق الانتساب بين هذه المرأة و بين قريش،فيحكم على المرأة انّها ممّن تحيض إلى‏خمسين،هذا.و لكن لا يخفى عليك:ضعف ما أفاده(قده)امّا أوّلا:فلأنّ التقييد لا يعقل ان لا يوجب تنويع العامّ و جعله معنونابعنوان نقيض الخاصّ،إذ التّقييد يوجب هدم الإطلاق و يخرج عنوان العامّ عن‏التسوية بين انقساماته اللاحقة له لا محالة،لأنّ الإطلاق و التقييد لا يمكن ان يجتمعا،مع ما بينهما من تقابل العدم و الملكة الّذي هو في المحلّ القابل يكون مثل تقابل‏الإيجاب و السّلب،من حيث عدم إمكان الاجتماع و الارتفاع،و ان كان بينهما فرق‏من جهة إمكان ارتفاع الموضوع في تقابل العدم و الملكة،فلا يصدق على الجدار انّه‏
535
أعمى أو بصير،بل يصح سلبهما عنه،لأنّ الجدار ليس موضوعا للعمى و البصر من‏جهة انتفاء القابلية،بخلاف تقابل السّلب و الإيجاب،فانّه لا يعقل ارتفاع موضوعه،من جهة انّ موضوعه الماهيّات المتّصفة امّا بالوجود و امّا بالعدم،كما سيأتي بيانه في‏محلّه إن شاء اللّه.و لكن بالنّسبة إلى المحلّ القابل يكون حكم تقابل العدم و الملكة حكم‏تقابل السّلب و الإيجاب،فلا يعقل ان يكون الإنسان أعمى و بصيرا و لا لا أعمى و لالا بصيرا،فالتقييد يوجب هدم أساس الإطلاق لا محالة،و يوجب تعنون العامّ بنقيض‏الخاصّ ثبوتا و في نفس الأمر.و مجرّد انّ القيد لا يكون وصفا و نعتا اصطلاحيّا لا يوجب ان لا يكون‏كذلك ثبوتا،بل لا يعقل ان لا يكون بعد ما لم يكن القيد من الانقسامات المقارنة زمانالعنوان العامّ بل كان من الانقسامات اللاحقة له و من أوصافه و نعوته،و مع هذاكيف لا يوجب التّقييد تنويع العامّ؟و كيف صحّ له(قده)ان يقول:لما لم يكن العامّ‏معنونا بعنوان خاصّ بل بكلّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاصّ؟مع انّ قوله(قده)«لم يكن ذلك بعنوان الخاصّ»هو عين التّوصيف و التّنعيت،مع ما في قوله(قده)«بل‏بكلّ عنوان»من المسامحة،إذ العامّ لا يعقل ان يكون معنونا بكلّ عنوان،لما بين‏العناوين من المناقضة،فكيف يكون معنونا بكلّ عنوان؟بل العامّ يكون بلا عنوان،و ذلك يساوي كلّ عنوان يطرأ عليه الّذي هو معنى الإطلاق،و لكن بعد ورودالتّقييد يخرج عن التّساوي و يصير معنونا بنقيض الخاصّ.و ثانيا:انّه أيّ فائدة في تغيير مجرى الأصل و جعل مجرى الأصل‏الانتساب الّذي هو من الأمور الانتزاعيّة؟فانّه لو كان الأثر مترتّبا على العدم الأزلي،فليجعل مجرى الأصل عدم القرشيّة بالعدم الأزلي بمفاد ليس التّامة.و ان كان‏العدم الأزلي لا يكفى بل يحتاج إلى العدم النّعتي بمفاد ليس النّاقصة،فلا أثر لجعل‏مجرى الأصل عدم الانتساب بمعناه الأزليّ،و بمعناه النّعتي غير مسبوق بالتّحقق.مع‏انّ قوله(قده)«أصالة عدم تحقّق الانتساب بينها و بين قريش»هو عين العدم النّعتي،فتغيير العبارة ما أفاد شيئا.و بالجملة:في مثل الأوصاف اللاحقة للذّات لا ينفع إلاّ العدم النّعتي،و لا
536
يجري الأصل إلاّ بمفاد ليس النّاقصة،و لا أثر للعدم الأزليّ إلاّ على القول بالأصل‏المثبت.فما أفاده صاحب الكفاية(قده)من كفاية العدم الأزليّ و جريان الأصل‏بمفاد ليس التّامّة،ممّا لا يمكن المساعدة عليه،فتأمل في أطراف ما ذكرناه جيّدا.هذا كلّه فيما إذا كان المخصّص لفظيّا،و قد تبيّن عدم صحّة التعويل‏على العام في الشبهات المصداقيّة،إلاّ إذا كان هناك أصل موضوعيّ ينقح حال‏المشتبه.و امّا إذا كان المخصّص لبيا من إجماع،أو عقل ضروريّ،أو نظريّ،فقدتداول في لسان المتأخرين جواز التمسك بالعامّ عند الشبهة المصداقيّة فيه.و الظاهر:انّ‏أول من أفاد ذلك هو الشيخ(قده)على ما في التقرير،و تبعه من تأخّر عنه،هذا1.و لكن التّحقيق:انّه لا فرق في ذلك بين المخصّص اللّبي و المخصّص اللفظي فانّه على‏كلّ حال يكون نقيض الخارج قيدا للموضوع،و لا يصح التعويل على العام مع الشك‏في الموضوع،فبعد ما ثبت كون الشي‏ء مخصّصا لا يفرق الحال فيه بان يكون دليل‏المخصّص لفظيا،أو لبيا.و الظاهر:ان لا يكون مراد الشيخ(قده)و من تبعه هذاالمعنى من المخصّص،أي ما كان قيدا للموضوع،و ان كان التّعبير بالمخصّص اللبي‏يعطى ذلك،إلاّ انّه من المسامحة في التعبير.فالأولى ان يقال:انّه لو ورد عامّ،وعلم انّ المولى لا يريد جميع ما ينطبق عليه عنوان العامّ كيف ما اتفق،فان كان الّذي لم‏يتعلّق إرادته به من العناوين التي لا تصلح إلاّ ان تكون قيدا للموضوع-و لم يكن‏إحراز انطباق ذلك العنوان على مصاديقه من وظيفة الآمر و المتكلّم،بل كان من‏وظيفة المأمور و المخاطب-ففي مثل هذا يكون حال المخصّص اللّبي كالمخصّص اللّفظي،في عدم صحّة التعويل على العامّ فيما شك كونه من مصاديق الخارج،و ذلك كما في‏1مطارح الأنظار،الهداية الثالثة من مباحث العام و الخاصّ ص 192 و تبعه في ذلك صاحب الكفايةقدس سره بالنسبة إلى خصوص المخصص اللبي المنفصل.و اما فيما كان كالمتصل بحيث يصح ان يتكل عليه‏المتكلم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب،فاختار فيه عدم حجية العام في المصداق المشتبه معللا بأنه لاينعقد معه ظهور للعام إلاّ في الخصوص.(كفاية الأصول،الجلد الأول،ص 343)
537
مثل قوله عليه السلام:انظروا إلى رجل قد روى حديثنا إلخ،حيث انّه عامّ يشمل‏العادل و غيره،إلاّ انّه قام الإجماع على اعتبار العدالة في المجتهد الّذي يرجع إليه‏في القضاء،فتكون العدالة قيدا في الموضوع،و لا يجوز الرجوع إلى العموم عند الشك في‏عدالة مجتهد،كما إذا كان اعتبار العدالة بدليل لفظيّ.و ان كان الّذي لم يتعلّق إرادته به من العناوين التي لا تصلح ان تكون قيداللموضوع-و كان إحرازها من وظيفة الآمر و المتكلّم،بان كان من قبيل الملاكات-ففي مثل هذا يجوز الرجوع إلى العامّ في الشبهة المصداقيّة.و ذلك كما في مثل قوله‏عليه السلام:اللّهم العن بنى أميّة قاطبة،حيث يعلم ان الحكم لا يعمّ من كان مؤمنامن بنى أميّة،لأن اللعن لا يصيب المؤمن،فالمؤمن خرج عن العام لانتفاء ملاكه،لمكان انّ ملاك اللعن هو الشقاوة،فكأن قوله عليه السلام:اللهم العن بنى أميّةقاطبة-قد تكفّل ملاك الحكم بنفسه و هو الشّقاوة،و معلوم انّ السعيد يقابل‏الشّقي،فليس في السعيد ملاك الحكم،و لكن إحراز انّ في بنى أميّة سعيدا انّما هو من‏وظيفة المتكلّم،حيث لا يصح له إلقاء مثل هذا العموم،إلاّ بعد إحراز ذلك،و لوفرض انّه علمنا من الخارج انّ(خالد بن سعيد)مثلا كان سعيدا مؤمنا،كان ذلك‏موجبا لعدم اندراجه تحت العموم،و لكن المتكلّم لم يبيّنه لمصلحة هناك اقتضت‏ذلك،فلا يجوز لنا لعنه لمكان علمنا بعدم ثبوت ملاك الحكم فيه.و امّا إذاشككنا في إيمان أحد من بنى أميّة فاللازم الأخذ بالعموم و جواز لعنه،لأنه من نفس‏العموم يستكشف انّه ليس بمؤمن و انّ المتكلّم أحرز ذلك،حيث انّه من وظيفته‏كان إحراز ذلك،فلو لم يحرز انّ المشكوك شقيّ لما ألقى العموم كذلك،و لا ينافى ذلك‏علمنا بإيمان بعض الأفراد لو فرض علمنا بذلك،فانّ عدم جواز اللّعن انّما هو لمكان‏علمنا بعدم إرادته من العموم،و أين هذا ممّا إذا شك في إيمان أحد؟فانّ أصالةالعموم تكون حينئذ جارية،و يكون المعلوم الخروج من التّخصيص الأفرادي،حيث‏انّه لم يؤخذ عنوانا قيدا للموضوع،و لم يخرج عن العموم إلاّ بعض الأفراد التي يعلم‏عدم إرادته من العموم.و الحاصل:انّ الضّابط الكلّي في صحّة التعويل على العامّ عند الشبهة
538
المصداقيّة،هو انّ الخارج لا يمكن و لا يصح أخذه قيدا لموضوع الخارج،كما في المثال‏حيث انّه لا يصح ان يقال:اللهم العن بنى أميّة قاطبة إلاّ الخير منهم أو العنوا بنى أميّةإلاّ الخير منهم،فانّ مثل حكم اللّعن بنفسه لا يصلح ان يعمّ المؤمن،حتى يكون‏خروج الخير من باب التّخصيص و التّنويع.بخلاف خروج الفاسق عمن يعتبرقضائه،فانّه يصلح ان يكون قيدا،بل لا يصلح إلاّ لذلك.و في هذا القسم من‏المخصّص اللبي لا يفرق الحال فيه بين ان يكون من العقل الضروري،أو النظريّ،أو لإجماع،فانه في الجميع يصح التعويل على العام في الشبهات المصداقيّة.كما انّه‏في القسم الأوّل أيضا لا يفرق الحال فيه في أنحاء المخصّص اللبي في عدم الصّحة.هذا كله إذا علم انّ الخارج من أيّ قبيل من المخصّص،هل هو ممّا أخذقيدا للموضوع أو ممّا لم يؤخذ؟و امّا إذا شك في ذلك-و ذلك في كلّ مخصّص‏صلح ان يؤخذ قيدا و يوكل إحرازه بيد المخاطب و صلح أيضا ان يكون من قبيل‏الملاكات و يكون إحرازه من ناحية الآمر و المتكلّم-فهل في هذا القسم يرجع إلى‏العموم في الشبهة المصداقيّة مطلقا؟أولا يرجع مطلقا؟أو يفصل بين أنحاء المخصّص‏اللّبي من كونه عقلا ضروريّا،أو غيره؟مثال ذلك:ما إذا قال:أكرم جيراني،و علم بعدم إرادة إكرام العدوّ من الجيران،فانّ العداوة يمكن ان تكون مثل الأيمان‏و السعادة من قبيل الملاكات و يكون الآمر قد أحرز انّه ليس في جيرانه عدوّ،ويمكن ان تكون من العناوين الراجعة إلى قيود الموضوع و يكون الآمر قد أو كل‏إحرازها بيد المخاطب كعدالة المجتهد.و الأقوى:في مثل هذا هو التفصيل بين ما إذا كان الدّليل الدّال على اعتبارالصداقة و عدم العداوة في(أكرم الجيران)هو العقل الضروري الفطري،و بين ما إذاكان عقلا نظريّا أو إجماعا.ففي الأوّل:لا يجوز التّمسك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة،لأنّ العقل الضروري بمنزلة المخصّص المتّصل،و لمكان احتمال كون العداوة من قيودالموضوع يكون العقل الضروريّ مانعا عن الرجوع إلى العامّ،لأنه يكون من احتفاف‏الكلام بما يصلح للقرينيّة.و الفرق بين هذا،و بين القسم الأول ممّا علم كون‏الخارج من قيود الموضوع،هو انّه في الأوّل يكون الكلام ممّا يعلم باحتفافه بالقرينة
539
إذا كان الدليل من العقل الضروري،و في هذا القسم يكون من احتفاف الكلام بمايصلح للقرينية،و النتيجة واحدة.و امّا إذا كان الدّليل من العقل النّظري،أو الإجماع،فهو بمنزلة المخصّص‏المنفصل لا يوجب إجمال العامّ،و يرجع إليه.و مجرّد احتمال كون العداوة من قيودالموضوع لا أثر له،بعد ما كان الكلام ظاهرا في إكرام جميع افراد الجيران،فتأمل فيماذكرناه.
المبحث الثالث:
من مباحث العامّ و الخاصّ،انّه لا إشكال في عدم جواز الأخذ بالأصول‏اللّفظيّة-من أصالة العموم و الإطلاق-قبل الفحص عن المقيّد و المخصّص،كما لايجوز الأخذ بالأصول العمليّة قبل الفحص عن أدلّة الأحكام و ان كان بين البابين‏فرق،من جهة انّ الفحص في الأصول العمليّة انّما يكون فحصا عن أصل الحجّة،حيث انّ حجيّة الأصول العمليّة مقصورة على ما بعد الفحص و ليس لها مقتضى‏قبل الفحص،فالفحص فيها يكون لإحراز المقتضى لجريانها،لأنّ الأصول العمليّةامّا ان يكون مدركها العقل:من قبح العقاب بلا بيان،و امّا ان يكون مدركهاالشرع:من حديث الرّفع،و لا تنقض اليقين بالشك.امّا العقل:فواضح انّ حكمه بقبح العقاب انّما هو بعد الفحص و حركةالعبد على طبق ما يقتضيه وظيفة العبوديّة من البحث عن مرادات المولى.و حكم‏العقل بوجوب الفحص يكون من صغريات حكمه بوجوب النّظر إلى معجزة من‏يدّعى النّبوة،حتى لا يلزم إفحام الأنبياء،و ذلك واضح.و امّا النّقل:فلو سلّم إطلاق أدلّة الأصول ما قبل الفحص،إلاّ انّه قام‏الإجماع على اعتبار الفحص،و انّه لا مجرى للأصول إلاّ بعد الفحص.مع انّه يمكن‏منع إطلاقها من جهة انّه لا يمكن تشريع حكم يوجب إفحام النّبي صلى اللّه عليه‏و آله بعد ما عرفت:من انّ الفحص في المقام يكون من صغريات الفحص عن‏معجزة النّبي صلى اللّه عليه و آله ،فتأمل.و سيأتي لذلك مزيد بيان في محلّه‏إن شاء اللّه.هذا في الأصول العمليّة.
540
و امّا في الأصول اللّفظيّة:فالفحص فيها انّما يكون فحصا عمّا يزاحم الحجيّةو عمّا يعارضها بعد الفراغ عن حجيّتها و ثبوت المقتضى لها،لبناء العقلاء على الأخذبها في محاوراتهم العرفيّة،فالفحص فيها يكون فحصا عن المانع،لا عن المقتضى.وعلى كلّ حال:تشترك الأصول اللّفظيّة مع الأصول العمليّة في أصل وجوب‏الفحص.ثمّ انّه قد ذكر لوجوب الفحص في الأصول اللّفظيّة و العمليّة وجوه كثيرة،لا يسلم غالبها عن الأشكال،و العمدة منها و جهان في كلّ من الأصول اللّفظيّة والعمليّة.امّا الوجهان في الأصول العمليّةفالأوّل منهما:هو ما تقدّمت الإشارة إليه من انّ العقل يستقلّ بأنه لا بدّ للعبدمن المشي لتحصيل مرادات المولى،و انّه لا بدّ للعبد من ان يقرع باب المولى ليصل‏إلى مراداته،و هذا ممّا يقتضيه وظيفة العبوديّة.كما انّ العقل يستقلّ أيضا بأنّ‏وظيفة المولى ان يبيّن مراداته على النّحو المتعارف،بحيث يمكن للعبد الوصول إليها إذاجرى على ما تقتضيه وظيفته،فلكلّ من المولى و العبد وظيفة يستقلّ العقل بها.فمن‏وظيفة المولى ان يبيّن مراداته على نحو يمكن للعبد الوصول إليها.و من وظيفة العبدان يبحث عن مرادات المولى حتى يصل إليها،و ذلك واضح.و الثاني منهما:هو العلم الإجمالي بثبوت أحكام إلزاميّة على خلاف الأصول‏النّافية للتّكليف،و لهذا العلم الإجمالي مدركان:الأوّل:هو انّ العلم بأنّ هناك شرعا و شريعة يقتضى العلم بأنّ للشريعةأحكاما إلزاميّة في الجملة،إذ لا معنى لشريعة ليس فيها حكم إلزاميّ أصلا.الثاني:انّه بعد الاطلاع على ما بأيدينا من الكتب،يعلم انّ هناك أدلّةتتضمّن لأحكام إلزاميّة على خلاف الأصول النّافية للتّكليف فيما بأيدينامن الكتب.و امّا الوجهان في الأصول اللّفظيّةفالأوّل منهما:هو العلم الإجمالي بوجود مقيّدات و مخصّصات فيما بأيدينا من‏
541
الكتب للعمومات و الإطلاقات،و ذلك معلوم لكلّ من راجع الكتب.و الثّاني:هو انّ أصالة العموم و الإطلاق انّما تجري فيما إذا لم يكن دأب‏المتكلّم هو التّعويل على المقيّدات و المخصّصات المنفصلة،إذ لا مدرك للأخذ بأصالةالعموم و الإطلاق إلاّ بناء العقلاء عليها في محاوراتهم،و ليس من بناء العقلاء عليهاإذا كان العامّ و المطلق في معرض التّخصيص و التّقييد،بحيث كان المتكلّم بالعامّ والمطلق يعتمد كثيرا على المنفصلات و لم يبيّن تمام مراده في كلام واحد،فانّه‏لا تجري ح مقدّمات الحكمة في مصبّ العموم و الإطلاق،لأنّ عمدة مقدّمات الحكمةهي كون المتكلّم في مقام بيان مراده.و هذه المقدّمة لا تجري بالنّسبة إلى المتكلّم‏الّذي يكون شأنه ذلك،أي يعتمد على المنفصلات كثيرا.و من المعلوم لكلّ من راجع الأخبار،انّ الأئمة صلوات اللّه عليهم كثيرا مايعتمدون في بيان المخصّصات و المقيّدات على المنفصلات،فانّه كثيرا ما يكون العامّ‏واردا من امام عليه السلام و المخصّص من امام آخر.و العامّ الّذي يكون من شأنه ذلك‏أي في معرض التّخصيص لا تجري فيه أصالة العموم،و ذلك أيضا واضح.فتحصل:انّ لوجوب الفحص في كلّ من الأصول العمليّة و اللّفظيّةمدركين يشتركان في أحدهما،و هو العلم الإجمالي.و يفترقان في الآخر،لأنّ المدرك‏الآخر لوجوب الفحص في الأصول العمليّة هو استقلال العقل بلزوم حركة العبد على‏ما تقتضيه وظيفته بالبيان المتقدّم.و في الأصول اللّفظيّة هو كون العامّ في معرض‏التّخصيص و التّقييد.ثمّ،انّه ربّما يشكل في جعل المدرك لوجوب الفحص العلم الإجمالي في‏كلا البابين،و كون العامّ و المط في معرض التّخصيص و التّقييد في خصوص‏الأصول اللّفظية.امّا الأشكال على العلم الإجمالي،فقد يقرّر على وجه يختصّ‏بالأصول العمليّة،و قد يقرّر على وجه يشترك البابان فيه.امّا التّقرير على الوجه الأوّل،فحاصله:انّه قد تقدّم انّ للعلم الإجمالي‏مدركين:الأوّل:هو العلم بأنّ في الشّريعة أحكاما إلزاميّة على خلاف الأصول‏
542
النّافية.الثّاني:هو العلم بثبوت أحكام إلزاميّة فيما بأيدينا من الكتب.و دائرةالعلم الإجمالي الأوّل أوسع من الثّاني،لأنّ متعلّقه أعمّ ممّا بأيدينا.و الفحص عن‏الأحكام الإلزاميّة فيما بأيدينا من الكتب يوجب انحلال العلم الثّاني،و العلم‏الإجمالي الأوّل الّذي هو أوسع دائرة بعد باق على حاله لا ينحلّ بالفحص فيما بأيدينامن الكتب،و لازم ذلك هو عدم جريان الأصول النّافية مط حتّى بعد الفحص.نظيرما إذا علم بأنّ في هذه القطيعة من الغنم موطوء،و علم أيضا انّ في البيض منهاموطوء،فتفحّصنا عن البيض و عثرنا على مقدار من الموطوء فيها الّذي تعلّق علمنا به،فان العلم الإجمالي بأنّ في البيض موطوء و ان انحل،إلاّ انّ العلم الإجمالي بأنّ في‏القطيعة الأعمّ من السّود و البيض موطوء بعد على حاله،و لا تخرج السّود عن كونهاطرف العلم،و مقتضى ذلك هو الاحتياط في الجميع.و هذا الأشكال،كما ترى يختصّ بالأصول العمليّة،و لا يجري في الأصول‏اللّفظيّة،لأنّ العلم الإجمالي في الأصول اللّفظيّة لا مدرك له سوى ما بأيدينا من‏الكتب،و ليس هناك علمان يكون أحدهما أوسع عن الآخر،بل العلم الإجمالي من‏أوّل الأمر تعلّق بأنّ فيما بأيدينا من الكتب مقيّدات و مخصّصات للعمومات والمطلقات،و بعد الفحص عمّا بأيدينا ينحلّ العلم الإجمالي قهرا.فهذا التّقريب من‏الأشكال يختصّ بالأصول العمليّة الّذي يكون للعلم الإجمالي فيها مدركان،هذا.و لكن يمكن دفع الأشكال بأنه بعد الفحص عن الأحكام الإلزاميّة فيمابأيدينا من الكتب و العثور على مقدار من الأحكام ينحل العلم الإجمالي الكبير أيضا،غايته انه ليس انحلالا حقيقيّا كانحلال العلم الإجمالي الصّغير،بل هو انحلال‏حكميّ،لأنّ ما عثرنا عليه من الأدلّة المتكفّلة للأحكام الإلزاميّة قابل الانطباق على‏ما علم إجمالا بان في الشريعة أحكاما إلزامية،إذ لا علم بأنّ في الشريعة أحكاما أزيدمما تكفلته الأدلة التي عثرنا عليها على تقدير إصابة تلك الأدلة للواقع،فالأحكام التي‏تضمنتها الأدلة قابلة الانطباق على ما علم إجمالا من الأحكام الثابتة في الشريعة.نظير ما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين،ثمّ علم تفصيلا بنجاسة أحدهما المعيّن،
543
و احتمل ان تكون النّجاسة في المعيّن هي تلك النّجاسة المعلومة إجمالا في أحدالإناءين،فانّ العلم الإجمالي ح ينحلّ لاحتمال انطباق ما علم نجاسته تفصيلا على‏المعلوم بالإجمال،غايته انّه ليس انحلالا حقيقيّا كما إذا علم بأنّ النّجاسة المعلومةبالتّفصيل هي عين تلك النّجاسة المعلومة بالإجمال فانّه يكون الانحلال ح حقيقيّا،بل الانحلال يكون حكميّا.و ممّا ذكرنا ظهر:انّ العلم الإجمالي في المثال المتقدّم في القطيع من الغنم‏أيضا ينحل،و تخرج السّود عن كونها طرفا للعلم الإجمالي،و لا يجب فيها الاحتياط.و امّا تقرير الأشكال على وجه يشترك فيه البابان،فحاصله:انّ العلم‏الإجمالي بوجود أحكام إلزاميّة و بورود مقيّدات و مخصّصات فيما بأيدينا من الكتب‏و ان اقتضى عدم جريان الأصول اللّفظيّة و العمليّة قبل الفحص،إلاّ انّه بعدالفحص و العثور على المقدار المتيقّن من الأحكام و المقيّدات و المخصّصات يوجب‏انحلال العلم،كما هو الشّأن في كلّ علم إجمالي تردّدت أطرافه بين الأقلّ و الأكثر،فانّه بالعثور على المقدار المتيقّن الّذي هو الأقلّ ينحل العلم الإجمالي،و يكون الأكثرشبهة بدويّة يجري فيه الأصل.كما لو علم انّ في هذه القطيعة من الغنم موطوء،وتردّد بين ان يكون عشرة أو عشرين،فانّه بالعثور على العشرة ينحلّ العلم الإجمالي‏لا محالة.و في المقام لا بدّ ان يكون مقدار متيقّن للعلم الإجمالي بالأحكام الإلزاميّة والمقيّدات و المخصّصات الواقعة في الكتب،إذ لا يمكن ان لا يكون له مقدار متيقّن،فانّه لو سئل عن مقدار معلومة الإجمالي فلا بدّ ان يصل إلى حدّ و عدد يكون الزّائدعليه مشكوكا و يجيب بأنه لا علم لي بأزيد من ذلك،و مقتضى ذلك هو انّه لو عثرعلى ذلك المقدار المتيقّن ينحلّ العلم الإجمالي و لا يجب الفحص في سائر الشّبهات،بل ينبغي ان تجري فيها الأصول اللّفظيّة و العمليّة بلا فحص،مع انّهم لا يقولون‏بذلك،و لا قال به أحد،لإيجابهم الفحص عند كلّ شبهة شبهة،و لا يلتفتون إلى‏انحلال العلم الإجمالي،فلا بدّ ان يكون المدرك لوجوب الفحص غير العلم الإجمالي،هذا.و لكن يمكن دفع الأشكال أيضا،بأنّ المعلوم بالإجمال تارة:يكون مرسلا
544
غير معلّم بعلامة يشار إليه بتلك العلامة،و أخرى:يكون معلما بعلامة يشار إليه بتلك‏العلامة،و انحلال العلم الإجمالي بالعثور على المقدار المتيقّن انّما يكون في القسم‏الأوّل.و امّا القسم الثّاني فلا ينحلّ بذلك،بل حاله حال دوران الأمر بين‏المتباينين.و ضابط القسمين:هو انّ العلم الإجمالي كليّا انّما يكون على سبيل‏المنفصلة المانعة الخلوّ المنحلّة إلى قضيّتين حمليّتين.و هاتان القضيّتان تارة:تكونان من أوّل الأمر إحداهما متيقّنة و الأخرى‏مشكوكة،بحيث يكون العلم الإجمالي قد نشأ من هاتين القضيّتين،و يكون العلم‏الإجمالي عبارة عن ضمّ قضيّة مشكوكة إلى قضيّة متيقّنة ليس إلاّ.كما إذا علم إجمالابأنه مديون لزيد،أو علم بأنّ في هذه القطيعة موطوء،و تردد الدّين بين ان يكون‏خمسة دراهم أو عشرة،أو تردّد الموطوء بين ان يكون خمسة أو عشرة،فانّ هذا العلم‏الإجمالي ليس إلاّ عبارة عن قضيّة متيقّنة:و هي كونه مديونا لزيد بخمسة دراهم أوانّ في هذه القطيعة خمس شياة موطوءة،و قضيّة مشكوكة:و هي كونه مديونا لزيدبخمسة دراهم زائدا على الخمسة المتيقّنة أو انّ في هذه القطيعة خمس شياة موطوءةزائدا على الخمسة المتيقّنة،ففي مثل هذا،العلم الإجمالي ينحلّ قهرا بالعثور على المقدارالمتيقّن،إذ لا علم حقيقة بسوى ذلك المقدار المتيقّن،و الزّائد عليه مشكوك من أوّل‏الأمر و لم يتعلّق العلم به أصلا،و لا يصح جعله طرفا للعلم،إذ لم يتعلّق العلم به‏بوجه من الوجوه،فلا معنى لجعله من أطراف العلم،فالعلم الإجمالي في مثل هذا من‏أوّل الأمر منحلّ،و ذلك واضح.و أخرى:لا تكون القضيّتان على هذا الوجه،أي بان يكون من أوّل‏الأمر إحداهما متيقّنة و الأخرى مشكوكة،بل تعلّق العلم بالأطراف على وجه تكون‏جميع الأطراف ممّا تعلّق العلم بها بوجه،بحيث لو كان الأكثر هو الواجب لكان ممّاتعلّق به العلم و تنجّز بسببه،و ليس الأكثر مشكوكا من أوّل الأمر بحيث لم يصبه‏العلم بوجه من الوجوه،بل كان الأكثر على تقدير ثبوته في الواقع ممّا اصابه العلم.وذلك في كلّ ما يكون المعلوم بالإجمال معلّما بعلامة كان قد تعلّق العلم به بتلك‏العلامة،فيكون كلّ ما اندرج تحت تلك العلامة و انطبقت عليه ممّا تعلّق العلم به،
545
سواء في ذلك الأقلّ و الأكثر.و ح لو كان الأكثر هو الثّابت في الواقع،فقد تعلّق‏العلم به لمكان تعلقه بعلامته.و ذلك:كما إذا علمت انّى مديون لزيد بما في الدّفتر،فانّ جميع ما في الدّفتر من دين زيد قد تعلّق العلم به،سواء كان دين زيد خمسة أوعشرة،فانّه لو كان دين زيد عشرة فقد اصابه العلم لمكان وجوده في الدّفتر و تعلّق‏العلم بجميع ما في الدّفتر.و أين هذا ممّا إذا كان دين زيد من أوّل الأمر مردّدا بين‏الخمسة و العشرة؟فانّ العشرة في مثل ذلك ممّا لم يتعلّق بها العلم بوجه من الوجوه،و كانت مشكوكة من أوّل الأمر،فلا موجب لتنجيزها على تقدير ثبوتها في الواقع.بخلاف ما إذا تعلّق العلم بها بوجه.و لو لمكان تعلّق العلم بما هو من قبيل‏العلامة لها،و هي بعنوان(كونها في الدّفتر)فانّها قد تنجّزت على تقدير وجودهافي الدفتر.و في مثل هذا ليس له الاقتصار على المقدار المتيقن،إذ لا مؤمّن له على تقديرثبوت الأكثر في الواقع بعد ما ناله العلم و اصابه.فحال العلم الإجمالي في مثل هذاالأقلّ و الأكثر حال العلم الإجمالي في المتباينين في وجوب الفحص و الاحتياط.و ان شئت قلت:كان لنا هنا علمان:علم إجماليّ بأني مديون لزيد بجميع‏ما في الدّفتر،و علم إجماليّ آخر بأنّ دين زيد عشرة أو خمسة،و العلم الثّاني غيرمقتض للاحتياط بالنّسبة إلى العشرة،و العلم الإجمالي الأوّل مقتض للاحتياطبالنّسبة إليها،لتعلّق العلم بها على تقدير ثبوتها في الواقع،و اللامقتضي لا يمكن ان‏يزاحم المقتضى.و نظير ذلك ما إذا علم بأنّ في البيض من هذه القطيعة موطوء،فانّه كلّ أبيض موطوء في هذه القطيعة فقد تعلّق العلم به و أوجب تنجّزه،فلو عثرعلى مقدار متيقّن من البيض موطوء ليس له إجراء أصالة الحلّ بالنّسبة إلى الزّائد،لأنّه لا مؤمّن له على تقدير وجود موطوء آخر في البيض.و إذ قد عرفت ذلك،فنقول:ما نحن فيه يكون من العلم الإجماليّ المعلّم‏المقتضى للفحص التّام الغير المنحلّ بالعثور على المقدار المتيقّن،لأنّ العلم قد تعلّق‏بأنّ في الكتب التي بأيدينا مقيّدات و مخصّصات و أحكاما إلزاميّة،فيكون نظير تعلّق‏العلم بأني مديون لزيد بما في الدّفتر،فيكون كلّ مقيّد و مخصّص و حكم إلزاميّ‏ثابت فيما بأيدينا من الكتب قد اصابه العلم و تعلّق به،و قد عرفت انّ مثل هذا
546
العلم الإجمالي لا ينحلّ بالعثور على المقدار المتيقّن،بل لا بدّ فيه من الفحص التّامّ في‏جميع ما بأيدينا من الكتب.فتأمل فيما ذكرناه من قسمي العلم الإجمالي فانّه لا يخلوعن دقّة.هذا حاصل الأشكال و الجواب في جعل المدرك لوجوب الفحص العلم‏الإجمالي.و امّا لو جعل المدرك لوجوب الفحص كون دأب المتكلّم و ديدنه التّعويل‏على المنفصلات،فقد يستشكل أيضا بما حاصله:انّ الفحص لا أثر له حينئذ،إذالفحص عن المقيّدات و المخصّصات فيما بأيدينا من الكتب لا يغيّر العمومات والمطلقات عن كونها في معرض التّخصيص و عن كون دأب المتكلّم التّعويل على‏المنفصلات،إذ الفحص لا دخل له في ذلك و لا يوجب قوّة أصالة الظّهور و العموم‏الّتي ضعفت و سقطت بدأب المتكلّم و خروجه عن طريق المحاورات العرفيّة من‏بيان تمام مراده في كلام واحد،إذ كلّ عام يحتمل ان يكون قد عوّل فيه على‏المخصّص المنفصل و لم يكن ذلك المخصّص في الكتب الّتي بأيدينا و لا دافع لهذاالاحتمال،هذا.و لكن يمكن الذبّ عن الأشكال أيضا،بأنّ كون شأن المتكلّم ذلك يوجب‏عدم الاطمئنان و الوثوق بأنّ واقع مراده هو ظاهر العامّ و المط،فلو تعلّق غرض‏باستخراج واقع مراد المتكلّم لما أمكن بالنّسبة إلى المتكلّم الّذي يكون شأنه ذلك،كما يتّضح ذلك بالقياس على المحاورات العرفيّة فانّه لو فرض انّ أحد التّجار كتب‏إلى طرفه يخبره بسعر الأجناس في بلد و كان الكاتب ممّن يعتمد على القرائن في بيان‏مراده،فانّ هذا الكتاب لو وقع بيد ثالث لا يمكنه العمل على ما تضمّنه،لأنّه لا يمكن‏الحكم بأنّ واقع مراد الكاتب هو ما تضمّنه ظاهر الكتاب،مع انّ هذا الثّالث ليس‏له غرض سوى استخراج واقع مراد الكاتب.و امّا إذا لم يتعلّق الغرض باستخراج واقع مراد المتكلّم،بل كان الغرض‏هو الإلزام و الالتزام بكلام المتكلّم و جعله حجّة قاطعة للعذر في مقام المحاجّة والمخاصمة،فلا بدّ من الأخذ بما هو ظاهر كلامه،و كون شأن المتكلّم التّعويل على‏
547
المنفصل لا يوجب أزيد من الفحص.و السّر في ذلك:هو انّ طريق الأخذ و الالتزام و المحاجة انّما هو بيد العقل‏و العقلاء،و بناء العقلاء في محاوراتهم على ذلك،كما انّ العقل يحكم بذلك أيضا.وعليك بمقايسة الأحكام الشّرعيّة على الأحكام العرفيّة الصّادرة من الموالي العرفيّةالملقاة إلى عبيدهم،فانّه لا يكاد يشكّ في إلزام العبد بالأخذ بظاهر كلام المولى بعدالفحص عمّا يخالف الظّاهر و اليأس عن الظفر إذا كان شأن المولى التّعويل على‏المنفصل،و ليس للعبد ترك الأخذ بالظّاهر و الاعتذار باحتمال عدم إرادة المولى‏ظاهر كلامه،كما انّه ليس للمولى إلزام العبد و تأديبه عند أخذه بالظّاهر إذا لم يكن‏الظّاهر مراده و عوّل على المنفصل.و الحاصل:انّ كون المتكلّم من دأبه التّعويل على المنفصلات انّما يوجب‏عند العقلاء عدم الأخذ بالظّاهر قبل الفحص عن مظانّ وجود المنفصل،و امّا بعدالفحص فالعقل و العقلاء يلزمون العبد بالأخذ بالظّاهر و يكون ظاهر كلام المتكلّم‏حجّة على العبد،و لكلّ من المولى و العبد إلزام الآخر بذلك الظّاهر.نعم لو قلنا:بأنّ اعتبار الظّهور من باب افادته الظّن و الاطمئنان الشّخصي‏بالمراد،لكان الأشكال المذكور في محلّه،إذ الفحص لا يوجب حصول الظّن بالمرادبالنّسبة إلى المتكلّم الّذي شأنه التّعويل على المنفصل،إلاّ انّ اعتبار الظّهور من ذلك‏الباب فاسد،بل اعتبار الظّهور من باب بناء العقلاء على الأخذ و لو لمكان كشفه‏نوعا عن المراد،لا من باب التّعبد المحض،و قد عرفت انّ بناء العقلاء ليس أزيدمن الفحص بالنّسبة إلى المتكلّم الّذي يكون شأنه ذلك،فتأمل جيّدا.هذا كلّه في أصل وجوب الفحص،و امّا مقداره:فهو و ان اختلف فيه،بين من يكتفى بالظّن،و بين من يعتبر العلم و اليقين بعدم وجود مقيّد و مخصّص فيمابأيدينا من الكتب،و بين من يعتبر الاطمئنان و سكون النّفس بعدم وجود ذلك،إلاّانّ الأقوى هو الأخير،و هو اعتبار الاطمئنان،لأنّ الاكتفاء بالظّن ممّا لا وجه له‏بعد عدم قيام الدّليل على اعتباره،و الاقتصار على حصول العلم و اليقين يوجب‏الحرج و سدّ باب الاستنباط،فانّ الأخبار و ان بوبها الأصحاب(جزاهم اللّه عن‏
548
الإسلام و أهله خير الجزاء)و أوردوا كلّ خبر في بابه،إلاّ انّه مع ذلك قد قطعواالأخبار و أوردوا صدر الخبر في باب و ذيله في باب آخر،كما صنعه صاحب‏الوسائل،و ذلك أوجب الاختلال،إذ ربّما يكون ذيل الخبر قرينة على المراد من‏صدره،فلو اعتبرنا العلم و اليقين للزم الضّيق و العسر الشّديد في الاستنباط،مع انّ‏الاطمئنان هو طريق عقلائي يعتمد عليه العقلاء كما يعتمدون على العلم الوجداني،ويكتفون بالاطمينان في كلّ ما يعتبر فيه الإحراز.فالأقوى:كفاية الاطمئنان.
المبحث الرّابع:في الخطابات الشّفاهيّة.
و قد وقع النّزاع في انّ الخطابات المصدرة بأداة الخطاب-كياء النّداء،وكاف الخطاب،و أمثال ذلك ممّا يختصّ بالمشافهة-هل تختصّ بالمشافهين‏الحاضرين في مجلس التّخاطب؟فلا تعمّ الغائبين فضلا عن المعدومين،أو لا تختصّ‏بذلك؟بل تعمّ المعدومين فضلا عن الغائبين.و محلّ الكلام،هو خصوص الألفاظ المصدرة بأداة الخطاب كما عرفت.ولا كلام فيما عدى ذلك:من أسماء الأجناس،كقوله تعالى:للّه على النّاس حجّ‏البيت من استطاع إليه سبيلا-و كقوله تعالى:المؤمنون إخوة.و غير ذلك ممّاأخذ اسم الجنس فيه موضوعا للحكم،فانّه لا إشكال في عموم اللّفظ للحاضر والغائب و المعدوم.ثمّ انّ جهة البحث عن عموم الخطابات الشّفاهيّة و عدمه،يمكن ان تكون‏عقليّة و يكون مرجع هذا النّزاع إلى إمكان مخاطبة الغائب و المعدوم و عدم إمكانه‏عقلا،و يمكن ان يكون لفظيّا لغويّا و يكون مرجع هذا النّزاع ح إلى انّ أداةالخطاب هل هي موضوعة لخصوص التّخاطب بها مع الحاضر المشافه؟أو انّهاموضوعة للأعمّ من ذلك و من الغائب و المعدوم؟و يمكن ان يكون النّزاع في كلتاالجهتين عقليّا و لغويا.ثمّ انّ ثمرة النّزاع تظهر في حجيّة ظهور خطابات الشّفاهيّة و صحّة التّمسك‏بها بالنّسبة إلى الغائبين و المعدومين في زمن الخطاب.فان قلنا:باختصاصهابالمشافهين لا يصح التّمسك بها في حقّ الغائبين و المعدومين،لعدم كونهم مخاطبين بما
549
تضمّنته تلك الخطابات.و تسرية ما تضمّنته تلك الخطابات من الأحكام إلى‏الغائبين و المعدومين انّما يكون بقاعدة الاشتراك في التّكليف،الّذي انعقد عليه‏الإجماع و الضّرورة.و قاعدة الاشتراك في التّكليف مختصة بما إذا اتّحد الصنف،ولا تجري في مورد اختلاف الصّنف،بان كان الحاضرون في مجلس التخاطب‏واجدين لخصوصيّة يحتمل دخلها في موضوع الحكم و لو كانت تلك الخصوصيّة نفس‏حضورهم في مجلس التّخاطب،أو وجودهم في بلد الخطاب،أو وجودهم في عصرالحضور و نزول الخطاب،فانّه لو احتمل دخل شي‏ء من تلك الخصوصيّات لما كان ح‏مجال للتّمسك بقاعدة الاشتراك،لما عرفت:من اختصاصها بصورة اتّحاد الصّنف.و هذا بخلاف ما إذا قلنا:بعموم الخطابات الشّفاهيّة للغائبين و المعدومين،فإنّالا نحتاج إلى قاعدة الاشتراك،بل نفس عموم الخطاب يقتضى تكليف الغائب والمعدوم بما تضمّنته تلك الخطابات من الأحكام و لو مع اختلاف الصّنف،و ذلك‏واضح،هذا.و عن بعض الأعلام إنكار هذه الثّمرة،و دعوى:انّ ذلك مبنىّ على مقالةمن يقول بحجيّة الظواهر بالنّسبة إلى خصوص من قصد افهامه بالكلام،دون من لم‏يقصد افهامه،كما هو مقالة (1) المحقّق القميّ(قده)،إذ لو قلنا:بحجيّة الظّواهر مط ولو في حقّ من لم يقصد افهامه فظواهر الخطابات الشّفاهيّة تكون ح حجّة و لو قلناباختصاصها بالمشافهين،هذا.و لكن لا يخفى عليك:انّ الثّمرة لا تبتنى على مقالة المحقّق القمّي(ره)،فانّ‏الخطابات الشّفاهيّة لو كانت مقصورة على المشافهين و لا تعمّ غيرهم فلا معنى للرّجوع‏إليها و حجيّتها في حقّ الغير،سواء قلنا بمقالة المحقّق القمّي أو لم نقل،فلا ابتناء للثّمرةعلى ذلك أصلا.و قد ذكر المحقّق الخراسانيّ‏1(قده)للنّزاع ثمرتين،و جعل إحدى الثّمرتين‏1كفاية الأصول الجلد الأول ص 359«فصل:ربما قيل انه يظهر لعموم الخطابات الشفاهية للمعدومين‏
1)مقالة المحقق القمي.قوانين الأصول،قانون 7 من الباب الثالث(مبحث العموم و الخصوص)ص 131 ص)

550
مبتنية على مقالة المحقّق القمّي(ره)و لم يجعل الأخرى مبتنية على ذلك.مع انّه لم‏يظهر لنا الفرق بين الثّمرتين بل مرجعهما إلى امر واحد،و انّما التّفاوت في التّعبيرفقط،فراجع و تأمّل لعلّك تجد فرقا بين الثّمرتين.و على كلّ حال قد ظهر:انّ ثمرةالنّزاع في المقام جليّة و لا تبتنى على مقالة المحقّق القمّي(قده).إذا عرفت ذلك فاعلم:انّ الكلام في اختصاص الخطابات الشّفاهيّةبالحاضرين و عمومها لغيرهم تارة:يقع في القضايا الخارجيّة،و أخرى:يقع في‏القضايا الحقيقيّة.امّا في القضايا الخارجيّة-فاختصاص الخطاب بالحاضر المشافه ممّالا سبيل إلى إنكاره،لوضوح انّه لا يمكن توجيه الكلام و مخاطبة الغائب الغير الملتفت‏إلى الخطاب،فضلا عن المعدوم،إلاّ بتنزيل الغائب و المعدوم منزلة الحاضر،كما قدينزل غير ذوي العقول منزلة ذوي العقول فيخاطب،كما في قول الشّاعر:
الا يا ليل طلت عليّ حتّى‏

كأنّك قد خلقت بلا صباح‏

و بالجملة:مخاطبة الغائب و المعدوم بلا تنزيل ممّا لا يمكن.و امّا في القضايا الحقيقيّة:فحيث انّها متكفّلة لفرض وجود الموضوع و كان‏الخطاب خطابا لما فرض وجوده من افراد الطّبيعة في موطنه،كانت الأفراد متساويةالأقدام في اندراجها تحت الخطاب،فيستوي في ذلك الأفراد الموجودة في زمن‏الخطاب الحاضرون في مجلس التّخاطب أو المعدومون الغير الحاضرين،لأنّ في الجميع‏لو حظت الأفراد على نحو فرض الوجود و وجه الخطاب على ذلك الفرض.و بعبارة أخرى:التّنزيل الّذي كان ممّا لا بدّ منه في القضيّة الخارجيّة أعني‏تنزيل المعدوم منزلة الموجود في صحّة الخطاب،يكون في القضيّة الحقيقيّة ممّاتضمّنته نفس القضيّة،و كانت القضيّة بنفسها دالة على ذلك التّنزيل،لأنّ شأن‏ثمرتان:الأولى:حجية ظهور خطابات الكتاب للمشافهين...»و هذه هي الثمرة التي جعلها مبتنية على مقالةالمحقق القمي بقوله«و فيه انه مبنىّ على اختصاص حجية الظواهر بالمقصودين بالإفهام،و قد حقق عدم‏الاختصاص بهم...»
551
القضيّة الحقيقيّة فرض وجود الموضوع،فالخطاب في القضيّة الحقيقيّة يعمّ الغائب والمعدوم بلا عناية.و دعوى:انّ أداة الخطاب موضوعة لخصوص ما يكون موجودا بالفعل في‏مجلس صدور الخطاب،ممّا لا شاهد عليها،لأنّه إذا أمكن في عالم الثّبوت توجيه‏الخطاب إلى ما سيوجد بعد ذلك على نهج القضيّة الحقيقيّة،فعالم الإثبات يكون على‏طبق عالم الثّبوت،و لا موجب لدعوى وضع الأداة لخصوص الأفراد الفعليّةالحاضرين في مجلس التّخاطب.و كان منشأ توهّم اختصاص الخطابات الشّفاهيّةبالحاضرين هو تخيّل كون القضايا الشّرعيّة من القضايا الخارجيّة و انّ ما ورد في‏الكتاب و السّنة من الخطابات انّما تكون إخبارات عن انّ الأحكام تنشأ بعد ذلك‏عند وجود الأفراد،فيكون لكلّ فرد خطاب يخصّه عند وجوده.و قد تقدّم منّا فسادذلك،و انّ القضايا الشّرعيّة كلّها(إلاّ ما شذ)تكون على نهج القضايا الحقيقيّة،و ح‏الخطابات تعمّ المعدومين أيضا.
المبحث الخامس:
لو تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى بعض افراده،فهل ذلك يوجب تخصيص‏العامّ بخصوص ما أريد من الضّمير؟أو انّه لا يوجب ذلك؟مثاله قوله تعالى: (1) «والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء و لا يكتمن ما في أرحامهن»إلى قوله تعالى:«و بعولتهنّ أحقّ بردّهن»فانّ ضمير«و بعولتهن»يرجع إلى خصوص الرّجعيّات،بقرينة قوله تعالى:«أحقّ بردّهنّ»و المطلّقات في صدر الآية عامّ للرّجعيّات و غيرها،لأنّه من الجمع المحلّى باللام.فيقع البحث حينئذ في انّ رجوع الضّمير إلى خصوص‏الرّجعيّات موجب لتخصيص المطلّقات و انّ المراد منه خصوص الرّجعيّات فتكون‏الأحكام المذكورة في الآية السّابقة على قوله تعالى:«و بعولتهنّ»مختصّة بالرّجعيّات،أو انّه لا يوجب ذلك،بل المراد من المطلّقات الأعمّ،و الأحكام السّابقة تكون لمطلق‏المطلقات.
1)البقرة:228

552
فقد يقال:انّ أصالة العموم معارضة بأصالة عدم الاستخدام،فانّ لازم‏إرادة العموم من المطلّقات هو الاستخدام في ناحية الضمير،لرجوعه حينئذ إلى غير ماهو المراد من المرجع،بل إلى بعض افراد المرجع،كما ان لازم عدم الاستخدام هوتخصيص العامّ و انّ المراد منه خصوص الرّجعيّات.و كما انّ أصالة العموم تقتضي‏الاستخدام كذلك أصالة عدم الاستخدام أيضا أصل عقلائي في باب المحاورات‏يقتضى تخصيص العامّ،فيتعارض الأصلان من الطّرفين،و حينئذ لا طريق إلى‏إثبات تعلّق الأحكام السّابقة على قوله:«و بعولتهنّ»إلخ بمطلق المطلقات،إذالطّريق منحصر بأصالة العموم الساقطة بالمعارضة،هذا.و لكن الشّأن في جريان أصالة عدم الاستخدام حتى يعارض أصالة العموم.الأقوى:عدم جريان أصالة عدم الاستخدام‏امّا أوّلا:فلابتناء الاستخدام في المقام على مجازيّة العامّ المخصّص،و امّابناء على الحقيقة،فلا يلزم استخدام أصلا،حتى تجري أصالة عدم الاستخدام.و ذلك:لأنّ رجوع الضّمير إلى المطلّقات الرّجعيّة لا يوجب المغايرة بين ما يراد من‏المرجع و ما يراد من الضّمير،و ما لم يوجب المغايرة لا يتحقّق في الكلام استخدام.وحصول المغايرة بين المرجع و الضّمير لا بدّ ان تكون بأحد الوجوه الموجبة للمغايرة،كماإذا كان المراد من المرجع بعض معاني المشترك و كان المراد من الضّمير بعضا آخر،أو يكون المراد من المرجع المعنى الحقيقيّ للّفظ و المراد من الضّمير المعنى المجازي،أوغير ذلك من أسباب المغايرة.و في المقام بناء على كون العامّ المخصّص حقيقة في‏الباقي لا يتحقّق شي‏ء من أسباب المغايرة،فانّه لا مغايرة بين معنى المطلّقات المذكورةفي صدر الآية،و بين المطلّقات الرّجعيّات التي يرجع الضّمير إليها بعد ما كان‏استعمال المطلّقات في الرّجعيّات لا يوجب المجازيّة،إذ المطلّقات موضوعة للطّبيعة وكان العموم و الشّمول في مصبّ العموم مستفادا من دليل الحكمة على ما تقدّم‏تفصيله،و المعنى الموضوع له للفظ المطلّقات محفوظ في المطلقات الرجعيات،و ليس‏المطلقات الرجعيات معنى مجازيا لمعنى مطلق المطلقات،و لا انّ المطلّقات من‏المشتركات اللّفظيّة حتّى يكون المطلّقات الرّجعيّات أحد المعاني،فأين المغايرة بين‏
553
المرجع و الضّمير حتى يتحقّق الاستخدام؟فتأمل.و امّا ثانيا:فلأنّ استفادة الرّجعيّات في قوله تعالى:«و بعولتهنّ أحقّ‏بردّهنّ»ليس من نفس الضّمير،بل يستفاد ذلك من عقد الحمل و هو قوله تعالى:«أحقّ بردّهن»حيث انّه معلوم من الخارج انّ ما هو الأحق بالرّد هو خصوص‏الرّجعيّات،فالضّمير لم يرجع إلى الرّجعيّات،بل رجع إلى نفس المطلّقات و كان‏استفادة الرّجعيّات من عقد الحمل،فيكون من باب تعدّد الدّال و المدلول،فأين‏الاستخدام المتوهم؟و الحاصل:انّ الاستخدام انّما يتوهّم ثبوته في المقام لو كان المراد من‏الضّمير هو خصوص الرّجعيات.و امّا لو كان المراد من الضّمير هو المطلّقات،و كان‏استفادة الرّجعيّات من عقد الحمل من باب تعدّد الدّال و المدلول فلا يلزم استخدام‏أصلا،فتأمل.و امّا ثالثا:فلأنّ الأصول العقلائيّة انّما تجري عند الشّك في المراد،و في‏المقام لا شك في المراد من الضّمير و انّ المراد منه المطلّقات الرّجعيّات،و بعد العلم بماأريد من الضّمير لا تجري أصالة عدم الاستخدام حتّى يلزم التّخصيص في ناحيةالعامّ.فان قلت:انّ عدم الاستخدام يقتضى امرين:(الأوّل)انّ المراد من الضّمير هوالمطلّقات الرّجعيّات(الثّاني)انّ المراد من العامّ هو المعنى الخاصّ ليتطابق المرجع‏و الضّمير.و أصالة عدم الاستخدام و ان كانت لا تجري في الأمر الأوّل لعدم الشّك‏في المراد من الضمير،إلاّ انّها تجري لإثبات الأمر الثّاني،لأنّ مثبتات الأصول اللّفظيّةحجّة،و حيث كان لازم عدم الاستخدام هو كون المراد من العامّ هو الخاصّ،فأصالة عدم الاستخدام تجري لإثبات هذا اللازم.قلت:إرادة الخاصّ من العامّ لازم عدم الاستخدام،فلا بدّ أوّلا من إثبات عدم‏الاستخدام بوجه و لو بالأصل،ليترتّب عليه لازمه الّذي هو إرادة الخاصّ من العامّ،
554
و بعد عدم جريان أصالة عدم الاستخدام لإثبات أصل الاستخدام الّذي هو مؤدّى‏الأصل،للعلم بالمراد من الضّمير،كيف يمكن إثبات لازمه الّذي هو إرادة الخاصّ‏من العامّ؟و أيّ ربط لهذا بكون مثبتات الأصول اللّفظيّة حجّة؟فانّ معنى كون‏مثبتات الأصول حجّة هو انّه لو ثبت الملزوم ثبت اللازم،و الكلام في المقام في أصل‏ثبوت الملزوم،و ذلك واضح.فتحصل:ان أصالة عدم الاستخدام لا تجري حتّى تعارض أصالة العموم،بل الأصل في طرف العموم يجري بلا معارض.و دعوى:انّ المقام يكون من باب احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة-لأنّ‏رجوع الضّمير إلى بعض افراد المطلّقات يصلح ان يكون قرينة على انّ المراد من العامّ‏هو الخاصّ،فيكون الكلام مجملا لا يجري فيه أصالة العموم-ضعيفة،فانّ ضابطاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة هو ان يكون ذلك الصّالح مجملا،امّا بحسب‏مفهومه الأفرادي،و امّا بحسب مفهومه التّركيبيّ،أي يوجب إجمال جملة الكلام وان كان مفهومه الأفرادي مبيّنا.و بعبارة أوضح:كان(الصالح)ممّا يصحّ ان يعتمد عليه المتكلّم في مقام‏بيان مراده و لم يخرج بذلك عن طريق المحاورة،و الضّمير المتعقّب للعامّ الرّاجع إلى‏بعض افراده لا يكون كذلك،لأنّه معلوم المراد،و لا يوجب إجمال العامّ،فتأمل،فانّ ذلك لا يخلو عن إشكال.
المبحث السّادس:
في الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة.كقوله تعالى: (1) «و الّذين يرمون المحصنات و لم يأتوا بأربعة شهداءفاجلدوا كلّ واحد منهم مائة جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا و أولئك هم الفاسقون‏إلاّ الّذين تابوا».و قد اختلفوا في رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة،أو الجميع،
1)النور:4

555
أو التّوقف،إلى أقوال.و التّحقيق هو التّفصيل بين ما إذا كانت الجمل المتقدّمةمشتملة على الموضوع و المحمول،و بين ما إذا حذف فيها الموضوع.ففي الأوّل يرجع إلى‏خصوص الأخيرة.و في الثّاني يرجع إلى الجميع.مثال الأوّل:ما إذا قال أكرم‏العلماء و أضف الشّعراء و أهن الفسّاق إلاّ النّحوي،أو قال أكرم العلماء و أكرم‏الشّعراء و أكرم السّادات إلاّ النّحوي.و مثال الثّاني:ما إذا قال أكرم العلماء والشّعراء و السّادات إلاّ النّحوي.
المبحث السّابع:
في تخصيص العامّ بالمفهوم الموافق و المخالف.و نعنى بالمفهوم الموافق:هو ما إذا وافق المفهوم المنطوق في الكيف من‏الإيجاب و السّلب،كقوله تعالى:«و لا تقل لهما أفّ».و كقولك:أكرم خدام‏العلماء.حيث انّ الأوّل يدلّ على حرمة الضّرب و الإيذاء الّذي يكون أشدّ من قول‏«أفّ».و الثّاني،يدلّ على وجوب إكرام العلماء.و دلالتهما على ذلك انّما تكون‏بمقدّمة عقليّة قطعيّة،و هي أولويّة حرمة الضّرب من حرمة قول«أفّ»،و أولويّةإكرام العلماء من إكرام خدّامهم.بل يمكن ان يكون ذكر«أفّ»في الآية المباركةمن باب ذكر الخاصّ للتّنبيه على العامّ و ذكر الفرد الخفي للتّنبيه على الفرد الجليّ‏فتكون دلالة الآية على حرمة الإيذاء الشّديد من المداليل الالتزاميّة اللّفظيّة،لا من‏المداليل الالتزاميّة العقليّة.نعم في مثل أكرم خدّام العلماء تكون الدّلالة عقليّة،لمكان الأولويّة القطعيّة.و الحاصل:انّ المفهوم الموافق يختلف بحسب الموارد.فتارة:يكون استفادةالمفهوم من باب المقدّمة العقليّة القطعيّة.و أخرى:يكون من باب دلالة نفس‏اللّفظ،و ذلك في كلّ مورد يكون ذلك المنطوق للتّنبيه به على العامّ.ثمّ انّ هنا قسما آخر لم يصطلحوا عليه بالمفهوم،و هو ما إذا استفيد حكم غيرالمذكور من علّة المذكور،كقوله(الخمر حرام لأنه مسكر)حيث يستفاد منه حكم‏النّبيذ المسكر،و هذا هو المعبّر عنه بمنصوص العلّة.فيكون المفهوم الموافق مخصوصا بماإذا كان ثبوت الحكم لغير المذكور أولى من ثبوته للمذكور،أو كان مساويا لا من‏
556
جهة العلّة المنصوصة المعبّر عنه بلحن الخطاب.و منصوص العلّة هو ما إذا كان‏مساويا،و الأمر في ذلك سهل إذ يرجع ذلك إلى الاصطلاح.و المقصود في المقام:هو بيان صورة تعارض العامّ مع المفهوم الموافق و المساوي الّذي هو مورد منصوص‏العلّة،و تعارض العامّ مع المفهوم المخالف.فنقول:امّا تعارض العامّ مع المفهوم الموافق،فقد نقل الاتّفاق على تقديم‏المفهوم على العامّ و تخصيصه به،و لو كانت النّسبة بين المفهوم و العام العموم من‏وجه،من دون لحاظ النّسبة بين المنطوق و العامّ،هذا.و لكن التّحقيق،هو ان يقال:انّه في المفهوم الموافق لا يمكن ان يكون‏المفهوم معارضا للعامّ من دون معارضة منطوقه،لأنا فرضنا انّ المفهوم موافق‏للمنطوق و انّ المنطوق سيق لأجل الدّلالة به على المفهوم،و مع هذا كيف يعقل ان‏يكون المنطوق أجنبيّا عن العامّ و غير معارض له؟مع كون المفهوم معارضا له.فالتّعارض في المفهوم الموافق انّما يقع ابتداء بين المنطوق و العامّ،و يتبعه وقوعه بين‏المفهوم و العامّ.ففي مثل قوله:أكرم خدّام العلماء،و لا تكرم الفسّاق،يكون‏التّعارض بين نفس وجوب إكرام خدّام العلماء و بين حرمة إكرام الفاسق بالعموم‏من وجه،و يتبعه التّعارض بين المفهوم و هو وجوب إكرام نفس العلماء و بين‏العامّ و هو حرمة إكرام الفسّاق.و كذا في مثل قوله تعالى:«لا تقل لهما أفّ»مع‏قوله:اضرب كلّ أحد،فانّ قوله:اضرب كلّ أحد يدلّ بالأولويّة على جواز قول‏«أفّ»لكلّ أحد،فيعارض هذا العامّ بما له من المفهوم مع قوله«لا تقل لهما أفّ»و يتبعه المعارضة لمفهوم قوله:«لا تقل لهما أفّ»و هو حرمة ضرب الأبوين،بالعموم‏المطلق.و بالجملة:كلّما فرض التّعارض بين المفهوم الموافق و العامّ،فلا محالة يكون‏التّعارض بين المنطوق و العامّ،و لا بدّ أوّلا من علاج التّعارض بين المنطوق و العامّ ويلزمه العلاج بين المفهوم و العامّ.إذا عرفت ذلك،فنقول:انّ التّعارض بين المنطوق و العامّ تارة:يكون‏بالعموم المطلق مع كون المنطوق أخصّ،و أخرى:يكون بالعموم من وجه.و ما كان‏
557
بالعموم المط فتارة:يكون المفهوم أيضا أخصّ مط من العامّ،و أخرى:يكون أعمّ‏من وجه.و لا منافاة بين كون المنطوق أخصّ مط من العامّ و كون المفهوم أعمّ‏من وجه،كما في مثل قوله:أكرم فسّاق خدّام العلماء،و قوله:لا تكرم الفاسق،فانّ‏النّسبة بينهما يكون بالعموم المط،مع انّ بين مفهوم قوله:أكرم فسّاق خدّام العلماء(وهو إكرام فسّاق نفس العلماء الملازم لإكرام نفس العدول من العلماء بالأولويّةالقطعيّة)و بين العامّ(و هو قوله:لا تكرم الفاسق)يكون العموم من وجه،إذالمفهوم حينئذ يكون إكرام مط العالم عادلا كان أو فاسقا.فان كان بين المنطوق و العامّ العموم المط فلا إشكال في تقديم المنطوق على‏العامّ أو تخصيصه به على قواعد العموم و الخصوص،و يلزمه تقديم المفهوم الموافق على‏العامّ مطلقا سواء كان بين المفهوم و العامّ العموم المط أو العموم من وجه.امّا إذاكان العموم المط،فواضح.و امّا إذا كان العموم من وجه،فإنّا قد فرضنا انّ المفهوم‏أولى في ثبوت الحكم له من المنطوق و أجلى منه،و انّ المنطوق سيق لأجل إفادةحكم المفهوم،فلا يمكن ان يكون المنطوق مقدّما على العامّ المعارض له مع انّه الفردالخفيّ و المفهوم لا يقدّم عليه مع انّه الفرد الجلي.و الحاصل:انّ المفهوم الموافق يتبع المنطوق في التّقدم على العامّ عندالمعارضة و لا يلاحظ النّسبة بين المفهوم و العامّ،بل تلاحظ النّسبة بين المنطوق‏و العامّ،فلو قدّم المنطوق على العامّ لأخصيّته فلا محالة يقدّم المفهوم عليه مط،لوضوح انّه‏لا يمكن إكرام خادم العالم الفاسق و عدم إكرام العالم الفاسق في المثال المتقدّم،و ذلك‏واضح.و بذلك يظهر الخلل فيما أفيد في المقام،فراجع.هذا كلّه في المفهوم الموافق.و امّا المفهوم المخالف:فقد وقع الخلط فيه أيضا في جملة من الكلمات،حتى‏انّ الشّيخ‏1(قدّه)توقّف في تقديم المفهوم على العامّ أو العامّ عليه في آية النّبإ،1فالمحكي عن الشيخ قدس سره في التقريرات:«و اما مفهوم المخالفة فعلى تقدير القول بثبوته في قبال العام و عدم التصرّف في ظاهر الجملة الشرطيّة و الأخذبظهورها،لا إشكال في تخصيص العام به كما عرفت و انما الإشكال في ان الجملة الشرطيّة أظهر في إرادة الانتفاءعند الانتفاء بينهما أو العام أظهر في إرادة الافراد منه،فمرجع الكلام إلى تعارض الظاهرين،فربما يقال ان العام‏
558
حيث أفاد انّ مفهوم قوله تعالى:«ان جاءكم فاسق بنبإ»إلخ معارض بعموم‏التّعليل،و هو قوله تعالى:«لئلا تصيبوا قوما بجهالة»لأنّ المفهوم يدلّ على حجيّة قول‏العادل الّذي لا يفيد العلم،و عموم التّعليل يدلّ على عدم اعتبار قول من لم يفدالعلم،لأنّه من إصابة القول بجهالة،سواء كان ذلك قول العادل أو لم يكن.والنّسبة بين المفهوم و التّعليل العموم المطلق،لأنّ المفهوم لا يعمّ الخبر المفيد للعلم‏أظهر دلالة في شموله لمحل المعارضة كما قلنا بذلك في معارضة منطوق التعليل في آية النبأ مع المفهوم على تقدير القول‏به بالنسبة إلى خبر العدل الظني،فان قضية عموم التعليل عدم الاعتماد على الخبر الظني،و مقتضى المفهوم ثبوته،وعموم التعليل أظهر و لا سيّما إذا كان العام متصلا بالجملة الشرطيّة.و ربّما يقال بتقديم الظهور في الجملة الشرطيّةكما قلنا في تعارض المفهوم مع العمومات الناهية عن العمل بغير العلم.و بالجملة:فالإنصاف ان ذلك تبع الموارد،و لم نقف على ضابطة نوعيّة يعتمد عليها في الأغلب كما اعترف‏بذلك سلطان المحققين.»(مطارح الأنظار،مباحث العام و الخاصّ.ص 208)و ذكر قدس سره في الفرائد:«الثاني(مما أورد على دلالة الآية بما ليس قابلا للذب عنه)ما أورده في محكي العدة و الذريعة و الغنية ومجمع البيان و المعارج و غيرها،من انّا لو سلّمنا دلالة المفهوم على قبول خبر العادل الغير المفيد للعلم،لكن نقول:ان‏مقتضى عموم التعليل وجوب التبيّن في كل خبر لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به و ان كان المخبر عادلا،فيعارض المفهوم و الترجيح مع ظهور التعليل.»ثم ذكر بعد سطور في جواب لا يقال،بقوله:«..لأنا نقول،ما ذكره أخيرا من ان المفهوم أخص مطلقا من عموم التعليل مسلّم إلاّ انا ندعي التعارض‏بين ظهور عموم التعليل في عدم جواز العمل بخبر الواحد الغير العلمي و ظهور الجملة الشرطيّة أو الوصفيّة في ثبوت‏المفهوم،فطرح المفهوم و الحكم بخلوّ الجملة الشرطيّة عن المفهوم أولى من ارتكاب التخصيص في التعليل،و إليه‏أشار في محكيّ العدّة بقوله:لا نمنع ترك دليل الخطاب لدليل و التعليل دليل،و ليس في ذلك منافاة لما هو الحق وعليه الأكثر من جواز تخصيص العام بمفهوم المخالفة،لاختصاص ذلك أولا بالمخصص المنفصل،و لو سلّم جريانه‏في الكلام الواحد منعناه في العلة و المعلول،فان الظاهر عند العرف ان المعلول يتّبع العلّة في العموم و الخصوص...و ذكر في مقام الجواب عن الإيراد الأول من الإيرادات القابلة للدفع،بقوله:«ان المراد بالنبإ في المنطوق ما لا يعلم صدقه و لا كذبه،فالمفهوم أخص مطلقا من تلك الآيات(أي‏الآيات الناهية عن العمل بغير العلم)فيتعيّن تخصيصها بناء على ما تقرر من ان ظهور الجملة الشرطيّة في المفهوم‏أقوى من ظهور العام في العموم،و اما منع ذلك فيما تقدم من التعارض بين عموم التعليل و ظهور المفهوم فلما عرفت‏من منع ظهور الجملة الشرطيّة المعلّلة بالتعليل الجاري في صورتي وجود الشرط و انتفائه في إفادة الانتفاء عند الانتفاءفراجع.»(فرائد الأصول،مباحث حجية الظن،ص 66-65
559
لخروج ذلك عن الآية بالتّخصيص،فالمفهوم مختصّ بالخبر العدل الغير المفيد للعلم،والتّعليل يعمّ خبر العدل و غيره.و مقتضى القاعدة تخصيص عموم التّعليل بالمفهوم،إلاّ انّ قوّة التّعليل و إباءه عن التّخصيص يمنع عن ذلك.و هذا بخلاف الآيات‏النّاهية عن العمل بالظّن،فانّ النّسبة بينها و بين المفهوم و ان كانت العموم المطلق‏أيضا،إلاّ انّه لا مانع من تخصيص تلك الآيات بالمفهوم لعدم إباء تلك الآيات عن‏التّخصيص.هذا حاصل ما أفاده الشّيخ(قده)في تعارض المفهوم المخالف مع العام‏في آية النبأ.و لكن لا يخفى عليك ضعف ذلك،لأنّ التّعليل مهما بلغ من القوّة لا يكون‏أقوى من المفهوم الخاصّ،و الآيات النّاهية عن العمل بالظّن أيضا آبية عن‏التّخصيص،و كيف يمكن تخصيص مثل قوله تعالى:«انّ الظّن لا يغنى من الحق شيئا»؟فالإنصاف:انّه في مثل الآية لا يلاحظ النّسبة،بل المفهوم يكون مقدّماعلى الآيات النّاهية عن العمل بالظّن و عن عموم التّعليل بالحكومة،لأنّ خبر العدل‏بعد ما صار حجّة يخرج عن كونه ظنّا و عن كونه إصابة القوم بالجهالة،و يكون‏علما،كما حقّقناه في محلّه.فينبغي إخراج مثل الآية الشّريفة عمّا هو المبحوث عنه في‏المقام:من تعارض المفهوم المخالف و العامّ،لكون المفهوم حاكما على العامّ.و لو قطع‏النّظر عن الحكومة،فالمفهوم أيضا يقدم على العامّ.و لا يصغى إلى انّ العام في مثل‏الآية يكون متّصلا بالقضيّة الشّرطيّة فلا تكون القضيّة ظاهرة في المفهوم،لصلاحيّةكلّ من القضيّة الشّرطيّة و العامّ للتصرّف في الآخر،بخلاف ما إذا لم يكن العامّ‏متّصلا بالقضيّة الشّرطيّة،حيث انّ العامّ يخصّص بالمفهوم و لكن لا مط،بل يختلف‏باختلاف الموارد،فربّ مورد يكون العامّ قرينة على عدم كون القضيّة ذات مفهوم،وربّما ينعكس الأمر و يكون ظهور القضيّة في المفهوم قرينة على التّصرف في العامّ وتخصيصه به.هذا حاصل ما أفاده بعض الأعلام في باب تعارض المفهوم الخالف مع العامّ.و لكن الإنصاف:انّ ذلك كلّه خلاف التّحقيق،بل التّحقيق هو انّ‏المفهوم المخالف مهما كان أخصّ مط من العامّ يقدّم على العامّ،سواء كان بين‏
560
المنطوق و العامّ العموم المط،أو العموم من وجه.و مهما كان بين المفهوم و العامّ‏العموم من وجه يعامل مهما معاملة العموم من وجه،فربّما يقدّم العامّ و ربّما يقدّم‏المفهوم في مورد التّعارض،من غير فرق في ذلك أيضا بين ان يكون بين المنطوق والعام العموم المط أو العموم من وجه.و الحاصل:انّ الفرق بين المفهوم الموافق و المخالف من وجهين:الأوّل:انّ في المفهوم الموافق يلاحظ التّعارض و العلاج أوّلا بين المنطوق و العامّ،ويتبعه العلاج بين المفهوم و العامّ،بخلاف المفهوم المخالف،فانّ التّعارض و علاجه‏أوّلا و ابتداء انّما يكون بين المفهوم و العامّ،إذ المنطوق ربّما لا يكون معارضا أصلا.الثّاني:انّ المنطوق في المفهوم الموافق لو قدّم على العامّ لأخصيّته،فالمفهوم أيضا يقدّم‏على العامّ مط و لو كان نسبته مع العامّ العموم من وجه كما عرفت.بخلاف المفهوم‏المخالف،فانّه لو كان بين المفهوم و العامّ العموم من وجه يعامل معهما معاملة العموم‏من وجه،فربّما يقدّم العامّ على المفهوم في مورد التّعارض و يخصّص المفهوم به،إذالمفهوم العامّ قابل للتّخصيص و لا تخرج القضيّة بذلك عن كونها ذات مفهوم،و ذلك‏كلّه واضح.إذا عرفت ذلك‏فنقول:انّ المفهوم المخالف،مهما كان أخصّ من العامّ يقدّم على العامّ ويخصّص به مط،سواء كان العامّ متّصلا بالقضيّة التي تكون ذات مفهوم أو منفصلا،و لا يصلح العامّ ان يكون قرينة على عدم كون القضيّة ذات مفهوم،و ذلك لما تقدّم‏منّا في باب المفاهيم:من انّ العبرة في كون القضيّة ذات مفهوم هو ان يكون القيدراجعا إلى الحكم،لا إلى الموضوع.و بعبارة أخرى:يكون التّقييد في رتبة الإسناد،لا في الرّتبة السّابقة على‏الإسناد،فانّه لو كان التّقييد قبل الإسناد كان القيد راجعا إلى الموضوع و تكون‏القضيّة مسوقة لفرض وجود الموضوع،بخلاف ما إذا كان التّقييد في رتبة الإسناد،
561
فانّ القيد يكون ح راجعا إلى الحكم و يكون من تقييد جملة بجملة،على ما تقدّم‏تفصيله في باب المفاهيم.و القضيّة الشّرطيّة مثلا بعد ما كانت ظاهرة في كون القيد راجعا إلى‏الحكم،حيث انّ القضيّة الشّرطيّة وضعت لتقييد جملة بجملة-على ما عرفت سابقا-فتكون القضيّة الشّرطيّة بنفسها ظاهرة في كونها ذات مفهوم.و أصالة العموم في‏طرف العامّ لا تصلح ان تكون قرينة على كون القيد راجعا إلى الموضوع،لأنّ العموم‏انّما يستفاد من المقدّمات الحكمة الجارية في مصبّ العموم،و ظهور القضيّة في المفهوم‏يوجب عدم جريان مقدّمات الحكمة في طرف العامّ،فيكون ظهور القضيّة في المفهوم‏حاكما على ظهور العام في العموم،لأن كون القضية ذات مفهوم و ان كان أيضابالإطلاق و مقدمات الحكمة،إلاّ انّ مقدّمات الحكمة الجارية في طرف المفهوم تكون‏بمنزلة القرينة على انّ المراد من العامّ هو الخاصّ.و العامّ لا يصلح لأن يكون قرينةعلى كون القضيّة الشّرطيّة سيقت لفرض وجود الموضوع،لأنّ كون القضيّة مسوقةلفرض وجود الموضوع يحتاج إلى دليل يدلّ عليه،بعد ما لم يكن الشّرط ممّا يتوقّف‏عليه الحكم عقلا،فتأمل جيّدا.هذا إذا كان المفهوم أخصّ مط من العامّ.و امّا إذا كان أعمّ من وجه:فيعامل معهما معاملة العموم من وجه،فربّمايقدّم المفهوم في مورد الاجتماع،و ربّما يقدّم العامّ،فانّ العامّ لا يزيد على الدّليل‏اللّفظي العامّ من حيث كونه قابلا للتّخصيص،و لا تخرج القضيّة عن كونها ذات‏مفهوم عند تقديم العامّ،كما كانت تخرج عن ذلك فيما إذا كان المفهوم أخصّ،بل‏القضيّة بعد تكون ذات مفهوم،غايته انّه مخصّص،و ذلك واضح.
المبحث الثّامن:
انّه لا ينبغي الأشكال في جواز تخصيص العامّ الكتابي بالخاصّ الخبري،ومجرّد كون الكتاب قطعي الصّدور لا يمنع عن ذلك،بعد ما كان التّعارض بين ظهورالكتاب الّذي هو ظنّي و أدلّة التّعبّد بالخبر الواحد،و حكومة أدلّة التّعبد على أصالةالظّهور.و ما ورد من طرح الأخبار المخالفة للكتاب لا يشمل المخالفة بالعموم والخصوص،فانّ ذلك ليس من المخالفة عرفا و ذلك كلّه واضح.
562
المقصد الخامس:في المطلق و المقيّد
و قبل الخوض في المقصود ينبغي تقديم أمور:
الأمر الأوّل:
الإطلاق هو الإرسال،يقال:أطلق الدّابة-أي أرسلها و أرخى عنانها-في‏مقابل تقييدها.و الظّان ان لا يكون للأصوليّين اصطلاح خاصّ في الإطلاق و التّقييدغير ما لهما من المعنى اللّغوي و العرفيّ.كما انّ اختلاف المط من حيث كونه:شموليّاتارة،و بدليا أخرى،انّما هو من ناحية الحكم.و ليس الإطلاق الشّمولي مغايراللإطلاق البدلي،بل الإطلاق في الجميع بمعنى واحد و هو الإرسال،غايته انّ الحكم‏الوارد على النّكرة أو الطّبيعة تارة:يقتضى البدليّة كالنّكرة الواقعة في سياق‏الإثبات و الحكم الوارد على الطّبيعة بلحاظ صرف الوجود،حيث انّ نتيجة البدليّةفي المقام الامتثال و الاكتفاء بفرد واحد.و أخرى:يقتضى الشّمول كالنّكرة أوالطّبيعة الواقعة في حيّز النّفي،أو الطّبيعة الواقعة في حيّز الإثبات بلحاظ مطالوجود،فالبدليّة و الشّموليّة انّما يستفادان من كيفيّة تعلّق الحكم بالنّكرة و الطّبيعةمع كون الإطلاق في الجميع بمعنى واحد.و بذلك يظهر النّظر في تعريف المط:بأنه ما دلّ على شايع في جنسه،فانّ‏التّعريف بذلك ينطبق على الإطلاق المستفاد من النّكرة،و لا ينطبق على الإطلاق‏الشّمولي،و ان أمكن توجيه التّعريف على وجه ينطبق على كلّ من قسمي‏الإطلاق،إلاّ انّه يرد على التّعريف على كلّ حال انّ الظّاهر منه كون الإطلاق والتّقييد من صفات اللّفظ،حيث انّ المراد من الموصول هو اللّفظ مع انّ الظّاهر هوكون الإطلاق و التّقييد من صفات المعنى،كالكليّة و الجزئيّة،و اتّصاف اللّفظ بهما
563
انّما يكون بالتّبع و العرض و المجاز.و الأمر في ذلك سهل بعد وضوح المراد.ثمّ انّ الإطلاق و التقييد كما يردان على المفاهيم الأفراديّة كذلك يردان على‏الجمل التّركيبيّة.و معنى إطلاق الجملة هو إرسالها و عدم تقييدها بما يوجب ظهورهافي خلاف ما تكون ظاهرة فيه لو لا تقييدها بذلك،فانّه قد تكون الجملة التّركيبيّة لوخلّيت و نفسها ظاهرة في معنى،و كان تقييدها موجبا لانقلاب ظهورها كما في‏الجمل الطّلبيّة،فانّ إطلاق الأمر و الطّلب يقتضى النّفسيّة العينيّة التّعيينيّة،والتّقييد يوجب الغيريّة أو التّخييريّة أو الكفائيّة،على اختلاف كيفيّة التّقييد،وكالعقد فانّ إطلاقه يقتضى نقد البلد أو التّسليم و التّسلّم و تقييده يقتضى خلاف‏ذلك.و الفرق بين إطلاق المفاهيم الأفراديّة و الجمل التّركيبيّة،هو انّ إطلاق‏المفاهيم الأفراديّة يقتضى التّوسعة،و تقييدها يقتضى التّضييق.بخلاف إطلاق‏الجمل التّركيبيّة،فانّ إطلاقها يقتضى التّضييق،و تقييدها يقتضى التّوسعة.بل ربّما يكون إطلاق الجملة موجبا لتضييق مفهوم مفرداتها،بحيث لو لم‏تكن المفردات واقعة في ضمن الجملة لكان مفهومها موسعا،إلاّ انّ وقوعها في ضمن‏ذلك يوجب تضييق مفهومها.و هذا كما في كون إطلاق العقد يقتضى نقد البلد،فان الدرهم لو لا وقوعه في ضمن العقد من جعله ثمنا أو مثمنا كان مفهومه عاما يعمّ‏كلّ درهم نقد البلد و غيره،إلاّ انّه لمّا وقع في ضمن العقد اقتضى إطلاقه نقد البلد.و ليس ذلك لأجل انصراف الدّرهم إلى نقد البلد،بل لأجل إطلاق العقد و عدم‏تقييده بالأعمّ من نقد البلد،و إلاّ لكان الإقرار بالدّرهم موجبا للانصراف إلى نقدالبلد،بحيث ليس له التّفسير بغيره،و الظاهر انّه لم يقل به أحد.و على كلّ حال:لا إشكال في انّ الجمل التّركيبيّة تتّصف بالإطلاق والتّقييد،كاتّصاف المفاهيم الأفراديّة بهما.و محلّ الكلام في مبحث المط و المقيّد انّماهو في المفاهيم الأفراديّة،و امّا الجمل التّركيبيّة فليس لها مبحث مخصوص،و ليس‏لإطلاقها ضابط كليّ،بل الجمل التّركيبيّة تختلف حسب اختلاف المقامات.والبحث في باب المفاهيم كلّها يرجع إلى البحث عن إطلاقها و تقييدها،لما تقدّم من‏
564
انّ الضّابط في كون القضيّة ذات مفهوم،هو رجوع الشّرط أو الوصف أو الغاية إلى‏الحكم،فيكون من تقييد الجملة الطّلبيّة.
الأمر الثّاني:
قد عرفت انّ الإطلاق هو بمعنى الإرسال و الشّمول و المراد من الشّمول هوشمول الطّبيعة لما يندرج تحتها و ينطبق عليها انطباق الكلّي على مصاديقه.فالمعاني‏الحرفيّة لا تتّصف بالإطلاق و التّقييد،لأنّ المعاني الحرفيّة و ان قلنا:بأنّ الموضوع له‏فيها عامّ،إلاّ انّ عموم الموضوع له في الحروف يكون بمعنى آخر غير عموم الموضوع له‏في الأسماء،فانّ معنى عموم الموضوع له في الأسماء هو كون المعنى قابل الصّدق على‏كثيرين،و هذا انّما يكون إذا كان تحت ذلك المعنى:أنواع،أو أصناف،أو افراد،يكون ذلك المعنى منطبقا عليها انطباق الطّبيعي على مصاديقه،و هذا يحتاج إلى ان‏يكون للمعنى تقرّر في وعاء العقل و التّصوّر،و المعاني الحرفيّة-على ما حقّقناه في محلّه‏-لا يكون لها تقرّر إلاّ في موطن الاستعمال،و تكون إيجاديّة محضة،فالكليّة في‏الحروف تكون بمعنى آخر،قد تقدّم بيانه عند البحث عن المعاني الحرفيّة.و ذلك‏المعنى غير قابل لورود الإطلاق و التّقييد عليه،و ذلك واضح كوضوح ان الأعلام‏الشخصية لا تتصف بالإطلاق و التقييد بالمعنى المتقدم،و انما يكون إطلاقها باعتبارالطّواري و الحالات،إذ ليس تحت الأعلام افراد قابلة الانطباق عليها.و حينئذ ينبغي خروج الأعلام عن محلّ الكلام،كخروج الجمل‏التّركيبيّة،فانّ محلّ الكلام في المقام انّما هو في الإطلاق القابل لأن يكون جزءمدلول اللّفظ-على ما ينسب إلى المشهور في مقابل مقالة سلطان المحقّقين-على ماسيأتي تحقيقه.و في الأعلام لا يمكن ان يتوهّم دخول الإطلاق باعتبار الطواري‏و الحالات في مدلول اللّفظ،بحيث تكون التّسوية بين القيام و القعود جزء مدلول‏لفظ زيد،فانّ هذا ضروريّ الفساد،لوضوح انّ لفظ زيد موضوع للذّات المشخّصةمع قطع النّظر عن الحالات و الطواري،و إطلاقها لذلك انّما يكون بمقدّمات الحكمة.فالإطلاق المبحوث عنه بين المشهور و سلطان المحقّقين في كونه جزء مدلول اللّفظ أوعدم كونه جزء مدلول اللّفظ،انّما هو في العناوين الكليّة القابلة الصّدق على‏
565
كثيرين،كأسماء الأجناس و ما يلحق بها من العناوين العرضيّة.
الأمر الثّالث:
لا إشكال في انّ التّقابل بين الإطلاق و التّقييد ليس من تقابل السّلب‏و الإيجاب،لأنّ تقابل السّلب و الإيجاب انّما يكون بين الوجود و العدم المحمولين على‏الماهيّات المتصوّرة،لأنّ الماهية المتصوّرة،في العالم امّا ان يحمل عليها الوجود،و امّا ان‏يحمل عليها العدم،و لا يمكن اجتماعهما في الماهيّة و لا ارتفاعهما عنها.و الإطلاق والتّقييد ليسا كذلك،لإمكان ارتفاعهما عن المحلّ الغير القابل لهما،كما في‏الانقسامات اللاحقة للمأمور به بعد ورود الأمر،كقصد التّقرّب،و العلم بالأمر،والإيصال في المقدّمة،فانّه في جميع هذا لا إطلاق و لا تقييد،فإذا امتنع التّقييد بأحدهذه الأمور(كما حقّق في محلّه)امتنع الإطلاق بعين امتناع التّقييد،لأنّ الإطلاق‏ليس إلاّ عبارة عن تساوى وجود ذلك القيد و عدمه،فإذا امتنع لحاظ ذلك القيدامتنع لحاظ التّسوية أيضا و ذلك واضح.فالتّقابل بين الإطلاق و التّقييد لا يمكن ان يكون تقابل السّلب و الإيجاب،فلم يحتمله أحد.فيدور الأمر ح بين ان يكون التّقابل بينهما تقابل العدم و الملكة،أوتقابل التّضادّ.فبناء على ما ينسب إلى المشهور:من انّ الإطلاق جزء مدلول اللّفظ ولا نحتاج في استكشاف الإطلاق إلى مقدّمات الحكمة،يكون الإطلاق ح امراوجوديّا،و يكون التّقابل بينهما تقابل التّضادّ.و بناء على مسلك السّلطان:من انّ‏الإطلاق يستفاد من مقدّمات الحكمة و ليس جزء مدلول اللّفظ،يكون الإطلاق ح‏امرا عدميّا،و يكون التّقابل بينهما تقابل العدم و الملكة.و على كلا المسلكين لا بدّ ان‏يردا على المحلّ القابل لهما،و يمكن ح ارتفاعهما بانتفاء المحلّ القابل،و ان كان في‏المحلّ القابل لا يمكن ان يرتفعا،فلا يمكن ان يكون الإنسان لا أعمى و لا بصيرا،و ان‏كان الجدار مثلا لا أعمى و لا بصيرا،لعدم قابليّة الجدار لذلك.و الحاصل:انّ التّقابل بين القيام و اللاقيام تقابل السّلب و الإيجاب،لأنّ‏القيام هو بنفسه من الماهيّات المتصوّرة مع قطع النّظر عن المحلّ،فهو امّا موجود و امّامعدوم،و قد عرفت:انّ التّقابل بين الوجود و العدم تقابل السّلب و الإيجاب،و
566
التّقابل بين قيام زيد و لا قيامه تقابل العدم و الملكة،فانّ عدم قيام زيد يكون من‏العدم النّعتي،كما انّ قيام زيد يكون من الوجود النّعتي.و التّقابل بين الوجود و العدم النّعتي دائما يكون تقابل العدم و الملكة.و التّقابل بين القيام و القعود تقابل التّضاد،لأن تقابل التضادّ يكون بين‏الوجوديّين.و التّقابل بين الإطلاق و التّقييد يدور امره بين ان يكون من تقابل العدم والملكة،أو من تقابل التضادّ.و سيأتي ما هو الحقّ إن شاء اللّه.
الأمر الرّابع:
في تحرير ما هو محلّ البحث فيما ينسب إلى المشهور و ما ينسب‏ (1) إلى‏السّلطان:من كون الإطلاق يتوقّف على مقدّمات الحكمة كما هو مقالة السّلطان،أوانّه لا يتوقّف كما هو مقالة المشهور.فنقول:انّه لا إشكال في انّ الاختلاف لا يرجع إلى الاختلاف في معنى‏الإطلاق،بحيث يكون الإطلاق عند المشهور غير الإطلاق عند السّلطان،بل ليس‏للإطلاق إلاّ معنى واحد،و هو الإرسال أو تساوى كلّ خصوصيّة مع عدمها،بحيث‏يكون معنى(أعتق رقبة)في قوّة قولنا:(أيّ رقبة)و هذا ممّا لا نزاع فيه و لا إشكال.و انّما النّزاع في انّ هذه التّسوية هل هي جزء مدلول اللّفظ؟أو انّها تستفاد من‏مقدّمات الحكمة؟و الحقّ انّها تستفاد من مقدّمات الحكمة.و لتوضيح ذلك ينبغي‏تمهيد مقدّمة.و هي انّهم قسّموا الماهيّة إلى:الماهيّة لا بشرط،و الماهيّة بشرط لا،و الماهيّةبشرط شي‏ء.و اللابشرط و بشرط لا تستعمل بمعنيين.الأوّل:هو ما يذكرونه في باب الفرق بين الجنس و الفصل و المادّة
1)هذا ما أفاده سلطان المحققين قدس سره في حاشيته على المعالم في ذيل قول صاحب المعالم«فلأنه جمع‏بين الدليلين...»،في مباحث المطلق و المقيد ص 155،«طبعت هذه الحاشية في المعالم المطبوع سنة 1378.المكتبةالعلمية الإسلامية»

567
و الصّورة،و الفرق بين المشتقّ و مبدأ الاشتقاق.و المراد من بشرط لا في هذا الباب‏هو لحاظ الشّي‏ء بشرط لا عمّا يتّحد به،أي لحاظ الجنس بشرط عدم اتّحاده مع‏الصّورة،و كذا لحاظ الصّورة بشرط عدم اتّحادها مع الجنس،و هما بهذا الاعتبارآبيان عن الحمل،و لا يصح حمل أحدهما على الآخر،و لا حملهما على ثالث.و يقابل‏هذا اللّحاظ لحاظ الجنس لا بشرط عمّا يتّحد معه،و كذا الصّورة.و هما بهذا الاعتبارغير آبيين عن الحمل،و يصح حمل أحدهما على الآخر،و حملهما على ثالث.و كذاالكلام في باب المشتقّ و مبدئه،و قد تقدّم تفصيل ذلك في مبحث المشتقّ.و المرادمن بشرط لا و لا بشرط في تقسيم الماهيّة غير هذا المعنى من لا بشرط و بشرط لا،بل‏اللابشرطيّة و البشرط اللائيّة في تقسيم الماهيّة انّما يكون باعتبار الطواري والخصوصيّات اللاحقة للماهيّة.و تفصيل ذلك:هو انّ الماهيّة تارة:تلاحظ بشرط عدم انضمام شي‏ء من‏الخصوصيّات إليها،بل تكون مجرّدة عن كلّ ما عداها من الطواري و الأعراض،و هي بهذا المعنى تكون من الكليّة العقليّة و لا موطن لها إلاّ العقل،و يمتنع صدقها على‏الخارجيّات و حمل شي‏ء من الخارجيّات عليها،بل محمولاتها تكون من المعقولات‏الثّانويّة كقولنا:الإنسان نوع،أو حيوان ناطق،و ما شابه ذلك من المحمولات‏العقليّة،لوضوح انّه لا وجود للماهيّة المجرّدة عن كلّ خصوصيّة،و هذه هي الماهيّةبشرط لا.و أخرى:تلاحظ الماهيّة مقيّدة بخصوصيّة خاصّة:من العلم،و الأيمان،والعدالة،و غير ذلك من الخصوصيّات الخارجيّة اللاحقة للماهيّات،و هذه هي‏الماهيّة بشرط شي‏ء،و هذا ممّا لا إشكال فيه و لا كلام.و انّما الأشكال و الكلام في‏معنى الماهيّة لا بشرط،و الفرق بينها و بين اللابشرط المقسمي،فانّه قد اضطربت‏كلمات الأعلام في ذلك.فمنهم من فسّر اللابشرط القسمي بما يرجع إلى الكلّي‏العقليّ،و جعل اللابشرط المقسمي الكلّي الطّبيعيّ.و منهم من جعل الكليّ‏الطّبيعي اللابشرط القسمي.و ينبغي أوّلا ان يقطع النّظر عمّا قيل في المقام،ويلاحظ انّ المعنى المتصوّر للابشرط في مقابل بشرط لا و بشرط شي‏ء ما هو؟حيث انّ‏
568
البحث في المقام عقليّ و امره راجع إلى ما يتصوّره العقل.فنقول:قد عرفت الاعتبارين للماهيّة،و انّ الماهيّة تارة:تكون مجرّدة عن‏كلّ خصوصيّة،و هي الكلّي العقليّ.و أخرى:تكون منضمة إلى خصوصيّةخاصّة،و هي الماهيّة المشروطة و المقيّدة.و المعنى الثّالث للماهية الّذي يكون في‏مقابل هذا هو الماهيّة المرسلة المطلقة،أي الماهية التي تكون محفوظة في جميع‏الخصوصيات و الطّواري المتقابلة و القدر المشترك الموجود في جميع ذلك،و هو ذات‏الرّقبة مثلا المحفوظة في ضمن الأيمان،و الكفر،و العلم،و الجهل،و الرّوميّة،والزّنجيّة،و غير ذلك من الخصوصيّات و الطواري،فانه لا إشكال في انّ هناك مايكون قدرا مشتركا بين جميع تلك الخصوصيات القابل لحمل كلّ خصوصيّة عليه كمايقال:الرّقبة مؤمنة،و الرّقبة كافرة،و كذا روميّة،أو زنجيّة،و غير ذلك.و هذا المعنى‏هو الّذي يصح ان يجعل مقابلا للمعنيين الآخرين،و يستقيم حينئذ تقابل الأقسام ويتميّز بعضها عن بعض.و منه يتّضح فساد أخذ الإرسال قيدا في معنى اللابشرط القسمي،فانّه‏لا معنى لأخذ الإرسال قيدا،إذ المراد من الإرسال ان كان بمعنى التّجرد يرجع حينئذإلى بشرط لا و لا يكون قسما آخر،و ان كان المراد من الإرسال هو عدم صلاحيةالماهيّة للتّقييد بشي‏ء،فهذا ممّا لا يرجع إلى محصّل.و الحاصل:انّه لا إشكال في انّ التّقسيم لا بدّ ان يكون على وجه لا تتداخل‏فيه الأقسام بعضها مع بعض،فلا بدّ ان يكون لكلّ من الماهيّة بشرط شي‏ء،والماهيّة لا بشرط،و الماهيّة بشرط لا،معنى يختصّ به و لا يرجع إلى الآخر.و قد عرفت‏معنى الماهيّة بشرط لا،و هو بشرط التّجرّد عن جميع الخصوصيّات الخارجيّة،و انّ ذلك‏يكون كليّا عقليّا.و عرفت أيضا معنى الماهيّة بشرط شي‏ء،و هو بشرط الانضمام‏إلى خصوصيّة خاصّة من الخصوصيّات الخارجيّة أو الذّهنيّة،و انّ ذلك هو معنى‏التّقييد و الاشتراط.و بعد ذلك لا بدّ ان يكون للماهيّة لا بشرط معنى لا يرجع إلى‏الماهيّة بشرط لا،و لا إلى الماهيّة بشرط شي‏ء،و إلاّ يلزم تثنية الأقسام لا تثليثها.و المعنى القابل لأن يكون للماهيّة لا بشرط-غير الماهيّة بشرط التّجرّد و غير
569
الماهيّة بشرط عدم التّجرد-هو ما ذكرنا.و ليس المراد من لا بشرط هو اللابشرطيّةعن البشرط اللائيّة و البشرط الشيئيّة،بحيث يكون بشرط لا قسما من لا بشرط،وبشرط شي‏ء قسما آخر،و كان لا بشرط يجتمع مع كلّ منهما،فانّه يكون حينئذ لا بشرطمقسما لهما لا قسيما،و المفروض انّ الماهيّة لا بشرط القسمي قسيم للماهيّة بشرط لا وللماهيّة بشرط شي‏ء لا انّها مقسم لهما بحيث صحّ اجتماعه مع كلّ منهما،فانّ هذامن شأن اللابشرط المقسمي،لا اللابشرط القسمي.فلا بدّ ان يكون للابشرطالقسمي معنى لا يجامع بشرط لا و لا بشرط شي‏ء.و حاصل ذلك المعنى:هو الماهيّة المرسلة السّارية في جميع الخصوصيّات والطّواري المجامعة لها لا على نحو يكون الإرسال قيدا لها،حتى يقال:انّ ذلك يرجع إلى‏بشرط لا أو بشرط شي‏ء-كما قيل-فانّ ذلك ضروريّ البطلان،فانّ المراد من‏الماهيّة المرسلة،هو نفس الماهيّة و ذات المرسل السّاري في جميع الأفراد و المحفوظمع كلّ خصوصيّة و الموجود مع كلّ طور.و ليس الفرق بين هذا المعنى من اللابشرط القسمي و اللابشرط المقسمي‏اعتباريّا-كما قيل-فانّه لا معنى لكون الفرق بينهما اعتباريّا مع كون بشرط لا وبشرط شي‏ء من أقسام اللابشرط المقسمي و هما يضادّان اللابشرط القسمي،بل‏الفرق بين اللابشرط القسمي و اللابشرط المقسمي لا بدّ ان يكون واقعيّا ثبوتيّالا اعتباريّا لحاظيّا،فانّ المراد من المقسم،هو نفس الماهيّة و ذاتها من حيث هي،على وجه تكون الحيثيّة مرآتا للذّات،فتأمل-فانّه قد يقال:انّ الماهيّة من حيث هي‏ليست إلاّ هي لا موجودة و لا معدومة و لا يصح حمل شي‏ء عليها،و المقسم لا بدّ و ان‏يكون قابلا لحمل الأقسام عليه،فلا يصح ان يقال:المقسم الماهيّة من حيث هي‏هي.و على كلّ حال:اللابشرط المقسمي هو ما يكون مقسما لكلّ من:لا بشرط،و بشرط لا،و بشرط شي‏ء.و هذا غير اللابشرط القسمي الّذي يكون مضادّا و قسيمالبشرط لا و بشرط شي‏ء.و قد عرفت:انّ إرجاع اللابشرط القسمي إلى بشرط لا أوبشرط شي‏ء ممّا لا يمكن،لما عرفت:من انّ الشرط لا يرجع إلى الكلّي العقليّ،و
570
الكلّي العقليّ قسم واحد.و من الغريب:ما صدر عن بعض المحقّقين في المقام،حيث أشكل على‏المشهور القائلين:بأنّ الإطلاق و الإرسال جزء مدلول اللّفظ و لا يحتاج إلى مقدّمات‏الحكمة،بأنه يلزم ان يكون الإطلاق ح كليّا عقليّا و يمتنع صدقه على الخارجيّات،فلا يصح ان يتعلّق طلب بالمطلق حيث لا يمكن امتثاله.و الّذي أوجب الوقوع في هذاالوهم،هو أخذ الإرسال قيدا للماهيّة،فارجع اللابشرط القسميّ إلى الكلّي‏العقليّ.و حيث انّ المشهور ذهبوا إلى انّ الألفاظ موضوعة للابشرط القسمي،فأشكل عليهم انّ المط يكون ح من الكليّات العقليّة و انّه يرجع إلى الماهيّة بشرطلا.و هذا الأشكال و الكلام بمكان من الغرابة،لوضوح انّ الإطلاق ليس له‏حقيقتان،بل الإطلاق على ما عرفت:هو عبارة عن تساوى الخصوصيّات.و قولنامثلا(أعتق رقبة)بمنزلة قولنا(أيّ رقبة)غايته انّ المشهور ذهبوا إلى انّ هذه التّسويةجزء مدلول اللّفظ،و سلطان المحقّقين و من تبعه ذهبوا إلى انّ هذه التّسوية تستفادمن مقدّمات الحكمة.فهل يمكن ان يقال:انّ الإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمةيكون كليّا عقليّا؟أو هل يمكن ان يقال:انّ الإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمةغير الإطلاق الّذي يكون جزء مدلول اللّفظ؟مع انّه ليس للإطلاق إلاّ حقيقة واحدةو معنى فارد.فدعوى:انّ الإطلاق الّذي يقول به المشهور هو الماهيّة المقيّدة بالإرسال ويرجع إلى الماهيّة بشرط لا و يكون من الكلّي العقليّ،ممّا لا محصّل لها.بل الإطلاق‏الّذي يقول به المشهور،هو الماهيّة المرسلة أي ذات المرسل الموجود في ضمن جميع‏الخصوصيّات و المحفوظ عند جميع الطّواري،و هو معنى اللابشرط القسمي في مقابل‏بشرط لا،و بشرط شي‏ء.و تكون أسماء الأجناس عند المشهور موضوعة للماهيّةاللابشرط القسمي و عند السّلطان موضوعة للماهيّة اللابشرط المقسمي المحفوظة مع‏بشرط لا و بشرط شي‏ء،و لا بشرط.و ليست التّسوية و الإرسال داخلة في معاني‏أسماء الأجناس،و انّما تستفاد التّسوية من مقدّمات الحكمة،و يكون المراد من اللّفظ
571
هو اللابشرط القسميّ،لكن ببركة مقدّمات الحكمة.و إلاّ فنفس اللّفظ لا يدلّ إلاّعلى الماهيّة المهملة التي تكون مقسما للكلّي العقلي و غيره.فتحصل من جميع ما ذكرنا:انّ الأشكال على المشهور بأنّ الإطلاق لو كان مستفادا من اللّفظ يلزم ان‏تكون المطلقات من الكليّات العقليّة،ممّا لا وجه له.كما انّ إرجاع اللابشرطالقسمي إلى بشرط لا أو بشرط شي‏ء،ممّا لا وجه له.كما انّ جعل الفرق بين‏اللابشرط المقسمي و اللابشرط القسمي بالاعتبار،ممّا لا وجه له،فانّ كل ذلك‏ممّا لا يمكن التّصديق به.نعم:هنا امر آخر وقع محلّ الكلام بين الأعلام،و هو انّ الكلّي الطّبيعي‏الّذي وقع محلّ الكلام في وجوده و انتزاعيته،هل هو مفاد اللابشرط المقسمي أواللابشرط القسمي؟ذهب المحقّق السّبزواري في منظومته إلى انّ الكلي الطّبيعي هو اللابشرطالمقسمي‏1.و ذهب آخرون إلى انّه هو اللابشرط القسميّ.و على كلا التّقديرين‏فهو كلام آخر لا دخل له بما نحن فيه من كون اللابشرط القسمي غير اللابشرطالمقسمي حقيقة،و غير بشرط لا و بشرط شي‏ء.و ان كان الحقّ في ذلك المقام هوكون الكلي الطّبيعي عبارة عن اللابشرط القسمي،و لا يمكن جعله من اللابشرطالمقسمي،و ذلك لأن الكلي الطبيعي عبارة عن حقيقة الشّي‏ء الّذي يقال في جواب‏ما هو و الجامع بين جميع المتّفقة الحقيقة من الأفراد الخارجيّة الفعليّة و ما يفرض‏وجودها.و الماهيّة بشرط لا-عبارة عن الماهيّة المجرّدة عن كلّ خصوصيّة حتّى‏خصوصيّة وجودها الذّهني،و ليست الماهيّة بشرط لا من افراد الحقيقة،بل ليست‏هي الا عبارة عن المفهوم و المدرك العقلاني،و ليست هي الفرد العقلاني المجرّد عن‏1قال المحقق السبزواري في منظومته‏
كلي الطبيعي هي الماهية

وجوده وجودها شخصيّة*إذ ليس بالكلية مرهونا

بكل الأطوار بدا مقرونا

(منظومة السبزواري،قسم المنطق ص 22-21)
572
المادّة،فانّ الفرد العقلاني هو من افراد الحقيقة،كما يقال:انّ لكلّ حقيقة فردين:فردا خارجيّا ماديا،و فردا مجرّدا عقلانيّا،و هو المسمّى(بربّ النّوع و المثل‏الأفلاطونيّة)و امّا الماهيّة بشرط لا فليست هي الفرد العقلاني،بل هي كما عرفت‏من الكليّات العقليّة و ليست إلاّ عبارة عن المفهوم،و المفهوم غير المصداق.فلو كان الكلّي الطّبيعي هو اللابشرط المقسمي يلزم ان تكون الماهيّةبشرط لا من افراد الحقيقة،لما عرفت من انّ الكلّي الطّبيعيّ عبارة عن الحقيقةالجامعة بين الأفراد.و ليس الإنسان بشرط لا مثلا من افراد حقيقة الإنسان حتى‏يقال:انّ المقسم هي الحقيقة،و افرادها:الماهيّة بشرط لا،و بشرط شي‏ء،ولا بشرط،فلا بدّ ان يكون الكلّي الطّبيعي هو اللابشرط القسمي الّذي يكون تمام‏حقيقة الأفراد الخارجيّة.و على كلّ حال:فهذا بحث آخر لا يرتبط بما نحن فيه.و إذ قد عرفت ما ذكرناه فاعلم:انّ الحقّ هو كون أسماء الأجناس موضوعةبإزاء اللابشرط المقسمي كما هو مقالة السّلطان،و ليست موضوعة بإزاء اللابشرطالقسمي كما هو مقالة المشهور.و ذلك:لوضوح انّ استعمال الإنسان في الماهيّةبشرط لا،كقولنا(الإنسان نوع)و في الماهيّة بشرط شي‏ء و الماهيّة لا بشرط كقولنا(الإنسان ضاحك)يكون بوزان واحد و على نهج فارد بلا تصرّف و عناية.و لو كان‏الإنسان موضوعا للابشرط القسميّ لكان استعماله في الماهيّة بشرط لا على نحوالتّجوز و العناية.و ممّا يقطع به انّه ليس للإنسان وضعان:وضع يكون باعتبار مايحمل عليه من المقولات الثّانويّة و يكون من الماهيّة بشرط لا،و وضع يكون باعتبارما يحمل عليه من الخارجيّات.و يقطع أيضا انّه ليس استعمال الإنسان في أحدهماعلى نحو الحقيقة و في الآخر على المجاز،فلا بدّ ان يكون موضوعا للجامع بينهما،وليس ذلك الا اللابشرط المقسمي،و هو الماهيّة المبهمة المهملة القابلة للانقسامات و حينئذفنفس اللّفظ لا دلالة له على شي‏ء من الأقسام،و استفادة كلّ واحد من الأقسام‏يحتاج إلى امر آخر وراء مدلول اللّفظ.و استفادة انّ المراد هو الماهيّة بشرط لا أو أحدالقسمين الآخرين انّما يكون من عقد الحمل،فانّ المحمول ان كان من المعقولات‏الثّانويّة فلا بدّ ان يكون المراد من الموضوع هو الماهيّة بشرط لا،و ان كان من‏
573
الخارجيّات-كالعتق و الإكرام و الأكل و الضّرب-فلا بدّ ان يكون المراد من‏الموضوع هو الماهيّة لا بشرط،أو بشرط شي‏ء.و الأمر الّذي يستفاد منه انّ المراد من الموضوع هو اللابشرط القسمي الّذي‏يكون هو معنى الإطلاق هو المعبّر عنه بمقدّمات الحكمة.فمقدّمات الحكمة انّما نحتاج‏إليها لاستفادة انّ المراد من اللّفظ الموضوع للماهيّة المبهمة هو الماهيّة المرسلة التي‏يتساوى فيها كلّ خصوصيّة و نقيضها.و في أسماء الأجناس نحتاج إلى إعمال مقدّمات الحكمة في موردين،باعتباركلّ من التّقييد الأنواعي و التقييد الأفرادي.بخلاف الألفاظ الموضوعة للعموم،فانّه نحتاج فيها إلى مقدّمات الحكمة في ناحية المصبّ باعتبار التّخصيص الأنواعي‏فقط،و امّا باعتبار الأفرادي فنفس العامّ يتكفّل ذلك بلا حاجة إلى مقدّمات‏الحكمة.كما انّ في المطلقات نحتاج إلى إحراز كون المتكلّم في مقام البيان من‏الخارج و لو بمعونة الأصل العقلائي،كما سيأتي إن شاء اللّه،و في العموم نفس أدلّةالعموم تقتضي كون المتكلّم في مقام البيان.فالفرق بين العام الأصولي و المطيكون من جهتين.و على كلّ حال،انّ مقدّمات الحكمة مركّبة من عدّة أمور:الأوّل:ان يكون الموضوع ممّا يمكن فيه الإطلاق و التّقييد و قابلا لهما،و ذلك‏بالنّسبة إلى الانقسامات السّابقة على ورود الحكم.و امّا الانقسامات اللاحقة-كقصد القربة و اعتبار العلم و الجهل بالحكم-فهي ما لا يمكن فيها الإطلاق والتّقييد،فلا مجال فيها للتّمسك بالإطلاق،و في الحقيقة هذا خارج عن مقدّمات‏الحكمة،بل هذا الأمر يكون محقّقا لموضوع الإطلاق و التّقييد.الثّاني:كون المتكلّم في مقام البيان،لا في مقام الإجمال.و ان لا يكون الإطلاق‏تطفليا،بحيث يكون الكلام مسوقا لبيان حكم آخر،كما في قوله تعالى: (1) «فكلوا
1)المائدة،4

574
ممّا أمسكن عليكم»فانّ الكلام مسوق لبيان حليّة ما يصطاده الكلب المعلّم،وليس إطلاق«كلوا»واردا لطهارة موضع عضّه أو نجاسته،فهو في الحقيقة من هذه‏الجهة يكون مجملا ليس في مقام البيان.و اعتبار هذا الأمر في صحّة التّمسك‏بالمطلقات ممّا لا شبهة فيه.و لا شبهة أيضا في عدم استفادة الإطلاق من الأدلّةالواردة في بيان أصل تشريع الأحكام،كقوله تعالى:أقيموا الصّلاة،و آتوا الزكاة،و أمثال ذلك،فانّ ورود ذلك في مقام التّشريع يكون قرينة على انّ المتكلّم ليس في‏مقام البيان،كما انّ الإطلاق التّطفّلي المسوق لبيان شي‏ء آخر يكون كذلك،أي‏يكون قرينة على انّه ليس المتكلّم في مقام البيان.و امّا فيما عدا هذين الموردين و فرض الكلام خاليا عن قرينة كون المتكلّم‏ليس في مقام البيان،فالأصل العقلائي يقتضى كون المتكلّم في مقام البيان لو فرض‏الشّكّ في ذلك.و على ذلك يبتنى جواز التّعويل على المطلقات من أوّل كتاب‏الطّهارة إلى آخر كتاب الدّيات،فانّه لا طريق لنا إلى إحراز كون المتكلّم في مقام‏البيان الا من جهة الأصل العقلائي،لمكان انّ الظّاهر من حال كلّ متكلّم هو كونه‏في مقام بيان مراده،و كونه في مقام الإهمال و الإجمال يحتاج إلى إحراز ذلك،و إلاّفطبع الكلام و المتكلم يقتضى ان يكون في مقام البيان،و ذلك واضح.الثالث:عدم ذكر القيد:من المتّصل و المنفصل،لأنّه مع ذكر القيد لا يمكن ان‏يكون للكلام إطلاق،و ذلك أيضا واضح.فإذا تمّت هذه الأمور الثّلاثة،فلا محالة يستفاد من الكلام الإطلاق،ولا يحتاج في استفادة الإطلاق إلى شي‏ء آخر وراء هذه الأمور الثّلاثة.نعم:ذكر في الكفاية (1) امرا رابعا،و هو عدم وجود القدر المتيقّن في مقام‏التّخاطب.و المراد من وجود القدر المتيقّن في مقام التّخاطب،هو ثبوت القدر المتيقّن‏بحسب دلالة اللّفظ و ظهوره،لا بحسب الحكم و واقع الإرادة،فانّ ثبوت المتيقّن بحسب‏
1)كفاية الأصول،الجلد الأول صلى اللَّه عليه و آله 384«ثالثتها انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب.»

575
واقع الإرادة ممّا لا يتوهّم دخله في صحّة التّعويل على المطلقات،و انّما الّذي يمكن دخله‏في ذلك هو عدم وجود المتيقّن في مقام التّخاطب و مرحلة دلالة اللّفظ و ظهوره.و الإنصاف:انّ وجود المتيقّن في هذه المرحلة أيضا ممّا لا دخل له بالمقام،إلاّإذا رجع إلى انصراف اللّفظ إلى القدر المتيقّن،أو انصراف اللّفظ عمّا عداه،على‏اختلاف في كيفيّة الانصراف.و امّا مع عدم رجوعه إلى الانصراف فهو ممّا لا عبرة به،كان هناك قدر متيقّن في مقام التّخاطب أو لم يكن،فانّه على أيّ حال يصح التّعويل‏على المطلق من غير فرق بين ان نقول:انّ المراد من كون المتكلّم في مقام البيان،كونه في‏مقام بيان كلّ ما له دخل في متعلّق حكمه و موضوعه النّفس الأمري-كما هو الحقّ و المختار-أو كونه في مقام بيان ما له دخل في ضرب القاعدة و القانون،كما هو مسلكه(قده)من‏انّ المطلقات انّما وردت لضرب القاعدة و القانون لا لبيان المراد النّفس الأمري،فانّه‏على كلّ تقدير يكون وجود القدر المتيقّن في مقام التّخاطب لا أثر له،لأنّه لو كان المرادالنّفس الأمري أو القانوني هو القدر المتيقّن في مقام التّخاطب لا خلّ ببيانه و ما بيّنه،وليس وجود المتيقّن بيانا و لا يصلح للبيانيّة،فانّ من أوضح مصاديق القدر المتيقن في مقام‏التّخاطب هو ورود العامّ و المط في مورد خاصّ كقوله عليه السلام: (1) خلق اللّه الماءطهورا-في مورد السّؤال عن ماء بئر بضاعة،فانّ المورد هو المتيقّن المراد من اللّفظ المطمع انّه لا يخصّص المط بالمورد،و لا قال به أحد و لا هو(قده)قال به.فمن ذلك يظهر:انّ وجود القدر المتيقّن في مقام التّخاطب ممّا لا أثر له،ولا يصلح لهدم الإطلاق،بل حاله حال وجود المتيقّن في الحكم و المراد النّفس‏الأمري الّذي اعترف(قده)بأنه ممّا لا أثر له.نعم:لو كان تأسيس مقدّمات الحكمة لأجل خروج الكلام عن اللّغويّةو عدم بقاء المخاطب في حيرة بحيث لا يفهم من الكلام شيئا،لكان لثبوت القدرالمتيقّن دخل في ذلك،لأنّ وجود المتيقّن في البين يوجب خروج الكلام عن اللّغويّةو انّ المخاطب يفهم عن الكلام ذلك،إلاّ انّ تأسيس مقدّمات الحكمة ليس لأجل‏
1)المستدرك،الجلد 1 الباب 13 من أبواب الماء المطلق.الحديث 4 ص 28

576
ذلك،بل لأجل استخراج ما هو الموضوع النّفسي الأمري،أو لأجل استخراج مااراده المتكلّم من اللّفظ بالإرادة الاستعماليّة من باب ضرب القاعدة و القانون،على‏ما اختاره(قده).و ثبوت القدر المتيقّن في مقام التّخاطب لا دخل له في ذلك،لأنّه‏لا يكون بيانا و لا يصلح للبيانيّة،إلاّ إذا رجع القدر المتيقّن إلى حد الانصراف،سواءكان من الانصراف إليه،ليكون بمنزلة القيد المذكور في الكلام و يكون المتكلّم كأنّه‏بيّن القيد في اللّفظ.أو كان من الانصراف عنه،بحيث يكون اللّفظ منصرفا عمّاعدى القدر المتيقّن و ان لم ينصرف إليه بخصوصه،فيكون القدر المتيقّن ح ممّايصلح للبيانيّة و ان لم يكن مقطوع البيانيّة كما في القسم الأوّل.و لكن مجرّد وجودالقدر المتيقّن في مقام التّخاطب لا يصلح لأن يكون بيانا و لا لأن يكون ممّا يصلح‏للبيانيّة،و إلاّ لكان المورد أولى بذلك،لأنّه أوضح مصاديق القدر المتيقّن،مع انّه قدعرفت عدم الالتزام به.فتحصّل:انّ الإطلاق يتوقّف على امرين لا ثالث لهما.الأوّل:كون‏المتكلّم في مقام البيان.الثّاني:عدم ذكر القيد متّصلا كان أو منفصلا،فانّ من ذلك‏يستكشف انّا عدم دخل الخصوصيّة في متعلّق حكمه النّفس الأمري،قضيّة تطابق‏عالم الثبوت لعالم الإثبات‏
الأمر الخامس:
بعد ما عرفت انّ أسماء الأجناس موضوعة للاّبشرط المقسمي،ظهر لك:انّ التّقييد لا يوجب المجازيّة،كما عليه المحقّقون من المتأخّرين،فانّ اللّفظ لم يستعمل‏ح إلاّ في معناه،و الخصوصيّة انّما تستفاد من دالّ آخر.نعم:المجازيّة انّما تلزم بناء على مقالة المشهور:من كون الألفاظ موضوعةللابشرط القسمي و انّ الإطلاق يستفاد من نفس اللّفظ بحسب وضعه،فالتقييديوجب استعمال اللّفظ في خلاف معناه،لأنّ التّقييد يضادّ الإطلاق من غير فرق‏بين التّقييد المتّصل أو المنفصل،فانّ التّقييد لا محالة يوجب انسلاخ اللّفظ عن‏الخصوصيّة المأخوذة فيه التي هي الإطلاق و تساوى كلّ خصوصيّة و نقيضها،ولا يمكن بقاء تلك الخصوصيّة مع التّقييد متّصلا كان أو منفصلا،فالتّقييد بناء على‏
577
مسلك المشهور لا محالة يوجب المجازيّة.كما انّه بناء على ما هو الحقّ:من وضع الألفاظللابشرط المقسمي لا يوجب المجازيّة مط،متّصلا أو منفصلا.فالقول بالتّفصيل بين‏المتّصل و المنفصل-بعدم استلزام التّقييد للمجازيّة في الأوّل و استلزامه في الثّاني-ممّا لا وجه له على كلّ حال،و ذلك واضح،إلاّ انّ الشأن في صحّة أخذ الإطلاق‏مدلولا لفظيّا.إذا عرفت هذه الأمورفاعلم:انّ الكلام يقع ح في حمل المط على المقيّد،و البحث عن ذلك يقع‏من جهات:
الجهة الأولى:
انّه إذا ورد مط و مقيّد متنافيان،فلا بدّ من الجمع بينهما بحمل الأمر في المطعلى المقيّد،لا بحمل الأمر في المقيّد على الاستحباب و كونه أفضل الأفراد،و لا بكونه‏من قبيل الواجب في واجب مط،من غير فرق بين كون ظهور الأمر في المط في‏الإطلاق أقوى من ظهور الأمر في المقيّد في التّقييد،أو أضعف،فانّه على كلّ حال‏لا بدّ من حمل المطلق على المقيّد من غير ملاحظة أقوى الظّهورين.و ذلك لأنّ الأمر في‏المقيد يكون بمنزلة القرينة على ما هو المراد من الأمر في المط،و الأصل الجاري في‏ناحية القرينة يكون حاكما على الأصل الجاري في ذي القرينة.امّا كونه بمنزلة القرينة،فلأنّه و ان لم يتحصّل لنا بعد ضابط كليّ في المائزبين القرينة و ذيها،إلاّ انّ ملحقات الكلام:من الصّفة،و الحال،و التّميز،بل‏المفاعيل،تكون غالبا بل دائما قرينة على أركان الكلام:من المبتداء و الخبر و الفعل والفاعل.نعم:في خصوص المفعول به مع الفعل قد يتردّد الأمر بينهما في انّ أيّا منهماقرينة و الآخر ذو القرينة،كما في قوله:لا تنقض اليقين بالشّك،فانّه كما يمكن ان‏يكون عموم اليقين-في تعلّقه بما له من اقتضاء البقاء و عدمه-قرينة على ما أريد من‏النّقض الّذي لا بدّ من تعلّقه بما له اقتضاء البقاء،كذلك يمكن العكس.و من هناوقع الكلام في اعتبار الاستصحاب عند الشّك في المقتضى.و كذا في(لا تضرب‏
578
أحدا)فانّه يمكن ان يكون عموم الأحد للأحياء و الأموات قرينة على انّ المراد من‏الضّرب الأعمّ من المؤلم و غيره،و يمكن العكس.و بالجملة:لا يمكن دعوى الكليّة في باب الفعل و الفاعل و المفعول به،بل‏قد يكون الفعل قرينة على المفعول به،و قد يكون المفعول به قرينة على الفعل،إلاّ انّه‏فيما عدى ذلك من المتمّمات و ملحقات الكلام كلّها تكون قرينة على ما أريد من‏أركان الكلام.و إذا عرفت ذلك فنقول:انّ الأصل الجاري في القرينة يكون حاكما على‏الأصل الجاري في ذيها من غير ملاحظة أقوى الظّهورين،كما هو الشّأن في كلّ‏حاكم و محكوم.و من هنا كان ظهور(يرمي)في رمي النّبل مقدّما على ظهور(أسد)في الحيوان المفترس،و ان كان ظهور الأوّل بالإطلاق و الثّاني بالوضع و الظّهورالمستند إلى الوضع أقوى من الظّهور المستند إلى الإطلاق.و السّر في ذلك:هو انّ أصالة الظّهور في(يرمي)تكون حاكمة على أصالةالحقيقة في(أسد)،لأنّ الشك في المراد من(الأسد)يكون مسبّبا عن الشّك في‏المراد من(يرمي)،و ظهور(يرمي)في رمي النّبل يكون رافعا لظهور(الأسد)في‏الحيوان المفترس.فلا يبقى للأسد ظهور في الحيوان المفترس حتى يدلّ بلازمه على انّ‏المراد من(يرمي)رمي التّراب،فانّ الدّلالة على اللازم فرع الدّلالة على الملزوم،وظهور(يرمي)في رمي النّبل يرفع دلالة الملزوم.و بذلك يندفع ما ربّما يقال:انّ مثبتات الأصول اللّفظيّة حجّة،فكما انّ‏أصالة الظّهور في(يرمي)تقتضي ان يكون المراد من الأسد هو الرّجل الشّجاع،كذلك أصالة الحقيقة في الأسد تقتضي ان يكون المراد من(يرمي)رمي التّراب،لأنّ لازم أصالة الحقيقة هو ذلك.توضيح الدّفع:هو انّ(يرمي)بمدلوله الأوّلي يقتضى ان يكون المراد من‏الأسد هو الرّجل الشّجاع،لأنّ(يرمي)عبارة عن رامي النّبل و ذلك عبارة أخرى‏عن الرّجل الشّجاع.و هذا بخلاف أسد،فانّه بمدلوله الأولى غير متعرّض لحال‏(يرمي)و انّ المراد منه رمي التّراب،بل مدلول الأولى ليس إلاّ الحيوان المفترس.
579
نعم:لازم ذلك هو ان يكون المراد من(يرمي)رمي التّراب،و دلالته على لازمه فرع‏دلالته على مدلوله و بقاء ظهوره فيه،و ظهور(يرمي)يكون مصادما لظهور(أسد)في‏الحيوان المفترس و هادما له،فلا يبقى له ظهور في الحيوان المفترس حتّى يدلّ على‏لازمه و ذلك واضح.و إذ عرفت ذلك،ظهر لك:انّ المقيّد يكون بمنزلة القرينة بالنّسبة إلى‏المطلق،لأنّ القيد لا يخلو:امّا من ان يكون وصفا،أو حالا،أو غير ذلك من‏ملحقات الكلام،و قد تقدّم انّ ملحقات الكلام كلّها تكون قرينة،و أصالة الظّهورفي المقيّد تكون حاكمة على أصالة الظّهور في المط حتى لو فرض انّ ظهور المطلق في‏الإطلاق أقوى من ظهور المقيّد في التّقييد،فلا يبقى للمطلق ظهور في الإطلاق حتّى‏يحمل الأمر في المقيّد على الاستحباب،أو واجب في واجب.هذا إذا كان القيدمتّصلا.و امّا إذا كان منفصلا،كما لو قال:أعتق رقبة،و قال أيضا:أعتق رقبةمؤمنة،فتميز انّ المنفصل يكون قرينة أو معارضا،هو ان يفرض متّصلا و انّه في‏كلام واحد،فان ناقض صدر الكلام ذيله يكون معارضا،و ان لم يكن مناقضايكون قرينة.ففي المثال لا بدّ من فرض المؤمنة متّصلة بقوله:(أعتق رقبة)الوارد أوّلا،إذ الّذي يوهم المعارضة هو قيد المؤمنة،و إلاّ فالدّليلان يشتركان في وجوب عتق‏الرّقبة،فالّذي لا بدّ من فرضه متّصلا هو قيد المؤمنة،و معلوم:انّ التّقييد بالمؤمنةتكون قرينة على المراد من المطلق.فلا فرق بين المتّصل و المنفصل سوى انّ المتّصل‏يوجب عدم انعقاد الظّهور للمطلق،و في المنفصل ينعقد الظّهور إلاّ انّه يهدم حجّيّته.و لعلّه يأتي لذلك مزيد توضيح إن شاء اللّه.
الجهة الثّانية:
قد عرفت:انّ مورد حمل المطلق على المقيّد انّما هو في صورة التّنافي،والتّنافي لا يكون إلاّ بوحدة التّكليف،و وحدة التّكليف تارة:يعلم بها من الخارج‏فهذا ممّا لا إشكال فيه.و أخرى:تستفاد وحدة التّكليف من نفس الخطابين.و تفصيل ذلك:هو انّه امّا ان يذكر السّبب لكلّ من المطلق و المقيّد،و امّا
580
ان لا يذكر السّبب في كلّ منهما،و امّا ان يذكر السّبب في أحدهما دون الآخر.وصورة ذكر السّبب في كلّ منهما،امّا ان يتّحد السّبب،و امّا ان يختلف،فهذه صورأربع لا خامس لها.
الصورة الأولى:
ما إذا ذكر السّبب في كلّ منهما مع اختلافه،كما إذا ورد:ان ظاهرت فأعتق رقبة،و ان أفطرت فأعتق رقبة مؤمنة،فهذا لا إشكال فيه في عدم‏حمل المطلق على المقيّد،لعدم التّنافي بينهما،و ذلك واضح.
الصّورة الثّانية:
ما إذا اتّحد السّبب كما لو قال:ان ظاهرت فأعتق رقبة،و ان ظاهرت‏فأعتق رقبة مؤمنة،و في هذه الصّورة أيضا لا إشكال في حمل المط على المقيّد،لأنّه من‏نفس وحدة السّبب يستفاد وحدة التّكليف،فيتحقّق التنافي بينهما.
الصّورة الثّالثة:
ما إذا ذكر السّبب في أحدهما دون الآخر،كما لو قال:أعتق رقبة-بلا ذكرالسّبب،و قال أيضا:ان ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة،أو بالعكس،بان ذكر السّبب‏في المط دون المقيّد،و في هذه الصّورة يشكل حمل المط على المقيّد،لأنّه لا يتحقّق هناإطلاقان و مقيّدان:أحدهما في ناحية الواجب و هو عتق الرّقبة مط و عتق الرّقبةالمؤمنة،و ثانيهما في ناحية الوجوب و التّكليف و هو وجوب العتق غير مقيّد بسبب ووجوب العتق مقيّدا بسبب خاصّ من الظّهار في المثال المذكور.و تقييد كلّ من‏الإطلاقين يتوقّف على تقييد الإطلاق الأخر،فيلزم الدّور.بيان ذلك:هو انّه قد عرفت انّ حمل المط على المقيّد يتوقّف على وحدةالتّكليف،و في المثال تقييد أحد الوجوبين بصورة تحقّق سبب الآخر يتوقّف على‏وحدة المتعلّق،إذ عند اختلاف متعلّق التّكليف لا موجب لحمل أحد التّكليفين على‏الآخر،كما لو ورد تكليف مطلق متعلّق بشي‏ء،و ورد تكليف مقيّد متعلّق بشي‏ءآخر.و وحدة المتعلّق في المقام يتوقّف على حمل أحد التكليفين على الآخر،إذ لو لم‏يحمل أحد التكليفين على الآخر و لم يقيّد وجوب العتق المطلق بخصوص صورة الظّهار
581
لم يتحقّق وحدة المتعلّق،لأنّ أحد المتعلّقين هو عتق الرّقبة المطلقة،و متعلّق الآخر هوعتق الرقبة المؤمنة،فيتوقّف حمل أحد المتعلّقين على الآخر على حمل أحد التّكليفين‏على الآخر،و يتوقّف حمل أحد التّكليفين على الآخر على حمل أحد المتعلّقين على‏الآخر،فيلزم الدّور من حمل المط على المقيّد في هذه الصّورة،و الظاهر انّه لا دافع له،فتأمل.
الصّورة الرّابعة:
ما إذا لم يذكر السّبب في أحدهما و كان كلّ منهما مط بالنّسبة إلى ذكرالسّبب،و في هذه الصّورة لا بدّ من حمل المط على المقيّد إذا كان المطلوب في كلّ منهماصرف الوجود لا مط الوجود،و لا يتوقّف الحمل في هذه الصّورة على العلم بوحدةالتّكليف من الخارج،بل نفس كون المطلوب فيهما صرف الوجود مع كون التّكليف‏إلزاميّا يقتضى حمل المط على المقيّد.و ذلك لأنّ قوله:أعتق رقبة مؤمنة-يقتضى‏إيجاد صرف وجود عتق الرّقبة المؤمنة،و مقتضى كون الحكم إلزاميّا هو انّه لا بدّ من‏إيجاد عتق الرّقبة المؤمنة و عدم الرّضا بعتق الرّقبة الكافرة،و المفروض انّ المطلوب‏في المطلق أيضا صرف الوجود،و مقتضى كون المطلوب صرف وجود العتق و إيجاب‏عتق الرّقبة المؤمنة هو وحدة التّكليف و كون المطلوب هو المقيّد ليس إلاّ.و من هنايظهر:انّ الرّكن في حمل المط على المقيّد،هو كون الحكم إلزاميّا،و لا يجري في‏التّكاليف المستحبّة،و سيأتي لذلك مزيد توضيح إن شاء اللّه تعالى.
الجهة الثّالثة:
الكلام في حمل المط على المقيّد،هو فيما إذا لم يكن دليل المقيّد واردا لبيان‏المانعيّة،و الجزئيّة،و الشّرطيّة،بان يكون امرا أو نهيا غيريّا،فانّه لو كان كذلك‏فلا إشكال في حمل المط على المقيد،و ذلك واضح.فالكلام في المقام انّما هو فيما إذاكان امر المقيّد أو نهيه نفسيّا.ثمّ انّ المطلوب في المط و المقيّد امّا ان يكون صرف الوجود،و امّا ان يكون‏مط الوجود.فان كان المطلوب مطلق الوجود فلا موجب لحمل المطلق على المقيّد،إلاّإذا اقتضاه خصوص المقام،من غير فرق بين ان يكون ذلك في التّكاليف أو
582
في الوضعيّات،و بين ان يكون التّكليف امرا أو نهيا،و بين ان يكون إلزاميّا أواستحبابيّا،فانّه لا منافاة بين المطلق و المقيّد.نعم:ذكر المقيّد عقيب المطلق لا بدّان يكون لخصوصيّة و لو كانت تلك الخصوصيّة شدّة الاهتمام بالمقيّد،إلاّ انّ ذلك‏لا يوجب الحمل،فلا منافاة بين قوله:في الغنم زكاة،و بين قوله:في الغنم السائمةزكاة،إلاّ إذا علم من خصوصيّة المقام انّ القيد سيق لبيان التّقييد،فيندرج في الأمرو النّهى الغيري الّذي تقدّم انّ التّقييد فيه لازم الغيريّة.هذا إذا كان المطلوب‏مطلق الوجود.و امّا إذا كان المطلوب صرف الوجود فتارة:يكون أحدهما امرا و الآخرنهيا.و أخرى:يكون كلّ منهما امرا أو كلّ منهما نهيا.فان كان الأوّل فلا يخلو امّا ان‏يندرج في باب النّهى عن العبادة،و امّا ان يندرج في باب المطلق و المقيّد،و امّا ان‏يندرج في باب اجتماع الأمر و النّهى،و امّا ان يندرج في باب تعارض العموم من‏وجه،و يلحق كلّ باب حكمه.ففي مثل قوله(صلّ و لا تصلّ في الحرير)يكون من‏النّهى عن العبادة.و في مثله قوله(أعتق رقبة و لا تعتق الرّقبة الكافرة)يندرج في‏باب المط و المقيّد،و لا بدّ من حمل المطلق على المقيّد و لا يحمل النّهى على الكراهة،لما تقدّم من حكومة أصالة الظّهور في المقيّد على المط،فظهور النّهى في الحرمة يكون‏مقدّما على ظهور المط في الإطلاق.هذا إذا كانت النّسبة بين الدّليلين العموم المط،كما هو محلّ البحث.و ان كانت النّسبة العموم من وجه فيندرج امّا في باب اجتماع‏الأمر و النّهى،إذا كانت نسبة العموم من وجه بين نفس متعلّق التّكليف و هو الفعل‏و التّرك المطالب به الصّادر من المكلّف اختيارا كقوله:صلّ و لا تغصب،و امّا في‏باب التّعارض بالعموم من وجه إذا كانت النّسبة بين متعلّق المتعلّق من الموضوعات‏الخارجيّة كقوله:أكرم العلماء و لا تكرم الفسّاق،هذا إذا كان أحد الدّليلين امرا والآخر نهيا.و ان كان كلّ منهما امرا أو نهيا مع كون المطلوب صرف الوجود فتارة:يكون الحكم إلزاميّا،و أخرى:استحبابيّا.فان كان إلزاميّا فتارة:يكون الإطلاق‏و التّقييد في كلّ من الوجوب و الواجب،بان كان الوجوب في أحدهما مطلقا و في‏
583
الآخر مقيّدا و الواجب أيضا كذلك كقوله:أعتق رقبة،و قوله:ان ظاهرت فأعتق‏رقبة مؤمنة،و هذا قد تقدّم حكمه:من انّه لا يحمل فيه المط على المقيّد لا في طرف‏الوجوب و لا في طرف الواجب،لاستلزامه الدّور.و أخرى:يكون الإطلاق و التّقييد في ناحية الوجوب فقط،أو في ناحيةالواجب فقط.فان كان في ناحية الوجوب فقط فتارة:يكون تقييد الوجوب بمثل‏الشّرط و الغاية،بحيث تكون القضيّة ذات مفهوم،كقوله:أعتق رقبة،و قوله:ان‏جاءك زيد فأعتق رقبة.و أخرى:يكون تقييد الوجوب بغير ذلك ممّا لا يقتضى‏المفهوم كقوله:أعتق رقبة،و قوله:أعتق رقبة عند الظّهار.فان كان تقييد الوجوب‏بما يقتضى المفهوم فهذا خارج عن محلّ الكلام،فانّ مقتضى المفهوم هو انتفاءالوجوب عند عدم الشرط فيقيد الوجوب المطلق لا محالة.و ان كان تقييد الوجوب بما لايقتضى المفهوم-كالمثال المتقدّم-فحكمه حكم تقييد الواجب من لزوم حمل المط على‏المقيّد،فانّ مقتضى قوله:عند الظّهار أعتق رقبة،هو انّه عند الظهار لا بد من عتق‏الرقبة و عدم الرضا بتركه عند الظهار،و مقتضى إطلاق قوله:أعتق رقبة،هو جوازترك العتق عند الظّهار و العتق في غير حال الظّهار،و حيث انّه لا يجتمع لزوم العتق‏عند الظّهار مع جواز تركه عنده مع كون المتعلّق واحدا و المطلوب صرف وجودالعتق،فيتحقّق المنافاة بين الوجوب المط و الوجوب المقيّد و لا بدّ من حمل المط على‏المقيّد.هذا إذا كان التّقييد في ناحية الوجوب.و امّا إذا كان التّقييد في ناحية الواجب كقوله:أعتق رقبة،و قوله:أعتق‏رقبة مؤمنة،فقد تقدّم الكلام فيه و انّه لا بدّ من حمل المط على المقيّد.و نزيد في المقام وضوحا فنقول:انّ المحتملات في المثال أربعة:1-احتمال ان يكون المطلوب واحدا و هو نتيجة حمل المط على المقيّد.2-احتمال ان يكون الأمر في المقيّد استحبابيا فيكون المقيّد أفضل‏الأفراد.3-احتمال ان يكون الأمر في المقيّد لبيان كونه واجبا في واجب.4-احتمال ان يكون الواجب متعدّدا و يكون هناك تكليفان:تكليف‏
584
بالمطلق،و تكليف بالمقيّد.و الأظهر من هذه الاحتمالات بحسب الأصول اللّفظيّة:هو الاحتمال‏الأوّل،إذ الاحتمال الثّاني قد تقدّم ضعفه،من حيث انّ الأصول اللّفظيّة الجارية في‏المقيّد لمكان كونه قرينة تكون حاكمة على الأصول اللّفظيّة الجارية في المط،فيكون‏ظهور الأمر في المقيّد في الوجوب مقدّما على ظهور المط في الإطلاق،و لا تصل النّوبةإلى حمل الأمر في المقيّد على الاستحباب،لأنّ حمله على الاستحباب انّما هو من جهةظهور المط في الإطلاق و أقوائيّة ظهوره في ذلك من ظهور الأمر في المقيّد في الوجوب،و على فرض التّساوي يتردّد الأمر بين الأمرين:بين حمل المط على المقيّد،و بين حمل‏امر المقيّد على الاستحباب،هذا.و لكن قد عرفت:انّه في باب القرينة و ذيهالا يلاحظ أقوى الظّهورين،بل يكون ظهور القرينة و ان كان أضعف مقدّما على‏ظهور ذيها و ان كان أقوى،فالاحتمال الثّاني ساقط.و كذا الحال في الاحتمال الثّالث،بل هو أضعف من الثّاني،فانّه يلزم رفع‏اليد عن ظهور الأمر المقيّد في كون الواجب هو الجملة المركّب من القيد و المقيّد،إذ لوحمل الأمر فيه على كونه لبيان كون القيد من الواجب في الواجب يلزم ان يكون‏الواجب في قوله:أعتق رقبة مؤمنة،هو خصوص القيد،و انّه سيق لبيان وجوب ذلك‏فقط،و هذا ينافى ظهوره في وجوب الجملة و المركّب من القيد و المقيّد،فحمله على‏وجوب خصوص القيد يوجب هدم ظهوره بالمرّة،بل ذلك أردأ من حمل الأمر فيه على‏الاستحباب،لأنّ حمل الأمر على الاستحباب ليس بعزيز الوجود،بخلاف حمله على‏ذلك،فانّه يحتاج إلى دليل قويّ مفقود في المقام.فبقي الاحتمال الرّابع،و هو تعدّد التّكليف،و قد تقدّم انّ تعدّد التّكليف‏و كون الواجب هو كلّ من المط و المقيّد ينافى كون المطلوب هو صرف الوجود مع‏كون التّكليف بالمقيّد إلزاميّا،فانّ معنى الإلزام هو عدم الرّضا بخلوّ صفحة الوجودعن المقيّد و انّه لا بدّ من إشغال صفحة الوجود به،و هذا بخلاف المط فانّه يقتضى‏جواز ترك القيد،فيتحقّق التّنافي بينهما،و يتعيّن ح حمل المط على المقيّد جمعا بين‏الدّليلين،فتأمل جيّدا.هذا كلّه فيما إذا كان التّكليف بالمطلق و المقيّد إلزاميّا.
585
و امّا إذا كان التّكليف استحبابيا،ففي جميع اقسامه لا موجب لحمل المطعلى المقيّد.امّا إذا كان التّكليف الاستحبابي في كلّ منهما مط و كان التّقييد في‏ناحية المستحبّ كما إذا قال:يستحبّ الدّعاء،و قال أيضا:يستحبّ دعاء كميل،فلأنّه لا يتحقّق شرط الحمل،إذ لا منافاة بينهما بعد ما كان المقيّد جائز التّرك،فلا منافاة بين استحباب الدّعاء المط و استحباب الدّعاء المقيّد.و امّا إذا كان التّقييد في ناحية كلّ من التّكليف و المكلّف به كما إذا قال:يستحبّ الدّعاء،و قال أيضا:ان جاء زيد يستحبّ دعاء كميل مثلا،فلأنّه إذاكان التّكليف الإلزامي على هذا الوجه لا يحمل فكيف بالتّكليف الاستحبابي؟و امّا إذا كان التّقييد في ناحية التّكليف فقط،فان لم يكن التّقييد ممّايقتضى المفهوم كما إذا قال:يستحب الدّعاء،و قال أيضا يستحبّ الدّعاء عندرؤية الهلال،فلأنّه و ان قلنا في التّكليف الإلزاميّ بالحمل،إلاّ انّه في التّكليف‏الاستحبابي لا موجب للحمل لمكان تفاوت مراتب الاستحباب.فلا منافاة بين‏الاستحباب المطلق و الاستحباب المقيّد،بل ذهب شيخنا الأستاذ مدّ ظلّه إلى عدم‏الحمل حتى فيما إذا كان التّقييد يقتضى المفهوم كما إذا قال:يستحبّ الدّعاء،و قال‏أيضا:ان جاءك زيد يستحبّ الدّعاء،فانّ تفاوت مراتب الاستحباب يكون قرينةعلى عدم ثبوت المفهوم للقضيّة الشّرطيّة.و المسألة بعد لا تخلو عن الأشكال،بل ربّمايستشكل في القسم السّابق،بل فيما إذا كان التّقييد في ناحية المستحبّ فقط.فتأمل‏في المقام جيّدا.و قد تمّت مباحث المط و المقيّد في اللّيلة التّاسعة و العشرين من شهر ربيع‏الأوّل سنة 1348و له الحمد أوّلا و آخراو انا العبد المذنب محمّد علي الكاظميّ الخراسانيّ.