فهرست عناوين
فوائد الاصول
فهرست عناوين
تحقيق أن المراد من " المكلف " فى كلامهم ، هو خصوص المجتهد 3
دفع الاشكال عن تثليث الاقسام 4
الاشكال على الشيخ - قدس سره - فى تشخيص مجارى الاصول، وبيان ما هو الاحسن أن يقال فى المقام 4
الحصر فى الاربع فى مجارى الاصول عقلى ، بخلاف نفس الاصول 5
المقام الاول : فى القطع ،وفيه ما بحث 6
فى وجوب متابعة القطع وأن طريقيته ذاتية لا تنالها يد الجعل 6
فى عدم صحة إطلاق الحجة على القطع وعدم كون البحث عن حجيته من مسائل علم الاصول 7
المبحث الثانى : ف? اقسام القطع 8
ى القطع الطريقى والموضوعى ، وبيان المراد من القطع المأخوذ فى الموضوع على نحو الصفتية والمأخوذ على نحو الطريقية والكاشفية 9
عدم إمكان أخذ العلم بالحكم موضوعا للحكم الذى تعلق العلم به إلا بنتيجة التقييد 11
ادعاء تواتر الادلة على اشتراك الاحكام في حق العالم والجاهل ، والايراد عليه 12
صحة أخذ العلم بالحكم من وجه خاص مانعا عن ثبوت الحكم واقعا 13
توجيه مقالة الاخباريين فى قولهم : لاعبرة بالعلم الحاصل من غير الكتاب والسنة 14
المبحث الثالث فى قيام الطرق والاصول مقام القطع 15
فى أن المراد من الاصول المبحوث عنها فى المقام هو الاصول المحرزة 15
فى بيان الجهات الثلاث التى تجتمع فى القطع 16
فى الفرق بين لحكومة الظاهرية والواقعية 19
فى أنه ليس للواقع فردان : فرد حقيقى وفرد جعلى ، إلا على مبنى جعل المؤدى بنحو من المسامحة 20
الوجوه والاقوال فى قيام الطرق والامارات والاصول التنزيليه مقام القطع 21
اختيار القول الثالث، وهو قيامها مقام القطع الطريقى مطلقا وعدم قيامها مقام القطع الصفتى ، وتضعيف ما ذكر من المنع عن قيامها القطع المأخوذ موضوعا على وجه الطريقية 21
الاشكال بأن الذى اخذ جزء الموضوع فى ظاهر الدليل هو العلم والاحراز الوجدانى لا الاحراز التعبدى ، والتفصى عنه بوجوه 23
عدم إمكان قيام الامارات والاصول مقام القطع المأخوذ على جهة الصفتية 26
لم نعثر فى الفقه على مورد أخذ العلم فيه موضوعا على وجه الصفتية ، ورد الامثلة التى ذكرها الشيخ - قدس سره 26
فى بيان ما أفادة المحقق الخراسانى فى الحاشية فى وجه قيام الطرق والاصول والاصول مقام القطع بجميع أقسامه ، والاشكال عليه مضافا إلى ما أورده عليه فى الكفاية 27
فى أن الظن ليس كالعلم حجيته منجعلة ومن مقتضيات ذاته ، بل لابد أن يكون حجيته بجعل شرعى 31
فى بيان أقسام الظن من حيث أخذه موضوعا لحكم آخر 31
ےضفذلكة : فى الاشارة إلى اختلاف بيان " الاستاذ" فى أقسام الظن المأخوذ موضوعا 35
المبحث الرا فى استحقاق المتجرى للعقاب ، والبحث يقع فيه من جهات : 37
الجهة الاولى: دعوى أن الخطابات الاولية تعم صورتى موافقة القطع للواقع ومخالفته 37
الجهة الثانية : دعوى أن صفة تعلق العلم بشىء تكون من الصفات والعناوين والطارية على ذلك الشىء المغيرة لجهة حسنه وقبحه 41
الجهة الثالثة : دعوى استحقاق المتجرى للعقاب من باب استقلال العقل بذلك 46
الجهة الرابعة : دعوى حرمة التجرى من جهة قيام الاجماع ودلالة الاخبار عليه 50
تنبيهان : 51
الاول : فى بيان عدم الفرق فى التجرى بين مخالفة العلم وبين مخالفة الطرق والاصول المثبتة للتكليف 53
الثانى : فيما ذكره صاحب الفصول : من أن قبح التجرى يختلف بالوجوه والاعتبار، والاشكال عليه 54
المبحث الخامس فى المستقلات العقلية ، والبحث يقع فيها من جهات : 57
الجهة الاولى : فى فساد مقالة الاشاعرة حيث أنكروا الحسن والقبح العقليين 57
الجهة الثانية : فى الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، ورد مقالة بعض الاخباريين ومن تبعهم - كصاحب - الفصول - فى ذلك المقام 60
الجهة الثالثة : فى رد ما ادعاه الاخباريون : من قيام الادلة السمعية على منع العمل بحكم العقل 63
المبحث السادس 63
فى ما حكى عن الشيخ الكبير : من عدم اعتبار قطع القطاع ، وبيان فساده إن أراد من قطع القطاع الطريقى منه وتوجيهه إن أراد الموضوعى منه 64
المبحث السابع : فى أحكام العلم الاجمالى وأنه لا فرق فى نظر العقل في الاثار المترتبة على العلم بين العلم التفصيلى والعلم الاجمالى 65
المقام الاول : فى ما يرجع إلى مرحلة سقوط التكليف بالعلم الاجمالى 66
فى عدم اعتبار معرفة الوجه وقصده فى العبادة 66
فى أنه لم يقم دليل شرعى على التصرف فى كيفية الاطاعة ، والامر موكول إلى نظر العقل 68
فى بيان مراتب الامتثال 69
المقام الثانى : فى ما يرجع إلى مرحلة ثبوت التكليف بالعلم الاجمالى 74
فى بيان فساد ما توهم : من أن العلم الذي يكون موضوعا عند العقل فى باب الطاعة والمعصية يختص بالعلم التفصيلى ولا يعم العلم الاجمالى 75
فى عدم جريان الاصول التنزيلية فى أطراف العلم الاجمالى وإن لم يلزم منه 78
تحقيق ما هو المانع من جريان الاصول فى أطراف العلم الاجمالى 78
فى شرائط تأثير العلم الاجمالى 79
الاشارة إلى ما ذكره الشيخ - قدس سره - من الموارد التى توهم فيها انحزام القاعدة العقلية التى يقتضيها العلم الاجمالى وحل الاشكال فى كل مسألة عليحدة 84
فيما لو تردد المعلوم بالاجمال بين ما يكون بوجوده الواقعى ذا أثر وبين ما يكون بوجوده العلمى كذلك 86
المقام الثانى فى الظن ، وفيه مباحث المبحث الاول فى إمكان التعبد بالظن 88
المحاذير المتوهمة من التعبد بالامارات ، من جهة الملاكات 89
الامور التى يتوقف عليها محذور تفويت المصلحة والالقاء فى المفسدة 89
تحقيق إمكان التعبد بالامارة حتى فى صورة انفتاح باب العلم 90
وجوه سببية الامارة لحدوث المصلحة ، وبيان أقسام التصويب 95
فى بيان المراد من المصلحة السلوكية 96
فى ما يلزم من التعبد بالامارات والاصول من المحذور الخطابى، وهو اجتماع حكمين متضادين أو متناقضين ، وبيان وجوه التفصى عنه 99
فيما أفاده الشيخ - قدس سره - فى الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعى 100
فيما أفاده بعض الاساطين : من حمل الاحكام الواقعية على الشأنية والاحكام الظاهرية على الفعلية ، والايراد عليه 101
فى أنه لا بد من حل الاشكال فى كل مورد عليحدة 105
حل الاشكال فى باب الطرق والامارات 105
حل الاشكال فى باب الاصول المحرزة 110
حل الاشكال فى باب الاصول الغير المحرزة 112
تصدي بعض الاعلام لرفع غائلة التضاديين الحكمين باختلاف الرتبة ، والاشكال عليه 112
المبحث الثانى فى تأسيس الاصل عند الشك فى التعبد بالامارة 119
حرمة التعبد بكل أمارة لم يعلم التعبد بها من قبل الشارع ، بالادلة الاربعة 119
الكلام فى مسألة قبح التشريع فى أن حرمة التشريع مما تناله يد الجعل 120
هل قبح التشريع يسرى إلى الفعل المتشرع به ؟ 121
فى أن حجية الامارة يستلزم صحة التعبد بها وجواز إسنادها إلى الشارع ، ورد ما توهمه المحقق الخراسانى ، بالنسبة إلى الظن على الحكومة 122
فى مناط قبح التشريع ، وأنه قبيح بمناط نفسه 123
تتمة : فى تقرير أصالة عدم الحجية بوجه آخر ، وهو استصحاب عدم الحجية . وما أفاده الشيخ والمحقق الخراسانى - قدس سر هما - فى المقام 126
المبحث الثالث : فى حجية الامارات ، والمبحث عنها يقع فى ما مقامين : 132
المقام الاول فى بيان الامارات التى قام الدليل على اعتبارها بالخصوص ، وما قيل بقيامه عليها ، وفيه فصول : 133
الفصل الاول : فى حجية الظواهر 133
مقالة الاخباريين فيما ادعوه : من عدم جواز العمل بظواهر الكتاب العزيز 135
التفصيل الذي أفاده المحقق القمى - رحمه الله - فى جحية الظواهر 137
فى المباحث المتعلقة بتشخيص الظواهر 139
حجية قول أهل الخبرة 142
الاشكال على كون اللغوى من أهل الخبرة 143
الاستدلال على اعتبار قول اللغوى بالانسداد الصغير ، والاشكال عليه 143
التنبيه على امور الاول : فى أن الوثوق الحاصل من قول اللغوى قد يصير منشأ للظهور 144
الثانى : فى أنه يجب الاخذ بالظهور بعد الفحص عن القرائن ولو لم يحصل الوثوق بارادة الظاهر 145
الثالث : لا عبرة فى الظهور بظهور المفردات وإنما الاعتبار بظهور الجملة التركيبية فيقدم على ظهور المفردات عند التعارض 146
الفصل الثانى : فى حجية الاجماع المنقول 146
اعتبار محسوسية الخبر باحدى الحواس الظاهرة 147
مدرك حجية الاجماع المحصل 149
الفصل الثالث : حجية الشهرة الفتوائية وبيان أقسامها 152
الفصل الرابع : فى حجية الخبر الواحد 156
الاشكال على كون البحث عن حجية الخبر الواحد من مسائل علم الاصول ، والجواب عنه 157
ادعاء الاجماع على حجية الاخبار المودعة فيما بأيدينا من الكتب ، والاشكال عليه 158
استدلال النافين لحجية الخبر الواحد بالادلة الاربعة ، والجواب عنه 160
أدلة المثبتين لحجية الخبر الواحد 164
1 - آية النبأ وتقريب الاستدلال بها 164
الخدشة فى الاستدلال بالاية على كل من تقريبى مفهو الوصف ومفهوم الشرط 166
استفادة المفهوم من الاية بضميمة شأن النزول 169
تكملة : 0
حول الاشكالات التى تختص بآية النبأ فى الاستدلال بها لحجية خبر العدل منها : تعارض المفهوم على فرض ثبوته مع عموم التعليل فى ذيل الاية 170
منها : لزوم خروج المورد عن عموم المفهوم 173
حول الاشكالات التى لا تختص بالاية منها : وقوع التعارض بينها وبين الايات الناهية عن العمل بالظن 175
منها : أنه لو كان الخبر الواحد حجة لكانت من جملة أفراده الاجماع الذى أخبر به السيد - رحمه الله - على عدم حجية الخبر الواحد 177
منها : إشكال شمول أدلة الحجية للاخبار الحاكية لقول المعصوم - عليه السلام - بواسطة أو بوسائط 177
تحقيق الحال فى حل الاشكال 182
2 - آية النفر، وتقريب الاستدلابها 184
دفع ما ذكر من الاشكالات على التمسك بالاية الشريفة 187
3 - الاستدلال على حجية الخبر الواحد بالسنة 189
4 - الاستدلال على حجية الخبر الواحد بالاجماع ، ووجوه تقرير الاجماع 191
5 - الاستدلال على حجية الخبر الواحد بدليل العقل ـ الوجه الاول : ما أفاده الشيخ من ترتيب مقدمات الانسداد الصغير 196
فى بيان المراد من الانسداد الصغير والفرق بينه وبين الانسداد الكبير 197
تقرير إجراء مقدمات الانسداد الصغير بالنسبة إلى الاخبار المودعة فى الكتب 199
ثلاث ايرادات على جريان مقدمات الانسداد الصغير 199
تقريب مقدمات الانسداد الصغير بوجه آخر ، والاشكال عليه 205
الوجه الثانى : ما أفاده المحقق صاحب الحاشية - قدس سره - 212
الوجه الثالث : ما أفاده صاحب الوافية - رحمه الله - 213
المقام الثانى فى الوجوه التى استدلوا بها على حجية مطلق الظن بالحكم الشرعى ، أو فى الجملة الوجه الاول : لزوم دفع الضرر المظنون عقلا 214
منع تحقق صغرى الضرر المظنون فى المقام 219
فى بيان ماسلكه الشيخ - رحمه الله - فى منع الصغرى ، والايراد عليه 222
الوجه الثانى - من الوجوه التى استدلوا بها لحجية مطلق الظن - ما ذكره السيد المجاهد رحمه الله 225
الوجه الثالث : لزوم ترجيح المرجوح على الراجح 225
الوجه الرابع : الدليل المعروف بدليل انسداد 225
فى بيان المقدمات الاربع 226
فى منع المقدمة الاولى وإثبات كفاية الخبر الموثوق به بمعظم الاحكام 228
استغراب ما حكى عن المحقق القمى - قدس سره - فى هذا المقام 229
القول فى المقدمة الثانية ، والاستدلال عليها بوجوه ثلاثة 230
فى أن الاختلاف فى النتيجة من حيث الكشف والحكومة ينشأ من الاختلاف فى مدرك المقدمة الثانية 232
فى بيان المقدمة الثالثة ، وهى عدم جواز الرجوع إلى الطرق المقررة للجاهل 234
نقد ما أفاده المحقق الخراسانى فى المقام 236
بسط الكلام فى بطلان الاحتياط التام فى الوقايع المشتبهة 239
فى بيان مراتب الاحتياط ، وأن الضرورات تتقدر بقدرها 243
الاستدلال على بطلان الاحتياط بالاجماع وبيان اختلاف نتيجة الاجماع على كلا تقريبيه 245
إذا كان الوجه فى بطلان الاحتياط لزوم العسر والحرج 249
الاشكال على بطلان الاحتياط التام إذا لم يلزم منه الاخلال بالنظام ، بل كان يلزم منه مجرد العسر والحرج 250
فى ما أفاده المحقق الخراسانى - قدس سره - من منع حكومة أدلة العسر والحرج على ما يحكم به العقل فى أطراف العلم الاجمالى ، والاشكال عليه 255
لا يعتبر فى الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظى شارحا ومفسرا لما اريد من الدليل الاخر ، وبيان الضابط الكلى فى المقام 261
الاشكال فيما أفاده الاخوند - رحمه الله - من أن مفاد أدلة نفى العسر والحرج هو نفى الحكم بلسان نفى الموضوع 263
اختلاف النتيجة حسب اختلاف المستند فى المقدمة الثانية 266
نقل ما أفادة الشيخ - قدس سره - فى مقام النتيجة ، والمناقشة فيما اختاره من الحكومة 268
تحقيق أن القول بالحكومة مما لا أساس له وأنه لا محيص عن القول بالكشف 275
التنبيه على امور هل النتيجة التى يقتضيها دليل الانسداد ، هى اعتبار الظن فى خصوص المسألة الاصولية ؟ أو فى خصوص المسألة الفقهية ؟ أو تعمهما ؟ 280
ما ذهب إليه صاحب الفصول 281
ما أورده الشيخ على صاحب الفصول - قدس سر هما - 283
حاصل ما أفاده صاحب الحاشية - طاب ثراه - والايراد عليه 287
2 - هل يقتضى دليل الانسداد كلية النتيجة ؟ أو يقتضى إهمالها ؟ 294
بيان منشأ الاختلاف فى كون النتيجة كلية أو مهملة 297
ما ذهب إليه المحقق القمى - قدس سره - من كلية النتيجة ، وايراد الشيخ - رحمه الله - عليه 298
الاشكال على ما أورده الشيخ ، وتقوية ما عليه المحقق القمى 298
الاشكال على التعميم بحسب الموارد إذا كان المورد من الموارد التى اهتم به الشارع ، والجواب عنه 303
تعيين النتيجة من حيث العموم والخصوص بعد البناء على إهمالها 307
ادعاء الاجماع على التعميم بحسب الموارد 308
الوجه الاول مما ذكر للتعميم بحسب الاسباب 309
ذكر وجوه ثلاثة لترجيح بعض الظنون على بعض 309
الوجه الثانى من وجوه التعميم 318
الوجه الثالث من وجوه التعميم 319
3 - الاشكال على عموم النتيجة من حيث دخول الظن القياسى فيه والجواب عنه 320
4 - الاقوى اعتبار الظن المانع دون الظن الممنوع 322
خاتمة يذكر فيها امور فى حجية الظن الحاصل من قول اللغوى 323
2 - حجية الظن بوثاقة الراوى الحاصل من توثيق أهل الرجال 323
3 - عدم العبرة بالظن فى الموضوعات 324
4 - عدم العبرة بالظن فى باب الاصول والعقائد 324
المقام الثالث فى الشك و فى بيان مجارى الاصول الاربعة 325
فى أن التنافى بين الامارات والاصول غير التنافى بين الحكم الواقعى والظاهرى ، و طريق الجمع بينهما غير طريق الجمع بين هذين 326
بعض الامور التى ينبغى تقديمها 327
البحث عن أصالة الحذر أو الاباحة لا يغنى عن البحث عن مسألة البرائة والاشتغال 328
دفع ما يتوهم : من أنه بعد ما كان حكم الشبهة قبل الفحص هو الاحتياط فعلى الاصولى القائل بالبرائة إقامة الدليل على انقلاب حكم الشبهة 330
المبحث الاول فى حكم الشك فى التكليف فى الشبهة التحريمية لاجل فقدان النص 330
الاستدلال على البرائة بالايات الشريفة 331
رد ما زعمه الاخباريون : من دلالة آية " وما كنا معد بين الخ " على نفى الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع 334
رد ما قيل : بأن الشارع تفضل بالعفو عن نية السيئة، وعن الصغائر عند الاجتناب عن الكبائر، وعن الظهار مع حرمته 334
الكلام فى حديث الرفع :فى تحقيق معنى الرفع والدفع ، وأن الرفع يرجع إلى الدفع 336
عدم لزوم التجوز فى الكلمة ولا فى الاسناد وإن جعلنا الرفع فى الحديث بمعنى الدفع فى جميع الاشياء التسعة المرفوعة 337
نقد ما يظهر من كلام الشيخ - قدس سره - من أن الدفع من أول الامر ورد على ايجاب الاحتياط 338
حول العناية المصححة لو رود الرفع على العناوين المذكورة فى الحديث 341
فى أن دلالة الاقتضاء لا تقتضى تقديرا فى الكلام حتى يبحث عما هو المقدر 342
رد ما قيل : إن وحدة السياق تقتضى أن يكون المراد من الموصول فى "مالا يعلمون " الموضوع المشتبه ولا تعم الشبهات الحكمية 344
فى أن حديث الرفع يكون حاكما على أدلة الاحكام ولا يلزم منه نسخ ولا تصويب ولا صرف 345
هل المرفوع فى هذه الموارد جميع الاثار أو بعض الاثار ؟ 348
فى بيان معنى رفع الخطأ والنسيان تشريعا 349
تفصيل الكلام فى رفع جميع الاثار أو بعضها 351
شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود 352
لا يمكن تصحيح العبادة الفاقدة لبعض الاجزاء والشرايط بحديث الرفع 353
تفصيل الكلام فى جريان حديث الرفع فى الاحكام الوضعية 356
بيان ما يتدرج فى قوله - صلى الله عليه وآله - " رفع مالا يعلمون " ومالا يندرج فيه 359
الاقوى عدم جريان البرائة فى الاسباب والمحصلات 360
ابتناء الخلاف المعروف فى باب الوضوء على مسألة الاسباب والمحصلات 361
الاستدلال للبرائة بأخبار آخر : مثل " كل شىء مطلق حتى يرد فيه نهى " و" كل شىء فيه حلال وحرام فهو لك حلال " و" كل شىء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه 363
الاستدلال على البرائة بالاجماع ، وتقريره ورده 365
الاستدلال على البرائة بقاعدة " قبح العقاب بلا بيان " 365
رد ما توهم : من أن البيان فى موضوع حكم العقل هو البيان الواقعى 365
هل يكفى فى البيان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ؟ 366
استدلال الاخباريين على الاحتياط بالايات الشريفه ، والجواب عنه 371
احتجاج الاخباريين على الاحتياط بالسنة 372
الجواب عما استدل به الاخباريون 373
استدلال الاخباريين بدليل العقل، والجواب عنه 378
التنبيه على أن أصالة البرائة والاشتغال من الاصول الغير المتكفلة للتنزيل فكل أصل تنزيلى يكون حاكما عليها 379
الكلام فى أصالة عدم التذكية : 380
نقل كلمات الاصحاب فيما يقبل التذكية من الحيوان 380
هل التذكية عبارة عن المعنى المتحصل من قابلية المحل والامور الخمسة أو هى عبارة عن نفس الامور لخمسة ؟ 381
لا يمكن التفكيك بين الطهارة والحلية والنجاسة والحرمة بحسب الاصول العملية 383
فى ما يظهر من بعض الاساطين : من التفصيل بين الطهارة والحلية ، وما ذكره شارح الروضة فى وجه ذلك 384
ما يرد على شارح الروضة 386
تحقيق جريان البرائة فيما إذا كان منشأ الشبهة إجمال النص وتعارض النصين 388
انعقاد الاجماع من الاصوليين والاخباريين على عدم وجوب الاجتناب عن الشبهة الموضوعية ، ودفع ما يتوهم من اختصاص قاعدة " قبح العقاب بلابيان " بالشبهات الحكمية 389
مجرد العلم بالكبريات المجعولة لا يكفى فى تنجزها وصحة العقوبة عليها مالم يعلم بتحقق صغرياتها خارجا 390
اختلاف النتيجة بين ما إذا كانت القضية بنحو السالبة المحصلة وبين ما إذا كانت بنحو الموجبة المعدولة المحمول 394
سؤال الفرق بين الاصول العملية والاصول اللفظية ، حيث يصح التمسك بالاصول العملية فى الشبهات الموضوعية ولم يصح التمسك بالاصول اللفظية فيها ، والجواب عنه 396
جريان البرائة فى الشبهات الوجوبية بأقسامها الاربعة 397
تنبيهات البرائة : لتنبيه الاول: فى رحجان الاحتياط عقلا ، والاشكال فى استحبابه الشرعى 398
استشكال الشيخ - قدس سره - فى إمكان الاحتياط فى العبادات والجواب عنه 399
ما أفاده بعض الاساطين فى تصحيح الاحتياط فى العبادات بالاوامر الواردة فيه ، والاشكال عليه 402
فساد ما أجاب به بعض الاعلام عن الاشكال المعروف فى صحة عبادة الاجراء : من أن لهم قصد امتثال الامر الاجارى 405
قاعدة التسامح فى أدلة السنن407
ما ورد من الاخبار فى ذلك 408
بيان الوجوه المحتملة فى الروايات 409
التنبيه الثانى : فى جريان البرائة عند الشك فى الواجب التعيينى والتخييرى 416
الواجب التخييرى على أقسام ثلاثة 417
لا يقاس الشك فى الاطلاق والاشتراط فى مرحلة الحدوث على الاطلاق والاشتراط فى مرحلة البقاء 421
يعتبر فى جريان البرائة أن يكون الشك فى أمر مجعول شرعى مما تناله يد الوضع والرفع ، وأن يكون فى رفعه منة وتوسعة 422
الشك فى التعيين والتخيير يتصور على وجوه ثلاثة 423
الاقوى أن الاصل فى جميع الاقسام على جميع وجوه الشك - ما عدى الوجه الاول - هو الاشتغال 425
الكلام فى الوجه الثانى من وجوه الشك فى التعيين والتخيير 426
الكلام فى الوجه الثالث من وجوه الشك فى التعيين والتخيير 429
حول ما قيل : من أن الشك فى وجوب الجماعة عند تعذر القرائة من قبيل الوجه الثالث 430
حكم الشك فى التعيين والتخيير فى القسم الثانى من أقسام الواجب التخييرى 432
الكلام فى القسم الثالث من أقسام الواجب التخييرى 433
تتميم البحث بالتنبيه على أمرين 1 - لا أثر للبحث عما يقتضيه الاصل العملى بالنسبة إلى ما يحتمل كونه عدلا لما تعلق الوجوب به بعد النباء على أصالة التعيينية 435
2 - الاقوى عدم جريان البرائة فى الشك فى الوجوب العينى والكفائى 436
الكلام فى الشبهة الوجوبية الموضوعية إطباق الاصولين والاخباريين على عدم وجوب الاحتياط فيها 438
حول ما نسب إلى المشهور : من وجوب الاحتياط عند تردد الفرائض الفائتة بين الاقل والاكثر 438
تحرير ما نقل عن بعض المحققين : من تطبيق فتوى المشهور على القاعدة 439
تحقيق عدم إمكان التطبيق وتقوية جريان البرائة فى المسألة 440
خاتمة : فى أصالة التخيير تحقيق عدم إمكان جعل التخيير الشرعى الواقعى ولا الظاهرى فى موارد دوران الامر بين المحذورين 443
تحقيق عدم جريان الاصول مطلقا فى باب دوران الامر بين المحذورين وأن المكلف مخير بين الفعل والترك بحسب خلقته التكوينية 445
هل المزية توجب الاخذ بصاحبها فى باب دوران الامر بين المحذورين ؟ 450
يعتبر فى دوران الامر بين المحذورين أن يكون كل من الواجب والحرام توصليا أو يكون أحد هما الغير المعين توصليا 452
فى أن التخيير فى صورة تعدد الواقعة استمرارى ، ودفع ما قيل إنه بدوى 453
عدم جريان حكم الدوران فى ما إذا كان المكلف متمكنا من الموافقة القطعية ولو بتكرار العمل أو الجزء 455

1

3
الجزء الثالث‏
بسم اللّه الرحمن الرحيم‏الحمد للّه ربّ العالمين،و الصلاة و السلام على أشرف الأوّلين و الآخرين‏محمّد و آله الطيّبين الطاهرين،و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.و بعد،فهذا هو من كتابنا الموسوم ب«فوائد الأصول»و هويشتمل على مهمّات مباحث القطع و الظن و بعض الأصول العمليّة،و هي نتيجةما تلقيته من بحث شيخنا الأستاذ،الإمام الفقيه،علم العلم و بدر سمائه و مشكاةنوره،مفصل الصواب و فصل الخطاب،من قد استبطن أسرار العلوم و استجلى‏غوامضها و محّص حقائقها و أحصى مسائلها و أحاط بفروعها و أصولها و معقولها ومنقولها،صدر العلماء و عين الفقهاء،قبلة المشتغلين و خاتمة المجتهدين،آية اللّه في‏العالمين،من قد ألقت إليه الرئاسة الدينية أزمّتها في أواسط القرن الرابع عشر،حضرة«الميرزا محمّد حسين الغروي النائيني»متّع اللّه الإسلام بشريف وجوده.و قد جعل(مد ظله)عنوان بحثه كتاب«فرائد الأصول»تأليف أستاذالأساتيذ الشيخ الأنصاري(قده)لمكان أنّه أحسن كتاب صنّف في المباحث‏العقلية من حيث الترتيب و تبويب المباحث و تمييز الطرق و الأمارات عن الأصول‏العملية،فانّ المتقدّمين لم يميّزوا المباحث بعضها عن بعض و أدرجوا كثيرا من‏الأدلّة الاجتهادية في الأدلّة الفقاهتية.قال قدّس سرّه:«اعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلخ»و المراد من المكلّف هوخصوص المجتهد،إذ المراد من الالتفات هو الالتفات التفصيلي الحاصل للمجتهد
4
بحسب اطّلاعه على مدارك الأحكام.و لا عبرة بظنّ المقلّد و شكّه.و كون بعض‏مباحث القطع تعمّ المقلّد لا يوجب أن يكون المراد من المكلّف الأعمّ من المقلّد والمجتهد،إذ البحث عن تلك المباحث وقع استطرادا و ليست من مسائل علم‏الأصول،و مسائله تختصّ بالمجتهد و لاحظّ للمقلد فيها.و لا سبيل إلى دعوى شمول‏أدلّة اعتبار الطرق و الأصول للمقلّد،غايته أنّ المقلّد عاجز عن تشخيص مواردها ومجاريها و يكون المجتهد نائبا عنه في ذلك،فانّه كيف يمكن القول بشمول خطاب‏مثل«لا تنقض اليقين بالشك»في الشبهات الحكمية للمقلّد،مع أنّه لا يكاد يحصل له‏الشك و اليقين،بل لو فرض حصول الشك و اليقين له فلا عبرة بهما ما لم يكن‏مجتهدا في مسألة حجية الاستصحاب.ثم أنّه لا وجه للإشكال على تثليث الأقسام:بأن الظنّ إن قام دليل على‏اعتباره فهو ملحق بالعلم و إلاّ فملحق بالشك فلا يصحّ تثليث الأقسام،فانّ عقدالبحث في الظن إنما هو لأجل تميز الظن المعتبر الملحق بالعلم عن الظن الغيرالمعتبر الملحق بالشك،فلا بد أوّلا من تثليث الأقسام ثم البحث عن حكم الظن من‏حيث الاعتبار و عدمه.نعم:لازم اعتباره هو أن يكون كالعلم،كما أنّ لازم عدم‏اعتباره هو أن يكون كالشك.ثم أنه قد اختلفت كلمات الشيخ(قده)في تشخيص‏مجاري الأصول،و لا تخلو بعضها أو جميعها عن إشكال عدم الأطراف و الانعكاس.و الأحسن،أن يقال:إن الشك،إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أولا،وعلى الثاني:فامّا أن لا يعلم بالتكليف أصلا و لو بجنسه و إمّا أن يعلم،و على‏الثاني:فإما أن يمكن فيه الاحتياط و إمّا أن لا يمكن،فالأوّل مجرى الاستصحاب،و الثاني مجرى البراءة،و الثالث مجرى الاحتياط،و الرابع مجرى التخيير1و إنّما1أقول:و لا يخفى أنّ جعل التخيير في قبال البراءة انما يتم في الأصول العقلية التي موضوعها اللابيان‏أو البيان،لأنّ سقوط العلم في المحذورين لا يسقط عن البيانية إلاّ بالترخيص الناشئ عن الطرفين بمناط عدم‏المرجح و لا يعقل أن يكون بمناط اللابيان.و أما في الأصول الشرعية فلا بأس بجريانها في طرفي العلم مع فرض‏عدم استلزامه مخالفة عملية،لأنّ موضوعها عدم العلم و هو في كل واحد من الطرفين حاصل،و حينئذ لا يبقى‏تخيير في قبال البراءة الشرعية،فتدبر.
5
قيّدنا مجرى الاستصحاب بلحاظ الحالة السابقة و لم نكتف بمجرد وجودها،فان‏مجرد وجودها بلا لحاظها لا يكفى في كونها مجرى الاستصحاب،إذ هناك من ينكراعتبار الاستصحاب كليّة،أو في خصوص الأحكام الكليّة،أو في خصوص الشك‏في المقتضى-على اختلاف الأقوال فيه-فالمنكر يدّعى أنّ وجود الحالة السابقةكعدمها لا تكون مجرى الاستصحاب.و هذا بخلاف ما إذا لوحظت فيه الحالةالسابقة،فان لحاظها انما يكون لأجل جريان الاستصحاب و يكون الشك الملحوظفيه الحالة السابقة مجرى للاستصحاب على جميع الأقوال فيه.و لا يخفى أنّ الحصر في مجاري الأصول إنّما يكون عقليا لدورانه بين النفي والإثبات.و أمّا حصر الأصول في الأربع فليس بعقلي،لإمكان أن يكون هناك‏أصل آخر وراء هذه الأصول الأربعة.و لكن هذا بالنسبة إلى خصوص‏الاستصحاب حيث إنّ اعتباره شرعي.و أمّا بالنسبة إلى الأصول العقلية:من البراءة و التخيير و الاحتياط،فالحصر فيها عقلي،لأنّه في صورة الشك:إمّا أن يراعى جهة التكليف و إمّا أن لايراعى،و في صورة المراعاة:إمّا أن يراعى من كل وجه و إما أن يراعى في‏الجملة،فالأوّل عبارة عن البراءة،و الثاني الاحتياط،و الثالث التخيير.و لا يعقل‏أن يكون هناك أصل عقلي آخر وراء هذه الأصول الثلاثة.ثم أنّ الأصول العملية الجارية في الشبهات الحكمية لا تختص بهذه الأصول‏الأربعة،بل هناك أصول اخر تجري في الشبهات الحكمية-كأصالة الطهارة و الحل-و إنما وقع البحث عن خصوص هذه الأصول الأربعة،لمكان أنّ كل شك في كل‏باب من أبواب الفقه لا بد و أن ينتهى إلى أحدها،بخلاف الأصول الاخر فانّهاتختص ببعض الأبواب،مع أنّ بعضها لا كلام في اعتبارها،كأصالة الطهارة.و على كل حال:بعد ما عرفت من أنّ المكلف إذا التفت إلى حكم‏شرعي،فإمّا أن يحصل له القطع،أو الظنّ،أو الشك،فالبحث يقع في مقامات‏ثلاث.
6
المقام الأوّل‏في القطع‏و فيه مباحث:
المبحث الأوّل‏في وجوب متابعة القطع‏
و المراد من وجوب متابعة القطع‏1وجوب متابعة المقطوع من الواقع المرئي‏بالقطع و لزوم العمل بما أدّى إليه قطعه و الجري على وفق علمه.و هذا الوجوب‏ليس وجوبا شرعيّا،لأنّ طريقية القطع ذاتية له لا تنالها يد التشريع،إذ لا معنى‏لتشريع ما هو حاصل بذاته و منجعل بنفسه،فانّ الجعل التشريعي إنما يتعلق بمايكون تكوينه عين تشريعه لا ما يكون متكوّنا بنفسه،و طريقية القطع تكون‏كذلك.و هذا من غير فرق،بين أن نقول بصحة جعل الحجية و الطريقية-كما هوالمختار-و بين أن نقول بعدم الصحة و أنّ المجعول هو منشأ الانتزاع-كما هو مختارالشيخ(قده)فانّ الطريقية التي نقول بصحة جعلها إنما هي في غير الطريقيةالتكوينية-كطريقية القطع-فانّها من لوازم ذات القطع كزوجيّة الأربعة،بل بوجه‏1أقول:لا شبهة في أنّ الأعمال المترتبة على القطع ليس من لوازم المرئي بوجوده الواقعي،بل إنّما هي‏من لوازم وجوده الزعمي الملحوظ في ظرف لحاظه طريقا إلى الواقع بلا التفات إلى زعميته.و حينئذ لا بأس‏بإضافة مثلها إلى نفس القطع،بل لا يضاف بالنظر الآخر الثانوي إلاّ إليه،كما لا يخفى.
7
يصحّ أن يقال:إنّها عين القطع،و ما يكون شأنه ذلك كيف يصح أن تناله يدالجعل التشريعي!.و بعبارة أخرى:طريقية كل شي‏ء لا بد و أن تنتهي إلى العلم و طريقيةالعلم لا بد و أن تكون ذاتية له،لأنّ كل ما بالغير لا بد و أن ينتهى إلى ما بالذات وإلا لزم التسلسل.و مما ذكرنا يعلم:أنّ نفى الطريقية و الحجية عن القطع أيضا لا يعقل،إذ لايمكن شرعا سلب ما هو من لوازم الذات،مضافا إلى لزوم التناقض.و ذلك كلّه‏واضح لا يحتاج إلى أزيد من تصور حقيقة القطع.و لا يصح إطلاق الحجة عليه،فانّ الحجة باصطلاح المنطقي عبارة عن‏«الوسط الّذي يكون بينه و بين الأكبر الّذي يراد إثباته للأصغر علقة و ربط ثبوتي»إمّا علقة التلازم و إمّا علقة العلية و المعلولية،سواء كان الوسط علّة لثبوت الأكبرالّذي هو البرهان اللمّي،أو كان معلولا له الّذي هو البرهان الإنّي،و أمثلة الكل‏واضحة.و من المعلوم:أنّ القطع لا يكون حجة بهذا المعنى،إذ لا يصح أن يقع وسطافي القياس،فلا يقال«هذا معلوم الخمرية و كل معلوم الخمرية خمر أو يجب‏الاجتناب عنه»لأنّ الكبرى كاذبة،إذ معلوم الخمرية يمكن أن يكون خمرا و يمكن‏أن لا يكون،و وجوب الاجتناب لم يترتب شرعا على معلوم الخمرية بل على الخمرالواقعي،لأنّ الكلام في القطع الطريقي،فلا يكون هناك علقه ثبوتية بين العلم وبين الأكبر،لا علقة التلازم و لا علقة العلية و المعلولية،و ما لم يكن علقة لا يصح‏جعله وسطا فلا يكون حجة باصطلاح المنطقي،كما لا يكون حجة باصطلاح‏الأصولي أيضا،فانّ الحجة باصطلاح الأصولي عبارة عن الأدلة الشرعية من الطرق‏و الأمارات التي تقع وسطا لإثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي من دون أن‏يكون بينها و بين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه،فانّ متعلّقاتها إن كانت‏من الموضوعات الخارجيّة فعدم ثبوت العلقة بينهما واضح،إذ لا علقة بين الظن‏بخمرية شي‏ء و بين نفس الخمر-لا علقة التلازم و لا علقة العلية و المعلولية-و إن‏
8
كانت من الأحكام الشرعية،فلأنّ الأحكام الشرعية1مترتبة على موضوعاتهاالواقعية لا على ما أدّى إليه الطريق،إلاّ بناء على التصويب الّذي لا نقول به.و من هنا يظهر:انه لا يصح تأليف القياس الحقيقي من الأدلة الشرعية،بل صورة قياس أشبه بالمغالطة،فقولك«هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمريةيجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه»قياس صوري لا واقع له،إذ الّذي يجب الاجتناب عنه هو الخمر الواقعي لا مظنون الخمرية و إنماكان الظن طريقا شرعيا إلى الخمر،فالظن يكون من قبيل المعرف‏و الواسطة في الإثبات فقط من دون أن يكون واسطة في‏الثبوت،و معه لا يصح تأليف القياس الحقيقي منه إلاّ بنحو من التأويل بعنايةجعل الشارع الظن طريقا إلى الخمر و مثبتا له في الظاهر.و هذا بخلاف القطع،فانه لا يصح جعله وسطا بوجه من الوجوه و لا يمكن تأليف القياس منه و لو قياس‏صوري،إذ تلك العناية التي كانت في الظن لم تكن في العلم،لعدم جعل الشارع‏العلم طريقا إلى إثبات متعلقه،لما تقدم من أنّ طريقية القطع غير قابلة لأن تنالها يد1أقول:بعد ما كان روح الحكم و حقيقته الّذي هو موضوع حكم العقل بالإطاعة و العصيان و مداراستحقاق الثواب و العقاب هي الإرادة المبرزة بالخطاب،لا نفسه بعنوانه الأوّلي،بل هو حكم حقيقي بعنوانه‏الثانوي من المبرزية التي هو عنوان توليدي له،فلا شبهة في أنّ هذه الحقيقة له مادة عبارة عن الإرادة الحقيقية وصورة هي عبارة عن بروزه بالخطاب و وصوله إلى المكلف،و هذا الوصول تارة:يكون بالخطاب الواقعي،وأخرى:لا يكون الا بالخطاب المتوجه إليه في ظرف الجهل بالخطاب الواقعي،و حينئذ ففي ظرف بروزه بالخطاب‏الثانوي صح أن يقال:إن الخطاب الثانوي المتعلق بالظن أو الشك مبرز لنفس الإرادة الواقعية التي هي مضمون‏الخطاب الأوّلي،و مثل هذه الإرادة المبرزة بمادته واقعي و بصورته من تبعات الظن بالواقع و الشك.و بهذه‏الملاحظة صح كون الظن وسطا لحكم متعلقه،لأنّ روح الحكم و مادته هي الإرادة التي من لوازم متعلقه و إن‏كان بروزه بالخطاب المتعلق بالظن،فمن حيث قيام بروزه به صح نسبة الوسطية إلى الظن،و من حيث إنّ المبرزهو عين إرادة الواقعية القائمة بنفس المتعلق صح أن يضاف الحكم بروحه إلى المتعلق بلا مغالطة في القياس،نعم:لو كان الخطاب الثانوي مبرزا لإرادة أخرى في قبال الواقع لا يصح ذلك إلا بنحو المغالطة،و لكن هذا المعنى‏أجنبي عن الأحكام الطريقية بأي لسان كان،سواء كان بلسان تتميم الكشف أو جعل المؤدّى بمنزلة الواقع،فتدبر.
9
الجعل التشريعي،و ما لم يكن هناك جعل شرعي لا يكون حجة باصطلاح‏الأصولي.و من هنا ظهر:أنّ مسألة حجية القطع لا تكون من مسائل علم الأصول،فانّ الضابط في كون المسألة أصولية هو أن تقع نتيجتها كبرى لقياس الاستنباط-على ما بيّناه في محله-و مسألة حجية القطع ليست كذلك،فظهر:أنه لا يصح‏إطلاق الحجة على القطع باصطلاح أهل الميزان و لا باصطلاح الأصولي.و لكن‏هذا في القطع الطريقي الّذي لم يؤخذ شرعا في موضوع حكم.و أمّا القطع الموضوعي:فيطلق عليه الحجة و يتألف منه القياس حقيقة،ويكون أشبه بالحجة باصطلاح المنطقي،فانّ موضوع الحكم يكون بمنزلة العلّة لثبوت ذلك‏الحكم،حيث إن نسبة الموضوعات إلى الأحكام نسبة العلل إلى معلولاتها و ان لم‏تكن من العلل الحقيقية إلاّ أنّه لمكان عدم تخلف الحكم عن موضوعه صار بمنزلةالعلّة،فالقطع الموضوعي يقع وسطا للقياس،و يقال مثلا«هذا معلوم الخمرية وكل معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه»إذا فرض أنّ وجوب الاجتناب رتّب على‏معلوم الخمرية لا على الخمر الواقعي.و هذا من غير فرق بين أن يكون القطع تمام‏الموضوع أو جزئه-على ما سيأتي من الفرق بينهما-فانه على كل تقدير يقع وسطا،غايته انّه لو كان تمام الموضوع يكون تمام الوسط للقياس،و لو كان جزء الموضوع‏يكون جزء الوسط و جزئه الآخر هو الواقع المنكشف به،و ذلك كله واضح.
المبحث الثاني‏في أقسام القطع‏
اعلم:أنّ القطع إمّا أن يتعلق بموضوع خارجي،و إمّا أن يتعلق بحكم‏شرعي.فان تعلق بموضوع خارجي:فإمّا أن يكون ذلك الموضوع ذا حكم شرعي‏مع قطع النّظر عن تعلق القطع به،و إمّا أن يكون لتعلق القطع به دخل في ثبوت‏
10
الحكم الشرعي،و لا إشكال في أن القطع بالنسبة إلى الموضوع الخارجي يكون‏طريقا محضا لا يعقل أن يكون له دخل في عنوان ذلك الموضوع،بل عنوان الموضوع‏أمر واقعي يدور مدار واقعه،و كذا يكون طريقا محضا بالنسبة إلى الحكم الشرعي‏المترتب على ذلك الموضوع،كما لو فرض أنّ وجوب الاجتناب رتّب شرعا على نفس‏الخمر الواقعي،فان العلم بالنسبة إليه يكون طريقا محضا،و يكون العلم بالموضوع‏علما بالحكم بعد العلم بالكبرى الكلية المجعولة شرعا من وجوب الاجتناب عن‏الخمر.و أمّا إذا لم يكن الموضوع الّذي تعلق به العلم ذا حكم شرعي بل كان‏للعلم دخل في الحكم،فهذا يتصور على وجوه:فانه يمكن أن يكون العلم تمام‏الموضوع بحيث يدور الحكم مدار العلم وجودا و عدما صادف الواقع أو خالف،كمالو فرض أنّ وجوب الاجتناب رتّب شرعا على العلم بخمرية الشي‏ء سواء صادف‏العلم الواقع أو خالف.و يمكن أن يكون العلم جزء الموضوع بحيث يكون للواقع المنكشف بالعلم‏دخل في ثبوت الحكم أيضا و يكون الموضوع مركبا من العلم و الواقع و ينتفي الحكم‏قهرا بانتفاء أحدهما،و على كلا التقديرين:يمكن أن يؤخذ العلم موضوعا على وجه‏الصفتية،و يمكن أن يؤخذ على وجه الطريقية.بيان ذلك:هو أن العلم لما كان ظاهرا بنفسه مظهرا لغيره و كان من‏الصفات الحقيقية ذي الإضافة و تكون جهة الحقيقية قائمة بنفس العالم من حيث‏قيام الصورة بنفسه التي هي المعلوم بالذات-على ما سيأتي الإشارة إلى بيانه-و جهةالإضافة قائمة بذي الصورة التي تكون معلومة بالعرض و بالغير من حيث كونه‏كاشفا و مظهرا لها،فيمكن أن يؤخذ العلم من الجهة الأولى موضوعا لحكم و هوالمراد من أخذه على نحو الصفتية،و يمكن أخذه موضوعا من الجهة الثانية و هو المرادمن أخذه على نحو الطريقية و الكاشفية،فتكون أقسام القطع المأخوذ في الموضوع‏أربعة:أخذه تمام الموضوع،أو جزئه،و على كلا التقديرين:أخذه على وجه‏الصفتية،أو الطريقية.
11
نعم:في إمكان أخذه تمام الموضوع‏1على وجه الطريقية إشكال،بل‏الظاهر أنه لا يمكن،من جهة أن أخذه تمام الموضوع يستدعى عدم لحاظ الواقع وذي الصورة بوجه من الوجوه،و أخذه على وجه الطريقية يستدعى لحاظ ذي‏الطريق و ذي الصورة و يكون النّظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم،كما هوالشأن في كل طريق،حيث إن لحاظه طريقا يكون في الحقيقة لحاظا لذي الطريق،و لحاظ العلم كذلك ينافى أخذه تمام الموضوع.فالإنصاف أنّ أخذه تمام الموضوع‏لا يمكن إلاّ بأخذه على وجه الصفتية.و ربّما يأتي مزيد توضيح لهذه الأقسام الأربعةفي المبحث الآتي.هذا كله إذا تعلق العلم بموضوع خارجي.و أمّا إذا تعلق بحكم شرعي:فيمكن أيضا أخذه موضوعا لحكم آخر غير ماتعلق العلم به،كما لو رتّب وجوب التصدق على العالم بوجوب الصلاة،و يأتي فيه‏الأقسام الأربعة:من كونه تمام الموضوع،أو جزئه،على وجه الطريقية،أو الصفتيةو أمّا أخذه موضوعا بالنسبة إلى نفس الحكم الّذي تعلق العلم به فهو مما لايمكن إلاّ بنتيجة التقييد.و توضيح ذلك:هو أنّ العلم بالحكم لما كان من‏الانقسامات اللاحقة للحكم،فلا يمكن فيه الإطلاق و التقييد اللحاظي لاستلزامه‏الدور،كما أوضحناه(في مبحث التعبدي و التوصلي)و قلنا:إن أخذ العلم قيداجزء أو شرطا أو مانعا ممّا لا يمكن في مرتبة الجعل و التشريع-كما هو الشأن في‏1أقول:توضيح المقام أنّ القطع بل جميع الصفات الوجدانية من الظن و غيره-بل الإرادة و التمني والترجي و أمثال ذلك من الصفات القائمة بالنفس-ذات إضافة إلى الصور الحاكية عن الخارج بنحو لا يلتفت‏إلى ذهنيتها في ظرف وجودها مع فرض عدم تعديها من الصورة إلى الخارج و أنّ الخارج ظرف اتصافها بها و أنّ‏ظرف عروضها الذهن،و حينئذ في ظرف وجودها و إن لا يتصور و لا يلتفت إلى تفكيكها عن الخارج،و لكن‏مع ذلك يلتفت إلى تعلقه إليه و أنّ الخارج متعلقه و غيره لا نفسه و أنّه منكشف لا عينه،كما أنّ في مقام تصورمفاهيمها لا بأس بتصور تفكيكها عن متعلقاتها أيضا مع فرض تصور جهة عروضها على الصور الحاكية عن‏الخارج،و هذه الجهة يرجع إلى تصور جهة كاشفيتها و مبرزيتها عن الخارج قبال حيث قيامها بنفس القاطع بماهو صفة من الصفات،و حينئذ لا بأس للجاعل أن يلاحظ هذه الجهة و يجعله تمام الموضوع،كما أنّه يجعله جزئه،كيف!و لو فرض عدم التفات الجاعل إلى هذه الجهة من القطع بل تصوره من حيث المبرزية كان موجبا للغفلةعن نفسه،فلا يعقل أن يجعله أيضا جزء الموضوع،فتدبر.
12
الانقسامات اللاحقة للمتعلق باعتبار تعلق الحكم به كقصد التعبد و التقرب في‏العبادات-و إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضا،لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم و الملكة،و لكن الإهمال الثبوتي أيضا لا يعقل،بل لا بد إمّا من‏نتيجة الإطلاق أو من نتيجة التقييد،فانّ الملاك الّذي اقتضى تشريع الحكم،إمّاأن يكون محفوظا في كلتي حالتي الجهل و العلم فلا بد من نتيجة الإطلاق‏1و إماأن يكون محفوظا في حالة العلم فقط فلا بدّ من نتيجة التقييد،و حيث لم يمكن أن‏يكون الجعل الأوّلي متكفلا لبيان ذلك فلا بد من جعل آخر يستفاد منه نتيجةالإطلاق أو التقييد،و هو المصطلح عليه بمتمم الجعل،فاستكشاف كل من نتيجةالإطلاق و التقييد يكون من دليل آخر.و قد ادّعي تواتر الأدلة على اشتراك الأحكام في حق العالم و الجاهل،ونحن و إن لم نعثر على تلك الأدلة سوى بعض أخبار الآحاد التي ذكرها«صاحب‏الحدائق»في مقدمات كتابه،إلاّ أنّ الظاهر قيام الإجماع بل الضرورة على ذلك،ومن هنا كان الجاهل المقصّر معاقبا إجماعا.و من تلك الأدلة و الإجماع و الضرورةيستفاد نتيجة الإطلاق و أنّ الحكم مطلق في حق العالم و الجاهل.و لكن تلك‏1أقول:لا شبهة في استحالة تقييد الحكم أو موضوعه بالعلم بنفس الحكم،لاستلزامه تقدم الشي‏ءعلى نفسه،كما أنّه لا يعقل سعة الحكم أو موضوعه بنحو يشمل هذه المرتبة المعبر عنه بإطلاقه،و لكن لا بأس في‏جعل الحكم لنفس الذات في المرتبة السابقة عن العلم به،بنحو يشمل إطلاقه في رتبة نفسه للحالتين مع فرض‏ملاحظة الحالتين من لوازمه في الرتبة المتأخرة،و في هذا المقدار لا يحتاج إلى متمم جعل،بل يتحقق بنفس الجعل‏الأوّلي،كما أنّه لا قصور أيضا في جعل الحكم للذات في الرتبة السابقة التوأم مع خصوص العلم بحكمه لا مقيدا به‏و لا مطلقا،كما هو الشأن في كل معروض بالنسبة إلى عارضه الملحوظ في الرتبة المتأخرة،من دون اقتضاء التوأميةاتحاد الرتبة،كما في ملازمة كل علة مع معلوله.هذا كلّه أيضا في فرض ملاحظة العلم بهذا الجعل في الرتبةالمتأخرة.و لئن لوحظ فيه العلم بإنشائه الملازم مع العلم بحقيقة حكمه فلا بأس بتقييد موضوع الحكم المنشأبهذا الإنشاء بالعلم بإنشائه المحفوظ في الرتبة السابقة الملازمة مع العلم بنفسه في الرتبة اللاحقة أيضا،بلا احتياج في‏ذلك المقدار أيضا إلى متمم الجعل.نعم:لو كانت المصلحة قائمة بالذات المقيدة بالعلم بنفسه لا محيص من‏الاحتياج إلى متمم الجعل-كما هو الشأن في دعوة الأمر في العبادات-و لكن أنّى لنا بإثباته!خصوصا في ظرف‏الإطلاق بمقتضى أدلة الاشتراك،كما لا يخفى.
13
الأدلة قابلة للتخصيص و قد خصّصت في غير مورد1كما في مورد الجهر والإخفات و القصر و الإتمام،حيث قام الدليل على اختصاص الحكم في حق‏العالم،فقد أخذ العلم شرطا في ثبوت الحكم واقعا.و كما يصح أخذ العلم بالحكم شرطا في ثبوت الحكم كذلك يصح أخذالعلم بالحكم من وجه خاص و سبب خاص مانعا عن ثبوت الحكم واقعا،بحيث‏لا حكم مع العلم به من ذلك السبب.كما في باب القياس،حيث إنّه قام الدليل‏على أنّه لا عبرة بالعلم بالحكم الحاصل من طريق القياس،كما في رواية«أبان»في مسألة دية أصابع المرأة (1) حيث نهى عليه السلام عن العمل بالقياس،مع أن«أبان»كان عالما بأنّ في قطع أربعة من أصابع المرأة يثبت أربعين من الإبل من طريق‏القياس،و من هنا تعجب من حكم الإمام عليه السلام بأنّه يثبت ثلاثين من‏الإبل،و مع ذلك نهى الإمام عليه السلام عن العمل بعلمه،فقد أخذ العلم بالحكم من‏طريق القياس مانعا.و ليس هذا في الحقيقة نهيا عن العمل بالعلم حتى يقال:إن‏ذلك لا يعقل من جهة أنّ طريقية العلم و كاشفيته ذاتية لا يمكن نفيها في عالم‏التشريع و لا يعقل التصرف في ناحية العلم بوجه من الوجوه،بل مرجع ذلك إلى‏التصرف في المعلوم و الواقع الّذي أمره بيد الشارع،فالتصرف يرجع إلى ناحيةالمتعلق لا إلى ناحية العلم،و بعد الالتفات إلى هذا التصرف لا يمكن أن يحصل‏للمكلف علم بالحكم من طريق القياس،إذ الحكم الواقعي قيّد بغير ما أدّى إليه‏القياس،فكيف يمكن أن يحصل له العلم بالواقع من ذلك الطريق.نعم:لو لم‏يلتفت إلى هذا التصرف يحصل له العلم،كما حصل ل«أبان»العلم بالحكم قبل‏نهى الإمام عليه السلام .1أقول:لا شبهة في أن التقيد في أصل الغرض و لو بمتمم الجعل يقتضى عدم العقاب في الجاهل المقصرفي الفرعين،لعدم تصور التقصير في حق الجاهل حينئذ،مع أنه خلاف ظاهر الأصحاب،كما حكاه في«مصباح‏الفقيه»و حينئذ فلا محيص من جعل المقام من باب جعل البدل المفوّت لبقية المصلحة،كما لا يخفى.
1)الوسائل:الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء الحديث 1

14
و بذلك يمكن أن توجّه مقالة الأخبارييّن«من أنّه لا عبرة بالعلم الحاصل‏من غير الكتاب و السنة»بأن يقال:إنّ الأحكام الواقعية قيدت بنتيجة التقييد بماإذا أدّى إليها الكتاب و السنة و لا عبرة بغير ذلك.فلا يرد عليهم:انّ ذلك غيرمعقول،بل شيخنا الأستاذ(مد ظله)نفى البعد عن كون الأحكام مقيّدة بما إذا لم‏يكن المؤدى إليها مثل الجفر و الرمل و المنام و غير ذلك من الطرق الغير المتعارفة.و بما ذكرنا يرتفع ما ربّما يستشكل‏1في عبارة الشيخ(قده)من جعله‏مقالة الأخباريين من أمثلة العلم المأخوذ موضوعا،مع أنه لا يمكن أخذ العلم موضوعابالنسبة إلى نفس متعلقه،فانّه بالبيان الّذي ذكرنا ظهر أنه لا مانع من أخذ العلم‏موضوعا بالنسبة إلى نفس متعلقه إذا كان حكما شرعيا بنتيجة التقييد.فتحصّل من جميع ما ذكرناه:أنّ العلم إذا تعلق بموضوع خارجي‏فالعلم بالنسبة إلى ذلك الموضوع يكون طريقا محضا،و بالنسبة إلى أحكام ذلك‏الموضوع يمكن أن يكون طريقا،و يمكن أن يكون موضوعا،و إذا تعلق بحكم‏شرعي فيمكن أن يكون بالنسبة إلى حكم آخر موضوعا،كما انّه يمكن أن يكون‏موضوعا بالنسبة إلى نفس ذلك الحكم لكن بنتيجة التقييد،فتأمل في أطراف‏ما ذكرناه حتى لا تبادر بالإشكال،هذا كلّه إذا تعلق العلم بالحكم الشرعي.و أمّا الأحكام العقلية:فالعلم فيها دائما يكون موضوعا،من غير فرق بين‏الإرشاديات العقلية أو مستقلاتها،فان حكم العقل بحسن شي‏ء أو قبحه لايكون إلاّ بعد العلم و الالتفات إلى الموضوع العقلي،فلا يحكم العقل بقبح التصرف‏في مال الناس إلاّ بعد الالتفات إلى كونه مال الناس،على اختلاف الأحكام‏1أقول:يا للّه!لو كان الاخباري نظره في ما اختاره إلى متمم الجعل يلزمه أن لا يحصل له علم من‏غير الكتاب و السنة،مع أنّ كلماتهم مشحونة بأنّه لو حصل العلم من غيره يطرح و لا يصلح للمعارضة مع‏العلم الحاصل من الكتاب و السنة،كما أنّ«شيخنا العلامة»في ردّهم ينادى بأعلى صوته الاستيحاش عن هذه‏المعارضة و عن أنه بعد حصول العلم كيف يعقل ردعه!فلو كان نظر«الشيخ»في المقام إلى التقييد بمتمم الجعل‏فلا يبقى وقع لما أورد عليهم،فتأمل في أطراف كلماتك كي لا تغلط ما أورد عليك!!
15
العقلية،من حيث إنّ للعقل حكم واحد أو حكمين،على ما سيأتي توضيحه في‏محله(إن شاء اللّه تعالى).
المبحث الثالث‏
في قيام الطرق و الأمارات و الأصول بنفس أدلة اعتبارها مقام القطع بأقسامه‏و تفصيل ذلك يستدعى تقديم أمور:الأمر الأوّل:المراد من الأصول المبحوث عنها في المقام من حيث‏قيامها مقام القطع ليس مطلق الأصول،بل خصوص الأصول التنزيلية-أي‏المتكفلة لتنزيل المؤدّى منزلة الواقع-بحيث يكون المجعول فيها البناء العملي‏11أقول:هل يرجع البناء العملي على أحد الطرفين على أنه الواقع إلى غير البناء على أنّ مؤدى أحدالطرفين في مقام العمل هو الواقع؟و مرجع هذا البناء هل إلى غير تنزيل المؤدى منزلة الواقع في مقام العمل؟وحينئذ أين يبقى مجال الإنكار لتنزيل المؤدى منزلة الواقع على من يقول به في الطرق أيضا برميه على الاستحالة،إذمثله أيضا لا يريد من التنزيل المزبور أزيد من ذلك.ثم إنّ نتيجة هذا البناء العملي في ظرف الشك بالواقع هل من الشارع الجاعل أو الممضى لبنائهم إلى غيرإبراز إرادته للعمل المزبور بهذا العنوان؟و لا نعنى من الحكم الظاهري غير هذا،فكيف ينكر الحكم الظاهري في‏قبال الواقع حتى في الأصول!نعم:الغرض من الحكم الظاهري المجعول ان كان إرادة مستقلة أخرى فنحن أيضا ننكره،بل الّذي‏يلتزم بالحكم الظاهري مطلقا يقول بأن شأن الخطابات الظاهرية كونها مبرزة للإرادة الواقعية التي هي مضمون‏الخطابات الواقعية في مرتبة الشك فيها،فهي من حيث المبرزية الّذي به قوام حكميه في طول الواقع و من حيث‏مادة الحكم و لبّه من الإرادة عين الخطاب الواقعي،و بهذا المعنى قلنا بصحة وقوع الظن وسطا لحكم متعلقه‏بالقياس المنطقي بلا مغالطة في صورة القياس كما تقدم،كما ان بنفس هذا الخطاب و الأمر الظاهري يتنجز الواقع‏لا بشي‏ء آخر،كما سنبيّن لك بأحسن بيان(إن شاء اللّه تعالى).و بالجملة نقول:انّ الشارع جاعل لإحراز الواقع،لكن بهذا المعنى الجاري في الأصول المثبتة حتى غيرالتنزيلية-كإيجاب الاحتياط-لا بمعنى تتميم الكشف المختص بالأمارة.و أظن أنّ الصادر من مؤسس الأساس هو
16
على أحد طرفي الشك على أنّه هو الواقع و إلقاء الطرف الآخر،كالاستصحاب،و أصالة الصحة،و قاعدة التجاوز،و أمثال ذلك من الأصول‏المحرزة-كما يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى في محله-فمثل أصالة الطهارة و البراءة والاشتغال ليس داخلا في محل الكلام في المقام،و لذا قيّد الشيخ(قده)ببعض‏الأصول‏1الأمر الثاني:قد عرفت أن القطع من الصفات الحقيقية ذات إضافة،و لأجل ذلك يجتمع في القطع جهات ثلاث:الجهة الأولى:جهة كونه صفة قائمة بنفس العالم من حيث إنشاءالنّفس في صقعها الداخليّ صورة على طبق ذي الصورة،و تلك الصورة هي‏المعلومة بالذات،و لمكان انطباقها على ذي الصورة يكون ذيها معلوما بتوسطتلك الصورة،فالمعلوم أوّلا و بالذات هي الصورة،و تلك الصورة هي حقيقةالعلم و المعلوم،و هذا من غير فرق بين أن نقول:إنّ العلم من مقولة الكيف،أو من مقولة الفعل،أو من مقولة الانفعال،أو من مقولة الإضافة-على اختلاف‏الوجوه و الأقوال-فانّه على جميع التقادير تكون هناك صفة قائمة في نفس العالم،فهذه أوّل جهات العلم.الجهة الثانية:جهة إضافة الصورة لذي الصورة،و هي جهة كشفه عن‏المعلوم و محرزيته له و إراءته للواقع المنكشف،و هذه الجهة مترتبة على الجهةالأولى،لما عرفت من أنّ إحراز الواقع و كشفه إنّما يكون بتوسط الصورة.ذلك و بتوارد الأفكار وقع الخلط في جعل الكاشف و الإحراز إلى تتميم كشف الناقص الّذي هو مفاد دليل الأمارةبنحو من العناية محضا،بلا جريان مثله في مفاد أدلة الأصول.1ذكرنا في مبحث الاستصحاب أنه يمكن فرض قيام الأصول الغير المحرزة مقام القطع على بعض‏الوجوه،فراجع-منه‏
17
الجهة الثالثة:جهة البناء و الجري العملي على وفق العلم،حيث إنّ‏العلم بوجود الأسد مثلا في الطريق يقتضى الفرار عنه،و بوجود الماء يوجب‏التوجه إليه إذا كان العالم عطشان،و لعله لذلك سمّى العلم اعتقادا،لما فيه‏من عقد القلب على وفق المعتقد و البناء العملي عليه.فهذه الجهات الثلاث كلها مجتمعة في العلم و تكون من لوازم ذات‏العلم،حيث إنّ حصول الصورة عبارة عن حقيقة العلم و محرزيته وجداني والبناء العملي عليه قهري.ثم أنّ المجعول في باب الطرق و الأمارات هي الجهة الثانية من جهات‏العلم،و في باب الأصول المحرزة هي الجهة الثالثة،و توضيح ذلك هو أنّ‏المجعول في باب الأمارات نفس الطريقية و المحرزية و الكاشفية،بناء على ما هوالحق عندنا:من تعلق الجعل بنفس الطريقية،لا بمنشإ انتزاعها،كما هو مختارالشيخ(قده)-و سيأتي إن شاء اللّه تفصيله في مبحث الظنّ-و أنّ تصوير ما يكون‏منشأ لانتزاع الطريقية في غاية الإشكال،بل كاد أن يكون من المحالات.وليس المجعول في باب الأمارات هو المؤدى بحيث يتعلق حكم بالمؤدى غير ماللمؤدى من الحكم الواقعي،فانّ ذلك غير معقول كما سيأتي،بل المجعول هوالطريقية و الوسطية في الإثبات و الكاشفية عن الواقع،أي تتميم الكاشفية بعدما كان في الطرق و الأمارات جهة كشف في حد أنفسها،غايته أنّ كشفهاناقص و ليس ككاشفية العلم.و من هنا اعتبرنا في كون الشي‏ء أمارة من أن يكون له في حدّ ذاته‏جهة كشف،و الشارع في مقام الشارعية تمّم كشفه و جعله محرزا للواقع ووسطا لإثباته،فكأنّ الشارع في عالم التشريع جعل الظن علما من حيث‏الكاشفية و المحرزية بلا تصرف في الواقع و لا في المؤدى،بل المؤدى بعد باق‏على ما هو عليه من الحكم الواقعي صادفت الأمارة للواقع أو خالفت،لأنّه‏يكون من مصادفة الطريق أو مخالفة الطريق لذي الطريق من دون توسعة في‏
18
الواقع و تنزيل شي‏ء آخر منزلة الواقع،فانّ كل ذلك لم يكن،بل المجعول هونفس الطريقية و الكاشفية و المحرزية1التي كان القطع واجدا لها بذاته و الظن‏يكون واجدا لها بالتعبد و الجعل الشرعي،فهذا هو المجعول في باب الطرق والأمارات.1أقول:لا يخفى أن نتيجة الجعل و التشريع تارة إحداث حقيقة الشي‏ء الّذي هو منشأ انتزاع مفهومه وكان بنحو يطبق العقل هذا العنوان على المجعول بنحو الحقيقة و الوجدان-نظير جعل المسجدية و الملكية و أمثالها،بناء على أن حقائقها أمور جعلية-و تارة ليس إحداث هذه الحقيقة بالوجدان،فلا محيص إلاّ ان يكون تطبيق‏عنوان المجعول عليه بالعناية و الادّعاء،لا يتصور ثالث لهذين المعنيين،لدورانه بين النفي و الإثبات.و ليس‏الغرض من تطبيق العنوان وجدانا على الشي‏ء كون العنوان ذاتيا له،بل الغرض كون هذه الحقيقة عارضاللشي‏ء بالجعل أو غيره من سائر الأمور الاختيارية،كجعل الجسم أبيض أو أسود،ففي الأمور الاعتباريةكالمسجدية و الوقفية-جعلها التشريعي عين تكوينه بإنشاء قولي أو بفعل خارجي،قبال ذاتي الشي‏ء الغيرالقابل للجعل و لو تكوينا،و لذا«ما جعل اللّه المشمشة مشمشة»بل أوجد الذات الواجد لهذه الحيثية بذاته.إذاعرفت هذه المقدمة نقول:إنّ الغرض من تشريع الإحراز و البقاء احتمال الخلاف المساوق لتمامية الكشف:إن كان بنحو يحكم‏العقل بتطبيق هذه العناوين على المجعول بنحو الحقيقة و الوجدان،ففساده أوضح من أن يخفى على أحد،و إن كان‏الغرض أنّ نتيجة التشريع تطبيق العقل هذه العناوين على المجعول بالعناية و الادّعاء-كجعل الحياة و الممات‏لزيد-فهو في غاية المتانة و لا يتصور في البين ثالث،لما عرفت من دورانه بين النفي و الإثبات.و إذا كان كذلك فلا شبهة في أنّ ادّعاء شي‏ء لشي‏ء يحتاج إلى النّظر إلى جهة أخرى مصحح لهذاالادّعاء،فربما يكون الغرض من ادّعاء العالمية احترام الناس له،ففي هذه الصورة لا يترتب عليه عمل لعلمه هذا،فلا محيص في ترتب هذا الأثر من كون النّظر في هذا الادّعاء إلى لزوم عمله عليه على وفق علمه الوجداني،فبالأخرة ينتهى إلى الأمر بالمعاملة،فتشترك الأمارة مع الأصول في ذلك و في قيامها مقام القطع في الجهة الثالثة.نعم:الفارق بينهما هو أن الأمر بالمعاملة في الأصول مجعول بدوا،و في الأمارة مستكشف من جعل‏الإحراز بدوا بإنشائه أو إمضائه.و حينئذ فالغرض من قيام الظن مقام العلم إن كان هذا المقدار فلا بأس به،لكن معلوم أنّ هذا المقدار لا يكون ملزما للعمل لو لا استكشاف الأمر بالمعاملة منه-كما أشرنا إليه-فالذي‏يوجب قيام الظن مقام العلم الطريقي في هذه الجهة هو الأمر بالمعاملة لا تتميم الكشف محضا،كما هو الشأن لوقلنا بتنزيل المؤدى منزلة الواقع،إذ المقصود أيضا الأمر بالمعاملة مع ما أدّى إليه الظن معاملة الواقع،و مرجع هذاالأمر و العناية المزبورة أيضا إلى إبراز الإرادة الواقعية بهذا الإنشاء،كما هو الشأن في لسان تتميم الكشف،بل ومثل إيجاب الاحتياط الّذي لا عناية فيه أصلا،فمبرزية هذه الخطابات عن الواقع إنّما هو بهذا المعنى،لا بمعنى‏تتميم الكشف أو التعبد بالمؤدّى الّذي هو مفاد الخطاب.
19
و أمّا المجعول في باب الأصول التنزيلية فهي الجهة الثالثة من العلم،وهو الجري و البناء العملي على الواقع من دون أن يكون هناك جهة كشف وطريقية،إذ ليس للشك الّذي أخذ موضوعا في الأصول جهة كشف عن الواقع‏كما كان في الظن-فلا يمكن أن يكون المجعول في باب الأصول الطريقية والكاشفية،بل المجعول فيها هو الجري العملي و البناء على ثبوت الواقع عملاالّذي كان ذلك في العلم قهريا و في الأصول تعبديا.و مما ذكرنا ظهر:أنّ حكومة الطرق و الأمارات و الأصول على‏الأحكام الواقعية ليست الحكومة الواقعية،مثل قوله«الطواف بالبيت‏صلاة» (1) و قوله«لا شك لكثير الشك»1بل الحكومة الظاهرية.و الفرق بين الحكومة الواقعية و الحكومة الظاهرية،هو أنّ الحكومةالواقعية توجب التوسعة و التضيق في الموضوع الواقعي،بحيث يتحقق هناك‏موضوع آخر واقعي في عرض الموضوع الأوّلي كما في قوله«الطواف بالبيت‏صلاة»و هذا بخلاف الحكومة الظاهرية مع ما لها من العرض العريض:من‏حكومة الأمارات بعضها على بعض،و حكومتها على الأصول،و حكومةالأصول بعضها على بعض،و حكومة الجميع على الأحكام الواقعية،فانّه ليس‏في الحكومة الظاهرية توسعة و تضييق واقعي،إلاّ بناء على بعض وجوه جعل‏المؤدى الّذي يرجع إلى التصويب.و أما بناء على المختار:من عدم جعل المؤدى وأنّ المجعول فيها هو الوسطية في الإثبات و الكاشفية و المحرزية،فليس هناك‏توسعة و تضييق واقعي،و حكومتها إنّما تكون باعتبار وقوعها في طريق إحراز1لم نجد حديثا بهذه العبارة-على ما تفحصنا-في روايات الباب،و إليك نصّ ما أورده في الوسائل‏«إذا أكثر عليك السهو فامض على صلاتك»و«لا سهو على من أقرّ على نفسه بسهو»راجع الوسائل الباب 16 من‏أبواب الخلل الواقع في الصلاة.(المصحح)
1)المستدرك:الباب 38 من أبواب الطواف الحديث 2.

20
الواقع في رتبة الجهل به،فيكون المجعول في باب الطرق و الأمارات و الأصول‏في طول الواقع لا في عرضه.و ليس للشارع حكمان:حكم واقعي و حكم‏ظاهري،بأن يكون تكليفان مجعولان شرعيان:أحدهما تكليف واقعي،و الآخرتكليف ظاهري،فانّ التكليف الظاهري بهذا المعنى ممّا لا نعقله.و المراد من كون مؤديات الطرق و الأصول أحكاما ظاهرية هو كونهامثبتة للواقع عند الجهل و الحكم بأنّ مؤدياتها هو الواقع لمكان كونها محرزة له،وليس هناك حكم آخر وراء الواقع يسمّى بالحكم الظاهري،كما ربّما يتخيل.فظهر:أنّ ما بين الحكومة الواقعية و الحكومة الظاهرية بون بعيد،و أنّ‏حكومة الأمارات إنّما تكون حكومة ظاهرية واقعة في طول الواقع و في طريق إحرازه،ويكون المجعول فيها نفس المحرزية،و التنجيز و العذر من اللوازم العقلية المترتبة على‏ما هو المجعول،لوضوح أنّ التنجز لا يكون إلاّ بالوصول إلى الواقع و إحرازه،إمّابنفسه(كما في العلم و الطرق و الأمارات و الأصول المتكفلة للتنزيل)و إمّابطريقه(كما في موارد جريان أصالة الاحتياط)على ما سيأتي توضيحه في محله.و على كل حال:نفس التنجيز و العذر غير قابل للجعل،كما ربّمايوهمه بعض الكلمات،و إنّما الّذي يكون قابلا للجعل هو المحرزية و الوسطية في‏الإثبات ليكون الواقع واصلا إلى المكلف،و يلزمه عقلا تنجيز الواقع.الأمر الثالث:قد ظهر مما ذكرنا:أنه ليس لنا واقع حقيقي و واقع‏جعلي،و علم بالواقع الحقيقي و علم بالواقع الجعلي،بأن يكون للواقع فردان:فردحقيقي و فرد جعلي،و للعلم فردان:علم بالواقع الحقيقي و علم بالواقع الجعلي،فانّ ذلك كله مبنىّ على جعل المؤدى،فيصح أن يقال-بنحو من المسامحة-إنّ‏للخمر مثلا فردان:خمر واقعي و خمر جعلي تعبدي،و كذا للعلم فردان:علم‏بالخمر و علم بالخمر التعبدي.و أمّا بناء على عدم جعل المؤدى فليس للخمرإلاّ فرد واحد،و هو الخمر الواقعي،و الإحراز إنما يتعلق به.نعم:هناك علم‏
21
بحجية الطرق و الأصول،و هذا غير العلم بالواقع الجعلي.إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ الوجوه أو الأقوال في قيام الطرق والأمارات و الأصول التنزيلية مقام القطع ثلاثة:الأوّل:قيامها مقامه بجميع أقسامه حتّى فيما إذا أخذ موضوعا على نحوالصفتية.الثاني:عدم قيامها مقام ما أخذ في الموضوع مطلقا و لو على نحوالطريقية و الكاشفية.الثالث:قيامها مقام القطع الطريقي مطلقا و لو كان مأخوذا في‏الموضوع،و عدم قيامها مقام القطع الصفتي،و هذا هو الأقوى،فانّ ما ذكرمانعا عن قيامها مقام القطع المأخوذ موضوعا على وجه الطريقية-من استلزام‏الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في لحاظ واحد-ضعيف غايته،فانّ‏الاستلزام المذكور مبنى على جعل المؤدى الّذي قد تبين فساده.و أمّا على المختار:من أنّ المجعول في باب الطرق و الأمارات هو نفس الكاشفية و المحرزيةو الوسطية في الإثبات،فيكون الواقع لدى من قامت عنده الطرق محرزا كما كان‏في صورة العلم،و المفروض أنّ الأثر مترتب على الواقع المحرز،فان ذلك هولازم أخذ العلم من حيث الكاشفية موضوعا،و بنفس دليل حجية الأمارات والأصول يكون الواقع محرزا فتقوم مقامه بلا التماس دليل آخر1و تركيب‏1أقول:بعد ما لا يكون في مفاد الأصول جهة إحراز و تتميم كشف،بل غايته هو الرضا بجري العمل‏بعنوان أنه واقع من دون اقتضاء هذا المعنى لإثبات العلم بالواقع الحقيقي لا وجدانا،و لا تعبدا،و إنما غاية اقتضائه‏العلم بالواقع التعبدي لا الحقيقي،و معلوم:أن مثل هذا العلم غير العلم بالواقع الحقيقي،و حينئذ قيام أحدهمامقام الآخر يحتاج إلى جعل آخر و لا يفي به مفاد أدلة الأصول كما هو الشأن لو كان مفاد أدلة الأمارات هوالتعبد بكون المؤدى هو الواقع بلا تتميم كشف فيه،و حينئذ فما أفيد بأن الواقع بنفس دليل حجية الأمارات والأصول محرز صحيح،و لكن في الأمارات يكون الواقع الحقيقي محرزا بالعناية،و في الأصول كان الواقع التعبدي‏محرزا بالوجدان،و لا نفهم أزيد من ذلك.
22
الموضوع من الواقع و الإحراز ليس على حد الموضوع المركب من الأجزاء العرضيةكالصلاة،فانّ الاجزاء العرضية تحتاج إلى أن تكون كل منها محرزة بالوجدان،أو بالتعبد،أو بعضها بالوجدان و بعضها بالتعبد،و لا يكون إحرازأحد الأجزاء إحرازا للآخر أو التعبد بأحدها تعبدا بالآخر،بل‏يحتاج كل منها إلى تعبد مستقل أو إحراز مستقل،و هذا بخلاف‏التركيب من لا شي‏ء و إحرازه،فانه بنفس إحراز ذلك الشي‏ء يتحقق كلاجزئيّ الموضوع و لا يحتاج إلى إحرازين أو تعبدين،بل لا معنى لذلك،فلو فرض‏أنّ الشارع جعل الظن محرزا للواقع فبنفس جعله يتحقق كلا جزئيّ الموضوع،ولا يحتاج إلى جعلين حتى يقال:إنه ليس في البين جعلان و الجعل الواحد لا يمكن‏أن يتكفل كلا الجزءين لاستلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي،حيث إنّ تنزيل الظن منزلة العلم باعتبار المؤدى يرجع في الحقيقة إلى تنزيل‏المظنون منزلة المعلوم،فيكون النّظر إلى الظن و العلم نظرا مرآتيا،و تنزيل الظن‏منزلة العلم باعتبار نفسه و بما أنّه جزء الموضوع يرجع في الحقيقة إلى لحاظ الظن‏و العلم شيئا بحيال ذاته،و يكون النّظر إليهما نظرا استقلاليا و لا يمكن الجمع‏بين اللحاظين في جعل واحد،لا لمكان أنّه ليس هناك مفهوم عام يجمعهما،كما يقال:إنّ الجمع بين الشيئين في استعمال واحد لا يمكن لعدم الجامع بينهما،بل لمكان عدم إمكان الجمع بين اللحاظين لتنافيهما ذاتا.و هذا الإشكال قدكان دائرا على ألسنة أهل العلم من زمن الشيخ(قده)إلى زماننا هذا،على ماحكاه شيخنا الأستاذ(مد ظله)و قد تبين أنّه لا موضوع لهذا الإشكال و لامحمول،فانّ مبنى الإشكال هو تخيل أن المجعول في باب الطرق و الأمارات والأصول هو المؤدى و تنزيله منزلة الواقع و الخلط بين الحكومة الواقعية و الحكومةو ما أفيد للحكومة في المقام إنما يتم في الأوّل لا الأخير،و لعمري!أنّ بيان مرامه في هذه المقامات نحورمز لا نفهم إلاّ بشرحه،و عليه بشرح مرامه،و إلاّ فلا يكون لهذه البيانات معنى محصّل.
23
الظاهرية،فيقال:إنّ في قيام الظن مقام العلم المأخوذ موضوعا يحتاج إلى‏تنزيلين:تنزيل المظنون منزلة المقطوع،و تنزيل الظن منزلة القطع،و أنت‏بعد ما عرفت حقيقة المجعول في باب الأمارات و الأصول ظهر لك:أنّه ليس في‏البين تنزيل أصلا،بل الشارع إنّما أعطى صفة المحرزية للظن،فيرتفع الإشكال‏من أصله.فان قلت:هب انّ المجعول في باب الأمارات و الأصول ذلك،إلاّ أنّ‏الّذي أخذ جزء الموضوع في ظاهر الدليل هو العلم و الإحراز الوجداني،و بأي‏دليل تقولون:إنّ الإحراز التعبدي يقوم مقام الإحراز الوجداني؟قلت:يمكن التفصي عن هذا بوجوه:الأوّل:دعوى أنّ المراد من العلم الّذي أخذ في ظاهر الدليل موضوعاهو العنوان الكلي-أي عنوان المحرز-بلا أخذ الإحراز الوجداني قيدا له‏1غايته‏أنه لو لا جعل الشارع الطرق و الأصول محرزة كان مصداق عنوان المحرزمنحصرا بالمحرز الوجداني،و بعد ذلك الجعل الشرعي يتحقق مصداق آخر1أقول:بعد ما كان المراد من الإحراز الوجداني بل كل أمر وجداني ما كان العقل بوجود انه يطبق‏عنوانه على الموجود،سواء كان الشي‏ء الموجود ذاتيا له أو عرضيا-كالبياض المجعول للجسم بسبب في قبال ما فيه‏البياض باقتضاء ذاته كالثلج مثلا فانه لا يكون مجعولا للثلج بل بعين جعل الثلج يتحقق البياض-فما لا يكون‏بهذه المثابة قد تقدم أنه لا يطبق العقل عنوانه عليه إلاّ بنحو من الادعاء و العناية،و حينئذ ففي قبال الإحرازالوجداني لا يتصور إلاّ الإحراز بالعناية و الادّعاء،و لا يتصور في البين ثالث،لما عرفت من دوران الأمر فيه بين‏النفي و الإثبات.و حينئذ نقول:إن مرجع الإحراز بالعناية إلى تنزيل عدم الإحراز منزلة الإحراز،كجميع‏العناوين الادّعائية،و قوام هذا الادّعاء إنما هو بكون الشي‏ء خارجا عن حقيقة المنزّل عليه بتمامه،و معه كيف‏بتصور اشتراكهما في الجامع الحقيقي بواسطة الادّعاء و التنزيل كي يصير البحث في المقام لفظيا؟نعم:لو أريد من الإحراز التشريعي الإحراز الحقيقي بنحو يطبق العقل العنوان عليه بعد الجعل بنحوالحقيقة-بحيث كان هذا الإحراز مثل البياض المجعول للجسم أمرا وجدانيا-ففي هذه الصورة صح دعوى الجامع‏بين الإحراز الذاتي و العرضي بعد اشتراكهما في صدق الإحراز الوجداني،و لكن أنّى لك بذلك!ثم أنّى لك!إذلا أظنّ توهّمه من ذي مسكة.
24
للمحرز،كما هو الشأن في جميع العناوين الكلية،كما يقال في الشمس:إنّهاكوكب نهاري ناسخ ضوئه وجود الليل و لكن في الخارج منحصر في الفرد،فلوفرض أنه وجد فرد آخر مثل هذا الموجود كان أيضا من مصاديق ذلك العنوان،فكذا يقال في العلم و أنّه عبارة عن عنوان«المحرز»و يكون الموضوع في الحقيقةهو هذا العنوان،و بالتعبد الشرعي يتحقق مصداق آخر لعنوان«المحرز»هذا.و لكن للمنع عن هذا الدعوى مجال،من جهة أنّ هذا في الحقيقة يرجع‏إلى البحث اللغوي و أنّ العلم موضوع لكلي المحرز أو لخصوص المحرز الوجداني،و لا سبيل إلى إثبات أنّه موضوع للعنوان الكلي.الثاني:دعوى استخراج المناط نظير العلّة المستنبطة،بأن يقال:إنّه وإن كان المأخوذ في لسان الدليل هو خصوص العلم و الإحراز الوجداني،إلاّ أنّه‏نقطع بأنّه ليس للوجدان دخل،بل المناط هو جهة الإحراز الموجودة في الظن أيضا بعداعتباره شرعا،هذا و للمنع عن هذه الدعوى أيضا مجال،فانّها موقوفة على‏استخراج المناط القطعي و لا سبيل إلى إثبات ذلك.الثالث:(و هو الّذي يحسم مادة الإشكال)دعوى أنّ ذلك من‏مقتضيات حكومة أدلة الطرق و الأمارات و الأصول على الواقعيات‏1بالبيان‏1أقول:إنّ من أسّس أساس الحكومة و الورود كلماته مشحونة بأنّ مرجع الورود إلى اقتضاء الجعل‏لتضييق دائرة دليل الإحراز و توسعته حقيقة،و مرجع الحكومة إلى تضييق دائرة عناية و ادّعاء و أنّ لبّه يرجع‏إلى التخصيص،كما أنّ الأوّل يرجع إلى التخصص على وجه،و إن كان بينهما فرق.و حينئذ إذا فرضت في‏الطرق أنّها لا تكون إلاّ توسعة في طريق الواقع بلا حكم ظاهري و لا تصرف في الواقع و لو بالعناية،فمن أين لمثل‏هذا الجعل حكومة على الواقع و لو ظاهرا؟و تسمية التوسعة في الطريق محضا بالحكومة الظاهرية بالنسبة إلى‏الأحكام اصطلاح جديد ما سمعناه من آبائنا الأولين!نعم:الحكومة الظاهرية صحيحة بالنسبة إلى مفاد الأصول الّذي ليس فيها توسعة إحراز بجعله،و إنماالمجعول فيها الأمر بالمعاملة مع أحد الاحتمالين معاملة الواقع،فانّ مرجع ذلك إلى توسعة الواقع بالعناية و إيصاله‏إلى مرحلة الظاهر و في ظرف الشك و الاحتمال،ثم في مثله ليس إلاّ العلم الوجداني بالواقع بالعناية،بخلاف‏الطرق،فانّ نتيجة جعلها هي العلم بالعناية بالواقع الحقيقي،و من ذلك يقوم مقام العلم الموضوعي،بخلاف‏
25
المتقدم من معنى الحكومة و أنّها ظاهرية لا واقعية و أنّ حكومتها لأجل كونهاواقعة في طريق إحراز الواقعيات فتكون حاكمة على كلا جزئيّ الموضوع:من‏الواقع و من الإحراز،بل حكومتها على الواقع لمكان كونها محرزة له،فتكون‏حكومتها على أحد جزئيّ الموضوع إنّما هي بعناية حكومتها على الجزء الآخر و هوالإحراز،فأيّ أثر رتّب في الشريعة على العلم بما أنّه محرز يترتب على الطرق والأمارات و الأصول المحرزة و لو كان ذلك الأثر من جهة دخله في الموضوع وكونه جزئه،فإنّه يكفى هذا المقدار من الأثر في صحة التعبد و لا يتوقف على أن‏يكون تمام الموضوع.و الحاصل:أنّ نتيجة الحكومة الظاهرية هي التوسعة في الإحراز و أنّه‏أعمّ من الإحراز الوجداني،و إلاّ لم يكن للحكومة معنى،و بملاحظة هذه‏الحكومة صح أن يقال:إنّ الموضوع هو الأعمّ من الإحراز الوجداني و هوالعنوان الكلي،لكن لا لمكان أنّ معنى العلم ذلك-كما هو مفاد الوجه الأوّل-بل لمكان الحكومة و أنّ نتيجتها تكون ذلك.فظهر:أنّ في قيام الطرق و الأمارات و الأصول مقام القطع المأخوذ في‏الموضوع على وجه الطريقية لا يحتاج إلى التماس دليل آخر غير أدلّة حجيتها،وأنّ قيامه مقامه من لوازم حجيتها و حكومتها على الأحكام الواقعية بالحكومةالظاهريةهذا إذا أخذ العلم في الموضوع على وجه الطريقية،و أمّا إذا لم يؤخذ في‏الموضوع أصلا،و كان طريقا عقليا محضا فقيامها مقامه أولى،لأنّ الواقع يكون‏الأوّل،فانّه لا يكون نتيجة جعله العلم بالواقع الحقيقي لا حقيقة و وجدانا و لا عناية و ادّعاء،فيحتاج في قيامه‏مقام العلم الموضوعي إلى جعل آخر من تنزيل العلم بالواقع بالعناية منزلة العلم بالواقع الحقيقي.و لو فرض مثل‏هذا الجعل-و لو بالملازمة العرفية كما قيل-كانت هذه الحكومة حكومة واقعية،و لا معنى لإطلاق الحكومةالظاهرية هنا،و باللَّه!عليك أن تتأمّل في ما قيل،ترى بأنّه لا مفهوم محصّل تحت هذه البيانات.
26
حينئذ مرسلا غير مقيّد بقيد،و المفروض أنّها مثبتة للواقع فلا مانع من قيامه‏مقامه‏و أمّا قيامها مقام القطع المأخوذ على جهة الصفتية فلا يمكن،لأنّه يكون‏حينئذ كسائر الصفات النفسانيّة و مفاد حجية الطرق و الأمارات أجنبي عن‏إفادة ذلك،فانّ مفادها الوسطية في الإثبات و إحراز الواقع،و أين هذا من‏تنزيل الظن منزلة القطع من حيث الصفتية!فقيام الظن مقام القطع من‏هذه الجهة يحتاج إلى دليل آخر وراء أدلّة الحجية.و ظاهر عبارة الشيخ(قده)أنّه هو لو قام دليل آخر على قيام الظن‏منزلة العلم من هذه الجهة يكون مفاد ذلك الدليل مفاد أدلة حجية الطرق والأمارات من حيث قيامها مقام العلم الطريقي،أي يكون مدلول ذلك الدليل‏من سنخ مدلول الأمارات من حيث كونه حكما ظاهرياو لا يخفى ما فيه،فإنّه لو فرض أنّه قام دليل على تنزيل الظن منزلةالعلم من هذه الجهة يكون ذلك من التنزيل الواقعي و التعميم في ناحيةالموضوع واقعا من قبيل قوله«الطواف بالبيت صلاة»و ليس ذلك من الحكم‏الظاهري،لما تقدم من أنّ الحكم الظاهري ما كان في طول الواقع و واقعا في‏طريق إحرازه،و أين هذا من تنزيل صفة مقام صفة أخرى،فإنّ الظن حينئذلم يعتبر من حيث إحرازه للمتعلق،بل من حيث إنّه صفة،فيكون في عرض‏العلم موضوعا واقعيا لحكم واقعي،و ذلك واضح.و الّذي يسهّل الخطب أنه لم نعثر في الفقه على مورد أخذ العلم فيه موضوعا على‏وجه الصفتية،و الأمثلة التي ذكرها الشيخ(قده)في الكتاب ليس شي‏ء منهامن هذا القبيل،فانّ العلم في باب الشهادة أخذ من حيث الطريقية،و لذاجاز الشهادة في موارد اليد،كما دلّت عليه رواية«حفص» (1) و في باب‏
1)الوسائل:الباب 25 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى الحديث 2

27
الركعتين الأوّلتين لم يؤخذ فيهما على نحو الصفتية،بل على نحو الطريقية،كمايدلّ على ذلك بعض الأخبار الواردة في ذلك الباب مثل قوله عليه السّلام:«حتى تثبتهما أو تحرزهما» (1) و أمثال ذلك من التعبيرات الظاهرة في أنّ العلم‏اعتبر من حيث الطريقية.و بالجملة:ظاهر العلم مهما أخذ في لسان الدليل هوالعلم الطريقي،و إرجاعه إلى العلم الصفتي يحتاج إلى قرينة لم نعثر عليها في‏شي‏ء من المقامات.ثم إنّ للمحقق الخراسانيّ(قده)كلام في حاشيته على«الفرائد»في‏وجه قيام الطرق و الأصول مقام القطع بجميع أقسامه،حتى ما أخذ على وجه‏الصفتية(و قد عدل عنه في الكفاية)و حاصل ما أفاده في«الحاشية»هو أنّ‏أدلّة الطرق و الأمارات إنّما توجب تنزيل المؤدى منزلة الواقع،و لمكان العلم‏بحجية الأمارات يتحقق العلم بالمؤدى و أنّه بمنزلة الواقع،و هناك ملازمة عرفيةبين تنزيل المؤدى منزلة الواقع و تنزيل العلم بالمؤدى و أنّه بمنزلة الواقع منزلةالعلم بالواقع،فيتحقق كلا جزئيّ الموضوع بلا استلزامه الجمع بين اللحاظين‏الآلي و الاستقلالي،فإنّ أدلة الأمارات لم تتكفل إلاّ لتنزيل المؤدى فقط،وكان تنزيل العلم بالمؤدى منزلة العلم بالواقع بالملازمة العرفية بين التنزيلين،فكأنه تحقق كل جزء من جزئيّ الموضوع بدليل يخصه،كما أنّه لو قام دليل‏بالخصوص في ما أخذ العلم جزء الموضوع على تنزيل المؤدى منزلة الواقع،فانه‏بدلالة الاقتضاء و صون كلام الحكيم عن اللغوية لا بد من تنزيل العلم به منزلةالعلم بالواقع،لأنّ المفروض أنّه لا أثر للواقع حتى ينضم إليه العلم،هذا إذا قام‏دليل بالخصوص على تنزيل المؤدى فيما أخذ العلم جزء الموضوع.و أمّا الأدلة العامة لحجية الطرق و الأمارات فدلالة الاقتضاء لاتقتضي ذلك،لأنّه لو لم ينزل العلم بالمؤدى منزلة العلم بالواقع لا يلزم لغوية
1)الوسائل:الباب 1 من أبواب الخلل الحديث 15

28
جعل الحجية،إذ يبقى لها مورد،و هو ما إذا كان الأثر مترتبا على نفس المؤدى بلادخل للعلم فيه،و لكن مع ذلك الملازمة العرفية تقتضي تنزيل أحد العلمين‏منزلة الآخر.هذا حاصل ما أفاده في«الحاشية»و ردّه في«الكفاية»بما حاصله:انّ ذلك يستلزم الدور المحال‏1فانّ تنزيل المؤدى منزلة الواقع فيماكان للعلم دخل لا يمكن إلاّ بعد تحقق العلم في عرض ذلك التنزيل،فإنّه‏ليس للواقع أثر يصح بلحاظه التنزيل،بل الأثر مترتب على الواقع و العلم به،و المفروض أنّ العلم بالمؤدى يتحقق بعد تنزيل المؤدى منزلة الواقع،فيكون‏التنزيل موقوفا على العلم و العلم موقوفا على التنزيل،و هذا دور محال،هذاو لكن لا يخفى عليك:أنّه لا ينحصر الإشكال على ما أفاده في‏«الحاشية»بالدور،بل مضافا إلى الدور يرد عليه:أوّلا:أنّ ذلك مبنىّ على أن يكون المجعول في باب الطرق و الأمارات‏هو المؤدى،و قد تقدم فساده و أنّ جعل المؤدى يوجب التصويب‏2و يقتضى‏أن تكون الحكومة واقعية لا ظاهرية،و هذا ينافى ما عليه المخطئة،و سيأتي أيضاتفصيل ذلك(إن شاء اللّه تعالى)في باب جعل الطرق و الأمارات.و ثانيا:انّ المفروض أنّ الموضوع مركّب من العلم و متعلقه،و1أقول:عمدة الإشكال فيما أفيد في دعوى الملازمة العرفية،و إلاّ فمع الالتزام به فانّما يرد إشكال‏الدور على فرض الاحتياج في صحة التنزيل إلى فعلية الأثر للجزء الآخر،و إلاّ فلو قلنا بأن أثر الجزئية هي‏القضية التعليقية من أنّه لو انضم إليه الجزء الآخر ليجب فعلا و أنّه يكفى لصحة التنزيل هذا المقدار الناشئ من‏جعله جزء،فلا دور،لعدم توقفه على فعلية الجزء الآخر.2أقول:لو كان نتيجة جعل المؤدى منزلة الواقع حكما مستقلا عن إرادة مستقلة لا يلزم تصويب،بل‏غاية الأمر جعل حكم ظاهري في طول الواقع،كما سيأتي بيانه(إن شاء اللّه تعالى)فضلا عن أن يكون نتيجته‏جعل حكم طريقي-الّذي عبارة عن حكم و خطاب ظاهري-مبرز للإرادة الواقعية،بل الحكم الواقعي أيضا،لأنّه تتم مع إرادته،كما هو الشأن في جميع الخطابات الإيجابية الظاهرية و غيرها،كما سيجي‏ء شرحها في بحيث‏الظن(إن شاء اللّه)فتدبر.
29
التركيب من العلم و متعلقه ليس على حد سائر الموضوعات المركبة من الأمورالمتباينة كالصلاة،فانّ المركب من الأمور المتباينة يقتضى أن يكون لكل من‏الأجزاء إحراز يخصه،و قد يكون إحراز بعض الأجزاء متقدما زمانا أو رتبة على‏إحراز الجزء الآخر،و لا يتوقف إحراز أحدها على إحراز البقية.نعم:الأثريتوقف على إحراز الجميع،إمّا بالوجدان،و إمّا بالتعبد،و هذا بخلاف الموضوع‏المركب من العلم و متعلقه‏1فانّه لا يمكن أن يتعلق بكل من العلم و المتعلق‏إحراز يخصه،إذ ليس للإحراز إحراز و لا يتعلق العلم بالعلم،بل بنفس إحرازالمتعلق يتحقق كلا جزئيّ المركب في زمان واحد و في مرتبة واحدة،و لا يعقل‏أن يتقدم إحراز المتعلق على إحراز الجزء الآخر،و إحراز المتعلق،إمّا أن يكون‏بالعلم الوجداني كما إذا علم وجدانا بالملكية فيجوز له الشهادة لصاحبها-بناءعلى أخذ العلم جزء لموضوع الشهادة-و إمّا أن يكون بالتعبد الشرعي بجعل مايكون محرزا للمتعلق،فيتحقق أيضا كلا الجزءين بنفس الجعل الشرعي كماكان يتحقق بالعلم الوجداني.و هذا إنّما يستقيم بناء على بيّناه:من أنّ المجعول‏في باب الطرق و الأمارات نفس الوسطية في الإثبات و المحرزية للمتعلق،فيتحقق كلا جزئيّ الموضوع بنفس هذا الجعل،بلا حاجة إلى جعلين و لحاظين‏و أمّا لو بنينا على تعلق الجعل بالمؤدى:فهذا الجعل بنفسه لا يوجب‏تحقق كلا الجزءين،إذ الإحراز لم يتحقق بهذا الجعل،و بعد ذلك يستحيل أن‏يتحقق جزئه الآخر،لما عرفت:من أنّ الموضوع المركب من الإحراز و متعلقه‏1أقول:هذا البيان صحيح على مبناك:من كون دليل الأمارة ناظرا إلى تتميم الكشف و جاعلالإحراز الواقع تشريعا و ادعاء،و أما بناء على مسلك أستاذنا:من تنزيل المؤدى منزلة الواقع،فلا يكون في البين‏جعل إحراز تشريعا،و إنّما الحاصل من التنزيل المزبور الإحراز الوجداني بالواقع التعبدي،و هو جزء الموضوع،فيحتاج جزئه الآخر إلى جعل آخر،و هذا الجعل لا يفي به لو لا دعوى الملازمة العرفية الممنوعة،مع الإغماض‏عن الدور المزبور الّذي اعترفت به،كما أنّك أيضا اعترفت بأن الإشكال يرد على تنزيل المؤدى،فمرجع هذاالإشكال إلى الإشكال السابق عليه،فلا حاجة إلى تكثيره.
30
يتحقق كلا جزئيه في مرتبة واحدة و لا يتقدم إحراز أحدهما على الآخر،و لايمكن أن يصير الإحراز بشي‏ء آخر غير الملكية مثلا في المثال المتقدم جزء موضوع‏الشهادة بعد ما أخذ جزء الموضوع هو إحراز نفس الملكية،و الإحراز الحاصل من‏تنزيل المؤدى هو إحراز الحجية و العلم بها،و أين ذلك من العلم بالملكية؟وكيف ينضم العلم بالحجية إلى الملكية التي هي مؤدى الأمارة و يلتئم جزئيّ‏الموضوع من الإحراز و الملكية،مع أنّ الموضوع هو إحراز الملكية1فتأمل‏2.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ قيام الطرق و الأصول مقام العلم الطريقي لايحتاج إلى كلفة جعلين و لحاظين،بل نفس أدلة حجيتها تفي بذلك بعد ماكانت حجيتها عبارة عن وسطيتها في الإثبات و وقوعها في طريق إحراز الواقع‏و كونها محرزة له-كما هو الشأن في الطرق العقلائية-بل الظاهر أنّه ليس‏للشارع طريق مخترع،بل الطرق الشرعية كلها إمضاء لما في يد العقلاء من‏الطرق المحرزة لمؤدياتها،و لكونها واقعة في طريق إحراز الواقع كان حكومتهاحكومة ظاهرية،و يستقيم حينئذ جميع ما فرّع على ذلك مما يقتضيه أصول‏المخطئة من عدم الإجزاء و إيجاب الإعادة و القضاء عند المخالفة،و هذا بخلاف‏ما إذا كان المجعول هو المؤدى،فانّه يكون من الحكومة الواقعية و لا بد حينئذ من‏القول بالإجزاء،و يكون ذلك من التصويب المعتزلي.على ما سيأتي تفصيله.ثم إنّ شيخنا الأستاذ(مد ظله)قد تعرض في المقام لوجه حكومةالأمارات على الأصول،و حكومة الأمارات و الأصول بعضها على بعض،و أنّ‏1وجهه:هو أنّ المدعى تنزيل الشارع العلم بالحجية و المؤدّى منزلة العلم بالملكية،و لا إشكال في أنّه‏يمكن للشارع هذا التنزيل،و المفروض دعوى الملازمة العرفية على هذا التنزيل،فينبغي الإشكال في الملازمةالعرفية و أنّه ليس هناك ملازمة،و لكن بعد تصديق الملازمة و أنّ المجعول هو المؤدى لا يرد عليه الإشكال الأخير،فالذي يرد عليه منع كون المجعول هو المؤدى،ثم منع الملازمة العرفية،ثم استلزام ذلك الدور(منه).2أقول:رحمة اللّه عليك!حيث نبهت و جئت بما فيه في شرح التأمل،و لكن يا ليت قنعت في الإشكال‏بالأوّلين دون الأخير!.
31
الحكومة في الجميع تكون حكومة ظاهرية و من شئون حكومتها على الواقعيات،و نحن قد استقصينا الكلام في ذلك في خاتمة الاستصحاب فراجع‏1هذاتمام الكلام في أقسام القطع و أحكامهاو أمّا الظن:فمجمل الكلام فيه،هو أنّ الظن ليس كالعلم حجيته‏منجعلة و من مقتضيات ذاته،بل لا بد و أن تكون حجيته بجعل شرعي.و ما يقال:من أنّ الظن في حال الانسداد على الحكومة يكون حاله‏كالعلم لم تكن حجيته بجعل شرعي بل عقلية محضة و ليس موردا لحكم شرعي‏-و لو بقاعدة الملازمة-فضعيف غايته،فإنّ الظن لا يكون حجة عقلية في شي‏ءمن الحالات،و لا تكون منجعلة كالعلم،و اعتبار الظن في حال الانسداد بناءعلى الحكومة ليس معناه حجية الظن عقلا بحيث يقع في طريق إحرازالواقعيات و إثبات التكاليف به،بل معناه كفاية الامتثال الظني في الخروج‏عن عهدة التكاليف المعلومة إجمالا،فالحكم العقلي واقع في طريق الامتثال والإطاعة،لا في طريق الإثبات و الإحراز حتى يكون الظن حجة عقلية،وسيأتي توضيح ذلك مفصلا(إن شاء اللّه تعالى)في محلّه‏2و بالجملة:حجيةالظن لا تكون منجعلة في شي‏ء من الحالات،بل إمّا أن يكون حجة شرعية،وإمّا أن لا يكون،و لا ثالث لهماثم ما يكون حجة شرعية لإثبات متعلقه و واقعا في طريق إحرازه تارة:يؤخذ موضوعا لحكم آخر غير حكم متعلقه لا يضاده و لا يماثله،كما إذا قال‏«إذا ظنت بعدد ركعات الصلاة يجب عليك التصدق»حيث إنّ الظن الّذي‏هو حجة في عدد ركعات الصلاة و محرز لها شرعا أخذ موضوعا لوجوب‏1أقول:و لقد راجعنا إلى الاستصحاب،فما كان هناك شي‏ء زائد عما هنا.2أقول:هذا المشرب يرجع إلى التبعيض في الاحتياط،و سيجي‏ء(إن شاء اللّه)أنّ ذلك لا يناسب‏مع كثير من الشبهات المتعلقة بدليل الانسداد أيضا.
32
التصدق.و أخرى:يؤخذ موضوعا لما يضاد حكم متعلقه.و ثالثة:لما يماثله.ورابعة:يؤخذ موضوعا لنفس حكم المتعلق،هذا فيما إذا كان حجة شرعيةلإثبات متعلقه،و كذا الحال فيما إذا لم يكن حجة شرعية،فإنّه يجري فيه هذه‏الأقسام الأربعة.و على جميع التقادير:تارة يؤخذ على وجه الصفتية،و أخرى على وجه‏الطريقية،تمام الموضوع أو جزئه،و لكن هذه غالبا مجرد تصورات لا واقع لها،بل بعضها محال لا يعقل.و الّذي هو واقع في الشريعة ليس إلاّ اعتبار الظن على‏وجه الطريقية و الكاشفية و المحرزية لمتعلقه الّذي هو مفاد أدلة حجية الطرق والأمارات،من دون أن يؤخذ الظن موضوعا لحكم آخر.هذا هو الواقع.و أمّا الّذي يمكن أن يقع عليه:فهو أنّه لا إشكال في إمكان أخذه‏موضوعا لحكم آخر لا يضاد حكم متعلقه و لا يماثله،سواء كان الظن حجة وطريقا شرعا إلى متعلقه أو لم يكن،و سواء أخذ على وجه الصفتية أو الطريقية،و سواء كان تمام الموضوع أو جزئه-على إشكال فيما أخذ تمام الموضوع على‏وجه الطريقية-و قد تقدم في العلم‏1.و أمّا أخذه موضوعا لمضاد حكم متعلقه فلا يمكن مطلقا،من غير فرق‏بين أن يكون حجة لإثبات متعلقه أو لم يكن،و من غير فرق بين أخذه على‏وجه الصفتية أو الطريقية،تمام الموضوع أو جزئه،لأنّه يلزم اجتماع الضدين‏و لو في الجملة2و في بعض الموارد على كل حال،و لا يندرج في مسألةاجتماع الأمر و النهي كما توهّم،فانّ مسألة اجتماع الأمر و النهي إنّما هي فيما1أقول:قد تقدم دفعه أيضا.2أقول:هذا صحيح لو كان أخذ عنوان المظنونية بنحو الجهة التقييدية،و إلاّ فلو كان بنحو التعليل،فلا بأس بأخذه في الموضوع بنفس ذاته مع عدم حجيته شرعا.نعم:مع حجيته يستحيل أخذه كذلك بنحوالجزئية أو التمامية صفة أو طريقا.
33
إذا كانت نسبة العموم من وجه بين نفس متعلق التكليف،و هو الفعل‏الصادر عن المكلف-كالصلاة و الغصب-بالشرائط المتقدمة في محله،و أين‏هذا مما نحن فيه مما يؤخذ الظن موضوعا لمضاد حكم متعلقه؟فانّه يلزم اجتماع‏الأمر و النهي في محل واحد،مثلا لو فرض أنّ حكم الخمر واقعا هو الحرمة وحكم مظنون الخمرية هو الوجوب،ففي صورة مصادفة الظن للواقع يلزم اجتماع‏الوجوب و الحرمة،بل في صورة أخذ الظن جزء الموضوع دائما يلزم اجتماع‏الضدين في الواقع و عالم الجعل.هذا إذا تعلق الظن بموضوع خارجي،و كذا لو تعلق بحكم شرعي،كما لو فرض أنّ حكم صلاة الجمعة هو الوجوب و الظن بهذا الوجوب أخذموضوعا للحرمة،فانّه يلزم أيضا اجتماع الضدين في صلاة الجمعة على كل‏حال،و ذلك واضح.و أمّا لو أخذ موضوعا لمماثل حكم متعلقه،فإن لم يكن الظن حجةشرعية لإثبات متعلقه فلا مانع من أخذه كذلك،غايته أنّه في صورة مصادفةالظن للواقع يتأكد الحكمان،كما هو الشأن في اجتماع كل عنوانين على موضوع‏واحد،و لا يلزم اجتماع المثلين،فإنّ اجتماع المثلين المستحيل إنّما هو فيما إذاتعلق حكم على موضوع بعنوان ثم يتعلق حكم آخر مماثل لذلك‏الحكم على ذلك الموضوع بذلك العنوان.و أمّا إذا تعلق‏حكم على موضوع مع قطع النّظر عن الطواري ثم تعلق‏حكم مماثل على ذلك الموضوع باعتبار الطواري،فهذا ليس من اجتماع المثلين‏و لو كانت النسبة بين ذلك الموضوع و بين الطواري العموم المطلق،فانّه في‏صورة الاجتماع يتأكد الحكمان‏1و يتولد منهما حكم واحد آكد،كما في موارد تعلق‏1أقول:لا مجال في أمثال المقام بالالتزام بالتأكد،حيث إن التأكد يقتضى وحدة الوجود و هو ينافى‏طولية الحكمين،بحيث يكون مجال تخلل الفاء،إذ مع هذا التخلل لا يتصور الاتّحاد كي يتصور التأكد،فالأولى في‏
34
النذر بالواجب-حيث يتأكد الوجوب-و تعلق الظن بشي‏ء من الطواري،فيمكن أن يكون حكم الخمر واقعا هو الحرمة و مظنون الخمرية أيضا حكمه‏الحرمة و في صورة مصادفة الظن للواقع يتأكد حرمته،هذا إذا لم يكن الظن‏طريقا محرزا لحكم متعلقه و لم يكن حجة شرعية لذلك.و أمّا الظن المحرز لمتعلقه و ما يكون حجة شرعية عليه:فلا يمكن أن‏يؤخذ موضوعا لحكم المماثل،فإنّ الواقع في طريق إحراز الشي‏ء لا يكون من‏طوارئ ذلك الشي‏ء،بحيث يكون من العناوين الثانوية الموجبة لحدوث ملاك‏في ذلك الشي‏ء غير ما هو عليه من الملاك،فلو كان حكم الخمر في الواقع هوالحرمة فلا يمكن أن يكون إحراز تلك الحرمة موجبا لطروّ حكم آخر على الخمرالمحرز،لأنّ الحكم الثاني لا يصلح لأن يكون باعثا و محركا لإرادة العبد،فإنّ‏الانبعاث إنّما يتحقق بنفس إحراز الحكم الواقعي المجعول على الخمر،فلا معنى‏لجعل حكم آخر على ذلك المحرز،و لذلك لا يعقل أخذ العلم موضوعا لحكم‏مماثل للمتعلق أو لحكم المتعلق،من جهة أنّ العلم بالشي‏ء لا يكون من طوارئ‏ذلك الشي‏ء الموجبة لملاك آخر غير ما هو عليه.و الفرق بين العلم و الظن،هو أنّه في العلم مطلقا لا يمكن،لكون‏إحرازه ذاتيا له،بخلاف الظن،فانّه فيما أخذ حجة شرعية لا يمكن،و فيما لايؤخذ يمكن بالبيان المتقدم.فتحصّل:أنّ أخذ الظن موضوعا لحكم آخر لا يضاد حكم متعلقه و لايماثله بجميع أقسامه يمكن،و هي ستة:فان أخذ الظن موضوعا لحكم آخر،إمّاهذه الصورة التفرقة بين كون الظن المزبور من الجهات التقييدية أو التعليلية-بجوازه في الثاني دون الأوّل-كماسيجي‏ء توضيح هذا المحال في بحث التجري(إن شاء اللّه تعالى).و العجب أنه جعل باب النذر أيضا من باب التأكد مع أنّ النذر من الجهات التعليلية!و إلاّ فلا مدفع‏للإشكال بعد بطلان التأكد في الطوليين إلاّ بنحو أسّسناه في باب التجري:من طولية العنوانين مع وحدة المعنون،كما سيجي‏ء شرحه(إن شاء اللّه تعالى).
35
أن يكون على وجه الصفتية و إمّا أن يكون على وجه الطريقية.و الصفتية إمّاأن تكون تمام الموضوع و إمّا أن تكون جزئه.و أمّا أخذه تمام الموضوع على وجه‏الطريقية فقد عرفت الإشكال فيه.و الموضوع في كل من هذه الأقسام الثلاثة،إمّا أن يكون هو الظن‏المجعول حجة شرعية لمتعلقه،و إمّا الظن الغير المجعول،فتكون الأقسام ستة.هذافي الظن المأخوذ موضوعا لحكم آخر لا يضاد حكم متعلقه و لا يماثله.و أمّا أخذه موضوعا لمضاد حكم متعلقه:فقد عرفت أنّه لا يعقل بجميع‏أقسامه.و أخذه للمماثل فقد عرفت أيضا إمكانه على بعض الوجوه.و أمّا أخذه موضوعا لنفس متعلقه إذا كان حكما،كما لو قال:«إذاظننت بوجوب الصلاة تجب عليك الصلاة بذلك الوجوب الّذي ظننت به»فإن كان ذلك بنتيجة التقييد فلا محذور فيه،إذ لا يزيد الظن عن العلم،و في‏العلم قلنا إنّه يمكن أن يؤخذ كذلك بنتيجة التقييد كما تقدم،و إن كان‏بالتقييد اللحاظي فهو مما لا يمكن لاستلزامه الدور كالعلم،من غير فرق بين‏الظن المعتبر و غير المعتبر،بل في الظن المعتبر لا يمكن و لو بنتيجة التقييد،فإنّ‏أخذ الظن حجة محرزا لمتعلقه معناه أنّه لا دخل له في المتعلق إذ لو كان له دخل‏في المتعلق لما أخذ طريقا محرزا للمتعلق،فأخذه محرزا مع أخذه موضوعا يوجب‏التهافت و لو بنتيجة التقييد،و ذلك واضح.
فذلكة:
قد اختلف بيان شيخنا الأستاذ(مد ظله)في أقسام الظن المأخوذموضوعا،و ما بيّنه أخيرا هو أنّ الظن الغير المعتبر لا يصح أخذه موضوعا على‏وجه الطريقية،لا لمماثل حكم متعلقه و لا لمخالفه،فإنّ أخذه على وجه‏الطريقية يستدعى اعتباره،إذ لا معنى لاعتبار الظن إلا لحاظه طريقا،فحينئذتكون الأقسام ثمانية أو سبعة،فانّ الظن،إمّا يؤخذ موضوعا لمماثل حكم‏
36
المتعلق،و إمّا أن يؤخذ موضوعا لمخالفه،و الأوّل لا يمكن إلاّ إذا كان الظن غيرمعتبر،إذ الظن المعتبر لا يصلح لأن يؤخذ موضوعا لحكم المماثل-على ما تقدم‏بيانه-فالمأخوذ لحكم المماثل لا بد و أن يكون الظن الغير المعتبر و يلزمه أن يكون‏ملحوظا على وجه الصفتية،لما تقدم:من أنّ لحاظه على وجه الطريقية يستدعى‏اعتباره،و المفروض أنّه غير معتبر،و حينئذ فالذي يمكن من هذا قسمان:الأوّل:أخذه تمام الموضوع على وجه الصفتية،بأن يكون الخمر حراماو مظنون الخمرية أيضا حراما.صادف الظن للواقع أو خالفه.الثاني:أخذه جزء الموضوع على وجه الصفتية،بأن يكون الخمر حراما والخمر المظنون أيضا حراما.و لا إشكال في كل من القسمين،أمّا في الأوّل:فلأن النسبة تكون حينئذ العموم من وجه،و في مورد الاجتماع يكون الحكم‏آكد،كما في مثل قوله:أكرم العلماء و أكرم الهاشميين.و أما في الثاني:فربّمايتوهّم لغويّة الحكم المماثل،من جهة أن الحكم الأوّلي المجعول لذات الخمرمحفوظ في حال العلم و الظن و الشك،فجعل حكم آخر على الخمر المظنون لغولا أثر له.و لكن يدفعه:أنّه يكفى في الأثر تأكد الحرمة في صورة تعلق الظن‏بالخمر،و تكون مثلا واجدة لعشر درجات من المفسدة،بخلاف ما إذا لم‏يتعلق الظن به،فانّه يكون واجدا لخمس درجات،و ربّما لا يقدم الشخص‏على ما يكون مفسدته عشر درجات مع إقدامه على ما يكون خمس درجات،و هذا المقدار من الأثر يكفى بعد إمكان أن يكون الظن من العناوين الثانويةالموجبة للمصلحة و المفسدة،فالإنصاف أنّه لا إشكال في شي‏ء من هذين‏القسمين.هذا إذا أخذ موضوعا لحكم المماثل.و أمّا إذا أخذ موضوعا لحكم المخالف:فإن لم يكن الظن حجة فهوكأخذه لحكم المماثل لا بد و أن يكون على وجه الصفتية تمام الموضوع أو جزئه،وإن كان الظن حجة فيمكن أخذه على وجه الصفتية و يمكن أخذه على وجه‏
37
الطريقية،و في كل منهما إمّا أن يكون تمام الموضوع و إمّا أن يكون جزئه(على‏إشكال في إمكان أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقية،قد تقدم في العلم)فتكون أقسام الظن الغير المعتبر أربعة و أقسام الظن المعتبر أيضا أربعة بناء على‏إمكان أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقية،و إلاّ فالأقسام سبعة.هذا بناءعلى عدم صحة أخذ الظن الغير المعتبر موضوعا على وجه الطريقية لحكم المماثل‏أو المخالف،و إلاّ فتكون الأقسام عشرة،مضافا إلى ما اعتبر طريقا محضا لمتعلقه‏و كاشفا عنه و محرزا له من دون أخذه موضوعا لحكم أصلا.و الظاهر:أن تكون الأقسام العشرة كلها تصورات لا واقع لها في‏الشريعة،و الموجود فيها هو اعتبار الظن طريقا محضا،و يقوم مقامه ساير الطرق‏العقلية و الشرعية و الأصول المحرزةو لا يخفى عليك:أنّ عبارة الشيخ(قده)في بيان أقسام الظن لا تخلوعن اضطراب و إغلاق،فعليك بالتأمل فيها.هذا تمام الكلام في القطع‏بأقسامه،و الظن بأقسامه.
المبحث الرابع‏في استحقاق المتجري للعقاب‏
اعلم:أنّ القائل باستحقاق المتجري للعقاب لا بدّ له من أن يستند إلى‏إحدى الجهات الأربع:بعضها أصولية و بعضها كلامية و بعضها فقهية.الجهة الأولى:دعوى أنّ الخطابات الأوّلية تعم صورتي مصادفة القطع‏للواقع و مخالفته،و يندرج المتجري في عموم الخطابات الشرعية حقيقة،ببيان‏أنّ التكليف لا بدّ و أن يتعلق بما يكون مقدورا للمكلف،و التكليف الّذي له‏
38
تعلق بموضوع خارجي كقوله«لا تشرب الخمر،و صلّ في الوقت»و إن كان‏وجوده الواقعي مشروطا بوجود ذلك الموضوع‏1من غير دخل للعلم و الجهل في‏ذلك،إلاّ أنّ مجرد الوجود الواقعي لا يكفى في انبعاث المكلف و حركة إرادته‏نحوه،فإنّ الحركة و الانبعاث إنما يكون بالوجود العلمي،و لا أثر للوجود الواقعي‏في ذلك،فالعلم و إن كان بالنسبة إلى الموضوع طريقا،إلاّ أنّه بالنسبة إلى‏الاختيار و الإرادة و الانبعاث يكون موضوعا،و متعلق التكليف إنّما يكون هوالاختبار و الانبعاث الناشئ عن العلم بالموضوع و التكليف،و هذا المعنى‏موجود في كلتي صورتي مصادفة العلم للواقع و مخالفة،فإنّه في صورة المخالفة قدتحقق اختيار شرب ما أحرز أنّه خمر،و الفرق بين الصورتين ليس إلاّ مصادفةالعلم للواقع في إحداهما و مخالفته له في الأخرى،و المصادفة و المخالفة ليست‏اختيارية،فلا تصلح لأن يتعلق بها التكليف،فالذي يصلح لأن يتعلق به‏التكليف ليس إلاّ اختيار شرب ما أحرز أنّه خمر،فيكون مفاد قوله:لا تشرب‏الخمر مثلا-بعد ضم المقدمة العقلية إليه:من أن متعلق التكليف لا بد و أن‏يكون أمرا مقدورا و ليس هو إلاّ الاختيار و الانبعاث نحو ما علم أنّه موضوع‏1أقول:بعد الاعتراف بأنّ الخمر بوجوده الواقعي كان شرطا للتكليف،فضم المقدمة الأخرى لاينتج إلا فعلية التكليف في ظرف العلم المصادف لا المطلق،فاستنتاج هذه النتيجة ينافى دخل الخمرية الواقعيةفي شرط التكليف،فهذه الكلمات مختلفة النظام في أصل التقريب،كما أن في جعل الاختيار و الانبعاث تحت‏التكليف مسامحة أخرى،إذ هذه باصطلاحه من الطواري اللاحقة للتكليف فيلحق بالانقسامات اللاحقة،مضافا إلى أن التكليف بشي‏ء إذا كان من شأنه الدعوة فلا جرم يكون المدعو إليه عنوانا في طول عنوان المعروض‏و إن كان العنوانين متحدين ذاتا و منشأ،فما هو المعروض لا يعقل أخذ الإرادة فيه و لو قيدا،لأنّ الإرادة الناشئةعن غير دعوة التكليف أجنبية عن التكليف و الإرادة الناشئة عن التكليف معلول التكليف،فكيف يكون قيدموضوعه؟فما توهم في دفع المقدمة الأولى مندفع بهذا الكلام،إذا لفعل الصادر عن الإرادة الناشئة عن دعوةالتكليف معلول التكليف لا معروضه،فلا محيص من تجريد المعروض عن الإرادة رأسا،كما لا يخفى على الناظرالدّقيق،و حينئذ هذا البرهان شاهد خروج الإرادة عن حيّز التكليف لا جهة الغفلة،كيف و كثيرا ما نلتفت إلى‏إرادتنا حين الامتثال،كما في العبادات خصوصا عند الإخطاري في النية.
39
التكليف-هو لا تختر شرب ما أحرزت أنّه خمر،و هذا المعنى كما ترى موجودفي المتجرّى.و لعلّه إلى ذلك يرجع ما أفاده الشيخ(قده)من الوجه العقلي في استحقاق‏المتجري للعقاب،من قوله:«و قد يقرّر دلالة العقل على ذلك بأنّا إذا فرضناشخصين قاطعين إلخ»فانه يمكن أن يكون(قده)في مقام بيان اندراج المتجرّى‏تحت الخطابات الأوّلية،كما أنّه يمكن أن يكون في مقام بيان كون المتجرّى‏عاصيا حكما و إن لم يكن عاصيا حقيقة-على ما سيأتي في الجهة الثالثة-.و على كل حال:ترجع هذه الدعوى إلى أنّ متعلق التكليف هو القدرالجامع بين مصادفة القطع للواقع و مخالفته،بعد ما كانت المصادفة و المخالفة غيراختيارية،و القدر الجامع ليس إلاّ تحريك العضلات نحو ما أحرز أنّه خمر و اختيارشرب ذلك،فيكون المتجرّى عاصيا حقيقة و مخالفا للخطاب النّفس الأمري.و حاصل هذه الدعوى تتركب من مقدمتين:الأولى:دعوى أنّ متعلق التكليف هو الانبعاث و حركة الإرادة والاختيار نحو ما أحرز أنه من مصاديق الموضوع الّذي تعلق به التكليف‏الواقعي.الثانية:دعوى أنّ الإحراز و العلم يكون موضوعا على وجه الصفتيةبمعنى الاختيار و الإرادة،و إن كان طريقا بالنسبة إلى الموضوع.و لا يخفى‏عليك ما في كلتي المقدمتين من المنع.أمّا في الأولى:فلأنّ المتعلق هو الفعل الصادر عن إرادة و اختيار لانفس الإرادة و الاختيار،فانّ الإرادة و الاختيار تكون مغفولة عنها حين الفعل‏و لا يلتفت الفاعل إليها،فلا يصلح لأن يتعلق التكليف بها،فإذا كان متعلق‏التكليف هو الشرب المتعلق بالخمر الصادر عن إرادة و اختيار فالمتجرّي لم‏يتعلق شربه بالخمر.و أمّا في الثانية:فلأنّ الإرادة و إن كانت تنبعث عن العلم،لكن لا
40
بما أنّه علم و صرة حاصلة في النّفس‏1بل بما أنّه محرز للمعلوم،فالعلم يكون‏بالنسبة إلى كل من الإرادة و الخمر طريقا،بل العلم يكون في باب الإرادة من‏مقدمات وجود الداعي،حيث إنّه تتعلق الإرادة بفعل شي‏ء بداعي أنّه الشي‏ءالكذائي،و هذا الداعي ينشأ عن العلم بأنّه الشي‏ء الكذائي.و الحاصل:أنّ دعوى اندراج المتجرّى في الخطابات الأوّلية لا يمكن‏إلاّ بأن يكون التكليف متعلقا بالعنوان الجامع و القدر المشترك بين مصادفةالقطع للواقع و مخالفته،و القدر الجامع المتصور ليس إلاّ إرادة شرب الخمر المحرزخمريته،فإن هذا هو الجامع بين الصورتين.و أمّا لو فرض أنّ التكليف لم يتعلق بالإرادة و تعلق بشرب الخمر،فلا ينتج ما أراده المدعى،لأنّ المتجرّى لم يشرب الخمر و لو فرض أنّ العلم في‏باب الإرادة أخذ موضوعا على نحو الصفتية،إذ غايته أنّه يعتبر العلم بإرادةشرب الخمر،إلاّ أنّ الإرادة لوحظت مرآتا للمراد و هو شرب الخمر و لم يتعلق‏التكليف بنفسها،و في صورة المخالفة لم يتحقق المراد فلم يأت بما هو متعلق‏التكليف.و كذا لو فرض أنّ الإرادة لو حظت معنى اسميّا و كانت هي‏متعلق التكليف،و لكن العلم أخذ موضوعا في باب الإرادة على نحو الطريقية والكاشفية عن المراد،فانّ متعلق التكليف يكون حينئذ هو حرمة إرادة شرب الخمرالّذي علم بخمريته على وجه يكون العلم طريقا إلى الخمر الواقعي،و المتجرّى‏و إن أراد شرب الخمر الّذي أحرز خمريته،إلاّ أنّ إحرازه لم يقع طريقا إلى‏الخمر الواقعي،لأنّه لم يؤدّ إلى الخمر الواقعي،فدعوى المدعى لا تتم إلاّ بأخذ1أقول:مجرد طريقية العلم لا يقتضى المصادفة للواقع،كما أنّ أخذ الجامع بين المصادف و المخالف لايقتضى أخذ العلم على وجه الصفتية،فما في هذه الكلمات أيضا من نحو هذه التعبيرات لا يخلو عن اغتشاش،بل‏الأولى أن يقال:مع فرض دخل الخمر بعنوانه الواقعي في التكليف لا يعقل تعقله بمعلوم الخمرية مطلقا،فضلاعن شمول إطلاقه للعلم المخالف،كما أشرنا سابقا.
41
متعلق التكليف هو الإرادة و أخذ العلم على وجه الصفتية،و كل منهما في محل‏المنع،لما عرفت من أنّ متعلق التكليف هو الفعل الصادر عن المكلف عن‏إرادة على وجه تكون الإرادة فانية في المراد،و دخل العلم في الإرادة إنّما يكون‏على وجه الطريقية و الكاشفية عن المراد،لا على وجه الصفتية.مضافا إلى ما عرفت:من أنّ العلم في باب الإرادة يكون من مقدمات‏الداعي،و لا يكون موضوعا للإرادة،فدعوى اندراج المتجري في الخطابات‏الأوّلية واضحة الفساد،مع أنّ هذه الدعوى لا تصلح في مثل ما إذا علم‏بوجوب الصلاة و لم يصلّ و تخلف علمه عن الواقع،فانّ البيان المتقدم لا يجري‏في هذا القسم من التجرّي،كما هو واضح.الجهة الثانية:دعوى أنّ صفة تعلق العلم بشي‏ء تكون من الصفات والعناوين الطارية على ذلك الشي‏ء المغيّرة لجهة حسنه و قبحه،فيكون القطع‏بخمرية ماء موجبا لحدوث مفسدة في شربه تقتضي قبحه.و الإنصاف:انّه ليس كذلك،فانّ إحراز الشي‏ء لا يكون مغيّرا لماعليه ذلك الشي‏ء من المصلحة و المفسدة.و ليس من قبيل الضرر و النّفع‏العارض على الصدق و الكذب المغيّر لجهة حسنه و قبحه،لوضوح أنّ العلم‏بخمرية ماء و تعلق الإحراز به لا يوجب انقلاب الماء عما هو عليه و صيرورته‏قبيحا،فدعوى أنّ الفعل المتجرّى به يكون قبيحا و يستتبعه الحكم الشرعي‏بقاعدة الملازمة،واضحة الفساد1.1أقول:يمكن دعوى أنّ نظر القائل بحرمة التجري ليس إلى دعوى كون العلم بشي‏ء من الجهات‏المقبحة،بل عمدة نظره إلى أنّ إقدامه على العمل من قبل علمه نحو جرأة على المولى و هو قبيح،و لذا لو علم و لم‏بقدم لا قبح في البين،فعدم حرمة التجري مبنى على عدم اقتضاء هذا العنوان المتأخر عن العلم أيضا للقبح،لاعدم اقتضاء مجرد مخالفة العلم شيئا،كما لا يخفى.و حينئذ قوله«فدعوى إلخ»كما أفاد-لا يخلو عن اغتشاش،بل‏بهذا البيان يرتفع شبهة اجتماع الضدين،بتقريب:أنّ قبح التجري و مبغوضيته لدى المولى ينافى بقاء الواقع على‏
42
نعم:لا بأس بدعوى القبح الفاعلي‏1بأن يكون صدور هذا الفعل‏عن مثل هذا الفاعل قبيحا و إن لم يكن الفعل قبيحا.و لا ملازمة بين القبح‏الفاعلي و القبح الفعلي،إذ ربّما يكون الفعل قبيحا و لكن صدوره عن الفاعل‏حسن-كما في صورة الانقياد-و ربّما ينعكس الأمر-كما في صورة التجري-وحينئذ يقع الكلام في أنّ هذا القبح الفاعلي هل يصلح لأن يكون ملاكاللخطاب بحيث يتعلق خطاب بالفعل الصادر عن الفاعل قبيحا؟أو أنّه لايصلح لأن يكون ملاكا للخطاب؟و الكلام في ذلك تارة:يقع من حيث‏عموم الخطابات الأوّلية لما يصدر عن المكلف قبيحا،بحيث تكون تلك‏الخطابات مطلقة تعم صورة القبح الفعلي و القبح الفاعلي،و أخرى:يقع من‏حيث استتباع القبح الفاعلي لخطاب يخصه،غير الخطابات المترتبة على‏الموضوعات الواقعية.ما هو عليه من المحبوبية،للجزم بأنّ علم المكلف بخلاف مرامه لا يغيّر مرامه،أقدم المكلف على وفق علمه أم ماأقدم.و ملخص جوابه:أنّ المحبوب في الواقع هو الذات في الرتبة السابقة عن حكمه لأنه موضوعه،و الذات‏المبغوض في التجري هو الذات الملحوظ في الرتبة اللاحقة عن العلم بحكمه،فالذاتان حيث كانتا في الرتبتين لايتعدى حكم كل إلى الآخر،بعد التحقيق بأنّ موضوع الحكم و معروضه في كل مقام هو العنوان لا المعنون،بلاإضرار لوحدة المعنون أصلا،لعدم سراية الحكم إليه،كما لا يخفى.1أقول:ما المراد من صدور الفعل من الفاعل؟فإن أريد به الفعل المضاف إلى الفاعل بإضافةصدورية فقهرا قبح الفعل المضاف عين قبح الفعل بقبح ضمني لا مستقل،و هو خلاف المقصود أيضا.و إن‏أريد نفس إضافة الفعل إلى الفاعل فهو أشنع،لأن قبح الإضافة المزبورة يسرى إلى ما قام به و لو غيريّا من باب‏المقدمة.و إن أريد به كشف صدور الفعل عن سوء ذات الفاعل بلا قبح في صدور الفعل أبدا فلازمه عدم‏استحقاقه للثواب في الانقياد أيضا،و لا أظن التزامه من أحد،كيف!و لازمه عدم رجحان الاحتياط باحتمال‏كونه انقيادا،إذ هو خلاف صريح كلماتهم بعدم الإشكال في رجحان الاحتياط.هذا مضافا إلى أنّه بناء على‏الكاشفية لا معنى لاستناد القبح إلى صدور الفعل و لا إلى ذات الفاعل السوء سريرته،فان هذه أمر غير اختياري‏لا معنى لإضافة الحسن و القبح إليه،إذ لا يتصف بهما إلاّ ما هو اختياري للمكلف-كما لا يخفى-و حينئذ لا حسن‏و لا قبح في البين،و هو كما ترى!.
43
أمّا الكلام من الحيثية الأولى:فالحق فيه أن الخطابات الأوّلية لاتعم القبح الفاعلي،فانّ الحسن و القبح الفاعلي إنّما يكون مترتبا على الخطابات‏الأوّلية1و من الانقسامات اللاحقة له،إذ بعد تعلق الخطابات بموضوعاتهاتتحقق رتبة الحسن الفاعلي و قبحه،فانّ ذلك يقع في رتبة امتثال تلك‏الخطابات و عصيانها،فلا يمكن أن تكون تلك الخطابات مطلقة تعم الحسن‏الفاعلي و قبحه بالإطلاق و التقييد اللحاظي.نعم:يمكن ذلك بنتيجة الإطلاق و التقييد2إلاّ أنّ دعوى إطلاق‏تلك الخطابات و لو بنتيجة الإطلاق للفعل الصادر عن الفاعل قبيحا تكون بلابرهان،بعد ما كانت الخطابات مترتبة على موضوعاتها الواقعية،و الموضوع في‏مثل قوله«لا تشرب الخمر»هو الخمر الواقعي.نعم:قد يتفق تقييد الخطاب بصورة صدور الفعل عن الفاعل حسنا وعدم صدوره قبيحا،كما في مثل الصلاة في الدار المغصوبة،حيث قلنا ببطلان‏الصلاة فيها عند الالتفات إلى موضوع الغصب و حكمه،مع أنّا نقول:بجوازاجتماع الأمر و النهي‏3و ليس ذلك إلاّ من جهة أنّ صدور الصلاة المشتملةعلى المصلحة من مثل هذا الشخص يكون قبيحا،فلا تصلح لأن يتقرب بها،فقد قيّدت الصلاة بصورة عدم صدورها عن الفاعل قبيحا بنتيجة التقييد،كما1أقول:ما يترتب على الخطاب هو حكم العقل باستحقاق الثواب و العقاب،لا جهة سوء سريرةالفاعل،إذ وجودها في ذات الفاعل غير محتاج إلى الخطاب أصلا،و إن تحقق تكشف عنه في بعض الأحيان.وحينئذ احتمال الكشف في الكلام السابق ملغى.بقي في البين الاحتمالان الأوّلان،و لقد تقدم ما فيهما2أقول:و لقد تقدم الكلام فيه مستقصى،فراجع.نعم:في صيرورته تحت الخطاب-كما أفيد-يحتاج‏إلى متمم الجعل.3أقول:قد حققنا في محله أنّه بناء على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد بعنوانين لامعنى لسراية القبح فعليا و فاعليا إلى العنوان الراجح،فلا معنى لتقييد موضوع الأمر بعدم اقترانه بالحرام،كما هوالشأن في المتزاحمين،و إن كان بينهما فرق من جهة أخرى،فتدبر.
44
قيّدت بقصد القربة،بل يكون ذلك التقييد من شئون التقييد بقصد القربة،لكن هذا في خصوص العبادات التي يعتبر فيها التقرب،و أمّا في غير ذلك فتقييدالخطاب و إطلاقه بالنسبة إلى الحسن الفاعلي و قبحه يكون بلا موجب،فدعوى‏أنّ الخطابات الأوّلية تعم قبح الفاعلي ضعيفة جدا.و أمّا الكلام من الحيثية الثانية:و هي اختصاص القبح الفاعلي‏بخطاب يخصّه غير الخطابات الأوّلية،فمجمل الكلام فيها:هو أنّ توجيه‏الخطاب إلى ما يختص بالقبح الفاعلي مما لا يمكن،فانّ موضوع الخطاب الّذي‏يمكن أن يختص بذلك إنّما هو عنوان المتجري‏1أو العالم المخالف علمه للواقع وأمثال ذلك من العناوين المختصة بالقبح الفاعلي،و الخطاب على هذا الوجه لايعقل،لأنّ الالتفات إلى العنوان الّذي تعلق به الخطاب مما لا بد منه،والمتجري لا يمكن أن يلتفت إلى أنّه متجري،لأنّه بمجرد الالتفات يخرج عن‏كونه متجريا،فتوجيه الخطاب على وجه يختص بالقبح الفاعلي فقط لا يمكن،مع أنّه لا موجب إلى هذا الاختصاص‏2فانّ القبح الفاعلي مشترك بين‏1أقول:ما أفيد إنما يتم لو قلنا بأن مناط الخطاب و موضوعه عنوان التجري،و لنا أن نقول:إن تمام‏المناط على الطغيان على المولى و التسليم له الجامعين بين العصيان و التجري و الإطاعة و الانقياد.و حينئذ الغفلة عن‏فرد الجامع مع الالتفات بنفسه-و لو بخيال فرد آخر-لا يضر باستحقاق العقوبة و قبحه الفاعلي،و لو صادف الفردالآخر،كما لا يخفى.2أقول:اعترافه بعدم اختصاص القبح بخصوص صورة في غاية الجودة،و لكن ذلك لايقتضى تعلقه بعنوان معلوم الخمرية أعم من المخالف و المصادف،بل إنّما يتعلق بالطغيان الصادر عن العلم‏بالخمرية،كما أشرنا إليه سابقا.ثم إنّه على فرض تعلقه بهذا العنوان لا معنى للتأكد في المجمع،إذ الحكم المترتب على العلم بحرمة الخمريستحيل اتحاده مع الحرمة الواقعية،فأين يتصور التأكد في المقام؟نعم:الأولى أن يتعذر عن مثل هذا الحكم في‏حق العالم به بمغفولية وجود موضوعه في العلم المخالف،و ذلك أيضا على فرض تعلق الحكم بكل واحد من العلم‏المخالف و الموافق،و إلاّ فعلى فرض تعلقه بالجامع-كما فرضنا-فلا مانع فيه،كما أشرنا إليه في الحاشية السابقة،فتدبر،و لعمري!أن الناظر البصير يرى هذه القطعة مختلّة النظام،و أظن أنّه من المقرّر.
45
المصادفة للواقع،و المخالفة،بل القبح الفاعلي في صورة المصادفة أتم و أكمل،فلوكان القبح الفاعلي مناطا للخطاب فلا بد و أن يكون الخطاب على وجه يعم‏صورة المصادفة و المخالفة،بأن يقال:لا تشرب معلوم الخمرية،فانّ هذا العنوان‏يعم كلتا الصورتين.و لكن الخطاب على هذا الوجه أيضا لا يمكن،لا لمكان أنّ العلم لايكون ملتفتا إليه غالبا و الفاعل لا يشرب الخمر بعنوان أنّه معلوم الخمرية،بل‏بعنوان أنّه خمر،فانّ الالتفات إلى العلم من أتم الالتفات،بل هو عين‏الالتفات و لا يحتاج إلى التفات آخر،و لو لم يمكن أخذ العلم موضوعا في المقام‏فكيف يعقل أخذه موضوعا لحكم آخر؟و هل يمكن الفرق بين مواضع أخذالعلم موضوعا؟مع أنّ صاحب الدعوى سلّم إمكان أخذ العلم موضوعا لحكم‏آخر،فهذا لا يصلح أن يكون مانعا لتوجيه الخطاب كذلك،كما لا يصلح عدم‏ثبوت المصلحة و المفسدة في المتعلق في صورة المخالفة لأن يكون مانعا عن‏الخطاب،لأنّ صحة الحكم لا تدور مدار وجودهما في المتعلق بعد ما كان القبح‏الفاعلي مناطا للخطاب،بل المانع من ذلك هو لزوم اجتماع المثلين في نظرالعالم دائما و إن لم يلزم ذلك في الواقع،لأنّ النسبة بين حرمة الخمر الواقعي ومعلوم الخمرية هي العموم من وجه،و في مادة الاجتماع يتأكد الحكمان-كمافي مثل أكرم العالم و أكرم الهاشمي-إلاّ أنّه في نظر العالم دائما يلزم اجتماع‏المثلين،لأنّ العالم لا يحتمل المخالفة و دائما يرى مصادفة علمه للواقع،فدائمايجتمع في نظره حكمان،و لا يصلح كل من هذين الحكمين لأن يكون داعيا ومحركا لإرادة العبد بحيال ذاته،و لا معنى لتشريع حكم لا يصلح الانبعاث عنه‏و لو في مورد،و في مثل أكرم العالم و أكرم الهاشمي يصلح كل من الحكمين‏للباعثية بحيال ذاته و لو في مورد افتراق كل منهما عن الآخر،و في صورةالاجتماع يلزم التأكد،فلا مانع من تشريع مثل هذين الحكمين.بخلاف‏المقام،فانّه لو فرض أنّ للخمر حكم و لمعلوم الخمرية أيضا حكم،فبمجرد
46
العلم بخمرية شي‏ء يعلم بوجوب الاجتناب عنه الّذي فرض أنه رتّب على ذات‏الخمر،فيكون هو المحرّك و الباعث للاجتناب،و الحكم الآخر المترتب على‏معلوم الخمرية لا يصلح لأن يكون باعثا و يلزم لغويته،و ليس له مورد آخريمكن استقلاله في الباعثية،فان العلم بالخمرية دائما ملازم للعلم بوجوب‏الاجتناب عنه المترتب على الخمر الواقعي،و ذلك واضح بعد ما كان العالم لايحتمل المخالفة،فتوجيه خطاب آخر على معلوم الخمرية لا يمكن.فظهر:أنّ القبح الفاعلي بوجه من الوجوه لا يستتبع الخطاب.الجهة الثالثة:دعوى استحقاق المتجري للعقاب لا من باب المخالفةلخطاب شرعي كما في الجهتين الأوليين،بل من باب استقلال العقل‏باستحقاق المتجري للعقاب،و أنّه يكون في حكم العاصي،بدعوى أنّ المناطفي استحقاق العاصي للعقاب موجود في المتجري أيضا،و أنه بمناط واحد يحكم‏العقل باستحقاق العاصي و المتجري للعقاب،ببيان أنّ العلم و الالتفات في‏باب الأحكام العقلية له جهة موضوعية1بل هو تمام الموضوع في المستقلات‏العقلية،من غير فرق بين الأحكام العقلية الواقعة في سلسلة علل الأحكام‏الراجعة إلى باب التحسين و التقبيح باعتبار كونها مناطات الأحكام الشرعية و1أقول:و أحسن من هذا البيان بيان آخر أشرنا إليه سابقا،و هو أنّ الإقدام على ما قطع خلاف أمرمولاه نحو طغيان و ظلم في حقه،و هذه الجهة مشتركة بين العلم المصادف و المخالف،و عمدة نظر القائل‏بالاستحقاق هو ذلك بلا خصوصية للعصيان فيه و لا من جهة أخذ العلم في موضوع القبح بنحو الصفتية،بل‏العلم المأخوذ على وجه المنورية للغير تمام الموضوع في إحداث عنوان الطغيان على إقدامه بعد فساد توهم عدم‏إمكان أخذ العلم على وجه الطريقية-بالمعنى الّذي أشرنا-تمام الموضوع،كما أسلفنا،فراجع.كما أنه لا معنى في هذا المقام بأنّ العلم المخالف جهل،إذ مثل هذا الجهل أيضا كالعلم في إحداث‏عنوان الهتك و الطغيان على المقدم،كما أنّ هذا الجهل يحدث اشمئزاز العقل عن عمله فعلا بعين اشمئزازه عندمصادفة علمه للواقع،و حينئذ ليس لعنوان العلم دخل في الاستقباح الفعلي في نظر العالم كي يقال:إنّ العلم‏المخالف جهل لا علم‏
47
التي تكون مورد قاعدة الملازمة،و بين الأحكام العقلية الواقعة في سلسلةمعلولات الأحكام مما يرجع إلى باب الطاعة و المعصية و ما يستتبعهما من‏الثواب و العقاب الغير المستتبعة لحكم شرعي،لاستلزامه التسلسل المحال،و من‏غير فرق بين ما يكون للعقل حكم واحد في صورة العلم و الظن و الشك كحكمه‏بقبح التشريع،و بين ما يكون له حكمان:حكم على الواقع المعلوم،و حكم‏طريقي آخر على المشكوك على طبق الحكم الواقعي،كحكمه بقبح الظلم و قبح‏الإقدام على ما لا يؤمن منه الوقوع في الظلم،على ما يأتي تفصيل ذلك في محله‏(إن شاء اللّه تعالى).و على جميع التقادير:العقل لا يستقل بشي‏ء إلاّ بعد العلم و الالتفات‏إليه،فالعلم يكون في الأحكام العقلية دائما له دخل على وجه الموضوعية،و من‏ذلك حكمه بقبح المعصية،فانّه لا يحكم بذلك إلاّ بعد العلم بالمعصية والالتفات إلى أنّ للمولى إرادة،و من المعلوم:أنّه لا يمكن اعتبار خصوص العلم‏المصادف للواقع،فانّ المصادفة و عدمها ليست من الأمور الاختيارية،فلا يمكن‏أن يكون ذلك مناطا لحكم العقل بقبح المخالفة و استحقاق العقاب،بل العبرةفي نظر العقل هو مطلق العلم صادف الواقع أو خالف.و إن شئت قلت:إنّ المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب هوجهة البغض الفاعلي و حيثية صدور الفعل الّذي يعلم بكونه مبغوضا للمولى،من دون دخل للواقع في ذلك فانّ الإرادة الواقعية مما لا أثر لها عند العقل إلاّبعد الوجود العلمي،و هذا المعنى كما ترى مشترك بين العاصي و المتجري.نعم:بينهما فرق في إصابته المصلحة و عدمه،و هو أجنبي عن مقامنا،كما أنّ محركية العلم للإرادةالواقعية التابعة للمصلحة الواقعية من المولى أيضا أجنبية عن مقامنا،بل المناسب لباب وجدان العقل للاستقباح‏الفعلي إرادة العالم بالمصلحة في شي‏ء،فان مثل هذا الجهل أيضا محدث لإرادته مثل إرادته للعمل حين مصادفةعلمه للواقع،فتدبر كي لا يختلط الأمر عليك.
48
و الحاصل:أنّ المناط عند العقل في استحقاق العقاب هو البغض‏الفاعلي الناشئ عن العلم بالمخالفة و المعصية،و هذا بعد ما كان العلم في باب‏الطاعة و المعصية موضوعا عند العقل واضح.فالدعوى في المقام تتركب من أمرين:الأوّل:كون العلم تمام‏الموضوع في المستقلات العقلية خصوصا في باب الطاعة و المعصية،حيث إنّ‏الإرادة الواقعية لا أثر لها عند العقل،و لا يمكن أن تكون محركة لعضلات‏العبد إلا بالوجود العلمي و الوصول.الثاني:كون المناط في استحقاق العقاب‏عند العقل هو القبح الفاعلي،و لا أثر للقبح الفعلي المجرد عن ذلك،و لعلّ‏الأمران اللذان يبتنى عليهما الدعوى متلازمان،كما لا يخفى على المتأمل،هذا.و يمكن المنع عن كل من الأمرين الذين بنى الدعوى عليهما،أمّاالأوّل:فلأنّ العلم و إن كان له دخل في المستقلات العقلية،إلا أنّه لا العلم‏الأعم من المصادف و غير المصادف،فانّ غير المصادف لا يكون علما بل هوجهل،فليس إخراج غير المصادف من باب التخصيص في موضوع حكم‏العقل،بل من أوّل الأمر غير المصادف خارج،لأنّه ليس في الحقيقة علما بل‏جهلا مركبا،فان العلم هو الكاشف عن الواقع،و غير المصادف لا يكون‏كاشفا عن الواقع فليس علما،و إطلاق العلم عليه لمكان أنّه في نظر العالم يكون‏كاشفا عنه،و اعتبار العلم في المستقلات العقلية ليس من جهة دلالة دليل‏عليه حتى يتمسك بإطلاقه،بل لمكان أنّ الإرادة الواقعية غير قابلة لتحريك‏إرادة الفاعل،بل المحرك هو انكشاف الإرادة و وصولها إلى الفاعل،و في المقام‏الإرادة الواقعية لم تصل إلى الفاعل،بل هو من تخيّل الإرادة،فلا عبرة بمثل هذاالعلم في نظر العقل.و الحاصل:أنّ العقل يستقل بلزوم انبعاث العبد عن بعث المولى‏1و1أقول:علم اللّه!العقل مستقل بلزوم انبعاث العبد في نظره بمحض علمه ببعث مولاه و لو من جهة
49
أنّ وظيفة العبد ذلك،و الانبعاث عن البعث يتوقف على وصول البعث و إحرازه،إذلا أثر للبعث الواقعي و لا يمكن الانبعاث عنه ما لم يكن له وجود علمي،و أين‏هذا مما لم يكن في الواقع بعث و كان من تخيل البعث؟فدعوى أنّ العلم في‏باب المعصية الأعم من المصادف و غير المصادف ضعيفة.و أمّا الأمر الثاني الّذي بنى عليه الدعوى:فلأنّ المناط في استحقاق‏العقاب عند العقل و إن كان هو القبح الفاعلي،إلا أنّ القبح الفاعلي المتولدمن القبح الفعلي الّذي يكون إحرازه موجبا للقبح الفاعلي،لا القبح الفاعلي‏المتولد من سوء السريرة و خبث الباطن‏1و كم بين هذا و ذلك من الفرق؟فإنّ المناط في أحدهما غير المناط في الآخر،حيث إنّ مناط أحدهما القبح الفعلي‏المحرز و عدم الانبعاث عن البعث الواقعي المعلوم،و مناط الآخر سوء السريرةالتي أوجبت عدم الانبعاث عن تخيل البعث،و دعوى عدم الفرق بينهما في نظرالعقل مما لا شاهد عليهافتحصّل:أنّ القبح الفاعلي الناشئ عن سوء السريرة و خبث الباطن‏لا يستتبع استحقاق العقاب،إلاّ إذا تعلق به الخطاب بأحد الوجهين‏غفلته عن مخالفة قطعه للواقع،بلا اختصاص لهذا المقدار بصورة مصادفة قطعه للواقع.و عمدة الخلط تخيل أنّ‏الأحكام العقلية الوجدانية نحو مصلحتها واقعية قابل لتخلف الطريق عنها،و هو أوّل شي‏ء ينكر!1أقول:المراد من القبح الفاعلي ان كان مجرد سوء سريرة الفاعل فمسلّم بأنّه لا يكون مناطالاستحقاق العقوبة أصلا،و لكنّه خلاف مراده،لعدم كونه متولدا عن سوء السريرة بل هو نفسه.و إن كان المرادقبح إضافة الفعل إلى هذا الفاعل أو قبح الفعل المضاف إليه بهذا الوصف،فلا مجال لإحداث سوء السريرة محضامثل هذا القبح أبدا،إذ بعد ما لا يكون سوء السريرة تحت الاختيار لا يوجب قبحا في أمر اختياري آخر.و على‏فرض تسليمه نقول:إنّ مثل هذا القبح لا يكون مناطا للاستحقاق،فلا قصور حينئذ في دعوى استقلال العقل‏بالملازمة على القول بها في كلية المستقلات العقلية.و لكن لا أظنّ لأحد التزامه بذلك،و ذلك يكشف عن أنّ‏مثل القبح الفاعلي ناش عن استقلال العقل بالاستحقاق على الصادر منه الفعل،لا أنّه مناط ترتب الاستحقاق،بل الأمر بالعكس،و حينئذ فلمثل هذا المستشكل أن ينكر حينئذ أصل القبح الفاعلي عند مخالفة قطعه،لا أن‏يثبت القبح و يلتزم بما التزم،فتدبر.
50
المتقدمين،و قد عرفت أنّ ذلك أيضا لا يمكن بالبيان المتقدم،فالقول‏باستحقاق المتجري للعقاب من الجهة الثالثة أيضا لا يتمّ.الجهة الرابعة:دعوى حرمة التجري من جهة قيام الإجماع و دلالةالأخبار عليه،فيكون البحث من هذه الجهة فقهيا،كما أنّ البحث من الجهةالثالثة يكون كلاميا،و من الجهة الثانية يكون أصوليا من حيثية و كلاميا من‏أخرى،و من الجهة الأولى يكون أصوليا.و لا يخفى عليك أنّ البحث عن الجهةالرابعة إنّما يستقيم بعد تصوير ما يمكن أن يتعلق به خطاب شرعي،بحيث‏يكون فعلا اختياريّا ملتفتا إليه حتى يكون حراما شرعا،و لا يمكن أن يكون‏عنوان التجري معروض الحرمة1لما تقدم من أنّ الالتفات إلى هذا العنوان لايمكن،كما لا يمكن أن يكون فعل المتجري به معروض الحرمة،لما تقدم أيضا من‏أنّ العلم لا يحدث عنوانا يكون ملاكا للحرمة،فيقع الكلام حينئذ فيما هومعروض الحرمة و ما انعقد عليه الإجماع و ما دل عليه الأخبار،و أنّه أيّ عنوان‏يكون ذلك،و لا بد أيضا أن يكون ذلك العنوان الّذي يعرض عليه الحرمة يعم‏كلا قسمي التجري،و هما ما إذا قصد الحرام و أتى ببعض مقدماته ثم عدل‏عن قصده بنفسه أو بصارف-بناء على أن يكون ذلك من التجري أيضا-و ماإذا قصد الحرام و جرى على طبق مقصده ثم تبين له الخلاف أو لم يتبين له ولكن كان في الواقع مخالفا له،فمعروض الحرمة لا بد و أن يكون جامعا بين‏هذين القسمين،و لا يمكن أن يكون الجامع هو قصد المعصية لدلالة جملة من‏1أقول:ذلك صحيح على ما أفيد،و لكن لمدعى الحرمة أن يدعى الحرمة للعنوان الجامع بينه و بين‏المعصية من مثل«الطغيان على مولاه»غاية الأمر خرج عنه فرد المعصية بالتخصيص و بقي الحكم لنفس العنوان‏المنحصر انطباقه على التجري،و هذا المقدار أيضا لا يحتاج إلى الالتفات بعنوان التجري.نعم:لو كان خروج‏الفرد من باب التقييد بغيره يحتاج أيضا إلى الالتفات إليه،و لكن مجرد الخروج المزبور لا يقتضى تقيدا بالفردالآخر،غاية الأمر تقتضي ضيق دائرة الجامع بنحو ينحصر انطباقه على الفرد الآخر،كما لا يخفى.
51
الأخبار على عدم المؤاخذة على القصد.نعم:يمكن أن يكون الجامع هو القصد مع الجري على طبقه،و بعبارةأخرى:القصد الّذي يكون له مظهر،فإنّ هذا المعنى موجود في قسمي التجري،و بذلك يجمع بين الأخبار الدالة على عدم المؤاخذة على قصدالسوء و الأخبار الدالة على المؤاخذة بحمل الطائفة الأولى على‏القصد المجرد،و الثانية على القصد الّذي يكون له مظهر،و لكن الكلام حينئذفي الشاهد على هذا الجمع،فانّه بدون ذلك يكون من الجمع التبرعي الّذي لاعبرة به،و ليس في الأخبار ما يمكن أن يكون شاهدا على ذلك‏و ممّا ذكرنا يظهر ما في دعوى الإجماع في المقام،لا من جهة كون‏المسألة عقلية و لا عبرة بالإجماع في المسائل العقلية فانّ المسألة-على ما حرّرناها-تكون فقهية و من المسائل الشرعية،بل لعدم الإجماع في المسألة،فانّه لم ينعقدالإجماع على حرمة القصد الّذي يكون له مظهر و لا ادّعاه أحد.نعم:ادّعى الإجماع في موردين:أحدهما:فيمن ظن ضيق الوقت وأخر الصلاة ثم تبين الخلاف وسعة الوقت،حيث ادّعى الإجماع على عصيانه‏بتأخير الصلاة و استحقاقه العقاب،و ذلك لا يكون إلاّ بناء على حرمةالتجري.ثانيهما:فيمن سلك طريقا مظنون الضرر،حيث ادّعى الإجماع أيضاعلى عصيانه و وجوب الإتمام عليه لكون سفره سفر معصية و لو انكشف عدم‏الضرر،و هذا أيضا لا يتم إلاّ بناء على حرمة التجري،هذا.و لكن يمكن أن يقال:إنّ كلا من الموردين اللذين ادّعى عليهما الإجماع‏خارج عما نحن فيه،و ليس من موارد التجري.أمّا في الأوّل:فلأنّ خوف الضيق يكون تمام الموضوع لوجوب المبادرةبالصلاة شرعا1و يكون وجوب المبادرة حينئذ نفسيا لا طريقيا إرشاديا.1أقول:الأولى أن يقال:إنّ موضوع التجري إنما يتحقق بارتكاب ما قام عنده الطريق على الحرمة
52
و أمّا في الثاني:فلأنّ للعقل في باب الضرر الدنيوي حكم واحد،وهو قبح الإقدام على ما لا يؤمن معه من الوقوع في الضرر،نظير حكمه بقبح‏التشريع،و ليس حكم العقل بقبح الإقدام على مظنون الضرر أو مشكوكه‏طريقيا نظير حكمه بقبح ما لا يؤمن معه من الوقوع في التصرف في مال الغير،فانّ محل الكلام إنّما هو الضرر الدنيوي،إذ الضرر الأخروي ليس هو إلاّالعقاب و حكم العقل في لزوم دفعه يكون إرشاديا محضا لا يستتبع حكمامولويا،كحكمه بقبح المعصية.و أمّا الضرر الدنيوي فالعقل و إن استقل بلزوم‏دفع بعض مراتبه،إلاّ أنّ حكم العقل في باب الضرر يكون في صورة العلم والظن بل الاحتمال العقلائي بمناط واحد،و هو قبح الإقدام على ما لا يؤمن منه‏من الضرر،و على هذا يخرج من موضوع التجري و ليس فيه انكشاف الخلاف‏فتحصّل:أنّه لم يتم إجماع على حرمة التجري بالقسم المبحوث عنه في‏المقام و لا دلّ عليه دليل.نعم:يمكن القول بحرمة القسم الآخر من التجري‏1و هو ما إذا قصدالمعصية و تلبس بمقدماتها و منعه عن وقوع المعصية مانع.و على ذلك تحمل‏الواقعية قطعا أو قطعيا مع فرض مخالفة الطريق للواقع،و هذا المعنى أجنبي عن معقد الإجماع،إذ ظاهر معقدالإجماع في المسألتين هو قيام مطلق الظن على الضيق و الضرر،فلا محيص حينئذ من الالتزام بموضوعية الظن‏المزبور،كيف و لولاه لا ملزم في البين مع عدم حجية الظن المزبور أصلا!و على التقديرين لا يتصور عنوان‏التجري في المقام حينئذ،فتدبر.1أقول:لو التزمت بحرمة التجري فيما ذكرت فأنشدك باللَّه!أنّ عدم منع المانع عن العمل مانع عن‏حرمته؟بل لنا أن نقول:إنّ مناطه بالأولوية يجري في المقام.و التحقيق أن يقال:إن بنينا بعدم استقلال العقل‏بأزيد من سوء سريرة الفاعل الكاشف عن تجريه،فقيام دليل تعبدي على الحرمة في التجري-و لو لمورد من‏موارده-دونه خرط القتاد!بل لا بد من حمل أخبار حرمة قصد المعصية على إثبات حرمة هذا العنوان المخصوص‏الغير المرتبط بباب التجري الكاشف عن سوء سريرته و إن كان ملازما له.و إن قلنا باستقلال العقل بقبحه،فلا محيص من حمل أخبار العقوبة على الإرشاد،لاستحالة إعمال‏جهة المولوية مع الاستقلال العقلي المزبور.فعلى أي حال لا يبقى مجال إثبات حرمة التجري شرعا مولويا،كما لايخفى.
53
الأخبار الواردة على المؤاخذة على القصد كما هو مورد بعضها،و عليه يكون‏حرمة التجري المبحوث عنه في المقام خاليا عن الدليل،فالأقوى عدم حرمته.
بقي في المقام أمران ينبغي التنبيه عليهما:
الأوّل‏
:لا فرق في قبح التجري أو استحقاق المتجري للعقاب بين‏مخالفة العلم أو مخالفة الطرق و الأصول المثبتة للتكليف،فإنّه في الجميع يتحقق‏عنوان التجري،و لا خصوصية للعلم بعد ما كانت الطرق و الأصول منجزةللواقع،و العبرة إنّما تكون بمخالفة المنجز علما كان أو غيره،بل في غير العلم‏يمكن أن يقع التجري على وجهين،فانّه لو قامت الأمارة على خمرية مائع فتارة:يشربه المكلف على أنّه خمر،و أخرى:يشربه برجاء أنه لم يكن خمرا،لاحتمال‏مخالفة الأمارة للواقع،فعلى الأوّل:يكون متجريا بالنسبة إلى الواقع إذا كانت‏الأمارة مخالفة له.و على الثاني:يكون متجريا بالنسبة إلى الطريق‏1و التعبدبإلقاء احتمال الخلاف و البناء على أنّه خمر،فتأمل.و هذا في العلم لا يأتي،لعدم جريان احتمال الخلاف في نظر العالم،فالتجري في حقه لا يكون إلاّ بالنسبة إلى الواقع.هذا إذا لم نقل بالسببية في‏باب الطرق و الأصول،و إلاّ كان المخالف لها عاصيا حقيقة،و ليس من‏التجري،هذا في الأصول و الأمارات المثبتة للتكليف.و أمّا النافية:فلا إشكال في رجحان الاحتياط معها،و لكن لو فعل‏متعلقها برجاء مخالفتها للواقع فلا يبعد أن يكون من التجري،كما لو قامت‏1أقول:الأمر بإلغاء الاحتمال إذا كان طريقيا ففي صورة المخالفة لا يكون إلاّ ترخيصا،فبناؤه في‏المقام على العمل برجاء المخالفة مرجعه إلى البناء على كونه ترخيصا،فأين يتصور حينئذ تجري بالنسبة إلى‏الطريق،و لعلّ أمره بالتأمل يشير إليه.
54
البينة على عدم خمرية مائع و شرب المكلف ذلك المائع برجاء أنّه خمر و أنّ‏البينة مخالفة للواقع،فحيث لم يكن شربه ذلك مستندا إلى الترخيص الشرعي‏كان ذلك من التجري،بل لا يبعد أن يكون ذلك من المعصية الحقيقية إذاكانت البينة في الواقع مخالفة و كان ما شربه خمرا،و يكون المقام نظير الاقتحام‏في الشبهات قبل الفحص،فتأمل.
الثاني‏
:ذكر«صاحب الفصول»انّ قبح التجري يختلف بالوجوه والاعتبار،و ربّما يطرأ عليه ما يخرجه عن القبح،كما إذا علم بحرمة ما يكون في‏الواقع واجبا و كان مصلحة الوجوب غالبة على مفسدة التجري أو مساوية،وعلى هذا يختلف التجري حسنا و قبحا شدة و ضعفا باختلاف الفعل المتجري‏به.ثم ذكر أنّ التجري لو صادف المعصية الحقيقة يتداخل عقابه مع عقاب‏المعصية و لا يتعدد عقابه،هذا.و لكن لا يخفى عليك أنّه لا يستقيم شي‏ء مما ذكره،أمّا في دعواه‏الأولى:من كون قبح التجري يختلف بالوجوه و الاعتبار.ففيها أنّه لا يعقل‏الاختلاف في قبح التجري‏1فانّ القبح ذاتي له،كقبح المعصية و حسن‏الطاعة و قبح الظلم و ما شابه ذلك من العناوين التي لا تتغير عما هي عليها،وليس كقبح الكذب و حسن الصدق مما يمكن أن يطرأ عليه جهة توجب حسن‏الأوّل و قبح الثاني،و كيف يعقل أن يطرأ على التجري جهة توجب حسنه؟فكما لا يمكن أن تتصف الطاعة بالقبح و المعصية بالحسن كذلك لا يمكن أن‏يتصف التجري بالحسن.1أقول:ما أفاده«الفصول»و ما أجابه المجيب إنما يجري بناء على وحدة الموضوع بين الواقع و التجري،و لقد أشرنا سابقا أنّه بمعزل عن التحقيق،كما بيّنا من أنّ موضوع الواقع و التجري عنوانان طوليّان بنحو يسرى‏الحكم من أحدهما إلى الآخر،فأين تزاحم في البين حينئذ؟فتدبر.
55
و أمّا في دعواه الثانية:من أنّ العلم بحرمة ما يكون واجبا مغيّر لجهةقبح التجري.ففيها أنّه لو سلّمنا اختلاف قبح التجري بالوجوه و الاعتبار،ولكن الجهات المغيّرة للحسن و القبح لا بد و أن تكون ملتفتا إليها،لما تقدم من‏أنّ العلم في باب الحسن و القبح العقلي له جهة موضوعية،و لا يمكن أن يكون‏الشي‏ء قبيحا عقلا بلا أن يكون الموجب للقبح ملتفتا إليه‏1فالكذب الّذي‏يتوقف عليه إنجاء النبي قبيح إذا لم يلتفت إلى التوقف،و الصدق الموجب لهلاك‏النبي حسن إذا لم يلتفت إلى ذلك،و باب الحسن و القبح غير باب المصلحةو المفسدة التي لا دخل للعلم بها،فمجرد كون الفعل المتجري به ذا مصلحة واقعالا يوجب تغيير قبح التجري بعد ما لم تكن المصلحة معلومة و لم يكن المكلف‏ملتفتا إلى وجوبه،ففي مثل هذا قبح التجري يكون على حاله،كما هو واضح.و أمّا ما في دعواه الثالثة:من أن التجري لو صادف المعصية يتداخل‏عقابه،ففيها أنّ التجري لا يعقل أن يجتمع مع المعصية حتى يتداخل العقاب،بل التجري في طرف النقيض للمعصية،إذ قوام التجري هو عدم المصادفة ومخالفة الواقع‏2كما أنّ قوام المعصية هو المصادفة للواقع،فكيف يجتمع التجري‏1أقول:ما أفيد صحيح بالنسبة إلى العامل.و أما بالنسبة إلى سائر الأنظار الملتفتين إلى الجهتين،فلاقصور في اختلاف الجهات المحسنة و المقبحة من هذه الجهة.نعم:الأولى الاقتصار إلى الجهة الأولى،فتدبر.2أقول:الّذي به قوام التجري صدق إبراز الجرأة على المولى مع عدم صدق العصيان عليه،و هذاالمعنى ربما يتحقق و لو بإيجاد مقدمة من المقدمات حتى عزمه على العصيان،و من المعلوم:أن هذه المقدمات غيرنفس العصيان سواء صادف معه أم لا،و ليس من مقوماته عدم مصادفة هذه المقدمات مع العصيان.و حينئذلا قصور في اجتماع التجري مع العصيان في جميع موارد العصيان.نعم:قد يتحقق بلا عصيان،فتكون دائرةالتجري أوسع من العصيان لا مباينا معه موردا.نعم:يباينه في الوجود،فإنّ العصيان بنفسه غير التجري،فهو لايجتمع معه حتى موردا،كما لا يخفى.و حينئذ الّذي يرد عليه:هو أنّ موضوع القبح لو كان هذا العنوان المقابل للعصيان لا موجب لتداخل‏عقابها.نعم:لو كان صادقا حتى على نفس العصيان فعقابهما يتأكد لا أنّه يتداخل،و لكنه أيضا كما ترى!.نعم:بناء على التحقيق-كما أشرنا إليه-من أنّ موضوع القبح مطلق الطغيان الجامع بينهما،لا بأس‏بالالتزام بأنّ لطغيان شخص واحد لا يكون إلاّ عقابا واحد،فان أراد من التداخل هذا فلا بأس به،فتدبر.
56
مع المعصية؟نعم:يمكن أن يوجّه كلامه بحيث يرجع إلى أمر معقول و إن كان‏خلاف ظاهر كلامه،بأن يقال:إنّ مراده من المعصية المجتمعة مع التجري غيرالمعصية التي علم بها و تجرّى فيها،بل معصية أخرى،كما لو علم بخمرية مائع‏فتجرّى و شربه،ثم تبين أنّه مغصوب‏1فانّ في مثل هذا يمكن أن يقال:إنّ‏المكلف تجرّى بالنسبة إلى شرب الخمر و عصى بالنسبة إلى شرب المغصوب،بناء على أنّ العلم بجنس التكليف و الإلزام يكفى في تنجز التكليف و إن لم‏يعلم فصله-كما سيأتي في العلم الإجماليّ-فيقال في المثال:إنّه قد تعلق علمه‏بحرمة شرب المائع على أنّه خمر،فبالنسبة إلى كونه خمرا أخطأ علمه،و بالنسبةإلى الحرمة لم يخطأ و صادف الواقع،لأنّه كان مغصوبا،فيكون قد فعل محرما ويعاقب عليه و إن لم يعاقب على خصوص الغصبية لعدم تعلق العلم بها،بل‏يعاقب على القدر المشترك بين الخمرية و الغصبية،فلو فرض أنّ عقاب‏الغصب أشد يعاقب عقاب الخمر-أي عقاب مقدار شرب الخمر-و لو انعكس الأمر وكان عقاب الخمر أشد يعاقب عقاب الغصب،لأنّ المفروض أنّه لم يشرب‏الخمر فلا يعاقب عليه.و في الصورة الأولى إنّما كان يعاقب عقاب شرب الخمرمع أنّه لم يشرب الخمر،من جهة أنّ عقاب ما يقتضيه شرب الخمر هو المتيقن‏الأقل و المنفي عنه هو العقاب الزائد الّذي يقتضيه الغصب،فتأمل جيّدا.1أقول:الظاهر من المثال كون القضية مشكوكة بدوية،و إلاّ فلو كان طرفا للعلم الإجماليّ فتكون‏الخمرية أيضا مشكوكا مثل الغصبية،و هو خلاف ظاهر فرضه،و حينئذ نقول:إن حرمة الغصب بعد ما كان شخص حرمة أخرى غير حرمة الخمر،فالعلم بشخص حرمة الخمر لايكاد يسرى إلى حرمة الغصب،و هما و إن كانا تحت جامع الحرمة،لكن الّذي هو معلوم الحصة من الجامع‏المختص بشخص حرمة الخمر،و لا يسرى العلم إلى حصة أخرى الموجودة في الغصب،و ما قرع سمعك:من‏كفاية العلم بجنس التكليف،إنما هو في الجنس القابل للانطباق على كل واحد من الشخصين،كما في فرض‏العلم الإجماليّ بأحد الحرمتين،لا مثل المقام الّذي أحدهما معلوم و الآخر مشكوك،و لو فرض المثال بصورة العلم‏الإجماليّ بالخمرية و الغصبية و أتى به برجاء الخمرية فبان غصبيا كان أولى،فتدبر.
57
المبحث الخامس‏
ينسب إلى جملة من الأخبارييّن عدم اعتبار القطع الحاصل من‏المقدمات العقلية،و قد أنكر بعض الأعاظم هذه النسبة و ادّعى أنّ‏الأخباريّين إنما ينكرون الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.و ذهب‏آخرون منهم إلى عدم حصول القطع من المقدمات العقلية و أنّها لا تفيد إلاّ الظن.و حيث انجر الكلام إلى ذلك،ينبغي بيان نبذة من المباحث الراجعةإلى المستقلات العقلية.و القوم و إن أطالوا البحث عن ذلك و صنّفوا فيهارسائل،إلاّ أنّه لما كان خارجا عن المقصود فالأنسب أن نقتصر بالإشارة إلى‏الجهات التي وقع البحث عنها،و تفصيلها يطلب من المطوّلات.
الجهة الأولى:
قد نسب إلى جملة من الأشاعرة إنكار الحسن و القبح العقليين و أنّ‏العقل لا يدرك حسن الأشياء و قبحها،بل بالغ بعضهم و أنكر ثبوت جهةالحسن و القبح للأشياء و أنّ الحسن ما حسّنه الشارع و القبيح ما قبّحه،و ليست‏الأحكام تدور مدار المصالح و المفاسد.بل الشارع يكون مقترحا في أحكامه من‏دون أن يكون هناك مرجّح،و أنّه لا مانع من الترجيع بلا مرجّح‏و لما كان هذا القول في غاية السخافة و السقوط أعرض عنه المحققون‏من الأشاعرة و التزموا بثبوت المصالح و المفاسد،و لكن اكتفوا بالمصلحةو المفسدة النوعية القائمة بالطبيعة في صحة تعلق الأمر ببعض أفراد تلك‏الطبيعة،و إن لم تكن لتلك الأفراد خصوصية توجب تعلق الأمر بها بل كانت‏الأفراد متساوية الأقدام بالنسبة إلى الطبيعة التي تقوم بها المصلحة،و يصح‏ترجيح بعض الأفراد على بعض بلا مرجّح بعد ما كان هناك مرجّح في أصل‏
58
الطبيعة.و لهم على ذلك براهين،و يمثّلون لذلك برغيفي الجائع و طريقي الهارب‏مع تساوى الرغيفين و الطريقين من جميع الجهات،فانّه لا إشكال في اختيارأحد الرغيفين و الطريقين مع أنّه ليس في اختيار ذلك مرجّح أصلا،لأنّ‏المفروض تساوى الفردين في الغرض من جميع الجهات‏1.و كان شيخناالأستاذ(مد ظله)يميل إلى هذا بعض الميل.و هذا القول ليس بتلك المثابة من‏الفساد2و يمكن الالتزام به و لا ينافيه تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد،لكفاية المصلحة النوعية في ذلك،و الّذي لا يمكن الالتزام به هو إنكار المصالح‏و المفاسد في متعلقات الأوامر و أنّها كلّها تكون محض الاقتراح،لعدم معقوليةالترجيح بلا مرجّح،مضافا إلى إمكان دعوى تواتر الأخبار على خلافه،كقوله صلى اللَّه عليه و آله «ما من شي‏ء يقرّبكم إلى الجنّة و يبعّدكم عن النار إلاّ و قد1أقول:يمكن توجيه كلامهم على نحو يخرج عن هذا المقدار من السخافة،بأن يقال أوّلا:بأنّ المرادمن المرجح الممكن في ظرف وجوده ليس إلاّ تمامية علل وجوده المتمم لها إرادة الباري عز اسمه)و هذه العلل‏ربّما تكون خفيّة لا يحيط بها إلاّ ذاته المقدسة،و لا يلزم أن يكون من سنخ المصالح و المفاسد الموجبة لرجحان‏العمل لدى العباد،و عليه:فلا غرو في دعوى عدم إدراك العقل تلك العلل الخفيّة مع عدم وجدان العقل أيضاللمصالح الراجحة في أنظارهم،و حينئذ لهم أن يدّعى أنّ للباري أن يحكم على ما يرى مقتضيا لوجوده،كما أنّه‏قد يريد تكوينا ما فيه المفسدة بأنظار الغير المنكرين لها لجهة خفيّة بنظر،فصح مع إنكارهم للجهة المحسّنةبأنظارهم و أنه تحت اختيار الباري،بلا التزام بلزوم الترجيح بلا مرجح واقعا في فعله،و إن اتفق تخيل العبادذلك،لعدم دركهم مرجحا لوجوده.و ثانيا:من الممكن حمل كلامهم على منع تحسين الفاعل لا منع رجحان الفعل من جهة التزامهم‏مجبورية العباد،و حينئذ مرجع سخافة مذهبهم إلى هذه النقطة لا غيره،كما أنّ إنكارهم المصالح و المفاسد في‏الأفعال كلّية أيضا سخيف،لوجدان العقل في بعض الأفعال المصالح و المفاسد،و لكن هذا المقدار قابل للشبهةو لم تبلغ إلى درجة لا يلتزم به ذو مسكة،غاية الأمر الشبهة بأنظار صحيحة مندفعة بالوجدان السليم و الذوق‏المستقيم،نظير مشيهم في مجبورية العباد،كما لا يخفى.2أقول:مع فرض بطلان الترجيح بلا مرجح لا يرى العقل فرقا بين النوع و الشخص،فهما في السخافةسيّان.
59
أمرتكم به»الخبر (1) .و يتلو هذا في الضعف دعوى تبعية الأوامر و النواهي لمصالح في‏نفسها من دون أن يكون هناك مصلحة في المتعلق،بل المصلحة في نفس الأمرو النهي.و من ادعى هذه المقالة و إن لم يدعيها كلّية و في جميع الأوامرو النواهي،بل ادعاها موجبة جزئية،و مثّل لها بالأوامر الامتحانية،حيث إنّه‏ليس في متعلقاتها مصلحة،فلا بد و أن تكون هناك مصلحة في نفس الأمرو الجعل.إلاّ أنّ الإنصاف فساد هذا الدعوى و لو بنحو الإيجاب الجزئي،فانّ‏المصلحة في الأمر مما لا معنى لها1و إلاّ يلزم أن تتحقق المصلحة بمجرد الأمربلا انتظار شي‏ء آخر،و الأوامر الامتحانية ليست كذلك،فانّ المصلحة فيهاإنّما تكون قائمة في إظهار العبد الإطاعة و كونه بصدد امتثال الأوامر الصادرة من‏المولى،و إظهار الإطاعة لا يتحقق إلاّ بالجري على وفق ما تعلق الأمر به،و أين‏هذا من كون المصلحة في نفس الأمر؟فتحصّل:أنّه لا سبيل إلى إنكار تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في‏المتعلقات،و أنّ في الأفعال في حد ذاتها مصالح و مفاسد كامنة مع قطع النّظرعن أمر الشارع و نهيه و أنّها تكون عللا للأحكام و مناطاتها،كما أنّه لا سبيل‏إلى إنكار إدراك العقل تلك المناطات موجبة جزئية و أنّ العقل ربّما يستقل‏بقبح شي‏ء و حسن آخر.و لا يمكن عزل العقل عن إدراك الحسن و القبح‏-كما عليه بعض الأشاعرة-فانّ عزل العقل عن ذلك يوجب هدم أساس إثبات‏الصانع،و يلزم إفحام الأنبياء،لأنّه على هذا لا يستقل بقبح إعطاء المعجزة بيدالكاذب و لا قبح المعصية و حسن الطاعة.و بالجملة:عزل العقل عن الإدراك مما يوجب هدم أساس الشريعة،فلا إشكال‏1أقول:الأولى أن يقال:إن المصلحة الناشئة من قبل الأمر معلول الأمر فكيف يكون مقتضيا له!.
1)الوسائل:الباب 12 من أبواب مقدمات التجارة الحديث 2

60
في أنّ العقل يدرك حسن الأشياء و قبحها و لو موجبة جزئية و في بعض الموارد،و لا ندّعي الكلّية و لا يمكن دعواها،بل نتكلّم في قبال السلب الكلي الّذي‏عليه بعض الأشاعرة.
الجهة الثانية:
في الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع،بمعنى أنّه في الموارد الّذي‏استقل العقل بحسن شي‏ء أو قبحه فعلى طبقه يحكم الشرع بوجوبه أو حرمته،و هو المراد من قولهم«كلّما حكم به العقل حكم به الشرع»و قد أنكر هذه‏الملازمة بعض الأخبارييّن،و تبعهم بعض الأصوليّين ك«صاحب الفصول»حيث أنكر الملازمة الواقعية بين حكم العقل و حكم الشرع و التزم بالملازمةالظاهرية،بدعوى أنّ العقل و إن كان مدركا للمصالح و المفاسد و الجهات‏المحسّنة و المقبّحة،إلاّ أنّه من الممكن أن تكون لتلك الجهات موانع و مزاحمات‏في الواقع و في نظر الشارع و لم يصل العقل إلى تلك الموانع و المزاحمات،إذ ليس‏من شأن العقل الإحاطة بالواقعيات على ما هي عليها،بل غاية ما يدركه العقل‏هو أنّ الظلم مثلا له جهة مفسدة فيقبح و الإحسان له جهة مصلحة فيحسن،ولكن من المحتمل أن لا تكون تلك المفسدة و المصلحة مناطا للحكم الشرعي‏لمقارنتها بالموانع و المزاحم في نظر الشارع،فربّما تكون مصلحة و لم يكن على‏طبقها حكم شرعي،كما يظهر من قوله صلّى اللّه عليه و آله «لو لا أن أشقّ‏على أمتي لأمرتهم بالسواك» (1) و قوله صلّى اللّه عليه و آله «إنّ اللّه سكت عن‏أشياء و لم يسكت عنها نسيانا»الخبر (2) فانّ الظاهر منه هو أنّه(تعالى)سكت‏
1)بحار الأنوار:كتاب الطهارة باب سنن الوضوء و آدابه الحديث 17 ج 80 ص 340.
2)نهج البلاغة:قصار الحكم 105

61
مع ثبوت المصلحة و المقتضى في تلك الأشياء،و المراد من السكوت هو عدم‏جعل الحكم،فمن المحتمل أن يكون المورد الّذي أدرك العقل جهة حسنه أوقبحه كان من الموارد التي سكت اللّه عنها،و ربّما يكون حكم بلا مصلحة في‏المتعلق،كما في الأوامر الامتحانية و الأوامر الصادرة تقية.و غير ذلك ممّاحكاه في«التقريرات»عن«الفصول»من الوجوه الستة التي أقامها على منع‏الملازمة الواقعية بين حكم العقل و حكم الشرع و التزم بالملازمة الظاهرية،ببيان أنّ مجرّد احتمال وجود المانع و المزاحم لما أدركه العقل لا يكون عذرا في‏نظر العقل،بل لا بد من البناء على الملازمة إلى أن يتبيّن المانع و المزاحم،فلوخالف و صادف عدم المزاحم كان عاصيا،و هو المراد من الملازمة الظاهرية.هذا حاصل ما أفاده«صاحب الفصول»في وجه منع الملازمة.و لايخفى عليك ضعفه،فانّ الكلام إنّما هو في المستقلات العقلية،و العقل لا يستقل‏بحسن شي‏ء أو قبحه إلاّ بعد إدراكه لجميع ماله دخل في الحسن و القبح.ودعوى أنّ العقل ليس له هذا الإدراك ترجع إلى منع المستقلات العقلية و لاسبيل إلى منعها،فانّه لا شبهة في استقلال العقل بقبح الكذب الضار الموجب‏لهلاك النبي مع عدم رجوع نفع إلى الكاذب،و مع استقلال العقل بذلك‏يحكم حكما قطعيا بحرمته شرعا1لأنّ المفروض تبعية الأحكام الشرعية1أقول:لا شبهة في أن العقل بعد استقلاله بدرك المفسدة الغير المزاحمة يقبّح العمل و يلوم على فاعله،و لكن مع ذلك لا يلزم أن يكون ذلك تمام المناط في حكم الشارع،إذ ربما يرى الشارع مصلحة في صبره على‏ارتكاب العبد للقبيح لمصلحة أعظم في تسهيل الأمر عليه،و مثل هذه المصلحة في صبر المولى على ارتكاب القبيح لايوجب منع استقلال العقل عن حكمه بقبح العمل،و إلاّ فلا قبح في البين،كي يصير موضوعا لصبر المولى عليه،و مجرد تبعية الحكم من المولى لمفسدة المتعلق لا ينافى ذلك،إذ معنى التبعية عدم حكمه بدونها لا حكمه بمجردوجودها،كيف و هذا المعنى أوّل شي‏ء ينكر!.و من هنا نقول:إنّ مبادئ الحكم لدى العقل ربما يكون دائرة أوسع من مبادئ الحكم العقل لدى‏الشارع،و مع هذا الاحتمال كيف يستقل العقل بالملازمة واقعا؟نعم:لا بأس به ظاهرا-كما أفيد-من جهةعدم إحراز وجهه،كما هو الشأن في جميع صور مزاحمات التكليف،فتدبر.
62
للمصالح و المفاسد،و قد استقل العقل بثبوت المفسدة في مثل هذا الكذب،ومعه كيف يحتمل تخلّف حكم الشارع؟و ما ذكره من الموارد التي ثبت فيهاالمصلحة و لم يكن على طبقها حكم شرعي لا يرد نقضا على ما ذكرناه،فإنّا لاننكر أنّه يمكن أن تكون للمصالح و المفاسد النّفس الأمرية موانع و مزاحمات،فانّ ذلك مما لا سبيل إلى إنكاره،و إنّما ندّعي أنّه يمكن موجبة جزئية إدراك‏العقل لجميع الجهات من المقتضيات و الموانع و المزاحمات.و دعوى أنّه مع ذلك‏يحتمل أن يكون من الموارد التي سكت اللّه عنها مما لا يلتفت إليها،و كيف‏يكون مما سكت اللّه عنها مع أنّ العقل رسول باطني و قد استقل به!و أمّا ما ذكرناه من الموارد التي كان هناك حكم و لم تكن مصلحة فهومما لا يصغى إليه،فانّه لا يعقل حكم بلا مصلحة،غايته أنّ المصلحة قد تكون‏خفيّة لم يطلع عليها العقل.و أضعف من ذلك كلّه دعوى الملازمة الظاهرية،فانّ احتمال المانع‏و المزاحم إن تطرّق عند العقل فلا يكون مستقلا و لا حكم له بالقبح و الحسن‏مطلقا لا واقعا و لا ظاهرا،و إن لم يتطرق فيستقل و يحكم بالملازمة الواقعية و لامعنى للملازمة الظاهرية،إلاّ أن تبتنى على قاعدة المقتضى و المانع الفاسدة من‏أصلها،كما سيأتي في محله(إن شاء اللّه تعالى)فتحصّل:أنّه لا سبيل إلى منع الملازمة بعد الاعتراف بتبعية الأحكام‏للمصالح و المفاسد و بعد الاعتراف بإدراك العقل لتلك المصالح و المفاسد.و من هذا البيان أيضا ظهر:أنّ العقل إنما يكون رسولا باطنيا في صورة إحراز أنّ الشارع اتكل في بيان‏مرامه بحكم عقله،و إلاّ فمع احتمال عدم اتّكاله عليه و أنّ صبره و سكوته عن إظهار مرامه لمصلحة أعظم من قبح‏العمل،فكيف يكون العقل رسولا باطنيا؟كما لا يخفى.
63
الجهة الثالثة:
ما نسب إلى بعض الأخبارييّن أيضا:من أنّ القاعدة و إن اقتضت‏الملازمة بين حكم العقل و الشرع،إلاّ أنّه قامت الأدلة السمعية على منع العمل‏بهذه الملازمة،و أنّه لا بد من توسيط تبليغ الحجة،و لا عبرة بالحكم الواصل من‏غير تبليغ الحجة،و لذلك حكى عن بعض الأخبارييّن من المنع عن العمل‏بالقطع الحاصل من المقدمات العقلية.و هذا المعنى لو تم و صحت النسبة فلا بد وأن يكون ذلك بنتيجة التقييد1-على ما تقدم بيانه في حجية القطع-و لا يردعليه إشكال عدم المعقولية إلاّ أنّ الشأن في دلالة الأخبار المذكورة على ذلك،فانّ الأخبار على كثرتها بين طوائف ثلاث:طائفة منها ظاهرة في المنع عن‏الأخذ بالقياس و الاستحسانات الظنية و الاعتبارات الوهمية (1) كما عليه‏العامة،و هذا لا ربط له بما نحن فيه.و طائفة منها ظاهرة في اعتبار الولاية في‏صحة العبادات‏ (2) و هذا أيضا لا ربط له بما نحن فيه.و طائفة منها ظاهرة في‏مدخلية تبليغ الحجة (3) و هي التي يمكن أن يستدل بها في المقام‏2و أوقعت‏الأخبارييّن في الوهم.و الإنصاف:أنّه لا دلالة لها على مدّعاهم،فانّ الحكم الشرعي‏المستكشف من المستقلات العقلية يكون مما وصل إلى المكلف بتبليغ الحجة1أقول:قد تقدم أنّ نتيجة التقييد على فرض تماميته ينتج عدم حصول القطع بحكم شرعي،لا أنّه‏مع القطع به العقل يحكم بعدم العمل به،أو الأخبار يوجب ردع المكلف عن العمل بهذا العلم-كما هو ظاهرمقالتهم-و هو المعنون أيضا في كلامه هذا،فتدبر.2أقول:يمكن أن يوجّه كلام الأخباري بمنع موجبية القطع الناشئ عن الخوض في العقليات لعذرالعباد-كالقطع أو الغفلة الناشئة عن تقصيره في المقدمات-و ذلك لا ينافى مع حكمه بلزوم اتباعه حين وجوده،وبمثل ذلك أيضا أمكن توجيه كلام«الشيخ»في قطع القطاع،فتدبر.
1)راجع الوسائل الباب 6 من أبواب صفات القاضي‏
2)راجع الوسائل الباب 6 من أبواب صفات القاضي‏
3)راجع الوسائل الباب 7 من أبواب صفات القاضي‏

64
الباطنية،و هو العقل الّذي به يثاب و به يعاقب،كما في الخبر (1) و بالجملة:لا دلالة في الأخبار على مدخلية السماع عن الصادقين‏عليهم السّلام و إن شئت الإحاطة بهذه الجهات فراجع تقريرات الشيخ‏(قدس سره)
المبحث السادس‏
حكى عن«الشيخ الكبير»عدم اعتبار قطع القطاع.و هو بظاهره‏فاسد،فانّه إن أراد من قطع القطاع القطع الطريقي الّذي لم يؤخذ في موضوع‏الدليل فهو مما لا يفرق فيه بين القطاع و غيره‏1لعدم اختلاف الأشخاص‏و الأسباب و الموارد في نظر العقل في طريقية القطع و كونه منجّزا للواقع‏عند المصادفة و عذرا عند المخالفة.و إن أراد القطع الموضوعي فهو و إن كان له‏وجه،لأنّ العناوين التي تؤخذ في ظاهر الدليل تنصرف إلى ما هو المتعارف من‏غير فرق في ذلك بين الشك و الظن و القطع،فالشك المأخوذ في باب الركعات‏ينصرف إلى ما هو المتعارف،و لا عبرة بشك كثير الشك و لو فرض أنّه لم يرد قوله‏عليه السلام «لا شك لكثير الشك»غايته أنّه لو لم يرد ذلك كان شك‏كثير الشك مبطلا للصلاة و لو تعلق في الأخيرتين،لأنّه لا يندرج في أدلة البناءعلى الأكثر،فلا يكون له طريق إلى إتمام الصلاة،فتبطل،و لكن بعد ورودقوله عليه السلام «لا شك لكثير الشك»يلزمه البناء على الأقل أو الأكثر،أي‏1أقول:قد أشرنا بأنّ ذلك كله لو كان نظره إلى عدم لزوم العمل به حين وجوده،و إلاّ فلو كان‏نظره في عدم اعتباره إلى عدم معذوريته فلا يمنعه العقل بما توهّم.
1)أصول الكافي:كتاب العقل و الجهل الحديث 12

65
هو في الخيار بين ذلك.و كذا الحال في الظن الّذي أخذ موضوعا في عددالركعات،فانّه أيضا ينصرف إلى المتعارف و لا يعم كثير الظن،فيكون حكم‏ظن كثير الظن حكم الشك.و كذا الحال في القطع المأخوذ موضوعا ينصرف‏إلى المتعارف و لا يعم قطع القطاع،إلاّ أنّ الشأن في إمكان التفات القاطع‏حال قطعه إلى أنّه قطاع‏1فانّه يمكن أن يقال بعدم التفاته إلى ذلك.نعم:تظهر الثمرة بالنسبة إلى غير القاطع،كما لو فرض أنّ الحاكم علم‏أنّ الشاهد قطاع،فيمكن أن يقال بعدم قبول شهادته،و لكن المحكي عن‏«الشيخ الكبير»هو عدم اعتبار قطع القطاع في القطع الطريقي المحض،و قدعرفت أنّ ذلك مما لا سبيل إليه.
المبحث السابع‏
لا فرق في نظر العقل في الآثار المترتبة على العلم بين العلم التفصيلي‏و العلم الإجماليّ،فانّ العلم الإجماليّ من حيث كونه علما هو العلم التفصيلي،وإن كان من حيث شوبه بالإجمال و خلطه بالجهل يفارق العلم التفصيلي على ماسيأتي تفصيله.و لا يخفى أنّ المباحث الراجعة إلى العلم الإجماليّ كثيرة طويلة الذيل،يذكر جملة منها في هذا المقام،و جملة منها في مباحث البراءة و الاشتغال،و نحن‏و إن كان قد استقصينا الكلام فيما يتعلق بالعلم الإجماليّ من المباحث(في الجزءالرابع من الكتاب)عند البحث عن أصالة الاشتغال،إلاّ أنّه تبعا للقوم لا بأس‏1أقول:لا قصور في التفاته بكونه قطاعا.نعم:لا يلتفت إلى مخالفة قطعه هذا للواقع و لو من باب‏الاتفاق.
66
بالإشارة إليها هنا أيضا.فنقول:إنّ المباحث التي تذكر في المقام،منها ما ترجع إلى مرحلةثبوت التكليف بالعلم الإجماليّ،و منها ما ترجع إلى مرحلة سقوط التكليف به،فالكلام يقع في مقامين:و لنقدّم الكلام في المقام الثاني مع أنّه كان حقّه التأخير تبعا للشيخ‏(قدس سره).فنقول:المراد من سقوط التكليف بالعلم الإجماليّ هو سقوطه بالامتثال‏الإجماليّ على وجه الاحتياط،و لا إشكال في سقوطه بذلك في الجملة.و تفصيل ذلك:هو أنّ التكليف المعلوم بالإجمال،إمّا أن يكون‏توصليا،و إمّا أن يكون تعبديا.فان كان توصليا فلا ينبغي الإشكال في حسن‏الاحتياط و سقوط التكليف بذلك،سواء استلزم التكرار أو لم يستلزم،كانت‏الشبهة موضوعية أو حكمية،قبل الفحص أو بعد الفحص،كان الترديد بين‏الوجوب و الاستحباب أو مع احتمال الإباحة أيضا،فانّه على جميع التقاديريحسن الاحتياط و يسقط التكليف به و لو مع التمكن من الامتثال التفصيلي،لحصول الغرض،و ذلك واضح.و إن كان تعبديا ففي حسن الاحتياط و سقوط التكليف به مطلقا و لومع التمكن من الامتثال،أو عدم حسنه مطلقا،أو التفصيل بين ما إذا لم يستلزم‏مع التمكن من الامتثال،أو عدم حسنه مطلقا،أو التفصيل بين ما إذا لم يستلزم‏منه تكرار جملة العمل و بين ما إذا استلزم ذلك وجوه،و قبل بيان ذلك ينبغي‏التنبيه على أمور:الأمر الأوّل:ينسب إلى جمهور المتكلمين و بعض الفقهاء اعتبار معرفةالوجه و قصده في العبادة،و قد حكى الإجماع على ذلك أيضا.و الأقوى:عدم اعتبار ذلك،لأنّ حقيقة الطاعة عند العقل عبارة عن‏الانبعاث و كون الإرادة الفاعلية منبعثة عن الإرادة الآمرية،و هذا المعنى لا
67
يتوقف على معرفة الوجه و قصده،بل المعتبر هو أن يكون الداعي إلى الفعل‏إرادة الآمر.و أمّا معرفة كون البعث إلزاميا أو غير إلزامي فلا دخل لها في ذلك‏أصلا عند العقل و العقلاء الحاكم في هذا الباب،فلو كان قصد الوجه معتبرافلا بد و أن يكون اعتباره بأمر شرعي،و ليس فيما بأيدينا من الأدلة ما يستشم‏منه اعتبار ذلك،مع أنّه مما تعم به البلوى و تكثر الحاجة إليه،و ليس المقام من‏المقامات التي تتوفر الدواعي إلى إخفائها في الأمور التي ترجع إلى باب الولايةو الإمامة،فالمقام يكون من أظهر المقامات التي كان عدم الدليل فيها دليل‏العدم،بل ممّا يقطع بعدم اعتبار ذلك شرعا،و إلاّ لاستفاضت به الروايات.و الإجماع المحكي في المقام مما لا اعتبار به،لأنّه من الممكن أن يكون‏مدعى الإجماع قد سلك مسلك المتكلمين و ادعى الإجماع على مذاق المتكلمين‏في المسألة الكلامية لا في المسألة الفقهية،مع أنّه لو سلّم يكون من الإجماع‏المنقول الّذي لا عبرة به.فالإنصاف:أنّ مدعى القطع بعدم اعتبار قصد الوجه في العبادات لايكون مجازفا في دعواه.ثم لو سلّم عدم القطع،فلا أقل من الشك و الأصل في‏ذلك يقتضى البراءة لا الاشتغال،لأنّ الشك في اعتبار قصد الوجه يرجع إلى‏الشك في اعتبار قيد في المأمور به شرعا زائد عما يعتبره العقل في الطاعة،لماتقدم من أنّ العقل لا يعتبر في الإطاعة أزيد من كون الشخص منبعثا عن‏البعث و متحركا عن الإرادة،فقصد الوجه لو كان معتبرا فلا بد و أن يكون‏ذلك من جهة الشرع،و المرجع حينئذ عند الشك في الاعتبار هو البراءة،كما أنّ‏المرجع عند الشك في أصل التعبدية و التوصلية ذلك،بناء على ما هو المختار:من‏أنّ التعبدية تتوقف على الأمر بها و لو بمتمم الجعل،على ما تقدم تفصيله في‏مبحث التعبدي و التوصلي.نعم:بناء على أنّ اعتبار قصد الامتثال من باب دخله في الغرض و
68
أنّ اللازم هو تحصيل الغرض يكون المرجع عند الشك هو الاشتغال‏1من غيرفرق بين الشك في أصل اعتبار قصد الامتثال أو الشك فيما يستتبعه من قصدالوجه و معرفته،فانّه على هذا المعنى لا يرجع الشك إلى ما يكون مجعولا شرعياحتى تجري فيه البراءة الشرعية،و صاحب هذا المسلك لا بدّ له من دعوى القطع‏بعدم اعتبار قصد الوجه،و إلاّ فلو وصلت النوبة إلى الشك يكون الأصل فيه هوالاشتغال.و لكن المبنى عندنا فاسد،فالأصل يقتضى البراءة.الأمر الثاني:لا إشكال في أنّ الحاكم بالاستقلال في باب الطاعة وحسنها هو العقل،لا بمعنى أنّه ليس للشارع التصرف في كيفية الإطاعة،فانّ‏ذلك بمعزل عن الصواب،لوضوح أنّ حكم العقل في باب الطاعة إنّما هو لأجل‏رعاية امتثال الأوامر الشرعية و الخروج عن عهدتها،فللشارع أن يتصرف في‏كيفية إطاعة أوامره زائدا عما يعتبره العقل كبعض مراتب الرياء،حيث قامت‏الأدلة الشرعية على اعتبار خلو العبادة عن أدنى شائبة الرياء مع أنّ العقل لايستقل بذلك،و للشارع أيضا أن يكتفى في امتثال أوامره بما لا يكتفى به العقل‏لو خلّى و نفسه،كما في الأصول الشرعية الجارية في وادي الفراغ،و لكن كل‏ذلك يحتاج إلى قيام الدليل عليه،فلو لم يقم دليل شرعي على التصرف في بيان‏كيفية الإطاعة فالأمر موكول إلى نظر العقل،فان استقل بشي‏ء فهو،و إلاّفالمرجع هو أصالة الاشتغال لا البراءة،لأن الشك في اعتبار شي‏ء في كيفية1أقول:لازم هذا المسلك لزوم الاحتياط في كلية الأقل و الأكثر.و الأولى في وجه الاحتياط المختص‏بمثل هذه القيود كونها خارجة عن دائرة المأمور به،لمحذور الدور،فلا يرجع الشك فيها إلاّ إلى الشك في سقوطالأمر عما تعلق به جزما،و به تمتاز عن بقية الأجزاء،فانّ الشك فيها يرجع إلى الشك في أصل توجه الأمر إليها،فالشك فيها يرجع إلى الشك في أصل الاشتغال،بخلاف الشك في القيود المزبورة،فانه يرجع إلى الشك في‏الفراغ عما اشتغل الذّمّة به،كما لا يخفى.فتدبر فيه و في دفع هذه الشبهة أيضا،كما سيتضح في محله‏(إن شاء اللّه تعالى).
69
الإطاعة عقلا يرجع بالأخرة إلى الشك في التعيين و التخيير لا الأقل و الأكثر،و الأصل يقتضى التعيين،كما سيأتي توضيحه في محله.و لا يقاس الشك في اعتبار شي‏ء في كيفية الإطاعة العقلية بالشك‏في اعتبار مثل قصد التعبد و الوجه،لما عرفت من أنّ اعتبار مثل قصد التعبدو الوجه إنّما يكون بتقييد العبادة شرعا بذلك و لو بنتيجة التقييد1فالشك فيه‏يرجع إلى الشك في الأقل و الأكثر الارتباطي،و هذا بخلاف الشك في اعتبارشي‏ء في كيفية الإطاعة العقلية،فانّه يرجع إلى الشك في التعيين و التخيير2كما لو فرض الشك في كون الامتثال التفصيلي في عرض الامتثال الاحتمالي‏أو طوله،كما سيأتي بيانه.الأمر الثالث:مراتب الامتثال و الإطاعة عند العقل أربعة31سيأتي في مبحث الاشتغال أنّ اعتبار الامتثال التفصيلي لا بد و أن يرجع إلى تقييد العبادة به شرعاو لو بنتيجة التقييد،و لكن مع ذلك الأصل الجاري فيه عند الشك هو الاشتغال،لدوران الأمر فيه بين التعيين‏و التخيير(منه).2أقول:و يمكن إرجاع قيود الامتثال أيضا إلى الأقل و الأكثر بإرجاع الشك فيها أيضا إلى الشك في‏دخل مرتبة زائدة من بقية المراتب من حيث دخل خصوصية زائدة في بعضها دون بعض،مع فرض حفظ الفاقدفي ضمن الواجد.نعم:لو كان نسبتها من قبيل الكلي المتواطئ-بنحو لا يكون الفاقد محفوظا في ضمن الواجد-كان المرجع التعيين و التخيير،فتدبر في ملاك الفرق بين المسألتين،و تدبر أيضا في أنّ ما نحن فيه من أيّهما؟.3أقول:بعد ما كان في المقام مرحلتان:أحدهما مقام إثبات التكليف بعلم و لو إجمالا أو غيره،والآخر مرحلة إسقاطه و امتثال ما ثبت بأي طريق و أنّ قطعية مرحلة الإسقاط غير مرتبط بمرحلة إثباته،لأنّه ربمايكون المثبت للتكليف علما و لكن المسقط له ظنا،و ربما يكون الأمر بالعكس.فلنا حينئذ مجال السؤال بأنّه ما المراد من مراتب الامتثال؟فإن أريد به مراتبه الناشئة عن مراتب‏طريقه،فلا يزال يكون مرتبة الامتثال قطعيا،و إنما ظنه بظنية طريقه،و حينئذ المراتب المسطورة محسوبة للطريق‏لا الامتثال،مع أنّه على هذا لا يتصور الامتثال الإجماليّ في أطراف العلم الإجماليّ و لا الظني،أيضا.و إن أريد به مراتب الامتثال في التكليف الثابت بأي طريق،فهو ربما يختلف،و لكن ليس ظنيته من‏جهة كيفية طريقه،بل لا بد و أن يكون ظنيا بظن ثابت في هذه المرحلة،كما هو الشأن في مرجعيّة الظن بناء على‏التبعيض في الاحتياط،و في مثله لا يتصور حجية الظن على الكشف.
70
المرتبة الأولى:الامتثال التفصيلي،سواء كان بالعلم الوجداني أو بالطرق‏و الأمارات و الأصول المحرزة التي تقوم مقام العلم،فان الامتثال بالظنون‏الخاصة و بالأصول المحرزة يكون في حكم الامتثال بالعلم الوجداني،بل‏الامتثال بالظن المطلق عند انسداد باب العلم بناء على الكشف أيضا يكون‏حكمه حكم الامتثال بالعلم و في عرضه،فانّ حال الظن المطلق بناء على‏الكشف حال الظن الخاصّ،لأنّ معنى الكشف هو أنّ الشارع جعل الظن‏حجة مثبتا للأحكام الواقعية و طريقا محرزا لها،فيكون الامتثال به في عرض‏الامتثال العلمي.و ما ربّما يتوهّم:من أنّه كيف يكون الظن بناء على الكشف في‏عرض العلم مع أنّ اعتباره موقوف على انسداد باب العلم،فهو واضح الفساد،فانّ المراد من انسداد باب العلم انسداده في معظم الأحكام لا في جميعها1و بالجملة نقول:إن أراد المقرر من المراتب المزبورة المعنى الأوّل،فلا يتصور فيه الامتثال الظني أوالاحتمالي في أطراف العلم الإجماليّ،فانّ هذا الظن غير ناش من ظنية طريقه أو احتماله،بل لا بد و أن يتصور في‏الحجة الظنية أو الاحتماليةو إن أراد المقرر من المراتب المعنى الثاني،فلا يتصور الامتثال الظني بناء على الكشف،إذ ليس للشارع‏تصرف في مرحلة الإسقاط.كيف!و في هذا المقام مع التمكن من الاحتياط التام يستقل العقل بالامتثال القطعي،و مع عدم‏التمكن من الاحتياط التام يتبعض و يأخذ بالاحتمال مع عدم رجحان ذلك الطرف،و إلاّ فيستقل بطرف الظن ولا ينتهى النوبة بتصرف الشارع في هذه المرحلة إلاّ بعد إسقاط العلم عن الحجية،فترجع حينئذ إلى الفرض‏الأوّل.1أقول:لا شبهة في أنّ باب العلم بالحكم الكلي الشرعي في كل مسألة إذا كان مفتوحا لا تصل‏النوبة إلى الظن في تلك المسألة،و أنّ الانسداد في معظم الأحكام إنما ينتج حجية الظن في موارد الانسداد من‏معظم الأحكام،لا غيره.فالأولى أن يقال بطولية مرجعية الظن المزبور عن العلم في مقام الإثبات مطلقا،و أنّ تعجب«الشيخ»عن«المحقق القمي»في محله لو كان غرضه من الظن المطلق ما كان حجيته بدليل الانسداد،و إلاّ فلو كان مرامه‏حجية الظن المطلق ببناء العقلاء-كما يشهد به استشهاده عليه بأنه أساس عيش بنى آدم-فهو بمصطلح«الشيخ»داخل في الظن الخاصّ لا المطلق،و حينئذ يرد على«شيخنا العلامة»بأنّ نتيجته تمام على مصطلحه من الظن‏
71
ففي المورد الّذي يمكن تحصيل العلم مع انسداد بابه في معظم الأحكام يكون‏الظن المستنتج حجيته من مقدمات الانسداد بناء على الكشف في عرض‏العلم.و ظاهر كلام الشيخ(قدس سره)عدم الفرق في الظن بين القول‏بالكشف و بين القول بالحكومة في تأخر رتبة الامتثال به عن الامتثال العلمي،قال(قده)في مقام الرد على مقالة المحقق القمي(ره)«و العجب ممن يعمل بالأمارات‏من باب الظن المطلق ثم يذهب إلى عدم صحة عبادة تارك طريقي الاجتهادو التقليد و الأخذ بالاحتياط»انتهى.و الإنصاف:أن تعجب«الشيخ»ليس في محلّه،فانّ«المحقق القمي ره»من القائلين بالكشف،فيكون حال الظن حال العلم.فتحصّل:أنّه لا فرق بين العلم الوجداني و الظن الخاصّ و الظن المطلق‏على الكشف في حصول الامتثال بكل واحد منها.نعم:بين الامتثال بالعلم‏الوجداني و الامتثال بالطرق و الظنون الخاصة فرق لا دخل له فيما نحن فيه،و هوأنّه بعد الامتثال بالعلم الوجداني لا يبقى موقع للاحتياط،لعدم تطرّق احتمال‏مخالفة الامتثال للواقع،بخلاف الامتثال بالظنون الخاصة،فانّه يبقى موقع‏للاحتياط،لتطرق احتمال مخالفة الظن للواقع.و لكن ينبغي بل يمكن أن يقال:إنّه يتعيّن أوّلا العمل بمقتضى‏الطريق‏1ثم العمل بما يقتضيه الاحتياط.و على ذلك يبتنى الخلاف الواقع‏بين العلمين«الشيخ الأنصاري»و«السيد الشيرازي»(قدس سرهما)في‏المطلق،لا مصطلح«المحقق القمي»الّذي هو داخل في الظن الخاصّ على اصطلاح«الشيخ»إذ في مثله‏لا غرو بدعوى عرضيتها مع الامتثال بالعلم،كما لا يخفى.1أقول:في تعيّنه لو لا لزوم قصد الوجه أو التميز منع واضح.نعم:لا بأس بمراعاة احتماله استحبابالا لزوما.
72
مسألة تقديم القصر على التمام أو تقديم التمام على القصر في المسافر إلى أربع‏فراسخ مع إرادة الرجوع ليومه،فانّ«الشيخ قده»لمّا اختار في المسألة تقديم‏أدلة وجوب التمام جعل الاحتياط بالقصر بعد فعل التمام،و«السيد»اختارتقديم أدلة وجوب القصر جعل الاحتياط بالتمام بعد فعلى القصر.المرتبة الثانية:(من مراتب الامتثال)الامتثال العلمي الإجماليّ،كالاحتياط في الشبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ.المرتبة الثالثة:الامتثال الظني،سواء في ذلك الظن الّذي لم يقم‏دليل على اعتباره،أو الظن المطلق عند انسداد باب العلم بناء على الحكومة،فانّ معنى الحكومة هو حكم العقل بتعيّن الامتثال الظني عند تعذر الامتثال‏العلمي،فيكون الظن بناء على الحكومة واقعا في طريق الامتثال،على ماسيأتي توضيحه.المرتبة الرابعة:الامتثال الاحتمالي،كما في الشبهات البدوية أوالشبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ عند تعذر الامتثال الإجماليّ أو الظني.و لا إشكال في أنّه لا تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي إلاّ بعدتعذر الامتثال الظني‏1و لا تصل النوبة إلى الامتثال الظني إلاّ بعد تعذرالامتثال الإجماليّ،إنما الإشكال في المرتبتين الأوّلتين.فقيل:إنّهما في عرض واحد،و قيل بتقديم رتبة الامتثال التفصيلي مع‏الإمكان على الامتثال الإجماليّ،و على ذلك يبتنى بطلان عبادة تاركي طريق‏1أقول:يمكن أن يقال:إن الداعي على العمل ليس إلاّ ما هو معلوم له و لو إجمالا،و أنّ الاحتمال‏مقدمة لتطبيق ما يدعوه جزما على مورده،لا أنّ ما يدعوه إليه احتماله بنفسه،فتدبر.
73
الاجتهاد و التقليد و العمل بالاحتياط.و هذا هو الأقوى،و لكن في خصوص ماإذا استلزم منه تكرار جملة العمل،فانّ حقيقة الإطاعة عند العقل هو الانبعاث‏عن بعث المولى،بحيث يكون الداعي و المحرّك له نحو العمل هو تعلّق الأمر به وانطباق المأمور به عليه،و هذا المعنى في الامتثال الإجماليّ لا يتحقق،فانّ‏الداعي له نحو العمل بكل واحد من فردي الترديد ليس إلاّ احتمال تعلق الأمربه،فانّه لا يعلم انطباق المأمور به عليه بالخصوص.نعم:بعد الإتيان بكلافردي الترديد يعلم بتحقق ما ينطبق المأمور به عليه،و الّذي يعتبر في حقيقةالطاعة عقلا هو أن يكون عمل الفاعل حال العمل بداعي تعلق الأمر به حتى‏يتحقق منه قصد الامتثال التفصيلي فيما بيده من العمل،و مجرد العلم بتعلق‏الأمر بأحد فردي الترديد لا يقتضى أن يكون الانبعاث عن البعث المولوي،بل‏أقصاه أن يكون الانبعاث عن احتمال البعث بالنسبة إلى كل واحد من‏العملين.نعم:الانبعاث عن احتمال البعث و إن كان أيضا نحوا من الطاعةعند العقل إلاّ أنّ رتبته متأخرة عن الامتثال التفصيلي.فالإنصاف:أنّ مدّعى القطع بتقدم رتبة الامتثال التفصيلي على‏الامتثال الإجماليّ في الشبهات الموضوعية و الحكمية مع التمكن من إزالة الشبهة لايكون مجازفا في دعواه‏1مع أنّه لو سلّم الشك في ذلك فقد عرفت أنّ الأصل‏يقتضى الاشتغال لا البراءة،لأنّ مرجع الشك في ذلك إلى الشك في التخييربين الامتثال التفصيلي و الإجماليّ أو تعيّن الامتثال التفصيلي.هذا إذا كان المعلوم بالإجمال مرددا بين المتباينين بحيث استلزم من‏الاحتياط تكرار جملة العمل.و إن كان مرددا بين الأقل و الأكثر-كالشك في‏1أقول:على ما ذكرنا آنفا لا يخلو عن مجازفة،كما أنّه على الشك أمكن دعوى:أنّ لجهة الإجمال جهةنقص عن التفصيل بملاحظة سعة علمه الحاوي لشراشر وجوده دونه مع انحفاظ جهة نقصه في مرتبة كماله،و في‏مثله المرجع هو البراءة-كالأقل و الأكثر-لا التعيين و التخيير،لعدم كونها من قبيل الكلي المتواطئ،فتدبر بعين‏الدقة و لا تسرع في المطلب عميانا.
74
وجوب السورة مثلا في الصلاة-فالأقوى أنّه لا يجب على المكلف إزالة الشبهة وإن تمكن منها بالعلم و الاجتهاد أو التقليد،لأنّه يمكن قصد الامتثال التفصيلي‏بالنسبة إلى جملة العمل،للعلم بتعلق الأمر به و إن لم يعلم بوجوب الجزءالمشكوك،إلاّ إذا قلنا باعتبار قصد الوجه في الأجزاء،و قد تقدم ضعفه.و هذامن غير فرق بين ما إذا تردد أمر الجزء المشكوك بين الوجوب و الاستحباب‏كالسورة،أو مع احتمال الإباحة أيضا كجلسة الاستراحة،بل لو تردد أمره بين‏المتباينين-كالجهر و الإخفات في ظهر الجمعة-فانّه للمكلف الاحتياط بتكرارالقراءة بلا تكرار الصلاة.هذا كلّه إذا كانت الشبهة مقرونة بالعلم الإجماليّ.و إن كانت الشبهةبدوية:ففي الشبهات الموضوعية يحسن الاحتياط مطلقا قبل الفحص و بعده،لعدم وجوب الفحص فيها.و إن كانت الشبهة حكمية:فلا يحسن الاحتياط إلاّ بعدالفحص،لأنّ التكاليف في الشبهات الحكمية تتنجز بما يعتبر فيها بمجردالالتفات إليها،إلاّ إذا تفحص المكلف و لم يعثر عليها فانّه يكون حينئذ معذورا.و بعد البناء على اعتبار الامتثال التفصيلي في حسن الطاعة يكون حاله حال‏ساير القيود و الأجزاء يتنجّز التكليف به على تقدير ثبوت التكليف واقعا مع‏التمكن من إزالة الشبهة بالفحص.هذا تمام الكلام في المقام الأوّل و هو سقوطالتكليف بالعلم الإجماليّ.
المقام الثاني:
في ثبوت التكليف بالعلم الإجماليّ‏و ينبغي أن نقتصر في المقام على فهرست ما يتعلّق بذلك من المباحث‏و الإشارة الإجمالية إلى ما هو المختار فيها،و نحيل تفصيلها إلى الجزء الرابع من‏
75
كتابنا،فانّه قد استقصينا الكلام فيها بما لا مزيد عليه،إلاّ بعض الأمور التي‏تختص ذكرها هنا.فنقول:إنّ الأمور التي وقع البحث عنها في باب العلم الإجماليّ كثيرة.
الأمر الأوّل:
قد توهّم أنّ العلم الّذي يكون موضوعا عند العقل في باب الطاعةو المعصية يختص بالعلم التفصيلي و لا يعمّ العلم الإجماليّ،بتقريب:أنّ العقل‏إنّما يستقل بقبح الإقدام على عمل يعلم أنّه معصية لأمر المولى و نهيه،و هذايتوقف على العلم بتعلق الأمر أو النهي بما يأتي به من العمل،و في العلم الإجماليّ‏لا يكاد يتحقق هذا المعنى،لأنّه عند الاقتحام بكل واحد من أطراف المعلوم‏بالإجمال لا يعلم بأنّ اقتحامه يكون معصية لأمر المولى أو نهيه،لعدم العلم‏بتعلق الأمر أو النهي به بخصوصه،غايته أنّه بعد الاقتحام بجميع الأطراف يعلم‏بتحقق المخالفة،و العقل لا يستقل بقبح الاقتحام على ما يعلم بعد ذلك بحصول‏المخالفة،هذا.و لكن فساد هذا التوهّم بمكان من الوضوح،بداهة أنّ العقل يستقل‏بقبح مخالفة التكليف المحرز الواصل إلى المكلف بأحد طرق الوصول.و من‏جملتها العلم الإجماليّ،فانّ التكليف في موارد العلم الإجماليّ واصل إلى المكلف‏و محرز لديه،و الإجمال إنّما يكون في المتعلق،و إلاّ فنفس التكليف و الإلزام معلوم‏تفصيلا1و هو على ما عليه من إجمال المتعلق يصلح لأن يكون بعثا مولويا و1أقول:بعد ما كان المتعلق مورد الإجمال و الترديد،فقهرا التكليف المتعلق بكل منهما أيضا طرف‏الترديد،و ما هو معلوم الجامع المهملة بين الشخصين المردد انطباقه على أيّهما بلا إطلاق في هذا الجامع،فلا يقاس‏المقام بالتكليف بالجامع في باب التخيير،لأنّ في شخص الجامع إطلاق قابل للانطباق على أيهما،بخلاف الجامع‏في المقام،فانّه مهملة غير صالح للانطباق إلاّ على واحد منهما،غاية الأمر بنحو الترديد.و من هذه الجهة نقول:لايصح دعوى العلم بشي‏ء تفصيلا في موارد العلم الإجماليّ،لا في الحكم و لا في المتعلق.
76
يمكن الانبعاث عنه،بحيث لو فرض أنّه لو كان الخطاب الواقعي كذلك-أي‏على ما هو عليه من الإجمال‏1من دون أن يتعلق بخصوصية أحد الأطراف-لكان ذلك تكليفا مولويا،يصلح لأن يكون داعيا و محركا لإرادة العبد نحوامتثاله و ينتج نتيجة التخيير الشرعي أو العقلي-على اختلاف المقامات-فالجهل بالخصوصية لا يضرّ بالمعلوم بالإجمال و لا يمنع عن حكم العقل بقبح‏الاقتحام على مخالفته،و ذلك واضح لا ينبغي إطالة الكلام فيه.
الأمر الثاني:
ذهب بعض الأعاظم إلى انحفاظ رتبة الحكم الظاهري في أطراف‏العلم الإجماليّ‏2لأنّ موضوع الحكم الظاهري هو الجهل بالواقع،و الأصول‏ثم إنّ الناظر البصير ربّما يرى تهافتا بين قوله في المقام:«و يمكن الانبعاث عن البعث في العلم الإجماليّ»وبين تقريبه السابق بأنّ«الانبعاث من قبل احتمال البعث لا نفسه»و جعل ذلك منشأ تأخيره رتبة عن الامتثال‏التفصيلي،فراجع و تدبر.1أقول:مثل هذا التعبير في باب التخيير غلط،كما لا يخفى على من تأمل فيما ذكرنا آنفا.2أقول:رتبة الحكم الظاهري إنما يكون محفوظا في فرض تعلق الشك بنفس الواقع،بلا شائبة تنجزفيه،و إلاّ فمع احتمال التكليف المنجز الملازم لاحتمال المعصية العقل يأبى عن الترخيص في المعصية و لو مع‏احتمالها،و حينئذ فلا محيص لمثل هذا المقرر أن يعزل العلم الإجماليّ عن المنجزية رأسا،أو يدعى تعليقية حكم‏العقل بمنجزية العلم بعدم ترخيص على خلافه،و على الفرضين لا يمنعه الجزم بمخالفة الأصلين للواقع بعد اختلاف‏الرتبة في البين،كما هو الشأن في الشبهات البدوية،و عليه فلا يبقى مجال لما أفيد في جوابه من التفكيك في شمول‏أدلة الأصول للطرفين أو طرف واحد إلاّ مع إثباته التفكيك بين الموافقة و المخالفة في التعليقية و التنجيزية،و لا مجال‏لإثباته من الخارج،بل مجرد احتمال التنجيزية يكفى مطلقا،يكفى لمنع شمول دليل الترخيص و لو لأحدهما،و لا مجال‏أيضا لإثباته حينئذ بتوهّم شمول دليل الترخيص لفرض الشك دون العلم و ذلك لما فيه:حيث نقول:بأنّ شمول دليل الترخيص لفرض الشك حينئذ دوري،لأنّ الشمول منوط بثبوت‏التعليقية،فكيف يثبت التعليقية بشمول دليل الترخيص؟فان قلت:إنّ مانعية المعصية لدليل الترخيص إذا كان عقليا يصير من المخصصات اللبّية،و لا بأس‏بالتمسك بالعامّ في المخصص اللبّي فبدليل الترخيص يستكشف عدم المعصية عند الشك بها.قلت:نتيجة التمسك بالعامّ في المخصص اللبّي ليس نفى المعصية المشكوكة وجدانا،بل غايته نفيها تعبدا،
77
العملية إنّما تجري في كل واحد من الأطراف بخصوصه و كل واحد منها مجهول‏الحكم،و ليس في البين أصل عملي يجري في مقابل نفس المعلوم بالإجمال حتى‏يقع التضاد و المنافاة بين مؤدى الأصل و المعلوم بالإجمال،فلا يلزم من جريان‏الأصول في الأطراف محذور المناقضة و التضاد.قلت:جريان الأصول العملية في كل واحد من الأطراف يستلزم‏الجمع في الترخيص بين جميع الأطراف‏1و الترخيص في الجميع يضادّالتكليف المعلوم بالإجمال،فلا يمكن أن تكون رتبة الحكم الظاهري محفوظة في‏جميع الأطراف.نعم:يمكن الترخيص في بعض الأطراف و الاكتفاء عن الواقع‏بترك الآخر أو فعله.و دعوى الملازمة بين حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية وأنّ العلم الإجماليّ إمّا أن يكون علة تامة بالنسبة إلى كلا المرحلتين و إمّا أن لايكون،فهي مما لا شاهد عليها و لا سبيل لها،بداهة أنّ العلم الإجماليّ لا يزيدعن العلم التفصيلي‏2و للشارع الاكتفاء بالإطاعة الاحتمالية في العلم‏فاحتمال المعصية وجدانا موجود،و مع هذا الاحتمال يأبى العقل عن الترخيص فيها،فكان العقل يرى عدم‏المعصية شرطا للحكم الظاهري أيضا-نظير شرطية القدرة-و حينئذ ليس المقام من موارد التمسك بالعامّ في‏الشبهات المصداقية اللبّية كما توهّم،فتدبر.1أقول:لنا مجال النقض بمشكوكية كل واحد من الطرفين و معلومية أحدهما،مع أنّ بين الشك‏و اليقين كمال المناقضة،و حينئذ فلو ادعى الطرف بأنّ مركز الترخيص هو المشكوك بلا سرايته إلى العنوان‏المعلوم،من أين يسرى الترخيص إلى الجهة المعلومة؟فتدبر.2أقول:بعد اكتفاء العقل في مقام الفراغ عما اشتغلت الذّمّة بالأعم من الواقعي و الظاهري،فلاقصور حينئذ في تصرف الشارع في مقام الفراغ بجعل البدل،كما هو الشأن في العلم التفصيلي بضرب قاعدةالفراغ،و أين هذا مع فرض صرف الترخيص في بعض الأطراف بلا تصرف في مقام الفراغ و جعله بدلا عن‏الواقع،كيف!و مثل هذا الترخيص أيضا غير جار في العلم التفصيلي أيضا،و حينئذ ليس مجال الاستشهاد بمثل‏جعل البدل في المقامين على جواز الترخيص في أحد الطرفين بلا تعيين مفرغ و جعل بدل.و تتمة الكلام موكول‏إلى محله في بحث الاشتغال.
78
التفصيلي،كما هو مفاد الأصول الجارية في وادي الفراغ،فما ظنّك بالعلم‏الإجماليّ؟و قد أشبعنا الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في مبحث الاشتغال،فراجع.
الأمر الثالث:
الأصول المتكفلة للتنزيل كالاستصحاب لا تجري في أطراف العلم‏الإجماليّ مطلقا لزم منها المخالفة العملية أو لم يلزم،فلا يجري استصحاب‏النجاسة في كل واحد من الإناءين اللذين علم إجمالا بطهارة أحدهما مع سبق‏النجاسة في كل منهما،كما لا يجري استصحاب الطهارة فيهما مع العلم بنجاسةأحدهما و سبق الطهارة في كل منهما،مع أنّه لا يلزم من جريان الاستصحابين‏في الفرض الأوّل مخالفة عملية للتكليف المعلوم بالإجمال،لأنّ التعبد ببقاءالواقع في كل من الإناءين ينافى العلم بعدم بقائه في واحد منهما.و هذا بخلاف‏الأصول الغير المتكفلة للتنزيل-كأصالة البراءة و الحل و الاحتياط-فانّ جريانهافي أطراف العلم الإجماليّ يدور مدار لزوم المخالفة العملية و عدمه،فان لم يلزم من‏جريانها مخالفة عملية تجري و يلزم العمل على مقتضاها،و قد ذكرنا تفصيل‏الكلام في ذلك بأمثلته في خاتمة الاستصحاب.
الأمر الرابع:
المانع من جريان الأصول في أطراف العلم الإجماليّ ليس قصور أدلةاعتبارها و عدم شمولها للشبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ كما توهّم،لوضوح أنّ‏ذلك على تقدير تسليمه يختص ببعض أخبار الاستصحاب مما اشتمل على لزوم‏نقض اليقين باليقين،فانّ اشتماله على ذلك هو الّذي أوجب توهّم عدم شمول‏الدليل للشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ.و أمّا بقية أخبار الاستصحاب و أدلةسائر الأصول فليس فيها ما يقتضى توهّم اختصاصها بغير الشبهة المقرونة بالعلم‏
79
الإجماليّ،بل المانع من جريانها،هو قصور المجعول فيها و عدم انحفاظ رتبتها،من‏جهة لزوم المناقضة بين مؤدى الأصول و التكليف المعلوم بالإجمال،كما تقدمت‏الإشارة إليه،فالبحث عن عموم أدلة الأصول و عدم عمومه مما لا أثر له،فانّه‏مع فرض عمومها لا بد من تخصيصها عقلا بغير الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ،على تفصيل بين الأصول المتكفلة للتنزيل و غيرها،كما تقدمت الإشارة إليه.كما أنّه لا أثر للبحث عن أنّ عدم جريان الأصول في أطراف العلم‏الإجماليّ إنّما هو لعدم المقتضى أو لثبوت المانع،مع أنّه لم يظهر المراد من‏المقتضى و المانع المبحوث عنه في المقام.فان كان المراد من المقتضى،هو أنّ كل واحد من الأطراف من‏حيث كونه مجهول الحكم فيه اقتضاء جريان الأصل و العلم الإجماليّ بتعلق‏التكليف بأحدهما مانع عن جريانه،فهذا معنى صحيح غير قابل للنزاع‏و البحث فيه.و إن كان المراد من المقتضى،هو أنّ أدلة الأصول تعم أطراف العلم‏الإجماليّ و لزوم المخالفة العملية من جريانها،مانع في مقابل من يقول:إنّ أدلةالأصول لا تعمّ أطراف العلم الإجماليّ-كما يظهر من الشيخ-فقد عرفت أنّ‏البحث عن عموم الدليل و عدمه مما لا أثر له بعد عدم قابلية المجعول في باب‏الأصول لأن يعم أطراف العلم الإجماليّ.فالإنصاف:أنّ البحث عن ثبوت المقتضى و لا ثبوته مما لا يرجع إلى‏محصّل،و يأتي تفصيله في خاتمة الاستصحاب و في الاشتغال.
الأمر الخامس:
يعتبر في تأثير العلم الإجماليّ أمور:الأمر الأوّل:أن يكون التكليف المعلوم بالإجمال صالحا للانبعاث‏
80
عنه و قابلا لأن يكون محركا لإرادة المكلف نحو امتثاله مع ما هو عليه من‏الإجمال،بحيث يمكنه المخالفة القطعية للتكليف،فلا أثر للعلم الإجمالي إذا تعلق‏بما لا يمكن أن يكون محركا لإرادة العبد،كموارد دوران الأمر بين المحذورين،فانّ التكليف المردّد بين وجوب الحركة أو السكون غير صالح للانبعاث عنه بعدما كان العبد لا يخلو عن أحدهما تكوينا،و سيأتي إن شاء اللّه تعالى(في مبحث‏البراءة)أنّ شيئا من الأصول العقلية و الشرعية لا تجري في موارد دوران الأمربين المحذورين.و ليعلم أنّه يعتبر في دوران الأمر بين المحذورين أمور:الأوّل:وحدة القضية و عدم تكررها،فانّ في صورة تكرار القضيةيتمكن المكلف من المخالفة القطعية،كما لو دار أمر المرأة بين كونها محلوفةالوطء في كل ليلة من ليالي الأسبوع،أو محلوفة الترك كذلك،فانّه مع وطيهافي بعض ليالي الأسبوع و ترك وطيها في الليالي الاخر يعلم بمخالفة التكليف.الثاني:أن لا يكون المكلف به في كل من طرف الفعل و الترك تعبدياأو كان أحدهما المعيّن تعبديا،فانّه لو كان كذلك لكان المكلف متمكنا من‏المخالفة القطعية بترك قصد التعبد في أحدهما أو في خصوص المعيّن،و مهماتمكن المكلف من المخالفة القطعية فالعلم الإجماليّ يقتضى التنجيز و لو بهذا المقدارو لو لم تجب الموافقة القطعية لعدم التمكن منها.و دعوى الملازمة بين حرمة المخالفةالقطعية و وجوب الموافقة القطعية فإذا لم تجب الموافقة القطعية لم تحرم المخالفةالقطعية،قد عرفت ما فيها.الثالث:عدم القول بوجوب الموافقة الالتزامية للتكليف المعلوم‏بالإجمال،فانّه لو بنينا على وجوب الموافقة الالتزامية لكان المكلف متمكناأيضا من المخالفة القطعية بترك الالتزام بالتكليف المعلوم بالإجمال أو الالتزام‏بضدّه.و لكن في أصل الموافقة الالتزامية موضوعا و حكما إشكال،فانّ المرادمن الموافقة الالتزامية إن كان هو التصديق بما جاء به النبي صلّى اللّه‏
81
عليه و آله فهذا مما لا إشكال في وجوبه،لأنّ عدم الالتزام بذلك يرجع إلى‏إنكار النبي صلّى اللّه عليه و آله .و إن كان المراد منها معنى آخر،فلو سلّم أنّ‏وراء التصديق بما جاء به النبي صلّى اللّه عليه و آله معنى آخر فلا دليل على‏وجوبه،و لو سلّم قيام الدليل عليه فهو يختص بما إذا علم بالتكليف تفصيلاليمكن الالتزام به،و لو سلّم أنّ الدليل يعمّ العلم الإجماليّ فالالتزام بالواقع على‏ما هو عليه في موارد العلم الإجماليّ بمكان من الإمكان،و هذا لا ينافى كون‏أمر التكليف من حيث العمل يدور بين المحذورين.الأمر الثاني:يعتبر في تأثير الإجماليّ أن لا يسبق التكليف ببعض‏الأطراف على العلم الإجماليّ‏1و إلاّ كان الأصل النافي للتكليف جاريا في‏الطرف الآخر بلا معارض،كما إذا علم بوقوع قطرة من الدم في أحد الإناءين‏مع أنّ أحدهما المعيّن كان نجسا قبل وقوع القطرة من الدم في أحدهما،و قدذكرنا تفصيل ذلك بما له من الفروع في مبحث الاشتغال.الأمر الثالث:أن يكون التكليف المعلوم بالإجمال مما له تعلّق‏بشخص العالم،أي كان شخص العالم هو المخاطب بالتكليف،فلا أثر للعلم‏الإجماليّ إذا كان التكليف المعلوم بالإجمال مرددا بين شخصين-كالجنابةالمردّدة بين الشخصين في الثوب المشترك-فانّ أصالة عدم الجنابة تجري في حق‏كل من الشخصين بلا معارض.نعم:قد يتولد من العلم بجنابة أحد الشخصين ما يقتضى تعارض‏الأصلين،و ذلك يتصور في موارد:منها:ما إذا اجتمعا في صلاة الجمعة بحيث كانا من المتمّمين للعدد1أقول:سبق التكليف غير مؤثر شيئا،بل لا بد من التقارن،كما سيجي‏ء توضيحه في محله.
82
المعتبر فيها سواء كانا مأمومين أو كان أحدهما مأموما و الآخر إماما،فلا تصح‏صلاة كل منهما.بل لا تصح صلاة كل من اجتمع معهما لأنّه يعتبر في صلاةالجمعة أن يكون كل من المأمومين محرزا-و لو بالأصل-صحة صلاة الإمام وبقية المأمومين،و مع العلم بجنابة المجتمعين لصلاة الجمعة لا يمكن إحراز صحةصلاة الجميع،فلا يمكن أن يجري كل شخص أصالة عدم الجنابة في حق‏نفسه.و إن شئت قلت:إنّ صلاة المجتمعين في صلاة الجمعة بمنزلة صلاة واحدةمرتبطة بعضها مع بعض،فأصالة عدم الجنابة في كل من الشخصين تعارض‏أصالة عدمها في الشخص الآخر.و منها:ما إذا اقتدى أحدهما بالآخر في غير صلاة الجمعة،أو اقتدى‏ثالث بكل منهما في صلاتين أو صلاة واحدة،فانّه في الفرض الأوّل يعلم بفسادإحدى الصلاتين إمّا صلاة نفسه أو صلاة إمامه،و في الفرض الثاني يعلم‏بفساد صلاة أحد الإمامين،إلاّ إذا قلنا:إنّه يكفى في صحة صلاة الجماعةإحراز كل من الإمام و المأموم صحة صلاة نفسه و لو بالأصل،و لا يعتبر في‏الصحة إحراز المأموم صحة صلاة الإمام،فانّه على هذا تصح صلاة الجميع وتجري أصالة عدم الجنابة في حق كل منهما بلا معارض،و تفصيل ذلك موكول‏إلى محله.و منها:ما إذا استأجر كل منهما لما يكون مشروطا بالطهارة كالصلاةو الصوم،فانّ المستأجر يعلم بفساد صلاة أحد الأجيرين.فلا تفرغ ذمّة المنوب‏عنه،إلاّ إذا قلنا أيضا بأنّه يكفى في صحة الإجارة و تفريغ ذمّة المنوب عنه كون‏الأجير محرزا لصحة عمله و لو بالأصل.و منها:ما إذا استأجر كل منهما لما يحرم على الجنب فعله-ككنس‏المسجد و الدخول فيه لحمل المتاع و نحو ذلك-فانّه قد يقال:بفساد الإجارة للعلم‏بحرمة دخول أحد الأجيرين.و لكن الأقوى في هذا الفرض صحة الإجارة لأنّه لا يعتبر في صحتها
83
سوى كون العمل مملوكا للأجير و ممكن الحصول للمستأجر و كل من الشرطين‏حاصل في الفرض،لأنّ كلا من الأجيرين مالك لعمل نفسه فانّه يباح لكل‏منهما الدخول في المسجد و كنسه و لو بمقتضى الأصل،فيجوز لهما ذلك،و إذاجاز لهما ذلك جاز استئجارهما عليه.و منهما:غير ذلك من الموارد التي تظهر للمتأمل.الأمر الرابع:أن لا يكون للعلم بالخصوصية دخل في الحكم،بحيث كان إجمال‏المتعلق مما يقتضى تبدل الحكم واقعا.و بعبارة أخرى:يعتبر في تأثير العلم‏الإجماليّ أن لا يكون الموضوع من الموضوعات التي يعتبر العلم بالخصوصية في‏ترتّب الحكم عليه،سواء كان الحكم من الأحكام التكليفية،أو من الأحكام‏الوضعيّة،و على ذلك يبتنى حصول الشركة في الأموال عند الخلط،فانّه تبطل‏ملكية الخصوصية و تحصل الإشاعة في المالين المختلطين واقعا،من غير فرق بين‏خلط الحنطة بالحنطة أو خلط الدراهم بالدراهم،و إن خالف بعض في حصول‏الشركة و ثبوت الإشاعة بخلط الدراهم.و لكن الأقوى:حصول الشركة فيها أيضا،و السرّ في حصول الشركةبخلط الأموال هو أنّ الملكية لما كانت من الأمور الاعتبارية العرفية1كان‏إجمال الخصوصية موجبا لبطلانها و عدم اعتبارها لمالكها،فتخرج الخصوصيةالإفرازية عن ملك صاحبها و تحصل الشركة بنسبة المالين المختلطين:من النصف‏و الثلث و الربع.1أقول:هذا البرهان جار في خلط كل متماثل من الثياب و غيرها،و هو كما ترى!فالأولى عدم‏التعدي في الشركة و الخلط عن الأمور التي يحسب بالخلط شيئا واحدا دقة-كالمائعات-أو عرفا-كالحبوبات-و أمّامثل الدراهم بعد الخلط أيضا متعدد،فلا مجال لاعتبار الشركة فيها،بل يجري فيها حكم عدم الميز،نظير صورة عدم‏الخلط،كما لا يخفى.
84
و ما ورد في الدرهم الودعي:من إعطاء أحد الدرهمين عند تلف‏الثالث لصاحب الدرهمين و تنصيف الدرهم الآخر بين مالك الدرهم‏و الدرهمين بالسوية-كما في رواية السكوني-لا بد من حمله على صورة عدم خلطالدراهم،و إلاّ كان الحكم فيه التثليث.و بالجملة:الخلط في باب الأموال يوجب الشركة و بطلان خصوصيةالإفراز،كما عليه الأصحاب و استفاضت به الروايات.نعم:الحكم بالشركةيختص بصورة الخلط.و أمّا في صورة اشتباه المالين و عدم تميّز أحدهما عن الآخربلا خلط،فالحكم فيها هو التصالح أو القرعة،و تفصيل الكلام في ذلك موكول‏إلى محله.الأمر الخامس:أن لا يكون في البين ما يوجب بطلان اقتضاء العلم‏الإجماليّ و سقوطه عن الأثر:من التحالف و حكم الحاكم و الإقرار المستتبع‏لتنصيف المال،أو فسخ العقد المتنازع فيه.و الفرق بين هذا الأمر و الأمر السابق هو أنّه في الأمر السابق كان‏إجمال المتعلق بنفسه يوجب بطلان اقتضاء العلم الإجماليّ،و في هذا الأمر إجمال‏المتعلق بنفسه لا يوجب ذلك،بل لا بد من تعقبه بحكم الحاكم أو التحالف أوالإقرار،فانّ هذه الأمور توجب تبدل موضوع الحكم،إمّا تبدّلا واقعيا،و إمّاتبدّلا ظاهريا.و تفصيل ذلك:هو أنّه في مورد التحالف يتبدل الموضوع واقعا،لأنّه‏يقتضى فسخ العقد المتنازع فيه و رجوع كل من الثمن و المثمن إلى ملك مالكه‏قبل العقد،فيبطل اقتضاء العلم الإجماليّ بانتقال أحد الثمنين أو المثمنين المتنازع‏فيه،بل يبطل اقتضاء العلم التفصيلي بانتقال ما لا نزاع فيه عن ملك مالكه،فانّه يكون حكم الفسخ بالتحالف حكم الفسخ بالخيار أو الإقالة موجبالانتقال كل ملك إلى مالكه الأصلي.
85
و أمّا حكم الحاكم:فبالنسبة إلى غير المحكوم له يوجب التبدل‏الواقعي أيضا،فلو ادّعى أحد الشخصين ملكية جميع الدار،و ادّعى الآخرملكية الجميع أيضا،و كانت الدار في يد كل منهما،أو أقام كل منهما البينة،أوحلف كل منهما على نفى ما يدّعيه الآخر،فالذي عليه الأصحاب و نطقت به‏الروايات هو الحكم بالتنصيف،و بعد حكم الحاكم بالتنصيف ينتقل نصف‏الدار عن مالكها،يعنى يجب ترتيب آثار الانتقال الواقعي ما لم يبطل الحكم‏بإقرار المحكوم له أو بالانكشاف القطعي،فانّ الإقرار أو الانكشاف القطعي‏يكون بمنزلة فسخ العقد،فلا أثر للعلم الإجماليّ بكون الدار كلّها لأحدالمتداعيين و أخذ أحدهما النصف بلا حقّ،فللثالث أن يشترى كل من‏النصفين من كل من المتداعيين.نعم:بالنسبة إلى المحكوم له يكون حكم الحاكم بمنزلة الحكم‏الظاهري،له التصرف في النصف المحكوم له ما لم يعلم بالخلاف و أنّ دعواه‏كانت بلا حقّ.و أمّا الإقرار:فهو بالنسبة إلى المقرّ له يكون طريقا محضا ليس له‏التصرف في المقرّ به مع علمه بمخالفة الإقرار للواقع،و أمّا في حق غير المقرّ له‏فيجري الإقرار مجرى السبب الواقعي،و يجب ترتيب آثار انتقال المقرّ به إلى‏المقرّ له،فلو أقرّ شخص بأنّ ما في يدي لزيد،ثم أقرّ بأنّه لعمرو،يعطى ما في‏يده لزيد و يغرم قيمته لعمرو،و يجوز للثالث أن يجمع عنده عين ما في يد المقرّمع ما يغرمه لعمرو بأحد موجبات الاجتماع،إلاّ إذا علم ببطلان خصوص‏أحد الإقرارين تفصيلا.و لا يخفى أنّ في كثير من فروض هذه المسائل إشكال و خلاف‏1وحيث كانت المسائل فقهية لا ينبغي إطالة الكلام فيها.و تفصيلها موكول إلى‏1أقول:جزاك اللّه خيرا لقد جئت بالحق.
86
محلّها.و الغرض في المقام مجرد الإشارة إلى بيان أنّ ما ذكره الشيخ‏(قدس سره)من الموارد التي توهّم فيها انخرام القاعدة التي يقتضيها العلم الإجماليّ‏-من عدم جواز المخالفة القطعية للمعلوم بالإجمال-ليس شي‏ء منها تقتضي‏ذلك.إذ منها:ما لا يصحّ الالتزام به،كمسألة جواز إحداث القول الثالث‏عند اختلاف الأمّة على قولين يعلم أنّ الإمام مع أحدهما،و كجواز ارتكاب‏كلا المشتبهين دفعة أو تدريجا.و منها:ما نلتزم به و لا يكون مخالفا لما يقتضيه العلم الإجماليّ،كمسألة اقتداء أحد واجدي المني بالآخر،و كمسألة التنصيف في باب‏التداعي و التحالف،فانّ العلم الإجماليّ يسقط عن التأثير في هذه الموارد بالبيان‏المتقدم.
و ينبغي ختم الكلام في مباحث العلم الإجماليّ بالتنبيه على أمر:
و هو أنّه لو تردد المعلوم بالإجمال بين ما يكون بوجوده الواقعي ذا أثر و بين مايكون بوجوده العلمي،كما لو تردد حال الثوب بين الغصب و النجاسة،فالعلم‏الإجماليّ ما دام موجودا يقتضى أثره و يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على‏الغصب و النجاسة،فلا يجوز استعمال الثوب و التصرف فيه تصرفا مشروطابالطهارة و الإباحة.و أمّا الآثار الزائدة المترتبة على الشي‏ء بوجوده الواقعي فلا تترتب،فلو غفل المكلف عن علمه و صلّى في الثوب لم يجب عليه الإعادة و القضاءلاحتمال أن يكون غصبا،و الصلاة في الثوب المغصوب مع النسيان صحيحةواقعا.و النجاسة لم يتعلق العلم بها في وقت حتى يقال:إنّ العلم بالنجاسة آنا ما
87
يكفى في فساد الصلاة و لو مع الذهول و النسيان‏1و سيأتي لذلك مزيد وتوضيح في مبحث الاشتغال.هذا قليل من كثير مما يتعلق بالعلم الإجماليّ من المباحث و ما يعتبر فيه‏من الشرائط،و استقصاء الكلام في الجميع موكول إلى«الجزء الرابع»من‏الكتاب،و ليكن هذا آخر ما أردنا بيانه في المقام الأوّل المتكفل للبحث عن‏مسائل القطع.و الحمد للّه أوّلا و آخراو الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين‏و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.1أقول:لو قيل في مانعية النجاسة بكفاية تنجزه و لو بعلم إجمالي في وقت كان هذه الجهة موجودا في‏النجاسة،و معلوم:أنه يمنع عن الحكم بصحة الصلاة و لو كان حين العمل غافلا عن المعصية،كما لا يخفى،و عمدة النكتة هو أنّ دليل معذورية النجاسة إنما يختص بصورة بقاء المعذورية بجهله بها من الأوّل،و لا يشمل‏غيره،كما لا يخفى.
88
المقام الثاني‏في الظن‏
و تفصيل البحث عن ذلك يستدعى رسم مباحث:
المبحث الأوّل‏في إمكان التعبد بالطرق و الأصول‏
و المراد من الإمكان المبحوث عنه في المقام هو الإمكان التشريعي،يعنى أنّ من التعبد بالأمارات هل يلزم محذور في عالم التشريع:من تفويت‏المصلحة و الإلقاء في المفسدة و استلزامه الحكم بلا ملاك و اجتماع الحكمين‏المتنافيين،و غير ذلك من التوالي الفاسد المتوهّمة في المقام؟أو أنّه لا يلزم شي‏ءمن ذلك؟و ليس المراد من الإمكان هو الإمكان التكويني بحيث يلزم من‏التعبد بالظن أو الأصل محذور في عالم التكوين‏1فانّ الإمكان التكويني لايتوهّم البحث عنه في المقام،و ذلك واضح.1أقول:إذا كان المحذور في المقام لزوم اجتماع الضدين أو صدور القبيح ممن يستحيل صدوره منه‏من التعبد بالظن،فهل هو غير الاستحالة التكوينية في هذا التعبد و التشريع،و لازمه في قباله هل هو غير الإمكان‏التكويني؟و كون موضوع هذا الإمكان و الاستحالة أمرا تشريعيا لا يقتضى خروج إمكانه عن التكوين،كما لايخفى،فبعد الإمكان التكويني لا يفهم له معنى محصّل.
89
ثم إنّ المحاذير المتوهّمة من التعبد بالأمارات-منها:ما يرجع إلى المحذورالملاكي.و منها:ما يرجع إلى المحذور الخطابي‏1.أمّا الأوّل:فتقريبه-أنّه يلزم من التعبد بالظن تفويت المصلحةو الإلقاء في المفسدة عند مخالفة الظن للواقع،و أدائه إلى وجوب ما يكون حراماأو حرمة ما يكون واجبا2و إلى ذلك ينظر الاستدلال المحكي عن«ابن قبة»من أنّه يوجب تحليل الحرام و تحريم الحلال.و لا يخفى:أنّ محذور تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة يتوقف‏على أمور:الأوّل:الالتزام بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في المتعلقات و أنّ‏تلك المصالح تجري في عالم التشريع مجرى العلل التكوينية من استتباعهاللأحكام و كونها لازمة الاستيفاء في عالم التشريع‏3لا أنّها من المرجّحات‏و المحسّنات لتشريع الأحكام من دون أن تكون لازمة الاستيفاء،فانّها لوكانت كذلك لا يلزم من تفويتها محذور.الثاني:الالتزام بأنّ المجعول في باب الأمارات نفس الطريقية المحضة و1أقول:في المحذور الخطابي جهتان:إحداهما شبهة التضاد بين الحكمين عند المخالفة،و الأخرى شبهةنقض الغرض،بتقريب:أنّ مع فرض تعلق الإرادة بشي‏ء يستحيل جعل شي‏ء يوجب تفويت مرامه،كما لايخفى.ثم إنّ هذه الشبهة مختص بصورة المخالفة،و لا يجري عند موافقة الأمارة للواقع،بخلاف شبهة التضاد،فانّه‏يجري حتى في صورة الموافقة،لأنّ المثلان كالضدين،بناء على التحقيق:من عدم مجي‏ء شبهة التأكد في المقام،كما توهّم.2أقول:أو أداء الجعل إلى تفويت مرامه باختياره الراجع إلى نقض غرضه،و يمكن إرجاع كلام‏«ابن قبة»إليه أيضا.3أقول:يعنى اقتضائه له على وجه قابل لمنع المانع في عالم الوجود مع كونها علة تامّة للخطاب و تشريع‏الأحكام من دون منافاة بينهما،إذ هذا المعنى يناسب كلام الإمامية لا العلية المطلقة.
90
لم نقل بالمصلحة السلوكية،و إلاّ لم يلزم تفويت الملاك من التعبد بالظن،و سيأتي المراد من المصلحة السلوكية.الثالث:اختصاص المحذور بصورة انفتاح باب العلم و إمكان الوصول‏إلى الواقعيات.و أمّا في صورة الانسداد فلا يلزم محذور التفويت،بل لا بد من‏التعبد به،فانّ المكلف لا يتمكن من استئفاء المصالح في حال انسداد باب‏العلم إلاّ بالاحتياط التام،و ليس مبنى الشريعة على الاحتياط في جميع‏الأحكام،فالمقدار الّذي تصيب الأمارة للواقع يكون خيرا جاء من قبل التعبدبالأمارة،و لو كان مورد الإصابة أقلّ قليل،فانّ ذلك القليل أيضا كان يفوت‏لو لا التعبد،فلا يلزم من التعبد إلاّ الخير.فظهر:أنّ محذور التفويت إنّما يلزم في صورة الانفتاح بناء على‏الطريقيّة المحضة على القول بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد مع كونها لازمةالاستيفاء.و التحقيق:أنّ مع هذه القيود لا يلزم محذور من التعبد بالأمارات الغيرالعلمية،فانّ المراد من انفتاح باب العلم هو إمكان الوصول إلى الواقع‏بالسؤال عن شخص الإمام عليه السّلام لا فعلية الوصول،فانّ انفتاح باب‏العلم بهذا المعنى ممّا لا يمكن دعواه،بل المراد من الانفتاح هو إمكان الوصول‏و هو غير فعلية الوصول،فقد يكون الشخص متمكنا من الوصول إلى الواقع،ولكن لم يصل إليه لاعتماده على الطرق المفيدة للعلم‏1مع خطأ علمه و كونه‏من الجهل المركب.و دعوى انسداد باب العلم بالنسبة إلى هذا الشخص-لأنّ المراد من‏1أقول:ما المراد من اعتماده على الطرق المفيدة؟فان كان المراد أنّه قبل حصول العلم منها مع‏احتمال الخطأ فيها كان مرخصا في الخوض فيها،فهو أوّل شي‏ء ينكر،و إن كان الفرض أنّه لا يلتفت إلى مخالفتهاأو كان قهري الحصول،فلا مجال لقياس التعبد بالظن به مع التفاته بخطائه إذ مرجعه إلى تفويت الشارع عليه‏باختياره،و لقد فصلنا الكلام فيه في الحاشية الآتية،فراجع.
91
العلم هو العلم المصادف لا الأعم منه و من الجهل المركب-ضعيفة،لما عرفت‏من أنّ المراد من الانفتاح هو إمكان الوصول،فلا ملازمة بين الانفتاح و بين‏عدم الوقوع في خلاف الواقع،و على هذا يمكن أن تكون الأمارات الظنية في‏نظر الشارع كالأسباب المفيدة للعلم التي يعتمد عليها الإنسان من حيث‏الإصابة و الخطأ،أي كانت إصابة هذه الأمارات و خطائها بقدر إصابة العلم‏و خطائه.فإذا كان الحال هذه،فلا يلزم محذور من التعبد بالأمارات الغيرالعلمية،لعدم تفويت الشارع من التعبد مصلحة على العباد.فما يظهر من الشيخ(قدس سره)من الاعتراف بالقبح في صورةالانفتاح ليس في محله،لما عرفت:من إمكان أن تكون الأمارات الغير العلميةمن حيث الإصابة و الخطأ كالعلم،بل الطرق المبحوث عنها في المقام كلّها طرق‏عقلائية عرفية عليها يدور رحى معاشهم و مقاصدهم و معاشراتهم،و ليس فيمابأيدينا من الطرق ما يكون اختراعية شرعية ليس منها عند العقلاء عين و لا أثر،بل جميعها من الطرق العقلائية،و تلك الطرق من حيث الإتقان و الاستحكام‏عند العقلاء كالعلم.أي حالها عندهم حال العلم من حيث الإصابة و الخطأ،و الشارع قرّر العقلاء على الأخذ بها و لم يردع عنها،لعدم ما يقتضى الردع عنهاكما ردع عن القياس مع أنّه من الطرق العقلائية و يعتمدون عليه في مقاصدهم‏الدنيوية،إلاّ أنّ الشارع ردع عنه في الأمور الدينية،لأنّ القياس مبنىّ على‏استخراج المناط،و ذلك لا يخلو عن إعمال نظر و اجتهاد،و هو في الموضوعات‏الخارجية قليل الخطأ،لأنّ غالب الأمور الخارجية المتشابه تحت جامع واحد وكانت مناطاتها بأيدي العقلاء،فإعمال النّظر و تخريج المناط لا يضرّبمقاصدهم،و هذا بخلاف الأحكام الشرعية،فانّ مناطاتها ليست ممّا تنالهاالأفهام،لأنّ مبنى الشرع على تفريق المجتمعات و جمع المتفرقات،فكان‏القياس كثير الخطأ في الشرعيات و لذلك نهى الشارع من أعماله،و أين ذلك‏من سائر الطرق العقلائية الغير المبنية على النّظر و الاجتهاد؟فانّ الخطأ فيها
92
ليس بأكثر من خطأ العلم عند العقلاء،و لذا يعتمدون عليها في مقام‏اعتمادهم على العلم،و الشارع قرّرهم على ذلك و اكتفى بها في إثبات‏أحكامه.و لا يمكن أن يتفاوت الحال في الأمارة من حيث قلّة الخطأ و الإصابةبين الموضوعات الخارجية و الأحكام الشرعية،فانّ خبر الثقة لو كان قليل الخطأفي إخباره عن الموضوعات الخارجية فهو قليل الخطأ أيضا في إخباره عن‏الأحكام الشرعية.و من ذلك يظهر:أنّه لا وجه لتكثير الأقسام من كون الأمارة غالب‏المصادفة أو دائم المصادفة أو أغلب مصادفة من الأسباب المفيدة للعلم،فانّه لافائدة في تكثير الأقسام،مع أنّه كلّها من التخرص بالغيب.فالمدار على كون الأمارة من حيث الإتقان و الاستحكام كالعلم،كما هو الشأن في ما بيد العقلاء من الطرق و الأمارات،و لا سبيل إلى دعوى‏كون الأمارة أكثر خطأ من العلم.فان قلت:هب أنّه لا سبيل إلى دعوى العلم بكون الأمارة أكثرخطأ من العلم إلاّ أنّه ليست الأمارة1أقرب إلى الخطأ من العلم لكونها في‏مظنة الوقوع في خلاف الواقع،و هذا المقدار يكفى في صحة ردع الشارع عن‏العمل بها،بل يقبح إمضائها،فانّ في الإمضاء مظنة التفويت.قلت:أوّلا:نمنع الأقربية.و ثانيا:مجرد الأقربية لا تقتضي الردع،بل لزوم الردع يتوقف على أن‏تكون الأمارات أكثر خطأ من العلم في الواقع حتى يلزم من الإمضاء تفويت‏المصالح،فالأقربية بنفسها ما لم تقتض كثرة الخطأ لا توجب الردع.و ثالثا:سلّمنا أنّ مجرد الأقربية تقتضي الردع،إلاّ أنّه إذا لم تكن‏1كذا في نسخة الأصل.و الصحيح:«إلاّ أنّها أقرب إلى الخطاء من العلم»(المصحح).
93
هناك ما يلزم رعايته،و هو مصلحة التسهيل‏1.فانّه لا إشكال في أنّ إمضاء ما بأيديهم من الطرق و عدم ردعهم عن‏العمل بها يقتضى التوسعة عليهم و التسهيل لهم في عملهم،و هذه مصلحة نوعيةيصح للشارع مراعاتها،و إن كان رعاية ذلك يوجب تفويت بعض المصالح‏الشخصية،و كم من مصلحة نوعية قدّمت على المصلحة الشخصية!و ليس‏ذلك بعزيز الوجود في الشرعيات بل في العرفيات.فان قلت:إن كانت مصلحة التسهيل على وجه يلزم من ردع‏الشارع عن تلك الطرق وقوع العباد في العسر و الحرج الرافعين للتكاليف،فهذا1أقول:الّذي يقتضيه التحقيق في المقام:هو أنّ المصلحة القائمة بالعمل إن كانت بمثابة لا يصلح أن‏يزاحم مزاحم،فلا شبهة في أنّ لازمه الاستيفاء مطلقا عقلا،فتفويت مثل هذه المصلحة قبيح و لو لمصلحة أخرى،و لا يقاس حينئذ بصورة فوتها من جهة العلوم الخطائية الحاصلة قهرا،إذ التفويت الاختياري غير الفوت القهري.و أمّا إن لم يكن بهذه المثابة فلا مانع في تفويته و لو لمصلحة أخرى،و لا ينافى ذلك أيضا كون هذه المصلحة غيرمزاحم بشي‏ء في مقام تشريع الأحكام الّذي هو مضمون خطاباته الواقعية،إذ عدم المانع في جعل الخطاب‏لا ينافى وجود المانع في إيصاله إليه أو تشريع خطاب في ظرف عدم وصوله،غاية الأمر يستكشف من ذلك عدم‏إرادته للذات بنحو يقتضى حفظ وجودها حتى في ظرف الجهل به بعد الجزم بعدم اقتضاء الخطاب حفظ الوجودحتى في ظرف عدم وصوله إليه،بل غاية اقتضائه حفظه من قبل المقدمات المحفوظة في الرتبة السابقة عن الجهل به‏بلا اقتضائه حفظه من قبل المقدمات المحفوظة في الرتبة اللاحقة عن الجهل به،فمن قبل هذه المقدمات له‏التفويت و لو لإبقائه على جهله أو ترخيصه في ظرف الجهل.و لا ينافى ذلك حكم عقله بلزوم الفحص مع تمكنه منه،لأنّ العقل همّه تحصيل ما أراده الشارع في‏مرتبة الذات،مع أنّ اقتضاء مصلحة الوجود على الإطلاق يقتضى الكشف عن الإرادة كذلك،إلاّ أن يقوم‏قرينة على الخلاف:من سكوت المولى من إنشائه في ظرف جهله أو ترخيصه في تركه مع فرض حكم عقله بلزوم‏الفحص أو مهما يستكشف عدم إطلاق في إرادته،كما هو الشأن في خطابه،و حينئذ لا يقتضى الخطابات‏الواقعية إلاّ حفظ المرام في الرتبة السابقة عن خطابه.و أمّا حفظه في الرتبة اللاحقة عن شكه بخطابه:فلا يكون المولى بصدد حفظه و لو لمصلحة مزاحمةلاقتضاء المصلحة القائمة بالعمل بقول مطلق،و عليه فلا قصور في الجميع بين الخطابات الواقعية و الأحكام‏الظاهرية،من دون لزوم نقض غرض و لا جمع بين الضدين و لا تفويت المصلحة بلا مزاحم،بل لو فرضنا قصوراقتضاء المصلحة عن حفظ ما قامت به في ظرف الشك بخطابه،فلا يحتاج جواز تفويت العمل في ظرف الجهل‏بخطابه إلى مصلحة أخرى جابرة أو مزاحمة،كما لا يخفى،فتدبر في المقام،فانّه من مزالّ الأقدام.
94
يرجع إلى انسداد باب العلم و عدم إمكان الوصول إلى الواقعيات،لأنّ المرادمن انفتاح باب العلم هو انفتاحه بلا عسر و لا حرج رافع للتكليف،و الكلام‏إنّما هو في صورة انفتاح باب العلم.و إن كانت مصلحة التسهيل على وجه لم‏يلزم من عدم رعايتها العسر و الحرج،فمثل هذه المصلحة لا يجب رعايتها على‏وجه تفويت بعض المصالح الشخصية بل لا يجوز،فالإشكال لا يرتفع بالالتزام‏بالمصلحة التسهيلية.قلت:ليس المراد من مصلحة التسهيل ما يلزم من عدم رعايتها العسرو الحرج حتى يرجع ذلك إلى انسداد باب العلم،بل المراد مجرد التسهيل الّذي‏يناسب الملّة السمحة و الشريعة السهلة.و دعوى:أنّه لا يجوز تفويت المصالح الشخصية لأجل هذا المقدار من‏التسهيل،مما لا شاهد عليها،و لا سبيل إلى منع إمكان رعاية الشارع التسهيل‏النوعيّ و إن استلزم من ذلك فوات بعض المصالح الشخصية،فتأمل‏1.فتحصّل:أنّه لا يلزم من التعبد بالأمارات في حال الانفتاح محذورتفويت الملاك فضلا عن حال الانسداد،فلا ملزم للالتزام بالمصلحةالتداركية،كما التزم به بعض الأعلام.و إن أبيت عن ذلك كلّه،و قلت:إنّ في التعبد بالأمارة يلزم تفويت‏المصلحة-إمّا لكونها أكثر خطاء من العلم،و إمّا لكونها أقرب إلى الخطاء،و إمّالكون المصلحة التسهيلية لا يصح رعايتها-فلنا أن نلتزم حينئذ بالسببية على‏وجه تتدارك المصلحة الفائتة على أصول المخطئة من دون أن يلزم التصويب‏1وجهه:هو أنّ مصلحة التسهيل النوعيّ و إن كانت من المصالح التي يصح للشارع رعايتها-و إن‏استلزم منها فوت بعض المصالح من بعض آحاد الأشخاص-إلاّ أنّه لا بد من تدارك ما يفوت من بعض آحادالأشخاص،و لو بالوجه الآتي من المصلحة السلوكية،و على ذلك بناء شيخنا الأستاذ(مد ظله)في الدورةالسابقة(منه)
95
الباطل.و تفصيل ذلك هو أنّ سببية الأمارة لحدوث المصلحة تتصور على وجوه‏ثلاث:الأوّل:أن تكون الأمارة سببا لحدوث مصلحة في المؤدّى تستتبع‏الحكم على طبقها،بحيث لا يكون وراء المؤدّى حكم في حق من قامت عنده‏الأمارة،فتكون الأحكام الواقعية مختصة في حق العالم بها و لا يكون في حق‏الجاهل بها سوى مؤدّيات الطرق و الأمارات،فتكون الأحكام الواقعية تابعةلآراء المجتهدين،و هذا هو«التصويب الأشعري»الّذي قامت الضرورة على‏خلافه.و قد ادّعى تواتر الأخبار على أنّ الأحكام الواقعية يشترك فيها العالم‏و الجاهل أصابها من أصاب و أخطأها من أخطأ.الثاني:أن تكون الأمارة سببا لحدوث مصلحة في المؤدّى أيضا أقوى‏من مصلحة الواقع،بحيث يكون الحكم الفعلي في حق من قامت عنده الأمارةهو المؤدّى،و إن كان في الواقع أحكام و يشترك فيها العالم و الجاهل على طبق‏المصالح و المفاسد النّفس الأمرية،إلاّ أنّ قيام الأمارة على الخلاف تكون من‏قبيل الطواري و العوارض و العناوين الثانوية اللاحقة للموضوعات الأوّليةالمغيّرة لجهة حسنها و قبحها،نظير الضرر و الحرج،و لا بد و أن تكون المصلحةالطارئة بسبب قيام الأمارة أقوى من مصلحة الواقع،إذ لو كانت مساوية لهاكان الحكم هو التخيير بين المؤدّى و بين الواقع،مع أنّ المفروض أنّ الحكم‏الفعلي ليس إلاّ المؤدّى،و هذا الوجه هو«التصويب المعتزلي»و يتلو الوجه‏السابق في الفساد و البطلان،فانّ الإجماع انعقد على أنّ الأمارة لا تغيّر الواقع‏و لا تمسّ كرامته بوجه من الوجوه،و سيأتي ما في دعوى:أنّ الحكم الفعلي في‏حق من قامت عنده الأمارة هو مؤدّى الأمارة.الثالث:أن تكون قيام الأمارة سببا لحدوث مصلحة في السلوك مع‏بقاء الواقع و المؤدّى على ما هما عليه من المصلحة و المفسدة،من دون أن يحدث‏في المؤدّى مصلحة بسبب قيام الأمارة غير ما كان عليه قبل الأمارة،بل‏
96
المصلحة إنّما تكون في تطرق الطريق و سلوك الأمارة و تطبيق العمل على مؤدّاهاو البناء على أنّه هو الواقع بترتيب الآثار المترتبة على الواقع على المؤدّى،و بهذه‏المصلحة السلوكية يتدارك ما فات على المكلف من مصلحة الواقع بسبب قيام‏الأمارة على خلافه.و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الثاني مما لا يكاد يخفى،فانّ الوجه‏الثاني كان مبنيا على سببية الأمارة لحدوث مصلحة في المؤدّى غالبة على مافات من المكلف من مصلحة الواقع على تقدير تخلفها و أدائها إلى غير ما هوالواجب واقعا،أو غالبة على ما في المؤدّى من المفسدة على تقدير أدائها إلى‏وجوب ما هو حرام واقعا،و أين هذا من الوجه الثالث؟فانّ المؤدّى على الوجه‏الثالث باق على ما كان عليه،و لا يحدث فيه مصلحة بسبب قيام الأمارةعليه،و إنّما المصلحة كانت في سلوك الأمارة و أخذها طريقا إلى الواقع من‏دون أن تمسّ الأمارة كرامة المصلحة و الحكم الواقعي بوجه من الوجوه،و السببية بهذا المعنى عين الطريقية التي توافق أصول المخطئة،بل ينبغي عدّ هذاالوجه من وجوه الردّ على التصويب،بخلاف الوجه الثاني،فانّه من أحد وجوه‏التصويب.و بالجملة:المصلحة في الوجه الثالث إنّما تكون في السلوك و تطبيق‏العمل على مؤدّى الأمارة لا في نفس المؤدّى،و لا بد و أن تكون مصلحة السلوك‏بمقدار ما فات من المكلف بسبب قيام الأمارة على خلاف الواقع،و هذا يختلف‏باختلاف مقدار السلوك،فلو قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة في يومهاو عمل المكلف على طبقها ثم تبين مخالفة الأمارة للواقع و أنّ الواجب هو صلاةالظهر،فان كان انكشاف الخلاف قبل مضيّ وقت فضيلة الظهر فلا شي‏ءللمكلف،لأنّ قيام الأمارة على الخلاف لم توجب إيقاعه على خلاف مايقتضيه الواقع من المصلحة،لتمكّن المكلف من استيفاء مصلحة الواقع بتمامهاو كمالها حتى الفضيلة الوقتية،و إن كان انكشاف الخلاف بعد انقضاء وقت‏
97
الفضيلة فبمقدار ما فات من المكلف من فضل أوّل الوقت يجب أن يتدارك،و إن كان انكشاف الخلاف بعد انقضاء تمام الوقت فاللازم هو تدارك مافات منه من المصلحة الوقتية،و إن لم ينكشف الخلاف إلى الأبد،فالواجب‏هو التدارك ما فات منه من مصلحة أصل الصلاة.و السر في ذلك:هو أنّ‏التدارك إنّما يكون بمقدار ما اقتضته الأمارة من إيقاع المكلف على خلاف‏الواقع و بالقدر الّذي سلكه،و لا موجب لأن يستحق المكلف زائدا عمّا سلكه.فما أفاده الشيخ(قدس سره)من التبعيض في الإجزاء بقدر ما فات من‏المكلف من المصلحة الواقعية بسبب سلوك الأمارة،هو الحق الّذي يقتضيه‏أصول المخطئة.و ما قيل:من أنّ الحكم الظاهري إن كان يقتضى الإجزاء فينبغي‏أن يقتضيه مطلقا و إن انكشف الخلاف في الوقت فضلا عن خارجه و لا بد أن‏تتدارك المصلحة الواقعية بتمامها و كمالها،و إن لم يقتض الإجزاء فينبغي أن‏لا يتدارك شي‏ء من المصلحة الواقعية من غير فرق بين فضيلة الوقت و غيرها.فضعفه ظاهر ممّا قدّمناه،لأنّ المفروض أنّ الأمارة لم تحدث في‏المؤدّى شيئا من المصلحة،و المصلحة إنّما كانت في السلوك،و إلاّ فهي متمحضةفي الطريقية،فالتدارك لا بد و أن يكون بمقدار ما تقتضيه من السلوك،و ذلك‏إنّما يكون قبل انكشاف الخلاف.نعم:لو قلنا بالوجه الثاني من أنّ الأمارة تحدث مصلحة في المؤدّى‏أقوى من مصلحة الواقع،كان اللازم هو الإجزاء مطلقا1فيكون انكشاف‏الخلاف من قبيل تبدّل الموضوع كالمسافر و الحاضر،و ظني أنّ ذلك بمكان من‏1أقول:لو فرض مصلحة المؤدى أيضا بنحو لا يكون إلاّ جابرة لما فات من الواقع لا مانعا من تأثيرمصلحة الواقع بقول مطلق يجري في مثله لوازم مصلحة السلوكية،و إن كان بينهما فرق بأنّ شرط مصلحة السلوكيةالعمل على طبق الأمارة،بخلاف مصلحة المؤدى حيث لا يعتبر فيه السلوك و العمل و لكن لا تكون إلاّ جابرةلما فات لا مطلقا،و لازمه أيضا التفصيل في الإجزاء به عن الواقع بمقدار فوته ليس إلاّ،فتدبر.
98
الوضوح.
تنبيه:
نقل شيخنا الأستاذ(مد ظله)أنّ العبارة التي صدرت من قلم الشيخ‏(قدس سره)في الوجه الثالث كانت هكذا:«الثالث:أن لا يكون للأمارةالقائمة على الواقعة تأثير في الفعل الّذي تضمنت الأمارة حكمه و لا تحدث فيه‏مصلحة،إلاّ أنّ بالعمل على طبق الأمارة و الالتزام به في مقام العمل على أنّه‏هو الواقع و ترتيب الآثار الشرعية المترتبة عليه واقعا،يشتمل على مصلحة إلخ»و لم يكن في أصل العبارة لفظ«الأمر»و إنّما أضافها بعض أصحابه،و على‏ذلك جرت نسخ الكتاب.و الإنصاف:أنّ زيادة لفظ«الأمر»ممّا لا حاجة إليه لو لم يكن مخلابالمقصود1و لعلّ نظر من أضافها إلى أنّ المجعول في باب الأمارات نفس‏الحجية و الطريقية،و هي من الأحكام الوضعيّة التي لا تتعلق بعمل المكلف‏ابتداء،فليس في البين عمل يمكن اشتماله على المصلحة،بل لا بدّ و أن تكون‏المصلحة في نفس الأمر و الجعل.1أقول:غرض من أضاف«الأمر»في المقام إنّما هو إمكان الجعل و لو لمصلحة في التسهيل على‏العباد،بلا لزوم الالتزام بمصلحة في عملهم على طبق الأمارة لمصلحة في المؤدّى،أو لمصلحة في سلوكها،و من‏البديهي:أنّ مصلحة التسهيل إنّما كانت قائمة بفعل الشارع-و ليس ذلك إلاّ جعل الطريق من دون أن يكون‏مفاد جعله حكما تكليفيا أم وضعيا منتزعا من التكليف أو أصيلا-فالغرض من عمره نفس جعله بإنشاء أمر أوإنشاء حكم وضعي،و عليه،ففي زيادة«الأمر»توسعة في نحو الجعل لا مخلّ به،كما لا يخفى على الدّقيق.و يا ليت!لم يوجّه كلام من زاد«الأمر»بما أفاد،كي يرد عليه إشكاله،فتدبر.و ما أفيد أيضا:من عدم معقولية المصلحة في نفس الأمر إنّما يصح في الأوامر الغير الطريقية،و إلاّ ففي‏الأوامر الطريقية إنما المصلحة في نفسها في فرض مخالفتها،و في هذا الفرض لا يكون مفادها إلاّ ترخيصا على‏خلاف الواقع.و قيام المصلحة في نفس الترخيص على خلاف المرام بملاحظة الصبر على المكروه إمكانه كالنارعلى المنار و كالشمس في رابعة النهار.
99
بخلاف الأحكام التكليفية،فانّه لمّا كان الأمر يتعلق بعمل المكلف‏ابتداء،فيمكن أن تكون المصلحة في العمل.هذا،و لكن لا يخفى ما فيه،فانّه مضافا إلى ما تقدم في مباحث‏القطع:من أنّه لا معنى لاشتمال نفس الأمر على المصلحة.يرد عليه:أنّه إن قلنا:بأنّ الأحكام الوضعيّة منتزعة عن الأحكام‏التكليفية،كما عليه الشيخ(قدس سره)فالحكم التكليفي الّذي ينتزع عنه‏الحجية و الطريقية لا بدّ و أن يتعلق بعمل المكلف،و ذلك العمل هو الّذي‏يشتمل على المصلحة السلوكية بالبيان المتقدم.و إن قلنا:إنّ الأحكام الوضعيّة متأصّلة في الجعل-كما هو الحق عندناعلى ما سيأتي بيانه-فالمصلحة إنّما تكون في المجعول لا في نفس الجعل،بداهةأنّ النجاسة أو الطهارة المجعولة هي التي على المفسدة و المصلحة،لا أنّ المصلحة في‏نفس جعل النجاسة و الطهارة،و كذا الحال في سائر الأحكام الوضعيّة.فالإنصاف:أنّ إضافة لفظ«الأمر»في العبارة كان بلا موجب،بل‏لعلّه يخلّ بما هو المقصود:من كون المصلحة في السلوك و تطبيق العمل على‏المؤدّى.هذا تمام الكلام فيما يلزم من التعبد بالأمارات و الأصول من المحذورالملاكي،و قد عرفت:أنّه لا محذور فيه أصلا.و أمّا المحذور الخطابي فحاصله:أنّه يلزم اجتماع حكمين متضادين أومتناقضين من التعبد بذلك عند مخالفة الأمارة أو الأصل للواقع و أدائها إلى‏حرمة ما يكون واجبا أو عدم وجوب ما يكون واجبا.و قد يقال:بلزوم اجتماع المثلين عند مصادفة الأمارة أو الأصل للواقع‏و أدائها إلى وجوب ما يكون واجبا،فلا يختص الإشكال بصورة المخالفة،و لكن قد تقدم في بعض مباحث القطع:من أنّ لزوم اجتماع المثلين ليس‏محذورا،فانّ الاجتماع يوجب التأكد،و يكون الوجوب المجامع لمثله آكد
100
و أقوى مناطا،1فلو كان الوجوب الواقعي ذا مراتب عشر و أدّت الأمارةإلى وجوبه و قلنا:بأنّ الأمارة سبب لحدوث حكم على طبق مؤدّاها-كما هومبنى الإشكال-و فرضنا أنّ الوجوب الجائي من قبل الأمارة أيضا ذا مراتب‏عشر،فيتأكد الوجوب و يثبت في المؤدّى وجوب ذو مراتب عشرين،و لا محذور في‏ذلك،فإشكال اجتماع المثلين ليس بشي‏ء.و إنّما الإشكال لزوم اجتماع الضدين و النقيضين من الإرادة و الكراهةو الوجوب و الحرمة،و هذا الإشكال يرد حتى على مبنى«الأشاعرة»من عدم‏تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.و قد تفصّي عن الإشكال بوجوه:الوجه الأوّل:ما هو ظاهر كلام الشيخ(قدس سره)في أوّل مبحث التعادل‏و التراجيح-على بعض النسخ-و حاصله:أنّ الموضوع في الحكم الظاهري مغايرلموضوع الحكم الواقعي،فانّ موضوع الحكم الظاهري هو الشك في الحكم‏الواقعي،و الحكم الواقعي لم يؤخذ في موضوعه الشك،و اختلاف الموضوع‏يوجب رفع التضاد و التناقض من البين.و فيه:أنّ الحكم الواقعي و إن لم يؤخذ في موضوعه الشك،إلاّ أنّه‏محفوظ في حالة الشك و لو بنتيجة الإطلاق،كانحفاظه في حالة العلم،فانّ‏الحكم الواقعي إذا كان مقيّدا بغير صورة الشك فيه-و لو بنتيجة التقييد-رجع‏ذلك إلى التصويب الباطل،و لم يكن وجه لتسمية مؤدّيات الأمارات‏و الأصول بالأحكام الظاهرية،بل كانت من الأحكام الواقعية،إذ المفروض‏1أقول:قد تقدم منا أيضا بأنّ تأكد الحكم باجتماع الملاكين إنّما يصح في العناوين العرضية،و إلاّفلو كان أحد العنوانين في طول حكم العام بعنوان آخر يستحيل التأكد،كيف!و مرجع التأكد إلى وحدةالوجود،و مرجع الطولية المزبورة إلى تخلل«الفاء»بينهما الموجب لترتب أحدهما على الآخر،و لازم تخلل«الفاء»بينهما انفكاك الوجودين كل منهما عن الآخر و كون أحدهما موضوع غيره،و في مثله كيف يتصور التأكد؟.
101
أنّه لا حكم في الواقع إلاّ المؤدّيات.و الحاصل:أنّ الإشكال إنّما هو بعد فرض انحفاظ الحكم الواقعي في‏حالة الشك،فيلزم اجتماع الضدين في تلك الحالة،هذا مع أنّ في باب‏الأمارات لم يؤخذ الشك في موضوعها و إنّما الشك أخذ في موضوع الأصول،فهذا الوجه ضعيف غايته.و يتلوه في الضعف الوجه الثاني(من وجوه الجمع بين الحكم‏الظاهري و الواقعي)و هو اختلاف المحمول،فانّ الحكم في أحدهما واقعي و في‏الآخر ظاهري،و لا منافاة بينهما.و أنت خبير!بأنّ الكلام إنّما هو في تصوير الحكم الظاهري،و أنّه‏كيف يجتمع مع الحكم الواقعي على وجه لا يلزم منه اجتماع الضدين،فكيف يجمع بينهما بما هو محل الكلام؟الوجه الثالث:ما أفاده بعض الأساطين من حمل الأحكام الواقعيةعلى الشأنية أو الإنشائية-على اختلاف في تعبيراته-و الأحكام الظاهرية على‏الفعلية.و الجمع بهذا الوجه بكلا تعبيريه ممّا لا يستقيم.أمّا الشأنية:فان كان المراد منها أنّه في مورد قيام الأمارة على‏الخلاف ليس في الواقع إلاّ شأنية الحكم و مجرد ثبوت المقتضى فتكون‏الأحكام الواقعية اقتضائية محضة،فهو بمكان من الضعف،فانّه إن رجع إلى‏أنّ في مورد الأمارة ليس في الواقع أحكام حقيقية بل مجرد الملاكات و قيام‏الأمارة على خلافها مانع عن تأثيرها و تشريع الأحكام على طبقها،فهذا يرجع‏إلى التصويب الباطل،لأنّه يلزم خلوّ الواقع عن الحكم.و إن رجع إلى أنّ في مورد قيام الأمارة على الخلاف يكون في الواقع‏
102
أحكام اقتضائية،فنحن لا نتعقل للأحكام الاقتضائية معنى‏1،لأنّ‏الإهمال الثبوتي لا يعقل في الأحكام بالنسبة إلى الانقسامات السابقة و لابالنسبة إلى الانقسامات اللاحقة،بل الحكم بالنسبة إلى جميع الانقسامات‏إمّا مطلق،أو مقيّد بالإطلاق و التقييد اللحاظي أو بنتيجة الإطلاق و التقييد،ومن جملة الانقسامات اللاحقة قيام الأمارة على الخلاف.و الحكم الواقعي المترتب على موضوعه الواقعي،إمّا أن يكون مطلقابالنسبة إلى قيام الأمارة على الخلاف،و إمّا أن يكون مقيّدا بعدم قيام الأمارةعلى ذلك.فعلى الأوّل:يلزم التضاد بين الحكم الواقعي و الحكم الجائي من‏قبل الأمارة.و على الثاني:يلزم التصويب.و لا يعقل إنشاء الحكم على طبق المقتضى و الملاك مهملا غيرملحوظ فيه قيام الأمارة على الخلاف و عدم قيام الأمارة،حتى يكون الحكم‏الاقتضائي حكما بحيال ذاته،مع أنّه لا أثر لإنشاء الحكم على هذا الوجه،فانّ‏1أقول:لو ترى زماننا هذا:من بنائهم على التفكيك بين جعل القانون و بين إجرائه و جعلهم مقام‏التقنين غير مقام الإجراء و أنّه ربما يؤدى المصلحة على جعل القانون بنحو الكلية على موضوع مع عدم قيام‏المصلحة في إجرائه-و لو لعدم استعداد الرعية على امتثال هذا القانون-لا يبقى لك مجال إنكار التفكيك بين جعل‏القانون و بين إجرائه،و ترى في هذه الصورة أنّ القانون على كليته باقية و لا يكون المصلحة في إجرائه،و حينئذ لايكون المراد من القانون المجعول إلاّ مجرد إنشائه على طبق المصلحة القائمة بموضوعه مع خلوه من الإرادة الفعلية و لوللتسهيل على الرعية،و إلاّ فيستحيل تفكيك القوة الإجرائية عن قوة جعل القانون على موضوعه في ظرف وجودموضوعه.و توهّم:رجوع شرائط الإجراء إلى شرائط موضوع القانون،غلط فاحش،لأنّ من شرائط سهولةالامتثال علمهم،و مثل هذا الشرط من لوازم موافقة القانون،لا من مصححات نفسه.و بالجملة:من تأمّل في هذا التفكيك المتعارف في زماننا ليس له إنكار الحكم الإنشائيّ و إرجاعه الحكم‏طرّا إلى جعل حكم حقيقي لموضوع مخصوص المستتبع لعدم التفكيك بين القوة المقننة و الإجرائية عند وجودموضوع القانون،و حينئذ فله أيضا أن يدّعى كفاية هذا المقدار لاشتراك الحكم بين العالم و الجاهل بالأخبار،إذمثل هذا القانون له نحو اعتبار عقلائي قابل لأن يصير حكما فعليا بتحقق مقدمات إجرائه،كما لا يخفى.و من هذا البيان أيضا ظهر:أنّ الغرض من الأحكام القانونية ليس إنشاء حكم حقيقي مهملة من‏الحيثيات السابقة و اللاحقة،كي يرد عليه ما أفيد.
103
قيام الأمارة إمّا أن يوجب ملاكا مزاحما لملاك الواقع و أقوى منه،و إمّا أن لايوجب،فعلى الأوّل:يقتضى إنشاء الحكم المقيّد.و على الثاني:يقتضى‏إنشاء الحكم المطلق،فأيّ أثر لإنشاء الحكم الاقتضائي لو سلّم‏إمكانه؟1و إن كان المراد من الشأنية الحكم الإنشائيّ،ليرجع‏التعبيران إلى أمر واحد،ففيه:أنّه ليس في الواقع أحكام إنشائية،بل الّذي‏يكون هو إنشاء الأحكام،و هو عبارة عن تشريعها و جعلها على موضوعاتهاالمقدرة وجودها بجميع ما اعتبر فيها من القيود و الشرائط على نهج القضاياالحقيقية-كما حققناه في الواجب المشروط بما لا مزيد عليه-و فعلية الحكم عبارةعن تحقق موضوعه بجميع ما اعتبر فيه من القيود و الشرائط و عدم الموانع،و لانعقل لفعلية الحكم معنى غير ذلك،و الكلام في المقام إنّما هو بعد فعلية الحكم‏بتحقق موضوعه.و دعوى:أنّ الحكم الواقعي في مورد الأمارة لا يكون فعليا،واضحةالفسادفانّه لا يمكن أن لا يكون الحكم فعليا إلاّ إذا أخذ في موضوعه عدم قيام‏الأمارة على الخلاف بحيث يكون قيدا في ذلك،و معه لا يكون في الواقع حكم‏عند قيام الأمارة على الخلاف،لعدم تحقق قيده،فيعود محذور التصويب.و الحاصل:أنّ في الواقع و نفس الأمر،إمّا أن يكون الحكم الواقعي‏مقيّدا بعدم قيام الأمارة على الخلاف،و إمّا أن لا يكون مقيّدا،فان كان مقيّدايلزم التصويب،و إن لم يكن مقيّدا يلزم أن يكون فعليا عند قيام الأمارة على‏الخلاف إذا تحقق موضوعه بما له من القيود-كما هو محل الكلام-فانّ الكلام‏1أقول:يكفى لمن التزم بالتضاد بين الحكم الواقعي الفعلي و الحكم الظاهري جمعه بهذه الحلية بينهمامع فراره عن التصويب الباطل:من عدم حكم مجعول في حق الجاهل أصلا،بدعواه كفاية جعل القانون على‏وفق المصلحة الواقعية و إن لم يقتض المصلحة في إجرائه في حق الجاهل،و لقد عرفت:إمكان التفكيك بين‏المرتبتين لدى العقلاء،خصوصا في أمثال زماننا.
104
في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي إنّما هو بعد تحقق موضوع الحكم‏الواقعي‏1بجميع ما اعتبر فيه من القيود.و لا يعقل أن يقيّد فعلية الحكم بعدم قيام الأمارة على الخلاف،فانّ‏أخذ ذلك قيدا إنّما يمكن في مرحلة إنشاء الحكم و تشريعه،بمعنى أنّه ينشأالحكم على ما لا تقوم الأمارة على الخلاف‏2فيكون الموضوع الّذي‏قامت الأمارة على خلافه ممّا لم ينشأ في حقه حكم،و هذا عين التصويب.فظهر:أنّه لا معنى لحمل الحكم الواقعي على الإنشائيّ،لأنّه ليس لنافي الواقع حكم إنشائي في مقابل الحكم الفعلي،بل الّذي يكون هو إنشاءالحكم على موضوعه،فعند تحقق ذلك الموضوع يكون الحكم فعليا لا محالة،و مع عدم تحققه لا يكون في الواقع حكم أصلا3فلو فرض أنّ وجوب‏الحج قيّد في الواقع بمن لم تقم عنده الأمارة على الخلاف،فالذي قامت عنده‏الأمارة على الخلاف لم يكلّف بالحج و لم ينشأ في حقه التكليف بالحج،و يكون‏حاله حال غير البالغ أو غير المستطيع.و بالجملة:في مورد قيام الأمارة على الخلاف،إمّا أن يكون الموضوع‏للحكم الواقعي متحققا،و إمّا أن لا يكون،و على الأوّل:يلزم الفعلية و يعودإشكال التضاد.و على الثاني:لا حكم في الواقع حتى نحتاج إلى الجواب،مع‏أنّ الّذي تقتضيه أصول المخطئة:هو أنّ الأحكام الواقعية بما هي عليها من‏المصالح مشتركة بين العالم و الجاهل،و الجهل إنّما يكون عذرا فقط في ما إذا لم‏1يمكن أن يقال:إنّ فرض تحقق الموضوع إنّما نحتاج إليه في الشبهات الموضوعية،و أمّا الشبهات‏الحكمية فالتضاد بين الحكمين حاصل و لو لم يتحقق الموضوع خارجا(منه).2أقول:بل ينشئ القانون حتى على من قامت الأمارة على خلافه،و لكن لا يكون حينئذ موقع‏إجرائه،و انّ هذا المقدار لا يوجب سلب الحكمية عنه مطلقا.3أقول:كيف لا يكون حكم أصلا مع أنّ العقلاء يرتبون بمرتبة جعل القانون أثر وجود الحكم‏ببعض مراتبه و إن لم يكن تامّا إلاّ بضم مصلحة إجرائه به،كما لا يخفى.
105
يكن عن تقصير،1فالتصرف في الأحكام الواقعية بأيّ تصرف ينافى ماعليه أصول المخطئة،فهذه الوجوه ممّا لا تحسم مادة الإشكال.و التحقيق في الجواب هو أن يقال:إنّ الموارد التي توهّم وقوع التضادبين الأحكام الظاهرية و الواقعية على أنحاء ثلاثة:أحدها:موارد قيام الطرق و الأمارات المعتبرة على الخلاف.ثانيها:موارد مخالفة الأصول المحرزة للواقع.ثالثها:موارد تخلف الأصول الغير المحرزة عن الواقع.و التفصي عن الإشكال يختلف حسب اختلاف المجعول في هذه المواردالثلاثة،و يختص كل منها بجواب يخصه،فينبغي إفراد كل منها بالبحث.فنقول:أمّا في باب الطرق و الأمارات فليس المجعول فيها حكما تكليفياحتى يتوهم التضاد بينه و بين الحكم الواقعي،بناء على ما هو الحق عندنا:من‏أنّ الحجية و الطريقية من الأحكام الوضعيّة المتأصلة بالجعل و ممّا تنالها يدالوضع و الرفع ابتداء،ما عدا الجزئية و الشرطية و المانعية و السببية-على ماأوضحناه بما لا مزيد عليه في بعض مباحث الاستصحاب-خلافا للشيخ‏(قدس سره)حيث ذهب إلى أنّ الأحكام الوضعيّة كلّها منتزعة عن الأحكام‏التكليفية التي تكون في موردها.و الإنصاف:أنّه لو أمكن في بعض الأحكام الوضعيّة تصوير ما يكون منشألانتزاع الحكم الوضعي منه،ففي بعضها الآخر لا يمكن تصويره،فانّ الزوجيةمثلا من الأحكام الوضعيّة و يستتبعها جملة من الأحكام التكليفية،كوجوب‏1أقول:هذا مسلّم إنما الكلام فيما هو مشترك هل هو مرتبة إجرائه أو مرتبة قانونيته،لا مجال للأوّل،فلا محيص من الالتزام بالآخر،كما لا يخفى.و بالجملة نقول:إنّه لا مناص لرفع هذه الغائلة إلاّ برفع التضاد بين الأحكام الفعلية الواقعية و الطارية،و إلاّ فعلى فرض التضاد لا محيص إلاّ من هذا الجمع بين مرتبة القانون و مرحلة إجرائه من دون لزوم محذور آخر،و لا تصويب و أمثاله،فتدبر.
106
الإنفاق على الزوجة،و حرمة تزويج الغير لها،و وجوب القسم بينها و بين‏غيرها،و حرمة ترك وطئها أكثر من أربعة أشهر،و وجوب المضاجعة،و حرمةالعزل على القول به،و غير ذلك من الأحكام المترتبة على الزوجية.و قديختلف بعض هذه الأحكام مع انحفاظ الزوجية-كوجوب الإنفاق‏عند النشوز-فأيّ حكم تكليفي يمكن انتزاع الزوجية منه؟و أيّ جامع بين هذه‏الأحكام التكليفية ليكون منشأ لانتزاع الزوجية؟و هكذا غير الزوجية من‏الأحكام الوضعيّة المستتبعة لجملة من الأحكام التكليفية مع تخلّف بعضها في‏بعض الموارد،كالطهارة و النجاسة و لزوم العقد و الملكية و الرقّية و الولاية و الحريةو غير ذلك من الأمور الاعتبارية العرفية،فلا محيص عن القول بتأصّل مثل هذه‏الأحكام الوضعيّة في الجعل كالأحكام التكليفية.و منها:الطريقية و الوسطية في الإثبات،فانّها بنفسها ممّا تنالها يدالجعل و لو إمضاء،لما تقدمت الإشارة إليه:من أنّه ليس فيما بأيدينا من الطرق‏و الأمارات ما لا يعتمد عليه العقلاء في محاوراتهم و إثبات مقاصدهم،بل هي‏عندهم كالعلم لا يعتنون باحتمال مخالفة الطريق للواقع‏1و ليس‏1أقول:بعد تسليم أنّ للشارع ليس جعل طريق في مورد من الموارد إلاّ بنحو الإمضاء للطرق العقلائيةحتى في مثل البينة العادلة و أصالة صحة عمل الغير و سوق المسلم و أمثالها،مع أنّه ليس كذلك جزما-خصوصافي مثل السوق و أمثاله-نقول:إنّه بعد البناء على تنزيل العقلاء احتمال الخلاف منزلة العدم،فلا محيص من‏الالتزام بمثل هذا التنزيل من الشارع بإمضائه لهم في مقام الجعل،و حينئذ لنا أن نقول:إنّ تنزيل العقلاء هذاالاحتمال منزلة العدم لا بد و أن يكون بلحاظ بنائهم على العمل به لا بشي‏ء آخر،كيف!و تنزيل وجود شي‏ءمنزلة عدمه قابل لأن يكون بلحاظ جهات أخرى غير عملهم،نظير تشبيه شي‏ء بشي‏ء،إذ هو قابل لأن يكون‏وجه الشبه أمور شتّى التي منها البناء في مقام العمل،فإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يكون نظرهم في هذاالتنزيل إلى البناء المزبور لا بشي‏ء آخر،بل لنا أن نقول:إنّ تنزيلهم المزبور الّذي هو مدار حجية الطرق لديهم لا بد و أن يكون بلحاظ بنائهم على العمل بها لانفس العمل،كيف!و هذه الطرق حجة لديهم و لو لم يعملوا بها،فلو كان قوام حجيتها لديهم التنزيل المزبوربلحاظ نفس العمل،يلزم اختصاص حجيتها بصورة عملهم،و ليس كذلك جزما،فيكشف أنّ التنزيل بلحاظأمر مقتضى لعملهم بها لا نفس عملهم،و ليس ذلك إلاّ بنائهم و التزامهم عند أنفسهم بالعمل بها،و مثل هذا
107
اعتمادهم عليها من باب الاحتياط و رجاء إدراك الواقع،لأنّه ربما يكون طرف‏الاحتمال تلف النفوس و الأموال و هتك الأعراض،فلو كان اعتمادهم على‏الطرق لمحض رجاء إدراك الواقع لكان الاحتياط بعدم الاعتماد عليها في مثل‏هذه الموارد ممّا يكون خطر المخالفة عظيما،فإقدامهم على العمل بالطرق‏و الأمارات و الاعتماد عليها مع هذا الاحتمال ليس إلاّ لمكان تنزيل احتمال‏المخالفة منزلة العدم و كأنّه لم يكن مع وجوده تكوينا.فلا يقال:لعلّ اعتمادهم عليها لمكان حصول العلم لهم منها،فانّ‏ذلك مما يكذّبه الوجدان،لوضوح وجود احتمال مخالفة الطريق للواقع في‏أنفسهم و مع ذلك يعتمدون عليها في إثبات مقاصدهم،لمكان أنّ الطرق‏عندهم من حيث الإتقان و الاستحكام كالأسباب المفيدة للعلم،و ليس عندالعقلاء جعل و تعبد و تشريع،حتى يقال:إنّ المجعول عندهم ما يكون منشألانتزاع هذا الاعتبار و الحجية،بل نفس الحجية و الوسطية في الإثبات أمرعقلائي قابل بنفسه للاعتبار من دون أن يكون هناك ما يكون منشأ للانتزاع‏البناء و الالتزام من سنخ إرادة كلية على شي‏ء في أنفسهم بنحو قابل للتخلف عنه في مقام العمل-كنذورهم-و بعد ما أمضى الشارع هذا التنزيل فلا بد و أن يكون نظره أيضا في هذا التنزيل إلى إرادته لعملهم دون غيره،وعليه فهذا التنزيل من الشارع مستتبع لهذه الإرادة التشريعية،و لا نعنى من انتهاء أمره في أمثال هذا الجعل إلى‏الحكم التكليفي إلاّ هذافان قلت:إنّ مثل هذه الإرادة و البناء مأخوذ في مرحلة الامتثال و إرشاد إلى حكم العقل بموافقةالحجة،و لا يمكن أن يكون منشأ اعتبار الحجة.قلت:بعد ما لا يكون منشأ لاعتبار الحجة غير التنزيل المزبور و احتياج التنزيل إلى كون النّظر إلى مثل‏هذا البناء و الإرادة،فلا محيص من كون البناء المزبور مصحح أصل الحجة لا من تبعاتها فارغا عن ثبوتها،و بعدما كان كذلك،فلا محيص من كون رتبة هذه الإرادة و البناء الكلي سابقا عن التنزيل المزبور،لأنّه مصححه،و بعد ذلك نسأل:بأنّ هذه الإرادة و البناء إرادة حقيقية ثابتة في فرض الموافقة و مخالفة الطريق للواقع؟أو هو من‏الإرادات الطريقية المنحلة إلى الإرادة عند الموافقة و الترخيص عند المخالفة؟لا محيص للأوّل،و إلاّ لازمه الالتزام‏بسببية الأمارة،فلا بد و أن يكون من الثاني.و على أي حال:يكون المنجز هذه الإرادة الطريقية،لا صرف‏التنزيل المزبور،كما أنّه بناء عليه يبقى شبهة التضاد بحاله،كما لا يخفى.
108
من حكم تكليفي.فالأقوى:أنّ الحجية و الوسطية في الإثبات بنفسها ممّا تنالها يد الجعل‏بتتميم كشفها،فانّه لا بد في الأمارة من أن يكون لها جهة كشف عن الواقع‏كشفا ناقصا،فللشارع تتميم كشفها و لو إمضاء بإلقاء احتمال الخلاف في عالم‏التشريع،كما ألقى احتمال الخلاف في العلم في عالم التكوين،فكأنّ الشارع‏أوجد في عالم التشريع فردا من العلم،و جعل الطريق محرزا للواقع كالعلم‏بتتميم نقص كشفه و إحرازه،و لذا قامت الطرق و الأمارات مقام العلم المأخوذفي الموضوع على وجه الطريقية،كما تقدم تفصيله.و إذ قد عرفت حقيقة المجعول في باب الطرق و الأمارات و أنّ المجعول‏فيها نفس الوسطية في الإثبات،ظهر لك:أنّه ليس في باب الطرق و الأمارات‏حكم حتى ينافى الواقعي ليقع في إشكال التضاد أو التصويب،بل ليس حال‏الأمارة المخالفة إلاّ كحال العلم المخالف،فلا يكون في البين إلاّ الحكم الواقعي‏فقط مطلقا أصاب الطريق الواقع أو أخطأ،فانّه عند الإصابة يكون المؤدّى هوالحكم الواقعي كالعلم الموافق و يوجب تنجيز الواقع و صحة المؤاخذة عليه،و عندالخطأ و عدم الإصابة يوجب المعذورية و عدم صحة المؤاخذة عليه كالعلم‏المخالف من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول.هذا بناء على ما هو المختارمن تأصّل الحجية و الطريقية في الجعل.و أمّا بناء على مسلك الشيخ(قدس سره)من أنّ المجعول هو منشأالانتزاع،فيتوجه حينئذ إشكال التضاد و لا بد من دفعه،و ينبغي أوّلا تصوير مايصح أن يكون منشأ لانتزاع الحجية.و الإنصاف:أنّ تصويره في غاية الإشكال،لأنّ منشأ انتزاع الحجيةلا بد و أن يكون أمرا لا دخل له بإطاعة المكلف و عصيانه،إذ الحجية محفوظة في‏كلا الحالين و لا دخل لعمل المكلف في ذلك،فانّ المكلف عمل أو لم يعمل‏يكون الخبر الواحد حجة،فلا بد و أن يكون منشأ انتزاع الحجية حكما تكليفيا
109
مستمرا لا يسقط بعصيانه في زمان لتكون الحجية مستمرة باستمراره.و أحسن ما يمكن أن يقال-في منشأ انتزاع الحجية-هو ما ذكره الشيخ‏(قدس سره)في دليل الانسداد عند نقل كلام«المحقق صاحب الحاشية»في‏الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرهما في بيان أنّ مقدمات دليل الانسداد لاتثبت إلاّ اعتبار الظن بالطريق لا في نفس الحكم الفرعي.قال(قدس سره):في ردّ هذا الوجه«فيه:أنّ تفريغ الذّمّة عمااشتغلت به،إمّا بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الأوامر الواقعية،و إمّابفعل ما حكم حكما جعليا بأنّه نفس المراد و هو مضمون الطرق المجعولة»انتهى‏موضوع الحاجة من كلامه.و له(قدس سره)في هذا المقام عبارة أخرى تقرب من هذه،و غرضه‏من ذلك:هو أنّ المجعول في باب الطرق و الأمارات إنّما هو الحكم بأنّ المؤدّى‏هو الواقع النّفس الأمري و أنّه هو،فليس المجعول فيها أمرا مغايرا للواقع،بل‏المجعول فيها هو الحكم بأنّ المؤدّى هو الواقع،فان أصابت الأمارة الواقع فهو،وإن أخطأت يتبيّن أنّه ليس المؤدّى هو الواقع،و على كلا التقديرين:لا يكون‏في البين إلاّ الحكم الواقعي.و بالجملة:حيث كان المؤدّى هو الوجوب أو الحرمة الواقعية فيكون‏المجعول هو وجوب المؤدّى أو حرمته على أنّه هو الواقع،فليس ما وراء الواقع‏حكما آخر حتّى يقع التضاد بينهما،و لا إشكال في أنّه للشارع جعل الهوهويةو الحكم بأنّ المؤدّى هو الواقع في صورة الجهل به و الشك فيه.و كان شيخنا الأستاذ(مد ظله)في الدورة السابقة يقرّب هذا الوجه‏و يرتضيه على تقدير عدم القول بتأصّل الحجية في الجعل،و لكن في هذه الدورةضعّفه بما حاصله:أنّ الحكم بأنّ المؤدّى هو الواقع لا يمكن أن يكون إخبارا،بل‏لا بد و أن يكون إنشاء،و إنشاء الحكم بالهوهوية و كون المؤدّى هو الواقع لايصحّ إلاّ بإعطاء صفة الوجوب أو الحرمة للمؤدّى،فيعود إشكال التضاد عند
110
مخالفة الأمارة للواقع.و بالجملة:لا نرى في دفع محذور التضاد عند مخالفة الطرق و الأمارات‏للواقع أقرب من القول بتأصّلها في الجعل‏1هذا كلّه في باب الطرق والأمارات.و أمّا الأصول المحرزة:فالأمر فيها أشكل،و أشكل منها الأصول الغيرالمحرزة-كأصالة الحل و البراءة-فانّ الأصول بأسرها فاقدة للطريقية،لأخذالشك في موضوعها،و الشك ليس فيه جهة إراءة و كشف عن الواقع،حتى‏يقال:إنّ المجعول فيها تتميم الكشف،فلا بدّ و أن يكون في مورد الأصول حكم‏مجعول شرعي،و يلزمه التضاد بينه و بين الحكم الواقع عند مخالفة الأصل له.هذا،و لكن الخطب في الأصول التنزيلية هيّن،لأنّ المجعول فيها هوالبناء العملي على أحد طرفي الشك على أنّه هو الواقع و إلغاء الطرف الآخر وجعله كالعدم‏2و لأجل ذلك قامت مقام القطع المأخوذ في الموضوع على‏1أقول:علم اللّه!لو خليت الاعتساف و مشيت على وفق الإنصاف و تأملت فيما ذكرناه-في الحاشيةالسابقة بطولها-ترى عدم البدّ من الالتزام بلزوم التضاد ظاهرا بين الحكم الواقعي و الظاهري،و عدم تمامية ماأفيد في التخلص عنه.ثم لئن أغمض عما ذكرنا و قلنا برفع التضاد بالتقريب المزبور،لكن يبقى في البين شبهة نقض الغرض‏بالتقريب الّذي بيّناه في شرح كلام«ابن قبة»و لا مجال حينئذ لقياس الطرق المجعولة باليقين الحاصل على‏خلاف الواقع،إذ في أمثال اليقين انتقاض قهري،بخلاف الطرق،فانّ في جعلها على خلاف مرامه نقض‏لغرضه بالاختيار،و هو محال.و في هذه الشبهة لا فرق بين أن يكون المجعول حكما تكليفيا أم وضعيا.نعم:مثل هذا المقرّر لما لم يتعرض‏من الأوّل مثل هذه الشبهة و قصر النّظر بشبهة التضاد بين الأحكام،كان له الاقتصار في دفع شبهته بما أفاد،و إلاّفلو فتح البصر و نظر إلى هذه الشبهة أيضا لا محيص له إلاّ من الالتزام برفع اليد عن فعلية الواقع بمرتبة لا يلزم على‏خلافه نقض غرض،و لا نعنى من مراتب الحكم أيضا إلاّ هذا،كما لا يخفى،فتدبر.2أقول:لا نفهم من هذا التعبير معنى محصّلا،إذ البناء العملي فعل المكلف،و لا معنى لجعله،و إنّماالمجعول هو الأمر به الّذي مرجعه إلى الأمر بالمعاملة مع المشكوك معاملة الواقع،كما هو مفاد هيئة«لا تنقض»الراجع إلى الأمر بالإبقاء في مقام العمل،و حينئذ مرجع الكلام إلى مفاد هذا الأمر عند المخالفة مع الإرادة
111
وجه الطريقية،لكونها متكفلة للجهة الثالثة التي يكون القطع واجدا لها،و هوالجري على وفق القطع و ترتيب آثار المقطوع عملا،كما أنّ الأمارة تكون واجدةللجهة الثانية،و هي جهة الإحراز و الكاشفية-على ما تقدم بيانه،فالمجعول في‏الأصول التنزيلية ليس أمرا مغايرا للواقع،بل الجعل الشرعي إنّما تعلق بالجري‏العملي على المؤدّى على أنّه هو الواقع،كما يرشد إليه قوله عليه السّلام في بعض‏أخبار قاعدة التجاوز«بلى قد ركعت» (1) فان كان المؤدّى هو الواقع‏فهو،و إلاّ كان الجري العملي واقعا في غير محله من دون أن يكون قد تعلق‏بالمؤدّى حكم على خلاف ما هو عليه.و بالجملة:الهوهوية التي بنى عليها الشيخ(قدس سره)في باب‏الأمارات و نحن أبطلناها،هي التي تكون مجعولة في باب الأصول التنزيلية.نعم:يتوجّه على الشيخ(قدس سره)إشكال الفرق بين الأمارات‏و الأصول،فانّه على هذا يكون المجعول في كل منهما هو الهوهوية،فكيف‏صارت مثبتات الأمارة حجة دون مثبتات الأصول مع اتحاد المجعول فيهما؟ولكن نحن في فسحة عن هذا الإشكال،لما عرفت:من أنّ المجعول في باب‏الأمارات غير المجعول في باب الأصول،و من أجل اختلاف المجعول صارت‏مثبتات الأمارات حجة دون مثبتات الأصول،كما سيأتي في محله.و بالجملة:ليس في الأصول التنزيلية حكم مخالف لحكم الواقع،بل‏الواقعية،و التعبير بالهوهوية و إن كان تعبيرا عرفانيا لطيفا،لكن لا يفهم له معنى في المقام إلاّ الأمر بالبناء على‏وجود الواقع المشكوك،و هذا الأمر بعد ما كان موجودا عند المخالفة يقع الكلام في الجمع بينهما.نعم:لئن فرضنا المجعول نفس البناء على وجود الواقع عملا كان لما أفيد وجه،إذ حينئذ أمكن دعوى أنّ‏شأن التكليف هذا البناء الموجب لوجود الواقع عند المخالفة بلا جعل عند المخالفة.لكن هذا المعنى يستحيل أن‏يجي‏ء تحت الجعل،كما عرفت.و توهّم أنّ شأن العقلاء البناء المزبور و الشارع أمضاهم على بنائهم،قد عرفت تفصيله و أنّه لا ينتج‏شيئا في المقام،فراجع.
1)الوسائل:الباب 13 من أبواب الركوع الحديث 3

112
إذا كان المجعول فيها هو البناء العملي على أنّ المؤدّى هو الواقع،فلا يكون‏ما وراء الواقع حكم آخر حتى يناقضه و يضادّه.و توهّم:أنّ الّذي ذكرناه في تضعيف ما أفاده الشيخ(قدس سره)من‏جعل الهوهوية في باب الأمارات يجري بعينه في باب الأصول المحرزة،فاسد،فانّ الهوهوية المجعولة في باب الأصول المحرزة هي الهوهوية العملية،أي البناءالعملي على كون المؤدّى هو الواقع،و هي لا تستلزم جعل حكم في المؤدّى على‏خلاف ما هو عليه من الحكم،بخلاف الهوهوية في الأمارة فانّها إمّا أن تكون‏إخبارا،و إمّا تكون إنشاء حكم في مؤدّى الأمارة،فانّ المجعول في باب‏الأمارات ليس هو البناء العملي،فلو كان في المؤدّى حكم فلا بد و أن يكون‏مضادا لما عليه من الحكم الواقعي،فتأمّل.و أمّا الأصول الغير المحرزة-كأصالة الاحتياط و الحل و البراءة-فقدعرفت:أنّ الأمر فيها أشكل،فانّ المجعول فيها ليس الهوهوية و الجري العملي‏على بقاء الواقع،بل مجرد البناء على أحد طرفي الشك من دون إلقاء الطرف‏الآخر و البناء على عدمه‏1بل مع حفظ الشك يحكم على أحد طرفيه‏بالوضع أو الرفع،فالحرمة المجعولة في أصالة الاحتياط و الحلية المجعولة في أصالةالحل تناقض الحلية و الحرمة الواقعية على تقدير تخلّف الأصل عن الواقع،بداهةأنّ المنع عن الاقتحام في الشي‏ء(كما هو مفاد أصالة الاحتياط)أو الرخصة فيه‏(كما هو مفاد أصالة الحل)ينافى الجواز في الأول،و المنع في الثاني.و قد تصدّى بعض الأعلام لرفع غائلة التضاد بين الحكمين باختلاف‏الرتبة،فانّ رتبة الحكم الظاهري رتبة الشك في الحكم الواقعي،و الشك في‏الحكم الواقعي متأخر في الرتبة عن نفس وجوده،فيكون الحكم الظاهري في‏1أقول:لم ما تقول هنا أيضا:إنّ المجعول هو البناء العملي على أحد طرفي الشك بأنّه واقع؟الملازم‏لعدم جعل حكم عند المخالفة أيضا.
113
طول الحكم الواقعي،و لا تضاد بين المختلفين في الرتبة،لأنّ وحدة الرتبة من‏جملة الوحدات الثمان التي تعتبر في التناقض و التضاد.هذا،و أنت خبير بفساد هذا التوهّم،فانّ الحكم الظاهري و إن لم‏يكن في رتبة الحكم الواقعي،إلاّ أنّ الحكم الواقعي يكون في رتبة الحكم‏الظاهري،لانحفاظ الحكم الواقعي في مرتبة الشك فيه و لو بنتيجةالإطلاق‏1فيجتمع الحكمان المتضادان في رتبة الشك.و لا يقاس المقام بالخطاب الترتبي المبحوث عنه في باب الضد،فانّ‏العمدة في رفع غائلة التضاد بين الحكمين في الخطاب الترتبي إنّما هو اشتراطخطاب المهم بعصيان خطاب الأهم و عدم إطلاق خطاب الأهم لحالتي إطاعته‏و عصيانه-على ما أوضحناه بما لا مزيد عليه في مبحث الضد-و أين هذا من‏اجتماع الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي مع إطلاق الحكم الواقعي لحالةالعلم و الظن و الشك فيه و لو بنتيجة الإطلاق؟فتأخر رتبة الحكم الظاهري عن‏الحكم الواقعي لا يرفع غائلة التضاد بينهما إلاّ بضم مقدمة أخرى إلى ذلك،و هي أنّ الأحكام الواقعية بوجوداتها النّفس الأمرية لا تصلح للداعوية و قاصرةعن أن تكون محركة لإرادة العبد نحو امتثالها في صورة الشك في وجودها21أقول:إذا كان الحكم الظاهري في طول الواقع معنى طوليته كون الحكم الواقع المشكوك مأخوذا في‏موضوعه،و حينئذ كيف يعقل أن يكون الحكم الواقعي-و لو بنتيجة الإطلاق-في عرض الحكم الظاهري و في‏مرتبته؟فهل يتوهّم أحد أنّ الموضوع في مرتبة محموله؟نعم:هما متحدان زمانا لا رتبة،فكل واحد محفوظ في رتبةنفسه بلا تعدية إلى مرتبة غيره،فعلى فرض الاكتفاء باختلاف المرتبة بين الحكمين محضا،لا مجال لمثل هذاالجواب عنه.2أقول:الالتزام بعدم دعوة الحكم الواقعي في ظرف الشك به لازمه إنكار فعلية الحكم المشكوك،إذلا نعنى من فعليته إلاّ دعوته و محرّكيته عند وجود موضوعه،فمع عدم متمم الجعل لا بد و أن يلتزم بعدم فعلية الحكم‏المشكوك،فلا يبقى للحكم الواقعي إلاّ إنشاء قانونيا بلا إرادة فعلية،إذ فعلية الإرادة على ممشاك لا ينفك عن‏المحرّكية عند وجود الموضوع،فعدم محرّكيته حينئذ مساوق عدم فعليته،و لا نعنى من جعل القانون إلاّ هذا،و حينئذفتصور المعذورية مع وجود الحكم الفعلي في غير محلّه،إلاّ بتصور التفكيك بين فعلية الحكم و عدم الدعوة،و يلزمك‏حينئذ عدم إناطة فعلية الأحكام بوجود موضوعها خارجا،بل الحاكم بمجرد علمه بالمصلحة على الشي‏ء القائم‏
114
فانّ الحكم لا يمكن أن يتكفل لأزمنة وجوده-التي منها زمان الشك فيه-و يتعرض لوجود نفسه في حال الشك،و إن كان محفوظا في ذلك الحال على‏تقدير وجوده الواقعي،إلاّ أنّ انحفاظه في ذلك الحال غير كونه بنفسه مبيّنالوجوده فيه،بل لا بدّ في ذلك من مبيّن آخر و جعل ثانوي يتكفل لبيان وجودالحكم في أزمنة وجوده،-و منها زمان الشك فيه-و يكون هذا الجعل الثانوي من‏متممات الجعل الأوّلي و يتحد الجعلان في صورة وجود الحكم الواقعي في زمان‏الشك.و لا يخفى:أنّ متمم الجعل على أقسام:فانّ ما دلّ على وجوب قصد التعبدفي العبادات يكون من متممات الجعل،و ما دلّ على وجوب السير للحج قبل‏الموسم يكون من متممات الجعل،و ما دلّ على وجوب الغسل على المستحاضةقبل الفجر في اليوم الّذي يجب صومه من متممات الجعل،و غير ذلك من المواردالتي لا بد فيها من متمم الجعل،و هي كثيرة في أبواب متفرقة و ليست بملاك‏واحد،بل لكل ملاك يخصه،و إن كان يجمعها قصور الجعل الأوّلي عن أن‏يستوفى جميع ما يعتبر استيفائه في عالم التشريع،و لاستقصاء الكلام في ذلك‏محل آخر.و الغرض في المقام:بيان أنّ من أحد أقسام متمم الجعل هو الّذي‏يتكفل لبيان وجود الحكم في زمان الشك فيه إذا كان الحكم الواقعي على‏وجه يقتضى المتمم،و إلاّ فقد يكون الحكم لا يقتضى جعل المتمم في زمان‏الشك.و توضيح ذلك:هو أنّ للشك في الحكم الواقعي اعتبارين:بالموضوعات المقدرة يحكم حكما فعليا عن إرادة فعلية تابعة للحاظ موضوعه الكلي،بلا انتظار لوجوده-كما هوالتحقيق في كلّية الأحكام-و أنّ المحركية من تبعات الإرادة و هو المعلق على وجود الموضوع خارجا،و على هذا المبنى‏ينثلم الإشكال في الواجب المعلق،و ينخرم أساس جعل الأحكام الطلبية من القضايا الحقيقية التي شأنها كون‏الحكم تابع الموضوع فرضيا و فعليا،إذ بناء على ما ذكر تصير الأحكام الطلبية فعلية قبل وجود موضوعاتها و في زمان‏فرضه،كما لا يخفى،فتدبر.
115
أحدهما:كونه من الحالات و الطوارئ اللاحقة للحكم الواقعي أوموضوعه-كحالة العلم و الظن-و هو بهذا الاعتبار لا يمكن أخذه موضوعا لحكم‏يضاد الحكم الواقعي،لانحفاظ الحكم الواقعي عنده.ثانيهما:اعتبار كونه موجبا للحيرة في الواقع و عدم كونه موصلا إليه‏و منجزا له،و هو بهذا الاعتبار يمكن أخذه موضوعات لما يكون متمما للجعل‏و منجزا للواقع و موصولا إليه،كما أنّه يمكن أخذه موضوعا لما يكون مؤمّنا عن‏الواقع-حسب اختلاف مراتب الملاكات النّفس الأمرية و مناطات الأحكام‏الشرعية-فلو كانت مصلحة الواقع مهمّة في نظر الشارع كان عليه جعل المتمم‏-كمصلحة احترام المؤمن و حفظ نفسه-فانّه لما كان حفظ نفس المؤمن أولى‏بالرعاية و أهم في نظر الشارع من مفسدة حفظ دم الكافر اقتضى ذلك تشريع‏حكم ظاهري طريقي بوجوب الاحتياط في موارد الشك حفظا للحمى و تحرّزاعن الوقوع في مفسدة قتل المؤمن،و هذا الحكم الطريقي إنّما يكون في طول‏الحكم للواقع نشأ عن أهمية المصلحة الواقعية،و لذا كان الخطاب بالاحتياطخطابا نفسيا و إن كان المقصود منه عدم الوقوع في مخالفة الواقع‏1إلاّ أنّ‏هذا لا يقتضى أن يكون خطابه مقدّميا،لأنّ الخطاب المقدّمي هو ما لامصلحة فيه أصلا،و الاحتياط ليس كذلك،لأنّ أهمية مصلحة الواقع دعت‏1أقول:و الأولى أن يقال:إنّ الخطاب بالاحتياط خطاب طريقي كسائر الخطابات الطريقية ناشئ‏عن الإرادة الواقعية و مظهرة لها في ظرف الشك بها،و مشتملة على الترخيص على مخالفة الواقع عند مخالفتها-كماهو الشأن في سائر أوامر الطرق-و في خصوص الاحتياط كان ترخيصه على وفق الواقع عند عدم وجوبه المحتمل،و ليس وجوبه مقدميا،لأنّه مع الموافقة عين الواقع في لبّ الإرادة و مع المخالفة يباينه،و لا نفسيا لفرض عدم إرادةتحته في فرض المخالفة.و من هذا البيان ظهر:أنّ الأمر بالاحتياط و هكذا غيره بيان للواقع و منجز له في فرض الموافقة،و عندالمخالفة موجب لعذره و ترخيصه المشتمل عليه أمره و ليس موجبا للعقوبة على نفسه.و توهّم:أنّ العقوبة على الواقع حينئذ عقاب بلا بيان فلا بد من أن يكون العقوبة على نفسه،فاسد بمايأتي بيانه في الحاشية الآتية.
116
إلى وجوبه،فالاحتياط إنّما يكون واجبا نفسيا للغير لا واجبا بالغير،و لذا كان‏العقاب على مخالفة التكليف بالاحتياط عند تركه و أدائه إلى مخالفة الحكم‏الواقعي،لا على مخالفة الواقع،لقبح العقاب عليه مع عدم العلم به،كماأوضحناه بما لا مزيد عليه في خاتمة الاشتغال.فان قلت:إنّ ذلك يقتضى صحّة العقوبة على مخالفة الاحتياطصادف الواقع أو خالفه،لأنّ المفروض كونه واجبا نفسيا و إن كان الغرض من‏وجوبه هو الوصلة إلى الأحكام الواقعية و عدم الوقوع في مفسدة مخالفتها،إلاّ أنّ‏تخلف الغرض لا يوجب سقوط الخطاب،فلو خالف المكلف الاحتياط و أقدم‏على قتل المشتبه و صادف كونه مهدور الدم كان اللازم استحقاقه للعقوبة،لأنّه قد خالف تكليفا نفسيا.قلت:فرق بين علل التشريع و علل الأحكام،و الّذي لا يضر تخلفه‏و لا يدور الحكم مداره هو الأوّل،لأنّها تكون حكمة لتشريع الأحكام،فيمكن‏أن يكون تحقق الحكمة في مورد علّة لتشريع حكم كلي،و أمّا علّة الحكم،فالحكم يدور مدارها و لا يمكن أن يختلف عنها-كما أوضحناه في محله-و لاإشكال أنّ الحكم بوجوب حفظ نفس المؤمن علّة للحكم بالاحتياط11أقول:بعد ما كان الحكم الواقعي علّة لتشريع الاحتياط،فمع انتفائه ينتفي تشريع الاحتياط،و عليه:ففي كل مورد يرد عليه الأمر بالاحتياط يتردد المكلف بين تشريع الاحتياط و عدمه،و لازمه ترديده بكون‏الأمر به حقيقيا أم صوريا،و مع هذا الترديد كيف يدعوه هذا الأمر على الاحتياط؟و عليه:فلا يكون هذا الأمرموجبا للعقوبة على مخالفة نفسه أو مخالفة الواقع،و هذه الشبهة جارية في جميع الأوامر الطريقية.و لنا لحلّ هذا الإشكال مسلكان:أحدهما أن يقال:إنّ المصلحة إذا كانت مهمة بنحو لا يجوز منه المولى‏حتى في ظرف الجهل بها،فقهرا الإرادة المتعلقة به و أمره يكون تبعا لهذا الاهتمام،و مثل هذه الإرادة و الأمر نفس‏احتماله منجّز عقلا و خارج من موضوع قبح العقاب بلا بيان،و أنّ الأمر الطريقي كاشف عن هذا الاهتمام،و لذا يكون منجّزا للواقع عند المطابقة،كما أنّ مخالفته كاشفة عن عدم الاهتمام به،خصوصا مع ترخيصه على‏خلافه،فيكون موجبا لعذره حتى مع فرض انفتاح بابه.و ثانيهما:أنّ شأن الأوامر الطريقية بعد ما كان إبرازا للإرادة الواقعية في ظرف الجهل بها،فمع احتمال‏
117
لأنّ أهمية ذلك أوجب الاحتياط،فلا يمكن أن يبقى وجوب الاحتياط في موردالشك مع عدم كون المشكوك ممّا يجب حفظ نفسه،و لكن لمّا كان المكلف‏لم يعلم كون المشكوك ممّا يجب حفظ نفسه أو لا يجب؟كان الملازم عليه هوالاحتياط تحرزا عن أن يكون المشكوك ممّا يجب حفظ نفسه فيقع في مخالفةالحكم الواقعي.و من ذلك يظهر:أنّه لا مضادة بين إيجاب الاحتياط و بين الحكم‏الواقعي،فانّ المشتبه إن كان ممّا يجب حفظ نفسه واقعا فوجوب الاحتياطيتحد مع الوجوب الواقعي و يكون هو هو،و إن لم يكن المشتبه ممّا يجب حفظنفسه فلا يجب الاحتياط،لانتفاء علته،و إنّما المكلف يتخيل وجوبه لعدم علمه‏بحال المشتبه،فوجوب الاحتياط من هذه الجهة يشبه الوجوب المقدّمي،و إن‏كان من جهة أخرى يغايره.و الحاصل:أنّه لمّا كان إيجاب الاحتياط متمما للجعل الأوّلي من‏وجوب حفظ نفس المؤمن،فوجوبه يدور مدار الوجوب الواقعي،و لا يعقل بقاءالمتمم(بالكسر)مع عدم وجود المتمم(بالفتح)فإذا كان وجوب الاحتياطيدور مدار الوجوب الواقعي فلا يعقل أن يقع بينهما التضاد،لاتحادهما في موردالواقع كان الواقع ملازما مع البيان و لازمه احتمال البيان للواقع،و مع هذا الاحتمال لا يبقى مجال لحكم العقل‏بقبح العقاب،إذ موضوعه صورة الجزم بعدم البيان،و حينئذ فشأن الأوامر الطريقية رفع موضوع حكم العقل،فيكون واردا عليه.فان قلت:إنّه في ظرف وجود الواقع نقطع بوجوده،و لو كان هذا المقدار من البيان الاحتمالي كافيا،يلزم عدم جريان القاعدة في كل تكليف مشكوك و لو لم يكن في البين جعل طريق،و هو كما ترى.قلت:لا يخفى أنّ العلم بوجود الواقع في ظرف وجود المشكوك لا يكون منوطا بوجود الواقع خارجا كي‏يصير مشكوكا،بل العلم الفعلي الوجداني ينوط بوجود الواقع لحاظا،فلا يتصور في مثله الجهل بوجود العلم،كي‏يكون المورد من باب احتمال البيان،بل العلم الوجداني منوط بوجود المشكوك لحاظا حاصل فعلا،و مثل هذاالعلم لا يكون لدى العقل بيانا أصلا،ففي مورده نقطع بعدم البيان،بخلاف الأوامر الطريقية،حيث إنّ بيانيته‏منوط بوجود الواقع خارجا،فكان البيان فيه مشكوكا،بخلاف فرض العلم،كما لا يخفى.
118
المصادفة و عدم وجوب الاحتياط في مورد المخالفة،فأين التضاد؟هذا كلّه إذا كانت مصلحة الواقع تقتضي جعل المتمم:من إيجاب‏الاحتياط.و إن لم تكن المصلحة الواقعية تقتضي ذلك و لم تكن بتلك المثابة من‏الأهمية بحيث يلزم للشارع رعايتها كيف ما اتفق،فللشارع جعل المؤمّن،كان‏بلسان الرفع،كقوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»،أوبلسان الوضع كقوله صلّى اللّه عليه و آله «كل شي‏ء لك حلال»فانّ‏المراد من الرفع في قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»ليس رفع‏التكليف عن موطنه حتى يلزم التناقض،بل رفع التكليف عمّا يستتبعه من‏التبعات و إيجاب الاحتياط،فالرخصة المستفادة من قوله صلّى اللّه عليه و آله:«رفع ما لا يعلمون»نظير الرخصة المستفادة من حكم العقل بقبح العقاب بلابيان،فكما أنّ الرخصة التي تستفاد من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لاتنافي الحكم الواقعي و لا تضاده،كذلك الرخصة،التي تستفاد من قوله‏عليه السّلام «رفع ما لا يعلمون»و السرّ في ذلك:هو أنّ هذه الرخصة تكون‏في طول الحكم الواقعي و متأخر رتبتها عنه‏1لأنّ الموضوع فيها هو الشك‏1أقول:يا للعجب!قد تقدم منه أنّ مجرد طولية الحكم الظاهري للواقع غير مجد في رفع التضاد،لأنّ‏الحكم الواقعي بنتيجة الإطلاق يشمل مرتبة الحكم الظاهري،فكيف في المقام التزم بكفاية الطولية في رفع‏التضاد.و كيف كان:الّذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال:إنّ طولية الحكمين على نحوين:أحدهما:طولية الحكمين،في ذات واحدة محفوظة في مرتبة نفسه،كما هو الشأن في عنوان الخمر و مشكوك‏الخمرية.و ثانيهما:طولية الحكمين الثابتين للذاتين في رتبتين-كما هو الشأن في فرض الجهل بالحكم من الجهات‏التعليلية لطروّ الحكم الظاهري على الذات-فانّه حينئذ يرى الذات في رتبتين،بخلاف ما كان الجهل من‏الجهات التقييدية لأنّ الذات في هذه الصورة لا يرى إلاّ في رتبة واحدة موضوعا لحكمين طوليين،و حينئذ الّذي يثمرلرفع التضاد هو الطولية بالمعنى الثاني دون الأوّل،و السرّ فيه:أنّ الذات في هذه الصورة لما كان واحدا لا يتحمل‏لحكمين و لو طوليين متماثلين أو متضادين.و أمّا في فرض أخذ الذات في رتبتين فلا يرى حينئذ إلاّ ذاتين،و حيث إنّ معروض الحكم في كلية
119
في الحكم من حيث كونه موجبا للحيرة في الواقع و غير موصل إليه و لا منجزله،فقد لو حظ في الرخصة وجود الحكم الواقعي،و معه كيف يعقل أن تضادالحكم الواقعي.و بالجملة:الرخصة و الحلية المستفادة من«حديث الرفع»و«أصالةالحل»تكون في عرض المنع و الحرمة المستفادة من إيجاب الاحتياط،و قدعرفت:أنّ إيجاب الاحتياط يكون في طول الواقع و متفرعا عليه،فما يكون في‏عرضه يكون في طول الواقع أيضا،و إلاّ يلزم أن يكون ما في طول الشي‏ء في‏عرضه،فتأمّل.هذا تمام الكلام في إمكان التعبد بالأمارات الغير العلمية،و قدعرفت بما لا مزيد عليه:أنّه لا محذور فيه،لا ملاكا و لا خطابا.
المبحث الثاني‏في تأسيس الأصل عند الشك في التعبد بالأمارة
و لا ينبغي التأمّل و الإشكال في أنّ الأصل يقتضى حرمة التعبد بكل‏أمارة لم يعلم التعبد بها من قبل الشارع.و يدلّ على ذلك من الكتاب:قوله تعالى« قول اللّه أذن لكم أم على‏اللّه تفترون » (1) بناء على شمول الافتراء لمطلق إسناد الشي‏ء إليه‏تعالى و لو مع عدم العلم بأنّه منه تعالى،لا خصوص ما علم أنّه ليس منه تعالى‏-كما قيل-و لو سلّم عدم شمول الافتراء لما لا يعلم موضوعا فلا أقل من شموله‏حكما،لأنّه جعل في مقابل الإذن،فتدل الآية الشريفة على أنّ كل ما لم يؤذن‏المقامات هو نفس العنوان لا المعنون،فوحدة المعنون لا يضر بتعدد الحكم لكل منهما بعنوان غير الآخر.و لقدأبسطنا الكلام في مسألة التجري،و بهذا البيان أيضا رفعنا هناك التضاد بين قبح التجري و حسن الواقع،كماعرفت،فتدبر في المقام فانّه من مزالّ الأقدام.
1)سورة يونس الآية 59

120
فيه فهو افتراء،إمّا موضوعا،و إمّا حكما.و من السنة:قوله عليه السّلام«رجل قضى بالحقّ و هو لايعلم» (1) بناء على كون التوبيخ لأجل القضاء بما لا يعلم،لا لأجل‏التصدي للقضاء مع عدم كونه أهلا له.و من الإجماع:ما ادّعاه الوحيد البهبهاني(قدس سره)من أنّ حرمةالعمل بما لا يعلم من البديهيات عند العوام فضلا عن الخواصّ.و من العقل:إطباق العقلاء على تقبيح العبد و توبيخه على تشريعه‏و إسناده إلى المولى ما لا يعلم أنّه منه،فانّ ذلك تصرف في سلطنة المولى‏و خروج عمّا يقتضيه وظائف العبودية.و بالجملة:لا إشكال و لا كلام في قبح التشريع و استتباعه استحقاق‏العقوبة.نعم:وقع الكلام في مسألة قبح التشريع من جهات:الجهة الأولى:هل حكم العقل بقبح التشريع نظير حكمه بقبح المعصية ممّالا تناله يد الجعل الشرعي و لا يستتبع خطابا مولويا بحرمته؟أو أنّ حكمه بقبح‏التشريع يستتبع بالحكم الشرعي بحرمته و لو بقاعدة الملازمة؟ذهب إلى الأوّل‏المحقق الخراسانيّ(قدس سره)و حمل ما ورد في الكتاب و السنة في هذا الباب‏على الإرشاد،نظير قوله تعالى:«أطيعوا اللّه و رسوله».و ظاهر كلام الشيخ(قدس سره)هو الثاني،حيث استدل على حرمةالتشريع بالأدلة الأربعة،و هو الأقوى،لأنّ الأحكام العقلية التي لا تستتبع‏الخطابات الشرعية إنّما هي فيما إذا كانت واقعة في سلسلة معلولات الأحكام كقبح‏المعصية و حسن الطاعة،لا في ما إذا كانت واقعة في سلسلة علل الأحكام‏الراجعة إلى باب التحسين و التقبيح العقلي الناشئ عن إدراك المصالح‏
1)الوسائل:الباب 4 من أبواب صفات القاضي الحديث 6

121
و المفاسد،فانّ الأحكام العقلية الراجعة إلى هذا الباب كلّها تكون موردالقاعدة الملازمة،و يستتبعها الخطابات الشرعية،و مسألة قبح التشريع من هذاالباب،لأنّ حكم العقل بقبحه ليس واقعا في سلسلة معلولات الأحكام،بل‏هو حكم ابتدائي من العقل لما فيه من المفسدة من تصرف العبد فيما ليس له،و إن شئت قلت:إنّ التشريع من أفراد الكذب الّذي يستقل العقل بقبحه‏و الشرع بحرمته‏1الجهة الثانية:هل قبح التشريع يسرى إلى الفعل المتشرع به بحيث‏يصير الفعل قبيحا عقلا و حراما شرعا،أو إنّه لا يسرى إلى الفعل بل يكون‏التشريع من الآثام القلبية مع بقاء الفعل المتشرع به على ما هو عليه؟ذهب‏إلى الوجه الثاني المحقق الخراسانيّ(قدس سره)و ظاهر كلام الشيخ(قدس سره)هو الأوّل،حيث قال(قدس سره):و الحاصل:أنّ المحرّم هو العمل بغير علم‏متعبدا به و متدينا به...إلخ،و مال إليه شيخنا الأستاذ(مد ظله)بتقريب:أنّه من الممكن أن يكون القصد و الداعي من الجهات و العناوين‏المغيّرة لجهة حسن العمل و قبحه،فيكون الالتزام و التعبد و التدين بعمل لا يعلم‏التعبد به من الشارع موجبا لانقلاب العمل عما هو عليه‏2و تطرأ عليه‏1أقول:عمدة الكلام في المقام،هو أن العقل في باب التشريع كما يستقل بالقبح،يستقل بالعقوبةأيضا أم لا،و بعبارة أخرى:هل حكمه بقبحه من تبعات موجبة لاستحقاق العقوبة بنفس عنوانه؟أم استحقاق‏العقوبة فيه من تبعات حكمه لا نفسه و أنّ ما هو من تبعات نفسه مجرّد قبحه؟و هذه الجهة أيضا مائزة بين المعصيةو سائر المقبحات الأخرى،لا مجرد طولية عنوان للحكم و عدمه،و عليه نقول:لا غرو في دعوى أنّ التشريع المتجري نحو طغيان على المولى و جسارة موجبة بنفسه للعقوبة بلا احتياج إلى‏حكم مولوي،كيف!و لا أظنّ من ينكر الملازمة كلّية إنكار عدم استحقاق المشرّع للعقاب نظير الافتراء على‏المولى،فتأمّل.2أقول:لا نرى فرقا من هذه الجهة بين التشريع في فعل نفسه أو التشريع في عمل غيره-كتشريع‏وجوب الصلاة على الحائض-فهل يتوهّم أحد أن الثاني موجب لحرمة فعل الغير؟!فليكن الأوّل أيضا كذلك،فتدبر.
122
بذلك جهة مفسدة تقتضي قبحه عقلا و حرمته شرعا،و ظاهر قوله:«رجل‏قضى بالحقّ و هو لا يعلم» (1) حرمة القضاء و استحقاق العقوبة عليه،فيدل على حرمة نفس العمل.الجهة الثالثة:هل صحة التعبد بالأمارة و الالتزام بمؤدّاها على أنّه‏حكم اللّه تعالى يلازم حجيتها بحيث يستكشف من عدم جواز التعبد عدم‏الحجية؟أو أنّ الحجية من اللوازم الأعم؟فقد تكون الأمارة حجة مع عدم جوازالتعبد بها و إسنادها إلى الشارع.ظاهر كلام المحقق الخراسانيّ(قدس سره)هو الثاني،بل صريح‏كلامه ذلك،حيث قال:و أمّا صحة الالتزام بما أدّى إليه من الأحكام‏و صحة نسبته إليه تعالى فليسا من آثارها،ضرورة أنّ حجية الظن عقلا على‏تقرير الحكومة في حال الانسداد لا يوجب صحتهما...إلخ.و لا يخفى ما فيه،فانّ معنى جعل الأمارة حجة هو كونها وسطالإثبات متعلقها و إحراز مؤدّاها1فيكون حالها حال العلم،و هل يمكن‏أن يقال:إنّه لا يصح التعبد بمتعلق العلم و لا يجوز إسناده إلى الشارع إذا كان‏المتعلق من الأحكام الشرعية؟و الأمارة بعد جعلها حجة تكون كالعلم.و ما1أقول:قد تقدّم سابقا أنّ مجرّد جعل الوسطية تنزيلا لا يفي بالمنجزية،بل المنجز هو الأمر الطريقي‏المستكشف من هذا الجعل الّذي هو المصحح للتنزيل،و من المعلوم:أنّ منجزيته غير ملازم لوجوب التعبد بمؤدّاه،كيف!و هذا الأمر المنجز موجود في إيجاب الاحتياط في الشبهات البدوية،مع أنّه لا يجوز التعبد المزبور فيها،و هكذا لو فرض ورود الأمر بالعمل بالظن الفلاني بلا لسان تنزيل في البين،إذ مثل هذا الأمر أيضا منشأ حجيته،مع أنّه لا يجوز التعبد في مثله،كما أنّ الظن على الحكومة في باب الانسداد عند من لا يرى العلم الإجماليّ مؤثرا-إمّالذاته أو لشبهة انحلاله-لا بد من الالتزام بمثبتية الظن و أنّ مسقطيته إنّما هو على مسلك التبعيض في الاحتياط،و هو غير حجية الظن و منجزيته في حال الانسداد،كما لا يخفى.
1)الوسائل:الباب 4 من أبواب صفات القاضي الحديث 6

123
أفاده:من أنّ الظن بناء على الحكومة يكون حجة عقلية مع عدم صحة إسنادمتعلقه إلى الشارع و عدم جواز التعبد به،فقد عرفت-في أول مبحث الظن-مافيه،و حاصله:أنّه ليس من وظيفة العقل جعل الظن حجة مثبتا لمتعلقه،بل‏شأن العقل هو الإدراك و ليس من وظيفته التشريع،و حكمه باعتبار الظن في‏حال الانسداد ليس معناه كون الظن حجة مثبتا لمتعلقه،بل معناه الاكتفاءبالإطاعة الظنية للأحكام المعلومة بالإجمال عند تعذر الإطاعة العلمية،و هذاالمعنى أجنبي عن معنى الحجية،فانّ الحجة تقع في طريق إثبات التكاليف‏و الظن بناء على الحكومة يقع في طريق إسقاط التكاليف،و سيأتي توضيح‏ذلك-إن شاء اللّه تعالى-في دليل الانسداد.و بالجملة:صحّة التعبد بالأمارة و جواز إسناد مؤدّاها إلى الشارع من‏اللوازم التي لا تنفك عن حجيتها،و لا يعقل التفكيك بينهما،فمن حرمة التعبدبالأمارة التي لم يعلم التعبد بها من الشارع-كما هو مقتضى الأدلة المتقدمة-يستكشف عدم حجيتها،بل الشك في الحجية يلازم القطع بعدم الحجية،لابمعنى أخذ العلم بالحجية موضوعا لها بحيث لا تكون حجة واقعا مع عدم العلم‏بها،فانّ ذلك واضح الفساد،بداهة أنّ الحجية كسائر الأحكام الوضعيّةو التكليفية لا يدور وجودها الواقعي مدار العلم بها،بل بمعنى عدم ترتيب آثارالحجية عليها من كونها منجزة للواقع عند الإصابة و عذرا عند المخالفة،فانّ‏التنجز يتوقف على العلم بالحكم أو ما يقوم مقامه،و المكلف لا يكون معذوراإلاّ إذا استند في العمل إلى الحجة و يتوقف على العلم بها موضوعا و حكما،و يأتي مزيد توضيح لذلك في المباحث الآتية.الجهة الرابعة:هل الحكم العقلي بقبح التعبد بما يشك في التعبد به‏و إسناد الشي‏ء إلى الشارع مع عدم العلم بتشريعه من الأحكام العقليةالطريقية نظير حكمه بقبح الإقدام على ما لا يأمن منه الوقوع في الظلم من‏
124
التصرف في أموال الناس و أعراضهم؟أو أنّ حكم العقل بذلك ليس طريقيا؟الظاهر أن يكون هو الثاني،بل لا ينبغي التأمّل فيه،فانّ تمام المناط في نظرالعقل هو الإسناد إلى الشارع ما لا يعلم أنه منه،من غير دخل للواقع في ذلك،فلو فرض أنّ المتعبد به كان في الواقع ممّا شرّعه الشارع و لكن المكلف لم يعلم‏بتشريعه و أسنده إلى الشارع من غير علم كان ذلك من التشريع القبيح،لتحقق تمام المناط و الموضوع الّذي يستقل العقل بقبحه،و لو انعكس الأمرو أسند المكلف إلى الشارع ما علم بتشريعه إيّاه و كان في الواقع ممّا لم يشرّعه‏الشارع لم يكن المكلف مشرّعا،لا أنّه يكون مشرّعا و لمكان جهله يكون معذوراعند العقل.و بالجملة:ليس للتشريع واقع يمكن أن يصيبه المكلف أو لا يصيبه،بل واقع التشريع هو إسناد الشي‏ء إلى الشارع مع عدم العلم بتشريعه إيّاه،سواء علم المكلف بالعدم أو ظن أو شك،و سواء كان في الواقع ممّا شرّعه‏الشارع أو لم يكن،فليس حكم العقل بقبح التشريع نظير حكم بقبح الظلم،فانّ العقل إنّما يستقل بقبح الظلم،و هو عبارة عن التصرف في أموال الناس‏و أنفسهم و أعراضهم،غايته أنّه مع الشك في كون المال مال الناس يحكم‏العقل حكما طريقيا بقبح التصرف فيه،مخافة أن يكون المال مال الناس فيقع‏المكلف في مفسدة التصرف في مال الناس ظلما و عدوانا،فللعقل في باب‏الظلم حكمان:حكم موضوعي بقبح التصرف فيما هو مال الناس واقعا عندالالتفات إليه،و حكم آخر طريقي بقبح التصرف فيما يشك كونه مال‏الناس‏1فلو خالف المكلف و أقدم على التصرف في المشكوك و لم يكن‏1أقول:المراد من الأحكام الطريقية هو الإنشاءات الحاكية عن الإرادة الواقعية في ظرف الجهل بهاو كاشفة عن الترخيص في صورة المخالفة،و مثل هذا المعنى غير متصور في مثل حكم العقل بقبح الشي‏ء في ظرف‏الجهل بقبحه واقعا،إذ الوجدان بعد ما حكم بالقبح في ظرف الشك يستحيل كشفه عن الترخيص في صورةالمخالفة،إذ لازمه مع احتمال المخالفة أن لا يستقل بقبح شي‏ء،و مع استقلاله به حينئذ لا محيص من الالتزام‏
125
في الواقع مال الناس فليس عليه إلاّ تبعة التجري،و أين هذا من باب‏التشريع؟فانّه ليس للعقل فيه إلاّ حكم واحد بمناط واحد يعمّ صورة العلم‏و الظن و الشك.و الحاصل:أنّ الأحكام العقلية قسمين:أحدهما:ما يكون‏للعقل حكم واحد بمناط واحد يعمّ صورة العلم و الظن و الشك،و من أوضح‏مصاديق هذا القسم حكمه بقبح التشريع.ثانيهما:ما يكون للعقل حكمان:حكم على الموضوع الواقعي الّذي‏استقل بقبحه،و حكم آخر طريقي على ما يشك أنّه من مصاديق الموضوع‏الواقعي،و من أوضح مصاديق هذا القسم حكمه بقبح الظلم.و قد يقع الشك في بعض الأحكام العقلية أنّه من أيّ القسمين؟كحكمه بقبح الإقدام على الضرر،فانّه يحتمل أن يكون الموضوع لحكم العقل‏بقبح الإقدام عليه هو الضرر الواقعي،و له حكم آخر طريقي بقبح الإقدام على‏ما لا يأمن منه الوقوع في الضرر،و يحتمل أن يكون الموضوع لحكم العقل مطلقا«ما لا يأمن منه الوقوع في الضرر»سواء في ذلك صورة العلم بالضرر أو الظن‏أو الشك،كان في الواقع ضرر أو لم يكن.هذا،و لكن ظاهر المحكي من تسالم الأصحاب على أنّ سلوك الطريق‏الّذي يظن أو يقطع فيه الضرر و الخطر يكون معصية و يجب إتمام الصلاة فيه و لوبعد انكشاف الخلاف و تبيّن عدم الضرر،هو أن يكون قبح الضرر عندهم‏كقبح التشريع ليس للعقل فيه إلاّ حكم واحد،إذ لو كان للعقل فيه حكمان‏-كباب الظلم-كان اللازم عدم وجوب إتمام الصلاة عند انكشاف الخلاف‏بالموضوعية،و بعده لا يفهم فرق بين الظلم و التشريع،إذ في كل منهما يحكم العقل وجدانا بقبحه طابق الواقع أم‏خالف،و حينئذ لا نفهم لهذا الحكم الطريقي مفهوما محصّلا في باب الظلم دون غيره.نعم:يمكن أن يقال بمنع‏استقلال العقل بقبح ما هو مشكوك الظلم،بل الّذي يستقل هو قبح الظلم الواقعي عند إحراز ظلمه،نظرا إلى‏دخل العلم في كلّية المستقلات العقلية في حكمه بحسن أم قبح،كما لا يخفى.
126
و تبيّن عدم الضرر،لأنّه لم يتحقق ما هو الموضوع لحكم العقل بالقبح ليستتبع‏الحكم الشرعي بالحرمة حتى يكون السفر معصية يجب فيه إتمام الصلاة،بل‏غايته أن يكون سلوك الطريق من التجري،فتسالم الأصحاب على هذه الفتوى‏لا ينطبق إلاّ بإلحاق باب الضرر بباب التشريع،من حيث كون الموضوع لحكم‏العقل بالقبح مطلق ما لا يأمن،فتأمّل جيّدا.
تتمة:
قد عرفت:أنّ الأصل عند الشك في حجية كل أمارة يقتضى حرمةالتعبد بها و الالتزام بمؤدّاها بمقتضى الأدلة المتقدمة.و قد يقرر الأصل بوجه آخر،و هو استصحاب عدم الحجية،لأنّ حجيةالأمارة من الحوادث و كل حادث مسبوق بالعدم.و قد منع الشيخ(قدس سره)عن جريان استصحاب عدم الحجية،و أفاد في وجهه بما حاصله:أنّه لا يترتب على مقتضى الاستصحاب أثر عملي،فانّه يكفى في حرمة العمل و التعبد نفس الشك في الحجية،و لا يحتاج إلى إحرازعدم ورود التعبد بالأمارة حتى يجري استصحاب العدم،فانّ الاستصحاب إنّمايجري فيما إذا كان الأثر مترتبا على الواقع المشكوك فيه،لا على نفس الشك.هذا حاصل ما أفاده الشيخ(قدس سره)في وجه المنع عن جريان استصحاب‏عدم الحجية.و ردّه المحقق الخراسانيّ(قدس سره)بما حاصله:أنّ الحاجة إلى الأثرفي جريان الأصل إنّما هو في الأصول الجارية في الشبهات الموضوعية،و أمّاالأصول الجارية في الشبهات الحكمية فلا يتوقف جريانها على أن يكون في البين‏أثر عملي ما وراء المؤدّى،بل يكفى في صحّة جريان الأصل ثبوت نفس المؤدّى‏-من بقاء الحكم في الاستصحابات الوجودية و عدمه في الاستصحابات العدمية-بداهة أنّ وجوب الشي‏ء أو عدم وجوبه بنفسه من الآثار التي يصح جريان‏
127
الأصل بلحاظها،فلا حاجة إلى أثر آخر وراء ذلك،و الحجية،و عدمها من جملةالأحكام،فيجري استصحاب عدم الحجية عند الشك فيها بلا انتظار أثر آخروراء عدم الحجية،فانّ استصحاب عدم الحجية كاستصحاب عدم الوجوب،فكما أنّه لا يتوقف استصحاب عدم الوجوب على أثر آخر وراء نفس عدم‏الوجوب،كذلك استصحاب عدم الحجية.ثمّ أفاد(قدس سره)أنّه لو سلّم كون الحجية من الموضوعات الخارجيةالتي يتوقف جريان الأصل فيها على أن يكون في البين أثر عملي،إلاّ أنّ ذلك‏لا يمنع عن استصحاب عدم الحجية،فانّ حرمة التعبد كما يكون أثرا للشك في‏الحجية كذلك يكون أثرا لعدم الحجية واقعا،فيكون الشك في الحجية موردالكل من الاستصحاب و القاعدة المضروبة لحال الشك،و يقدم الاستصحاب‏على القاعدة لحكومته عليها،كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدتها.ثمّ بيّن‏ضابطا كليا بما حاصله:أنّ الأثر إذا كان مترتبا على الواقع فقط فلا مجال‏للاستصحاب،و إن كان مترتبا على الشك فقط فلا مجال إلاّ للقاعدة المضروبةللشك،و إن كان مترتبا على كل من الواقع و الشك فلكل من الاستصحاب‏و القاعدة مجال،إلاّ أنّ الاستصحاب يقدّم لحكومته عليها.هذا حاصل ما أفاده المحقق الخراسانيّ(قدس سره)ردّا على ما أفاده‏الشيخ(قدس سره).و أنت خبير بما فيه!أمّا ما أفاده(قدس سره)أوّلا:من أنّ الحجيةبنفسها من الأحكام فلا يتوقف جريان استصحاب عدمها على أن يكون وراءالمؤدّى أثر عملي،ففيه:أنّ ما اشتهر من أنّه«في الأصول الحكمية لا يتوقف‏جريانها على أن يكون في البين أثر عملي»إنّما هو لأجل أنّ المؤدّى بنفسه من‏الآثار العملية1و إلاّ فلا يمكن أن تجري الأصول من دون أن يترتب‏1أقول:الّذي يحتاج في الاستصحاب كون المستصحب مما يترتب عليه العمل،بمعنى كونه مقتضيا له و لو
128
عليها أثر عملي،من غير فرق في ذلك بين الأصول الموضوعية و الحكمية،فانّ‏الأصول إنّما تكون وظائف عملية،لما عرفت آنفا:من أنّ المجعول فيها هو الجري‏العملي،و بذلك تمتاز الأصول من الأمارات،فانّ الأمارة تقتضي الثبوت‏الواقعي و لا يتوقف التعبد بها على أن يكون المؤدّى ممّا يقتضى الجري العملي،بل يكفى في التعبد بها أن يترتب عليها أثر عملي و لو بألف واسطة لكي لا يلزم‏اللغوية،فلا مانع من قيام الأمارة على عدم الحجية بعد ما كان مفادها عدم‏الثبوت الواقعي.و بالجملة:لا يعقل أن يجري الأصل من دون أن يقتضى الجري‏و البناء العملي،و لمّا كانت الأصول الحكمية بنفسها تقتضي الجري العملي على‏طبق المؤدّى كان الأصل جاريا بلا حاجة إلى أن يكون أثر عملي وراء المؤدّى،و إلاّ فلو فرض أصل حكمي لا يقتضى الجري العملي فلا يكاد يجري،لعدم‏في ظرف العلم به،بلا واسطة أو بواسطة أثر شرعي،نظير الوجوب الّذي هو مقتضى للعمل و لو في ظرف العلم‏به،كما أنّ نفيه موجب لنفي العمل المستند إلى عدم المقتضى،و هذا المعنى موجود في الحجية المجعولة،بملاحظةكونها موضوعا لحكم العقل بموافقتها عند العلم به،و عدم وجوبه عند عدمها لعدم المقتضى،و ليس أثرها ممحضابخصوص حرمة التعبد بمؤدّاه كي يختص ذلك بحال شكه و كان من تبعات نفس الشك بها،كيف!و قد قلنابأنّ حرمة التعبد ليس من لوازم عدم الحجية،و إن كان جوازه من لوازم حجيته،و حينئذ لا يبقى مجال لمثل هذاالتعب في ردّ هذا القائل،خصوصا في إلزامه بأنّ عدم الحجية يقتضى الرخصة،مع أنّه ليس كذلك،لأنّ‏الأحكام بأسرها مضادّة،و ليس نقيض كل عين الآخر،و لا يقتضى أيضا إثباته بدليل التعبد الّذي هو مفادالأصل،لعدم حجية مثبتات الأصول،فلا يكون نتيجة استصحاب عدم الوجوب إلاّ رخصة العقل لترك العمل‏بنفس شكه من جهة قبح العقاب بلا بيان،و حينئذ كيف يكون استصحاب العدم حاكما على قبح العقاب‏بلا بيان،بل لازم كلامه كون المورد مجرى القاعدة،لا مجرى الاستصحاب،إلاّ بناء على حجية مثبته من إثبات‏الرخصة الشرعية،و هو كما ترى!و حينئذ ما تقول في استصحاب عدم الوجوب نقول به في استصحاب عدم‏الحجية.و لعمري!أنّ عمدة ما أوقعه في هذا المحذور تخيّل أنّ أثر عدم الحجية منحصر لجهة التعبد بمؤدّاه الّذي‏مترتب في فرضه على نفس الشك،و هو أوّل شي‏ء ينكر!بل عمدة أثر عدم الحجية عدم حكم العقل بلزوم موافقته،لعدم المقتضى-نظير حكمه بعدم لزوم العمل و الامتثال في صورة عدم وجوبه-و أنّ مصحح جريان الاستصحاب‏في المقامين متساويان،فتدبر،و لا تبادر بالإشكال على الأساطين!.
129
صحة التعبد به،و الحجية و إن كانت من الأحكام الوضعيّة و كانت بنفسها ممّاتنالها يد الجعل،إلاّ أنّها بوجودها الواقعي لا يترتب عليها أثر عملي أصلا،و الآثار المترتبة عليها-منها:ما يترتب عليها بوجودها العلمي،ككونها منجزةللواقع عند الإصابة و عذرا عند المخالفة.و منها:ما يترتب على نفس الشك في‏حجيتها،كحرمة التعبد بها و عدم جواز إسناد مؤدّاها إلى الشارع،فعدم الحجيةالواقعية بنفسه لا يقتضى الجري العملي حتى يجري استصحاب العدم،إذ ليس‏لإثبات عدم الحجية أثر إلاّ حرمة التعبد بها،و هو حاصل بنفس الشك في‏الحجية وجدانا،لما عرفت:من أنّ الشك تمام الموضوع لحرمة التشريع و عدم‏جواز التعبد،فجريان الاستصحاب لإثبات هذا الأثر يكون من تحصيل‏الحاصل،بل أسوأ حالا منه،فانّ تحصيل الحاصل إنّما هو فيما إذا كان المحصل‏و الحاصل من سنخ واحد كلاهما وجدانيان أو كلاهما تعبديان،و في المقام يلزم‏إحراز ما هو محرر بالوجدان بالتعبد،فهو أسوأ حالا من تحصيل الحاصل.و بالجملة:فرق بين استصحاب عدم الوجوب و استصحاب عدم‏الحجية،فانّ عدم الوجوب كالوجوب بنفسه ممّا يتعلق بعمل المكلف و يقتضى‏الجري العملي نحوه،لأنّ عدم الوجوب يقتضى الرخصة الشرعية في الفعل،و هي ليست حاصلة بنفس الشك وجدانا،و لذلك كان استصحاب عدم‏الوجوب حاكما على البراءة العقلية و الشرعية،لأنّ البراءة لا تقتضي أزيد من‏عدم العقاب و عدم تنجز الواقع.و أمّا الرخصة الواقعية فلا يكاد تثبتها البراءة،بخلاف استصحاب عدم الوجوب،و أين هذا من استصحاب عدم الحجيةالّذي لا يترتب عليه أثر إلاّ ما كان حاصلا بنفس الشك،فتأمّل‏1.1وجهه:هو أنّه قد يختلج في البال:أنّ المنع عن جريان استصحاب عدم الحجية يقتضى المنع عن‏جريان استصحاب بقاء الحجية عند الشك في نسخها،لأنّ استحالة التعبد بأحد النقيضين يلازم استحالة التعبدبالنقيض الآخر،و إن كان يمكن منع الملازمة،فانّ المسلّم من الملازمة هو أنّ القدرة على أحد النقيضين يلازم‏القدرة على النقيض الآخر،و أمّا التعبد بأحد النقيضين فلا يلازم التعبد بالآخر،إذ قد لا يكون محل للتعبد
130
و أمّا ما أفاده(قدس سره)ثانيا:من أنّ حرمة التعبد بالأمارة كمايكون أثرا للشك في حجيتها كذلك يكون أثرا لعدم حجيتها واقعا،ففي ظرف‏الشك يجري كل من الاستصحاب و القاعدة المضروبة له،و يقدّم‏الاستصحاب لحكومته عليها.ففيه:أنّه لا يعقل أن يكون الشك في الواقع موضوعا للأثر في عرض‏الواقع‏1مع أنّه على هذا الفرض لا يجري الاستصحاب أيضا،لأنّ الأثربأحدهما-للزوم اللغوية أو غير ذلك-دون التعبد بالآخرو قد يختلج في البال أيضا:أنّ ذلك يقتضى عدم جواز قيام الأمارة المعتبرة على عدم حجية أمارة،فانّ‏المجعول في باب الأمارات و إن لم يكن هو البناء العملي بل نفس الوسطية في الإثبات،إلاّ أنّه لا بد و أن يترتب‏على مؤدّى الأمارة أثر عملي و لو بألف واسطة ليصح التعبد بها،و المفروض أنّه لا يترتب على عدم الحجية الواقعيةأثر عملي،بل الأثر مترتب على نفس عدم العلم بالحجية،و هو حاصل قبل قيام الأمارة المعتبرة على ذلك.و لا يدفع هذا الإشكال مجرد كون الأمارة مثبتة لمؤدّاها الواقعي،لأنّ المفروض أنّ المؤدّى ليس موضوعاللأثر،فحال الأمارة القائمة على عدم حجية أمارة كحال الأمارة القائمة على موضوع لم يترتب عليه أثر عملي أصلاو لو بألف واسطة.و لا يقال:إنّه بعد قيام الأمارة على عدم الحجية يحصل العلم بعدم الحجية و العلم بعدم الحجية كالشك‏فيها يكون موضوعا لأثر حرمة التعبد،فانّ العلم بعدم الحجية إنّما يحصل بعد قيام الأمارة و التعبد بها،و المفروض‏أنّه في المرتبة السابقة على قيام الأمارة تحقق موضوع الأثر،فلا يكون مجالا للتعبد بها،فتأمّل جيّدا(منه).أقول:لو كان أثر الحجية منحصرا بجواز التعبد،لا شبهة في أنّ هذا الجواز منوط بالعلم بها،فقبل‏العلم يحرم التعبد به بمقتضى كلامه،و حينئذ يتوقف الأثر على الاستصحاب كي يوجب له العلم بالحجية،و الاستصحاب أيضا ينوط بهذا الأثر،فيدور،و حينئذ لا يرفع هذه الغائلة إلاّ بدعوى كفاية اقتضاء الأثر في‏المستصحب بلا احتياج إلى فعليته،و لازمه حينئذ كفاية نفى المقتضى في طرف استصحاب عدمه بلا احتياج إلى‏أثر آخر،كما هو في استصحاب الوجوب و نفيه-على ما أسلفناه-و من هذا البيان ظهر أيضا وجه جريان الأمارةعلى عدم الحجية،شكر اللّه سعيه في هذا التعب العظيم!.1أقول:إذا فرض كون الواقع مقتضيا لشي‏ء و الشك به مانعا عن ترتبه،نظير وجوب الامتثال‏بالنسبة إلى الوجوب و أمثاله،فهل لك محيص من الالتزام بنفي الأثر المترتب على الأعم من عدم المقتضى و وجودالمانع؟و في المقام«أستاذنا»لا يريد إلاّ هذا،فلا ترمه بعدم المعقولية.ثم بعد تسليم مدعاه ليس لك أن تنكر الاستصحاب،لأنّ ترتب الأثر على الشك في عرض ترتب‏الاستصحاب عليه،و بعد ذلك نقول:إنّ الأمر يدور في تطبيق الاستصحاب أو تطبيق كبرى هذا الأثر بين‏
131
يترتب بمجرد الشك،لتحقق موضوعه،فلا يبقى مجال لجريان الاستصحاب،لأنّه لا تصل النوبة إلى إثبات بقاء الواقع ليجري فيه الاستصحاب،فانّه في‏المرتبة السابقة على هذا الإثبات تحقق موضوع الأثر و ترتب عليه الأثر،فأيّ‏فائدة في جريان الاستصحاب؟و ما قرع سمعك:من أنّ الاستصحاب يكون حاكما على القاعدةالمضروبة لحال الشك،فانّما هو فيما إذا كان ما يثبته الاستصحاب غير ما تثبته‏القاعدة-كقاعدة الطهارة و الحل و استصحابهما-فانّ القاعدة لا تثبت الطهارةو الحلية الواقعية1بل مفادها ليس إلاّ ترتيب آثار الطهارة و الحلية:من‏جواز الاستعمال و حلية الأكل و نحو ذلك،بخلاف الاستصحاب،فانّ مفاده‏بقاء الطهارة و الحلية الواقعية،و قد يترتب على بقاء الطهارة و الحلية الواقعية غيرجواز الاستعمال و حلية الأكل من آثار اخر،و على ذلك يبتنى جواز الصلاة في‏أجزاء الحيوان الّذي شك في حليته إذا كان يجري في الحيوان استصحاب‏الحلية-كما إذا كان غنما فشك في مسخه إلى الأرنب-و عدم جواز الصلاة في‏التخصيص و التخصص،لأنّ بجريان الاستصحاب يرتفع موضوع هذه الكبرى،فانّه مبنى على عدم جريان‏الاستصحاب بمخصص خارجي،و إلاّ لا يصلح هذه الكبرى لتخصيصه،لأنّه معلق على عدم جريانه.و لئن شئت قلت:إنّ لسان الاستصحاب ينفى موضوع هذه الكبرى فكان ناظرا إليه،بخلاف لسان‏الكبرى،فانّه ليس لسانه نفى موضوع الاستصحاب،بل جريانه موجب للغوية الاستصحاب،فالاستصحاب من‏الأوّل مانع عن جريانها،فتدبر.و لئن شئت قلت:إنّ نتيجة الاستصحاب ترتب الأثر على عدم المقتضى و نتيجة القاعدة ترتب العدم‏على المانع،و باعترافه ترتب العدم على عدم المقتضى مقدم على الترتب على المانع.1أقول:باللَّه!لو لم تثبت قاعدة الطهارة الطهارة الواقعية التعبدية يلزم عند العلم بنجاسة الماء المتوضأمنه،إمّا الحكم بصحة الوضوء واقعا أو عدم صحة الوضوء بمثل هذا الماء،و هو كما ترى!وجه الملازمة:أنّ موضوع صحة الوضوء واقعا،إما الطهارة الواقعية أو الأعم منها و من الطهارة الظاهرية،فعلى الأوّل:فلا يجوز الوضوء به،لعدم إحراز الطهارة الواقعية.و على الثاني:يلزم عدم اقتضاء كشف نجاسته‏لبطلان وضوئه حين جريان القاعدة فيها،و حينئذ لا محيص إلاّ أن تلتزم بأنّ مفاد قاعدة الطهارة أيضا إثبات‏الطهارة الواقعية،و حينئذ من أين وجه تقدم الاستصحاب على القاعدة؟فتدبر.
132
أجزائه إذا لم يجري فيه استصحاب الحلية و إن كان تجري فيه أصالة الحل،فانّهالا تثبت الحلية الواقعية و كون الحيوان من الأنواع المحللة،مع أنّ جواز الصلاة قدرتب على الحلية الواقعية.و كذا الكلام في قاعدة الاشتغال مع استصحاب بقاء التكليف،فانّه‏في المورد الّذي تجري فيه قاعدة الاشتغال لا يجري فيه الاستصحاب،و في المورد الّذي‏يجري فيه الاستصحاب لا تجري فيه القاعدة،فانّ القاعدة إنّما تجري في موردالعلم الإجماليّ عند خروج بعض أطرافه عن الابتلاء بالامتثال و نحوه،و الاستصحاب يجري عند الشك في فعل المأمور به.فما ربّما يتوهّم من عبارة الشيخ(قدس سره)في المقام:من عدم جريان‏الاستصحاب في جميع موارد الشك في فعل المأمور به،فاسد،فتصريحه في‏مبحث الاشتغال بجريان استصحاب بقاء التكليف عند الشك في إتيان المأموربه و قد أوضحنا الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في مبحث الاشتغال،و أين‏هذا ممّا نحن فيه ممّا كان الأثر المترتب على الاستصحاب عين الأثر المترتب‏على الشك!؟فالإنصاف:أنّه لا مجال لتوهّم جريان استصحاب عدم الحجيةعند الشك فيها،فتأمّل فيما ذكرناه جيّدا.
المبحث الثالث‏
بعد ما عرفت:من أنّ مقتضى القاعدة عدم حجية ما شك في حجيته‏من الطرق و الأمارات إلاّ أن يقوم دليل بالخصوص على حجية أمارة خاصة أوعلى حجية كل أمارة تفيد الظن،فلا بد من صرف عنان الكلام إلى ما دل‏الدليل على اعتباره،أو قيل باعتباره من الأمارات.و لا يخفى:أنّ البحث عن ذلك من أهم المباحث التي ينبغي‏تنقيحها،خصوصا بالنسبة إلى من لم يلتزم بحجية الظن المطلق،فانّه لا بدّ له من‏إقامة الدليل على حجية ما بأيدينا من الأخبار المودعة في الكتب من حيث‏
133
الظهور و الصدور1و لا يغنى البحث في حجية الظهور عن البحث في‏جهة الصدور2بل لا بد من إثبات حجية كل منهما،و لذلك عقدالأصحاب بحثا في حجية الظواهر و بحثا آخر في حجية الأخبار3و على كل‏حال:ينبغي عقد الكلام في مقامين:المقام الأوّل:في بيان الأمارات التي قام الدليل على اعتبارهابالخصوص أو ما قيل بقيامه عليه.المقام الثاني:في بيان الأدلة التي توهّم دلالتها على اعتبار كل أمارةمفيدة للظن.
أمّا المقام الأوّل ففيه فصول:
الفصل الأوّل‏في حجية الظواهر4
اعلم:أنّ البحث في باب الظهورات تارة:يكون صغرويا،كالبحث‏1أقول:بل وجهة الصدور أيضا.2أقول:و بالعكس أيضا.3أقول:و يقتضى بحثا آخر في نفى جهة التقية أو التورية في كلامه أيضا الّذي يسمى بجهة الصدور،كما أشرنا.4أقول:ينبغي أوّلا أن يتكلم بأنّ ما هو المرجع عند العقلاء و كان بنائهم على العمل به هو أصالةالحقيقة أو العموم و الإطلاق أو أصالة عدم القرينة على خلاف وضع اللفظ،أو أنّ مبنى بنائهم على ما انعقد عليه‏ظهور اللفظ و وجهة الكلام،و تظهر الثمرة في صورة اتصال الكلام بما يصلح للقرينية المانعة عن انعقاد الظهور،فانّه‏حينئذ لا مجرى للأصل الآخر،بخلاف الأصول السابقة،كما أنه في صورة انعقاد الظهور بالقرائن العامة أو
134
عن الأوضاع اللغوية،و القرائن العامة:من وقوع الأمر عقيب الحظر،و الاستثناء عقيب الجمل المتعددة،و نحو ذلك ممّا يوجب انعقاد الظهورلمفردات الكلام أو للجملة التركيبية-أي ما يوجب تعيين الظهور و تشخيصه-فالبحث عن جميع ذلك يكون بحثا عن المبادئ،كالبحث عن الرّواة و سلسلةالسند.و أخرى:يكون كبرويا كالبحث عن حجية الظهور بعد فرض انعقاده‏للكلام،فانّ البحث عن حجية الظهور يكون من المباحث الأصولية،لا من‏المبادي-كما توهّم-بتخيل أنّ البحث عن دليلية الدليل لا يرجع إلى البحث‏عن العوارض،بل من المباحث الراجعة إلى أصل تحقق الموضوع.و لا يخفى ما فيه،لما تقدّم(في صدر الجزء الأوّل من الكتاب)من أنّ‏الموضوع في علم الأصول ليس هو خصوص الأدلة الأربعة بذواتها أو بوصف‏دليليتها لتختص مسائل علم الأصول بما يكون البحث فيه عن عوارض الأدلةالأربعة،بل البحث عن كل ما يقع في طريق الاستنباط يكون بحثا أصوليا،لأنّ مسائل علم الأصول هي الكبريات التي تقع في طريق الاستنباط،و من‏أوضحها مسألة حجية الظواهر و حجية الخبر الواحد.ثمّ إنّ المباحث التي ترجع إلى الصغرى-منها:ما تقدم البحث عنه في‏باب الأوامر و النواهي و العام و الخاصّ،كالبحث عن وقوع الأمر عقيب الحظرو الاستثناء عقيب الجمل المتعددة،و نحو ذلك من القرائن العامة التي تقتضي‏الخاصة-كالوقوع عقيب الحظر مثلا-لا يبقى مجال لأصالة الحقيقة و كان لأصالة الظهور مجال.نعم:الّذي يسهّل‏الخطب إمكان دعوى اليقين بأنّ بنائهم في باب الألفاظ على الأخذ بما عليه وجهة الكلام من الظهور،لا بصرف‏احتمال الحقيقة بلا ظهور.و من هذه الجهة أوردنا على القوم بأنّ البحث في أنّ التبادر لا بد و أن يكون مستندا إلى حاق اللفظ،مستدرك.نعم:بناء على كون مدار العقلاء على أصالة الحقيقة،كان له مجال.و لكن أنّى لهم بإثباته،فتدبرجيدا.
135
ظهور الكلام على خلاف ما كان ظاهرا فيه لو لا احتفافه بتلك القرائن.و منها:ما يأتي البحث عنه بعد ذلك،كالبحث عن حجية قول‏اللغوي.و المقصود بالكلام فعلا هو البحث عن الكبرى(و هي حجية الظواهر)و نعنى بحجية الظواهر الحكم بأنّ ما تكفّله الكلام من المعنى الظاهر فيه هوالمراد النّفس الأمري و البناء على أنّ الكلام بظاهره قد سيق لإفادة المراد،و لاإشكال في أنّ بناء العقلاء على ذلك في الجملة،بل عليه يدور رحى معاشهم‏و نظامهم،فانّه لو لا اعتبار الظهور و البناء على أنّ الظاهر هو المراد لاختلّ‏النظام و لما قام للعقلاء سوق.و من المعلوم:أنّه ليس في طريقة العقلاء ما يقتضى التعبد بذلك،بل‏لمكان أنّهم لا يعتنون باحتمال عدم إرادة المتكلّم ما يكون الكلام ظاهرا فيه،لأنّ احتمال إرادة خلاف الظاهر إنّما ينشأ من احتمال غفلة المتكلّم من نصب‏قرينة الخلاف،أو احتمال عدم إرادة استيفاء مراده من الكلام،و نحو ذلك‏ممّا يوجب انقداح احتمال عدم إرادة المتكلّم ظاهر الكلام،و كل هذه‏الاحتمالات منفية بالأصول العقلائية التي جرت عليها طريقتهم،و الشارع‏قرّرهم عليها و لم يردع عنها،بل اتخذها طريقة له أيضا لأنّه أحدهم،فانّه ليس‏للشارع طريق خاص في بيان مراداته،بل يتكلّم على طبق تكلّم العقلاء،بل‏لا يتطرق بعض الاحتمالات التي توجب الشك في إرادة ظاهر الكلام في كلامه‏كاحتمال الغفلة عن نصب القرينة-فلم يبق إلاّ احتمال عدم إرادة استيفاءتمام مراده من الكلام و هو منفي بالأصل.و بالجملة:لا إشكال في اعتبار الظواهر،من غير فرق بين ظواهر كلام‏الشارع و غيره،و من غير فرق بين ظواهر الكتاب العزيز و غيره،و إن نسب إلى‏الأخبارييّن عدم جواز العمل بظاهر الكتاب العزيز،و استدلوا على ذلك‏بوجهين:
136
الأوّل:العلم الإجماليّ بتقييد و تخصيص كثير من المطلقات‏و العمومات الكتابية،و العلم الإجماليّ كما يمنع عن جريان الأصول العملية يمنع‏عن جريان الأصول اللفظية:من أصالة العموم و الإطلاق التي عليها مبنى‏الظهورات.الثاني:الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب.و لا يخفى ما في كلا الوجهين.أمّا الأوّل:فلأنّ العلم الإجماليّ ينحل بالفحص عن تلك المقيدات‏و المخصصات و العثور على مقدار منها يمكن انطباق المعلوم بالإجمال عليها1و قدتقدّم تفصيل ذلك في مبحث العام و الخاصّ.و أمّا الثاني:فلأنّ الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب و إن كانت‏مستفيضة بل متواترة،إلاّ أنّها على كثرتها بين طائفتين:طائفة تدل على المنع‏عن تفسير القرآن بالرأي و الاستحسانات الظنية،و طائفة تدل على المنع عن‏الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب من دون مراجعة أهل البيت الذين نزل‏الكتاب في بيتهم صلوات اللّه عليهم).و لا يخفى:أنّ مفاد كل من الطائفتين أجنبي عما يدّعيه الأخباريون.أمّا الطائفة الأولى:فلأنّ العمل بالظاهر لا يندرج في التفسير،لأنّه‏1أقول:هذا المقدار لا يفي بجواب الشبهة،لما سيأتي في محله(إن شاء اللّه تعالى)من أنّ العلم‏التفصيلي اللاحق لا يوجب حل العلم الإجماليّ السابق،فلا محيص حينئذ أن يجاب بأنّ هذا العلم مقرون بعلم‏آخر،و هو العلم بمقدار من القرائن لو تفحصنا عنها لظفرنا بها،فانّ مثل هذا العلم يوجب الفحص عن كل ظاهر،فإذا ظفرنا على قرينة على الخلاف نقطع،بخروج ذلك الظهور عن دائرة العلم الصغير الموجب لانحلال العلم‏الكبير من الأوّل،كما لا يخفى.
137
عبارة عن«كشف القناع»فلا يعم الظاهر الّذي لا قناع عليه،خصوصا بعدتقييد التفسير في جملة من الروايات بالرأي الّذي يحتاج إلى إعمال‏الاستحسانات الظنية،و لا إشكال أنّ سوق الروايات يقتضى وحدة المراد منهاو أنّها وردت لبيان إفادة معنى واحد،من غير فرق بين ما أطلق فيه التفسير،و بين ما قيد بالرأي.و أمّا الطائفة الثانية:فلأنّ المدّعى هو العمل بظاهر الكتاب بعدمراجعة ما ورد عن أهل البيت من التفسير و بعد الفحص عن المقيدات‏و المخصصات،فانّه لا يدّعى أحد جواز الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب بلامراجعة الأخبار الواردة عنهم عليهم السّلام .هذا مضافا إلى ما ورد في جملة من الأخبار-لا يبعد أن تكون متواترةمعنى-من جواز العمل بالكتاب و التمسك به و الرجوع إليه و عرض الأخبارالمتعارضة عليه و الأخذ بما وافقه الكتاب و طرح المخالف و غير ذلك ممّا يظهر منه‏المفروغية عن صحّة التمسك بظاهر الكتاب،فراجع أخبار الباب و تأمّل فيها.و الشيخ(قدس سره)و إن أطال الكلام في مقالة الأخباريين و كلام‏«السيّد الصدر»إلاّ أنّ الإنصاف:أنّ المراجعة في أخبار الباب تغني عن إطالةالكلام في فساد مقالة الأخباريين،فالتفصيل بين ظواهر الكتاب و غيره ممّا لاسبيل إليه.نعم:في باب الظواهر تفصيل آخر محكي عن المحقق القمي‏(قدس سره)لعلّه أقرب من تفصيل الأخباريين،و هو التفصيل بين من قصدإفهامه من الكلام و بين من لم يقصد،و حجية الظواهر تختص بالأوّل دون‏الثاني.و حاصل ما أفاده في وجه ذلك:هو أنّه تارة:يكون الغرض من‏الكلام إفهام كل من ينظر إليه أو يطرق سمعه من دون أن يقصد من الكلام‏
138
إفهام شخص خاص-كما هو الشأن في كتب التأليف و التصنيف و الإسنادو السجلات الراجعة إلى الوصايا و الأقارير و الأوقاف و غير ذلك ممّا يكون‏يكون المقصود نفس مفاد الكلام من دون أن يخاطب به شخص خاص-و لاإشكال في اعتبار الظواهر في مثل ذلك و عليه جرت طريقة العرف و العقلاء.و أخرى:يكون الغرض من الكلام إفهام شخص خاص-كما لو كان الكلام‏في مقام الجواب عن سؤال سائل خاص-فللسائل الأخذ بظاهر الجواب دون‏غيره.أمّا السائل:فلأنّ الاحتمال الّذي يحتمله في مقام التخاطب ليس إلاّاحتمال غفلة المتكلم عن نصب قرينة المراد،و هذا الاحتمال منفي بالأصل،و ليس في البين احتمال آخر يحتمله المخاطب.و أمّا غير المخاطب:فلا ينحصرالاحتمال فيه باحتمال الغفلة،بل في البين احتمال آخر،و هو احتمال أن‏تكون بين السائل و المجيب قرينة حالية أو مقالية سابقة الذّكر أو لا حقة الذّكرمعهودة بين المتكلم و المخاطب،و مع هذا الاحتمال لا يمكن الوثوق بأنّ ظاهرالكلام هو المراد،بل قد لا يحصل الظن بالمراد،خصوصا بالنسبة إلى المتكلم‏الّذي دأبه الاعتماد على القرائن المنفصلة عن الكلام،و غالب الروايات التي‏بأيدينا تكون من هذا القبيل،لأنّها وردت أجوبة عن أسئلة لأشخاص خاصة،فلا يجوز الاعتماد على ظواهرها،خصوصا مع أنّ من عادة الشارع الاعتماد على‏القرائن المنفصلة-كما يظهر للمتتبع في الأخبار-فعلى هذا ينبغي أن تكون‏حجية الأخبار المودعة في الكتب من صغرويات حجية الظن المطلق بمعونةمقدمات الانسداد.هذا حاصل ما أفاده«المحقق القمي»فيما اختاره من‏التفصيل في حجية الظواهر بين المخاطب و غيره.و أنت خبير بما فيه،فانّ جميع المحتملات التي تقتضي عدم إرادةالمتكلم ظاهر كلامه منفية بالأصول العقلائية1و لا اختصاص لاحتمال غفلة1أقول:ذلك صحيح لو كان نظر«المحقق»إلى احتمال وجود القرائن الخفية بينه و مخاطبه،و أمّا لو
139
المتكلم عن نصب قرينة المراد،بل احتمال نصب القرينة السابقة أو اللاحقةأو احتمال قرينة الحال-و غير ذلك ممّا يفرض من الاحتمالات-كلّهامرجوحة في نظر العرف منفية بأصالة العدم التي عليها بناء العقلاء،من غير فرق‏بين المخاطب و غيره.نعم:احتمال القرينة المنفصلة بالنسبة إلى المتكلم الّذي من عادته‏الاعتماد على القرائن المنفصلة يكون راجحا،إلاّ أنّ ذلك يكون إنّما يقتضى‏وجوب الفحص عنها،لا سقوط ظاهر كلامه عن الاعتبار،مع أنّ نسبة الأخبارإلينا نسبة كتب التأليف و التصنيف،فانّ نقلة الروايات في مبدأ السلسلة غالباكانوا هم المخاطبين بالكلام-و قد اعترف بأنّ ظاهر الكلام حجة في حقهم-و بعد ذلك أودعت تلك الروايات في الأصول ثم في الجوامع و الكتب،و لا بدو أن يكون الراوي عن الإمام عليه السّلام يودع أو ينقل ما سمعه من الكلام‏بما احتف به من قرائن الحال و المقال،لأنّ الغرض من نقله هو إفهام الغير،فتكون الكتب المودعة فيها الروايات ككتب التأليف و التصنيف التي اعترف‏بحجية ظواهرها أيضا لكل من نظر فيها.فالإنصاف:أنّه لا فرق في حجية الظواهر بين ظواهر الأخبار و غيرها،و بين من قصد إفهامه و غيره،هذا كلّه فيما يتعلق بحجية الظواهر من المباحث.و أمّا المباحث المتعلقة بتشخيص الظاهر و تعيين أنّ اللفظ الكذائي ظاهر في أيّ معنى:فخلاصة الكلام فيها:هو أنّ كل كلام يتضمن النسبةكان نظره إلى عدم حجية الظهور إلاّ في صورة إحراز كون المتكلم في مقام تفهيم مرامه لكل أحد لا لشخص‏خاص-و إلاّ فلا مجال لغيره بحصول الظن بمرامه و لو نوعا الّذي هو المدار في الدلالة التصديقية الّذي هو موضوع‏الحجية لدى العقلاء-فلا يفي بدفعه أصالة عدم القرينة الخفية لإثبات الحجية،كما لا يخفى.و حينئذ لا محيص من أن يقال:إنّه يكفى لحجيته محض إحراز كونه في مقام التفهيم و لو لشخص خاص‏بلا احتياج إلى إحراز كونه في مقام تفهيم الكل،لبناء العقلاء على إلزام الطرف بسماع الغير كلامه.
140
التامة الخبرية و الإنشائية له دلالة تصوريّة و دلالة تصديقية،و نعنى بالدلالةالتصورية دلالة مفردات الكلام على معانيها اللغوية و العرفية،و بالدلالةالتصديقية دلالة جملة الكلام على ما يتضمنه من المعنى،فقد تكون دلالة الجملةعلى طبق دلالة المفردات-كما إذا لم يحتف بالكلام قرينة المجاز و التقييدو التخصيص و نحو ذلك ممّا يوجب صرف مفاد جملة الكلام عمّا يقتضيه مفادالمفردات-و قد يكون مفاد دلالة الجملة مغايرا لمفاد دلالة المفردات-كما إذااحتف بالجملة ما يوجب صرفها عمّا يقتضيه مفاد المفردات-و لذا كانت‏الدلالة التصديقية تتوقف على فراغ المتكلم من كلامه،فانّ لكل متكلم أن‏يلحق بكلامه ما شاء من القرائن،فما دام متشاغلا بالكلام لا ينعقد لكلامه‏الدلالة التصديقية،فانّه لا يصح الإخبار بما قال و نقل كلامه بالمعنى أو ترجمته‏بلغة أخرى إلاّ بعد الفراغ من الكلام،حتى يصح ضمّ أجزاء الكلام بعضها مع‏بعض و إلحاق ذيله بصدره ليخبر عن مفاد الجملة،فلا يصح الإخبار بأنّ المتكلم‏قال:«رأيت حيوانا مفترسا»عقيب قوله:«رأيت أسدا»إلاّ إذا سكت‏المتكلم و لم يلحق«أن يرمى»بقوله«رأيت أسدا»و تستتبع هذه الدلالةالتصديقية الدلالة على أنّ الظاهر هو المراد الّذي كان مبحوثا عنه سابقا،فانّ‏التصديق بأنّ الظاهر هو المراد إنّما يكون بعد فرض انعقاد الظهور للكلام ليصحّ‏الإخبار بما قال،فيقال:قال كذا و ما قاله هو المراد.و هذا بخلاف الدلالة التصورية،فانّه في حين تشاغل المتكلم بالكلام‏تكون لمفردات كلامه هذه الدلالة،فانّ السامع للكلام العارف بالأوضاع ينتقل‏ذهنه إلى مفاد المفردات،و إن كان المتكلم بعد متشاغلا بالكلام،و ذلك‏واضح.ثمّ إنّ المتكفل لإثبات مفاد الدلالة التصديقية التركيبية إن كان‏مفادها على خلاف ما يقتضيه مفاد المفردات إنّما هو القرائن التي تحتف‏
141
بالكلام‏1فانّها هي المرجع في تشخيص الظهورات للجمل التركيبية،و هي‏قد تكون من القرائن العامة المضبوطة،كوقوع الأمر عقيب الحظر أو توهّم الحظرو كالاستثناء عقيب الجمل المتعددة و كتعقّب العام بضمير يرجع إلى بعض‏أفراده،و نحو ذلك من القرائن العامة التي ادّعى أنّها توجب انعقاد الظهورللكلام على خلاف ما يقتضيه لو لا احتفافه بتلك القرينة،و قد تقدّم البحث‏عنها في الجزء الأوّل و الثاني من الكتاب،و قد تكون من القرائن الخاصة في‏الموارد الجزئية،و هي ليست تحت ضابط كلي،بل تختلف باختلاف‏الخصوصيات و الحالات و المتكلمين.و المتكفل لإثبات مفاد الدلالة التصورية لمفردات الكلام هو الأوضاع‏اللغوية إذا لم تكن المعاني مرتكزة في أذهان أهل العرف،و إلاّ فالعبرة عليه‏و إن خالف الأوضاع اللغوية.و استكشاف الأوضاع اللغوية إنّما يكون من قول اللغوي،فان أفادقوله العلم بالوضع فهو،و إلاّ ففي حجية الظن الحاصل من قوله إشكال،و إن‏1أقول:لا يخفى أنّ كل لفظ عند تجرده عن القرينة المتصلة به له دلالة على المعنى،بنحو يكفى فيه‏العلم بوضعه،و هو الّذي عبارة عن انسباق المعنى إلى الذهن من دون احتياج إلى إحراز كون المتكلم في مقام‏الإفادة و الاستفادة،و هو المعبّر عنه بالدلالة التصوريّة،من دون فرق فيه بين دلالة مفردات الكلام أو جمله،و لابين مادة الكلام أو هيئته،كما أنّه مع اتصال الكلام بالقرينة أيضا،و ربما يتحقق هذه الدلالة التصورية،كما لوصدر ذلك من النائم أو الغافل،و أيضا لكل من مادة القضية و هيئته أو المفرد و جملته دلالة أخرى تصديقية،و هي‏التي تحتاج إلى إحراز كون المتكلم في مقام الإفادة و الاستفادة،و لا يتصور مثله من النائم و الغافل،و ربما يكون‏مركز البحث في حجية الظواهر هذه الدلالة دون الأولى.و ربما يستنتج من مثل هذه الجهة في مسألة جواز التمسك بالعامّ في الشبهات المصداقية جوازا أو منعا كماهو محرّر في محلّه،و حينئذ ما أدري هذا المحقق البارع من أين جاء بهذا الاصطلاح في الدلالة التصورية والتصديقية؟!و لم التزم بأنّ لمفردات الكلام-و لو في طي الكلام-ظهور على خلاف جملة الكلام،إذ لو أريد من‏الجملة مجموع كلامه هيئة و مادة فالمادة لا تخرج عن هذه ذلك،فكيف لها ظهور و ليس للجملة ظهور،و إن أريدمن الجملة مفاد الهيئة بخصوصه فالتفكيك بين الظهورين في غاية المتانة،و لكن ذلك في فرض عدم اتصال المادةبالقرينة على خلافها،و هو خلاف فرضه،كما لا يخفى.
142
كان قد حكى الإجماع على اعتبار الظن الحاصل من قول اللغوي بالخصوص،لا من باب الظن المطلق.و قد يستدل على ذلك بما دلّ على اعتبار قول أهل الخبرة،و لا ينبغي‏الإشكال في الكبرى،فانّ الرجوع إلى أهل الخبرة و الاعتماد على قولهم ممّا قداستقرت عليه طريقة العقلاء و استمرت عليه السيرة و لم يردع عنها الشارع،و لايعتبر في الرجوع إلى قولهم شرائط الشهادة:من التعدد و العدالة،بل و لاالإسلام،فانّ اعتبار قولهم ليس من باب الشهادة حتى يحتاج إلى ذلك،لأنّ‏الشهادة هي الإخبار عن حسّ،و قول أهل الخبرة يتضمن إعمال الرّأي‏و الحدس‏1فهو باب آخر غير باب الشهادة،و لكن القدر المتيقن من بناءالعقلاء هو ما إذا حصل من قولهم الوثوق لا مطلقا،إذ ليس بناء العقلاء على‏التعبد بقول أهل الخبرة مع الشك و عدم الوثوق،بل التعبد إنّما هو من وظائف‏المتشرعة،و ليس بناء العقلاء في شي‏ء من المقامات على التعبد،فلا بد من‏حصول الوثوق من قول أهل الخبرة و إن لم يجتمع فيه شرائط الشهادة،إلاّ إذاكان في مورد الدعوى و الخصومة،فانّه لا بد من التعدد و العدالة،لقوله‏صلّى اللّه عليه و آله:«إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» (1) و غاية ما يقتضيه‏الدليل على اعتبار قول أهل الخبرة هو أن يكون حدسهم كحسّهم في الاعتبار،و هذا لا ينافى اعتبار اجتماع شرائط الشهادة:من التعدد و العدالة في خصوص‏1أقول:إذا كان حدسه قريبا بالحس،فلا غرو في إدخاله بباب الشهادة و لا يكون هذا الفرق‏بفارق.نعم:لو كان حدسه حجة و لو لم يكن قريبا بالحس،فامتيازه عن باب الشهادة صحيح،و لكن فيما أفيدبعد ذلك من إمكان الاكتفاء في فصل الخصومة بصورة التعدد و العدالة نظر،إذ لنا منع اعتبار قولهم المستندبالحدس محضا.و حجية قول الفقيه للعامي بدليل مخصوص،لا من جهة كونهم أهل الخبرة،و حينئذ فالمتيقن من‏حجيته اشتماله على شرائط الشهادة لا مطلقا.
1)الوسائل:الباب 2 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى الحديث 1

143
باب الخصومة1كما عليه الفتوى في باب خيار العيب و التقويم و غيرذلك.و أمّا الصغرى:(و هي كون اللغوي من أهل الخبرة بمعاني الألفاظو تعيين حقائقها و مجازاتها)فللمنع عنه مجال،لأنّ أهل اللغة شأنهم بيان مواردالاستعمالات،و تشخيص مواردها لا يحتاج إلى إعمال الحدس و الرّأي بل هومن الأمور الحسّية.نعم:في استخراج المعنى الموضوع له من بين المعاني المستعمل‏فيها اللفظ قد يحتاج إلى إعمال نحو من الرّأي و الاجتهاد،و بهذا الاعتبار يمكن‏اندراج قول اللغوي في ضابط أهل الخبرة،إلاّ أنّ الغالب في اللغة هو بيان مواردالاستعمالات،مع أنّه لو فرض أنّه عين المعنى الموضوع له ففي حصول الوثوق من‏قول لغوي واحد محل منع.فالإنصاف:أنّ كون اللغوي من أهل الخبرة و اعتبار قوله لذلك دون‏إثباته خرط القتاد!!و قد يستدل أيضا على اعتبار قول اللغوي بالانسداد الصغير،كما قرّبه‏الشيخ(قدس سره)بعد ما منع عنه أوّلا.و لا يخفى:أنّ انسداد باب العلم في بعض الموضوعات التي يتوقف عليه‏العلم بالحكم إن أوجب انسداد باب العلم في معظم الأحكام بحيث استلزم‏منه الخروج عن الدين أو العسر و الحرج عند إعمال الأصول النافية أو العمل‏بالاحتياط،فهو يرجع إلى الانسداد الكبير،كما لو فرض انسداد باب العلم‏بوثاقة الرّواة و انحصر الطريق بالظنون الحاصلة من توثيقات أهل الرّجال،فانّ‏انسداد باب العلم في ذلك يوجب انسداد باب العلم في معظم الأحكام،لأنّ‏غالب الأحكام إنّما تثبت بأخبار الآحاد،فانسداد باب العلم بوثاقة الرّواة1أقول:في الاكتفاء بأخبار الحدس المحض في باب الخصومة نظر،من دون فرق بين خيار العيب‏و غيره،إلاّ إذا كان حدسه قريبا بالحسّ،كما أشرنا في الحاشية السابقة.
144
يستلزم انسداد باب العلم في معظم الأحكام و يرجع إلى الانسداد الكبير،و سيأتي البحث عنه.و إن كان انسداد باب العلم في بعض ما يتوقف عليه العلم بالحكم‏لا يوجب انسداد باب العلم في معظم الأحكام و إن استلزم انسداد باب العلم‏في جملة من الأحكام بحيث لا يلزم من الرجوع إلى الأصول و العمل بالاحتياطفيها محذور الخروج عن الدين أو العسر و الحرج،فهذا الانسداد ممّا لا أثر له و لايوجب اعتبار الظن المطلق في تلك الأحكام،بل لا بد من الأخذ بالقواعد.و حينئذ ينبغي البحث عن أنّ انسداد باب العلم بتفاصيل اللغات هل‏يوجب انسداد باب العلم بمعظم الفقه أولا؟الإنصاف:انّه لا يوجب ذلك،لأنّ الحاجة إلى قول اللغوي أقلّ قليل،فانّ الغالب انفتاح باب العلم بمعاني‏الألفاظ،فعدم العمل بالظن فيما لا يعلم و الأخذ بالاحتياط لا يوجب المحذور المذكورو الألفاظ التي ذكرها الشيخ(قدس سره)من انسداد باب العلم فيها-مع أنّها ليست بتلك المثابة من الكثرة-أغلبها يكون لمعانيها قدر متيقن معلوم،و الزائد المشكوك ليس بشي‏ء يقتضى انسداد باب العلم بمعظم الفقه،و سيأتي‏لذلك مزيد توضيح في مبحث الانسداد.
و ينبغي ختم الكلام في باب الظواهر بالتنبيه على أمور:
الأوّل:
لو حصل الوثوق من قول اللغوي بمعنى اللفظ،فهل يصير ذلك‏منشأ لظهور اللفظ في المعنى كما لو حصل العلم به؟أو أنّه لا يصير منشأ لذلك،بل أقصاه أن يكون ذلك من الظن الخارجي الّذي يوجب الظن بالحكم؟الأقوى أنّه يصير منشأ للظهور1و ليس من الأمور الخارجية التي لا1أقول:دعوى موجبية الوثوق بالوضع للجزم بالظهور غلط،لأنّه يرجع إلى دعوى كون الظن بالعلة
145
توجب انعقاد الظهور،فانّه لو كان هذا الوثوق حاصلا قبل إلقاء الكلام إلى‏المخاطب لما كاد يشك في كونه موجبا لظهور الكلام،كما لو فرض أنّه حصل‏الوثوق من قول اللغوي قبل نزول آية التيمم بأنّ معنى«الصعيد»هو خصوص‏التراب،ثم نزل قوله تعالى:«فتيمموا صعيدا طيّبا»فانّه لا إشكال في أنّ‏الوثوق السابق يوجب ظهور لفظ«الصعيد»في خصوص التراب،فكذا الحال‏فيما لو حصل هذا الوثوق بعد نزول الآية،فانّه لا يعقل الفرق في ذلك بين‏حصول الوثوق قبل النزول أو بعده،كما لا يخفى.
الثاني:
قد تقدم أنّه لا يجوز الأخذ بظاهر كلام من كان من عادته‏الاعتماد على القرائن المنفصلة قبل الفحص عنها،و أمّا بعد الفحص فيجب‏الأخذ بالظهور و لو لم يحصل الوثوق بإرادة الظاهر،كما لا يبعد عدم حصوله في‏الغالب بالنسبة إلى الروايات،لقوة احتمال أن تكون في البين قرينة منفصلةتدلّ على إرادة خلاف الظاهر و قد اختفت علينا لدواعي الاختفاء،إلاّ أنّ‏ذلك لا يوجب التوقف في متابعة الظاهر بعد الفحص،و لا ينافى هذا ما تقدم:من أنّ بناء العقلاء ليس على التعبد بالظواهر و لو لم يحصل لهم الوثوق،لأنّه‏فرق بين ما إذا تعلق الغرض باستخراج واقع مراد المتكلم من ظاهر كلامه فهذالا يكون إلاّ بعد الوثوق بأنّ الظاهر هو المراد-و عليه بناء العقلاء-1و بين ماموجبا للقطع بالمعلول.نعم:له دعوى حجية هذا الوثوق الموجب للوثوق بالدلالة و حجيته،و لكن مرجعه إلى دعوى‏حجية الوثوق بالدلالة لدى العقلاء و دعواه على عهدة مدّعيه!و حدسي أنّ القائل المزبور أراد من الظهور ما يفيدالظن بالمراد،لا انسباق المعنى إلى الذهن،كما في المعاني المتبادرة من ألفاظها،و هو كما ترى!.1أقول:لو كان مدار العقلاء على الوثوق الشخصي في معاشهم الّذي تعلق غرضهم بالوصول إلى‏الواقع لانسد أمر المعاش لديهم،إذ لازمه عدم إيصال أموالهم بالبحر و البر للتجارة.و دعوى وثوقهم الشخصي في‏هذه الموارد خلاف الإنصاف،فلا محيص من دعوى كون مدارهم على الوثوق النوعيّ،و في مثله لا يبقى مجال‏الفرق بين معاشهم و معادهم،فما هو حجة في معاشهم هو المرجع عندهم في احتجاجهم لمواليهم،كما لا يخفى.
146
إذا كان الغرض الإلزام و الالتزام بالظواهر في مقام الحجة و الإحتجاج،فانّه في‏مثل ذلك لا بد من الأخذ بظاهر الكلام و لو لم يحصل الوثوق بكونه هو المراد،إذ ليس للمولى مؤاخذة العبد على العمل بالظاهر عند عدم إرادته،كما أنّه ليس‏للعبد ترك العمل بالظاهر بمجرد احتمال القرينة المنفصلة،و هذا ليس تفصيلافي بناء العقلاء،حتى يقال:إنّه لا معنى للتفصيل في بناء العقلاء،بل هذاالتفصيل اقتضاه دليل الحجية و طريقة الإحتجاج بين الموالي و العبيد و ما يلحق‏بذلك ممّا كان في البين إلزام و التزام،كالكلام الصادر بين الوكيل و الموكل‏و نحو ذلك.و يأتي لذلك مزيد توضيح في«الجزء الرابع».
الثالث:
قد عرفت أنّ العبرة في الظهور هو ظهور الجملة التركيبية،و لاعبرة بظهور المفردات،إذ الكاشف عن المراد هو جملة الكلام بما له من النسب‏و بما له من الملحقات و القرائن المحتفة بالكلام،فلو فرض أنّ ظهور الجملة كان‏على خلاف ما يقتضيه وضع المفردات،كان اللازم هو الأخذ بظهور الجملة،بل لا يجوز الأخذ بما يقتضيه وضع المفردات إذا احتف بالكلام ما يوجب إجمال‏الجملة و عدم ظهورها في المراد،و ذلك كلّه واضح لا يحتاج إلى بيان.
الفصل الثاني‏في حجية الإجماع المنقول‏
و كان ينبغي تأخير البحث عنه عن حجية الخبر الواحد،فانّه لا دليل‏على حجية الإجماع المنقول إلاّ توهّم اندراجه في الخبر الواحد فيعمّه أدلّته،و لكن‏الشيخ(قدس سره)قدّم البحث عنه،و نحن أيضا نقتفي أثره.و تنقيح البحث‏في ذلك يستدعى تقديم أمور:
147
الأمر الأوّل:
يعتبر في الخبر أن يكون المخبر به من الأمور المحسوسة بأحدالحواس الظاهرة1سواء في ذلك باب الخبر الواحد و باب الشهادة،فانّه يعتبر في‏1أقول:قبل الخوض في المرام ينبغي بيان الخبر المستند إلى الحس أو ما هو القريب منه من الحدس‏و ما هو حدسي محض،فنقول:إنّه لا إشكال في المخبر به إن كان علم المخبر بمثله مستندا إلى أحد حواسه الخمسةبلا واسطة،فهو حسي محض،كما أنّه لو استند إلى مجرد علمه الناشئ من قرائن شخصية و المبادي الحدسية المحضة-كالجفر و الرمل و النوم و غير ذلك من حسن الظن بالمخبر من جهات عادية شخصية لا العادية النوعية-فهو أيضامن الحدسيات المحضة،و أمّا إن كان مستندا إلى اللوازم المحسوسة العادية أو القرائن النوعية الملازمة مع المخبر به‏عادة،فهو أيضا و إن كان المخبر به محرزا عند المخبر بحدسه،و لكن حدسه هذا لما كان مستندا إلى اللوازم الحسيةالعادية كان من الحدسيات القريبة إلى الحس،نظير الإخبار بالشجاعة و ملكة العدالة و أمثالهما من لوازمهاالمحسوسة العادية،و ربما يكون ذلك أيضا ملحقا بالحس.و حينئذ فلو أخبر أحد إلى أحد بموت زيد مثلا،فالمخبرالثاني تارة:يخبر عن إخبار مخبره،فهو حسي محض لسماعه منه.و أخرى:يخبر عن نفس موت زيد الّذي هو المخبربه لخبره،ففي هذه الصورة تارة:يكون هذا الخبر عن علمه به بالموت من قرائن شخصية حصلت له من مبادئ‏حدسية-من مثل حسن ظنه بالمخبر له من القرائن الشخصية غير اللوازم الحسية العادية-فهذا الخبر حدسي.و أخرى:يخبر عن الموت بملاحظة حصول علمه به من ملازمته مع المخبر بنحو يقطع من المبادي الحسية و اللوازم‏العادية بمطابقة قوله للواقع،فمثل هذا الخبر أيضا من الحدسيات القريبة إلى الحس،و ثالثة:يخبر بالموت لا من علمه‏الوجداني بوجود المخبر به خارجا،بل من جهة علمه التعبدي من تصديقه لمخبره تعبدا بعدالته،فهذا العلم التعبدي‏أيضا ناشئ عن مباد حسية-من إحراز صغراه حسا و كبراه أيضا بوجود دليله المحرز عنده سندا و دلالة بالحس‏لكونه نصا و كونه بوجدانه عادلا أو بالشياع الملازم عادة لصدقه و مطابقته للواقع-فهذا أيضا من الحدس القريب‏إلى الحس.نعم:لو فرض كون دليل التعبد أيضا حدسيا-و لو من جهة انتهائه سندا و دلالة إلى أدلة ظنية أو بناءعقل أو مجرد إمضائهم بقاعدة حدسية من حكمة أو جهة أخرى من القرائن الشخصية الموجبة للعلم بمطابقةبنائهم للواقع-فهو أيضا ينتهى بالأخرة إلى الحدس،و إن كان بعض مباديه حسيا.و حيث ظهر ذلك،فنقول:إنّه لا إشكال في عدم وفاء دليل حجية خبر الواحد بأزيد من الحسيات أوالقريبة إلى الحس،كما أنّه مع الشك في كونه حدسيا أم حسيا أيضا يلحق بالحس.و حينئذ فنقول:الظاهر أنّ من كان في زمان الغيبة الصغرى-كالسيد و أمثاله-أمكن في حقهم أنّ‏دعواهم اتفاق تمام الأمة بلفظ«الإجماع»الظاهر فيه بنحو يقتضى دخول الإمام فيهم مستندا إلى أمر حسي،فلا بأس بأخذ خبره لمحض احتمال حسيته،كما أنّ من يرى خبر السيد و يخبر لنا خبر السيد عن نفسه أيضا بوجدانه‏لكونه خبر حسي يحكى عن خبر،حسي،كما أنّه لو أخبر بمضمون خبر السيد من اتفاق الأمة في عصر السيدمستندا إلى خبر السيد المحرز عنده بالوجدان بضميمة ملازمة قول السيد مع اتفاق من فيهم الإمام بمقدمات‏
148
كلّ منهما أن يكون الإخبار عن حسّ،غايته أنّه لو كان المخبر به من الأحكام‏الشرعية و ما يلحق بها من الموضوعات التي ينبغي أن تتلقى من الشارع كان‏داخلا في باب الخبر الواحد و يندرج في أدلة حجيته،و لو كان المخبر به موضوعامن الموضوعات الخارجية كان داخلا في باب الشهادة و يندرج في أدلةحجيتها،كقوله عليه السّلام في ذيل رواية ابن صدقة:«و الأشياء كلّها على‏ذلك حتى تستبين أو تقوم بها البينة» (1) .و قد قيل:بعموم حجية الخبر الواحد للموضوعات أيضا.و فيه نظر،و بيانه موكول إلى محلّه.و على كلّ حال:لا إشكال في أنّه يعتبر في كل من الشهادة و خبرالواحد أن يكون الإخبار عن حسّ‏ (2) و بذلك يفترقان عن قول أهل‏الخبرة،لأنّ إخبارهم ليس عن حسّ بل عن حدس و رأى و اجتهاد،و لذا قلنا:لا يعتبر في حجية قول أهل الخبرة ما يعتبر في حجية الخبر الواحد و الشهادة من‏الشرائط،كما تقدم.حسية-نظرا إلى نصّ كلام السيد فيه و إحراز عدالته بوجدانه أو بالشياع الملازم له عادة بضميمة إحراز عدم خطائه‏أيضا بمبادئ حسية من الملازمات العادية بين التفاته و عدم خطائه بوجه-تقبل ذلك أيضا،لأنّه من الحدس‏القريب بالحس،كما أنّه لو لم يحرز الواقع بوجدانه بل أحرزه بدليل التعبد الشامل له بمقدمات وجدانية حسيةمن حيث دلالة دليل التعبد من نصيته و سنده من جزمه بمطابقته للواقع بمبادئ حسية-كما أشرنا-فهو أيضا إخبارعن حدس تعبدي مستند إلى الحس.و عليه:فلنا أن ندّعي:أنّ كل من يدّعى الإجماع أو الاتفاق الظاهر في اتفاق من يصلح أن يكون الإمام‏فيهم و يحتمل في حقهم حسية هذا المخبر به لهم أو حدسيته القريبة إلى الحس،فلا بأس بالأخذ بمثل هذا الخبر،كماهو الشأن في بنائهم على الأخذ بخبر من يخبر بمضمون خبر غيره بمحض سماعه عن غيره،كإخباره بموت زيد أخبره‏غيره بموته من دون تشكيك فيه بحدسية خبره غالبا،فهكذا ما نحن فيه،فتدبر.
1)الوسائل:الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4
2)أقول:أو حدس قريب بالحس،كما أشرنا إليه سابقا.

149
الأمر الثاني:
نقل الإجماع تارة:يرجع إلى نقل السبب من أقوال‏العلماء و فتاواهم الكاشفة عن رأي المعصوم عليه السّلام و أخرى:يرجع إلى‏نقل نفس المسبب و هو رأيه عليه السّلام ،فان رجع إلى نقل السبب كان ذلك‏إخبارا عن الحسّ‏1و يندرج في عموم أدلة حجية الخبر الواحد،و إن‏رجع إلى نقل المسبب كان ذلك إخبارا عن الحدس،فلا عبرة به‏2و لادليل على حجيته،إلاّ على بعض الوجوه في تقرير مدرك حجية الإجماع،كماسيأتي.
الأمر الثالث:
اختلفت مشارب الأعلام في مدرك حجية الإجماع‏المحصّل الّذي هو أحد الأدلة الأربعة،فقيل:إنّ الوجه في حجيته دخول‏شخص المعصوم عليه السّلام في المجمعين،و يحكى ذلك عن السيد المرتضى‏(قدس سره).و قيل:إنّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون المجمع عليه هو حكم اللّه‏الواقعي الّذي امر المعصوم عليه السّلام بتبليغه إلى الأنام،و يحكى ذلك عن‏شيخ الطائفة(قدس سره).و قيل:إنّ المدرك في حجيته هو الحدس برأيه عليه السّلام و رضاه بماأجمع عليه،للملازمة العادية بين اتفاق المرءوسين المنقادين على شي‏ء و بين‏رضا الرئيس بذلك الشي‏ء3و يحكى ذلك عن بعض المتقدمين.و قيل:إنّ حجيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حدّ يوجب‏1أقول:و ربما يكون إخباره بالسبب أيضا عن حدس،فيلحق ذلك أيضا بالإخبار عن المسبب.2أقول:إذا لم يكن حدسه قريبا إلى حسه،كما أشرنا،و إلاّ فيلحق باخباره بالسبب.3أقول:إذا كانت الملازمة عادية-نظير ملازمة لوازم الشجاعة و ملكة العدالة-فهو حدسي قريب‏بالحس،كما أسّسنا في الحاشية الطويلة،فراجع.
150
القطع بالحكم،كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر.و قيل:إنّ الوجه في حجيته إنّما هو لأجل كشفه عن وجود دليل معتبرعند المجمعين.و لعلّ هذا الأخير أقرب المسالك،لأنّ مسلك الدخول ممّا لا سبيل‏إليه عادة في زمان الغيبة1بل ينحصر ذلك في زمان الحضور الّذي كان‏الإمام عليه السّلام يجالس الناس و يجتمع معهم في المجالس،فيمكن أن‏يكون الإمام عليه السّلام أحد المجمعين،و أمّا في زمان الغيبة فلا يكاد يحصل‏ذلك عادة.نعم:قد يتفق في زمان الغيبة للأوحدي التشرف بخدمته و أخذ الحكم‏منه عليه السّلام فيدّعى الإجماع عليه،و أين هذا من دعوى كون مبنى الإجماع‏على دخول شخصه عليه السّلام في زمان المجمعين؟!و أمّا مسلك اللطف:فهو بمكان من الضعف،لأنّه مبنىّ على أنّه‏يجب على الإمام عليه السّلام إلقاء الخلاف بين الأمّة إذا لم يكن الحكم‏المجمع عليه من أحكام اللّه تعالى،و ذلك من أصله فاسد،فانّ الواجب على‏الإمام عليه السّلام إنّما هو بيان الأحكام بالطرق المتعارفة،و قد أدّى‏عليه السّلام ما هو وظيفته،و عروض الاختفاء لها بعد ذلك لبعض موجبات‏الاختفاء لا دخل له بالإمام عليه السّلام حتى يجب عليه إلقاء الخلاف.و أمّا مسلك الملازمة العادية:فاتفاق المرءوسين على أمر إن كان نشأعن تواطئهم على ذلك كان لتوهّم الملازمة العادية بين إجماع المرءوسين و رضا1أقول:يعنى الكبرى،و السيد المرتضى في الغيبة الصغرى،و في مثلها لا مانع من وصولهم إلى الإمام‏عليه السّلام عادة.
151
الرئيس مجال،و أمّا إذا اتفاق الاتفاق بلا تواطي منهم على ذلك،فهو ممّا لايلازم عادة رضا الرئيس و لا يمكن دعوى الملازمة.و أمّا مسلك تراكم الظنون:فهو ممّا لا يندرج تحت ظابط كلي،إذيختلف ذلك باختلاف مراتب الظنون و الموارد و الأشخاص،فقد يحصل من‏تراكم الظنون القطع لشخص و قد لا يحصل،فلا يصح أن يجعل ذلك مدركالحجية الإجماع.فالإنصاف:أنّ الّذي يمكن أن يدّعى،هو أن يكون اتفاق العلماءكاشفا عن وجود دليل معتبر عند المجمعين،و لكن هذا إذا لم يكن في موردالإجماع أصل أو قاعدة أو دليل على وفق ما اتفقوا عليه،فانّه مع وجود ذلك‏يحتمل أن يكون مستند الاتفاق أحد هذه الأمور،فلا يكشف اتفاقهم عن‏وجود دليل آخر وراء ذلك،نعم:لو كان الاتفاق مستمرا من زمان الصحابةالمعاصرين للأئمة عليهم السّلام ك«زرارة»و«محمد بن مسلم إلى زمان‏أرباب الفتوى إلى زمن المتأخرين،فهو يكشف كشفا قطعيا عن رضاء المعصوم‏بذلك و لا يلتفت إلى القاعدة أو الأصل الموافق،إلاّ أنّ تحصيل مثل هذاالاتفاق ممّا لا سبيل إليه،بل القدر الممكن هو تحصيل الاتفاق من زمان‏أرباب الفتوى،و هذا الاتفاق لا يكشف عن نفس رضاه عليه السّلام بل‏أقصاه أنّه يكشف عن وجود دليل معتبر عند الكل إذا لم يكن في المورد أصل أوقاعدة،فانّه لا يمكن الاتفاق في الفتوى اقتراحا بلا مدرك.و ممّا ذكرنا ظهر:ما في عدّ الإجماع دليلا برأسه في مقابل الأدلةالثلاثة الاخر،فانّه على جميع المسالك لا يكون الإجماع مقابلا للسنة.نعم:بناء على ما قرّبناه من المسلك يكون التقابل بين الإجماع و السنةتقابل الإجمال و التفصيل،فانّ الإجماع يكشف عن وجود دليل على الإجماع،فتأمّل.
152
إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ الحاكي للإجماع إنّما يحكى السبب‏الكاشف عن المسبب و المنكشف،إلاّ على مسلك الدخول،و قد عرفت فسادأصل المسلك.و أمّا على المسالك الاخر:فالحكاية إنّما هي للسبب،و قد تقدم‏أنّ الحكاية إن رجعت إلى السبب تكون عن حسّ‏1لا عن حدس،فلا بد من الأخذ بما يحكيه من السبب،و يندرج ذلك في حجية الخبر الواحد،فان كانت الحكاية لتمام السبب في نظر المنقول إليه فهو،و إلاّ احتيج إلى ضمّ مايكون تمام السبب،و هذا يختلف باختلاف الحاكي و المحكي له،فان كان‏الحاكي للإجماع من المتقدمين على«العلاّمة»و«المحقق»و«الشهيد»-رحمهم اللّه-فلا عبرة بحكايته،لأنّ الغالب فيهم حكاية الإجماع على كل ماينطبق على أصل أو قاعدة في نظرهم،و لا عبرة بنظر الغير في تطبيق المورد على‏الأصل أو القاعدة و إن كان نفس الأصل و القاعدة مورد الإجماع.و أمّا إذا كان الحاكي من قبيل«الشهيد»و«المحقق»و«العلاّمة»فالإنصاف اعتبار حكايتهم،لأنّهم يحكون نفس الفتاوى و بلسان الإجماع‏الكاشفة عن وجود دليل معتبر مع عدم وجود أصل أو قاعدة أو دليل في البين.هذا خلاصة الكلام في الإجماع المنقول،و لا يستحق إطالة الكلام فيه‏أزيد ممّا ذكرنا،فتدبر جيّدا حتى يتضح لك الحال.
الفصل الثالث‏ممّا قيل بحجيته بالخصوص الشهرة في الفتوى‏
و لا بأس بالإشارة إلى أقسام الشهرة و أحكامها في المقام،و إن كان‏يأتي الكلام فيها في مبحث التعادل و التراجيح.1أقول:في إطلاقه نظر.
153
فنقول:الشهرة على أقسام ثلاثة:الشهرة الروايتية،و الشهرة العملية،و الشهرة الفتوائية.أمّا الشهرة الروايتية:فهي عبارة عن اشتهار الرواية بين الرّواةو أرباب الحديث بكثرة نقلها و تكررها في الأصول و الكتب قبل الجوامع‏الأربع،و هذه الشهرة هي التي تكون من المرجحات في باب التعارض‏و المقصود،من قوله عليه السّلام:«خذ بما اشتهر بين أصحابك» (1) و أمّا الشهرة العملية:فهي عبارة عن اشتهار العمل بالروايةو الاستناد إليها في مقام الفتوى،و هذه الشهرة هي التي تكون جابرة لضعف‏الرواية و كاسرة لصحتها إذا كانت الشهرة من قدماء الأصحاب القريبين من‏عهد الحضور،لمعرفتهم بصحة الرواية و ضعفها.و لا عبرة بالشهرة العملية إذاكانت من المتأخرين،خصوصا إذا خالفت شهرة القدماء،و النسبة بين الشهرةالروايتية و الشهرة العملية العموم من وجه،إذ ربما تكون الرواية مشهورة بين‏الرّواة و لكن لم يستندوا إليها في مقام العمل،و ربما ينعكس الأمر،و قديتوافقان.و أمّا الشهرة الفتوائية:فهي عبارة عن مجرد اشتهار الفتوى في مسألةبلا استناد إلى رواية،سواء لم تكن في المسألة رواية،أو كانت رواية على‏خلاف الفتوى،أو على وفقها و لكن لم يكن عن استناد إليها،و هذه الشهرةالفتوائية،لا تكون جابرة لضعف الرواية،إذ الجبر إنّما يكون بالاستناد إلى‏الرواية،و لا أثر لمجرد مطابقة الفتوى لمضمون الرواية بلا استناد إليها،و لكن‏
1)مستدرك الوسائل:الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 2

154
تكون كاسرة لصحة الرواية إذا كانت الشهرة من القدماء،لأنّ الكسر إنّمايتحقق بالإعراض و عدم العمل بالرواية.و هذه الشهرة الفتوائية هي المبحوث في حجيتها و عدم حجيتها في‏المقام،و قد استدل للحجية بوجوه:الوجه الأوّل:قوله عليه السّلام في مقبولة ابن حنظلة:«ينظر إلى ما كان‏من روايتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من‏حكمنا و يترك الشاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك،فانّ المجمع عليه لاريب فيه».الخبر (1) .وجه الاستدلال:هو أنّ المراد من«المجمع عليه»ليس اتفاق الكل‏بقرينة قوله عليه السّلام:«و يترك الشاذ»فلا بد و أن يكون المراد منه المشهوربين الأصحاب،فيرجع مفاد التعليل إلى أنّ المشهور ممّا لا ريب فيه.و عموم‏التعليل يشمل الشهرة الفتوائية و إن كان المورد الشهرة الروايتية،و كذا قوله‏عليه السّلام في مرفوعة زرارة:«خذ بما اشتهر بين أصحابك» (2) بدعوى‏عموم الموصول لكل ما اشتهر بين الأصحاب.و لا يخفى عليك ضعف الاستدلال.أمّا التعليل:فلأنّه ليس من العلة المنصوصة ليكون من الكبرى الكليةالتي يتعدى عن موردها،فانّ المراد من قوله«فانّ المجمع عليه لا ريب فيه»إن‏كان هو الإجماع المصطلح فلا يعمّ الشهرة الفتوائية،و إن كان المراد منه المشهورفلا يصح حمل قوله عليه السّلام«ممّا لا ريب فيه»عليه بقول مطلق،بل لا بدمن أن يكون المراد منه عدم الريب بالإضافة إلى ما يقابله،و هذا يوجب خروج‏
1)الوسائل:الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 1
2)مستدرك الوسائل:الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 2

155
التعليل عن كونه كبرى كلية،لأنّه يعتبر في الكبرى الكلية صحة التكليف بهاابتداء بلا ضمّ المورد إليها،كما في قوله«الخمر حرام لأنّه مسكر»فانّه يصح أن‏يقال«لا تشرب المسكر»بلا ضمّ الخمر إليه،و التعليل الوارد في المقبولة لاينطبق على ذلك،لأنّه لا يصح أن يقال«يجب الأخذ بكل ما لا ريب فيه‏بالإضافة إلى ما يقابله»و إلاّ لزم الأخذ بكل راجح بالنسبة إلى غيره و بأقوى‏الشهرتين و بالظن المطلق،و غير ذلك من التوالي الفاسدة التي لا يمكن الالتزام‏بها،فالتعليل أجنبي عن أن يكون من الكبرى الكلية التي لا يصح التعدي عن‏مورده‏ (1) و أمّا الموصول:فلا يعمّ الشهرة الفتوائية،بل هو خاص بالشهرةالروايتية،و ليس ذلك من جهة تخصيص العام بالمورد حتى يقال:إنّ المورد لايخصص العام،بل من جهة عدم العموم.الوجه الثاني:قوله تعالى في ذيل آية النبأ:«أن تصيبوا قوما بجهالةفتصبحوا على ما فعلتم نادمين» (2) بتقريب:أنّ المراد من«الجهالة»السفاهةو الاعتماد على ما لا ينبغي الاعتماد عليه،و الاعتماد على الشهرة ليست من‏السفاهة.و فيه:أنّ أقصى ما يقتضيه التعليل هو عدم جواز الأخذ بكل مايقتضى الجهالة و السفاهة خبرا كان أو غيره،و هذا لا يقتضى وجوب الأخذبكل ما ليس فيه جهالة،إذ ليس له مفهوم حتى يتمسك به،ألا ترى:أنّ قوله‏«لا تأكل الرّمان لأنّه حامض»لا يدل على جواز أكل كلّ ما ليس بحامض،و ذلك واضح.
1)كذا في نسخة الأصل،و الظاهر:زيادة كلمة«لا»(المصحح).
2)سورة الحجرات الآية 6

156
الوجه الثالث:دعوى أنّ الظنّ الحاصل من الشهرة الفتوائية أقوى‏من الظن الحاصل من الخبر الواحد.و فيه:أنّ حجية الخبر ليس لأجل إفادته الظن،بل لأجل قيام الدليل‏عليه و إن كانت الحكمة في حجيته كونه مفيدا للظن نوعا.نعم:لو قلنا باعتبار الظن المطلق كان من أحد أفراده الشهرة الفتوائيةإذا حصل منها الظن،و إلاّ فلم يقم دليل بالخصوص على حجية الظن الحاصل‏من الشهرة الفتوائية.
الفصل الرابع‏في حجية الخبر الواحد
اعلم:أنّ إثبات الحكم الشرعي من الخبر الواحد يتوقف على:أصل‏الصدور،وجهة الصدور،و على الظهور،و إرادة الظهور.و المتكفل لإثبات الظهور و إرادة الظهور هو الأوضاع اللغوية،و القرائن العامة،و الأصول العقلائية،و قد تقدم تفصيل ذلك كلّه في الفصل‏الأوّل.و المتكفل لإثبات جهة الصدور-من كون الخبر صادرا لبيان حكم اللّه‏الواقعي لا لأجل التقية و نحوها-هو الأصول العقلائية أيضا،فانّ الأصل‏العقلائي يقتضى أن يكون جهة صدور الكلام من المتكلم لبيان المراد النّفس‏الأمري و أنّ مؤدّاه هو المقصود،إلاّ أن يثبت خلافه،و على ذلك استقرت طريقةالعقلاء و استمرت سيرتهم في محاوراتهم،و يأتي توضيح ذلك-إن شاء اللّه تعالى-في محلّه.و المتكفل لأصل الصدور هو الأدلّة الدالة على حجية الخبر الواحد،و هو
157
المقصود بالبحث في هذا الفصل،و هو من أهمّ المسائل الأصولية،لما تقدم:أنّ‏الموضوع في علم الأصول ليس خصوص الأدلة الأربعة بذواتها أو بوصف‏دليليّتها ليقع الإشكال في بعض المسائل المهمة-كمسألة حجية الخبر الواحد وكمسألة التعادل و التراجيح-من حيث عدم رجوع البحث عنها إلى البحث عن‏عوارض الأدلة فيحتاج إلى إتعاب النّفس لإدراج البحث عنها في البحث عن‏عوارض الأدلة،كما أتعب الشيخ(قدس سره)نفسه الزكية في ذلك،بتقريب:أنّ البحث عن حجية الخبر الواحد يرجع إلى البحث عن أنّ السنّة-التي هي‏أحد الأدلة الأربعة-هل تثبت بخبر الواحد؟أو لا تثبت به؟فيكون بحثا عن‏عوارض الموضوع.و قد أورد عليه:بأنّ البحث عن ثبوت الموضوع و لا ثبوته بمفاد«كان‏التامة»لا يرجع إلى البحث عن عوارض السنّة،فانّ البحث عن عوارض‏الشي‏ء إنّما يكون بعد الفراغ عن وجوده،و ان كان المراد من الثبوت:الثبوت‏التعبدي بمفاد«كان الناقصة»لا الثبوت الواقعي-ليئول البحث إلى البحث عن‏التعبد بالسنّة المحكية بخبر الواحد-فهذا يرجع في الحقيقة إلى البحث عن‏عوارض الخبر لا عن عوارض السنّة.هذا،و لكن يمكن توجيه ما أفاده الشيخ(قدس سره)بما لا يرد عليه‏ذلك،ببيان:أنّ المراد من ثبوت السنّة و لا ثبوتها ليس هو الثبوت الواقعي و لاثبوته ليرجع البحث إلى البحث عن وجود الموضوع و لا وجوده،بل المراد منه هوأنّ البحث عن حجية الخبر يرجع إلى البحث عن أنّ مؤدّى الخبر هل هو من‏السنّة أولا؟و إن شئت قلت:إنّ البحث إنّما هو عن انطباق السنّة على مؤدّى‏الخبر و عدم الانطباق‏1و هذا لا يرجع إلى البحث عن وجود السنّة و لا1أقول:انطباق الماهية على فرد ليس إلاّ ملازما لوجوده في ضمنه،و مثل هذا البحث و إن كان من‏عوارض الماهية تصورا،و لكن هو عين البحث عن وجودها في ضمن هذا الفرد و هويّته،و لو كان هذا المقدار يكفى‏
158
وجودها،بل يكون البحث عن عوارض،السنّة،بداهة أنّ انطباق الموضوع‏و عدم انطباقه يكون من العوارض اللاحقة له،كالبحث عن وجود الموضوع في‏زمان أو مكان و لا وجوده.هذا،و لكن لو أمكننا إدراج مسألة حجية الخبر الواحد في مسائل‏الأصول بما ذكرناه من التوجيه،فلا يمكننا إدراج كثير من مهمات المباحث في‏علم الأصول لو جعلنا الموضوع خصوص الأدلة الأربعة،مع أنّه لا ملزم إلى‏ذلك بعد إمكان أخذ الموضوع بمعنى يعمّ جميع هذه المسائل،و هو«كل ما يقع في‏طريق الاستنباط»و من أوضح مصاديقه مسألة حجية الخبر الواحد،فانّها تقع‏كبرى لقياس الاستنباط و الجزء الأخير من علته،بل عليها يدور رحى‏الاجتهاد،فانّ الأخبار المتواترة و المحفوفة بالقرائن القطعية قليلة جدا لا تفي‏بمعظم الفقه،بل استفادة غالب الأحكام إنّما تكون من الخبر الواحد،فلا بدللأصولي من إثبات حجيته،أو الاعتماد على الظن المطلق بمقدمات الانسداد.ثمّ لا يخفى عليك:أنّه قد انعقد الإجماع على حجية الأخبار المودعةفيما بأيدينا من الكتب،و لكن لا يصح الاعتماد و الاتكال على هذا الإجماع،لاختلاف مشرب المجمعين في مدرك الحجية،فانّ منهم من يعتمد على هذه‏الأخبار لتخيّل أنّها قطعية الصدور،و منهم من يعتمد عليها من أجل اعتماده‏على الظن المطلق بمقدمات الانسداد،و منهم من يعتمد عليها لأجل قيام الدليل‏بالخصوص عنده على حجيتها،و الإجماع الّذي يكون هذا شأنه لا يصح الاتكال عليه‏في البحث عن العوارض،يلزم دخول البحث في وجود الماهية و انطباقه على الخارج في المباحث كلها،و هو كماترى!.و أمّا المثال الّذي مثّل به من البحث عن وجود شي‏ء في المكان،ففيه:أنّ القياس مع الفارق،إذ الكينونة في الزمان أو المكان جهة طارئة على الوجود فارغا عن وجوده،و هذا بخلاف البحث عن وجود الطبيعةفي ضمن فرد،إذ هو ليس بحثا عن عوارض الوجود فارغا عن أصل وجوده،بل مرجع البحث فيه إلى البحث عن‏أصل وجودها في ضمن الفرد و عدمه،كما لا يخفى،فتدبر.
159
و أخذه دليلا في المسألة،و لا يكفى مجرد ثبوت الإجماع على النتيجة مع اختلاف‏نظر المجمعين‏1فانّ هذا الإجماع لا يكشف عن رأي المعصوم‏عليه السّلام و لا عن وجود دليل معتبر،بل الكاشف عن ذلك هو الإجماع على‏الحكم الشرعي مرسلا،فلا عبرة بالإجماع التقييدي الّذي هو عبارة عن‏اختلاف مدرك المجمعين.فلا بدّ للقائل بحجية أخبار الآحاد من إقامة الدليل على مدّعاه إذا لم‏يكن ممّن يرى حجية مطلق الظن بمقدمات الانسداد و لم تكن الأخبار في نظره‏مقطوعة الصدور-كما هو الواقع-بداهة أنّه لا يمكن القطع بصدور جميع الأخبارالمودعة فيما بأيدينا من الكتب مع ما بينها من الاختلاف الفاحش،فدعوى القطع‏بالصدور غريبة جدا!خصوصا من بعد زمان الغيبة الكبرى!!و ما كنّا نترقب‏من المتأخرين هذه الدعوى،و قد نسبت إلى شر ذمة من الأخباريين،بل هذه‏الدعوى ممن كان عهده قريبا بزمان الحضور كانت أولى و أحرى ك«السيدالمرتضى»لأنّه كان يتمكن من العلم بما صدر من الأخبار و ما دسّ فيها.و أمّا اعتبارها من باب الظن المطلق فهو مبنى على صحة مقدمات‏الانسداد،و سيأتي الكلام فيها،فعلى هذا ينبغي إقامة الدليل بالخصوص على‏حجية ما بأيدينا من الأخبار،و لنقدّم الكلام أوّلا في أدلة النافين للحجية،ثمّ‏1أقول:لا يخفى أن مجرد اختلاف استناد كل طائفة من المجمعين لجهة غير الجهة الأخرى إنّما يضربانعقاد الإجماع في فرض انصرافه عن فتواه لو التفت إلى بطلان مستنده،و إلاّ فلو فرض عدم رجوعه عن فتواه مع‏علمه بفساد ما تشبث به،تكشف ذلك عن أنّ ما استندوا به من قبيل النكات بعد الوقوع و تطبيق ما هو المسلّم‏عندهم على وجه و قاعدة،و مثل ذلك لا يضر بالإجماع بتّا،و حينئذ لنا أن ندّعي أنّه لو فرض عدم قطعية سندالأخبار و لا تمامية دليل الانسداد و لا تمامية الأدلة المخصوصة:من آية النبأ و غيرها من الآيات و الروايات،فهل يرفعون الأصحاب يدهم عن مثل هذه الأخبار في مقام استنباط الأحكام؟كلاّ و حاشا!و ذلك يكشف عن‏أنّ العمل بأخبار الآحاد في الجملة مسلّم عندهم.نعم:إنّما الكلام في تعينها بخصوص طائفة دون طائفة،فبالأخرة ربما ينتهى إلى العلم الإجماليّ بوجودالحجة بين الطوائف،فيؤخذ بلوازمه،فتدبر و افهم.
160
نعقّبه بذكر أدلة المثبتين لها.فنقول:قد استدل النافون بالأدلة الأربعة.فمن الكتاب:الآيات الناهية عن العمل بالظن و ما وراء العلم،كقوله تعالى:«قل إنّ الظن لا يغنى من الحق شيئا» (1) و من السنة:الأخبار الناهية عن العمل بالخبر إذا لم يكن عليه شاهدمن كتاب اللّه تعالى و الأخبار الآمرة بطرح ما خالف كتاب اللّه تعالى،و هي‏كثيرة تبلغ التواتر،و لا شبهة أنّ غالب الأخبار التي بأيدينا،إمّا أن تكون مخالفةلكتاب اللّه تعالى و لو بالعموم،و إمّا أن لا يكون عليها شاهد من الكتاب،فلايجوز العمل بها،خصوصا بعد ما ورد في جواب سؤال«داود بن فرقد»كما في‏البحار عن بصائر الدرجات قال:«كتبت إليه عليه السّلام عن العلم المنقول‏عن آبائك و أجدادك قد اختلفوا علينا فيه،فكيف العمل به على اختلافه؟فكتب عليه السّلام بخطه:ما علمتم أنّه قولنا فالزموه و ما لم تعملوا فردّوه‏إلينا» (2) و من الإجماع:ما ادعاه السيد رحمه اللّه في مواقع من كلامه،حتى‏جعل العمل بالخبر الواحد بمنزلة العمل بالقياس في قيام الضرورة على بطلانه.و من العقل:ما ذكره«ابن قبة»من أنّ العمل بخبر الواحد موجب‏لتحليل الحرام و تحريم الحلال،و العقل يستقل بقبحه على الشارع.و أنت خبير بأنّه لا دلالة لشي‏ء من هذه الأدلة على المنع عن العمل‏بخبر الواحد.أمّا الآيات:فلأنّ مساقها حرمة العمل بالظن في باب العقائد و أصول‏الدين،و على فرض تسليم عمومها لمطلق الأحكام الشرعية،فغايته أن تكون‏
1)سورة يونس الآية 36
2)بصائر الدرجات:الجزء العاشر الباب 19 الحديث 26 ص 524

161
دلالتها على المنع عن الظن الحاصل من الخبر الواحد بالعموم،فلا بد من‏تخصيصه بما سيأتي من الأدلة الدالة على جواز العمل بخبر الواحد،بل نسبةتلك الأدلة إلى الآيات ليست نسبة التخصيص بل نسبة الحكومة،فانّ تلك‏الأدلة تقتضي إلقاء احتمال الخلاف و جعل الخبر محرزا للواقع،فيكون حاله‏حال العلم في عالم التشريع،فلا يمكن أن تعمّه الأدلة الناهية عن العمل بالظن‏لنحتاج إلى التخصيص،لكي يقال:إنّ مفاد الآيات الناهية آبية عن‏التخصيص،هذا في غير السيرة العقلائية القائمة على العمل بالخبر الموثوق به.و أمّا السيرة العقلائية:فيمكن بوجه أن تكون نسبتها إلى الآيات‏الناهية نسبة الورود بل التخصيص،لأنّ عمل العقلاء،بخبر الثقة ليس من‏العمل بالظن،لعدم التفاتهم إلى احتمال مخالفة الخبر للواقع،فالعمل بخبر الثقةخارج بالتخصص عن العمل بالظن،فلا تصلح الآيات الناهية عن العمل به‏لأن تكون رادعة عن السيرة العقلائية القائمة على العمل بخبر الثقة11أقول:لا يخفى أنّ السيرة العقلائية بالنسبة إلى أمور معادهم الّذي من هذه الجهة يدخل في السيرةالمتشرعة،فلا شبهة أنّ أصل استقراره منوط بعدم رادعية الآيات الناهية عنها،فمهما استقرت يستكشف بأنّه لايكون في البين رادع و لا مانع بأي وجه.و أمّا سيرتهم في أمور معاشهم فحجيته مبنى على إمضاء الشارع إياهم في الشرعيات أيضا،كما هو الشأن‏في سيرتهم في أمر معادهم بمذهبهم الخارجة عن مذهبنا،فانّ حجيته أيضا مبنى على إمضاء لهم،ففي هذه الصورةلا تصلح هذه السيرة مخصصة و لا ورودا و لا حكومة على الآيات الناهية،لأنّ هذه الجهات بعد الفراغ عن‏حجيتها،و هذه الجهة مبنية على عدم رادعية الآيات الناهية،فعدم رادعيتها يقع في الرتبة السابقة عن حجيتها،لأنّه‏بمنزلة شرطها،ففي الرتبة السابقة المزبورة أصالة العموم في النواهي محكمة،فيخرج مثله عن الحجية،و حينئذكيف يشكل الدور في الرادعية؟مع كون عدمها شرطا في حجيتها و حجيتها موجب لورودها،فمرتبة ورودها أوحكومتها على الآيات قهرا متأخرة عن الحجية المتأخرة عن عدم الرادعية،و لازمه تأخّر نقيضه من الرادعية في‏الرتبة السابقة،و حينئذ يستقر الدور المزبور من طرف التخصيص أو الورود،لا العكس،كما لا يخفى.و من جهة ذلك نقول-و سيأتي في محله-إنّ ما يصلح للحجية و التشبث به في حجية أمارة إنّما هو السيرةالعقلائية المستقرة في أمورهم الشرعية على وفق مذهبنا،إذ هو الّذي لا يكاد ردع الآيات لها،لأنّ نفس وجودهاملازم لعدم مانعية الآيات،بلا احتياج حجيتها على عدم رادعية الآيات،بخلاف السيرة العقلائية الجارية في‏
162
فانّه مضافا إلى خروج العمل به عن موضوع الآيات الناهية يلزم الدور المحال،لأنّ الردع عن السيرة بالآيات الناهية يتوقف على أن لا تكون السيرة مخصصةلعمومها،و عدم كونها مخصصة لها يتوقف على أن تكون رادعة عنها.و إن منعت عن ذلك كلّه،فلا أقل من أن يكون حال السيرة حال‏سائر الأدلة الدالة على حجية الخبر الواحد:من كونها حاكمة على الآيات‏الناهية،و المحكوم لا يصلح لأن يكون رادعا عن الحاكم،كما لا يخفى،و سيأتي‏لذلك مزيد توضيح إن شاء اللّه تعالى.و أمّا السنّة:فلأنّ الأخبار الدالة على طرح الخبر المخالف أو الّذي‏لا شاهد عليه من الكتاب و العمل بخبر الموافق و الّذي عليه شاهد من الكتاب‏و إن كانت متواترة معنى أو إجمالا-للعلم بصدور بعضها عن المعصوم‏عليه السّلام و هي آبية عن التخصيص-كما لا يخفى على المتأمّل فيها-إلاّ أنّه‏يعلم أيضا بصدور جملة من الأخبار المخالفة للكتاب و لو بالعموم و الخصوص أوالإطلاق و التقييد،و لا يسعنا طرح جميع ما بأيدينا من الأخبار المودعة في‏الكتب،لأنّه يلزم من الاقتصار على ما يستفاد من ظاهر الكتاب تعطيل كثيرمن الأحكام،خصوصا في باب العبادات،بل معظم الأحكام إنّما يستفاد من‏الأخبار،و لو بنينا على الأخذ بظاهر هذه الأخبار الناهية عن العمل بما يخالف‏الكتاب أو الّذي لا يوجد له شاهد منه و الاقتصار في العمل بما يوافق ظاهرالكتاب يلزم طرح جميع ما بأيدينا من الأخبار المخالفة لظاهر الكتاب بالعموم‏أمورهم الغير الراجعة إلى شرعيات مذهبنا،فانّ حجيتها مبنية على إمضاء الشارع الملازم مع عدم ردعه.و لئن شئت قلت:إنّ ما أفيد من الدور في الرادعية إنّما يتمّ في فرض اقتضاء الحجية في نفس السيرة و أنّ‏الردع مانع عنه،فانّه لا بد و أن يكون المانعية تعليقية،فلا محيص من تأثير المقتضى التنجيزي أثره،فيرفع موضوع‏المانعية و الرادعية،و أما لو قلنا:بأن قوام حجيتها بإمضاء الشارع بحيث لولاه لا اقتضاء في نفس بنائهم للحجيةو أنّ الإمضاء المزبور متمم لاقتضائه،فلا يكون اقتضائها للحجية إلاّ تعليقيا،و مع هذا الوصف لا محيص من‏تشكيل الدور في طرف المخصصية،لا الرادعية،فتدبر في أمثال المقام،كي لا يختلط عليك الأمر.
163
و الخصوص و الإطلاق و التقييد،و هذا ممّا لا سبيل إلى الالتزام به،فلا بد و أن‏يكون المراد من«المخالفة»غير المخالفة بالعموم و الخصوص أو الإطلاق و التقييد:من المخالفة بالتباين الكلي أو بالعموم من وجه،بل المخالفة بالعموم و الخصوص‏لا تعدّ من المخالفة لما بينهما من الجمع العرفي،و التخالف بينهما إنّما يكون بدويّايزول بالتأمّل في مدلولهما،فالأخبار الناهية عن العمل بالخبر المخالف للكتاب لاتعمّ المخالفة بالعموم و الخصوص.و لا يبعد أن يكون صدور هذه الأخبار في مقام الرد على الملاحدة الذين‏كانوا يضعون الأخبار و يدسّونها في كتب الأصحاب هدما للشريعة المطهرة،حتى نقل عن بعضهم انّه قال-بعد ما استبصر و رجع إلى الحق-«إنّي قدوضعت اثنا عشر ألف حديثا»فأقرب المحامل لهذه الأخبار حملها على الخبرالمخالف للكتاب بالتباين أو بالعموم من وجه،و إن كان يبعد حملها على المخالفةبالتباين،لأنّه ليس في الأخبار ما يخالف الكتاب بالتباين الكلي،حتى أنّ من‏يريد الوضع و الدسّ في الأخبار لا يضع ما يخالف الكتاب بالتباين الكلي،لأنّه يعلم أنّه من الموضوع.و لا يبعد أيضا حمل الأخبار الناهية على الأخبار الواردة في باب الجبرو التفويض و القدر و نحو ذلك.و يمكن أيضا حمل بعضها على صورة التعارض بين الروايات،فيؤخذ بالموافق‏للكتاب و يطرح المخالف له.و كيف كان:لا بد من حمل هذه الأخبار على أحد هذه المحامل،لماعرفت من أنّه لو بنينا على شمولها للمخالفة بالعموم و الخصوص يلزم تعطيل كثير من‏الأحكام.و ممّا ذكرنا يظهر ما في الاستدلال برواية«داود بن فرقد»فانّه‏مضافا إلى أنّها من أخبار الآحاد و لا يصلح التمسك بها لما نحن فيه-لأنّه يلزم من‏حجيتها عدم حجيتها-لا تشمل العمل بخبر الثقة،لأنّه،ليس من أفراد قوله‏
164
عليه السّلام:«و ما لم تعلموا فردّوه إلينا» (1) بل أدلة حجيته تقتضي أن‏يكون من أفراد قوله عليه السّلام:«ما علمتم أنّه قولنا فالزموه» (2) بالبيان‏المتقدم في الجواب عن الاستدلال بالآيات الناهية عن العمل بالظن.و أمّا الإجماع:فموهون بمصير الأكثر إلى خلافه،مع أنّه معارض بمثله.و أمّا الدليل العقلي:فقد عرفت ما فيه في الجمع بين الحكم الظاهري‏و الواقعي،من أنّه لا يلزم من التعبد بكلّي الأمارات تحليل الحرام و تحريم‏الحلال.هذا كلّه في أدلة النافين.و أمّا المثبتون لحجية الخبر الواحد:فقد استدلوا أيضا بالأدلةالأربعة.أمّا الكتاب:فبآيات،منها:آية النبأ،قال تعالى:«إن جاءكم فاسق‏بنبإ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» (3) و تقريب الاستدلال بها يمكن بأحد وجهين:الأوّل:بمفهوم الشرط،ببيان أنّه تعالى علّق وجوب التبيّن عن الخبربمجي‏ء الفاسق به،فإذا انتفى الشرط و كان المخبر عدلا ينتفي وجوب التبيّن عن‏خبره،و إذا لم يجب التبيّن عن خبر العادل،فامّا أن يردّ،و إمّا أن يقبل،و لاسبيل إلى الأوّل،لأنّه يلزم أن يكون العادل أسوأ حالا من الفاسق،فيتعين‏الثاني و هو المطلوب،لأنّه لا نعنى بحجية الخبر الواحد إلاّ قبوله.و لعلّ أخذ هذه المقدمة الأخيرة و هي أنّه«لو لم يجب قبول قوله يلزم أن‏يكون أسوأ حالا من الفاسق»مبنى على كون التبيّن واجبا نفسيا،و لو كان‏
1)الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 36
2)الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 36
3)سورة الحجرات:الآية 6

165
وجوبه شرطا للعمل بخبر الفاسق فلا نحتاج إلى هذه المقدمة1فانّه على‏هذا يكون مفاد المنطوق وجوب التبيّن عند العمل بخبر الفاسق و مفاد المفهوم‏عدم وجوب التبيّن عند العمل بخبر العادل،فيتم الاستدلال بلا ضمّ تلك‏المقدمة.و لا إشكال في أنّ وجوب التبيّن يكون شرطيا لا نفسيا كما يظهرذلك من التعليل في ذيل الآية،فانّ إصابة القوم بالجهالة إنّما تكون عند العمل‏بخبر الفاسق لا مطلقا،فلا يحتمل الوجوب النفسيّ في التبيّن،و ذلك واضح.الثاني:بمفهوم الوصف،و تقريبه:أنّ الآية الشريفة نزلت في شأن‏«الوليد»لما أخبر بارتداد«بنى المصطلق»و قد اجتمع في خبر«الوليد»وصفان:أحدهما كونه من الخبر الواحد،ثانيهما كون المخبر به فاسقا،و لا إشكال‏أنّ العلة لوجوب التبيّن لو كان هو الخبر الواحد لكان ذلك أولى بالذكر من كون‏المخبر به فاسقا،فانّ اتصاف الخبر خبرا واحدا يكون مقدّما بالرتبة على اتصافه‏بالفاسق،لأنّ خبر الواحد يكون مقسما لخبر الفاسق و العادل،فيكون الخبرالواحد بمنزلة الموضوع للفاسق.و بعبارة أخرى:يجتمع في خبر الفاسق وصفان:وصف ذاتي و هو كونه‏خبرا واحدا،و وصف عرضي و هو كونه فاسقا،و من المعلوم:أنّه لو اجتمع في‏1أقول:لو كان التبيّن شرطا للعمل الواجب،فمجرد شرطية وجوب التبيّن لا يجدى لنفي المقدمةالأخرى،إلاّ في فرض كون نظر الآية إلى نفى الشرطية فارغا عن وجوب العمل،و إلاّ فلو كانت الآية في مقام نفى‏وجوب التبيّن لا نفى شرطيته،فغاية شرطية وجوبه كونه وجوبا غيريا للعمل به،و نفى هذا الوجوب الغيري للتبين‏لا يقتضى نفى شرطيته،بل يناسب مع نفى وجوب ذيها أيضا،فإرجاع مثل ذلك إلى الاحتمال الأوّل و صرفه عن‏الثاني يحتاج إلى مقدمة الأسوئية.نعم:لو كان التبين شرطا لوجوب العمل فلا محيص من إرجاعه إلى نفس الشرطية،إذ لا معنى لوجوب‏شرطية وجوب شي‏ء،فلا محيص من جعل وجوبه كناية عن شرطيته،و لكنه خلاف ظاهر القضية المتكفلةلإثبات التكليف لا الوضع محضا،كما لا يخفى.
166
الشي‏ء وصفان:أحدهما ذاتي و الآخر عرضي‏1و كان منشأ الحكم هوالوصف الذاتي لكان هو المتعين بالذكر-كما عليه طريقة أهل المحاورة-فلوقال«أكرم عالما»و كان علة الإكرام هو إنسانية العالم لا عالمية الإنسان،كان‏الكلام خارجا عن الطريقة المألوفة عند أهل المحاورة لسبق الإنسانية التي هي‏من الأوصاف الذاتيّة على العالمية،فلو كان المتكلم يتكلم على طبق الطريقةالمألوفة و قال«أكرم عالما»يستفاد من كلامه لا محالة أنّ المنشأ للإكرام هووصف العالمية لا وصف الإنسانية،و حيث كان المذكور في الآية الشريفة هوالوصف العرضي و هو عنوان«الفاسق»فيستفاد منها أنّ منشأ وجوب التبيّن‏هو كون المخبر فاسقا لا كون خبره من الخبر الواحد،فإذا لم يكن المخبر فاسقاو كان عادلا،فإمّا أن يجب قبول خبره بلا تبيّن،و إمّا أن يردّ،و لا سبيل إلى‏الثاني:لأنّه يلزم أن يكون أسوأ حالا من الفاسق،فيتعين الأوّل و هو المطلوب.و بما ذكرنا في تقريب مفهوم الشرط من كون وجوب التبيّن شرطاللعمل لا مطلقا يظهر عدم الحاجة إلى هذه المقدمة في مفهوم الوصف أيضا،لاتحاد مفاد المفهوم و المنطوق فيهما.هذا،و لكن يمكن الخدشة في الاستدلال على كل من تقريبي مفهوم‏الوصف و مفهوم الشرط.أمّا مفهوم الوصف:فلما بيّناه(في باب المفاهيم)من أنّ القضية1أقول:لا إشكال في أنّ لازم عدم حجية قول الفاسق عدم وجود الاقتضاء في ذات الخبر المعروض‏لهذه الإضافة،و لازمه وجود مقتضى التبيّن في هذه الذات أيضا،إذ يكفى في مقتضى التبيّن عدم اقتضاء خبره‏للحجية،و حينئذ لازم تقدم رتبة الذات على العرض نسبة وجوب التبيّن إلى الذات التي هي معروض هذاالعرض،لا إلى نفس العرض،و حينئذ الانتقال من نسبة التبيّن إلى الذات المعروض إلى عرضه ليس من باب‏عدم الاقتضاء في الذات المزبور كي بهذا التقريب يثبت حصر مقتضى التبيّن بالفاسق،بل عمدة النكتة في‏الانتقال من الذات إلى العرض دعوى تخصيص مقتضى التبيّن و حصره بالإضافة إلى عرض آخر من إضافة الخبرإلى العادل،حيث إنّه لو لم يكن حجة لكان فيه أيضا مقتضى التبيّن،كما لا يخفى،و مرجع ذلك إلى تقريب آخرلمفهوم الوصف غير ما ذكر،كما لا يخفى.
167
الوصفية ليست ذات مفهوم،خصوصا في الوصف الغير المعتمد على الموصوف،فانّ ذلك أقرب إلى مفهوم اللقب،و مجرد ذكر الوصف في القضية لا يقتضى‏انتفاء سنخ الحكم بانتفاء الوصف،بل أقصاه أن يكون الحكم المذكور في‏القضية لا يشمل الموصوف الفاقد للوصف يعنى عدم التعرض لحكمه،و هذا غيرالمفهوم،فانّ كون القضية ذات مفهوم لا بدّ و أن يرجع مفادها بالنتيجة إلى‏التعرض لانتفاء الحكم عما عدا المنطوق،و غاية ما تدل عليه القضية الوصفيةهو عدم التعرض لحكم ما عدا المنطوق،فمن الممكن أن لا يكون المتكلم بصددبيان تمام أفراد الموضوع،و اقتصر في البيان على بيان بعض الأفراد مع اشتراك‏الأفراد الاخر في الحكم،إلاّ أنّه لمصلحة أخّر بيانها،فلا دلالة لقوله«أكرم عالما»على كون المناط في وجوب الإكرام هو وصف العالمية لا وصف الإنسانية،لأنّه‏من الممكن أن يكون مطلق الإنسان يجب إكرامه و لكن لأهمية إكرام العالم‏اقتصر في الكلام على بيانه،فالآية الشريفة لا تدل على أنّ تمام المناط لوجوب‏التبيّن هو كون المخبر فاسقا حتى ينتفي الحكم عن خبر العادل.و أمّا مفهوم الشرط:فلأنّ الشرط المذكور في الآية ممّا يتوقف عليه‏وجود الجزء عقلا،و لا تكون القضية الشرطية ذات مفهوم إذا كان الشرط ممّايتوقف عليه المشروط عقلا،فانّ ذكر الشرط يكون حينئذ لمجرد فرض وجودالموضوع،كقوله«إن رزقت ولدا فاختنه»و«إن ركب الأمير فخذ ركابه»و نحوذلك من القضايا التي يتوقف تحقق الجزاء عقلا على وجود الشرط،فانّ مثل‏هذه القضايا الشرطية لا يكاد يتوهّم دلالتها على المفهوم،و إلاّ كانت كل قضيةحملية ذات مفهوم،لأنّها تنحل إلى قضية شرطية مقدّمها عنوان الموضوع و تاليهاعنوان المحمول.و حاصل الكلام:أنّه يعتبر في كون القضية الشرطية ذات مفهوم أن‏يكون الشرط المذكور فيها من الشرائط التي لا يتوقف تحقق المشروط على وجودالشرط عقلا،بل يمكن فرض وجود المشروط بلا فرض وجود الشرط،كقوله‏
168
«إن جاءك زيد فأكرمه»فانّ الإكرام لا يتوقف على مجي‏ء زيد لإمكان تحقق‏الإكرام مع عدم مجيئه،ففي مثل ذلك يمكن أن تكون القضية ذات مفهوم،بان‏يكون الشرط قيدا للحكم لا للموضوع فينتفى الحكم عند انتفاء شرطه،و يمكن‏أيضا أن يكون الشرط قيدا للموضوع،فيكون مفاد قوله«إن جاءك زيدفأكرمه»أكرم زيد الجائي،فلا تدل القضية على انتفاء الحكم عن الفاقدللشرط،إلاّ أنّ إرجاع الشرط إلى الموضوع خلاف ظاهر القضية،بل الظاهرمنها-بحسب المحاورات العرفية-هو أن يكون الشرط قيدا للحكم،فينتفى عندانتفائه.و أمّا إذا كان الشرط ممّا يتوقف عليه وجود المشروط عقلا،بحيث لايمكن فرض وجود المشروط بلا فرض وجود الشرط،فلا يكاد يمكن أن تكون‏القضية ذات مفهوم،فانّ«انتفاء الختان»أو«أخذ الركاب»في المثالين عند«انتفاء الولد»و«ركوب الأمير»قهري لانتفاء الموضوع،و هذا ليس من‏المفهوم،فانّ المفهوم هو انتفاء الحكم عن الموضوع عند انتفاء الشرط،لا انتفاءالحكم بانتفاء الموضوع،و إلاّ يلزم-كما عرفت-أن تكون كل قضية حمليةذات مفهوم،لانتفاء المحمول فيها بانتفاء الموضوع،و الشرط المذكور في الآيةالشريفة من جملة الشرائط التي يتوقف عليها وجود الجزاء عقلا،فانّ التبيّن عن‏الخبر فرع وجود الخبر و مما يتوقف عليه عقلا،و الشرط المذكور في الآية هو«مجي‏ءالفاسق بالنبإ»فانتفاء التبيّن عند عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ قهري من باب‏السالبة بانتفاء الموضوع،و لم يؤخذ الموضوع فيها مطلق النبأ و الشرط مجي‏ءالفاسق به،حتى يقال:بانتفاء التبيّن عن النبأ عند انتفاء كون الجائي به‏فاسقا،ليثبت عدم التبيّن عن نبأ العادل،بل الشرط في الآية«نبأ الفاسق»و عدم التبيّن بانتفاء نبأ الفاسق لعدم ما يتبيّن عنه،نظير انتفاء الختان عندانتفاء الولد.نعم:لو كان نزول الآية هكذا«النبأ إن كان الجائي به فاسقا
169
فتبيّنوا»كانت الآية ذات مفهوم و يكون مفادها«النبأ إن لم يكن الجائي به‏فاسقا فلا تتبيّنوا عنه»فتدل على اعتبار نبأ العادل،و لكن هذا تصرّف في الآيةبلا شاهد عليه و خلاف ما يقتضيه ظاهرها،و إلاّ فكل قضية يمكن أن يتصرف‏فيها على وجه ترجع إلى كونها ذات مفهوم.هذا،و لكن الإنصاف:أنّه يمكن استظهار كون الموضوع في الآيةمطلق النبأ و الشرط هو مجي‏ء الفاسق به من مورد النزول،فانّ موردها-كماتقدم-كان إخبار«الوليد»بارتداد«بنى المصطلق»فقد اجتمع في إخباره‏عنوانان:كونه من الخبر الواحد و كونه المخبر فاسقا،و الآية الشريفة إنّما وردت‏لإفادة كبرى كلية لتمييز الأخبار التي يجب التبيّن عنها عن الأخبار التي لا يجب‏التبيّن عنها،و قد علّق وجوب التبيّن فيها على كون المخبر فاسقا،فيكون الشرطلوجوب التبيّن هو«كون المخبر فاسقا»لا«كون الخبر واحدا»لأنّه لو كان‏الشرط ذلك لعلّق وجوب التبيّن في الآية عليه‏1لأنّه بإطلاقه شامل لخبرالفاسق،فعدم التعرض لخبر الواحد و جعل الشرط خبر الفاسق كاشف عن‏انتفاء التبيّن في خبر غير الفاسق.و لا يتوهّم:أنّ ذلك يرجع إلى تنقيح المناط أو إلى دلالة الإيماء،فانّ‏ما بيّناه من التقريب ينطبق على مفهوم الشرط.و بالجملة:لا إشكال في أنّ الآية تكون بمنزلة الكبرى الكلية،و لا بدمن أن يكون مورد النزول من صغرياتها2و إلاّ يلزم خروج المورد عن‏العام و هو قبيح،بل العام بالنسبة إلى المورد كالنص و كأنّه مذكور في العام‏1أقول:ذلك صحيح لو لا احتمال كون النكتة التنبيه على فسق«الوليد»لا من جهة خصوصية له‏في المقام،فتأمّل.2أقول:لا إشكال في أنّ مورد النزول من صغريات الكبرى،و إنّما الكلام في أنّ الآية في مقام بيان‏حكم خبر الفاسق،أو في بيان تمييز ما يجب التبيّن فيه عما لا يجب،و الّذي هو مورد الكلام هو الثاني دون الأوّل،إذ عليه لا يفيد هذا البيان شيئا،كما لا يخفى.
170
بالنصوصية،فلا بد من أخذ المورد مفروض التحقق في موضوع القضية،و لمّااجتمع في مورد النزول عنوانان و علّق الحكم على أحدهما دون الآخر كان‏الجزاء مترتبا على خصوص ما علّق عليه في القضية،و هو«كون المخبر فاسقا»مع فرض وجود العنوان الآخر و عدم دخله في الجزاء،و إلاّ لعلّق الجزاء عليه،فيكون مفاد منطوق الآية بعد ضمّ المورد إليها«أنّ الخبر الواحد إن كان الجائي‏به فاسقا فتبيّنوا»و مفاد المفهوم«أنّ الخبر الواحد إن لم يكن الجائي به فاسقا فلاتتبيّنوا»فالقضية تكون من القضايا الشرطية التي علّق الحكم فيها على ما لايتوقف عليه الحكم عقلا،فتأمّل جيّدا.تكملة:قد أورد على التمسّك بالآية الشريفة لحجية الخبر الواحد بأمور:منها:ما يختص بالآيةو منها:ما يشترك بينها و بين سائر الأدلة التي يستدل بها على حجيةالخبر الواحد.و لكن الشيخ(قدس سره)تعرض لها في طي الاستدلال بآية النبأ،و نحن نقتفي أثره،و ينبغي أن نقتصر على بيان بعض الإشكالات المهمة.فمن الإشكالات التي تختص بآية النبأ:هو كون المفهوم فيها على‏تقدير ثبوته معارضا بعموم التعليل في ذيل الآية،و هو قوله تعالى:«أن تصيبواقوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين»فانّ المراد من الجهالة عدم العلم‏بمطابقة المخبر به للواقع،و هو مشترك بين خبر العادل و الفاسق،فعموم التعليل‏يقتضى وجوب التبيّن عن خبر العادل أيضا،فيقع التعارض بينه و بين المفهوم،و الترجيح في جانب عموم التعليل،لأنّه أقوى ظهورا من ظهور القضية الشرطيةفي المفهوم،خصوصا مثل هذا التعليل الّذي يأبى عن التخصيص،كما لا يخفى.و ما يقال:«من أنّ النسبة بين المفهوم و التعليل العموم و الخصوص‏
171
المطلق،فانّ المفهوم يختص بخبر العدل الغير المفيد للعلم،لأنّ الخبر المفيد للعلم‏خارج عن المنطوق و المفهوم،إذ الموضوع في القضية هو الخبر القابل لأن بتبيّن‏عنه و هو ما لا يكون مفيدا للعلم،فالمفهوم خاصّ بخبر العدل الّذي لا يفيد العلم‏و التعليل عام لكل ما لا يفيد العلم،فلا بد من تخصيص عموم التعليل بالمفهوم‏و إلاّ يبقى المفهوم بلا مورد،كما هو الشأن في جميع موارد العموم و الخصوص»فضعيف غايته،فانّ لحاظ النسبة بين المفهوم و التعليل فرع ثبوت المفهوم للقضيةالشرطية،و المدّعى أنّ عموم التعليل يمنع عن انعقاد الظهور للقضية في المفهوم،فلا يكون لها مفهوم حتى يخصص عموم التعليل به،خصوصا في مثل المقام ممّاكان التعليل متصلا بالقضية الشرطية،فانّ احتفاف القضية بالتعليل يوجب‏عدم ظهور القضية في كونها ذات مفهوم،و على فرض تسليم ظهورها في المفهوم‏مع اتصال التعليل بها لا بد من رفع اليد عن ظهورها،لأنّ عموم التعليل يأبى‏عن التخصيص،فانّ إصابة القوم بالجهالة لا تحسن في حال من الحالات.و هذا لا ينافى التسالم على جواز تخصيص العام بمفهوم المخالف-كماأوضحناه في مبحث العام و الخاصّ-فانّ ذلك يختص بما إذا كان العام منفصلاعن القضية التي تكون ذات مفهوم و لم يكن العام علة لما تضمّنته القضية من‏الحكم،لا في مثل المقام ممّا كان العام متصلا بالقضية و كان علّة للحكم،فانّ‏المعلول يتبع العلّة في العموم و الخصوص،فلا يبقى مجال لثبوت المفهوم للقضيةالشرطية.هذا،و لكن الإنصاف:أنّه لا وقع لأصل الإشكال،لما فيه:أوّلا:أنّه مبنىّ على أن يكون معنى الجهالة عدم العلم ليشترك خبرالعادل مع الفاسق في ذلك،و ليس الأمر كذلك،بل الجهالة بمعنى السفاهةو الركون إلى ما لا ينبغي الركون إليه و الاعتماد على ما لا ينبغي الاعتمادعليه‏1و لا شبهة في أنّه يجوز الركون إلى خبر العدل و الاعتماد عليه-كما عليه طريقة1أقول:أمكن أن يقال:إنّ السفاهة يوجب الملامة لا الندامة،بل ما يوجب الندامة جار في كل‏
172
العقلاء-بخلاف خبر الفاسق،فانّ الاعتماد عليه يعدّ من السفاهة و الجهالة،فخبر العادل لا يشارك خبر الفاسق في العلة،بل هو خارج عنها موضوعا.فان قلت:لو لم يصح الاعتماد على خبر الفاسق،فكيف اعتمدت‏الصحابة على خبر«الوليد الفاسق»و أرادوا تجهيز الجيش على قتال«بنى‏المصطلق»عند إخبار«الوليد»بارتدادهم و امتناعهم عن أداء الصدقة؟قلت:ربما يركن الشخص إلى ما لا ينبغي الركون إليه غفلة أولاعتقاده عدالة المخبر1فنزلت الآية الشريفة للتنبيه على غفلتهم أو لسلب‏اعتقادهم عن عدالة«الوليد».و بالجملة:لا إشكال:في أنّ الاعتماد على خبرالفاسق يكون من الجهالة،دون الاعتماد على خبر العادل.و ثانيا:انّه على فرض أن يكون معنى الجهالة عدم العلم بمطابقة الخبرللواقع لا يعارض عموم التعليل للمفهوم،بل المفهوم يكون حاكما على العموم،لأنّه يقتضى إلغاء احتمال مخالفة خبر العادل للواقع و جعله محرزا له و كاشفاعنه فلا يشمله عموم التعليل،لا لأجل تخصيصه بالمفهوم‏لكي يقال:إنّه يأبى عن التخصيص،بل لحكومة المفهوم عليه،فليس خبرالعدل من أفراد العموم،لأنّ أقصى ما يقتضيه العموم هو عدم جواز العمل‏بما وراء العلم،و المفهوم يقتضى أن يكون خبر العدل علما في عالم التشريع،فلايعقل أن يقع التعارض بين المفهوم و عموم التعليل،لأنّ المحكوم لا يعارض‏أمارة مخالفة للواقع،فضلا عن مجرد عدم العلم به إذا كان المقصود به حفظ الواقع،خصوصا في الأمور المهمة،كماهو مورد الآية الشريفة،و حينئذ فلا غرو في دعوى كون الجهالة مطلق عدم العلم.و من هذا البيان ظهر أيضا:أنّ العلة جارية حتى في صورة العمل بما هو حجة لديهم من خبر الثقةو العدل،لأنّ العمل بمثله في مثل حفظ النفوس و الأعراض يوجب الندامة و إن لم يوجب الملازمة،فإذا شمل العلةبهذه القرينة ما هو حجة لديهم أيضا،كان لازمه بمقتضى عموم العلة ردعهم عن مثل هذا العمل مطلقا،و مع هذاالتعميم لا يبقى مجال حكومة المفهوم على عموم العلة،بل عموم العلة موجب لمنع المفهوم،كما لا يخفى،فتدبر.1أقول:بل ربما يكون شدة الاهتمام بشي‏ء لحفظ النّفس و العرض يوجب الإقدام بمجرد الاحتمال‏الضعيف الغير البالغ إلى مرتبة الحجية لدى العقلاء بلا غفلة،كما هو ظاهر.
173
الحاكم و لو كان ظهور المحكوم أقوى من ظهور الحاكم أو كانت النسبة بينهماالعموم من وجه.و السرّ في ذلك:هو أنّ الحاكم إنّما يتعرض لعقد وضع‏المحكوم،إمّا بتوسعة الموضوع بإدخال ما ليس داخلا فيه،و إمّا بتضييقه بإخراج‏ما ليس خارجا عنه،كما ذكرنا تفصيله في«الجزء الرابع»و المفهوم في الآيةيوجب تضييق موضوع العام و إخراج خبر العادل عنه موضوعا بجعله محرزاللواقع.فان قلت:إنّ ذلك كلّه فرع ثبوت المفهوم للقضية الشرطية،و المدّعى‏هو أنّ عموم التعليل و اتصاله بها يمنع عن ظهور القضية في المفهوم.قلت:المانع من ثبوت المفهوم ليس إلاّ توهّم منافاته لعموم التعليل‏و عمومه يقتضى عدم كون القضية ذات مفهوم،و إلاّ فظهورها الأوّلي في المفهوم‏ممّا لا سبيل إلى إنكاره.و بالبيان المتقدم ظهر:أنّه لا منافاة بين المفهوم‏و عموم التعليل.لأنّ ثبوت المفهوم للقضية لا يقتضى تخصيص عمومه،بل‏العموم على حاله،و المفهوم يوجب خروج خبر العادل عن موضوعه لا من حكمه.و لا يكاد يمكن أن يتكفل العام بيان موضوعه من وضع أو رفع،بل إنّما يتكفل‏حكم الموضوع على فرض وجوده،و المفهوم يمنع عن وجوده و يخرج خبر العادل‏عما وراء العلم الّذي هو الموضوع في العام،فلا يعقل أن يقع التعارض بينهما،و ذلك واضح.فظهر:أنّ التفصّي عن الإشكال لا يحتاج إلى القول بأنّ المراد من‏الجهالة ما يقابل الظنّ الاطمئناني.فالآية تدل على حجية كل ظن اطمئناني،كما أفاده الشيخ(قدس سره)فانّ ذلك تبعيد للمسافة،مع إمكان التفصّي عن لإشكال بوجه أقرب،و هو ماتقدم،فتأمّل جيدا.و من الإشكالات التي تختص بآية النبأ أيضا:هو أنّه يلزم خروج‏المورد عن عموم المفهوم،مع أنّ العام يكون نصا في المورد و لا يمكن تخصيصه بما
174
عدا المورد،لأنّه كان مورد نزول الآية الشريفة هو الإخبار بالارتداد،و هو لايثبت إلاّ بالبيّنة-كما هو الشأن في جميع الموضوعات الخارجية-فانّه لا تثبت‏بخبر الواحد إلاّ ما قام الدليل بالخصوص عليه،و إلاّ فحجية الخبر الواحد تختص‏بالأحكام،فلا بد من تقييد عموم المفهوم بما ينطبق على المورد،و حيث إنّ الموردممّا لا يقبل فيه خبر الواحد فلا يدل المفهوم على حجية خبر العدل.و فيه:أنّ المورد إنّما كان إخبار«الوليد الفاسق»بارتداد«بنى‏المصطلق»و الآية الشريفة إنّما نزلت في شأنه لبيان كبرى كلّية،و المورد داخل‏في عموم الكبرى و هي قوله تعالى:«إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا»فانّ خبرالفاسق لا اعتبار به مطلقا،لا في الموضوعات و لا في الأحكام.و أمّا المفهوم فلم‏يرد كبرى لصغرى مفروضة الوجود و التحقق،لأنّه لم يرد في مورد إخبار العادل‏بالارتداد،بل يكون حكم المفهوم من هذه الجهة حكم سائر العمومات‏الابتدائية التي لم ترد في مورد خاص قابل للتخصيص بأي مخصص.فلا مانع‏من تخصيص عموم المفهوم بما عدا الخبر الواحد القائم على الموضوعات‏الخارجية،و لا فرق بين المفهوم و العام الابتدائي،سوى أنّ المفهوم كان ممّاتقتضيه خصوصية في المنطوق استتبعت ثبوت المفهوم،و إلاّ فهو كالعام الابتدائي‏الّذي لم يرد في مورد خاص،و لا ملازمة بين المفهوم و المنطوق من حيث الموردحتى إذا كان المنطوق في مورد خاص فالمفهوم أيضا لا بد و أن يكون في ذلك‏المورد،بل القدر اللازم هو أن يكون الموضوع في المنطوق عين الموضوع في‏المفهوم،فتأمّل.و ممّا ذكرنا ظهر فيما أجاب به الشيخ(قدس سره)عن الإشكال‏بقوله:«و فيه أنّ غاية الأمر لزوم تقييد المفهوم بالنسبة إلى الموضوعات بما إذاتعدد المخبر العادل فكل واحد من خبر العدلين في البيّنة لا يجب التبيّن فيه،و أمّالزوم إخراج المورد فممنوع،لأنّ المورد داخل في منطوق الآية لا مفهومها،و جعل‏أصل خبر الارتداد موردا للحكم بوجوب التبيّن إذا كان المخبر به فاسقا و لعدمه‏
175
إذا كان المخبر به عادلا لا يلزم منه إلاّ تقييد الحكم في طرف المفهوم و إخراج‏بعض أفراده،و هذا ليس من إخراج المورد المستهجن في شي‏ء»انتهى‏1.إذ فيه:أنّه بعد تسليم كون مورد المفهوم هو الخبر بالارتداد2فلا محالةيلزم خروج المورد عن عموم المفهوم،و لا بد حينئذ من تقييد عموم المفهوم بماينطبق على المورد،فإذا كان المورد مما يعتبر فيه التعدد فالمفهوم يختص بالبيّنة و لايصح التمسك به لحجية الخبر الواحد،لما عرفت:من أنّه لا بد و أن يكون كبرى‏لصغرى المورد،فتدبر.و قد أشكل على التمسك بآية النبإ بأمور اخر يختص بمفهوم الآية لا يهمّناالتعرض لها،لأنّها واهية جدّاً.فالأولى التعرض لما لا يختص بالآية من الإشكالات،بل يعمّ جميع‏الأدلة الدالة على حجية خبر العدل.فمنها:وقوع التعارض بينها و بين عموم الآيات الناهية عن العمل‏بالظن و ما وراء العلم،و المرجع بعد التعارض إلى أصالة عدم الحجية.و فيه:ما عرفت سابقا من أنّه لا مجال لتوهّم المعارضة،لأنّ أدلةالحجية التي منها مفهوم الآية تقتضي خروج العمل بخبر العدل عن كونه عملابالظن أو بما وراء العلم بالحكومة،بالبيان المتقدم.هذا مع أنّ النسبة بين المفهوم‏مثلا و الآيات الناهية عن العمل بالظن هي العموم و الخصوص،لأنّه يختص‏1أقول:إذا كان الموضوع في المنطوق البناء الكلي الشامل لخبر الارتداد جزما،لا بد من أخذ مثل‏ذلك في المفهوم أيضا،و حينئذ لا يعقل أن يكون الموضوع في طرف المفهوم كليّا غير ناظر إليه بخصوصه،كي‏يكون كسائر العمومات الابتدائية قابلا للتخصيص كما لا يخفى،فتدبرلم أجد موردا خاصّا لهذه التعليقة.و الظاهر أنّها و التعليقة الآتية تردان على مورد واحد(المصحح).2أقول:لا قصور في أخذ العموم في طرف المفهوم و الحكم بعدم وجوب التبين في خبر العادل مطلقا،غاية الأمر بشرط ضم خبر آخر إليه في باب الارتداد الداخل في العموم جزما،و مجرد أخذ شرط في بعض أفرادالعام لا يوجب تخصيصه أو تقييده بغير هذا الفرد و لا اختصاصه بخصوصية لا يشمل العام خبر الارتداد،كما هوظاهر.
176
بخبر العدل الّذي لا يفيد العلم و لا يعمّ ما يفيد العلم،فانّ المفهوم يتبع المنطوق‏في العموم و الخصوص،و لا إشكال في أنّ المنطوق يختص بخبر الفاسق الّذي لايفيد العلم،كما يظهر من التعليل،فالمفهوم أيضا يختص بذلك و تكون النسبةبينه و بين عموم الآيات العموم و المخصوص،و الصناعة تقتضي تخصيص‏عمومها بما عدا خبر العدل.و ما ربّما يقال:من أنّ الآيات الناهية أيضا مختصة بصورة التمكن من‏العلم و بما عدا البيّنة و بعد تخصيصها بذلك تنقلب النسبة بينها و بين المفهوم‏إلى العموم من وجه بعد ما كانت النسبة العموم و الخصوص المطلق،لأنّ‏المفهوم و إن كان يختص بما لا يفيد العلم و لكن يعمّ صورة التمكن من تحصيل‏العلم و عدمه،و الآيات الناهية و إن كانت أعمّ من خبر العدل و غيره،إلاّ أنهاتختص بصورة التمكن من العلم،فيقع التعارض بينهما في خبر العدل مع التمكن‏من العلم،و بعد التعارض يرجع إلى أصالة عدم الحجية.فضعيف غايته،فانّ انقلاب النسبة مبنىّ على ملاحظة العام أوّلا مع‏بعض المخصصات و تخصيصه به ثم ملاحظة النسبة بينه و بين المخصصات الاخر،فربّما تنقلب النسبة بينه و بينها إلى نسبة أخرى‏1و لكن هذا ممّا لا وجه له،فانّ نسبة العام إلى جميع المخصصات على حدّ سواء و لا بد من تخصيصه بالجميع‏في عرض واحد،إلاّ إذا كان التخصيص بالجميع يوجب الاستيعاب أوالتخصيص المستهجن،و قد ذكرنا تفصيل ذلك بما لا مزيد عليه(في مبحث‏التعادل و التراجيح)ففي المقام خبر العدل و مورد عدم التمكن من العلم و البيّنةو الفتوى كلّها في عرض واحد خارجة عن عموم الآيات الناهية عن العمل‏بالظن بالتخصيص،و ذلك أيضا واضح.1أقول:قد حققنا في محله أنّ انقلاب النسبة مطلقا من أوهن التوهمات،و تعرضنا لكلامه في مبحث‏«التعادل و التراجيح»فراجع و تبصر فيه.
177
و ممّا أورد على التمسك بالآية:هو أنّه لو دلّت على حجية الخبر الواحدلكان من جملة أفراده الإجماع الّذي أخبر به السيّد(ره)على عدم حجية خبرالواحد،فانّه من أفراد الخبر العادل و قد أخبر برأي المعصوم عليه السّلام و هذاالإشكال أيضا لا يختص بمفهوم آية النبأ،بل يعمّ جميع الأدلة.و أنت خبير بما فيه،فانّه يرد عليه-مضافا إلى أنّه من الإجماع المنقول‏الّذي لا اعتبار به و مضافا إلى معارضته بالإجماع الّذي أخبر به الشيخ(ره)على‏حجية خبر العدل-أنّه يلزم من دخول خبر السيّد(ره)خروجه،و لا يمكن أن‏تشتمل أدلة اعتبار أخبار الآحاد ما يلزم من اعتباره عدم اعتباره‏1مع أنّه‏يمكن أن يقال:بقيام الإجماع على عدم اعتبار ما أخبر به السيّد(ره)حتى من‏نفس السيّد(ره)لأنّ حكاية(السيّد)الإجماع على عدم حجية خبر العدل‏يشمل خبر نفسه،فيكون قد حكى الإجماع على عدم اعتبار قوله،فتأمّل.و من الإشكالات التي لا تختص بمفهوم آية النبأ:إشكال شمول أدلةالحجية للأخبار الحاكية لقول الإمام عليه السّلام بواسطة أو بوسائط،كإخبار«الشيخ»عن«المفيد»عن«الصدوق»عن«الصفار»عن العسكري‏عليه السّلام و يمكن تقريب هذا الإشكال بوجوه:الوجه الأوّل:دعوى انصراف الأدلة عن الأخبار بالواسطة.و هذا الوجه ضعيف غايته،فانّه لا موجب للانصراف،مع أنّ كل‏واسطة من الوسائط إنّما تخبر عن الخبر السابق عليها،فكل لا حق يخبر عن سابقه‏بلا واسطة.و يتلو هذا الوجه في الضعف الوجه الثاني و هو دعوى أنّه لا يترتب‏1أقول:هذان الإشكالان مبنيان على شمول خبر«السيّد»جميع الأفراد حتى نفسه،و إلاّ فبناء على‏انصرافه عن نفسه،فلا يرد عليه إشكال.
178
على خبر الوسائط أثر شرعي يصح التعبد به،فانّ المخبر به بخبر«الشيخ»هو قول‏«المفيد»و المخبر به بخبر«المفيد»هو قول«الصدوق ره»و لا أثر لقول«الشيخ ره»و«المفيد»و«الصدوق»بحيث يصح باعتباره التعبد بأخبارهم.و أنت خبير:بأنّه يكفى في صحة التعبد كون المتعبد به مما له دخل في‏موضوع الحكم،و كل واحد من سلسلة الوسائط له دخل في ثبوت قول‏العسكري عليه السّلام لأنّه واقع في طريق إثبات قوله عليه السّلام و هذاالمقدار من الأثر يكفى في صحة التعبد به،فهذا الوجه ضعيف غايته.نعم:يمكن تقريب هذا الإشكال بوجه آخر ليس بهذه المثابة من الضعف،سيأتي‏بيانه(إن شاء اللّه تعالى).الوجه الثالث:دعوى أنّه يلزم إثبات الموضوع بالحكم بالنسبة إلى‏الوسائط1فانّ إخبار«المفيد»للشيخ(قدس سره)و إخبار«الصدوق»للمفيد و إخبار«الصفار»للصدوق ليس محرزا بالوجدان،بل المحرز بالوجدان‏هو إخبار«الشيخ»عن«المفيد»بسماع منه أو أخذه من كتابه،و أمّا الوسائطفليس شي‏ء من أخبارها محرزا بالوجدان،بل إنّما يراد إثباتها بالتعبد و الحكم‏بتصديق العادل،فيلزم أن يكون الحكم بتصديق العادل مثبتا لأصل أخبارالوسائط،مع أنّ خبر الوسائط يكون موضوعا لهذا الحكم،فلا بد و أن يكون الخبرفي المرتبة السابقة محرزا إمّا بالوجدان و أمّا بالتعبد ليحكم عليه بوجوب تصديقه،1أقول:لا يخفى عليك أنّ أساس هذه الإشكالات جعل الإنشاء بالنسبة إلى منشأه من الأحكام من‏قبيل العلة لمعلولاته،فانّه حينئذ له مجال أن يدّعى أنّ العلة الواحدة لا يعقل أن يؤثر في المعاليل المتعددة الطولية،بنحو يكون أحدها موضوع الآخر،بل المعاليل المتعددة إذا انتهت إلى علة واحدة لا يكون إلاّ عرضية بلا طوليةفيها.و لكن قد حققنا كرارا أنّ هذا المعنى في الأحكام التكليفية غلط،بل الإنشاءات في الأحكام التكليفيةمبرزات عن الإرادة،و حينئذ لا غرو في دعوى إبراز إنشاء واحد لإرادات طولية بنحو يكون كل منها موضوعاللآخر،و بعد ذلك ينحسم مادة الإشكال في الأخبار مع الواسطة رأسا،كما لا يخفى على من كان له دراية.
179
لأنّ نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة المعروض إلى العرض،فلا يعقل أن يكون‏الحكم موجدا لموضوعه لاستلزامه الدور المحال.و لكن لا يخفى عليك فساد هذا الوجه أيضا،فانّ الّذي لا يعقل هو إثبات‏الحكم موضوع شخصه،لا إثبات موضوع لحكم آخر،فانّ هذا بمكان من‏الإمكان،و المقام يكون من هذا القبيل،فانّ خبر«المفيد»إنّما يثبت بوجوب‏تصديق الشيخ(ره)في إخباره عنه الّذي فرضنا أنّه محرز بالوجدان،و إذا ثبت‏خبر«المفيد»بوجوب تصديق«الشيخ»يعرض عليه وجوب التصديق،و من‏وجوب تصديق«المفيد»يثبت خبر الصدوق(ره)فيعرض عليه وجوب‏التصديق،و هكذا إلى أن ينتهى إلى أوّل سلسلة الوسائط،فكل حكم لموضوع‏مثبت لموضوع آخر يترتب عليه حكم آخر،فتكون موضوعات متعددة لأحكام‏متعددة،غايته أنّ الأحكام تكون من سنخ واحد،و تعدد الأحكام إنّما ينشأ من‏انحلال قضية«صدّق العادل»كما هو الشأن في جميع القضايا الحقيقية حيث‏إنّها تنحل إلى أحكام متعددة حسب ما لموضوعها من الأفراد.و الحاصل:أنّ خبر المنقول عنه يثبت بالتعبد بتصديق الناقل،فلا يلزم‏إثبات الحكم لموضوع شخصه.الوجه الرابع:هو أنّه يلزم أن يكون الأثر الّذي بلحاظه وجب تصديق‏العادل نفس تصديقه،من دون أن يكون في البين أثر آخر كان وجوب‏التصديق بلحاظه.و توضيح ذلك:هو أنّ التعبد بالأصول و الأمارات القائمة على‏الموضوعات الخارجية إنّما هو باعتبار ما يترتب عليها من الآثار الشرعية،و لا بدأن تكون تلك الآثار مترتبة على الموضوعات بأدلتها ليصح التعبد بالأمارةبلحاظ تلك الآثار،مثلا التعبد بخبر العدل القائم على عدالة«زيد»و وجوب‏تصديقه إنما يكون باعتبار ما يترتب على عدالته من الآثار:من جواز الصلاة
180
خلفه و الطلاق عنده،و نحو ذلك من الآثار الشرعية المترتبة على عدالة«زيد»فلا بد و أن يكون ترتب الأثر على الموضوع مفروغا عنه ليصح التعبد بالأمارة القائمةعلى ذلك الموضوع و الحكم بوجوب تصديقها.فإذا كان الخبر بلا واسطة كإخبار«زرارة»عن الصادق عليه السّلام‏بوجوب شي‏ء أو حرمته،فلا إشكال في صحة التعبد بقول«زرارة»و الحكم‏بوجوب تصديقه،لأنّه يترتب على ذلك قول الصادق عليه السّلام من وجوب‏الشي‏ء أو حرمته.و أمّا إذا كان الخبر مع الواسطة كإخبار«الشيخ»عن«المفيد»عن‏«الصدوق»عن«الصفار»عن العسكري عليه السّلام فالتعبد بخبر«الشيخ»و وجوب تصديقه في إخباره عن«المفيد»ممّا لا يترتب عليه أثر شرعي سوى‏نفس هذا الحكم و هو وجوب التصديق،و وجوب التصديق و إن كان من الأحكام‏و الآثار الشرعية،إلاّ أنّه لا بد و أن يكون بلحاظ ما يترتب على المخبر به بخبر العادل‏من الآثار،و لا يعقل أن يكون الحكم بوجوب التصديق بلحاظ نفسه.و بعبارة أخرى:إنّ إخبار«الشيخ»عن«المفيد»و إن كان يترتب‏عليه أثر شرعي و هو وجوب تصديقه،إلاّ أنّ هذا الأثر لم يكن ثابتا لخبر«الشيخ»مع قطع النّظر عن دليل اعتبار قوله و الحكم بوجوب تصديقه،بل‏جاء من نفس وجوب التصديق،فيلزم أن يكون الأثر الّذي بلحاظه وجوب‏تصديق العادل نفس وجوب التصديق و هو لا يعقل.و قد ظهر:أنّ هذا الإشكال لا يختص بالوسائط،بل يأتي في آخرالسلسلة و هو إخبار«الشيخ»المحرز بالوجدان،بخلاف الإشكال الثالث،فانّه‏يختص بالوسائط و لا يشمل آخر السلسلة.و لا يخفى:أنّ هذا الإشكال إنّما يتوجه بناء على أن يكون المجعول في‏باب الأمارات منشأ انتزاع الحجية.أمّا بناء على ما هو المختار:من أنّ المجعول في‏
181
باب الطرق و الأمارات نفس الكاشفية و الوسطية في الإثبات‏1فلا إشكال‏حتى نحتاج إلى التفصي عنه،فانّه لا يلزم شي‏ء ممّا ذكر،لأنّ المجعول في‏جميع السلسلة هو الطريقية إلى ما تؤدّى إليه أيّ شي‏ء كان المؤدّى،فقول‏«الشيخ»طريق إلى قول«المفيد»و قول«المفيد»طريق إلى قول«الصدوق»و هكذا إلى أن ينتهى إلى قول«زرارة»الحاكي لقول الإمام عليه السّلام‏و لا يحتاج في جعل الطريقية إلى أن يكون في نفس مؤدّى الطريق أثر شرعي،بل يكفى الانتهاء إلى الأثر و لو بألف واسطة-كما في المقام-فانّ جعل الطريقيةلأقوال السلسلة لمكان أنّها تنتهي إلى قول الإمام عليه السّلام فتكون جميع‏الأقوال واقعة في طريق إثبات الحكم الشرعي،فتأمّل.و يمكن تقريب«الوجه الرابع»بوجه آخر لعلّه يأتي حتى بناء على‏المختار:من كون المجعول نفس الطريقية،و إن شئت فاجعله«خامس الوجوه»و هو أنّه لو عمّ دليل الاعتبار للخبر مع الواسطة يلزم أن يكون الدليل حاكما على‏نفسه و يتحد الحاكم و المحكوم.و تقريب ذلك:هو أنّ أدلة اعتبار الأصول و الأمارات إنّما تكون‏حاكمة على الأدلة الأوّلية المتكفلة لبيان الأحكام المترتبة على موضوعاتهاالواقعية:من الواجبات و المحرمات و غير ذلك من الأحكام التكليفية و الوضعيّة،و معنى حكومتها هو أنّها مثبتة لتلك الأحكام،فلو فرضنا أنّ مؤدّى الأمارة كان‏إخبار العدل كإخبار«الشيخ»عن«المفيد»فالذي يترتب على إخبار«الشيخ»هو وجوب تصديقه،و مفاد الدليل الدال على اعتبار قول«الشيخ»أيضا هو وجوب التصديق،و المفروض أنّ دليل الاعتبار يكون حاكما على‏1أقول:المجعول في الأمارة على فرض كونه الوسطية،ما لمراد من الوسطية؟فان كان المراد وسطيته‏لإثبات حكم متعلقه،فلا محيص من الالتزام بحكم للمتعلق كي يكون الوسط المزبور يثبت حكمه.و إن كان‏المراد الوسطية لإثبات حكم و لو غير حكم متعلقه،فمن الأوّل نلتزم بكفاية جعل أوّل السلسلة لإثبات مضمون‏آخر السلسلة،بلا احتياج إلى شمول الدليل للوسائط،و لا أظنّ التزامك به.
182
الأحكام الواقعية،و الحكم الواقعي المترتب على خبر«الشيخ»هو وجوب‏تصديقه الجائي من قبل دليل الاعتبار،و مفاد دليل الاعتبار أيضا هو وجوب‏التصديق،فيلزم أن يكون وجوب التصديق حاكما على نفسه.و نظير هذا الإشكال يأتي في حكومة الأصل السببي على الأصل‏المسببي،فانّ في كل من الشك السببي و المسببي يقين سابق و شك لا حق،فيعمّه دليل اعتبار الاستصحاب،و ليس في البين إلاّ قوله عليه السّلام «لاتنقض اليقين بالشك»فلو كان الأصل السببي حاكما على الأصل المسببي كان‏دليل الاعتبار حاكما على نفسه.نعم:لو كان لكل من الأصل الجاري في‏الشك السببي و المسببي دليل يخصه أمكن أن يكون أحد الدليلين حاكما على‏الآخر،هذا.و التحقيق في حلّ الإشكال الرابع-مع ما يتلوه من الوجه‏الخامس-هو أن يقال:إنّ دليل الاعتبار و إن كان بحسب الصورة قضيةواحدة،إلاّ أنّه ينحل إلى قضايا متعددة و يكون الملحوظ فيه طبيعةالأثر1فإذا فرضنا أنّ سلسلة سند الروايات تنتهي بالأخرة إلى الروايةالحاكية لقول الإمام عليه السّلام فدليل التعبد ينحل إلى قضايا متعددةحسب تعدد السلسلة،و يكون لكل منها أثر يخصه غير الأثر المترتب على الآخر،و لا يلزم اتحاد الحاكم و المحكوم،بل تكون كل قضية حاكمة على غيرها،فانّ‏المخبر به بخبر«الصفار»الحاكي لقول العسكري عليه السّلام في مبدأ السلسلةلما كان حكما شرعيا من وجوب الشي‏ء أو حرمته وجب تصديق«الصفار»في‏إخباره عن العسكري عليه السّلام بمقتضى أدلة خبر العادل،فيكون وجوب‏1أقول:مجرد انحلال القضية إلى قضايا متعددة لو لا ما ذكرنا،لا يجدى لرفع الإشكال،لأنّ البرهان‏المزبور يوجب أن يكون القضايا المتعددة عرضية لا طولية،و مع ذلك كيف يصلح الانحلال المزبور لرفع‏الإشكال؟فتدبر.
183
تصديق«الصفار»من الآثار الشرعية المترتبة على خبر«الصفار»ف«الصدوق»الحاكي لقول«الصفار»قد حكى موضوعا ذا أثر شرعي،فيعمّ قول‏«الصدوق»دليل الاعتبار و يجب تصديقه في إخبار«الصفار»له،فيكون‏وجوب التصديق أثرا شرعيّا رتّب على قول«الصدوق».ثمّ إنّ«المفيد»الحاكي لقول«الصدوق»قد حكى موضوعا ذا أثر شرعي فيجب تصديقه‏أيضا،و هكذا إلى أن ينتهى إلى قول«الشيخ»المحرز بالوجدان،فكل لا حق‏يخبر عن موضوع سابق ذي أثر،غايته أنّ الآثار تكون من سنخ واحد،و لا محذورفي ذلك إذا انتهت الآثار إلى أثر مغاير،و هو وجوب الشي‏ء أو حرمته الّذي‏حكاه عن الإمام عليه السّلام مبدأ السلسلة و هو«الصفار»فلا يلزم أن يكون‏الأثر المترتب على التعبد بالخبر بلحاظ نفسه و لا حكومة الدليل على‏نفسه‏1لما عرفت من تغاير الآثار و تغاير الحاكم و المحكوم.أمّا الأوّل:فلأنّ أثر التعبد بكل خبر باعتبار ما يترتب عليه من وجوب‏التصديق في المرتبة السابقة على التعبد به.و أمّا الثاني:فلأنّ دليل الاعتبار اللاحق يكون حاكما على الحكم‏المترتب على الموضوع السابق عليه،و المنشأ في ذلك هو انحلال قضية وجوب‏تصديق العادل و انتهاء أخبار السلسلة إلى قول الإمام عليه السّلام فبهذه‏المقدمتين يرتفع الإشكال الرابع و الخامس.1لا يخفى:أنّ طريق حل«الإشكال الثالث»و هو إثبات الموضوع بالحكم مع طريق حل«الإشكال‏الرابع»و ان كان أمرا واحدا،و هو انحلال القضية إلى قضايا متعددة،إلاّ أنّ حل«الإشكال الثالث»إنّما يكون‏بلحاظ آخر السلسلة و هو خبر«الشيخ»المحرز بالوجدان،فانّ وجوب تصديق«الشيخ»هو الّذي يثبت موضوعاآخر و هو خبر«المفيد»عن«الصدوق»و حل«الإشكال الرابع»إنّما هو بلحاظ مبدأ السلسلة و هو الراوي عن‏الإمام عليه السّلام فانّ وجوب تصديق«الصفار»هو الّذي يترتب عليه الأثر غير وجوب التصديق،و هو ثبوت‏قول العسكري عليه السّلام ثم يكون وجوب تصديق«الصفار»أثرا لإخبار«الصدوق»عنه،و هكذا إلى أن‏ينتهى إلى آخر السلسلة(منه).
184
و من ذلك يظهر:عدم الإشكال في حكومة الأصل السببي على‏الأصل المسببي فانّ انحلال قوله عليه السّلام «لا تنقض اليقين بالشك»إلى‏ما لليقين و الشك من الأفراد يقتضى حكومة أحد الفردين على الآخر،لاحكومته على نفسه،كحكومة أحد فردي دليل الاعتبار فيما نحن فيه على الآخر،غايته أنّ الحكومة في باب الأصل السببي و المسببي تقتضي إخراج الأصل‏المسببي عن تحت قوله عليه السّلام «لا تنقض اليقين بالشك»و حكومة دليل‏الاعتبار فيما نحن فيه تقتضي إدخال فرد في دليل الاعتبار،فانّ وجوب تصديق‏«الشيخ»في إخباره عن«المفيد»يقتضى وجوب تصديق«المفيد»في إخباره‏عن الصدوق(ره)فوجوب تصديق«الشيخ»يدخل فردا تحت عموم وجوب‏التصديق بحيث لولاه لما كان داخلا فيه.و لعلّ خفاء الفرق بين الحكومة في الأصل السببي و المسببي و فيما نحن‏فيه و أنّ هناك بإخراج فرد عن العموم و في المقام بإدخال فرد فيه،أوجب أن‏يضرب على عبارة الشيخ(قدس سره)في بعض نسخ«الرسائل»ممّا كانت‏تتضمن تنظير المقام بالأصل السببي و المسببي.و لا يخفى أنّ عبارة«الشيخ»في بيان الإشكالات و الأجوبة مضطربة،فانّ جملة من العبارة تتكفل الإشكال الثالث،و جملة منها تتكفل الإشكال الرابع،و لذا قد ضرب على كثير من نسخ الكتاب في هذا المقام،و عليك بالتأمّل التام‏فيما ذكرناه.هذا تمام الكلام فيما يتعلق بآية النبأ من تقريب الاستدلال بهاو الإشكالات المتوجهة عليه.و قد بقي بعض الإشكالات و لكن لا يهم التعرض لها،لوضوح فسادها،فراجع فرائد الشيخ(قدس سره).و من جملة الآيات التي استدل بها على حجية أخبار الآحاد قوله تعالى:« فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا
185
إليهم لعلّهم يحذرون
» (1) و تقريب الاستدلال بها على وجه يندفع ما أوردعلى الاستدلال بها يتركب من أمور:الأمر الأوّل:كلمة«لعلّ»مهما تستعمل تدل على أنّ ما يتلوها يكون من‏العلل الغائية لما قبلها1سواء في ذلك التكوينيات و التشريعيات و سواءكان ما يتلوها من الأفعال الاختيارية التي يمكن تعلق الإرادة بها أو من‏الموضوعات الخارجية التي لا يصلح أن يتعلق بها إرادة،فانّه على جميع التقاديركلمة«لعلّ»تقتضي أن يكون ما يتلوها علة غائية لما قبلها،فإذا كان ما يتلوهامن الأفعال الاختيارية التي تصلح لأن يتعلق بها الإرادة الفاعلية و الآمريةكان لا محالة بحكم ما قبلها،فان كان ما قبلها واجبا يكون ما يتلوها أيضاواجبا،و إن كان مستحبا فكذلك،فانّ جعل الفعل الاختياري غاية للواجب‏أو للمستحب يلازم وجوب ذلك الفعل أو استحبابه،و إلاّ لم يكن من العلل‏الغائية.و بالجملة:لا إشكال في استفادة الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب‏علته الغائية إذا صح أن يتعلق الطلب بها من حيث كونها فعلا اختياريا قابل‏لتعلق الإرادة به،و في الآية الشريفة جعل التحذر علة غائية للإنذار،و لما كان‏الإنذار واجبا كان التحذر أيضا واجبا.و سيأتي أن المراد من«التحذر»هو التحذر من حيث العمل بقول‏المنذر لا مجرد الخوف،فهو من الأفعال الاختيارية التي يصح أن يتعلق‏1أقول:الّذي يمكن أن يدّعى أنّ مورد استعمال هذه الكلمة أوسع من مورد الغاية،كيف و في قوله‏«عللك أن تركع يوما و الدهر قد رفعه»ليس كونه غاية لعدم الإهانة؟بل هذه الكلمة في أمثال المقام مستعملة في‏مجرد إبداء الاحتمال بلا مطلوبية في مدخوله،كما في قولنا«لا تدخله في بيتك لعله عدوك»و من هنا أيضا ظهرما في توهّم إشراب جهة مطلوبية في مضمون تاليه كما لا يخفى،فتدبر.
1)التوبة الآية 122

186
التكليف بها،و إذا تأمّل الشخص في موارد استعمال كلمة«لعلّ»يرى أنّ في‏جميع الموارد ما بعدها يكون في حكم ما قبلها من حيث الوجوب و الاستحباب‏إن كان ما بعدها من الأفعال الاختيارية.الأمر الثاني:المراد من الجمع‏1في قوله تعالى«ليتفقهوا»و في قوله‏«لينذروا»و في قوله«ليحذروا»هو الجمع الاستغراقي الأفرادي،لا المجموعي‏الارتباطي،لوضوح أنّ المكلف بالتفقه هو كل فرد فرد من أفراد الطائفةالنافرين أو المتخلفين-على الوجهين في تفسير الآية-و ليس المراد تفقه مجموع‏الطائفة من حيث المجموع،كما أنّه ليس المراد إنذار المجموع من حيث المجموع،بل المراد أن يتفقه كل واحد من النافرين أو المتخلفين و ينذر كل واحد منهم.و بالجملة:كما أنّ المراد من الجمع في قوله تعالى«يحذرون»هو الجمع‏الاستغراقي الأفرادي،كذلك المراد من الجمع في قوله تعالى«ليتفقهوا»و«لينذروا»هو الجمع الأفرادي.الأمر الثالث:ليس المراد من الحذر مجرد الخوف و التحذر القلبي،بل‏المراد منه هو التحذر الخارجي،و هو يحصل بالعمل بقول المنذر و تصديق قوله‏و الجري على ما يقتضيه من الحركة و السكون.و ليس المراد أيضا الحذر عندحصول العلم من قول المنذر،بل مقتضى الإطلاق و العموم الاستغراقي في قوله‏تعالى«لينذروا»هو وجوب الحذر مطلقا،حصل العلم من قول المنذر أو لم‏1أقول:أظنّ أنّ غرضه من هذه المقدمة دفع توهّم حمل الإنذار منهم على ما يفيد العلم للمتخلفين‏بخيال أنّ ما يفيد العلم هو إنذار مجموعهم،لا كل واحد.و فيه:أنّ وجوب الإنذار على كل واحد بنحو الاستغراق أيضا لا ينافى مع حمل الآية على صورة إفادةإنذارهم للعلم نظرا إلى إهمال الآية من هذه الجهة كما سيأتي،و حينئذ العمدة دفع الإهمال من هذه الجهة،و إلاّفمجرد وجوب الإنذار على كل واحد واحد غير مفيد.
187
يحصل،غايته أنّه يجب تقييد إطلاقه بما إذا كان المنذر عدلا،لقيام الدليل على‏عدم وجوب العمل بقول الفاسق،كما هو مفاد منطوق آية النبأ.و بعد العلم بهذه الأمور لا أظن يشك أحد في دلالة الآية الشريفةعلى حجية خبر العدل،فانّ مفادها بعد ضمّ الأمور السابقة،هو وجوب قبول‏قول المنذر و الحذر منه عملا عند إخباره بما تفقه من الحكم الشرعي إذا كان‏المنذر عدلا،و لا نعنى بحجية خبر الواحد إلاّ ذلك،فيكون مفاد الآية الشريفةمفاد سائر الأدلة الدالة على حجية قول العدل في الأحكام.و بما ذكرنا من تقريب الاستدلال يمكن دفع جميع ما ذكر من‏الإشكالات على التمسك بالآية الشريفة.منها:انّ غاية ما تدل عليه الآية هو مطلوبية الحذر عقيب الإنذار،إلاّأنّها ليس لها إطلاق يعمّ صورة عدم حصول العلم من قول المنذر.و أنت خبير:بأنّه بعد ما عرفت من أنّ المراد من الجمع هو العام‏الاستغراقي لا يبقى موقع لهذا الإشكال،فانّه أيّ إطلاق يكون أقوى من إطلاق‏الآية بالنسبة إلى حالتي حصول العلم من قول المنذر و عدمه‏1و منها:انّ وجوب الحذر إنّما يكون عقيب إنذار المنذر بما تفقّه،و التفقّه‏عبارة عن العلم بأحكام الدين من الواجبات و المحرمات الواقعية،فلا بد و أن‏يكون المنذر(بالفتح)عالما بأن إنذار المنذر(بالكسر)كان بالمحرمات‏و الواجبات الواقعية،فيختص اعتبار قول المنذر بما إذا حصل للمنذر(بالفتح)العلم بالحكم الشرعي من قوله،و لا يخفى أنّ هذا الإشكال و إن كان بالنتيجةيتحد مع الإشكال السابق،إلاّ أنّ طريق الإشكال يختلف،كما هو واضح.1أقول:بعد عدم الملازمة بين العموم المزبور مع إطلاق الإنذار لا معنى لهذا الاستنتاج في المقام،بل‏العمدة إثبات الإطلاق المزبور،و هو أوّل الكلام،لإمكان دعوى إهمال القضية من حيث الحال،مع فرض عموم‏الإنذار استغراقا أفراديا.
188
و هذا الإشكال يتلو السابق في الفساد،فانّ نفس الآية تدل على ماأنذر به المنذر يكون من الأحكام،لأنّ قول المنذر إذا جعل طريقا إليها و محرزالها فيجب اتباع قوله و البناء على أنّه هو الواقع،كما هو الشأن في سائر الأدلةالدالة على اعتبار الطرق و الأمارات،فانّ نتيجة دليل الاعتبار كون مؤدّى‏الطريق هو الواقع،لا يجعل المؤدى حتى يرجع إلى التصويب‏1بل جعل‏الطريقية يقتضى ذلك،و من هنا كانت أدلتها حاكمة على الأدلة المتكفلةللأحكام الواقعية،فالآية بنفسها تدل على أنّ ما أنذر به المنذر يكون من‏الأحكام الواقعية.و منها:انّ الحذر إنّما يجب عقيب الإنذار2و الإنذار ليس‏مطلق الإخبار عن الحكم،بل هو الإخبار المشتمل على التخويف،و التخويف‏ليس من شأن الراوي،بل هو من شأن المفتي و الواعظ،فالآية تدل على حجيةقول المفتي لا قول الراوي.و فيه:أنّ الإنذار و إن كان هو الإخبار المشتمل على التخويف،إلاّ أنّه‏أعم من الصراحة و الضمنية3فانّه يصدق الإنذار على الإخبار المتضمن‏للتخويف ضمنا و إن لم يصرح به المنذر،و إلاّ لم يصدق الإنذار على فتوى المفتي،فانّه ليس في الفتوى التصريح بالتخويف،مع أن المستشكل سلّم صدق‏الإنذار على الفتوى،و لا فرق بين الفتوى و الرواية في أن كلاّ منهما يشتمل على‏1لا يخفى ما في العبارة من الاضطراب،و لعلّ الصحيح«لا جعل المؤدّى واقعا»(المصحح)2أقول:صورة الشبهة غير مستقيم،لأنّ إنذار كل واحد و لو فاسقا إنذار بالحكم الواقعي كإخباره،و التحذر من هذا الإنذار لا يقتضى العلم بالحكم،بل يكفى فيه حجية قوله،كما هو الشأن في كل خبر بشي‏ء،و حيث إنّه ينوط بإطلاق الآية من حيث الحال،فيكون ذلك من تبعات الإشكال السابق،و ليس إشكال آخرمتحدا معه نتيجة،فتدبر.3أقول:عمدة نظر المستشكل إلى احتياج الإنذار و التخويف من شخص إلى الالتفات بلازم تخويفه‏و بعنوانه،و مثل هذا المعنى لا يصدق على العامي البحث الحاكي لمسموعاته من الإمام عليه السّلام فتعميم‏التخويف إلى الصراحة و الضمنية أجنبي عن جهة الإشكال،كما لا يخفى.
189
التخويف ضمنا،فانّ الإخبار بالوجوب يتضمن الإخبار بما يستتبع مخالفته من‏العقاب.فالإنصاف:أنّ الآية لو لم تكن أظهر من آية النبأ في الدلالة على‏حجية خبر العدل فلا تقصر عنها،فتأمّل جيّدا1و قد استدل على حجية الخبر الواحد بآيات اخر،كآية السؤال و آيةالتصديق،و لكن في دلالتها تأمّل،فراجع فرائد الشيخ(قدس سره).و أمّا السنّة فهي على طوائف:منها:الأخبار العلاجية (1) المتكفلة لبيان حكم الروايات‏المتعارضة من الترجيح بالأشهرية و الأورعية و الأوثقية و غير ذلك من المرجحات،و مع فقدها فالتخيير،فانّها ظاهرة الدلالة في حجية الخبر الواحد عند عدم ابتلائه‏بالمعارض و وجوب الأخذ به مع عدم العلم بصدوره أو بمضمونه،لأنّ الترجيح‏بالأوثقية و الأعدلية لا يكاد يمكن إلا مع عدم العلم بالصدور و المضمون.نعم:ليس فيها إطلاق يعمّ جميع أخبار الآحاد،لأنّ إطلاقها مسوق‏لبيان حكم التعارض،و القدر المتيقن دلالتها على حجية الخبر الموثوق به صدوراأو مضمونا2كما يدل على الأوّل الترجيح باشتهار الرواية بين الرّواة أو1أقول:و للتأمل فيه مجال.2أقول:في كون مطلق الوثوق قدرا متيقنا من هذه الأخبار نظر،بل الّذي هو القدر المتيقن صورةعدالة الراوي بجميع طبقاته المسمى عند أرباب الحديث ب«الصحيح الأعلائي»كما لا يخفى،كما أنه يمكن‏دعوى أن«الثقة»المسئول عنه في الروايات عن الإمام أو الواقع في كلام الإمام عليه السّلام هو العدالة لا مطلق‏من يتحرز عن الكذب و لو كان فاسقا،و حينئذ استفادة حجية الخبر الموثق من مجموع هذه الروايات مشكل لو لادعوى السيرة و الإجماع العملي في مقام استنباط الأحكام على مثله،خصوصا مع عدم الكفاية عندهم مجردخبر العادل خصوصا بجميع طبقاته في استنباط ما هو المعلوم بالإجمال عندهم من الأحكام.و لكن مع ذلك أمكن أن يقال في الانتقال من تعبير العدالة إلى الوثاقة:ربما يستظهر أن المناط في الحجية
1)راجع الوسائل:الباب 9 من أبواب صفات القاضي‏

190
وثاقة الراوي و عدالته-فانّ هذه المرجحات كلها ترجع إلى اعتبار الخبر الموثوق‏صدوره-و على الثاني الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة.و منها:الأخبار الواردة في إرجاع الأئمة صلوات اللّه عليهم-بعض‏الصحابة إلى بعض في أخذ الفتوى و الرواية،كإرجاعه عليه السّلام إلى‏«زرارة»بقوله عليه السّلام «إذا أردت حديثا فعليك بهذا الجالس» (1) و أشار إلى«زرارة»و قوله عليه السّلام «و أمّا ما رواه زرارة عن أبي فلا يجوزردّه» (2) و قوله عليه السّلام «العمري ثقة فما أدّى إليك عنّي فعنّي‏يؤدّى» (3) و غير ذلك من الأخبار التي يستفاد منها اعتبار الخبر الموثوق به،و هي‏كثيرة مستفيضة.و منها:ما دل على وجوب الرجوع إلى الرّواة و العلماء،كقوله‏عليه السّلام في خبر الإحتجاج:«و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواةحديثنا»الخبر (4) .و منها:الأخبار الواردة في الرجوع إلى كتب«بنى فضّال» (5) .و لا إشكال في أنّه يستفاد من المجموع اعتبار الخبر الموثوق به،بل‏يستفاد من بعضها أنّ الاعتماد على خبر الثقة كان مفروغا عنه عند الصحابةمرتكزا في أذهانهم،و لذلك ورد في كثير من الأخبار السؤال عن وثاقة الراوي،بحيث يظهر منها أنّ الكبرى مسلّمة و السؤال كان عن الصغرى.هو هذه الجهة،و إن كان الموثق عند الإمام عليه السّلام فوق العدالة،مؤيّدا ذلك بالإرجاع إلى كتب«بنى‏فضال»لمحض وثاقتهم كما لا يخفى.
1)الوسائل:الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 19
2)الوسائل:الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 17
3)الوسائل:الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 4
4)الوسائل:الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 9
5)الوسائل:الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 13

191
و لا يتوهّم:أنّ هذه الأخبار من أخبار الآحاد و لا يصح الاستدلال بهالمثل المسألة،فانّها لو لم تكن أغلب الطوائف متواترة معنى فلا إشكال في أنّ‏مجموعها متواترة إجمالا،للعلم بصدور بعضها عنهم صلوات اللّه عليهم أجمعين).و الإنصاف:أنّ التتبع في هذه الأخبار يوجب القطع باعتبار الخبرالموثوق به.و أمّا الإجماع:فقد ذكر في تقريره وجوه:من الإجماع القولي،و العملي،و سيرة المسلمين،و طريقة العقلاء.و ينبغي أوّلا بيان الفرق بين هذه الوجوه،ثم نعقّبه بصحةالاستدلال بها،فنقول:أمّا الإجماع القولي:فهو عبارة عن اتفاق أرباب الفتوى على الفتوى‏بحكم فرعي أو أصولي.و طريق إحراز ذلك إنّما يكون من تتبع أقوالهم في كتبهم‏و رسائلهم.و أمّا الإجماع العملي:فهو عبارة عن عمل المجتهدين في المسألةالأصولية،بحيث يستندون إليها في مقام الاستنباط و يعتمدون عليها عندالفتوى،كإجماعهم على التمسك بالاستصحاب في أبواب الفقه،سواء أجمعوا على‏الفتوى بحجيته أيضا،أو كان مجرد الإجماع على الاستناد إليه في مقام‏الاستنباط،غايته أنّه في صورة الإجماع على الفتوى يجتمع الإجماع القولي‏و العملي.فالإجماع العملي لا يكون إلاّ في المسائل الأصولية التي تقع في طريق‏الاستنباط،و لا معنى للإجماع العملي في المسائل الفرعية،لاشتراك المجتهد في‏العمل بها مع غيره،و ليس العمل في المسألة الفرعية من مختصات المجتهد بما أنّه‏مجتهد،و الإجماع الّذي يكون من الأدلة إنّما هو إجماع المجتهدين بما أنّهم مجتهدون،فالإجماع العملي لا يكاد يتحقق في المسائل الفرعية،بل يختص بالمسائل‏الأصولية.
192
و أمّا السيرة:فهي عبارة عن عمل المسلمين بما أنّهم مسلمون و ملتزمون‏بأحكام الشريعة،و لا إشكال في كشفها عن رضاء صاحب الشريعة إذا علم‏استمرارها إلى ذلك الزمان،إذ من المستبعد جدا بل من المحال عادة استقرارسيرة المسلمين و استمرار عملهم على الشي‏ء من عند أنفسهم من دون أن يكون‏ذلك بأمر الشارع و دستوره،و لو سلّم أنّه يمكن تحقق السيرة بلا أمر منه،فلاأقل من أنّها تكشف عن رضاه،و إلاّ كان عليه الردع إظهارا للحق و إزاحةللباطل.نعم:يعتبر في حجية السيرة أن تكون من الملتزمين بالشريعة و المتدينين‏بها،فلا عبرة بسيرة العوام الذين لا يبالون بمخالفة آداب الشريعة و يصغون إلى‏كل ناعق،لوضوح أنّ سيرتهم لا تكشف عن رضا المعصوم،لعدم ارتداعهم‏بردعه.و أمّا طريقة العقلاء:1فهي عبارة عن استمرار عمل العقلاءبما هم عقلاء على شي‏ء سواء انتحلوا إلى ملّة و دين أو لم ينتحلوا،و منهم‏المسلمون،و سواء كان ما استمرت عليه طريقتهم من المسائل الأصولية أو من‏المسائل الفقهية.و قد يعبّر عن الطريقية العقلائية ببناء العرف،و المراد منه‏العرف العام،كما يقال:إنّ بناء العرف في المعاملة الكذائية على كذا،و ليس‏بناء العرف شيئا يقابل الطريقة العقلائية.و لا إشكال أيضا في اعتبار الطريقةالعقلائية و صحة التمسك بها،فانّ مبدأ الطريقة العقلائية لا يخلو:إمّا أن يكون‏لقهر قاهر و جبر سلطان جائر قهر جميع عقلاء عصره على تلك الطريقة و اتخذهاالعقلاء في الزمان المتأخر طريقة لهم و استمرت إلى أن صارت من مرتكزاتهم،و إمّا أن يكون مبدئها أمر نبيّ من الأنبياء بها في عصر حتى استمرت،و إمّا أن‏1أقول:قد نقّحنا المقام في طي كلامه في تقريب الآيات الناهية للمنع عن العمل بالظن في أوّل‏المسألة،فراجع.
193
تكون ناشئة عن فطرتهم المرتكزة في أذهانهم حسب ما أودعها اللّه تعالى في طباعهم‏بمقتضى الحكمة البالغة حفظا للنظام.و لا يخفى بعد الوجه الأوّل بل استحالته عادة،و كذا الوجه الثاني،فالمتعين هو الوجه الثالث،و لكن على جميع الوجوه الثلاث يصح الاعتماد عليهاو الاتكال بها،فانّها إذا كانت مستمرة إلى زمان الشارع و كانت بمنظر منه‏و مسمع و كان متمكنا من ردعهم،و مع هذا لم يردع فلا محالة يكشف‏كشفا قطعيا عن رضاء صاحب الشرع بالطريقة،و إلاّ لردع عنها كما ردع عن‏كثير من بناءات الجاهلية،و لو كان قد ردع عنها لنقل إلينا لتوفّر الدواعي إلى‏نقله.و من ذلك يظهر:أنّه لا يحتاج في اعتبار الطريقة العقلائية إلى إمضاءصاحب الشرع لها و التصريح باعتبارها،بل يكفى عدم الردع عنها،فانّ عدم‏الردع عنها مع التمكن منه يلازم الرضاء بها و إن لم يصرح بالإمضاء.نعم:لا يبعد الحاجة إلى الإمضاء في باب المعاملات‏1لأنّهامن الأمور الاعتبارية التي تتوقف صحتها على اعتبارها،و لو كان المعتبر غيرالشارع فلا بد من إمضاء ذلك و لو بالعموم أو الإطلاق.و تظهر الثمرة في المعاملات‏المستحدثة التي لم تكن في زمان الشارع كالمعاملة المعروفة في هذا الزمان‏ب«البيمة»فانّها إذا لم تندرج في عموم«أحلّ اللّه»و«أوفوا بالعقود»و نحوذلك،فلا يجوز ترتيب آثار الصحة عليها.و إذ قد عرفت الفرق بين هذه الوجوه الأربعة في تقرير الإجماع‏فاعلم:أنّه يصح التمسك بالإجماع القولي المحكي عن الشيخ‏1أقول:لا فرق في المقامين بعد تسليم أنّ عدم ردعه عنهم يكشف عن رضائه بعملهم،كما أنّ هذاالكشف أيضا في صورة وجود المعاملة في زمانه و كونها بمرأى منه عليه السّلام و مسمعه،و عدم مانع خارجي عن‏ردعه،فانّ ذلك يلازم الإمضاء الكاشف عن أنّ اعتبار الشارع أيضا على وفق اعتبارهم،كما لا يخفى.
194
(قدس سره)على اعتبار حجية خبر الثقة إذا فرض أنّه يكشف كشفا قطعيا عن‏رأي المعصوم عليه السّلام و عن وجود دليل معتبر عند الكل،و إلاّ فلا عبرة به.و أمّا الإجماع العملي:فهو و إن كان متحققا في المقام،لما عرفت في‏صدر المبحث من حصول الاتفاق على التمسك بما في الكتب المعتبرة من‏الأخبار،إلاّ أنّه لا يصح التمسك للمقام بمثل هذا الإجماع العملي و الاعتمادعليه،لما تقدم من اختلاف مشرب المجمعين في ذلك،فانّ بعضهم يعمل بهالكونها مقطوعة الصدور في نظره،و بعضهم يعمل بها لكونها تفيد الظن مع بنائه‏على حجية مطلق الظن بدليل الانسداد،و بعضهم يعمل بها لكونها ممّا قام‏الدليل على اعتبارها،فالإجماع العملي في المقام يكون من الإجماع التقييدي‏الّذي لا عبرة به في شي‏ء من المقامات.و أمّا سيرة المسلمين:فلا إشكال في حجيتها و الاعتماد عليها،لكن‏إذا كان الّذي قامت السيرة عليه من الأمورات التوقيفية التي من شأنها أن‏تتلقى من الشارع،فانّها تكشف لا محالة عن الجعل الشرعي فيما قامت السيرةعليه.و أمّا في الأمورات الغير التوقيفية التي كانت تنالها يد العرف و العقلاء قبل‏الشرع،فمن المحتمل قريبا رجوع سيرة المسلمين إلى طريقة العقلاء.و لكن ذلك‏لا يضرّ جواز الاستدلال بها،فانّه كما أنّ استمرار طريقة العقلاء يكشف عن‏رضاء صاحب الشرع بها،كذلك سيرة المسلمين تكشف عن ذلك،غايته أنّه‏في مورد اجتماع السيرة و الطريقة تكونان من قبيل تعدد الدليل على أمر واحدو ذلك لا يضرّ بصحة الاستدلال بعمل واحد منهما،و لا إشكال في قيام سيرةالمسلمين على العمل بخبر الثقة و استمرارها إلى زمان الأئمة صلوات اللّه عليهم)فتكون السيرة من جملة الأدلة الدالة على حجية خبر الثقة.و أمّا طريقة العقلاء:فهي عمدة أدلة الباب،بحيث لو فرض أنّه‏كان سبيل إلى المناقشة في بقية الأدلة فلا سبيل إلى المناقشة في الطريقةالعقلائية القائمة على الاعتماد بخبر الثقة و الاتكال عليه في محاوراتهم،بل على‏
195
ذلك يدور رحى نظامهم.و يمكن أن يكون ما ورد من الأخبار المتكفلة لبيان جواز العمل‏بخبر الثقة من الطوائف المتقدمة كلها إمضاء لما عليه بناء العقلاء و ليست في‏مقام تأسيس جواز العمل به،لما تقدم من أنّه ليس للشارع في تبليغ أو امره‏طريق خاص،بل طريق تبليغها هو الطريق الجاري بين الموالي و العبيد العرفية من دون أن يكون له طريق مخترع،و حال الخبر الموثوق به عند الموالي و العبيدحال العلم في جواز الركون إليه و الإلزام و الالتزام به في مقام المخاصمة و المحاجّة.و منه يظهر:أنّ الآيات الناهية عن العمل بالظن لا تشمل خبرالثقة،حتى يتوهّم أنّها تكفي للردع عن الطريقة العقلائية،لأنّ العمل بخبر الثقةفي طريقة العقلاء ليس من العمل بما وراء العلم،بل هو من أفراد العمل‏بالعلم‏1لعدم التفات العقلاء إلى مخالفة الخبر للواقع،لما قد جرت على‏ذلك طباعهم و استقرت عليه عادتهم،فهو خارج عن العمل بالظن موضوعا،فلا تصلح لأن تكون الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم رادعة عن العمل‏بخبر الثقة،بل الردع عنه يحتاج إلى قيام الدليل عليه بالخصوص،بل لا بد من‏تشديد النكير على العمل به،كما شدّد النكير على العمل بالقياس،لاشتراك‏العمل بالقياس مع العمل بخبر الثقة في كونه ممّا استقرت عليه طريقة العقلاءو طبعت عليهم جبلّتهم.و الإنصاف:أنّ التأمّل في طريقة العقلاء يوجب القطع بخروج‏الاعتماد على خبر الثقة عن الاعتماد بالظن،فما سلكه الشيخ(قدس سره)في‏وجه عدم كون الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم رادعة عن العمل‏بخبر الثقة تبعيد للمسافة بلا ملزم،مع أنّ ما أفاده لا يخلو عن المناقشة،فراجع.1أقول:قد تقدم منّا بعض الكلام فيه،فراجع.
196
و أمّا العقل:فقد ذكر في تقريره وجوه:الوجه الأوّل:ما أفاده الشيخ(قدس سره)و اعتمد عليه سابقا(عند البحث عن‏حجية كلام اللغوي)و هو ترتيب مقدمات الانسداد الصغير في خصوص الأخبارالمودعة فيما بأيدينا من الكتب لاستنتاج حجية الظن بالصدور.و ينبغي أوّلا:بيان المراد من«الانسداد الصغير»ثم نعقّبه بما أفيد في‏المقام.فنقول:قد تقدم أنّ استفادة الحكم الشرعي من الخبر يتوقف على‏أمور:الأوّل:العلم بصدور الخبر.الثاني:العلم بجهة صدوره من كونها لبيان‏حكم اللّه الواقعي لا للتقية و نحوها الثالث:كون الخبر ظاهرا في المعنى المنطبق‏عليه.الرابع:حجية الظهور و وجوب العمل على طبقه.فهذه الأمور لا بد من إثباتها في مقام استنباط الحكم الشرعي من‏الرواية و إقامة الدليل على كل واحد منها،و إذا اختل أحدها يختل الاستنباط،فان قام الدليل بالخصوص على كل واحد منها فهو،و إن لم يقم الدليل على‏شي‏ء منها و انسد طريق إثباتها،فلا بد حينئذ من جريان مقدمات الانسدادلإثبات حجية مطلق الظن بالحكم الشرعي،للعلم بثبوت الأحكام في‏الشريعة و لا يجوز إهمالها و ترك التعرض لها-إلى آخر المقدمات الآتية في باب‏الانسداد-و قد جرى الاصطلاح على التعبير عن ذلك بالانسداد الكبير.و إن قام الدليل على إثبات بعض ما يتوقف عليه استنباط الحكم من‏الرواية دون بعض،كما لو فرض أنّه قام الدليل على الصدور وجهة الصدورو إرادة الظهور،و لكن لم يمكن تشخيص الظهور و توقف على الرجوع إلى كلام‏
197
اللغوي في تعيين أنّ اللفظ الكذائي كلفظ«الصعيد»مثلا موضوع للمعنى‏الكذائي و لم يقم دليل بالخصوص على اعتبار قوله،فاعتبار الظن الحاصل من‏كلام اللغوي و عدمه مبنىّ على صحة جريان مقدمات الانسداد في خصوص‏معاني الألفاظ لاستنتاج حجية الظن الحاصل من كلام اللغوي في معنى اللفظ-و إن لم يحصل الظن بالحكم الشرعي من قوله-و قد جرى الاصطلاح على التعبيرعن ذلك بالانسداد الصغير.و حاصل الفرق بين الانسداد الكبير و الانسداد الصغير:هو أنّ‏مقدمات الانسداد الكبير إنّما تجري في نفس الأحكام ليستنتج منها حجية مطلق‏الظن فيها،و أمّا مقدمات الانسداد الصغير1فهي إنّما تجري في بعض مايتوقف عليه استنباط الحكم من الرواية من إحدى الجهات الأربع المتقدمةليستنتج منها حجية مطلق الظنّ في خصوص الجهة التي انسد باب العلم فيها.و في صحة جريان مقدمات الانسداد الصغير مطلقا في أيّ جهة من‏هذه الجهات الأربع،أو عدم صحته مطلقا،أو التفصيل بين الجهات،فأيّ جهةتوقّف العلم بأصل ثبوت الحكم على العلم بها لا يصح جريان مقدمات‏الانسداد الصغير فيها بل لا بد إمّا من إقامة الدليل بالخصوص على إثباتها و إمّامن جريان مقدمات الانسداد الكبير لإثبات حجية مطلق الظن بالحكم‏الشرعي،و أيّ جهة توقف تشخيص الحكم و تعيينه على العلم بها من دون أن‏يكون لها دخل في أصل العلم بالحكم فان لم يقم دليل بالخصوص عليها تجري‏1أقول:ميزان الكبير و الصغير في باب الانسداد كبر دائرة العلم الإجماليّ و صغره،بنحو لا يلزم محذور في‏ترك العمل في هذه الدائرة لو لا العلم المخصوص بها من ناحية العلم الكبير،و إلا فمجرد العلم بالحكم بنحو الكليةالّذي هو موضوع الانسداد الكبير لا يتوقف على العلم بصدور روايته،كيف و العامي البالغ العالم بحكمه و بمحذورالخروج عن الدين غير ملتفت بروايته و صدوره!نعم:ليس العلم بالحكم بنحو الكلي بنحو لو لا العلم بصدور الروايات‏لا يلزم من ترك العمل فيها محذور خروجه عن الدين،و بذلك تمتاز عن العلم في دائرة ظواهر جملة من الألفاظالمخصوصة،و حينئذ فعمدة الميزان ذلك،فتدبر.
198
فيها مقدمات الانسداد الصغير.و توضيح ذلك:هو أنّ بعض هذه الجهات ممّا يتوقف عليها العلم بأصل‏الحكم-كجهة الصدور-فانّه لو لا إثبات صدور الرواية لا يكاد يحصل العلم‏بالحكم لا بجنسه و لا بفصله موضوعا و متعلقا،ففي مثل ذلك لا بد إمّا من قيام‏الدليل على الصدور،و إمّا من جريان مقدمات الانسداد الكبير بالنسبة إلى‏أصل الأحكام.و بعضها الآخر ممّا لا يتوقف عليها العلم بأصل الحكم بل‏كان لها دخل في تشخيص الحكم و تعيينه من حيث الموضوع أو المتعلق‏كالظهور-فانّ العلم بأصل الحكم لا يتوقف على العلم بالظهور عند العلم‏بالصدور وجهة الصدور و إرادة الظهور،بل تشخيص الحكم يتوقف على ذلك‏إذا كان الإجمال في ناحية الموضوع أو المتعلق،مثلا في قوله تعالى:«فتيمّمواصعيدا طيّبا»متعلق الجهل هو خصوص«الصعيد»من أجل تردده بين مطلق‏وجه الأرض أو خصوص التراب الخالص،و الجهل بمعنى«الصعيد»لا يضرّالعلم بأصل الحكم،لأنّ المكلف يعلم بأنّه مكلف بما تضمنته الآية الشريفةمن الحكم،ففي هذه الجهة إن لم يقم دليل بالخصوص على حجية قول اللغوي في‏تعيين معنى«الصعيد»تجري فيها مقدمات الانسداد الصغير،و لا تصل النوبة إلى‏مقدمات الانسداد الكبير،لأنّها إنّما تجري بالنسبة إلى نفس الحكم،و المفروض‏حصول العلم بالحكم في مورد الكلام.فلا بد من جريان مقدمات الانسداد الصغير لإثبات حجية مطلق الظنّ‏بالجهة التي انسد باب العلم فيها.و كان شيخنا الأستاذ(مد ظله)في الدورة السابقة يميل إلى هذاالتفصيل،بل كان يقوّيه،و عليه بنى حجية الظن الحاصل من قول اللغوي في‏تعيين مداليل الألفاظ بعد ما كان يمنع عنه،كما تقدم بيانه.و على كل حال:المقصود من الوجه الأوّل(من وجوه تقرير حكم‏العقل بحجية الخبر الواحد)هو إجراء مقدمات الانسداد بالنسبة إلى خصوص‏
199
جهة الصدور لإثبات حجية مطلق الظنّ به‏1و بيانه:هو أنّه لا إشكال‏في أنّا نعلم إجمالا بصدور كثير من الأخبار المودعة فيما بأيدينا من الكتب،و لاسبيل إلى منع العلم الإجماليّ بذلك،فانّ من تتبّع حال الرّواة و كيفية اهتمامهم‏في ضبط الأخبار و أخذها من الكتب المعتبرة يعلم علما وجدانيا بصدور كثيرمنها عن الأئمة صلوات اللّه عليهم)و لا إشكال أيضا بأنّا مكلّفون بما تضمنته هذه‏الأخبار من الأحكام الشرعية،فلا يجوز إهمالها.و لا يجب الاحتياط فيها لعدم‏إمكانه أو تعسّره،و لا يجوز أيضا الرجوع إلى الأصول العملية لمنافاتها للعلم‏الإجماليّ-على ما سيأتي بيانه في مقدمات الانسداد-فلا بد حينئذ من الأخذبمظنون الصدور فقط،أو مع مشكوك الصدور،أو مع الموهوم أيضا،حسب‏اختلاف مراتب العلم الإجماليّ-على ما سيأتي تفصيله-هذا غاية ما يمكن أن‏يقال في تقريب هذا الوجه.و لكن يرد عليه:أوّلا:انّ العلم الإجماليّ بالأحكام لا ينحصر أطرافه في ما بأيدينا من‏الأخبار،بل الأمارات الظنية-كالشهرة و الإجماع المنقول و الأولوية الظنية-أيضا من أطراف العلم الإجماليّ،بل دائرة العلم الإجماليّ أوسع من ذلك أيضا،فانّ العلم الإجماليّ بثبوت الأحكام في الشريعة يقتضى أن تكون جميع الوقائع‏المشتبهة(من المظنونة و المشكوكة و الموهومة)من أطرافه،فيكون للعلم الإجماليّ‏مراتب ثلاث:الأولى:العلم الإجماليّ بثبوت الأحكام فيما بأيدينا من الأخبار.الثانية:العلم الإجماليّ بثبوت الأحكام فيما بين الأخبار و الأمارات الظنية.الثالثة:العلم الإجماليّ بثبوت الأحكام في مجموع الوقائع المشتبهة،و هذه المرتبة1أقول:كلامه السابق يقتضى أن يكون الانسداد الجاري في المقام هو الانسداد الكبير،و من‏فحاوي كلماته الآتية بل صريح بعضها يقتضى كونه من الانسداد الصغير،فتدبر فيها صدرا و ذيلا،لعلّك تعرف‏المرام و تدفع بها التهافت في المقام.
200
أوسع من الثانية،و الثانية أوسع من الأولى.و مقتضى العلم الإجماليّ في المرتبة الثالثة و إن كان هو الاحتياط في‏جميع الوقائع المشتبهة(مظنوناتها و مشكوكاتها و موهوماتها)إلاّ أنّه ينحل بالعلم‏الإجماليّ في المرتبة الثانية،لأنّ المعلوم بالإجمال بين الوقائع المشتبهة لا يزيد قدراعن المعلوم بالإجمال بين جميع الأمارات الظنية.و الّذي يدلّك على ذلك،هو أنّه‏لو عزلنا طائفة من الأمارات الظنية بقدر المعلوم بالإجمال بينها بحيث يحتمل‏انطباق المعلوم بالإجمال فيها عليها ثم ضممنا الوقائع المشتبهة إلى الباقي من‏الأمارات الظنية لم يكن لنا علم إجمالي بتكليف بين الوقائع المشتبه مع الباقي‏من الأمارات.مثلا لو فرضنا:أنّ المتيقن من المعلوم بالإجمال بين الأمارات الظنيةمئات من الأحكام،و عزلنا بذلك المقدار منها بحيث يحتمل انطباق المعلوم‏بالإجمال على المعزول،فلا يبقى العلم الإجماليّ فيما بقي من الأمارات الظنية،و لوضممنا إلى الباقي الوقائع المشكوكة لا يحصل لنا العلم الإجماليّ بثبوت حكم فيمابين بقية الأمارات الظنية و الوقائع المشكوكة،لأنّ نفس بقية الأمارات ليس‏فيها علم إجمالي،فضمّ الوقائع المشكوكة لا يؤثّر في حصول العلم،لأنّ الشك‏لا ينقلب عن كونه شكا،فلا يعقل أن يكون ضمّ الشك إلى الظن موجبالحدوث العلم الإجماليّ،و هذا أقوى شاهد على أنّ العلم الإجماليّ الوسيع الّذي‏يكون منشأ العلم بثبوت التكاليف في الشريعة ينحل ببركة العلم الإجماليّ‏بثبوت التكاليف فيما بين الأمارات الظنية المتوسط بين ذلك و بين العلم‏الإجماليّ بثبوت التكاليف في خصوص الأخبار المودعة في الكتب.فان قلت:العلم الإجماليّ المتوسط أيضا ينحل بالعلم الإجماليّ الصغيرالّذي يكون أطرافه خصوص الأخبار،لأنّه لا يعلم بثبوت التكاليف أزيد ممّافي بين الأخبار،فلا أثر للعلم الإجماليّ المتوسط.قلت:هذه الدعوى ممّا يكذّبها الوجدان،بداهة أنّ الأمارات الظنية
201
ما عدا الأخبار لو لم تكن بنفسها متعلقة للعلم الإجماليّ فلا أقل من كونها من‏أطراف العلم الإجماليّ،لأنّ متعلق الإجماليّ هو المجموع من الأخبار و من بقيةالأمارات الظنية،و هذا لا ينافى أن تختص الأخبار بعلم إجمالي آخر فيما بينها.و ليس العلم الإجماليّ في المجموع مستندا إلى العلم الإجماليّ في الأخبار لينحل‏العلم الإجماليّ فيه بالعلم الإجماليّ فيها.و الشاهد على ذلك‏1هو أنّه لو عزلنا طائفة من الأخبار بقدرالمتيقن من الأحكام المعلوم بالإجمال فيما بينهما بحيث يحتمل انطباق المعلوم‏بالإجمال فيها على المعزول منها،فلا يبقى العلم الإجماليّ في بقية الأخبار،و لوضمننا إلى البقية سائر الأمارات الظنية كان العلم الإجماليّ بثبوت التكاليف‏بين بقية الأخبار و الأمارات الظنية بحاله،و إنكار ذلك يكون مكابرة واضحة.فان قلت:إنّ ذلك يقتضى أن يكون متعلق العلم الإجماليّ نفس‏الأمارات الظنية فقط،لا أنّها من أطراف العلم الإجماليّ،لأنّ المفروض أنّ في‏بقية الأخبار المنضمة إليها ليس علم بالتكليف،لانحلاله بسبب عزل طائفةمنها،فضمّها إلى الأمارات يكون من قبيل ضمّ الحجر في جانب الإنسان لا يؤثّرفي حصول العلم الإجماليّ،فالعلم الإجماليّ الحاصل لا بد و أن يكون في خصوص‏الأمارات الظنية.قلت:أوّلا:دعوى العلم الإجماليّ في خصوص الأمارات الظنية ليست‏ببعيد،لأنّ من تراكم الظنون يحصل العلم الإجماليّ بخلاف تراكم الشكوك.1أقول:في فرض العلم الإجماليّ بين الأمارات الظنية و بقية الأخبار بعد عزل جملة منها إنما يوجب‏الاحتياط في الجميع لو كان المعلوم بالإجمال في المظنونات و بقية الأخبار غير المعلوم بالإجمال في مجموع الأخبار،و إلاّ فمع احتمال اتحادهما لا يقتضى مثل هذا الفرض الاحتياط في جميع الأخبار و الأمارات الظنية،بل العقل‏يحكم بالتخيير بين الأخذ بالأخبار تماما أو الأخذ بالمظنونات و بقية الأخبار،لأنّه بكل واحد من الأخذين لايبقى محذور،بل يقطع بالفراغ عما علم،لاحتمال انطباق المعلوم بالإجمال بين المجموع عليه،كما لا يخفى،فتدبركي لا يحتاج إلى التمثيل بشرقية و لا غربية.
202
و ثانيا:انّه قد يكون الشي‏ء بنفسه ليس موردا للعلم الإجماليّ،إلاّ أنّ‏ضمّه إلى بعض أطراف المعلوم بالإجمال يوجب حصول العلم الإجماليّ،مثلا لوكان إناءات ثلاث في الجانب الشرقي من الدار،و إناءات ثلاث أخرى في‏الجانب الغربي،و علم إجمالا بأنّه أصاب أحد الإناءات في الشرقية قطرة من‏الدم،و علم إجمالا أيضا أنّه زمان وقوع تلك القطرة وقعت قطرة أخرى من الدم،إمّا في أحد الإناءات الشرقية غير ما وقعت فيه تلك القطرة،و إمّا في أحدالإناءات الغربية،ففي الفرض الإناءات الغربية ليست ممّا تعلق العلم الإجماليّ‏بنجاسة أحدهما،لاحتمال أن تكون كلتا القطرتين وقعتا في الإناءات‏الشرقية،و لكن ضمّ الإناءات الغربية إلى الإناءات الشرقية يوجب زيادة في‏أطراف المعلوم الإجماليّ،و لو بعد عزل ما يوجب انحلال العلم الإجماليّ في الإناءات‏الشرقية،فتكون الإناءات الستّ كلها من أطراف العلم الإجماليّ،فإنّه لو عزلناأحد الإناءات الشرقية،فالعلم الإجمالي الّذي كان بنجاسة أحدهما بسبب وقوع أحدالقطرتين في خصوص أحدهما ينحل لا محالة،لأنّه لا يعلم إجمالا بنجاسة أحدالإناءين الباقيين،كما لا يعلم بنجاسة أحد الإناءات الغربية،و لكن من ضمّ‏الإناءات الغربية إلى الإناءين الباقيين في طرف الشرق يحصل العلم الإجماليّ‏بنجاسة أحدهما،و حال الأمارات الظنية مع بقية الأخبار بعد عزل طائفة منهاحال الإناءات بعينه،و عليه تكون الأمارات الظنية من أطراف العلم الإجماليّ‏و حالها حال الأخبار.إلاّ أن يدّعى أنّه من أوّل الأمر ليست الأمارات من أطراف العلم‏الإجماليّ،و ليس لنا علم بثبوت التكليف في الأخبار،و علم بثبوت التكاليف‏في الأعم من الأخبار و الأمارات الظنية،فانّه على هذا تكون الأمارات خارجةعن أطراف العلم الإجماليّ.و لكن عهدة هذه الدعوى على مدّعيها.فان قلت:سلّمنا كون الأمارات من أطراف العلم الإجماليّ الحاصل‏بين بقية الأخبار-بعد عزل طائفة منها-و بينها،و لكن لما كانت بقية الأخبار من‏
203
أطراف علم إجمالي آخر-و هو العلم الإجماليّ بثبوت التكاليف في خصوص‏الأخبار-فقد تنجز التكليف بها بذلك العلم الإجماليّ،فلا يبقى أثر للعلم‏الإجماليّ الحاصل بينها و بين الأمارات الظنية،لأنّ بعض أطرافه قد تنجزالتكليف به بمنجّز آخر،و قد ذكرنا في محله:أنّه لو تنجز التكليف بأحد أطراف‏العلم الإجماليّ بمنجّز آخر غير العلم الإجماليّ فالطرف الآخر لا يجب الاجتناب‏عنه،لأنّ الشبهة فيه تكون بدوية،كما لو علم بنجاسة أحد الإناءين ثم علم‏بوقوع قطرة من الدم إمّا في أحد الإناءين و إمّا في الإناء الثالث،فالإناء الثالث‏لا يجب الاجتناب عنه و تجري فيه أصالة الطهارة بلا معارض،و حال الأمارات‏الظنية حال الإناء الثالث.قلت:ذلك إنّما يكون إذا كان المعلوم بالإجمال في أحد العلمين متأخرازمانا عن المعلوم بالإجمال في العلم الآخر-كما في المثال-حيث فرض أنّ وقوع‏القطرة الثانية من الدم المرددة بين كونها في أحد الإناءين أو في الإناء الثالث كان‏بعد نجاسة أحد الإناءين،من غير فرق بين تقارن نفس العلمين أو في سبق‏أحدهما الآخر يكون معلومة متأخرا1و لو كان السابق،فانّ العبرة إنّما هو في‏تقدم المعلوم و تأخره،لا في تقدم العلم و تأخره.و أمّا لو كان المعلومين بالإجمال حدثا في زمان واحد،فلا وجه لانحلال‏أحد العلمين بالآخر.بل تكون جميع أطراف العلمين في عرض واحد و يجب‏الاجتناب عن الجميع.و قد ذكرنا تفصيل ذلك في«الجزء الرابع»و ما نحن فيه‏من القسم الثاني،لأنّ ثبوت الأحكام في الأخبار ليس أسبق في الزمان عن‏ثبوت الأحكام في الأمارات،فالأخبار و الأمارات تكون في عرض واحد طرفاللعلم الإجماليّ،و ذلك واضح.و ثانيا:سلّمنا أنّ الأمارات الظنية ليست من أطراف العلم الإجماليّ،1كذا في نسخة الأصل،و الصحيح:«بعد كون معلومه متأخرا»(المصحح).
204
و لكن وجوب الأخذ بما في أيدينا من الأخبار إنّما هو لأجل ما تضمنتها من‏الأحكام الواقعية لا بما هي هي،فالمتعين هو الأخذ بكل ما يظن أنّ مضمونه‏حكم اللّه الواقعي لا خصوص ما يظن بصدوره من الأخبار،لأنّ الأخذ بمظنون‏الصدور إنّما هو لاستلزامه الظن بالمضمون غالبا،و مقتضى ذلك هو اعتبار الظن‏بالحكم سواء حصل من الظن بالصدور أو من الشهرة و الإجماع المنقول‏1و ثالثا:أقصى ما يقتضيه هذا الدليل هو الأخذ بمظنون الصدور من‏الأخبار من باب التبعيض في الاحتياط،لأنّ العلم الإجماليّ كان يقتضى‏الأخذ بجميع ما في الكتب من الأخبار،و لمكان لزوم العسر و الحرج وجب‏التبعيض في الاحتياط و الأخذ بخصوص مظنون الصدور،و الرواية التي كان‏العمل بها من باب الاحتياط لا تكون حجة شرعية بحيث تنهض لتخصيص‏العمومات و تقييد المطلقات‏2و المدّعى هو كون مظنون الصدور حجةشرعية.و هذا الإشكال يتوجه في الانسداد الكبير أيضا،كما سيأتي.و لكن‏سنحرّر(إن شاء اللّه تعالى)أنّ نتيجة مقدمات الانسداد لو كانت هي التبعيض في‏الاحتياط كان الإشكال واردا،و أمّا لو كانت النتيجة هي جعل الشارع مظنون‏الصدور في المقام و مطلق الظن في الانسداد الكبير طريقا للوصول إلى أحكامه‏-كما هو معنى الكشف-فلا محالة يترتب على مظنون الصدور أو مطلق الظن‏جميع ما يترتب على الحجة من نهوضها للتخصيص و التقييد و غير ذلك،فانتظر1أقول:بعد اختصاص العلم في خصوص الأخبار فقط الّذي يحكم به العقل هو الأخذ بمضمون‏الأخبار،لا بمضمون بقية الأمارات الظنية،فتدبر.2أقول:لازم العلم في الأخبار المثبتة خروج العمومات النافية عن الحجية،و لازمه إجراء حكم‏التخصيص و التقييد عليها.نعم:في الأخبار النافية مع العمومات المثبتة مقتضى المختار هو العكس،و لكن حيث‏مختاره من عدم جريان الأصول المثبتة أيضا في أطراف العلم الإجماليّ بنفي التكليف يجري الكلام السابق فيهاأيضا.
205
تفصيل ذلك.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ مقدمات الانسداد الصغير لا تنتج‏اعتبار الظن بالصدور،بل أقصى ما تقتضيه هو اعتبار الظن بالمضمون،هذا.و لكن يمكن تقريب مقدمات الانسداد الصغير بوجه آخر تنتج اعتبارالظن بالصدور،مع سلامته عما أورد على الوجه الأوّل.بيانه:هو أنّه نعلم بصدور غالب الأخبار المودعة فيما بأيدينا من‏الكتب،و لا إشكال في أنّه يجب الأخذ بما صدر عنهم صلوات اللّه عليهم)من‏الأخبار،لا من حيث أنّها تتضمن الأحكام الواقعية ليرجع إلى الوجه الأوّل،بل من حيث إنّ نفس الأخبار الصادرة عنهم أحكام ظاهرية من جهة وقوعهافي طريق إحراز الواقعيات بعد فرض جريان الأصول اللفظية و الجهتية فيها،و حيث لم يمكن لنا تحصيل العلم بالأخبار الصادرة عنهم،فلا بد من التنزل إلى‏الظن و الأخذ بمظنون الصدور.و لا يرد على هذا التقريب شي‏ء ممّا ذكر في‏التقريب السابق،فانّ الإشكالات المتقدمة كانت مبتنية على أنّ وجوب العمل‏بالأخبار من باب أنّها تتضمن الأحكام الواقعية،فكان يرد عليه:أنّ متعلق‏العلم بالأحكام الواقعية لا يختص بالأخبار،بل الأمارات الظنية أيضا من‏أطراف العلم الإجماليّ،فلا بد من العمل بكل ما يظن أنّه حكم اللّه الواقعي‏لا خصوص مظنون الصدور من الأخبار،إلى آخر الإشكالات المتقدمة.و أمّا هذا التقريب:فهو مبنىّ على وجوب العمل بنفس الأخبارالصادرة من حيث إنّها أخبار لكونها أحكاما ظاهرية،فلا تكون سائرالأمارات من أطراف هذا العلم الإجماليّ،لأنّ الأمارات الظنية التي لم يقم‏دليل على اعتبارها ليست أحكاما ظاهرية،فدائرة العلم الإجماليّ يتخصص‏بالأخبار،و نتيجته هي الأخذ بمظنون الصدور عند تعذر تحصيل العلم التفصيلي‏بما صدر و عدم وجوب الاحتياط في الجميع،بل مقتضى العلم بصدور غالب مافي الكتب من الأخبار هو انحلال العلم الإجماليّ بوجود التكاليف بين الأخبار
206
و الأمارات،لأنّ ما صدر عنهم عليهم السّلام يكون بقدر المعلوم بالإجمال من‏التكاليف بين الأخبار و الأمارات،فترتفع الإشكالات المتقدمة على‏التقريب السابق بحذافيرها.نعم:الإشكال الأخير مشترك الورود،و هو أنّ ذلك لا يقتضى حجيةمظنون الصدور بحيث يكون مخصصا و مقيدا للعموم و الإطلاق،إلاّ إذا قلنابالكشف.و تقريب مقدمات الانسداد الصغير على هذا الوجه يقرب ممّا سيأتي‏من المحقق«صاحب الحاشية»و أخيه«صاحب الفصول»من تقريب‏مقدمات الانسداد الكبير على وجه ينتج خصوص الظن بالطريق لا الظن‏بالحكم،و إن كان بين ما ذكرناه في المقام و ما ذكراه في ذلك المقام فرق،و هوأنّ الغرض من ترتيب مقدمات الانسداد في المقام إنّما هو تعيين موضوع الطريق‏و مصداقه بعد العلم بأنّ ما صدر عنهم صلوات اللّه عليهم)يكون طريقا،و أمّامقصودهما من ترتيب مقدمات الانسداد في ذلك المقام هو اعتبار الظن في‏طريقية الطريق و تعيين ما جعله الشارع طريقا،هذا.و لكن لا يخفى عليك:أنّ ما ذكرناه من التقريب و إن كان يسلم عن‏كثير من الإشكالات المتقدمة،إلاّ أنّه يرد عليه:أنّ وجوب العمل بالأحكام‏الظاهرية إنّما هو لأجل كونها موصلة إلى الأحكام الواقعية و محرزة لها،لا أنّهاأحكام في مقابل الأحكام الواقعية،فالعبرة إنّما تكون بامتثال الأحكام‏الواقعية،و وجوب العمل بالأخبار إنّما هو لأجل كونها من الطرق الموصلة إليها،فلو فرض الوصول إليها من طريق آخر غير الأخبار كان مجزيا،و نتيجة ذلك بعدتعذّر العلم بها و عدم وجوب الاحتياط هي التنزل إلى الظن بها،لا الظن‏بالصدور-كما أفيد في المقام-و لا الظن بالطريق،كما أفاده«المحقق»و أخوه في‏ذلك المقام.و بالجملة:عمدة مقدمات دليل الانسداد الصغير و الكبير هو عدم جواز
207
إهمال الأحكام الواقعية و ترك التعرض لها،إذ لو لا ذلك لم يبق مجال لبقيةالمقدمات لكل من يقول:إنّه يجب الأخذ بمظنون الصدور،أو يقول:إنّه يجب‏الأخذ بمظنون الطريق،أو يقول:إنّه يجب الأخذ بمظنون الحكم،أن يحوم حول‏امتثال الأحكام الواقعية و عدم جواز إهمالها،إذ ليس للعمل بمظنون الصدور أومظنون الطريق خصوصية سوى كونه طريقا إلى الواقع و محرزا له.و عليه كان‏الواجب ترتيب مقدّمات الانسداد بالنسبة إلى نفس الأحكام لاستنتاج حجيةالظن بها،و لا أثر لترتيب مقدمات الانسداد بالنسبة إلى ما صدر عنهم من‏الأخبار أو ما نصب من الطرق.فان قلت:نعم،الواجب أوّلا و بالذات و إن كان هو امتثال الأحكام‏الواقعية المعلومة بالإجمال في الوقائع المشتبهة،إلاّ أنّه حيث علم بصدور غالب مابأيدينا من الأخبار بقدر المعلوم بالإجمال من الأحكام الواقعية،فالعلم الإجماليّ‏بها ينحل إلى العلم التفصيلي بوجوب العمل على طبق الأحكام الظاهرية التي‏هي فيما بين الأخبار المودعة في الكتب و الشك البدوي بالنسبة إلى ما عداهامن الوقائع المشتبهة،و حيث لم يتمكن من إحراز تلك الأحكام الظاهريةتفصيلا و لم يمكن أو لم يجب الاحتياط في العمل بجميع الأخبار المودعة في‏الكتب وجب التنزل إلى الظن بالحكم الظاهري،و هو المراد من الظن‏بالصدور،فلا يبقى موقع للانسداد الكبير،لأنّ مبناه العلم الإجماليّ بثبوت‏التكاليف في الوقائع المشتبهة،و قد انحل ببركة العلم بثبوت التكاليف‏الظاهرية في الأخبار المودعة.قلت:مجرد العلم بصدور جملة من الأخبار التي بأيدينا لا يقتضى أن‏يترتب على الأخبار الصادرة آثار الأحكام الظاهرية،فانّ الحكم الظاهري‏يتوقف على العلم به موضوعا و حكما،لا أقول:إنّ وجوده الواقعي يتوقف على‏العلم بالموضوع و الحكم،فانّ ذلك ضروري البطلان،بداهة أنّ الحكم‏الظاهري من الطريقية و الحجية كالحكم الواقعي من الوجوب و الحرمة لا
208
يتوقف وجوده الواقعي و جعله النّفس الأمري على العلم به،و لكنّ الآثارالمرغوبة من الحكم الظاهري:من كونه منجّزا للواقع عند الإصابة و عذراعند المخالفة،لا تكاد تترتب مع الجهل به موضوعا أو حكما،فانّ الحكم‏الظاهري ليس أمرا مقابلا للحكم الواقعي-كما تقدم بيانه في باب جعل‏الطرق و الأمارات-بل الوجه في كون الشي‏ء حكما ظاهريا إنّما هو لمكان أنّه‏موصل إلى الواقع،و هذا كما ترى ما لم يكن الطريق محرزا لدى المكلف لايكون موصلا إليه،لوضوح أنّ وجود الرواية في الكتب من دون العلم بهاتفصيلا لا تكون منجّزة للواقع،لأنّ الواقع بعد باق على ما كان عليه من الجهل‏به.و كذا مع العلم بالرواية تفصيلا و الجهل بظهورها أو جهة صدورها أوإرادة ظهورها،فانّ الجهل بأي من هذه الجهات يضر بحجية الرواية-أي بالآثارالمرغوبة منها-لأنّ الجهل بأي منها يقتضى الجهل بالواقع فلا يكون محرزا لدى‏المكلف،و ما لم يكن محرزا لا يكون منجّزا،فلا بد من العلم بالرواية صدوراو ظهورا لتجري الأصول العقلائية و اللفظية في جهة الصدور و إرادة الظهور،لتكون الرواية حكما ظاهريا منجّزة للواقع عند الإصابة و عذرا عند المخالفة.و هذا المعنى لا يكاد يتحقق في العلم الإجماليّ بصدور جملة من الأخبار المودعة في‏الكتب،لعدم العلم بظهور ما هو الصادر منها لتجري فيه الأصول‏العقلائية1فلا يمكن أن يترتب على الصادر من الأخبار ما للحكم‏الظاهري من الآثار،فيبقى العلم الإجماليّ بالتكاليف الواقعية بين الأخبارو الأمارات الظنية على حاله،و لا بد من ترتيب مقدمات الانسداد الكبير بالنسبة1أقول:و لا أقل من منع ظهور جميعها بنحو يفي بمقدار المعلوم بالإجمال في جميع الدوائر،و حينئذ لا يبقى‏مجال لانحلال العلم الكبير بالعلم الإجماليّ بالصدور،إلاّ بدعوى العلم المزبور في دائرة الظواهر و كونه بمقدار المعلوم‏بالإجمال،و ليس ذلك كل البعيد أيضا،فتدبر.
209
إلى نفس الأحكام الواقعية لاستنتاج حجية الظن بالحكم،و لا أثر للظن‏بالصدور.و ثانيا:فعلى فرض تسليم كون الإجمال غير مانع عن ترتب آثارالأحكام الظاهرية على ما صدر من الأخبار،و لكن مجرد ذلك لا يكفى في‏انحلال العلم الإجماليّ بالتكاليف فيما بأيدينا من الأخبار و سائر الأمارات‏الظنية،فانّ تلك الأحكام الظاهرية التي فرض كونها بقدر المعلوم بالإجمال من‏الأحكام الواقعية لم تحرز بالوجدان،و لم يجب الاحتياط في جميع ما بأيدينا من‏الأخبار و ثبت الترخيص في غير مظنون الصدور-كما هو المفروض-فلا يمكن مع‏هذا أن ينحل العلم الإجماليّ بالتكاليف،لأنّ انحلال العلم الإجماليّ إنّما يكون‏بانحلال القضية المانعة الخلو-التي كل علم إجمالي يتضمنها-إلى قضيتين‏حمليتين:إحداهما متيقنة و الأخرى مشكوكة،و قضية العلم الإجماليّ بالتكاليف‏لا تنحل إلى ذلك،لأنّ وجوب الأخذ بمظنون الصدور من الأحكام الظاهريةلا يوجب انحلال العلم بالنسبة إلى بقية الأخبار و سائر الأمارات بحيث يكون‏الشك فيها بدويا،بل العلم الإجماليّ بثبوت التكاليف بينها على حاله،لأنّ‏الأحكام الظاهرية في مظنون الصدور ليس بقدر الأحكام الواقعية في مجموع‏الأخبار و الأمارات‏1بل أقصى ما يدّعى هو أنّ مجموع ما صدر عنهم‏صلوات اللّه عليهم)من الأحكام الظاهرية بقدر التكاليف الواقعية،فالترخيص في ما عدا مظنون الصدور يوجب نقصا في الأحكام الظاهرية،و يلزمه زيادة الأحكام الواقعية عن الأحكام الظاهرية التي يلزم الأخذ بها.فان قلت:الموجب للانحلال هو العلم بصدور الأخبار بمقدار المعلوم‏1أقول:ذلك صحيح في الظن الفعلي بالصدور،و إلاّ لو أريد به الوثوق النوعيّ فعهدة ذلك على مدّعيه،كيف و بناء الفقه فعلا على ما هو موثوق الصدور من الأخبار،و لو لم تكن وافية بمقدار المعلوم بالإجمال،قلنا:«إنّاللّه و إنّا إليه راجعون».
210
بالإجمال من التكاليف،و مجرد الترخيص في ترك العمل بما عدا مظنون‏الصدور من الأخبار لا يقتضى عدم الانحلال،لأنّ عدم إيجاب الشارع الجمع‏بين جميع الأخبار في العمل لا يضرّ بالانحلال.قلت:قد عرفت أنّ الترخيص في ترك العمل ببعض الأخبار يوجب‏نقصا في الأحكام الظاهرية،للعلم بأنّ بعض الأحكام الظاهرية تكون في‏الأخبار التي رخّص في ترك العمل بها،لأنّ مظنون الصدور من الأخبار ليس‏بقدر التكاليف الواقعية،فلا يبقى مجال للانحلال.مثلا لو علم إجمالا بأنّ في القطيع من الغنم موطوء و أقلّه عشرون‏و يحتمل أن يكون أزيد،و قام الدليل على أنّ في البيض من القطيع عشرين‏موطوء،و كان عدد البيض يزيد عن مقدار عدد المعلوم بالإجمال في مجموع‏القطيع،ففي هذا لا إشكال في انحلال العلم الإجماليّ المتعلق بمجموع القطيع‏بقيام الدليل على وجود عشرين موطوء في البيض،لأنّ المعلوم بالإجمال في المجموع‏محتمل الانطباق على ما في البيض.و لكن لو لم يجب الاجتناب عن بعض أفراد البيض للعسر و الحرج‏و الاضطرار و كان الّذي يجب الاجتناب عنه أقلّ عددا من المعلوم بالإجمال في‏مجموع القطيع،فالعلم الإجماليّ المتعلق بالمجموع لا ينحل،لأنّ الاضطرار إلى‏بعض أطراف المعلوم بالإجمال و إن كان يوجب التوسط في التنجيز-على ماسيأتي بيانه في محله-بحيث لو كان الموطوء في الأفراد التي لا يجب الاجتناب‏عنها للاضطرار كان التكاليف بالاجتناب عن الموطوء غير منجّز،إلاّ أنّ هذا إذالم يلزم عن عدم الاجتناب عن بعض أفراد البيض محذور المخالفة القطعيةللتكليف بالاجتناب عن الموطوء من الغنم في القطيع،و إلاّ عاد العلم الإجماليّ‏في المجموع على حاله و لا بد من علاجه،لأنّ عدد المعلوم بالإجمال فيه يزيد عن‏عدد ما يجتنب عنه من أفراد البيض،فلا يبقى أثر لقيام الدليل على وجودالموطوء في البيض بقدر المتيقن من المعلوم بالإجمال في المجموع من البيض و من‏
211
غيره،و حال المقام بعينه حال المثال،فتدبر.فان قلت:الأخذ بمظنون الصدور فيما بأيدينا من الأخبار إن كان من‏باب التبعيض في الاحتياط كان لعدم الانحلال مجال،و أمّا إن كان من باب‏أنّ الشارع جعل الظن بالصدور حجة و طريقا إلى الأحكام الظاهرية و ما صدرمن الأخبار،فلا محالة ينحل العلم الإجماليّ المتعلق بالمجموع من الأخبارو الأمارات الظنية،لأنّ الأحكام الظاهرية التي فرضناها أنّها بقدر الأحكام‏الواقعية تكون محرزة ببركة حجية الظن،فانّ نتيجة جعل الشارع الظن بالصدورطريقا إلى ما صدر من الأخبار هي:أنّ ما عدا المظنون ليس ممّاصدر1و اختصاص ما صدر بمظنون الصدور،و المفروض أنّ ما صدربقدر المعلوم بالإجمال من الأحكام التكليفية،فيلزمه انطباقه على مظنون‏الصدور و ينحل العلم الإجماليّ بالتكاليف.قلت:هذا إذا تمت المقدمات و وصلت النوبة إلى أخذ النتيجة،فتكون النتيجة حجية الظنّ و أنّ الشارع جعل الظن طريقا إلى ما صدر.و لكن‏المدّعى أنّه لا تصل النوبة إلى أخذ النتيجة،من جهة أنّ عمدة المقدمات التي‏يتوقف عليها أخذ النتيجة هو عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة من الأحكام‏الظاهرية،و بعد بطلان هذه المقدمة بجواز إهمال بعض الوقائع-و هو ما عداالمظنون-لا تصل النوبة إلى أخذ النتيجة،فينهدم أساس الانحلال قبل أخذالنتيجة،و انتظر لذلك مزيد توضيح في باب الانسداد الكبير.فتحصّل:أنّ مقدمات الانسداد الصغير بكلا وجهيه لا تنتج اعتبارالظن بالصدور،فالوجه الأول(من وجوه تقرير حكم العقل بحجية الخبرالواحد)فاسد.1أقول:مع الإغماض عن سائر جهاته نقول:مجرد حجية الظن بالصدور لا يقتضى حصر الصادر بماظن به كي يلزم ما ذكر،فتدبر.
212
الوجه الثاني:هو ما ذكره المحقق صاحب الحاشية(ره)و حاصله:أنّ وجوب العمل‏بالكتاب و السنة ثابت بالإجماع و الضرورة،فان أمكن الرجوع إليهما على وجه‏يحصل العلم منهما بالحكم أو الظن المعتبر فهو،و إلاّ فلا بد من الرجوع إليهما على‏وجه يحصل الظن منهما بالحكم،فلا محيص عن الأخذ بمظنون الصدور.و قد جعل هذا الوجه من أقوى الوجوه الثمانية التي أقامها على اعتبارالظن بالطريق.و أنت خبير بما فيه،فانّه إن أراد من السنّة نفس قول المعصوم عليه السلام و فعله‏و تقريره-كما هو المصطلح عليه و قام الإجماع و الضرورة على الرجوع إليها-كان‏اللازم عند تعذر تحصيل العلم بما هو واقع السنّة من قول الإمام عليه السّلام‏و فعله و تقريره هو العمل بما ظنّ أنّه مدلول السنّة-أي ما ظنّ أنّه مقول قول‏المعصوم عليه السّلام -من غير فرق بين ما إذا حصل الظنّ بذلك من الأخبارأو من الشهرة و الإجماع المنقول و الأولوية الظنية،لاستواء الكل في حصول‏الظن منها بمدلول السنّة،إلاّ إذا شك أو ظن بأنّ مدلول الشهرة لم يكن مقول‏قول المعصوم عليه السّلام و لم يصدر ما قامت عليه الشهرة عن الإمام‏عليه السّلام بل كان ممّا سكت اللّه عنه و أمر الحجج بعدم تبليغه إلى الأنام،و لكن دون حصول الشك أو الظن بذلك خرط القتاد!بل من المحالات‏العادية،لأنّ المسائل التي انعقدت الشهرة عليها أو حكى الإجماع بها من‏المسائل التي تعمّ بها البلوى،بحيث نعلم بصدور حكمها عنهم(صلوات‏اللّه عليهم).و إن أراد من السنّة الأخبار الحاكية لها لا نفس قول‏المعصوم عليه السّلام و فعله و تقريره(كما حكى أنّه صرح في ذيل‏كلامه بأنّ المراد منها ذلك،على خلاف ما هو المصطلح من السنةففيه:مضافا إلى أنّه لم تعمّ الإجماع و الضرورة على العمل بالأخبار
213
الحاكية عن السنّة-لأنّها هي محل الكلام بين الأعلام-إنّ ذلك يرجع إلى‏التقريب الثاني من الوجه الأوّل(إن كان الوجه في وجوب الرجوع إلى الأخبارالحاكية لكونها من الأحكام الظاهرية)و إلى التقريب الأوّل منه(إن كان‏الوجه في الرجوع إليها كونها تتضمن الأحكام الواقعية)و قد تقدم ما في كلاالتقريبين من النقض و الإبرام.الوجه الثالث:ما ذكره«صاحب الوافية»مستدلاّ به على خصوص الأخبار المودعةفي الكتب الأربعة مع عمل جمع بها.و حاصل ما أفاده من الوجه:هو أنّا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم‏القيامة،خصوصا بالضروريات-كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و الخمس‏و غير ذلك من العبادات و المعاملات-و لا إشكال أن غالب أجزاء هذه الأمورو شرائطها إمّا تثبت بخبر الواحد بحيث لو ترك العمل به لخرجت عن حقائقهاو لم تستحق إطلاق أساميها عليها،فلا بد من العمل بخبر الواحد.و فيه:أوّلا:أنّ اللازم حينئذ العمل بخصوص الأخبار المثبتة للأجزاء و الشرائطدون الأخبار النافية.و ثانيا:أنّه لا خصوصية للأخبار المودعة في الكتب الأربعة مع‏اشتراط العمل بها،بل العلم الإجماليّ بثبوت الأجزاء و الشرائط حاصل في‏مطلق الأخبار،بل في مطلق الأمارات،فالمتعين هو الاحتياط بكل ما دل على‏جزئية شي‏ء أو شرطيته.و ثالثا:أنّه لا موجب لقصر العلم الإجماليّ بخصوص الأجزاءو الشرائط،بل يعلم بثبوت الأحكام و التكاليف النفسيّة و الغيرية في الأخبارالمودعة في الكتب الأربعة و في مطلق الأخبار و الأمارات،فيرجع هذا الوجه‏
214
إلى الانسداد الكبير مع حذف بعض مقدماته التي لا بد منها،كما سيأتي بيانه.فالإنصاف:أنّ ما استدلوا به على حجية الخبر الواحد من الحكم‏العقلي بتقريباته ممّا لا يستقيم.و لكن المسألة في غنى عن ذلك،لأنّه يكفى‏لإثبات حجية الخبر الموثوق به ما تقدم من الأدلة و عمدتها الطريقية العقلائيةمع عدم ردع الشارع عنها.هذا تمام الكلام في المقام الأوّل المتكفل لبيان ما اعتبر فيه من‏الظنون الخاصة.
المقام الثاني:
في الوجه التي استدلوا بها على حجية مطلق الظن بالحكم الشرعي أوفي الجملة(على ما سيأتي بيانه)و هي أربعة:
الوجه الأوّل:
انّ الظن بالحكم يلازم الظن بالضرر عند ترك العمل به،و دفع الضررالمظنون لازم عقلا،فيجب العمل بالظن.و لا يخفى أنّ الفرق بين هذا الوجه و الوجه الرابع-المعروف بدليل‏الانسداد-هو أنّ الوجه الرابع يتوقف على انسداد باب العلم و العلمي في معظم‏الأحكام،و هذا الوجه مع ما يتلوه من الوجه الثاني لا يتوقف على ذلك،بل مع‏فرض انفتاح باب العلم في المعظم إذا حصل الظن بالحكم في المورد الّذي اتفق‏انسداد باب العلم فيه يكون الظن حجة على هذا الوجه و الوجه الثاني.ثمّ إنّ هذا الوجه يتركب من صغرى و كبرى.أمّا الكبرى-و هي لزوم دفع الضرر المظنون عقلا-فهي في الجملة ممّالا ينبغي التأمّل و الإشكال فيها،لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المظنون،
215
بل المشكوك،بل الموهوم أيضا إذا كان الضرر المحتمل من سنخ العقاب‏الأخروي،و لذلك لا تكفي الإطاعة الظنية عند التمكن من الإطاعة العلمية،مع أنّ الضرر في الإطاعة الظنية يكون موهوما.و أمّا الصغرى:فهي ممنوعة أشدّ المنع.و تنقيح البحث في كل من الصغرى و الكبرى يحتاج إلى تمهيد أمور:
الأمر الأوّل:
انّه لا إشكال في استقلال العقل بقبح العقاب بلابيان،كما أنّه لا إشكال في استقلال العقل بلزوم دفع ضرر العقاب الموهوم‏فضلا عن المشكوك فضلا عن المظنون.و مورد حكم العقل بقبح العقاب بلابيان إنّما هو فيما إذا أعمل العبد ما تقتضيه وظيفته و جرى على ما يلزمه الجري‏عليه من الفحص و السؤال عن مرادات المولى،فإذا فعل ذلك و لم يعثر على مرادالمولى قبح عقابه،سواء كان للمولى مراد واقعا أو لم يكن،فانّ المراد من‏«البيان»في قاعدة«قبح العقاب بلا بيان»هو البيان الواصل إلى العبد لا البيان‏الواقعي،لأنّ الإرادة النّفس الأمرية لا تكون محركة للعضلات و لا تصلح‏للداعوية،فلا أثر للبيان الواقعي ما لم يصل إلى العبد،و ليس قبح العقاب‏بلا بيان مورد الدليل اللفظي حتى يستظهر منه الأعم من البيان الواقعي و البيان‏الواصل،بل هو حكم عقلي ملاكه قصور الإرادة الواقعية عن تحريك إرادةالعبد نحو المراد،فالعقل يستقل بقبح عقاب العبد و عتابه إذا أعمل وظيفته‏بالفحص و السؤال فلم يعثر على مراد المولى،فانّ عدم عثور العبد مع الفحص:إمّا لكون المولى أخلّ بوظيفته بعدم بيان مراده بالطرق التي يمكن الوصول إليه‏منها،و إمّا لأجل تقصير الوسائط في إيصال مراد المولى إلى العبد،و على كلاالتقديرين:لا دخل للعبد في عدم حصول مراد المولى على تقدير وجوده النّفس‏الأمري،و ذلك واضح.و أمّا مورد حكم العقل بلزوم دفع ضرر العقاب المحتمل،فهو إمّا في‏
216
الشبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ،و إمّا في الشبهات البدوية إذ أخلّ العبد بماتقتضيه وظيفته بترك الفحص و السؤال عن مرادات المولى و اعتمد على الشك،فانّ مثل هذا العبد يستحق العقاب و العتاب إذا صادف فوت مراد المولى.و يشهد لذلك الطريقة المألوفة بين الموالي و العبيد العرفية،فانّه لكل‏من المولى و العبد وظيفة تخصّه،أمّا وظيفة المولى:فهي أن يكون بيان مراده على‏وجه يمكن وصول العبد إليها إذا لم يتوسط في البين ما يمنع عن ذلك من تقصيرالوسائط في التبليغ و نحو ذلك.و أمّا وظيفة العبد:فهي الفحص و السؤال عن‏مرادات المولى في مظانّ وجودها،فعند إخلال العبد بوظيفته يستحق العقاب‏و يكون مورد حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل.و بما ذكرنا من الضابط في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان مع‏حكمه بلزوم دفع الضرر المحتمل يظهر:أنّه لا يكاد يتحقق الشك في مورد أنّه من‏موارد قبح العقاب بلا بيان أو من موارد دفع الضرر المحتمل؟إلاّ إذا قلنا:إنّ‏المراد من البيان في«قاعدة قبح العقاب بلا بيان»هو البيان الواقعي،فانّه‏يمكن حينئذ فرض الشك في ذلك،و لا بد من التحرز عن المشكوك،لأنّ‏احتمال الضرر فيه وجداني و الشك في جريان البراءة فيه،فتأمّل جيّدا.
الأمر الثاني:
قد تقدّم في بعض المباحث السابقة أنّ ملاكات‏الأحكام تختلف من حيث الأهمية،فقد يكون الملاك بمثابة من الأهمية في نظرالشارع،بحيث يقتضى تحريم جملة من المحللات ظاهرا،لإحراز الملاك و التحفظعليه،و قد لا يكون الملاك بتلك المثابة من الأهمية،و طريق استكشاف أنّ‏ملاك الحكم من أيّ قبيل إنّما يكون بجعل المتمم،فانّه لا بد للشارع من جعل‏المتمم إذا كان الملاك ممّا يجب رعايته،إذ لا طريق للعباد إلى إحراز كون‏الملاك بتلك المثابة من الأهمية حتى يجب عليهم التحرز عن فوته في مواردالشك،فلو كان الملاك ثبوتا ممّا يلزم رعايته فعلى الشارع بيان ذلك بجعل‏
217
المتمم من إيجاب الاحتياط في موارد الشك،كما أوجبه في باب الدماءو الأعراض و الأموال،فمن عدم إيجاب الاحتياط في مورد يستكشف كون‏الملاك ليس بتلك المثابة من الأهمية.و لو شك في جعل المتمم و وجوب‏الاحتياط في مورد فالأصل يقتضى البراءة،لأنّه يندرج في قوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»فانّ أمر المتمم وضعا و رفعا بيدالشارع،فيشمله حديث الرفع.
الأمر الثالث:
الضرر الّذي يستقل العقل بقبح الإقدام على ما لايؤمن من الوقوع فيه،إمّا يكون أخرويا،و إمّا يكون دنيويا.فان كان أخرويا فلا إشكال في أنّ حكم العقل بلزوم دفع المقطوع‏و المظنون و المحتمل منه يكون للإرشاد لا يستتبع حكما مولويا شرعيا على طبقه،لأنّ حكم العقل في باب العقاب الأخروي واقع في سلسلة معلولات الأحكام،و كل حكم عقلي وقع في هذه السلسلة لا يستتبع الحكم المولوي الشرعي و ليس‏مورد القاعدة الملازمة و إلاّ يلزم التسلسل،فحكم العقل بلزوم دفع الضررالمظنون بل المحتمل يكون إرشاديا و طريقيا لا يترتب على مخالفته سوى ما يترتب‏على المرشد إليه من العقاب الواقعي لو فرض مصادفة الظن أو الاحتمال‏للواقع،و إلاّ كان من التجري في حكم العقل،و ذلك واضح.و إن كان الضرر دنيويا:فالذي يظهر من بعض كلمات الشيخ‏(قدس سره)في مبحث البراءة،هو أنّ الظن في المضار الدنيوية يكون طريقامجعولا شرعيا كسائر الطرق الشرعية،فلا يترتب العقاب على مخالفته إلاّ إذاصادف الظنّ الواقع و كان ما أقدم عليه ضررا واقعا،فيستحق المكلف العقاب‏على مخالفة الواقع لا مخالفة الطريق،و قد تقدم منّا الإشكال في ذلك،و أنّ‏الظاهر من تسالم الأصحاب-على ما هو المحكي عنهم-من أنّ سلوك الطريق الّذي‏لا يؤمن من الوقوع في الضرر معصية يجب إتمام الصلاة فيه و لو تبيّن عدم‏
218
الضرر1هو أنّ للعقل في باب الضرر الدنيوي حكم واحد بمناط واحد يعمّ‏صورة القطع و الظنّ بل الاحتمال العقلائي،نظير حكمه بقبح التشريع،لا أنّه‏للعقل حكمان:حكم على الضرر الواقعي،و حكم آخر طريقي على ما لا يؤمن‏منه من الوقوع في الضرر،نظير حكمه بقبح الظلم.و على كل حال:سواء قلنا:بأنّ حكم العقل في موارد احتمال الضررطريقي أو موضوعي،فحيث كان هذا الحكم العقلي واقعا في سلسلة علل‏الأحكام فيستتبع الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة على طبق ما حكم به العقل،فان كان الحكم العقلي طريقيا فالحكم الشرعي المستكشف منه أيضا يكون‏طريقيا،نظير إيجاب الاحتياط في باب الدماء و الفروج،و إن كان موضوعيافالحكم الشرعي أيضا يكون كذلك،و لا يمكن أن يختلف الحكم الشرعي عن‏الحكم العقلي في الموضوعية و الطريقية،بل يتبعه في ذلك لا محالة.و هذا الحكم العقلي الطريقي أو الموضوعي المستتبع للحكم الشرعي‏على طبقه يكون حاكما على أدلة الأصول الشرعية:من البراءةو الاستصحاب‏2كما يكون واردا على البراءة العقلية،فانّه يخرج المورد عن‏كونه«ما لا يعلمون»و عن«نقض اليقين بالشك»و عن كون«العقاب عليه‏بلا بيان»بل يكون«ما يعلمون»و من«نقض اليقين باليقين»و من‏«كون العقاب عليه عقابا مع البيان الواصل»و يأتي لذلك مزيد توضيح‏(إن شاء اللّه تعالى).1أقول:لو لا حمل كلامهم على كونه في فرض المخالفة بحكم المعصية بمناط التجري و أنّه موجب‏لإتمام الصلاة أيضا،و لقد أشرنا إلى هذه الجهة سابقا أيضا،فراجع.هذا،مع إمكان أن يقال:إنّ لازم طريقيةالاحتمال لزوم ترتيب آثار المطابقة عليه،و من آثاره إتمام الصلاة حين وجود الاحتمال،و ليس فتواهم بوجوب‏التمام أزيد من وجوبه حين قيام الطريق بلا نظر منهم إلى فرض انكشاف خلافه،فتدبر.2أقول:لا نفهم وجه الحكومة،خصوصا الاستصحاب،لو لا دعوى عكسه فيه،فتدبر.
219
الأمر الرابع:
المصالح و المفاسد التي تبتنى عليها الأحكام،قد تكون‏شخصية راجعة إلى آحاد المكلفين كالواجبات العبادية و غالب المحرمات،كالصوم و الصلاة و الحج و الزنا و شرب الخمر و غير ذلك ممّا تعود المصلحةو المفسدة إلى شخص الفاعل.و قد تكون نوعية كالواجبات النظامية:من الطبابة و الصياغة و الخياطةو نحو ذلك ممّا يتوقف عليها حفظ الجامعة و النظام.و في كلا القسمين تكون المصلحة و المفسدة في متعلق الأمر،لا في‏نفس الأمر،فانّه لو كانت المصلحة في نفس الأمر و الجعل كان اللازم حصولهابمجرد الأمر و لم يبق موقع للامتثال،فالمصلحة لا بد و أن تكون في المتعلق،بل في‏الأوامر الامتحانية أيضا لا تكون المصلحة في نفس الأمر،و إنّما المصلحة في‏إظهار العبد الطاعة و العبودية.و بالجملة:دعوى كون المصلحة في نفس الأمر و الجعل و لو موجبةجزئية ممّا لا سبيل إليها.إذا عرفت هذه الأمور،فاعلم:أنّ المراد من«الضرر»في قول المستدل‏«إنّ الظن بالحكم يستلزم الظن بالضرر»إن كان هو العقاب فالملازمة ممنوعة،فانّ العقاب يدور مدار التنجيز و هو يدور مدار وصول التكليف و إحرازه بالعلم‏أو ما يقوم مقامه من الطرق الشرعية،لما عرفت(في الأمر الأوّل)من أنّ‏التكليف بوجوده الواقعي قاصر عن أن يكون داعيا و محركا لإرادة العبد و يقبح‏العقاب عليه.و الظن بالحكم مع عدم قيام الدليل على اعتباره و جعله كاشفاو محرزا لا يقتضى وصول الحكم،و ما لم يصل لا عقاب عليه،لاستقلال العقل‏بقبح العقاب بلا بيان واصل إلى المكلف،فالظن بالحكم لا يلازم احتمال‏العقاب فضلا عن الظن به،لأنّ العقاب فرع التنجيز و هو فرع الوصول،فمايقال:من«أن الظن بالحكم و إن لم يلازم الظن بالعقاب إلاّ أنّه يحتمل‏
220
العقاب،و دفع العقاب المحتمل كالمظنون ممّا يلزم به العقل»ضعيف غايته،فانّه كيف يحتمل العقاب مع عدم اعتبار الظن و عدم كونه منجّزا للتكليف،بل ينبغي القطع بعدم العقاب لاستقلال العقل بقبحه.و إن أريد من«الضرر»غير العقاب من المصالح و المفاسد الكامنة في‏متعلقات التكاليف-بناء على ما ذهب إليه المشهور من العدلية من تبعيةالأحكام للمصالح و المفاسد الراجعة إلى العباد لاستغنائه(تعالى)عن ذلك-فالظن بالتكليف يلازم الظن بالمصلحة و المفسدة،لأنّ المصالح و المفاسد من‏الأمورات الواقعيّة التكوينية و لا تأثير للعلم و الجهل بها،و لا يمكن أن يدوروجودها الواقعي مدار العلم بالتكليف،فالظن به يلازم لا محالة الظن بها،إلاّأنّ الشأن في كون فوت المصالح أو الوقوع في المفاسد من المضار الدنيويةليندرج الظن بها في صغرى حكم العقل بلزوم دفع الضرر المظنون.و الإنصاف:أنّه ليس كذلك،فانّ التكليف المظنون،إمّا أن يكون من‏العبادات التي تتوقف على قصد الامتثال،و إمّا أن يكون من التوصليات.فان كان من العبادات:فالمصلحة فيها تدور مدار قصد الامتثال،و هويدور مدار العلم بالتكليف أو ما يقوم مقامه‏1ليتمكن المكلف من قصدالامتثال،فالظن بالحكم مع عدم قيام الدليل على اعتباره لا يصحّح قصدالامتثال،بل لا يتمكن المكلف من ذلك إلاّ على نحو التشريع المحرّم،فحال‏المصلحة في العبادات حال العقاب في عدم الملازمة بين الظن بالحكم و بين‏الظن بها،فالظن بالأحكام العبادية لا يندرج في صغرى حكم العقل بلزوم‏1أقول:ذلك يصح على فرض احتياج العبادة إلى القربة الجزمية،و معه ينسد باب الاحتياط في‏العبادات،خصوصا في الشبهات البدوية،و لا أظنّ التزامه ممن كان خالي الذهن من الشبهات،كيف و هو ديدن‏الصلحاء و العبّاد في الاحتياط في قضاء صلاتهم و غيرها.و لئن سلّمنا ما أفيد،لنا أيضا أن نقول:إنه في فرض تمكنه من تحصيل العلم لو ترك ذات العبادة فقداحتمل فوت المصلحة الملزمة،و مع تسليم كون فوات المصلحة من الضرر يحتمل إقدامه على الضرر.
221
دفع الضرر المظنون على فرض تسليم كون فوات المصلحة من الضرر.و إن لم يكن الحكم المظنون من العبادات،فان كان من الأحكام‏النظامية:فالظن بها لا يلازم الظن بالمصلحة و المفسدة الشخصية،فانّ الأحكام‏النظامية تبتنى على المصالح و المفاسد النوعية،و الضرر الّذي يستقل العقل بقبح‏الإقدام على ما لا يؤمن منه هو الضرر الشخصي لا الضرر النوعيّ،فلو سلّم أنّ‏فوت المصلحة و الوقوع في المفسدة يندرج في الضرر فانّما هو في المصلحة و المفسدةالشخصية،فالظن بالأحكام النظامية لا يلازم الظن بالضرر الشخصي الّذي‏يستقل العقل بقبح الإقدام عليه.و إن كان من الأحكام الشخصية:فالظن بها يلازم الظن بالمصلحةو المفسدة الشخصية،و لا يصغى إلى ما قيل:من«أنّه يمكن أن تكون المصلحةو المفسدة في نفس الأمر لا في المأمور به،فالظنّ بالحكم لا يلازم الظن بالمصلحةو المفسدة الشخصية»لما عرفت:من أنّ دعوى كون المصلحة في الأمر ممّا لاسبيل إليها،بل المصالح و المفاسد إنّما تكون في نفس المتعلقات.فان قلنا:إنّ فوات المصلحة و الوقوع في المفسدة من الضرر،فلا محالةيلزم التحرز عنه بفعل ما ظن وجوبه و ترك ما ظن حرمته.و لكن للمنع عن كون فوات المصلحة و الوقوع في المفسدة من الضررمجال واسع،فانّ أقصى ما يقتضيه فوات المصلحة هو عدم النّفع،و العقل لايستقل بقبح الإقدام على ما يقطع منه فوات النّفع فضلا عن الظن ما لم يلزم منه‏محذور آخر من معصية المولى و مخالفة أمره.و أمّا الوقوع في المفسدة:فكذلك‏أيضا،لأنّه ليس كل مفسدة ضررا حتى يجب عقلا التحرز عن الوقوع فيها،إلاّأن يدّعى أنّ دفع المفسدة كدفع الضرر يجب عقلا و إن لم تكن المفسدة من أفرادالضرر.و لكن لو صحّت هذه الدعوى فهي جهة أخرى لا دخل لها بما رامه‏المستدل لحجية مطلق الظن بقاعدة قبح الإقدام على الضرر المظنون،مع أنّه‏
222
سيأتي(في مبحث البراءة)ما يظهر منه فساد هذه الدعوى.فالتحقيق:أنّ الظن بالحكم لا يلازم الظن بالضرر.و الشيخ(قدس سره)بعد أن سلّم الملازمة بين الظن بالحكم و الظن‏بالضرر و اعترف أنّ المفسدة من أفراد الضرر الّذي يستقل العقل بقبح الإقدام‏على ما لا يؤمن من الوقوع فيه سلك مسلكا آخر في منع الصغرى.و حاصل ما أفاده في وجه المنع هو:أنّ المفسدة المظنونة ممّا يقطع أويظن بتداركها،و العقل لا يستقل بقبح الإقدام على المفسدة المظنونة مع القطع‏أو الظن بتداركها،بيان ذلك هو:أنّ أدلة الأصول الشرعية-من الاستصحاب‏و البراءة-في المورد الّذي لم يثبت التكليف به،إمّا أن تكون مقطوعة الصدورعنهم صلوات اللّه عليهم)كما هو ليس ببعيد و إمّا أن تكون مظنونة الصدور عنهم،و على كلا التقديرين:إمّا أن يقطع أو يظن بتدارك المفسدة المظنونة عند الظن‏بالتكليف مع عدم قيام الدليل على اعتبار الظن،فانّه إمّا يقطع بالبراءةالشرعية عن التكليف المظنون إن كانت أدلتها قطعية و إمّا أن يظن بها إن‏كانت أدلتها ظنية،و يلزمه القطع أو الظن بتدارك المفسدة المظنونة حتى لا يلزم‏إيقاع المكلف في الضرر و المفسدة الواقعية،فانّه مع عدم إحراز التكليف لا بدللشارع:إمّا من إيجاب الاحتياط ليتحرز المكلف عن الوقوع في المفسدة و إمّامن تداركها،و حيث لا يجب الاحتياط عند الظن بالتكليف-إمّا علما و إمّاظنا-فلا يظن بالمفسدة الغير المتداركة،بل يعلم أو يظن بالتدارك،و العقل لايستقل بقبح الإقدام على المفسدة المتداركة.هذا حاصل ما أفاده(قدس سره)في وجه المنع عن الصغرى إن كان‏المراد من«الضرر»فيها المفسدة لا العقاب.و أنت خبير بما فيه،أمّا أوّلا:فلأنّ تدارك الضرر و المفسدة إنّما يجب‏إذا كان الشارع أوقع المكلف في الضرر و المفسدة الواقعية،و ذلك ينحصربالتعبد بالأمارات في مورد انفتاح باب العلم و تمكن المكلف من الوصول إلى‏
223
الواقع و إدراك المصالح و المفاسد الواقعيّة،فانّ التعبد بالأمارة مع مخالفتها للواقع‏يكون قبيحا إلاّ بأن يتدارك بالمصلحة السلوكية ما فات من المكلف بسبب‏العمل بالأمارة من مصلحة الواقع-كما تقدم بيانه-و أمّا الأصول العملية:فالتعبد بها إنّما يكون في مورد انسداد باب العلم و عدم التمكن من الوصول إلى‏الواقع،لأنّ الأصول العملية لا اعتبار بها في الشبهات الحكمية إلاّ بعد الفحص‏و اليأس عن الوصول إلى الواقع بالعلم أو العلمي،فلا يكون الوقوع في الضررو المفسدة الواقعية مستندا إلى الشارع،لأنّه لو لا التعبد بالأصول كان المكلف‏يقع في ذلك إلاّ إذا وجب عليه الاحتياط عقلا أو شرعا.و قد لا تكون مصلحةالواقع بمثابة يلزم رعايتها بجعل المتمم و إيجاب الاحتياط1فتأمّل.و أمّا ثانيا:فلأنّ العموم في كل مورد إنّما يشمل الأفراد التي لا يتوقف‏شمول العام لها إلى مئونة زائدة من إثبات أمر آخر2إلاّ إذا بقي العام بلا موردلو لا تلك المئونة الزائدة-كما أوضحناه في محله-و شمول عموم أدلة الأصول لموردالظن بالحكم يتوقف على إثبات تدارك الضرر و المفسدة،و إذا توقف على ذلك‏فمن أوّل الأمر العموم لا يشمل مورد الظن بالحكم،و لا يلزم من عدم شموله‏بقاء العموم بلا مورد،لأنّ المشكوكات و الموهومات تبقى تحت العموم.و أمّا ثالثا:فلأنّه بعد تسليم كون الظن بالحكم يلازم الظن بالضررعلى تقدير ترك العمل بالظن لا يبقى موقع للبراءة و الاستصحاب،لاستقلال‏العقل بقبح الإقدام على ما لا يؤمن منه من الضرر المستتبع للحكم الشرعي‏1أقول:إذا فرضنا أنّ كل مفسدة ضرر و يجب على الشارع عدم إلقاء المكلف في الضرر،فأيّ اهتمام‏أعظم من ذلك،بل لا بد له من متمم الجعل بمقتضى كلامه.نعم:ذلك صحيح في فرض عدم الملازمة بين‏المصلحة و الضرر،فانّه حينئذ في متمم الجعل يدور مدار الاهتمام و عدمه.2أقول:أصالة العموم متبع في كل مورد يشمله العام،و لو كان شموله ملازما لخصوصية زائدة،فبأصالة العموم يحرز الخصوصية المزبورة أيضا و لو كان من اللوازم العادية.و دعوى عدم الشمول عهدته على‏مدّعيه،فتأمل.
224
بحرمته،سواء كان الحكم العقلي موضوعيا أو طريقيا،فانّه على كل تقدير هذاالحكم العقلي يكون واردا أو حاكما على البراءة العقلية و الشرعية و على‏الاستصحاب‏1كما تقدم بيانه في الأمور المتقدمة.و العجب من الشيخ(قدس سره)حيث أفاد(في مبحث البراءة)أنّ‏الظن بالضرر غير العقاب قد جعل طريقا شرعيا إلى الضرر الواقعي و لا تجري‏فيه البراءة كسائر موارد الطرق الشرعية،و في المقام التزم بجريان البراءة مع‏اعترافه بأنّ الظن بالحكم يلازم الظن بالضرر2.و لا يمكن الجمع بين‏كلاميه.و الحق هو ما أفاده(في مبحث البراءة)من أنّه لا تجري البراءة العقليّةو الشرعية في موارد الظن بالضرر الدنيوي و تجري في موارد الظن بالضررالأخروي(لو سلّم أنّ الظن بالحكم يلازم الظن بالضرر الدنيوي و الأخروي‏معا)فانّ جريان البراءة في أحد اللازمين لا يلازم جريان البراءة في اللازم‏الآخر إذا كان لكل من اللازمين مناط يخصه غير مناط الآخر،فلو كان الظن‏بالحكم يلازم الظن بالعقاب و الظن بالمفسدة معا،فمن حيث العقاب تجري‏البراءة العقلية،لأنّ الظن الّذي لم يقم دليل على اعتباره ليس بيانا و لا يكون‏منجّزا للتكليف،فيندرج في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.و من حيث‏الظن بالضرر غير العقاب لا تجري البراءة العقلية لاستقلال العقل بلزوم دفع‏الضرر المظنون و يستتبعه الحكم الشرعي بوجوبه،فلا يكون العقاب عليه بلابيان.1أقول:بعد فرض كون موضوع حكم العقل الضرر الغير المتدارك،فالأصول الشرعية الكاشفة عن‏التدارك رافع لهذا الموضوع بالورود بلا عكس،كما هو ظاهر.2أقول:جملة من كلمات«شيخنا الأعظم»في البراءة صريحة في عدم مانعية الظن بالضرر لجريان‏أصالة الحلية،لكشفه عن تداركه بالمصلحة،فراجع الشبهة الموضوعية من الشبهة التحريمية و غيرها،و ما رأيت في‏كلماته ما أفيد حتى أتأمّل في أطرافه.
225
و التحقيق:أنّ الظن بالحكم لا يلازم الظن بالعقاب و لا الظن‏بالضرر،بل إنّما يلازم الظن بالمفسدة و هي لا تلازم الضرر،فتأمّل في أطراف‏ما ذكرناه.
الوجه الثاني:
من الوجوه التي استدلوا بها لحجية مطلق الظن-ما ذكره السيّدالمجاهد(ره):من أنّا نعلم بوجود واجبات و محرمات في الشبهات،و مقتضى‏القاعدة و إن كان هو الاحتياط بالأخذ بالمظنونات و المشكوكات و الموهومات،و لكن يلزم من الاحتياط في الجميع العسر و الحرج المنفي في الشريعة،فلا بد من‏الأخذ بالمظنونات فقط و ترك المشكوكات و الموهومات،فانّه لا يلزم العسرو الحرج من الأخذ بها.و فيه:أنّ ذلك لا يتم إلاّ بعد ضمّ ساير مقدمات دليل الانسداد،فانّ‏ما ذكر من الوجه إنّما هو بعض المقدمات،و لا بد من ضمّ البقية إليه:من‏انسداد باب العلم و العلمي و عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة و غير ذلك ممّاسيأتي بيانه.و يتلو هذا الوجه في الضعف‏
الوجه الثالث(من وجوه حجية الظن‏المطلق)
و هو أنّه لو لا العمل بالمظنونات يلزم ترجيح المرجوح على الراجح و هوقبيح عقلا.إذ فيه:أنّ ذلك إنّما يلزم إذا وجب الأخذ بالمظنونات أو المشكوكات،و لمانع أن يمنع عن وجوب الأخذ بها إلاّ بعد ضمّ سائر مقدمات الانسداد.فهذه‏الوجوه ضعيفة و لا تستحق إطالة الكلام فيها.فالأولى عطف عنان الكلام إلى البحث عن‏
الوجه الرابع المعروف‏بدليل الانسداد
و هو من المباحث التي ينبغي أن يشكر عليها شيخنا الأستاذ(مد ظله)فانّه قد حرّر البحث عن دليل الانسداد على وجه لم يسبقه إليه‏
226
أحد1و أفاد فيه من الدقائق العلمية ما كانت الأفهام قاصرة عن إدراكه كماسيتضح لك ذلك(إن شاء اللّه تعالى)فشكر اللّه مساعيه و جزاه عن العلم و أهله‏خيرا.و على كل حال:دليل الانسداد يتألف من مقدمات أربع.و قيل:إنّها خمس،بجعل العلم بالتكاليف من جملة المقدمات.و الشيخ‏(قدس سره)أسقط هذه المقدمة نظرا إلى أنّ المراد من العلم بثبوت التكاليف،إن كان هو العلم بثبوت الشريعة و عدم نسخ أحكامها فهذا من البديهيات التي‏لا ينبغي عدّها من المقدمات،فانّ العلم بذلك كالعلم بأصل وجود الشارع،و إن كان المراد من العلم بثبوت التكاليف العلم الإجماليّ بثبوتها في الوقائع‏المشتبهة التي لا يجوز إهمالها،فهو أيضا ليس من مقدمات دليل الانسداد،بل هومن أحد الوجوه الثلاثة التي تبتنى عليها المقدمة الثانية(على ما سيأتي بيانه)فالأولى الاقتصار على ما ذكره الشيخ(قدس سره)من المقدمات الأربع.الأولى:انسداد باب العلم و العلمي في معظم الفقه.و هي عمدةالمقدمات،حتى حكى عن بعض المتقدمين الاكتفاء بها في استنتاج حجيةمطلق الظن،و المقدمات الاخر قد أضافها المتأخرون.الثانية:عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة و ترك التعرض لها بالرجوع‏إلى البراءة في جميع موارد الشك في التكليف.1أقول:بعد التأمّل فيما أفيد لم أجد فيه إلاّ دعوى إجماع في باب الانسداد الّذي خرّب أساس القوم،و صار منشأ لتوهّم تأسيس جديد في هذا الباب.و لكن لو تأمّلت في كلماتهم ترى بأنّ لمثل هذا الإجماع ليس عين‏و لا أثر،و سيمرّ عليك أيضا سرّ كلماتنا في محل استنتاجه من مقدماته(إن شاء اللّه تعالى)و لقد فصلنا الكلام أيضافي شرح مرامه في الحاشية الآتية.
227
الثالثة:بطلان الرجوع إلى الطرق المقررة للجاهل بالأحكام:من‏الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة،أو الرجوع إلى الأصل الجاري في كل‏مسألة:من البراءة و الاستصحاب و التخيير و الاحتياط أو التقليد و الرجوع إلى‏فتوى الغير.الرابعة:قبح ترجيح المرجوح على الراجح و الأخذ بالموهومات‏و المشكوكات و ترك المظنونات.و هذه المقدمات الأربع إذ تمّت و سلمت عن الإشكال تكون نتيجتهاحجية الظن المطلق أو في الجملة(على ما سيأتي توضيحه)فلا بد من التعرض‏لكل مقدمة بالخصوص و إثباتها بما يمكن الاستدلال به لها1.1أقول:ملخص ما أفاد في إتمام المقدمات بعد ما نظرنا إليه بطوله و تفصيله:أنّه بعد إتمام المقدمةالأولى-على الفرض-و كذلك المقدمة الثانية:من بطلان الخروج من الدين بترك التعرض للأحكام،عمدة ماأفاد من النكتة الجديدة التي لم يسبقه إليها أحد باعترافه(و منه استنتج الكشف و حجية الظن شرعا و به رفض‏مسلك الحكومة في باب الانسداد و كذلك مسلك التبعيض في الاحتياط)هو ما أفاده في وجه بطلان الاحتياط-الّذي هو المقدمة الثالثة-بعد بطلان سائر الطرق المقررة للجاهل:من الأصول المثبتة و التقليد و غيرها بجهات‏أخرى:من دعوى الإجماع على عدم البناء في الشريعة على الاكتفاء في امتثال الأحكام بصرف احتماله،بل لا بدو أن يأتي بعنوان وجوبه فعلا أو تركا،و بهذا الإجماع التجأ إلى كشف طريق شرعي،و عيّن هذا الطريق بالظن‏بمقتضى المقدمة الرابعة.و لعمري!انّ مثل هذا الإجماع لم يسبقه إليه أحد،و صدق في أنّ الأفهام قاصرة عن دركه،و الّذي نطقت‏به كلماتهم هو الإجماع على عدم لزوم الاحتياط و بطلانه.و أمّا وجه البطلان هو قيام الإجماع المزبور أو وجه البطلان عدم منجزية العلم و عدم اقتضائه الاحتياطو لو تبعيضا فضلا عن الاحتياط التام؟فيه إشكال،كيف و يحتمل أن يكون مرجع الإجماع المزبور إلى إطباقهم‏على عدم وجود مثبتية العلم الإجماليّ أو عدم منجزيته،و من مثله يستكشف وجود مرجع آخر للمكلّف و مثبت‏للتكاليف غير علمه الإجماليّ بمقدار الكفاية الموجب لانحلال علمه-كما هو المستفاد من بطلان الخروج من‏الدين-و لو فرض عدم علم إجمالي أو عدم منجزيته رأسا،إذ من مثل هذا الإجماع التقديري يستكشف وجودمرجع آخر غير العلم،و لازمه قهرا انحلال العلم الإجماليّ و سقوط اقتضائه الاحتياط تماما أو تبعيضا.
228
أمّا المقدمة الأولى:فهي بالنسبة إلى انسداد باب العلم الوجداني‏مسلّمة لا يمكن الخدشة فيها،بداهة أنّ ما يوجب العلم الوجداني التفصيلي‏بالحكم من الخبر النص المتواتر أو المحفوف بالقرائن القطعية ظهورا و صدورا مع‏ساير ما يتوقف عليه الاستنباط لا يفي بأقل قليل من الأحكام الشرعية،و ذلك‏ممّا يصدّقه كل مجتهد يخوض في الاستنباط.و أمّا بالنسبة إلى انسداد باب العلمي فللمنع عنه مجال واسع،فانّ ماتقدّم من الأدلة الدالة على حجية الخبر الموثوق به ظهورا و صدورا-سواء حصل‏الوثوق به من وثاقة الراوي أو من سائر الأمارات الاخر-ممّا لا سبيل إلى‏الخدشة فيه،بل ينبغي عدّها من الأدلة القطعية،و معها لا يبقى مجال لدعوى‏انسداد باب العلمي في معظم الفقه،لأنّ الخبر الموثوق به(بحمد اللّه)واف‏بمعظم الأحكام،بحيث لم يلزم من الرجوع إلى الأصول العملية في الشبهات التي‏لم يكن على طبقها خبر موثوق به محذور الخروج من الدين أو مخالفة العلم‏و حينئذ نقول:إنّ هذا المقدار من إبطال الاحتياط إنّما يقتضى كشف الجعل الشرعي لو لم يكن للعقل‏حكم بمرجعية شي‏ء في البين الموجب لتعرض الأحكام به(المتعين بمقتضى المقدمة الرابعة في الظن)و إلاّ فلايكاد ينتهى النوبة إلى كشف الجعل الشرعي،لاحتمال إيكال الشرع في مقام حكمه بتعرض الأحكام إلى مثل‏هذا الحكم العقلي،و مع هذا الاحتمال لا يبقى مجال لكشف جعل من الشارع أصلا.و باللَّه عليك!أن تتأمّل في‏وجه الإجماع المدّعى لإبطال الاحتياط بأنه هو الّذي أفاده أو الّذي نحن ذكرنا،و لا أقل من احتمال أن يكون‏وجه قيام الإجماع على بطلان الاحتياط رأسا حتى تبعيضا ما ذكرنا،لا ما أفاده.نعم:الّذي مسلّم عندنا و عنده‏قيام الإجماع على بطلان الاحتياط في الشريعة و لو تبعيضا.و لكن تمام الكلام في أنّ وجه هذا الإجماع رفض العلم الإجماليّ عن المنجزية رأسا-و لو بالانحلال الّذي‏نحن قرّبناه-أو وجهه لزوم تعرض المشتبهات بعنوان وجوبه فعلا أو تركا،و من اختلاف الوجهين يختلف النتيجةمن حيث الكشف و الحكومة بالتقريب المتقدم.فنحن ندّعي:أنه من المحتمل أن يكون وجه الإجماع المسلّم هو الّذي ذكرنا،إذ هو المتيقن،و مع هذاالاحتمال لا يبقى محل لإثبات المقرّر ما ادّعى من الإجماع في كلامه و لو اجتمع معه الثقلان!و مع عدم إثباته‏تبطل الفوائد الكثيرة و النكات الجملية التي لم يسبقه إليها أحد،كي يستحق شكرا،بل لك أن تسمع ما ذكرناو تكون من الشاكرين.
229
الإجماليّ و غير ذلك من المحاذير الآتية.و من هنا يظهر:أن البحث عن دليل الانسداد-على طوله و كثرةمباحثه-قليل الفائدة لا يترتّب عليه أثر مهمّ،لفساد أساسه و هو انسداد باب‏العلمي.نعم:لو قلنا بمقالة المحقق القمي(ره)من أنّ«اعتبار الظهورات‏مقصور بمن قصد إفهامه من الكلام»و أغمضنا عمّا تقدّم من الإشكال في‏ذلك،أو قلنا:إنّ أقصى ما تقتضيه الأدلة المتقدمة إنّما هو حجية الخبر الصحيح‏الأعلائي عند المتأخرين-و هو ما كان جميع سلسلة سنده من الإمامية مع تعديل‏كلّ من الرّواة بعدلين في جميع الطبقات-كان لدليل الانسداد مجال،بل ممّالا بدّ منه،بداهة أنّ الخبر الصحيح الأعلائي بهذه الأوصاف-كالخبر المتواترو المحفوف بالقرائن القطعية-أقلّ لا يفي بمعظم الفقه.و لكن الأدلة المتقدمة تدل على اعتبار ما هو أوسع من ذلك،و هومطلق الخبر الموثوق به-كما تقدّم تفصيله-و معه لا تصل النوبة إلى دليل الانسدادلاستنتاج حجية مطلق الظن.و من الغريب:ما حكى عن المحقق القمي(قدس سره)في هذا المقام‏من أنّ«حجية ظواهر الكتاب و أخبار الآحاد سندا و ظهورا إنّما هو لأجل‏إفادتها الظن،لا لخصوصية فيها»و على ذلك بنى حجية مطلق الظن مع اعترافه بأنه‏لو كان حجية ظواهر الكتاب و الأخبار لخصوصية فيها تقتضي ذلك كان‏الواجب الاقتصار عليها و عدم التعدي عنها إلى مطلق الظن لأنّها تفي بمعظم‏الفقه و لكن من المحتمل أن تكون حجيتها لأجل إفادتها الظن فيجوز التعدي‏عنها إلى كلّ ما يفيد الظن.و قد أطال النقض و الإبرام في ذلك،و زاد في قوله«إن قلت قلت»على مايبلغ العشرين.و قد تبعه في ذلك بعض من تأخر عنه حتى حكى:أنّه صنّف‏بعض المتأخرين رسالة عدم الخصوصية في ظواهر الكتاب و الأخبار،بل كان‏
230
حجيتها لأجل كونها تفيد الظن بالحكم الشرعي.و أنت خبير بما فيه،فانّ مجرّد احتمال أن يكون اعتبار ظواهر الكتاب‏و الأخبار لأجل إفادتها الظن لا يقتضى التعدي عنها إلى مطلق الظن،فانّ‏اعتبار مطلق الظن يتوقف على جريان مقدمات الانسداد،و إذا احتمل أن‏يكون اعتبار ظواهر الكتاب و الأخبار لخصوصية فيها حينئذ لا تجري مقدّمات‏الانسداد مع الاعتراف بكونها وافية بمعظم الفقه،فانّها تكون متيقنة الاعتبار،فلا تصل النوبة إلى دليل الانسداد،مع أنّه لو بنينا على أنّ أدلة حجية الظواهرو الأخبار إنّما تدل على حجيتها من أجل كونها تفيد الظن بالحكم الشرعي لالخصوصية فيها-و لو لأجل تنقيح المناط القطعي-فأقصاه أن يكون الظن المطلق‏ممّا قام الدليل بالخصوص على اعتباره،فيكون حال الظن المطلق حال الظن‏الخاصّ الّذي قام الدليل الخاصّ على اعتباره،فلا تصل النوبة إلى دليل‏الانسداد.فظهر:أنّه إنّما تمسّ الحاجة إلى دليل الانسداد إذا منعنا عن حجيةظواهر الكتاب و الأخبار بالخصوص،و قد عرفت:أنّه لا سبيل إلى المنع عن‏ذلك،فدليل الانسداد فاسد من أصله.هذا كلّه في المقدّمة الأولى.و أمّا المقدمة الثانية:(و هي عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة و ترك‏التعرض لها و الاعتماد على البراءة الأصلية)فالظاهر:أن تكون ضرورية.و قداستدل عليها بوجوه ثلاثة:الأوّل:الإجماع القطعي على عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة عندانسداد باب العلم و العلمي و الرجوع إلى البراءة و أصالة العدم في جميع المواردالمشتبهة1و الإجماع المدّعى في المقام و إن لم يكن من الإجماع المحصّل الفعلي،1أقول:يمكن منع جعل هذا الإجماع مدركا مستقلا في قبال محذور الخروج من الدين،لاحتمال كون‏نظر المجمعين إلى هذا المحذور،و مع هذا الاحتمال لا يبقى مجال الحدس من هذا الاتفاق برأي المعصوم،كما هو
231
فانّ المسألة لم تكن معنونة عند العلماء أجمع و لم يقع البحث عنها في قديم الزمان‏عند أرباب الفتوى،إلاّ أنّه يكفى الإجماع التقديري،فانّه ربّ مسألة لم يقع‏البحث عنها في كلمات الأصحاب،إلاّ أنّه ممّا يعلم إجماعهم و اتفاقهم‏عليها،فانّه لا يكاد يمكن إسناد جواز الاعتماد على أصالة العدم و طرح جميع‏الأحكام في الوقائع المشتبهة إلى أحد من أصاغر الطلبة فضلا عن أرباب‏الفتوى.الثاني:انّه يلزم من الرجوع إلى البراءة و أصالة العدم في الوقائع المشتبهةالخروج عن الدين،لقلّة الأحكام المعلومة بالتفصيل،فالاقتصار عليها و ترك‏التعرض للوقائع المشتبهة و إهمالها يوجب المخالفة الكثيرة القطعية،بحيث يعدّالمقتصر على امتثال المعلومات خارجا عن الدين و كأنّه غير ملتزم بشريعة سيّدالمرسلين صلّى اللّه عليه و آله و هذا بنفسه محذور يعلم أنّه مرغوب عنه شرعا،و إن لم نقل بأنّ العلم الإجماليّ منجّز للتكليف-كما هو مبنى الوجه الثالث-فانّ‏المخالفة القطعية الكثيرة و الخروج عن الدين بنفسه ممّا يقطع بكونه مرغوبا عنه‏عند الشارع و مخالف لضرورة الدين و الشريعة،و يكفيك شاهدا على ذلك‏ملاحظة كلمات الأعلام كالسيّد و الشيخ(قدس سرهما)و غيرهما،فراجع‏«الفرائد».الثالث:العلم الإجماليّ بثبوت التكاليف الوجوبية و التحريمية في‏الوقائع المشتبهة1و العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي يقتضى وجوب الموافقةالقطعية و حرمة المخالفة القطعية،فلا تجري الأصول النافية للتكليف في أطرافه،الشأن في كثير من الإجماعات المحتمل كون مدركهم وجها من الوجوه الجارية في المسألة،كما لا يخفى.1أقول:بعد ثبوت محذور الخروج عن الدين و ان لم يكن علم إجمالي في البين أو قلنا بعدم منجزيته‏رأسا،فلا محيص من كشف مرجع في إثبات التكاليف الواقعية بالمقدار الوافي،و مع ذلك غير خفي بأنه لا يبقى‏مجال لمناط منجزية العلم الإجماليّ،لانحلاله،و حينئذ لا يمكن الجمع بين هذا الوجه و سابقه،لكمال التضاد بينهما،كما لا يخفى.
232
و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الثاني ممّا لا يكاد يخفى،فانّ مبنى الوجه الثاني‏هو لزوم المخالفة الكثيرة المعبّر عنها بالخروج عن الدين،و ذلك بنفسه محذورمستقل حتى على مسلك من يقول:إنّ العلم الإجماليّ لا يقتضى التنجيز و لايستدعى الموافقة القطعية بل يجوز المخالفة القطعية،كما ذهب إليه بعض‏الأعلام.و هذا بخلاف الوجه الثالث،فانّه مبنىّ على منجزية العلم الإجماليّ‏و عدم جريان الأصول النافية في أطرافه و لو كان المعلوم بالإجمال تكليفا واحداتردد بين أمور محصورة بحيث لم يلزم من مخالفته إلاّ مخالفة تكليف واحد لامخالفة تكاليف كثيرة،كما هو مبنى الوجه الثاني.و الإنصاف:أنّ الوجوه الثلاثة-التي استدلوا بها على المقدمة الثانيةمن مقدمات دليل الانسداد-في غاية الصحة و المثابة غير قابلة للخدشة فيها.و ينبغي أن يعلم أنّ اختلاف هذه الوجوه الثلاثة في مدرك المقدّمةالثانية هو الّذي يوجب اختلاف النتيجة من حيث الكشف و الحكومة،فانّه لوكان المستند في بطلان إهمال الوقائع المشتبهة و الرجوع إلى الأصول العدمية هوالوجه الأوّل و الثاني كانت النتيجة الكشف لا محالة1فانّ مرجع الإجماع أو1أقول:بعد الجزم بعدم الاكتفاء في امتثال الأحكام بأقل قليل إجماعا أو لمحذور عدم صدق التدين‏بهذا الدين،فلو فرض عدم جعل من قبل الشارع،فلا شبهة في أن العقل ملزم باتخاذ طريق في امتثال الأحكام‏بمقدار الخروج عن المحذور.و توهّم:انّه لو لا تصرف من الشارع كان العقل مجوزا لتعطيل الدين و الخروج عنه بالسكون و عدم‏التعرض للوقائع المشكوكة-خارج عن الوجدان السليم و الذوق المستقيم،و حينئذ فمع هذا الحكم العقلي لا يبقى‏طريق لاستكشاف جعل شرعي في البين.و مجرد عدم حكم العقل بشي‏ء في واقعة مشكوكة أو أزيد لا يكون‏شاهد منع حكم العقل حتى في صورة لزوم محذور الخروج عن الدين،و حينئذ عمدة وجه الاستكشاف للجعل‏الشرعي منع احتمال إيكال الشارع في رفع هذا المحذور إلى مثل هذا الحكم العقلي،و إلاّ فمنع أصل حكمه حتى مع‏عدم تصرف شرعي يكذّبه الوجدان السليم،و حينئذ إثبات منع الاتكال دونه خرط القتاد،و هو عمدة مدرك‏القائل بالحكومة في قبال الكشف.هذا كلّه،مع أنّه على فرض لزوم جعل من الشارع و عدم اتكاله إلى حكم العقل من المحتمل كون المجعول‏طريقا إلى إحراز الدين إيجاب الاحتياط بلا عناية تتميم الكشف،غاية الأمر بضم بقية المقدمات يتعين دائرة
233
لزوم الخروج عن الدين إلى أنّ الشارع أراد من العباد التعرض للوقائع المشتبهةو لم يرخّص لهم إهمالها،فالعقل يحكم حكما ضروريا بأنّه لا بد للشارع من‏نصب طريق للعباد ليتمكّنوا من امتثال التكاليف الثابتة في الوقائع المشتبهة،و لا بد و أن يكون الطريق المجعول واصلا إلى العباد،إمّا بنفسه،و إمّا بطريقه،و الطريق الّذي يصح جعله في حال انسداد باب العلم و العلمي مع كونه واصلابنفسه ينحصر بالاحتياط،فانّه الطريق الواصل بنفسه لكونه محرزا للواقع‏و موصلا إليه،فعلى هذا يكون الاحتياط في الوقائع المشتبهة طريقا مجعولا شرعيا،نظير الاحتياط في باب الدماء و الفروج.و ليس من الاحتياط العقلي،فانّ‏الاحتياط العقلي هو الّذي يحكم به العقل في أطراف العلم الإجماليّ،و محل‏الكلام إنّما هو فيما إذا كان المدرك لعدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة الإجماع أوالخروج عن الدين،لا العلم الإجماليّ،و ليس للعقل الحكم بالاحتياط في غيرالعلم الإجماليّ،و إلاّ يلزم أن يكون احتمال التكليف في نظر العقل منجّزاللواقع ليحكم بالاحتياط في الوقائع المشتبهة مع قطع النّظر عن ثبوت العلم‏الإجماليّ فيها،و هو كما ترى!فانّ مجرد احتمال التكليف لا يكون منجّزا عندالعقل مع انسداد باب العلم به على المكلّف.و بالجملة:الا إشكال في أنّ الاحتياط يكون طريقا مجعولا شرعيا إذاكان المستند في المقدمة الثانية هو الإجماع أو الخروج عن الدين،فانّه لا طريق‏إيجاب الاحتياط المزبور في دائرة الظنون،و هو الّذي سلك به«أستاذنا العلامة»في كفايته،و ذلك أيضا غيرقضية كشف طريقية الظن،بمعنى وسطيته باصطلاحه،فتدبر.و بالجملة نقول:إن النوبة لا تصل إلى كشف جعل شرعي احتياطا أم طريقا جعليا،إلاّ بعد منع حكم‏العقل لو لا الجعل،أو منع اتكال الشارع به.و الأوّل:خلاف الإنصاف،و الثاني:يجديه احتمال الاتكال.و لايمنع هذا الاحتمال إلاّ دعوى الإجماع الآتي:من أنّ الشارع أراد امتثال التكاليف في كل مورد بعنوان وجوبه‏شرعا و حرمته،فان ثمّ هذا الإجماع على عدم اتكال الشارع في رفع محذور الخروج عن الدين‏إلى حكم العقل،و لازمه حينئذ هو الكشف،و لكن دون إثباته خرط القتاد،كيف!و لا يناسب مثل هذاالإجماع مع اشتهار الحكومة العقلية عند أرباب الانسداد،فتدبر تعرف.
234
واصلا إلى العباد غيره،و المفروض أنّه لا بد للشارع من نصب طريق للعباديتوصّلون به إلى امتثال التكاليف التي لم يرض بإهمالها.و لا يمكن إيكال الأمرإلى العقل،لما عرفت:من أنّه ليس للعقل حكم في غير موارد العلم الإجماليّ‏1ثمّ بعد إثبات بطلان طريقية الاحتياط و أنّ الشارع لم ينصبه‏طريقا2-بإحدى الوجوه الآتية في المقدمة الثالثة-تكون النتيجة حجية الظن‏شرعا،و هي معنى الكشف،فانّه حينئذ لا طريق غيره يصح للشارع‏عليه،فيكون الظن طريقا شرعيا واصلا بطريقه لا بنفسه،على ما سيأتي بيانه‏(إن شاء اللّه تعالى)هذا إذا كان المدرك في المقدمة الثانية الإجماع أو الخروج‏عن الدين.و إن كان المدرك هو العلم الإجماليّ،فيمكن أن تكون النتيجة الكشف،و يمكن أن تكون النتيجة التبعيض في الاحتياط،كما سيتضح وجه ذلك‏(إن شاء اللّه تعالى)و الغرض في المقام مجرّد الإشارة إلى أنّ أساس الكشف‏و الحكومة هو اختلاف الوجوه الثلاثة التي تبتنى عليها المقدمة الثانية،فتفطن.و أمّا المقدمة الثالثة:و هي عدم جواز الرجوع إلى الطرق المقررةللجاهل،فقد عرفت أنّها ثلاثة-الأولى:التقليد و الرجوع إلى فتوى الغير العالم‏بالحكم.الثانية:الرجوع في كل شبهة إلى الأصل الجاري فيها:من البراءةو الاشتغال و التخيير و الاستصحاب.الثالثة:الاحتياط في الوقائع المشتبهةبالجمع بين جميع المحتملات.و لا بد من إثبات بطلان كل من هذه الطرق‏1أقول:كيف يمكن إنكاره في مثل المقام المعلوم فيه شدة الاهتمام حتى في ظرف عدم تصرف من‏الشارع.و لا يقاس المورد بالوقائع المشتبهة القليلة التي لا يلازم تعطيلها للخروج عن الدين،لعدم إحراز الاهتمام‏فيها،كما هو ظاهر و أشرنا إليه.2أقول:قد أشرنا بأنّ ما هو باطل إنّما هو الاحتياط الكلي،و أمّا إيجاب الاحتياط في الجملة بنحويتعين في دائرة الظنون فلا وجه لمنعه،و مع هذا الاحتمال أيضا لا يبقى مجال كشف حجية الظن بمعنى وسطيته،كما أشرنا إليه آنفا،فتدبر.
235
الثلاثة في المقام،لتصل النوبة إلى المقدمة الرابعة.أمّا بطلان التقليد:فواضح،فانّه يشترط في جواز رجوع الجاهل إلى‏العالم أن لا يكون الجاهل معتقدا بطلان مدرك علم العالم و لا يرى علمه‏جهلا،و إلاّ كان من رجوع العالم إلى الجاهل،لا رجوع الجاهل إلى العالم،ففي‏المقام من يرى انسداد باب العلم و العلمي لا يجوز له الرجوع إلى من يرى‏انفتاح بابهما،لأنّ من يرى انفتاح باب العلمي يعتقد حجية ظواهر الكتاب‏و الأخبار صدورا و ظهورا،و من يرى انسداد بابه يعتقد عدم حجية ذلك و عدم‏دلالة الأدلّة التي استدل بها على الحجية،و مع هذا كيف يجوز له عقلا الرجوع‏إلى الغير القائل بالانفتاح فالتقليد في المقام فاسد من أصله.و أمّا بطلان الرجوع في كل مسألة إلى الأصل الجاري فيها:فبالنسبة إلى الأصول العدمية النافية للتكليف واضح،لأنّه يلزم من إعمالهاالمخالفة القطعية،للعلم بثبوت التكاليف في مواردها.و لا سبيل إلى دعوى عدم‏العلم بالتكليف في جميع موارد الأصول النافية.و أمّا بالنسبة إلى الأصول الوجودية المثبتة للتكليف:من الاحتياط(إذا كانت المسألة من أطراف العلم الإجماليّ الشخصي المتعلق بها بخصوصهامع قطع النّظر عن كونها من أطراف العلم الإجماليّ الكلي المتعلق بأحكام الشريعة)و من الاستصحاب المثبت للتكليف(إذا لم تكن المسألة من أطراف العلم‏الإجماليّ)فقد أفاد الشيخ(قدس سره)في وجه بطلان الرجوع إليها:أنّه يلزم من‏إعمالها العسر و الحرج المنفيين لكثرة المشتبهات.و الإنصاف:أنّ دعوى العسر و الحرج بالنسبة إلى الاحتياط التام في‏جميع الوقائع المشتبهة في محلّها،و سيأتي الكلام فيه.و أمّا بالنسبة إلى الاحتياط في بعض الموارد مما يقتضيه نفس المورد-من حيث كونه من أطراف العلم الإجماليّ الشخصي-و كذا الاستصحاب الجاري‏في المورد الّذي علم التكليف به سابقا:فليسا بمثابة يلزم من الرجوع إليهما العسر
236
و الحرج،لقلّة مواردهما.نعم:لا يبعد ذلك في خصوص المعاملات،فإنّ‏الاستصحاب فيها يقتضى الفساد،فالرجوع فيها إلى الاستصحاب قد يفضي‏إلى العسر و الحرج،فتأمّل جيّدا.و لكن صحة الرجوع إلى الاحتياط في موارد العلم الإجماليّ الشخصي‏و الاستصحابات المثبتة للتكليف لا يغنى عن شي‏ء،لأنّها لا تفي بأقل قليل من‏الأحكام المعلومة بالإجمال في الشريعة،مضافا إلى العلم الإجماليّ بانتقاض‏الحالة السابقة في بعض موارد الاستصحابات،و قد تقدم(في مبحث القطع)أنّ‏الأصول المحرزة لا تجري في أطراف العلم الإجماليّ و لو لم يستلزم منها المخالفةالعملية1و من ذلك يظهر الخلل فيما أفاده المحقق الخراسانيّ(قدس سره)في‏المقام:من دعوى انحلال العلم الإجماليّ بالأحكام الثابتة في الشريعة ببركةجريان الأصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلا من الأحكام.و الإنصاف:أنّ دعوى انحلال العلم الإجماليّ المتعلق بأحكام الشريعةبهذا المقدار من الأصول المثبتة و المعلومات التفصيلية بمكان من الغرابة،عهدتها على‏مدّعيها،و كيف يمكن ذلك مع كثرة الأحكام في الشريعة و قلّة موارد الأصول‏المثبتة و المعلومات التفصيلية؟و أغرب من هذه الدعوى ما أفاده قبل ذلك بأسطر:من أنّ العلم‏الإجماليّ بانتقاض الحالة السابقة في بعض مؤدّيات الأصول المثبتة لا يمنع عن‏جريانها في خصوص المقام و لو بنينا على عدم جريانها مع العلم بانتقاض‏الحالة السابقة في بعض أطراف العلم الإجماليّ في ساير المقامات لاستلزام‏شمول الدليل لها التناقض في مدلوله فانّ حرمة نقض اليقين بالشك في كل‏واحد من الأطراف بمقتضى قوله عليه السّلام في الصدر:«لا تنقض اليقين‏1أقول:قد تقدم فساده،فراجع.
237
بالشك»يناقض وجوب النقض في البعض بمقتضى قوله عليه السّلام في‏الذيل:«و لكن تنقضه بيقين آخر»لأنّ تناقض الصدر و الذيل إنّما يلزم إذاكان اليقين و الشك في جميع الأطراف فعليا ملتفتا إليه،و أمّا إذا لم يكن الشك‏الفعلي إلاّ في بعض الأطراف و كان الطرف الآخر غير ملتفت إليه،فالاستصحاب إنّما يجري في خصوص الطرف الملتفت إليه الّذي يكون الشك‏فيه فعليا،و لا يجري في الطرف الآخر في ظرف جريانه في ذلك الطرف،لانتفاء شرطه-و هو الشك الفعلي-و إذا وصلت النوبة إلى جريان الاستصحاب‏فيه بعد وجود شرطه و حصول الشك الفعلي فيه يكون ذلك الطرف الّذي‏جرى فيه الاستصحاب سابقا خارجا عن محل الابتلاء،فلا مانع من جريان‏الاستصحاب فيه أيضا،غايته أنّه بعد ذلك يعلم أنّ أحد الاستصحابين كان‏مؤدّاه مخالفا للواقع،و لا ضير في ذلك بعد ما لم يكن هذا العلم حاصلا في طرف‏جريان الاستصحاب،و الاستصحابات التي يعملها المجتهد في مقام الاستنباطتكون من هذا القبيل،فانّ استنباط الأحكام إنّما يكون على التدريج و ليس جميع‏موارد الاستصحابات ملتفتا إليها دفعة ليكون الشك فيها فعليا،بل الالتفات‏و الشك يكون تدريجا حسب تدريجية الاستنباط،فلا يجري الاستصحاب في‏جميع أطراف الشبهة دفعة واحدة ليكون العلم بانتقاض الحالة السابقة في بعضهامانعا عن جريانه،بل أقصاه حصول العلم بعد تمامية الاستنباط في أبواب‏الفقه بمخالفة بعض الاستصحابات التي أعملها في مقام الاستنباط للواقع،و قدعرفت:أنّ هذا العلم لا يضرّ بصحة الاستصحابات.هذا حاصل ما أفاده‏(قدس سره)بتوضيح منّا.و أنت خبير بما فيه،فانّ كل مجتهد قبل خوضه في الاستنباط يعلم بأنّ‏الأحكام الشرعية المترتبة على موضوعاتها المقدرة وجوداتها قد تنتفي بعض‏خصوصيات الموضوع عند تحققه خارجا الموجب للشك في بقاء الحكم،و أنّ‏الوظيفة عند ذلك هي استصحاب بقاء الحكم،و يعلم أيضا بانتقاض الحالة
238
السابقة في بعض الموارد التي يجري فيها استصحاب بقاء الحكم،و إنكارحصول العلم بذلك للمجتهد قبل خوضه في الاستنباط مكابرة واضحة،و العلم‏بانتقاض الحالة السابقة في بعض الاستصحابات يمنع عن جريان الاستصحاب‏في كل شبهة في موطنه،و عدم فعلية الشك في جميع الموارد لعدم الالتفات إليهاتفصيلا قبل الاستنباط لا يوجب عدم حصول العلم قبل الاستنباط بمخالفةبعض مؤدّيات الاستصحابات للواقع في موطن الاستنباط مع كون المسائل‏التي يخوض فيها للاستنباط ممّا تعمّ بها البلوى و لو بالنسبة إلى بعض المقلّدين:و مع هذا كيف يصح للمجتهد الإفتاء بمقتضى الاستصحابات و الحال أنّه يعلم‏بالخلاف و لو في بعضها؟.و الحاصل:أنّ فعلية الشك في كل شبهة و إن كانت شرطا لجريان‏الاستصحاب فيها،و هي تتوقف على الالتفات إلى الشبهة،إلاّ أنّ المفروض‏حصول العلم بفساد بعض الاستصحابات قبل وصول النوبة إلى جريانه في‏موطنه،و هذا العلم هو المانع عن جريان كل استصحاب في موطنه‏1فالتحقيق:أنّه لا يجوز الرجوع في كل شبهة إلى الأصل الجاري فيها مع‏قطع النّظر عن انضمام ساير الشبهات إليها لا إلى الأصول النافية و لا إلى‏الأصول المثبتة.أمّا النافية:فللعلم بثبوت التكليف في موردها،فيلزم‏1أقول:حصول العلم بالانتقاض في زمان مع عدم بقائه في زمان آخر كيف يجدى في منع جريان‏الأصل في الزمان الآخر؟بل المانع عن الجريان هو العلم بالانتقاض في زمان الابتلاء بإجراء الأصل،لا قبله‏و لا بعده،و حينئذ فمع غفلة المجرى للاستصحاب في مورد عن الشك بالبقاء في مورد آخر كيف يعلم حين إجرائه‏الأصل بانتقاض أحد الأصلين؟و لو علم به قبله،إذ بمحض الغفلة المزبورة يرتفع العلم السابق،و مع انعدامه‏كيف يصلح أن يكون مانعا عن جريان الأصل فعلا؟فتدبر فيما أفيد.كيف!و لم يلتزم أحد بمانعية العلم السابق،حتى لو فرض سريان الشك إليه حال جريان الأصل،إذلا يتوهّم ذلك ذو مسكة،و حينئذ لنا سؤال الفرق بين انعدام العلم السابق بسريان الشك إليه لا حقا،أو بغفلته‏عن الشك الآخر الموجب للغفلة عن أصله الّذي هو طرف علمه،إذ بمثل هذه الغفلة أيضا يرتفع العلم السابق‏جزما.
239
من جريانها المخالفة القطعية للتكليف.و أمّا الأصول المثبتة:فلقلّتها و عدم‏كفايتها لأحكام الشريعة و لو مع ضمّ المعلومات التفصيلية إليها،مضافا إلى‏العلم بانتقاض الحالة السابقة في بعض مواردها.و أمّا بطلان الاحتياط التام في جميع الوقائع المشتبهة:فيدلّ عليه‏الإجماع و قاعدة«نفى العسر و الحرج»بل«اختلال النظام»على ما سيأتي‏بيانه.و لا بد في المقام من زيادة بسط في الكلام،فانّ كثيرا من المباحث‏العلمية المذكورة في دليل الانسداد محلها في هذا المقام.و لأجل عدم خلطالمباحث ينبغي تقديم أمور.الأمر الأوّل:قد عرفت أنّ الاحتياط يختلف حكمه حسب اختلاف‏الوجوه الثلاثة المتقدمة في الاستدلال على المقدمة الثانية و هي:عدم جوازإهمال الوقائع المشتبهة.فعلى الوجه الأوّل و الثاني:يكون الاحتياط طريقا مجعولا شرعيا،فانّ‏الإجماع على عدم جواز إهمال الوقائع المتشبهة أو لزوم المخالفة الكثيرة الموجبةللخروج عن الدين يقتضى عقلا جعل الشارع طريقا إلى أحكامه،فانّ‏المفروض انسداد باب العلم و العلمي إلى الأحكام،فلا يمكن عدم نصب‏الطريق مع الحكم بعدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة،و لا يصح إيكال الأمر إلى‏العقل،فانّ العقل لا حكم له في غير مورد العلم بالتكليف تفصيلا أو إجمالا،و المفروض أنّه لا علم بالتكليف تفصيلا،لانسداد بابه.و العلم الإجماليّ و إن‏كان حاصلا إلاّ أنّ ذلك يرجع إلى الوجه الثالث،و الكلام إنّما هو في الوجهين‏الأوّلين،فلا بد أوّلا:من قطع النّظر عن العلم الإجماليّ و فرض كون جميع‏الوقائع من الشبهات البدوية،أو فرض عدم كون العلم الإجماليّ منجّزاللتكليف-كما هو رأى بعض-ثمّ الكلام فيما يقتضيانه الوجهان الأوّلان.
240
و لا إشكال أنّهما يقتضيان عقلا نصب الشارع طريقا موصلا إلى‏التكاليف لأن لا يلزم إهمالها،و لا بد و أن يكون الطريق المنصوب واصلا إلى‏العباد،إمّا بنفسه،و إمّا بطريقه-على ما سيأتي المراد من كون الطريق واصلابطريقه-فانّ الطريق الغير الواصل بنفسه و بطريقه لا يزيد حكمه عن نفس‏التكاليف التي انسد باب العلم و العلمي بها،و الطريق الواصل بنفسه في حال‏انسداد باب العلم و العلمي ليس هو إلاّ الاحتياط1فانّه محرز للواقع لما فيه‏من الجمع بين المحتملات و إدراك الواقعيات.و ليس الظن في عرض‏الاحتياط،فانّه لا يعقل أن تكون حجية الظن منجعلة بنفسها في حال من‏الحالات،كما في بعض الكلمات،فان الحجية المنجعلة بنفسها منحصرة بالعلم،لكونه تامّا في الكاشفية و محرزا للواقع بنفسه،فالظن لو لا التعبد به و تتميم نقص‏كشفه لا يكون محرزا للواقع،بخلاف الاحتياط فانّه بنفسه بلا حاجة إلى‏التماس دليل يكون محرزا للواقع،فالطريق الواصل بنفسه بلا مئونة ليس هو إلاّالاحتياط2و إذا بطل الاحتياط بأحد الوجوه الآتية يتعين عقلا نصب الشارع‏الظن طريقا،إذ لا طريق غيره حينئذ.هذا لو كان الوجه في المقدمة الثانية1أقول:معنى الطريق الواصل بنفسه ما هو معلوم بنفسه طريقيته للمكلف بلا احتياج إلى طريق‏آخر توصله إلى العباد،قبال ما هو الواصل بطريقه كالطريق الّذي ظن حجيته بظن علم حجية هذا الظن لدى‏المكلف،قبال ما لا يكون واصلا إلى المكلف رأسا كالطرق الواقعية المجهولة لدى المكلف و لو تفصيلا بناء على‏كون المراد من الوصول التفصيلي،و سيأتي نتيجة هذا التفصيل عند فرض استكشاف الحجة الشرعية تعميما أوإهمالا.و في هذه الجهة معنى نصب الشارع طريقا واصلا نصبه طريقا علم بجعله بنفسه بلا توسط طريق آخر،و في هذه الجهة لا يتفاوت بين كون المجعول هو إيجاب الاحتياط أو حجية الظن بمعنى الوسطية،فمن هذه الجهةيكون حجية الظن في عرض إيجاب الاحتياط.نعم:بينهما تفاوت من جهة أخرى،و هو أنّ الاحتياط موصل إلى الواقع بنفسه و الظن لا يكون موصلاإليه بنفسه،و هذه الجهة غير مرتبط بالواصل بنفسه و الواصل بطريقه،قبال غير الواصل رأسا.2أقول:ما هو منحصر بالاحتياط الطريق الموصل بنفسه،لا الواصل بنفسه«ببين تفاوت رحمه الله از كجااست تا به كجا!».
241
الإجماع أو الخروج عن الدين.و لو كان الوجه فيها العلم الإجماليّ:فالاحتياط يكون هو الأصل من‏باب حكم العقل بلزومه إرشادا حذرا عن مخالفة التكاليف و تحصيلا لامتثالها.و هذا الحكم العقلي لا يمكن أن يستتبع الحكم الشرعي المولوي لأنّه واقع في‏سلسلة معلولات الأحكام.لا أقول:إنّه لا يمكن للشارع جعل إيجاب الاحتياط طريقا في مواردالعلم الإجماليّ،فانّ اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز عقلا لا يمنع عن جعل الشارع‏في مورده حكما ظاهريا طريقيا بعنوان الاجتناب عن المحتملات،إذ العقل‏إنّما يستقل بقبح المخالفة للتكليف المعلوم بالإجمال و أنّه لا بد من الخروج عن‏عهدته.و ليس للعقل حكم بوجوب الإتيان بالمحتملات في الشبهات الوجوبيةأو حرمة الإتيان بها في الشبهات التحريمية،فانّ الحكم بالوجوب و الحرمة من‏وظيفة الشارع،و ليس وظيفة العقل سوى الحكم بلزوم إفراغ الذّمّة عما اشتغلت‏به من التكليف،غايته أنّ فراغ الذّمّة عن ذلك يتوقف عقلا على الجمع بين‏المحتملات فعلا أو تركا-حسب اختلاف الشبهات-فللشارع جعل حكم‏ظاهري طريقي بوجوب الإتيان بالمحتمل بما أنّه محتمل أو حرمة تركه كذلك‏11أقول:معنى الحكم الطريقي:هو الإيجاب في ظرف المطابقة و الترخيص في طرف المخالفة.و إنّ وجه‏منجزيته للتكاليف المحتملة أحد الوجهين اللذين ذكرناهما في باب جعل الطرق:أحدهما:كشف الإيجاب المزبور عن اهتمام الشارع تعرضه بنحو لا يرضى بتركه في ظرف الجهل به،و مثل هذا الاحتمال منجّز عقلا و موضوع لحكمه بدفع الضرر المحتمل،لا قبح العقاب بلا بيان.و ثانيهما:كونه بيانا في ظرف الجهل،بمعنى ملازمة وجود التكليف في الواقع مع بيانه في ظرف الجهل‏الملازم لاحتمال البيان المستلزم لارتفاع موضوع حكم العقل بقبح العقاب في ظرف الجزم بعدم البيان،و حينئذلا مجال للحكم الطريقي إلاّ مجرد التنجز بلا اقتضائه الجزم بالوجوب لا نفسيا و لا مقدّميا،و لذا لا يكاد ينتج الجزم‏بالقربة أيضا.و عليه:فبعد استقلال العقل بمنجّزية العلم،لا يبقى مجال للإيجاب الطريقي.نعم:لا بأس بتتميم‏الكشف و لو من جهة إثماره في الرخصة في إتيان مشكوك الوجوب بعنوان وجوبه الموجب هذا الترخيص لإخراج‏
242
و يكون الغرض من ذلك الوصلة إلى التكليف الواقعي،سواء كان المحتمل من‏أطراف العلم الإجماليّ،أو كان من الشبهات البدوية،ك«باب الدماءو الفروج و الأموال».و لا يتوهّم:أنّ حكم الشارع بوجوب الاحتياط في موارد استقلال‏العقل به لغو لا يترتب عليه أثر عملي،فانّه لو فتحنا باب هذا الإشكال يلزم‏عدم صحة حكم الشارع بالإباحة الظاهرية في موارد استقلال العقل بالبراءة،و عدم صحة حكم الشارع بالبناء على بقاء التكليف عند الشك في بقائه في‏موارد استقلال العقل بالاشتغال.و حلّ الإشكال في الجميع،هو أنّ وظيفة العقل ليس الحكم‏بالوجوب أو الحرمة أو الإباحة،بل وظيفته إدراك الحسن و القبح،سواء كان‏إدراكه واقعا في سلسلة علل الأحكام أو في سلسلة معلولاتها،غايته أنّه لو وقع‏في سلسلة المعلولات لا يصح للشارع جعل حكم مولوي على طبق ما أدركه‏العقل،للزوم التسلسل.و أمّا جعل حكم آخر مغاير لما أدركه العقل فهو بمكان‏من الإمكان و إن اتحدا في النتيجة،و العقل إنّما يحكم بلزوم الخروج عن عهدةالتكليف المعلوم بالإجمال و ليس على طبقه حكم مولوي من الشارع،بل المدّعى‏أنّ الحكم الشرعي يتعلق بالمحتمل بما أنّه محتمل لغرض الوصول إلى التكليف‏الواقعي،فدعوى استحالة تعلق الجعل الشرعي بالاحتياط في موارد العلم‏الإجماليّ ممّا لا ينبغي الإصغاء إليها.و لكن مجرد صحة الجعل لا يكفى ما لم يقم‏دليل عليه،و إلاّ فنفس العلم الإجماليّ لا يقتضى ذلك،لأنّ حكم العقل بلزوم‏الخروج عن عهدة التكاليف المعلومة بالإجمال يكفى في لزوم الاحتياط و الجمع‏بين المحتملات.المورد عن التشريع،و لكن ليس ذلك شأن كل حكم طريقي،و لو بمثل إيجاب الاحتياط و أمثاله العارية عن لسان‏التنزيل،فليس شأنها حينئذ إلاّ التنجيز المعلوم لغويته في ظرف منجّزية العلم الإجماليّ،كما لا يخفى.
243
فلو استندنا في بطلان المقدمة الثانية إلى العلم الإجماليّ و منجّزيته‏للتكاليف المعلومة بالإجمال في الوقائع المشتبهة كان الاحتياط هو الأصل من‏جهة حكم العقل به إرشادا،لا من جهة جعل الشارع له طريقا-كما هومقتضى الوجهين الأوّلين-و لأجل اختلاف حكم الاحتياط من حيث حكم‏العقل به إرشادا أو من حيث جعل الشارع له طريقا تختلف نتيجة مقدمات‏الانسداد من حيث الكشف و الحكومة و التبعيض في الاحتياط،على ما سيأتي‏تفصيله.الأمر الثاني:للاحتياط مراتب ثلاث:المرتبة الأولى:الاحتياط التام في جميع الوقائع المشتبهة:من مظنوناتهاو مشكوكاتها و موهوماتها،على وجه يقتضى إحراز جميع التكاليف الواقعية على‏ما هي عليها،و هذه المرتبة من الاحتياط تخلّ بالنظام النوعيّ و الشخصي،لكثرةالوقائع المشتبهة و انتشارها في جميع ما يتوقف عليه النظام:من المعاش و المعاشرةو المحاورة و العقود و الإيقاعات و غيرها،و لا إشكال أنّ التجنب عن جميع ذلك‏يخلّ بالنظام.المرتبة الثانية:الاحتياط الموجب للعسر و الحرج من دون أن يستلزم‏اختلال النظام،بل مجرد الضيق الّذي لا يناسب الملّة السهلة السمحة.المرتبة الثالثة:الاحتياط الّذي لا يوجب العسر و الحرج،فإذا كان‏الحاكم بلزوم الاحتياط في الوقائع المشتبهة هو العقل من جهة اقتضاء العلم‏الإجماليّ،فبطلان كل مرتبة سابقة يوجب تعيّن المرتبة اللاحقة،لأنّ‏الضرورات عند العقل تتقدر بقدرها،فإذا بطل الاحتياط المخلّ بالنظام و لم يجزالعمل به عند العقل تتعين المرتبة الثانية،و إذا بطلت المرتبة الثانية بأدلّة نفى‏العسر و الحرج-على ما سيأتي بيانه-تتعين المرتبة الثالثة،فإذا فرضنا أنّ‏الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة-من المظنونات و المشكوكات و الموهومات-
244
يوجب اختلال النظام يتعين الأخذ بالمظنونات و المشكوكات إذا لم يستلزم‏الاحتياط فيهما ذلك،و إذا كان الاحتياط فيهما يوجب العسر و الحرج و قلنا:إنّ‏أدلّة العسر و الحرج تنفي الاحتياط الموجب لذلك و إن كان الحاكم بالاحتياطهو العقل على الأقوى-خلافا لبعض الأعاظم على ما سيأتي بيانه-كان اللازم‏الأخذ بالمظنونات فقط،أو هي مع بعض المشكوكات على وجه لا يلزم منه‏العسر و الحرج.و السرّ في ذلك هو ما عرفت:من أنّ الضرورات عند العقل‏تتقدر بقدرها،و لا يعقل أن يكون بطلان مرتبة موجبا لسقوط ساير المراتب،و سيأتي مزيد توضيح لذلك في الأمور اللاحقة.هذا إذا كان الملزم بالاحتياطحكم العقل إرشادا من جهة العلم الإجماليّ.و إن كان الملزم بالاحتياط هو الحكم الشرعي من جهة نصبه طريقاإلى إحراز التكاليف في الوقائع المشتبهة،فقد عرفت:أنّ الطريق الواصل بنفسه‏هو الاحتياط التام في جميع الوقائع المشتبهة1فإذا فرضنا بطلان هذا الطريق‏من جهة استلزامه اختلال النظام،فتعيين بقية مراتب الاحتياط يحتاج إلى‏معيّن آخر،فانّه من الممكن أن يكون الشارع قد جعل الاحتياط في بعض‏الوقائع طريقا،و من الممكن أيضا أن يكون قد جعل الظن طريقا محرزا.و إن‏كان يمكن أن يقال:إنّ الوجهين الأوّلين يقتضيان نصب الشارع طريقا واصلاإلى العباد.و الطريق الواصل بنفسه هو الاحتياط الّذي لا يخلّ بالنظام،فانّ‏الاحتياط المخلّ بالنظام ممّا يستقل العقل بقبح نصبه،و لازم ذلك:هو كون‏الطريق المنصوب شرعا الاحتياط في الشبهات على وجه لا يلزم منه اختلال‏النظام،فيتعيّن التبعيض في الاحتياط،إلاّ أن يقوم إجماع على بطلان التبعيض‏1أقول:الأولى أن يقال:و يعبّر عنه بالطريق الموصل لا الواصل،و إلاّ لا اختصاص في الطريق‏الواصل بالاحتياط،بل كلّما علم بجعله من قبل الشارع فهو الطريق الواصل احتياطا كان أو طريقا،بمعنى‏الوسطية في الإثبات بمصطلحه،كما شرحناه.و حينئذ لا موجب على الشارع من جعل خصوص الاحتياط لمحض‏كونه بنفسه موصلا،بل له أن يجعل طريقا آخر بتتميم كشفه و بجعله موصلا قبال الاحتياط،كما لا يخفى.
245
في الاحتياط أو على أنّ بناء الشريعة ليس على الامتثال الاحتمالي-على ماسيأتي بيانه-فيتعيّن حينئذ جعل الظن طريقا.و من ذلك يظهر:أنّ نتيجة مقدمات الانسداد،إمّا أن تكون التبعيض‏في الاحتياط1و إمّا أن تكون حجية الظن،و لا تصل النوبة إلى الحكومة بمعنى‏الامتثال الظني،و سيأتي تفصيل ذلك،فانتظر.الأمر الثالث:قد تقدّم:أنّ التعرض للوقائع المشتبهة بعد الفراغ عن‏عدم جواز إهمالها لا بد و أن يكون بأحد الطرق الثلاثة المقررة للجاهل:من‏التقليد و الرجوع في كل شبهة إلى الأصل الجاري فيها و الاحتياط في جميع‏الشبهات.و قد عرفت:بطلان التقليد و الرجوع إلى الأصل الجاري في كل‏شبهة.و أمّا بطلان الاحتياط في جميع الوقائع:فقد استدل عليه بوجهين:الأوّل:الإجماع على عدم وجوب الاحتياط.الثاني:استلزامه العسر و الحرج،بل اختلال النظام.أمّا الإجماع:فيمكن تقريبه بوجهين:الأوّل:الإجماع على عدم وجوب إحراز جميع المحتملات في الوقائع‏1أقول:تعيّن التبعيض في ظرف اختلال النظام إنما يتم مع الالتزام بمنجزية العلم الإجماليّ،فمثل هذاالجعل في أحد المحتملات الغير الموجب لاختلال النظام،إذ لو لا منجزية العلم لا يكون مجرّد الجعل الواقعي‏منجّزا،و منجزية هذا العلم فرع كون عدم إهمال الوقائع و الخروج عن الدين مستندا إلى هذا العلم،بحيث لولاه‏أو لو لا منجزيته يستقل العقل بقبح العقاب.و أمّا لو قلنا بأنه لو فرض عدم منجزية هذا العلم أيضا لا يجوز أيضا ترك التعرض لامتثال الأحكام بنحويوجب محذور الخروج عن الدين،فلا محيص حينئذ من كشف منجّز آخر موجب لانحلال العلم المزبور.و بعدذلك نقول:إنّ تعين هذا المنجّز إما مستند إلى حكومة العقل أو العلم الإجماليّ في المرتبة الثانية،و لا مجال للأخير،إذ يجري الكلام السابق فيه و هلمّ جرّا،فيتعيّن الأوّل من حكومة العقل،و حينئذ فلا محيص لك من الالتزام بعدم‏تعطيل العقل عن حكمه،فلم لا تلتزم به من الأوّل المانع عن كشف جعل أصلا؟فتدبر بعين الدقة.
246
و الجمع بينها بفعل كل ما يحتمل الوجوب و ترك كل ما يحتمل الحرمة.الثاني:الإجماع على أنّ بناء الشريعة المطهرة ليس على امتثال‏التكاليف بالاحتمال،بل بناؤها على امتثال كل تكليف بعنوانه:من الوجوب‏و الحرمة،لا بمعنى اعتبار قصد الوجوب و الحرمة،بل بمعنى:أنّ الإتيان بالشي‏ءبما أنّه محتمل الوجوب أو محتمل الحرمة أو محتمل الإباحة-بحيث يكون الإتيان‏بمتعلقات التكاليف بعنوان الاحتمال و برجاء انطباقه على المكلف به-أمرمرغوب عنه شرعا ليس بناء الشريعة عليه.و هذان الوجهان من الإجماع و إن لم يقع التصريح بهما في كلام القوم،إلاّ أنّه ممّا يقطع باتفاق الأصحاب عليهما1كما مرّ نظيره في دعوى الإجماع‏على عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة.و قد عرفت:أنّ الإجماع التقديري‏كالمحصّل الفعلي في الاعتبار.و نتيجة هذين الوجهين من الإجماع تختلف،فانّه على الوجه الثاني‏تكون النتيجة حجية الظن شرعا المعبّر عنها بالكشف،من غير فرق بين أن‏يكون المدرك في المقدمة الثانية(و هي عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة)هوالإجماع أو الخروج عن الدين أو العلم الإجماليّ،و لا يمكن أن تكون النتيجةالتبعيض في الاحتياط،كما لا يمكن أن تكون النتيجة الامتثال الظني المعبّر عنه‏بالحكومة،فانّ في التبعيض في الاحتياط أيضا يكون الامتثال احتماليا،و المفروض أنّ بناء الشريعة ليس على الامتثال الاحتمالي-كما هو مفاد الوجه‏الثاني من تقريب الإجماع على بطلان الاحتياط-فوجوب العمل بالمظنونات من‏الوقائع المشتبهة الّذي هو المقصود من دليل الانسداد ليس لأجل التبعض في‏1أقول:عمدة الكلام في إثبات هذا الإجماع،لأنّه أوّل شي‏ء ينكر،بل غاية ما عليه الإجماع عدم‏بناء الشريعة على الاحتياط الناشئ من قبل منجزية العلم الإجماليّ تماما أو تبعيضا،لا عدم إتيان مظنون‏التكليف لكونه مظنونا و منجّزا بهذا الظن،كيف و القائلين بالحكومة ليس مرامهم إلاّ هذا!فكيف يدّعى اتفاق‏الأصحاب على خلافه؟و لقد أشرنا إلى ذلك في الحاشية المكتوبة في أوّل المسألة فذلكة لمرامه.
247
الاحتياط إذا كان بطلانه في جميع الوقائع من جهة قيام الإجماع على أنّ بناءالشريعة على الإتيان بكل تكليف بعنوانه،بل لأجل كشف ذلك عن أنّ‏الشارع جعل الظن طريقا محرزا للواقع مثبتا للتكاليف المعلومة بالإجمال.و ليس‏وجوب العمل بالمظنونات أيضا لأجل حكم العقل بلزوم التنزل إلى الامتثال‏الظني عند تعذر الامتثال العلمي،فانّ الامتثال في الامتثال الظني أيضا يكون‏بنحو الاحتمال الّذي فرضنا أنّ بناء الشريعة ليس على ذلك.فالامتثال الظني ممّا لا يمكن أن يحكم العقل به مع انعقاد الإجماع‏على وجوب الإتيان بكل تكليف بما هو هو لا بما أنّه محتمل،و إنّما يحكم العقل‏بالامتثال الظني في الشبهات الموضوعية عند تعذّر الامتثال العلمي أو تعسّره،كموارد الجهل بالقبلة،و كتردّد الفوائت اليومية بين الأقل و الأكثر،و نحو ذلك‏من موارد اشتباه المكلف به لأجل الشبهة الموضوعية،فانّ العقل يستقل بلزوم‏الإطاعة و الامتثال الظني مع تعذّر الامتثال العلمي و الإجماليّ،و هذا أجنبي عن‏المقام،فانّ العمل بالمظنونات لا يلازم الظن بامتثال التكاليف المنتشرة في‏الوقائع المشتبهة،و سيأتي لذلك مزيد توضيح(إن شاء اللّه تعالى).و الغرض في المقام مجرد بيان أنّ قيام الإجماع على الوجه الثاني،و هووجوب امتثال التكاليف بعناوينها الخاصة1يكشف كشفا قطعيا على أنّ‏1أقول:اقتضاء الإجماع عدم بناء الشرع على الإتيان بمحتمل التكليف بما هو محتمل حجية الظن‏بلا واسطة شي‏ء مساوق دعوى الإجماع على حجية الظن،فيخرج حينئذ من نتيجة دليل الانسداد،فلا محيص‏من كون هذا الاقتضاء بواسطة ضم بقية المقدمات،و مرجعه بالأخرة إلى العلم بجعل وسط في البين الموجب لعدم‏الأخذ بجميع المحتملات،فيؤخذ بالأقرب بمقتضى المقدمة الرابعة،و حينئذ لنا أن نقول:إنّ هذا العلم الإجماليّ لو لامنجزيته و موصليته لهذا الجعل لما يكون مجرد الوسطية بوجوده الواقعي منجّزا للواقع.و حينئذ لنا أن نقول:إنّ منجزية هذا العلم فرع كون المدرك لبطلان الخروج عن الدين هذا العلم،و مع‏فرض عدمه و كشف منجّز آخر خرج هذا العلم عن المنجزية و الموصلية،فتحتاج في تعيين الوسط المجعول و إيصاله‏إلى منجّز آخر،و هذا المنجّز أيضا لا يمكن أن يجعل وسطا آخر في تعين الوسط الأوّل،و إلاّ فهلمّ جرّا،فلا محيص‏من انتهاء الأمر إلى حكم العقل و استقلاله بكون الموصل للوسط المجعول هو الظن،فانتهى الأمر بالأخرة إلى لزوم‏
248
الشارع نصب الظن طريقا محرزا للتكاليف موصلا إليه عند انسداد باب العلم‏بها،سواء كان عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة لأجل الإجماع،أو الخروج عن‏الدين،أو العلم الإجماليّ.و أمّا على الوجه الأوّل من تقريب الإجماع على بطلان الاحتياط(و هوقيام الإجماع على عدم وجوب الجمع بين المحتملات)فالنتيجة تختلف حسب‏اختلاف الوجوه الثلاثة في عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة المتقدمة في المقدمةالثانية.فانّه لو كان الوجه في عدم جواز إهمال الوقائع هو العلم الإجماليّ‏كانت النتيجة التبعيض في الاحتياط لا محالة،لأنّ العلم الإجماليّ كان‏يقتضى الجمع بين جميع المحتملات،و قد انعقد الإجماع على عدم وجوب الجمع،و ذلك لا يقتضى سقوط الاحتياط رأسا عن جميع الأطراف بل عن بعض‏الأطراف،و يبقى بعضها الآخر على ما يقتضيه العلم الإجماليّ من الاحتياط.و على هذا تبقى مقدمات الانسداد عقيمة لا تصل النوبة إلى المقدمة الرابعةلاستنتاج النتيجة،و سيأتي بيانه.و إن كان الوجه في عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة هو الإجماع أوالخروج عن الدين اللذان كانا يقتضيان جعل الشارع طريقية الاحتياط في‏جميع الوقائع،فقيام الإجماع على عدم وجوب الجمع بين جميع المحتملات و إن‏كان يبطل جعل الشارع طريقية الاحتياط في الجميع،و لكن لا يقتضى جعل‏الشارع طريقية الظن،فانّه كما يمكن ذلك يمكن جعل التبعيض في الاحتياط،الأخذ بالظن و الاحتمال الراجح في تعيين ما هو وسط،و ذلك يبطل الإجماع المزبور،إذ بالأخرة يرجع إلى امتثال‏الأحكام بالاحتمال لا بالجزم.نعم:ينتهى النوبة إلى الجزم بمقتضى المقدمة الرابعة بناء على منجزية العلم و موصليته من باب التبعيض‏في الاحتياط في المرة الثانية،و لكن بطلان الخروج عن الدين يمنع عن وصول النوبة إلى منجزية العلم الإجماليّ‏رأسا.
249
من جهة أنّه هو الطريق الواصل بنفسه و طريقية الظن يحتاج إلى جعل لم يثبت،فالتبعيض في الاحتياط لا ينحصر أن يكون بإلزام من العقل في أطراف العلم‏الإجماليّ عند تعذّر الاحتياط في الجميع،بل يمكن أن يكون بجعل شرعي.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ قيام الإجماع على أنّه«ليس بناءالشريعة على العمل بالاحتمال»يقتضى حجية الظن شرعا مطلقا سواء كان‏المستند في عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة الإجماع،أو الخروج عن الدين،أوالعلم الإجماليّ.و قيام الإجماع على عدم وجوب الجمع بين المحتملات في الوقائع‏المشتبهة يقتضى التبعيض في الاحتياط،إمّا عقلا إن كان المستند في عدم جوازإهمال الوقائع هو العلم الإجماليّ،و إمّا شرعا إن كان المستند في ذلك هو الإجماع‏أو الخروج عن الدين.هذا كلّه إذا كان الوجه في بطلان الاحتياط الإجماع‏بكلا تقريبيه.و إن كان الوجه فيه كونه موجبا للعسر و الحرج فالنتيجة أيضاتختلف حسب اختلاف الوجوه الثلاثة-المتقدمة في المقدمة الثانية-فانّه لو كان‏الوجه في عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة العلم الإجماليّ،فالنتيجة هي‏التبعيض في الاحتياط مطلقا،كان الاحتياط التام في جميع الوقائع ممّا يخلّ‏بالنظام أو كان ممّا يوجب العسر و الحرج،فانّه على كلا التقديرين العقل لايلزم بالاحتياط التام،بل يستقل بقبحه إذا كان ممّا يخلّ بالنظام،فلا بد من‏التبعيض في الاحتياط إلى حدّ لا يلزم منه العسر و الحرج،و سيأتي الوجه في‏ذلك.و لو كان الوجه في عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة هو الإجماع أوالخروج عن الدين فان كان الاحتياط التام ممّا يخلّ بالنظام،فالعقل‏يستقل أيضا بعدم نصب الشارع الاحتياط المخلّ بالنظام طريقا إلى امتثال‏التكاليف الواقعية،بل يقبح على الشارع الإلزام بسلوك طريق يؤدّى إلى‏اختلال النظام النوعيّ و الشخصي،فلا بد حينئذ،إمّا من إيجاب التبعيض في‏
250
الاحتياط،و إمّا من نصب الظن طريقا،على ما تقدم بيان ذلك.و إن كان الاحتياط التام ممّا لا يخلّ بالنظام،بل كان يلزم منه مجردالعسر و الحرج:ففي بطلان الاحتياط و استكشاف عدم نصب الشارع له طريقامن عموم أدلة نفى العسر و الحرج إشكال،من حيث إنّ أدلة نفى العسر و الحرج‏كأدلة نفى الضرر إنّما تكون حاكمة على الأدلة الأوّلية المتكفلة لبيان الأحكام‏المترتبة على الموضوعات الواقعية الشاملة بإطلاقها لحالة الضرر و العسر و الحرج،فلا بد و أن يكون المتعلق الحكم الواقعي حالتان:حالة يلزم منها الضرر و العسرو الحرج،و حالة لا يلزم منها ذلك لتكون أدلة نفيها حاكمة على دليل الحكم‏الواقعي و موجبة لنفي الحكم عن المتعلق أو الموضوع الّذي يلزم منه الضرر و العسرو الحرج.و أمّا لو اختص الحكم الواقعي بما يلزم منه الضرر أو العسر و الحرج‏دائما بحيث لم يكن له حالة لا يلزم منها ذلك-كوجوب الخمس و الزكاة و الجهادو نحو ذلك من الأحكام الضررية-فلا يمكن أن تكون أدلة نفى الضرر و العسرو الحرج حاكمة على دليل الحكم و رافعة له،لأنّ الحكم رتّب من أوّل الأمر على‏الموضوع الضرري،فكيف يمكن أن يكون دليل نفى الضرر حاكما على دليله!مع أنّ الضرر محقق لموضوع الحكم و متعلقه،فلا يعقل أن ينفيه،فانّ الموضوع‏إنّما يستدعى ثبوت الحكم لا نفيه،و الاحتياط في المقام يكون كالخمس و الزكاةو الجهاد ليس له حالة لا يلزم منها العسر و الحرج،فانّ الاحتياط عبارة عن‏الجمع بين المحتملات:من المظنونات و المشكوكات و الموهومات في الوقائع‏المشتبهة،و الاحتياط على هذا الوجه يوجب العسر و الحرج دائما،فلو أوجبه‏الشارع و نصبه طريقا إلى ما في الوقائع المشتبهة من التكاليف-كما هو مقتضى‏الوجهين الأوّلين اللذين بنيت عليهما المقدمة الثانية-كان كإيجاب الخمس‏و الزكاة لا يمكن أن تكون أدلة نفى العسر و الحرج حاكمة على دليل إيجابه‏و موجبة لنفي وجوبه.و توهّم:أنّ من أدلة نفيهما يستكشف عدم إيجاب الشارع الاحتياط
251
و نصبه طريقا1فاسد،فانّ أدلة نفيهما إنّما تكون حاكمة على أدلة الأحكام‏المجعولة في الشريعة،و ليس من شأنها نفى جعل حكم في الشريعة أو إثباته‏ابتداء باعتبار وجود مناط الجعل و عدمه،فانّ بناء أدلة نفى العسر و الحرج ليس‏مجرد الإخبار عن أنّ الشارع لم يشرّع حكما يلزم منه العسر و الحرج.و بالجملة:لا إشكال في أنّ أدلة نفى العسر و الحرج لا تنفي الأحكام‏التي يختص تشريعها بحال يلزم منه العسر و الحرج،فلو كان مدرك عدم جوازإهمال الوقائع المشتبهة هو الإجماع أو الخروج عن الدين الموجبات لنصب‏الشارع الاحتياط طريقا في حال انسداد باب العلم و العلمي كان اللازم‏وجوب الاحتياط و إن استلزم العسر و الحرج،و لا تصل النوبة إلى حجية الظن‏أو التبعيض في الاحتياط.و هذا بخلاف ما إذا كان المدرك لعدم جواز إهمال الوقائع المشتبهةالعلم الإجماليّ،فانّه لا محيص عن التبعيض في الاحتياط بمقدار لا يلزم منه‏العسر و الحرج.و لا موجب لسقوط الاحتياط رأسا في جميع الوقائع المشتبهة-كماقيل-فانّ الضرورات تتقدر بقدرها،فلو اضطر المكلف إلى الاقتحام في بعض‏أطراف العلم الإجماليّ كان الاضطرار موجبا عقلا للترخيص فيما يدفع به‏1أقول:يكفى في دفع هذا التوهّم ما أفيد من منع نظر دليل نفى العسر إلى تكليف يكون من لوازمه‏العسر،بلا احتياج إلى هذه المقدمة،إذ على فرض شمول دليل نفى الحرج لنفي جعل حكم في الشريعة يختص‏أيضا بنفي جعل حكم له حالتان،و يرفع حالة العسرية على فرض وجوده و لا يرفع حكما مختصا على فرض الوجودحال الحرج.نعم:الّذي يرد على أصل التقريب هو أنّ دليل نفى الحرج لو كان ناظرا إلى صرف إيجاب‏الاحتياط التام من الشارع،فالأمر كما أفيد.و أمّا لو كان ناظرا إلى الحكم الواقعي المشكوك على فرض الوجود،فلا شبهة في أنّ له حالتان:فدليل العسر يرفع فعلية الواقع بالنسبة إلى مثل هذه الحالة المشتبهة الموجبة لعسريةامتثاله دون غيرها،و بمثل هذا الرفع التقديري يستكشف عدم إيجاب الاحتياط،لأنّه من تبعات وجود التكليف‏الواقعي على فعليته حتى في هذا الحال،كما لا يخفى.ثمّ إنّ رفع التكليف الواقعي في هذا الحال ليس المراد أيضا رفعه مطلقا،بل الغرض رفعه بمقدار يقتضى‏العسر في هذا الحال لا مطلقا،و نتيجة ذلك أيضا ليس إلاّ التبعيض في الاحتياط،كما لا يخفى،فتدبر.
252
الاضطرار،سواء كان الاضطرار من جهة لزوم الضرر أو العسر و الحرج أو غيرذلك من الأسباب،و سواء كان الاضطرار إلى البعض المعيّن أو غير المعيّن‏1غايته أنّه إذا كان إلى المعيّن يتعين دفع الاضطرار به بخصوصه،و إن كان إلى غيرالمعيّن يكون المكلف بالخيار في دفع الاضطرار بكل واحد من الأطراف،و ليس له‏التعدي عن غير ما يدفع به الضرورة،فانّ مقتضى العلم الإجماليّ عقلا هو لزوم‏الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال بأي وجه اتفق،لأنّ المفروض أنّ‏العلم الإجماليّ كالتفصيلي يقتضى التنجيز،فبمجرد العلم الإجماليّ يتنجّزالتكليف،غايته لو صادف دفع الاضطرار بمتعلق التكليف كان ذلك موجبا1أقول:إذا كان الاضطرار مقارنا للعلم و كان متعلقا بطرف معيّن،كيف يمكن دعوى منجزية العلم‏الإجماليّ بالنسبة إلى الطرف الآخر،إذ بالاضطرار المزبور بعد فرض سرايته إلى الواقع على فرض وجوده في المضطرإليه يرتفع العلم الإجماليّ بالتكليف،و مع ارتفاعه لا يبقى مجال وجوب الاحتياط عن الطرف الآخر،لكون الشبهةبدويا،كما هو الشأن في خروجه من محل الابتلاء.نعم:ما أفيد صحيح بالنسبة إلى الاضطرار بغير المعيّن،فانّ هذا الاضطرار مانع عن الجمع بين المحتملين،و لازمه كون سرايته إلى الواقع رافعا لإطلاق التكليف في كل طرف،بنحو يقتضى وجوب إتيانه و لو في حال‏وجود الآخر.و بهذا الإطلاق يحكم العقل أيضا بالجمع بين المحتملين،فإذا ارتفع إطلاق التكليف لا أصل‏التكليف فالعلم الإجماليّ بأصل التكليف في كل واحد من الطرفين باق،غايته في كل واحد مشروط بعدم إتيان‏غيره،و لازمه إلزام العقل بعدم تركهما،و لازمه في هذا الظرف التخيير في إتيان أحد الطرفين،إذ بهذا المقدار يقطع‏بالخروج عن عهدة المعلوم بالإجمال.و بمثل هذا البيان أيضا حققنا المسألة في باب الاشتغال،فراجع.ثم أقول:إنّ ما أفيد من تعيّن الظن بمقتضى ما ذكرنا إنّما يتم على فرض الالتزام بالعلم بتكليف مطلق‏في المظنونات مثلا و مقيد في غيره بنحو الترتب،كي يبقى العلم الإجماليّ بحاله،و إلاّ فمع تعين الترخيص في‏خصوص الأبعد مطلقا يرتفع العلم أيضا رأسا،و لا يبقى مجال الأخذ بالمظنون،و لكن هذا الالتزام بالترتب أيضاينتج لزوم العمل بالأبعد في ظرف مخالفة الأقرب،و هو أيضا خلاف مسلك أهل الانسداد،و بنائهم على الرخصةفي ترك الأبعد مطلقا،و حينئذ مثل هذا الممشى لا يتم حتى بناء على اقتضاء العلم الإجماليّ في المنجزية،فضلا عن‏العلية،لأن الترخيص المطلق ملازم لمنع التكليف في مورده على الإطلاق،و معه لا يبقى علم إجمالي بالتكليف‏أصلا،و عليه فلا يكاد انتهاء النوبة على مسلك منجزية العلم الإجماليّ و أدلة الحرج إلى مرام القائل بالتبعيض‏و مرجعية الظن في حال الانسداد و الترخيص في غيره مطلقا،فتدبر فيما ذكرنا،و لا يغرك طول البيان و تفصيله‏الغير المنتهى إلى مفهوم محصّل!.
253
للعذر عقلا،و أمّا الطرف الآخر غير المضطر إليه فهو باق على حكمه السابق لو لاعروض الاضطرار،و حيث لم يؤمن من أن يكون هو متعلق التكليف فالعقل‏يستقل بلزوم التحرز عنه و استحقاق العقوبة عليه عند الاقتحام فيه و صادف‏كونه هو متعلق التكليف المعلوم بالإجمال.و أقصى ما تقتضيه حكومة أدلة رفع‏الاضطرار و نفى الضرر و العسر و الحرج على أدلة الأحكام الواقعية،هو أنّه لوصادف كون متعلق التكليف أو موضوعه هو المضطر إليه(إذا كان الاضطرارإلى المعيّن)أو هو الّذي دفع به الاضطرار(إذا كان إلى غير المعيّن)كان موجباإمّا لرفع التكليف واقعا و إمّا لعدم تنجزه على الوجهين في أنّ الاضطرار هل‏يوجب التوسط في التكليف أو التوسط في التنجيز،على ما سيأتي بيانه في محلّه.فالقول بأنّ الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجماليّ يوجب سقوطالتكليف رأسا و جواز الاقتحام في غير ما يدفع به الاضطرار مطلقا،سواء كان‏الاضطرار إلى المعيّن أو غير المعيّن و سواء كان طروّ الاضطرار قبل العلم الإجماليّ‏أو بعده‏1ضعيف غايته،فانّ الضرورات تقدّر بقدرها،و لا معنى لسقوطالتكليف عن موضوع لعروض الاضطرار إلى موضوع آخر،سواء أريد من‏السقوط السقوط الواقعي أو السقوط عن التنجز.و إن أردت الاطّلاع على‏أطراف الكلام فراجع تنبيهات الاشتغال،فانّه قد استوفينا الكلام في ذلك بمالا مزيد عليه في ذلك المقام.فتحصّل:أنّ استلزام الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة العسر و الحرج‏يوجب التبعيض في الاحتياط بترك الاحتياط في الموهومات و الاحتياط في‏المظنونات و المشكوكات إن كان الاحتياط فيهما لا يستلزم العسر و الحرج،و إلاّفبترك المشكوكات كلا أو بعضا و الاحتياط في المظنونات،و لو استلزم الاحتياط1أقول:لو ترجع إلى ما ذكرنا ترى في إطلاقه تأمّل،بل ليس لك أخذ نتيجة القائل بالتبعيض من‏هذه المقدمات،فتدبر.
254
في المظنونات العسر و الحرج تعيّن التبعيض في الاحتياط بترك بعض المظنونات.و بالجملة:لمّا كانت التكاليف المعلومة بالإجمال منتشرة بين‏المظنونات و المشكوكات و الموهومات و كان الاحتياط في الجميع موجبا للعسرو الحرج تعيّن التبعيض في الاحتياط على وجه لا يلزم منه محذور العسر و الحرج،و لكن ليس المكلف بالخيار بترك الاحتياط في أيّ من الطوائف الثلاث،فانّ‏الخيار في دفع الاضطرار بأي واحد من أطراف العلم الإجماليّ إذا كان‏الاضطرار إلى غير المعيّن إنّما هو فيما إذا كانت الأطراف متساوية الأقدام‏بالنسبة إلى التكليف المعلوم بالإجمال فيها و لم يكن لأحدها مزيّة توجب أقوائيةاحتمال تعلق التكليف به،و إلاّ كان اللازم عقلا دفع الاضطرار بما يكون‏الاحتياط فيه أضعف‏1فانّ الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ إنّما استقل‏به العقل لأجل رعاية التكليف المعلوم بالإجمال.فبالمقدار الّذي يمكن رعايةالتكليف-و لو بقوة الاحتمال-يتعين عقلا،ففي المقام ليس للمكلف الاحتياطفي الموهومات و المشكوكات و ترك الاحتياط في المظنونات،فانّ احتمال ثبوت‏التكاليف في المظنونات أقوى من ثبوتها في المشكوكات،كما أنّ احتمال ثبوتهافي المشكوكات أقوى من ثبوتها في الموهومات،فإذا امتنع الاحتياط في الجميع‏-لمكان العسر و الحرج-تعين الاحتياط في المظنونات أو مع المشكوكات و ترك‏الاحتياط في الموهومات،لما في المظنونات من المزيّة التي توجب تعينها عقلاو هي كونها أقرب الإصابة إلى الواقع من الموهومات،و ذلك كلّه واضح،و إنّماأطلنا الكلام فيه و لم نكتف بالإشارة دفعا لشبهة غرست في أذهان طلبةالعصر2منشأها ما أفاده المحقق الخراسانيّ(قدس سره)في هذا المقام:من منع‏1أقول:لكن عليك بالمراجعة إلى الحاشية الطويلة السابقة،ترى بالتأمل فيها ما في هذه الكلمات‏و عدم الوصول بها إلى النتيجة.2أقول:بيني و بين ربّي-مع تطويل الكلام و تكرار المرام-لا يكاد وصولك نيتجة التبعيض بنحو هومقصود القوم،لابتناء النتيجة على مقدمة باطلة على ما حققناه في الحاشية السابقة،فراجع و تأمّل بعين الإنصاف.
255
حكومة أدلة نفى العسر و الحرج على ما يحكم به العقل من الاحتياط في أطراف‏العلم الإجماليّ أوّلا،و من عدم وجوب التبعيض في الاحتياط على فرض تسليم‏الحكومة ثانيا.و حاصل ما أفاده في وجه منع الحكومة:هو أنّ مفاد أدلة نفى الضررو العسر و الحرج إنّما هو نفى الحكم بلسان نفى الموضوع،و مقتضى التوفيق بينهاو بين أدلة الأحكام التكليفية و الوضعيّة-المتعلقة بما يعمّ الضرر و العسر و الحرج-هو تخصيص أدلة الأحكام بما عدا مورد الضرر و العسر و الحرج و إن كانت‏النسبة بين آحاد أدلة الأحكام و أدلة نفيهما العموم من وجه،إلاّ أنّ التوفيق‏العرفي يقتضى تقديم أدلة نفيهما على أدلة الأحكام.و ليس وجه التقديم حكومة أدلة نفيهما عليها كما أفاده الشيخ‏(قدس سره)لأنّه يعتبر في الحكومة أن يكون أحد الدليلين شارحا و مفسّرا لماأريد من الآخر،و ليس أدلة نفى الضرر و العسر و الحرج شارحة لأدلة الأحكام،فلا حكومة بينهما،إلاّ أنّه مع ذلك تقدم أدلة نفيهما على أدلة الأحكام،لما بينهمامن الجمع العرفي بتخصيص أدلة الأحكام بغير موارد الضرر و العسر و الحرج.و لكن هذا فيما إذا كانت الأحكام بنفسها تستلزم الضرر و العسر،و في‏المقام إنّما يلزم العسر و الحرج من حكم العقل بالاحتياط و الجمع بين المحتملات‏في الوقائع المشتبهة لا من نفس الأحكام،فلا وجه لتقديم أدلة نفى العسرو الحرج على الاحتياط العقلي،إلاّ إذا قلنا:إنّ مفاد أدلة نفى العسر و الحرج نفى‏الحكم الّذي ينشأ من قبله العسر و الحرج و إن كان ذلك بضميمة حكم‏العقل،فتقدم أدلة نفيهما على حكم العقل بالاحتياط.هذا حاصل ما أفاده في وجه منع تقديم أدلة نفى العسر و الحرج على‏الاحتياط العقلي.و أمّا ما أفاده من المنع عن التبعيض في الاحتياط على تقدير تسليم‏الحكومة:فلم يبيّن وجهه،و لعلّه مبنىّ على ما اختاره:من الملازمة بين حرمة
256
المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية،فإذا لم تجب الموافقة القطعية للعسرو الحرج لم تحرم المخالفة القطعية.أو مبنىّ على ما ذهب إليه:من أنّ العلم‏الإجماليّ مع الاضطرار إلى بعض الأطراف لا يقتضى التنجيز مطلقا،سواء كان‏الاضطرار قبل العلم الإجماليّ أو بعده،و سواء كان الاضطرار إلى المعيّن أو غيرالمعيّن،بدعوى:أنّ الاضطرار لما كان من حدود التكليف و قيوده،فلا يحصل‏العلم بالتكليف المطلق ليقتضي التنجيز و الاجتناب عما عدا المضطر إليه.و الإنصاف:أنّه لا يمكن المساعدة على شي‏ء ممّا ذكره.أمّا ما أفاده أخيرا:من عدم الوجه لوجوب التبعيض في الاحتياط بعدتسليم حكومة أدلة نفى العسر و الحرج على الاحتياط العقلي،فقد عرفت الوجه‏فيه‏1و حاصله:لزوم رعاية التكاليف بالمقدار الممكن عقلا،لأنّ الضرورات‏تتقدر بقدرها،و دعوى الملازمة بين وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفةالقطعية أو دعوى عدم اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز مع الاضطرار إلى بعض‏الأطراف،فضعيفة غايته،فانّ الملازمة ممنوعة2إذ للشارع الاكتفاء عن الواقع‏1أقول:ما أفاده«الأستاذ»في الاضطرار إلى الغير المعيّن و إن لم يكن تماما،و نحن أيضا أوردنا عليه بماأشرنا إليه في الحاشية السابقة،و لكن ما أفيد في وجه التبعيض أيضا لا يتمّ،خصوصا في الاضطرار إلى المعيّن،كماأنّ في غير المعيّن بعد تعيين العقل الحرج في الأبعد و اقتضائه الترخيص على الإطلاق كان بحكم المعيّن في مضادته‏مع العلم بالتكليف الفعلي إجمالا،و مع ذلك كيف ينتج ما أفيد من التبعيض في الاحتياط و لزوم العمل بالظن‏و الرخصة في ترك غيره مطلقا؟.2أقول:قد تقدم سابقا:أنّ الترخيص في مخالفة المعلوم بجعل البدل و المفرغ جار في المقامين،و إنّماالكلام في جريان أدلة الترخيص في أحد طرفي العلم بلا تعيين مفرغ للمعلوم،كما هو الشأن في العلم التفصيلي‏أيضا،إذ لم نقل فيه بجريان أدلة الترخيص-و لو مثل حديث رفع الوجوب-المشكوك عند الشك فيها مع تواردالحالتين الغير الجاري فيه الاستصحاب،و حينئذ فكمال مجال لمقايسة الترخيص بعنوان جعل المفرغ مع الترخيص‏بلا جعله في العلم التفصيلي،فكذلك في المقام.و كما أنّ هذا المقدار من الترخيص بعنوان المفرغ لا ينافى علية العلم التفصيلي للاشتغال و إثبات‏التكليف،كذلك نقول به في العلم الإجماليّ،و حينئذ لا مجال لاستفادة اقتضاء العلم الإجماليّ و جواز الترخيص‏في بعض أطرافه-بلا جعل بدل و تعيين مفرغ للمعلوم-من صرف جواز الترخيص ببركة جعل البدل في المقام أو في‏
257
بترك بعض الأطراف في الشبهات التحريمية أو فعله في الشبهات الوجوبية،فانّ‏العلم الإجماليّ لا يزيد عن العلم التفصيلي،و للشارع الاكتفاء بالإطاعةالاحتمالية في العلم التفصيلي-كما هو مفاد الأصول الجارية في مرحلة الفراغ-و الاضطرار إلى بعض الأطراف لا يزيد حكمه عن تلف بعض الأطراف بعدالعلم الإجماليّ‏1فكما أنّ تلف البعض لا يوجب سقوط العلم الإجماليّ عن‏التأثير بالنسبة إلى الباقي،كذلك الاضطرار إلى البعض.و مجرد أنّ الاضطرارإلى متعلق التكليف يكون من قيود التكليف و حدوده دون تلف المتعلق لايصلح فارقا في نظر العقل الحاكم بالاستقلال في باب الامتثال و الخروج عن‏عهدة التكليف في موارد العلم الإجماليّ.و قد أشبعنا الكلام في ذلك بما لامزيد عليه في مبحث الاشتغال.و أمّا ما أفاده أوّلا:من أنّه لا حكومة لأدلة نفى العسر و الحرج على‏الحكم العقلي بالاحتياط.ففيه أوّلا:أنّ عدم وجوب الاحتياط التام في جميع الوقائع المشتبهةو وجوب التبعيض فيه لا يبتنى على حكومة أدلة نفى العسر و الحرج على الحكم‏العقلي بوجوب الاحتياط،بل ليس حال لزوم العسر الحرج من الجمع بين‏المحتملات في المظنونات و الموهومات و المشكوكات إلاّ كحال الاضطرار إلى‏ترك بعض الأطراف أو فعل بعضها في موارد العلم الإجماليّ‏2بل العسرباب العلم التفصيلي،و ألتمس منك أن لا تكرر هذا المطلب في كلماتك،و تكتفي بما ذكرنا من الجواب،و سيأتي‏في مبحث الاشتغال أيضا شرح هذه الجهة(إن شاء اللّه تعالى).1أقول:ما أفيد:من أنّ الاضطرار إلى بعض الأطراف و لو معيّنا كتلف بعض الأطراف المعيّن بعدالعلم في غاية المتانة إذا كان طروّ الاضطرار بعد العلم،و في المقام الاضطرار مقارن للعلم،فحق المقام أن تقيس‏بالتلف المقارن،فهل ترى أحدا يلتزم بمنجزية العلم بالنسبة إلى الطرف الباقي؟حاشا منك و من غيرك!.2أقول:لو فرض ورود جميع إشكالات الدنيا عليه لا يكاد يرد عليه هذا الإشكال إلاّ بعد تسليم‏التبعيض في باب الاضطرار،و هو أوّل شي‏ء ينكره فيه أيضا،فقياس الحرج بباب الاضطرار في مقام ردّه غيرمستقيم،كما أنّ الوجه الّذي أفيد للتبعيض خصوصا في المعيّن أوضح بطلانا،كيف!و ما قيل في شرح توسط
258
و الحرج من أفراد الاضطرار،فانّه لا يعتبر في الاضطرار عدم القدرة التكوينيةعلى الاحتياط في جميع الأطراف.و الاضطرار إلى بعض الأطراف المعيّن يوجب‏التوسط في التكليف-و نعنى بالتوسط في التكليف هو ثبوت التكليف على‏تقدير كون المضطر إليه غير متعلق التكليف أو موضوعه و عدم ثبوته على تقديركونه نفس متعلق التكليف أو موضوعه-و إلى بعض الأطراف الغير المعيّن يوجب‏التوسط في التنجيز على أحد الوجهين،أو التوسط في التكليف أيضا على الوجه‏الآخر،ذكرناهما في تنبيهات الاشتغال.ففي المقام حيث كان يتعين الأخذ بالمظنونات و ترك المشكوكات‏و الموهومات إن كان يلزم من الأخذ بهما كلاّ أو بعضا العسر و الحرج كان حكمه‏حكم الاضطرار إلى المعيّن تكون النتيجة التوسط في التكليف،بمعنى سقوطالتكاليف إن كانت في المشكوكات و الموهومات و ثبوتها إن كانت في المظنونات‏فتأمّل‏1.و ثانيا:أنّه يمكن أن تكون أدلة نفى العسر و الحرج حاكمة على نفس‏الحكم العقلي بالاحتياط،بتقريب:أنّ حكم العقل بالاحتياط إنّما هو لأجل‏رعاية الأحكام الشرعية،فإذا كان رعايتها في حال انسداد باب العلم و العلمي‏موجبا للعسر و الحرج فأدلة نفيهما تقتضي عدم إلزام العقل بالاحتياط بمقدار يلزم‏منه العسر و الحرج،فتكون حكومتها على حكم العقل بالاحتياط من شئون‏حكومتها على الأحكام الشرعية،فانّ انتشار الأحكام الشرعية بين المظنونات‏التكليف عين احتمال وجود التكليف في غير مورد الاضطرار،و هل هذا غير الشك البدوي؟نعم:لو لم يسرى‏الاضطرار إلى الواقع و اختص بموضوع وجوب العمل حال الشك به كان لبقاء العلم وجه،و على فرض اقتضاءتأثيره أمكن الترخيص على خلافه،و لك حينئذ أن تثبت توسطا في التنجيز لا في نفسه،و لكن أنّى لك بإثبات‏المقدمتين!فتدبر.1أقول:لهذا التأمّل في كلامه مجال،و الحق وقع في محله،إذ لعلّه إشارة منه إلى بطلان ما ادّعاه،لاإلى الدقة باعتقاده.
259
و المشكوكات و الموهومات مع وجوب التعرض لها و عدم جواز إهمالها هو الّذي‏أوجب العسر و الحرج،فالعسر و الحرج ينتهى بالأخرة إلى الأحكام الشرعية و لولمكان الجهل بها و انتشارها في الوقائع المشتبهة.و الحاصل:أنّه حيث وجب الاحتياط عقلا في جميع المظنونات‏و المشكوكات و الموهومات رعاية للتكاليف المعلومة بالإجمال و كان الاحتياط في‏الجميع موجبا للعسر و الحرج،فلو كانت التكاليف في الموهومات كان الحرج‏مستندا إليها،فلا بد و أن تكون منفية بأدلة العسر و الحرج،و كذا الحال في‏المشكوكات لو كان الاحتياط فيها مع المظنونات موجبا للعسر و الحرج،فلامحيص عن التبعيض في الاحتياط بمقدار لا يوجب العسر و الحرج لو كان المستندفي عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة و لزوم الاحتياط فيها هو العلم الإجماليّ،ليكون الاحتياط في الأطراف عقليا.فان قلت:ما الفرق بين الاحتياط العقلي و الاحتياط الشرعي؟حيث‏تقدم:أنّ أدلة نفى العسر و الحرج لا تكون حاكمة على الاحتياط المنصوب‏شرعا طريقا إلى امتثال التكاليف في الوقائع المشتبهة إذا كان المستند في عدم‏جواز إهمالها هو الإجماع أو الخروج عن الدين.قلت:الفرق بين الاحتياط العقلي و الاحتياط الشرعي في غايةالوضوح،فانّ الاحتياط الشرعي من أوّل الأمر ورد على موضوع يوجب العسرو الحرج دائما ليس له حالة لا توجب ذلك،نظير الأمر بالجهاد،فيكون‏الاحتياط الشرعي أخص مطلق من أدلة نفى العسر و الحرج.و السرّ في ذلك:هوأنّ الوقائع المشتبهة لوحظت قضية واحدة مجتمعة الأطراف قد حكم عليهابالاحتياط،لأنّ الإجماع أو الخروج عن الدين إنّما كان دليلا على عدم جوازإهمال مجموع الوقائع المشتبهة من حيث المجموع،لا على كل شبهة شبهة1فانّ‏1أقول:إذا كان المحذور في إهمال المجموع من حيث المجموع،فنفي هذا المحذور بالإتيان بواحد،إذ
260
إهمال كل شبهة مع قطع النّظر عن انضمام إهمال ساير الشبهات إليها لا يوجب‏الخروج عن الدين و لا قام الإجماع على عدم جوازه،بل معقد الإجماع و لزوم‏الخروج عن الدين إنّما هو إهمال مجموع المحتملات:من المظنونات و المشكوكات‏و الموهومات،و ذلك يقتضى نصب الشارع طريقية الاحتياط في المجموع،فيكون‏حكما خاصا ورد على موضوع خاص يلازم العسر و الحرج دائما،و معه لا يمكن‏أن تكون أدلة نفى العسر و الحرج حاكمة على إلزام الشارع بالاحتياط و رافعةلوجوبه.و هذا بخلاف الاحتياط العقلي،فانّ العقل في كل واقعة واقعة تكون‏طرفا للعلم الإجماليّ يحكم بالاحتياط و يلزم به،و كل واقعة واقعة مع قطع النّظرعن انضمام ساير الوقائع إليها لا تقتضي العسر و الحرج،بل العسر و الحرج يلزم‏من الاحتياط في مجموع الوقائع:مظنوناتها و مشكوكاتها و موهوماتها،و في كل من‏المظنونات و المشكوكات و الموهومات يستقل العقل بالاحتياط لكونها من أطراف‏العلم الإجماليّ،فيكون حكم العقل بالاحتياط في الوقائع المشتبهة بمنزلة أحكام‏متعددة يلزم من رعاية جميعها العسر و الحرج،و لا بد حينئذ من التبعيض في‏الاحتياط،لأنّ الضرورات عند العقل تتقدر بقدرها1فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّه لو كان المستند في المقدمة الثانية هو العلم‏الإجماليّ-و كان الوجه في بطلان الاحتياط هو لزوم العسر و الحرج-كان المتعين‏نقيض ترك المجموع هو الإتيان بواحد منها،لا إتيان المجموع،و حينئذ هذا الوجه لا يقتضى وجوب إتيان المجموع‏بما هو مجموع،بل غاية ما يقتضيه حرمة إهمال مجموع الوقائع وجوب الإتيان بمقدار يرفع المحذور،و لازمه التخييربين تعرض المظنونات أو المشكوكات أو الموهومات بلا انتهاء النوبة إلى لزوم تعرض مجموع المحتملات،إلاّ بتبديل‏هذا السرّ بسرّ آخر من دعوى الإجماع أوّلا بوجوب الاحتياط في المجموع،لا من جهة محذور الخروج عن الدين،و دون إثباته خرط القتاد،فتدبر في هذه الأسرار و كن من الشاكرين!.1أقول:قد ذكرنا كرارا بأنّ ما أفيد تمام لو لم ينتهى الأمر بحكم بقية المقدمات إلى جعل الترخيص‏الحرجي في خصوص الموهومات بقول مطلق،و إلاّ لا يبقى العلم الإجماليّ بالتكليف الفعلي بحاله،للجزم بأنّ الحرج‏المتوجه إليها بخصوصياتها يسرى إلى التكليف في ضمنها قهرا،و مع فرض رفع الحرج فعلية التكليف الواقعي من‏أين يبقى العلم الإجماليّ بحاله؟كي يحكم العقل بالتبعيض في الاحتياط!.
261
هو التبعيض في الاحتياط بمقدار لا يلزم منه العسر و الحرج،لحكومة أدلة نفيهماعلى التكاليف المعلومة بالإجمال المنتشرة في الوقائع المشتبهة التي يلزم من رعايتهافي حال الجهل و انسداد باب العلم و العلمي بها العسر و الحرج.و أمّا ما أفاده(قدس سره)من أنّ مفاد أدلة نفى العسر و الحرج و الضررإنّما هو نفى الحكم بلسان نفى الموضوع و أنّ التوفيق العرفي يقتضى تقديمها على‏أدلة الأحكام من دون أن تكون حاكمة عليها لعدم كونها بمدلولها اللفظي‏شارحة لها و مفسّرة لما أريد منها،فلتفصيل الكلام فيه محل آخر،و إجماله:هوأنّه لا يعتبر في الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي شارحا و مفسّرا لماأريد من الدليل الآخر بمثل كلمة«أي»أو«أعنى»و ما أفاد معنى ذلك-و إن‏كان يوهمه ظاهر عبارة الشيخ(قدس سره)في مبحث التعادل و التراجيح-فانّه‏لم يوجد فيما بأيدينا من الأدلة ما يكون بهذه المثابة،إلاّ بعض ما ورد في أخبارتنصيف المهر في موت الزوجة و طلاقها (1) و إلاّ فأغلب الحكومات لا يكون‏دليل الحاكم بمدلوله اللفظي شارحا و مفسّرا لما أريد من دليل المحكوم،بل‏الّذي يعتبر في الحكومة،هو أن يكون مفاد دليل الحاكم النتيجة المتحصلة من‏تحكيم قرينة المجاز على ذيها،أو تحكيم الخاصّ على العام و المقيد على المطلق.و الضابط الكلي في ذلك:هو أن يكون أحد الدليلين متكفلا لبيان مالا يتكفله دليل المحكوم.و بذلك تفترق الحكومة عن التخصيص و إن كانت‏النتيجة واحدة،فانّ مفاد دليل المخصص نفى ما أثبته العام أو إثبات ما نفاه مع‏اتحاد الموضوع و المحمول فيهما و كان الاختلاف بينهما في مجرد السلب و الإيجاب،كما في مثل قوله:«أكرم العلماء و لا تكرم الفساق من العلماء»و هذا بخلاف‏الحاكم و المحكوم،فانّ الاختلاف بينهما ليس بمجرد السلب و الإيجاب،بل دليل‏
1)راجع الوسائل الباب 58 من أبواب المهور لعلّك تجد،فإنّي لم أجد في أخبار الباب شاهدا صريحالما أشار إليه و لعلّه(قدس سره)عنى بذلك الحديث 24 من الباب(المصحح)

262
الحاكم يتكفل معنى لا يتكفله دليل المحكوم و لا يرد السلب و الإيجاب فيهما على‏محل واحد،و لذلك لا تلاحظ النسبة بين الحاكم و المحكوم و لا قوة الظهورو ضعفه،بل يقدّم دليل الحاكم و إن كانت النسبة بينهما العموم من وجه أوكان ظهوره أضعف من ظهور دليل المحكوم،فانّ ملاحظة النسبة و قوة الظهورفرع التعارض و لا تعارض بينهما،لأنّ دليل الحاكم قد يتعرض عقد وضع دليل‏المحكوم بإدخال ما ليس داخلا فيه،كقوله:«زيد عالم»عقيب قوله:«أكرم‏العلماء»أو إخراج ما ليس خارجا عنه كقوله:«زيد ليس بعالم»عقيب قوله‏ذلك،و هو الغالب في باب الحكومات،سواء كانت الحكومة واقعية،كحكومةقوله:«لا شك لكثير الشك»على قوله:«من شك من الثلاث و الأربع فليبن‏على الأربع»أو حكومة ظاهرية كحكومة الأمارات على الأحكام الواقعية،و بعضها على بعض و على الأصول على ما بيّناه في خاتمة الاستصحاب.و قد يكون دليل الحاكم متعرضا لعقد حمل دليل المحكوم،كما هو مفادأدلة نفى الضرر و العسر و الحرج،فانّ الضرر و العسر و الحرج من العناوين‏الثانوية التي تتصف بها نفى الأحكام الشرعية:من الوضعيّة و التكليفية-كماأوضحناه بما لا مزيد عليه-في رسالة لا ضرر-فهي بمدلولها المطابقي تنفي الأحكام‏الواقعية عن بعض حالاتها،و هي حالة كونها ضرورية أو حرجية،فمفاد أدلةنفى الضرر و العسر و الحرج نفى تشريع الأحكام الضررية و الحرجية،فلا يعقل‏أن يقع التعارض بينهما و بين الأدلة المتكفلة لبيان الأحكام الواقعية بعناوينهاالأوّلية،فانّ شمول أدلة الأحكام لحالة الضرر و العسر و الحرج إنما يكون‏بالإطلاق المتأخر رتبة عن أصل الجعل و التشريع،فانّ الإطلاق و التقييد من‏الحالات و الأوصاف اللاحقة للأحكام بعد فرض وجودها و جعلها و تشريعها،فلا يمكن أن يكون في مرتبة الجعل و التشريع الدليل متكفلا لبيان وجودالأحكام في حال كونها ضررية أو حرجية حتى يعارض ما دلّ على نفى الجعل‏و التشريع للأحكام الضررية و الحرجية.
263
و أمّا حديث كون مفاد أدلة نفى العسر و الحرج و الضرر نفى الحكم‏بلسان نفى الموضوع‏1فهو بمعزل عن الصواب.لما فيه أوّلا:أنّ نفى الحكم بلسان نفى الموضوع إنّما يكون فيما إذا كان‏مدخول النفي موضوعا ذا حكم،إمّا في الشرائع السابقة،و إمّا في زمان‏الجاهلية،و إمّا في هذه الشريعة،ليرد النفي على الموضوع بلحاظ نفى حكمه،كمافي مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله «لا رهبانية في الإسلام»2و«لا ضرورةفي الإسلام» (1) و قوله تعالى:«فلا رفث و لا فسوق في الحج» (2) و قوله‏عليه السّلام «لا شك لكثير الشك» (3) و«لا سهو للإمام مع حفظالمأمور» (4) و غير ذلك من القضايا التي يكون مفادها نفى الحكم بلسان نفى‏الموضوع.و في مثل نفى الضرر و العسر و الحرج لا يمكن ذلك،فانّ الحكم المترتب‏على الضرر مع قطع النّظر عن ورود النفي عليه ليس هو إلاّ الحرمة،فيكون مفاد1أقول:إنّ ما أفيد أوّلا في إثبات الحكومة و شرحه في باب«لا ضرر و الحرج»في غاية المتانة،و نحن‏أيضا أوردنا عليه.و أمّا ما أفيد أخيرا من إبطال كونه من باب نفى الموضوع:فهو مبنىّ على كون المراد من‏الموضوع نفس عنوان«الحرج»و«الضرر»و أمّا لو كان العنوانان حاكيان عن العناوين الضررية و الحرجية-كما هو مقصوده-فلا يرد عليه ما أفيد.نعم:لك أن تمنع هذه الجهة،لا أنه على فرضه تورد عليه بما أفيد.و ما أفيد في وجه المنع:من كون النفي واردا على الدين و هو عبارة عن الأحكام،غير تام،إذ المراد من‏الدين مطلق الخطابات الواردة حكما و موضوعا،فيصح أن يقال حينئذ:ما جعل اللّه في خطاباته موضوعا حرجيا،و تخصيص الدين بخصوص الأحكام لا وجه له،كما لا يخفى.نعم:ما أفيد بأنّه على فرض كونه من باب نفى الحكم بنفي الموضوع لا ينافى الحكومة في غاية المتانة،و نحن أيضا مستشكلين عليه،فتدبر.2لم نجد حديثا بهذه العبارة في كتب الأخبار و ما أورده في الوسائل«ليس في أمّتي رهبانية»راجع‏الوسائل أبواب آداب السفر إلى الحج الباب 1 الحديث 4(المصحح).
1)سنن أبي داود كتاب المناسك الباب 3
2)سورة البقرة الآية:197
3)و لا يخفى أنّ هذين التعبيرين أيضا ليسا عين ما نقل عن المعصوم عليه السّلام راجع الوسائل‏أبواب الخلل الباب 16 و 24(المصحح).
4)و لا يخفى أنّ هذين التعبيرين أيضا ليسا عين ما نقل عن المعصوم عليه السّلام راجع الوسائل‏أبواب الخلل الباب 16 و 24(المصحح).

264
قوله صلّى اللّه عليه و آله لا ضرر(بناء على أن يكون من نفى الحكم بلسان نفى‏الموضوع)هو نفى حرمة الضرر،و هو كما ترى يلزم منه عكس المقصود،فانّ‏المقصود منه عدم وقوع الضرر لا عدم حرمته و الترخيص فيه،و أمّا العسرو الحرج فليس له حكم حتى يكون النفي بلحاظه.و ثانيا:أنّ توهّم كون المفاد نفى الحكم بلسان نفى الموضوع إنّما يكون له‏سبيل في مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله «لا ضرر و لا ضرار»و أمّا قوله تعالى:«و ما جعل عليكم في الدين من حرج»فهو ممّا لا سبيل إليه،فانّ النفي فيه‏ورد على«الدين»و هو عبارة عن الأحكام و التكاليف الشرعية،فمعنى قوله‏تعالى:«و ما جعل عليكم في الدين من حرج»هو أنّه لم يجعل في الأحكام‏حكما حرجيا،فالنفي من أوّل الأمر ورد على الأحكام،لا على الموضوع حتى‏يتوهّم أنّه من نفى الحكم بلسان نفى الموضوع.و ثالثا:أنّ نفى الحكم بلسان نفى الموضوع أيضا يكون من أحد أقسام‏الحكومة إذا كان من النفي التركيبي بمفاد«ليس الناقصة»كقوله عليه السلام‏«لا شك لكثير الشك»و«لا سهو في السهو»و نحو ذلك،فمجرد كون مفادالدليل نفى الحكم بلسان نفى الموضوع لا ينافى الحكومة.و ليس الغرض في المقام تفصيل الكلام في أقسام الحكومات فانّه قداستقصينا الكلام في ذلك في رسالة مفردة،بل المقصود مجرد التنبيه إلى أنّ‏الوجه في تقديم أدلة نفى العسر و الحرج على أدلة الأحكام إنّما هو الحكومة،و لو لاذلك لم يكن وجه للجمع بينهما بتقديمها عليها عرفا،فانّ الجمع العرفي لا بدو أن يكون عن منشأ:من الحكومة أو قوة الظهور و نحو ذلك ممّا يأتي البحث‏عنه في مبحث«التعادل و التراجيح»و لا سبيل إلى دعوى أظهرية أدلة نفى‏العسر و الحرج من أدلة الأحكام،مع أنّ النسبة بينها و بين آحاد أدلة الأحكام‏العموم من وجه،فلا وجه لتقديمها عليها إلاّ الحكومة.و قد عرفت:أنّه بعد تسليم‏الحكومة لا محيص عن التبعيض في الاحتياط فيما نحن فيه إذا كان المستند في‏
265
المقدمة الثانية(و هي عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة)العلم الإجماليّ و اقتضائه‏الاحتياط في المظنونات و المشكوكات و الموهومات،فانّ الاحتياط في الجميع‏مستلزم للعسر و الحرج،و بعد ضمّ أدلة نفيهما إلى ما يستقل العقل به-من‏الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ-تكون النتيجة التبعيض في الاحتياطبترك الاحتياط في الموهومات إذا لم يلزم من الاحتياط في المظنونات‏و المشكوكات العسر و الحرج،و إلاّ فيجب الاحتياط في المظنونات فقط أو مع‏بعض المشكوكات،إلاّ أن يقوم إجماع على عدم وجوب الاحتياط في‏المشكوكات و لو لم يستلزم الاحتياط فيها العسر و الحرج،و إلاّ كان اللازم الاحتياط في‏المظنونات فقط إذا كان مفاد الإجماع مجرد عدم وجوب الاحتياط في‏المشكوكات،فانّ حال المظنونات يكون في حال أحد الإناءات الثلاثة التي‏علم بنجاسة أحدها مع الاضطرار إلى الاقتحام في أحدها المعيّن و قيام الدليل‏على جواز الاقتحام في الآخر1فانّه يجب الاجتناب عن الثالث مخافة أن يكون‏هو النجس المعلوم بالإجمال في البين،ففي المقام يجب الاحتياط في المظنونات بعدقيام الإجماع بجواز ترك الاحتياط في المشكوكات و كان الاحتياط في الموهومات‏1أقول:مع فرض احتمال كون النجاسة في المحتمل المعيّن و مقارنا مع العلم كان المحتمل المزبورمضطرا إليه،فهل هذا الاضطرار لم يكن قائما بموضوع المحتمل على الإطلاق؟و مع قيامه فهل فيه قصور في نفى‏التكليف عن المضطر إليه بالخصوص؟و مع عدم قصوره فمن أين يبقى علم إجمالي بتكليف فعلى بعده؟و حينئذ من‏أين يجي‏ء التبعيض و إلزام العقل بلزوم حفظ البقية؟.فان قلت:إنّ المصلحة إذا كان معلوما في كل واحد من الطرفين،فمع الشك في طروّ المانع عن هذه‏المصلحة في تأثيره فالعقل يحكم في مثله بالاحتياط لا البراءة،نظير الشك في القدرة.قلت:ما أفيد تمام لو كان الطرف الآخر مما كان المقتضى فيه محرزا و أنّ الشك كان ممحضا في المانع‏و أمّا إذا فرضنا بأنّ الشك في الطرف الآخر شك في أصل المصلحة و إنما علم إجمالا بتكليف فعلى في كل طرف‏بمعنى احتمال انطباقه في كل طرف،فمع فرض ذهاب العلم المزبور بواسطة الاضطرار في المعيّن،فلا يبقى مجال‏لجريان الاحتياط في الطرف الآخر مع فرض الشك في أصل اقتضائه،و من هذه الجهة نقول:إنّه لو فرض خروج‏أحد الطرفين عن محل الابتلاء فضلا عن القدرة مقارنا للعلم و كان معيّنا لا مجال للاحتياط في الطرف الآخر،كماهو ظاهر على من يرجع كلماتهم في الشبهة المحصورة،فتدبر.
266
موجبا للعسر و الحرج و لو مع ضمّ الاحتياط في المظنونات و المشكوكات،فانّه قدتقدم:أنّه يتعين دفع العسر و الحرج بترك الاحتياط في خصوص الموهومات،لأنّها أبعد عن الواقع من المظنونات و المشكوكات،فيكون حالها حال الاضطرارإلى الاقتحام في أحد الإناءات الثلاثة المعيّن،فإذا ضممنا إلى ذلك الإجماع على‏عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات يتعيّن الاحتياط في المظنونات فقط،فان‏صادف كون التكاليف المعلومة بالإجمال في المظنونات فهو،و إن صادف كونهافي الموهومات و المشكوكات فهي منفية بأدلة نفى العسر و الحرج و بالإجماع.هذاإذا كان مفاد الإجماع مجرد عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات من باب أنّهامن أحد أطراف العلم الإجماليّ.و إن كان مفاده عدم وجوب الاحتياط فيها من باب أنّ مبنى الشريعةليس على امتثال التكاليف بنحو الاحتمال،بل لا بد و أن يكون امتثال كل‏تكليف بعنوانه الخاصّ من الوجوب و الحرمة،فهذا الإجماع بضميمة انسدادباب العلم و العلمي يكشف لا محالة عن جعل الشارع حجية الظن و طريقيته إلى‏التكاليف الواقعية،فيكون العمل بالمظنونات من باب أنّ الظن محرز للواقع،لامن باب التبعيض في الاحتياط.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ نتيجة المقدمة الثانية مع ضمّ المقدمةالثالثة إليها تختلف حسب اختلاف المستند في المقدمة الثانية مع اختلاف‏المستند في بطلان الاحتياط،فلو كان المستند في عدم جواز إهمال الوقائع‏المشتبهة الإجماع أو الخروج عن الدين-و كان الوجه في بطلان الاحتياط هوالإجماع على عدم وجوب الجمع بين جميع المحتملات أو لزوم اختلال النظام من‏الاحتياط في الجميع-كان اللازم هو التبعيض في الاحتياط،و لكن هذاالاحتياط إنّما يكون بجعل شرعي و ليس من الاحتياط العقلي،لما عرفت:من‏أنّ الإجماع أو الخروج عن الدين يقتضى جعل الشارع الاحتياط طريقا إلى‏امتثال التكاليف،و أقصى ما يقتضيه الإجماع على وجوب الجمع بين جميع‏
267
المحتملات أو اختلال النظام هو نفى جعل الشارع الاحتياط في الجميع طريقا،و أمّا جعل الطريقية في البعض فلا ينفيه،و لا سبيل إلى دعوى نصب الشارع‏الظن طريقا،لما عرفت:من أنّ الطريق الواصل بنفسه ليس هو إلاّ الاحتياط.هذا إذا كان الوجه في بطلان الاحتياط الشرعي هو الإجماع أو اختلال النظام.و إن كان الوجه فيه لزوم العسر و الحرج،فقد عرفت:أنّ أدلة نفيهما لا تكفي في‏بطلانه،لأنّ الاحتياط الشرعي يكون أخص مطلق من أدلة نفيهما.و لو كان المستند في عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة العلم الإجماليّ‏-و كان بطلان الاحتياط لأجل الإجماع على عدم وجوب الجمع بين المحتملات‏أو لأجل اختلال النظام أو لزوم العسر و الحرج-فالنتيجة هي التبعيض في‏الاحتياط أيضا،و لكن لزوم الاحتياط في البعض على هذا يكون‏لأجل استقلال العقل به إرشادا،لا لأجل إيجابه شرعا،فهذا الوجه مع الوجه‏السابق و إن كان يشترك في كون النتيجة التبعيض في الاحتياط،إلاّ أنّه في‏الوجه السابق يكون الاحتياط في البعض من الاحتياط الشرعي،و في هذاالوجه يكون من الاحتياط العقلي.و لو كان الوجه في بطلان الاحتياط هو الإجماع على أنّ بناء الشريعةليس على الامتثال الاحتمالي و الإتيان بمتعلقات التكاليف على وجه‏الاحتمال،فالنتيجة تكون حجية الظن شرعا على جميع التقادير،سواء كان‏عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة لأجل الإجماع،أو الخروج عن الدين،أو العلم‏الإجماليّ،فانّه لا يمكن المنع عن الامتثال الاحتمالي بلا نصب طريق إلى إحرازالتكاليف مع انسداد باب العلم بها1و الطريق الّذي يمكن نصبه شرعا1أقول:قد تقدم سابقا بأنّه على فرض قيام الإجماع على عدم الامتثال الاحتمالي،لا يلازم ذلك أيضامع حجية الظن بمعنى الوسطية،بل كما يناسب ذلك مع الإجماع المزبور يناسب أيضا مع جعل وجوب العمل‏بالظن شرعا من باب المقدمية لتنجيز الواقع في ضمن ظنونه،نظير إيجاب الاحتياط في الشبهات البدوية،إذحينئذ لا يكون الامتثال احتماليا،بل الحكم الشرعي الطريقي دعاه على الامتثال.
268
بحسب الدوران العقلي منحصر بالظن،إذ لا طريق يمكن إحراز الواقع به على‏وجه لا يكون الامتثال احتماليا سوى الظن،فيتعين هو للنصب.فظهر:أنّ العمل بالمظنونات من الوقائع المشتبهة لا يخلو عن أحدوجهين لا ثالث لهما،إمّا لكونه من التبعيض في الاحتياط في أطراف الشبهة،و إمّا لكونه محرزا للواقع بجعل الظن حجة شرعا.و من ذلك يظهر:أنّ مقدمات الانسداد،إمّا أن تكون عقيمة لا تصل‏النوبة إلى المقدمة الرابعة لأخذ النتيجة(إذا كان بطلان الاحتياط في المقدمةالثالثة من جهة لزوم العسر و الحرج،و كان عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة في‏المقدمة الثانية من جهة العلم الإجماليّ)و إمّا أن تكون النتيجة الكشف و حجيةالظن شرعا،إذا وصلت النوبة إلى المقدمة الرابعة(و ذلك إنّما يكون إذا كان‏بطلان الاحتياط لأجل قيام الإجماع على أنّ مبنى الشريعة ليس على امتثال‏التكاليف بالاحتمال)فجعل النتيجة الحكومة بمعنى الامتثال الظني ممّا لاأساس له،و لا يمكن أن تكون النتيجة ذلك،مع أنّ العمل بالمظنونات لا يلازم‏الامتثال الظني،على ما سيأتي بيانه عن قريب(إن شاء اللّه تعالى).فما اختاره الشيخ(قدس سره)من الحكومة و أنّ نتيجة مقدّمات‏الانسداد هي كفاية الامتثال الظني في مقام الطاعة ممّا لا يمكن المساعدةعليه.قال(قدس سره)بعد الاعتراف بأنّه يجب التبعيض في الاحتياطبترك الاحتياط في الموهومات بأدلة نفى العسر و الحرج و وجوبه في المظنونات‏نعم:لو كان مفاد الإجماع وجوب التعرض للأحكام عن طريق و كاشف عنها و لو تعبدا كان للنتيجةالمزبورة وجه،و مرجع ذلك إلى العلم الإجماليّ بجعل طريق في الأحكام الموكول تعيّنها بيد العقل،و لكن أنّى له‏بإثباته!كما أنّ الإجماع بالمعنى الأوّل-الّذي عبارة عن وجوب تعرض الأحكام عن وجوب شرعي ظاهري-أيضاثبوته أوّل الكلام،و اللّه العالم.
269
و المشكوكات ما لفظه:«اللّهم إلاّ أن يدّعى قيام الإجماع على عدم وجوب‏الاحتياط في المشكوكات أيضا،و حاصله:دعوى أنّ الشارع لا يريد الامتثال‏العلمي الإجماليّ في التكاليف الواقعية المشتبهة بين الوقائع،فيكون حاصل‏دعوى الإجماع دعوى انعقاده على أنّه لا يجب شرعا الإطاعة العلمية الإجمالية في‏الوقائع المشتبهة مطلقا،لا في الكل و لا في البعض،و حينئذ يتعين الانتقال إلى‏الإطاعة الظنية.لكن الإنصاف:أن دعواه مشكلة جدا و إن كان تحققه مظنونا بالظن‏القويّ،لكنه لا ينفع ما لم تنته إلى حدّ العلم».ثم عقّب ذلك بقوله:«فان قلت:إذا ظن بعدم وجوب الاحتياط في‏المشكوكات فقد ظن بأنّ المرجع في كل مورد منها إلى ما يقتضيه الأصل الجاري‏في ذلك المورد،فتصير الأصول مظنونة الاعتبار في المسائل المشكوكة،فالمظنون‏في تلك المسائل عدم وجوب الواقع فيها على المكلف و كفاية الرجوع إلى‏الأصول،و سيجي‏ء أنّه لا فرق في الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد بين الظن‏المتعلق بالواقع و بين الظن المتعلق بكون الشي‏ء طريقا إلى الواقع و كون العمل‏به مجزيا عن الواقع و بدلا عنه و لو تخلف عن الواقع».ثم أجاب عن قوله:«إن قلت»بقوله:«قلت:مسألة حجية الظن‏بالطريق موقوف على هذه المسألة إلخ».و حاصل ما أفاده في الجواب عن ذلك بقوله:«قلت»على طوله يرجع‏إلى أنّ نتيجة مقدمات الانسداد و إن كانت أعمّ من الظن بالواقع و الظن‏بالطريق،إلاّ أنّ ذلك فرع سلامة المقدمات و وصول النوبة إلى أخذ النتيجة،و الكلام بعد في سلامة المقدمة الثالثة،فانّه لم يثبت بطلان الاحتياط رأسا في‏جميع الوقائع لينتقل إلى المقدمة الرابعة،لتكون النتيجة اعتبار الظن مطلقا سواءتعلق بالواقع أو بالطريق.
270
و لا يخفى ما في هذا الجواب من الإشكال‏1فانّه بعد تسليم عدم‏وجوب الاحتياط في الموهومات بأدلة نفى العسر و الحرج و وجوبه في المظنونات‏سواء تعلق الظنّ بالواقع أو بالطريق-فانّ الظن بالطريق يلازم الظن بالواقع و لومن حيث الأثر-لا يبقى موقع لهذا الجواب،فانّ قيام الإجماع-و لو ظنا-على عدم‏وجوب الاحتياط في المشكوكات يلازم الظن باعتبار الأصول النافية للتكليف‏في موارد الشك،كما اعترف به(قدس سره)فتكون التكاليف في المشكوكات‏موهومة و لو من حيث الأثر،فانّ الظن باعتبار الطريق و إن لم يلازم الظن‏بالواقع،إلاّ أنّه يلازم الظن بالخروج عن عهدة الواقع عند العمل به،فيكون‏التكليف في مورد الأصل النافي له-الّذي فرض الظن باعتباره بسبب قيام‏الإجماع الظني على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات-موهوما من حيث‏الأثر،و المفروض عدم وجوب الاحتياط في الموهومات-فتأمّل-فبنفس المقدمةالثالثة يثبت اعتبار الظن بالطريق بمقتضى الإجماع الظني و لا نحتاج إلى المقدمةالرابعة،و لعلّه لذلك ضرب على قوله:«قلت:مسألة حجية الظن موقوف على‏هذه المسألة إلخ»و تبديله-على ما في النسخ المصححة-بقوله:«قلت:مرجع‏الإجماع قطعيا أو ظنيا على الرجوع في المشكوكات إلى الأصول هو الإجماع على‏وجود الحجية الكافية في المسائل التي انسد فيها باب العلم حتى تكون المسائل‏1أقول:بعد ما كان الغرض أنّ النوبة إنّما تصل إلى مثبتية الظن للتكليف بعد إبطال مثبت آخرمن العلم أو العلمي إجماليا أم تفصيليا،فمع عدم إبطال العلم الإجماليّ-و لو من جهة إمكان التبعيض في‏الاحتياط-لا يكاد وصول النوبة إلى حجية الظن في إثبات التكليف،و حينئذ في رفع اليد عن العلم بمقدار العسرإذا اكتفى في خصوص الموهومات لا يرخص العقل ترك المشكوك،و لو كان مما هو مظنون الخروج عن عهدةالواقع و كان موهوما من حيث الأثر،كيف!و لو فرض في رفع العسر رفع اليد عن خصوص موهوم الواقع أوموهوم الأثر،ربّما يقدّم العقل الأوّل في الترخيص على الأخير،و لو فرض عدم ترجيح العقل بينهما،فلا بد بمقتضى‏تأثير العلم الإجماليّ من التبعيض بين نحوي الموهومين لا الأخذ بجميع الموهومات،إذ ليس في البين نصّ مخصوص‏يرفع به اليد عن كل موهوم حقيقة أم أثرا،بل عمدة ما في البين حكم العقل بالجمع بين تأثير العلم في إثبات‏معلومه و بين عمومات العسر المقتصر فيها بمقدار رفع العسر،و لو عن بعض الموهومات دون بعض،كما لا يخفى.
271
الخالية عنها موارد للأصول،و مرجع هذا إلى دعوى الإجماع على حجية الظن بعدالانسداد»انتهى‏1و هذا الكلام و إن لم يكن منه(قدس سره)بل هو لبعض الأعاظم من‏تلامذته و هو السيّد الكبير الشيرازي(قدس سره)إلاّ أنّ المحكي أنّ ذلك كان‏برضاء من الشيخ(قدس سره)و إمضائه.و المقصود من تبديل الجواب عن«إن‏قلت»إلى ذلك،هو أنّ قيام الإجماع على جواز الرجوع في المشكوكات إلى‏الأصول النافية يكشف لا محالة عن جعل الشارع حجة كافية لينحل ببركتهاالعلم الإجماليّ في الوقائع المشتبهة لتجري الأصول النافية للتكليف في‏المشكوكات،فانّ مجرد الترخيص في المشكوكات لا يكفى في اعتبار الأصول‏النافية ما لم يثبت التكليف في المظنونات،و ثبوته فيها إنّما يكون بجعل الظن‏حجة محرزا للتكاليف الواقعية المعلومة بالإجمال في الوقائع المشتبهة،فمرجع‏الإجماع على الرجوع إلى الأصول النافية في المشكوكات إلى الإجماع على جعل‏الشارع حجية الظن ليثبت به التكليف في المظنونات،فتجري الأصول النافيةفي المشكوكات.و بذلك يظهر:أنّ استكشاف حجية الظن إنّما يكون بأحد وجهين:1أقول:يا ليت لم يضرب الكلام الأوّل و لم ينتهى الأمر إلى الجواب الثاني،كيف!و قد تقدم وجه‏الجواب المضروب خال عما أورد عليه،كما أنّ الجواب الثاني الّذي هو منسوب إلى بعض الأعاظم من تلامذته‏أيضا مخدوش بأنّ قيام الإجماع على الترخيص في المشكوكات إذا كان قطعيا إنما يلازم جعل البدل أو الانحلال‏-بناء على المختار من علية العلم الإجماليّ للتنجيز-و إلاّ فبناء على مختارك من الاقتضاء-الّذي تنسبه إلى بعض‏الأعاظم أيضا-فلا يقتضى الترخيص المزبور لجعل البدل و لا الانحلال،إذ لازمه جواز الترخيص في أحد طرفي‏العلم و لو بلا معارض،و حينئذ من أين يكشف عن وجود حجة كافية في البين كي ينتهى إلى الظن؟.ثمّ إنّ هذا أيضا إذا كان الإجماع قطعيا،و إلاّ فلو كان ظنيا فلا شبهة في أنّه توجب الظن بالترخيص،فعلى‏فرض الملازمة يوجب ذلك الظن بوجود حجة كافية،و بمثل هذا الظن لا مجال لرفع اليد عن تأثير العلم الإجماليّ،لأنّ الظن بالانحلال لا يوجب الانحلال،و حينئذ كيف يصير النتيجة حجية الظن بمقدار الكفاية؟فتدبر فيماقلت،و لا يغرنّك صدور الكلام ممن لا يستأهل ردّه،لأنّ الجواد قد يكبو و الإنسان يساوق السهو و النسيان.
272
أحدهما:قيام الإجماع على أنّ مبنى الشريعة ليس على الإتيان‏بالمحتملات و امتثال التكاليف على سبيل الاحتمال ليبطل بذلك الاحتياطمن أصله كلاّ و بعضا،فانّ قيام الإجماع على ذلك لا يمكن إلاّ بجعل طريق‏شرعي محرز للتكاليف ليتمكن المكلف ببركته على امتثال التكاليف بعنوانهاالخاصّ.ثانيهما:قيام الإجماع على اعتبار الأصول النافية في المشكوكات‏1فانّ‏قيام الإجماع على ذلك يكشف أيضا عن وجود حجة كافية في المسائل محرزةللتكاليف،و تلك الحجة بحسب الدوران العقلي منحصرة في الظن،إذ ليس في‏البين ما يصح جعله محرزا للواقع سواه.و على كل تقدير:تكون النتيجةالكشف،و لا يبقى مجال للحكومة.و لا يكاد ينقضي تعجّبي من الشيخ(قدس سره)من البناء على‏الحكومة و جعل النتيجة هي حكم العقل بكفاية الامتثال الظني في مقام‏الطاعة و الخروج عن عهدة التكاليف المعلومة بالإجمال في الوقائع المشتبهة،مع‏أنّ مفاد قوله(قدس سره):«قلت مرجع الإجماع قطعيا كان أو ظنيا إلخ»ليس‏إلاّ الكشف و حجية الظن شرعا.و من ذلك يظهر:ما في الوجوه الثلاثة التي ذكرها لإبطال الكشف‏في التنبيه الثاني من تنبيهات دليل الانسداد-المتكفل لبيان كلية النتيجة أوإهمالها-قال(قدس سره):«الحق في تقرير دليل الانسداد هو التقرير الثاني‏و أنّ التقرير على وجه الكشف فاسد،أمّا أوّلا:فلأنّ المقدمات المذكورة لاتستلزم جعل الشارع الظن-مطلقا أو بشرط حصوله من أسباب خاصة-حجة،لجواز أن لا يجعل الشارع طريقا للامتثال بعد تعذّر العلم أصلا إلخ».و حاصل ما أفاده في الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة يرجع إلى دعوى‏1أقول:هذا الإجماع باعتراف مدّعيه ظني،فكيف يكفى للكشف عن وجود الحجة؟.
273
إمكان اكتفاء الشارع بما هو طريقة العقلاء:من العمل بالظن في التكاليف‏الصادرة من الموالي العرفية مع القطع بعدم نصب المولى طريقا إليها،و لا يجب‏عقلا على المولى نصب الطريق عند انسداد باب العلم بالتكاليف على العبد،بل يصح له إحالة العبد إلى ما يستقل العقل به من العمل بالظن.نعم:يجب‏على المولى الرضاء بما يستقل به العقل،و ليس له مؤاخذة العبد على العمل‏بالطريق العقلي،هذا.و لا يخفى ما فيه،فانّ الحكم العقلي إنّما يقع في سلسلة الإطاعة،و العقل‏يستقل أوّلا بالإطاعة العلمية تفصيلا مع الإمكان،أو إجمالا بالاحتياط مع‏عدم الإمكان،أو مطلقا-على التفصيل المتقدم في باب العلم الإجماليّ-فإذاتعذرت الإطاعة العلمية تفصيلا و إجمالا يستقل العقل حينئذ بلزوم الإطاعةالظنية و الخروج عن عهدة التكاليف ظنا1فلا بد أوّلا من إبطال الاحتياط1أقول:مرجع حجية الظن في مقام الإثبات-كما هو مقصود القائل بالحكومة في باب الانسداد-ليس‏إلاّ منجزية.الظن للأحكام،و هذا المعنى منوط بعدم وجود منجز آخر:من علم أو علمي تفصيلي أو إجمالي،و إلاّفلا ينتهى النوبة إلى منجزية الظن به،و حينئذ الّذي ينوط به حجية الظن هو عدم وجود مثبت آخر،لا عدم لزوم‏تحصيل العلم في مقام الإسقاط و الفراغ،كيف!و القائل بحجية الظن من باب الحكومة همّه تحصيل الجزم بالفراغ‏عما اشتغلت الذّمّة به بالعمل بظنه،و حينئذ ليس معنى إناطة حجية الظن عقلا على بطلان الاحتياط بمعنى‏تحصيل الجزم بالفراغ بأي وجه،بل منوط بعدم وجوب الاحتياط من قبل منجز آخر:من علم إجمالي أو إيجاب‏احتياط شرعي مثلا،و عدم هذا الوجوب غير منوط بالإجماع المزبور بكلا تقريريه،بل يكفى فيه منع منجزية العلم‏الإجماليّ و منع إيجاب الاحتياط الشرعي،و يكفى في الأوّل نفس قيام الإجماع و الضرورة على بطلان الخروج من‏الدين و لو فرض لم يكن في البين علم إجمالي،إذ مثل هذا الإجماع التقديري يكفى في الجزم بوجود منجز آخر غيرالعلم الإجماليّ،و هو كاف في انحلاله،كما أنّ منع الإيجاب الشرعي أيضا يكفى فيه أنّه لو لم يكن من قبل الشارع‏جعل حكم شرعي طريقي العقل يحكم حكما بتّيا بلزوم تعرض الأحكام،و مع هذا الحكم العقلي لا يبقى مجال‏للكشف غير الجعل الشرعي،لاحتمال إيكاله إلى حكم العقل،و ببقية المقدمات يثبت دائرة هذا الحكم في‏الظن،فيحكم العقل بمثبتية الظن و حجيته حكومة لا كشفا.نعم:لو لم يحكم العقل بشي‏ء أصلا لا محيص عن كشف الجعل،و لو بمثل إيجاب الاحتياط شرعا،و لوفي دائرة الظنون بضم بقية المقدمات،و لكن منع حكم العقل لو لا الجعل الشرعي خارج عن الإنصاف،كماأشرنا إليه سابقا،كما أنّ دعوى الإجماع المزبور بكل من تقريريه-المستلزم لعدم إمكان تحصيل الجزم بالفراغ بنحو
274
رأسا لتصل النوبة إلى الإطاعة الظنية1و إلاّ كان اللازم هو الاحتياط و لو في‏المظنونات إذا كان الاحتياط في المشكوكات و الموهومات موجبا للعسر و الحرج.و العمل بالمظنونات من باب التبعيض في الاحتياط غير الإطاعة الظنية،إذ لاملازمة بينهما-على ما سيأتي بيانه-فما لم يثبت بطلان الاحتياط كلاّ و بعضا في‏المقدمة الثالثة لا تصل النوبة إلى المقدمة الرابعة لأخذ النتيجة كشفا أوحكومة.و قد عرفت:أنّ بطلان الاحتياط كلاّ و بعضا يتوقف على قيام الإجماع‏على أحد الوجهين السابقين:أحدهما قيامه على أنّ بناء الشريعة ليس على‏الإتيان بالتكاليف على سبيل الاحتمال.ثانيهما:قيامه على اعتبار الأصول‏النافية للتكليف في المشكوكات ليرجع إلى جعل حجة كافية في المسائل،فانّه‏لو لا قيام الإجماع بأحد الوجهين كان المتعين هو التبعيض في الاحتياط،و مفادهذا الإجماع-بكلا وجهيه-ليس هو إلاّ الكشف.و الحاصل:أنّ العمل بالمظنونات من باب الاحتياط ليس من‏الكشف و الحكومة،بل هو من التبعيض في الاحتياط،فانّ الكشف معناه:حجية الظن شرعا و جعله مثبتا و محرزا لمتعلقه لا مجرد العمل بالظن.و الحكومةعبارة عن الامتثال الظني و الظن بالخروج عن عهدة ما اشتغلت الذّمّة به من‏التكاليف،و هو قد يحصل من العمل بالمظنونات و قد لا يحصل.آخر-أوّل شي‏ء ينكر،كما أشرنا كرارا.و بعبارة أخرى:لا وجه لبطلان الاحتياط-بمعنى لزوم تحصيل الجزم بالفراغ-مقدمة لحجية الظن كي‏يلازم مع الإجماع المزبور بأحد تقريريه،بل غاية ما هو مقدمة لحجية الظن هو بطلان الاحتياط من قبل منجزآخر:من علم إجمالي أو إيجاب احتياط شرعي،و لا أظنّ في معقد الإجماع في كلماتهم أزيد من ذلك،كما لايخفى.1أقول:إنّ الّذي يحتاج إليه في حجية الظن إنّما هو إبطال مثبت آخر للتكليف تفصيلا أو إجمالاالموجب للاحتياط كلاّ أو بعضا،و إبطالها غير منوط بالإجماع المزبور،كما أشرنا إليه.
275
و كون نتيجة مقدمات الانسداد الكشف أو الحكومة يتوقف على‏إبطال الاحتياط و لو في المظنونات،و إبطاله إنّما يكون بالإجماع بأحد وجهيه،و كل من الوجهين لا ينتج إلاّ الكشف،فمن أين صارت النتيجة الحكومة؟فماأفاده في الوجه الأوّل-من الوجوه الثلاثة التي أقامها لإبطال الكشف-ضعيف‏غايته.و يتلو هذا الوجه في الضعف الوجه الثاني،و هو ما أفاده بقوله«و أمّاثانيا:فلأنّه إذا بنى على كشف المقدمات المذكورة عن جعل الظن على وجه‏الإهمال و الإجمال صح المنع الّذي أورده بعض المتعرضين لردّ هذا الدليل،و قدأشرنا إليه سابقا.و حاصله:أنّه كما يحتمل أن يكون الشارع قد جعل لنا مطلق‏الظن أو الظن في الجملة المردّد بين الكل و البعض المردّد بين الأبعاض،كذلك‏يحتمل أن يكون قد جعل لنا شيئا آخر حجة من دون اعتبار إفادته الظن،لأنّه‏أمر ممكن غير مستحيل،و المفروض عدم استقلال العقل بحكم في هذا المقام،فمن أين يثبت جعل الظن في الجملة دون شي‏ء آخر؟»و أنت خبير بما في هذا الوجه،فانّ قيام الإجماع على أحد الوجهين‏المتقدمين يكشف عن أنّ الشارع قد جعل للعباد طريقا واصلا إليهم ليتمكنوابسببه من الإتيان بالتكاليف بعناوينها الخاصة من الوجوب و الحرمة1فانّ‏الطريق الغير الواصل لا يزيد حكمه عن أصل التكليف الّذي انسد باب العلم‏1أقول:لو تمّ الإجماع المزبور كان لما أفيد وجه،و إنما الكلام في هذا الإجماع،إذ غاية الأمر قيام‏الإجماع على بطلان الاحتياط الكلي،و هذا لا يقتضى شيئا،و لذا لا يفيد ذلك لإثبات حجية الظن،بل المفيد له‏عدم منجزية العلم رأسا،فتصل النوبة إمّا إلى حكم العقل أو الجعل الشرعي،بعد الإجماع على بطلان الخروج‏عن الدين،فعلى الأوّل:لا يبقى مجال للكشف عن أمر شرعي،لاحتمال إيكال الشرع إلى العقل،و إليه النّظر في‏الجواب الأوّل.و على الثاني:لا بد و أن يكون النتيجة مهملة قابلة لجعل طريق غير الظن،و عدم قابلية غير الظن‏لتتميم الكشف و الطريق كلام ظاهري،إذ كل محتمل قابل لتتميم كشفه الناقص،كالظنون النوعية و غيرها،و إلى هذا يرجع الجواب الثاني.
276
به،و الطريق الواصل ليس إلاّ الظن،فانّ ما عداه يكون باب العلم به منسدّا،مع أنّه لا بدّ في الطريق المجعول من أن يكون له جهة كشف و إراءة عن الواقع‏ليمكن تتميم كشفه بجعله و نصبه طريقا،و بحسب الدوران العقلي ينحصر ذلك‏بالعلم و الظن،و المفروض انسداد باب الأوّل،فلم يبق إلاّ الثاني،فلا مجال‏لاحتمال نصب غير الظن طريقا.و من ذلك يظهر ضعف ما أفاده في الوجه الثالث لإبطال الكشف‏بقوله:«و أمّا ثالثا:فلأنّه لو صح كون النتيجة مهملة مجمله لم ينفع أصلا إن‏بقيت على إجمالها،و إن عيّنت،فإمّا أن تعيّن في ضمن كل الأسباب و إمّا أن‏تعيّن في ضمن بعضها المعيّن،و سيجي‏ء عدم تمامية شي‏ء من هذين الوجهين‏إلاّ بضميمة الإجماع،فيرجع الأمر بالأخرة إلى دعوى الإجماع على حجية مطلق‏الظن بعد الانسداد،فتسميته دليلا عقليا لا يظهر له وجه عدا كون الملازمةبين تلك المقدمات الشرعية و نتيجتها عقلية،و هذا جار في جميع الأدلة السمعية،كما لا يخفى»انتهى.قلت:الوجه في تسميته بالدليل العقلي،هو أنّ الكاشف عن جعل‏الشارع الظن حجة إنّما هو العقل،فانّ الإجماع بوجهيه لا يفيد أزيد من أنّه لا بدللشارع من نصب طريق للعباد يتوصّلون به إلى التكاليف،و أمّا كون المنصوب‏الشرعي خصوص الظن فليس هو مفاد الإجماع،بل تعيين ذلك إنّما يكون‏بحسب الدوران العقلي،من جهة أنّه لا أقرب من الظنّ في الإصابة و الإيصال‏بعد العلم.و بالجملة:مجرد كون بعض مبادئ الدليل شرعيا لا يوجب خروج‏الدليل عن كونه عقليا بعد ما كان الحاكم بالنتيجة هو العقل،مع أنّ مجردعدم صحة تسمية الدليل بالدليل العقلي لا يقتضى البناء على الحكومة بعد ماكانت نتيجة مقدمات الدليل الكشف.فالإنصاف:أنّه ما كنا نترقب من الشيخ(قدس سره)البناء على‏
277
الحكومة1خصوصا بعد قوله-في الجواب عن الإشكال المتقدم-قلت:مرجع‏الإجماع قطعيا كان أو ظنيا إلخ.فالتحقيق:أنّ القول بالحكومة ممّا لا أساس له و لا ينبغي المصيرإليه‏2لما فيه:أوّلا:أنّ الانتقال من المقدمة الثالثة إلى المقدمة الرابعة لأخذ النتيجةكشفا أو حكومة لا يمكن إلاّ بعد قيام الإجماع على أنّ الشارع لا يريد من‏المكلف فعل متعلقات التكاليف على سبيل الاحتمال،فانّ هذا الإجماع هوالّذي يوجب الانتقال من المقدمة الثالثة إلى المقدمة الرابعة،إذ لولاه كان‏اللازم التبعيض في الاحتياط إذا لم يمكن في الكل لعسر و نحوه،فلا بد في بطلان‏التبعيض في الاحتياط من قيام الإجماع على ذلك،و لازم قيام الإجماع على ذلك‏هو أنّ الشارع جعل للعباد طريقا محرزا للواقع يتوصلون به إلى التكاليف‏الواقعية ليتمكنوا من امتثال كل تكليف بعنوانه الخاصّ،و ليس في البين‏طريق محرز إلاّ الظن،فتكون النتيجة حجية الظن شرعا.و ثانيا:أنّ الحكومة بمعنى الامتثال الظني ممّا لا مسرح لها في المقام‏31أقول:لو تأملت فيما قلنا،لا مجال لك في دعوى الكشف إلاّ بناء على إبطال طرق اخر مثبت‏للتكليف بالتقريب السابق،و مثل هذا البيان هو المأمول من«شيخنا الأعظم»لا مثل ما أفيد المبنيّ على دعوى‏الإجماع على معنى لم يخطر ببال أحد من أهل الانسداد،فتدبر في أطراف ما ذكرنا و كن من الشاكرين.2أقول:لو انتهى الأمر إلى مثبتية الظن المبنيّ على إبطال مثبت آخر من التفصيلي و الإجماليّ لا محيص‏إلاّ من الحكومة بلا مجال للكشف أصلا،خصوصا لو كان الغرض كشف حجية الظن بمعنى الوسطية،فانّ دون‏إثباته خرط القتاد،كما أشرنا إليه كرارا.3أقول:مرجع حكومة العقل بحجية الظن بعد ما كان بمعنى مثبتيته للتكليف،فالقائل بالحكومةيقول بالتنزل في عالم الإثبات من العلم مطلقا إلى الظن،ففي الحقيقة يلتزم بالمراتب و يتنزل من مرتبة إلى مرتبة في‏عالم الإثبات لا في مقام الإطاعة و الإسقاط،و حينئذ أمكن له أن يدّعى أنّ المقدمات من انسداد باب العلم‏و العلمي و عدم منجزية العلم الإجماليّ بالإجماع التقديري الحاصل من بطلان الخروج من الدين إلى وجوب مثبت‏آخر غير العلم الإجماليّ الموجب لانحلاله،و حكم العقل بمنجزية شي‏ء لو لا جعل شرعي بمقتضى المقدمة الرابعةبأنّ ما هو الأقرب إلى الواقع هو المنجز،و لازمه انحصار الحجية بالظن و لو لا يظن بانحصار التكليف في المظنون،
278
فانّ الامتثال الظني عبارة عن الإتيان بالمحتملات بمقدار يحصل معه الظن‏بالفراغ و الخروج عن عهدة ما اشتغلت الذّمّة به من التكاليف،كما في باب‏قضاء الفوائت اليومية،فانّه عند العلم بفوات جملة من الفرائض اليومية مع عدم‏العلم بعددها يجب على المكلف أوّلا تكرار قضاء الصلوات بمقدار يحصل معه‏العلم بالفراغ،و لو تعذر ذلك عليه أو تعسّر يجب عليه التكرار بمقدار يحصل معه‏الظن بالفراغ،و هذا المعنى من الامتثال الظني أجنبي عن وجوب العمل‏بالمظنونات في مقابل المشكوكات و الموهومات كما هو المقصود في المقام،فانّه‏-مضافا إلى أنّ الإتيان بالمظنون لا يكاد يحصل الامتثال الظني مع ترك‏الاحتياط في المشكوكات و الاقتصار على فعل المظنونات فانّ المشكوكات مع‏المظنونات سيّان في كونهما من أطراف العلم الإجماليّ-مجرد تعلق الظن‏بالتكاليف في جملة من الوقائع المشتبهة لا يلازم الظن بانحصار التكاليف في‏المظنونات ليحصل الامتثال الظني بالعمل بالمظنونات،فالامتثال الظني لايحصل إلاّ بالاحتياط في المشكوكات أيضا،و لو فرض قيام الإجماع على عدم‏وجوب الاحتياط في المشكوكات-كما هو المدّعى-و الاقتصار في الاحتياطبالعمل بالمظنونات،فمعناه كفاية الامتثال الاحتمالي.و الحاصل:أنّ الامتثال الظني إنّما يحصل بفعل ما يحصل معه الظن‏بالفراغ بتكرار العمل في الشبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ مقدارا يوجب الظن‏بالامتثال و الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال،كما في تكرار الصلاةعند الجهل بالقبلة أو بعدد الفوائت و نحو ذلك،فلو أريد حصول الامتثال الظني‏في المقام فلا بد من الاحتياط في المظنونات و المشكوكات،و إلاّ لا يكاد يحصل‏إذ ليس همّ العقل حينئذ تحصيل الظن بالفراغ،كي يحتاج إلى حصر التكليف في دائرة الظنون،بل تمام همّه‏حصر مثبت التكليف بالظنون و يرجع في غيره إلى البراءة،و يكفى في إثبات هذا المقدار حكم العقل بالأخذ بمقدارخروجه عن محذور الخروج من الدين،و بمقتضى المقدمة الرابعة يتعين في الظن بلا احتياج إلى ضم المشكوك.
279
الامتثال الظني،و المفروض عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات،فكيف‏صارت النتيجة الحكومة؟و ثالثا:المقصود من ترتيب مقدمات دليل الانسداد إنّما هو لاستنتاج‏حجية الظن المطلق على وجه يصلح لتخصيص العمومات و تقييد المطلقات و غيرذلك ممّا يكون من لوازم الحجة1و هذه الآثار إنّما تترتب على الكشف،لأنّ‏الظن يكون حينئذ حجة محرزا للواقع كالعلم.و أمّا الظن بمعنى الحكومة:فهوبمعزل عن هذه الآثار،لأنّه ليس محرزا للواقع حتى يصلح للتقييد و التخصيص،و إنّما يستقل العقل به في مقام الطاعة و الامتثال عند تعذّر الامتثال العلمي.و ما في بعض الكلمات:من أنّ الظن بناء على الحكومة يكون حجةعقلية،فهو بمكان من الفساد،فانّ الحكومة عبارة عن الامتثال الظني،و أين‏هذا من كونه حجة محرزا يقع وسطا لإثبات متعلقه؟و ليس من وظيفة العقل‏جعل الظن حجة،بل ذلك من وظيفة الشارع،و ليس وظيفة العقل إلاّ الحكم‏بكفاية الامتثال الظني عند تعذر الامتثال العلمي.فتحصّل:أنّه لا محيص عن القول بالكشف إن تم الإجماع المتقدم‏بأحد وجهيه‏2و إلاّ فلا بد من التبعيض في الاحتياط،فتأمّل في أطراف ما1أقول:قد تقدم الجواب عن هذه الشبهة،فراجع.2أقول:لو تأمّلت في ما ذكرنا،ترى بأنه لا محيص لك بناء على انتهاء النوبة إلى مثبتية الظن في‏حال الانسداد من الالتزام بحكومة العقل،حيث لا طريق لك إلى الكشف إلاّ دعوى الإجماع المزبور الّذي لم‏يلتزم به أحد من أرباب الانسداد القائلين بالحكومة-كما هو الغالب-خصوصا تقريبه الثاني الّذي هو لدى مدّعيه‏ظني لا قطعي.نعم:لنا شبهة على مسلك المشهور المعيّنين المرجعية بالظن من جهة المقدمة الرابعة،و ملخصه:أنّ هذاالتعيين بحكم العقل إن كان بحكم تنجيزي،فيشكل إخراج الظن القياسي،خصوصا إذا فرض في مورد أقوى من‏غيره.و توهّم:أنّ الظن القياسي لكثرة مخالفته للواقع خارج عن محط حكم العقل بمناط الأقربية،خلاف‏الوجدان،و في ظرف أقربيته عن غيره يرى العقل شخص هذا الفرد من الظن من الأفراد النادرة و يرى فيه‏الملاك من الأقربية.
280
ذكرناه جيّدا و اغتنمه،فانّه ممّا لم يسبق إليه أحد1هذا تمام الكلام في أصل‏ترتيب مقدمات الانسداد.
بقي التنبيه على أمور
الأمر الأوّل:
اختلفت الأقوال في النتيجة التي يقتضيها دليل الانسداد.فقيل:إنّ مقدمات دليل الانسداد إنّما تقتضي اعتبار الظن في‏خصوص المسألة الأصولية،و هي«كون الشي‏ء طريقا»ذهب إليه صاحب الفصول‏و إن كان حكم العقل بتعيين الأقرب بمقتضى المقدمة الرابعة حكما تعليقيا،فخروج الظن القياسي لاإشكال فيه،و لكن يرد عليه:بأنّ مقتضى إطلاق دليل الترخيص في ترك الاحتياط الكلي-مثل عمومات‏الحرج و الاضطرار مثلا-جواز ترك العمل بكل واحد من المحتملات عن بدل،من دون فرق بين الظن و غيره،و هذا الإطلاق يكفى لمنع حكم العقل بتعين الظن بمقتضى المقدمة الرابعة،لفرض تعليقة حكمه،و حينئذ من أين‏يتعين العمل بالظن بواسطة المقدمة الرابعة؟نعم:لو لم يكن في البين إطلاق مثل ما تقدم و كان الحكم بالتخيير عند التساوي من جهة حكم العقل‏بالترجيح بلا مرجح لا من جهة إطلاق في دليل كان للاتكال إلى المقدمة الرابعة في تعيين الظن مجال،و لكن مع‏وجود إطلاقات أدلة الحرج و الاضطرار لا يبقى مجال لهذا الكلام،و حينئذ فلو سلمنا ما ادّعى من الإجماع المزبورمن المقرّر لا يكاد وصول النوبة إلى مرجعية الظن.و لذا كان لنا مسلك آخر في تعيين مرجعية الظن،بحيث لا يحتاج إلى المقدمة الرابعة،و هو أنّ مدرك‏بطلان الخروج من الدين-و لو لم يكن علم إجمالي في البين-حكم العقل بوجوب الأخذ باحتمال تكليف نقطع‏على فرض وجوده اهتمام الشارع به بنحو لا يرضى بتركه في ظرف الجهل،و أنّ مثل هذا الشك خارج عن‏موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان،إذ حينئذ لنا أن ندّعي أنّ مراتب الاهتمام بعد ما كانت مختلفةفالمتيقن من الاهتمام المحرز هو الاهتمام بحفظ الواقع في ضمن المظنونات دون المشكوكات و الموهومات،فهي على‏الشك في أصل الاهتمام بحفظها باقية،و لذلك يختص حكم العقل بمناط الاهتمام بحفظه بالمظنونات،و بذلك‏يبطل الاحتياط الكلي و يتعين مرجعية الظن بلا احتياج إلى المقدمة الرابعة،فتدبر في مسلكنا هذا و تتميم الانسداد ومرجعية الظن بالحكومة العقلية بهذا البيان،لا بنحو المشهور من الاحتياط إلى المقدمة الرابعة.و على مسلكنا أيضالا يبقى مجال الإشكال،لخروج الظن القياسي و لا الظن الممنوع،فتدبر.1أقول:الّذي لم يسبق إليه أحد هو دعوى الإجماع المزبور،و إلاّ فما أتيت بشي‏ء جديد!
281
تبعا لأخيه المحقق صاحب الحاشية.و قيل:إنّ مقدمات دليل الانسداد تقتضي اعتبار الظن في خصوص‏المسألة الفقهية،و هي«كون الشي‏ء واجبا أو حراما»ذهب إليه غير واحد من‏المشايخ.و قيل:إنّ المقدمات تقتضي عموم النتيجة و اعتبار الظن في كل من‏الطريق و الحكم الفرعي.و هو الأقوى.و قد استدل للقول الأوّل بوجهين:أحدهما:ما ذكره«صاحب الفصول»مقتصرا عليه،تبعا للمحقق‏أخيه،قال ما لفظه«إنّا كما نقطع بأنّا مكلفون في زماننا هذا تكليفا فعليابأحكام فرعية كثيرة لا سبيل بحكم العيان و شهادة الوجدان إلى تحصيل كثيرمنها بالقطع و لا بطريق معيّن نقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه أو قيام‏طريقه مقام القطع و لو عند تعذّره،كذلك نقطع بأنّ الشارع قد جعل لنا إلى‏تلك الأحكام طرقا مخصوصة و كلّفنا تكليفا فعليا بالرجوع إليها في معرفتها،و مرجع هذين القطعين عند التحقيق إلى أمر واحد،و هو القطع بأنّا مكلّفون‏تكليفا فعليا بالعمل بمؤدّى الطرق المخصوصة،و حيث لا سبيل لنا غالبا إلى‏تعيينها بالقطع و لا طريق نقطع من السمع بقيامه بالخصوص أو قيام طريقه‏كذلك و لو بعد تعذره،فلا ريب أنّ الوظيفة في مثل ذلك بحكم العقل إنّما هوالرجوع في تعيين تلك الطرق إلى الظن العقلي الّذي لا دليل على عدم حجيته،لأنّه أقرب إلى العلم و إصابة الواقع ممّا عداه»انتهى موضع الحاجة من كلامه.و لعلّ الّذي دعاه إلى اختيار اعتبار خصوص الظن بالطريق،هو مازعمه:من أنّ الوجوه التي استدل بها على حجية الخبر الواحد لو لم تفد القطع‏بحجيته بالخصوص فلا أقل من كونها تفيد الظن بها،فيكون الخبر الواحد ممّاظن اعتباره طريقا،و مع تعذر العلم بكون الشي‏ء طريقا يتنزل إلى الظن بكونه‏طريقا،لأنّه أقرب إلى العلم.
282
و الّذي يرشد إلى ما ذكرناه:من أنّ الّذي دعاه إلى القول باعتبارخصوص الظن بالطريق ذلك،هو أنّه قد جعل دليل الانسداد من جملة الأدلةالدالة على حجية الخبر الواحد.قال(قدس سره)في ذيل كلامه المتقدم:«و لا ريب أنّ الخبر الواحدإن لم يكن من الطرق القطعية فهو من الطرق الظنية،للوجوه التي ذكرناها،فيجب العمل به،و هو المطلوب»انتهى.و الظاهر:أن يكون مراده من«الطرق»في قوله:«كذلك نقطع بأنّ‏الشارع قد جعل لنا إلى تلك الأحكام طرقا مخصوصة»هي الطرق العقلائيةالتي قد أمضاها الشارع و لم يردع عنها.و ليس غرضه من الجعل الشرعي تأسيس‏الشارع طرقا مخصوصة مخترعة من قبله ليس لها عند العقلاء عين و لا أثر،فانّ‏ذلك بعيد غايته لا ينبغي دعواه.كما أنّ الظاهر أن يكون مراده من قوله:«و مرجع هذين القطعين‏عند التحقيق إلى أمر واحد،و هو القطع بأنّا مكلّفون تكليفا فعليا بالعمل بمؤدّى‏الطرق المخصوصة»هو انحلال العلم الإجماليّ المتعلق بالأحكام الشرعية إلى‏العلم التفصيلي بما تضمنته تلك الطرق و الشك البدوي بما عداها إذا كانت‏مؤدّيات الطرق بقدر المعلوم بالإجمال من الأحكام-كما هو المفروض-لأنّ‏الطرق المنصوبة إلى الأحكام لا بد و أن تكون وافية بها.و ليس غرضه تقييدالأحكام الواقعية إلى مؤديات الطرق أو صرفها إليها،فانّ ذلك من التصويب‏الباطل الّذي يخالف المذهب،فلا يليق ب«صاحب الفصول»الالتزام به،فلا بد و أن يكون مراده من التكليف بالعمل بمؤدّى الطرق هو العمل بالأحكام‏الواقعية التي تؤدّى إليها الطرق بحسب دليل الحجية و جعلها محرزة لها،فيرجع‏حاصل كلامه بعد توجيهه-و إن كان خلاف ظاهره-إلى أنّا و إن علمنا بثبوت‏الأحكام الواقعية الفعلية،إلاّ أنّه علمنا أيضا بنصب طرق مخصوصة-تأسيسيةكانت أو إمضائية-وافية بالمعلوم بالإجمال من الأحكام،فالواجب علينا امتثال‏
283
تلك الأحكام بتلك الطرق،لانحلال العلم الإجماليّ ببركتها،و إذا لم يمكن لنا تحصيل‏العلم بالطرق المنصوبة،فلا بد من التنزل إلى الظن بها،لأنّه أقرب إلى العلم.و لا يخفى:أنّه على ما وجّهنا به كلامه يندفع غالب ما أورد عليه الشيخ‏(قدس سره)بقوله:«و فيه أوّلا:إمكان منع نصب الشارع طرقا خاصةللأحكام الواقعية وافية بها،و إلاّ لكان وضوح تلك الطرق كالشمس في رابعةالنهار إلخ».و أنت خبير بأنّ ذلك إنّما يرد عليه لو كان مراده من«الطرق المنصوبة»طرقا مخترعة أسّسها الشارع من دون أن يكون لها عند العرف و العقلاء عين و لاأثر،فانّها هي التي تتوفر الدواعي إلى نقلها و كانت من الوضوح كالشمس في‏رابعة النهار،كما أفاده(قدس سره)و لكن دعوى«صاحب الفصول»لا تتوقف‏على ذلك،بل يكفى في صحة دعواه إمضاء ما بيد العرف و العقلاء من الطرق‏مع انسداد باب العلم بها،بمعنى أنّه يعلم إجمالا إمضاء بعض الطرق العقلائيةالوافي بالأحكام الشرعية،و قد خفي علينا ما أمضاه و انسد باب العلم به،بل قدتقدم سابقا،أنّه لا يحتاج إلى الإمضاء و يكفى عدم الردع عمّا بيد العقلاء من‏الطرق‏1و دعوى ذلك قريبة جدا لا سبيل إلى المنع عنها.1أقول:تخصيص الإمضاء أو عدم الردع ببعض دون بعض ليس بأقل من جعل شي‏ء مستقل في‏توفر الدواعي على نقله،و حينئذ لو اكتفينا في الحجية لدى الشارع بصرف عدم الردع يلزم مع عدم ثبوت‏التخصيص حجية جميع الطرق العقلائية،إذ حينئذ يصدق عدم ردع الشرع عنها،و إنّما يصحح الردع عن بعضهابثبوت تخصيص ردعه ببعض دون بعض،و دون إثباته خرط القتاد!و عليه فإثبات جعل الطريق في بعض الطرق‏العقلائية دون بعض مع عدم ثبوت تخصيص ردعه بالبعض دونه خرط القتاد!إذ ما لم يصل الردع عن البعض‏يكفى ذلك في إمضائه،كما لا يخفى،و حينئذ كيف يمكن حمل كلام«الفصول»على صورة عدم ردعه عن الطريق‏العقلائية في دعواه العلم بجعل طرق مخصوصة،إذ ذلك مبنى على العلم بردعه عن بعض دون بعض،و لو كان‏ذلك لبان و اشتهر لدى الأعيان،و لا أظنّ دعواه العلم بردع الشارع عن بعض دون بعض،كما هو ظاهر،و حينئذليس نظره في جعل الطرق و علمه به إلى إمضائه بمقدمات عدم الردع و لو لعدم تمامية هذه المقدمات لديه،فتدبر.
284
نعم:لو كان مراده ما هو ظاهر كلامه:من اختراع الشارع و تأسيسه‏طرقا مخصوصة،كان للمنع عن ذلك مجال واسع،بل كان ينبغي القطع‏بعدمه،لأنّ عدم نقلها كاشف قطعي على العدم.إلاّ أنّ الإنصاف:أنّ كلام«صاحب الفصول»ليس بمثابة لا يمكن‏حمله على ما ذكرنا،فلا يرد عليه ما ذكره(قدس سره)بقوله:«و فيه أوّلا».و كذا لا يرد عليه ما ذكره بقوله:«و ثانيا:سلّمنا نصب الطريق،لكن‏بقاء ذلك الطريق لنا غير معلوم،بيان ذلك:أنّ ما حكم بطريقيته لعلّه قسم‏من الأخبار ليس منه بأيدينا اليوم إلاّ قليل،كأن يكون الطريق المنصوب هوالخبر المفيد للاطمئنان الفعلي بالصدور الّذي كان كثيرا في الزمان السابق‏إلخ»فانّ المدّعى هو أنّ الشارع قد نصب طريقا وافيا بالأحكام على وجه‏يوجب انحلال العلم الإجماليّ بها،و الخبر المفيد للاطمئنان ليس بتلك المثابة من‏الكثرة بحيث يفي بالأحكام الشرعية حتى في الزمان السابق التي كانت قرائن الصدق‏فيه كثيرة،فانّ كثرة قرائن الصدق لا تقتضي كثرة الخبر الّذي عليه قرائن‏الصدق على وجه يوجب الاطمئنان بحيث يفي بالأحكام المعلومة بالإجمال‏لينحل به العلم الإجماليّ،فلا بد من أن يكون الطريق المنصوب غير الخبر المفيدللاطمئنان و قد انسد باب العلم به علينا.و من ذلك يظهر:ما في قوله:«و ثالثا:سلّمنا نصب الطريق و وجوده‏في جملة ما بأيدينا من الطرق الظنية:من أقسام الخبر و الإجماع المنقول و الشهرةو ظهور الإجماع و الاستقراء و الأولوية الظنية،إلاّ أنّ اللازم من ذلك هو الأخذبما هو المتيقن من هذه،فان و في بغالب الأحكام اقتصر عليه،و إلاّ فالمتيقن‏من الباقي إلخ»إذ فيه:أنّ ما هو المتيقن في النصب من هذه الطرق هو ماذكره بقوله:«و ثانيا»و هو الخبر المفيد للاطمئنان،و قد عرفت:أنّه قليل لا يفي‏بالأحكام الشرعية،و الطرق الاخر ليس فيها ما هو متيقن الاعتبار،بل احتمال‏النصب في كل واحد منها على حد سواء.و دعوى:أنّ مطلق الخبر أو الإجماع‏
285
المنقول متيقن الاعتبار بالإضافة إلى غيره-ممّا لا شاهد عليها،إذ لا مزيّة له‏على سائر الطرق الظنية،فيتردد الطريق المنصوب بينها،و لا بد حينئذ من التنزل‏إلى تعيينه بالظن.و أمّا ما أفاده بقوله:«و رابعا:سلّمنا عدم وجود القدر المتيقن،لكن‏اللازم من ذلك وجوب الاحتياط،فانّه مقدّم على العمل بالظن إلخ»ففيه:أنّ‏الاحتياط في الطرق-مع أنّه لا يمكن لمعارضة بعضها مع بعض و غير المعارض‏منها قليل لا يفي بالأحكام-يرجع إلى الاحتياط في الأحكام،فانّ الاحتياطبالطريق إنّما يكون باعتبار المؤدّى و الطرق إنّما تؤدّى إلى الأحكام،فالاحتياطفيها يلازم الاحتياط في الأحكام،بل هو هو،و المفروض عدم وجوبه أو عدم‏جوازه.و هذا بخلاف الظن بطريقية الطريق،فانّه لا يلازم الظن بالحكم حتى‏يتوهّم:أنّ اعتبار الظن بالطريق يرجع إلى اعتبار الظن بالحكم.فالإنصاف:أنّ هذه الوجوه الأربعة قابلة للدفع عن«صاحب‏الفصول».نعم:يرد عليه ما أفاده بقوله:«و خامسا:سلّمنا العلم الإجماليّ بوجودالطرق المجعولة و عدم المتيقن و عدم وجوب الاحتياط،لكن نقول:إنّ ذلك لايوجب تعيّن العمل بالظن في مسألة تعيين الطريق فقط،بل هو مجوّز له،كمايجوز العمل بالظن في المسألة الفرعية إلخ».و توضيح ذلك:هو أنّه قد تقدم في الدليل العقلي الّذي أقيم على حجيةالخبر الواحد أنّ مجرد العلم الإجماليّ بنصب طريق لا يقتضى انحلال العلم‏الإجماليّ بالأحكام الشرعية الواقعية،فانّه لا يترتب عليه آثار الحجية:من تنجيزالواقع عند المصادفة و المعذورية عند المخالفة،فانّ هذه الآثار إنّما ترتب على‏الطريق الواصل إلى المكلف تفصيلا لتجري فيه الأصول اللفظية و الجهتية،بداهة أنّ الطريق ما لم يكن محرزا لدى المكلف و واصلا إليه موضوعا و حكما لايجري فيه الأصل اللفظي:من أصالة إرادة الظهور،و الأصل الجهتي:من أصالة
286
كون صدوره لبيان حكم اللّه الواقعي لا لتقية و نحوها،فانّ هذه الأصول تتوقف‏على العلم بكون الشي‏ء طريقا و العلم بالمؤدّى و الظهور،و إلاّ لم يكن موضوعالها.و انحلال العلم الإجماليّ بالأحكام إنّما يكون من لوازم جريان الأصول،و إلاّ كان العلم الإجماليّ بها بحاله‏1فانّه لم يعلم بالطريق المنصوب موضوعا و لابمؤدّاه حتى يكون العلم بما يؤدّى إليه من الأحكام موجبا لانحلال العلم الإجماليّ‏بها إذا كان ما أدّى إليه بقدر المعلوم بالإجمال منها.فالعلم الإجماليّ بنصب الشارع طريقا إلى الأحكام لا أثر له و لا يكون‏العباد مكلفين بالعمل به ما لم يصل إليهم تفصيلا،و المفروض عدم وصوله إليهم‏كذلك،فيبقى العلم الإجماليّ بالأحكام على حاله،و هو يقتضى الخروج عن‏عهدتها،إمّا علما مع الإمكان،و إمّا ظنا مع عدمه.نعم:العمل بمؤدّى ما يظن كونه طريقا يجزى أيضا،لعدم التفاوت‏بين العمل بالظن بالحكم الفرعي و بين العمل بمؤدّى الطريق المظنون فيما هوالمهم في نظر العقل:من حصول الظن بالمؤمّن عن تبعة التكاليف و الخروج عن‏عهدتها عند انسداد باب العلم بها،فلا وجه لتخصيص النتيجة بخصوص الظن‏بالطريق بعد اشتراكه مع الظن بالواقع في الأثر.هذا كلّه،مضافا إلى أنّ ما ذكره من الدليل لا يقتضى اعتبارخصوص الظن بطريق خاص،فانّ ما أفاده من الوجه-على فرض صحته‏و سلامته عمّا تقدم-لا يثبت أزيد من وجوب امتثال التكاليف المعلومةبالإجمال من طرقها المقررة لها شرعا،و ذلك يقتضى كفاية الظن بأنّ الحكم‏1أقول:الّذي مسلّم و اعترفنا به أيضا سابقا هو صورة الجزم بظهور ما هو الصادر إجمالا بمقدارالمعلوم بالإجمال،و إلاّ فلو علم بظهور ما هو الصادر المعلوم إجمالا بمقدار المعلوم بالإجمال،فلا قصور في حجية مثل‏هذا الخبر الظاهر من بين الأخبار،و كذلك لا قصور في سببية هذا المقدار لانحلال العلم الكبير،كما لا يخفى.
287
الكذائي مؤدّى طريق معتبر و إن لم يحصل الظن بطريقية طريق خاص،فلوحصل للمكلف الظن بأنّ وجوب صلاة الجمعة مؤدّى طريق معتبر كان حكمه‏حكم الظن بطريقية طريق خاص.و الظن بالأحكام غالبا يلازم الظن بأنّهامؤدّى طريق معتبر،خصوصا إذا كانت الأحكام المظنونة ممّا تعمّ بها البلوى،فانّ الظن بها لا ينفك عن الظن بأنّها مؤدّى طريق معتبر و إن لم يتشخص ذلك‏الطريق لدى المكلف.فالإنصاف:أنّ الوجه الأوّل-الّذي اقتصر عليه«صاحب الفصول»لإثبات كون نتيجة دليل الانسداد اعتبار خصوص الظن بالطريق لا بالواقع-ممّا لا يرجع إلى محصّل و لا يثبت دعواه.الوجه الثاني:ما أفاده«المحقق صاحب الحاشية»مضافا إلى الوجه‏الأوّل،و حاصله يتألف من مقدمات:الأولى:انّ الواجب علينا أوّلا-بعد العلم بأنّنا مكلفون بالأحكام‏الشرعية و لم تسقط عنّا-هو العلم بتفريغ الذّمّة في حكم المكلف أو الشارع‏1.1أقول:بعد ما كان اشتغال الذّمّة اليقينية يقتضى الفراغ اليقينيّ مرجع ذلك إلى حكم العقل‏المستتبع لحكم الشرع إرشادا بلزوم تحصيل اليقين بالفراغ الوجداني أو اليقينيّ تنزيلا،الّذي هو عبارة عن حجيةشي‏ء على الواقع الملازم لليقين التنزيلي بالفراغ في عرض اليقين الوجداني به،و حينئذ نقول:إنّ الظن بصرف‏أداء الواقع و إن كان ملازما للظن بالفراغ واقعا،و لكن لا يلازم للظن بالفراغ عن يقين وجداني أو تعبدي‏تنزيلي،بخلاف ما لو ظن بحجيته شرعا،فانّه يلازم الظن بالفراغ اليقينيّ التنزيلي و لم يكن ملازما للفراغ‏المتيقن وجدانا،و عمدة النكتة فيه:هو أنّ حجيته شرعا المساوق للفراغ اليقينيّ التنزيلي إنّما هو في عرض اليقين‏بالفراغ وجدانا،و لازمه كون الظن بها ظنا بالفراغ اليقينيّ الّذي هو في عرض اليقين بالفراغ الواقعي،و حينئذ إذاكان همّ العقل عند الاشتغال بشي‏ء تحصيل اليقين بالفراغ أو اليقينيّ منه-الّذي هما في طول الفراغ الواقعي-فمع‏عدم التمكن يتنزل إلى تحصيل الظن بالفراغ اليقينيّ،و هو ينحصر بالظن بحجية شي‏ء لا بصرف الظن بأداء الواقع،و حينئذ لو أراد«المحقق»هذا المعنى لا يرد عليه ما أورد،كما أنّه لا يحتاج في إثبات مدّعاه إلى دعوى العلم‏الإجماليّ بجعل طريق أصلا،كما لا يخفى،فتدبر فيه و في دفع ذلك البيان بالبيان الآتي(إن شاء اللّه تعالى)لا بمثل‏هذه البيانات.
288
سواء حصل معه العلم بأداء الواقع أو لم يحصل،بل المناط هو حصول اليقين‏بأنّ الشارع قد حكم بتفريغ ذمتنا عما كلّفنا به.الثانية:أنّ الشارع قد جعل لنا طرقا خاصة1و حكم بأنّ سلوكهايوجب فراغ الذّمّة و الخروج عن عهدة التكاليف،سواء أصابت الواقع أو لم‏تصب،بل تكون تلك الطرق التي عيّنها الشارع في عرض الواقع‏2فكما أنّ‏العلم بأداء الواقع يوجب فراغ الذّمّة و الخروج عن عهدته،كذلك سلوك‏الطرق المنصوبة شرعا يوجب ذلك،فمع التمكن و انفتاح باب العلم يجزى العمل‏بما علم أنّه الواقع و العمل بما علم أنّه مؤدّى الطريق الخاصّ،لأنّه في كل منهمايعلم بفراغ الذّمّة في حكم الشارع.الثالثة:انّه قد انسدّ علينا باب العلم بفراغ الذّمّة في حكم الشارع،فلا بد من تحصيل الظن بالفراغ كذلك،و الظن بالفراغ في حكم الشارع لايحصل بمجرد الظن بأداء الواقع،فانّ الظن بأداء الواقع لا يلازم الظن بأنّ‏الشارع قد اكتفى عن الواقع و حكم بفراغ الذّمّة عنه بما ظن أنّه الواقع،فتحصيل‏الظن بالفراغ في حكم الشارع ينحصر بالعمل بمؤدّى ما يظن أنّ الشارع جعله‏طريقا إلى أحكامه،لأنّ العمل بما يظن كونه طريقا يلازم الظن بالفراغ في‏حكم الشارع.هذا حاصل ما أفاده في وجه اعتبار خصوص الظن بالطريق،و قدأطال الكلام و النقض و الإبرام فيه،و المتحصل من كلامه هو ما ذكرناه.و أنت خبير بأنّ المقدمات التي اعتمد عليها في بيان مختاره ممنوعة أشدّالمنع.1أقول:مختار«المحقق»لا يحتاج إلى دعوى العلم بجعل الطرق،كما أشرنا إليه.2أقول:بل هي في عرض العلم بالواقع،و إلاّ فبالنسبة إلى الفراغ الواقعي كان في طوله،كما لايخفى.
289
أمّا المقدمة الأولى:فقوله:«الواجب علينا أوّلا تحصيل العلم بتفريغ‏الذّمّة في حكم المكلف»ممّا لا محصّل له‏1فانّ باب الامتثال و فراغ الذّمّةليس مما يقبل الجعل الشرعي و الحكم بأنّه حصل الامتثال و فرغت الذّمّة أو لم‏يحصل و لم تفرغ الذّمّة،فانّ حصول الامتثال و فراغ الذّمّة يدور مدار فعل‏متعلقات الأوامر و ترك متعلقات النواهي،و هذا أمر واقعي غير قابل للجعل‏الشرعي،و أيّ معنى لحكم الشارع بأنّه فرغت ذمتك أيها المكلف من‏التكاليف؟فدعوى:أنّ اللازم على المكلف تحصيل العلم بأنّ الشارع قد حكم‏بفراغ ذمته من التكاليف غريبة2.و أغرب من ذلك أنّه جعل المناط في الامتثال ذلك مطلقا حتى مع‏العلم بأداء الواقع-كما يقتضيه ظاهر كلامه-مع أنّه لقائل أن يقول:إنّه في‏صورة العلم بأداء الواقع،هل يكون حكم من الشارع بفراغ الذّمّة؟و هل يحتاج‏المكلف إلى تحصيل العلم بحكمه ذلك بعد العلم بفعل متعلق التكليف‏الواقعي؟و أيّ أثر يترتب على حكمه بذلك مع أنّ إجزاء المأتي به عن الأمورالواقعي قهري لا يمكن أن يكون حكم شرعي في مورده؟و بالجملة:لم يظهر لنا معنى محصّلا3لقوله:«إنّ الواجب علينا هوالعلم بتفريغ الذّمّة في حكم المكلف»و لو مع انسداد باب العلم و عدم التمكن‏من تحصيل العلم بأداء الواقع،فضلا عن صورة انفتاح باب العلم و التمكن من‏1أقول:هذا الإشكال مبنىّ على كون مراده من حكم الشارع حكما مولويا،و إلاّ فلو كان إرشاديا فلايرد عليه الإشكال.2أقول:ذلك صحيح لو كان المراد الفراغ الواقعي،و إلاّ فلو كان مورد إلزام العقل الفراغ اليقينيّ‏المستتبع لحكم الشرع به إرشادا أيضا،فلا محيص عند التنزل إلى الظن من تحصيل الظن بالفراغ المتيقن أو بحكم‏المتيقن،و حيث لم يكن الأوّل فلا محيص من تحصيل الثاني،و هو منحصر بالظن بالحجية،لا الظن بأداء الواقع.3أقول:لو تأمّلت فيما ذكرنا في الحاشية،ترى كونه معنا وجيها و قابلا لأخذ النتيجة منه.
290
أداء الواقع،إلاّ أن نقول:إنّ العلم ممّا تناله يد الجعل الشرعي و أنّ وادي‏الفراغ و الامتثال ممّا يقبل الحكم المولوي،فتصح دعوى أنّه مع العلم بأداءالواقع للشارع الحكم بفراغ الذّمّة.و أمّا المقدمة الثانية:فجعل الطريق في عرض الواقع و أنّ المكلف مخيّربين تحصيل العلم بأداء الواقع و بين العمل بالطريق واضح الفساد،فانّ‏الطريق ليس أمرا مغايرا للواقع و في عرضه،بل ليس مفاد جعل الطريق سوى‏كون مؤدّاه هو الواقع بالجعل و التعبد الشرعي،فانّ معنى كون الشي‏ء طريقا هوأنّ ما يحكى عنه هو الواقع،كما تقدم بيان ذلك بما لا مزيد عليه في أوّل مبحث‏الظن.و لقد أجاد الشيخ(قدس سره)في المقام من قوله:«إنّ تفريغ الذّمّةعمّا اشتغلت به،إمّا بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الأوامر الواقعية11أقول:لو كان همّ العقل في ظرف الاشتغال تحصيل اليقين بالفراغ وجدانا أو تنزيلا المساوق‏لتحصيل الحجة على الفراغ بحيث كان تحصيل الحجة على الفراغ في عرض تحصيل اليقين بالفراغ الواقعي لا في‏عرض نفس الفراغ الواقعي لأنّ تتميم كشفه و تنزيل يقينه في عرض اليقين بالواقع لا في عرض الواقع،فمع‏التمكن من تحصيل اليقين أو اليقينيّ يتعيّن ذلك،و مع عدم التمكن ينتهى النوبة إلى تحصيل الظن بالفراغ اليقينيّ‏الّذي هو في عرض اليقين بالفراغ،و ذلك منحصر بالظن بحجية شي‏ء،و لا يكاد أن يتحقق بالظن بأداء الواقع‏محضا بلا ظن حجيته،و عمدة النكتة في ذلك:هو أنّ الفراغ اليقينيّ ينتزع من تنزيل اليقين و تتميم الكشف‏المساوق لحجية شي‏ء،و هو في عرض العلم بالواقع،و كلاهما في طول الفراغ الواقعي،كما أشرنا إليه.و ما قيل:بأنّ مفاد دليل الحجية إثبات الهوهوية-فهو مع أنّه يناسب لكون المفاد تنزيل المؤدّى لا تنزيل‏اليقين به-نقول:إنّه بالنسبة إلى أداء الواقع لا يضر بالطولية المزبورة،لأنّ هذه الهوهوية هوهوية تنزيلية ثابتة في‏ظرف الجهل بالواقع،لا في ظرف نفس الواقع،و لذا كانت حكومتها على الواقع حكومة ظاهرية،و لازمه ثبوت‏اليقينية التنزيلية في ظرف الجهل به.نعم:ما أفيد من نفى العرضية مع الواقع متين،لكن لا بهذا البيان،كما لا يخفى.و حينئذ لا مجال لورود هذه البيانات على المحقق المزبور،بل التحقيق في جوابه أن يقال:إنّ التنزل‏إلى الظن بالفراغ،ليس من باب صرف كونه ظنا به يكتفى العقل به في ظرف الاشتغال،بل إنما هو من جهة
291
و إمّا بفعل ما حكم حكما جعليا بأنّه نفس المراد و هو مضمون الطرق المجعولة،فتفريغ الذمّة بهذا-على مذهب المخطئة-من حيث إنّه نفس المراد الواقعي بجعل‏الشارع،لا من حيث إنّه شي‏ء مستقل في مقابل المراد الواقعي،فضلا عن أن‏يكون هو المناط في لزوم تحصيل العلم و اليقين»انتهى.فلا معنى لجعل الطرق في عرض الواقع و التخيير بينهما،بل إجزاءالعمل بالطرق إنّما يكون باعتبار أنّ مؤدّاها هو الواقع بجعل الشارع و الحكم بالهوهوية،و على ذلك يبتنى عدم الإجزاء و وجوب الإعادة و القضاء عند انكشاف‏مخالفة الطريق للواقع-كما عليه أصول المخطئة-فالتخيير بين العمل بالطريق‏و بين تحصيل العلم بالواقع في صورة انفتاح باب العلم ليس من باب التخييربين فردي الواجب المخيّر-نظير خصال الكفارة-بل من باب اتحاد مفاد أحدهماللآخر بحسب الجعل الشرعي،فقوله في طيّ كلامه«إنّ الواجب أوّلا هوتحصيل اليقين بتحصيل الأحكام و أداء الأعمال على وجه أراده الشارع في‏الظاهر و حكم معه بتفريغ ذمتنا بملاحظة الطرق المقررة لمعرفتها ممّا جعلهاوسيلة للوصول إليها سواء علم بمطابقة الواقع أو ظن ذلك أو لم يحصل شي‏ءمنهما»ممّا لا يستقيم و لا يقتضيه مذهب المخطئة.و أمّا المقدمة الثالثة:ففيها أنّ الظن بالواقع ملازم للظن بالفراغ في‏حجية هذا الظن بمقدمات الانسداد،كي بالأخرة ينتهى إلى القطع بالفراغ.و معلوم:أنّ المقدمات المزبورةلو اقتضت حجية مثل هذا الظن،يقتضى حجية الظن بالواقع أيضا،إذ نتيجة المقدمات قيام الظن مقام العلم‏بشي‏ء في ظرف انسداده،فكما أنّ العلم بأداء الواقع الجعلي يجدى،كذلك الظن بأداء الواقع الحقيقي،إذ بكل‏واحد يحصل الفراغ اليقينيّ،كيف!و لو لم ينتهى الأمر بالأخرة إلى الفراغ اليقينيّ،فالظن بالحجية أيضا لا يجدى‏شيئا،إذ لا يكتفى العقل بغير الفراغ اليقينيّ في أيّ مورد،و حينئذ فمع لا بدية انتهاء النوبة إلى حجية هذا الظن‏مقدمة للفراغ اليقينيّ كذلك لو انتهى النوبة إلى حجية الظن بأداء الواقع تنتهي النوبة أيضا إلى الفراغ اليقينيّ،و بعد فرض عدم العلم بجعل طريق لا يفرق مقدمات الانسداد لحجية أيّ واحد من الظنين،كما لا يخفى،فتدبر.
292
حكم الشارع،كما أنّ العلم بالواقع يلازم العلم بالفراغ في حكم الشارع‏1كما اعترف به،فانّه لا يعقل الفرق بين العلم و الظن من هذه الجهة،لأنّ العلم‏و الظن بأحد المتلازمين يلازم العلم و الظن بالآخر،فلا معنى للتفكيك بين‏العلم و الظن في ذلك.و الحاصل:أنّه كما لا فرق بين العلم بأداء الواقع و بين العمل بمؤدّى‏الطريق الّذي علم كونه طريقا في حصول العلم بالفراغ-على ما زعمه في موردانفتاح باب العلم و التمكن من تحصيل اليقين بذلك-كذلك لا فرق بين الظن‏بالواقع و العمل بمؤدّى الطريق الّذي ظن كونه طريقا في حصول الظن بالفراغ،و لا حاجة معه إلى حكم الشارع بالفراغ،بل في صورة انسداد باب العلم‏يستقل العقل بحصول الامتثال.و كأنّ منشأ تخيّل المحقق(صاحب المقالة)في اختياره اعتبار خصوص‏الظن بالطريق عند عدم التمكن من تحصيل العلم بالواقع،هو أنّ مجرد نصب‏الشارع طريقا إلى أحكامه يقتضى اشتغال الذّمّة بمؤدّى الطريق و يكون مدارفراغ الذّمّة و الخروج عن عهدة التكاليف عليه لا على الواقع‏2كما كان هذا منشأتخيّل«صاحب الفصول»فيما أفاده من الوجه المتقدم،و قد عرفت:أنّ مجردنصب الطريق ما لم يكن محرزا لدى المكلف و واصلا إليه لا أثر له و لا يحصل‏الامتثال و الفراغ بمجرد مطابقة العمل لمؤدّاه من باب الاتفاق و المصادفة.و بذلك يظهر:أنّ الطريق الغير الواصل أسوأ حالا من الحكم‏الواقعي الغير الواصل،فانّ مطابقة العمل للواقع من باب المصادفة و الاتفاق‏1أقول:بعد ما كان مورد إلزام العقل القطع بالفراغ أو القطعي منه،فلا شبهة في أنّه مع تحصيل‏القطع بالفراغ يقطع بحصول موضوع الإلزام،بخلاف الظن بالفراغ الواقعي،فانّه لا يحصل به موضوع الإلزام‏المزبور،لا وجدانا و لا تنزيلا،بخلاف الظن بحجية شي‏ء،فانّه ظن بموضوع الإلزام من الفراغ اليقينيّ التنزيلي.2أقول:قد أشرنا بأنّ مختار المحقق المزبور لا يتوقف على العلم بجعل طريق من الشارع،بل تمام همّه‏أنّ ما يجب تحصيل العلم به مع التمكن يتنزل إلى الظن به مع عدم التمكن،بالتقريبات السابقة.
293
-و إن لم يعلم المكلف به-يجزى في غير التكاليف العبادية بل حتى فيها إذاتمشّى من المكلف قصد التعبد و التقرب،و أمّا مطابقة العمل للطريق المنصوب‏من باب المصادفة و الاتفاق لا يجزى،لأنّ الطريق الغير الواصل لا يقتضى‏التنجيز و لا المعذورية،و كيف يقتضى المعذورية مع عدم استناد المكلف إليه في‏العمل؟لأنّ الّذي يستقل به العقل هو امتثال التكاليف الواقعية و لزوم الخروج عن‏عهدتها إلاّ إذا استند المكلف في العمل إلى ما نصبه الشارع طريقا إلى‏التكاليف،فلا مجال لتوهّم اشتغال الذّمّة بالطرق المنصوبة مع عدم إحرازهاو وصولها تفصيلا،و نتيجة ذلك:هو مع العلم بالطريق يجزى العمل بمؤداه مع‏عدم العلم بمخالفته للواقع.كما يجزى العمل بالواقع،و مع انسداد باب العلم‏يجزى العمل بما ظن كونه طريقا كما يجزى العمل بما ظن كونه حكما واقعيا،لعدم التفاوت فيها هو المهم عند العقل:من لزوم الخروج عن تبعة التكاليف‏بوجه،إمّا علما مع التمكن،و إمّا ظنا مع عدم التمكن،و ذلك يحصل بالظن بكل‏من الواقع و الطريق،فتخصيص النتيجة بخصوص الظن بالطريق لا وجه له،كما لا وجه لتخصيصها بخصوص الظن بالواقع-كما ذهب إليه بعض المشايخ-لاشتراكهما في الأثر.و لعلّ منشأ توهّم اختصاص النتيجة بخصوص الظن بالواقع،هو أنّ‏مقدمات الانسداد إنّما تجري في المسائل الفرعية و الأحكام الشرعية دون المسائل‏الأصولية،فانّ أوّل المقدمات هو انسداد باب العلم و العلمي بالأحكام‏الشرعية و يتبعها ساير المقدمات،فلا بد و أن تكون النتيجة اعتبار خصوص‏الظن بالواقع لأنّ النتيجة تابعة للمقدمات،هذا.و لكن لا يخفى أنّ المقدمات و إن كانت تجري في خصوص الأحكام‏الشرعية،إلاّ أنّ نتيجتها أعمّ من الظن بالواقع و الظن بالطريق‏1فانّ تمهيد1أقول:من قال باختصاص الشرعية المنسدّ فيها باب العلم خصوص الأحكام التكليفية؟كي‏
294
مقدمات الانسداد إنّما كان لأجل رعاية التكاليف المعلومة بالإجمال و الخروج‏عن عهدتها بوجه،و هو كما يحصل مع الظن بالواقع يحصل مع الظن بالطريق.هذا بناء على الحكومة و كون النتيجة حكم العقل بكفاية الامتثال‏الظني في مقام الطاعة و الخروج عن عهدة التكاليف واضح،فانّ الامتثال‏الظني يحصل بالعمل بما ظن كونه حكما واقعيا،و يحصل أيضا بالعمل بمؤدّى‏ما ظن كونه طريقا شرعيا.و أمّا بناء على المختار من الكشف:فقد يتوهّم أنّ أقصى ما يستكشف‏من المقدمات هو حجية الظن في الأحكام الشرعية،و أمّا حجيته في المسألةالأصولية و تعيين الطرق المنصوبة فلا تقتضيها المقدمات المذكورة.و لكن التوهّم في غير محلّه،فانّه لا موجب لاستكشاف نصب الشارع‏خصوص الظن في المسألة الفرعية طريقا،بل العقل يستكشف من المقدمات‏نصب مطلق الظن طريقا،كان مؤدّاه مسألة فرعية من كون الشي‏ء واجبا أوحراما،أو مسألة أصولية من كون الشي‏ء طريقا.فالأقوى:عموم النتيجة بالنسبة إلى كل من الظن بالحكم و الظن‏بالطريق مطلقا بناء على الكشف و الحكومة.
الأمر الثاني:
هل يقتضى دليل الانسداد كلية النتيجة؟أو يقتضى إهمالها؟1يختص المقدمات بخصوصها،و على فرض التخصيص لازمه عدم الانسداد في الأحكام الأصولية،و مع عدم‏انسداد باب العلم فيها لازمه لزوم تحصيل الفراغ اليقينيّ الجعلي بالأحكام،و مع ذا كيف يكتفى العقل بالفراغ الظني‏الجعلي؟فتدبر.1أقول:ظاهر كلماتهم أنّ هذا النزاع متفرع على الكشف لا الحكومة،فينبغي له أن ينبّه على ذلك‏في عنوان المسألة،بل بعض كلماته في طي بيانه-كما سيأتي منه-يوهم جريان النزاع حتى على الحكومة،و عهدته‏على مدّعيه!.
295
و نعنى بكلية النتيجة هو اعتبار الظن مطلقا في أيّ مسألة من المسائل،و من أيّ سبب حصل،و أيّ مرتبة من الظن كان.و يقابله إهمال النتيجة،إمّامطلقا من حيث المترتبة و السبب و المسألة،و إمّا في الجملة و بالنسبة إلى بعض‏هذه الجهات.و الوجوه المحتملة ثلاثة:الأوّل:كون النتيجة كلية مطلقا.الثاني:كونها مهملة مطلقا.الثالث:التفصيل بين المرتبة فالنتيجة مهملة و بين السبب‏و المورد فالنتيجة كلية،أو التفصيل بين السبب و المورد،فبالنسبة إلى السبب‏كلية و بالنسبة إلى المورد مهملة،على ما سيأتي تفصيل ذلك كله‏(إن شاء اللّه تعالى).و ينبغي أن يعلم أوّلا:أنّ المقصود من كون النتيجة مهملة،هو أنّ ماتقتضيه مقدمات الانسداد أوّلا و بالذات ليس إلاّ قضية جزئية1و هي اعتبارالظن في الجملة في بعض الموارد،أو بعض المراتب،أو من بعض الأسباب،و تعيين النتيجة من حيث العموم و المخصوص بالنسبة إلى هذه الأمور لا بد و أن‏يكون بمعيّن آخر غير تلك المقدمات الأوّلية التي مهّدت لاستنتاج اعتبار الظن.و ليس المقصود من إهمال النتيجة كونها مهملة إلى الآخر من دون أن يكون لهامعيّن،فانّ ذلك يلزم لغوية دليل الانسداد2و هو واضح.و إلى ذلك يرجع ما اشتهر في الألسن:من كون الطريق قد يكون‏واصلا بنفسه و قد يكون واصلا بطريقه،فانّ معنى كون الطريق واصلا بنفسه:هو أنّه لا يحتاج في استنتاج النتيجة و تعيينها إلى مقدمة خارجية أخرى وراءمقدمات الانسداد3و معنى كون الطريق واصلا بطريقه:هو أنّه لا تكفي تلك‏1أقول:يعنى قابلة للجزئية و الكلية و أنّ المتيقن هو الجزئية،كما يقال:من أنّ المهملة في قوة الجزئية.2أقول:لو لم يكن في البين قدر متيقن مطلقا أو بالإضافة،و ليس ذلك من المعيّنات الخارجية،كما لايخفى.3أقول:لا ندري من أين جاء شرح هذا الاصطلاح،و الّذي سمعناه من الأساطين أنّ المقصود من‏
296
المقدمات في أخذ النتيجة و تعيينها،بل لا بد من ضمّ مقدمة أخرى إليها،و تلك‏المقدمة،إمّا أن تكون عناية أخرى من العقل في عرض أخذ النتيجة-كقبح‏الترجيح بلا مرجح و نحو ذلك ممّا سيأتي بيانه في وجه عموم النتيجة-و إمّا أن‏تكون تلك العناية مقدمات انسداد آخر غير المقدمات المتقدمة التي يتركب منهادليل الانسداد المعروف-على ما سيأتي توضيحه-و على كلا التقديرين تكون‏النتيجة واصلة بطريقها لا بنفسها،و لكن العناية التي تكون في عرض أخذالنتيجة متقدمة على عناية مقدمات انسداد آخر،فانّ أوّل مقدمة من مقدمات‏الانسداد الآخر هو انسداد باب العلم و العلمي فيما هو الحجة و الطريق المتبع عندانسداد باب العلم و العملي بالأحكام،فإذا كان في رتبة أخذ النتيجة مايوجب تعميمها من حيث الموارد و المراتب و الأسباب أو تعيينها في بعض هذه‏الجهات،فلا تصل النوبة إلى ترتيب مقدمات انسداد آخر،لانفتاح باب العلم‏و العلمي فيما هو الحجة و الطريق.و على كل حال:من يقول بأنّ نتيجة مقدمات دليل الانسداد كليةيقول:إنّ الطريق واصل بنفسه،لأنّه بعد البناء على كلية النتيجة لا يحتاج إلى‏عناية أخرى لأخذ النتيجة.و من يقول بإهمال النتيجة يقول:إنّ الطريق واصل‏بطريقه،و سيأتي أنّ الأقوى عندنا كون النتيجة من حيث المراتب خصوص‏الظن المفيد للاطمئنان،و هو الظن الحاصل من خبر الثقة المحفوف بعمل‏المشهور،و لمكان كونه وافيا بمعظم الأحكام صح دعوى كون النتيجة لو كانت‏الواصل بنفسه ما علم بحجيته و لو من جهة عناية خارجية و معمم خارجي،بحيث لا ينتهى النوبة إلى الاحتياط في‏الطريق أو إجراء مقدمات انسداد أخرى في تعيينه مرة أو مرارا إلى أن ينتهى النوبة إلى ظن واحد أو ظنون‏متساوية الأقدام،و لذا جعل المعممات كل واحد مبنيا على نتيجته،فممن عمّم الظن بعدم الترجيح نظره إلى كون‏النتيجة الطريق الواصل بنفسه،و من جعل المعمم إجراء مقدمات الانسداد مبناه جعل النتيجة الطريق الواصل‏بطريقه،و من جعل المعمم الاحتياط في الطرق مبناه كون النتيجة طريقا لم يوصل و لو بطريقه،و عليك بالمراجعةإلى الكلمات ينكشف لك الحال.
297
كلية فهي من حيث المراتب أيضا كلية،لأنّ اعتبار خصوص الظن الاطمئناني‏لا ينافى كلية النتيجة،فانّه ينحل به العلم الإجماليّ و يجوز الرجوع إلى الأصل‏النافي للتكليف في المورد الّذي لم يرد فيه خبر ثقة،فلا نحتاج في أخذ النتيجةإلى إعمال مقدمة أخرى وراء نفس دليل الانسداد،و سيأتي توضيح ذلك.إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ منشأ الاختلاف في كون النتيجة كلية أومهملة،هو أنّ ما تقدم في المقدمة الثالثة:من عدم جواز الاحتياط و الرجوع إلى‏البراءة1هل هو في كل مسألة من مسائل الفقه؟أو هو في مجموع المسائل؟1أقول:عمدة المدرك في تعميم النتيجة و إهماله و الاحتياج إلى معمم خارجي:هو كون نتيجةالانسداد إن كان حجية الظن و مرجعيته في مقام الإثبات بحكومة من العقل،فلا محيص من كون النتيجة من‏حيث الإثبات مطلقة.نعم:من حيث المراتب أمكن اقتصار العقل بأقوى المراتب لو كان وافيا،لأنّه المتيقن لدى‏العقل.و إن كان مرجعية الظن بكشف جعل شرعي فلا وجه لعموم النتيجة بنفسه،بل يحتاج إلى معمم‏خارجي،إما لعدم الترجيح،و إما بإجراء مقدمات الانسداد مرة أو مرارا إلى أن ينتهى إلى ظن واحد أو ظنون‏متساوية الأقدام،أو بالرجوع إلى الاحتياط في دائرة الطرق المعلومة،على الخلاف في كون النتيجة الطريق‏الواصل أو بطريقه أو طريق لم يوصل،كما أشرنا إليه سابقا.و ما أفيد من المدرك في وجه التعميم و الإهمال غير تام،إذ لو فرض كون بطلان الاحتياط و بطلان‏البراءة في مجموع المسائل،فبعد لا بدية حكم العقل بمرجعية الظن بحكم المقدمة الرابعة لا يفرق بين الأسباب‏و الأشخاص و الأزمنة.نعم:بالنسبة إلى المراتب قضية القدر المتيقن بل المقدمة الرابعة-بمناط الأخذ بأقرب الطرق إلى الواقع‏الوافي به-هو الأخذ بالمرتبة الأقوى من بين الظنون أيضا.و إن قلنا بأنّ النتيجة هي حجية الظن بجعل شرعي،فلامحيص من كون النتيجة مهملة و لو بنينا بعدم مرجعية الاحتياط بمعنى عدم وجود مقتضى له من طريق آخر إجمالي‏أو غيره في كل واحد واحد من المسائل،كما أنّ بطلان البراءة أيضا لو فرض ثبوته من إجماع أو غيره في كل واحدواحد من المسائل.و عمدة نكتة الإهمال حينئذ هو أنّ هذه المقدمات بعد كشفها عن الجعل الشرعي لا يكون‏مناط جعله بيد العقل،كي يحكم به تعميما أو غيره،بل لا بد حينئذ من استفادة التعميم من المعممات‏الخارجية،على التفصيل في المشار إليها.نعم:لو تم الإجماع المدّعى على وجوب الأخذ بكل محتمل بعنوان وجوبه فعلا أو تركا كان لما أفيد وجه،و لكن تمام الكلام من أوّل دليل الانسداد إلى هنا في صحة ذلك الدعوى‏إذ غاية ما استفيد من الكلمات قيام الإجماع على بطلان الاحتياط و لو في كل مسألة،و أمّا كون‏ذلك من جهة عدم المقتضى له من وجود منجّز إجمالي أو تفصيلي أو أنّه من جهة قيام الإجماع على ما أفيد،فغير
298
فان قلنا بعدم جواز الاحتياط و الرجوع إلى البراءة في كل مسألة على حدة مع‏قطع النّظر عن انضمام ساير المسائل إليها كانت النتيجة كلية من الجهات‏الثلاث موردا و مرتبة و سببا.و إن قلنا بعدم جواز الاحتياط و الرجوع إلى البراءةفي مجموع المسائل و الوقائع المشتبهة كانت النتيجة مهملة،إمّا من الجهات‏الثلاث،و إمّا من بعض الجهات-كما سيأتي بيانه-و لا بد من تعيينها عموما أوخصوصا من التماس معيّن آخر وراء مقدمات الانسداد.و قد ذهب المحقق القمي(ره)إلى كلية النتيجة من الجهات الثلاثة،لأنّ بنائه على بطلان الاحتياط في كل مسألة و عدم جواز الرجوع إلى‏البراءة كذلك.و يظهر ذلك أيضا عن المحكي عن صاحبي«المعالم»و«الزبدة».و قد أورد عليهم الشيخ(قدس سره)بما لفظه«لكنك قد عرفت ممّاسبق:أنّه لا دليل على منع جريان البراءة و أصالة الاحتياط أو الاستصحاب‏المطابق لأحدهما في كل مورد من مواردها بالخصوص‏1إنّما الممنوع جريانها في‏جميع المسائل،للزوم المخالفة القطعية الكثيرة،و للزوم الحرج من الاحتياط،و هذا المقدار لا يثبت إلاّ وجوب العمل بالظن في الجملة،دون تعميمه بحسب‏الأسباب و لا بحسب الموارد و لا بحسب مرتبة الظن»انتهى.و أنت خبير بما فيه،لأنّ بطلان الاحتياط في الوقائع المشتبهة لا ينحصردليله بالعسر و الحرج،حتى يقال:إنّ العسر و الحرج إنّما كان يلزم من‏الاحتياط في مجموع الوقائع لا في كل واقعة واقعة،بل لو انحصر دليله في ذلك‏معلوم،و القدر المتيقن هو الأوّل،فلا يكاد يستفاد من الإجماع على بطلان الاحتياط الإجماع المدّعى المخرب‏لأساس السابقين و اللاحقين،فتدبر.1أقول:بل لو فرض قيام دليل على عدم مرجعية الاحتياط أو الاستصحابات المثبتة في كل مسألةشخصية،لنا أن نقول بالإهمال،بملاحظة عدم التفات العقل بمناطه شرعا،فلا يحتاج ردّهم إلى هذا البيان،كما لايخفى.
299
كان اللازم هو التبعيض في الاحتياط و كان دليل الانسداد عقيما لا تصل‏النوبة إلى المقدمة الرابعة لأخذ النتيجة كشفا أو حكومة1بل يقف الدليل‏على المقدمة الثالثة،كما تقدم بيانه.فالعمدة في بطلان الاحتياط إنّما كان هو الإجماع على أنّ بناء الشريعةليس على الإتيان بالمحتملات و امتثال التكاليف على سبيل الاحتمال و أنّه‏لا بد من امتثال كل تكليف بعنوانه الخاصّ،و قيام الإجماع على هذا الوجه هوالّذي كان يقتضى الانتقال من المقدمة الثالثة إلى المقدمة الرابعة لأخذالنتيجة،و لذلك بنينا على الكشف و أبطلنا الحكومة،لأنّ قيام الإجماع على هذاالوجه يلازم جعل الشارع حجية الظن و نصبه طريقا إلى التكاليف،كمااعترف هو(قدس سره)بذلك فيما تقدم من قوله:«قلت:مرجع الإجماع قطعياكان أو ظنيا إلخ»و مفاد هذا الإجماع بطلان الاحتياط في كل مسألة مسألة لافي مجموع المسائل،فانّ كل تكليف في كل واقعة يقتضى الإتيان به بعنوانه‏الخاصّ،فلا يجوز الاحتياط و لو في مسألة واحدة.و أمّا عدم جواز الرجوع إلى البراءة في الوقائع المشتبهة:فالدليل فيه أيضالا ينحصر بلزوم المخالفة القطعية الكثيرة المعبّر عنها بلزوم الخروج عن الدين،حتى يقال:إنّ المخالفة الكثيرة إنّما تلزم من الرجوع إلى البراءة في مجموع الوقائع‏1أقول:مقتضى التبعيض في الاحتياط بحكم العقل هو التخيير بين المحتملات في الاحتياطالتبعيضي،و هذا التخيير من جهة عدم مرجح في البين،فإذا فرض وجود المقدمة الرابعة فهي معيّنة في خصوص‏الظنون،من دون فرق بين كون هذا التبعيض بمناط منجزية العلم الإجماليّ،أو بمناط منجزية الاحتمال في كل‏مسألة.نعم:فرق بين الصورتين في أنّه على فرض منجزية العلم فمرجعية الظن بحكم المقدمة الرابعة إنما هو في‏مقام إسقاط التكليف لا إثباته،بخلافه على فرض منجزية الاحتمال في كل مسألة،فانّ المقدمة الرابعة تعيّن‏الظن في الحجية.نعم:بناء على الأوّل لا يكون مقدمات الانسداد نتيجة لحجية الظن إثباتا،و هذا موجب لحجيته كشفاأم حكومة،فيحتاج إلى المقدمة الرابعة على كل حال.
300
لا في كل واقعة واقعة مع قطع النّظر عن الرجوع إليها في ساير الوقائع،بل لزوم‏المخالفة الكثيرة كان أحد الوجوه الثلاثة المتقدمة في المقدمة الثانية.و أمّا الوجه الثالث-و هو العلم الإجماليّ-فهو يقتضى عدم جواز الرجوع إلى‏البراءة في كل مسألة مسألة،لأنّ الأصول النافية للتكليف لا تجري في كل‏واحد من أطراف العلم الإجماليّ،و حيث إنّ كل مسألة مسألة من أطراف‏العلم الإجماليّ،فلا تجري فيها أصالة البراءة.بل يمكن تقريب الوجه الأوّل-و هو الإجماع-على وجه يقتضى عدم‏جواز الرجوع إلى البراءة في كل واقعة واقعة،بدعوى:أنّ انعقاد الإجماع على‏عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة ليس لقيام دليل تعبدي عند المجمعين عليه،بل‏لأجل ما استقل به العقل من قبح الاعتماد على البراءة قبل الفحص و اليأس عن‏الظفر بمراد المولى‏1لأنّ من وظيفة العبد التفحص عن الأحكام،و قبل‏الفحص يستقل العقل باستحقاقه للعقوبة و صحة مؤاخذته على تفويته لمرادات‏المولى،و ليس له الاعتذار بعدم العلم بها،كما يستقل العقل بعدم استحقاقه،للعقاب‏و قبح مؤاخذته و صحة الاعتذار منه بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالأحكام‏أو بما يكون قاطعا للعذر من الحجة القائمة عليها،فلا يجوز للعبد الرجوع إلى‏البراءة في كل مسألة مسألة مع قطع النّظر عن كونها من أطراف العلم الإجماليّ،1أقول:هذا إنّما يتم عند التمكن عن الفحص،و في ظرف الانسداد كيف يتمكن من الفحص عن‏الدليل؟و توهّم:أنّ فحصه في المقام بتتميمه بقية المقدمات إلى الاحتياط إلى الدليل،ظاهر الفساد،إذ المقدمات‏المزبورة إنما تنتج مرجعية الظن في ظرف عدم جريان البراءة،فهو أيضا من مقدمات هذه النتيجة،فكيف يعقل‏كون ترتب النتيجة من موانعه؟كما لا يخفى.نعم:الأولى أن يقال في وجه عدم جريان البراءة:بأنّ مجرى البراءة في فرض الشك في تكليف لم يحرزمن الخارج شدّة الاهتمام بحفظه حتى في ظرف الجهل،و أمّا مع إحراز هذا الاهتمام لا يستقل العقل بالبراءة،بل‏يرى نفس احتماله منجّزا،كما هو الشأن في حكمه بوجوب النّظر في المعجزة،بل جعلنا هذه الجهة من وجوه‏منجزية أو امر الطرق-و تقدم شرحه في بابه-و عليه ففي ما نحن فيه لا شبهة في أن الشك في التكليف في المقام من‏قبيل الثاني لا الأوّل،فلا مجرى فيه للبراءة أصلا،كما لا يخفى.
301
و في هذه الرتبة-أي رتبة سقوط البراءة-تجري مقدمات الانسداد و يستقل العقل‏بلزوم العمل على طبق الظن كشفا أو حكومة،فلا تصل النوبة إلى جريان‏البراءة و لو في مسألة واحدة مطلقا،لا قبل رتبة جريان مقدمات الانسداد-لاستقلال العقل بلزوم الفحص عن الحكم فيها-و لا بعدها،لاستقلال العقل‏بلزوم العمل بالظن مع حصوله فيها.فظهر:أنّ العقل بنفسه أيضا يستقل بعدم جواز الرجوع إلى البراءة في‏كل مسألة مسألة مع قطع النّظر عن العلم الإجماليّ،و يمكن أن يكون مدرك‏قيام الإجماع على عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة هو هذا الحكم العقلي،و إن‏أبيت إلاّ عن أن يكون الإجماع على حكم شرعي تعبدي،فهذا الوجه بنفسه‏-كالعلم الإجماليّ-يقتضى عدم جواز الرجوع في كل واقعة واقعة إلى البراءة،و إن أبيت عن ذلك أيضا-بدعوى:أنّ المفروض انسداد باب العلم و العلمي‏و عدم التمكن من تحصيل الواقع أو ما يقوم مقامه و معه يستقل العقل بالبراءةو قبح العقاب بلا بيان في كل مسألة مسألة إلاّ أن يتشبّث بذيل الإجماع‏التعبدي على عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة و الرجوع إلى البراءة فيها أو بلزوم‏الخروج عن الدين أو بالعلم الإجماليّ فلو لم تكن هذه الوجوه الثلاثة لم يكن‏موقع لدليل الانسداد و استنتاج حجية الظن كشفا أو حكومة لاستقلال العقل‏بالبراءة بعد انسداد باب العلم و العلمي-فيكفى في عدم جواز الرجوع إلى البراءةفي كل مسألة مسألة نفس العلم الإجماليّ.فتحصّل:أنّه لو كان الوجه في بطلان الاحتياط هو استلزامه العسرو الحرج و كان الوجه في عدم جواز الرجوع إلى البراءة في الوقائع المشتبهة هو لزوم‏المخالفة الكثيرة القطعية،لم يكن مجال لدعوى كون النتيجة كلية من حيث‏المورد و السبب و المرتبة1لأنّ أقصى ما يقتضيه العسر و الحرج و لزوم المخالفة1أقول:قد تقدم أن ذلك صحيح على الكشف،و إلاّ فعلى الحكومة:فالأمر بيد العقل و مناطه محرزلديه،فلا معنى لإهمال حكمه،كما لا يخفى.
302
الكثيرة هو بطلان الاحتياط و البراءة في مجموع المسائل و الوقائع المشتبهة،و ذلك‏لا يقتضى اعتبار الظن في كل مسألة مسألة و لا أيّ مرتبة من مراتبه و لا من أيّ‏سبب حصل،بل أقصى ما يقتضيه:اعتبار الظن في الجملة،فتكون النتيجةمهملة،و لا بد من تعيينها من حيث العموم و الخصوص بمعيّن آخر وراء مقدمات‏الانسداد،و سيأتي الكلام فيه.و أمّا لو كان الوجه في بطلان الاحتياط هو قيام الإجماع على أنّ بناءالشريعة ليس على الامتثال الاحتمالي و كان الوجه في عدم جواز الرجوع إلى‏البراءة هو العلم الإجماليّ بالتكاليف في الوقائع،كانت النتيجة كلية لا محالة،فانّه لو كان اعتبار الظن في بعض المسائل دون بعض،ففيما لا يعتبر فيه الظن لايخلو الحال فيه،إمّا من الاحتياط،و إمّا من الرجوع إلى البراءة،و المفروض‏بطلانهما في كل مسألة مسألة.و كذا الكلام في السبب،فانّه لو اعتبر الظن‏من سبب خاص،فالمسألة التي لا يحصل فيها الظن من ذلك السبب لا يخلوأمرها عن الاحتياط أو البراءة،و المفروض عدم جواز الرجوع إليها مطلقا،و قس‏على ذلك الكلام في المرتبة.و حيث إنّ قيام الإجماع على لزوم الإتيان بكل تكليف بعنوانه الخاصّ‏ممّا لا محيص عنه في استنتاج النتيجة من مقدمات الانسداد و الانتقال من‏المقدمة الثالثة إلى المقدمة الرابعة و كان العلم الإجماليّ بالتكاليف حاصلا في‏الوقائع المشتبهة،فالأقوى ما عليه المحقق القمي رحمه اللّه:من كون النتيجةكلية و الطريق واصلا بنفسه،لا مهملة ليكون الطريق واصلا بطريقه‏مطلقا1سواء قلنا بالكشف أو الحكومة.أمّا بناء على الكشف:فواضح،فانّ حال الظن المطلق يكون حينئذحال الظن الخاصّ الّذي قام الدليل بالخصوص على حجيته يتبع في العموم‏1أقول:هذا مبنىّ على اصطلاحه لا اصطلاح بقية الأساطين،و إلاّ فعندهم يكون هذا التقسيم على الإهمال و أنّ‏اختلافه موجب لاختلاف المعمّمات من عدم الترجيح أو إجراء مقدمات أخرى أو الاحتياط في دائر الطرق.
303
و الخصوص دليل اعتباره،و حيث إنّ دليل اعتبار الظن المطلق ليس هو إلاّمقدمات الانسداد،فانّ العقل يستكشف منها جعل الشارع حجية الظن،و هي‏لا تقتضي جعله حجة في الجملة و في بعض الموارد أو من بعض الأسباب أوبعض المراتب،بل قد عرفت أنّها تقتضي جعله حجة مطلقا في جميع المواردو الأسباب و المراتب،لأنّ بطلان الاحتياط و البراءة في كل مسألة مسألةيقتضى التعميم بالنسبة إلى المسائل،و التعميم في المسائل يستلزم التعميم بالنسبةإلى الأسباب و المراتب-كما تقدم وجهه-فلا محيص من استكشاف العقل من‏المقدمات حجية الظن مطلقا من الجهات الثلاث.و أمّا بناء على الحكومة:فكذلك بحسب الأسباب و المراتب،فانّ المدارفي الحكومة على حصول الظن بالامتثال و لزوم الخروج عن عهدة التكاليف ظنابعد تعذر الامتثال و الخروج عنها علما،و لا دخل للأسباب المفيدة للظن في‏ذلك عند العقل،فمن أيّ سبب حصل منه الظن بالامتثال يجزى عقلا،كما لادخل للمراتب في ذلك،إلاّ إذا أمكن حصول الظن الاطمئناني و كان وافيابالمعلوم بالإجمال،فانّ الظن الاطمئناني مقدم عند العقل على غيره،لأنّه أقرب‏إلى العلم.و أمّا بحسب الموارد:فقد يقال:إنّ العقل لا يستقل بكفاية الامتثال‏الظني في الموارد التي علم اهتمام الشارع بها على وجه يلزم رعاية الواقع و التحفظعليه كيف ما اتفق-كباب الأعراض و الدماء و الأموال-بل لا بد فيها من‏الامتثال العلمي و لو بالاحتياط،و هذا لا ينافى ما تقدم من بطلان الاحتياط في‏كل مورد مورد،لأنّ ذلك إنّما كان من حيث كون المورد محتمل الوجوب أوالحرمة،و أمّا إذا كان المورد بنفسه ممّا تجري فيه أصالة الحرمة،فلا محيص من‏الاحتياط فيه و لا يكفى فيه الامتثال الظني،بل يمكن أن يقال:إنّه حتى على‏الكشف لا يكون الظن حجة في هذه الموارد،لأنّ العلم باهتمام الشارع بها يمنع‏عن استكشاف العقل من المقدمات اعتبار الظن فيها شرعا.
304
و لكن الإنصاف:أنّه لا يمكن القول بذلك‏1فانّه قد تقدّم في بعض‏المباحث السابقة:أنّه يجب على الشارع إيجاب الاحتياط في الموارد التي يلزم‏رعاية الواقع فيها لأهمية الملاك و المصلحة التي اقتضت تشريع الحكم على‏طبقها،فانّه لا سبيل للعباد إلى تشخيص الملاكات و المصالح النّفس الأمريةو أنّه في أيّ مورد يلزم رعاية المصلحة كيف ما اتفق و في أيّ مورد لا يلزم إلاّ من‏طريق السمع و إيجاب الاحتياط في الموارد المشتبهة و عدمه.و لا بد و أن يكون‏إيجاب الاحتياط واصلا إلى المكلف،و إلاّ فهو لا يزيد على نفس التكليف‏الواقعي،فكما أنّ احتمال التكليف لا يكون ملزما عند العقل ما لم يكن من‏أطراف العلم الإجماليّ كذلك احتمال إيجاب الاحتياط،فان قام دليل على‏وجوب الاحتياط في مورد فهو،و يكون ذلك بمنزلة المخصص لما انعقد عليه‏الإجماع:من أنّ بناء الشريعة على امتثال التكاليف بعناوينها الخاصة-الّذي‏كان مدرك الكشف-و حاكما على ما استقل به العقل من الحكومة و كفايةالامتثال الظني،و لا كلام فيه حينئذ،فيكون حال ما دل على إيجاب الاحتياطفي بعض الموارد حال ما دل على المنع عن العمل بالظن القياسي،و سيأتي أنّه‏لا إشكال فيه.و إن لم يقم دليل على إيجاب الاحتياط في مورد،فهو يكون كسائرالموارد التي انسد باب العلم و العلمي فيها لا بد من اعتبار الظن فيه كشفا أوحكومة2و لا أثر لمجرد احتمال إيجاب الشارع الاحتياط فيه،فانّ حكمه حكم‏1أقول:كم فرق!بين صورة الشك في التكليف مع القطع باهتمام الشارع به على فرض وجوده‏و بين الشك في اهتمام الشارع به.و ما يحتاج إلى إيجاب الاحتياط هو الأخير،و هو أيضا مجرى البراءة عقلا،و ماهو مجرى الاحتياط لدى العقل هو الأوّل،و في مثله لا يكون نفى إيجاب الاحتياط رافعا لإلزام العقل،لاحتمال‏اتكال إلزامه على حكم العقل به.نعم:لو تم ما ادعاه من الإجماع حتى في مثل المقام،أمكن دعوى مهملة الظن‏حتى فيها،و لكن الكلام في إتمام هذا الإجماع،كما مر غير مرة.2أقول:قد أشرنا بأنّه في فرض القطع بالاهتمام على فرض الوجود-كما هو الشأن في الدماءو الأعراض-يستقل العقل بلزوم مراعاته،و في مثله لا يلزم على الشارع إيجاب الاحتياط فيه،لإمكان اتكاله على‏حكم العقل.و ما يلزم على الشارع إيجاب الاحتياط فيه هو صورة الشك في أصل الاهتمام،إذ هو الّذي يستقل‏العقل فيه بالبراءة لا الأولى،كما نبّهنا على ذلك في بعض الحواشي السابقة.
305
احتمال التكليف في كل واقعة واقعة من الوقائع المشتبهة،و لو كان البناء على‏فتح باب الاحتمال لكان احتمال عدم جعل الشارع حجية مطلق الظنون‏النافية للتكليف في جميع الموارد أقرب و أولى،لأنّه يمكن أن يتوهّم أنّ مقدمات‏الانسداد إنّما تجري لإثبات التكاليف المعلومة بالإجمال و الخروج عن عهدتها،فتختص النتيجة بالظن المثبت للتكليف دون الظن النافي له‏1و إن كان هذاالتوهّم أيضا فاسدا،فانّ جعل الظن المطلق طريقا محرزا كجعل الظن الخاصّ‏طريقا محرزا،لا يفرق فيه بين كون المؤدّى ثبوت التكليف أو نفيه.و بالجملة:ليس حال الظن-بناء على الكشف-إلاّ كحال سائرالحجج الشرعية التي قام الدليل بالخصوص على اعتبارها من كونه طريقا مثبتاللواقع محرزا له كالعلم على الأصول العملية،فلو فرضنا أنّ المورد ممّا تجري فيه‏أصالة الحرمة في حد نفسه كان الظن المستنتج حجيته من دليل الانسدادحاكما عليها،كحكومته على سائر الأصول العملية مطلقا،سواء كانت نافيةللتكليف أو مثبتة له،فتأمّل‏231أقول:كيف يمكن هذه الدعوى،إذ من المقدمات الرخصة في مخالفة الموهومات،و لازمه الأخذ بظن‏عدم التكليف،و هذا عمدة الوجه في مرجعية الظن نفيا و إثباتا عند الانسداد،و لو لم نقل بأنّ الظن حجة نفياو إثباتا.2وجهه:هو أنّه يمكن أن يفرق بين حجية الظن المطلق المستنتج حجيته من دليل الانسداد و بين‏سائر الحجج الشرعية التي قام الدليل بالخصوص على اعتبارها،فانّ حجية سائر الحجج لا تتوقف على بطلان‏الرجوع إلى الأصول العملية في المرتبة السابقة،بل نفس حجيتها تقتضي عدم جريان الأصول العملية في موردها،و هذا بخلاف الظن المطلق،فانّ حجيته تتوقف على بطلان الرجوع إلى الأصول العملية أوّلا التي منهاأصالة الحرمة لينتقل إلى المقدمة الرابعة و استكشاف حجية مطلق الظن،فلا يمكن أن يكون الظن المطلق حاكماعلى ما يتوقف حجيته عليه،فالأولى أن يقال:إنّه إن قام دليل على أصالة الحرمة في باب الدماء و الفروج‏و الأموال،فهو يكون حاكما على حجية الظن المطلق و إلاّ كان الظن حجة مطلقا حتى في الأبواب الثلاثة،و لا ينفع احتمال إيجاب الاحتياط فيها(منه).أقول:قد تقدم أنّ ذلك يتم في فرض الجهل باهتمام التكليف المشكوك،و إلاّ فمع الجزم به لا يحتاج.3أقول:هذا التأمل في محله،و لقد أجاد المقرر في بيان وجهه،فراجع.
306
و بناء على الحكومة فالأمر يدور مدار حصول الامتثال الظني من غيرفرق أيضا بين الموارد،إلاّ أن يقوم دليل بالخصوص على اعتبار الامتثال‏العلمي،فلو ظن كون المرأة خلية يجوز للشخص تزويجها،لأنّ احتمال كونهاذات بعل موهوم،و قد أثبتنا في المقدمة الثالثة أنّه لا يجب الاحتياط في‏الموهومات،و كذا الكلام في الأموال و الدماء.فتحصّل:أنّه لو بنينا على بطلان الاحتياط في كل واقعة واقعة-كماهو مفاد الإجماع على أنّ بناء الشريعة ليس على الامتثال الاحتمالي-و بنينا على‏عدم جواز الرجوع إلى البراءة في كل شبهة شبهة-كما هو مقتضى العلم الإجماليّ‏بثبوت التكاليف بين الشبهات-كانت النتيجة كلية سببا و موردا و مرتبةمطلقا بناء على الكشف و الحكومة،إلاّ إذا أمكن تحصيل المرتبة الاطمئناني‏من الظن و كان وافيا بالمعلوم بالإجمال،فانّه يكون مقدّما على غيره مطلقا،قلنابالكشف أو الحكومة.و أمّا لو بنينا على بطلان الاحتياط في مجموع الوقائع-كما هو مفاد أدلةنفى العسر و الحرج-أو بنينا على عدم جواز الرجوع إلى البراءة في مجموع الشبهات‏-كما هو مقتضى لزوم الخروج عن الدين و المخالفة الكثيرة-كانت النتيجةمهملة1.و لا يخفى أنّه يكفى في إهمال النتيجة أحد الأمرين:إمّا من عدم جوازالرجوع إلى البراءة في مجموع الشبهات و إن لم نقل ببطلان الاحتياط في المجموع‏بل بنينا على بطلانه في كل واقعة واقعة،و إمّا من بطلان الاحتياط في المجموع‏و إن قلنا بعدم جواز الرجوع إلى البراءة في كل شبهة شبهة،و حيث إنّه لا سبيل‏في تقديمه على الظن إثبات إيجاب الاحتياط الشرعي،كما لا يخفى.1أقول:ظاهر إطلاقه بقرينة التقابل مع الفرض السابق أنّه يشمل الإهمال حتى على الحكومة،و لقدتقدم ما فيه:من عدم معنى لإهمال حكم العقل بعد كون المناط بيده،فتدبر.
307
إلى القول ببطلان الاحتياط في المجموع لأنّه يلزم من ذلك التبعيض في‏الاحتياط و لم تصل النوبة إلى المقدمة الرابعة لأخذ النتيجة1فالقائل بإهمال‏النتيجة لا بد و أن يلتزم بعدم جواز الرجوع إلى البراءة في المجموع لا في كل شبهةشبهة،مع التزامه ببطلان الاحتياط في كل واقعة واقعة.و الالتزام بعدم جواز الرجوع إلى البراءة في المجموع إنّما يمكن بأحدأمرين:إمّا بقطع النّظر عن العلم الإجماليّ بالتكاليف الثابتة بين الشبهات‏و فرض عدم كونه منجّزا لها و انحصار المدرك في بطلان الرجوع إلى البراءة بلزوم‏المخالفة الكثيرة أو الإجماع إن كان مفاده عدم جواز الرجوع إليها في المجموع،و إمّا بالبناء على أنّ العلم الإجماليّ لا يقتضى وجوب الموافقة القطعية و إنّما تحرم‏مخالفته القطعية حتى يصح الرجوع في بعض الشبهات إلى البراءة لتكون النتيجةمهملة.و بعد البناء على إهمالها لا بد من تعيينها عموما أو خصوصا2و الكلام‏في ذلك تارة:يقع على القول بالكشف،و أخرى:يقع على القول بالحكومة.أمّا على القول بالحكومة:فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في التعميم‏بحسب الموارد و الأسباب،لأنّه لا يتفاوت في حصول الامتثال الظني عند العقل‏اختلاف الموارد و الأسباب،لاستواء الكل فيما هو المناط:من تحقق الامتثال‏الظني.و لا ينبغي الإشكال أيضا في وجوب الاقتصار على المرتبة الاطمئناني‏و إن لم يكن وافيا بالأحكام،لأنّه أقرب إلى العلم.1أقول:فيا ليت يبين بأنه على التبعيض لم لا ينتهى النوبة إلى المقدمة الرابعة التي شأنها تعيين دائرةالاحتياط أو مرجعية الطريق في الظن بلا اختصاصه بمقام دون مقام،كما أشرنا إليه أيضا كرارا.2أقول:قد أشرنا سابقا:بأنّ المناسب إخراج فرض الحكومة عن فرض إهمال النتيجة،بل الإهمال إنّمايتصور على الكشف،و أنّ المعممات الخارجية جارية على هذا الممشى لا ممشى الحكومة.نعم:في ذليل كلامه:من أنّه على الحكومة يتصور الإهمال في المرتبة دون غيره-و إن كان أقرب إلى الصواب،و لكنه حقه أن لا يسمّى‏الإهمال أصلا،إذ على الحكومة المدار على الأخذ بالأقرب الوافي بالفقه،فإذا فرض ذلك في الاطمئناني فهو من‏الأوّل متعين نتيجة بلا إهمال في البين كي يحتاج إلى معيّن خارجي.
308
و لا يتوهّم:أنّ التعميم بحسب الموارد يقتضى التعميم بحسب المراتب‏-بالبيان المتقدم-فانّ ما تقدم من استلزام التعميم موردا للتعميم مرتبة إنما كان‏لأجل البناء على بطلان الاحتياط و البراءة في كل مسألة مسألة،و ذلك كان‏يقتضى التعميم مرتبة كما كان يقتضى التعميم موردا-بالبيان المتقدم-و أمّا لوبنينا على بطلان الرجوع إلى البراءة في مجموع الوقائع-كما هو مفروض الكلام-فالتعميم موردا و سببا لا يلازم التعميم مرتبة،لأنّه في المورد الّذي لا يمكن‏تحصيل الظن الاطمئناني يرجع فيه إلى البراءة،فعلى القول بالحكومة الإهمال‏إنّما يتصور بالنسبة إلى المرتبة فقط.و أمّا على القول بالكشف:فيمكن فرض الإهمال بالنسبة إلى الجهات‏الثلاث:موردا و مرتبة و سببا1و لا بد حينئذ من التماس ما يعيّن النتيجة عموماأو خصوصا.أمّا بحسب الموارد:فقد ادّعى الإجماع على التعميم فيهاو قد ادّعى‏الإجماع على التعميم بالنسبة إلى الموارد.و قد أورد عليه:بأنّ المسألة من المسائل المستحدثة لا يصح دعوى‏الإجماع فيها.و الأولى التمسك للتعميم بحسب الموارد بما تقدم:من أنّه بناء على‏الكشف يكون الظن المطلق كالظن الخاصّ الّذي قام الدليل بالخصوص على‏اعتباره لا يفرق فيه بين مسائل الفقه و أبوابه،فتأمّل.مع أنّ دعوى الإجماع في‏1أقول:بناء على الكشف لو لم يكن في البين المقدمة الرابعة-المستلزم للاتكال في بيان مجعوله إلى‏حكم العقل بلزوم الأخذ بالأقرب-فلا وجه لتعين الحجة في الظن رأسا.و إن كانت مثل هذه المقدمة-المستلزم‏للاتكال إلى حكم العقل بتعين الأقرب في تعيين مجعوله-فلا يتصور الإهمال فيه،إذ العقل لا إهمال في حكمه‏و لا قصور له في فهم ملاكه،و المفروض أنّ الشارع أيضا أو كل في تعيين الحجة إلى العقل،فيكون باب الكشف‏من هذه الجهة باب الحكومة،إذ العقل على الحكومة أيضا إنما يعيّن الحجة بالمقدمة الرابعة،و كذلك على الكشف حرفابحرف بلا تصور إهمال فيه،و حينئذ لا يكاد يتفصى عن الشبهة في الجمع بين حجية الظن على الكشف و إهماله.
309
المسائل المستحدثة يمكن توجيهها بما تقدم في دعوى الإجماع على عدم جواز إهمال‏الوقائع المشتبهة.و أمّا بحسب الأسباب:فقد ذكر للتعميم فيها وجوه ثلاثة:الوجه الأوّل:تساوى الأسباب و عدم رجحان بعضها على بعض،فلا بد من التعميم‏بحسبها،و إلاّ لزم الترجيح بلا مرجّح.و هذا الوجه يتوقف على إبطال ما يصلح لترجيح بعض الظنون على‏بعض،و قد ذكر لترجيح بعضها على بعض وجوه ثلاثة:الأوّل:كون بعض الظنون متيقن الاعتبار بالنسبة إلى غيره،بمعنى أنّ‏بعضها ممّا يقطع اعتباره في حال الانسداد،بحيث يعلم أنّه لو كان شي‏ء حجةعند انسداد باب العلم لكان هو الحجة،و هذا يكفى في الترجيح،فيجب الأخذبما علم اعتباره.و قد أورد على هذا الوجه بما حاصله:إنّه لا بد و أن تكون الحجة في‏حال الانسداد وافية بمعظم الأحكام،على وجه لا يلزم عن الرجوع إلى الأصول‏العملية في الموارد التي لم تقم عليها الحجة المحاذير المتقدمة،و ليس في أقسام‏الظنون ما يكون بهذه المثابة،فانّ ما يعلم اعتباره بالإضافة إلى غيره هو الخبرالصحيح الأعلائي،و هو ما زكّي جميع الرّواة بعد لين،و لم يعمل في تصحيح‏رجاله و تميز مشتركاته في سلسلة السند ما يكون مشتركا بين الثقة و الضعف‏بظن أضعف نوعا من سائر الأمارات،و لم يكن موهونا بمعارضة بعض الأمارات‏له و كان ممّا اعتمد عليه الأصحاب و عملوا به مفيدا للظن الاطمئناني،فالخبرالواجد لهذه القيود هو الّذي يكون متيقن الاعتبار بالإضافة إلى غيره من‏الأمارات في حال الانسداد،و هو كما ترى!إذ ليس في ما بأيدينا من الأخبار
310
ما يكون بهذه المثابة إلاّ أقل قليل لا يفي بمقدار معتد به من الفقه،فضلا عن أن‏يكون وافيا بمعظمه،على أنّه لو فرض كثرته و أنّه يفي بمعظم الأحكام،إلاّ أنّه‏حيث يعلم إجمالا بثبوت المخصصات و المقيدات له فيما بأيدينا من الأخبار فلايجوز الاعتماد عليه،لأنّه يكون حينئذ كظواهر الكتاب لا يجوز التمسك بها من‏جهة العلم الإجماليّ بالمخصصات و المقيدات لها.فان قلت:لو فرض عزة وجود هذا الصنف من الخبر و عدم كونه وافيابمعظم الأحكام،لكان المتعين حينئذ هو التعدي عنه إلى ما هو المتيقن بالإضافةإلى غيره ممّا يكون دون الخبر الصحيح الأعلائي،فان كان وافيا و إلاّ يتعدى‏إلى غيره ممّا هو المتيقن بالإضافة إلى غيره،و هكذا إلى أن يحصل فيما بين‏أصناف الأخبار ما يكون وافيا بمعظم الأحكام،فعلى هذا لا يجوز التعدي إلى‏كل أمارة،و لا موجب لتعميم النتيجة لكل ظن،مثلا لو فرض أنّ الخبر المزكّى‏رواته بعدل واحد مع كونه واجدا لسائر القيود و الشروط المتقدمة كان كثيرالوجود وافيا بالأحكام،فالواجب هو الاقتصار عليه،و لا يجوز التعدي عنه إلى‏ما دونه ممّا كان فاقدا لبعض القيود الاخر،و لو فرض أنّ هذا الصنف من الخبرأيضا قليل لا يفي بالأحكام،فاللازم التعدي عنه إلى ما دون ذلك ممّا يكون‏فاقدا لشرطين و هكذا،و بالأخرة لا بد و أن ينتهى الأمر إلى وجود ما يكون بقدرالحاجة.قلت:ليس الخبر المزكّى رواته بعدل واحد مع اشتماله على سائرالشرائط و الأوصاف متيقن الاعتبار بالإضافة إلى غيره،فانّه ليس أولى من‏غيره ممّا زكّي رواته بعدلين مع كونه فاقدا لبعض القيود الاخر.و بالجملة:الخبر الواجد لجميع الأوصاف المتقدمة هو الّذي يكون‏متيقن الاعتبار بالإضافة إلى غيره في حال الانسداد،و ما عدا ذلك من سائرأصناف الخبر ليس فيما بينها ممّا يكون متيقن الاعتبار،فانّ احتمال الحجية في‏الخبر المشتمل على بعض الأوصاف الفاقد لبعضها الآخر ليس أقوى من الخبر
311
الواجد لما فقده غيره و الفاقد لما وجده،هذا.و لكن الإنصاف:أنّ دعوى كون المتيقن في المرتبة الأولى هو الخبرالواجد للأوصاف و الشروط المتقدمة ممّا لا شاهد عليها1بل الّذي يكون‏متيقن الاعتبار في حال الانسداد هو مطلق الخبر الموثوق به-و لو بواسطة عمل‏الأصحاب به و اعتمادهم عليه-و إن كان فاقدا للشرائط المتقدمة.نعم:الخبر الواجد للأوصاف إنّما يكون متيقن الاعتبار بالنسبة إلى‏الأدلة الدالة على حجية الخبر الواحد،فانّ القدر المتيقن دلالتها على حجية الخبرالواجد للأوصاف لو ادعى عدم إطلاقها لمطلق الخبر،و أمّا القدر المتيقن في‏الحجية في حال الانسداد هو الخبر الموثوق به بعمل الأصحاب،فانّه لا يمكن أن‏يكون غيره حجة في هذا الحال و لا يكون هو حجة.فما أفاده الشيخ(قدس سره):من أنّ المتيقن عند انسداد باب العلم‏هو الخبر المشتمل على القيود المتقدمة،يمكن منعه،و كأنّه اشتبه عليه ما هو المتيقن‏من دلالة أدلة حجية الخبر مع ما هو المتيقن من دليل الانسداد.و الخبر الموثوق‏به بمثابة من الكثرة يفي بمعظم الأحكام،فلا وجه لتعميم النتيجة إلى مطلق مايفيد الظن.مع أنّه لو سلّم أنّ ما هو متيقن الاعتبار في المرتبة الأولى هو الخبر الواجدللأوصاف،و لكن نقول:إنّ ما هو المتيقن في المرتبة الثانية هو مطلق الخبرالموثوق به،و لا سبيل إلى دعوى أنّه إذا لم يكن المتيقن في المرتبة الأولى وافيابالأحكام فليس في المرتبة الثانية ما يكون متيقن الاعتبار بالإضافة،مع أنّه لوسلّم أنه ليس في المرتبة الثانية ما يكون متيقن الاعتبار،و لكن يوجد في المرتبة1أقول:يكفى شاهدا نفس اليقين به من النتيجة،و التعدي منه إلى غيره محتاج إلى الشاهد.و لقدأجاد«شيخنا الأعظم»في ذلك،و لا يناسب رمى مثل هذا الخريت في هذه الصنعة بالاشتباه.نعم:لا بأس بإلحاق مطلق الخبر الموثوق به بعمل الأصحاب بالمرتبة الأعلى،و لو من جهة وجود متيقن في‏البين دلّ على اعتباره،فتدبر.
312
الأولى ما يكون واجدا للأوصاف المتقدمة و كان مفاده حجية مطلق الخبرالموثوق به،فتكون نتيجة دليل الانسداد هو الخبر الموثوق به،فانّه هو المتيقن في‏حال الانسداد،و حيث إنّه-بحمد اللّه-يفي بمعظم الأحكام،فلا موجب لتعميم‏النتيجة لمطلق الظن،فتدبر جيّدا.الوجه الثاني:(من الوجوه التي ذكروها لترجيح بعض الظنون على‏بعض)هو كون بعض الظنون أقوى من بعض،فيتعين الأخذ بما هو الأقوى،لأنّه يلزم الاقتصار في مخالفة الاحتياط-الّذي كان هو الأصل في حال انسدادباب العلم-على القدر المتيقن،و هو ما كان الاحتمال الموافق للاحتياط فيه‏بعيدا.و فيه:أنّ القوة و الضعف من الأمور الإضافية لا يمكن ضبط مرتبةخاصة منها على وجه يمكن الإحالة عليها في تعيين النتيجة،مع أنّ تعيين النتيجةالمهملة بالقوة الضعف لا يخلو عن إشكال،إذ من الممكن أن يكون الشارع قدجعل الظن الضعيف حجة و لم يجعل الظن القوى حجة1.نعم:الترجيح بالقوة و الضعف إنّما يستقيم بناء على الحكومة،فانّ العقل‏يستقل بلزوم الأخذ بأقوى الظنون في مقام الخروج عن عهدة التكاليف.و أمّابناء على الكشف-كما هو مفروض الكلام-فلا عبرة بالقوة و الضعف،لأنّ‏الجعل الشرعي يدور مدار ملاكه الواقعي،و قد لا تكون القوة ملاكا في نظرالشارع.1أقول:بناء على الكشف بأي وجه يتعين في الظن،مع احتمال كون مناط الحجية في غيره،و حينئذ فلا محيص على الكشف من الالتزام بإيكال الشارع ما هو مجعول لديه إلى حكم العقل بمقتضى المقدمةالرابعة،و حينئذ لازمه تعيين ما هو الأقرب إلى الواقع من بين الظنون أيضا،و لا بأس بضبطه بالاطميناني الوافي‏بمعظم الفقه-كما اعترف على الحكومة-بل قد أشرنا في بعض الحواشي السابقة:من أنّه لا معنى على الكشف‏للالتزام بالإهمال مع فرض كون النتيجة حجية الظن،إذ لا يخلو ذلك عن تهافت،فراجع ما فصلناه هناك.
313
الوجه الثالث:(من وجوه الترجيح)هو أنّ بعض الظنون مظنون‏الحجية و الاعتبار،فيكون أولى من غيره،و قد ذكر للأولوية وجهان:أحدهما:كون مظنون الحجية أقرب إلى الحجية،فيجب صرف القضيةالمهملة إلى ما هو الأقرب إلى الحجية.ثانيهما:انّه أقرب إلى إحراز مصلحة الواقع،لأنّ الظن بحجية ظن من‏الأمارات التي تفيد الظن بالواقع،فيكون ما ظن بحجيته للواقع أقرب إلى الواقع،و أقرب إلى إدراك مصلحة بدل الواقع على تقدير التخلف،لأنّ الظن بحجيةظن يلازم الظن بحصول المصلحة السلوكية على تقدير مخالفته للواقع،فيكون‏احتمال فوات الواقع و بدله موهوما في موهوم،و هذا بخلاف الظن الحاصل من‏أمارة لم يظن بحجيتها،فانّه ليس فيه إلاّ الظن بمطابقة الواقع فقط،و لا إشكال‏أنّه لو دار الأمر بين العمل بما يظن معه إدراك الواقع أو بدله و بين العمل بمايظن معه إدراك الواقع فقط،يتعين العمل بما يظن معه إدراك الواقع أو بدله،فتكون النتيجة خصوص مظنون الحجية لا كل ظن‏1و قد أفاد الشيخ(قدس سره)في تضعيف هذا الوجه بما حاصله:أنّ ماذكر في الوجه الثاني من وجهي اعتبار مظنون الحجية لا يقتضى تعيين العمل‏بخصوص مظنون الحجية،بل أقصى ما يفيده هو أنّ العمل بما ظن حجيته أولى‏من العمل بما لا يظن حجيته،لا أنّه يتعين ذلك،مع أنّ هذا الوجه يرجع في‏1لا يخفى:أنّ الفرق بين ما تقدم من«صاحب الفصول»و«المحقق»من اعتبار خصوص الظن‏بالطريق و بين ما قيل في المقام:من اعتبار خصوص مظنون الاعتبار في مقام تعيين النتيجة-بناء على كونهامهملة-هو أنّ ما تقدم من المحقق و أخيه كان مبنيّا على أنّ مقدمات الانسداد لا تقتضي إلاّ خصوص الظن‏بالطريق،سواء حصل معه الظن بالواقع أو لم يحصل.و أمّا ما قيل في المقام:فانّما هو بعد الفراغ عن كون النتيجةهو الظن بالواقع،و لكن حيث كانت النتيجة مهملة،فالواجب هو العمل بالظن بالواقع الّذي ظن بحجيته‏و اعتباره،فتكون النتيجة اجتماعهما معا(منه)
314
الحقيقة إلى الترجيح بالقوة و الضعف،و قد تقدم الجواب عنه،مضافا إلى أنّه‏يلزم على هذا عدم العمل بمطلق مظنون الحجية،بل يتعين العمل بما يظن حجيته‏بظن قد ظن حجيته،لأنّه أبعد عن مخالفة الواقع و بدله،و هذا.و لكن لا يخفى عليك:ضعف ما أفاده أخيرا،فانّ الظن بحجية ظن‏يلازم الظن بإدراك بدل الواقع على تقدير مخالفة الظن للواقع،و لا يحتاج إلى‏كون الظن بحجية ظن مظنون الحجية بظن آخر،بل لو فرض حصول الظن‏كذلك لم يترتب عليه أثر أصلا.و ما أفاده الشيخ(قدس سره)من أنّه يكون أبعد عن مخالفة الواقع‏و بدله ممّا لا نعقله‏1فانّه لو فرض حصول ألف ظن لا يحصل من ذلك إلاّالظن بإدراك الواقع أو بدله،مثلا لو فرض حصول الظن بالواقع من الشهرة ثم‏حصل الظن بحجية الشهرة من الخبر الواحد ثم حصل الظن بحجية الخبر عن‏الاستقراء ثم حصل الظن بحجية الاستقراء من الإجماع المنقول ثم حصل الظن‏بحجية الإجماع المنقول من أمارة ظنية أخرى،فهذه الظنون المترتبة لا توجب إلاّالظن بحصول الواقع أو بدله،و هذا حاصل من الظن بحجية الشهرة الحاصل من‏الخبر الواحد،و الظنون المرتبة الأخرى لا توجب حصول ظن آخر،بل لا توجب‏قوة الظن بالواقع أو بدله الّذي كان حاصلا في المرتبة الأولى،فما أفاده‏(قدس سره)بقوله:«مع أنّ اللازم على هذا أن لا يعمل بكل مظنون الحجيةإلخ»لا يخلو عن مناقشة.1أقول:الظن بالحجية إذا أفاد الظن بالبدل،فشأنه قلب الوهم بالمصلحة بظن جبرانه،و حينئذ فكماترامى الظنون بحجية شي‏ء لا يوجب الظن المتأخر قلب الوهم في المتقدم بظن نفسه،فكيف لا يتفاوت ترامي‏الظنون المتأخرة مع عدمه في الظن بالجبران،إذ الظن الثاني ظن بالجبران و وهم بعدمه فقط،و الظن الثالث يقلب‏هذا الوهم بالظن بالجبران،فقهرا يوجب الثالث عدم زوال الظن بالجبران بوهم مخالفه سابقة،و لئن شئت قلت:إنّ الظن الثاني ظن بالجبران و وهم بعدمه،و الظن الثالث شأنه سد هذا الوهم و قلبه بالظن بالجبران،فقهرا يكون‏أقرب إلى المصلحة و جبرانه،فتدبر تعرف.
315
و على كل تقدير:الصواب في الجواب عن الترجيح بمظنون الاعتبار،هو أن يقال:إنّه إن كان المراد من الترجيح بمظنون الاعتبار أن مجرد الظن‏باعتبار ظن-و إن لم يقم دليل على اعتبار الظن-يكفى في صرف القضية المهملةو يقتضى أن تكون نتيجة دليل الانسداد خصوص الظن الّذي ظن باعتباره،فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه،فانّ تعيين القضية المهملة لا بد و أن يكون بمعيّن‏قطعي الاعتبار1حتى لا يلزم الترجيح بلا مرجح،فلا يجوز الترجيح بكل‏مزيّة ما لم يقم دليل على اعتبارها.و توهّم:أنّ رجحان الظن الّذي ظن باعتباره على مشكوك الاعتبارو موهومه أمر قطعي وجداني فلا بد و أن يكون مرجّحا و معيّنا للقضية المهملة،واضح الفساد،فانّ رجحان مظنون الاعتبار على أخويه و إن كان وجدانياقطعيا،إلاّ أنّ كونه مرجّحا و معينا للقضية المهملة ليس قطعيا بعد عدم قيام‏الدليل على الترجيح به،لما عرفت:من أنّه ليس كل مزيّة تقتضي الترجيح.1أقول:قد أشرنا إليه سابقا أيضا:من أنه لو فرض أقربية المظنون الاعتبار إلى الواقع بجبرانه،فبذاك‏المناط الّذي يحكم العقل بتعين الأخذ بالظن من بين المحتملات-و لو بحكم المقدمة الرابعة-لا بد و أن يؤخذ بكل‏ما هو أقرب إلى الواقع بجبرانه وجدانا،و هو منحصر بمظنون الاعتبار،و لا يحتاج هذا التعيين حينئذ إلى دليل‏خارجي،كما لا يخفى.نعم:في المقام شي‏ء،و هو أنّ الترجيح بمظنون الاعتبار بالتقريب المتقدم مبنى على كون النتيجة الطريق‏الواصل بنفسه،و إلاّ فلو احتمل كونها هي الطريق الواصل بطريقه،فلا يكفى حينئذ الترجيح المزبور لإثبات‏حجية هذا الظن و لو بإجراء مقدمات الانسداد في تعيين الطريق مرّة أو مرارا إلى أن ينتهى إلى ظن واحد أو ظنون‏متساوية،كما أنه لو احتمل كون النتيجة الطريق الغير الواصل رأسا،فلا مجال لإجراء مقدمات الانسداد أيضا،لأنّ لازمه عدم إيكال الشارع تعين طريقه إلى حكم العقل بمقتضى المقدمة الرابعة في الانسداد الأولى و لا إليه في‏الانسداد في الطرق،فلا محيص إلاّ من الاحتياط في دائرة الطرق و لو تبعيضا تخييريا بلا تعيين حسب الفرض،و حينئذ لنا أن نقول:إن النوبة لا تنتهي إلى الاحتياط إلاّ بعد عدم إيكال الشارع إلى حكم العقل بمقتضى‏المقدمة الرابعة،و لازمه أيضا عدم تخصيص الاحتياط في خصوص المظنون،لما عرفت:أنه من تبعات الإيكال إلى‏مقدمات الانسداد ثانيا مع الإيكال في سابقه‏إلى المقدمة الرابعة،و الفرض أنّه مع إيكاله إليها لا يبقى مجال‏للاحتياط،كما لا مجال لإجراء مقدمات الانسداد ثانيا مع الإيكال في سابقة إلى المقدمة الرابعة،و مع عدمه لايختص أيضا بما ظن‏في‏حجيته بالانسداد الثاني بخصوص الظنون.
316
و لا يقاس الترجيح في تعيين الحجة الشرعية على الترجيح في الأمورالعادية،فانّه في الأمور العادية يكفى أدنى مزيّة موافقة للغرض و ميل النّفس‏و ملائمة الطبع لترجيح أحد الطرفين و اختياره،و أمّا الأمور الشرعية:فلا بد من‏أن يكون الترجيح بما ثبت حجيته و اعتباره شرعا أو عقلا،و لا يكفى في‏الخروج عن الترجيح بلا مرجح مطلق المزيّة ما لم يقم دليل على وجوب‏الترجيح بها.و إن كان المراد من الترجيح بمظنون الاعتبار،هو أنّ القضية المهملةالمرددة بين مظنون الاعتبار و مشكوكه و موهومه تتعين في خصوص مظنون‏الاعتبار1بترتيب مقدمات انسداد آخر،بأن يقال:إنّا نعلم من مقدمات‏الانسداد المتقدمة أنّ الشارع جعل لنا حجة و طريقا إلى الأحكام المعلومةبالإجمال،و قد انسد علينا باب العلم به لتردد الطريق المجعول بين مظنون‏الاعتبار و مشكوكه و موهومه،و لا يجوز لنا إهمال الطريق المجعول لأنه يلزم من‏إهماله إهمال الأحكام،و لا يجوز أو لا يجب الاحتياط في جميع الأطراف:من‏مظنون الاعتبار أو مشكوكه و موهومه،فالعقل يستقل حينئذ بتعين الأخذ بمظنون‏الاعتبار و ترك المشكوك و الموهوم،و لو فرض تردد الظن بالاعتبار أيضا بين‏مظنون الاعتبار و مشكوكه و موهومه،فلا بد من إجراء مقدمات انسداد ثالث‏لتعيين النتيجة و انتهاء الأمر إلى اعتبار ظن واحد أو ظنون متعددة،فيؤخذبالجميع،فيكون الترجيح بمظنون الاعتبار لقيام دليل قطعي على الترجيح به،1أقول:لا مجال لجعل الانسداد في الطرق معيّنا لنتيجة الانسداد الجاري في الأحكام،لأنّ انتهاءالنوبة إلى الانسداد الثاني فرع عدم كون النتيجة الواصل بنفسه،و ذلك لا يمكن إلاّ بعدم إيكال العقل في‏الانسداد الأوّل بالمقدمة الرابعة،و إلاّ يستقل العقل بالأخذ بالأقرب فالأقرب،و ربما يكون نفس الظن بالاعتبارطريقا إلى الأقربية-بالتقريب المتقدم-فمع حكمه به لا يبقى مجال لإهمال العقل و إجماله،كي ينتهى النوبة إلى‏الانسداد الثاني،ثم على فرض عدم الإيكال إلى المقدمة الرابعة لا مجال لكشف حجية الظن رأسا،فالجمع بين‏حجية الظن و إهماله لا يخلو عن تهافت!.
317
و هو مقدمات الانسداد الثاني أو الثالث أيضا إن وصلت النوبة إليه.فيرد عليه:أنّ إجراء مقدمات الانسداد الثاني و الثالث يتوقف على‏بقاء النتيجة مهملة بحيث لا يمكن تعيينها إلاّ بمقدمات انسداد آخر،و ليس‏كذلك،فانّه بمجرد عدم ثبوت مرجح لبعض أفراد الظنون يستقل العقل بعموم‏النتيجة لكل ظن،لقبح الترجيح بلا مرجح،فلا إهمال حتى نحتاج إلى‏مقدمات انسداد آخر.فان قلت:يمكن قلب الدليل بأن يقال:إنّ حكم العقل بعموم‏النتيجة موقوف على ثبوت المرجح لبعض أفراد الظنون و بمعونة الانسداد الثاني‏يثبت المرجح لمظنون الاعتبار،فيرتفع موضوع حكم العقل بالتعميم الّذي كان‏مبنيّا على قبح الترجيح بلا مرجح.و بالجملة:كما يصح أن يقال:إنّ العقل يستقل بعموم النتيجة لكل‏ظن بمجرد عدم ثبوت المرجح لبعض أفراد الظنون فلا إهمال حتى نحتاج إلى‏دليل الانسداد،كذلك يصح أن يقال:إنّ العقل يستقل ببركة مقدمات‏الانسداد بترجيح مظنون الاعتبار،فلا قبح في ترجيحه،فلا تعميم في النتيجة.قلت:حكم العقل بالتعميم مقدّم بالرتبة على حكمه بترجيح مظنون‏الاعتبار بمعونة مقدمات الانسداد الثاني،لما عرفت سابقا:من أنّ نتيجةمقدمات الانسداد لا بد من أن تكون واصلة إلى المكلف إمّا بنفسها و إمّابطريقها1فانّه لا أثر لترتيب مقدمات لا تكون النتيجة منها واصلة لا بنفسها1أقول:قد عرفت سابقا:أنّ النوبة لا ينتهى إلى تشكيل مقدمات الانسداد في الطرق إلاّ في فرض‏كون النتيجة الطريق الواصل بطريقه،و هو لا يمكن إلاّ بعدم إيكال الشرع في تعين طريقه في الانسداد الأوّل إلى‏المقدمة الرابعة،و إلاّ فلا يبقى معه مجال الإهمال،إذ العقل مستقل بالتعميم لو لم يكن في البين أقرب إلى الواقع أوببدله،فيعيّن فيه مع وفائه بالفقه،فتكون النتيجة حينئذ الطريق الواصل بنفسه.كما أنّ الانسداد الثاني أيضا مشروط بإيكال العقل في تعيين الطريق في الانسداد الثاني إلى المقدمةالرابعة من الأخذ بما هو أقرب الطرق إلى الطريق المجعول بالانسداد الأوّل،و إلاّ فلا يكاد ينتهى النوبة إلى جريان‏
318
و لا بطريقها،و حيث استكشفنا من مقدمات الانسداد:أنّ الشارع جعل الظن‏في الجملة طريقا إلى إحراز الأحكام و تردد الطريق المجعول بين أفراد الظن،فلا بد و أن يستقل العقل إمّا بالتعميم لجميع أفراد الظن و إمّا بتعيين بعض‏أفراده،و لكن حكم العقل بالتعيين يتوقف على ثبوت معيّن و مرجح لبعض‏الأفراد في تلك المرتبة-أي في مرتبة استكشاف النتيجة من المقدمات-و في تلك‏المرتبة لم يكن ما يقتضى الترجيح و التعيين لبعض الأفراد،بل ترجيح البعض‏يتوقف على ترتيب انسداد آخر،و هو يتوقف على بقاء الإهمال و الإجمال في‏الطريق المنصوب في المرتبة المتأخرة من أخذ النتيجة،و العقل يستقل في المرتبةالسابقة بعموم النتيجة،لأنّه في تلك المرتبة لم يثبت الترجيح،فلا يبقى موضوع‏للانسداد الثاني،فتأمّل.فتحصّل:أنّ الوجوه الثلاثة التي ذكروها لترجيح بعض أفراد الظنون‏على بعض و تخصيص النتيجة بالبعض المعيّن-ردّا على ما ذكره في وجه التعميم‏من عدم الترجيح لبعض الأفراد على بعض-كلّها مخدوشة.الوجه الثاني:(من وجوه التعميم)هو ما حكى عن بعض الأعلام:من أنّ القاعدة و إن كانت تقتضي‏الاقتصار على مظنون الاعتبار إذا كان وافيا بمعظم الأحكام،إلاّ أنّه يعلم إجمالاأنّ في مشكوك الاعتبار و موهومه مقيّدات و مخصصات لمظنون الاعتبار،فيجب‏المقدمات في الطرق،إلاّ مع الجزم بالإيكال في أحد المراتب بالمقدمة الرابعة،فلا بد حينئذ من إجراء المقدمات‏إلى أن ينتهى هناك،و مع عدم الإيكال بالرابعة مطلقا،فلا بد من إجراء المقدمات إلى أن ينتهى إلى ظن واحد أوأمارة واحدة-و لو لم تكن ظنا-أو أمارات متساوية،و مع عدم الانتهاء إليها فلا محيص من كون المرجع فيه‏الاحتياط تماما أو تبعيضا تخييريا،كما لا يخفى.و حينئذ عمدة الوجه في هذا الترتيب و تقديم بعضها على بعض بملاحظة إيكال الشرع إلى المقدمة الرابعةو عدمه في الانسداد الأوّل أو مطلقا،فتدبر فيما قلنا بعين الإنصاف.
319
العمل بالجميع.و فيه أوّلا:منع العلم الإجماليّ.و ثانيا:أنه يلزم الاقتصار على الأخذبالمشكوكات أو الموهومات التي تكون كاشفة عن المرادات في مظنون الاعتبار،و لا موجب للأخذ بجميع المشكوكات و الموهومات،فهذا الوجه لا يقتضى تعميم‏النتيجة إلى كل ظن.الوجه الثالث:ما حكى عن بعض المشايخ:من أنّ قاعدة الاشتغال تقتضي العمل‏بجميع أفراد الظنون،لأنّ الثابت من دليل الانسداد وجوب العمل بالظن في‏الجملة،و حيث إنّه لم يكن في أفراد الظن ما يكون قدرا متيقنا وافيابالأحكام،فلا بد من العمل بكل ما يحتمل الحجية.و فيه:أنّ الاحتياط في المسائل الأصولية يرجع إلى الاحتياط في‏المسائل الفقهية1و قد تقدم(في المقدمة الثالثة من مقدمات الانسداد)بطلان‏الاحتياط في المسائل الفقهية.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّه على فرض كون النتيجة مهملة لاسبيل إلى تعميمها بأحد الوجوه الثلاثة،و لكن قد عرفت:أنّه لا وجه لأن تكون‏النتيجة مهملة بعد البناء على بطلان الاحتياط في كل واقعة واقعة و عدم جوازالرجوع إلى البراءة كذلك،و على فرض كون النتيجة مهملة،فلا بد من‏الاقتصار على العمل بالخبر الموثوق به،لأنّه هو القدر المتيقن في حال الانسداد1أقول:كم فرق بين دائرة الاحتياط في كلية الأحكام و بين دائرة الاحتياط بين الأمارات المثبتة،و ربما لا يستلزم الثاني حرجا بخلاف الأولى،و قيام الإجماع على بطلان الاحتياط في الأولى أيضا لا يكاد يشمل‏الثاني،لوجود القائل به هنا و كلامه هناك،فتدبر.فالأولى في الجواب عنه أن يقال:بأنّ إيكال الشارع بالمقدمة الرابعة كما يعيّن الظن يوجب بطلان‏الاحتياط في إجراء الانسداد الثاني أيضا،كما أشرنا إليه كرارا.
320
و يفي بمعظم الأحكام الشرعية.و لا وجه لأن يكون القدر المتيقن هو الخبر الصحيح الأعلائي‏باصطلاح المتأخرين و هو الواجد للقيود و الشروط المتقدمة،حتى يقال:إنّه لا يفي‏بأقل قليل من الأحكام،مع أنّه لو سلّم كونه هو المتيقن،ففيما بين الأخبار التي‏دلت على حجية الخبر ما يكون واجدا للقيود و الشروط،فلا محيص من البناءعلى كون النتيجة خصوص الخبر الموثوق به و لو لم يعمل به الأصحاب،لأنّه‏المتيقن الحقيقي أوّلا،و المتيقن الإضافيّ ثانيا،و أنّه ممّا قام ظن واحد على حجيته‏ثالثا.فسواء قلنا بصحة مقدمات الانسداد أو لم نقل يكون الطريق المنصوب هوخبر الثقة،و هو بحمد اللّه واف بمعظم الأحكام،فلا محذور في الرجوع إلى الأصول‏العملية فيما لم يقم عليه خبر الثقة،فتأمّل جيّدا.
الأمر الثالث:
قد وقع الإشكال في خروج العمل بالظن القياسي عن عموم العمل‏بالظن المستنتج اعتباره من دليل الانسداد بناء على الحكومة،بتوهّم:أنّ‏الحكم العقلي غير قابل للتخصيص،فكيف يصح المنع عن الظن الحاصل من‏القياس مع استقلال العقل بكفاية الامتثال الظني في حال انسداد باب العلم‏و عدم جواز الاقتصار على الامتثال الاحتمالي.و قد أجيب عن الإشكال بأجوبة متعددة،من أراد الاطلاع عليها مع‏ما فيها فليراجع فرائد الشيخ(قدس سره).و لكن الإنصاف:أنّه لا وقع لأصل الإشكال،فانّ حكم العقل‏بكفاية الامتثال الظني من أوّل الأمر مقيد و معلق على عدم قيام الدليل القطعي‏على المنع عنه في مورد،مع أنّ القياس في الأحكام الشرعية ليس من السبب‏
321
العقلائي الّذي يصح الاعتماد عليه‏1لعدم الإحاطة بمناطاتها،بخلاف الأمورو الأحكام العادية و العرفية،فانّ ملاكاتها بيد العرف يمكن قياس بعضها على‏بعض،بخلاف الأحكام الشرعية فانّ مبنى الشرع على تفريق المجتمعات و جمع‏المتفرقات،و العقل إنّما يستقل بكفاية الامتثال الظني إذا كان حاصلا من‏سبب عقلائي لا يكثر خطأه،فمع قطع النّظر عن قيام الدليل القطعي على المنع‏عن القياس ما كان العقل يحكم بكفاية الامتثال الظني الحاصل من القياس‏بعد التفاته إلى كثرة خطأه.و بالجملة:لا ينبغي الإشكال في خروج الامتثال الظني الحاصل من‏القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد.نعم:ينبغي الإشكال في صحة أصل المنع عن العمل بالقياس كليةمع قطع النّظر عن دليل الانسداد مع أنّه قد يصيب الواقع.و حلّ الإشكال إنّمايكون بأحد أمرين:إمّا الالتزام بأنّ الأحكام الواقعية مقيدة بما إذا لم يؤدّ إليهاالقياس،فلا يكون الحكم الواقعي في مورد القياس على طبق ما أدّى إليه‏القياس فيكون النهي عن العمل به من باب الموضوعية،و إمّا الالتزام بالمفسدةالسلوكية على عكس المصلحة السلوكية التي كانت في باب الطرق و الأمارات،فيكون النهي عنه لمكان أنّ في العمل بالقياس و سلوكه و أخذه طريقا مفسدةغالبة على مصلحة الواقع،فتأمّل.1أقول:الأولى الاقتصار في الجواب بالجواب الأوّل من تعليقية حكمه،و إلاّ فلو بنينا على منجزيته لايفي هذا الجواب في دفعه،لأنّ تمام المناط في نظر العقل هو قربه إلى الواقع لا جهة عقلائية،و ربما يكون الظن‏القياسي أقرب من غيره إلى الواقع،كما لا يخفى.نعم:ربما يصير الالتفات إلى كثرة خطائه موجبا لعدم حصول‏الظن منه،و أين ذلك و محل البحث!
322
الأمر الرابع:
في الظن المانع و الممنوع‏و فيه وجوه:و الأقوى:اعتبار الظن المانع دون الظن الممنوع،فانّ حال الظن‏الممنوع حال الظن القياسي ممّا قام الدليل القطعي على المنع عنه و عدم‏اعتباره،و هو الظن المانع،فانّه ممّا تعمّه نتيجة دليل الانسداد بلا مئونة،بخلاف الظن الممنوع،حيث إنّ اندراجه في النتيجة يتوقف على خروج الظن‏المانع عنها،فيكون حال الظن المانع و الممنوع حال الأصل السببي و المسببي‏1و سيأتي في محله أنّ الأصل السببي يمنع عن جريان الأصل المسببي،و لا يمكن‏العكس،لأنّ اندراج الأصل السببي في عموم قوله عليه السّلام «لا تنقض‏اليقين بالشك»لا يحتاج إلى مئونة،بخلاف اندراج الأصل المسببي،فانّ شمول‏خطاب«لا تنقض اليقين»له يتوقف على خروج الأصل السببي عن العموم،و من المقرر في محله:أنّه إذا توقف شمول العام لفرد على خروج فرد آخر عنه‏فالعام لا يشمل ذلك الفرد،لا أنّه يشمله و يخرج ما يكون داخلا فيه بلا مئونة،فانّ العام إنّما يشمل الأفراد التي تكون متساوية الأقدام بالنسبة إلى اندراجهاتحت عنوان العام،و سيأتي توضيح ذلك(إن شاء اللّه تعالى)في محله،و الظن‏المانع و الممنوع يكونان من هذا القبيل.و دعوى:أنّه لا يمكن حصول الظن بعدم حجية ظن آخر،مخالفة1أقول:الأولى بناء على تعليقية حكم العقل في باب الانسداد أن يقال:إنّ المقتضى في الظن‏الممنوع تعليقي و في المانع تنجيزي،إذ لا مانع عنه غير الظن الممنوع الّذي لا يشمله الدليل باقتضائه إلاّ في ظرف‏عدم تأثير المقتضى في المانع،و كل مورد كان من هذا القبيل يستحيل مانعيته،لأنه دوري،فمقتضى التنجيزي‏يؤثّر أثره.و هذا التقريب أولى من تنظير المقام بباب الشك السببي و المسببي،حيث هنا عموم دائر بين التخصيص‏و لا عموم في المقام،كما لا يخفى.
323
للوجدان لا ينبغي الالتفات إليها.و بما ذكرنا يظهر ضعف ما قيل في المقام،فراجع.
خاتمةيذكر فيها أمور:
و نحن نقتصر على الإشارة إليها،لأنّه قد تقدم جملة منها في المباحث‏السابقة،و جملة منها لا تستحق إطالة الكلام فيها،و إن كان الشيخ(قدس سره)قد أطنب البحث فيها.
الأوّل:
في حجية الظن الحاصل من قول اللغوي في معاني الألفاظالواردة في الروايات.و قد تقدم البحث عما قيل أو يمكن أن يقال في وجه ذلك.
الثاني:في حجية الظن بوثاقة الراوي الحاصل من توثيق أهل‏الرّجال.
و تقدم أنّ الأقوى اعتبار الظن بذلك،لأنّه يوجب حصول الوثوق‏بصدور الرواية،و معه لا حاجة إلى دعوى انسداد باب العلم غالبا بوثاقةالراوي من غير طريق إخبار أهل الرّجال و لا يحصل من إخبارهم غالبا سوى‏الظن،فلو لم يكن الظن حجة يلزم إهمال ما تضمنته الأخبار من الأحكام،أوالرجوع إلى الأصول،أو الاحتياط،إلى آخر ما تقدم في مقدمات دليل‏الانسداد.و هذه الدعوى و إن كانت في محلها-كما تقدم سابقا-إلاّ أنّه لا يتوقف‏اعتبار الظن الحاصل من قول أهل الرّجال عليها،بل لو فرض انفتاح باب‏العلم بوثاقة الرّواة كان الظن بالوثاقة أيضا حجة،لأنّه يوجب الوثوق بالصدورالّذي هو المناط في حجية الروايات.
324
الثالث:
انسداد باب العلم في بعض موضوعات الأحكام لا يوجب‏اعتبار الظن فيه‏1فانّه لا يلزم من الرجوع إلى الأصول أو الاحتياط فيهامحذور،إلاّ إذا تولّد من الظن فيها عنوان آخر كان هو الموضوع للحكم ك«باب‏الضرر»فانّ الظن بتحقق الضرر يلازم الخوف الّذي هو الموضوع في الحقيقة،بل قد يحصل الخوف من الشك أيضا.
الرابع:
لا عبرة بالظن في باب الأصول و العقائد،فانّه لا بد فيها من‏تحصيل العلم،و في الموارد التي انسد فيها باب العلم يمكن الالتزام و عقد القلب‏بها على سبيل الإجمال،بمعنى أنّه يلتزم بالواقعيات على ما هي عليها.و قدأطال الشيخ(قدس سره)الكلام في هذا المقام بلا موجب.و ليكن هذا آخر ما أردنا ذكره من المباحث المتعلقة بالظن.و الحمد للّه أوّلا و آخرا.و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيبين الطاهرين‏و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.1أقول:لا يخفى أنّ لازم مقالة القائل بالتبعيض في الاحتياط و مرجعية الظن في مقام الإسقاط:أن‏يلتزم في الموضوعات عند الاضطرار بغير المعيّن الأخذ بطرف المظنون لو كان،لجريان تمام مقدماته فيه،و لا أظن‏التزامه به،و ليس ذلك إلاّ من جهة منع تمامية المقدمة الرابعة في تعيين الظن في مقام إسقاط التكليف به،و لعمري!أنّ ذلك من الشواهد على بطلان مسلك التبعيض في باب الانسداد،علاوة عما ذكرنا:من أنّ لازم‏التعيين في الظن و الترخيص في غيره مطلقا-كما هو ظاهر كلامه-سقوط العلم عن المنجزية رأسا،مضافا إلى أنّ‏مقتضى محذور الخروج عن الدين-و لو لم يكن علم إجمالي-وجود منجز آخر في البين،و معه ينحل العلم الإجماليّ‏رأسا و لا يبقى معه أثر،حينئذ كان لتعيين المنجّز الآخر بالمقدمة الرابعة مجال.و بهذا البيان أيضا قلنا ببطلان الاحتياط رأسا حتى تبعيضا،كما لا يخفى،فتدبر،و لقد أشرنا إلى وجه‏التأمّل في بعض الحواشي السابقة.
325
المقام الثالث‏في الشك‏
و قبل الخوض في المباحث ينبغي تقديم أمور:
الأمر الأوّل:
انّ الشك في الشي‏ء قد يؤخذ موضوعا للحكم الواقعي كالشك في‏عدد ركعات الصلاة،حيث إنّه يوجب تبدل الحكم الواقعي إلى الركعات‏المنفصلة.و قد يؤخذ موضوعا لحكم ظاهري،و هو المقصود بالبحث في المقام.و متعلق الشك قد يكون حكما جزئيا أو موضوعا خارجيا،و قد يكون‏حكما كليا-على ما مرّ منّا مرارا من بيان الفرق بين الحكم الجزئي و الكلي-و الغرض من البحث إنّما هو بيان ما هو الوظيفة عند الشك في الحكم الكلي،و قد يبحث عن الشك في الحكم الجزئي أو الموضوع الخارجي استطرادا.و الوظيفة المقررة لحال الشك هي الأصول العملية،و هي على قسمين:منها:ما تختص بالشبهات الخارجية كأصالة الصحة و قاعدة الفراغ و التجاوزو منها:ما تعم الشبهات الحكمية،و عمدتها الأصول الأربعة،و هي:الاستصحاب و التخيير و البراءة و الاحتياط،و قد تقدم في صدر الكتاب بيان‏مجاريها،و إجماله:هو أنّه إمّا أن يلاحظ الحالة السابقة للشك،أولا.و على‏الثاني:إمّا أن يكون التكليف معلوما بفصله أو نوعه أو جنسه،أولا.و على‏
326
الأوّل:إمّا أن يمكن فيه الاحتياط،أولا،فالأوّل مجرى الاستصحاب،و الثاني‏مجرى الاحتياط،و الثالث مجرى التخيير،و الرابع مجرى البراءة.
الأمر الثاني:
ظاهر كلام الشيخ(قدس سره)في المقام و في مبحث«التعادل‏و التراجيح»أنّ الوجه في التنافي بين الأمارات و الأصول العملية هو الوجه في‏التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري،و ما هو المناط في الجميع بين الأمارات‏و الأصول هو المناط في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.و التحقيق:أنّ التنافي بين الأمارات و الأصول غير التنافي بين الحكم‏الواقعي و الظاهري،و طريق الجمع بينهما غير طريق الجمع بين هذين،فانّ‏التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري إنّما كان لأجل اجتماع المصلحة و المفسدةو الإرادة و الكراهة و الوجوب و الحرمة و غير ذلك من المحاذير الملاكية و الخطابيةالمتقدمة،و قد تقدم طريق الجمع بينهما،و أين هذا من التنافي بين الأمارات‏و الأصول؟فانّه ليس في باب الأمارات حكم مجعول من الوجوب و الحرمة حتى‏يضاد الوظيفة المجعولة لحال الشك،بل ليس المجعول في باب الأمارات إلاّالطريقية و الوسطية في الإثبات و كونها محرزة للمؤدّى،و وجه التنافي بينها و بين‏الأصول إنّما هو لمكان أنّه لا يجتمع إحراز المؤدّى في مورد الشك فيه مع إعمال‏الوظيفة المقررة لحال الشك إذا كانت الوظيفة المقررة على خلاف مؤدّى‏الأمارة،و رفع التنافي بينهما إنّما هو لحكومة الأمارات على الأصول‏1و سيأتي‏1أقول:ما هو صريح كلمات«شيخنا العلامة»في المقام و في باب«التعادل و الترجيح»هو أنّ‏مفاد الأصول حكم ثابت في ظرف الشك بالحكم الواقعي و مفاد الأمارة نفس الحكم الواقعي،فقهرا يكون مفادالأصول بحسب الرتبة متأخرة عن مفاد الأمارة،و لازم هذا التأخر:أنّه لو فرض قيام دليل على الأمارة كان رافعالموضوع الأصل إن كان علميا وجدانيا،و إلاّ كان حاكما عليه،و من هذا البيان ظهر:أنّه(قدس سره)ما التزم بالتنافي‏بين مفاد الأصل و مفاد نفس الأمارة و بين الحكم الواقعي و الظاهري من جهة اختلاف الرتبة و أنّ هذا
327
تفصيل ذلك(إن شاء اللّه تعالى)في آخر الاستصحاب.و إجماله:هو أنّ الأمارات إنّما تكون رافعة للشك الّذي أخذ موضوعا في‏الأصول العملية،لا رفعا وجدانيا بنفس التعبد بالأمارة،بل رفعا تعبديا بثبوت‏المتعبد به،و بذلك تفترق«الحكومة»عن«الورود»كما يفترق«الورود»عن‏«التخصص»بأنّ خروج فرد عن موضوع الحكم في«الورود»إنّما يكون بعنايةالتعبد،و في«التخصص»بلا عناية التعبد،بل بالتكوين،كخروج الجاهل‏عن العالم،و قد ذكرنا تفصيل ذلك بما لا مزيد عليه في مبحث الاستصحاب،و بيّنا الوجه في حكومة الأمارات بعضها على بعض،و حكومتها على الأصول،و حكومة الأصول بعضها على بعض،فراجع.
الأمر الثالث:
لا يجوز إعمال الوظيفة المقررة لحال الشك إلاّ بعد الفحص و اليأس‏عن وجود أمارة على أحد طرفي الشك،لما عرفت:من أنّ الأمارات تكون‏حاكمة على الأصول،فلا يجوز الاعتماد على الأصول مع احتمال وجود أمارةفي مورد الشك إلاّ بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالأمارة،و سيأتي مزيدتوضيح لذلك.
الأمر الرابع:
قد عرفت:أنّ الوظيفة المقررة للشاك إنّما هو الأصول العملية،و التي‏الاختلاف يوجب«الحكومة»أو«الورود»بين دليلهما،فجعل وجه الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري نفس‏اختلاف الرتبة،و وجه الجمع بين دليلهما حكومة أحدهما على الآخر بلا اشتراك بين المقامين في وجه الجمع‏و تنافي بين المدلولين بنفسهما مع قطع النّظر عن دليلهما،فمن أين ظهر:أنّ وجه التنافي بين المقامين واحد و وجه‏الجمع واحد؟إذ صريح كلامه منع التنافي بين المدلولين لمحض اختلاف الرتبة و أنّ هذا الاختلاف الرتبي موجب‏للجمع بين دليلهما بالحكومة أو الورود،فتأمّل في كلماته،لعمري!أنّ هذا المقدار واضح لا يستأهل ردّا.
328
تجري في الشبهات الموضوعية و الحكمية و تعم بها البلوى و تطرد في جميع أبواب‏الفقه تنحصر في الأصول الأربعة،و هي:البراءة و الاشتغال و التخييرو الاستصحاب،و حيث إنّ مباحث التخيير قليلة لا يستحق إفراد فصل يخصّه،فالأولى التعرض لمباحثه في ضمن مباحث البراءة،و عقد فصول ثلاثة للبراءةو الاشتغال و الاستصحاب.
الأمر الخامس:
قد تقدم:أنّ مجرى البراءة إنّما هو الشك في‏التكليف،و هو على أقسام:لأنّ الشك قد يكون في التكليف النفسيّ‏الاستقلالي و قد يكون في التكليف الغيري،و على كلا التقديرين:قد تكون‏الشبهة حكمية و قد تكون موضوعية،و الشبهة الحكمية قد تكون وجوبية و قد تكون‏تحريمية،و منشأ الشك في الشبهة الحكمية تارة:يكون فقد النص،و أخرى:يكون‏إجمال النص،و ثالثة:يكون تعارض النصين،و مناط البحث في جميع هذه‏الأقسام و إن كان متحدا،إلاّ أنّه قد يكون لبعض هذه الأقسام خصوصية تقتضي‏إفراد البحث عنه،فالأولى:إفراد البحث عن كل واحد من هذه الأقسام‏بخصوصه،و سيأتي أنّ محل النزاع بين الأصولي و الأخباري خصوص الشبهات‏التحريمية الحكمية،دون سائر الأقسام.
الأمر السادس:
قد يتوهّم:أنّ البحث عن مسألة كون الأصل في الأشياء الحظر أوالإباحة يغنى عن البحث عن مسألة البراءة و الاشتغال،بل البحث عن إحدى‏المسألتين عين البحث عن الأخرى،فلا وجه لعقد مسألتين يبحث في إحداهماعن الحظر و الإباحة و في الأخرى عن البراءة و الاشتغال.و لكن التحقيق:أنّ البحث عن إحداهما لا يغنى عن البحث عن‏
329
الأخرى،لأنّ جهة البحث عن كون الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة تغايرجهة البحث عن أصالة البراءة و الاشتغال من وجهين:أحدهما:انّ البحث عن الحظر و الإباحة ناظر إلى حكم الأشياء من‏حيث عناوينها الأوّلية بحسب ما يستفاد من الأدلة الاجتهادية،و البحث عن‏البراءة و الاشتغال ناظر إلى حكم الشك في الأحكام الواقعية المترتبة على‏الأشياء بعناوينها الأوّلية،فللقائل بالإباحة في تلك المسألة أن يختار الاشتغال‏في هذه المسألة و بالعكس.ثانيهما:أنّ البحث عن الحظر و الإباحة راجع إلى جواز الانتفاع‏بالأعيان الخارجية من حيث كونه تصرفا في ملك اللّه تعالى و سلطانه،و البحث‏عن البراءة و الاشتغال راجع إلى المنع و الترخيص في فعل المكلف من حيث إنّه‏فعله و إن لم يكن له تعلق بالأعيان الخارجية كالتغنّي،فتأمّل.و قد يقال:إنّ البحث عن مسألة الحظر و الإباحة ناظر إلى حكم‏الأشياء قبل ورود البيان من الشارع،و البحث عن البراءة و الاشتغال بعدورود البيان.و هذا بظاهره فاسد إن أريد من القبلية و البعدية الزمانية،إلاّ أن يكون‏المراد أنّ البحث عن مسألة الحظر و الإباحة إنّما هو بلحاظ ما يستقل به العقل‏مع قطع النّظر عن ورود البيان من الشارع في حكم الأشياء،و البحث عن‏البراءة و الاشتغال إنّما يكون بعد لحاظ ما ورد من الشارع في حكم الأشياء،و على كل تقدير:لا تلازم بين المسألتين فضلا عن عينية إحداهما للأخرى.نعم:من قال في مسألة الحظر و الإباحة بالحظر،عليه إقامة الدليل على‏انقلاب الأصل إلى البراءة،و من قال في تلك المسألة بالإباحة فهو في فسحة عن‏إقامة الدليل على البراءة،بل على الطرف إقامة الدليل على الاشتغال،فالذي‏اختار في مسألة الحظر و الإباحة أحد الطرفين قد يستغنى عن إقامة الدليل على‏ما يختاره في مسألة البراءة و الاشتغال و يكون على الخصم إقامة الدليل على‏مدّعاه،و قد لا يستغنى ذلك،فتأمّل جيّدا.
330
الأمر السابع:
قد يتوهّم:أنّه بعد ما كان حكم الشبهة قبل الفحص هو الاحتياط،فعلى الأصولي القائل بالبراءة إقامة الدليل على انقلاب حكم الشبهة بعدالفحص إلى البراءة و الأخبار في فسحة عن ذلك.و لكن لا يخفى عليك فساد التوهّم،فانّ لزوم الاحتياط في الشبهات‏قبل الفحص إنّما يكون بمناط تكون الشبهة فاقدة له بعد الفحص،فانّ استقلال‏العقل بوجوب الفحص في الشبهات إنّما يكون لوجهين:أحدهما ثبوت العلم‏الإجماليّ بوجود تكاليف إلزامية فيما بين الشبهات.ثانيهما حكم العقل بوجوب‏إعمال العبد ما تقتضيه وظيفته:من السؤال و الفحص عن مرادات المولى و عدم‏الاعتماد على أصالة العدم،فانّ الطريقة المألوفة بين العبيد و الموالي العرفية هي‏ذلك-و قد تقدم في بعض المباحث السابقة توضيح ذلك-و هذان‏الوجهان لا يجريان بعد الفحص،لانحلال العلم الإجماليّ بالفحص و إعمال‏العبد على ما تقتضيه وظيفته،فعلى الأخباري أيضا إقامة الدليل على اتحاد حكم‏الشبهة قبل الفحص و بعد الفحص،كما أنّه على الأصولي إقامة الدليل على‏البراءة.إذا عرفت ذلك،فلنشرع فيما يتعلق‏
بالفصل الأوّل،من المقام الثالث‏من المباحث.
المبحث الأوّل‏
في حكم الشك في التكليف في الشبهة التحريمية لأجل فقدان النص.و الأقوى:أنّه تجري فيه البراءة وفاقا لقاطبة الأصوليين خلافا لقاطبة
331
الأخباريين.و قد استدل على البراءة بالأدلة الأربعة.أمّا الكتاب:فبآيات منها:قوله تعالى«لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ ماآتاها» (1) و الاستدلال بها مبنىّ على أن يكون المراد من«الموصول»التكليف‏و من«الإيتاء»الوصول و الإعلام،فيكون المعنى«لا يكلّف اللّه نفسا إلاّبتكليف واصل إلى المكلّف»و في حال الشك لا يكون التكليف واصلا،فلاتكليف.و فيه أوّلا:أنّ المحتملات في الموصول ثلاثة:أحدها:ما ذكر في‏تقريب الاستدلال.ثانيها:أن يكون المراد من«الموصول»المال و من‏«الإيتاء»الملك،فيكون المعنى:«لا يكلّف اللّه نفسا بمال إلاّ بما ملّكه»ثالثها:أن يكون المراد من«الموصول»مطلق الشي‏ء،و من«الإيتاء»الإقدار،أي«لا يكلّف اللّه نفسا بشي‏ء إلاّ بما أقدرها و مكّنها عليه».و الآية المباركة ليس لها ظهور في الوجه الأوّل،بل يمكن أن يقال‏بظهورها في الوجه الثالث،لظهور«الموصول»في كونه مفعولا به،و على الوجه‏الأوّل لا بد و أن يكون«الموصول»مفعولا مطلق،لأنّه لا يعقل أن يتعلق‏التكليف بالتكليف إلاّ على وجه تعلق الفعل بالمفعول المطلق.و لا يمكن أن يراد من«الموصول»الأعم من التكليف و المال‏و الشي‏ء1فانّه لا جامع بين المفعول به و المفعول المطلق،لأنّ نحو تعلق الفعل‏بالمفعول به يباين نحو تعلقه بالمفعول المطلق.1أقول:لو لم نقل بأنّ تعلق الفعل بالجامع بين المفاعيل تعلق آخر غير مرتبط بأحد التعليقات الثلاثة،مع أنه لو كان ذلك بنحو الدالين و المدلولين لا بأس بتعلقه بالموصول المتخصص بالخصوصيات بدال آخر،و كان‏تعلقه بكل خاص نحوا من التعلق غير الآخر،كما لا يخفى.
1)سورة الطلاق الآية 7

332
نعم:ربّما يستظهر من استشهاد الإمام عليه السّلام بالآية المباركةعن السؤال عن تكليف الناس بالمعرفة،و جوابه عليه السّلام «لا،على اللّه‏البيان-لا يكلّف اللّه نفسا إلاّ ما آتاها» (1) أنّ المراد من«الموصول»التكليف،لا المال و لا مطلق الشي‏ء،فيكون المراد من«الإيتاء»الوصول‏و الإعلام،و إن كان يمكن أن يقال:إنّ المراد من المعرفة المسئول عنها المعرفةالتفصيلية بصفات الباري و أحوال الحشر و النبوّة الخاصة و نحو ذلك،لا المعرفةالإجمالية بوجود الباري تعالى،فانّ المعرفة الإجمالية لا يمكن أن يتعلق التكليف‏بها إلاّ على وجه دائر،و المعرفة التفصيلية لا يمكن إلاّ بإقدار اللّه تعالى عليها،لأنّه‏لا يتمكن العبد من ذلك إلاّ بعناية اللّه تعالى و إقداره،هذا.و لكن الإنصاف:أنّه يمكن أن يراد من«الموصول»الأعم من‏التكليف و موضوعه،و إيتاء كل شي‏ء إنّما يكون بحسبه،فانّ إيتاء التكليف إنّمايكون بالوصول و الإعلام،و إيتاء المال إنّما يكون بإعطاء اللّه تعالى و تمليكه،و إيتاء الشي‏ء فعلا أو تركا إنّما يكون بإقدار اللّه تعالى عليه،فانّ للإيتاء معنى‏ينطبق على الإعطاء و على الإقدار،و لا يلزم أن يكون المراد من«الموصول»الأعم من المفعول به و المفعول المطلق،بل يراد منه خصوص المفعول به.و توهم:أنّ المفعول به لا بد و أن يكون له نحو وجود و تحقق في وعائه قبل‏ورود الفعل عليه و يكون الفعل موجبا لإيجاد وصف على ذات المفعول به التي‏كانت مفروضة التحقق و الوجود1كزيد في قولك:«اضرب زيدا»فانّ زيداكان موجودا قبل ورود الضرب عليه-و على ذلك يبتنى إشكال«الزمخشري»في‏1أقول:لو كان المراد من التكليف معناه اللغوي من الكلفة فلا بأس بجعل«الموصول»عبارة عن‏الخطاب و الحكم مع الالتزام بهذه القاعدة في المفعول به بلا عناية،إذ معنى الآية حينئذ«إنّ اللّه لا يوقع العبادفي كلفة حكمه و خطابه إلاّ خطاب أعلمه لهم و آتاهم»و هذا المقدار يكفى للقائل بالبراءة.
1)أصول الكافي:كتاب التوحيد،باب البيان و التعريف و لزوم الحجة،الحديث

333
قوله تعالى:«خلق اللّه السماوات»من أنّه لا يمكن أن تكون السماوات مفعولا به‏لأنّه لا وجود للسماوات قبل ورود الخلق عليها مع أنّ المشهور جعلوا السماوات‏مفعولا به فعلى هذا لا يمكن أن يتعلق التكليف بالتكليف على نحو تعلق الفعل‏بالمفعول به لأنّه ليس للتكليف نحو وجود سابق عن تعلق التكليف به بل‏وجوده إنّما يكون بنفس إنشاء التكليف لأنّ المفعول المطلق من كيفيات‏الفعل فلا يمكن وجوده قبله-فاسد،فانّ المفعول المطلق النوعيّ و العددي يصح‏جعله مفعولا به بنحو من العناية،مثلا الوجوب و التحريم و إن كان وجودهمابنفس الإيجاب و الإنشاء و ليس لهما نحو تحقق في المرتبة السابقة،إلاّ أنّهماباعتبار ما لهما من المعنى الاسم المصدري يصح تعلق التكليف بهما.نعم:همابمعنى المصدر لا يصح تعلق التكليف بهما،فتأمّل.و ثانيا:على فرض ظهور الآية الشريفة في إرادة التكليف من‏«الموصول»و إرادة الوصول و الإعلام من«الإيتاء»فأقصى ما تدل عليه الآيةالمباركة هو أنّ المؤاخذة و العقوبة لا تحسن إلاّ بعد بعث الرسل و إنزال الكتب و تبليغ‏الأحكام و التكاليف إلى العباد1و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشك في‏التكليف بعد البعث و الإنزال و التبليغ و عروض اختفاء التكليف لبعض‏الموجبات التي لا دخل للشارع فيها،فالآية المباركة لا تدل على البراءة،بل‏مفادها مفاد قوله تعالى:«و ما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا» (1) و قد قيل:إنّ هذه الآية أظهر الآيات التي استدل بها للبراءة.و أنت خبير:بأنّ مفادها أجنبي عن البراءة،فانّ مفادها الإخبار بنفي‏التعذيب قبل إتمام الحجة،كما هو حال الأمم السابقة،فلا دلالة لها على‏1أقول:إذا كان المراد من بعث الرسل إتمام الحجة بالإيصال إليهم يكفى هذا المقدار للقائل بالبراءة.نعم:لو كان المراد مجرد بعث الرسل واقعا و لو لم يصل إلى العباد لا يفيد ذلك للبراءة،و لكن بهذا المعنى لا يصح‏حتى بالنسبة إلى الأمم السابقة،كما لا يخفى.
1)سورة الإسراء الآية 15

334
حكم مشتبه الحكم من حيث إنّه مشتبه،فهي أجنبية عما نحن فيه.كما أنّ مفادها أجنبي عما زعمه الأخباريون:من دلالتها على نفى‏الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع،بتقريب:أنّ الملازمة تقتضي ثبوت‏العذاب عند استقلال العقل بقبح شي‏ء و لو مع عدم بعث الرسل و الآية تنفي‏العذاب مع عدم بعث الرسل فلا ملازمة بين حكم العقل و العذاب و يلزمه‏عدم الملازمة بين حكمه و حكم الشرع و إلاّ لما احتاج التعذيب إلى بعث الرسل.و أنت خبير:بأنّ الرسول في الآية الشريفة كناية عن الحجة،فيعمّ‏الرسول الباطني و الرسول الظاهري.و قد قيل في ردّ مقالة الأخباريين:إنّ أقصى ما تدل عليه الآية المباركةهو نفى فعلية التعذيب قبل بعث الرسل،و الملازمة المدّعاة إنّما هي بين حكم‏العقل و استحقاق العقوبة،و نفى فعلية العذاب لا يقتضى نفى الملازمة،فانّه من‏الممكن أن يكون الشارع قد حكم بحرمة ما استقل بقبحه العقل و كانت مخالفةالحكم الشرعي تقتضي استحقاق العقوبة،و لكن الشارع تفضّل بالعفو و أخبربه،كما تفضل بالعفو عن نيّة السيّئة (1) و كما تفضّل بالعفو عن الصغائر عندالاجتناب عن الكبائر (2) و كما تفضّل بالعفو عن الظهار مع حرمته‏ (3) على‏ما قيل.و لا يخفى ما فيه-أمّا أوّلا:فلأنّ الاستدلال بالآية المباركة على البراءةلا يجتمع مع القول بأنّ مفادها نفى فعلية التعذيب لا استحقاقه‏1لأنّ النزاع في‏البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب الشبهة و عدم استحقاقه،لا في‏1أقول:ذلك كذلك لو لا دعوى عدم القول بالفصل بين نفى الفعلية في الشبهات مع نفى الاستحقاق‏بين المجتهدين و الأخباريين-كما هو المدعى في كلماتهم-فراجع.
1)الوسائل:الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 6 و 7 و 8 و 10
2)الوسائل:الباب 45 من أبواب جهاد النّفس الحديث 4 و 5
3)الوسائل:الباب 1 من أبواب الظهار الحديث 2

335
فعلية العقاب،فالاستدلال بها على البراءة يتوقف على أن يكون المراد من نفى‏العذاب نفى الاستحقاق،و ذلك ينافى ردّ مقالة الأخباريين المنكرين للملازمةبما تقدم:من أنّ المراد من نفى العذاب نفى الفعلية لا الاستحقاق،و إلى ذلك‏ينظر كلام المحقق القمي(ره)حيث قال:«إنّ من جمع في الآية بين الاستدلال‏بها على البراءة و بين ردّ الأخباريين لإثبات الملازمة يكون قد جمع بين‏النقيضين».و أمّا ثانيا:فلأنّ الحرمة الشرعية مع إخبار الشارع بنفي التعذيب‏و التفضل بالعفو لا يجتمعان،لأنّه يلزم أن يحمل الشارع العباد على التجري‏بفعل الحرام،فانّ الإخبار بالعفو يوجب إقدامهم على فعل الحرام المعفوّ عنه،فيلزم لغوية جعل الحرمة1نعم:لا مانع من الإخبار بالعفو بالنسبة إلى المعصية التي لا يكون‏الإخبار به موجبا للتجري و إقدام العباد عليها،كالإخبار بالعفو عن نيّة السيّئة،فانّ المخبر به هو العفو عن نيّة السيّئة المجردة عن تعقبها بالسيئة،و لا يمكن للعبدالتجري على ذلك،فانّ القصد و التجري على النيّة المجردة لا يعقل،إذ لايتحقق العزم على العزم المجرد.و كالإخبار بالعفو عن الصغائر عند الاجتناب عن الكبائر،فانّ المخبر به‏هو العفو عن الصغائر إذا كان العبد مجتنبا عن الكبائر ما دام العمر و في تمام‏أزمنة حياته‏2و لا يمكن بحسب العادة أن يعتقد الشخص أنّه يجتنب عن‏الكبائر في مدّة حياته حتى يتحقق منه التجري و الإقدام على الصغائر اعتمادا.1أقول:يكفى في صحة جعله إحداث موضوع العفو و إبراز مقام الغفورية،إذ فيه مصلحة ظاهرة يكفى‏لتصحيح إنشاء الحرمة في مورد مع العفو،فلا يلزم من كشف العفو عن عدم الحرمة،كما توهّم في الظهار.نعم:الأولى أن يقال:إنّ الظاهر من الآية و التعبير ب«ما كنّا معذّبين»أنّ مثل هذا ليس شأننا،و هذا غير باب العفوالّذي شأنهم العذاب مع عفوه عنهم رأفة و رحمة،كما لا يخفى.2أقول:في هذا الشرط نظر.
336
على العفو عنها،لأنّه بعد التفاته إلى أنّ العفو عنها مشروط بعدم ارتكاب الكبيرةأبدا ما دام العمر لا يمكن أن يكون الإخبار بالعفو موجبا لتجرّيه.و أمّا العفو عن الظهار فلم يثبت و إن قيل به،و آية الظهار لا تدل على‏ذلك،و لو ثبت العفو عنه فلا بد من القول بعدم حرمته.ثمّ إنّه قد استدل للبراءة بآيات اخر لا دلالة لها على ذلك.فالأولى عطف عنان الكلام إلى بيان الأخبار التي استدل بها للبراءة.أظهرها و عمدتها
«حديث الرفع»
و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع عن أمتي‏تسعة أشياء الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و مااضطروا إليه و الطيرة و الحسد و الوسوسة في الخلق» (1) و اشتهار الحديث المبارك بين الأصحاب و اعتمادهم عليه يغنى عن‏التكلم في سنده،مع أنّه من الصحاح،فالمهم بيان فقه الحديث و ما يستفادمنه،و ذلك يتم برسم أمور:
الأمر الأوّل:
لا يصح استعمال«الرفع»و كذا«الدفع»إلاّ بعد تحقق مقتضى‏الوجود،بحيث لو لم يرد الرفع أو الدفع على الشي‏ء لكان موجودا في وعائه‏المناسب له،سواء كان وعائه وعاء العين و التكوين أو وعاء الاعتبار و التشريع،لوضوح أنّ كلاّ من الرفع و الدفع لا يرد على ما يكون معدوما في حد ذاته لاوجود له و لا اقتضاء الوجود،فالعناية المصححة لاستعمال كلمة«الرفع»و«الدفع»إنّما هي بعد فرض ثبوت مقتضى الوجود،و هذا المقدار ممّا لا بد منه‏في صحة استعمالها،و بعد ذلك يفترق«الرفع»عن«الدفع»فانّ استعمال‏«الرفع»إنّما يكون غالبا في المورد الّذي فرض وجوده في الزمان السابق أو في‏
1)الخصال:باب التسعة الحديث 9

337
المرتبة السابقة عن ورود الرفع،و«الدفع»يستعمل غالبا في المورد الّذي فرض‏ثبوت المقتضى لوجود الشي‏ء قبل اشتغاله لصفحة الوجود في الوعاء المناسب له،فيكون الرفع مانعا عن استمرار الوجود،و الدفع مانعا عن تأثير المقتضى للوجود.و لكن هذا المقدار من الفرق لا يمنع عن صحة استعمال«الرفع»بدل‏«الدفع»على وجه الحقيقة بلا تصرف و عناية،فانّ الرفع في الحقيقة يمنع و يدفع‏المقتضى عن التأثير في الزمان اللاحق أو المرتبة اللاحقة1لأنّ بقاء الشي‏ءكحدوثه يحتاج إلى علة البقاء و إفاضة الوجود عليه من المبدأ الفياض في كل‏آن،فالرفع في مرتبة وروده على الشي‏ء إنّما يكون دفعا حقيقة باعتبار علّةالبقاء و إن كان رفعا باعتبار الوجود السابق،فاستعمال«الرفع»في مقام‏«الدفع»لا يحتاج إلى علاقة المجاز،بل لا يحتاج إلى عناية أصلا،بل لا يكون‏خلاف ما يقتضيه ظاهر اللفظ،لأنّ غلبة استعمال«الرفع»فيما يكون له وجودسابق لا يقتضى ظهوره في ذلك.و ممّا ذكرنا من معنى«الرفع»و«الدفع»يظهر:أنّه لا مانع من جعل‏«الرفع»في الحديث المبارك بمعنى«الدفع»في جميع الأشياء التسعة المرفوعة،و لا يلزم من ذلك مجاز في الكلمة،و لا في الإسناد.أمّا عدم المجازية في الإسناد:فلما سيأتي من أنّ إسناد الرفع إلى‏المذكورات يكون على وجه الحقيقة بلا تقدير و إضمار.و أمّا في الكلمة:فلما عرفت:من أنّ حقيقة الرفع هي الدفع،فيكون‏المراد من رفع التسعة دفع المقتضى عن تأثيره في جعل الحكم و تشريعه في المواردالتسعة.1أقول:ذلك كذلك لو كان مصحح صدق«الرفع»مجرد منع المقتضى عن تأثيره،و أمّا لو قلنا بأنّ‏المصحح في صدقه علاوة عن ذلك عدم قصور في تأثير المقتضى في زمان سابق عن وروده قبل«الدفع»المعتبر فيه‏المقارنة،فلا مجال حينئذ لتصحيح صدقه على الدفع بتدريجية إفاضة الفيض عليه،إذ تشبه ذلك بإثبات اللغةبالعرفان!.
338
غايته أنّه في الثلاثة الأخيرة-و هي الحسد و الطيرة و الوسوسة في‏الخلق-يكون المراد دفع المقتضى عن تأثيره في أصل تشريع الحكم و جعله فيهامع ثبوت المقتضى له منّة على العباد و توسعة عليهم،و سيأتي بيان المراد من‏الحكم الّذي كان له اقتضاء الجعل و التشريع في الحسد و أخويه.و في غير«ما لا يعلمون»من الخمسة الاخر-و هي الخطأ و النسيان و مااستكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه-يكون المراد دفع تأثير المقتضى‏عن شمول الحكم و اطراده لحال النسيان و الاضطرار و الإكراه و الخطأ وما لا يطاق،فتكون نتيجة الدفع تخصيص الحكم بما عدا هذه الموارد،و سيأتي‏أنّ التخصيص في ذلك يكون من التخصيص الواقعي و ليس من التخصيص‏الظاهري.و في«ما لا يعلمون»يكون المراد دفع مقتضيات الأحكام الواقعيةعن تأثيرها في إيجاب الاحتياط،مع أنّ ملاكاتها كانت تقتضي إيجاب‏الاحتياط1و يظهر من الشيخ(قدس سره):أنّ«الدفع»من أوّل الأمر ورد على‏إيجاب الاحتياط،لا أنّه ورد على مقتضيات الأحكام الواقعية من حيث‏تأثيرها في إيجاب الاحتياط.قال(قدس سره):«و حينئذ فنقول:معنى رفع أثر التحريم فيما لايعلمون عدم إيجاب الاحتياط و التحفظ فيه إلخ».و لا يخفى ما فيه من المسامحة،فانّ المراد من«الموصول»في قوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»نفس الأحكام الواقعية،لأنّها هي‏1أقول:ليس المراد نفى نفس المقتضيات الواقعية جزما و لا تأثيرها في الأحكام الواقعية كذلك،بل‏المراد نفى«ما لا يعلمون»بالعناية،باعتبار نفى تأثيرها الّذي هو عين أثرها من إيجاب الاحتياط ظاهرا،و مرجع‏كلام الشيخ(قدس سره)أيضا إلى ذلك،فتدبر فيه.
339
المجهولة،و ما أريد من«الموصول»هو المرفوع،فلا بد و أن يرد الرفع على الحكم‏الواقعي‏1و إن كانت نتيجة رفعه عدم إيجاب الاحتياط،لأنّه لا يمكن رفعه‏حقيقة عن موطنه و هو عالم التشريع،و إلاّ يلزم اختصاص الأحكام الواقعيةبالعالمين بها،و هو ينافى ما عليه أصول المخطئة.و ورود الرفع على الأحكام الواقعية على وجه ينتج عدم إيجاب‏الاحتياط لا يمكن إلاّ بأن يراد دفع الأحكام الواقعية عن تأثير مقتضياتها في‏إيجاب الاحتياط،و تكون النتيجة الترخيص الظاهري في ارتكاب الشبهةو الاقتحام فيها.و توضيح ذلك:هو أنّ أدلة الأحكام لمّا كانت قاصرة لأن تتكفل بيان‏وجود الأحكام في زمان الشك فيها-كما أنّ نفس الجعل و التشريع،الأوّل‏للأحكام لا يمكن أن يتكفل لحال الشك فيها-فلا بد من جعل ثانوي يكون‏هو المتكفل لبيان صورة الشك في الحكم من ثبوته و عدم ثبوته،فيكون هذاالجعل الثانوي متمما للجعل الأوّلي ليس له ملاك يخصه،نظير ما دلّ على‏اعتبار قصد التقرب في العبادات،حيث إنّ الأمر الأوّلي لا يمكن أن يتكفل‏ببيان اعتبار ذلك،بل لا بد من جعل ثانوي يتكفل ببيان ذلك و يكون من‏متممات الجعل الأوّلي،و قد تقدم في بعض المباحث السابقة:أنّه في كثير من‏الموارد نحتاج إلى متمم الجعل بجعل ثانوي.و الحكم الّذي يتكفله الجعل الثانوي يختلف،فقد يكون حكما واقعيابإضافة قيد في المأمور به الواقعي،مثل ما دلّ على اعتبار قصد التقرب،و مثل ما1أقول:الأولى أن يقال:لو كان المراد من«الرفع»الرفع الحقيقي كيف يعقل وروده على الحكم‏الواقعي في ظرف الجهل به؟إذ العدم في ظرف الجهل بشي‏ء يستحيل وروده على الشي‏ء الملحوظ في الرتبةالسابقة عن الجهل بنفسه،فلا محيص من كون المراد به رفعه بالعناية،و مرجعه إلى رفع أثره حقيقة،فالرفع الحقيقي‏متوجه إلى إيجاب الاحتياط بدوا،بلا توجيه إلى«ما لا يعلمون»و لو بنينا على التصويب و اختصاص الحكم‏بالعالمين،فتدبر تعرف.
340
دلّ على اعتبار غسل المستحاضة قبل الفجر.و قد يكون حكما طريقيا،مثل ما دلّ على وجوب السير للحج قبل‏الموسم.و قد يكون حكما ظاهريا،و هو ما إذا أخذ الشك في الحكم الواقعي في‏موضوعه،فانّ الحكم المجعول في ظرف الشك في الحكم الواقعي لا يمكن أن‏يكون حكما واقعيا،بل لا بد أن يكون حكما ظاهري،على اختلاف مفاده،فقديكون مفاده وضع الحكم الواقعي في موطن الشك بجعل إيجاب الاحتياط،و قديكون مفاده رفع الحكم الواقعي بلسان الحل و الترخيص،كقوله‏عليه السّلام «كل شي‏ء لك حلال»أو بلسان الرفع،كقوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع عن أمتي تسعة أشياء»و منها ما لا يعلمون.و هذا الاختلاف ينشأ عن اختلاف ملاكات الأحكام الواقعيةو مناطاتها،فقد يكون الملاك بمرتبة من الأهمية في نظر الشارع يقتضى جعل‏إيجاب الاحتياط في ظرف الشك تحرزا عن الوقوع في مخالفة الواقع.و قد لا يكون الملاك بتلك المثابة من الأهمية،فللشارع الترخيص في‏ارتكاب الشبهة منّة على العباد و توسعة عليهم،لأنّه كان له التضييق عليهم‏بإلزامهم على حفظ الملاكات بأي مرتبة كانت على أيّ وجه اتفق و لوبالاحتياط مطلقا في جميع موارد الشك،و لكن الملّة السهلة السمحة اقتضت‏عدم إيجاب الاحتياط و رفع تأثير المقتضيات و الملاكات عن اقتضائها إيجاب‏الاحتياط،و لازم ذلك:عدم المؤاخذة على الاقتحام في الشبهة لو صادف كونه‏مخالفا للواقع و اتفق كون الشبهة من المحرمات الواقعية.و بذلك تمتاز البراءة الشرعية عن البراءة العقلية،فانّ البراءة العقليةعبارة عن قبح المؤاخذة بلا بيان،فالحكم العقلي من أوّل الأمر يتوجه على‏المؤاخذة و استحقاق العقوبة،لأنّ استحقاق المؤاخذة و العقوبة من المدركات‏العقلية ليس من وظيفة الشارع وضعه و رفعه إلاّ بوضع ما يكون منشأ ذلك أو
341
رفعه،كما أنّه ليس من وظيفة العقل الحكم بجواز الاقتحام في الشبهةو الترخيص في ارتكابها،لأنّ ذلك من وظيفة الشارع.نعم:لازم حكم العقل‏بقبح المؤاخذة بلا بيان هو الترخيص في الارتكاب،كما أنّ لازم حكم الشارع‏بالترخيص هو عدم المؤاخذة في الاقتحام،فالبراءة الشرعية من أوّل الأمر تتوجه‏على جواز الارتكاب عكس البراءة العقلية.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ«الرفع»في الحديث المبارك بمعنى«الدفع»في جميع الأشياء التسعة،و لا يلزم من ذلك تجوّز و لا حمل اللفظ على خلاف مايقتضيه ظاهره.و إن أبيت عن ذلك و جمدت على ما ينسبق إلى الذهن في بادئ الأمر:من أنّ العناية المصححة لورود الرفع على الشي‏ء إنّما هي باعتبار وجوده السابق‏و لا يكفى مجرد ثبوت مقتضى الوجود،فيمكن الالتزام بذلك أيضا لوجود العنايةالمصححة لورود الرفع في جميع الأمور التسعة المذكورة في الحديث.أمّا في غير«ما لا يعلمون»من الثمانية الاخر فواضح،فانّ الرفع قدأسند فيها إلى ما هو ثابت خارجا،لوجود الخطأ و النسيان و الاضطرار و غير ذلك‏خارجا،فالرفع قد ورد على ما هو موجود في الخارج،و لا منافاة بين ورودالرفع على المذكورات و بين بقائها على ما كانت عليه بعد ورود الرفع عليها،لأنّ الرفع التشريعي لا ينافى الثبوت التكويني،كما لا ينافى وجود الضررخارجا مع نفيه تشريعا،و سيأتي معنى الرفع التشريعي في المذكورات.و أمّا في«ما لا يعلمون»فقد يقال:إنّه لا يمكن أن يكون الرفع فيه‏بمعناه،فانّ المراد من«الموصول»نفس الحكم الشرعي،فان كان الحكم في‏مورد الشك ثابتا فلا يتصور رفعه إلاّ على سبيل النسخ،و إن لم يكن ثابتا فلايصح إسناد الرفع إليه،لعدم سبق الوجود،فلا بد من جعل«الرفع»في قوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعملون»بمعنى«الدفع»هذا.و لكن يمكن ثبوت العناية المصححة لإسناد الرفع إلى الحكم من دون‏
342
أن يلزم النسخ أو التصويب.أمّا في الشبهات الموضوعية:فواضح،فانّه في موردالشك في خمرية الشي‏ء يصح أن يقال:رفع الحكم بالحرمة عن المشكوك،بلحاظ أنّ حرمة شرب الخمر قد ثبتت في الشريعة،فصح أن يقال:رفعت‏حرمة شرب الخمر عن هذا المشتبه.و أمّا في الشبهات الحكمية:فيمكن أيضافرض وجود العناية المصححة لاستعمال الرفع‏1فتأمّل.و لكن هذا كله إتعاب للنفس و تبعيد للمسافة بلا ملزم،فانّ استعمال‏«الرفع»بمعنى«الدفع»ليس بعزيز الوجود،بل قد عرفت:أن الرفع حقيقة هوالدفع،فيستقيم معنى الحديث المبارك بلا تصرّف و تأويل.
الأمر الثاني:
قيل:إنّ دلالة الاقتضاء تقتضي تقديرا في الكلام،لشهادة الوجدان‏و العيان على وجود الخطأ و النسيان في الخارج،و كذا غير الخطأ و النسيان ممّاذكر في الحديث الشريف،فلا بد من أن يكون المرفوع أمرا آخر مقدرا،صونالكلام الحكيم عن الكذب و اللغوية.و قد وقع البحث و الكلام في تعيين ما هو المقدّر،فقيل:إنّ المقدّر هوالمؤاخذة و العقوبة.و قيل:إنّه عموم الآثار.و قيل:إنّه أظهر الآثار بالنسبة إلى‏كل واحد من التسعة.و التحقيق:أنّه لا حاجة إلى التقدير،فانّ التقدير إنّما يحتاج إليه إذاتوقف تصحيح الكلام عليه،كما إذا كان الكلام إخبارا عن أمر خارجي أوكان الرفع رفعا تكوينيا،فلا بد في تصحيح الكلام من تقدير أمر يخرجه عن‏الكذب.و أمّا إذا كان الرفع رفعا تشريعيا2فالكلام يصح بلا تقدير،فانّ‏1أقول:يكفى في العناية وجود الحكم المشكوك في الرتبة السابقة،و يكون رفعه في الرتبة اللاحقة رفع‏مسبوق الوجود رتبة لا زمانا،فتدبر.2أقول:يا ليت أمثال هذه البيانات بتوقيع أو وحي!إذ لو كان المراد من الرفع التشريعي تشريع رفع‏
343
الرفع التشريعي كالنفي التشريعي ليس إخبارا عن أمر واقع بل إنشاء لحكم‏يكون وجوده التشريعي بنفس الرفع و النفي،كقوله صلّى اللّه عليه و آله «لاضرر و لا ضرار»و كقوله عليه السّلام «لا شك لكثير الشك»و نحو ذلك ممّايكون متلوّ النفي أمرا ثابتا في الخارج.و بالجملة:ما ورد في الأخبار ممّا سيق في هذا المساق سواء كان بلسان‏الرفع أو الدفع أو النفي إنّما يكون في مقام تشريع الأحكام و إنشائها،لا في‏مقام الإخبار عن رفع المذكورات أو نفيها حتى يحتاج إلى التقدير،و سيأتي معنى‏الرفع التشريعي و نتيجته.و الغرض في المقام مجرد بيان أنّ دلالة الاقتضاء لا تقتضي تقديرا في‏الكلام حتى يبحث عما هو المقدّر.لا أقول:إنّ الرفع التشريعي تعلّق بنفس المذكورات‏1فانّ‏المذكورات في الحديث غير«ما لا يعملون»لا تقبل الرفع التشريعي،لأنّها من‏الأمور التكوينية الخارجية،بل رفع المذكورات تشريعا إنّما يكون برفع آثارهاالشرعية-على ما سيأتي بيانه-و لكن ذلك لا ربط له بدلالة الاقتضاء و صون‏كلام الحكيم عن اللغوية و الكذب،بل ذلك لأجل أنّ رفع المذكورات في عالم‏التشريع هو رفع ما يترتب عليها من الآثار و الأحكام الشرعية،كما أنّ معنى‏«نفى الضرر»هو نفى الأحكام الضررية،فتأمّل جيّدا.هذه الأمور حقيقة فهو غلط،و إن كان الغرض جعل الشارع رفعها تنزيلا فهو يناسب مع الإخبارية أيضا،و إن‏كان الغرض عدم جعلها في موارد أحكامه و تشريعاته فهو رفع حقيقي لهذه الأمور في دائرة أحكامه لا مطلقا،فلا يخرج هذاالرفع أيضا عن التكوين،غايته في مورد خاص،إذ مرجع هذا المعنى إلى رفع الخطأ حقيقة في الشرعيات،و هكذا،فهو عين الرفع الحقيقي لها،غاية الأمر لا مطلقا،و هذا المعنى أيضا قابل للإخبارية،فلا يبقى في البين إلاّتوهّم تشريع الرفع بجعله غير ما ذكرنا،و عليه بشرحه،و هذا الّذي لا نفهم له معنى محصّلا.1أقول:لا مجال لهذا الكلام،إذ مرجع الرفع التشريعي إلى رفع الأمور الواقعية في عالم التشريع،و مرجع هذا الرفع إلى رفع أثره،و هذا عين قابلية الأمور التكوينية للرفع التشريعي،فلا معنى لقوله توضيحا لمرامه‏«لا أقول»إلى آخره،خصوصا لا يفهم فرق بين الرفع التشريعي و بين رفع المذكورات تشريعا،فتدبر.
344
الأمر الثالث:
قيل:إنّ وحدة السياق تقتضي أن يكون المراد من«الموصول»في«مالا يعلمون»الموضوع المشتبه،لأنّ المراد من«الموصول»فيما استكرهوا و مااضطروا و ما لا يطيقون،هو الفعل الّذي استكرهوا عليه أو اضطروا إليه أولا يطيقونه،فانّ هذه العناوين لا تعرض الأحكام الشرعية،بل إنّما تعرض‏الأفعال الخارجية،و مقتضى وحدة السياق أن يكون المراد من«الموصول»في‏«ما لا يعلمون»أيضا الفعل الّذي اشتبه عنوانه،كالشرب الّذي اشتبه كونه‏شرب التتن أو شرب الخمر،فيختص الحديث المبارك بالشبهات الموضوعية و لايعمّ الشبهات الحكمية،مضافا إلى أنّه لا جامع بين الشبهات الموضوعيةو الشبهات الحكمية بحيث يمكن أن يراد من«الموصول»معنى يعمّها،فانّ المرفوع‏في الشبهات الحكمية إنّما هو نفس متعلق الجهل و ما لا يعلمون،و هو الحكم‏الشرعي‏1فإسناد الرفع إلى«الموصول»يكون من قبيل الإسناد إلى ما هو له،لأنّ«الموصول»الّذي تعلق الجهل به بنفسه قابل للوضع و الرفع الشرعي.و أمّاالشبهات الموضوعية:فالذي تعلق الجهل به فيها أوّلا و بالذات إنّما هو الموضوع‏الخارجي و بالتبع يتعلق بالحكم الشرعي،و الموضوع الخارجي بنفسه غير قابل‏للوضع و الرفع الشرعي،بل إسناد الرفع إليه يكون من قبيل الإسناد إلى غير ماهو له،فمع قطع النّظر عن وحدة السياق كان الأولى اختصاص الحديث‏1أقول:محل البحث في أنّ متعلق الرفع في البقية أيّ شي‏ء؟و ذلك لا ينافى مع كون المرفوع بالأخرةحكم شرعي،فالاختلاف في المتعلق يوجب خلاف السياق.و الأولى في الجواب أن يقال:إنّ المراد من‏«الموصول»ما كان معروض وصفه حقيقة،و الفعل في الشبهات الموضوعية ما تعلق عدم العلم بنفسه-كما اضطرواإليه-بل تعلق عدم العلم بعنوانه،و هو أيضا خلاف ظهور السياق،و حينئذ الأمر يدور بين حفظ السياق من هذه‏الجهة فيحمل على الحكم،أو حفظ السياق من حيث إرادة الفعل من«الموصول»و ارتكاب خلاف السياق من‏جهة أخرى،و العرف يرجح الأوّل،فيحمل على الحكم في«ما لا يعلمون»فقط.
345
بالشبهات الحكمية،إلاّ أنّ وحدة السياق تقتضي اختصاصه بالشبهات الموضوعية،هذا.و لكن لا يخفى عليك ما في هذا الكلام من الضعف،فانّ المرفوع في‏جميع الأشياء التسعة إنّما هو الحكم الشرعي،و إضافة الرفع في غير«ما لايعلمون»إلى الأفعال الخارجية إنّما هو لأجل أنّ الإكراه و الاضطرار و نحو ذلك‏إنّما يعرض الأفعال لا الأحكام-كما ذكر-و إلاّ فالمرفوع فيها هو الحكم الشرعي،كما أنّ المرفوع في«ما لا يعلمون»أيضا هو الحكم الشرعي،و هو المراد من‏«الموصول»و الجامع بين الشبهات الحكمية و الموضوعية.و مجرد اختلاف منشأ الجهل-و أنّه في الشبهات الحكمية إنّما يكون إجمال‏النص أو فقده أو تعارض النصين و في الشبهات الموضوعية يكون المنشأ اختلاطالأمور الخارجية-لا يقتضى الاختلاف فيما أسند الرفع إليه،فانّ الرفع قد أسندإلى عنوان«ما لا يعلم»و لمكان أنّ الرفع التشريعي لا بد و أن يرد على ما يكون‏قابلا للوضع و الرفع الشرعي،فالمرفوع إنّما يكون هو الحكم الشرعي،سواء في‏ذلك الشبهات الحكمية و الموضوعية،فكما أنّ قوله عليه السّلام «لا تنقض‏اليقين بالشك»يعم كلا الشبهتين بجامع واحد،كذلك قوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع عن أمتي تسعة أشياء»فتدبر.
الأمر الرابع:
قد عرفت:نتيجة الرفع في«ما لا يعلمون»و أنّه بمعنى دفع مقتضيات‏الأحكام في تأثيرها لإيجاب الاحتياط،من دون أن يمسّ الرفع فيه كرامة الحكم‏الواقعي بوجه من الوجوه من حيث الوجود و الفعلية،فلا نسخ و لا تصويب و لاصرف.و أمّا النتيجة في غير«ما لا يعلمون»فبالنسبة إلى رفع الحسد و الطيرةو الوسوسة في الخلق،سيأتي البحث عنه.و أمّا بالنسبة إلى الخمسة الاخر:من‏
346
الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما اضطروا إليه و ما لا يطيقونه،فنتيجةالرفع فيها هي تخصيص الأحكام الواقعية المترتبة على موضوعاتها المقدرة وجودهابما عدا عروض هذه الطواري.بيان ذلك:هو أنّ مقتضى عموم أدلة الأحكام الواقعية عدم دخل‏الخطأ و النسيان و غير ذلك من الطواري و الحالات في ترتبها على موضوعاتها،فانّ مقتضى عموم قوله تعالى:«السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما»و قوله تعالى‏«الزاني و الزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة»هو ثبوت القطع و الجلد على‏من أكره على السرقة و الزنا أو اضطر إليهما.و مقتضى الجمع بين تلك الأدلةو قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان إلخ»هو اختصاص‏الأحكام بغير صورة عروض ذلك،فلا قطع و لا جلد على من أكره على السرقةو الزنا،و قد عرفت:أنّ الرفع في الحديث المبارك بمعنى الدفع،فيكون حاصل‏المعنى:هو«أنّ مقتضيات الأحكام الواقعية و إن كانت تقتضي ترتب الأحكام‏على موضوعاتها مطلقا من غير دخل للخطإ و النسيان في ذلك،إلاّ أنّ الشارع‏دفع تلك المقتضيات عن تأثيرها في ترتب الحكم على الموضوع الّذي عرض عليه‏الخطأ و النسيان و الإكراه و نحو ذلك»فلا حكم مع عروض هذه الحالات،فتكون النتيجة تخصيص الأحكام الواقعية بالموارد التي لم تطرأ عليها هذه‏الطواري.و الّذي يدل على أنّ مقتضيات الأحكام الواقعية كانت تقتضي ترتب‏الأحكام على موضوعاتها مطلقا من غير دخل للإكراه و نحوه في ذلك،هو أنّ‏سياق«حديث الرفع»يقتضى كون الرفع للامتنان و التوسعة على العباد،فلو لاثبوت المقتضى في الموارد التي تعرض عليها هذه الطواري و الحالات لم يكن‏موقع للامتنان،كما لا يخفى.و توهّم:أنّ النسبة بين كل واحد من أدلة الأحكام مع كل واحد من‏العناوين الخمسة العموم و الخصوص من وجه،فانّ ما دل على وجوب الجلد في‏
347
الزنا و إن كان يعمّ صورة الإكراه عليه و عدمه إلاّ أنّه يختص بخصوص الزنا،كما أنّ ما دل على رفع الإكراه و إن كان يختص بالإكراه إلاّ أنّه يعمّ الإكراه‏على الزنا و غيره،فلا وجه لتقديم ما دل على رفع الإكراه على ما دل على وجوب‏الجلد على الزاني‏فاسد،فانّ«حديث الرفع»يكون حاكما على أدلة الأحكام،فلاتلاحظ النسبة بينهما،كما لا تلاحظ النسبة بين أدلة الأحكام و بين ما دل على‏نفى الضرر و العسر و الحرج.و لا فرق بين أدلة نفى الضرر و العسر و الحرج و بين‏دليل رفع الاضطرار و الإكراه و نحو ذلك،سواء أنّ الحكومة في أدلة نفى الضررو العسر و الحرج إنّما تكون باعتبار عقد الحمل حيث إنّ الضرر و العسر و الحرج‏من العناوين الطارية على نفس الأحكام فانّ الحكم قد يكون ضرريا أوحرجيا و قد لا يكون-كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في محله-و في دليل رفع‏الإكراه و الاضطرار و غير ذلك إنّما تكون باعتبار عقد الوضع،فانّه لا يمكن طروّالإكراه و الاضطرار و الخطأ و النسيان على نفس الأحكام،بل إنّما تعرض‏موضوعاتها و متعلقاتها،فحديث الرفع يوجب تضييق دائرة موضوعات الأحكام،نظير قوله عليه السّلام «لا شك لكثير الشك»و«لا سهو مع حفظ الإمام»و نحو ذلك مما يكون أحد الدليلين متكفلا لما أريد من عقد وضع الآخر،و سيأتي‏في محله:أنّه لا تلاحظ النسبة بين دليل الحاكم و المحكوم و لا قوة الظهورو ضعفه،بل دليل الحاكم يقدّم على دليل المحكوم و إن كانت النسبة بينهماالعموم من وجه أو كان دليل المحكوم في المفاد أظهر من دليل الحاكم،و نتيجةكل حكومة هي التخصيص،فلا ينبغي التأمل في حكومة«حديث الرفع»على‏أدلة الأحكام،و تكون النتيجة تخصيص الأحكام بما عدا عروض العناوين‏الخمسة على موضوعات الأحكام و متعلقاتها،فتأمّل جيّدا.
348
الأمر الخامس:
في بيان عموم النتيجة و أنّ المرفوع في هذه الموارد هل هو جميع الآثارو الأحكام المترتبة على الموضوعات؟أو بعض الآثار؟و هو من أهمّ الأمور التي‏ينبغي البحث عنها في«حديث الرفع»و قبل بيان ذلك ينبغي التنبيه على‏أمرين:
الأوّل:
انّه يعتبر في التمسك بحديث الرفع أمور:الأوّل:أن يكون الأثر الّذي يراد رفعه من الآثار الشرعية التي أمروضعها و رفعها بيد الشارع،لا من الآثار العقلية التي ليس أمر وضعها و رفعهابيد الشارع.الثاني:أن يكون في رفعة منّة و توسعة على العباد،فالأثر الّذي يلزم من‏رفعه التضييق عليهم لا يندرج في عموم الحديث.الثالث:أن يكون الأثر بحسب جعله الأوّلي مترتبا على الموضوع‏لا بشرط عن طروّ العناوين المذكورة في الحديث،أي لم يعتبر في موضوع الأثرعنوان الخطأ و النسيان و نحو ذلك،و إلاّ لم يكن مرفوعا بحديث الرفع،فانّ عنوان‏الموضوع يقتضى وضع الأثر لا رفعه،فلو فرض أنّه قد أخذ في موضوع بعض‏الآثار عنوان خصوص الإكراه أو خصوص الاضطرار أو غير ذلك من أحدالعناوين الخمسة كان ذلك الأثر خارجا عن عموم«حديث الرفع»فهذه‏الأمور الثلاثة ممّا لا بد منها في صحة التمسك بحديث الرفع،و السرّ في اعتبارهاواضح.
الثاني:
إنّ الرفع التشريعي للشي‏ء عبارة عن خلوّ صفحة التشريع‏عنه،و إن كان صفحة التكوين مشغولة به،لعدم المنافاة بين الرفع التشريعي‏و الثبوت التكويني،من غير فرق بين تعلق الرفع بالحكم الشرعي ابتداء أوبالموضوع الخارجي إذا كان الموضوع ذا حكم شرعي،فانّ رفع الموضوع في عالم‏
349
التشريع عبارة من رفع حكمه لا بتقدير في الكلام،بل معنى رفع الموضوع شرعاهو ذلك‏1فمفاد قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع عن أمّتي الخطأ و النسيان»-بحسب ما يقتضيه ظاهر اللفظ أوّلا-هو رفع نفس الخطأ و النسيان و تنزيل‏الصفتين منزلة العدم،فكأنّه لم يقع الخطأ و النسيان خارجا،و معنى عدم وقوع الخطأو النسيان،هو أنّ الفعل الصادر على أحد الوجهين كأن لم يصدر على هذاالوجه.و هذا المعنى بظاهره فاسد،فانّه يلزم على هذا ترتيب آثار العمد على‏الفعل الصادر عن خطأ أو نسيان،و ذلك ينافى الامتنان و التوسعة،فلا بد و أن‏يكون المراد من رفع الخطأ و النسيان رفع الفعل الصادر عن ذلك،يعنى جعل‏الفعل كالعدم و كأنّه لم يصدر عن الشخص و لم يقع،لا أنّ الفعل وقع و حيثيةصدوره عن خطأ أو نسيان لم يكن،ليلزم ترتيب آثار الصدور عن عمد عليه‏حتى ينافى الامتنان،بل لا بد من أن يكون مفاد رفع الخطأ و النسيان رفع أصل‏الفعل الواقع عن نسيان أو خطأ،فتوافق مفاد رفع الخطأ و النسيان مع مفاد رفع‏ما استكرهوا عليه و ما اضطروا إليه و ما لا يطيقونه،فانّ المرفوع في هذه الأمورالثلاثة هو الفعل الّذي وقع عن إكراه أو عن اضطرار إليه أو ما لا طاقة عليه،لارفع صفة الإكراه و الاضطرار.و مقتضى وحدة السياق و المفاد هو أن يكون‏المرفوع في الخطأ و النسيان ذلك،و قد عرفت:أنّ رفع الفعل تشريعا إنّما يكون‏1أقول:رفع ذات الموضوع لا بوصف موضوعيته إذا كان مرجعه إلى خلوّ صفحة التشريع عنه،فمرجعه‏إلى خلوّ صفحة التشريع عن هذا الذات،و مآله إلى خلوّ خطاباته عن هذه الأفعال و اختصاصها بغيرها،و هذا عين‏رفع نفسها تكوينا في طي أحكامه و خطاباته لا مطلقا،و هذا عين المعنى الثالث الّذي أشرنا إليه في الحاشيةالسابقة و قابل للإخبارية أيضا.و لكن الأولى منه الالتزام بالمعنى الثاني:من جعل الرفع في المذكورات تنزيليابلحاظ رفع آثاره.و يمكن حمل كلامه من الرفع التشريعي على ذلك،تبديل المقرّر البيان المعروف من الرفع‏الادعائي إلى الرفع في عالم التشريع ليس إلاّ إخفاء الأمر على الأذهان،و هو نوع من تبعيد المسافة.
350
بلحاظ رفع الآثار و الأحكام،فيقع الكلام حينئذ في أنّ المرفوع عموم الآثار أوبعضها؟11أقول:ينبغي في شرح هذا المرام أن يقال:إنّه بعد اختصاص«حديث الرفع»بما في وضعه خلاف‏الامتنان على الأمة لا رفع أثره مطلقا-إذ لا امتنان في رفع ما لا يكون في وضعه خلاف امتنان عليهم بل لوفرض الامتنان فيه فالمتيقن من«الحديث»رفع هذا المقدار لا كل رفع فيه امتنان و إن لم يكن في وضعه‏خلاف امتنان-فكان«حديث الرفع»من هذه الجهة نظير«لا ضرر»الغير الشامل للمقدم.مع أنّ نفى الحكم‏عنه منّة عليه أيضا،فالخبر لا يكاد يشمل الخطأ و النسيان عن تقصيره و تمكنه من حفظه.نعم:لو بلغ حفظتمكنه عن الوقوع في الأمور المزبورة إلى حد الحرج ربما يشمله«الحديث»إذ في وضعه عليه أيضا خلاف الامتنان‏عليه،و لذا يشمله عموم«لا حرج»أيضا.و من هنا ظهر الحال في«ما لا يطيقون»حرفا بحرف،كما أنّ الاضطرار في التكليفيات لا اختصاص‏في رفعه بصورة التمكن عن حفظه،إذ مع قصوره العقل لا يأبى عن فعلية التكليف و استحقاقه العقوبة،و لذا كان‏وضع التكليف في مورده خلاف الامتنان في حقه،فيشمله«الحديث»بخلاف العناوين السابقة،إذ مع قصورها يأبى‏العقل عن استحقاق العقوبة في موردها،فلا يكون التكليف في وضعه خلاف امتنان،و إنّما يختص ذلك بصورة خاصة،كما أشرنا.و أمّا في الوضعيات:فالظاهر أنّ رفع تأثير المعاملة عن المضطر إليها و لو قصورا خلاف امتنان في حقه،لأنّ في وضعه كمال الامتنان عليه،و عمدة النكتة فيه:أنّ في المعاملات المضطر بها الاضطرار دعاه إلى المعاملة،فأثر المعاملة بالواسطة تنسب إلى الاضطرار الّذي هو مقتضية،فيكون من الموارد التي يترتب الأثر على نفس‏العنوان باقتضائه و«حديث الرفع»أجنبي عن مثلها،و هذا بخلاف موارد الاضطرار على مخالفة التكليف،كما لايخفى.و أمّا المكره عليه:ففي التكليفيات لا مجال للأخذ بإطلاق رفع الإكراه،كيف!و لو أكره على الزنابتوعيده على أخذ مال قليل منه لا يكون ضرره حرجيا عليه-كالقران أو أقل منه-لم يلتزم أحد بجواز ارتكاب الزناأو اللواط أو شرب الخمر،و هكذا لو كان توعيده بأمر مهم و لكن كان متمكنا عن دفعه بوجه يكره عليه إقدامه‏بلا حرج،فانّ هذا المقدار يكفى للحكم بفساد المعاملة لكونه مكرها،و مع ذا لا يكفى في التكليفيات جزما.نعم:لا بأس بالاكتفاء بمطلق صدق الإكراه في المعاملات لأنّ في وضعه خلاف امتنان عليه.لا يقال:إنّ في المقام أيضا الإكراه دعاه إلى المعاملة،فأثر المعاملة بحسب لعنوانه.فانّه يقال:فرق بينه و بين الاضطرار،فانّ في الاضطرار كان الاضطرار مقتضيا لتحصيل مال لمعاش‏عياله،و لا يكون ذلك إلاّ بصحة المعاملة،و في الإكراه ليس الأمر كذلك،بل هو مقتضى لعدم ترتب الأثر،لأنّه‏مقتضى للطيب الّذي هو من أجزاء المقتضى للصحة أو شرائطه،فيخرج مثل هذا الأثر من الآثار التي يكون‏العناوين المزبورة مقتضيا لها.و ما هو مورد انصراف«حديث الرفع»مثل هذه الآثار،لا كل أثر ينسب إلى‏نفسه،و لو كان مفنيا لمقتضيه أو شرطه،و ذلك أيضا عمدة النكتة الفارقة بين الإكراه و الاضطرار.
351
فنقول:الأحكام المترتبة على أفعال العباد،إمّا أن تكون وضعية-كمافي باب العقود و الإيقاعات و الطهارة و النجاسة و أمثال ذلك-و إمّا أن تكون‏تكليفية،و هي إمّا أن تكون مترتبة على الفعل بلحاظ صرف الوجود بحيث لايكون لوجوده الثاني ذلك الأثر،و إمّا أن تكون مترتبة عليه بلحاظ مطلق الوجودبحيث كلّما وجد الفعل كان الأثر مترتبا عليه.ثم إنّ معروض الحكم و الأثر،إمّا أن يكون هو الفعل الصادر عن الفاعل‏بمعنى أنّ الفاعل يكون هو المخاطب بالحكم كحرمة شرب الخمر حيث إنّ‏خطاب«لا تشرب»متوجه إلى شخص الشارب،و إمّا أن يكون الفعل الصادرعن الفاعل علة لتوجّه حكم إلى غير الفاعل،كوجوب إقامة الحد على من شرب‏الخمر،حيث إنّ شرب الخمر من شخص يكون علة لتوجّه خطاب«إقامةو لئن شئت قلت:إنّ الاضطرار مرفوع في خصوص التكليفيات ما لم يكن حفظه حرجيا و لا يشمل‏المعاملات أبدا،و الإكراه مختص بالمعاملات و لا يشمل التكاليف أصلا.نعم:إذا بلغ بحد الحرج في ترك‏ارتكاب المكره عليه كان الأثر أيضا مرفوعا،لكن ذلك أيضا من جهة الحرج لا الإكراه،و لئن شئت فسمّه‏الإكراه أيضا،و لكن لا إطلاق فيه،كما أشرنا.ثم إنّ الأثر المرفوع في المكره ليس إلاّ صحة المعاملة لا الأحكام التكليفية المترتبة على الصحة،إذ هي‏أيضا خلاف امتنان في حق المشتري،لانتهائه إلى كونه مالكا بلا سلطنة،بخلاف المرفوع في البقية،فانّ المرفوع‏فيها نفس التكليف الواقعي المستتبع لنفي إيجاب التحفظ الواصل إلى حد الحرج المستتبع لنفي استحقاق العقوبةعلى مخالفتها.ثم إنّ في رفع التكليف في باب الاضطرار و غيره لا فرق بين كون التكليف متعلقا بالوجود أو العدم‏و بين كون الاضطرار متعلقا بالوجود أو العدم،إذ مرجع الجميع إلى رفع التكليف عما اضطر على خلاف مقتضاه‏نفيا أو إثباتا،و سيجي‏ء توضيح المقال في الحاشية الآتية.و أمّا في«ما لا يعلمون»فالمرفوع فيه ما كان في ظرف الجهل،و ليس هو إلاّ إيجاب الاحتياط،و لا مجال‏في المقام لتعلق الرفع بنفس التكليف الواقعي،حتى في صورة الانفتاح،إذ لا يكون ما في وضعه عليه خلاف‏امتنان،فله إبقاء حكم عقله بالاحتياط أو الفحص،فرفع هذا الحكم بقلب موضوعه،حيث إنّه تعليقي،و لايحتاج رفعه برفع نفس التكليف الواقعي،كما أنّه في القاصر كان المرفوع إيجاب احتياطه شرعا بلا رفع‏التكليف الواقعي إلاّ عناية و تنزيلا.و نتيجة جميع المرفوعات بالأخرة رفع المؤاخذة عما كان لو لا«حديث الرفع»و لئن تتأمل فيما ذكرنا ترى ما في كلمات الماتن المقرّر مواقع النّظر،فتدبر.
352
الحد»إلى الحاكم المقيم للحد.فهذه جملة الأحكام و الآثار المترتبة على أفعال‏العباد.فان كان الحكم من الأحكام التكليفية و كان مترتبا على الفعل‏بلحاظ مطلق الوجود و كان الفاعل هو المخاطب بالحكم،فلا إشكال في سقوطالحكم إذا صدر الفعل عن إكراه أو اضطرار أو نسيان أو خطأ،فانّ نتيجة رفع‏الفعل الصادر على هذا الوجه في عالم التشريع هو ذلك،فمن شرب الخمر عن‏إكراه أو اضطرار لم يكن فعله حراما شرعا،و لا يخرج بذلك عن العدالة لو كان‏واجدا لها قبل الشرب،لأنّ الشرب عن إكراه كالعدم،و الحكم تابع لموضوعه،فرفع الموضوع يقتضى رفع الحكم،فلا حرمة،و هو واضح.و إن كان الأثر مترتبا على الفعل بلحاظ صرف الوجود،فان أكره‏المكلف على الفعل أو اضطر إليه،فهذا يختلف حسب اختلاف الآثار،فقديكون الأثر من الآثار التي لا تقتضي المنّة رفعه،كمن نذر أن يكرم عالما فأكره‏على الإكرام أو اضطر إليه،فانّه لا يصح أن يكون الإكرام المكره عليه مشمولالحديث الرفع،لأنّ فرض الإكرام كالعدم و جعله كأن لم يكن يقتضى عدم‏تحقق الامتثال و وجوب الإكرام عليه ثانيا،و ذلك ينافى الامتنان.و قد يكون‏الأثر من الآثار التي تقتضي المنّة رفعه،كما لو نذر المكلف أن لا يكرم شخصاخاصا أولا يشرب ماء الدجلة فأكره على الإكرام أو الشرب،فانّ رفع مايترتب على الإكرام و الشرب من الحنث و الكفارة يوافق المنّة،فيصح أن يقال:إنّ الإكرام كذلك إكرام و جعله كالعدم لرفع ما يترتب عليه من الحنث‏و الكفارة.و إن أكره المكلف على الترك أو اضطر إليه أو نسي الفعل:ففي شمول‏«حديث الرفع»لذلك إشكال،مثلا لو نذر أن يشرب من ماء الدجلة فأكره‏على العدم أو اضطر إليه أو نسي أن يشرب،فمقتضى القاعدة وجوب الكفارةعليه لو لم تكن أدلة وجوب الكفارة مختصة بصورة تعمد الحنث و مخالفة النذر
353
عن إرادة و التفات،فانّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم،لا تنزيل‏المعدوم منزلة الموجود،لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعا لا رفعا،و المفروض أنّ المكلف قد ترك الفعل عن إكراه أو نسيان فلم يصدر منه أمروجودي قابل للرفع،و لا يمكن أن يكون عدم الشرب في المثال مرفوعا و جعله‏كالشرب،حتى يقال:إنّه لم يتحقق مخالفة النذر فلا حنث و لا كفارة.و الحاصل:أنّه فرق بين الوضع و الرفع،فانّ الوضع يتوجه على المعدوم‏فيجعله موجودا و يلزمه ترتيب آثار الوجود على الموضوع،و الرفع يتوجه على‏الموجود فيجعله معدوما و يلزمه ترتيب آثار العدم على المرفوع،فالفعل الصادر من‏المكلف عن نسيان أو إكراه يمكن ورود الرفع عليه و جعله كأن لم يصدر،فلايترتب عليه آثار الوجود إن كان ذلك موافق للتوسعة و الامتنان،و أمّا الفعل‏الّذي لم يصدر من المكلف و كان تاركا له عن نسيان و إكراه فلا محل للرفع‏فيه‏1لأنّ رفع المعدوم لا يمكن إلاّ بالوضع و الجعل،و«حديث الرفع»لايتكفل الوضع،بل مفاده الرفع.و من هنا يظهر:أنّه لا يمكن تصحيح العبادة الفاقدة لبعض الأجزاءو الشرائط لنسيان أو إكراه و نحو ذلك بحديث الرفع،فانّه لا محل لورود الرفع‏على السورة المنسيّة في الصلاة مثلا لخلوّ صفحة الوجود عنها،مضافا إلى أنّ الأثرالمترتب على السورة ليس هو إلاّ الإجزاء و صحة العبادة،و مع الغض عن أنّ‏الإجزاء و الصحة ليست من الآثار الشرعية التي تقبل الوضع و الرفع لا يمكن‏أن يكون رفع السورة بلحاظ رفع أثر الإجزاء و الصحة،فانّ ذلك يقتضى عدم‏الإجزاء و فساد العبادة،و هذا ينافى الامتنان و ينتج عكس المقصود،فانّ‏1أقول:لنا مجال السؤال بنذر شرب أحد المائعين إجمالا و اضطر بترك أحد الطرفين معيّنا أو غيرمعيّن،فهل أحد في البين يلتزم بلزوم امتثال الطرفين؟ما أظن التزامك به أيضا،بل تلتزم بالتكليف التوسطي،و هل هذا من غير جهة الاضطرار؟
354
المقصود من التمسك بحديث الرفع تصحيح العبادة لا فسادها،فنفس الجزء أوالشرط المنسيّ موضوعا و أثرا لا يشمله«حديث الرفع»و لا يمكن التشبث به‏لتصحيح العبادة.و أمّا بالنسبة إلى المركّب الفاقد للجزء أو الشرط المنسيّ:فهو و إن كان‏أمرا وجوديا قابلا لتوجه الرفع إليه،إلاّ أنّه أوّلا:ليس هو المنسيّ أو المكره عليه‏ليتوجه الرفع إليه،و ثانيا:لا فائدة في رفعه،لأنّ رفع المركّب الفاقد للجزء أوالشرط لا يثبت المركّب الواجد له،فانّ ذلك يكون وضعا لا رفعا،و ليس للمركّب‏الفاقد للجزء أو الشرط أثر يصح رفع المركّب بلحاظه،فانّ الصلاة بلا سورةمثلا لا يترتب عليها أثر إلاّ الفساد و عدم الإجزاء و هو غير قابل للرفع الشرعي.و من ذلك يظهر فساد ما قيل:من أنّ المرفوع في حال النسيان إنّما هوجزئية المنسيّ للمركّب،و ما أشكل عليه:من أنّ الجزئية لا تقبل الجعل فلاتقبل الرفع،و ما أجيب عن ذلك:من أنّ الجزئية مجعولة بتبع جعل منشأ انتزاعهافتقبل الرفع برفع منشأ الانتزاع.فانّ ذلك كلّه خروج عن مفروض الكلام و لا ربط له بالمقام،لأنّ‏جزئية الجزء لم تكن منسيّة و إلاّ كان ذلك من نسيان الحكم،و محل الكلام إنّماهو نسيان الموضوع و نسيان قراءة السورة مثلا،فلم يتعلق النسيان بالجزئية حتى‏يستشكل بأن الجزئية غير مجعولة فيجاب بأنّها مجعولة بجعل منشأ الانتزاع.و الحاصل:أنّ الإشكال في شمول«حديث الرفع»للجزء المنسيّ‏ليس من جهة عدم قابلية الجزء للرفع الشرعي،إذ لا إشكال في أنّه عند الشك‏في جزئية شي‏ء للمركب أو شرطيته تجري فيه البراءة الشرعية و يندرج في قوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»بل الإشكال إنّما هو من جهة أنّه‏عند ترك الجزء نسيانا مع العلم و الالتفات بجزئيته ليس في البين ما يرد الرفع‏الشرعي عليه من حيث الموضوع و الأثر،فلا يمكن تصحيح العبادة الفاقدةللجزء أو الشرط بمثل«حديث الرفع»بل لا بد من التماس دليل آخر على‏
355
الصحة،و هو في الصلاة قوله عليه السّلام «لا تعاد الصلاة إلاّ عن خمس».و على ذلك يبتنى جملة من القواعد التي تسالم عليها الأصحاب في باب‏الخلل الواقع في الصلاة،من جملتها:أنّه لو كان المنسيّ من الأركان فما لم يدخل‏المصلّي في ركن آخر يجب عليه العود لتدارك الركن المنسيّ و مع الدخول في‏ركن آخر تبطل الصلاة،بخلاف ما إذا كان المنسيّ من غير الأركان،فانّه لاتبطل الصلاة بنسيانه و إن دخل في ركن آخر،بل إن كان الجزء من الأجزاءالتي يجب قضائها بعد الصلاة يقتضى،و إلاّ فلا شي‏ء عليه إلاّ سجدتا السهو،و نحو ذلك من الفروع و القواعد التي تستفاد من«حديث لا تعاد»و قد استقصيناالكلام فيها في«رسالة الخلل».و لو كان المدرك في صحة الصلاة الفاقدة للجزء أو الشرط نسيانا«حديث الرفع»كان اللازم صحة الصلاة بمجرد نسيان الجزء أو الشرط مطلقامن غير فرق بين الأركان و غيرها،فانّه لا يمكن استفادة التفصيل من«حديث‏الرفع».و يؤيد ذلك:أنّه لم يعهد من الفقهاء التمسك بحديث الرفع لصحةالصلاة و غيرها من ساير المركّبات.هذا إذا كان النسيان مستوعبا في تمام الوقت المضروب للمركّب،و أمّا في النسيان الغير المستوعب فالأمر فيه أوضح،فانّه لا يصدق نسيان المأمور به‏عند نسيان الجزء في جزء من الوقت مع التذكر في بقية الوقت،لأنّ المأمور به‏هو الفرد الكلي الواجد لجميع الأجزاء و الشرائط و لو في جزء من الوقت الّذي‏يسع فعل المأمور به،فمع التذكر في أثناء الوقت يجب الإتيان بالمأمور به لبقاءوقته-لو كان المدرك حديث الرفع-لأنّ المأتي به الفاقد للجزء أو الشرط لاينطبق على المأمور به،فلو لا«حديث لا تعاد»كان اللازم هو إعادة الصلاةالفاقدة للجزء نسيانا مع التذكر في أثناء الوقت.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّه في كل مورد مسّت الحاجة إلى تنزيل الفاقدمنزلة الواجد لا بد من التماس دليل آخر غير«حديث الرفع»كما أنّه في كل‏
356
مورد مسّت الحاجة إلى تنزيل الواجد منزلة الفاقد يتمسك لذلك بحديث‏الرفع‏1و من هنا يمكن أن يفرق بين الأجزاء و الشرائط و بين الموانع و أنّه في‏صورة إيجاد المانع نسيانا يصح التمسك بحديث الرفع إذا كان النسيان مستوعبالتمام الوقت،فتأمّل جيّدا.هذا كلّه في الأحكام التكليفية.و أمّا الأحكام الوضعيّة-كالعقودو الإيقاعات و الطهارة و النجاسة-فالكلام فيها تارة:يقع في الأسباب:الإيجاب‏و القبول مثلا،و أخرى:في المسبّبات،و ثالثة:في الآثار و الأحكام المترتبة على‏المسبّبات.أمّا الأسباب:فمجمل الكلام فيها،هو أنّ وقوع النسيان و الإكراه أوالاضطرار في ناحية الأسباب لا تقتضي تأثيرها في المسبّب و لا تندرج في‏«حديث الرفع»لما تقدم في باب الأجزاء و الشرائط:من أنّ«حديث الرفع»لا يتكفل تنزيل الفاقد منزلة الواجد و لا يثبت أمرا لم يكن،فلو اضطر إلى إيقاع‏1أقول:المستفاد من رفع ما اضطروا إليه إذا كان بقوله رفعه تشريعيا-و معنى رفعه التشريعي خلوّصفحة التشريع عنه-مرجعه إلى عدم تشريع الحكم له أو عدم أخذه موضوعا لحكمه،لا أنّ مرجعه إلى قلب الوجود بعدم‏ذاته،أو قلب العدم بوجود ذاته،بل غاية اقتضائه قلب أخذ في طي التشريع بعدم أخذه،و في هذا المعنى لا فرق‏بين كون الموضوع فعلا أو تركا و أنّ المضطر إليه فعل أو ترك،إذ كما أنّ رفع الوجود تشريعا يرجع إلى خلوّ صفحةالتشريع عن هذا الوجود،كذلك رفع العدم تشريعا إلى خلوّ صفحة التشريع عن هذا العدم،و مآله إلى رفع الحكم‏المترتب على هذا العدم،لا جعله وجودا،كي يرجع إلى وضع شي‏ء لا يناسب رفعه.و لذا لم يتوهّم أحد في مسألة الاضطرار بترك أحد طرفي العلم-خصوصا إذا كان معيّنا-بوجوب الإتيان‏بكل الطرفين تحصيلا للموافقة القطعية.و حينئذ فلا قصور في شمول«الحديث»للسورة المنسيّة،و مرجعه إلى إخراجها عن الجزئية لا جعلها بمنزلةالوجود،إذ معنى خلوّ صفحة التشريع عنه هو الأوّل لا الثاني.نعم:هذا المقدار لو كان مستوعبا في الوقت لايقتضى الإجزاء،إذا معنى رفعه ما دام النسيان عدم كونه تحت التكليف الّذي هو منشأ انتزاع الجزئية ما دام‏النسيان،و أمّا كونه واجدا لمصلحة الواقع فلا،فانّه لا يكون تحت الرفع تشريعا،إذ ليس أمر رفعه و وضعه بيدالشرع،و حينئذ فالمصلحة المقتضية للجزئية باقية،فبعد رفع النسيان يؤثر المصلحة في خارج الوقت أثره،كما لو لم‏يكن في البين«حديث رفع»و هذا نكتة عدم تشبثهم بمثل«حديث الرفع»لتصحيح المنسيّات جزءا أو شرطا أومانعا،فتدبر.
357
العقد بالفارسية أو أكره عليه أو نسي العربية كان العقد باطلا بناء على‏اشتراط العربية في العقد،فانّ رفع العقد الفارسي لا يقتضى وقوع العقدالعربي‏1و ليس للعقد الفارسي أثر يصح رفعه بلحاظ رفع أثره،و شرطيةالعربية ليست هي المنسيّة حتى يكون الرفع بلحاظ رفع الشرطية.و أمّا المسبّبات:فهي على قسمين:فانّها تارة:تكون من الأمورالاعتبارية ليس لها ما بحذاء في وعاء العين،بل وعائها وعاء الاعتبار-كالملكيةو الزوجية و الرقّية و نحو ذلك من الوضعيات الاعتبارية التي أمضاها الشارع-و أخرى:تكون من الأمور الواقعية التي كشف عنها الشارع-كالطهارةو النجاسة الخبثية-على احتمال قوّاه الشيخ(قدس سره)و إن ضعّفناه نحن في‏محله،و يأتي بيانه في مبحث الاستصحاب.أمّا القسم الأوّل:فهو بنفسه ممّا تناله يد الوضع و الرفع التشريعي،على ماهو الحق عندنا:من أنّ هذا القسم من الأحكام الوضعيّة يستقل بالجعل و ليس‏منتزعا من الأحكام التكليفية،فلو فرض أنّه أمكن أن يقع المسبّب عن إكراه‏و نحوه كان للتمسك بحديث الرفع مجال‏2فينزّل المسبّب منزلة العدم و كأنّه لم‏1أقول:قد أشرنا-في الحاشية السابقة-أنّ مرجع رفع المضطر إليه إذا كان من التروك خلوّ صفحةالتشريع عن مثله،و مآله إلى خروج هذا الترك عن حيّز تشريع الجاعلية،و لازم تطبيقه على عدم العربية الموجبةلتشريع الفساد به-بملاحظة دخل نقيضه في الصحة-هو أنّ هذا العدم ما شرّع في مورد الفساد الملازم لعدم كون‏نقيضه دخيلا في الصحة،لا أنّ مفاد رفعه جعله منزلة الوجود كي يرد عليه ما أفيد،و حينئذ ليس وجه عدم‏جريانهم مثل«حديث الرفع»بجميع فقراته في أبواب المعاملات حتى في فرض الاضطرار بإيجاد المانع الغيرالجاري فيه هذا التقريب باعترافه،بل عمدة الوجه في أنّ قضية نفى الشرطية أو غيره في المعاملة إيجاب الوفاءبالفاقد،و هو خلاف الامتنان في حق المكلف.و لذا نفرق بين شرائط الوجوب و شرائط الواجب و أنّ«الحديث»مختص بالثاني دون الأوّل،لما عرفت:من أنّ لازم نفى شرط الوجوب إثبات الوجوب على المكلف على خلاف امتناعه،كما لا يخفى،فتدبر.2أقول:هذا التقريب بعينه يجي‏ء في الاضطرار،و لم يلتزم أحد فيه فساد المعاملة،فلا بد من بيان‏فارق بينهما،كما شرحناه في الحاشية السابقة.
358
يقع،و يلزمه عدم ترتيب الآثار المترتبة على المسبّب:من حلية الأكل و جوازالتصرف في باب العقود و الإيقاعات.لا أقول:إنّ الرفع تعلق بالآثار،بل تعلق بنفس المسبّب،لأنّه بنفسه‏ممّا تناله يد الرفع،و لكن رفعه يقتضى رفع الآثار،لارتفاع العرض بارتفاع‏موضوعه،و لكن فرض وقوع المسبّب عن إكراه و نحوه في غاية الإشكال‏1فانّ‏الإكراه إنّما يتعلق بإيجاد الأسباب،و قد ذكرنا في«كتاب البيع»ما قيل و مايمكن أن يقال في المقام.و أمّا القسم الثاني:و هو ما إذا كان المسبّب من الأمور الواقعية التي‏كشف عنها الشارع-كالطهارة و النجاسة-فهو ممّا لا تناله يد الرفع و الوضع‏التشريعي‏2لأنّه من الأمور التكوينية و هي تدور مدار وجودها التكويني متى‏تحققت و وجدت،لا تقبل الرفع التشريعي،بل رفعها لا بد و أن يكون من سنخ‏وضعها تكوينا.نعم:يصح أن يتعلق الرفع التشريعي بها بلحاظ ما رتب عليهامن الآثار الشرعية.و لا يتوهّم:أنّ لازم ذلك عدم وجوب الغسل على من أكره على‏الجنابة أو عدم وجوب التطهير على من أكره على النجاسة،بدعوى:أنّ الجنابةالمكره عليها و إن لم تقبل الرفع التشريعي إلاّ أنّها باعتبار ما لها من الأثر-و هوالغسل-قابلة للرفع،فانّ الغسل و التطهير أمران وجوديان قد أمر الشارع بهما1أقول:لا بأس به بناء على ما هو التحقيق:من أنّ الأمر بالمسبّب لا يرجع إلى السبب،كما بيّناه في‏محله.2أقول:إذا كان معنى الرفع التشريعي ما أفاده سابقا:من خلوّ صفحة التشريع عنه،فلا مانع من‏تعلقه بالأمور الواقعية التكوينية،غاية الأمر نتيجة رفعه تشريعا رفع أثره الشرعي،كما لا يخفى.و من هنا ظهر:أنّه‏لا يبقى مجال لقوله:«نعم»بعد هذا الكلام،إذ لا معنى للرفع التشريعي إلاّ هذا المعنى،و حينئذ أيّ شي‏ء منفي‏غير ما أثبت هنا؟.
359
عقيب الجنابة و النجاسة مطلقا،من غير فرق بين الجنابة و النجاسة الاختياريةو غيرها1فتأمّل،فانّ المقام يحتاج إلى بسط من الكلام لا يسعه المجال،و البحث عن ذلك وقع استطرادا.و المقصود الأصلي بالبحث هو البحث عن مفاد قوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»فانّه هو المدرك في البراءة الشرعية،و قد عرفت:أنّ الرفع في«ما لا يعلمون»يغاير الرفع في البقية،فانّ الرفع في‏البقية رفع واقعي ينتج نتيجة التخصيص الواقعي-بالبيان المتقدم-و الرفع في«ما لايعلمون»رفع ظاهري ينتج عدم وجوب الاحتياط في موارد الشك و الشبهات‏-على ما تقدم بيانه بما لا مزيد عليه-و الغرض من إعادة الكلام فيه هو بيان مايندرج في قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»من الشبهات.فنقول:المشكوك فيه تارة:يكون هو التكليف النفسيّ الاستقلالي،كالشك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و كالشك في حرمة تصوير الصورالمجردة من ذوات الأرواح.و أخرى:يكون هو التكليف الغير الاستقلالي‏-كالشك في جزئية شي‏ء للمأمور به أو شرطيته أو مانعيته.و ثالثة:يكون في‏1أقول:ما أدري جواب التوهّم السابق أين صار؟فان كان قوله«فانّ الغسل و التطهير أمران‏وجوديان»إلى قوله«فتأمل»جوابا،فهو غلط،فانّ الأمر في كل مورد يشمله«الحديث»بإطلاق دليله شامل‏لصورة الاختيار و الاضطرار،و بالاضطرار أو الإكراه يرتفع،فالأولى حينئذ:الالتزام بالإشكال،و يلتزم بأنّه في‏مورد الاضطرار على الجنابة ينتقل التكليف من الغسل إلى التيمم،كما أنّ في مورد الاضطرار على ارتكاب‏النجس يرتفع وجوب الغسل أو حرمة شرب النجس،بلا محذور فيه و لا احتياج إلى حوالة المقام ببسط الكلام فيه‏في مقام آخر.ثم إنّ من العجب أنّ المقرّر لم ما ثبت في الجواب عن توهّمه بما أسّسه من الأساس؟بتوضيح أنّ وجوب‏الغسل في النجاسة و كذا وجوب الغسل في الجنابة من آثار الطهارة الخبثية و الحدثية و إسناده إليها بالعرض و المجاز،لأنّهما من مقدمات الطهارة الملازم لرفع الجنابة و النجاسة،و حينئذ فحديث الرفع لا يشملهما من حيث عنوان‏الإكراه على الجنابة و النجاسة،و حينئذ لا يبقى في البين إلاّ عنوان ترك الطهارة حدثية أو خبثية،و«حديث‏الرفع»باعترافه لا يشمل التروك.
360
المحصّلات و الأسباب العقلية أو العادية أو الشرعية الاختراعية أو الإمضائية،كالشك في اعتبار الغسلة الثانية في التطهير من النجاسة الخبثية،و كالشك في‏اعتبار أن يكون المسح ببلّة الوضوء-بناء على أن تكون الغسلات و المسحات في‏باب الطهارة الخبثية و الحدثية من المحصّلات و الأسباب لا أنّها بنفسها و بماهي هي متعلقات التكليف،و كالشك في اعتبار العربية و الماضوية في العقد و نحوذلك ممّا كان الشك فيما هو السبب و المحصّل لمتعلق التكليف أو الوضع.فان كان الشك في التكليف النفسيّ الاستقلالي،فهذا هو المتيقن في‏اندراجه في قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»سواء كانت الشبهةوجوبية أو تحريمية،و سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.و قد تقدم ضعف‏الإشكال في عموم«حديث الرفع»للشبهات الحكمية و الموضوعية،و سيأتي مزيدتوضيح لذلك.و إن كان الشك في التكليف الغير الاستقلالي،فهذا هو المبحوث عنه‏في باب الأقل و الأكثر الارتباطي،و سيأتي البحث عنه بما لا مزيد عليه في‏مبحث الاشتغال،و أنّ الأقوى شمول«حديث الرفع»له.و إن كان الشك في الأسباب و المحصّلات،فالأقوى:أنّها بجميع‏أقسامها لا تجري فيها البراءة و لا يعمّها«حديث الرفع»و إن حكى عن بعض‏الأعلام جريان البراءة في خصوص الأسباب الشرعية،كالغسلات و المسحات‏في باب الطهارة الخبثية و الحدثية،بناء على أن تكون الغسلات و المسحات من‏الأسباب و المحصّلات و أنّ المأمور به في باب الطهارة الخبثية هو إفراغ المحل عن‏القذارة الظاهرية فيكون الغسل سببا لذلك،و في باب الطهارة الحدثية هوتطهير الباطن عن القذارة المعنوية الحاصلة من الأحداث و الغسلات و المسحات‏أسباب لذلك،لا أنّ المأمور به نفس الغسلات و المسحات و تطهير الباطن حكمةللأمر بها،و سيأتي البحث عن ذلك أيضا(إن شاء اللّه تعالى)في مبحث‏الاشتغال.
361
و على ذلك يبتنى الخلاف المعروف في باب الوضوء:من أنّه هل يعتبرفي الوضوء مع عدم القصد إلى إحدى الغايات الواجبة أو المستحبة قصد رفع‏الحدث أو الكون على الطهارة؟أو لا يعتبر قصد ذلك؟بل يكفى مجرد قصدأفعال الوضوء من الغسلات و المسحات بقصد امتثال الأمر المتعلق بها،فان‏قلنا:إنّ المأمور به هو نفس الغسلات و المسحات،فلا يعتبر قصد رفع الحدث أوالكون على الطهارة.و إن قلنا:إنّ المأمور به هو الطهارة و تلك الأفعال محصّلات‏لها،فلا بد مع عدم قصد إحدى الغايات من قصد الكون على الطهارة،لأنّ‏قصد حقيقة المأمور به ممّا لا بد منه في كل عبادة.و منشأ الخلاف:هو وقوع كل من التطهير و الأفعال في حيّز الطلب في‏«القرآن المجيد».فمن الأوّل:قوله تعالى:«و إن كنتم جنبا فاطّهروا» (1) بضميمة عدم‏الفرق بين الوضوء و الغسل في ذلك.و من الثاني قوله تعالى:«إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم‏و أيديكم»الآية (2) .فمن قال:بأنّه يعتبر في الوضوء قصد الكون على الطهارة و أنّها من‏المسبّبات التوليدية للأفعال حمل الأمر بالأفعال في آية الوضوء على أنّ الأمر بهالأجل كونها محصّلة للطهارة لا من حيث هي هي،فانّه في المسبّبات التوليديةيصح تعلق الأمر بكل من المسبّب و السبب لكن لا بما هو هو،بل بما أنّه يتولدمنه المسبّب،و هذا إذا كان الربط بين السبب و المسبّب على وجه يكون الأمربالسبب عين الأمر بالمسبّب عرفا،كما لو أمر بالإلقاء في النار،فانّ الأمر به‏عرفا أمر بالإحراق.و الظاهر أن تكون جميع الأسباب و المسبّبات التوليدية من‏هذا القبيل.
1)سورة المائدة الآية 6
2)سورة المائدة الآية 6

362
و من قال:إنّه لا يعتبر في الوضوء قصد الكون على الطهارة1حمل‏الأمر بالتطهير في آية الغسل على أنّ المراد منه نفس الأفعال لا المعنى الحاصل‏منها و يكون التطهير من قبيل الحكم و المصالح،و يؤيّد ذلك ما ورد في بعض‏الأخبار:من«أنّ اللّه تعالى إنّما أمر بالوضوء ليكون العبد متطهرا بين يدي اللّه‏تعالى»2فانّ الظاهر منه هو أن تكون الطهارة من الخواصّ و الآثار المترتبة على‏أفعال الوضوء،لا أنّها من المسبّبات التوليدية،و ذكرنا-في مبحث الاشتغال-الفرق بين المسبّبات التوليدية و المقدمات الإعدادية،و أنّ باب المصالح و المفاسدليست من المسبّبات التوليدية،بل إنّما هي من الخواصّ و الآثار المترتبة على‏متعلقات التكاليف،فراجع ذلك المبحث،فانّه قد استوفينا الكلام فيه بمالا مزيد عليه،و غرضنا في المقام مجرد الإشارة،فلا فائدة في تكرار الكلام في‏ذلك،مع أنّه أمامنا مباحث مهمة ينبغي صرف عنان الكلام فيها،و لعلّ اللّه‏يوفّقنا للتعرض إلى جملة مما يتعلق بلباس المشكوك من المباحث النفيسة التي‏أفادها شيخنا الأستاذ(مد ظله)ما لم تخطر ببال من سبقه من الأعلام.و قد تحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ دلالة قوله صلّى اللّه عليه و آله‏«رفع ما لا يعلمون»على ما هو محل البحث بين الأصوليّين و الأخبارييّن-و هوجواز الاقتحام في الشبهات التحريمية-في غاية الوضوح.1أقول:لو قلنا في باب الوضوء:إنّه من المطلوبات النفسيّة علاوة عن مطلوبيتها غيريا-كما قيل به في‏الغسل-فما أفيد من ابتناء النزاع في لزوم قصد الغاية و عدمه في غاية المتانة،و حينئذ يكون الوضوء بنفسه عبادةوقعت مقدمة لعبادة أخرى.و أما لو قلنا بأنّه ممحض في المطلوبية الغيرية و أنّ عباديته من جهة دعوة أمره الغيري‏إليه بلا أمر آخر نفسي فيه،فربما يكون منشأ النزاع السابق شي‏ء آخر،و هو أنّ دعوة الأمر الغيري هل يمكن بلاقصد التوصل به إلى الغير؟أو لا يمكن إلاّ مع القصد المزبور؟فعلى الأوّل:لا يجب قصد الغاية،بخلافه على‏الثاني،فانّه لا يمكن الامتثال به إلاّ مع قصد الغاية،حتى بناء على كون الوضوء مقدمة لا الكون على الطهارة،فراجع المسألة في محله و تدبر.2الوسائل:الباب 1 من أبواب الوضوء الحديث 9 و لفظ الحديث«إنما امر بالوضوء و بدئ به لأن‏يكون العبد طاهرا إذا قام بين يدي الجبّار»الحديث‏
363
و قد استدل للبراءة بأخبار اخر،أظهرها دلالة قوله عليه السّلام‏«كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى» (1) و الاستدلال به مبنىّ على أن يكون«الورود»بمعنى الوصول إلى‏المكلفين،لا الورود المقابل للسكوت،و إلاّ كان مفاده أجنبيا عن محل البحث،فانّ الورود المقابل للسكوت،هو بمعنى الجهل بالتشريع،فيكون مفاد الحديث‏المبارك:«كل شي‏ء مطلق و الناس منه في سعة ما لم يبيّن اللّه تعالى حكمه»أي ما دام مسكوتا عنه،كما ورد في الخبر:«إنّ اللّه تعالى سكت عن أشياء لم‏يسكت عنها نسيانا»الخبر (2) و أين هذا ممّا هو مورد البحث من الشك في‏التكليف بعد تبيّن الأحكام و تبليغها إلى الأنام و عروض الاختفاء لبعضهالبعض موجبات الاختفاء!و قد استدل على البراءة بقوله عليه السّلام «كل شي‏ء فيه حلال‏و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه»أو«حتى تعرف الحرام منه‏بعينه»على اختلاف النسخ‏ (3) و قوله عليه السّلام:«كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام‏بعينه‏ (4) و لا يخفى:ظهور كلمة«فيه»و«منه»و«بعينه»في الانقسام‏و التبعيض الفعلي-أي كون الشي‏ء بالفعل منقسما إلى الحلال و الحرام-بمعنى‏أن يكون قسم منه حلالا و قسم منه حراما و اشتبه الحلال منه بالحرام و لم يعلم‏أنّ المشكوك من القسم الحلال أو الحرام،كاللحم المطروح المشكوك كونه من‏الميتة أو المذكّى،أو المائع المشكوك كونه من الخل أو الخمر،فانّ اللحم أو المائع‏
1)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 60
2)نهج البلاغة قصار الحكم 105
3)الوسائل:الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1
4)الوسائل:الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4

364
بالفعل منقسم إلى ما يكون حلالا و إلى ما يكون حراما،و ذلك لا يتصور إلاّ في‏الشبهات الموضوعية.و أمّا الشبهات الحكمية:فليس القسمة فيها فعلية و إنّما تكون القسمةفيها فرضية،-أي ليس فيها إلاّ احتمال الحل و الحرمة-فانّ شرب التتن الّذي‏فرض الشك في كونه حلالا أو حراما ليس له قسمان:قسم حلال و قسم‏حرام،بل هو إمّا أن يكون حراما و إمّا أن يكون حلالا،فلا يصح أن يقال:إنّ‏شرب التتن فيه حلال و حرام،إلاّ بضرب من التأويل و العناية التي لا يساعدعليها ظاهر اللفظ.فكلمة«فيه»ظاهرة في اختصاص الحديث في الشبهات الموضوعية،و كذا كلمة«بعينه»فانّ معرفة الشي‏ء بعينه إنّما يكون في الموضوعات‏الخارجية1و لا معنى لأن يقال:حتى تعرف الحكم بعينه.و من ذلك يظهر:اختصاص قوله عليه السّلام «كل شي‏ء لك‏حلال حتى تعرف الحرام بعينه»بالشبهات الموضوعية،فانّه لو لا كلمة«بعينه»كان الخبر عامّا للشبهات الحكمية و الموضوعية،كقوله عليه السّلام «كل‏شي‏ء لك طاهر حتى تعلم أنّه قذر»و لكن لفظة«بعينه»توجب ظهور الخبر في‏الشبهات الموضوعية.و قد استدل للبراءة بقوله صلّى اللّه عليه و آله «الناس في سعة ما لايعلمون»2و في دلالته تأمّل إلاّ على بعض الوجوه.1أقول:معنى معرفة الحرام بعينه تشخيص الحرام من الحلال،لا تشخيصه خارجا،فلا قصور في‏شمول الحديث-لو لا الأمثلة في ذيله-للشبهات الحكمية،هذا مع إمكان حمل«بعينه»على بيان التأكيد لموضوع‏الحرمة و أنّه حقيقة معروضها،لا أنّه من توابع المعروض،فيرتفع حينئذ الإشكال رأسا.نعم:العمدة في هذه الرواية الأمثلة الواقعة في ذيلها،و الّذي يسهّل الخطب أنّ هذه الأمثلة لا يناسب‏«قاعدة الحلية»حتى على اختصاصها في الشبهات الموضوعية،فلا بد من التفصي عنها على كلا التقديرين،كما لايخفى.2مستدرك الوسائل:الباب 12 من أبواب مقدمات الحدود الحديث 4.لفظ الحديث فيه«...ما لم يعلموا»
365
و الإنصاف:أنّ أظهر ما استدل به على البراءة من الأخبار هو«حديث الرفع»و فيه الكفاية.و أمّا الإجماع:فقد أفاد الشيخ(قدس سره)في تقريره وجوها.و لكن الّذي ينفع منه في المقام هو إجماع العلماء كافة من الأصوليين‏و الأخباريين على البراءة،و الإجماع على هذا الوجه لم ينعقد،بل هو مقطوع‏العدم،كيف!و جلّ الأخباريين ذهبوا إلى وجوب الاحتياط في الشبهةالتحريمية الحكمية التي هي مورد البحث،و لا يمكن دعوى عدم قدح مخالفتهم في‏تحقق الإجماع مع أنّ جملة منهم من أجلاّء الأصحاب و أعيانهم.و أمّا بقية تقريرات الإجماع:فلا يمكن الركون إليها و الاعتماد عليها،بحيث تقدم أو تعارض ما سيأتي من الوجوه التي تمسك بها الأخباريون على‏وجوب الاحتياط،لو تمت دلالتها و سلمت عن المناقشة في حد نفسها.و أمّا العقل:فحكمه بالبراءة ممّا لا يكاد يخفى،لاستقلاله بقبح العقاب بلا بيان‏واصل إلى المكلف بعد إعمال العبد ما تقتضيه وظيفته من الفحص عن حكم‏الشبهة و اليأس عن الظفر به في مظانّ وجوده،و لا يكفى في صحة المؤاخذةو استحقاق العقوبة مجرد البيان الواقعي مع عدم وصوله إلى المكلف،فانّ وجودالبيان الواقعي،كعدمه غير قابل لأن يكون باعثا و محركا لإرادة العبد ما لم يصل‏إليه و يكون له وجود علمي.فتوهّم:أنّ البيان في موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هوالبيان الواقعي-سواء وصل إلى العبد أو لم يصل-فاسد،فانّ العقل و إن استقل‏بقبح العقاب مع عدم البيان الواقعي،إلاّ أنّ استقلاله بذلك لمكان أنّ مبادئ‏الإرادة الآمرية بعد لم تتمّ،فلا إرادة في الواقع،و مع عدم الإرادة لا مقتضى‏لاستحقاق العقاب،لأنّه لم يحصل تفويت لمراد المولى واقعا،بخلاف البيان‏
366
الغير الواصل فانّه و إن لم يحصل مراد المولى وفات مطلوبه واقعا،إلاّ أنّ فواته لم‏يستند إلى المكلف بعد إعمال وظيفته،بل فواته إمّا أن يكون من قبل المولى إذالم يستوفى مراده ببيان يمكن وصول العبد إليه عادة،و إمّا أن يكون لبعض‏الأسباب التي توجب اختفاء مراد المولى عن المكلف،و على كل تقدير:لا يستندالفوات إلى العبد،فلأجل ذلك يستقل العقل بقبح مؤاخذته،فمناط حكم‏العقل بقبح العقاب من غير بيان واقعي غير مناط حكمه بقبح العقاب من غيربيان واصل إلى المكلف.فان قلت:يكفى في البيان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل،فانّ الشك في التكليف يلازم الشك في الضرر،و العقل يستقل بلزوم دفع‏الضرر المحتمل،فيرتفع موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.قلت:قد تقدم الكلام في كل من الصغرى و الكبرى بما لا مزيد عليه‏-في مبحث الظن قبل دليل الانسداد-و إجماله:أنّ المراد من الضرر في حكم‏العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل،إمّا أن يكون هو الضرر الدنيوي من نقص في‏الأنفس و الأطراف و الأعراض،و إمّا أن يكون هو الضرر الأخروي من العذاب‏و العقاب،و إمّا أن يكون هو المصالح و المفاسد التي تبتنى عليها الأحكام من‏القرب و البعد و نحو ذلك ممّا لا يرجع إلى الضرر الدنيوي و لا إلى العقاب‏الأخروي،فانّه يمكن أن تكون مناطات الأحكام أمورا اخر غير المضار الدنيويةو العقاب الأخروي.و حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل في هذه الوجوه الثلاثة ليس‏بمناط واحد،بل حكمه بوجوب دفع الضرر الدنيوي بالنسبة إلى خصوص‏الأنفس و الأطراف أو الأعراض أيضا يمكن أن يكون لأجل ما في الضررالواقعي من المفسدة التي أدركها العقل فاستقل بقبح الإقدام عليه،و يتبعه‏حكم الشرع بحرمته لقاعدة الملازمة،فانّ الحكم العقلي في ذلك واقع في سلسلةعلل الأحكام،و كلما كان الحكم العقلي واقعا في هذه السلسلة يكون مورد
367
القاعدة الملازمة فيستتبعه الحكم الشرعي.فعلى هذا يكون حكمه بقبح الإقدام على ما يحتمل فيه الضرر أو يظن‏طريقا محضا للتحرّز عن الوقوع في الضرر الواقعي،فلا يترتب على موافقته‏و مخالفته غير ما يترتب على نفس الواقع عند موافقة الظن أو الاحتمال للواقع‏أو مخالفته.و يمكن أن يكون تمام موضوع حكم العقل هو الإقدام على ما لا يأمن معه‏من الوقوع في الضرر الواقعي،من غير فرق بين صورة القطع بالضرر أو الظن أوالاحتمال،نظير حكمه بقبح التشريع،على ما تقدم بيان ذلك.و على كل تقدير:سواء كان حكم العقل في باب الضرر الدنيوي بهذاالوجه أو بذلك الوجه يستتبع الحكم الشرعي المولوي على وفقه‏1هذا كلّه إن كان المراد من الضرر في حكم العقل بلزوم دفع الضررالمحتمل هو الضرر الدنيوي.و إن كان المراد منه الضرر الأخروي،فحكمه بلزوم دفع المقطوع‏و المظنون و المحتمل بل الموهوم إنّما يكون إرشادا محضا ليس فيه شائبة المولوية،و لا يمكن أن يستتبع حكما شرعيا،لأنّ حكم العقل في ذلك إنّما يكون واقعا في‏سلسلة معلولات الأحكام فلا يكون موردا لقاعدة الملازمة-كما أوضحناه في‏محلّه-و لكن ذلك فرع احتمال العقاب،و مع عدم وصول التكليف بوجه لاتفصيلا و لا إجمالا لا يحتمل العقاب،لقبح العقاب بلا بيان،فحكم العقل‏بقبح العقاب بلا بيان يكون حاكما و واردا على حكمه بلزوم دفع الضررالمحتمل.و بالجملة:بعد استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل إلى‏المكلف،تختص«قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل»بأطراف العلم الإجماليّ‏1أقول:في الضرر الواقعي على الأوّل،و في محتمله على الثاني.
368
أو الشبهة البدوية قبل الفحص،و أمّا الشبهة البدوية بعد الفحص فلا يحتمل فيهاالعقاب،لأنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان يوجب القطع بعدم العقاب.و الحاصل:أنّ حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل لا يصلح أن‏يكون بنفسه بيانا للتكليف المشكوك‏1لأنّه لا يكون رافعا للشك،و تمام‏الموضوع لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هو نفس الشك في التكليف،فانّه‏بمجرده يستقل العقل بقبح العقاب عليه فينقطع بعد العقاب،فيرتفع موضوع‏قبح الإقدام على ما لا يأمن معه من الضرر.هذا إذا كان المراد من الضرر في‏القاعدة الضرر العقابي.و إن أريد منه المصالح و المفاسد التي تكون مناطات الأحكام،فالشك‏في التكليف و إن كان يلازم الشك في المصلحة و المفسدة،إلاّ أنّ التحرز عن‏احتمال المفسدة و فوات المصلحة ليس ممّا يستقل العقل بلزومه،بل إن أدرك‏العقل المصلحة و المفسدة التامّة و أحاط بجميع الجهات و لم ير مزاحما لها حكم‏بقبح تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة.و أمّا مجرد احتمال وجود المصلحةو المفسدة مع احتمال وجود المزاحم فلا سبيل إلى دعوى استقلال العقل بقبح‏الاقتحام على ما فيه احتمال المفسدة و ترك ما فيه احتمال المصلحة.نعم:قد تكون المفسدة أو المصلحة المحتملة بمثابة من الأهمية يلزم‏التحرز عن الوقوع في مخالفتها و لو احتمالا،إلاّ أنّه لو كانت بهذه المثابة فعلى‏الشارع جعل المتمم و إيجاب الاحتياط،كما أوجبه في باب الدماء و الفروج‏و الأموال،و مع الشك في إيجاب الاحتياط كان المرجع هو البراءة،لأنّه كأحدالتكاليف المجهولة،فيعمّه«حديث الرفع».و ممّا ذكرنا يظهر:ما في كلام الشيخ(قدس سره)من الخلل،حيث‏1أقول:لو اقتصر بالبيان الأوّل لكان أولى،لأنّ في بيانية التكاليف الطرقية لا يحتاج إلى رفع‏الشك،نظير إيجاب الاحتياط في الشبهات البدوية.
369
قال(قدس سره):«و دعوى أنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان‏عقلي فلا يقبح بعده المؤاخذة،مدفوعة بأنّ الحكم المذكور على تقدير ثبوته لايكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه،و إنّما هو بيان لقاعدة كلية ظاهريةو إن لم يكن في مورده تكليف في الواقع،فلو تمت عوقب على مخالفتها»إلى أن‏قال:«و إن أريد بها مضرة أخرى غير العقاب التي لا يتوقف ثبوتها على العلم،فهو و إن كان محتملا لا يرتفع احتماله بقبح العقاب من غير بيان،إلاّ أنّ الشبهةمن هذه الجهة موضوعية»إلى آخر ما أفاده.و الإنصاف:أنّه ما كنا نترقب من الشيخ(قدس سره)ذلك‏1فانّ‏حكم العقل بقبح الإقدام على ما يحتمل فيه الضرر العقابي إنّما يكون إرشادامحضا لا يمكن أن يستتبع حكما مولويا شرعيا،فكيف يمكن أن يكون العقاب‏على مخالفته و إن لم يكن في مورده تكليف واقعي؟و كيف صار هذا الحكم‏العقلي من القواعد الظاهرية؟مع أنّ مخالفة الأحكام الظاهرية لا تستتبع‏1أقول:لا تفهم من كلمات الشيخ(قدس سره)أزيد مما أخذت بقوله:و الحاصل إلى آخره،و أنّ‏قوله:«و إنّما هو بيان لقاعدة كلية ظاهرية»مبنىّ على تسليم البيانية و لا يكون إرشادا،لا أنّه مسلّم عنده،كيف!و صريح كلماته في الشبهة المحصورة و غيرها إرشادية هذا الحكم بالنسبة إلى احتمال العقاب،كما أنّ لازم كونه‏حكما مولويا ظاهريا الالتزام بالعقوبة على نفسه و لو لم يكن في الواقع تكليف،كما هو شأن موضوعية الطريق عندالمخالفة.و توهّم:أنّ الأحكام الظاهرية لا يعاقب عليها عند مخالفتها للواقع،صحيح في الأوامر الطريقية لا في‏الأوامر النفسيّة المجعولة نفسيا في ظرف الجهل بالحكم.و ما أفيد أيضا بأنّ في الأصول الغير المحرزة يعاقب على مخالفتها بشرط وجود التكليف في موردها،كلام‏ظاهري،إذ الأمر في هذه القاعدة إن كان طريقا يعاقب على الواقع،و إن كان نفسيا يعاقب على نفسها و إن‏خالف الواقع.و لا نرى وجها لهذا الشرط الضمني و لا طعنا على مثل هذا«المؤسس»بعدم ترقبه منه صدور هذاالكلام،و لقد صدر نظيره في إيجاب الاحتياط الشرعي ردّا على الأخباريين أيضا.نعم:الّذي يرد عليه هو الّذي أشرنا في ذيل قول المقرّر«و الحاصل إلخ»و هو أنّ مجرد كونه حكما في‏ظرف الشك لا يقتضى أن يكون إيجابا نفسيا موجبا للعقوبة على نفسه مطلقا،بل من الممكن كون أمره طريقياحاكيا عن الإرادة الواقعية في ظرف الجهل بها و ترخيصا محضا عند مخالفته للواقع،و به أجبنا عمّا أفاده في منع‏بيانية إيجاب الاحتياط الشرعي أيضا،كما لا يخفى.
370
استحقاق العقاب مع عدم مصادفتها للواقع،بل العقاب يدور مدار مخالفة الواقع‏مع وجود طريق إليه،و في جميع موارد القواعد الظاهرية يكون العقاب على‏مخالفة الواقع أو على مخالفة القاعدة عند أدائها إلى مخالفة الواقع لا مطلقا،على‏اختلاف فيها:من كونها محرزة للواقع كالأمارات و الأصول التنزيلية فالعقاب‏على الواقع،أو غير محرزة كأصالة الاحتياط فالعقاب على مخالفة القاعدة و لكن‏بشرط كونه مؤدّيا إلى مخالفة الواقع،و يأتي بيان ذلك(إن شاء اللّه تعالى)في‏خاتمة الاشتغال.و على كل حال:ما أفاده الشيخ(قدس سره)من أنّ العقاب على‏مخالفة نفس القاعدة الظاهرية و إن لم تؤدّى إلى مخالفة الواقع ممّا لا يستقيم.و أغرب من ذلك:ما أفاده أخيرا:من أنّه لو كان المراد من الضرر غيرالعقاب من المصالح و المفاسد فاحتماله لا يرتفع بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.و هذا الكلام منه(قدس سره)يعطى أنّ المصالح و المفاسد من أفراد الضرر1و تعمّها قاعدة«قبح الإقدام على ما لا يأمن معه من الضرر»و لكن الشارع‏رخّص في الاقتحام في موارد احتمال المفسدة.و أنت خبير بما فيه،فانّ باب المصلحة و المفسدة غير باب الضرر الّذي‏يستقل العقل بلزوم التحرز عن محتمله.و على كل تقدير:فقد ظهر لك:أنّ‏حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وارد على حكمه بقبح الاقتحام على ما لايأمن معه عن الضرر العقابي،و هذا الحكم العقلي يعمّ جميع الشبهات الحكميةو الموضوعية التحريمية و الوجوبية.ثم إنّه ربّما يستدل للبراءة باستصحاب البراءة المتيقنة حال الصغر،و سيأتي البحث عن حال هذا الاستصحاب و أنّ استصحاب البراءة ممّا لايجري في شي‏ء من المقدمات،سواء كان المراد من العدم المستصحب العدم‏1أقول:ظاهر كلامه بيان أنّ مراده لو كان ذلك،و ذلك لا يدل على اختياره،كما لا يخفى.
371
حال الصغر قبل البلوغ،أو العدم قبل الوقت في الموقّتات،فانتظر ما يأتي في‏مبحث الاشتغال،فانّه قد استوفينا الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في ذلك‏المقام.و قد استدل للبراءة بوجوه اخر لا تخلو عن ضعف،فلا يهمّنا التعرض‏لها و فيها ذكرناه كفاية.
فلنشرع في أدلة الأخبارييّن‏
و قد استدلوا بالأدلة الثلاثة:فمن الكتاب قوله تعالى:«فاتقوا اللّه حق تقاته» (1) و قوله تعالى:«و اتقوا اللّه ما استطعتم» (2) و قوله تعالى:«و لا تقف ما ليس لك به علم» (3) فانّ الاقتحام في الشبهة ينافى التقوي المأمور بها.و كذا الحكم بالترخيص و جوازالاقتحام فيها قول بغير علم.و لا يقال:إنّ الحكم بحرمة الاقتحام فيها أيضا قول بغير علم،فانّ‏الأخباريين لا يقولون بالحرمة،و إنّما قالوا بترك الاقتحام فيها لاحتمال الحرمة،فتأمّل.و لا يخفى:أنّ الآيات الشريفة بمعزل عن الدلالة على مذهب‏الأخبارييّن.أمّا آيات التقوي:فمع أنّها لا تدل على الوجوب،لا تنافي الاقتحام‏في الشبهة اعتمادا على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان و اتكالا على قوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»و منه يظهر:أنّ القول بجواز الاقتحام‏ليس قولا بغير علم،لدلالة حكم العقل و الشرع على عدم استحقاق العقاب‏على التكليف الغير الواصل،فيكون القول بالجواز قولا عن علم.
1)سورة آل عمران الآية 102
2)سورة التغابن الآية 16
3)سورة الإسراء الآية 36

372
و من السنّة طوائف:منها:أخبار التوقف كقوله عليه السّلام «الوقوف عند الشبهة خيرمن الاقتحام في الهلكة» (1) و هي كثيرة مستفيضة،بل تبلغ حد التواتر،و ظاهرالتوقف هو السكون و عدم الحركة،فالتوقف في الشبهات عبارة عن الاحتياطفيها و ترك المضي فيها.و منها:الأخبار الدالة على وجوب الاحتياط،و هي كثيرة أيضا تبلغ‏حد الاستفاضة،ففي الصحيح:عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان الجزاءبينهما أو على كلّ واحد منهما جزاء؟قال لا،بل عليهما أن يجزى كلّ واحد منهماالصيد،قلت:إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه،فقال:إذاأصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا (2) و في موثقة عبد اللّه،قال:كتبت إلى العبد الصالح عليه السّلام‏يتوارى القرص و يقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا و تستتر عين الشمس و يرتفع‏فوق الجبل حمرة و يؤذّن عندنا المؤذّنون فأصلّي حينئذ و أفطر إن كنت صائما أوانتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الليل‏الجبل‏فكتب إليّ:أرى لك أن‏تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائط لدينك،الخبر (3) و عن«المفيد الثاني»قال:إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال لكميل‏بن زياد:أخوك،دينك فاحتط لدينك بما شئت‏ (4) .و قوله عليه السّلام ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل‏الاحتياط (5) .
1)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 13
2)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 1
3)الوسائل:الباب 52 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2
4)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 41
5)قال الشيخ(ره)في«الفرائد»أرسله الشهيد.

373
إلى غير ذلك من الروايات الدالة على حسن الاحتياط و وجوبه.و منها:أخبار التثليث،كقوله عليه السّلام في ذيل مقبولة عمر بن‏حنظلة:و إنّما الأمور ثلاثة:أمر بيّن رشده فيتّبع،و أمر بيّن غيّه فيجتنب،و أمرمشكل يردّ علمه إلى اللّه تعالى و إلى رسوله صلّى اللّه عليه و آله قال رسول اللّه‏صلّى اللّه عليه و آله:حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك‏الشبهات نجا من المحرمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من‏حيث لا يعلم‏ (1) و تقريب الاستدلال بها:هو أنّ«المقبولة»دلت على وجوب ترك‏الشاذ معلّلا بأنّ فيه الريب،و مقتضى عموم العلة هو وجوب ترك كل ماكان فيه الريب و الشك،و منه ما هو المبحوث عنه من الشبهات التحريمية،بل‏مورد الرواية مختص بما كان الشك فيه لأجل احتمال الحرمة،كما يظهر من‏قوله صلّى اللّه عليه و آله «حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك»أي بين‏الحلال و الحرام.فدلالة أخبار التثليث على وجوب التحرز عن الشبهات التحريميةو حرمة الاقتحام فيها أوضح من الأخبار السابقة،هذا.و الجواب أمّا عن الطائفة الأولى:فالأمر بالتوقف فيها لا يصلح إلاّللإرشاد،و لا يمكن أن يكون أمرا مولويا يستتبع الثواب و العقاب،فانّ المرادمن«الهلكة»في قوله عليه السّلام «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في‏الهلكة»هي العقاب و لا يمكن أن يكون المراد منه العقاب الجائي من قبل‏مخالفة الأمر بالتوقف،لأنّ الظاهر أن يكون قوله عليه السّلام ذلك لبيان‏الملازمة بين الاقتحام و الوقوع في الهلكة،فلا بد و أن تكون الهلكة مفروضةالوجود و التحقق مع قطع النّظر عن الأمر بالتوقف،لتكون في البين ملازمة بين‏
1)الوسائل الباب 12 الحديث 9

374
عدم التوقف و الهلكة،و لا يمكن فرض وجود الهلكة إلاّ بعد فرض تنجزالتكليف،و ذلك لا يكون إلاّ في الشبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ،فيكون‏حاصل مفاد قوله عليه السّلام «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في‏الهلكة»هو أنّ ترك التعرض للشبهة التي يحتمل انطباق التكليف عليها خير من‏الوقوع في عقاب مخالفة التكليف إذا صادفت الشبهة متعلق التكليف،فعلى‏هذا يكون الأمر بالتوقف للإرشاد و هو تابع للمرشد إليه،فان صادفت الشبهةمتعلق التكليف يستحق المكلف العقوبة لفرض تنجز التكليف،و إن خالفت‏الشبهة متعلق التكليف لم يكن في البين شي‏ء إلاّ التجري.و يحتمل قريبا أن تكون روايات التوقف لإفادة معنى آخر،و هو أنّ‏الاقتحام في الشبهات يوجب وقوع المكلف في المحرمات،لا أنّ نفس الاقتحام‏في الشبهة حرام إذا صادف الحرام المعلوم بالإجمال-كما هو مفاد الوجه الأوّل-بل ترك الوقوف عندها و الاقتحام فيها مظنة الوقوع في المحرمات،فانّ الشخص‏إذا لم يجتنب عن الشبهات و عوّد نفسه على الاقتحام فيها هانت عليه المعصيةو كان ذلك موجبا لجرأته على فعل المحرمات،و قد ورد نظير ذلك في باب‏المكروهات‏ (1) فانّه لو لم يعتنى المكلف بالمكروهات و أكبّ على فعلها أدّى‏ذلك إلى الجرأة على فعل المحرمات،كما أنّ الشخص لو لم يعتنى بالمعصيةالصغيرة هانت عليه الكبيرة(أعاذنا اللّه من ذلك)و أمّا إذا لم يعوّد الشخص‏نفسه على الاقتحام في الشبهات بل عوّد نفسه على التجنب عنها و الوقوف عندهاحصلت ملكة التجنب عن المعاصي،و إلى ذلك يشير قوله عليه السّلام‏«و المعاصي حمى اللّه فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها» (2) .و على هذا فالأمر بالوقوف عند الشبهة يكون استحبابيا،كما هو الظاهر
1)لم أجده بعد الفحص و السؤال(المصحح)
2)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 22

375
من قوله عليه السّلام في بعض أخبار التوقف«أورع الناس من وقف عندالشبهة» (1) و قوله عليه السّلام «لا ورع كالوقوف عند الشبهة» (2) و على كل حال:من راجع أخبار التوقف و تأمّل فيها يقطع بأنّ الأمرفيها ليس أمرا مولويا بنفسه يستتبع الثواب و العقاب،فلا يصلح للأخباري‏الاستدلال بها على مدّعاه.و أمّا الطائفة الثانية:و هي الأخبار الواردة في الأمر بالاحتياط،فأظهرها دلالة ما تقدم منها،و هي لا تصلح للاستدلال بها على وجوب‏الاحتياط في الشبهات البدوية.أمّا الصحيحة الأولى:فلعدم العمل بها في موردها،فانّ الشك في‏وجوب الجزاء على كل من اللذين اصطادا،إمّا أن يرجع إلى الأقل و الأكثرالارتباطيين،و إمّا أن يرجع إلى الأقل و الأكثر الغير الارتباطيين،لأنّ في صورةاشتراك الشخصين في الصيد،إمّا أن نقول بوجوب إعطاء نفس البدنة،و إمّاأن نقول بوجوب إعطاء قيمة البدنة.فان قلنا:بوجوب إعطاء القيمة فالشك في مورد السؤال يرجع إلى‏الأقل و الأكثر الغير الارتباطيين،لأنّ اشتغال ذمة كل منهما بنصف قيمة البدنةمتيقن و يشك في اشتغال الذّمّة بالزائد،نظير تردد الدين بين الأقل و الأكثر.و إن قلنا:بوجوب إعطاء نفس البدنة فالشك في مورد السؤال يرجع‏إلى الأقل و الأكثر الارتباطيين،لأنّه يدور الأمر بين وجوب إعطاء تمام البدنةعلى كل منهما أو نصفها،و على تقدير كون الواجب هو تمام البدنة لا يجزى‏الأقل و لا يسقط به التكليف‏1نظير تردد أجزاء الصلاة بين الأقل و الأكثر،1أقول:من الممكن على هذا التقدير أنّ الواجب عليه البدنة بما لها من المالية في ضمن خصوصيةالعين،فانّه حينئذ لو أعطى نصف البدنة مشاعا في تمامها يجزى عن تكليفه بمقداره و لو كان الواجب عليه تمام‏
1)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 24
2)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 20

376
و على كلا التقديرين:الشبهة في مورد السؤال إنّما تكون وجوبية و لا يجب‏الاحتياط فيها باتفاق الأخبارييّن،فالصحيحة في موردها لم يعمل بها.مضافا إلى أنّ مورد البحث هو الشبهة البدوية التي لم يسبق العلم‏بالتكليف في موردها بوجه من الوجوه،و مورد الصحيحة هو ما إذا علم‏بالتكليف في الجملة و إن تردد متعلقه بين الأقل و الأكثر،فيمكن الالتزام‏بوجوب الاحتياط في مورد الصحيحة و عدم وجوب الاحتياط في مورد البحث،مع أنّ ظاهر الصحيحة هو كون المكلف متمكنا من الفحص و تحصيل العلم‏بحكم الواقعة،و محل الكلام هو ما إذا لم يمكن تحصيل العلم بحكم الواقعة،فلايصح التمسك بالصحيحة لمورد البحث.و أمّا الموثقة:فالشبهة في موردها لا تخلو:إمّا أن تكون موضوعية،و إمّاأن تكون حكمية،فان كانت موضوعية-كما لا يبعد ذلك بل يقرّبه استبعادتقرير الإمام عليه السّلام الجاهل على جهله في الشبهات الحكمية فانّه على‏الإمام عليه السّلام رفع الشبهة و تبيين الأحكام للجاهلين لا الأمر بالاحتياط-فالاحتياط فيها واجب على كل حال،لاستصحاب بقاء النهار و عدم دخول‏الليل،و مع جريان الاستصحاب لا يبقى موضوع للبراءة،مع أنّه لو كانت‏الشبهة موضوعية و أغمضنا النّظر عن الاستصحاب فالاحتياط لا يجب فيهاباتفاق الأخبارييّن.و إن كانت الشبهة حكمية:بأن يكون المراد من الحمرة المرتفعة الحمرةالمشرقية التي لا بد من زوالها في تحقق الغروب،فيكون السؤال حينئذ عن وقت‏المغرب الّذي تجب الصلاة فيه و يجوز الإفطار عنده و أنّه هل يتحقق باستتارالبدنة،و على أيّ حال:بعد كون الأقل و الأكثر مطلقا مجرى البراءة يسهل الخطب في المقام.و لا يحتاج إلى هذاالتشقيق،فتدبر.كما أنّ عدم القول بالفصل بين الشبهات البدوية المحضة و المقرونة بالعلم المنحل إلى الأقل و الأكثر الغيرالارتباطي يرفع توهّم عدم شمول النص مورد البحث مطلقا،كما لا يخفى.
377
القرص أو لا بد من ذهاب الحمرة المشرقية؟و الإمام عليه السّلام في مقام رفع‏هذه الشبهة و بيان أنّ الحمرة المشرقية لا بد من زوالها في جواز الإفطار و صحةالصلاة-كما هو المشهور عند الخاصة-فبيّن الحكم الشرعي بلسان الأمربالاحتياط،و قال عليه السّلام «تأخذ بالحائطة لدينك».و لعلّ السرّ في الأمر بالاحتياط-مع أنّه كان ينبغي إزالة الشبهة و رفع‏جهل السائل بإلزامه بالانتظار إلى أن تذهب الحمرة المشرقية-هو التقيةو التباس الأمر على العامّة القائلين بتحقق المغرب باستتار القرص،فأمرعليه السّلام بالاحتياط لكي يتخيل لهم أنّ الأمر بالانتظار إنّما كان لأجل‏الاحتياط و حصول اليقين باستتار القرص،لا لأجل أنّ المغرب لا يتحقق إلاّبذهاب الحمرة المشرقية،فالإمام عليه السّلام قد أفاد وجوب الانتظار على‏خلاف فتوى العامة ببيان لا ينافى التقية،كما أنّ قوله عليه السّلام «أرى‏لك أن تنتظر»الّذي يستشم منه رائحة الاستحباب-إنّما كان للتقية و التباس‏الأمر على العامّة لكي يزعموا أنّ الحكم بالتأخير إلى ذهاب الحمرة عند الخاصةإنّما هو للاستحباب.و على كل حال:فالاحتياط بمعنى التأخير إلى ذهاب‏الحمرة في مفروض السؤال واجب لا دخل له بما نحن فيه.و أمّا عن بقية الأخبار المطلقة(التي لم ترد في مورد خاص)كقوله‏عليه السّلام:«أخوك دينك فاحتط لدينك»فانّها وردت في مقام الإرشاد،فالأمر فيها تابع للمرشد إليه،و لا يمكن أن يكون الأمر بالاحتياط فيها أمرامولويا،و إلاّ يلزم تخصيص الأكثر،لعدم وجوب الاحتياط في الشبهات‏الموضوعية مطلقا،و في الشبهات الحكمية الوجوبية بالاتفاق.و أمّا عن الطائفة الثالثة:فبأنّ الأمر فيها لا يصلح إلاّ للإرشاد،فانّ‏الظاهر من قوله عليه السّلام «و من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات»هوالملازمة بين التعرض للشبهات و الوقوع في المحرمات،فالأخذ بالشبهات بنفسه‏ليس من المحرمات،بل يستلزم ذلك الوقوع،فيها،فيكون النهي عن الأخذ
378
بالشبهات للإرشاد إلى عدم الوقوع في المحرمات‏1لأنّ التجنب عن الشبهات‏يوجب حصول ملكة الردع عن المحرمات،كما أنّ الاقتحام فيها يوجب التجري‏على فعل المحرمات،و ذلك هو الظاهر من قوله صلّى اللّه عليه و آله «فمن ترك‏الشبهات نجا من المحرمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من‏حيث لا يعلم»فمفاد أخبار التثليث أجنبي عن مقالة الأخبارييّن.الدليل الثالث:(الّذي استدل به الأخباري على وجوب الاحتياطفي الشبهات التحريمية)هو حكم العقل،و تقريره من وجهين:أحدهما:العلم الإجماليّ بثبوت محرمات في الشريعة و هذا العلم‏الإجماليّ حاصل لدى كل أحد قبل مراجعة أدلة الأحكام،و لا إشكال في‏استقلال العقل بأنّ الاشتغال اليقينيّ يستدعى البراءة اليقينية،فلا بد من ترك‏كل ما يحتمل الحرمة ليحصل اليقين بالفراغ،و لا يجوز الاقتصار على ترك ماعلم حرمته،لأنّ ذلك لا يوجب حصول العلم بالفراغ.ثانيهما:كون الأصل في الأفعال الغير الضرورية و التي لا يتوقف عليهاحفظ النظام الحظر،فلا يجوز الاقتحام في كل أمر لم يعلم الإذن فيه.و لا يخفى ما في كلا الوجهين من الضعف.أمّا الوجه الأوّل:فلانحلال العلم الإجماليّ بعد الرجوع إلى الأدلةو الاطلاع على مقدار من المحرمات يمكن انطباق المعلوم بالإجمال عليها،بل يمكن‏أن يقال:إنّا نعلم بمصادفة بعض الأمارات للواقع بقدر المعلوم بالإجمال من‏الأحكام الواقعية.و على ذلك يحمل ما أجاب به الشيخ(قدس سره)عن‏الدليل العقلي بقوله:«منع تكليف غير القادر على تحصيل العلم إلاّ بما أدّى إليه‏الطريق»و إن كان ذلك خلاف ظاهر العبارة،فانّ ظاهرها لا ينطبق على‏1أقول:و يمكن أن يكون الأمر فيها للاستصحاب،كما مرّ منه في توجيه أخبار التوقف السابق،فراجع.
379
القواعد1فتأمّل.و دعوى ثبوت العلم الإجماليّ في خصوص الشبهات التي لم يقم عليهادليل،مما لا شاهد عليها،و قد تقدم في دليل الانسداد تفصيل ذلك بما لا مزيدعليه،هذا،مضافا إلى أنّ متعلق العلم الإجماليّ أعم من الشبهات الوجوبيةو التحريمية،فلا وجه لجعل ذلك وجها لوجوب الاحتياط في خصوص الشبهات‏التحريمية.و أمّا الوجه الثاني:فهو أسوأ حالا من الوجه الأوّل،لما فيه أوّلا:من‏المنع عن كون الأصل في الأشياء الحظر بل الأصل فيها الإباحة لعموم قوله‏تعالى:«خلق لكم ما في الأرض جميعا» (1) .و ثانيا:من الفرق بين مسألةالحظر و الإباحة و مسألة البراءة و الاشتغال،و قد تقدم تفصيل ذلك أيضا(في‏أوّل مبحث البراءة)فراجع.فالإنصاف:أنّه ليس للأخباري ما يمكن أن يقاوم حكم العقل بقبح‏العقاب بلا بيان،و قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»فالأقوى:جواز الاقتحام في الشبهات التحريمية الحكمية التي هي مورد البحث و النزاع بين‏الأخباريين و الأصوليين.و قد ذكر الشيخ(قدس سره)في خاتمة المسألة تنبيهات لا يهمّناالتعرض لها.
نعم:ينبغي التنبيه على أمر،
و هو أنّ أصالة البراءة و الاشتغال إنّما1أقول:ظاهر كلام«شيخنا الأعظم»لا غبار فيه،إذ هو ينادى بأنّ التكليف الفعلي الملزم للعقل‏بالموافقة لا يكون إلاّ بما أدّى إليه الطرق،بملاحظة أنّ الطرق مطلقا موجبة لانحلال العلم المانع عن تنجيزه‏للواقعيات المحتملة الانطباق على غير دائرة الطرق المعلومة،لا أنّ غرضه انقلاب التكاليف الواقعية بمؤدّى الطرق،أوأنّ الطرق المعلوم المطابقة بمقدار المعلوم بالإجمال،كما توهّم.
1)سورة البقرة:الآية 29

380
هي من الأصول الحكمية الغير المتكفلة للتنزيل،فكل أصل متكفل للتنزيل‏يكون حاكما عليها،و نعنى ب«الأصل المتكفل للتنزيل»هو أن يكون مفادالأصل إثبات المؤدّى بتنزيله منزلة الواقع بحسب الجري العملي،سواء كان‏المؤدّى موضوعا خارجيا أو حكما شرعيا.و مراد الشيخ(قدس سره)من الأصل الموضوعي في قوله:«إنّ أصل‏أصالة الإباحة في مشتبه الحكم إنّما هو مع عدم أصل موضوعي حاكم عليها»هو ما ذكرنا،لا خصوص الأصل الجاري في الموضوع مقابل الحكم الشرعي‏-كما ربّما يوهمه ظاهر العبارة-بل كل أصل محرز متكفل للتنزيل يكون حاكماعلى أصالتي البراءة و الاشتغال،فلو شك في حلية الحيوان و طهارته-من جهةالشك في قبوله التذكية-حكم عليه بالحرمة،لأصالة عدم التذكية،و لا تجري‏أصالة الحل و البراءة فيه.و لا بأس باستقصاء الكلام في ما يتعلق بالمثال،و إن كان خارجا عن‏المقام،و ذلك يتم برسم أمور:الأمر الأوّل:اختلفت كلمات الأصحاب فيما يقبل التذكية من الحيوان،فقيل:لايقبل التذكية إلاّ ما يحل أكله:من الغنم و البقر و غير ذلك.و قيل:كل حيوان‏يقبل التذكية ما عدا المسوخ.و قيل:بقبول المسوخ للتذكية أيضا و يختص ما لايقبل التذكية بالحشرات.و ينسب إلى العامّة القول بقبول الحشرات للتذكيةأيضا.و لا يبعد استفادة التعميم لغير الحشرات و نجس العين من بعض الأدلة.و عليه:لا يبقى مورد لجريان أصالة عدم التذكية في الشبهات الحكمية بعد العلم‏بكون الحيوان ليس من الحشرات و لا من نجس العين،فلو تولد حيوان من الغنم‏و الأرنب-و لم يتبع أحدهما في الاسم-يحكم عليه بأنّه يقبل التذكية،و بعدورود التذكية عليه-من فري الأوداج و غير ذلك من الأمور الخمسة المعتبرة في‏
381
التذكية-يحكم عليه بالطهارة1.هذا إذا قلنا:بأنّ كل حيوان ممّا يقبل التذكية بمقتضى بعض‏الإطلاقات.و إن منعنا عن ذلك،و شك في كون الحيوان المتولد من حيوانين‏-أحدهما يقبل التذكية و الآخر لا يقبل التذكية-ممّا يقبل التذكية أو لا يقبل؟فعلى بعض التقادير تجري فيه أصالة عدم التذكية و يحكم عليه بالحرمةو النجاسة،و على بعض التقادير لا تجري فيه أصالة عدم التذكية و يحكم عليه‏بالحل و الطهارة بمقتضى أصالة الحل و الطهارة2و سيأتي توضيح ذلك.هذا إذا كانت الشبهة حكمية،و إن كانت الشبهة موضوعية،كما لوشك في كون اللحم المطروح من الحيوان الّذي يقبل التذكية أو من الّذي لايقبل التذكية-بعد إحراز ما يقبل التذكية و ما لا يقبل بحسب الحكم الشرعي-فمع العلم بورود فعل المذكّى عليه(من فري الأوداج و غيره)يحكم عليه بالحل‏و الطهارة،لأنّه لا يجري فيه أصالة عدم التذكية3و مع الشك في ورود فعل‏المذكّى عليه يحكم عليه بالحرمة و النجاسة،لأصالة عدم التذكية4و ذلك‏واضح.الأمر الثاني:هل التذكية الموجبة للطهارة و الحلية عبارة عن المعنى المتحصل من‏قابليّة المحل و الأمور الخمسة-من فري الأوداج بالحديد على القبلة مع التسميةو كون المذكّى مسلما-بمعنى كون التذكية معنى بسيطا يحصل من المجموع‏1أقول:و كذا الحلية لأصالة الحلية.و قد يستظهر من ذيل كلامه:أنّه على هذا لا يحتاج إلى أصالةالحل،و أظنّ أنّه سهو من القلم،لأنّ من لوازم التذكية مطلقا هو الطهارة فقط.2أقول:الظاهر من التقديرين كون التذكية أثرا حاصلا أو أنّها نفس الأفعال.3أقول:لجريان أصالة الصحة في فعله بعنوان التذكية.4أقول:بناء على كونها أثرا حاصلا،لا مطلقا.
382
المركّب من قابلية المحل و تلك الأمور الخمسة؟أو أنّ التذكية عبارة عن نفس‏الأمور الخمسة،و قابلية المحل أمر خارج عن حقيقة التذكية و إن كان لها دخل‏في تأثير الأمور الخمسة في الطهارة و الحلية؟وجهان:لا يخلو ثانيهما عن قوة،لقوله‏تعالى:«إلاّ ما ذكّيتم» (1) فانّ نسبة التذكية إلى الفاعلين تدل على أنّها من‏فعلهم‏1و عليه:لا يبقى موقع لأصالة عدم التذكية عند الشك في قابليةالحيوان للتذكية2لأنّ قابلية الحيوان للتذكية ليس لها حالة سابقه وجوداو عدما،فلا موقع لاستصحاب عدمها،بل المرجع عند الشك في القابلية أصالةالحل و الطهارة،بناء على جريان«قاعدة الحل»في الشبهات الحكمية.و لكن‏هذا إذا لم نقل بقابلية كل حيوان للتذكية-حسبما يستفاد من الأدلة-و إلاّ لم‏يكن حاجة إلى أصالة الحل و الطهارة،كما تقدم في الأمور الأوّل.هذا إذا كانت التذكية عبارة عن نفس الأمور الخمسة و كانت قابليةالمحل شرطا للتأثير.و إن كانت التذكية عبارة عن الأمور المتحصل عن قابليةالمحل و الأمور الخمسة،فعند الشك في قابلية الحيوان للتذكية-من جهة الشبهةالحكمية-تجري أصالة عدم التذكية،لأنّ الحيوان في حال الحياة لم يكن مذكّى‏فيستصحب العدم إلى زمان خروج روحه و ورود فعل المذكّى عليه.و توهّم:أنّ التذكية لو كانت مركبة من قابلية المحل و فعل المذكّى،و المفروض أنّه قد تحقق أحد جزأيها-و هو فعل المذكّى-فلم يبق إلاّ الجزء الآخر1أقول:لو تشبث المدّعى بظهور نفس التذكية بلفظها لغة و عرفا في المعنى البسيط(نظير التطهير)بلاتصرف من الشارع في أصل المعنى-و أنّ تصرفه في سببه و محققه-كان أولى مما أفيد،كيف!و بعد ما كانت‏التذكية بهذا المعنى من الأفعال التوليدية لا قصور في انتسابها إلى الفاعلين،كما لا يخفى.2أقول:لو بنينا على خروج قابلية المحل عن التذكية و أنّ التذكية عبارة عن نفس الأفعال،فمع القطع‏بوجود التذكية لا يجدى في إثبات الطهارة من دون وصول النوبة حينئذ إلى أصالة عدم التذكية،بل تعليل عدم‏جريان أصالة عدم التذكية بأنّ قابلية المحل ليس له حالة سابقة لا يتم إلاّ بناء على كون القابلية المزبورة دخيلافي حقيقة التذكية لا خارجا،فتدبر.
1)سورة المائدة الآية 3

383
و هو ليس له حالة سابقة فلا معنى لاستصحاب عدم التذكية المركّبة من‏جزءين قد تحقق أحد جزأيها وجدانا و الجزء الآخر ليس ممّا تعلق به اليقين‏سابقا لعدم العلم به‏فاسد1فانّ المفروض أنّ التذكية ليست مركبة من جزءين،بل هي‏عبارة عن الأمر البسيط المتحصل من مجموع الأمرين،و هذا المعنى البسيط كان‏مقطوع العدم في حال حياة الحيوان قبل ورود فعل المذكّى عليه،و بعد ورودفعل المذكّى يشك في وجوده فيستصحب عدمه،غايته أنّ جهة اليقين و الشك‏تختلف،فانّه في حال الحياة كانت جهة اليقين بعدم التذكية عدم ورود فعل‏المذكّى عليه و هذه الجهة قد انتفت بورود فعل المذكّى عليه،و جهة الشك في‏كونه مذكّى هي قابليته للتذكية.و اختلاف جهة الشك و اليقين لا يضربالاستصحاب.نعم:لو كانت التذكية عبارة عن نفس المجموع المركب لم يكن‏للاستصحاب مجال،فتدبر جيّدا.الأمر الثالث:قد عرفت:أنّه لو استفيد من الأدلة قابلية كل حيوان للتذكية فلا1أقول:أظنّ أنّ في ذهن«المقرّر»جعل هذا الوجه أيضا أحد الشقين المقابل لما اختاره من الوجه‏السابق،حيث إنّ مقابله إمّا جعل التذكية أثرا حاصلا أو جعلها عبارة عن مجموع الأفعال مع القابلية،ثم دفع‏توهّم جريان أصالة عدم التذكية على هذا الفرض أيضا،فانّ العبارة وقعت في غير محله فصارت بمنزلة توضيح‏الواضح.و بالجملة نقول:إنّه قد أشرنا سابقا أنّه على كل واحد من الاحتمالات نحو من الأصل،فعلى الأثرالحاصل يجري أصالة عدم التذكية بلا إشكال.و على كون التذكية نفس الأفعال مع خروج القابلية عن حقيقته،فلا قصور في جريان أصالة عدم التذكية عند الشك في جريان فعل عليه من حيث العلم بالحالة السابقة.و لكن لا نتيجة له مع الشك في القابلية،كيف!و مع القطع بوجودها حينئذ لا ينتج شيئا.و على كون‏القابلية داخلا في حقيقتها،فمع الشك في القابلية لا يجري الأصل من جهة الشك في الحالة السابقة،كما لايخفى،فتدبر.
384
موقع لأصالة عدم التذكية عند الشك فيها من جهة الشبهة الحكمية،بل المرجع‏عند الشك عموم الدليل،فيحكم عليه بالطهارة،و لو شك في حلية أكل لحمه‏يحكم عليه بالحلية،لقوله عليه السّلام «كل شي‏ء لك حلال»لو قلنابعموم قاعدة الحل للشبهات الحكمية.و لو لم يستفد من الأدلة قابلية كل حيوان للتذكية،و قلنا:إنّ التذكيةعبارة عن المعنى المتحصل من قابلية المحل و فعل المذكّى،فالمرجع عند الشك في‏القابلية-كالحيوان المتولد من طاهر و نجس لم يتبعهما في الاسم و ليس له اسم‏خاص يندرج تحت أحد العناوين الطاهرة أو النجسة-أصالة عدم التذكية،فيحكم عليه بالنجاسة و حرمة الأكل،لأنّ غير المذكّى حرام و نجس.و إن قلنا:إنّ التذكية عبارة عن نفس فعل المذكّى واجدا للأمورالخمسة و قابلية المحل أمر خارج عن التذكية،فالمرجع عند الشك فيها أصالةالطهارة و قاعدة الحل،فعلى جميع التقادير،لا يمكن التفكيك بين الطهارةو الحلية بحسب الأصول العملية،هذا.و لكن يظهر من بعض الأساطين:التفصيل بين الطهارة و الحلية في‏المثال المتقدم،فحكم عليه بالطهارة و حرمة لحمه.و لم يظهر وجه لهذا التفصيل،فانّ مقتضى أصالة عدم التذكيةالنجاسة و الحرمة،و مقتضى أصالة الطهارة و الحل الطهارة و الحلية،فلا وجه‏للتفكيك بينهما.نعم:قد ذكر«شارح الروضة»في وجه ذلك ما حاصله:أنّ ما حلّ‏أكله من الحيوانات محصور معدود في الكتاب و السنة،و كذلك النجاسات‏محصورة و معدودة فيهما،فالمشكوك إذا لم يدخل في المحصور منهما كان الأصل فيه‏الطهارة و حرمة لحمه.و توضيح ذلك:هو أنّ تعليق الحكم على أمر وجودي يقتضى إحرازه،فمع الشك في تحقق ذلك الأمر الوجوديّ الّذي علق الحكم عليه يبنى ظاهرا على‏
385
عدم تحققه،لا من جهة استصحاب العدم إذ ربّما لا يكون لذلك الشي‏ء حالةسابقة قابلة للاستصحاب،بل من جهة الملازمة العرفية بين تعليق الحكم على‏أمر وجودي و بين عدمه عند عدم إحرازه،و هذه الملازمة تستفاد من دليل‏الحكم و لكن لا ملازمة واقعية،بل ملازمة ظاهرية،أي في مقام العمل يبنى‏على عدم الحكم مع الشك في وجود ما علّق الحكم عليه.و يترتب على ذلك فروع مهمة:منها:البناء على نجاسة الماء المشكوك الكرّية عند ملاقاته للنجاسة مع‏عدم العلم بحالته السابقة،كما لو فرض ماء مخلوق الساعة لم يعلم كرّيته و قلته،فانّ الحكم بالعاصمية قد علّق في ظاهر الدليل على كون الماء كرّا،كما هوالظاهر من قوله عليه السّلام إذا بلغ الماء قدر كرّ لم يحمل خبثا أو لم ينجسه‏شي‏ء (1) فلا يجوز ترتيب آثار الطهارة على ماء لم يحرز كرّيته عند ملاقاته‏للنجاسة،لأنّه يستفاد من دليل الحكم أنّ العاصمية إنّما تكون عند إحرازالكرّية،لا من جهة أخذ العلم و الإحراز في موضوع الحكم،بل من جهةالملازمة العرفية الظاهرية.و منها:أصالة الحرمة في باب الدماء و الفروج و الأموال،فانّ الحكم‏بجواز الوطء مثلا قد علّق على الزوجة و ملك اليمين،و الحكم بجواز التصرف في‏الأموال قد علّق على كون المال ممّا قد أحلّه اللّه،كما في الخبر«لا يحلّ مال إلاّمن وجه أحلّه اللّه» (2) فلا يجوز الوطء أو التصرف في المال مع الشك في‏كونها زوجة أو ملك اليمين أو الشك في كون المال ممّا قد أحلّه اللّه.و منها:غير ذلك من الفروع التي تبتنى على ما ذكرناه‏1.1أقول:كالحكم بالخمسين في مشكوك القرشية،و نفوذ الشرط في مشكوك المخالفة للكتاب،و عدم‏الإرث في مشكوك الانتساب،و عدم بطلان المعاملة في مشكوك الغررية،إلى غير ذلك من الأمثلة.
1)مستدرك الوسائل:الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 6
2)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 8

386
و قد تخيّل«شارح الروضة»:أنّ باب النجاسات و اللحوم من‏صغريات تلك الكبرى،بتقريب:أنّ النجاسات في الشريعة معدودة محصورةفي عناوين خاصة-كالدم و الميتة و الكلب و الخنزير و غير ذلك-و قد علّق وجوب‏الاجتناب على تلك العناوين الوجودية،فلا بد في الحكم بالنجاسة و وجوب‏الاجتناب من إحراز تلك العناوين،و مع الشك في تحقق العناوين يبنى على‏الطهارة،و حيث إنّ الحيوان المتولد من طاهر و نجس لم يعلم كونه من العناوين‏النجسة يبنى على طهارته.و كذا جواز التناول و الأكل قد علّق في الشريعة على‏عنوان الطيّب،كما قال تعالى:«أحلّ لكم الطيّبات»و الطيّب أمر وجودي‏عبارة عما تستلذه النّفس و يأنس الطبع به،و الحيوان المتولد من حيوانين:أحدهما مأكول اللحم و الآخر غير مأكول اللحم،لم يعلم كونه من الطيّب،فلايحكم عليه بالحلية و جواز الأكل،بل ينبغي البناء على حرمته ظاهرا ما لم يحرزكونه من الطيّب.هذا غاية ما يمكن أن توجّه به مقالة«شارح الروضة».و لكن يرد عليه أوّلا:أنّ الكبرى-و هي أنّ تعليق الحكم على أمروجودي يقتضى إحرازه-و إن كانت من المسلّمات،إلاّ أنّ ذلك في خصوص‏ما علّق فيه الحكم الترخيصي الإباحي على عنوان وجودي،لا الحكم العزيمتي‏التحريمي،فانّ الملازمة العرفية بين الأمرين إنّما هي فيما إذا كان الحكم لأجل‏التسهيل و الامتنان و قد علّق على أمر وجودي‏1فلا يجوز الحكم بالترخيص‏1أقول:الأولى أن يمنع استفادة الملازمة الظاهرية من الكبريات الواقعية،لعدم اقتضاء الكبرى‏الواقعية إلاّ إناطة الحكم-من إباحة أو غيرها-على أمر وجودي واقعا،بلا نظر إلى مرتبة الجهل بالمنوط به أوالمنوط.و استفادة العرف من هذا الخطاب الواقعي حكما و إناطة ظاهرية غلط،كيف!و لا خصوصية لمثل هذاالخطاب في ذلك،فيلزم الالتزام بهذه الاستفادة في كل خطاب،و هو كما ترى!و مجرد كون الحكم امتنانيا لايقتضى الملازمة المزبورة في خصوصه،إذا العرف لا يفرق في منع الملازمة بين الحكم الواقعي و الظاهري بين‏الأحكام الامتنانية و غيرها،لجريان المناط في سائر الأحكام في ذلك أيضا،كما لا يخفى.و حينئذ لو لا الأصل الموضوعي لا مجال للحكم بعدم الفرق في الفروع السابقة،خصوصا في الأعراض‏
387
و الإباحة ما لم يحرز ذلك الأمر الوجوديّ،لا في مثل وجوب الاجتناب عن‏النجاسة،و إلاّ لم يبق موضوع لقوله عليه السّلام «كل شي‏ء طاهر حتى تعلم‏أنّه قذر»1فإدراج باب النجاسات في تلك الكبرى ليس في محله.نعم:إدراج الحكم بحلّ الطيبات في تلك الكبرى في محله لو سلم عما سيأتي.و ثانيا:منع كون الطيّب أمرا وجوديا،بل الطيّب عبارة عما لاتستقذره النّفس و لا يستنفر منه الطبع،في مقابل الخبيث الّذي هو عبارة عمايستنفر منه الطبع،فالحكم بالحلية لم يعلّق على أمر وجودي،بل الحكم بالحرمةقد علّق على أمر وجودي.و ثالثا:سلّمنا كون الطيّب أمرا وجوديا و لكن الخبيث الّذي علّق‏عليه الحرمة أيضا أمر وجودي،و الكبرى المذكورة إنّما هي في مورد لم يعلّق‏نقيض الحكم المعلّق على أمر وجودي على أمر وجودي آخر،و إلاّ كان المرجع‏عند الشك في تحقق أحد الأمرين الوجوديّين-اللذين علّق الحكمان المتضادان‏عليهما-إلى الأصول العملية،و هي في مورد البحث ليست إلاّ أصالة الحل،و لايجري استصحاب الحرمة الثابتة للحيوان في حال حياته،فانّ للحياة دخلا عرفافي موضوع الحرمة و لا أقل من الشك،فلا مجال للاستصحاب و الطهارة،فالأقوى:ثبوت الملازمة بين الحل و الطهارة في جميع فروض المسألة،فتدبرجيّدا.هذا تمام الكلام في الشبهة التحريمية الحكمية إذا كان منشأ الشبهةو الأموال،فانّ المدرك عندهم هو الأصل المزبور لا غيره،كما أنّ الحكم بالنجاسة في المثال الأوّل أيضا ربما تكون‏ب«قاعدة المقتضى و المانع»لو لم نقل بجريان الأصل في الأعدام الأزلية و لو في أمثال هذه الأوصاف الزائدة عن‏الذات و غير الملازمة معها،و إلاّ-كما هو التحقيق-فالأمر في كثير من الفروع السابقة واضح من جهة الأصل‏الموضوعي فيها،فراجع و تدبر.1مستدرك الوسائل:الباب 29 من أبواب النجاسات الحديث 4 هذه العبارة هي عبارة الصدوق في‏المقنع.
388
فقدان النص،
و كذا الكلام فيما إذا كان منشأ الشبهة إجمال النص،
لعموم‏الأدلة المتقدمة،من غير فرق بين أن يكون إجمال النص لأجل اشتراك اللفظالدال على الحكم بين الحرمة و غيرها مع عدم نصب قرينة معيّنة-كما لو فرض‏اشتراك صيغة النهي بين الحرمة و الكراهة لغة و عرفا-أو كان الإجمال لأجل‏إجمال متعلق الحكم بحسب ما له من المعنى اللغوي و العرفي،ك«الغناء»إذافرض إجمال معناه و تردده بين كونه خصوص الصوت المطرب المشتمل على‏الترجيع و بين كونه مطلق الصوت المطرب.و قد يتوهّم:عدم شمول أدلة البراءة لصورة إجمال المتعلق،لأنّه قد علم‏تعلق التكليف بمفهوم«الغناء»و ما هو واقعه،فلا يكون العقاب عليه بلابيان،و لا يندرج في قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»بل يجب‏العلم بالخروج عما اشتغلت به الذّمّة من التكليف،و ذلك لا يتحقق إلاّبالاجتناب عن الأفراد المشتبهة و الاحتياط بترك كل ما يحتمل كونه من أفراد«الغناء»هذا.و لكن لا يخفى ما فيه،فانّ متعلق التكليف ليس هو مفهوم«الغناء»بما هو مفهوم‏1بل المفاهيم إنّما تؤخذ في متعلق التكليف باعتبار كونها مرآتا لماتنطبق عليها من المصاديق،فالنهي إنّما تعلق بما يكون بالحمل الشائع الصناعي‏غناء،فالمقدار الّذي علم كونه من مصاديق الغناء لا يندرج في أدلة البراءة،و أمّا الزائد المشكوك فتعمّه أدلة البراءة و يندرج في قوله صلّى اللّه عليه و آله‏«رفع ما لا يعلمون»و يشمله حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان،فتوهّم الفرق‏بين كون منشأ الشبهة فقدان النص أو إجماله،فاسد.1أقول:قد عرفت منّا كرارا بأنّ الأحكام في عالم عروضها عارضة للعناوين المخزونة في الذهن،و لكن بنحو يرى خارجية و لا تعلق بمصاديقها خارجا،و حينئذ الأولى في الجواب أن يقال:إنّ عنوان«الغناء»الّذي هو مفهومه و بإزاء لفظه إذا كان مرددا بين الأقل و الأكثر،فبالنسبة إلى الزائد عن القدر المعلوم ما تمّت‏الحجة و لا العلم حاصل بتعلق التكليف به،فيكون كلا نصّ فيه،فتدبر.
389
و في حكم ذلك ما إذا كان منشأ الشبهة تعارض النصين،
لعدم العلم‏بالتكليف أيضا الّذي هو تمام المناط في البراءة الشرعية و العقلية.نعم:قد ورد في مرفوعة«العلاّمة»إلى«زرارة»على ما في كتاب‏«غوالي اللئالي»عن الباقر عليه السّلام في الخبرين المتعارضين بعد أمره‏عليه السّلام بالأخذ بأشهرهما ثم بأعدلهما و أوثقهما ثم بما خالف العامّة«قلت:ربّما كانا موافقين لهما أو مخالفين لهما فكيف نصنع؟قال عليه السّلام فخذبما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط» (1) و هذه المرفوعة و إن‏كانت أخص من الأخبار الآمرة بالتخيير عند فقد المرجحات المذكورة،إلاّأنّ الشأن في اعتبار المرفوعة1إذ لا اعتبار بالكتاب و صاحبه،كما اعترف‏بذلك«صاحب الحدائق»حيث طعن في صاحب الكتاب و زيّف ما فيه من‏الروايات،مع أنّه من الأخباريين الذين ليس من شأنهم الطعن في الروايات!.هذا كلّه إذا كانت الشبهة حكمية،و قد عرفت:أنّه لا فرق بين كون الشبهةلأجل فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين.
و ان كانت الشبهة موضوعية:
فالظاهر انعقاد الإجماع من الأصوليين‏و الأخباريين على عدم وجوب الاجتناب عنها و جواز الاقتحام في الشبهةاعتمادا على أدلة البراءة الشرعية و العقلية.و قد يتوهّم:أنّ قاعدة«قبح العقاب بلا بيان»تختص بالشبهات‏الحكمية و لا تعمّ الشبهات الموضوعية،لأنّ مورد القاعدة هو ما إذا لم يرد بيان من‏الشارع أصلا أو ورد و لكن لم يصل إلى المكلف،و في الشبهات الموضوعية البيان‏الّذي هو من وظيفة الشارع قد ورد و وصل إلى المكلف،لأنّ وظيفة الشارع‏1أقول:و على فرض تمامية الرواية لا ينافى الحكم بالاحتياط في خصوص الخبرين المتعارضين،نظيرالحكم بالتخيير عند القائل به،مع كون الأصل في المتعارضين التساقط و الرجوع إلى الأصل لو لا دلالة أخبارالعلاج على خلافه،فتدبر.
1)عوالي اللئالي:الجزء 4 ص 133 ح 229(تحقيق مجتبى العراقي)

390
إنّما هي بيان الكبريات،كقوله تعالى:«حرّم عليكم الميتة و الدم و لحم‏الخنزير»و أمّا بيان الصغريات من كون هذا الشي‏ء من أفراد لحم الخنزير أولحم الغنم فليس هو من وظيفة الشارع،و في الشبهات الموضوعية الكبرى المجعولةالشرعية قد وردت و وصلت إلى المكلف و حصل العلم بها،و إنّما كانت الشبهةفي الصغرى،فلا مجال للتمسك بقاعدة«قبح العقاب بلا بيان»بل ينبغي‏التمسك بقاعدة الاشتغال،لأنّ العلم باشتغال الذّمّة بالكبرى المجعولة المعلومةالواصلة يقتضى العلم بالفراغ عقلا،و ذلك لا يحصل إلاّ بالتجنب عن مواردالشبهة.و الحاصل:أنّ المراد من البيان في قاعدة قبح العقاب بلا بيان هوبيان الأحكام الكلية التي وظيفة الشارع بيانها،و أمّا الأحكام الجزئية-فضلاعن الموضوعات الخارجية-فليس من وظيفة الشارع بيانها،بل الأحكام الجزئيةتدور مدار تحقق موضوعاتها الخارجية في عالم التكوين،و المشكوك فيه أوّلاو بالذات في الشبهات الموضوعية إنّما هو وجود الموضوع في الخارج و يستتبعه‏الشك في الحكم الجزئي،و كل منهما ليس من وظيفة الشارع بيانه،و أمّا الكبرى‏الكلية فقد بيّنها الشارع و هي واصلة إلى المكلف،فلا مسرح لقاعدة«قبح العقاب‏بلا بيان»في الشبهات الموضوعية،بل لا بد من الاحتياط فيها لقاعدةالاشتغال.هذا كله،مع أنّه يبقى سؤال الفرق بين الأصول اللفظية و العملية،و أنّه‏كيف لا يجوز التمسك بالأصول اللفظية في الشبهات المصداقية و يجوز التمسك‏بالأصول العملية فيها؟.و أنت خبير بفساد التوهّم،فانّ مجرد العلم بالكبريات المجعولة لا يكفى‏في تنجزها و صحة العقوبة على مخالفتها ما لم يعلم بتحقق صغرياتها خارجا،فانّ‏تنجز التكليف الّذي عليه تدور صحة العقوبة إنّما يكون بعد فعلية الخطاب،و فعلية الخطاب إنّما يكون بوجود موضوعه خارجا في التكاليف التي لها تعلق‏
391
بالموضوعات الخارجية،و ذلك و إن كان بمثابة من الوضوح،إلاّ أنّه لا بأس‏بزيادة بيان في المقام حسما لمادّة الشبهة.فنقول:إنّ الأحكام الشرعية الوجوبية و التحريمية بعد ما كان لامحيص عن تعلقها بفعل المكلف الصادر عنه بتحريك عضلاته عن إرادته‏و اختياره،إمّا لا يكون لها تعلق بموضوع خارجي-كالصلاة حيث إنّ أجزائهاليست إلاّ الأفعال و الأقوال الصادرة عن جوارح المكلف من دون أن يكون لهاتعلق بموضوع خارجي،و كذا الغناء و الكذب و نحو ذلك-و إمّا أن يكون لهاتعلق بموضوع خارجي،كوجوب إكرام العالم و حرمة شرب الخمر،و أمثال ذلك‏من التكاليف الوجوبية و التحريمية التي لها ربط و تعلق بموضوع خارجي،سواءكان الموضوع من الموضوعات التي يمكن للمكلف إيجادها في الخارج و يجعلهاثابتة في عالم الأعيان-كالخمر الّذي يكون صنعه و إيجاده من التمر و الزبيب بيدالمكلف-أو كان من الموضوعات التي ليست من صنع المكلف و لا يتمكن من‏إيجادها في الخارج-كحرمة وطء الأمّ و وجوب استقبال القبلة-و أمثال ذلك‏من التكاليف التي لها تعلق بموضوع خارجي لا يتمكن المكلف من إيجاده في‏الخارج.فان لم يكن للتكليف تعلق بموضوع خارجي،فلا يعتبر في فعليته سوى‏وجود شخص المكلف واجدا للشرائط العامة و الخاصة المعتبرة فيه،فعند وجودالمكلف يكون التكليف فعليا علم به المكلف أو لم يعلم،إذ ليس للعلم دخل‏في فعلية التكاليف-كما أوضحناه في محله-و بعد العلم به يتنجز و تصح العقوبةعلى مخالفته‏1و في هذا القسم من التكاليف لا يتصور تحقق الشبهة الموضوعية.1أقول:ذلك كله في التكاليف الوجوبية المطلوب فيها صرف وجوده،فانه بمجرد العلم به لا يقنع‏العقل بالاكتفاء بما هو محتمل المصداقية،بل يلزم تحصيل الجزم بالفراغ الوجداني أو الجعلي.و أما في التكاليف‏التحريمية المطلوب فيها ترك الطبيعة السارية-بشهادة عدم سقوط النهي عنه بعصيانه مرة مثلا-فلا شبهة في أنّ‏التكليف فيها انحلالي حسب تعدد مصاديقه،و بعد ذلك إذا فرض في البين ما شك في كونه صوتا مع الترجيع‏
392
و إن كان للتكليف تعلق بموضوع خارجي،فيمكن في عالم الثبوت أن‏يكون التكليف بالنسبة إلى وجود الموضوع مطلقا سواء كان الموضوع موجودا أولم يكن-غايته أنّه مع عدم وجوده يجب عليه إيجاده إن كان ممّا يمكنه إيجاده‏كسائر مقدمات الواجب المطلق-و يمكن أن يكون التكليف بالنسبة إلى الموضوع‏مشروطا،و لكن هذا في التكاليف الوجودية المطلوب منها صرف الوجود.و أمّا التكاليف العدمية الانحلالية:فالتكليف دائما يكون فيها مشروطابوجود الموضوع‏1و قد ذكرنا تفصيل ذلك بما لا مزيد عليه في‏«رسالة المشكوك»نسأل اللّه تعالى التوفيق لإلحاقها في آخر الكتاب.و على كل تقدير:إن كان للتكليف تعلق بموضوع خارجي،فما لم يعلم‏المفروض كونه غناء،فدليل الكبرى لا يشمله،و مع عدم شموله-و لو من جهة الشك في انطباق العنوان عليه-لايصلح لبيانية حكمه،فيبقى حكم هذه الشبهة الموضوعية تحت«قبح العقاب بلا بيان»إذ مثل هذا البيان كنايةعن الحجة الموجبة لاستحقاق العقوبة،فمع عدم حجية الخطاب بالنسبة إليه لا قصور في شمول القاعدة لمثله،و ماتوهّم في أمثال ذلك:من عدم تصور الشبهة الموضوعية،غلط فاحش،كيف!و كل خبر لم يعلم كذبه من الشبهةالموضوعية و كل صوت لم يعلم فيه ترجيع من الشبهة الموضوعية،و قس عليه نظائرها من سائر المحرمات من الزناو اللواط و غيرها.1أقول:في التكاليف العدمية التي لها تعلق بموضوع خارجي مثل«لا تشرب الخمر»لو كان حرمةالشرب بفعله منوطا شرعا بوجود الخمر يلزم عدم حرمة مقدمات تحصيل الخمر في ظرف يستتبع الشرب قهرابحصوله،و لا أظنّ التزامه من أحد،فذلك برهان جزمي بأن حرمة شربه غير منوط بوجوده،غاية الأمر عند عدم‏حصوله قهرا يسقط التكليف من جهة العجز،لا من جهة فقد شرطه شرعا،كما أنّه مع التمكن من تحصيله إذاحصّله فمع بقاء القدرة على ترك الشرب لا ضير فيه،لأنّ المقصود من التكاليف التحريمية مجرد ترك المبغوض‏خارجا،فما دامت القدرة على تفويت الشرب باقية لا بأس بإيجاد سائر المقدمات،و هذا المقدار لا يقتضى اشتراطالتكليف بوجود الموضوع،بل لنا أن نقول:إنّ في كلية التكاليف التحريمية المتعلقة بالغير لا يكون من باب‏اشتراطها بوجود المتعلق،بل وجود المتعلق من حدود المكلف به و قيود موضوعه،و لازمه ما ذكرناه.ثمّ إنّ من نتائج ما ذكرنا هو أنّ في فرض الشك في المتعلق-كالخمر في المثال-لا يكون المقام كسائرموارد الشك في شرط التكليف الموجب للشك في أصل توجه التكليف،بل يكون من باب الشك في مصداق‏الخطاب المتوجه إلينا جزما،لكن حيث إنّ الخطاب انحلالي لا يكون بالنسبة إلى هذا المشكوك حجة،و حينئذفالمسلكان مشتركان في عدم حجية الخطاب عند الشك في المتعلق لكن مختلفان في وجه عدم الحجية.
393
وجود ذلك الموضوع لم تصح العقوبة على مخالفة ذلك التكليف،فسواء كان‏الموضوع من الموضوعات التي يمكن للمكلف إيجادها أو كانت خارجة عن قدرةالمكلف لا يكاد يكون الخطاب فعليا إلاّ بعد وجود الموضوع خارجا1فانّ‏نسبة الموضوع إلى التكليف كنسبة الفاعل و المكلف،فكما أنّه لا يمكن أن‏يكون الخطاب فعليا إلاّ بعد وجود المكلف،كذلك لا يمكن أن يكون الخطاب‏فعليا إلاّ بعد وجود الموضوع،و السرّ في ذلك واضح،فانّ التكاليف الشرعية إنّماتكون على نهج القضايا الحقيقة التي تنحل إلى قضية شرطية مقدّمها وجودالموضوع و تاليها عنوان المحمول،فلا بد من فرض وجود الموضوع في ترتب‏المحمول‏2فمع العلم بعدم وجود الموضوع خارجا يعلم بعدم فعلية التكليف،و مع الشك في وجوده يشك في فعليته،لأنّ المناط في صحة العقوبة عقلا هو أن‏يكون التكليف قابلا للباعثية و الداعوية،بحيث يكون محركا-في عالم التشريع-1أقول:هذا التقريب تمام في الواجبات المنوطة،لا في المحرمات،كما شرحنا المقال في الحاشيةالسابقة.2أقول:تشكيل القضايا الحقيقة في باب التكاليف منوط بجعل التكليف في كلية المشروطات منوطابوجود شرطها خارجا،كما هو الشأن في القضايا الحقيقة المنوط فيها المحمول بوجوده الحقيقي على وجود الموضوع‏خارجا و بوجوده الفرضي على فرض وجود موضوعه كذلك.و أمّا لو بنينا على أنّ التكاليف طرّا فعليتها مشروط بفرض وجود الموضوع في لحاظ الآمر و الجاعل،فلامحيص حينئذ من الالتزام بعدم إناطة فعلية التكليف على وجود الموضوع،بل وجود الموضوع شرط محرّكيته و تأثيره‏في انبعاث المكلف،لا شرط أصل التكليف و فعليته،و ربما يشهد لذلك أنّه لو كان فعلية الإرادة منوطا بوجودالشرط خارجا،فقبل وجود الشرط لا يكون إرادة أصلا،و حينئذ فمن أين تجي‏ء إرادة الجاعل بإيجاد خطابه مقدمةلحفظ مرامه؟فهذه الإرادة الغيرية شاهد جزمي على عدم إناطة إرادة المولى على وجود الشرط خارجا،مع أنّه ربمايكون شرط التكليف مفقودا له،كباب الوصايا العهدية المنوط إرادتها ببعد الموت،و كذا فيما لو قال:«إن نمت‏فافعل كذا»فانّه كيف يمكن الالتزام بأنّ فعلية الإرادة منوط بنومه أو مماته؟فلا محيص من جعل الإرادة في كليةالمشروطات منوطا بوجود الشرط لحاظا،و حينئذ ففي هذه المعلقات نقطع بفعلية التكليف في ظرف فرض وجودالموضوع لا بفعليته فرضا،كما في القضايا الحقيقية.و عليه:فجعل القضايا في باب التكاليف من القضايا الحقيقيةبعيد عن الصواب،و لا أقوال بأنّها من القضايا الخارجية الناظرة إلى الموضوعات الخارجية،بل هي داخلة في‏القضايا الطبيعية محضا،كما لا يخفى،فتدبر.
394
لعضلات المكلف،و ذلك لا يكون إلاّ بعد العلم بتحقق الموضوع و انطباق‏الكبرى المجعولة الشرعية عليه،فلا أثر للعلم بتشريع الكبرى مع عدم العلم‏بانضمام الصغرى إليها،لأنّ وجود الصغرى خارجا ممّا له دخل في فعليةالكبرى،غايته أنّ التكليف قد يكون على وجه يجب على المكلف إيجادالصغرى-إن كان ممّا يمكنه إيجاده-فتنطبق الكبرى عليها فيكون الحكم‏فعليا،و قد يكون التكليف على وجه لا يجب على المكلف إيجاد الصغرى-و إن‏كان يمكنه إيجادها.ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرنا:من أنّ التكاليف العدمية الانحلالية إنّماتكون مشروطة بوجود الموضوع في الخارج و مع الشك في وجود الموضوع لا علم‏بالتكليف،إنّما هو إذا كان المنهي عنه نفس الطبيعة المطلقة على نحو السالبةالمحصّلة،كقوله:«لا تشرب الخمر»حيث ينحل إلى قضايا جزئية حسبما للخمرمن الأفراد الخارجية.و أمّا إذا كانت القضية على نحو الموجبة المعدولة المحمول‏1كأن يقال:1أقول:مرجع القضية المعدولة إذا كان إلى ربط السلب قبال السالبة الراجعة إلى سلب الربط،لاشبهة في أنّ المسلوب في المعدولة هي الطبيعة التي هي متعلق سلب الربط في السالبة،فهذه الطبيعة إذا كانت‏بوجودها عين وجود الأفراد،فلا جرم عدمها أيضا عين عدم الأفراد،و مجرد وقوع سلبها طرف الربط في القضية لايوجب المغايرة بين هذا العدم و عدم أفراده،بل العينية باقية بحاله،و حينئذ فإذا كان المسلوب الطبيعة السيّالة في ضمن‏الأفراد،فلا شبهة في أنّ عدم هذه الطبيعة يختلف قلة و كثرة بقلة الأفراد و كثرتها،كما أنّ في وجودها أيضاكذلك،حيث إنّها بالنسبة إلى الأفراد بمنزلة الآباء،فكلما ازداد الفرد كثرة ازدادت الطبيعة وجودا و قلّت‏عدمها،و هكذا الأمر بالعكس،و لازمه مع الشك في فردية شي‏ء لها تردد عدم الطبيعة-بل وجوده-بين الأقل‏و الأكثر،و حينئذ فإذا أضيف شي‏ء بمثل هذا العدم كان متصفا بمفهوم مردد بين الأقل و الأكثر،و في مثله لا يكاديجري الاشتغال،إذ مع تردد المفهوم،بين الأقل و الأكثر لا يكاد يتمّ حجية الخطاب بمثل هذا العنوان المرددبالإضافة إلى الفرد المشكوك،و حينئذ لو قيل:«كن لا شارب الخمر»فمع كون«اللاشاربية»مرددا بين الأقل‏و الأكثر-حسب ازدياد فرده و قلّته-كيف يتم حجية هذا الخطاب بالإضافة إلى المرتبة المشكوكة؟و مع عدم حجيةالخطاب بالنسبة إلى المرتبة المشكوكة من أين يقتضى قاعدة الاشتغال تحصيل الفرد المشكوك،فتدبر في المقام،فانّه من مزال الأقدام.
395
«كن لا شارب الخمر»فحكمها يغاير حكم السالبة المحصّلة،فانّ متعلق‏التكليف في مثل قوله:«كن لا شارب الخمر»هو كون المكلف واجدا لوصف‏«اللاشاربية»و معنونا بكونه تارك شرب الخمر،من دون نظر إلى ترك الأفرادالخارجية من الخمر،و إنّما يكون تركها مقدمة عقلية لاتصاف المكلف بوصف‏«اللاشاربية»بحيث لو فرض محالا اتصافه بهذا الوصف مع عدم ترك شرب‏الأفراد الخارجية من الخمر لم يكن عاصيا و مخالفا للتكليف،و بالعكس لوفرض محالا ترك شرب الأفراد الخارجية و لم يتصف بذلك الوصف كان عاصياو مخالفا للتكليف،و هذا الفرض و إن كان محالا و بحسب النتيجة لا فرق بين‏قوله:«كن لا شارب الخمر»و بين قوله:«لا تشرب الخمر»فانّه على كل‏حال يجب ترك الأفراد الخارجية،إمّا لكون تركها مقدمة عقلية لحصول‏الوصف،و إمّا لكونه متعلق النهي.و لكن بحسب الأصول العملية تختلف النتيجة،فانّه لو كان متعلق‏النهي ترك شرب الأفراد الخارجية و كانت القضية على نحو السلب المحصّل،فعند الشك في خمرية مائع تجري البراءة،للشك في تعلق النهي به-بالبيان‏المتقدم-و إن كانت القضية على نحو الموجبة المعدولة المحمول،فالمرجع عندالشك في خمرية مائع قاعدة الاشتغال لا البراءة،للشك في حصول الوصف مع‏عدم ترك المشكوك،فيرجع الشك إلى الشك في الامتثال،هذا.و العجب من المقرّر!حيث إنّه تارة تخيّل بأنّ ربط سلب الطبيعة يوجب مغايرة هذا السلب لسلب‏الأفراد خارجا و أنّ سلب الأفراد مقدمة لهذا السلب و الوصف المربوط في القضية،و أخرى جعل عدم الأفراد من‏مقدمات الاتصاف بالسلب،و هو و إن كان له وجه حيث إنّ العدم إذا قام به الربط،و الاتصاف كان له نحوتقدم على الربط المزبور،و لكن لا يجدى له شيئا،إذ الاتصاف و الارتباط بأمر مردد بين الأقل و الأكثر لا يوجب‏الاشتغال في مثله،من جهة أنّ الاتصاف بالمردد موجب للترديد في مرتبة نفس الاتصاف،لأنّ المعنى الحرفي‏في القلة و الكثرة و التعيين و الترديد كالكلية و الجزئية تبع للمتعلق،و لذا لم يتوهّم أحد في تقييد شي‏ء بشي‏ء مرددبين الأقل و الأكثر جريان قاعدة الاشتغال فيه،و النكتة هو الّذي أشرنا إليه،فتدبر فيما أفيد،خصوصا في برهانه‏الآخر على التغاير الّذي هو عين المصادرة.
396
و لكن لم نعثر في باب النواهي على ما يكون من هذا القبيل،و إنمايكون ذلك مجرد فرض لا واقع له،فانّ ظاهر النواهي الواردة في الكتاب‏و السنة،هو أن يكون متعلق النهي نفس الطبيعة باعتبار ما يفرض لها من‏الأفراد الخارجية،إمّا على نحو العام المجموعي،و إمّا على نحو العام الأصولي،بل العام المجموعي أيضا مجرد فرض لا واقع له،فإرجاع القضية السالبة المحصّلةإلى المعدولة المحمول خلاف ما يقتضيه ظاهر النواهي.و لنطوي الكلام في هذا المقام و نقتصر على هذا المقدار و نحيل تفصيله‏إلى ما نلحقه بالكتاب من«رسالة المشكوك»إن شاء اللّه تعالى،فانّ استقصاءالكلام في ذلك و جمع أطرافه لا يمكن في المقام،بل يحتاج إلى رسالة مفردة،و قداستوفينا البحث عنه في تلك الرسالة،فانتظر.و على كل حال:فقد ظهر ممّا ذكرنا:أنّ قاعدة«قبح العقاب‏بلا بيان»لا تختص بالشبهات الحكمية،بل تجري في الشبهات الموضوعية أيضا،من غير فرق بينهما،سوى أنّه في الشبهات الحكمية تختص القاعدة بما بعد الفحص‏و في الشبهات الموضوعية لا يجب الفحص،إلاّ على بعض الوجوه يأتي ذكرها في‏خاتمة الاشتغال.بقي الجواب عن سؤال الفرق بين الأصول اللفظية و الأصول‏العملية،و أنّه كيف صح التمسك بالأصول العملية في الشبهات الموضوعية و لم‏يصح التمسك بالأصول اللفظية فيها؟و لعمري!أنّ الفرق بينهما في غاية الوضوح،فانّ الأصول اللفظية إنّماتكون كاشفة عن المرادات النّفس الأمرية،و عنوان العام بعد تخصيصه يكون‏جزء الموضوع و جزئه الآخر عنوان المخصص‏1و لا يمكن أن يتكفل الدليل‏1أقول:قد حققنا في محله:بأنّ باب التخصيص غير باب التقييد،و أنّ ما يخرج العنوان عن تمام‏الموضوع إلى جزئه هو باب التقييد،و لذا لا يتوهّم أحد الشك بالمطلق عند الشك في مصداق قيده،و هذا بخلاف‏
397
وجود الموضوع،بل إنّما يتكفل بيان الحكم على تقدير وجود الموضوع،و المصداق‏المشتبه لم يعلم أنّه من مصاديق العام أو من مصاديق الخاصّ؟فلا يجوز التمسك‏بأصالة العموم لإثبات كونه من مصاديق العام،و إلاّ يلزم أن يكون العام‏متكفلا لوجود مصاديقه.و هذا بخلاف الأصول العملية فانّها وظائف عملية.و المصداق المشتبه‏إذا لم يقم دليل على بيان حكمه،فبحسب الوظيفة لا بد و أن ينتهى الأمر إلى‏أحد الأصول العملية،و لا أقل من البراءة و الاشتغال اللذين تنتهي إليهما الوظيفةالعملية عقلا عند فقدان الأصول الحاكمة عليها.هذا تمام الكلام في الشبهة التحريمية بأقسامها الأربعة.
و أمّا الشبهة الوجوبية:
فأقسامها أيضا أربعة-على حذو الشبهة التحريمية-لأنّ منشأ الشبهة،إمّا أن يكون فقدان النص،و إمّا أن يكون إجماله،و إمّا أن يكون تعارض‏النصين،و إمّا أن يكون لأجل الاشتباه في الموضوع الخارجي،و هذه الأقسام‏الأربعة و إن لم يختلف حكمها،إلاّ أنّ الشيخ(قدس سره)أفرد البحث عن كل‏واحد منها و نحن نقتفي أثره.القسم الأوّل:ما إذا كان منشأ الشك في الوجوب فقدان النص.و الأقوى‏وفاقا لقاطبة الأصوليين و معظم الأخباريين-جريان البراءة فيه و عدم وجوب‏الاحتياط،سواء كان طرف احتمال الوجوب الاستحباب أو الإباحة أوالكراهة،للأدلة المتقدمة في الشبهة التحريمية،فانّ تلك الأدلة تعمّ الشبهات‏الوجوبية أيضا ما عدا أخبار أصالة الحل،و لا حاجة إلى إعادة البحث عنها.باب التخصيص،فانّه من باب إخراج فرد عن تحت حكم العام،نظير موته الغير المرتبط بعنوان العام،غاية الأمريوجب تقليل أفراده مع ما للعام بالإضافة إلى بقية أفراده تمام الموضوع،و هذه الجهة أوقعتهم في باب الشك في فردالمخصص في حيص و بيص،و تمام الكلام في محله إن شاء اللّه تعالى.
398
فالأولى عطف عنان الكلام إلى ما يهمّ ذكره من التنبيهات التي ذكرها الشيخ‏(قدس سره القدوسي).
التنبيه الأوّل:
لا إشكال في رجحان الاحتياط عقلا في جميع أقسام الشبهة التحريميةو الوجوبية الحكمية و الموضوعية1و في استحبابه الشرعي من جهة أوامر الاحتياط إشكال،لاحتمال أن‏تكون الأخبار الواردة في الباب-على كثرتها-للإرشاد إلى ما يستقل به العقل‏من حسن الاحتياط تحرزا عن الوقوع في المفسدة الواقعية و فوات المصلحةالنّفس الأمرية،و حكم العقل برجحان الاحتياط و حسنه إنّما يكون طريقا إلى‏ذلك،لا أنّه نشأ عن مصلحة في نفس ترك ما يحتمل الحرمة و فعل ما يحتمل‏الوجوب،بحيث يكون ترك المحتمل و فعله بما أنّه محتمل ذا مصلحة يحسن‏استيفائها عقلا.و من ذلك يظهر:فساد ما ربّما يتوهّم:من استحباب الاحتياط شرعا1أقول:عدم الريب في رجحان الاحتياط يقتضى حسنه حتى مع عدم مصلحة الواقع،و حينئذ نسأل‏بأنّه ما المناط في حسنه؟فان كان بملاحظة حسن الاحتياط مقدمة لحفظ الواقع فهو غلط،إذ صورة المخالفة مباين‏مع صورة المصلحة لا مقدمة و لا ملازم.نعم:هو مقدمة للعلم بتحصيل الواقع،و ترشيح حسنه منه فرع حسن تحصيل‏العلم بالواقع،و هو أوّل الكلام،و حينئذ ما معنى طريقية حسن الاحتياط بالنسبة إلى مصلحة الواقع؟فلا محيص‏حينئذ إمّا من دعوى إرشادية حكم العقل بالاحتياط لمحض حفظ المصالح بلا حسن فيه،أو دعوى وجود مناطلحسنه حتى في صورة المخالفة و لو من جهة كونه موجبا لاستحقاق المثوبة،نظير حسن الإطاعة الناشئة عن هذه الجهة،و بذلك أيضا منعنا في مثله جريان قاعدة الملازمة،و حينئذ لا يسمّى مثل هذا الحسن طريقيا،بل هو من شئون‏إتيان محتمل الوجوب برجائه،فيكون من تبعات الوجوب لا مستتبعا له،كما لا يخفى.نعم:هذا البيان أيضا إنّما يصح على المختار من حسن الانقياد،و إلاّ فعند من لا يقول بحسن العمل بل‏غايته أنه يكشف عن حسن سريرة الفاعل-كما هو مقالته في التجري-فلا يكون لحسن العمل مناط أصلا،بل لامحيص لمثل«المقرّر»إلاّ من الالتزام بالإرشاد،كما لا يخفى.
399
بقاعدة الملازمة،فانّ المورد ليس من موارد«قاعدة الملازمة»لما تكرر منّا:أنّ‏مورد الملازمة إنّما هو فيما إذا كان الحكم العقلي واقعا في سلسلة علل الأحكام‏من المصالح و المفاسد التي تبتنى عليها الأحكام،و أمّا إذا كان الحكم العقلي‏واقعا في سلسلة معلولات الأحكام من الإطاعة و العصيان و ما يستتبعهما من‏الثواب و العقاب،فلا محل لقاعدة الملازمة،و الحكم العقلي في باب الاحتياطيكون من القسم الثاني‏1لما عرفت:من أنّه طريق محض للتخلص عن فوات‏المصلحة و الوقوع في المفسدة النّفس الأمرية،فهو نظير حكمه بحسن الإطاعة و قبح‏المعصية،فلا يمكن إثبات استحباب الاحتياط شرعا من طريق قاعدة الملازمة.نعم:يمكن أن يستفاد استحبابه الشرعي من بعض الأخبار الواردة في‏الترغيب على الاحتياط كقوله عليه السّلام «من ارتكب الشبهات نازعته‏نفسه أن يقع في المحرمات» (1) و قوله عليه السّلام «من ترك الشبهات كان‏لما استبان له من الإثم أترك»2و قوله عليه السّلام «من يرتع حول الحمى‏أو شك أن يقع فيه» (2) و نحو ذلك من الأخبار التي يمكن أن يستظهر من‏التعليلات الواردة فيها أنّها من قبيل الحكمة لتشريع استحباب الاحتياط،و إن‏كان للمنع عن ذلك أيضا مجال.و على كل حال:لا شبهة في حسنه العقلي و إمكانه في التوصليات‏بترك ما يحتمل حرمته و فعل ما يحتمل وجوبه.و أمّا العبادات:فقد استشكل الشيخ(قدس سره)في إمكان‏1أقول:و لقد أجاد فيما أفاد،و لكن في جعل حسنه طريقيا تأمّل إليه قد أشرنا في الحاشية السابقة،فراجع.2الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 22 و لفظ الحديث«فمن ترك ما اشتبه‏عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك»
1)لم أعثر عليه بعد التتبع في مظانّها(المصحح)
2)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 39

400
الاحتياط فيها،بل قوّى العدم في هذا المقام،مع أنّ بنائه في الكتب الفقهيةو الرسائل العملية على خلاف ذلك،و قد نقل أنّ كلمة«أقواهما»لم تكن في‏نسخة الأصل.و ذلك هو المظنون،فانّ النّفس تأبى أن يكون مثل الشيخ(قدس سره)ينكر إمكان الاحتياط في العبادات،مع أنّ ما ذكر في وجه ذلك في غايةالضعف و السقوط،فانّ مبنى الإشكال-على ما ذكره الشيخ(قدس سره)-إنّماهو اعتبار قصد التقرب و الأمر في صحة العبادة1و ذلك يتوقف على العلم‏بالأمر تفصيلا أو إجمالا،و في الشبهات البدوية لا علم بالأمر فلا يمكن فيهاالاحتياط.و بعبارة أخرى:الاحتياط في الشي‏ء عبارة عن الاحتياط بكل مايحتمل دخله فيه على وجه يحصل العلم بعد الاحتياط بتحقق ما احتاط فيه‏بجميع ما له من الأجزاء و الشرائط،و من جملة الشرائط المعتبرة في العبادة قصدأمرها و التقرب بها،فانّ العمل الفاقد لذلك لا يكون عبادة،و قصد الأمرو التقرب يتوقف على العلم بتعلق الأمر بالعمل‏2و إلاّ كان من التشريع المحرم،ففي الشبهات البدوية العبادية لا يمكن فيها حقيقة الاحتياط،هذا.و لكن الإنصاف:أنّه ما كان ينبغي أن يجري هذا الإشكال على قلم‏«الشيخ»فضلا عن أن يختاره و يقوّيه،فانّه قد تقدم منّا-في مبحث القطع-أنّ‏للامتثال مراتب أربع:أحدها:الامتثال العلمي التفصيلي،ثانيها:الامتثال‏العلمي الإجماليّ‏3ثالثها:الامتثال الظني،رابعها:الامتثال الاحتمالي،و هذه‏1أقول:لو عبّر بقصد التمييز كان أولى،لأنّ ما نحيل في الاحتياط هو قصد التمييز،و إلاّ فلا قصور في‏التقرب برجاء الأمر و لا في قصد الوجه و لو رجاء،كما لا يخفى.2أقول:فيه نظر،لأنّ رجاء الأمر فيه كاف بلا تشريع،و لذا قلنا:بأنّ الأولى جعل المانع قصدالتمييز لا غير.3أقول:عند من احتمل اعتبار قصد التمييز لا بد من عدم هذه المراتب.نعم:لا بأس بالالتزام بها في‏
401
المراتب الأربع مترتبة عند العقل حسب ترتبها في الذّكر،بمعنى أنّه لا تحسن‏المرتبة اللاحقة إلاّ عند تعذّر المرتبة السابقة.و على كل حال:بعد تعذر المراتب الثلاث من الامتثال التفصيلي‏و الإجماليّ،و الظني تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي،و العقل يستقل بحسنه،و يكون ذلك امتثالا للأمر الواقعي على تقدير وجوده،و لا يتوقف حقيقةالامتثال على قصد الأمر التفصيلي،و إلاّ كان اللازم عدم حصول الامتثال في‏موارد العلم الإجماليّ‏1.و توهّم:أنّ الأمر في موارد العلم الإجماليّ مقطوع معلوم فلا يقاس‏بالشبهات البدوية التي ليس فيها إلاّ احتمال الأمر-فاسد،فانّ مجرد العلم بتعلق‏الأمر بأحد فردي الترديد لا يكفى لو بنينا على اعتبار قصد التقرب و الأمرالتفصيلي في عبادية العبادة،فانّه حين الاشتغال بكل واحد من فردي الترديدلا يمكن قصد التقرب به و امتثال أمره،لعدم العلم بتعلق الأمر به،لاحتمال‏أن يكون متعلق الأمر هو الفرد الآخر الّذي يأتي به بعد ذلك،أو الّذي أتى به‏قبل ذلك،ففي موارد العلم الإجماليّ لا يمكن أزيد من قصد امتثال الأمرالاحتمالي بالنسبة إلى كل واحد من العملين اللذين يعلم إجمالا بتعلق الأمربأحدهما،فلو كان الامتثال الاحتمالي لا يكفى في صحة العبادة كان اللازم‏عدم التمكن من الامتثال في موارد العلم الإجماليّ،و هو كما ترى!.و بالجملة:لا ينبغي الإشكال في أنّ الامتثال الاحتمالي من أحدمراتب الامتثال و العقل يستقل بحسنه و سقوط الأمر به على تقدير ثبوته واقعا2نعم:ليس هو في عرض الامتثال التفصيلي بل في طوله.و ما أبعد ما بين القول:التوصليات،حيث لا يعتبر فيها قصد التمييز و لا الوجه،فيكفى في التقرب بها رجاء أمرها،كما لا يخفى.1أقول:لا قصور الالتزام بهذا التالي،و لذا نمنع عن الاحتياط فيما يستلزم التكرار المعلوم اختصاصه‏بصورة العلم الإجماليّ،كما لا يخفى.2أقول:ذلك صحيح في التوصليات،و إلاّ ففي التعبديات مجال إشكال،كما أشرنا.
402
بأنّ الامتثال الإجماليّ في عرض الامتثال التفصيلي،و بين القول:بأنّ الامتثال‏الاحتمالي ليس من مراتب الامتثال و لا تصح به العبادة و لا يسقط به‏الأمر!1مع أنّه قد عرفت:أنّ لازم ذلك عدم كفاية الامتثال الإجماليّ‏2.فظهر:أنّ دعوى عدم إمكان الاحتياط في العبادات في غاية الوهن‏و السقوط.و قد حاول بعض الأساطين في تصحيح الاحتياط في العبادات‏بالأوامر الواردة فيه،كقوله عليه السّلام «أخوك دينك فاحتط لدينك» (1) بتقريب:أنّ الأمر بالاحتياط قد تعلق بذات العمل الّذي يحتمل وجوبه،لابالعمل بقيد أنّه محتمل الوجوب بحيث يكون احتمال الوجوب قيدا في المأموربه،بل متعلق الأمر نفس العمل الّذي يحتمل وجوبه توصليا يكفى الإتيان به‏بلا قصد الأمر المتعلق به و إن كان عباديا-أي كان بحيث لو تعلق الأمر به‏لكان أمره عباديا-فلا بد من قصد الأمر الّذي تعلق به،و هو الأمر بالاحتياطالّذي فرض تعلقه بذات العمل،فينوي التقرب به و يقصد امتثاله،و لذلك‏حكى:أنّ سيرة أهل الفتوى في العصر السابق كانت على الفتوى باستحباب‏نفس العمل في الشبهات البدوية الحكمية،من غير تقييد بإتيان العمل بداعي‏احتمال المطلوبية،بل يطلقون الفتوى باستحباب العمل،و لو لم تكن أوامرالاحتياط متعلقة بنفس العمل و موجبة لاستحبابه لم يكن وجه لإطلاق‏الفتوى باستحباب العمل،بل كان اللازم تقييد الفتوى بإتيان العمل بداعي‏احتمال الأمر،كما جرت عليه السيرة بين أهل الفتوى في العصر المتأخر،هذا.1أقول:و لا بأس به أيضا بعد إسقاط اعتبار قصد التمييز،إذ لا وجه لتقديم الامتثال الجزمي على غيره‏بعد تساويهما في القرب.2أقول:الأولى التشبث بدليل الإطلاقات-و لو مقاميا-لدفع اعتبار قصد التمييز في العبادة،و إلاّ فلامجال لتوهين هذا الكلام بهذه الشدة.نعم:هو صحيح في الاحتياط في التوصليات.
1)الوسائل:الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 41

403
و أنت خبير بما فيه،فانّ الأمر بالعمل،إمّا أن يكون بنفسه عباديا-أي‏كان الغرض من الأمر التعبد و التقرب به-كالأمر المتعلق بالصلاة،و إمّا أن‏يكتسب العبادية من أمر آخر لأجل اتحاد متعلقهما،كوجوب الوفاء بالنذر1فانّ الأمر بالوفاء بالنذر بنفسه لم يكن عباديا،بل هو كسائر الأوامر التوصلية لايعتبر في سقوطه قصد الامتثال و التقريب،و لكن لو تعلق النذر بما يكون عبادة-كنذر صلاة الدليل-يكتسب الأمر بالوفاء بالنذر العبادية من الأمر بصلاةالليل،كما أنّ الأمر بصلاة الليل يكتسب الوجوب من الأمر بالوفاء،و السرّ في‏ذلك:هو أنّ النذر إنّما يتعلق بذات صلاة الليل لا بها بما أنّها مستحبة بحيث‏يؤخذ استحبابها قيدا في متعلق النذر،و إلاّ كان النذر باطلا لعدم القدرة على‏وفائه،فانّ صلاة الليل بالنذر تصير واجبة،فلا يمكن بعد النذر فعل صلاة الليل‏بقيد كونها مستحبة،فلا بد و أن يتعلق النذر بذات صلاة الليل،و الأمرالاستحبابي الّذي تعلق بها أيضا قد تعلق بذات صلاة الليل لا بوصف كونهامستحبة،فانّ هذا الوصف إنّما جاء من قبل الأمر بها فلا يمكن أخذه في متعلق‏1أقول:بعد ما كان رجحان متعلق النذر شرط صحة النذر،فقهرا هذا الرجحان ملحوظ في متعلقه،و لا يعقل تجريد المتعلق عن هذا الرجحان،كيف!و لازم التجريد عدم دخل الرجحان في الصحة،فإذا كان‏كذلك فيستحيل اتحاد الأمر الناشئ من قبل النذر مع هذا الرجحان الّذي هو شرط الصحة،فإذا لم يتحدا،فلامحيص من اعتبار الذات في الرتبتين فرارا عن لزوم اجتماع الضدين،و حينئذ فلا قصور في إبقاء الذات الملحوظمتعلقا للنذر و موضوعا له على استحبابه،مع كون الذات الملحوظ في مرتبة الوفاء بالنذر الملحوظ في المرتبة اللاحقةمتصفا بالوجوب،نظير اتصاف الذات في المرتبة السابقة عن اعتقاد العصيان على ما هو عليه من الحكم الواقعي‏مع اتصاف الذات في رتبة اعتقاد العصيان-المسمى بالتجري-بالمبغوضية،بلا تضاد بينهما،كما لا يخفى.و حينئذ لا يبقى مجال لما أفيد:من اكتساب الأمر بالوفاء بالنذر العبادية عن الأمر بالذات،إذ هذاالاكتساب فرع التأكد و اتحاد أحدهما مع الآخر،و هذا المعنى في مثل المقام من طولية الحكمين مستحيل،إذالطولية موجبة لتخلل الفاء بينهما،و مع هذا التخلل يأبى العقل عن الحكم بالاتحاد و التأكد بينهما،كما لا يخفى.و حينئذ ربما يكون باب النذر من تلك الجهة كباب إجارة العبادات.نعم:لو لم نقل بشرطية رجحان‏المتعلق في النذر كان لما أفيد وجه،و لكنه ظاهرا خلاف الإجماع،إلاّ في بعض الموارد على ما حقق في محله،فراجع‏كلماتهم و تدبر فيها.
404
الأمر،فيكون كل من الأمر الاستحبابي و الأمر بالوفاء بالنذر قد تعلق بذات‏صلاة الليل،و لمكان اتحاد متعلقهما يكتسب كل منهما من الآخر ما كان فاقداله،فالأمر النذري يكتسب العبادية من الأمر الاستحبابي،و الأمر الاستحبابي‏يكتسب الوجوب من الأمر النذري،هذا إذا اتحد متعلق الأمرين.و أمّا إذا لم يتحد متعلقهما:فلا يكاد يمكن أن يكتسب أحد الأمرين‏العبادية مع كونه فاقدا لها من الآخر الواجد لها،كالأمر بالوفاء بالإجارة إذاكان متعلق الإجارة أمرا عباديا،كما لو أوجر الشخص على الصلاة الواجبة أوالمستحبة على الغير،فانّ الأجير إنّما يستأجر لتفريغ ذمّة الغير،فالإجارة إنّماتتعلق بما في ذمّة المنوب عنه،و ما في ذمّة المنوب عنه،إنّما هي الصلاة الواجبة أوالمستحبة بوصف كونها مستحبة أو واجبة،فمتعلق الإجارة إنّما تكون الصلاةبقيد كونها مستحبة على المنوب عنه لا بذات الصلاة بما هي هي،و متعلق الأمرالاستحبابي إنّما هو نفس الصلاة،فلا يتحد الأمر الاستحبابي مع الأمرالإجاري،و مع عدم اتحاد المتعلق لا يمكن أن يكتسب الأمر الإجاري العباديةمن الأمر الاستحبابي،كما لا يكتسب الأمر الاستحبابي وصف الوجوب من‏الأمر الإجاري،فانّ الأمر الاستحبابي إنّما تعلق بالمنوب،عنه و الفعل بعد باق‏على استحبابه بالنسبة إلى المنوب عنه‏1و الأمر الوجوبيّ إنّما يتعلق بالأجير،فلاربط لأحدهما بالآخر يكتسب أحدهما من الآخر ما يكون فاقدا له.1أقول:تصور بقاء استحباب الفعل المنوب عنه إنما يصح في النيابة عن الأحياء،و إلاّ ففي الأموات لامعنى له،كما أنّ هذا الأمر الاستحبابي لا يكون مناط تقرّب النائب،إذ لا معنى لجعل أمر الغير داعيا له،بل المناطكون العمل بنفسه من أبزار العبودية و نحو خضوع،فالنائب يقصد بعمله هذا كونه خضوعا للمنوب عنه،نظيرتقبيل اليد عن الغير.و لقد حققنا في محلّه أنّ قربيّة العبادات النيابي منحصر بهذا البيان ليس إلاّ،و حينئذ لنا أن نقول:إنّه لوفرض اتحاد متعلق الحكمين في باب الإجارة لا يكاد يكتسب الأمر الإجاري القرب من غيره،كيف!و لازمه‏تقرب النائب للمنوب عنه،و حينئذ ليس عدم عبادية الأمر بوفاء الإجارة من جهة صرف تعدد الأمرين،بل مع‏فرض اتحادهما أيضا لا يصلح لقربيّة العمل للمنوب عنه،فتدبر.
405
و من هنا يظهر:فساد ما أجاب به بعض الأعلام عن الإشكال‏المعروف في صحة عبادة الأجراء-و هو عدم تمشي قصد التقرب منهم مع أنّ‏المحرك و الداعي لهم أخذ الأجرة-من أنّ لهم قصد امتثال الأمر الإجاري‏و التقرب به،فانّ الأمر الإجاري و إن كان توصليا إلاّ أنّه يصح التقرب به‏خصوصا إذا تعلق بما يكون عبادة.وجه الفساد:هو أنّ الأمر الإجاري و إن صح التقرب به كسائرالأوامر التوصلية،إلاّ أنّ قصد امتثال الأمر الإجاري لا يوجب صحة العبادةالمستأجر عليها1فانّ المعتبر في صحة العبادة قصد أمر نفسها و الأمر الإجاري لم‏يتعلق بذات العبادة ليكتسب العبادية من الأمر المتعلق بها،و قد استقصيناالكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في«كتاب القضاء»و في«المكاسب المحرّمة»عند البحث عن أخذ الأجرة على الواجبات.و على كل حال:فقد عرفت أنّ الأمر العبادي،إمّا أن يكون بنفسه‏عبادة-أي كان الغرض من الأمر التعبد به-و إمّا أن يكتسب العبادية من أمرآخر،و الأوامر المتعلقة بالاحتياط فاقدة لكلتا الجهتين.أمّا الجهة الأولى:فواضح،فانّ الأمر بالاحتياط إنّما يكون توصلياليس الغرض منه التعبد و التقرب به،و إلاّ يلزم بطلان الاحتياط في‏التوصليات،و لا سبيل إلى دعوى صيرورة الأمر بالاحتياط،عباديا إذا كان‏الفعل المحتاط فيه عبادة،و توصليا إذا كان الفعل المحتاط فيه غير عبادة،إلاّ على‏وجه يأتي بيانه مع فساده.و أمّا الجهة الثانية:فلأنّ الأمر بالاحتياط لم يتعلق بذات العمل مرسلاعن قيد كونه محتمل الوجوب،بل التقييد بذلك مأخوذ في موضوع أوامر1أقول:الأولى أن يعلّل بأنّ التقرب بأمر الإجاري،إنما يكون للنائب دون المنوب عنه،و المقصود تقرب‏المنوب عنه بفعل النائب،و إلاّ فلو أغمض عما ذكرنا،فما أفيد مصادرة محضة.
406
الاحتياط1و إلاّ لم يكن من الاحتياط بشي‏ء،بخلاف الأمر المتعلق بالعمل‏المحتاط فيه،فانّه على تقدير وجوده الواقعي إنّما تعلق بذات العمل،فلم يتحدمتعلق الأمرين حتى يكتسب الأمر بالاحتياط العبادية من الأمر المتعلق بالعمل‏لو فرض أنّه كان ممّا تعلق الأمر العبادي به،و قد عرفت:أنّه ما لم يتحد متعلق‏الأمر الغير العبادي مع متعلق الأمر العبادي لا يمكن أن يصير الأمر الغيرالعبادي عباديا.و بالجملة:الأمر الّذي يتعلق بالعمل الّذي يحتمل وجوبه لا يخلو:إمّا1أقول:و الأوضح أن يقال:إنّ الأمر الواقعي العبادي إنما تعلق بالذات في المرتبة السابقة عن‏احتمال وجوبها و الأمر بالاحتياط تعلق بها في الرتبة المتأخرة عن احتمال الأمر بالذات،و هذا على المختار يوجب‏مغايرة الأمرين لا محالة،و لكن مثل«المقرّر»الملتزم بعدم منافاة الطولية مع التأكد-كما صرح بأنّ في صورةموافقة الأمر الطريقي مع الواقع لا إشكال فيه للتأكد-له أن يلتزم في المقام أيضا بتأكد الأمرين الطوليين المستتبع‏لاكتساب أحدهما من الآخر العبادية،كما هو الشأن في الأمر بالوفاء بالنذر مع أمره الاستحبابي،فانّه لا محيص‏من تأكدهما على زعمه،و أنّ هذا التأكد موجب لاكتساب أحدهما العبادية من الآخر،هذا مع أنّ الالتزام بعدم‏عبادية الأمر بالاحتياط عند مخالفته مع الأمر بالذات مما لا نرى له وجها،إذ مرجع عبادية الأمر صيرورته داعيةو موجبة للتقرب،و في هذا المقدار لا قصور في الأمر بالاحتياط.نعم:الّذي يمتاز عن الأمر العبادي سقوطه بدون دعوته،بخلاف أو امر العبادي،و لكن في المقام لوفرضنا عدم كفاية احتمال الأمر في العبادة و احتياجه إلى قصد التمييز،فالأمر المحتمل الواقعي لا يجدى في تحصيل‏الغرض،فينحصر تحصيل الغرض حينئذ بأوامر الاحتياط،إذ بها أيضا يحصل التقرب و التميز،كما في أوامرالطرق.نعم:لو لم يعتبر قصد التمييز في العبادة أو كان مورده توصليا لا يحتاج في سقوط الأمر بالاحتياط إلى‏التقرب،فيصير حينئذ توصليا،و أما مع الاحتياط إلى قصد التمييز في سقوط الأمر في حصول الغرض،فلا يكاديسقط الأمر بالاحتياط إلاّ بدعوته الموجب لقربه و تميزه،و لا نعنى من عبادية الأمر بالاحتياط إلاّ هذا المقدار،و في هذا المقدار لا يحتاج إلى دعوى وحدته مع الأمر الواقعي،مع أنّ النّظر الدّقيق أيضا يرى بأنّ مجرد الوحدة بنحوالتأكد أيضا لا يقتضى الاكتساب،لأنّ مثل هذا الأمر ينحل إلى قطعتين:أحدهما عبادي،و الآخر غير عبادي،و مجرد اتصالهما لا يقتضى الاكتساب،كما هو ظاهر.و من التأمل في ما ذكرنا ظهر مواقع النّظر فيما أفاده في المقامين من أوّله إلى آخره.و لعمري!أنّ الناظر في‏هذا الأساس لا يرى إلاّ كونه سفسطة محضة،و مفاهيمها لا محصّل له أو مصادرات محضة لا حقيقة لأمثاله،فتدبرفيها و فيما ذكرنا بعين الإنصاف.
407
أن يتعلق به مطلقا سواء قصد به التقرب أو لم يقصد،و إمّا أن يكون مقيّدابقصد التقرب،و إمّا أن يكون مقيّدا بقصد احتمال الأمر،لا سبيل إلى الأوّل‏و الثاني،فانّ الأوّل ينافى كون العمل عباديا،و الثاني يتوقف على إحراز الأمرليمكن التقرب به و المفروض أنّه غير محرز،فيتعين الثالث،فلا بد أن يؤخذالإتيان بداعي احتمال الأمر في متعلق الأمر بالاحتياط،و حينئذ فان كان‏إتيان العمل بداعي الاحتمال كافيا في العبادية فلا يحتاج إلى أوامرالاحتياط،و إن لم يكن كافيا فأوامر الاحتياط لا توجب عبادية العمل.فان قلت:أوامر الاحتياط تعمّ التوصليات و التعبديات بجامع واحد،و في التوصليات لا يعتبر أن يكون العمل بداعي احتمال تعلق الأمر به،بل‏يكفى الإتيان بنفس العمل الّذي يحتمل تعلق الأمر به،فلا بد و أن يكون الأمرمتعلقا بذات العمل بلا قيد إتيانه بداعي الاحتمال،و إلاّ فيلزم التفكيك بين‏التوصليات و التعبديات مع وحدة الدليل،و إذا كان الأمر بالاحتياط متعلقابذات العمل بلا أخذ قيد قصد احتمال الأمر،فان كان العمل من الأعمال‏العبادية فلا محالة أوامر الاحتياط تكشف عن تعلق الأمر العبادي به،و حينئذيمكن قصد الأمر القطعي المستكشف من أوامر الاحتياط،بل يمكن قصدالتعبد بنفس الأمر بالاحتياط،لاتحاده مع الأمر المتعلق بالعمل،فيكون عبادةبلا حاجة إلى قصد احتمال الأمر ليستشكل بأنّ قصد احتمال الأمر لا يكفى‏في العبادية،و هذا ما وعدناه به سابقا من الوجه.قلت:وحدة الدليل لا ينافى استفادة قيد قصد امتثال الأمر المحتمل‏في العبادات من الخارج-كسائر القيود التي يستفاد اعتبارها لبعض أصناف‏العام من دليل خارجي آخر-مثلا لورود«أكرم العلماء»فقد تعلق وجوب‏الإكرام بالنحوي و الفقيه بجامع واحد،و مع ذلك يمكن أن يعتبر في الفقيه‏العدالة و يستفاد ذلك من الخارج،و كذلك نقول في المقام:إنّ أوامرالاحتياط قد تعلقت بالتوصليات و العباديات بجامع واحد،و لكن قصد استفيد
408
من دليل خارجي اعتبار قصد امتثال احتمال الأمر في العباديات،و الدليل‏الخارجي الّذي يستفاد منه القيد هو ما ذكرناه من البرهان،و حاصله:أنّه لايمكن أن تكون أوامر الاحتياط مهملة،بل لا بد إمّا من كونها مطلقه بالنسبةإلى قصد الامتثال و عدمه،و إمّا أن تكون مقيّدة بقصد امتثال الأمر،و إمّا أن‏تكون مقيّدة بقصد امتثال احتمال الأمر،لا سبيل إلى الأوّل و الثاني بالبيان‏المتقدم،فيتعين الثالث.هذا كله مضافا إلى ما عرفت:من أنّ حقيقة الاحتياط هو قصدامتثال احتمال الأمر،فلو الغى هذا القيد لم يكن من الاحتياط بشي‏ء،بل‏كان العمل بنفسه مستحبا نفسيا كسائر الأفعال المستحبة.فالإنصاف:أنّ ما يحكى عن المشهور:من الفتوى باستحباب العمل‏الّذي يحتمل وجوبه من غير تقييد إتيانه بداعي احتمال المطلوبية،لا ينطبق‏على القواعد،إلاّ أن يكون نظر المشهور إلى مسألة التسامح في أدلة السنن،و ذلك على إطلاقه أيضا لا يستقيم،فانّ التسامح في أدلة السنن يختص بما إذاقام خبر ضعيف على استحباب الشي‏ء أو وجوبه-لو قلنا:بأنّ الخبر الضعيف‏القائم على وجوب الشي‏ء يندرج في أخبار«من بلغ»و لا تختص بالخبر القائم‏على الاستحباب-و الكلام في استحباب الاحتياط أعمّ من ذلك،فانّ فتوى‏المشهور باستحباب العمل الّذي يحتاط فيه تشمل ما إذا كان منشأ الشبهةفقدان النص،و أخبار«من بلغ»التي هي المدرك في مسألة التسامح في أدلةالسنن لا تشمل صورة فقدان النص.و حيث انجر الكلام إلى ذلك،فلا بأس بالإشارة إلى مدرك ما اشتهرفي الألسن:من‏
التسامح في أدلة السنن.
فنقول:المدرك في ذلك هو ما ورد من الأخبار،و هي كثيرة.منها:صحيحة هشام بن سالم،عن الصادق عليه السّلام قال:من‏بلغه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له‏
409
و إن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يقله‏ (1) .و منها:ما عن«الكليني»عنهم عليهم السّلام من بلغه شي‏ء من الخيرفعمل به كان له من الثواب ما بلغه و إن لم يكن الأمر كما فعله‏1.و منها:ما عن«الإقبال»عن أبي عبد اللّه عليه السّلام من بلغه‏شي‏ء من الخير فعمل به كان له ذلك‏ (2) .و منها:ما عن محمد بن مروان قال:سمعت أبا جعفرعليه السّلام يقول:من بلغه ثواب من اللّه تعالى على عمل فعمل ذلك العمل‏التماس ذلك الثواب أوتيه و إن لم يكن الحديث كما بلغه‏ (3) إلى غير ذلك من الأخبار المتقاربة بحسب المضمون،و يغنى عن التكلم‏في سندها عمل المشهور بها و الفتوى على طبقها،مع أنّ بعضها من الصحاح،فلا إشكال من حيث السند،إنّما الإشكال من حيث الدلالة.و الوجوه المحتملةفيها ثلاثة:أحدها:أن يكون مفادها مجرد الإخبار عن فضل اللّه سبحانه من غيرنظر إلى حال العمل و أنه على أيّ وجه يقع،و بعبارة أخرى:يمكن أن تكون هذه الروايات ناظرة إلى العمل بعد وقوعه و أنّ اللّه تعالى حسب‏فضله و رحمته يعطى الثواب الّذي بلغ العامل و إن تخلّف قول المبلّغ عن الواقع‏و لم يكن الأمر كما أخبر به‏2و حينئذ لا تكون الروايات بصدد بيان حال‏1الوسائل:الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 8 و فيه:«و إن لم يكن الأمر كما نقل‏إليه».2أقول:لا شبهة في أنّ ترتب الثواب الّذي هو لسان هذه الأخبار إنما هو بعد العمل،إنما الكلام في‏أنّ هذا الثواب ثواب تفضّل أو ثواب استحقاق،و أيضا و صريح هذه النصوص ترتب الثواب و إن كان البلوغ‏على خلاف الواقع،و هو لا يناسب طريقية البلوغ إلاّ على المختار:من استحقاق المنقاد أيضا مثل المطيع للثواب،
1)الوسائل:الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 3
2)الإقبال:في ما يختص بشهر رجب ص 627
3)الوسائل:الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 7

410
العمل قبل وقوعه من العامل و أنّه مستحب،و لا بصدد بيان إلقاء شرائط حجيةالخبر الواحد في المستحبات و أنّه لا يعتبر فيها ما يعتبر في الخبر القائم على وجوب‏شي‏ء:من الوثاقة أو العدالة.و لا يمكن التمسك بإطلاق الموضوع-و هو البلوغ-و يقال:إنّ الموضوع في‏القضية مطلق لم يعتبر فيه شرائط الحجية،فانّ الإطلاق في القضية إنّما سيق‏لبيان حكم آخر و هو إعطاء الثواب على العمل الّذي بلغ عليه الثواب،و إذاكان الإطلاق قد سيق لبيان حكم آخر لا لحكم نفسه فلا يجوز التمسك به،نظير قوله تعالى:«فكلوا ممّا أمسكن عليه» (1) فانّ إطلاق الأمر بالأكل قد ورد لبيان حليةكما هو الشأن في التجري بالإضافة إلى العقوبة.و حيث كان كذلك نقول:إنّ الظاهر من بلوغ الثواب كونه كناية عن الأخبار بسببه من وجوب أواستحباب،كيف!و غالب الأخبار الّذي هو محط هذه الروايات من هذا القبيل و قلّ اشتمالها على مجرد إخبارالثواب،نظير«من سرّح لحيته»و أمثاله،و حينئذ أمكن بقرينة السياق جعل الثواب الموعود أيضا كناية عن‏إثبات مقتضية خصوصا مع التعبير في بعض الأخبار بالأجر،و حينئذ لا يناسب مثل هذا البيان للتفضل،إذا لثواب‏التفضلي لا يكون أجرا،و لا كناية عن ثبوت مقتضية،فلا محيص إمّا من حمل هذه النصوص لبيان استحباب‏العمل مولويا أو الحمل على بيان طريقية الخبر لإثبات الاستحباب على المختار.نعم:على مذهب«المقرّر»لا محيص على تقدير الكناية من حمل الروايات على الاستحباب المولوي‏الشامل بنصّها لصورة مخالفة البلوغ للواقع،فيصير البلوغ المزبور حينئذ مما له الموضوعية في ترتب هذا الثواب،كماأنّه على المختار يكون الأخبار قابلا للحمل على الطريقية و قابلا للحمل أيضا على محض الإتيان برجاء الواقع بلاطريقية و لا نفسية،كما يشهد له قوله«طلب»و قوله«و التماس ذلك الثواب»و لازمه جعل هذه الأخبار إرشاداإلى حكم العقل بلا مولوية نفسية و لا طريقية،لاستقلاله بذلك،كما لا يخفى.و لعمري!أنّ المتيقن من الأخبارهو ذلك،لا المولوية و لا حجية قول المبلّغ،كما لا يخفى.و على أيّ حال:لا وجه لحمل النصوص بصورة كون خبر المبلّغ واجدا لشرائط الحجية،إذ كما أنّ الخبرالصحيح كان داعيا على العمل كذلك رجاء الوصول إلى الواقع أيضا ربما يكون داعيا عليه،و مع هذا الاحتمال‏لا يبقى مجال الحمل على صورة وجدان الخبر لشرائط الحجية.و توهّم:أنّه على هذا لا يكون البلوغ داعيا بل احتمال‏الثواب داعي،مدفوع بأنّ البلوغ كناية عن احتماله.
1)سورة المائدة الآية 4

411
ما يصطاده كلب الصيد و أنّه ليس من الميتة،فلا يجوز التمسك بإطلاق الأمربالأكل لطهارة موضع إمساك الكلب،و في المقام إطلاق قوله عليه السّلام‏«إذا بلغه شي‏ء من الثواب فعمله كان له ذلك»لم يرد لبيان استحباب العمل‏الّذي بلغ عليه الثواب حتى يؤخذ بإطلاقه،ليستفاد منه عدم اعتبار ما اعتبر في‏الخبر الواحد من الشرائط،بل إنّما ورد لبيان فضل اللّه تعالى على العباد و أنّ‏الثواب لا يدور مدار إصابة قول المبلّغ للواقع،و هذا لا ينافى أن يعتبر في قول‏المبلّغ ما يعتبر في الخبر الواحد،أي كان ترتب الثواب مشروطا بكون قول المبلّغ‏واجدا لشرائط الحجية.و الحاصل:أنّ مبنى الاحتمال الأوّل هو أن تكون هذه الأخبار بصددبيان ما يترتب على العمل المتفرع على بلوغ الثواب عليه،كما يرشد إلى ذلك فاءالتفريع،فانّ الظاهر من قوله عليه السّلام «فعمله»هو أن يكون العمل‏متفرعا على البلوغ و أنّه بلغ فعمل معتمدا على البلوغ و مستندا إليه،و العامل لايعتمد في عمله على قول المبلّغ إلاّ إذا كان قوله واجدا لشرائط الحجية،فكأنّ‏واجدية قول المبلّغ للشرائط أخذ في القضية مفروغ الوجود و إلاّ لا يصح تفريع‏العمل على البلوغ،فانّه إذا لم يكن قول المبلّغ واجدا للشرائط فلا يصح من‏العامل إسناد عمله إلى قول المبلّغ و الاعتماد عليه،بل لا بد من أن يكون عمله‏بداعي الاحتمال و أنّه لعلّ أن يكون قوله مصادفا للواقع،و هذا ينافى ظاهرتفريع العمل على البلوغ،فانّ التفريع لا يكون إلاّ بعد الاعتماد على قول المبلّغ‏و فرض إصابته للواقع.فان قلت:الظاهر من قوله عليه السّلام في خبر محمد بن مروان‏«ففعله التماس ذلك الثواب أوتيه»هو أن يكون العمل برجاء إصابة قول المبلّغ‏للواقع و احتمال كونه مطلوبا في نفس الأمر،فلا بد أن لا يكون قول المبلّغ‏واجدا للشرائط،فانّه لو كان واجدا لها لا يكون العمل بداعي احتمال‏المطلوبية،بل مقتضى حجية قوله هو إلقاء احتمال مخالفة قوله للواقع و إتيان‏
412
العمل بداعي كونه مطلوبا واقعا.قلت:تقييد العمل بالالتماس ليس لبيان وجه العمل و أنّه يعتبر في‏إعطاء الثواب أن يكون العمل بداعي الاحتمال و التماس الثواب‏1بل التقييدبذلك إنّما هو لأجل أنّ عبادة أغلب الناس إنّما تكون لرجاء الثواب و الأمن من‏العقوبة،فقوله عليه السّلام «ففعله التماس ذلك الثواب»إنّما ورد موردالغالب و لا عبرة بالقيد الوارد مورد الغالب.نعم:ربّما يستظهر من قوله عليه السّلام في بعض الأخبار«فعمل‏ذلك طلب قول النبي صلّى اللّه عليه و آله »كون العمل برجاء قول النبي‏صلّى اللّه عليه و آله فتأمّل.و على كل حال:فهذا أحد الاحتمالات التي تتحملها روايات‏الباب.ثانيها:أن تكون الجملة الخبرية بمعنى الإنشاء و يكون مفاد قوله‏عليه السّلام «فعمله»أو«ففعله»الأمر بالفعل و العمل‏2كما هو الشأن في‏غالب الجمل الخبرية الواردة في بيان الأحكام،سواء كانت بصيغة الماضي‏كقوله عليه السّلام «من سرّح لحيته فله كذا»أو بصيغة المضارع كقوله:«تسجد سجدتي السهو»و غير ذلك من الجمل الخبرية التي وردت في مقام‏الحثّ و البعث نحو الفعل،فيكون المعنى:إذا بلغ الشخص شي‏ء من الثواب‏على عمل فليعمله،و على هذا يصح التمسك بإطلاق البلوغ و القول باستحباب‏1أقول:ذلك كذلك لو لم نقل بأنّ البلوغ كناية عن احتمال الثواب أو احتمال مقتضية،كما هوظاهر قوله:«طلب قول النبي»و حينئذ يكون قوله:«التماس ذلك الثواب»أو«طلب قوله»مؤكدا لاحتمال‏المزبور الّذي هو لازم البلوغ جزما،لا أنّه بيان للازم خارجي عن البلوغ،كما لا يخفى.2أقول:حمل الجملة الخبرية على الإنشاء في كلية الموارد في غاية البعد،بل عمدة وجه استفادةالطلب من أمثال هذه الجمل جعلها من باب الإخبار بوجود شي‏ء بملاحظة وجود مقتضية في عالم التشريع،فيصيرالإخبار المزبور كناية عن الطلب الّذي هو ملزومه،لا أنه بنفسه عبارة عن إنشائه،كما لا يخفى.
413
العمل مطلقا،سواء كان قول المبلّغ واجدا لشرائط الحجية أو لم يكن،فانّ‏الموضوع في القضية هو نفس البلوغ بقول مطلق،و الإطلاق يكون مسوقا لبيان‏حكم نفسه لا لبيان حكم آخر،فلا مانع من التمسك بالإطلاق.ثمّ إنّ كون الجملة الخبرية بمعنى الإنشاء و أنّها في مقام بيان استحباب‏العمل يمكن أن يكون على أحد وجهين:أحدهما:أن تكون القضية مسوقة لبيان اعتبار قول المبلّغ و حجيته،سواء كان واجدا لشرائط الحجية أو لم يكن-كما هو ظاهر الإطلاق-فيكون‏مفاد الأخبار مسألة أصولية،فانّه يرجع مفادها إلى حجية الخبر الضعيف الّذي‏لا يكون واجدا لشرائط الحجية،و في الحقيقة تكون أخبار«من بلغ»مخصصة لمادل على اعتبار الوثاقة أو العدالة في الخبر و أنّها تختص بالخبر القائم على وجوب‏الشي‏ء،و أمّا الخبر القائم على الاستحباب فلا يعتبر فيه ذلك.و ظاهر عناوين‏كلمات القوم ينطبق على هذا الوجه،فانّ الظاهر من قولهم:«يتسامح في أدلةالسنن»هو أنّه لا يعتبر في أدلة السنن ما يعتبر في أدلة الواجبات.فان قلت:كيف تكون أخبار«من بلغ»مخصصة لما دل على اعتبارالشرائط في حجية الخبر،مع أنّ النسبة بينهما العموم من وجه؟حيث إنّ ما دلّ‏على اعتبار الشرائط يعمّ الخبر القائم على الوجوب و على الاستحباب،و أخبار«من بلغ»و إن كانت تختص بالخبر القائم على الاستحباب،إلاّ أنّه أعمّ من أن‏يكون واجدا للشرائط أو فاقدا لها،ففي الخبر القائم على الاستحباب الفاقدللشرائط يقع التعارض،فلا وجه لتقديم أخبار«من بلغ»على ما دلّ على اعتبارالشرائط في الخبر.قلت:مع أنّه يمكن أن يقال:إنّ أخبار«من بلغ»ناظرة إلى إلقاءالشرائط في الأخبار القائمة على المستحبات فتكون حاكمة على ما دلّ على‏اعتبار الشرائط في أخبار الآحاد و في الحكومة لا تلاحظ النسبة-إنّ الترجيح‏لأخبار«من بلغ»لعمل المشهور بها،مع أنّه لو قدّم ما دلّ على اعتبار الشرائط
414
في مطلق الأخبار لم يبق لأخبار«من بلغ»مورد،بخلاف ما لو قدمت أخبار«من‏بلغ»على تلك الأدلة،فانّ الواجبات و المحرمات تبقى مشمولة لها،بل يظهر من‏الشيخ(قدس سره)-في الرسالة التي صنّفها في مسألة التسامح في أدلة السنن-اختصاص ما دلّ على اعتبار الشرائط بالواجبات و المحرمات،فانّ ما دلّ على‏اعتبار ذلك إمّا الإجماع و إمّا آية النبأ.أمّا الإجماع:فمفقود في الخبر القائم على الاستحباب،بل يمكن دعوى‏الإجماع على عدم اعتبار الشرائط في المستحبات.و أمّا آية النبأ:فلا إشكال في اختصاصها بالواجبات و المحرمات،كمايشهد بذلك ما في ذيلها من التعليل،و على هذا تبقى أخبار«من بلغ»بلامعارض،هذا.و لكن الإنصاف:أنّ ما أفاده الشيخ(قدس سره)لا يخلو عن ضعف،فانّ ما دلّ على اعتبار الشرائط في أخبار الآحاد لا ينحصر بالإجماع و آية النبأ،بل العمدة في اعتبار الشرائط هو ما تقدم من الأخبار المتظافرة أو المتواترة،و هي‏تعمّ المستحبات.و على كل حال:لا ينبغي التأمّل في ترجيح أخبار«من بلغ»على مادلّ على اعتبار الشرائط،إمّا للحكومة،و إمّا لبقائها بلا مورد لو قدّمت تلك‏الأدلة عليها،مضافا إلى عمل المشهور بها،و قد عرفت:أنّ هذا الوجه يقتضى‏أن يكون مفاد الأخبار مسألة أصولية.الوجه الثاني: (1) أن تكون أخبار«من بلغ»مسوقة لبيان أنّ البلوغ‏يحدث مصلحة في العمل بها يكون مستحبا،فيكون البلوغ كسائر العناوين‏الطارية على الأفعال الموجبة لحسنها و قبحها و المقتضية لتغيير أحكامها،كالضرر
1)كذا في النسخة.و الأنسب«ثانيهما»(المصحح).

415
و العسر و النذر و الإكراه و غير ذلك من العناوين الثانوية،فيصير حاصل معنى‏قوله عليه السّلام «إذا بلغه شي‏ء من الثواب فعمله إلخ»بعد حمل الجملةالخبرية على الإنشائية-هو أنّه يستحب العمل عند بلوغ الثواب عليه كما يجب‏العمل عند نذره.و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الثاني ممّا لا يكاد يخفى،فانّ الوجه‏الثاني كان مبنيا على أن يكون مفاد أخبار«من بلغ»حجية قول المبلّغ و أنّ ماأخبر به هو الواقع،فيترتب عليه كل ما يترتب على الخبر الواجد للشرائط،و هذابخلاف الوجه الثالث،فانّ مفاده مجرّد إعطاء قاعدة كلية،و هي استحباب‏العمل إذا بلغ عليه شي‏ء من الثواب،فيكون مفاد أخبار«من بلغ»قاعدةفقهية ك«قاعدة لا ضرر و لا حرج»و إن كان يظهر من الشيخ(قدس سره)كون المسألة أصولية على كل حال،لأنّه لاحظّ للمقلد فيها و لا يجوز للمفتي‏الإفتاء بمفاد الأخبار،فانّه لا يمكن للعامي تطبيق القاعدة الكلية على مواردهاو تشخيص جزئياتها،لأنّ معرفة شرائط الحجية و أنّ قول المبلّغ فاقد لها و أنّه ليس‏له معارض أو التخلص عن معارضه ممّا يختص بالمجتهد،فالمسألة لا تكون‏فقهية.و على كل حال:من كون المسألة فقهية أو أصولية يشترك الوجه‏الثاني و الوجه الثالث في استحباب العمل الّذي بلغ عليه الثواب،سواء كان‏قول المبلّغ واجدا لشرائط الحجية أو لم يكن.و لا يبعد أن يكون الوجه الثاني أقرب-كما عليه المشهور-1حيث إنّ‏1أقول:أقربية الوجه الثاني إنّما يتم بناء على المختار:من استحقاق المنقاد أيضا للثواب،و إلاّ فعلى‏مذهب«المقرّر»لا مجال له إلاّ من التزامه بالتفضل كما هو مقتضى احتمال الأوّل،أو الاستحباب النفسيّ كماهو مقتضى احتماله الثالث،إذ صريح الأخبار في إعطاء الثواب حتى في صورة مخالفة البلوغ للواقع لا يناسب‏الاحتمال الثاني على زعمه.نعم:على المختار لا بأس به،بل قد أشرنا سابقا أنّ البلوغ بعد ما كان قابلا للكنايةعن الاحتمال،فالأخبار ربما يكون المتيقن منها جعلها إرشادا إلى حكم العقل باستحقاق العامل برجاء الواقع‏للثواب و إن لم يكن كما بلغه.
416
بنائهم في الفقه على التسامح في أدلة السنن،و قد عرفت:أنّ ظاهر العنوان لاينطبق إلاّ على القول بإلقاء شرائط الحجية في الخبر القائم على استحباب‏الشي‏ء.هذا ملخّص الكلام في مسألة التسامح في أدلة السنن.و قد ذيّلهاالشيخ(قدس سره)بتنبيهات قد تعرض لجملة منها شيخنا الأستاذ(مد ظله)و لكن حيث لم تكن بتلك المثابة من الأهمية طوينا الكلام فيها،من أرادالاطلاع عليها فليراجع رسالة الشيخ(قدس سره)التي صنّفها في خصوص هذه‏المسألة.
التنبيه الثاني:
في جريان البراءة عند الشك في الواجب التعييني و التخييري.و الشك في ذلك يتصور على وجهين:أحدهما:ما لو علم بوجوب الشيئين أو الأشياء و شك في كون كل منهماواجبا عينيا لا يسقط أحدهما بفعل الآخر،أو واجبا تخييريا يسقط كل منهمابفعل الآخر1.ثانيهما:ما لو علم بوجوب الشي‏ء الخاصّ و توجه الخطاب نحوه و شك‏في شي‏ء آخر في أنّه عدل لذلك الّذي علم وجوبه فيكون من أحد فردي‏الواجب التخييري؟أو أنّه ليس بعدل ذلك بل هو مباح أو مستحب؟و الشيخ(قدس سره)قد اقتصر-في التنبيه الثالث من تنبيهات الشبهةالوجوبية-على بيان حكم الوجه الثاني و لم يذكر حكم الوجه الأوّل في هذا1أقول:سيأتي(إن شاء اللّه تعالى)وجه التفصيل بين هذه الصورة و الصورة الثانية-في جريان البراءةو أصالة التخيير في هذه الصورة و جريان الاشتغال و أصالة التعيين في الصورة الثانية-عند تعرض«المقرّر»حكم‏هاتين الصورتين فيما بعد،و انتظر إن شاء اللّه تعالى.
417
المقام،بل تعرض له في طي تنبيهات مبحث الأقل و الأكثر،و لعلّ بين الوجهين‏نحوا من الملازمة في النتيجة بحسب ما تقتضيه الأصول العملية.و على كل حال:تنقيح المبحث في دوران الأمر بين التعيينيةو التخييرية يستدعى رسم أمور:
الأمر الأوّل:
الواجب التخييري على أقسام ثلاثة:
القسم الأوّل:
الواجب التخييري بحسب الجعل الابتدائي الشرعي‏-أي كان الخطاب من أوّل الأمر خطابا تخييريا ذا أفراد في مقابل الخطاب‏التعييني-كخصال الكفارات،فانّ الحكم المجعول الشرعي عند تعمد الإفطارفي نهار شهر رمضان إنّما هو التخيير بين الخصال الثلاث:من العتق و الإطعام‏و الصيام،و في كيفية إنشاء الخطاب التخييري و تصويره وجهان بل قولان:فقيل:إنّ الخطاب التخييري عبارة عن تقييد إطلاق الخطاب المتعلق‏بكل من الفردين أو الأفراد بما إذا لم يأت المكلف بعدله،فيكون وجوب العتق‏في الخصال مقيّدا بعدم الإطعام و الصيام،و وجوب الإطعام مقيّدا بعدم العتق‏و الصيام،و هكذا،و من تقييد إطلاق الخطابين ينشأ التخيير1.1أقول:لا مجال للالتزام بتقييد إطلاق الخطاب بعدم الإتيان بالغير في التخييرات الواردة في‏الشريعة،فانّ لازمه عدم تحقق الامتثال بالواجب التخييري عند إتيانهما،و لا أظن في التخييرات الشرعيةما كانت بهذه المثابة و لم يتوهمه أحد أيضا،فلا محيص حينئذ في تصوير الواجب التخييري من بيان آخر به تصيرسنخ آخر من الخطاب قبال الواجب التعييني.و«المقرّر»ما شرح هذا النسخ في المقام و إنّما بيّنه في طي تحقيقه في‏جريان الأصل فيه،و ملخّص ما أفاده:هو أنّ الوجوب التعييني عبارة عن وجوب شي‏ء بلا جعل عدل له في طي‏الخطاب،بخلاف التخييري فانّه عبارة عن إيجاب شي‏ء مع إيجاب شي‏ء آخر عدلا له‏أقول:لا يخفى أنّ وجود كل شي‏ء طارد لجميع أنحاء عدمه،و من جملة أنحاء عدمه عدمه حين وجود غيره،و حينئذ إذا تعلق الطلب بهذا الوجود،فان كان الطلب حاويا لشراشر وجوده المستلزم لطرد عدمه حتى مثل هذا
418
و قيل:إنّ الخطاب التخييري بنفسه سنخ آخر من الخطاب في مقابل‏الخطاب التعييني،لا أنّه ينشأ من تقييد الإطلاق،بل التخييرية و العينيةسنخان متباينان بحسب الجعل و الإنشاء،ينشئان عن كيفية تعلق الإرادةالأزلية نحو المراد،فقد تتعلق الإرادة الأزلية بشي‏ء مخصوص لا يقوم غيره مقامه‏فيكون واجبا عينيا مطلقا كان أو مشروطا،و قد تتعلق بأحد الشيئين أوالأشياء التي لم يكن بينها جامع قريب عرفي مقدور للمكلف يكون هو متعلق‏التكليف-كما في أفراد الواجب التخييري العقلي حيث إنّ التكليف فيه إنّمايتعلق بالجامع بينها-فيكون واجبا تخييريا،فالضابط في التخيير الشرعي هو أن‏لا يكون بين الأفراد جامع أصلا،أو كان الجامع مجرد وحدة الملاك.و محصّل القول الثاني هو أنّ مجرد تقييد إطلاق الخطاب لا يقتضى‏الوجوب التخييري ما لم يكن في البين اختلاف في سنخ الإرادة و كيفية تعلقهانحو المراد،و ربما نشير إلى الثمرة بين القولين بعد ذلك.
القسم الثاني:(من أقسام الواجب التخييري)
هو التخيير الناشئ عن‏العدم،فمثل هذا الوجود في عالم تعلق الطلب به لا يناسب مع جعل عدل له في هذا المقام،إذ جعل العدل ملازم‏لجواز تركه في ظرف وجود العدل،و هذا ينافى مع كون الطلب قائما بشراشر وجوده الموجب لطرد جميع‏الأعدام،فلا جرم جعل العديل ملازم مع خروج بعض أنحاء عدم الوجود المزبور عن حيّز الطلب،و هو ملازم‏لعدم كون الوجود على الإطلاق في حيّز الطلب،بل المطلوب حينئذ حفظ الوجود من سائر الجهات،و إليه يرجع‏حقيقة الوجوب التخييري فيصير الامتياز بين التعيين و التخيير بطلب الفعل بنحو يمنع عن جميع أنحاءعدمه أو بنحو لا يمنع عن بعض أنحاء عدمه،و من لوازمه جعل بديل له دون الأوّل،و حينئذ فامتيازالتعيين عن التخيير ليس إلاّ لشمول الطلب لجهات وجوده و حدوده بأجمعها دون التخييري،فانّ‏الطلب لا يكون حاويا لجميع حدوده الملازم لطرد تمام أنحاء عدمه.و حيث عرفت ذلك،ظهر لك:أنّ حيثية التعينية منتزعة عن جهة وجودية،و هو شمول الطلب الموجودلجميع حدوده،لا أنّه متقوّم بأمر عدمي،و هو عدم جعل البدل له،كما توهّم.و لعمري!أنّ«المقرّر»في المقام‏أغمض عن روح البيان و اكتفى باللازم بخيال أنّه روح المراد و حقيقته،و هو كما ترى!و سيأتي تتمة الكلام عن‏قريب إن شاء اللّه تعالى.
419
تزاحم الحكمين و تمانع الخطابين في مقام الامتثال إذا لم يكن أحد الحكمين أهمّ‏و أولى بالرعاية-على أحد الوجهين في باب التزاحم-1و قد تقدم تفصيل ذلك‏(في الجزء الأوّل من الكتاب)و يأتي أيضا(في مبحث التعادل و التراجيح).و إجمال ذلك:هو أنّ الخطابات و التكاليف الشرعية إذا كانت بحسب‏أصل الجعل و التشريع مطلقة بالنسبة إلى حال اجتماع كل واحد منها مع الآخرو لم يكن بين متعلقاتها تمانع و تضاد و لكن عرض التمانع و التزاحم بينها في مقام‏الامتثال-من حيث إنّه اتفق للمكلف العجز عن امتثالها جمعا و عدم القدرة على‏إيجاد كل من المتعلقين أو المتعلقات-فلا بد حينئذ من تقييد الإطلاق،لأنّ‏المفروض عدم قدرة المكلف على الجمع بينها في الامتثال،و اشتراط التكليف‏بالقدرة ضروري،فلا يمكن بقاء الإطلاق بالنسبة إلى كل من الخطابين أوالخطابات المتزاحمة،فان كان أحد المتعلقين أهمّ و أولى بالرعاية عقلا أو شرعايبقى إطلاق خطابه على حاله و يقيد إطلاق خطاب غير الأهم-و على ذلك يبتنى‏الخطاب الترتبي-و إن لم يكن أحد المتعلقين أهمّ و أولى بالرعاية من الآخر و كاناككفّتي الميزان من حيث الأهمية و من حيث ساير مرجحات باب التزاحم‏التي استقصينا الكلام فيها في مبحث الضد-فعلى المختار لا بد من تقييد إطلاق‏كل من الخطابين بصورة عدم امتثال الآخر،فتكون النتيجة التخيير في الإتيان‏بأحد المتعلقين و امتثال أحد الخطابين.و هذا التخيير يعرض للخطابين بعد ما كانا عينيين،و بذلك يمتاز عن‏القسم الأوّل.هذا بناء على ما قوّيناه(في باب التزاحم)من أنّ منشأ التزاحم إنّماهو إطلاق الخطابين بالنسبة إلى فعل متعلق الآخر و عدمه،فلا بد أن يكون هو1أقول:مرجع هذا التخيير أيضا إلى نقص في الطلب،بلا احتياج إلى التقييد بعدم ضده،و توضيحه‏في محله إن شاء اللّه تعالى.
420
الساقط،و لا موجب لسقوط أصل الخطاب،لأنّ التزاحم لم ينشأ من وجودالخطابين بل من إطلاقهما.و لكن في المسألة قول بسقوط أصل الخطابين،و لمكان تمامية الملاك في باب التزاحم العقل يستكشف خطابا تخييريا آخربعد سقوط الخطابين الأصليين.و هذا القول و إن كان قد زيّفناه في محلّه،إلاّ أنّه‏بناء عليه يكون الخطاب التخييري الّذي استكشفه العقل من تمامية الملاك‏بعد سقوط الخطابين الأصليين كالخطاب التخييري المجعول ابتداء بحسب أصل‏التشريع،و يندرج في القسم الأوّل،و ذلك واضح.
القسم الثالث:
التخيير الناشئ عن تعارض الحجتين و تنافي‏الطريقين-كتعارض فتوى المجتهدين المتساويين و مؤدّى الخبرين مع تساويهما في‏مرجحات باب التعارض-فبناء على المختار في باب الطرق و الأمارات:من أنّ‏المجعول فيها نفس الحجية و الطريقية و الوسطية في الإثبات من دون أن يحدث‏في مؤدّى الطريق مصلحة بسبب قيام الطريق عليه بل المؤدّى باق على ماكان عليه قبل قيام الطريق من الحكم،يكون الأصل في باب التعارض‏التساقط و عدم حجية كل منهما بالنسبة إلى المؤدّى،و التخيير في الأخذ بأحدالمتعارضين يكون لمحض التعبد من جهة الأخبار الآمرة بالتخيير عند تعارض‏الروايات و فقد المرجحات،فهذا قسم آخر من التخيير أجنبي عن القسم الأوّل‏و الثاني.و أمّا بناء على ما ينسب إلى المشهور من القدماء:من القول بالسببية في‏باب الطرق و الأمارات و أنّ قيام الأمارة يوجب حدوث مصلحة في المؤدّى غالبةعلى ما كان عليه من الملاك عند مخالفتها للواقع‏1فالتخيير بين الأمارتين‏1أقول:لا يخفى أنّ مرجع التخيير في تعارض الحجتين إلى التخيير في الأخذ بالحجة و الاستناد إليه،و هذا التخيير قائم بالأخذ و الاستناد و خارج عن موضوع الحكم الطريقي و عن موضوع دليل الحجية،و لو لم يكن‏
421
المتعارضتين يكون على القاعدة،و يكون من صغريات التخيير في باب‏المتزاحمين،فيندرج في القسم الثاني،فانّ كلاّ من الأمارتين فقد استتبعت‏حكما على طبقها،و حيث لا يمكن للمكلف الجمع بين الحكمين في الامتثال،لتضاد مؤدّاهما الّذي هو منشأ التعارض،فلا محيص عن التخيير،إمّا بتقييدالإطلاق،و إمّا بسقوط الحكمين و استكشاف العقل حكما تخييريا،لتماميةالملاك،و ذلك أيضا واضح.
الأمر الثاني:
كما يمكن أن يكون التكليف في عالم الجعل و الثبوت و مرحلة التشريع‏و الحدوث مشروطا-كاشتراط وجوب الحج بالاستطاعة و الصلاة بالوقت-كذلك يمكن أن يحدث للتكليف الاشتراط في مرحلة البقاء و الاستمرار بعد ماكان مطلقا في مرحلة الحدوث و الثبوت،كما لو فرض اشتراط بقاء التكليف‏بالصلاة بعدم الصيام.و هذان الفرضان متعاكسان في جريان البراءة و الاشتغال عند الشك‏فيهما.مفاده حكما تكليفيا،و لذا ينتج مثل هذا التخيير بالأخرة حكما تعيينيا أو حجة تعينية،و بذلك تمتاز عن التخييرفي الأقسام السابقة.و لئن شئت قلت:بأنّه عند عدم سقوط الطريقين عن الحجية العقل يحكم باشتراط تعيّن كل واحدبالأخذ به،فهذا التخيير في الحقيقة جاء من قبل تحصيل الحجة التعينية بأخذه عند تساويهما،لا أنّه حكم شرعي‏موجب للعقوبة على ترك الاستناد بهما،كيف!و مع تركهما لا يستحق إلاّ العقوبة على ترك الحجة التعينية،لاعلى ترك الأخذ بهما.ثم إنّ في هذه الجهة لا فرق بين اعتبار الطرق من باب الطريقية أو السببية،إذ على السببية أيضا الأخذمقدمة تعيين الحجة المقتضية لتعيين الحكم على وفقه،بحيث نتيجة هذا التخيير أيضا ينتهى إلى حكم تعييني لاحكم تخييري،كيف!و لا يتصور التخيير بين مفاد الحجتين المتضادين كالوجوب و الحرمة،فقهرا مثل هذا التخييرأجنبي عن التخييرات السابقة،على السببية،كما لا يخفى،فتدبر.
422
فلو شك في إطلاق التكليف و اشتراطه في عالم الجعل و التشريع،فالأصل يقتضى البراءة عند عدم وجود ما شك في شرطيته،للشك في‏التكليف،و إن شك في الإطلاق و الاشتراط في مرحلة البقاء و الاستمرارفالأصل يقتضى الاشتغال،لأنّ حقيقة الشك يرجع إلى أنّ الصيام في المثال‏المتقدم هل يكون مسقطا للتكليف بالصلاة أولا يكون مسقطا؟1و كلما رجع‏الشك إلى الشك في المسقط،فالأصل يقتضى عدم السقوط.فلا يقاس الشك‏في الإطلاق و الاشتراط في مرحلة الحدوث بالشك في الإطلاق و الاشتراط في‏مرحلة البقاء،فانّ الأوّل يرجع إلى الشك في التكليف عند عدم تحقق الشرط،و الثاني يرجع إلى الشك في سقوط التكليف عند عدم الشرط،و ذلك أيضاواضح لا ينبغي إطالة الكلام فيه.
الأمر الثالث:
يعتبر في جريان البراءة أن يكون الشك في أمر مجعول شرعي تناله يدالوضع و الرفع و لو بتبع منشأ الانتزاع‏2كالشك في الجزئية و الشرطية،و إن لم‏تنلها يد الوضع و الرفع في حد نفسها و بحيال ذاتها لأنّها من الأمور الانتزاعيةكما أوضحناه في محله-إلاّ أنّه يمكن وضعها و رفعها بوضع التكليف الّذي يكون‏منشأ انتزاع الجزئية و الشرطية و رفعه،و هذا المقدار يكفى في جريان البراءة عندالشك فيها.و الحاصل:أنّ الّذي يعتبر في جريان البراءة أمران:1أقول:الأولى أن يقال:عند الشك في اشتراط بقاء التكليف المرجع استصحاب بقائه لاالاشتغال،كيف!و في طرف البقاء يشك في أصل التكليف و أصل الاشتغال.و ما قرع سمعك من مرجعية الشك في المسقط إلى الاشتغال إنما هو في صورة تعلق الشك بوجود بدل‏مفوّت له،لا مثل المقام،كما لا يخفى،فتدبر.2أقول:و سيتضح لك(إن شاء اللّه تعالى)أنّ هذه المقدمة غير منتجة لمرامه،فتكون مستدركا.
423
أحدهما:أن يكون المشكوك فيه ممّا بيد الشارع أمر وضعه و رفعه و لو لم‏يستقل بالخطاب و لم يمكن جعله ابتداء بل كان من التكليفيات و الخصوصيات‏اللاحقة للخطاب بحيث يكون وضعه بوضع الخطاب و رفعه برفعه،فانّ هذاالمقدار من الوضع و الرفع يكفى في جريان البراءة فيه.ثانيهما:أن يكون في وضعه تضييق على العباد و في رفعه منّة و توسعة،فانّ قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»ورد مورد الامتنان،فلا بدأن يكون رفع المشكوك ممّا يقتضى التسهيل و التوسعة،فلو فرض أنّ رفع‏المشكوك يقتضى الضيق و الكلفة على العباد،فلا يمكن أن يعمّه«حديث‏الرفع»و لو كان ممّا تناله يد الوضع و الرفع شرعا،فمجرد كون أمر وضع‏المشكوك و رفعه بيد الشارع لا يكفى في جريان البراءة العقلية و الشرعية فيه ما لم‏يستتبع وضعه العقاب و التضييق،ليكون في رفعه التوسعة و رفع العقاب.
الأمر الرابع:
الشك في التعيين و التخيير يتصور على وجوه:فانّه تارة:في أصل التكليف التعييني أو التخييري،بمعنى أنّ أصل‏ثبوت التكليف المردد بينهما مشكوك أو المردد بين خصوص التخيير و الإباحة،كما لو شك في أنّ الارتماس في نهار شهر رمضان هل يقتضى وجوب إحدى‏الخصال تخييرا أو لا يقتضى شيئا أصلا؟كما لو فرض الشك في أنّ المفطرالكذائي هل يقتضى الكفارة أو لا يقتضيه؟و على تقدير اقتضائه فهل يقتضى‏كفارة معيّنة أو يقتضى التخيير بين إحدى الخصال الثلاث؟و لا ينبغي التأمّل و الإشكال في جريان البراءة في ذلك،فانّ الشك‏فيه يرجع إلى الشك في أصل التكليف،فما نسبه بعض إلى ظاهر صدر كلام‏الشيخ(قدس سره)في المقام:من أنّه يعطى عدم جريان البراءة في هذا القسم‏من الشك،ليس في محله و لا توهمه عبارة الشيخ،خصوصا بعد ضمّ ذيل‏
424
كلامه إلى صدره،بل كلام الشيخ(قدس سره)ناظر إلى ما سيتلى عليك من‏ساير الأقسام.و أخرى:يشك في التعيين و التخيير بعد العلم بتوجه الخطاب و ثبوت‏التكليف،و هذا يتصور على وجوه:فانّه تارة:يعلم بتعلق التكليف بأحد الشيئين بخصوصه،و يشك في‏أنّ الشي‏ء الآخر هل هو عدله حتى يكون ما علمه تعلق التكليف به أحد فردي‏الواجب التخييري؟أو أنّه ليس عدله بل يتعين هو،لا يقوم شي‏ء آخر مقامه؟كما لو علم بوجوب العتق و شك في وجوب الصيام على نحو يكون عدلا للعتق‏و أحد فردي الواجب و عدم وجوبه بل هو مستحب أو مباح.و أخرى:يعلم بتعلق التكليف بكل من الشيئين،و لكن يشك في أنّ‏كلاّ منهما واجب عينا لا يقوم أحدهما مقام الآخر،أو أنّهما واجبان تخييرا يسقطكل منهما بفعل الآخر فيكون كل واحد منهما عدلا للآخر.و ثالثة:يعلم بتعلق الوجوب بأحد الشيئين المعيّن و يعلم أيضا بأنّ‏الشي‏ء الآخر مسقط لوجوب ما علم وجوبه،و لكن يشك في أنّ إسقاطه‏للوجوب لمكان أنّه قد تعلق الوجوب به أيضا و جعل أحد فردي الواجب المخيّر؟أو أنّه لم يتعلق الوجوب به بل هو إمّا مباح أو مستحب إلاّ أنّه مسقطللواجب؟فانّه ثبوتا يمكن أن يكون ما ليس بواجب مسقطا للواجب،إمّالفوات الملاك،أو عدم إمكان استيفائه،و سيأتي الثمرة بين كونه أحد فردي‏الواجب المخيّر و بين كونه مسقطا للواجب.فهذه جملة ما يتصور من وجوه دوران الأمر بين التعيين و التخيير،و قدعرفت أقسام الواجب التخييري.فيقع الكلام حينئذ في ما يقتضيه الأصل العملي و أنّ الأصل عندالشك في التعيين و التخيير في جميع أقسام الواجب التخييري هل البراءةمطلقا؟أو الاشتغال مطلقا؟أو التفصيل بالنسبة إلى بعض وجوه الشك في‏
425
التعيين و التخيير أو بعض أقسام الواجب التخييري،ففي بعض وجوه الشك‏تجري البراءة،و في بعضها لا تجري،أو إذا كان طرف الشك بعض أقسام‏الواجب التخييري تجري البراءة،و إذا كان طرف الشك بعض آخر لا تجري.و الأقوى:أنّ الأصل في جميع الأقسام على جميع وجوه الشك-ما عداالوجه الأوّل-هو الاشتغال‏11أقول:قد تقدم-في الحاشية السابقة-أنّ مرجع الفرق بين التخيير و التعيين إلى كون الطلب متعلقابالوجود على الإطلاق الّذي هو طارد لجميع الأعدام و يقتضى المنع عن جميع أنحاء تروكه التي منها تركه في حال‏وجود غيره،أو كونه متعلقا بالوجود بنحو يقتضى المنع عن بعض تروكه دون بعض،و من المعلوم:أنّ من لوازم‏الأخير جعل البديل له،بخلاف الأوّل،و حينئذ فليس قوام حقيقة التعيينية بعدم جعل البدل،بل هو من تبعات‏تعلق الوجوب بالوجود لجميع حدوده الطارد لجميع أعدامه،و مثل هذه الجهة أمر وجودي زائد عن كيفية تعلق‏الوجوب بهذا الوجود ببعض حدوده بنحو لا يكون طاردا لجميع أعدامه،و حينئذ فلا محيص من الالتزام بأنّ جهةالتعينية منتزعة عن سعة الطلب و احتوائه لجميع حدود الوجود،قبال التخييرية المنتزعة عن قصور الطلب عن‏شموله لجميع حدوده بحيث لا يقتضى المنع إلاّ عن بعض تروكه،و حينئذ عند الشك في التعيينية و التخييرية يرجع‏إلى الشك في تعلقه بحد زائد عما تعلق به على التخييرية،فقهرا من هذه الجهة يرجع الأمر في مثله إلى الأقل‏و الأكثر،و لا مجال لإثبات التعيينية من هذه الجهة.نعم:لو علم بوجوب شي‏ء معيّن،و شك في وجوب شي‏ء آخر بديله و عدله أو عدم وجوبه-كما هو صورةالفرض الأوّل-لا محيص في هذا الفرض من الاشتغال،لانتهائه إلى العلم الإجماليّ بحرمة ترك ما هو الواجب في‏ظرف ترك وجود الآخر،أو حرمة ترك الآخر في ظرف ترك هذا الواجب،فهذا العلم يقتضى تنجز المعلوم مع‏الجزم بالفراغ بإتيان معلوم الوجوب.و أمّا لو علم بوجوب شيئين،و شك في أنّ كل منهما تعييني أو تخييري،ففي هذه الصورة لا يبقى مجال‏لتشكيل العلم الإجماليّ بين حرمة ترك الواجب في حال وجود غيره أو حرمة ترك الغير في حال ترك الآخر،للعلم تفصيلا بحرمة تركه،فلا يبقى في البين إلاّ الشك في حرمة ترك كل واحد في حال وجود غيره و هو تحت‏البراءة من الطرفين،للعلم التفصيلي بحرمة ترك كل واحد من سائر الجهات،و إنّما الشك في حرمة ترك خاص‏من كل منهما و هو تحت البراءة،حيث إنّه من مصاديق الأقل و الأكثر،و في مثله لا مجال لإجراء«قاعدة الشك في‏المسقط»إذ الشك فيه مسبب عن تعلق الحرمة بتركه المخصوص،و هو مجرى البراءة،فيصير البراءة حاكمة على‏الاشتغال،لرجوع الأمر بالأخرة إلى الشك في أصل الاشتغال،كما أنّه لا مجال لاستصحاب وجوب الشي‏ء بعدالإتيان بغيره،لأنّ الوجوب المردد بين الأقل و الأكثر لا ينتج شيئا،و وجوب آخر من الأوّل غير معلوم،كما لايخفى.
426
و ينبغي إفراد كل قسم من أفراد الواجب التخييري بالبحث،فانّ‏لكل واحد من الأقسام الثلاثة خصوصية لم تكن في الآخر،بحيث لو أمكن‏القول بجريان البراءة في بعضها لا يمكن القول بجريانها في البعض الآخر،كماسنوضحه(إن شاء اللّه تعالى).فنقول:إذا كان الشك في التعيين و التخيير على الوجه الثاني من‏الوجوه المتقدمة في دوران الأمر بين التعيين و التخيير-و هو ما إذا علم بتعلق‏التكليف بأحد الشيئين بخصوصه و شك في كون الشي‏ء الآخر عدلا له و أحدفردي الواجب التخييري و كان الواجب التخييري الّذي هو طرف الشك من‏الواجبات التخييرية الابتدائية في عالم الجعل و التشريع الّذي كان هو القسم‏الأوّل من أقسام الواجب التخييري-فقد قيل:إنّه تجري البراءة عن التعيينية،لأنّ صفة التعيينية كلفة زائدة توجب الضيق على المكلف،بداهة أنّه لو لم يكن‏الواجب تعيينيا لكان المكلف بالخيار بين الإتيان به أو بعدله،فيشملها قوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»و قوله عليه السّلام «الناس في‏سعة ما لا يعلمون»و غير ذلك من أدلة البراءة،و يلزمه جواز الاكتفاء بفعل مايحتمل كونه عدلا لما علم تعلق التكليف به.و قيل:بعدم جريان البراءة،و يلزمه عدم جواز الاكتفاء بما يحتمل‏كونه عدلا للواجب،و هو الأقوى،فانّ صفة التعيينية و إن كانت كلفة زائدةتوجب الضيق على المكلف،إلاّ أنّ مجرّد ذلك لا يكفى في جريان البراءة،بل لا بدمع ذلك من أن يكون المشكوك فيه أمرا مجعولا شرعيا تناله يد الوضع و الرفع‏التشريعي و لو بتبع خطاب آخر،كما تقدم‏1و إلاّ كان اللازم جريان البراءة1أقول:بعد تسليم أنّ التعيينية كلفة زائدة توجب ضيقا من ناحية العقوبة على المكلف،ففي جريان‏البراءة العقلية-لو لا شبهة أخرى-لا يحتاج إلى كون أمر وضعه و رفعه بيد الشارع،و إنما يحتاج إلى ذلك في مثل‏«حديث الرفع»و أمثاله،و إلاّ ففي مثل البراءة العقلية يكفى كون المشكوك بخصوصه موجبا للعقوبة على تركه،و صفة التعيينية لا أقل من كونه من هذا القبيل،هذا،مع أنّه قد تقدم من أنّ مرجع التعيينية إلى تعلق الطلب‏
427
في جميع موارد الشك في الامتثال و السقوط،فانّ عدم حصول الامتثال و عدم‏السقوط ضيق و كلفة على المكلف،كما أنّ حصول الامتثال و السقوط توسعة،فلو اكتفينا في جريان البراءة بمجرد كون المشكوك فيه ممّا يوجب الضيق‏و الكلفة،كان اللازم جريان البراءة عند الشك في سقوط الأمر الصلاتي‏مثلا بالصيام،و هو كما ترى!و ليس ذلك إلاّ من جهة أنّه يعتبر في‏أصالة البراءة-مضافا إلى كونها موجبة للتوسعة و رفع الكلفة-أن يكون‏المشكوك فيه أمرا وجوديا تناله يد الوضع و الرفع التشريعي و لو كان من توابع‏نفس التكليف و خصوصياته أو من توابع متعلقه و قيوده،و لذلك كان الأقوى‏عندنا جريان البراءة عند الشك في الأقل و الأكثر الارتباطيين،سواء كان‏المشكوك فيه جزءا أو قيدا،كما أوضحناه في محلّه.و حاصل الكلام:أنّ الكلفة و الضيق الّذي يراد رفعه بالبراءة إنّما هوالضيق الجائي من قبل جعل التكليف و تشريعه،بحيث يكون الجعل متضمنالكيفية توجب الضيق و توقع المكلف في الكلفة،و لا بد أن تكون تلك الكيفيةوجودية ليمكن رفعها عند الشك فيها و أن يكون في رفعها منّة و توسعة على‏العباد،و هذا هو الضابط الكلي الّذي لا بد من رعايته في جميع الموارد التي تجري‏فيها البراءة.و منه يظهر:أنّه لا مجال لتوهّم جريان البراءة عند الشك في التعيين‏و التخيير،لأنّ صفة التعيينية المشكوكة ليست من الأمور الوجودية المجعولةلجميع حدود الوجود الملازم لحرمة جميع أنحاء تروكه،قبال التخييرية المتعلق ببعض حدود وجوده المستلزم لجوازبعض تروكه،و من المعلوم:أنّ التعيينية بهذا المعنى منتزع عن كيفية الجعل و أمر وضعه و رفعه بيد الشارع،فلا قصور في‏جريان مثل«حديث الرفع»أيضا في المقام،كما لا يخفى،و حينئذ العمدة في منع جريان البراءة الابتلاء بعلم‏إجمالي آخر بين المتباينين،و هو مختص بصورة العلم بوجوب شي‏ء و الشك في وجوب شي‏ء آخر عدلا له،و لا يجري‏في صورة العلم بوجوب شيئين و الشك بأنّها تعييني أو تخييري،كما لا يخفى.و لقد أوضحنا المرام في الحاشيةالسابقة،فراجع إليه و تدبر فيه بعين الدقة.
428
شرعا و لو بالتبع،بل إنّما هي عبارة عن عدم جعل العدل و البدل،بداهة أنّ نحوتعلق الخطاب لا يختلف تعيينيا كان أو تخييريا،فالتكليف المتعلق بالعتق‏مثلا لا يتغير و لا يزيد و لا ينقص و لا يتكيف بكيفية وجودية إذا كان التكليف‏المتعلق به تعيينيا،و إنّما الاختلاف ينشأ عن قبل وجوب العدل،فان تعلق‏التكليف بشي‏ء آخر يكون عدلا له فالتكليف المتعلق بالعتق كان تخييريا،و إلاّ كان تعيينيا،فالتعيينية ليست صفة وجودية للخطاب حتى تجري فيهاالبراءة.و بالجملة:كما أنّه في مقام الإثبات ظاهر الخطاب يقتضى التعيينيةلأنّها لا تحتاج إلى بيان زائد بل التخييرية تحتاج إلى مئونة زائدة من العطف‏ب«أو»و نحوه،كذلك في مقام الثبوت التعيينية عبارة عن تعلق الإرادة المولويةبشي‏ء،و ليس لها فصل وجودي،بل حدّها عدم تعلق الإرادة بشي‏ء آخر يكون‏عدلا لما تعلقت الإرادة به،ففي الحقيقة الشك في التعيينية و التخييرية يرجع إلى‏الشك في وجوب العدل و عدمه،فالذي يمكن أن يعمّه«حديث الرفع»لو لاكونه خلاف المنة-هو وجوب العدل المشكوك،فينتج التعيينية و هي ضدالمقصود.فظهر:أنّ المرجع عند الشك في التعيين و التخيير قاعدة الاشتغال،لرجوع الشك فيهما إلى الشك في سقوط ما علم تعلق التكليف به بفعل مايحتمل كونه عدلا له،من غير فرق بين أن يكون الشك فيهما على الوجه الثاني‏من الوجوه المتقدمة(و هو ما إذا لم يعلم تعلق الطلب بما يحتمل كونه عدلاللواجب)أو على الوجه الثالث(و هو ما إذا علم بتعلق الطلب به أيضا و كان‏الشك في مجرد كونه عدلا للآخر)1فانّ الشك في كل من الوجهين يرجع إلى‏1أقول:لو تأمّلت فيما ذكرنا ترى الفرق بينهما كالنار على المنار و كالشمس في رابعة النهار،و أنّ الأصل‏في الأوّل هو التعيين،و في الثاني هو التخيير،فتدبر تعرف.
429
الشك في الامتثال و السقوط،غايته أنّه في الوجه الثاني الشك إنّما يكون في‏مسقطية خصوص مشكوك الوجوب عن مقطوعه،و في الوجه الثالث يكون‏الشك في مسقطية كل منهما عن الآخر.و كذا لا فرق بين القول بأنّ الواجب التخييري عبارة عن تقييدالإطلاق و اشتراط التكليف في كل واحد من الفردين بما إذا لم يأت بالآخر،و القول بأنّه بنفسه سنخ آخر من الطلب يقابل الواجب التعييني،بل رجوع‏الشك إلى الشك في الامتثال و السقوط لو كان من باب تقييد الإطلاق أوضح،فانّ الشك يرجع إلى الشك في السقوط على كل حال و لو كانت صفة العينيةوجودية،فانّه لو قلنا بأنّ الواجب التخييري من باب تقييد الإطلاق،فالتقييدإنّما يكون باعتبار البقاء و مرحلة السقوط لا باعتبار الثبوت و مرحلة الحدوث،و قدعرفت:أنّ الأصل عند الشك في الإطلاق و الاشتراط الراجع إلى مرحلةالسقوط يقتضى الاشتغال و عدم السقوط،فتأمّل جيّدا.بقي الكلام في الوجه الثالث من وجوه الشك في التعيين و التخيير،و هوما إذا علم بتعلق التكليف بأحد الشيئين و علم أيضا بأنّ الشي‏ء الآخر مسقطللتكليف به،و لكن يشك في أنّ إسقاطه للتكليف لكونه عدلا له و أحد فردي‏الواجب المخيّر،أو مجرد كونه مسقطا له و مفوّتا لموضوعه،سواء كان إسقاطه من‏حيث كون عدمه شرطا لملاك الواجب بحيث يكون وجوده معدما للملاك‏و المصلحة،أو كان إسقاطه من حيث كونه مانعا عن استيفاء الملاك مع بقائه‏على ما هو عليه،و على كلا التقديرين:يكون عدمه شرطا لوجوب الواجب،و لايمكن أن يكون أحد فردين الواجب المخيّر،لأنّه ليس فيه مصلحة الوجوب و لاحاويا لملاكه،و إلاّ لم يكن إسقاطه للواجب بأحد الوجهين،بل كان إسقاطه له‏من باب استيفاء الملاك،فانّه يعتبر في الواجب التخييري أن يكون بين الأفرادجامع ملاكي.و على كل حال:فان علم أنّ الشي‏ء الفلاني-كالصيام مثلا-ليس‏
430
من أفراد الواجب التخييري و ليس فيه ملاك الوجوب و إنّما هو مباح أومستحب مسقط للوجوب عن العتق فهو،و إن شك في ذلك و تردد أمره بين أن‏يكون من أفراد الواجب التخييري أو مجرد كونه مسقطا،فمع التمكن من الإتيان‏بما علم تعلق التكليف به-من العتق مثلا-لا يترتب على الوجهين أثر حتى‏يبحث عن الوظيفة في حال الشك إلاّ من حيث العصيان و عدمه،فانّه عندترك المكلف العتق مع العلم بتعلق التكليف به و الاكتفاء بالصيام-مع أنّه‏يمكن أن يكون في الواقع ممّا لم يتعلق به التكليف و كان مسقطيته للتكليف‏عن العتق لمكان كونه مفوّتا لملاكه و مانعا عن استيفائه من دون أن يكون عدمه‏شرطا للملاك-يستحق العقوبة.و أمّا مع عدم التمكن من الإتيان بما علم تعلق التكليف به و تعذر على‏المكلف عتق الرقبة،فيظهر بين الوجهين أثر عملي،فانّه لو كان الصيام من‏أفراد الواجب التخييري يتعين الإتيان به،لأنّه إذا تعذر أحد فردي الواجب‏المخيّر يتعين الآخر،و إن لم يكن الصيام من أفراد الواجب التخييري بل كان‏مجرد كونه مسقطا للوجوب عن العتق،فلا يجب الإتيان به مع تعذر العتق،لأنّه‏بالتعذر قد سقط التكليف عنه،و المفروض أنّ الصيام لم يتعلق التكليف به،فلا ملزم لفعله بل لا أثر له،و الوظيفة عند الشك هي البراءة عن التكليف بالصيام،للشك في تعليق التكليف به،و ذلك واضح.و قد قيل:إنّ من هذا القبيل الشك في وجوب الجماعة عند تعذرالقراءة على المكلف.بيان ذلك:هو أنّه تارة:نقول:إنّ الصلاة جماعة إحدى فردي الواجب‏التخييري الشرعي،فانّ التخيير العقلي لا يحتمل لسقوط فيها و ثبوتها في الصلاةفرادى،فلا يمكن أن يجمعهما خطاب واحد1مع أنّه يعتبر في التخيير العقلي أن‏1أقول:كيف لا يتصور جامع بين الصلاة جماعة و فرادى مع أنّ الصلاة و لو عند الصحيحي موضوع‏
431
يكون بين الأفراد جامع خطابي حتى تكون الأفراد متساوية الأقدام،فالتخييرالّذي يحتمل أن يكون بين الصلاة فرادى و الجماعة هو التخيير الشرعي،و عليه:فان تعذرت الصلاة فرادى-و لو لمكان تعذر جزئها و هي القراءة-تتعين الصلاةجماعة،فانّه عند تعذر أحد فردي الواجب المخيّر يتعين الآخر.و أخرى:نقول باستحباب الجماعة و أنّها ليست إحدى فردي الواجب‏التخييري و لكنّها مسقطة للوجوب عن الصلاة فرادى،فلا تجب الجماعة عندتعذر القراءة،بل للمكلف الصلاة فرادى بدون القراءة أو بما يحسن منها،و لوشك في أحد الوجهين فالأصل يقتضى البراءة عن وجوب الجماعة عند تعذرالقراءة،للشك في تعلق التكليف بها،كما تقدم،هذا.و لكن في الصلاة جماعة احتمال آخر لا يبعد استظهاره من الأخبار1و هو أن يكون الاكتفاء بالصلاة جماعة و إسقاطها للتكليف عن الصلاة فرادى‏ليس من حيث كونها مفوّتة لملاك الصلاة فرادى و لا من حيث كونها إحدى‏فردي الواجب التخييري،بل من حيث تنزيل قراءة الإمام منزلة قراءة المأموم،فيكون المأموم واجدا للقراءة لكن لا بنفسه بل بإمامه،إلاّ أن تنزيل قراءةالإمام منزلة قراءة المأموم لا يقتضى أن تكون الصلاة جماعة في عرض الصلاةفرادى حتى يلزم تعيّن الجماعة عند تعذر القراءة في الصلاة فرادى،بدعوى:أنّه‏يمكن تحصيل القراءة التنزيلية،كما هو الشأن في باب الطرق و الأمارات،حيث‏لمفهوم واحد،غاية الأمر كانت من الحقائق التشكيكية القابلة للانطباق على الأقل و الأكثر،و مجرد اختصاص‏كل طائفة بمصداق مخصوص لا ينافى وحدة الحقيقة،و تمام الكلام في محله.و على كلام«المقرر»يلزم أن يكون‏الصلاة مشتركا لفظيا بين الجماعة و الفرادى،و هو كما ترى!1أقول:و هنا احتمال آخر لعلّه أمتن،و هو كون الجماعة طرف التخيير بالنسبة إلى الفرادى لجميع‏مراتبه النازلة،نظرا إلى أنّ للصلاة عرض عريض صادق على الزائد و الناقص و المكلف في كل حال مكلف‏بمرتبة من الصلاة و في كل حال مخيّر بين الفرادى و الجماعة،و لازمه كون الجماعة طرف التخيير للفرادى‏الاختيارية أو الاضطرارية من دون احتياج حينئذ إلى تنزيل قراءة الإمام خصوصا في طرف اختيار الجماعةكي يقال:إنّ أخبار تحمّل الإمام قراءة المأموم آبية عن هذا التقيد،فتدبر.
432
إنّه يجب الأخذ بمؤدّياتها عند تعذر الوصول إلى الواقع،لتنزيل مؤدّياتها منزلةالواقع-بالبيان المتقدم في باب جعل الطرق و الأمارات-فانّ التنزيل في باب‏الجماعة إنّما يكون على تقدير اختيار الصلاة جماعة،فتكون قراءة الإمام قراءةالمأموم على هذا التقدير،فلا يقتضى ذلك تعيّن الجماعة عند تعذر القراءة،فتأمّل جيّدا.و لو فرض الشك في ذلك فالمرجع البراءة عن وجوب الجماعة،فعلى‏جميع التقادير:لو وصلت النوبة إلى الشك فلا محالة ينتهى إلى الشك في‏التكليف،كما لا يخفى.هذا كله إذا كان الشك بين التعيين و التخيير في القسم الأوّل من‏أقسام الواجب التخييري(و هو ما كان التخيير فيه بجعل ابتدائي).و إذا كان الشك بين التعيين و التخيير في القسم الثاني من أقسام‏الواجب التخييري(و هو ما كان التخيير فيه لأجل التزاحم)فعدم جريان‏البراءة عن التعيينية أوضح على كلا المسلكين،سواء قلنا:إنّ التخيير في باب‏التزاحم لأجل تقييد الإطلاق أو لأجل سقوط الخطابين المتزاحمين و استكشاف‏العقل حكما تخييريا،فانّ رجوع الشك فيه إلى الشك في المسقط في غايةالوضوح،سواء قلنا:إنّ صفة التعيينية وجودية أو عدمية.فلو وقع التزاحم في إنقاذ الغريقين مثلا لعدم قدرة المكلف على الجمع‏بينهما في الإنقاذ و كان متمكنا من أحدهما فقط،فانّ علم بتساوي الغريقين من‏حيث الملاك و المصلحة التي اقتضت إيجاب الإنقاذ،فلا إشكال في التخيير في‏اختيار إنقاذ أحدهما.أمّا على المختار:فلأنّ نتيجة تقييد إطلاق كل من الخطابين بصورةعدم الإتيان بمتعلق الآخر هو التخيير في إنقاذ أحدهما.و أمّا على المسلك الآخر:فلأنّ العقل بعد سقوط الخطابين المتزاحمين‏يستكشف حكما تخييريا.
433
و إن علم بأقوائية الملاك في أحدهما المعيّن و أهميته في نظر الشارع فلاإشكال أيضا في تعيّنه على كلا المسلكين.أمّا على المسلك المختار.فلبقاءالإطلاق في جانب الأهمّ و التقييد يختص في طرف المهمّ،و منه ينشأ الخطاب‏الترتبي.و أمّا على المسلك الآخر:فلأنّ أقوائية ملاكه يمنع عن استكشاف‏العقل الحكم التخييري،لأنّ التخيير فرع أن تكون الأفراد متساوية الأقدام‏في الملاك.و إن شك في أهمية أحدهما المعيّن و احتمل أقوائية ملاكه،كما إذااحتمل أن يكون أحدهما المعيّن هاشميا مع العلم بأهمية إنقاذ الهاشمي،أواحتمل أهمية الهاشمي مع العلم بهاشمية أحدهما المعيّن،فبناء على المختار:يرجع الشك إلى الشك في تقييد إطلاق محتمل الأهمية في مرحلة البقاءو الامتثال مع العلم بتقييد الإطلاق في الأطراف الاخر1و لا إشكال في أنّ‏الأصل عند الشك في تقييد الإطلاق في مرحلة البقاء يقتضى الاشتغال لاالبراءة،للشك في سقوط التكليف عن محتمل الأهمية بعد العلم بتعلق‏التكليف به.و أمّا بناء على المسلك الآخر:فالشك فيه يرجع إلى الشك في سقوطأصل الخطاب مع العلم بالملاك التام،فعلى كلا المسلكين:يرجع الشك إلى‏الشك في المسقط،و المرجع أصالة الاشتغال لأنّ العلم باشتغال الذّمّةيستدعى العلم بالفراغ،و ذلك كله واضح.بقي الكلام في القسم الثالث من أقسام الواجب التخييري(و هو1أقول:في كلّية المتزاحمين إنّما نقول بالتخيير من جهة التساوي في الاهتمام الموجب لعدم الترجيح‏عند العقل من جهة عدم القدرة على تحصيلهما،فمع احتمال الأهمية في أحدهما المعيّن يكتفى العقل بذلك المقدارمرجحا،فلا يبقى مجال لحكمه بالتخيير،بل الفراغ اليقينيّ حينئذ يقتضى الإتيان بمحتمل الأهمية،و هذه الجهةأيضا غير مرتبط بالشك في المسقط بمبناه،كيف!و في المقام ليس التقييد في مرتبة البقاء،بل من الأوّل يحتمل‏تقيد إطلاقه عقلا،لعجزه عن امتثالهما من أوّل الأمر،فتدبر.
434
ما إذا كان التخيير فيه لأجل تعارض الحجتين و الطريقين)و قد عرفت:أنّه في‏باب الطرق و الأمارات إن قلنا بالسببية فالتخيير فيه يكون من صغريات‏التخيير في باب التزاحم،فان لم يكن لأحد الطرفين مزيّة فالمكلف بالخياربين الأخذ بأحدهما.و إن كان لأحدهما مزيّة يتعين الأخذ بذي المزيّة1.و إن احتمل أن يكون لأحدهما المعيّن مزيّة،كما إذا احتمل أعلميةأحد المجتهدين بعد العلم بوجوب الأخذ بقول الأعلم،أو احتمل وجوب الأخذبقول الأعلم بعد العلم بأعلمية أحدهما المعيّن،أو احتمل أن يكون لإحدى‏الأمارتين مزيّة يجب الأخذ بها-سواء كانت الشبهة موضوعية أو حكمية-فالكلام فيه الكلام في الفريقين عند احتمال أهمية أحدهما المعيّن،و يأتي فيه‏المسلكان المتقدمان.هذا إذا قلنا في باب الطرق و الأمارات بالسببية،و إن قلنا بالطريقيةالمحضة و أنّ المجعول في باب الطرق و الأمارات مجرد الحجية و الوسطية في‏الإثبات-كما هو المختار و عليه قاطبة المتأخرين-فوجوب الأخذ بمحتمل المزيّةفي غاية الوضوح و لا يمكن الخدشة فيه،فانّه يقطع أنّ سلوكه يوجب الأمن عن‏العقاب على تقدير مخالفته للواقع،بخلاف سلوك الطريق الّذي لا يحتمل فيه‏المزيّة فانّه يشك في حجيته،و قد تقدم(في مبحث الظن)أنّ الأصل عند الشك‏في الحجية عدمها بالأدلة الأربعة،فلا يكون المكلف معذورا على تقدير مخالفةمشكوك الحجية للواقع و يستحق العقوبة عقلا،لأنّه لم يعتمد في عمله على مايكون مؤمّنا.فظهر:أنّ اقتضاء الأصل التعيين عند دوران الأمر بينه و بين التخيير1أقول:ذلك كلّه إذا لم يكن المزية مورد أصالة التسوية في المصلحة،كما لو كانا متساويين قبل حصول‏المزية:من الأعلمية أو الأعدلية و نحو ذلك،فانّه حينئذ الأصل يقتضى التساوي بينهما و عدم حصول الأهمية بهذه‏المزية،فيستصحب التخيير بينهما،فتدبر.
435
في باب الطرق و الأمارات أوضح من اقتضائه التعيين في باب التزاحم،كما أنّ‏اقتضائه التعيين في باب التزاحم أوضح من اقتضائه التعيين في باب التكاليف‏الابتدائية،فتأمّل في أطراف ما ذكرناه جيّدا.هذا تمام الكلام في دوران الأمربين التعيين و التخيير.
و ينبغي تتميم البحث بالتنبيه على أمرين:
الأمر الأوّل:
إنّ محل الكلام إلى الآن كان في ما يقتضيه الأصل العملي بالنسبة إلى‏ما يشك في كونه واجبا عينيا.و أمّا الطرف الآخر الّذي يحتمل أن يكون عدلالما تعلق الوجوب به،فالبحث عما يقتضيه الأصل بالنسبة إليه بعد البناء على‏أصالة التعيينية ساقط1إذ لا أثر للبحث عن جريان أصالة البراءة أو أصالةعدم وجوبه،فانّه بمقتضى أصالة الاشتغال يتعيّن على المكلف الإتيان بما علم‏تعلق الطلب به،و المفروض أنّه لا يجب على المكلف إلاّ عمل واحد،و ذلك‏العمل يتعين بما يحتمل عينيته،فأيّ أثر يترتب على البحث عن جريان أصالةالبراءة أو أصالة عدم الوجوب بالنسبة إلى ما يحتمل كونه أحد فردي الواجب‏التخييري؟و بالجملة:التكلم عما يقتضيه الأصل بالنسبة إلى ما علم تعلق الطلب‏به و شك في عينيته يغنى عن التكلم فيما يقتضيه الأصل بالنسبة إلى الطرف‏الآخر،فلا أثر للبحث عن أنّ أصالة البراءة هل تختص بالشك في الواجبات‏1أقول:لا يخفى أنّ أصالة الاشتغال ملزم بإتيان محتمل التعيينية و لا ينفى وجوب بديله،و في ظرف‏الإتيان يقطع بعدم وجوب بديله،و في هذا الظرف لا معنى لجريان البراءة فيه كي تدور مدار أثرها،و إنّما الكلام‏في ظرف عدم الإتيان به،ففي هذا الظرف و لو كان أصالة الاشتغال ملزما بالإتيان بمورده،و أمّا في ظرف عدم‏الإتيان فالأصالة البراءة عن وجوب الطرف كمال الأثر،حيث إنّ أصالة الاشتغال لا ينفى وجوب بديله،فمع‏عدم الإتيان به يشك في وجوب الآخر،فأصالة البراءة ينفيه،فتدبر.
436
التعيينية أو تعمّ الشك في الواجبات التخييرية؟و على تقدير الاختصاص:فهل‏تجري أصالة عدم الوجوب أو لا تجري؟فالبحث عن كل هذا ساقط بعد البناءعلى أصالة التعيين،بل لا أثر للبحث عن جريان أصالة البراءة أو عدم الوجوب‏بالنسبة إلى ما يحتمل تعلق الطلب التخييري به مطلقا و لو بنينا على أصالةالبراءة عن التعيينية عند الشك في التعيين و التخيير،فانّ معنى أصالة البراءة عن‏التعيينية جواز الاكتفاء بفعل ما يحتمل كونه عدلا للواجب،فلا فائدة في‏جريان أصالة البراءة أو عدم الوجوب فيه،فالبحث عمّا أفاده الشيخ‏(قدس سره)في التنبيه الثالث من قوله:«إنّ الظاهر اختصاص البراءة بصورةالشك في الوجوب التعييني»مستغن عنه،فتأمّل جيّدا.
الأمر الثاني:
لو شك في الوجوب العيني و الكفائي،فهل الأصل يقتضى العيني‏-كالشك في التعييني و التخييري-فلا يسقط الواجب بفعل الغير؟أو أنّ الأصل‏لا يقتضى العيني؟ربّما توهّم:أنّ الأصل لا يقتضى العينية،لأنّ مرجع الشك في‏العينية و الكفائية إلى الشك في التكليف عند فعل الغير ما هو الواجب،و الأصل عدمه،هذا.و لكن رجوع الشك إلى الشك في الامتثال و السقوط في الواجب العيني‏و الكفائي أوضح من رجوعه إلى ذلك في الواجب التعييني و التخييري،و توضيح‏ذلك:هو أنّ في تصوير الواجب الكفائي و كيفية تشريعه-مع أنّ المطلوب‏اشتغال أحد المكلفين صفحة الوجود بالفعل الّذي لا يقبل التكرر أو إذا كان‏قابلا للتكرار لا يكون وجوده الثاني متعلق الطلب-وجهان:11أقول:و هنا شق ثالث:من كون الوجوب ناقصا متعلقا بفعل كل منهما بنحو يقتضى المنع عن بعض‏
437
أحدهما:أن يكون المخاطب به آحاد المكلفين لكن لا على وجه‏الإطلاق،بل بتقييد الخطاب المتوجه على كل أحد بصورة عدم سبق الغيربالفعل المخاطب به،فينحل الخطاب إلى خطابات متعددة حسب تعدد أفرادالمكلفين،كل خطاب مقيّد بعدم سبق الغير بفعل متعلق الخطاب.ثانيهما:أن يكون المخاطب النوع،و لمكان انطباق النوع على الآحاديكون كل فرد من أفراد المكلفين مخاطبا بذلك الخطاب الواحد،فلو أشغل أحدالمكلفين صفحة الوجود بالفعل سقط الخطاب عن الباقي،لأنّ الخطاب الواحدليس له إلاّ امتثال واحد و قد امتثله من خوطب به من جهة انطباق النوع‏عليه،فتأمّل.و على كلا الوجهين:يرجع الشك في العيني و الكفائي إلى الشك في‏سقوط الواجب بفعل الغير،أمّا على الوجه الأوّل:فواضح،لأنّ الشك في ذلك‏يرجع إلى الشك في تقييد الإطلاق في مرحلة البقاء و الامتثال و هو يقتضى‏الاشتغال لا البراءة.و أمّا على الوجه الثاني:فكذلك أيضا،فانّ المكلف قبل‏فعل الغير يعلم بكونه مكلفا بالفعل،إمّا لكون التكليف عينيا،و إمّا لانطباق‏النوع عليه،و بعد فعل الغير يشك في سقوط التكليف عنه،و الأصل يقتضى‏عدم السقوط.فالأقوى:أنّ الشك في العيني و الكفائي كالشك في التعييني‏و التخييري لا تجري فيه البراءة،بل مقتضى أصالة الاشتغال هو البناء على‏كون الواجب عينيا في الأوّل و تعيينيا في الثاني.هذا تمام الكلام في الشبهة الوجوبية الحكمية إذا كان منشأ الشبهةأنحاء تروكه،و هو تركه في حال ترك الغير،لا في حال إيجاد الغير،و هذه الجهة-كما أشرنا في التخيير-غير مقام‏التقييد،كما توهّم.و ربما يوجب مثل هذه التقريبات بأجمعها الكفائية لو لا إطلاق الطلب المقتضى للعينية و عدم‏جريان المناط من أصالة الاشتغال في المسألة السابقة في المقام.نعم:هنا مجال استصحاب بقاء الوجوب و عدم السقوط بفعل الغير،و ذلك غير قاعدة الاشتغال،فتدبر.
438
فقدان النص.
و في حكمها ما إذا كان منشأ الشبهة إجمال النص أو تعارض‏النصين،
فانّ الأدلة الدالة على البراءة لا تختص بصورة فقدان النص،بل تعمّ صورةإجمال النص و تعارضه.و قد نسب الخلاف في ذلك إلى«صاحب الحدائق»فقال:بوجوب الاحتياط في صورة إجمال النص و تعارضه.و ليس له وجه.هذا إذا كانت الشبهة حكمية،
و إن كانت الشبهة موضوعية
-كما إذاعلم بوجوب إكرام العالم على وجه يكون الحكم انحلاليا،و شك في بعض‏مصاديقه-فقد تقدم البحث عنها في الشبهة التحريمية،و عرفت:أنّ العلم‏بالكبريات الكلية ما لم يعلم انطباقها على الموارد الجزئية غير منجّز للتكليف لايستتبع استحقاق العقوبة،و الظاهر إطباق الأصوليين و الأخباريين على ذلك.نعم:نسب إلى المشهور وجوب الاحتياط عند تردد الفرائض الفائتةبين الأقل و الأكثر1و يشكل الفرق بينه و بين تردد الدين بين الأقل و الأكثر،مع أنّ الظاهر اتفاقهم على عدم وجوب الاحتياط في الدين المردد بين الأقل‏و الأكثر و جواز الاكتفاء بأداء القدر المتيقن و جريان البراءة عن الأكثر.و الظاهر:أن يكون نظر المشهور في مسألة قضاء الفوائت إلى القاعدةو أنّها تقتضي الاحتياط،لا لأجل التعبد و قيام دليل خاص على ذلك،فيتوجه‏حينئذ سؤال الفرق بينها و بين مسألة الدين المردد بين الأقل و الأكثر؟1أقول:لا يخفى أنّ الشك في قضاء الفوائت تارة ناش عن عدد السنين التي مضى من عمره الّذي‏فات فيها الصلاة أو الصوم،و أخرى ناش عن تساهله في الإتيان في الوقت أو نومه و سكره مع الجزم بمقدار سنةعمره،ثم في هذه الصورة تارة يحتمل التفاته إلى الفوت في الوقت،و أخرى يقطع بأنّ التفاته حدث بعد الوقت،فعلى الأخير:لا شبهة في جريان قاعدة«الوقت حائل»فيؤخذ بالمتيقن من الفوائت،كما أنّه على الأوّل أيضايرجع الشك فيه-مثل الدين-إلى الأقل و الأكثر.و أمّا في الصورة الثانية:فلا محيص من الأخذ بالأكثر من جهة الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال في وجه،و يمكن حمل كلام المشهور في قضاء الفوائت على هذه الصورة،لأنّ الغالب التفاتهم بعمرهم-و لو تقريبا-و احتمال الالتفات إلى الفوت قبل مضي الوقت غالبا،فتدبر.و على فرض الإطلاق في كلماتهم فلا محيص من‏إيجاب احتياط في المورد،فتدبر.
439
و قد نقل عن بعض المحققين:أنّه حاول تطبيق فتوى المشهور على‏القاعدة،و حاصل ما أفاده في وجه ذلك-بتحرير منّا-هو أنّه يعتبر في جريان‏البراءة أن لا يكون الشك الّذي أخذ موضوعا فيها مسبوقا بالعلم و لو آنا ما،فانّ‏الأصول العملية كلها مغيّاة بعدم العلم و منها البراءة،فالشك الطاري بعد العلم‏لنسيان و نحوه ليس موردا للبراءة،بل موردهما الشك الابتدائي،و مع احتمال‏سبق العلم لا تجري البراءة أيضا،لاحتمال حصول الغاية،فيرجع التمسك بقوله‏صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون»مع احتمال سبق العلم-إلى التمسك‏بالعامّ في الشبهات المصداقية1و قد حرّر في محله عدم جوازه.و بعبارة أوضح:لا يجوز الاقتحام في الشبهة إلاّ مع القطع بالمؤمّن إمّاعقلا و إمّا شرعا،و مع احتمال سبق العلم بحكم الشبهة و تنجز التكليف لا قطع‏بالمؤمّن،فلا يجوز الاقتحام في الشبهة،بل لا بد من الاحتياط ليحصل القطع‏بأداء الواقع و الخروج عن عهدته.و على هذا تكون فتوى المشهور في محلها،فانّه عند فوات كل فريضة لامحالة يتعلق العلم بها،إلاّ إذا فرض أنّه استدام نوم المكلف أو سكره أيّامامتعددة فانتبه أو أفاق و لم يعلم أيّام نومه و سكره،و هذا فرض نادر،و الغالب‏حصول العلم بالفائتة وقت فوتها،فإذا تردد الفائت بين الأقل و الأكثر فبالنسبةإلى الأكثر المشكوك كما أنّه يحتمل فوته كذلك يحتمل تعلق العلم بفوته على‏1أقول:كيف يبقى مجال لهذا الكلام مع جزم العقل بأنّ العلم في كل آن منجّز في حين وجوده و لايكون منجّزا حتى بعد زواله،كيف!و لو انقلب بالعلم بالخلاف يلزم تزاحم المنجّزين،و أيّ عاقل يصدّق ذلك!و حينئذ فبعد طروّ الشك يبقى«قبح العقاب بلا بيان»بلا مانع-كحديث الرفع و غيره-كما لا يخفى.و لقد أجاد فيما أفاد في طي كلامه،و يا ليت!يلتزم بقاعدة القبح حتى مع جزمه بسبق العلم بعد زواله‏و لم يتشبث باعتبار وصول البيان في فرض الشك بحصول العلم قبل زمانه،إذ مثل هذه التشبثات خارجة عن‏السداد ككثير من الموارد من صحة المدعى و بطلان دليله على مدّعاه.فتتبّع من أوّل الكتاب إلى آخره ترى كثيرا مامن هذا القبيل،و تدبر فيها.
440
تقدير فوته واقعا،و مع احتمال سبق العلم به لا تجري البراءة.و مسألة الدين‏المردد بين الأقل و الأكثر لو كان من هذا القبيل كان كذلك لا تجري البراءةبالنسبة إلى الزائد المشكوك.و الحاصل:أنّه في كل شك احتمل سبق العلم به لا تجري الأصول‏العملية مطلقا،سواء في ذلك أصالة البراءة و غيرها.و منه يعلم:أنّه لا يجوز التمسك في مسألة الفوائت ب«قاعدة الشك بعدالوقت»فإنّها أيضا من الأصول العملية المضروبة في حال الشك فيعتبر فيها مايعتبر في البراءة،و مع احتمال سبق العلم بالفائتة المشكوكة لا تجري«قاعدةالشك بعد الوقت»و ليس في البين أصل موضوعي ينقّح حال الشك و أنّه ممّاسبقه العلم أو لم يسبقه.فلا يتوهّم:جريان أصالة عدم سبق العلم،لأنّه قبل الفوات لاموضوع للعلم و بعد الفوات يشك في تعلق العلم به حال الفوت،فليس للعلم‏حالة سابقة يمكن استصحابها وجودا و عدما.فظهر:أنّه لو قلنا:إنّ العلم بحال الشبهة و لو آنا ما يكفى في التنجز و لايعتبر استدامته،ففي كل شبهة احتمل سبق العلم بها لا تجري الأصول العمليةمطلقا شرعية كانت أو عقلية.أمّا الشرعية:فلاحتمال حصول الغاية،فيكون‏التمسك بها من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية.و أمّا العقلية:فلأنّه مع سبق‏العلم لا يكون العقاب بلا بيان،و مع احتمال سبق العلم لا مؤمّن،فلا يستقل‏العقل بقبح العقاب.هذا غاية ما يمكن أن يوجّه به فتوى المشهور،و عليه بنى«شيخناالأستاذ مد ظله»في الدورة السابقة،و قد عدل عن ذلك في الدورة الأخيرةو التزم بجريان البراءة العقلية و الشرعية.أمّا البراءة العقلية:فلأنّه لا يعتبر في جريانها إلاّ عدم وصول التكليف‏الّذي يدور التنجز و استحقاق العقاب مداره،إذ المراد بالبيان في«قاعدة قبح‏
441
العقاب بلا بيان»على ما تقدم سابقا-هو البيان الواصل إلى المكلف،فما لم‏يصل البيان و لم يكن له وجود علمي لا يكاد يتنجز التكليف و يستحق عليه‏العقوبة،و لا يكفى في ذلك مجرد احتمال سبق العلم و الوصول مع طروّالنسيان،فانّ المعتبر هو الحالة الفعلية و في الحالة الفعلية لا يكون البيان واصلافيتحقق موضوع القاعدة.و أمّا البراءة الشرعية:فلأنّه لا يعتبر في موضوعها إلاّ عدم العلم،ففي‏كل زمان صدق هذا العنوان يندرج في قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لايعلمون»و مجرد احتمال حصول العلم،في آن ما لا يكفى.و لا يكون من الشك‏في حصول الغاية حتى يندرج في التمسك بالعامّ في الشبهات المصداقية،فانّ‏الغاية حصول العلم بالواقع،و احتمال حصول العلم عين الشك في الواقع،فلم‏تحصل الغاية،مع أنّه لو كان احتمال سبق العلم مانعا عن جريان البراءةلانسد باب البراءة في غالب الشبهات الموضوعية-كالدين و النذر و الكفّارةو الصوم-فانّه في جميع ذلك يحتمل سبق العلم بالأكثر المشكوك،مع أنّ الظاهراختصاص فتوى المشهور بقضاء الصلوات الفائتة و لم يلتزموا بوجوب الاحتياطفي قضاء الصوم عند تردده بين الأقل و الأكثر.و الإنصاف:أنّه لا يمكن تطبيق فتوى المشهور على القاعدة1فالأقوى‏جريان البراءة عن الأكثر المشكوك في قضاء الصلوات الفائتة،و إن كان لاينبغي ترك الاحتياط خروجا عن مخالفة المشهور.و ليكن هذا آخر ما أردنا بيانه من المباحث الراجعة إلى أصالة البراءة.و الحمد للّه أوّلا و آخرا.و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين.1أقول:قد عرفت أنّ الالتزام بوجوب الأخذ بالأكثر في بعض الصور إنّما هو على القواعد،و عليه أيضايحمل فتوى المشهور على فرض صدق الشهرة،فراجع الحاشية السابقة.
442
خاتمة
قد عرفت-في مبحث القطع و في أوّل مبحث البراءة-أنّ الأصول‏العملية الجارية في جميع الشبهات الحكمية و الموضوعية أربعة:البراءة و التخييرو الاشتغال و الاستصحاب،فكان ينبغي عقد فصول أربعة كل فصل يتكفل‏البحث عن أحد هذه الأصول،و لكنا جعلنا الفصول ثلاثة:الفصل الأوّل في‏البراءة،و الثاني في الاشتغال،و الثالث في الاستصحاب،و لأجل قلة مباحث‏أصالة التخيير لم نعقد لها فصلا مستقلا و جعلنا البحث عنها في خاتمة البراءةالمناسبة،و تنقيح البحث عنها يستدعى رسم أمور:
الأمر الأوّل:
قد تقدم المختار في مجاري الأصول،و أنّ مجرى أصالة التخيير هو ماإذا علم بجنس الإلزام و لم يمكن الاحتياط لأجل عدم التمكن من الموافقة و المخالفةالقطعية للتكليف المعلوم بالإجمال،و قد تقدم أيضا-في الفصل الأوّل-ضابطتأثير العلم الإجماليّ و تنجيزه للتكليف،و حاصله:أنّ المعلوم بالإجمال إذا صح‏و أمكن أن يتعلق به التكليف على ما هو عليه من الإجمال بحيث كون قابلا لأن‏تتعلق به إرادة العبد و تحريك عضلاته نحوه،فالعلم الإجماليّ المتعلق به يكون‏منجّزا للتكليف،كما إذا علم بوجوب إحدى الصلاتين أو حرمة أحد الشيئين‏
443
أو وجوب أحدهما و حرمة الآخر و غير ذلك من الأقسام المتصورة التي يأتي ذكرها-في الجزء الرابع-فانّ المعلوم بالإجمال في جميع هذه الموارد يكون بعثا مولويامحرّكا لإرادة العبد مع ما هو عليه من الإجمال،إذ لو فرض أنّ التكليف من أوّل‏الأمر شرّع على هذا الوجه-أي تعلق التكليف واقعا و في نفس الأمر بأحدالشيئين لا على التعيين-لم يلزم محذور من ذلك و صح أن يكون معجّزا مولوياو محرّكا للإرادة في عالم التشريع نحو المتعلق،غايته أنّ المكلف يكون مخيّرا بين‏أحد الشيئين،إمّا تخييرا شرعيا،و هو فيما إذا لم يكن بين الشيئين جامع خطابي‏(كما إذا دار الأمر بين وجوب أحد الشيئين و حرمة الآخر أو وجوب أحدالشيئين و وجوب شي‏ء آخر لا يجمعهما جنس قريب)و إمّا تخييرا عقليا و هو فيماإذا كان بين الشيئين جامع خطابي(كما إذا دار الأمر بين وجوب إكرام هذاالعالم أو ذلك العالم)فانّه يصح التكليف بإكرام العالم مبهما،فيكون المكلف‏مخيّرا عقلا في إكرام أحد الفردين أو الأفراد.و على كل حال:يعتبر في تأثير العلم الإجماليّ أن يكون المعلوم بالإجمال‏صالحا لتشريعه كذلك،أي على ما هو عليه من الإجمال.فان كان المعلوم بالإجمال غير صالح لتشريعه كذلك و كان قاصرا عن‏أن يكون داعيا و محرّكا للإرادة العبد،فالعلم الإجماليّ المتعلق به لا يقتضى التأثيرو التنجيز و كان وجوده كعدمه،كما في موارد دوران الأمر بين المحذورين،فانّ‏التكليف المردد بين وجوب الشي‏ء أو حرمته قاصر عن أن يكون داعيا و محرّكانحو فعل الشي‏ء أو تركه،لأنّ الشخص بحسب خلقته التكوينية لا يخلو عن‏الفعل أو الترك،فلا يصح تشريع التكليف على هذا الوجه،لأنّ تشريع‏التكليف على هذا الوجه لا أثر له و لا يزيد على ما يكون المكلف عليه تكوينا،فانّه إمّا أن يفعل و إمّا أن لا يفعل،فهو غير قابل لتحريك عضلات العبد و غيرصالح للداعوية و الباعثية،فإذا كان متعلق العلم الإجماليّ وجوب الفعل أوحرمته،فالعلم لا يقتضى تنجيز متعلقه و كان وجوده كعدمه.
444
إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ في موارد دوران الأمر بين المحذورين لايمكن جعل التخيير الشرعي الواقعي و لا جعل التخيير الظاهري-كالتخيير في‏باب تعارض الطرق و الأمارات-1فانّ التخيير بين فعل الشي‏ء و تركه حاصل‏بنفسه تكوينا،فلا يمكن جعل ما هو الحاصل بنفسه،سواء كان جعلا واقعيا أوجعلا ظاهريا،فما قيل:من أنّ الأصل في دوران الأمر بين المحذورين هوالتخيير،ليس على ما ينبغي‏2إن كان المراد منه الأصل العملي المجعول وظيفةفي حال الشك،لما عرفت:من أنّه لا يمكن جعل الوظيفة في باب دوران الأمربين المحذورين،من غير فرق بين الوظيفة الشرعية و العقلية.أمّا الوظيفة الشرعية:فواضح بالبيان المتقدم.و أمّا الوظيفة العقلية:فلأنّ التخيير العقلي إنّما هو فيما إذا كان في طرفي‏التخيير ملاك يلزم استيفائه و لم يتمكن المكلف من الجمع بين الطرفين‏كالتخيير الّذي يحكم به في باب التزاحم-و في دوران الأمر بين المحذورين‏1أقول:قد تقدم أنّ مرجع التخيير في باب التعارض حتى على الموضوعية إلى التخيير في الأخذ بإحدى‏الحجتين،بحيث يكون كل منهما بعد الأخذ حجة تعيينية،و كذا نقول:إنّ التخيير في المسألة الأصولية يستتبع‏للتعيين في الحكم الفرعي،و حينئذ تصور هذا المعنى من التخيير في المقام إلى التخيير في الأخذ بأحد الاحتمالين‏بنحو يصير الحكم الظاهري بعد الأخذ به حكما تعينيا،و مثل هذا المعنى لا قصور في جريانه في المقام على فرض‏قيام الدليل عليه،و لا محذور له عقلا،كما توهّم،فتدبر.2أقول:لا يخفى أنّ كل علم إجمالي ملازم مع احتمال عدم وجوب كل واحد منفردا عن عدم وجوب‏الآخر،فلا يحتمل فيه عدم وجوبهما مجتمعا،فالعلم الإجماليّ مضاد مع احتمال عدم وجوبهما مجتمعا و مجتمع مع‏احتمال عدم وجوب كل واحد منفردا،فإذا شك في وجوب كل واحد أولا وجوبه منفردا فهو مجتمع مع العلم،و أمّا لو شك في لا وجوبهما مجتمعا فهو مضاد مع العلم،و هذا هو عمدة الفارق بين الشك في إباحة الفعل و الترك‏فانّه شك و احتمال لا وجوبهما مجتمعا و هو مضاد مع العلم بجنس التكليف بينهما،فلا يجري أصالة الإباحة،لعدم‏موضوعه.و أمّا في غير الفعل و الترك فلا بأس باحتمال الإباحة في فعل كل و تركه عن الانفراد عن الفعل الآخرو تركه،و بذلك أيضا يفرق مع استصحاب عدم وجوب كل واحد،إذ هو يناسب مع الشك التبادلي،كما لايخفى،فتدبر.و حينئذ يشكل في الشك في التخيير أيضا،فتدبر،لعدم كون لا وجوب تبادليا،لعدم تبادلية شكه،فتدبر.
445
ليس كذلك،لعدم ثبوت الملاك في كل من طرفي الفعل و الترك،فالتخييرالعقلي في باب دوران الأمر بين المحذورين إنّما هو من التخيير التكويني،حيث‏إنّ الشخص لا يخلو بحسب الخلقة من الأكوان الأربعة،لا التخيير الناشئ عن‏ملاك يقتضيه،فأصالة التخيير عند دوران الأمر بين وجوب الفعل و تركه‏ساقطة.و أمّا الأصول الاخر:من أصالة الإباحة و البراءة الشرعية و العقليةو استصحاب عدم الوجوب و عدم الحرمة،فلا مجال لها أيضا،و لكن لا بملاك‏واحد بل عدم جريان كل واحد منها بملاك يخصّه.أمّا أصالة الإباحة-فمضافا إلى عدم شمول دليلها لصورة دوران الأمربين المحذورين فانّه يختص بما إذا كان طرف الحرمة الإباحة و الحل كما هوالظاهر من قوله عليه السّلام «كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال»و ليس في باب دوران الأمر بين المحذورين احتمال الإباحة و الحل بل طرف‏الوجوب،و مضافا إلى ما قد تقدم:من أنّ دليل أصالة الحل يختص بالشبهات‏الموضوعية و لا يعمّ الشبهات الحكمية-إنّ جعل الإباحة الظاهرية مع العلم‏بجنس الإلزام لا يمكن،فانّ أصالة الإباحة بمدلولها المطابقي تنافي المعلوم‏بالإجمال،لأنّ مفاد أصالة الإباحة الرخصة في الفعل و الترك،و ذلك يناقض‏العلم بالإلزام‏1و إن لم يكن لهذا العلم أثر عملي و كان وجوده كعدمه لايقتضى التنجيز،إلاّ أنّ العلم بثبوت الإلزام المولوي حاصل بالوجدان،و هذاالعلم لا يجتمع مع جعل الإباحة و لو ظاهرا،فانّ الحكم الظاهري إنّما يكون في‏مورد الجهل بالحكم الواقعي،فمع العلم به وجدانا لا يمكن جعل حكم ظاهري‏يناقض بمدلوله المطابقي نفس ما تعلق العلم به.و الحاصل:أنّ بين أصالة الإباحة البراءة و الاستصحاب فرقا1أقول:الأولى أن يصار إليه بما ذكرنا،لا بهذا الوجه.
446
واضحا،فانّ مورد أصالة البراءة و الاستصحاب-على ما سيأتي بيانه-إنّما يكون‏خصوص ما تعلق بالفعل من الوجوب أو الحرمة،فيحتاج كل من الوجوب‏و الحرمة إلى براءة أو استصحاب يخصّه،و لا تغني أصالة البراءة في طرف‏الوجوب عن أصالة البراءة في طرف الحرمة،و كذا الاستصحاب.و هذا بخلاف«أصالة الحل و الإباحة»فانّ جريانها في كل من طرف‏الفعل و الترك يغنى عن جريانها في الطرف الآخر،فانّ معنى إباحة الفعل‏و حليته هو الرخصة في الترك و بالعكس،و لذلك كان مفاد أصالة الحل بمدلوله‏المطابقي يناقض نفس العذر المشترك المعلوم بالإجمال،و هو جنس الإلزام.فظهر:أنّ عدم جريان أصالة الحل في دوران الأمر بين المحذورين إنّماهو لعدم انحفاظ رتبتها،لا لأجل مخالفة مؤدّاها للموافقة الالتزامية الواجبة كماقيل،فانّ الموافقة الالتزامية إن كانت بمعنى التدين بما جاء به النبي‏صلّى اللّه عليه و آله و التصديق بالأحكام و الالتزام بها على ما هي عليها،فوجوبها بهذا المعنى و إن كان غير قابل للإنكار،فانّ الحكم إن كان من‏الضروريات فالالتزام به عبارة عن الإيمان و التصديق بالنبي‏صلّى اللّه عليه و آله و لذلك كان إنكاره كفرا،و إن لم يكن من الضروريات‏و كان من القطعيات المذهبية فإنكاره و إن لم يوجب الكفر إلاّ أنّ عدم الالتزام به‏يكون من التشريع المحرّم،فتأمّل،إلاّ أنّ البناء على الإباحة الظاهرية لا ينافى‏هذا الالتزام،فانّ الالتزام الواجب عند دوران الأمر بين المحذورين هوالالتزام و التصديق بجنس الإلزام لا بخصوص الوجوب أو الحرمة،فانّ‏الالتزام بأحدهما بالخصوص لا يمكن إلاّ مع العلم بالخصوصية و إلاّ كان من‏التشريع المحرم،فالذي يمكن من الالتزام هو الالتزام بأنّ للّه تعالى في هذه‏الواقعة حكما إلزاميا،و ذلك لا ينافى البناء على الإباحة و الرخصة الظاهرية في‏ظرف الجهل بنوع الإلزام.نعم:لو كانت أصالة الإباحة من الأصول المتكفلة للتنزيل المحرزة
447
للواقع لكان الالتزام بمفادها ينافى الالتزام بجنس التكليف المعلوم في البين،فانّ البناء على الإباحة الواقعية و إلقاء الشك و جعل أحد طرفيه هو الواقع-كماهو مفاد الأصول التنزيلية-لا يجتمع مع البناء و الالتزام بأنّ الحكم المجعول في‏الواقعة ليس هو الحل و الإباحة،و لكن أصالة الإباحة ليست من الأصول‏التنزيلية،بل مفادها مجرد الرخصة في الفعل مع حفظ الشك من دون البناءعلى كون أحد طرفيه هو الواقع،و هذا المعنى كما ترى لا ينافى الالتزام بحكم اللّه‏الواقعي على ما هو عليه من الإجمال.هذا إذا كان المراد من الموافقة الالتزامية التصديق و التديّن بالأحكام‏التي جاء بها النبي صلّى اللّه عليه و آله و إن كان المراد منها معنى آخر،فموضوعاو حكما محل إشكال.فتحصّل:أنّ العمدة في عدم إمكان جعل الإباحة الظاهرية في باب‏دوران الأمر بين المحذورين هو مناقضتها للمعلوم بالإجمال بمدلولها المطابقي،فتأمّل جيّدا.هذا كلّه في أصالة الحل و الإباحة.و أمّا أصالة البراءة:فهي بالنسبة إلى الموافقة الالتزامية كأصالة الحل‏لا ينافى مفادها لها،لأنّها أيضا من الأصول الغير المتكفلة للتنزيل.و أمّا بالنسبة إلى انحفاظ رتبتها:فبينها و بين أصالة الحل فرق،فانّ‏أصالة الحل-كما عرفت-بمدلولها المطابقي تناقض المعلوم بالإجمال،من غير فرق‏بين إعمالها في طرف الفعل أو الترك،فانّ إباحة الفعل عبارة أخرى عن إباحةالترك و بالعكس.و أمّا أصالة البراءة:فمفادها رفع خصوص الوجوب و العقاب‏عن خصوص الفعل أو خصوص الترك أو رفع خصوص الحرمة عنهما كذلك،و خصوصية الوجوب و الحرمة مشكوكة،فلا يناقض مفادها نفس المعلوم‏بالإجمال،فانّ المعلوم بالإجمال هو جنس الإلزام لا خصوص الوجوب و الحرمة.نعم:لازم رفع الوجوب و الحرمة عدم الإلزام،إلاّ أنّ هذا لا يوجب‏
448
المناقضة بين مفاد كل من أصالة البراءة عن وجوب الفعل و أصالة البراءة عن‏حرمته للمعلوم بالإجمال.و بالجملة:لمّا كان مجرى أصالة البراءة الشك في نوع التكليف المتعلق‏بالفعل و كان نوع التكليف المتعلق به مشكوكا-و لذا كان كل من الوجوب‏و الحرمة يحتاج إلى براءة يخصّه و لا تغني أصالة البراءة في أحدهما عنها في الآخر-فلا يكون مفادها مناقضا للمعلوم بالإجمال،و إن كان يلزم من الجمع بين‏البراءتين نفى الإلزام المعلوم في البين،و ذلك أيضا لا يمنع من جريان البراءة،فانّه لم يلزم من الجمع بين البراءتين مخالفة عملية للإلزام المعلوم،فانّ‏المكلف على كل حال لا يخلو:إمّا من الفعل و إمّا من الترك،فهذه الجهات‏الثلاث-أي جهة وجوب الموافقة الالتزامية وجهة انحفاظ رتبة جعل الحكم‏الظاهري وجهة المخالفة العملية-لا تقتضي المنع من جريان البراءة في موارددوران الأمر بين المحذورين.نعم:في البين جهة أخرى توجب المنع عن جريان البراءة في باب‏دوران الأمر بين المحذورين،و هي أنّه لا موضوع لها.أمّا البراءة العقلية:فلأنّ مدركها«قبح العقاب بلا بيان»و في باب‏دوران الأمر بين المحذورين يقطع بعدم العقاب،لأنّ وجود العلم الإجماليّ‏كعدمه لا يقتضى التنجيز و التأثير-بالبيان المتقدم-فالقطع بالمؤمّن حاصل‏بنفسه بلا حاجة إلى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.و أمّا البراءة الشرعية:فلأنّ مدركها قوله:«رفع ما لا يعملون»و الرفع فرع إمكان الوضع،و في موارد دوران الأمر بين المحذورين لا يمكن وضع‏الوجوب و الحرمة كليهما،لا على سبيل التعيين و لا على سبيل التخيير-كما تقدم‏وجهه-و مع عدم إمكان الوضع لا يعقل تعلق الرفع،فأدلة البراءة الشرعية لاتعمّ المقام أيضا،فتأمّل جيّدا.و أمّا الاستصحاب:فهو من جهة انحفاظ الرتبة لا محذور فيه،فانّ كلاّ
449
من الوجوب و الحرمة مجهول و الاستصحاب إنّما يجري بالنسبة إلى خصوص نوع‏التكليف المتعلق بالفعل،فهو من هذه الجهة كأصالة البراءة لا يكون مؤدّاه‏مضادّا للمعلوم بالإجمال الّذي هو جنس الإلزام،و كذا من جهة المخالفةالعملية،فانّه أيضا لا يلزم من جريانه في كل من الوجوب و الحرمة مخالفةعملية،لأنّ المكلف لا يخلو من الفعل و الترك.نعم:لما كان الاستصحاب من الأصول المتكفلة للتنزيل-كما سيأتي‏بيانه في محله-فلا يمكن الجمع بين مؤدّاه و العلم الإجماليّ،فانّ البناء على عدم‏وجوب الفعل و عدم حرمته واقعا-كما هو مفاد الاستصحابين-لا يجتمع مع‏العلم بوجوب الفعل أو حرمته‏1و سيأتي في محله:أنّ الأصول التنزيلية لاتجري في أطراف العلم الإجماليّ مطلقا،سواء لزم منها المخالفة العملية أو لم يلزم.و إن شئت قلت:إنّ البناء على مؤدّى الاستصحابين ينافى الموافقةالالتزامية،فانّ التديّن و التصديق بأنّ للّه تعالى في هذه الواقعة حكما إلزامياإمّا الوجوب أو الحرمة لا يجتمع مع البناء على عدم الوجوب و الحرمة واقعا.فتحصّل:أنّ شيئا من الأصول العملية العقلية و الشرعية لا تجري في‏باب دوران الأمر بين المحذورين،يعنى لا موقع لجعل وظيفة عقلية أو شرعيةفيه،بل المكلف بحسب خلقته التكوينية مخيّر بين الفعل و الترك،و هذا التخييرليس بحكم شرعي أو عقلي واقعي أو ظاهري.و ما ورد من التخيير في باب تعارض الأمارات إن كان المراد منه‏التخيير في المسألة الأصولية-و هو التخيير في أخذ أحد المتعارضين حجة و طريقاإلى الواقع في مقام الاستنباط-فهو أجنبيّ عما نحن فيه،و إن كان المراد منه‏التخيير في المسألة الفقهية-أي التخيير في العمل-فيكون من التخيير العقلي‏التكويني لا تعبدي شرعي إذا كان التعارض على وجه يوجب دوران الأمر بين‏1أقول:و لقد دفعنا هذه الشبهة أيضا في الجزء التالي من هذا الكتاب،فراجع هناك.
450
المحذورين في مقام العمل،و إلاّ كان من التخيير الشرعي الظاهري،فتأمّل‏جيّدا.
الأمر الثاني:
إذا كان لأحد الحكمين اللذين تعلق العلم الإجماليّ،بأحدهما مزيّة على‏الآخر،إمّا من حيث الاحتمال(كما إذا فرض كون احتمال الوجوب أقوى‏من احتمال الحرمة)و إمّا من حيث المحتمل(كما إذا كان الشي‏ء الّذي يحتمل‏تعلق الوجوب به على تقدير وجوبه من أقوى الواجبات الشرعية و أهمّها بخلاف‏ما إذا كان الشي‏ء حراما فليس بتلك المرتبة من الأهمية)فهل المزيّة تقتضي تعيّن الأخذ بصاحبها،فيبنى على الوجوب إذا كان‏من حيث الاحتمال أو المحتمل أقوى من الحرمة،فيتعين على المكلف ترتيب‏آثار الوجوب على الفعل،فلا يجوز تركه اعتمادا على احتمال أن يكون الفعل‏حراما؟أو أنّ المزيّة لا تقتضي تعيّن الأخذ بصاحبها،بل للمكلف اختيار الفعل‏و اختيار الترك؟ربّما يتوهّم:أنّ المزيّة تقتضي تعيّن الأخذ بصاحبها،لأنّ المقام‏يكون من صغريات دوران الأمر بين التعيين و التخيير،و قد تقدم:أنّ الأصل‏يقتضى التعيينية.و أنت خبير بما فيه،فانّ ما تقدم من اقتضاء الأصل التعيينية عندالشك في التعيين و التخيير إنّما كان لأجل العلم بالخطاب و التكليف الشرعي‏الّذي يلزم امتثاله و كان مرجع الشك فيهما إلى الشك في الامتثال و السقوط،و أين هذا ممّا نحن فيه؟فانّ التخيير في دوران الأمر بين المحذورين ليس‏لاقتضاء الخطاب ذلك،بل إنّما هو من التخيير العقلي التكويني كما تقدم،فإذالم يكن في البين خطاب شرعي يكون المكلف ملزما بإتيانه و كان وجود العلم‏
451
الإجماليّ كعدمه لا أثر له و لا يقتضى التنجيز،فوجود المزيّة أيضا كعدمها1فانّ المزيّة إنّما توجب الأخذ بصاحبها بعد الفراغ من تنجز التكليف و لزوم‏رعايته و امتثاله،و التكليف في دوران الأمر بين المحذورين غير لازم الرعاية.ثم على تقدير كون المزيّة توجب تعيّن الأخذ بصاحبها،فهل نفس‏احتمال الحرمة يكفى في ترجيح جانبها على احتمال الوجوب فيتعين ترك الفعل‏و ترتيب آثار الحرمة عليه؟أو أنّ مجرد كون طرف احتمال الوجوب هو احتمال‏الحرمة لا يكفى في ترجيح جانب الحرمة ما لم تكن الحرمة من حيث الاحتمال‏أو المحتمل أقوى من الوجوب؟فقد قيل:إنّ مجرد كون طرف احتمال الوجوب هو احتمال الحرمةيكفى في ترجيح جانب الحرمة،بدعوى:أنّ في احتمال الحرمة احتمال المفسدةو في احتمال الوجوب احتمال النّفع،و دفع المفسدة المحتملة أولى من جلب‏النّفع المحتمل،كما أنّ دفع المفسدة المتيقنة أولى من جلب المنفعة المتيقنة،و على‏ذلك يبتنى القول بتغليب جانب الحرمة على جانب الوجوب في مسألة اجتماع‏الأمر و النهي.و فيه أوّلا:أنّ المنافع و المفاسد تختلف بحسب القلة و الكثرة،فربّ نفع‏يكون جلبه أولى من دفع المفسدة،و على فرض التساوي من حيث القلة و الكثرةلم يقم برهان على أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة،و لم يظهر من طريقةالعقلاء أنّ بنائهم على ذلك.و ثانيا:أنّ دعوى أنّه ليس في الواجبات إلاّ جلب المنافع فلا يكون في‏تركها مفسدة بل مجرد فوات النّفع،ممنوعة،فلم لا يكون في ترك الواجب‏مفسدة كفعل الحرام؟.1أقول:لو قيل بأنّ مناط حكم العقل بالتخيير في المقام عدم الترجيح بين الاحتمالين أمكن دعوى‏توقفه عنه عند وجود المزيّة لأحد الطرفين و يحكم بالأخذ بذي المزيّة،لاحتمال تعيّنه،فافهم و تدبر.
452
و ثالثا:على تقدير تسليم أن يكون دفع المفسدة أولى من جلب المنفعةمطلقا و تسليم أنّ ترك الواجب ليس فيه مفسدة،فانّما يكون ذلك في المنافع‏و المفاسد الراجعة إلى شخص الفاعل و المباشر لما فيه المنفعة و المفسدة.و دعوى:أنّ منافع الواجبات و مفاسد المحرمات راجعة إلى شخص الفاعل،دون إثباتهاخرط القتاد!فانّه من المحتمل أن تكون المنافع و المفاسد راجعة إلى النوع بحسب‏ما يقتضيه النظام التام،إلاّ أن يقال:إنّ مجرد احتمال ذلك لا يكفى مع‏احتمال أن تكون راجعة إلى المباشر،فتأمّل جيّدا.
الأمر الثالث:
يعتبر في دوران الأمر بين المحذورين أن يكون كل من الواجب و الحرام‏توصّليا أو يكون أحدهما الغير المعيّن توصّليا،فلو كان كل منهما تعبديا أو كان‏أحدهما المعيّن تعبديا فليس من دوران الأمر بين المحذورين،لأنّ المكلف‏يتمكن من المخالفة القطعية بالفعل أو الترك لا بقصد التعبد و التقرب و إن لم‏يتمكن من الموافقة القطعية،فبالنسبة إلى المخالفة القطعية العلم الإجماليّ يوجب‏التأثير و يقتضى التنجيز و إن لم يقتض ذلك بالنسبة إلى الموافقة القطعية،و ذلك‏واضح.
الأمر الرابع:
دوران التكليف بين الوجوب و الحرمة بالنسبة إلى الفعل الواحد،تارة:يكون مع وحدة الواقعة،كما لو دار الأمر بين كون المرأة المعيّنة محلوفة الوطء أومحلوفة الترك في ساعة معيّنة.و أخرى:مع تعدد الواقعة،كالمثال إذا فرض أنّ الحلف على الفعل أوالترك كان في كل ليلة من ليالي الجمعة.فان كان على الوجه الأوّل:فلا إشكال في كون الحالف مخيّرا بين‏
453
الوطء و عدمه في الساعة التي تعلق الحلف بها،و لا موقع للنزاع في كون التخييربدويا أو استمراريا،لأنّه لا تعدد في الواقعة حتى يتصور فيها التخييرالاستمراري.و إن كان على الوجه الثاني:فللنزاع في كون التخيير بدويا أواستمراريا مجال.فقيل:إنّ التخيير بدويّ،فما اختاره المكلف في ليلة الجمعةالأولى من الفعل أو الترك لا بد أن يختاره أيضا في الليالي اللاحقة،و ليس له‏أن يختار في الليلة اللاحقة خلاف ما اختاره في الليلة السابقة،فانّه لو اختلف‏اختياره في الليالي لزم منه المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال،فانّه يعلم‏بتحقق الحنث،إمّا في الليلة السابقة،و إمّا في الليلة التي هو فيها،فلأجل الفرارعن حصول المخالفة القطعية لا بد من أن يكون التخيير بدويا،هذا.و لكن للنظر في ذلك مجال،فانّ المخالفة القطعية لم يتعلق بها التكليف‏التحريمي شرعا بحيث تكون المخالفة القطعية كسائر المحرمات الشرعية قد تعلق‏بها النهي المولوي الشرعي،بل قبح المخالفة القطعية كحسن الطاعة من‏المستقلات العقلية التي لا تستتبع الخطاب المولوي،و حكم العقل بقبح المخالفةالقطعية فرع تنجز التكليف،و إلاّ فنفس المخالفة بما هي مخالفة لا يحكم العقل‏بقبحها ما لم بتنجز التكليف.و بالجملة:مخالفة التكليف المنجّز قبيحة عقلا،و أمّا مخالفة التكليف‏الغير المنجّز فلا قبح فيها،كما لو اضطر إلى الاقتحام في أحد أطراف المعلوم‏بالإجمال و اتفق مصادفة ما اضطر إليه للحرام الواقعي،فأنّه مع حصول المخالفةيكون المكلف معذورا،و ليس ذلك إلاّ لعدم تنجز التكليف‏1ففي ما نحن فيه‏1أقول:عمدة شبهة من التزم بتقديم حرمة المخالفة و كون التخيير بدويا،هو أنّ حكم العقل بلزوم‏الموافقة التدريجية بنحو الاقتضاء و بحرمة المخالفة القطعية التدريجية بنحو العلية،و مع التزاحم تقدّم العلية على‏الاقتضاء،فيحكم بالحرمة دون لزوم الموافقة.و ذلك البيان لا ينافى عدم التنجيز بالنسبة إلى كل آن آن بنحوالدفعيّة،و إنّما تجي‏ء الشبهة من منجزية العلم الإجماليّ بالحرمة بنحو التدريج،و هذا المعنى و إن كان متحققا
454
لا يكون التكليف منجّزا في كل ليلة من ليالي الجمعة،لأنّه في كل ليلة منهاالأمر دائر بين المحذورين،فكون الواقعة ممّا تتكرر لا يوجب تبدل المعلوم‏بالإجمال و لا خروج المورد عن كونه من دوران الأمر بين المحذورين،فانّ متعلق‏التكليف إنّما هو الوطء أو الترك في كل ليلة من ليالي الجمعة،ففي كل ليلةيدور الأمر بين المحذورين.و لا يلاحظ انضمام الليالي بعضها مع بعض،حتى‏يقال:إنّ الأمر فيها لا يدور بين المحذورين لأنّ المكلف يتمكن من الفعل في‏جميع الليالي المنضمة و من الترك في جميعها أيضا و من التبعيض ففي بعض‏الليالي يفعل و في بعضها الآخر يترك و مع اختيار التبعيض تتحقق المخالفةالقطعية لأنّ الواجب عليه إمّا الفعل في الجميع و إمّا الترك في الجميع،و ذلك:لأنّ الليالي بقيد الانضمام لم يتعلق الحلف و التكليف بها،بل متعلق‏الحلف و التكليف كل ليلة من ليالي الجمعة مستقلة بحيال ذاتها،فلا بد من‏ملاحظة الليالي مستقلة،ففي كل ليلة يدور الأمر فيها بين المحذورين و يلزمه‏التخيير الاستمراري.و الحاصل:أنّ التخيير البدوي في صورة تعدد الواقعة يدور مدار أحدأمرين:إمّا من حرمة المخالفة القطعية شرعا ليجب التجنب و الفرار عن حصولهاو لو بعد ذلك فيجب على المكلف عدم إيجاد ما يلزم منه المخالفة القطعية،و إمّابالنسبة إلى الوجوب أيضا إلاّ أنّ تنجزه بنحو الموافقة التدريجية كان ملغى،فيبقى تنجزه بالنسبة إلى المخالفةالقطعية على حاله.و حينئذ الأولى في الجواب أن يقال:إنّ عدم الجمع بين امتثال لزوم الموافقة و حرمة المخالفة القطعية إذاكان بمناط«لا يطاق»فالعقل في هذا المقام لا يفرق بينهما بالاقتضاء و العلية،و إنّما الفرق في الاقتضاء و العلية في‏قابلية العلم للرخص الشرعي في أحد الطرفين بمناط البراءة الشرعية و عدمه،بلا نظر إلى مناط«لا يطاق»و الترخيص في المقام هو بمناط«لا يطاق»و في هذا المقام نسبة حكم العقل علية و اقتضاء بمناط واحد،كما لايخفى فتدبر.قد تمّ و الحمد للّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنافي شهر شوّال المكرّم سنة 1362
455
من ملاحظة الوقائع المتعددة منضما بعضها إلى بعض في تعلق التكليف بهاحتى يتمكن المكلف من مخالفة التكليف بتبعيض الوقائع و اختياره في البعض‏ما يخالف اختياره في الآخر.و كل من الأمرين اللذين يبتنى على أحدهماالتخيير البدوي محل منع،فلا محيص من التخيير الاستمراري و إن حصل العلم‏بالمخالفة،فتأمّل جيدا.
الأمر الخامس:
لو دار أمر الشي‏ء بين كونه شرطا للعبادة أو مانعا عنها أو دار الأمر بين‏الضدين-كما إذا دار الأمر في القراءة بين وجوب الجهر بها أو وجوب الإخفات-فالأمر و إن كان يدور بين المحذورين بالنسبة إلى العبادة الواحدة،فانّه لا يمكن‏أن تكون العبادة الواحدة واجدة للشي‏ء و فاقدة له فيما إذا تردد بين كونه شرطالها أو مانعا عنها،و كذا لا يمكن أن تكون القراءة الواحدة جهرية و إخفاتية،إلاّأنّه حيث يتمكن المكلف من الموافقة القطعية-و لو بتكرار الصلاة تارة مع مايحتمل كونه شرطا و أخرى بدون ذلك،أو بتكرار القراءة فقط بقصدالقربة المطلقة-فلا محالة يجب الاحتياط بتكرار العمل أو الجزء،فلا يندرج في‏باب دوران الأمر بين المحذورين.هذا تمام الكلام في«الجزء الثالث»من الكتاب،و يتلوه«الجزء الرابع»إن شاء اللّه تعالى.و الحمد للّه أوّلا و آخراو الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيبين الطاهرين‏و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين‏و قد وقع الفراغ من تسويده ليلة الأربعاء التاسعة و العشرين من شهر شوال‏المكرّم سنة ألف و ثلاثمائة و اثنين و أربعين‏
456
تنبيه‏
قد اكتفينا في كثير من المباحث الراجعة إلى هذا الجزء من الكتاب‏بالإشارة إليها-خصوصا ما يرجع إلى مباحث القطع و البراءة-اعتمادا على‏ما سيأتي-في الجزء الرابع-من استقصاء الكلام فيها و تفصيلها بما لا مزيد عليه،و حرصا على نشر ما أفاده حضرة شيخنا الأستاذ(مد ظله)في مسألة اللباس‏المشكوك:من الكنوز و النفائس العلمية التي لم تصل إليها أفهام أولى الألباب‏و كانت تحت الخباء،حتى منّ اللّه تعالى على حملة العلم بطلوع شمس العلم من‏مركزه،أعنى به حضرة«شيخنا الأستاذ متّع اللّه المسلمين بطول بقائه»فحقّ‏على حملة العلم أن يقدّروا و يشكروا ما أنعم اللّه تعالى عليهم من شريف‏وجوده،و حقّ علينا نشر ما أفاده في ذلك أداء لمقدار من حقوقه و خدمة لأهل‏العلم،سائلين منه(سبحانه و تعالى)قبول ذلك،و أن يجعله في صحيفة حسناتناو يكفّر به سيّئاتنا،إنّه أرحم الراحمين.