فهرست عناوين فهرست آيات فهرست روايات فهرست اشعار
قصص و عبر

آية الله محمد شيرازي

فهرست عناوين
     العلم في ست كلمات1
     استقامة الميرزا مهدي النراقي في طلب العلم 1
     السيد نعمة الله الجزائري واستقامته في طلب العلم 1
     استقامة وصمود الآخوند الخراساني (رحمه الله) في طلب العلم 2
     الحاج ملا هادي السبزواري في كرمان2
     طلب العلم حتى الموت2
     أموت عالماً بالمسألة خير من أن أموت جاهلاً بها2
     في أثناء الدرس أغمي عليه من شدة الجوع3
     كتابة تفسير القرآن في ميدان الحرب!3
     علماء الإمامية وتحمل الصعوبات3
     كيف بدأ السكاكي بطلب العلم؟4
     فقر الملا محمد صالح المازندراني أيام التحصيل وعاقبته4
     صبر الملا محمد صالح المازندراني واستقامته في طلب العلم4
     الاستقامة والصبر العجيب في المباحثات العلمية5
     همة صاحب (مفتاح الكرامة) في التعليم5
     منزلة العلم واحترام المعلم عند الرازي6
     أسلوب الميرزا الشيرازي (رحمه الله) في أجوبة المسائل6
     نِلْتَ ولم أنل6
     توفيق صاحب الجواهر7
     العالم بين الأشرار7
     اختبار صفاء النفس8
     سر الفراق8
     التواضع وظيفة العلماء8
     حب الدنيا عدو العلماء8
     الشيخ الأنصاري وقران من سهم الإمام (ع)9
     زهد وورع الملا عبد الله التستري (رحمه الله)9
     دعاء الحاج ملا أحمد النراقي (رحمه الله)9
     الميرزا محمد تقي الشيرازي لا أحد يخدمه10
     عزة نفس السيد الرضي10
     عيسى (ع) كان يركب الحمار حافياً10
     الوحيد البهبهاني والزهد11
     زهد الشيخ المرتضى11
     هكذا كانوا عازفين عن الدنيا11
     هل أنت كما يدل عليه ظاهرك؟12
     ناصر الدين شاه في منزل الملا السبزواري12
     يوجد هناك من هو أعلم مني12
     هذا الشيخ أكثر كفاءة مني للتدريس13
     السيد بحر العلوم (رحمه الله) يختبر المرحوم النراقي (رحمه الله)13
     قناعة الخليل بن أحمد الفراهيدي13
     ورع المرحوم الميرزا محمد حسن الشيرازي14
     من المقامات العملية للشيخ الأنصاري14
     تعهد بالعبادة الاستيجارية لسنتين14
     امتناع السيد بحر العلوم عن التدريس15
     ترك الرئاسة وسكن في إحدى القرى للتبليغ15
     بعض أحوال المرحوم السيد علي خان15
     احترت من العلم بشيئين15
     الشيخ عبد الكريم الحائري وإغاثة محتاج16
     إيثار المدرس16
     إسلام يهودي ببركة سخاء السيد المرتضى (رحمه الله)16
     السيد الشفتي والترحم على الكلبة16
     طريقة المرحوم الميرزا حسن الشيرازي في مساعدة المحتاجين17
     سخاء السبزواري وعدم اعتداده بالدنيا17
     من عفو الآخوند الخراساني (رحمه الله)17
     تأثر حتى الموت18
     (الجمهرة) مع ثمنه18
     من سخاء الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله)18
     كل من يحب شيبة الشيخ فليساعد الفقير19
     الرد على الجاهل19
     العبور على الماء19
     جسد الآخوند الخراساني بعد خمسين سنة19
     مكاشفة للعلامة الطباطبائي20
     كلام المقدس الأردبيلي مع أمير المؤمنين (عليه السلام)20
     وفاة الملا كتاب في طريق مكة20
     تشرف الشيخ محمد باقر الدهدشتي بحضور الإمام الحجة (عج)21
     مقابلة الحسنات والسيئات بعد الموت21
     صلة شاعر22
     الرؤيا الصادقة22
     تعهد المعاش22
     آية الله الميرزا محمد حسن الشيرازي والزائر الخراساني23
     التوسل بالصديقة الطاهرة (عليه السلام) والنجاة من الموت23
     قصة الملا قلي جولا والسيد علي الشوشتري23
     لا تخبر أحداً ما دمت حياً24
     الحاج الشيخ مهدي القمي وخاتم الشفاء24
     صلاة استسقاء آية الله السيد محمد تقي الخونساري25
     استجابة دعاء الحاج الكلباسي في نزول المطر25
     من كرامات السيد مرتضى الكشميري (رحمه الله)25
     أحد عشر جواباً صائباً في عالم الرؤيا26
     الشيخ الأعظم الأنصاري وأمه الصالحة26
     اعتقاد شديد بأهل البيت (عليه السلام)26
     نموذج من محبة أهل البيت (عليه السلام)26
     ما نفعنا شيء غير صاحب هذا القبر26
     علاقة المرحوم الحائري بمصائب أهل البيت (عليه السلام)26
     تشفع عن بعد27
     لا تحضر جنباً27
     دعاء العالم العامل27
     لم يتغير جسده بعد خمسة وثلاثين عاماً27
     اعتقاد عموم الناس بعالم عامل27
     إما أن تترك المنبر أو تنقل من الكتب المعتبرة28
     توسل القاسم بن عباد عز الدين الكاظمي28
     شفاء عين آية الله البروجردي بتربة سيد الشهداء (عليه السلام)28
     هذا المبلغ تركه جدك لك28
     علة بكاء رجل على قبر الشيخ الأنصاري (رحمه الله)29
     رؤيا بصدد موت الآخوند الخراساني29
     من كرامات الميرزا الشيرازي الأكبر29
     المير الفندرسكي وخراب الكنيسة29
     طراوة جسد الشيخ الصدوق (رحمه الله)30
     فكر بنفسك30
     إطلاق سراح السيد رضي الدين من السجن30
     الاعتبار بقبر الكليني (رض)30
     سماع السيد ابن طاووس لصوت ولي العصر (عج)30
     قرأ في أذني كل سورة الحمد31
     لا تؤخر سهم الطلاب31
     ابن قولويه يشهد نصب الحجر الأسود31
     الوحيد البهبهاني يأتمر بأمر الإمام الحسين (عليه السلام)31
     سبب كثرة التأليفات32
     خروج الشيخ الطبرسي من القبر32
     تشرف العلامة الحلي بخدمة الإمام الحجة (عج)32
     تشرف الشيخ الأنصاري (رحمه الله) بخدمة الإمام الحجة (عج)32
     فتوى التحريم تدخل قصر السلطان33
     الشيخ محمد تقي البافقي والجهاد ضد البهلوي33
     الثورة العراقية ودور العلماء والمراجع المجاهدين34
     مقاطعة الانتخابات34
     صورة من شجاعة المدرس34
     قتل إمام أهل السنة34
     الشيخ الأنصاري والمتنفذون35
     جهاد آية الله القمي ضد رفع الحجاب الإجباري35
     القتل العام في مسجد كوهر شاه37
     فتوى آية الله الأصفهاني بمقاومة الاستعمار البريطاني38
     لا تعمل ما يحرق هذه اللحية بالنار38
     قنبر خير منك ومن أبيك38
     رد الأعمش على رسالة هشام بن عبد الملك38
     احمل خشبتي منذ خمسين عاماً38
     فتوى السيد محمد كاظم الطباطبائي بالجهاد ضد الاستعمار38
     من مواقف السيد كاظم اليزدي (رحمه الله)39
     ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟39
     أبو حازم يبكي السلطان39
     سأجيبك فيما بعد39
     كتاب القانون في ذاكرة ابن سينا40
     الميرزا الشيرازي ومحضر الشيخ الأنصاري40
     الفيض الكاشاني ومبعوث إمبراطور الإفرنج40
     جواب الشيخ البهائي لسفير الروم41
     تدبير الملا التوني لبيان منزلة العلم والعالم41
     رواية في القضاء41
     طعام الطغاة42
     رأى مكة ولم ير الدجاجة42
     حكمة البهلول42
     سره في أضعف خلقه42
     طريقة صحيحة لأحد العلماء في إعانة محتاج43
     دراية مؤمن آل فرعون43

1
ان الخوض في قصص العلماء هو ولوج إلى عالم يخفى على الكثيرين منا ونحن نطالع آلاف المسائل العلمية الجاهزة الحلول، فكيف تأتى لهؤلاء العلماء استنباط هذه الأحكام الشرعية؟ وكيف تمكنوا من جمع المجلدات الضخمة التي ضمت كتب الحديث والفقه؟

لا شك أنها رحلة مضنية لهؤلاء النفر الذين نذروا أنفسهم لخدمة العلم والدين، وفي هذا الكتاب (قصص وعبر) يأخذ المؤلف (دام ظله) بيدنا إلى بعض خفايا هذه الرحلة الشاقة لنســـــتحضر بعض مواقف العلماء وسيرتهم في كيفية تحصيل العلوم الإسلامية وخوضهم

اعباء الحياة بشظف العيش وقلة الموارد فأصبحوا منارات علمية وشيّدوا أعظم المدارس الدينية التي ننعم ببركاتها، والملاحظ في كل هذه القصص هو الجانب الروحي والأخلاقي الذي بنى عليه هؤلاء العلماء حياتهم العلمية وجانب قوة الشخصية والاصرار على تحقيق الأهداف مهما كان حجم المصاعب التي كانت تعترضهم.

القطع : متوسط

عدد الصفحات :204

عدد الطبعات :1

سنة الطبع :1420 هـ / 1999م

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

وبعد: هذه قصص جمعت من مختلف الكتب للوعظ والإرشاد، نسأله سبحانه أن يجعلها مفيدة لنا ولمن طالعها، وأن توجب الثواب والأجر في يوم لا ينفع مالا ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والله الموفق المستعان.

20 جمادى الأولى 1419هـ.

قم المقدسة

محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي

العلم في ست كلمات

التقى النبي عيسى المسيح (عليه السلام) براع في الصحراء، فقال له: أيها الرجل! أفنيت عمرك في الرعي، ولو قضيت عمرك في طلب العلم وتحصيله لكان أفضل لك؟

فقال الراعي: يا نبي الله! أخذت من العلم ست مسائل وأعمل بموجبها.

الأولى: ما دام الحلال موجوداً لا آكل حراماً.

الثانية: ما دام الصدق موجوداً لا أكذب.

الثالثة: ما دمت أرى عيبي، لا أنشغل بعيوب الآخرين.

الرابعة: حيث لم أجد إبليس قد مات لا أئتمن وساوسه.

الخامسة: ما دمت لا أرى خزانة الله خالية لا أطمع بكنز المخلوق، ولحد الآن لم تنقص خزانة الله حتى أحتاج لمخلوق.

السادسة: حيث لم أر رجلي تطئان الجنة، لا أؤمن عذاب الله تعالى.

فقال عيسى (عليه السلام): هذا هو علم الأولين والآخرين الذي قرأته أنت وأخذته.

استقامة الميرزا مهدي النراقي في طلب العلم

كان الحاج الميرزا مهدي النراقي (رحمه الله) صاحب (معراج السعادة) وكتب أخرى في أيام التحصيل بمنتهى الفقر وخلو اليد لدرجة لا يمكن معها من تهيئة فانوس للمطالعة، وكان يستفيد من ضياء الفوانيس الموجودة في أماكن أخرى من المدرسة، ولم يطلع عليه أحد.

ومع هذه الشدة والضيق في المعاش كان شديد التعلق والرغبة بطلب العلم، حتى أن الرسالة التي كانت تأتيه من موطنه لا يفتحها ولا يقرأها خوفاً من أن يكون فيها مطلب يكون باعثاً لتشتت حـــواسه، ويمنعه من الدرس، وكان يضع الرسائل مختومة كما هي تحت البساط.

وكان أبوه ـ أبو ذر ـ قد قتل فكتبوا إليه يخبرونه بقتله، فوضع كعادته الرسالة تحت البساط أسوة ببقية الرسائل، وبعد أن يأس منه الأهل والأقارب كتبوا إلى أستاذه وأخبروه بالحادثة وطلبوا منه أن يخبره بالأمر، وأن يرسله إلى قرية نراق لأجل إصلاح أمر التركة والورثة. فلما حضر النراقي (رحمه الله) الدرس أخذ بيده الأستاذ وكان مغتماً، فسأله النراقي: لماذا أراك مغتماً وحزيناً؟ أجاب الأستاذ: ينبغي عليك الذهاب إلى نراق فقال النراقي: لأجل من؟ قال: إن والدك كان مريضا، فقال النراقي: إن الله سيحفظه ويعافيه، فابدأ بالدرس.

فصرح له الأستاذ بمقتل والده، وأمره أن يتوجه إلى نراق، فامتثل الأمر ولم يبق أكثر من ثلاثة أيام ثم عاد بعدها، وعلى هذا المنوال كان النراقي (رحمه الله) يطلب العلم حتى بلغ مكانة سامية فيه.

السيد نعمة الله الجزائري واستقامته في طلب العلم

كان السيد نعمة الله الجزائري (رحمه الله) من تلامذة العلامة المجلسي (رحمه الله) المقربين، وقد تحمل الكثير من الصعاب والمشقات في طلب العلم، وفي أوائل أيام تحصيله لما لم يكن متمكناً من تهيئة سراج، كان يستفيد من ضوء القمر للمطالعة، حتى ضعف بصره من كثرة المطالعة على نور القمر، والكتابة، وكان يضع في عينيه من التربة المقدسة لسيد الشهداء (عليه السلام) طلباً لتقوية نور بصره، وببركة تلك التربة فقد قوي نور بصره.

وبعد أن نقل المحدث القمي (رحمه الله) هذه الحكاية قال: حينما يستولي الضعف على عيني نتيجة زيادة المطالعة والكتابة، أتبرك بتربة مراقد الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وأحياناً أمسح كتب الأحاديث والأخبار عليها، والحمد لله أن عيني إلى الآن في غاية القوة والإبصار، آملاً أن ينور الله عيني في الدنيا والآخرة ببركتهم.


2

استقامة وصمود الآخوند الخراساني (رحمه الله) في طلب العلم

ذكروا بصدد عسر الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني (رحمه الله) صاحب (الكفاية) أيام تحصيله العلم، وبعد وضعه الصعب من ناحية المأكل والملبس نقلاً عنه: لم أفكر تلك المدة إلا بالغداء، وكنت قانعا بهذا الوضع، … وكان الطلاب لا يعتنون بي، إلا من كان من الفقراء من مثلي أو أسوء مني حالاً، وكان نومي لا يزيد على ست ساعات، لأن النوم العميق للإنسان لا يكون ببطن خالية، فكنت أسهر الليالي وأسامر النجوم، وفي تلك الأحوال كان يمر بخاطري أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كان يقضي أكثر لياليه على هذا المنوال، وأني بهذه المعاناة وشدة الضيق من فاقة وفقر كنت أحس، وأفكر أني في عالم آخر، وهناك قوة تجذب روحي إليها.

وكان مع هذه المصاعب التي كان لها الوقع الكبير في نفس الآخوند، قد فقد أولاده وزوجته الشابة، وبقي لوحده، ولو كان غيره مكانه ربما لم يستطع أن يقاوم ويصمد بوجه تلك الأعاصير التي أثقلت كاهله، وكادت أن تسوقه إلى غير ما ينبغي ويريد، إلا أن تلك الروح المستنيرة لم تتزلزل ولو قليلاً.

وبعد أن دفن ابنه وزوجته ترك البيت، وكان في النهار يحضر مجالس درس الأساتذة، وفي الليل وفي مكان حقير وصغير يقع في المدرسة يقضي وقته بالمطالعة وحل المسائل، وفي ليالي الشتاء القارصة كان يجلس دون أن يستعين بنار يتدفأ عليها، ويطالع فروع الفقه المختلفة والأصول ودقائق الدروس، وفي إحدى الليالي جلس إلى جنب شعلة النفط في الحجرة، ووضع يديه تحت رأسه وعيناه تنظر إلى الكتاب، ليدرك مسألة في الأصول ولكثرة مطالعته تعبت عيناه، واستغرق في نوم عميق، وكانت الشعلة قد أخذ نارها يتسرب إلى يده قليلاً قليلاً فأحرقت جلد يده اليمنى، وكان أكله الحار فقط الخبز الذي يأخذه من الخباز لتوه، وبعد مدة أصاب مقداراً من الرز، فقام بتنظيفه وصبه في إناء، ووضعه على النار ليطبخ، فلما أراد أن يأخذه سقط من يده على الأرض وحرم من أكله، مضافاً إلى احتراق يده ومضت مدة وهو يعاني من آلام حرق اليد.

الحاج ملا هادي السبزواري في كرمان

ينقل: إن الحاج الملا هادي السبزواري ذهب إلى كرمان دون أن يعرفه أحد، فدخل المدرسة، وطلب من المتولي للمدرسة غرفة، ولما لم يعرف المتولي الملا هادي سأله: هل أنت من العلماء؟ فأجابه الملا كلا، فقال المتولي: بأن الغرف مخصوصة للطلبة.

وأخيراً أقنع المتولي بأن يستريح في زاوية الغرفة شريطة أن يقوم بمساعدة الخادم بأعمال المدرسة.

وفي بعض الأحيان كان يقوم السبزواري بمشاركة الطلبة في البحث، ولم يمض على ذلك وقت طويل حتى تزوج بابنة خادم المدرسة، ثم عاد إلى سبزوار بصحبة زوجته ومضت السنون وشهرة الحاج تزداد يوماً بعد يوم، وأخذ الطلبة يتوافدون من الأطراف إلى سبزوار لتلقي الحكمة والفلسفة، وقد وفد بعض طلبة كرمان إلى درس الحكيم فجاء الحكيم وصعد المنبر وأخذ يدرس، فما أن رآه طلبة كرمان حتى فهموا بأنه صهر خادم المدرسة في كرمان، ولم يتعرفوا عليه طيلة هذه المدة، وأسفوا على ذلك لعدم استفادتهم خلال تلك المدة من مقامه العلمي، وأخذوا يتحدثون بصوت عال بشكل ألفت بقية الطلاب، وبعد انتهاء الدرس وخروج الأستاذ من المدرسة، اعترض طلاب سبزوار على طلاب كرمان، فنقل طلاب كرمان القصة من أولها وكيف أن الحكيم الكبير كان لا يظهر نفسه ومقامه العلمي، طيلة هذه الفترة.

طلب العلم حتى الموت

جاء شخص وعليه علامات الانكماش إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وقال له: أحس في نفسي أني أموت بعد ساعة، فقال له (عليه السلام): (الموت ليس مشكلة، كلنا نموت).

فقال له: ماذا أعمل في هذه الساعة؟

قال (عليه السلام): (اطلب العلم).

أموت عالماً بالمسألة خير من أن أموت جاهلاً بها

كان أبو الريحاني البيروني وحيد زمانه في فنون الحكمة والرياضيات، وكان مسلّم أقرانه في صناعتي الطب والتنجيم، وكان في تحصيل المعارف والعلوم، بحيث لم يكد يفارق طرفة النظر، ولا قلبه الفكر، ولا يده التحرير، ولا لسانه التقرير، إلا في يوم النيروز والمهرجان.

ولما صنف (القانون المسعودي) أجازه السلطان بحمل من فضة فرده مظهراً الاستغناء عنه.

دخل عليه بعض أصحابه وهو يجود بنفسه، فقال له في تلك الحال: كيف قلت لي يوما: حساب الجدات في الإرث؟


3

فقال: أفي هذه الحال؟

قال: يا هذا، أودع الدنيا وأنا عالم بها، أليس خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها؟

قال: فذكرتها له، وخرجت. فسمعت الصراخ عليه، وأنا في الطريق.

في أثناء الدرس أغمي عليه من شدة الجوع

نقل عن الأستاذ جلال الهمائي إنه قال: كنت زميلاً للمرحوم آية الله الحاج الشيخ هاشم القزويني (من أساتذة الحوزة العلمية بالمشهد المقدس الرضوي) في أيام الشباب بأصفهان، وفي أحد الأيام وفي أثناء المباحثة تغير حاله وأغمي عليه وسقط إلى الأرض، فاستوحشنا واضطربنا من هذا المشهد، فجئنا إليه بطبيب من أطباء أصفهان ذلك اليوم وبعد الفحص الدقيق، أمر الطبيب بإعطائه شراب السكر، ففتح عينيه، وبدون فاصلة أخذ الكتاب وقال: ماذا بقي من البحث؟ وما إن خرج الطبيب من الحجرة، حتى أشار إلي أن أقترب منه، وأسر لي: بأن إغماء الشيخ من شدة الجوع، ودعاني إلى إحضار الغذاء إليه على وجه السرعة، وبعد التحقيق تبين أن الشيخ هاشم لم يدخل الطعام في جوفه ليومين.

وهكذا كانوا يهتمون بالعلم ولذا بلغوا درجات رفيعة.

كتابة تفسير القرآن في ميدان الحرب!

روى الشيخ محمد علي الأراكي في وصف المرحوم الآقا نور الدين العراقي قائلاً: كان من أهل الكشف والكرامات ومن أهل الحقيقة، وكفى به كرامة أنه كان في جبهة الحرب، يأخذ القلم والورق ويكتب تفسير القرآن!

ولو كان غيره، لاشتبه في كلامه اليومي، ولم يميز المبتدأ عن الخبر فكيف تكون مشاعر الإنسان في داخل جبهة الحرب بهذه الكيفية ولكن هذا الشخص كان جالساً يقرر ويضع التصاميم، ويكتب تفسيراً مثل هذا بكل دقة وإتقان.

وكم يؤسف له أن الانشغالات منعته من إكمال هذا التفسير وكان في ذلك الوقت في مدينة (آراك) وكانت ترد عليه الأسئلة والاستفتاءات من الأطراف والأكناف والقرى، إضافة إلى المراجعات في أمور أخرى.

ولم يكن المرحوم الآقا نور الدين في المسائل محتاجاً إلى كتاب، فكل هذه الاستفتاءات التي ترد عليه، لم نذكر أنه قال: ائتوني بالكتاب الفلاني حتى أرى ما فيه، فكان حاضر الجواب، فهذا التفسير الذي لم يكن لديه كتاب لغة، وتاريخ وتفسير، بل كتبه بعقله ومحفوظاته، فأي محفوظات كانت لديه حتى يكتب مثل هذا التفسير في ذلك الوقت العسير!!

علماء الإمامية وتحمل الصعوبات

ذكر صاحب (اللمعات) قال: ذكر أستاذنا الشيخ حسن بن الشيخ جعفر صاحب كتاب (كشف الغطاء): (أن الشيخ الكبير بعد نوم طفيف في الليل، كان يطالع حتى وقت الصلاة ـ صلاة الليل ـ، ثم يقوم للصلاة والتضرع والمناجاة حتى الصبح، وفي إحدى الليالي سمعنا صراخه وصياحه وهو يضرب على رأسه ووجهه، فاستوحش إخواني من هذا المشهد، فأسرعنا إليه فوجدناه في حالة غير طبيعية، ودموعه تسيل على وجهه حتى ابتلت لحيته، فأخذنا بيده، ولما سألناه عن السبب في ذلك؟ قال: في أول الليل كانت تخطر على بالي مسألة فقهية وبـيّـن العلماء الأعلام حكمها، وأردت دليلها من أحاديث أهل البيت (عليه السلام) فأخذت أبحث لساعات في كتب الأخبار فلم أهتد إليها، ولما بلغ بي التعب أشده قلت: جزى الله العلماء خيراً حكموا بدون دليل! ثم نمت فرأيت في عالم الرؤيا كأني أتوجه لزيارة الحرم المطهر لأمير المؤمنين (عليه السلام) فلما وصلت إلى مكان خلع الأحذية رأيت أمام الإيوان الفرش ومنبراً عالياً في صدر المجلس، وكان شخص موقر وصاحب وجه نوراني على المنبر مشغولاً بالدرس، وكان أمام الإيوان مملوءاً من العلماء الأعلام، فسألت أحدهم: من هم هذه الجماعة؟

ومن يكون هذا المدرس؟ فقال في جوابي: إن هذا المدرس هو المحقق الأول صاحب (الشرائع) وهذه الجماعة هم علماء الإمامية، فسررت من ذلك وغمرني الفرح وتقدمت إلى المنبر وسلمت على المحقق، وكنت متوقعاً أن يلتفت إلي ويعتني بي، فرأيت أنه لم يعر لي اهتماماً، ولم يكن رد سلامه لي حاراً فتألمت من ذلك وعتبت عليه وقلت له: ألست من علماء الإمامية؟

فقال لي : أي جعفر! إن علماء الإمامية قد تحملوا المصاعب الكثيرة حتى جمعوا أخبار الأئمة الأطهار (عليه السلام) من الرواة في أطراف البلاد، وكتبوا كل حديث في محله مع أسماء الرواة وأحوالهم وتصحيح رواياتهم وتوثيقها وتضعيفها، حتى تكون سهلة المنال لأمثالكم، وأنت بأربع ساعات تجلس على الفرش وتلاحظ بعض الكتب الحاضرة، دون جميعها وتعترض على العلماء بأنهم أفتوا بدون مستند ودليل، مع أن هذا الرجل الحاضر والجالس تحت المنبر في عدة مواضع من كتابه كتب حديث هذا الحكم، وكتابه من ضمن الكتب الموجودة عندكم، ومؤلفه هو نفس هذا الشخص والمسمى الملا محسن الـــفيض فارتعشت من كلام المحقق هذا، وفزعت من النوم، مظهراً ندمي على ما بدر مني وكانت في الكتاب المذكور الرواية التي أردتها.


4

كيف بدأ السكاكي بطلب العلم؟

الشيخ يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي الخوارزمي الملقب (سراج الدين السكاكي). صاحب كتاب ( مفتاح العلوم) الذي يذكر فيه اثني عشر علماً من علوم العرب، مع أنه لم يكن من العرب.

كان في باديء أمره حداداً فعمل بيده محبرة صغيرة من حديد، وجعل لها قفلاً عجيباً، ولم يزد وزن تلك المحبرة وقفلها عن قيراط واحد، فأهداها إلى ملك زمانه، ولما رآه الملك وندماء مجلسه الرفيع لم يزيدوا على الترحيب بالرجل على صنعته، واتفق أنه كان واقفاً في الحضور إذ دخل رجل آخر، فقام الملـــك احتراماً لذلك الرجل، وأجلسه في مقامه، فسأل عنه السكاكي؟ فقيل: إنه من جملة العلماء.

ففكر السكاكي في نفسه أنه لو كان من هذه الطائفة لكان أبلغ إلى ما يطلبه من الفضل والشرف والقبول، وخرج من ساعته إلى المدرسة لتحصيل العلوم، وكان إذ ذاك قد ذهب من عمره ثلاثون سنة.

فقال له المدرس: لعلك في سن لا ينفعك فيه التعلم، وأرى ذهنك مما لا يساعدك على أمر التحصيل، فلا بد من الامتحان، ثم أخذ يعلمه هذه المسألة التي هي من آراء إمامهم الشافعي، وقال له: قال الشيخ: جلد الكلب يطهر بالدباغة، وجعل يكرر له هذه العبارة عليه، ثم لما جاءه من الغد طلب منه أن يحكي درس أمسه الذي لقنه فقال: قال الكلب: جلد الشيخ يطهر بالدباغة، فضحك منه الحاضرون.. وعلّمه الأستاذ شيئاً آخر. وهكذا إلى أن مضى من عمر السكاكي في ذلك التعب في أمر التحصيل عشرة أعوام أخر، فيأس من نفسه بالكلية، وضاق خلقه، فخرج إلى البراري والجبال، فاتفق أنه كان يتردد يوماً في شعب الجبال، إذ وقع نظره على قليل من الماء يتقاطر من فوقه على صخرة صماء، وقد ظهر فيها ثقب من أثر ذلك التقاطر، فاعتبر بذلك وقال: ليس قلبك بأقسى من هذه الحجرة، ولا خاطرك أصلب منها، حتى لا يتأثر بالتحصيل، ورجع ثانياً إلى المدرسة بعزمه الثابت، وصمم في الأمر إلى أن فتح الله عليه أبواب العلوم والمعارف، وحاز قصب السبق على كثير من الأماثل والأقران من العظماء والأعيان.

فقر الملا محمد صالح المازندراني أيام التحصيل وعاقبته

كان الملا محمد صالح المازندراني (رحمه الله) فقيراً جداً وخالي اليد، وكان يرتدي الملابس العتيقة الممزقة، فكان لا يشارك في مجلس الدرس خجلاً وحياءً، بل كان يجلس خارج المدرسة ويستمع إلى درس الأستاذ، وكان يكتب تحقيقاته على أوراق الأشجار، وقد ظن سائر الطلاب أن هذا الرجل شحاذ فقير جاء ليستجدي.

وقد أشكلت على الأستاذ الملا محمد تقي المجلسي (رحمه الله) مسألة في أحد الأيام، وأحال حلها إلى اليوم الثاني، وفي اليوم الثاني لم يتوصل إلى حل المسألة، فأحيلت إلى اليوم الثالث.

وفي هذه الأثناء دخل أحد طلاب المدرسة على الملا صالح فوجد أمامه أوراق الصفصاف فأخذ اثنين أو ثلاثة من أوراق الصفصاف فوجد فيها حل المشكلة المعضلة، فذهب في اليوم الثالث إلى مجلس الدرس، وطرحت المسألة ولم يتمكن أحد من إيجاد الحل لها، ثم بدأ ذلك الطالب ببيان حل المسألة، فتعجب الملا محمد تقي المجلسي وأصر على القول: بأن هذا الجواب ليس من عندك بل هو من شخص آخر تعلمته منه فمن هو؟

وأخيراً، نقل ذلك الطالب قضية الملا محمد صالح، ولما اطلع الآخوند المجلسي على كيفية حال الملا محمد صالح، ورآه جالساً خارج معهد الدرس، أرسل على الفور أن يحضروا له الملابس، وطلب منه أن يدخل معهد الدرس، واستمع منه حل هذا الإشكال شفاهاً، وبعد ذلك عين له المجلسي حقوقاً شهرية. وقربه واشتهر بالعلم والفضل.

صبر الملا محمد صالح المازندراني واستقامته في طلب العلم

كان والد الملا محمد صالح المازندراني قد ابتلي بالفقر والفاقة، وقد قال لولده الملا محمد صالح يوماً: فكر في أمر معاشك لأني لا أتمكن من تحمل معاشك بعد هذا اليوم، فاضطر الملا محمد صالح إلى أن يهاجر إلى أصفهان ويسكن في إحدى مدارسها، وكانت لهذه المدرسة موقوفة تعطي لكل شخص في اليوم الواحد (غازيني) العملة الرائجة في ذلك الزمان، إلا أنها لم تكن كافية لمصرف يوم واحد، وكان الملا صالح ولمدة طويلة يطالع على ضوء بيت الخلاء، ومع كل هذه الظروف القاسية التي مر بها إلا أنه استمر في طلب العلم صابراً صامداً حتى بلغ درجة من العلم والفضل أهلته للمشاركة في درس الملا محمد تقي المجلسي (رحمه الله) وما أن مرت الأيام حتى صار يشار إليه بالبنان، وصار من أبرز تلامذة المجلسي وكانت له مهارة فائقة في مسائل الجرح والتعديل، حتى أصبح موضع اعتماد الأستاذ ونال مرتبة سامية.


5

وذات يوم طلب منه أستاذه الملا محمد تقي المجلسي (رحمه الله) بعد انتهاء الدرس أن يسمح له بانتخاب زوجة له، ثم دخل الملا محمد تقي بيته ونادى ابنته الفاضلة العالمة (آمنة بكم) وكانت قد بلغت من العلوم حد الكمال، وقال لها: أي بنية! وقع نظري على زوج لك، هو في نهاية الفقر، ولكنه في الوقت نفسه في غاية الفضل والعلم والتقوى، والأمر موقوف على إذنك.

فقالت آمنة بكم: الفقر ليس بعيب للرجل.

ثم بعد ذلك عقد المرحوم المجلسي مجلساً ليزوج ابنته (آمنة بكم) من الملا محمد صالح. وفي ليلة الزواج رفع الملا محمد صالح البرقع عن وجه العروس لينظر إليها فأخذ يشكر الله المنان وظل مشغولاً بالحمد والشكر، ثم اشتغل بمطالعة دروسه وتهيئتها، فاتفقت له مسألة مشكلة أشغلت باله حتى الصباح، ولما نهض وذهب إلى المسجد لحضور الدرس، أخذت العروس ورقة وحلت المسألة حلاً كاملاً وأودعت الورقة التي كتبت فيها حل المسألة في طيات الكتاب، فلما رجع الملا محمد صالح من الدرس وفتح الكتاب رأى أن المسألة قد حلت بواسطة زوجته، فسر سروراً كبيراً لما عرف من فضل زوجته، فسجد لله شكراً، ومضت على ذلك ثلاثة أيام بلياليها كان الملا صالح مشغولاً فيها بالعبادة والشكر لله، وبعد أن أطلع الملا محمد تقي على هذه القضية قال للملا محمد صالح: إذا لم تعجبك هذه الزوجة فسأختار لك غيرها، فقال: ليس الأمر كذلك، بل أني عاهدت الله أن أكون مشغولاً ثلاثة أيام بلياليها بالعبادة والشكر على هذه النعمة الكبرى.

الاستقامة والصبر العجيب في المباحثات العلمية

ذكر صاحب (التكملة) قال: نقل لي العبد الصالح الحاج كريم فرّاش الصحن المطهر لسيد الشهداء (عليه السلام) قال: كنت في سن العشرين من عمري أقوم بخدمة الصحن الحسيني، وفي إحدى الليالي نادى منادي الصحن: أن تغلق أبواب الحرم، فرأيت الآقا الوحيد البهبهاني والشيخ يوسف البحراني معاً وهما مشغولان بمباحثة علمية وقد خرجا من داخل الحرم ووقفا في الرواق المطهر، وانشغلا أيضاً بالمذاكرة حتى نادى المنادي ثانية: أن تغلق أبواب الحرم، فخرجا من الصحن من باب القبلة واستمرا في المذاكرة خلف الباب، حتى طلع الصبح، وكنت قد أتيت لفتح أبواب الصحن المطهر فوجدتهما واقفين يتناظران، فاستغربت من ذلك، وصرت مبهوتاً من حالهما، ولما كان الشيخ يوسف (رحمه الله) إماماً للجماعة ذهب للصلاة، وافترش الآقا البهبهاني (رحمه الله) عباءته وصلى وذهب لمنزله، وهكذا كانا يهتمان بالعلم ويرجحانه حتى على النوم ولذا نراهما بلغا ذلك المبلغ العظيم حتى خلدا في الخالدين.

همة صاحب (مفتاح الكرامة) في التعليم

تناول السيد الأمين في (أعيان الشيعة) الجد والسعي المتواصل للسيد جواد العاملي صاحب (مفتاح الكرامة) قائلاً: كان في الجد وتحصيل العلم قليل النظير، وقد أفنى عمره في الدرس والتدريس والبحث والمطالعة والتأليف وخدمة الدين، وكان يستغرق وقته ليلاً ونهاراً في ذلك، دون أن يحدث له ضعف واضطراب، وكان مشغولاً بالبحوث العلمية حتى في أيام الأعياد وليالي القدر من شهر رمضان، واستمر على هذه الحال حتى سن الشيخوخة وكله رغبة ونشاط في هذا المضمار، وكان لا ينام من الليل إلا قليلاً، ولما سئل: ما هي أفضل أعمال ليلة القدر؟

أجاب: بإجماع علماء الإمامية هو الاشتغال بطلب العلم.

وفي أيام محاصرة النجف من قبل الوهابية بين سنوات (1331 و 1336هـ) كان العلماء مع الأهالي يقومون بالدفاع عن المدينة، وفي الوقت الذي كان يشارك العلماء في الجهاد والمحافظة على المدينة ووسائل الدفاع وتشجيع المجاهدين والحراس وترغيبهم، تراه لا يفتر قلمه عن التأليف والتدريس، فقد كتب في تلك اللحظات رسالة في وجوب الدفاع عن النجف، كما استمر في كتابة بعض مجلدات (مفتاح الكرامة) مثل: مجلد الضمان والشفعة والوكالة وكان له من العمر حدود السبعين.

وإحدى الأمثلة على استمرارية الجد والجهد في الليل والنهار هي: أنه في نهاية العديد من مجلدات (مفتاح الكرامة) تراه يكتب: (قد تم الفراغ منه ليلة كذا) وذكر في مجلد الوقف (قريب منتصف الليل)، والمجلد الثاني من الطهارة (في الربع الأخير من الليل) ومجلد الوكالة (بعد منتصف الليل) ومجلدين من الشفعة (في الليل) وبعض المجلدات الأخرى (في ليلة القدر) أو (ليلة عيد الفطر).

وفي آخر مجلد الإقرار من (مفتاح الكرامة) كتب: في شهر رمضان من هذه السنة كتبت ثمانية أو تسعة أو عشرة أجزاء من الأبحاث، إضافة إلى الأعمال الأخرى التي أقوم بها في شهر رمضان، وما تركت الكتابة إلا لبعض المؤثرات التي كانت سبباً للتعطيل.


6

ونقل حفيده السيد جواد بن السيد حسن قال: كانت ابنة صاحب (مفتاح الكرامة) سيدة جليلة القدر ومشهورة بالتقوى والعبادة وكانت قد عاشت خمسة وتسعين عاماً من العمر، دون أن تعاني من ضعف الحواس أو عدم القدرة، وكانت تقول: إن والدي ما كان ينام الليل إلا قليلاً من الوقت، ولم يتفق لي أن رأيته وهو نائم بل كان مستيقظاً على الغالب مشغولاً بالمطالعة والكتابة.

ونقل حفيده الشيخ رضا بن زين العابدين العاملي الذي كان مدة في بيته وكان ينام بعد الفراغ من مطالعاته في الليالي قال: كنت أرى جدي يقظاً ومشغولاً بعمله، وكان يلتفت إلى حفيده ويقول: ما هذا العشق بالنوم، وهذا المقدار الذي نأخذه من النوم يكفينا، وكان يضع رأسه على يده، ويغفو إغفاءة قصيرة جداً، ثم يعود إلى عمله، وأحياناً يوقظ حفيده لصلاة الليل، ويقوم هو بالمطالعة.

وكان معروفاً بين العلماء في زمانه وحتى موته بالدقة والضبط وصفاء الذات، وكان يرجع إليه كبار العلماء لحل المسائل المشكلة فيأخذون منه الجواب أو يطلبون منه تأليفاً في ذلك، وكان تأليف كتبه بالتماس أساتذته: كالشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد صاحب الرياض.

منزلة العلم واحترام المعلم عند الرازي

روى ياقوت الحموي في كتابه (معجم الأدباء) عن أبي طالب عزيز الدين (من أدباء وعلماء القرن السادس الهجري) قال: في اليوم الذي ورد الفخر الرازي إلى مرو كانت له منزلة كبيرة وصيت ذائع وأبهة عظيمة، حتى أن أحداً لم يكن يستطيع أن يقاطع كلامه، وكنت قد حضرت عنده للاستفادة منه.

فقال لي يوماً: أحب أن تكتب لي كتاباً في سلسلة الطالبيين (أولاد أبي طالب) حتى أقرأه، ولا أبقى جاهلاً في هذا الصدد.

فقلت له: تريد أن أرسمه على شكل مشجرات الأنساب أو أكتبه بشكل نثر؟

فقال: أريد شيئاً أتمكن من حفظه، وكتابة المشجرات لا تفي بهذا الغرض.

فقلت: سمعاً وطاعة! وذهبت وكتبت الكتاب بعد أن أسميته (الفخري) وجئت به إليه.

وبعد أن رأى الكتاب نزل من مسنده الشخصي وجلس على الحصير، وقال لي: اجلس أنت على هذا المسند.

فرأيت بجلوسي على المسند بحضوره فيه نوع من التجاسر، إلا أنه خاطبني بقوة وقال: اجلس في المكان الذي أقوله لك.

وعلى مهابته وبدون اختيار جلست في المكان الذي عينه لي، وجلس هو مقابلي، وقرأ الكتاب بحضوري، وكان يسأل مني بعض الكلمات غير المفهومة والصعبة حتى قرأ الكتاب بكامله عندي، ثم قال لي: الآن اجلس أي مكان تريده، لأن في هذا الكتاب علماً، وأنت في هذا العلم أستاذي وأنا تلميذك، وأتتلمذ في حضورك لأستفيد وليس من الأدب أن يبتعد التلميذ عن الأستاذ ولا يقابله، ويجلس بعيداً عنه أو فوقه. وبعد ذلك طلبت منه أن يجلس على مسنده، وأنا أجلس في المكان الذي جلس منه لأقرأ أنا عليه وأستفيد من علومه.

أسلوب الميرزا الشيرازي (رحمه الله) في أجوبة المسائل

أورد العلامة الأمين (رحمه الله) في (أعيان الشيعة) في شرح أحوال الميرزا حسن الشيرازي (قده) أنه قال: حينما يستفتى في مسألة يتوجه بنظره إلى أهل العلم الحاضرين في المجلس، ويسأل منهم واحداً واحداً: ما رأيكم في هذه المسألة؟

وهذه الطريقة لها فائدتان: الأولى: يضم هؤلاء إلى رأيه، ويستفيد من بعض النقاط التي لم تخطر على باله، والأخرى: إن ميزان القدرة العلمية للأشخاص تعرف بهذه الطريقة.

وهناك طريقة أخرى لدى الشيرازي (رحمه الله) وهي: أنه عندما يسأل أو يريد أن يريد أن يسأل أو يدخل مبحثاً، وقبل إعطاء الجواب أو الدخول في البحث أول ما يبدأ بكتابة المسألة والموضوع وما قيل فيه من النقض والإبرام، وقيل كان يجمع كل أسبوع هذه الكتابات ويطرحها في نهر دجلة، ولم نعلم ما العلة في عدم حفظ مثل هذه الأوراق المكتوبة، ولو حفظت لاستفيد منها، ومن الجائز أن تكون تلك الأوراق المطروحة في نهر دجلة غير متعلقة بالمسائل العلمية.

نِلْتَ ولم أنل

قال شقيق البلخي: كنت أحضر مع أبي يوسف القاضي مجلس أبي حنيفة، وبعد الفراغ من التحصيل افترقت عن أبي يوسف مدة ليست بالقصيرة، ولما قدمت بغداد رأيت أبا يوسف جالساً في مجلس الفتوى والقضاء، والناس مجتمعون حوله، فلما أبصرني عرفني، وقال لي: أيها الشيخ! ما الذي حملك على تغيير زيك؟ (حيث كنت لابساً السواد).


7

فقلت له: ما كنت تتوقع من طلب العلم قد نلته يعني الرياسة والمال والجاه ـ ومقصودي من طلب العلم ـ يعني المعرفة ـ لم أنله، فلبست السواد، وإذا أردت أن تعرف الرجل فانظر إلى ما وعده الله ووعده الناس، بأيهما يكون قلبه أوثق، فلما سمع أبو يوسف هذا الكلام بكى بكاءً شديداً.

توفيق صاحب الجواهر

قال صاحب (التكملة): كان للشيخ محمد حسن مؤلف الكتاب النفيس (الجواهر) من العمر خمسة وعشرون عاماً حين بدأ بتأليفه وقد نقل الشيخ الأجل فقيه العصر الشيخ محمد حسن آل ياسين الكاظمي عن صاحب (الجواهر) ما يرجع إلى سبب تأليف هذا الكتاب، قال: أمرني أستاذي صاحب (الجواهر) أن أسكن في الكاظمية مشغولاً بترويج الأحكام وتبليغ الإسلام، فعرضت على جنابه العالي أن يكتب برسالة إلى الحاج علي بن الحاج (محسن بوست فروش) التاجر المعروف في الكاظمية ليعيرني بعض مجلدات (الجواهر) التي بحوزته.

فلما سمع مني الشيخ هذا الكلام قال: سبحان الله! إن كتاب (الجواهر) بلغ إلى هذا الحد، وأن التجار يأخذون من نسخته ويراجعهم الناس؟ أقسم بالله يا ولدي! ما كنت أقصد في كتابي أن يكون يوماً بصورة كتاب، ولو كان لي قصد التصنيف والتأليف من الكتابة، أحببت أن يكون على غرار كتاب (رياض المسائل) للمير سيد علي الطباطبائي، وإنما كتبت (الجواهر) لنفسي.

يقول صاحب (التكملة): لما سمعت هذا الكلام من هذا الشيخ العظيم، قلت: سبحان الله كان تعجبي لما يرجع إلى كتاب (الجواهر) من جهتين، والآن قد زال تعجبي.

فقال الشيخ: ما كان تعجبكم وما هي العلة في إزالة هذا التعجب؟

قلت: أولاً: كيف أن المرحوم صاحب (الجواهر) قد حالفه التوفيق في كتابة كتاب بهذه العظمة من أول الفقه إلى آخره، مع أن العادة تقتضي أن يكون من الصعب لشخص واحد أن ينهض بهذا العبء. وثانياً: بالنسبة إلى محبوبية ومرغوبية الكتاب الذي راح بسرعة بين أهل العلم، فهم يطلبونه ويسعون وراءه، ولما سمعت هذا الكلام تبين لي أن الباعث في تأليفه لم يكن إلا رضى الله تعالى لا الرياء والتظاهر وطلب الدنيا وإبراز المرتبة العلمية والمقام، وهذا الخلوص في النية لهذا العالم الرباني كان السبب في موفقية هذا الكتاب ومحبوبيته.

يقول الشيخ الفقيه مهدي بن الشيخ علي: عندما كان صاحب الجواهر مشغولاً بكتابة (الجواهر) كان هناك علماء آخرون يتجاوز عددهم خمسة وعشرين كلهم كانوا مشغولين بهذا الموضوع (شرح (الشرائع) ) ولكن لم ينتشر لأحد منهم شيء.

العالم بين الأشرار

في أوائل حياة الآخوند الملا محمد تقي المجلسي (رحمه الله) وقبل أن يبلغ الشهرة، كان قد جاءه رجل من مريديه وقال له: إن جاري يضايقني، فتراه يجمع الفساق والأشرار في بيته ليلاً، ويقضي عيشه وعشرته بالرقص والشراب، فهل عندكم سبيل لإصلاحه؟

قال له الشيخ: ادعهم هذه الليلة إلى وليمة وسأحضر أنا أيضاً، فدعاهم الرجل لتناول طعام العشاء في بيته، فقال رئيس الأشرار: ما الذي حدث حتى تنضم إلينا؟

قال: هكذا حدث، فسر الأشرار وغمرهم الفرح والابتهاج بهذا الحدث لأنه أضيف واحد إلى حلقتهم ليزيد عددهم، وفي الليل دخل الآخوند المنزل قبلهم جميعاً وجلس في زاوية من المنزل، ثم جاء رئيس الأشرار يصحبه أتباعه فجلسوا فلما شاهدوا الآخوند في المجلس بدت عليهم علائم عدم الارتياح ولم يستطيبوا ذلك، لأن الآخوند من غير جنسهم، وبوجوده يكون عيشهم مراً، فأراد رئيسهم إخراج الآخوند من المجلس فالتفت إليه وخاطبه بالقول: الشيء عندكم أفضل أم الشيء عندنا؟

قال الآخوند: كل واحد منا يبين خواص ولوازم عمله، وعند ذلك يظهر أينا أفضل؟ فقال رئيس الأشرار: هذا الكلام منتهى الإنصاف، قال الرئيس إن من إحدى صفاتنا وخواصنا أننا لم نخن أحداً ممن أكلنا من زاده، فقال الآخوند: إنني لا أقبل هذا الكلام منك، قال رئيس الأشرار: وهذا مسلم عندنا، فقال الآخوند: ألم تأكل من طعام الله فلماذا تخونه؟

فلما سمع رئيس الأشرار هذا الكلام أخذ يتأمله وقام من مكانه دفعة واحدة وذهب وتبعه أصحابه بالخروج. فقال صاحب المنزل للآخوند: لقد ساء الوقف أكثر، واشتد حراجة، وهاهم خرجوا من المنزل بغضب وانزعاج، فقال الآخوند: أما والأمر قد بلغ إلى هذه الحال لنرى بعدها ماذا يكون؟

فلما أصبح الصبح جاء رئيس الأشرار إلى باب منزل الآخوند، وقال: إن كلاكم لي في الليل قد أثر بي تأثيراً بالغاً، فها أنذا قد تبت واغتسلت غسل التوبة، وجئتك لتعلمني مسائل الدين، وهكذا اهتدى بسبب تأثير نفس الآخوند محمد تقي المجلس (رحمه الله).


8

اختبار صفاء النفس

كان بين السيد محمد باقر الداماد والشيخ البهائي (رحمهما الله) خلطة تامة ومؤاخاة عجيبة قل ما يوجد نظيرها وقد نقل: أن السلطان شاه عباس الصفوي ركب يوماً إلى بعض مقاصده، وكان الميرداماد والبهائي أيضاً في موكبه لأنه كان لا يفارقهما غالباً، وكان السيد الداماد عظيم الجثة بخلاف الشيخ البهائي فإنه كان نحيف البدن في غاية الهزال.

فأراد السلطان أن يختبر صفاء الخواطر فيما بينهما، فجاء إلى السيد الداماد، وهو راكب فرسه في مؤخر الجمع وقد ظهر من وجناته الإعياء والتعب لثقل جثته، وكان جواد الشيخ البهائي في مقدم الجمع يركض كأنما لم يحمل عليه شيء.

فقال: يا سيدنا ! ألا تنظر إلى هذا الشيخ في مقدم الجمع كيف يلعب بجواده ولا يمشي على وقار بين هذا الخلق مثل جنابك المتأدب المتين؟

فقال السيد: أيها الملك! إن جواد شيخنا لا يستطيع أن يتأنى في جريه من شغف ما حمل عليه، لأنه يعلم من ذا الذي ركبه؟

ثم جاء إلى الشيخ البهائي وقال: يا شيخنا! ألا تنظر إلى ما خلفك كيف أتعب هذا السيد المركب، وأورده من غاية سمنه في العي والنصب، والعالم لا بد أن يكون مثلك مرتاضاً خفيف المؤونة؟

فقال: لا، أيها الملك! بل العي الظاهر في وجه الفرس من عجزه عن تحمل حمل العلم الذي يعجز عن حمله الجبال الرواسي على صلابتها.

فلما رأى السلطان المذكور تلك الألفة التامة والمودة الخالصة بين عالمي عصره، نزل من ظهر دابته بين الجمع، وسجد لله تعالى، وعفر وجهه بالتراب، شكراً على هذه النعمة العظيمة.

وحكايات سائر ما وقع أيضاً بينهما من المصادقة والمصافاة وتأييدهما الدين المبين بخالص النيات كثيرة، فأكرم بهما من عالمين صفيين ومخلصين رضيين.

سر الفراق

كان المقدس الأردبيلي (رحمه الله) يعيش لوحده في غرفة، وكان أحد طلاب المدرسة يرغب أن يكون مع المقدس في غرفة واحدة، وفي هذا الصدد تكلم مع الشيخ فرفض طلبه، وبعد أن زاد في إصراره والتماسه، أجاب الشيخ قائلاً: أوافق على ذلك بشرط أن لا تطلع أحداً على حالي وتظهر ما عندي، فوافق الرجل على ذلك وقضينا مدة معاً، حتى جاء زمان ابتلي فيه الاثنان بضيق المعاش ولم يظهرا لأحد ذلك الذي يعانيانه، حتى بدت عليهما آثار الضعف وعدم القدرة.

وفي أثناء ذلك مر رجل فرأى زميل الأردبيلي وقد علاه الضعف وسوء الحال فسأله فلم يجبه، فأصر عابر السبيل عليه بأن يبين له علته، فما كان من زميل الأردبيلي إلا أن يعلمه بالقضية ويفشي له بذلك، ويقول له: نحن طالبان من طلاب العلوم الدينية، لم نذق طعاماً لمدة طويلة، فلما اطلع هذا الشخص على حقيقة الأمر ذهب لإحضار الطعام، وجاء به مع مقدار من المال وأعطاه لزميل الأردبيلي وقال له: خذ نصفه، ونصفه الباقي لصاحبك.

فلما دخل المقدس الغرفة ورأى ذلك، سأل صاحبه: من أين وصل إلينا هذا؟ فنقل له صاحبه الحكاية التي جرت له مع عابر سبيل.

فقال المقدس: الآن حان وقت افتراقنا، ثم تناولا الطعام، وصادف أن احتلم المقدس تلك الليلة، فنهض مسرعاً وذهب إلى الحمام حتى لا تفوته صلاة الليل، فرأى الحمام مغلقاً فطلب المقدس من صاحب الحمام أن يفتح الباب مقابل أن يزيد له في الأجرة فلم يوافق على ذلك، فأخذ يضيف ويضيف على أجرة الحمام حتى وصل إلى قدر سهمه، ففتح صاحب الحمام الباب فأعطاه ذلك المبلغ فاغتسل وأدى صلاة الليل ثم افترق عن صاحبه، وبذلك نعرف أن من هذه العبادات والمجاهدات والرياضات حصلت له المقامات العالية حتى صار من أهل الكشف والكرامة.

التواضع وظيفة العلماء

كان زيد بن ثابت ـ من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قد صلى على جنازة، وبعد ذلك جيء إليه بركابه ليركب ويرجع إلى مكانه، فأخذ ابن عباس بركابه حتى يركب زيد.

فقال زيد: يا ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هل يمكنني ذلك؟ قال ابن عباس: أمرنا أن نتواضع للعلماء والكبار.

فأخذ زيد بيد ابن عباس وقبلها، وقال: وكذلك نحن أمرنا بأن نتواضع لأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

حب الدنيا عدو العلماء

عن أبي عبد الله (ع) قال: (كان لموسى بن عمران جليس من أصحابه قد وعى علماً كثيراً، فاستأذن موسى في زيارة أقارب له، فقال له موسى: إن لصلة القرابة حقاً، ولكن إياك أن تركن إلى الدنيا، فإن الله قد حملك علماً فلا تضيعه وتركن إلى غيره.


9

فقال الرجل: لا يكون إلا خيراً، ومضى نحو أقاربه، فطالت غيبته فسأل موسى عنه فلم يخبره أحد بحاله، فسأل جبرائيل عنه، فقال له: أخبرني عن جليسي فلان ألك به علم؟ قال: نعم، هوذا على الباب قد مسخ قرداً في عنقه سلسلة، ففزع موسى إلى ربه وقام إلى مصلاه يدعو الله ويقول: يا رب! صاحبي وجليسي، فأوحى الله إليه: يا موسى! لو دعوتني حتى تنقطع ترقوتك ما استجبت لك فيه، إني كنت حملته علماً فضيعه وركن إلى غيره).

الشيخ الأنصاري وقران من سهم الإمام (ع)

روى أحد أعاظم العلماء قال: عندما كنت بخدمة الشيخ الأكبر المرتضى الأنصاري (رحمه الله) في النجف الأشرف، رأيت في إحدى الليالي في المنام شيطاناً وبيده عدد من الأطواق وهو يذهب لحاله فقلت له: إلى أين تذهب؟ فقال: أريد أن أضع هذه الأطواق في أعناق أشخاص، كما وضعت أمس إحداها في عنق الشيخ الأنصاري من الغرفة حتى خارج الزقاق فسحبته بها إلا أنه تمكن من طرح الطوق في الزقاق.

ولما انتبهت من نومي تشرفت بخدمة الشيخ ونقلت له ما رأيته في المنام، فقال: صحيح ما قاله الشيطان، فهذا الملعون أراد أن يغريني أمس، حيث لم يكن عندي من المال شيء، وكان المنزل بحاجة إلى شيء، ففكرت في نفسي أن أستقرض قراناً ـ أصغر عملة إيرانية ـ من سهم الإمام (ع) وأصرفه في الحاجة وبعد ذلك أؤديه فأخذت القران وخرجت من المنزل إلى الزقاق ثم ندمت أثناء الطريق فرجعت إلى البيت وأرجعت القران إلى موضعه.

ومقتضى القاعدة أن أخذ الشيخ للقران لم يكن بنظره الشريف جائزاً.

زهد وورع الملا عبد الله التستري (رحمه الله)

كان المولى الفاضل التقي الورع المتقي الملا عبد الله التستري يقول لابنه وهو يعظه: يا بني إني بعدما أمرني مشايخي (رضوان الله عليهم) بجبل عامل بالعمل برأيي ما ارتكبت ـ مباحاً ـ حتى الأكل والشرب، وكان يعد ذلك بأصابعه، وهو (رحمه الله) أصدق من أن يتوهم في مقاله غير محض الحقيقة.

وكأن ما يوجد في بعض المواضع من أن بعض العلماء، كان يقول: لم يصدر مني منذ ثلاثين سنة إلى الآن، غير الواجب والمندوب شيء من الأحكام الخمسة، أيضاً يشير إلى هذا العالم الكبير.

وروى: أنه جاء يوماً إلى زيارة الشيخ البهائي (رحمه الله)، فجلس عنده ساعة إلى أن أذن المؤذن، فقال الشيخ: صل صلاتك هاهنا حتى نقتدي بك ونفوز بثواب الجماعة، فتأمل ساعة، ثم قام ورجع إلى المنزل، ولم يرض بالصلاة جماعة هناك، فسأله بعض أحبته عن ذلك، فقال: أنك مع غاية اهتمامك بالصلاة في أول الوقت كيف لم تجب الشيخ إلى مسؤوله؟! فقال: راجعت نفسي سويعة، فلم أر نفسي لا تتغير بإمامتي لمثله، فلم أرض بذلك.

ونقل أيضا أنه كان يحب ولده المولى حسن علي كثيراً، فاتفق أنه مرض مرضاً شديداً فحضر المسجد لأداء صلاة الجمعة مع تشتت حواسه، فلما بلغ في سورة المنافقين إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله جعل يكرر ذلك، فلما فرغ سألوه عن ذلك؟ فقال: إني لما بلغت هذا الموضع تذكرت ولدي، فجاهدت مع النفس بتكرار هذه الآية إلى أن فرضته ميتاً وجعلت جنازته نصب عيني، ثم تلوت ما بعدها.

وكان من عبادته أنه لا يفوت منه شيء من النوافل، وكان يصوم الدهر، ويحضر عنده في جميع الليالي جماعة من أهل العلم والصلاح وكان مأكوله وملبوسه على أيسر وجه من القناعة، ونقل أنه اشترى عمامة بأربعة عشر شاهياً وتعمم بها أربع عشرة سنة، وكان مبجلاً للغاية عند الناس.

دعاء الحاج ملا أحمد النراقي (رحمه الله)

روي أن المرحوم الحاج ملا أحمد النراقي قد طرد حاكم كاشان، لظلمه وسوء استعماله السلطة، مما أدى بالسلطان فتح علي شاه أن يستدعي الملا أحمد إلى كاشان وخاطبه بلهجة قاسية مفادها: أنكم تتدخلون في شؤون السلطنة وفي أمور الدولة مما يؤدي إلى الإخلال بالأمن.

فرفع النراقي (رحمه الله) يديه إلى السماء وقال: إلهي! إن هذا السلطان ظالم قد نصب حاكماً ظالماً على الناس، وأنت تعلم أني ما أخرجت هذا الحاكم من البلد إلا لرفع الظلم، والآن هذا السلطان الظالم يؤنبني على ما قمت به.


10

فتحول فتح علي شاه من مكانه، وأمسك بيد النراقي وأنزلها إلى الأرض، وأخذ يعتذر للملا أحمد، وأرسل السلطان حاكماً لكاشان أفضل من الذي طرده النراقي وكان السلطان حذراً من أن يستجاب دعاء النراقي (رحمه الله) .

الميرزا محمد تقي الشيرازي لا أحد يخدمه

روى الشيخ عبد الكريم الحائري (رحمة الله عليه): أن المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمه الله) الذي كان من كبار مراجع الدين وقد قاد الثورة ضد الكفار وأخرجهم من العراق لم يكن من عادته أن يكلف أحداً بخدمته، حتى أنه مرض في أحد الأيام، وجاء أهله إليه بالطعام ووضعوه عند باب غرفته وذهبوا، وحيث أنه كان مريضاً لم يتمكن من النهوض، ولما ذهب أهله خارج المنزل وعادوا وجدوا أن الطعام الذي قدموه إليه على حاله، لأنه (رحمه الله) فكر في نفسه أنه إذا أراد أن يتناول الطعام فلا بد أن ينادي أحد أولاده ليساعده في تقديمه إليه، وهذا ليس من طبعه وأخلاقه.

عزة نفس السيد الرضي

كان السيد الرضي محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي عالي الهمة شريف النفس، لم يقبل من أحد صلة ولا جائزة، أما الملوك من بني بويه فإنهم اجتهدوا على قبوله صلاتهم فلم يقبل، وكان يرضى بالإكرام وصيانة الجانب وإعزاز الأتباع والأصحاب.

حكى أبو إسحاق الصابي قال: كنت عند الوزير أبو محمد المهدي ذات يوم فدخل الحاجب واستأذن للشريف الرضي (رحمه الله) وكان الوزير قد ابتدأ بكتابة رقعة فألقاها ثم قام كالمندهش حتى استقبله من دهليز الدار، وأخذ بيده وأعظمه وأجلسه في دسته، ثم جلس بين يديه متواضعاً، وأقبل عليه بجميعه.

فلما خرج الرضي خرج معه وشيعه إلى الباب ثم رجع، فلما خف المجلس قلت: أيأذن الوزير لي ـ أعزه الله تعالى ـ أن أسأله عن شيء؟ قال: نعم، وكأنك تسأل عن زيادتي في إعظام الرضي؟ فقلت: نعم، أيد الله الوزير.

فقال: بلغني ذات يوم أنه ولد له غلام، فأرسلت إليه بطبق فيه ألف دينار فرده، وقال: قد علم الوزير أني لا أقبل من أحد شيئاً فرددته، وقلت: إني إنما أرسلته للقوابل فرده ثانية، وقال: قد علم الوزير إنا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة، وإنما عجائزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا، ولسن ممن يأخذن أجرة ولا يقبلن صلة، فرددته إليه، وقلت: يفرقه الشريف على ملازميه من طلبة العلم، فلما جاءه الطبق وحوله الطلبة، قال: هاهم حضور فليأخذ كل أحد ما يريد.

فقام رجل وأخذ ديناراً فقرض من جانبه قطعة وأمسكها ورد الدينار إلى الطبق، فسأله الشريف عن ذلك، فقال: إني احتجت إلى دهن السراج ليلة ولم يكن الخازن حاضراً، فاقترضت من فلان البقال دهناً، فأخذت هذه القطعة لأدفعها إليه عوض دهنه، وكان طلبة العلم الملازمون للشريف الرضي في دار قد اتخذها لهم سماها (دار العلم) وعين لهم فيها جميع ما يحتاجون إليه. فلما سمع الرضي أمر في الحال أن يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد الطلبة ويدفع إلى كل منهم مفتاح ليأخذ ما يحتاج إليه، ولا ينتظر خازناً يعطيه، ورد الطبق على هذه الصورة، فكيف لا أعظم من هذه حاله؟

عيسى (ع) كان يركب الحمار حافياً

وصل الخبر يوماً أن الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) يريد أن يدخل مدينة بغداد، فأعلن أهالي بغداد التعطيل العام لاستقبال الشيخ، وكان من جملة المستقبلين السفير الإيراني في بغداد، وكانت مشاركة السفير إما رغبة أو تصنعاً وفي هذه الأثناء دخل عليه أحد السفراء الأجانب، وفهم أن السفير الإيراني كان ينوي الذهاب إلى مكان ما فسأله: إلى أين تريد أن تذهب؟ فأجاب قائلاً: أذهب لاستقبال أحد علماء الشيعة يريد أن يدخل هذه المدينة، ففهم السفير الأجنبي من التعطيل العام للأسواق أن هناك واقعة مهمة، فأظهر الميل والرغبة في أن يصاحب السفير الإيراني للمشاركة في الاستقبال المذكور، فركبا ومضيا من بين الناس، وبسرعة استطاعا أن يتقدما أمام الناس بانتظار موكب الشيخ الجليل، وفجأة رأيا شيخاً راكباً على حمار وبدون تشريفات متوجهاً إلى بغداد، ففكر السفيران في نفسيهما أن هذا المسافر غريب، ومن غير الممكن أن يكون هو الشيخ المقصود، ولما لم يعرف السفير الإيراني ومن معه الشيخ الأنصاري مروا عليه بدون أن يعيروه اهتماماً أو ترحيبا، ولم تمض لحظات حتى وصل الشيخ واقترب من المجتمعين وتعالت الأصوات بالصلوات والسلام وغمرهم الفرح والسرور، وجاء الناس إليه كالبحر المواج وأحاطوا به، وعلم السفيران أن هذا الشيخ البسيط هو مرجع تقليد المسلمين الذي يقبل الناس يديه ورجليه.


11

فاندهش السفير الأجنبي وسأل السفير الإيراني: إن هذا الرجل الذي له هذا النفوذ والمحبوبية عند الناس ما موقعه وعنوانه؟

فقال السفير الإيراني: إن مثل هؤلاء الأشخاص يسمونهم حجة الإسلام ومرشد المسلمين. فقال السفير الأجنبي: هذا هو الحق بعينه، سمعت أن عيسى (ع) مع تلك العظمة والمكانة التي كانت له كان يمشي راجلاً ويركب الحمار حافياً، إلا أني لم أكن أتصور ذلك، ولكن اليوم برؤيتي هذا الشيخ الجليل حصل لي اليقين بأن ما سمعته من سيرة الأنبياء (ع) صحيح وواقع.

الوحيد البهبهاني والزهد

ولد الآقا محمد باقر بن المولى محمد أكمل الأصفهاني البهبهاني الحائري سنة (1118 هـ) في أصفهان بعد وفاة خاله العلامة المجلسي بخمس أو ست سنين، وقد جاء في (نخبة المقال) هذا الشعر:

والبهبهـــانـــي معــلــــم البشـــر
مــجــدد المــــذهب الثاني عشر

أزاح كـــل شبـــــهـــــــة وريـــب
فبان للميلاد (كنه الغـــيب 1118)

وقطن برهة في بهبهان ثم انتقل إلى كربلاء ـ شرفها الله ـ وكان ربما يخطر بخاطره الارتحال منها إلى بعض البلدان لتغير الدهر وتنكد الزمان، فرأى الإمام الحسين (ع) في المنام يقول له: (لا أرضى لك أن تخرج من بلادي) فجزم العزم على الإقامة بذلك البلد، وقد كانت بلدان العراق سيما المشهدين الشريفين مملوءة قبل قدومه من الجاهلين والقاصرين، حتى أن الرجل منهم كان إذا أراد حمل كتاب من كتب الفقهاء حمله مع منديل، وقد أخلى الله البلاد منهم ببركة قدومه، واهتدى المتحيرون في الأحكام بأنوار علومه، وبالجملة كل من عاصره من المجتهدين فإنما أخذ من فوائده واستفاد من فرائده، وله مصنفات رشيقة وتحقيقات أنيقة، وقد تخرج على يديه أعيان العلماء وأساطين الفضيلة، أمثال: السيد بحر العلوم، وصاحب الرياض، والميرزا القمي صاحب (القوانين)، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والميرزا مهدي النراقي، والميرزا مهدي الشهرستاني، والميرزا مهدي الخراساني، وغيرهم من أعاظم العلماء.

وكان سلطان الوقت محمد خان قد أمر أن يكتب قرآن بخط الميرزا التبريزي وأن يكون جلده من الياقوت والماس والزبرجد وسائر الأحجار الثمينة، وزين الإطار بقيمة عالية، وأرسله إلى الشيخ الوحيد البهبهاني بمعية بعض الشخصيات والوزراء، فلما طرق بابه جاء الوحيد بنفسه ففتحه، فسلموا عليه وقالوا: إن السلطان قد بعث إليكم هذا القرآن.

فقال لهم الوحيد: ما هذه المجوهرات التي صرفت على هذا القرآن؟ اقلعوها وتصدقوا بها على الفقراء والمساكين.

فقالوا: القرآن بخط التبريزي وقيمته عالية، خذه واقرأه.

فقال: كل من أتى بالقرآن يأخذه ويحتفظ به ويقرأه، وبهذا الكلام قد سد عليهم الطريق فرجعوا من عنده.

يقول جمال الدين البهبهاني: وهو من تلامذة الوحيد ـ في (التحفة الرضوية): إن زهد الآقا محمد باقر لا يوصف، فقد كان يلبس اللباس الخشن وغالباً ما كانت زوجته هي التي تقوم بحياكتها، ولم يلتفت إلى الأقمشة الثمينة وأمتعة الدنيا.

زهد الشيخ المرتضى

كان الشيخ الأنصاري المرجع الأعلى للشيعة، ولكنه عاش كأحد الطلبة الفقراء.. ومات كأحدهم، قال أحد الأشخاص للشيخ يوماً: أيها الشيخ! إنك تعمل عملاً عظيماً حيث تأتيك هذه الحقوق الشرعية الكثيرة دون أن تتصرف فيها.

فقال الشيخ: لا يوجد هنالك شيء مهم، فالحد الأعلى لعملي أنه مثل عمل أصحاب الحمير في كاشان، حيث يحملون أمتعة الناس إلى مقاصدهم، في مقابل المبلغ الذي يتقاضونه منهم، فهل رأيت هؤلاء قد خانوا أموال الناس؟ فقال: كلا، لأن هؤلاء أمناء الناس.

فقال الشيخ: ونحن هكذا أمناء الناس ولا نستطع أن نتصرف في هذه الحقوق التي تأتينا لمنافعنا الشخصية.

هكذا كانوا عازفين عن الدنيا

كانت ضياء السلطنة.. إحدى بنات السلطان فتح علي ـ ذات مال وجمال وكمال ـ فالتمس أبوها من المرحوم الآخوند الملا حسن اليزدي صاحب (مهيج الأحزان) أن يزوج ابنته ـ ضياء السلطنة ـ من ابنه، فرفض الآخوند طلبه واعتذر له: بأننا رعايا لا يليق أن تكون بنات السلاطين في بيوتنا.

ثم طلب السلطان فتح علي من الميرزا القمي صاحب (القوانين) أن يزوج ابنه من إحدى بنات السلطان، وبعد انتهاء مجلس الطلب أخذ الميرزا يدعو الله تعالى أن يعجل بموت ابنه لكي لا تصح بنت السلطان زوجة لإبنه، وبعد أن أتم الميرزا دعاءه غرق ابنه ومات وقيل مرض ولم يدم مرضه أكثر من ثلاثة أيام حتى توفي.

وبعد وفاة السلطان فتح علي، سافرت ضياء السلطنة إلى العتبات المشرفة في العراق، وأرسلت إلى المرحوم السيد محمد مهدي بن السيد علي الطباطبائي صاحب ( رياض المسائل) وطلبت منه أن يختارها زوجة له، فامتنع السيد المذكور من طلبها، ثم التمست بنت السلطان من الشيخ محمد حسين صاحب (الفصول) أن يتزوجها فلم يوافق الشيخ علي على رجائها، ثم أرسلت إلى السيد إبراهيم الموسوي القزويني صاحب (ضوابط الأصول) وطلبت منه التزويج بها، فأجابها: إن مصارف بنات الملوك والسلاطين عالية جداً، وليس بمقدورنا ذلك، ونحن نعيش الفقر والفاقة، فأرسلت إليه ثانية: بأني لم أطالبك بأي مصرف، بل أن مصارفك ومصارف أهلك أقوم أنا بتكفلها؟ والمقصود أن يبقى اسمك فقط على رأسي، فامتنع السيد أيضاً من الاستجابة لطلبها.


12

هل أنت كما يدل عليه ظاهرك؟

كان الحاج الميرزا مسيح الطهراني من كبار علماء طهران وحاكم الشرع في وقته، وفي أحد الأيام كان راكباً حماره وقد عبر الشارع فاتبعته امرأة فاحشة وقالت له: يا حاج ميرزا مسيح! الكل يعرف أني امرأة بهذا الشكل فهل أنت بهذا الشكل كما يدل عليه ظاهرك؟

قيل: إن هذا الكلام قد تأثر به الحاج ميرزا مسيح، حتى لم يخرج من بيته مرة، ولم يتدخل في شؤون الناس والقضاء بينهم.

وينقل مثل ذلك عن امرأة بذيئة قالت للآخوند الخراساني مثل هذا الكلام.

ناصر الدين شاه في منزل الملا السبزواري

روى الراوي في سفر الشاه إلى المشهد المقدس قال: كان يستقبلنا أهالي كل مدينة ندخل إليها، وعندما نغادرها يقوم أهاليها بتوديعنا، وفي شيراز جاءوا لاستقبالنا باستثناء الملا هادي مع أن استقبالنا كان سهلاً، ولم يتأثر الشاه من ذلك الموقف واعتبره مسألة عادية، ولما كان الشاه يعرف الملا هادي، فقد عين وقتاً وبصحبة أحد الخدمة ذهب إلى منزل الحاج ملا هادي وكان الوقت نهاراً، وبعد تدارس الأمور، قال الشاه: إن الله العالم تفضل علي بنعم كثيرة، وعلي أن أشكره على كل نعمة أولاني بها، فأرجو منكم أن تؤمن لي خدمة أقوم بها حتى أؤدي شكر نعمة السلطنة.

فأظهر الحاج الملا هادي استغناءه وعدم احتياجه، ولم يؤثر فيه إصراره، حتى اقترح علي قائلاً: سمعت أن لك أرضاً زراعية، فأرجو منكم أن تقبلوا إعفاءها من الرسوم والضرائب المالية، فرد هذا الاقتراح بعذر وقال: إن الضرائب المالية للدولة وفي كل بلد، قد اتخذت بصورة قطعية لا تقبل التغيير، وإذا أنا (هادي) لم أعط ضريبة سيقطع المسؤولون على الضرائب مقدارها من سائر آحاد الرعية، ومن الممكن أن تلحق بامرأة أرملة أو يتيم، وأنت لا ترضى أن يلحق إعفائي من الضريبة ضرراً بامرأة لا معيل لها أو بطفل يتيم.

قال الشاه: نريد أن نأكل معكم طعامكم فأمر الملا هادي خادمه بتقديم الغذاء، فجاء الخادم بطبق فيه عدد من أقراص الخبز واللبن والملح وبعض الملاعق ووضعه أمامنا، وذهب لحاله، فابتدأ الملا هادي بتقبيل أقراص الخبز، وأخذ يشكر الله كثيراً من صميم قلبه، وبعد ذلك أخذ يقطع الخبز ويضعه في اللبن، ووضع ملعقة أمام الشاه وقال: أيها السلطان! كل إنه خبز حلال من زراعة وأتعاب هاتين اليدين، فأكل الشاه منه ملعقة واحدة فقط لأنه وجد أن الاستمرار في أكل هذا الشيء خارج عن نطاق قدرته، وبعد الاستئذان أخذ الشاه بيده بقية الأقراص وأعطاها للخادم واحتفظ بها لأفراد العائلة ليستشفوا بها عند الإصابة بالمرض وقمنا ونحن في عجب من زهد هذا العالم بعدم رغبته في الدنيا.

يوجد هناك من هو أعلم مني

كان الشيخ محمد حسن صاحب (الجواهر) يطوي اللحظات الأخيرة من عمره الشريف، وكان يحيط به جميع الفقهاء وكبار أهل العلم وهم يفكرون في مصير المرجعية ومن يخلفه، ففتح عينيه ونظر إلى الجموع الملتفة حوله وقال: أين بقية العلماء؟

فقيل له: كلهم موجودون في خدمتكم، فقال: أين الملا مرتضى؟ فذهب جماعة امتثالاً لأمر الأستاذ للبحث عن الشيخ الأنصاري فوجدوه في حرم أمير المؤمنين (ع) فقالوا له: لماذا تركت الأستاذ في هذا الوقت؟

فقال: جئت أدعو له بالشفاء، وأخيراً جيء بالشيخ الأنصاري إليه، وبعد السلام والسؤال عن الحال جلس، فالتفت صاحب (الجواهر) إلى الحاضرين وقال: إنه الذي يصلح للزعامة بعدي والتفت إلى الشيخ وقال: أيها الشيخ! قلل من احتياطك في المسائل ـ وكان الأنصاري يحتاط كثيراً ـ فأجاب الشيخ: أنا لا أصلح لزعامة الدين، فلما سمع العلماء هذا الجواب من الشيخ الأنصاري تعجبوا، وسألوا الشيخ نفسه عن السبب في انصرافه عن هذا الأمر الخطير؟

فقال: هناك من هو أجدر وأليق مني بهذا الأمر، قالوا: لا نعرف أحداً غيرك، فقال الشيخ الأنصاري: نعم، إن الأستاذ سعيد العلماء المازندراني أفضل مني وأعلم وأفقه، وهو الآن موجود في إيران، لأني رأيته في كربلاء في درس المرحوم شريف العلماء، وأنا أدري أنه أعلم مني، فكتب الشيخ الأنصاري إلى سعيد العلماء وطلب منه أن يقبل المرجعية والزعامة الحوزوية، فلما وصلت الرسالة إلى سعيد العلماء، كتب في جوابها:نعم، إن ما ذكرت وكوني أعلم منك في زمان حضورنا درس شريف العلماء صحيح، أما الآن فإنك متفوق علي، لأني تركت المباحثة لسنوات طويلة، كما أني انشغلت بأمور الناس والتدخل في حل وفصل قضاياهم، وأنت أدمت التحصيل بحضور الأساتذة، فعلى هذا أنت أعلم مني.


13

فلما وصل جواب الرسالة إلى الشيخ الأنصاري أخذ يبكي لعظم المسؤولية التي أنيطت به، وتوجه إلى الحرم المطهر لأمير المؤمنين (ع) واستغاث به ليعينه على تأدية هذا الأمر الخطير على أحسن وجه.

هذا الشيخ أكثر كفاءة مني للتدريس

كان المرحوم آية الله السيد حسين الكوه كمري من تلامذة صاحب (الجواهر) وكان مجتهداً مشهوراً ومعروفاً، وكان ـ على طبق المتعارف ـ يدرس في ساعة معينة في إحدى مساجد النجف الأشرف، وفي أحد الأيام جاء قبل الوقت المقرر للدرس فجلس في المسجد حتى يجتمع الطلاب، ولكن رأى في إحدى زوايا المسجد شيخاً جالساً مع بعض الطلاب، وهو يقوم بتدريسهم.

فأخذ السيد حسين يستمع جيداً إلى كلام هذا الشــــيخ ومع كمال التعجب أحس بأن هذا الشيخ محقق كبير، فجاء في اليوم الثاني عمداً وقبل وقت درسه وجلس جانباً من المسجد يستمع جيداً إلى درس الشيخ، وبعد أيام تيقن أن هذا الشيخ أفضل منه في التدريس، ولو أن طلابه حضروا درس هذا الشيخ لكانت استفادتهم أكثر.

وفي اليوم التالي وعندما جاء الطلاب واجتمعوا حوله قال لهم: أريد اليوم أن أقول لكم مطلباً جديداً، إن هذا الشيخ الجالس في زاوية من المجلس وهو يعطي الدرس أراه أكفأ مني في التدريس فلنذهب سوية إلى درسه، ومن ذلك اليوم أصبح من حضار درس الشيخ.

كان هذا الشيخ هو الشيخ المرتضى الأنصاري الذي عرف فيما بعد، ولقب بأستاذ المتأخرين، وكان الشيخ في ذلك الوقت قد جاء من السفر تواً، بعد أن زار ولسنوات طويلة كلاً من: مشهد وأصفهان وكاشان.

السيد بحر العلوم (رحمه الله) يختبر المرحوم النراقي (رحمه الله)

ينقل أن المرحوم الملا مهدي النراقي ـ وكان متبحراً في كثير من العلوم وقد ألف كتاب ( جامع السعادات) في علم الأخلاق وتزكية النفس ـ كان قد أرسل نسخة من كتابه المذكور إلى السيد بحر العلوم في النجف الأشرف، ومن ثم سافر بنفسه إلى زيارة العتبات المشرفة ودخل النجف، فجاء العلماء إليه تجليلاً لمكانته السامية، إلا أن السيد بحر العلوم امتنع عن المجيء لزيارته، ولم تمض أيام حتى قام المرحوم النراقي بزيارة السيد بحر العلوم، إلا أن السيد لم يعر اهتماماً كبيراً به، ومرة أخرى قام السيد النراقي بزيارة بحر العلوم في بيته وأمضى معه ساعة من الوقت، وهذه المرة لم تكن بأفضل من سابقتها حيث إن بحر العلوم لم يهتم اهتماماً كبيراً بالنراقي، فرجع النراقي إلى منزله، ومرة أخرى زار النراقي بحر العلوم دون أن يفكر بأنه لا فائدة مرجوة من اللقاء ببحر العلوم و.. و.. وهذه هي المرة الثالثة، فما أن وصل منزل السيد وطلب الاستئذان، حتى خرج إليه بحر العلوم حافياً لاستقباله واحتضنه وقبله وأدخله المنزل بكل احترام وتجليل، وبعد أداء الاحترام قال السيد مخاطباً النراقي: كتبتم كتاباً في الأخلاق وتزكية النفس وأهديتمونا نسخة منه، وأنا قد طالعت الكتاب من أوله إلى آخره بكل دقة وإمعان، والحق يقال: أنه كتاب يقل نظيره، ومفيد جداً، وأما السبب في عدم مجيئي لزيارتكم واستقبالكم منذ ورودكم إلى النجف، وعدم الاهتمام اللائق بشأنكم عند زيارتكم لنا في المنزل، كل ذلك قمت به عمداً، لأطلع على أنك عامل بما كتبت، أو لا؟ فظهر لي أنك في أعلى درجات تزكية النفس، وأنت بنفسك كتاب أخلاق، تهدي الآخرين بأخلاقك، وليس بكتابك فحسب.

قناعة الخليل بن أحمد الفراهيدي

كان الخليل بن أحمد الفراهيدي من أفضل الناس في الأدب، وقد اخترع علم العروض، وكان صدوقاً عالماً عابداً، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إمامي المذهب، روى عنه النضر قال: كان منزله في البصرة وكان يسكن في غرفة من الحصير، ولم يملك قرشاً أسود، وقد تخرج على يديه الكثير من أهل العلم والأدب وكان تلامذته من أصحاب الأموال، وكان زهده غير قابل للوصف، حتى نقل عنه : أن أحد الملوك طلب منه أن يؤدب أولاده، فأرسل له رسولاً فرآه وبيده قطعة من الخبز اليابس ليأكلها، فقال للرسول: ارجع إلى الذي بعثك وقل له: مادام تصلني أمثال هذه القطعة من الخبز اليابس فلا حاجة لي بك، ولم يذهب إلى الأمير.

وعن سفيان بن عيينة أنه قال: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك، فلينظر إلى الخليل بن أحمد.


14

وكان النضر بن شميل بن خرشة البصري ـ الذي هو من كبار أصحاب الخليل ـ يقول: ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من الخليل بن أحمد، ويقول: أكلت الدنيا بأدب الخليل وكتبه، وهو في خص لا يشعر به.

وقال أبو عبيده: ضاقت المعيشة على الخليل بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو إخباري، فلما صار بالمربد قال: يا أهل البصرة: يعز علي فراقكم، والله لو وجدت كل يوم كليجة باقلا ما فارقتكم، قال: فلم يكن فيهم من يتكلف ذلك. وكان الخليل كثيراً ما ينشد عن الأخطل هذا البيت:

وإذا افتــقرت إلى الذخائـــر
لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال

ورع المرحوم الميرزا محمد حسن الشيرازي

ذكر المرحوم السيد محسن الأمين في شرح أحوال الميرزا الشيرازي (قدس سره) صاحب قضية (التنباك) قال: كان يكتب بخطه الجميل الحوالات المالية لمساعدة المحتاجين في ورقة لا تتجاوز كف اليد، وكان يختمها بختمه الشريف، ولم يكن يترك مكاناً خالياً لإضافة شيء، وقد سئل عن ذلك؟ فقال في الجواب: مصرف الورق أكثر من هذا إسراف، ومن جهة أخرى، عندما تمتلئ الورقة لا يكون بمقدور أحد أن يضيف شيئاً إليها.

وكان الميرزا قانعاً في لباسه ومعاشه وأموره الأخرى، وكان يتعيش هو وعائلته من أملاكه الموروثة في شيراز، وغالب تلك الأموال كان يقوم بتقسيمها بين الفقراء والطلاب وفي الأمور الخيرية.

ونقل أحد الذين كان مطلعاً على أحواله قال: إن الميرزا كان يجمع عيدان الكبريت التي يستعملها في إشعال التبغ نهاراً ويستفيد منها ليلاً بعد أن يقربها من شعلة الفانوس.

وإذا كان يسمع عن أحد من أهل العلم مطلباً خلاف العدالة، فكان موقفه منه أنه لا يسأل عن حاله عندما يدخل عليه، ويكتفي بهذا. وطلب منه أن يكتب لأحد المعروفين بالفضل إجازة اجتهاد، فامتنع من ذلك، فقيل له: أتشكون في اجتهاده؟ قال: لا، ولكن لا تعطى الإجازة لكل مجتهد، وليس كل مجتهد يعطي الإجازة ـ قيل: وكان ذلك الشخص بدون تدبير.

من المقامات العملية للشيخ الأنصاري

كان الشيخ مرتضى الأنصاري يتأخر في بعض الأيام عن التدريس، ولما سئل عن السبب في ذلك؟

قال: كان أحد السادة يرغب في تحصيل العلوم الدينية، واقترحت على البعض أن يقوم بتدريسه المقدمات إلا أنه اعتذر عن ذلك، ولهذا السبب اضطررت أن أقوم بتدريسه بنفسي.

ونقل أنه قال أحد الأشخاص للشيخ: إن الميرزا الشيرازي يشرب الشاي ـ وكان غرضه السعاية حتى يقلل الشيخ من مرتبه الشهري ـ، فقال له الشيخ: رحمك الله، لقد ذكرتني أمراً، وكنت عنه غافلاً، ثم طلب من خادمه الملا رحمه الله أن يكثر من المرتب الشهري لذلك الطالب بمقدار مصارف الشاي، حتى يتفرغ إلى تحصيل العلم ويستمر عليه.

ونقل الآقا الشيخ منصور ـ سبط الشيخ الأنصاري ـ عن والده المعظم قال: رأى أحد أجلة العلماء في المنام أنه دخل في مجلس كبير، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شرف ذلك المجلس، وكان أئمة الهدى (ع) واحداً بعد الآخر على جهته اليمنى وهم جالسون، وعلماء الإمامية بحسب الزمان في الجهة اليسرى من تلك الحضرة الشريفة وهم جالسون، وفي تلك اللحظة رأيت الشيخ الأنصاري قد دخل، وأراد أن يجلس خلف أستاذه، ولكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره أن يجلس مع حضرة ولي العصر (أرواحنا فداه) فاعتذر الشيخ، فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك ثانية، فأجاب الشيخ وجلس بجنب الإمام الحجة (عج).

فسأل بعض الحضور عن السبب؟

فقال (ص): (كان في حياته يبدي نهاية الاحترام لأولادي، ولم يكن احترام الآخرين مثل احترامه).

تعهد بالعبادة الاستيجارية لسنتين

قال صاحب (لؤلؤة الصدف): حكى أحد أعاظم العلماء للمؤلف أنه ذهب إلى الشيخ الأنصاري وقال له: إن أحد السادات من فضلاء الحوزة مضطر جداً وزوجته على وشك أن تضع حملها، فتفضل بمساعدته.

فقال الشيخ: ليس عندي شيء، إلا ما كان من مقدار وجه لعبادة استيجارية ـ صلاة أو صوم ـ لسنتين، وهذا يكفيه للتغلب على حاجاته.

فقلت له: إن فلاناً من السادات، وليس من أهل العبادة الاستيجارية، علاوة على ذلك أنه شديد العلاقة بالدرس، وهذا العمل يكون مانعاً من مواصلة دروسه.


15

فتأمل الشيخ جيداً وقال: خذ هذا المبلغ عن عبادة استيجارية لمدة سنتين له وأنا أقضيها عن الميت، فأخذ هذا العمل على عهدته رغم مشاغله الكثيرة.

وأيضاً قال السيد علي الدزفولي المعروف بالسيد المحتاط ـ لكثرة احتياطاته ـ: لما غلب علي الفقر في النجف الأشرف، ذهبت إلى الشيخ الأنصاري وأخبرته عن حالي، فقال لي: ليس عندي شيء، ولكن اذهب إلى الشخص الفلاني وقل له: أن يعطيك سنتين صلاة وخذ أجرتها لك، وأنا أقضي الصلاة بدلك عن الميت.

امتناع السيد بحر العلوم عن التدريس

روى الآخوند الملا زين العابدين السلماسي ـ وكان من أبرز تلامذة السيد مهدي بحر العلوم ـ أن السيد بحر العلوم (رحمه الله) كان يطوف شوارع النجف ليلاً ويطعم الفقراء. وبعد أيام قام بتعطيل الدرس، فشفعني الطلاب إليه ووسطوني أن أسأله عن السبب في تعطيل درسه؟

فقال السيد: لا أدرس بعدئذ.

ولم تمض أيام حتى وسطني الطلاب مرة أخرى عن السبب في تركه التدريس؟

فجئت إليه ونقلت له ما عرضه الطلاب.

فقال السيد: لم أسمع قط من هؤلاء الطلاب صوت التضرع ومناجاة الله بصوت عال في منتصف الليل، مع أني في أغلب الليالي أطوف شوارع النجف، فمثل هؤلاء الطلاب لا يستحقون أن أقوم بتدريسهم.

فلما سمع الطلاب هذا الكلام أخذوا يتضرعون ويناجون، وارتفعت أصواتهم ليلاً في المناجاة والبكاء، فرجع السيد بحر العلوم (رحمه الله) إلى التدريس.

ترك الرئاسة وسكن في إحدى القرى للتبليغ

كان المرحوم الميرزا الشيرازي الكبير في المجلس، وفي الأثناء دخل المجلس رجل روحاني، فقام له الميرزا وأبدى له احتراماً وإكراماً كبيراً، الأمر الذي جلب انتباه الحاضرين وأثار تعجبهم لهذا الموقف، فسألوا عن سبب ذلك؟

فأجاب الميرزا (رحمه الله): أنا وهذا الشخص الروحاني كنا زميلين في الدرس وشريكين في المباحثة، وبعد أن نال درجة الاجتهاد أراد الهجرة إلى وطنه ليكون مرجعاً لأهلها، وفي أثناء الطريق شاهد قرية ـ ظاهراً تقع في أطراف كرمانشاه ـ ويدين أهل هذه القرية بالغلو ويعتبرون الإمام علي بن أبي طالب (ع) إلهاً، فوجد هذا العالم الكبير أن الواجب الشرعي يحتم عليه أن يبقى في هذه القرية ليهدي أهلها للرشاد، فترك الرئاسة وبقي في هذه القرية، وأعلن في المسجد مخاطباً أهل القرية:

أيها الناس! أنا أستاذ ومعلم لأولادكم، وأجرتي هي إمرار المعاش، وبهذا النحو تمكن أن يجلب عدداً كبيراً من الأطفال، وأصبح مشغولاً بتعليمهم القراءة والكتابة والعقائد ومعرفة الله وسائر البرامج الإسلامية، وتمكن بهذا العمل أن يجعل من أهل القرية المغالين موحدين مؤمنين عارفين بالله.

بعض أحوال المرحوم السيد علي خان

نقل السيد نعمة الله الجزائري (رحمه الله) قال: في وقت من الأوقات تشرفت بخدمة السيد علي خان فرأيت لحيته قد غلب عليها البياض، فسألته: لماذا لم تخضب لحيتك؟ فقال: أردت أن أكتب تفسيراً للقرآن المجيد، وفي هذا الخصوص استخرت بالقرآن، فخرجت هذه الآية الشريفة: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) فعلمت أن أجلي قد اقترب، فقمت بتفسير مختصر، وتركت الخضاب حتى ألقى الله بشيبة بيضاء، وقد ودع (رحمه الله) هذه الدنيا الفانية بعد سنة.

وكان السيد علي خان معاصراً للشيخ البهائي، وكانت له أملاك ومزارع، وكان يصرف حاصلها على هذا النحو: يكتب في الدفتر علامة (زاء) دلالة على صرف الزكاة، وعلامة (ق) دلالة على صرف الصدقة، وعلامة (ص) إشارة إلى صرفها في صلة الرحم، والباقي يصرفه على الواردين والشعراء والمخالفين وكان يقصد به حفظ العرض كما قال الإمام الحسين : خير المال ما وقى به العرض، وكان يقدم على نفسه المؤمنين والفقراء، ولم يرغب في جمع مال الدنيا.

وإذا زاد شيء عن المصارف المقررة يقول: يا رب! لا تجعلني من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فكان ينفقها في سبيل الله.

ومع كل هذه الأملاك والمكنة كان زاهداً مرتاضاً وكان يلبس اللباس الخشن، ويأكل الخبز مع قشوره، وكانت عبادته يضرب بها المثل، ولم يترك الصلوات والصوم المستحب، وكان يقرأ القرآن كثيراً في ليالي الجمعة.

احترت من العلم بشيئين

نقل الآقا الميرزا أبو القاسم العطار الطهراني عن العالم الكبير الحاج الشيخ عبد النبي النوري وكان أحد تلامذة الحكيم الحاج ملا هادي السبزواري، قال: في أواخر عمر السبزواري جاء إلى منزله يوماً شخص وأخبره: بأنه عثر في المقبرة على شخص نصف بدنه في التراب والنصف الآخر في الخارج، ويلقي ببصره إلى السماء، وكلما يزاحمه الأطفال لا يعتني بذلك.


16

فقال السبزواري: لا بد أن أراه بنفسي، فلما ذهب الملا إلى قبره رآه على تلك الحال فاقترب منه ورأى أنه لم يعتن به.

فقال له الملا: من أنت وما عملك؟ لأني لم أرك مجنوناً، ومن جهة أخرى فإن عملك غير عقلاني؟

فقال في جوابه: أنا شخص جاهل ولكن لي علم بشيئين، أحدهما: علمت أن لهذا العالم خالقاً عظيم الشأن ويجب معرفته وعدم التقصير في عبادته، الثاني: علمت أني لا أبقى في هذا العالم وسأذهب إلى عالم آخر، ولم أعرف كيف يكون حالي في ذلك العالم؟ إني في حيرة من هذين العلمين، وقد اشتد خوفي حتى يظن الناس أني مجنون. وأنت عالم المسلمين وتعرف ذلك، وأخذت كثيراً من العلم، لماذا لا تتوجع ذرة ولا تبالي ولا تفكر؟

هذا الكلام أصاب كالسهم قلب السبزواري وولد له جرحاً عميقاً، وكان في آخر عمره يفكر في سفر الآخرة، وتحصيل زاد هذا السفر، وطريقه المحفوف بالخطر، حتى فارق الدنيا.

الشيخ عبد الكريم الحائري وإغاثة محتاج

كان للمرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري (رحمه الله) مؤسس الحوزة العلمية بقم المقدسة خادم يدعى ـ الشيخ علي ـ قال: في إحدى ليالي الشتاء كنت نائماً، في ساحة منزل الشيخ، فسمعت صوتاً بالباب، فنهضت وفتحت الباب فوجدت امرأة فقيرة تقول: إن زوجي مريض وليس عندنا دواء ولا غذاء وحتى الفحم للتدفئة، فأجبتها بالقول: أيتها السيدة، لا نستطيع في هذا الوقت من الليل أن نعمل شيئاً، وأنا أعلم بأن الشيخ ليس بحوزته شيء حتى يقوم بمساعدتك.

فرجعت المرأة خائبة! فصاح بي الشيخ بعد أن سمع كلامنا، وقال لي: يا شيخ علي! إذا كان يوم القيامة وسأل الله مني ومنك: في هذه الساعة من الليل جاءت أمتي إلى باب داركم ولم تلبوا حاجتها؟

ماذا يكون جوابنا؟

فقلت: أيها الشيخ! ما الشيء الذي نستطيع أن نفعله الآن لهذه المرأة؟

فقال: أنت تعرف منزل هذه المرأة؟

فقلت: نعم، أعرفه ولكن يصعب الذهاب إليه الآن حيث أن الشوارع مكسوة بالطين والثلج.

فقال: قم، لنذهب.

فلما وصلنا رأينا زوجها المريض، وشاهدنا المنزل، ورأينا صحة أقوال المرأة.

فأمرني الشيخ بأن أذهب إلى الدكتور صدر الحكماء وأنقل له عن لسان الشيخ: أن يأتي لفحص الرجل المريض، فذهبت إلى الطبيب المعالج وجئت به فكتب له العلاج وأعطاني الورقة وذهب، فطلب مني الشيخ أن أذهب إلى صيدلية فلان لأشتري الدواء بحساب الشيخ، فذهبت وجئت بالأدوية، ثم طلب الشيخ مني أن أذهب إلى منزل فلان لأشتري كيساً من الفحم على نفقة الشيخ، فجئت بالفحم مع مقدار من الأكل.

والخلاصة، أن عائلة الفقير في تلك الليلة قد دخلها السرور من كل جانب، فمريضهم تحسنت حالته بعد تناول الدواء، وأكلوا الطعام، وتدفئوا.

ثم قال لي الشيخ: ما كمية اللحم التي تأتي بها إلى منزلنا؟

قلت سبعمائة غرام، فقال: أعط نصفه إلى هذه العائلة كل يوم، والنصف الباقي يكفينا، ثم طلب مني أن نذهب لننام.

إيثار المدرس

روت زوجة المدرس قالت: كنت أشاهد المدرس عند عودته من مجلس الشورى كل يوم وإحدى ملابسه غير موجودة عليه، وعندما سألت عن السبب في ذلك أجاب: أعطيته لسائل في الطريق.

وفي أحد الأيام طرقنا سائل، ولم يكن لدى المدرس أي شيء، فطلب مني أن آخذ القدر الذي نستعمله لطبخ الطعام إلى دكان عبد الكريم البقال وآخذ منه مبلغاً من المال لأعطيه لهذا السائل! فقلت له: ليس لدينا غيره؟

فقال: لا بأس.

وأخيراً قتله البهلوي لأنه كان يعارضه في إفساد المسلمين وخراب إيران.

إسلام يهودي ببركة سخاء السيد المرتضى (رحمه الله)

كان للسيد المرتضى علم الهدى حوزة علمية غنية، وكان (رحمه الله) يدرس بها علوماً كثيرة، ويجري على تلامذته رزقاً، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قراءته عليه كل شهر اثنا عشر ديناراً، وللقاضي ابن البراج كل شهر ثمانية دنانير.

وأصاب الناس في بعض السنين قحط شديد، فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوت يحفظ به نفسه، فحضر يوماً مجلس المرتضى (رحمه الله) وسأله أن يأذن له في أن يقرأ عليه شيئاً من علم النجوم، فأذن له وأمر له بجراية تجري كل يوم، فقرأ عليه برهة، ثم أسلم على يديه.

السيد الشفتي والترحم على الكلبة

كان المرحوم السيد (الشفتي) أحد كبار مراجع التقليد في أصفهان، وكانت له منزلة عظيمة مشهوراً بالعلم والتقوى وكان يتعبد في الليل، وتحدث له حالات من الخوف والرجاء في المناجاة والاستغاثة، وكان يضع القيد في عنقه ويتأوه ويصرخ ويصيح شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب وفي زمان ظل السلطان ابن ناصر الدين شاه والذي كان يمسك بزمام الأمور، جاء فقير إلى السلطان، فقال له السلطان: لم جئتني؟


17

إن كنت تريد العلم فاذهب إلى مسجد السيد، وهكذا كان.

فكيف وصل إلى هذه الدرجة؟

يحدثنا السيد (رحمه الله) نفسه فيقول: أوصلتني كلبة إلى هذا المقام! فعندما كنت طالباً في النجف، ومرت أيام علي، ولم يأتني شيء من المال ثم اقترضت من رفيقي مقداراً من المال، وصممت أن آكل شيئاً، فاشتريت عند الصباح الخبز واللحم، وأثناء عودتي إلى المنزل رأيت كلبة جائعة جداً ولها ثلاثة أولاد على ثدييها مع أن ثدييها خاليتان من الحليب، فتألمت لهذه الكلبة وقلت في نفسي: إنني إلى الآن قد تحملت الجوع وأيضاً سأتحمل الجوع، فوضعت الخبز في ماء اللحم وعملته ثريداً وقدمته إلى الكلبة فأكلته، وبعد ذلك أنعم الله علي بوصول مبلغ من المال، فلم تمض مدة قصيرة حتى جاءني أحد أهالي شفت ـ إحدى مدن كيلان وكان السيد من أهاليها ـ وقال: إن الحاج الفلاني قد مات وقد أوصى بثلث ماله إليك، وكانت وصيته لي عصر ذلك اليوم الذي أطعمت فيه الكلبة، ومنذ ذلك الوقت وبالتدريج حصلت لي المرجعية في أصفهان.

طريقة المرحوم الميرزا حسن الشيرازي في مساعدة المحتاجين

نقل السيد الأمين العاملي (رحمه الله) في (أعيان الشيعة) في ترجمة الميرزا الشيرازي (قدس سره): أنه كان يقرر الحقوق الشهرية بشكل سري إلى العوائل الكريمة التي: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) وكذلك للتجار المحترمين الذين خسرت تجارتهم، ولم يعلم بذلك أحد حتى وفاته (رحمه الله)، وكذلك الحال بالنسبة للطلبة الذين هم خارج سامراء، وبالخصوص الطلبة المتفوقين علمياً فقد كانت لهم حقوق شهرية مقررة.

ونقل لي: أن الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني (رحمه الله)، الذي كان في النجف الأشرف، كان هو الآخر يتقاضى مرتباً شهرياً حتى آخر حياة المرحوم الميرزا الشيرازي، ثم أن الآخذين من الميرزا أخبروا بالأمر بعد وفاة الميرزا.

سخاء السبزواري وعدم اعتداده بالدنيا

كانت للملا هادي السبزواري غلة يتولاها بنفسه وزوجته ويخرج منها سهم الزكوات ليقوم بتقسيمها بين الفقراء، وعلاوة على أداء الحقوق الواجبة، ولسنوات طويلة كان يجمع كافة فقراء مدينة سبزوار في ساحة منزله عصر كل يوم خميس، ويقف بنفسه بباب المنزل ويعطي للفقراء أموالاً حسب القابلية، وفي أواخر شهر صفر من كل عام تقام ثلاثة مجالس للتعزية في منزله يدعو فيها فقراء البلدة، ويرتقي الخطيب المنبر وبعد ختم التعزية يقدم الخبز وماء اللحم، وبعد الانتهاء من تناول الطعام يوزع على كل واحد منهم شيئاً من المال.

وفي أيام شبابه وعندما كان يطلب العلم في المشهد المقدس باع جميع الدكاكين الموروثة بالتدريج وأنفق أموالها في سبيل الله.

وفي السنوات الأخيرة من حياته وبسبب القحط والضائقة، باع ما كان عنده في سبزوار، وقسمه بين الفقراء والمستحقين.

وكانت الدنيا بنظر هذا الرجل صغيرة لا قيمة لها، ولو لم تكن هذه الآية الشريفة: (وليخش الذين لو تركوا ذرية من خلفهم ضعافا خافوا عليهم) تقطع عليه، لصرف ما كان يملكه في يوم واحد في سبيل رضا الله، ويؤيد هذا الأمر أنه حضره شخص وقال له: إنك درويش فلم أبقيت بعض المال ولم تنفق كله، فقال في جوابه: نعم، صدقت، ولكن ما الحيلة والأطفال ليسوا بدراويش؟

من عفو الآخوند الخراساني (رحمه الله)

في وقايع المشروطة انقسم الناس إلى قسمين، وفي إحدى المرات جاء أحد كبار المخالفين للمرحوم الآخوند الخراساني، وكان هذا الشخص دائماً وفي كل مكان ينتقص من شخصية الآخوند ويذمه ويسيء إليه.

وكان هذا الرجل من خطباء كربلاء المعروفين، وأراد أن يبيع داره ليسدد بثمنها الديون التي عليه، لكن المشتري طلب منه أن يقوم الآخوند بإمضاء سند بيع الدار، وإلا فلن يشتري منه الدار، ولم يكن الرجل الواعظ مستعداً للذهاب إلى الآخوند لأنه وبسبب المشروطة التي كان الآخوند من أنصارها، كان ينال من الآخوند، ومن جهة أخرى كان يخشى أن يتعرض لمكروه في منزل الآخوند، ولما كانت القروض قد ثقلت عليه أصبح مضطراً أن يسافر من كربلاء إلى النجف ليرى الآخوند.

فقابله الآخوند باحترام بالغ، وأظهر السرور بهذا اللقاء، فبين الرجل الواعظ الغرض من المراجعة، وقال: الذي أرجوه أن تذيلوا السند بإمضائكم حتى أستطيع بيع داري، فأخذ الآخوند سند البيت من يده وطالعه ووضعه تحت البساط.

فوقع في قلب الرجل الواعظ الشك، وقال في نفسه: الآن كشف هذا الرجل ـ يعني الآخوند ـ عن حقيقته، فلم يقتنع بعدم إمضاء السند، بل صادره مني ليوقعني في متاعب.


18

وفي هذه الأثناء تحرك الآخوند من مكانه، وأخرج بعض الأكياس من الليرات الذهبية من داخل صندوق حديدي وسلمها للرجل الواعظ، وقال له: إنك من أهل العلم، وأني غير راض أن يكون أهل العلم في ضائقة، خذ هذه المبالغ واستعن بها على ديونك، ولا تبع منزلك فتجعل زوجتك وأولادك مشردين، وإذا ـ لا سمح الله ـ أصبحت في ضائقة مالية فتعال إلينا لنساعدك عليها.

فلما شاهد هذا الرجل الواعظ ما قام به الآخوند (رحمه الله) تجاهه ندم أشد الندم على ما صدر منه، وأخيرا أصبح من أنصار الآخوند، وهكذا تصنع الأخلاق.

تأثر حتى الموت

روي عن المرحوم الآقا ميرزا مهدي الخلوصي، أنه قال: في زمان العالم العامل والزاهد العابد الآقا ميرزا محمد حسين اليزدي (أعلى الله مقامه) المتوفى في (38 / ربيع الأول / سنة 1307هـ) والمدفون في مقبرة غرب الحافظية، أقيم في بستان الحكومة مجلس للضيافة وكان حفلاً غريباً يحضره جمع من التجار وكان يطغى على ذلك المجلس أنواع من الفسق والفجور وكان أحد المطربين اليهود يرقص ويغني، فأخبر المرحوم الميرزا بما يجري في ذلك المجلس، فتأثر تأثرا شديداً من ذلك، وفي يوم الجمعة وفي مسجد وكيل شيراز وبعد صلاة العصر صعد المنبر وأخذ يبكي بكاء شديداً وبعد أن ذكر جملة من المواعظ والنصائح قال:

أيها التجار الفجار! كنتم دائماً خلف العلماء والروحانيين تسندوهم، وها أنتم تحضرون وتدعون إلى مجلس الفسوق الذي ترتكب فيه المحرمات علناً دون حياء، وبدل أن تؤنبوهم وتوبخوهم صرتم شركاء لهم، لقد أصبتم كبدي وأحرقتم قلبي، ودمي يقع على عاتقكم، ثم نزل من المنبر وذهب إلى منزله، وفي الليل لم يحضر صلاة الجماعة، وعندما ذهبنا إلى بيته للسؤال عن حاله؟ قالوا: إن الميرزا ابتلي بالحمى، يوماً بعد يوم ازدادت الحمى عنده بشكل عجز الأطباء عن مداواته وقالوا: يجب أن يغير الماء والهواء، فأخذوه إلى بستان سالاري، وفي ذلك الوقت كان قد جاء إلى شيراز أحد الهنود المرتاضين، وكان مشهوراً في الإخبار عن الوقائع والحوادث، واتفق أنه مر يوماً من محلّنا، فقال لي والدي: تعال به لأسأله عما يتعلق بأحوال الميرزا وشفائه، فذهبت إلى الهندي وجئت به إلى محلنا، فقال والدي دون أن يذكر اسم الميرزا: عندي شيء أريد أن أعرف هل يصل بسلامة أم لا؟ ولكن في باطنه كان ينوي هل أن الميرزا يشفى من مرضه أم لا؟

فأخذ يحسب المرتاض الهندي واستغرق في الفكر ولم يستطع الإجابة، فقال له والدي: أرجو أن لا تؤخر نفسك أو تؤخرنا إذا كان لك اطلاع فأخبرنا، وإن لم يكن لك ذلك فخذ صلتك وانصرف، فقال الهندي: حسابي صحيح ولكن سؤالك جعلني أستغرق في التفكير، لأن ما قلته لي ظاهراً غير ما عندك باطناً، فقال له والدي: ماذا كانت نيتي؟

فقال الهندي: الآن أزهد رجل على الأرض مريض وأنت تريد أن تعرف عاقبته، فأقول لك: لا يشف من مرضه هذا ويموت بعد ستة أشهر، فتعجب والدي مما ذكره، وأعطاه مبلغاً من المال، وبعد ستة أشهر ودع الميرزا الدنيا.

(الجمهرة) مع ثمنه

حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي: أن أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة من كتاب (الجمهرة) لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى بستين دينار، فتصفحها فوجد فيها أبياتاً بخط بائعها أبي الحسن الفالي، وهي:

أنست بها عشرين حولاً وبعتها
لقد طـــال وجدي بعدها وحنيني

وما كان ظني أنني سأبيعـــــها
ولو خلدتني في السجون ديوني

ولكن بضعف وافتقار وصبـــية
صغار عــليهم تســــتهل عيوني

فقلت ولم أملك سوابق عـــبرة
مقالة مكوي الفؤاد حــــزيــــــن

وقد تخرج الحاجات يا أم مالك
كرائم من رب بهــــــن ضنيـــن

فرد عليه النسخة، وأعطاه الثمن ليستعين به على أموره.

من سخاء الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله)

نقل السيد محمد طاهر الشفيعي الدزفولي ـ إمام جماعة دزفول ـ عن جدته: أن إحدى العادات الجميلة عند الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) أنه كان يزور أقاربه ويصل أرحامه.

وفي إحدى الليالي وبعد صلاة المغرب والعشاء اشتقت إلى أكل السمك، وقلت: يا ليتنا نتمكن من تهيئة سمكة ليوم غد، فجاء الشيخ في الصباح وأعطاني مبلغاً من المال، وقال: أوصيت الملا رحمه الله أن يشتري لكم سمكاً، كما نقل أيضاً السيد أسد الله الدزفولي ابن السيد محمد المجاهد الذي كان من تلامذة الشيخ الأنصاري عن أمه قالت: رأيت والدي ليلة أثناء المطالعة وقد استغرق بالفكر، فسألته: بأي شيء تفكر؟


19

فقال: أفكر في ديوني التي بلغت ثمانين توماناً، وكيف لي أن أؤديها، وذهب للنوم.

ثم استيقظ من النوم فرأيته مسروراً وهو يشكر الله تعالى، فقلت له: ما الذي جرى؟

قال: رأيت في المنام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لي: (أوصيت الشيخ مرتضى أن يفي ديونك).

فلما أصبحنا رأيت الملا رحمه الله خادم الشيخ يقول: الشيخ يستدعيك، فذهب السيد إلى الشيخ، فقال له الشيخ: اكتب لي أسماء دائنيك وأعطني إياها، ولا تفكر، فأنا أسددها عنك.

كل من يحب شيبة الشيخ فليساعد الفقير

روي: أن الشيخ جعفر الكبير آل كاشف الغطاء (رحمه الله) كان يقسم الوجوه بين الفقراء يوماً في أصفهان، وبعد الانتهاء من ذلك وقف للصلاة، فأعْـلـِم أحد الفقراء بالتقسيم المذكور فورد بين الصلاتين، وقال للشيخ: أعطني سهمي، فقال الشيخ: جئتنا متأخراً وقد انتهى التقسيم.

فغضب الرجل الفقير وقال ما لا يليق.

فقام الشيخ من محراب الصلاة وأخذ بثوبه يمر بين صفوف المصلين ويقول: كل من يحب شيبة الشيخ فليساعد الفقير، فملأ الناس ثوب الشيخ من الحمراء والبيضاء، فأعطاها الشيخ للفقير.

الرد على الجاهل

بعد أن أنهى الميرزا أبو القاسم بن الملا حسن القمي تحصيله العلمي في كربلاء، عاد إلى مسقط رأسه (جايلق) وسكن في قرية تسمى (قلعة بابو) مشغولاً بترويج الدين وبيان الأحكام الدينية، وكان في تلك القرية رجلان جاهلان، أحدهما: يدعى (سبز علي) والآخر يسمى (شاه مراد) وكانا يحسدان الميرزا القمي (رحمه الله) ويضمران له سوءاً، فأخذا يشنعان عليه عند أهل القرية، ويقولان: إن الميرزا جاهل لا يعرف شيئاً، وأنهما أعلم منه.

وفي إحدى المجالس اجتمع أهل القرية وكان الميرزا القمي موجوداً بينهم، فقال أحد الرجلين للميرزا: اكتب لنا الأفعى، وحيث أن الميرزا لم يعلم قصده وغرضه، أخذ القلم والورقة وكتب له كلمة أفعى على الورقة.

فقال الرجل: هل هذه أفعى؟

ثم أخذ القلم وعلى صفحة الورقة خط صورة الأفعى بالرسم، ثم قال: انظروا أيها الناس! وانصفوا في الحكم والقضاء هل الأفعى ما كتبه الميرزا أم الذي كتبته أنا؟

ولما كان الناس من الجهلة فصدقوا ما كتبه سبز علي.

ومن ذلك الوقت استغل سبز علي جهالة الناس، وقال: أنا عالم والميرزا جاهل، فقبل الناس مقولته، فضاق قلب الميرزا من الجهل وعدم المعرفة، فترك القرية وارتحل إلى قم وسكنها وشرع بالتدريس، حتى اجتمع عليه العلماء والطلاب.

العبور على الماء

كتب السيد شفيع الـبروجردي في (الروضة البهية) قال: سمعت البعض ممن أثق به بأنه كان للسيد المرتضى علم الهدى (رحمه الله) منزل في بغداد القديمة، وكان أحد تلامذته في بغداد الجديدة، وكان التلميذ يتأخر في حضور الدروس، إذ كان ينتظر فترة حتى يتم ربط ضفتي النهر بجسر كل صباح، وخلال هذه الفترة من الانتظار كان السيد المرتضى ينتهي من الدرس، فطلب التلميذ من الأستاذ أن يقوم بتأخير درسه حتى يصل ويستفيد من الحضور.

فكتب السيد المرتضى (رحمه الله) له شيئاً وقال له : احتفظ بهذا عندك وفي أي وقت أردت المجيء ورأيت أن الجسر لم يربط، فامشي على الماء ولا تنظر إليه، ولا تخف.

فعمل التلميذ بما أمره به الأستاذ فكان ـ حين يتأخر ربط الجسر ـ يمشي على الماء دون أن تتبلل رجلاه، ويصل إلى الدرس في الموعد المحدد.

وفي أحد الأيام فكر التلميذ في نفسه: ما هذا الشيء الذي كتبه الأستاذ، والذي له هذا القدر الكبير من التأثير؟

ففتح الورقة ونظر فيها، فإذا مكتوب فيها: ( بسم الله الرحمن الرحيم) وفي اليوم التالي حين أراد التلاميذ العبور ـ كالأيام السالفة ـ انغمس في الماء.

فرجع، ولم يعد يستطيع الاستفادة من ذلك، حيث خالف شرط السيد الذي أمره أن لا ينظر في الورقة.

جسد الآخوند الخراساني بعد خمسين سنة

بعد خمسين سنة من وفاته نبش قبر الآخوند الخراساني (رحمه الله) صاحب (الكفاية) لتدفن ابنته زهراء بجنبه، وجدوا أن جسده وبالرغم من مرور هذه المدة لم يتلاش، ولم يتغير وجهه وملامحه.

وسمع من المرحوم الحاج ميرزا هادي الكفائي وكان حاضراً ينظر مراسم حفر القبر قال: والأغرب من هذا أني لما أخذت يد الآخوند ووضعتها على يد ابنته، وجدته كالشخص النائم مما أثار تعجب الحاضرين، وعند ملاحظة الكفن والوجه وجد كأن الآخوند قد دفن يوم أمس، فأردت أن ألتقط له صورة إلا أنه خالفني البعض بعدم جواز ذلك حسب اعتقادهم.


20

مكاشفة للعلامة الطباطبائي

قال العلامة الطباطبائي: في سنوات تحصيلي بحوزة النجف الأشرف كنت أتلقى مصارفي من والدي، وكنت فارغ البال مشغولاً بالتحصيل، حتى مرت بعض الشهور علي ولم يأت أحد من المسافرين الإيرانيين إلى العراق، ونفد مصرفي، وذات يوم كنت مشغولاً بالمطالعة وكنت أفكر في مسألة علمية، وفي الأثناء زاحمتني أفكار خلو اليد من المال، ووضع الروابط بين إيران والعراق، وانشغلت بنفسي فخرجت عن التفكير في المسألة العلمية، ولم تمر لحظات حتى سمعت طرق الباب وكنت في تلك الحالة واضعاً رأسي على يدي ويدي على المنضدة فلما أردت أن أفتح باب المنزل رأيت رجلاً طويل القامة وله لحية مخضبة بالحناء ويرتدي لباساً لا يشبه لباس رجال الدين في عصرنا الحاضر لا من ناحية القباء ولا من ناحية العمامة، ومع كل ذلك فقد كانت له هيئة جذابة، فما أن فتحت له الباب حتى بادرني بالسلام وقال: أنا الشاه حسين ولي، إن الله المتعال يقول: في هذه المدة (الثمانية عشر عاماً) هل تركتك جائعاً حتى تركت درس المطالعة وأخذت تفكر في معيشة يومك هذا؟

ثم ودعني وخرج.

وبعد أن أغلقت باب المنزل ورجعت لأجلس خلف المنضدة تعجبت مما رأيت، وخطر لي بعض الأسئلة، منها:

السؤال الأول: هل من الصحيح أني قمت من خلف المنضدة وذهبت إلى باب المنزل، أم إن ما رأيت رأيته وأنا هنا، مع العلم بأن لي يقيناً بأني لم أكن نائماً.

السؤال الثاني: من هذا الشخص الذي عرف نفسه باسم الشاه حسين ولي؟

وقد بقي هذا السؤال بدون جواب إلى أن كتب لي والدي من تبريز بأن أزور إيران في الصيف، وفي تبريز وحسب العادة المتبعة في النجف كنت أمشي بين الطلوعين، وفي أحد الأيام مررت من المقبرة القديمة في تبريز فنظرت إلى أحد القبور وكان يبدو إنه قبر أحد الأعاظم، وعندما قرأت الكتابة على الصخرة رأيته قبر رجل عارف باسم الشاه حسين ولي وأنه متوفى حدود ثلاثمائة سنة قبل أن يأتي إلى منزلي.

والسؤال الثالث: الذي خطر ببالي تاريخ ثمانية عشر سنة، أين تاريخ ابتدائه هل هو في شروعي بتحصيل العلوم الدينية؟

فإن لي خمسة وعشرين عاماً، أو هو في الوقت الذي تشرفت به إلى حوزة النجف الأشرف؟

وهذا أيضاً لم يتجاوز عشرة سنين، وبعد أن فكرت جيداً رأيت أن ثمانية عشر سنة هو مدة تلبسي بلباس رجال الدين.

كلام المقدس الأردبيلي مع أمير المؤمنين (عليه السلام)

نقل عن السيد الفاضل الأمير فضل الله بن السيد محمد الأستر آبادي ـ من أجلاء تلامذة المقدس الأردبيلي ـ أنه قال: كانت لي حجرة في المدرسة المحيطة بالقبة الشريفة ـ يعني بذلك حجرات الصحن المطهر ـ فاتفق أني فرغت من مطالعتي في ظلمة من الليل، فخرجت من الحجرة أنظر في ساحة الحضرة، فرأيت رجلاً مقبلاً إليها.

فقلت: لعله سارق يريد أخذ شيء من قناديل الحضرة، فنزلت إلى قربه وهو لا يراني، فرأيته مضى إلى الباب ووقف، فرأيت القفل قد سقط وفتح له الباب الأول ثم الثاني، ثم الثالث، حتى أشرف على القبر وسلم، فأتى من جانب القبر رد السلام فعرفت صوته فإذا هو يتكلم مع الإمام (عليه السلام) في مسألة علمية، ثم خرج متوجهاً إلى مسجد الكوفة، فخرجت خلفه وهو لا يراني.

فلما وصل إلى المحراب سمعته يتكلم مع رجل في مسألة، ثم رجع، فرجعت من خلفه إلى أن بلغ باب البلد فأضاء الصبح فدنوت منه وقلت: يا مولانا! كنت معك من الأول إلى الآخر، فأعلمني من الرجلان وماذا جرى؟

فأخذ علي المواثيق في الكتمان إلى موته، ثم قال: يا ولدي! إن بعض المسائل تشتبه علي، فربما خرجت بعض الليل إلى قبر مولانا (عليه السلام) وكلمته فيه وسمعت الجواب، وفي هذه الليلة قال لي: (إن ولدي المهدي (عليه السلام) هذه الليلة في مسجد الكوفة، فامض إليه لمسألتك).

وفاة الملا كتاب في طريق مكة

كان الشيخ مهدي الملا كتاب من أتقياء العلماء، زاهداً عابداً، وصاحب كرامات باهرة، أطراه المحدث النوري (رحمه الله) كثيراً، ونقل عنه: أن هذا العالم الرباني في السنة الأخيرة من حياته قصد زيارة بيت الله الحرام، فقيل له: لو زرت الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة لكان لك من الثواب ما يعادل الحج وزيادة.


21

فقال: أريد الذهاب إلى مكة لسببين، أحدهما: لعله أن تدركني الوفاة في الطريق حتى أدخل الرضوان، لأنه ورد في الروايات المخصوصة أن من مات في طريق مكة يدخل الجنة، الثاني: أنه في يوم عرفة من الــــمؤكد أن يكون الإمام الحجة (عليه السلام) حاضراً هناك، وأحب أن أكون بحضوره.

وكان الآقا والسيد حسين النهاوندي وعدة من العلماء من أصدقاء مقربي الملا كتاب (رحمه الله) قد تحركوا معه، واتفق بعد الرجوع من مكة وفي صحراء نجد أن الموت أدرك الشيخ، فأرادوا حمل جنازته إلى النجف الأشرف إلا أن الجمال أطلع عمال السلطة على هذا الخبر، ولما كانت الوهابية ترى أن نقل الجنازة إلى مكان آخر من البدع المحرمات اضطروا إلى دفن الجنازة في ذلك المكان ومحوا آثار القبر، وكانوا قد تأثروا كثيراً لعدم استطاعتهم حمل الجنازة إلى النجف.

فقال لهم الشيخ محمد: لا تتأثروا فقد نقلت الجنازة البارحة إلى النجف، فقالوا له: كيف؟

فقال: لما ذهب مقدار من ليلة البارحة ونمتم، كنت يقظاً وكنت قريباً من ناري أتدفأ بها، فرأيت ركباناً بقرب قبر الشيخ، فقلت: ما عملكم في هذا المكان؟

فقالوا: جئنا لنحمل جنازة الشيخ إلى النجف، وعند ذلك تحركوا فرأيت الشيخ راكباً على الحصان ويريد أن يذهب، فأسرعت إلى الشيخ، وقلت له: خذني معك، فالتفت إلي الشيخ وقال: ارجع ليس الآن وقت مجيئك ولكن في اليوم الثالث الذي يصادف يوم الجمعة وقت الظهر ستحمل إلى جوار أمير المؤمنين (عليه السلام) فرجعت، ومن بين هؤلاء الجماعة علماء أعرفهم ورأيتهم وكانوا قد ماتوا، وعلامة صدق رؤياي هذه أني أموت يوم الجمعة، وفي اليوم الثالث الذي صادف الجمعة مات (رحمة الله عليهم).

تشرف الشيخ محمد باقر الدهدشتي بحضور الإمام الحجة (عج)

نقل صاحب (أعلام الشيعة): أن الفاضل الجليل الآقا الشيخ محمد باقر الدهدشتي البهبهاني صاحب كتاب (الدمعة الساكبة) كان يبيع الكتب في صحن أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان رجلاً متقياً وصاحب دين وقد نقل عن ولده الحاج محمد علي بائع الكتب أنه قال: إن والدي كتب دورة الجواهر ثلاث مرات بالأجرة لإمرار المعاش، وعلى أثر كثرة المطالعة ومراجعة الكتب والكتابة أصبحت له ملكة التأليف حتى ألف كتاب الدمعة الساكبة في خمسة مجلدات، وقرظه العديد من العلماء الأعلام، وكانت له منامات صادقة، نقل عنه المحدث النوري في (جنة المأوى) أن المذكور الشيخ محمد باقر من الذين تشرفوا بلقاء حضرة إمام الزمان (عج) في مسجد السهلة وعرف الإمام وكان قد أراد أن يشتري بستاناً حوالي المسجد مسجد السهلة وعندما تشرف بلقاء الحجة (عليه السلام) قال له: (أي فلان! اشتر بستاناً على أن يكون نصفه لإمام الزمان) فلما رجع إلى النجف الأشرف، جاء إليه خادم العلامة الفقيه الآقا سيد أسد الله بن المرحوم حجة الإسلام الأصفهاني (الرشتي)، وأعطاه كيساً من المال، وهو مبلغ البستان الذي كان الإمام (عليه السلام) قد أمر بشرائه، وكان المبلغ بقدر قيمة ذلك البستان.

فاشترى الشيخ محمد باقر البستان بذلك المبلغ، وكان بيده لسنوات طويلة، ثم انتقل إلى أولاده، ولما اطلع الناس على واقع الأمر، كانوا يذهبون إلى البستان ويأكلون من ثماره بقصد التبرك.

مقابلة الحسنات والسيئات بعد الموت

حكى القاضي سعيد القمي في كتاب (الأربعينات) عن الشيخ بهاء الدين العاملي (رحمه الله) قال: أراد الشيخ يوماً أن يزور أحد أهل الباطن في منزله الواقع في مقبرة من مقابر أصفهان.

فخرج من أصفهان، وحين التقى بذلك الرجل تكلما في كل باب، فحكى للشيخ حكاية وقال: بالأمس رأيت أمراً عجيباً في هذه المقبرة، فقد جاء جماعة بجنازة إلى هذه المقبرة ودفنوها في الموضع الفلاني وخرجوا، وأشار إلي الشيخ بموضع الدفن.

وبعد أن مضت ساعة من الوقت شممت ريحاً طيبة لم تكن من هذه النشأة وهي تحيط بي من اليمين والشمال، فنظرت فرأيت شاباً حسن الصورة متجهاً إلى ذلك القبر حتى وصل قريباً منه ودخل فيه، ولم يمض من الوقت إلا قليل حتى شممت ريحاً سيئة فتألمت منها وتقززت، فنظرت فوجدت كلباً وقد وقف على ذلك القبر ودخل فيه، فتحيرت من مشاهدة هذه القضية وأخذت أفكر، ثم رأيت ذلك الشاب وقد خرج من القبر بملابس ممزقة وبدن مجروح فجئت إلي ورجوته أن يبين لي حقيقة هذا الأمر.


22

فقال الشاب: أنا الأعمال الحسنة لهذا الميت، وكنت مأموراً بأن أرافقه وأؤنسه، وكان هذا الكلب أعمال الميت السيئة وكان يريد أن يؤذيه في القبر، فأردت أن أخرجه من القبر، إلا أن الكلب قد تمكن من التغلب علي وجرحني وأخرجني لأن أعماله القبيحة كانت تفوق في قوتها أعماله الحسنة، فلم أستطع أن أقاومه.

فلما سمع الشيخ هذه القضية قال: هذه الواقعة تؤيدها بعض الروايات في تجسم الأعمال وتصويرها بصور مناسبة حسب اختلاف الأحوال.

صلة شاعر

روي عن المرحوم الشيخ إبراهيم المشهور بصاحب الزماني إنه قال: نظمت قصيدة من الشعر في يوم الحادي عشر من شهر ذي القعدة وهو يوم ولادة ثامن الأئمة علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وخرجت من بيتي لأذهب إلى منزل نائب التولية لأقرأ قصيدتي عليه، فلما وقع عبوري على الصحن المقدس، قلت لنفسي: يا جاهل! السلطان هنا، فأين تذهب؟

لماذا لا تقرأ قصيدتك عليه؟

ثم ندمت على ما بدر مني وتبت، وتشرفت إلى الحرم المطهر، وأنشدت قصيدتي مقابل الضريح المقدس، ثم قلت: يا مولاي! إنني في ضائقة من جهة المعيشة، واليوم هو يوم عيد، فلو مننت علي بصلة.

وفي هذه الأثناء رأيت أحداً عن يميني وقد وضع بيدي عشرة توامين، فأخذتها وقلت: أيها السيد! إن عشرة توامين قليلة، فرأيت أحداً قد وضع عشرة توامين أخرى في يدي، فقلت: سيدي! إنها قليلة، والخلاصة كنت مرات أقول: بأنها قليلة، حتى وصل بيدي ستون توماناً، حتى خجلت واستحييت من أن ألح في الطلب.

فوضعت المبلغ في جيبي وشكرت الإمام (عليه السلام) وخرجت من الحرم، وفي محل خلع الأحذية رأيت العالم الرباني الحاج الشيخ حسن علي يريد التشرف بزيارة الحرم المطهر، فلما رآني احتضنني وقال: عملت يا حاج شيخ إبراهيم شطارة مع حضرة الإمام الرضا (عليه السلام) وقد أعطتك تلك الحضرة صلة، فقل لي: كم هو مبلغ الصلة؟

فقلت: ستون توماناً، فقال لي: هل أنت مستعد أن أعوضك به ضعفين، فقبلت بذلك وأعطيته الستين توماناً وأعطاني مائة وعشرين توماناً، ثم ندمت بعد ذلك، حيث أن ما أعطاني الإمام (عليه السلام) هو شيء آخر، فرجعت إلى الشيخ وكلما حاولت الإصرار عليه بأن يفسخ المعاملة لم يرض بذلك.

الرؤيا الصادقة

رأى الفقيه العادل المرحوم الشيخ جواد بن مشكور في ليلة 26/صفر/1336هـ في النجف الأشرف في منامه عزرائيل، وبعد السلام سأله الشيخ: من أين جئت؟

فقال: جئت من شيراز بعد أن قبضت روح الميرزا إبراهيم المحلاتي.

فسأله الشيخ كيف حال روحه في البرزخ؟

فقال: في أحسن حال، وفي أفضل بساتين عالم البرزخ، وأنعم الله عليه بأن جعل له ألف ملك يمتثلون أمره.

فسأله الشيخ: أي عمل عمله حتى وصل إلى هذا المقام؟

قال: لكونه كان يقرأ زيارة عاشوراء (وكان المرحوم الميرزا المحلاتي قد واظب على زيارة عاشوراء ثلاثين سنة في أواخر عمره) فلما انتبه الشيخ جواد من نومه ذهب من الغد إلى منزل آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمه الله) ونقل له ما رآه في منامه، فبكى المرحوم الميرزا الشيرازي، فلما سئل عن سبب بكائه؟

أجاب: ذهب الميرزا المحلاتي من هذه الدنيا، وكان اسطوانة الفقه.

فقيل له: لعله لا يصح نبأ وفاته، والشيخ رأى مناماً ويحتمل أن لا يصدقه الواقع.

فقال الميرزا الشيرازي (رحمه الله): نعم، إنها رؤيا في المنام، ولكنها رؤيا الشيخ مشكور.

وهذه الحكاية رواها البعض من فضلاء النجف عن المرحوم آية الله السيد عبد الهادي الشيرازي (قده) الذي كان حاضراً في منزل الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده) عند ورود الشيخ مشكور (رحمه الله) ونقل الرؤيا، وكذلك نقل هذه القصة الحاج صدر الدين المحلاتي حفيد المرحوم الميرزا إبراهيم المحلاتي.

تعهد المعاش

روى العالم المتقي الحاج ميرزا محمد الصدر البوشهري (عليه الرحمة) قال: عندما سافر والدي المرحوم الحاج الشيخ محمد علي من النجف الأشرف إلى الهند كان لي ولأخي الشيخ أحمد من العمر ست وسبع سنين، وقد طال سفر والدي بحيث إن المبلغ الذي تركه والدي عند أمي قد نفد، وقد بكينا من شدة الجوع وكان الوقت عصراً، وقد تعلقنا بأمنا.

فقالت لنا أمنا: أسبغا الوضوء والبسا ثياباً طاهرة، وخرجت بنا من المنزل حتى دخلنا الصحن المقدس، فقالت أمنا: أنا أجلس في هذا الإيوان، وأنتما اذهبا إلى الحرم وقولا لأمير المؤمنين (عليه السلام): إن أبانا غائب ونحن الليلة جياع، وخذا من الإمام (عليه السلام) مصرفاً وأتيا به حتى أهيئ لكما عشاءً.


23

فدخلنا الحرم ووضعنا رأسينا على الضريح المقدس وقلنا: إن أبانا غائب عنا ونحن جياع، ومددنا أيدينا إلى داخل الضريح وقلنا: أعطنا مصرفنا حتى يمكن لأمنا أن تهيئ لنا عشاءً، ولم يمض من الوقت إلا قليل حتى حان أذان المغرب، وسمعنا صوت: قد قامت الصلاة، فقلت لأخي: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) الآن مشغول بالصلاة ـ وبتصور الطفولة، قلت: إن حضرة الأمير (عليه السلام) يصلي صلاة الجماعة ـ وبعد ذلك جلسنا في زاوية من المحرم المطهر بانتظار انتهاء الصلاة، وبعد أقل من ساعة وقف شخص في مقابلنا وأعطاني كيساً من المال وقال: (خذ هذا الكيس وسلمه لأمك، وقل لها: في كل ما تحتاجه لتراجع المحل الفلاني حتى يأتي والدكما) وقد نسيت المحل الذي حولنا عليه.

والخلاصة: إن سفر والدنا قد دام شهوراً، وفي هذه المدة كنا نعيش بأحسن ما يكون حتى قدم علينا والدنا.

آية الله الميرزا محمد حسن الشيرازي والزائر الخراساني

نقل جناب السيد عبد الله التوسلي قال: إن زائراً من أهل خراسان اشترى حمارين ليزور كربلاء المقدسة مع زوجته وأطفاله، فلما وصل إلى بعقوبة سرق أحد الحمارين مع خرجه، وكانت مصارف سفره في ذلك الخرج، فاضطر إلى أن يركب الأطفال على الحمار ويترجل هو مع زوجته لزيارة سامراء، وبعد زيارة الإمامين العسكريين (عليه السلام) جاء إلى آية الله الحاج الميرزا حسن الشيرازي (رحمه الله)، وعند باب المنزل قال له الآخوند الملا عبد الكريم وكان ملازماً للميرزا: أنت فلان الخراساني الذي سرق حمارك؟

قال: نعم.

فجيء به إلى خدمة الميرزا في الوقت الذي كان يغص مجلس الميرزا بالحاضرين، فلما رأى الميرزا ذلك الرجل طلب أن يقرب منه وأعطاه خمسة وعشرين قراناً، وقال: إن ابنك قد ذهب إلى مكة وسمع أنك مع عيالك وأطفالك قد تشرفتم إلى كربلاء، فأعطى إلى أحد الحجاج الخراسانيين مائة تومان ليوصلها إليك، فاذهب إلى كربلاء وفي إيوان حضرة سيد الشهداء (عليه السلام) ستلتقي بذلك الحاج الخراساني ويعطيك المائة تومان، وهذه الخمسة والعشرون قراناً لمصارف الطريق من هنا إلى كربلاء.

فتعجب ذلك الشخص الخراساني من كلام المرحوم الميرزا، فخرج من عنده وذهب إلى كربلاء، وعند الإيوان رأى شخصاً من أهل خراسان، وبعد أن تحادثا قال له: الآن وفي الحرم المطهر هناك أحد الحجاج الخراسانيين قد عاد لتوه من مكة وهو يبحث عنك، لم يتم كلامه حتى خرج الحاج من الحرم ورأى ذلك الشخص عند الإيوان وعرفه وسلمه المائة تومان التي بعثها ابنه إليه.

التوسل بالصديقة الطاهرة (عليه السلام) والنجاة من الموت

كان الحاج الميرزا محمد رضا الفقيه الكرماني يخوض صراعا شديداً مع بعض المنحرفين وقد دعا المرحوم الحاج سيد يحيى الواعظ اليزدي للتبليغ ومكافحة أولئك المنحرفين، فقام السيد بفضح أولئك النفر..

فصمموا على قتل السيد يحيى وقد دبروا خطة عجيبة للقضاء عليه، إذ دعوه أن يأتي المنزل الفلاني ليصعد المنبر، ومن ثم أخذوه إلى بستان خارج المدينة، وفي البستان أحس السيد بخطر الموت، ولا يعلم أحد بخبره أو مكانه، فتوسل بالزهراء (سلام الله عليها) وصلى صلاة الاستغاثة إليها وكان مشغولا بقراءة: يا مولاتي! يا فاطمة! أغيثيني، ولم تمر لحظات حتى سمع أصوات التكبير تقترب، ثم تسلق مجموعة جدران البستان، ودخلوه وأنقذوا السيد يحيى وجيء به إلى منزله يصحبه المرحوم الحاج ميرزا محمد رضا الكرماني.

ولما سئل آية الله الكرماني بأنه كيف عرف السيد يحيى في معرض الخطر والمحنة؟

قال: كنت نائما، فرأيت في عالم الرؤيا السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وقالت لي: (يا شيخ محمد رضا! أسرع لنجاة ابني السيد يحيى، فسيقتل إن تأخرت عنه) ودلتني على مكانه ولذا جمعت الناس وأتينا حتى أنقذناه.

قصة الملا قلي جولا والسيد علي الشوشتري

ذكر العراقي في (دار السلام) قال: كان المرحوم الحاج السيد علي الشوشتري من أولاد السيد نعمة الله الجزائري، ومن مجاوري النجف الأشرف، وكان سلمان عصره في الورع والزهد والتقوى، وكانت له علاقة حميمة مع الشيخ مرتضى الأنصاري، وهو الذي صلى على جنازة الشيخ، وفي السنة الأخيرة من حياة الشيخ أرجعت إليه أمور الناس وكان الناس يعتقدون بأنه تشرف بلقاء الإمام المهدي مراراً.

وقد أجمل صاحب (طرائق الحدائق) أحواله بقوله: بعد أن أنهى السيد (رحمه الله) تحصيله العلمي ونال مرتبة الاجتهاد وحصلت له الإجازة من علماء النجف، عاد إلى وطنه مشغولا بالتدريس والقضاء، وفي إحدى الليالي والساعة تشير إلى الثانية ليلاً سمع طرق الباب، فسأل من الطارق؟


24

أنا الملا قلي جولا جئت لخدمة السيد، ، فقال السيد للخادم: قل له: لقد جئت متأخرا، فتعال لنا غداً في المدرسة، فقالت زوجة السيد: إن هذا المسكين لعله جاء لأمر مهم في هذا الوقت، فالأفضل أن تأذن له بالدخول وتسمع كلامه، فقال السيد: حيث أنك رضيت بهذه الزحمة فاذهبي إلى غرفة أخرى.

فلما دخل الملا قلي سأله: ما عندك؟

قال: جئت لأقول: إن هذا الطريق يؤدي إلى جهنم، هذا ما قاله وخرج، فسألت زوجة السيد زوجها: ماذا كان له من شغل؟

فقال لها: إنه رجل مصاب بالجنون، وبعد ثمان ليال أخرى وفي نفس هذا الوقت من الليل طرقهم ثانية، فعلم من حاله أنه الملا قلي يريد أن يصل بخدمة السيد، فقال السيد: إن هذا الرجل كلما يشتد جنونه يأتينا، ولما كان الملا قلي داخل الغرفة قال: ألم أقل: إن هذا طريق جهنم، وحكم اليوم في ملكية هذا الموضع باطل، والسند الصحيح للوقف يجب أن يكون مختوماً بختم العلماء والمعتبرين، وباب المكان الفلاني علامة ذلك، قال هذا الكلام وخرج، فلما رأت زوجة السيد أن السيد استغرق في الفكر، قالت: ما الذي قاله الملا قلي؟

قال: قال كلاماً، فلما أصبح الصبح جاء السيد إلى معهد الدرس وذهب مع بعض خواصه إلى ذلك المكان الذي أرشده إليه الملا قلي، ، وبعد التحقيق ظهر صحة كلام الملا قلي، وبعد ثمان ليال أخر وفي نفس الوقت طرق باب السيد، فعلم أن الطارق هو الملا قلي وهذه المرة قام السيد بنفسه لفتح الباب إليه فرحب به وأكرم مجيئه وقال له: علمت صدق قولك، فما هو الآن تكليفنا؟

فقال الملا قلي: أما الآن وجنوني قد ارتفع، فكل ما عندك بعه وبعد أداء الديون والقروض خذ ما تبقى منه واذهب إلى النجف الأشرف وابق فيه مشغولا حتى أراك ثانية، فاستجاب السيد لذلك، حتى رأى يوما الملا قلي في وادي السلام وهو يقرأ الدعاء، وما أن فرغ من قراءة الدعاء حتى جاء إليه وذهبا إلى مكان خال فقال الملا قلي: سأموت غداً في شوشتر، ودستور عملك هذا، ثم ودع السيد وذهب، ويتبين من هذه القصص أنه من أولياء الله أرسله إلى السيد لإرشاده.

لا تخبر أحداً ما دمت حياً

اختار شخص الخدمة في مقبرة الميرزا القمي (رحمه الله) وكان مشغولاً دائماً بقراءة القرآن، ولم يتقاض أجراً، ولما سئل عن سبب ذلك؟

قال: عند عودتي من مكة المعظمة كان لي هميان وكانت أموالي كلها فيه، فلما ركبنا الباخرة سقط في البحر، فجئت إلى النجف الأشرف متوسلاً بأمير المؤمنين (عليه السلام) وفي تلك الليلة رأيت في المنام الإمام (عليه السلام) فقال لي: (اذهب إلى الميرزا القمي في قم وخذ حاجتك منه).

فجئت إلى قم ووصلت بخدمة الميرزا، فقال لي: كنت بانتظارك هذه الأيام، خذ هميانك ولا تخبر به أحداً ما دمت حياً فأعطاه هميانه كاملاً غير منقوص منه شيء.

الحاج الشيخ مهدي القمي وخاتم الشفاء

كان المرحوم الحاج الشيخ مهدي يسكن أطراف مدينة قم، وكان صاحب كرامات باهرة ومقامات عالية، ومن جملة كراماته: أنه لو وضع إصبعه أو خاتمه على مكان لدغ الأفعى أو العقرب يسكن الألم ويذهب السم فوراً، ويشفى المريض، وهذا الموضوع تناقله العلماء وأعيان قم.

ونقل أنه سافر المرحوم الحاج الشيخ مهدي إلى أصفهان، وعندما أراد الرجوع إلى قم أراد أن يركب السيارة فامتنع السائق ـ تحت تأثير جور رضا خان ـ أن يركبه السيارة، وقال: أعتذر عن ركوب رجال الدين في السيارة، وأخيراً وبعد وساطة مدير الكراج اقتنع صاحب السيارة أن يركب الشيخ مهدي، وتحركت السيارة، واتفق أثناء الطريق أن حدث للسيارة عطل، فصاح السائق بصوت عال وكان منذ البداية لا يرغب في صعود الشيخ مهدي إلى السيارة قائلاً: ألم أقل بأن هذا الشيخ لا يصعد السيارة، أرأيتم كيف صح قولي، إن السيارة قد أصابها العطل إثر صعود هذا الشيخ.

وتجاوز هذا السائق الحد وأمام أنظار المسافرين وأخذ باللوم على الشيخ، فتفرق المسافرون في أطراف الجادة، والشيخ مع بعض مريديه جلسوا في جهة أخرى، وفي هذه الأثناء قصد السائق مكاناً ليقضي حاجته فسمع صراخه وهو يقول: أيها الناس! أسعفوني أسعفوني، فهرع إليه الناس ليروا ما الذي جرى له، ولما وصلوا إليه رأوا أن أفعى قد لدغت رجله، فعرف السائق حينذاك أن هذا البلاء الذي لحقه كان من جراء إهانته لشخصية الحاج الشيخ مهدي، وحيث لم يكن في تلك الصحراء وسيلة للعلاج، وموته أصبح حتمياً، قال للذين اجتمعوا حوله: قولوا للشيخ أن يعفو عني ويسامحني عن ذنبي الذي اقترفته.


25

فلما قيل لهذا العالم الجليل القدر ما جرى للسائق وشرحوا له القضية، أجاب: بأني عفوت عنه، ائتوني به، فلما جيء به إلى الشيخ وهو يصرخ ويصيح من شدة الألم، عندها وضع الشيخ خاتمه على مكان لدغ الأفعى فخرج السم على الفور وسكن الألم، وكأن الله وببركة الشيخ قد أعطى السائق عمراً جديداً، وبقي حتى آخر عمره من مريدي الشيخ المخلصين وتاب عما بدر منه.

صلاة استسقاء آية الله السيد محمد تقي الخونساري

من الأمور الملفتة للنظر في حياة آية الله السيد محمد تقي الخونساري (رحمه الله) صلاة الاستسقاء في سنة (1362هـ) وعندما احتلت إيران من قبل الأجانب، وأقام في قم في محلة خاك فرج مجموعة من الجنود البريطانيين والأمريكيين، لم ينزل المطر لمدة ليست بالقصيرة وكان الناس في مشقة وصعوبة من قلة الماء، وكانوا يتوقعون عواقب وخيمة في المستقبل.

طلبوا من السيد طبقاً للرسوم الإسلامية أن يصلي بهم صلاة الاستسقاء، حتى تنزل رحمة الله عليهم (المطر) فاستجاب السيد الخونساري (رحمه الله) لطلبهم، واتجه إلى المصلى يتبعه ما يقارب عشرين ألفاً من أهالي المدينة وكان ذلك في أحد أيام شهر رمضان المبارك.

تحرك السيد باتجاه المصلى الواقع في محلة خاك فرج ـ قرب المحل الذي يستقر فيه الجنود الأجانب ـ وفي هذه الأثناء كان بعض الموظفين الإيرانيين من أنصار الحزب السياسي (البهائي) وكان لهم نفوذ في مركز تجمع الحلفاء فاستغلوا هذه الفرصة وهمسوا إلى الضباط بأن أهل المدينة إنما جاءوا للغارة عليكم وطردكم ويجب عليكم أن تقابلوهم على وجه السرعة، فأصدر الضباط أوامرهم للجنود بأن يكونوا على أهبة الاستعداد، فصوبوا مدافعهم باتجاه هذه الجموع من الناس، وأمسكوا بأيديهم الهاونات ووقفوا مقابل الناس بانتظار ما سينجم، ولكن وجدوا الأمر على عكس ما تصوروه، إذ شاهدوا الناس يمشون بنظام كامل ووقار باتجاه المصلى، فوقفوا يصلون، وتقدم آية الله الخونساري (رحمه الله) لصلاة الاستسقاء ليومين متصلين، وفي اليوم الثاني لم تظهر علائم الاستجابة ولم ينزل المطر، حتى أن أمراء القوات المسلحة لجيش الحلفاء وبتحريك من بعض الأفراد البهائيين أخذوا يستهزئون بالمؤمنين، وبعد صلاة الناس غطى السحاب السماء، في الوقت الذي لم يرجع المصلون بعد إلى منازلهم، فمطرت السماء مطراً شديداً وتولدت السيول في الأنهار، ولم يمض من الوقت إلا قليل حتى نقلت الخبر وكالات الأنباء والصحف والإذاعات، والغريب في هذا أن هؤلاء البهائيين الذين قاموا بالشغب والتحريك قد رجحوا الفرار ليلاً، وأخذ جنود الحلفاء بالبحث عنهم لتقديمهم للجزاء العادل، ولكن دون جدوى إذ لم يعثروا لهم على أثر.

استجابة دعاء الحاج الكلباسي في نزول المطر

كتب المرحوم الحاج ملا إسماعيل السبزواري في كتاب (جامع النورين) قائلاً: يخطر على بالي أن المطر لم ينزل لمدة سنة كاملة وذلك في عهد الحاج الكلباسي (رحمه الله) فجاء منوجهر خان ـ معتمد الدولة ـ إلى الحاج الكلباسي وقال: إن الناس يلتمسون سماحتكم أن تشرفنا للدعاء بنزول المطر، فاعتذر له الحاج بقوله: أنا شيخ كبير السن ولا أقدر على الحركة فكيف ذلك؟

فقال له معتمد الدولة: أرسل لكم تختاً متحركاً، تجلس عليه وتشرفنا.

فقال الحاج الكلباسي (رحمه الله): وأخيراً أدعو الله بإنزال المطر بتخت غصبي، وهل أن الله تعالى يستجيب مثل هذا الدعاء؟

فقال له ابنه الآقا محمد مهدي: نحن نصنع لك تختاً جديداً، وعندنا أخشاب في البيت.

فقال الحاج: لا بأس، فأرسلوا إلى النجار في صنع ذلك، ثم أعلنوا بين الناس بأن يصوموا من يوم السبت حتى يوم الاثنين ويكونوا مع الحاج للدعاء بإنزال المطر، فصام الناس واجتمعوا في اليوم الموعود، فجلس الحاج على التخت، فأخذوا بأطراف التخت وذهبوا به باتجاه تخت فولاذ، ومن جهة أخرى جاء أرامنة جلفا أصفهان واصطفوا، كما جاء يهود أصفهان وهم ينظرون.

فلما رأى الحاج (رحمه الله) أن الأرامنة قد اصطفوا في جانب، واليهود اصطفوا في جانب آخر، رفع رأسه إلى السماء بعد أن رفع العمامة عن رأسه، وقال: إلهي! قد ابيضت شيبة إبراهيم في الإسلام، فلا تخجلنا هذا اليوم أمام اليهود والنصارى، وما أن تمت دعوته حتى غطى السحاب السماء وبدأ المطر في تلك الساعة بالنزول.

من كرامات السيد مرتضى الكشميري (رحمه الله)

نقل السيد الجليل الآقا سيد علي تقي الكشميري ابن الحاج السيد مرتضى الكشميري قال: سمعت الفاضل المحترم جناب السيد الآقا السيد عباس اللاري قال: في أيام تحصيل العلوم الدينية في النجف الأشرف، وفي عصر أحد أيام شهر رمضان المبارك كنت قد هيأت إفطاراً وتركت الحجرة بعد أن أغلقت بابها، وخرجت على أن أعود إليها بعد صلاتي المغرب والعشاء، وبعد أن صليت جئت إلى المدرسة وأردت أن أفتح الحجرة، فوجدت أن المفتاح ليس معي، وكلما فحصت عنه لم أعثر عليه، وكنت متأثراً جداً من شدة الجوع وعدم العثور على المفتاح، فخرجت من المدرسة متحيراً في مسيري، أنظر إلى الأرض حتى وصلت الحرم، فرأيت السيد مرتضى الكشميري، فسألني عن سبب عدم ارتياحي وتأثري؟


26

فعرضت له ما جرى لي، فجاء معي إلى المدرسة وقال: يقولون: كل من يعرف اسم أم موسى (عليه السلام) ويقرأه على قفل مسدود يفتح، فهل أن جدتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) أقل شأناً و مقاماً من أم موسى؟

ثم وضع يده على القفل ونادى: يا فاطمة! ففتح القفل وقد نظر غير واحد من الطلبة إلى ذلك.

أحد عشر جواباً صائباً في عالم الرؤيا

يقول الشيخ الحر العاملي (رحمه الله): في سفري الثالث لحج بيت الله الحرام أديت أعمال الحج من محل الإحرام حتى آخر الأعمال ماشياً، حتى أن عدداً كبيراً اقتدى بي في أداء الأعمال مشياً على الأقــــدام، وفي إحدى الليالي رأيت في عالم الرؤيا أحداً يسألني ويقول: لماذا كان الإمام الحسن (عليه السلام) يذهب إلى الحج ماشياً وكان يصحب معه حيواناً دون أن يركبه؟

فما هي المصلحة وما هي الفائدة من استصحابه المركوب؟

فذكرت في الجواب بعض العلل، ننقل منها:

1 ـ أن لا يظن أن الإمام يمشي للإقلال من المصرف.

2 ـ أراد بيان استحباب هذا العمل.

3 ـ لأجل إنفاق المال في سبيل الله.

4 ـ كان يحتمل أن يصيبه التعب والعجز في الطريق فحينئذ يستعين بالمركوب.

5 ـ تطمين الخاطر وتطبيب النفس فلا يتحسس الإنسان بالتعب، كما تؤيده التجربة حيث أن الإنسان إذا كان معه مركوبه لم يشعر بالتعب، وهذا ما يشير إليه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بقوله: (من وثق بماء لم يظمأ).

6 ـ يركبه بعد الرجوع من مكة.

7 ـ يحتمل وجود السراق وقطاع الطريق، ففي هذه الحالة يحتاج الإنسان إلى المركوب.

8 ـ إحضار مثل هذه المحامل والمراكب إلى مكة لأجل التبرك.

9 ـ إظهار نعم الله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث.

هذه هي المطالب التي مرت على خاطري في المنام وقلتها، ونهضت من نومي وكتبتها، يقول المحدث القمي في (سفينة البحار): وخطه موجود عندي.

الشيخ الأعظم الأنصاري وأمه الصالحة

رأت أم الشيخ الأنصاري قبل تولد الشيخ في المنام الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وقد أعطاها قرآن مذهباً، ولعله من هذه الجهة كانت (رحمها الله) ترضع ولدها الشيخ بوضوء كلما أرادت إرضاعه.

اعتقاد شديد بأهل البيت (عليه السلام)

نقل المرحوم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري (رحمه الله) قال: كنت يوماً عند الميرزا الشيرازي (قده) بسامراء أقرأ عليه، وفي أثناء الدرس دخل أستاذنا الكبير آية الله السيد محمد الفشاركي وعليه آثار الانكماش نتيجة ظهور مرض الوباء الذي شاع في العراق في ذلك الزمان.

فقال لنا: هل تعرفوني مجتهداً أم لا؟

فقلنا: نعم، قال: أتعلموني عادلاً؟ قلنا: نعم، وكان مقصده أخذ إقرارهم واعترافهم هل له شرائط الحكم والفتوى أم لا.

فقال بعد ذلك: أصدر حكمي إلى كافة شيعة سامراء من الرجال والنساء أن يقرأ كل واحد منهم كل يوم زيارة عاشوراء نيابة عن والدة إمام الزمان (عليه السلام) وهذه المكرمة تشفع لدى ابنها حضرة ولي الأمر (عج) ليشفع بدوره عند الله المتعال حتى ينجو الشيعة من هذا البلاء.

قال المرحوم الحائري: عندما أصدر هذا الحكم، أطاعه جميع الشيعة من سكنة سامراء، وكانت النتيجة أنه لم يتلف أحد من الشيعة في سامراء، في حين كان يتلف عشرة أو خمسة عشر يومياً من غير الشيعة من أثر الوباء.

نموذج من محبة أهل البيت (عليه السلام)

نقل عن آية الله العظمى البروجردي أنه كان في منزله يوماً مجلس عزاء، وكان الآقا الأنصاري القمي خطيباً للمنبر، فصادف أن أنشد أشعاراً في فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ومنها:

ولست أنسى خبر المسمار
سل صدرها خزانة الأســـرار

فأخذ السيد البروجردي يبكي كثيراً حتى أغمي عليه، فجاء الحاج أحمد وطلب من الخطيب أن ينهي قراءة التعزية، وأخبره بأن السيد البروجردي قد أغمي عليه.

ما نفعنا شيء غير صاحب هذا القبر

رؤي المقدس الأردبيلي في المنام بأحسن هيئة، فسئل: كيف رأيت عالم الآخرة، وكيف عاملك الله؟

فقال في الجواب: رأيت سوق العمل كاسداً، ولم ينفعنا إلا حب صاحب هذا القبر ـ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ .

علاقة المرحوم الحائري بمصائب أهل البيت (عليه السلام)

من امتيازات المرحوم آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري (رحمه الله) العلاقة الوطيدة بأهل بيت النبوة (ص) وسيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) فقد كان محباً صادقاً، وكان قبل الشروع بالدرس يطلب من المرحوم الحاج إبراهيم صاحب الزماني التبريزي أن يقرأ التعزية، فكان في كل يوم وقبل أن يباشر الشيخ بالتدريس يقف بعض الدقائق ليقرأ التعزية، ثم يشرع الشيخ بدرسه.


27

ولم تقتصر تعزية الشيخ الحائري على أيام الدرس، بل كان يقيم العزاء في أيام عاشوراء، وفي يوم عاشوراء كان يخرج حافي القدمين ملطخاً جبهته ووجهه بالطين. وكان يشارك أهل مواكب العزاء ويعمل بمثل ما يعملونه من لطم وغيره.

تشفع عن بعد

قال الآقا الإيماني: عند رجوعي إلى شيراز من سفري إلى أصفهان تشرفت بخدمة الحاج البيد آبادي فقال لي: بلغ سلامي إلى جناب الميرزا المحلاتي وقل له: إني لا أنساه من الدعاء، وقد وقع له ثلاثة أخطار كبيرة، وإني تشفعت وتوسلت بحضرة ولي العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أن تصحبه السلامة وأن يحفظه الله من كل مكروه.

فقال الآقا الإيماني: ما أن وصلت إلى شيراز حتى أبلغت ما قاله الآقا البيد آبادي إلى جناب الميرزا المحلاتي، فقال: صحيح ما قاله، حيث كنت أجيء إلى المنزل لوحدي وما أن وصلت تحت الطاق حتى رأيت أحداً واقفاً فلما رآني عرضت له عطسة، ثم قام بالسلام علي، وقال: استخر لي، فاستخرت بالسبحة فجاءت الاستخارة غير جيدة، فقال لي: استخر لي ثانية، فاستخرت له فجاءت الاستخارة غير جيدة، فطلب مني أن أستخير له الثالثة، فاستخرت له فخرجت الاستخارة غير جيدة.

فقبل يدي واعتذر مني وقال: كلفت أن أقتلك هذه الليلة بهذه الأسلحة فلما رأيتكم عرضت لي عطسة بدون اختيار، وما أن عطست حتى ترددت فيما كنت أنويه، فقلت: أستخير، فإذا خرجت الاستخارة جيدة قتلتكم، ولثلاث مرات خرجت الاستخارة غير جيدة، فعلمت أن الله لا يرضى بفعلي، وأن لكم منزلة عند الله.

وذكر جناب الآقا الإيماني: أن جناب حسين آقا فرده ـ ابن عمة الإيماني ـ كان هو وأمه مريضين وقد أشرفا على الهلاك، فقال المرحوم الحاج البيد آبادي وكان قد جاء لزيارتهما: إن أحد هذين المريضين لا بد أن يذهب، وأنا طلبت من الله تعالى أن يعافي حسين آقا، وهذا ما رأيته في المنام، وبعد هذا الكلام وفي تلك الليلة توفيت والدة حسين آقا، وعافى الله حسين آقا.

نعم دعاء الأخيار لا يرد، فقد قال سبحانه: (ادعوني أستجب لكم).

لا تحضر جنباً

كتب الميرزا التنكابي في (قصص العلماء) قال: نقل المرحوم السيد عبد الكريم عن والده الآقا سيد زين العابدين اللاهيجي قال: في أواخر عمر الأستاذ الكبير الآقا باقر البهبهاني كنت أطلب العلم في النجف الأشرف، وكان الآقا البهبهاني لشيخوخته يمتنع من التدريس ولكن كان يدرس درس (شرح اللمعة) في منزله للتيمن والتبرك، وكنا بعض الطلبة نحضر درسه.

واتفق أني احتلمت يوماً، ولما حان موعد الدرس كنت أفكر أن أحضر بوقته ثم أذهب للحمام للغسل، ثم حضرنا الدرس وجاء الأستاذ إلى غرفة الدرس، وكالعادة توجه إلينا ببشاشة لا تكاد تفارقه، ثم التفت إلي وقد تغير حاله وقال: اليوم نعطل درسنا، وعلى السادة أن ينصرفوا لإكمال أعمالهم الأخرى.

فقام الطلاب وقمت وأردت الخروج من غرفة الدرس، فأشار إلي بالجلوس فجلست بعد أن خرج زملائي وخلت الغرفة، فقال لي يوجد مقدار من المال تحت هذا البساط الذي تجلس عليه، خذه واذهب إلى الحمام واغتسل، ومن الآن فصاعداً لا تحضر مثل هذه المجالس وأنت جنب.

دعاء العالم العامل

قيل: أن الحاج الكلباسي (رحمه الله) دعا على حاكم أصفهان ولم يمض شيء من الوقت حتى عزل الحاكم، فكتب إليه الحاج يقول: أرأيت كيف أن دم الفراشة الذي أريق بغير حق، لم يمهل الشمعة ليلة إلى الصبح؟

لم يتغير جسده بعد خمسة وثلاثين عاماً

في سنة (1357هـ) وعندما أرادت الحكومية العراقية تعمير المشهد المقدس الحيدري، وصممت على هدم القبور المحيطة بالحرم، عثر في أثناء الهدم والتخريب على بعض أجساد الأموات، ومن جملتها: الجسد الشريف للعلامة الفاضل الشرابياني (رحمه الله)، فوجدوه وبعد مضي خمسة وثلاثين عاماً على وفاته ودفنه لم يتغير أصلاً، وكأنما مات لتوه حيث لم يتلاشى جسده، حتى أن كفنه لم يمزق، وحيث أن الهواء الخارجي لم يصل إلى الكفن فقد تغير، إلا أن بدنه الشريف لم يصبه أي تغيير، فجددوا كفنه وأعادوا بناء قبره.

اعتقاد عموم الناس بعالم عامل

كان السيد محمد بن علي بن محمد علي الطباطبائي صاحب (المفاتيح) و (المناهل) وكتب أخرى وهو ابن المرحوم السيد علي صاحب (رياض المسائل) والمعروف بالآقا السيد محمد المجاهد، وقد انتقلت إليه الرياسة العامة للشيعة بعد أبيه، وكان مقبولاً في المجتمع الإسلامي عند الخاص والعام، مجمعاً على جلالته، محترماً عندهم، رفيع المنزلة والشأن، وكانت له عزة ومنعة، حتى نقل عنه: أنه (رحمه الله) عندما توضأ من حوض مسجد الشاه بقزوين، أخذ أهالي المدينة ماء ذلك الحوض للتبرك والتيمن والشفاء حتى فرغ ماء الحوض.


28

وهذه الواقعة شبيهة بما رواه أبو الفرج الأصفهاني قال: لما قيّد نصر بن سيار يحيى بن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) بالسلاسل وحبسه، أمر الوليد بن يزيد بن عبد الملك أن يطلق سراحه من الحبس، فلما تم ليحيى الخلاص من القيد والحبس، ذهب جماعة من الشيعة وكانوا أصحاب ثروة إلى الحداد الذي أخرج القيد والسلاسل من رجلي يحيى، وقالوا له: بع لنا السلاسل التي أخرجتها من رجلي يحيى، فعرض الحداد القيد والحديد للبيع، وحدثت مزايدة في الشراء من قبل الحضور، حتى بلغت القيمة إلى عشرين ألف درهم.

وأخيراً أعطوا الثمن معاً، واشتركوا في شراء السلاسل، وقسموها قطعة قطعة فيما بينهم، وأخذ كل منهم جزءاً منها وجعله خاتماً للتبرك.

إما أن تترك المنبر أو تنقل من الكتب المعتبرة

جاء شخص في كرمانشاه إلى العالم الكامل الآقا محمد علي بن الوحيد البهبهاني صاحب (مقامع الفضل) وغيره، فقال: رأيت في المنام أن أسناني تقطع لحم بدن الإمام الحسين (عليه السلام)! وحيث أن الآقا محمد علي لم يعرف هذا الشخص، أطرق برأسه إلى الأرض، وأخذ يفكر، ثم قال له: لعلك خطيب منبر؟

قال: نعم، فقال له: إما أن تترك المنبر، أو تنقل من الكتب المعتبرة.

توسل القاسم بن عباد عز الدين الكاظمي

كان الشيخ الكبير، صاحب الكرامات الباهرة، (شارح الاستبصار) القاسم بن عباد عز الدين الكاظمي مجاوراً للنجف الأشرف.

وفي سبب مجاورته للنجف الأشرف، روى عن ابنه الأكبر الشيخ إبراهيم أنه قال: قال والدي، وهو يشرح كيفية مجاورته لهذا المكان المقدس:

ابتليت بقروض كثيرة عجزت عن أدائها، ولم يكن لي وسيلة أتعيش بها، فاضطررت أن أهاجر إلى ديار العجم، وفي الليلة الأخيرة زرت مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) للوداع، فتشرفت بالزيارة وزرت زيارة الوداع، ووقفت إلى جنبه بقلب منكسر حزين، ثم خاطبت الإمام (عليه السلام) وقلت: يا مولاي! لشدة الضيق والفاقة، سأضطر للسفر إلى ديار العجم، وفي هذا السفر سأضطر إلى الالتقاء ببعض الوجهاء والوزراء، وإذا كان لسان مقالي لم يسأل هؤلاء، فلسان حالي يسألهم، ولو أن لسان مقال هؤلاء لا يسألني، فلسان حالهم يسألني ويقول: أيها الشيخ! تركت التمسك بمولاك، وتمسكت بأذيال الآخرين، في حين أن أهل الدنيا كلهم محتاجون إليه.

وبعد الزيارة ودعت الحضرة وذهبت ونمت، فرأيت في المنام رجلاً يسمى ـ الحاج علي ـ وكان دائماً يظهر لي اللطف والمحبة ويزيد في إكرامي واحترامي، فجاء لي وهو في حالة غضب وغيظ، فقلت له: أيها الحاج! أستغرب منك هذا الجفاء، ولم أكن أتوقعه منك، حيث لم يسبق منك ذلك، فما هو الذنب الذي صدر مني حتى أستحق كل هذا؟

وفي هذه الأثناء سمعت صوتاً من منارة صحن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: أيها الغافل! هنا مكان يأتيه الملوك ويقصدونه ويقبلون عتبته، وأنت تريد تركه؟

فاستيقظت من نومي وصممت على المجاورة في هذا المكان المقدس، وأن لا أتركه، وتوكلت على الله، فأرسلت إلى أهلي وعيالي فجيء بهم إلى النجف الأشرف، ولم تمض سنة حتى أديت جميع ديوني، ونلت الرفاه في العيش.

يقول صاحب (رياض العلماء) تشرفت بخدمة هذا العالم في النجف الأشرف، وكانت تلوح عليه سيماء الإيمان، فكان مصداق الآية الشريفة: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود).

شفاء عين آية الله البروجردي بتربة سيد الشهداء (عليه السلام)

روى آية الله البروجردي قال: ابتليت في بروجرد بوجع شديد في عيني ولم تفد معها العلاجات حتى يأس الأطباء من شفائي.

وفي أحد الأيام من محرم الحرام جاءت مواكب أجراء العزاء إلى منزلنا وكنت جالساً أذرف الدموع وقد زاد الألم في عيني، وفي تلك الحال ألهمت بأن آخذ من الطين الذي يضعه أهل العزاء على رؤوسهم وصدورهم وأن أمسح به عيني، فأخذت طيناً من رأس أحد أهل العزاء ومسحت به عيني فأحسست على الفور بتخفيف الألم بالكامل.

ولوحظ عليه وهو في سن التاسعة والثمانين أنه لم يعان ضعفاً في عينه، مما أثار دهشة واستغراب أطباء العيون الحاذقين الذين قالوا: من غير المألوف أن يصل الشخص إلى سن (89) عاماً مع كثرة القراءة والكتابة ولا يحتاج إلى النظارة الطبية.

هذا المبلغ تركه جدك لك

نقل الحاج آقا تاج الدين الدزفولي عن أحد أجداده السيد محمد علي: أنه سافر إلى كربلاء، ونفد ما عنده من المال، وكانت عفة النفس ومناعة الطبع تمنعه من إظهار حاجته لأحد، وقد أخذ يشتد به الضعف من كثرة الجوع، فتشرف بزيارة الحرم المطهر لسيد الشهداء (عليه السلام) وقال مخاطباً الحسين (عليه السلام): إذا لم تساعدني فسأضطر إلى أخذ شيء من الذهب العائد للضريح، وزرت زيارة مختصرة، وخرجت من الحرم، وعند الصحن التقيت بخادم الشيخ مرتضى الأنصاري فقال لي: أمرني الشيخ أن أصحبك إليه، ثم ذهبنا سوية إلى منزل الشيخ، فأعطاني ثلاثين توماناً، وقال لي: إن جدك ترك هذا المبلغ عندي لأوصله إليك، فأخذت المبلغ ورجعت من عنده، ولم أخطو إلا خطوات قليلة حتى هتف الشيخ لي قائلاً: لا تأخذ بعدها ذهب الحضرة!!


29

علة بكاء رجل على قبر الشيخ الأنصاري (رحمه الله)

نقل أحد أسباط الشيخ الأنصاري (رحمه الله) بالواسطة: أنه شوهد رجل وقد طرح بنفسه على قبر الشيخ الأنصاري وكان يبكي بكاء شديداً. وعندما سئل عن سبب بكائه؟

قال: أوعز إلي جماعة أن أقتل الشيخ، فاستجبت لطلبهم وأخذت سيفي، وذهبت إلى منزل الشيخ، وكان الوقت منتصف الليل، فلما دخلت عليه غرفته، وجدته على سجادته في حالة الصلاة، فلما جلس رفعت السيف بيدي لأضربه، فامتنعت يدي عن الحركة، ولم أتمكن من القيام، فبقيت على هذه الحال حتى فرغ من صلاته، وبدون أن يرجع بطرفه إلي قال: إلهي! ما الذي عملته حتى أن فلان وفلان ـ وصرح بأسمائهم ـ قد أرسلوا فلانا ـ وصرح باسمي ـ ليقتلني، إلهي! قد غفرت لهم فاغفر لهم.

وفي ذلك الوقت التمست منه وطلبت العفو، فقال لي: لا ترفع صوتك حتى لا يفهم أحد، اذهب إلى منزلك، وتعال لي عند الصباح.

فخرجت من عنده، وقد استغرقت في الفكر حتى الصباح، وعند الصباح فكرت وقلت في نفسي: أأذهب أم لا أذهب، وما الذي يحدث لي في حالة امتناعي عن الذهاب؟

وأخيراً تملكت الجرأة وذهبت، فرأيت الناس حوله في المسجد، فتقدمت إليه وسلمت عليه فأعطاني كيساً من المال في الخفاء وقال لي: اذهب وتكسب به، ومن بركة هذا المبلغ أني أصبحت اليوم أحد تجار السوق، وكل ما عندي هو من بركة صاحب هذا القبر.

لا يقال: لم لم يتفق مثل ذلك لأمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قتله ابن ملجم؟

لأنه يقال: تلك إرادة الله يفعلها حيث يشاء كما أن بدن الحسين (عليه السلام) رضته الخيل في كربلاء ولم تتمكن الثيران من محو معالم قبره حينما أراد المتوكل ذلك وأمثال ذلك كثير كما لا يخفى على من راجع المعجزات والكرامات.

رؤيا بصدد موت الآخوند الخراساني

روى الشيخ عبد الله الرشتي وكان أحد فضلاء النجف قال: في الليلة التي توفي فيها الآخوند رأيت في المنام شيئاً عجيباً، رأيته ـ أي الآخوند ـ يناجي ربه بحرقة وقلب حزين ويدعوه، وكلما يدعو يطلب من ربه أن يعجل بموته، وفي الأثناء ارتفع صوت: (قد أجبنا دعوتك)، وكلما التفت وصوبت ببصري لم أجد أحداً، ومن شدة الهيجان استيقظت من نومي، وبعد ساعات قليلة أخبرت بوفاة الآخوند (رحمه الله).

من كرامات الميرزا الشيرازي الأكبر

روي أن ثلاثة من الفقراء زاروا سامراء، والتقوا بالمرحوم الميرزا الشيرازي ـ المعروف بالميرزا الكبير ـ وطلبوا منه المساعدة، فأعطى لأولهم عشرين قرشاً، وللثاني خمسة قروش، وحرم الثالث، فلم يرض الــــفقراء الثلاثة بهذا التقسيم، وقالوا للميرزا: لم تراع المساواة والعدالة بيننا؟

فقال الميرزا (رحمه الله): راعيت المساواة على أكمل وجه، فلا تصروا على الاعتراض، إلا أنهم تمادوا ولم يقتنعوا وأصروا، فأمر الميرزا بأن تفتش جيوبهم، فظهر أن الرجل الأول الذي أعطاه الميرزا عشرين قرشاً كان معه خمسة قروش، والرجل الثاني الذي أعطاه الميرزا خمسة قروش كان يحمل معه عشرين قرشاً، والرجل الثالث الذي لم يأخذ شيئاً كان يحمل معه خمسة وعشرين قرشاً، ومن هنا حصل التساوي بين الجميع.

نعم: المؤمن ينظر بنور الله.

المير الفندرسكي وخراب الكنيسة

نقل عن المير الفندرسكي أنه في أيام سياحته وصل إلى إحدى ولايات الكفار، وفي أحد الأيام قال له البعض من أهل الولاية: من الأدلة على أحقية ديننا وبطلان دينكم أن بعض معابدنا وكنائسنا بالرغم من مرور ألفي سنة على بناءها إلا أنها لم تتصدع ولم يظهر عليها أي نوع من الخراب، على العكس من مساجدكم فإنه لا يمضي مائة عام على بنائها حتى ينالها الهدم والخراب.

فقال السيد (رحمه الله): إن بقاء معابدكم وخراب معابدنا ليس لهذا السبب، بل أن في مساجدنا تقام العبادة الصحيحة، ويذكر فيها اسم الله، وتطاع أوامره، فلم يطق البناء ذلك، ومن هذه الناحية تتعرض مساجدنا للتصدع والخراب، وأما معابدكم، فلو كنا نعبد الله فيها، لم تتحمل ذلك لحظة وانهدمت وأصابها الدمار.

فقال له الكفار: إن اختيار هذا العمل سهل جداً، إن صح قولك، فتعال إلى أحد معابدنا، واعبد الله، واذكره، حتى يتبين الصدق من الكذب.

فوافق السيد على اقتراحهم، وتوكل على الله، وتوسل بالأرواح الطيبة للأئمة المعصومين (عليه السلام)، فأسبغ الضوء، وذهب إلى كنيستهم العظمى، وكانت محكمة جداً، وقد مضى على بنائها ألفا عام، ولم يشاهد فيها أثر لخراب، وجاء عدد كثير من الناس للمشاهدة يراقبون السيد، فدخل السيد وقرأ الأذان والإقامة، وبعد النية رفع يديه وقال بصوت عال : الله أكبر، وخرج من الكنيسة مسرعاً، فاهتز سقف الكنيسة وسقطت حيطانها وكان ذلك من كرامات السيد عند المباهلة.


30

طراوة جسد الشيخ الصدوق (رحمه الله)

جاء في (روضات الجنات) أنه في حدود سنة (1238هـ) وعلى أثر تساقط الأمطار بكثرة وجريان السيول، تعرض قبر الشيخ الصدوق (رحمه الله) ـ الواقع في مدينة ري في سرداب ـ للخراب، وعندما هدم القبر لأجل تعميره، شوهد جسد الصدوق (رحمه الله) باقياً على حاله لم يتغير، كأنه قد دفن لتوه، إلا ما كان من الكفن فقد تمزق وأصبح كالفتائل المنتشرة على بدنه، وكان البدن مكشوفاً بكله باستثناء العورة.

فذهب الناس من العلماء والمؤمنين لمشاهدة البدن الطاهر في ذلك السرداب وزيارته، حتى لم يبق أدنى شك لأحد من الأهالي في ذلك.

فلما وصل الخبر إلى سلطان الوقت فتح علي شاه، حضر بنفسه مع حاشيته إلى ذلك المكان، فظهرت للجميع تلك الكرامة الباهرة، فأمر السلطان بتعمير القبر وبناء قبة محكمة عليه مع وضع الزينة على البناء.

فكر بنفسك

نقل عن المرحوم المجلسي الأول أنه ذهب إلى مقبرة (تخت فولاد) بأصفهان بصحبة الشيخ البهائي (رحمه الله) لزيارة أهل القبور، قال: فلما وصلنا قبر بابا ركن الدين سمع الشيخ البهائي صوتاً من داخل قبر يقول له: يا شيخنا! فكر بنفسك.

فالتفت إلي الشيخ البهائي وقال: هل سمعت هذا الصوت؟

قلت: كلا.

فأخذ الشيخ بالبكاء، وراح يدعو الله. فأصررت عليه أن يشرح لي ما جرى؟

فقال أخبرني بأن أستعد للموت.

ولم يمض على هذه القضية إلا ستة أشهر حتى فارق الشيخ الحياة في أصفهان.

إطلاق سراح السيد رضي الدين من السجن

ذكر العلامة (رحمه الله) في كتاب (منهاج الصلاح) في شرح دعاء العبرات: أن هذا الدعاء مروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وبصدد هذا الدعاء هناك حكاية عن السيد رضي الدين محمد بن محمد الآوي معروفة، وتفصيلها هكذا: أن أحد أمراء (جرماعوت) قد أخذ المرحوم السيد رضي الدين وحبسه، وقد طال حبسه، وفي هذه المدة تعرض للمشقة واشتد به الضيق، وقد رأى في إحدى الليالي بقية الله الإمام الحجة (عج) في المنام، فأخذ في البكاء وشكى إليه الضيق وضغط الحبس، وقال: يا مولاي! اشفع لي حتى أنجو من الحبس.

فقال له: (اقرأ دعاء العبرات).

فسأل السيد: ما هو دعاء العبرات؟

فقال (عليه السلام): إنه في كتابك (المصباح).

فقال السيد: يا مولاي! لم أكتب في (المصباح) مثل هذا الدعاء.

فقال (عليه السلام): أنظر فيه فسوف تراه.

فاستيقظ من النوم، وأدى صلاة الصبح، وفتح كتاب (المصباح) وعثر على ورقة بين أوراقه وكان قد كتب الدعاء فيها، فقرأه أربعين مرة.

وكان للأمير زوجتان، وكانت إحداهما امرأة عاقلة ومدبرة وكان للأمير بها علاقة شديدة، فعندما جاء إليها الأمير قالت: أيها لأمير! هل أخذت أحد أولاد أمير المؤمنين (عليه السلام) وحبسته؟

فقال الأمير: ما الذي حدث حتى تسأليني هذا السؤال؟

قالت: رأيت في منامي شخصاً كأنه القمر فقال لي: (إن زوجك قد أخذ ابني وحبسه وقد ضاق به العيش).

فقلت له: أيها السيد! من أنت؟

قال (عليه السلام): (أنا علي بن أبي طالب أخبري زوجك وقولي له: إذا لم يخرج ولدي من الحبس، سأهدم على رأسه القصر).

فلما سمع السلطان ذلك قال: لم أعلم هذا وليس عندي خبر بذلك، فلما سأل حارس السجن، قال: نعم، أخذ أحد السادة وألقي به في الحبس، فأمر الأمير أن يطلق سراحه، وأعطي له فرساً حتى يركبها ويذهب إلى منزله.

الاعتبار بقبر الكليني (رض)

نقل أن بعض حكام بغداد لما رأى إقبال الناس على زيارة الأئمة (عليهم السلام) حمله النصب على إرادة نبش قبر سيدنا أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وقال: إن كان كما يزعم الرافضة من فضله فهو موجود في قبره، وإلا نمنع الناس من زيارة قبورهم، فقيل له ـ وقيل إن القائل وزير ذلك الحاكم ـ: إنهم يدعون في علمائهم أيضاً ما يدعون في أئمتهم، وأن هنا رجلاً من علمائهم المشهورين، واسمه محمد بن يعقوب الكليني، وهو من أقطاب علمائهم، فيكفيك الاعتبار بحفر قبره.

فأمر بحفر قبره فوجدوه بهيئته كأنه قد دفن في تلك الساعة، فأمر ببناء قبة عظيمة عليه وتعظيمه، وصار مزاراً مشهوراً.

سماع السيد ابن طاووس لصوت ولي العصر (عج)

نقل: أن السيد رضي الدين علي بن طاووس (رحمه الله) قد سمع صوت صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه) في السرداب المبارك بسامراء، ولم ير شخصه، سمعه يقول في القنوت هذا الدعاء: (اللهم! إن شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا..) الدعاء.


31

قرأ في أذني كل سورة الحمد

نقل الآقا مير سيد علي البهبهاني ـ عن أحد تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) ـ قال: ذهبت إلى النجف الأشرف لاستكمال العلوم الدينية، وحضرت درس الشيخ مرتضى الأنصاري إلا أني لم أكن أستوعب مطالبه، وكنت متأثراً من هذا الوضع الذي ألم بي، فالتجأت إلى الختومات ولكن لم أحصل على الفائدة المرجوة.

وأخيراً توسلت بأمير المؤمنين (عليه السلام) حتى رأيته في منامي فقرأ في أذني: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فلما أصبحت وحضرت مجلس الدرس استوعبته كاملاً، حتى بلغ بي الأمر أن استشكل على الشيخ، وفي أحد الأيام وتحت منبر الدرس تحدثت كثيرا مع الشيخ وباحثته، وبعد انتهاء الدرس اقترب الشيخ مني وهمس في أذني قائلاً: إن الذي قرأ بإذنك بسم الله الرحمن الرحيم، قرأ أيضاً بإذني إلى ولا الضالين.

قال هذا وذهب، فتعجبت من هذه القضية، لأنه لم يطلع أحد على رؤياي، فعلمت أن للشيخ مقاماً وكرامات، وموضع توجه أئمة الدين (عليه السلام).

لا تؤخر سهم الطلاب

نقل الفاضل العراقي في (دار السلام) عن الشيخ محمد حسين الكاظمي قال: دخلت حرم سيد الشهداء (عليه السلام) وأسندت ظهري إلى الباب وجعلت وجهي اتجاه الضريح المقدس، فشاهدت الشيخ مرتضى الأنصاري وقد دخل الحرم المطهر، فلما وصل قريباً مني ناولني كيساً من المال، وقال: لك نصف المبلغ فاصرفه، والنصف الآخر قسمه بين الطلاب المستحقين، فلما جئت إلى منزلي أحصيت المبلغ، فوقع في خاطري أن أسدد ديوني بالمبلغ، وأقوم بعدها بتهيئة سهم الطلاب وأرد الأموال إليهم.

وفي الليلة الثانية تشرفت بزيارة الحرم المطهر ورأيت أيضاً الشيخ الأنصاري وقد جاء للزيارة، فلما اقترب مني همس لي وقال: لا تؤخر سهم الطلاب، أعطه إياهم، وسوف أعطيك أيضاً حتى تؤدي قروضك، قال هذا الكلام وذهب.

فعلمت أن هذا الشيخ كان مطلعاً على ما كنت قد فكرت فيه، وهذه إحدى كرامات هذا العالم التقي.

ابن قولويه يشهد نصب الحجر الأسود

الشيخ جعفر بن محمد بن موسى بن قولويه القمي البغدادي من ثقاة الإمامية، وعلمائهم في الفقه والحديث، وله تصانيف على عدد كتب الفقه، وله كتاب (كامل الزيارات).

وفي سنة (339هـ) قصد الحج، إذ كان من المؤمل في تلك السنة أن يعاد الحجر الأسود الذي أخذه القرامطة لسنوات طويلة إلى هجر، لينصب أيام الحج في مكانه، ومن المعلوم أن الإمام المعصوم هو الذي يقوم بنصب الحجر الأسود، وكان الشيخ يعرف ذلك، فلما وصل بغداد ساءت حالته الصحية ولم يستطع معها السفر إلى مكة، واضطر إلى أن يتخذ نائباً له، وأرسله إلى مكة، وكتب رسالة وختمها، وقال لنائبه: تعطي هذه الرسالة لكل من يقوم بنصب الحجر في مكانه، وسأل في الرسالة عن مدة عمره، وهل يشفى من مرضه الذي هو فيه أو يموت به؟

وفي اليوم الذي أريد فيه نصب الحجر، أعطى النائب مقداراً من المال لخدمة الكعبة حتى يجد له مكاناً قريباً من الركن، ليعرف من هو الذي يقوم بنصب الحجر، قال النائب: كل من أراد أن ينصب الحجر لم يستطع إذ كان الحجر يضطرب ويسقط، حتى جاء شخص حسن الصورة فأخذ الحجر ووضعه في مكانه فاستقر عند ذلك، فتعالت أصوات الناس ثم رجع هذا الشخص من الطريق الذي جاء منه، فاتبعت أثره، واخترقت زحام الناس وشققت الطريق بكل صعوبة، وأخذت أسرع الخطو لألحق به، وهو يمشي بهدوء، ومع كل ذلك لم أستطع اللحاق به، حتى وصلت مكان لم يكن فيه أحد، فالتفت إلي ذلك الشخص وقال: (هات ما عندك)، فقدمت له تلك الرقعة، وقبل أن يفتح الرسالة قال: (قل له: لا خوف عليك من هذا المرض، وستموت بعد ثلاثين سنة)، فأجهشت بالبكاء ولم أستطع أن أنطق حرفاً، ولم أتمكن من الحركة، وذهب عني.

وبعد أن رجع نائب الشيخ من مكة، وأبلغ الشيخ بهذا الخبر، وكان الأمر كما ذكر فقد توفي (رحمه الله) سنة (369هـ) ودفن في البقعة المطهرة بالكاظمية تحت أرجل الإمامين (عليه السلام) جنب قبر الشيخ المفيد.

الوحيد البهبهاني يأتمر بأمر الإمام الحسين (عليه السلام)

كان للوحيد البهبهاني (رحمه الله) في كربلاء حوزة درس ومرجعية تامة، وكان يخطر على باله في بعض الأحيان أن يغادر كربلاء إلى المدن الأخرى، حتى رأى في المنام الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يقول له: (أنا غير راض بخروجك من مدينتي) فعدل عن رأيه السابق وصمم على البقاء بجوار الحسين (عليه السلام).


32

سبب كثرة التأليفات

قال الشيخ أسد الله صاحب (مقاييس الأنوار): دخلت يوماً على السيد عبد الله شبر صاحب التأليفات الكثيرة، وسألته: عن العلة في كثرة تأليفاته وقلة تأليفاتي؟

فأجاب السيد: سبب كثرة تأليفاتي وتصنيفاتي هو لطف الإمام الهمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فقد رأيته في المنام فأعطاني قلماً وقال لي: (أكتب) ومنذ ذلك الوقت وفقت للتأليف، وكل ما خرج من قلمي فهو من بركة ذلك، قالوا وحين نهض من ذلك المنام كان ذلك القلم الشريف بيده، ومثله قصة البردة التي أعطاها رسول الله (ص) للشاعر في المنام فلما نهض من نومه رأى بردة رسول الله موجودة عنده.

خروج الشيخ الطبرسي من القبر

في سنة (548هـ) توفي صاحب كتاب (تفسير مجمع البيان) أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي في سبزوار، ونقلت جنازته إلى المشهد المقدس الرضوي، ودفن في المقبرة المعروفة بـ (قتلكاه).

وقد نقل صاحب (روضات الجنات) عن صاحب ( رياض العلماء)، قال: ومن عجيب أمر هذا الطبرسي بل من غريب كراماته، ما اشتهر بين الخاص والعام، أنه قد أصابته السكتة، فظنوا به الوفاة، فغسلوه وكفنوه ودفنوه ثم رجعوا، فلما أفاق وجد نفسه في القبر، وقد سد عليه سبيل الخروج عنه، من كل جهة، فنذر في تلك الحالة أنه إذا نجى من تلك الداهية، ألف كتاباً في (تفسير القرآن)، فاتفق أن بعض النباشين قصده لأخذ كفنه، فلما كشف عن القبر أخذ الشيخ بيده، فذهل النباش مما رآه ثم تكلم معه، فازداد ذهولاً، فقال له: لا تخف أنا حي، وقد أصابتني السكتة فدفنوني، ولما لم يقدر على النهوض والمشي من غاية ضعفه حمله النباش على عاتقه، وجاء به إلى بيته الشريف، فأعطاه خلعة وأولاه مالاً جزيلاً، وتاب على يده النباش، ثم إنه بعد ذلك وفى بنذره وشرع في تأليف (مجمع البيان).

وقد تنسب هذه القضية إلى المولى فتح الله الكاشي، ويقال: إنه ألف بعد نجاته من تلك الواقعة تفسيره الكبير، المسمى بـ (منهج الصادقين).

تشرف العلامة الحلي بخدمة الإمام الحجة (عج)

ذكر صاحب (قصص العلماء) قال: سمعت من الملا صفر علي اللاهيجي: أن أستاذه المرحوم الآقا سيد محمد بن الآقا سيد علي صاحب (المناهل) حكى عن العلامة الحلي قال: كان العلامة الحلي في إحدى ليالي الجمعة قد تشرف بزيارة سيد الشهداء (عليه السلام) وكان لوحده راكباً على حماره وبيده سوط، وفي أثناء الطريق صاحبه شخص عربي وكان راجلاً، ثم تكلما في المسائل العلمية، والعلامة يسأله عن مشكلاته في العلوم واحدة تلو الأخرى، وكان هذا الشخص يجيب عليها ويقوم بحلها حتى انجر الحديث إلى إحدى المسائل فأفتى ذلك الشخص بخلاف ما يراه العلامة الحلي وقال: لم يرد حديث عندنا يؤيد هذه الفتوى.

فقال الرجل: (إن حديثاً في هذا الباب قد ذكره الشيخ الطوسي في ـ التهذيب ـ فتصفح كتاب التهذيب، وفي الصفحة الفلانية والسطر الفلاني تجده مذكوراً).

فأخذت العلامة الحيرة، من يكون هذا الشخص؟

فسأل الرجل وقال: هل يمكن في زمان الغيبة الكبرى أن نرى صاحب الأمر (عليه السلام) أو لا؟

وفي هذه الأثناء سقط السوط من يد العلامة، فأخذ الرجل السوط من الأرض ووضعه بيد العلامة وقال: (وكيف يمكن أن يرى صاحب الزمان (عليه السلام) والحال أن يده في يدك).

فسقط العلامة وبدون اختيار من حماره إلى الأرض وهو يقبل قدمي الإمام (عليه السلام) وأغمي عليه، ولما انتبه لم ير أحداً، وبعد أن رجع إلى البيت تصفح كتاب (التهذيب) فوجد الحديث المذكور في تلك الصفحة وذلك السطر، كما دله عليه.

وبعد ذلك كتب العلامة بخطه على حاشية كتاب (التهذيب): وهذا الحديث هو الذي أرشدني إليه صاحب الأمر..

تشرف الشيخ الأنصاري (رحمه الله) بخدمة الإمام الحجة (عج)

نقل الآقا مير السيد محمد البهبهاني بواسطتين عن أحد تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) قال: في إحدى زياراتي المخصوصة لكربلاء، خرجت في إحدى الليالي بعد منتصف الليل إلى الحمام، ولما كانت الشوارع مكسوة بالطين فقد أخذت معي سراجاً، فلاح لي من بعيد شخص شبيه بالشيخ الأنصاري، فلما اقتربت منه قليلاً وجدته الشيخ الأنصاري نفسه، فاتبعت أثره حتى لا يتعرض لمكروه من أحد، وكنت أخطو خطوات خفيفة في اقتفاء أثره حتى رأيته وقد وقف على باب دار خربة، وقرأ الزيارة الجامعة، ثم دخل الدار الخربة، فسمعته يتحدث مع شخص إلا أني لم أره.


33

ثم ذهبت إلى الحمام، وبعدها تشرفت بزيارة الحرم، رأيت الشيخ في الحرم الشريف.

وبعد انتهاء هذا السفر وفي النجف الأشرف وصلت إلى خدمة الشيخ، وعرضت عليه قضية تلك الليلة، وبعد الإلحاح الشديد مني عليه قال: أحياناً ولأجل الوصول بخدمة إمام الزمان (عج) أطلب الاستئذان منه، وكنت قد ذهبت إلى ذلك المنزل الذي رأيتني على بابه أقرأ الزيارة الجامعة، لأطلب الاستئذان من الحضرة الشريفة والتشرف بلقائه، لأسأله عن بعض المطالب.

ثم بعد ذلك أقسم علي الشيخ وأخذ مني عهداً على أن لا أبوح لأحد بما جرى له ما دام على قيد الحياة.

الميرزا الشيرازي وفتوى تحريم الدخان

الناس يعدون اللحظات، وهم ينتظرون القرار النهائي من الميرزا الشيرازي (قدس سره)، وقد طلب علماء طهران وأصفهان وباقي المدن مراراً من الميرزا أن يصدر حكمه بتحريم الدخان، وأخيراً تلقوا حكم التحريم، وكانت فتوى الميرزا قصيرة وقاطعة وتتلخص بهذه العبارة: (بسم الله الرحمن الرحيم: اليوم استعمال التنباكو والتوتون بأي نحو كان في حكم محاربة إمام الزمان ـ صلوات الله عليه ـ حرره الأحقر محمد حسن الحسيني).

وكان انتظار الناس وحاجتهم إلى مثل هذه الفتوى قد تجاوز حد التصور، فما أن وصلت الفتوى إلى طهران بيد الميرزا الآشتياني حتى انتشرت بعد دقائق في جميع أنحاء المدينة، وفي كل مكان كان الوعاظ والخطباء يقرؤونها بصوت عال على مسامع الناس.

وكان حاكم طهران قد أمر مأموري الدولة أن يعملوا ما بوسعهم للحد من انتشار تلك الفتوى، وأن يقوموا بإيذاء كل من يقرأها، فأخذ كل من وجد بحوزته نسخة من تلك الفتوى وأحيل للعقاب، ومع كل هذه المضايقات من قبل الدولة فقد استنسخت فتوى الميرزا الشيرازي (رحمه الله) في حدود مائة ألف نسخة في نصف يوم، وكان الناس يعتبرون هذا العمل إحدى الوظائف الشرعية، ومن كان متعلماً كان يكتب عدداً من النسخ، ومن لا يعرف الكتابة كان يعطي مبلغاً من المال لمن يجيد الكتابة ليكتب له عدداً من النسخ، حتى يشارك في هذا الواجب الشرعي، وقد وصل هذا الحكم المبارك وانتشر في أقصى نقاط إيران، كما ذكره الشيخ محمد رضا الزنجاني في كتاب (تحريم تنباكو)، وقد أخضعت هذه الفتوى إيران كلها ونفذت إلى القلوب فأصبح الناس في دار الخلافة وغيرها منقادين لها.

كتب الدكتور فووريه قال:… راعى الناس الانضباط في هذه الفتوى فأغلق باعة التبغ محلاتهم وكسرت قناني النارجيلات حتى امتنع خدام الشاه من تقديم ذلك في القصر، واليوم الحكم بيد الملالي وفي قبضتهم.

فتوى التحريم تدخل قصر السلطان

كان لفتوى الميرزا الشيرازي (رحمه الله) أثر بالغ على ناصر الدين شاه وأمين السلطان فحاصرتهما حتى في عقر دارهما، فلم يجد ناصر الدين شاه الغليون الذي اعتاد أن يشربه، فقد قام حرمه وعبيده بكسر النارجيلات وجمعوها أمام مكان نومه ليطلع عليها الشاه، فجاء الشاه إلى زوجته أنيس الدولة وكان للشاه بها علاقة واهتمام فوق ما يتصور، في الوقت الذي كانت خادمات أنيس الدولة يبحثن عن النارجيلات الفضية المرصعة، وكانت أنيس الدولة تشرف عليهن، فقال لها الشاه: أيتها السيدة! لماذا تعزلين النارجيلات وتجمعينها؟

فأجابت: لأن الغرشة أصبحت حراماً.

فالتفت إليها ناصر الدين شاه وقال لها: من الذي حرمه؟

فقالت له أنيس الدولة: الذي حللني لك!

فلم يقل الشاه شيئاً ورجع ولم يأمر أحداً من خدامه أن يأتي إليه بالنارجيلة، وكذلك مقهى السلطان فقد امتنع من الدخانية، وبلغ الأمر إلى حد أن اليهود والنصارى تابعوا المسلمين، فقد تركوا الدخانيات ظاهراً.

وكان لهذا الحكم صدى واسع عند عموم الناس واستقبل استقبالاً حاراً وبطوعية دون تهديد أو وعيد، حتى أصبح اجتناب الدخانيات عند بعض الناس أهم من المحرمات الأخرى.

نقل التيموري: أن الأوباش الذين لا يخشون أي معصية كسروا الأواني التي كانوا يستعملونها في الدخان، وبعض منهم وقف أمام عمارة الكمباني وقال: أنا لم أتخلى عن المعاصي، ولكن لا أضع الدخان في فمي ما لم يحلله الآقا الميرزا.

الشيخ محمد تقي البافقي والجهاد ضد البهلوي

كان المرحوم الشيخ محمد تقي البافقي من أعاظم العلماء، جليل القدر، وصاحب مقامات عالية وكرامات باهرة، وكان شجاعاً شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رأى في أحد الحمامات عقيداً في الجيش يحلق لحيته، فاقترب منه وقال له: ألم تعلم أن الإسلام قد حرم حلق اللحى واعتبرها خطيئة، فكيف تقدم على شيء محرم؟


34

فغضب العقيد من جرأة الشيخ عليه، وبلغ به الأمر أن لطم الشيخ على وجهه، وقال له: ما علاقتك بحلق لحيتي.

فأدار الشيخ له الصفحة الأخرى من وجهه وقال له: اضرب هذا الطرف أيضاً والذي أرجو أن لا يتكرر منك حلق اللحية، يخاطبه بهدوء كامل، وكأنه أب حريص على نصيحة ابنه.

فلما شاهد العقيد هذا الحلم من الشيخ والنصيحة والموعظة البالغة ندم على ما صدر منه، فسأل حلاق الحمام: من هذا الشيخ؟

فأجابه الحلاق: إنه الشيخ محمد تقي البافقي، فلما عرف العقيد أنه هو، تألم كثيراً وجاء إليه يقبل يده ويطلب المعذرة، وتاب على يديه.

وأخيراً، اهتدى ببركات أنفاس الشيخ وكان الشيخ محمد تقي البافقي يحذر وينكر على الذين يحلقون لحاهم في كل مكان، وأخذ تعهداً من الحلاقين على أن لا يحلقوا اللحى.

الثورة العراقية ودور العلماء والمراجع المجاهدين

في الحرب العالمية الأولى دخلت الدولة العثمانية الحرب بمساعدتها لألمانيا ضد البريطانيين والفرنسيين، فجرت العراق إلى الحرب، وأصبح هذا البلد الإسلامي معرضاً للخطر.

وفي هذه الأثناء قام علماء الشيعة المقيمون في ـ كربلاء والنجف ـ وعلى رأسهم المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي بإعلان الجهاد، ودخل شخصياً معركة الجهاد، واستقر ولده في أحد الخنادق الواقعة في أطراف بغداد للدفاع عن الدولة الإسلامية، ومن جملة العلماء المشهورين الذين شاركوا في تلك الحرب والجهاد ضد الاستعمار، والذين خلد أسماءهم التاريخ الإسلامي، المرحوم السيد محمد الطباطبائي الابن الأكبر لآية الله العظمى السيد مصطفى الكاشاني وابنه آية الله السيد أبو القاسم الكاشاني، وآية الله السيد محمد تقي الخونساري، وآية الله الشيخ مهدي الخالصي، وابنه الشيخ محمد الخالصي، وآية الله الشيخ محمد باقر الزنجاني، ولكل واحد من هؤلاء قدم راسخة في قيادة النهضة الإسلامية تحت لواء الميرزا الثاني ـ الشيخ محمد تقي الشيرازي ـ، وكان لهم أثر بالغ وموقع حساس في بناء التاريخ الجديد.

وهذه القوة المتشكلة من العلماء المجاهدين استطاعت أن تحطم قوة الإنكليز، لتجر وراءها أذيال الـــخيبة والحرمان والتقهقر، كما أسرت العديد منهم، وأخيرا، وبعد مقاومة باسلة حمل العراقيون حملة عنيفة من كل جانب فهزموا الإنكليز وألحقوا بهم خسائر فادحة وانتزعوا العراق.

مقاطعة الانتخابات

في سنة (1341هـ) أراد الملك فيصل الأول إجراء انتخابات وتأسيس مجلس برلمان وطني، وقد ضيق على علماء الشيعة، لأنهم كانوا يرون أن الانتخابات يجب أن تكون حقيقية ويراعى فيها حقوق الشيعة الذين كانوا يشكلون ثلثي سكان العراق، وعلى فيصل أن لا يتجاهل هذا الأمر، إلا أن فيصل لم يستجب لمطالب مراجع الشيعة، مما أدى بالشيخ مهدي الخالصي أحد كبار علماء العراق أن يصدر فتواه من الكاظمية المقدسة بحرمة الانتخابات ومقاطعتها، وأيد هذا الحكم كل من: آية الله النائيني، والسيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره)، وكان لهذا الحكم صدى واسع في كل أنحاء العراق، فصممت حكومة العراق على إبعاد الشيخ الخالصي وبقية العلماء ذوي النفوذ في هذا الموقف إلى إيران.

صورة من شجاعة المدرس

اجتمع حملة السكاكين في عهد رضا خان أمام المجلس النيابي ونادوا بشعار (الموت للمدرس) فأجابهم المدرس بالقول: إذا مات المدرس لم يعطكم أحد مالاً لترفعوا شعاراتكم ضده، وفي أحد الأيام وفي سفر رضا خان إلى أصفهان سأل من المدرس قائلاً: في هذه السفرة هل جلب انتباهكم شيء؟

وكان ينتظر ويتوقع من المدرس أن يذكر جلال وجبروت عسكر أصفهان.

ولكن أجابه المدرس بهذا القول: نعم، شيء واحد جلب انتباهي وهو أن كل الناس في إيران يخشون سطوتكم ولا يريدونكم، في حالة أنهم لا يخشونني ويحبونني.

ثم شرح له إيثار ومحبة أحد الرعاة وكيف أن سيارته قد تعطلت أثناء الطريق وأعطى ثوبه إلى المدرس ليحتفظ به إلى الصباح وقام بإصلاح السيارة، وفي الصباح جاء له بحليب حار، وهنا قال المدرس لرضا خان: أيها الجنرال! لو أنك في نصف الليل في تلك الصحراء وقد حصل لك التأخير، لا أعرف كيف كان يكون تعامل ذلك الراعي معك.

قتل إمام أهل السنة

في سنة (303هـ) ورد الإمام أبو عبد الله أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي أحد كبار المشاهير من محدثي أهل السنة وكان إمام عصره في الحديث، وله كتاب (السنن) المشهور الذي هو من جملة الصحاح الستة عند الجمهور، إلى دمشق الشام، وصنف بها كتاب (الخصائص) في فضائل أهل البيت (عليه السلام): دخلت دمشق والمنحرف فيها عن علي (عليهم السلام) كثير، فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب.


35

وكان على المنبر يحدث بفضائل علي (عليه السلام)، وما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحاديث معتبرة في كتب القوم، وقد سئل يوماً عن أمر معاوية وما وضع من الروايات في فضائله، فقال: ما أعرف له فضلاً إلا (لا أشبع الله بطنه).

وإنما أراد بذلك القول ما نقله الفريقان من: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل يوماً ليحضر معاوية عنده في شأن، فقيل له: إنه مشغول بالطعام، فأرسل إليه ثانياً، فأعيد عليه القول، ثم أرسل إليه، فقيل له: مثل الأولين، فتغير عند ذلك وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعا عليه بالدعاء المذكور، ويمكن أن يكون الوجه في ذلك ما نقل أيضاً عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام): (أن المؤمن يأكل في معاء واحد، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء).

وبالجملة، فمازال أهل دمشق يدفعونه، حتى أخرجوه من المسجد بعد أن أشبعوه ضرباً مبرحاً، ثم أخرجوه إلى الرملة وهي من أراضي فلسطين، ولم يبق إلا أياماً حتى فارق الحياة من شدة الضرب، وأشار إلى أهله بأن يحملوه إلى مكة المعظمة فدفن فيها.

الشيخ الأنصاري والمتنفذون

جاء الشيخ الأنصاري (رحمه الله) إلى دزفول، وأخذ يستطلع أمور الناس وأحوالهم، وفي يوم من الأيام جاء إليه رجلان وكان بينهما نزاع وطلبا منه أن يترافعا إليه، ويضع نهاية لتخاصمهما.

فقال لهما الشيخ: احضرا غداً للمرافعة.

وفي الليل طلب من الشيخ أحد الشخصيات البارزة في المدينة أن يلتزم جانب أحد المتخاصمين لأنه يتصل به بقرابة.

فتألم الشيخ من هذا الكلام كثيراً لدرجة أنه عزم على أن يغادر وطنه ويهجره، وقال: البلد الذي يتدخل متنفذوه في أحكامه الشرعية، من الأصلح أن لا يظل الإنسان فيه، وخرج منه إلى النجف الأشرف.

جهاد آية الله القمي ضد رفع الحجاب الإجباري

هذه القصة وقعت حوادثها في عهد الشاه رضا بهلوي في شيراز، فقضية كشف الحجاب ابتدأت من شيراز، وهذا تفصيلها:

كان الميرزا علي أصغر خان حكمت الشيرازي يشغل إدارة البريد في وزارة المعارف والثقافة، وفي يوم الخميس من شهر ذي الحجة سنة (1353هـ) دخل شيراز، وأقامت مدرسة شاهبور حفلاً ترفيهياً على شرفه، وكان مختلف طبقات الناس قد دعوا للحضور في هذا الحفل والمشاركة فيه، وكان في برنامج الاحتفال أنه بعد إيراد الكلمات والخطب ومشاهدة العروض الترفيهية ستقوم أربعون امرأة عارية بالرقص على نغمات الموسيقى المطربة، وسيشجعن الفتيات الأخريات على الرقص معهن، وكان هذا العمل مقدمة لكشف الحجاب الرسمي، والإجباري، وقد كان لهذه القضية صدى واسع بين الناس، وقد تأثر الناس كثيراً لما حدث، وكانوا يحتملون أن الشاه لا علم له بما جرى، وبعد أيام نشر هذا الخبر في الصحف:

في ميدان الجلالية وبحضور رئيس الوزراء محمد علي فروغي ذكاء الملك حضرن بنات المدارس بدون حجاب، وقد قال علي أصغر خان حكمت ضمن كلام له قال: يظن البعض أن هذا الإقدام في شيراز كان من رأيي ولكنه رأي الحضرة العالية.

وبعد أن اطلع المرحوم آية الله الحاج حسن القمي على هذا الخبر المؤسف، خطب وبكى وقال: إن الإسلام يريد فدائيين، وأنا مستعد للفداء، ثم أبلغ محمد ولي خان الأسدي نائب التولية بأن يحذر الشاه مـــن هذا العمل، وهدده أنه إذا لم يقبل هذه التوصية واستمر في غيه فإنه سيجاهدهم جهاداً عنيفاً، وأضاف في معرض حديثه قائلاً: كنتم تصرون بشكل مستمر علي بأن التقي الشاه وأنا أرفض هذا الطلب، أما الآن فأنا على استعداد للذهاب إلى طهران والالتقاء مع الشاه للوقوف بوجه هذا الانحراف وهذا العمل غير المشروع، وفي غير هذه الصورة سأقاوم وأجاهد ما دامت لي رجلان أقف عليهما.

وبعد يوم واحد من هذا النداء حوصر بيت المرحوم، آية الله القمي وسدت أطراف الشوارع من قبل مسؤولي الدولة وأصبحت تحت المراقبة وذلك لمنع الاتصال بآية الله القمي، فكتب المرحوم آية الله القمي برسالة إلى الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في قم وطلب منه الدعم والمساعدة، كما اتصل مع عالمي من علماء مشهد وهما: الآقا ميرزا محمد الكفائي المعروف بآية الله زاده ابن الآخوند ملا محمد كاظم الخراساني صاحب (الكفاية)، وآية الله الشيخ مرتضى الآشتياني، وأطلعهما على مجريات الحوادث.


36

وبالتدريج أخذت المحاصرة تشتد وتقوى خاصة في أطراف منزله إضافة إلى الطرق المؤدية إلى المنزل بواسطة المسؤولين الحكوميين، حيث كان يتم استجواب المارة، وقد بلغت المحاصرة أشدها لإيجاد جو يشوبه القلق والخوف والرعب، ولم يكن أحد يستطيع المقاومة إلا من كان له قلب مطمئن بالإيمان وشجاعة فائقة.

وعلى كل حال فقد صمم المرحوم القمي أن يقدم على هذا العمل واتخذ قراره النهائي وأطلع العالمين الكفائي والآشتياني على أنه يريد لقاء البهلوي، وأصبح وضع المدينة متشنجاً، وكان المرحوم القمي يدرس في بيته ويحضر عنده الطلاب صباحاً وعصراً.

وفي إحدى الجلسات قال: إني أريد الإقدام على ما أعتبره وظيفتي الشرعية، وهو الوقوف بوجه الانحراف وكشف الحجاب الإجباري، وهناك عشرة آلاف شخص مستعدون للمقاومة وأنا من ضمنهم، كان من الممكن أن ينتشر هذا الخبر بسعة في مشهد والأطراف ويترك أثراً واسعاً، فحاصرت الدولة وبشكل سافر وعلني منزل السيد القمي، وسجلوا أسماء الأشخاص الذين يدخلون عنده ويخرجون فتشنج الوضع في مشهد وبقية مدن محافظة خراسان، وفي يوم (28ربيع الأول ـ سنة1358هـ) اتصل هاتفياً آية الله القمي بطهران مع رضا خان البلهوي، وفي ليلة (29ربيع الأول) تحرك باتجاه طهران يصحبه اثنان من أولاده وأحد الخدمة.

وكان السيد القمي يحتمل أن لا يستطيع العودة من طهران، وأن يؤدي الأمر إلى قتله ولذا أوصى ولده الآخر السيد عباس النجاتي بعض الوصايا المتعلقة بعائلته، وقد أبرق أحد السادة إلى المرحوم السيد يحيى صدر العلماء بما جرى، ووصلت البرقية بين صلاة الظهر والعصر إلى مسجد الحاج سيد عزيز الله في طهران، وقرأت على مسامع المصلين، وفي آخر شهر ربيع الأول، ورد المرحوم القمي ومرافقوه إلى منطقة حضرة عبد العظيم ونزل في بستان سراج الملك.

وفي أول شهر ربيع الثاني جاء أهالي طهران يتقدمهم بعض السادة العلماء وأئمة الجماعة من المجاهدين لاستقبال آية الله القمي، وكان أكثرهم يأتون بشكل مجموعات وهم يركبون السيارات أو يستأجرون القطارات، وكانت تتزايد حركة الناس وتستمر إلى منتصف الليل، مما أدى إلى انزعاج الدولة، وفي اليوم الثاني منعت الدولة حركة السير، وصادرت وسائل النقل، وألغت حركة سير القطارات ذهاباً وإياباً إلى حضرة عبد العظيم، وأما وسائل النقل العامة فقد أخذت هي الأخرى نصيبها من المنع وعدم حمل المسافرين إلى حضرة عبد العظيم، فأخذ الناس يمشون راجلين بشكل مجموعات إلى محل إقامة آية الله القمي، فأوجد ذلك مشهداً حساساً مما أثار تخوف الدولة، واخذ قلقها يتزايد في كل لحظة.

وفي الساعة العاشرة من صباح اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني أغلق باب البستان، وأخذ عملاء السلطة يحدون من نشاط الداخلين والخارجين من البستان، وما أن حل الليل حتى حوصر بستان سراج الملك من قبل أفراد الدولة.. وأعلن منع المجيء إلى البستان.

وبعد حبس آية الله القمي، ومنع الاتصال به، جاء إليه بعض الأفراد من مسؤولي الدولة والتقوا به، فقال لهم: يجب علي الاتصال بالبهلوي، وأعرض عليه لوحده فقط ما عندي من المطالب.

وفي اليوم التالي جاء رئيس ديوان القضاء الأعلى وحاكم الوقت للقاء آية الله القمي، وكان هدفه أن يدخل مع السيد في مباحثات ومذاكرات، إلا أنه رفض البحث معه، وأصر على مجيئه هو للاتصال بالبهلوي والبحث معه وحده، وقد قيل للسيد القمي: إن رئيس الوزراء ووزير الداخلية والتخطيط جاءوا للقائكم، إلا أنه أجابهم بالقول: لا فائدة من ذلك وإني أرفض التحدث مع أي كان إلا مع البهلوي نفسه.

أما رضا خان فلم تكن لديه الرغبة في لقاء السيد القمي لأنه كان يعلم مسبقاً إنه سيكون بعد الاتصال واللقاء قد أخذت الحجة ولا يبقى عند الناس أي مجال للشك في أن عمله مخالف الإسلام هذا أولاً، وثانياً: إن آية الله القمي لم يلاحظ المقام الشاهنشاهي الكاذب عند لقائه بالشاه، وبعد أيام جاء مدير الأمن العام بصحبة محمد عبده الحاكم الأعلى للبلاد للسيد القمي، وأظهر له بأنه في مشهد على أثر حركته حدث التمرد مما أدى إلى قتل العديد من الأبرياء، وان دماءهم تقع على عاتقه في الحادثة هذه، فبكى المرحوم القمي لمقتل عدد من المسلمين الأبرياء، وقال: إن دماءهم تقع على مسؤولية الدولة وشخص الشاه، لأني جئت بيد خالية وبكامل المسالمة للتفاوض معه، وأنتم حبستموني، ومن المعلوم أن خبر اعتقالي قد وصل إلى مشهد فاعترض الناس على ذلك وأدانوه، وأنتم بدلاً من أن تنفذوا مطالبهم فقد أمطرتموهم بالرصاص.


37

وأخيراً قال مبعوثو الشاه للسيد القمي: ما كنت تطمع به من الالتقاء بالشاه قد أصبح مستحيلاً، كما أنه لا يمكن رجوعك إلى مشهد، وأنت الآن بين أمرين: إما أن تبقى في هذا البستان على هذه الحالة، أو أن تنتقل إلى مكان آخر تقبله الدولة؟!

فقال المرحوم القمي: إذا لم تتركوني وشأني، ولم تستجيبوا لمطالبي، ولم يسمح لي بالعودة إلى مشهد، فإني أريد أن أذهب إلى العتبات العاليات في العراق، فوافق رضا خان على سفره.

فتحرك المرحوم القمي باتجاه العراق بصحبة ولديه مع أحد الخدمة وورد كربلاء بجوار سيد الشهداء عليه السلام، فأرسل آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) وكان المرجع الأعلى في ذلك الوقت بلا منازع ممثلاً عنه وهو صهره الآقا السيد ميرزا حاملاً رسالة منه إلى آية الله القمي، وقال السيد ميرزا للسيد القمي في أثناء المقابلة: أمرني السيد أن أقبل يديكم نيابة عنه.

وقد أقام آية الله القمي بكربلاء، وقام بإدارة حوزتها العلمية، وكان مجموعة من كبار العلماء، أمثال المرحوم: آية الله الميلاني المتوفى سنة (1395هـ) وآخرون غيرهما، وعدد من الطلبة الإيرانيين قد هاجروا إلى كربلاء.

القتل العام في مسجد كوهر شاه

ما ان انتشر في مشهد خبر محاصرة بستان سراج الملك وحبس آية الله القمي ومنع الاتصال به حتى صار ذلك حديث الناس في جميع المجالس وحــــتى في صلوات الجماعة اليومية، وكان الناس يفكرون في اتخاذ الإجراءات الرادعة ضد الدولة والتأييد لموقف آية الله القمي، وفي تلك الأيام كان الشيخ محمد تقي النيشابوري الواعظ المعروف، وكان يسمى (بهلول) بسبب صراحة لهجته قد دخل مشهد، وبعد أن اطلع على القضية ارتقى المنبر في مسجد كوهرشاد الذي ازدحم بالناس، فتكلم لمدة ساعة ونصف واستعرض مجرى الحوادث وقضية كشف الحجاب، فاشتد الحماس بالناس وهاج غضبهم واستنكارهم واستعدوا جميعاً للقيام ضد النظام، وقد استمر التنديد والاستنكار إلى حدود الساعة الرابعة بعد منتصف الليل، وبسبب كثرة الزحام طلب من المجتمعين أن ينتقلوا إلى الصحن الجديد، ثم اتخذ قرار جاء فيه: أن يتحصن أهل خراسان في الصحن الجديد والحرم المطهر، تنديدا بما جرى للمرحوم آية الله القمي، وطلباً لإطلاق سراحه.

وفي صباح اليوم العاشر من شهر ربيع الثاني تجمع عدد من العسكريين مقابل الصحن، وأمطروا الناس بوابل من الرصاص من الشارع حتى أن إحدى الطلقات النارية كانت قد أصابت الضريح المطهر، وقد قتل العديد في هذه الحادثة كما أصيب آخرون بجراح.

وعلى كل حال فقد أصاب الناس الانزعاج الشديد لهذا الحدث وازداد غضبهم على الدولة وأياديها، وفي نفس الوقت أعلنوا استعدادهم الكامل للجهاد فرجعوا إلى الحرم ثانية، وفي هذه الأثناء ازدادت المعارضة وجاء عدد لا يستهان به من أطراف مشهد والمدن المجاورة للمشهد ليتحصنوا في المساجد وغيرها من أماكن العبادة.

ولما وصل خبر تحصن الناس في الحرم المطهر لليوم الثالث (الأحد 13 ربيع الثاني) إلى مسامع رضا خان، وكيف أن الناس يؤيدون مطالب المرحوم آية الله القمي، قام بإصدار أوامره بالهجوم على الناس وقتـــلهم قتلاً عمداً، فنصبت المدافع والهاونات والدبابات الثقيلة في أطراف المسجد، وفي حوالي الساعة الرابعة بعد منتصف الليل تم الهجوم على الناس من كافة الجهات من قبل مأموري رضا خان الذين أطلقوا رصاصاتهم كالمطر المتساقط، فراح الكثير من الناس ضحايا، الرجل والمرأة الكبير والصغير، المدني والقروي، وقد روي: أن عدد المقتولين تجاوز الثلاثة آلاف قتيل، وفي ظرف ساعتين خلى المسجد من الناس، ونقل القتلى والجرحى بسيارات كبيرة كانت عند باب المسجد والسوق ليدفنوا خارج المدينة، وهذه النقطة تسمى بـ (قتلكاه)، والمشهور أن الحرم والصحن ومسجد كوهر شاه أغلق لمدة يومين أو ثلاثة حتى يغسلوا الآثار الناجمة من هذه الجناية الفظيعة، ثم صدر دستور التوقيف لعدد كبير بعد يوم من الجناية الكبرى فقد تم توقيف ما يقرب من مائة وخمسين شخصاً من مختلف الطبقات، منهم: العلماء والوكلاء وقضاة المحاكم والتجار والكسبة وذلك لإيجاد الرعب والوحشة في صفوف الناس، منهم على سبيل المثال المرحوم الميرزا محمد الكفائي نجل الآخوند الخراساني الذي أوقف وأرسل إلى طهران ليحبس مع أنه كان مريضاً، وتم قتله على يد الطبيب أحمدي ـ جلاد رضا خان ـ سنة 1316هـ. وقد أعدم من السلطات محمد ولي خان الأسدي نائب التولية بعد أن عزل وذلك لتعاطفه مع الناس والعلماء.


38

فتوى آية الله الأصفهاني بمقاومة الاستعمار البريطاني

جاء في فتوى آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) في ثورة العراق ضد الإنكليز: (بسم اله الرحمن الرحيم ـ السلام على الجميع وبالأخص الأخوة العراقيين: إن الواجب الشرعي يلزم على جميع المسلمين العمل على حفظ حوزة الدين والبلاد الإسلامية، وأن يشمروا عن سواعدهم بقدر الإمكان في ذلك، ويجب على كافة المسلمين الدفاع عن أرض العراق أرض مشاهد أئمة الهدى (عليهم السلام) والمراكز الدينية، والحفاظ عليها من تسلط الكفار، كما أدعوكم إلى الدفاع عن النواميس الدينية، وفقنا الله وإياكم لخدمة الإسلام والمسلمين).

لقد صدرت هذه الفتوى أثر فتوى زعيم الثورة الإمام الشيرازي ونصها موجود في كتاب (الحقائق الناصعة).

لا تعمل ما يحرق هذه اللحية بالنار

قيل: إن المرحوم الميرزا القمي صاحب (القوانين) وضع يده يوماً على لحية السلطان فتح علي شاه وكانت طويلة، فجرها وقال: أيها السلطان! لا تعمل عملاً يؤدي غداً يوم القيامة إلى إحراق هذه اللحية بنار جهنم.

قنبر خير منك ومن أبيك

كان أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت عالماً بالنحو والقرآن واللغة والشعر، راوية ثقة، وله تصانيف كثيرة في النحو ومعاني الشعر وتفسير دواوين العرب.

قال ابن خلكان في (وفيات الأعيان): وكان يميل في رأيه واعتقاده إلى مذهب من يرى تقدم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان يؤدب أولاد المتوكل، وكان المتوكل كثير التحامل على علي بن أبي طالب وعلى ابنيه الحسن والحسين (عليهم السلام)، فبينما هو مع المتوكل يوماً إذ جاء المعتز والمؤيد، فقال المتوكل: يا يعقوب! أيهما أحب إليك: ابناي هذان أم الحسن والحسين؟!

فقال ابن السكيت: والله، إن قنبر خادم علي (ع) خير منك ومن ابنيك، فقال المتوكل: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا به فمات، وكان ذلك لخمس خلون من رجب سنة 334هـ عن ثمان وخمسين سنة.

رد الأعمش على رسالة هشام بن عبد الملك

كان الأعمش وهو أبو محمد سليمان بن مهران الأزدي معروفاً بالفضل والجلالة والعامة أيضاً مثنون عليه، مطبقون على فضله ووثاقته مقرون بجلالته مع اعترافهم بتشيعه.

نقل صاحب (شذرات الذهب) وابن خلكان في (وفيات الأعيان)، عن أبي معاوية الضرير قال: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش : أن أكتب لي مناقب عثمان ومساوئ علي (عليه السلام)؟!

فأخذ الأعمش (رحمه الله) القرطاس وأدخله في فم شاة فلاكته، وقال لرسوله: قل له: هذا جوابك.

فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمل عليه بإخوانه، فقالوا له: يا أبا محمد! نجه من القتل، فلما ألحوا عليه كتب له: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فلو كانت لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي (عليه السلام) مساوئ أهل الأرض ما ضرتك، فعليك بخويصة نفسك.

احمل خشبتي منذ خمسين عاماً

كان دعبل بن علي الخزاعي شاعراً فاضلاً مادحاً لأهل البيت (عليهم السلام)، صاحب أشعار فاخرة كثيرة، معروفاً بجودة الكلام، مع لطافة الطبع وظرافة الصنع، والالتفات إلى دقائق نكات المعاني والبيان وكان معاصراً لبني العباس، مولعاً بالحط من أقدارهم، وطال عمره، فكان يقول: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي أدور على من يصلبني عليها، فما أجد من يفعل ذلك.

ولما عمل في إبراهيم بن المهدي العباسي أبياته التي أولها:

نعر ابن شكلة بالعراق وأهله
فهفا إليه كل أطلس مائـــق

إن كان إبراهيم مضطلعاً بهـا
فلتصلحن من بعده لمخارق

ولتصلحن من بعد ذلك لزلزل
ولتصلحن من بعده للمارق

أنى يكون وليس ذاك بكائـــن
يرث الخلافة عن فاســـــق

دخل إبراهيم على المأمون فشكى إليه حاله وقال: قد هجاني دعبل فانتقم لي منه.

فقال: ما قال؟ لعل قوله: نعر ابن شكلة بالعراق، وأنشده الأبيات، فقال: هذا من بعض هجائه، وقد هجاني بما هو أقبح من هذا؟

فقال المأمون : لك أسوة بي، فقد هجاني واحتملته وقال فيّ:

إني من القوم الذين سيوفهـم
قتلت أخــــاك وشرفتك بمقعدي

شادوا بذكرك بعد طول بقائهم
واستنقذوك من الحضيض الأوهد

وكان دعبل قوي القلب، وكان يهجو من يستحق الهجاء ولو كلفه حياته.

فتوى السيد محمد كاظم الطباطبائي بالجهاد ضد الاستعمار

لما دخلت القوات الإيطالية لاحتلال ليبيا في شمال أفريقيا، ودخلت القوات الروسية إلى شمال إيران، وقام الإنكليز بشن هجوم على جنوبها، فعند ذلك أصدر السيد اليزدي (رحمه الله) فتواه الشهيرة: (بسم الله الرحمن الرحيم ـ في هذه الأيام تقوم دول أوروبا مثل إيطاليا بالهجوم على ليبيا، ومن جهة أخرى تحتل القوات الروسية شمال إيران، وكذلك الإنكليز فقد أنزلوا قواتهم في جنوب إيران، مما يعرض الإسلام إلى الخطر، إن الواجب الشرعي يحتم على عموم المسلمين من الممالك الإسلامية، أن يبذلوا كل غال من أرواح وأموال في سبيل طرد القوات الغازية، وأن لا يقصروا في ذلك، لأن القيام بهذا العمل من أهم الفرائض الإسلامية، ونسأل المولى العلي القدير أن يحفظ المملكتين الإسلاميتين من الهجوم الصليبي.


39

من مواقف السيد كاظم اليزدي (رحمه الله)

عندما دخل الجيش الإنكليزي العراق، قوبل بمواجهة عنيفة من أهالي العراق المسلمين، وكان من جملة من وقف بوجهه موقفاً بطولياً أهالي النجف الأشرف.

وعندما استولى الإنكليز على العراق استيلاء كاملاً أرادوا الانتقام من أهالي النجف الأشرف، وبهذا الصدد جاء الحاكم الإنكليزي إلى السيد محمد كاظم اليزدي ئ وقال له: إن الدولة ترجو منكم ترك النجف والذهاب إلى الكوفة، لأن الدولة تريد تأديب أهالي النجف.

فأجابه السيد (رحمه الله) قائلاً: هل أخرج من النجف لوحدي أم مع أهل بيتي؟

فقال الحاكم: بل مع أهل بيتك.

فقال السيد (رحمه الله): إن أهل النجف كلهم أهل بيتي، وإني لا أخرج لوحدي، وكل ما يصيب أهل بيتي فليصيبني، وببركة هذه الاستقامة والقدم الثابتة بقي أهل النجف في أمان من شر الإنكليز.

وكان السيد (رحمه الله) يحب الناس وكذلك الناس يحبونه، وكان أهل النجف يعتبرونه أباً باراً لهم، وكان أعراب البادية يأخذون من تراب رجليه ويضعونه في الكيس ويقسمون به ويقولون: بحق تراب قدم السيد.

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟

لما أريد بناء قصر السلطنة ـ في زمان المرحوم الشيخ علي الكني ـ وكان هناك مسجداً يقع قريباً من القصر، وطبقاً لتصميم البناء الجديد فالمسجد يدخل ضمن القصر، وبدونه سيبقى البناء ناقصاً، فما كان من السلطان إلا أن يستفتي العلماء بصدد خراب المسجد ليدخل في بناء قصر السلطنة، على أن يعين أرضاً أخرى لبناء مسجد، ولما جاءوا إلى الشيخ الكني وعرضوا عليه الأمر، وطلبوا منه أن يكتب فتواه بالجواز في ذلك، استمهلهم إلى الغد، فاستر السلطان والوزراء والمعماريون عند سماعهم هذا الخبر، وفي الغد أمر السلطان أن يستعدوا للمقدمات، فجاء الشيخ الكني، وانشغل السلطان بنفسه بالمقدمات فوضع الطومار الذي يتعلق بخراب المسجد في صينية، وجاء بالدواة والقلم ووضعه على الأرض في مقابل الشيخ الكني ليمضي ذلك، أخذ المرحوم الكني الطومار وأمعن النظر فيه وكتب بذيله شيئاً وأردفه بإمضائه، وقام مسرعاً، وكان السلطان ومرافقوه قد قاموا بتوديع الشيخ بمنتهى الاحترام والتجليل.

وبعد ذلك جاء السلطان فأخذ الطومار وهو مسرور جداً فقرأ ما كتبه الكني فوجد هذه العبارة: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) فتأثر السلطان من هذا الموضوع، فأخر بناء القصر، وفي اليوم الذي توفي فيه الكني، باشروا بخراب المسجد الواقع في انتهاء شارع ـ باب همايون ـ وضموه إلى العمارات السلطانية.

أبو حازم يبكي السلطان

دخل أبو حازم وهو أحد الوعاظ على سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان: لم نكره الموت ولا نرضى به؟ فقال أبو حازم: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، وبالموت تذهبون من العمار إلى الخراب.

فقال سليمان: كيف يكون دخولنا على الله في الآخرة؟ فقال أبو حازم: أما صاحب العمل الصالح فحاله كحال المسافر يرجع من سفره إلى وطنه، ويرتاح من مشاق السفر، وأما صاحب العمل الطالح فحاله حال الغلام الذي فر من سيده ثم رجع إليه بألف خجل.

فقال سليمان: أي الأعمال أفضل؟ فقال أبو حازم: أداء الواجبات واجتناب المحرمات.

فقال سليمان: ليتني كنت أعلم بما ينتظرني.

فقال أبو حازم: اقرأ بكتاب الله.

فقال سليمان: وأين؟

قال أبو حازم: هذه الآية: (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم).

فقال سليمان: ما كلمة العدل؟

فأجاب أبو حازم: العدل ما تأمل منه وتطمع فيه.

فسأل: من هو أعقل الناس؟

أجاب: الذي يطيع الله.

قال: من هو أجهل الناس؟

أجاب: من باع آخرته بدنيا غيره.

فسأل: ما تقول في حكمي؟

أجاب: أعفني من هذا.

قال سليمان: لا أعفيك أريد أن أتعظ؟

قال: إن آباءك حكموا الناس بقوة السيف وبدون رضاهم وقتلوا الناس، يا ليتك تعلم ما الذي جرى لهم.

فقال سليمان: زدني موعظة باختصار.

فقال أبو حازم: اسع أن لا يراك الله في مكان قد نهى عنه، وأن يراك في مكان قد أمر به. فبكى سليمان بكاءً شديداً، فاعترض أحد الحاضرين على أبي حازم وقال له: ما هذا العمل الذي قمت به لتؤذي الخليفة؟! قال أبو حازم: صه، إن الله أخذ على العلماء بأن يظهروا للناس علمهم ولا يكتموه، قال هذا وخرج من عند الخليفة، فأرسل إليه سليمان مقداراً من المال فردها، وقال: إن هذا المال لا أرتضيه لك فكيف أرضاه لنفسي.

سأجيبك فيما بعد

40

سأل المرحوم الملا عبد الله التستري من المرحوم المقدس الأردبيلي في مجلس مسألة، فقال له المقدس: سأجيبك بعد ذلك، وبعد انتهاء المجلس أخذ بيد التستري وخرج به من المجلس وذهبا إلى الصحراء، وهناك شرح جواب المسألة.

فقال له الملا عبد الله: لماذا لم تورد هذه المطالب في المجلس؟

فقال المقدس: لو أننا تكلمنا في المجلس بحضور الناس، فمن المحتمل أن ينبري لكل واحد منا من ينتصر له من الحضور، وهذه النفس الأمارة بالسوء تستغل مثل هذا الظرف، ولم تكن المباحثة خالية من شائبة الرياء، أما الآن وفي هذا المكان الخالي من الناس ليس معنا غير الله، فالرياء والشيطان، والنفس الأمارة ليس لها أثر في المباحثة.

كتاب القانون في ذاكرة ابن سينا

كتب الحاج الملا أحمد النراقي في (سيف الأمة) قال: فر أبو علي بن سينا وجاء إلى أصفهان ولم يصحب معه كتاب(القانون) ثم إن الطلاب والعلماء طلبوا منه أن يعطيهم نسخة من القانون، فقال لهم: إني لم أصحبه معي ولكني أحفظه عن ظهر قلب، فأنا أقرأ وأنتم اكتبوا، وقرأ لهم القانون ـ وكان حجمه ستين ألف سطر ـ من حفظه وهم يكتبون، ولما جيء بالقانون من خراسان وقوبل مع ما كتبوه وجدوه مطابق تمام الانطباق، لم يخطأ بحرف منه.

واتفق أن الشيخ الرئيس كان جالساً في الباخرة، وكان معه رجل لغوي في الباخرة أيضاً، فسأله الشيخ: لأي شيء سافرت؟

فقال العالم اللغوي: كتبت كتاباً في علم لغة العرب، وأريد أن يطلع عليه الملك.

فقال أبو علي: هل تسمح لي بمطالعته مدة وجودنا على ظهر الباخرة؟

فقال اللغوي: لا مانع من ذلك.

فأخذ الشيخ الرئيس الكتاب وطالعه وأتمه في هذه المدة، فلما وصلوا إلى مقصدهم، ذهب العالم اللغوي في اليوم الثاني حاملاً كتابه معه إلى السلطان، فرأى صاحبه الذي كان معه في الباخرة عند السلطان، والسلطان يحترمه احتراماً كبيراً، فقال في نفسه: لو كنت أعلم أن صاحبي له مكانة وقرب واحترام عند السلطان لرجوته أن يوصي السلطان بي، فقدم الكتاب للسلطان، وترك السلطان الكتاب عند أبي علي وقال له: هل يستحق الجائزة حتى نعطيه؟

فأخذ الشيخ الرئيس الكتاب ونظر فيه وقال: هذا الكتاب كتبه شخص آخر قبلك! فأنكر العالم اللغوي ذلك، وقال: لم يكتب أحد مثل هذا الكتاب غيري.

فقال الشيخ: والدليل على قولي أن هذا الكتاب من أوله إلى آخره هو من محفوظاتي، فلو كتبته أنت فمن أين لي حفظه؟

فخذ الكتاب حتى أقرأ عليك، فأخذ الرجل اللغوي الكتاب وأخذ ينظر فيه، وبدأ الشيخ الرئيس بالقراءة، وكان الشيخ يحفظ المطالب من أي صفحة من صفحات الكتاب.

فتحير العالم اللغوي في ذلك المجلس وأصابه الخجل.

قال الشيخ الرئيس للملك: إن هذا الكتاب قد كتبه هذا الرجل ويستحق الجائزة، ولكني حفظت مطالب هذا الكتاب في الباخرة، فأعطى السلطان الجائزة لهذا العالم اللغوي، وتعجب الحاضرون من حافظة أبي علي.

الميرزا الشيرازي ومحضر الشيخ الأنصاري

كان الميرزا محمد حسن الشيرازي (قدس سره) ذا فكر ثاقب ونظر صائب، وقد جاء من أصفهان إلى النجف للتشرف بالزيارة، وكان الشيخ الأنصاري (قدس سره) في النجف، وبعد إتمام مراسم الزيارة أراد الرجوع إلى أصفهان، فلما اطلع أشخاص على الفهم العالي للميرزا ذكروا للشيخ الأنصاري: أنه من المؤسف أن يذهب الميرزا، والتمسوا من الشيخ أن يعمل ما بوسعه لبقاء الميرزا عندهم.

فاجتمع الشيخ معه في المجلس، وطرح بحث (البيع الفضولي) وهل أن الإجازة كاشفة أو ناقلة؟

فقال الشيخ: ما أثبت وجهاً واحداً للمسألة، فاستأنس الميرزا جداً، وقال إنه تقريب عجيب! فطرح الشيخ تقريباً آخر، وقام بإثباته، قال الميرزا: إن هذا النقض عجيب جداً! ثم انتقل الشيخ إلى نقض النقض، وتكرر الأمر لثمان مرات، فتعجب الميرزا كثيراً وتبدل عزم رحيله بالإقامة وبقي يتتلمذ على الشيخ إلى أن توفي الشيخ (رحمه الله) فأصبح المرجع الأعلى للأمة.

الفيض الكاشاني ومبعوث إمبراطور الإفرنج

في زمان الشاه عباس الصفوي أرسل ملك الإفرنج مبعوثاً إلى السلطان حاملاً معه رسالة يقول فيها: قل لعلماء مذهبك أن يناظروا مبعوثي في أمر المذهب والدين، فإذا ألزمهم الحجة فعليكم أن تدخلوا في ديننا، وإذا كان علماؤكم قد ألزموه الحجة فسنؤمن بدينكم.

وهذا المبعوث من قبل إمبراطور الإفرنج وكان يعرف معرفة ما يكون في اليد، فيعرف أوصافه وما هو؟


41

فجمع السلطان العلماء وكان على رأسهم الملا محسن الفيض الكاشاني، فقال محسن للسفير: ألم يكن لسلطانكم عالم يرسله إلينا؟

فأرسلك وأنت من العوام لتناظر علماء الأمة الإسلامية؟!

فقال الإفرنجي: إنك لا تستطيع أن تخرج من عهدتي والآن خذ شيئاً بيدك حتى أقول لك: ما هو؟

فأخذ المولى محسن سبحة من تربة سيد الشهداء (ع) بيده وقبض المولى عليها، وقال له: قل لنا: ما هذا الشيء الذي أخبئه في يدي؟

فغاص الإفرنجي في بحر من الفكر، وكلما فكر لم يجد جواباً.

فقال له الفيض: لماذا بقيت عاجزاً عن الجواب؟

فقال له: لم أعجز عن ذلك، ولكن طبقاً لقواعدي أرى في يدك قطعة من تراب الجنة، وأنا أفكر كيف وصلت بيدك.

قال الفيض (رحمه الله): صحيح ما قلته، في يدي قطعة من تراب الجنة، فإن هذه سبحة من التربة الطاهرة لابن نبينا (ص) الذي هو الإمام (عليه السلام) فبهذا ظهر أحقية ديننا ومذهبنا وبطلان مذهبكم ودينكم.

فاختار الإفرنجي بعدها الدين الإسلامي.

جواب الشيخ البهائي لسفير الروم

ذكر الشيخ أحمد أخو الشيخ البهائي (رحمه الله) قال: في يوم من الأيام دخل أخي الشيخ البهائي مجلس الشاه عباس الصفوي، فقال له الشاه عباس: أتدري ماذا يقول سفير الروم؟

وكان سفير الروم جالساً في المجلس، وكان يقول للشاه والسائرين: بأن في بلادنا علماء لهم معرفة بالعلوم الغريبة، والأعمال العجيبة التي تصدر منهم، وكذا.. وكذا يفعلون، ولكن في علمائكم يندر من يعرف هذه العلوم الغريبة.

فرأى الشيخ البهائي (رحمه الله) أن هذا الكلام قد أخذ تأثيره الكبير في نفس الشاه، حتى أصبح خاضعاً لقول السفير الأجنبي.

فقال الشيخ للشاه: إن مثل هذه العلوم في نظر أهل الكمال والعلم لا اعتبار لها، وعلماؤنا لا يعيرون اهتماماً لمثل هذه الأمور، ولا يعتبرونها جزءاً من العلم.

وبينما كان يتحدث إليه وضع عمامته على وجه سفير الروم فتحول ذلك القماش إلى أفعى بدأت تتحرك وتدور في المجلس، فاستوحش السفير وأهل المجلس كثيراً، ثم قام الشيخ بسحب رأسها إليه، ورجعت إلى حالها الأولى، ثم قال الشيخ للشاه: إن هذه الأعمال ليست بشيء، ولا اعتبار لها عند أولي الأبصار، وأنا أخذت هذا العلم في أوائل أيام الشباب في أصفهان.

فخجل السفير من كلامه، وأخذه الإيرادات على العلماء بهذه الأمور، وندم على ما صدر منه.

تدبير الملا التوني لبيان منزلة العلم والعالم

كان المولى عبد الله ابن الحاج محمد التوني البشروي الساكن بالمشهد المقدس الرضوي عالماً فاضلاً ماهراً فقيهاً زاهداً له كتاب ( الوافية) في أصول الفقه، وقد كان من أروع أهل زمانه وأتقاهم.

روي أن الشاه عباس جاء لزيارة الآخوند الملا عبد الله التوني ـ يوماً ـ وكان الآخوند (رحمه الله) قد بنى مدرسة إلا أنها كانت خالية من الطلاب ومحصلي العلوم الدينية، فأخذ السلطان يتجول في المدرسة، واستفسر من الملا عبد الله عن سبب خلو المدرسة من الطلاب؟

فأجابه الآخوند: سأرد على سؤالكم فيما بعد. إلى أن قام الآخوند يوماً بزيارة الشاه، وبعد الترحيب بالقدوم والتجليل والاحترام، قال الشاه للآخوند: هل من أمر حتى أمتثله، فقال الآخوند: لا أطلب شيئاً، فأصر السلطان وقال: أود أن أقوم لكم بخدمة، فقال الآخوند: أما إذا كان الأمر كذلك، فلي حاجة واحدة فقط هي عندك إن كنت مستعداً لها.

قال السلطان: أي أمر كان أمتثله وأطيعه.

فقال الآخوند: أحب يوماً أن أكون راكباً وأنت تسير معي راجلاً ونتجول في المدينة.

فقال السلطان: ما الفائدة المرجوة من هذا العمل؟

قال الآخوند: ستظهر الحكمة بعد ذلك.

فقبل الشاه ذلك، وفي أحد الأيام رأى الناس الآخوند الملا عبد الله راكباً والشاه عباس أمامه راجلاً فتعجبوا من هذا المشهد، وفي تلك الأثناء طلب الآخوند من الشاه أن يودعه، ويرجع إلى بيته.

وفي يوم من الأيام تــــكررت الزيارة من السلطان إلى الآخوند، فرأى المدرسة مملوءة بالطلاب، فتعجب من ذلك، وسأل الآخوند عن السبب في ذلك؟

أجاب الآخوند: من ذلك اليوم الذي عرف الناس احترام سلطان الدولة لعالم ديني وكيف يترجل في طرق المدينة احتراماً للعلم، فهموا أن للعلم أهمية واعتباراً، وأصبحوا مشتاقين لتلقي العلوم الدينية، وهذه فائدة العمل الذي قمنا به ذلك اليوم.

رواية في القضاء

نقل الشيخ الجليل القطب الراوندي عن الصدوق (رحمه الله) بسنده عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام الباقر (عليه السلام) ما مؤداه: (كان أحد حكام الشرع من بني إسرائيل يقضي بالحق، فلما دنت وفاته قال لزوجته: إذا أنا مت فغسليني وكفنيني وغطي وجهي وضعيني على سريري، حتى لا يسوءك مني شيء إن شاء الله.


42

فلما توفي وقامت المرأة بما أوصاها، أزيل الكفن عن وجهه فرأت أن دودة قد دخلت في منخريه، ففزعت المرأة وصرخت، فلما نامت تلك الليلة رأت زوجها في المنام يقول لها: أفزعت مما رأيت؟ قالت: نعم، قال: والله، إن هذه الدودة لم تتسلط علي إلا بسبب أخيك.

فقد كان لأخيك دعوى مع أحد الأشخاص، وجيء بهما إلي للمرافعة، فقلت في نفسي: إلهي! اجعل الحق مع أخ زوجتي، فلما ذكر دعواهما كان الحق مع أخيك، ومن هذه الجهة فقد غمرني السرور والفرح، ولما كان ميلي إلى أحد الطرفين، فقد حلت العقوبة علي كما رأيت.

طعام الطغاة

ذكروا في أحوال القاضي شريك بن عبد الله النخعي: أنه كان معروفاً بالعبادة والزهد والتقوى وقد دعاه يوماً المهدي العباسي ثم قال له: لابد أن تجيبني إلى خصلة من ثلاث خصال، قال: وما هن؟ قال: إما القضاء، أو تعلم ولدي، أو تأكل عندي أكلة.

ففكر ساعة، ثم قال: الأكلة أخفها على نفسي، فأجلسه وتقدم إلى الطباخ أن يصنع له ألواناً من المخ المعقود بالسكر الطبرزد والعسل وغير ذلك.

فعمل ذلك وقدمه إليه فأكل، فلما فرغ من الأكل، قال له الطباخ: والله، يا أمير المؤمنين ليس يفلح الشيخ بعد هذه الأكلة أبداً‍.

قال الفضل بن الربيع: فحادثهم شريك بعد ذلك، علّم أولادهم، وولّى القضاء عنهم.

ولقد كتب له برزقه على الصيرفي، فضايقه في النقد، فقال له الصيرفي: إنك لم تبع له زيتاً، فقال له شريك: بل والله، بعت أكثر من الزيت، بعت به ديني.

رأى مكة ولم ير الدجاجة

كان الشيخ عبد السلام أحد المخالفين المتظاهرين بالزهد، وكانت له شهرة واسعة، إلى درجة بلغت بمريديه وأتباعه أن يكتبوا اسمه على الأعلام تبركاً به، فكانوا يكتبون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، شيخ عبد السلام ولي الله!!

وفي يوم من الأيام قال هذا الشيخ على المنبر: كل من يشتري الجنة فليأت، فازدحم الناس عليه ليشرعوا بشراء الجنة، فباع الشيخ كل الجنة، وبعد ذلك جاءه أحد الأشخاص وقال: وصلت متأخراً ولي أموال طائلة وعلي أن أشتري مكانا في الجنة، فأجابه الشيخ: لم يبق مكاناً بعد في الجنة إلا مكاني ومكان حماري، فطلب من الشيخ أن يـبـيع مكانه له، ويكتفي الشيخ بمكان حماره، فقبل الشيخ ذلك ورحب به!!

وفي يوم من الأيام قال الشيخ في الصلاة: جخ جخ، وبعد انتهاء الصلاة قيل له: لماذا قلت جخ جخ فأجاب: مع أني في البصرة شاهدت مكة وقد أراد كلب أن يدخل المسجد الحرام فطردته! فلما سمع الناس منه هذا الكلام ازداد تعلقهم بالشيخ.

وكان أحدهم قد نقل هذه القصة إلى زوجته ـ وكانت موالية ـ وكان قد رغّبها بترك مذهبها.

فقالت الزوجة: لا بأس بذلك، بشرط أن تدعو الشيخ ومريديه لتناول الغداء، حتى أختار مذهبك بحضور الشيخ، فقبل الرجل ذلك وبان عليه الفرح والسرور، فدعا الشيخ وأتباعه إلى وليمة فلما حضروا فرشت سفرة الطعام وجاءت الزوجة بمائدة ووضعت لكل واحد منهم دجاجة على الرز، إلا الشيخ فقد وضعت دجاجته تحت الرز، فلما حضر الطعام، التفت الشيخ إلى طعام رفاقه فرأى الدجاج على الرز، ولم ير دجاجته لأنها تحت الرز، فصاح بصاحب البيت وقال: لماذا لم تقدموا لي دجاجة كهؤلاء، لماذا تحقروني؟

وكانت المرأة تنتظر مثل هذه الفرصة فخرجت إليه وقالت: أيها الشيخ!

أنت في البصرة وقد شاهدت مكة مع بعد المسافة وطول الطريق، فَلِمَ لم تر الدجاجة تحت الرز، مع قرب المسافة.

فغضب الشيخ وقال: هذه رافضية خبيثة!!

وخرج من المجلس، فاختار الزوج مذهب زوجته.

حكمة البهلول

دخل بهلول ذات يوم على هارون وهو يتنزه في بعض عماراته الجديدة، فسأله أن يكتب شيئاً عليها، فأخذ بهلول فحمة وكتب بها على بعض الجدران: رفعت الطين ووضعت الدين، رفعت الجص ووضعت النص، فإن كان من مالك فقد أسرفت، والله لا يحب المسرفين، وإن كان من مال غيرك فقد ظلمت، والله لا يحب الظالمين.

سره في أضعف خلقه

ينقل أن الخواجة نصيرالدين الطوسي قد حل ضيفاً على طحان في الصحراء، فقال الخواجة: ضع فراش النوم في الخارج على السطح.

فقال الطحان: هواء الليلة ينذر بالمطر، ومن غير المناسب أن تنام في الخارج.

واسترجع قواعده الفلكية فلم يجد علائم تشير إلى سقوط المطر، فلم يلتفت إلى كلام الطحان وأمره أن يأخذ فراش نومه ويضعه على السطح، ثم ذهب إلى السطح فنام، وحدث أنه بعد ساعة أمطرت السماء، فلما تبلل الخواجة اضطر أن يغير مكانه ويتحول ويلجأ إلى الداخل، وفهم من ذلك أن علمه وحسابه كان على خطأ، وأن ما قاله الطحان هو الصواب، ولشدة تعجبه سأل الخواجة الطحان: من أين لك هذا العلم بأن المطر سيسقط هذه الليلة، مع أنه ليس هناك من علامة تشير إلى ذلك؟


43

فقال الطحان: عندي كلب فكلما أراه في أول الليل يدخل إلى مكان الطحن وينام فيه علمت منه أن المطر سيهطل الليلة، وبما أني رأيته هذه الليلة عند الغروب قد دخل مكان الطحن، علمت أن المطر سينزل.

فسبحان من علم الحيوان ما لم يعلمه الإنسان.

طريقة صحيحة لأحد العلماء في إعانة محتاج

روى أحد الأشخاص الموثقين من علماء النجف الأشرف قال: رأيت في النجف الأشرف السيد علي القاضي الطباطبائي يشتري الخس ولكن عكس ما شاهدته لدى المشترين من انتقاء الخس الجيد، كان ينتقي غير المرغوب فيه ثم سلم حسابه لبائع الخس وتحرك من عنده، فاتبعته وقلت له: ما بالك لم تنتقي الخس الجيد؟

فأجاب: بأن بائع هذا الخس رجل فقير وأحببت أن أساعده، وأردت أن لا تكون مساعدتي بشكل مجاني، حتى يمكن الحفاظ على شخصيته وماء وجهه من جهة، ومن جهة أخرى لا يتعود على أخذ المبلغ مجاناً، فهذا الخس الذي أخذته لم يكن أحد ليشتريه.

دراية مؤمن آل فرعون

شكى بعض الشياطين (حزبيل) مؤمن آل فرعون إلى فرعون، وقالوا ـ في سعايتهم ـ: إن حزبيل لم يتخذك إلهاً، وهو يؤمن بإله غيرك.

فأمر فرعون بإحضار حزبيل، وأراد أن ينتقم منه، ولما كان حزبيل رجلاً عاقلاً أراد أن ينجي نفسه من هذه المهلكة، فوصل فكره إلى أن يتخذ تدبيراً، فقال: أيها الملك! هل سمعت مني كذباً حتى الآن؟

فقال فرعون: لم أسمع ذلك.

فقال: أطلب منكم أن تأمروا بإحضار هؤلاء الذين اتهموني وسعوا بالوشاية بي.

وعندما حضر هؤلاء الأشخاص، سألهم حزبيل: من ربكم وخالقكم ورازقكم؟

فقالوا كلهم: ربنا ورازقنا فرعون.

فقال حزبيل: أيها الملك! أشهدك بأن ربي وخالقي ورازقي هو رب وخالق ورازق هذه الجماعة ـ ومقصوده الرب الواقعي لهؤلاء ـ فلما سمع فرعون هذا الكلام من حزبيل خلى سبيله، وعاقب الجماعة بأشد العقوبات حتى هلكوا.

فهرست آيات
يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله9
وأما بنعمة ربك فحدث26
فهرست روايات
هذا هو علم الأولين والآخرين الذي قرأته أنت وأخذته1
أحس في نفسي أني أموت بعد ساعة، فقال له (عليه السلام): (الموت ليس مشكلة، كلنا نموت)2
(اطلب العلم)2
(كان لموسى بن عمران جليس من أصحابه قد وعى علماً كثيراً، فاستأذن موسى في زيارة أقارب له، فقال له ...8
(أوصيت الشيخ مرتضى أن يفي ديونك)19
(خذ هذا الكيس وسلمه لأمك، وقل لها: في كل ما تحتاجه لتراجع المحل الفلاني حتى يأتي والدكما)23
(اذهب إلى الميرزا القمي في قم وخذ حاجتك منه)24
(اقرأ دعاء العبرات)30
إنه في كتابك (المصباح)30
أنظر فيه فسوف تراه30
(أنا علي بن أبي طالب أخبري زوجك وقولي له: إذا لم يخرج ولدي من الحبس، سأهدم على رأسه القصر)30
(أن المؤمن يأكل في معاء واحد، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء)35
فهرست اشعار
والبهبهـــانـــي معــلــــم البشـــر    =    مــجــدد المــــذهب الثاني عشر11
أزاح كـــل شبـــــهـــــــة وريـــب    =    فبان للميلاد (كنه الغـــيب 1118) 11
وإذا افتــقرت إلى الذخائـــر    =    لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال14
أنست بها عشرين حولاً وبعتها    =    لقد طـــال وجدي بعدها وحنيني18
وما كان ظني أنني سأبيعـــــها    =    ولو خلدتني في السجون ديوني18
ولكن بضعف وافتقار وصبـــية    =    صغار عــليهم تســــتهل عيوني18
فقلت ولم أملك سوابق عـــبرة    =    مقالة مكوي الفؤاد حــــزيــــــن18
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك    =    كرائم من رب بهــــــن ضنيـــن18
ولست أنسى خبر المسمار    =    سل صدرها خزانة الأســـرار26
نعر ابن شكلة بالعراق وأهله    =    فهفا إليه كل أطلس مائـــق38
إن كان إبراهيم مضطلعاً بهـا    =    فلتصلحن من بعده لمخارق38
ولتصلحن من بعد ذلك لزلزل    =    ولتصلحن من بعده للمارق38
أنى يكون وليس ذاك بكائـــن    =    يرث الخلافة عن فاســـــق38
إني من القوم الذين سيوفهـم    =    قتلت أخــــاك وشرفتك بمقعدي38
شادوا بذكرك بعد طول بقائهم    =    واستنقذوك من الحضيض الأوهد38