فهرست موضوعات

البرهان في علوم القرآن

الجزء الثاني


1

البرهان في علوم القرآن

الجزء الثاني

للأمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي


2


3

بسم الله الرحمن الرحيم

النوع الثاني و الثلاثون

معرفة أحكامه

و قد اعتنى بذلك الائمة و أفردوه و أولهم الشافعي ثم تلاه من أصحابنا ألكيا الهراسي و من الحنفية أبو بكر الرازي و من المالكية القاضي إسماعيل و بكر بن العلاء القشيري و ابن بكير و مكي و ابن العربي و ابن الفرس و من الحنابلة القاضي أبو يعلى الكبير.

ثم قيل ان آيات الاحكام خمسمائة آية و هذا ذكره الغزالي و غيره و تبعهم الرازي و لعل مرادهم المصرح به فإن آيات القصص و الامثال و غيرها يستنبط منها كثير


4
من الاحكام و من أراد الوقوف على ذلك فليطالع كتاب الامام الشيخ عز الدين بن عبد السلام.

ثم هو قسمان أحدهما ما صرح به في الاحكام و هو كثير و سورة البقرة و النساء و المائدة و الانعام مشتملة على كثير من ذلك و الثاني ما يؤخذ بطريق الاستنباط.

ثم هو على قسمين أحدهما ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى كاستنباط الشافعي تحريم الاستمناء باليد من قوله تعالى: ﴿ الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم إلى قوله: ﴿ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون . و استنباط صحة أنكحة الكفار من قوله تعالى: ﴿ امرأة فرعون ، ﴿ و امرأته حمالة الحطب و نحوه. و استنباطه عتق الاصل و الفرع بمجرد الملك من قوله تعالى: ﴿ و ما ينبغي للرحمن ان يتخذ ولدا ان كل من في السماوات و الارض الا اتي الرحمن عبدا فجعل العبودية منافية للولادة حيث ذكرت في مقابلتها فدل على أنهما لا يجتمعان. و استنباطه حجية الاجماع من قوله: ﴿ و يتبع غير سبيل المؤمنين . و استنباطه صحة صوم الجنب من قوله تعالى: ﴿ فالآن باشروهن إلى قوله: ﴿ حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر فدل على جواز الوقاع في جميع الليل و يلزم منه تأخير الغسل إلى النهار و الا لوجب ان يحرم الوطء إلى آخر جزء من الليل بمقدار ما يقع الغسل فيه.


5

و الثاني ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى كاستنباط علي و ابن عباس رضي الله عنهما ان أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿ و حمله و فصاله ثلاثون شهرا مع قوله: ﴿ و فصاله في عامين و عليه جرى الشافعي و احتج بها أبو حنيفة على ان أكثر الرضاع سنتان و نصف (ثلاثون شهرا) و وجهه ان الله تعالى قدر لشيئين مدة واحدة فانصرفت المدة بكمالها إلى كل واحد منهما فلما قام النص في أحدهما بقي الثاني على أصله و مثل ذلك بالأجل الواحد للدينين فإنه مضروب بكماله لكل واحد منهما و أيضا فإنه لابد من اعتبار مدة يبقى فيها الانسان بحيث يتغير الغذاء فاعتبرت مدة يعتاد الصبي فيها غذاء طبيعيا غير اللبن و مدة الحمل قصيرة فقدمت الزيادة على الحولين.

فإن قيل العادة الغالبة في مدة الحمل تسعة أشهر و كان المناسب في مقام الامتنان ذكر الاكثر المعتاد لا الاقل النادر كما في جانب الفصال.

قلنا لان هذه المدة أقل مدة الحمل و لما كان الولد لا يعيش غالبا إذا وضع لستة أشهر كانت مشقة الحمل في هذه المدة موجودة لا محالة في حق كل مخاطب فكان ذكره أدخل في باب المناسبة بخلاف الفصال لانه لا حد لجانب القلة فيه بل يجوز ان يعيش الولد بدون ارتضاع من الام و لهذا اعتبر فيه الاكثر لانه الغالب و لانه اختياري كأنه قيل حملته ستة أشهر لا محالة ان لم تحمله أكثر.

و مثله استنباط الاصوليين ان تارك الامر يستحق العقاب من قوله تعالى: ﴿ أفعصيت أمري مع قوله: ﴿ و من يعص الله و رسوله فإن له نار جهنم و كذلك


6
استنباط بعض المتكلمين ان الله خالق لأفعال العباد من قوله تعالى: ﴿ و ما تشاؤون الا ان يشاء الله مع قوله تعالى: ﴿ و ربك يخلق ما يشاء و يختار فإذا ثبت أنه يخلق ما يشاء و ان مشيئة العبد لا تحصل الا إذا شاء الله أنتج أنه تعالى خالق لمشيئة العبد.

فائدة

في ضرورة معرفة المفسر قواعد أصول الفقه

ولا بد من معرفة قواعد أصول الفقه فإنه من أعظم الطرق في استثمار الاحكام من الايات فيستفاد عموم النكرة في سياق النفي من قوله تعالى: ﴿ ولا يظلم ربك أحدا و قوله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين و في الاستفهام من قوله: ﴿ هل تعلم له سميا و في الشرط من قوله: ﴿ فإما ترين من البشر أحدا ، ﴿ و ان أحد من المشركين استجارك .

و في النهي من قوله: ﴿ ولا يلتفت منكم أحد و في سياق الاثبات بعموم القلة المقتضى من قوله: ﴿ علمت نفس ما أحضرت


7

و قوله: ﴿ و نفس و ما سواها و إذا أضيف إليها (كل) نحو: ﴿ و جاءت كل نفس .

و يستفاد عموم المفرد المحلى باللام من قوله: ﴿ ان الانسان لفي خسر ، ﴿ و سيعلم الكفار ، ﴿ و يقول الكافر و عموم المفرد المضاف من قوله: ﴿ و صدقت بكلمات ربها و كتبه و قوله: ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق و المراد جميع الكتب التي اقتضت فيها أعمالهم و عموم الجمع المحلى باللام في قوله: ﴿ و إذا الرسل أقتت و قوله: ﴿ و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم و قوله: ﴿ ان المسلمين و المسلمات ... إلى آخرها.

و الشرط من قوله: ﴿ و من يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا يخاف ظلما و لا هضما و قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و قوله: ﴿ و ما تفعلوا من خير يعلمه الله ، ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت و قوله: ﴿ و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره و قوله: ﴿ و إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم


8
و قوله: ﴿ و إذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم .

هذا إذا كان الجواب طلبا مثل هاتين الايتين فإن كان ماضيا لم يلزم العموم و كقوله: ﴿ و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها و ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله و ان كان مستقبلا فأكثر موارده للعموم كقوله: ﴿ و إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون و قوله: ﴿ و إذا مروا بهم يتغامزون و قوله: ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله الا الله يستكبرون .

و قد لا يعم كقوله: ﴿ و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و يستفاد كون الامر المطلق للوجوب من ذمه لمن خالفه و تسميته إياه عاصيا و ترتيبه العقاب العاجل أو الاجل على فعله و يستفاد كون النهي من ذمه لمن ارتكبه و تسميته عاصيا و ترتيبه العقاب على فعله و يستفاد الوجوب بالأمر بالتصريح بالإيجاب و الفرض و الكتب و لفظة (على) و لفظة (حق على العباد) و (على المؤمنين) و ترتيب الذم و العقاب على الترك و إحباط العمل بالترك و غير ذلك.

و يستفاد التحريم من النهي و التصريح بالتحريم و الحظر و الوعيد على الفعل و ذم الفاعل و إيجاب الكفارة و قوله: (لا ينبغي) فإنها في لغة القرآن و الرسول للمنع شرعا أو عقلا و لفظة (ما كان لهم كذا و كذا) و (لم يكن لهم) و ترتيب الحد على


9
الفعل و لفظة (لا يحل) و (لا يصلح) و وصف الفعل بأنه فساد أو من تزيين الشيطان و عمله و ان الله لا يحبه و أنه لا يرضاه لعباده ولا يزكي فاعله ولا يكلمه ولا ينظر إليه و نحو ذلك.

و يستفاد الاباحة من الاذن و التخيير و الامر بعد الحظر و نفي الجناح و الحرج و الاثم و المؤاخذة و الاخبار بأنه يعفو عنه و بالإقرار على فعله في زمن الوحي و بالإنكار على من حرم الشيء و الاخبار بأنه خلق لنا و جعله لنا و امتنانه علينا به و إخباره عن فعل من قبلنا له غير ذام لهم عليه فإن اقترن بإخباره مدح دل على رجحانه استحبابا أو وجوبا.

فصل

و يستفاد التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب كقوله تعالى: ﴿ و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما ، ﴿ الزانية و الزاني فاجلدوا فكما يفهم منه وجوب الجلد و القطع يفهم منه كون السرقة و الزنا علة و ان الوجوب كان لأجلهما مع ان اللفظ من حيث النطق لم يتعرض لذلك بل يتبادر إلى الفهم من فحوى الكلام و كذلك قوله تعالى: ﴿ ان الابرار لفي نعيم أي لبرهم ﴿ و ان الفجار لفي جحيم أي لفجورهم.

و كذا كل كلام خرج مخرج الذم و المدح في حق العاصي و المطيع و قد يسمى هذا في علم الاصول لحن الخطاب.


10

فصل

و كل فعل عظمه الله و رسوله أو مدحه أو مدح فاعله لأجله أو أحبه أو أحب فاعله أو رضى به أو رضى عن فاعله أو وصفه بالطيب أو البركة أو الحسن. أو نصبه سببا لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لشكره له أو لهدايته إياه أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه و تكفير سيئاته أو لقبوله أو لنصرة فاعله أو بشارة فاعله. أو وصف فاعله بالطيب. أو وصف الفعل بكونه معروفا أو نفي الحزن و الخوف عن فاعله أو وعده بالأمن أو نصبه سببا لولايته أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله أو وصفه بكونه قربة أو أقسم به و بفاعله كالقسم بخيل المجاهدين و إغارتها فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب و الندب.

فصل

و كل فعل طلب الشرع تركه أو ذم فاعله عتب عليه أو لعنه أو مقت فاعله أو نفى محبته إياه أو محبة فاعله أو نفى الرضا به أو الرضا عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم أو بالشياطين أو جعله مانعا من الهدى أو من القبول أو وصفه بسوء أو كراهة أو استعاذ الانبياء منه أو أبغضوه أو جعل سببا لنفي الفلاح أو لعذاب عاجل أو آجل أو لذم أو لوم أو ضلالة أو معصية أو وصف بخبث أو رجس أو نجس أو بكونه فسقا أو إثما أو سببا لإثم أو رجس أو غضب أو زوال نعمة أو حلول نقمة أو حد من


11
الحدود أو قسوة أو خزي أو امتهان نفس أو لعداوة الله و محاربته و الاستهزاء به أو سخريته. أو جعله الرب سببا لنسيانه لفاعله أو وصف نفسه بالصبر عليه أو بالحلم أو بالصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه أو وصف فاعله بخبث أو احتقار أو نسبه إلى عمل الشيطان و تزيينه أو تولى الشيطان لفاعله. أو وصف بصفة ذم مثل كونه ظلما أو بغيا أو عدوانا أو إثما أو تبرأ الانبياء منه أو من فاعله أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة أو نصب سببا لخيبة فاعله عاجلا أو آجلا أو ترتب عليه حرمان من الجنة أو وصف فاعله بأنه عدو لله أو أعلم فاعله بحرب (من) الله و رسوله أو حمل فاعله إثم غيره. أو قيل فيه (لا ينبغي هذا) و (لا يصلح) أو أمر بالتقوى عند السؤال عنه أو أمر بفعل يضاده أو هجر فاعله أو يلاعن في الاخرة أو يتبرأ بعضهم من بعض أو وصف صاحبه بالضلالة أو أنه ليس من الله في شيء أو أنه ليس من الرسول و أصحابه أو قرن بمحرم ظاهر التحريم في الحكم أو أخبر عنهما بخبر واحد. أو جعل اجتنابه سببا للفلاح أو جعله سببا لإيقاع العداوة و البغضاء بين المسلمين أو قيل لفاعله (هل أنت منته) أو نهى الانبياء عن الدعاء لفاعله أو رتب عليه أبعادا و طردا أو لفظة (قتل من فعله) أو (قاتل الله من فعله) أو أخبر ان فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة و لا ينظر إليه و لا يزكيه أو ان الله لا يصلح عمله أو لا يهدي كيده أو ان فاعله لا يفلح أو لا يكون في القيامة من الشهداء و لا من الشفعاء أو ان الله تعالى يغار من فعله أو نبه على وجود المفسدة فيه أو أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفا و لا عدلا أو أخبر ان من فعله قيض له الشيطان فهو له قرين أو جعل الفعل سببا لإزاغة الله قلب فاعله أو صرفه عن آيات الله و فهم الاية و سؤاله


12
سبحانه عن علة الفعل نحو: ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن ، ﴿ لم تلبسون الحق بالباطل ، ﴿ ما منعك ان تسجد ، ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون ما لم يقترن به جواب عن السؤال فإذا قرن به جواب كان بحسب جوابه.

فهذا و نحوه يدل علي المنع من الفعل، و دلالته علي التحريم اطرد من دلالته علي مجرد الكراهة.

و أما لفظ (يكرهه الله و رسوله) و قوله: ﴿ عند ربك مكروها فأكثر ما يستعمل في المحرم و قد يستعمل في كراهة التنزيه و أما لفظ (أما أنا فلا أفعل) فالمحقق فيه الكراهة كقوله (أما أنا فلا آكل متكئا) و أما لفظ (ما يكون لك) و (ما يكون لنا) فاطرد استعمالها في المحرم نحو: ﴿ فما يكون لك ان تتكبر فيها ، ﴿ و ما يكون لنا ان نعود فيها ، ﴿ ما يكون لي ان أقول ما ليس لي بحق .

فصل

و تستفاد الاباحة من لفظ الاحلال و رفع الجناح و الاذن و العفو و (إن شئت فافعل) و (إن شئت فلا تفعل) و من الامتنان بما في الاعيان من المنافع و ما يتعلق بها


13
الأفعال نحو: ﴿ و من أصوافها و أوبارها و أشعارها أثاثا ، ﴿ و بالنجم هم يهتدون و من السكوت عن التحريم و من الاقرار على الفعل في زمن الوحي و هو نوعان إقرار الرب تعالى و إقرار رسوله إذا علم الفعل فمن إقرار الرب قول جابر (كنا نعزل و القرآن ينزل) و من إقرار رسوله قول حسان (كنت أنشد و فيه من هو خير منك).

فائدة

قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين جمعت أصول أحكام الشريعة كلها فجمعت الامر و النهي و الاباحة و التخيير.

فائدة

تقديم العتاب على الفعل من الله تعالى يدل على تحريمه فقد عاتب الله سبحانه في خمسة مواضع من كتابه في الانفال و براءة و الاحزاب و التحريم


14
و عبس خلافا للشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث جعل العتب من أدلة النهي.

فائدة

لا يصح الامتنان بممنوع عنه خلافا لمن زعم أنه يصح و يصرف الامتنان إلى خلقه للصبر عليهم.

فائدة

التعجب كما يدل على محبة الله للفعل نحو (عجب ربك من شاب ليست له صبوة) و (تعجب ربك من رجل ثار من فراشه و وطائه إلى الصلاة) و نحو ذلك فقد يدل على بغض الفعل كقوله: ﴿ و ان تعجب فعجب قولهم و قوله: ﴿ بل عجبت و يسخرون و قوله: ﴿ كيف تكفرون بالله ، ﴿ و كيف تكفرون و أنتم تتلى عليكم آيات الله و فيكم رسوله .

و قد يدل على امتناع الحكم و عدم حسنه كقوله: ﴿ كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله و يدل على حسن المنع منه و أنه لا يليق به فعله كقوله: ﴿ كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم .


15

قاعدة

في الاطلاق و التقييد

ان وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه و الا فلا و المطلق على إطلاقه و المقيد على تقييده لان الله تعالى خاطبنا بلغة العرب. و الضابط ان الله تعالى إذا حكم في شيء بصفة أو شرط ثم ورد حكم آخر مطلقا نظر فإن لم يكن له أصل يرد إليه الا ذلك الحكم المقيد وجب تقييده به و ان كان له أصل غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الاخر.

فالأول مثل اشتراط الله العدالة في الشهود على الرجعة و الفراق و الوصية و إطلاقه الشهادة في البيوع و غيرها و العدالة شرط في الجميع و منه تقييد ميراث الزوجين بقوله: ﴿ من بعد وصية يوصين بها أو دين و إطلاقه الميراث فيما أطلق فيه و كان ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية و الدين و كذلك ما اشترط في كفارة القتل من الرقبة المؤمنة و أطلقها في كفارة الظهار و اليمين و المطلق كالمقيد في وصف الرقبة.

و كذلك تقييد الايدي إلى المرافق في الوضوء و إطلاقه في التيمم و كذلك: ﴿ و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله فأطلق الاحباط عليه و علقه بنفس الردة و لم يشترط الموافاة عليه و قال في الاية الاخرى: ﴿ و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم


16
و قيد الردة بالموت عليها و الموافاة على الكفر فوجب رد الاية المطلقة إليها و الا يقضي بإحباط الاعمال الا بشرط الموافاة عليها و هو مذهب الشافعي رضي الله عنه و ان كان قد تورع في هذا التقرير.

و من هذا الاطلاق تحريم الدم و تقييده في موضع آخر بالمسفوح و قوله: ﴿ فامسحوا بوجوهكم و أيديكم و قال في موضع آخر: ﴿ منه .

و قوله: ﴿ من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها فإنه لو قيل نحن نرى من يطلب الدنيا طلبا حثيثا و لا يحصل له منها شيء قلنا قال الله تعالى: ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد فعلق ما يريد بالمشيئة و الارادة.

و مثله قوله تعالى: ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان و قوله: ﴿ ادعوني أستجب لكم فإنه معلق.

تنبيه

اختلف الاصوليون في ان حمل المطلق على المقيد هل هو من وضع اللغة أو بالقياس على مذهبين و الاولون يقولون العرب من مذهبها استحباب الاطلاق اكتفاء بالمقيد


17
و طلبا للإيجاز و الاختصار و قد قال تعالى: ﴿ عن اليمين و عن الشمال قعيد و المراد (عن اليمين قعيد) و لكن حذف لدلالة الثاني عليه.

و زعم بعضهم ان القرآن كالآية الواحدة لان كلام الله تعالى واحد فلا بعد ان يكون المطلق كالمقيد.

قال إمام الحرمين و هذا غلط لان الموصوف بالإتحاد الصفة القديمة المختصة بالذات و أما هذه الالفاظ و العبارات فمحسوس تعددها و فيها الشيء و نقيضه كالإثبات و النفي و الامر و النهي إلى غير ذلك من أنواع النقائض التي لا يوصف الكلام القديم بأنه (اشتمل) عليها.

و الثاني كإطلاق صوم الايام في كفارة اليمين و قيدت بالتتابع في كفارة الظهار و القتل و بالتفريق في صوم التمتع فلما تجاذب الاصل تركناه على إطلاقه.

هذا كله إذا كان الحكمان بمعنى واحد و إنما اختلفا في الاطلاق و التقييد فأما إذا حكم في شيء بأمور لم يحكم في شيء آخر ينقض تلك الامور و سكت فيه عن بعضها فلا يقتضي الالحاق كالأمر بغسل الاعضاء الاربعة في الوضوء و ذكر في التيمم عضوين فلم يكن في الامر بمسح الرأس و غسل الرجلين في الوضوء دليل على مسحهما بالتراب في التيمم... .

و من ذلك ذكر العتق و الصوم و الطعام في كفارة الظهار و لم يذكر الاطعام في كفارة القتل فلم يجمع بينهما في إبدال الطعام عن الصيام.

و قريب من هذا قول السلف في قوله تعالى: ﴿ و أمهات نسائكم و ربائبكم ان اللام مبهمة و عنوا بذلك ان الشرط في الربائب خاصة.


18

قاعدة

في العموم و الخصوص

لا يستدل بالصفة العامة إذا لم يظهر تقييد عدم التعميم و يستفاد ذلك من السياق و لهذا قال الشافعي اللفظ بين في مقصوده و يحتمل في غير مقصوده.

فمنه قوله تعالى: ﴿ و الذين يكنزون الذهب و الفضة لا يصلح الاحتجاج بها في إيجاب الزكاة في قليل الذهب و الفضة و كثيره و في المتنوع منهما من الحلي و غيره. الا ترى ان من ملك دون النصاب منهما غير داخل في جملة المتوعدين بترك الانفاق منهما و هذا يدل على ان القصد من الاية إثبات الحكم في ترك أداء الواجب من الزكاة منهما و فيها دليل على وجوب الزكاة فيهما و ليس فيها بيان مقدار ما يجب من الحق فيهما.

و قوله تعالى: ﴿ و الذين هم لفروجهم حافظون ... الاية القصد منها مدح قوم صانوا فروجهم عما لا يحل و لم يواقعوا بها الا من كان بملك النكاح أو اليمين و ليس في الاية بيان ما يحل منها و ما لا يحل ثم إذا احتيج إلى تفصيل ما يحل بالنكاح و ملك اليمين صير إلى ما قصد و تفصيله بقوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ... الاية.


19

كذا قاله القفال الشاشي و فيه نظر لما سبق.

و مثله قوله تعالى: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام إلى قوله: ﴿ من الخيط الاسود فلو تعلق متعلق بقوله: ﴿ و كلوا و اشربوا في إباحة أكل أو شرب كل شيء قد اختلف فيه لكان لا معنى له لان المخاطب قد غفل عن أنها لم ترد مبينة لذلك بل مبينة لحكم جواز الاكل و الشرب و المباشرة إلى الفجر دفعا لما كان الناس عليه من حظر ذلك على من نام فبين في الاية إباحة ما كان محظورا ثم أطلق لفظ الاكل و الشرب و المباشرة لا علي معنى إبانة الحكم فيما يحل من ذلك و ما يحرم. الا ترى أنه لا يدخل فيه شرب الخمر و الدم و أكل الميتة ولا المباشرة فيما لا يبتغى منه الولد و مثله في القرآن كثير و هذا يدل على ان النظر في العموم إلى المعاني لا لإطلاق اللفظ.

قال القفال و من ضبط هذا الباب أفاد علما كثيرا.

فصل

الاحكام المستنبطة من تنبيه الخطاب

و مما تستثمر منه الاحكام تنبيه الخطاب و هو إما في الطلب كقوله تعالى: ﴿ فلا تقل لهما أف فنهيه عن القليل منبه على الكثير و قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم يدل على تحريم الاحراق و الاتلاف.


20

و أما في الخبر فإما ان يكون بالتنبيه بالقليل على الكثير كقوله تعالى: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا فنبه على ان الرطل و القنطار لا يضيع لك عنده و كقوله: ﴿ ما يملكون من قطمير ، ﴿ ولا يظلمون نقيرا ، ﴿ ولا يظلمون فتيلا ، ﴿ و ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة فإنه يدل على ان من لم يملك نقيرا أو قطميرا مع قلتهما فهو عن ملك ما فوقهما أولى و علم ان من لم يعزب عنه مثقال ذرة مع خفائه و دقته فهو بألا يذهب عنه الشيء الجليل الظاهر أولى.

و أما بالكثير على القليل كقوله تعالى: ﴿ و من أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده إليك فهذا من التنبيه على أنه يؤدى إليك الدينار و ما تحته. ثم قال: ﴿ و منهم من ان تأمنه بدينار لا يؤده إليك فهذا من الاول و هو التنبيه بالقليل على الكثير فدل بالتنبيه على أنك لا تأمنه بقنطار بعكس الاول.

و مثل قوله في فرش أهل الجنة ﴿ بطائنها من إستبرق و قد علمنا ان أعلى ما عندنا هو الاستبرق الذي هو الخشن من الديباج فإذا كان بطائن (فرش) أهل الجنة ذلك فعلم ان وجوهها في العلو إلى غاية لا يعقل معناها.

و كذلك قوله في شراب أهل الجنة ﴿ ختامه مسك و إنما يرى من الكأس الختام و أعلى ما عندنا رائحة المسك و هو أدنى شراب أهل الجنة فليتبين


21
اللبيب إذا كان الثفل الذي فيك المسك أيش يكون حشو الكأس فيظهر فضل حشو الكأس بفضل الختام و هذا من التنبيه (الخفي).

و قوله: ﴿ الذي باركنا حوله فنبه على حصول البركة فيه من باب أولى.

و اعلم ان هذا النوع البديع ينظر إليه من ستر رقيق و طريق تحصيله فهم المعنى و تقييده من سياق الكلام كما في آية التأفيف فإنا نعلم ان الاية إنما سيقت لاحترام الوالدين و توقيرهما ففهمنا منه تحريم الشتم و الضرب ولو لم يفهم المعنى لا يلزم ذلك لان الملك الكبير يتصور ان يقول لبعض عبيده اقتل قرني و لا تقل له أف و يكون قصده الامن عن مزاحمته في الملك فثبت ان ذلك إنما جاء لفهم المعنى.

فإن قيل فإذا ابتنى الفهم على تخيل المعنى كان بطريق القياس كما صار إليه الشافعي قيل ما يتأخر من نظم الكلام و ما يتقدم فهمه على اللفظ و يقترن به لا يكون قياسا حقيقيا لان القياس ما يحتاج فيه إلى استنباط و تأمل فإن أطلق القائل بأنه قياس اسم القياس عليه و أراد ما ذكرناه فلا مضايقة في التسمية.

فصل

في الحكم على الشيء مقيدا بصفة

و قد يحكم على الشيء مقيدا بصفة ثم قد يكون ما سكت عنه بخلافه و قد يكون


22
مثله فمن الاول قوله تعالى: ﴿ و أشهدوا ذوي عدل منكم و قوله: ﴿ ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا و قوله: ﴿ و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم فاشترط أولاد الصلب تنبيها على إباحة حلائل أبناء الرضاع و ليس في ذكر الحلائل إباحة من وطئه الابناء من الاماء بملك اليمين و هذه الاية مما اجتمع فيه النوعان أعنى المخالفة و المماثلة.

و كذلك قوله: ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ... الاية فيه وقوع الجناح في إبداء الزينة لمن عدا المذكورين من الاجانب ولم يكن فيه إبداؤها لقرابة الرضاع.

و من الثاني قوله تعالى في الصيد: ﴿ و من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم فإن القتل إتلاف و الاتلاف عمده و خطؤه فيستدل به على ان التعمد ليس بشرط.

فإن قيل فما فائدة التقييد في هذا القسم إذا كان المسكوت عنه مثله و هلا حذفت الصفة و اقتصر على قوله: ﴿ و من قتله منكم ؟

قلنا لتخصيص الشيء بالذكر فوائد منها اختصاصه في جنسه بشيء لا يشركه فيه غيره من جملة الجنس كما في هذه الاية أعني قوله: ﴿ و من قتله منكم متعمدا .


23
إلى قوله: ﴿ فينتقم الله منه ان المتعمد إنما خص بالذكر لما عطف عليه في آخر الاية من الانتقام الذي لا يقع الا في العمد دون الخطأ.

و منها ما يخص بالذكر تعظيما له على سائر ما هو من جنسه كقوله تعالى: ﴿ منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم فخص النهى عن الظلم فيهن و ان كان الظلم منهيا عنه في جميع الاوقات تفضيلا لهذه الاشهر و تعظيما للوزر فيها. و قوله: ﴿ فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج .

و منها ان يكون ذلك الوصف هو الغالب عليه كقوله تعالى: ﴿ و ربائبكم اللاتي في حجوركم ... الاية فإن الغالب من حال الربيبة أنها تكون في حجر أمها. و نحو: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم إلى قوله: ﴿ ثلاث مرات ... الاية خص هذه الاوقات الثلاثة بالاستئذان لان الغالب تبذل البدن فيهن و ان كان في غير هذه الاوقات ما يوجب الاستئذان فيجب. و كذلك قوله: ﴿ فإن خفتم الا يقيما حدود الله فالافتداء يجوز مع الامر. و قوله: ﴿ فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة ان خفتم . و قوله: ﴿ فإن لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان و قوله: ﴿ و ان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فجرى التقييد بالسفر لان الكاتب إنما يعدم غالبا فيه و لا يدل على منع الرهن الا في السفر كما صار إليه مجاهد.


24

النوع الثالث و الثلاثون

في معرفة جدله

و قد أفرده من المتأخرين بالتصنيف العلامة نجم الدين الطوفي رضي الله عنه.

اعلم ان القرآن العظيم قد اشتمل على جميع أنواع البراهين و الادلة و ما من برهان و دلالة و تقسيم و تحديد شيء من كليات المعلومات العقلية و السمعية الا و كتاب الله تعالى قد نطق به لكن أورده تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق أحكام المتكلمين لأمرين:

أحدهما بسبب ما قاله: ﴿ و ما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم ... الاية.

و الثاني ان المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام فإن من استطاع ان يفهم بالأوضح الذي يفهمه الاكثرون لم يتخط إلى الاغمض الذي لا يعرفه الا الاقلون ولم يكن ملغزا فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجل صورة تشتمل على أدق دقيق لتفهم العامة من جليلها ما يقنعهم و يلزمهم الحجة و تفهم الخواص من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الخطباء.


25

و على هذا حمل الحديث المروي ( ان لكل آية ظهرا و بطنا و لكل حرف حدا و مطلعا ) لا على ما ذهب إليه الباطنية و من هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر. و لذلك إذا ذكر تعالى حجة على ربوبيته و وحدانيته أتبعها مرة بإضافته إلى أولي العقل و مرة إلى السامعين و مرة إلى المفكرين و مرة إلى المتذكرين تنبيها ان بكل قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقته منها و ذلك نحو قوله: ﴿ ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون و غيرها من الايات.

و اعلم أنه قد يظهر منه بدقيق الفكر استنباط البراهين العقلية على طرق المتكلمين فمن ذلك الاستدلال على حدوث العالم بتغير الصفات عليه و انتقاله من حال إلى حال و هو آية الحدوث و قد ذكر الله تعالى في احتجاج إبراهيم الخليل عليه السلام استدلاله بحدوث الاقل على وجود المحدث و الحكم على السماوات و الارض بحكم النيرات الثلاث و هو الحدوث طردا للدليل في كل ما هو مدلوله لتساويها في علة الحدوث و هي الجسمانية.

و من ذلك الاستدلال على ان صانع العالم واحد بدلالة التمانع المشار إليه في قوله تعالى: ﴿ لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا لانه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام و لا يتسق على إحكام و لكان العجز يلحقهما أو أحدهما و ذلك لو أراد أحدهما إحياء جسم و أراد الاخر إماتته فإما ان تنفذ إرادتهما فتتناقض لاستحالة تجزؤ الفعل ان فرض الاتفاق أو لامتناع اجتماع الضدين ان فرض الاختلاف.


26

و إما لا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى عجزهما أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عجزه و الاله لا يكون عاجزا.

و من ذلك الاستدلال على المعاد الجسماني بضروب:

أحدها قياس الاعادة على الابتداء قال تعالى: ﴿ كما بدأكم تعودون ، ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ، ﴿ أفعيينا بالخلق الاول . ثانيها قياس الاعادة على خلق السماوات و الارض بطريق الاولى نحو: ﴿ أو ليس الذي خلق السماوات و الارض بقادر على ان يخلق مثلهم ، ﴿ لخلق السماوات و الارض أكبر من خلق الناس . ثالثها قياس الاعادة على إحياء الارض بعد موتها بالمطر و النبات و هو في كل موضع ذكر فيه إنزال المطر غالبا نحو: ﴿ و يحيي الارض بعد موتها و كذلك تخرجون . رابعها قياس الاعادة على إخراج النار من الشجر الاخضر و قد ورد ان أبي بن خلف لما جاء بعظام بالية ففتها و ذرها في الهواء و قال يا محمد من يحي العظام و هي رميم! فأنزل الله تعالى: ﴿ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة و هو بكل خلق عليم فعلم سبحانه كيفية الاستدلال برد النشأة الاخرى إلى الاولى و الجمع بينهما بعلة الحدوث ثم زاد في الحجاج بقوله: ﴿ الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا


27

و هذا في غاية البيان في رد الشيء إلى نظيره و الجمع بينهما من حيث تبديل الاعراض عليهما.

خامسها في قوله تعالى: ﴿ و أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا و لكن أكثر الناس لا يعلمون. ليبين لهم الذي يختلفون فيه و ليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين . و تقريرها كما قاله ابن السيد ان اختلاف المختلفين في الحق لا يوجب انقلاب الحق في نفسه. و إنما تختلف الطرق الموصلة إليه و الحق في نفسه واحد فلما ثبت ان هاهنا حقيقة موجودة لا محالة و كان لا سبيل لنا في حياتنا هذه إلى الوقوف عليها وقوفا يوجب الائتلاف و يرفع عنا الاختلاف إذ كان الاختلاف مركوزا في فطرنا و كان لا يمكن ارتفاعه و زواله الا بارتفاع هذه الجبلة و نقلها إلى جبلة غيرها صح ضرورة ان لنا حياة أخرى غير هذه الحياة فيها يرتفع الخلاف و العناد و هذه هي الحال التي وعد الله بالمصير إليها فقال: ﴿ و نزعنا ما في صدورهم من غل و لابد من كون ذلك باضطرار إذ كان جواز الخلاف يقتضي الائتلاف لانه نوع من المضاف و كان لابد من حقيقته فقد صار الخلاف الموجود كما ترى أوضح دليل على كون البعث الذي ينكره المنكرون.


28

النوع الرابع و الثلاثون

معرفة ناسخه من منسوخه

و العلم به عظيم الشأن و قد صنف فيه جماعة كثيرون منهم قتادة بن دعامة السدوسي و أبو عبيد القاسم بن سلام و أبو داود السجستاني و أبو جعفر النحاس و هبة الله بن سلام الضرير و ابن العربي و ابن الجوزي و ابن الانباري و مكي و غيرهم.


29

و من ظريف ما حكى في كتاب هبة الله أنه قال في قوله تعالى: ﴿ و يطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما و أسيرا منسوخ من هذه الجملة: ﴿ و أسيرا و المراد بذلك أسير المشركين فقرئ الكتاب عليه و ابنته تسمع فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت أخطأت يا أبت في هذا الكتاب فقال لها و كيف يا بنية؟ قالت أجمع المسلمون على ان الاسير يطعم و لا يقتل جوعا.

قال الائمة و لا يجوز لأحد ان يفسر كتاب الله الا بعد ان يعرف منه الناسخ و المنسوخ و قد قال علي بن أبي طالب لقاص أتعرف الناسخ و المنسوخ قال الله أعلم قال هلكت و أهلكت.

و النسخ يأتي بمعنى الازالة و منه قوله تعالى: ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته . و يأتي بمعنى التبديل كقوله: ﴿ و إذا بدلنا آية مكان آية . و بمعنى التحويل كتناسخ المواريث يعني تحويل الميراث من واحد إلى واحد.

و يأتي بمعنى النقل من موضع إلى موضع و منه (نسخت الكتاب) إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه و خطه. قال مكي و هذا الوجه لا يصح ان يكون في القرآن و أنكر على النحاس إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ و إنما يأتي بلفظ آخر. و قال الامام أبو عبد الله محمد بن بركات السعدي يشهد لما قاله النحاس قوله تعالى


30
﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و قال: ﴿ و أنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم و معلوم ان ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب و هو اللوح المحفوظ كما قال: ﴿ في كتاب مكنون. لا يمسه الا المطهرون .

ثم اختلف العلماء فقيل المنسوخ ما رفع تلاوة تنزيله كما رفع العمل به. و رد بما نسخ الله من التوراة بالقرآن و الانجيل و هما متلوان.

و قيل لا يقع النسخ في قرآن يتلى و ينزل. و النسخ مما خص الله به هذه الامة في حكم من التيسير و يفر هؤلاء من القول بأن الله ينسخ شيئا بعد نزوله و العمل به و هذا مذهب اليهود في الاصل ظنا منهم أنه بداء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له و هو باطل لانه بيان مدة الحكم الا ترى الاحياء بعد الاماتة و عكسه و المرض بعد الصحة و عكسه و الفقر بعد الغنى و عكسه و ذلك لا يكون بداء فكذا الامر و النهي.

و قيل ان الله تعالى نسخ القرآن من اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب فأنزله على نبيه و النسخ لا يكون الا من أصل. و الصحيح جواز النسخ و وقوعه سمعا و عقلا. ثم اختلفوا فقيل لا ينسخ قرآن الا بقرآن لقوله تعالى: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها


31
قالوا ولا يكون مثل القرآن و خيرا منه الا قرآن.

و قيل بل السنة لا تنسخ السنة. و قيل السنة إذا كانت بأمر الله من طريق الوحي نسخت و ان كانت باجتهاد فلا تنسخه. حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره. و قيل بل إحداهما تنسخ الاخرى ثم اختلفوا فقيل الايتان إذا أوجبتا حكمين مختلفين و كانت إحداهما متقدمة الاخرى فالمتأخرة ناسخة للأولى كقوله تعالى: ﴿ ان ترك خيرا الوصية للوالدين و الاقربين ثم قال بعد ذلك: ﴿ و لأبويه لكل واحد منهما السدس و قال: ﴿ فإن لم يكن له ولد و ورثه أبواه فلأمه الثلث قالوا فهذه ناسخة للأولى و لا يجوز ان يكون لهما الوصية و الميراث.

و قيل بل ذلك جائز و ليس فيهما ناسخ و لا منسوخ و إنما نسخ الوصية للوارث بقوله عليه السلام ( لا وصية لوارث ). و قيل ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة.

و يجوز نسخ الناسخ فيصير الناسخ منسوخا و ذلك كقوله: ﴿ لكم دينكم و لي دين نسخها بقوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين ثم نسخ هذه أيضا بقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد . و قوله: ﴿ فاعفوا و اصفحوا حتى يأتي الله بأمره و ناسخه قوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين ثم نسخها: ﴿ حتى يعطوا الجزية .


32

مسألة

في جواز النسخ بالكتاب

لا خلاف في جواز نسخ الكتاب بالكتاب قال الله تعالى: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها و قال: ﴿ و إذا بدلنا آية مكان آية و الله أعلم بما ينزل و لذلك نسخ السنة بالكتاب كالقصة في صوم عاشوراء برمضان و غيره.

و اختلف في نسخ الكتاب بالسنة قال ابن عطية حذاق الامة على الجواز و ذلك موجود في قوله صلى الله عليه و سلم ( لا وصية لوارث ) و أبى الشافعي ذلك و الحجة عليه من قوله في إسقاط الجلد في حد الزنا عن الثيب الذي رجم فإنه لا مسقط لذلك الا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

قلنا أما آية الوصية فقد ذكرنا ان ناسخها القرآن و أما ما نقله عن الشافعي فقد اشتهر ذلك لظاهر لفظ ذكره في الرسالة و إنما مراد الشافعي ان الكتاب و السنة لا يوجدان مختلفين الا و مع أحدهما مثله ناسخ له و هذا تعظيم لقدر الوجهين و إبانة تعاضدهما و توافقهما و كل من تكلم على هذه المسألة لم يفهم مراده.

و أما النسخ بالآية فليس بنسخ بل تخصيص ثم إنه ثابت بالقرآن الذي نسخت تلاوته و هو (الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما).


33

فصل

فيما يقع فيه النسخ

الجمهور على أنه لا يقع النسخ الا في الامر و النهي. و زاد بعضهم الاخبار. و أطلق و قيدها آخرون بالتي يراد بها الامر و النهي.

تنبيهات

التنبيه الاول

في تقسيم سور القرآن بحسب ما دخله من النسخ و ما لم يدخله

اعلم ان سور القرآن العظيم (تنقسم) بحسب ما دخله النسخ و ما لم يدخل إلى أقسام أحدهما ما ليس فيه ناسخ و لا منسوخ و هي ثلاث و أربعون سورة: و هي الفاتحة ثم يوسف ثم يس ثم الحجرات ثم الرحمن ثم الحديد ثم الصف ثم الجمعة ثم التحريم ثم الملك ثم الحاقة ثم نوح ثم الجن ثم المرسلات ثم النبأ ثم النازعات ثم الانفطار ثم المطففين ثم الانشقاق ثم البروج ثم الفجر ثم البلد ثم الشمس ثم الليل ثم الضحى ثم الانشراح ثم القلم ثم (القدر) ثم الانفكاك ثم الزلزلة ثم العاديات ثم القارعة ثم ألهاكم ثم الهمزة ثم الفيل ثم قريش ثم الدين ثم الكوثر ثم النصر ثم تبت ثم الاخلاص ثم المعوذتين.


34

و هذه السور تنقسم إلى ما ليس فيه أمر و لا نهي و إلى ما فيه نهي لا أمر. و الثاني ما فيه ناسخ و ليس فيه منسوخ و هي ست سور الفتح و الحشر و المنافقون و التغابن و الطلاق و الاعلى. الثالث ما فيه منسوخ و ليس فيه ناسخ و هو أربعون الانعام و الاعراف و يونس و هود و الرعد و الحجر و النحل و بنو إسرائيل و الكهف و طه و المؤمنون و النمل و القصص و العنكبوت و الروم و لقمان و المضاجع و الملائكة و الصافات و ص و الزمر و المصابيح و الزخرف و الدخان و الجاثية و الاحقاف و سورة محمد صلى الله عليه وسلم و الباسقات و النجم و القمر و الرحمن و المعارج و المدثر و القيامة و الانسان و عبس و الطارق و الغاشية و التين و الكافرون. الرابع ما اجتمع فيه الناسخ والمنسوخ و هي إحدى وثلاثون سورة البقرة وآل عمران و النساء و المائدة و الاعراف و الانفال والتوبة و إبراهيم والنحل و بنو إسرائيل ومريم وطه و الانبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان والشعراء و الاحزاب وسبأ والمؤمن والشورى والقتال والذاريات والطور والواقعة والمجادلة والممتحنة والمزمل والمدثر والتكوير والعصر.

و من غريب هذا النوع آية أولها منسوخ و آخرها ناسخ قيل و لانظير لها في القرآن و هي قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم


35
يعني الامر بالمعروف و النهي عن المنكر فهذا ناسخ لقوله: ﴿ عليكم أنفسكم ذكره ابن العربي في أحكامه.

التنبيه الثاني

في ضروب النسخ في القرآن

النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب:

الاول ما نسخ تلاوته و بقي حكمه فيعمل به إذا تلقته الامة بالقبول كما روى أنه كان يقال في سورة النور (الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبته نكالا من الله) و لهذا قال عمر لولا ان يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي. رواه البخاري في صحيحه معلقا.

و أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي بن كعب قال كانت سورة الاحزاب توازي سورة النور فكان فيها ( الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما ) و في هذا سؤالان الاول ما الفائدة في ذكر الشيخ و الشيخة؟ و هلا قال المحصن و المحصنة؟

و أجاب ابن الحاجب في أماليه عن هذا بأنه من البديع في المبالغة و هو ان يعبر عن الجنس في باب الذم بالأنقص فالأنقص و في باب المدح بالأكثر و الاعلى فيقال لعن الله السارق يسرق ربع دينار فتقطع يده و المراد يسرق ربع دينار فصاعدا إلى أعلى ما يسرق. و قد يبالغ فيذكر ما لا تقطع به كما جاء في الحديث ( لعن الله السارق


36
يسرق البيضة فتقطع يده ) و قد علم أنه لا تقطع في البيضة و تأويل من أوله ببيضة الحرب تأباه الفصاحة.

الثاني ان ظاهر قوله (لولا ان يقول الناس) الخ ان كتابتها جائزة و إنما منعه قول الناس و الجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه و إذا كانت جائزة لزم ان تكون ثابتة لان هذا شأن المكتوب. و قد يقال لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر رضي الله عنه و لم يعرج على مقال الناس لان مقال الناس لا يصلح مانعا.

و بالجملة فهذه الملازمة مشكلة و لعله كان يعتقد أنه خبر واحد و القرآن لا يثبت به و ان ثبت الحكم و من هنا أنكر ابن ظفر في الينبوع عد هذا مما نسخ تلاوته قال لان خبر الواحد لا يثبت القرآن. قال و إنما هذا من المنسأ لا النسخ و هما مما يلتبسان. و الفرق بينهما ان المنسأ لفظه قد يعلم حكمه و يثبت أيضا و كذا قاله في غيره القراءات الشاذة كإيجاب التتابع في صوم كفارة اليمين و نحموه أنها كانت قرآنا فنسخت تلاوتها لكن في العمل بها الخلاف المشهور في القراءة الشاذة.

و منهم من أجاب عن ذلك بأن هذا كان مستفيضا عندهم و أنه كان متلوا من القرآن فأثبتنا الحكم بالإستفاضة و تلاوته غير ثابتة بالإستفاضة. و من هذا الضرب ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي موسى الاشعري إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول و الشدة ببراءة فأنسيتها غير أني أحفظ منها (لو كان لابن آدم و اديان من مال لابتغى واديا


37
ثالثا و لا يملأ جوف ابن آدم الا التراب). و كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها (يأيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون. فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة).

و ذكر الامام المحدث أبو الحسين أحمد بن جعفر المنادى في كتابه الناسخ و المنسوخ مما رفع رسمه من القرآن و لم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر قال و لا خلاف بين الماضين و الغابرين أنهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلى أبي بن كعب و أنه ذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أقرأه إياهما و تسمى سورتي الخلع و الحفد.

هنا سؤال و هو ان يقال ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم و هلا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها و ثواب تلاوتها؟ و أجاب صاحب الفنون فقال إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الامة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام و المنام أدنى طرق الوحي.

الضرب الثاني ما نسخ حكمه و بقي تلاوته و هو في ثلاث و ستين سورة كقوله تعالى: ﴿ و الذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا ... الاية فكانت المرأة إذا مات زوجها لزمت التربص بعد انقضاء العدة حولا كاملا و نفقتها في مال الزوج و لا ميراث لها و هذا معنى قوله: ﴿ متاعا إلى الحول غير إخراج ... الاية فنسخ الله


38
ذلك بقوله: ﴿ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا و هذا الناسخ مقدم في النظم على المنسوخ.

قال القاضي أبو المعالي و ليس في القرآن ناسخ تقدم على المنسوخ الا في موضعين هذا أحدهما و الثاني قوله: ﴿ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ... الاية فإنها ناسخة لقوله: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد و لا ان تبدل بهن من أزواج .

قلت و ذكر بعضهم موضعا آخر و هو قوله تعالى: ﴿ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها هي متقدمة في التلاوة و لكنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء . و قيل في تقديم الناسخة فائدة و هي ان تعتقد حكم المنسوخة قبل العلم بنسخها. و يجيء موضع رابع و هو آية الحشر في قوله تعالى: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله و للرسول ... الاية فإنه لم يذكر فيها شيء للغانمين و رأى الشافعي أنها منسوخة بآية الانفال و هي قوله: ﴿ و اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه .

و اعلم ان هذا الضرب ينقسم إلى ما يحرم العمل به و لا يمتنع كقوله: ﴿ ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ثم نسخ الوجوب. و منه قوله: ﴿ و لا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين قيل منسوخ بقوله تعالى: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه .


39

و قوله: ﴿ و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم نسختها آيات القيامة و الكتاب و الحساب.

و هنا سؤال و هو ان يسأل ما الحكمة في رفع الحكم و بقاء التلاوة؟ و الجواب من وجهين أحدهما ان القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه و العمل به فيتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة. و ثانيهما ان النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة و رفع المشقة و أما حكمة النسخ قبل العمل كالصدقة عند النجوى فيثاب على الايمان به و على نية طاعة الامر. الثالث نسخهما جميعا فلا تجوز قراءته و لا العمل به كآية التحريم بعشر رضعات فنسخن بخمس قالت عائشة كان مما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و هي مما يقرأ من القرآن. رواه مسلم.

و قد تكلموا في قولها (و هي مما يقرأ) فإن ظاهره بقاء التلاوة و ليس كذلك فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة و الاظهر ان التلاوة نسخت أيضا و لم يبلغ ذلك كل الناس الا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فتوفي و بعض الناس يقرؤها. و قال أبو موسى الاشعري نزلت ثم رفعت. و جعل الواحدي من هذا ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال كنا نقرأ (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر) و فيه نظر.

و حكى القاضي أبو بكر في الانتصار عن قوم إنكار هذا القسم لأن


40
الأخبار فيه أخبار آحاد و لا يجوز القطع على إنزال قرآن و نسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها. و قال أبو بكر الرازي نسخ الرسم و التلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه و يرفعه من أوهامهم و يأمرهم بالإعراض عن تلاوته و كتبه في المصحف فيندرس على الايام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله: ﴿ ان هذا لفي الصحف الاولى. صحف إبراهيم و موسى و لا يعرف اليوم منها شيء. ثم لا يخلو ذلك من ان يكون في زمن النبي صلى الله عليه و سلم حتى إذا توفي لا يكون متلوا في القرآن أو يموت و هو متلو موجود في الرسم ثم ينسيه الله و يرفعه من أذهانهم و غير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم.

فائدة

قال ابن العربي قوله تعالى: ﴿ فإذا انسلخ الاشهر الحرم ناسخة لمائة و أربع عشرة آية ثم صار آخرها ناسخا لأولها و هي قوله: ﴿ فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم . قالوا و ليس في القرآن آية من المنسوخ ثبت حكمها ست عشرة سنة الا قوله في الاحقاف: ﴿ قل ما كنت بدعا من الرسل و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم و ناسخها أول سورة الفتح.


41

قال ابن العربي و من أغرب آية في النسخ قوله تعالى: ﴿ خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين أولها و آخرها منسوخان و وسطها محكم.

و قسمه الواحدي أيضا إلى نسخ ما ليس بثابت التلاوة كعشر رضعات و إلى نسخ ما هو ثابت التلاوة بما ليس بثابت التلاوة كنسخ الجلد في حق المحصنين بالرجم و الرجم غير متلو الان و أنه كان يتلى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالحكم ثبت و القراءة لا تثبت كما يجوز ان تثبت التلاوة في بعض و لا يثبت الحكم و إذا جاز ان يكون قرآن و لا يعمل به جاز ان يكون قرآن يعمل به و لا يتلى و ذلك ان الله عز و جل أعلم بمصالحنا و قد يجوز ان يعلم من مصلحتنا تعلق العمل بهذا الوجه.

التنبيه الثالث

في تقسيم القرآن على ضروب من وجه آخر

قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب:

الاول نسخ المأمور به قبل امتثاله و هذا الضرب هو النسخ على الحقيقة كأمر الخليل بذبح ولده و كقوله تعالى: ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ثم نسخه سبحانه بقوله: ﴿ أأشفقتم ... الاية. الثاني و يسمى نسخا تجوزا و هو ما أوجبه الله على من قبلنا كحتم القصاص


42
و لذلك قال عقب تشريع الدية ﴿ ذلك تخفيف من ربكم و رحمة و كذلك ما أمرنا الله به أمرا إجماليا ثم نسخ كنسخه التوجه إلى بيت الله المقدس بالكعبة فإن ذلك كان واجبا علينا من قضية أمره باتباع الانبياء قبله و كنسخ صوم يوم عاشوراء برمضان.

الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف و القلة بالصبر و بالمغفرة للذين يرجون لقاء الله و نحوه من عدم إيجاب الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجهاد و نحوها ثم نسخه إيجاب لذلك و هذا ليس بنسخ في الحقيقة و إنما هو نسء كما قال تعالى: ﴿ أو ننسها فالمنسأ هو الامر بالقتال إلى ان يقوى المسلمون و في حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الاذى.

و بهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الايات الامرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف و ليست كذلك بل هي من المنسأ بمعنى ان كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر و ليس بنسخ إنما النسخ الازالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا. و إلى هذا أشار الشافعي في (الرسالة) إلى النهي عن ادخار لحوم الاضاحي من أجل الرأفة ثم ورد الاذن فيه فلم يجعله منسوخا بل من باب زوال الحكم لزوال علته حتى لو فاجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهي.

و من هذا قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ... الاية كان ذلك في ابتداء الامر فلما قوي الحال وجب الامر بالمعروف و النهي عن المنكر


43
و المقاتلة عليه ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم في قوله: ( بدأ الاسلام غريبا و سيعود غريبا كما بدأ ) عاد الحكم و قال صلى الله عليه و سلم: ( فإذا رأيت هوى متبعا و شحا مطاعا و إعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ).

و هو سبحانه و تعالى حكيم أنزل على نبيه صلى الله عليه و سلم حين ضعفه ما يليق بتلك الحال رأفة بمن تبعه و رحمة إذ لو وجب لأورث حرجا و مشقة فلما أعز الله الاسلام و أظهره و نصره أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من مطالبة الكفار بالإسلام أو بأداء الجزية ان كانوا أهل كتاب أو الاسلام أو القتل ان لم يكونوا أهل كتاب.

و يعود هذان الحكمان أعني المسألة عند الضعف و المسايفة عند القوة بعود سببهما و ليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة بل كل منهما يجب امتثاله في وقته.

فائدة

قيل في قوله تعالى: ﴿ ما ننسخ من آية و لم يقل (من القرآن) لان القرآن ناسخ مهيمن على كل الكتب و ليس يأتي بعده ناسخ له و ما فيه من ناسخ و منسوخ فمعلوم و هو قليل بين الله ناسخه عند منسوخه كنسخ الصدقة عند مناجاة الرسول و العدة و الفرار في الجهاد و نحوه و أما غير ذلك فمن تحقق علما بالنسخ علم ان غالب ذلك من المنسأ و منه ما يرجع لبيان الحكم المجمل كالسبيل في حق الاتية بالفاحشة فبينته السنة و كل ما في القرآن مما يدعى نسخه بالسنة عند من يراه فهو بيان لحكم


44
القرآن و قال سبحانه: ﴿ و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس و أما بالقرآن على ما ظنه كثير من المفسرين فليس بنسخ و إنما هو نسأ و تأخير أو مجمل أخر بيانه لوقت الحاجة أو خطاب قد حال بينه و بين أوله خطاب غيره أو مخصوص من عموم أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى في معنى. و أنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا و ليس به و أنه الكتاب المهيمن على غيره و هو في نفسه متعاضد و قد تولى الله حفظه فقال تعالى: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون .


45

النوع الخامس و الثلاثون

معرفة موهم المختلف

و هو ما يوهم التعارض بين آياته و كلام الله جل جلاله منزه عن الاختلاف كما قال تعالى: ﴿ و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و لكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا و ليس به فاحتيج لإزالته كما صنف في مختلف الحديث و بيان الجمع بينهما و قد رأيت لقطرب فيه تصنيفا حسنا جمعه على السور.

و قد تكلم فيه الصدر الاول ابن عباس و غيره. و قال الامام و قد وفق الحسن البصري بين قوله تعالى: ﴿ و إذ واعدنا موسى أربعين ليلة و قوله: ﴿ و واعدنا موسى ثلاثين ليلة و أتممناها بعشر بأن قال ليس المراد في آية الاعراف على ظاهره من ان الوعد كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعا انتهى.

و قيل تجري آية الاعراف على ظاهره من ان الوعد كان ثلاثين ثم أتم بالعشر فاستقرت الاربعون ثم أخبر في آية البقرة بما استقر.


46

و ذكره الخطابي قال و سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج قال سأل رجل بعض العلماء عن قوله تعالى: ﴿ لا أقسم بهذا البلد فأخبر أنه لا يقسم بهذا ثم أقسم به في قوله: ﴿ و هذا البلد الامين فقال ابن سريج أي الامرين أحب إليك أجيبك ثم أقطعك أو أقطعك ثم أجيبك؟ فقال بل اقطعني ثم أجبني فقال اعلم ان هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم بحضرة رجال و بين ظهراني قوم و كانوا أحرص الخلق على ان يجدوا فيه مغمزا و عليه مطعنا فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به و أسرعوا بالرد عليه و لكن القوم علموا و جهلت فلم ينكروا منه ما أنكرت ثم قال له ان العرب قد تدخل (لا) في أثناء كلامها و تلغي معناها و أنشد فيه أبياتا. و القاعدة في هذا أشباهه ان الالفاظ إذا اختلفت و كان مرجعها إلى أمر واحد لم يوجب ذلك اختلافا.

فائدة

عن الغزالي في معنى الاختلاف

سئل الغزالي عن معنى قوله تعالى: ﴿ و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فأجاب بما صورته الاختلاف لفظ مشترك بين معان و ليس المراد نفي اختلاف الناس فيه بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن يقال هذا كلام مختلف أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة إذ هو مختلف أي بعضه يدعو إلى الدين و بعضه يدعو إلى الدنيا. أو هو مختلف النظم فبعضه على وزن الشعر و بعضه منزحف و بعضه على


47
أسلوب مخصوص في الجزالة و بعضه على أسلوب يخالفه و كلام الله تعالى منزه عن هذه الاختلافات فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره و على مرتبة واحدة في غاية الفصاحة فليس يشتمل على الغث و السمين و مسوق لمعنى واحد و هو دعوة الخلق إلى الله تعالى و صرفهم عن الدنيا إلى الدين و كلام الادميين يتطرق إليه هذه الاختلافات إذ كلام الشعراء و المترسلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم ثم اختلاف في درجات الفصاحة بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث و السمين فلا تتساوى رسالتان و لا قصيدتان بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة و أبيات سخيفة و كذلك تشتمل القصائد و الاشعار على أغراض مختلفة لان الشعراء و الفصحاء ﴿ في كل واد يهيمون فتارة يمدحون الدنيا و تارة يذمونها و تارة يمدحون الجبن فيسمونه حزما و تارة يذمونه و يسمونه ضعفا و تارة يمدحون الشجاعة و يسمونها صراحة و تارة يذمونها و يسمونها تهورا و لا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات لان منشأ هذه الاختلافات اختلاف الاغراض و اختلاف الاحوال و الانسان تختلف أحواله فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع و فرحه و يتعذر عليه عند الانقباض و لذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشيء مرة و يميل عنه أخرى فيوجب اختلاف الاحوال و الاغراض اختلافا في كلامه بالضرورة فلا تصادف اللسان يتكلم في ثلاث و عشرين سنة و هي مدة نزول القرآن فيتكلم على غرض واحد و على منهج واحد و لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم بشرا تختلف أحواله فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجد فيه اختلاف كثير فأما اختلاف الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن و كيف يكون هذا المراد و قد قال تعالى: ﴿ يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا فقد ذكر في القرآن أنه في نفسه


48
غير مختلف و هو مع هذا سبب لاختلاف الخلق في الضلال و الهدى فلو لم يختلف فيه لكانت أمثال هذه الايات خلفا و هي أشد أنواع الاختلاف و الله أعلم.

فصل

في القول عند تعارض الاي

قال الاستاذ أبو إسحاق الاسفراييني إذا تعارضت الاي و تعذر فيها الترتيب (و الجمع) طلب التاريخ و ترك المتقدم منهما بالمتأخر و يكون ذلك نسخا له و ان لم يوجد التاريخ و كان الاجماع على استعمال إحدى الايتين علم بإجماعهم ان الناسخ ما أجمعوا على العمل بها.

قال و لا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تعريان عن هذين الوصفين. و ذكروا عند التعارض مرجحات:

الاول تقديم المكي على المدني و ان كان يجوز ان تكون المكية نزلت عليه صلى الله عليه و سلم بعد عوده إلى مكة و المدنية قبلها فيقدم الحكم بالآية المدنية على المكية في التخصيص و التقديم إذ كان غالب الايات المكية نزولها قبل الهجرة.

الثاني ان يكون أحد الحكمين على غالب أحوال أهل مكة و الاخر على غالب


49
أحوال أهل المدينة فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحول أهل المدينة كقوله تعالى: ﴿ و من دخله كان آمنا مع قوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى . فإذا أمكن بناء كل واحدة من الايتين على البدل جعل التخصيص في قوله تعالى: ﴿ و من دخله كان آمنا كأنه قال الا من وجب عليه القصاص. و مثل قوله: ﴿ لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم و نهيه صلى الله عليه و سلم عن قتل صيد مكة مع قوله تعالى: ﴿ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات و ما علمتم من الجوارح مكلبين فجعل النهي فيمن اصطاده في الحرم و خص من اصطاده في الحل و أدخله حيا فيه.

الثالث ان يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه و الاخر مقتضيا لفظا يزاد عليه فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة و الترتيب كقوله تعالى: ﴿ و أتموا الحج و العمرة لله مع قوله: ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي و قد أجمعت الامة على ان الهدي لا يجب بنفس الحصر و ليس فيه صريح الاحلال بما يكون سببا له فيقدم المنع من الاحلال عند المرض بقوله: ﴿ و أتموا الحج و العمرة لله على ما عارضه من الاية.

الرابع ان يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند الاجتهاد فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر كقوله: ﴿ و ان تجمعوا بين الاختين بقوله: ﴿ و ما ملكت أيمانكم فيخص الجمع يملك


50
اليمين بقوله تعالى: ﴿ و ان تجمعوا بين الاختين الا ما قد سلف فتحمل آية الجمع على العموم و القصد فيها بيان ما يحل و ما يحرم و تحمل آية الاباحة على زوال اللوم فيمن أتى بحال.

الخامس ان يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلق بمعناه و الاخر باسمه كقوله: ﴿ شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم مع قوله تعالى: ﴿ ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ... الاية فيمكن ان يقال في الاية بالتبين عند شهادة الفاسق إذا كان ذلك من كافر على مسلم أو مسلم فاسق على كافر و ان يقبل الكافر على الكافر و ان كان فاسقا أو يحمل ظاهر قوله: ﴿ أو آخران من غيركم على القبيلة دون الملة و يحمل الامر بالتثبت على عموم النسيان في الملة لانه رجوع إلى تعيين اللفظ و تخصيص الغير بالقبيلة لانه رجوع إلى الاسم على عموم الغير.

السادس ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا كتقديم قوله تعالى: ﴿ و أحل الله البيع على قوله: ﴿ و ذروا البيع فإن قوله: ﴿ و أحل يدل على حل البيع ضرورة و دلالة النهي على فساد البيع إما الا تكون ظاهرة أصلا أو تكون ظاهرة منحطة عن النص.


51

فصل

في القول عند تعارض آي القرآن و الاثار

قال القاضي أبو بكر في (التقريب) لا يجوز تعارض آي القرآن و الاثار و ما توجبه أدلة العقل فلذلك لم يجعل قوله تعالى: ﴿ الله خالق كل شيء معارضا لقوله: ﴿ و تخلقون إفكا و قوله: ﴿ و إذ تخلق من الطين و قوله: ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير الله تعالى فيتعين تأويل ما عارضه فيؤول قوله: ﴿ و تخلقون بمعنى (تكذبون) لان الافك نوع من الكذب و قوله: ﴿ و إذ تخلق من الطين أي (تصور).

و من ذلك قوله: ﴿ ان الله بكل شيء عليم لا يعارضه قوله: ﴿ أتنبئون الله بما لا يعلم فإن المراد بهذا ما لا يعلمه أنه غير كائن و يعلمونه وقوع ما ليس بواقع لا على ان من المعلومات ما هو غير عالم به و ان علمتموه.

و كذلك لا يجوز جعل قوله تعالى: ﴿ ان الله لا يخفى عليه شيء معارضا لقوله: ﴿ حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين و قوله: ﴿ إلى ربها ناظرة 0 معارضا لقوله: ﴿ لا تدركه الابصار في تجويز الرؤية و إحالتها


52
لأن دليل العقل يقضي بالجواز و يجوز تخليص النفي بالدنيا و الاثبات بالقيامة. و كذلك لا يجوز جعل قوله: ﴿ و ما مسنا من لغوب معارضا لقوله: ﴿ و هو أهون عليه بل يجب تأويل (أهون) على (هين).

و لا جعل قوله تعالى: ﴿ ما يجادل في آيات الله الا الذين كفروا معارضا لأمره نبيه و أمته بالجدال في قوله: ﴿ و جادلهم بالتي هي أحسن فيحمل الاول على ذم الجدال الباطل. و لا يجوز جعل قوله: ﴿ و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الاكرام معارضا لقوله: ﴿ كل من عليها فان .

فصل

في تعارض القراءتين في آية واحدة

و قد جعلوا تعارض القراءتين في آية واحدة كتعارض الايتين كقوله: ﴿ و أرجلكم بالنصب و الجر و قالوا يجمع بينهما بحمل إحداهما على مسح الخف و الثانية على غسل الرجل إذا لم يجد متعلقا سواهما.


53

و كذلك قراءة: ﴿ يطهرن و ﴿ يطهرن حملت الحنفية إحداهما على ما دون العشرة و الثانية على العشرة.

و اعلم أنه إذا لم يكن لها متعلق سواهما تصدى لنا الالغاء أو الجمع فأما إذا وجدنا متعلقا سواهما فالمتعلق هو المتبع فائدة (في القول في الاختلاف و التناقض) قال أبو بكر الصيرفي في شرح (رسالة الشافعي) جماع الاختلاف و التناقض ان كل كلام صح ان يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض و إنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة على حسب ما تقتضيه الاسماء و لن يوجد في الكتاب و لا في السنة شيء من ذلك أبدا و إنما يوجد فيه النسخ في وقتين بأن يوجب حكما ثم يحله و هذا لا تناقض فيه و تناقض الكلام لا يكون الا في إثبات ما نفي أو نفي ما أثبت بحيث يشترك المثبت و المنفي في الاسم و الحدث و الزمان و الافعال و الحقيقة فلو كان الاسم حقيقة في أحدهما و في الاخر مستعارا و نفي أحدهما و أثبت الاخر لم يعد تناقضا.

هذا كله في الاسماء و أما المعاني و هو باب القياس فكل من أوجد علة و حررها


54
و أوجب بها حكما من الاحكام ثم ادعى تلك العلة بعينها فيما يأباه الحكم فقد تناقض فإن رام الفرق لم يسمع منه لانه في فرقه تناقض و الزيادة في العلة نقص أو تقصير عن تحريرها في الابتداء و ليس هذا على السائل.

و كل مسألة يسأل عنها فلا تخلو من أحد وجهين إما ان يسأل فيما يستحق الجواب عنه أو لا فأما المستحق للجواب فهو ما يمكن كونه و يجوز و أما ما استحال كونه فلا يستحق جوابا لان من علم أنه لا يجتمع القيام و القعود فسأل هل يكون الانسان قائما منتصبا جالسا في حال واحدة فقد أحال و سأل عن محال فلا يستحق الجواب. فإن كان لا يعرف القيام و القعود عرف فإذا عرفه فقد استحال عنده ما سأله.

قال و قد رأيت كثيرا مما يتعاطى العلم يسأل عن المحال و لا يدري أنه محال و يجاب عنه و الافات تدخل على هؤلاء لقلة علمهم بحق الكلام.

فصل

في الاسباب الموهمة الاختلاف

و للاختلاف أسباب:

الاول وقوع المخبر به على أحوال مختلفة و تطويرات شتى كقوله تعالى في خلق آدم إنه: ﴿ من تراب و مرة: ﴿ من حمإ مسنون و مرة: ﴿ من طين لازب و مرة من: ﴿ صلصال كالفخار و هذه الالفاظ مختلفة و معانيها في أحوال مختلفة


55
لأن الصلصال غير الحمأ و الحمأ غير التراب الا ان مرجعها كلها إلى جوهر و هو التراب و من التراب تدرجت هذه الاحوال.

و منه قوله تعالى: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين و في موضع: ﴿ تهتز كأنها جان و الجان الصغير من الحيات و الثعبان الكبير منها و ذلك لان خلقها خلق الثعبان العظيم و اهتزازها و حركاتها و خفتها كاهتزاز الجان و خفته.

السبب الثاني لاختلاف الموضوع كقوله تعالى: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون و قوله: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم و لنسألن المرسلين مع قوله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان . قال الحليمي فتحمل الاية الاولى على السؤال عن التوحيد و تصديق الرسل و الثانية على ما يستلزم الاقرار بالنبوات من شرائع الدين و فروعه حمله غيره على اختلاف الاماكن لان في القيامة مواقف كثيرة فموضع يسأل و يناقش و موضع آخر يرحم و يلطف به و موضع آخر يعنف و يوبخ و هم الكفار و موضع آخر لا يعنف و هم المؤمنون.

و قوله: ﴿ و لا يكلمهم الله يوم القيامة مع قوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون و قيل المنفي كلام التلطف و الاكرام و المثبت سؤال التوبيخ و الاهانة فلا تنافي. و كقوله تعالى: ﴿ و جزاء سيئة سيئة مثلها مع قوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب .


56
و الجواب ان التضعيف هنا ليس على حد التضعيف في الحسنات بل هو راجع لتضاعيف مرتكباتهم فكان لكل مرتكب منها عذاب يخصه فليس التضعيف من هذا الطريق على ما هو في الطريق الاخر و إنما المراد هنا تكثيره بحسب كثرة المجترحات لان السيئة الواحدة يضاعف الجزاء عليها بدليل سياق تلك الاية و هو قوله: ﴿ و من أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم و يقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم الا لعنة الله على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و هم بالآخرة هم كافرون فهؤلاء كذبوا على ربهم و صدوا عن سبيله و بغوها عوجا و كفروا فهذه مرتكبات عذبوا بكل مرتكب منها.

و كقوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم الا ان قالوا والله ربنا ما كنا مشركين مع قوله: ﴿ و لا يكتمون الله حديثا فإن الاولى تقتضي أنهم كتموا كفرهم السابق.

و الجواب من وجهين أحدهما ان للقيامة مواطن ففي بعضها يقع منهم الكذب و في بعضها لا يقع كما سبق و الثاني ان الكذب يكون بأقوالهم و الصدق يكون من جوارحهم فيأمرها الله تعالى بالنطق فتنطق بالصدق.

و كقوله: ﴿ و لا تكسب كل نفس الا عليها مع قوله: ﴿ لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت و الجواب ان المراد لا تكسب شرا و لا إثما بدليل سبب


57
النزول أو ضمن معنى (تجني) و هذه الاية أقتصر فيها على الشر و الاخرى ذكر فيها الامران و لهذا لما ذكر القسمين ذكر ما يميز أحدهما عن الاخر وهاهنا لما كان المراد ذكر أحدهما اقتصر عليه ب (فعل) ولم يأت ب (افتعل).

و منه قوله تعالى: ﴿ اتقوا الله حق تقاته مع قوله: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم يحكى عن الشيخ العارف أبي الحسن الشاذلي رحمه الله أنه جمع بينهما فحمل الاية الاولى على التوحيد و الثانية على الاعمال و المقام يقتضي ذلك لانه قال بعد الاولى : ﴿ و لا تموتن الا و أنتم مسلمون .

و قيل بل الثانية ناسخة قال ابن المنير الظاهر ان قوله: ﴿ اتقوا الله حق تقاته إنما نسخ حكمه لا فضله و أجره و قد فسر النبي صلى الله عليه و سلم: ﴿ حق تقاته بأن قال ( هو ان يطاع فلا يعصى و يذكر فلا ينسى و يشكر فلا يكفر ) فقالوا أينا يطيق؟ ذلك فنزلت: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم و كان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسا و الاقتدار منزل على هذا الاعتبار ولم ينحط من درجاته.


58

و قال الشيخ كمال الدين الزملكاني و في كون ذلك منسوخا نظر و قوله: ﴿ ما استطعتم هو ﴿ حق تقاته إذ به أمر فإن ﴿ حق تقاته الوقوف على أمره و دينه. و قد قال بذلك كثير من العلماء انتهى.

و الحديث الذي ذكره ابن المنير في تفسيره: ﴿ حق تقاته لم يثبت مرفوعا بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي و ليس فيه قول الصحابة (أينا يطيق ذلك) ونزول قوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم .

و منه قوله تعالى: ﴿ فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة مع قوله في أواخر السورة: ﴿ و لن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء و لو حرصتم فالأولى تفهم إمكان العدل و الثانية تنفيه. و الجواب ان المراد بالعدل في الاولى العدل بين الازواج في توفية حقوقهن و هذا ممكن الوقوع و عدمه و المراد به في الثانية الميل القلبي فالإنسان لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض و قد كان صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ثم يقول (اللهم هذا قسمي في ما أملك فلا تؤاخذني بما لا أملك) يعني ميل القلب و كان عمر يقول (الله قلبي فلا أملكه و أما ما سوى ذلك فأرجو ان أعدل).

و يمكن ان يكون المراد بالعدل في الثانية العدل التام أشار إليه ابن عطية.

و قد يحتاج الاختلاف إلى تقدير فيرتفع به الاشكال كقوله تعالى: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر و المجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى


59
ثم قال سبحانه: ﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما و الاصل في الاولى وفضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة و الاصل في الثانية وفضل الله المجاهدين على القاعدين من الاصحاء درجات.

و ممن ذكر ان المحذوف كذلك الامام بدر الدين بن مالك في شرح (الخلاصة) في الكلام على حذف النعت. و للزمخشري فيه كلام آخر.

و كقوله تعالى: ﴿ ان الله لا يأمر بالفحشاء مع قوله: ﴿ أمرنا مترفيها ففسقوا فيها و المعنى أمرناهم و ملكناهم و أردنا منهم الصلاح فأفسدوا و المراد بالأمر في الاولى أنه لا يأمر به شرعا و لكن قضاء لاستحالة ان يجري في ملكه مالا يريد وفرق بين الامر الكوني و الديني.

الثالث لاختلافهما في جهتي الفعل كقوله تعالى: ﴿ فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم أضيف القتل إليهم على جهة الكسب و المباشرة و نفاه عنهم باعتبار التأثير و لهذا قال الجمهور ان الافعال مخلوقة لله تعالى مكتسبة للآدميين فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الاخرى.


60

و كذا قوله: ﴿ و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى أي ما رميت خلقا إذ رميت كسبا. و قيل ان الرمي يشتمل على القبض و الارسال و هما بكسب الرامي و على التبليغ و الاصابة و هما بفعل الله عز و جل. قال ابن جرير الطبري و هي الدليل على ان الله خالق لأفعال العباد فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ثم نفاه عنه و ذلك فعل واحد لانه من الله تعالى التوصيل إليهم و من نبيه بالحذف و الارسال و إذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة فمن الله تعالى الانشاء و الايجاد و من الخلق الاكتساب بالقوى.

و مثله قوله تعالى: ﴿ الرجال قوامون على النساء و قال تعالى: ﴿ و قوموا لله قانتين فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر لاختلاف جهتي الفعل.

الرابع لاختلافهما في الحقيقة و المجاز كقوله: ﴿ و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى ، ﴿ و يأتيه الموت من كل مكان و ما هو بميت و هو يرجع لقول المناطقة الاختلاف بالإضافة أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازا و ما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة.

و مثله في الاعتبارين قوله تعالى: ﴿ آمنا بالله و باليوم الاخر و ما هم بمؤمنين و قوله: ﴿ و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون و قوله تعالى:


61
﴿ و تراهم ينظرون إليك و هم لا يبصرون فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الابصار لجواز قولهم (نظرت إليه فلم أبصره).

الخامس بوجهين و اعتبارين و هو الجامع للمفترقات كقوله: ﴿ فبصرك اليوم حديد و قال: ﴿ خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي قال قطرب ﴿ فبصرك أي علمك و معرفتك بها قوية من قولهم (بصر بكذا و كذا) أي علم و ليس المراد رؤية العين قال الفارسي و يدل على ذلك قوله: ﴿ فكشفنا عنك غطاءك وصف البصر بالحدة.

و كقوله تعالى: ﴿ و قال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى و قومه ليفسدوا في الارض و يذرك و آلهتك مع قوله: ﴿ أنا ربكم الاعلى فقيل يجوز ان يكون معناه و يذرك و آلهتك ان ساغ لهم و يكون إضافة الالهة إليه ملكا كان يعبد في دين قومه ثم يدعوهم إلى ان يكون هو الاعلى كما تقول العرب موالي من فوق وموالي من أسفل فيكون اعتقادهم في الالهة مع فرعون أنها مملوكة له فيحسن قولهم (و آلهتك).

و قوله تعالى: ﴿ الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله مع قوله: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم فقد يظن ان الوجل خلاف


62
الطمأنينة و جوابه ان الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد و الوجل يكون عند خوف الزيغ و الذهاب عن الهدى فتوجل القلوب لذلك. و قد جمع بينهما في قوله: ﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم و وثقوا به فانتفى عنهم الشك.

و كقوله: ﴿ خمسين ألف سنة و في موضع: ﴿ ألف سنة و أجيب بأنه باعتبار حال المؤمن و الكافر بدليل: ﴿ و كان يوما على الكافرين عسيرا .

و كقوله: ﴿ بألف من الملائكة مردفين و في آية أخرى: ﴿ بثلاثة الاف من الملائكة منزلين قيل ان الالف أردفهم بثلاثة الاف و كان الاكثر مددا للأقل و كان (الألف مردفين) بفتحها.

و كقوله تعالى: ﴿ خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء و في آية أخرى: ﴿ و الارض بعد ذلك دحاها و لا تنافي بينهما فالأول دال على ان الارض و ما فيها خلقت قبل السماء و ذلك صحيح ثم دحيت الارض بعد خلق السماء وبذلك تتفق معاني الايات في سورة القمر والمؤمن و النازعات.


63

و كقوله تعالى: ﴿ و لقد خلقنا السماوات و الارض و ما بينهما في ستة أيام و قوله: ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين و تجعلون له أندادا ذلك رب العالمين. و جعل فيها رواسي من فوقها و بارك فيها و قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين إلى قوله: ﴿ فقضاهن سبع سماوات في يومين و ذلك يبلغ ثمانية أيام. والجواب ان المراد بقوله: ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين إلى قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام مع اليومين المتقدمين ولم يرد بذكر (الأربعة) غير ما تقدم ذكره و هذا كما يقول الفصيح (سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام) (وسرت إلى الكوفة في ثلاثة عشر يوما) ولا يريد سوى العشرة بل يريد مع العشرة ثلاثة ثم قال تعالى: ﴿ فقضاهن سبع سماوات في يومين و أراد سوى الاربعة و ذلك لا مخالفة فيه لان المجموع يكون ستة.

و منه قوله تعالى في السجدة : ﴿ عذاب النار الذي كنتم به تكذبون بلفظ (الذي) على وصف العذاب و في سبأ : ﴿ عذاب النار التي بلفظ (التي) على وصف النار و فيه أربعة أوجه أحدها أنه وصف العذاب في السجدة لوقوع (النار) موقع الضمير الذي لا يوصف و إنما وقعت موقع الضمير لتقدم إضمارها مع قوله: ﴿ و أما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا ان يخرجوا منها أعيدوا فيها فحق الكلام (وقيل لهم ذوقوا عذابها) فلما وضعها موضع المضمر الذي لا يقبل الوصف


64
عدل إلى وصف العذاب و أما في (سبأ) فوصفها لعدم المانع من وصفها. و الثاني ان الذي في (السجدة) وصف النار أيضا و ذكر حملا على معنى الجحيم و الحريق. و الثالث ان الذي في (السجدة) في حق من يقر بالنار و يجحد العذاب و في (سبأ) في حق من يجحد أصل النار. والرابع أنه إنما وصف العذاب في السجدة لانه لما تقدم ذكر النار مضمرا ومظهرا عدل إلى وصف العذاب ليكون تلوينا للخطاب فيكون أنشط للسامع بمنزلة العدول من الغيبة إلى الخطاب.

و منه قوله تعالى: ﴿ توفته رسلنا و قوله: ﴿ تتوفاهم الملائكة و بين قوله: ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت و بين قوله: ﴿ الله يتوفى الانفس ، ﴿ و هو الذي يتوفاكم بالليل و جمع البغوي بينها لان توفي الملائكة بالقبض والنزع وتوفي ملك الموت بالدعاء و الامر يدعو الارواح فتجيبه ثم يأمر أعوانه بقبضها وتوفي الله سبحانه خلق الموت فيه.

و منه قوله تعالى في البقرة : ﴿ فاتقوا النار و في سورة التحريم : ﴿ نارا بالتنكير لأنها نزلت بمكة قبل آية البقرة فلم تكن النار التي وقودها الناس والحجارة معروفة فنكرها ثم نزلت آية البقرة بالمدينة مشارا بها إلى ما عرفوه أولا.

و قال في سورة البقرة : ﴿ رب اجعل هذا بلدا آمنا و في سورة إبراهيم : ﴿ رب اجعل هذا البلد آمنا لانه في الدعوة الاولى كان مكانا فطلب منه ان يجعله بلدا آمنا و في الدعوة الثانية كان بلدا غير آمن فعرفه وطلب له الامن أو كان بلدا آمنا وطلب


65
ثبات الامن و دوامه و كون سورة البقرة مدنية و سورة إبراهيم مكية لا ينافي هذا لان الواقع من إبراهيم كونه على الترتيب المذكور و الاخبار عنه في القرآن على غير ذلك الترتيب. أو لان المكي منه ما نزل قبل الهجرة فيكون المدني متأخرا عنها و منه ما نزل بعد فتح مكة فيكون متأخرا عن المدني فلم قلتم ان سورة إبراهيم من المكي الذي نزل قبل الهجرة!

فصل

في الاجابة عن بعض الاستشكالات

و مما استشكلوه قوله تعالى: ﴿ و ما منع الناس ان يؤمنوا إذ جاءهم الهدى و يستغفروا ربهم الا ان تأتيهم سنة الاولين أو يأتيهم العذاب قبلا فإنه يدل على حصر المانع من الايمان في أحد هذين الشيئين و قد قال تعالى في الاية الاخرى: ﴿ و ما منع الناس ان يؤمنوا إذ جاءهم الهدى الا ان قالوا أبعث الله بشرا رسولا فهذا حصر في ثالث غيرهما.

و أجاب ابن عبد السلام بأن معنى الاية و ما منع الناس ان يؤمنوا الا إرادة ان تأتيهم سنة من الخسف و غيره: ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلا في الاخرة فأخبر أنه أراد ان يصيبهم أحد الامرين. ولا شك ان إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي المراد فهذا حصر في السبب الحقيقي لان الله هو المانع في الحقيقة ومعنى الاية الثانية : ﴿ و ما منع الناس ان يؤمنوا إذ جاءهم الهدى


66
إلا استغراب بعثه بشرا رسولا لان قولهم ليس مانعا من الايمان لانه يصلح لذلك و هو يدل على الاستغراب بالالتزام و هو المناسب للمانعية و استغرابهم ليس مانعا حقيقيا بل عاديا لجواز خلو الايمان معه بخلاف إرادة الله تعالى فهذا حصر في المانع العادي و الاولى حصر في المانع الحقيقي فلا تنافي انتهى.

و قوله: (ليس مانعا من الايمان) فيه نظر لان إنكارهم بعثه بشرا رسولا كفر مانع من الايمان و فيه تعظيم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم و ان إنكارهم بعثته مانع من الايمان.

فصل

في وقوع التعارض بين الاية و الحديث

و قد يقع التعارض بين الاية و الحديث و لا بأس يذكر شيء للتنبيه لأمثاله فمنه قوله تعالى: ﴿ والله يعصمك من الناس و قد صح أنه شج يوم أحد.

و أجيب بوجهين:

أحدهما ان هذا كان قبل نزول هذه الاية لان غزوة أحد كانت سنة ثلاث من الهجرة و سورة المائدة من أواخر ما نزل بالمدينة.

و الثاني بتقدير تسليم الاخير فالمراد العصمة من القتل و فيه تنبيه على أنه يجب عليه ان يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء فما أشد تكليف الانبياء!


67

و منه قوله تعالي : ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون مع قوله صلى الله عليه وسلم ( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ).

و أجيب بوجهين:

أحدهما و نقل عن سفيان و غيره كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله و دخول الجنة برحمته و انقسام المنازل و الدرجات بالأعمال و يدل له حديث أبي هريرة ( ان أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم ) رواه الترمذي.

و الثاني ان الباء في الموضعين مدلولها مختلف ففي الاية باء المقابلة و هي الداخلة على الاعراض و في الحديث للسببية لان المعطي بعوض قد يعطي مجانا و أما المسبب فلا يوجد بدون السبب. و منهم من عكس هذا الجواب و قال الباء في الاية للسببية و في الحديث للعوض و قد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( سددوا و قاربوا و اعلموا ان أحدا منكم لن ينجو بعمله ) قالوا و لا أنت يا رسول الله؟ قال ( ولا أنا الا ان يتغمدني الله برحمته ). و منه قوله تعالى مخبرا عن خلق السماوات و الارض و ما بينهما : ﴿ في ستة أيام فإنه يقتضي ان يكون يوما من أيام الجمعة بقي لم يخلق فيه شيء. و الظاهر من الاحاديث الصحاح ان الخلق ابتدأ يوم الاحد وخلق آدم يوم الجمعة آخر الاشياء فهذا يستقيم مع الاية الشريفة ووقع في صحيح مسلم ان الخلق ابتدأ يوم السبت فهذا بخلاف الاية اللهم الا ان يكون أراد في الاية الشريفة جميع الاشياء غير آدم ثم يكون يوم الجمعة هو الذي لم يخلق فيه شيء مما بين السماء و الارض لان آدم حينئذ لم يكن فيما بينهما.


68

النوع السادس و الثلاثون

معرفة المحكم من المتشابه

قال الله تعالى: ﴿ منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات قيل و لا يدل على الحصر في هذين الشيئين فإنه ليس فيه شيء من الطرق الدالة عليه و قد قال: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم و المتشابه لا يرجى بيانه والمحكم لا توقف معرفته على البيان.

و قد حكى الحسين بن محمد بن حبيب النيسابوري في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

أحدها ان القرآن كله محكم لقوله تعالى: ﴿ كتاب أحكمت آياته . و الثاني كله متشابه لقوله تعالى: ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها . و الثالث و هو الصحيح ان منه محكما و منه متشابها لقوله تعالى: ﴿ منه آيات محكمات هن أم الكتاب فأما المحكم فأصله لغة المنع تقول أحكمت بمعنى رددت. ومنعت والحاكم لمنعه الظالم من الظلم وحكمه اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب.

و أما في الاصطلاح فهو ما أحكمته بالأمر و النهي و بيان الحلال و الحرام.


69

و قيل هو مثل قوله تعالى: ﴿ و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة . و قيل هو الذي لم ينسخ لقوله تعالى: ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم و قوله: ﴿ وقضى ربك الا تعبدوا الا إياه إلى آخر الايات. و هي سبعة عشر حكما مذكورة في سورة الانعام و في سورة بني إسرائيل.

و قيل هو الناسخ. و قيل الفرائض و الوعد و الوعيد. و قيل الذي وعد عليه ثوابا أو عقابا و قيل الذي تأويله تنزيله بجعل القلوب تعرفه عند سماعه كقوله: ﴿ قل هو الله أحد ، ﴿ ليس كمثله شيء . و قيل مالا يحتمل في التأويل الا وجها واحدا. و قيل ما تكرر لفظه.

و أما المتشابه فأصله ان يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني كما قال تعالى في وصف ثمر الجنة : ﴿ و أتوا به متشابها أي متفق المناظر مختلف الطعوم و يقال للغامض متشابه لان جهة الشبه فيه كما تقول لحروف التهجي. والمتشابه مثل المشكل لانه أشكل أي دخل في شكل غيره وشاكله. واختلفوا فيه فقيل هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا. و قيل هو المنسوخ الغير معمول به. و قيل القصص و الامثال. و قيل ما أمرت ان تؤمن به وتكل علمه إلى عالمه. و قيل فواتح السور. و قيل


70
ما لا يدرى الا بالتأويل و لا بد من صرفه إليه كقوله: ﴿ تجري بأعيننا و ﴿ على ما فرطت في جنب الله و قيل الايات التي يذكر فيها وقت الساعة و مجيء الغيث و انقطاع الاجال كقوله: ﴿ ان الله عنده علم الساعة . و قيل ما يحتمل وجوها والمحكم ما يحتمل وجها واحدا و قيل مالا يستقل بنفسه الا برده إلى غيره و قيل غير ذلك. و كلها متقارب.

و فصل الخطاب في ذلك ان الله سبحانه قسم الحق بين عباده فأولاهم بالصواب من عبر بخطابه عن حقيقة المراد قال سبحانه: ﴿ و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم و لعلهم يتفكرون ثم قال: ﴿ ثم ان علينا بيإنه أي على لسانك و ألسنه العلماء من أمتك و كلام السلف راجع إلى المشتبه بوجه لا إلى المقصود المعبر عنه بالمتشابه في خطابه لان المعاني إذا دقت تداخلت و تشابهت على من لا علم له بها كالأشجار إذا تقارب بعضها من بعض تداخلت أمثالها واشتبهت أي على من لم يمعن النظر في البحث عن منبعث كل فن منها قال تعالى: ﴿ و هو الذي أنشأ جنات معروشات إلى قوله: ﴿ متشابها و هو على اشتباكه غير متشابه. و كذلك سياق معاني القرآن العزيز قد تتقارب المعاني ويتقدم الخطاب بعضه على بعض ويتأخر بعضه عن بعض لحكمة الله في ترتيب الخطاب والوجود فتشتبك المعاني وتشكل الا على أولي الالباب فيقال في هذا الفن متشابه بعضه ببعض. و أما المتشابه من القرآن العزيز فهو يشابه بعضه بعضا في الحق والصدق و الاعجاز والبشارة والنذارة و كل ما جاء به و أنه من


71
عند الله فذم سبحانه الذين يتبعون ما تشابه منه عليهم افتتانا و تضليلا فهم بذلك يتبعون ما تشابه عليهم تناصرا و تعاضدا للفتنة و الاضلال.

تفريعات

الاول الاشياء التي يجب ردها عند الاشكال إلى أصولها فيجب رد المتشابهات في الذات و الصفات إلى محكم: ﴿ ليس كمثله شيء . ورد المتشابهات في الافعال إلى قوله: ﴿ قل فلله الحجة البالغة .

و كذلك الايات الموهمة نسبة الافعال لغير الله تعالى من الشيطان و النفس ترد إلى محكم قوله تعالى: ﴿ و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا . و ما كان من ذلك عن تنزل الخطاب أو ضرب مثال أو عبارة عن مكان أو زمان أو معية أو ما يوهم التشبيه فمحكم ذلك قوله: ﴿ ليس كمثله شيء و قوله: ﴿ ولله المثل الاعلى و قوله: ﴿ قل هو الله أحد .

و منه ضرب في تفصيل ذكر النبوة و وصف إلقاء الوحي و محكمه قوله تعالى: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون و قوله: ﴿ و ما ينطق عن الهوى .

و منه ضرب في الحلال و الحرام و من ثم اختلف الائمة في كثير من الاحكام بحسب فهمهم لدلالة القرآن.


72

و منه شيء يتقارب فيه بين اللمتين لمة الملك و لمة الشيطان لعنه الله و محكم ذلك قوله تعالى: ﴿ ان الله يأمر بالعدل و الاحسان ... الاية و لهذا قال عقبة : ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون أي عندما يلقى العدو الذي لا يأمر بالخير بل بالشر و الالباس. و منه الايات التي اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة تحتملها الاية ولا يقطع على واحد من الاقوال و ان مراد الله منها غير معلوم لنا مفصلا بحيث يقطع به.

الثاني ان هذه الاية من المتشابه أعني قوله: ﴿ و أخر متشابهات ... الاية من حيث تردد الوقف فيها بين ان يكون على : ﴿ الا الله و بين ان يكون على : ﴿ و الراسخون في العلم يقولون آمنا به و تردد الواو في : ﴿ و الراسخون بين الاستئناف و العطف و من ثم ثار الخلاف في ذلك.

فمنهم من رجح أنها للاستئناف و ان الوقف على ﴿ الا الله و ان الله تعبد من كتابه بما لا يعلمون و هو المتشابه كما تعبدهم من دينه بما لا يعقلون و هو التعبدات ولأن قوله: ﴿ يقولون آمنا به متردد بين كونه حالا فضلة وخبرا عمدة. و الثاني أولى.

و منهم من رجح أنها للعطف لان الله تعالى لم يكلف الخلق بما لا يعلمون و ضعف الاول لان الله لم ينزل شيئا من القرآن الا لينتفع به عباده و يدل به على معنى أراده فلو كان المتشابه لا يعلمه غير الله للزمنا ولا يسوغ لأحد ان يقول ان رسول الله


73
صلى الله عليه و سلم لم يعلم المتشابه فإذا جاز ان يعرفه الرسول مع قوله: ﴿ و ما يعلم تأويله الا الله جاز ان يعرفه الربانيون من صحابته و المفسرون من أمته الا ترى ان ابن عباس كان يقول أنا من الراسخين في العلم و يقول عند قراءة قوله في أصحاب الكهف ﴿ ما يعلمهم الا قليل أنا من أولئك القليل.

و قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ و ما يعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم يعلمونه و ﴿ يقولون آمنا به و لو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه الا ان يقولوا: ﴿ آمنا لم يكن لهم فضل على الجاهل لان الكل قائلون ذلك ونحن لم نر المفسرين إلى هذه الغاية توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا هو متشابه لا يعلمه الا الله بل أمروه على التفسير حتى فسروا الحروف المقطعة.

فإن قيل كيف يجوز في اللغة ان يعلم الراسخون و الله يقول: ﴿ و الراسخون في العلم يقولون آمنا به و إذا أشركهم في العلم انقطعوا عن قوله: ﴿ يقولون لانه ليس هنا عطف حتى يوجب للراسخين فعلين!

قلنا ان : ﴿ يقولون هنا في معنى الحال كأنه قال: ﴿ و الراسخون في العلم قائلين آمنا كما قال الشاعر:

الريح تبكي شجوها
و البرق يلمع في غمامه

أي لامعا.

و قيل المعنى (يعلمون و يقولون) فحذف واو العطف كقوله: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة و المعنى يقولون علمنا و آمنا لان الايمان قبل العلم محال


74
إذ لا يتصور الايمان مع الجهل و أيضا لو لم يعلموها لم يكونوا من الراسخين و لم يقع الفرق بينهم وبين الجهال.

الثالث و من هذا الخلاف نشأ الخلاف في أنه هل في القرآن شيء لا تعلم الامة تأويله؟ قال الراغب في مقدمة تفسيره و ذهب عامة المتكلمين إلى ان كل القرآن يجب ان يكون معلوما و الا لأدى إلى إبطال فائدة الانتفاع به وحملوا قوله: ﴿ والراسخون بالعطف على قوله: ﴿ الا الله و قوله: ﴿ يقولون جملة حالية.

قال ذهب كثير من المفسرين إلى أنه يصح ان يكون في القرآن بعض ما لا يعلم تأويله إلى الله قال ابن عباس أنزل الله القرآن على أربعة أوجه حلال وحرام ووجه لا يسع أحد جهالته ووجه تعرفه العرب ووجه تأويل لا يعلمه الا الله.

و قال بعضهم المتشابه اسم لمعنيين:

أحدهما لما التبس من المعنى لدخون شبهة بعضه في بعض نحو قوله: ﴿ ان البقر تشابه علينا ... الاية.

و الثاني اسم لما يوافق بعضه بعضا و يصدقه قوله تعالى: ﴿ كتابا متشابها مثاني ... الاية.

فإن كان المراد بالمتشابه في القرآن الاول فالظاهر أنه لا يمكنهم الوصول إلى مراده و ان جاز ان يطلعهم عليه بنوع من لطفه لانه اللطيف الخبير. و ان كان المراد الثاني جاز ان يعلموا مراده.


75

الرابع قيل ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان و الهدى؟

قلنا ان كان ممن يمكن علمه فله فوائد:

منها ليحث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه و البحث عن دقائق معانيه فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب و حذرا مما قال المشركون : ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة و ليمتحنهم و يثيبهم كما قال: ﴿ و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ... الاية. و قوله: ﴿ ليجزي الذين آمنوا و عملوا الصالحات فنبههم على ان أعلى المنازل هو الثواب فلو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل لسقطت المحنة وبطل التفاضل واستوت منازل الخلق ولم يفعل الله ذلك بل جعل بعضه محكما ليكون أصلا للرجوع إليه وبعضه متشابها يحتاج إلى الاستنباط و الاستخراج ورده إلى المحكم ليستحق بذلك الثواب الذي هو الغرض و قد قال تعالى: ﴿ و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين .

و منها إظهار فضل العالم على الجاهل و يستدعيه علمه إلى المزيد في الطلب في تحصيله ليحصل له درجة الفضل و الانفس الشريفة تتشوف لطلب العلم وتحصيله.

و أما ان كان ممن لا يمكن علمه فله فوائد:

منها إنزاله ابتلاء و امتحانا بالوقف فيه و التعبد بالاشتغال من جهة التلاوة و قضاء فرضها و ان لم يقفوا على ما فيها من المراد الذي يجب العمل به اعتبارا بتلاوة المنسوخ من


76
القرآن و ان لم يعجز العمل بما فيه من المحكم. و يجوز ان يمتحنهم بالإيمان بها حيث ادعوا وجوب رعاية الاصلح. و منها إقامة الحجة بها عليهم و ذلك إنما نزل بلسانهم و لغتهم ثم عجزوا عن الوقوف على ما فيها مع بلاغتهم و إفهامهم فيدل على ان الذي أعجزهم عن الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها و هو الله سبحانه.

الخامس أثار بعضهم سؤالا و هو هل للمحكم مزية على المتشابه بما يدل عليه أو هما سواء؟ و الثاني خلاف الاجماع و الاول ينقض أصلكم ان جميع كلامه سبحانه سواء و أنه نزل بالحكمة.

و أجاب أبو عبد الله محمد بن أحمد البكراباذي بأن المحكم كالمتشابه من وجه و يخالفه من وجه فيتفقان في ان الاستدلال بهما لا يمكن الا بعد معرفة حكمة الواضع و أنه لا يختار القبيح. و يختلفان في ان المحكم بوضع اللغة لا يحتمل الا الوجه الواحد فمن سمعه أمكنه ان يستدل به في الحال والمتشابه يحتاج إلى ذكر مبتدأ ونظر مجدد عند سماعه ليحمله على الوجه المطابق ولأن المحكم آصل والعلم بالأصل أسبق ولأن المحكم يعلم مفصلا والمتشابه لا يعلم الا مجملا.

فإن قيل إذا كان المحكم بالوضع كالمتشابه و قد قلتم ان من حق هذه اللغة ان يصح فيها الاحتمال و يسوغ التأويل فبما يميز المحكم في أنه لا بد له من مزية سيما والناس قد اختلفوا فيهما كاختلافهم في المذاهب فالمحكم عند السني متشابه عند القدري؟

فالجواب ان الوجه الذي أوردته يلجئ إلى الرجوع إلى العقول فيما يتعلق


77
بالتفريد و التنزيه فإن العلم بصحة خطابه يفتقر إلى العلم بحكمته و ذلك يتعلق بصفاته فلا بد من تقدم معرفته ليصح له مخرج كلامه فأما في الكلام فيما يدل على الحلال والحرام فلا بد من مزية للمحكم و هو ان يدل ظاهره على المراد أو يقتضي بانضمامه أنه مما لا يحتمل الوجه الواحد.

و للمحكم في باب الحجاج عند غير المخالف مزية لانه لا يمكن ان يبين له أنه مخالف للقرآن و ان ظاهر المحكم يدل على خلاف ما ذهب إليه و ان تمسك بمتشابه القرآن و عدل عن محكمه لما أنه تمسك بالشبه العقلية و عدل عن الادلة السمعية و ذلك لطف وبعث على النظر لان المخالف المتدين يؤثر ذلك ليتفكر فيه ويعمل فإن اللغة و ان توقفت محتملة ففيها ما يدل ظاهره على أمر واحد و ان جاز صرفه إلى غيره بالدليل ثم يختلف ففيه ما يكره صرفه لاستبعاده في اللغة.


78

النوع السابع و الثلاثون

في حكم الايات المتشابهات الواردة في الصفات

و قد اختلف الناس في الوارد منها في الايات و الاحاديث على ثلاث فرق:

أحدها أنه لا مدخل للتأويل فيها بل تجري على ظاهرها و لا تؤول شيئا منها وهم المشبهة. و الثاني ان لها تأويلا و لكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه و التعطيل و نقول لا يعلمه الا الله و هو قول السلف. و الثالث أنها مؤولة وأولوها على ما يليق به.

و الاول باطل و الاخيران منقولان عن الصحابة فنقل الامساك عن أم سلمة أنها سئلت عن الاستواء فقالت الاستواء معلوم و الكيف مجهول و الايمان به واجب و السؤال عنه بدعة و كذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة الا أنه زاد فيها ان من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه. و كذلك سئل سفيان الثوري فقال أفهم من قوله: ﴿ الرحمن على العرش استوى ما أفهم من قوله: ﴿ ثم استوى إلى السماء . و سئل الاوزاعي عن تفسير هذه الاية فقال: ﴿ الرحمن على العرش استوى كما قال و إني لأراك ضالا و سئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أم قاعد فقال لا يمل القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم و أنت إلى هذا السؤال أحوج.

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح و على هذه الطريقة مضى صدر الامة و سادتها


79
و إياها اختار أئمة الفقهاء و قادتها و إليها دعا أئمة الحديث و أعلامه و لا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها و يأباها.

و أفصح الغزالي عنهم في غير موضع بتهجين ما سواها حتى ألجم آخرا في (إلجامه) كل عالم أو عامي عما عداها. قال و هو كتاب (إلجام العوام عن علم الكلام) آخر تصانيف الغزالي مطلقا آخر تصانيفه في أصول الدين حث فيه على مذاهب السلف و من تبعهم. وممن نقل عنه التأويل علي و ابن مسعود و ابن عباس وغيرهم.

و قال الغزالي في كتاب (التفرقة بين الاسلام و الزندقة) ان الامام أحمد أول في ثلاثة مواضع و أنكر ذلك عليه بعض المتأخرين. قلت و قد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى: ﴿ أو يأتي ربك قال وهل هو الا أمره بدليل قوله: ﴿ أو يأتي أمر ربك !

و اختار ابن برهان و غيره من الاشعرية التأويل قال و منشأ الخلاف بين


80
الفريقين أنه هل يجوز في القرآن شيء لا يعلم معناه فعندهم يجوز فلهذا منعوا التأويل واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله. و عندنا لا يجوز ذلك بل الراسخون يعلمونه.

قلت و إنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الادلة على استحالة المتشابه و الجسمية في حق البارئ تعالى و الخوض في مثل هذه الامور خطره عظيم و ليس بين المعقول و المنقول تغاير في الاصول بل التغاير إنما يكون في الالفاظ و استعمال المجاز لغة العرب. و إنما قلنا لا تغاير بينهما في الاصول لما علم بالدليل ان العقل لا يكذب ما ورد به الشرع إذ لا يرد الشرع بما لا يفهمه العقل إذ هو دليل الشرع وكونه حقا ولو تصور كذب العقل في شيء لتصور كذبه في صدق الشرع فمن طالت ممارسته العلوم وكثر خوضه في بحورها أمكنه التلفيق بينهما لكنه لا يخلو من أحد أمرين إما تأويل يبعد عن الافهام أو موضع لا يتبين فيه وجه التأويل لقصور الافهام عن إدراك الحقيقة والطمع في تلفيق كل ما يرد مستحيل المرام والمرد إلى قوله: ﴿ ليس كمثله شيء و هو السميع البصير .

و نحن نجري في هذا الباب على طريق المؤولين حاكين كلامهم. فمن ذلك صفة الاستواء فحكى مقاتل و الكلبي عن ابن عباس ان استوى بمعنى استقر و هذا ان صح يحتاج إلى تأويل فإن الاستقرار يشعر بالتجسيم.

و عن المعتزلة بمعنى (استولى و قهر) و رد بوجهين:


81

أحدهما بأن الله تعالى مستول على الكونين و الجنة و النار و أهلهما فأي فائدة في تخصيص العرش!

الثاني ان الاستيلاء إنما يكون بعد قهر و غلبة و الله تعالى منزه عن ذلك قاله ابن الاعرابي. و قال أبو عبيد بمعنى (صعد) و رد بأنه يوجب هبوطا منه تعالى حتى يصعد و هو منفي عن الله. و قيل (الرحمن على العرش استوى) فجعل (علا) فعلا لا حرفا حكاه الاستاذ إسماعيل الضرير في تفسيره ورد بوجهين:

أحدهما أنه جعل الصفة فعلا و مصاحف أهل الشام و العراق و الحجاز قاطعة بأن (على) هنا حرف و لو كان فعلا لكتبوها باللام ألف كقوله: ﴿ ولعلا بعضهم على بعض . و الثاني أنه رفع العرش ولم يرفعه أحد من القراء.

و قيل تم الكلام عند قوله: ﴿ الرحمن على العرش ثم ابتدأ بقوله: ﴿ استوى له ما في السماوات و ما في الارض و هذا ركيك يزيل الاية عن نظمها و مرادها.


82

قال الاستاذ و الصواب ما قاله الفراء و الاشعري و جماعة من أهل المعاني ان معنى قوله: ﴿ استوى أقبل على خلق العرش و عمد إلى خلقه فسماه استواء كقوله: ﴿ ثم استوى إلى السماء و هي دخان أي قصد وعمد إلى خلق السماء فكذا هاهنا قال و هذا القول مرضي عند العلماء ليس فيه تعطيل ولا تشبيه.

قال الاشعري : ﴿ على هنا بمعنى (في) كما قال تعالى: ﴿ على ملك سليمان و معناه أحدث الله في العرش فعلا سماه استواء كما فعل فعلا سماه فضلا و نعمة قال تعالى: ﴿ و لكن الله حبب إليكم الايمان و زينه في قلوبكم و كره إليكم الكفر و الفسوق و العصيان أولئك هم الراشدون. فضلا من الله و نعمة فسمى التحبيب و التكريه فضلا و نعمة. و كذلك قوله: ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد أي فخرب الله بنيانهم و قال: ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا أي قصدهم. و كما ان التخريب والتعذيب سماها إتيانا فكذلك أحدث فعلا بالعرش سماه استواء.

قال و هذا قول مرضي عند العلماء لسلامته من التشبيه و التعطيل و للعرش خصوصية ليست لغيره من المخلوقات لانه أول خلق الله وأعظم والملائكة حافون به ودرجة الوسيلة متصلة به و أنه سقف الجنة و غير ذلك.


83

و قوله تعالى: ﴿ تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك قيل النفس هاهنا الغيث تشبيها له بالنفس لانه مستتر كالنفس. قوله: ﴿ ويحذركم الله نفسه أي عقوبته و قيل يحذركم الله إياه.

قوله تعالى: ﴿ و هو الله في السماوات و في الارض اختار البيهقي معناه أنه المعبود في السماوات و الارض مثل قوله تعالى: ﴿ و هو الذي في السماء إله و في الارض إله و هذا القول هو أصح الاقوال. و قال الاشعري في (الموجز) : ﴿ و هو الله في السماوات و في الارض يعلم أي عالم بما فيهما و قيل : ﴿ و هو الله في السماوات جملة تامة : ﴿ و في الارض يعلم كلام آخر و هذا قول المجسمة واستدلت الجهمية بهذه الاية على أنه تعالى في كل مكان وظاهر ما فهموه من الاية من أسخف الاقوال.

قوله تعالى: ﴿ و جاء ربك و الملك قيل استعارة الواو موضع الباء لمناسبة بينهما في معنى الجمع إذ الباء موضوعة للإلصاق و هو جمع و الواو موضوعة للجمع و الحروف ينوب بعضها عن بعض و تقول عرفا جاء الامير بالجيش إذا كان مجيئهم مضافا إليه بتسليطه أو بأمره ولا شك ان الملك إنما يجيء بأمره على ما قال تعالى: ﴿ وهم بأمره يعملون فصار كما لو صرح به. و قال جاء الملك بأمر ربك و هو كقوله:


84
﴿ فاذهب أنت و ربك أي اذهب أنت بربك أي بتوفيق ربك و قوته إذ معلوم أنه إنما يقاتل بذلك من حيث صرف الكلام إلى المفهوم في العرف.

قوله تعالى: ﴿ يوم يكشف عن ساق قال قتادة عن شدة و قال إبراهيم النخعي أي عن أمر عظيم قال الشاعر:

و قامت الحرب عن ساق

و أصل هذا ان الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناة وجد فيه شمر عن ساقه فاستعيرت الساق في موضع الشدة.

قوله تعالى: ﴿ ما فرطت في جنب الله قال اللغويون معناه ما فرطت في طاعة الله و أمره لان التفريط لا يقع الا في ذلك و الجنب المعهود من ذوي الجوارح لا يقع فيه تفريط البتة فكيف يجوز وصف القديم سبحانه بما لا يجوز!

قوله تعالى: ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان فرغ يأتي بمعنى قطع شغلا أتفرغ لك أي أقصد قصدك و الاية منه أي سنقصد لعقوبتكم و نحكم جزاءكم.

قوله تعالى: ﴿ و إني لأظنه كاذبا ان قيل لأي علة نسب الظن إلى الله و هو شك؟


85

قيل فيه جوابان:

أحدهما ان يكون الظن لفرعون و هو شك لانه قال قبله : ﴿ فأطلع إلى إله موسى و إني لأظن موسى كاذبا فالظن على هذا لفرعون. و الثاني ان يكون تم الكلام عند قوله: ﴿ أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى و إني لأظنه على معنى و إني لأعلمه كاذبا فإذا كان الظن لله كان علما و يقينا و لم يكن شكا كقوله: ﴿ إني ظننت أني ملاق حسابيه .

و قوله: ﴿ لا تأخذه سنة و لا نوم لم يرد سبحانه بنفي النوم و السنة عن نفسه إثبات اليقظة و الحركة لانه لا يقال لله تعالى يقظان ولا نائم لان اليقظان لا يكون الا عن نوم ولا يجوز وصف القديم به و إنما أراد بذلك نفي الجهل و الغفلة كقوله ما أنا عنك بغافل.

قوله تعالى: ﴿ لما خلقت بيدي قال السهيلي اليد في الاصل كالمصدر عبارة عن صفة لموصوف و لذلك مدح سبحانه و تعالى بالأيدي مقرونة مع الابصار في قوله: ﴿ أولي الايدي و الابصار و لم يمدحهم بالجوارح لان المدح إنما يتعلق بالصفات لا بالجواهر قال و إذا ثبت هذا فصح قول الاشعري ان اليدين في قوله تعالى: ﴿ لما خلقت بيدي صفة ورد بها الشرع ولم يقل إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه ولا بمعنى النعمة ولا قطع بشيء من التأويلات تحرزا منه عن مخالفة السلف وقطع بأنها صفة تحرزا عني مذاهب المشبهة.


86

فإن قيل و كيف خوطبوا بما لا يعلمون إذ اليد بمعنى الصفة لا يعرفونه و لذلك لم يسأل أحد منهم عن معناها و لا خاف على نفسه توهم التشبيه و لا احتاج إلى شرح و تنبيه و كذلك الكفار لو كان لا يعقل عندهم الا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض و احتجوا بها على الرسول ولقالوا زعمت ان الله ليس كمثله شيء ثم تخبر ان له يدا و لما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا كافر علم ان الامر عندهم كان جليا لا خفاء به لأنها صفة سميت الجارحة بها مجازا ثم استمر المجاز فيها حتى نسيت الحقيقة ورب مجاز كثير استعمل حتى نسي أصله وتركت صفته و الذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة الا أنها أخص و القدرة أعم كالمحبة مع الارادة والمشيئة فاليد أخص من معنى القدرة ولذا كان فيها تشريف لازم.

و قال البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿ لما خلقت بيدي في تحقيق الله التثنية في اليد دليل على أنه ليس بمعنى النعمة و القوة و القدرة و إنما هما صفتان من صفات ذاته. قال مجاهد اليد هاهنا بمعنى التأكيد و الصلة مجازه (لما خلقت) كقوله: ﴿ و يبقى وجه ربك قال البغوي و هذا تأويل غير قوي لأنها لو كانت صلة لكان لإبليس ان يقول ان كنت خلقته فقد خلقتني و كذلك في القدرة والنعمة لا يكون لآدم في الخلق مزية على إبليس. و أما قوله تعالى: ﴿ مما عملت أيدينا فإن العرب تسمي الاثنين جمعا كقوله تعالى: ﴿ هذان خصمان اختصموا .


87

و أما العين في الاصل فهي صفة و مصدر لمن قامت به ثم عبر عن حقيقة الشيء بالعين قال و حينئذ فإضافتها للبارئ في قوله: ﴿ و لتصنع على عيني حقيقة لا مجاز كما توهم أكثر الناس لانه صفة في معنى الرؤية و الادراك و إنما المجاز في تسمية العضو بها و كل شيء يوهم الكفر والتجسيم فلا يضاف إلى البارئ سبحانه لا حقيقة و لا مجازا.

قال السهيلي و من فوائد هذه المسألة ان يسأل عن المعنى الذي لأجله قال: ﴿ و لتصنع على عيني بحرف ﴿ على و قال: ﴿ تجري بأعيننا ، ﴿ و اصنع الفلك بأعيننا و ما الفرق؟ و الفرق ان الاية الاولى وردت في إظهار أمر كان خفيا و إبداء ما كان مكنونا فإن الاطفال إذ ذاك كانوا يغذون و يصنعون شرا فلما أراد ان يصنع موسى و يغذى و يربى على جلي أمن و ظهور أمر لا تحت خوف و استسرار دخلت (على) في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطي معنى الاستعلاء و الاستعلاء ظهور وإبداء فكأنه سبحانه يقول ولتصنع على أمن لا تحت خوف و ذكر العين لتضمنها معنى الرعاية و الكلأ. و أما قوله: ﴿ تجري بأعيننا ، ﴿ واصنع الفلك بأعيننا فإنه إنما يريد في رعاية منا وحفظ ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم فلم يحتج الكلام الا معنى (على).

و لم يتكلم السهيلي على حكمة الافراد في قصة موسى و الجمع في الباقي و هو سر لطيف و هو إظهار الاختصاص الذي خص به موسى في قوله: ﴿ واصطنعتك لنفسي


88
فاقتضى الاختصاص الاختصاص الاخر في قوله: ﴿ و لتصنع على عيني بخلاف قوله: ﴿ تجري بأعيننا ، ﴿ و اصنع الفلك بأعيننا فليس فيه من الاختصاص ما في صنع موسى على عينه سبحانه.

قال السهيلي رحمه الله و أما النفس فعبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد و قد استعمل من لفظها النفاسة و الشيء النفيس فصلحت للتعبير عنه سبحانه بخلاف ما تقدم من الالفاظ المجازية.

و أما الذات فقد استوى أكثر الناس بأنها معنى النفس و الحقيقة و يقولون ذات البارئ هي نفسه و يعبرون بها عن وجوده و حقيقته. و يحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم في قصة إبراهيم ( ثلاث كذبات كلهن في ذات الله ).

قال و ليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة و الشريعة كما زعموا و الا لقيل عبدت ذات الله و احذر ذات الله و هو غير مسموع و لا يقال الا بحرف في المستحل معناه في حق البارئ تعالى لكن حيث وقع فالمراد به الديانة و الشريعة التي هي ذات الله فذات وصف للديانة. هذا هو المفهوم من كلام العرب و قد بان غلط من جعلها عبارة عن نفس ما أضيف إليه و منه إطلاق العجب على الله تعالى في قوله: ﴿ بل عجبت على قراءة حمزة والكسائي بضم التاء على معنى أنهم قد حلوا محل من يتعجب منهم.

قال الحسين بن الفضل العجب من الله تعالى إنكار الشيء و تعظيمه و هو لغة


89
العرب و في الحديث ( عجب ربكم من زللكم و قنوطكم ) و قوله: ( ان الله يعجب من الشاب إذا لم يكن له صبوة ).

قال البغوي و سمعت أبا القاسم النيسابوري قال سمعت أبا عبد الله البغدادي يقول سئل الجنيد عن هذه الاية فقال ان الله لا يعجب من شيء و لكن الله وافق رسوله فقال: ﴿ و ان تعجب فعجب قولهم أي هو كما يقوله.

فائدة

كل ما جاء في القرآن العظيم من نحو قوله تعالى: ﴿ لعلكم تفلحون أو : ﴿ تتقون أو : ﴿ تشكرون فالمعتزلة يفسرونه بالإرادة لان عندهم أنه تعالى لا يريد الا الخير و وقوع الشر على خلاف إرادته و أهل السنة يفسرونه بالطلب لما في الترجي من معنى الطلب و الطلب غير الارادة على ما تقرر في الاصول فكأنه قال كونوا متقين أو مفلحين إذ يستحيل وقوع شيء في الوجود على خلاف إرادته تعالى بل كل الكائنات مخلوقة له تعالى و وقوعها بإرادته تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.


90

النوع الثامن و الثلاثون

معرفة إعجازه

و قد اعتنى بذلك الائمة و أفردوه بالتصنيف منهم القاضي أبو بكر بن الباقلاني قال ابن العربي و لم يصنف مثله و كتاب الخطابي و الرماني و البرهان لعزيزي و غيرهم.

و هو علم جليل عظيم القدر لان نبوة النبي صلى الله عليه و سلم معجزتها الباقية القرآن و هو يوجب الاهتمام بمعرفة الاعجاز قال تعالى: ﴿ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد و قال سبحانه: ﴿ و ان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله فلولا ان سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه و لا تكون حجة الا و هي معجزة و قال تعالى: ﴿ و قالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الايات عند الله و إنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم فأخبر


91
أن الكتاب آية من آياته و أنه كاف في الدلالة قائم مقام معجزات غيره وآيات سواه من الانبياء.

و لما جاء به صلى الله عيه و سلم إليهم و كانوا أفصح الفصحاء و مصاقع الخطباء تحداهم على ان يأتوا بمثله و أمهلهم طول السنين فلم يقدروا يقال تحدى فلان فلانا إذا دعاه إلى أمر ليظهر عجزه فيه ونازعه الغلبة في قتال أو كلام غيره و منه أنا حدياك أي ابرز لي وحدك.

و اعلم ان النبي صلى الله عليه و سلم تحدى العرب قاطبة بالقرآن حين قالوا افتراه فأنزل الله عز وجل عليه : ﴿ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله فلما عجزوا عن الاتيان بنشر سور تشاكل القرآن قال تعالى: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ثم كرر هذا فقال: ﴿ و ان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله أي من كلام مثله و قيل من بشر مثله و يحقق القول الاول الايتان السابقتان فلما عجزوا عن ان يأتوا بسورة تشبه القرآن على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء قال: ﴿ قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا فقد ثبت أنه تحداهم به و أنهم لم يأتوا بمثله لعجزهم عنه لأنهم لو قدروا على ذلك لفعلوا و لما عدلوا إلى العناد تارة و الاستهزاء أخرى فتارة قالوا (سحر) وتارة قالوا (شعر) وتارة قالوا (أساطير الاولين) كل ذلك من التحير و الانقطاع.


92

قال (ابن أبي) طالب مكي في (اختصاره نظم القرآن للجرجاني) قال المؤلف أنزله بلسان عربي مبين بضروب من النظم مختلفة على عادات العرب و لكن الاعصار تتغير و تطول فيتغير النظم عند المتأخرين لقصور أفهامهم و النظر كله جار على لغة العرب و لا يجوز ان ينزله على نظم ليس من لسانهم لانه لا يكون حجة عليهم بدليل قوله تعالى: ﴿ أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله و في قوله: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله فأخبر أنهم لم يعلموه لجهلهم به و هو كلام عربي.

قال أبو محمد لا يحتمل ان يكون جهلهم الا من قبل أنهم أعرضوا عن قبوله و لا يجوز ان يكون نزل بنظم لم يعرفوه إذ لا يكون عليهم حجة و جهلنا بالنظم لتأخرنا عن رتب القوم الذي نزل عليهم جائز و لا يمنع. فمن نزل عليهم كان يفهمه إذا تدبره لانه بلغته و نحن إنما نفهم بالتعليم. انتهى.

و هذا الذي قاله مشكل فإن كبار الصحابة رضي الله عنهم حفظوا البقرة في مدة متطاولة لأنهم كانوا يحفظون مع التفهم.

و إعجاز القرآن ذكر من وجهين:

أحدهما إعجاز متعلق بنفسه. و الثاني بصرف الناس عن معارضته.


93

و لا خلاف بين العقلاء ان كتاب الله معجز و اختلفوا في إعجازه فقيل ان التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات و ان العرب كلفت في ذلك مالا تطيق و فيه وقع عجزها. و الجمهور على أنه إنه إنما وقع بالدال على القديم و هو الالفاظ.

فإذا ثبت ذلك فاعلم أنه لا يصح التحدي بشيء مع جهل المخاطب بالجهة التي وقع بها التحدي و لا يتجه قول القائل لمثله ان صنعت خاتما كنت قادرا على ان تصنع مثله الا بعد ان يمكنه من الجهة التي تدعي عجز المخاطب عنها فنقول الاعجاز في القرآن العظيم إما ان يعني بالنسبة إلى ذاته أو إلى عوارضه من الحركات و التأليف أو إلى مدلوله أو إلى المجموع أو إلى أمر خارج عن ذلك لا جائز ان يكون الاعجاز حصل من جهة ذوات الكلم المفردة فقط لان العرب قاطبة كانوا يأتون بها ولا جائز ان يكون الاعجاز وقع بالنسبة إلى العوارض من الحركات و التألف فقط لانه يحوج إلى ما تعاطاه مسيلمة من الحماقة (إنا أعطيناك الجواهر. فصل لربك و هاجر. ان شانئك هو الكافر).

و لو كان الاعجاز راجعا في الاعراب و التأليف المجرد لم يعجز صغيرهم عن تأليف ألفاظ معربة فضلا عن كبيرهم و لا جائز ان يقع بالنسبة إلى المعاني فقط لأنها ليست من صنيع البشر و ليس لهم قدرة على إظهارها من غير ما يدل عليها ولا جائز ان ترجع إلى المجموع لأنا قد بينا بطلانه بالنسبة إلى كل واحد فيتعين ان يكون الاعجاز لأمر خارج غير ذلك.

بيان الاقوال المختلفة في وجوه الاعجاز

و قد اختلف فيه على أقوال:

أحدها و هو قول النظام ان الله صرف العرب عن معارضته و سلب عقولهم و كان


94
مقدورا لهم لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات.

و هو قول فاسد بدليل قوله تعالى: ﴿ قل لئن اجتمعت الانس و الجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم و لو سئلوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى و ليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره هذا مع ان الاجماع منعقد على إضافة الاعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزا غيره و ليس فيه صفة إعجاز بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم قدرتهم عن الاتيان بمثله.

و أيضا يلزم من القول بالصرفة فساد آخر و هو زوال الاعجاز بزوال زمان التحدي و خلو القرآن من الاعجاز و في ذلك خرق لإجماع الامة فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول العظمى و لا معجزة له باقية سوى القرآن و خلوه من الاعجاز يبطل كونه معجزة.

قال القاضي أبو بكر (و مما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة و إنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا و إنما يكون المنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضلا على غيره في نفسه).

(و ليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم ان الكل قادرون على الاتيان بمثله و إنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه و لا بأعجب من قول


95
فريق منهم إنه لا فرق بين كلام البشر و كلام الله في هذا الباب (و إنما يصح من كل واحد منهما الاعجاز على حد واحد). (و زعم قوم ان ابن المقفع عارض القرآن و إنما وضع حكما).

الثاني ان وجه الاعجاز راجع إلى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف و هو بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة و علت مركباته معنى بأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ و المعنى.

و اختاره ابن الزملكاني في البرهان.

الثالث ما فيه من الاخبار عن الغيوب المستقبلة و لم يكن ذلك من شأن العرب كقوله تعالى: ﴿ قل للمخلفين من الاعراب و قوله في أهل بدر : ﴿ سيهزم الجمع و يولون الدبر


96
و قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا و كقوله: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض و قوله: ﴿ الم. غلبت الروم و غير ذلك مما أخبر به بأنه سيقع فوقع.

ورد هذا القول بأنه يستلزم ان الايات التي لا خبر فيها بذلك لا إعجاز فيها و هو باطل فقد جعل الله كل سورة معجزة بنفسها.

الرابع ما تضمن من إخباره عن قصص الاولين و سائر المتقدمين حكاية من شاهدها و حضرها و قال: ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت و لا قومك من قبل هذا ... الاية. و هو مردود بما سبق نعم هذا و الذي قبله من أنواع الاعجاز الا أنه منحصر فيه.

الخامس إخباره عن الضمائر من غير ان يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله: ﴿ إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا و قوله: ﴿ و إذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله و يقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله و قوله: ﴿ و إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم و تودون ... الاية و كإخباره عن اليهود أنهم لا يتمنون الموت أبدا.


97

السادس و صححه ابن عطية و قال إنه الذي عليه الجمهور و الحذاق و هو الصحيح في نفسه و ان التحدي إنما وقع بنظمه و صحة معانيه و توالي فصاحة ألفاظه و وجه إعجازه ان الله أحاط بكل شيء علما و أحاط بالكلام كله علما فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح ان تلي الاولى و يتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره. و البشر معهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم بالضرورة ان أحدا من البشر لا يحيط بذلك وبهذا (جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة وبهذا النطق) يبطل قول من قال ان العرب كان في قدرتها الاتيان بمثله فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه.

و الصحيح ان الاتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين و لهذا ترى البليغ ينقح الخطبة أو القصيدة حولا ثم ينظر فيها فيغير فيها و هلم جرا. و كتاب الله سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدبر لسان العرب على لفظه أحسن منها لم توجد.

و نحن تتبين لنا البراعة في أكثره و يخفي وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة (و ميز الكلام).

و قامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة و مظنة المعارضة كما قامت


98
الحجة في معجزة عيسى بالأطباء و (في) معجزه موسى بالسحرة فإن الله تعالى إنما جعل معجزات الانبياء بالوجه الشهير أبرع ما تكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره فكان السحر في مدة موسى قد انتهى إلى غايته و كذا الطب في زمان عيسى و الفصاحة في مدة محمد صلى الله عليه و سلم.

السابع ان وجه الاعجاز الفصاحة و غرابة الاسلوب و السلامة من جميع العيوب و غير ذلك مقترنا بالتحدي و اختاره الامام فخر الدين و هو قريب مما سبق و قد قال تعالى: ﴿ قل لئن اجتمعت الانس و الجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و المراد بمثل نظمه بدليل قوله تعالى: ﴿ فأتوا بسورة من مثله و قول من قال ان الضمير في ﴿ من مثله عائد على الله ضعيف بقوله: ﴿ بعشر سور مثله و السياق واحد.

الثامن ما فيه من النظم و التأليف و الترصيف و أنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب و مباين لأساليب خطاباتهم و اختاره القاضي أبو بكر.

قال و لهذا لم يمكنهم معارضته.


99

قال و لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أدعوها في الشعر لانه ليس مما يخرق العادة بل يمكن استدراكه بالتعلم و التدريب و التصنع له كقول الشعر و رصف الخطب و صناعة الرسالة و الحذق في البلاغة و له طريق يسلك... فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه و لا إمام يقتدى به ولا يصح وقوع مثله اتفاقا...

قال و نحن نعتقد ان الاعجاز في بعض القرآن أظهر و في بعض أدق و أغمض.

ثم قال القاضي فإن قيل ما الذي وقع التحدي به؟ أهو الحروف المنظومة؟ أو الكلام القائم بالذات؟ أو غيره؟

قلنا الذي تحداهم به ان يأتوا على الحروف التي هي نظم القرآن منظومة حكمها متتابعها كتتابعها مطردة كاطرادها و لم يتحدهم إلى ان يأتوا بالكلام القديم الذي لا مثل له.

و قال بعض الائمة ليس الاعجاز المتحدى به الا في النظم لا في المفهوم لان المفهوم


100
لم يمكن الاحاطة به و لا الوقوف على حقيقة المراد منه فكيف يتصور ان يتحدى بما لا يمكن الوقوف عليه إذ هو يسع كل شيء فأي شيء قوبل به ادعى أنه غير المراد ويتسلسل!

التاسع أنه شيء لا يمكن التعبير عنه و هو اختيار السكاكي حيث قال في (المفتاح) و اعلم ان شأن الاعجاز (عجيب) يدرك و لا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها و كالملاحة. وكما يدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة الا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما.

و قال أبو حيان التوحيدي في (البصائر) لم أسمع كلاما ألصق بالقلب و أعلق بالنفس من فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي و كان بحرا في العلم و قد سئل عن موضع الاعجاز من القرآن فقال هذه مسألة فيها حيف على المفتي و ذلك أنه شبيه بقولك ما موضع الانسان من الانسان! فليس للإنسان موضع من الانسان بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ودللت على ذاته كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه الا و كان ذلك المعنى آية في نفسه ومعجزة لمحاوله وهدى لقائله و ليس في طاقة البشر الاحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده.


101

العاشر و هو قول حازم في (منهاج البلغاء) ان الاعجاز فيه من حيث استمرت الفصاحة و البلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا توجد له فترة و لا يقدر عليه أحد من البشر و كلام العرب و من تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة و البلاغة في جميع أنحائها في العالي منه الا في الشيء اليسير المعدود ثم تعرض الفترات الانسانية فتقطع طيب الكلام و رونقه فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه بل توجد في تفاريق وأجزاء منه والفترات في الفصاحة تقع للفصيح إما بسهو يعرض له في الشيء من غير ان يكون جاهلا به أو من جهل به أو من سآمة تعتري فكره أو من هوى للنفس يغلب عليها فيما يحوش عليها خاطره من اقتناص المعاني سمينا كان أو غثا فهذه آفات لا يخلو منها الانسان الفاضل والطبع الكامل و هو قريب مما ذكره ابن الزملكاني و ابن عطية.

الحادي عشر قال الخطابي في كتابه و إليه ذهب الاكثرون من علماء النظر ان وجه الاعجاز فيه من جهة البلاغة لكن لما صعب عليهم تفصيلها صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس.

قال و التحقيق ان أجناس الكلام مختلفة و مراتبها في درجة البيان متفاوتة (و درجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية) فمنها البليغ الرصين الجزل و منها الفصيح


102
القريب السهل و منها الجائز الطلق الرسل و هذه أقسام الكلام الفاضل المحمود دون النوع الهجين المذموم الذى لا يوجد فى القرآن شئ منه البتة.

فالقسم الاول أعلاه و الثانى أوسطه و الثالث أدناه و أقربه فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الاقسام حصة و أخذت من كل نوع شعبة فانتظم لها بامتزاج هذه الاوصاف نمط من الكلام يجمع صفتى الفخامة و العذوبة و هما على الانفراد فى نعوتهما كالمتضادين لان العذوبة نتاج السهولة و الجزالة و المتانة فى الكلام يعالجان نوعا من الوعورة فكان اجتماع الامرين فى نظمه مع نبو كل منهما عن الاخر فضيلة خص بها القرآن. يسرها الله بلطيف قدرته ليكون آية بينة لنبيه ودلالة على صحة ما دعا إليه من أمر دينه.

و إنما تعذر على البشر الاتيان بمثله لأمور:

منها ان علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية و أوضاعها التى هى ظروف المعانى و الحوامل. و لا تدرك أفهامهم جميع معانى الاشياء المحمولة على تلك الالفاظ و لا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التى بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض فيتوصلوا باختيار الافضل عن الاحسن من وجوهها الا ان يأتوا بكلام مثله.

و إنما يقوم الكلام بهذه الاشياء الثلاثة لفظ حامل و معنى به قائم و رباط لهما ناظم.

و إذا تأملت القرآن وجدت هذه الامور منه فى غاية الشرف و الفضيلة حتى لا ترى


103
شيئا من الالفاظ أفصح و لا أجزل و لا أعذب من ألفاظه و لا ترى نظما أحسن تأليفا و أشد تلاءما و تشاكلا من نظمه. و أما معانيه فكل ذى لب يشهد له بالتقديم فى أبوابه و الرقى فى أعلى درجاته.

و قد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق فى أنواع الكلام و أما ان توجد مجموعة فى نوع واحد منه فلم توجد الا فى كلام العليم القدير الذى أحاط بكل شئ علما و أحصى كل شئ عددا.

فخرج من هذا ان القرآن إنما صار معجزا لانه جاء بأفصح الالفاظ فى أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعانى من توحيد الله تعالى و تنزيهه فى صفاته و دعاء إلى طاعته و بيان لطريق عبادته فى تحليل و تحريم و حظر و إباحة و من وعظ و تقويم و أمر بمعروف و نهى عن منكر و إرشاد إلى محاسن الاخلاق و زجر عن مساويها واضعا كل شئ منها موضعه الذى لا يرى شئ أولى منه و لا يتوهم فى صورة العقل أمر أليق به منه مودعا أخبار القرون الماضية و ما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة في الاعصار الماضية من الزمان جامعا فى ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه وإنباء عن وجوب ما أمر به و نهى عنه.


104

و معلوم ان الاتيان بمثل هذه الامور و الجمع بين أشتاتها حتى تنتظم و تتسق أمر تعجز عنه قوى البشر و لا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه و عجزوا عن معارضته بمثله و مناقضته فى شكله ثم صار المعاندون له ممن كفر به و أنكره يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه منظوما و مرة إنه سحر لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه. و قد كانوا يجدون له وقعا فى القلب و قرعا فى النفس يريبهم و يحيرهم فلم يتمالكوا ان يعترفوا به نوعا من الاعتراف و لذلك قالوا ان له لحلاوة و ان عليه لطلاوة. و كانوا مرة لجهلهم و حيرتهم يقولون: ﴿ أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة و أصيلا مع علمهم ان صاحبهم أمى و ليس بحضرته من يملى أو يكتب شيئا و نحو ذلك من الامور التى أوجبها العناد و الجهل و العجز و قد حكى الله عن بعض مردتهم و هو الوليد بن المغيرة المخزومى أنه لما طال فكره فى القرآن و كثر ضجره منه و ضرب له الاخماس من رأيه فى الاسداس فلم يقدر على أكثر من قوله: ﴿ ان هذا الا قول البشر عنادا و جهلا به و ذهابا عن الحجة و انقطاعا دونها.

ثم اعلم ان عمود البلاغة التى تجتمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الالفاظ


105
التى تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الاخص الاشكل به الذى إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذى يفسد به الكلام أو إذهاب الرونق الذى تسقط به البلاغة و ذلك ان فى الكلام ألفاظا مترادفة متقاربة المعانى فى زعم أكثر الناس كالعلم و المعرفة و الشح و البخل و النعت و الصفة و كذا بلى و نعم و من و عن و نحوها من الاسماء و الافعال و الحروف و الامر فيها عند الحذاق بخلاف ذلك لان كل لفظة منها خاصة تتميز بها عن صاحبتها فى بعض معانيها و ان اشتركا فى بعضها.

و لهذا قال أبو العالية فى قوله تعالى: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون أنه الذى ينصرف و لا يدرى عن شفع أو وتر. فرد عليه الحسن بأنه لو كان كذلك لقال: ﴿ الذين هم في صلاتهم فلم يفرق أبو العالية بين ﴿ في و ﴿ عن حتى تنبه له الحسن و قال المراد به إخراجها عن وقتها.

فإن قيل فهلا جعل فى كل سورة نوعا من الانواع؟

قيل إنما أنزل القرآن على هذه الصفة من جمع أشياء مختلفة المعانى فى السورة الواحدة و فى الاى المجموعة القليلة العدد ليكون أكثر لفائدته و أعم لمنفعته و لو كان لكل باب منه قبيل و لكل معنى سورة مفردة لم تكثر عائدته و لكان الواحد من الكفار المنكرين و المعاندين إذا سمع السورة لا تعوم عليه الحجة به الا فى النوع الواحد الذى تضمنته السورة الواحدة فقط و كان فى اجتماع المعانى الكثيرة فى السورة الواحدة أوفر حظا و أجدى نفعا من التخيير لما ذكرناه.


106

قال الخطابى و قلت فى إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه الا الشاذ فى آحادهم و هو صنيعه بالقلوب و تأثيره فى النفوس فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما و لا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة و الحلاوة فى حال و من الروعة و المهابة فى حال أخرى ما يخلص منه إليه. قال الله تعالى: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله و قال تعالى: ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ... الاية.

قلت و لهذا أسلم جبير بن مطعم لما سمع قراءة النبى صلى الله عليه و سلم للطور حتى انتهى إلى قوله: ﴿ ان عذاب ربك لواقع قال خشيت ان يدركنى العذاب. و فى لفظ: ( كاد قلبى يطير فأسلم ). و فى أثر آخر ان عمر لما سمع سورة طه أسلم و غير ذلك.

و قد صنف بعضهم كتابا فيمن مات بسماع آية من القرآن.

الثانى عشر و هو قول أهل التحقيق ان الاعجاز وقع بجميع ما سبق من الاقوال لا بكل واحد عن انفراده فإنه جمع كله فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع بل و غير ذلك مما لم يسبق.

فمنها الروعة التى له فى قلوب السامعين و أسماعهم سواء المقرين و الجاحدين ثم ان سامعه ان كان مؤمنا به يداخله روعة فى أول سماعه و خشية ثم لا يزال يجد فى قلبه


107
هشاشة إليه و محبة له. و ان كان جاحدا وجد فيه مع تلك الروعة نفورا وعيا لانقطاع مادته بحسن سمعه.

و منها أنه لم يزل و لا يزال و لا يزال غضا طريا فى أسماع السامعين و على ألسنة القارئين.

و منها ما ينتشر فيه عند تلاوته من إنزال الله إياه فى صورة كلام هو مخاطبة من الله لرسوله تارة و مخاطبة أخرى لخلقه لا فى صورة كلام يستمليه من نفسه من قد قذف فى قلبه و أوحى إليه ما شاء ان يلقيه إلى عباده على لسانه فهو يأتى بالمعانى التى ألهمها بألفاظه التى يكسوها إياه كما يشاهد من الكتب المتقدمة.

و منها جمعه بين صفتى الجزالة و العذوبة و هما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا فى كلام البشر لان الجزالة من الالفاظ التى لا توجد الا بما يشوبها من القوة و بعض الوعورة و العذوبة منها ما يضادها من السلاسة و السهولة فمن نحا نحو الصورة الاولى فإنما يقصد الفخامة و الروعة فى الاسماع مثل الفصحاء من الاعراب و فحول الشعراء منهم و من نحا نحو الثانية قصد كون الكلام فى السماع أعذب و أشهى و ألذ مثل أشعار المخضرمين و من داناهم من المولدين المتأخرين و ترى ألفاظ القرآن قد جمعت فى نظمه كلتا الصفتين و ذلك من أعظم وجوه البلاغة و الاعجاز.

و منها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره و جعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه كما قال تعالى: ﴿ ان هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون .


108

فصل

فى قدر المعجز من القرآن

قال القاضى أبو بكر ذهب عامة أصحابنا و هو قول أبى الحسن الا شعرى فى كتبه إلى ان أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة قصيرة كانت أو طويلة أو ما كان بقدرها.

قال فإذا كانت الاية بقدر حروف سورة و ان كانت كسورة الكوثر فذلك معجز. قال ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة فى اقل من هذا القدر. و ذهبت المعتزلة إلى ان كل سورة برأسها فهى معجزة.

و قد حكى عنهم نحو قولنا الا ان منهم من لم يشترط كون الاية بقدر السورة بل شرط الايات الكبيرة. و قد علمنا أنه تحداهم تحديا إلى السور كلها و لم يخص و لم يأتوا بشئ منها فعلم ان جميع ذلك معجز. و أما قوله تعالى: ﴿ فليأتوا بحديث مثله فلا يخالف هذا لان الحديث التام لا تتحصل حكايته فى أقل من كلمات سورة قصيرة. و هو يؤكد مذهب أصحابنا و ان كان قد يتأول قوله: ﴿ فليأتوا بحديث مثله على القبيل دون التفصيل و كذلك يحمل


109
قولة تعالى: ﴿ قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله على القبيل لانه لم يجعل الحجة عليهم عجزهم عن الاتيان بجميعه من أوله إلى آخره.

فإن قيل هل يعرف إعجاز السور القصار بما يعرف به إعجاز الطوال؟ و هل يعرف إعجاز كل قدر من القرآن بلغ الحد الذى قدرتموه على ما تعرفون به إحجاز سورة البقرة و نحوها؟

قلنا ان أبا الحسن الاشعرى قد أجاب عن ذلك بأن كل سورة قد علم كونها معجزة بعجز العرب عنها. و سمعت بعض الكبراء من أهل هذا الشأن يقول إنه يصح ان يكون علم ذلك توقيفا و الطريقة الاولى أسد و تظهر فائدتهما فى ان الاولى تبين ان ما علم به كون جميع ألقرآن معجزا موجود فى كل سورة قصرت أو طالت فيجب ان يكون الحكم فى الكل واحدا. و الاخرى تتضمن تقدير معرفة إعجاز القرآن بالطريق التى سلكناها.


110

فصل

اعلم أنه سبحانه تحداهم أولا فى الاتيان بمثله فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ثم تحداهم بشر سور منه و قطع عذرهم بقول ﴿ قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات و إنما قال: ﴿ مفتريات من أجل أنهم قالوا لا علم لنا بما فيه من الاخبار الخالية و القصص البالغة فقيل لهم ﴿ مفتريات إزاحة لعللهم و قطعا لأعذارهم فعجزوا فردهم من العشر إلى سورة واحدة من مثله مبالغة فى التعجيز لهم فقال: ﴿ و ان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله و ادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين أى يشهدون لكم أنها في نظمه و بلاغته و جزالته فعجزوا فقال تعالى: ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا مبالغة فى التعجيز و إفحاما لهم ﴿ فاتقوا النار و هذه مبالغة فى الوعيد مع ان اللغة لغتهم و الكلام كلامهم و ناهيك بذلك ان الوليد بن المغيرة لعنه الله كان سيد قريش و أحد فصحائهم لما سمعه أخرس لسانه و بلد جنانه و أطفئ بيانه و قطعت حجته و قصم ظهره و ظهر عجزه و ذهل عقله حتى قال قد عرفنا الشعر كله هزجه و رجزه و فريضه و مقبوضه و مبسوطه فما هو بالشعر قالت له قريش فساحر؟ قال و ما هو بساحر قد رأينا السحار و سحرهم فما هو بنفثه و لا عقده و الله ان لقوله لحلاوة و ان عليه لطلاوة و ان أسفله لمغدق و ان أعلاه لمثمر


111
و إنه ليعلو و لا يعلى سمعت قولا يأخذ القلوب قالوا مجنون قال لا و الله ما هو بمجنون ولا بخنقه و لا بوسوسته و لا رعشته قالو كاهن قال قد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان و لا بسجعهم. ثم حملته الحمية فنكص على عقبيه و كابر حسه فقال: ﴿ ان هذا الا سحر يؤثر ان هذا الا قول البشر .

مسألة

فى ان التحدى إنما وقع للإنس دون الجن

التحدى إنما وقع للإنس دون الجن لان الجن ليسوا من أهل اللسان العربى الذى جاء القرآن على أساليبه و إنما ذكروا فى قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الانس و الجن تعظيما لإعجازه لان الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد فإذا فرض اجتماع جميع الانس و الجن و ظاهر بعضهم بعضا و عجزوا عن العارضة كان الفريق الواحد أعجز و نظيره فى الفقه تقدم و الاخ الشقيق على الاخ للأب فى ولاية النكاح مع ان الامومة ليس لها مدخل فى النكاح.

فصل

فى أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة

قال القاضى ذهب أبو الحسن الاشعرى إلى ان ظهور ذلك على النبى صلى الله عليه و سلم


112
يعلم ضرورة و كونه معجزا يعلم بالاستدلال و هذا المذهب يحكى عن المخالفين.

و الذى نقوله إن الاعجمى لا يمكنه ان يعلم إعجازه الا استدلالا و كذلك من ليس ببليغ فأما البليغ الذى أحاط بمذاهب العرب و غرائب الصنعة فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه و عجز غيره عن الاتيان بمثله.

مسألة

فى الحكمة فى تنزيه النبى عليه السلام عن الشعر

قيل للحكمة تنزيه الله تعالى نبيه صالى الله عليه و سلم عن الشعر وجوه:

أحدها أنه سبحانه أخبر عن الشعراء بأنهم فى كل واد يهيمون و أنهم يقولون ما لا يفعلون و ان للشعر شرائط لا يسمى الانسان بغيرها شاعرا كما قال بعضهم و قد سئل عن الشاعر فقال ان هزل أضحك و ان جد كذب فالشاعر بين كذب و إضحاك. فنزه الله نبيه عن هاتين الخصلتين و عن كل أمر دنئ و إنا لا نكاد نجد شاعرا الا مادحا ضارعا أو هاجيا ذا قذع و هذه أوصاف لا تصلح للنبي.

و الثاني ان أهل العروض مجمعون كما قال ابن فارس على أنه لا فرق بين صناعة العروض و صناعة الايقاع الا ان صناعة الايقاع تقسم الزمان بالنغم و صناعة العروض تقسمه


113
بالحروف المتنوعة فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب الايقاع و الايقاع ضرب من الملاهي لم يصلح ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم و قد قال ( لست من دد و لا دد منى ) و أما ما حكى عنه صلى الله عليه و سلم من ألفاظ الوزن فالجواب عنها من وجهين:

أحدهما أنه لم يقصد بها الشعر و من حقيقة الشعر قصده قال ابن فارس الشعر كلام موزون مقفي دال على معنى و يكون أكثر من بيت لانه يجوز اتفاق شطر واحد بوزن يشبه وزن الشعر من غير قصد.

و الثانى أنه صلى الله عليه و سلم كان إذا أنشد شيئا من ذلك غيره.

فصل

فى تنزيه الله القرآن عن ان يكون شعرا

مع ان الموزون فى الكلام رتبته فوق رتبة المنظوم غير الموزون فإن كل موزون منظوم و لا عكس و قال تعالى: ﴿ و ما علمناه الشعر و ما ينبغي له ان هو الا ذكر و قرآن مبين فأعلم سبحانه أنه نزة القرآن عن نظم الشعر و الوزن لان القرآن مجمع الحق و منبع الصدق و قصارى أمر الشاعر التحصل بتصوير الباطل فى صورة الحق و الافرط فى الاطراء و المبالغة فى الذم و الايذاء دون إظهار الحق و إثبات الصدق منه كان بالعرض و لهذا قال تعالى: ﴿ و ما هو بقول شاعر إى كاذب و لم يعن أنه


114
ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من ان يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى ان ينفى عنه و لأجل شهرة الشعر بالكذب سمى المنطقيون القياسات المؤدية فى أكثر الامر إلى البطلان و الكذب شعرية.

فإن قيل فقد وجد فى القرآن ما وافق شعرا موزونا إما بيت تام أو أبيات أو مصراع كقول القائل:

و قلت لما حاولوا سلوتى
﴿ هيهات هيهات لما توعدون

و قوله: ﴿ و جفون كالجواب و قدور راسيات قالوا هذا من الرمل.

و كقوله: ﴿ و من تزكى فإنما يتزكى لنفسه قالوا هو مجزوء من الخفيف و قوله: ﴿ و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب قالوا هو من المتقارب أى بإسقاط مخرجا.

و قوله: ﴿ و دانية عليهم ظلالها و ذللت قطوفها تذليلا و يشبعون حركة الميم فيبقى من الرجز و حكى ان أبا نواس ضمنه فقال:

وفتية فى مجلس وجوههم
ريحانهم قد عدموا التثقيلا

دانية عليهمو ظلالها
﴿ و ذللت قطوفها تذليلا


115

و قوله تعالى: ﴿ و يخزهم و ينصركم عليهم و يشف صدور قوم مؤمنين قالوا هو من الوافر.

و قوله تعالى: ﴿ أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم قالوا هو من الخفيف.

و قوله تعالى: ﴿ والعاديات ضبحا. فالموريات قدحا و نحوه قوله: ﴿ والذاريات ذروا. فالحاملات وقرا. فالجاريات يسرا و هو عندهم شعر من بحر البسيط.

و قوله تعالى: ﴿ و من الليل فسبحه و أدبار السجود .

و قوله تعالى: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .

و قوله تعالى: ﴿ فلا تمار فيهم الا مراء ظاهرا .

و قوله تعالى: ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله الا من رحم .

و قوله تعالى: ﴿ تبت يدا أبي لهب


116

و قوله تعالى: ﴿ نصر من الله و فتح قريب .

و قوله تعالى: ﴿ ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف .

و قوله تعالى: ﴿ ان قارون كان من قوم موسى .

و يحكى أنه سمع أعرابى قارئا يقرأ ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم قال كسرت إنما قال: ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم ... ان زلزلة الساعة شيء عظيم فقيل له هذا القرآن و ليس بشعر.

فالجواب قال القاضى أبو بكر ان الفصحاء منهم لما أورد عليهم القرآن لو اعتقدوه شعرا و لم يروه خارجا عن أساليبهم لبادروا إلى معارضته لان الشعر منقاد عليهم فلما لم يعمدا إلى ذلك دل على أنهم لم يعتقدوا فيه ذلك فمن استدرك فيه شعرا زعم أنه خفى على أولئك النفر و هم ملوك الكلام مع شدة حاجتهم إلى الطعن فى القرآن و الغض منه و التوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه فلن يجوز ان يخفى على أولئك و ان يجهلوه و يعرفه من جاء الان فهو بالجهل حقيق.


117

و حينئذ فالذى أجاب به العلماء عن هذا ان البيت الواحد و ما كان على وزنه لا يكون شعرا و أقل الشعر بيتان فصاعدا و إلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الاسلام.

و قالوا أيضا ان ما كان على وزن بيتين الا أنه يختلف وزنهما و قافيتهما فليس بشعر أصلا. ثم منهم من قال ان الرجز ليس بشعر أصلا لا سيما إذا كان مشطورا أو ممهوكا. و كذا ما بقاربه فى قلة الاجزاء و على هذا نسقط السوؤال.

ثم نقول ان الشعر إنما ينطلق متى قصد إليه على الطريق التى تعمد و تسلك و لا يصح ان يتفق مثله الا من الشعراء دون ما يستوى فيه العامى و الجاهل و العالم بالشعر و اللسان و تصرفه و ما يتفق من كل واحد فليس بشعر فلا يسمى صاحبه شاعرا و الا لكان الناس كلهم شعراء لان كل متكلم لا ينفك ان يعرض فى جملة كلامه ما يتزن بوزن الشعر و ينتظم بانتظامه.

و قيل أقل ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات و ليس ذلك فى القرآن بحال. قال القاضى و هذه الطريق التى سلكوها فى الجواب معتمدة أو أكثرها.

و لو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوق إلى معارضته لان طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد و أهله يتقاربون فيه أو يضربون فيه بسهم.


118

فصل

فى اختلاف المقامات و وضع كل شئ فى موضع يلائمه

مما يبعث على معرفة الاعجاز اختلافات المقامات و ذكر فى كل موضع ما يلائمه و وضع الالفاظ فى كل موضع ما يليق به و إن كانت مترادفة حتى لو أبدل واحد منها بالآخر ذهبت تلك الطلاوة و فاتت تلك الحلاوة.

فمن ذلك ان لفظ الاررض لم ترد فى التنزيل الا مفردة و إذا ذكرت و السماء مجموعة لن يؤت بها معها الا مفردة و لما أريد الاتيان بها مجموعة قال: ﴿ و من الارض مثلهن تفاديا من جمعها. و لفظ البقعة لم تستعمل فيه الا مفردة كقوله تعالى: ﴿ في البقعة المباركة فإن جمعت حسن ذلك ورودها مضافة كقولهم بقاع الارض.

و كذلك لفظ اللب مرادا به العقل كقوله تعالى: ﴿ و ذكرى لأولي الالباب ، ﴿ لذكرى لأولي الالباب فإنه يعذب دون الافراد.

و كذلك قوله: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه و فى موضع آخر: ﴿ في بطني محررا استعمل الجوف فى الاول و البطن فى الثانى مع اتفاقهما


119
فى المعنى ولو استعمل فى أحدهما فى موضع الاخر لم يكن له من الحسن و القبول عند الذوق ما لاستعمال كل واحد منهما فى موضعه.

و أما بالنسبة إلى المقامات فانظر إلى مقام الترغيب و إلى مقام الترهيب فمقام الترغيب كقوله تعالى: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا نجده تأليفا لقلوب العباد و ترغيبا لهم فى الاسلام.

قيل و كان سبب نزولها أنه أسلم عياش بن أبى ربيعة و الوليد بن الوليد و نفر معهما ثم فتنوا و عذبوا فافتتنوا قال و كنا نقول قوم لا يقبل الله منهم صرفا و لا عدلا أبدا قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به فنزلت و كان عمر كاتبا فكتب بها عمر بن الخطاب إليهم رضى الله عنه حين فهم قصد الترغيب فآمنوا و أسلموا و هاجروا.

و لا يلزم دلالتها على مغفرة الكفر لكونه من الذنوب فلا يمكن حملها على فضل الترغيب فى الاسلام و تأليف القلوب له الوجوه:

منها ان قوله: ﴿ يغفر الذنوب جميعا عام دخله التخصيص بقوله: ﴿ ان الله لا يغفر ان يشرك به فيبغى معتبرا فيما عداه. و منها ان لفظ العباد مضافا إليه فى القرآن مخصوص بالمؤمنين قال تعالى: ﴿ عينا يشرب بها عباد الله .


120

فإن قلت فلم يكونوا مؤمنين حال الترغيب!

قلت كانوا مؤمنين قبله بدليل سبب نزولها و عوملوا هذه المعاملة من الاضافة مبالغة فى الترغيب. و أما مقام الترهيب فهو مضاد له كقوله تعالى: ﴿ و من يعص الله و رسوله و يتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها و يدل على قصد مجرد الترهيب بطلان النصوصية من ظاهرها على عدم المغفرة لأهل المعاصى لان من للعموم لأنها فى سياق الشرط فيعم فى جميع المعاصى فقد حكم عليهم بالخلود و هو ينافى المغفرة و كذلك كل مقام يضاد الاخر و يعتبر التفاضل بين العبارتين من وجوه:

أحدها المعانى الافرادية بأن يكون بعضها أقوى دلالة و أفخم مسمى و أسلس لفظا و نحوه.

الثانى المعانى الاعرابية بأن يكون مسماها أبلغ معنى كالتمييز مع البدل فى قوله تعالى: ﴿ و اشتعل الرأس شيبا مع اشتعل الرأس شيبة و هذا أبلغ من (اشتعل شيب الرأس).

الثالث مواقع التركيب كقوله تعالى: ﴿ و قال الله لا تتخذوا إلهين اثنين فإن الاولى جعل اثنين مفعول يتخذوا و إلهين صفة له تقدمت فانتصبت على الحال و التقدير اتخذوا إلهين اثنين لان اثنين أعم من إلهين.


121

فصل

فى اشتمال القرآن على أعلى أنواع الاعجاز

و هو ان يقع التركيب بحيث لا يمتنع ان يوجد ما هو أشد تناسبا و لا اعتدالا فى إفادة ذلك المعنى.

و قد اختلف فى أنه هل تتفاوت فيه مراتب الفصاحة و اختار القاضى أبو بكر ابن الطيب فى كتاب (الإعجاز) المنع و ان كل كلمة موصوفة بالذروة العليا و ان كان بعض الناس أحسن إحساسا له من بعض و هذا كما ان بعضهم يفطن للوزن بخلاف بعض.

و اختار أبو نصر بن القشيرى فى تفسيره التفاوت فقال و قد رد على الزجاج و غيره تضعيفهم قراءة (و الارحام) بالجر و مثل هذا من الكلام مردود عند أئمة الدين لان القراءات السسبع متواترة عن النبى صلى الله عليه و سلم و إذا ثبت شئ عن النبى صلى الله عليه و سلم فمن رد ذلك فكأنما رد على النبوة و هذا


122
مقام محذور لا يقلد فيه أئمة اللغة و النحو فإن العربية تتلقى من النبى صلى الله عليه و سلم و لا يشك أحد فى فصاحته. و لعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح و ان كان غيره أفصح منه فإنا لا ندعى ان كل ما في القرآن على أرفع الدرجات فى الفصاحة.

و إلى هذا نحا الشيخ عز الدين فى كتاب المجاز و أورد سؤالا فقال فإن قلت فلم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح و الاملح و قال فيه إشكال يسر الله حله.

قال القاضى صدر الدين موهوب الجزرى رحمه الله و قد وقع لي حل هذا الاشكال بتوفيق الله تعالى فأقول البارئ جلت قدرته له أساليب مختلفة على مجاري تصريف أقداره فإنه كان قادرا على إلجاء المشركين إلى الاقرار بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم قال تعالى: ﴿ ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين و لكنه سبحانه أرسل رسوله على أساليب الاسباب و المسببات و جارى العوائد الواقعة من أهل الزمان و لذلك تكون حروب الانبياء سجالا بينهم و بين الكفار و يبتدئ أمر الانبياء بأسباب خفيفة. و لا تزال تنمى و تشتد كل ذلك يدل على ان أساليبهم فى الارسال على ما هو المألوف و المعتاد من أحوال غيرهم.

إذا عرف ذلك كان مجيء القرآن بغير الافصح و الاملح جميعه لانه تحداهم بمعارضته على المعتاد فلو وقع على غير المعتاد لكان ذلك نمطا غير النمط الذى أراده الله عز وجل فى الاعجاز.

و لما كان الامر على ما وصفنا جاء القرآن على نهج إنشاءهم الخطب و الاشعار و غيرها ليحصل لهم التمكن من المعارضة ثم يعجزوا عنها فيظهر الفلج بالحجة لأنهم لو لم يتمكنوا لكان لهم ان يقولوا قد أتيت بما لا قدرة لنا عليه فكما لا يصح من أعمى معارضة المبصر


123
في النظر لا يحسن من البصير ان يقول غلبتك أيها الاعمى بنظري فإن للأعمى ان يقول إنما تتم لك الغلبة لو كنت قادرا و كان نظرك أقوى من نظري فأما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح المعارضة!

فإن قلت فلو كانت المعجزة شيئا لا يقدر عليه البشر كإحياء الموتى و أمثاله فكيف كان ذلك أدعى إلى الانقياد؟

قلت هذا السؤال سبق الجواب عنه في الكلام و ان أساليب الانبياء تقع على نهج أساليب غيرهم. فإن قلت فما ذكرته يدل على ان عجز العرب عن معارضته و إنما كانت لصرف دعاويهم مع ان المعارضة كانت مقدورة لهم.

قلت قد ذهب بعض العلماء إلى ذلك و لكن لا أراه حقا و يندفع السؤال المذكور و ان كان الاعجاز في القرآن بأسلوبه الخاص به الا ان الذين قالوا بأن المعجز فيه هو الصرفة مذهبهم ان جميع أساليبه جميعا ليس على نهج أساليبهم و لكن شاركت أساليبهم في أشياء:

منها أنه بلغتهم.

و منها ان آحاد الكلمات قد كانوا يستعملونه فى خطهم و أشعارهم و لكن تمتاز بأمور أخر منها غرابة نظمه الخاص الذى ليس مشابها لأجزاء الشعر و أوزانه و هزجه و رجزه و غير ذلك من ضروبه فأما توالى نظمه من أوله إلى آخره بأن يأتى بالأفصح و الاملح فهذا مما وقعت فيه المشاركة لكلامهم فبذلك امتاز هذا المذهب عن مذهب من يقول إنه كان جميعه مقدورا لهم و إنما صرفت دواعيهم عن المعارضة. انتهى.

و قد سبق اختيار القاضى أنه ليس على أساليبهم البتة فيبقى السؤال بحاله.


124

تنبيه

في ان معرفة مقامات الكلام لا تدرك الا بالذوق

ذكر ابن أبى الحديد:

اعلم ان معرفة الفصيح و الافصح و الرشيق و الرشق و الجلى و الاجلى و العلى و الاعلى من الكلام أمر لا يدرك الا بالذوق و لا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه و هو بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة حمرة و دقيقة الشفتين نقية الشعر كحلاء العين أسيلة الخد دقيقة الانف معتدلة القامة. و الاخرى دونها فى هذه الصفات و المحاسن لكنها أحلى فى العيون و القلوب منها و أليق و أملح ولا يدرى لأي سبب كان ذلك لكنه بالذوق و المشاهدة يعرف و لا يمكن تعليله و هكذا الكلام نعم يبقى الفرق بين الوصفين ان حسن الوجوه و ملاحتها و تفضيل بعضها علي بعض يدركه كل من له عين صحيحة و أما الكلام فلا يعرفه الا بالذوق و ليس كل من اشتغل بالنحو أو باللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق و ممن يصلح لانتقاد الكلام و إنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان و راضوا أنفسهم بالرسائل و الخطب و الكتابة و الشعر و صارت لهم بذلك دربة و ملكة تامة فإلى أولئك ينبغى ان يرجع فى معرفة الكلام و فضل بعضه على بعض.


125

النوع التاسع و الثلاثون

معرفة وجوب تواتره

لا خلاف ان كل ما هو من القرآن يجب ان يكون متواترا فى أصله و أجزائه و أما فى محله و وضعه و ترتيبه فعند المحققين من علماء أهل السنة كذلك أي يجب ان يكون متواترا فإن العلم اليقيني حاصل ان العادة قاضية بأن مثل هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و أنه الهادي للخلق إلى الحق المعجز الباقى على صفحات الدهر الذى هو أصل الدين القويم و الصراط المستقيم فمستحيل الا يكون متواترا فى ذلك كله إذ الدواعي تتوافر على نقله على وجه التواتر و كيف لا و قد قال تعالى: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون و الحفظ إنما يتحقق بالتواتر و قالى تعالى: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و ان لم تفعل فما بلغت رسالته و البلاغ العام إنما هو بالتواتر فما لم يتواتر مما نقل آحادا نقطع بأنه ليس من القرآن.

و ذهب كثير من الاصوليين إلى ان التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله و ليس بشرط فى محله و وضعه و تربيبه بل يكثر فيها نقل الاحاد و هو الذي يقتضيه صنع الشافعى فى إثبات البسملة من كل سورة.

و رد بأن الدليل السابق يقتضى التواتر في الجميع و لانه لو لم يشترط لجاز سقوط


126
كثير من القرآن المكرر و ثبوت كثير مما ليس بقرآن.

أما الاول فلأنا لو لم نشترط التواتر فى المحل جاز الا يتواتر كثير من المتكررات الواقعة فى القرآن مثل ﴿ فبأي الاء ربكما تكذبان و ﴿ ويل يومئذ للمكذبين .

و أما الثانى فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك البعض فى الموضع بنقل الاحاد. و قال القاضى أبو بكر فى الانتصار ذهب قوم من الفقهاء و المتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة و كره ذلك أهل الحق و امتنعوا منه و قال قوم من المتكلمين إنه يسوغ إعمال الرأي و الاجتهاد فى إثبات قراءة و أوجه و أحرف إذا كانت تلك الاوجه صوابا فى اللغة العربية و ان لم يثبت ان النبى صلى الله عليه و سلم قرأها بخلاف موجب رأى القياسيين و اجتهاد المجتهدين. و أبى ذلك أهل الحق و أنكروه و خطأوا من قال بذلك و صار إليه.

قال القاضى و قد رد الله عنه طعن الطاعنين و اختلاف الضالين و ليس المعتبر فى العلم بصحة النقل و القطع على فنونه بألا يخالف فيه مخالف و إنما المعتبر فى ذلك مجيئه عن قوم بهم ثبت التواتر و تقوم الحجة سواء اتفق على نقلهم أو اختلف فيه و لهذا لا يبطل النقل إذا ظهر و استفاض و اتفق عليه إذا حدث خلاف فى صحته لم يكن من قبل.

و بذلك يسقط اعتراض الملحدين فى القرآن و ذلك دليل على صحة نقل القرآن


127
و حفظه و صيانته من التغيير و نقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة و النقص كيف و قد قال تعالى: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون و قوله: ﴿ ان علينا جمعه و قرإنه:﴿ و أجمعت الامة ان المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به و حراسته من وجوه الغلط و التخليط و ذلك وجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة و سلامته.

فصل

و المعوذتان من القرآن و استفاضتهما كاستفاضة جميع القرآن و أما ما روي عن ابن مسعود قال القاضي أبو بكر فلم يصح عنه أنهما ليسا بقرآن و لا حفظ عنه أنه حكّهما و أسقطهما من مصحفه لعلل و تأويلات.

قال القاضي و لا يجوز ان يضاف إلى عبد الله أو إلى أبي بن كعب أو زيد أو عثمان أو علي أو واحد من ولده أو عترته جحد آية أو حرف من كتاب الله و تغييره أو قراءته على خلاف الوجه المرسوم في مصحف الجماعة بأخبار الاحاد و ان ذلك لا يحل و لا يسمع بل لا تصلح إضافته إلى أدنى المؤمنين في عصرنا فضلا عن أضافته إلى رجل من الصحابة و ان كلام القنوت المروى عن أبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم حجة بأنه


128
قرآن منزل بل هو ضرب من الدعاء و أنه لو كان قرآنا لنقل نقل القرآن و حصل العلم بصحته و أنه يمكن ان يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم نسخ و أبيح الدعاء به و خلط بكلام ليس بقرآن و لم يصح ذلك عنه و إنما روى عنه أنه أثبته في مصحفه و قد ثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء و تأويل.

و قال النووي في شرح المهذب أجمع المسلمون على ان المعوذتين و الفاتحة من القرآن و ان من جحد منها شيئا كفر و ما نقل عن ابن مسعود باطل و ليس بصحيح.

و قال ابن خزم فى أول كتابه المحلى هذا كذب على ابن مسعود و موضوع و إنما صح عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عنه و فيها المعوذتان و الفاتحة.

و قال القاضى أبو بكر بن الطيب فى كتاب التقريب لم ينكر عبد الله بن مسعود كون المعوذتين و الفاتحة من القرآن و إنما أنكر إثباتهما في المصحف و إثبات الحمد لانه كانت السنة عنده الا يثبت الا ما أمر النبى صلى الله عليه و سلم بإثباته و كتبه و لم نجده كتب ذلك و لا سمع أمره به.

و هذا تأويل منه و ليس حجدا لكونهما قرآنا.

و في صحيح ابن حبان عن زر قلنا لأبي بن كعب ان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه المعوذتين فقال قال لي رسول الله صلى عليه و سلم قال لي جبريل ﴿ قل أعوذ برب الفلق فقلتها و قال لي ﴿ قل أعوذ برب الناس فقلتها فنحن نقول ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم.


129

النوع الاربعون

فى بيان معاضدة السنة للقرآن

اعلم ان القرآن و الحديث أبدا متعاضدان على استيفاء الحق و إخراجه من مدارج الحكمة حتى ان كل واحد منهما يخصص عموم الاخر و يبين إجماله.

ثم منه ما هو ظاهر و معه ما يغمض و قد اعتنى بإفراد ذلك بالتصنيف الامام أبو الحكم ابن برجان فى كتابه المسمى بالإرشاد و قال ما قال النبي صلى الله عليه و سلم من شيء فهو في القرآن و فيه أصله قرب أو بعد فهمه من فهمه و عمه عنه من عمه قال الله تعالى: ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء الا تسمع إلى قوله صلى الله عليه و سلم فى حديث الرجم ( لأقضين بينكما بكتاب الله )، و ليس في نص كتاب الله الرجم.

و قد أقسم النبي صلى الله عليه و سلم ان يحكم بينهما بكتاب الله و لكن الرجم فيه تعريض مجمل فى قوله تعالى: ﴿ و يدرأ عنها العذاب .

و أما تعيين الرجم من عموم ذكر العذاب و تفسير هذا المجمل فهو مبين بحكم الرسول و بأمره به و موجود فى عموم قوله: ﴿ و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و قوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله .


130

و هكذا حكم جميع قضائه و حكمه على طرقه التى أتت عليه و إنما يدرك الطالب من ذلك بقدر اجتهاده و بذل وسعه و يبلغ منه الراغب فيه حيث بلغه ربه تبارك وتعالى لانه واهب النعم و مقدر القسم.

و هذا البيان من العلم جليل و حظه من اليقين جزيل و قد نبهنا صلى الله عليه وسلم على هذا المطلب فى مواضع كثيرة من خطابه.

منها حين ذكر ما أعد الله تعالى لأوليائه فى الجنة فقال ( فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه ) ثم قال ( اقرءوا ان شئتم ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين .

و منها قالوا يا رسول الله الا نتكل و ندع العمل؟ فقال ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) ثم قرأ ﴿ فأما من أعطى و اتقى و صدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى. و أما من بخل و استغنى. و كذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى .

و وصف الجنة ( فقال فيها شجرة يسير الراكب فى ظلها مائة عام و لا يقطعها ) ثم قال ( اقرءوا ان شئتم ﴿ و ظل ممدود .

فأعلمهم مواضغ حديثه من القرآن و نبههم على مصداق خطابه من الكتاب ليستخرج علماء أمته معانى حديثه طلبا لليقين و لتستبين لهم السبيل حرصا منه عليه السلام على ان يزيل عنهم الارتياب و ان يرتقوا فى الاسباب. ثم بدأ رضى الله عنه بحديث ( إنما الاعمال بالنيات ) و قال موضعه نصا في قوله تعالى: ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد إلى قوله: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكورا و نظيرها فى هود و الشورى.

و موضع التصريح به قوله: ﴿ و لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم


131

و ﴿ بما عقدتم الايمان .

و أما التعريض بكثير مثل قوله: ﴿ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا من كان يريد العزة فلله العزة جميعا قد علم الله عز وجل أنهم كانوا يريدون الاعتزاز لان الانسان مجبول على طلب العزة فمخطئ أو مصيب فمعنى الاية و الله أعلم بلغ هؤلاء المتخذين الكافرين أولياء من دون الله من ابتغاء العزة بهم أنهم قد أخطأوا مواضعها و طلبوها فى غير مطلبها فإن كانوا يصدقون أنفسهم فى طلبها فليوالوا الله جل جلاله و ليوالوا من والاه ﴿ ولله العزة و لرسوله و للمؤمنين .

فكان ظاهر آية النساء تعريضا لظاهر آية المنافقين و ظاهر أية المنافقين تعريضا بنص الحديث المروى.

و من ذلك حديث جبريل فى الايمان و الاسلام بين فيه ان الشهادة بالحق و الاعمال الظاهرة هي الاسلام و ان عقد القلب على التصديق بالحق هو الايمان و هو


132
نص الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة فى مسنده الاسلام ظاهر و الايمان فى القلب موضعه من القرآن ﴿ و له أسلم من في السماوات و الارض طوعا و كرها و قوله: ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الايمان و نظائرها ﴿ و أيدهم بروح منه قال بنيت هاتين الصفتين على الصفات العليا صفات الله تعالى ظهورها من الاسماء الحسنى اسم السلام و اسم المؤمن.

و من ذلك حديث ضمام بن ثعلبة ( أفلح ان صدق ) فى قوله: ﴿ ما على المحسنين من سبيل . و قوله: صلى الله عليه و سلم ( من قال لا إله الا الله حرمه الله على النار ) فى قوله: ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن و هو مفهوم من قوله: ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله الا الله يستكبرون فأخبر أنهم دخلوا النار من أجل استكبارهم و إبائهم من قول لا إله الا الله مفهوم هذا أنهم إذا قالوها مخلصين بها حرموا على النار.

و قوله صلى الله عليه و سلم ( من كان يؤمن بالله و اليوم الاخر فليكرم ضيفه ) فى قوله تعالى: ﴿ حديث ضيف إبراهيم المكرمين و قوله: ﴿ و الجار الجنب و الصاحب بالجنب و ابن السبيل و هذه الاربع كلمات جمعن حسن الصحبة للخلق لان من كف سره و أذاه و قال خيرا أو صمت عن الشر وأفضل على جاره و أكرم ضيفه فقد نجا من النار و دخل الجنة إذا كان مؤمنا و سبقت له الحسنى فإن


133
العاقبة مستورة و الامور بخواتيمها و لهذا قيل لا يغرنكم صفاء الاوقات فإن تحتها غوامض الافات.

و قوله: ( رأس الكفر نحو المشرق ) فى قوله تعالى: ﴿ و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات و الارض و ليكون من الموقنين. فلما جن عليه الليل رأى ... الاية. فأخبر ان الناظر فى ملكوت الله لا بد له من ضروب المتحان و ان الهداية يمنحها الله للناظر بعد التبرى منها و المعصوم من عصمه الله قال تعالى: ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين و قال: ﴿ فلما اعتزلهم و ما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق و يعقوب و طلوع الكواكب نحو المشرق و من هناك إقبالها و ذلك أشرف لها و أكبر لشأنها عند المفتونين وغروبها إدبارها و طلوعها بين قرنى الشيطان من أجل ذلك ليزينها لهم قال تعالى: ﴿ وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و زين لهم الشيطان أعمالهم و لما كان فى مطلع النيرات من العبر بطلوعها من هناك و ظهورها عظمت المحنة بهن و لما فى الغروب من عدم تلك العلة التى تتبين هناك قرن بتزيين العدو لها و إليه أشار صلى الله عليه و سلم بقوله: ( و تغرب بين قرنى الشيطان ). و لأجل ما بين معنى الاقبال و الادبار كان باب التوبة مفتوحا من جهته إلى يوم تطلع الشمس منه الا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا أي وقعت عقولهم عليها و حجبت بها عن حالتها مع قوله: ﴿ لا تسجدوا للشمس و لا للقمر .


134

و فى قوله عند طلوعها ﴿ هذا ربي و عند غروبها ﴿ لا أحب الافلين لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ما يبين تصديق النبى صلى الله عليه و سلم فى قوله ( رأس الفتنة و الكفر نحو المشرق و ان باب التوبة مفتوح من قبل المغرب ).

و من ذلك بدء الوحى فى قوله سبحانه: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه إلى قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده .

و قول خديجة و الله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم و قوله تعالى: ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك و قوله: ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين و فى هذا بين صلى الله عليه و سلم أصحاب الغار الثلاثة إذ قال بعضهم لبعض ليدع كل واحد منكم بأفضل أعماله لعل الله تعالى ان يفرج عنا.

و قول ورقة يا ليتنى حي إذ يخرجك قومك إلخ و قوله تعالى: ﴿ لنخرجنك يا شعيب و قوله تعالى: ﴿ و قال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا .

و كذلك قوله ( لم يأت أحد بما جئت به الا عودى ) من قوله تعالى: ﴿ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول الا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون . و من ذلك حديث المعراج مصداقه فى سورة الاسراء و فى صدر سورة النجم.


135

و قوله: صلى الله عليه و سلم ( رأيت إبراهيم و أنا أشبه ولده به ) من مفهوم قوله تعالى: ﴿ ثم أوحينا إليك ان اتبع ملة إبراهيم حنيفا .

و بتصديق كلمة الله اتبعه كونا و ملة و هكذا حاله حيث جاءت صدقا و عدلا فتطلب صدق كلماته بترداد تلاوتك لكتابه و نظرك في مصنوعاته فهذا هو قصد سبيل المتقين و أرفع مراتب الايمان قال تعالى: ﴿ فآمنوا بالله و رسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله و كلماته و قال لزكريا ﴿ ان الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله و سيدا . و لما كان عيسى عليه السلام من أسماء كلماته لم يأت يوم القيامة بذنب لطهارته و زكاته.

و قوله صلى الله عليه و سلم ( ان الله لا ينام ) في قوله: ﴿ سنة و لا نوم .

و قوله: ( و لا ينبغي له ان ينام ) من قوله: ﴿ القيوم و فسره صلى الله عليه و سلم بقوله: ( يخفض القسط و يرفعه و يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار و عمل النهار قبل عمل الليل ) و مصداقه أيضا قوله تعالى: ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء .

و من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم ( الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ) و قال ( الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما و زيادة ثلاثة أيام ) و ( رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ) في قوله تعالى: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فهذا رمضان بعشرة أشهر العام و يبقى شهران داخلان في كرم الله تعالى و حسن معاملته.


136

قلت قد جاء في حديث آخر ( و أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر ) مع قوله تعالى: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها انتهى.

و قال في الجمعة ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله و ذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون و كذلك قال في الصوم ﴿ و ان تصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون أشار إلى سر في الجمعة و فضل عظيم أراهما الزيارة و الرؤية في الجنة فإنها تكون في يوم الجمعة. و كذلك أشار في الصيام بقوله: ﴿ ان كنتم تعلمون إلى سر في الصيام و هو حسن عاقبته و جزيل عائدته فنبه صلى الله عليه و سلم بقوله: ( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك ).

و قوله و قد رأى أعقابهم تلوح لم يصبها الماء: ( ويل للأعقاب من النار ) في مفهوم ﴿ فاغسلوا في معنى قوله: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم و غسل هو قدميه و عمهما غسلا.

و قال: ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم مع قوله: ﴿ و من يعص الله و رسوله و يتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين .

و قوله: ( إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرج من كل خطيئة نظر إليها بعينيه ) الحديث من قوله تعالى: ﴿ و لكن يريد ليطهركم أي من ذنوبكم ﴿ وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون أي ترقون في درجة الشكر فيتقبل أعمالكم القبول الاعلى


137
و لهذا قال صلى الله عليه و سلم: ( و كان مشيه إلى المسجد و صلاته نافلة فله الشكر و الشكر درجات ). و إنما يتبين بأن يبقى من العمل بعد الكفارة فضل و هو النافلة و هو المسمى بالباقيات الصالحات لمن قلت ذنوبه و كثرت صالحاته. فذلك الشكر. و من كثرت ذنوبه و قلت صالحاته فأكلتها الكفارات فذلك المرجو له دخول الجنة. و من زادت ذنوبه فلم تقم صالحاته بكفارة ذنوبه فذلك المخوف عليه ﴿ الا ان يشاء ربي شيئا .

قوله صلى الله عليه و سلم: ( أنتم الغر المحجلون يوم القيامة ) فى قوله تعالى: ﴿ يوم ترى المؤمنين و المؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم . و كذا قوله صلى الله عليه و سلم: ( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) و هذا كله داخل فى قوله تعالى: ﴿ وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون و جاءت (لام كي) ها هنا إشعارا و وعدا و بشارة لهم بنعم إخرى واردة عليهم من الشرائع لم تأت بعد و لذلك قال يوم الاكمال فى حجة الوداع: ( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتى ).

و من ذلك حديث الاذان و كيفيته بقوله: ( أشهد ان لا إله الا الله ) من قوله ﴿ شهد الله أنه لا إله الا هو و الملائكة و أولوا العلم و تكرارها فى قوله: ﴿ لا إله الا هو .

و قوله: ( أشهد ان محمدا رسول الله ) فى قوله تعالى ﴿ محمد رسول الله


138

﴿ و ما محمد الا رسول مع قوله ﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه و الملائكة يشهدون و كفى بالله شهيدا . و تكرار الشهادة للرسول في معنى قوله ﴿ و كفى بالله شهيدا مع قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا و التنبيه أول الكثرة و لأنها عبارة شرعت للإعلام فتكرارها آكد فيما شرعت له.

و أما إسراره بهما يعنى بالشهادتين فمن مفهوم قوله: ﴿ و اذكر ربك في نفسك تضرعا و خيفة و دون الجهر من القول و أما إجهاره بهما ففى قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة و النداء الاعلام و لا يكون الا بنهاية الجهر.

و قوله: ( حي على الصلاة ) فى قوله: ﴿ و إذا ناديتم إلى الصلاة ، ﴿ إذا نودي للصلاة .

و قوله: ( حي على الفلاح ) فى قوله: ﴿ اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون .

و قوله: (الصلاة خير من النوم) فى قوله: ﴿ و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين و قوله: ﴿ و لا تولوا عنه و أنتم تسمعون .

و قوله: ( الله أكبر الله أكبر ) من قوله: ﴿ و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون .


139

و قوله: ( لا إله الا الله ) كررها و ختم بها في قوله: ﴿ و اذكروه كما هداكم و ( أفضل الذكر لا إله الا الله ) فختم بما بدأ به لقوله: ﴿ هو الاول و الاخر .

و قوله: صلى الله عليه و سلم: ( صلوا علي فإنه من صلى على واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) فى قوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها .

و قوله صلى الله عليه و سلم: ( ثم سلوا الله لي الوسيلة ) فى قوله: ﴿ عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا ، ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و ابتغوا إليه الوسيلة .

و قوله: ( حلت له شفاعتى يوم القيامة ) فى قوله: ﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها .

و قوله صلى الله عليه و سلم ( دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل به كلما دعا لأخيه بشئ قال الملك آمين ).

( و لك بمثله ) فى قوله تعالى ﴿ اهدنا الصراط المستقيم إلى أخر السورة هذا دعاء من يأتى به لنفسه و لجماعة المسلمين بظهر الغيب تقول الملائكة فى السماء (آمين) و قد قال تعالى ( و لعبدي ما سأل ).

و من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم: ( ان إبراهيم حرم مكة و أنا حرمت المدينة ) و قوله تعالى: ﴿ لا أقسم بهذا البلد يريد مكة ثم قال: ﴿ و أنت حل بهذا البلد


140
يمكن ان يريد به المدينة و يكون فى الاية تعريض بحرمة البلدين حيث أقسم بهما و تكراره البلد مرتين دليل على ذلك و جعل الاسمين لمعنيين أولى من ان يكونا لمعنى واحد و ان يستعمل الخطاب فى البلدين أولى من استعماله فى أحدهما بدليل وجود الحرمة فيهما.

و من ذلك حديث الدجال.

قلت: وقع سؤال بين جماعة من الفضلاء فى أنه: ما الحكمة أنه لم يذكر الدجال فى القرآن! و تلمحوا فى ذلك حكما، ثم رأيت هذا الامام قال: ان فى القرآن تعريضا بقصته في قصة السامري و قوله سبحانه: ﴿ و ان لك موعدا لن تخلفه و قوله فى سورة الاسراء فى قوله: ﴿ و قضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين و لتعلن علوا كبيرا. فإذا جاء وعد أولاهما فذكر الوعد الاول ثم ذكر الكرة التى لبني إسرائيل عليه ثم ذكر الاخرة فقال: ﴿ فإذا جاء وعد الاخرة ليسوؤوا وجوهكم ... الاية ثم قال: ﴿ و ان عدتم عدنا و فيه إشارة إلى خروج عيسى.

و كذلك هو فى الايات الاول من سورة الكهف في قوله: ﴿ و إنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا و الدجال مما على الارض و لهذا قال صلى الله عليه و سلم: ( من قرأ الايات من أول سورة الكهف عصمه الله من فتنة الدجال ) يريد و الله أعلم: من


141
قرأها بعلم و معرفة. و هو أيضا في المفهوم من قوله: ﴿ محمد رسول الله ، ﴿ و خاتم النبيين .

و من الامر بمجاهدة المشركين و المنافقين قوله صلى الله عليه و سلم: ( تخرج الارض أفلاذ كبدها و يحسر الفرات عن جبل من ذهب ) فى قوله تعالى: ﴿ و أخرجت الارض أثقالها فإن الارض تلقى ما فيها من الذهب و الفضة حتى يكون آخر ما تلقى الاموات أحياء.

و مصداقه أيضا فى عموم قوله: ﴿ يخرج الخبء في السماوات و الارض فتوجه القرآن إلى الاخبار عن إخراجها الاموات أحياء و توجه الحديث إلى الاخبار عن إخراجها كنوزها و معادنها.

و قوله صلى الله عليه وسلم ( حتى تعود أرض العرب مروجا ) فى قوله تعالى: ﴿ حتى إذا أخذت الارض زخرفها و ازينت و ظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ... الاية. و ذلك يكون عند إتمام كلمة الحق ﴿ و ان تتولوا يستبدل قوما غيركم و قد تولوا و قوله: ﴿ و آخرين منهم لما يلحقوا بهم يومئذ تظهر العقبة و يلقى الامر بجرانه و تضع الحرب أوزارها و يكون ذلك علما على الساعة و آية على قرب الانقراض.

و قوله صلى الله عليه و سلم فى مثل الدنيا ( ان مما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من


142
زهرة الدنيا و زينتها ) فى قوله تعالى: ﴿ كلا ان الانسان ليطغى. ان رآه استغنى و قوله: ﴿ إنما الحياة الدنيا لعب .

و من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم ( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة و غلقت أبواب النار و صفدت الشياطين ) فى مفهوم قوله تعالى: ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون إلى ان الصوم ينتهى نفعه إلى اكتساب التقوى و لذلك قال صلى الله عليه و سلم: ( الصيام جنة ) و لا يكون ذلك الا بضعف حزب الشيطان فتغلق عنه أبواب المعاصي و هى أبواب جهنم و تفتح له أبواب الطاعة و القربات و هي أبواب الجنات.

و قوله صلى الله عليه و سلم ( تسحروا فإن فى السحور بركة ) من آثار قوله تعالى: ﴿ و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض و من بركته حضوره الذى هو وصف نزوله جل وعلا إلى سماء الدنيا كل ليلة فكأنه صلى الله عليه و سلم يبتغى البركة فى موضع خطاب ربه و في موضع حضوره أو ذكره أو اسم من أسمائه و من هنا وقع التعبد باسم المبارك و اسم القدوس.

و قوله صلى الله عليه و سلم ( إذا أقبل الليل من ها هنا و أدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم ) في قوله تعالى: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل و قوله: ﴿ حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر و البركة فى اتباع مجارى خطابه و ان كان الخطاب حكمه حكم إباحة كما ان البركة فى اتباع السنة و الاقتداء و لهذا كان أكثر الصحابة لا يصلون المغرب غلا على فطر و كانوا يؤخرون السحور إلى


143
بزوغ الفجر ابتغاء البركة فى ذلك و الخير الموعود به.

و قوله صلى الله عليه و سلم ( إنى أبيت عند ربي يطعمني و يسقين ) فى معنى قوله حكاية عن خليله ﴿ و الذي هو يطعمني و يسقين و المعنى بما يفتح الله لخاصته من خلقه الذين لا يطعمون إنما غذاؤهم التسبيح و التهليل و التحميد.

و قوله صلى الله عليه و سلم فى حديث الصعب بن جثامة ( إنا لم نرده عليك الا أنا حرم ) فى مفهوم قوله تعالى: ﴿ لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم و الاكل راض و الراضي شريك.

و قوله صلى الله عليه و سلم فى حديث حنظلة ( لو أنكم تدومون على ما كنتم عندى لصافحتكم الملائكة و لكن ساعة و ساعة ) فى قوله: ﴿ و إذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه و قوله: ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون فذكر تعالى اللجأ إليه عندما يلحق الانسان الضر و هو ذكر صورى فلو كان الذكر بينهم على الدوام لم تفارقهم الملائكة السياحون الملازمون حلق الذكر كما قال تعالى عنهم ﴿ يسبحون الليل و النهار لا يفترون و لو قربوا من الملائكة هذا القرب لبدت لهم عيانا و لأكرمهم الله منه بحسن الصحبة و جميل الالفة.

و قوله صلى الله عليه و سلم ( يبعث كل عبد على ما مات عليه ) فى قوله تعالى


144
﴿ سواء محياهم و مماتهم .

و قوله صلى الله عليه و سلم ( إذا اراد الله بقوم عذابا أصاب من كان منهم ثم يبعثون على أعمالهم ) فى قوله تعالى: ﴿ و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة .

و قوله صلى الله عليه و سلم ( من سن فى الاسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير ان ينقص من أجورهم شيء و من سن فى الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فى قوله تعالى: ﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها و من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها و مع قوله: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة و من أوزار الذين يضلونهم بغير علم و قوله: ﴿ و ليحملن أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم مع ما جاء من نباء ابنى آدم.

و قوله صلى الله عليه و سلم فى جواب من سأله أي الصدقة أعظم؟ قال: ( ان تصدق و أنت صحيح شحيح و لا تمهل ﴿ حتي إذا بلغت الحلقوم الحديث ) فى قوله تعالى: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة و ينفقوا مما رزقناهم سرا و علانية من قبل ان يأتي يوم لا بيع فيه و لا خلال .

و قوله: ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) في قوله تعالى: ﴿ و الله الغني و أنتم الفقراء و قد جاء ان اليد السفلى الاخذة و العليا هو المعطية و شاهده قوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا .

و قوله صلى الله عليه و سلم حكاية عن الله تعالى ( من يقرض غير عديم و لا


145
ظلوم ) و وجه ذلك ان العطية من أيدينا مفتقرة إلى من يضع فيها حقا وجب عليها و يطهرها بذلك من ذنوبها و أنجاسها و لولا اليد الاخذة ما قدر صاحب المال على صدقة.

و قوله صلى الله عليه و سلم ( من يرد الله به خيرا يفقهه ) فى قوله تعالى: ﴿ و إلهكم إله واحد إلى قوله: ﴿ لآيات لقوم يعقلون و قوله: ﴿ انظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون و قوله: ﴿ تحسبهم جميعا و قلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون و وصف من لم يفهم عن المخلوقات بقوله: ﴿ لا تفقهون تسبيحهم . ثم أعلم سبحانه سعة مغفرته لمن فى الارض الذين لا يسبحونه و لا يفقهون تسبيح المسبحين من خلقه ثم أعلم بالعلة التى لأجلها حرموا الفقه عن ربهم و ان ذلك هو ختم عقوبة الاعراض بقوله: ﴿ و إذا قرأت القرآن جعلنا بينك و بين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا. و جعلنا على قلوبهم أكنة ان يفقهوه ... اللآية.

و بالجملة فالقرآن كله لم ينزله تعالى الا ليفهمه و يعلم و يفهم و لذلك خاطب به أولي الالباب الذين يعقلون و الذين يعلمون و الذين يفقهون و الذين يتفكرون ليدبروا آياته و ليتذكر أولو الالباب.

و كذلك ما خلق الله الدنيا إلى مثالا للآخرة فمن فقه عن ربه عز وجل مراده منها فقد أراح نفسه و أجم فكره من هذه الجملة.

و فى هذا النوع من الفقه أفنى أولو الالباب أعمارهم و فى تعريفه أتعبوا قلوبهم و واصلوا أفكارهم.

رزقنا الله من فضله العظيم نورا نمشي به فى الظلمات و فرقانا نفرق به بين المتشابهات.


146

النوع الحادى و الاربعون

معرفة تفسيره و تأويله

معانى العبارات التى يعبر بها عن الاشياء

و هو يتوقف على معرفة تفسيره و تأويله و معناه:

قال ابن فارس معاني العبارات التى يعتبر بها عن الاشياء ترجع إلى ثلاثة المعنى و التفسير و التأويل و هي و ان اختلفت فالمقاصد بها متقاربة.

فأما المعنى فهو القصد و المراد يقال عنيت بهذا الكلام كذا أي قصدت و عمدت. و هو مشتق من الاظهار يقال عنت القربة إذا لم تحفظ الماء بل أظهرته و منه عنون الكتاب.

و قيل مشتق من قولهم عنت الارض بنبات حسن إذا انبتت نباتا حسنا قلت و حيث قال المفسرون قال أصحاب المعانى فمرادهم مصنفو الكتب فى


147
معانى القرآن كالزجاج و من قبله و غيرهم و فى بعض كلام الواحدي أكبر أهل المعانى الفراء و الزجاج و ابن الانبارى قالوا كذا كذا. و معانى القرآن للزجاج لم يصنف مثله و حيث أطلق المتأخرون أهل المعاني فمرادهم بهم مصنفو العلم المشهور.

و أما التفسير فى اللغة فهو راجع إلى معنى الاظهار والكشف وأصله فى اللغة من التفسرة و هي القليل من الماء الذى ينظر فيه الاطباء فكما ان الطبيب بالنظر فيه يكشف عن علة المريض فكذلك المفسر يكشف عن شأن الاية و قصصها و معناها و السبب الذى أنزلت فيه و كأنه تسمية بالمصدر لان مصدر فعل جاء أيضا على تفعلة نحو جرب تجربة و كرم تكرمة.

و قال ابن الانباري قول العرب فسرت الدابة و فسرتها إذا ركضتها محصورة لينطلق حصرها و هو يؤول إلى الكشف أيضا. فالتفسير كشف المغلق من المراد بلفظه و إطلاق للمحتبس عن الفهم به و يقال فسرت الشئ أفسره تفسيرا و فسرته أفسره فسرا و المزيد من الفعلين أكثر فى الاستعمال و بمصدر الثانى منها سمى أبو الفتح بن جنى كتبه الشارحه (الفسر).

و قال آخرون هو مقلوب من سفر و معناه أيضا الكشف يقال سفرت المرأة سفورا إذا ألقت خمارها عن وجهها و هي سافرة و أسفر الصبح أضاء و سافر فلان و إنما بنوه على التفعيل لانه للتكثير كقوله تعالى: ﴿ يذبحون أبناءكم و غلقت الابواب فكأنه يتبع سورة بعد سورة و آية بعد أخرى.


148

و قال ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿ و أحسن تفسيرا أي تفصيلا و قال الراغب الفسر و السفر يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول و منه قيل لما ينبئ عنه البول تفسرة و سمي بها قارورة الماء و جعل السفر لإبراز الاعيان للأبصار فقيل سفرت المرأة عن وجهها و أسفر الصبح.

و فى الاصطلاح هو علم نزول الاية و سورتها و أقاصيصها و الاشارات النازلة فيها ثم ترتيب مكيها و مدنيها و محكمها و متشابهها و ناسخها و منسوخها و خاصها و عامها و مطلقها و مقيدها و مجملها و مفسرها.

و زاد فيها قوم فقالوا علم حلالها و حرامها و وعدها و وعيدها و أمرها و نهيها و عبرها و أمثالها و هذا الذى منع فيه القول بالرأى.

و أما التأويل فأصله فى اللغة من الاول و معنى قولهم ما تأويل هذا الكلام أي الام تؤول العاقبة فى المراد به كما قال تعالى: ﴿ يوم يأتي تأويله أي تكشف عاقبته و يقال آل الامر إلى كذا أى صار إليه و قال تعالى: ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا .

و أصله من المآل و هو العاقبة و المصير و قد أولته فآل أي صرفته فانصرف فكأن التأويل صرف الاية إلى ما تحتمله من المعاني.

و إنما بنوه على التفعيل لما تقدم ذكره فى التفسيره.


149

و قيل أصله من الايالة و هى السياسة فكأن المؤول للكلام يسوى الكلام و يضع المعنى فيه موضعه.

الفرق بين التفسير و التأويل

ثم قيل التفسير و التأويل واحد بحسب عرف الاستعمال و الصحيح تغايرهما. و اختلفوا فقيل التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل و رد أحد الاحتمالين إلى ما يطابق الظاهر.

قال الراغب التفسير أعم من التأول و أكثر استعماله فى الالفاظ و أكثر استعمال التأويل فى المعانى كتأويل الرؤيا و أكثره يستعمل فى الكتب الالهية و التفسير يستعمل فى غيرها و التفسير أكثر ما يستعمل فى معانى مفردات الالفاظ.

و اعلم ان التفسير فى عرف العلماء كشف معانى القرآن و بيان المراد أعم من ان يكون بحسب اللفظ المشكل و غيره و بحسب المعنى الظاهر و غيره و التفسير أكثره فى الجمل.

و التفسير إما ان يستعمل فى غريب الالفاظ كالبحيرة و السائبة و الوصيلة أو فى وجيز مبين بشرح كقوله: ﴿ و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و أما فى كلام مضمن لقصة لا يمكن تصويره الا بمعرفتها كقوله: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر و قوله: ﴿ و ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها و أما التأويل فإنه يستعمل مرة عاما و مرة خاصا نحو الكفر يستعمل تارة فى الجحود المطلق و تارة فى جحود


150
البارئ خاصة و الايمان المستعمل فى التصديق المطلق تارة و فى تصديق الحق تارة و أما فى لفظ مشترك بين معان مختلفة.

و قيل التأويل كشف ما انغلق من المعنى و لهذا قال البجلى التفسير يتعلق بالرواية و التأويل يتعلق بالدراية و هما راجعان إلى التلاوة و النظم المعجز الدال على الكلام القديم القائم بذات الرب تعالى.

قال أبو نصر القشيرى و يعتبر فى التفسير الاتباع و السماع و إنما الاستنباط فيما يتعلق بالتأويل و ما لا يحتمل الا معنى واحدا حمل عليه. و ما احتمل معنيين أو اكثر فإن وضع لأشياء متماثلة كالسواد حمل على الجنس عند الاطلاق و ان وضع لمعان مختلفة فإن ظهر أحد المعنيين حمل على الظاهر الا ان يقوم الدليل و ان استويا سواء كان الاستعمال فيهما حقيقة أو مجازا أو فى أحدهما حقيقة و فى الاخر مجاز كلفظه المس فإن تنافى الجمع فمجمل يتوقف على البيان من غيره. و ان تنافيا فقد قال قوم يحمل على المعنيين. و الوجه عندنا التوقف.

و قال ابو القاسم بن حبيب النيسابورى و البغوى و الكواشى و غيرهم التأويل صرف الاية إلى معنى موافق لما قبلها و ما بعدها تحتمله الاية غير مخالف للكتاب و السنة من طريق الاستنباط.

قالوا و هذا غير محظور على العلماء بالتفسير و قد رخص فيه أهل العلم و ذلك مثل قوله تعالى: ﴿ و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قيل هو الرجل يحمل فى الحرب على مائة رجل و قيل هو الذي يقنط من رحمة الله و قيل الذي يمسك عن النفقة. و قيل الذى ينفق الخبيث من ماله. و قيل الذى يتصدق بماله كله ثم يتكفف الناس و لكل منه مخرج و معنى.


151

و مثل قوله تعالى للمندوبين الى الغزو عند قيام النفير ﴿ انفروا خفافا و ثقالا قيل شيوخا و شبابا. و قيل اغنياء و فقراء و قيل عزابا و متأهلين و قيل نشاطا و غير نشاط. و قيل مرضى و أصحاء و كلها سائغ جائز و الاية محمولة عليها لان الشباب و العزاب و النشاط و الاصحاء خفاف و ضدهم ثقال.

و مثل قوله تعالى: ﴿ و يمنعون الماعون قيل الزكاة المفروضة و قيل العارية او الماء او النار او الكلأ او الرفد او المغرفة و كلها صحيح لان مانع الكل آثم.

و كقوله تعالى: ﴿ و من الناس من يعبد الله على حرف فسره ابو عبيد أي لايدوم و قال ثعلب أي على شك. و كلاهما قريب لان المراد انه غير ثابت على دينة و لا تستقيم البصيرة فيه.

و قيل في القرآن ثلاث آيات في كل منها مائة قول قوله: ﴿ فاذكروني أذكركم ، ﴿ و ان عدتم عدنا و ﴿ هل جزاء الاحسان الا الاحسان .

فهذا و أمثاله ليس محظورا على العلماء استخراجه بل معرفته واجبة و لهذا قال تعالى: ﴿ و ابتغاء تأويله .

ولولا ان له تأويلا سائغا في اللغة لم يبينه سبحانه. و الوقف على قوله: ﴿ و الراسخون . قال القاضي ابو المعالي انه قول الجمهور و هو مذهب ابن مسعود


152
و ابي بن كعب و ابن عباس و ما نقله بعض الناس عنهم بخلاف ذلك فغلط.

فأما التاويل المخالف للآية و الشرع فمحظور لانه تأويل الجاهلين مثل تأويل الروافض لقوله تعالى: ﴿ مرج البحرين يلتقيان انهما على و فاطمة ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان يعني الحسن و الحسين رضي الله عنهما.

كذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿ و إذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل انه معاوية و غير ذلك.

قال الامام ابو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري رحمه الله و قد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير و التأويل ما اهتدوا اليه لايحسنون القرآن تلاوة و لا يعرفون معنى السورة او الاية ما عندهم الا التشنيع عند العوام و التكثير عند الطعام لنيل ما عندهم من الحطام اعفوا انفسهم من الكد و الطلب و قلوبهم من الفكر و التعب لاجتماع الجهال عليهم و ازدحام ذوي الاغفال لديهم لا يكفون الناس من السؤال و لا يأنفون عن مجالسة الجهال مفتضحون عند السبر و الذواق زائغون عن العلماء عند التلاق يصادرون الناس مصادرة السلطان و يختطفون ما عندهم اختطاف السرحان يدرسون بالليل صفحا و يحكونه بالنهار شرحا اذا سئلوا غضبوا و إذا نفروا هربوا القحة رأس مالهم و الخرق و الطيش خير خصالهم يتحلون بما ليس فيهم و يتنافسون فيما يرذلهم الصيانة عنهم بمعزل و هم من الخنى و الجهل في جوف منزل و قد قال صلى الله عليه و سلم: ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ) و قد قيل


153

من تحلى بغير ما هو فيه
فضحته شواهد الامتحان

و جرى في السباق جرية سكيت نفته الجياد عند الرهان.

قال حكي عن بعضهم انه سئل عن الحاقة فقال الحاقة جماعة من الناس اذا صاروا في المجلس قالوا كنا في الحاقة و قال آخر في قوله تعالى: ﴿ يا أرض ابلعي ماءك و يا سماء أقلعي قال امر الارض بإخراج الماء و السماء بصب الماء و كأنه على القلب و عن بعضهم في قوله تعالى: ﴿ و إذا الموؤدة سئلت قال ان الله ليسألكم عن الموءودات فيما بينكم في الحياة الدنيا.

و قال آخر في قوله: ﴿ فليتنافس المتنافسون قال انهم تعبوا في الدنيا فإذا دخلوا الجنة تنعموا.

قال ابو القاسم سمعت ابي يقول سمعت علي بن محمد الوراق يقول سمعت يحيى ابن معاذ الرازي يقول افواه الرجال حوانيتها و أسنانها صنائعها فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين العطار من البيطار و التمار من الزمار و الله المستعان على سوء الزمان و قلة الاعوان.

فصل

في حاجة المفسر الى الفهم و التبحر في العلوم

كتاب الله بحره عميق و فهمه دقيق لايصل الى فهمة الا من تبحر في العلوم و عامل الله بتقواه في السر و العلانية و أجله عند مواقف الشبهات و اللطائف و الحقائق لايفهمها الا من القى السمع و هو شهيد فالعبارات للعموم و هي للسمع و الاشارات


154
للخصوص و هي للعقل و اللطائف للأولياء و هي المشاهد و الحقائق للأنبياء و هي الاستسلام.

و للكل وصف ظاهر و باطن و حد و مطلع فالظاهر التلاوة و الباطن الفهم و الحد احكام الحلال و الحرام و المطلع أي الاشراق من الوعد و الوعيد فمن فهم هذه الملاحظة بان له بسط الموازنة و ظهر له حال المعاينة و في صحيح ابن حبان عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( انزل القرآن على سبعة احرف لكل آية منه ظهر و بطن ).

ثم فوائده على قدر ما يؤهل له سمعه فمن سمعه من التالي ففائدته فيه علم احكامه و من سمعه كأنما يسمعه من النبي صلى الله عليه و سلم يقرؤه على امته بموعظته و تبيان معجزته و انشراح صدره بلطائف خطابه و من سمعه كأنما سمعه من جبريل عليه السلام يقرؤه على النبي صلى الله عليه و سلم يشاهد في ذلك مطالعات الغيوب و النطق الى ما فيه من الوعود و من سمع الخطاب فيه من الحق فني عنده و امحت صفاته و صار موصوفا بصفات التحقيق عن مشاهدة علم اليقين و عين اليقين و حق اليقين. و قد قال ابو الدرداء رضي الله عنه لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها.

و قال ابن مسعود من اراد علم الاولين و الاخرين فليثور القرآن.

قال ابن سبع في شفاء الصدور هذا الذي قاله ابو الدرداء و ابن مسعود لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر و قد قال بعض العلماء لكل آية ستون الف فهم و ما بقي من فهمها اكثر. و قال آخر القرآن يحوي سبعة و سبعين الف علم و مائتي علم


155
اذ لكل كلمة علم ثم يتضاعف ذلك اربعة اذ لكل كلمة ظاهر و باطن و حد و مطلع.

و بالجملة فالعلوم كلها داخلة في افعال الله تعالى و صفاته و في القرآن شرح ذاته و صفاته و أفعاله فهذه الامور تدل على ان فهم معاني القرآن مجالا رحبا و متسعا بالغا و ان المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الادراك فيه بالنقل و السماع لا بد منه في ظاهر التفسير ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم و لاستنباط و الغرائب التي لاتفهم الا باستماع فنون كثيرة. ولا بد من الاشارة الى جمل منها ليستدل بها على امثالها و يعلم انه لايجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر اولا و لا مطمع في الوصول الى الباطن قبل احكام الظاهر.

و من ادعى فهم أسرار القرآن و لم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ الى صدر البيت قبل تجاوز الباب فظاهر التفسير يجري مجرى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم و ما لا بد فيها من استماع كثير لان القرآن نزل بلغة العرب فما كان الرجوع فيه الى لغتهم فلا بد من معرفتها او معرفة اكثرها اذ الغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق الفهم ليفتح بابه و يستدل المريد بتلك المعاني التي ذكرناها من فهم باطن علم القرآن و ظاهره على ان فهم كلام الله تعالى لاغاية له كما لانهاية للمتكلم به فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه للبشر و من لم يكن له علم و فهم و تقوى و تدبر لم يدرك من لذة القرآن شيئا.

و من احاط بظاهر التفسير و هو معنى الالفاظ في اللغة لم يكف ذلك في فهم حقائق المعاني و مثاله قوله تعالى: ﴿ و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى فظاهر تفسيره واضح و حقيقة معناه غامضة فإنه اثبات للرمي و نفي له و هما متضادان


156
في الظاهر ما لم يفهم انه رمى من وجه و لم يرم من وجه و من الوجه الذي لم يرم ما رماه الله عز وجل.

و كذلك قال: ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فإذا كانوا هم القاتلين كيف يكون الله تعالى هو المعذب و ان كان تعالى هو المعذب بتحريك ايديهم فما معنى امرهم بالقتال!

فحقيقة هذا تستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات فلا بد ان يعلم وجه ارتباط الافعال بالقدرة و تفهم وجه ارتباط القدرة بقدره الله تعالى حتى تتكشف و تتضح فمن هذا الوجه تفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير.

فصل

في امهات مآخذ التفسير للناظر في القرآن

لطالب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها اربعة

الاول: النقل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم

و هذا هو الطراز الاول لكن يجب الحذر من الضعيف فيه و الموضوع فإنه كثير.

و ان سواد الاوراق سواد في القلب قال الميموني سمعت احمد بن حنبل يقول ثلاث كتب ليس لها اصول المغازي و الملاحم و التفسير قال المحققون من اصحابه و مراده ان الغالب انها ليس لها اسانيد صحاح متصلة و الا فقد صح من ذلك كثير.

فمن ذلك تفسير الظلم بالشرك في قوله تعالى: ﴿ الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم


157
و تفسير الحساب اليسير بالعرض رواهما البخاري.

و تفسير القوة في ﴿ و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة بالرمي رواه مسلم.

و بذلك يرد تفسير مجاهد بالخيل.

و كتفسير العبادة بالدعاء في قوله: ﴿ ان الذين يستكبرون عن عبادتي .

الثاني: الاخذ بقول الصحابي

فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع الى النبي صلى الله عليه و سلم كما قاله الحاكم في تفسيره.

و قال ابو الخطاب من الحنابلة يحتمل الا يرجع اليه اذا قلنا ان قوله ليس بحجة. و الصواب الاول لانه من باب الرواية لا الرأي.

و قد اخرج ابن جرير عن مسروق قال عبد الله بن مسعود و الذي لا اله الا هو ما نزلت آية في كتاب الله الا و أنا اعلم فيمن نزلت و أين نزلت و لو اعلم مكان احد اعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. و قال ايضا كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعلم معانيهن و العمل بهن.

و صدور المفسرين من الصحابة علي ثم ابن عباس و هو تجرد لهذا الشأن و المحفوظ عنه اكثر من المحفوظ عن علي الا ابن عباس كان اخذ عن على و يتلوه عبد الله بن عمرو بن العاص و كل ما ورد عن غيرهم من الصحابة فحسن مقدم.


158

مسألة

في الرجوع الى اقوال التابعين ثم ذكر طبقات المفسرين

و في الرجوع الى قول التابعي روايتان عن احمد و اختار ابن عقيل المنع و حكوه عن شعبة لكن عمل المفسرين على خلافة. و قد حكوا في كتبهم اقوالهم كالضحاك ابن مزاحم و سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و أبي العالية الرياحي و الحسن البصري و الربيع بن انس و مقاتل بن سليمان و عطاء بن ابي سلمة الخراساني و مرة الهمداني و على بن ابي طلحة الوالبي و محمد بن كعب القرظي و أبي بكر الاصم عبد الرحمن بن كيسان و إسماعيل بن عبد الرحمن السدي و عكرمة مولى ابن عباس و عطية الموفي و عطاء بن ابي رباح و عبد الله بن زيد بن اسلم.

فهذه تفاسير القدماء المشهورين و غالب اقوالهم تلقوها من الصحابة و لعل اختلاف الرواية عن احمد انما هو فيما كان من اقوالهم و آرائهم.

و من المبرزين في التابعين الحسن و مجاهد و سعيد بن جبير ثم يتلوهم عكرمة و الضحاك و ان لم يلق ابن عباس و إنما اخذ عن ابن جبير.

و أما عامر السدي فكان عامر الشعبي يطعن عليه و على ابي صالح لانه كان يراهما مقصرين في النظر.

و قال الحافظ ابو احمد بن عدي في كتابه الكامل للكلبي احاديث صالحة و خاصة عن ابي صالح و هو معروف بالتفسير و ليس لأحد تفسير اطول منه


159
و لا اشيع فيه. و بعده مقاتل بن سليمان الا ان الكلبي يفضل على مقاتل لما في مقاتل من المذاهب الرديئة. ثم بعد هذه الطبقة الفت تفاسير تجمع اقوال الصحابة و التابعين كتفسير سفيان بن عيينة و وكيع بن الجراح و شعبة بن الحجاج و يزيد بن هارون و المفضل و عبد الرزاق بن همام الصنعاني و إسحاق بن راهويه و روح بن عبادة و يحيى ابن قريش و مالك بن سليمان الهروي و عبد بن حميد الكشي و عبد الله بن الجراح و هشيم بن بشير و صالح بن محمد اليزيدي و علي بن حجر بن اياس السعدي و يحيى ابن محمد بن عبد الله الهروي و علي بن ابي طلحة و ابن مردويه و سنيد و النسائي و غيرهم.

و وقع في مسند احمد و البزار و معجم الطبراني و غيرهم كثير من ذلك.

ثم ان محمد بن جرير الطبري جمع على الناس اشتات التفاسير و قرب البعيد. و كذلك عبد الرحمن بن ابي حاتم الرازي. و أما ابو بكر النقاش و أبو جعفر النحاس فكثيرا ما استدرك الناس عليهما و على سننهما مكي و المهدوي حسن التأليف و كذلك من تبعهم كابن عطية و كلهم متقن مأجور فجزاهم الله خيرا.

تنبيه

فيما يجب ان يلاحظ عند نقل اقوال المفسرين

يكثر في معنى الاية اقوالهم و اختلافهم و يحكيه المصنفون للتسفير بعبارات متباينة الالفاظ و يظن من لا فهم عنده ان في ذلك اختلافا فيحكيه اقوالا و ليس كذلك بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر من الاية و إنما اقتصر عليه لانه اظهر عند ذلك القائل او لكونه اليق بحال السائل. و قد يكون


160
بعضهم يخبر عن الشئ بلازمه و نظيره و الاخر بمقصوده و ثمرته و الكل يؤول الى معنى واحد غالبا و المراد الجميع فليتفطن لذلك و لا يفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات كما قيل:

عباراتنا شتى و حسنك واحد
و كل الى ذاك الجمال يشير

هذا كله حيث امكن الجمع فأما اذا لم يمكن الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم عنه ان استويا في الصحة و الا فالصحيح المقدم و كثيرا ما يذكر المفسرون شيئا في الاية على جهة التمثيل لما دخل في الاية فيظن بعض الناس انه قصر الاية على ذلك و لقد بلغني عن شخص انه انكر على الشيخ ابي الحسن الشاذلي قوله في قوله تعالى: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ما ذهب الله مولى الا اتى بخير منه او مثله.

الثالث: الاخذ بمطلق اللغة

فإن القرآن نزل ﴿ بلسان عربي مبين . و قد ذكره جماعة و نص عليه احمد بن حنبل في مواضع لكن نقل الفضل بن زياد عنه و قد سئل عن القرآن تمثل له رجل ببيت من الشعر فقال ما يعجبني. فقيل ظاهره المنع و لهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة روايتان عن احمد و قيل الكراهة تحمل على من يصرف الاية عن ظاهرها الى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا الا في الشعر و نحوه و يكون المتبادر خلافها.

و روي البيهقي في شعب الايمان عن مالك بن انس قال لا اوتي برجل غير عالم بلغات العرب يفسر كتاب الله الا جعلته نكالا.


161

الرابع: التفسير بالمقتضى

من معنى الكلام و المقتضب من قوة الشرع

و هذا هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه و سلم لابن عباس في قوله ( اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل ).

و روي البخاري رحمه الله في كتاب الجهاد في صحيحه عن علي هل خصكم رسول الله صلى الله عليه و سلم بشيء فقال ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة او فهم يؤتاه الرجل.

و على هذا قال بعض اهل الذوق للقرآن نزول و تنزل فالنزول قد مضى و التنزل باق الى قيام الساعة.

و من ها هنا اختلف الصحابة في معنى الاية فأخذ كل واجد برأية على مقتضى نظره في المقتضى.

و لا يجوز تفسير القرآن بمجرد الراي و الاجتهاد من غير اصل لقوله تعالى: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم و قوله: ﴿ و ان تقولوا على الله ما لا تعلمون و قوله: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم فأضاف البيان اليهم.

و عليه حملوا قوله صلى الله عليه و سلم ( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ) رواه البيهقي من طرق من حديث ابن عباس. و قوله صلى الله عليه و سلم ( من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ ) اخرجه ابو داود و الترمذي و النسائي و قال غريب من حديث ابن جندب.


162

و قال البيهقي في شعب الايمان هذا ان صح فإنما أراد و الله أعلم الرأي الذى يغلب من غير دليل قام عليه فمثل هذا الذى لا يجوز الحكم به فى النوازل و كذلك لا يجوز تفسير القرآن به.

و أما الرأى الذى يسنده برهان فالحكم به فى النوازل جائز و هذا معنى قول الصديق أي سماء تظلني و أي أرض تقلني إذا قلت فى كتاب الله برأيي.

و قال فى المدخل فى هذا الحديث نظر و ان صح فإنما أراد و الله أعلم فقد أخطأ الطريق فسبيله ان يرجع فى تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة و فى معرفة ناسخه و منسوخه و سبب نزوله و ما يحتاج فيه إلى بيانه إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله و أدوا إلينا من سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يكون تبيانا لكتاب الله قال الله تعالى: ﴿ و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم و لعلهم يتفكرون .

فما ورد بيانه عن صاحب الشرع ففيه كفاية عن ذكره من بعده و ما لم يرد عنه بيان ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم يرد.

قال و قد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم و فروعه فتكون موافقته للصواب و ان وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة.

و قال الامام أبو الحسن الماوردى فى نكته قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره و امتنع من ان يستنبط معانى القرآن باجتهاده و لو صحبتها الشواهد و لم يعارض شواهدها نص صريح. و هذا عدول عما تعبدنا من معرفته من النظر فى القرآن و استنباط الاحكام منه كما قال تعالى: ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم .


163

و لو صح ما ذهب إليه لم يعلم شئ بالاستنباط و لما فهم الاكثر من كتاب الله شيئا و ان صح الحديث فتأويله ان من تكلم فى القرآن بمجرد رأيه و لم يعرج على سوى لفظه و أصاب الحق فقد أخطأ الطريق و إصابته اتفاق إذ الغرض أنه مجرد رأى لا شاهد له و فى الحديث ان النبى صلى الله عليه و سلم قال ( القرآن ذلول ذو وجوه محتملة فاحملوه على أحسن وجوهه ).

و قوله: ذلول يحتمل وجهين أحدهما أنه مطيع لحامليه ينطق بألسنتهم. الثانى أنه موضح لمعانيه حتى لا تقصر عنه أفهام المجتهدين.

و قوله: ذو وجوه يحتمل معنيين أحدهما ان من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل و الثانى أنه قد جمع وجوها من الاوامر و النواهى و الترغيب و الترهيب و التحليل و التحريم.

و قوله: فاحملوه على أحسن وجوهه يحتمل أيضا وجهين أحدهما الحمل على أحسن معانيه. و الثانى أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص و العفو دون الانتقام و فيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط و الاجتهاد فى كتاب الله.

و قال أبو الليث النهى إنما انصرف إلى المتشابه منه لا إلى جميعه كما قال تعالى: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه لان القرآن إنما نزل حجة على الخلق فلو لم يجز التفسير لم تكن الحجة بالغة فإذا كان كذلك جاز لمن عرف لغات العرب و شأن النزول ان يفسره و أما من كان من المكلفين و لم يعرف وجوه اللغة فلا يجوز ان يفسره الا بمقدار ما سمع فيكون ذلك على وجه الحكاية لا على سبيل التفسير فلا بأس به و لو أنه يعلم التفسير فأراد ان يستخرج من الاية حكمة أو دليلا لحكم فلا بأس به.


164

و لو قال المراد من الاية كذا من غير ان سمع منه شيئا فلا يحل و هو الذى نهى عنه. انتهى.

و قال الراغب فى مقدمة تفسيره: اختلف الناس فى تفسير القرآن هل يجوز لكل ذى علم الخوض فيه؟ فمنهم من بالغ و منع الكلام و لو تفنن الناظر فى العلوم و اتسع باعه فى المعارف الا بتوقيف عن النبى صلى الله عليه و سلم أو عمن شاهد التنزيل من الصحابة أو من أخذ منهم من التابعين و احتجوا بقوله صلى الله عليه و سلم ( من فسر القرآن برأيه فقد أخطأ ) و فى رواية ( من قال فى القرآن برأيه فقد كفر ).

و قيل ان كان ذا معرفة و أدب فواسع له تفسيره و العقلاء و الادباء فوضى فى معرفة الاغراض و احتجوا بقوله تعالى: ﴿ ليدبروا آياته و ليتذكر أولوا الالباب .

أقسام التفسير

و قد روى عبد الرزاق فى تفسيره حدثنا الثورى عن ابن عباس أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام قسم تعرفه العرب فى كلامها و قسم لا يعذر أحد بجهالته يقول من الحلال و الحرام و قسم يعلمه العلماء خاصة و قسم لا يعلمه الا الله و من ادعى علمه فهو كاذب.

و هذا تقسيم صحيح.

فأما الذى تعرفه العرب فهو الذى يرجع فيه إلى لسانهم و ذلك شأن اللغة و الاعراب.


165

فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها و مسميات أسمائها و لا يلزم ذلك القارئ ثم ان كان ما تتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم كفى فيه خبر الواحد و الاثنين و الاستشهاد بالبيت و البيتين و ان كان مما يوجب العلم لم يكف ذلك بل لا بد ان يستفيض ذلك اللفظ و تكثر شواهده من الشعر.

و أما الاعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى وجب على المفسر و القارئ تعلمه ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم و ليسلم القارئ من اللحن و ان لم يكن محيلا للمعنى وجب تعلمه على القارئ ليسلم من اللحن و لا يجب على المفسر ليتوصل إلى المقصود دونه على ان جهله نقص فى حق الجميع.

إذا تقرر ذلك فما كان من التفسير راجعا إلى هذا القسم فسبيل المفسر التوقف فيه على ما ورد فى لسان العرب و ليس لغير العالم بحقائق اللغة و مفهوماتها تفسير شيء من الكتاب العزيز و لا يكفى فى حقه تعلم اليسير منها فقد يكون اللفظ مشتركا و هو يعلم أحد المعنيين.

الثانى ما لا يعذر واحد بجهله و هو ما تتبادر الافهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الاحكام و دلائل التوحيد و كل لفظ أفاد معنى واحدا جليا لا سواه يعلم أنه مراد الله تعالى.

فهذا القسم لا يختلف حكمه و لا يلتبس تأويله إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿ فاعلم أنه لا إله الا الله و أنه لا شريك له فى إلهيته


166
و إن لم يعلم ان لا موضوعة فى اللغة للنفى و الا للإثبات و ان مقتضى هذه الكلمة الحصر و يعلم كل أحد بالضرورة ان مقتضى قوله تعالى: ﴿ و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و نحوها من الاوامر طلب إدخال ماهية المأمور به فى الوجود و ان لم يعلم ان صيغة أفعل مقتضاها الترجيح وجوبا أو ندبا فما كان من هذا القسم لا يقدر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة.

الثالث ما لا يعلمه الا الله تعالى فهو ما يجرى مجرى الغيوب نحو الاى المتضمنة قيام الساعة و نزول الغيث و ما فى الارحام و تفسير الروح و الحروف المقطعة. و كل متشابه فى القرآن عند أهل الحق فلا مساغ للاجتهاد فى تفسيره و لا طريق إلى ذلك الا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه إما نص من التنزيل أو بيان من النبى صلى الله عليه و سلم أو إجماع الامة على تأويله فإذا لم يرد فيه توقيف من هذه الجهات علمنا أنه مما استأثر الله تعالى بعلمه.

و الرابع ما يرجع إلى اجتهاد العلماء و هو الذى يغلب عليه إطلاق التأويل و هو صرف اللفظ إلى ما يئول إليه فالمفسر ناقل و المؤول مستنبط و ذلك استنباط الاحكام و بيان المجمل و تخصيص العموم.

و كل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذى لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه و على العلماء اعتماد الشواهد و الدلائل و ليس لهم ان يعتمدوا مجرد رأيهم فيه على ما تقدم بيانه.

و كل لفظ احتمل معنيين فهو قسمان:


167

أحدهما ان يكون أحدهما أظهر من الاخر فيجب الحمل على الظاهر الا ان يعوم دليل على ان المراد هو الخفي دون الجلي فيحمل عليه.

الثانى ان يكونا جليين و الاستعمال فيهما حقيقة. و هذا على ضربين:

أحدهما ان تختلف أصل الحقيقة فيهما فيدور اللفظ بين معنيين هو فى أحدهما حقيقة لغوية و فى الاخر حقيقة شرعية فالشرعية أولى الا ان تدل قرينته على إرادة اللغوية نحو قوله تعالى: ﴿ و صل عليهم ان صلاتك سكن لهم و كذلك إذا دار بين اللغوية و العرفية فالعرفية أولى لطريانها على اللغة و لو دار بين الشرعية و العرفية فالشرعية أولى لان الشرع ألزم.

الضرب الثانى لا تختلف أصل الحقيقة بل كلا المعنيين استعمل فيهما فى اللغة أو فى الشرع أو العرف على حد سواء. و هذا أيضا على ضربين:

أحدهما ان يتنافيا اجتماعا و لا يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء حقيقة فى الحيض و الطهر فعلى المجتهد ان يجتهد فى المراد منهما بالأمارات الدالة عليه فإذا وصل إليه كان هو مراد الله فى حقه و ان اجتهد مجتهد آخر فأدى اجتهاده إلى المعنى الاخر كان ذلك مراد الله تعالى فى حقه لانه نتيجة اجتهاده و ما كلف به فإن لم يترجح أحد الامرين لتكافؤ الامارات فقد اختلف أهل العلم فمنهم من قال يخير فى الحمل على أيهما شاء و منهم من قال يأخذ بأعظمهما حكما. و لا يبعد اطراد وجه ثالث و هو ان يأخذ بالأخف. كاختلاف جواب المفتين.


168

الضرب الثانى الا يتنافيا اجتماعا فيجب الحمل عليهما عند المحققين و يكون ذلك أبلغ فى الاعجاز و الفصاحة و أحفظ فى حق المكلف الا ان يدل دليل على إرادة أحدهما. و هذا أيضا ضربان:

أحدهما ان تكون دلالته مقتضية لبطلان المعنى الاخر فيتعين المدلول عليه للإرادة. الثانى الا يقتضى بطلانه. و هذا اختلف العلماء فيه فمنهم من قال يثبت حكم المدلول عليه و يكون مرادا و لا يحكم بسقوط المعنى الاخر بل يجوز ان يكون مرادا أيضا و ان لم يدل عليه دليل من خارج لان موجب اللفظ عليهما فاستويا فى حكمه و ان ترجح أحدهما بدليل من خارج. و منهم من قال ما ترجح بدليل من خارج اثبت حكما من الاخر لقوته بمظاهرة الدليل الاخر.

فهذا أصل نافع معتبر فى وجوه التفسير فى اللفظ المحتمل و الله أعلم.

إذا تقرر ذلك فينزل قوله صلى الله عليه و سلم ( من تكلم في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده عن النار ) على قسمين من هذه الاربعة:

أحدهما تفسير اللفظ لاحتياج المفسر له إلى التبحر في معرفة لسان العرب.

الثاني حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه لاحتياج ذلك إلى معرفة انواع من العلوم علم العربية و اللغة و التبحر فيهما و من علم الاصول ما يدرك به حدود الاشياء و صيغ الامر و النهي و الخبر و المجمل و المبين و العموم و الخصوص و الظاهر و المضمر و المحكم و المتشابه و المؤول و الحقيقة و المجاز و الصريح و الكتابة و المطلق و المقيد. و من علوم الفروع ما يدرك به استنباطا و الاستدلال على هذا أقل ما يحتاج إليه و مع ذلك فهو على خطر فعليه ان يقول يحتمل كذا و لا يجزم الا فى حكم اضطر إلى الفتوى به فأدى اجتهاده إليه فيحرم خلافه مع تجويز خلافه عند الله.


169

فإن قيل فقد ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال ( ما نزل من القرآن من آية الا و لها ظهر و بطن و لكل حرف حد و لكل حد مطلع ) فما معنى ذلك؟ قلت اما قوله ظهر و بطن ففي تاويله اربعة اقوال:

احدها و هو قول الحسن انك اذا بحثت عن باطنها و قسته على ظاهرها وقفت على معناها.

الثاي قول ابي عبيدة ان القصص ظاهرها الاخبار بهلاك الاولين و باطنها عظة للآخرين.

الثالث قول ابن مسعود رضي الله عنه انه ما من آية الا عمل بها قوم و لها قوم سيعملون بها.

الرابع قاله بعض المتأخرين ان ظاهرها لفظها و باطنها تأويلها.

و قول ابي عبيدة اقربها. و أما قوله و لكل حرف حد ففيه تأويلان:

احدهما لكل حرف منتهي فيما اراد الله من معناه. الثاني معناه ان لكل حكم مقدارا من الثواب و العقاب.

و أما قوله و لكل حد مطلع ففيه قولان:

احدهما لكل غامض من المعاني و الاحكام مطلع يتوصل الى معرفته و يوقف على المراد به. و الثاني لكل ما يستحقه من الثواب و العقاب مطلع يطلع عليه في الاخرة و يراه عند المجازاة.

و قال بعضهم منه ما لا يعلم تأويله الا الله الواحد القهار و ذلك آجال حادثة في اوقات آتية كوقت قيام الساعة و النفخ في الصور و نزول عيسى بن مريم و ما اشبه ذلك


170
لقوله: ﴿ لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السماوات و الارض و منه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن و ذلك ابانه غرائبه و معرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشتركة منها و الموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها فإن ذلك لايجهله احد منهم و ذلك كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو ﴿ و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون. الا إنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون لم يجهل ان معنى الفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة و ان الصلاح مما ينبغي فعله مما هو منفعة و ان جهل المعاني التي جعلها الله افسادا و المعاني التي جعلها الله اصلاحا. فأما تعليم التفسير و نقله عمن قوله حجة ففيه ثواب و أجر عظيم كتعليم الاحكام من الحلال و الحرام.

تنبيه

في كلام الصوفية في تفسير القرآن

فأما كلام الصوفية في تفسير القرآن فقيل ليس تفسيرا و إنما هي معان و مواجيد يجدونها عند التلاوة كقول بعضهم في ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ان المراد النفس فأمرنا بقتال من يلينا لأنها اقرب شيء الينا و اقرب شيء الى الانسان نفسه.

قال ابن الصلاح في فتاويه و قد وجدت عن الامام ابي الحسن الواحدي انه


171
صنف ابو عبد الرحمن السلمي حقائق التفسير فإن كان اعتقد ان ذلك تفسير فقد كفر.

قال و أنا اقول الظن بمن يوثق به منهم اذا قال شيئا من امثال ذلك انه لم يذكره تفسيرا و لا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية و إنما ذلك منهم ذكر لنظير ما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير فمن ذلك مثال النفس في الاية المذكورة فكأنه قال امرنا بقتال النفس و من يلينا من الكفار و مع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك لما فيه من الابهام و الالتباس انتهى.

فصل

حكى الشيخ ابو حيان عن بعض من عاصره ان طالب علم التفسير مضطر الى النقل في فهم معاني تركيبه بالإسناد الى مجاهد و طاوس و عكرمة و أضرابهم و ان فهم الايات يتوقف على ذلك ثم بالغ الشيخ في رده لأثر على السابق.

و الحق ان علم التفسير منه ما يتوقف على النقل كسبب النزول و النسخ و تعيين المبهم و تبيين المجمل. و منه ما لايتوقف و يكفي في تحصيله التفقه على الوجه المعتبر.


172

و كان السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير و التأويل التمييز بين المنقول و المستنبط ليحمل على الاعتماد في المنقول و على النظر في المستنبط تجويزا له و ازديادا و هذا من الفروع في الدين.

تنخيل لما سبق

و اعلم ان القرآن قسمان احدهما ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره و قسم لم يرد.

و الاول ثلاثة انواع اما ان يرد التفسير عن النبي صلى الله عيه و سلم او عن الصحابة او عن رءوس التابعين فالاول يبحث فيه عن صحة السند و الثاني ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره من حيث اللغة فهم اهل اللسان فلا شك في اعتمادهم و ان فسره بما شاهده من الاسباب و القرائن فلا شك فيه و حينئذ ان تعارضت اقوال جماعة من الصحابة فإن امكن الجمع فذاك و ان تعذر قدم ابن عباس لان النبي صلى الله عليه و سلم بشره بذلك حيث قال ( اللهم علمه التاويل ) و قد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض لقوله صلى الله عليه و سلم افرضكم زيد فإن تعذر الجمع جاز للمقلد ان ياخذ بأيها شاء. و أما الثالث و هم رءوس التابعين اذا لم يرفعوه الى النبي صلى الله عليه و سلم و لا الى احد من الصحابة رضي الله عنهم فحيث جاز التقليد فيما سبق فكذا هنا و الا وجب الاجتهاد.

الثاني ما لم يرد فيه نقل عن المفسرين و هو قليل و طريق التوصل الى فهمه النظر الى مفردات الالفاظ من لغة العرب و مدلولاتها و استعمالها بحسب السياق و هذا يعتني به الراغب كثيرا في كتاب المفردات فيذكر قيدا زائدا على اهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ لانه اقتنصه من السياق.


173

فصل

فيما يجب على المفسر البداءة به

الذي يجب على المفسر البداءة به العلوم اللفظية و أول ما يجب البداءة به منها تحقيق الالفاظ المفردة فتحصيل معاني المفردات من الفاظ القرآن من اوائل المعادن لمن يريد ان يدرك معانيه و هو كتحصيل اللبن من اوائل المعادن في بناء ما يريد ان يبنيه.

قالوا و ليس ذلك في علم القرآن فقط بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع و غيره و هو كما قالوا ان المركب لايعلم الا بعد العلم بمفرداته لان الجزء سابق على الكل في الوجود من الذهني و الخارجي فنقول النظر في التفسير هو بحسب افراد الالفاظ و تراكيبها.

و أما بحسب الافراد فمن وجوه ثلاثة:

من جهة المعاني التي وضعت الالفاظ المفردة بإزائها و هو يتعلق بعلم اللغة. و من جهة الهيئات و الصيغ الواردة على المفردات الدالة على المعاني المختلفة و هو من علم التصريف. و من جهة رد الفروع المأخوذة من الاصول اليها و هو من علم الاشتقاق.

و أما بحسب التركيب فمن وجوه اربعة:

الاول باعتبار كيفية التراكيب بحسب الاعراب و مقابله من حيث انها مؤدية اصل المعنى و هو ما دل عليه المركب بحسب الوضع و ذلك متعلق بعلم النحو.


174

الثاني باعتبار كيفية التركيب من جهة افادته معنى المعنى اعني لازم اصل المعنى الذي يختلف باختلاف مقتضى الحال في تراكيب البلغاء و هو الذي يتكلف بإبراز محاسنة علم المعاني.

الثالث باعتبار طرق تأدية المقصود بحسب وضوح الدلالة و حقائقها و مراتبها و باعتبار الحقيقة و المجاز و الاستعارة و الكناية و التشبيه و هو ما يتعلق بعلم البيان.

و الرابع باعتبار الفصاحة اللفظية و المعنوية و الاستحسان و مقابلة و هو يتعلق بعلم البديع.

مسألة

في ان الاعجاز يكون في اللفظ و المعنى و الملائمة

و قد سبق لنا في باب الاعجاز ان اعجاز القرآن لاشتماله على تفرد الالفاظ التي يتركب منها الكلام مع ما تضمنه من المعاني مع ملائمته التي هي نظوم تأليفه.

فأما الاول و هو معرفة الالفاظ فهو امر نقلي يؤخذ عن ارباب التفسير و لهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ قوله تعالى: ﴿ فاكهة و أبا فلا يعرفه فيراجع نفسه و يقول ما الاب و يقول ان هذا منك تكلف. و كان ابن عباس


175
و هو ترجمان القرآن يقول لا اعرف حنانا و لا ﴿ غسلين و لا ﴿ الرقيم .

و أما المعاني التي تحتملها الالفاظ فالأمر في معاناتها اشد لأنها نتائج العقول. و أما رسوم النظم فالحاجة الى الثقافة و الحذق فيها اكثر لأنها لجام الالفاظ و زمام المعاني و به يتصل اجزاء الكلام و يتسم بعضه ببعض فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان فليس المفرد بذرب اللسان و طلاقته كافيا لهذا الشأن و لا كل من اوتي خطاب بديهة ناهضة بحمله ما لم يجمع اليها سائر الشروط.

مسأله

في ان احسن طرق التفسير ان يفسر القرآن بالقرآن

قيل احسن طريق التفسير ان يفسر القرآن بالقرآن فما اجمل في مكان فقد فصل في موضع آخر و ما اختصر في مكان فإنه قد بسط في آخر فإن اعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن و موضحه له قال تعالى: ﴿ و ما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه و هدى و رحمة لقوم يؤمنون


176
و لهذا قال صلى الله عليه و سلم: ( الا اني اوتيت القرآن و مثله معه ) يعني السنة فإن لم يوجد في السنة يرجع الى اقوال الصحابة فإنهم ادرى بذلك لما شاهدوه من القرائن و لما اعطاهم الله من الفهم العجيب فإن لم يوجد ذلك يرجع الى النظر و الاستباط بالشرط السابق.

مسألة

في ما يحب على المفسر من التحوط في التفسير

و يجب ان يتحرى في التفسير مطابقة المفسر و ان يتحرز في ذلك من نقص المفسر عما يحتاج اليه من ايضاح المعنى المفسر او ان يكون في ذلك المعنى زيادة لا تليق بالغرض او ان يكون في المفسر زيغ عن المعنى المفسر و عدول عن طريقه حتى يكون غير مناسب له و لو من بعض انحائه بل يجتهد في ان يكون وفقه من جميع الانحاء و عليه بمراعاة الوضع الحقيقي و المجازي و مراعاة التأليف و ان يوافي بين المفردات و تلميح الوقائع فعند ذلك تتفجر له ينابيع الفوائد.

و من شواهد الاعراب قوله تعالى: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات و لولا الاعراب لما عرف الفاعل من الفعول به.

و من شواهد النظم قوله تعالى: ﴿ و اللائي لم يحضن فإنها منتظمة مع ما قبلها منقطعة عما بعدها.


177

و قد يظهر الارتباط و قد يشكل امره فمن الظاهر قوله تعالى: ﴿ هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده و وجه ظهورة انه لايستقيم ان يكون السؤال و الجواب من واحد فتعين ان يكون قوله: ﴿ قل الله جواب سؤال كأنهم لما سألوا سمعوا ما قبله من رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو ﴿ من يبدأ الخلق ثم يعيده اجابهم بقوله: ﴿ قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فترك ذكر السؤال.

و نظيره ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق .

مسألة

في النهي عن ذكر لفظ الحكاية عن الله تعالى و وجوب تجنب اطلاق الزائد على بعض الحروف الواردة في القرآن

و كثيرا ما يقع في كتب التفسير حكى الله تعالى و ينبغي تجنبه.

قال الامام ابو نصر القشيري في كتابه المرشد قال معظم ائمتنا لايقال كلام الله يحكى و لا يقال حكى الله لان الحكاية الاتيان بمثل الشئ و ليس لكلامه مثل و تساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الاخبار و كثيرا ما يقع في كلامهم اطلاق


178
الزائد على بعض الحروف كما في نحو: ﴿ فبم رحمة من الله و الكاف في نحو: ﴿ ليس كمثله شيء و نحوه.

و الذي عليه المحققون تجنب هذا اللفظ في القرآن اذ الزائد ما لا معنى له و كلام الله منزه عن ذلك. و ممن نص على منع ذلك في المتقدمين الامام داود الظاهري فذكر ابو عبد الله احمد بن يحيى بن سعيد الداودي في الكتاب المرشد له في اصول الفقه على مذهب داود الظاهري و روى بعض اصحابنا عن ابي سليمان انه كان يقول ليس في القرآن صلة بوجه. و ذكر ابو محمد بن داود و غيره من اصحابنا مثل ذلك و الذي عليه اكثر النحويين خلاف هذا ثم حكى عن ابي داود مثله يزعم الصلة فيها كقوله تعالى: ﴿ مثلا ما بعوضة و قال ان ما ها هنا للتعليل مثل احبب حبيبك هونا ما.

فصل

في تقسم التأويل الى منقاد و مستكره

التأويل ينقسم الى منقاد و مستكره:

فالأول ما لا تعرض فيه بشاعة او استقباح و قد يقع فيه الخلاف بين الائمة. اما لإشتراك في اللفظ نحو: ﴿ لا تدركه الابصار هل هو من بصر العين او القلب؟


179

و إما لأمر راجع الى النظم كقوله تعالى: ﴿ الا الذين تابوا هل هذا الاستثاء مقصور على المعطوف وحده او عائد الى الجميع.

و أما لغموض المعنى و وجازة النظم كقوله تعالى: ﴿ و ان عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم . و أما لغير ذلك. و أما المستكره فما يستبشع اذا عرض على الحجة و ذلك على اربعة اوجه:

الاول ان يكون لفظا عاما فيختص ببعض ما يدخل تحته كقوله: ﴿ و صالح المؤمنين فحمله بعضهم على علي رضي الله عنه فقط. و الثاني ان يلفق بين اثنين كقول من زعم تكليف الحيوانات في قوله: ﴿ و ان من أمة الا خلا فيها نذير مع قوله تعالى: ﴿ و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم انهم مكلفون كما نحن. و الثالث ما استعير فيه كقوله تعالى: ﴿ يوم يكشف عن ساق في حمله على حقيقته. الرابع ما اشعر به باشتقاق بعيد كما قال بعض الباطنية في البقرة انه انسان يبقر عن اسرار العلوم و في الهدهد انه انسان موصوف بجودة البحث و التنقيب.

و الاول اكثر ما يروج على المتفقه الذي لم يتبحروا في معرفة الاصول و الثاني على المتكلم القاصر في معرفة شرائط النظم و الثالث على صاحب الحديث الذي لم يتهذب في شرائط قبول الاخبار و الرابع على الاديب الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات و الاشتقاقات.


180

فائده

في ما نقل عن ابن عباس فى تفسير بعض الايات

روى عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿ أو خلقا مما يكبر في صدوركم فقال الموت.

قال السهيلى و هو تفسير يحتاج لتفسير. و رأيت لبعض المتأخرين ان مراد ابن عباس ان الموت سيفنى كما يفنى كل شئ كما جاء أنه يذبح على الصراط فكأن المعنى لو كنتم حجارة أو حديدا لبادر إليكم الموت و لو كنتم الموت الذى يكبر فى صدوركم فلا بد لكم من الموت. و الله أعلم بتأويل ذلك.

قال و بقى فى نفسى من تأويل هذه الاية شئ حتى يكمل الله نعمته فى فهمها.

فصل

أصل الوقوف على معانى القرآن التدبر

أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر و التفكر. و اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معانى الوحى حقيقة و لا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة و فى قلبه بدعة أو إصرار على ذنب أو فى قلبه كبر أو هوى أو حب الدنيا أو يكون غير متحقق الايمان


181
او ضعيف التحقيق أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده الا علم بظاهر أو يكون راجعا إلى معقوله و هذه كلها حجب و موانع و بعضها آكد من بعض إذا كان العبد مصغيا إلى كلام ربه ملقي السمع و هو شهيد القلب لمعاني صفات مخاطبه ناظرا إلى قدرته تاركا للمعهود من علمه و معقوله متبرئا من حوله و قوته معظما للمتكلم مفتقرا إلى التفهم بحال مستقيم و قلب سليم و قوة علم و تمكن سمع لفهم الخطاب و شهادة غيب الجواب بدعاء و تضرع و ابتئاس و تمسكن و انتظار للفتح عليه من عند الفتاح العليم. و ليستعن على ذلك بأن تكون تلاوته على معانى الكلام و شهادة وصف المتكلم من الوعد بالتشويق و الوعيد بالتخيف و الانذار بالتشديد فهذا القارئ أحسن الناس صوتا بالقرآن و فى مثل هذا قال تعالى: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به .

و هذا هو الراسخ فى العلم جعلنا الله من هذا الصنف ﴿ و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل .

فصل

فى القرآن علم الاولين و الاخرين

و فى القرآن علم الاولين و الاخرين و ما من شئ الا و يمكن استخراجه منه لمن فهمه الله تعالى حتى ان بعضهم استنبط عمر النبى صلى الله عليه و سلم ثلاثا و ستين من قوله تعالى فى سورة المنافقين ﴿ و لن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فإنها رأس ثلاث


182
و ستين سورة و عقبها بالتغابن ليظهر التغابن فى فقده.

و قوله تعالى مخبرا عن عيسى ﴿ قال إني عبد الله آتاني الكتاب إلى قوله: ﴿ أبعث حيا ثلاث و ثلاثون كلمة و عمره ثلاث و ثلاثون سنة. و قد استنبط الناس زلزلة عام اثنين و سبعمائة من قوله تعالى: ﴿ إذا زلزلت الارض فإن الالف باثنين و الذال بسبعمائة.

و كذلك استنبط بعض أئمة العرب فتح بيت المقدس و تخليصه من أيدى العدو فى أول سورة الروم بحساب الجمل و غير ذلك.

فصل

قد يستنبط الحكم من السكوت عن الشيء

و قد يستنبط الحكم من السكوت عن الشئ كقوله تعالى: ﴿ و لا يبدين زينتهن الا لبعولتهن ... الاية و لم يذكر الاعمام و الاخوال و هم من المحارم و حكمهم حكم


183
من سمى فى الاية و قد سئل الشعبى عن ذلك فقال لئلا يضعها العم عند ابنه و هو ليس بمحرم لها و كذا الخال فيفضي إلى الفتنة. و المعنى فيه ان كل من استثنى مشترك بابنه فى المحرمية الا العم و الخال. و هذا من الدلائل البليغة على وجوب الاحتياط فى سترهن.

و لقائل ان يقول هذه المفسدة محتملة فى أبناء بعولتهن لاحتمال ان يذرها أبو البعل عند ابنه الاخر و هو ليس بمحرم لها و أبو البعل ينقض قولهم ان من استثنى اشترك هو و ابنه فى المحرمية.

و منه قوله تعالى: ﴿ و لا على أنفسكم ان تأكلوا من بيوتكم ... الاية و لم يذكر الاولاد فقيل لدخولهم فى قوله: ﴿ بيوتكم .

فصل

فى تقسيم القرآن إلى ما هو بين بنفسه و إلى ما ليس ببين فى نفسه فيحتاج إلى بيان

ينقسم القرآن العظيم إلى:

ما هو بين بنفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه و لا من غيره و هو كثير. و منه قوله تعالى: ﴿ التائبون العابدون ... الاية.

و قوله: ﴿ ان المسلمين و المسلمات ... الاية.


184

و قوله: ﴿ قد أفلح المؤمنون .

و قوله: ﴿ و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية .

و قوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا .

و إلى ما ليس ببين بنفسه فيحتاج إلى بيان. و بيانه إما فيه فى آية أخرى أو فى السنة لأنها موضوعة للبيان قال تعالى: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم . و الثانى ككثير من أحكام الطهارة و الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و المعاملات و الانكحة و الجنايات و غير ذلك كقوله تعالى: ﴿ و آتوا حقه يوم حصاده و لم يذكر كيفية الزكاة و لا نصابها و لا أوقاصها و لا شروطها و لا أحوالها و لا من تجب عليه ممن لا تجب عليه و كذا لم يبين عدد الصلاة و لا أوقاتها.

و كقوله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه و لله على الناس حج البيت و لم يبين أركانه و لا شروطه و لا ما يحل فى الاحرام و ما لا يحل و لا ما يوجب الدم و لا ما لا يوجبه و غير ذلك. و الاول قد أرشدنا النبي صلى الله عليه و سلم إليه بما ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود لما نزل ﴿ الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على المسلمين فقالوا يا رسول الله و أينا لا يظلم نفسه!


185
قال ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه ﴿ يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم فحمل النبى صلى الله عليه و سلم الظلم ها هنا على الشرك لمقابلته بالإيمان. و استأنس عليه بقول لقمان.

و قد يكون بيانه مضمرا فيه كقوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاؤوها و فتحت أبوابها فهذا يحتاج إلى بيان لان ﴿ حتى لا بد لها من تمام و تأويله حتى إذا جاءوها جاءوها و فتحت أبوابها.

و مثله ﴿ و لو ان قرآنا سيرت به الجبال أى لكان هذا القرآن على رأى النحويين. قال ابن فارس و يسمى هذا عند العرب الكف.

و قد يومئ إلى المحذوف إما متأخر كقوله تعالى: ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فإنه لم يجئ له جواب فى اللفظ لكن أومأ إليه قوله: ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله و تقديره ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن قسا قلبه!

و أما متقدم كقوله تعالى: ﴿ أم من هو قانت آناء الليل فإنه أومأ إلى ما قبله ﴿ و إذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه كأنه قال أهذا الذى هو هكذا خير أم من هو قانت فأضمر المبتدأ.


186

و نظيره ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون و من هذه صفته ﴿ كمن هو خالد في النار !

و قد يكون بيانه واضحا و هو أقسام:

أحدها ان يكون عقبه كقوله تعالى: ﴿ الله الصمد قال محمد بن كعب القرظي تفسيره: ﴿ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .

و كقوله تعالى: ﴿ ان الانسان خلق هلوعا قال أبو العالية تفسيره: ﴿ إذا مسه الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا و قال ثعلب سألنى محمد بن طاهر ما الهلع؟ فقلت قد فسره الله تعالى.

و كقوله: ﴿ فيه آيات بينات فسره بقوله: ﴿ مقام إبراهيم و من دخله كان آمنا . و قوله: ﴿ إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم و معلوم أنه لم يرد به المسيح و عزيرا فنزلت الاية مطلقة اكتفاء بالدلالة الظاهرة على أنه لا يعذبهما الله و كان ذلك بمنزلة الاستثناء باللفظ فلما قال المشركون هذا المسيح و عزير قد عبدا من دون الله أنزل الله ﴿ ان الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون و قوله: ﴿ يريكم البرق خوفا و طمعا .


187

ففسر رؤية البرق بأنه ليس فى رؤيته الا الخوف من الصواعق و الطمع فى الامطار. و فيها لطيفة و هى تقديم الخوف على الطمع إذ كانت الصواعق تقع من أول برقة و لا يحصل المطر الا بعد تواتر البرقات فإن تواترها لا يكاد يكذب فقدم الخوف على الطمع ناسخا للخوف كمجيء الفرج بعد الشدة.

و كقوله: ﴿ و الله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ... الاية و فيها لطيفة حيث بدأ بالماشي على بطنه فإنها سيقت لبيان القدرة و هو أعجب من الذى بعده و كذا ما يمشي على رجلين أعجب ممن يمشي على أربع.

و كقوله تعالى: ﴿ فمما ملكت أيمانكم فهذا عام فى المسلم و الكافر ثم بين ان المراد المؤمنات بقوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات فخرج تزوج الامة الكافرة. و قوله تعالى: ﴿ و من كان في هذه أعمى فهو في الاخرة أعمى فإن الاول اسم منه و الثانى أفعل تفضيل بدليل قوله بعده ﴿ و أضل سبيلا و لهذا قرأ أبو عمرو الاول بالإمالة لانه اسم و الثانى بالتصحيح ليفرق بين ما هو اسم و ما هو أفعل منه بالإمالة و تركها.

فإن قلت فقد قال النحويون أفعل التفضيل لا يأتى من الخلق فلا يقال زيد أعمى من عمرو لانه لا يتفاوت!

قلت إنما جاز فى الاية لانه من عمى القلب أي من كان فى هذه الدنيا


188
أعمى القلب عما يرى من القدرة الالهية و لا يؤمن به فهو عما يغيب عنه من أمر الاخرة أعمى ان يؤمن به أي أشد عمى. و لا شك ان عمى البصيرة متفاوت.

و منه قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر و الصلاة قال البيهقي فى شعب الايمان الاشبه ان المراد بالصبر ها هنا الصبر على الشدائد لانه أتبع مدح الصابرين بقوله: ﴿ و لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء إلى قوله: ﴿ و بشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة .

الثانى ان يكون بيانه منفصلا عنه فى السورة معه أو فى غيره كقوله تعالى: ﴿ مالك يوم الدين و بيانه فى سورة الانفطار بقوله: ﴿ و ما أدراك ما يوم الدين. ثم ما أدراك ما يوم الدين. يوم لا تملك نفس لنفس شيئا و الامر يومئذ لله .

و قوله فى سورتى النمل و القصص ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها و لم يبين فى ليل و لا نهار و بينه فى سورة الدخان بقوله: ﴿ في ليلة مباركة ثم بينها فى ليلة القدر بقول ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر فالمباركة فى الزمان هى ليلة القدر فى هذه السورة لان الانزال واحد و بذلك يرد على من زعم ان المباركة ليلة النصف من شعبان و عجب كيف غفل عن ذلك.

و قد استنبط بعضهم هنا بيانا آخر و هو أنها ليلة سبعة عشر من قوله تعالى: ﴿ و ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان


189
و ذلك ليلة سبع عشرة من رمضان و فى ذلك كلام.

و قوله تعالى: ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين فسره فى آية الفتح ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم .

و قوله تعالى: ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب و لؤلؤا و لباسهم فيها حرير. و هدوا إلى الطيب من القول و قد فسره فى سورة فاطر ﴿ و قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ان ربنا لغفور شكور .

و قوله: ﴿ و إذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا بين ذلك بقوله فى النحل ﴿ و إذا بشر أحدهم بالأنثى .

و ذكر الله الطلاق مجملا و فسره فى سورة الطلاق. و قال تعالى: ﴿ الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فاستثنى الازواج و ملك اليمين ثم حظر تعالى الجمع بين الاختين و بين الام و الابنة و الرابة بالآية الاخرى.

و منه قوله تعالى: ﴿ ان الله لا يهدي من هو كاذب كفار فإن ظاهره مشكل لان الله سبحانه قد هدى كفارا كثيرا و ماتوا مسلمين و إنما المراد لا يهدي من كان فى علمه أنه قد حقت عليه كلمة العذاب و بيانه بقوله تعالى فى السورة: ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار .


190
و قوله فى سورة أخرى ﴿ ان الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. و لو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الاليم . و منه قوله تعالى: ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان و كثير من الناس يدعون فلا يستجاب لهم و بيانه بقوله تعالى: ﴿ بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ان شاء فبين ان الاجابة متعلقة بالمشيئة على ان النبى صلى الله عليه و سلم قد فسر الاجابة بقوله ( ما من مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها قطيعة رحم و لا إثم الا أعطاه الله إحدى ثلاث خصال إما ان يعجل دعوته و أما ان يدخرها له فى الاخرة و أما ان يدفع عنه من السوء مثلها ).

و منه قوله تعالى: ﴿ و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها و كثير من الناس يريد ذلك فلا يحصل له و بيانه فى قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد فهو كالذى قبله متعلق بالمشيئة.

و منه قوله تعالى: ﴿ الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله و قال فى آية أخرى: ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم فإنه قد يستشكل اجتماعهما لان الوجل خلاف الطمأنينة و هذا غفلة عن المراد لان الاطمئنان إنما يكون عن ثلج القلب و شرح الصدر بمعرفة التوحيد و العلم و ما يتبع ذلك من الدرجة الرفيعة و الثواب الجزيل و الوجل إنما يكون عند خوف الزيغ و الذهاب عن الهدى


191
و ما يستحق به الوعيد بتوجيل القلوب كذلك. و قد اجتمعا فى قوله تعالى: ﴿ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء لان هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم و وثقوا به فانتفى عنهم الشك و الارتياب الذي يعرض ان كان كلامهم فيمن أظهر الاسلام تعوذا فجعل لهم حكمة دون العلم الموجب لثلج الصدور و انتفاء الشك و نظائره كثيرة.

و منه قوله تعالى فى قصة لوط ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل و اتبع أدبارهم و لا يلتفت منكم أحد و امضوا حيث تؤمرون فلم يستثن امرأته فى هذا الموضع و هي مستثناة فى المعنى بقوله فى الاية الاخرى: ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل و لا يلتفت منكم أحد الا امرأتك فأظهر الاستثناء فى هذه الاية.

و كقوله تعالي: ﴿ اذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال انا منكم وجلون اختصر جوابه لبيانه في موضع آخر: ﴿ فقالوا سلاما قال سلام .

و كقوله: ﴿ الحر بالحر و العبد بالعبد ... الاية فإنها نزلت تفسيرا و بيانا لمجمل قوله: ﴿ و كتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس لان هذه لما نزلت لم يفهم مرادها. و قوله: ﴿ حرمت عليكم هي تفسير لقوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ... الاية.


192

و قوله: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان و الاقربون و للنساء نصيب ... الاية فإن هذه الاية مجملة لا يعلم منها من يرث من الرجال و النساء بالفرض و التعصيب و من يرث و من لا يرث ثم بينه فى آية أخرى بقوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ... الايات.

و كقوله: ﴿ أحلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى عليكم فهذا الاستثناء مجمل بينه فى آية أخرى بقوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة و الدم ولحم الخنزير .

و كقوله: ﴿ ليبلونكم الله بشيء من الصيد ... الاية فهذا الابتلاء مجمل لا يعلم أحد فى الحل أم فى الحرم بينه قوله: ﴿ لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم ... الاية.

و كقوله: ﴿ و هم من بعد غلبهم سيغلبون و هذا المجمل بينه فى آية أخرى بقوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ... الاية.

و كقوله تعالى: ﴿ و أوفوا بعهدي أوف بعهدكم قال العلماء بيان هذا العهد قوله تعالى: ﴿ لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ... الاية فهذا عهده عز وجل و عهدهم تمام اللآية فى قوله: ﴿ لأكفرن عنكم سيئاتكم فإذا وفوا العهد الاول أعطوا ما وعدوا.


193

و قوله تعالى: ﴿ و يقول الذين كفروا لست مرسلا يرد عليهم بقوله: ﴿ يس. و القرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين . و قوله تعالى: ﴿ ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون فقيل لهم ﴿ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون و قيل بل نزل بعده ﴿ إنا كاشفو العذاب و التقدير ان كشفنا العذاب تعودوا.

و قوله: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فرد عليهم بقوله: ﴿ و ربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة .

و قوله: ﴿ و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن بيإنه: ﴿ الرحمن. علم القرآن . و قوله: ﴿ قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا فقيل لهم ﴿ لئن اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله .

و قوله: ﴿ وانطلق الملأ منهم ان امشوا واصبروا على آلهتكم فقيل لهم فى الجواب ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ... الاية.

و منه: ﴿ أم يقولون نحن جميع منتصر فقيل لهم ﴿ ما لكم لا تناصرون .


194

و منه: ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا فرد عليهم بقوله: ﴿ لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . و قوله: ﴿ أم يقولون تقوله رد عليهم بقوله: ﴿ ولو تقول علينا بعض الاقاويل لأخذنا منه باليمين .

و قوله: ﴿ ما لهذا الرسول يأكل الطعام فقيل لهم ﴿ و ما أرسلنا قبلك من المرسلين الا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق . و قوله: ﴿ و قال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فقيل فى سورة أخرى ﴿ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث .

و قوله: ﴿ ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا ان اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون تفسير هذا الاختصام ما قال فى سورة أخرى ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون ان صالحا مرسل من ربه ... الاية.

و قوله تعالى: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الاخرة وفسرها فى موضع آخر بقوله: ﴿ تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون .


195

و منه حكاية عن فرعون لعنه الله ﴿ و ما أهديكم الا سبيل الرشاد فرد عليه فى قوله: ﴿ و ما أمر فرعون برشيد . و قوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له و ذكر هذا الحلف فى قوله: ﴿ قالوا والله ربنا ما كنا مشركين . و قوله: فى قصة نوح عليه السلام ﴿ أني مغلوب فانتصر بين فى مواضع أخر ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا .

و قوله: ﴿ و قالوا قلوبنا غلف أي أوعية للعلم فقيل لهم ﴿ و ما أوتيتم من العلم الا قليلا . وجعل بعضهم من هذا قوله تعالى: ﴿ قال رب أرني أنظر إليك قال فإن آية البقرة و هى قوله: ﴿ حتى نرى الله جهرة تدل على ان قوله: ﴿ رب أرني لم يكن عن نفسه و إنما أراد به مطالبة قومه ولم يثبت فى التوراة أنه سأل الرؤية الا وقت حضور قومه معه و سؤالهم ذلك.

و من ذلك قوله تعالى: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم بينة فى آية النساء بقوله: ﴿ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . فإن قيل فهلا فسرها آية مريم ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ...


196
الآية قيل لا نسلم اولا ان هذه الاية فى النبيين فقط لقوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح و قوله: ﴿ وممن هدينا واجتبينا و هذا تصريح بالأنبياء. وغيرهم كيف و قد ذكرت مريم و هي صديقة على أحد القولين ولو سلم أنها فى الانبياء خاصة فهم بعض من أنعم الله عليهم و جعلهم فى آية النساء صنفا من المنعم عليهم فكانت آية النساء من حيث هي عامة أولى بتفسير قوله: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم .

و لان آية مريم ليس فيها الا الاخبار بأن الله أنعم عليهم و ذلك هو معنى قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم والرغبة إلى الله تعالى فى الثبات عليها هي نفس الطاعة لله و لرسوله فإن العبد إذا هدي إلى الصراط المستقيم فقد هدى إلى الطاعة المقتضية ان يكون مع المنعم عليهم. و ظهر بهذا ان آية النساء أمس بتفسير سورة الحمد من الاية التي فى سورة مريم.

فصل

قد يكون اللفظ مقتضيا لأمر و يحمل على غيره

و قد يكون اللفظ مقتضيا لأمر ويحمل على غيره لانه أولى بذلك الاسم منه و له أمثلة منها تفسيرهم السبع المثاني بالفاتحة مع ان الله تعالى أخبر ان القرآن كله مثاني.


197

و منها قوله عن أهل الكساء هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا و سياق القرآن يدل على إرادة الازواج و فيهن نزلت ولا يمكن خروجهن عن الاية لكن لما أريد دخول غيرهن قيل بلفظ التذكير ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت فعلم ان هذه الارادة شاملة لجميع أهل البيت الذكور و الاناث. بخلاف قوله: ﴿ يا نساء النبي . و دل ان عليا و فاطمة أحق بهذا الوصف من الازواج.

و منها قوله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذى أسس على التقوى ( هو مسجدي هذا ) و هو يقتضي ان ما ذكره أحق بهذا الاسم من غيره و الحصر المذكور حصر الكمال كما يقال هذا هو العالم العدل و الا فلا شك ان مسجد قباء هو مؤسس على التقوى وسياق القرآن يدل على أنه مراد بالآية.

فصل

قد يكون اللفظ محتملا لمعنيين فى موضع و يعين فى موضع آخر

و قد يكون اللفظ محتملا لمعنيين و فى موضع آخر ما يعينه لأحدهما كقوله تعالى فى سورة البقرة ﴿ ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة فيحتمل ان يكون السمع معطوفا على ﴿ ختم و يحتمل الوقف على ﴿ قلوبهم لان الختم إنما يكون على القلب و هذا أولى لقوله فى الجاثية ﴿ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة .


198

و قوله: تعالى فى سورة الحجر ﴿ ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين فالإستثناء منقطع لقوله فى الاسراء ﴿ ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ولو كان متصلا لاستثناهم فلما لم يستثنهم دل على أنهم لم يدخلوا.

و قوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي فقد قيل ان حياة كل شيء إنما هو بالماء قال ابن درستويه و هذا غير جائز فى العربية لانه لو كان المعنى كذلك لم يكن ﴿ حي مجرورا و لكان منصوبا و إنما ﴿ حي صفة لشيء. و معنى الاية خلق الخلق من الماء و يدل له قوله فى موضع آخر: ﴿ والله خلق كل دابة من ماء .

و مما يحتمل قوله تعالى: ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل فإن فليلقه يحتمل الامر و الخبر كأنه قال فاقذفيه فى اليم يلقيه اليم و نحتمل ان يكون أمرا بإلقائه.

و منه قوله تعالى: ﴿ ذرني و من خلقت وحيدا فإنه يحتمل ان يكون خلقته وحيدا فريدا من ماله و ولده. و فى الاية بحث آخر و هو ان أبا البقاء أجاز فيها و فى قوله: ﴿ وذرني والمكذبين ان تكون الواو عاطفة و هو فاسد لانه يلزم منه ان يكون الله قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ان يتركه وكأنه قال اتركنى واترك من خلقت وحيدا و كذلك اتركنى واترك المكذبين فيتعين ان يكون


199
المراد خل بينى و بينهم و هي واو مع كقوله لو تركت الناقة و فصيلها لرضعها. و قد يكون للفظ ظاهر و باطن كقوله تعالى: ﴿ ان طهرا بيتي للطائفين ظاهره الكعبة و باطنه القلب قال العلماء و نحن نقطع ان المراد بخطاب إبراهيم الكعبة لكن العالم يتجاوز إلى القلب بطريق الاعتبار عند قوم و الاولى عند آخرين و من باطنه إلحاق سائر المساجد به و من ظاهره عند قوم العبور فيه.

فصل

فى ذكر الامور التي تعين على المعنى عند الاشكال

و مما يعين على المعنى عند الاشكال أمور أحدها رد الكلمة لضدها كقوله تعالى: ﴿ ولا تطع منهم آثما أو كفورا أي و لا كفورا و الطريقة ان يرد النهى منه إلى الامر فنقول معنى أطع هذا أو هذا أطع أحدهما و على هذا معناه فى النهى ولا تطع واحدا منهما.

الثانى ردها إلى نظيرها كما فى قوله تعالى: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم فهذا عام و قوله: ﴿ فوق اثنتين قول حد أحد طرفيه وأرخى الطرف الاخر إلى غير نهاية لان أول ما فوق الثنتين الثلاث و آخره لا نهاية له. و قوله: ﴿ و ان كانت واحدة


200
محدوده الطرفين فالثنتان خارجتان من هذا الفصل و أمسك الله عن ذكر الثنتين و ذكر الواحده و الثلاث و ما فوقها. و أما قوله في الاخوات ﴿ ان امرؤ هلك ليس له ولد و له أخت فلها نصف ما ترك ... الاية فذكر الواحده و الاثنتين وأمسك عن ذكر الثلاث و ما فوقهن فضمن كل واحد من الفصلين ما كف عن ذكره في الاخر فوجب حمل كل واحد منهما فيما امسك عنه فيه على ما ذكره في غيره.

الثالث ما يتصل بها من خبر أو شرط او ايضاح في معنى آخر كقوله تعالى: ﴿ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا يحتمل ان يكون معناها من كان يريد ان يعز أو تكون العزة له لكن قوله تعالى: ﴿ فلله العزة جميعا يحتمل ان يكون معناها من كان ان يعلم لمن العزة فإنها لله.

و كذلك قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله فإنه لا دلالة فيها على الحال التي هي شرط في عقوبته المعينة و أنواع المحاربة و الفساد كثيرة و إنما استفيدت الحال من الادلة الدالة على ان القتل على من قتل ولم يأخذ المال والصلب على من جمعها و القطع على من أخذ المال ولم يقتل و النفي على من لم يفعل شيئا من ذلك سوى السعي في الارض بالفساد.

الرابع دلالة السياق فإنها ترشد الى تبيين المجمل و القطع بعدم احتمال غير المراد و تخصيص العام و تقييد المطلق و تنوع الدلالة و هو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن اهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته وانظر إلى قوله تعالى: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم


201
كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير.

الخامس ملاحظة النقل عن المعنى الاصلي و ذلك أنه قد يستعار الشيء لمشابهة ثم يستعار من المشابه لمشابه المشابه و يتباعد عن المسمى الحقيقي بدرجات فيذهب عن الذهن الجهة المسوغة لنقله من الاول إلى الاخر و طريق معرفة ذلك بالتدريج كقوله تعالى: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين و ذلك ان اصل دون للمكان الذي هو أنزل من مكان غيره و منه الشيء الدون للحقير ثم استعير للتفاوت في الاحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في العلم والشرف ثم اتسع فيه فاستعير في كل ما يتجاوز حدا إلى حد وتخطى حكما إلى حكم آخر كما في الاية المذكورة و التقدير لا تتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين.

و كذلك قوله تعالى: ﴿ وادعوا شهداءكم من دون الله أي تجاوزوا الله في دعائكم إلى دعاء آلهتكم الذين تزعمون أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أي لاتستشهدوا بالله فإنها حجة يركن إليها العاجز عن البينات من الناس بل ائتوا ببينة تكون حجة عند الحكام. و هذا يؤذن بأنه لم يبق لهم تشبث سوى قولهم الله يشهد لنا عليكم هذا إذا جعلت من دون الله متعلقا بادعوا فإن جعلته متعلقا ب ﴿ شهداءكم احتمل معنيين أحدهما ان يكون المعنى ادعوا الذين تجاوزتم في زعمكم شهادة الله أي شهادتهم لكم يوم القيامة. و الثاني على ان يراد بشهدائكم آلهتكم أي ادعوا الذين تجاوزتم في اتخاذكم ألوهية الله إلى ألوهيتهم.


202

و يحتمل ان يكون التقدير من دون الله أي من غير المؤمنين يشهدون لكم أنكم آمنتم بمثله و في هذا إرخاء عنان الاعتماد على ان فصحاءهم تأنف نفوسهم من مساجلة الحق الجلي بالباطل اللجلجي و تعليقه بادعوا على هذا جائز.

و منه قوله تعالى: ﴿ أو كالذي مر على قرية فإنه عطفه على قوله: ﴿ ألم تر لأنها بمعنى هل رأيت.

السادس معرفة النزول و هو من أعظم المعين على فهم المعنى و سبق منه في أول الكتاب جملة و كانت الصحابة و السلف يعتمدونه و كان عروة بن الزبير قد فهم من قوله تعالى: ﴿ فلا جناح عليه ان يطوف بهما ان السعي ليس بركن فردت عليه عائشة ذلك و قالت لو كان كما قلت لقال فلاجناح عليه الا يطوف بهما وثبت أنه إنما أتى بهذه الصيغة لانه كان وقع فزع في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام فلما جاء الاسلام كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم وأمرهم بالطواف. رواه البخاري في صحيحه. فثبت أنها نزلت ردا على من كان يمتنع من السعي.

و من ذلك قصة مروان بن الحكم سؤاله ابن عباس لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي و أحب ان يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن اجمعون. فقال ابن عباس هذه الايات


203
نزلت في أهل الكتاب ثم تلا ﴿ و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه و تلا ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا قال ابن عباس سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه و أخبروه بغيره فخرجوا و قد أروه ان قد أخبروه بما سالهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه.

و قد سبق فيه كلام في النوع الاول في معرفة سبب النزول فاستحضره.

و من هذا ما قاله الشافعي في قوله تعالى: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما انه لا متمسك فيها لمالك على العموم لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن اشياء فأجابهم عن المحرمات من تلك الاشياء وحكاه غير سعيد بن جبير.

السابع السلامة من التدافع كقوله تعالى: ﴿ و ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين فإنه يحتمل ان الطوائف لا تنفر من أماكنها و بواديها جملة بل بعضهم لتحصيل التفقه بوفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم و إذا رجعوا إلى قومهم أعلموهم بما حصل لهم. والفائدة في كونهم لاينفرون جميعا عن بلادهم حصول المصلحة في حفظ من يتخلف من بعضهم ممن لا يمكن نفيره.


204

و يحتمل ان يكون المراد بالفئة النافرة هي من تسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه وسراياه والمعنى حينئذ انه ما كان لهم ان ينفروا اجمعين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه لتحصيل المصالح المتعلقة ببقاء من يبقى في المدينة والفئة النافرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين بسبب ما يؤمرون به ويسمعون منه فإذا رجعوا إلى من بقي بالمدينة اعلموهم بما حصل لهم في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم.

و الاحتمالان قولان للمفسرين. قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد و الاقرب عندي هو الاحتمال الاول لأنا لو حملناه على الاحتمال الثاني لخالفه ظاهر قوله تعالى: ﴿ ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه و قوله تعالى: ﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا فإن ذلك يقتضي اما طلب الجميع بالنفير او أباحته و ذلك في ظاهره يخالف النهي عن نفر الجميع و إذا تعارض محملان يلزم من احدهما معارضته ولا يلزم من الاخر فالثاني اولى. ولا نعني بلزوم التعارض لزوما لايجاب عنه ولا يتخرج على وجه مقبول بل ما هو اعم من ذلك فإن ما أشرنا إليه من الايتين يجاب عنه بحمل ﴿ أو في قوله: ﴿ أو انفروا جميعا على التفصيل دون التخيير كما رضيه بعض المتأخرين من النحاة فيكون نفيرهم ثبات مما لايدعون الحاجة الى نفيرهم فيه جميعا. و نفيرهم جميعا فيما تدعو الحاجة اليه ويحمل قوله: ﴿ ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله على ما اذا كان الرسول هو النافر للجهاد ولم تحصل الكفاية الا بنفير الجميع ممن يصلح للجهاد فهذا اولى من قول من يقول بالنسخ


205
او ان تكون هذه الاية ناسخة لما اقتضى النفير جميعا.

و من المفسرين من يقول عن منع النفير جميعا حيث يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فليس لهم ان ينفروا جميعا و يتركوه وحده. و الحمل ايضا على هذا التفسير الذي ذكرناه اولى من هذا لان اللفظ يقتضي ان نفيرهم للتفقه في الدين و الانذار و نفيرهم مع بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدهم لايناسبه التعليل بالتفقه في الدين اذ التفقه منه صلى الله عليه وسلم وتعلم الشرائع من جهته فكيف يكون خروجهم عليه معللا للتفقه في الدين.

و منه قوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم فإنه يحتمل ان يكون من باب التسهيل والتخفيف و يحتمل ان يكون من باب التشديد بمعنى انه ما وجدت الاستطاعة فاتقوا أي لاتبقى من الاستطاعة شيء.

و بمعنى التخفيف يرجع الى ان المعنى فاتقوا الله ما تيسر عليكم او ما امكنكم من غير عسر. قال الشيخ تقي الدين الفشيري و يصلح معنى التخصيص قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه و إذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ).

فصل

في الظاهر و المؤول

و قد يكون اللفظ محتملا لمعنيين و هو في احدهما اظهر فيسمى الراجح ظاهرا و المرجوح مؤولا.


206

مثال المؤول قوله تعالى: ﴿ و هو معكم أينما كنتم فانه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات فتعين صرفه عن ذلك و حمله اما على الحفظ والرعاية او على القدرة والعلم والرؤية كما قال تعالى: ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .

و كقوله تعالى: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة فإنه يستحيل حمله على الظاهر لاستحالة ان يكون آدمي له اجنحة فيحمل على الخضوع وحسن الخلق.

و كقوله: ﴿ و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه يستحيل ان يشد في القيامة في عنق كل طائع وعاص وغيرهما طير من الطيور فوجب حمله على التزام الكتاب في الحساب لكل واحد منهم بعينه. و مثال الظاهر قوله تعالى: ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الباغي يطلق على الجاهل و على الظالم و هو فيه اظهر وأغلب كقوله تعالى: ﴿ ثم بغي عليه لينصرنه الله .

و قوله: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن فيقال للانقطاع طهر و للوضوء والغسل غير ان الثاني اظهر.

و كقوله تعالى: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله فيقال للابتداء التمام والفراغ غير ان الفراغ اظهر. و قوله تعالى: ﴿ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف فيحتمل ان يكون


207
الخيار في الاجل أو بعده و الظاهر الاول لكنه يحمل على انه مفارقة الاجل. و قوله: ﴿ فلا جناح عليه ان يطوف بهما و الظاهر يقتضي حمله على الاستحباب لان قوله: ﴿ فلا جناح بمنزلة قوله لا بأس و ذلك لا يقتضي الوجوب و لكن هذا الظاهر متروك بل هو واجب لان طواف الافاضة واجب و لانه ذكره بعد التطوع فقال: ﴿ و من تطوع خيرا فدل على ان النهي السابق نهي عن ترك واجب لانهي عن ترك مندوب او مستحب.

و قد يكون الكلام ظاهرا في شيء فيعدل به عن الظاهر بدليل آخر كقوله تعالى: ﴿ الحج أشهر معلومات والاشهر اسم لثلاثة لانه اقل الجمع. و كقوله تعالى: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس فالظاهر اشتراط ثلاثة من الاخوة لكن قام الدليل من خارج على ان المراد اثنان لأنهما يحجبانها عن الثلث إلى السدس.

فصل

في اشتراك اللفظ بين حقيقتين او حقيقة و مجاز

قد يكون اللفظ مشتركا بين حقيقتين او حقيقة و مجاز و يصح حمله عليهما جميعا كقوله تعالى: ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد قيل المراد يضارر و قيل يضارر أي الكاتب و الشهيد لا يضارر فيكتم الشهادة والخط و هذا أظهر.


208

و يحتمل ان من دعا الكاتب والشهيد لا يضارره فيطلبه في وقت فيه ضرر.

و كذلك قوله: ﴿ لا تضار والدة بولدها فعلى هذا يجوز ان يقال اراد الله بهذا اللفظ كلا المعنيين على القولين اما إذا قلنا بجواز استعمال المشترك في معنييه فظاهر و أما إذا قلنا بالمنع فبأن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين مرة اريد هذا و مرة هذا و قد جاء عن ابي الدرداء رضي الله عنه لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرأن وجوها كثيرة. رواه احمد. أي اللفظ الواحد يحتمل معاني متعددة ولا يقتصر به على ذلك المعنى بل يعلم انه يصلح لهذا و لهذا.

و قال ابن القشيري في مقدمة تفسيره ما لا يحتمل الا معنى واحدا حمل عليه و ما احتمل معنيين فصاعدا بأن وضع الاشياء متماثلة كالسواد حمل على الجنس عند الاطلاق و ان وضع لمعان مختلفة فإن ظهر احد المعنيين حمل على الظاهر الا ان يقوم الدليل و ان استويا سواء كان الاستعمال فيهما حقيقة او مجازا او في احدهما حقيقة و في الاخرة مجازا كلفظ العين والقرء واللمس فإن تنافى الجمع بينهما فهو مجمل فيطلب البيان من غيره و ان لم يتناف فقد مال قوم الى الحمل على المعنيين والوجه التوقف فيه لانه ما وضع للجميع بل وضع لآحاد مسميات على البدل وادعاء اشعاره بالجميع بعيد نعم يجوز ان يريد المتكلم به جميع المحامل ولا يستحيل ذلك عقلا و في مثل هذا يقال يحتمل ان يكون المراد كذا و يحتمل ان يكون كذا.

فصل

قد ينفي الشيء و يثبت باعتبارين

و قد ينفى الشيء و يثبت باعتبارين كما سبق في قوله: ﴿ و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى


209
ثم اثبته لسر غامض و هو ان الرمي الثاني غير الاول فإن الاول عني به الرمي بالرعب و الثاني عني به بالتراب حين رمى النبي صلى الله عليه وسلم في وجوه اعدائه بالتراب والحصى و قال شاهت الوجوه فانهزموا فأنزل الله يخبره ان انهزامهم لم يكن لأجل التراب و إنما هو بما أوقع في قلوبهم من الرعب.

فصل

في الاجمال ظاهرا و أسبابه

و أما ما فيه من الاجمال في الظاهر فكثير و له أسباب.

أحدها ان يعرض من الفاظ مختلفه مشتركة وقعت في التركيب كقوله تعالى: ﴿ فأصبحت كالصريم قيل معناه كالنهار مبيضة لا شيء فيها.

و قيل كالليل مظلمة لا شيء فيها و كقوله: ﴿ والليل إذا عسعس قيل أقبل و أدبر. وكالأمة في قوله تعالى: ﴿ وجد عليه أمة بمعنى الجماعة و في قوله: ﴿ ان إبراهيم كان أمة بمعنى الرجل الجامع للخير المقتدى به و بمعنى الدين في قوله


210
تعالى: ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة و بمعنى الزمان في قوله تعالى: ﴿ واذكر بعد أمة .

و كالذرية فإنها في الاستعمال العرفي الادنى و منه: ﴿ و من ذريته داود و سليمان و قد يطلق على الاعلى بدليل قوله تعالى: ﴿ ان الله اصطفى آدم ... الاية ثم قال: ﴿ ذرية و بها يجاب عن الاشكال المشهور في قوله تعالى: ﴿ حملنا ذريتهم في الفلك المشحون على بحث فيه.

و قال مكي في قوله تعالى: ﴿ فأنا أول العابدين أي أول من يعبد الله و من قال الانفين فقوله مردود لانه يلزم ان يكون العبدين لانه إنما يقال عبد من كذا أي أنف.

الثاني من حذف في الكلام كقوله: ﴿ و ترغبون ان تنكحوهن قيل معناه ترغبون في نكاحهن لما لهن. و قيل معناه عن نكاحهن لزمانتهن و قلة مالهن و الكلام يحتمل الوجهين لان العرب تقول رغبت عن الشيء أذا زهدت فيه و رغبت في الشيء اذا حرصت عليه فلما ركب الكلام تركيبا حذف معه حرف الجر احتمل التأويلين جميعا. و جعل منه بعضهم قوله تعالى في سورة النساء ﴿ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله


211
أي يقولون ﴿ ما أصابك قال و لولا هذا التقدير لكان مناقضا لقوله: ﴿ قل كل من عند الله .

و قوله: ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة أي آية مبصرة فظلموا انفسهم بقتلها و ليس المراد ان الناقة كانت مبصرة لا عمياء.

الثالث من تعيين الضمير كقوله تعالى: ﴿ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فالضمير في ﴿ يده يحتمل عودة على الولي و على الزوج و رجح الثاني لموافقته للقواعد فان الولي لايجوز ان يعفو عن مال يتيمه بوجه من الوجوه و حمل الكلام المحتمل على القواعد الشرعية اولى.

فإن قيل لو كان خطابا للأزواج لقال الا ان تعفو بالخطاب لان صدر الاية خطاب لهم بقوله: ﴿ و ان طلقتموهن إلى قوله: ﴿ فنصف ما فرضتم .

قلنا هو التفات من الخطاب الى الغيبة و هو من انواع البديع. و منه قوله تعالى: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فيحتمل ان يكون الضمير الفاعلي الذي في ﴿ يرفعه عائدا على العمل والمعنى ان الكلم الطيب و هو التوحيد يرفع العمل الصالح لانه لا تصلح الاعمال الا مع الايمان و يحتمل ان يكون الضمير عائدا على الكلم و يكون معناه ان العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب وكلاهما صحيح لان الايمان فعل وعمل ونية لا يصح بعضها الا ببعض.


212

و قوله تعالى: ﴿ فأثرن به نقعا. فوسطن به جمعا فالهاء الاولى كناية عن الحوافر و هي موريات أي اثرن بالحوافر نقعا و الثانية كناية عن الاغارة أي المغيرات صبحا ﴿ فوسطن به جمعا جمع المشركين فأغاروا بجمهم.

و قد صنف ابن الانباري كتابا في تعيين الضمائر الواقعه في القرآن في مجلدين.

الرابع من مواقع الوقف و الابتداء كقوله تعالى: ﴿ و ما يعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم ف قوله: ﴿ الراسخون يحتمل ان يكون معطوفا على اسم الله تعالى و يحتمل ان يكون ابتداء كلام. و هذا الثاني هو الظاهر و يكون حذف اما المقابلة كقوله: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ و يؤيده آية البقرة ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم و أما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا .

الخامس من جهة غرابة اللفظ كقوله تعالى: ﴿ فلا تعضلوهن . ﴿ و من الناس من يعبد الله على حرف وسيدا وحصورا . و غير ذلك مما صنف فيه العلماء من كتب غريب القرآن.

السادس من جهة كثرة استعماله الان كقوله تعالى: ﴿ أو ألقى السمع و هو شهيد .


213

و ﴿ يلقون السمع وأكثرهم كاذبون بمعنى يسمعون ولا يقول احد الان القيت سمعي. و كذا قوله: ﴿ ثاني عطفه أي متكبرا. و قوله: ﴿ الا إنهم يثنون صدورهم أي يسرون مافي ضمائرهم. و كذا: ﴿ فأصبح يقلب كفيه أي نادما.

و كذا: ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم أي لم يتلقوا النعم بشكر.

السابع من جهة التقديم والتأخير كقوله تعالى: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى تقديره ولو كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ولولا هذا التقدير لكان منصوبا كالإلزام.

و قوله تعالى: ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها أي يسألونك عنها كأنك. و قوله: ﴿ لهم درجات عند ربهم و مغفرة و رزق كريم. كما أخرجك ربك فهذا غير متصل و إنما هو عائد على قوله: ﴿ قل الانفال لله و الرسول كما أخرجك ربك من بيتك فصارت انفال الغنائم لك إذا انت راض بخروجك و هم كارهون فاعترض بين الكلام الامر بالتقوى و غيره.

و قوله: ﴿ حتى تؤمنوا بالله وحده الا قول إبراهيم لأبيه معناه ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين معه إذ قالوا لقومهم .


214

الثامن من جهة المنقول المنقلب كقوله تعالى: ﴿ وطور سينين أي طورسينا و قوله: ﴿ سلام على إل ياسين أي الناس و قيل إدريس و في حرف ابن مسعود إدراس.

التاسع المكرر القاطع لوصل الكلام في الظاهر كقوله تعالى: ﴿ و ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ان يتبعون الا الظن معناه يدعون من دون الله شركاء الا الظن.

و قوله تعالى: ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم معناه الذين استكبروا لمن آمن من الذين استضعفوا.

فصل

في ما ورد فيه مبينا للإجمال

اعلم ان الكتاب هو القرآن المتلو و هو إما نص و هو ما لايحتمل الا معنى كقوله تعالى: ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة و أما ظاهر و هو ما دل على معنى مع تجويز غيره.


215

و الرافع لذلك الاحتمال قرائن لفظية و معنوية و اللفظية تنقسم الى متصلة و منفصلة اما المتصلة فنوعان نوع يصرف اللفظ إلى غير الاحتمال الذي لولا القرينة لحمل عليه ويسمى تخصيصا و تأويلا و نوع يظهر به المراد من اللفظ و يسمى بيانا.

فالأول كقوله تعالى: ﴿ وحرم الربا فإنه دل على ان المراد من قوله سبحانه: ﴿ و أحل الله البيع البعض دون الكل الذي هو ظاهر بأصل الوضع و بين انه ظاهر في الاحتمال الذي دلت عليه القرينة في سياق الكلام. و للشافعي رحمه الله قول بإجمال البيع لان الربا مجمل و هو في حكم السمتثنى من البيع واستثناء المجهول من المعلوم يعود بالإجمال على أصل الكلام. والصحيح الاول فإن الربا عام في الزيادات كلها وكون البعض غير مراد نوع تخصيص فلا تتغير به دلالة الاوضاع.

و مثال النوع الثاني قوله تعالى: ﴿ من الفجر فإنه فسر مجمل قوله تعالى: ﴿ حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود إذ لولا ﴿ من الفجر لبقي الكلام الاول على تردده و إجماله.

و قد ورد ان بعض الصحابة كان يربط في رجله الخيط الابيض و الاسود و لا يزال يأكل و يشرب حتى يتبين له لونهما فأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿ من الفجر فعلموا أنه اراد الليل والنهار.

و أما اللفظية المنفصلة فنوعان ايضا تأويل و بيان. فمثال الاول قوله تعالى: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإنه دل على ان المراد بقوله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان الطلاق


216
الرجعي إذ لولا هذه القرينة لكان الكل منحصرا في الطلقتين و هذه القرينة و ان كانت مذكورة في سياق ذكر الطلقتين الا انها جاءت في آية اخرى فلهذا جعلت من قسم المنفصلة.

و مثال الثاني قوله تعالى: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فإنه دل على جواز الرؤية و يفسر به قوله تعالى: ﴿ لا تدركه الابصار حيث كان مترددا بين نفي الرؤية أصلا و بين نفي الاحاطة و الحصر دون أصل الرؤية.

و أيضا قوله تعالى: ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فإنه لما حجب الفجار عن رؤيته خزيا لهم دل على إثباتها للأبرار و ارتفع به الاجمال في قوله: ﴿ لا تدركه الابصار .

و أما القرائن المعنوية فلا تنحصر و من مثله قوله تعالى: ﴿ و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فإن صيغته صيغة الخبر و لكن لايمكن حمله على حقيقته فإنهن قد لايتربصن فيقع خبر الله بخلاف مخبره و هو محال فوجب اعتبار هذه القرينة حمل الصيغة على معنى الامر صيانة لكلام الله تعالى عن احتمال المحال.

و نظائره كثيرة فيما ورد من صيغة الخبر و المراد بها الامر.


217

النوع الثاني و الاربعون

في وجوه المخاطبات و الخطاب في القرآن

يأتي على نحو من اربعين وجها:

الاول

خطاب العام المراد به العموم

كقوله تعالى: ﴿ ان الله بكل شيء عليم .

و قوله: ﴿ ان الله لا يظلم الناس شيئا .

و قوله: ﴿ ولا يظلم ربك أحدا .

و قوله: ﴿ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة الله الذي جعل لكم الارض قرارا و هو كثير في القرآن ﴿ يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم .

الثاني

خطاب الخاص و المراد به الخصوص

من ذلك قوله تعالى: ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم


218

﴿ هذا ما كنزتم لأنفسكم .

﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم .

﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك .

و قوله: ﴿ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا و غير ذلك.

الثالث

خطاب الخاص و المراد به العموم

كقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فافتتح الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم و المراد سائر من يملك الطلاق.

و منه قوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن و ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك و بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي ان أراد النبي ان يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين .

و قال ابو بكر الصيرفي كان ابتداء الخطاب له فلما قال في الموهوبة ﴿ خالصة لك علم ان ما قبلها له و لغيره و صلى الله عليه وسلم.


219

و قوله تعالى: ﴿ و إذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة وجرى ابو يوسف على الظاهر فقال ان صلاة الخوف من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.

و أجاب الجمهور بأنه لم يذكر ﴿ فيهم على أنه شرط بل على انه صفة حال و الاصل في الخطاب ان يكون لمعين. و قد يخرج على غير معين ليفيد العموم كقوله تعالى: ﴿ و بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات و فائدته الايذان بأنه خليق بأن يؤمر به كل احد ليحصل مقصوده الجميل.

و كقوله: ﴿ ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت أخرج في صورة الخطاب لما اريد العموم للقصد الى تقطيع حالهم و أنها تناهت في الظهور حتى امتنع خفاؤها فلا تخص بها رؤية راء بل كل من يتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب كقوله تعالى: ﴿ و إذا رأيت ثم رأيت نعيما و ملكا كبيرا لم يرد به مخاطب معين بل عبر بالخطاب ليحصل لكل واحد فيه مدخل مبالغة فيما قصد الله من وصف ما في ذلك المكان من النعيم و الملك و لبناء الكلام في الموضعين على العموم لم يجعل ل (ترى) ولا ل (رأيت) مفعولا ظاهرا ولا مقدرا ليشيع و يعم.

و أما قوله تعالى: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم فقيل إنه من هذا الباب و منعه قوم و قال الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم و لو للتمني لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالترجي في ﴿ لعلهم يهتدون لانه تجرع من


220
عداوتهم الغصص فجعله الله كأنه تمنى ان يراهم على تلك الحالة الفظيعة من نكس الرءوس صما عميا ليشمت بهم.

و يجوز ان تكون لو امتناعية و جوابها محذوف أي لرأيت اسوأ حال يرى.

الرابع

خطاب العام و المراد الخصوص

و قد اختلف العلماء في وقوع ذلك في القرآن فأنكره بعضهم لان الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة كقوله تعالى: ﴿ فلبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما و الصحيح أنه واقع.

كقوله: ﴿ الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم و عمومه يقتضي دخول جميع الناس في اللفظين جميعا و المراد بعضهم لان القائلين غير المقول لهم و المراد بالأول نعيم بن سعيد الثقفي و الثاني أبو سفيان و أصحابه. قال الفارسي و مما يقوى ان المراد بالناس في قوله: ﴿ ان الناس قد جمعوا لكم واحد قوله: ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فوقعت الاشارة بقوله: ﴿ ذلكم إلى واحد بعينة ولو كان المعنى به جمعا لكان إنما الشياطين الشياطين فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ و قيل بل وضع فيه الذين موضع الذي.


221

و قوله: ﴿ و إذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس يعني عبد الله بن سلام.

و قوله: ﴿ ان الذين ينادونك من وراء الحجرات قال الضحاك و هو الاقرع بن حابس.

و قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم لم يدخل فيه الاطفال والمجانين.

ثم التخصيص يجيء تارة في آخر الاية كقوله تعالى: ﴿ و آتوا النساء صدقاتهن نحلة فهذا عام في البالغة والصغيرة عاقله او مجنونة ثم خص في آخرها بقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ... الاية فخصها بالعاقلة البالغة لان من عداها عبارتها ملغاة في العفو.

و نظيره قوله: ﴿ و المطلقات يتربصن بأنفسهن فإنه عام في البائنة و الرجعية ثم خصها بالرجعية بقوله: ﴿ و بعولتهن أحق بردهن في ذلك لان البائنة لاتراجع.

و تارة في اولها كقوله تعالى: ﴿ ولا يحل لكم ان تأخذوا مما آتيتموهن شيئا فإن هذا خاص في الذي أعطاها الزوج. ثم قال بعد ﴿ فإن خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به فهذا عام فيما اعطاها الزوج او غيره إذا كان ملكا لها.

و قد يأخذ التخصيص من آية اخرى كقوله تعالى: ﴿ و من يولهم يومئذ دبره


222
الآية فهذا عام في المقاتل كثيرا او قليلا ثم قال: ﴿ ان يكن منكم عشرون صابرون ... الاية.

و نظيره قوله: ﴿ حرمت عليكم الميتة و هذا عام في جميع الميتات ثم خصة بقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم فأباح الصيد الذي يموت في فم الجارح المعلم. و خصص ايضا عمومه في آية اخرى قال: ﴿ أحل لكم صيد البحر و طعامه متاعا لكم تقديره و ان كانت ميتة فخص بهذه الاية عموم تلك.

و مثله قوله تعالى: ﴿ ان تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم . و نظيره قوله: ﴿ و الدم و قال في آية أخرى: ﴿ الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا يعني الا الكبد و الطحال فهو حلال. ثم هذه الاية خاصة في سورة الانعام و هي مكية و الاية العامة في سورة المائدة و هي مدنية و قد تقدم الخاص على العام في هذا الموضع كما تقدم في النزول آية الوضوء على أنه التيمم و هذا ماش على مذهب الشافعي في ان العبرة بالخاص سواء تقدم أم تأخر.


223

و مثله قوله تعالى: ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا و الاية و هذا عام سواء رضيت المرأة أم لا ثم خصها بقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه وخصها بقوله: ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت به .

و مثله قوله تعالى: ﴿ و المطلقات يتربصن بأنفسهن ... الاية فهذا عام في المدخول بها و غيرها ثم خصها فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ... الاية فخص الايسة و الصغيرة و الحامل فالآيسة و الصغيرة بالأشهر والحامل بالوضع.

و نظيره قوله: ﴿ و الذين يتوفون منكم ... الاية و هذا عام في الحامل والحائل ثم خص بقوله: ﴿ و أولات الاحمال أجلهن ان يضعن حملهن .

و نظيره قوله تعالى: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ... الاية و هذا عام في ذوات المحارم و الاجنبيات ثم خص بقوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ... الاية. و قوله: ﴿ الزانية و الزاني عام في الحرائر و الاماء ثم خصه بقوله: ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب . و قوله: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فإن الخلة عامة ثم خصها بقوله: ﴿ الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين . و كذلك قوله: ﴿ ولا شفاعة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.


224

فائدة

في العموم و الخصوص

قد يكون الكلامان متصلين و قد يكون احدهما خاصا و الاخر عاما و ذلك نحو قولهم لمن اعطى زيدا درهما اعط عمرا فإن لم تفعل فما اعطيت يريد: ان لم تعط عمرا فأنت لم تعط زيدا ايضا و ذاك غير محسوب لك.

ذكره ابن فارس و خرج عليه قوله تعالى: ﴿ بلغ ما أنزل إليك من ربك قال فهذا خاص به يريد هذا الامر المحدد بلغه ﴿ و ان لم تفعل و لم تبلغ هذا ﴿ فما بلغت رسالته يريد جميع ما ارسلت به.

قلت و هو وجه حسن و في الاية وجوه آخر:

احدها ان المعنى انك ان تركت منها شيئا كنت كمن لا يبلغ شيئا منها فيكون ترك البعض محبطا للباقي. قال الراغب و كذلك ان حكم الانبياء عليهم السلام في تكليفاتهم اشد و ليس حكمهم كحكم سائر الناس الذين يتجاوز عنهم اذا خلطوا عملا صالحا و آخر شيئا و روى هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما.

و الثاني قال الامام فخر الدين إنه من باب قوله:

أنا أبو النجم و شعري شعري

معناه ان شعري قد بلغ في المتانة والفصاحة الى حد شئ قيل في نظم انه شعري فقد


225
انتهى مدحه الى الغاية فيفيد تكرير المبالغة التامة في المدح من هذا الوجه. و كذا جواب الشرط هاهنا يعني به انه لايمكن أي يوصف ترك بعض المبلغ تهديدا اعظم من انه ترك التبليغ فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد و الوعيد. و ضعف الوجه الذي قبله بأن من اتى بالبعض و ترك البعض لو قيل إنه ترك الكل كان كذبا ولو قيل ان الخلل في ترك البعض كالخلل في ترك الكل فإنه ايضا محال.

و في هذا التضعيف الذي ذكره الامام نظر لانه اذا كان متى اتى به غير معتد به فوجده كالعدم كقول الشاعر:

سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلا
فسيان لا ذم عليك و لا حمد

أي ولم تعط ما يعد نائلا و الا يتكاذب البيت.

الثالث انه لتعظيم حرمة كتمان البعض جعله ككتمان الكل كما في قوله تعالى: ﴿ فكأنما قتل الناس جميعا .

الرابع انه وضع السبب موضع المسبب و معناه ان لم تفعل ذلك فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله من العذاب.

ذكر هذا و الذي قبله صاحب الكشاف.


226

تنبيه قال الامام ابو بكر الرازي و في هذه الاية دلالة على ان كل ما كان من الاحكام للناس اليه حاجة عامة ان النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه الكافة و إنما وروده ينبغي ان يكون من طريق التواتر نحو الوضوء من مس الفرج و من مس المرأة و مما مست النار و نحوها لعموم البلوى بها فإذا لم نجد ما كان فيها بهذه المنزلة واردا من طريق التواتر علمنا ان الخبر غير ثابت في الاصل. انتهى.

و هذه الدلالة ممنوعة لان التبليغ مطلق غير مقيد بصورة التواتر فيما تعم به البلوى فلا تثبت زيادة ذلك الا بدليل. و من المعلوم ان الله سبحانه لم يكلف رسوله صلى الله عليه وسلم إشاعة شيء الى جمع يتحصل بهم القطع غير القرآن لانه المعجز الاكبر و طريق معرفته القطع فأما باقي الاحكام فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل بها إلى الاحاد والقبائل و هي مشتملة على ما تعم به البلوى قطعا.

الخامس

خطاب الجنس

نحو: ﴿ يا أيها الناس فإن المراد جنس الناس لا كل فرد و الا فمعلوم ان غير المكلف لم يدخل تحت هذا الخطاب و هذا يغلب في خطاب أهل مكة كما سبق. و رجح الاصوليون دخول النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب ب يأيها الناس. و في القرآن سورتان أولهما ﴿ يا أيها الناس احداهما في النصف الاول و هي السورة الرابعة منه


227
و هي سورة النساء و الثانية في النصف الثاني منه و هي سورة الحج. و الاولى تشتمل على شرح المبدأ و الثانية تشتمل على شرح المعاد فتأمل هذا الترتيب ما أوقعه في البلاغة!

قال الراغب و الناس قد يذكر و يراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزا و ذلك إذا اعتبر معنى الانسانية و هو وجود العقل و الذكر و سائر القوى المختصة به فإن كل شيء عدم فعله المختص به لايكاد يستحق اسمه كاليد فإنها إذا عدمت فعلها الخاص بها فإطلاق اليد عليها كإطلاق على يد السرير و مثله بقوله تعالى: ﴿ آمنوا كما آمن الناس أي كما يفعل من يوجد فيه معنى الانسانية ولم يقصد بالإنسان عينا واحدا بل قصد المعنى و كذلك قوله: ﴿ أم يحسدون الناس أي من وجد فيهم معنى الانسانية أي إنسان كان.

قال و ربما قصد به النوع من حيث هو كقوله تعالى: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض .

السادس

خطاب النوع

نحو: ﴿ يا بني إسرائيل و المراد بنو يعقوب و إنما صرح به للطيفة سبقت في النوع السادس و هو علم المبهمات.


228

السابع

خطاب العين

نحو: ﴿ يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة .

﴿ يا نوح اهبط بسلام .

﴿ يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا .

﴿ يا موسى .

﴿ يا عيسى .

ولم يقع في القرآن النداء ب يا محمد بل ب يأيها النبي و يأيها الرسول تعظيما له وتبجيلا وتخصيصا بذلك عن سواه.

الثامن

خطاب المدح

نحو: ﴿ يا أيها الذين آمنوا و هذا وقع خطابا لأهل المدينة الذين آمنوا وهاجروا تمييزا لهم عن أهل مكة و قد سبق ان كل آية فيها ﴿ يا أيها الناس


229

لأهل مكة و حكمه ذلك أنه يأتي بعد ﴿ يا أيها الناس الامر بأصل الايمان ويأتي بعد ﴿ يا أيها الذين آمنوا الامر بتفاصيل الشريعة و ان جاء بعدها الامر بالإيمان كان من قبيل الامر بالاستصحاب.

و قوله تعالى: ﴿ و توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون قيل يرد الخطاب بذلك باعتبار الظاهر عند المخاطب و هم المنافقون فإنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان كما قال سبحانه: ﴿ قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم .

و قد جوز الزمخشري في تفسير سورة المجادلة في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ان يكون خطابا للمنافقين الذين آمنوا بالسنتهم و ان يكون للمؤمنين.

و من هذا النوع الخطاب ب يأيها النبي يأيها الرسول و لهذا تجد الخطاب بالنبي في محل لايليق به الرسول و كذا عكسه كقوله في مقام الامر بالتشريع العام ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و في مقام الخاص ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك و مثله ﴿ ان أراد النبي ان يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين .

و تأمل قوله: ﴿ لا تقدموا بين يدي الله و رسوله في مقام الاقتداء بالكتاب و السنة ثم قال: ﴿ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي فكأنه جمع له المقامين معنى النبوة والرسالة تعديدا للنعم في الحالين.


230

و قريب منه في المضاف إلى الخاص ﴿ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ولم يقل يا نساء الرسول لما قصد اختصاصهن عن بقية الامة.

و قد يعبر بالنبي في مقام التشريع العام لكن مع قرينة أرادة التعميم كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ولم يقل طلقت.

التاسع

خطاب الذم

نحو: ﴿ يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم .

﴿ قل يا أيها الكافرون .

و لتضمنه الاهانة لم يقع في القرآن في غير هذين الموضعين. و كثر الخطاب ب يأيها الذين آمنوا على المواجهة و في جانب الكفار على الغيبة إعراضا عنهم كقوله تعالى: ﴿ قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف و ان يعودوا فقد مضت سنة الاولين .

ثم قال: ﴿ و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة فواجه بالخطاب المؤمنين و أعرض بالخطاب عن الكافرين و لهذا كان صلى الله عليه و سلم إذا عتب على قوم قال ما بال رجال يفعلون كذا فكنى عنه تكرما وعبر عنهم بلفظ الغيبة إعراضا.


231

العاشر

خطاب الكرامة

نحو: ﴿ و يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة .

و قوله: ﴿ ادخلوها بسلام آمنين .

الحادي عشر

خطاب الاهانة

نحو قوله لإبليس: ﴿ فإنك رجيم و ان عليك اللعنة و قوله: ﴿ قال اخسؤوا فيها و لا تكلمون و قوله: ﴿ و أجلب عليهم بخيلك و رجلك .

قالوا ليس هذا إباحة لإبليس و إنما معناه ان ما يكون منك لايضر عباده كقوله: ﴿ ان عبادي ليس لك عليهم سلطان .

الثاني عشر

خطاب التهكم

و هو الاستهزاء بالمخاطب مأخوذ من تهكم البئر إذا تهدمت كقوله تعالى: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم و هو خطاب لابي جهل لانه قال ما بين


232
جبليها يعني مكة أعز و لا اكرم مني. و قال: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم جعل العذاب مبشرا به.

و قوله: ﴿ هذا نزلهم يوم الدين . و قوله: ﴿ و أما ان كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم. و تصلية جحيم . و النزل لغة هو الذي يقدم للنازل تكرمه له قبل حضور الضيافة.

و قوله تعالى: ﴿ سواء منكم من أسر القول و من جهر به و من هو مستخف بالليل و سارب بالنهار. له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من أمر الله . على تفسير المعقبات بالحرس حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله و هو تهكم فإنه لايحفظه من أمر الله إذا جاءه.

و قوله تعالى: ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم و القائلين لإخوانهم هلم إلينا و هو تعالى يعلم حقيقتهم و ﴿ يعلم ما يسرون و ما يعلنون لاتخفى عليه خافية.

و قوله تعالى: ﴿ و ظل من يحموم. لا بارد ولا كريم و ذلك لان الظل


233
من شأنه الاسترواح و اللطافة فنفي هنا و ذلك انهم لايستأهلون الظل الكريم.

الثالث عشر

خطاب الجمع بلفظ الواحد

كقوله: ﴿ يا أيها الانسان إنك كادح .

﴿ يأيها الانسان ما غرك بربك الكريم .

و المراد الجميع بدليل قوله: ﴿ ان الانسان لفي خسر. الا الذين آمنوا .

و كان الحجاج يقول في خطبته ﴿ يأيها الانسان وكلكم ذلك الانسان .

و كثيرا ما يجيء ذلك في الخبر كقوله تعالى: ﴿ ان هؤلاء ضيفي ولم يقل ضيوفي لانه مصدر. و قوله: ﴿ هم العدو فاحذرهم ولم يقل الاعداء. و قوله: ﴿ و حسن أولئك رفيقا أي رفقاء. و قوله: ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ، ﴿ فما منكم من أحد عنه حاجزين .

و في الوصف كقوله تعالى: ﴿ و ان كنتم جنبا فاطهروا .


234

و قوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير . و قوله: ﴿ فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا و جمعه أنجية من المناجاة. و قوله: ﴿ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء فأوقع الطفل جنسا.

قال ابن جني و هذا باب يغلب عليه الاسم لا الصفة نحو الشاة و البعير و الانسان و الملك قال تعالى: ﴿ والملك على أرجائها ، ﴿ و جاء ربك والملك صفا صفا ، ﴿ ان الانسان لفي خسر . و من مجيئه في الصفة قوله تعالى: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه و قوله: ﴿ و سيعلم الكفار لمن عقبى الدار .

و قال و كل واحد من هذه الصفات لا تقع هذا الموقع الا بعد ان تجري مجرى الاسم الصريح.

الرابع عشر

خطاب الواحد بلفظ الجمع

كقوله تعالى: ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات و اعملوا صالحا إلى قوله: ﴿ فذرهم في غمرتهم حتى حين فهذا خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وحده إذ لا بني معه قبله و لا بعده.


235

و قوله: ﴿ و ان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين خاطب به النبي صلى الله عليه و سلم بدليل قوله: ﴿ واصبر و ما صبرك الا بالله ... الاية.

و قوله: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ان يؤتوا أولي القربى ... الاية خاطب بذلك أبا بكر الصديق لما حرم مسطحا رفده حين تكلم في حديث الافك. و قوله: ﴿ فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا والمخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أيضا لقوله: ﴿ قل فأتوا . و قوله تعالى: ﴿ ففررت منكم لما خفتكم .

و جعل منه بعضهم قوله تعالى: ﴿ قال رب ارجعون أي ارجعني و إنما خاطب الواحد المعظم بذلك لانه يقول نحن فعلنا فعلى هذا الابتداء خوطبوا بما في الجواب. و قيل ﴿ رب استغاثة و ﴿ ارجعون خطاب الملائكة فيكون التفاتا او جمعا لتكرار القول كما قال قفا نبك.

و قال السهيلي هو قول من حضرته الشياطين و زبانية العذاب فاختلط و لا يدري ما يقول من الشطط و قد اعتاد امرا يقوله في الحياة من رد الامر الى المخلقوين.


236

و منه قوله تعالى: ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ... الاية و هذا مما لاتشريك فيه.

و قال المبرد في الكامل لاينبغي ان يستعمل ضمير الجمع في واحد من المخلوقين على حكم الاستلزام لان ذلك كبر و هو مختص به سبحانه. و من هذا ما حكاه الحريري في شرح الملحة عن بعضهم انه منع من اطلاق لفظه نحن على غير الله تعالى من المخلوقين لما فيها من التعظيم و هو غريب. و حكى بعضهم خلافا في نون الجمع الواردة في كلامه سبحانه وتعالى فقيل جاءت للعظمة يوصف بها سبحانه و ليس لمخلوق ان ينازعه فيها فعلى هذا القول يكره للملوك استعمالها في قولهم نحن نفعل كذا. و قيل في علتها إنها كانت تصاريف اقضيته تجري على ايدي خلقه تنزلت افعالهم منزلة فعله فلذلك ورد الكلام مورد الجمع فعلى هذا القول يجوز مباشرة النون لكل من لايباشر بنفسه.

فأما قول العالم نحن نبين و نحن نشرح فمفسوح له فيه لانه يخبر بنون الجمع عن نفسه و أهل مقالته.


237

و قوله تعالى: ﴿ يا معشر الجن و الانس ألم يأتكم رسل منكم و المراد الانس لان الرسل لاتكون الا من بني آدم و حكى بعضهم فيه الاجماع لكن عن الضحاك ان من الجن رسولا اسمه يوسف لقوله تعالى: ﴿ و ان من أمة الا خلا فيها نذير و احتج الجمهور بقوله: ﴿ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ليحصل الاستئناس و ذلك مفقود في الجن وبقوله تعالى: ﴿ ان الله اصطفى آدم ونوحا ... الاية وأجمعوا ان المراد بالاصطفاء النبوة.

و أجيب عن تمسك الضحاك بالآية بأن البعضية صادقة بكون الرسل من بني آدم ولا يلزم إثبات رسل من الجن بطريق إثبات نفر من الجن يستمعون القرآن من رسل الانس ويبلغونه إلى قومهم وينذرونهم ويصدق على اولئك النفر من حيث إنهم رسل الرسل. و قد سمي الله رسل عيسى بذلك حيث قال: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين .

و في تفسير القرآن لقوام السنة إسماعيل بن محمد بن الفضل الحوري قال قوم من الجن رسل للآية. و قال الاكثرون الرسل من الانس و يجى من الجن كقوله في قصة بلقيس ﴿ فناظرة بم يرجع المرسلون و المراد به واحد بدليل قوله: ﴿ ارجع إليهم . و فيه نظر من جهة أنه يحتمل ان يكون الخطاب لرئيسهم فإن العادة جارية


238
لاسيما من الملوك الا يرسلوا واحدا و قرأ ابن مسعود ارجعوا إليهم اراد الرسول و من معه.

و قوله: ﴿ أولئك مبرؤون مما يقولون يعني عائشة و صفوان.

و قوله تعالى: ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين و المراد بالمرسلين نوح كقولك فلان يركب الدواب و يلبس البرود و ما له الا دابة و برد. قاله الزمخشري.

و قوله تعالى: ﴿ ان نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة قال قتادة هذا رجل كان لايمالئهم على ماكانوا يقولون في النبي صلى الله عليه وسلم فسماه الله سبحانه طائفة. و قال البخاري ويسمى الرجل طائفة.

و قوله: ﴿ لا بيع فيه ولا خلال و المراد خلة بدليل الاية الاخرى والموجب للجمع مناسبة رءوس الاي.

فائدة

و أما قوله تعالى: ﴿ واجعلنا للمتقين إماما فجوز الفارسي فيه تقديرين:

أحدهما ان إمام هنا جمع لانه المفعول و الثاني لجعل و المعفول الاول جمع و الثاني هو الاول فوجب ان يكون جمعا و واحدة آم لانه قد سمع هذا في واحدة


239
قال تعالى: ﴿ ولا آمين البيت الحرام فهذا جمع آم مسلما و قياسه على حد قيام و قائم فأما أئمه فجمع إمام الذي هو مقدر على حد عنان و أعنه و سنان و أسنة و الاصل ايمة فقلبت الفاء.

و الثاني أنه جمع الامام لان المعنى أئمة فيكون إمام على هذا واحدا و جمعه أئمة و أمام. و قال ابن الضائع قيدت عن شيخنا الشلوبين فيه احتمالين غير هذين ان يكون مصدرا كالإمام و ان يكون من الصفات المجراة مجرى المصادر في ترك التثنية و الجمع كحسب. و يحتمل ان يكون محمولا على المعنى كقولهم دخلنا على الامير وكسانا حلة و المراد كل واحد منا حلة و كذلك هو واجعل كل واحد منا إماما.

الخامس عشر

خطاب الواحد و الجمع بلفظ الاثنين

كقوله تعالى: ﴿ ألقيا في جهنم و المراد مالك خازن النار.

و قال الفراء الخطاب لخزنة النار و الزبانية و أصل ذلك ان الرفقة أدنى ما تكون من ثلاثة نفر فجرى كلام الواحد على صاحبيه. و يجوز ان يكون الخطاب للملكين الموكلين من قوله: ﴿ و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد .


240

و قال أبو عثمان لما ثنى الضمير استغنى عن ان يقول ألق ألق يشير إلى إرادة التأكيد اللفظي. و جعل المهدوي منه قوله تعالى: ﴿ قال قد أجيبت دعوتكما قال الخطاب لموسى وحده لانه الداعي و قيل لهما و كان هارون قد امن على دعائه والمؤمن احد الداعيين.

السادس عشر

خطاب الاثنين بلفظ الواحد

كقوله تعالى: ﴿ فمن ربكما يا موسى أي و يا هارون و فيه وجهان:

أحدهما أنه افرد موسى عليه السلام بالنداء بمعنى التخصيص والتوقف إذ كان هو صاحب عظيم الرسالة و كريم الايات. و ذكره ابن عطية.

و الثاني لما كان هارون أفصح لسانا منه على ما نطق به القرآن ثبت عن جواب الخصم الالد. ذكره صاحب الكشاف. و انظر إلى الفرق بين الجوابين.

و مثله ﴿ فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى قال ابن عطية إنما أفرده بالشقاء من حيث كان المخاطب أولا والمقصود في الكلام. و قيل بل ذلك لان الله جعل


241
الشقاء في معيشة الدنيا في حيز الرجال و يحتمل الاغضاء عن ذكر المرأة و لهذا قيل من الكرم ستر الحرم.

و قوله: ﴿ فأتيا فرعون فقولا انا رسول رب العالمين .

و نحوه في وصف الاثنين بالجمع قوله تعالى: ﴿ ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما .

و قال: ﴿ هذان خصمان اختصموا و لم يقل اختصما.

و قال: ﴿ فتاب عليه ولم يقل عليهما اكتفاء بالخبر عن احدهما بالدلالة عليه.

السابع عشر

خطاب الجمع بعد الواحد

كقوله تعالى: ﴿ و ما تكون في شأن و ما تتلو منه من قرآن و لا تعملون من عمل الا كنا ... الاية فجمع ثالثها و الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم. قال ابن الانباري إنما جمع في الفعل الثالث ليدل على ان الامة داخلون مع الني صلى الله عليه وسلم وحده و إنما جمع تفخيما له وتعظيما كما في قوله تعالى: ﴿ أفتطمعون ان يؤمنوا لكم .

و كذلك قوله: ﴿ و أوحينا إلى موسى و أخيه ان تبوّءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة و أقيموا الصلاة و بشر المؤمنين فثني في الاول ثم جمع ثم افرد لانه خوطب اولا موسى و هارون لانهما المتبوعان ثم سيق الخطاب عاما


242
لهما و لقومهما باتخاذ المساجد و الصلاة فيها لانه واجب عليهم ثم خص موسى بالبشارة تعظيما له.

الثامن عشر

خطاب عين و المراد غيره

كقوله: ﴿ يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين و المنافقين الخطاب له و المراد المؤمنون لانه صلى الله عليه وسلم كان تقيا و حاشاه من طاعة الكافرين والمنافقين. والدليل على ذلك قوله في سياق الاية ﴿ واتبع ما يوحى إليك من ربك ان الله كان بما تعملون خبيرا .

و قوله تعالى: ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك بدليل قوله في صدر الاية بعدها ﴿ قل يا أيها الناس ان كنتم في شك من ديني .

و منهم من أجراه على حقيقته و أوله قال ابو عمر الزاهد في الياقوته سمعت لامامين ثعلب و المبرد يقولان معنى ﴿ فإن كنت في شك أي قل يا محمد ان كنت في شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود إنهم أعلم به من أجل أنهم أصحاب كتاب.


243

و قوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم قال ابن فورك معناه وسع الله عنك على وجه الدعاء و ﴿ لم أذنت لهم تغليظ على المنافقين و هو في الحقيقة عتاب راجع إليهم و ان كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله: ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك .

و قوله: ﴿ عبس و تولى قيل إنه امية و هو الذي تولى دون النبي صلى الله عليه و سلم الا ترى انه لم يقل عبست!

و قوله: ﴿ ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين .

و قوله: ﴿ و لئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين .

و بهذا يزول الاشكال المشهور في انه كيف يصح خطابه صلى الله عليه و سلم مع ثبوت عصمته عن ذلك كله و يجاب أيضا بأن ذلك على سبيل الفرض والمحال يصح فرضه لغرض.

و التحقيق ان هذا و نحوه من باب خطاب العام من غير قصد شخص معين و المعنى


244
اتفاق جميع الشرائع على ذلك. و يستراح حينئذ من إيراد هذا السؤال من اصله.

و عكس هذا ان يكون المراد عاما و المراد الرسول قوله: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم بدليل قوله في سياقها ﴿ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين .

و أما قوله في سورة الانعام: ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين فليس من هذا الباب.

قال ابن عطية و يحتمل ان يكون التقدير ﴿ فلا تكونن من الجاهلين في الا تعلم ان الله لو شاء لجمعهم. و يحتمل ان يهتم بوجود كفرهم الذي قدره الله و أراده.

ثم قال و يظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه و سلم: ﴿ فلا تكونن من الجاهلين و بين قوله عز وجل لنوح عليه السلام ﴿ إني أعظك ان تكون من الجاهلين و قد تقرر ان محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الانبياء.

و قال مكي و المهدوي الخطاب بقوله: ﴿ فلا تكونن من الجاهلين للنبي صلى الله عليه وسلم و المراد أمته و هذا ضعيف ولا يقتضيه اللفظ.

و قال قوم وقر نوح عليه السلام لسنه و شيبه. و قال قوم جاء الحمل على النبي صلى الله عليه وسلم لقربه من الله و مكانته كما يحمل العاتب على قريبة اكثر من حمله على الاجانب. قال والوجه القوي عندي في الاية هو ان ذلك لم يجيء بحسب النبيين و إنما جاء بحسب الامر من الله ووقع النبي عنهما و العقاب فيهما.


245

التاسع عشر

خطاب الاعتبار

كقوله تعالى حاكيا عن صالح لما هلك قومه: ﴿ فتولى عنهم و قال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي و نصحت لكم و لكن لا تحبون الناصحين خاطبهم بعد هلاكهم اما لانهم يسمعون ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم بأهل بدر و قال ( والله ما انتم باسمع منهم ) و أما للاعتبار كقوله: ﴿ قل سيروا في الارض فانظروا و قوله: ﴿ انظروا إلى ثمره إذا أثمر .

العشرون

خطاب الشخص ثم العدول الى غيره

كقوله: ﴿ فإن لم يستجيبوا لكم الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم ثم قال للكفار ﴿ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله بدليل قوله: ﴿ فهل أنتم مسلمون .

و قوله: ﴿ ذلك أدنى الا تعولوا . قال ابن خالوية في كتاب المبتدأ.


246

الحادي والعشرون

خطاب التلوين

و سماه الثعلبي المتلون. كقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ، ﴿ فمن ربكما يا موسى و تسميه اهل المعاني الالتفات وسنتكلم عليه ان شاء الله تعالى باقسامه.

الثاني والعشرون

خطاب الجمادات خطاب من يعقل

كقوله تعالى: ﴿ فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين تقديره طائعة. و قيل لما كانت ممن يقول و هي حالة عقل جرى الضمير في ﴿ طائعين عليه كقولهم ﴿ رأيتهم لي ساجدين .

و قد اختلف ان هذه المقالة حقيقة بان جعل لها حياة و ادراكا يقتضي نطقها أو مجازا بمعنى ظهر فيها من اختيار الطاعة والخضوع بمنزلة هذا القول على قولين:

قال ابن عطية و الاول أحسن لانه لاشيء يدفعه و العبرة فيه أتم والقدرة فيه أظهر.


247

و منه قوله تعالى: ﴿ يا جبال أوبي معه فامرها كما تؤمر الواحدة المخاطبة المؤنثة لان جميع ما لا يعقل كذلك يؤمر.

الثالث و العشرون

خطاب التهييج

كقوله: ﴿ و على الله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين و لايدل على ان من لم يتوكل ينتفي عنهم الايمان بل حث لهم على التوكل.

و قوله: ﴿ فالله أحق ان تخشوه ان كنتم مؤمنين .

و قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين فإنه سبحانه وصفهم بالإيمان عند الخطاب ثم قال: ﴿ ان كنتم مؤمنين فقصد حثهم على ترك الربا و ان المؤمنين حقهم ان يفعلوا ذلك.

و قوله: ﴿ و أطيعوا الله و رسوله ان كنتم مؤمنين .

و قوله: ﴿ ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين .

و قوله: ﴿ ان كنتم آمنتم بالله و ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .

و هذا احسن من قول من قال ان هاهنا بمعنى إذ.


248

الرابع والعشرون

خطاب الاغضاب

كقوله تعالى: ﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين و أخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ان تولوهم و من يتولهم فأولئك هم الظالمون .

و قوله: ﴿ أفتتخذونه و ذريته أولياء من دوني و هم لكم عدو بئس للظالمين بدلا .

و قوله تعالى: ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله .

الخامس و العشرون

خطاب التشجيع و التحريض

و هو الحث على الاتصاف بالصفات الجميلة كقوله تعالى: ﴿ ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص و كفى بحث الله سبحانه تشجيعا على منازلة الاقران و مباشرة الطعان!

و قوله تعالى: ﴿ بلى ان تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة الاف من الملائكة مسومين . و قوله تعالى: ﴿ و من يولهم يومئذ دبره و كيف لايكون للقوم صبر و الملك


249
الحق جل جلاله قد وعدهم بالمدد الكريم فقال: ﴿ و ما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم و قوله تعالى: ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون .

و قد جاء في مقابلة هذا القسم ما يراد منه الاخذ بالحزم و التأني بالحرب و الاستظهار عليها بالعدة كقوله تعالى: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و قوله تعالى: ﴿ و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة .

و نحو ذلك في الترغيب و الترهيب ما جاء في قصص الاشقياء تحذيرا لما نزل من العذاب و اخبارا للسعداء فيما صاروا إليه من الثواب.

السادس والعشرون

خطاب التنفير

كقوله تعالى: ﴿ ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم فقد جمعت هذه الاية اوصافا و تصويرا لما يناله المغتاب من عرض من يغتابه على افظع وجه و في ذلك محاسن كالاستفهام الذي معناه التقريع و التوبيخ و جعل ما هو الغاية في الكراهة موصولا بالمحبة و إسناد الفعل إلى ﴿ أحدكم . و فيه اشعار بأن احدا لايحب ذلك. ولم يقتصر على تمثيل الاعتبار باكل لحم الانسان حتى جعله أخا ولم يقتصر على لحم الاخ حتى


250
جعله ميتا و هذه مبالغات عظيمة و منها ان المغتاب غائب و هو لايقدر على الدفع لما قيل فيه فهو كالميت.

السابع و العشرون

خطاب التحنن و الاستعطاف

كقوله تعالى: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله .

الثامن والعشرون

خطاب التحبيب

نحو: ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر .

﴿ يا بني إنها ان تك مثقال حبة .

﴿ يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي .

و منه قوله صلى الله عليه و سلم يا عباس ياعم رسول الله.

التاسع والعشرون

خطاب التعجيز

نحو: ﴿ فأتوا بسورة من مثله .

﴿ فليأتوا بحديث مثله .


251

﴿ قل فأتوا بعشر سور مثله .

﴿ فادرؤوا عن أنفسكم الموت . و جعل منه بعضهم ﴿ قل كونوا حجارة أو حديدا ورد ابن عطية بان التعجيز يكون حيث يقتضي بالامر فعل ما لايقدر عليه المخاطب و إنما معنى الاية كونوا بالتوهم و التقدير كذا.

الثلاثون

التحسير و التلهف

كقوله تعالى: ﴿ قل موتوا بغيظكم .

الحادي والثلاثون

التكذيب

نحو قوله: ﴿ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين .

﴿ قل هلم شهداءكم الذين يشهدون .

الثاني و الثلاثون

خطاب التشريف

و هو كل ما في القرآن العزيز مخاطبة بقل كالقلاقل.

و كقوله: ﴿ قل آمنا و هو تشريف منه سبحانه لهذه الامة بأن يخاطبها


252
بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة اذ ليس من الفصيح ان يقول الرسول للمرسل إليه قال لي المرسل قل كذا و كذا و لانه لايمكن اسقاطها فدل على ان المراد بقاؤها و لابد لها من فائدة فتكون أمرا من المتكلم للمتكلم بما يتكلم به امره شفاها بلا واسطة كقولك لمن تخاطبه افعل كذا.

الثالث والثلاثون

خطاب المعدوم

و يصح ذلك تبعا لموجود كقوله تعالى: ﴿ يا بني آدم فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان و لكل من بعدهم و هو على نحو ما يجري من الوصايا في خطاب الانسان لولده و ولد ولده ما تناسلوا بتقوى الله و إتيان طاعته.

قال الرماني في تفسيره و إنما جاز خطاب المعدوم لان الخطاب يكون بالإرادة للمخاطب دون غيره و أما قوله تعالى: ﴿ كن فيكون فعند الاشاعرة ان وجود العالم حصل بخطاب كن.

و قالت الحنفية التكوين ازلي قائم بذات الباري سبحانه و هو تكوين لكل جزء من أجزاء العالم عند وجوده لا أنه يوجد عند كاف و نون. و ذهب فخر الاسلام شمس الائمة منهم الى ان خطاب كن موجود عند إيجاد كل شيء فالحاصل عندهم في ايجاد الشيء شيئان الايجاد و خطاب كن.


253

و احتج الاشاعرة بظاهر قوله تعالى: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ان نقول له كن فيكون و قوله: ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون و قوله: ﴿ بديع السماوات و الارض و إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون و لو حصل وجود العلم بالتكوين لم يكن في خطاب كن فائدة عند الايجاد.

وأجاب الحنفية بأنا نقول لموجها ولا تستقل بالفائدة كالمتشابه فيقول بوجود خطاب كن عند الايجاد في غير تشبيه ولا تعطيل.


254

النوع الثالث و الاربعون

في بيان حقيقته و مجازه

لا خلاف ان كتاب الله يشتمل على الحقائق و هي كل كلام بقي على موضوعه كالآيات التي لم يتجوز فهيا و الايات الناطقة ظواهرها بوجود الله تعالى و توحيده وتنزيهه والداعية الى اسمائه وصفاته كقوله تعالى: ﴿ هو الله الذي لا إله الا هو عالم الغيب والشهادة ... الاية.

و قوله: ﴿ أم من خلق السماوات و الارض ... ﴿ أم من جعل الارض قرارا ... ﴿ أم من يجيب المضطر إذا دعاه ... ﴿ أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ، ﴿ أم من يبدأ الخلق ثم يعيده .

و قوله تعالى: ﴿ من يحيي العظام و هي رميم .

و قوله تعالى: ﴿ أفرأيتم ما تمنون. ﴿ أفرأيتم ما تحرثون . ﴿ أفرأيتم الماء الذي تشربون . ﴿ أفرأيتم النار التي تورون .

قيل و منه الايات التي لم تنسخ و هي كالآيات المحكمات و الايات المشتملة


255
و لا تقديم فيه ولا تأخير كقول القائل أحمد الله على نعمائه و احسانه و هذا اكثر الكلام قال الله تعالى: ﴿ و الذين يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون و أكثر ما يأتي من الاي على هذا.

و أما المجاز فاختلف في وقوعه في القرآن والجمهور على الوقوع و انكره جماعه منهم ابن القاص من الشافعية و ابن خويز منداذ من المالكية. و حكى عن داود الظاهري و ابنه و ابي مسلم الاصبهاني.

و شبهتهم ان المتكلم لايعدل عن الحقيقة الى المجاز الا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير و هو مستحيل على الله سبحانه.

و هذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص و غيره ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن. و قد افرده بالصنيف الامام ابو محمد بن عبد السلام و جمع فأوعى.


256

و أما معناه فقال الحاتمي معناه طريق القول و مأخذه مصدر جزت مجازا كما يقال قمت مقاما.

قال الاصمعي كلام العرب إنما هو مثال شبه الوحي.

نوعا المجاز

و له سببان أحدهما الشبه و يسمى المجاز اللغوي و هو الذي يتكلم فيه الاصولي.

و الثاني الملابسة و هذا هو الذي يتكلم فيه اهل اللسان و يسمى المجاز العقلي و هو ان تسند الكلمة الى غير ماهي له اصالة بضرب من التأويل كسب زيد اباه اذا كان سببا فيه.

المجاز في المركب و اقسامه

و الاول مجاز في المفرد و هذا مجاز في المركب. و منه قوله تعالى: ﴿ و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا و نسبت الزيادة التي هي فعل الله الى الايات لكونها سببا فيها. و كذا قوله تعالى: ﴿ و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم .

و قوله: ﴿ يذبح أبناءهم والفاعل غيره ونسب الفعل اليه لكونه الامر به.

و كقوله: ﴿ ينزع عنهما لباسهما نسب النزع الذي هو فعل الله الى ابليس


257
لعنه الله لان سببه أكل الشجرة و سبب اكلها وسوسته و مقاسمته إياهما انه لهما لمن الناصحين.

و قوله تعالى: ﴿ فما ربحت تجارتهم جعل التجارة الرابحة. و قوله: ﴿ فإذا عزم الامر لان الامر هو المعزوم عليه بدليل: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله . و قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار فنسب الاحلال الذي هو فعل الله الى اكابرهم لان سببه كفرهم وسبب كفرهم امر اكابرهم اياهم بالكفر.

و قوله تعالى: ﴿ يوما يجعل الولدان شيبا نسب الفعل الى الظرف لوقوعه فيه. و قوله تعالى: ﴿ وأخرجت الارض أثقالها . و قوله: ﴿ فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى . و قد يقال ان النزع و الاحلال يعبر بهما عن فعل ما اوجبهما فالمجاز افرادي لا اسنادي.

و قوله: ﴿ يوما يجعل الولدان شيبا يحتمل معناه يجعل هوله فهو من مجاز الحذف.


258

و اما قوله تعالي: ﴿ في عيشة راضية ، فقيل علي النسب اي ذات رضا. و قيل: بمعني (مرضيه) و كلاهما مجاز افراد لا مجاز اسناد لان المجاز في لفظ (راضيه) لا في اسنادها. و لكنهم كانهم قدروا انهم قالوا: رضيت عيشته فقالوا: (عيشة راضية).

و هو علي ثلاثه اقسام: احدها: ما طرفاه حقيقتان نحو: انبت المطر البقل و قوله تعالي: ﴿ و اذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا و قوله: ﴿ و اخرجت الارض اثقالها .

و الثاني: مجازيان نحو: ﴿ فما ربحت تجارتهم . و الثالث: ما كان احد طرفيه مجازا دون الاخر كقوله: ﴿ توتي اكلها كل حين باذن ربها و قوله: ﴿ حتي تضع الحرب اوزارها .

قال بعضهم: و من شرط هذا المجاز ان يكون للمسند اليه شبه بالمتروك، في تعلقه بالعامل.

المجاز الافرادي و اقسامه

و انواع الافراديّ في القرآن كثير يعجز العد عن احصائها.


259

كقوله: ﴿ كلا انها لظي. نزاعه للشوي. تدعو قال: الدعاء من النار مجاز.

و كقوله تعالي: ﴿ ام انزلنا عليهم سلطانا ... الايه، و السلطان هنا هو البرهان اي برهان يستدلون به، فيكون صامتا ناطقا كالدلائل المخبره و العبره و الموعظه.

و قوله: ﴿ فامه هاويه فاسم الام الهاويه مجاز اي كما ان الام كافلة لولدها و ملجا له، كذلك ايضا النار للكافرين كافله و ماوي و مرجع.

و قوله: ﴿ قتل الخراصون ، ﴿ قتل الانسان ما اكفره ، ﴿ قاتلهم الله انّي يؤفكون و الفعل في هذه المواضع مجاز ايضا لانه بمعني ابعده الله و اذله.

و قيل: قهره و غلبه و هو كثير، فلنذكر انواعه لتكون ضوابط لبقيه الايات الشريفه.

الاول

ايقاع المسبب موقع السبب

و كقوله تعالي: ﴿ قد انزلنا عليكم لباسا و انما نزل سببه و هو الماء.

و كقوله: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنه و لم يقل: (كما فتن ابويكم)، لان الخروج من الجنه هو المسبب الناشي عن الفتنه، فاوقع المسبب موقع السبب، اي لا تفتتنوا بفتنه الشيطان فاقيم فيه السبب مقام المسبب و هو سبب خاص، فاذا عدم فيعدم المسبب، فالنهي في الحقيقه لبني آدم، و المقصود عدم وقوع هذا الفعل منهم فلما اخرج السبب من ان يوجد بايراد النهي عليه، كان ادل علي امتناع النهي بطريق الاولي.


260

و قوله تعالى: ﴿ ما لي أدعوكم إلى النجاة و تدعونني إلى النار وهم لم يدعوه الى النار إنما دعوه الى الكفر بدليل قوله: ﴿ تدعونني لأكفر بالله لكن لما كانت النار مسببة عنه اطلقها عليه.

و قوله تعالى: ﴿ فاتقوا النار أي العناد المستلزم للنار.

و قوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم نارا لاستلزام اموال اليتامي إياها.

و قوله تعالى: ﴿ و ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا انما ارد والله اعلم الشيء الذي ينكح به من مهر و نفقة و ما لابد للمتزوج منه.

و قوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي لاتاكلوها بالسبب الباطل الذي هو القمار.

و قوله: ﴿ والرجز فاهجر أي عبادة الاصنام لان العذاب مسبب عنها.

و قوله: ﴿ وليجدوا فيكم غلظة أي و اغلظوا عليهم ليجدوا ذلك و إنما عدل الى الامر بالوجدان تنبيها على انه المقصود لذاته و أما الاغلاظ فلم يقصد لذاته بل لتجدوه.

الثاني

عكسه و هو ايقاع السبب موقع المسبب

كقوله تعالى: ﴿ و جزاء سيئة سيئة مثلها .

و قوله تعالى: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم


261
سمي الجزاء الذي هو السبب سيئة و اعتداء فسمي الشيء باسم سببه و ان عبرت السيئة عما ساء أي أحزن لم يكن من هذا الباب لان الاساءة تحزن في الحقيقة كالجناية.

و منه: ﴿ و مكروا و مكر الله تجوز بلفظ المكر عن عقوبته لانه سبب لها. و منه قوله: ﴿ ان تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى إنما جعلت المرأتان للتذكير إذا وقع الضلال لا ليقع الضلال فلما كان الضلال سببا للتذكير أقيم مقامه.

و منه إطلاق اسم الكتاب على الحفظ اي المكتوب فإن الكتابة سبب له كقوله تعالى: ﴿ سنكتب ما قالوا أي سنحفظه حتى نجازيهم عليه.

و منه إطلاق اسم السمع على القبول كقوله تعالى: ﴿ ما كانوا يستطيعون السمع أي ما كانوا يستطيعون قبول ذلك و العمل به لان قبول الشيء مرتب على سماعه و مسبب عنه. و يجوز ان يكون نفي السمع لابتغاء فائدته.

و منه قول الشاعر:

و ان حلفت لا ينقض النأي عهدها
فليس لمخضوب البنان يمين

أي وفاء يمين.

و منه إطلاق الايمان على ما نشأ عنه من الطاعة كقوله تعالى: ﴿ و ما كان الله ليضيع إيمانكم . ﴿ أفتومنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض أي أفتعملون ببعض التوارة و هو فداء الاسارى و تتركون العمل ببعض و هو قتل إخوانهم و إخراجهم من ديارهم.


262

و جعل الشيخ عز الدين من الانواع نسبه الفعل الي سبب سببه، کقوله تعالي: ﴿ فاخرجهما مما کانا فيه اي کما اخرج ابويکم فلا يخرجنکما من الجنه: ﴿ ينزع عنهما لباسهما .

المخرج و النازع في الحقيقه هو الله عز و جل، و سبب ذلک اکل الشجره، و سبب اکل الشجره وسوسه الشيطان و مقاسمته علي انه من الناصحين. و قد مثل البيانيون بهذه الايه للسبب و انما هي لسبب السبب.

و قوله: ﴿ و احلوا قومهم دار البوار لما امروهم بالکفر الموجب لحلول النار (نسب ذلک اليهم لانهم امروهم به؛ فالله هو المحل الدار البوار، و سبب احلالها کفرهم، و سبب کفرهم امرا اکابرهم اياهم بالکفر الموجب لحلول النار).

الثالث
اطلاق اسم الکل علي الجزء

قال تعالي: ﴿ يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق اي اناملهم؛ و حکمه التعبير عنها بالاصابع الاشاره الي انهم يدخلون اناملهم في آذانهم بغير المعتاد، فرارا من الشده، فکانهم جعلوا الاصابع.

و قال تعالي: ﴿ فاغسلوا وجوهکم و ايديکم و اليد حقيقه الي المنکب، هذا ان جعلنا (الي) بمعني (مع) ، و لا يجب غسل جميع الوجه اذا ستره بعض الشعور الکثيفه.


263

و قوله: ﴿ و السارق و السارقه فاقطعوا ايديهما ، و المراد هو البعض الذي و الرسغ.

و قال تعالي: ﴿ و من لم يطعمه اي من لم يذق.

و قوله: ﴿ تعجبک اجسامهم و المراد وجوههم؛ لانه لم ير جملتهم.

و منه قوله تعالي: ﴿ فمن شهد منکم الشهر فليصمه استشکله الامام تفسيره؛ من جهه ان الجزاء انما يکون بعد تمام الشرط و الشرط ان يشهد الشهر، هو اسم لثلاثين يوما. و حاصل جوابه انه اوقع الشهر و اراد جزءا منه، و اراده الکل سم الجزء مجاز شهير.

و نقل عن علي رضي الله عنه ان المعني: من شهد اول الشهر فليصم جميعه، و ان الشخص حتي کان مقيما او في البر ثم سافر، يجب عليه صوم الجميع. و الجمهور علي ان هذا عام، فخصص بقوله: ﴿ فمن کان منکم مريضا ... الايه. و يتفرع علي هذا ان من اردک لجزء الاخير من رمضان: هل يلزمه صوم ما سبق ان کان مجنونا في اوله؟ فيه قولان.

الرابع
اطلاق اسم الجزء علي الکل

کقوله تعالي: ﴿ کل شيء هالک الا وجهه ، اي ذاته. ﴿ و يبقي وجه ربک .


264

و قوله: ﴿ و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره . و قوله: ﴿ وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة يريد الاجساد لان العمل و النصب من صفاتها. و أما قوله: ﴿ وجوه يومئذ ناعمة فيجوز ان يكون من هذا عبر بالوجوه عن الرجال. و يجوز ان يكون من وصف البعض بصفة الكل لان التنعم منسوب الى جميع الجسد.

و منه: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة فالوجه المراد به جميع ما تقع به المواجهة لا الوجه وحده.

و قد اختلف في تأويل الوجه الذي جاء مضافا الى الله في مواضع من القرآن فنقل ابن عطية عن الحذاق انه راجع الى الوجود و العبارة عنه بالوجه مجاز اذ هو اظهر الاعضاء في المشاهدة و أجلها قدرا. و قيل و هو الصواب هي صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات الله تعالى. و ضعفه امام الحرمين. و أما قوله تعالى: ﴿ فثم وجه الله فالمراد الجهة التي وجهنا اليها في القبلة. و قيل المراد به الجاه أي فثم جلال الله وعظمته.

و قوله: ﴿ فبما كسبت أيديكم ، ﴿ ولا تلقوا بأيديكم تجوز بذلك عن الجملة.

و قوله: ﴿ واضربوا منهم كل بنان البنان الاصبع تجوز بها عن الايدي


265
و الارجل عكس قوله تعالى: ﴿ يجعلون أصابعهم . و قوله: ﴿ فتحرير رقبة . و قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم عبر بالأنف عن الوجه. ﴿ لأخذنا منه باليمين . و كقوله تعالى: ﴿ فإنه آثم قلبه أضاف الاثم الى القلب و ان كانت الجملة كلها آثمة من حيث كان محلا لاعتقاد الاثم و البر كما نسبت الكتابة الى اليد من حيث انها تفعل بها في قوله تعالى: ﴿ مما كتبت أيديهم و ان كانت الجملة كلها كاتبة و لهذا قال: ﴿ و ويل لهم مما يكسبون .

و كذا قوله: ﴿ لا تدركه الابصار . و قيل المعنى على حذف المضاف لان المدرك هو الجملة دون الحاسة فاسند الادراك الى الابصار لانه بها يكون. و كقوله تعالى: ﴿ و يحذركم الله نفسه أي اياه. ﴿ تعلم ما في نفسي و جعل منه بعضهم قوله تعالى: ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم . و حكى ابن فارس عن جماعة ان من هنا للتبعيض لانهم امروا بالغض عما يحرم النظر إليه.

و قوله: ﴿ قم الليل أي صل في الليل لان القيام بعض الصلاة.


266

و کقوله: ﴿ و قرآن الفجر اي صلاه الفجر.

و منه المسجد الحرام والمراد جميع الحرم.

و قوله: ﴿ و ارکعوا مع اراکعين اي المصلين.

﴿ يخرون للاذقان سجدا ، ﴿ و يخرون للاذقان يبکون اي الوجوه.

و قوله: ﴿ ان الله لا يخفي عليه شيء في الارض و لا في السماء فعبر بالارض و السماء عن العالم لان المقام مقام الوعيد و الوعيد انما يحصل لو بين ان الله لا يخفي عليه احوال العباد حتي يجازيهم علي كفرهم و ايمانهم و العباد و احوالهم ليست السماء و الرض بل من العالم فيكون المراد بالسماء و الارض العالم اطلاقا للجزء علي الكل.

و قوله: ﴿ قل اذن خير لكم قال الفارسي: جعله علي المجاز اذنا لاجل اصغائه قال: و لو صغرت اذنا هذه التي في هذه الآيه كان في لحاق التاء فيها و تركها نظر.

و جعل الامام فخر الدين قوله تعالي: ﴿ و اذ جعلنا البيت مثابه للناس و امنا المراد به جميع الحرم لا صفه الكعبه فقط بدليل قوله: ﴿ انا جعلنا حرما آمنا و قوله: ﴿ هديا بالغ الكعبه و المراد الحرم كله لانه لا يذبح في الكعبه قال: و ككذلك المسجد الحرام في قوله: ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم


267
هذا و المراد منعهم من الحج و حضور مواضع النسك.

و قيل في قوله تعالي: ﴿ بلي قادرين علي ان نسوي بنانه اي نجعلها صفحه مستوبه لا شقوق فيها كخف البعير فيدم الارتفاق بالاعمال اللطيفه كالكتابه و الخياطه و نحوها من الاعمال التي يستعان فيها بالاصابع قالوا: و ذكرت البنان لانه قد كذرت اليدان فاختص منها الطفها.

و جوز ابو عبيده ورود البعض و اراده الكل و خرج عليه قوله تعالي: ﴿ و لما جاء عيسي بالبينات قال قد جئتكم بالحكمه و لابين لكم بعض الذي تختلفون فيه اي كله و قوله تعالي: ﴿ و ان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم و انشد بيت لبيد:

تراك امكنه اذا لم ارضها
او يعتلق بعض النفوس حمامها

قال: و الموت لا يعتلق بعض النفوس دون بعض و يقال للمنيه: علوق و علاقه. انتهي.

و هذا الذي قاله فيه امران:

احدهما: انه ظن ان النبي يجب عليه ان يبين في شريعه جميع ما اختلفوا فيه و ليس كذلك بدليل سوالهم عن الساعه و عن الروح و غيرهما مما لا يعلمه الا الله. و اما الآيه


268
الاخرى فقال ثعلب انه كان وعدهم بشيء من العذاب عذاب الدنيا و عذاب الاخرة فقال يصبكم هذا العذاب في الدنيا و هو بعض الوعيد من غير نفي عذاب الاخرة.

الثاني انه اخطأ في فهم البيت و إنما مراد الشاعر ببعض النفوس نفسه هو لانها بعض النفوس حقيقة و معنى البيت انا اذا لم ارض الامكنه اتركها إلى ان اموت أي إذا تركت شيئا لا اعود اليه الى ان اموت كقول الاخر:

اذا انصرفت نفسي عن الشئ لم تكد
اليه بوجة آخر الدهر ترجع

و قال الزمخشري ان صحت الرواية عن ابي عبيدة فيدخل فيه قول المازني في مسألة العلقي كان أجفى من ان يفقه ما اقول له. و اشار الزمخشري بذلك الى ان ابا عبيدة قال للمازني ما اكذب النحويين فقلت له لم قلت ذلك؟ قال يقولون هاء التأنيث تدخل على الف التأنيث و ان الالف التي في علقي ملحقة ليست للتأنيث قال فقلت له و ما انكرت من ذلك؟ قال سمعت رؤبة ينشد

فحط في علقي و في مكور

فلم ينونها فقلت ما واحد العلقي؟ فقال علقاه قال المازني فأسفت و لم افسر له لانه كان أغلظ من ان يفهم مثل هذا!


269

قلت و يحتمل قوله: ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ان الوعيد مما لايستنكر ترك جميعه فكيف بعضه و يدل قوله في آخر هذه السورة: ﴿ فاصبر ان وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون و فيها تأييد لكلام ثعلب ايضا.

و قد يوصف البعض كقوله تعالى: ﴿ يعلم خائنة الاعين و قوله: ﴿ ناصبة كاذبة خاطئة الخطأ صفة الكل فوصف به الناصية و أما الكاذبة فصفة اللسان.

و قد يوصف الكل بصفة البعض كقوله: ﴿ إنا منكم وجلون و الوجل صفة القلب. و قوله: ﴿ و لملئت منهم رعبا و الرعب انما يكون في القلب.

الخامس

اطلاق اسم الملزوم على اللازم

كقوله تعالى: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون أي أنزلنا برهانا يستدلون به و هو يدلهم سمي الدلالة كلاما لانها من لوازم الكلام.

و قوله: ﴿ صم و بكم في الظلمات فإن الاصل عمي لقوله في موضع آخر: ﴿ صم بكم عمي لكن أتى بالظلمات لانها من لوزام العمي.


270

فان قيل: ما الحكمه في دخول الواو هنا و في التعبير بالظلمات عن العمي بخلافه في الايه الاخري.

السادس

اطلاق اسم اللازم علي الملزوم

كقوله تعالي: ﴿ فلولا انه كان من المسبحين اي المصلين.

السابع

اطلاق اسم المطلق علي المقيد

كقوله: ﴿ فعقروا الناقه ، و العاقر لها من قوم صالح قدار لكنهم لما رضوا الفعل نزلوا منزله الفاعل.

الثامن

عكسه

كقوله تعالي: ﴿ تعالوا الي كلمه سواء بيننا و بينكم ، و المراد كلمه لشهاده، و هي عده كلمات.

التاسع

اطلاق اسم الخاص و اراده العام

كقوله تعالي: ﴿ اني رسول رب العالمين اي رسله.

و قال: ﴿ هم العدو فاحذرهم ، اي الاعداء.


271

﴿ و خضتم كالذي خاضوا اي الذين. و قوله: ﴿ علمت نفس اي كل نفس. و قوله: ﴿ و جزاء سيئه سيئه مثلها اي كل سيئه. و قوله تعالي: ﴿ يا ايها النبي اتق الله و لا تطع الكافرين الخطاب للنبي صلي الله عليه و سلم، و المراد الناس جميعا.

العاشر

اطلاق اسم العام و اراده الخاص

كقوله تعالي: ﴿ و يستغفرون لمن في الارض اي للمؤمنين، بدليل قوله في موضع آخر: ﴿ و يستغفرون للذين آمنوا ، و لما خفي هذا علي بعضهم زعم ان الاولي منسوخه بالثانيه.

و كقوله تعالي: ﴿ كل له قانتون اي اهل طاعته لا الناس اجمعون، حكاه الواحدي عن ابن عباس و غيره و اختاره الفراء. و قوله: ﴿ كان الناس امه واحده ، قيل: المراد بالناس هنا نوح و من معه في السفينه. و قيل آدم و حواء. و قوله: ﴿ و آل عمران علي العالمين اي عالمي زمانه و لا يصح للعموم


272
لأنه اذا فضل احدهم على العالمين فقد فضل على سائرهم لانه من العالمين فاذا فضل الاخرين على العالمين فقد فضلهم ايضا على الاول لانه من العالمين فيصير الفاضل مفضولا ولايصح.

و قوله: ﴿ ما تذر من شيء أتت عليه الا جعلته كالرميم أي شيء يحكم عليه بالذهاب بدليل قوله: ﴿ فأصبحوا لا يرى الا مساكنهم .

و قوله: ﴿ تدمر كل شيء بأمر ربها . و قوله: ﴿ و أوتيت من كل شيء مع انها لم توت لحيه و لا ذکرا.

و قوله: ﴿ فتحنا عليهم ابواب کل شي أي كل شيء أحبوه. و قوله: ﴿ حتى إذا جاءه لم يجده شيئا أي مما ظنه و قدره. و قوله: كحاية عن نبيه صلى الله عليه و سلم: ﴿ و أنا أول المسلمين و عن موسى ﴿ و أنا أول المؤمنين ولم يرد الكل لان الانبياء قبله ما كانوا مسلمين و لا مؤمنين.

و قال: ﴿ و الشعراء يتبعهم الغاوون و لم يعن كل الشعراء. و قوله: ﴿ فإن كان له إخوة أي اخوان فصاعدا. و قوله: ﴿ وادخلوا الباب سجدا أي بابا من ابوابها قاله المفسرون.


273

و قوله: ﴿ قالت الاعراب آمنا و إنما قاله فريق منهم. ﴿ و ما منعنا ان نرسل بالآيات الا ان كذب بها الاولون و أراد الايات التي اذا كذب بها نزل العذاب على المكذب. و قوله: ﴿ ويستغفرون لمن في الارض أي من المؤمنين. و قوله: ﴿ ويستغفرون للذين آمنوا . و قوله: ﴿ وكذب به قومك و هو الحق و المراد بعضهم فإن منهم افاضل المسلمين والصديق وعليا رضي الله عنهما.

و قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فإن ﴿ الناس الاولى لو كان المراد به الاستغراق لما انتظم قوله تعالى بعد ذلك ﴿ ان الناس و لان ﴿ الذين من ﴿ الناس فلا يكون الثاني مستغرقا ضرورة خروج ﴿ الذين منهم لانهم لم يقولوا لأنفسهم. و قوله: ﴿ الحج أشهر معلومات و المراد شهران و بعض الثالث.

الحادي عشر

إطلاق الجمع و أرادة المثنى

كقوله تعالى: ﴿ فقد صغت قلوبكما اطلق اسم القلوب على القلبين.


274

الثاني عشر

النقصان

و منه حذف المضاف و اقامة المضاف اليه مقامه كقوله: ﴿ و اسأل القرية أي اهلها. و قوله: ﴿ ربنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك أي على لسان رسلك. و قالوا ﴿ نحن أنصار الله أي انصار دين الله. و قال: ﴿ و اشربوا في قلوبهم العجل أي حبة. ﴿ و اختار موسى قومه أي من قومه. قالوا و إنما يحسن الحذف اذا كان فيه زيادة مبالغة و المحذوفات في القرآن على هذا النمط و سيأتي الاشباع فيه و في شروطه ان شاء الله تعالى. و ذهب المحققون الى ان حذف المضاف ليس من المجاز لانه استعمال اللفظ فيما وضع له و لان الكلمة المحذوفة ليست كذلك و إنما التجوز في ان ينسب الى المضاف اليه ما كان منسوبا الى المضاف كالامثلة السابقة.

الثالث عشر

الزيادة

كقوله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء ذكره الاصوليون.


275

و للنحويين فيها قولان: احدهما ان مثل زائدة و التقدير ليس كهو شيء. و الثاني و هو المشهور ان الكاف هي الزائدة و ان مثل خبر ليس. و لا خفاء ان القول بزيادة الحرف اسهل من القول بزيادة الاسم.

و ممن قال به ابن جني والسيرافي و غيرهما فقالوا المعنى ليس مثله شيء و الكاف زائدة و الا لاستحال الكلام لانها لو لم تكن زائدة كانت بمعنى مثل و ان كانت حرفا فيكون التقدير ليس مثل مثله شيء و إذا قدر هذا التقدير ثبت له مثل و نفي الشبه عن مثله و هذا محال من وجهين:

أحدهما ان الله عز وجل لا مثل له.

و الثاني ان نفس اللفظ به محال في حق كل أحد و ذلك انا لو قلنا ليس مثل مثل زيد لاستحال ذلك لان فيه اثبات ان لزيد مثلا و ذلك يستلزم جعل زيد مثلا له لان ما ماثل الشيء فقد ماثله ذلك الشيء. و غير جائز ان يكون زيد مثلا لعمرو و عمرو ليس مثلا لزيد فاذا نفينا المثل عن مثل زيد و زيد هو مثل مثله فقد اختلفنا. و لانه يلزم منه التناقض على تقدير اثبات المثل لان مثل المثل لايصح نفيه ضرورة كونه مثلا لشيء و هو مثل له.

و اجيب عن الاول بانا لا نسلم لزوم اثبات المثل غاية ما فيه نفي مثل مثل الله و ذلك يستلزم الا يكون له مثل اصلا ضرورة ان مثل كل شيء فذلك الشيء مثله فاذا انتفى عن شيء ان يكون مثل عمرو انتفى عن عمرو ان يكون مثله.


276

و أما الثاني فهو مبني على ان هذه العبارات يلزم منها اثبات المثل و نحن قد منعناه بل احلناه من العبارة.

و قيل ليست زائدة اما لاعتبار جواز سلب الشيء عن المعدوم كما تسلب الكتابة عن زيد و هو معدوم او يحمل المثل على المثل أي الصفة كقوله تعالى: ﴿ مثل الجنة اي صفتها فالتقدير ليست كصفته شيء.

و بهذين التقديرين يحصل التخلص عن لزوم اثبات مثل و ان لم تكن زائدة.

و أما القائلون بأن الزائد مثل و الا لزم اثبات المثل ففيه نظر لاستلزام تقدير دخول الكاف على الضمير و هو ضعيف لايجيء الا في الشعر. و قد ذكرنا ما يخلص من لزوم اثبات المثل.

و قيل المراد الذات و العين كقوله: ﴿ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به و قول امرىء القيس:

على مثل ليلى يقتل المرء نفسه

فالكاف على بابها و ليس كذلك بل المراد حقيقة المثل ليكون نفيا عن الذات بطريق برهاني كسائر الكنايات. ثم لايشترط على هذا ان يكون لتلك الذات الممدوحة مثل في الخارج حصل النفي عنه بل هو من باب التخييل في الاستعارة التي يتكلم فيها البياني.

فإن قيل انما يكون هذا نفيا عن الذات بطريق برهاني ان لو كانت المماثلة تستدعي المساواه في الصفات الذاتية و غيرها من الافعال فان اتفاق الشخصيتين بالذاتيات لايستلزم اتحاد افعالهما.


277

قيل ليس المراد بالمثل هنا المصطلح عليه في العلوم العقلية بل المراد من هو مثل حالة في الصفات المناسبة لما سيق الكلام له و ليس المراد من هو مثل في كل شيء لان لفظه مثل لاتستدعي المشابهة من كل وجه.

و قال الكواشي يجوز ان يقال ان الكاف و مثل ليسا زائدتين بل يكون التمثيل هنا على سبيل الفرض كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا و تقدير الكلام لو فرضنا له مثلا لامتنع ان يشبه ذلك المثل المفروض شيء و هذا ابلغ في نفي المماثلة.

و أما قوله تعالى: ﴿ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا فقيل ان ما فيه مصدرية. و هذا فيه نظر لان ما لو كانت مصدرية لم يعد اليها من الصلة ضمير و هو الهاء في ﴿ به لان الضمير لايعود على الحروف و لايعتبر اسما الا بالصلة و الاسم لايعود عليه ما هو صفته اذ لايحتاج في ذلك إلى ربط.

و جوابه ان تكون ما موصولة صلتها ﴿ آمنتم به .

و قيل مزيدة و التقدير فان آمنوا بالذي آمنتم به اي بالله و ملائكته و كتبه و رسله و جميع ما جاء به الانبياء. و قيل ان مثلا صفة لمحذوف تقديره فان آمنوا بشيء مثل ما آمنتم به. و فيه نظر لان ما أمنوا به ليس له مثل حتى يؤمنوا بذلك المثل.


278

و حكي الواحدي عن اكثر المفسرين في قوله تعالى: ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ان الوجه صلة و المعنى فثم الله يعلم ويرى قال والوجه قد ورد صلة مع اسم الله كثيرا كقوله: ﴿ ويبقى وجه ربك ، ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ، ﴿ كل شيء هالك الا وجهه قلت و الاشبه حمله على ان المراد به الذات كما في قوله تعالى: ﴿ بلى من أسلم وجهه لله و هو اولى من دعوى الزيادة.

و من الزيادة دعوى ابا عبيدة ﴿ يسمعونكم إذ تدعون ان ﴿ إذ زائدة. و قوله: ﴿ و لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم . و قوله: ﴿ و ان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم و قد سبق.

الرابع عشر

تسمية الشيء بما يئول اليه

كقوله تعالى: ﴿ ولا يلدوا الا فاجرا كفارا اي صائرا الى الفجور و الكفر و قوله: ﴿ إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا اي لان الذي تاكل الطير منه إنما هو البر لا الخبز. ولم يذكر العلماء هذا من جملة الامثلة انما اقتصروا في التمثيل


279
على قوله: ﴿ أعصر خمرا اي عنبا فعبر عنه لانه آيل الى الخمرية. و قيل لا مجاز فيه فان الخمر العنب بعينه لغة لازد عمان نقله الفارسي في التذكرة عن غريب القرآن لابن دريد.

و قيل اكتفى بالمسبب الذي هو الخمر عن السبب الذي هو العنب قاله ابن جني في الخصائص. و قيل لا مجاز في الاسم بل في الفعل و هو ﴿ أعصر فانه اطلق و اريد به استخرج و اليه ذهب ابن عزيز في غريبه.

و قوله: ﴿ حتى تنكح زوجا غيره سماه زوجا لان العقد يئول الى زوجية لانها لاتنكح في حال كونه زوجا. و قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ، ﴿ و بشروه بغلام عليم وصفة في حال البشارة بما يئول اليه من العلم والحلم.

تنبيه: ليس هذا من الحال المقدرة كما يتبادر الى الذهن لان الذي يقترن بالفاعل او المفعول انما هو تقدير ذلك و أرادته فيكون المعنى في قوله: ﴿ فتبسم ضاحكا مقدر ضحكه.


280

و كذا قوله: ﴿ و خروا له سجدا على قول ابي علي و هذا حمل منه للخرور على ابتدائه و ان حمله على انتهائة كانت الحال الملفوظ بها ناجزة غير مقدرة.

و كذلك قوله: ﴿ فادخلوها خالدين اي ادخلوها مقدرين الخلود فيها فان من دخل مدخلا كريما مقدرا الا يخرج منه ابدا كان ذلك اتم لسروره و نعيمه و لو توهم انقطاعه لتنغص عليه النعيم الناجز مما يتوهمه من الانقطاع اللاحق.

الخامس عشر

تسمية الشيء بما كان عليه

كقوله تعالى: ﴿ و آتوا اليتامى أموالهم أي الذين كانوا يتامى اذ لايتم بعد البلوغ. و قيل بل هم يتامى حقيقة و أما حديث لايتم بعد احتلام فهو من تعليم الشرع لا اللغة و هو غريب.

و قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم و إذا متن لم يكن ازواجا فسماهن بذلك لانهن كن ازواجا.

و قوله: ﴿ فلا تعضلوهن ان ينكحن أزواجهن اي الذين كانوا ازواجهن. و كذلك: ﴿ و يذرون أزواجا لانقطاع الزوجية بالموت. و قوله: ﴿ من يأت ربه مجرما سماه مجرما باعتبار ما كان عليه في الدنيا من الاجرام.


281

و قوله: ﴿ هذه بضاعتنا ردت إلينا و لكن ما رد عليهم مالهم و إنما كانوا قد اشتروا بها الميرة فجعلها يوسف في متاعهم و هي له دونهم فنسبها الله اليهم بمعنى انها كانت لهم.

السادس عشر

إطلاق اسم المحل على الحال

كقوله: ﴿ فليدع ناديه .

و قوله تعالى: ﴿ و فرش مرفوعة اي نساؤه بدليل قوله: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاء .

و كالتعبير باليد عن القدرة كقوله: ﴿ بيده الملك و نحوه. و التعبير بالقلب عن الفعل كقوله: ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها اي عقول. و بالافواه عن الالسن كقوله: ﴿ الذين قالوا آمنا بأفواههم ، ﴿ يقولون بأفواههم و إطلاق الالسن على اللغات كقوله: ﴿ بلسان عربي مبين . و التعبير بالقرية عن ساكنها نحو: ﴿ و اسأل القرية .


282

السابع عشر

اطلاق اسم الحال على المحل

كقوله تعالى: ﴿ و أما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون أي في الجنة لانها محل الرحمة.

و قوله: ﴿ بل مكر الليل و النهار اي في الليل. و قال الحسن في قوله: ﴿ إذ يريكهم الله في منامك اي في عينك و استبعده الزمخشري و قدر يعني في رؤياك. و قوله: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمنا وصف البلد بالامن و هو صفة لاهله. و مثله ﴿ و هذا البلد الامين ، ﴿ ان المتقين في مقام أمين .

و قوله: ﴿ بلدة طيبة وصفها بالطيب و هو صفة لهوائها. و قد اجتمع هذا و الذي قبله في قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد و ذلك لان اخذ الزينة غير ممكن لانها مصدر فيكون المراد محل الزينة ولا يجب اخذ الزينة للمسجد نفسه فيكون المراد بالمسجد الصلاة فاطلق اسم المحل على الحال و في الزينة بالعكس.

الثامن عشر

إطلاق اسم آلة الشيء عليه

كقوله تعالى: ﴿ واجعل لي لسان صدق في الاخرين أي ذكرا حسنا


283
أطلق اللسان و عبر به عن الذكر لان اللسان آية الذكر.

و قال تعالى: ﴿ تجري بأعيننا أي بمرأى منا لما كانت العين آلة الرؤية. و قوله: ﴿ و ما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه اي بلغة قومه.

التاسع عشر

إطلاق اسم الضدين على الاخر

كقوله تعالى: ﴿ و جزاء سيئة سيئة مثلها و هي من المبتدىء سيئة و من الله حسنة فحمل اللفظ على اللفظ. و عكسه ﴿ هل جزاء الاحسان الا الاحسان سمي الاول احسانا لانه مقابل لجزائه و هو الاحسان و الاول طاعة كانه قال هل جزاء الطاعة الا الثواب!

و كذلك: ﴿ و مكروا و مكر الله حمل اللفظ على اللفظ فخرج الانتقام بلفظ الذنب لان الله لايمكر. و أما قوله تعالى: ﴿ أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون فهو و ان لم يتقدم ذكر مكرهم في اللفظ لكن تقدم في سياق الاية قبله ما يصير الى مكر والمقابلة لايشترط فيها ذكر المقابل لفظا بل هو اوما في معناه.

و كذلك قوله: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم لما قال بشر هؤلاء بالجنة قال بشر هؤلاء بالعذاب و البشارة إنما تكون في الخير لا في الشر. و قوله: ﴿ ان تسخروا منا فإنا نسخر منكم و الفعل الثاني ليس بسخرية.


284

العشرون

تسمية الداعي إلى الشيء باسم الصارف عنه

لما بينهما من التعلق ذكره السكاكي و خرج عليه قوله تعالى: ﴿ ما منعك الا تسجد يعني ما دعاك الا تسجد! و اعتصم بذلك في عدم زيادة لا.

و قيل معناه ما حماك في الا تسجد اي من العقوبة اي ما جعلك في منعه من عقوبة ترك السجود. و هذا لايصح أما الاول فلم يثبت في اللغة و أما الثاني فكأن تركيبه ما يمنعك سؤالا عما يمنعه لا بلفظ الماضي لانه لاتخويف بماض.

و يجاب بأن المخالفة تقتضي الامنه كانه قيل ما امنك حتى خالفت! بيانا لاغتراره و عدم رشده و أنه انما خالف و حاله حال من امتنع بقوته من عذاب ربه فكني عنه بما منعك تهكما لا انه امتنع حقيقة و إنما جسر جسارة من هو في منعه.

و رد ايضا بانه أجاب ب ﴿ أنا خير و هو لايصلح جوابا الا لترك السجود. و اجيب بانه لم يجب و لكن عدل بذلك جواب مالا يمكن جوابه.


285

الحادي والعشرون

إقامة صيغة مقام اخرى

و له صور:

فمنه فاعل بمعنى مفعول كقوله: ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله اي لامعصوم. و قوله تعالى: ﴿ من ماء دافق اي مدفوق. و ﴿ في عيشة اي مرضية بها و قيل على النسب اي ذات رضا و هو مجاز إفراد لاتركيب.

و قوله: ﴿ أنا جعلنا حرما آمنا اي مأمونا. و عكسه ﴿ إنه كان وعده مأتيا اي آتيا. و جعل منه بعضهم قوله تعالى: ﴿ حجابا مستورا اي ساترا و حكى الهوري في الغريب عن اصل اللغة و تاويل الحجاب الطبع.

و قال السهيلي الصحيح انه على بابه اي مستورا عن العيون و لا يحس به أحد


286
و المعنى مستور عنك و عنهم كما قال تعالى: ﴿ و ما يعلم جنود ربك الا هو .

و قال الجوهري أي حجابا على حجاب و الاول مستور بالثاني يراد بذلك كثافة الحجاب لانه جعل على قلوبهم اكنة و في آذانهم وقرا. قال أبو الفتح في كتابه هذا الفد و سألته يعني الفارسي اذا جعلت فاعلا بمعنى مفعول فعلام ترفع الضمير الذي فيه؟ اعلى حد ارتفاع الضمير في اسم الفاعل ام اسم المفعول؟ فقال ان كان بمعنى مفعول ارتفع الضمير فيه ارتفاع الضمير في اسم الفاعل و ان جاء على لفظ اسم الفاعل.

و منه فعيل بمعنى مفعول كقوله: ﴿ و كان الكافر على ربه ظهيرا أي مظهورا فيه و منه ظهرت به فلم التفت اليه. أما نحو: ﴿ فله عذاب أليم فقال بعض النحويين انه بمعنى مؤلم ورده النحاس بان مؤلما يجوز ان يكون قد آلم ثم زال و أليم ابلغ لانه يدل على الملازمة قال و لهذا منع النحويون الا سيبويه ان يعدي فعيل.

و منه مجيء المصدر على فعول كقوله تعالى: ﴿ لمن أراد ان يذكر أو أراد شكورا و قوله: ﴿ لا نريد منكم جزاء و لا شكورا فانه ليس المراد


287
الجمع هنا بل المراد لانريد منكم شكرا اصلا و هذا ابلغ في قصد الاخلاص في نفي الانواع.

و زعم السهيلي انه جمع شكر و ليس كذلك لفوات هذا المعنى.

و منها اقامة الفاعل مقام المصدر نحو: ﴿ ليس لوقعتها كاذبة اي تكذيب و اقامة المفعول مقام المصدر نحو: ﴿ بأيكم المفتون اي الفتنة.

و منه وصف الشيء بالمصدر كقوله تعالى: ﴿ فإنهم عدو لي قالوا انما وحده لانه في معنى المصدر كانه قال فانهم عداوة. و مجئ المصدر بمعنى المفعول كقوله تعالى: ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه أي من معلومة.

و قوله: ﴿ ذلك مبلغهم من العلم أي من العلوم. و قوله: ﴿ صنع الله أي مصنوعة. و قوله: ﴿ هذا رحمة من ربي اي مترحم قاله الفارسي. و كذا قوله: ﴿ فأعينوني بقوة أي مقوى به الا ترى أنه اراد منهم زبر الحديد و النفخ عليها!

و قوله: ﴿ و قد خاب من حمل ظلما اي مظلوما فيه.


288

و قوله تعالى: ﴿ و جاؤوا على قميصه بدم كذب اي مكذوب فيه و الا لو كان على ظاهره لاشكل لان الكذب من صفات الاقوال لا الاجسام. و قال الفراء يجوز في النحو بدم كذبا بالنصب على المصدر لان ﴿ جاؤوا فيه معنى كذبوا كذبا كما قال تعالى: ﴿ والعاديات ضبحا لان العاديات بمعنى الضابحات. و عكسه ﴿ و أنه لذو علم لما علمناه .

و منه فعيل بمعنى الجمع كقوله تعالى: ﴿ و الملائكة بعد ذلك ظهير . و قوله: ﴿ خلصوا نجيا . و قوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقا . و شرط بعضهم ان يكون المخبر عنه جمعا و أنه لايجيء ذلك في المثنى و يرده قوله تعالى: ﴿ عن اليمين و عن الشمال قعيد فانه نقل الواحدي عن المبرد و ابن عطية عن الفراء ان قعيد أسند لهما.

و قد يقع الاخبار بلفظ الفرد عن لفظ الجمع و ان اريد معناه لنكته كقوله تعالى: ﴿ أم يقولون نحن جميع منتصر فإن سبب النزول و هو قول ابي جهل نحن ننتصر اليوم يقضي بإعراب منتصر خبرا.


289

و منه اطلاق الخبر و أرادة الامر كقوله تعالى: ﴿ و الوالدات يرضعن أولادهن اي ليرضع الوالدات اولادهن.

و قوله: ﴿ يتربصن بأنفسهن اي تتربص المتوفى عنها. و قوله: ﴿ تزرعون سبع سنين دأبا و المعنى ازرعوا سبع سنين بدليل قوله: ﴿ فذروه في سنبله . و قوله: ﴿ تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون معناه آمنوا وجاهدوا و لذلك أجيب بالجزم في قوله: ﴿ يغفر لكم ذنوبكم و يدخلكم جنات و لا يصح ان يكون جوابا للاستفهام في قوله: ﴿ هل أدلكم لان المغفرة و ادخال الجنان لا يترتبان على مجرد الدلالة قاله ابو البقاء و الشيخ عزالدين.

و التحقيق ما قاله النبالي انه جعل الدلالة على التجارة سببا لوجودها و التجارة هي الايمان و لذلك فسرها بقوله: ﴿ تؤمنون فعلم ان التجارة من جهة الدلالة هي الايمان فالدلالة سبب الايمان و الايمان سبب الغفران و سبب السبب سبب. و هذا النوع فيه تأكيد و هو من مجاز التشبيه شبه الطلب في تأكده بخبر الصادق الذي لابد


290
من وقوعه و إذا شبهة بالخبر الماضي كان آكد.

و منه عكسه كقوله تعالى: ﴿ فليمدد له الرحمن مدا و التقدير مده الرحمن مدا. و قوله: ﴿ اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم أي نحمل.

قال الكواشي و الامر بمعنى الخبر ابلغ من الخبر لتضمنه اللزوم نحو ان زرتنا فلنكرمك. يريدون تأكيد ايجاب الاكرام عليهم كذا قال الشيخ عز الدين مقصودة تأكيد الخبر لان الامر للإيجاب يشبه الخبر في ايجابه.

و جعل الفارسي منه قوله تعالى: ﴿ إنما امرنا لشيء إذا أردناه ان نقول له كن فيكون قال: ﴿ كن لفظه امر و المراد الخبر و التقدير يكون فيكون أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فهو يكون قال و لهذا أجمع القراء على رفع فيكون و رفضوا فيه النصب الا ما روي عن ابن عامر و سوغ النصب لكونه بصيغة الامر قال ولا يجوز ان يكون معطوفا على ﴿ نقول فيجيء النصب على الفعل المنصوب لان ذلك لايطرد بدليل قوله: ﴿ ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون اذ لايستقيم هنا العطف المذكور لان قال ماض


291
﴿ و يكون مضارعا فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما.

قلت و هذا الذي قاله الفارسي ضعيف مخالف لقواعد اهل السنة. و منه اطلاق الخبر و أرادة النهي كقوله: ﴿ لا تعبدون الا الله و معناه لاتعبدوا. و قوله: ﴿ لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم أي لا تسفكوا و لا تخرجوا. و قوله: ﴿ و ما تنفقون الا ابتغاء وجه الله أي ولا تنفقوا.

الثاني والعشرون

إطلاق الامر و أرادة التهديد و التلوين

و غير ذلك من المعاني الستة عشر و ما زيد عليها من انواع المجاز ولم يذكروه هنا في اقسامه.

الثالث والعشرون

لإضافة الفعل الى ما ليس بفاعل له في الحقيقة

إما على التشبيه كقوله تعالى: ﴿ جدارا يريد ان ينقض فإنه شبه ميله للوقوع بشبه المريد له.

و أما لانه وقع فيه ذلك الفعل كقوله تعالى: ﴿ الم. غلبت الروم فالغلبة واقعة بهم من غيرهم ثم قال: ﴿ و هم من بعد غلبهم سيغلبون فأضاف الغب اليهم و إنما كان كذلك لان الغلب و ان كان لغيرهم فهو متصل بهم لوقوعه بهم.


292

و مثله ﴿ و آتى المال على حبه ، ﴿ و يطعمون الطعام على حبه فالحب في الظاهر مضاف الى الطعام و المال و هو في الحقيقة لصاحبهما. و مثله ﴿ و لمن خاف مقام ربه جنتان ، ﴿ ذلك لمن خاف مقامي أي مقامه بين يدي.

و أما لوقوعه فيه كقوله تعالى: ﴿ يوما يجعل الولدان شيبا . و أما لانه سببه كقوله تعالى: ﴿ فزادتهم إيمانا ، ﴿ و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ، ﴿ ينزع عنهما لباسهما ، ﴿ و أحلوا قومهم دار البوار كما تقدم في امثلة المجاز العقلي.

و قد يقال ان النزع و الاحلال يعبر بهما عن فعل ما اوجبهما فالمجاز افرادي لا اسنادي. و قوله تعالى: ﴿ يوما يجعل الولدان شيبا أي يجعل هو له فهو من مجاز الحذف.

الرابع والعشرون

إطلاق الفعل و المراد مقاربته و مشارفته لا حقيقته

كقوله تعالى: ﴿ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن أي قاربن بلوغ الاجل أي انقضاء العدة لان الامساك لايكون بعد انقضاء العدة فيكون بلوغ الاجل تمامه


293
كقوله تعالى: ﴿ فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أي اتممن العدة و اردن مراجعة الازواج. و لو كانت مقاربته لم يكن للولي حكم في إزالة الرجعة لانها بيد الزوج و لو كان الطلاق غير رجعي لم يكن للولي ايضا عليها حكم قبل تمام العدة و لا تسمى عاضلا حتى يمنعها تمام العدة من المراجعة.

و مثله قوله تعالى: ﴿ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون المعنى قارب و به يندفع السؤال المشهور فيها ان عند مجيء الاجل لا يتصور تقديم و لا تأخير. و قوله تعالى: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أي قارب حضور الموت. و قوله تعالى: ﴿ كذلك سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم. فيأتيهم بغتة أي حتى يشارفوا الرؤية و يقاربوها.

و يحتمل ان تحمل الرؤية على حقيقتها و ذلك على ان يكون يرونه فلا يظنونه عذابا. ﴿ و ان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ولا يظنونه واقعا بهم و حينئذ فيكون أخذه لهم بغته بعد رؤيته.

و من دقيق هذا النوع قوله تعالى: ﴿ و نادى نوح ربه المراد قارب النداء لا أوقع النداء لدخول الفاء في فقال فإنه لو وقع النداء لسقطت و كان ما ذكر


294
تفسيرا للنداء كقوله تعالى: ﴿ هنالك دعا زكريا ربه قال و قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب لما فسر النداء سقطت الفاء.

و ذكر النحاة ان هذه الفاء تفسيريه لانها عطفت مفسرا على مجمل كقوله توضأ فغسل وجهه و فائدته ذلك ان نوحا عليه السلام اراد ذلك فرد القصد اليه و لم يقع لا عن قصد.

و منه قوله تعالى: ﴿ و ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم أي و ليخش الذين ان شارفوا ان يتركوا و إنما اول الترك بمشارفة الترك لان الخطاب للأوصياء انما يتوجه اليهم قبل الترك لانهم بعده أموات.

و قريب منه إطلاق الفعل و أرادة إرادته كقوله تعالى: ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ أي اذا اردت. و قوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا أي اذا اردتم لان الارادة سبب القيام. ﴿ إذا قضى أمرا أي اراد. ﴿ و ان حكمت فاحكم بينهم أي اردت الحكم. و مثله ﴿ و إذا حكمتم بين الناس ، ﴿ إذا ناجيتم الرسول أي اردتم مناجاته.


295

﴿ إذا طلقتم النساء .

و قوله: ﴿ من يهد الله فهو المهتدي قال ابن عباس من يرد الله هدايته و لقد أحسن رضي الله عنه لئلا يتحد الشرط و الجزاء و قوله: ﴿ و إذا قلتم فاعدلوا أي اردتم القول. ﴿ و الذين إذا أنفقوا أي ارادوا الانفاق.

و قوله تعالى: ﴿ و كم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا لان الاهلاك انما هو بعد مجئ البأس و إنما خص هذين الوقتين اعني البيات و القيلولة لانها وقت الغفلة و الدعة فيكون نزول العذاب فيهما اشد و افظع.

و قوله تعالى: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أي اردنا إهلاكها. ﴿ فانتقمنا منهم فأغرقناهم أي فأردنا الانتقام منهم و حكمته انا اذا اردنا امرا نقدر فيه ارادتنا و ان كان خارقا للعادة.

و قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ قالوا يا نوح قد جادلتنا أي اردت جدالنا و شرعت فيه و كان الموجب لهذا التقدير خوف التكرار لان جادلت فاعلت و هو يعطي التكرار او ان المعنى لم ترد منا غير الجدال له لا النصيحة.

قلت و إنما عبروا عن إرادة الفعل بالفعل لان الفعل يوجد بقدرة الفاعل و أرادته و قصده إليه كما عبر بالفعل من القدرة على الفعل في قولهم الانسان لايطير و الاعمى


296
لايبصر أي لايقدر على الطيران و الابصار و إنما حمل على ذلك دون الحمل على ظاهره للدلالة على جواز الصلاة بوضوء واحد و الحمل على الظاهر يوجب ان من جلس يتوضأ. ثم قام الى الصلاة يلزمه وضوء آخر فلا يزال مشغولا بالوضوء ولا يتفرغ للصلاة و فساده بين.

الخامس والعشرون

إطلاق الامر بالشيء للتلبس به و المراد دوامه

كقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا هكذا اجاب به الزمخشري و غيره و اصل السؤال غير وارد لان الامر لايتعلق بالماضي و لا بالحال و إنما يتعلق بالمستقبل المعدوم حالة توجه الخطاب فليس ذلك تحصيلا للحاصل بل تحصيلا للمعدوم فلا فرق بين ان يكون المخاطب حالة الخطاب على ذلك الفعل ام لا لان الذي هو عليه عند الخطاب مثل المامور به لانفس المامور به. و الحاصل ان الكل مامور بالانشاء فالمؤمن ينشئ ما سبق له امثاله و الكافر ينشيء ما لم يسبق منه أمثاله.

السادس والعشرون

إطلاق اسم البشرى على المبشر به

كقوله تعالى: ﴿ بشراكم اليوم جنات قال ابو علي الفارسي التقدير بشراكم دخول جنات او خلود جنات لان البشرى مصدر و الجنات ذات فلا يخبر بالذات عن المعنى.


297

و نحوه اطلاق اسم المقول على القول كقوله تعالى: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون . و منه: ﴿ سبحانه و تعالى عما يقولون علوا كبيرا أي عن مدلول قولهم. و منه: ﴿ فبرأه الله مما قالوا أي من مقولهم و هو الادرة.

و إطلاق الاسم على المسمى كقوله تعالى: ﴿ ما تعبدون من دونه الا أسماء سميتموها أي مسميات. ﴿ سبح اسم ربك الاعلى أي ربك. و إطلاق اسم الكلمة على المتكلم كقوله تعالى: ﴿ لا تبديل لكلمات الله أي لمقتضى عذاب الله و ﴿ ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم تجوز بالكلمة عن المسيح لكونه تكون بها من غير أب بدليل قوله: ﴿ وجيها في الدنيا و الاخرة و من المقربين ولا تتصف الكلمة بذلك.

و أما قوله تعالى: ﴿ اسمه المسيح عيسى فإن الضمير فيه عائد الى مدلول الكلمة و المراد بالاسم المسمى فالمعنى المسمى المبشر به المسيح بن مريم.


298

و إطلاق اسم اليمين على المحلوف به كقوله تعالى: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي لاتجعلوا يمين الله او قسم الله مانعا لما تحلفون عليه من البر و التقوى بين الناس.

إطلاق الهوى عن المهوي و منه: ﴿ و نهى النفس عن الهوى أي عما تهواه من المعاصي ولا يصح نهيها عن هواها و هو ميلها لانه تكليف لما لايطاق الا على حذف مضاف أي نهي النفس عن اتباع الهوى.

التجوز عن المجاز بالمجاز

و هو ان تجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة الى مجاز آخر فتتجوز بالمجاز الاول عن الثاني لعلاقة بينهما.

مثاله قوله تعالى: ﴿ و لكن لا تواعدوهن سرا فانه مجاز عن مجاز فان الوطء تجوز عنه بالسر لانه لايقع غالبا الا في السر و تجوز بالسر عن العقد لانه مسبب عنه فالصحيح للمجاز الاول الملازمه و الثاني السببية و المعنى لا تواعجوهن عقد نكاح.

و كذلك قوله تعالى: ﴿ و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ان حمل على ظاهره كان من مجاز المجاز لان قوله لا اله الا الله مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ و التعبير بلا اله الا الله عن الوحدانية من مجاز التعبير بالمقول عن المقول فيه


299
و الاول من مجاز السببية لان توحيد اللسان مسبب عن توحيد الجنان.

قلت و هذا يسميه ابن السيد مجاز المراتب و جعل منه قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا فإن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس بل الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس.


300

النوع الرابع و الاربعون

في الكنايات و التعريض في القرآن

اعلم ان العرب تعد الكناية من البراعة و البلاغة و هي عندهم ابلغ من التصريح.

قال الطرطوسي و اكثر امثالهم الفصيحة على مجاري الكنايات و قد الف أبو عبيد و غيره كتبا في الامثال و منها قولهم فلان عفيف الازار طاهر الذيل و لم يحصن فرجه. و في الحديث ( كان اذا دخل العشر ايقظ اهله و شد المئزر ) فكنوا عن ترك الوطء بشد المئزر و كنى عن الجماع بالعسيلة و عن النساء بالقوارير لضعف قلوب النساء. و يكنون عن الزوجه بربة البيت و عن الاعمى بالمحجوب


301
و المكفوف و عن الابرص بالوضاح و بالابرش و غير ذلك و هو كثير في القرآن قال الله تعالى: ﴿ و لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم .

و الكناية عن الشيء الدلالة عليه من غير تصريح باسمه. و هي عند أهل البيان ان يريد المتكلم اثبات معنى من المعاني فلا بذكره باللفظ الموضوع له من اللغة و لكن يجيء الى المعنى هو تاليه و رديفه في الوجود فيومي به اليه و يجعله دليلا عليه فيدل على المراد من طريق اولى مثاله قولهم طويل النجاد و كثير الرماد يعنون طويل القامة و كثير الضيافة فلم يذكروا المراد بلفظ الخاص به و لكن توصلوا اليه بذكر معنى آخر هو رديفه في الوجود لان القامة اذا طالت طال النجاد و إذا كثر القرى كثر الرماد.

و قد اختلف في انها حقيقة او مجاز فقال الطرطوسي في العمدة قد اختلف في وجود الكناية في القرآن و هو كالخلاف في المجاز فمن اجاز وجود المجاز فيه اجاز الكناية و هو قول الجمهور و من انكر ذلك انكر هذا.

و قال الشيخ عز الدين الظاهر انها ليست بمجاز لانك استعملت اللفظ فيما وضع له و اردت به الدلالة على غيره ولم تخرجه عن ان يكون مستعملا فيما وضع له و هذا شبيه بدليل الخطاب في مثل قوله تعالى: ﴿ فلا تقل لهما أف .

اسباب الكناية

و لها اسباب:

احدها التنبيه على عظم القدرة كقوله تعالى: ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة كناية عن آدم.


302

ثانيها فطنة المخاطب كقوله تعالى في قصة داود: ﴿ خصمان بغى بعضنا على بعض فكنى داود يخصم على لسان ملكين تعريضا.

و قوله في قصة النبي صلى الله عليه وسلم و زيد ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم أي زيد ﴿ و لكن رسول الله .

و قوله تعالى: ﴿ فاتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة فانه كناية عن الا تعاندوا عند ظهور المعجزة فتمسكم هذه النار العظيمة. و كذا قوله تعالى: ﴿ و ان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله . و قوله تعالى: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ... الايات فان هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. و المعنى لاتظن انك مقصر في انذارهم فانا نحن المانعون لهم من الايمان فقد جعلناهم حطبا للنار ليقوى التذاذ المؤمن بالنعيم كما لا تتبين لذة الصحيح الا عند رؤية المريض.

ثالثها ترك اللفظ الى ما هو اجمل منه كقوله تعالى: ﴿ ان هذا أخي له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة واحدة فكنى بالمرأة عن النعجة كعادة العرب انها تكنى بها عن المرأة. و قوله: ﴿ الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة كنى بالتحيز عن الهزيمة.


303

و قوله تعالى: ﴿ ان الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم كنى بنفي قبول التوبة عن الموت على الكفر لانه يرادفه.

رابعها ان يفحش ذكره في السمع فيكنى عنه بما لا ينبو عنه الطبع قال تعالى: ﴿ و إذا مروا باللغو مروا كراما أي كنوا عن لفظه و لم يوردوه على صيغته. و منه قوله تعالى في جواب قوم هود ﴿ إنا لنراك في سفاهة ، ﴿ قال يا قوم ليس بي سفاهة و لكني رسول من رب العالمين فكنى عن تكذيبهم بأحسن. و منه قوله: ﴿ و لكن لا تواعدوهن سرا فكنى عن الجماع بالسر .

و فيه لطيفة أخرى لانه يكون من الادميين في السر غالبا و لا يسره ما عدا الادميين الا الغراب. فانه يسره و يحكى ان بعض الادباء اسر الى ابي على الحاتمي كلاما فقال ليكن عندك اخفى من سفاد الغراب و من الراء في كلام الالثغ فقال نعم ياسيدنا و من ليلة القدر و علم الغيب.

و من عادة القرآن العظيم الكناية عن الجماع باللمس و الملامسة و الرفث و الدخول و النكاح و نحوهن قال تعالى: ﴿ فالآن باشروهن فكنى بالمباشرة عن الجماع لما فيه من التقاء البشرتين. و قوله تعالى: ﴿ أو لامستم النساء إذ لا يخلوا الجماع من الملامسة.


304

و قوله في الكناية عنهن: ﴿ هن لباس لكم و أنتم لباس لهن و اللباس من الملابسة و هي الاختلاط و الجماع.

و كنى عنهن في موضع آخر بقوله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم . و قوله تعالى: ﴿ و راودته التي هو في بيتها كناية عما تطلب المرأة من الرجل. و قوله تعالى: ﴿ فلما تغشاها حملت حملا خفيفا . و منه قوله تعالى في مريم و ابنها: ﴿ كانا يأكلان الطعام فكنى باكل الطعام عن البول و الغائط لانهما منه مسببان اذ لابد للاكل منهما لكن استقبح في المخاطب ذكر الغائط فكنى به عنه.

فان قيل فقد صرح به في قوله تعالى: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط . قلنا لانه جاء على خطاب العرب و ما يالفون و المراد تعريفهم الاحكام فكان لا بد من التصريح به على ان الغائط ايضا كناية عن النجو و إنما هو في الاصل اسم للمكان المنخفض من الارض و كانوا اذا ارادوا قضاء حاجتهم ابعدوا عن العيون الى منخفض من الارض فسمى منه لذلك و لكنه كثر استعماله في كلامهم فصار بمنزلة التصريح.

و ما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ كانا يأكلان الطعام هو المشهور و انكره الجاحظ و قال بل الكلام على ظاهره و يكفي في الدلالة على عدم الالهية نفس اكل


305
الطعام لان الاله هو الذي لا يحتاج الى شيء ياكله و لانه كما لا يجوز ان يكون المعبود محدثا كذلك لا يجوز ان يكون طاعما قال الخفاجي و هذا صحيح.

و يقال لهما الكناية عن الغائط فيه تشنيع و بشاعة على من اتخذهما آلهة فاما قوله تعالى: ﴿ و ما أرسلنا قبلك من المرسلين الا إنهم ليأكلون الطعام و يمشون في الاسواق فهو على حقيقته.

قال الوزير ابن هبيرة و في هذه الاية فضل العالم المتصدي للخلق على الزاهد المنقطع فان النبي كالطبيب و الطبيب يكون عند المرضى فلو انقطع عنهم هلكوا. و منه قوله تعالى: ﴿ فجعلهم كعصف مأكول كنى به عن مصيرهم الى العذرة فان الورق اذا اكل انتهى حاله الى ذلك. و قوله تعالى: ﴿ و قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا أي لفروجهم فكنى عنها بالجلود على ما ذكره المفسرون.

فإن قيل فقد قال الله تعالى: ﴿ و التي أحصنت فرجها فصرح بالفرج؟

قلنا اخطأ من توهم هنا الفرج الحقيقي و إنما هو من لطيف الكنايات و احسنها و هي كناية عن فرج القميص أي لم يعلق ثوبها ريبة فهي طاهرة الاثواب و فروج القميص أربعة: الكمان و الاعلى و الاسفل و ليس المراد غير هذا فان القرآن انزه معنى


306
و الطف اشارة و املح عبارة من ان يريد ما ذهب اليه و هم الجاهل لاسيما و النفخ من روح القدس بامر القدوس فاضيف القدس الى القدوس و نزهت القانتة المطهرة عن الظن الكاذب و الحدس. ذكره صاحب التعريف و الاعلام.

و منه قوله تعالى: ﴿ الخبيثات للخبيثين يريد الزناة. و قوله تعالى: ﴿ و لا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن و أرجلهن فانه كناية عن الزنا. و قيل اراد طرح الولد على زوجها من غيرة لان بطنها بين يديها و رجليها وقت الحمل.

و قوله تعالى: ﴿ يجعلون أصابعهم في آذانهم و إنما يوضع في الاذن السبابة فذكر الاصبع و هو الاسم العام ادبا لاشتقاقها من السب الا تراهم كنوا عنها بالمسبحة و الدعاءة و إنما يعبر بهما عنها لانها الفاظ مستحدثة. قاله الزمخشري.

و قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الالمام يمكن ان يقال ان ذكر الاصبع هنا جامع لامرين احدهما التنزه عن اللفظ المكروه و الثاني حط منزلة الكفار عن التعبير باللفظ المحمود و الاعم يفيد المقصودين معا فاتى به و هو لفظ الاصبع و قد جاء في الحديث الامر بالتعبير بالاحسن مكان القبيح كما في حديث ( من سبقه الحدث في الصلاة فلياخذ بانفه و يخرج ) امر بذلك ارشادا الى ايهام سبب احسن من الحدث و هو الرعاف و هو ادب حسن من الشرع في ستر العورة و اخفاء القبيح. و قد صح نهية عليه السلام


307
ان يقال لشجر العنب الكرم و قال انما الكرم الرجل المسلم كره الشارع تسميتها بالكرم لانها تعتصر منها ام الخبائت.

و حديث ( كان يصيب من الراس و هو صائم ) قيل هو اشارة الى القبلة و ليس لفظ القبلة مستهجنا. و قوله: ( اياكم و حضراء الدمن ).

خامسها تحسين اللفظ كقوله تعالى: ﴿ بيض مكنون فان العرب كانت عادتهم الكناية عن حرائر النساء بالبيض قال امرؤ القيس:

و بيضة خدر لا يرام خباؤها
تمتعت من لهو بها غير معجل

و قوله تعالى: ﴿ و ثيابك فطهر و مثله قول عنترة:

فشككت بالرمح الطويل ثيابه
ليس الكريم على القنا بمحرم

سادسها قصد البلاغة كقوله تعالى: ﴿ أو من ينشأ في الحلية و هو في الخصام غير مبين فانه سبحانه كنى عن النساء بأنهن ينشأن في الترفه و التزين و التشاغل


308
عن النظر في الامور و دقيق المعاني ولو اتى بلفظ النساء لم يشعر بذلك و المراد نفي ذلك اعني الانوثة عن الملائكة و كونهم بنات الله تعالى الله عن ذلك.

و قوله: ﴿ فما أصبرهم على النار أي هم في التمثيل بمنزلة المتعجب منه بهذا التعجب.

سابعها قصد المبالغة في التشنيع كقوله تعالى حكاية عن اليهود لعنهم الله ﴿ و قالت اليهود يد الله مغلولة فان الغل كنايه عن البخل كقوله تعالي: ﴿ و لا تجعل يدك مغلوله الي عنقك لان جماعة كانوا متمولين فكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم فكف الله عنهم ما اعطاهم و هو سبب نزولها.

و أما قوله تعالى: ﴿ غلت أيديهم فيحمل على المجاز على وجه الدعاء و المطابقة للفظ و لهذا قيل انهم ابخل خلق الله و الحقيقة انهم تغل ايديهم في الدنيا بالاسار و في الاخرة بالعذاب و اغلال النار.

و قوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان كناية عن كرمه و ثنى اليد و ان افردت في اول الاية ليكون ابلغ في السخاء والجود.

ثامنها التنبيه على مصيره كقوله تعالى: ﴿ تبت يدا أبي لهب أي جهنمي مصيره الى اللهب. و كقوله: ﴿ حمالة الحطب أي نمامة و مصيرها الى ان تكون حطبا لجهنم.


309

تاسعها قصد الاختصار و منه الكناية عن افعال متعدده بلفظ فعل كقوله تعالى: ﴿ و لبئس ما كانوا يفعلون ، ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ، ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا أي فان لم تأتوا بسورة من مثله و لن تاتوا.

عاشرها ان يعمد الى جملة ورد معناها على خلاف الظاهر فياخذ الخلاصة منها من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة او المجاز فتعبر بها عن مقصودك و هذه الكناية استنبطها الزمخشري و خرج عليها قوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى فانه كناية عن الملك لان الاستواء على السرير لايحصل الا مع الملك فجعلوه كناية عنه.

و كقوله تعالى: ﴿ و الارض جميعا قبضته يوم القيامة ... الاية انه كناية عن عظمته و جلالته من غير ذهاب بالقبض و اليمين الى جهتين: حقيقة و مجاز.

و قد اعترض الامام فخر الدين على ذلك بانها تفتح باب تاويلات الباطنية فلهم ان يقولوا المراد من قوله: ﴿ فاخلع نعليك الاستغراق في الخدمة من غير الذهاب الى نعل و خلعه و كذا نظائره. انتهى.

و هذا مردود لان الكناية انما يصار اليها عند عدم إجراء اللفظ على ظاهره كما سبق من الامثله بخلاف خلع النعلين و نحوه.


310

تنبيهان

الاول في انه هل يشترط في الكناية قرينة كالمجاز؟

هذا ينبني على الخلاف السابق انها مجاز ام لا. و قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ ولا ينظر إليهم في سورة آل عمران انه مجاز عن الاستهانة بهم و السخط عليهم تقول فلان لاينظر الى فلان تريد نفي اعتداده به و احسانه اليه قال و اصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لان من اعتد بالانسان التفت اليه و اعاره نظر عينيه ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداء و الاحسان و ان لم يكن ثم نظر ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا لمعنى الاحسان مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر. انتهى.

و هذا بناء منه على مذهبه الفاسد في نفي الرؤية و فيه تصريح بان الكناية مجاز و به صرح في قوله تعالى: ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء . وصرح الشيخ عبد القادر الجرجاني في الدلائل بان الكناية لا بد لها من قرينة.

الثاني قيل من عادة العرب أنها لا تكنى عن الشيء بغيره الا اذا كان يقبح


311
ذكره و ذكروا احتمالين في قوله: ﴿ و كيف تأخذونه و قد أفضى بعضكم إلى بعض . احدهما انه كنى بالافضاء عن الاصابة. و الثاني انه كنى عن الخلوة.

و رجحوا الاول لان العرب انما تكنى عما يقبح ذكره في اللفظ و لا يقبح ذكر الخلوة. و هذا حسن لكنه يصلح للترجيح.

و أما دعوى كون العرب لاتكنى الا عما يقبح ذكره فغلط فكنوا عن القلب بالثوب كما في قوله تعالى: ﴿ و ثيابك فطهر و غير ذلك مما سبق.

التعريض و التلويح

و أما التعريض فقيل انه الدلالة على المعنى من طريق المفهوم و سمي تعريضا لان المعنى باعتباره يفهم من عرض اللفظ أي من جانبه و يسمى التلويح لان المتكلم يلوح منه للسامع ما يريده كقوله تعالى: ﴿ بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون لان غرضه بقوله: ﴿ فاسألوهم على سبيل الاستهزاء و اقامة الحجة عليهم بما عرض لهم به من عجز كبير الاصنام عن الفعل مستدلا على ذلك بعدم اجابتهم اذا سئلوا و لم يرد بقوله: ﴿ بل فعله كبيرهم هذا نسبة الفعل الصادر عنه الى الصنم فدلالة هذا الكلام عجز كبير الاصنام عن الفعل بطريق الحقيقة.

و من اقسامة ان يخاطب الشخص و المراد غيره سواء كان الخطاب مع نفسه او مع


312
غيره كقوله تعالى: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ، ﴿ و لئن اتبعت أهواءهم ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات تعريضا بان قومه اشركوا و اتبعوا أهواءهم و زلوا فيما مضى من الزمان لان الرسول لم يقع منه ذلك فابرز غير الحاصل في معرض الحاصل ادعاء.

و قوله: ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فان الخطاب للمؤمنين و التعريض لاهل الكتاب لان الزلل لهم لا للمؤمنين. فاما الاية الاولى ففيها ثلاثة امور: مخطابة النبي صلى الله عليه وسلم و المراد غيره و اخراج المحال عليه في صورة المشكوك و المراد غيره و استعمال المستقبل بصيغة الماضي. و امر رابع و هو ان الشرطية قد لا يراد بها الا مجرد الملازمة التي هي لازمة الشرط و الجزاء مع العلم باستحالة الشرط او وجوبه او وقوعه.

و على هذا يحمل قول من لم ير من المفسرين حمل الخطاب على غيره اذ لا يلزم من فرض امر لابد منه صحة وقوعه بل يكون في الممكن و الواجب و المحال. و منه قوله تعالى: ﴿ قل ان كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين اذا جعلت شرطية لا نافية. و منه: ﴿ ان كنا فاعلين .


313

و منه قوله تعالى: ﴿ و ما لي لا أعبد الذي فطرني المراد ما لكم لا تعبدون بدليل قوله: ﴿ و إليه ترجعون و لولا التعريض لكان المناسب و اليه ارجع.

و كذا قوله: ﴿ أ أتخذ من دونه آلهة و المراد ﴿ أتتخذ من دونه آلهة. ان يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إني إذا لفي ضلال مبين و لذلك قيل ﴿ آمنت بربكم فاسمعون دون ربي و اتبعه، فاسمعوه.

و وجه حسنه ظاهر لانه يتضمن اعلام السامع على صورة لا تقتضي مواجهته بالخطاب المنكر كانك لم تعنه و هو اعلى في محاسن الاخلاق و اقرب للقبول و ادعى للتواضع و الكلام ممن هو رب العالمين نزله بلغتهم و تعليما للذين يعقلون.

قيل و منه قوله تعالى: ﴿ قل لا تسألون عما أجرمنا و لا نسأل عما تعملون فحصل المقصود في قالب التلطف و كان حق الحال من حيث الظاهر لولاه ان يقال لاتسالون عما عملنا و لا نسال عما تجرمون.

و كذا مثله ﴿ و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين حيث ردد الضلال بينهم و بين نفسهم و المراد انا على هدى و أنتم في ضلال و إنما لم يصرح به لئلا تصير هنا نكته هو انه خولف في هذا الخطاب بين على و في بدخول على على الحق و في على الباطل لان صاحب الحق كأنه على فرس جواد يركض به حيث اراد و صاحب الباطل كانه منغمس في ظلام لا يدري اين يتوجه.

قال السكاكي و يسمى هذا النوع الخطاب المنصف أي لانه يوجب ان


314
ان ينصف المخاطب اذا رجع الى نفسه استدراجا لاستدراجه الخصم الى الاذعان و التسليم و هو شبيه بالجدل لانه تصرف في المغالطات الخطابية. و منه قوله تعالى: ﴿ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب المقصود التعريض بذم من ليست له هذه الخشية و ان يعرف انه لفرط عناده كانه ليس له اذن تسمع ولا قلب يعقل و ان الانذار له كلا انذار و أنه قد انذر من له هذه الصفة و ليست له.

و قوله: ﴿ إنما يتذكر أولوا الالباب القصد التعريض و أنهم لغلبه هواهم في حكم من ليس له عقل. و قوله تعالى: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم نزلت في ابي جهل لانه قال ما بين أخشبيها أي جبليها يعني مكة اعز مني و لا اكرم و قيل بل حوطب بذلك استهزاء.

التوجيه

و أما التوجيه و هو ما احتمل معنيين و يؤتى به عند فطنة المخاطب كقوله تعالى حكاية عن اخت موسى عليه السلام ﴿ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم و هم له ناصحون فان الضمير في له يحتمل ان يكون لموسى و ان يكون لفرعون.

قال ابن جريج و بهذا تخلصت اخت موسى من قولهم انك عرفته فقالت اردت ناصحون للملك و اعترض عليه بان هذا في لغة العرب لا في كلامها المحكي


315
و هذا مردود فان الحكاية مطابقة لما قالته و ان كانت بلغة اخرى.

و نظيره جواب ابن الجوزي لمن قال له من كان افضل عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ ابو بكر ام علي؟ فقال من كانت ابنته تحته.

و جعل السكاكي من هذا القسم مشكلات القرآن.


316

النوع الخامس و الاربعون

في اقسام معنى الكلام

زعم قوم ان معاني القرآن لا تنحصر ولم يتعرضوا لحصرها و حكاية ابن السيد عن اكثر البصريين في زمانه.

و قيل قسمان: خبر و غير خبر.

و قيل عشرة: نداء و مسالة و امر و تشفع و تعجب و قسم و شرط و وضع و شك و استفهام.

و قيل تسعة: و اسقطوا الاستفهام لدخوله في المسالة.

و قيل ثمانية: و اسقطوا التشفع لدخوله في المسالة.

و قيل سبعة: و اسقطوا الشك لانه في قسم الخبر.

و كان ابو الحسن الاخفش يرى انها ستة ايضا و هي عنده الخبر و الاستخبار و الامر و النهي والنداء والتمني.

و قيل خمسة: الخبر و الامر و التصريح والطلب والنداء و قيل غير ذلك.


317

الخبر

الاول الخبر و القصد به افادة المخاطب و قد يشرب مع ذلك معاني اخر:

منها التعجب قال ابن فارس و هو تفضيل الشيء على أضرابه بوصف. و قال ابن الضائع استعظام صفة خرج بها المتعجب منه عن نظائره نحو ما احسن زيدا و احسن به! استعظمت حسنة على حسن غيره.

و قال الزمخشري في تفسير سورة الصف معنى التعجب تعظيم الامر في قلوب السامعين لان التعجب لا يكون الا من شيء خارج عن نظائره و اشكاله. و قال الرماني المطلوب في التعجب الابهام لان من شأن الناس ان يتعجبوا مما لا يعرف سببه و كلما استبهم السبب كان التعجب احسن. قال و اصل التعجب انما هو للمعنى الخفي سببه و الصيغة الدالة عليه تسمى تعجبا يعني مجازا. قال و من اجل الابهام لم تعمل نعم الا في الجنس من أجل التفخيم ليقع التفسير على نحو التفخيم بالاضمار قبل الذكر.

ثم قد وضعوا للتعجب صيغا من لفظه و هي ما افعله و افعل به و صيغا


318
من غير لفظه نحو كبر في نحو: ﴿ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ، ﴿ كبر مقتا عند الله ، ﴿ كيف تكفرون بالله .

و احتج الثمانيني على انه خبر بقوله تعالى: ﴿ أسمع بهم و أبصر تقديره ما اسمعهم و ابصرهم! و الله سبحانه لم يتعجب بهم و لكن دل المكلفين على ان هؤلاء قد نزلوا منزلة من يتعجب منه.

و هنا مسالتان:

الاولى قيل لايتعجب من فعل الله فلا يقال ما أعظم الله لانه يئول الى شئ عظم الله كما في غيره من صيغ التعجب و صفات الله تعالى قديمة. و قيل بجوازه باعتبار انه يحب تعظيم الله شيء من صفاته فهو يرجع لاعتقاد العباد عظمته و قدرته و قد قال الشاعر:

ما اقدر الله ان يدني على شحط
من داره الحزن ممن داره صول

و الاولون قالوا هذا اعرابي جاهل بصفات الله. و قال بعض المحققين التعحب انما يقال لتعظيم الامر المتعجب منه و لا يخطر بالبال ان شيئا صيره كذلك و خفي علينا فلا يمتنع حينئذ التعجب من فعل الله.

و الثانية هل يجوز اطلاق التعجب في حق الله تعالى؟ فقيل بالمنع لان التعجب استعظام و يصحبه الجهل و الله سبحانه منزه عن ذلك و به جزم ابن عصفور في المقرب.


319

قال فان ورد ما ظاهره ذلك صرف الى المخاطب كقوله: ﴿ فما أصبرهم على النار أي هؤلاء يجب ان يتعجب منهم.

و قيل بالجواز لقوله: ﴿ فما أصبرهم على النار ان قلنا ما تعجبيه لا استفهامية و قوله: ﴿ بل عجبت في قراءة بعضهم بالضم.

و المختار الاول و ما وقع منه اول بالنظر الى المخاطب أي علمت اسباب ما يتعجب منه العباد فسمي العلم بالعجب عجبا. و أصل الخلاف في هذه المسالة يلتف على خلاف آخر و هو ان حقيقة التعجب هل يشترط فيه خفاء سببه فيتحير فيه المتعجب منه او لا؟

ولم يقع في القرآن صيغة التعجب الا قوله: ﴿ فما أصبرهم على النار و قوله: ﴿ قتل الانسان ما أكفره و ﴿ يا أيها الانسان ما اغرك في قراءة من زاد الهمزة. ثم قال المحققون التعجب مصروف الى المخاطب و لهذا تلطف الزمخشري فيعبر عنه بالتعجب و مجيء التعجب من الله كمجيء الدعاء منه و الترجي و إنما هذا بالنظر الى ما تفهمه العرب أي هؤلاء عندكم ممن يجب ان تقولوا لهم هذه. و كذلك تفسير سيبويه.


320

قوله تعالى: ﴿ لعله يتذكر أو يخشى قال المعنى اذهبا على رجائكما و طمعكما قال ابن الضائع و هو حسن جدا.

قلت و ذكر سيبويه ايضا قوله تعالى: ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ، ﴿ ويل للمطففين فقال لا ينبغي ان تقول انه دعاء ها هنا لان الكلام بذلك و اللفظ به قبيح و لكن العباد انما كلموا بكلامهم و جاء القرآن على لغتهم و على ما يعنون فكانه و الله اعلم قيل لهم ﴿ ويل للمطففين و ﴿ ويل يومئذ للمكذبين أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم لان هذا الكلام انما يقال لصاحب الشر و الهلكة فقيل هؤلاء ممن دخل في الهلكة و وجب لهم هذا. انتهى.

و منها الامر كقوله تعالى: ﴿ و المطلقات يتربصن ، ﴿ و الوالدات يرضعن فان السياق يدل على ان الله تعالى أمر بذلك لا انه خبر و الا لزم الخلف في الخبر و سبق في المجاز.


321

و منها النهي كقوله تعالى: ﴿ لا يمسه الا المطهرون . و منها الوعد كقوله: ﴿ سنريهم آياتنا في الافاق . و منها الوعيد كقوله تعالى: ﴿ و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . و منها الانكار و التبكيت نحو: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم . و منها الدعاء كقوله تعالى: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين أي اعنا على عبادتك.

و ربما كان اللفظ خبرا و المعنى شرطا و جزاء كقوله: ﴿ إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون فظاهره خبر و المعنى انا ان نكشف عنكم العذاب تعودوا. و منه قوله: ﴿ الطلاق مرتان من طلق امرأته مرتين فليمسكها بعدهما بمعروف او يسرحها باحسان. و منها التمني و كلمته الموضوعه له ليت و قد تستعمل ثلاثة احرف:

احدها هل كقوله: ﴿ فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا حملت هل على افادة التمني لعدم التصديق بوجود شفيع في ذلك المقام فيتولد التمني بمعونة قرينة الحال.


322

و الثاني لو سواء كانت مع ود كقوله تعالى: ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون بالنصب او لم تكن كقوله تعالى: ﴿ لو ان لي بكم قوة و قوله: ﴿ لو ان لنا كرة فنتبرأ منهم ، ﴿ لو ان لي كرة فأكون .

و الثالث لعل كقوله تعالى: ﴿ لعلي أبلغ الاسباب أسباب السماوات فأطلع في قراءة النصب.

و اختلف هل التمني خبر و معناه النفي او ليس بخبر و لهذا لا يدخله التصديق و التكذيب؟ قولان عن اهل العربية حكاهما ابن فارس في كتاب فقه العربية.

و الزمخشري بنى كلامه على انه ليس بخبر و استشكل دخول التكذيب في جوابه و في قوله تعالى: ﴿ يا ليتنا نرد و لا نكذب إلى قوله: ﴿ و أنهم لكاذبون و اجاب بنضمنه معنى العدة فدخله التكذيب.


323

و قال ابن الضائع التمني حقيقة لا يصح فيه الكذب و إنما يرد الكذب في التمني الذي يترجح عند صاحبه وقوعه فهو اذن وارد على ذلك الاعتقاد الذي هو ظن و هو خبر صحيح.

قال و ليس المعنى في قوله: ﴿ و أنهم لكاذبون ان ما تمنوا ليس بواقع لانه ورد في معرض الذم لهم و ليس في ذلك المعنى ذم بل التكذيب ورد على اخبارهم عن انفسهم انهم لايكذبون و أنهم يؤمنون.

و منها الترجي و الفرق بينه و بين التمني ان الترجي لايكون الا في الممكنات والتمني يدخل المستحيلات.

و منها النداء و هو طلب اقبال المدعو على الداعي بحرف مخصوص و إنما يصحب في الاكثر الامر و النهي كقوله: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ، ﴿ يا أيها النبي اتق الله ، ﴿ يا عباد فاتقون ، ﴿ و يا قوم استغفروا ربكم ، ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله ﴿ يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم .

و ربما تقدمت جملة الامر جملة النداء كقوله تعالى: ﴿ و توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون .


324

و إذا جاءت جملة الخبر بعد النداء تتبعها جملة الامر كما في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له . و قد تجيء معه الجمل الاستفهامية و الخبرية كقوله تعالى في الخبر ﴿ يا عباد لا خوف عليكم و في الاستفهام ﴿ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ، ﴿ و يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة ، ﴿ يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك .

و هنا فائدتان:

احداهما قال الزمخشري رحمه الله كل نداء في كتاب الله يعقبه فهم في الدين اما من ناحية الاوامر و النواهي التي عقدت بها سعادة الدارين و أما مواعظ و زواجر و قصص لهذا المعنى كل ذلك راجع الى الدين الذي خلق الخلق لاجله و قامت السموات و الارض به فكان حق هذه ان تدرك بهذه الصيغة البليغة.

الثانية النداء انما يكون للبعيد حقيقة أو حكما و في قوله تعالى: ﴿ و ناديناه من جانب الطور الايمن و قربناه نجيا . لطيفة فانه تعالى بين انه كما ناداه ناجاه ايضا و النداء مخاطبة الابعد و المناجاه مخاطبة الاقرب و لاجل هذه اللطيفة اخبر سبحانه عن مخاطبة لآدم و حواء بقوله: ﴿ و قلنا يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة


325
و في موضع: ﴿ و يا آدم اسكن ثم لما حكى عنهما ملابسة المخالفة قال في وصف خطابه لهما ﴿ و ناداهما ربهما فاشعر هذا اللفظ بالبعد لأجل المخالفة كما اشعر اللفظ الاول بالقرب عند السلامة منها.

و قد يستعمل النداء في غير معناه مجازا في مواضع:

الاول الاغراء و التحذير و قد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ ناقة الله و سقياها و الاغراء امر معناه الترغيب و التحريض و لهذا خصوا به المخاطب.

الثاني الاختصاص و هو كالنداء الا انه لا حرف فيه.

الثالث التنبيه نحو: ﴿ يا ليتني مت قبل هذا لان حرف النداء يختص بالاسماء.

و قال النحاس في قوله تعالى: ﴿ يا ويلتى نداء مضاف و الفائدة فيه ان معناه هذا وقت حضور الويل. و قال الفارسي في قوله تعالى: ﴿ يا حسرة على العباد معناه انه لو كانت الحسرة مما يصح نداه لكان هذا وقتها.

و قد اختلف في ان النداء خبر ام لا قال ابو البقاء في شرح الايضاح ذهب الجميع الى ان قولك يا زيد ليس بخبر محتمل للتصديق و التكذيب انما هو بمنزلة الاشارة و التصويت. و اختلفوا في قولك يا فاسق فالاكثرون على انه ليس بخبر ايضا قال ابو علي


326
الفارسي خبر لانه تضمن نسبته للفسق. و منها الدعاء نحو: ﴿ تبت يدا أبي لهب و قوله: ﴿ قاتلهم الله ، ﴿ حصرت صدورهم ، ﴿ ويل للمطففين .

قال سيبويه هذا دعاء و انكره ابن الطراوة لاستحالته هنا و جوابه انه مصروف للخلق و اعلامهم بانهم اهل لان يدعى عليهم كما في الرجاء و غيره مما سبق.

فائدة

ذكر الزمخشري ان الاستعطاف نحو تالله هل قام زيد قسم و الصحيح انه ليس بقسم لكونه خبرا.

الاستخبار و هو الاستفهام

الثاني الاستخبار و هو طلب خبر ما ليس عندك و هو بمعنى الاستفهام أي طلب الفهم و منهم من فرق بينهما بان الاستخبار ما سبق اولا و لم يفهم حق الفهم فاذا سالت عنه ثانيا كان استفهاما حكاه ابن فارس في فقه العربية.

و لكون الاستفهام طلب ما في الخارج او تحصيله في الذهن لزم الا يكون حقيقة


327
الا اذا صدر من شاك مصدق بامكان الاعلام فان غير الشاك اذا استفهم يلزم تحصيل الحاصل و إذا لم يصدق بامكان الاعلام انتفت فائدة الاستفهام.

و في الاستفهام فوائد: الاولى قال بعض الائمة ما جاء على لفظ الاستفهام في القرآن فانما يقع في خطاب الله تعالى على معنى ان المخاطب عنده علم ذلك الاثبات او النفي حاصل فيستفهم عنه نفسه تخبره به اذ قد وضعه الله عندها فالاثبات كقوله تعالى: ﴿ و من أصدق من الله حديثا و النفي كقوله تعالى: ﴿ هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، ﴿ فهل أنتم مسلمون و معنى ذلك انه قد حصل لكم العلم بذلك تجدونه عندكم اذا استفهمتم انفسكم عنه فان الرب تعالى لا يستفهم خلقه عن شيء و إنما يستفهمهم ليقررهم و يذكرهم انهم قد علموا حق ذلك الشيء فهذا اسلوب بديع انفرد به خطاب القرآن و هو في كلام البشر مختلف.

الثانية الاستفهام اذا بني عليه امر قبل ذكر الجواب فهم ترتب ذلك الامر على جوابه أي جواب كان لان سبقه على الجواب يشعر بان ذلك حال من يذكر في الجواب لئلا يكون ايراده قبله عبثا فيفيد حينئذ تعميما نحو من جاءك فاكرمه بالنصب فانه لما قال قبل ذكر جواب الاستفهام اكرمه علم انه يكرم من يقول المجيب انه جاء أي جاء كان و كذا حكم من ذا جاءك اكرمه بالجزم.


328

الثالثة قد يخرج الاستفهام عن حقيقته بان يقع ممن يعلم و يستغني عن طلب الافهام.

اقسام الاستفهام

و هو قسمان بمعنى الخبر و بمعنى الانشاء:

الاستفهام بمعنى الخبر

الاول بمعنى الخبر و هو ضربان احدهما نفي و الثاني اثبات فالوارد للنفي يسمى استفهام انكار و الوارد للاثبات يسمى استفهام تقرير لانه يطلب بالاول انكار المخاطب و بالثاني اقراره به.

استفهام الانكار

فالأول المعنى فيه على ان ما بعد الاداة منفي. و لذلك تصبحه الا كقوله تعالى: ﴿ فهل يهلك الا القوم الفاسقون . و قوله تعالى: ﴿ و هل نجازي الا الكفور . و يعطف عليه المنفي كقوله تعالى: ﴿ فمن يهدي من أضل الله و ما لهم من ناصرين أي لايهدي و هو كثير.

و منه: ﴿ أفأنت تنقذ من في النار أي لست تنقذ من في النار. ﴿ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين


329
﴿ أفغير الله أبتغي حكما .

و كقوله تعالى: ﴿ قالوا أنؤمن لك و اتبعك الارذلون ، ﴿ قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا و قومهما لنا عابدون أي لانؤمن. و قوله: ﴿ أم له البنات و لكم البنون أي لايكون هذا. و قوله تعالى: ﴿ أ أنزل عليه الذكر من بيننا أي ما انزل. و قوله تعالى: ﴿ أشهدوا خلقهم أي ما شهدوا ذلك. و قوله تعالى: ﴿ أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي أي ليس ذلك اليك كما قال تعالى: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء . و قوله تعالى: ﴿ أفعيينا بالخلق الاول أي لم نعي به.

و هنا أمران:

احدهما ان الانكار قد يجيء لتعريف المخاطب ان ذلك المدعي ممتنع عليه و ليس من قدرته كقوله تعالى: ﴿ أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي لان اسماع الصم لا يدعيه احد بل المعنى ان اسماعهم لايمكن لانهم بمنزلة الصم و العمي و إنما قدم الاسم في الاية و لم يقل اتسمع الصم؟ اشارة الى انكار موجه عن تقدير ظن منه عليه السلام انه يختص باسماع من به صمم و أنه ادعى القدرة على ذلك و هذا ابلغ من انكار الفعل.


330

و فيه دخول الاستفهام على المضارع فاذا قلت اتفعل او اانت تفعل احتمل وجهين:

احدهما انكار وجود الفعل كقوله تعالى: ﴿ أنلزمكموها و أنتم لها كارهون والمعنى لسنا بمثابة من يقع منه هذا الالزام و ان عبرنا بفعل ذلك جل الله تعالى عن ذلك بل المعنى انكار اصل الالزام.

و الثاني قولك لمن يركب الخطر اتذهب في غير طريق انظر لنفسك و استبصر. فاذا قدمت المفعول توجه الانكار الى كونه بمثابة ان يوقع به مثل ذلك الفعل كقوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ وليا !

و قوله: ﴿ أغير الله تدعون المعنى اغير الله بمثابة من يتخذ وليا و منه: ﴿ أبشرا منا واحدا نتبعه لانهم بنوا كفرهم على انه ليس بمثابة من يتبع صيغة المستقبل اما ان يكون للحال نحو: ﴿ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا . او للاستقبال نحو: ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك .

الثاني قد يصحب الانكار التكذيب للتعريض بان المخاطب ادعاه و قصد تكذيبه كقوله تعالى: ﴿ أصطفى البنات على البنين ، ﴿ ألكم الذكر وله الانثى ، ﴿ أإله مع الله .


331

و سواء كان زعمهم له صريحا مثل ﴿ أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون او التزاما مثل ﴿ أشهدوا خلقهم فانهم لما جزموا بذلك جزم من يشاهد خلق الملائكة كانوا كمن زعم انه شهد خلقهم.

و تسمية هذا استفهام انكار من انكر اذا جحد و هو اما بمعنى لم يكن كقوله تعالى: ﴿ أفأصفاكم او بمعنى لايكون نحو: ﴿ أنلزمكموها .

و الحاصل ان الانكار قسمان ابطالي و حقيقي.

فالابطالي ان يكون ما بعدها غير واقع و مدعيه كاذب كما ذكرنا و الحقيقي يكون ما بعدها واقع و ان فاعله ملوم نحو: ﴿ أتعبدون ما تنحتون ، ﴿ أغير الله تدعون ، ﴿ أئفكا آلهة ، ﴿ أتأتون الذكران ، ﴿ أتأخذونه بهتانا .

استفهام التقرير

و أما الثاني فهو استفهام التقرير و التقرير حملك المخاطب على الاقرار و الاعتراف بامر قد استقر عنده قال ابو الفتح في الخاطريات ولايستعمل ذلك بهل و قال في قوله:


332

جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط

و هل لا تقع تقريرا كما يقع غيرها مما هو للإستفهام.

و قال الكندي ذهب كثير من العلماء في قوله تعالى: ﴿ هل يسمعونكم الى ان هل تشارك الهمزة في معنى التقرير والتوبيخ الا اني رايت ابا علي أبي ذلك و هو معذور فان ذلك من قبيل الانكار.

و نقل الشيخ ابو حيان عن سيبويه ان استفهام التقرير لايكون بهل انما تستعمل فيه الهمزة. ثم نقل عن بعضهم ان هل تاتي تقريرا في قوله تعالى: ﴿ هل في ذلك قسم لذي حجر .

و الكلام مع التقرير موجب و لذلك يعطف عليه صريح الموجب و يعطف على صريح الموجب. فالاول كقوله: ﴿ ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى و قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ، ﴿ ألم يجعل كيدهم في تضليل .


333

و الثاني كقوله: ﴿ أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما على ما قرره الجرجاني في النظم حيث جعلها مثل قوله: ﴿ و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم .

و يجب ان يلي الاداة الشئ الذي تقرر بها فتقول في تقرير الفعل اضربت زيدا و الفاعل نحو اانت ضربت او المفعول ازيدا ضربت كما يجب في الاستفهام الحقيقي.

و قوله تعالى: ﴿ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يحتمل الاستفهام الحقيقي بان يكونوا لم يعلموا انه الفاعل والتقرير بان يكونوا علموا ولا يكون استفهاما عن الفعل ولا تقريرا له لانه لم يله و لانه اجاب بالفاعل بقوله: ﴿ بل فعله كبيرهم .

و جعل الزمخشري منه ﴿ ألم تعلم ان الله على كل شيء قدير . و قيل اراد التقرير بما بعد النفي لا التقرير بالنفي و الاولى ان يجعل على الانكار أي الم تعلم ايها المنكر للنسخ! و حقيقة استفهام التقرير انه استفهام انكار و الانكار نفي و قد دخل على المنفي و نفي المنفي اثبات. و الذي يقرر عندك ان معنى التقرير الاثبات قول ابن السراج فاذا ادخلت على ليس الف الاستفهام كانت تقريرا ودخلها معنى الايجاب فلم يحسن معها احد


334
لان احدا انما يجوز مع حقيقة النفي لاتقول اليس احد في الدار لان المعنى يؤول الى قولك احد في الدار واحد لا تستعمل في الواجب.

و أمثلته كثيرة كقوله تعالى: ﴿ ألست بربكم أي أنا ربكم. و قوله: ﴿ أليس ذلك بقادر على ان يحيي الموتى .

﴿ أو ليس الذي خلق السماوات و الارض .

﴿ أليس الله بكاف عبده .

﴿ أليس الله بعزيز ذي انتقام .

﴿ أليس في جهنم مثوى للكافرين .

﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم و منه قوله صلى الله عليه و سلم ( اينقص الرطب اذا جف ) و قول جرير :

الستم خير من ركب المطايا

و اعلم ان في جعلهم الاية الاولى من هذا النوع اشكالا لانه لو خرج الكلام عن النفي لجاز ان يجاب بنعم و قد قيل انهم لو قالوا نعم كفروا و لما حسن دخول الباء في الخبر ولو لم تفد لفظة الهمزة استفهاما لما استحق الجواب اذ لا سؤال حينئذ.

و الجواب يتوقف على مقدمه و هي ان الاستفهام اذا دخل على النفي يدخل باحد وجهين:


335

اما ان يكون الاستفهام عن النفي هل وجد ام لا فيبقى النفي على ما كان عليه او للتقرير كقوله الم احسن اليك و قوله تعالى: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ، ﴿ ألم يجدك يتيما .

فان كان بالمعنى الاول لم يجز دخول نعم في جوابه اذا اردت ايجابه بل تدخل عليه بلى. و ان كان بالمعنى الثاني و هو التقرير فللكلام حينئذ لفظ و معنى فلفظه نفي داخل عليه الاستفهام و معناه الاثبات فبالنظر الى لفظه تجيبه ببلى وبالنظر الى معناه و هو كونه اثباتا تجيبه بنعم.

و قد انكر عبد القاهر كون الهمزة للايجاب لان الاستفهام يخالف الواجب و قال انها اذا دخلت على ما او ليس يكون تقريرا و تحقيقا فالتقرير كقوله تعالى: ﴿ أأنت قلت للناس ، ﴿ أأنت فعلت هذا .

و اعلم ان هذا النوع ياتي على وجوه:

الاول مجرد الاثبات كما ذكرنا.

الثاني الاثبات مع الافتخار كقوله تعالى عن فرعون ﴿ أليس لي ملك مصر .


336

الثالث الاثبات مع التوبيخ كقوله تعالى: ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة أي هي واسعة فهلا هاجرتم فيها!

الرابع مع العتاب كقوله تعالى: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله قال ابن مسعود ما كان بين اسلامنا و بين ان عاتبنا الله بهذه الاية الا اربع سنين. و ما الطف ما عاتب الله به خير خلقه بقوله تعالى: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ولم يتأدب الزمخشري بأدب الله تعالى في هذه الاية.

الخامس التبكيت كقوله تعالى: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين هو تبكيت للنصارى فيما ادعوه كذا جعل السكاكي و غيره هذه الاية من نوع التقرير. و فيه نظر لان ذلك لم يقع منه.

السادس التسوية و هي الداخلة على جملة يصح حلول المصدر محلها كقوله تعالى: ﴿ و سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم أي سواء عليهم الانذار و عدمه مجردة للتسوية مضمحلا عنها معنى الاستفهام. و معنى الاستواء فيه استواؤهما في علم المستفهم لانه قد علم انه احد الامرين كائن


337
اما الانذار و أما عدمه و لكن لا يعينه و كلاهما معلوم بعلم غير معين.

فان قيل الاستواء يعلم من لفظه سواء لا من الهمزة مع انه لو علم منه لزم التكرار.

قيل هذا الاستواء غير ذلك الاستواء المستفاد من لفظه سواء. و حاصله انه كان الاستفهام عن مستويين فجرد عن الاستفهام و بقي الحديث عن المستويين. و لا يكون ضرر في ادخال سواء عليه لتغايرهما لان المعنى ان المستويين في العلم يستويان في عدم الايمان. و هذا اعنى حذف مقدر و استعماله فيما بقي كثير في كلام العرب كما في النداء فانه لتخصيص المنادى و طلب اقباله فيحذف قيد الطلب ويستعمل في مطلق الاختصاص نحو اللهم اغفر لنا ايتها العصابة فإنه ينسلخ عن معنى الكلمة لان معناه مخصوص من بين سائر العصائب.

و منه قوله تعالى: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا .

و قوله تعالى: ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم .

﴿ أوعظت أم لم تكن من الواعظين .

و تارة تكون التسوية مصرحا بها كما ذكرناه و تارة لا تكون كقوله تعالى: ﴿ و ان أدري أقريب أم بعيد .

السابع التعظيم كقوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده الا بإذنه .


338

الثامن التهويل نحو: ﴿ الحاقة ما الحاقة . و قوله تعالى: ﴿ و ما أدراك ما هيه . و قوله: ﴿ ماذا يستعجل منه المجرمون تفخيم للعذاب الذي يستعجلونه.

التاسع التسهيل و التخفيف كقوله تعالى: ﴿ و ماذا عليهم لو آمنوا بالله .

العاشر التفجع نحو: ﴿ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها .

الحادي عشر التكثير نحو: ﴿ و كم من قرية أهلكناها .

الثاني عشر الاسترشاد نحو: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها و الظاهر انهم استفهموا مسترشدين و إنما فرق بين العبارتين ادبا. و قيل هي هنا للتعجب.

الاستفهام بمعنى الانشاء

القسم الثاني الاستفهام المراد به الانشاء و هو على ضروب:


339

الاول مجرد الطلب و هو الامر كقوله تعالى: ﴿ أفلا تذكرون أي اذكروا. و قوله: ﴿ و قل للذين أوتوا الكتاب و الاميين أأسلمتم أي اسلموا. و قوله: ﴿ الا تحبون ان يغفر الله لكم أي احبوا. و قوله: ﴿ و ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله أي قاتلوا. و قوله تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن . و قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون انتهوا و لهذا قال عمر رضي الله عنه انتهينا.

و جعل بعضهم منه قوله تعالى: ﴿ ألم تعلم ان الله على كل شيء قدير . و قوله تعالى: ﴿ أتصبرون و قال ابن عطية و الزمخشري المعنى اتصبرون ام لا تصبرون؟ و الجرجاني في النظم على حذف مضاف أي لنعلم اتصبرون.

الثاني النهي كقوله تعالى: ﴿ ما غرك بربك الكريم أي لايغرك. و قوله في سورة التوبة: ﴿ أتخشونهم فالله أحق ان تخشوه بدليل قوله: ﴿ فلا تخشوا الناس .

الثالث التحذير كقوله: ﴿ ألم نهلك الاولين أي قدرنا عليهم فنقدر عليكم.


340

الرابع التذكير كقوله تعالى: ﴿ قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه . و جعل بعضهم منه ﴿ ألم يجدك يتيما فآوى . ﴿ ألم نشرح لك صدرك .

الخامس التنبيه و هو من أقسام الامر كقوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه .

﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل .

﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم .

﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل و المعنى في كل ذلك انظر بفكرك في هذه الامور و تنبه.

و قوله تعالى: ﴿ ألم تر ان الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة حكاه صاحب الكافي عن الخليل و لذلك رفع الفعل و لم ينصبه.

وجعل منه بعضهم ﴿ فأين تذهبون للتنبيه على الضلال. و قوله تعالى: ﴿ و من يرغب عن ملة إبراهيم .


341

السادس الترغيب كقوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ، ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم .

السابع التمني كقوله: ﴿ فهل لنا من شفعاء .

﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها قال العزيزي في تفسيره أي كيف و ما اعجب معاينة الاحياء!

الثامن الدعاء و هو كالنهي الا انه من الادنى الى الاعلى كقوله تعالى: ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء .

و قوله: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها و هم لم يستفهموا لان الله قال: ﴿ إني جاعل في الارض خليفة .

و قيل المعنى انك ستجعل و شبهة ابو عبيدة بقوله الرجل لغلامه و هو يضربه الست الفاعل كذا. و قيل بل هو تعجب و ضعف.

و قال النحاس الاولى ما قاله ابن مسعود و ابن عباس رضي الله عنهما ولا مخالف لهما:


342

ان الله تعالى لما قال: ﴿ إني جاعل في الارض خليفة قالوا و ما ذاك الخليفة! يكون له ذرية يفسدون و يقتل بعضهم بعضا!

و قيل المعنى اتجعلهم فيها ام تجعلنا و قيل المعنى تجعلهم و حالنا هذه أم يتغير.

التاسع و العاشر العرض و التحضيض و الفرق بينهما الاول طلب برفق و الثاني بشق فالاول كقوله تعالى: ﴿ الا تحبون ان يغفر الله لكم و الثاني ﴿ الا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم .

و من الثاني ﴿ ان ائت القوم الظالمين. قوم فرعون الا يتقون المعنى ائتهم و أمرهم بالاتقاء.

الحادي عشر الاستبطاء كقوله: ﴿ متى هذا الوعد ان كنتم صادقين بدليل: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب . و منه ما قال صاحب الايضاح البياني ﴿ حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله .

و قال الجرجاني في الاية تقديم و تأخير أي حتى يقول الرسول الا ان


343
نصر الله قريب و الذين آمنوا متى نصر الله! و هو حسن.

الثاني عشر الاياس ﴿ فأين تذهبون .

الثالث عشر الايناس نحو: ﴿ و ما تلك بيمينك يا موسى . و قال ابن فارس المراد به الافهام فان الله تعالى قد علم ان لها امرا قد خفي على موسى عليه السلام فاعلم من حالها ما لم يعلم.

و قيل هو للتقرير فيعرف ما في يده حتى لاينفر إذا انقلبت حية.

الرابع عشر التهكم و الاستهزاء ﴿ أصلاتك تأمرك .

﴿ الا تأكلون. ما لكم لا تنطقون .

الخامس عشر التحقير كقوله تعالى: ﴿ و إذا رأوك ان يتخذونك الا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا و منه ما حكى صاحب الكتاب من أنت زيدا؟ على معنى من أنت تذكر زيدا!


344

السادس عشر التعجب نحو: ﴿ ما لي لا أرى الهدهد .

﴿ كيف تكفرون بالله . و منهم من جعله للتنبيه.

السابع عشر الاستبعاد كقوله: ﴿ أنى لهم الذكرى و قد جاءهم رسول مبين أي يستبعد ذلك منهم بعد ان جاءهم الرسول ثم تولوا.

الثامن عشر التوبيخ كقوله تعالى: ﴿ أفغير دين الله يبغون .

﴿ لم تقولون ما لا تفعلون .

﴿ أفتتخذونه و ذريته أولياء ولا تدخل همزة التوبيخ الا على فعل قبيح أو ما يترتب عليه فعل قبيح.

الفائدة الرابعة: قد يجتمع الاستفهام الواحد للانكار و التقرير كقوله: ﴿ فأي الفريقين أحق بالأمن أي ليس الكفار أمنين و الذين آمنوا أحق بالامن و لما كان أكثر مواقع التقرير دون الانكار قال: ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم .


345

و قد يحتملهما كقوله: ﴿ أيحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا .

و يحتمل أنه استفهام تقرير و أنه طلب منهم ان يقروا بما عندهم تقرير ذلك و لهذا قال مجاهد التقدير لا فانهم لما استفهموا استفهام تقرير بما لا جواب له الا ان يقولوا لا جعلوا كأنهم قالوا و هو قول الفارسي والزمخشري.

و يحتمل ان يكون استفهام إنكار بمعنى التوبيخ على محبتهم لاكل لحم أخيهم فيكون ميتة و المراد محبتهم له غيبته على سبيل المجاز و فكرهمتوه بمعنى الامر أي اكرهوه.

و يحتمل ان يكون استفهام إنكار بمعنى التكذيب أنهم لما كانت حالهم حال من يدعي محبة أكل لحم اخيه نسب ذلك اليهم و كذبوا فيه فيكون فكرهتموه.

الخامسة إذا خرج الاستفهام عن حقيقته فإن اريد التقرير و نحوه لم يحتج الى معادل كما في قوله تعالى: ﴿ ألم تعلم ان الله على كل شيء قدير فان معناه التقرير. و قال ابن عطية ظاهره الاستفهام المحض والمعادل على قول جماعة ام يريدون. و قيل أم منقطعة فالمعادل عندهم محذوف أي ام علمتم و هذا كله على ان القصد مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة امته و أما ان كان هو المخاطب وحده فالمعادل محذوف لاغير و كلا القولين مروي. انتهى.

و ما قاله غير ظاهر و الاستفهام هنا للتقرير فيستغنى عن المعادل اما اذا كان على حقيقته فلا بد من تقدير المعادل كقوله تعالى: ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة أي كمن ينعم في الجنة؟


346

و قوله تعالى: ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا أي كمن هداه الله بدليل قوله تعالى: ﴿ فإن الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء التقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات بدليل: ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات .

و قد جاء في التنزيل موضع صرح فيه بهذا الخبر و حذف المبتدأ على العكس مما نحن فيه و هو قوله تعالى: ﴿ كمن هو خالد في النار و سقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم أي أكمن هو خالد في الجنة يسقى من هذه الانهار كمن هو خالد في النار؟ على احد الاوجه.

و جاء مصرحا بهما على الاصل في قوله تعالى: ﴿ أو من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات .

﴿ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله .

السادسة استفهام الانكار لايكون الا على ماض و خالف في ذلك صاحب الاقصى القريب و قال قد يكون عن مستقبل كقوله تعالى: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون و قوله تعالى: ﴿ أليس الله بعزيز ذي انتقام قال انكر ان حكم الجاهلية مما يبغي لحقارته و انكر عليهم سلب العزة عن الله تعالى و هو منكر في الماضي والحال و الاستقبال.

و هذا الذي قاله مخالف لاجماع البيانيين و لادليل فيما ذكره بل الاستفهام في الايتين عن ماض و دخله الاستقبال تغليبا لعدم اختصاص المنكر بزمان ولايشهد له قوله


347
تعالى: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير لان الاستبدال و هو طلب البدل وقع ماضيا ولا ﴿ أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله و ان كانت ان تخلص المضارع للاستقبال لانه كلام ملموح به جانب المعنى. و قد ذكر ابن جني في التنبيه ان الاعراب قد يرد علي خلاف ما عليه المعنى.

التابعة هذه الانواع من خروج الاستفهام عن حقيقته في النفي هل تقول ان معنى الاستفهام فيه موجود و انضم اليه معنى أخر؟ او تجرد عن الاستفهام بالكلية؟ لاينبغي ان يطلق احد الامرين بل منه ما تجرد كما في التسوية و منه ما يبقى و منه ما يحتمل و يحتمل و يعرف ذلك بالتأمل. و كذلك الانواع المذكورة في الاثبات وهل المراد بالتقرير الحكم بثبوته فيكون خبرا محضا؟ او ان المراد طلب اقرار المخاطب به مع كون السائل يعلم فهو استفهام تقرير المخاطب أي يطلب ان يكون مقررا به؟ و في كلام النحاة و البيانيين كل من القولين و قد سبق الاشارة اليه.

الثامنة الحروف الموضوعة للاستفهام ثلاثة الهمزة و هل و ام و أما غيرها مما يستفهم به كمن و ما ومتى وأين وأنى و كيف وكم وأيان فأسماء استفهام استفهم بها نيابة عن الهمزة و هي تنقسم الى ما يختص بطلب التصديق باعتبار الواقع كهل وام المنقطعة و ما يختص بطلب التصور كأم المتصلة و ما لا يختص كالهمزة .

احكام

اختصت بها همزة الاستفهام

ولكون الهمزة ام الباب اختصت بأحكام لفظية ومعنوية.


348

فمنها كون الهمزة لا يتسفهم بها حتى يهجس في النفس اثبات ما يستفهم عنه بخلاف هل فانه لا ترجح عنده بنفي ولا إثبات. حكاه الشيخ ابو حيان عن بعضهم.

و منها اختصاصها باستفهام التقرير و قد سبق عن سيبوية و غيره ان التقرير لايكون بهل والخلاف فيه.

و قال الشيخ أبو حيان ان طلب بالاستفهام تقرير أو توبيخ أو انكار او تعجب كان بالهمزة دون هل إ ن اريد الجحد كان بهل ولا يكون بالهمزة.

و منها أنها تستعمل لإنكار أثبات ما يقع بعدها كقولك أتضرب زيدا و هو أخوك؟ قال تعالى: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ولا تقع هل هذا الموقع. و أما قوله تعالى: ﴿ هل جزاء الاحسان الا الاحسان فليس منه لان هذا نفي له من اصله والممنوع من انكار اثبات ما وقع بعدها. قاله ابن الحاجب.

و منها انها يقع الاسم منصوبا بعدها بتقدير ناصب او مرفوعا بتقدير رافع يفسره ما بعده كقولك ازيدا ضرب و ازيد قام و لا تقول هل زيدا ضربت ولا هل زيد قام الا على ضعف.

و ان شئت فقل ليس في ادوات الاستفهام ما إذا اجتمع بعده الاسم و الفعل يليه الاسم في فصيح الكلام الا الهمزة فتقول ازيد قام ولا تقول هل زيد قام الا في ضرورة بل الفصيح هل قام زيد؟

و منها انها تقع مع ام المتصلة ولا تقع مع هل و أما المنقطعة فتقع فيهما


349
جميعا. فاذا قلت أزيد عندك ام عمرو فهذا الموضع لا تقع فيه هل مالم تقصد الى المنقطعة. ذكره ابن الحاجب.

و منها انها تدخل على الشرط تقول أإن اكرمتني اكرمتك. و ان تخرج اخرج معك ان تضرب اضرب ولا تقول هل ان تخرج اخرج معك؟

و منها جواز حذفها كقوله تعالى: ﴿ وتلك نعمة تمنها علي و قوله تعالى: ﴿ هذا ربي في احد الاقوال و قراءة ابن محيصن ﴿ سواء عليهم ءأنذرتهم .

و منها زعم ابن الطراوة انها لاتكون ابدا الا معادلة او في حكمها بخلاف غيرها فتقول اقام زيد ام قعد و يجوز الا يذكر المعادل لانه معلوم من ذكر الضد.

و رد عليه الصفار و قال لا فرق بينها و بين غيرها فإنك اذا قلت هل قام زيد فالمعنى هل قام ام لم يقم لان السائل انما يطلب اليقين و ذلك مطرد في جميع ادوات الاستفهام. قال و أما قوله انه عزيز في كلامهم لا يأتون لها بمعادل فخطأ بل هو اكثر من ان يحصر قال تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ، ﴿ أفرأيت الذي تولى ، ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ، ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا و هو كثير جدا.


350

و منها تقديمها على الواو و غيرها من حروف العطف فتقول افلم اكرمك او لم احسن اليك قال الله تعالى: ﴿ أفتطمعون ان يؤمنوا لكم و قال تعالى: ﴿ أو كلما عاهدوا عهدا و قال تعالى: ﴿ أثم إذا ما وقع آمنتم به فتقدم الهمزة على حروف العطف الواو و الفاء ثم و كان القاس تاخيرها عن العاطف فيقال فألم أكرمك و ألم احسن اليك كما تقدم على سائر ادوات الاستفهام نحو قوله تعالى: ﴿ و كيف تكفرون و أنتم تتلى عليكم آيات الله و فيكم رسوله و قوله تعالى: ﴿ أم هل تستوي الظلمات والنور و قوله تعالى: ﴿ فأين تذهبون فلا يجوز ان يؤخر العاطف عن شيء من هذه الادوات لان ادوات الاستفهام جزء من جملة الاستفهام و العاطف لا يقدم عليه جزء من المعطوف و إنما خولف هذا في الهمزة لانها اصل ادوات الاستفهام فارادوا تقديمها تنبيها على انها الاصل في الاستفهام لان الاستفهام له صدر الكلام.

و الزمخشري اضطرب كلامه فتارة يجعل الهمزة في مثل هذا داخله على محذوف عطف عليه الجملة التي بعدها فيقدر بينهما فعلا محذوفا تعطف الفاء عليه ما بعدها وتارة يجعلها متقدمة على العاطف كما ذكرناه و هو الاولى.

و قد رد عليه في الاول بان ثم مواضع لا يمكن فيها تقدير فعل قبلها كقوله تعالى: ﴿ أو من ينشأ في الحلية ، ﴿ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق ، ﴿ أفمن هو قائم .


351

و قال ابن خطيب زملكا الاوجه ان يقدر محذوف بعد الهمزة قبل الفاء تكون الفاء عاطفة عليه ففي مثل قوله تعالى: ﴿ أفإن مات لو صرح به لقيل اتؤمنون به مدة حياته فان مات ارتددتم فتخالفوا سنن اتباع الانبياء قبلكم في ثباتهم على ملك انبيائهم بعد موتهم و هذا مذهب الزمخشري.

فائدة

زعم ابن سيدة في كلامه على اثبات الجمل ان كل فعل يستفهم عنه ولا يكون الا مستقبلا.

و رد عليه الاعلم و قال هذا باطل ولم يمنع احد هل قام زيد امس وهل انت قائم امس و قد قال تعالى: ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا فهذا كله ماض غير آت.

الشرط

الثالث: الشرط و يتعلق به قواعد.

(1)

القاعدة الاولى المجازاة انما تنعقد بين جملتين:


352

اولاهما فعلية لتلائم الشرط مثل قوله تعالى: ﴿ يرد الله ان يهديه ، ﴿ كنت جئت بآية ، ﴿ استقر مكإنه، ﴿ نرينك بعض الذي نعدهم ، ﴿ يأتينكم مني هدى .

و ثانيهما قد تكون اسمية و قد تكون فعلية جازمة و غير جازمة او ظرفية او شرطية كما يقال: ﴿ فأولئك يدخلون الجنة ، ﴿ شرح الله صدره للإسلام ، ﴿ فأت بآية ، ﴿ فسوف تراني ، ﴿ إلينا مرجعهم ، ﴿ فمن تبع هداي .

فاذا جمع بينهما و بين الشرط اتحدتا جملة واحدة نحو قوله: ﴿ و من يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة . و قوله: سبحانه: ﴿ فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للإسلام . و قوله: ﴿ ان كنت جئت بآية فأت بها . و قوله: ﴿ فإن استقر مكانه فسوف تراني . و قوله: ﴿ و أما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم . و قوله: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى فالاولى من جملة المجازاة تسمى شرطا و الثانية تسمى جزاء.

و يسمى المناطقة الاول مقدما و الثاني تاليا.

فاذا انحل الرباط الواصل بين طرفي المجازاة عادة الكلام جملتين كما كان.


353

فان قيل فمن أي انواع الكلام تكون هذه الجملة المنتظمة من الجملتين؟

قلنا قال صاحب المستوفى العبرة في هذا بالتالي ان كان التالي قبل الانتظام جازما كان هذه الشرطية جازمة اعني خبرا محضا و لذلك جاز ان توصل بها الموصولات كما في قوله تعالى: ﴿ الذين ان مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة و ان لم يكن جازما لم تكن جازمه بل ان كان التالي أمرا فهي في عداد الامر كقوله تعالى: ﴿ ان كنت جئت بآية فأت بها ان كنت من الصادقين و ان كانت رجاء فهي في عداد الرجاء كقوله تعالى: ﴿ فإن استقر مكانه فسوف تراني أي فهي في عداد الرجاء كقوله تعالى: ﴿ فإن استقر مكانه فسوف تراني أي فهذا التسويف بالنسبة الى المخاطب. فان جعلت سوف بمعنى امكن كان الكلام خبرا صرفا فاما الفاء التي تلحق التالي معقبة فللاحتياج اليها حيث لايمكن ان يرتبط التالي بذاته ارتباطا و ذلك ان كان افتتح بغير الفعل كقوله: ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله و قوله: سبحانه: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها لان الاسم لا يدل على الزمان فيجازي به.

و كذلك الحرف ان كان مفتتحا بالامر كقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا لان الامر لايناسب معناه الشرط فان كان مفتحا بفعل ماض او مستقبل ارتبط بذاته نحو قولك ان جئتني اكرمتك و نحو قوله تعالى: ﴿ ان تنصروا الله ينصركم و كذا قوله: ﴿ و ان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها لان


354
هذه كالجزء من الفعل وتخطاها العامل و ليست ك ان في قوله تعالى: ﴿ و ان تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا .

فان قيل فما الوجه في قوله تعالى: ﴿ ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما و قوله: ﴿ و من عاد فينتقم الله منه ؟

قلنا الاظهر ان يكون كل واحد منهما محمولا على الاسم كما ان التقدير فانتما قد صغت قلوبكما فهو ينتقم الله منه يدلك على هذا ان ضغت لوجعل نفسه الجزاء للزم ان يكتسب من الشرط معنى الاستقبال و هذا غير مسوغ هنا. ولو جاز لجاز ان تقول انتما ان تتوبا الى الله صغت او فصغت قلوبكما لكن المعنى ان تتوبا فبعد صغو من قلوبكما ليتصور فيه معنى الاستقبال مع بقاء دلالة الفعل على الممكن و ان ينتقم لو جعل وحده جزاء لم يدل على تكرار الفعل كما هو الان والله اعلم بما اراد.

(2)

الثانية اصل الشرط و الجزاء ان يتوقف الثاني على الاول بمعنى ان الشرط انما يستحق جوابه بوقوعه هو في نفسه كقولك ان زرتني احسنت اليك فالاحسان انما استحق بالزيارة و قولك ان شكرتني زرتك فالزيارة انما استحقت بالشكر هذا هو القاعدة.

و قد اورد على هذا آيات كريمات: منها قوله تعالى: ﴿ ان تعذبهم فإنهم عبادك و هم عبادة عذبهم أو رحمهم.


355

و قوله: ﴿ و ان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم و هو العزيز الحكيم غفر لهم او لم يغفر لهم.

و قوله: ﴿ ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وصغوا القلوب هنا لأمر قد وقع فليس بمتوقف على ثبوته.

و الجواب ان هذه في الحقيقة ليست اجوبة و إنما جاءت عن الاجوبة المحذوفة لكونها اسبابا لها.

ف قوله: ﴿ فإنهم عبادك الجواب في الحقيقة فتحكم فيمن يحق لك التحكم فيه و ذكر العبودية التي هي سبب القدرة.

و قوله: ﴿ و ان تغفر فالجواب فانت متفضل عليهم بالا تجازيهم بذنوبهم فكما لك غي مفتقر الى شيء فانك انت العزيز الحكيم.

و قال صاحب المستوفى اعلم ان المجازاة لا يجب فيها ان يكون الجزاء موقوفا على الشرط ابدا ولا ان يكون الشرط موقوفا على الجزاء ابدا بحيث يمكن وجوده ولا ان تكون نسبة الشرط دائما الى الجزاء نسبة السبب الى المسبب بل الواجب فيها ان يكون الشرط بحيث اذا فرض حاصلا لزم مع حصوله حصول الجزاء سواء كان الجزاء قد يقع لامن جهة وقوع الشرط كقول الطبيب من استحم بالماء البارد احتقنت الحرارة باطن حسده لان احتقان الحرارة قد يكون لا عن ذلك او لم يكن كذلك كقولك ان كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا.

و سواء كان الشرط ممكنا في نفسه كالامثلة السابقة او مستحيلا كما في قوله تعالى


356
﴿ قل ان كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين . و سواء كان الشرط سببا في الجزاء و وصله اليه كقوله تعالى: ﴿ و ان تؤمنوا و تتقوا يؤتكم أجوركم أو كان الامر بالعكس كقوله: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله او كان لا هذا و لا ذاك فلا يقع الا مجرد الدلالة على اقتران احدهما بالاخر كقوله تعالى: ﴿ و ان تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا اذ لايجوز ان تكون الدعوة سببا للضلال و مفضية اليه و لا ان يكون الضلال مفضيا الى الدعوة.

و قد يمكن ان يحمل على هذا قوله تعالى: ﴿ ان يثقفوكم يكونوا لكم أعداء . و على هذا ما يكون من باب قوله تعالى: ﴿ ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله فان التأويل ان يمسسكم قرح فمع اعتبار قرح قد مسهم قبل. والله اعلم بمراده.

(3)

الثالثة انه لايتعلق الا بمستقبل فان كان ماضي اللفظ كان مستقبل المعنى كقولك ان مت على الاسلام دخلت الجنة. ثم للنجاة فيه تقديران:

احدهما ان الفعل يغير لفظا لا معنى فكان الاصل ان تمت مسلما تدخل الجنة فغير لفظ المضارع الى الماضي تنزيلا له منزلة المحقق.

و الثاني انه تغير معنى و ان حرف الشرط لما دخل عليه قلب معناه الى الاستقبال وبقي لفظه على حاله.


357

و الاول اسهل لان تغيير اللفظ اسهل من تغيير المعنى.

و ذهب المبرد الى ان فعل الشرط اذا كان لفظ كان بقي على حاله من المضي لان كان جردت عنده للدلالة على الزمن الماضي فلم تغيرها ادوات الشرط. و قال ان كان مخالفة في هذا الحكم لسائر الافعال و جعل منه قوله تعالى: ﴿ ان كنت قلته . ﴿ و ان كان قميصه .

و الجمهور على المنع و تاولوا ذلك ثم اختلفوا:

فقال ابن عصفور و الشلوبين و غيرهما ان حرف الشرط دخل على فعل مستقبل محذوف أي ان اكن كنت قلته أي ان اكن فيما يستقبل موصوفا باني كنت قلته فقد علمته. ففعل الشرط محذوف مع هذا و ليست كان المذكورة بعدها هي فعل الشرط.

قال ابن الضائع و هذا تكلف لايحتاج اليه بل ﴿ كنت بعد ﴿ ان مقلوبة المعنى الى الاستقبال و معنى ﴿ ان كنت ان اكن فهذه التي بعدها هي التي يراد بها الاستقبال لا اخرى محذوفة و ابطلوا مذهب المبرد بان كان بعد اداة الشرط في غير هذا الموضع قد جاءت مرادا بها الاستقبال كقوله تعالى: ﴿ و ان كنتم جنبا فاطهروا .

و قد نبه في التسهيل في باب الجوازم على ان فعل الشرط لا يكون الا مستقبل المعنى و اختار في كان مذهب الجمهور اذ قال ولا يكون الشرط غير مستقبل المعنى بلفظ كان او غيرها الا مؤولا.


358

و استدرك عليه لو و لما الشرطيتين فان الفعل بعدهما لايكون الا ماضيا فتعين استثناؤه من قوله لايكون الا مستقبل المعنى.

و أما قوله تعالى: ﴿ إنا أحللنا لك أزواجك إلى ﴿ ان وهبت فوقع فيها احللنا المنطوق به او المقدر على القولين جواب الشرط مع كون الاحلال قديما فهو ماض. و جوابه ان المراد ان وهبت فقد حلت فجواب الشرط حقيقة الحل المفهوم من الاحلال لا الاحلال نفسه و هذا كما ان الظرف من قولك قم غدا ليس هو لفعل الامر بل للقيام المفهوم منه.

و قال البيانيون يجئ فعل الشرط ماضي اللفظ لاسباب:

منها إيهام جعل غير الحاصل كالحاصل كقوله تعالى: ﴿ و إذا رأيت ثم رأيت نعيما . و منها اظهار الرغبة من المتكلم في وقوعه كقولهم ان ظفرت بحسن العاقبة فذاك و عليه قوله تعالى: ﴿ ان أردن تحصنا أي امتناعا من الزنا جيء بلفظ الماضي ولم يقل يردن اظهارا لتوفير رضا الله و رغبة في ارداتهن التحصين. و منها التعريض بأن يخاطب واحدا و مراده غيره كقوله تعالى: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك .


359

(4)

الرابعة جواب الشرط اصله الفعل المستقبل و قد يقع ماضيا لا على انه جواب في الحقيقة نحو ان اكرمتك فقد اكرمتني اكتفاء بالموجود عن المعدوم.

و مثله قوله تعالى: ﴿ ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ومس القرح قد وقع بهم و المعنى ان يؤلمكم ما نزل بكم فيؤلمهم ما وقع فالمقصود ذكر الالم الواقع لجميعهم فوقع الشرط والجزاء على الالم.

و أما قوله تعالى: ﴿ ان كنت قلته فقد علمته فعلى وقوع الماضي موقع المستقبل فيهما دليله قوله تعالى: ﴿ ما يكون لي ان أقول ما ليس لي بحق أي ﴿ ان كنت قلته تكن قد علمته و هو عدول الى الجواب الى ماهو ابدع منه كما سبق.

و أما قوله تعالى: ﴿ و ما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين فالمعنى والله اعلم ما انت بمصدق لنا ولو ظهرت لك براءتنا بتفضيلك اياه علينا و قد اتوه بدلائل كاذبة ولم يصدقهم و قرعوه بقولهم ﴿ إنك لفي ضلالك القديم واجماعهم على إرادة قتله ثم رميهم له في الجب اكبر من قولهم ﴿ ولو كنا صادقين عندك.

(5)

الخامسة ادوات الشرط حروف و هي ان و اسماء مضمنه معناها. ثم منها ما ليس بظرف كمن و ما واي و مهما و اسماء هي ظروف اين و اينما و متى و حيثما و إذ ما.


360

و اقواها دلالة على الشرط دلالة ان لبساطتها و لهذا كانت ام الباب.

و ما سواها فمركب من معنى ان و زيادة معه فمن معناه كل في حكم ان و ما معناه كل شيء ان و اينما و حيثما يدلان على المكان و على ان و إذ ما ومتى يدلان على الشرط والزمان.

و قد تدخل ما على ان و هي ابلغ في الشرط من ان و لذلك تتلقى بالنون المبني عليها المضارع نحو: ﴿ و أما تخافن من قوم خيانة فانبذ و قوله تعالى: ﴿ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما .

و مما ضمن معنى الشرط اذا و هي ک ان و يفترقان في انّ ان تستعمل في المحتمل المشكوك فيه و لهذا يقبح ان احمر البسر كان كذا و ان انتصف النهار آتك و تكون اذا للجزم فوقوعه اما تحقيقا نحو اذا أطلعت الشمس كان كذا او اعتبارا كما سنذكره.

قال ابن الضائع و لذلك إذا قيل اذا احمر البسر فانت طالق وقع الطلاق في الحال عند مالك لانه شيء لابد منه و إنما يتوقف على السبب الذي قد يكون و قد لا يكون و هذا هو الاصل فيهما.

و قد تستعمل ان في مقام الجزم لاسباب: منها ان تاتي على طريقة وضع الشرطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديرا لتبيين


361

مشروطة تحقيقا كقوله تعالى: ﴿ قل ان كان للرحمن ولد و قوله تعالى: ﴿ لو كان فيهما آلهة الا الله و قوله تعالى: ﴿ قل لو كان معه آلهة .

و منها ان تاتي على طريق تبيين الحال على وجه يانس به المخاطب و اظهارا للتناصف في الكلام كقوله تعالى: ﴿ قل ان ضللت فإنما أضل على نفسي و ان اهتديت فبما يوحي إلي ربي .

و منها تصوير ان المقام لا يصلح الا بمجرد فرض الشرط كفرض الشيء المستحيل كقوله تعالى: ﴿ ولو سمعوا ما استجابوا لكم والضمير للاصنام و يحتمل منه ما سبق فيه قوله تعالى: ﴿ ان كان للرحمن ولد .

و منها لقصد التوبيخ و التجهيل في ارتكاب مدلول الشرط و أنه واجب الانتفاء حقيق الا يكون كقوله تعالى: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحا ان كنتم قوما مسرفين فيمن يكسر ان فاستعملت ان في مقام الجزم بكونهم مسرفين لتصور ان الاسراف ينبغي ان يكون منتفيا فاجراه لذلك مجرى المحتمل المشكوك.

و منها تنبيه المخاطب و تهييجه كقوله تعالى: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم و اشكروا لله ان كنتم إياه تعبدون والمعنى عبادتكم لله تستلزم شكركم له فان كنتم ملتزمين عبادته فكلوا من رزقه واشكروه و هذا كثيرا ما يورد في الحجاج و الالزام تقول ان كان لقاء الله حقا فاستعد له.

و كذا قوله تعالى: ﴿ ان كنتم بآياته مؤمنين .


362

و منها التغليب كقوله تعالى: ﴿ ان كنتم في ريب من البعث و قوله تعالى: ﴿ و ان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاستعمل ان مع تحقق الارتياب منهم لان الكل لم يكونوا مرتابين فغلب غير المرتابين منهم على المرتابين لان صدور الارتياب من غير الارتياب مشكوك في كونه فلذلك استعمل ان على حد قوله: ﴿ ان عدنا في ملتكم .

و اعلم انّ ان لاجل انها لاتستعمل الا في المعاني المحتملة كان جوابها معلقا على ما يحتمل ان يكون و الا يكون فيختار فيه ان يكون بلفظ المضارع المحتمل للوقوع و عدمه ليطابق اللفظ و المعنى فان عدل عن المضارع الى الماضي لم يعدل الا لنكتة كقوله تعالى: ﴿ ان يثقفوكم يكونوا لكم أعداء و يبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون فاتى الجواب مضارعا و هو يكونوا و ما عطف عليه و هو يبسطوا مضارعا ايضا و أنه قد عطف عليه ودوا بلفظ الماضي و كان قياسه المضارع لان المعطوف على الجواب جواب و لكنه لما لم يحتمل ودادتهم لكفرهم من الشك فيها ما يحتمله انهم اذا ثقفوهم صاروا لهم اعداء وبسطوا ايديهم اليهم بالقتل والسنتهم بالشتم اتى فيه يلفظ الماضي لان ودادتهم في ذلك مقطوع بها وكونهم اعداء وباسطي الايدي و الالسن بالسوء مشكوك لاحتمال ان يعرض ما يصدهم عنه فلم يتحقق وقوعه.

و أما اذا فلما كانت في المعاني المحققه غلب لفظ الماضي معها لكونه ادل على الوقوع باعتبار لفظه في المضارع قال تعالى: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه و ان تصبهم سيئة يطيروا بموسى و من معه


363
بلفظ الماضي مع اذا في جواب الحسنة حيث اريد مطلق الحسنة لا نوع منها و لهذا عرفت تعريف العهد و لم تنكر كما نكر المراد به نوع منها في قوله تعالى: ﴿ و ان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله و كما نكر الفعل حيث اريد به نوع في قوله تعالى: ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله و بلفظ المضارع مع ان في جانب السيئة و تنكيرها بقصد النوع.

و قال تعالى: ﴿ و إذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها و ان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون لفظ الماضي مع اذا والمضارع مع ان الا انه نكرت الرحمة ليطابق معنى الاذاقه بقصد نوع منها والسيئة بقصد النوع ايضا.

و من ذلك قوله تعالى: ﴿ و إذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون الا إياه اتى باذا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله تعالى: ﴿ لا يسأم الانسان من دعاء الخير و ان مسه الشر فيؤوس قنوط فانه لم يقيد مس الشر ها هنا بل اطلقه.

و كذلك قوله تعالى: ﴿ و إذا أنعمنا على الانسان أعرض و نأى بجانبه و إذا مسه الشر كان يؤوسا فان الياس انما حصل عند تحقق مس الضر له فكان الاتيان باذا ادل على المقصود من ان بخلاف قوله تعالى: ﴿ و إذا مسه الشر فذو دعاء عريض فانه لقلة صبره و ضعف احتماله في موقع الشر أعرض والحال في الدعاء فاذا تحقق وقوعه كان يئوسا. و أما قوله: ﴿ ان امرؤ هلك مع ان الهلاك محقق لكن جهل وقته فلذلك جيء بإن.


364

و مثله قوله تعالى: ﴿ أفإن مات أو قتل فاتى بان المقتضية للشك و الموت أمر محقق و لكن وقته معلوم فاورد مورد المشكوك فيه المتردد بين الموت و القتل.

و أما قوله تعالى: ﴿ لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين مع ان مشيئة الله محققه فجاء على تعليم الناس كيف يقولون و هم يقولون في كل شيء على جهة الاتباع لقوله تعالى: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله فيقول الرجل في كل شيء ان شاء الله على مخبر به مقطوعا أو غير مقطوع و ذلك سنة متبعة.

و مثله قوله صلى الله عليه و سلم ( و انا ان شاء الله بكم لاحقون ). و يحتمل ان تكون للابهام في وقت اللحوق متى يكون.

تنبيه: سكت البيانيون عما عدا اذا و ان و الحق صاحب البسيط و ابن الحاجب متى بان قال لاتقول متى طلعت الشمس مما علم انه كائن بل تقول متى تخرج اخرج. و قال الزمخشري في الفصل بين متى و إذ ان متى للوقت المبهم و إذا للمعين لأنهما ظرفا زمان و لابهام متى جزم بها دون اذا.

(6)

السادسة قد يعلق الشرط بفعل محال يستلزمه محال آخر و تصدق الشرطية دون


365
مفرديها اما صدقها فلاستلزام المحال و أما كذب مفرديها فلاستحالتهما.

و عليه قوله تعالى: ﴿ قل ان كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين .

و قوله تعالى: ﴿ لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا .

و قوله تعالى: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون ... الاية.

و فائدة الربط بالشرط في مثل هذا امران احدهما بيان استلزام احدى القضيتين للأخرى و الثاني ان اللازم منتف فالملزوم كذلك.

و قد تبين بهذا ان الشرط يعلق به المحقق الثبوت و الممتنع الثبوت و الممكن الثبوت.

(7)

السابعة الاستفهام اذا دخل على الشرط كقوله تعالى: ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم و قوله تعالى: ﴿ أفإن مت فهم الخالدون و نظائره فالهمزة في موضعها و دخولها على اداة الشرط. و الفعل الثاني الذي هو جزاء الشرط ليس جزاء للشرط و إنما هو المستفهم عنه والهمزة داخله عليه تقديرا فينوي به التقديم و حينئذ فلا يكون جوابا بل الجواب محذوف و التقدير عنده أأنقلبتم على اعقابكم ان مات محمد لان الغرض انكار انقلابهم على اعقابهم بعد موته.

و يقول يونس قال كثير من النحويين انهم يقولون الف الاستفهام دخلت في غير موضعها لان الغرض انما هو اتنقلبون ان مات محمد. و قال ابو البقاء قال يونس الهمزة في مثل هذا احقها ان تدخل على جواب


366
الشرط تقديره اتنقلبون على اعقابكم ان مات محمد لان الغرض التنبيه او التوبيخ على هذا الفعل المشروط و مذهب سيبويه الحق لوجهين احدهما انك لو قدمت الجواب لم يكن للفاء وجه اذ لايصح ان تقول اتزورني فان زرتك و منه قوله: ﴿ أفإن مت فهم الخالدون . و الثاني ان الهمزة لها صدر الكلام و ان لها صدر الكلام فقد وقعا في موضعهما والمعنى يتم بدخول الهمزة على جملة الشرط و الجواب لانهما كالشئ الواحد انتهى.

و قد رد النحويون على يونس بقوله: ﴿ أفإن مت فهم الخالدون لايجوز في ﴿ فهم ان ينوي به التقديم لانه يصير التقدير افهم الخالدون فان مت و ذلك لايجوز لئلا يبقى الشرط بلا جواب اذ لايتصور ان يكون الجواب محذوفا يدل عليه ما قبله لان الفاء المتصله بان تمنعه من ذلك و لهذا يقولون انت ظالم ان فعلت ولا يقولون انت ظالم فان فعلت فدل ذلك على ان ادوات الاستفهام انما دخلت لفظا و تقديرا على جملة الشرط و الجواب.

(8)

الثامنة اذا تقدم اداة الشرط جملة تصلح ان تكون جزاء ثم ذكر فعل الشرط ولم يذكر له جواب نحو اقوم ان قمت و انت طالق ان دخلت الدار فلا تقدير عند الكوفيين بل المقدم هو جواب و عند البصريين دليل الجواب.

و الصحيح هو الاول لان الفاء لاتدخل عليه ولو كان جوابا لدخلت و لانه لو كان مقدما من تاخير لما افترق المعنيان و هما مفترقان ففي التقدم بني الكلام على الخبر


367
ثم طرأ التوقف و في التاخير بني الكلام من اوله على الشرط كذا قاله ابن السراج و تابعه ابن مالك و غيره.

و نوزعا في ذلك بل مع التقديم الكلام مبني على الشرط كما لو قال له على عشرة الا درهما فانه لم يقر بالعشرة ثم أنكر منها درهما ولو كان كذلك لم ينفعه الاستثناء. ثم زعم ابن السراج ان ذلك لا يقع الا في الضرورة و هو مردود بوقوعه في القرآن كقوله: ﴿ و اشكروا لله ان كنتم إياه تعبدون .

(9)

التاسعة اذا دخل على اداة الشرط واو الحال لم يحتج الى جواب نحو احسن الى زيد و ان كفرك و اشكره و ان اساء اليك أي أحسن اليه كافرا لك و اشكره مسيئا اليك.

فان اجيب الشرط كانت الواو عاطفة لا للحال نحو احسن اليه و ان كفرك فلا تدع الاحسان اليه و اشكره و ان اساء اليك فاقم على شكره. ولو كانت الواو هنا للحال لم يكن هناك جواب.

قال ابن جني و إنما كان كذلك لان الحال فضله و اصل وضع الفضلة ان تكون مفردا كالظرف والمصدر والمفعول به فلما كان كذلك لم يجب الشرط اذا وقع موقع الحال لانه لو اجيب لصار جملة و الحال انما هي فضله فالمفرد اولى بها من الجملة و الشرط و ان كان جملة فانه يجري عندهم مجرى الاحاد من حيث كان محتاجا الى جوابه احتياج المبتدأ الى الخبر.


368

(10)

العاشرة الشرط و الجزاء لابد ان يتغاير لفظا و قد يتحدان فيحتاج الى التاويل كقوله: ﴿ الا من تاب وآمن و الاية التي تليها ﴿ و من تاب وعمل صالحا ثم قال: ﴿ فإنه يتوب إلى الله متابا فقيل على حذف الفعل أي من اراد التوبة فان التوبة معرضة له لايحول بينه بينها حائل. و مثله ﴿ فإذا قرأت القرآن أي اردت. و يدل لهذا تاكيد التوبة بالمصدر.

و أما قوله تعالى: ﴿ جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه فقال الزمخشري يجوز ان يكون جزاؤه مبتدأ و الجملة الشرطية كما هي خبره على اقامة الظاهر مقام المضمر و الاصل جزاؤه من وجد في رحلة فهو هو فوضع الجزاء موضع هو.

و قوله: ﴿ من يهد الله فهو المهتدي قدره ابن عباس من يرد الله هدايته فلا يتحد الشرط و الجزاء.

و مثله قوله تعالى: ﴿ و ان لم تفعل فما بلغت رسالته و قد سبق فيها اقوال كثيرة. و قد يتقاربان في المعنى كقوله تعالى: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته و قوله: ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز و قوله: ﴿ و من يبخل فإنما يبخل عن نفسه .


369

و النكته في ذلك كله تفخيم الجزاء و المعنى ان الجزاء هو الكامل البالغ النهاية يعني من يبخل في أداء ربع العشر فقد بالغ في البخل و كان هو البخيل في الحقيقة.

(11)

الحادية عشرة في اعتراض الشرط على الشرط و قد عدوا من ذلك آيات شريفة بعضها مستقيم و بعضها بخلافه.

الاية الاولى قوله تعالى: ﴿ فأما ان كان من المقربين فروح وريحان ... الاية.

قال الفارسي قد اجتمع هنا شرطان و جواب واحد فليس يخلو اما ان يكون جوابا لامّا أو لان و لا يجوز ان يكون جواب لهما لانا لم نر شرطين لهما جواب واحد و لو كان هذا لجاز شرط واحد له جوابان و لا يجوز ان يكون جوابا لان دون اما لان اما لم تستعمل بغير جواب فجعل جوابا لاما فتجعل اما و ما بعدها جوابا لان.

و تابعه ابن مالك في كون الجواب لاما. و قد سبقهما اليه امام الصناعة سيبويه. و نازع بعض المتاخرين في عد هذه الاية من هذا قال و ليس من الاعتراض ان يقرن الثاني بفاء الجواب لفظا نحو ان تكلم زيد فان اجاد فاحسن اليه لان الشرط الثاني و جوابه جواب الاول. او يقرن بفاء الجواب تقديرا كهذه الاية الشريفة لان الاصل عند النجاة مهما يكن من شئ فان كان المتوفي من المقربين فجزاؤه روح فحذف مهما و جملة شرطها و انيب عنها اما


370
فصار اما فان كان مفردا من ذلك لوجهين احدهما ان الجواب لايلي اداة الشرط بغير فاصل و ثانيهما ان الفاء في الاصل للعطف فحقها ان تقع بين سببين و هما المتعاطفان فلما اخرجوها من باب العطف حفظوا عليها المعنى الاخر و هو التوسط فوجب ان يقدم شئ مما في حيزها عليها اصلاحا للفظ فقدمت جملة الشرط الثاني لانها كالجزاء الواحد كما قدم المفعول في قوله تعالى: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر فصار ﴿ فأما ان كان من المقربين فروح فحذفت الفاء التي في جواب ان لئلا يلتقي فاءان.

فتخلص ان جواب اما ليس محذوفا بل مقدما بعضه على الفاء فلا اعتراض. الاية الثانية قوله تعالى عن نوح ﴿ ولا ينفعكم نصحي ان أردت ان أنصح لكم ان كان الله يريد ان يغويكم و إنما يكون من هذا لو كان ﴿ لا ينفعكم نصحي مؤخرا بعد الشرطين او لازما ان يقدر كذلك و كلا الامرين منتف.

اما الاول فظاهر و أما الثاني فلان ﴿ لا ينفعكم نصحي ان اردت ان انصح لكم جملة تامة اما على مذهب الكوفيين فمن شرط مؤخر و جزاء مقدم و أما على مذهب البصريين فالمقدم دليل الجزاء و المدلول عليه محذوف فيقدر بعد شرطه فلم يقع الشرط الثاني معترضا لان المراد بالمعترض ما اعترض بين الشرط و جوابه و هنا ليس كذلك فان على مذهب الكوفيين لا حذف و الجواب مقدم و على قول البصريين الحذف بين الشرطين.


371

و هنا فائدة و هي انه لم عدل عن ان نصحت الي ﴿ ان أردت ان أنصح و كانه والله أعلم أدب مع الله تعالى حيث اراد الاغواء.

و قد احسن الزمحشري فلم يات بلفظ الاعتراض في الاية بل سماه مرادفا و هو صحيح و قال ان قوله تعالى: ﴿ ان كان الله يريد ان يغويكم جزاؤه ما دل عليه قوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي .

و جعل ابن مالك تقدير الاية ان اردت انصح لكم مرادا ذلك منكم لاينفعكم نصحي و هو يجعله من باب الاعتراض و فيه ما ذكرنا.

الاية الثالثة قوله تعالى: ﴿ وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي ... الاية و هي كالتي قبلها لتقدم الجزاء او دليله على الشرطين فالاحتمال فيها كما قدمنا.

و قال الزمخشري شرط في الاحلال هبتها نفسها و في الهبة إرادة الاستنكاح كانه قال احللناها لك ان وهبت نفسها لك وانت تريد ان تنكحها لان ارادته هي قبول الهبة و ما به تتم.

و حاصله ان الشرط الثاني مقيد للأول. و يحتمل ان يكون من الاعتراض كانه قال ان وهبت نفسها ان اراد النبي احللناها فيكون جوابا للاول و يقدر جواب الثاني محذوفا.

الاية الرابعة قوله تعالى: ﴿ يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين


372
و غلط من جعلها من الاعتراض لان الشرط الاول إقترن بجوابه ثم اتى بالثاني بعد ذلك و إذا ذكر جواب الثاني تاليا له فأي إعتراض هنا لهذا قال المجوزون لهذه المسألة ان الجواب المذكور للأول و جواب الثاني محذوف لدلالة الاول وجوابه عليه و التقدير في الاية ﴿ ان كنتم مسلمين فإن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا فحذف الجواب لدلالة السابق عليه.

الاية الخامسة قوله تعالى: ﴿ و ان تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ان يسألكموها فيحفكم تبخلوا و كلام ابن مالك يقتضي أنها من الاعتراض و ليس كذلك بل عطف هل الشرط على فعل آخر.

الاية السادسة قوله تعالى: ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات إلى قوله: ﴿ لعذبنا و هذه الاية هي العمدة في هذا الباب فالشرطان و هما ﴿ لولا و ﴿ لو قد إعترضا و ليس معهما الا جواب واحد و هو متأخر عنهما و هو لعذبنا.

الاية السابعة قوله تعالى: ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية و هذه تاتي على مذهب الاخفش فانه يزعم ان قوله تعالى: ﴿ الوصية على تقدير الفاء أي فالوصية فعلى هذا يكون مما نحن فيه. فاما اذا رفعت ﴿ الوصية ب ﴿ كتب فهي كالآيات السابقة في حذف الجوابين.


373

تنبيه

في ضابط اعتراض الشرط على الشرط

ذكر بعضهم ضابطا في هذه المسألة فقال اذا دخل الشرط على الشرط فان كان الثاني بالفاء فالجواب المذكور جوابه و هو وجوابه جواب الشرط الاول كقوله تعالى: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم .

و ان كان بغير الفاء فان كان الثاني متاخرا في الوجود عن الاول كان مقدر بالفاء وتكون الفاء جواب الاول والجواب المذكور جواب الثاني نحو ان دخلت المسجد ان صليت فيه فلك اجر تقديره فان صليت فيه فحذفت الفاء لدلالة الكلام عليها.

و ان كان الثاني متقدما في الوجود على الاول فهو في نية التقديم و ما قبله جوابه و الفاء مقدرة فيه كقوله تعالى: ﴿ لا ينفعكم نصحي تقديره ان اراد الله ان يغويكم فان اردت ان انصح لكم لا ينفعكم نصحي.

و أما ان لم يكن احدهما متقدما في الوجود و كان كل واحد منهما صالحا لان يكون هو المتقدم و الاخر متاخرا كقوله تعالى: ﴿ وامرأة مؤمنة ان وهبت كان الحكم راجعا الى التقدير والنية فايهما قدرته الشرط كان الاخر جوابا له.

و ان كان مقدرا بالفاء كان المتقدم في اللفظ او المتاخر فان قدرنا الهبة شرطا كانت الارادة جوابا له و ان كان مقدرا بالفاء كان المتقدم في اللفظ او المتاخر فان قدرنا الهبة شرطا كانت الارداة جوابا و يكون التقدير ان وهبت نفسها للنبي فان اراد النبي ان يستنكحها و ان قدرنا الارادة شرطا كانت الهبة جزاء و كان التقدير ان اراد النبي ان يستنكحها فان وهبت نفسها للنبي.


374

و على كلا التقديرين فجواب الشرط الذي هو الجواب محذوف و التقدير فهي حلال لك وقس عليه ما يرد عليك من هذا الباب.

فائدة

قد يسمى الشرط يمينا

قال ابن حني في كتاب القد يجوز ان يسمى الشرط يمينا لان كل واحد منهما مذكور لما بعده و هو جملة مضمومه الى اخرى و قد جرت الجملتان مجرى الجملة الواحدة فمن هنا يجوز ان يسمى الشرط يمينا الا ترى ان كل واحد منهما مذكور لما بعده!

القسم و جوابه

و هما جملتان بمنزلة الشرط و جوابه و سنتكلم عليه في الاساليب ان شاء الله تعالى في باب التاكيد. و القسم لفظه لفظ الخبر و معناه الانشاء و الالتزام بفعل المحلوف عليه او تركه و ليس باخبار عن شيء وقع او لا يقع و ان كان لفظه المضي او الاستقبال وفائدته تحقق الجواب عند السامع وتاكده ليزول عنه التردد فيه.

الامر

الامر حيث وقع في القرآن كان بغير الحرف كقوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ادخلوا مساكنكم اخرجوا من دياركم كلوا من ثمره


375
و جاء بالحرف في مواضع يسيرة على قراءة بعضهم ﴿ فبذلك فلتفرحوا و وجهه أنه من باب حمل المخاطب على الغائب الى الخطاب فكانه لاغائب و لا حاضر و ذلك لان قوله تعالى: ﴿ قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا فيه خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم مع المؤمنين و خطاب الله تعالى مع النبي للمؤمنين كخطاب الله تعالى لهم فكانهما اتحدا في الحكم و وجود الاستماع و الاتباع فصار المؤمنون كانهم مخاطبون في المعنى فاتى بالام كانه يأمر قوما غيبا و بالتاء للخطاب كانه يامر حضورا. و يؤيد هذا قوله تعالى في أول الاية ﴿ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ... الاية فصار المؤمنون مخاطبين ثم قال لنبيه صلى الله عليه و سلم: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ينبغي ان يكون فرحهم فصاروا مخاطبين من وجه دون وجه.

و نظيره ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم الا ان ذلك جعل في كلمتين وحالتين و هذا في كلمة واحدة.

و منها قوله تعالى: ﴿ اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد . و منها قوله تعالى: ﴿ ليقض علينا ربك .

النفي

هو شطر الكلام كله لان الكلام اما اثبات او نفي و فيه قواعد:


376

الاولى

في الفرق بينه و بين الجحد قال ابن الشجري ان كان النافي صادقا فيما قاله سمي كلامه نفيا و ان كان يعلم كذب ما نفاه كان جحدا فالنفي اعم لان كل جحد نفي من غير عكس فيجوز ان يسمى الجحد نفيا لان النفي اعم ولا يجوز ان يسمى النفي جحدا.

فمن النفي ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم . و من الجحد نفي فرعون و قومه آيات موسى عليه السلام قال الله تعالى: ﴿ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا اي وهم يعلمون انها من عند الله.

و كذلك اخبار الله عمن كفر من اهل الكتاب ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير فاكذبهم الله بقوله: ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم .

و قوله: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا فأكذبهم الله بقوله: ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر .

قال و من العلماء من لايفرق بينهما و الاصل ما ذكرته.

الثانية

زعم بعضهم ان من شرط صحة النفي عن الشيء صحة اتصاف المنفي عنه بذلك


377
الشيء و من ثم قال بعض الحنفية ان النهي عن الشيء يقتضي الصحة و ذلك باطل بقوله تعالى: ﴿ و ما الله بغافل عما يعملون ، ﴿ و ما كان ربك نسيا ، ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ، ﴿ و هو يطعم ولا يطعم و نظائره.

و الصواب ان انتفاء الشيء عن الشيء قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلا و قد يكون لكونه لا يقع منه مع امكانه فنفى الشيء عن الشيء لايستلزم امكانه.

الثالثة

المنفي ما ولى حرف النفي فاذا قلت ما ضربت زيدا كنت نافيا للفعل الذي هو ضربك اياه و إذا قلت ما انا ضربته كنت نافيا لفاعليتك للضرب.

فان قلت الصورتان دلتا على نفي الضرب فما الفرق بينهما؟

قلت من وجهين: احدهما ان الاولى نفت ضربا خاصا و هو ضربك اياه و لم تدل على وقوع ضرب غيرك و لا عدمه اذا نفي الاخص لايستلزم نفي الاعم و لا ثبوته. و الثانيه نفت كونك ضربته و دلت على ان غيرك ضربه بالمفهوم.

الثاني ان الاولى دلت على نفي ضربك له بغير واسطة و الثانية دلت على نفيه بواسطة. و أما قوله: ﴿ ما قلت لهم الا ما أمرتني به .


378

الرابعة

اذا كان الكلام عاما و نفيته فان تقدم حرف النفي اداة العموم كان نفيا للعموم و هو لا ينافي الاثبات الخاص فاذا قلت لم افعل كلّ ذا بل بعضه استقام و ان تقدم صيغه العموم على النفي فقلت كل ذا لم افعله كان النفي عاما و يناقضه الاثبات الخاص.

و حكى الامام في نهاية الايجاز عن الشيخ عبد القاهر ان نفي العموم يقتضي خصوص الاثبات. فقوله لم افعل كله يقتضي انه فعل بعضه. قال و ليس كذلك الا عند من يقول بدليل الخطاب بل الحق ان نفي العموم كما لا يقتضي عموم النفي لايقتضي خصوص الاثبات.

الخامسة

أدواته كثيرة قال الخويي و اصلها لا و ما لان النفي اما في الماضي و أما في المستقبل و الاستقبال اكثر من الماضي ابدا و لا اخف من ما فوضعوا الاخف للأكثر.

ثم ان النفي في الماضي اما ان يكون نفيا واحدا مستمرا و أما ان يكون نفيا فيه احكام متعدده و كذلك النفي في المستقبل فصار النفي على اربعة اقسام و اختاروا له اربع كلمات ما لم لن لا.

و أما ان و لما فليسا باصليين.


379

فما و لا في الماضي و المستقبل متقابلان ولم ولن في الماضي والمستقبل متقابلان ولم كأنه مأخوذ من لا و ما لان لم نفي للإستقبال لفظا فأخذ اللام من لا التي هي لنفي الامر في المستقبل والميم من ما التي هي لنفي الامر في الماضي و جمع بينهما إشارة إلى ان في لم المستقبل و الماضي و قدم اللام على الميم إشارة إلى ان لا هو أصل النفي و لهذا ينفى بها في أثناء الكلام فيقال لم يفعل زيد ولا عمرو ولن أضرب زيدا ولا عمرا.

أما لما فتركيب بعد تركيب كأنه قال لم و ما لتوكيد معنى النفي في الماضي و تفيد الاستقبال أيضا و لهذا تفيد لما الاستمرار كما قال الزمخشري إذا قلت ندم زيد و لم ينفعه الندم أي حال الندم لم ينفعه و إذا قلت ندم زيد و لما ينفعه الندم أي حال الندم واستمر عدم نفعه.

قلت و قال الفارسي إذا نفي بها الفعل اختصت بنفي الحال و يجوز ان يتسع فيها فينفي بها الحاضر نحو ما قام و ما قعد.

قال الخويي و الفرق بين النفي بلم و ما ان النفي بما كقولك ما قام زيد معناه ان وقت الاخبار هذا الوقت و هو إلى الان ما فعل فيكون النفي في الماضي و ان النفي بلم كقولك لم يقم تجعل المخبر نفسه بالعرض متكلما في الازمنة الماضية و لانه يقول في كل زمان في تلك الازمنة أنا أخبرك بأنه لم يقم.

و على هذا فتأمل السر في قوله تعالى: ﴿ لم يتخذ ولدا و في موضع آخر: ﴿ ما اتخذ الله من ولد لان الاول في مقام طلب الذكر و التشريف به للثواب و الثاني في مقام التعليم و هو لا يفيد الا بالنفي عن جميع الازمنة.


380

و كذلك قوله: ﴿ ما كان أبوك امرأ سوء و ما كانت أمك بغيا و قوله: ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا فان مريم كانها قالت اني تفكرت في ازمنة وجودي و مثلتها في عيني لم اك بغيا فهو ابلغ في التنزيه فلا يظن ظان انها تنفي نفيا كليا مع انها نسيت بعض ازمنة وجودها و أما هم لما قالوا ﴿ و ما كانت أمك بغيا ما كان يمكنهم ان يقولوا نحن تصورنا كل زمان من ازمنة وجود امك و تنفي عن كل واحد منها كونها بغيا لان احد لا يلازم غيره فيعلم كل زمان من ازمنة وجوده و إنما قالوا لها ان امك اشتهرت عند الكل حتى حكموا عليها حكما واحدا عاما انها مابغت في شيء من ازمنة وجودها.

و كذلك قوله تعالى: ﴿ ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون و قوله: ﴿ و ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا فانه سبحانه لما قال: ﴿ بظلم كان سبب حسن الهلاك قائما و أما الظلم فكان يتوقع في كل زمن الهلاك سواء كانوا غافلين ام لا لكن الله برحمته يمسك عنهم في كل زمان وافقته غفلتهم. و أما قوله: ﴿ وأهلها غافلون و ان جد الظلم لكن لم يبق سببا مع الاصلاح فبقي النفي العام بعدم تحقيق المقتضى في كل زمان.

و كذلك قوله: ﴿ و ما كنا مهلكي القرى الا و أهلها ظالمون لانه لما لم يذكر الظلم لم يتوقع الهلاك فلم يبق متكررا في كل زمان.

و كذلك قوله: ﴿ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . و قوله: ﴿ و ما كان الله معذبهم ذكر عند ذكر النعمة لم يكن اشارة


381
الى الحكم في كل زمان تذكيرا بالنعمة و قال تعالى: ﴿ و ما كان الله معذبهم نفيا واحدا عاما عند ذكر العذاب لئلا يتكرر ذكر العذاب و يتكرر ذكر النعمة لا للمنة بل للتنبيه على سعة الرحمة.

و كذلك قال تعالى: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه و قال: ﴿ و ما جعل عليكم في الدين من حرج ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة و قوله تعالى: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا و قال تعالى: ﴿ ولم يجعلني جبارا شقيا و قال تعالى: ﴿ لم نجعل لهم من دونها سترا في جميع مواضع ما حصل المذكور امورا لا يتوقع تجددها و في جميع المواضع لم يحصل توقع تجدد المذكور.

فاستمسك بما ذكرنا واجعله اصلا فانه من المواهب الربانية.


382

النوع السادس و الاربعون

في اساليب القرآن و فنونه البليغة

و هو المقصود الاعظم من هذا الكتاب و هو بيت القصيدة و اول الجريدة و غرة الكتيبة وواسطة القلادة و درة التاج و انسان الحدقة على انه قد تقدمت الاشارة للكثير من ذلك.

اعلم ان هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الاصحاب ليست له عشيرة تحميه و لا ذوو بصيرة تستقصيه و هو ارق من الشعر و اهول من البحر و اعجب من السحر و كيف لايكون و هو المطلع على اسرار القرآن العظيم الكافل بابراز اعجاز النظم المبين ما اودع من حسن التاليف و براعة التركيب و ما تضمنه في الحلاوة و جلله في رونق الطلاوة مع سهولة كلمة و جزالتها و عذوبتها وسلاستها ولا فرق بين ما يرجع الحسن الى اللفظ او المعنى.

و شذ بعضهم فزعم ان موضع صناعة البلاغة فيه انما هو المعاني فلم يعد الاساليب البليغة و المحاسن اللفظية.

و الصحيح ان الموضوع مجموع المعاني و الالفاظ اذ اللفظ مادة الكلام الذي منه يتالف و متى اخرجت الالفاظ عن ان تكون موضوعا خرجت عن جملة الاقسام المعتبرة اذ لايمكن ان توجد الا بها.


383

و ها انا القي اليك منه ما يقضي له البليغ عجبا و يهتز به الكاتب طربا:

فمنه التوكيد باقسامه و الحذف باقسامه الايجاز التقديم و التاخير القلب المدرج الاقتصاص الترقي التغليب الالتفات التضمين وضع الخبر موضع الطلب وضع الطلب موضع الخبر وضع النداء موضع التعجب وضع جملة القلة موضع الكثرة تذكير المؤنث تانيث المذكر التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي عكسه مشاكله اللفظ للمعنى النحت الابدال المحاذاة قواعد في النفي و الصفات إخراج الكلام مخرج الشك في اللفظ دون الحقيقة الاعراض عن صريح الحكم الهدم التوسع الاستدراج التشبيه الاستعارة التورية التجريد التجنيس الطباق المقابلة الجام الخصم بالحجة التقسيم التعديد مقابلة الجمع بالجمع قاعدة فيما ورد في القرآن مجموعا تارة و مفردا أخرى و حكمه ذلك قاعدة اخرى في الضمائر قاعدة في السؤال والجواب الخطاب بالشئ عن اعتقاد المخاطب التادب في الخطاب تقديم ذكر الرحمة على العذاب الخطاب بالاسم الخطاب بالفعل قاعدة في ذكر الموصولات والظرف تارة وحذفها اخرى قاعدة في النهي ودفع التناقض عما يوهم ذلك. و ملاك ذلك الايجاز و الاطناب قال صاحب الكشاف كما انه يجب على البليغ في مظان الاجمال و الايجاز ان يجمل و يوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل ان يفصل و يشبع و انشد الجاحظ:

يرمون بالخطب الطوال و تارة
وحي الملاحظ خيفة الرقباء


384

الاسلوب الاول

التاكيد

و القصد منه الحمل على ما لم يقع ليصير واقعا و لهذا لايجوز تأكيد الماضي و لا الحاضر لئلا يلزم تحصيل الحاصل و إنما يؤكد المستقبل و فيه مسائل:

الاولى جمهور الامة على وقوعه في القرآن و السنة و قال قوم ليس فيهما تاكيد و لا في اللغة بل لابد ان يفيد معنى زائدا على الاول. و اعترض الملحدون على القرآن و السنة بما فيهما من التاكيدات و أنه لافائدة في ذكرها و ان من حق البلاغة في النظم ايجاز اللفظ و استيفاء المعنى و خير الكلام ما قل و دل ولا يمل و الافادة خير من الاعادة وظنوا انه انما يجئ لقصور النفس عن تادية المراد بغير تاكيد و لهذا انكروا وقوعه في القرآن.

و اجاب الاصحاب بان القرآن نزل على لسان القوم و في لسانهم التأكيد و التكرار و خطابه اكثر بل هو عندهم معدود في الفصاحة و البراعة و من انكر وجوده في اللغة فهو مكابر اذ لولا وجوده لم يكن لتسميته تاكيدا فائدة فان الاسم لايوضع الا لمسمى معلوم لافائدة فيه بل فوائد كثيرة كما سنبينه.

الثانية حيث وقع فهو حقيقة. و زعم قوم انه مجاز لانه لايفيد الا ما افاده المذكور الاول حكاه الطرطوسي في العمدة ثم قال و من سمى التاكيد مجازا! فيقال له اذا كان


385
التاكيد بلفظ الاول نحو عجل عجل و نحوه. فان جاز ان يكون الثاني مجازا جاز في الاول لانهما في لفظ واحد و إذا بطل حمل الاول على المجاز بطل حمل الثاني عليه لانه قبل الاول.

الثالثة انه خلاف الاصل فلا يحمل اللفظ على التاكيد الا عند تعذر حمله على مدة محددة.

الرابعة يكتفي في تلك باي معنى كان و شرط. و ما قاله ضعيف لان المفهوم من دلالة اللفظ ليس من باب الالفاظ حتى يحذو به حذو الالفاظ.

الخامسة في تقسيمه و هو صناعي يتعلق باصطلاح النحاة و معنوي. و اقسامه كثيرة فلنذكر ما تيسر منها.

القسم الاول

التوكيد الصناعي

و هو قسمان لفظي و معنوي. فاللفظي تقرير معنى الاول بلفظ او مرادفه فمن المرادف ﴿ فجاجا سبلا ، ﴿ ضيقا حرجا في قراءة كسر الراء. ﴿ و غرابيب سود .


386

و جعل الصفار منه قوله تعالى: ﴿ فيما ان مكناكم فيه على القول بان كلاهما للنفي.

و اللفظي يكون في الاسم النكرة بالاجماع نحو: ﴿ قواريرا. قوارير و جعل ابن مالك و ابن عصفور منه ﴿ دكا دكا و ﴿ صفا صفا و هو مردود لانه جاء في التفسير ان معنى ﴿ دكا دكا دكا بعد دك و ان الدك كرر عليها حتى صار هباء منثورا و ان معنى ﴿ صفا صفا انه تنزل ملائكة كل سماء يصطفون صفا بعد صف محدقين بالانس و الجن. و على هذا فليس الثاني منهما تكرارا للاول بل المراد به التكثير نحو جاء القوم رجلا رجلا و علمته الحساب بابا بابا.

و قد ذكر ابن جني في قوله تعالى: ﴿ إذا وقعت الواقعة ، ﴿ إذا رجت ان رجت بدل من: ﴿ وقعت و كررت ﴿ إذا تاكيدا لشدة امتزاج المضاف بالمضاف اليه.

و يكون في اسم الفعل كقوله تعالى: ﴿ هيهات هيهات لما توعدون . و في الجملة نحو: ﴿ فإن مع العسر يسرا. ان مع العسر يسرا . و لكون


387
الجملة الثانية للتوكيد سقطت من مصحف ابن مسعود و من قراءته.

و الاكثر فصل الجملتين بثم كقوله: ﴿ و ما أدراك ما يوم الدين. ثم ما أدراك ، ﴿ كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون . يكون في المجرور كقوله: ﴿ و أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها و الاكثر فيه اتصاله بالمذكور.

و زعم الكوفيون انه لا يجوز الفصل بين التوكيد و المؤكد قال الصفار في شرح سيبويه و السماع يرده قال تعالى: ﴿ و هم بالآخرة هم كافرون فان هم الثانية تاكيد للاولى. و قوله: ﴿ و أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها . و قوله: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به الا ترى ان قبله ﴿ و لما جاءهم كتاب فاكد لما و بينهما كلام و اصله ﴿ يستفتحون على الذين كفروا فكرر للطول الذي بين لما و جوابها. و قوله: ﴿ أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون في احد القولين لانه اكد ان بعد ما فصل.

و قوله تعالى: ﴿ ان في السماوات و الارض لآيات للمؤمنين ريب انهم اجتمعوا في الهلاك و ان قوم موسى اجتمعوا في النجاه.

و منه قوله تعالى حكاية عن يوسف ﴿ و أتوني بأهلكم أجمعين فلم يرد بهذا ان يجتمعوا عنده و ان جاءوا واحدا بعد واحد و إنما اراد اجتماعهم في المعنى اليه و الا


388
يتخلف منهم احد و هذا يعلم من السياق والقرينة.

و من القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظا ان قوله: ﴿ كلهم يفيد الشمول و الاحاطة فلا بد ان يفيد ﴿ أجمعون قدرا زائدا على ذلك و هو اجتماعهم في السجود هذا في اللفظ و أما المعنى فلان الملائكة لم تكن ليتخلف احد منهم عن امتثال الامر ولا يتاخر عنده ولا سيما و قد وقت لهم بوقت وحد لهم بحد و هو التسوية ونفخ الروح فلما حصل ذلك سجدوا كلهم عن آخرهم في ان واحد ولم يتخلف منهم احد فعلى هذا يخرج كلام المبرد الزمخشري.

و ما نقل عن بعض المتكلمين ان السجود لم يستعمل على الكل بدليل قوله: ﴿ أستكبرت أم كنت من العالين مردود بل العالون المتكبرون و في رسائل اخوان الصفاء ان العالين هم العقول العاقة التي لم تسجد و هذا تحريف ولم يقم دليل على اثبات العقول التي تدعيها الفلاسفة.

و وقع خلاف في ان ابليس من الملائكة ام لا و التحقيق انه ليس منهم عنصرا ففي صحيح مسلم خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من النار و خلق آدم مما وصف لكم و هو منهم حكما لدخوله في الخطاب بالامر بالسجود معهم ولو كان من غيرهم لم يدخل معهم.

و أما قوله: ﴿ الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين فلم يذكر قبله ﴿ كلهم لما


389
لم يكن المراد كل واحد واحد من الاية لم تحسن الزيادة في التاكيد بدليل الاستثناء بعده من قوله: ﴿ الا امرأته .

و منها قصد تحقيق المخبر به كقوله تعالى إني جاعل فأكد بإن و بإسم الفاعل مع أنهم ليسوا بشاكين في الخبر.

و مثله ﴿ إنك ميت و أنهم ميتون . و قال حاكيا عن نوح ﴿ إنك ان تذرهم يضلوا عبادك . و منها قصد اغاظة السامع بذلك الخبر كقوله: ﴿ إنك لمن المرسلين و منها الترغيب كقوله: ﴿ فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم اكد باربع تاكيدات و هي ان و ضمير الفصل و المبالغتان مع الصفتين له ليدل على ترغيب الله العبد في التوبة فانه اذا علم ذلك طمع في عفوة. و قوله: ﴿ لا تحزن ان الله معنا .

و منها الاعلام بان المخبر به كله من عند المتكلم كقوله: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى دون الاقتصار على ياتينكم هدى قال المفسرون فيه اشارة الى ان الخير كله منه.

و عليه قوله: ﴿ قد جاءتكم موعظة من ربكم و شفاء لما في الصدور ، ﴿ قد جاءكم برهان من ربكم .


390

و منها التعريض بامر آخر كقوله تعالى: ﴿ رب إني ظلمت نفسي و قول موسى ﴿ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير و قوله تعالى: ﴿ قالت رب إني وضعتها أنثى تعريضا سؤال قبولها فانها كانت تطلب للنذر ذكرا.

تنبيهان

الاول قالوا انما يؤتى به للحاجة للتحرز عن ذكر ما لا فائدة له فان كان المخاطب ساذجا القى اليه الكلام خاليا عن التاكيد و ان كان مترددا فيه حسن تقويته بمؤكد و ان كان منكرا وجب تاكيده. و يراعى في القوة و الضعف بحسب حال المنكر كما في قوله تعالى عن رسل عيسى ﴿ ربنا يعلم ... الاية و ذلك ان الكفار نفوا رسالتهم بثلاثة أشياء. أحدها قولهم ﴿ ما أنتم الا بشر مثلنا و الثاني قولهم ﴿ و ما أنزل الرحمن من شيء و الثالث قولهم ﴿ ان أنتم الا تكذبون فقوبلوا على نظيره بثلاثة أشياء أحدها قولهم ﴿ ربنا يعلم ووجه التاكيد فيه انه في معنى قسم و الثاني قوله: ﴿ إنا إليكم لمرسلون والثالث قوله تعالى و ما علينا الا البلاغ المبين.


391

و قد ينزل المنكر كغير المنكر و عكسه. و قد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون . اكدت الاماتة تاكيدين و ان لم ينكروا لتنزيل المخاطبين لتماديهم في الغفلة منزلة من ينكر الموت و اكد اثبات البعث تأكيدا واحدا و ان كان اكثر لانه لما كانت ادلته ظاهرة كان جديرا بالايتكرر و يتردد فيه حثالهم على النظر في ادلته الواضحه.

الثاني قال التنوخي في اقصى القرب اذا قصدوا مجرد الخبر اتوا بالجملة الفعلية و ان اكدوا فبالاسمية ثم بان ثم بها و باللام. و قد تؤكد الفعلية بقد. و ان احتيج باكثر جئ بالقسم مع كل من الجملتين. و قد تؤكد الاسمية باللام فقط نحو لزيد قائم و قد تجئ مع الفعلية مضمرة بعد اللام. و حاصله ان الخطاب على درجات قام زيد ثم لقد قام فان جعل الفعلية كانها دون الاسمية ثم ان زيدا قائم و لزيد قائم.

ما يلتحق بالتاكيد الصناعي

و يلتحق بالتأكيد الصناعي امور:

احدها تاكيد الفعل بالمصدر و منه قوله تعالى: ﴿ جزاؤكم جزاء موفورا و قوله تعالى: ﴿ و كلم الله موسى تكليما ، ﴿ و سلموا تسليما و قوله تعالى: ﴿ يوم تمور السماء مورا. و تسير الجبال سيرا ، ﴿ و هي تمر مر السحاب


392
﴿ فدكتا دكة واحدة ، ﴿ إذا زلزلت الارض زلزالها ، ﴿ فيكيدوا لك كيدا . و هو كثير.

قالوا و هو عوض عن تكرار الفعل مرتين فقولك ضربت ضربا بمنزلة قولك ضربت ضربت ثم عدلوا عن ذلك و اعتاضوا عن الجملة بالمفرد.

و ليس منه قوله تعالى: ﴿ و تظنون بالله الظنونا بل هو جمع ظن وجمع لاختلاف انواعه قاله ابن الدهان.

ثم اختلفوا في فائدته فقيل انه يرفع المجاز عن الفاعل فانك تقول ضرب الامير اللص و لا يكون باشر بل امر به ضربا علم انه باشر.

و ممن نص على ذلك ثعلب في امالية و ابن عصفور في شرح الجمل الصغير. و الصواب انه انما يرفع الوهم عن الحديث لا عن المحدث عنه فاذا قلت ضرب الامير احتمل مجازين احدهما اطلاق الضرب على مقدماته و الثاني اطلاق الامير على امره فاذا اردت رفع الاول اتيت بالمصدر فقلت ضربا و ان اردت الثاني قلت نفسه او عينه.

و من هذا يعلم ضعف استدلال اصحابنا على المعتزلة في اثبات كلام الله لموسى في قوله


393
تعالى: ﴿ و كلم الله موسى تكليما فانه لما اريد كلام الله نفسه قال: ﴿ تكليما و دل على وقوع الفعل حقيقة اما تاكيد فاعله فلم يتعرض له. و لقد سخف عقل من تاوله على انه كلمة باظفار المحن من الكلم و هو الجرح لان الاية مسوقة في بيان الوحي. و يحكى انه استدل بعض علماء السنة على بعض المعتزله في اثبات التكليم حقيقة بالاية من جهة ان المجاز لا يؤكد فسلم المعتزلي له هذه القاعدة و أراد دفع الاستدلال من جهة اخرى فادعى ان اللفظ انما هو ﴿ وكلم الله موسى بنصب لفظ الجلالة و جعل موسى فاعلا كلم وانكر القراءة المشهورة وكابر فقال السني فماذا تصنع بقوله تعالى: ﴿ و لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه !؟ فانقطع المعتزلي عند ذلك.

قال ابن الدهان و مما يدل على ان التأكيد لا يرفع المجاز قول الشاعر:

قرعت ظنابيب الهوى يوم عالج
و يوم اللوى حتى قسرت الهوى قسرا

قلت و كذا قوله: ﴿ و مكروا مكرا و مكرنا مكرا .

و أما قوله تعالى: ﴿ ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا فمفعول اسررت محذوف أي الدعاء و الانذار و نحوه.

فان قلت التأكيد ينافي الحذف فالجواب من وجهين:


394

أحدهما ان المصدر لم يؤت به هنا للتاكيد و ان كان بصورته لان المعنى ليس على ذلك و إنما اتى به لاجل الفواصل و لهذا لم يؤت بمصدر ﴿ أعلنت و هو مثله.

و الثاني ان أسر و ان كان متعديا في الاصل الا انه هنا قطع النظر عن مفعوله و جعل نسيا كما في قوله فلان يعطى ويمنع فصار لذلك كاللازم و حينئذ فلا منافاة بين المجيء به بالمصدر لو كان.

ثم التأكيد بالمصدر تارة يجيء من لفظ الفعل كما سبق و تارة يجئ من مرادفه كقوله تعالى: ﴿ إني دعوتهم جهارا فان الجهار احد نوعي الدعاء و قوله: ﴿ ليا بألسنتهم فانه منصوب بقوله: ﴿ يحرفون الكلم لان ﴿ ليا نوع من التحريف.

و يحتمل ان يكون منه ﴿ أتأخذونه بهتانا لان البهتان ظلم و الاخذ على نوعين: ظلم و غيره.

و زعم الزمخشري قوله: ﴿ نافلة لك وضع نافلة موضع تهجدا لان التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافة يجمعهما معنى واحد.


395

و قوله: ﴿ وعد الله حقا و من أصدق من الله قيلا قيل كان الاصل تكرار الصدق بلفظه فاستثقل التكرار للتقارب فعدل الى ما يجاريه خفة و لتجزيء المصادر الثلاثة مجرى واحد خفة و وزنا احرازا للتناسب.

و أما قوله: ﴿ والله أنبتكم من الارض نباتا. ثم يعيدكم فيها و يخرجكم إخراجا ففائدة ﴿ إخراجا ان المعاد في الارض هو الذي يخرجكم منها بعينه دفعا لتوهم من يتوهم ان المخرج منها امثالهم و ان المبعوث الارواح المجردة.

فان قيل هذا يبطل بقوله تعالى: ﴿ أنبتكم من الارض نباتا فانه اكد بالمصدر و ليس المراد حقيقة النبات.

قلت لاجرم حيث لم يرد الحقيقة هنا لم يؤكده بالمصدر الحقيقي القياسي بل عدل به الى غيره و ذلك لان مصدر انبت الانبات و النبات اسمه لا هو كما قيل في الكلام و السلام اسمان للمصدر الاصلي الذي هو التكليم والتسليم و أما قوله: ﴿ وتبتل إليه تبتيلا و ان لم يكن جاريا على تبتل لكنه ضمن معنى بتل نفسك تبتلا.

و مثله قوله: ﴿ وتعالى عما يقولون علوا كبيرا قال ابو البقاء هو موضع تعاليا لانه مصدر قوله: ﴿ و تعال و يجوز ان يقع مصدرا في موضع آخر من معناه و كذا قال الراغب قال و إنما عدل عنه لان لفظ التفاعل من التكلف كما يكون من البشر.


396

و أما قوله: ﴿ يوم تمور السماء مورا. و تسير الجبال سيرا فقال بعضهم الجملة الفاعلية تحتمل المجاز في مفرديها جميعا و في كل منهما مثاله ها هنا انه يحتمل ان المجاز في ﴿ تمور و أنها ما تمور بل تكاد او يخيل الى الناظر انها تمور. و يحتمل ان المجاز في السماء و ان المور الحقيقي لكنها و اهلها لشدة الامر.

و كذلك الكلام في ﴿ وتسير الجبال سيرا فاذا رفع المجاز عن احد جزاي الجملة نفي احتماله في الاخر فلم تحصل فائدة التاكيد.

و أجيب بهذه القاعدة و هي ان ﴿ مورا في تقدير تمور فكانه قال تمور السماء تمور السماء و تسير الجبال تسير الجبال فاكد كلا من الجزأين بنظيره و زال الاشكال.

و أما قوله تعالى: ﴿ الا ان يشاء ربي شيئا فيحتمل ان يكون ﴿ شيئا من تاكيد الفعل بالمصدر كقوله بعت بيعا و يجوز ان يكون الشيء بمنزلة الامر و التبيان و المعنى الا ان يشاء ربي امرا او وضع موضع المصدر. و انظر كيف ذكر مفعول المشيئة. و قول البيانيين: انه يجب حذفه اذا كان عاما. و أما قوله تعالى: ﴿ دكا دكا فالمراد به التتابع أي دكا بعد دك و كذا قوله: ﴿ صفا صفا أي صفا يتلوه صف و لو اقتصر على الواحد لا يحتمل صفا واحدا.

و أما قوله تعالى: ﴿ إذا زلزلت الارض زلزالها فان اضافة الزلزال اليها يفيد معنى ذاتها و هو زلزالها المختص بها المعروف منها المتوقع كما تقول غضب زيد غضبه و قاتل زيد قتاله أي غضبه الذي يعرف منه و قتاله المختص به كقوله:


397

أنا ابو النجم و شعري شعري

و اعلم ان القاعدة في المصدر و المؤكد ان يجيء اتباعا لفعله نحو: ﴿ و كلم الله موسى تكليما و قد يخرج عنها نحو قوله تعالى: ﴿ و تبتل إليه تبتيلا و قوله تعالى: ﴿ فإني أعذبه عذابا و قوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا و قوله تعالى: ﴿ أنبتكم من الارض نباتا ولم يقل تبتلا و تعذيبا و اقراضا و انباتا.

و اختلف في ذلك على اقوال:

احدها انه وضع الاسم منها موضع المصدر.

و الثاني انه منصوب بفعل مضمر يجرى عليه المصدر و يكون ذلك الفعل الظاهر دليلا على المضمر فالمعنى ﴿ والله أنبتكم من الارض نباتا فنبتم نباتا و هو قول المبرد واختاره ابن خروف و زعم انه مذهب سيبويه و كذا قال ابن يعيش و نازعه ابن عصفور.


398

و الثالث انها منصوبة بتلك الافعال الظاهرة و ان لم تكن جارية عليها.

و الرابع التفصيل بين ان يكون معنى الفعل غير معبر بمعنى مصدر ذلك الفعل الظاهر فهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه ذلك الفعل الظاهر كقوله تعالى: ﴿ والله أنبتكم من الارض نباتا أي و نبتم أي و ساغ اضماره لانهم اذا انبتوا فقد نبتنوا ولا يجوز في غير ذلك ان ينصب بالظاهر لان الغرض من المصدر تاكيد الفعل الذي نصبه او تبيين معناه. و إذا كان المصدر مغايرا لمعنى الفعل الظاهر لم يحصل بذلك الغرض المقصود لان النبات ليس بمعنى الانبات و إذا لم يكن بمعناه فكيف يؤكده او يبينه!

و أما قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين فانما ذكر قوله: ﴿ بدين مع ﴿ تداينتم يدل عليه لوجوه:

احدها ليعود الضمير في ﴿ فاكتبوه عليه اذا لو لم يذكره لقال فاكتبوا الدين ذكره الزمخشري و هو ممنوع لانه كان يمكن ان يعود على المصدر المفهوم من ﴿ تداينتم لانه يدل على الدين.

الثاني ان ﴿ تداينتم مفاعلة من الدين و من الدين فاحتيج إلى قوله: ﴿ بدين ليبين انه من الدين لا من الدين. و هذا ايضا فيه نظر لان السياق يرشد الى ارادة الدين.

الثالث ان قوله: ﴿ بدين اشارة الى امتناع بيع الدين بالدين كما فسر قوله صلى الله


399
عليه و سلم هو بيع الكالئ بالكالئ ذكره الامام فخر الدين.

و بيانه ان قوله تعالى: ﴿ تداينتم مفاعلة من الطرفين و هو يقتضي وجود الدين من الجهتين فلما قال بدين علم انه دين واحد من الجهتين.

الرابع انه اتى به ليفيد ان الاشهاد مطلوب سواء كان الدين صغيرا او كبيرا كما سبق نظيره في قوله تعالى: ﴿ فإن كانتا اثنتين . و يدل على هذا هاهنا قوله بعد ذلك: ﴿ ولا تسأموا ان تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله .

الخامس ان ﴿ تداينتم مشترك بين الاقتراض و المبايعة و المجازاة و ذكر الدين لتمييز المراد قال الحماسي:

و لم يبق سوى العدوا
ن دناهم كما دانوا

و نظير هذه الاية في التصريح بالمصدر مع ظهوره فيما قبله قوله تعالى: ﴿ فتقبلها ربها بقبول حسن و قوله تعالى: ﴿ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به و قوله: ﴿ سأل سائل فيقال ما الحكمة في التصريح بالمصدر فيهما او بضميره مع انه مستفاد مما قبله.

و قد يجيء التاكيد به لمعنى الجملة كقوله تعالى: ﴿ صنع الله الذي أتقن كل شيء


400
فانه تاكيد لقوله تعالى: ﴿ تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب لان ذلك صنع الله و قوله تعالى: ﴿ وعد الله تاكيد لقوله: ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله لان هذا وعد الله.

و قوله تعالى: ﴿ و ما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله كتابا مؤجلا انتصب ﴿ كتابا على المصدر بما دل عليه السياق تقديره و كتب الله لان قوله: ﴿ و ما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله يدل على كتب.

و قوله تعالى: ﴿ كتاب الله عليكم تاكيد لقوله: ﴿ حرمت عليكم ... الاية لان هذا مكتوب علينا و انتصب المصدر بما دل عليه سياق الاية فكأنه فعل تقديره كتب الله عليكم.

و قال الكسائي انتصب بعليكم على الاغراء و قدم المنصوب. و الجمهور على منع التقدير.

و قوله: ﴿ صبغة الله تأكيد لقوله: ﴿ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا لان هذا دين الله و قيل منصوبه على الامر.

و قوله تعالى: ﴿ ما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى منصوبة على المصدر بما دل عليه الكلام لان الزلفى مصدر كالرجعي ﴿ ليقربونا يدل على يزلفونا فتقديره يزلفونا زلفى.


401

و قد يجيء التأكيد به مع حذف عاملة كقوله: ﴿ فإما منا بعد و أما فداء والمعنى فاما تمنوا منا و أما ان تفادوا فداء فهما مصدران منصوبان بفعل مضمر.

و جعل سيبويه من المصدر المؤكد لنفسه قوله تعالى: ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه لانه اذا احسن كل شيء فقد خلقه خلقا حسنا فيكون ﴿ خلقه على معنى خلقه خلقا و الضمير هو الله تعالى.

و يجوز ان يكون بدل اشتمال أي احسن خلق كل شئ. قال الصفار و الذي قاله سيبويه اولى لامرين ان في هذا اضافة المصدر الى المفعول و اضافته الى الفاعل اكثر و ان المعنى الذي صار اليه ابلغ في الامتنان و ذلك انه اذا قال احسن كل شئ فهو ابلغ من قولك احسن خلق كل شئ لانه قد يحسن الخلق و هو المحاولة و لا يكون الشيء في نفسه حسنا و إذا قال احسن كل شئ اقتضى ان كل شيء خلقه حسن بمعنى انه وضع كل شئ موضعه فهو ابلغ في الامتنان.

فائدتان

الاولى هل الاولى التاكيد بالمصدر او الفعل قال بعضهم المصدر اولى لانه اسم و هو اخف من الفعل و أيضا فلان الفعل يحتمل الضمير فيكون جملة فيزداد ثقلا و يحتمل ان الفعل اولى لدلالته على الاستمرار.

الثانية حيث اكد المصدر النوعي فالاصل فيه ان ينعت بالوصف المراد منه نحو


402
قمت قياما حسنا ﴿ و سرحوهن سراحا جميلا و قوله: ﴿ اذكروا الله ذكرا كثيرا .

و قد يضاف الوصف الى المصدر فيعطي حكم المصدر قال تعالى: ﴿ اتقوا الله حق تقاته .

الثاني الحال المؤكدة و هي الاتية على حال واحده عكس المبينة فانها لاتكون الا منتقله و هي لتاكيد الفعل كما سبق في المصدر المؤكد لنفسه و سميت مؤكدة لانها نعلم قبل ذكرها فيكون ذكرها توكيدا لانها معلومة من ذكر صاحبها.

كقوله تعالى: ﴿ ويوم أبعث حيا و قوله: ﴿ ولا تعثوا في الارض مفسدين ، ﴿ فتبسم ضاحكا من قولها لان معنى تبسم ضحك مسروار و قوله: ﴿ و أرسلناك للناس رسولا ، ﴿ ثم توليتم الا قليلا منكم و أنتم معرضون و ذكر الاعراض للدلالة على تناهي حالهم في الضلال و مثله ﴿ أقررتم و أنتم تشهدون اذ معنى الاقرار اقرب من الشهادة و لان الاعراض و الشهادة حالان لهم عند التولي و الاقرار.


403

و قوله: ﴿ و أزلفت الجنة للمتقين غير بعيد و قوله: ﴿ خالدين فيها ما دامت السماوات و الارض فانه حال مؤكدة لقوله: ﴿ و أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها و بهذا يزول الاشكال في ان شرط الحال الانتقال ولا يمكن ذلك هنا فانا نقول ذلك شرط في غير المؤكدة و لما لم يقف ابن جنى على ذلك قدر محذوفا أي معتقدا خلودهم فيها لان اعتقاد ذلك امر ثابت عند غير المؤمنين فلهذا ساغ مجيئها غير منتقله.

و منهم من نازع في التاكيد في بعض ما سبق لان الحال المؤكده مفهومها مفهوم عاملها و ليس كذلك التبسم و الضحك فانه قد يكون من غير ضحك بدليل قوله تبسم تبسم الغضبان.

و كذلك التولية و الادبار في قوله تعالى: ﴿ ولى مدبرا ثم وليتم مدبرين فانهما بمعنيين مختلفين فالتولية ان يولى الشيء ظهره و الادبار ان يهرب منه فليس كل مول مدبرا و لا كل مدبر موليا.

و نظيره قوله تعالى: ﴿ إنك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين فلو كان اصم مقبلا لم يسمع فاذا ولي ظهره كان ابعد له من السماع فاذا ادبر مع ذلك كان اشد لبعده عن السماع.

و من الدليل على ان التولي لايتضمن الادبار قوله: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام فانه بمعنى الاقبال.


404

و قوله: و لم يعقب اشارة الى استمراره في الهروب و عدم رجوعه يقال فلان ولى اذا رجع و كل راجع معقب و اهل التفسير يقولون لم يقف و لم يلتفت.

و كذلك قوله: ﴿ و أرسلناك للناس رسولا قيل ليست بمؤكدة لان الشيء المرسل قد لايكون رسولا كما قال تعالى: ﴿ إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم .

و قوله: ﴿ و هو الحق مصدقا جعلها كثيرة من المعربين مؤكدة لان صفة الحق التصديق. قيل و يحتمل ان يريدوا به تاكيد العامل و ان يريدوا به تاكيد ما تضمنته الجملة.

و دعوى التأكيد غير ظاهرة لانه يلزم من كون الشيء حقا في نفسه ان يكون مصدقا لغيره و الفرض ان القرآن العزيز فيه الامران و هو كونه حقا و كونه مصدقا لغيره من الكتب فالظاهر ان ﴿ مصدقا حال مبينة لامؤكدة و يكون العامل فيها الحق لكونه بمعنى الثابت و صاحب الحال الضمير الذي تحمله الحق لتاوله بالمشتق.

و قوله: ﴿ قائما بالقسط فقائما حال مؤكدة لان الشاهد به لا اله الا هو قائم بالقسط فهي لازمة مؤكدة و قد وقعت بعد الفعل والفاعل.

قال ابن ابي الربيع و يجوز ان يكون حالا على جهة اخرى على معنى شهد الله انه منفرد بالربوبية و قائم بالقسط فانه سبحانه بالصفتين لم ينتقل عنهما فهو متصف بكل واحدة منهما في حال الاتصاف بالاخرى و هو سبحانه لم يزل بهما لان صفاته ذاتية قديمة.


405

فائدة

عن صاحب المفصل في وقوع الحال بعد الجملة الاسمية

قال صاحب المفصل لاتقع المؤكدة الا بعد الجملة الاسمية و هو خلاف قول ابي علي انها تكون بعد الجملتين محتجا بما سبق و كذا بقوله تعالى: ﴿ ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين . و قوله تعالى: ﴿ ولى مدبرا ولم يعقب . فمدبرين و مدبرا حال مؤكدة لفعل التولية.

في ادوات التاكيد مؤكدات الجمل الاسمية

الاول التاكيد ان قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس ان وعد الله حق و قوله تعالى: ﴿ اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم و هي اقوى من التاكيد باللام كما قاله عبد القاهر في دلائل الاعجاز قال و أكثر مواقع ان بحكم الاستقراء هو الجواب لكن بشرط ان يكون للسائل فيه ظن بخلاف ما انت تجيبه به فاما ان تجعل مرد الجواب اصلا فيها فلا لانه يؤدي الى قولک:


406
صالح في جواب كيف زيد حتى تقول انه صالح ولا قائل به بخلاف اللام فانه لايلحظ فيها غير اصل الجواب.

و قد يجئ مع التاكيد في تقدير سؤال السائل اذا تقدمها من الكلام ما يلوح نفسه للنفس كقوله تعالى: ﴿ اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم امرهم بالتقوى ثم علل وجوبها مجيبا لسؤال مقدر بذكر الساعة واصفا لها باهول وصف ليقرب عليه الوجوب.

و كذا قوله تعالى: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون أي لا تدعني في شانهم و استدفاع العذاب عنهم بشفاعتك لانهم محكوم عليهم بالاغراق و قد جف به القلم فلا سبيل الى كفه عنهم.

و مثله في النهي عن الدعاء لمن وجبت شقاوته قوله تعالى: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك و أنهم آتيهم عذاب غير مردود .

و منه قوله تعالى: ﴿ و ما أبرئ نفسي ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم فإن قوله تعالى: ﴿ و ما أبرئ نفسي اورث للمخطاب حيرة كيف لاينزه نفسه مع كونها مطمئنة زكية فأزال حيرته بقوله تعالى: ﴿ ان النفس لأمارة في جميع الاشخاص ﴿ بالسوء الا المعصوم.

و كذا قوله تعالى: ﴿ وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم .

و اعلم ان كل جملة صدرت بان مفيدة للتعليل و جواب سؤال مقدر فان الفاء


407
يصح ان تقوم فيها مقام ان مفيدة للتعليل حسن تجريدها عن كونها جوابا للسؤال المقدر كما سبق من الامثلة. و ان صدرت لاظهار فائدة الاولى لم يصح قيام الفاء مقامها كقوله: ﴿ ان الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون بعد قوله: ﴿ لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون .

و من فوائدها تحسين ضمير الشان معها اذا فسر بالجملة الشرطية مالا يحسن بدونها كقوله: ﴿ إنه من يتق و يصبر ، ﴿ أنه من يحادد الله و رسوله ، ﴿ أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ، ﴿ إنه لا يفلح الكافرون و أما حسنه بدونها في قوله تعالى: ﴿ قل هو الله أحد فلفوات الشرط.

الثاني ان المفتوحة نحو علمت ان زيدا قائم و هي حرف مؤكد كالمكسورة نص عليه النحاة. و استشكله بعضهم قال لأنك لو صرحت بالمصدر المنسبك منها لم يفد توكيدا و يقال التوكيد للمصدر المنحل لان محلها مع ما بعدها المفرد و بهذا يفرق بينها وبين ان المكسورة فان التاكيد في المكسورة للاسناد و هذه لاحد الطرفين.

الثالث كأن و فيها التشبيه المؤكد ان كانت بسيطة و ان كانت مركبة من


408
كاف التشبيه و ان فهي متضمنه لان فيها ما سبق و زيادة.

قال الزمخشري و الفصل بينه و بين الاصل أي بين قولك كانه اسد و بين انه كالاسد انك مع كان بان على التشبيه من اول الامر وثم بعد مضى صدره على الاثبات.

و قال الامام في نهاية الايجاز اشترك الكاف و كان في الدلالة على التشبيه و كان أبلغ و بذلك جزم حازم في منهج البلغاء و قال و هي انما تستعمل حيث يقوى الشبه حتى يكاد الرائي يشك في ان المشبه هو المشبه به او غيره و لذلك قالت بلقيس ﴿ كأنه هو .

الرابع لكن لتأكيد الجمل ذكره ابن عصفور و التنوخي في الاقصى و قيل للتاكيد مع الاستدراك. و قيل للاستدراك المجرد و هي ان يثبت لما بعدها حكم يخالف ما قبلها و مثلها ليت و لعل ولعن في لغة بني تميم لانهم يبدلون هموة ان المفتوحة عينا و ممن ذكر انها من المؤكدات التنوخي.

الخامس لام الابتداء نحو: ﴿ ان ربي لسميع الدعاء و هي تفيد تاكيد مضمون الجملة و لهذا زحلقوها في باب ان عن صدر الجملة كراهية ابتداء الكلام المؤكدين و لانها تدل بجهة التأكيد و ان تدل بجهتين العمل والتأكيد والدال بجهتين مقدم على الدال بجهة كنظيره في الارث و غيره. و إذا جاءت مع ان كان بمنزلة تكرار الجملة ثلاث مرات لان ان أفادت التكرير مرتين فاذا دخلت اللام صارت ثلاثا.


409

و عن الكسائي ان اللام لتوكيد الخبر و ان لتأكيد الاسم و فيه تجوز لان لتأكيد إنما هو للنسبة لا للاسم والخبر.

السادس الفصل و هو من مؤكدات الجملة و قد نص سيبويه على أنه يفيد التأكيد و قال في قوله تعالى: ﴿ ان ترن أنا أقل منك مالا و ولدا إنا وصف للياء في ﴿ ترن يزيد تأكيدا و هذا صحيح لان المضمر يؤكد الضمير و أما تأكيد المظهر بالمضمر فلم يعهد و لهذا سماه بعضهم دعامة لانه يدعم به الكلام أي يقوى و لهذا قالوا لايجاء مع التوكيد فلا يقال زيد نفسه هو الفاضل. و وافق على ذلك ابن الحاجب في شرح المفصل و خالف في اماليه فقال ضمير الفصل ليس توكيدا لانه لو كان فاما لفظيا أو معنويا لا جائز ان يكون لفظيا لان اللفظي إعادة اللفظ الاول كزيد زيد أو معناه كقمت أنا و الفصل ليس هو المسند اليه ولا معناه لانه ليس مكنيا عن المسند اليه ولا مفسرا ولا جائز ان يكون معنويا لان الفاظه محصورة كالنفس والعين و هذا منه نفي للتوكيد الصناعي ولبس للكلام.

و في البسيط للواحدي عند قوله تعالى: ﴿ و أولئك هم المفلحون قال سيبويه دخل الفصل في قوله تعالى: ﴿ تجدوه عند الله هو خيرا و في قوله تعالى: ﴿ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم و في قوله تعالى: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق


410
و في قوله تعالى: ﴿ ان كان هذا هو الحق من عندك و ذكر ان هذا بمنزلة ما في قوله تعالى: ﴿ فبما رحمة . انتهى.

السابع ضمير البيان للمذكر والقصة للمؤنث و يقدمونه قبل الجملة نظرا لدلالته على تعظيم الامر في نفسه و الاطناب فيه و من ثم قيل له الشأن والقصه و عادتهم اذا ارادوا ذكر جملة قد يقدمون قبلها ضميرا يكون كناية عن تلك الجملة و تكون الجملة خبرا عنه و مفسرة له ويفعلون ذلك في مواضع التفخيم والغرض منه ان يتطلع السامع الى الكشف عنه وطلب تفسيره و حينئذ تورد الجملة المفسرة له.

و قد يكون لمجرد التعظيم كقوله تعالى: ﴿ إنني أنا الله لا إله الا أنا .

و قد يفيد معه الانفراد نحو قوله تعالى: ﴿ قل هو الله أحد أي المنفرد بالأحدية. قال جماعة من النحاة هو ضمير الشأن و الله مبتدأ ثان و أحد خبر المبتدأ الثاني و المبتدأ الثاني و خبره خبر الاول ولم يفتقر الى عائد لان الجملة تفسير له و لكونها مفسرة لم يجب تقديمها عليه و قيل هو كناية عن الله لانهم سالوه ان يصف ربه فنزلت.

و منه: ﴿ و أنه لما قام عبد الله و يجوز تأنيثه اذا كان في الكلام مؤنث كقوله تعالى: ﴿ فإنها لا تعمى الابصار فالهاء في ﴿ فإنها ضمير القصةو ﴿ تعمى الابصار في موضع رفع خبر ان و قوله تعالى: ﴿ أو لم يكن لهم آية ان يعلمه علماء بني إسرائيل


411
بقراءة الياء و ان يعلمه بمتدأ و آية الخبر و الهاء ضمير القصة و أنث لوجود آية في الكلام.

الثامن تأكيد الضمير و يجب ان يؤكد المتصل بالمنفصل اذا عطف عليه كقوله تعالى: ﴿ اسكن أنت و زوجك الجنة و قوله تعالى: ﴿ فاذهب أنت و ربك .

و قيل لايجب التأكيد بل يشترط الفاصل بينهما بدليل قوله تعالى: ﴿ ما أشركنا و لا آباؤنا فعطف ﴿ آباؤنا على المضمر المرفوع و ليس هنا تأكيد بل فاصل و هو ﴿ لا .

و هذا لا حجة فيه لانها دخلت بعد واو العطف و الذي يقوم مقام التاكيد انما ياتي قبل واو العطف كالآيات المتقدمة بدليل قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت و من تاب معك .

و منهم من لم يشترط فاصلا بدليل قوله: ﴿ إما ان تلقي و أما ان نكون نحن الملقين فأكد السحر ضمير انفسهم في الالقاء دون ضمير موسى حيث لم يقولوا إما ان تلقي انت.

و فيه دليل على انهم احبو التقديم في الالقاء لعلمهم بانهم ياتون بسحر عظيم يقرر عظمته في اذهان الحاضرين فلا يرفعها ما ياتى بعدها على زعمهم. و إنما ابتدءوا بموسى


412
فعرضوا عليه البداءة بالالقاء على عادة العلماء و الصناع في تادبهم مع قرنائهم. و من ثم قيل تادبوا تهذبوا.

و اجيب بانه انما لم يؤكد في الاية لانه استغنى عن التاكيد بالتصريح بالاولية في قوله: ﴿ و أما ان نكون أول من ألقى و هذا جواب بياني لا نحوي.

فان قيل ما وجه هذا الاطناب و هلا قالوا اما ان تلقى و أما ان نلقى؟

فالجواب من وجهين: احدهما لفظي و هو المزاوجه لرءوس الآي على سياق خواتمها من اول السورة الى آخرها. و الثاني معنوي و هو انه سبحانه اراد ان يخبر عن قوة انفس السحرة و استطالتهم عند انفسهم على موسى فجاء عنهم باللفظ اتم و اوفى منه في اسنادهم الفعل اليه.

ذكر ذلك ابن جني في خاطرياته ثم اورد سؤالا و هو انا نعلم ان السحرة لم يكونوا اهل لسان فيذهب بهم هذا المذهب من صيغة الكلام؟ و أجاب بان جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير اهل اللسان من القرون الخالية انما هو من معروف معانيهم و ليست بحقيقة الفاظهم و لهذا لايشك في ان قوله تعالى: ﴿ قالوا ان هذان لساحران يريدان ان يخرجاكم من أرضكم بسحرهما و يذهبا بطريقتكم المثلى ان هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم.

التاسع تصدير الجملة بضمير مبتدأ يفيد التأكيد و لهذا قيل بافادة الحصر ذكره الزمخشري في مواضع من كشافه.


413

قال في قوله تعالى: ﴿ و بالآخرة هم يوقنون معناه الحصر أي لايؤمن بالآخرة الا هم. و قال في قوله: ﴿ أم اتخذوا آلهة من الارض هم ينشرون ان معناه لاينشر الا هم و ان المنكر عليهم ما يلزمهم حصر الالوهية فيهم. ثم خالف هذه القاعدة لما خالف مذهبه الفاسد في قوله تعالى: ﴿ و ما هم بخارجين من النار فقال هم هنا بمنزلتها في قوله:

هم يفرشون اللبد كل طمرة

في دلالته على قوة امرهم فيما اسند اليهم لا على الاختصاص. انتهى.

و بيانه ان مقتضى قاعدته في هذه الاية يدل على خروج المؤمنين الفساق من النار و ليس هذا معتقده فعدل عن ذلك الى التاويل للآية بفائدة تتم له فجعل الضمير المذكور يفيد تأكيد نسبة الخلود لهم لا اختصاصه بهم و هم عنده بهذه المثابة لان عصاة المؤمنين و ان خلدوا في النار على زعمه الا ان الكفار عنده احق بالخلود و ادخل في استحقاقه من عصاة المؤمنين فتخيل في تخريج الاية على قاعدة مذهبه من غير خروج عن قاعدة اهل المعاني في اقتضاء تقديم الضمير الاختصاص. و الجواب عن هذا ان افادة تقديم الضمير المبتدأ للاختصاص و الحصر اقوى و اشهر عندهم من افادة مجرد التمكن في الصفة و قد نص الجرجاني في دلائل الاعجاز على ان افادة تقديم الفاعل على الفعل للاختصاص جليلة و أما ارا ة تحقيق الامر عند السامع انهم بهذه الصفة و أنهم متمكنون منها فليست جليلة و إذا كان كذلك فلا يعدل عن المعنى الظاهر الا بدليل و ليس هنا ما يقتضي اخراج الكلام عن معناه الجلي كيف و قد صحت الاحاديث وتواترت على ان العصاة يخرجون من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وشفاعة غيره حتى لايبقى فيها موحد أبدا فهذه


414
الآية فيها دليل لاهل السنة على انفراد الكفار بالخلود في النار و اختصاصهم بذلك و السنة المتواتره موافقه و لا دليل للمخالف سوى قاعدة الحسن و القبيح العقليين و الزامهم الله تعالى مما لا ينبغي لهم ان يلزموه من عدم العفو وتحقيق العقاب والخلود الابدي للؤمنين في النار نعوذ بالله من ذلك!

فائدة

مواضع افادة الحصر

لاتخص افادة الحصر بتقديم الضمير المبتدأ بل هو كذلك اذا تقدم الفاعل او المفعول او الجار او المجرور المتعلقات بالفعل و من امثلته قوله تعالى: ﴿ قل هو الرحمن آمنا به و عليه توكلنا فان الايمان لما لم يكن منحصرا في الايمان بالله بل لابد معه من رسله و ملائكته و كتبه واليوم الاخر و غيره مما يتوقف صحة الايمان عليه بخلاف التوكل فانه لايكون الا على الله وحده لتفرده بالقدره والعلم القديمين الباقيين قدم الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره لان غيره لايملك ضرا ولا نفعا فيتوكل عليه و لذلك قدم الظروف في قوله: ﴿ لا فيها غول ليفيد النفي عنها فقط واختصاصها بذلك بخلاف تاخيره في ﴿ لا ريب فيه لان نفي الريب لايختص بالقرآن بل سائر الكتب المنزلة كذلك.


415

العاشر منها هاء التنبيه في النداء نحو يايها قال سيبويه و أما الالف والهاء اللتان لحقتا اياه توكيدا فكانك كررت يا مرتين اذا قلت يأيها وصار الاسم تنبيها.

هذا كلامه. و هو حسن جدا و قد وقع عليه الزمخشري فقال و كلمة التنبيه المقحمه بين الصفة و موصوفها لفائدة تبيين معاضدة حرف النداء و مكاتفته بتأكيد معناه و وقوعها عوضا مما يستحقه أي من الاضافة.

الحادي عشر يا الموضوعه للبعيد اذا نودي بها القريب الفطن قال الزمخشري انه للتأكيد المؤذن بان الخطاب الذي يتلوه معتنى به جدا.

الثاني عشر الواو زعم الزمخشري انها تدخل على الجملة الواقعه صفة التأكيد ثبوت الصفة بالموصوف كما تدخل على الجملة الحالية كقوله تعالى: ﴿ و ما أهلكنا من قرية الا ولها كتاب معلوم و قوله تعالى: ﴿ و يقولون سبعة وثامنهم كلبهم والصحيح ان الجملة الموضوف بها لاتقترن بالواو لان الاستثناء المفرغ لايقع في الصفات بل الجملة حال من قرية لكونها عامة بتقديم الا عليها.

الثالث عشر اما المكسورة كقوله تعالى: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى اصلها ان الشرطية زيدت ما تأكيدا. و كلام الزجاج يقتضي ان سبب اللحاق نون التوكيد.


416

و قال الفارسي الامر بالعكس لمشابهة فعل الشرط بدخول ما للتأكيد بالفعل المقسم عليه من جهة انها كالعدم في القسم لما فيها من التأكيد. و جميع ما في القرآن من الشرط بعد اما توكيده بالنون قال ابو البقاء و هو القياس لان زيادة ما مؤذنة بارادة شدة التوكيد. و اختلف النحاة اتلزم النون المؤكدة فعل الشرط عند وصل اما ام لا؟ فقال المبرد و الزجاج يلزم و لاتحذف الا ضرورة. و قال سيبويه و غيره لاتلزم فيجوز اثباتها و حذفها و لاثبات احسن. و يجوز حذف ما و اثبات النون قال سيبويه ان تثبت لم تقحم النون كما انك اذا أثبت لم تجيء بما. انتهى.

و جاء السماع بعدم النون بعد اما كقول الشاعر:

فاما تريني ولي لمه
فان الحوادث اودى بها

الرابع عشر اما المفتوحة قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم انها تفيد التأكيد.

الخامس عشر الا الاستفتاحية كما صرح به الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ الا إنهم هم المفسدون و يدل عليه قولهم انها للتحقيق أي تحقيق الجملة بعدها و هذا معنى التأكيد قال الزمخشري ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها الا مصدره بنحو ما يتلقى به القسم نحو: ﴿ الا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .


417

السادس عشر ما النافية نحو ما زيد قائما او قائم على لغة تميم جعل سيبويه فيها معنى التوكيد لانه جعلها في النفي جوابا لقد في الاثبات كما ان قد فيها معنى التوكيد فكذلك ما جعل جوابا لها. ذكره ابن الحاجب في شرح المفصل.

السابع عشر الباء في الخبر نحو ما زيد بمنطلق قال الزمخشري في كشافه القديم هي عند البصريين لتاكيد النفي. و قال الكوفيون قولك ما زيد بمنطلق جواب ان زيدا لمنطلق ما بإزاء ان و الباء بإزاء اللام و المعنى راجع إلى أنها للتأكيد لان اللام لتاكيد الايجاب فاذا كانت بازائها كانت لتأكيد النفي.

هذا كله في مؤكدات الجملة الاسمية.

مؤكدات الجمل الفعلية

و أما مؤكدات الفعلية فانواع: احدها قد فانها حرف تحقيق و هو معنى التاكيد و اليه اشار الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ و من يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم معناه حصل له الهدى لا محاله.

و حكى الجوهري عن الخليل أنه لايؤتى بها في شيء الا اذا كان السامع متشوقا الى سماعه كقولك لمن يتشوق سماع قدوم زيد قد قدم زيد فان لم يكن لم يحسن المجيء بها بل تقول قام زيد.

و قال بعض النحاة في قوله تعالى: ﴿ ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل


418
و في قوله تعالى: ﴿ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت قد في الجملة الفعلية المجاب بها القسم مثل ان و اللام في الاسمية المجاب بها في افادة التاكيد.

و تدخل على الماضي نحو: ﴿ قد أفلح من زكاها . و المضارع نحو: ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ، ﴿ قد يعلم ما انتم عليه قال الزمخشري دخلت قد لتوكيد العلم.

و يرجع ذلك لتوكيد الوعيد و بهذا يجاب عن قولهم انما تفيد التعليل مع المضارع. و قال ابن ابان تفيد مع المستقبل التعليل في وقوعه او متعلقه فالاولى كقولك زيد قد يفعل كذا و ليس ذلك منه بالكثير و الثاني كقوله تعالى: ﴿ قد يعلم ما أنتم عليه المعنى والله اعلم اقل معلوماته ما انتم عليه.

ثانيها السين التي للتنفيس قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿ فسيكفيكهم الله معنى السين ان ذلك كائن لا محالة و ان تاخر الى حين. و جرى عليه الزمخشري فقال في قوله تعالى: ﴿ أولئك سيرحمهم الله السين تفيد وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في قولك سانتقم منك يوما يعني انك لاتفوتني و ان تبطأت.


419

و نحوه ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودا ، ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ، ﴿ سوف يؤتيهم أجورهم لكن قال في قوله تعالى: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى معنى الجمع بين حرفي التاكيد والتاخير ان العطاء كائن لا محالة و ان تاخر.

و قد اعترض عليه بان وجود الرحمة مستفاد من الفعل لا من السين و بان الوجوب المشار اليه بقوله لا محالة لا اشعار للسين به.

و اجيب بوجهين: احدهما ان السين موضوعه للدلالة على الوقوع مع التاخر فاذا كان المقام ليس مقام تأخير لكونه بشارة تمحضت لافادة الوقوع وتحقيق الوقوع يصل الى درجة الوجوب.

و فيه نظر لان ذلك يستفاد من المقام لا من السين.

و الثاني ان السين يحصل بها ترتيب الفائدة لانها تفيد امرين الوعيد و الاحبار بطرقة و أنه متراخ فهو كالإخبار بالشيء مرتين ولا شك ان الاخبار بالشيء وتعيين طرقه مؤذن بتحققه عند المخبر به.

ثالثها النون الشديدة و هي بمنزلة ذكر الفعل ثلاث مرات و بالخفيفة فهي بمنزلة ذكره مرتين.

قيل و هذان النونان لتأكيد الفعل في مقابلة تأكيد الاسم بان و اللام ولم يقع


420
في القرآن التأكيد بالخفيفة الا في موضعين ﴿ وليكونن من الصاغرين و قوله تعالى: ﴿ لنسفعا بالناصية .

و لما لم يتجاوز الثلاثة في تأكيد الاسماء فكذلك لم يتجاوزها في تأكيد الافعال قال تعالى: ﴿ فمهل الكافرين أمهلهم رويدا لم يزد على ثلاثة مهل وامهل ورويدا كلها بمعنى واحد وهن فعلان واسم فعل.

رابعا ﴿ لن لتأكيد النفي كان في تأكيد الاثبات فتقول لا ابرح فاذا اردت تاكيد النفي قلت لن ابرح.

قال سيبويه هي جواب لمن قال سيفعل. يعني و السين للتأكيد فجوابها كذلك.

و قال الزمخشري لن تدل على استغراق النفي في الزمن المستقبل بخلاف لا و كذا قال في المفصل لن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل بخلاف لا و كذا قال في المفصل لن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل. و بني على ذلك مذهب الاعتزال في قوله تعالى: ﴿ لن تراني قال هو دليل عن نفي الرؤية في الدنيا و الاخرة و هذا الاستدلال حكاه امام الحرمين في الشامل عن المعتزلة ورد عليهم بقوله تعالى لليهود ﴿ فتمنوا الموت ان كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا ثم اخبر عن عامة الكفرة انهم يتمنون الاخرة فيقولون ﴿ يا ليتها كانت القاضية يعني الموت.

و منهم من قال لاتنفي الابد و لكن الى وقت بخلاف قول المعتزلة و ان النفي بلا اطول من النفي بلن لان آخرها الف و هو حرف يطول فيه النفس فناسب طول المدة بخلاف لن


421
و لذلك قال تعالى: ﴿ لن تراني و هو مخصص بدار الدنيا.

و قال: ﴿ لا تدركه الابصار و هو مستغرق لجميع ازمنة الدنيا و الاخرة وعلل بان الالفاظ تشاكل المعاني و لذلك اختصت لابزيادة مدة.

و هذا الطف من راى المعتزلة و لهذا اشار ابن الزملكاني في التبيان بقوله لاتنفى ما بعد ولن تنفى ما قرب. و بحسن المذهبين اولوا الايتين قوله تعالى: ﴿ ولن يتمنوه أبدا ، ﴿ ولا يتمنونه أبدا .

و وجه القول الثاني ان ﴿ ولا يتمنونه جاء بعد الشرط في قوله تعالى: ﴿ ان زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت وحرف الشرط يعم كل الازمنة فقوبل بلا ليعمم ما هو جواب له أي زعموا ذلك في وقت ما قيل لهم تمنوا الموت و أما ﴿ ولن يتمنوه فجاء بعد قوله: ﴿ قل ان كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصة أي ان كانت لكم الدار الاخرة فتمنوا الموت الان استعجالا للسكون في دار الكرامة التي اعدها الله لأوليائه و أحبائه. و على وفق هذا القول جاء قوله: ﴿ لن تراني .

قلت و الحق ان لا و لن لمجرد النفي عن الافعال المستقبله و التأبيد و عدمه يؤخذان من دليل خارج و من احتج على التأبيد بقوله: ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا و ب قوله: ﴿ لن يخلقوا ذبابا عورض بقوله: ﴿ فلن أكلم اليوم إنسيا ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم وب قوله: ﴿ ولن يتمنوه أبدا ولو كانت


422
للتأبيد لكان ذكر الابد تكريرا و الاصل عدمه وب قوله: ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى لايقال هي مقيدة فلم تفد التابيد والكلام عند الاطلاق لان الخصم يدعى انها موضوعه لذلك فلم تستعمل في غيره. و قد استعملت لا للاستغراق الابدي في قوله تعالى: ﴿ لا يقضى عليهم فيموتوا و قوله: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ، ﴿ ولايئوده حفظهما و قوله: ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط و غيره مما هو للتأبيد و قد استعملت فيه لا دون لن فهذا يدل على انها لمجرد النفي والتابيد يستفاد من دليل آخر.

القسم الثاني

الصفة

و هي مخصصة ان وقعت صفة للنكرة و موضحة للمعرفة

الاسباب التي تاتي الصفة من أجلها و تأتي لأسباب

احدها لمجرد المدح والثناء و منه صفات الله تعالى كقوله: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم فليس ذكر الوصف هنا للتمييز لانه ليس له مثل تعالى الله عن ذلك


423
حتى يوضح بالصفة. و اخذ ابو الطيب هذا المعنى فذكر اسامى بعض ممدوحه ثم قال

اساميا لم تزده معرفة
و إنما لذة ذكرناها

فقوله لم تزده بيان انها للاطناب و الثناء لا للتعريف والتبيين.

و قيل ان الصفات الجارية على القديم سبحانه المراد بها التعريف فان تلك الصفات حاصلة له لا لمجرد الثناء ولو كانت للثناء لكان الاختيار قطعها و منه قوله تعالى: ﴿ يحكم بها النبيون الذين أسلموا فهذا الوصف للمدح ليس غير لانه ليس يمكن ان يكون ثمة نبيون غير مسلمين كذا قاله الزمخشري.

قال و اريد بها التعريض باليهود و أنهم بعداء من ملة الاسلام التي هي دين الانبياء كلهم في القديم و الحديث و ان اليهود بمعزل عنها.

و التحقيق ان هذه الصفة للتمييز و قد اطلق الله وصف الاسلام على الانبياء و اتباعهم و الاصل في المدح التمييز بين الممدوح و غيره بالاوصاف الخاصة و الاسلام وصف عام فوصفهم بالاسلام اما باعتبار الثناء عليه او الثناء عليهم بعد النبوة تعظيما و تشريفا له او باعتبار انهم بلغوا من هذا الوصف غايته لان معنى ذلك يرجع الى معنى الاستسلام والطاعة الراجعين الى تحقيق معنى العبودية التي هي اشرف اوصاف العباد فكذلك يوصفون بها في اشرف حالاتهم و اكمل اوقاتهم. و قوله: تعالى حكاية عن ابراهيم


424
و اسماعيل ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك أي مستسلمين لامرك لقضائك و كذا قول يوسف ﴿ توفني مسلما و كذلك قوله: ﴿ النبيون الذين أسلموا للذين هادوا تنويه بقدر الاسلام و تنبيه على عظم امره فان الصفة تعظم بعظم موصوفها كما وصفت الملائكة المقربون بالايمان في قوله: ﴿ يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به تنويها بقدر الايمان وحضا للبشر على التحلي به ليكونوا كالمقربين في وصف الايمان حتى قيل اوصاف الاشراف اشرف الاوصاف.

الثاني لزيادة البيان كذا قاله ابن مالك و مثله بقوله تعالى: ﴿ فآمنوا بالله و رسوله النبي الامي .

و ليس ما قاله بواضح فان رسول الله كما يستعمل في نبينا صلوات الله و سلامه عليه يستعمل في غيره بطريق الوضع وتعريفه انما حصل بالاضافة.

فان قال قد كثر استعماله في نبينا صلى الله عليه و سلم حتى انه لم يبق الذهن يتبادر الا اليه!

قلنا ليس هذا من وضعه بل ذلك من الاستعمال و قد استعمل في غيره قال تعالى: ﴿ فآمنوا بالله و رسوله و في موضع آخر: ﴿ رسل الله و في حق عيسى ﴿ ورسولا إلى بني إسرائيل و في حق موسى ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولا .


425

ثم ان الصفة انما تكون مثل الموصوف او دونه في التعريف و أما ان تكون فوقه فلا لانها على كل حال تابعة و التابع دون المتبوع.

فان قيل كيف يصح ان يزال ابهام الشيء بما هو ابهم منه؟

فالجواب ان التعريف لم يقع بمجرد الصفة و إنما حصل بمجموع الصفة والموصوف لانهما كالشيء الواحد.

الثالث لتعيينه للجنسية كقوله تعالى: ﴿ و ما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه لان المعنى بدابة و الذي سيق له الكلام الجنسية لا الافراد بدليل قوله تعالى: ﴿ الا أمم أمثالكم فجمع ﴿ أمم محقق ارادة الجنس من الوصف اللازم للجنس المذكور و هو كون الدابة غير منفكة عن كونها في الارض وكون الطائر غير منفك كونه طائرا بجناحيه لينتفي توهم الفردية هذا معنى ما اشار اليه السكاكي في المفتاح.

و حمل بعضهم كلامه على انه انما ذكر الوصف ليعلم ان المراد ليس دابه مخصوصة و هو بعيد لان ذلك معلوم قطعا بدون الوصف لان النكرة المنفية لا سيما مع من الاستغراقية قطعية.

و قال الزمخشري ان معنى زيادة ﴿ في الارض و ﴿ يطير بجناحيه يفيد زيادة


426
التعميم و الاحاطه حتى كانه قيل و ما من دابة من جميع ما في الارض و ما من طائر في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه الا امم امثالكم محفوظة احوالها غير مهمل امرها.

و يحتمل ان يقال ان الطيران لما كان يوصف به من يعقل كالجان و الملائكة فلو لم يقل ﴿ بجناحيه لتوهم الاقتصار على حبسها ممن يعقل فقيل ﴿ بجناحيه ليفيد ارادة هذا الطير المعتقد فيه عدم المعقولية بعينه.

و قيل ان الطيران يتسعمل لغة في الخفة و شدة الاسراع في المشي كقول الحماسي:

طاروا اليه زرافات و وحدانا

ف قوله: ﴿ يطير بجناحيه رافع لاحتمال هذا المعنى. و قيل لو اقتصر على ذكر الطائر فقال: ﴿ و ما من دابة في الارض ولا طائر لكان ظاهر العطف يوهم ولا طائر في الارض لان المعطوف عليه اذا قيد بظرف او حال يقيد به المعطوف و كان ذلك يوهم اختصاصه بطير الارض الذي لا يطير بجناحيه كالدجاج و الاوز والبط و نحوها فلما قال: ﴿ يطير بجناحيه زال هذا الوهم و علم انه ليس بطائر مقيد انما تقيدت به الدابة.

و أما قوله تعالى: ﴿ و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض مع ان المعلوم ان الفساد


427
لايقع الا في الارض قيل في ذكرها تنبيه على ان المحل الذي فيه شأنكم و تصرفكم و منه مادة حياتكم و هي سترة اموالكم جدير الا يفسد فيه اذا محل الاصلاح لاينبغي ان يجعل محل الافساد.

و هذا بخلاف قوله تعالى في سورة براءة ﴿ و ما لهم في الارض من ولي ولا نصير لان المراد نفي النصير عنهم في جميع الارض فلو لم يذكر لاحتمل ان يكون ذلك خاصا ببعضها.

و أما قوله تعالى: ﴿ ذلك قولهم بأفواههم و قوله تعالى: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم نارا و قوله تعالى: ﴿ و لكن تعمى القلوب التي في الصدور و نحوها من المقيد إذ القول لايكون الا بالفم و الاكل انما يكون في البطن ففوائده مختلفة:

فقيل ﴿ بأفواههم للتنبيه على انه قول لا دليل عليه بل ليس فيه الا مجرد اللسان أي لايعضده حجة و لا برهان و إنما هو لفظ فارغ من معنى تحته كالالفاظ المهملة التي هي اجراس و نغم لا تدل على شيء مؤثر لان القول الدال على معنى قول بالفم ومؤثر في القلب و ما لا معنى له مقول بالفم لاغير او المراد بالقول المذهب أي هو مذهبهم بأفواههم لابقلوبهم لانه لا حجة عليه توجب اعتقاده بالقلب.

و قيل انه رافع لتوهم ارادة حديث النفس كما في قوله تعالى: ﴿ و يقولون في أنفسهم .


428

و قيل لان القول يطلق على الاعقتاد فافاد ﴿ بأفواههم التنصيص على انه باللسان دون القلب و لو لم يقيد لم يستفد هذا المعنى و يشهد له ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ... الاية فلم يكذب السنتهم بل كذب ما انطوى عن ضمائرهم من خلافه.

و إنما قال: ﴿ في بطونهم نارا لانه يقال اكل في بطنه اذا امعن و في بعض بطنه اذا اقتصر قال:

كلوا في بعض بطنكم تعفوا
فان زمانكم زمن خميص

فكانه قيل ياكلون ما يجر اذا امتلات بطونهم نارا.

و إنما قال التي في الصدور فانه سبحانه لما دعاهم الى التفكير والتعقل وسماع اخبار من معضي من الامم و كيف اهلكهم بتكذيبهم رسله و مخالفتهم لهم قال: ﴿ أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها .

قال ابن قتيبة و هل شيء ابلغ في العظمة و العزة من هذه الاية لان الله تعالى اراد افلم يسيروا في الارض فينظروا الى آثار قوم اهلكهم الله بالكفر و العتو فيروا بيوتا خاوية قد سقطت على عروشها وبئرا يشرب اهلها فيها قد عطلت وقصرا بناه ملكه بالشيد خلا من السكن وتداعى بالخراب فيتعظوا بذلك ويخافوا من عقوبة الله مثل الذي نزل بهم!


429
ثم ذكر تعالى ان أبصارهم الظاهرة لم تعم عن النظر و الرؤية و ان عميت قلوبهم التي في صدورهم.

و قيل لما كانت العين قد يعني بها القلب في نحو قوله تعالى: ﴿ الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري جاز ان يعنى بالقلب العين فقيد القلوب بذكر محلها رفعا لتوهم ارادة غيرها.

و قيل ذكر محل العمى الحقيقي الذي هو اولى باسم العمى من عمى البصر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) أي هذا اولى بان يكون شديدا منه فعمى القلب هو الحقيقي لا عمى البصر فاعمى القلب اولى ان يكون اعمى من اعمى العين فنبه بقوله: ﴿ التي في الصدور على ان العمى الباطن في العضو الذي عليه الصدر لا العمى الظاهر في العين التي محلها الوجه.

فوائد تتعلق بالصفة الاولى

الصفة العامة لا تاتي بعد الصفة الخاصة

اعلم ان الصفة العامة لاتاتي بعد الصفة الخاصة لا تقول هذا رجل فصيح متكلم لان المتكلم اعم من الفصيح إذ كل فصيح متكلم ولا عكس.

و إذا تقرر هذا اشكل قوله تعالى: ﴿ و اذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد و كان رسولا نبيا


430
اذ لايجوز ان يكون ﴿ نبيا صفة لرسول لان النبي اعم من الرسول اذ كل رسول من الادميين نبي ولا عكس.

و الجواب ان يقال انه حال من الضمير في ﴿ رسولا و العامل في الحال ما في رسول من معنى يرسل أي كان اسماعيل مرسلا في حال نبوته و هي حال مؤكده كقوله: ﴿ و هو الحق مصدقا .

الثانية

تاتي الصفة لازمة لا للتقييد

كقوله تعالى: ﴿ و من يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به قال الزمخشري هو كقوله: ﴿ و ان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا و هي صفة لازمة نحو قوله: ﴿ يطير بجناحيه جيء بها للتوكيد لا ان يكون في الالهة ما يجوز ان يقوم عليه برهان. و يجوز ان يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء كقولك من احسن الى زيد لا احق بالاحسان منه فالله مثيبه.

و قال الماتريدي هذا لبيان خاصة الاشراك بالله الا تقوم على صحته حجة لا بيان انه نوعان كما في قوله: ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه هو بيان خاصة الطيران لا انه نوعان.


431

و قوله: ﴿ سفها بغير علم والسفه لايكون الا عن جهل. و قيل ﴿ بغير علم بمقدار قبحه.

و قوله: ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق ولا يكون قتلهم الا كذلك لان معناه بغير الحق في اعتقادهم لان التصريح بصفة فعلهم القبيح ابلغ في ذمهم و ان كانت تلك الصفة لازمه للفعل كما في عكسه ﴿ قال رب احكم بالحق لزيادة معنى في التصريح بالصفة.

و قال بعضهم لان قتل النبي قد يكون بحق كقتل ابراهيم عليه السلام ولده ولو وجد لكان بحق. و قال الزمخشري انما قيده لانهم لم يقتلوا ولم يفسروا في الارض و الا استوجبوا القتل بسبب كونه شبهة.

و إنما نصحوهم و دعوهم الا ما ينفعهم فقتلوهم ولو انصفوا من انفسهم لم يذكروا وجها يوجب عندهم القتل.

و كقوله تعالى: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج مع ان ذلك منهى عنه في غير الحج ايضا لكن خصص بالذكر هنا لتاكيد الامر و خطره في الحج و أنه لو قدر جواز مثل ذلك في غير الحج لم يجز في الحج كيف و هو لايجوز مطلقا!

و قوله تعالى: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ولم يذكر مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل لان الرياء يقع في الحج كثيرا فاعتنى فيه بالامر بالاخلاص.

و قوله تعالى: ﴿ و من أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله واتباع الهوى لايكون الا كذلك.


432

و قيل بل يكون الهوى في الحق فلا يكون من هذا النوع. و قوله تعالى: ﴿ و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فان حكمه تعالى حسن لمن يوقن و لمن لايوقن لكن لما كان القصد ظهور حسنة و الاطلاع عليه و صفة بذلك لان المؤمن هو الذي يطلع على ذلك دون الجاهل.

و قوله تعالى: ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم والكتابة لاتكون الا باليد ففائدته مباشرتهم ذلك التحريف بانفسهم و ذلك زيادة في تقبيح فعلهم فانه يقال كتب فلان كذا و ان لم يباشره بل امر به كما في قول علي ( كتب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ).

الثالثة

قد تاتي الصفة بلفظ و المراد غيره

كقوله تعالى: ﴿ صفراء فاقع لونها قيل المراد سوداء ناصع و قيل بل على بابها. و منه قوله تعالى: ﴿ كأنه جمالة صفر قيل كانه اينق سود و سمي الاسود من الابل اصفر لانه سواد تعلوه صفرة.

الرابعة

قد تجيء للتنبيه على التعميم

كقوله تعالى: ﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر مع ان المعلوم انما يؤكل اذا اثمر


433
فقيل فائدته نفي توهم توقف الاباحة على الادارك و النضج بدلالته على الاباحه من اول اخراج الثمرة.

و قوله تعالى: ﴿ و من شر حاسد إذا حسد .

و قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن فان غير مال اليتيم كذلك لكن انما خصه بالذكر لان الطمع فيه اكثر نعجزه و قلة الناصر له بخلاف مال البالغ. او لان التخصيص بمجموع الحكمين وهما النهي عن قربانه بغير الاحسن.

و قوله: ﴿ و إذا قلتم فاعدلوا مع ان الفعل كذلك و قصد به ليعلم وجوب العدل في الفعل من باب اولى كقوله: ﴿ فلا تقل لهما أف .

الخامسة

قد يحتمل اللفظ كثيرا من الاسباب السابقة

و له امثله منها قوله تعالى: ﴿ و قال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فان ابن مالك و غيره من النحويين جعلوه نعتا قصد به مجرد التأكيد.

و لقائل ان يقول ان الهين مثنى و الاثنان للتثنية فما فائدة الصفة و فيه وجوه:

احدهما قاله ابن الخباز ان فائدتها توكيد نهي الاشراك بالله سبحانه و ذلك


434
لان العبرة في النهي عن اتخاذ الالهين انما هو لمحض كونهما اثنين فقط ولو وصف الهين بغير ذلك من الصفات كقوله لاتتخذوا الهين عاجزين لاشعر بان القادرين يجوز ان يتخذا فمعنى التثنيه شامل لجميع الصفات فسبحان من دقت حكمته في كل شيء!

و نظير هذا ما قال الاخفش في قوله: ﴿ فإن كانتا اثنتين

الثاني ان الوحدة تطلق و يراد بها النوعية و منه قوله صلى الله عليه وسلم ( انما نحن وبنو عبد المطلب شيء واحد ) و تطلق و يراد بها العدد نحو انما زيد رجل واحد فالتثنية باعتبارها. فلو قيل لا تتخذوا إلهين فقط لصح في موضوعه ان يكون نهيا عن اتخاذ جنسين آلهة و جاز ان يتخذ من نوع واحد اعداد آلهة لانه يطلق عليهم انهم واحد لاسيما و قد يتخيل ان الجنس الواحد لاتتضاد مطلوباته فيصح فلما قال: ﴿ اثنين بين فيه قبح التعديد للإله و أنه منزه عن العددية. و قد اومأ اليه الزمخشري بقوله الا ترى انك لو قلت انما هو اله و لم تصفه بواحد لم يحسن و قيل لك انك نفيت الالهية لا الوحدانية.

الثالث انه لما كان النهي واقعا على التعدد و الاثنينية دون الواحد اتى بلفظ الاثنين لان قولك لاتتخذ ثوبين يحتمل النهي عنهما جميعا و يحتمل النهي عن الاقتصار عليهما فاذا قلت ثوبين اثنين علم المخاطب انك نهيته عن التعدد و الاثنينية دون الواحد و انك انما اردت منه الاقتصار على ثوب واحد فتوجه النفي الى نفس التعدد العدد


435
فانى باللفظ الموضوع له الدال عليه فكانه قال لاتعدد الالهه ولا تتخذ عددا تعبده انما هو اله واحد.

الرابع ان اتخذ هي التي تتعدى الى مفعولين و يكون ﴿ اثنين مفعولهما الاول و ﴿ إلهين مفعولهما الثاني و اصل الكلام لاتتخذوا اثنين الهين ثم قدم المفعول الثاني على الاول.

و يدل على التقديم والتاخير ان الهين اخص من اثنين واتخاذ اثنين يقع على ما يجوز و على ما لا يجوز و أما اتخاذ اثنين الهين فلا يقع الا على ما يجوز. وقدم الهين على اثنين اذ المقصود بالنهي اتخاذهما الهين فالنهي وقع على معنيين الالهة المتخذه و على هذا فلا بد من ذكر الاثنين و الالهين اذهما مفعولا الاتخاذ.

قال صاحب البسيط و هذا الوجه هو الجيد ليخرج بذلك على التأكيد و أما اذا جعل إلهين مفعول تخذوا و اثنين صفة فانه ايضا لايخرج عن الوصف الى التأكيد لانه لايستفاد من اثنين ما استفيد من الهين لان الاول يدل على العدد و الجنس و الثاني على مجرد الاثنينية.

قال و هذا الحكم في قوله تعالى: ﴿ من كل زوجين اثنين في دخول اثنين في حد الوصف الا ان من قرا بتنوين كل فانه حذف المضاف اليه و جعل التنوين عوضا عنه و ﴿ زوجين مفعول احمل او فاسلك واثنين نعت. و ﴿ من يحتمل انه متعلق بفعل الامر و يحتمل ان يتعلق بمحذوف لكونه حالا من نكرة تقدم عليها و التقدير احمل او اسلك فيها زوجين اثنين من كل صنف. و من قرأ باضافة كل احتمل وجهين احدهما ان تجعل اثنين المفعول و الجار و المجرور متعلق


436
بفعل الامر المحذوف كما تقدم. و الثاني جعل من زائدة على راي الاخفش و كل هي المفعول و اثنين صفة.

الخامس انه بدل و ينوي بالأول الطرح و اختاره النيلي في شرح الحاجبية قال لما فيه من حسم مادة التأويل. و نظير السؤال في الاية قوله تعالى: ﴿ فإن كانتا اثنتين فان مروان بن سعد المهلبي سأل أبا الحسن الاخفش فقال ما الفائدة في هذا الخبر اراد مروان ان لفظ كانتا تفيد التثنية فما فائدة تفسيره الضمير المسمى باثنتين مع انه لايجوز فان كانتا ثلاثا و لا فوق ذلك فلم يفصل الخبر الاسم في شئ؟

فاجاب أبو الحسن بانه افاد العدد المحض مجردا عن الصفة أي قد كان يجوز ان يقال فان كانتا صغيرتين فلهما كذا او كبيرتين فلهما كذا او صالحتين او غير ذلك من الصفات فلما قال: ﴿ اثنتين افهم ان فرض الثلثين للاختين تعلق بمجرد كونهما انثنتين فقط على أي صفة و هي فائدة لاتحصل من ضمير المثنى. و معناه انهم كانوا في الجاهلية يورثون البنين دون البنات و كانوا يقولون لا نورث الا من يحمل الكل و ينكئ العدو فلما جاء الاسلام بتوريث البنات اعلمت الاية ان العبرة في احد الثلثين من الميراث منوط بوجود اثنتين من الاخوات من غير اعتبار امر زائد على العدد.

قال الحريري و العمري لقد ابذع مروان في استنباطه و سؤاله و احسن ابو الحسن في كشف اشكاله!

و لقد نقل ابن الحاجب في اماليه هذا الجواب عن ابي علي الفارسي و قد بينا


437
أنه من كلام الاخفش ثم اعترض عليه بأن اللفظ و ان كان صالحا لإطلاقه على المثنى مجردا عن الصفات لا يصح إطلاقه خبرا دالا على التجريد من الصفات و إنما يعنى باللفظ ذاته الموضوعة له الا ترى أنك إذا قلت جاءني رجل لا يفهم الا ذات من غير ان يدل على تجريد عن مرض أو جنون أو عقل فكذلك اثنتين لا تدل الا على مسمى اثنتين فقط فلم يستفد منه شيء زائد على المستفاد من ضمير التثنية. ثم لو سلم صحة إطلاق اللفظ كذلك فلا يصح هاهنا إذ لو صح لجاز ان يقال فإن كانتا على أي صفة حصل ولو قيل ذلك لم يصح لان تثنية الضمير في كانتا عائد على الكلالة والكلالة تكون واحدا وإثنين وجماعة فإذا أخبر باثنتين حصلت به فائدة.

ثم لما كان الضمير الذي في كانتا العائد على الكلالة هو في معنى اثنين صح ان تثنية لان تثنيته فرع عن الاخبار باثنين إذ لولاه لم يصح أنه لم تستفد التثنية الا من إثنين.

و قد أورد على ذلك اعتراض آخر و هو ان هذه الاية مماثلة لقوله تعالى: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ثم قال: ﴿ فإن كن نساء و ان كانت واحدة ولو كان على ما ذكرتم لوجب ان يصح إطلاق الاولاد على الواحد كما في الكلالة و الا لكان الضمير لغير مذكور!

و الجواب بشيء يشمل الجميع و هو ان الضمير قد يعود على الشيء باعتبار المعنى الذي سيق إليه و نسب إلى صاحبه فإذا قلت إذا جاءك رجال فإن كان واحدا فافعل به كذا و ان كان اثنين فكذا صح إعادة الضمير باعتبار المعنيين لان المقصود الجائي وكأنك قلت و ان كان الجائي من الرجال لانه علم من قولك إذا جاءك و الاية سيقت لبيان


438
الوارثين الاولاد فكانه قيل فإن كان الوارث من الاولاد لانه المعنى الذي سيق له الكلام فقد دخلت الاثنان باعتبار هذا المعنى.

و يجوز ان تبقى الاية الاولى على ما ذكرنا و يختص هذا الجواب بهذه.

قلت و في هذه الاية ثلاثة أجوبة أخر:

أحدها أنه كلام محمول على المعنى أي فإن كان من ترك اثنتين و هذا مقيد فاضمره على ما بعده و من يسوغ معها ذكر الاثنين لانه لفظ مفرد يعبر به عن الواحد و الاثنين و الجمع فإذا وقع الضمير موقع من جرى مجراها في جواز الاخبار عنها بالإثنين.

الثاني ان يكون من الاشياء التي جاءت على اصولها المرفوضة كقوله تعالى: ﴿ استحوذ عليهم الشيطان و ذلك ان حكم الاعداد فيما دون العشرة ان تضاف الى المعدود كثلاثة رجال و اربعة ابواب فكان القياس ان يقول اثنين رجل و واحد رجل و لكنهم رفضوا ذلك لانك تجد لفظه تجمع العدد والمعدود فتغنيك عن اضافة احدهما الى الاخر و هو قولك رجلان و رجل و ليس كذلك ما فوق الاثنتين الا ترى انك اذا قلت ثلاثة لم يعلم المعدود ما هو؟ و إذا قلت رجال لم يعلم عددهم ما هو فانت مضطر الى ذكر العدد و المعدود فلذلك قيل كان الرجال ثلاثة ولم يقل كان الرجال ثلاثة ولم يقل كان الرجلان اثنتين ولا الرجلان كانا اثنين فاذا استعمل شيء من ذلك كان استعمالا للشيء المرفوض كقوله:

ظرف عجوز فيه إثنتا حنظل


439

فان قيل كيف يحمل القرآن عليه و إنما هو في الشعر؟

قيل إنا وجدنا في القرآن اشياء جاءت على الاصول المرفوضة كالستحوذ و نظائرها.

الثالث ان المراد فان كانتا اثنتين فصاعدا فعبر بالأدنى عنه و عما فوقه. قاله ابن الضائع النحوي.

قلت و نظائرها قوله تعالى: ﴿ فإن لم يكونا رجلين فإن الرجولية المثناة فهمت من الضمير بدليل: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم فاالظاهر ان قوله: ﴿ رجلين حال لاخبر فكأنا لمعنى فإن لم يوجدا حال كونهما رجلين.

و مثله قوله تعالى: ﴿ إني وضعتها أنثى فان الانوثة فهمت من قوله: ﴿ وضعتها .

و أورد بعضهم السؤال في الاول فقال الضمير في ﴿ يكونا للرجلين لان ﴿ شهيدين قيدا بانهما من الرجال فكأن الكلام فان لم يكن الرجلان رجلين و هذا محال.

و اجاب بعضهم بما اجاب به الاخفش في آية المواريث ان الخبر هنا افاد العدد المجرد عن الصفة. و هذا ضعيف اذ وضع فيه الرجلين موضع الاثنين و هو تجوز بعيد و الذي ذكره الفارسي المجرد منهما الرجولية او الانوثية او غيرها من الصفات فكيف يكون لفظ موضوع لصفة ما دالا على نفيها!


440

على ان في جواب الفارسي هناك نظرا فإنه لم يزد على ان جعل نفس السؤال جوابا كأنه قيل لم ذكر العدد و هو متضمن للضمير فقال لانه يفيد العدد المجرد فلم يزد الالفاظ تجردا.

قال و أما من أجاب بأن ﴿ رجلين منصوب على الحال المبينة و كان تامه فهو اظرف من الاول فانه سئل عن وجه النظم و اسلوب البلاغة و نفي ما لا يليق بها من الحشو فاجاب بالإعراب ولم يجب عن السؤال بشيء و الذي يرد عليه و هو خبر يرد عليه و هو حال و ما زادنا الا التكلف في جعله حالا.

و الذي يظهر في جواب السؤال هو ان ﴿ شهيدين لما صح ان يطلق على المرأتين بمعنى شخصين شهيدين قيده بقوله تعالى: ﴿ من رجالكم ثم اعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿ فإن لم يكونا على الشهيدين المطلقين و كان عودة عليهما ابلغ ليكون نفي الصفة عنهما كما كان إثباتها لهما فيكون الشرط موجبا و نفيا على الشاهدين المطلقين لان قوله: ﴿ من رجالكم كالشرط كانه قال ان كانا رجلين و في النظم على هذا الاسلوب من الارتباط وجرى الكلام على نسق واحد ما لا خفاء به. و أما في آية المواريث فالظاهر ان الضمير وضع موضع الظاهر اختصارا لبيان المعنى بدليل انه لم يتقدمه ما يدل عليه لفظا فكأنه قال فإن كان الوارث اثنين ثم وضع ضمير الاثنين موضع الوارث الذي هو جنس لما كان المراد به منه الاثنان. و أيضا فان الاخبار عن الوارث و ان كان جمعا باثنين ففيه تفاوت ما لكونه مفرد اللفظ فكان الاليق بحسن النظم وضع المضمر موضع الظاهر ثم يجري الخبر على من حدث عنه و هو الوارث فيجري الكلام في طريقه مع الايجاز في وضع المضمر الظاهر والسلامة من تفاوت اللفظ في الاخبار عن لفظ مفرد بمثنى.


441

و نظير هذا مما وقع فيه اسم موضع غيره ايجازا ثم جرى الكلام مجراه في الحديث عمن هو له و ان لم يذكر قوله تعالى: ﴿ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فعاد هذا الضمير والخبر على اهل القرية الذين اقيمت القرية في الذكر مقامهم فجرى الكلام مجراه مع حصول الايجاز في وضع القرية موضع اهلها و فهم المعنى بغير كلفة و هذه الغاية في البيان يقصد عن مداها الانسان.

و منها قوله تعالى: ﴿ فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة قال ابن عمرون لما فهم منها التأكيد ظن بعضهم انها ليست بصفة و ليس بجيد لانها دلالة على بعض احوال الذات و ليس في ﴿ واحد دلالة على نفخ فدل على انها ليست تأكيدا.

و في فائدة ﴿ واحدة خمسة اقوال:

احدها التوكيد مثل قولهم أمس الدابر.

الثاني وصفها ليصح ان تقوم مقام الفاعل لانها مصدر و المصدر لايقوم مقام الفاعل الا اذا وصف. و رد بان تحديدها بتاء التأنيث مصحح لقيامها مقام الفاعل.

الثالث ان الوحدة لم تعلم من نفخة الا ضمنا و تبعا لان قولك نفخة بفهم منه امران النفخ والوحدة فليست نفخة موضوعة للوحدة فلذلك صح وصفها.

الرابع وصفه النفخة بواحدة لأجل نفي توهم الكثرة كقوله تعالى: ﴿ و ان تعدوا نعمة الله لا تحصوها فاالنعمة في اللفظ واحدة و قد علق عدم الاحصاء بعدها.


442

الخامس اتى بالوحدة ليدل على ان النفخة لا اختلاف في حقيقتها فهي واحدة بالنوع كقوله: ﴿ و ما أمرنا الا واحدة أي لا اختلاف في حقيقته.

و منها قوله تعالى: ﴿ وإلهكم إله واحد قيل ما فائدة ﴿ إله و هلا جاء وإلهكم واحد و هو أوجز؟

قيل لو قال و إلهكم واحد لكان ظاهره إخبارا عن كونه واحدا في إلهيته يعني لا إله غيره ولم يكن إخبارا عن توحده في ذاته بخلاف ما إذا كرر ذكر الاله و الاية إنما سيقت لإثبات أحديته في ذاته و نفي ما يقوله النصارى انه اله واحد و الاقانيم ثلاثة أي الاصول كما ان زيدا واحدا و أعضاؤه متعدده فلما قال: ﴿ إله واحد دل على أحدية الذات والصفة.

و لقائل ان يقول قوله: ﴿ واحد يحتمل الاحدية في الذات و الاحدية في الصفات سواء ذكر الا له أولا فلا يتم الجواب.

و منها قوله: ﴿ ومناة الثالثة الاخرى ومعلوم بقوله: ﴿ الثالثة أنها الاخرى و فائدته التأكيد. و مثله على رأي الفارسي ﴿ و أنه أهلك عادا الاولى و أما قوله: ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم قيل بمعنى عن أي خر عن كفرهم بالله كما تقول اشتكى فلان عن دواء شربه أي من أجل كفرهم او بمعنى اللام أي فخر لهم. و قيل لان العرب لاتستعمل لفظه على في مثل هذا الموضع الا في الشر و الامر المكروه تقول خربت على فلان ضيعته كقوله: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان


443
﴿ و يقولون على الله الكذب ، ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون . و قيل لانه يقال سقط عليه موضع كذا إذا كان يملكه و ان لم يكن من فوقه بل تحته فدل قوله تعالى: ﴿ من فوقهم على الفوقية الحقيقية و ما أحسن هذه المقابلة بالفوقية بما تقدم من قوله: ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد كما تقول اخذ برجله فسقط على رأسه.

السادسة

إذا اجتمع مختلفان في الصراحة و التأويل

إذا اجتمع مختلفان في الصراحة و التأويل قدم الاسم المفرد ثم الظرف أو عديله ثم الجملة كقوله تعالى: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا و الاخرة و من المقربين. و يكلم الناس في المهد و كهلا و من الصالحين ف قوله: ﴿ وجيها حال و كذلك: ﴿ من المقربين و قوله: ﴿ ويكلم و قوله: ﴿ من الصالحين فهذه اربعة احوال انتصبت عن قوله: ﴿ كلمة والحال الاولى جيء بها على الاصل اسما صريحا و الثانية في تأويله جار ومجرور وجيء بها هكذا لوقوعها فاصلة في الكلام ولو جيء بها اسما صريحا لناسبت الفواصل والثالثة جملة فعلية و الرابعة جار ومجرور.

و منه قوله تعالى: ﴿ و قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما .


444

و لما كان الظرف فيه شبه من المفرد و شبه من الجملة جعل بينهما.

و قد أوجب ابن عصفور و ليس كما قال فقد قال تعالى: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين ولا يقال ان ﴿ أذلة بدل لانه مشتق و البدل إنما يكون في الجوامد كما نص عليه هو و غيره.

و أما قوله تعالى: ﴿ و هذا كتاب أنزلناه مبارك فقيل إنه من تقديم الجملة على المفرد و يحتمل ان يكون ﴿ مبارك خبرا لمحذوف فلا يكون من هذا الباب.

السابعة

في اجتماع التابع و المتبوع

في اجتماع التابع و المتبوع انهم يقدمون المتبوع فيقولون أبيض ناصع و أصفر فاقع و أحمر قان و أسود غربيب قال الله تعالى: ﴿ صفراء فاقع لونها و المعنى ان التبع فيه زيادة الوصف فلو قدم لكان ذكر الموضوف بعده عيبا الا ان يكون لمعنى أوجب تقديمه.

و قد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿ وغرابيب سود و هي من الايات التي صدئت فيها الاذهان الصقيله و عادت بها أسنة الالسنة مفلولة و من جملة العجائب ان شيخا أراد ان يحتج على مدرس لما ذكر له هذا السؤال فقال إنما ذكر السواد لانه قد يكون في الغربان مافيه بياض و قد رأيته ببلاد المشرق فلم يفهم من الاية الا ان الغرابيب هو الغراب ولا قوة الا بالله!


445

و الذي يظهر في ذلك ان الموجب لتقديم ﴿ غرابيب هو تناسب الكلم و جريانها على نمط متساوي التركيب و ذلك انه لما تقدم البيض و الحمر دون إتباع كان الاليق بحسن النسق و ترتيب النظام أني يكون السود كذلك و لكنه لما كان في السود هنا زيادة الوصف كان الاليق في المعنى ان يتبع بما يقتضي ذلك و هو الغرابيب فيقابل حظ اللفظ و حظ المعنى فوفى الخطاب وكمل الغرضان جميعا ولم يطرح أحدهما الاخر فيقع النقص من جهة الطرح و ذلك بتقديم الغرابيب على السود فوقع في لفظ الغرابيب حظ المعنى في زيادة الوصف. و في ذكر السود مفردا من الاتباع حظ اللفظ إذ جاء مجردا عن صورة البيض و الحمر فاتسقت الالفاظ كما ينبغي و تم المعنى كما يجب ولم يخل بواحدة من الوجهين ولم يقتصر على الغرابيب و ان كانت متضمنه لمعنى السود لئلا تتنافر الالفاظ فان ضم الغربيب إلى البيض والحمر ولزها في قرن واحد:

كابن اللبون إذا مالز في قرن

غير مناسب لتلاؤم الالفاظ و تشاكلها و بذكر السود وقع الالتئام و اتسق نسق النظام و جاء اللفظ و المعنى في درجة التمام و هذا لعمر الله من العجائب التي تكل دونها العقول وتعيا بها الالسن لا تدري ما تقول والحمد لله.


446

ثم رأيت أبا القاسم السهيلي أشار إلى معنى غريب فنقل عن ابي حنيفة الدينوري ان الغربيب اسم لنوع من العنب و ليس بنعت قال و من هذا يفهم معنى الاية و سود عندي بدل لا نعت و ان كان الغربيب اذا اطلق لفظه ولم يقيد بذكر شيء موصوف قلما يفهم منه العنب الذي هو اسمه خاصة فمن ثم حسن التقييد.

الثامنة

عند تكرار النعوت لواحد

إذا تكررت النعوت لواحد فتارة يترك العطف كقوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم و تارة تشترك بالعطف كقوله: ﴿ سبح اسم ربك الاعلى. الذي خلق فسوى. و الذي قدر فهدى و يشترط في ذلك اختلاف معانيها قال الزمخشري وأبو البقاء دخول العاطف يؤذن بأن كل صفة مستقله.

و العطف أحسن ان تباعد معنى الصفات نحو: ﴿ هو الاول و الاخر و الظاهر والباطن و الا فلا.

التاسعة

فصل الجمل في مقام المدح و الذم أبلغ من جعلها نمطا واحدا

قال أبو على الفارسي إذا ذكرت صفات في معرض المدح والذم فالاحسن ان يخالف في إعرابها لان المقام يقتضي الاطناب فإذا خولف في الاعراب كان المقصود أكمل لان المعاني عند الاختلاف تتنوع و تتفتن و عند الايجاز تكون نوعا واحدا.


447

و مثله في المدح قوله: ﴿ والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة فانتصب ﴿ والمقيمين على القطع و هو من صفة المرفوع الذي هو ﴿ المؤمنون . و قيل بل انتصب بالعطف على قوله: ﴿ بما أنزل إليك و هو مجرور و كأنه قال يؤمنون بالذي أنزل إليك و بالمقيمين أي بإجابة المقيمين و الاول أولى لان الموضع للتفخيم فالاليق به إضمار الفعل حتى يكون الكلام جملة لا مفردا.

و مثله قوله تعالى: ﴿ و لكن البر من آمن بالله إلى قوله: ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين نص عليه سيبويه. و جوز السيرافي ان يحمل على قوله: ﴿ و آتى المال على حبه ذوي القربى إلى ان قال: ﴿ والصابرين و رده الصفار بأنه لايعطف على الموصول قبل تمام الصلة و ان كان ﴿ والصابرين معطوفا على ﴿ والسائلين فهو من صلة من فكذلك المعطوف عليه.

و الصواب ان يكون المعطوف من صلة من و تكون الصلة كملت


448
عند قوله تعالى: ﴿ وآتى الزكاة ثم أخذ في القطع. و مثاله في الذم ﴿ وامرأته حمالة الحطب بنصب ﴿ حمالة .

تنبيهان

الاول إنما يحسن القطع بشرطين احدهما ان يكون الموصوف معلوما أو منزلا منزلة المخاطب لا يتصور عنده البناء على مجهول و قولنا أو منزلا منزلة المعلوم لابد منه.

و قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ الذي له ملك السماوات و الارض رفع على الابدال من ﴿ الذي نزل أو رفع على المدح أو نصب عليه.

قال الطيبي و الابدال اولى لان من حق صلة الموصول ان تكون معلومة عند المخاطب وكونه تعالى: ﴿ نزل الفرقان على عبده لم يكن معلوما للعالمين فأبدل بقوله: ﴿ له ملك السماوات و الارض بيانا وتفسيرا وتبين لك المدح.

و جوابه ما ذكرنا ان المنزل بمنزلة المعلوم منزلة المعلوم و ها هنا لقوة دليله أجرى مجرى المعلوم وجعلت صلة نص عليه سيبويه والجمهور.

و ثانيهما ان يكون الصفة للثناء و التعظيم. و شرط بعضهم ثالثا و هو تقدم الاتباع حكاه ابن بابشاذ.


449

و زيفة الاستاذ أبو جعفر بن الزبير و قال إنما يتم ذلك إذا كان الموصوف يفتقر إلى زيادة بيان فحينئذ يتقدم الاتباع ليستحكم العلم بالموصوف أما إذا كان معلوما فلا يفتقر إلى زيادة بيان. قال و الاصل فيما الصفة فيه مدح أو ذم والموصوف معلوم قطع الضمير و هو الافصح ولا يشترط غير ذلك.

و قد اورد على دعوى افصحيه القطع عند ذلك إجماع القراء السبعة على الاتباع في قوله تعالى: ﴿ الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين فضعفوا قراءة النصب على القطع مع حصول شرطي القطع.

و أجاب ابن الزبير بأن اختيار القطع مطرد ما لم تكن الصفة خاصة بمن جرت عليه لايليق ولا يتصف بها سواه. و لا شك ان هذا الضرب قليل جدا فكذلك لم يفصح سيبويه باشتراطه. فاذا كانت الصفه ممن لايشارك فيها الموصوف غيره و كانت مختصة بمن جرت عليه فالوجه فيها الاتباع.

و نظير ذلك في صفات الله سبحانه و تعالى مما يتصف به غيره فلذلك لم يقطع و عليه ورد السماع لهذه الايات الشريفة.

و كذلك قوله تعالى: ﴿ حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب و قابل التوب شديد العقاب. ذي الطول لما كان وصفه تعالى ب ﴿ غافر الذنب و ما بعده لايليق بغيره لم يكن فيه الا الاتباع و الاتباع لا يكون غلا بعد القطع و يلزم افتباع في الكل.

و هذا مع تكرر الصفات و ذلك من مسوغات القطع على صفة ما و عند بعضهم من غير تقييد بصفة.


450

و أما الاتباع فيما لم يقع فيه الاختصاص من صفته تعالى فكثير فهذا هو السماع و له وجه في القياس و هو شبيه بالوارد في سورة والنجم في قوله تعالى: ﴿ و أنه هو أضحك و أبكى. و أنه هو أمات و أحيا ثم قال بعد ﴿ و أنه هو أغنى و أقنى. و أنه هو رب الشعرى فورد في هذه الجمل الاربع الفصل بالضمير المرفوع بين اسم ان وخبرها ليتحدد بمفهومه نفي الاتصاف عن غيره تعالى بهذه الاخبار و كان الكلام في قوة ان لو قيل و أنه هو لا غيره.

و لم يرد هذا الضمير في قوله تعالى: ﴿ و أنه خلق الزوجين الذكر و الانثى لان ذلك مما لايتعاطاه أحد لا حقيقة ولا مجازا ولا ادعاء بخلاف الاحياء و الامانة فيما حكاه الله تعالى عن نمروذ.

قلت و ما ذكره في الجواب يرد عليه قوله تعالى: ﴿ التائبون العابدون و الاية و قوله تعالى: ﴿ ان يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات الايات.

و مما يرد عليه بالنسبة لأوصاف الذم قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين. هماز ... الاية قد جرت كلها على ما قبلها بالإتباع ولم يجئ فيها القطع.

و قرأ الحسن ﴿ عتل بالرفع على الذم قال الزمخشري و هذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك.

الثاني قد يلتبس المنصوب على المدح بالاختصاص و قد فرق سيبويه بينهما فيما بين


451
و الفرق ان المنصوب على المدح ان يكون المتصب لفظا يتضمن نفسه مدحا نحو هذا زيد عاقل قومه و في الاختصاص لايقتضي اللفظ ذلك كقوله تعالى: ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت فيمن نصب ﴿ أهل .

العاشرة

في وصف الجمع بالمفرد

يوصف الجمع بالمفرد قال تعالى: ﴿ ممن خلق الارض والسماوات العلى فوصف الجمع بالمفرد. و قال تعالى: ﴿ ولله الاسماء الحسنى فوصف الاسماء و هي جمع اسم بالحسنى و هو مفرد تأنيث الاحسن. و كذلك قوله تعالى: ﴿ فما بال القرون الاولى فإن الاولى تأنيث الاول و هو صفة لمفرد.

و إنما حسن وصف الجمع بالمفرد لان اللفظ المؤنث يجوز إطلاقه على جماعة المؤنث بخلاف لفظ المذكر. و أما قوله تعالى: ﴿ و كنتم قوما بورا و البور الفاسد فقال الرماني هو بمعنى الجمع الا أنه ترك جمعه في اللفظ لانه مصدر وصف.

و قد يوصف الجمع بالجمع ولا يوصف مفرد كل منهما بالمفردو منه: ﴿ فوجد فيها رجلين يقتتلان


452
فثنى الضمير و لا يقال في الواحد يقتتل.

و منه: ﴿ و أخر متشابهات و لا يقال و أخرى متشابهة.

الحادية عشر

قد تدخل الواو على الجملة الواقعة صفة تأكيدا

ذكره الزمخشري و جعل منه قوله تعالى: ﴿ و ما أهلكنا من قرية الا و لها كتاب معلوم قال الجملة صفة لقرية والقياس عدم دخول الواو فيها كما في قوله تعالى: ﴿ و ما أهلكنا من قرية الا لها منذرون و إنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.

و قد أنكره عليه ابن مالك و الشيخ أبو حيان و غيرهما والقياس مع الزمخشري لان الصفة كالحال في المعنى.

و زعم بعضهم أنه لايؤتى بالواو في الصفات الا إذا تكررت النعوت و ليس كذلك و منه قوله تعالى: ﴿ و يقولون سبعة و ثامنهم كلبهم و قوله تعالى: ﴿ آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين وتقول جاءني زيد والعالم.


453

الثانية عشرة

الصفة لاتقوم مقام الموصوف الا على استكراه

لأنها إنما يؤتى بها للبيان و التخصيص أو المدح والذم و هذا في موضع الاطاله لا الاختصار فصار من باب نقص الغرض.

و قال ابن عمرون عندي ان البيان حصل بالصفة و الموصوف معا فحذف الموصوف ينقص الغرض و لانه ربما أوقع لبسا الا ترى ان قولك مررت بطويل يحتمل أنه رجل أو قوس أو غير ذلك الا إذا ظهر أمره ظهورا يستغنى به عن ذكره كقوله تعالى: ﴿ و عندهم قاصرات الطرف عين .

قال السخاوي و لا فرق في صفة النكرة بين ان يذكر معها أو لا.

قال ابن عمرون و ليس قوله بشيء.

القسم الثالث

البدل

و القصد به الايضاح بعد الابهام و هو يفيد البيان و التأكيد أما البيان فإنك إذا قلت رأيت زيدا أخاك بينت أنك تريد بزيد الاخ لاغير و أما التأكيد فلأنه


454
على نية تكرار العامل الا ترى أنك إذا قلت ضربت زيدا جاز ان تكون ضربت رأسه أو يده أو جميع بدنه فإذا قلت يده فقد رفعت ذلك الابهام فالبدل جار مجرى التأكيد الدلالة الاولى عليه أو المطابقة كما بدل الكل أو التضمن كما في بدل البعض أو الالتزام كما في بدل الاشمال فإذا قلت ضربت زيدا رأسه فكأنك قد ذكرت الرأس مرتين مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة و إذا قلت شربت ماء البحر بعضه فإنه مفهوم من قولك شربت ماء البحر أنك لم تشربه كله فجئت بالبعض تأكيدا.

و هذا معنى قول سيبويه و لكنه بني الاسم تأكيدا و جرى مجرى الصفة في الايضاح لأنك إذا قلت رأيت أبا عمرو زيدا ورأيت غلامك زيدا ومررت برجل صالح زيد فمن الناس من يعرفه بأنه غلامك أو بأنه رجل صالح ولا يعرف أنه زيد و على العكس فلما ذكرتهما أثبت باجتماعهما المقصود.

و هذا معنى قول الزمخشري و إنما يذكر الاول لتجوز التوطئة و ليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الافراد.

و قال ابن السيد ليس كل بدل يقصد به رفع الاشكال الذي يعرض في المبدل منه بل من البدل ما يراد به التأكيد و ان كان ما قبله غنيا عنه كقوله تعالى: ﴿ و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الا ترى أنه لو لم يذكر الصراط الثاني لم يشك أجد ان الصراط المستقيم هو صراط الله. و قد نص سيبويه على ان من البدل ما الغرض منه التأكيد و لهذا جوزوا بدل المضمر من المضمر كلقيته أباه. انتهى.


455

و الفرق بينه و بين الصفة ان البدل في تقدير تكرار العامل وكأنه في التقدير من جملتين بدليل تكرر حرف الجر في قوله: ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم وبدليل بدل النكرة من المعرفة و المظهر من المضمر و هذا مما يمتنع في الصفة فكما أعيدت اللام الجارة في الاسم فكذلك تكرار العامل الرافع او الناصب في تقدير التكرار و هو ان كان كذلك فلا يخرج عن ان يكون فيه تبيين للأول كالصفة.

و قيل لأبي علي كيف يكون البدل إيضاحا للمبدل منه و هو من غير جملته فقال لما لم يظهر العامل في البدل و إنما دل عليه العامل في المبدل منه و ارسل البدل بالمبدل منه في اللفظ جاز ان يوضحه.

و من فوائد البدل التبيين على وجه المدح فقولك هل أدلك على أكرم الناس و أفضلهم فلان أبلغ من قولك فلان الاكرم و الافضل بذكره مجملا ثم مفصلا. و قال الاخفش والواحدي في بدل البعض من الكل نحو: ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا يسمى هذا بدل البيان لان الاول يدل على العموم ثم يؤتى بالبدل ان اريد البعض.

و اعلم ان في كلا البدلين أعني بدل البعض و بدل الاشتمال بيانا و تخصيصا للمبدل منه و فائدة البدل ان ذلك الشيء يصير مذكورا مرتين إحداهما بالعموم و الثانية بالخصوص. و من أمثلته قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين .


456

﴿ آمنا برب العالمين. رب موسى و هارون .

و قوله: ﴿ لنسفعا بالناصية. ناصية كاذبة و فائدة الجمع بينهما ان الاولى ذكرت للتخيص على ناصية و الثانية على علة السفع ليشمل بذلك ظاهر كل ناصية هذه صفتها.

و يجوز بدل المعرفة من المعرفة نحو: ﴿ الصراط المستقيم. صراط الذين .

و بدل النكرة من المعرفة نحو: ﴿ بالناصية ناصية كاذبة . قال ابن يعيش و لا يحسن بدل النكرة من المعرفة حتى توصف كالآية لان البيان مرتبط بهما جميعا.

و النكرة من النكرة كقوله تعالى: ﴿ ان للمتقين مفازا. حدائق و أعنابا. و كواعب أترابا. و كأسا دهاقا فحدائق و ما بعدها بدل من مفازا.

و منه قوله تعالى: ﴿ وغرابيب سود فان سود بدل من غرابيب لان الاصل سود غرابيب فغرابيب في الاصل صفة لسود و نزع الضمير منها و أقيمت مقام الموصوف ثم ابدل منها الذي كا موصوفا بها كقوله تعالى: ﴿ و من يبتغ غير الاسلام دينا .و قوله: ﴿ و شروه بثمن بخس دراهم معدودة فهذا بدل نكرة موصوفة من أخرى موصوفة فيها بيان الاولى.

و مثل أبدال النكرة المجردة من مثلها مجردة و بدل المعرفة من النكرة ﴿ و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله لان صراط الله مبين إلى الصراط


457
المستقيم فإن مجيء الخاص و الاخص بعد العام و الاعم كثير و لهذا المعنى قال الحذاق في قوله تعالى: ﴿ ما يلفظ من قول إنه لو عكس فقيل ما يقول من لفظ لم يجز لان القول اخص من اللفظ لاختصاصه بالمستعمل و اللفظ يشمل المهمل الذي لا معنى له.

و قد يجيء للاشتمال و الفرق بينه و بين بدل البعص ان البدل في البعض جر في الاشتمال وصفا كقوله: ﴿ و ما أنسانيه الا الشيطان ان أذكره فإن ﴿ أذكره بمعنى ذكره و هو بدل من الهاء في ﴿ أنسانيه العائدة إلى الحوت و تقديره و ما أنساني ذكره الا الشيطان.

و قوله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ف ﴿ قتال بدل من الشهر بدل الاشتمال لان الشهر يشتمل على القتال و على غيره كما كان زيد يشتمل على العقل و غيره و هو مؤكد لانهم لم يسالوا عن الشهر الحرام فانهم يعلمونه و إنما سألوا عن القتال فيه فجاء به تأكيدا.

و قوله: ﴿ قتل أصحاب الاخدود. النار فالنار بدل من الاخدود بدل اشتمال لانه يشتمل على النار و غيرها و العائد محذوف تقديره الموقدة فيه.

و من بدل البعض قوله تعالى: ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فالمستطيعون بعض الناس لاكلهم.

و قال ابن برهان بل هذه بدل كل من كل و احتج بأن الله لم يكلف الحج من لايستطيعه فيكون المراد بالناس بعضهم على حد قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم


458
في انه لفظ عام اريد به خاص لان ﴿ الناس في اللفظ الاول لو كان المراد به الاستغراق لما انتظم قوله بعده ﴿ ان الناس فعلى هذا هو عنده مطابق لعدة المستطيعين في كميتهم و هم بعض الناس لاجميعهم.

و الصحيح ما صار عليه الجمهور لان باب البدل ان يكون في الثاني بيان ليس في الاول بأن يذكر الخاص بعد العام مبينا و موضحا.

و لا بد في ابدال البعض من ضمير كقوله: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ، ﴿ و يجعل الخبيث بعضه على بعض .

و قد يحذف لدليل كقوله: ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع منهم و هو مراد بدليل ظهوره في الاية الاخرى و هي قوله: ﴿ و ارزق أهله من الثمرات من آمن منهم ف ﴿ من آمن بدل من: ﴿ أهله وهم بعضهم.

و قد يأتي البدل لنقل الحكم عن مبدله نحو جاء القوم أكثرهم و اعجبني زيد ثوبه و قال ابن عصفور ولا يصح غلمانه.

و عدل عن البدل في قوله تعالى: ﴿ ان الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون لانه اريد الاخبار عنهم كلهم في الحال الثاني و هو ﴿ ولو أنهم صبروا فلو أبدل لأوهم بخلاف انك ان تقوم خير لك. البدل ارجح.

و البدل في تقدير تكرير العامل و ليس كالصفة و لكنه في تقدير جملتين بدليل تكرير حرف الجر.


459

قد يكرر عامله إذا كان حرف جر كقوله: ﴿ و من النخل من طلعها قنوان دانية ف ﴿ طلعها بدل اشتمال من ﴿ النخل و كرر العامل فيه و هو ﴿ من و قوله تعالى: ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ، ﴿ لمن آمن بدل بعض من كل من ﴿ الذين استضعفوا لان المؤمنين بعض المستضعفين و قد كرر اللام.

و قوله: ﴿ ولولا ان يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ف قوله: ﴿ لبيوتهم بدل اشتمال من قوله: ﴿ لمن يكفر بالرحمن . و جعل ابن عطية اللام الاولى للملك و الثانية للاختصاص فعلى هذا يمتنع البدل لاختلاف معنى الحرفين.

و قوله تعالى: ﴿ تكون لنا عيدا لأولنا و آخرنا ، ف ﴿ لأولنا و آخرنا بدل من الضمير في: ﴿ لنا و قد اعيد معه العامل مقصودا به التفصيل.

و منه قراءة يعقوب ﴿ وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها قال ابو الفتح جاز ابدال الثانية من الاولى لان في الثانية ذكر سبب الجثو.

قيل و لم يظهر عامل البدل اذا كان حرف جر ايذانا بافتقار الثاني إلى الاول فان حروف الجر مفتقرة و لم يظهر الفعل اذا لو اظهروه لانقطع الثاني عن الاول بالكلية لان الكلام مع الفعل قائم بنفسه.


460

و اعلم انه لاخلاف في جواز اطهار العامل في البدل اذا كان حرف جر كالايات السابقة فان كان رافعا او ناصبا ففيه خلاف و المجوزون احتجوا بقوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم فيجوز ان يكون ﴿ أمدكم الثاني بدلا من ﴿ أمدكم الاول. و قد يكون من ابدال الجملة من الجملة و تكون الثانية صلة الذي كالاولى. و يجوز ان تكون الثانية شارحة للأولى كقولك ضربت راس زيد قذفته بالحجر. ثم قوله تعالى: ﴿ يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم ابدل قوله: ﴿ اتبعوا من لا يسألكم من قوله: ﴿ اتبعوا المرسلين لانه اكثر تلطفا في اقتضاء اتباعهم. و قوله تعالى: ﴿ و من يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب ف ﴿ يلق مجزوم بحذف الالف لانه جواب الشرط ثم أبدل منه ﴿ يضاعف له العذاب فبين بها الاثام ما هو.

تقسيم البدل باعتبار آخر

ينقسم البدل باعتبار آخر الى بدل مفرد من مفرد و جملة من جملة و قد سبقا و جملة من مفرد كقوله تعالى: ﴿ كمثل آدم خلقه من تراب و قوله: ﴿ ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل من قبلك ان ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم و جاز اسناد ﴿ يقال إلى ما علمت فيه كما جاز إسناد ﴿ قيل في ﴿ و إذا قيل ان وعد الله حق .

و من إبدال الجملة من المفرد قوله تعالى: ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا الا بشر مثلكم أفتأتون السحر و أنتم تبصرون


461
قال الزمخشري هذا الكلام كله في محل نصب بدلا من ﴿ النجوى .

و يبدل الفعل من الفعل الموافق له في المعنى مع زيادة بيان كقوله تعالى: ﴿ و من يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب ... الاية.

و الرابع بدل المفرد من الجملة كقوله: ﴿ ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ف ﴿ إنهم بدل لان الاهلاك و عدم الرجوع بمعنى واحد.

فإن قلت لو كان بدلا لكان معه الاستفهام. قيل هو بدل معنوي.

تنبيه

في تكرار البدل

و قد يكرر البدل كقوله: ﴿ الا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه ف قوله: ﴿ إذ هما بدل من قوله: ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا و قوله: ﴿ إذ يقول لصاحبه بدل من: ﴿ إذ هما في الغار .


462

تنبيه

في إعراب كلمة آزر في سورة الانعام

أعربوا ﴿ آزر من قوله تعالى: ﴿ و إذ قال إبراهيم لأبيه آزر بدلا.

قال ابن عبد السلام و البدل لا يكون الا للبيان و الاب لايلتبس بغيرة فكيف حسن البدل؟

و الجواب ان الاب يطلق على الجد بدليل قوله: ﴿ آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال آزر لدفع توهم المجاز.

هذا كله إذا قلنا ان آزر اسم أبيه لكن في المعرب للجواليقي عن الزجاج لاخلاف ان اسم أبي إبراهيم تارح و الذي في القرآن يدل على ان اسمه آزر و قيل آزر ذم في لغتهم و كأنه يا مخطيء و هو من العجمي الذي وافق لفظه لفظ العربي نحو الازار و الازرة قال تعالى: ﴿ أخرج شطأه فآزره .

و على هذا فالوجه الرفع في قراءة: ﴿ آزر .

القسم الرابع

عطف البيان

و هو كالنعت في الايضاح و إزالة الاشتراك الكائن فيه.

و شرط صاحب الكشاف فيه ان يكون وضوحه زائدا على وضوح متبوعه.


463

و رد ما قاله بان الشرط حصول زيادة الوضوح بسبب انضمام عطف البيان مع متبوعه لا ان الشرط كونه اوضح و اشهر من الاول لان من الجائز ان يحصل باجتماع الثاني مع الاول زيادة وضوح لا تحصل حال انفراد كل واحد منهما كما في خالي ابو عبد الله زيد مع ان اللقب اشهر فيكون في كل واجد منهما خفاء بانفراده و يرفع بالانضمام.

و قال سيبويه جعل يا هذا الحمد عطف بيان مع ان اسم الاشارة اعرف من المضاف الى ذي اللام.

و قيل يشترط ان يكون عطف البيان معرفة.

و الصحيح أنه ليس بشرط كقولك لبست ثوبا جبة.

و قد اعرف الفارسي ﴿ من شجرة مباركة زيتونة و كذا: ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين و كذلك صاحب المفتاح في ﴿ لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد .

فان قلت ما الفرق بينه و بين الصفة؟

قلت عطف البيان وضع ليدل على الايضاح باسم يختص به و ان استعمل في غير الايضاح كالمدح في قوله تعالى: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام فان ﴿ البيت الحرام عطف بيان جيء به للمدح لا للايضاح و أما الصفة فوضعت لتدل على معنى حاصل في متبوعه و ان كانت في بعض الصور مفيدة للإيضاح للعلم بمتبوعها من غيرها.

و كقوله تعالى: ﴿ إنما أعظكم بواحدة ان تقوموا لله و قوله تعالى: ﴿ آيات بينات مقام إبراهيم .


464

و زعم الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ان ﴿ من وجدكم عطف بيان.

و هو مردود فإن العامل إنما يعاد في البدل لا في عطف البيان. فان قلت ما الفرق بينه وبين البدل؟ قلت قال أبو جعفر النحاس ما علمت أحدا فرق بينهما الا ابن كيسان فإن الفرق بينهما ان البدل يقرر الثاني في موضع الاول و كأنك لم تذكر الاول و عطف البيان ان تقدر أنك ان ذكرت الاسم الاول لم يعرف الا بالثاني و ان ذكرت الثاني لم يعرف الا بالأول فجئت بالثاني مبينا للاول قائما له مقام النعت و التوكيد.

قال و تظهر فائدة هذا في النداء تقول يا اخانا زيد اقبل على البدل كأنك رفعت الاول و قلت يازيد اقبل فإن اردت عطف البيان قلت يا أخانا زيد أقبل.

القسم الخامس

ذكر الخاص بعد العام

فيؤتى به معطوفا عليه بالواو للتنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات و على هذا بني المتنبي قوله:

فإن تفق الانام و أنت منهم
فإن المسك بعض دم الغزال


465

و ابن الرومي أيضا حيث قال:

كم من أب قد علا بابن ذرا شرف
كما علت برسول الله عدنان

و حكى الشيخ أثير الدين عن شيخه ابي جعفر بن الزبير أنه كان يقول ان هذا العطف يسمى بالتجريد كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر تفصيلا.

و له شرطان ذكرهما ابن مالك أحدهما كون العطف بالواو و الثاني كون المعطوف ذا مزية. و حكي قولين في العام المذكور هل يتناول الخاص المعطوف عليه أو لا يتناوله؟ فعلى القول الاول يكون هذا نظير مسألة نعم الرجل زيد على المشهور فيه و هو الظاهر من لفظ العام و على الثاني يكون عطف الخاص قرينه دالة على إرادة التخصيص في العام و أنه لم يتناوله و هو نظير بحث الاستثناء في نحو قولك قام القوم الا زيدا من ان زيدا لم يدخل في القوم و قد يتقوى هذا بقوله:

يا حب ليلى لاتغير و ازدد
و انم كما ينمو الخضاب في اليد

و ان كان هذا ليس من العطف العام.

و قد اشار الزمخشري الى القولين في سورة الشعراء في قوله: ﴿ في جنات و عيون. و زروع و نخل طلعها هضيم .


466

و قد يقال آية الشعراء إنما جاز فيها الاحتمالان من جهة ان لفظ جنات وقع بلفظ التنكير و لم يعم الجنس و أما الاية السابقة فالاضافة تعم. و لاينبغي ان يجعل من هذا قوله تعالى: ﴿ فيهما فاكهة و نخل و رمان اما على قول ابي حنيفة و محمد فواضح لأنهما يقولان ان النخل و الرمان ليسا بفاكهة و أما على قول أبي يوسف فقوله فاكهة مطلق و ليس بعام.

و من أمثلته قوله تعالى: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى على القول بانها احدى الصلوات الخمس.

قلنا ان المراد غيرها كالوتر و الضحى و العيد فليس من هذا الباب.

و قوله تعالى: ﴿ و الذين يمسكون بالكتاب و أقاموا الصلاة مع ان التمسك بالكتاب يشمل كل عبادة و منها الصلاة لكن خصها بالذكر إظهارا لمرتبتها لكونها عماد الدين.

و قوله تعالى: ﴿ من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان عداوة الله راجعه الى عداوة حزبه فيكون جبريل كالمذكور اربع مرات فإنه اندرج تحت عموم ملائكته وتحت عموم رسله ثم عموم حزبه ثم خصوصه بالتنصيص عليه.

و يجوز ان يكون عومل معاملة العدد فيكون الذكر ثلاثا و ذكرهما بعد الملائكة مع كونهما من الجنس دليل على قصد التنويه بشرفهما. على ان التفصيل


467
إن كان بسبب الافراد فقد عدل للملائكة مثله بسبب الاضافة و قد يلحظ شرفهما على غيرهما.

و أيضا فالخلاف السابق في ان ذكر بعض افراد العام بعد العام هل يدل على انه لم يدخل في العام فرارا من التكرار أو يدخل؟

و فائدته التوكيد و حكاه الروياني في البحر من كتاب الوصية و خرج عليه ما إذا اوصى رجل لزيد بدينار و بثلث ماله للفقراء و زيد فقير فهل يجمع له بين ما أوصى لديه و بين شيء من الثلث على ما أراد الوصي وجهان و الاصح انه لايعطى غير الدينار لانه بالتقدير قطع اجتهاد الوصي.

قلت و القول بعدم دخوله تحت اللفظ هو قول ابي علي الفارسي و تلميذه ابن جني و على هذا القول فلا يحسن عد هذه الاية من هذا النوع. و أيضا فإذا اجتمع في الكلام معطوفان هل يجعل الاخر معطوفا على الاول او على ما يليه وقع في كلام الزمخشري في مواضع من الكشاف تجويز اللأمرين.

فذكر في قوله تعالى: ﴿ ان الله فالق الحب و النوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ان مخرجا معطوف على ﴿ فالق لا على ﴿ يخرج فرارا من عطف الاسم على الفعل و اخالفه ابن مالك و أوله.

و ذكر ايضا في قوله تعالى: ﴿ الا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الامر


468
على هذه القراءة انه معطوف على ﴿ الله لان قضاءه قديم.

و ذكر ايضا في قوله تعالى: ﴿ الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء حاصله ان قوله: ﴿ يا أيها الناس إذا اريد به العموم كان قوله: ﴿ وخلق منها زوجها عطفا على مقدر أي انشأها و اوجدها ﴿ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا يعني خلقكم من نفس هذه صفتها و ان اريد به المخاطبون بمكة كان قوله: ﴿ خلق عطفا على ﴿ خلقكم و موجب ذلك الفرار من التكرار.

و على هذا فيجوز ان يكون جبريل معطوفا على لفظ الجلالة فلا تكون الاية من هذا النوع. ولو سلمنا بعطفه على رسله فكذلك لكن الظاهر ان المراد بالرسل من بني آدم لعطفهم على الملائكة فليسوا منه.

و في الاية سؤالان: أحدهما لم خص جبريل و ميكائيل بالذكر؟ الثاني لم قدم جبريل عليه؟

و الجواب عن الاول انه سبحانه و تعالى خصهما بالحياة فجبريل بالوحي الذي هو حياة القلوب و ميكائيل بالرزق الذي هو حياة الابدان و لانهما كانا سبب النزول في تصريح اليهود بعداوتهما.

و عن الثاني ان حياة القلوب أعظم من حياة الابدان و من ثم قيل:


469

عليك بالنفس فاستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

و منه قوله تعالى: ﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان و غلط بعضهم من عد هذه الاية من هذا النوع من جهة ان فاكهة نكرة في سياق الاثبات فلا عموم لها.

و هو غلط لأمرين: أحدهما انها في سياق الاثبات و هو مقتضى العموم كما ذكره القاضي أبو الطيب الطبري.

و الثاني أنه ليس المراد بالخاص و العام هاهنا المصطلح عليه في الاصول بل كل ما كان الاول فيه شاملا للثاني. و هذا الجواب أحسن من الاول لعمومه بالنسبة الى كل مجموع يشتمل على متعدد.

و لما لمح ابو حنيفة معنى العطف و هو المغايرة لم يحنث الحالف على أكل الفاكهة بأكل الرمان.

و منه قوله تعالى: ﴿ و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إذ الامر و النهي من جملة الدعاء الى الخير. و قوله تعالى: ﴿ و الذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد والقصد تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم و ما نزل عليه إذ لايتم الايمان الا به. و قوله: ﴿ و لهم فيها منافع و مشارب .


470

و قوله: ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة و من الذين أشركوا ففائدة قوله: ﴿ و من الذين أشركوا مع دخولهم في عموم الناس ان حرصهم على الحياة اشد لانهم كانوا لا يؤمنون بالبعث.

و قوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب فهذا عام ﴿ وبالآخرة هم يوقنون و ان كان الايمان بالغيب يشملها و لكن خصها لانكار المشركين لها في قولهم ﴿ ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فكان في تخصيصهم بذلك مدح لهم.

و قوله: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق فعم بقوله: ﴿ خلق جميع مخلوقاته ثم خص فقال: ﴿ خلق الانسان من علق .

و قوله تعالى: ﴿ الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه عطف اللحم على الميته مع دخوله في عموم الميته لان الميته كل ما ليس له ذكاة شرعية والقصد به التنبيه على شدة التحريم فيه.

تنبيه

ظاهر كلام الكثيرين تخصيص هذا العطف بالواو و قد سبق عن ابن مالك و آخرين مجيئه في أو في قوله: ﴿ و من يعمل سوءا أو يظلم نفسه مع ان ظلم النفس


471
من عمل السوء فقيل هو بمعنى الواو والمعنى يظلم نفسه بذلك السوء حيث دساها بالمعصية.

و قوله تعالى: ﴿ و من أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي فإن الوحي مخصوص بمزيد قبح من بين أنواع الافتراء خص بالذكر تنبيها على مزيد العقاب فيه و الاثم.

و قوله تعالى: ﴿ و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم مع ان فعل الفاحشة داخل فيه. قيل أريد به نوع من انواع ظلم النفس و هو الربا أو كل كبيرة فخص بهذا الاسم تنبيها على زيادة قبحه وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب.

القسم السادس

ذكر العام بعد الخاص

و هذا أنكر بعص الناس وجوده و ليس بصحيح.

و الفائدة في هذا القسم واضحه و الاحتمالان المذكوران في العام قبله ثابتان هنا أيضا. و منه قوله: ﴿ ان صلاتي و نسكي والنسك العبادة فهو أعم من الصلاة. و قوله: ﴿ ألم يعلموا ان الله يعلم سرهم ونجواهم و ان الله علام الغيوب . و قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم . و قوله: إخبار عن نوع ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات .


472

و قوله: ﴿ فإن الله هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير .

و جعل الزمخشري منه قوله تعالى: ﴿ و من يدبر الامر بعد قوله: ﴿ قل من يرزقكم .

و اعلم ان هذين النوعين يقعان في الافعال و الاسماء لكن وقوعهما في الافعال لا يأتي الا في النفي و أما في الاثبات فليس من هذا الباب بل من عطف المطلق على المقيد أو المقيد على المطلق.

القسم السابع

عطف أحد المترادفين على الاخر أو ما هو قريب منه

في المعنى و القصد منه التأكيد

و هذا إنما يجيء عند اختلاف اللفظ و إنما يحسن بالواو و يكون في الجمل كقوله: ﴿ أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى . و يكثر في المفردات كقوله: ﴿ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله و ما ضعفوا و ما استكانوا .

و قوله: ﴿ فلا يخاف ظلما ولا هضما ، ﴿ لا تخاف دركا ولا تخشى .


473

و قوله: ﴿ ثم عبس وبسر و قوله: ﴿ إنما أشكو بثي و حزني إلى الله و قوله: ﴿ لا تبقي ولا تذر و قوله: ﴿ و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه و قوله: ﴿ لا ترى فيها عوجا و لا أمتا قال الخليل العوج و الامت بمعنى واحد. و قيل الامت ان يغلظ مكان ويرق مكان قاله ابن فارس في المقاييس و هو راجع لما قاله الخليل.

و قوله: ﴿ أنا لا نسمع سرهم و نجواهم و قوله: ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا و قوله: ﴿ الا دعاء و نداء .

و فرق الراغب بين النداء و الدعاء بأن النداء قد يقال إذا قيل يا أو أيا و نحوه من غير ان يضم إليه الاسم والدعاء لايكاد يقال الا إذا كان معه الاسم نحو يا فلان.

و قوله: ﴿ إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا و قوله: ﴿ إذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض


474

و قوله: ﴿ لا يمسنا فيها نصب و لا يمسنا فيها لغوب فإن نصب مثل لغب وزنا و معنى و مصدرا.

و قوله: ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة على قول من فسر الصلاة بالرحمة و الاحسن خلافه و ان الصلاة للاعتناء و إظهار الشرف كما قاله الغزالي و غيره و هو قدر مشترك بين الرحمة والدعاء و الاستغفار و على هذا فهو من عطف المتغايرين.

و قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ و الذين يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك إنهم هم المذكورون أولا و هو من عطف الصفة على الصفة.

و اعترض عليه بأن شرط عطف الصفة على الصفة تغاير الصفتين في المعنى تقول جاء زيد العالم و الجواد و الشجاع أي الجامع لهذه المعاني الثلاثة المتغايره ولا تقول زيد العالم و العالم فإنه تكرار و الاية من ذلك لان المعطوف عليه قوله تعالى: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب و المعطوف قوله تعالى: ﴿ و الذين يؤمنون بما أنزل إليك والمنزل هو الغيب بعينه.

و يحتمل ان يقال المعطوف عليه مطلق الغيب و المعطوف غيب خاص فيكون من عطف الخاص على العام.

و جعل منه بعضهم قوله تعالى: ﴿ و ان يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات و بالزبر و بالكتاب المنير فإن المراد بالكتاب المنير


475
هو الزبور و نقله على إجماع المفسرين لما تضمنه من النعت كما تعطف النعوت بعضها على بعض و هذا يرده تكرار الباء فانه يشعر بالفصل لان فائدة تكرار العامل بعد حرف العطف إشعار بقوة الفصل من الاول و الثاني و عدم التجوز في العطف الشيء على نفسه.

و الذي يظهر أنه للتأسيس و بيانه وجوه: أحدها ان قوله تعالى: ﴿ جاءتهم يعود الضمير فيه على المكذبين للنبي صلى الله عليه و سلم و على الذين من قبلهم فيكون النبي صلى الله عليه و سلم داخلا في المرسلين المذكورين و الكتاب المنير هو القرآن و قوله تعالى: ﴿ ثم أخذت الذين كفروا معطوف على قوله تعالى: ﴿ فقد كذب الذين من قبلهم أي كذبوا ثم اخذتهم بقيام الحجة عليهم ﴿ بالبينات والزبر والكتاب المنير .

و جاء تقديم قيام الحجة عليهم قبل العطف اعتراضا للاهتمام به و هو من ادق وجوه البلاغة. و مثله في آية آل عمران قوله تعالى: ﴿ فقد كذب رسل من قبلك و قوله: ﴿ جاؤوا انصراف من الخطاب إلى الغيبة كأنه قال جاء هؤلاء المذكورون فيكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في الضمير و هو في موضع جئتم بالبينات فأقام الاخبار عن الغائب مقام المخاطب كقوله تعالى: ﴿ وجرين بهم و فيه وجه من التعجب كأن المخاطب إذا استعظم الامر رجع الى الغيبة ليعم الاخبار به جميع الناس و هذا موجود في الايتين.

و الثاني ان يكون على حذف مضاف كأنه قيل الكتاب المنير يعني القرآن


476
فيكون مثل قوله: ﴿ و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد .

و هذا وجه حسن.

تنبيهات

الاول: انكر المبرد هذا النوع و منع عطف الشيء على مثله إذ لا فائدة فيه و أول ما سبق باختلاف المعنيين و لعله ممن ينكر أصل الترادف في اللغة كالعسكري و غيره.

الثاني: ما ذكرناه من تخصيص هذا النوع بالواو هو المشهور و قال ابن مالك و قد انيبت أو عنها كما في قوله تعالى: ﴿ نشوزا أو إعراضا ، ﴿ و من يكسب خطيئة أو إثما .

قال شيخنا و فيه نظر لامكان ان يراد بالخطيئة ما وقع خطأ و بالإثم ما وقع عمدا.

قلت و يدل له قوله تعالى قبل ذلك ﴿ و من يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه .

و جعل منه بعضهم قوله صلى الله عليه و سلم ( اللهم إني أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك او انزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك او أستأثرت به في علم الغيب عندك ).

قلت ما ذكره ابن مالك قد سبقه به ثعلب فيما حكاه ابن سيده في المحكم فقال ثعلب في قوله تعالى: ﴿ عذرا أو نذرا العذر و النذر واحد.


477

قال اللحياني و بعضهم يثقل. و عن الفراء أنه يجري في العطف بثم و جعل منه قوله: ﴿ و يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه قال معناه و توبوا إليه لان التوبة الاستغفار.

و ذكر بعضهم أنه قد تجرد عن العطف و جعل منه قوله تعالى: ﴿ وغرابيب سود و الغرابيب هي السود ﴿ سبلا فجاجا ، ﴿ الرحمن الرحيم و غير ذلك.

الثالث مما يدفع وهم التكرار في مثل هذا النوع ان يعتقد ان مجموع المترادفين يحصل معنى لايوجد عند انفراد أحدهما فإن التركيب يحدث معنى زائدا و إذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الالفاظ.

القسم الثامن

الايضاح بعد الابهام

ليرى المعنى في صورتين أو ليكون بيانه بعد التشوف إليه لانه يكون الذ للنفس و أشرف عندها و أقوى لحفظها و ذكرها كقوله تعالى: ﴿ وقضينا إليه ذلك الامر ان دابر هؤلاء مقطوع مصبحين .


478

و قوله تعالى: ﴿ قل هو الله أحد فإن وضع الضمير موضع الظاهر معناه البيان أو الحديث أو الامر لله أحد مكفوا بها ثم فسر و كان أوقع في النفس من الاتيان به مفسرا من أول الامر و لذلك وجب تقديمه. و تفيد به الجملة المراد تعظيما له.

و سيأتي عكسه في وضع الظاهر موضع المضمر. و مثله التفصيل بعد الاجمال كقوله تعالى: ﴿ ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات و الارض منها أربعة حرم .

و عكسه كقوله تعالى: ﴿ ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة .

و قوله تعالى: ﴿ و واعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة و أعاد قوله: ﴿ أربعين و ان كان معلوما من الثلاثين و العشر أنها أربعون لنفي اللبس لان العشر لما أتت بعد الثلاثين التي هي نص في المواعدة دخلها الاحتمال ان تكون من غير المواعدة فأعاد ذكر الاربعين نفيا لهذا الاحتمال و ليعلم ان جميع العدد للمواعدة.

و هكذا قوله تعالى: ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة اعاد ذكر العشرة لما كانت الواو تجيء في بعض المواضع للإباحة و قوله: كاملة تحقيق لذلك و تأكيد له.

فإن قلت فإذا كان زمن المواعدة أربعين فلم كانت ثلاثين ثم عشرا؟


479

أجاب ابن عساكر في التكميل و الافهام بأن العشر إنما فصل من أولئك ليتحدد قرب انقضاء المواعدة و يكون فيه متأهبا مجتمع الرأي حاضر الذهن لانه لو ذكر الاربعين أولا لكانت متساوية فإذا جعل العشر فيها إتماما لها استشعرت النفس قرب التمام و تجدد بذلك عزم لم يتقدم.

قال و هذا شبيه بالتلوم الذي جعله الفقهاء في الاجال المضروبه في الاحكام و يفصلونه من أيام الاجل ولا يجعلونها شيئا واحدا ولعلهم استنبطوه من هذا.

فإن قلت فلم ذكر في هذه السورة أعني الاعراف الثلاثين ثم العشر و قال في البقرة ﴿ و إذ واعدنا موسى أربعين ليلة ولم يفصل العشر منها؟

و الجواب والله أعلم أنه قصد في الاعراف ذكر صفة المواعدة و الاخبار عن كيفية وقوعها فذكر على صفتها و في البقرة إنما ذكر الامتنان على بني إسرائيل بما أنعم به عليهم فذكر نعمة عليهم مجملة فقال: ﴿ و إذ فرقنا بكم البحر ، ﴿ و إذ أنجيناكم من آل فرعون .

و اعلم أنه يخرج لنا مما سبق جوابان في ذكر العشرة بعد الثلاثة والسبعة إما الاجمال بعد التفصيل و أما رفع الالتباس ويضاف إلى ذلك أجوبه:


480

ثالثها أنه قصد رفع ما قد يهجس في النفوس من ان المتمتع إنما عليه صوم سبعة أيام لا أكثر ثلاثة منها في الحج ويكمل سبعا إذا رجع.

رابعها ان قاعدة الشريعة ان الجنسين في الكفارة لايجب على المكفر الجمع بينهما فلا يلزم الحالف ان يطعم المساكين و يكسوهم و لا المظاهر العتق و الصوم فلما اختلف محل هذين الصومين فكانت ثلاثة في الحج و سبعة اذا رجع صارا باختلاف المحلين كالجنسين و الجنسان لايجمع بينهما وأفادت هذه الزيادة و هي قوله: ﴿ تلك عشرة كاملة رفع ما قد يهجس في النفوس من أنه إنما عليه أحد النوعين إما الثلاثة و أما السبع.

الخامس ان المقصود ذكر كمال لا ذكر العشرة فليست العشرة مقصودة بالذات لانها لم تذكر الا للإعلام بأن التفصيل المتقدم عشرة لان ذلك من المعلوم بالضرورة و إنما ذكر لتوصف بالكامل الذي هو مطلوب في القصه.

السادس ان في الكلام تقديما و تأخيرا و التقدير فصيام عشرة أيام ثلاثة في الحج و سبعة إذا رجعتم و هذا و ان كان خلاف الاصل لكن الاشكال ألجأنا إليه.

السابع ان الكفارات في الغالب إنما تجب متتابعة ككفارات الجنايات و لما فصل هاهنا بين صوم هذه الكفارة بالإفطار قبل صومها بذكر الفدية ليعلم أنها و إنما كانت منفصله فهي كالمتصله.

فإن قلت فكفارة اليمين لاتجب متتابعة و من جنس هذه الكفارة ما يجب على


481
المحرم إذا حلق ثلاث شعرات و من عجز عن الفدية فإنه يصوم ثلاثة أيام ولا يشترط التتابع.

قلت هي في حكم المتتابعة بالنسبة إلى الثواب الا ان الشرع خفف بالتفريق.

ثامنها ان السبع قد تذكر و المراد به الكثرة لا العدد و الذي فوق الستة و دون الثمانية و روى أبو عمرو بن العلاء و ابن الاعرابي عن العرب سبع الله لك الاجر أي أكثر ذلك يريدون التضعيف.

و قال الازهري في قوله تعالى: ﴿ ان تستغفر لهم سبعين مرة هو جمع السبع الذي يستعمل للكثرة و إذا كان كذلك فاحتمل ان يتوهم ان المراد بالسبع ما هو أكثر من السبع و لفظها معطوف على الثلاثة بآلة الجمع فيفضي إلى الزيادة في الكفارة على العدد المشروع فيجب حينئذ رفع هذا الاحتمال بذكر الفذلكة وللعرب مستند قوي في إطلاق السبع والسبعة و هي تريد الكثرة ليس هذا موضع ذكره.

تاسعها ان الثلاثة لما عطف عليها السبعة احتمل ان يأتي بعدها ثلاثة أو غيرها من الاعداد فقيد بالعشرة ليعلم ان المراد كمل و قطع الزيادة المفضية للتسلسل.

عاشرها ان السبعة المذكورة عقب الثلاثة يحتمل ان تكون الثلاثة داخله فيها كما في قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام أي مع اليومين اللذين خلق الارض


482
فيهما فلا بد من أعتقاد هذا التأويل ليندفع ظاهر التناقض فجاء التقييد بالعشرة لرفع توهم التداخل.

و هذا الجواب أشار إليه الزمخشري و نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ترجيحه و ردده ابن أبي الاصبع بأن احتمال التداخل لايظن الا بعددين منفصلين لم يأت بهما جملة فلو اقتصر على التفصيل احتمل ذلك فالتقييد مانع من هذا الاحتمال.

و هذا أعجب منه فإن مجيء الجملة رافع لذلك الاحتمال.

الحادي عشر ان حروف السبعة و التسعة مشتبهة فأزيل الاشكال بقوله: ﴿ تلك عشرة كاملة لئلا يقرءوها تسعة فيصير العدد اثني عشر. و نظير هذا قوله صلى الله عليه و سلم ( ان لله تسعة و تسعين اسما مائة الا واحدا ).

فائدة

في التأكيد بمائة الا واحدا

التأكيد بمائة الا واحدا لإزالة إلباس التسعة و التسعين بالسبعة والسبعين لكن مثل هذا مأمون في القرآن لان الله حفظه.

القسم التاسع

وضع الظاهر موضع المضمر

لزيادة التقرير و العجب ان البيانيين لم يذكروه في أقسام الاطناب.


483

و منه بيت الكتاب:

إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها
سواقط من حر و قد كان أظهرا

و لو أتى على وجهة لقال إذا الوحش ضمها.

و إنما يسأل عن حكمته إذا وقع في الجملة الواحدة فإن كان في جملتين مستقلتين كالبيت سهل الامر لكن الجملتين فيه كالجملة الواحدة لان الرافع للوحش الاول فعل محذوف كما يقول البصريون والفعل المذكور ساد مسد الفعل المحذوف حتى كأنه هو و لهذا لايجتمعان و ان قدر رفع الوحش بالابتداء فالكلام جملة واحدة.

و يسهل عند اختلاف اللفظين كقوله:

إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت
حبال الهوينى بالفتى ان تقطعا

فاختلاف لفظين ظاهرين أشبها لفظي الظاهر و المضمر في اختلاف اللفظ و عليه قوله تعالى: ﴿ و منهم الذين يؤذون النبي ثم قال: ﴿ و الذين يؤذون رسول الله ولم يقل يؤذونه مع ما في ذلك من التعظيم فالجمع بين الوصفين كقوله في الحديث ( نبيك الذي أرسلت ) و قوله: ﴿ ألم تعلم ان الله على كل شيء قدير ... الاية فإنه قد تكرر اسم الله ظاهرا في هذه الجمل الثلاث ولم يضمر لدلالته على استقلال كل جملة منها و أنها لم تحصل مرتبطة ببعضها ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار.

و قوله: ﴿ و الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان


484
و فيه دلالة على ان الطاغوت هو الشيطان وحسن ذلك هنا تنبيها على تفسيره. و قال ابن السيد ان كان في جملتين حسن الاظهار و الاضمار لان كل جملة تقوم بنفسها كقولك جاء زيد و زيد رجل فاضل و ان شئت قلت و هو رجل فاضل.

و قوله: ﴿ مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته . و ان كان في جملة واحدة قبح الاظهار ولم يكد يوجد الا في الشعر كقوله:

لا أرى الموت يسبق الموت شيء
نغص الموت ذا الغنى و الفقيرا

قال و إذا اقترن بالاسم الثاني حرف الاستفهام بمعنى التعظيم و التعجب كان المناسب الاظهار كقوله تعالى: ﴿ الحاقة ما الحاقة و ﴿ القارعة. ما القارعة و الاضمار جائز كقوله تعالى: ﴿ فأمه هاوية. و ما أدراك ما هيه .

الخروج على خلاف الاصل و أسبابه

و اعلم ان الاصل في الاسماء ان تكون ظاهرة و أصل المحدث عنه كذلك. و الاصل أنه إذا ذكر ثانيا ان يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق كما ان الاصل في الاسماء الاعراب و في الافعال البناء و إذا جرى المضارع مجرى الاسم أعرب كقوله تعالى: ﴿ فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون .


485

و قوله تعالى: ﴿ فمن عفا و أصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين و قوله تعالى: ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا .

و للخروج على خلاف الاصل أسباب

أحدها

قصد التعظيم

كقوله تعالى: ﴿ و اتقوا الله و يعلمكم الله والله بكل شيء عليم و قوله تعالى: ﴿ أولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون و قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون و قوله تعالى: ﴿ لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا فأعاد ذكر لرب لما فيه من التعظيم و لهضم للخضم.

و قوله تعالى: ﴿ الله أحد. الله الصمد ، ﴿ و أفوض أمري إلى الله ان الله بصير بالعباد ، ﴿ هو الله ربي و لا أشرك بربي ، ﴿ كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا ، ﴿ بل كذبوا بالساعة و أعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا


486

﴿ و قرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا ، ﴿ و كفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب .

و قوله تعالى: ﴿ الحاقة ما الحاقة ، ﴿ القارعة ما القارعة كان القياس لولا ما أريد به من التعظيم و التفخيم الحاقة ماهي.

و مثله ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. و أصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة تفخيما لما ينال الفريقين من جزيل الثواب ورأيم العقاب.

الثاني

قصد الاهانة و التحقير

كقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان و من يتبع خطوات الشيطان و قوله تعالى: ﴿ أولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان و قوله: ﴿ ان الشيطان ينزغ بينهم ان الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا و قوله تعالى: ﴿ و كذلك زين لفرعون سوء عمله و صد عن السبيل و ما كيد فرعون .


487

و قول الشاعر:

فما للنوى لا بارك الله في النوى
و عهد النوى عند الفراق ذميم

و سمع الاصمعي من ينشد:

فما للنوى جد النوى قطع النوى
كذاك النوى قطاعه للقرائن

فقال لو قيض لهذا البيت شاة لآتت عليه.

الثالث

الاستلذاذ بذكره

كقوله تعالى: ﴿ وبالحق أنزلناه و بالحق نزل ان كان الحق الثاني هو الاول.

و قوله: ﴿ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا و قوله تعالى: ﴿ و أورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء و لم يقل منها و لهذا عدل عن ذكر الارض إلى الجنة و ان كان المراد بالآرض الجنة ولله در القائل:

كرر على السمع منى أيها الحادي
ذكر المنازل و الاطلال و النادي

و قوله:

يا مطربي بحديث من سكن الغضى
هجت الهوى و قدحت في حراق

كررت حديثك يا مهيج لوعتي
ان الحديث عن الحبيب تلاق


488

الرابع

زيادة التقدير

كقوله تعالى: ﴿ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل و قوله: ﴿ الله الصمد بعد قوله: ﴿ الله أحد و يدل على إرادة التقدير سبب نزولها و هو ما نقل عن ابن عباس ان قريشا قالت يا محمد صف لنا ربك الذي تدعوننا إليه فنزل ﴿ الله أحد معناه ان الذي سألمتموني وصفه هو الله ثم لما أريد تقدير كونه الله أعيد بلفظ الظاهر دون ضميره.

و قوله: ﴿ ان الله لذو فضل على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون و قوله تعالى: ﴿ و يقولون هو من عند الله و ما هو من عند الله ، ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب .

الخامس

إزالة اللبس حيث يكون الضمير يوهم أنه غير المراد

كقوله تعالى: ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء لو قال تؤتيه لأوهم أنه الاول قاله ابن الخشاب.

و قوله تعالى: ﴿ الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء كرر السوء


489
لانه لو قال عليهم دائرة لالتبس بأن يكون الضمير عائدا إلى الله تعالى قال الوزير المغربي في تفسيره.

و نظيره ﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا و تبيينه الاول النطفه أو التراب و الثاني الوجود في الجنين أو الطفل و الثالث الذي بعد الشيخوخه و هو أرذل العمر و القوة الاولى التي تجعل للطفل التحرك و الاهتداء للثدي و الثانية بعد البلوغ قاله ابن الحاجب و يؤيد الغيرية التنكير.

و نحوه قوله تعالى: ﴿ و قرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا ... الاية لو قال إنه لاوهم عود الضمير إلى الفجر.

و قوله تعالى: ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها فلم يقل عنها لئلا يتحد الضميران فاعلا و مفعولا مع ان المظهر السابق لفظ النفس فهذا أبلغ من ضرب زيد نفسه.

و كقوله تعالى: ﴿ ثم استخرجها من وعاء أخيه و إنما حسن إظهار الوعاء مع ان الاصل فاستخرجها منه لتقدم ذكره لانه لو قيل ذلك لاوهم عود الضمير على الاخ فيصير كأن الاخ مباشر لطلب خروج الوعاء و ليس كذلك لما في المباشر من الاذى الذي تأباه النفوس الابية فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا.


490

و إنما لم يضمر الاخ فيقال ثم استخرجها من وعائه لأمرين:

احدهما ان ضمير الفاعل في ﴿ استخرجها ليوسف عليه السلام فلو قال من وعائه لتوهم أنه يوسف لانه أقرب مذكور فأظهر لذلك.

و الثاني ان لأخ مذكور مضاف إليه ولم يذكر فيما تقدم مقصودا بالنسبة الاخبارية فلما احتيج إلى إعادة ما وأضيف إليه أظهره ايضا.

و قوله تعالى: ﴿ يوم ترجف الارض والجبال وكانت الجبال ، ﴿ و من الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله .

السادس

ان يكون القصد تربية المهابة و إدخال الروعة في ضمير السامع

بذكر الاسم المقتضى لذلك كما يقول الخليفة لمن يأمره بأمر أمير المؤمنين يأمرك بكذا مكان أنا أمرك بكذا.

و منه قوله تعالى: ﴿ الحاقة ما الحاقة و قوله: ﴿ ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى أهلها ، ﴿ ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و قوله: ﴿ و قال الذين في النار لخزنة جهنم ولم يقل لخزنتها.


491

السابع

قصد تقوية داعية المأمور

كقوله تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين ولم يقل على و حين قال: ﴿ على الله لم يقل إنه يحب أو إني أحب تقوية لداعية المأمور بالتوكل بالتصريح باسم المتوكل عليه.

و قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم .

الثامن

تعظيم الامر

كقوله تعالى: ﴿ أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ان ذلك على الله يسير. قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق و قوله: ﴿ هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا. إنا خلقنا الانسان ولم يقل خلقناه للتنبيه على عظم خلقه للإنسان.

و قوله: ﴿ يوم ترجف الارض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا فإنما أعيد لفظ ﴿ الجبال و القياس الاضمار لتقدم ذكرها مثل ما ذكرنا في الم السجدة في أحد القولين


492
و هو قوله: ﴿ كلما أرادوا ان يخرجوا منها أعيدوا فيها و قيل لهم ذوقوا عذاب النار و هو ان الايتين سيقتا للتخويف و التنبيه على عظم الامر فإعادة الظاهر أبلغ.

و أيضا فلو لم يذكر ﴿ الجبال لاحتمل عود الضمير إلى الارض.

التاسع

ان يقصد التوصل بالظاهر إلى الوصف

كقوله تعالى: ﴿ فآمنوا بالله و رسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله و كلماته بعد قوله في صدر الاية ﴿ إني رسول الله إليكم جميعا ، ﴿ فآمنوا بالله و رسوله دون فأمنوا بالله و بي ليتمكن من إجراء الصفات التي ذكرها من النبي الامي الذي يؤمن بالله فإنه لو قال و بي لم يتمكن من ذلك لان الضمير لا يوصف ليعلم ان الذي وجب الايمان به و الاتباع له هو من وصف بهذه الصفات كائنا من كان أنا أو غيري إظهارا للنصفة وبعدا من التعصب لنفسه.

العاشر

التنبيه على علة الحكم

كقوله تعالى: ﴿ فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم و قوله: ﴿ فإن الله عدو للكافرين أعلمنا أنه من كان عدوا لهؤلاء فهو كافر هذا ان خيف الالباس لعودة للمذكورين.

و كذا قوله: ﴿ فإن الله دون فإنه.


493

و كقوله تعالى: ﴿ فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء ولم يقل عليهم لانه ليس في الضمير ما في قوله: ﴿ الذين ظلموا من ذكر الظلم المستحق به العذاب.

و جعل منه الزمخشري قوله تعالى: ﴿ ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا و قوله تعالى: ﴿ فلعنة الله على الكافرين و الاصل عليهم لدلالة على ان اللعنه لحقتهم لكفرهم.

و ليس من ذلك قوله تعالى: ﴿ إنه من يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين فإن العلة قد تقدمت في الشرط و إنما فائدة ذلك إثبات صفة اخرى زائدة. و قال الزمخشري فائدته اشتماله على المتقين والصابرين.

و منه قوله: ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لانه شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان عظيم.

و قوله: ﴿ و من أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون و القياس أنهم لايفلحون ولو ذكر الظاهر لقال لايفلح المفترون او الكاذبون لكن صرح بالظلم تنبيها على ان علة عدم الفلاح الظلم.

و قوله: ﴿ و الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين و لم يقل أجرهم تنبيها على ان صلاحهم علة لنجاتهم.

و قوله: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ولم يقل لنا لينبه


494
على انه اهل لان يصلى له لانه ربه الذي خلقه و أبدعه و رباه بنعمته.

و كقوله تعالى: ﴿ من كان عدوا لله و ملائكته و رسله و جبريل و ميكال فإن الله عدو للكافرين قال الزمخشري اراد عدوا لهم فجاء بالظاهر ليدل على ان الله انما عاداهم لكفرهم و ان عداوة الملائكة كفر و إذا كانت عداوة الانبياء كفرا فما بال الملائكة و هم أشرف و المعنى و من عاداهم عاداه الله و عاقبه اشد العقاب المهين.

و قد ادمج في هذا الكلام مذهبة في تفضيل الملك على النبي و ان لم يكن مقصودا فهو كما قيل:

و ما كنت زوارا و لكن ذا الهوى
إلى حيث يهوى القلب تهوى به الرجل

و مثله قول مطيع:

امي الضريح الذي اسمى
ثم استهل على الضريح

الا ترى انه لم يقل عليه لانه باك بذكر الضريح الذي من عادته ان يبكي عليه و يحزن لذكراه.

الحادي عشر

قصد العموم

كقوله تعالى: ﴿ حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ولم يقل استطعمهم الاشعار بتأكيد العموم و أنهما لم يتركا أحدا من أهلها الا استطعماه و أبى و مع ذلك قابلهم


495
بأحسن الجزاء. و فيه التنبيه على محاسن الاخلاق و دفع السيئة بالحسنة.

و قوله تعالى: ﴿ و ما أبرئ نفسي ان النفس لأمارة بالسوء فأنه لو قيل إنها لأمارة لاقتضى تخصيص ذلك فاتى بالظاهر ليدل على ان المراد التعميم مع انه بريء من ذلك بقوله بعده ﴿ الا ما رحم ربي و قوله: ﴿ ان ربي غفور رحيم ولم يقل إنه إما للتعظيم و أما للاستلذاذ.

و قوله تعالى: ﴿ ان يتبعون الا الظن و ان الظن لا يغني من الحق شيئا و قوله تعالى: ﴿ وإنا إذا أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها ثم قال: ﴿ فإن الانسان كفور ولم يقل فانه مبالغة في اثبات ان هذا الجنس شأنه كفران النعم.

الثاني عشر

قصد الخصوص

كقوله تعالى: ﴿ و امرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي ولم يقل لك لانه لو أتى بالضمير لأخذ جوازه لغيره كما في قوله تعالى: ﴿ وبنات عمك فعدل عنه إلى الظاهر للتنبيه على الخصوصية و أنه ليس لغيره ذلك.


496

الثالث عشر

مراعاة التجنيس

و منه: ﴿ قل أعوذ برب الناس السورة ذكره الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله.

الرابع عشر

ان يتحمل ضميرا الابد منه

كقوله: ﴿ أتيا أهل قرية استطعما أهلها

الخامس عشر

كونه أهم من الضمير

كقوله تعالى: ﴿ ان تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى و قال بعضهم إنما أعيد ﴿ إحداهما لتعادل الكلم و توازن الالفاظ في التركيب و هو المعنى في الترصيع البديعي بل هذا ابلغ من الترصيع فإن الترصيع توازن الالفاظ من حيث صيغها و هذا من حيث تركيبها فكأنه ترصيع معنوي و قلما يوجد الا في نادر من الكلام و قد استغرب أبو الفتح ما حكى عن المتنبي في قوله:

و قد حادت الاجفان قرحى من البكا
و عادت بهارا في الخدود الشقائق


497

قال سألته هل هو قرحى أو قرحا منون فقال لي قرحا منون الا ترى ان بعدها و عادت بهارا قال يعني ان بهارا جمع بهار و قرحى جمع قرحة ثم اطنب في الثناء على المتنبي و استغرب فطنته لاجل هذا.

و بيان ما ذكرت في الاية أنها متضمنه لقسمين قسم الظلال و قسم التذكير فأسند الفعل الثاني إلى ظاهر حيث أسند الاول ولم يوصل بضمير مفصول لكون الاول لازما فأتى بالثاني على صورته من التجرد عن المفعول ثم اتى به خبرا بعد أعتدال الكلام و حصول التماثل في تركيبه.

و لو قيل ان المرفوع حرف لكان أبلغ في المعنى المذكور و يكون الاخير بدلا او نعتا على وجه البيان كأنه قال ان كان ضلال من إحداهما كان تذكير من الاخرى و قدم على الاخرى لفظ إحداهما ليسند الفعل الثاني إلى مثل ما أسند إليه الاول لفظا و معنى. و الله أعلم.

السادس عشر

كون ما يصلح للعود و لم يسق الكلام له

كقوله: ﴿ رسل الله الله أعلم و كقول الشاعرک

تبكي على زيد و لا زيد مثله
برئ من الحمى سليم الجوانح


498

السابع عشر

الاشارة إلى عدم دخول الجملة في حكم الاولى

كقوله تعالى: ﴿ فإن يشأ الله يختم على قلبك و يمح الله الباطل في سورة الشورى فإن ﴿ يمحو استئناف و ليس عطفا على الجواب لان المعلق على الشرط عدم قبل وجوده و هذا صحيح في ﴿ يختم على قلبك و ليس صحيحا في ﴿ و يمح الله الباطل لان محو الباطل ثابت فلذلك أعيد الظاهر و أما حذف الواو من الخط فاللفظ و أما حذفها في الوقف كقوله تعالى: ﴿ يدع الداع و ﴿ سندع الزبانية فللوقف و يؤكد ذلك وقوف يعقوب عليها بالواو.

و هذا ملخص كلام عبد العزيز في كلامه على البزدوي و فيما ذكره نزاع و هذا أنا لانسلم ان المعلق ها هنا بالشرط هو موجود قبل الشرط لان الشرط هنا المشيئة و ليس المحو ثابتا قبل المشيئة فإن قيل ان الشرط هنا مشيئة خاصة و هي مشيئة الختم و هذا و ان كان محذوفا فهو مذكور بالقوة. شائع في كثير من الاماكن كقوله تعالى: ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولو شاء الله ما أشركوا ولو شاء الله ما اقتتلوا المعنى ولو شاء الله جمعهم لجمعهم ولو شاء الله عدم ايمانهم ما أشركوا ولو شاء الله عدم قتالهم ما اقتتلوا.


499

قيل لايكاد يثبت مفعول المشيئة الا نادرا كما سياتي في الحذف ان شاء الله تعالى و إذا ثبت هذا صح ما ادعيناه فان محو الله ثابت قبل مشئة الله الختم.

فإن قلت سلمنا ان الشرط مشيئة خاصة لكنها إنما تختص بقرينة الجواب.

و الجواب هنا شيئان فالمعنى ان يشأ الله الختم و محو الباطل يختم على قلبك ويمح الباطل و حينئذ لايتم ما ادعاه.

و جوابه ان الشرط لا بد ان يكون غير ثابت و غيرممتنع و يمحو الباطل كان ثابتا فلا يصح دخوله في جواب الشرط. و هذا أحسن جدا.

بقي ان يقال ان الجواب ليس كلا من الجملتين بل مجموع الجملتين و المجموع معدوم قبل وجود الشرط و ان كان أحدهما ثابتا.

الاول

قد سبق أنه لايشترط في وضع الظاهر موضع المضمر ان يكون بلفظ الاول ليشمل مثل قوله تعالى: ﴿ إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا و قوله تعالى: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ان ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء لان إنزال الخير هنا سبب للربوبية و أعادة بلفظ الله لان تخصيص الناس بالخير دون غيرهم مناسب للإلهية لان دائرة الربوبية أوسع.

و مثله ﴿ و أورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء كما سبق.


500

و من فوائده التلذذ بذكره و تعظيم المنة بالنعمة.

و من فوائده قصد الذم و جعل الزمخشري قوله تعالى: ﴿ يوم ينظر المرء ما قدمت يداه و يقول الكافر فقال المراء هو الكافر و هو ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم.

و قال ابن عبد السلام في قوله تعالى: ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ان الله لا يهدي القوم الفاسقين ان الفاسقين يراد بهم المنافقون و يكون قد أقام الظاهر مقام المضمر و التصريح بصفة الفسق سبب لهم. و يجوز ان يكون المراد العموم لكل فاسق و يدخل فيه المنافقون دخولا اوليا و كذا سائر هذه النظائر.

و ليس من هذا الباب قوله تعالى: ﴿ ان تكونوا صالحين أي في معاملة الابوين ﴿ فإنه كان للأوابين غفورا .

و قوله تعالى: ﴿ من كان عدوا لجبريل إلى قوله: ﴿ فإن الله عدو للكافرين .

و كذلك كل ما فيه شرط فإن الشرط أسباب ولا يكون الاحسان للوالدين سببا لغفران الله لكل تائب لانه يلزم ان يثاب غير الفاعل بفعل غيره و هو خلاف الواقع. و كذلك معاداة بعض الكفرة لايكون سببا لمعاداة كل كافر فتعين في هذه المواضع ان يكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ليس الا.


501

الثاني

قد مر ان سؤال وضع الظاهر موضع المضمر حقه ان يكون في الجملة الواحدة نحو: ﴿ الحاقة ما الحاقة فأما إذا وقع في جملتين فأمره سهل و هو افصح من وقوعه في الجملة الواحده لان الكلام جملتان فحسن فيها ما مالا يحسن في الجملة الواحده الا ترى الى قوله:

لا ارى الموت يسبق الموت شئ
نغص الموت ذا الغنى و الفقيرا

فتكرار الموت في عجز البيت أوسع من تكراره في صدره لانا اذا عللنا هذا إنما نقول أعاد الظاهر موضع المضمر لما اراد من تعظيم الموت و تهويل امره فإذا عللها مكرره في عجزه عللناه بهذا و بان الكلام جملتان.

إذا علمت هذا فمثاله في الجملتين كقوله تعالى: ﴿ واتقوا الله ويعلمكم الله و قوله: ﴿ إنا مهلكو أهل هذه القرية ان أهلها كانوا ظالمين .

و قد اشكل الاظهار هاهنا و الاضمار في المثل قوله: ﴿ إلى فرعون و ملئه إنهم كانوا قوما فاسقين .

و أجيب بأنه لما كان المراد في المدائن لوط إهلاك القرى صرح في الموضعين بذكر القرية التي يحل بها الهلاك كأنها اكتسبت الظلم معهم و استحقت الهلاك معهم إذ للبقاع تأثير في الطباع و لما كان المراد في قوم فرعون إهلاكهم بصفاتهم حيث كانوا ولم يهلك بلدهم اتى بالضمير العائد على ذواتهم من حيث هي من غير تعرض للمكان.


502

و اعلم أنه متى طال الكلام حسن إيقاع الظاهر موضع المضمر كيلا يبقى الذهن متشاغلا بسبب ما يعود عليه اللفظ فيفوته ما شرع فيه كما إذا كان ذلك في ابتداء آية اخرى كقوله تعالى: ﴿ قل أأنتم أعلم أم الله و من أظلم ... الاية.

و قوله: ﴿ و ما كان الله ليضيع إيمانكم ان الله بالناس و قوله: ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس و قوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة .

القسم العاشر

تجيء اللفظة الدالة على التكثير و المبالغة بصيغ من صيغ المبالغة كفعال و فعيل و فعلان فإنه أبلغ من فاعل. و يجوز ان يعد هذا من أنواع الاختصار فإن أصله وضع لذلك فإن ضروبا ناب عن قولك ضارب و ضارب و ضارب.

ما جاء على فعلان

أما فعلان فهو أبلغ من فعيل و من ثم قيل الرحمن أبلغ من الرحيم و ان كانت صيغة فعيل من جهة ان فعلان من ابنية المبالغة كغضبان للممتلئ غضبا و لهذا لايجوز التسمية به و حكاه الزجاج في تأليفه المفرد على البسملة.


503

و أما قول الشاعر اليمامة:

و أنت غيث الورى لا زلت رحمانا

فهو من كفرهم و تعنتهم كذا أجاب به الزمخشري.

و رده بعضهم بأن التعنت لايدفع وقوع إطلاقهم و غايته أنه ذكر السبب الحامل لهم على الاطلاق و إنما الجواب أنهم لم يستعملوا الرحمن المعرف بالالف واللام و إنما استعملوه مضافا و منكرا و كلامنا إنما هو في المعرف باللام.

و أجاب ابن مالك بأن الشاعر أراد لازلت ذا رحمة و لم يرد بالاسم المستعمل بالغلبة. و يدل على ان العرب كانت تعرف هذا الاسم قوله تعالى: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى و أما قوله: ﴿ و ما الرحمن فقال ابن العربي إنما جهلوا الصفة دون الموصوف و لذلك لم يقولوا و من الرحمن.

و ذكر البرزاباذاني أنهم غلطوا في تفسير الرحمن حيث جعلوه بمعنى المتصف بالرحمة.

قال و إنما معناه الملك العظيم العادل لدليل ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن إذا الملك يستدعي العظمة و القدره و الرحمة لخلقه لا أنه يتوقف عليها.

﴿ و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن و إنما يصلح السجود لمن له العظمة و القدرة.

و ﴿ إني أعوذ بالرحمن ولا يعاذ الا بالعظيم القادر على الحفظ و الذب.


504

﴿ و ما ينبغي للرحمن ان يتخذ ولدا أي و ما ينبغي للعظيم القادر على كل شئ المستغني عن معاونة الوالد و غيره ان يتخذ ولدا.

﴿ الرحمن لا يملكون منه خطابا ، ﴿ و خشعت الاصوات للرحمن ، ﴿ قل من يكلؤكم بالليل و النهار من الرحمن و لا يحتاج الناس إلى حافظ يحفظهم من ذي الرحمة والواسعة.

﴿ الا اتي الرحمن عبدا :

﴿ إني أخاف ان يمسك عذاب من الرحمن ، ﴿ و ربنا الرحمن المستعان ، ﴿ من خشي الرحمن بالغيب .

و لا مناسبة لمعنى الرحمة في شئ من هذه المواضع و أما رحيم فهو من صفات الذات كقولهم كريم. و ما ذكرناه من ان الرحمن أبلغ ذهب إليه أبو عبيد و الزمخشري و غيرهما وحكاه ابن عساكر في التكميل و الافهام عن الاكثرين.


505

و في كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق عليه.

و نصره السهيلي بأنه ورد على لفظ التنبيه و التنبيه تضعيف. و كان البناء تضاعفت فيه الصفة.

و قال قطرب المعنى فيهما واحد و إنما جمع بينهما في الاية للتوكيد.

و كذلك قال ابن فورك قال و ليس قول من زعم ان رحيما أبلغ من رحمن بجيد إذ لافرق بينهما في المبالغة. ولو قيل فعلان اشد مبالغة كان أولى و لهذا خص بالله فلا يوصف به غيره و لذلك قال بعض التابعين الرحمن اسم ممنوع و أراد به منع الخلق ان يتسموا به و لا وجه لهذا الكلام الا التوكيد و إتباع الاول ما هو في معنى الثاني.

و قال ابن عباس هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الاخر.

و عن الخطابي استشكال هذا و قال لعله ارفق كما جاء في الحديث ان الله رفيق يحب الرفق في الامر كله.

و قال ابن الانباري في الزاهر الرحيم أبلغ من الرحمن.

و رجحه ابن عساكر بوجوه منها ان الرحمن جاء متقدما على الرحيم ولو كان ابلغ لكان متاخرا عنه لانهم في كلامهم إنما يخرجون من الادنى إلى الاعلى فيقولون فقيه عالم و شجاع باسل و جواد فياض ولا يعكسون هذا لفساد المعنى لانه لو تقدم لأبلغ لكان الثاني داخلا تحته فلم يكن لذكره معنى.

و هذا قدر ذكره الزمخشري و أجاب عنه بأنه من باب الارداف و أنه أردف الرحمن الذي يتناول جلائل النعم و أصولها بالرحيم ليكون كالتتمه والرديف ليتناول مارق منها و لطف.


506

و فيه ضعف لاسيما إذا قلنا ان الرحمن علم لاصفة و هو قول الاعلم و ابن مالك. و أجاب الواحدي في البسيط بأنه لما كان الرحمن كالعلم إذ لايوصف به الا الله قدم لان حكم الاعلام و غيرها من المعارف ان يبدأ بها ثم يتبع الانكر و ما كان التعريف انقص.

قال و هذا مذهب سيبويه و غيره من النحويين فجاء هذا على منهاج كلام العرب.

و أجاب الجويني بأن الرحمن للخلق و الرحيم لهم بالرزق و الخلق قبل الزرق.

و منها ان اسماء الله تعالى إنما يقصد بها المبالغة في حقه و النهاية في صفاته و أكثر صفاته سبحانه جارية على فعيل كرحيم و قدير و عليم و حكيم و حليم و كريم و لم يأت على فعلان الا قليل. و لو كان فعلان أبلغ لكان صفات الباري تعالى عليه أكثر.

قلت و جواب هذا ان ورود فعلان بصيغة التكثير كان في عدم تكرار الوصف به بخلاف فعيل فإنه لما لم يرق في الكثرة رقته كثر في مجيء الوصف.

و منها أنه ان كانت المبالغة في فعلان من جهة موافقه لفظ التثنية كما زعم السهيلي ففعيل من أبنية جمع الكثرة كعبيد و كليب و لا شك ان الجمع أكثر من التثنية و هذا أحسنها.

قال و قول قطرب إنهما بمعنى واحد فاسد لانه لو كان كذلك لتساويا في التقديم والتأخير و هو ممتنع.


507

تنبيهات

الاول

نقل عن الشيخ برهان الدين الرشيدي ان صفات الله التي هي صيغة المبالغة كغفار و رحيم و غفور و منان كلها مجاز إذ هي موضوعه للمبالغة و لا مبالغة فيها لان المبالغة هي ان تثبت للشيء أكثر مما له و صفات الله متناهية في الكمال لايمكن المبالغة فيها و المبالغة ايضا تكون في صفات تقبل الزيادة و النقصان و صفات الله تعالى منزهة عن ذلك. انتهى.

و ذكر هذا للشيخ ابن الحسن السبكي فاستحسنه و قال إنه صحيح إذا قلنا إنها صفات.

فإن قلنا أعلام زال ذلك. قلت و التحقيق ان صيغ المبالغة على قسمين:

احدهما ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل و الثاني بحسب تعدد المفعولات.

و لا شك ان تعددها لايوجب للفعل زيادة إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعددين.

و على هذا التقسيم يجب تنزيل جميع اسماء الله تعالى التي وردت على صيغة المبالغة كالرحمن و الغفور و التواب و نحوها و لايبقى إشكال حينئذ لهذا قال بعض المفسرين في حكم معنى المبالغة فيه تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع.

و قال الزمخشري في سورة الحجرات المبالغة في التواب للدلالة على كثرة من


508
يتوب إليه من عباده أو لانه ما من ذنب يقترفه المقترف الا كان معفوا عنه بالتوبه أولا لانه بليغ في قبول التوبه نزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه.

و قد أورد بعض الفضلاء سؤالا في قوله تعالى: ﴿ والله على كل شيء قدير و هو ان قديرا من صيغ المبالغه يستلزم الزيادة على معنى قادر و الزيادة على معنى قادر محال إذ الاتحاد من واحد لايمكن فيه التفاضل باعتبار كل فرد فرد.

و أجيب عنه بأن المبالغة لما لم يقدر حملها على كل فرد وجب صرفها إلى مجموع الافراد التي دل السياق عليها و المبالغة إذن بالنسبة إلى تكثير التعلق لا بالنسبة إلى تكثير الوصف.

و كذلك قوله تعالى: ﴿ والله بكل شيء عليم يستحيل عود المبالغة إلى نفس الوصف إذ العلم بالشيء لا يصح التفاوت فيه فيجب صرف المبالغة فيه إلى المتعلق إما لعموم كل أفراده و أما لان يكون المراد الشيء ولواحقه بيكون من باب إطلاق الجزء و أرادة الكل.

الثاني

سئل أبو علي الفارسي هل تدخل المبالغة في صفات الله تعالى فيقال علامة فأجاب بالمنع لان الله تعالى ذم من نسب إليه الاناث لما فيه من النقص فلا يجوز إطلاق اللفظ المشعر بذلك.

حكاه الجرجاني في شرح الايضاح.


509

الثالث

أنه لو جرد عن الالف واللام لم يصرف لزيادة الالف والنون في آخره مع العلمية أو الصفة.

و أورد الزمخشري بأنه لايمنع فعلان صفة من الصرف الا إذا كان مؤنثه فعلى كغضبان و غضبي و ما لم يكن مؤنثه فعلى ينصرف كندمان و ندمانة و تبعه ابن عساكر بأن رحمن و ان لم يكن له مؤنث على فعلى فليس له مؤنث فعلانة لانه اسم مختص بالله تعالى فلا مؤنث له من لفظه فإذا عدم ذلك رجع فيه إلى القياس و كل ألف ونون زائدتان فهما محمولتان على منع الصرف.

قال الجويني و هذا فيه ضعف في الظاهر و ان كان حسنا في الحقيقة لانه إذا لم يشبه غضبان ولم يشبه ندمان من جهة التأنيث فلماذا ترك صرفه مع ان الاصل الصرف بل كان ينبغي ان يقال ليس هو كغضبان فلا يكون غير منصرف ولا يصح ان يقال ليس هو كندمان فلا يكون منصرفا لان الصرف ليس بالشبه إنما هو بالآصل و عدم الصرف بالشبه ولم يوجد.

قلت و التقدير الذي نقلناه عن ابن عساكر يدفع هذا عن الزمخشري نعم أنكر ابن مالك على ابن الحاجب تمثيله ب رحمن لزيادة الالف والنون في منع الصرف و قال لم يمثل به غيره ولا ينبغي التمثيل به فإنه اسم علم بالغلبة لله مختص به و ما كان كذلك لم يجرد من آل ولم يسمع مجردا الا في النداء قليلا مثل يا رحمن الدنيا و رحيم الاخرة.


510

قال و قد أنكر على الشاطبي:

تبارك رحمانا رحيما و موئلا

لانه اراد الاسم المستعمل بالعلبة.

و لم يحضر الزمخشري هذا الجواب فذكر انه من تعنتهم في كفرهم كما سبق.

ما جاء على فعيل

و أما فعيل فعند النحاة أنه من صيغ المبالغة و التكرار كرحيم و سميع و قدير و خبير و حفيظ و حكيم و حليم و عليم فإنه محول عن فاعل بالنسبة و هو إنما يكون كذلك للفاعل لا للمفغول به بدليل قولهم قتيل و جريح و القتل لايتفاوت.

و قد يجيء في معنى الجمع كقوله تعالى: ﴿ وحسن أولئك رفيقا و قوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير و قوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقا و قوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير و قوله: ﴿ خلصوا نجيا و غير ذلك.

و من المشكل ﴿ و ما كان ربك نسيا فإن النفي متوجه على الخبر و هو صيغة مبالغة و لايلزم من نفي المبالغة نفي اصل الفعل فلا يلزم نفي اصل النسيان و هو كالسؤال الاتي في ﴿ بظلام للعبيد .

و يجاب عنه بما سياتي من الاجوبه. و يختص هذا بجواب آخر و هو مناسبة رءوس الآي قبله.


511

ما جاء علي فعّال

و أما فعال فنحو غفار و منان و تواب و وهاب ﴿ فعال لما يريد ، ﴿ علام الغيوب و نحو: ﴿ لكل صبار شكور و نحو: ﴿ نزاعة للشوى .

و من المشكل قوله تعالى: ﴿ و ما ربك بظلام للعبيد و تقريره أنه لايلزم من نفي الظلم بصيغة المبالغة نفي اصل الظلم و الواقع نفيه قال الله تعالى: ﴿ ان الله لا يظلم الناس شيئا ، ﴿ ان الله لا يظلم مثقال ذرة . و قد اجيب عنه باثني عشر جوابا:

أحدها ان ظلاما و ان كان يراد به الكثرة لكنه جاء في مقابله العبيد و هو جمع كثرة إذا قوبل بهم الظلم كان كثيرا.

و يرشح هذا الجواب أنه سبحانه و تعالى قال في موضع آخر: ﴿ علام الغيوب فقابل صيغة فعال بالجمع و قال في موضع آخر: ﴿ عالم الغيب فقابل صيغة فاعل الدالة على أصل الفعل بالواحد.

و هذا قريب من الجواب عن قوله تعالى: ﴿ لن يستنكف المسيح ان يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون حيث احتج به المعتزله على تفضيل الملائكة على الانبياء.


512

و جوابه أنه قابل عيسى بمفرده بمجموع الملائكة و ليس النزاع في تفضيل الجمع على الواحد.

الثاني أنه نفي الظلم الكثير فينتفي القليل ضرورة لان الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة ظلمه في حق من يجوز عليه النفع كان الظلم القليل في المنفعة أكثر.

الثالث أنه على النسب. و اختاره ابن مالك و حكاه في شرح الكافية عن المحققين أي ذا ظلم كقوله و ليس بنبال أي بذي نبل. أي لاينسب إلى الظلم فيكون من بزاز و عطار.

الرابع ان فعالا قد جاء غير مراد به الكثرة كقول طرفه:

و لست بحلال التلاع مخافة
و لكن متى يسترفد القوم أرفد

لايريد أنه يحل التلاع قليلا لان ذلك يدفعه قوله يسترفد القوم ارفد هذا بدل على نفي الحال في كل حال لان تمام المدح لايصل بإيراد الكثرة.

الخامس ان أقل القليل لو ورد منه سبحانه و قد جل عنه لكان كثيرا لاستغنائه عنه كما يقال زله العالم كبيرة.

ذكره الحريري في الدرة قال و إليه أشار المخزومي في قوله:

كفوفه الظفر تخفى من حقارتها
و مثلها في سواد العين مشهور


513

السادس ان نفي المجموع يصدق بنفي واحد و يصدق بنفي كل واحد و يعين الثاني في الاية للدليل الخارجي و هو قوله: ﴿ ان الله لا يظلم مثقال ذرة .

السابع أنه اراد ليس بظالم ليس بظالم ليس بظالم فجعل في مقابله ذلك ﴿ و ما ربك بظلام .

الثامن أنه جواب لمن قال ظلام و التكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم يكن له مفهوم كما إذا خرج مخرج الغالب.

التاسع أنه قال بظلام لانه قد يظن ان من يعذب غيره عذابا شديدا ظلام قبل الفحص عن جرم الذنب.

العاشر أنه لما كان صفات الله تعالى صيغة المبالغة فيها و غير المبالغة سواء في الاثبات جرى النفي على ذلك.

الحادي عشر أنه قصد التعريض بأن ثمة ظلاما للعبيد من ولاة الجور.

و أما فعال بالتخفيف و التشديد نحو عجاب و كبار قال تعالى: ﴿ ان هذا لشيء عجاب و قال: ﴿ و مكروا مكرا كبارا قال المعري في اللامع العزيزي فعيل إذا اريد به المبالغة نقل به الى فعال و إذا اريد به الزيادة شددوا فقالوا فعال ذلك من عجيب و عجاب و عجاب و قرأ ابو عبد الرحمن السلمي


514
﴿ ان هذا لشيء عجاب بالتشديد و قالوا طويل و طوال و يقال نسب قريب و قراب و هو ابلغ قال الحارث بن ظالم:

و كنت إذا رأيت بني لؤي
عرفت الود و النسب القرابا

ما جاء على فعول

و أما فعول كغفور و شكور و ودود فمنه قوله تعالى: ﴿ ان الانسان لظلوم كفار .

و قوله تعالى في نوح ﴿ إنه كان عبدا شكورا .

و قد أطربني قوله تعالى: ﴿ و قليل من عبادي الشكور فقلت الحمد لله الذي ما قال الشاكر.

فإن قيل قوله تعالى: ﴿ إنا هديناه السبيل إما شاكرا و أما كفورا كيف غاير بين الصفتين و جعل المبالغة من جانب الكفران؟

قلت هذا سأله الصاحب بن عباد للقاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي فأجاب بأن نعم الله على عباده كثيرة و كل شكر يأتي في مقابلتها قليل و كل كفر يأتي في مقابلتها عظيم فجاء شكور بلفظ فاعل و جاء كفور فعول على وجه المبالغة. فتهلل وجه الصاحب.

ما جاء على فَعِل

و أما فعل فقوله تعالى: ﴿ و إنا لجميع حاذرون .


515

و قوله تعالى: ﴿ كذاب أشر قرن فعلا بفعال.

ما جاء على فُعَل

و أما فعل فيكون صفة كقوله تعالى: ﴿ أهلكت مالا لبدا اللبد الكثير و قوله تعالى: ﴿ إنها لإحدى الكبر .

و يكون مصدرا كهدى و تقى و يكون معدولا عن أفعل من كذا كقوله تعالى: ﴿ و أخر متشابهات و قوله تعالى: ﴿ فعدة من أيام أخر كما قال: ﴿ أئنكم لتشهدون ان مع الله آلهة أخرى .

ما جاء على فعلى

و أما فعلى فيكون اسما كالشورى و الرجعي قال الله تعالى: ﴿ ان إلى ربك الرجعى و قال تعالى: ﴿ و كلمة الله هي العليا .

و يكون صفة كالحسنى في تأنيث الاحسن و السوءى في تأنيث الاسوأ قال تعالى: ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى ان كذبوا بآيات الله .

قال الفارسي يحتمل السوءى تأويلين: أحدهما ان يكون تأنيث الاسوأ و المعنى كان عاقبتهم لخلة السوءى فتكون


516
السوءى على هذا خارجة من الصلة فتنصب على الموضع و موضع ان نصب فإنه مفعول له أي كان عاقبتهم الخصلة السوءى لتكذيبهم.

الثاني ان يكون السوءى مصدرا مثل الرجعي و على هذا فهي داخلة في الصلة و منتصبه بأساءوا كقوله تعالى ﴿ و تبتل إليه تبتيلا و يكون ﴿ ان كذبوا نصبا لانه خبر كان.

و يجوز في إعراب ﴿ السوأى وجه ثالث و هو ان يكون في موضع رفع صفة العاقبة و تقديرها ثم كان عاقبتهم المذمومة التكذيب.

و الفعلى في هذا الباب و ان كانت في الاصل صفة بدليل قوله تعالى: ﴿ و هم بالعدوة القصوى و قوله تعالى: ﴿ فأراه الاية الكبرى فجرت صفة على موصوفها فإنها في كثير من الامور تجري مجرى الاسماء كالأبطح و الاجرع و الادهم.

فهرست موضوعات
النوع الثاني و الثلاثون معرفة أحكامه 3
فائده في ضرورة معرفة المفسر أصول قواعد الفقه 6
فصل في ان كل فعل عظمه الله و رسوله فهو دليل علي مشروعيته 10
فصل في ان كل فعل طلب الشارع تركه أو ذم فاعله... فهذا و نحوه يدل علي المنع من الفعل 10
فصل في ان الاباحة تستفاد من لفظ الاحلال و رفع الجناح و نحو ذلك 12
فائده في ان آيه: (يا بني آدم خذوا زينتكم)... جمعت اصول احكام الشريعه كلها 13
فائده في ان تقديم العتاب على الفعل يدل على تحريمه 13
فائده لا يصح الامتنان بممنوع عنه 14
فائده في معني لفظ التعجب في القرآن 14
قاعده في الاطلاق و التقييد 15
تنبيه في حمل المطلق على المقيد 16
قاعده في العموم و الخصوص 18
فصل في الاحكام المستنبطة من تنبيه الخطاب 19
فصل في الحكم على الشيء مقيدا بصفة 21
النوع الثالث و الثلاثون في معرفة جدله 24
النوع الرابع و الثلاثون معرفة ناسخه من منسوخه 28
مسألة في جواز النسخ بالكتاب 32
فصل فيما يقع فيه النسخ 33
تنبيهات 33
التنبيه الاول في تقسيم سور القرآن بحسب ما دخله من النسخ و ما لم يدخله 33
التنبيه الثاني في ضروب النسخ في القرآن 35
فائدة عن ابن العربي في قوله تعالى: ( فإذا انسلخ الاشهر الحرم ) 40
التنبيه الثالث في تقسيم القرآن على ضروب من وجه آخر 41
فائدة فيما قيل في قوله تعالى: ( ما ننسخ من آية او ننسها ) 43
النوع الخامس و الثلاثون معرفة الموهم و المختلف 45
فائدة عن الغزالي في معرفه الاختلاف 46
فصل في القول عند تعارض الآي 48
فصل في القول عند تعارض آي القرآن و الآثار 51
فصل في تعارض القراءتين في آية واحدة 52
فصل في القول في الاختلاف و التناقض 53
فصل في الاسباب الموهمة الاختلاف 54
فصل في الاجابة عن بعض الاستشكالات 65
فصل في القول عند وقوع التعارض بين الاية و الحديث 66
النوع السادس و الثلاثون معرفة المحكم من المتشابه 68
تفريعات 71
النوع السابع و الثلاثون في حكم الايات المتشابهات الواردة في الصفات 78
فائدة في تفسير المعتزله و اهل السنه لبعض الفاظ القرآن 89
النوع الثامن و الثلاثون معرفة إعجازه 90
بيان الاقوال المختلفة في وجوه الاعجاز 93
فصل فى قدر المعجز من القرآن 108
فصل فى التحدى 110
فصل فى ان التحدى إنما وقع للإنس دون الجن 111
فصل فى أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة 111
مسألة فى الحكمة فى تنزيه النبى عليه الصلاه و السلام عن الشعر 112
فصل فى تنزيه الله القرآن عن ان يكون شعرا 113
فصل فى اختلاف المقامات و وضع كل شئ فى موضع يلائمه 118
فصل فى اشتمال القرآن على أعلى أنواع الاعجاز 121
تنبيه في ان معرفة مقامات الكلام لا تدرك الا بالذوق 124
النوع التاسع و الثلاثون معرفة وجوب تواتره 125
فصل في الكلام علي المعوذتين 127
النوع الاربعون فى بيان معاضدة السنة للقرآن 147
النوع الحادى و الاربعون معرفة تفسيره و تأويله 147
معانى العبارات التى يعبر بها عن الاشياء 147
الفرق بين التفسير و التأويل 149
فصل في حاجة المفسر الى الفهم و التبحر في العلوم 153
فصل في امهات مآخذ التفسير للناظر في القرآن 156
الاول: النقل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم 156
الثاني: الاخذ بقول الصحابي 157
الثالث: الاخذ بمطلق اللغة 160
الرابع: التفسير بالمقتضى من معنى الكلام 161
أقسام التفسير 165
تنبيه في كلام الصوفية في تفسير القرآن 170
فصل حكى عن ابي حيان في تفسيره 171
فصل فيما يجب على المفسر البداءة به 173
مسألة في ان الاعجاز يكون في اللفظ و المعنى و الملائمة 174
مسأله في ان احسن طرق التفسير ان يفسر القرآن بالقرآن 175
مسألة في ما يحب على المفسر من التحوط في التفسير 176
مسألة في النهي عن ذكر لفظ الحكاية عن الله تعالى و وجوب تجنب اطلاق الزائد على بعض الحروف الواردة في القرآن 177
فصل في تقسيم التأويل الى منقاد و مستكره 178
فائده في ما نقل عن ابن عباس فى تفسير بعض الايات 180
فصل أصل الوقوف على معانى القرآن التدبر 180
فصل فى ان في القرآن علم الاولين و الاخرين 181
فصل قد يستنبط الحكم من السكوت عن الشيء 182
فصل فى تقسيم القرآن إلى ما هو بين بنفسه و إلى ما ليس بينا فى نفسه فيحتاج إلى بيان 183
فصل قد يكون اللفظ مقتضيا لأمر و يحمل على غيره 196
فصل قد يكون اللفظ محتملا لمعنيين فى موضع و يعين فى موضع آخر 197
فصل فى ذكر الامور التي تعين على المعنى عند الاشكال 199
فصل في الظاهر و المؤول 205
فصل في اشتراك اللفظ بين حقيقتين او حقيقة و مجاز 207
فصل قد ينفي الشيء و يثبت باعتبارين 208
فصل في الاجمال ظاهرا و أسبابه 209
فصل في ما ورد مبينا للإجمال 214
النوع الثاني و الاربعون في وجوه المخاطبات و الخطاب في القرآن 217
الاول: خطاب العام المراد به العموم 217
الثاني: خطاب الخاص و المراد به الخصوص 217
الثالث: خطاب الخاص و المراد به العموم 218
الرابع: خطاب العام و المراد به الخصوص 220
الخامس: خطاب الجنس 226
السادس: خطاب النوع 227
السابع: خطاب العين 228
الثامن: خطاب المدح 228
التاسع: خطاب الذم 230
العاشر: خطاب الكرامة 231
الحادي عشر: خطاب الاهانة 231
الثاني عشر: خطاب التهكم 231
الثالث عشر: خطاب الجمع بلفظ الواحد 233
الرابع عشر: خطاب الواحد بلفظ الجمع 234
الخامس عشر: خطاب الواحد و الجمع بلفظ الاثنين 239
السادس عشر: خطاب الاثنين بلفظ الواحد 240
السابع عشر: خطاب الجميع بلفظ الواحد 241
الثامن عشر: خطاب عين و المراد غيره 242
التاسع عشر: خطاب الاعتبار 245
العشرون: خطاب الشخص ثم العدول الى غيره 245
الحادي و العشرون: خطاب التلوين 245
الثاني و العشرون: خطاب الجمادات خطاب من يعقل 246
الثالث و العشرون: خطاب التهييج 247
الرابع و العشرون: خطاب الاغضاب 248
الخامس و العشرون: خطاب التشجيع و التحريض 248
السادس و العشرون: خطاب التنفير 249
السابع و العشرون: خطاب التحنن و الاستعطاف 250
الثامن و العشرون: خطاب التحبيب 250
التاسع و العشرون: خطاب التعجيز 250
الثلاثون: التحسير و التلهف 251
الحادي والثلاثون: التكذيب 251
الثاني و الثلاثون: خطاب التشريف 251
الثالث والثلاثون: خطاب للمعدوم 252
النوع الثالث و الاربعون: بيان حقيقته و مجازه 255
نوعا المجاز 256
المجاز في المركب و اقسامه 256
المجاز الافرادي و اقسامه 256
الاول: ايقاع المسبب موقع السبب 259
الثاني: عكسه و هو ايقاع السبب موقع المسبب 260
الثالث: اطلاق اسم الکل علي الجزء 262
الرابع: اطلاق اسم الجزء علي الکل 263
الخامس: اطلاق اسم الملزوم على اللازم 269
السادس: اطلاق اسم اللازم علي الملزوم 270
السابع: اطلاق اسم المطلق علي المقيد 270
الثامن: عكسه 270
التاسع: اطلاق اسم الخاص و اراده العام 270
العاشر: اطلاق اسم العام و اراده الخاص 271
الحادي عشر: إطلاق الجمع و أرادة المثنى 273
الثاني عشر: النقصان 274
الثالث عشر: الزيادة 274
الرابع عشر: تسمية الشيء بما يئول اليه 278
الخامس عشر: تسمية الشيء بما كان عليه 280
السادس عشر: إطلاق اسم المحل على الحال 281
السابع عشر: اطلاق اسم الحال على المحل 282
الثامن عشر: إطلاق اسم آلة الشيء عليه 282
التاسع عشر: إطلاق اسم الضدين على الاخر 283
العشرون: تسمية الداعي إلى الشيء باسم الصارف عنه 284
الحادي والعشرون: إقامة صيغة مقام اخرى 285
الثاني والعشرون: إطلاق الامر و أرادة التهديد و التلوين 291
الثالث والعشرون: إضافة الفعل الى ما ليس بفاعل له في الحقيقة 291
الرابع والعشرون: إطلاق الفعل و المراد مقاربته و مشارفته لا حقيقته 292
الخامس والعشرون: إطلاق الامر بالشيء للتلبس به و المراد دوامه 296
السادس والعشرون: إطلاق اسم البشرى على المبشر به 296
التجوز عن المجاز بالمجاز 298
النوع الرابع و الاربعون في الكنايت و التعريض في القرآن 300
اسباب الكناية 301
التعريض و التلويح 311
التوجيه 314
النوع الخامس و الاربعون في اقسام معنى الكلام 316
الخبر 317
الاستخبار و هو الاستفهام 326
اقسام الاستفهام 328
الاستفهام بمعني الخبر 328
استفهام الانكار 328
استفهام التقرير 331
الاستفهام بمعنى الانشاء 338
الشرط 351
ضابط اعتراض الشرط على الشرط 373
فائدة قد يسمى الشرط يمينا 374
القسم و جوابه 374
الامر 374
النفي 375
النوع السادس و الاربعون في اساليب القرآن و فنونه البليغة 382
الاسلوب الاول التاكيد 384
اقسام التاكيد 385
القسم الاول: التاكيد الصناعي 385
ما يلتحق بالتاكيد الصناعي 391
فائده عن صحب المفصل في وقوع الحال بعد الجمله الاسميه 405
فصل في ادوات التاكيد 405
موكدات الجمل الاسميه 405
فائدة في مواضع افادة الحصر 414
مؤكدات الجمل الفعلية 417
القسم الثاني: الصفة 422
الاسباب التي تاتي الصفة من أجلها 422
فوائد تتعلق بالصفة 429
الاولى: الصفة العامة لا تاتي بعد الصفة الخاصة 429
الثانية: تاتي الصفة لازمة لا للتقييد 430
الثالثة: قد تاتي الصفة بلفظ و المراد غيره 432
الرابعة: قد تجيء للتنبيه على التعميم 432
الخامسة: قد يحتمل اللفظ كثيرا من الاسباب السابقة 433
السادسة: إذا اجتمع مختلفان في الصراحة و التأويل... 443
السابعة: في اجتماع التابع و المتبوع 444
الثامنة: عند تكرار النعوت لواحد... 446
التاسعة: فصل الجمل في مقام المدح و الذم أبلغ من جعلها نمطا واحدا 446
العاشرة: في وصف الجمع بالمفرد 451
الحادية عشر: قد تدخل الواو على الجملة الواقعة صفة تأكيدا 452
الثانية عشرة: الصفة لاتقوم مقام الموصوف الا على استكراره 453
القسم الثالث: البدل 461
فائده في تكرار البدل 461
تنبيه في إعراب كلمة آزر 462
القسم الرابع: عطف البيان 462
القسم الخامس: ذكر الخاص بعد العام 464
القسم السادس: ذكر العام بعد الخاص 471
القسم السابع: عطف أحد المترادفين على الاخر أو ما هو قريب منه في المعنى و 472القصد منه التأكيد
القسم الثامن: الايضاح بعد الابهام 477
القسم التاسع: وضع الظاهر موضع المضمر 482
الخروج على خلاف الاصل و بيانه 485
الاول قصد التعميم 485
الثاني قصد الاهانة و التحقير 486
الثالث الاستلذاذ بذكره 487
الرابع زيادة التقدير 488
الخامس إزالة اللبس حيث يكون الضمير يوهم أنه غير المراد 488
السادس ان يكون القصد تربية المهابة و إدخال الروعة في ضمير السامع 490
السابع قصد تقوية داعية المأمور 491
الثامن تعظيم الامر 491
التاسع ان يقصد التوصل بالظاهر إلى الوصف 492
العاشر التنبيه على علة الحكم 492
الحادي عشر قصد العموم 494
الثاني عشر قصد الخصوص 495
الثالث عشر مراعاة التجنيس 496
الرابع عشر ان يتحمل ضميرا لابد منه 496
الخامس عشر كونه أهم من الضمير 496
السادس عشر كون ما يصلح للعود و لم يسق الكلام له 497
السابع عشر الاشارة إلى عدم دخول الجملة في حكم الاولى 498
القسم العاشر تجيء اللفظة على التكثير و المبالغة بصيغ من صيغ المبالغه 502
ما جاء على فعلان 503
ما جاء على فعيل 510
ما جاء علي فعّال 511
ما جاء على فعول 514
ما جاء على فَعِل 514
ما جاء على فُعَل 515
ما جاء على فعلى 515