فهرست موضوعات


1

البرهان في علوم القرآن

الجزء الرابع


2

البرهان في علوم القرآن

الجزء الرابع

للأمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي


3

بسم الله الرحمن الرحيم

مقابلة الجمع بالجمع
تارة يقتضي مقابلة كل فرد من هذا بكل فرد من هذا كقوله تعالى: فاستبقوا الخيرات ، و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة ، حافظوا على الصلوات فإن الصلاة و الزكاة في معنى الجمع فيقتضي اللفظ ضرورة أن كل واحد مأمور بجميع الصلوات و بالاستباق إلى كل خير كما يقال لبس القوم ثيابهم و ركبوا دوابهم و قوله تعالى: و أعتدت لهن متكأ أي لكل واحدة منهن و قوله تعالى: أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر لأنه لا يجوز أن يتذكر جميع المخاطبين بهذا القول في مدة و عمر واحد و قوله: إنها ترمي بشرر كالقصر أي كل واحدة من هذا الشرر كالقصر و القصر البيت من آدم كان يضرب على الماء إذا نزلوا به و لا يجوز أن يكون الشرر كله كقصر واحد لأنه مناف للوعيد فإن المعنى تعظيم الشرر أي كل واحد من هذا الشرر كالقصر و يؤكده قوله بعده كأنه جمالة صفر فشبه بالجماعة أي فكل واحدة من هذا الشرر كالجمل فجماعته إذ الجمالات الصفر كذلك الأول كل شررة منه كالقصر قاله ابن جنى و قوله: و استغشوا ثيابهم


4

و قوله: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله فإن كل واحد من المؤمنين آمن بكل واحد من الملائكة و الكتب و الرسل و قوله: حرمت عليكم أمهاتكم الآية فإنه لم يحرم على كل واحد من المخاطبين جميع أمهات المخاطبين و إنما حرم على كل واحد أمه و بنته و كذلك قوله: و لكم نصف ما ترك أزواجكم فإنه ليس لجميع الأزواج نصف ما ترك جميع النساء و إنما لكل واحد نصف ما تركت زوجه فقط و كذا قوله: يوصيكم الله في أولادكم و قوله: و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم إنما معناه اتبع كل واحد ذريته و ليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء و قوله: والوالدات يرضعن أولادهن أي كل واحدة ترضع ولدها و كقوله تعالى: فاقتلوا المشركين فإن مقابلة الجمع أفادت المكنة لكل واحد من المسلمين قتل من وجد من المشركين و قوله: يوم تشهد عليهم ألسنتهم و اما قوله تعالى: فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم إلى الكعبين فذكر المرافق بلفظ الجمع و الكعبين بلفظ التثنية


5
لأن مقابلة الجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد و لكل يد مرفق فصحت المقابلة و لو قيل إلى الكعاب فهم منه أن الواجب فإن لكل رجل كعبا واحدا فذكر الكعبين بلفظ التثنية ليتناول الكعبين من كل رجل فإن قيل فعلى هذا يلزم ألا يجب إلا غسل يد واحدة و رجل واحدة قلنا صدنا عنه فعل النبي صلى الله عليه و سلم و الإجماع و تارة يقتضي مقابلة ثبوت الجمع لكل واحد من آحاد المحكوم عليه كقوله تعالى: فاجلدوهم ثمانين جلدة و جعل منه الشيخ عز الدين وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار و تارة يحتمل الأمرين فيفتقر ذلك إلى دليل يعين أحدهما أما مقابلة الجمع بالمفرد فالغالب أنه لا يقتضي تعميم المفرد و قد يقتضيه بحسب عموم الجمع المقابل له كما في قوله تعالى: و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين المعنى كل واحد لكل يوم طعام مسكين و قوله تعالى: و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة إنما هو على كل واحد منهم ذلك.


6

قاعدة
فيما ورد في القرآن مجموعا و مفردا و الحكم في ذلك. فمنه أنه حيث ورد ذكر الأرض في القرآن فإنها مفردة كقوله تعالى: خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهن و حكمته أنها بمنزلة السفل و التحت و لكن وصف بها هذا المكان المحسوس فجرت مجرى امرأة زور و ضيف فلا معنى لجمعهما كما لا يجمع الفوق و التحت و العلو و السفل فإن قصد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة و عين قطعة محدودة منها خرجت عن معنى السفل الذي هو في مقابلة العلو فجاز أن تثنى إذا ضممت إليها جزءا آخر و منه قوله صلى الله عليه و سلم طوقه من سبع أرضين فجمعها لما اعتمد الكلام على ذات الأرض و أثبتها على التفصيل و التعيين لآحادها دون الوصف بكونها تحت أو سفل في مقابلة علو و أما جمع السموات فإن المقصود بها ذاتها دون معنى الوصف فلهذا جمعت جمع سلامة لأن العدد قليل و جمع القليل أولى به بخلاف الأرض فإن المقصود بها معنى التحت و السفل دون الذات و العدد. و حيث أريد بها الذات و العدد أتى بلفظ يدل على التعدد كقوله تعالى: و من الأرض مثلهن . و ايضا فإن الأرض لانسبة إليها إلى السموات وسعتها بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء فهي و إن تعددت كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس. و ايضا فالأرض هي دار الدنيا التي بالنسبة إلى الآخرة كما يدخل الإنسان إصبعه في اليم فما يلعق بها هو مثال الدنيا و الله تعالى لم يذكر الدنيا إلا مقللا لها.


7

و أما السموات فليست من الدنيا على أحد القولين فإذا أريد الوصف الشامل للسموات و هو معنى العلو و الفوق أفردته كالأرض بدليل قوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا . فأفرد هنا لما كان المراد الوصف الشامل و ليس المراد سماء معينة. و كذا قوله: و ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء بخلاف قوله في سبأ عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات و لا في الأرض فإن قبلها ذكر الله سبحانه سعة علمه و أن له ما في السموات و ما في الأرض فاقتضى السياق أن يذكر سعة علمه و تعلقه بمعلومات ملكه و هو السموات كلها و الأرض. و لما لم يكن في سورة يونس ما يقتضي ذلك أفردها إرادة للجنس. و قال السهيلي لأن المخاطبين بالإفراد مقرون بأن الرزق ينزل من السحاب و هو سماء و لهذا قال في آخر الآية: فسيقولون الله و هم لا يقرون بما نزل من فوق ذلك من الرحمة و الرحمن و غيرها و لهذا قال في آية سبأ قل الله أمر نبيه صلى الله عليه و سلم بهذا القول ليعلم بحقيقته. و كذا قوله: و هو الله في السماوات و في الأرض يعلم سركم و جهركم


8

فإنها جاءت مجموعة لتعلق الظرف بما في اسم الله تبارك و تعالى من معنى الإلهية فالمعنى هو الإله المعبود في كل واحدة من السموات فذكر الجمع هنا أحسن. و لما خفى هذا المعنى على بعض المجسمة قال بالوقف على قوله: في السماوات ثم يبتدىء بقوله و في الأرض . و تأمل كيف جاءت مفردة في قوله: فورب السماء و الأرض إنه لحق أراد لهذين الجنسين أي رب كل ما علا و سفل. و جاءت مجموعة في قوله: سبح لله ما في السماوات و الأرض في جميع السور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم و تباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم. و نظير هذا جمعها في قوله: و له من في السماوات و الأرض و من عنده لا يستكبرون عن عبادته و لا يستحسرون . و قوله: تسبح له السماوات السبع أي تسبح بذواتها و أنفسها على اختلاف عددها و لهذا صرح بالعدد بقوله السبع . و تأمل كيف جاءت مفردة في قوله: و في السماء رزقكم و ما توعدون ف الرزق المطر و ما توعدون الجنة و كلاهما في هذه الجهة لأنها في كل واحدة واحدة من السموات فكان لفظ الإفراد أليق. و جاءت مجموعة في قوله: قل لا يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلا الله لما كان المراد نفى علم الغيب عن كل من هو في واحدة واحدة من السموات أتى بها مجموعة


9
و لم يجىء في سياق الإخبار بنزول الماء منها إلا مفردة حيث وقعت لما لم يكن المراد نزوله من ذاتها بل المراد الوصف. فإن قيل فهل يظهر فرق بين قوله تعالى في سورة يونس قل من يرزقكم من السماء و الأرض أم من يملك السمع و الأبصار و بين قوله في سورة سبأ قل من يرزقكم من السماوات و الأرض قل الله قيل السياق في كل منهما مرشد إلى الفرق فإن الآيات التي في يونس سيقت للاحتجاج عليهم بما أقروا به من كونه تعالى هو رازقهم و مالك أسماعهم و أبصارهم و مدبر أمورهم بأن يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي فلما كانوا مقرين بهذا كله حسن الاحتجاج به عليهم إذ فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره فكيف تعبدون معه غيره و لهذا قال بعده فسيقولون الله أي هم يقرون به و لا يجحدونه و المخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية انما كانوا مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التى يشاهدونها و لم يكونوا مقرين و لا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى ينتهي إليهم فافردت لفظة السماء هنا لذلك. و أما الآية التى في سبأ فإنه لم ينتظم لها ذكر إقرارهم بما ينزل من السماء و لهذا أمر رسوله بأن يجيب و ان يذكر عنهم أنهم هم المجيبون فقال: قل من يرزقكم من السماوات و الأرض قل الله و لم يقل: فسيقولون الله أي الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه و منافعه من السموات. و منها ذكر الرياح في القرآن جمعا و مفردة فحيث ذكرت في سياق الرحمة جاءت


10
مجموعة كقوله تعالى: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ، وأرسلنا الرياح لواقح ، و من آياته أن يرسل الرياح مبشرات . و حيث ذكرت في سياق العذاب أتت مفردة كقوله تعالى: فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ، فأرسلنا عليهم ريحا و جنودا لم تروها ، و أما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ، مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ، و في عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم . و لهذا قال صلى الله عليه و سلم اللهم اجعلها رياحا و لا تجعلها ريحا و المعنى فيه أن رياح الرحمة مختلفة الصفات و الماهيات و المنافع و إذا هاجت منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر سورتها فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان و النبات. و كانت في الرحمة رياحا و أما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد و لا معارض و لا دافع و لهذا وصفها الله بالعقيم فقال: و في عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم أي تعقم ما مرت به. و قد اطردت هذه القاعدة إلا في مواضع يسيرة لحكمة. فمنها قوله سبحانه في سورة يونس هو الذي يسيركم في البر و البحر حتى إذا كنتم في الفلك و جرين بهم بريح طيبة و فرحوا بها جاءتها ريح عاصف


11

فذكر ريح الرحمة بلفظ الإفراد لوجهين أحدهما لفظي و هو المقابلة فإنه ذكر ما يقابلها ريح العذاب و هي لا تكون إلا مفردة و رب شىء يجوز في المقابلة و لا يجوز استقلالا نحو و مكروا و مكر الله . الثاني معنوي و هو أن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد فإن اختلفت عليها الرياح و تصادمت كان سبب الهلاك و الغرق. فالمطلوب هناك ريح واحدة و لهذا أكد هذا المعنى فوصفها بالطيب دفعا لتوهم أن تكون عاصفة بل هي ريح يفرح بطيبها. و منها قوله تعالى: إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره و هذا أورده ابن المنير في كتابه على الزمخشري قال الريح رحمة و نعمة و سكونها شدة على أصحاب السفن. قال الشيخ علم الدين العراقي و كذا جاء في القراءات السبع و الله الذي أرسل الريح ، و هو الذي يرسل الريح و المراد به الذي ينشر السحاب.


12

و من ذلك جمع الظلمات و النور الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات . و لذلك جمع سبيل الباطل و أفرد سبيل الحق كقوله: و إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . و الجواب في ذلك كله أن طريق الحق واحد و أما الباطل فطرقه متشعبة متعددة و لما كانت الظلم بمنزلة طريق الباطل و النور بمنزلة طريق الجنة بل هما هما أفرد النور و جمع الظلمات و لهذا وحد الولى فقال: الله ولي الذين آمنوا لأنه الواحد الأحد و جمع أولياء الكفار لتعددهم و جمع الظلمات و هي طرق الضلال و الغى لكثرتها و اختلافها و وحد النور و هو دين الحق. و من ذلك افرد اليمين و الشمال في قوله: عن اليمين و عن الشمال عزين و جمعها في قوله: و عن أيمانهم و عن شمائلهم و لا سؤال فيه إنما السؤال في جمع أحدهما و إفراد الآخر كقوله تعالى: يتفيأ ظلاله عن اليمين و الشمائل سجدا لله قال الفراء كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلمة و إذا جمع ذهب إلى كلها و الحكمة في تخصيص اليمين بالإفراد ما سبق فإنه لما كانت اليمين جهة الخير و الصلاح و أهلها هم الناجون أفردت. و لما كانت الشمال جهة أهل الباطل و هم أصحاب الشمال جمعت في قوله: عن اليمين و الشمائل .


13

و فيه وجوه أخر أحدها أن اليمين مقصود به الجمع أيضا فإن الألف و اللام فيه للجنس فقام العموم مقام الجمع. قاله ابن عطية. الثاني أن اليمين فعيل و هو مخصوص بالمبالغة فسدت مبالغته جمعه كما سد مسد الشبه قوله: عن اليمين و عن الشمال قعيد قاله ابن بابشاذ. الثالث أن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول ثم يبدو كذلك ظلا واحدا من جهة اليمين ثم يأخذ في النقصان و إذا أخذ في جهة الشمال فإنه يتزايد شيئا فشيئا و الثاني فيه غير الأول فكلما زاد فيه شيئا فهو غير ما كان قبله فصار كل جزء منه ظلا فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال. قاله الرماني و غيره. قال ابن بابشاذ و إنما يصح هذا إذا كانا متوجهين نحو القبلة. الرابع إن اليمين يجمع على أيمن و أيمان فهو من أبنية جمع القلة غالبا و الشمال يجمع على شمائل و هو جمع كثرة و الموطن موطن تكثير و مبالغة فعدل عن جمع اليمين إلى الألف و اللام الدالة على قصد التكثير. قاله السهيلي. و أما إفرادها في قوله: و أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال فلأن المراد أهل هذه الجهة و مصيرهم إلى جهة واحدة هي جهة أهل الشمال مستقر أهل النار فإنها من جهة أهل الشمال فلا يحسن مجيئها مجموعة. و إما إفرادهما في قوله: عن اليمين و عن الشمال قعيد فإن لكل عبد قعيدا واحدا عن يمينه و آخر شماله يحصيان عليه الخير و الشر فلا معنى للجمع بينهما و هذا بخلاف قوله تعالى ذاكرا عن إبليس ثم لآتينهم من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم


14
فإن الجمع هناك يقابله كثير مما يريد إغوائهم فجمع لمقابلة الجملة بالجملة المقتضي لتوزيع الأفراد على الأفراد. و منها حيث وقع في القرآن ذكر الجنة فإنها تجىء تارة مجموعة و تارة غير مجموعة و النار لم تقع إلا مفردة و في ذلك وجهان أحدهما لما كانت الجنات مختلفة الأنواع حسن جمعها و إفرادها و لما كانت النار واحدة أفردت باعتبار الجنس و نظيره قوله تعالى: بأكواب و أباريق و كأس من معين و لم يقل وكؤوس لما سنذكره. الثاني أنه لما كانت النار تعذيبا و الجنة رحمة ناسب جمع الرحمة و إفراد العذاب نظير جمع الريح في الرحمة و إفرادها في العذاب. و أيضا فالنار دار حبس و الغاضب يجمع جماعة من المحبوسين في موضع واحد أنكد لعيشهم و الكريم لا يترك ضيفه و لا سيما إذا كان للدوام إلا في دار مفردة مهيأة له وحده فالنار لكل مذنب و لكل مطيع الجنة فجمع الجنان و لم يجمع النار. و منها جمع الآيات في موضع و إفرادها في آخر فحيث جمعت فلجمع الدلائل و حيث وحدت فلوحدانية المدلول عليه لما يخرج عن ذلك. و لهذا قال في الحجر إن في ذلك لآيات للمتوسمين ثم قال إن في ذلك لآية للمؤمنين فلما ذكر صفة المؤمنين بالوحدانية وحد الآية و ليس لها نظير إلا في العنكبوت و هو قوله: خلق الله السماوات و الأرض بالحق إن في ذلك لآية


15

و منها مجىء المشرق و المغرب في القرآن تارة بالجمع و أخرى بالتثنية و أخرى بالإفراد لاختصاص كل مقام بما يقتضيه. فالأول كقوله: فلا أقسم برب المشارق و المغارب . و الثاني كقوله: رب المشرقين و رب المغربين . و الثالث قوله: رب المشرق و المغرب لا إله إلا هو فحيث جمع كان المراد نفي المشرق و المغرب و حيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها و ارتفاعها فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها و ارتفاعها فهذا مشرق صعودها و ارتفاعها و ينشأ منه فصلا الخريف و الشتاء فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا و مشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا و مقابلهما مغربا. و قيل هو إخبار عن الحركات الفلكية متحركة بحركات متداركة لا تنضبط لخطة و لا تدخل تحت قياس لأن معنى الحركة انتقال الشىء من مكان إلى آخر و هذه صفة الأفلاك قال تعالى لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر الآية فهذا وجه اختلاف هذه الألفاظ بالإفراد و التثنية و الجمع و قد أجرى الله العادة إن القمر يطلع في كل ليلة من مطلع غير الذي طلع فيه بالأمس و كذلك الغروب فهي من أول فصل الصيف في تلك المطالع و المغارب إلى إن تنتهي إلى مطلع الاعتدال و مغربه عند أول فصل الخريف ثم تأخذ جنوبا في كل يوم في مطلع و مغرب إلى إن تنتهي إلى آخر مثلها الذي يقدر الله لها عند أول فصل الشتاء ثم ترجع كذلك إلى إن تنتهي إلى مطلع الاعتدال الربيعي و مغربه و هكذا أبدا. فحيث أفرد الله له لفظ المشرق و المغرب أراد به الجهة نفسها التى تشتمل الواحدة على تلك المطالع جميعها و الأخرى على تلك المغارب من غير نظر إلى تعددها و حيث جىء بلفظ الجمع المراد به


16
كل فرد منها بالنسبة إلى تعدد تلك المطالع و المغارب و هي في كل جهة مائة و ثمانون يوما و حيث كان بلفظ التثنية فالمراد بأحدهما الجهة التي تاخذ منها الشمس من مطلع الاعتدال إلى آخر المطالع و المغارب الجنوبية و بهذا الاعتبار مشرقان و مغربان. و أما وجه اختصاص كل موضع بما وقع منه فأبدى فيه بعض المتأخرين معاني لطيفة فقال أما ما ورد مثنى في سورة الرحمن فلأن سياق السورة سياق المزدوجين. الثاني فإنه سبحانه أولا ذكر نوعي الإيجاد و هما الخلق و التعليم ثم ذكر سراجي العالم و مظهر نوره و هما الشمس و القمر ثم ذكر نوعي النبات فإن منه ما هو على ساق و منه ما انبسط على وجه الأرض و هما النجم و الشجر. ثم ذكر نوعي السماء المرفوعة و الأرض ثم أخبر انه رفع هذه و وضع هذه و وسط بينهما ذكر الميزان ثم ذكر العدل و الظلم في الميزان فأمر بالعدل و نهى عن الظلم ثم ذكر نوعي الخارج من الأرض و هما الجنوب ثم ذكر نوعي المكلفين و هما نوع إلالإنسان و الجان ثم ذكر نوعي المشرق و المغرب ثم ذكر بعد ذلك البحر من الملح و العذب فلهذا حسن تثنية المشرق و المغرب في هذه السورة. و إنما افردا في سورة المزمل لما تقدم من ذكر الليل و النهار فإنه سبحانه أمر نبيه بقيام الليل ثم أخبر أنه له في النهار سبحا طويلا فلما تقدم ذكر الليل و النهار تممه بذكر المشرق و المغرب اللذين هما مظهر الليل و النهار فكان ورودهما منفردين في هذا السياق أحسن من التثنية و الجمع لأن ظهور الليل و النهار فيهما واحد. و إنما جمعا في سورة المعارج في قوله: فلا أقسم برب المشارق و المغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم و ما نحن بمسبوقين


17
لأنه لما كان هذا القسم سعة مشارق ربوبيته و إحاطة قدرته و المقسم عليه إذهاب هؤلاء و الإتيان بخير منهم ذكر المشارق و المغارب لتضمنها انتقال الشمس التي في أحد آياته العظيمة و نقله سبحانه لها و تصريفها كل يوم في مشرق و مغرب فمن فعل هذا كيف يعجزه إن يبدل هؤلاء و ينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم. و ايضا فإن تأثير مشارق الشمس و مغاربها في اختلاف أحوال النبات و الحيوان أمر مشهود و قد جعله الله بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات و احوال الحيوانات و انتقالها من حال إلى حال و من برد إلى حر و صيف و شتاء و غير ذلك بسبب اختلاف مشارق الأرض ومغاربها فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على تبديل من هو خير و أكد هذا المعنى بقوله و ما نحن بمسبوقين فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظ الجمع. و اما جمعهما في سورة الصافات في قوله: و رب المشارق لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة و هي السموات و الأرض و ما بينهما و كان الأحسن مجيئها مجموعة لتنتظم مع ما تقدم من الجمع و التعدد. ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال ذلك فإن المشارق مظهر الأنوار و أسباب لانتشار الحيوان و حياته و تصرفه في معاشه و انبساطه فهو إنشاء شهود فقدمه بين يدي على مبدأ البعث فكان الاقتصار على ذكر المشارق


18
ها هنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب فتأمل هذه المعاني الكاملة و الآيات الفاضلة التى ترقص القلوب لها طربا و تسيل الأفهام منها رهبا. و حيث ورد البار مجموعا في صفة الآدميين قيل ابرار كقوله: إن الأبرار لفي نعيم و قال في صفة الملائكة بررة قال الراغب فخص الملائكة بها من حيث أنه ابلغ من أبرار جمع بر و أبرار جمع بار و بر ابلغ من بار كما إن عدلا ابلغ من عادل. و هذا بناء على رواية في تفضيل الملائكة على البشر. و منها إن الأخ يطلق على أخي النسب و اخي الصداقة والدين و يفترقان في الجمع فيقال في النسب اخوة و في الصداقة إخوان كما قيل إخوانا على سرر متقابلين . و قال فإن كان له إخوة فلأمه السدس قال جماعة من أهل اللغة منهم ابن فارس و حكاه أبو حاتم عن أهل البصرة ثم رده بأنه يقال للأصدقاء و النسب إخوة و إخوان قال تعالى إنما المؤمنون إخوة لم يعن النسب. و قال أو بيوت إخوانكم . و هذا في النسب و نظيره قوله: و لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن إلى قوله: أو بني أخواتهن و هذا هو الصواب. و اشتقاق اللفظين من تاخيت


19
الشىء فسمى الأخوان أخوين لأن كل واحد منهما يتأخى ما تأخاه الآخر أي يقصده. قال ابن السكيت و يقال أخوة بضم الهمزة. و منها إفراد العم و الخال. و منها إفراد السمع و جمع البصر كقوله تعالى: ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم لأن السمع غلب عليه المصدرية فأفرد بخلاف البصر فإنه اشتهر في الجارحة و إذا أردت المصدر قلت أبصر إبصارا و لهذا لما استعمل الحاسة جمعه بقوله يجعلون أصابعهم في آذانهم و قال و في آذاننا وقر . و قيل في الكلام حذف مضاف أي على حواس سمعهم. و قيل لأن متعلق السمع الأصوات و هي حقيقة واحدة و متعلق البصر الألوان و الأكوان و هي حقائق مختلفة فاشار في كل منهما إلى متعلقه. و يحتمل إن يكون البصر الذي هو نور العين معنى يتعدد بتعدد المقلتين و لا كذلك السمع فإنه معنى واحد و لهذا إذا غطيت إحدى العينين ينتقل نورها إلى الأخرى بخلاف السمع فإنه ينقص بنقصان أحدهما. و قال الزمخشري في قوله تعالى: فيه ظلمات و رعد و برق أجرى الرعد و البرق على أصلهما مصدرين فافردهما دون الظلمات يقال رعدت السماء رعدا


20
و برقت برقا و الحق إن الرعد و البرق مصدران فأفردهما. أو هما مسببان عن سبب لا يختلف بخلاف الظلمة فإن أسبابها متعددة. و منها حيث ذكر الكأس في القرآن كان مفردا و لم يجمع في قوله تعالى: بأكواب و أباريق و كأس و لم يقل و كؤوس لأن الكأس إناء فيه شراب فإن لم يكن فيه شراب فليس بكأس بل قدح. و القدح إذا جعل فيه الشراب فالاعتبار للشراب لا لإنائه لأن المقصود هو المشروب و الظرف اتخذ للالة و لولا الشراب و الحاجة إلى شربه لما اتخذا و القدح مصنوع و الشراب جنس فلو قال كؤوس لكان اعتبر حال القدح و القدح تبع و لما لم يجمع اعتبر حال الشراب و هو أصل و اعتبار الأصل أولى. فانظر كيف اختار الأحسن من الألفاظ. و كثير من الفصحاء قالوا دارت الكؤوس و مال الرءوس فدعاهم السجع إلى اختيار غير الأحسن فلم يدخل كلامهم في حد الفصاحة و الذي يدل على ما ذكرنا إن الله تعالى لما ذكر الكأس و اعتبر الأصل قال و كأس من معين فذكر الشراب. و حيث ذكر المصنوع و لم يكن في اللفظ دلالة على الشراب جمع فقال: بأكواب و أباريق ثم ذكر ما يتخذ منه فقال: من فضة . و منها إفراد الصديق و جمع الشافعين في قوله تعالى: فما لنا من شافعين. و لا صديق حميم و حكمته كثرة الشفعاء في العادة و قلة الصديق قال الزمخشري


21
إلا ترى إن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده بشفاعته رحمة له و إن لم يسبق له بأكثرهم معرفة و أما الصديق فأعز من بيض الأنوق. و عن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال اسم لا معنى له. و يجوز إن يريد بالصديق الجمع. و قال السهيلي في الروض الأنف إذا قلت عبيد و نخيل فهو اسم يتناول الصغير و الكبير من ذلك الجنس قال الله تعالى و زرع و نخيل و قال و ما ربك بظلام للعبيد و حين ذكر المخاطبين منهم قال العباد و لذلك قال حين ذكر التمر من النخيل و النخل باسقات و أعجاز نخل منقعر فتأمل الفرق بين الجمعين في حكم البلاغة و اختيار الكلام و أما في مذهب اللغة فلم يفرقوا هذا التفريق و لا نبهوا على هذا المعنى الدقيق. و منها اختلاف الجمعين في قوله تعالى: أيود أحدكم أن تكون له جنة إلى قوله: و له ذرية ضعفاء . و قال و ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا . فأما وجه التفرقة بين الجمع في الموضعين و كذلك قوله: و لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن إلى قوله: أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن


22
فخالف بين الجمعين في الابناء. و في سورة الاحزاب و لا أبناء إخوانهن . و منه قوله تعالى: أنبتت سبع سنابل و في موضع اخر و سبع سنبلات فالمعدود واحد. و قد اختلف تفسيره فالاول جاء بصيغة جمع الكثرة و الثاني بجمع القلة. و قد قيل في توجيهه إن اية البقرة سيقت في بيان المضاعفة و الزيادة فناسب صيغة جمع الكثرة و اية يوسف لحظ فيها و هو قليل فاتى بجمع القلة ليصدق اللفظ المعنى.
تنبيه
جمع التكسير يشمل اولى العلم و غيرهم و جمع السلامة يختص في اصل الوضع باولى العلم و ان وجد في غيرهم فبحكم الالحاق و التشبيه كقوله: إني رأيت أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر رأيتهم لي ساجدين و على هذا فاشرف الجمعين جمع السلامة و ما يجمع جمع التكسير من مذكر غير العاقل قد يتبع بالصفة المفردة مؤنثه بالتاء كما يفعل بالخبر تقول حقوق معقودة و اعمال محسوبة قال تعالى فيها سرر مرفوعة. و أكواب موضوعة. و نمارق مصفوفة. و زرابي مبثوثة . و قال أياما معدودة . و قد جمع بالالف و التاء في غير المفرد و ان لم يكثر إلا انه فصيح و منه و اذكروا الله في أيام معدودات .


23

قاعدة نحوية
نون ضمير الجمع في جمع العلاقات سواء القلة كالهندات او الكثرة كالهنود فتقول الهندات يقمن و الهنود يقمن قال تعالى و الوالدات يرضعن ، و المطلقات يتربصن هذا هو الأكثر. و قد جاء في القران بالافراد قال تعالى و أزواج مطهرة و لم يقل مطهرات. و أما غير العاقل ففيه تفصيل. إن كان للكثرة اتيت بضميره مفردا فقلت الجذوع انكسرت و ان كان القلة اتيت جمعا. و قد اجتمعا في قوله: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله إلى إن قال منها أربعة حرم فالضمير في منها يعود الى الاثني عشر و هو جمع كثرة و لم يقل منهن ثم قال سبحانه فلا تظلموا فيهن أنفسكم فهذا عائد إلى الاربعة و هو جمع قله. فان قيل فما السر في هذا حيث كان يوتى مع الكثرة بضمير المفرد و مع القلة بضمير الجمع و هلا عكس قلنا ذكر الفراء له سرا لطيفا فقال لما كان المميز مع جمع الكثرة واحدا و حد الضمير لانه من احد عشر يصير مميزه واحدا و هو اندرهم و اما جمع القلة فمميزه جمع لانك تقول ثلاثة دراهم اربعة دراهم و هكذا إلى العشره تمييزه جمع فلهذا اعاد الضمير باعتبار المميز جمعا و افرادا و من هذا قوله سبحانه سبعة أبحر فاتى بجمع القلة و لم يقل بحور لتناسب نظم الكلام و هذا هو الاختيار في اضافة العدد إلى جمع القلة.


24

و اما قوله تعالى: و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فاضاف الثلاثة إلى القروء و هو جمع كثرة و لم يضفها إلى الأقراء التي هي جمع قله. قال الحريري المعنى لتتربص كل واحده منهن ثلاثة اقراء فلما اسند إلى جماعتهن و الواجب على كل فرد منهن ثلاثة اتى بلفظ قروء لتدل على الكثرة المرادة و المعنى الملموح.

قاعدة في الضمائر
و قد صنف ابن الانباري في بيان الضمائر الواقعة في القران مجلدين و فيه مباحث الاول للعدول إلى الضمائر اسباب منها و هو اصل وصفها للاختصار و لهذا قام قوله تعالى: أعد الله لهم مغفرة و أجرا عظيما مقام خمسة و عشرين لو اتى بها مظهرة. و كذا قوله تعالى: و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن نقل ابن عطيه عن مكي انه ليس في كتاب الله آية اشتملت على ضمائر اكثر منها و هي مشتمله على خمسة و عشرين ضميرا و قد قيل في اية الكرسي احد و عشرون اسما ما بين ضمير و ظاهر. و منها الف خامة بشان صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه و يكتفي عن اسمه الصريح بذكر شئ من صفاته كقوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر يعني القران و قوله: فإنه نزله على قلبك . و منه ضمير الشان.


25

و منها التحقير كقوله تعالى: إنه لكم عدو مبين يعني الشيطان. و قوله: إنه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم ، إنه ظن أن لن يحور . الثاني الاصل إن يقدم ما يدل عليه الضمير بدليل الاكثرية و عدم التكليف و من ثم ورد قوله تعالى: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه و تقدم المفعول الثاني في قوله: و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس و الجن يوحي بعضهم فاخر المفعول الاول ليعود الضمير الاول عليه لقربه. و قد قسم النحويون ضمير الغيبة إلى اقسام أحدها و هو الاصل إن يعود إلى شيء سبق ذكره في اللفظ بالمطابقة نحو و عصى آدم ربه فغوى ، و نادى نوح ابنه ، إذا أخرج يده لم يكد يراها . و قوله: يستمعون القرآن فلما حضروه . الثاني إن يعود على مذكور في سياق الكلام مؤخر في اللفظ مقدم في النية كقوله تعالى: فأوجس في نفسه خيفة .


26

و قوله: و لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون . و قوله: فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان . الثالث إن يدل اللفظ على صاحب الضمير بالتضمن كقوله تعالى: اعدلوا هو أقرب للتقوى فانه عائد على العدل المفهوم من اعدلوا. و قوله: و لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه و إنه لفسق فالضمير يرجع للاكل لدلالة تاكلوا. و قوله: و إذا حضر القسمة إلى قوله: فارزقوهم منه اي المقسوم لدلالة القسمة عليه. و يحتمل إن يعود على ما تركه الوالدان و الأقربون لانه مذكور و ان كان بعيدا. الرابع إن يدل عليه بالالتزام كإضمار النفس في قوله تعالى: فلولا إذا بلغت الحلقوم ، كلا إذا بلغت التراقي اضمر النفس لدلالة ذكر الحلقوم و التراقي عليها. و قوله: حتى توارت بالحجاب يعني الشمس. و قيل بل سبق ما يدل عليها و هو العشي لانه العشي ما بين زوال الشمس و غروبها و المعنى اذ عرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب. و قيل فاعل توارت ضمير الصافنات ذكره ابن مالك و ابن العربي قي المفتوحات. و يرجحه إن اتفاق الضمائر اولى من تخالفها و سنذكره في الثامن.


27

و كذا قوله: فأثرن به نقعا. فوسطن به جمعا قيل الضمير لمكان الاغارة بدلالة و العاديات عليه فهذه الافعال انما تكون لمكان. و قوله: إنا أنزلناه في ليلة القدر اضمر القرآن لأن الانزال يدل عليه. و قوله: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف و أداء إليه بإحسان ف عفى يستلزم عافيا اذ اغنى ذلك عن ذكره و اعيد الهاء من إليه عليه. الخامس إن يدل عليه السياق فيضمر ثقة بفهم السامع كاضمار الارض في قوله: ما ترك على ظهرها من دابة و قوله: كل من عليها فان . و جعل ابن مالك الضمير للدنيا و قال و ان لم يقدم لها ذكر لكن تقدم ذكر بعضها و البعض يدل على الكل. و قوله تعالى: مستكبرين به سامرا تهجرون يعني القرآن او المسجد الحرام. و قوله: قال هي راودتني عن نفسي ، يا أبت استأجره ، و لأبويه لكل واحد منهما السدس الضمير يعود على الميت و ان لم يتقدم له ذكر إلا انه لما قال يوصيكم الله في أولادكم علم إن ثم ميتا يعود الضمير عليه. و قوله: و إذا حضر القسمة ثم قال فارزقوهم منه اي من الموروث و هذا وجه آخر غير ما سبق.


28

و قوله: و إذا علم من آياتنا شيئا اتخذها و لم يقل اتخذه ردا للضمير إلى شيئا لانه لم يقتصر على الاستهزاء بما يسمع من ايات الله بل كان اذا سمع بعض آيات الله استهزأ بجميعها. و قيل شيئا بمعنى الاية لأن بعض الايات اية. و قد يعود الضمير على الصاحب المسكوت عنه لاستحضاره بالمذكور و عدم صلاحيته له كقوله: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فاعاد الضمير للايدي لانها تصاحب الاعناق في الاغلال و اغنى ذكر الاغلال عن ذكرها. و مثله قوله تعالى: و ما يعمر من معمر و لا ينقص من عمره اي من عمر غير المعمر فاعيد الضمير على غير المعمر لان ذكر المعمر يدل عليه لتقابلهما فكان يصاحبه الاستحضار الذهني. و قد يعود الضمير على بعض ما تقدم له كقوله تعالى: فإن كن نساء بعد قوله: يوصيكم الله في أولادكم . و قوله: و بعولتهن أحق بردهن فانه عائد على المطلقات مع إن هذا خاص بالرجعى و هل يقتضي ذلك تخصيص الاول فيه خلاف اصولي و قوله: و لا ينفقونها في سبيل الله فان الفضة بعض المذكور فأغنى ذكرها عن ذكر الجميع حتى كأنه قال و الذين يكنزون اصناف ما يكنز. و قد يعود على اللفظ الاول دون معناه كقوله تعالى: و ما يعمر من معمر و لا ينقص من عمره و قد سبق فيه وجه اخر.


29

و قوله: و لقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه على احد الاقوال. و مما يتخرج عليه و بعولتهن أحق بردهن و يستراح من الزام تخصيص الاول. و قد يعود على المعنى كقوله في آية الكلالة فإن كانتا اثنتين و لم يتقدم لفظ مثنى يعود عليه الضمير من كانتا قال الاخفش انما يثنى لان الكلام لم يقع على الواحد و الاثنين و الجمع فثنى الضمير الراجع إليها حملا على المعنى كما يعود الضمير جمعا في من حملا على معناها. و قال الفارسي انما جازت من حيث كان يفيد العدد مجردا من الصغير و الكبير. السادس إلا يعود على مذكور و لامعلوم بالسياق او غيره و هو الضمير المجهول الذي يلزمه التفسير بجملة او مفرد فالمفرد في نعم و بئس و الجملة ضمير الشان و القصة نحو هو زيد منطلق و كقوله تعالى: قل هو الله أحد اي الشان الله احد. و قوله: لكن هو الله ربي . و قوله: أنا الله . و قوله: فإنها لا تعمى الأبصار . و قد يكون مؤنثا اذا كان عائده مؤنثا كقوله تعالى: إن هي إلا حياتنا الدنيا و اما قوله تعالى: إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم فذكر


30
الضمير مع اشتمال الجملة على جهنم و هي مؤنثة لانها في حكم الفضلة اذا المعنى من يأت ربه مجرما يجز جهنم. (تنبيه) و الفرق بينه و بين ضمير الفصل إن الفصل يكون على لفظ الغائب و المتكلم و المخاطب قال تعالى هذا هو الحق ، كنت أنت الرقيب ، إن ترن أنا أقل منك مالا . و يكون له محل من الاعراب و ضمير الشان يكون إلا غائبا و يكون مرفوع المحل و منصوبه قال تعالى قل هو الله أحد ، و أنه لما قام عبد الله . البحث الثالث قد يعود على لفظ شيء و المراد به الجنس من ذلك الشئ كقوله تعالى: و أتوا به متشابها فان الضمير في به يرجع إلى المرزوق في الدارين جميعا لان قوله: هذا الذي رزقنا من قبل مشتمل على ذكر ما رزقوه في الدارين. قال الزمخشري و نظيره إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما اي بجنس الفقير و الغني لدلالة قوله: غنيا أو فقيرا على الجنسين و لو رجع إلى المتكلم به لوحده. البحث الرابع قد يذكر شيئان و يعاد الضمير على احدهما ثم الغالب كونه للثاني كقوله تعالى: و استعينوا بالصبر و الصلاة و إنها لكبيرة فاعاد الضمير للصلاة لانها اقرب.


31

و قوله: هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و قدره منازل و الأصل قدرهما لكن اكتفى برجوع الضمير للقمر لوجهين قربه من الضمير و كونه هو الذي يعلم به الشهور و يكون به حسابها. و قوله: و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله أعاد الضمير على الفضة لقربها. و يجوز إن يكون إلى المكنوز و هو يشملها و قوله: و الله و رسوله أحق أن يرضوه أراد يرضوهما فخص الرسول بالعائد لأنه هو داعي العباد إلى الله و حجته عليهم و المخاطب لهم شفاها بأمره و نهيه و ذكر الله تعالى في الآية تعظيما و المعنى تام بذكر الرسول وحده كما قال تعالى و إذا دعوا إلى الله و رسوله ليحكم بينهم فذكر الله تعظيما و المعنى تام بذكر رسوله. و مثله قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و رسوله و لا تولوا عنه . و جعل منه ابن الأنباري و من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا أعاد الضمير للإثم لقربه و يجوز رجوعه إلى الخطيئة و الإثم على لفظها بتأويل و من يكسب إثما ثم يرم به. و قال الأنباري و لم يؤثر الأول بالعائد في القرآن كله إلا في موضع واحد و هو قوله تعالى: و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها معناه إليهما فخص التجارة بالعائد لأنها كانت سبب الانفضاض عنه و هو يخطب. قال فأما كلام العرب فإنها تارة تؤثر الثاني بالعائد و تارة الأول فتقول إن عبدك و جاريتك عاقلة و إن عبدك و جاريتك عاقل.


32

قلت ليس من هذا قوله تعالى: و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها . و قوله: و من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا لأن الإخبار عن أحدهما لوجود لفظه أو هي لإثبات أحد المذكورين فمن جعله نظير هذا فلم يصب إلا إن يدعى إن أو بمعنى الواو. و في هاتين الآيتين لطيفة و هي إن الكلام لما اقتضى إعادة الضمير على أحدهما أعاده في الآية الأولى على التجارة و إن كانت أبعد و مؤنثة لأنها أجذب لقلوب العباد عن طاعة الله من اللهو بدليل إن المشتفلين بها أكثر من اللهو و لأنها اكثر نفعا من اللهو. أو لأنها كانت أصلا و اللهو تبعا لأنه ضرب بالطبل لقدومها على ما عرف من تفسير الآية. و اعاده في الآية الثانية على الإثم رعاية لمرتبة القرب و التذكر. الخامس قد يذكر شيئان و يعود الضمير جمعا لأن الاثنين جمع في المعنى كقوله تعالى: و كنا لحكمهم شاهدين يعني حكم سليمان و داود. و قوله: أولئك مبرؤون مما يقولون فأوقع أولئك و هو جمع على عائشة و صفوان بن المعطل. البحث السادس قد يثني الضمير و يعود على أحد المذكورين كقوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان قالوا و إنما يخرج من أحدهما. و قوله: نسيا حوتهما و إنما نسيه الفتى.


33

السابع قد يجىء الضمير متصلا بشىء و هو لغيره كقوله تعالى: و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين يعنى آدم ثم قال ثم جعلناه نطفة فهذا لولده لأن آدم لم يخلق من نطفة. و منه قوله تعالى: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم قيل نزلت في ابن حذافة حين قال للنبي صلى الله عليه و سلم من أبي قال حذافة فكان نسبه فساءه ذلك فنزلت لا تسألوا عن أشياء و قيل نزلت في الحج حين قالوا افي كل مرة ثم قال و إن تسألوا عنها يريد إن تسألوا عن اشياء أخر من دينكم بكم إلى علمها حاجة تبد لكم ثم قال قد سألها قوم من قبلكم أي طلبها و السؤال عنها طلب فليست الهاء راجعة لأشياء متقدمة بل لأشياء أخر مفهومة من قوله: لا تسألوا عن أشياء و يدل على ما ذكرنا أنه لو كان الضمير عائدا على أشياء مذكورة لتعدى إليها ب عن لا بنفسه و لكنه مفعول مطلق لا مفعول به. و قوله تعالى: هو سماكم المسلمين من قبل يتبادر إلى الذهن إن الضمير في قوله: هو عائد لابراهيم لأنه اقرب المذكورين و هو مشكل لا يستقيم لأن الضمير في قوله: و في هذا راجع للقرآن و هو لم يكن في زمن إبراهيم و لا هو قاله. و الصواب إن الضمير راجع إلى الله سبحانه يعني سماكم المسلمين من قبل يعني في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلكم و في هذا الكتاب الذي أنزل عليكم و هو القرآن. و المعنى جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم و هو سماكم المسلمين من قبل. و في هذا الكتاب لتكونوا أي سماكم و جعلكم مسلمين لتشهدوا على الناس يوم القيامة. و قوله: ملة أبيكم إبراهيم منصوب بتقدير اتبعوا لأن هذا


34
الناصب نصبه قوله: و جاهدوا في الله حق جهاده لأن الجهاد من ملة ابراهيم. و في سورة يس موضعان توهم فيهما كثير من الناس أحدهما قوله: و آية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون فقد يتوهم إن الضمير في هم راجع إلى الليل و النهار بناء على إن أقل الجمع اثنان و هو فاسد لوجهين أحدهما إن النهار ليس مظلما و الثاني إن كون أقل الجمع اثنان مذهب مرجوح إنما الضمير راجع إلى الكفار الذين يحتج عليهم بالآيات و مظلوم داخلو الظلام كقولك مصبحون و ممسون إذا دخلوا في هذه الأشياء. و الثاني قوله تعالى: أو ليس الذي خلق السماوات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم يظن بعضهم إن معناه مثل السموات و الأرض و هو فاسد لوجهين أحدهما انهم أنكروا إعادة السموات و الأرض حتى يدل على إنكارهم إعادتهما بابتدائهما و إنما أنكروا إعادة أنفسهم فكان الضمير راجعا إليهم ليتحقق حصول الجواب لهم و الرد عليهم. الثاني لتبين المراد في قوله: و لم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى فإن قيل إنما أثبت قدرته على إعادة مثلهم لا على إعادتهم أنفسهم فلا دلالة فيه عليهم قلنا المراد بمثلهم هم كما في قوله: ليس كمثله شيء و قولهم مثلى لا يفعل كذا أي أنا و بدليل الآية الأخرى و قوله: و العمل الصالح يرفعه قد يتوهم عوده على الله و ليس كذلك


35
و إلا لنصب العمل كما تقول قام زيد و عمرا يضربه و إنما الفاعل في يرفعه عائد إلى العمل و الهاء للكلم. قال الفارسي في التذكرة المنصوب في يرفعه عائد للكلم لأن الكلم جمع كلمة قال كلم كالشجر في أنه قد وصف بالمفرد في قوله: من الشجر الأخضر و كذلك وصف الكلم بالطيب و لو كان الضمير المنصوب في يرفعه عائدا إلى العمل لكان منصوبا في هذا الوجه. و ما جاء التنزيل عليه من نحو و الظالمين أعد لهم عذابا أليما . و الضمير المرفوع في يرفعه عائد إلى العمل فلذلك ارتفع العمل و لم يحمل على قوله: يصعد و يضمر له فعل ناصب كما أضمرت لقوله و الظالمين و المعنى يرفع العمل الصالح الكلم الطيب و معنى يرفع العمل أنه لا يحبط ثوابه فيرفع لصاحبه و يثاب عليه و ليس كالعمل السىء الذي يقع معه الإحباط فلا يرفع إلى الله سبحانه. الثامن إذا اجتمع ضمائر فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف و لهذا لما جوز بعضهم في قوله تعالى: أن اقذفيه في التابوت الخ إن الضمير في فاقذفيه في اليم للتابوت و ما بعده و ما قبله لموسى عابه الزمخشري و جعله تنافرا و مخرجا للقرآن عن إعجازه فقال و الضمائر كلها راجعة إلى موسى و رجوع بعضها إليه و بعضها إلى التابوت فيه هجنة لما يؤدي إليه من تنافر النظر. فإن قلت المقذوف في البحر هو التابوت و كذلك الملقى إلى الساحل.


36

قلت ما ضرك لو جعلت المقذوف و الملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو قوام إعجاز القرآن و القانون الذي وقع عليه التحدي و مراعاته أهم ما يجب على المفسر. انتهى و لا مزيد على حسنه. و قال في قوله: لتؤمنوا بالله و رسوله و تعزروه و توقروه و تسبحوه الضمائر لله عز وجل و المراد بتعزيز الله تعزيز دينه و رسوله و من فرق الضمائر فقد أبعد. أي فقد قيل إنها للرسول إلا الأخير لكن قد يقتضي المعنى التخالف كما في قوله تعالى: و لا تستفت فيهم منهم أحدا الهاء و الميم في فيهم لأصحاب الكهف و الهاء و الميم في منهم. لليهود قاله ثعلب و المبرد. و قوله تعالى: و الذين هم بربهم لا يشركون بعد قوله: إنما سلطانه . و قوله: و ما بلغوا معشار ما آتيناهم . و قوله: و عمروها أكثر مما عمروها أي عمروا الأرض الذين كانوا قبل قريش أكثر مما عمرتها قريش. و قوله: إلا تنصروه فقد نصره الله الآية فيها اثنا عشر ضميرا خمسة للنبي صلى الله عليه و سلم و له و الثالث ضمير في الغار لأنه يتعلق باستقرار محذوف


37
فيحتمل ضميرا و الرابع صاحبة و الخامس لا تحزن و السادس معنا و السابع في عليه على قول الأكثر فيما نقله السهيلي لأن السكينة على النبي صلى الله عليه و سلم دائما لأنه كان قد علم أنه لا يضره شىء إذ كان خروجه بأمر الله. و أما قوله: ثم أنزل الله سكينته على رسوله فالسكينة نزلت على النبي صلى الله عليه و سلم يوم حنين لأنه خاف على المسلمين و لم يخف على نفسه فنزلت عليه السكينة من أجلهم لا من أجله. و أما قوله تعالى: فأنساه الشيطان ذكر ربه قيل الضميران عائدان على يوسف قال للناجي ذكر الملك بأمري. و رجح ابن السيد هذا لقوله تعالى: و قال الذي نجا منهما و ادّكر بعد أمة أي بعد حين. و في قراءة ابن عامر بعد امه بالتخفيف أي نسيان و إلا لم يكن ليذكر تذكر الفتى بعد النسيان. و الذكر على هذا يحتمل وجهين إن يكون بمعنى التذكير و يكون مصدر ذكرته ذكرا فالتقدير فأنساه الشيطان ذكره عند ربه فاضاف الذكر إلى الرب و هو في الحقيقة مضاف إلى ضمير يوسف و جاز ذلك لملاءمته بينهما. و قد يخالف بين الضمائر حذرا من التنافر كقوله تعالى: منها أربعة حرم كما عاد الضمير على الاثنى عشر ثم قال فلا تظلموا فيهن أنفسكم لما أعاد على اربعة و هو جمع قلة. و جوز بعضهم عوده على الاثنى عشر أيضا بل هو الصواب لأنه لا يجوز إن ينهى عن الظلم في الأربعة و يبيح الظلم في الثمانية بل ترك الظلم في الكل واجب.


38

قلت لكن يجوز التنصيص على افضلية الحرم فإن الظلم قبيح مطلقا و فيهن اقبح فالظاهر الأول. التاسع قد يسد مسد الضمير أمور منها الإشارة كما في قوله تعالى: إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا . و منها الألف و اللام كقوله تعالى: فأما من طغى و آثر الحياة الدنيا. فإن الجحيم هي المأوى. و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى . و قوله: نجب دعوتك و نتبع الرسل أي رسلك. و قوله: إنه من يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين أصل الكلام أجره و صبره و لما كان المحسنون جنسا و من يتق و يصبر واحد تحته أغنى عمومه من عود الضمير إليه. و قول الكوفيين الألف و اللام عوض من الضمير. قال ابن مالك و عليه يحمل قوله: جنات عدن مفتحة لهم الأبواب و زعم الزمخشري إن الأبواب بدل من المستكن في مفتحة. و هذا تكلف فوجب إن تكون الأبواب مرتفعة بمفتحة المذكور أو بمثله مقدرا. و قد صح إن مفتحة صالح للعمل في الأبواب فلا حاجة إلى إبدال أيضا.


39

و منها الاسم الظاهر بأن يكون المقام يقتضي الإضمار فيعدل عنه إلى الظاهر و قد سبق الكلام عليه في أبواب التأكيد. العاشر الأصل في الضمير عوده إلى أقرب مذكور و لنا أصل آخر و هو أنه إذا جاء مضاف و مضاف إليه و ذكر بعدهما ضمير عاد إلى المضاف لأنه المحدث عنه دون المضاف إليه نحو لقيت غلام زيد فأكرمته فالضمير للغلام. و منه قوله تعالى: و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . و عند التعارض راعى ابن حزم و الماوردي الأصل الأول فقالا إن الضمير في قوله: أو لحم خنزير فإنه رجس يعود على الخنزير دون لحمه لقربه. و قواه بعض المتأخرين لأن الضمير للمضاف دون المضاف إليه ليس بأصل مطرد فقد يعود إلى المضاف إليه كقوله تعالى: و اشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون . و كذا الصفة فإنها كما في قوله تعالى: إني أرى سبع بقرات سمان . و للجمهور إن يقولوا و كذا عوده للأقرب ليس بمطرد فقد يخرج عن الأصل لدليل و إذا تعارض الأصلان تساقطا و نظر في الترجيح من خارج. بل قد يقال عوده إلى ما فيه العمل بهما أولى كما يقوله الماوردي إن الضمير يعود إلى الخنزير لأن اللحم موجود فيه. و أما قوله تعالى: فظلت أعناقهم لها خاضعين فأخبر خاضعين عن المضاف إليه و لو أخبر عن المضاف لقال خاضعة. و أما قوله تعالى: فأطلع إلى إله موسى و إني لأظنه كاذبا فقد عاد


40
الضمير في قول المحققين للمضاف اليه و هو موسى و الظن بفرعون و كأنه لما رأى نفسه قد غلط في الإقرار بالإلهية من قوله: إله موسى استدرك ذلك بقوله هذا. الحادي عشر إذا عطف ب أو وجب إفراد الضمير نحو إن جاء زيد أو عمرو فأكرمه لأن أو لأحد الشيئين فأما قوله تعالى: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فقيل إن أو بمعنى الواو. و قيل بل المعنى إن يكن الخصمان فعاد الضمير على المعنى. و قيل للتنويع لا للعطف و عكس هذا إذا عطف بالواو وجب تثنية الضمير. فأما قوله تعالى: و الله و رسوله أحق أن يرضوه فقد سبق الكلام عليه.
فائدة
قوله: إلا عشية أو ضحاها أي ضحى يومها فدل بالجزء على الكل. قال الشيخ عز الدين و إنما أضاف الضحى إلى نهار العشية لأنه لو أطلقها من غير إضافة لم يحسن الترديد ب أو لأن عشية كل نهار من الظهر إلى الغروب و هو نصف النهار و ضحاها مقدار ربعه مثلا و هو مقدار نصف العشية فلما اضافه إلى نهارها علم تقاربهما فحسن الترديد. لإفادته الترديد بين اللبث الطويل و القصير و لو أطلقه لجاز إن يتوهم عشية نهار قصير و ضحى يوم طويل فتساوى ذلك الضحى بالعشية فلا يحسن الترديد بينهما.


41

فإن قيل كيف يجمع بين قوله: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار و هو الجزء اليسير من الزمان و بين الضحى و العشية و كيف حسن الترديد فالجواب إن هذا الحساب يختلف باختلاف الناس فمنهم من يعتقده طويلا و منهم من يحسبه قصيرا قال تعالى يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ثم قال إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما . و قد يكون بحسب شدة الأمر و خفته و لبثتم يحتمل إن يكون في الدنيا و يحتمل إن يكون في البرزخ و الأول أظهر.

فائدة
و قد يتجوز بحذف الضمير للعلم به كقوله: أهذا الذي بعث الله رسولا أي بعثه و هو كثير. و منه قوله: و الذين يتوفون منكم إلى قوله: يتربصن إذا جعلناه الخبر فالأصل يتربصن ازواجهن فوضع الضمير موضع الأزواج لتقدم ذكرهن فأغنى عن الضمير.
فائدة
المضمر لا يكون إلا بعد الظاهر لفظا او مرتبة أو لفظا و مرتبة و لا يكون قبل الظاهر لفظا و مرتبة إلا في أبواب ضمير الشأن و القصة كما سبق و باب نعم و بئس كقوله تعالى: فنعما هي و ساء مثلا و الضمير في ربه رجلا. و باب الإعمال إذا أعملت


42
الثاني و الأول يطلب عمدة فمذهب سيبويه أنك تضمر في الأول فتقول ضربوني و ضربت الزيدين.
فائدة
الضمير لا يعود إلا على مشاهد محسوس فأما قوله تعالى: إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فضمير له عائد على الأمر و هو إذ ذاك غير موجود فتأويله أنه لما كان سابقا في علم الله كونه كان بمنزلة المشاهد الموجود فصح عود الضمير إليه. و قيل بل يرجع للقضاء لدلالة قضى عليه و اللام للتعليل بمعنى من أجل كقوله تعالى: و إنه لحب الخير لشديد أي من أجل حبه.
قاعدة فيما يتعلق بالسؤال و الجواب
الأصل في الجواب إن يكون مطابقا إذا كان السؤال متوجها و قد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيها على أنه كان من حق السؤال إن يكون كذلك و يسميه السكاكى الأسلوب الحكيم. و قد يجىء الجواب أعم من السؤال للحاجة إليه في السؤال و أغفله المتكلم. و قد يجىء أنقص لضرورة الحال.


43

مثال ما عدل عنه قوله تعالى: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج فعدل عن الجواب لما قالوا ما بال الهلال يبدو رقيقا مثل الخيط ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلىء و يستوى ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ فأجيبوا بما أجيبوا به لينتهوا على إن الأهم ما تركوا السؤال عنه. و كقوله تعالى: يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين و الأقربين و اليتامى و المساكين و ابن السبيل سألوا عما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف تنزيلا لسؤالهم منزلة سؤال غيره لينبه على ما ذكرنا و لأنه قد تضمن قوله: قل ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه و هو خير ثم زيدوا على الجواب بيان المصرف. و نظيره و ما تلك بيمينك يا موسى فيكون طابق و زاد نعم روى عن ابن عباس أنه قال جاء عمرو بن الجموح و هو شيخ كبير له مال عظيم فقال ماذا أنفق من أموالنا و اين نضعها فنزلت فعلى هذا ليست الاية مما نحن فيه لأن السائل لم يتعلق بغير ما يطلب بل أجيب ببعض ما سأل عنه. و قال ابن القشيري السؤال الأول كان سؤالا عن النفقة إلى من تصرف و دل عليه الجواب و الجواب يخرج على وفق السؤال و أما هذا السؤال الثاني فعن قدر الإنفاق و دل عليه الجواب أيضا. و من ذلك أجوبة موسى عليه السلام لفرعون حيث قال فرعون و ما رب العالمين قال رب السماوات و الأرض و ما بينهما لأن ما سؤال عن الماهية أو عن الجنس و لما كان هذا السؤال خطأ لأن المسئول عنه ليس ترى ماهيته فتبين و لا جنس له


44
فيذكر عدل الكليم عن مقصود السائل إلى الجواب بما يعرف الصواب عند كيفية الخطاب و لا يستحق الجريان معه فأجابه بالوصف المنبه عن الظن المؤدي لمعرفته لكنه لما لم يطابق السؤال عنه فرعون لجهله و اعتقد الجواب خطأ قال لمن حوله ألا تستمعون فأجابه الكليم بجواب يعم الجميع و يتضمن الإبطال لعين ما يعتقدونه من ربوبية فرعون لهم بقوله ربكم و رب آبائكم الأولين فأجاب بالأغلظ و هو ذكر الربوبية لكل ما هو من عالمهم نصا. و لما لم يرهم موسى عليه السلام تفطنوا غلظ عليهم في الثالثة بقوله إن كنتم تعقلون فكأنه شك في حصول عقلهم. فإن قيل قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام و لم يقل عن قتال في الشهر الحرام لأنهم لم يسالوا إلا من أجل القتال فيه فكان ذكره أولى. قيل لم يقع السؤال إلا بعد القتال فكان الاهتمام بالسؤال عن هذا الشهر هل ابيح فيه القتال و اعاده بلفظ الظاهر و لم يقل هو كبير ليعلم حكم قتال وقع في الشهر الحرام. و قد يعدل عن الجواب إذا كان السائل قصده التعنت كقوله تعالى: و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي فذكر صاحب الإيضاح في خلق الإنسان إن اليهود إنما سألوا تعجيزا و تغليظا إذا كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان و جبريل و ملك آخر يقال له الروح و صنف من الملائكة و القرآن و عيسى فقصد اليهود إن يسألوه فبأى يسمى اجابهم قالوا ليس هو فجاءهم الجواب مجملا فكان هذا الإجمال كيدا يرسل به كيدهم.


45

و قيل إنما سألوا عن الروح هل هي محدثة مخلوقة ام ليست كذلك فأجابهم بأنها من أمر الله و هو جواب صحيح لأنه لا فرق بين إن يقول في الجواب ذلك أو يقول من أمر ربي لأنه أنما أراد أنها من فعله و خلقه. و قيل أنهم سالوه عن الروح الذي هو في القرآن فقد سمى الله القرآن روحا في مواضع من الكتاب و حينئذ فوقع الجواب موقعه لأنه قال لهم الروح الذي هو القرآن من أمر ربي و مما أنزله الله على نبيه يجعله دلالة و علما على صدقه و ليس من فعل المخلوقين و لا مما يدخل في إمكانهم. و حكاه الشريف المرتضى في الغرر عن الحسن البصري قال و يقويه قوله بعد هذه الآية و لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا فكانه قال تعالى إن القرآن من أمر ربي و لو شاء لرفعه. و مثال الزيادة في الجواب قوله تعالى: و ما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها و أهش بها على غنمي و لي فيها مآرب أخرى فإنه عليه السلام فهم إن السؤال يعقبه أمر عظيم يحدثه الله في العصا فينبغى إن ينبه لصفاتها حتى يظهر له التفاوت بين الحالين. و كذا قوله: ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين و حسنه إظهار الابتهاج بعبادتها و الاستمرار على مواظبتها ليزداد غيظ السائل. و قوله تعالى: الله ينجيكم منها و من كل كرب بعد قوله: قل من ينجيكم من ظلمات البر و البحر تدعونه تضرعا الآية و لولا قصد بسط الكلام ليشاكل ما تقدم لقال ينجيكم الله.


46

و مثال النقصان منه قوله تعالى ذاكرا عن مشركي مكة و اذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي أي أئت بقرآن ليس فيه سب آلهتنا أو بدله بأن تجعل مكان آية العذاب آية الرحمة و ليس فيه ذكر آلهتنا فأمره الله إن يجيبهم على التبديل و طوى الجواب عن الاختراع قال الزمخشري لأن التبديل في إمكان البشر بخلاف الاختراع فإنه ليس في المقدور فطوى ذكره للتنبيه على انه سؤال محال. و ذكر غيره إن التبديل قريب من الاختراع فلهذا اقتصر على جواب واحد لهما. و خطر لي انه لما كان التبديل أسهل من الاختراع و قد نفى إمكان التبديل كان الاختراع غير مقدور عليه من طريق أولى.

فائدة
قيل اصل الجواب إن يعاد في نفس سؤال السائل ليكون وفق السائل قال الله تعالى أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف و أنا في جوابه عليه السلام هو أنت في سؤالهم قال أأقررتم و أخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا فهذا اصله ثم إنهم أتوا عوض ذلك محذوف الجواب اختصارا و تركا للتكرار. و قد يحذف السؤال ثقة بفهم السامع بتقديره كقوله تعالى: قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده


47
فإنه لا يستقيم إن يكون السؤال و الجواب من واحد فتعين إن يكون قل الله جواب سؤال كأنهم سألوا لما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو من يبدأ الخلق ثم يعيده فأجابهم الله عز وجل قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فترك ذكر السؤال. و نظيره قوله تعالى: قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق .
قاعدة
الأصل في الجواب إن يكون مشاكلا للسؤال فإن كان جملة اسمية فينبغي إن يكون الجواب كذلك و يجىء ذلك في الجواب المقدر أيضا الا إن ابن مالك قال في قولك من قرا فتقول زيد فإنه من باب حذف الفعل على جعل الجواب جملة فعلية. قال و انما قدرته كذلك لا مبتدأ مع احتماله جريا على عادتهم في الأجوبة إذا قصدوا تمامها قال تعالى من يحيي العظام و هي رميم. قل يحييها الذي أنشأها . و مثله ليقولن خلقهن العزيز العليم ، قل أحل لكم الطيبات فلما أتى بالجملة الفعلية مع فوات مشاكلة السؤال علم إن تقدير الفعل أولا أولى. انتهى. و مما رجح به أيضا تقدير الفعل أنه حيث صرح بالجزء الأخير صرح بالفعل


48
و التشاكل ليس واجبا بل اللائق كون زيد فاعلا اي قرأ زيد أو خبرا اي القاريء زيد لا مبتدأ لأنه مجهول. بقي إن يقال في الأولى التصريح بالفعل أو حذفه و هل يختلف المعنى في ذلك و الجواب قال ابن يعيش التصريح بالفعل أجود. و ليس كما زعم بل الأكثر الحذف و اما قوله تعالى: أحل لكم الطيبات ، ليقولن خلقهن العزيز العليم ، قل يحييها الذي أنشأها . فكان الشيخ شهاب الدين بن المرحل رحمه الله يجعله من باب يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج من انهم أجيبوا بغير ما سألوا لنكتة. و فيه نظر. و اما المعنى فلا شك أنه يختلف فإنه إذا قيل من جاء فقلت جاء زيد احتمل إن يكون جوابا و إن يكون كلاما مبتدا. و لو قلت زيد كان نصا في أنه جواب و في العموم الذي دلت عليه من و كأنك قلت الذي جاء زيد فيفيد الحصر. و هاتان الفائدتان إنما حصلتا من الحذف. و منه قوله تعالى: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار إذ التقدير الملك لله الواحد فحذف المبتدأ من الجواب إذ المعنى لا ملك إلا لله. و من الحذف قوله تعالى: لمن الأرض و من فيها ، لمن ما في السماوات و الأرض ، قل من يرزقكم من السماوات و الأرض . و من الإثبات قوله تعالى: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة .


49

و لعله للتنصيص على الإحياء الذي انكروه قل من رب السماوات السبع و قوله: خلقهن العزيز العليم لأن ظاهر أمرهم انهم كانوا معطلة و دهرية فأريد التنصيص على اعترافهم بأنها مخلوقة. و قوله: نبأني العليم الخبير لأنها استغربت حصول النبأ الذي أسرته. و قال ابن الزملكاني في البرهان أطلق النحويون القول بان زيدا فاعل إذا قلت زيد في جواب من قام على تقدير قام زيد و الذي يوجبه جماعة علم البيان أنه مبتدأ لوجهين أولهما أنه مطابق للجملة التى هي جواب الجملة المسئول بها في الاسمية كما وقع التطابق في قوله تعالى: و قيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا في الجملة الفعلية و انما لم يقع التطابق في قوله تعالى: ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين لأنهم لو طابقوا لكانوا مقرين بالإنزال و هم من الإذعان به على تفاوت. الثاني إن اللبس لم يقع عند السائل إلا فيمن فعل الفعل فوجب إن يقدم الفاعل في المعنى لأنه متعلق بغرض السائل و اما الفعل فمعلوم عنده و لا حاجة إلى السؤال عنه فحرى إن يقع في الأخرى التى هي محل التكملات و الفضلات. و كذلك أزيد قام ام عمرو فالوجه في جوابه إن تقول زيد قام أو عمرو قام و قد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام في جواب


50
قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فان السؤال وقع عن الفاعل لا عن الفعل و مع ذلك صدر الجواب بالفعل مع انهم لم يستفهموا عن كسر الاصنام بل كان عن الشخص الكاسر لها. و الجواب إن ما بعد بل ليس بجواب للهمزة فان بل لايصلح إن يصدر بها الكلام و لان جواب الهمزة بنعم او بلى. فالوجه إن يجعل اخبارا مستانفا و الجواب المحقق مقدر دل عليه سياق الكلام و لو صرح به لقال ما فعلته بل فعله كبيرهم و انما اخترنا تقدير الجملة الفعلية على الجملة المعطوفة عليها في ذلك. فان قلت يلزم على ما ذكرت إن يكون الخلف واقعا في الجملتين المعطوف عليها المقدرة و المعطوفه الملفوظ بها بعد بل. قلت و أنه لازم على إن يكون التقدير ما انا فعلته بل فعله كبيرهم هذا مع زيادته بالخلف عما افادته الجملة الاولى من التعريض اذ منطوقها نفي الفعل عن ابراهيم عليه السلام و مفهومها اثبات حصول التكسير من غيره. فان قلت و لابد من ذكر ما يكون مخلصا عن الخلف على كل حال. فالجواب من وجوه احدها إن في التعريض مخلصا عن الكذب و لم يكن قصده عليه السلام إن ينسب الفعل الصادر منه إلى الصنم حقيقة بل قصده اثبات الفعل لنفسه على طريق التعريض ليحصل غرضه من التبكيت و هو في ذلك مثبت معترف لنفسه بالفعل و ليس هذا من الكذب في شيء. و الثاني انه غضب من تلك الاصنام غيرة لله تعالى و لما كانوا لاكبرها اشد تعظيما كان منه اشد غضبا فحمله ذلك على تكسيرها و ذلك كله حامل للقوم على الأنفة


51
إن يعبدوه فضلا عن إن يخصوه بزيادة التعظيم و منبه لهم على إن المتكسرة متمكن فيها الضعف و العجز منادى عليها بالفناء منسلخة عن ربقة الدفع فضلا عن ايصال الضرر و النفع. و ما هذا سبيله حقيق إن ينظر إليه بعين التحقير لا التوقير و الفعل ينسب إلى الحامل عليه كما ينسب إلى الفاعل و المفعول و المصدر و الزمان و المكان و السبب إذ للفعل بهذه الامور تعلقات و ملابسات يصح الاسناد اليها على وجه الاستعارة. الثالث انه لما راى عليه السلام منهم بادرة تعظيم الاكبر لكونه اكمل من باقي الاصنام و علم إن ما هذا شانه يصان إن يشترك معه من دونه في التبجيل و التكبير حمله ذلك على تكسيرها منبها لهم على إن الله اغير و على تمحيق الاكبر اقدر. و حرى إن يخص بالعبادة فلما كان الكبير هو الحامل على تكسير الصغير صحت النسبة إليه على ما سلف. و لما تبين لهم الحق رجعوا إلى انفسهم فقالوا انكم انتم الظالمون اذ وضعتم العبادة بغير موضعها. و ذكر الشيخ عبد القاهر إن السؤال اذا كان ملفوظا به فالاكثر ترك الفعل في الجواب و الاقتصار على الاسم وحده. و إن كان مضمرا فوجب التصريح بالفعل لضعف الدلالة عليه فتعين إن يلفظ به. و هو مشكل بقوله تعالى: يسبح له فيها بالغدو و الآصال. رجال . فيمن قراها بفتح الباء كانه قيل من يسبحه فقيل يسبحه رجال و نظيره ضرب زيد و عمرو على بناء ضرب للمفعول نعم الاولى ذكر الفعل لما ذكر و عليه يخرج كل ما ورد في القران من لفظ قال مفصولا غير منطوق به نحو هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما. قال سلام


52
كانه قيل فما قال لهم قال ألا تأكلون و لذلك قالوا لا تخف. و على هذه السياقة تخرج قصة موسى عليه السلام في قوله: قال فرعون و ما رب العالمين. قال رب السماوات و الأرض إلى قوله: إن كنت من الصادقين . و على هذا كل كلام جاء فيه لفظه قال هذا المجئ غير انه يكون في بعض المواضع اوضح كقوله تعالى: إنا أرسلنا إلى قوم فانه لايخفى انه جواب لقوله فما خطبكم أيها المرسلون و مثله و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إلى قوله: اتبعوا من لا يسألكم أجرا .
فائدة [ في إن اقل الامم سؤالا امة محمد عليه السلام ]
نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ما كان قوم اقل سؤالا من امة محمد صلى الله عليه وسلم سالوه عن اربعة عشر حرفا فاجيبوا. قال الامام ثمانية منها في البقرة و اذا سألك عبادي عني ، يسألونك عن الأهلة


53
و الباقي ستة فيها و التاسعة يسألونك ماذا أحل لهم . في المائدة و العاشرة يسألونك عن الأنفال . الحادي عشر في بني اسرائيل و يسألونك عن الروح . الثاني عشر في الكهف و يسألونك عن ذي القرنين . الثالث عشر في طه و يسألونك عن الجبال . الرابع عشر في النازعات يسألونك عن الساعة . و لهذه المسالة ترتيب اثنان منها في شرح المبدأ كقوله تعالى: و اذا سألك عبادي عني فانه سؤال عن الذات و قوله: عن الأهلة سؤال عن الصفة. و اثنان في الآخر في شرح المعاد و قوله: و يسألونك عن الجبال و قوله: يسألونك عن الساعة أيان مرساها . و نظير هذا انه ورد في القران سورتان اولهما يا أيها الناس في النصف


54
الاول و هو السورة الرابعة و هي سورة النساء. و الثانية في النصف الثاني و هي سورة الحج ثم يا أيها الناس الذي في الاول يشتمل على شرح المبدأ و الذي في الثاني يشتمل على شرح حال. فان قيل كيف جاء يسألونك ثلاث مرات بغير واو يسألونك عن الأهلة ، يسألونك عن الشهر الحرام ، يسألونك عن الخمر و الميسر ثم جاء ثلاث مرات بالواو و يسألونك ماذا ينفقون ، و يسألونك عن اليتامى ، و يسألونك عن المحيض قلنا لان سؤالهم عن الحوادث الاول وقع متفرقا عن الحوادث و الآخر وقع في وقت واحد فجيء بحرف الجمع دلالة على ذلك. فإن قيل كيف جاء و إذ سألك عبادي عني فإني قريب و عادة السؤال يجىء جوابه في القران بقل نحو يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج و نظائره قيل حذفت للاشارة إلى إن العبد في حالة الدعاء مستغن عن الواسطة و هو دليل على انه اشرف المقامات فان الله سبحانه لم يجعل بينه و بين الداعي واسطة و في غير حالة الدعاء تجيء الواسطة.


55

الخطاب بالشئ عن اعتقاد المخاطب دون ما في نفس الامر
كقوله سبحانه و تعالى أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون وقعت اضافة الشريك إلى الله سبحانه على ما كانوا يقولون لان القديم سبحانه اثبته. و قوله: و من الناس من يتخذ من دون الله أندادا و قوله: ذق إنك أنت العزيز الكريم و قوله: لأنت الحليم الرشيد أي بزعمك و اعتقادک. و قوله: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون و قوله: و أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون و قوله: فهي كالحجارة أو أشد قسوة و قوله: و ما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب أي انكم لو علمتم قساوة قلوبكم لقلتم انها كالحجارة او انها فوقها في القسوة و لو علمتم سرعة الساعة لعلمتم انه في سرعة الوقوع كلمح البصر او هو اقرب عندكم. و ارسلناه إلى قوم هم من الكثرة بحيث لو رايتموهم لشككتم و قلتم مائة الف او يزيدون عليها.


56

و جعل منه بعضهم قوله تعالى: قال رب إن قومي كذبون و نحوه مما كان عند المتكلم لانه لايكون خلافة فانه كان على طمع إلا يكون منهم تكذيب. و قوله تعالى: و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه أي بالنسبة إلى ما يعتاده المخلوقون في إن الاعادة عندهم اهون من البداءة لانه أهون بالنسبة إليه سبحانة فيكون البعث اهون عليه عندكم من الإنشاء. و حكى الإمام الرازي في مناقب الشافعي قال معنى الآية في العبرة عندكم لأنه لما قال للعدم كن فخرج تاما كاملا بعينيه و اذنيه و سمعه و بصره و مفاصله فهذا في العبرة اشد من إن يقول لشئ قد كان عد إلى ما كنت عليه فالمراد من الآية و هو اهون عليه بحسب عبرتكم لا إن شيئا يكون على الله اهون من شئ أخر. و قيل الضمير في عليه يعود للخلق لأنه يصاح بهم صيحة فيقومون و هو أهون من إن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى إن يصيروا رجالا و نساء. و قوله: يا أيها الساحر أي يأيها العالم الكامل و انما قالوا هذه تعظيما و توقيرا منهم له لأن السحر عندهم كان عظيما و صنعة ممدوحة. و قيل معناه يأيها الذي غلبنا بسحره كقول العرب خاصمته فخصمته أي غلبته بالخصومة و يحتمل أنهم ارادوا تعييب موسى عليه السلام بالسحر و لم ينافسهم في مخاطبتهم به رجاء إن يؤمنوا. و قوله تعالى: فإن لم تفعلوا و لن تفعلوا جيئ ب إن التي للشك و هو واجب دون اذ التي للوجوب سوقا للكلام على حسب حسبانهم إن


57
معارضته فيها للتهكم كما يقوله الواثق بغلبته على من يعاديه.إن غلبتك و هو يعلم أنه غالبه تهكما به. و قوله تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق و المراد ب من لايخلق الأصنام و كان أصله كما لايخلق لأن ما لمن لايعقل بخلاف من لكن خاطبهم على معتقدهم لأنهم سموها آلهة و عبدوها فأجروها مجرى اولى العلم كقوله للأصنام ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد الآية أجرى عليهم ضمير أولى العقل. كذا قيل. و يرد عليه أنه اذا كان معتقدهم خطأ و ضلالة فالحكم يقتضي إلا ينزعوا عنه و يقلعوا لا إن يبقوا عليه إلا إن يقال الغرض من الخطاب الإيهام و لو خاطبهم على خلاف معتقدهم فقال كما لايخلق لاعتقدوا إن المراد به غير الأصنام من الجماد. و كذا ما ورد من الخطاب بعسى و لعل فإنها على بابها في الترجي و التوقع و لكنه راجع إلى المخاطبين قال الخليل و سيبويه في قوله تعالى: فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى اذهبا إلى رجائكما و طمعكما لعله يتذكر عندكما فأما الله تعالى فهو عالم بعاقبة أمره و ما يؤول إليه لأنه يعلم الشئ قبل إن يكون. و هذا أحسن من قول الفراء إنها تعليلة أي يتذكر لما فيه من إخراج اللفظ عن موضعه. و منه التعجب الواقع في كلام الله نحو فما أصبرهم على النار أي هم أهل أن يتعجب منهم و من طول تمكنهم في النار.


58

و نحوه قتل الإنسان ما أكفره و أبصر به و أسمع . و منه قوله تعالى في نعيم أهل الجنة و شقاء أهل النار خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض مع أنهما لايزولان لكن التقييد بالسماء و الأرض جرت عادة العرب اذا قصدوا الدوام إن يعلقوا بهما فجاء الخطاب على ذلك.

تنبيه

في التهكم

يقرب من هذا التهكم و هو إخراج الكلام على ضد مقتضى الحال كقوله تعالى: ذق إنك أنت العزيز الكريم . و جعل بعضهم منه قوله تعالى: له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من أمر الله مع العلم بأنه لايحفظ من أمره الله شئ.


59

التأدب في الخطاب بإضافة الخير إلى الله
و إن الكل بيده كقوله تعالى: أنعمت عليهم ثم قال غير المغضوب عليهم و لم يقل غير الذين غضبت عليهم. و قوله: بيدك الخير و لم يقل و الشر و إن كانا جميعا بيده لكن الخير يضاف إلى الله تعالى إرادة محبة و رضا و الشر لا يضاف إليه الا ال? مفعولاته لأنه لايضاف إلى صفاته و لا افعاله بل كلها كما لانقص فيه. و هذا معنى قوله و الشر ليس اليك و هو أولى من تفسير من فسره لايتقرب به إليك. و تأمل قوله: فصرف عنه كيدهن فاضافه إلى نفسه حيث صرفه و لما ذكر السجن اضافه اليهم فقال: ليسجننه حتى حين و إن كان سبحانه هو الذي سبب السجن له و أضاف ما منه الرحمة إليه و ما منه الشدة اليهم. و منه قوله تعالى حكاية عن ابراهيم عليه السلام و اذا مرضت فهو يشفين و لم يقل امرضني. و تأمل جواب الخضر عليه السلام عما فعله حيث قال في إعابة السفينة فأردت و قال في الغلام فأردنا و في إقامة الجدار فأراد ربك .


60

قال الشيخ صفي الدين بن ابي المنصور في كتاب فك الازرار عن عنق الاسرار لما اراد ذكر العيب للسفينة نسبه لنفسه ادبا مع الربوبية فقال فاردت و لما كان قتل الغلام مشترك الحكم بين المحمود و المذموم استتبع نفسه مع الحق فقال في الإخبار بنون الاستتباع ليكون المحمود من الفعل و هو راحة ابويه المؤمنين من كفره عائدا على الحق سبحانه و المذموم ظاهرا و هو قتل الغلام بغير حق عائدا عليه. و في أقامة الجدار كان خيرا محضا فنسبه للحق فقال: فأراد ربك ثم بين إن الجميع من حيث العلم التوحيدي من الحق بقوله و ما فعلته عن أمري . و قال ابن عطية إنما افرد أولا في الإرادة لأنها لفظ غيب و تأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله: و اذا مرضت فهو يشفين فاسند الفعل قبل و بعد إلى الله و اسند المرض إلى نفسه إذ هو معنى نقص و معابة و ليس من جنس النعم المتقدمة. و هذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا إلا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم و تقديم فعل الله في قوله تعالى: ثم تاب عليهم ليتوبوا و انما قال الخضر في الثانية فأردنا لأنه قد أراده الله و أصحابه الصالحون و تكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين و تمنى التبديل لهما و انما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى لأنها أمر مستأنف في الزمن الطويل غيب من الغيوب فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى. و مثله قول مؤمني الجن و أنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا


61
فحذف الفاعل في إرادة الشر تأدبا مع الله و أضافوا إرادة الرشد إليه. و قريب من هذا قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام في خطابه لما اجتمع أبوه و إخوته إذ أخرجني من السجن و لم يقل من الجب مع إن الخروج منه اعظم من الخروج من السجن. و انما آثر ذكر السجن لوجهين ذكرهما ابن عطيه احدهما إن في ذكر الجب تجديد فعل إخوته و تقريعهم بذلك و تجديد تلك الغوائل. و الثاني أنه خرج من الجب إلى الرق و من السجن إلى الملك و النعمة هنا أوضح انتهى. و ايضا و لأن بين الحالين بونا من ثلاثة اوجه قصر المدة في الجب و طولها في السجن و إن الجب كان في حال صغره و لا يعقل فيها المصيبة و لا تؤثر في النفس كتأثيرها في حال الكبر. و الثالث إن امر الجب كان بغيا و ظلما لأجل الحسد و أمر السجن كان لعقوبة امر ديني هو منزه عنه و كان أمكن في نفسه. و الله اعلم بمراده. و مثله قوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم و قال و أحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم فحذف الفاعل عند ذكر الرفث و هو الجماع و صرح به عند إحلال العقد. و قال تعالى حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به فحذف الفاعل عند ذكر هذه الأمور.


62

و قال قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا و بالوالدين إحسانا و قال و أحل الله البيع و حرم الربا . و نظائر ذلك كثيرة في القرآن. و قال السهيلي في كتاب الإعلام في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام و ناديناه من جانب الطور الأيمن و قال للنبي صلى الله عليه و سلم و ما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر و المكان المشار إليه واحد قال. و وجه الفرق بين الخطابين إن الأيمن إما مشتق من اليمن و هو البركة أو مشارك له في المادة فلما حكاه عن موسى في سياق الإثبات اتى بلفظه و لما خاطب محمدا صلى الله عليه و سلم في سياق النفي عدل إلى لفظ الغربي لئلا يخاطبه فيسلب عنه فيه لفظا مشتقا من اليمن أو مشاركا في المادة رفقا بهم في الخطاب و إكراما لهما. هذا حاصل ما ذكره بمعناه موضح. و هو اصل عظيم في الأدب في الخطاب. و قال أيضا في الكتاب المذكور في قوله تعالى: و ذا النون إذ ذهب مغاضبا الاية أضافه هنا إلى النون و هو الحوت و قال في سورة القلم و لا تكن كصاحب الحوت و سماه هنا ذا النون و المعنى واحد و لكن بين اللفظين تفاوت كبير في حسن الإشارة إلى الحالين و تنزيل الكلام في الموضوعين فإنه حين ذكره في موضع الثناء عليه قال و ذا النون و لم يقل صاحب الحوت و لفظ النون اشرف لوجود هذا الاسم في حروف الهجاء في اوائل السور نحو ن. و القلم و قد قيل إن هذا قسم بالنون و القلم و إن لم يكن قسما فقد عظمه بعطف المقسم به عليه و هو القلم و هذا


63
الاشتراك يشرف هذا الاسم و ليس في الاسم و ليس في اللفظ الاخر و هو الحوت ما يشرفه. فالتفت إلى تنزيل الكلام في الآيتين يلح لك ما اشرت إليه في هذا فان التدبر لاعجاز القرآن واجب مفترض. و قال الشيخ ابو محمد المرجاني في قوله تعالى: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين خاطبه بمقدمة الصدق مواجهة و لم يقدم الكذب لأنه متى أمكن حمل الخبر على الصدق لايعدل عنه و متى كان يحتمل و يحتمل قدم الصدق ثم لم يواجهه بالكذب بل ادمجه في جملة الكذابين أدبا في الخطاب. و مثله إن كان قميصه قد من قبل فصدقت و هو من الكاذبين. و إن كان قميصه قد من دبر فكذبت و هو من الصادقين . و كذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون و إن يك كاذبا فعليه كذبه و إن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم . و هذان المثالان من باب ارخاء العنان للخصم ليدخل في المقصود بالطف موعود.
قاعدة

في ذكر الرحمة و العذاب في القرآن

من اساليب القرآن حيث ذكر الرحمة و العذاب إن يبدأ بذكر الرحمة كقوله


64
تعالى يغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء ، إن ربك لذو مغفرة و ذو عقاب أليم و على هذا جاء قول النبي صلى الله عليه و سلم حكاية عن الله تعالى إن رحمتي سبقت غضبي. و قد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيبا و زجرا منها قوله في سورة المائدة ألم تعلم أن الله له ملك السماوات و الأرض يعذب من يشاء و يغفر لمن يشاء و الله على كل شيء قدير لأنها وردت في ذكر قطاع الطريق و المحاربين و السراق فكان المناسب تقديم ذكر العذاب لهذا ختم آية السرقة ب عزيز حكيم و فيه الحكاية المشهورة و ختمها بالقدرة مبالغة في الترهيب لأن من توعده قادر على أنفاذ الوعيد كما قاله الفقهاء في الإكراه على الكلام و نحوه. و منها قوله في سورة العنكبوت يعذب من يشاء و يرحم من يشاء و إليه تقلبون لأنها في سياق حكاية أنذار إبراهيم لقومه. و مثلها أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير. قل سيروا


65
إلى قوله: إن الله على كل شيء قدير و بعدها بمعجزين في الأرض و لا في السماء و ما لكم من دون الله من ولي و لا نصير . و منها في آخر الأنعام قوله: إن ربك سريع العقاب و أنه لغفور رحيم لأن سورة الانعام كلها مناظرة للكفار و وعيد لهم خصوصا و في آخرها قبل هذه الأيات بيسير إن الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا لست منهم في شيء الاية و هو تهديد و وعيد إلى قوله: قل أغير الله أبغي ربا الاية و هو تقريع للكفار و أفساد لدينهم إلى قوله: و هو الذي جعلكم خلائف الأرض فكان المناسب تقديم ذكر العقاب ترهيبا للكفار و زجرا لهم عن الكفر و التفرق و زجرا للخلائق عن الجور في الاحكام. و نحو ذلك في أواخر الأعراف إن ربك لسريع العقاب و أنه لغفور رحيم لانها في سياق ذكر معصية أصحاب السبت و تعذيبه إياهم فتقديم العذاب مناسب. و الفرق بين هذه الاية و آية الانعام حيث أتى هنا بالام فقال: لسريع العقاب دون هناك إن اللام تفيد التوكيد فافادت هنا تأكيد سرعة العقاب لأن العقاب المذكور هنا عقاب عاجل و هو عقاب بني إسرائيل بالذل و النقمة و أداء الجزية بعد المسخ لأنه في سياق قوله: و إذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب فتأكيد السرعة افاد بيان التعجيل و هو مناسب بخلاف العقاب المذكور في سورة الانعام فإنه آجل بدليل قوله: ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون


66
فاكتفى فيه بتاكيد إن. و لما اختصت آية الاعراف بزيادة العذاب عاجلا اختصت بزيادة التاكيد لفظا ب إن و جميع مافي القرآن على هذا اللفظ يناسبه التقديم و التأخير و عليه دليلان احدهما تفصيلي و هو الاستقراء فانظر أي آية شئت تجد فيها مناسبا لذلك و الثاني اجمالي و هو إن القران كلام احكم الحكماء فيجب إن يكون على مقتضى الحكمة فوجب اعتباره كذلك. و هذان دليلان عامان في مضمون هذه الفائدة و غيرها. و اما قوله تعالى: فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة و لم يقل ذو عقوبة شديدة لأنه إنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله في الاجتراء على معصيته و ذلك ابلغ في التهديد معناه لاتغتروا بسعة رحمة الله فإنه مع ذلك لايرد عذابه. و مثله قوله تعالى: يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن و قد سبقت.
فائدة

في الفرق بين الخطاب بالاسم و الفعل

و إن الفعل يدل على التجدد و الحدوث و الاسم على الاستقرار و الثبوت و لايحسن وضع احدهما موضع. الاخر فمنه قوله تعالى: و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو قيل يبسط لم يؤد


67
الغرض لأنه لم يؤذن بمزاولة الكلب البسط و أنه يتجدد له شئ بعد شئ ف باسط اشعر بثبوت الصفة. و قوله: هل من خالق غير الله يرزقكم لو قيل رازقكم لفات ما افاده الفعل من تجدد الرزق شيئا بعد شئ و لهذا جاءت الحال في صورة المضارع مع إن العامل الذي يفيده ماض كقولك جاء زيد يضرب و في التنزيل و جاؤوا أباهم عشاء يبكون إذ المراد إن يريد صورة ما هم عليه وقت المجئ و أنهم آخذون في البكاء يجددونه شيئا بعد شئ و هذا هو سر الاعراض عن اسم الفاعل و المفعول إلى صريح الفعل و المصدر. و من هذا يعرف لم قيل الذين ينفقون و لم يقل المنفقين في غير موضع و قيل كثيرا المؤمنون و المتقون لأن حقيقة النفقة أمر فعلي شانه الانقطاع و التجدد بخلاف الايمان فان له حقيقة تقوم بالقلب يدوم مقتضاها و إن غفل عنها و كذلك التقوى و الإسلام و الصبر و الشكر و الهدى و الضلال و العمى و البصر فمعناها او معنى وصف الجارحة كل هذه لها مسميات حقيقية او مجازية تستمر و آثار تتجدد و تنقطع فجاءت بالاستعمالين إلا إن لكل محل ما يليق به فحيث يراد تجدد حقائقها أو آثارها فالافعال و حيث يراد ثبوت الاتصاف بها فالاسماء. و ربما بولغ في الفعل فجاء تارة بالصيفة الاسميه كالمجاهدين و المهاجرين و المؤمنين لانه للشان و الصفة هذا مع إن لها في القلوب اصولا و له ببعض معانيها التصاق قوي هذا التركيب إذ القلب فيه جهاد الخواطر الرديئة و الاخلاق الدنيئة و عقد على فعل المهاجرة كما فيه عقد على الوفاء بالعهد. و حيث يستمر المعاهد عليه إلى غير ذلك.


68

و انظر هنا إلى لطيفة و هو إن ما كان من شانه إلا يفعل إلا مجازاة و ليس من شانه إن يذكر الاتصاف به لم يات إلا في تراكيب الافعال كقوله تعالى: و يضل الله الظالمين و قال و إن الله لهاد الذين آمنوا ، و لكل قوم هاد . و اما قوله تعالى: و ما كنا مهلكي القرى إلا و أهلها ظالمون فان الاهلاك نوع اقتدار بين مع إن جنسه مقضى به على الكل عالين و سافلين لا كالضلال الذي جرى مجرى العصيان. و منه قوله تعالى: تذكروا فإذا هم مبصرون لأن البصر صفة لازمة للمتقي و عين الشيطان ربما حجبت فاذا تذكر راى المذكور و لو قيل يبصرون لانبا عن تجدد و اكتساب فعل لا عود صفة. و قوله: الذي خلقني فهو يهدين اتى بالماضي في خلق لان خلقه مفروغ منه و اتى بالفاء دون الواو لانه كالجواب اذ من صور المنى قادر على إن يصيره ذا هدى و هو للحصر لانهم كانوا يزعمون إن آلهتهم تهديهم ثم قال و الذي هو يطعمني و يسقين فاتى بالمضارع لبيان تجدد الاطعام و السقيا و جاءت الواو دون الفاء لانهم كانوا لايفرقون بين المطعم و الساقي و يعلمون انهما من مكان واحد و إن كانوا يعلمون انه من إله و اتى به هو لرفع ذلك و دخلت الفاء في فهو يشفين لانه جواب و لم يقل اذا مرضت فهو يشفين إذ يفوت ما هو موضوع لافادة


69
التعقيب و يذهب الضمير المعطى معنى الحصر و لم يكونوا منكرين الموت من الله و انما انكروا البعث فدخلت ثم لتراخي ما بين الاماتة و الاحياء. و قوله تعالى: أدعوتموهم أم أنتم صامتون لأن الفعل الماضي يحتمل هذا الحكم دائما و وقتا دون وقت فلما قال أم أنتم صامتون أي سكوتكم عنهم ابدا و دعاؤكم إياهم واحد لان صامتون فيه مراعاة للفواصل فهو افصح و للتمكين من تطريفه بحرف المد و اللين و هو للطبع انسب من صمتهم وصلا و وقفا. و فيه وجه آخر و هو إن احد القسمين موازن للآخر فيدل على إن المعنى انتم داعون لهم دائما ام انتم صامتون. فان قيل لم لا يعكس قلنا لان الموصوف الحاضر و المستقبل لا الماضي لان قبلة و إن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم و الكلام بآخره فالحكم به قد يرجح. و قوله تعالى: أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين و لم يقل أم لعبت لان العاقل لايمكن إن يلعب بمثل ما جاء به ظاهرا و انما يكون ذلك احد رجلين اما محق و اما مستمر على لهو الصبا و غي الشباب فيكون اللعب من شانه حتى يصدر عنه مثل ذلك و لو قال ام لعبت لم يعط هذا. و قوله تعالى حاكيا عن المنافقين آمنا بالله و باليوم الآخر و ما هم بمؤمنين يريدون أحدثنا الايمان و اعرضنا عن الكفر ليروح ذلك خلافا منهم كما أخبر تعالى عنهم في قوله: يخادعون الله و الذين آمنوا .


70

و جاءت الاسمية في الرد عليهم بقوله و ما هم بمؤمنين لانه ابلغ من نفى الفعل إذ يقتضي اخراج انفسهم و ذواتهم عن إن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين و ينطوي تحته على سبيل القطع نفي بما اثبتوا لأنفسهم من الدعوى الكاذبه على طريقة يريدون أن يخرجوا من النار و ما هم بخارجين منها مبالغة في تكذيبهم و لذلك أجيبوا بالباء و كلامهم في هذا كما قيل خلى من المعنى و لكن مفرقع و اذا قيل انا مؤمن ابلغ من آمن و نفي الأبلغ لايستلزم نفي ما دونه و ما حقيقة اخراج ذواتهم من جنس المؤمنين لم يرجع في البيان إلا على عي او ترويج و لكن ذم الله تعالى طائفة تقول آمنا و هي حالة القول ليست بمؤمنة بيانا لان هذا القول انما صدر عنها ادعاء بحضور الايمان حالة القول و الانتظام بذلك في سلك المتصفين بهذه الصفة و هم ليسوا كذلك فاذا ذمهم الله شمل الذم إن يكونو آمنوا يوما ثم تخلوا و إن يكونوا ما أمنوا قط من طريق الأولى و التعميم فقط و اعلم به إن ذلك حكم من ادعى هذا الدعوى على هذه الحال و بين إن هذا القول انما قصدوا به التمويه بقوله يخادعون الله و الذين آمنوا و لو قال و ما آمنوا لم يفد إلا نفيه عنهم في الماضي و لم يفد ذمهم إن كانو آمنوا ثم ارتدوا و هذا افاد نفيه في الحال و ذمهم بكل حال و لان ما فيه مؤمنين احسن من آمنوا لوجود التمكين بالمد و الوقف عقبه على حرف له موقف. و اما قوله تعالى: و ما هم منها بمخرجين دون يخرجون فقيل ما سبق. و قيل استوى هنا يخرجون و خارجين في إفادة المعنى و اختير الاسم لخفته و اصالته.


71

و كذلك قوله تعالى: و اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و اذا خلوا إلى شياطينهم يخبرون عن انفسهم بالثبات على الايمان بهم. و منه قوله تعالى: يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي قال الامام فخر الدين الرازي لان الاعتناء بشأن اخراج الحي من الميت لما كان اشد اتى بالمضارع ليدل على التجدد كما في قوله تعالى: الله يستهزئ بهم .

تنبيه
مضمر الفعل كمظهره في افادة الحدوث و من هذه القاعدة قالوا إن سلام الخليل عليه السلام ابلغ من سلام الملائكة حيث قال قالوا سلاما قال سلام فان نصب سلاما إنما يكون على إرادة الفعل أي سلمنا سلاما و هذه العبارة مؤذنة بحدوث التسليم منهم إذ الفعل تاخر عن وجود الفاعل بخلاف سلام ابراهيم فانه مرتفع بالابتداء فاقتضى الثبوت على الإطلاق و هو اولى بما يعرض له الثبوت فكانه قصد إن يحييهم باحسن مما حيوه به اقتداء بقوله تعالى: و اذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وذكروا فيه اوجها اخرى تليق بقاعدة الفلاسفة في تفضيل الملائكة على البشر و هو إن السلام دعاء بالسلامة من كل نقص وكمال البشر تدريجي فناسب الفعل وكمال الملائكة مقارن لوجودها على الدوام فكان احق بالاسم الدال على الثبوت. قيل و هو غلط لان الفعل المنشأ هو تسليمهم اما السلام المدعو به فليس في موضوعه تعرض لتدرج و سلامة أيضا منشا فعل و لا يتعرض للتدريج غير إن سلامة لم يدل بوضعه


72
اللغوي وقوع انشائه ثم لو كان هذا المعنى معتبرا لشرع السلام بيننا بالنصب دون الرفع.
تنبيه
هذا الذي ذكرناه من دلالة الاسم على الثبوت و الفعل على التجدد و الحدوث هو المشهور عند البيانيين و انكر ابو المطرف بن عميرة في كتاب التمويهات على كتاب التبيان لابن الزملكاني قال هذا الراي غريب و لا مستند له نعلمه إلا إن يكون قد سمع إن في مقوله إن يفعل و إن ينفعل هذا المعنى من التجدد فظن انه الفعل القسيم للاسماء فغلط. ثم قوله الاسم يثبت المعنى للشئ عجيب و اكثر الاسماء دلالتها على معانيها فقط و انما ذاك في الاسماء المشتقه ثم كيف يفعل بقوله تعالى: ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون و قوله في هذه السورة بعينها إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. و الذين هم بآيات ربهم يؤمنون و قال ابن المنير طريقة العرب تدبيج الكلام و تلوينه و مجئ الفعلية تارة و الاسمية اخرى من غير تكلف لما ذكروه و قد راينا الجملة الفعلية تصدر من الاقوياء الخلص اعتمادا على إن المقصود الحاصل بدون التأكيد كقوله تعالى: ربنا آمنا و لاشئ بعد آمن الرسول و قد جاء التاكيد في كلام المنافقين فقال: إنما نحن مصلحون .


73

قاعدة

في قوله تعالى من في السموات و الأرض و نحوها

جاء في التنزيل في موضع من في السماوات و الأرض و في موضع من في السماوات و من في الأرض . و الاول جاء في تسعة مواضع احدها في الرحمن يسأله من في السماوات و الأرض . و الثاني في اربع مواضع اولها في يونس ألا إن لله من في السماوات و من في الأرض . و جاء قوله تعالى: ما في السماوات و الأرض في احد عشر موضعا اولها في البقرة سبحانه بل له ما في السماوات و الأرض كل له قانتون . و جاء قوله: ما في السماوات و ما في الأرض في ثمانية و عشرين موضعا اولها في آية الكرسي. قال بعضهم و تاملت هذه المواضع فوجدت انه حيث قصد التنصيص على الإفراد ذكر الموصول و الظرف إلا ترى إلى المقصود في سورة يونس من نفي الشركاء الذين اتخذوهم في الأرض و الى المقصود في آية الكرسي في إحاطة الملك.


74

و حيث قصد امر آخر لم يذكر الموصول إلا مرة واحدة اشارة إلى قصد الجنس و للاهتمام بما هو المقصود في تلك الاية إلا ترى إلى سورة الرحمن المقصود منها علو قدرة الله و علمه و شانه و كونه سئولا و لم يقصد افراد السائلين. فتامل هذا الموضع.

قاعدة

في قوله تعالى فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا و نحوها

قد يكون نحو هذا اللفظ في القرآن كقوله تعالى: و من أظلم ممن افترى على الله كذبا ، فمن أظلم ممن كذب على الله ، و من أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ، و من أظلم ممن منع مساجد الله إلى غير ذلك. و المفسرون على إن هذا الاستفهام معناه النفي فحينئذ فهو خبر و اذا كان خبر أفتوهم بعض الناس انه اذا اخذت هذه الآيات على ظواهرها ادى إلى التناقض لأنه يقال لا احد اظلم ممن منع مساجد الله و لا احد اظلم ممن افترى عل الله كذبا و لا احد اظلم ممن ذكر بايات الله فاعرض عنها. و اختلف المفسرون في الجواب عن هذا السؤال على طرق احدها تخصيص كل واحد في هذه المواضع بمعنى صلته فكانه قال لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله و لا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله


75
كذبا و كذلك باقيها و اذا تخصص بالصلات زال عنه التناقض. الثاني إن التخصيص بالنسبة إلى السبق لما لم يسبق احد إلى مثله حكم عليهم بانهم اظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقتهم و هذا يئول معناه إلى السبق في المانعية و الافترائية. الثالث و ادعى الشيخ ابو حيان الصواب و نفى الاظلمية لايستدعى نفي الظالمية لان نفي المقيد لا يدل على نفي المطلق فلو قلت ما في الدار رجل ظريف لم يدل ذلك على نفي مطلق رجل و اذا لم يدل على نفي الظالمية لم يلزم التناقض لان فيها اثبات التسوية في الاظلمية و اذا ثبتت التسوية في الاظلمية لم يكن احد ممن وصف بذلك يزيد على الاخر لانهم يتساوون في الاظلمية و صار المعنى لا احد اظلم ممن افترى و ممن كذب و نحوها و لا اشكال في تساوي هؤلاء في الاظلمية و لايدل على إن احد هؤلاء اظلم من الاخر كما انك اذا قلت لا احد افقه من زيد و عمر و خالد لا يدل على إن احدهم افقه من الاخر بل نفي إن يكون احدهم افقه منهم. لايقال إن من منع مساجد الله إن يذكر فيها اسمه و سعى في خرابها و لم يفتر على الله كذبا اقل ظلما ممن جمع بينهما فلا يكون مساويا في الاظلمية لانا نقول هذه الايات كلها انما هي في الكفار فهم متساوون في الاظلمية و إن اختلفت طرق الاظلمية فهي كلها صائرة إلى الكفر و هو شئ واحد لايمكن فيه الزيادة بالنسبة لإفراد من


76
اتصف به و انما تمكن الزيادة في الظلم بالنسبة لهم و للعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركوا فيه من المخالفة فتقول الكافر اظلم من المؤمن و نقول لا احد اظلم من الكافر و معناه إن ظلم الكافر يزيد على ظلم غيره. انتهى. و قال بعض مشايخنا لم يدع القائل نفي الظالمية فيقيم الشيخ الدليل على ثبوتها و انما دعواه إن و من اظلم ممن منع مثلا و الغرض إن الاظلمية ثابتة لغير ما اتصف بهذا الوصف و اذا كان كذلك حصل التعارض و لابد من الجمع بينهما. و طريقه التخصيص فيتعين القول به. و قول الشيخ إن المعنى لا احد اظلم ممن منع و ممن ذكر صحيح و لكن لم يستفد ذلك إلا من جهة التخصيص لان الافراد المنفي عنها الاظلمية في اية و أثبتت لبعضها الاظلمية أيضا في آية اخرى و هكذا بالنسبة إلى بقية الآيات الوارد فيها ذلك. و كلام الشيخ يقتضي إن ذلك استفيد لا بطريق التخصيص بل بطريق إن الايات المتضمنه لهذا الحكم في آية واحدة. و اذا تقرر ذلك علمت أن كل آية خصت باخرى و لا حاجة إلى القول بالتخصيص بالصلات و لا بالسبق. الرابع طريقة بعض المتأخرين فقال متى قدرنا لا احد اظلم لزم احد الامرين اما استواء الكل في الظلم و إن المقصود نفي الاظلمية من غير المذكور لا إثبات الاظلمية له و هو خلاف المتبادر إلى الذهن اما إن كل واحد اظلم في ذلك النوع. و كلا الامرين انما لزم من جعل مدلولها اثبات الاظلمية للمذكور حقيقة او نفيها من غيره. و هنا معنى ثالث و هو امكن في المعنى و سالم عن الاعتراض و هو الوقوف مع مدلول


77
اللفظ من الاستفهام و المقصود به إن هذا الامر عظيم فظيع قصدنا بالاستفهام عنه تخييل انه لاشئ فوقه لامتلاء قلب المستفهم عنه بعظمته امتلاء يمنعه من ترجيح غيره فكأنه مضطر إلى إن يقول لا احد اظلم و تكون دلالته على ذلك استعارة لا حقيقة فلا يرد كون غيره اظلم منه إن فرض. و كثيرا ما يستعمل هذا في الكلام إذا قصد به التهويل فيقال أي شئ اعظم من هذا اذا قصد افراط عظمته و لو قيل للمتكلم بذلك انت قلت إنه اعظم الاشياء لابي ذلك فليفهم هذا المعنى فان الكلام ينتظم معه و المعنى عليه.
قاعدة في الجحد بين الكلامين
قوله تعالى: و ما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام قال صاحب الياقوته قال ثعلب و المبرد جميعا العرب اذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام إخبارا فمعناه إنما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام. و مثله ما سمعت منك و لا اقبل منك مالا. و اذا كان في أول الكلام جحد كان الكلام مجحودا جحدا حقيقيا نحو ما زيد بخارج فاذا جمعت بين جحدين في اول الكلام كان احدهما زائدا كقوله ما قمت يريد ما قمت و مثله ما إن قمت و عليه قوله تعالى: فيما إن مكناكم فيه في احد الاقوال.


78

قاعدة
في الفاظ يظن بها الترادف و ليست منه و لهذا وزعت بحسب المقامات فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الاخر فعلى المفسر مراعاة الاستعمالات و القطع بعدم الترادف ما امكن فان للتركيب معنى غير معنى الافراد و لهذا منع كثير من الأصوليين وقوع احد المترادفين موقع الاخر في التركيب و ان اتفقوا على جوازه في الإفراد. فمن ذلك الخوف و الخشية لايكاد اللغوي يفرق بينهما و لا شك إن الخشية اعلى من الخوف و هي اشد الخوف فانها ماخوذة من قولهم شجرة خشية اذا كانت يابسة و ذلك فوات بالكلية و الخوف من قولهم ناقة خوفاء اذا كان بها داء و ذلك نقص و ليس بفوات و من ثمة خصت الخشية بالله تعالى في قوله سبحانه و يخشون ربهم و يخافون سوء الحساب . و فرق بينهما أيضا بان الخشية تكون من عظم المخشى و ان كان الخاشي قويا و الخوف يكون من ضعف الخائف و إن كان المخوف امرا يسيرا و يدل على ذلك إن الخاء و الشين و الياء في تقاليبها تدل على العظمة قالوا شيخ للسيد الكبير و الخيش لما عظم من الكتان و الخاء و الواو و االفاء في تقاليبها تدل على الضعف و انظر الى الخوف لما فيه من ضعف القوة و قال تعالى و يخشون ربهم و يخافون سوء الحساب فان الخوف من الله لعظمته يخشاه كل احد كيف كانت حالة و سوء الحساب ربما لايخافه من كان عالما بالحساب و حاسب نفسه قبل إن يحاسب.


79

و قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء و قال لموسى لا تخف أي لايكون عندك من ضعف نفسك ما تخاف منه من فرعون. فان قيل ورد يخافون ربهم قيل الخاشي من الله بالنسبة إلى عظمه الله ضعيف فيصح إن يقول يخشى ربه لعظمته و يخاف ربه أي لضعفه بالنسبة إلى الله تعالى. و فيه لطيفة و هي إن الله تعالى لما ذكر الملائكة و هم اقوياء ذكر صفتهم بين يديه فقال: يخافون ربهم من فوقهم و يفعلون ما يؤمرون فبين انهم عند الله ضعفاء و لما ذكر المؤمنين من الناس و هم ضعفاء لاحاجة إلى بيان ضعفهم ذكر ما يدل على عظمة الله تعالى فقال: يخشون ربهم و لما ذكر ضعف الملائكة بالنسبة إلى قوة الله تعالى قال ربهم من فوقهم و المراد فوقية بالعظمة. و من ذلك الشح و البخل و الشح هو البخل الشديد و فرق العسكري بين البخل و الضن بان الضن اصله إن يكون بالعواري و البخل بالهيئات و لهذا يقال هو ضنين بعلمه و لا يقال هو بخيل لأن العلم أشبه بالعارية منه بالهيئة لأن الواهب اذا وهب شيئا خرج عن ملكه بخلاف العارية و لهذا قال تعالى و ما هو على الغيب بضنين و لم يقل ب بخيل .


80

و من ذلك الغبطة و المنافسة كلاهما محمود قال تعالى و في ذلك فليتنافس المتنافسون و قال صلى الله عليه و سلم لاحسد إلا في اثنتين و اراد الغبطة و هي تمنى مثل ما له من غير إن يغتم لنيل غيره فان انضم إلى ذلك الجد و التشمير إلى مثله او خير منه فهو منافسة. و قريب منها الحسد و الحقد فالحسد تمني زوال النعمة من مستحقها و ربما كان مع سعي في ازالتها كذا ذكر الغزالي هذا القيد اعنى الاستحقاق و هو يقتضي إن تمنى زوالها عمن لايستحقها لا يكون حسدا. و من ذلك السبيل و الطريق و قد كثر استعمال السبيل في القرآن حتى انه وقع في الربع الاول منه في بضع و خمسين موضعا اولها قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله و لم يقع ذكر الطريق مرادا به الخير إلا مقترنا بوصف او باضافة مما يخلصه لذلك كقوله تعالى: إلى الحق و إلى طريق مستقيم . و من ذلك جاء و أتى يستويان في الماضي و ياتي اخف من يجيء و كذا في الامر و جيئوا بمثله اثقل من فاتوا بمثله و لم يذكر الله إلا ياتي و ياتون و في الامر فأت فأتنا فأتوا لان اسكان الهمزة ثقيل لتحريك حروف المد و اللين تقول جئ اثقل من ائت. و أما في الماضي ففيه لطيفة و هي إن جاء يقال في الجواهر و الاعيان و اتى في المعاني و الازمان و في مقابلتها ذهب ومضى يقال ذهب في الاعيان ومضى في الازمان و لهذا يقال حكم فلان ماض و لايقال ذاهب لان الحكم ليس من الاعيان.


81

و قال ذهب الله بنورهم و لم يقل مضى لانه يضرب له المثل بالمعاني المفتقره إلى الحال و يضرب له المثل بالاعيان القائمة بانفسها فذكر الله جاء في موضع الاعيان في الماضي و اتى في موضع المعاني و الازمان. و انظر قوله تعالى: و لمن جاء به حمل بعير لان الصواع عين. و لما جاءهم كتاب لانه عين و قال و جيء يومئذ بجهنم لانها عين. و اما قوله تعالى: فإذا جاء أجلهم فلان الاجل كالمشاهد و لهذا يقال حضرته الوفاة و حضره الموت. و قال تعالى بل جئناك بما كانوا فيه يمترون أي العذاب لانه مرئي يشاهدونه و قال و أتيناك بالحق و إنا لصادقون حيث لم يكن الحق مرئيا. فإن قيل فقد قال تعالى أتاها أمرنا ليلا أو نهارا و قال و لما جاء أمرنا فجعل الأمر آتيا و جائيا. قلنا هذا يؤيد ما ذكرناه فانه لما قال جاء و هم ممن يرى الاشياء قال جاء أي عيانا و لما كان الزرع لايبصر و لايرى قال أتاها . و يؤيد هذا إن جاء يعدي بالهمزة و يقال أجاءه قال تعالى فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة و لم يرد اتاه بمعنى ائت من الاتيان لان المعنى لا استقلال له حتى ياتي بنفسه. و من ذلك الخطف و التخطف لا يفرق الأديب بينهما و الله تعالى فرق


82
بينهما فتقول خطف بالكسر لما تكرر و يكون من شان الخاطف الخطف و خطف بالفتح حيث يقع الخطف من غير من يكون من شانه الخطف بكلفة و هو ابعد من خطف بالفتح فانه يكون لمن اتفق له على تكلف و لم يكن متوقعا منه. و يدل عليه إن فعل بالكسر لايتكرر كعلم و سمع و فعل لايشترط فيه ذلك كقتل و ضرب قال تعالى إلا من خطف الخطفة فان شغل الشيطان ذلك و قال فتخطفه الطير لان من شانه ذلك. قال تخافون أن يتخطفكم الناس فان الناس لاتخطف الناس إلا على تكلف. و قال و يتخطف الناس من حولهم . و قال يكاد البرق يخطف أبصارهم لان البرق يخاف منه خطف البصر إذا قوي. و من ذلك مد و أمد قال الراغب اكثر ما جاء الامداد في المحبوب و أمددناهم بفاكهة ، و ظل ممدود و المد في المكروه و نمد له من العذاب مدا . و من ذلك سقى و أسقى و قد سبق. و من ذلك عمل و فعل و الفرق بينهما


83
إن العمل اخص من الفعل كل عمل فعل و لا ينعكس و لهذا جعل النجاة الفعل في مقابلة الاسم لانه اعم و العمل من الفعل ما كان مع امتداد لانه فعل و باب فعل لما تكرر. و قد اعتبره الله تعالى فقال: يعملون له ما يشاء حيث كان فعلهم بزمان. و قال و يفعلون ما يؤمرون حيث ياتون بما يؤمرون في طرفة عين فينقلون المدن باسرع من إن يقوم القائم من مكانه. و قال تعالى مما عملت أيدينا و ما عملته أيديهم فان خلق الانعام و الثمار و الزروع بامتداد و قال كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، و تبين لكم كيف فعلنا بهم فانها إهلاكات وقعت من غير بطء. و قال و عملوا الصالحات حيث كان المقصود المثابرة عليها لا الاتيان بها مرة. و قال و افعلوا الخير بمعنى سارعوا. كما قال فاستبقوا الخيرات . و قال و الذين هم للزكاة فاعلون أي ياتون بها على سرعة من غير توان في دفع حاجة الفقير فهذا هو الفصاحة في اختيار الاحسن في كل موضع. و من ذلك القعود و الجلوس. إن القعود لا يكون معه لبثة و الجلوس


84
لايعتبر فيه ذلك و لهذا تقول قواعد البيت و لا تقول جوالسه لان مقصودك ما فيه ثبات و القاف و العين و الدال كيف تقلبت دلت على اللبث و القعدة بقاء على حاله و الدقعاء للتراب الكثير الذي يبقى في مسيل الماء و له لبث طويل و أما الجيم و اللام و السين فهي للحركة منه السجل للكتاب يطوى له و لا يثبت عنده و لهذا قالوا في قعد يقعد بضم الوسط و قالوا جلس يجلس بكسره فاختاروا الثقيل لما هو اثبت. اذا ثبت هذا فنقول قال الله تعالى مقاعد للقتال فان الثبات هو المقصود. و قال اقعدوا مع القاعدين أي لازوال لكم و لا حركة عليكم بعد هذا و قال في مقعد صدق و لم يقل مجلس إذ لا زوال عنه. و قال إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس اشارة إلى انه يجلس فيه زمانا يسيرا ليس بمقعد فاذا طلب منكم التفسح فافسحوا لانه لا كلفة فيه لقصره و لهذا لايقال قعيد الملوك و انما يقال جليسهم لان مجالسه الملوك يستحب فيها التخفيف و القعيدة للمرأة لانها تلبث في مكانها. و من ذلك التمام و الكمال و قد اجتمعا في قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و العطف يقتضى المغايرة. فقيل الاتمام لإزالة نقصان الاصل و الإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الاصل و لهذا كان قوله تعالى: تلك عشرة كاملة احسن من تامة فان التمام من العدد قد علم و انما بقي احتمال نقص في صفاتها.


85

و قيل تم يشعر بحصول نقص قبله و كمل لا يشعر بذلك و من هذا قولهم رجل كامل اذا جمع خصال الخير و رجل تام اذا كان غير ناقص الطول. و قال العسكري الكمال اسم لاجتماع ابعاض الموصوف به و التمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف و لهذا يقولون القافية تمام البيت و لا يقولون كماله و يقولون البيت بكماله. و من ذلك الضياء و النور.

قائدة
عن الجويني في الفرق بين الاتيان و الاعطاء. قال الجويني لايكاد اللغويون يفرقون بين الاعطاء و الاتيان و ظهر لي بينهما فرق انبنى عليه بلاغة في كتاب الله و هو إن الاتيان اقوى من الاعطاء في اثبات مفعوله لان الاعطاء له مطاوع يقال اعطاني فعطوت و لا يقال في الاتيان اتاني فأتيت و انما يقال اتاني فاخذت و الفعل الذي له مطاوع اضعف في اثبات مفعوله من الذي لا مطاوع له لانك تقول قطعته فانقطع فيدل على إن فعل الفاعل كان موقوفا على قبول المحل لولاه لما ثبت المفعول و لهذا يصح قطعته فما انقطع و لا يصح فيما لا مطاوع له ذلك فلا يجوز إن يقال ضربته فانضرب او ما انضرب و لا قتلته فانقتل او ما انقتل لان هذه الافعال اذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحل و الفاعل مستقل بالافعال التي لا مطاوع لها فالايتاء اذن اقوى من الاعطاء.


86

قال و قد تفكرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى قال الله تعالى في الملك تؤتي الملك من تشاء لان الملك شئ عظيم لا يعطيه إلا من له قوة و لان الملك في الملك اثبت من الملك في المالك فإن الملك لايخرج الملك من يده و اما المالك فيخرجه بالبيع و الهبة. و قال تعالى يؤتي الحكمة لأن الحكمة اذا ثبتت في المحل دامت. و قال آتيناك سبعا من المثاني لعظم القرآن و شأنه. و قال إنا أعطيناك الكوثر لان النبي صلى الله عليه و سلم و امته يردون على الحوض ورود النازل على الماء و يرتحلون إلى منازل العز و الانهار الجارية في الجنان و الحوض للنبي صلى الله عليه و سلم و أمته عند عطش الاكباد قبل الوصول إلى المقام الكريم فقال فيه إنا أعطيناك لانه يترك ذلك عن قرب و ينتقل إلى ما هو اعظم منه. و قال أعطى كل شيء خلقه لان من الأشياء ما له وجود في زمان واحد بلفظ الاعطاء و قال و لسوف يعطيك ربك فترضى لانه تعالى بعد ما يرضى النبي صلى الله عليه و سلم يزيده وينتقل به من كل الرضا إلى اعظم ما كان يرجو منه لا بل حال امته كذلك فقوله يعطيك ربك فيه بشارة. و قال حتى يعطوا الجزية عن يد لانها موقوفة على قبول منا و هم


87
لايؤتون ايتاء عن طيب قلب و انما هو عن كره اشارة إلى إن المؤمن ينبغي إن يكون اعطاؤه للزكاة بقوة لايكون كاعطاء الجزية. فانظر إلى هذه اللطيفة الموقفة على سر من اسرار الكتاب.
قاعدة
في التعريف والتنكير. اعلم إن لكل واحد منهما مقاما لايليق بالآخر. فاما التعريف فله اسباب الاول الاشارة إلى معهود خارجي كقوله تعالى: بكل ساحر عليم. و جاء السحرة على قراءة الاعمش فانه اشير بالسحرة إلى ساحر مذكور. و قوله: كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول . و أغرب ابن الخشاب فجعلها للجنس فقال لان من عصى رسولا فقد عصى سائر الرسل. و منهم من لايشترط تقدم ذكره و جعل منه قوله تعالى: و إذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء لانهم كانوا يعتقدون إن الناس الذين آمنوا سفهاء.


88

و قوله: و ليس الذكر كالأنثى أي الذكر الذي طلبته كالانثى التي وهبت لها و انما جعل هذا للخارجي لمعنى الذكر في قولها إني نذرت لك ما في بطني محررا و معنى الانثى في قولها إني وضعتها أنثى . الثاني لمعهود ذهني أي في ذهن مخاطبك كقوله تعالى: إذ هما في الغار ، إذ يبايعونك تحت الشجرة و اما حضوري نحو اليوم أكملت لكم دينكم فانها نزلت يوم عرفة. الثالث الجنس و هي فيه على اقسام احدها إن يقصد المبالغة في الخبر فيقصر جنس المعني على المخبر عنه نحو زيد الرجل أي الكامل في الرجولية. و جعل سيبويه صفات الله تعالى كلها من ذلك. و ثانيها إن يقصره على وجه الحقيقة لا المبالغة و يسمى تعريف الماهية نحو أولئك الذين آتيناهم الكتاب و الحكم و النبوة . و قوله: و جعلنا من الماء كل شيء حي أي جعلنا مبتدأ كل حي هذا الجنس الذي هو الماء. و قال بعضهم المراد بالحقيقة ثبوت الحقيقة الكلية الموجودة في الخارج لا الشاملة لافراد الجنس نحو الرجل خير من المرأة لايريدون امرأة بعينها و إنما المراد هذا الجنس خير من ذلك الجنس من حيث هو و إن كان يتفق في بعض افراد النساء من هو خير من بعض افراد الرجال بسبب عوارض. و هذا معنى قول ابن بابشاذ إن تعريف العهد لما ثبت في الاعيان و تعريف الجنس لما ثبت في الاذهان لان التفضيل في الجنس راجع إلى الصورتين الكليتين في الذهن


89
اذ لا معنى للتفضيل في الصور الذهنية و انما اضاف إلى الذهن لان تلك الحقيقة التي ذكرناها و ان كانت موجوده في الخارج لاشتمال الافراد الخارجية عليها و لكنها كلها مطابقة للصور الذهنية التي لتلك الحقيقة و لهذا تسمى الكلية الطبيعية. الرابع إن يقصد بها الحقيقة باعتبار كلية ذلك المعنى و تعرف بانها التي اذا نزعت حسن إن يخلفها كل و تفيد معناها الذي وضعت له حقيقة و يلزم من ذلك الدلالة على شمول الافراد و هي الاستغراقية و يظهر اثره في صحة الاستثناء منه مع كونه بلفظ الفرد نحو إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا و في صحة وصفه بالجمع نحو أو الطفل الذين لم يظهروا . قال صاحب ضوء المصباح سواء أكان الشمول باعتبار الجنس كالرجل و المرأة او باعتبار النوع كالسارق و السارقة و يفرق بينهما بان ما دخلت عليه من اجل فعلة فيزول عنه الاسم بزوال الفعل فهي للنوع. و ما دخلت عليه من وصفه فلا يزول عنه الاسم ابدا. هذا كله اذا دخلت على مفرد نحو إلى عالم الغيب و الشهادة ، و خلق الإنسان ضعيفا ، إن الإنسان لفي خسر خلافا للامام فخر الدين و من تبعه في قولهم إن المفرد المحلي بالالف و اللام لايعم و لنا الاستثناء في قوله تعالى: أو الطفل الذين لم يظهروا و ليس في قوله: و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما دلالة على العموم كما زعم صاحب الكشاف. فان قلت فاذا لم يكن السارق عاما فبماذا تقطع يد كل سارق من لدن سرق رداء صفوان إلى انقضاء العالم.


90

قيل لان المراد منه الجنس أي نفس الحقيقة و المعنى إن المتصف بصفة السرقة تقطع يده و هو صادق على كل سارق لان الحقيقة كما توجد مع الواحد توجد مع المتعدد أيضا فان دخلت على جمع فاختلف العلماء هل سلبته معنى الجمع و يصير للجنس و يحمل على اقله و هو الواحد لئلا يجتمع على الكلمة عمومان او معنى الجمع باق معها مذهب الحنفية الاول و قضية مذهبنا الثاني. و لهذا اشترطوا ثلاثة من كل صنف في الزكاة إلا العاملين. و يلزم الحنفية إلا يصح منه الاستثناء و لا يخصصه و قد قال تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس و قال فاقتلوا المشركين إلى قوله: حتى يعطوا الجزية و قد حققته في باب العموم من بحر الاصول. ثم الاكثر في نعتها و غيرها مرافقة اللفظ كقوله تعالى: و الجار ذي القربى و الجار الجنب و قوله: لا يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب و تولى. و سيجنبها الأتقى. الذي يؤتي ماله يتزكى . و تجئ موافقة معنى لا لفظا على قلة كقوله: أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء . و اما التنكير فله اسباب


91

الاول ارادة الوحدة نحو و جاء رجل من أقصى المدينة يسعى . الثاني ارادة النوع كقوله: هذا ذكر و إن للمتقين لحسن مآب أي نوع من الذكر. و على أبصارهم غشاوة و هي التعامي عن آيات الله الظاهرة لكل مبصر و يجوز إن يكون للتعظيم و جريا في قوله تعالى: و الله خلق كل دابة من ماء ، و لتجدنهم أحرص الناس على حياة لانهم لم يحرصوا على اصل الحياة حتى تعرف بل على الازدياد من نوع و ان كان الزائد اقل شئ ينطلق عليه اسم الحياة. الثالث التعظيم كقوله تعالى: فأذنوا بحرب من الله و رسوله أي بحرب و اي حرب. و كقوله: و لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون أي لايوقف على حقيقته. و جعل منه السكاكي قوله تعالى: إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن و الظاهر من قول الزمخشري خلافه و هذا لم يصرح بان العذاب لاحق به بل قال يمسك و ذكر الخوف و ذكر اسم الرحمن و لم يقل المنتقم و ذلك يدل على انه لم يرد التعظيم. و قوله: أن لهم جنات . فان قلت لم لم ينكر الانهار في قوله: من تحتها الأنهار


92
قلت لاغرض في عظم الانهار وسعتها بخلاف الجنات. و منه سلام على إبراهيم ، و سلام عليه يوم ولد . و انما لم ينكر سلام عيسى في قوله: و السلام علي يوم ولدت فانه في قصة دعائه الرمز إلى ما اشتق منه اسم الله تعالى و السلام اسم من اسمائه مشتق من السلامه و كل اسم ناديته به متعرض لما يشتق منه ذلك الاسم نحو يا غفور يا رحيم. الرابع التكثير نحو إن له لابلا و جعل منه الزمخشري قوله تعالى: إن لنا لأجرا أي اجرا وافرا جزيلا ليقابل الماجور عنه من الغلبة على مثل موسى عليه السلام فانه لايقابل الغلبة عليه باجر إلا و هو عديم النظير في الكثرة. و قد افاد التكثير و التعظيم معا قوله تعالى: و إن يكذبوك فقد كذبت رسل أي رسل عظام ذوو عدد كثير و ذلك لانه وقع عوضا عن قوله فلاتحزن و تصبر و هو يدل على عظم الامر و تكاثر العدد. الخامس التحقير كقوله تعالى: من أي شيء خلقه قال الزمخشري أي من شئ حقير مهين ثم بينه بقوله من نطفة خلقه . و كقوله تعالى: إن نظن إلا ظنا أي لايعبا به و الا لاتبعوه لآن ذلك ديدنهم إن يتبعون إلا الظن . السادس التقليل كقوله تعالى: و رضوان من الله أكبر أي رضوان


93
قليل من بحار رضوان الله الذي لايتناهى اكبر من الجنات لان رضا المولى راس كل سعادة. و قوله تعالى: فيه شفاء للناس اذ المعنى انه يحصل فيه اصل الشفاء في جملة صور و يجوز إن يكون للتعظيم. و عد صاحب الكشاف منه أسرى بعبده ليلا أي بعض الليل. و فيه نظر لان التقليل عبارة عن تقليل الجنس إلى فرد من افراده لا ببعض فرد إلى جزء من أجزائه.
تنبيه
هذه الامور انما تعلم من القرائن و السياق كما فهم التعظيم في قوله تعالى: لأي يوم أجلت من قوله بعده ليوم الفصل. و ما أدراك ما يوم الفصل . و كما فهم التحقير من قوله: من أي شيء خلقه و من قوله بعده من نطفة خلقه .
قاعدة
فيما اذا ذكر الاسم مرتين اذا ذكر الاسم مرتين فله اربعة احوال لانه اما إن يكونا معرفتين او نكرتين او الثاني معرفة و الاول نكره او عكسه.


94

فالاول إن يكونا معرفتين و الثاني فيه هو الاول غالبا حملا له على المعهود الذي هو الاصل في اللام او الاضافة ك العسر في قوله: فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا و لذلك ورد لن يغلب عسر يسرين قال التنوخي انما كان مع العسر واجدا لان اللام طبيعة لا ثاني لها بمعنى إن الجنس هى و الكلى لايوصف بوحدة و لا تعدد. و قوله: و جعلوا بينه و بين الجنة نسبا و لقد علمت الجنة إنهم لمحضرون . و قوله: فاعبد الله مخلصا له الدين. ألا لله الدين الخالص . و قوله: وقهم السيئات و من تق السيئات . و قوله: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم . و قوله: لخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس و لكن أكثر الناس لا يعلمون . و قوله: و من آياته الليل و النهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس و لا للقمر . و قوله: اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين . و هذه القاعدة ليست مطردة و هي منقوضة بآيات كثيرة كقوله تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فانهما معرفتان و هما غيران فان الاول هو العمل و الثاني الثواب.


95

و قوله تعالى: أن النفس بالنفس أي القاتلة و المقتولة. و قوله: الحر بالحر و قوله: هل أتى على الإنسان حين من الدهر و قوله: إنا خلقنا الإنسان و قوله: و أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه و قوله: و كذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به و قوله: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء . فالملك الذي يؤتيه الله للعبد لايمكن إن يكون نفس ملكه فقد اختلفا و هما معرفتان لكن يصدق انه اياه باعتبار الاشتراك في الاسم كما صرح بنحوه في قوله تعالى: قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فقد اعاد الضمير في المنفصل المستغرق باعتبار اصل الفضل. و نظيرها قوله تعالى: أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا . و قوله: أفلم يروا إلى ما بين أيديهم و ما خلفهم من السماء و الأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض . فالاول عام و الثاني خاص. و قوله: لخلق السماوات و الأرض أكبر من خلق الناس و لكن أكثر الناس لا يعلمون .


96

إن الله لذو فضل على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون و قوله: قال فالحق و الحق أقول فالاول نصب على القسم و الثاني نصب ب اقول. و هذا بخلاف قوله: و بالحق أنزلناه وبالحق نزل و اما قوله: و ما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء فالاول معرفة بالضمير و الثانية عامة و الاولى خاصة فالاول داخل في الثاني. و كذا قوله: عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله و قوله: برب العالمين. رب موسى و هارون و قوله: أبلغ الأسباب. أسباب السماوات و قوله: سنة الله التي قد خلت من قبل و لن تجد لسنة الله تبديلا و قوله: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ثم قال فمن شهد منكم الشهر فليصمه فهما و ان اختلفا يكون الاول خاصا و الثاني عاما متفقان بالجنس. و كذلك إن يتبعون إلا الظن و إن الظن لا يغني من الحق شيئا و لذلك استبدل بها على إن الاصل الغاء الظن مطلقا.


97

و اما قوله تعالى: فجاءته إحداهما تمشي على استحياء بعد قوله: قالت إحداهما يحتمل إن تكون الاولى هي الثانية و الا تكون. و نظيرها قوله تعالى: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى . فان كانت احداهما الثانية مفعولا فالاسم الاول هو الثاني على قاعدة المعرفتين و ان كانت فاعلا فهما واحد باعتبار الجنس. و اكثر النحاة على إن الاعراب اذا لم يظهر في واحد من الاسمين تعين كون الاول فاعلا خلافا لما قاله الزجاج في قوله تعالى: فما زالت تلك دعواهم . و قوله: و إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب فالكتاب الاول ما كتبوه بايديهم ثم كرره بقوله فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم . و الكتاب الثاني التوراة و الثالث جنس كتب الله تعالى أي ما هو من شئ في كتب الله تعالى و كلامه. قال الراغب. الثاني إن يكونا نكرتين فالثاني غير الاول و الا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهودا سابقا. قالوا و المعنى في هذا و الذي قبله إن النكرة تستغرق الجنس و المعرفة تتناول البعض فيكون داخلا في الكل سواء قدم او اخر. و المشهور في تمثيل هذا القسم اليسر في قوله تعالى: فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا .


98

و قد قيل إن تنكير يسرا للتعميم و تعريف اليسر للعهد الذي كان عليه يؤكده سبب النزول او الجنس الذي يعرفه كل احد ليكون اليسر الثاني مغايرا للاول بخلاف العسر. و التحقيق إن الجملة الثانية هنا تاكيد للاولى لتقديرها في النفس و تمكينها من القلب و لانها تكرير صريح لها و لا تدل على تعدد اليسر كما لا يدل قولنا و ان مع زيد كتابا إن مع زيد كتابا على إن معه كتابين فالافصح إن هذا تاكيد. و قوله تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف الآية فان كلا من المذكور غير الآخر فالضعف الاول النطفة او التراب و الثاني الضعف الموجود في الطفل و الجنين و الثالث في الشيخوخة. و القوة الاولى التي تجعل للطفل حركة و هداية لاستدعاء اللبن و الدفع عن نفسه بالبكاء و الثانية بعد البلوغ. قال ابن الحاجب في قوله تعالى: غدوها شهر و رواحها شهر الفائدة في اعادة لفظ شهر الاعلام بمقدار زمن الغدو و زمن الرواح و الالفاظ التي تاتي مبينة للمقادير لايحسن فيها الاضمار. و اعلم انه ينبغي إن ياتي في هذا القسم الخلاف الاصولي في نحو صل ركعتين صل ركعتين هل يكون امرين بمامورين و الثاني تأسيس او لا و فيه قولان. و قد نقضوا هذا القسم بقوله تعالى: و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله فان فيه نكرتين و الثاني هو الاول. و اجاب الطيبي بانه من باب التكرير و اناطة امر زائد.


99

و هذه القاعدة فيما اذا لم يقصد التكرير و هذه الآية من قصد التكرير. و يدل عليه تكرير ذكر الرب فيما قبله من قوله: سبحان رب السماوات و الأرض رب العرش . و اجاب غيره بان اله بمعنى معبود و الاسم المشتق انما يقصد به ما تضمنه من الصفة فانت اذا قلت زيد ضارب عمرو ضارب بكر لايتخبل إن الثاني هو الاول و ان اخبر بهما عن ذات واحدة فان المذكور حقيقة انما هو المضروبان لا الضاربان و لا شك إن الضميرين مختلفان. و منها قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير الثاني هو الاول. و اجيب بان احدهما محكى من كلام السائل و الثاني من كلام النبي صلى الله عليه وسلم و انما الكلام في وقوعهما من متكلم واحد. و منها قوله تعالى: فباؤوا بغضب على غضب . و منها ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير و منها و قالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية . الثالث إن يكون الاول نكرة و الثاني معرفة فهو كالقسم الاول يكون الثاني فيه هو الاول كقوله تعالى: كما أرسلنا إلى فرعون رسولا. فعصى فرعون الرسول .


100

و قوله: فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري و قوله: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل و قوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله و هذا منتقض بقوله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق و قوله: فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير فانهم استدلوا بها على استحباب كل صلح فالاول داخل في الثاني و ليس بجنسه. و كذلك و ما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا و قوله: ويؤت كل ذي فضل فضله الفضل الاول العمل و الثاني الثواب. و كذلك و يزدكم قوة إلى قوتكم و كذلك ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم و كذلك زدناهم عذابا فوق العذاب تعريفه إن المزيد غير المزيد عليه. و كذلك كتاب أنزلناه إليك و قوله: أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب الرابع عكسه فلا يطلق القول به بل يتوقف على القرائن فتارة تقوم قرينة على التغاير


101
كقوله تعالى: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة . و كذلك قوله: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا . و قوله: و لقد آتينا موسى الهدى و أورثنا بني إسرائيل الكتاب. هدى قال الزمخشري المراد بالهدى جميع ما آتاه من الدين و المعجزات و الشرائع و الهدى و الارشاد. و تارة تقوم قرينة على الاتحاد كقوله تعالى: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون. قرآنا عربيا . و قوله: و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن إلى قوله: إنا سمعنا كتابا . و اما قوله تعالى في سورة البقرة بالمعروف . و قوله أيضا من معروف فهو من اعادة النكرة معرفة لان من معروف و ان كان في التلاوة متاخرا عن بالمعروف فهو في الانزال متقدم عليه.

قواعد تتعلق بالعطف

القاعدة الاولى
ينقسم باعتبار إلى عطف المفرد على مثله و عطف الجمل.


102

فاما عطف المفرد ففائدته تحصيل مشاركة الثاني للاول في الاعراب ليعلم انه مثل الاول في فاعليته او مفعوليته ليتصل الكلام بعضه ببعض او حكم خاص دون غيره كما في قوله تعالى: و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم إلى الكعبين فمن قرا بالنصب عطفا على الوجوه كانت الارجل مغسوله و من قرا بالجر عطفا على الرءوس كانت ممسوحة لكن خولف ذلك لعارض يرجح. و لا بد في هذا من ملاحظة المشاكلة بين المتعاطفين فتقول جاءني زيد و عمرو لانهما معرفتان و لو قلت جاء زيد و رجل لم يستقم لكون المعطوف نكرة نعم إن تخصص فقلت و رجل آخر جاز. و لذا قال صاحب المستوفي من النحويين و اما عطف الجملة فان كانت الاولى لا محل لها من الاعراب فكما سبق لانها تحل محل المفرد نحو مررت برجل خلقه حسن و خلقه قبيح. و انت كان لا محل لها نحو زيد اخوك و عمرو صاحبك ففائدة العطف الاشتراك في مقتضى الحرف العاطف. فان كان العطف بغير الواو ظهر له فائدة من التعقيب كالفاء او الترتيب ك ثم او نفي الحكم عن الباقي ك لا. و اما الواو فلا تفيد شيئا هنا غير المشاركة في الاعراب. و قيل بل تفيد انهما كالنظيرين و الشريكين بحيث اذا علم السامع حال الاول عساه إن يعرف حال الثاني. و من ثمة صار بعض الاصوليين إلى إن القران في اللفظ يوجب القران في الحكم و من ها هنا شرط البيانيون التناسب بين الجمل لتظهر الفائدة حتى انهم منعوا عطف الانشاء على الخبر و عكسه. و نقله الصفار في شرح سيبويه عن سيبويه إلا ترى إلى قوله يقبح عندهم إن يدخلوا الكلام الواجب في موضع المنفي فيصيروا قد ضموا إلى الاول ما ليس بمعناه. انتهى. و لهذا منع الناس من الواو في بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد لان الاولى


103
خبرية و الثانية طلبية و جوزه ابن الطراوة لانهما يجتمعان في التبرك. و خالفهم كثير من النحويين كابن خروف و الصفار و ابن عمرو و قالو يعطف الامر على الخبر و النهي على الامر و الخبر قال تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس فعطف خبر على جملة شرط و جملة الشرط على الامر. و قال تعالى و أمرت أن أكون من المسلمين ، و أن أقم وجهك للدين حنيفا و لا تكونن من المشركين فعطف نهيا على خبر. و مثله يا بني اركب معنا و لا تكن مع الكافرين . قالوا و تعطف الجملة على الجملة و لا اشتراك بينهما كما قال تعالى و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم على قولنا بالوقف على الله و انه سبحانه اختص به. و قال و أولئك هم الفاسقون فانه علة تامة بخبرها فلا يوجب العطف المشاركة فيما تتم به الجملتان الاوليان و هو الشرط الذي تضمنه قوله تعالى: و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا كقولك إن دخلت الدار فانت طالق و فلانة طالق لا يتعلق طلاق الثانية بالشرط و على هذا يختص الاستثناء به و لا يرجع لما تقدمه و يبقى المحدود في القذف غير مقبول الشهادة بعد التوبه كما كان قبلها. و منه قوله تعالى: فإن يشأ الله يختم على قلبك و يمح الله الباطل فانه


104
علة تامة معطوفة على ما قبلها غير داخل تحت الشرط. و لو دخلت كان ختم القلب و محو الباطل متعلقين بالشرط و المتعلق بالشرط معدوم قبل وجوده و قد عدم ختم القلب و وجد محو الباطل فعلمنا انه خارج عن الشرط و انما سقطت الواو في الخط و اللفظ ليس للجزم بل سقوطه من اللفظ لالتقاء الساكنين و في الخط اتباعا للفظ كسقوطه في قوله تعالى: و يدع الإنسان و قوله: سندع الزبانية و لهذا وقف عليه يعقوب بالواو نظرا للاصل و ان وقف عليه غيره بغير واو اتباعا للخط. و الدليل على انها ابتداء اعادة الاسم في قوله: و يمح الله و لو كانت معطوفة على ماقبلها لقيل و يمح الباطل و مثله لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء و قوله: ويذهب غيظ قلوبهم و يتوب الله على من يشاء و قوله: قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم و ريشا و لباس التقوى و غير ذلك. قلت و كثير من هذا لا يرد عليهم فان كلامهم في الواو العاطفة و اما و نقر في الأرحام و ما بعده فهي للاستئناف اذ لو كانت للعطف لاتنصب نقر و جزم و يتوب. و كذلك في و الراسخون للاستئناف و يمح الله . و قال البيانيون للجملة ثلاثة احوال فالاول إن يكون ما قبلها بمنزلة الصفة من الموصوف و التاكيد من المؤكد فلا يدخلها عطف لشدة الامتزاج كقوله تعالى: الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه .


105

و قوله: ختم الله على قلوبهم مع قوله: لا يؤمنون . و كذلك يخادعون الله مع قوله: و ما هم بمؤمنين فان المخادعة ليست شيئا غير قولهم آمنا من غير اتصافهم. و قوله: و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون و ذلك لان معنى قولهم إنا معكم انا لم نؤمن و قوله: إنما نحن مستهزؤون خبر لهذا المعنى بعينه. و قوله: و إذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا . و قوله: ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم فان كونه ملكا ينفي كونه بشرا فهي مؤكدة للاولى. و قوله: و ما علمناه الشعر و ما ينبغي له إن هو إلا ذكر و قرآن مبين . و قوله: و ما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى و قوله: إن زلزلة الساعة شيء عظيم فانها مؤكدة لقوله يا أيها الناس اتقوا ربكم و قوله: إن صلاتك سكن لهم فانها بيان للامر بالصلاة.


106

و قوله: إن المتقين في مقام أمين بعد قوله: إن هذا ما كنتم به تمترون و قوله: إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا إذا جعلت إنا لا نضيع خبرا إذ الخبر لا يعطف على المبتدأ. و قوله: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون بعد قوله: لهم فيها زفير و هم فيها لا يسمعون . و الثانية إن يغاير ما قبلها و ليس بينهما نوع من الارتباط بوجه فلا عطف أيضا إذ شرط العطف المشاكلة و هو مفقود و ذلك قوله تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم بعد قوله: و أولئك هم المفلحون . فإن قيل إذا كان حكم هذه الحالة و التي قبلها واحدا أدى إلى الإلباس فإنه إذا لم يعطف التبس حالة المطابقة بحالة المغايرة و هلا عطفت الحالة الأولى بالحالة الثانية فإن ترك العطف يوهم المطابقة و العطف يوهم عدمها فلما اختير الأول دون الثاني مع أنه لم يخل عن إلباس. قيل العاطف يوهم الملابسة بوجه قريب أو بعيد بخلاف سقوط العاطف فإنه و إن أوهم المطابقة إلا إن أمره واضح فبأدنى نظر يعلم فزال الإلباس. الحال الثالثة إن يغاير ما قبلها لكن بينهما نوع ارتباط و هذه هي التى يتوسطها العاطف كقوله: أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحون . و قوله: أولئك الذين كفروا بربهم و أولئك الأغلال في أعناقهم و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .


107

فإن قلت لم سقط العطف من أولئك كالأنعام بل هم أضل و لم يسقط من أولئك هم المفلحون قلت لأن الغفلة شأن الأنعام فالجملة الثانية كأنها هي الجملة الأولى. فإن قلت لم سقط في قوله: الله يستهزئ بهم قلت لأن الثانية كالمسئول عنها فنزل تقدير السؤال منزلة صريحه. الحال الرابعة إن يكون بتقدير الاستئناف كأن قائلا قال لم كان كذا فقيل كذا فهاهنا لا عطف أيضا كقوله تعالى: و جاؤوا أباهم عشاء يبكون. قالوا يا أبانا . و قوله: فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا التقدير فما قالوا أو فعلوا فأجيب هذا التقدير بقوله قالوا.

القاعدة الثانية
ينقسم باعتبار عطف الاسم على مثله و الفعل على الفعل إلى أقسام الأول عطف الاسم على الاسم و شرط ابن عمرون و صاحبه ابن مالك فيه إن يصح إن يسند أحدهما إلى ما أسند إلى الآخر و لهذا منع إن يكون و زوجك في اسكن أنت و زوجك معطوفا على المستكن في أنت و جعله من عطف الجمل بمعنى أنه مرفوع بفعل محذوف أي و لتسكن زوجك. و نظيره قوله تعالى: لا نخلفه نحن و لا أنت مكانا سوى لأن من حق المعطوف حلوله محل المعطوف عليه و لا يصح حلول زوجك محل الضمير لأن فاعل


108
فعل الأمر الواحد المذكر نحو قم لا يكون إلا ضميرا مستترا فكيف يصح وقوع الظاهر موقع المضمر الذي قبله. و رد عليه الشيخ أثير الدين أبو حيان بأنه لا خلاف في صحة تقوم هند و زيد و لا يصح مباشرة زيد ل تقوم لتأنيثه. الثاني عطف الفعل على الفعل قال ابن عمرون و غيره يشترط فيه اتفاق زمانهما فإن خالف رد إلى الاتفاق بالتأويل لا سيما إذا كان لا يلبس و كانت مغايرة الصيغ اتساعا قال الله تعالى و الذين يمسكون بالكتاب و أقاموا الصلاة فعطف الماضى على المضارع لأنها من صلة الذين و هو يضارع الشرط لإيهامه و الماضي في الشرط في حكم المستقبل فقد تغايرت الصيغ في هذا كما ترى و اللبس مأمون و لا نظر في الجمل إلى اتفاق المعاني لأن كل جملة مستقلة بنفسها. انتهى. و مثله قوله تعالى: إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ثم قال و يجعل لك قصورا و قوله: و يوم نسير الجبال ثم قال و حشرناهم . و قال صاحب المستوفى لا يتمشى عطف الفعل على الفعل إلا في المضارع منصوبا كان كقوله تعالى: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب و يزداد الذين آمنوا إيمانا أو مجزوما كقوله: يغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمى . فإن قيل كيف حكمتم بأن العاطف مختص بالمضارع و هم يقولون قام زيد و قعد


109
بكر و على هذا قوله تعالى: إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيئ لنا من أمرنا رشدا فيه عطف الماضى على الماضى و عطف الدعاء على الدعاء فالجواب إن المراد بالعطف هنا إن تكون لفظتان تتبع الثانية منهما الأولى في إعرابها و إذا كانت اللفظة غير معربة فكيف يصح فيها التبعية فصح إن هذه الألفاظ لا يصح إن يقال إنها معطوفة على ما قبلها العطف الذي نقصده الآن. و إن صح إن يقال معطوفة العطف الذي ليس للاتباع بل يكون عطف الجملة على الجملة من حيث هما جملتان و الجملة من حيث هي لا مدخل لها في الإعراب إلا إن تحل محل الفرد و ظهر أنه يصح وقوع العطف عليه و عدمه باعتبارين. الثالث عطف الفعل على الاسم و الاسم على الفعل و قد اختلف فيه فمنهم من منعه و الصحيح الجواز إذا كان مقدرا بالفعل كقوله تعالى: صافات و يقبضن و قوله: إن المصدقين و المصدقات و أقرضوا الله . و احتج الزمخشري بهذا على إن اسم الفاعل حمله على معنى المصدقين الذين تصدقوا. قال ابن عمرون و يدل لعطف الاسمية على الفعلية قوله تعالى: فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا


110
فعطف فويل للذين كفروا و هي جملة اسمية على فاختلف و هي فعلية بالفاء. و قال تعالى و طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون و قال تعالى يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. فأما من أوتي كتابه بيمينه . قال و اذن جاز عطف الاسمية على الفعلية ب ام في قوله تعالى: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون اذا لوضع للمعادلة. و قيل انه اوقع الاسمية موقع الفعلية نظرا إلى المعنى اصمتم فما المانع هنا و جعل ابن مالك قوله تعالى: و مخرج الميت من الحي عطفا على يخرج لان الاسم في تاويل الفعل. و التحقيق ما قاله الزمخشري انه عطف على فالق الحب و النوى و لا يصح إن يكون عطفا على يخرج لانه ليس تفسيرا لقوله فالق الحب فيعطف على تفسيره بل هو قسيم له.
القاعدة الثالثة
ينقسم باعتبار المعطوف إلى اقسام عطف على اللفظ و عطف على الموضع و عطف على التوهم. فالاول إن يكون باعتبار عمل موجود في المعطوف عليه فهو العطف على اللفظ نحو ليس زيد بقائم و لا ذاهب و هو الاصل.


111

و الثاني إن يكون باعتبار عمل لم يوجد في المعطوف إلا أنه مقدر الوجود لوجود طالبه فهو العطف على الموضع نحو ليس زيد بقائم و لا ذاهبا بنصب ذاهبا عطفا على موضع قائم لانه خبر ليس. و من أمثلته قوله تعالى: و أتبعوا في هذه الدنيا لعنة و يوم القيامة بان يكون يوم القيامة معطوفا على محل هذه ذكره الفارسي. و قوله: من يضلل الله فلا هادي له و يذرهم في طغيانهم يعمهون في قراءة الجزم أنه بالعطف على محل فلا هادي له . و جعل الزمخشري و أبو البقاء منه قوله تعالى: لينذر الذين ظلموا و بشرى إن بشرى في محل نصب بالعطف على محل لينذر لانه مفعول له. و غلطا في ذلك لان شرطة في ذلك إن يكون الموضع بحق الاصالة و المحل ليس هنا كذلك لان الاصل هو الجر في المفعول له و انما النصب ناشئ عن اسقاط الخافض. و جوز الزمخشري أيضا في قوله تعالى: و جعل الليل سكنا و الشمس كون الشمس معطوفا على محل الليل. و الثالث إن يكون باعتبار عمل لم يوجد هو و لا طالبه هو العطف على التوهم نحو ليس زيد قائما و لا ذاهب بجر ذاهب و هو معطوف على خبر ليس المنصوب باعتبار جره بالباء و لو دخلت عليه فالجر على مفقود و عامله و هو الباء مفقود أيضا إلا انه متوهم الوجود لكثرة دخوله في خبر ليس فلما توهم وجوده صح اعتبار مثله و هذا قليل من كلامهم. و قيل إنه لم يجئ إلا في الشعر و لكن جوزه الخليل و سيبويه في القرآن و عليه


112
خرجا قوله تعالى: فأصدق و أكن من الصالحين كانه قيل اصدق و اكن. و قيل هو من العطف على الموضع أي محل اصدق. و التحقيق قول سيبويه هو على توهم إن الفاء لم ينطق بها. و اعلم إن بعضهم قد شنع القول بهذا في القرآن على النحويين و قال كيف يجوز التوهم في القرآن و هذا جهل منه بمرادهم فانه ليس المراد بالتوهم الغلط بل تنزيل الموجود منه منزلة المعدوم كالفاء في قوله تعالى: فأصدق ليبنى على ذلك ما يقصد من الاعراب. و جعل منه الزمخشري قوله تعالى: و من وراء إسحاق يعقوب فيمن فتح الباء كانه قيل و وهبنا له اسحاق و من وراء اسحاق يعقوب على طريقة... ليسوا مصلحين عشيرة و لا ناعب. و قد يجيء اسم آخر و هو العطف على المعنى كقوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ثم قال أو كالذي عطف المجرور بالكاف على المجرور ب إلى حملا على المعنى لان قوله إلى الذي في معنى ارايت كالذي. و قال بعضهم في قوله تعالى: و حفظا من كل شيطان انه عطف على معنى


113
إنا زينا السماء الدنيا و هو انا خلقنا الكواكب في السماء الدنيا زينة للسماء الدنيا. و في قوله تعالى: لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع على قراءة النصب انه عطف معنى لعلي ابلغ و هو لعلي إن ابلغ فان خبر لعل يقترن ب إن كثيرا.
القاعدة الرابعة
الاصل في العطف التغاير و قد يعطف الشئ على نفسه في مقام التاكيد و قد سبق افراده بنوع في فصول التاكيد.
القاعدة الخامسة
يجوز في الحكاية عن المخاطبين اذا طالت قال زيد قال عمرو من غير إن تاتي بالواو و بالفاء و على هذا قوله تعالى: إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي و يميت قال أنا أحيي و أميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب الآية. و قوله تعالى: قال فرعون و ما رب العالمين. قال رب السماوات و الأرض و نظائرها. و انما حسن ذلك للاستغناء عن حرف العطف من حيث إن المتقدم من القولين


114
يستدعي التأخر منهما فلهذا كان الكلام مبنيا على الانفصال و كان كل واحد من هذه الاقوال مستانفا ظاهرا و ان كان الذهن يلائم بينهما.
القاعدة السادسه
العطف على المضمر إن كان منفصلا مرفوعا فلا يجوز من غير فاصل تاكيد او غيره كقوله تعالى: إنه يراكم هو و قبيله ، فاذهب أنت و ربك فقاتلا اسكن أنت و زوجك الجنة . عند الجمهور خلافا لابن مالك في جعله من عطف الجمل بتقدير و لتسكن زوجك. و قوله: و علمتم ما لم تعلموا أنتم و لا آباؤكم ، يدخلونها و من صلح ، فقل أسلمت وجهي لله و من اتبعن . و جعل الزمخشري منه أئنا لمبعوثون. أو آباؤنا فيمن قرا بفتح الواو و جعل الفصل بالهمزة. و رد بان الاستفهام لايدخل على المفردات. و جعل الفارسي منه ما أشركنا و لا آباؤنا و اعرب ابن الدهان و لا آباؤنا مبتدأ خبره أشركوا مقدرا.


115

و اجاز الكوفيون العطف من غير فاصل كقوله تعالى: و الذين هادوا و الصابئون . فاما قوله تعالى: فاستوى. و هو بالأفق الأعلى فقال الفارسي و هو مبتدأ و ليس معطوفا على ضمير فاستوى و ان كان مجرورا فلا يجوز من غير تكرار الجار فيه نحو مررت به و بزيد كقوله تعالى: و عليها و على الفلك تحملون ، فقال لها و للأرض ، جعلنا بينك و بين الذين لا يؤمنون . و اما قوله: و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح فان جعلنا و من نوح معطوفا على منك فالاعادة لازمة و ان جعل معطوفا على النبيين فجائزة. و قال الكوفيون لاتلزم الاعادة محتجين بآيات الاولى قراءة حمزة و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام بالجر عطفا على الضمير في به . فان قيل ليس الخفض على العطف و انما هو على القسم و جوابه إن الله كان عليكم رقيبا . قلنا رده الزجاج بالنهي عن الحلف بغير الله و هو عجيب فان ذلك على المخلوقين. الثانية قوله تعالى: فيها معايش و من لستم له برازقين ، و من لستم اولها المانعون كابن الدهان بتقدير و يرزق من لستم و الزجاج بتقدير اعني من لستم. قال ابو البقاء لان المعنى اغناكم و اغنى من لستم و قدم انها نصب


116
ب جعلنا قال و المراد ب من العبيد و الاماء و البهائم فانها مخلوقة لمنافعها. الثالثة قوله تعالى: و كفر به و المسجد الحرام و ليس من هذا الباب لان المسجد معطوف على سبيل الله في قوله: و صد عن سبيل الله . و يدل لذلك انه صرح بنسبة الصد إلى المسجد في قوله: أن صدوكم عن المسجد الحرام . و هذا الوجه حسن لولا ما يلزم منه الفصل بين صد و المسجد بقوله و كفر و هو اجنبي. و لا يحسن إن يقال انه معطوف على الشهر لانهم لم يسألوا عنه و لا على سبيل لانه اذ ذاك من تتمة المصدر و لا يعطف على المصدر قبل تمامه. الرابعة قوله تعالى: يا أيها النبي حسبك الله و من اتبعك قالوا الواو عاطفة ل من على الكاف المجرورة و التقدير حسبك من اتبعك. و رد بأن الواو للمصاحبة و من في محل نصب عطفا على الموضع كقوله

فحسبك و الضحاك سيف مهند

الخامسة قوله تعالى: كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا كما تقول كذكر قريش آباءهم او قوم اشد منهم ذكرا. لكن هذا عطف على الضمير المخفوض و ذلك لا يجوز على قراءة حمزة.


117

و قد خالفه الجمهور و جعلوه مجرورا عطفا على ذكركم المجرور بكاف التشبيه تقديره أو كذكركم اشد فجعل للذكر ذكرا مجازا و هو قول الزجاج و تابعة ابن عطية و ابو البقاء و غيرهما. و مما اختلف فيه العطف على عاملين نحو ليس زيد بقائم و لا قاعد عمرو على إن يكون و لا قاعد معطوفا على قائم و عمرو على زيد. منعه الجمهور و اجازه الاخفش محتجا بقوله تعالى: و اختلاف الليل و النهار ثم قال آيات بالنصب عطفا على قوله: لآيات المنصوب ب إن في اول الكلام و اختلاف الليل و النهار مجرور بالعطف على السماوات المجرور بحرف الجر الذي هو في فقد وجد العطف على عاملين. و اجيب بجعل آيات تأكيد ل آيات الاولى.

قواعد في العدد

القاعدة الاولى

في اسم الفاعل المشتق من العدد له استعمالان أحدهما إن يراد به واحد من ذلك العدد فهذا يضاف للعدد الموافق له نحو رابع اربعة و خامس خمسة و ليس فيه إلا الإضافة خلافا لثعلب فانه اجاز ثالث ثلاثة بالتنوين قال تعالى ثاني اثنين و هذا لايجوز اطلاقه في حق الله تعالى


118
و لهذا قال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة . الثاني إن يكون بمعنى التصيير و هذا يضاف إلى العدد المخالف له في اللفظ بشرط إن يكون انقص منه بواحد كقولك ثالث اثنين و رابع ثلاثة و خامس اربعة كقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و لا خمسة إلا هو سادسهم أي يصيرهم بعلمه و احاطته اربعة و خمسة. فان قيل كيف بدا بالثلاث و هلا جاء ما يكون من نجوى واحد إلا هو ثانية و لا اثنين إلا هو ثالثهم قيل لانه سبحانه لما علم إن بعض عباده كفر بهذا اللفظ و أدعى أنه ثالث ثلاثة فلو قال ما يكون من نجوى واحد إلا هو ثانيه لثارت ضلالة من كفر بالله و جعله ثانيا و قال و هذا قول الله هكذا. و لو قال و لا اثنين إلا هو ثالثهم لتمسك به الكفار فعدل سبحانه عن هذا لاجل ذلك ثم قال و لا أدنى من ذلك و لا أكثر فذكر هذين المعنيين بالتلويح لا بالتصريح فدخل تحته ما لا يتناهى و هذا من بعض اعجاز القرآن.
القاعدة الثانية
حق ما يضاف إليه العدد من الثلاثة إلى العشرة إن يكون اسم جنس او اسم جمع و حينئذ فيجر ب من نحو فخذ أربعة من الطير . و يجوز إضافته نحو تسعة رهط . و ان كان غيرهما من الجموع اضيف إليه الجمع على مثال جمع القلة من التكسير و علته إن المضاف موضوع للقلة فتلزم اضافته إلى جمع قلة طلبا لمناسبة المضاف إليه


119
المضاف في القلة لان المفسر على حسب المفسر فتقول ثلاثة افلس و اربعة اعبد قال تعالى من بعده سبعة أبحر . و قد استشكل على هذه القاعدة قوله تعالى: يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فان قروء جمع كثرة و قد اضيف إلى الثلاثة و لو جاء على القاعدة لقال اقراء. و الجواب من اوجه أحدها انه اوثر جمع الكثرة هنا لان بناء القلة شاذ فانه جمع قرء بفتح القاف و جمع فعل على افعال شاذ فجمعوه على فعول ايثارا للفصيح فاشبه ما ليس له إلا جمع كثرة فانه يضاف إليه كثلاثة دراهم. ذكره ابن مالك. و الثاني إن القلة بالنسبة إلى كل واحد من المطلقات و انما اضاف جمع الكثرة نظرا إلى كثرة المتربصات لان كل واحدة تتربص ثلاثة. حكاه في البسيط عن اهل المعاني. الثالث انه على حذف مضاف أي ثلاثة اقراء قروء. الرابع إن الاضافة نعت في تقدير الانفصال لانه بمعنى من التي للتبعيض أي ثلاثة اقراء من قروء. كما اجاز المبرد ثلاثة حمير و ثلاثة كلاب على ارادة من أي من حمير و من كلاب.
القاعدة الثالثة
الفاظ العدد نصوص و لهذا لايدخلها تاكيد لانه لدفع المجاز في اطلاق الكل


120
و ارادة البعض و هو منتف في العدد. و قد اورد على ذلك آيات شريفة. الاولى قوله تعالى: تلك عشرة كاملة و الجواب إن التاكيد هنا ليس لدفع نقصان اصل العدد بل لدفع نقصان الصفة لان الغالب في البدل إن يكون دون المبدل منه معناه إن الفاقد للهدى لاينقص من اجره شئ. الثانية قوله تعالى: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما و لو كانت الفاظ العدد نصوصا لما دخلها الاستثناء انما يكون عاما. و الجواب إن التجوز قد يدخل في الالف فانها تذكر في سياق المبالغة للتكثير و الاستثناء رفع ذلك. الثالثة قوله تعالى: و قال الله لا تتخذوا إلهين اثنين و قد سبق في باب التاكيد الجواب عنه. الرابعة قوله تعالى: إن تستغفر لهم سبعين مرة و قوله: سبعون ذراعا . قالوا المراد بها الكثرة و خصوص السبعين ليس مرادا و هذا مجاز. و كذا قوله تعالى: ثم ارجع البصر كرتين قيل المراد المراجعة من غير حصر و جئ بلفظ التثنية تنبيها على اصل الكثرة و هو مجاز.


121

احكام الالفاظ يكثر دورانها في القرآن
لفظ (فعل)
من ذلك لفظ فعل كثيرا ما يجئ كناية عن افعال متعدده و فائدته الاختصار كقوله تعالى: لبئس ما كانوا يفعلون ، و لو أنهم فعلوا ما يوعظون به و قوله: فإن لم تفعلوا أي فان لم تاتوا بسورة من مثله و لن تاتوا بسورة من مثله. و حيث اطلقت في كلام الله فهي محمولة على الوعيد الشديد كقوله تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، و تبين لكم كيف فعلنا بهم .
لفظ (كان)
و من ذلك الاخبار عن ذات الله او صفاته ب كان. و قد اختلف النحاة و غيرهم في انها تدل على الانقطاع على مذاهب احدها انها تفيد الانقطاع لانها فعل يشعر بالتجدد.


122

و الثاني لاتفيده بل تقتضي الدوام و الاستمرار و به جزم ابن معط في الفيته حيث قال

و كان للماضي الذي ما انقطعا

و قال الراغب في قوله تعالى: و كان الشيطان لربه كفورا نبه بقوله كان على انه لم يزل منذ اوجد منطويا على الكفر. و الثالث انه عبارة عن وجود الشئ في زمان ماض على سبيل الابهام و ليس فيه دليل على عدم سابق و لا على انقطاع طارئ و منه قوله تعالى: و كان الله غفورا رحيما قاله الزمخشري في قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس . و ذكر ابن عطية في سورة الفتح انها حيث وقعت في صفات الله فهي مسلوبة الدلالة على الزمان. و الصواب من هذه المقالات مقالة الزمخشري و انها تفيد اقتران معنى الجملة التي تليها بالزمن الماضي لاغير و لا دلالة لها نفسها على انقطاع ذلك المعنى و لا بقائة بل إن افاد الكلام شيئا من ذلك كان لدليل آخر. اذا علمت هذا فقد وقع في القرآن اخبار الله تعالى عن صفاته الذاتية و غيرها بلفظ كان كثيرا نحو و كان الله سميعا عليما ، واسعا حكيما .


123

غفورا رحيما ، توابا رحيما ، و كنا بكل شيء عالمين ، و كنا لحكمهم شاهدين . فحيث وقع الاخبار بكان عن صفة ذاتية فالمراد الاخبار عن وجودها و انها لم تفارق ذاته و لهذا يقررها بعضهم بما زال فرارا مما يسبق إلى الوهم إن كان يفيد انقطاع المخبر بة عن الوجود لقولهم دخل في خبر كان. قالوا فكان و ما زال مجازان يستعمل أحدهما في معنى الآخر مجازا بالقرينة. و هو تكلف لا حاجة إليه و انما معناها ما ذكرناه من ازلية الصفة ثم تستفيد بقاءها في الحال و فيما لايزال بالادلة العقلية و باستصحاب الحال. و على هذا التقدير سؤالان احدهما إن البارئ سبحانه و صفاته موجودة قبل الزمان و المكان فكيف تدل كان الزمانية على ازلية صفاته و هي موجوده قبل الزمان و ثانيهما مدلول كان اقتران مضمون الجملة بالزمان اقترانا مطلقا فما الدليل على استغراقه الزمان و الجواب عن الاول إن الزمان نوعان حقيقي و هو مرور الليل و النهار او مقدار حركة الفلك على ما قيل فيه. و تقديري و هو ما قبل ذلك و ما بعده كما في قوله تعالى: و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا و لا بكرة هنا و لا عشيا و انما هو زمان تقديري فرضى. و كذلك قوله: خلق السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام


124
مع إن الايام الحقيقية لا توجد إلا بوجود السموات و الأرض و الشمس و القمر و انما الاشارة إلى ايام تقديرية. و عن الثاني إن كان لما دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان لم يكن بعض افراد الازمنة اولى بذلك من بعض فاما إلا يتعلق مضمونها بزمان فيعطل أو يعلق بعضها دون بعض و هو ترجيح بلا مرجح او يتعلق بكل زمان و هو المطلوب. و حيث وقع الاخبار بها عن صفة فعلية فالمراد تارة الاخبار عن قدرته عليها في الازل نحو كان الله خالقا و رازقا و محييا و مميتا و تارة تحقيق نسبتها إليه نحو و كنا فاعلين . و تارة ابتداء الفعل و انشاؤه نحو و كنا نحن الوارثين فان الارث انما يكون بعد موت المورث و الله سبحانه مالك كل شئ على الحقيقة من قبل و من بعد. و حيث اخبر بها عن صفات الآدميين فالمواد التنبيه على انها فيهم غريزة و طبيعة مركوزة في نفسه نحو و كان الإنسان عجولا. إنه كان ظلوما جهولا . و يدل عليه قوله: إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. و إذا مسه الخير منوعا أي خلق على هذه الصفة و هي مقدرة او بالقوة ثم تخرج إلى الفعل. و حيث اخبر بها عن افعالهم دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان نحو إنهم كانوا يسارعون في الخيرات .


125

و من هذا الباب الحكاية عن النبي صلى الله عليه و سلم بلفظ كان يصوم و كنا نفعل. و هو عند اكثر الفقهاء و الاصوليين يفيد الدوام فان عارضه ما يقتضي عدم الدوام مثل إن يروى كان يمسح مرة ثم نقل انه يمسح ثلاثا فهذا من باب تخصيص العموم و ان روى النفي و الاثبات تعارضا. و قال الصفار في شرح سيبويه اذا استعملت للدلالة على الماضي فهل تقتضي الدوام و الاتصال اولا مسالة خلاف و ذلك انك اذا قلت كان زيد قائما فهل هو الآن قائم الصحيح انه ليس كذلك هذا هو المفهوم ضرورة و انما حملهم على جعلها للدوام ما ورد من مثل قوله تعالى: و كان الله غفورا رحيما و قوله: و لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة و هذا عندنا يتخرج على انه جواب لمن سال هل كان الله غفورا رحيما و اما الاية الثانية فالمعنى أي قد كان عندكم فاحشة و كنتم تعتقدون فيه ذلك فتركه يسهل عليكم. قال ابن الشجري في امالية اختلف في كان في نحو قوله: و كان الله عزيزا حكيما على قولين احدهما انها بمعنى لم يزل كان القوم شاهدوا عزا و حكمه و مغفرة و رحمة فقيل لهم لم يزل الله كذلك قال و هذا قول سيبويه. و الثاني انها تدل على وقوع الفعل فيما مضى من الزمان فاذا كان فعلا متطاولا لم يدل دلالة قاطعة على انه زال و انقطع كقولك كان فلان صديقي لايدل هذا على إن صداقته قد زالت بل يجوز بقاؤها و يجوز زوالها.


126

فمن الاول قوله تعالى: إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا لان عداوتهم باقية. و من الثاني قوله تعالى: و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم . و قال بعضهم يدل على أن خبرها كان موجودا في الزمن الماضي و أما في الزمن الحاضر فقد يكون باقيا مستمرا و قد يكون منقطعا فالاول كقوله تعالى: و كان الله غفورا رحيما و كذا سائر صفاته لانها باقية مستمرة. قال السيرافي قد يرجع الانقطاع بالنسبة للمغفور لهم و المرحومين بمعنى انهم انقرضوا فلم يبق من يغفر له و لا من يرحم فتنقطع المغفرة و الرحمة. و كذا و كان الله عليما حكيما و معناه الانقطاع فيما وقع عليه العلم و الحكمة لا نفس العلم و الحكمة. و فيه نظر. و قال ابن بري ما معناه إن كان تدل على تقديم الوصف و قدمه و ما ثبت قدمه استحال عدمه و هو كلام حسن. و قال منصور بن فلاح اليمني في كتاب الكافي قد تدل على الدوام بحسب القرائن كقوله: و كان الله غفورا رحيما ، و كان الله سميعا بصيرا ، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا . دلت على الدوام المتصف بتلك الصفات و دوام التعبد بالصفات. و قد تدل على الانقطاع نحو كان هذا الفقير غنيا و كان لي مال.


127

و قال ابو بكر الرازي كان في القرآن على خمسة اوجه بمعنى الازل و الابد كقوله تعالى: و كان الله عليما حكيما . و بمعنى المضي المنقطع كقوله: و كان في المدينة تسعة رهط و هو الاصل في معاني كان كما تقول كان زيد صالحا او فقيرا او مريضا او نحوه. و بمعنى الحال كقوله تعالى: كنتم خير أمة و قوله: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا . و بمعنى الاستقبال كقوله تعالى: و يخافون يوما كان شره مستطيرا و بمعنى صار كقوله: و كان من الكافرين .

مسالة

في حكم كان اذا وقعت بعد إن

كان فعل ماض و اذا وقعت بعد إن كانت في المعنى للاستقبال. و قال المبرد تبقى على المضي لتجردها للدلالة على الزمان فلا يغيرها اداة الشرط قال تعالى إن كنت قلته ، إن كان قميصه . و هذا ضعيف لبنائه على انها للزمان وحده و الحق خلافه بل تدل على الحدث و الزمان كغيرها من الافعال. و قد استعملت مع إن للاستقبال قال تعالى إن كنتم صادقين . و أما إن كنت قلته فتاوله ابن السراج على تقدير إن اكن قلته و كذا إن كان قميصه إن يكن قميصه.


128

مسالة

في نفي كان و اخواتها

اذا نفيت كان و اخواتها فهي كغيرها من الافعال. و زعم ابن الطراوة انها اذا نفيت كان اسمها مثبتا و الخبر منفيا قال لان النفي انما يتسلط على الخبر كقوله تعالى: ما كان حجتهم إلا أن قالوا فالقول مثبت و الحجة هي المنفية و ما ذهب إليه غير لازم اذ قد قرئ ما كان حجتهم بالرفع على انه اسم كان و لكن تاوله على إن كان ملغاة أي زائدة تقديره ما حجتهم إلا. و هذا إن ساغ له هاهنا فلا يسوغ له تاويل قوله تعالى: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا فانه قرئ بالرفع و لا يمكن إن تكون هنا ملغاة.
لفظ (جعل)
و من ذلك جعل و هي احد الافعال المشتركة التي هي أمهات احداث و هي فعل و عمل و جعل و طفق و انشا و اقبل. و اعمها فعل يقع على القول و الهم و غيرهما و يفعلون ما يؤمرون . و دونه عمل لانه يعم النية و الهم و العزم و القول و قدمنا إلى ما عملوا من عمل أي من صلاة و صدقة و جهاد. و لجعل احوال


129
احدها بمعنى سمى كقوله تعالى: الذين جعلوا القرآن عضين أي سموه كذبا و قوله: و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا على قول. و يشهد له قوله تعالى: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى . الثاني بمعنى المقاربة مثل كاد و طفق لكنها تفيد ملابسة الفعل و الشروع فيه تقول جعل يقول و جعل يفعل كذا اذا شرع فيه. الثالث بمعنى الخلق و الاختراع فتعدى لواحد كقوله تعالى: و جعل الظلمات و النور أي خلقهما. فان قيل ما الفرق بين الجعل و الخلق قيل إن الخلق فيه معنى التقدير و في الجعل معنى التصيير كانشاء شئ من شئ او تصيير شئ شيئا. او نقله من مكان و يتعدى لمفعول واحد لانه لا يتعلق إلا بواحد و هو المخلوق. و ايضا فالخلق يكون عن عدم سابق حيث لايتقدم مادة و لا سبب محسوس و الجعل يتوقف على موجود مغاير للمجعول يكون منه المجعول او عنه كالمادة و السبب. و لا يرد في القرآن العظيم لفظ جعل في الاكثر مرادا به الخلق إلا حيث يكون قبله ما يكون عنه او منه او شيئا فيه محسوسا عنه يكون ذلك المخلوق الثاني بخلاف خلق فان العبارة تقع كثيرا به عما لم يتقدم وجوده وجود مغاير يكون عنه هذا الثاني قال الله تعالى الحمد لله الذي خلق السماوات و الأرض و جعل الظلمات و النور و انما الظلمات و النور عن اجرام توجد بوجودها و تعدم بعدمها. و قال تعالى و هو الذي مد الأرض و جعل فيها رواسي .


130

و قال و جعل لكم من الفلك و الأنعام ما تركبون . و قال سبحانه في سورة الاعراف و جعل منها زوجها . و في سورة النساء و خلق منها زوجها فهو يدل على انهما قد يستعملان استعمال المترادفين. الرابع بمعنى النقل من حال إلى حال و التصيير فيتعدى إلى مفعولين اما حسا كقوله تعالى: الذي جعل لكم الأرض فراشا ، و الله جعل لكم الأرض بساطا ، فجعلهم جذاذا ، و جعلناهم أئمة ، و جعلناكم أكثر نفيرا . و إما عقلا مثل أجعل الآلهة إلها واحدا ، جاعل الملائكة رسلا . و نحو قوله: اجعل هذا البلد آمنا و قوله: و جعلنا الليل لباسا لانه يتعلق بشيئين المنقول و هو الليل و المنقول إليه و هو اللباس. و ابين منه قوله تعالى: و إنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ، جعلنا عاليها سافلها ، و جعلنا نومكم سباتا . و المعاش في قوله: و جعلنا النهار معاشا اسم زمان لكون الثاني هو الاول و يجوز إن يكون مصدر لمعنى المعيش. و جعلنا ابن مريم و أمه آية و معناه صيرناه لان مريم انما صارت مع ولدها عليه السلام لما خلق من جسدها لا من أب فصار عند ذلك آية للعالمين. و محال انه


131
يريد خلقناهما لان مريم لم تخلق في حين خلق ولدها بل كانت موجوده قبله و محال تعلق القدرة بجعل الموجود موجودا في حال بقائه. فاما قوله تعالى: إنا جعلناه قرآنا عربيا فهو من هذا الباب على جهة الاتساع أي صيرناه يقرا بلسان عربي لان غير القرآن ما هو عبري و سرياني و لان معاني القرآن في الكتب السالفة بدليل قوله تعالى: و إنه لفي زبر الأولين ، إن هذا لفي الصحف الأولى . و بهذا احتج من أجاز القراءة بالفارسية قال لأنه ليس في زبر الأولين من القرآن إلا المعنى و الفارسية تؤدي المعنى. و اذا عرف هذا فكانه نقل المعنى من لفظ القرآن فصيره عربيا. و أخطأ الزمخشري حيث جعله بالخلق و هو مردود صناعة و معنى. أما الصناعة فلأنه يتعدى لمفعولين و لو كان بمعنى الخلق لم يتعد إلا إلى واحد و تعديته لمفعولين و إن احتمل هذا المعنى لكن بجواز إرادة التسمية أو التصيير على ما سبق. و أما المعنى فلو كان بمعنى خلقنا التلاوة العربية فباطل لأنه ليس الخلاف في حدوث ما يقوم بالسنتنا و انما الخلاف في إن كلام الله الذي هو أمره و نهيه و خبره فعندنا أنه صفة من صفات ذاته و هو قديم. و قالت القدرية إنه صفة فعل أوجده بعد عدمه و احدثه لنفسه فصار عند حدوثه متكلما بعد إن لم يكن فظهر إن الآية على تأويله ليس فيها تضمن لعقيدته الباطلة. و قال الآمدي في ابكار الأفكار الجعل فيه بمعنى التسوية كقوله تعالى: الذين جعلوا القرآن عضين أي يسمونه كذبا.


132
قال و يحتمل إن الجعل على بابه و المراد القرآن بمعنى القراءة دون مدلولها فإن القرآن قد يطلق بمعنى القراءة و منه قوله صلى الله عليه و سلم ( ما اذن الله لشئ أذنه لنبي يتغنى في القرآن ) أي بالقراءة. و قال بعضهم قاعدة العرب في الجعل إن يتعدى لواحد و تارة يتعدى لاثنين فإن تعدى لواحد لم يكن إلا بمعنى الخلق و اما اذا تعدى لاثنين فيجيئ بمعنى الخلق كقوله تعالى: و جعلنا الليل و النهار آيتين و بمعنى التسمية و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ، الذين جعلوا القرآن عضين . و يجيء بمعنى التصيير كقوله تعالى: و جعلنا ابن مريم و أمه آية أي صيرناهما. اذا علمت هذا فإذن ثبت إن الجعل المتعدي لاثنين ليس نصا في الخلق بل يحتمل الخلق و غيره و لم يكن في الآية تعلق للقدرية على خلق القرآن لأن الدليل لابد إن يكون قطعيا لا احتمال فيه. و يجوز إن يكون بمعنى الخلق على معنى جعلنا التلاوة عربية. قلت و هذا يمنع اطلاقه و ان جوزنا حدوث الألفاظ لانها لم تات عن السلف بل نقول القرآن غير مخلوق على الإطلاق. الخامس بمعنى الاعتقاد كقوله تعالى: و جعلوا لله شركاء الجن ، و يجعلون لله ما يكرهون .


133

و كذلك قوله تعالى: و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أي اعتقدوهم اناثا. و يجوزان يكون كما قبله و وجه النقل فيه هو إن الملائكة في نفس الامر ليسوا إناثا فهؤلاء الكفار نقلوهم باعتقادهم فصيروهم في الوجود الذهني إناثا. و منهم من جعلها بمعنى التسمية كقوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا و أنتم تعلمون أي لاتسموها أندادا و أنتم تعلمون أي لاتسموها اندادا و لا تعتقدوها لانهم ما سموها حتى اعتقدوها. و كذلك الذين جعلوا القرآن عضين أي سموه و جزءوه أجزاء فجعلوا بعضه شعرا و بعضه سحرا و بعضه أساطير الأولين. و قال الزجاج في و جعلوا الملائكة انها بمعنى... و قوله: أجعلتم سقاية الحاج أي اعتقدتم هذا مثل هذا. فأما قوله: أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض فالنقل و التصيير راجعان إلى الحال أي لاتجعل حال هؤلاء مثل حال هؤلاء و لا تنقلها اليها. و كذلك قوله: أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه أي اعتقدوا له شركاء. السادس بمعنى الحكم بالشئ على الشئ يكون في الحق و الباطل. فالحق كقوله: إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين .


134

و الباطل كقوله: و جعلوا لله مما ذرأ من الحرث الاية. و بمعنى أوجب كقوله تعالى: و ما جعلنا القبلة التي كنت عليها أي اوجبنا الاستقبال إليها. و كقوله: ما جعل الله من بحيرة ، و ما جعلنا القبلة التي كنت عليها و معنى كنت عليها أي انت عليها كقوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس أي أنتم. السابع ذكره الفارسي بمعنى القى فيتعدى لمفعولين احدهما بنفسه و الآخر بحرف الجر كما في قولك جعلت متاعك بعضه فوق بعض. و مثله قوله: و جعل فيها رواسي . و منه قوله تعالى: و يجعل الخبيث بعضه على بعض و بعضه بدل من الخبيث. و قوله على بعض أي فوق بعض. و مثله قوله: و جعل فيها رواسي أي القى بدليل قوله في الآية الاخرى التي علل فيها المراد بخلق الجبال و أبان إنعامه فقال: و ألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم .

فائدة
قوله تعالى: و جعلنا الليل و النهار آيتين قيل كيف يستعمل لفظ الجعل


135
هنا مع إن المجعول عنه ينبغي إن يتحقق قبل الجعل مع صفة المجعول كقولك جعلت زيدا قائما فهو قبل ذلك كان متصفا بضد القيام و هنا لم يوجد الجعل إلا على هذه الصفة فكيف يصح استعمال الجعل فيه و الجواب إن الليل جوهر قام به السواد و النهار جوهر قام به النور و كذلك الشمس جسم قام به ضوء و الاجسام و الجواهر متقدمة على الاعراض بالذات و العرب تراعي مثل هذا نقل الفراء انهم قالوا احسنت اليك فكسوتك فجعلوا الاحسان متقدما على الكسوة بدليل العطف بالفاء و ليس ذلك إلا تقدم ذاتي لان الاحسان في الخارج هو نفس الكسوة. و لك إن تقول لانسلم أن الاحسان نفس الكسوة بل معنى يقوم بالنفس ينشأ عنه الكسوة.
حسب
يتعدى لمفعولين و حيث جاء بعدها إن الفعل كقوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ، أم حسبتم أن تتركوا و نظائره فمذهب سيبويه انها سادة مسد المفعولين و مذهب المبرد انها سادة مسد المفعول الواحد و الثاني عنده مقدر. و يشهد لسيبويه إن العرب لم يسمع من كلامهم نطق بما ادعاه من التصريح به و لو كان كما ذكره لنطقوا به و لو مرة.


136

كاد
و للنحويين فيها اربعة مذاهب احدها إن اثباتها اثبات و نفيها نفي كغيرها من الافعال. و الثاني انها تفيد الدلالة على وقوع الفعل بعسر و هو مذهب ابن جني. و الثالث إن اثباتها نفي و نفيها اثبات فاذا قيل كاد يفعل فمعناه انه لم يفعله بدليل قوله: و إن كادوا ليفتنونك و اذا قيل لم يكد يفعل فمعناه انه فعله بدليل قوله: و ما كادوا يفعلون . و الرابع التفصيل في النفي بين المضارع و الماضي فنفي المضارع نفي و نفي الماضي اثبات بدليل فذبحوها و ما كادوا يفعلون و قوله: لم يكد يراها مع انه لم ير شيئا و هذا حكاه ابن ابي الربيع في شرح الجمل و قال انه الصحيح. و المختار هو الاول و ذلك لان معناها المقاربة فمعنى كاد يفعل قارب الفعل و معنى ما كاد يفعل لم يقاربه فخبرها منفي دائما. اما اذا كانت منفية فواضح لانه اذا انتفت مقاربة الفعل اقتضى عقلا عدم حصوله و يدل له قوله تعالى: إذا أخرج يده لم يكد يراها و لهذا كان ابلغ من قوله لم يرها لان من لم ير قد يقارب الرؤية. و اما اذا كانت المقاربة منفية فلان الاخبار بقرب الشئ يقتضي عرفا عدم حصوله و الا لم يتجه الاخبار بقربه فاما قوله تعالى: فذبحوها و ما كادوا يفعلون


137
فانها منفية مع اثبات الفعل لهم في قوله: فذبحوها . و وجهه أيضا اخبار عن حالهم في اول الامر فانهم كانوا أولا بعداء من ذبحها بدليل ما ذكر الله عنهم من تعنتهم. و حصول الفعل انما فهمناه من دليل آخر و هو قوله: فذبحوها . و الاقرب إن يقال إن النفي وارد على الاثبات و المعنى هنا و ما كادوا يفعلون الذبح قبل ذلك لانهم قالوا أتتخذنا هزوا و غير ذلك من التشديد. و أما قوله تعالى: و لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا فالمعنى على النفي و انه صلى الله عليه و سلم لم يركن اليهم لا قليلا و لا كثيرا من جهة إن لولا الامتناعية تقتضي ذلك و انه امتنع مقاربة الركون القليل لاجل وجود التثبيت لينتفي الكثير من طريق الاولى. و تامل كيف جاء كاد المقتضية المقاربة للفعل بقدر الظاهرة للتقليل كل ذلك تعظيما لشان النبي صلى الله عليه و سلم و ما جبلت عليه نفسه الزكية من كونه لايكاد يركن اليهم شيئا قليلا للتثبيت مع ما جبلت عليه. و هكذا ينبغي إن يفهم معنى هذه الآية خلافا لما وقع في كتب التفسير من ابن عطية و غيره فهم عن هذا المعنى اللطيف بمعزل. و حكى الشريف الرضي في كتاب الغرر ثلاثة أقوال في قوله تعالى: لم يكد يراها . الاول انها دالة على الرؤية بعسر أي رأها بعد عسر و بطء لتكاثف الظلم.


138

و الثاني انها زائدة و الكلام على النفي المحض و نقله عن اكثر المفسرين أي لم يرها اصلا لان الله تعالى قال أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض كان مقتضى هذه الظلمات تحول بين العين و بين النظر إلى البدن و سائر المناظر. و الثالث انها بمعنى اراد من قوله: كدنا ليوسف أي لم يرد إن يراها. و ذكر غيره إن التقدير اذا اخرج يده ممتحنا لبصره لم يكد يخرجها و يراها صفة للظلمات تقديره ظلمات بعضها فوق بعض يراها. و اما قوله تعالى: إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى فيحتمل إن المعنى اريد اخفيها لكي تجزى كل نفس بسعيها. و يجوز إن تكون زائدة أي اخفيها لتجزي. و قيل تم الكلام عند قوله: آتية أكاد و المعنى اكاد آتي بها ثم ابتدأ بقوله أخفيها لتجزى . و قرأ سعيد بن جبير أكاد أخفيها بفتح الألف أي اظهرها يقال اخفيت الشئ اذا سترته و اذا اظهرته. و قراءة الضم تحتمل الامرين و قراءة الفتح لاتحتمل غير الاظهار و معنى سترتها لاجل الجزاء لانه اذا اخفى وقتها قويت الدواعي على التاهب لها خوف المجئ بغتة.


139

و اما قوله تعالى: يكاد زيتها يضيء فلم يثبت للزيت الضوء و انما اثبت له المقاربة من الضوء قبل إن تمسه النار ثم اثبت النور بقوله نور على نور فيؤخذ منه إن النور دون الضوء لانفسه. فان قلت ظاهرة إن المراد يكاد يضئ مسته النار او لم تمسه فيعطى ذلك انه مع إن مساس النار لايضئ و لكن يقارب الاضاءة لكن الواقع انه عند المساس يضئ قطعا اجيب بان الواو ليست عاطفة و انما هي للحال أي يكاد يضئ و الحال انه لم تمسه نار فيفهم منه انها لو مسته لاضاء قطعا.

قاعدة

في مجئ كاد بمعنى اراد

تجئ كاد بمعنى اراد و منه كذلك كدنا ليوسف ، أكاد أخفيها و عكسه كقوله تعالى: جدارا يريد أن ينقض أي يكاد.
قاعدة

فعل المطاوعة

فعل المطاوعة هو الواقع مسببا عن سبب اقتضاه نحو كسرته فانكسر. قال ابن مالك في شرح الخلاصة هو الدال على قبول مفعول لاثر الفاعل و معنى ذلك إن الفعل المطاوع بكسر الواو يدل على إن المفعول لقولك كسرت الشيء يدل على مفعول معالجتك في ايصال الفعل إلى المفعول فاذا قلت فانكسر علم انه قبل


140
الفعل و اذا قلت لم ينكسر على انه لم يقبله و اما المطاوع بفتح الواو فيدل على معالجة الفاعل في ايصال فعله إلى المفعول و لا يدل على إن المفعول قبل الفعل او لم يقبله. و ذكر الزمخشري و غيره إن المطاوع و المطاوع لابد و إن يشتركا في اصل المعنى و الفرق بينهما انما هو من جهة التاثر و التاثير كالكسر و الانكسار اذ لا معنى للمطاوعة إلا حصول فعل عن فعل فالثاني مطاوع لانه طاوع الاول و الاول مطاوع لانه طاوعه الثاني فيكون المطاوع لازما للمطاوع و مرتبا عليه. و قد استشكل هذا بقوله تعالى: و أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فاثبت الهدى بدون الاهتداء. و قوله امرته فلم ياتمر فاثبت الامر بدون الائتمار. و ايضا فاشتراط الموافقه في اصل المعنى منقوض بقوله امرته فاتمر أي امتثل فان الامتثال خلاف الطلب. و اجيب بانه ليس المراد ب فهديناهم فاستحبوا العمى الهدى الحقيقي بل اوصلنا اليهم اسباب الهداية من بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا يلزم وجود الإهتداء. و اما الامر فيقتضيه لغة إلا يثبت إلا بالامتثال و الائتمار. و قال المطرزي في المغرب الائتمار من الاضداد و عليه قول شيخنا في الاساس يقال امرته فائتمر و ابى إن ياتمر أي امرته فاستبد برايه و لم يمتثل و المراد بالمؤتمر الممتثل. و يقال علمته فلم يتعلم لان التعليم فعل صالح لان يترتب عليه حصول العلم لإيجاده.


141

كذا قاله الامام فخر الدين و منعه بعضهم. و قال الشيخ علاء الدين الباجي لو لم يصح علمته فما تعلم لما صح علمته فعلم لانه اذا كان التعليم يقتضي ايجاد العلم و هو علة فيه فمعلوله و هو التعلم يوجد معه بناء على إن العلة مع المعلول و الفاء في قولنا فتعلم تقتضي تعقب العلم. و إن قلنا المعلول يتاخر فلا فائدة في فتعلم لان التعلم قد فهم من علمته فوضح أنه لو صح علمته فما تعلم لكان اما ألا يصح علمته فتعلم بناء على أن العلة مع المعلول او لاتكون في قولنا فتعلم فائدة بتاخر المعلول. فان قيل قد منعوا كسرته فما انكسر فما وجه صحة قولهم علمته فما تعلم قيل فرق بعضهم بينهما بان العلم في القلب من الله يتوقف على امر من المعلم و من المتعلم و كان علمه موضوعا للجزاء الذي من المعلم فقط لعدم امكان فعل من المخلوق يحصل به العلم و لا بد بخلاف الكسر فان اثره لا واسطة بينه و بين الانكسار. و اعلم إن الاصل في الفعل المطاوعة إن يعطف عليه بالفاء تقول دعوته فاجاب و اعطيته فاخذ و لا تقولها بالواو لان المراد افادة السببية و هو لايكون في الغالب إلا بالفاء كقوله: من يهد الله فهو المهتدي . و يجوز عطفه بالواو كقوله: و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كقوله: فاستجبنا له و نجيناه و في موضع آخر فاستجبنا له فنجيناه .


142

و زعم ابن جني في كتاب الخصائص انه لايجوز فعل المطاوعة إلا بالفاء. و اجاب عن قوله تعالى: و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا بان اغفل في الآية بمعنى وجدناه غافلا لاجعلناه يغفل و الا لقيل فاتبع هواه بالفاء لانه يكون مطاوعا. و في كلامه نظر لانا نقول ليس اتباع الهوى مطاوعا لأغفلنا بل المطاوع ل اغفلنا غفل. فان قيل انه من لازم الغفله اتباع الهوى و المسبب عن السبب سبب. قيل لا نسلم إن اتباع الهوى مسبب عن الغفلة بل قد يغفل عن الذكر و لايتبع الهوى و يكون المانع له منه غفله اخرى عنه. و اعلم إن الحامل لابي الفتح على هذا الكلام اعتقاده الاعتزالي إن معصية العبد لا تنسب إلى الله تعالى و انها مسببه له فلهذا جعل افعل هنا بمعنى وجد لا بمعنى التعدية خاصة. و قد بينا ضعف كلامه و إن المطاوع لايجب عطفه بالفاء. و قال الزمخشري في قوله تعالى: و لقد آتينا داود و سليمان علما و قالا الحمد لله هذا موضع الفاء كما يقال اعطيته فشكر و منعته فصبر و انما عطف بالواو للاشعار بان ما قالاه بعض ما احدث فيهما ايتاء العلم فاضمر ذلك ثم عطف عليه بالتحميد كانه قال فعملا به و علماه و عرفا حق النعمة فيه و الفضيلة و قالا الحمد لله. و قال السكاكي يحتمل عندي انه تعالى اخبر عما صنع بهما و عما قالا كانه قال نحن فعلنا ايتاء العلم و هما فعلا الحمد من غير بيان ترتبه عليه اعتمادا على فهم السامع كقولك قم يدعوك بدل قم فانه يدعوك.


143

و اما قوله تعالى: و اتقوا الله و يعلمكم الله فظن بعض الناس إن التقوى سبب التعليم و المحققون على منع ذلك لانه لم يربط الفعل الثاني بالاول ربط الجزاء بالشرط فلم يقل و اتقوا الله يعلمكم و لا قال فيعلمكم الله و انما اتى بواو العطف و ليس فيه ما يقتضي إن الاول سبب للثاني و انما غايته الاقتران و التلازم كما يقال زرني و ازورك و سلم علينا و نسلم عليك و نحوه مما يقتضي اقتران الفعلين و التعارض من الطرفين كما لو قال عبد لسيده اعتقني و لك علي الف او قالت المرأة لزوجها طلقني و لك الف فان ذلك بمنزلة قولها بالف او على الف. و حينئذ فيكون متى علم الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك. و نظير الآية قوله تعالى: فاعبده و توكل عليه . و قوله عقيب ذكر الغيبة و اتقوا الله إن الله تواب رحيم و وجه هذا الختام التنبيه على التوبة من الاغتياب و هو من الظلم. و هاهنا بحث و هو إن الائمة اختلفوا في إن العلم هل يستدعي مطاوعة ام لا على قولين احدهما نعم بدليل قوله تعالى: من يهد الله فهو المهتدي فاخبر عن كل من هداه الله بانه يهتدي. و اما قوله: و أما ثمود فهديناهم فليس منه لان المراد بالهداية فيه الدعوة بدليل فاستحبوا العمى على الهدى . و الثاني لايدل على المطاوعة بدليل قوله: و ما نرسل بالآيات إلا تخويفا و قوله: و نخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا لان التخويف حصل و لم يحصل


144
للكفار خوف نافع يصرفهم إلى الايمان فانه المطاوع للتخويف المراد بالاية الكريمة و على الاول تكون الفاء للتعقيب في الزمان و يكون اخرجته فما خرج حقيقة.
فائدة

في قوله تعالى انما انت منذر من يخشاها

قالوا في قوله: إنما أنت منذر من يخشاها إن التقدير منذر إنذارا نافعا من يخشاها. قال الشيخ عز الدين و لا حاجة إلى هذا لان فعل و افعل اذا لم يترتب عليه مطاوعة كخوف و علم و شبهة لا يكون حقيقة لان خوف اذا لم يحصل الخوف و علم اذا لم يحصل العلم كان مجازا و منذر من يخشاها يترتب عليه اثره و هو الخشية فيكون حقيقة لمن يخشاها فاذا ليس منذرا من لم يخش لانه لم يترتب عليه اثر. فعلى هذا انما انت منذر فيه جمع بين الحقيقة و المجاز لترتب اثره عليه بالنسبة إلى من يخشى دون من لم يخش.

احتمال الفعل للجزم و النصب
فمنه قوله تعالى: و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين يحتمل إن يكون ما بعد الفاء مجزوما و يحتمل إن يكون منصوبا و اذا كان مجزوما كان داخلا في النهي فيكون قد نهى عن الظلم كما نهى عن قربان الشجرة فكانه قال لاتقربا هذه الشجرة فلا تكونا من الظالمين.


145

و منه قوله تعالى: و لا تلبسوا الحق بالباطل و تكتموا الحق فانه يحتمل إن يكون تكتموا مجزوما فهو مشترك مع الاول في حرف النهي و التقدير لا تلبسوا و لا تكتموا أي لاتفعلوا هذا كما في قولك لا تاكل السمك و تشرب اللبن بالجزم. أي لا تفعل واحدا من هذين. و يحتمل إن يكون منصوبا و التقدير لا تجمعوا بين هذين و يكون مثل لا تاكل السمك و تشرب اللبن و المعنى لاتجمعوا بين هذين الفعلين القبيحين كما تقول لمن لقيته اما كفاك احدهما حتى جمعت بينهما و ليس في هذا إباحة احدهما. و الاول اظهر. و قوله: ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة أي مالم يكن احد الامرين المس او العرض المستلزم لعدم كل منهما أي لا هذا و لا هذا فان وجد احدهما فعليكم الجناح و هو المهر او نصف المفروض و تفرضوا مجزوم عطفا على تمسوهن. و قيل نصب و او بمعنى إلا إن. و الصحيح الاول و لا يجوز تقدير لم بعد او لفساد المعنى اذ يؤول إلى رفع الجناح عند عدم المس مع الفرض و عدمه. و عند عدم الفرض مع المس و عدمه. و ليس كذلك و لا يقدر فيما انتفى احدهما للزوم نفي الجناح عند نفي احدهما و وجود الآخر فلا بد من المحافظة على احدهما على الابهام و انسحاب حكم لم عليه. و نظيره و لا تطع منهم آثما أو كفورا و قوله: و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام


146
و قوله تعالى: إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين و الوجه الجزم و يجوز النصب. و قوله تعالى: و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية. و قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها و لا تعضلوهن و قوله: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها و قوله: فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة و قوله في آل عمران يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين و قوله في الاعراف و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين و قوله في الانفال يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله و الرسول و تخونوا أماناتكم و أنتم تعلمون و قوله في سورة التوبة و إن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل و يتولوا و قوله: ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه و قوله في سورة يونس فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم يجوز إن يكون معطوفا على ليضلوا عن سبيلك فيكون منصوبا و يجوز إن يكون منصوبا بالفاء


147
على جواب الدعاء و إن يكون مجزوما لانه دعاء. و قوله في سورة يوسف اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم و تكونوا من بعده و قوله: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم و قوله في سورة هود ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ألا تعبدوا أي بان لاتعبدوا فيكون منصوبا و يجوز جزمه لأنه نهى. و قوله في سورة النحل و لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها و تذوقوا السوء بما صددتم يجوز عطف و تذوقوا على تتخذوا او فتزل قبل دخول الفاء فيكون مجزوما. و قوله في سورة الاسراء و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أي بألا تعبدوا او على نهي. و فيها و لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق و قوله في سورة الكهف إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم و قوله في الحج ليشهدوا منافع لهم و يذكروا اسم الله يجوز أن يكون لام كي أو لام الامر و فائدة هذا تظهر في جواز الوقف. و قوله: ثم ليقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم و ليطوفوا فيمن كسر اللامات.


148

و قوله في النمل ألا تعلوا علي و أتوني مسلمين أي بان او نهي. و قوله في العنكبوت ليكفروا بما آتيناهم و ليتمتعوا و في فاطر أو لم يسيروا في الأرض فينظروا و في يس ليأكلوا من ثمره هل هي لام كي او لام الامر. و في المؤمن أفلم يسيروا في الأرض فينظروا و في فصلت تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و في الاحقاف ألا تعبدوا إلا الله و في القتال أفلم يسيروا في الأرض فينظروا و يدل على جواز النصب ظهوره في مثله فتكون لهم قلوب . و قوله: فلا تهنوا و تدعوا إلى السلم و قوله: ألا تطغوا في الميزان أي لئلا أو مجزوم. و قوله: إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء و قوله: هذا يوم لا ينطقون. و لا يؤذن لهم فيعتذرون فإن يعتذرون داخل مع الاول في النفي عند سيبويه بدليل قوله: هذا يوم لا ينطقون فان كان النطق قد نفي عنهم في ذلك اليوم فالاعتذار نطق فينبغي إن يكون منفيا معطوفا على قوله


149
و لا يؤذن لهم و لو حمل على اضمار المبتدأ أي فهم يعتذرون لجاز على إن يكون المعنى في لا ينطقون انهم و إن نطقوا فمنطقهم كلا نطق لانه لم يقع الموقع الذي ارادوه كقولهم تكلمت و لم تتكلم. و قوله: فلو أن لنا كرة و على الاول يكون هذا قولا في انفسهم من غير نطق. و قوله تعالى: و لكن ليطمئن قلبي يجوز إن يكون لام كي و الفعل منصوب او لام الامر و الفعل مجزوم. و قوله: أتذر موسى و قومه ليفسدوا في الأرض فالظاهر انه منصوب و يجوز أن يكون مجزوما و اللام زائدة و من نصب و يذرك عطفه على ليفسدوا .
رأي
إن كانت بصرية تعدت لواحد او علميه تعدت لاثنين و حيث وقع بعد البصرية منصوبا كان الاول مفعولها و الثاني حالا. و مما يحتمل الامرين قوله تعالى: و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى فان كانت بصرية كان الناس مفعولا و سكارى حالا و إن كانت علمية فهما مفعولاها. و كذلك قوله تعالى: و ترى كل أمة جاثية و قوله: و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة


150
فهذه الجملة اعني قوله: وجوههم مسودة في موضع نصب اما على الحال إن كانت بصرية او مفعول ثان إن كانت قلبية. و اعلم انه قد وقع في القرآن ألم يروا كم أهلكنا في بعض المواضع بغير واو كما في الانعام و في بعضها بالواو و في بعضها بالفاء أفلم يروا . و هذه الكلمة تاتي على وجهين احدهما أن تتصل بما كان الاعتبار فيه بالمشاهدة فيذكر بالالف و الواو و لتدل الالف على الاستفهام و الواو على عطف جملة على جملة قبلها. و كذلك الفاء لكنها اشد اتصالا مما قبلها. و الثاني أن يتصل بما الاعتبار فيه بالاستدلال فاقتصر على الالف دون الواو و الفاء ليجري مجرى الاستئناف. و لا ينتقض هذا الاصل بقوله في النحل ألم يروا إلى الطير لاتصالها بقوله و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم و سبيلها الاعتبار بالاستدلال فبني عليه ألم يروا إلى الطير . و اما ارايت فبمعنى اخبرني و لا يذكر بعدها إلا الشرط و بعده الاستفهام على التقديم و التاخير كقوله تعالى: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم الاية قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا .


151

و قوله تعالى: أرأيت الذي يكذب بالدين . و اما رايت الواقعة في كلام الفقهاء فهي كذلك قال ابن خروف إلا انهم يلجئون فيها و جوابها ارايت إن كان كذا و كذا كيف يكون كذا بمعنى عدم الشرط. ثم الاستفهام بعده على نمط الايات الشريفة و هي معلقة عن العمل بما بعدها من الايات الكريمة و كذلك الرؤية كيف تصرفت. و اما قوله تعالى: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل فدخلها معنى التعجب كانه قيل الم تعجب إلى كذا فتعدت ب إلى كانه الم تنظر و دخلت إلى بمعنى التعجب و علق الفعل على جملة الاستفهام و ليست ببدل من الرب تعالى لان الحرف لايعلق. و اما ارايتك فقد وقعت هذه اللفظة في سورة الانعام في موضعين و غيرها و ليس لها في العربية نظير لانه جمع فيها بين علامتي خطاب و هما التاء و الكاف و التاء اسم بخلاف الكاف فانها عند البصريين حرف يفيد الخطاب و الجمع بينهما يدل على أن ذلك تنبيها على مبناها عليه من مرتبة و هو ذكر الاستبعاد بالهلاك و ليس فيما سواها ما يدل على ذلك فاكتفى بخطاب واحد. قال ابو جعفر بن الزبير الاتيان باداة الخطاب بعد الضمير المفيد لذلك تاكيد


152
باستحكام غفلته كما تحرك النائم باليد و المفرط الغفلة باليد و اللسان و لهذا حذفت الكاف في آية يونس لانه لم يتقدم قبلها ذكر صمم و لا بكم يوجب تاكيد الخطاب و قد تقدم قبلها قوله: قل من يرزقكم من السماء و الأرض. أم من يملك السمع و الأبصار إلى ما بعدهن فحصل تحريكهم و تنبيههم بما لم يبق بعده إلا التذكير بعذابهم. انتهى. قال ابن فارس في قوله تعالى: أرأيتك هذا الذي كرمت علي قال البصريون هذه الكاف زائدة زيدت لمعنى المخاطبة قال محمد بن يزيد و كذلك رويدك زيدا قال و الدليل على ذلك انك اذا قلت ارايتك زيدا فانما هي ارايت زيدا لان الكاف لو كانت اسما استحال أن تعدى ارايت إلى مفعولين و الثاني هو الاول. يريد قولهم ارايت زيدا قائما لايعدي رايت إلا إلى مفعول هو زيد و مفعول آخر هو قائم فالاول هو الثاني. و قال غيره من جعل الاداة المؤكد بها الخطاب في ارايتكم ضمير لم يلزمه اعتراض بتعدي فعل الضمير المتصل إلى مضمره المتصل لان ذلك جائز في باب الظن و في فعلين من غير باب ظننت و هما فقدت و عدمت و كذلك تعدي فعل الظاهر إلى مضمره المتصل جائز في الافعال المذكورة و الايات المذكورة من باب الظن لان المراد ب رايت رؤية القلب فهي من المستثنى و انما الممتنع مطلقا تعدى


153
فعل المضمر المتصل إلى ظاهرة فلا اختلاف في منع هذا من كل الافعال. و اما من جرد اداة الخطاب المؤكد بها للحرفية و هو قول الجمهور فلا كلام في ذلك. و قد اختلف في موضع الكاف من هذا اللفظ على اقوال قال سيبويه لا موضع لها. و قال السكاكي موضعها نصب. و قال الفراء رفع. اذا علمت هذا فلها موضعان احدهما إن تكون بمعنى اخبرني فلا تقع إلا على اسم مفرد او جملة شرط كقوله: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم و أبصاركم الآية و لا يقع الشرط إلا ماضيا لان ما بعده ليس بجواب له و انما هو معلق ب أرأيتك و جواب الشرط اما محذوف للعلم به و اما للاستفهام مع عامله. و اذا ثنى هذا او جمع لحقت بالتثنية و الجمع الكاف و كانت التاء مفردة بكل حال. قال السيرافي يجوز أن يكون افرادهم للتاء استغناء بتثنية الكاف و جمعها لانها للخطاب و انما فعلوا ذلك للفرق بين ارايت بمعنى اخبرني و غيرها اذا كانت بمعنى علمت. و الثاني تكون فيه بمعنى انتبه كقولك ارايت زيدا فاني احبه أي انتبه له فاني احبه و لا يلزمه الاستفهام.


154

و قد يحذف الكلام الذي هو جواب للعلم به فلا يذكر كقوله تعالى: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي و رزقني منه رزقا حسنا و ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله فلم يات بجواب. و اتى في موضع آخر بالجواب و لم يات بالشرط قال تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه و أضله الله على علم و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة فمن يهديه ف من الاول بمنزلة الذي.

تنبيه
قال سيبويه لا يجوز الغاء ارايت كما يلغى علمت ازيد عندك ام عمرو و لا يجوز هذا في ارايت و لا بد من النصب اذا قلت ارايت زيد ابو من هو قال لان دخول معنى اخبرني فيها لا يجعلها بمنزلة اخبرني في جميع احوالها. قال السهيلي و ظاهر القرآن يقتضي خلاف قوله و ذلك انها في القرآن ملغاة لان الاستفهام مطلوبها و عليه وقع في قوله: أرأيت إن كذب و تولى. ألم يعلم فقوله ألم يعلم استفهام و عليه وقعت ارايت و كذلك ارايتم و ارايتكم في الانعام و الاستفهام واقع بعدها نحو هل يهلك إلا القوم الظالمون و الفاسقون .


155

و هذا هو الذي منع سيبويه في أرأيت و أرأيتك و لا يقال ارايتك ابو من انت قال لكن الذي قال سيبويه صحيح لكن اذا ولى الاستفهام ارايت و لم يكن لها مفعول سوى الجملة. و اما في هذه المواضع التي في التنزيل فليست الجملة المستفهم عنها هي مفعول ارايت و لم يكن لها مفعول محذوف يدل عليه الشرط و لا بد من الشرط بعدها في هذه الصورة لان المعنى ارايتم صنيعكم إن كان كذا و كذا كما تقول ارايت ان لقيت العدو اتقاتل ام لا تقديره ارايت رايك و صنعك إن لقيت العدو فحذف الشرط و هو إن دال على ذلك المحذوف و مرتبط به و الجملة المستفهم عنها كلام مستانف منقطع إلا إن فيها زيادة بيان لما يستفهم عنه و لو زال الشرط و وليها الاستفهام لقبح كما قال سيبويه و غيره في علمت و هل علمت و هل رايت و انما يتجه مع ارايت خاصة و هي التي دخلها معنى اخبرني.

علم العرفانية
لا تتعلق إلا بالمعاني نحو لا تعلمون شيئا . فاما نحو قوله تعالى: لا تعلمهم نحن نعلمهم و قوله: فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين فالتقدير لا تعلم خبرهم نحن نعلم خبرهم فليعلمن الله صدق الذين صدقوا و ليعلمن الله نفاق المنافقين فحذف المضاف. و ذكر ابن مالك انها تختص باليقين و ذكر غيره انها تستعمل في الظن ايضا بدليل قوله: فإن علمتموهن مؤمنات . و له أن يقول العلم على حقيقيته. و المراد بالايمان التصديق اللساني.


156
ظن

اصلها للاعتقاد الراجح كقوله تعالى: إن ظنا أن يقيما . و قد تستعمل بمعنى اليقين لان الظن فيه طرف من اليقين لولاه كان جهلا كقوله تعالى: يظنون أنهم ملاقو ربهم ، إني ظننت أني ملاق ، و ظن أنه الفراق ، ألا يظن أولئك و للفرق بينهما في القرآن ضابطان احدهما انه حيث وجد الظن محمودا مثابا عليه فهو اليقين و حيث وجد مذموما متوعدا بالعقاب عليه فهو الشك. الثاني أن كل ظن يتصل بعده إن الخفيفة فهو شك كقوله: إن ظنا أن يقيما حدود الله و قوله: بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول . و كل ظن يتصل به إن المشددة فالمراد به اليقين كقوله: إني ظننت أني ملاق حسابيه ، و ظن أنه الفراق . و المعنى فيه إن المشددة للتاكيد فدخلت على اليقين و إن الخفيفة بخلافها فدخلت في الشك. مثال الاول قوله سبحانه و علم أن فيكم ضعفا ذكره ب أن و قوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله . و مثال الثاني و حسبوا ألا تكون فتنة و الحسبان الشك. فان قيل يرد على هذا الضابط قوله تعالى: و ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه .


157

قيل لانها اتصلت بالفعل. فتمسك بهذا الضابط فانه من اسرار القرآن ثم رايت الراغب قال في تفسير سورة البقرة الظن اعم الفاظ الشك و اليقين و هو اسم لما حصل عن امارة فمتى قويت ادت إلى العلم و متى ضعفت جدا لم تتجاوز حد الوهم و انه متى قوى استعمل فيه أن المشددة و أن المخففة منها و متى ضعف استعمل معه إن المختصه بالمعدومين من الفعل نحو ظننت أن اخرج و إن يخرج فالظن اذا كان بالمعنى الاول محمود و اذا كان بالمعنى الثاني فمذموم. فمن الاول الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم . و من الثاني إن هم إلا يظنون و قوله: و إن الظن لا يغني من الحق شيئا .

فائدة
لايجوز الاقتصار في باب ظن على احد المفعولين إلا أن يكون بمنزلة انهم قالوا قوله تعالى: و ما هو على الغيب بضنين قرأ الحرميان و ابن كثير بالظاء و هو فعيل بمعنى مفعول و الضمير هو المفعول الذي لم يسم فاعله. و قرأه الباقون بالضاد و هو بمعنى فاعل و فيه ضمير هو فاعله و المعنى بخيل على الغيب فلا يمنعه كما تفعله الكهان و المعنى على القراءة الاولى ليس بمتهم على الغيب لانه الصادق. و اما قوله: و تظنون بالله الظنونا فانها بمنزلتها في قولك نزلت بزيد.


158

شعر
و منه شعر بمعنى علم و مصدره شعره بكسر الشين كالفطنة و قالوا ليت شعري فحذفوا التاء مع الاضافة للكثرة. قال الفارسي و كأنه مأخوذ من الشعار و هو ما يلي الجسد فكأن شعرت به علمته علم حس فهو نوع من العلم و لهذا لم يوصف به الله. و قوله تعالى في صفة الكفار و هم لا يشعرون ابلغ في الذم للبعد عن الفهم من وصفهم بأنهم لا يعلمون فان البهيمة قد تشعر بحيث كانت تحس فكانهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم. و على هذا قال تعالى و لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء إلى قوله: و لكن لا تشعرون و لم يقل لا تعلمون لان المؤمنين اذا اخبرهم الله تعالى بانهم احياء علموا انهم احياء فلا يجوز أن ينفى عنهم العلم و لكن يجوز إن يقال لا تشعرون لانه ليس كل ما علموه يشعرون به كما انه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياتهم و انهم علموها باخبار الله وجب أن يقال لا تشعرون دون لا تعلمون.
عسى و لعل
من الله تعالى واجبتان و إن كانتا رجاء و طمعا في كلام المخلوقين لان الخلق هم الذين يعرض لهم الشكوك و الظنون و البارئ منزه عن ذلك. و الوجه في استعمال هذه الالفاظ أن الامور الممكنة لما كان الخلق يشكون فيها


159
و لا يقطعون على الكائن منها و كان الله يعلم الكائن منها على الصحة صارت لها نسبتان نسبة إلى الله تعالى تسمى نسبة قطع و يقين و نسبة إلى المخلوق و تسمى نسبة شك و ظن فصارت هذه الالفاظ لذلك ترد تارة بلفظ القطع بحسب ما هي عليه عند الله كقوله: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه و تارة بلفظ الشك بحسب ما هي عليه عند المخلوقين كقوله: فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا . و قوله: فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى و قد علم الله حين ارسلهما ما يفضى إليه حال فرعون لكن ورد اللفظ بصورة ما يختلج في نفس موسى و هارون من الرجاء و الطمع فكانه قال انهضا إليه و قولا في نفوسكما لعله يتذكر او يخشى. و لما كان القرآن قد نزل بلغة العرب جاء على مذاهبهم في ذلك و العرب قد تخرج الكلام المتيقن في صورة المشكوك لاغراض فتقول لا تتعرض لما يسخطني فلعلك إن تفعل ذلك ستندم و انما مراده انه يندم لا محالة و لكنه اخرجه مخرج الشك تحرير للمعنى و مبالغة فيه أي أن هذا الامر لو كان مشكوكا فيه لم يجب أن تتعرض له فكيف و هو كائن لا شك فيه و بنحو من هذا فسر الزجاج قوله تعالى: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . و اما قوله: لعلي أبلغ الأسباب فاطلاعه إلى الاله مستحيل فبجهله اعتقد في المستحيل الامكان لانه يعتقد في الاله الجسمية و المكان.


160

و نص ابن الدهان في لعل جواز استعماله في المستحيل محتجا بقوله لعل زمانا تولى يعود. و قال أيضا كل ما وقع في القرآن من عسى فاعلها الله تعالى فهي واجبة. و قال قوم إلا في موضعين قال تعالى عسى ربه إن طلقكن و لم يطلقهن و لم يبدل بهن. و قوله: عسى ربكم أن يرحمكم و هذه في بنى النضير و قد سباهم النبي صلى الله عليه و سلم و قتلهم و ابادهم. و قال أيضا و هذا عندي متأول لأن الأول تقديره إن طلقكن يبدله و ما فعل فهذا شرط يقع فيه الجزاء و لم يفعله و الثاني تقديره إن عدتم رحمكم و هم أصروا و عسى على بابها. قال و عسى ماضى اللفظ و المعنى لأنه طمع و ذلك حصل في شىء مستقبل. و قال قوم ماضي اللفظ مستقبل في المعنى لأنه أخبر عن طمع يريد إن يقع. و اعلم أن عسى تستعمل في القرآن على وجهين أحدهما ترفع اسما صريحا و يؤتى بعده بخبر و يلزم كونه فعلا مضارعا نحو عسى زيد أن يقوم فلا يجوز قائما لأن اسم الفاعل لا يدل على الزمان الماضي قال الله تعالى فعسى الله أن يأتي بالفتح فيكون أن و الفعل في موضع نصب ب عسى.


161

و قال الكوفيون في موضع رفع بدل. و رد بأنه لا يجوز تركه و يجوز تقديمه عليه. الثاني أن يكون المرفوع بها أن و الفعل و هو عسى أن يقوم زيد فلا يفتقر هنا إلى منصوب. و نظيره و حسبوا ألا تكون فتنة . و منه قوله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا لا يجوز رفع ربك ب عسى لئلا يلزم الفصل بين الصلة و الموصول بالأجنبي و هو ربك لأن مقاما محمودا منصوب ب يبعثك. و كذلك كقوله: و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم لأن الضميرين متصلان ب تكرهوا و تحبوا فلا يكون في عسى ضمير.

اتخذ
قال تعالى لو شئت لاتخذت عليه أجرا . قال الفارسي و لا أعلم تخذت يتعدى إلا إلى واحد. و قيل أصل اتخذت تخذت فأما اتخذت فعلى ثلاثة أضرب أحدها ما يتعدى به إلى مفعول واحد كقوله تعالى: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، أم اتخذ مما يخلق بنات ، و اتخذوا من دونه آلهة


162
لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ، كمثل العنكبوت اتخذت بيتا . و الثاني ما يتعدى لمفعولين و الثاني منهما الأول في المعنى. و هما إما مذكوران كقوله تعالى: اتخذوا أيمانهم جنة . و قال لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء ، فاتخذتموهم سخريا و اما مع حذف الأول كقوله: فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة فمفعول اتخذوا الأول الضمير المحذوف الراجع إلى الذين الثاني آلهة و قربانا على الحال. قال الكواشي و لو نصب قربانا مفعولا ثانيا و آلهته بدلا منه فسد المعنى. و اما مع حذف الثاني كقوله: اتخذتم العجل ، باتخاذكم العجل ، اتخذوه و كانوا ظالمين ، و اتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا تقديره في الجمع اتخذوه آلهة لأن نفس اقتناء العجل لا يلحقه الوعيد الشديد فيتعين تقدير آلهة. الثالث ما يجوز فيه الأمران كقوله تعالى: و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى .


163

فإن جوزنا زيادة من في الايجاب كان من المتعدي لاثنين و إن منعنا كان لواحد. و نظيره جعلت قال و جعل الظلمات و النور أي خلقهما. فإذا تعدى لمفعولين كان الثاني الأول في المعنى كقوله: و اجعلوا بيوتكم قبلة ، و جعلناهم أئمة يدعون إلى النار ، و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا .

أخذ
تجىء بمعنى غصب و منه من أخذ قيد شبر من أرض طوق من سبع أرضين. و بمعنى عاقب كقوله تعالى: و كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى و هي ظالمة إن أخذه أليم شديد ، أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء ، و أخذ الذين ظلموا الصيحة ، و أخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ، و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا


164

و لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم . و تجىء للمقاربة قالوا أخذ يفعل كذا كما قالوا جعل يقول و كرب يقول. و تجىء قبل القسم كقوله تعالى: و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه ، و إذ أخذنا ميثاقكم . و بمعنى اعمل كقوله تعالى: خذوا ما آتيناكم بقوة أي اعملوا بما أمرتم به و انتهوا عما نهيتهم عنه بجد و اجتهاد.

سأل
تتعدى لمفعولين كأعطى و يجوز الاقتصار على أحدهما. ثم قد تتعدى بغير حرف كقوله تعالى: و اسألوا ما أنفقتم و ليسألوا ما أنفقوا ، فاسألوا أهل الذكر . و قد تتعدى بالحرف إما بالباء كقوله: سأل سائل بعذاب واقع . و اما ب عن كقولك سل عن زيد. و كذا و اسألهم عن القرية . و المتعدية لمفعولين ثلاثة اضرب أحدها إن تكون بمنزلة أعطيت كقولك سألت زيدا بعد عمرو حقا أي استعطيته أو سألته أن يفعل ذلك.


165

و الثاني بمنزلة اخترت الرجال زيدا كقوله تعالى: و لا يسأل حميم حميما أي عن حميم لذهوله عنه. و الثاني أن يقع موقع الثاني منهما استفهام كقوله تعالى: سل بني إسرائيل كم آتيناهم ، و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون . و اما قوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع فالمعنى سأل سائل النبي صلى الله عليه و سلم أو المسلمين بعذاب واقع فذكر المفعول الأول و سؤالهم عن العذاب إنما هو استعجالهم له كاستبعادهم لوقوعه و لردهم ما يوعدون به منه. و على هذا و يستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة و قد خلت من قبلهم المثلات . و اما قوله تعالى: و اسألوا الله من فضله فيجوز أن تكون من فيه موضوع المفعول الثاني و إن يكون المفعول الثاني محذوفا و الصفة قائمة مقامه. و اما قوله تعالى: يسألونك كأنك حفي عنها فيحتمل أن عنها متعلقة بالسؤال كانه يسألونك عنها كانك حفي عنها فحذف الجار و المجرور فحسن ذلك لطول الكلام. و يجوز أن يكون عنها بمنزلة بها و تتصل بالحفاوة.

وعد
فعل يتعدى لمفعوليين يجوز الاقتصار على احدهما كأعطيته و ليس كظننت قال


166
تعالى و واعدناكم جانب الطور الأيمن فجانب مفعول ثان و لا يكون ظرفا لاختصاصه اي وعدناكم إتيانه أو مكثا فيه. و قوله تعالى: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فالغنيمة تكون الغنم. فإن قلت الغنم حدث لا يؤخذ إنما يقع الأخذ على الأعيان دون المعاني قلت يجوز إن يكون سمى باسم المصدر كالخلق و المخلوق أو يقدر محذوف أي تمليك مغانم. فأما قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم مغفرة و قوله: وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم فإن الفعل لم يتعد فيه إلى مفعول ثان و لكن قوله: ليستخلفنهم و لهم مغفرة تفسير للوعد كما أن قوله: للذكر مثل حظ الأنثيين تبيين للوصية في قوله: يوصيكم الله في أولادكم . و اما قوله تعالى: ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ، إن الله وعدكم وعد الحق فيحتمل انتصاب الواحد بالمصدر أو بأنه المفعول الثاني و سمى الموعود به الوعد كالمخلوق الخلق. و اما قوله تعالى: و إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم و إحدى في موضع نصب مفعول ثان و أنها لكم بدل منه أي إتيان إحدى الطائفتين أو تمليكه و الطائفتان العير و النصر. و اما قوله: أيعدكم أنكم إذا متم و كنتم فمن قدر في أن الثانية البدل


167
فينبغي أن يقدر محذوفا ليتم الكلام فيصح البدل و التقدير أيعدكم إرادة أنكم إذا متم ليكون اسم الزمان خبرا عن الحدث و من قدر في الثانية البدل لم يحتج إلى ذلك. و اما قوله: و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فالجملة في موضع جر صفة للنكرة و قد عاد الضمير فيها إلى الموصوف و الفعل متعد إلى واحد. و اما قوله تعالى: و واعدنا موسى ثلاثين ليلة فلا يجوز أن يكون ثلاثين ظرفا لأن الوعد ليس في كلها بل في بعضها فيكون مفعولا ثانيا.
ود
قال أبو مسلم الأصبهاني بمعنى تمنى يستعمل معها لو و إن و ربما جمع بينهما نحو ودوا لو أن فعل و مصدره الودادة و الاسم منه ود. و قد يتداخلان في الاسم و المصدر. و قال الراغب إذا كان ود بمعنى أحب لا يجوز إدخال لو فيه ابدا. و قال علي بن عيسى إذا كان بمعنى تمنى صلح للمضي و الحال و الاستقبال و اذا كان بمعنى المحبة لم يصلح للماضي لأن الإرادة هي استدعاء الفعل و اذا كان للماضي لم يجز أن و اذا كان للحال أو للاستقبال جاز إن و لو. و فيما قاله نظرا لأن أن توصل بالماضي نحو سرني أن قمت.


168

قلت فكان الأحسن الرد عليه بكلامه و هو انه جوز إذا كان بمعنى الحال دخول أن و هي للمستقبل فقد خرجت عن موضعها.

أفعل التفضيل

فيه قواعد

الأولى إذا أضيف إلى جنسه لم يكن بعضه كقولك زيد أشجع الأسود و أجود السحب فيصير المعنى زيد أشجع من الأسود و أجود من السحب و عليه قوله تعالى: خير الرازقين و أحكم الحاكمين و أحسن الخالقين أي خير من كل من تسمى برازق و احكم من كل من تسمى بحاكم. كذا قاله ابو القاسم السعدي. قال الشيخ أثير الدين الذي تقرر عن الشيوخ أن أفعل هذه لا تضاف إلا و يكون المضاف بعض المضاف إليه فلا يقال هذا الفرس اسبق الحمير لأنه ليس بعض الحمير و على هذا بنى البصريون منع زيد افضل إخوته و اجازوا أفضل الإخوة إلا إذا أخرجت عن معناها فإنه قد يجوز ذلك عن بعضهم. الثانية إذا ذكر بعد أفعل جنسه و واحد من آحاد جنسه وجب إضافته إليه كقولك زيد أحسن الرجال و احسن رجل قال تعالى... . و اذا ذكر بعد ما هو من متعلقاته وجب نصبه على التمييز نحو زيد احسن وجها و اغزر علما.


169

و قد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى: أو أشد خشية و قوله: أزكى طعاما فقد أضيف إلى غير جنسه و انتصب. و قد تأول العلماء هذا حتى رجعوا به إلى جعل أشد لغير الخشية فقال الزمخشري معنى يخشون الناس كخشية الله أي مثل أهل خشية الله أو مثل قوم أشد خشية من أهل خشية الله. قال ابن الحاجب و على مثل هذا يحمل ما خالف هذه القاعدة. الثالثة الأصل فيه الأفضلية على ما أضيف إليه و أشكل على ذلك قوله تعالى: و ما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها لأن معناه ما من آية من التسع إلا و هي أكبر من كل واحدة منها فاضلة و مفضولة في حالة واحدة. و أجاب الزمخشري بأن الغرض وصفهن بالكبر من غير تفاوت فيه و كذلك العادة في الأشياء التى تتفاوت في الفضل التفاوت اليسير إن تختلف آراء الناس في تفضيلها و ربما اختلف آراء الواحد فيها كقول الحماسي

من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم
مثل النجوم التى يهدي بها الساري

و أجاب ابن الحاجب بأن المراد الأعلى أكبر من أختها عندهم وقت حصولها لأن لمشاهدة الآية في النفس أثرا عظيما ليس للغائب عنها. الرابعة قالوا لا ينبني من العاهات فلا يقال ما أعور هذه الفرس و اما قوله تعالى


170
و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ففيه وجهان أحدهما انه من عمى القلب الذي يتولد من الضلالة و هو ما يقبل الزيادة و النقص لا من عمى البصر الذي يحجب المرئيات عنه. و قد صرح ببيان هذا المعنى قوله تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور و على هذا فالأول اسم فاعل و الثاني افعل تفضيل من فقد البصيرة. و الثاني انه من عمى العين و المعنى من كان في هذه أعمى من الكفار فإنه يحشر أعمى فلا يكون افعل تفضيل. و منهم من حمل الأول على عمى القلب و الثاني على فقد البصيرة و إليه ذهب أبو عمرو فأمال الأول و ترك الإمالة في الثاني لما كان اسما و الاسم ابعد من الإمالة. الخامسة يكثر حذف المفضول إذا دل عليه دليل و كان افعل خبرا كقوله تعالى: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ، ذلكم أقسط عند الله و أقوم للشهادة و أدنى ألا ترتابوا ، و الله أعلم بما وضعت ، و ما تخفي صدورهم أكبر ، إنما عند الله هو خير لكم ، و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا ، أي الفريقين خير مقاما و أحسن نديا


171
فسيعلمون من هو شر مكانا و أضعف جندا . و قد يحذف المفضول و افعل ليس بخبر كقوله تعالى: فإنه يعلم السر و أخفى . السادسة قد يجىء مجردا من معنى التفضيل فيكون للتفضيل لا للأفضلية. ثم هو تارة يجىء مؤولا باسم الفاعل كقوله تعالى: هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض . و مؤولا بصفة مشبهة كقوله تعالى: و هو أهون عليه . ف أعلم هاهنا بمعني عالم بكم إذ لا مشارك لله تعالى في علمه بذلك و أهون عليه بمعنى هين إذ لا تفاوت في نسبة المقدورات إلى قدرته تعالى. و قوله تعالى: أفمن يلقى في النار خير و قوله: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا و أحسن مقيلا . أو لفظا لا معنى كقوله تعالى: نحن أعلم بما يستمعون به و نحن أعلم بما يقولون . و اما قوله تعالى: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه فمعناه الضرر بعبادته أقرب من النفع بها. فإن قيل كيف قال أقرب من نفعه و لا نفع من قبله البتة. قيل لما كان في قوله: لمن ضره أقرب من نفعه تبعيد لنفعه و العرب تقول


172
لما لم يصح في اعتقادهم هذا بعيد جاز الإخبار ب بعد نفع الوثن و الشاهد له قوله تعالى حكاية عنهم أئذا متنا و كنا ترابا ذلك رجع بعيد . السابعة افعل في الكلام على ثلاثة اضرب مضاف كقوله تعالى: أليس الله بأحكم الحاكمين . و معرف بالام نحو سبح اسم ربك الأعلى و ليخرجن الأعز منها الأذل . و خال منهما. و يلزم اتصاله ب من التى لابتداء الغاية جارة للمفضل عليه كقوله تعالى: أنا أكثر منك مالا . و قد يستغنى بتقديرها عن ذكرها كقوله تعالى: و أعز نفرا . و يكثر ذلك إذا كان افعل التفضيل خبرا كقوله: و الآخرة خير و أبقى . و حيث اضيف إنما يضاف إلى جمع معرف نحو أحكم الحاكمين و لا يجوز زيد أفضل رجل و لا افضل رجال لأنه لا فائدة فيه لأن كل شخص لا بد أن يكون جماعة يفضلها و انما الفائدة في إن تقول أفضل الرجال. فأما قوله تعالى: ثم رددناه أسفل سافلين فجوابه انه غير مضاف إليه تقديرا بل المضاف إليه محذوف و قامت صفته مقامه و كأنه قال أسفل قوم سافلين. و لا خلاف انه يضاف إلى اسم الجمع معرفا و منكرا نحو أفضل الناس و القوم و أفضل ناس و أفضل قوم. فإن قيل لم أجازوا تنكير هذا و لم يجيزوا ذلك في الجمع


173
قلت لأن أفضل القوم ليس من ألفاظ الجموع بل من الألفاظ المفردة فخففوه بترك الألف و اللام الثانية إذا كان افعل بالألف و اللام أو مضافا جاز تثنيته و جمعه قال تعالى و اتبعك الأرذلون و بالأخسرين أعمالا و قال في المفرد إذ انبعث أشقاها . و قال في الجمع أكابر مجرميها ، إلا الذين هم أراذلنا . و تقول في المؤنث هذه الفضلى قال تعالى إنها لإحدى الكبر ، فأولئك لهم الدرجات العلى . و حكم فعلى حكم افعل لا يستعمل بغير من إلا مضافا او معرفا بأل. و اما قوله: و أخر متشابهات فقالوا إنه على تقدير من أي و أخر منها متشابهات.
تنبيه

لفظ سواء

سواء اصله بمعنى الاستواء و ليس له اسم يجرى عليه يقال استوى استواء و ساواه مساواة لا غير فإذا وقع صفة كان بمعنى مستو و لهذا تقول هما سواء هم سواء كما تقول هما عدل و هم عدل و السواء التام و منه درهم سواء أي تام. و منه قوله تعالى: في أربعة أيام سواء أي مستويات. و من نصب فعلى


174
المصدر اي استوت استواء كذا قال سيبويه. و جوز غيره أن يكون حالا من النكرة. و يجىء السواء بمعنى الوسط كقوله تعالى: إلى كلمة سواء بيننا و بينكم أي عدل و هو الحق. قال ابن ابي الربيع و سواء لا يرفع الظاهر إلا إذا كان معطوفا على المضمر في سواء و هو مرفوع بسواء و هو مما جاز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه.


175

النوع السابع و الأربعون

في الكلام على المفردات من الأدوات

و البحث عن معاني الحروف مما يحتاج إليه المفسر لاختلاف مدلولها و لهذا توزع الكلام على حسب مواقعها و ترجح استعمالها في بعض المحال على بعض بحسب مقتضى الحال. كما في قوله تعالى: و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين فاستعملت على في جانب الحق و في في جانب الباطل لأن صاحب الحق كانه مستعل يرقب نظره كيف شاء ظاهرة له الأشياء و صاحب الباطل كانه منغمس في ظلام و لا يدري اين توجهه و كما في قوله تعالى: فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه فعطف هذه الجمل الثلاث بالفاء ثم لما انقطع نظام الترتيب عطف بالواو فقال تعالى وليتلطف إذ لم يكن التلطف مترتبا على الإتيان بالطعام كما كان الإتيان منه مرتبا على التوجه في طلبه و التوجه في طلبه مترتبا على قطع الجدال في المسألة عن مدة اللبث بتسليم العلم له سبحانه. و كما في قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء الآية فعدل عن اللام


176
إلى في في الأربعة الأخيرة إيذانا بأنهم أكثر استحقاقا للتصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام لأن في للوعاء فنبه باستعمالها على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مظنة لوضع الصدقات فيهم كما يوضع الشىء في وعائه مستقرا فيه. و في تكرير حرف الظرف داخلا على سبيل الله دليل على ترجيحه على الرقاب و الغارمين. قال الفارسي و انما قال و في الرقاب و لم يقل و الرقاب ليدل على أن العبد لا يملك. و فيه نظر بل ما ذكرناه من الحكمة فيه أقرب. و كما في قوله تعالى: و قد أحسن بي فإنه يقال أحسن بي و إلي و هي مختلفة المعاني و اليقها بيوسف عليه السلام بي لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد الغاية التى صار إليها. و كما في قوله تعالى: و لأصلبنكم في جذوع النخل و لم يقل على كما ظن بعضهم لأن على للاستعلاء و المصلوب لا يجعل على رءوس النخل و انما يصلب في وسطها فكانت في أحسن من على. و قال كل من عليها فان و لم يقل في الأرض لأن عند الفناء ليس هناك حال القرار و التمكين. و قال و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا و قال و لا تمش في الأرض مرحا و ما قال على الأرض و ذلك لما وصف العباد بين أنهم لم يوطنوا انفسهم في الدنيا و إنما هم عليها مستوقرون. و لما أرشده و نهاه عن فعل التبختر قال و لا تمش فيها مرحا بل امش عليها هونا.


177

و قال تعالى يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين . و قال ابن عباس الحمد الله الذي قال عن صلاتهم ساهون و لم يقل في صلاتهم. و قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: و من بيننا و بينك حجاب فلو سقطت من جاز كون الحجاب في الوسط و إن تباعدت. و اذا أتيت ب من افادت أن الحجاب ابتداء من أول ما ينطلق عليه من و انتهى إلى غايته فكأن الحجاب قد ملأ ما بينك و بينه. و قال كرر الجار في قوله: و على سمعهم ليكون أدل على شدة الختم في الموضعين حين استجد له تعدية اخرى. و هذا كثير لا يمكن إحصاؤه و المعين عليه معرفه معاني المفردات فلنذكر مهمات مطالبها على وجه الاختصار.


178

الهمزة
أصلها الاستفهام و هو طلب الإفهام. و تأتي لطلب التصور و التصديق بخلاف هل فإنها للتصور خاصة. و الهمزة أغلب دورانا و لذلك كانت أم الباب. و اختصت بدخولها على الواو نحو أو كلما عاهدوا . و على الفاء نحو أفأمن أهل القرى . و على ثم نحو أثم إذا ما وقع . و هل أظهر في الاختصاص بالفعل من الهمزة و اما قوله تعالى: فهل أنتم شاكرون ، فهل أنتم منتهون و فهل أنتم مسلمون فذلك لتأكيد الطلب للأوصاف الثلاثه حيث أن الجملة الإسمية أدل على حصول المطلوب و ثبوته و هو أدل على طلبه من فهل تشكرون و هل تسلمون لإفادة التجدد. و اعلم أنه يعدل بالهمزة عن أصلها فيتجوز بها عن النفي و الإيجاب و التقرير و غير ذلك المعاني السالفة في بحث الاستفهام مشروحة فانظره فيه.
مسالة

في دخول الهمزة على رأيت

و اذا دخلت على رأيت امتنع إن تكون من رؤية البصر أو القلب و صارت بمعنى أخبرني كقولك أرأيك زيدا ما صنع في المعنى تعدى بحرف و في اللفظ تعدى بنفسه.


179

و منه قوله تعالى: أفرأيت الذي كفر بآياتنا ، أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، أرأيت الذي يكذب بالدين .

مسالة

في دخول الهمزة على لم

و اذا دخلت على لم أفادت معنيين أحدهما التنبيه و التذكير نحو ألم تر إلى ربك كيف مد الظل . و الثاني التعجب من الأمر العظيم كقولك ألم تر إلى فلان يقول كذا و يعمل كذا على طريق التعجب منه. و كيف كان فهي تحذير.


180

أم
حرف عطف نائب عن تكرير الاسم و الفعل نحو أزيد عندك أم عمرو و قيل إنما تشرك بين المتعاطفين كما تشرك بينها أو. و قيل فيها معنى العطف. و هي استفهام كالألف إلا أنها لا تكون في أول الكلام لأجل معنى العطف. و قيل هي أو أبدلت الميم من الواو ليحول إلى معنى. يريد إلى معنى أو. و هي قسمان متصلة و منفصلة فالمتصلة هي الواقعة في العطف و الوارد بعدها و قبلها كلام واحد و المراد بها الاستفهام عن التعيين فلهذا يقدر باي. و شرطها أن تتقدمها همزة الاستفهام و يكون ما بعدها مفردا أو في تقديره. و المنفصلة ما فقد فيها الشرطان او أحدهما و تقدر ب بل و الهمزة. ثم اختلف النحاة في كيفية تقدير المنفصلة في ثلاث مذاهب حكاها الصفار أحدها أنها تقدر بهما و هي بمعناهما فتفيد الإضراب عما قبلها على سبيل التحول و الانتقال ك بل و الاستفهام عما بعدها. و من ثم لا يجوز أن تستفهم مبتدئا كلامك ب أم. و لا تكون إلا بعد كلام لإفادتها الإضراب كما تقدم. قال أبو الفتح و الفارق بينها و بين بل أن ما بعد بل منفي و ما بعد أم مشكوك فيه. و الثاني أنها بمنزلة بل خاصة و الاستفهام محذوف بعدها و ليست مفيدة الاستفهام و هو قول الفراء في معاني القرآن.


181

و الثالث انها بمعنى الهمزة و الإضراب مفهوم من أخذك في كلام آخر و ترك الأول. قال الصفار فأما الأول فباطل لأن الحرف لا يعطي في حيز واحد أكثر من معنى واحد فيبقى الترجيح بين المذهبين. و ينبغي أن يرجح الأخير لأنه ثبت من كلامهم إنها لإبل ام شاء. و يلزم على القول الثاني حذف همزة الاستفهام في الكلام و هو من مواضع الضرورة. قال و الصحيح أنها لا تخلو عن الاستفهام و كذلك قال سيبويه. انتهى. و اعلم أن المتصلة يصير معها الاسمان بمنزلة اي و يكون ما ذكر خبرا عن اي فإذا قلت أزيد عندك أم عمرو فالمعنى ايهما عندك و الظرف خبر لهما. ثم المتصلة تكون في عطف المفرد على مثله نحو أزيد عندك أم عمرو كقوله تعالى: أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار أي أي المعبودين خير و في عطف الجملة على الجملة المتاولتين بالمفرد نحو أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون أي الحال هذه أم هذه و المنقطعة إنما تكون على عطف الجمل و هي في الخبر و الاستفهام بمثابة بل و الهمزة و معناها في القرآن التوبيخ كما كان في الهمزة كقوله تعالى: أم اتخذ مما يخلق بنات أي بل أتخذ لأن الذي قبلها خبر و المراد بها التوبيخ لمن قال ذلك و جرى على كلام العباد. و قوله: الم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه ، ثم قال أم يقولون


182
افتراه تقديره بل أيقولون كذا جعلها سيبويه منقطعة لأنها بعد الخبر. ثم وجه اعتراضا كيف يستفهم الله عن قولهم هذا و أجيب بانه جاء في كلام العرب يريد أن في كلامهم يكون المستفهم محققا للشىء لكن يورده بالنظر إلى المخاطب كقوله: فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى و قد علم الله أنه لا يتذكر و لا يخشى لكنه اراد لعله يفعل ذلك في رجائكما. و قوله: أم اتخذ مما يخلق بنات تقديره بل أتخذ بهمزة منقطعة للإنكار. و قد تكون بمعنى بل من غير استفهام كقوله تعالى: أم من خلق السماوات و الأرض و ما بعدها في سورة النمل. قال ابن طاهر و لا يمتنع عندي إذا كانت بمعنى بل أن تكون عاطفة كقوله تعالى: أم يقولون شاعر و قوله: أم كان من الغائبين . و قال البغوي في قوله: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين بمعنى بل و ليس بحرف عطف على قول اكثر المفسرين. و قال الفراء و قوم من أهل المعاني الوقف على قوله ام و حينئذ تم الكلام و في الآية إضمار و الأصل أفلا تبصرون أم تبصرون ثم ابتدأ فقال: أنا خير . قلت فعلى الأول تكون منقطعة و على الثاني متصلة. و فيها قول ثالث قال أبو زيد إنها زائدة و إن التقدير أفلا تبصرون أنا خير منه و المشهور أنها منقطعة لأنه لا يسالهم عن استواء علمه في الأول و الثاني لأنه إنما أدركه


183
الشك في تبصرهم بعد ما مضى كلامه على التقرير و هو مثبت و جواب السؤال بلى فلما أدركه الشك في تبصرهم قال أم أنا خير . و سال ابن طاهر شيخه أبا القاسم بن الرماك لم لم يجعل سيبويه أم متصله أي افلا تبصرون ام تبصرون أي أي هذين كان منكم فلم يحر جوابا و غضب و بقى جمعة لا يقرر حتى استعطفه. و الجواب من وجهين أحدهما انه ظن أنهم لا يبصرون فاستفهم عن ذلك ثم ظن أنهم يبصرون لأنه معنى قوله: أم أنا خير من فأضرب عن الأول و استفهم كذلك أزيد عندك أم لا. و الثاني أنه لو كان الإبصار و عدمه متعادلين لم يكن للبدء بالنفي معنى فلا يصح إلا أن تكون منقطعة. و قد تحتمل المتصلة و المنقطعة كما قال في قوله تعالى: أم يريدون كيدا . قال الواحدي إن شئت جعلت قبله استفهاما رد عليه و هو قوله: ألم تعلم و إن شئت منقطعة عما قبلها مستأنفا بها الاستفهام فيكون استفهاما متوسطا في اللفظ مبتدأ في المعنى كقوله تعالى: أليس لي ملك مصر الآية ثم قال أم أنا خير . انتهى. و التحقيق ما قاله ابو البقاء إنها هاهنا منقطعة إذ ليس في الكلام همزة تقع موقعها و موقع أم أيهما و الهمزة في قوله: ألم تعلم ليست من أم في شىء و التقدير بل أتريدون إن تسالوا فخرج ب أم من كلام إلى آخر.


184

و قد تكون بمعنى أو كما في قوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور. أم أمنتم . و قوله: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا. أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى . و معنى الف الاستفهام عند أبي عبيد كقوله تعالى: أم تريدون أن تسألوا رسولكم أي تريدون و قوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و قوله: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله أي أيحسدون و قوله: ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار. أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار اي أزاغت عنهم الأبصار و قوله: أم له البنات و لكم البنون أي أله أم تسالهم أجرا أي أتسألهم أجرا و قوله: أم حسبت أن أصحاب الكهف قيل أي أظننت هذا و من عجائب ربك ما هو أعجب من قصة أصحاب الكهف و قيل بمعنى ألف الاستفهام كأنه قال أحسبت و حسبت بمعنى الأمر كما تقول لمن تخاطبه أعلمت إن زيدا خرج بمعنى الأمر أي اعلم إن زيد خرج فعلى هذا التدريج يكون معنى الآية اعلم يا محمد إن أصحاب الكهف و الرقيم.


185

و قال أبو البقاء في قوله تعالى: أم اتخذ مما يخلق بنات تقديره بل أتخذ بهمزة مقطوعة على الإنكار و لو جعلناه همزة وصل لصار إثباتا تعالى الله عن ذلك و لو كانت أم المنقطعة بمعنى بل وحدها دون الهمزة و ما بعد بل متحقق فيصير ذلك في الآية متحققا تعالى الله عن ذلك.

مسالة
في ضرورة تقدم الاستفهام على أم أم لا بد أن يتقدمها استفهام او ما في معناه. و الذي في معناه التسوية فإن الذي يستفهم استوى عنده الطرفان و لهذا يسال و كذا المسئول استوى عنه الأمران. فإذا ثبت هذا فإن المعادلة تقع بين مفردين و بين جملتين و الجملتان يكونان اسميتين و فعليتين و لا يجوز إن يعادل بين اسمية و فعلية إلا أن تكون الاسمية بمعنى الفعلية أو الفعلية بمعنى الاسمية كقوله تعالى: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون أي أم صمتم. و قوله: أفلا تبصرون. أم أنا خير لأنهم إذا قالوا له أنت خير كانوا عنده بصراء فكأنه قال أفلا تبصرون أم أنتم بصراء قال الصفار إذا كانت الجملتان موجبتين قدمت ايهما شئت و إن كانت إحداهما منفية أخرتها فقلت اقام زيد أم لم يقم و لا يجوز ألم يقم أم لا و لا سواء على ألم تقم أم قمت لأنهم يقولون سواء على أقمت أم لا يريدون أم لم تقم فيحذفون لدلالة الأول فلا يجوز هذا سواء على أم قمت لأنه حذف من غير دليل فحملت سائر المواضع المنفية على هذا.


186

قال فإنه لا بد أن يتقدمها الاستفهام أو التسوية بخلاف أو فإنه يتقدمها كل كلام إلا التسوية فلا تقول سواء على قمت أو قعدت لأن الواحد لا يكون سواء.

مسالة
قال الصفار ينبغي إن يعلم ان السؤال او غير السؤال ب أم. فإذا قلت أزيد عندك أم عمرو فجواب هذا زيد أو عمرو و جواب أو نعم أو لا. و لو قلت في جواب الأول نعم أو لا كان محالا لأنك مدع إن أحدهما عنده. فإن قلت و هل يجوز أن تقول زيد أو عمرو في جواب اقام زيد أو عمرو قلت يكون تطوعا بما لا يلزم و لا قياس يمنعه. و قال الزمخشري و ابن الحاجب وضع أم للعلم بأحد الأمرين بخلاف أو فأنت مع أم عالم بأن أحدهما عنده مستفهم عن التعيين و مع أو مستفهم عن واحد منهما على حسب ما كان في الخبر فإذا قلت أزيد عندك أو عمرو فمعناه هل واحد منهما عندك و من ثم كان جوابه ب نعم أو لا مستقيما و لم يكن ذلك مستقيما في أم لأن السؤال عن التعيين.


187

إذن
نوعان الأول أن تدل على إنشاء السببية و الشرط بحيث لا يفهم الارتباط من غيرها نحو أزورك فتقول إذن أكرمك و هي في هذا الوجه عاملة تدخل على الجملة الفعلية فتنصب المضارع المستقبل إذا صدرت و لم تفصل و لم يكن الفعل حالا. و الثاني إن تكون مؤكدة لجواب ارتبط بمقدم او منبهة على سبب حصل في الحال و هي في الحال غير عاملة لأن المؤكدات لا يعتمد عليها و العامل يعتمد عليه نحو إن تأتن إذن آتك و الله إذن لأفعلن ألا ترى انها لو سقطت لفهم الارتباط. و تدخل هذه على الاسمية نحو أزورك فتقول إن انا أكرمك و يجوز توسطها و تأخرها. و من هذا قوله تعالى: و لئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين فهي مؤكدة للجواب و تربطه بما تقدم. و ذكر بعض المتأخرين لها معنى ثالثا و هي إن تكون مركبة من إذ التي هي ظرف زمن ماض و من جملة بعدها تحقيقا أو تقديرا لكن حذفت الجملة تخفيفا و ابدل التنوين منها كما في قولهم حينئذ. و ليست هذه الناصبة المضارع لأن تلك تختص به و كذلك ما عملت فيه و لا يعمل إلا ما يختص و هذه لا تختص به بل تدخل على الماضي نحو و اذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ، إذا لأمسكتم خشية الإنفاق و إذا لأذقناك .


188

و على الاسم نحو إن كنت ظالما فإذن حكمك في ماض و قوله تعالى: و إنكم إذا لمن المقربين . و رام بعض النحويين جعلها فيه بمعنى بعد. و اعلم إن هذا المعنى لم يذكره النحاة لكنه قياس قولهم إنه قد تحذف الجملة المضاف إليها إذ. و يعوض عنها التنوين كيومئذ و لم يذكروا حذف الجملة من إذا و تعويض التنوين عنها. و قال الشيخ أبو حيان في التذكرة ذكر لي علم الدين البلقيني إن القاضي تقي الدين بن رزين كان يذهب إلى أن إذن عوض من الجملة المحذوفة. و ليس هذا بقول نحوي. انتهى. و قال القاضي ابن الجويني و أنا أظن أنه يجوز أن تقول لمن قال أنا آتيك إذن أكرمك بالرفع على معنى إذا أتيتني أكرمك فحذف أتيتني و عوض التنوين عن الجملة فسقطت الألف لالتقاء الساكنين. و قال و لا يقدح في ذلك اتفاق النحاة على أن الفعل في مثل هذا المثال منصوب ب إذن لأنهم يريدون بذلك ما إذا كانت حرفا ناصبا للفعل و لا ينفي ذلك رفع الفعل بعده إذا أريد به إذ الزمانية معوضا عن جملته التنوين كما أن منهم من يجزم ما بعدها نحو من يزرني أكرمه. يريد بذلك الشرطية و لا يمنع مع ذلك الرفع بها إذا أريد الموصولة نحو من يزورني أكرمه. قيل و لو لا قول النحاة إنه لا يعمل إلا ما يختص و إن إذن عاملة في المضارع لقيل إن إذن في الموضعين واحدة و إن معناها تقييد ما بعدها بزمن أو حال لأن


189
معنى قولهم أنا أزورك فيقول السامع إذن أكرمك و هو بمعنى قوله أنا أكرمك زمن او حال أو عند زيارتك لي. ثم عند سيبويه معناها الجواب فلا يجوز إن تقول إذن يقوم زيد ابتداء من غير أن تجيب به أحدا. و اما قوله تعالى: فعلتها إذا و أنا من الضالين فيحمل على أنه لجواب مقدر و أنه أجاب بذلك قوله: و فعلت فعلتك التي فعلت و أنت من الكافرين أي بأنعمنا فأجاب لم أفعل ذلك كفرا للنعمة كما زعمت بل فعلتها و انا غير عارف بأن الوكزة تقضى بدليل قراءة بعضهم و انا من الجاهلين .


190

إذا
نوعان ظرف و مفاجاة. فالتي للمفاجاة نحو خرجت فإذا السبع. و تجىء اسما و حرفا فإذا كانت اسما كانت ظرف مكان و اذا كانت حرفا كانت من حروف المعاني الدالة على المفاجأة كما أن الهمزة تدل على الاستفهام. فإذا قلت خرجت فإذا زيد فلك أن تقدر إذا ظرف مكان و لك إن تقدرها حرفا فإن قدرتها حرفا كان الخبر محذوفا و التقدير موجود و إن قدرتها ظرفا كان الخبر و قد تقدم كما تقول عندي زيد فتخبر بظرف المكان عن الجثة و المعنى حيث خرجت فهناك زيد. و لا يجوز أن يكون في هذه الحالة ظرف زمان لامتناع وقوع الزمان خبرا عن الجثة و اذا امتنع إن تكون للزمان تعين إن تكون مكانا. و قد اجتمعا في قوله تعالى: فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون فإذا الأولى ظرفية و الثانية مفاجأة. و تجىء ظرف زمان و حق زمانها إن يكون مستقبلا نحو إذا جاء نصر الله و الفتح و قد تستعمل للماضي من الزمان ك إذ كما في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض لأن قالوا ماض فيستحيل أن يكون زمانه مستقبلا و مثله قوله تعالى: حتى إذا أتوا على وادي النمل ، حتى إذا جاؤوك يجادلونك


191
حتى إذا بلغ بين السدين ، حتى إذا ساوى بين الصدفين ، حتى إذا جعله نارا ، و اذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها لان الانفضاض واقع في الماضي. و تجئ للحال كقوله تعالى: و النجم إذا هوى ، و الليل إذا يغشى. و النهار إذا تجلى و التقدير و النجم هاويا و الليل غاشيا و النهار متجليا ف اذا ظرف زمان و العامل فيه استقرار محذوف في موضع نصب على الحال و العامل فيها اقسم المحذوف. و قد استشكل الزمخشري تقدير العامل في ذلك و اوضحه الشيخ اثير الدين فقال اذا ظرف مستقبل و لا جائز إن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف لان اقسم انشائي فهو في الحال و اذا لما يستقبل فيابى إن يعمل الحال في المستقبل لاختلاف زمان العامل و المعمول. و لا جائز إن يكون ثم مضاف اقيم المقسم به مقامه أي و طلوع النجوم و مجئ الليل لانه معمول لذلك الفعل فالطلوع حال و لا يعمل في المستقبل ضرورة إن زمان العامل زمان المعمول. و لا جائز إن يعمل فيه نفس المقسم به لانه ليس من قبيل ما يعمل و لا جائز إن يقدر محذوف قبل الظرف و يكون قد عمل فيه فيكون ذلك العامل في موضع الحال و تقديره و النجم كائنا اذا هوى و الليل كائنا اذا يغشى لانه يلزم كائنا إلا يكون منصوبا بعامل إذ لا يصح إلا يكون معمولا لشئ مما فرضناه إن يكون عاملا. و ايضا فيكون المقسم به جثة و ظروف الزمان لا تكون اهوالا عن الجثث كما لا تكون اخبارا لهن.


192

فاما الوجه الاول فهو الذي ذكره ابو البقاء قال في قوله تعالى: و النجم إذا هوى العامل في الظرف فعل القسم المحذوف تقديره اقسم بالنجم وقت هوية. و ما ذكره الشيخ عليه من الاشكال فقد يجاب عنه بوجهين احدهما إن الزمانين لما اشتركا في الوقوع المحقق نزلا منزلة الزمان الواحد و لهذا يصح عطف احدهما على الاخر كقوله تعالى: إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ثم قال و يجعل . و هو قريب من جواب الفارسي لما ساله ابو الفتح عن قوله تعالى: و لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم مستشكلا ابدال اذ من اليوم فقال اليوم حال و ظلمتم في الماضي فقال إن الدنيا و الآخرة متصلتان و انهما في حكم الله تعالى سواء فكأن اليوم ماض و كان اذ مستقبله. و الثاني انه على ظاهره و لا يلزم ما ذكر لان الحال كما تاتى مقارنة تاتى مقدره و هي إن تقدر المستقبل مقارنا فتكون اطلقت ما بالفعل على ما بالقوة مجازا و جعلت المستقبل حاضرا كقوله تعالى: فادخلوها خالدين . و اما الوجه الثاني فيمكن إن يقال يجوز تقديره و هو العامل و لا يلزم ما قال من اختلاف الزمانين لانه يجوز الآن إن يقسم بطلوع النجم في المستقبل و يجوز إن يقسم بالشئ الذي سيوجد. و اما الوجه الاخير فهو الذي ذكره ابن الحاجب في شرح المفصل فقال اذا


193
ثبت انها لمجرد الظرفية فليست متعلقة بفعل القسم لانه يصير المعنى اقسم في هذا الوقت فهي اذن في موضع الحال من الليل. انتهى. و قد وقع في محذور آخر و هو إن الليل عبارة عن الزمان المعروف فاذا جعلت اذا معمولة لفعل هو حال من الليل لزم وقوع الزمان في الزمان و هو محال. و قوله يلزم ألا يكون له عامل. قلنا بل له عامل و هو فعل القسم و لا يضر كونه انشاء لما ذكرنا انها حال مقدرة. و اما الشبهة الاخيرة فقد سالها ابو الفتح فقال كيف جاز لظرف الزمان هنا إن يكون حالا من الجثة و قد علم امتناع كونه صلة له و صفه و خبرا و اجاب بانها جرت مجرى الوقت الذي يؤخر و يقدم. و هي أيضا بعيدة لاتنالها ايدينا و لا يحيط علمنا بها في حال نصبها احاطتنا بما يقرب منها فجرت لذلك مجرى المعدوم. فان قيل كيف جاز لظرف الزمان إن يكون حالا من النجم و اجاب بان مثل هذا يجوز في الحال من حيث كان فضله. انتهى. و قد يقال و لئن سلمنا الامتناع في الحال أيضا فيكون على حذف مضاف أي و حضور الليل و تجعله حالا من الحضور لا من الجثة. و التحقيق و به يرتفع الاشكال في هذه المسالة إن يدعي إن اذا كما تجرد عن الشرطية كذلك تجرد عن الظرفية فهي في هذه الآية الشريفة لمجرد الوقت من دون تعلق بالشئ تعلق الظرفية الصناعية و هي مجرورة المحل هاهنا لكونها بدلا عن الليل كما جرت ب حتى في قوله: حتى إذا جاؤوها . و التقدير اقسم بالليل وقت


194
غشيانه أي اقسم بوقت غشيان الليل و هذا واضح. فان قلت هل صار احد إلى تجردها عن الظرفية و الشرطية معا قلت نعم نص عليه في التسهيل فقال و قد تفارقها الظرفية مفعولا بها او مجرورة بحتى او مبتدأ. و علم مما ذكرنا زيادة رابع و هو البدلية.
فائدة
و تستعمل أيضا للاستمرار كقوله: و اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و قوله: لا تكونوا كالذين كفروا و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض فهذا فيما مضى لكن دخلت اذا لتدل على إن هذا شأنهم ابدا و مستمر فيما سياتي كما في قوله

و ندمان يزيد الكاس طيبا
سقيت اذ تغورت النجوم

ثم فيه مسائل الاولى المفاجأة عبارة عن موافقة الشئ في حال انت فيها قال تعالى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين و قوله: و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون . قالوا و لا تقع بعد اذا المفاجأة إلا الجملة الاسمية و بعد اذ إلا الفعل الماضي.


195

و مذهب المبرد و تبعه اكثر المتاخرين إن المفاجاة نقلها إلى المكان عن الزمان و معنى الآية موافقة الثعبان لالقاء موسى العصا في المكان. و كذلك قولهم خرجت فاذا السبع أي فاذا موافقة السبع و على هذا لا يكون مضافا إلى الجملة بعدها. الثانية الظرفية ضربان ظرف محض و ظرف مضمن معنى الشرط. فالأول نحو قولك راحة المؤمن اذا دخل الجنة. و منه قوله تعالى: و الليل إذا يغشى . و منه اذا كنت على راضية و اذا كنت على غضبى لانه لو كان فيها معنى الشرط لكان جوابها معنى ما تقدم و يصير التقدير الاول اذا يغشى اقسم فيفسد المعنى او يصير القسم متعلقا على شرط لا مطلقا فيؤدي إلى إن يكون القسم غير حاصل الآن و انما يحصل اذا وجد شرطه و ليس المعنى عليه بل على حصول القسم الآن من غير تقييد. و كذا حكم و النجم إذا هوى ، و الليل إذا يسر . و مما يتمحض للظرفية العارية من الشرط قوله: و الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون لانه لو كان فيها معنى الشرط لوجبت الفاء في جوابها. و الضرب الثاني يقتضي شرطا و جوابا و لهذا تقع الفاء بعدها على حد وقوعها بعد اذ كقوله تعالى: إذا لقيتم فئة فاثبتوا و كذا كثر وقوع الفعل بعد ماضي اللفظ مستقبل المعنى نحو اذا جئتني اكرمتك. و منه اذا قلت لصاحبك انصت فقد لغوت. و تختص المضمنه معنى الشرط بالفعل و مذهب سيبويه انها لا تضاف إلى جملة


196
فعلية و لهذا اذا وقع بعدها اسم قدر بينه و بينها فعل محافظة على اصلها فان كان الاسم مرفوعا كان فاعل ذلك الفعل المقدر كقوله تعالى: إذا السماء انشقت و إن كان منصوبا كان مفعولا و الفاعل فيه أيضا ذلك المقدر كقوله

اذا ابن ابي موسى بلالا بلغته

و التقدير اذا بلغت. و منهم من منع اختصاصها بالفعل لجواز اذا زيد ضربته و على هذا فالمرفوع بعدها مبتدأ و هو قول الكوفيين و اختاره ابن مالك. و على القولين فمحل الجملة بعدها الجر بالاضافة. و الفاعل فيها جوابها. و قيل ليست مضافة و العامل فيها الفعل الذي يليها لا جوابها.

تنبيه مما يفرق فيه بين المفاجأة و المجازاة إن اذا التي للمفاجأة لا يبتدأ بها كقوله: إذا هم يقنطون و التي بمعنى المجازاة يبتدأ بها نص عليه سيبويه فقال في الاولى اذا جواب بمنزلة الفاء و انما صارت جوابا بمنزلة الفاء لانه لا يبدأ بها كما لايبدأ بالفاء. قال ابن النحاس و لكن قد عورض سيبويه بأن الفاء قد تدخل عليها فكيف تكون عوضا منها و الجواب انها انما تدخل توكيدا و اما قوله تعالى: و اذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم فيحتمل انها متمحضة الظرفية لعدم الفاء في جوابها


197
مع ما و يحتمل إن يكون ما جواب قسم مقدر لا جواب الشرط فلذلك لم يجئ بالفاء. الثالثة جوز ابن مالك إن تجئ لا ظرفا و لا شرطا و هي الداخلة عليها حتى الجارة كقوله تعالى: حتى إذا جاؤوها . او الواقعة مفعولا كقوله عليه السلام اني لاعلم اذا كنت على راضية. و كما جاز تجردها عن الشرط جاز تجردها عن الظرف. و تحصل انها تارة ظرف لما يستقبل و فيها معنى الشرط نحو إذا طلقتم النساء و تارة ظرف مستقبل غير شرط نحو و يقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا و تارة ظرف غير مستقبل نحو إذا ما أتوك لتحملهم و تارة لا ظرف و لا شرط و تارة لا تكون اسم زمان و هي المفاجأة. الرابعة اصل اذا الظرفية لما يستقبل من الزمان كما إن اذا لما مضى منه ثم يتوسع فيها فتستعمل في الفعل المستمر في الاحوال كلها الحاضرة و الماضية و المستقبلة. فهي في ذلك شقيقة الفعل المستقبل الذي هو يفعل حيث يفعل به نحو ذلك. قالوا اذا استعطى فلان اعطى و اذا استنصر نصر كما قالوا فلان يعطي الراغب و ينصر المستغيث من غير قصد إلى تخصيص وقت دون وقت. قاله الزمخشري في كشافة القديم. الخامسة تجاب الشرطية بثلاثة أشياء


198

احدها الفعل نحو اذا جئتني اكرمتك. و ثانيها الفاء نحو اذا جئتني فانا اكرمك. و ثالثها اذا المكانية قال تعالى ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون و قوله: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون . و ما قبلها اما جوابها نحو اذا جئتني اكرمتك او ما دل عليه جوابها كقوله تعالى: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ . و المعنى فاذا نفخ في الصور تقاطعوا و دل عليه قوله: فلا أنساب . و كذا قوله: يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين و انما احتيج لهذا التقدير لان ما بعد ما النافية في مثل هذا الموضع لا يعمل فيه ما قبلها. و ايضا فان بشرى مصدر و المصدر لا يتقدم عليه ما كان في صلته. و من ذلك قوله: إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون فالعامل في اذا الاولى ما دل عليه إذا أنتم تخرجون و التقدير خرجتم. و لا يجوز ان يعمل فيه تخرجون لامتناع إن يعمل ما بعد اذا المكانية فيما قبلها و حكمها في ذلك حكم الفاء. و منه قوله تعالى: فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير فالعامل في اذا ما دل عليه قوله: فذلك يومئذ يوم عسير و التقدير فاذا نقر في الناقور صعب الامر. و قوله: هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم فالعامل


199
في اذا ما دل عليه قوله تعالى: إنكم لفي خلق جديد من معنى بعثتم او مبعوثون. فان قيل ايجوز نصب اذا بقوله جديد لان المعنى عليه قيل لايجوز لامتناع إن يعمل ما بعد إن فيما قبلها و هذا يسمى مجاوبة الاعراب و المعنى للشئ الواحد و كان ابو علي الفارسي يلم به كثيرا و ذلك انه يوجد في المنظوم و المنثور. و المعنى يدعو إلى امر و الاعراب يمنع منه و قد سبق بيانه في نوع ما يتعلق بالاعراب. السادسة اذا توافق إن في بعض الاحكام و تخالفها في بعض فاما الموافقة فهي إن كل واحد منهما يطلب شرطا و جزاء نحو اذا قمت قمت و اذا زرتني اكرمتك. و كل واحدة منهما تطلب الفعل فان وقع الاسم بعد واحدة منهما قدر له فعل يرفعه يفسره الظاهر مثاله في إن قوله تعالى: و إن امرأة خافت ، إن امرؤ هلك و قوله: و إن أحد من المشركين استجارك . و مثاله في اذا قوله تعالى: إذا السماء انشقت ، إذا الشمس كورت و ما بعدها في السورة من النظائر و كذا قوله: إذا السماء انفطرت و ما بعدها من النظائر و إذا وقعت الواقعة . و اما الاحكام التي تخالفها ففي مواضع


200

الاول الا تدخل إلا على مشكوك نحو إن جئتني اكرمتك و لا يجوز إن طلعت الشمس اتيك لان طلوع الشمس متيقن. ثم إن كان المتيقن الوقوع مبهم الوقت جاز كقوله تعالى: أفإن مت و نظائره. و اما اذا فظاهر كلام النحاة يشعر بانها لاتدخل إلا على المتيقن و ما في معناه نحو

اذا طلعت الشمس فاتني

و قوله

اذا مت فادفني إلى جنب كرمة

اذا طلعت شمس النهار فسلمي

و ذلك لكونها للزمن المعين بالاضافة على مذهب الاكثر و لم يجزموا بها في الاختيار لعدم ابهامها كالشرط و لذلك وردت شروط القرآن بها كقوله: إذا الشمس كورت و نظائرها السابقة لكونها متحققة الوقوع. و اما قوله تعالى: و اذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا فقد اشكل دخولها على غير الواقع. و اجيب بان التبديل محتمل وجهين احدهما اعادتهم في الآخرة لانهم انكروا البعث.


201

و الثاني اهلاكهم في الدنيا و تبديل امثالهم فيكون كقوله: إن يشأ يذهبكم أيها الناس و يأت بآخرين فان كان المراد في الدنيا وجب إن يجعل هذا بمعنى إن الشرطية لان هذا شئ لم يكن فهي مكان إن لان الشرط يمكن إن يكون و الا يكون إلا ترى إلى ظهورها في قوله تعالى: إن يشأ يذهبكم أيها الناس و يأت بآخرين ، إن نشأ نخسف بهم الأرض و انما اجاز ل اذا إن تقع موقع إن لما بينهما من التداخل و التشابه. و قال ابن الجويني الذي اظنه إنه يجوز دخولها على المتيقن و المشكوك لانها ظرف و شرط فبالنظر إلى الشرط تدخل على المشكوك ك إن و بالنظر إلى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف. و انما اشترط فيما تدخل عليه إن إن يكون مشكوكا فيه لانها تفيد الحث على الفعل المشروط لاستحقاق الجزاء و يمتنع فيه لامتناع الجزاء و انما يحث على فعل ما يجوز إلا يقع اما ما لابد من وقوعه فلا يحث عليه. و انما امتنع دخول اذا على المشكوك اذا لحظت فيها الظرفية لان المعنى حينئذ التزام الجزاء في زمان وجود الشرط و التزام الشئ في زمان لا يعلم وجود شرط فيه ليس بالتزام. و لما كان الفعل بعد إن مجزوما به يستعمل فيه ما ينبئ عن تحققه فيغلب لفظ الماضي كقوله: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه و إن تصبهم سيئة فجئ ب اذا في جانب الحسنة و ب إن في جانب السيئة لان المراد بالحسنة جنس الحسنة و لهذا عرفت و حصول الحسنة المطلقة مقطوع به فاقتضت البلاغة التعبير ب اذا و جئ ب إن في جانب السيئة لانها نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة كالمرض بالنسبة إلى الصحة و الخوف بالنسبة إلى الامن.


202

و منه قوله تعالى في سورة الروم و اذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون و قوله: فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون. و إن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين . و اما قوله تعالى: و اذا مس الإنسان ضر بلفظ اذا مع الضر فقال السكاكي نظر في ذلك إلى لفظ المس و تنكير الضر المفيد للتعليل ليستقيم التوبيخ و الى الناس المستحقين إن يلحقهم كل ضرر و للتنبيه على إن مس قدر يسير من الضر لامثال هؤلاء حقه إن يكون في حكم المقطوع به. و اما قوله تعالى: و اذا مسه الشر فذو دعاء عريض بعد قوله: و اذا أنعمنا على الإنسان أعرض و نأى بجانبه أي اعرض عن الشكر و ذهب بنفسه و تكبر. و الذي تقتضيه البلاغة إن يكون الضمير للمعرض المتكبر لا المطلق الانسان و يكون لفظ اذا للتنبيه على إن مثل هذا المعرض المتكبر يكون ابتلاؤه بالشر. مقطوعا الثاني من الاحكام المخالفة إن المشروط ب إن اذا كان عدما لم يمتنع الجزاء في الحال حتى يتحقق اليأس من وجوده و لو كان العدم مشروطا ب اذا وقع الجزاء في الحال مثل إن لم اطلقك فأنت طالق لم تطلق إلا في آخر العمر. و اذا قال اذا لم اطلقك فانت طالق تطلق في الحال لان معناه انت طالق في زمان عدم تطليقي لك فاي زمان تخلف عن التطليق يقع فيه الطلاق. و قوله إن لم اطلقك تعليق للطلاق على امتناع الطلاق و لا يتحقق ذلك إلا بموته غير مطلق. الثالث إن إن تجزم الفعل المضارع اذا دخلت عليه و اذا لا تجزمه لانها لا تتمحض شرطا بل فيها معنى التزام الجزاء في وقت الشرط من غير وجوب إن يكون معللا بالشرط.


203

و قد جاء الجزم بها اذا اريد بها معنى إن و أعرض عما فيها من معنى الزمان كقوله

و اذا تصبك خصاصة فتجمل

الرابع إن اذا هل تفيد التكرار و العموم فيه قولان حكاهما ابن عصفور احدهما نعم فاذا قلت اذا قام زيد قام عمرو افادت انه كلما قام زيد قام عمرو. و الثاني لايلزم. قال و الصحيح إن المراد بها العموم كسائر اسماء الشرط و اما إن ففيها كلام عن ابن جني ياتي في باب إن. الخامس انك تقول اقوم اذا قام زيد فيقتضي إن قيامك مرتبط بقيامه لا يتقدم عليه و لا يتاخر عنه بل يعاقبه على الاتصال بخلاف اقوم إن قام زيد فيقتضي إن قيامك بعد قيامه. و قد يكون عقبه و قد يتاخر عنه. فالحاصل إن التقييد بالاستقبال دون اقتضاء مباعدة بخلاف اذا. ذكره ابو جعفر ابن الزبير في كتابه ملاك التأويل. السابعة قيل قد تاتي زائدة كقوله: إذا السماء انشقت تقديره انشقت السماء كما قال اقتربت الساعة ، أتى أمر الله . و رد هذا بان الجواب مضمر.


204

و يحوز مجيئها بمعنى اذا و جعل منه ابن مالك قوله تعالى: و اذا رأوا تجارة أو لهوا . و رد بفوات المعنى لان اذا تفيد إن هذا حالهم المستمر بخلاف اذ فانها لا تعطي ذلك. و قولهم اذا فعلت كذا فيكون على ثلاثة اضرب احدها يكون المامور به قبل الفعل تقول اذا اتيت الباب فالبس احسن الثياب و منه قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ، فإذا قرأت القرآن فاستعذ . الثاني إن يكون مع الفعل كقولك اذا قرات فترسل. الثالث إن يكون بعده كقوله تعالى: و اذا حللتم فاصطادوا ، إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا .

فائدة
من الاسئلة الحسنة في قوله تعالى: كلما أضاء لهم مشوا فيه و اذا أظلم عليهم قاموا انه يقال لم اتي قبل اضاء ب كلما. و قبل اظلم ب اذا و ما وجه المناسبة في ذلك و فيه وجوه الاول إن تكرار الاضاءة يستلزم تكرار الاظلام فكان تنويع الكلام اعذب.


205

الثاني إن مراتب الاضاءة مختلفة متنوعة فذكر كلما تنبيها على ظهور التعدد و قوته لوجوده بالصورة و النوعية و الاظلام نوع واحد فلم يؤت بصيغة التكرار لضعف التعدد فيه بعد ظهوره بالنوعية و إن حصل بالصورة. الثالث قاله الزمخشري و فيه تكلف انهم لما اشتد حرصهم على الضوء المستفاد من النور كانوا كلما حدث لهم نور تجدد لهم باعث الضوء فيه لا يمنعهم من ذلك تقدم فقده و اختفاؤه منهم و اما التوقف بالظلام فهو نوع واحد. و هذا قريب من الجواب الثاني لكنه بمادة اخرى. و يفترقان بان جواب الزمخشري يرجع التكرار فيه إلى جواب كلما لا إلى مشروطها الذي يليها و يباشرها فطلب تكراره و هو الاولي في مدلول التكرار و الجواب المتقدم يرجع إلى تكرار مشروطها يتبعه الجواب من حيث هو ملزمه و تكرره فرع تكرر الاول. الرابع إن اضاءة البرق منسوبة إليه و اظلامه ليس منسوبا إليه لان اضاءته هي لمعانه و الظلام امر يحدث عن اختفائه فتظلم الاماكن كظلام الاجرام الكثائف فاتى باداة التكرار عند الفعل المتكرر من البرق و بالاداة التي لا تقتضي التكرار عند الفعل الذي ليس متكررا منه و لا صادرا عنه. الخامس ذكره ابن المنير إن المراد باضاءة البرق الحياة و بالظلام الموت فالمنافق تمر حالة في حياته بصورة الايمان لانها دار مبنية على الظاهر فاذا صار إلى الموت رفعت له اعماله و تحقق مقامه فتستقيم كلما في الحياة و اذا في الممات و هكذا كقول النبي صلى الله عليه و سلم ( اللهم احيني ما دامت الحياة خير لي و امتني اذا كانت الوفاة خيرا لي ) فاستعمل مع الحياة لفظ التكرار و الدوام و استعمل مع لفظ الوفاة لفظ الاختصار و التقييد.


206

و قيل إن ذلك لاحد معنيين اما لان الحياة ماثورة لازدياد العمل الصالح الذي الهمم العالية معقودة به فعرض بالاستكثار منه و الدوام عليه و نبه على إن الموت لايتمنى و لكن اذا نزل وقته رضي به. و اما لان الحياة يتكرر زمانها و اما الموت مرة واحدة. و جواب آخر إن الكلام في الانوار هو الاصل المستمر و اما خفقان البرق في اثناء ذلك فعوارض تتصل بالحدوث و التكرار فناسب الاتيان فيها بكلما و في تلك ب اذا و الله اعلم.


207

اذ
ظرف لماضي الزمان يضاف للجملتين كقوله تعالى: و اذكروا إذ أنتم قليل و تقول ايدك الله اذ فعلت و اما قوله تعالى: و لو ترى إذ وقفوا على النار ف ترى مستقبل و اذ ظرف للماضي و انما كان كذلك لان الشئ كائن و إن لم يكن بعد و ذلك عند الله قد كان لان علمه به سابق و قضاءه به نافذ فهو كائن لا محالة. و قيل المعنى و لو ترى ندمهم و خزيهم في ذلك اليوم بعد وقوفهم على النار ف اذا ظرف ماض لكن بالاضافة إلى ندمهم الواقع بعد المعاينة فقد صار وقت التوقف ماضيا بالاضافة إلى ما بعده و الذي بعده هو مفعول ترى. و اجاز بعضهم مجيئها مفعولا به كقوله: و اذكروا إذ أنتم قليل و منعه آخرون و جعلوا المفعول محذوفا و اذ ظرف عامله ذلك المحذوف و التقدير و اذكروا نعمة الله عليكم اذا و اذكروا حالكم. و نحوه قوله: إذ قال الله يا عيسى قيل قال له ذلك لما رفعه إليه. و تكون بمعنى حين كقوله: و لا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه أي حين تفيضون فيه. و حرف تعليل نحو و لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ، و إذ لم يهتدوا به . و قيل تاتي ظرفا لما يستقبل بمعنى اذا و خرج عليه بعض ما سبق. و كذا قوله: فسوف يعلمون. إذ الأغلال في أعناقهم و انكره السهيلي لان اذا لا يجئ بعدها المضارع مع النفي.


208

و قد تجئ بعد القسم كقوله: و الليل إذا يسر لانعدام معنى الشرطية فيه. و قيل تجئ زائدة نحو و إذ قال ربك للملائكة . و قيل هي فيه بمعنى قد. و قد تجئ بمعنى إن حكاه السهيلي في الروض عن نص سيبويه في كتابه قال و يشهد له قوله تعالى: بعد إذ أنتم مسلمون . و عليه يحمل قوله تعالى: و لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون . قال و غفل الفارسي عما في الكتاب من هذا و جعل الفعل المستقبل الذي بعد لن عاملا في الظرف الماضي فصار بمنزلة من يقول سآتيك اليوم امس. قال و ليت شعري ما تقول في قوله تعالى: و إذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم فان جوز وقوع الفعل في الظرف الماضي على اصله فكيف يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها لا سيما مع السين و هو قبيح إن تقول غدا سآتيك فكيف إن قلت غدا فسآتيك فكيف إن زدت على هذا و قلت امس فسآتيك و اذ على اصله بمعنى امس.

تنبيه

في وقوع اذ بعد واذكر

حيث وقعت اذ بعد واذكر فالمراد به الامر بالنظر إلى ما اشتمل عليه ذلك الزمان لغرابة ما وقع فيه فهو جدير بان ينظر فيه. و قد اشار إلى هذا الزمخشري في قوله تعالى: و اذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت و قوله: و اذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه و نظائره.


209

او
تقع في الخبر و الطلب فاما في الخبر فلها فيه معان الاول الشك نحو قام زيد او عمرو. و الثاني الابهام و هو إخفاء الامر على السامع مع العلم به كقوله تعالى: وإنا أو إياكم لعلى هدى . و قوله: أتاها أمرنا ليلا أو نهارا يريد اذا اخذت الارض زخرفها و اخذ أهلها الامن اتاها امرنا وهم لايعلمون. أي فجأة فهذا ابهام لان الشك محال على الله تعالى. و قوله: إلى مائة ألف أو يزيدون . فإن قلت يزيدون فعل و لا يصح عطفه على المجرور ب إلى فان حرف الجر لا يصح تقديره على الفعل و لذلك لايجوز مررت بقائم و يقعد على تاويل قائم و قاعد. قلت يزيدون خبر مبتدأ محذوف في محل رفع و التقدير اوهم يزيدون قاله ابن جني في المحتسب. و جاز عطف الاسمية على الفعلية ب او لاشتراكهما في مطلق الجملة. فان قلت فكيف تكون او هنا لاحد الشيئين و الزيادة لاتنفك عن المزيد عليه


210

قلت الأمر كذلك و لهذا قدروا في المبتدأ ضمير المائة الف و التقدير و أرسلناك إلى مائة الف معها زيادة. و يحتمل إن تكون على بابها للشك و هو بالنسبة إلى المخاطب أي لو رايتموهم لعلمتم أنهم مائة ألف أو يزيدون. الثالث التنويع كقوله تعالى: فهي كالحجارة أو أشد قسوة أي أن قلوبهم تارة تزداد قسوة و تارة ترد إلى قسوتها الأولى فجىء ب أو لاختلاف أحوال قلوبهم. الرابع التفصيل كقوله: و قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى أي قالت اليهود لا يدخل الجنة إلا من كان هودا و قالت النصارى لن يدخل الجنة إلا الذين هم نصارى. و كذلك قوله: كونوا هودا أو نصارى . الخامس للإضراب ك بل كقوله: كلمح البصر أو هو أقرب و مائة ألف أو يزيدون على حد قوله: قاب قوسين أو أدنى . السادس بمعنى الواو كقوله: فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا ، لعله يتذكر أو يخشى ، لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا . و اما في الطلب فلها معان الأول الإباحة نحو تعلم فقها أو نحوا كقوله تعالى: و لا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم الاية. و كذلك قوله: كالحجارة أو أشد قسوة يعني إن شبهت قلوبهم بالحجارة فصواب أو بما هو أشد فصواب.


211

و قوله: كمثل الذي استوقد نارا ، أو كصيب و المعنى إن التمثيل مباح في المنافقين إن شبهتموهم بأي النوعين. قوله: لعله يتذكر أو يخشى إباحة لإيقاع أحد الأمرين. الثاني التخيير نحو خذ هذا الثوب أو ذاك و منه قوله تعالى: فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء الآية فتقديره فافعل كأنه خير على تقدير الاستطاعة إن يختار أحد الأمرين لأن الجمع بينهما غير ممكن. و الفرق بينهما إن التخيير فيما أصله المنع ثم يرد الأمر بأحدهما لا على التعيين و يمتنع الجمع بينهما. و اما الأباحة فأن يكون كل منهما مباحا و يطلب الإتيان بأحدهما و لا يمتنع من الجمع بينهما و انما يذكر ب أو لئلا يوهم بأن الجمع بينهما هو الواجب لو ذكرت الواو و لهذا مثل النحاة الإباحة بقوله تعالى: فكفارته إطعام عشرة مساكين . و قوله: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك لأن المراد به الأمر بأحدهما رفقا بالمكلف فلو اتى بالجمع لم يمنع منه بل يكون أفضل. و اما تمثيل الأصوليين بآيتي الكفارة و الفدية للتخيير مع إمكان الجمع فقد أجاب عنه صاحب البسيط بأنه إنما يمتنع الجمع بينهما في المحظور لأن احدهما ينصرف إليه الأمر و الآخر يبقى محظورا لا يجوز له فعله و لا يمتنع في خصال الكفارة لأنه ياتى بما عدا الواجب تبرعا و لا يمنع من التبرع. و اعلم أنه إذا ورد النهي عن الإباحة جاز صرفه إلى مجموعهما و هو ما كان يجوز فعله أو إلى أحدهما و هو ما تقتضيه او.


212

و اما قوله تعالى: و لا تطع منهم آثما أو كفورا فليس المراد منه النهي عن اطاعة احدهما دون الآخر بل النهي عن طاعتهما مفردين او مجتمعين و انما ذكرت او لئلا يتوهم إن النهي عن طاعة من اجتمع فيه الوصفان. و قال ابن الحاجب استشكل قوم وقوع او في النهي في هذه الاية فانه لو انتهى عن احدهما لم يتمثل و لا يعد ممتثلا إلا بالانتهاء عنهما جميعا فقيل انها بمعنى الواو. و الاولى انها على بابها و انما جاء التعيين فيها من القرينة لان المعنى قبل وجود النهي تطيع اثما او كفورا اي واحدا منهما فاذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتا في المعنى فيصير المعنى و لا تطع واحدا منهما فيجئ التعميم فيهما من جهة النهي الداخل و هي على بابها فيما ذكرناه لانه لايحصل الانتهاء عن احدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف الاثبات فانه قد يفعل احدهما دون الاخر. قال فهذا معنى دقيق يعلم منه إن او في الاية على بابها و إن التعميم لم يجئ منها و انما جاء من جهة المضموم اليها. انتهى. و من هذا و إن كان خبرا قوله تعالى: من بعد وصية يوصي بها أو دين لان الميراث لا يكون إلا بعد انفاذ الوصية و الدين وجد احدهما او وجدا معا. و قال ابو البقاء في اللباب إن اتصلت بالنهي وجب اجتناب الامرين عند النحويين كقوله تعالى: و لا تطع منهم آثما أو كفورا و لو جمع بينهما لفعل المنهي عنه مرتين لان كل واحد منهما احدهما. و قال في موضع آخر مذهب سيبويه إن او في النهي نقيضية او في الاباحة


213
فقولك جالس الحسن او ابن سيرين اذن في مجالستهما و مجالسة من شاء منهما فضده في النهي لا تطع منهم آثما او كفورا اي لا تطع هذا و لا هذا و المعنى لاتطع احدهما و من اطاع منهما كان احدهما فمن ها هنا كان نهيا عن كل واحد منهما و لو جاء بالواو في الموضعين او احدهما لاوهم الجمع. و قيل او بمعنى الواو لانه لو انتهى عن احدهما لم يعد ممتثلا بالانتهاء عنهما جميعا. قال الخطيبي و الاولى انها على بابها و انما جاء التعميم فيها من النهي الذي فيه معنى النفي و النكرة في سياق النفي تعم لان المعنى قبل وجود النهي تطيع آثما او كفورا اي واحدا منهما فالتعميم فيهما فاذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتا فالمعنى لا تطع واحدا منهما فسمى التعميم فيهما من جهة النهي و هي على بابها فيما ذكرناه لانه لا يحصل الانتهاء عن احدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف الاثبات فانه قد ينتهي عن احدهما دون الاخر.
تنبيهان
الاول روى البيهقي في سننه في باب الفدية بغير النعم عن ابن جريج قال كل شئ في القرآن فيه او للتخيير إلا قوله تعالى: أن يقتلوا أو يصلبوا ليس بمخير فيهما. قال الشافعي و بهذا اقول. و الثاني من اجل إن مبناها على عدم التشريك اعاد الضمير إلى مفرديها بالافراد


214
بخلاف الواو و اما قوله تعالى: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فقد قيل إن او بمعنى الواو و لهذا قال بهما و لو كانت لاحد الشيئين لقيل به. و قيل على بابها و معنى غنيا أو فقيرا إن يكن الخصمان غنيين او فقيرين او منهما اي الخصمين على اي حال كان لان ذلك ذكر عقيب قوله: كونوا قوامين بالقسط شهداء لله يشير للحاكم و الشاهد و ذلك يتعلق باثنين. و قيل الاولوية المحكوم بها ثابته للمفردين معا نحو جاءني زيد او عمرو و رايتهما فالضمير راجع إلى الغني و الفقير المعلومين من وجوه الكلام فصار كانه قيل فالله اولى بالغني و الفقير. و يستعمل ذلك المذكور و غيره و لو قيل فالله اولى به لم يشمله و لانه لما لم يخرج المخلوقون عن الغنى و الفقر صار المعنى افعلوا ذلك لان الله اولى ممن خلق و لو قيل اولى به لعاد إليه من حيث الشهادة فقط.


215

إن المكسورة الخفيفة
ترد لمعان الاول الشرطية و هو الكثير نحو إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ، إن ينتهوا يغفر لهم . ثم الاصل في عدم جزم المتكلم بوقوع الشرط كقوله: إن كنت قلته فقد علمته و عيسى جازم بعدم وقوع قوله. و قد تدخل على المتيقن وجوده اذا ابهم زمانه كقوله: أفإن مت فهم الخالدون . و قد تدخل على المستحيل نحو إن كان للرحمن ولد . و من احكامها انها للاستقبال و انها تخلص الفعل له و إن كان ماضيا كقولك إن اكرمتني اكرمتك و معناه إن تكرمني. و اما قولهم إن اكرمتني اليوم فقد اكرمتك امس و قوله: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت فقيل معنى اكرمتني اليوم يكون سبب للاخبار بذلك و إن ثبت كان قميصه قد من قبل يكون سببا للاخبار بذلك. قاله ابن الحاجب. و هي عكس لو فانها للماضي و إن دخلت على المضارع.
مسأله
إن دخلت إن على لم يكن الجزم لم لا بها كقوله تعالى: و إن لم ينتهوا


216
فإن لم تفعلوا و إن دخلت على لا كان الجزم بها لا ب لا كقوله تعالى: و إلا تغفر لي . و الفرق بينهما إن لم عامل يلزم معموله و لا يفرق بينهما بشئ و إن يجوز إن يفرق بينها و بين معمولها معمول معمولها نحو إن زيدا يضرب اضربه. و تدخل أيضا على الماضي فلا تعمل في لفظه و لا تفارق العمل و اما لا فليست عاملة في الفعل فاضيف العمل إلى إن. الثاني بمنزلة لا. و تدخل على الجملة الاسمية كقوله في الانعام إن هي إلا حياتنا الدنيا بدليل ما في الجاثية ما هي إلا حياتنا الدنيا . و قوله: إن أنت إلا نذير ، إن الكافرون إلا في غرور ، إن كل نفس لما عليها حافظ ، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم إن كل من في السماوات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا ، إن نحن إلا بشر مثلكم ، إن أنتم إلا بشر مثلنا و على الجملة الفعلية نحو إن أردنا إلا الحسنى


217
إن يقولون إلا كذبا ، إن يدعون من دونه إلا إناثا ، و تظنون إن لبثتم إلا قليلا ، إن كانت إلا صيحة واحدة ، بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين . و زعم بعضهم إن شرط النافية مجئ إلا في خبرها كهذه الايات او لما التي بمعناها كقراءة بعضهم إن كل نفس لما عليها حافظ بتشديد الميم اي ما كل نفس إلا عليها حافظ و إن كل لما جميع لدينا محضرون ، و إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا و رد بقوله و إن أدري لعله فتنة لكم ، و إن أدري أقريب أم بعيد ، إن عندكم من سلطان ، بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين و اما قوله: و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به فالتقدير و إن احد من اهل الكتاب.


218

و اما قوله: و لئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده فالاولى شرطيه و الثانية نافية جواب للقسم الذي اذنت به اللام الداخلة على الاولى و جواب الشرط محذوف وجوبا. و اختلف في قوله: و لقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه فقال الزمخشري و ابن الشجري إن نافية اي فيما ما مكناكم فيه إلا إن إن احسن في اللفظ لما في مجامعة مثلها من التكرار المستبشع و مثله يتجنب. قالا و يدل على النفي قوله تعالى: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم . و حكى الزمخشري انها زائدة قال و الاول افخم. و قال ابن عطية ما بمعنى الذي و إن نافيه وقعت مكان ما فيختلف اللفظ و لا تتصل ما ب ما و المعنى لقد اعطيناهم من القوة و الغنى ما لم نعطكم و نالهم بسبب كفرهم هذا العقاب فانتم احرى بذلك اذا كفرتم. و قيل إن شرطية و الجواب محذوف اي الذي إن مكناكم فيه طغيتم. و قال و هذا مطرح في التاويل. و عن قطرب انها بمعنى قد. حكاه ابن الشجري. و يحتمل النكرة الموصوفة. و اعلم إن بعضهم انكر مجئ النافية و قال في الايات السابقة إن ما محذوفة و التقدير ما إن الكافرون إلا في غرور ما إن تدعون ما إن ادري و نظائرها كما قال الشاعر


219

و ما إن طبنا جبن و لكن
منايانا و دولة آخرينا

فحذفت ما اختصارا كما حذف لا في تالله تفتأ . الثالث مخففه من الثقيلة فتعمل في اسمها و خبرها و يلزم خبرها اللام كقوله تعالى: و إن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم . و يكثر اهمالها نحو و إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ، و إن كل لما جميع لدينا محضرون ، إن كل نفس لما عليها حافظ في قراءة من خفف لما اي انه كل نفس لعليها حافظ. الرابع للتعليل بمعنى اذ عند الكوفيين كقوله: و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين قال بعضهم لم يخبرهم بعلوهم إلا بعد إن كانوا مؤمنين. و قوله: اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . قال بعضهم لو كانت للخبر لكان الخطاب لغير المؤمنين. و كذا و إن كنتم في ريب و نحوه مما الفعل في محقق الوقوع و البصريون يمنعون ذلك و هو التحقيق كالمعنى مع اذا. و اجابوا عن دخولها في هذه المواطن لنكته و هي انه من باب خطاب التهييج نحو إن كنت ولدي فاطمعني.


220

و اما قوله: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين فالاستثناء مع تحقق الدخول تادبا بادب الله في المشيئة. و الاستثناء من الداخلين لا من الرويا لانه كان بين الرؤيا و تصديقها سنة و مات بينهما خلق كثير فكانه قال كلكم إن شاء الله. الخامس بمعنى لقد في قوله: إن كنا عن عبادتكم لغافلين اي لقد كنا. إن كان وعد ربنا لمفعولا و تالله إن كدت لتردين ، تالله إن كنا لفي ضلال مبين .

فائدة
ادعى ابن جني في كتاب القد إن إن الشرطية تفيد معنى التكثير لما كان فيه هذا الشياع و العموم لانه شائع في كل مره. و يدل لذلك دخولها على احد التي لايستعمل إلا في النفي العام كقوله تعالى: و إن أحد من المشركين استجارك لانه ليس في واحد يقتصر عليه فلذلك ادخل عليه احد الذي لا يستعمل في الايجاب. قال يجوز إن تكون احد هنا ليست التي للعموم بل بمنزلة احد من


221
احد و عشرين و نحوه إلا انه دخله معنى العموم لاجل إن كما في قوله: و إن امرأة ، إن امرؤ .
تنبيه
قيل قد وقع في القرآن الكريم إن بصيغة الشرط و هو غير مراد في مواضع و لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا و قوله: و اشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون و قوله: و إن كنتم على سفر و لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة و قوله: أن تقصروا من الصلاة إن خفتم و قوله: إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر . و قد يقال اما الاولى فيمتنع النهي عن ارادة التحصن فانهن اذا لم يردن التحصن يردن البغاء و الاكراه على المراد ممتنع. و قيل انها بمعنى اذا لانه لايجوز اكراههن على الزنا إن لم يردن التحصن او هو شرط مقحم لان ذكر الاكراه يدل عليه لانهن لا يكرهنهن إلا عند ارادة التحصين. و فائدة ايجابه المبالغة في النهي عن الاكراه فالمعنى إن اردن العفة فالمولى احق بارادة ذلك.


222

و اما الرابعة فهو يشعر بالاتمام و لا نسلم إن الاصل الاتمام و قد قالت عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة ركعتين فاقرت صلاة السفر و زيدت صلاة الحضر. و اما البواقي فظاهر الشرط ممتنع فيه بدليل التعجب المذكور لكنه لا يمنع مخالفة الظاهر لعارض.


223

إن

المفتوحة الهمزة الساكنة النون

ترد لمعان الاول حرفا مصدريا ناصبا للفعل المضارع و تقع معه في موقع المبتدأ و الفاعل و المفعول و المضاف إليه. فالمبتدأ يكون في موضع رفع نحو و إن تصوموا خير لكم ، و إن تصبروا خير لكم ، و إن يستعففن خير لهن ، و إن تعفوا أقرب للتقوى و الفاعل كقوله تعالى: ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ، أكان للناس عجبا أن أوحينا ، و ما كان جواب قومه إلا أن قالوا في قراءة من نصب جواب. و تقع معه موقع المفعول به فيكون في موضع نصب نحو و ما كان هذا القرآن أن يفترى ، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، فأردت أن أعيبها


224
و أمرت لأن أكون و قوله: فإن استطعت أن تبتغي ، يريد الله أن يخفف عنكم ، إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر معناه بان انذر فلما حذفت الباء تعدي الفعل فنصب. و منه في احد القولين إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله نصب على البدل من قوله: ما أمرتني به . و المضاف إليه فيكون في موضع جر كقوله: قل هو القادر على أن يبعث عليكم ، قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا أي من قبل اتيانك. و انما لم ينصب في قوله تعالى: أكان للناس عجبا أن أوحينا و إن كان المعنى لوحينا لان الفعل بعدها لم يكن مستحقا للاعراب و لا يستعمل إلا إن تعمل فيه العوامل. و قد يعرض ل إن هذه حذف حرف الجر كقوله تعالى: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أي بان يقولوا كما قدرت في قوله تعالى: و بشر الذين آمنوا و عملوا الصالحات أن لهم أي بان لهم. و مذهب سيبويه انها في موضع نصب و نفاها الخليل على اصل الجر. و تقع بعد عسى فتكون مع صلتها في تاويل مصدر منصوب إن كانت ناقصة نحو عسى زيد إن يقوم.


225

و مثله عسى ربكم أن يرحمكم . و تكون في تاويل مصدر مرفوع إن كانت تامة كقولك عسى إن ينطلق زيد و مثله و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا . الثاني مخففة من الثقيلة فتقع بعد فعل اليقين و ما في معناه و يكون اسمها ضمير الشان و تقع بعدها الجملة خبرا عنها نحو أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ، علم أن سيكون منكم مرضى ، و حسبوا ألا تكون فتنة ، و إن عسى أن يكون ، و إن لو استقاموا ، و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين و جعل ابن الشجري منه و ناديناه أن يا إبراهيم أي انه يا ابراهيم. الثالث مفسرة بمنزلة أي التي لتفسير ما قبلها بثلاثة شروط تمام ما قبلها من الجملة و عدم تعلقها بما بعدها و إن يكون الفعل الذي تفسره في معنى القول كقوله تعالى: و ناديناه أن يا إبراهيم ، فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ، أن طهرا بيتي


226
قال ابن الشجري تكون هذه في الامر خاصة و انما شرط مجيئها بعد كلام تام لانها تفسير و لا موضع لها من الاعراب لانها حرف يعبر به عن المعنى. و خرج بالاول و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين لان الكلام لم يتم فان ما قبلها مبتدأ و هي في موضع الخبر و لا يمكن إن تكون ناصبة لوقوع الاسم بعدها بمقتضى انها المخففة من الثقيلة. و اما قوله تعالى: و انطلق الملأ منهم أن امشوا فقيل انها مفسرة لان الانطلاق متضمن لمعنى القول. و قال الخليل يريدون انهم انطلقوا في الكلام بهذا و هو امشوا أي اكثروا يقال امشي الرجل و مشى اذا كثرت ماشيته فهو لايريد انطلقوا بالمشي الذي هو انتقال انما يريد قالوا هذا. و قيل عبارة عن الاخذ في القول فيكون بمنزلة صريحة و إن مفسرة. و قيل مصدرية. فان قيل قد جاءت بعد صريح القول كقوله تعالى: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله . قلنا لا دلالة فيه لاحتمال انها مصدرية. و قال الصفار لاتتصور المصدرية هنا بمعنى إلا عبادة الله لان القول لا يقع بعده المفرد إلا إن يكون هو المقول بنفسه او يكون في معنى المقول نحو قلت خبرا و شعرا لانهما في معنى الكلام او يقول قلت زيدا أي هذا اللفظ و هذا لا يمكن في الاية لأنهم لم يقولوا هذه العبارة فثبت انها تفسيرية أي اعبدوا الله.


227

و قال السيرافي ليست إن تفسيرا للقول بل للقول بل للامر لان فيه معنى القول فلو كان ما قلت لهم إلا ما قلت لي أن اعبدوا الله لم يجز لذكر القول. الرابع زائدة و تكون بعد لما التوقيتية كقوله تعالى في سورة العنكبوت و لما أن جاءت رسلنا لوطا بدليل قوله في سورة هود و لما جاءت رسلنا لوطا فجاء فيها على الاصل. و اما قوله: فلما أن جاء البشير فجئ ب إن و لم يات على الأصل من الحذف لانه لما كان مجئ البشير إلى يعقوب عليه السلام بعد طول الحزن و تباعد المدة ناسب ذلك زيادة إن لما في مقتضى وصفها من التراخي. و ذهب الاخفش إلى انها قد تنصب الفعل و هي مزيدة كقوله تعالى: و ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ، و ما لكم ألا تنفقوا و إن في الآيتين زائدة بدليل و ما لنا لا نؤمن بالله . الخامس شرطية في قول الكوفيين كقوله: أن تضل إحداهما فتذكر قالوا و لذلك دخلت الفاء. السادس نافية بمعنى لا في قوله تعالى: قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد أي لايؤتى احد. و الصحيح انها مصدرية.


228

و زعم المبرد إن يؤتى متصل بقوله و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم و اللام زائدة. و قيل إن يؤتى في موضع رفع أي إن الهدى إن يؤتى. السابع التعليل بمنزلة لئلا كقوله تعالى: يبين الله لكم أن تضلوا . و قال البصريون على حذف مضاف أي كراهة إن تضلوا. و كذا قوله: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا . و قوله: أن تقول نفس يا حسرتى . الثامن بمعنى اذ مع الماضي كقوله: بل عجبوا أن جاءهم . و قيل بل المعنى لان جاءهم أي من اجله. قيل و مع المضارع كقوله: أن تؤمنوا بالله ربكم أي اذا آمنتم. و الصحيح انها مصدرية. و اجاز الزمخشري إن تقع إن مثل ما في نيابتها عن ظرف الزمان و جعل منه قوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك و قوله: إلا أن يصدقوا . و رد بان استعمالها للتعليل مجمع عليه و هو لائق في هاتين الايتين و التقدير لان آتاه و لئلا يصدقوا.


229

إن

المكسورة المشددة

لها ثلاثة اوجه احدها للتاكيد نحو إن الله كان عليما حكيما و للتعليل اثبته ابن جني من النحاة و كذا اهل البيان و سبق بيانه في نوع التعليل من قسم التاكيد. و بمعنى نعم في قوله تعالى: إن هذان لساحران فيمن شدد النون. قال ابو اسحاق عرضت هذا على محمد بن يزيد و اسماعيل بن اسحاق فرضياه. و قال ابن برهان كانهم اجمعوا بعد التنازع على قذف النبيين بالسحر صلى الله عليهما و عبارة غيره هي بمعنى اجل و إن لم يتقدم سؤال عن سحرهم فقد تقدم أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك فتكون على هذا القول مصروفة إلى تصديق السنتهم فيما ادعوه من السحر. و استضعفه الفارسي بدخول اللام في خبر المبتدأ و هو لايجوز إلا في ضرورة. فان قدرت مبتدأ محذوفا أي فهما ساحران فمردود لان التاكيد لايليق به الحذف. و قيل دخلت اللام في خبر المبتدأ مراعاة للفظ او لما كانت تدخل معها في الخبرية. و قيل جاء على لغة بني الحارث في استعمال المثنى بالالف مطلقا.


230

إن المفتوحة المشددة
يجئ للتاكيد كالمكسورة. و استشكله بعضهم لانك لو صرحت بالمصدر المنسبك منها لم تفد توكيدا. و هو ضعيف لما علم من الفرق بين إن و الفعل و المصدر. و قال في المفصل إن و إن تؤكدان مضمون الجملة إلا إن المكسورة الجملة معها على استقلالها بفائدتها و المفتوحة تقلبها إلى حكم المفرد. قال ابن الحاجب لان وضع إن تاكيد للجملة من غير تغيير لمعناها فوجب إن تستقل بالفائدة بعد دخولها و اما المفتوحة فوضعها وضع الموصولات في إن الجملة معها كالجملة مع الموصول فلذلك صارت مع جملتها في حكم الخبر فاحتاجت إلى جزء آخر ليستقل معها بالكلام فتقول إن زيدا قائم و تسكت. و تقول اعجبني إن زيدا قائم فلا تجد بدا من هذا الجزء الذي معها لكونها صارت في حكم الجزء الواحد اذ معناه اعجبني قيام زيد و لا يستقل بالفائدة ما لم ينضم إليه جزء آخر فكذلك المفتوحة مع جملتها. و لذلك وقعت فاعلة و مفعولة و مضافا اليها و غير ذلك مما تقع فيه المفردات. و من وجوه الفرق بينهما انه لا تصدر بالمفتوحة الجملة كما تصدر بالمكسورة لانها لو صدرت لوقعت مبتدأ و المبتدأ معرض لدخول إن فيؤدي إلى اجتماعهما. و لانها قد تكون بمعنى لعل كما في قوله تعالى: و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون و تلك لها صدر الكلام فقصدوا إلى إن تكون هذه مخالفة لتلك في الوضع.


231

إنما
لقصر الصفة على الموصوف او الموصوف على الصفة و هي للحصر عند جماعة كالنفي و الاستثناء. و فرق البيانيون بينهما فقالوا الاصل إن يكون ما يستعمل له انما مما يعلمه المخاطب و لا ينكره كقولك انما هو اخوك و انما هو صاحبك القديم لمن يعلم ذلك و يقربه. و ما يستعمل له النفي و الاستثناء على العكس فاصله إن يكون مما يجهله المخاطب و ينكره نحو و ما من إله إلا الله . ثم انه قد ينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب فيستعمل له النفي و الاستثناء نحو و ما محمد إلا رسول الاية و نحو إن أنتم إلا بشر مثلنا و الرسل ما كانوا على دفع البشرية عن انفسهم و ادعاء الملائكية لكن الكفار كانوا يعتقدون إن الله لايرسل إلا الملائكة و جعلوا انهم بادعائهم النبوة ينفون عن انفسهم البشرية فاخرج الكلام مخرج ما يعتقدون و اخرج الجواب أيضا مخرج ما قالوا حكاية لقولهم كما يحكى المجادل كلام خصمه ثم يكر عليه بالابطال كانه قيل الامر كما زعمتم اننا بشر و لكن ليس الامر كما زعمتم من اختصاص الملائكة بالرسالة فان الله يبعث من الملائكة رسلا و من الناس. و قد ينزل المجهول منزلة المعلوم لادعاء المتكلم ظهوره فيستعمل له انما كقوله تعالى: إنما نحن مصلحون فان كونهم مصلحين منتف فهو مجهول بمعنى انه لم يعلم بينهم صلاح فقد نسبوا الاصلاح إلى انفسهم و ادعوا انهم كذلك ظاهر جلى و لذلك جاء الرد عليهم مؤكدا من وجوه.


232

الي

لانتهاء إلى الغاية و هي مقابلة من. ثم لايخلوا إن يقترن بها قرينة تدل على إن ما بعدها داخل فيما قبلها او غير داخل. و إن لم يقترن بها قرينة تدل على إن ما بعدها داخل فيما قبلها او غير داخل فيصار إليه قطعا و إن لم يقترن بها. و اختلف في دخول ما بعدها في حكم ما قبلها على مذاهب احدها لاتدخل إلا مجازا لانها تدل على غاية الشيء و نهايته التي هي حدة و ما بعد الحد لايدخل في المحدود و لهذا لم يدخل شئ من الليل في الصوم في قوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل . الثاني عكسه أي انه يدخل و لا يخرج إلا مجازا بدليل آية الوضوء. و الثالث انها مشتركة فيهما لوجود الدخول و عدمه. و الرابع إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها او جزءا كالمرافق دخل و الا فلا. و الحق انه لايطلق فقد يدخل نحو و أيديكم إلى المرافق و قد لايدخل نحو ثم أتموا الصيام إلى الليل . و قيل في آية المرافق انها على بابها و ذلك إن المرفق هو الموضع الذي يتكئ الانسان عليه في راس العضد و ذلك هو المفصل و فريقه فيدخل فيه مفصل الذراع و لا يجب في الغسل اكثر منه. و قيل إلى تدل على وجوب الغسل إلى المرافق و لاينبغي وجوب غسل المرفق


233
لأن الحد لايدخل في المحدود و لا ينفيه التحديد كقولك سرت إلى الكوفة فلا يقتضي دخولها و لا ينفيه كذلك المرافق إلا إن غسله ثبت بالسنة. و منشأ الخلاف في آية الوضوء إن إلى حرف مشترك يكون للغاية و المعية و اليد تطلق في كلام العرب على ثلاثة معان على الكفين فقط و على الكف و الذراع و العضد فمن جعل إلى بمعنى مع و فهم من اليد مجموع الثلاثة اوجب دخوله في الغسل و من فهم من إلى الغاية و من اليد ما دون المرفق لم يدخلها في الغسل. قال الآمدي و يلزم من جعلها بمعنى مع إن يوجب غسلها إلى المنكب لان العرب تسمية يدا. و قد تاتي بمعنى مع كقوله: من أنصاري إلى الله ، و يزدكم قوة إلى قوتكم ، و لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ، و أيديكم إلى المرافق ، و اذا خلوا إلى شياطينهم . و قيل ترجع إلى الانتهاء و المعنى في الاول من يضيف نصرته إلى نصرة الله و موضعها حال أي من انصاري مضافا إلى الله. و المعنى في الاخرى و لا تضيفوا اموالكم إلى اموالهم و كني عنه بالاكل كما قال و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي لا تاخذوا. و قد تاتي للتبيين قال ابن مالك و هي المعلقة في تعجب او تفضيل بحب او بغض.


234
مبينة لفاعلية مصحوبها كقوله تعالى: قال رب السجن أحب إلي . و لموافقه اللام كقوله: و الأمر إليك . و قيل للانتهاء و اصله و الامر اليك. و كقوله: و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . و موافقة في قوله تعالى: هل لك إلى أن تزكى و قيل المعنى بل ادعوك إلى إن تزكي. و زائدة كقراءة بعضهم فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم بفتح الواو. و قيل ضمن تهوى معنى تميل.
تنبيه
من الغريب إن إلى قد تستعمل اسما فيقال انصرفت من اليك كما يقال غدوت من عليك. حكاه ابن عصفور في شرح ابيات الايضاح عن ابن الانباري. و لم يقف الشيخ ابن حيان على هذا فقال في تفسيره في قوله: و هزي إليك بجذع النخلة و قوله: و اضمم إليك جناحك إلى حرف جر بالاجماع و ظاهرها انها متعلقة ب هزي. و كيف يكون ذلك مع القاعدة المشهورة إن الفعل لايتعدى إلى ضمير متصل. و قد يرفع المتصل و هما المدلول واحد فلا تقول ضربتني و لا ضربتك إلا في باب ظن و الضمير المجرور عندهم بالحرف كالمنصوب المستقل فلا تقول هززت إلى و لا هززت اليك.


235

الا بالفتح و التخفيف
تاتي للاستفتاح و فائدته التنبيه على تحقيق ما بعدها و لذلك قل وقوع الجمل بعدها إلا مصدره بنحو ما يتلقى به القسم نحو ألا إنهم هم المفسدون ، ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ، ألا لعنة الله على الظالمين ، ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ، ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم ، ألا حين يستغشون ثيابهم . و تاتي مركبة من كلمتين همزة الاستفهام و لا النافية. و الاستفهام اذا دخل على النفي افاد تحقيقا كقوله تعالى: قوم فرعون ألا يتقون و قوله: قال ألا تأكلون . و التقدير انهم ليسوا بمتقين و ليسوا بآكلين. و للعرض و هو طلب بلين نحو ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم .


236

ألا بالفتح و التشديد
حرف تحضيض مركبة من إن الناصبة و لا النافية كقوله تعالى: ألا تعلوا علي ، ألا يسجدوا لله . ثم قيل المشددة اصل و المخففة فرع. قيل بالعكس. و قيل الهمزة بدل من الهاء و بالعكس حكاه ابن هشام الخضراوي في حاشية سيبويه.
إلا
ترد لمعان الاول الاستثناء. و ينقسم إلى متصل و هو ما كان المستثنى من جنس المستثنى منه نحو جاء القوم إلا زيدا. و الى منقطع و هو ما كان من غير جنسه. و تقدر ب لكن كقوله: لست عليهم بمصيطر إلا من تولى و كفر و قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء و قوله: إلا الذين آمنوا في سورة الانشقاق. و إلا من تولى و كفر في آخر الغاشية.


237

و كذلك إلا من ارتضى من رسول و دخول الفاء في فإنه يسلك دليل انقطاعه و لو كان متصلا لتم الكلام عند قوله رسول. و قوله: إلا تذكرة لمن يخشى . و يجوز إن تكون تذكرة بدلا من لتشقى و هو منصوب ب انزلنا تقديره ما انزلنا عليك القرآن إلا تذكرة. و قوله: و ما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى فابتغاء وجه ربه ليس من جنس النعم التي تجزى. و قوله: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله . فقولهم ربنا الله ليس بحق يوجب اخراجهم. و قوله: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر لاحرج عليهم في قعودهم و انما كان منقطعا لان القاعد عن ضرر و إن كانت له نية الجهاد ليس مستويا في الاجر مع المجاهد لان الاجر على حسب العمل و المجاهد يعمل ببدنه و قلبه و القاعد بقلبه. و قوله: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس اذ لو كان متصلا لكان المعنى فهل آمنت قرية إلا قوم يونس فلا يؤمنون فيكون طلب الايمان من خلاف قوم يونس و ذلك باطل لان الله تعالى يطلب من كل شخص الايمان فدل على إن المعنى لكن قوم يونس.


238

و قال الزجاج يمكن اتصاله لان قوله: فلولا في المعنى نفي فان الخطاب لما يقع منه الايمان و ذلك اذا كان الكلام نفيا كان ما بعد إلا يوجب إنكاره. قال ما من قرية آمنت فنفعها ايمانها إلا قوم يونس. و قد رد عليه الآمدي بان جعل إلا متقطعة عما قبلها لغة فصيحة و إن كان جعلها متصلة اكثر و حمل الكلام على المعنى ليس بقياس. و منه قوله تعالى: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم فان من رحم بمعنى المرحوم ليس من جنس العاصمين و انما هو معصوم فدل على انها بمعنى لكن. فان قيل يمكن اتصاله على إن من رحم بمعنى الراحم أي الذي يرحم فيكون الثاني من جنس الاول. قيل حمل هذه القراءة على القراءة الاخرى اعني قراءة رحم بضم الراء حتى يتفق معنى القراءتين. الثاني بمعنى بل كقوله تعالى: طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة أي بل تذكرة. الثالث عاطفة بمعنى الواو في التشريك كقوله تعالى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا معناه و لا الذين ظلموا. و قوله: إني لا يخاف لدي المرسلون. إلا من ظلم أي و من ظلم. و تاولها الجمهور على الاستثناء المنقطع.


239

الرابع بمعنى غير اذا كانت صفة. و يعرب الاسم بعد إلا اعراب غير كقوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا و ليست هنا للاستثناء. و الا لكان التقدير لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا و هو باطل. و مثله قوله تعالى: و لم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فلو كان استثناء لكان من غير الجنس لان انفسهم ليس شهودا على الزنا لان الشهداء على الزنا يعتبر فيهم العدد و لا يسقط الزنا المشهود به بيمين المشهود عليه. و اذا جعل وصفا فقد امن فيه مخالفة الجنس ف إلا هي بمنزلة غير لا بمعنى الاستثناء لان الاستثناء اما من جنس المستثنى منه او من غير جنسه. و من توهم في صفة الله واحدا من الامرين فقد ابطل. قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني هذا توهم منه و خاطر خطر من غير اصل و يلزم عليه إن تكون إلا في قوله تعالى: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين و قوله ضل من تدعون إلا إياه استثناء و إن تكون بمنزلة غير و ذلك لا يقوله احد لان إلا اذا كانت صفة كان اعراب الاسم الواقع بعدها اعراب الموصوف بها و كان تابعا له في الرفع و النصب و الجر. قال و الاسم بعد إلا في الآيتين منصوب كما ترى و ليس قبل إلا في واحد منهما منصوب بالا. و اعلم انه يوصف بما بعد إلا سواء كان استثناء منقطعا او متصلا. قال المبرد و الجرمي في قوله تعالى: إلا قليلا ممن أنجينا منهم لو قرئ بالرفع قليل على الصفة لكان حسنا و الاستثناء منقطع.


240

الخامس بمعنى بدل و جعل ابن الضائع منه قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا أي بدل الله أي عوض الله و به يخرج على الاشكال المشهور في الاستثناء و في الوصف ب إلا من جهة المفهوم. بقي إن يقال إن ابن مالك جعلها في الاية صفة و انها للتأكيد لا للتخصيص لانه لو قيل لو كان فيهما آلهة فسدتا لصح لان الفساد مرتب على تعدد الالهة. فيقال ما فائدة الوصف المقتضى ها هنا للتأكيد و جوابه إن آلهة تدل على الجنس او على الجمع فلو اقتصر عليه لتوهم إن الفساد مرتب على الجنس من حيث هو فاتى بقوله إلا الله ليدل على إن الفساد مرتب على التعدد. و هذا نظير قولهم في إلهين اثنين إن الوصف هنا مخصص لا مؤكد لان إلهين يدل على الجنسية و على التثنية فلو اقتصر عليه لم يفهم النهي عن احدهما فاتى ب اثنين ليدل على إن النهي عن الاثنين على ما سبق. السادس للحصر اذا تقدمها نفي اما صريح كقوله تعالى: و ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون او مقدر كقوله تعالى: و انها لكبيرة إلا على الخاشعين فان إلا ما دخلت بعد لفظ الايجاب إلا لتاويل ما سبق إلا بالنفي أي فانها لاتسهل و هو معنى كبيرة و اما لان الكلام صادق معها أي و انها لكبيرة على كل احد إلا على الخاشعين بخلاف ضربت إلا زيدا فانه لايصدق.


241

السابع مركبة من إن الشرطية و لا النافية و وقعت في عدة مواقع من القرآن نحو إلا تنصروه فقد نصره الله ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ، إلا تنفروا يعذبكم ، و إلا تغفر لي و ترحمني أكن من الخاسرين ، و إلا تصرف عني كيدهن . و لاجل الشبه الصوري غلط بعضهم فقال في إلا تفعلوه إن الاستثناء منقطع او متصل. و عجبت من ابن مالك في شرح التسهيل حيث عدها في اقسام إلا لكنه في شرح الكافية قال في باب الاستثناء لا حاجة للاحتراز عنها.

فائدة
قال الرماني في تفسيره معنى إلا اللازم لها الاختصاص بالشئ دون غيره فاذا قلت جاءني القوم إلا زيدا فقد اختصصت زيدا بانه لم يجئ و اذا قلت ما جاءني إلا زيد فقد اختصصته بالمجئ. و اذا قلت ما جاءني زيد إلا راكبا فقد اختصصت هذه الحال دون غيرها من المشي و العدو و نحوه.


242

أما

المفتوحة الهمزة المشددة الميم

كلمة فيها معنى الشرط بدليل لزوم الفاء في جوابها. و قدرها سيبويه ب مهما و فائدتها في الكلام انها تكسبه فضل تأكيد تقول زيد ذاهب فاذا قصدت انه لا محالة ذاهب قلت اما زيد فذاهب. و لهذا قال سيبويه مهما يكن من شئ فزيد ذاهب. و في ايرادها في قوله تعالى: فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم احماد عظيم للمؤمنين و نعي على الكافرين لرميهم بالكلمة الحمقاء. و الاسم الواقع بعدها إن كان مرفوعا فهو مبتدأ كقوله: أما السفينة فكانت لمساكين ، و اما الغلام ، و اما الجدار . و إن كان منصوبا فالناصب له ما بعد الفاء على الاصح كقوله تعالى: فأما اليتيم فلا تقهر. و اما السائل فلا تنهر . و قرئ و اما ثمود فهديناهم بالرفع و النصب فالرفع بالابتداء لاشتغال الفعل عنهم بضميرهم. و تذكر لتفصيل ما أجمله المخاطب. و للاقتصار على بعض ما ادعى. فالأول كقوله تعالى: فأما الذين شقوا ففي النار ، و اما الذين سعدوا ففي الجنة .


243

فهذا تفصيل لما جمع في قوله: ذلك يوم مجموع له الناس و بيان احكام الشقى و السعيد. و الثاني كما لو قيل زيد عالم شجاع كريم فيقال اما زيد فعالم أي لايثبت له بما ادعى سوى العلم. و اختلف في تعدد الاقسام بها فقيل انه لازم و حمل قوله تعالى: و الراسخون في العلم على معنى و اما الراسخون ليحصل بذلك التعدد بعدها و قطعه عن قوله: و ما يعلم تأويله إلا الله . و منهم من قال انه غير لازم بل قد يذكر فيها قسم واحد. و لا ينافي ذلك أن تكون للتفصيل لما في نفس المتكلم كقوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ . حكى القولين ابن جمعة الموصلي في شرح الدرة و صحح الاول. و الاقرب الثاني و التقدير في الاية و اما غيرهم فيؤمنون به و يكلون معناه إلى ربهم و دل عليه و الراسخون الآية. قال بعضهم و هذا المعنى هو المشار إليه في آية البقرة فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم و اما الذين كفروا إلى قوله: و ما يضل به إلا الفاسقين . و هذا حكاه ابن قتيبة عن بعض المتقدمين قال فالفاسقون هاهنا هم الذين في قلوبهم زيغ و هم الضالون بالتمثيل. ثم خالفه فقال و انت اذا جعلت المتبعين المتشابه بالتاويل المنافقين في اليهود المحرفين له دون المؤمنين كما قال الله تعالى في قلوبهم زيغ


244
أي غير الاسلام وضح لك الامر و صح ما قلناه من معرفة الراسخين بالمتشابه و على هذا فالوقف على و الراسخون في العلم . و اما قوله تعالى: و اما إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك فقيل الفاء جواب اما و يكون الشرط لا جواب له و قد سد جواب اما مسد جواب الشرط. و قيل بل جواب الشرط و الشرط و جوابه سد مسد جواب اما. و تجئ أيضا مركبة من ام المنقطعة و ما الاستفهامية و ادغمت الميم في الميم كقوله تعالى: أم ماذا كنتم تعملون .


245

إما

المكسورة المشددة

نحو اشتر لي اما لحما و اما لبنا. و كقوله تعالى: إما أن تعذب و اما أن تتخذ فيهم حسنا ، إما أن تلقي و اما أن نكون ، فإما منا بعد و اما فداء و انتصب منا و فداء على المصدر أي من مننتم و فاديتم. و قال صاحب الازهية حكمها في هذا القسم التكرير و لا تكرير اذا كان في الكلام عوض من تكريرها تقول اما تقول الحق و الا فاسكت و الا بمعنى إما. و بمعنى الابهام نحو إما يعذبهم و اما يتوب عليهم ، إما العذاب و اما الساعة ، إما شاكرا و اما كفورا . و تكون بمعنى الشرطية مركبة من إن الشرطية و ما الزائدة و هذه لا تكرر. و الاكثر في جوابها نون التوكيد نحو فإما ترين من البشر أحدا .


246

قل رب إما تريني ما يوعدون ، فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم ، و اما تخافن من قوم خيانة . و انما دخلت معها نون التوكيد للفرق بينهما و بين التي للتخيير. و اختلف في قوله تعالى: إما شاكرا و اما كفورا فقال البصريون للتخيير فانتصاب شاكرا و كفورا على الحال. و قيل التخيير هنا راجع إلى اخبار الله بانه يفعل ما يشاء. و قيل حال مقيدة أي إما إن تجد عندهما الشكر فهو علامة السعادة او الكفر فهو علامة الشقاوة فعلى هذا تكون للتفصيل. و اجاز الكوفيون إن تكون ها هنا شرطية أي إن شكر و إن كفر. قال مكي و هذا ممنوع لان الشرطية لاتدخل على الاسماء إلا إن تضمر بعد إن فعلا كقوله تعالى: و إن أحد من المشركين استجارك و لا يجب إضماره هنا لانه يلزم رفع شاكر بذلك الفعل. ورد عليه ابن الشجري بان النحويين يضمرون بعد إن الشرطية فعلا يفسره ما بعده من لفظه فيرتفع الاسم بعد إن يكون فاعلا لذلك المضمر كقوله تعالى: إن امرؤ هلك ، و إن امرأة خافت كذلك يضمرون بعده افعالا تنصب الاسم بانه مفعول به كقولك إن زيدا اكرمته نفعك أي إن اكرمت.

أل
تقدمت بأقسامها في قاعدة التنكير و التعريف.


247

الآن
اسم للوقت الحاضر بالحقيقة. و قد تستعمل في غيره مجازا. و قال قوم هي حد للزمانين أي ظرف للماضي و ظرف للمستقبل. و قد يتجوز بها عما قرب من الماضي و ما يقرب من المستقبل. حكاه ابو البقاء في اللباب. و قال ابن مالك لوقت حضر جميعه كوقت فعل الانشاء حال النطق به او ببعضه بقوله تعالى: فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ، الآن خفف الله عنكم . و هذا سبقه إليه الفارسي فقال الآن يراد به الوقت الحاضر ثم قد تتسع فيه العرب فتقول انا الآن انظر في العلم و ليس الغرض انه في ذلك الوقت اليسير يفعل ذلك و لكن الغرض انه في وقته ذلك و ما اتى بعده كما تقول انا اليوم خارج تريد به اليوم الذي عقب الليلة. قال ابن مالك و ظرفيته غالبة لا لازمة.


248

أف
صوت يستعمل عند التكره و التضجر و اختلف في قوله تعالى: فلا تقل لهما أف فقيل اسم لفعل الأمر أي كفا أو اتركا. و قيل اسم لفعل ماض أي كرهت و تضجرت. حكاهما ابو البقاء. و حكى غيره ثالثا انه اسم لفعل مضارع أي اتضجر منكما. و اما قوله تعالى في سورة الانبياء أف لكم فأحال ابو البقاء على ما سبق في الاسراء و قضيته تساوي المعنيين. و قال العزيزي في غريبة في هذه أي تلفا لكم فغاير بينهما و هو الظاهر. و فسر صاحب الصحاح اف بمعنى قذرا.


249

أنى
مشتركة بين الاستفهام و الشرط ففي الشرط تكون بمعنى اين نحو انى يقم زيد يقم عمرو. و تاتي بمعنى كيف كقوله تعالى: أنى يحيي هذه الله بعد موتها ، فأنى لهم ، أنى يؤفكون ، فأتوا حرثكم أنى شئتم أي كيف شئتم مقبلة و مدبرة. و قال الضحاك متى شئتم. و يرده سبب نزول الآية. و قال بعضهم من أي جهة شئتم و هو طبق سبب النزول. و تجئ بمعنى من اين نحو أنى لك هذا و قوله: أنى يكون لي ولد ، أنى يكون لي غلام . قال ابن فارس و الاجود إن يقال في هذا أيضا كيف. و قال ابن قتيبة المعنيان متقاربان. و قرئ شاذا أنا صببنا الماء صبا أي من أين فيكون الوقف عند قوله إلى طعامه .


250

و تكون بمعنى متى كقوله تعالى: أنى يحيي هذه الله بعد موتها و قوله: قلتم أنى هذا و يحتمل أن يكون معناه من أين. و الحاصل أنها للسؤال عن الحال و عن المكان. قال الفراء أنى مشاكلة لمعنى أين إلا أن أين للموضع خاصة و أنى تصلح لغير ذلك. و قال ابن الدهان فيها معنى يزيد على أين لأنه لو قال أين لك هذا كان يقصر عن معنى أنى لك لأن معنى أنى لك من أين لك فإن معناه مع حرف الجر لأنه يرى أنه وقع في الجواب كذلك قوله: هو من عند الله و لم يقل هو عند الله. و جواب أنى لك غير جواب من أين لك هذا فاعرفه.


251

أيان
في الكشاف في آخر سورة الأعراف. قيل اشتقاقه من أي فعلان منه لأن معناه أى وقت و أى فعل من أويت إليه لأن البعض آو إلى الكل متساند إليه. و هو بعيد. و قيل أصله أى أوان. و قال السكاكى جاء أيان بفتح الهمزة و كسرها و كسر همزتها يمنع من أن يكون أصلها أى أوان كما قال بعضهم حذفت الهمزة من أوان و الياء الثانية من أى فبعد قلب الواو و اللام ياء أدغمت الياء الساكنة فيها. و جعلت الكلمتان واحدة. و هي في الأزمان بمنزلة متى إلا أن متى أشهر منها و في أيان تعظيم. و لا تستعمل إلا في موضع التفخيم بخلاف متى قال تعالى أيان مرساها ، أيان يبعثون ، أيان يوم الدين ، أيان يوم القيامة . و قال صاحب البسيط إنها تستعمل في الاستفهام عن الشيء المعظم أمره. قال و سكت الجمهور عن كونها شرطا. و ذكر بعض المتأخرين مجيئها لدلاتها بمنزلة متى و لكن لم يسمع ذلك.
إى
حرف جواب بمعنى نعم كقوله تعالى: و يستنبئونك أحق هو قل إي و ربي إنه لحق و لا يأتى قبل النهى صلة لها.


252

حرف الباء
أصله للإلصاق و معناه اختلاط الشيء بالشيء و يكون حقيقة و هو الأكثر نحو به داء و مجازا ك مررت به إذ معناه جعلت مرورى ملصقا بمكان قريب منه لا به فهو وارد على الاتساع. و قد جعلوا منه قوله تعالى: و امسحوا برؤوسكم . و قد تأتي زائدة إما مع الخبر نحو و جزاء سيئة سيئة مثلها . و اما مع الفاعل نحو و كفى بالله شهيدا ف الله فاعل و شهيدا نصب على الحال أو التمييز و الباء زائدة و دخلت لتأكيد الاتصال أي لتأكيد شدة ارتباط الفعل بالفاعل لأن الفعل يطلب فاعله طلبا لا بد منه و الباء توصل الأول إلى الثاني فكأن الفعل يصل إلى الفاعل و زادته الباء اتصالا. قال ابن الشجري فعلوا ذلك إيذانا بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره في عظم المنزلة فضوعف لفظها ليضاعف معناها. و قيل دخلت الباء لتدل على المعنى لأن المعنى اكتفوا بالله. و قيل الفاعل مقدر و التقدير كفى الإكتفاء بالله فحذف المصدر و بقى معموله دالا عليه.


253

و فيه نظر لأن الباء إذا سقطت ارتفع اسم الله على الفاعلية كقوله

كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا

و اما مع المفعول كقوله تعالى: و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و قوله: تلقون إليهم بالمودة أى تبذلونها لهم. و قوله: اقرأ باسم ربك الذي خلق و قوله: بأيكم المفتون جعلت المفتون اسم مفعول لا مصدرا كالمعقول و المعسور و الميسور. و قوله: عينا يشرب بها عباد الله ، و من يرد فيه بإلحاد بظلم ، تنبت بالدهن و قوله: فامسحوا بوجوهكم و نحوه. و الجمهور على أنها لا تجيء زائدة و أنه إنما يجوز الحكم بزيادتها إذا تأدى المعنى المقصود بوجودها و حالة عدمها على السواء و ليس كذلك هذه الأمثلة فإن معنى و كفى بالله شهيدا كما هي في أحسن بزيد و معنى و امسحوا برؤوسكم اجعلوا المسح ملاصقا برؤسكم و كذا بوجوهكم أشار إلى مباشرة العضو بالمسح و انما لم يحسن في آية الغسل فاغسلوا بوجوهكم لدلالة الغسل على المباشرة و هذا كما تتعين المباشرة في قولك أمسكت به و تحتملها في أمسكته. و اما قوله: و لا تلقوا بأيديكم فحذف المفعول للاختصار.


254

و اما تلقون إليهم بالمودة فمعناه تلقون إليهم النصيحة بالمودة. و قال ابن النحاس معناه تخبرونهم بما يخبر به الرجل أهل مودته. و قال السهيلى ضمن تلقون معنى ترمون من الرمى بالشيء يقال ألقى زيد إلى بكذا أى رمى به و في الآية إنما هو إلقاء بكتاب أو برسالة فعبر عنه بالمودة لأنه من أفعال أهل المودة فلهذا جيء بالباء. و اما قوله: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا فليست زائدة و إلا للحق الفعل قبلها علامة التأنيث لأنه للنفس و هو مما يغلب تأنيثه. و جوز في الفعل وجهان أحدهما أن تكون كان مقدرة بعد كفى و يكون بنفسك صفة له قائمة مقامه. و الثاني أنه مضمر يفسره المنصوب بعده أعنى حسيبا كقولك نعم رجلا زيد. و تجيء للتعدية و هي القائمة مقام الهمزة في إيصال الفعل اللازم إلى المفعول به نحو و لو شاء الله لذهب بسمعهم أي أذهب. كما قال إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت . و لهذا لا يجمع بينهما فهما متعاقبتان و اما قوله تعالى: أسرى بعبده فقيل أسرى و سرى بمعنى كسقى و أسقى و الهمزة ليست للتعدية و انما المعدى الباء في بعبده. و زعم ابن عطية أن مفعول أسرى محذوف و إن التعدية بالهمزة أي أسرى الليلة بعبده.


255

و مذهب الجمهور أنها بمعنى الهمزة لا تقتضى مشاركة الفاعل للمفعول. و ذهب المبرد و السهيلى أنها تقتضى مصاحبة الفاعل للمفعول في الفعل بخلاف الهمزة. ورد بقوله تعالى: ذهب الله بنورهم ، و لو شاء الله لذهب بسمعهم و أبصارهم ألا ترى أن الله لا يذهب مع سمعهم فالمعنى لأذهب سمعهم. و قال الصفار و هذا لا يلزم لأنه يحتمل أن يكون فاعل ذهب البرق و يحتمل أن يكون الله تعالى و يكون الذهاب على صفة تليق به سبحانه كما قال و جاء ربك . قال و انما الذي يبطل مذهبه قول الشاعر

ديار التى كانت و نحن على منى
تحل بنا لولا بحاء الركائب

أى تجعلنا حلالا لا محرمين و ليست الديار داخلة معهم في ذلك. و اعلم أنه لكون الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما فإن قلت كيف جاء تنبت بالدهن و الهمزة في أنبت للنقل قلت لهم في الانفصال عنه ثلاثة أوجه أحدها أن تكون الباء زائدة. و الثاني أنها باء الحال كأنه قال تنبت ثمرها و فيه الدهن أى و فيهما الدهن و المعنى تنبت الشجرة بالدهن أى ما هو موجود منه و تختلط به القوة بنبتها على موقع المنة و لطيف القدرة و هداية إلى استخراج صبغة الآكلين. و الثالث أن نبت و أنبت بمعنى.


256

و للاستعانة و هي الدالة على آلة الفعل نحو كتبت بالقلم و منه في أشهر الوجهين بسم الله الرحمن الرحيم . و للتعليل بمنزلة اللام كقوله: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ، فبظلم من الذين هادوا ، فكلا أخذنا بذنبه . و للمصاحبة بمنزلة مع و تسمى باء الحال كقوله تعالى: قد جاءكم الرسول بالحق أى مع الحق أو محقا يا نوح اهبط بسلام منا . و للظرفية بمنزلة في. و تكون مع المعرفة نحو و إنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل ، و بالأسحار هم يستغفرون . و مع النكرة نحو و لقد نصركم الله ببدر و أنتم أذلة ، نجيناهم بسحر . قال أبو الفتح في التنبيه و توهم بعضهم أنها لا تقع إلا مع المعرفة نحو كنا بالبصرة و أقمنا بالمدينة.


257

و هو محجوج بقول الشماخ

و هن وقوف ينتظرن قضاءه
بضاحى غداة أمره و هو ضامز

أي في ضاحى و هي نكرة. و للمجاوزة ك عن نحو فاسأل به خبيرا ، سأل سائل بعذاب واقع ، و يوم تشقق السماء بالغمام أى عن الغمام. بين أيديهم و بأيمانهم أى و عن أيمانهم. و للاستعلاء كعلى و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار أى على قنطار كما قال هل آمنكم عليه . و نحو و اذا مروا بهم يتغامزون أى عليهم كما قال و إنكم لتمرون عليهم مصبحين . و للتبعيض ك من نحو يشرب بها عباد الله أى منها. و خرج عليه و امسحوا برؤوسكم . و الصحيح أنها باء الاستعانة فإن مسح يتعدى إلى مفعول و هو المزال عنه و إلى آخر بحرف الجر و هو المزيل فيكون التقدير فامسحوا أيديكم برءوسكم.


258

بل
حرف إضراب عن الأول و إثبات للثاني يتلوه جملة و مفرد. فالأول الإضراب فيه إما بمعنى ترك الأول و الرجوع عنه بإبطاله و تسمى حرف ابتداء كقوله تعالى: و قالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون أي بل هم عباد. و كذا أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق . و اما الانتقال من حديث إلى حديث آخر و الخروج من قصة إلى قصة من غير رجوع عن الأول و هي في هذه الحالة عاطفة كما قاله الصفار كقوله تعالى: و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ، بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا و قوله: أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك انتقل من القصة الأولى إلى ما هو أهم منها. و ما يشعرون أيان يبعثون. بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون ليست للانتقال بل هم متصفون بهذه الصفات. و قوله: و تذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون . و في موضع بل أنتم قوم تجهلون .


259
و في موضع بل أنتم قوم مسرفون . و المراد تعديد خطاياهم و اتصافهم بهذه الصفات و بل لم ينو ما أضافه إليهم من إتيان الذكور و الإعراض عن الإناث بل استدرك بها بيان عدوانهم و خرج من تلك القصة إلى هذه الآية. و زعم صاحب البسيط و ابن مالك أنها لا تقع في القرآن إلا بهذا المعنى و ليست كذلك لما سبق و كذا قال ابن الحاجب في شرح المفصل إبطال ما للأول و إثباته للثاني إن كان في الإثبات نحو جاء زيد بل عمرو فهو من باب الغلط فلا يقع مثله في القرآن و لا في كلام فصيح. و إن كان ما في النفى نحو ما جاءنى زيد بل عمرو. و يجوز أن يكون من باب الغلط يكون عمرو غير جاء و يجوز أن يكون مثبتا لعمرو المجىء فلا يكون غلطا. انتهى. و منه أيضا قد أفلح من تزكى. و ذكر اسم ربه فصلى. بل تؤثرون الحياة الدنيا . و قوله: و لدينا كتاب ينطق بالحق و هم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة . و قوله: ص. و القرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة و شقاق . ترك الكلام الأول و أخذ ب بل في كلام ثان ثم قال حكاية عن المشركين أأنزل عليه الذكر من بيننا ثم قال بل هم في شك من ذكري ثم ترك الكلام الأول و أخذ ب بل في كلام آخر فقال: بل لما يذوقوا عذاب .


260

و الثاني أعنى ما يتلوها مفرد فهي عاطفة. ثم إن تقدمها إثبات نحو اضرب زيدا بل عمروا و أقام زيد بل عمرو فقال النحاة هي تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم عليه بشيء و يثبت ما بعدها. و إن تقدمها نفى أو نهى فهى لتقرير ما قبلها على حاله. و جعل ضده لما بعدها نحو ما قام زيد بل عمرو و لا يقم زيد بل عمرو. و وافق المبرد على ما ذكرنا غير أنه أجاز مع ذلك أن تكون ناقلة مع النهى أو النفى إلى ما بعدها. و حاصل الخلاف أنه إذا وقع قبلها النفى هل تنفى الفعل أو توجبه.


261

بلى
لها موضعان أحدهما أن تكون ردا لنفى يقع قبلها كقوله تعالى: ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم أى عملتم السوء. و قوله: لا يبعث الله من يموت بلى و قوله: ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ثم قال بلى أى عليهم سبيل. و الثاني أن تقع جوابا لاستفهام دخل عليه نفى حقيقة فيصير معناها التصديق لما قبلها كقولك ألم أكن صديقك ألم أحسن إليك فتقول بلى أى كنت صديقى. و منه قوله تعالى: ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير . و منه ألست بربكم قالوا بلى أى أنت ربنا. فهى في هذا الأصل تصديق لما قبلها و في الأول رد لما قبلها و تكذيب. و قوله: ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى أي كنتم معنا. و يجوز أن يقرن النفى بالإستفهام مطلقا أعم من الحقيقى و المجازى فالحقيقى كقوله: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم و نجواهم بلى


262
أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه. بلى . ثم قال الجمهور التقدير بل نحييها قادرين لان الحساب انما يقع من الانسان على نفي جمع العظام و بلى اثبات فعل النفي فينبغي إن يكون الجمع بعدها مذكورا على سبيل الايجاب. و قال الفراء التقدير فلنحيها قادرين لدلالة ايحسب عليه و هو ضعيف لانه عدول عن مجئ الجواب على نمط السؤال. و المجازي كقوله تعالى: ألست بربكم قالوا بلى فان الاستفهام هنا ليس على حقيقته بل هو للتقرير لكنهم اجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ب بلى. و كذلك قال ابن عباس لو قالوا نعم لكفروا. و وجهه إن نعم تصديق لما بعد الهمزة نفيا كان او اثباتا. و نازع السهيلي و غيره في المحكى عن ابن عباس من وجه أن الاستفهام التقريري اثبات قطعا و حينئذ فنعم في الايجاب تصديق له فهلا اجيب بما اجيب به الايجاب فان قولك الم اعطك درهما بمنزلة اعطيتك. و الجواب من اوجه أحدها ذكره الصفار إن المقرر قد يوافقه المقرر فيما يدعيه و قدلا. فلو قيل في جواب الم أعطك نعم لم يدر هل اراد نعم لم تعطني فيكون مخالفا للمقرر او نعم اعطيتني فيكون موافقا. فلما كان يلتبس اجابوه على اللفظ و لم يلتفتوا إلى المعنى.


263

تنبيهات
الاول ما ذكرنا من كون بلى انما يجاب بها النفي هو الاصل و اما قوله تعالى: بلى قد جاءتك آياتي فانه لم يتقدمها نفي لفظا لكنه مقدر فان معنى لو أن الله هداني ما هداني فلذلك اجيب ب بلى التي هي جواب النفي المعنوي و لذلك حققه بقوله قد جاءتك آياتي و هي من اعظم الهدايات. و مثله بلى قادرين فانه سبق نفي و هو ألن نجمع عظامه فجاءت الآية على جهة التوبيخ لهم في اعتقادهم إن الله لا يجمع عظامهم فرد عليهم بقوله بلى قادرين . و قال ابن عطية حق بلى إن تجيء بعد نفي عليه تقرير. و هذا القيد الذي ذكره في النفي لم يذكره غيره و اطلق النحويون انها جواب النفي. و قال الشيخ اثير الدين حقها إن تدخل على النفي ثم حمل التقرير على النفي و لذلك لم يحمله عليه بعض العرب و اجابه بنعم. و سأل الزمخشري هلا قرن الجواب بما هو جواب له و هو قوله: أن الله هداني و لم يفصل بينهما بآية. و اجاب بانه إن تقدم على احدى القرائن الثلاث فرق بينهن و بين النظم فلم يحسن و إن تاخرت القرينة الوسطى نقض الترتيب و هو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعليل بفقد الهداية ثم تمنى الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه و هو انه حكى اقوال النفس على ترتيبها و نظمها. ثم اجاب عما اقتضى الجواب من بينها.


264

الثاني اعلم انك متى رايت بلى او نعم بعد الكلام يتعلق بها تعلق الجواب و ليس قبلها ما يصلح إن يكون جوابا له فاعلم إن هناك سؤالا مقدرا لفظه لفظ الجواب و لكنه اختصر و طوى ذكره علما بالمعنى كقوله تعالى: بلى من أسلم وجهه لله و هو محسن فله أجره عند ربه فقال المجيب بلى و يعاد السؤال في الجواب. و كذا قوله: بلى من كسب سيئة و أحاطت به خطيئته ليست بلى فيه جوابا لشئ قبلها بل ما قبلها دال على ما هي جواب له و التقدير ليس من كسب سيئة و احاطت به خطيئته خالدا في النار او يخلد في النار فجوابه الحق بلى. و قد يكتفي بذكر بعض الجواب دالا على باقيه كما قال تعالى بلى قادرين اي بلى نجمعها قادرين فذكر الجملة بمثابة ذكر الجزاء من الجملة و كاف عنها. الثالث من القواعد النافعة إن الجواب اما إن يكون لملفوظ به او مقدر. فان كان المقدر فالجواب بالكلام كقولك لمن تقدره مستفهما عن قيام زيد قام زيد او لم يقم زيد و لا يجوز إن تقول نعم و لا لا لانه لا يعلم ما يعني بذلك و إن كان الجواب لملفوظ به فان اردت التصديق قلت نعم و في تكذيبه بلى فتقول في جواب من قال اما قام زيد نعم اذا صدقته و بلى اذا كذبته. و كذلك اذا ادخلت اداة الاستفهام على النفي و لم ترد التقرير بل ابقيت الكلام


265
على نفيه فتقول في تصديق النفي نعم و في تكذيبه بلى نحو الم يقم زيد فتقول في تصديق النفي نعم و في تكذيبه بلى. الرابع يجوز الاثبات و الحذف بعد بلى فالاثبات كقوله تعالى: ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير . و قوله: و قال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى و ربي لتأتينكم . و من الحذف قوله تعالى: بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى إن تصبروا فالفعل المحذوف بعد بلى في هذا الموضع يكفيكم اي بلى يكفيكم إن تصبروا. و قوله: أو لم تؤمن قال بلى اي قد آمنت. و قوله: و قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ثم قال بلى اي تمسسكم اكثر من ذلك. و قوله: و قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ثم قال بلى اي يدخلها غيرهم. و قوله: ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى . و قد تحذف بلى و ما بعدها كقوله: قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا اي بلى قلت لي.


266

ثم
للترتيب مع التراخي و اما قوله: لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى و الهداية سابقة على ذلك فالمراد ثم دام على الهداية بدليل قوله: و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و أحسنوا . و قد تاتي لترتيب الاخبار لا لترتيب المخبر عنه كقوله تعالى: فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد و قوله: و استغفروا ربكم ثم توبوا إليه . و تقول زيد عالم كريم ثم هو شجاع. قال ابن بري قد تجئ ثم كثيرا لتفاوت ما بين رتبتين في قصد المتكلم فيه تفاوت ما بين مرتبتي الفعل مع السكوت عن تفاوت رتبتي الفاعل كقوله تعالى: الحمد لله الذي خلق السماوات و الأرض و جعل الظلمات و النور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ف ثم هنا لتفاوت رتبة الخلق و الجعل من رتبة العدل مع السكوت عن وصف العادلين. و مثله قوله تعالى: فلا اقتحم العقبة إلى قوله: ثم كان من الذين آمنوا دخلت لبيان تفاوت رتبة الفك و الاطعام من رتبة الايمان إلا إن فيها زيادة تعرض لوصف المؤمنين بقوله و تواصوا بالصبر. و تواصوا بالمرحمة . و ذكر غيره في قوله تعالى: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون إن ثم


267
دخلت لبعد ما بين الكفر و خلق السموات و الأرض. و على ذلك جرى الزمخشري في مواضع كثيرة من الكشاف كقوله تعالى: لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى . و قوله: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا قال كلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين في جاءني زيد ثم عمرو اعني إن منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه لانها اعلى منها و افضل. و منه قوله تعالى: إنه فكر و قدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر إن قلت ما معنى ثم الداخلة في تكرير الدعاء قلت الدلالة على إن الكرة الثانية من الدعاء ابلغ من الاولى. و قوله: ثم كان من الذين آمنوا قال جاء ب ثم لتراخي الايمان و تباعده في الرتبة و الفضيلة على العتق و الصدقه لا في الوقت لان الايمان هو السابق المقدم على غيره. و قال الزمخشري في قوله تعالى: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا إن ثم هذه فيها من تعظيم منزلة النبي صلى الله عليه و سلم و اجلال محله و الايذان بانه اولى و اشرف ما اوتي خليل الله ابراهيم من الكرامة و اجل ما اوتي من النعمة اتباع رسول الله صلى الله عليه و سلم في ملته. و اعلم انه بهذا التقدير يندفع الاعتراض بان ثم قد تخرج عن الترتيب و المهلة و تصير كالواو لانه انما يتم على انها تقتضي الترتيب الزماني لزوما اما اذا قلنا انها ترد


268
لقصد التفاوت و التراخي عن الزمان لم يحتج إلى الانفصال عن شئ مما ذكر من هذه الآيات الشريفة لا إن تقول إن ثم قد تكون بمعنى الواو. و الحاصل انها للتراخي في الزمان و هو المعبر عنه بالمهلة و تكون للتباين في الصفات و غيرها من غير قصد مهلة زمانية بل ليعلم موقع ما يعطف بها و حاله و أنه لو انفرد لكان كافيا فيما قصد فيه و لم يقصد في هذا ترتيب زماني بل تعظيم الحال فيما عطف عليه و توقعه و تحريك النفوس لاعتباره. و قيل تاتي للتعجب بنحو ثم الذين كفروا بربهم يعدلون و قوله: ثم يطمع أن أزيد. كلا . و قيل بمعنى واو العطف كقوله: فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد اي هو شهيد. و قوله: ثم إن علينا بيانه . و الصواب انها على بابها لما سبق قبله. و قوله: و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا و قد امر الله الملائكة بالسجود قبل خلقنا فالمعنى و صورناكم. و قيل على بابها و المعنى ابتدأنا خلقكم لان الله تعالى خلق آدم من تراب ثم صوره و ابتدأ خلق الانسان من نطفة ثم صوره. و اما قوله: خلقكم من طين ثم قضى أجلا و قد كان قضى الاجل فمعناه اخبركم اني خلقته من طين ثم اخبركم اني قضيت الاجل كما تقول كلمتك اليوم ثم كلمتك امس اي اني اخبرك بذاك ثم اخبرك بهذا و هذا يكون في الجمل


269
فاما عطف المفردات فلا تكون إلا للترتيب. قاله ابن فارس. قيل و تاتي زائدة كقوله تعالى: و على الثلاثة الذين خلفوا إلى قوله: ثم تاب عليهم لان تاب جواب اذا من قوله: حتى إذا ضاقت . و تأتي للاستئناف كقوله تعالى: و إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . فان قيل ما المانع من الجزم على العطف فالجواب انه عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الاخبار ابتداء كانه قال ثم اخبركم انهم لاينصرون. فان قيل اي فرق بين رفعة و جزمه في المعنى قيل لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم كتوليهم و حين رفع كان النصر و عدا مطلقا كانه قال ثم شأنهم و قصتهم اني اخبركم عنها و ابشركم بها بعد التولية انهم مخذولون منعت عنهم النصرة و القوة ثم لا ينهضون بعدها بنجاح و لا يستقيم لهم امر. و اعلم انها و إن كانت حرف استئناف ففيها معنى العطف و هو عطف الخبر على جملة الشرط و الجزاء كانه قال اخبركم انهم يقاتلونكم فيهزمون ثم اخبركم انهم لا ينصرون. فان قيل ما معنى التراخي في ثم


270
قيل التراخي في الرتبة لان الاخبار التي تتسلط عليهم اعظم من الاخبار بتوليهم الادبار و كقوله تعالى: ألم نهلك الأولين. ثم نتبعهم الآخرين .
ثم المفتوحة
ظرف للبعيد بمعنى هنالك قال تعالى و اذا رأيت ثم رأيت و قرئ فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد اي هنالك الله شهيد بدليل هنالك الولاية لله الحق . و قال الطبري في قوله: أثم إذا ما وقع آمنتم به معناه اهنالك و ليست ثم العاطفة. و هذا وهم اشتبه عليه المضمومة بالمفتوحة.


271

حاشا
اسم ياتي بمعنى التنزيه كقوله: حاش لله بدليل قول بعضهم حاشا لله بالتنوين كما قيل براءة من الله من كذا اي حاشا لله بالتنوين كقولهم رعيا لزيد. و قراءة ابن مسعود حاشا لله بالاضافة فهذا مثل سبحان الله و معاذ الله. و قيل بمعنى جانب يوسف المعصية لاجل الله و هذا لايتاتى في حاش لله ما هذا بشرا . قال الفارسي و هو فاعل من الحشا الذي هو الناحية اي صار في ناحية اي بعد مما رمى به و تنحى عنه فلم يغشه و لم يلابسه. فان قلت اذا قلنا باسمية حاشا فما وجه ترك التنوين في قراءة الجماعة و هي غير مضافة قلت قال ابن مالك و الوجه إن تكون حاشى المشبهة بحاشى الذي هو حرف و أنه شابهه لفظا و معنى فجرى مجراه في البناء.


272

حتى
ك إلى لكن يفترقان في إن ما بعد حتى يدخل في حكم ما قبلها قطعا كقولك قام القوم حتى زيد ف زيد هاهنا دخل في القيام و لا يلزم ذلك في قام القوم إلى زيد و لهذا قال سيبويه إن حتى تجري مجرى الواو و ثم في التشريك. و من الدليل على دخول ما بعدها فيما قبلها قوله صلى الله عليه و سلم ( كل شئ بقضاء و قدر حتى العجز و الكيس ) و قوله ( اريت كل شئ حتى الجنة و النار ). و قال الكواشي في تفسيره الفرق بينهما إن حتى تختص بالغاية المضروبة و من ثم جاز اكلت السمكة حتى راسها و امتنع حتى نصفها او ثلثها و الى عامة في كل غاية. انتهى. ثم الغاية تجئ عاطفة و هي للغاية كيف وقعت اما في الشرف كجاء القوم حتى رئيسهم او الضعة نحو اسنت الفصال حتى القرعى. او تكون جملة من القول على حال هو آخر الاحوال المفروضة او المتوهمة بحسب ذلك الشان اما في الشدة نحو و زلزلوا حتى يقول اذا اريد حكاية الحال و لولا ذلك لم تعطف الجملة الحالية على الجملة الماضية. فان اريد الاستقبال لزم النصب. و اما في الرخاء نحو شربت الابل حتى يجئ البعير يجر بطنه على الحكاية.


273

و لانتهاء الغاية نحو حتى مطلع الفجر ، حتى يبلغ الكتاب أجله . و التعليل و علامتها إن تحسن في موضعها كي نحو حتى تغيظ ذا الحسد و منه قوله تعالى: و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين . و يحتملها حتى تفيء . و قوله: و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم ، هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا . قيل و للاستثناء كقوله تعالى: و ما يعلمان من أحد حتى يقولا و الظاهر انها للغاية. و حرف ابتداء اي تبتدأ به الجملة الاسمية او الفعلية كقوله تعالى: حتى يقول الرسول في قراءة نافع. و كذا الداخلة على اذا في نحو حتى إذا فشلتم و نظائره و الجواب محذوف.


274

حيث
ظرف مكان. قال الاخفش و للزمان و هي مبنية على الضم تشبيها بالغايات فان الاضافة إلى الجملة كلا اضافة و لهذا قال الزجاج في قوله تعالى: من حيث لا ترونهم ما بعد حيث صلة لها و ليست بمضافة إليه يريد انها ليست مضافة للجملة بعدها فصارت كالصلة لها اي كالزيادة. و فهم الفارسي انه اراد انها موصوله فرد عليه. و من العرب من يعرب حيث قراءة بعضهم من حيث لا يعلمون بالكسر تحتملها. و تحتمل البناء على الكسر. و قد ذكروا الوجهين في قراءة الله اعلم حيث يجعل رسالاته بفتح الثاء. و المشهور انها ظرف لايتصرف. و جوز الفارسي و غيره في هذه الآية كونها مفعولا به على السعة قالوا و لا تكون ظرفا لانه تعالى لايكون في مكان اعلم منه في مكان. و اذا كانت مفعولا لم يعمل فيها اعلم لان اعلم لايعمل في المفعول به فيقدر لها فعل. و اختار الشيخ اثير الدين انها باقية على ظرفيتها مجازا. و فيه نظر.


275

دون
نقيض فوق و لها معان احدها من ظروف المكان المبهم لاحتمالها الجهات الست. و قيل هي ظرف يدل على السفل في المكان او المنزلة كقولك زيد دون عمرو. و قال سيبويه و اما دون فتقصير عن الغاية. قال الصفار لايريد الغاية على الاطلاق بل الغاية التي تكون بعدها فاذا قلت انا دونك في العلم معناه انا مقصر عنك و هو ظرف مكان متجوز فيه اي انا في موضع من العلم لا يبلغ موضعك. و نظيره فلان فوقك في العلم. الثاني اسم نحو من دونه . الثالث صفة نحو هذا الشيء دون اي ردئ فيجري بوجوه الاعراب. و قد تكون صفة لا بمعنى ردئ و لكن على معناه من الظرفية نحو رايت رجلا دونك. ثم قد يحذف هذا الموصوف و تقام الصفة مقامه و حينئذ فللعرب فيه لغتان احدهما اعرابها كاعراب الموصول و جريها بوجوه الاعراب و الثانية ابقاؤها على اصلها من


276
الظرفية و عليها جاء قوله: و منا دون ذلك قرئ بالرفع و النصب. و قال الزمخشري معناه ادنى مكان من الشيء. و منه الدون للحقير و يستعمل للتفاوت في الحال نحو زيد دون عمرو اي في الشرف و العلم و اتسع فيه فاستعمل في تجاوز حد إلى حد نحو قوله تعالى: أولياء من دون المؤمنين اي لايتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. و قيل انه مشتق من دون فعل يقال دان يدون دونا و ادين ادانة و المعنى على الحقارة و التقريب. و هذا دون ذلك اي قريب منه و دون الكتب اذا جمعها لان جمع الاشياء ادناء بعضها من بعض و تقليل المسافة بينها و دونك هذا اصله خذه من دونك اي من ادنى منك فاختصر.


277

ذو و ذات
بمعنى صاحب و منه قوله تعالى: ذو العرش المجيد و قوله: ذواتا أفنان . و لا يستعمل إلا مضافا و لا يضاف إلى صفة و لا إلى ضمير. و انما وضعت وصلة إلى وصف الاشخاص بالاجناس كما إن الذي وضعت وصلة إلى وصل المعارف بالجمل و سبب ذلك إن الوصف انما يراد به التوضيح و التخصيص و الاجناس اعم من الاشخاص فلا يتصور تخصيصها لها فانك اذا قلت مررت برجل علم او مال او فضل و نحوه لم يعقل ما لم يقصد به المبالغة فاذا قلت بذي علم صح الوصف و افاد التخصيص و لذلك كانت الصفة تابعة للموصوف في اعرابه و معناه. و اما قراءة ابن مسعود و فوق كل ذي عالم عليم فقيل العالم هنا مصدر كالصالح و الباطل و كانه قال و فوق كل ذي علم فالقراءتان في المعنى سواء. و قيل ذي زائدة. و قيل من اضافة المسمى إلا الاسم اي و فوق كل ذي شخص يسمى عالما او يقال له عالم عليم. و لا يضاف إلى ضمير الاشخاص و لهذا لحنوا قول بعضهم صلى الله على محمد و ذويه.


278

و اختلفوا هل تضاف ذو إلى ضمير الاجناس فمنعه الاكثرون. و الظاهر الجواز لان ضمير الجنس هو الجنس في المعنى. و عن ابن بري انها تضاف إلى ما يضاف إليه صاحب لانها رديفته و أنه لايمتنع اضافتها للضمير إلا اذا كانت وصلة و إلا فلا يمتنع. و قال المطرزي في المغرب ذو بمعنى الصاحب تقتضي شيئين موصوفا و مضافا إليه تقول جاءني رجل ذو مال بالواو في الرفع و بالالف في النصب بالياء في الجر و منه ذو بطن خارجة اي جنينها و القت الدجاجة ذا بطنها اي باضت او سلحت. و تقول للمؤنث امرأة ذات مال و للبنتين ذواتا مال و للجماعة ذوات مال. قال هذا اصل الكلمة ثم اقتطعوا عنها مقتضاها و اجروها مجرى الاسماء التامة المستقلة غير المقتضية لما سواها فقالوا ذات متميزة و ذات قديمة و محدثة و نسبوا اليها كما هي من غير تغيير علامة التانيث فقالوا الصفات الذاتية و استعملوها استعمال النفس و الشئ. و عن ابي سعيد يعني السيرافي كل شئ ذات و كل ذات شيء و حكى صاحب التكملة قول العرب جعل ما بيننا في ذاته و عليه قول ابي تمام

و يضرب في ذات الاله فيوجع

قال شيخنا يعني الزمخشري إن صح هذا فالكلمة عربية و قد استمر المتكلمون في استعمالها و اما قوله: عليم بذات الصدور و قوله فلان قليل ذات اليد


279
فمن الاول و المعنى الإقلال لمصاحبة اليد. و قولهم اصلح الله ذات بينه و ذو اليد احق. انتهى. و قال السهيلي و الاضافة ل ذي اشرف من الاضافة لصاحب لان قولك ذو يضاف إلى التابع و صاحب يضاف إلى المتبوع تقول ابو هريرة صاحب النبي صلى الله عليه و سلم و لا تقول النبي صاحب ابي هريرة إلا على جهة ما و اما ذو فانك تقول فيها ذو المال و ذو العرش فتجد الاسم الاول متبوعا غير تابع و لذلك سميت اقيال حمير بالاذواء نحو قولهم ذو جدن ذو يزن في الاسلام أيضا ذو العين و ذو الشهادتين و ذو السماكين و ذو اليدين هذا كله تفخيم للشئ و ليس ذلك في لفظة صاحب و بني على هذا الفرق انه سبحانه قال في سورة الانبياء و ذا النون فأضافه إلى النون و هو الحوت و قال في سورة القلم و لا تكن كصاحب الحوت قال و المعنى واحد لكن بين اللفظين تفاوت كبير في حسن الاشارة إلى الحالتين و تنزيل الكلام في الموضعين فانه ذكر في موضع الثناء عليه ذو النون و لم يقل صاحب النون لان الاضافة بذي اشرف من صاحب و لفظ النون اشرف من الحوت لوجود هذا الاسم في حروف الهجاء اوائل السور و ليس في اللفظ الآخر ما يشرفه لذلك. فالتفت إلى تنزيل الكلام في الآيتين يلح لك ما اشرنا إليه في هذا الغرض فان التدبر لاعجاز القرآن واجب و مفترض. و قوله تعالى: و أصلحوا ذات بينكم اي الحال بينكم و ازيلوا المشاجرة. و تكون للارادة و النية كقوله: و الله عليم بذات الصدور اي السرائر.


280

رويد
تصغير رود و هو المهل قال تعالى أمهلهم رويدا اي قليلا. قال ابن قتيبة و اذا لم يتقدمها امهلم كانت بمعنى مهلا و لا يتكلم بها إلا مصغرا مامورا بها.
ربما
لايكون الفعل بعدها إلا ماضيا لان دخول ما لايزيلها عن موضعها في اللغة فاما قوله تعالى: ربما يود الذين كفروا فقيل على اضمار كان تقديره ربما كان يود الذين كفروا.
السين
حرف استقبال قيل و تاتي للاستمرار كقوله تعالى: ستجدون آخرين . و قوله: سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم لان ذلك انما نزل بعد قولهم ما ولاهم فجاءت السين اعلاما بالاستمرار لا بالاستقبال. قال الزمخشري افادت السين وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد اذا قلت سانتقم منك.


281

و مثله قول سيبويه في قوله: فسيكفيكهم الله معنى السين إن ذلك كائن لا محالة و إن تاخرت إلى حين. و قال الطيبي مراد الزمخشري إن السين في الاثبات مقابلة إن في النفي و هذا مردود لانه لو اراد ذلك لم يقل السين توكيد للوعد بل كانت حينئذ توكيدا للموعود به كما إن لو تفيد تاكيد النفي بها و تاتي زائدة كقوله: يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده اي تجيبون. و قوله: و يستجيب الذين آمنوا .


282

سوف
حرف يدل على التاخير و التنفيس و زمانه ابعد من زمان السين لما فيها ن ارادة التسويف. و منه قيل فلان يسوف فلانا قال تعالى و سوف تسألون . و قال سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم فقرب القول. و ممن صرح بالتفاوت بينهما الزمخشري و ابن الخشاب في شرح الجمل و ابن يعيش و ابن ابان و ابن بابشاذ و ابن عصفور و غيرهم. و منع ابن مالك كون التراخي في سوف اكثر بان الماضي و المستقبل متقابلان و الماضي لايقصد به إلا مطلق المضي دون تعرض لقرب الزمان او بعده فكذا المستقبل ليجري المتقابلان على سنن واحد و لانهما قد استعملا في الوقت الواحد. و قال تعالى في سورة عم يتساءلون ، كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون . و في سورة التكاثر كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون و قوله: و سوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما . قلت و لا بد من دليل على إن قوله تعالى: و سوف يؤت الله المؤمنين و قوله: فسيدخلهم في رحمة منه و فضل معبرا به عن معنى واحد. و لمانع إن يمنعه مستندا إلى إن الله تعالى وعد المؤمنين احوال خير في الدنيا و الآخرة فجاز إن يكون ما قرن بالسين لما في الدنيا و ما قرن بسوف لما في الاخرة. و لا يخفى خروج


283
قوله كلا سيعلمون و قوله: كلا سوف تعلمون عن دعواه لان الوعد و الوعيد مع سوف لا اسكان فيه و مع السين للمبالغة و قصد تقريب الوقوع بخلاف سيقوم زيد و سوف يقوم مما القصد فيه الاخبار المجرد. و فرق ابن بابشاذ أيضا بينهما بان سوف تستعمل كثيرا في الوعيد و التهديد و قد تستعمل في الوعد. مثال الوعيد و سوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا و كلا سيعلمون . و امثالها في الوعد و لسوف يعطيك ربك فترضى . فاما قوله تعالى: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه لتضمنه الوعد و الوعيد جميعا فالوعد لاجل المؤمنين المحبين و الوعيد لما تضمنت من جواب المرتدين بكونهم أعزة عليهم و على جميع الكافرين. و الاكثر في السين الوعد و تاتي للوعيد. مثال الوعد إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا و مثال الوعيد و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .


284

على
للاستعلاء حقيقة نحو و عليها و على الفلك تحملون . او مجازا نحو و لهم علي ذنب ، فضلنا بعضهم على بعض و اما قوله: و توكل على الحي الذي لا يموت فهي بمعنى الاضافة و الاسناد اي اضفت توكلي و اسندته إلى الله تعالى لا إلى الاستعلاء فانها لا تفيده هاهنا. و للمصاحبة كقوله: و آتى المال على حبه ، و إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم و تاتي للتعليل نحو لتكبروا الله على ما هداكم اي لهدايته اياكم. قال بعضهم و اذا ذكرت النعمة في الغالب مع الحمد لم تقترن بعلى نحو الحمد لله الذي خلق السماوات و الأرض ، الحمد لله فاطر السماوات و الأرض و اذا اريدت النعمة اتى ب على ففي الحديث كان اذا رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال. ثم اورد هذه الآية. و اجاب بان العلو هنا رفع الصوت بالتكبير. و تجئ للظرفيه نحو و دخل المدينة على حين غفلة من أهلها .


285

و نحو و اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان اي في ملك سليمان او في زمن سليمان اي زمن ملكه. و يحتمل إن تتلوا ضمن معنى تقول فتكون بمنزلة و لو تقول علينا . و بمعنى من كقوله تعالى: اكتالوا على الناس . و حمل عليه قوله: من الذين استحق عليهم الأوليان اي منهم. و قوله: كان على ربك حتما مقضيا اي كان الورود حتما مقضيا من ربك. و بمعنى عند نحو و لهم علي ذنب اي عندي. و الباء نحو حقيق على أن لا أقول و في قراءة ابي رضي الله عنه بالباء.

تنبيه
حيث وردت في حق الله تعالى فإن كانت في جانب الفضل كان معناه الوقوع و تاكيده كقوله: فإنما عليك البلاغ و علينا الحساب . و قوله: ثم إن علينا حسابهم .


286

عن
تقتضي مجاوزة ما اضيف إليه نحو غيره و تعديه عنه تقول اطعمته عن جوع اي ازلت عنه الجوع و رميت عن القوس اي طرحت السهم عنها. و قولك اخذت العلم عن فلان مجاز لان علمه لم ينتقل عنه و وجه المجاز انك لما تلقيته منه صار كالمنتقل اليك عن محله و كذلك قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره لانهم اذا خالفوا امره بعدوا عنه و تجاوزوه. قال ابو محمد البصري عن تستعمل اعم من على لانه يستعمل في الجهات الست و كذلك وقع موقع على قوله

اذا رضيت على بنو قشير

و لو قلت اطعمته من جوع و كسوته على عرى لم يصح. و تجئ للبدل نحو و اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا . و للاستعلاء نحو و من يبخل فإنما يبخل عن نفسه . و قوله: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي اي قدمته عليه. و قيل على بابها اي منصرفا عن ذكر ربي. و حكى الرماني عن ابي عبيدة إن احببت من احب البعير احبابا اذا برك فلم يقم ف عن متعلقة باعتبار معناه التضمين اي تثبطت عن ذكر ربي و على هذا ف حب الخير مفعول لاجله.


287

و للتعليل نحو و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ، و ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك . و بمعنى بعد نحو عما قليل ليصبحن نادمين ، يحرفون الكلم عن مواضعه بدليل أن مكان آخر من بعد مواضعه. لتركبن طبقا عن طبق . و بمعنى من نحو و هو الذي يقبل التوبة عن عباده ، أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا بدليل فتقبل من أحدهما و لم يتقبل من الآخر . و بمعنى الباء نحو و ما ينطق عن الهوى . و قيل على حقيقتها اي و ما يصدر قوله عن هوى. و قيل للمجاوزة لان نطقه متباعد عن الهوى متجاوز عنه. و فيه نظر لانها اذا كانت بمعنى الباء نفي عنه النطق في حال كونه متلبسا بالهوى و هو صحيح و اذا كانت على بابها نفي عنه التعلق حال كونه مجاوزا عن الهوى فيلزم إن يكون النطق حال كونه متلبسا بالهوى. و هو فاسد.


288

عسى
للترجي في المحبوب و الاشفاق في المكروه. و قد اجتمعا في قوله تعالى: و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم . قال ابن فارس و تاتي للقرب و الدنو كقوله تعالى: قل عسى أن يكون ردف لكم قال و قال الكسائي كل ما في القرآن من عسى على وجه الخبر فهو موحد نحو عسى أن يكونوا خيرا منهم ، و عسى أن تكرهوا شيئا و وحد على عسى الامر إن يكون كذا. و ما كان على الاستفهام فهو يجمع كقوله تعالى: فهل عسيتم إن توليتم . قال ابو عبيدة معناه هل عدوتم ذلك هل جزتموه و روى البيهقي في سننة عن ابن عباس قال كل عسى في القرآن فهي واجبه. و قال الشافعي يقال عسى من الله واجبه. و حكى ابن الانباري عن بعض المفسرين إن عسى في جميع القرآن واجبه إلا في موضعين في سورة بني اسرائيل عسى ربكم أن يرحمكم يعني بني النضير فما رحمهم الله بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و اوقع عليهم العقوبة.


289

و في سورة التحريم عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن و لازمنه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. و عمم بعضهم القاعدة و ابطل الاستثناء لان تقديره إن يكون على شرط اي في وقت من الاوقات فلما زال الشرط و انقضى الوقت وجب عليكم العذاب فعلى هذا لم تخرج عن بابها الذي هو الايجاب. و كذلك قوله: عسى ربه إن طلقكن تقديره واجب إن يبدله ازواجا خيرا منكن اي لبت طلاقكن و لم يبت طلاقهن فلا يجب التبديل. و قال صاحب الكشاف في سورة التحريم عسى ربه اطماع من الله تعالى لعباده. و فيه وجهان احدهما إن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الاجابة ب لعل و عسى و وقوع ذلك منهم موقع القطع و البت. و الثاني إن تجئ تعليما للعبادة وجوب الترجيح بين الخوف و الرجاء.


290

عند
ظرف مكان بمعنى لدن إلا إن عند معربة. و كان القياس بناءها لافتقارها إلى ما تضاف إليه ك لدن و إذ و لكن أعربوا عند لأنهم توسعوا فيها فأوقعوها على ما هو ملك الشخص حضره أو غاب عنه بخلاف لدن فإنه لا يقال لدن فلان إلا إذا كان بحضرة القائل ف عند بهذا الاعتبار أعم من لدن و يستأنس له بقوله آتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما أي من العلم الخاص بنا و هو علم الغيب. و قوله: و هب لنا من لدنك رحمة الظاهر أنها بمعنى عندك و كأنها أعم من لدن لما ذكرنا فهي أعم من بين يدي لاختصاص هذه بجهة أمام فإن من حقيقتها الكون من جهتي مسامته البدن. و تفيد معنى القرب. و قد تجىء بمعنى وراء و أمام إذا تضمنت معنى قبل ك بين يدي الساعة. و قد تجىء وراء بمعنى لدى المضمن معنى أمام كقوله تعالى: و كان وراءهم ملك ، من ورائه جهنم


291
و يكفرون بما وراءه . و قوله: من وراء جدر يتناول الحالين بالتضايف. و قد يطلق لتضمنه معنى الطواعية و ترك الاختيار مع المخاطب كقوله تعالى: لا تقدموا بين يدي الله و رسوله من النهي عن التقديم أو التقدم على وجه المبادرة بالرأي و القول أي لا تقدموا القول أو لا تقدموا بالقول بين يدي قول الله. و على هذا يكون المعنى بقوله بين يدي الله و رسوله أملاء بالمعنى. و اذا ثبت إن عند و لدى للقرب فتارة يكون حقيقيا كقوله: و لقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى ، و ألفيا سيدها لدى الباب و تارة مجازا إما قرب المنزلة و الزلفى كقوله: بل أحياء عند ربهم يرزقون ، إن الذين عند ربك و على هذا قيل الملائكة المقربون. أو قرب التشريف كقوله: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة و قوله صلى الله عليه و سلم ( اللهم اغفر لي خطئي و عمدي و هزلي و جدي كل ذلك عندي ) أي في دائرتي إشارة لأحوال أمته و إلا فقد ثبتت له العصمة. و تارة بمعنى الفضل و منه فإن أتممت عشرا فمن عندك أي من فضلك و إحسانك. و تارة يراد به الحكم كقوله: فأولئك عند الله هم الكاذبون .


292

و هو عند الله عظيم أي في حكمه تعالى. و قوله: إن كان هذا هو الحق من عندك أي في حكمك. و قيل بحذف عند في الكلام و هي مرادة للإيجاز كقوله تعالى: الحق من ربك ، رسول من الله ، عذاب من الرحمن أي من عند الرحمن لظهور قد جاءكم من الله نور . و قد تكون عند للحضور نحو فلما رآه مستقرا عنده . و قد يكون الحضور و القرب معنويين نحو قال الذي عنده علم من الكتاب . و يجوز و أنزل عندك.


293

غير
متى حسن موضعها لا كانت حالا و متى حسن موضعها إلا كانت استثناء. و يجوز إن تقع صفة لمعرفة إذا كان مضافها إلى ضد الموصوف بشرط إن يكون له ضد واحد نحو مررت بالرجل الصادق غير الكاذب لأنه حينئذ يتعرف. و منه قوله تعالى: الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم فإن الغضب ضد النعمة و الأول هم المؤمنون و الثاني هم الكفار. و أورد عليه قوله تعالى: نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل فإنه أضيف إلى الذين كانوا يعملون و هو ضد الصالح كأنه قيل الصالح. و أجيب بأن الذين كانوا يعملونه بعض الصالح فلم يتمحض فيهما.


294

الفاء
ترد عاطفة و للسببية و جزاء و زائدة. الأول العاطفة و معناها التعقيب نحو قام زيد فعمرو أي إن قيامه بعده بلا مهلة. و التعقيب في كل شىء بحسبه نحو فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه . و اما قوله تعالى: و كم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا و البأس في الوجود قبل الهلاك و بها احتج الفراء على إن ما بعد الفاء يكون سابقا ففيه عشرة أوجه أحدها أنه حذف السبب و ابقى المسبب اي اردنا إهلاكها. الثاني إن الهلاك على نوعين استئصال و بغير استئصال و المعنى و كم قرية أهلكناها بغير استئصال للجميع فجاءها بأسنا باستئصال الجميع. الثالث انه لما كان مجىء البأس مجهولا للناس و الهلاك معلوم لهم و ذكره عقب الهلاك و إن كان سابقا لأنه لا يتضح إلا بالهلاك. الرابع إن المعنى قاربنا إهلاكها فجاءها باسنا فأهلكناها. الخامس أنه على التقديم و التأخير أي جاءها بأسنا فأهلكناها. السادس إن الهلاك و مجىء البأس لما تقاربا في المعنى جاز تقديم أحدهما على الآخر.


295

السابع إن معنى فجاءها أنه لما شوهد الهلاك علم مجىء البأس و حكم به من باب الاستدلال بوجود الأثر. الثامن انها عاطفة للمفصل على المجمل كقوله تعالى: إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا. عربا . التاسع أنها للترتيب الذكرى. العاشر... و تجىء للمهلة ك ثم كقوله تعالى: ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما و لا شك إن بينها وسائط. و كقوله: و الذي أخرج المرعى. فجعله غثاء أحوى فإن بين الإخراج و الغثاء وسائط. و جعل منه ابن مالك قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة . و تؤولت على إن تصبح معطوف على محذوف تقديره أتينا به فطال النبت فتصبح. و قيل بل هي للتعقيب و التعقيب على ما بعد في العادة تعقيبا لا على سبيل المضيافة فرب سنين بعد الثاني عقب الأول في العادة و إن كان بينهما أزمان كثيرة كقوله: ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا . قاله ابن الحاجب. و قيل بل للتعقيب الحقيقي على بابها و ذلك لأن أسباب الاخضرار عند زمانها


296
فإذا تكاملت اصبحت مخضرة بغير مهلة و المضارع بمعنى الماضي يصح عطفه على الماضي و انما لم ينصب على جواب الاستفهام لوجهين أحدهما انه بمعنى التقرير أي قد رأيت فلا يكون له جواب لأنه خبر. و الثاني أنه إنما ينصب ما بعد الفاء إذا كان الأول سببا له و رؤيته لإنزال الماء ليست سببا لاخضرار الأرض إنما السبب هو إنزال الماء و لذلك عطف عليه. و اما قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ ، إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا قالتقدير فإذا أردت فاكتفى بالسبب عن المسبب. و نظيره أن اضرب بعصاك الحجر أي فضرب فانفجرت. و اما قوله: ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما فقيل الفاء في فخلقنا العلقة و في فكسونا بمعنى ثم لتراخي معطوفها. و قال صاحب البسيط طول المدة و قصرها بالنسبة إلى وقوع الفعل فيهما فإن كان الفعل يقتضي زمنا طويلا طالت المهلة و إن كان في التحقيق وجود الثاني عقيب الأول بلا مهلة و إن كان الفعل يقتضي زمنا قصيرا ظهر التعقيب بين الفعلين فالآية واردة على التقدير الأول فلا ينافي معنى الفاء. و الحاصل إن المهلة بين الثاني و الأول بالنسبة إلى زمن الفعل و اما بالنسبة إلى الفعل فوجود الثاني عقب الأول من غير مهلة بينهما هذا كله في سورة المؤمنين.


297

و قال في سورة الحج ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة فعطف الكل ب ثم و لهذا قال لبعضهم ثم لملاحظة أول زمن المعطوف عليه و الفاء لملاحظة آخره و بهذا يزول سؤال إن المخبر عنه واحد و هو مع أحدهما بالفاء و هي للتعقيب و في الأخرى بثم و هي للمهلة و هما متناقضان. و قد أورد الشيخ عز الدين هذا السؤال في قوله: ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون و في أخرى ثم ينبئكم . و اجاب بأن أول ما تحاسب امة النبي صلى الله عليه و سلم ثم الأمم بعدهم فتحمل الفاء على أول المحاسبين و يكون من باب نسبة الفعل إلى الجماعة إذا صدر عن بعضهم كقوله تعالى: و قتلهم الأنبياء بغير حق و يحمل ثم على تمام الحساب. فإن قيل حساب الأولين متراخ عن البعث فكيف يحسن الفاء فيعود السؤال. قلنا نص الفارسي في الإيضاح على إن ثم أشد تراخيا من الفاء فدل على إن الفاء لها تراخ و كذا ذكر غيره من المتقدمين و لم يدع أنها للتعقيب إلا المتاخرون. انتهى. و تجىء لتفاوت ما بين رتبتين كقوله: و الصافات صفا. فالزاجرات زجرا. فالتاليات ذكرا تحتمل الفاء فيه التفاوت رتبة الصف من الزجر و رتبة الزجر من التلاوة و يحتمل تفاوت رتبة الجنس الصاف من رتبة الجنس الزاجر بالنسبة إلى صفهم و زجرهم و رتبة الجنس الزاجر من الجنس التالي بالنسبة إلى زجره و تلاوته. و قال الزمخشري للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال أحدها انها تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله


298

يا لهف زيابة للحارث فال
صابح فالغانم فالآيب

أي الذي اصبح فغنم فآب. الثاني إن تدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه نحو قولك خذ الأكمل فالأفضل و اعمل الأحسن فالأجمل. الثالث انها تدل على ترتيب موصوفاتها فإنها في ذلك نحو رحم الله المحلقين فالمقصرين. النوع الثاني لمجرد السببية و الربط نحو إنا أعطيناك الكوثر فصل و لا يجوز إن تكون عاطفة فإنه لا يعطف الخبر على الإنشاء و عكسه عكسها بمجرد العطف فيما سبق من نحو فجعله غثاء أحوى . و قد تأتي لهما نحو فوكزه موسى فقضى عليه ، فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، لآكلون من شجر من زقوم. فمالئون منها البطون. فشاربون عليه من الحميم. فشاربون شرب الهيم . و اما قوله تعالى: فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين فهذه ثلاث فاءات و هذا هو الغالب على الفاء المتوسطة بين الجمل المتعاطفة. و قال بعضهم إذا ترتب الجواب بالفاء فتارة يتسبب عن الأول و تارة يقام مقام ما تسبب عن الأول. مثال الجاري على طريقه السببية سنقرئك فلا تنسى ، فآمنوا فمتعناهم


299
إلى حين ، فكذبوه فأنجيناه . و مثال الثاني فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ، و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة فما أغنى عنهم .

النوع الثالث الجزائية و الفاء تلزم في جواب الشرط إذا لم يكن فعلا خبريا أعنى ماضيا و مضارعا فإن كان فعلا خبريا امتنع دخول الفاء فيحتاج إلى بيان ثلاثة أمور العلة و تعاقب الفعل الخبري و الفاء. و الجواب عن اجتماعهما في قوله تعالى: و من جاء بالسيئة فكبت و قوله: فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا و لا رهقا و قراءة حمزة أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى . و عن ارتفاعهما في قوله تعالى: و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون و في قول الشاعر

من يفعل الحسنات الله يشكرها

و الجواب عن الأول و هو السؤال عن علة تعاقب الفعل و الفاء إن الجواب هو جملة تامة يجوز استقلالها فلا بد من شىء يدل على ارتباطها بالشرط و كونها جوابا له فإذا كانت الجملة فعلية صالحة لأن تكون جزاء اكتفى بدلالة الحال على كونها جوابا لأن الشرط يقتضي جوابا و هذه الجملة تصلح جوابا و لم يؤت بغيرها فلزم كونها جوابا. و اذا تعقبت الجواب امتنع دخول الفاء للاستغناء عنها فإن كانت الجملة غير فعلية لم تكن صالحة


300
للجواب بنفسها لأن الشرط إنما يقتضي فعلين شرطا و جزاء فما ليس فعلا ليس من مقتضيات أداة الشرط حتى يدل اقتضاؤها على أنه الجزاء فلا بد من رابطة فجعلوا الفاء رابطة لأنها للتعقيب فيدل تعقيبها الشرط بتلك الجملة على أنها الجزاء فهذا هو السبب في تعاقب الفعل و الفاء في باب الجزاء. و الجواب عن الثاني هو إن اجتماع الفعل و الفاء في الآيتين غير مبطل للمدعي بتعاقبهما و هو ان المدعى تعاقبهما إذا كان الفعل صالحا لأن يجازى به و هو إذا ما كان صالحا للاستقبال لإن الجزاء لا يكون إلا مستقبلا. و قوله صدقت و كذبت المراد بالفعل في الآية المضي فلم يصح إن يكون جوابا فوجبت الفاء. فإن قيل فلم سقطت الفاء في قوله: و اذا ما غضبوا هم يغفرون قلنا عنه ثلاثة أجوبة أحدها إن إذا في الآية ليست شرطا بل لمجرد الزمان و التقدير و الذين هم ينتصرون زمان إصابة البغي لهم. و الثاني إن هم زائدة للتوكيد. و الثالث إن الفاء حسن حذفها كون الفعل ماضيا. و بالأول يجاب عن قوله تعالى: و اذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا .


301

و الجواب عن الثالث إن الفعل و الفاء أيضا من قوله: و إن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون فهو إن إذا قامت مقام الفاء و سدت مسدها لحصول الربط بها كما يحصل بالفاء و ذلك لأن إذا للمفاجأة و في المفاجأة معنى التعقيب. و اما الأخفش فإنه جوز حذف الفاء حيث يوجب سيبويه دخولها و احتج بقوله تعالى: و إن أطعتموهم إنكم لمشركون . و بقراءة من قرأ و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم في قراءة نافع و ابن عامر. و لا حجة فيه لأن الأول يجوز إن يكون جواب قسم و التقدير و الله إن أطعمتموهم فتكون إنكم لمشركون جوابا للقسم و الجزاء محذوف سد جواب القسم مسده. و اما الثانيه فلأن ما فيه موصولة لا شرطية فلم يجز دخول الفاء في خبرها. و الرابع الزائدة كقوله تعالى: فليذوقوه حميم و الخبر حميم و ما بينهما معترض. و جعل منه الأخفش فذلك الذي يدع اليتيم . و قال سيبويه هي جواب لشرط مقدر أي إن أردت عليه فذلك. و قوله: فصل لربك و انحر على قول.


302

في
تجيء لمعان كثيرة للظرفية ثم تارة يكون الظرف و المظروف حسيين نحو زيد في الدار و منه إن المتقين في ظلال و عيون ، فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي ، و أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ، أولئك الذين حق عليهم القول في أمم . و تارة يكونان معنويين نحو رغبت في العلم و منه و لكم في القصاص حياة . و تارة يكون المظروف جسما نحو إنا لنراك في ضلال مبين . و تارة يكون الظرف جسما نحو في قلوبهم مرض . و الأول حقيقة و الرابع أقرب المجازات إلى الحقيقة. و تجيء بمعنى مع نحو في تسع آيات ، فادخلي في عبادي على قول. و بمعنى عند نحو و لبثت فينا من عمرك سنين و للتعليل فذلكن الذي لمتنني فيه .


303

و بمعنى على كقوله تعالى: حتى إذا كنتم في الفلك بدليل قوله: فإذا استويت أنت و من معك على الفلك و قوله: و لأصلبنكم في جذوع النخل لما في الكلام من معنى الاستعلاء. و قيل ظرفية لأن الجذع للمصلوب بمنزلة القبر للمقبور فلذلك جاز إن يقال في. و قيل إنما آثر لفظة في للإشعار بسهولة صلبهم لأن على تدل على نبو يحتاج فيه إلى تحرك إلى فوق. و بمعنى إلى نحو فتهاجروا فيها ، فردوا أيديهم في أفواههم . و بمعنى من و يوم نبعث في كل أمة شهيدا . و للمقايسة و هي الداخلة بين مفضول سابق و فاضل لاحق كقوله تعالى: فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل . و للتوكيد كقوله تعالى: اركبوا فيها . و بمعنى بعد و فصاله في عامين أي بعد عامين.


304

و بمعنى عن كقوله: فهو في الآخرة أعمى قيل لما نزلت و لقد كرمنا بني آدم لم يسمعوا و لم يصدقوا فنزل و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى أي عن النعيم الذي قلناه و وصفناه في الدنيا فهو في نعيم الآخرة أعمى إذ لم يصدق.


305

قد
تدخل على الماضي المتصرف و على المضارع بشرط تجرده عن الجازم و الناصب و حرف التنفيس. و تأتي لخمس معان التوقع و التقريب و التقليل و التكثير و التحقيق. فأما التوقع فهو نقيض ما التي للنفي. و تدخل على الفعل المضارع نحو قد يخرج زيد تدل على إن الخروج متوقع أي منتظر. و اما مع الماضي فلا يتحقق الوقوع بمعنى الانتظار لأن الفعل قد وقع و ذلك ينافي كونه منتظرا و لذلك استشكل بعضهم كونها للتوقع مع الماضي و لكن معنى التوقع فيه إن قد تدل على أنه كان متوقعا منتظرا ثم صار ماضيا و لذلك تستعمل في الأشياء المترقبة. و قال الخليل إن قولك قد قعد كلام لقوم ينتظرون الخبر. و منه قول المؤذن قد قامت الصلاة لأن الجماعة منتظرون. و ظاهر كلام ابن مالك في تسهيله أنها لم تدخل على المتوقع لإفادة كونه متوقعا بل لتقريبه من الحال. انتهى. و لا يبعد إن يقال إنها حينئذ تفيد المعنيين. و اعلم أنه ليس من الوجه الابتداء بها إلا إن تكون جوابا لمتوقع كقوله تعالى: قد أفلح المؤمنون لأن القوم توقعوا علم حالهم عند الله.


306

و كذلك قوله: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها لأنها كانت تتوقع إجابة الله تعالى لدعائها. و اما التقريب فإنها ترد للدلالة عليه مع الماضي فقد فتدخل لتقريبه من الحال و لذلك تلزم قد مع الماضي إذا وقع حالا كقوله تعالى: و قد فصل لكم ما حرم عليكم و اما ما ورد دون قد فقوله تعالى: هذه بضاعتنا ردت إلينا ف قد فيه مقدرة هذا مذهب المبرد و الفراء و غيرهما. و قيل لا يقدر قبله قد. و قال ابن عصفور إن جواب القسم بالماضي المتصرف المثبت إن كان قريبا من زمن الحال دخلت عليه قد و اللام نحو و الله لقد قام زيد و إن كان بعيدا لم تدخل نحو و الله لقام زيد. و كلام الزمخشري يدل على إن قد مع الماضي في جواب القسم للتوقع قال في الكشاف عند قوله: لقد أرسلنا نوحا إلى قومه في سورة الأعراف. فإن قلت ما لهم لا يكادون ينطقون باللام إلا مع قد و قل عندهم مثل قوله

حلفت لها بالله حلفة فآجر
لناموا فما إن حديث و لا صال

قلت إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم.


307

و قال ابن الخباز إذا دخلت قد على الماضي أثرت فيه معنيين تقريبه من زمن الحال و جعله خبرا منتنظرا فإذا قلت قد ركب الأمير فهو كلام لقوم ينتظرون حديثك. هذا تفسير الخليل. انتهى. و ظاهرة أنها تفيد المعنيين معا في الفعل الواحد. و لا يقال إن معنى التقريب ينافي معنى التوقع لأن المراد به ما تقدم تفسيره. و كلام الزمخشري في المفصل يدل على إن التقريب لا ينفك عن معنى التوقع. و اما التقليل فإنها ترد له مع المضارع إما لتقليل وقوع الفعل نحو قد يجود البخيل و قد يصدق الكذوب. أو للتقليل لمتعلق كقوله تعالى: قد يعلم ما أنتم عليه أي ما هم عليه هو أقل معلوماته سبحانه. و قال الزمخشري هي للتأكيد و قال إن قد إن دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير و المعنى إن جميع السموات و الأرض مختصا به خلقا و ملكا و علما فكيف يخفي عليه أحوال المنافقين و قال في سورة الصف لم تؤذونني و قد تعلمون أني رسول الله إليكم قد معناها التوكيد كأنه قال تعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه. و نص ابن مالك على أنها كانت للتقليل صرفت المضارع إلى الماضي. و قد نازع بعض المتأخرين في إن قد تفيد التقليل مع أنه مشهور و نص عليه الجمهور فقال قد تدل على توقع الفعل عمن أسند إليه و تقليل المعنى لم يستفد من قد بل لو قيل البخيل يجود و الكذوب يصدق فهم منه التقليل لأن الحكم على من شأنه


308
البخل بالجود و على من شأنه الكذب بالصدق إن لم يحمل ذلك على صدور ذلك قليلا كان الكلام كذبا لأن آخره يدفع أوله. و اما التكثير فهو معنى غريب و له من التوجيه نصيب و قد ذكره جماعة من المتأخرين. و جعل منه الزمخشري قد نرى تقلب وجهك في السماء . و جعلها غيره للتحقيق. و قال ابن مالك إن المضارع هنا بمعنى الماضي أي قد رأينا. و اما التحقيق فترد لتحقيق وقوع المتعلق مع المضارع و الماضي لكنه قد يرد و المراد به المضي كما في قوله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء ، قد نعلم إنه ليحزنك ، قد يعلم ما أنتم عليه . و قال الراغب إن دخلت على الماضي اجتمعت لكل فعل متجدد نحو قد من الله علينا ، قد كان لكم آية ، لقد رضي الله عن المؤمنين ، لقد تاب الله .


309

و لهذا لا تستعمل في أوصاف الله لا يقال قد كان الله غفورا رحيما. فأما قوله: أن سيكون منكم مرضى فهو متأول للمرضى في المعنى كما إن النفي في قولك ما علم الله زيد يخرج هو للخروج و تقديره و ما يخرج زيد فيما علم الله. و إن دخلت على المضارع فذلك لفعل يكون في حاله نحو قد يعلم الله الذين يتسللون منكم أي قد يتسللون فيما علم الله.


310

الكاف
للتشبيه نحو و له الجوار المنشآت في البحر كالأعلام و هو كثير. و للتعليل كقوله تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا قال الأخفش أي لأجل إرسالي فيكم رسولا منكم فاذكروني. و هو ظاهر في قوله تعالى: و اذكروه كما هداكم . و جعل ابن برهان النحوي منه قوله تعالى: ويكأنه لا يفلح الكافرون . و للتوكيد أو كالذي مر على قرية . و قوله: ليس كمثله شيء أي ليس شيء مثله و إلا لزم إثبات المثل. قال ابن جنى و انما زيدت لتوكيد نفي المثل لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيا. و قال غيره الكاف زائدة لئلا يلزم إثبات المثل لله تعالى و هو محال لأنها تفيد نفي المثل عن مثله لا عنه لأنه لولا الحكم بزيادتها لأدى إلى محال آخر و هو أنه إذا لم يكن مثل شيء لزم إلا يكون شيئا لأن مثل المثل مثله. و قيل المراد مثل الشيء ذاته و حقيقته كما يقال مثلي لا يفعل كذا أي أنا لا أفعل و على هذا لا تكون زائدة. و قال ابن فورك هي غير زائدة و المعنى ليس مثل مثله شيء و اذا نفيت التماثل عن الفعل فلا مثل لله على الحقيقة. قال صاحب المستوفى و لتأكيد الوجود كقوله تعالى: و قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي إن تربيتهما لي قد وجدت كذلك أوجد رحمتك لهما يا رب.


311

كان
تأتي للمضي و للتوكيد و بمعنى القدرة كقوله: ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أي ما قدرتم. و بمعنى ينبغي كقوله: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا أي لم ينبغ لنا. و تكون زائدة كقوله تعالى: و ما علمي بما كانوا يعملون أي بما يعملون لأنه قد كان عالما ما علموه من إيمانهم به. و قد سبقت في مباحث الأفعال.
كأن
للتشبيه المؤكد و لهذا جاء كأنه هو دون غيرها من أدوات التشبيه. و لليقين كما في قوله تعالى: ويكأن الله يبسط الرزق على ما سيأتي. و قد تخفف قال تعالى كأن لم يدعنا إلى ضر مسه .
كأين
بمعنى كم للتكثير لأنها كناية عن العدد قال تعالى و كأين من قرية عتت عن أمر ربها و رسله . و فيها قراءتان كائن على وزن قائل و بائع و كأين بتشديد الياء.


312

قال ابن فارس سمعت بعض أهل القرية يقول ما أعلم كلمة تثبت فيها النون خطا غير هذه.

كاد
بمعنى قارب و سبقت في مباحث الأفعال.


313

كلا
قال سيبويه حرف ردع و زجر. قال الصفار إنها تكون اسما للرد إما لرد ما قبلها و اما لرد ما بعدها كقوله تعالى: كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون هي رد لما قبلها لأنه لما قال ألهاكم التكاثر. حتى زرتم المقابر كان إخبارا بأنهم لا يعلمون الآخرة و لا يصدقون بها فقال: كلا سوف تعلمون فلا يحسن الوقف عليها هنا إلا لتبيين ما بعدها و لو لم يفتقر لما بعدها لجاز الوقف. و قوله: يحسب أن ماله أخلده. كلا هي رد لما قبلها فالوقف عليها حسن. انتهى. و قال ابن الحاجب شرطه إن يتقدم ما يرد بها ما في غرض المتكلم سواء كان من كلام غير المتكلم على سبيل الحكاية أو الإنكار أو من كلام غيره. كقوله تعالى: كلا بعد قوله: يقول الإنسان يومئذ أين المفر . و كقوله تعالى: قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا . و كقولك أنا أهين العالم كلا. انتهى.


314

و هي نقيض إي في الإثبات كقوله: كلا لا تطعه . و قوله: أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا. كلا و قوله: واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا . و تكون بمعنى حقا صلة لليمين كقوله: كلا و القمر ، كلا إذا دكت الأرض دكا دكا . و قوله: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ، كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ، كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين . و اما قوله: يحسب أن ماله أخلده. كلا فيحتمل الأمرين. و قد اختلف القراء في الوقف عليها. فمنهم من يقف عليها أينما وقعت و غلب عليها معنى الزجر. و منهم من يقف دونها أينما وقعت و يبتدىء بها و غلب عليها معنى الزجر. و منهم من يقف دونها أينما وقعت و يبتدىء بها و غلب عليها إن تكون لتحقيق ما بعدها. و منهم من نظر إلى المعنيين فيقف عليها إذا كانت بمعنى الردع و يبتدىء بها إذا كانت بمعنى التحقيق. و هو أولى.


315

و نقل ابن فارس عن بعضهم إن ذلك و هذا نقيضان ل لا و إن كذلك نقيضل كلا كقوله تعالى: ذلك و لو يشاء الله لانتصر منهم على معنى ذلك كما قلنا و كما فعلنا. و مثله هذا و إن للطاغين لشر مآب . قال و يدل على هذا المعنى دخول الواو بعد قوله ذلك و هذا لأن ما بعد الواو يكون معطوفا على ما قبله بها و إن كان مضمرا. و قال تعالى و قال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ثم قال كذلك أي كذلك فعلنا و نفعله من التنزيل و هو كثير. و قيل إنها إذا كانت بمعنى لا فإنها تدخل على جملة محذوفة فيها نفي لما قبلها و التقدير ليس الأمر كذلك و هي على هذا حرف دال على هذا المعنى و لا تستعمل عند خلاف النحويين بهذا المعنى إلا في الوقف عليها و يكون زجرا و ردا أو إنكارا لما قبلها و هذا مذهب الخليل و سيبويه و الأخفش و المبرد و الزجاج و غيرهم لأن فيها معنى التهديد و الوعيد و لذلك لم تقع في القرآن إلا في سورة مكية لأن التهديد و الوعيد أكثر ما نزل بمكة لأن أكثر عتو المشركين و تجبرهم بمكة فإذا رأيت سورة فيها كلا فأعلم أنها مكية. و تكون كلا بمعنى حقا عند الكسائي فيبتدأ بها لتأكيد ما بعدها فتكون في موضع المصدر و يكون موضعها نصبا على المصدر و العامل محذوف أي أحق ذلك حقا.


316

و لا تستعمل بهذا المعنى عند حذاق النحويين إلا إذا ابتدىء بها لتأكيد ما بعدها. و تكون بمعنى إلا فيستفتح بها الكلام و هي على هذا حرف. و هذا مذهب أبي حاتم و استدل على أنها للاستفتاح أنه روى إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه و سلم بخمس آيات من سورة العلق و لما قال علم الإنسان ما لم يعلم طوى النمط. فهو وقف صحيح ثم لما نزل بعد ذلك كلا إن الإنسان ليطغى فدل على إن الابتداء ب كلا من طريق الوحي فهي في الابتداء بمعنى ألا عنده. فقد حصل ل كلا معاني النفي في الوقف عليها و حقا و إلا في الابتداء بها. و جميع كلا في القرآن ثلاثة و ثلاثون موضعا في خمس عشرة سورة ليس في النصف الأول من ذلك شيء. و قوله تعالى: كلا إنها كلمة هو قائلها على معنى إلا و اختار قوم جعلها بمعنى حقا. و هو بعيد لأنه يلزم فتح إن بعدها و لم يقرأ به أحد.


317

كل
اسم وضع لضم أجزاء الشيء على جهة الإحاطة من حيث كان لفظه مأخوذا من لفظ الإكليل و الكلة و الكلالة مما هو للإحاطة بالشيء و ذلك ضربان أحدهما انضمام لذات الشيء و أحواله المختصة به و تفيد معنى التمام كقوله تعالى: و لا تبسطها كل البسط أي بسطا تاما. فلا تميلوا كل الميل و نحوه. و الثاني انضمام الذوات و هو المفيد للاستغراق. ثم إن دخل على منكر أوجب عموم افراد المضاف إليه أو على معرف أوجب عموم أجزاء ما دخل عليه. و هو ملازم للأسماء و لا يدخل على الأفعال. و اما قوله تعالى: و كل أتوه داخرين فالتنوين بدل من المضاف أي كل واحد. و هو لازم للإضافة معنى و لا يلزم إضافته لفظا إلا إذا وقع تأكيدا أو نعتا و إضافته منوية عند تجرده منها. و يضاف تارة إلى الجمع المعرف نحو كل القوم. و مثله اسم الجنس نحو كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل و تارة إلى ضميره نحو و كلهم آتيه يوم القيامة فردا .


318

فسجد الملائكة كلهم أجمعون ، ليظهره على الدين كله و إلى نكرة مفردة نحو و كل إنسان ألزمناه طائره ، و الله بكل شيء عليم ، كل نفس بما كسبت رهينة . و ربما خلا من الإضافة لفظا و ينوي فيه نحو كل في فلك يسبحون ، و كل أتوه داخرين ، و كلهم آتيه يوم القيامة فردا ، كلا هدينا ، كل من الصابرين ، و كلا ضربنا له الأمثال . و هل تنوينه حينئذ تنوين عوض أو تنوين صرف قولان. قال أبو الفتح و تقديمها أحسن من تأخيرها لأن التقدير كلهم فلو أخرت لباشرت العوامل مع أنها في المعنى منزلة منزلة ما لايباشره فلما تقدمت أشبهت المرتفعة بالابتداء في إن كلا منهما لم يل عاملا في اللفظ و اما كل المؤكد بها فلازمة للإضافة. و تحصل لها ثلاثة أحوال مؤكدة و مبتدأ بها مضافة و مقطوعة عن الإضافة. فأما المؤكدة فالأصل فيها إن تكون توكيدا للجملة أو ما هو في حكم الجملة مما يتبعض لأن موضوعها الإحاطة كما سبق. و اما المضافة غير المؤكدة فالأصل فيها إن تضاف إلى النكرة الشائعة في الجنس لأجل


319
معنى الإحاطة و هو إنما ما يطلب جنسا يحيط به فإن أضفته إلى جملة معرفة نحو كل إخوتك ذاهب قبح إلا في الابتداء إلا أنه إذا كان مبتدأ و كان خبره مفردا تنبيها على إن اصله الإضافة للنكرة لشيوعها. فإن لم يكن مبتدأ و أضفته إلى جملة معرفة نحو ضربت كل إخوتك و ضربت كل القوم لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله لأنك لم تضفه إلى جنس و لا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس معرف بالألف و اللام حسن ذلك كقوله تعالى: فأخرجنا به من كل الثمرات لأن الألف و اللام للجنس و لو كانت للعهد لم يحسن لمنافاتها معنى الإحاطة. و يجوز إن يؤتى بالكلام على أصله فتؤكد الكلام ب كل فتقول خذ من الثمرات كلها. فإن قيل فإذا استوى الأمران في قوله كل من كل الثمرات و كل من الثمرات كلها فما الحكمة في اختصاص أحد الجائزين في نظم القرآن دون الآخر قال السهيلي في النتائج له حكمة و هو إن من في الآية لبيان الجنس لا للتبعيض و المجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف و انما يريد الثمرات أنفسها لأنه أخرج منها شيئا و أدخل من لبيان الجنس كله. و لو قال أخرجنا به من الثمرات كلها لقيل أي شيء أخرج منها و ذهب التوهم إلى إن المجرور في موضع ظرف و إن مفعول أخرجنا فيما بعد و هذا يتوهم مع تقدم كل لعلم المخاطبين إن كلا


320
إذا تقدمت اقتضت الإحاطة بالجنس و اذا تأخرت اقتضت الإحاطة بالمؤكد بتمامه جنسا شائعا كان او معهودا. و اما قوله تعالى: ثم كلي من كل الثمرات ولم يقل من الثمرات كلها ففيه الحكمة السابقة و تزيد فائدة و هي أنه تقدمها في النظم و من ثمرات النخيل والأعناب الآية. فلو قال بعدها ثم كلي من الثمرات كلها لأوهم أنها للعهد المذكور قبله فكان الابتداء ب كل أحضر للمعنى و أجمع للجنس و أرفع للبس. و اما المقطوع عن الإضافة فقال السهيلي حقها إن تكون مبتدأة مخبرا عنها أو مبتدأة منصوبة بفعل بعدها لا قبلها أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعدها كقولك كلا ضربت و بكل مررت. فلا بد من مذكورين قبلها لأنه إن لم يذكر قبلها جملة و لا أضيفت إلى جملة بطل معنى الإحاطة فيها و لم يعقل لها معنى. و اعلم إن لفظ كل لأفراد التذكير و معناه بحسب ما يضاف إليه و الأحوال ثلاثة فالأول إن يضاف إلى نكرة فيجب مراعاة معناها فلذلك جاء الضمير مفردا مذكرا في قوله تعالى: و كل شيء فعلوه في الزبر ، و كل إنسان ألزمناه و مفردا مؤنثا في قوله: كل نفس بما كسبت رهينة ، كل نفس ذائقة الموت


321
و مجموعا مذكرا في قوله: كل حزب بما لديهم فرحون في معنى الجمع لأنه اسم جمع. و ما ذكرناه من وجوب مراعاة المعنى مع النكرة دون لفظ كل قد أوردوا عليه نحو قوله تعالى: و همت كل أمة برسولهم ليأخذوه و قوله: و على كل ضامر يأتين و قوله: و حفظا من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملإ الأعلى . و أجيب بأن الجمع في الأولى باعتبار الأمة. كذلك في الثانية فإن الضامر اسم جمع كالجامل و الباقر. و كذلك في الثالثة إنما عاد الضمير إلى الجمع المستفاد من الكلام فلا يلزم عوده إلى كل. و زعم الشيخ أثير الدين في تفسيره ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله ثم قال أولئك لهم عذاب مهين أنه مما روعي فيه المعنى بهذا اللفظ. و ليس كذلك فإن الضمير لم يعد إلى كل بل على الأفاكين الدالة عليه كل أفاك . و ايضا فهاتان جملتان و الكلام في الجملة الواحدة. الثاني إن تضاف إلى معرفة فيجوز مراعاة لفظها و مراعاة معناها سواء كانت الإضافة لفظا نحو و كلهم آتيه يوم القيامة فردا فراعى لفظ كل. و منه قوله عليه الصلاة و السلام ( كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته ) و لم يقل راعون و لا مسئولون.


322

أو معنى نحو فكلا أخذنا بذنبه فراعى لفظها و قال و كل أتوه داخرين فراعى المعنى. و قد اجتمع مراعاة اللفظ و المعنى في قوله تعالى: إن كل من في السماوات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا هذا إذا جعلنا من موصولة فإن جعلناها نكرة موصوفة خرجت من هذا القسم إلى الأول. الثالث إن تقطع عن الإضافة لفظا فيجوز مراعاة لفظها و مراعاة معناها. فمن الأول كل آمن بالله ، قل كل يعمل على شاكلته ، إن كل إلا كذب الرسل ولم يقل كذبوا فكلا أخذنا بذنبه . و من الثاني و كل كانوا ظالمين ، كل في فلك يسبحون ، كل له قانتون ، و كل أتوه داخرين . قال أبو الفتح و علته إن أحد الجمعين عندهم كان عن صاحبه فإن لفظ كل للأفراد و معناها الجمع و هذا يدل على أنهم قدروا المضاف إليه المحذوف في الموضعين جمعا فتارة روعى كما إذا صرح به و تارة روعى لفظ كل و تكون حالة الحذف مخالفة لحال الإثبات.


323

قيل و لو قال قائل حيث أفرد يقدر الحذف مفردا و حيث جمع يقدر جمعا فيقدر في قوله: فكلا أخذنا بذنبه كل واحد و يقدر في قوله: و كل أتوه داخرين كل نوع مما سبق لكان موافقا إذا أضيف لفظا إلى نكرة. و ما ذكروه يقتضى إن تقديره و كلهم آتوه و كلا التقديرين سائغ و المراد الجمع. و يتعين في قوله تعالى: كل في فلك يسبحون إن كلا من الشمس و القمر و الليل و النهار لايصح وصفه بالجمع. و قد قدر الزمخشري كل يعمل على شاكلته كل أحد و هو يساعد ما ذكرناه. و ما ذكرناه في هذه الحالة هو المشهور. و قال السهيلي في نتاج الفكر إذا قطعت كل عن الإضافة فيجب إن يكون خبرها جمعا لأنها أسم في معنى الجمع تقول كل ذاهبون إذا تقدم ذكر قوم. و أجاب عن إفراد الخبر في الآيات السابقة بأن فيها قرينة تقتضي تحسين المعنى بهذا اللفظ دون غيره. أما قوله: كل يعمل على شاكلته فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين مؤمنين و ظالمين فلو جمعهم في الأخبار و قال كل يعملون لبطل معنى الاختلاف و كان لفظ الإفراد أدل على المراد و المعنى كل فريق يعمل على شاكلته. و اما قوله: إن كل إلا كذب الرسل فلأنه ذكر قرونا و أمما و ختم ذكرهم بقوم تبع فلو قال كل كذبوا لعاد إلى أقرب مذكور فكان يتوهم إن الأخبار عن قوم تبع خاصة فلما قال إن كل إلا كذب علم أنه يريد كل فريق منهم كذب لأن إفراد الخبر عن كل حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى.


324

مسألة
و تتصل ما ب كل نحو كلما رزقوا منها و هي مصدرية لكنها نائبة بصلتها عن ظرف زمان كما ينوب عنه المصدر الصريح و المعنى كل وقت. و هذه تسمى ما المصدرية الظرفية أي النائبة عن الظرف لا أنها ظرف في نفسها ف كل من كلما منصوب على الظرفية لإضافته إلى شيء هو قائم مقام الظرف. ثم ذكر الفقهاء و الأصوليون إن كلما للتكرار. قال الشيخ أبو حيان و انما ذلك من عموم ما لأن الظرفية مراد بها العموم فإذا قلت أصحبك ما ذر لله شارق فإنما تريد العموم ف كل أكدت العموم الذي أفادته ما الظرفية لا إن لفظ كلما وضع للتكرار كما يدل عليه كلامهم و انما جاءت كل توكيدا للعموم المستفاد من ما الظرفية. انتهى. و قوله إن التكرار من عموم ما ممنوع فإن ما المصدرية لا عموم لها و لا يلزم من نيابتها عن الظرف دلالتها عي العموم و إن استفيد عموم في مثل هذا الكلام فليس من ما إنما هو من التركيب نفسه. و ذكر بعض الأصوليين أنها إذا وصلت ب ما صارت أداة لتكرار الأفعال و عمومها قصدي و في الأسماء ضمنى قال تعالى كلما نضجت جلودهم و اذا جردت من لفظ ما انعكس الحكم و صارت عامة في الأسماء قصدا و في الأفعال ضمنا.


325

و يظهر الفرق بينهما في قوله كل أمرأة أتزوجها فهي طالق تطلق كل امرأة يتزوجها و تكون عامة في جميع النساء لدخولها على الأسم و هو قصدي. و لو تزوج امرأة ثم تزوجها مرة أخرى لم تطلق في الثانية لعدم عمومها قصدا في الأسماء. و لو قال كلما تزوجت امرأة فهى طالق فتزوج امرأة مرارا طلقت في كل مرة لاقتضائها عموم الأفعال قصدا و هو التزوج.

مسألة
و يأتي كل صفة ذكره سيبويه في باب النعت قال و من الصفة أنت الرجل كل الرجل و مررت بالرجل كل الرجل. قال الصفار هذا يكون عند قصد التأكيد و المبالغة فإن قولك الرجل معناه الكامل و معنى كل الرجل أي هو الرجل لعظمته قد قام مقام الجنس كما تقول أكلت شاة كل شاة و إليه اشار بقوله صلى الله عليه و سلم ( كل الصيد في جوف الفرا ) أي إن من صاده فقد صاد جميع الصيد لقيامه مقامه لعظمته قال و هذا إنما يجوز إذا سبقها ما فيه رائحة الصفة كما ذكرنا فلو كان جامدا لم يجز نحو مررت بعبد الله كل الرجل. لا يفهم من عبد الله شيء.


326

كلا و كلتا
هما توكيد الاثنين و فيهما معنى الإحاطة و لهذا قال الراغب هي في التثنية ككل في الجمع و مفرد اللفظ مثنى المعنى عبر عنه مرة بلفظة و مرة بلفظ الاثنين إعتبارا بمعناه قال تعالى إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما . قلت لا خلاف إن معناها التثنية و اختلف في لفظها فقال البصريون مفردة و قال الكوفيون تثنية. و الصحيح الأول بدليل عود الضمير إليها مفردا في قوله: كلتا الجنتين آتت فالإخبار عن كلتا بالمفرد دليل على أنها مفرد إذ لو كان مثنى لقال آتتا و دليل إضافتها إلى المثنى في قوله: أحدهما أو كلاهما و لو كان مثنى لم يجز إضافته إلى التثنية لأنه لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه. و الفصيح مراعاة اللفظ لأنه الذي ورد به القرآن فيقال كلا الرجلين خرج و كلتا المرأتين حضرت. و قد نازع بعض المتأخرين و قال ليس معناه التثنية على الإطلاق كما ذكره النحاة و لو كان كذلك لكثرة مراعاة المعنى كما كثرة مراعاته في من و ما الموصولتين لكن أكثر ما جاء في لسان العرب عود الضمير مفردا كلتا الجنتين آتت و ما جاء فيه مراعاة المعنى في غاية القلة. قال فالصواب إن معناها مفرد صالح لكل من الأمرين المضاف إليهما. و اما مراعاة التثنية فيه فعلى سبيل التوسع و وجه التوسع إن كل فرد في جانب الثبوت معه غيره


327
فجاءت التثنية بهذا الاعتبار فالإفراد فيه مراعاة المعنى و اللفظ و التثنية مراعاة المعنى من بعض الوجوه.
فائدة
وقع في شعر أبي تمام كلا الآفاق و خطأه المعرى لأن كلا يستعمل في الاثنين لا الجمع. قال و لم يأت في المسموع كلا القوم و لا كلا الأصحاب و انما يقال كلا الرجلين و نحوه فإن أخذ من الكلأ من قولك كلأت الشيء إذا رعيته و حفظته فالمعنى يصح إلا إن المتكلم يقصر و هي ممدودة.


328

كم
نكرة لا تتعرف لأنها مبهمة في العدد ك أين في الأمكنة و متى في الأزمنة و كيف في الأحوال. و قول سيبويه كم أرضك جريبا كم مبتدأ و ارضك مبني عليه مجاز ليس بحقيقة و انما أرضك مبتدأ و كم الخبر مثل كيف زيد و هي قسمان استفهامية تحتاج إلى جواب بمعنى أي عدد فينصب ما بعدها نحو كم رجلا ضربت و خبرية لا تحتاج إلى جواب بمعنى عدد كثير فيجر ما بعدها نحو كم عبد ملكت. و قد تدخل عليها من كقوله: و كم من قرية أهلكناها ، و كم قصمنا من قرية . و ليست الاستفهامية أصلا للخبرية خلافا للزمخشري حيث ادعى ذلك في سورة يس عند الكلام على ألم يروا كم أهلكنا . و لم تستعمل الخبرية غالبا إلا في مقام الافتخار و المباهاة لأن معناها التكثير


329
و لهذا ميزت بما يميز العدد الكثير و هو مائة و ألف فكما إن مائة تميز بواحد مجرور فكذلك كم. و اعلم إن كم مفردة اللفظ و معناها الجمع فيجوز في ضميرها الأمران بالاعتبارين قال تعالى و كم من ملك في السماوات ثم قال لا تغني شفاعتهم فأتى به جمعا. و قال و كم من قرية أهلكناها ثم قال أو هم قائلون .


330

كيف
استفهام عن حال الشيء لا عن ذاته كما إن ما سؤال عن حقيقته و من عن مشخصاته و لهذا لا يجوز إن يقال في الله كيف. و هي مع ذلك منزلة منزلة الظرف فإذا قلت كيف زيد كان زيد مبتدأ و كيف في محل الخبر و التقدير على أي حال زيد هذا أصلها في الوضع لكن قد تعرض لها معان تفهم من سياق الكلام أو من قرينة الحال مثل معنى التنبيه و الاعتبار و غيرهما. و قال بعضهم لها ثلاثة أوجه أحدها سؤال محض عن حال نحو كيف زيد و ثانيها حال لا سؤال معه كقولك لأكرمنك كيف أنت أي على أي حال كنت. ثالثها معنى التعجب. و على هذين تفسير قوله تعالى: كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتا فأحياكم قال الراغب في تفسيره كيف هنا استخبار لا استفهام و الفرق بينهما إن الاستخبار قد يكون تنبيها للمخاطب و توبيخا و لا يقتضى عدم المستخبر و الاستفهام بخلاف ذلك. و قال في المفردات كل ما أخبر الله بلفظ كيف عن نفسه فهو إخبار على طريق التنبيه للمخاطب أو توبيخ نحو كيف تكفرون .


331

كيف يهدي الله قوما ، كيف يكون للمشركين عهد ، انظر كيف ضربوا لك الأمثال ، فانظروا كيف بدأ الخلق ، أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده . و قال غيره قد تأتي للنفي و الإنكار كقوله: كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله ، كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم . و لتضمنها معنى الجحد شاع إن يقع بعدها إلا كقوله: إلا الذين عاهدتم و للتوبيخ كقوله: و كيف تكفرون و أنتم تتلى عليكم آيات الله ، كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتا فأحياكم . و للتحذير كقوله: فانظر كيف كان عاقبة مكرهم و للتنبيه و الاعتبار كقوله: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض و للتأكيد و تحقيق ما قبلها كقوله: وانظر إلى العظام كيف ننشزها


332
و قوله: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد فإنه توكيد لما تقدم و تحقيق لما بعده على تأويل إن الله لا يظلم الناس شيئا في الدنيا فكيف في الآخرة و للتعيظم و التهويل فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد أي فكيف حالهم إذا جئنا و قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو ( كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس ). و قيل و تجيء مصدرا كقوله تعالى: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها . و تأتي ظرفا في قول سيبويه و هي عنده في قوله: كيف تكفرون منصوبة على التشبيه بالظرف أي في حال تكفرون. و على الحال عند الأخفش أي على حال تكفرون. و جعل منه بعضهم قوله: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد فإن شئت قدرت بعدها اسما و جعلتها خبرا أي كيف صنعكم أو حالكم و إن شئت قدرت بعدها فعلا تقديره كيف تصنعون و أثبت بعضهم لها الشرط كقوله تعالى: ينفق كيف يشاء ، يصوركم في الأرحام كيف يشاء ، فيبسطه في السماء كيف يشاء . و جوابه في ذلك محذوف لدلالة ما قبلها.


333

و مراد هذا القائل الشرط المعنوي و هو إنما يفيد الربط فقط أي ربط جملة بأخرى كأداة الشرط لا اللفظي و إلا لجزم الفعل. و عن الكوفيين أنها تجزم نحو كيف تكن أكن. و قد يحذف الفعل بعدها قال تعالى كيف و إن يظهروا عليكم أي كيف توالونهم.


334

اللام
قسمان إما إن تكون عاملة أو غير عاملة.
القسم الأول غير العاملة
و تجيء لعشرة معان معرفة و دالة على البعد و مخففة و موجبة و مؤكدة و متممة و موجهة و مسبوقة و المؤذنة و الموطئة. فالمعرفة التي معها ألف الوصل عند من يجعل المعرفة اللام وحدها و ينسب لسيبويه. و ذهب الخليل إلى أنه ثنائي و همزته همزة قطع وصلت لكثرة الاستعمال. و تنقسم المعرفة إلى عهدية و استغراقية و قد سبقا في قاعدة التنكير و التعريف. و زاد قوم طلب الصلة و جعل منه ركبا في السفينة ، فأكله الذئب . و للإضمار فإن الجحيم هي المأوى و لا خلاف إن الإضمار بعدها مراد و انما اختلفوا في تقديره فعند الكوفيين هي مأواه و عند البصريين هي المأوى له. و اللام في التعريف مرققة إلا في اسم الله فيجب تفخيمها إذا كان قبلها ضمة أو فتحة و هي في الأسماء تفخيم الجرس و في المعنى توقير المسمى و تعظيمه سبحانه.


335

و الدالة على البعد الداخلة على أسماء الإشارة إعلاما بالبعد أو توكيدا له على الخلاف فيه. و المخففة التي يجوز معها تخفيف إن المشددة نحو إن كل نفس لما عليها حافظ . و تسمى لام الابتداء و الفارقة لأنها تفرق بينها و بين إن النافية. و المخففة هي التي تحقق الخبر مع المبتدأ كقوله تعالى: و لمن صبر و غفر ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم . و الموجبة بمعنى إلا عند الكوفيين كقوله تعالى: و إن كل لما جميع لدينا محضرون ، و إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا أي ما كل فجعلوا إن بمعنى ما و اللام بمعنى إلا في الإيجاب. و قرأ الكسائي و إن كان مكرهم لتزول منه الجبال بالرفع و المراد و ما كان مكرهم إلا لتزول منه. و المؤكدة و هي الزائدة أول الكلام و تقع في موضعين أحدهما المبتدأ و تسمى لام الابتداء فيؤذن بأنه المحكوم قال تعالى لمسجد أسس على التقوى


336
ليوسف و أخوه أحب ، لأنتم أشد رهبة . ثانيهما في باب إن على اسمها إذا تأخر إن في ذلك لعبرة . و على خبرها نحو إن ربك لبالمرصاد ، إن إبراهيم لحليم أواه ، إن بطش ربك لشديد . فإن إن في هذا توكيد لما يليها واللام لتوكيد الخبر. و كذا في إن المفتوحة كقراءة سعيد إلا إنهم ليأكلون بفتح الهمزة فإنه ألغى اللام لأنها لا تدخل إلا على إن المكسورة أو على ما يتصل بالخبر إذا تقدم عليه نحو لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فإن تقديره ليعمهون في سكرتهم. واختلف في اللام في قوله: لمن ضره فقيل هي مؤخرة والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه. وجاز تقديمها وإيلاؤها المفعول لأنها لام التوكيد واليمين فحقها إن تقع صدر الكلام. واعترض بأن اللام في صلة من فتقدمها على الموصول ممتنع. وأجاب الزمخشري بأنها حرف لا يفيد غير التوكيد وليست بعاملة ك من المؤكدة في نحو ما جاءني من أحد دخولها وخروجها سواء و لهذا جاز تقديمها. ويجوز إلا تكون هنا موصولة بل نكرة و لهذا قال الكسائي اللام في غير


337
موضعها و من في موضع نصب ب يدعو و التقدير يدعو من ضره أقرب من نفعه أي يدعو إلها ضره أقرب من نفعه قال المبرد يدعو في موضع الحال والمعنى في ذلك هو الضلال البعيد في حال دعائه إياه و قوله: لمن مستأنف مرفوع بالابتداء و قوله: ضره أقرب من نفعه في صلته و لبئس المولى خبره. و هذا يستقيم لو كان في موضع يدعى يجعى لكن مجيئه بصيغة فعل الفاعل و ليس فيه ضميره يبعده. و المتممة كقوله تعالى: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ، إذا لأذقناك ضعف الحياة و ضعف الممات فاللام هنا لتتميم الكلام. قال الزمخشري إذن دالة على إن ما بعدها جواب و جزاء. و الموجهة في جواب لولا كقوله تعالى: و لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم فاللام في لقد توجه للتثبيت. و المسبوقة في جواب لو كقوله تعالى: لو نشاء لجعلناه حطاما أي تفيد تأخره لأشد العقوبة كقوله تعالى: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها و ازينت و ظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس


338
و هذا بخلاف قوله: لو نشاء جعلناه أجاجا بغير لام فإنه يفيد التعجيل أي جعلناه أجاجا لوقته. و المؤذنة الداخلة على أداة الشرط بعد تقدم القسم لفظا أو تقديرا لتؤذن إن الجواب له لا للشرط أو للإيذان بأن ما بعدها مبنى على قسم قبلها. و تسمى الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهدته. و قول المعربين إنها موطئة للقسم فيه تجوز و انما هي موطئة لجوابه كقوله: لئن أخرجوا لا يخرجون معهم و لئن قوتلوا لا ينصرونهم و لئن نصروهم ليولن الأدبار و ليست جوابا للقسم و انما الجواب ما يأتي بعد الشرط. و يجمع هذه الأربعة المتأخرة قولك لام الجواب. و قد اجتمعا في قوله تعالى: كلا لئن لم ينته لنسفعا فاللام في لئن مؤذنه و قوله: لنسفعا جواب القسم المقدر تقديره و الله لنسفعن. و من جواب القسم قوله: و لقد آتينا موسى الكتاب . و زعم الشيخ أثيرالدين في تفسيره أنها لام التوكيد و ليس كما قال و قد قال الواحدي في البسيط إنها لام القسم و لا يجوز أن تكون لام ابتداء لأن لام الابتداء لا تلحق إلا الاسماء و ما يكون بمنزلتها كالمضارع.


339

القسم الثاني العاملة
و هي على ثلاثة أقسام جارة و ناصبة و جازمة. الأولى الجارة و تأتي لمعان للملك الحقيقي كقوله تعالى: إن الأرض لله ، ألم تعلم أن الله له ملك السماوات و الأرض ، و لله جنود السماوات و الأرض . و التمليك نحو وهبت لزيد دينارا و منه و وهبنا لهم من رحمتنا . و الاختصاص و معناها أنها تدل على إن بين الأول و الثاني نسبة باعبتار ما دل عليه متعلقة نحو هذا صديق لزيد و أخ له و منه الجنة للمؤمنين. و للتخصيص و منه إن وهبت نفسها للنبي . و للاستحقاق كقوله تعالى: ويل للمطففين ، لهم اللعنة و لهم سوء الدار . و الفرق بينه و بين الملك أن الملك لما حصل و ثبت و هذا لم يحصل بعد لكن هو في حكم الحاصل من حيث ما قد استحق. قاله الراغب.


340

و للولاية كقوله: لله الأمر من قبل و من بعد . و يجوز إن تجمع هذه الثلاثة كقولك الحمد لله لأنه يستحق الحمد و وليه و المخصوص به فكأنه يقول الحمد لي و إلي. و للتعليل و هي التي يصلح موضعها من أجل كقوله تعالى: و أنه لحب الخير لشديد أي من أجل حب الخير. و قوله: لإيلاف قريش و هي متعلقة بقوله فليعبدوا أو بقوله فجعلهم كعصف مأكول و لهذا كانتا في مصحف ابي سورة واحدة. و ضعف بأن جعلهم كعصف مأكول إنما هو لكفرهم و تجرئهم على البيت. و قيل متعلق بمحذوف أي اعجبوا. و قوله: سقناه لبلد ميت أي لأجل بلد ميت بدليل فأنزلنا به الماء . هذا قول الزمخشري و هو أولى من قول غيره إنها بمعنى إلى. و قوله: و لا تكن للخائنين خصيما أي لا تخاصم الناس لأجل الخائنين. قال الراغب و معناه كمعنى و لا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم و ليست كالتي في قولك لا تكن لله خصيما لدخولها على المفعول أي لا تكن خصيم الله. و بمعنى إلى كقوله: و سخر الشمس و القمر كل يجري لأجل مسمى بدليل قوله: و يؤخركم إلى أجل مسمى .


341

و قوله: و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان . و قوله: بأن ربك أوحى لها بدليل و أوحى ربك إلى النحل . و زيفه الراغب لأن الوحي للنحل جعل ذلك له للتسخير و الإلهام و ليس كالوحي الموحى إلى الأنبياء فاللام على جعل ذلك الشيء له بالتسخير. و بمعنى على نحو و يخرون للأذقان ، فلما أسلما و تله للجبين . و قوله: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم و إن أسأتم فلها أي فعليها لأن السيئة على الإنسان لا له بدليل قوله تعالى: فعلي إجرامي . و قوله: من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها و قوله: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أي من لم يكن. و قوله: لهم اللعنة و لهم سوء الدار . و بمعنى في كقوله: و نضع الموازين القسط ليوم القيامة ، يا ليتني قدمت لحياتي .


342

لا يجليها لوقتها إلا هو . و بمعنى بعد نحو أقم الصلاة لدلوك الشمس . و قال ابن أبان الظاهر أنها للتعليل. و بمعنى عن مع القول كقوله تعالى: و قال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا أي عن الذين آمنوا و ليس المعنى خطابهم بذلك و إلا لقيل سبقتمونا. و قيل لام التعليل و قيل للتبليغ و التفت عن الخطاب إلى الغيبة. و كقوله: قالت أخراهم لأولاهم و اما قوله: و قالت أولاهم لأخراهم فاللام للتبليغ كذلك قسمها ابن مالك كقوله تعالى: ألم أقل لك . و غيره يسميها لام التبليغ فإن عرف من غاب عن القول حقيقة أو حكما فللتعليل نحو و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا ، و لا أقول للذين تزدري أعينكم . و ذكر ابن مالك و غيره ضابطا في اللام للتعلقة بالقول و هو إن دخلت على مخاطبة القائل فهي لتعدية القول للمقول له نحو و قولوا لهم قولا معروفا ، و قالوا لإخوانهم إذا ضربوا . و قوله: الذين قالوا لإخوانهم و قعدوا


343
و قوله: و لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب و قوله: و لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا. إلا أن يشاء الله و هو كثير. و بمعنى أن المفتوحة الساكنة. قاله الهروي و جعل منه يريدون ليطفئوا نور الله ، يريد الله ليبين لكم ، و أمرنا لنسلم لرب العالمين . و هذه اللام لا تكون إلا بعد أردت و أمرت و ذلك لأنهما يطلبان المستقبل و لا يصلحان في الماضي فلهذا جعل معهما بمعنى إن و بذلك صرح صاحب الكشاف في تفسير سورة الصف فقال: يريدون ليطفئوا نور الله أصله يريدون إن يطفئوا كما جاء في سورة براءة. و للتعدية و هي التي تعدى العامل إذا عجز نحو إن كنتم للرؤيا تعبرون فاللام فيه للتعدية لأن الفعل يضعف بتقديم المفعول عليه. و سماها ابن الأنباري آلة الفعل و ذكر إن البصريين يسمونها لام الإضافة كقوله تعالى: أن اشكر لي و لوالديك ، أن أنصح لكم . و قال الراغب التعدية ضربان تارة لتقوية الفعل و لا يجوز حذفه نحو و تله للجبين و تارة يحذف نحو يريد الله ليبين لكم ، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله


344
فأثبت في موضع و حذف في موضع. انتهى. و للتبيين كقوله تعالى: و قالت هيت لك أي أقبل و تعال أقول لك. و ذكر ابن الأنباري أن اللام المكسورة تجيء جوابا للقسم كقوله تعالى: و لله ما في السماوات و ما في الأرض ليجزي و المعنى ليجزين بفتح اللام و التوكيد بالنون فلما حذف النون أقام المكسورة مقام المفتوحة. و هذا ضعيف و ذكر مثله عن أبي حاتم. و يحتمل إن يكون قبلها فعل مقدر أي آمنوا ليجزي. الثاني الناصبة على قول الكوفيين في موضعين لام كي و لام الجحود. و لام الجحود هي الواقعة بعد الجحد أي النفي كقوله: ما كان الله ليذر المؤمنين ، و ما كان الله ليعذبهم ، لم يكن الله ليغفر لهم . و ضابطها أنها لو سقطت تم الكلام بدونها و انما ذكرت توكيدا لنفي الكون بخلاف لام كي. قال الزجاج اللام في قوله: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى لام كي لأن لام الجحود إذا سقطت لم يختل الكلام و لو سقطت اللام من الآية بطل المعنى.


345

و لأنه يجوز إظهار إن بعد لام كي و لا يجوز بعد لام الجحود لأنها في كلامهم نفي للفعل المستقبل فالسين بإزائها فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدها كقوله تعالى: و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم فجاء بلام الجحد حيث كانت نفيا لأمر متوقع مخوف في المستقبل ثم قال و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي العذاب بالمستغفرين على العموم في الأحوال. و مثله و ما كان ربك ليهلك القرى ثم قال و ما كنا مهلكي القرى . و مثال لام كي و كي مضمرة معها قوله تعالى: لينذر بأسا ، لنثبت به فؤادك ، لنصرف عنه السوء ، ليبين لهم الذي يختلفون فيه و ليعلم . و قوله: و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء يريد كي تكونوا. و قوله: لتكون لمن خلفك آية . و قد تجيء معها كي نحو لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ، لكي لا يكون على المؤمنين حرج ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم .


346

و ربما جاءت كي بلا لام كقوله: كي لا يكون دولة بين الأغنياء و في معناه لام الصيرورة كقوله تعالى: ليكون لهم عدوا و حزنا ، و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون . و تسمى لام العاقبة فإن من المعلوم أنهم لم يلتقطوه لذلك بل لضده بدليل قوله: عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا . و حكى ابن قتيبة عن بعضهم إن علامتها جواز تقدير الفاء موضعها و هو يقتضي أنها لام التعليل لكن الفرق بينها و بين لام التعليل التي في نحو قوله: لنحيي به بلدة ميتا أن لام التعليل تدخل على ما هو غرض لفاعل الفعل و يكون مرتبا على الفعل و ليس في لام الصيرورة إلا الترتب فقط. و قال الزمخشري في تفسير سورة المدثر أفادت اللام نفس العلة و السبب و لا يجب في العلة إن تكون غرضا إلا ترى إلى قولك خرجت من البلد مخافة الشر فقد جعلت المخافة علة لخروجك و ما هي بغرضك. و نقل ابن فورك عن الأشعري أن كل لام نسبها الله إلى نفسه فهي للعاقبة و الصيرورة دون التعليل لاستحالة الغرض. و استشكله الشيخ عز الدين بقوله كي لا يكون دولة و قوله: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله فقد صرح فيه بالتعليل. و لا مانع من ذلك إذ هو على وجه التفضل.


347

و أقول ما جعلوه للعاقبة هو راجع للتعليل فإن التقاطهم أفضى إلى عداوته و ذلك يوجب صدق الإخبار بكون الالتقاط للعداوة لأن ما أفضى إلى الشيء يكون علة و ليس من شرطه إن يكون نصب العلة صادرا عمن نسب الفعل إليه لفظا بل جاز إن يكون ذلك راجعا إلى من ينسب الفعل إليه خلقا كما تقول جاء الغيث لإخراج الأزهار و طلعت الشمس لإنضاج الثمار فإن الفعل يضاف إلى الشمس و الغيث. كذلك التقاط آل فرعون موسى فإن الله قدره لحكمته و جعله علة لعداوته لإفضائه إليه بواسطة حفظه و صيانته كما في مجىء الغيث بالنسبة إلى إخراج الأزهار و إليه يشير الزمخشري أيضا التحقيق أنها لام العلة و إن التعليل بها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط كونه لهم عدوا و حزنا بل المحبة و التبني غير إن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له و ثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله و هو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء فاللام مستعارة لما يشبه التعليل. و قال ابن خالويه في كتاب المبتدأ في النحو فأما قوله تعالى: فالتقطه آل فرعون ليكون فهي لام كي عند الكوفيين و لام الصيرورة عند البصريين و التقدير فصار عاقبة أمرهم إلى ذلك لأنهم لم يلتقطوه لكي يكون عدوا. انتهى. و جوز ابن الدهان في الآية وجها غريبا على التقديم و التأخير أي فالتقط آل فرعون و عدوا و حزنا حال من الهاء في ليكون لهم أي ليتملكوه.


348

قال و يجوز إن يكون التقدير فالتقطه آل فرعون لكراهة إن يكون لهم عدوا و حزنا. و اما قوله: ليغفر لك الله فحكى الهروي عن أبي حاتم إن اللام جواب القسم و المعنى ليغفرن الله لك فلما حذفت النون كسرت اللام و إعمالها إعمال كي و ليس المعنى فتحنا لك لكي يغفر الله لك فلم يكن الفتح سببا للمغفرة. قال و انكره ثعلب و قال هي لام كي و معناه لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معه كي. و كذلك قوله: ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون . و اما قوله تعالى: ربنا إنك آتيت فرعون و ملأه زينة و أموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك فقال الفراء لام كي. و قال قطرب و الأخفش لم يؤتوا المال ليضلوا و لكن لما كان عاقبة أمرهم الضلال كانوا كأنهم أوتوها لذلك فهي لام العاقبة. هذا كله على مذهب الكوفيين و اما البصريون فالنصب عندهم بإضمار إن و هما جارتان للمصدر و اللام الجارة هي لام الإضافة. و اعلم إن الناصبة للمضارع تجيء لأسباب منها القصد و الإرادة إما في الإثبات نحو و لتنذر أم القرى أو النفي نحو و ما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم فهو على تقدير حذف المضاف أي لنعلم ملائكتنا و أولياءنا.


349

و يجوز أن يكون تعالى خاطب الخلق بما يشاكل طريقتهم في معرفة البواطن و الظواهر على قدر فهم المخاطب. و قد تقع موقع أن و إن كانت غير معلولة لها في المعنى و ذلك إن كان الكلام متضمنا لمعنى القصد و الإرادة نحو و أمرنا لنسلم لرب العالمين ، إنما يريد الله ليعذبهم بها . و منها العاقبة على ما سبق. الثالث الجازمة و هى الموضوعة للطلب و تسمى لام الأمر و تدخل على المضارع لتؤذن أنه مطلوب للمتكلم و شرطها أن يكون الفعل لغير المخاطب فيقولون لتضرب أنت و منه قراءة بعضهم فبذلك فليفرحوا . و وصفها أن تكون مكسورة إذا ابتدى بها نحو لينفق ذو سعة من سعته ، ليستأذنكم . و تسكن بعد الواو و الفاء نحو فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي ، فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر . و يجوز الوجهان بعد ثم كقوله تعالى: ثم ليقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم و ليطوفوا بالبيت العتيق قرىء في السبع بتسكين ليقضوا و بتحريكه. و تجيء لمعان منها التكليف كقوله تعالى: لينفق ذو سعة من سعته .


350

و منها امر المكلف نفسه كقوله تعالى: و لنحمل خطاياكم . و الابتهال و هو الدعاء نحو ليقض علينا ربك . و التهديد نحو فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر . و الخبر نحو من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا اي يمد و يحتمله و لنحمل اي و نحمل. و يجوز حذفها و رفع الفعل و منه يقول تؤمنون بالله و رسوله و يدل على انه للطلب قوله تعالى بعد نغفر لكم مجزوما فلولا أنه طلب لم يصح الجزم لأنه ليس ثم وجه سواه.


351

لا

على ستة أوجه

أحدهما إن تكون للنفي و تدخل على الأسماء و الأفعال. فالداخلة على الأسماء تكون عاملة و غير عاملة. فالعاملة قسمان تارة تعمل عمل إن و هي النافية للجنس و هي تنفي ما أوجبته إن فلذلك تشبه بها في الأعمال نحو لا تثريب عليكم ، لا مقام لكم ، لا جرم أن لهم النار . و يكثر حذف خبرها إذا علم نحو لا ضير ، فلا فوت . و تارة تعمل عمل ليس. و زعم الزمخشري في المفصل أنها غير عاملة. و كذا قال الحريري في الدرة إنها لا تأتي إلا لنفي الوحدة. قال ابن برى و ليس بصحيح بل يجوز إن يريد منه العموم كما في النصب و عليه قال لا ناقة لي في هذا و لا جمل يعني فإنه نفى الجنس لما عطف. و كذلك قولك لا رجل في الدار و لا امرأة تفيد نفي الجنس لأن العطف افهم للعموم.


352

و ممن نص على ذلك أبو البقاء في المحصل. و يؤيده قوله تعالى: لا بيع فيه و لا خلة و لا شفاعة قرىء بالرفع و النصب فيهما و المعنى فيهما واحد. و قال ابن الحاجب ما قاله الزمخشري لا يستقيم و لا خلاف عند أصحاب الفهم انه يستفاد العموم منه كما في المبنية على الفتح و إن كانت المبنية أقوى في الدلالة عليه إما لكونه نصا او لكونه اقوى ظهورا و سبب العموم أنها نكرة في سياق النفي فتعم. و قال ابن مالك في التحفة قد تكون المشبه ب ليس نافية للجنس و يفرق فيها بين إرادة الجنس و غيره بالقرائن. هذا كله في العاملة. و اما غير العاملة فيرفع الاسم بعدها بالابتداء إذا لم يرد نفي العموم و يلزم التكرار. ثم تارة تكون نكرة كقوله: لا فيها غول و لا هم عنها ينزفون ، لا بيع فيه و لا خلال . و تارة تكون معرفة كقوله: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر . و لذلك يجب تكرارها إذا وليها نعت نحو زيتونة لا شرقية و لا غربية و قوله تعالى: لا ذلول تثير الأرض و لا تسقي الحرث . فإن قيل لم لم تكررها و قد أوجبوا تكرارها في الصفات و جوابه انه من الكلام المحمول على المعنى و التقدير لا تثير الأرض و لا ساقية للحرث اي لا تثير و لا تسقي.


353

و قال الراغب هي في هذه الحالة تدخل في المتضادين و يراد بها إثبات الأمرين بهما جميعا نحو زيد ليس بمقيم و لا ظاعن أي تارة يكون كذا و تارة يكون كذا. و قد يراد إثبات حالة بينهما نحو زيد ليس بأبيض و لا اسود. و منها قوله تعالى: لا شرقية و لا غربية قيل معناه أنها شرقية و غربية. و قيل معناه مصونة عن الإفراط و التفريط و اما الداخلة على الأفعال فتارة تكون لنفي الأفعال المستقبلة كقوله تعالى: إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم لأنه جزاء فلا يكون إلا مستقبلا. و مثله لئن أخرجوا لا يخرجون معهم و لئن قوتلوا لا ينصرونهم . و قد ينفي المضارع مرادا به نفي الدوام كقوله تعالى: لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات و لا في الأرض . و قد يكون للحال كقوله: لا أقسم بيوم القيامة ، فلا أقسم برب المشارق ، فلا أقسم بمواقع النجوم ، فلا و ربك لا يؤمنون . و قوله: و ما لكم لا تقاتلون . يصح إن تكون في موضع الحال اي ما لكم غير مقاتلين. و قيل ينفي بها الحاضر على التشبيه ب ما كقولك في جواب من قال زيد يكتب الآن لا يكتب. و النفي بها يتناول فعل المتكلم نحو لا أخرج اليوم و لا أسافر غدا. و منه قوله تعالى


354
قل لا أسألكم عليه أجرا . و فعل المخاطب كقولك إنك لا تزورنا و منه قوله تعالى: سنقرئك فلا تنسى ، فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان . و تدخل على الماضي في القسم و الدعاء نحو و الله لا صليت و نحو لا ضاق صدرك. و في غيرها نحو فلا صدق و لا صلى . و الأكثر تكرارها و قد جاءت غير مكررة في قوله تعالى: فلا اقتحم العقبة . قال الزمخشري لكنها مكررة في المعنى لأن المعنى لا فك رقبة و لا أطعم مسكينا إلا ترى انه فسر اقتحام العقبة بذلك و قيل إنه دعاء أي أنه يستحق إن يدعى عليه بأن يفعل خيرا. و قد يراد الدعاء في المستقبل و الماضي كقولك لا فض الله فاك. و قوله لا يبعدن قومي. الثانية إن تكون للنهي ينهى بها الحاضر و الغائب نحو لا تقم و لا يقم. و قال تعالى لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء ، لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، و لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا. إلا أن يشاء الله ، لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ، لا يسخر قوم من قوم .


355
و لا تنابزوا بالألقاب ، يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ، لا يحطمنكم سليمان . و تخلص المضارع للاستقبال نحو و لا تخافي و لا تحزني . و ترد للدعاء نحو لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا و لذلك قال بعضهم لا الطلبية ليشمل النهي و غيره. و قد تحتمل النفي و النهي كقوله تعالى: ألا تعبدوا إلا الله ، و ما لكم لا تقاتلون . الثالثة إن تكون جوابية اي رد في الجواب مناقض ل نعم او بلى فإذا قال مقررا الم أحسن إليك قلت لا او بلى و اذا قال مستفهما هل زيد عندك قلت لا او نعم قال تعالى ألست بربكم قالوا بلى ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم . الرابعة إن تكون بمعنى لم و لذلك اختصت بالدخول على الماضي نحو فلا صدق و لا صلى أي لم يصدق و لم يصل. و مثله فلا اقتحم العقبة .


356

الخامسة إن تكون عاطفة تشرك ما بعدها في إعراب ما قبلها و تعطف بعد الإيجاب نحو يقوم زيد لا عمرو. و بعد الأمر نحو اضرب زيدا لا عمرا و تنفي عن الثاني ما ثبت للأول نحو خرج زيد لا بكر. فإن قلت ما قام زيد و لا بكر فالعطف للواو دونها لأنها أم حروف العطف. السادسة إن تكون زائدة في مواضع الأول بعد حرف العطف المتقدم عليه النفي أو النهي فتجىء مؤكدة له كقولك ما جاءني زيد و لا عمرو و قوله تعالى: و ما أموالكم و لا أولادكم ، ما جعل الله من بحيرة و لا سائبة و لا وصيلة و لا حام و قوله: و لا الضالين . قال أبو عبيدة و قيل إنما دخلت هنا مزيلة لتوهم أن الضالين هم المغضوب عليهم و العرب تنعت الواو و تقول مررت بالظريف و العاقل. فدخلت لإزالة التوهم و قيل لئلا يتوهم عطف الضالين على الذين. و مثال النهي قوله تعالى: لا تحلوا شعائر الله و لا الشهر الحرام و لا الهدي و لا القلائد ف لا زائدة و ليست بعاطفة لأنها إنما يعطف بها في غير النهي و انما دخلت هنا لنفي احتمال إن يكون المقصود نفي مجيئها جميعا تأكيدا للظاهر من اللفظ و نفيا للاحتمال الآخر فإنه يفيد النفي عن كل واحد منها نصا و لو لم يات ب لا لجاز إن يكون النفي عنها على جهة الاجتماع و لكنه خلاف الظاهر فلذلك كان يقول ببقاء الزيادة أولى لبقاء الكلام بإثباتها على حالة عند عدمها و إن كانت دلالته عند مجيئها أقوى.


357

و اما قوله تعالى: و لا تستوي الحسنة و لا السيئة فمن قال المراد إن الحسنة لا تساوي السيئة ف لا عنده زائدة و من قال إن جنس الحسنة لا يستوى إفراده و جنس السيئة لا يستوي إفراده و هو الظاهر من سياق الآية فليست زائدة و الواو عاطفة جملة على جملة و قد سبق فيها مزيد كلام في بحث الزيادة. و اما قوله تعالى: و ما يستوي الأعمى و البصير الآية فالأولى و الثانية غير زائدة و الثالثة و الرابعة و الخامسة زوائد. و قال ابن الشجري قد تجىء مؤكدة النفي في غير موضعها الذي تستحقه كقوله تعالى: و ما يستوي الأعمى و البصير و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و لا المسيء لأنك لا تقول ما يستوي زيد و لا عمرو و لا تقول ما يستوي زيد فتقتصر على واحد. و مثله و لا الظلمات و لا النور. و لا الظل و لا الحرور ، و حرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون . و قال غيره لا هاهنا صلة لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين فالمعنى و لا الظلمات و النور حتى تقع المساواة بين شيئين كما قال تعالى و ما يستوي الأعمى و البصير و لو قلت ما يستوي زيد و لا عمرو لم يجز إلا على زيادة لا. الثاني بعد إن المصدرية الناصبة للفعل المضارع كقوله تعالى: ما منعك ألا تسجد . و قيل إنما زيدت توكيدا للنفي المعنوي الذي تضمنته منعك بدليل الاية الأخرى ما منعك أن تسجد .


358

و قال ابن السيد إنما دخلت لما يقتضيه معنى المنع لا يحتمل حقيقة اللفظ لأن المانع من الشىء بأمر الممنوع بألا يفعل مهما كان المنع في تأويل الأمر بترك الفعل و الحمل على تركه أجراه مجراها. و من هنا قوله تعالى: لئلا يعلم أهل الكتاب أي لئن لم لأن المعنى يتم بذلك. و قيل ليست زائدة و المعنى عليها. و هذا كما تكون محذوفة لفظا مرادة معنى كقوله تعالى: يبين الله لكم أن تضلوا المعنى إلا تضلوا لأن البيان إنما يقع لأجل إلا تضلوا. و قيل على حذف مضاف أي كراهة إن تضلوا. و اما السيرافي فجعلها على بابها حيث جاءت زعم إن الإنسان إذا فعل شيئا لأمر ما قد يكون فعله لضده فإذا قلت جئت لقيام زيد فإن المعنى إن المجىء وقع لأجل القيام و هل هو لأن يقع او لئلا يقع محتمل فمن جاء للقيام فقد جاء لعدم القيام و من جاء لعدم القيام فقد جاء للقيام. برهان ذلك انك إذا نصصت على مقصودك فقلت جئت لأن يقع او اردت إن يقع فقد جئت لعدم القيام أى لأن يقع عدم القيام و هو أعنى عدم الوقوع طلب وقوعه. و إن قلت و قصدي إلا يقع القيام و لهذا جئت فقد جئت لأن يقع عدم القيام فيتصور إن تقول جئت للقيام و تعنى به عدم القيام. و كذلك قوله تعالى: يبين الله لكم أن تضلوا أي يبين الضلال أي لأجل الضلال يقع البيان هل هو لوقوعه أو عدمه المعنى يبين ذلك.


359

و كذلك قوله تعالى: لئلا يعلم اي فعل الله هذا لعدم علمهم هل وقع ام لا. و اذا علموا انهم لا يقدرون على شىء من فضل الله يبين لهم انهم لا يعلمون فقوله لئلا يعلم باق على معناه ليس فيه زيادة. الثالث قبل قسم كقوله: لا أقسم بيوم القيامة المعنى أقسم بدليل فراءة ابن كثير لأقسم و هي قراء قويمة لا يضعفها عدم نون التوكيد مع اللام لأن المراد بأقسم فعل الحال و لا تلزم النون مع اللام. و قيل إنها غير زائدة بل هي نافية. و قيل على بابها و نفى بها كلاما تقدم منهم كأنه قال ليس الأمر كما قلتم من إنكار القيامة ف لا أقسم جواب لما حكي من جحدهم البعث كما كان قوله: ما أنت بنعمة ربك بمجنون جوابا لقوله يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لأن القرآن يجري مجرى السورة الواحدة. و هذا اولى من دعوى الزيادة لأنها تقتضي الإلغاء و كونها صدر الكلام يقتضي الاعتناء بها و هما متنافيان. قال ابن الشجري و ليست لا في قوله: فلا أقسم بمواقع النجوم و قوله: فلا أقسم برب المشارق . و نحوه بمنزلتها في قوله: لا أقسم بيوم القيامة كما زعم بعضهم لأنها ليست في أول السورة لمجيئها بعد الفاء


360
و الفاء عاطفة كلمة على كلمة تخرجها عن كونها بمنزلتها في لا أقسم بيوم القيامة فهي إذن زائدة للتوكيد. و أجاز الخارزبحي في لا أقسم بيوم القيامة كون لا فيه بمعنى الاستثناء فحذفت الهمزة و بقيت لا. و جعل الزمخشري لا في قوله تعالى: فلا و ربك لا يؤمنون مزيدة لتأكيد معنى القسم كما زيدت في لئلا يعلم لتأكيد وجوب العلم لا يؤمنون جواب القسم ثم قال فإن قلت هلا زعمت انها زيدت لتظاهر لا في لا يؤمنون و اجاب بأنه يمنع من ذلك استواء النفي و الإثبات فيه و ذلك قوله: فلا أقسم بما تبصرون و ما لا تبصرون. إنه لقول رسول كريم . انتهى. و قد يقال هب أنه لا يتاتى في آية الواقعة فما المانع من تأتيه في النساء إلا إن يقال استقر بآية الواقعة انها تزاد لتأكيد معنى القسم فقط و لم يثبت زيادتها متظاهرة لها في الجواب. السابعة تكون اسما في قول الكوفيين أطلق بعضهم نقله عنهم. و قيل إن ما قالوه إذا دخلت على نكرة و كان حرف الجر داخلا عليها نحو غضبت من لا شىء و جئت بلا مال و جعلوها بمنزلة غير. و كلام ابن الحاجب يقتضي أنه أعم من ذلك فإنه قال جعلوا لا بمعنى غير


361
لأنه يتعذر فيها الاعراب فوجب إن يكون إعرابها على ما هو من تتمتها و هو ما بعدها كقولك جائني رجل لا عالم و لا عاقل. و منه قوله تعالى: لا فارض و لا بكر ، و ظل من يحموم. لا بارد و لا كريم و قوله: لا مقطوعة و لا ممنوعة .


362

لات
قال سيبويه لات مشبهة ب ليس في بعض المواضع و لم تتمكن تمكنها و لم يستعملوها إلا مضمرا فيها لأنها ك ليس في المخاطبة و الإخبار عن غائب ألا ترى أنك تقول ليست و ليسوا و عبد الله ليس ذاهبا فتبنى عليها و لات فيها ذلك قال تعالى و لات حين مناص أي ليس حين مهرب. و كان بعضهم يرفع حين لأنها عنده بمنزلة ليس و النصب بها الوجه.
لا جرم
جاءت في القرآن في خمسة مواضع متلوة بأن و اسمها و لم يجيء بعدها فعل. الأول في هود و ثلاثة في النحل و الخامس في غافر و فيه فسرها الزمخشري. و ذكر اللغويون و المفسرون في معناها أقوالا أحدها إن لا نافية ردا للكلام المتقدم و جرم فعل معناه حق و إن مع ما في حيزها فاعل أي حق و وجب بطلان دعوته. و هذا مذهب الخليل و سيبويه و الأخفش فقوله تعالى: لا جرم معناه أنه رد على الكفار و تحقيق لخسرانهم.


363

الثاني إن لا زائدة و جرم معناه كسب أي كسب عملهم الندامة و ما في خبرها على هذا القول في موضع نصب و على الأول في موضع رفع. الثالث لا جرم كلمتان ركبتا و صار معناهما حقا و أكثر المفسرين يقتصر على ذلك. و الرابع إن معناها لا بد و إن الواقعة بعدها في موضع نصب بإسقاط الخافض.

لو

على خمسة أوجه

أحدها لامتناعية و اختلف في حقيقتها فقال سيبويه هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. و معناه كما قال الصفار أنك إذا قلت لو قام زيد قام عمرو دلت على إن قيام عمرو كان يقع لو وقع من زيد. و اما أنه إذا امتنع قيام زيد هل يمتنع قيام عمرو أو يقع القيام من عمرو بسبب آخر فمسكوت عنه لم يتعرض له اللفظ. و قال غيره هي لتعليق ما امتنع بامتناع غيره. و قال ابن مالك هي حرف شرط يقتضى امتناع ما يليه و استلزامه لتاليه. و هي تسمى امتناعية شرطية و مثاله قوله تعالى: و لو شئنا لرفعناه بها دلت على أمرين أحدهما إن مشيئة الله لرفعه منتفية و رفعه منتف إذ لا سبب لرفعه إلا المشيئة. الثاني استلزام مشيئة الرفع للرفع إذ المشيئة سبب و الرفع مسبب و هذا بخلاف


364
لو لم يخف الله لم يعصه إذ لا يلزم من انتفاء لم يخف انتفاء لم يعص حتى يكون خاف و عصى لأن انتفاء العصيان له سببان خوف العقاب و الإجلال و هو أعلى و المراد إن صهيبا لو قدر خلوه عن الخوف لم يعص للإجلال كيف و الخوف حاصل و من فسرها بالامتناع اختلفوا فقال الأكثرون إن الجزاء و هو الثاني امتنع لامتناع الشرط و هو الأول فامتنع الثاني و هو الرفع لامتناع الأول و هو المشيئة. قال ابن الحاجب و من تبعه كابن جمعة الموصلي و ابن خطيب زملكا امتنع الأول لامتناع الثاني قالوا لأن امتناع الشرط لا يستلزم امتناع الجزاء لجواز إقامة شرط آخر مقامه و اما امتناع الجزاء فيستلزم امتناع الشرط مطلقا. و ذكروا إن لها مع شرطها و جوابها أربعة أحوال أحدها إن تتجرد من النفي نحو لو جئتني لأكرمتك و تدل حينئذ على انتفاء الأمرين و سموها حرف وجوب لوجوب و منه قوله تعالى: و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، و لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة . و قوله: أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أي ما هداني بدليل قوله بعده بلى قد جاءتك آياتي لأن بلى جواب للنفي. و ثانيها إذا اقترن بها حرف النفي تسمى حرف امتناع لامتناع نحو لو لم تكرمني لم أكرمك فيقتضي ثبوتهما لأنهما للامتناع فإذا اقترن بهما حرف نفي سلب عنها الامتناع فحصل الثبوت لأن سلب السلب إيجاب. ثالثها إن يقترن حرف النفي بشرطها دون جوابها و هي حرف امتناع لوجوب نحو لو تكرمني أكرمتك و معناه عند الجمهور انتفاء الجزاء و ثبوت الشرط.


365

رابعها عكسه و هو حرف وجوب لامتناع نحو لو جئتني لم أكرمك فيقتضي ثبوت الجزاء و انتفاء الشرط و منه قوله تعالى: و لو كانوا يؤمنون بالله و النبي و ما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء . و اعلم إن تفسير سيبويه لها مطرد في جميع مواردها ألا ترى إن مفهوم الآية عدم نفاد كلمات الله مع فرض شجر الأرض أقلاما و البحر ممدودا بسبعة أبحر مدادا و لا يلزم إلا يقع عدم نفاد الكلمات إذا لم يجعل الشجر أقلاما و البحر مدادا. و كذا في نعم العبد صهيب فإن مفهومه إن عدم العصيان كان يقع عند عدم الخوف و لا يلزم إلا يقع عدم العصيان إلا عند الخوف و هكذا الباقي. و اما تفسير من فسرها بأنها حرف امتناع لامتناع و ذكر لها هذه الأحوال الأربعة فلا يطرد و ذلك لتخلف هذا المعنى في بعض الموارد و هو كل موضوع دل الدليل فيه على إن الثاني ثابت مطلقا إذ لو كان منفيا لكان النفاد حاصلا و العقل يجزم بأن الكلمات إذا لم تنفد مع كثرة هذه الأمور فلأن تنفد مع قلتها و عدم بعضها أولى. و كذا قوله تعالى: و لو أننا نزلنا إليهم الملائكة و كلمهم الموتى و حشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا . و كذا قوله: و لو أسمعهم لتولوا فإن التولي عند عدم الإسماع أولى. و اما قوله نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه فنفي العصيان ثابت إذ لو انتفى نفي العصيان لزم وجوده و هو خلاف ما يقتضيه سياق الكلام في المدح.


366

و لما لم يطرد لهم هذا التفسير مع اعتقادهم صحته اختلفوا في تخريجها على طرق الأول دعوى أنها في مثل هذه المواضع أعنى الثابت فيها الثاني دائما إنما جاءت لمجرد الدلالة على ارتباط الثاني بالأول لا للدلالة على الامتناع و ضابطها ما يقصد به الدلالة على مجرد الارتباط دون امتناع كل موضع قصد فيه ثبوت شيء على كل حال فيربط ذلك الشيء بوجود أحد النقيضين لوجوده دائما ثم لا يذكر إذ ذاك إلا النقيض الذي يلزم من وجود ذلك الشيء على تقدير وجود النقيض الاخر فعدم النفاد في الآية الكريمة واقع على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلام و كون البحر مد من سبعة أبحر فعدم النفاد على تقدير انتفاء كون هذين الأمرين أولى. و كذا عدم عصيان صهيب واقع على تقدير عدم خوفه فعدم عصيانه على تقدير وجود الخوف أولى. و على هذا يتقرر جميع ما يرد عليك من هذا الباب. و التحقيق أنها تفيد امتناع الشرط كما سبق من الآيات الشريفة. و تحصل أنها تدل على أمرين أحدهما امتناع شرطها و الآخر بكونه مستلزما لجوابها و لا يدل على امتناع الجواب في نفس الأمر و لا ثبوته فإذا قلت لو قام زيد لقام عمرو فقيام زيد محكوم بانتفائه فيما مضى و بكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام عمرو و هل لقيام عمرو وقت آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له لا يعرض في الكلام لذلك و لكن الأكثر كون الثاني و الأول غير واقعين. و قد سلب الإمام فخر الدين الدلالة على الامتناع مطلقا و جعلها لمجرد الربط و احتج بقوله تعالى: و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم و لو أسمعهم لتولوا قال


367
فلو أفادت لو انتفاء الشيء لانتفاء غيره لزم التناقض لأن قوله: و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم يقتضى أنه ما علم فيهم خيرا و ما أسمعهم و قوله: و لو أسمعهم لتولوا يفيد أنه تعالى ما أسمعهم و لا تولوا لكن عدم التولي خير فيلزم إن يكون و ما علم فيهم خيرا. قال فعلمنا إن كلمة لو لا تفيد إلا الربط. هذا كلامه. و قد يمنع قوله إن عدم التولي خير فإن الخير إنما هو عدم التولي بتقدير حصول الإسماع و الفرض إن الإسماع لم يحصل فلا يكون عدم التولي على الإطلاق خيرا بل عدم التولي المرتب على الإسماع. الطريق الثاني إن قولهم لامتناع الشيء لامتناع غيره معناه إن ما كان جوابا لها كان يقع لوقوع الأول فلما امتنع الأول امتنع إن يكون الثاني واقعا لوقوعه فإن وقع فلأمر آخر و ذلك لا ينكر فيها ألا ترى أنك إذا قلت لو قام زيد قام عمرو دل ذلك على امتناع قيام عمرو الذي كان يقع منه لو وقع قيام زيد لا على امتناع قيام عمرو لسبب آخر. و كذلك لو لم يخف الله لم يعصه امتنع عدم العصيان الذي كان سيقع عند عدم الخوف لو وقع و لا يلزم امتناع عدم العصيان عند وجود الخوف. الثالث إن تحمل لو فيما جاء من ذلك على أنها محذوفة الجواب فيكون قوله: و لو أنما في الأرض من شجرة أقلام معناه لو كان هذا لتكسرت الأشجار و فنى المداد و يكون قوله ما نفدت مستأنف أو على حذف حرف العطف أي و ما نفدت. الرابع إن تحمل لو في هذه المواضع على التي بمعنى إن قال أبو العباس لو أصلها في الكلام إن تدل على وقوع الشيء لوقوع غيره تقول لو جئتني لأعطيتك و لو كان زيد هناك لضربتك ثم تتسع فتصير في معنى إن الواقعة للجزاء تقول أنت لا


368
تكرمني و لو أكرمتك تريد و إن قال تعالى و ما أنت بمؤمن لنا و لو كنا صادقين . و قوله: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو افتدى به تأويله عند أهل اللغة لا يقبل إن يتبرر به و هو مقيم على الكفر و لا يقبل و إن افتدى به. فإن قيل كيف يسوغ هذا في قوله: و لو أنما في الأرض فإن إن الشرطية لا يليها إلا الفعل و إن المشددة مع ما عملت فيه اسم فإذا كانت لو بمنزلة إن فينبغي ألا تليها. أجاب الصفار بأنه قد يلي إن الاسم في اللفظ. فأجاز ذلك في إن نفسها فأولى إن يجوز في لو المحمولة عليها و كما جاز ذلك في لو قبل خروجها إلى الشرط مع أنها من الحروف الطالبة للأفعال. قال و الدليل على إن لو في الآيتين السابقين بمعنى إن إن الماضي بعدها في موضع المستقبل و لو الامتناعية تصرف معنى المستقبل إلى الماضي فإن المعنى و إن يفتد به. و اعلم إن ما ذكرناه من أنها تقتضي امتناع ما يليها أشكل عليه قوله تعالى: و لو كنا صادقين فإنهم لم يقروا بالكذب. و أجيب بوجهين أحدهما أنها بمعنى إن و الثاني قاله الزمخشري أنه على الفرض أي و لو كنا من أهل الصدق عندك. و قال الزمخشري فيما أفرده على سورة الحجرات لو تدخل على جملتين فعليتين تعلق ما بينهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط و لما لم تكن مخلصة بالشرط كان و لا عاملة مثلها


369
و انما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها في مضموني جملتها إن الثاني امتنع لامتناع الأول و ذلك إن تكسو الناس فيقال لك هلا كسوت زيدا فتقول لو جاءني زيد لكسوته افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على التعليق فزيدت اللام و لم تفتقر إلى مثل ذلك إن لعملها في فعلها و خلوصها للشرط. و يتعلق لو الامتناعية مسائل الأولى إنها كالشرطية في اختصاصها بالفعل فلا يليها إلا فعل أو معمول فعل يفسره ظاهر بعده كقوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي حذف الفعل فانفصل الضمير. و انفردت لو بمباشرة إن كقوله تعالى: و لو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم و هو كثير. و اختلف في موضع إن بعد لو فقال سيبويه في موضع رفع بالابتداء و اختلف عنه في الخبر فقيل محذوف و قيل لا يحتاج إليه. و قال الكوفيون فاعل بفعل مقدر تقديره و لو ثبت أنهم و هو أقيس لبقاء الاختصاص. الثانية قال الزمخشري يجب كون خبر إن الواقعة بعد لو فعلا ليكون عوضا عن الفعل المحذوف. و قال أبو حيان هو وهم و خطأ فاحش قال الله تبارك و تعالى و لو أنما في الأرض من شجرة أقلام . و كذا رده ابن الحاجب و غيره بالآية و قالوا إنما ذاك في الخبر المشتق لا الجامد كالذي في الآية.


370

و أيد بعضهم كلام الزمخشري بأنه إنما جاء من حيث إن قوله: و البحر يمده لما التبس بالعطف بقوله أنما في الأرض من شجرة أقلام صار خبر الجملة المعطوفة و هو يمده كأنه خبر الجملة المعطوف عليها لالتباسها بها. قال الشيخ في المغنى و قد وجدت آية في التنزيل وقع فيها الخبر مشتقا و لم يتنبه لها الزمخشري كما لم يتنبه لآية لقمان و لا ابن الحاجب و إلا لمنع ذلك. قلت و هذا عجيب فإن لو في الآية للتمني و الكلام في الامتناعية بل أعجب من ذلك كله إن مقالة الزمخشري سبقه إليها السيرافي و هذا الاستدراك و ما استدرك به منقول قديما في شرح الإيضاح لابن الخباز لكن في غير مظنته فقال في باب إن و أخواتها قال السيرافي تقول لو إن زيدا أقام لأكرمته و لا تجوز لو أن زيدا حاضر لأكرمته لأنك لم تلفظ بفعل يسد مسد ذلك الفعل. هذا كلامهم و قد قال الله تعالى و إن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب فأوقع خبرها صفة. و لهم إن يفرقوا بأن هذه للتمني فأجريت مجرى ليت كما تقول ليتهم بادون انتهى كلامه.

تنبيه
ذكر الزمخشري بعد كلامه السابق في سورة الحجرات سؤالا و هو ما الفرق بين قولك لو جاءني زيد لكسوته و نظيره قوله تعالى: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى و بين قوله لو زيد جاءني لكسوته و منه قوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي


371
و بين قوله لو إن زيدا جاءني لكسوته و منه قوله تعالى: و لو أنهم صبروا . و أجاب بأن القصد في الأولي إن الفعلين تعليق أحدهما بصاحبه لا غير من غير تعرض لمعنى زائد على التعليق الساذج على الوجه الذي بينته و هو المعنى في الآية الأولى لأن الغرض نفي إن يتخذ الرحمن ولدا و بيان تعاليه عن ذلك و ليس لأداء هذا الغرض إلا تجديد الفعلين للتعلق دون أمر زائد عليه و اما في الثاني فقد انضم إلى التعليق بأحد معنيين إما نفي الشك أو الشبهة إن المذكور الذي هو زيد مكسو لا محالة لو وجد منه المجيء و لم يمتنع و اما بيان أنه هو المختص بذلك دون غيره. و قوله تعالى: و إن أحد من المشركين استجارك محتمل المعنيين جميعا أعنى أنهم لا محالة يمكون و أنهم المخصوصون بالإمساك لو ملكوا إشارة إلى إن الإله الذي هو مالكها و هو الله الذي وسعت رحمته كل شيء لا يمسك. فإن قلت لو لا تدخل إلا على فعل و أنتم ليس بمرفوع بالابتداء و لكن ب تملك مضمرا و حينئذ فلا فرق بين لو تملكون و بين لو أنتم تملكون لمكان القصد إلى الفعل في الموضعين دون الاسم و انما يسوغ هذا الفرق لو ارتفع بالابتداء. قلت التقدير و إن كان على ذلك إلا أنه لما كان تمثيلا لا يتكلم به ينزل الاسم في الظاهر منزلة الشيء تقدم لأنه أهم بدليل لو ذات سوار لطمتني في ظهور قصدهم إلى الاسم لكنه أهم فيما ساقه المثل لأجله. و كذا قوله: و إن أحد من المشركين استجارك و إن كان أحد مرفوعا بفعل مضمر في التقدير.


372

و اما في الثالث ففيه ما في الثاني مع زيادة التأكيد الذي تعطيه إن و فيه إشعار بأن زيدا كان حقه إن يجيء و أنه بتركه المجيء قد أغفل حظه. فتأمل هذه الفروق و قس عليها نظائر التراكيب في القرآن العزيز فإنها لا تخرج عن واحد من الثلاثة. الثالثة الأكثر في جوابها المثبت اللام المفتوحة للدلالة على إن ما دخلت عليه هو اللازم لما دخلت عليه لو قال تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ففي اللام إشعار بأن الثانية لازمة للأولى. و قوله: لو نشاء لجعلناه حطاما و يجوز حذفها لو نشاء جعلناه أجاجا . الرابعة يجوز حذف جوابها للعلم به. و للتعظيم كقوله تعالى: لو أن لي بكم قوة و قوله: و لو أن قرآنا سيرت به الجبال و هو كثير سبق في باب الحذف على ما فيه من البحث و اما قوله: و لو أنما في الأرض من شجرة أقلام فيحتمل إن يكون جواب لو محذوفا و التقدير لنفدت هذه الأشياء و ما نفدت كلمات الله و إن يكون ما نفدت هو الجواب مبالغة في نفي النفاد لأنه إذا كان نفي النفاد لازما على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلاما و البحر مدادا كان لزومه على تقدير عدمها أولى. و قيل تقدر هي و جوابها ظاهرا كقوله تعالى: ما اتخذ الله من ولد و ما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق تقديره و لو كان معه آلهة إذا لذهب كل إله. و قوله: و ما كنت تتلو من قبله من كتاب و لا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون أي و لو يكون وخططت إذن لارتاب.


373

الوجه الثاني من أوجه لو إن تكون شرطية و علامتها إن يصلح موضعها إن المكسورة و انما أقيمت مقامها لأن في كل واحدة منهما معنى الشرط و هي مثلها فيليها المستقبل كقوله تعالى: و لو أعجبك حسنهن ، و لو نشاء لطمسنا . و إن كان ماضيا لفظا صرفه للاستقبال كقوله: و لو كره المشركون . و منه قوله تعالى: و لو كنا صادقين و قوله: و ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ، فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو افتدى به و نظائره. قالوا و لولا أنها بمعنى الشرط لما اقتضت جوابا لأنه لا بد لها من جواب ظاهر أو مضمر و قد قال المبرد في الكامل إن تأويله عند أهل اللغة لا يقبل منه إن يفتدى به و هو مقيم على الكفر و لا يقبل إن افتدى به. قالوا و جوابها يكون ماضيا لفظا كما سبق و قوله تعالى: و لو سمعوا ما استجابوا لكم و معنى و يكون باللام غالبا نحو و لو شاء الله لذهب بسمعهم . و قد يحذف نحو لو نشاء جعلناه أجاجا و لا يحذف غالبا إلا في صلة نحو و ليخش الذين لو تركوا الآية. الثالث لو المصدرية و علامتها إن يصلح موضعها إن المفتوحة كقوله تعالى: يود أحدهم لو يعمر ألف سنة .


374

و قوله: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم ، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم و أمتعتكم ، يود المجرم لو يفتدي أي الافتداء. و لم يذكر الجمهور مصدرية لو و تأولوا الآيات الشريفة على حذف مفعول يود و حذف جواب لو أي يود أحدهم طول العمر لو يعمر ألف سنة ليسر بذلك. و أشكل قول الأولين بدخولها على إن المصدرية في نحو قوله تعالى: تود لو أن بينها و بينه و الحرف المصدري لا يدخل على مثله و أجيب بأنها إنما دخلت على فعل محذوف مقدر تقديره يود لو ثبت إن بينها فانتفت مباشرة الحرف المصدري لمثله. و أورد ابن مالك السؤال في فلو أن لنا كرة و أجاب بهذا و بأن هذا من باب توكيد اللفظ بمرادفه نحو فجاجا سبلا . و في كلا الوجهين نظر أما الأول و هو دخول لو على ثبت مقدرا إنما هو مذهب المبرد و هو لا يراه فكيف يقرره في الجواب و اما الثاني فليست هنا مصدرية بل للتمني كما سيأتي. و لو سلم فإنه يلزم ذلك وصل لو بجملة اسمية مؤكدة ب إن. و قد نص ابن مالك و غيره على إن صلتها لا بد إن تكون فعلية بماض أو مضارع. قال ابن مالك و أكثر وقوع هذه بعد ود أو يود أو ما في معناهما من مفهم تمن. و بهذا يعلم غلط من عدها حرف تمن لو صح ذلك لم يجمع بينها و بين فعل تمن كما لا يجمع بين ليت و فعل تمن.


375

الرابع لو التي للتمني و علامتها إن يصح موضعها ليت نحو لو تأتينا فتحدثنا كما تقول ليتك تأتينا فتحدثنا و منه قوله تعالى: فلو أن لنا كرة و لهذا نصب فيكون في جوابها لأنها أفهمت التمني كما انتصب فأفوز في جواب ليت يا ليتني كنت معهم . و ذكر بعضهم قسما آخر و هو التعليل كقوله: و لو على أنفسكم .


376

لولا
مركبة عند سيبويه من لو و لا حكاه الصفار. و الصحيح أنها بسيطة. و من التركيب ما يغير و منه ما لايغير فمما لا يغير لولا. و مما يتغير بالتركيب حبذا صارت للمدح و الثناء و انفصل ذا عن إن يكون مثنى أو مجموعا أو مؤنثا و صار بلفظ واحد لهذه الأشياء و كذلك هلا زال عنها الاستفهام جملة. ثم هي على أربعة أضرب الأول حرف امتناع لوجوب و بعضهم يقول لوجود بالدال. قيل و يلزم على عبارة سيبويه في لو إن تقول حرف لما سيقع لانتفاء ما قبله. و قال صاحب رصف المباني الصحيح إن تفسيرها بحسب الجمل التي تدخل عليها فإن كانت الجملتان بعدها موجبتين فهي حرف امتناع لوجوب نحو لولا زيد لأحسنت إليك فالإحسان امتنع لوجود زيد و إن كانتا منفيتين فحرف وجود لامتناع نحو لولا عدم زيد لأحسنت إليك. انتهى. و يلزم في خبرها الحذف و يستغنى بجوابها عن الخبر. و الأكثر في جوابها المثبت اللام نحو لولا أنتم لكنا مؤمنين ، فلولا أنه كان من المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون . و قد يحذف للعلم به كقوله تعالى: و لولا فضل الله عليكم و رحمته و إن الله تواب حكيم .


377

و قد قيل في قوله تعالى: و هم بها لولا أن رأى برهان ربه لهم بها لكنه امتنع همه بها لوجود رؤية برهان ربه فلم يحصل منه هم البتة كقولك لولا زيد لأكرمتك المعنى إن الأكرام ممتنع لوجود زيد و به يتخلص من الإشكال الذي يورد و هو كيف يليق به الهم و اما جوابها إذا كان منفيا فجاء القرآن بالحذف نحو ما زكا منكم من أحد أبدا . و هو يرد قول ابن عصفور إن المنفى ب ما الأحسن باللام. الثاني التحضيض فتختص بالمضارع نحو لولا تستغفرون الله ، لولا ينهاهم الربانيون و الأحبار ، لولا أخرتني إلى أجل قريب . و التوبيخ و التنديم فتختص بالماضي نحو لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء ، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا . و في كل من القسمين تختص بالفعل لأن التحضيض و التوبيخ لا يردان إلا على الفعل هذا هو الأصل. و قد جوزوا فيها إذا وقع الماضي بعدها إن يكون تحضيضا أيضا و هو حينئذ يكون قرينة صارفة للماضي عن المضي إلى الاستقبال فقالوا في قوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة


378
يجوز بقاء نفر على معناه في المضي فيكون لولا توبيخا. و يجوز إن يراد به الاستقبال فيكون تحضيضا. قالوا و قد تفصل من الفعل بإذ و اذا معمولين له و بجملة شرطية معترضة. فالأول ولولا إذ سمعتموه قلتم ، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا . و الثاني و الثالث نحو فلولا إذا بلغت الحلقوم. و أنتم حينئذ تنظرون. و نحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون. فلولا إن كنتم غير مدينين. ترجعونها إن كنتم صادقين المعنى فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم مؤمنين و حالتكم أنكم شاهدون ذلك و نحن أقرب إلى المحتضر منكم بعلمنا أو بالملائكة و لكنكم لا تشاهدون ذلك. و لولا الثانية تكرار للأولى. الثالث للاستفهام بمعنى هل نحو لولا أخرتني إلى أجل قريب ، لولا أنزل عليه ملك . قاله الهروي و لم يذكره الجمهور و الظاهر إن الأولى للعرض و الثانية مثل لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء . الرابع للنفي بمعنى لم نحو قوله تعالى: فلولا كانت قرية آمنت أي لم تكن. فلولا كان من القرون من قبلكم أي فلم يكن. ذكره ابن فارس في كتاب فقه العربية و الهروي في الأزهية.


379

و الظاهر إن المراد فهلا و يؤيده أنها في مصحف أبي فهلا كانت قرية نعم يلزم من ذلك الذي ذكراه معنى المضي لأن اقتران التوبيخ بالماضي يشعر بانتفائه. و قال ابن الشجري هذا يخالف أصح الإعرابين لأن المستثنى بعد النفي يقوى فيه البدل و يجوز فيه النصب و لم يأت في الايتين إلا النصب أي فدل على إن الكلام موجب و جوابه ما ذكرنا من إن فيه معنى النفي. و جعل ابن فارس منه لولا يأتون عليهم بسلطان المعنى اتخذوا من دون الله آلهة و لا يأتون عليه بسلطان. و نقل ابن برجان في تفسيره في أواخر سورة هود عن الخليل إن جميع ما في القرآن من لولا فهي بمعنى هلا إلا قوله في سورة الصافات فلولا أنه كان من المسبحين. للبث لأن جوابها بخلاف غيرها. و فيه نظر لما سبق.

لوما
هي قريب من لولا كقوله تعالى: لو ما تأتينا بالملائكة قال ابن فارس هي بمعنى هلا.


380

لم
نفي للمضارع و قلبه ماضيا و تجزمه نحو لم يلد و لم يولد . و من العرب من ينصب بها و عليه قراءة ألم نشرح بفتح الحاء و خرجت على إن الفعل مؤكد بالنون الخفيفة ففتح لها ما قبلها ثم حذفت و نويت.


381

لما

على ثلاثة اوجه

احدها تدخل على المضارع فتجزمه و تقلبه ماضيا ك لم نحو و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ، بل لما يذوقوا عذاب أي لم يذوقوه و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم . لكنها تفارق لم من جهات احدها إن لم لنفي فعل و لما لنفي قد فعل فالمنفي بها آكد. قال الزمخشري في الفائق لما مركبة من لم و ما هي نقيضة قد و تنفى ما تثبته من الخبر المنتظر. و هذا اخذه من ابي الفتح فانه قال اصل لما لم زيدت عليها ما فصارت نفيا تقول قام زيد فيقول المجيب بالنفي لم يقم فان قلت قد قام قال لما يقم لما زاد في الاثبات قد زاد في النفي ما إلا انهم لما ركبوا لم مع ما حدث لها معنى و لفظ اما المعنى فانها صارت في بعض المواضع ظرفا فقالوا لما قمت قام زيد أي وقت قيامك قام زيد. و اما اللفظ فلانه يجوز الوقف عليها دون مجزومها نحو جئتك و لما. أي و لما تجئ. انتهى. و يخرج من كلامه ثلاثة فروق ما ذكرناه او لا و كونها قد تقع اسما هو ظرف و أنه يجوز الوقف عليها دون النفي بخلاف لم.


382

و رابعها يجئ اتصال منفيها بالحال و المنفي بلم لا يلزم فيه ذلك بل قد يكون منقطعا نحو هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا و قد يكون متصلا نحو و لم أكن بدعائك رب شقيا . و خامسها إن الفعل بعد لما يجوز حذفه اختيارا سادسها إن لم تصاحب ادوات الشرط بخلاف لما فلا يقال إن لما يقم و في التنزيل و إن لم تفعل ، و إن لم ينتهوا . سابعها إن منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم إلا ترى إن معنى بل لما يذوقوا عذاب انهم لم يذوقوه إلى الآن و إن ذوقهم له متوقع. قال الزمخشري في قوله تعالى: و لما يدخل الإيمان في قلوبكم ما في لما من معنى التوقع دال على إن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد. و انكر الشيخ ابو حيان دلالة لما على التوقع فكيف يتوهم انه يقع بعد. و اجاب بعضهم بان لما ليست لنفي المتوقع حيث يستبعد توقعه و انما هي لنفي الفعل المتوقع كما إن قد لاثبات الفعل المتوقع و هذا معنى قول النحويين انها موافقه ل قد فعل أي يجاب بها في النفي حيث يجاب ب قد في الاثبات و لهذا قال ابن السراج جاءت لما بعد فعل يقول القائل لما يفعل فتقول قد فعل.


383

الوجه الثاني إن تدخل على ماض فهي حرف لوجود او وجوب لوجوب فيقتضى وقوع الامرين جميعا عكس لو نحو لما جاءني زيد اكرمته. و قال ابن السراج و الفارسي ظرف بمعنى حين. و رده ابن عصفور بقوله و تلك القرى أهلكناهم لما ظلموا قال لأن الهلاك لم يقع حين ظلموا بل كان بين الظلم و الهلاك ارسال الرسل و انذارهم اياهم و بعد ذلك وقع الاهلاك فليست بمعنى حين و هذا الرد لايحسن إلا اذا قدرنا الاهلاك أول ما ابتدا الظلم و ليس كذلك بل قوله: ظلموا في معنى استداموا الظلم أي وقع الاهلاك لهم حين ظلمهم أي في حين استدامتهم الظلم و هم متلبسون به. و من امثلتها قوله تعالى: فلما نجاكم إلى البر أعرضتم و قوله: و لما ورد ماء مدين ، و لما جاءت رسلنا لوطا ، إلا قوم يونس لما آمنوا ، فلما أحسوا بأسنا . و اما جوابها فقد يجئ ظاهرا كما ذكرنا قد يكون جملة اسمية مقرونة بالفاء نحو فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد . او مقرونة بما النافية كقوله: فلما جاءهم نذير ما زادهم . و باذا المفاجئة نحو فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون .


384

و لما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ، فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون . و بهذا رد على من زعم انها ظرف بمعنى حين فان ما النافية و اذا الفجائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما فانتفى إن يكون ظرفا. و قد يكون مضارعا كقوله: فلما ذهب عن إبراهيم الروع و جاءته البشرى يجادلنا و هو بمعنى الماضي أي جادلنا. و قد يحذف كقوله: فمنهم مقتصد قال بعضهم التقدير انقسموا قسمين منهم مقتصد و منهم غير ذلك لكن الحق إن مقتصد هو الجواب هو الذي ذكره ابن مالك و نوزع في ذلك من جهة إن خبرها مقرون بالفاء يحتاج لدليل. و قوله: لو أن لي بكم قوة جوابه محذوف أي لمنعتكم. و اما قوله عز و جل و لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم و كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به قيل جواب لما الأولى لما الثانية و جوابها ورد باقترانه. و قيل كفروا به جواب لهما لان الثانية تكرير للاولى. و قيل جواب الاولى محذوف أي انكروه. و اختلف في قوله تعالى: فلما أضاءت ما حوله فقيل الجواب ذهب الله . و قيل محذوف استطالة للكلام مع امن اللبس أي حمدت.


385

و كذلك قوله: فلما ذهبوا به و أجمعوا أن يجعلوه قيل الجواب قوله: و أوحينا إليه على جعل الواو زائدة. و قيل الجواب محذوف أي انجيناه و حفظناه. و قوله: فلما ذهب عن إبراهيم الروع و جاءته البشرى يجادلنا قيل الجواب و جاءته على زيادة الواو. و قيل الجواب محذوف أي اخذ يجادلنا. و قيل يجادلنا مؤول ب جادلنا. و كذلك قوله: فلما أسلما و تله للجبين أي اجزل له الثواب و تله. و اما قوله: و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا فما تقدم من قوله: و جعلنا يسد مسد الجواب لا انه الجواب لان الجواب لايقدم عليها. و كذا قوله: و تلك القرى أهلكناهم لما ظلموا فما تقدم من قوله: أهلكناهم يسد مسد الجواب لا انه الجواب لان الجواب لا يقدم عليها. و قوله: فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا فإنما وقع جوابها بالنفي لان التقدير فلما جاءهم نذير زادهم نفورا او ازداد نفورهم. تنبيه يختلف المعنى بين تجردها من إن و دخولها عليها و ذلك إن من شانها إن تدل على إن الفعل الذي هو ناصبها قد تعلق بعقب الفعل الذي هو خافضته من غير مهلة و اذا انفتحت أن بعدها اكدت هذا المعنى و شددته و ذكره الزمخشري في كشافه القديم قال و نراه مبنيا في قوله تعالى: و لما أن جاءت رسلنا لوطا الآية كأنه قال لما ابصرهم لحقته المساءة و ضيق الذرع في بديهة الامر و غرته.


386

الوجه الثالث حرف استثناء كقوله تعالى: إن كل نفس لما عليها حافظ على قراة تشديد الميم. و قوله: و إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا .

لما المخففة
مركبة من حرفين اللام و ما النافية. و سيبويه يجعل ما زائدة و الفارسي يجعل اللام و سياتي في حرف الميم.


387

لن
صيغة مرتجلة للنفي في قول سيبويه و مركبة عند الخليل من لا و إن و اعترض بتقديم المفعول عليها نحو زيدا لن اضرب. و جوابه يجوز في المركبات ما لايجوز في البسائط. و كان ينبغي إن تكون جازمة و قد قيل به إلا إن الاكثر النصب. و على كل قول فهي لنفي الفعل في المستقبل لانها في النفي نقيضة السين و سوف و إن في الاثبات فاذا قلت سافعل او سوف افعل كان نقيضه لن افعل. و هي في نفي الاستقبال آكد من لا و قوله تعالى: فلن أبرح الأرض آكد من قوله: لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين . و ليس معناها النفي على التأبيد خلافا لصاحب الانموذج بل إن النفي مستمر في المستقبل إلا إن يطرأ ما يزيله فهي لنفي المستقبل و لم لنفي الماضي و ما لنفي الحال. و من خواصها انها تنفي ما قرب و لايمتد معنى النفي فيها كامتداد معناها و قد جاء في قوله تعالى: و لا يتمنونه أبدا بحرف لا في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم يعم الازمنه كانه يقول متى زعموا ذلك لوقت من الاوقات و قيل لهم تمنوا الموت فلا يتمنونه. و قال في البقرة و لن يتمنوه فقصر من صيغة النفي لان قوله تعالى


388
قل إن كانت لكم الدار الآخرة و ليست لن مع كان من صيغ العموم لان كان لا تدخل على حدث و انما هي داخلة على المبتدأ و الخبر عبارة عن قصر الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث كأنه يقول إن كان قد وجب لكم الدار الآخرة فتمنوا الموت ثم قال في الجواب و لن يتمنوه فانتظم معنى الآيتين. و اما التأبيد فلا يدل على الدوام تقول زيد يصوم ابدا و يصلي ابدا و بهذا يبطل تعلق المعتزلة بان لن تدل على امتناع الرؤية و لو نفي ب لا لكان لهم فيه متعلق اذ لم يخص بالكتاب او بالسنة و اما الإدراك الذي نفي ب لا فلا يمنع من الرؤية لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( انكم ترون ربكم ) و لم يقل تدركون ربكم و العرب تنفي المظنون ب لن و المشكوك ب لا. و ممن صرح بان التأبيد عبارة عن الزمن الطويل لا عن الذي لا ينقطع ابن الخشاب. و قد سبق مزيد كلام فيها في فصل التاييد و ادواته. قيل و قد تاتي للدعاء كما اتت لا لذلك و منه قوله تعالى: قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين . و منعه آخرون لان فعل الدعاء لايسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب و الغائب نحو يا رب لا عذبت فلانا و نحوه لا عذب الله عمرا.


389

لكن
للاستدراك مخففه و مثقلة و حقيقته رفع مفهوم الكلام السابق تقول ما زيد شجاع و لكنه غير كريم فرفعت ب لكن ما افهمة الوصف بالشجاعة من ثبوت الكرم له لكونهما كالمتضايفين فان رفعنا ما افاده منطوق الكلام السابق فذاك استثناء و موقع الاستدراك بين متنافيين بوجه ما فلا يجوز وقوعها بين متوافقين و قوله تعالى: و لو أراكهم كثيرا لفشلتم و لتنازعتم في الأمر و لكن الله سلم لكونه جاء في سياق لو و لو تدل على امتناع الشئ لامتناع غيره فدل على إن الرؤية ممتنعة في المعنى فلما قيل و لكن الله سلم علم اثبات ما فهم اثباته اولا و هو سبب التسليم و هو نفي الرؤية فعلم إن المعنى و لكن الله ما أراكهم كثيرا ليسلمكم فحذف السبب و اقيم المسبب مقامه. قال ابن الحاجب الفرق بين بل و لكن و إن اتفقا في إن الحكم للثاني إن لكن وضعها على مخالفة ما بعدهما لما قبلهما و لا يستقيم تقديره إلا مثبتا لامتناع تقدير النفي في المفرد و اذا كان مثبتا وجب إن يكون ما قبله نفيا كقولك ما جاءني زيد لكن عمرو و لو قلت جاءني زيد لكن عمرو لم يجز لما ذكرنا. و اما بل فللاضراب مطلقا موجبا كان الاول او منفيا. و اذا ثقلت فهي من اخوات إن تنصب الاسم و ترفع الخبر و لا يليها الفعل. و اما وقوع المرفوع بعدها في قوله تعالى: لكن هو الله ربي و هو ضمير الرفع فجوابه انها هنا ليست المثقلة بل هي المخففه و التقدير لكن انا هو الله ربي


390
و لهذا تكتب في المصاحف بالالف و يوقف عليها بها إلا انهم القوا حركة الهمزة على النون فالتقت النونان فادغمت الاولى في الثانية و موضع انا رفع بالابتداء و هو مبتدأ ثان و الله مبتدأ ثالث و ربي خبر المبتدأ الثالث و المبتدأ الثالث و خبره خبر الثاني و الثاني هو خبر الاول و الراجع إلى الاول الياء. ثم المخففه قد تكون مخففه من الثقيلة فهي عاملة و قد تكون غير عاملة فيقع بعدها المفرد نحو ما قام زيد لكن عمرو فتكون عاطفة على الصحيح و إن وقع بعدها جملة كانت حرف ابتداء. و قال صاحب البسيط اذا وقع بعدها جملة فهل هي للعطف او حرف ابتداء قولان كقوله تعالى: لكن الله يشهد . قال و نظير فائدة الخلاف في جواز الوقف على ما قبلها فعلى العطف لايجوز و على كونها حرف ابتداء يجوز. قال و اذا دخل عليها الواو انتقل العطف اليها و تجردت للاستدراك. و قال الكسائي المختار عند العرب تشديد النون اذا اقترنت بالواو و تخفيفها اذا لم تقترن بها و على هذا جاء اكثر القرآن العزيز كقوله تعالى: و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون ، و لكن أكثرهم لا يعلمون ، لكن الله يشهد ، لكن الرسول


391
لكن الذين اتقوا ، لكن الظالمون اليوم . و علل الفراء ذلك بانها مخففه تكون عاطفة فلا تحتاج إلى واو معها ك بل فاذا كان قبلها واو لم تشبه بل لان بل لا تدخل عليها الواو و اما اذا كانت مشدده فانها تعمل عمل إن و لا تكون عاطفة. و قد اختلف القراء في ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله فاكثرهم على تخفيفها و نصب رسول باضمار كان او بالعطف على ابا احد. و الاول أليق لكن ليست عاطفة لاجل الواو فالأليق لها إن تدخل على الجمل ك بل العاطفة. و قرأ ابو عمرو بتشديدها على انها عاملة و حذف خبرها أي و لكن رسول الله هو أي محمد.


392

لعل
تجىء لمعان الاول للترجي في المحبوب نحو لعل الله يغفر لنا و للاشفاق في المكروه نحو لعل الله يغفر للعاصي. ثم وردت في كلام من يستحيل عليه الوصفان لان الترجي للجهل بالعاقبة و هو محال على الله و كذلك الخوف و الاشفاق. فمنهم من صرفها إلى المخاطبين. قال سيبويه في قوله تعالى: لعله يتذكر أو يخشى معناه كونا على رجائكما في ذكرهما يعني انه كلام منظور فيه إلى جانب موسى و هارون عليهما السلام لانهما لم يكونا جازمين بعدم ايمان فرعون. و اما استعمالهما في الخوف ففي قوله تعالى: لعل الساعة قريب فان الساعة مخوفة في حق المؤمنين بدليل قوله: و الذين آمنوا مشفقون منها . و في هذا رد على الزمخشري حيث انكر إن تكون هذه الآية من هذا القبيل. فان قلت ما معنى قولهم لعل من الله واجبه هل ذلك من شان المحبوب أو مطلقا و اذا كانت في المحبوب فهل ذلك اخراج لها عن وضع الترجي إلى وضع الخبر فيكون مجازا ام لا. قلت ليس اخراجا لها عن وضعها و ذلك انهم لما راوها من الكريم للمخاطبين في ذلك المحبوب تعريض بالوعد و قد علم إن الكريم لايعرض بان يفعل إلا بعد التصميم عليه فجرى الخطاب الالهي مجرى خطاب عظماء الملوك من الخلق. و قوله: يا أيها الناس اعبدوا ربكم


393
الآية إلى تتقون اطماع المؤمن بان يبلغ بايمانه درجة التقوى العالية لأنه بالايمان يفتتحها و بالايمان يختتمها و من ثم قال مالك و ابو حنيفة الشرع ملزم. و قد قال الزمخشري و قد جاءت على سبيل الاطماع ف مواضع من القرآن لكنه كريم رحيم اذا اطمع فعل ما يطمع لا محالة فجرى اطماعه مجرى وعده فلهذا قيل انها من الله واجبة. و هذا فيه رائحة الاعتزال في الايجاب العقلي و انما يحسن الاطماع دون التحقيق كيلا يتكل العباد كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم . و قال الراغب لعل طمع و اشفاق. و ذكر بعض المفسرين إن لعل من الله واجبة و فسر في كثير من المواضع ب لا و قالوا إن الطمع و الاشفاق لا يصح على الله تعالى. و قال و لعل و إن كان طمعا فان ذلك يقتضي في كلامهم تارة طمع المخاطب و تارة طمع المخاطب و تارة طمع غيرهما فقوله تعالى: لعلنا نتبع السحرة فذلك طمع منهم في فرعون. و في قوله: لعله يتذكر أو يخشى اطماع موسى و هارون و معناه قولا له قولا لينا راجيين إن يتذكر او يخشى. و قوله: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك اي تظن بك الناس. و عليه قوله تعالى: لعلك باخع نفسك و قوله: و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون اي راجين الفلاح


394
كما قال يرجون رحمة الله . و زعم بعضهم بانها لا تكون للترجي إلا في الممكن لانه انتطار و لا ينتظر إلا في ممكن فاما قوله تعالى: لعلي أبلغ الأسباب الآية فاطلاع فروعون إلى الاله مستحيل و بجهله اعتقد امكانه لانه يعتقد في الاله الجسمية و المكان تعالى الله عن ذلك. الثاني للتعليل كقوله تعالى: فاتبعوه و اتقوا لعلكم ترحمون ، و أنهارا و سبلا لعلكم تهتدون اي كي. و جعل منه ثعلب لعله يتذكر اي كي حكاه عنه صاحب المحكم. الثالث الاستفهام كقوله تعالى: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ، و ما يدريك لعله يزكى . و حكى البغوي في تفسيره عن الواقدي إن جميع ما في القرآن من لعل فانها للتعليل إلا قوله: لعلكم تخلدون فانها للتشبيه. و كونها للتشبيه غريب لم يذكره النحاة و وقع في صحيح البخاري في قوله: لعلكم تخلدون إن لعل للتشبيه.


395

و ذكر غيره انها للرجاء المحض و هو بالنسبة اليهم. و اعلم أن الترجي و التمني من باب الانشاء كيف يتعلقان بالماضي و قد وقع خبر ليت ماضيا في قوله: يا ليتني مت قبل هذا . و ممن نص على منع وقوع الماضي خبرا للعل الرماني.


396

ليس
فعل معناه نفي مضمون الجملة في الحال اذا قلت ليس زيد قائما نفيت قيامه في حالك هذه. و إن قلت ليس زيد قائما غدا لم يستقم و لهذا لم يتصرف فيكون فيها مستقبلا. هذا قول الاكثرين و بعضهم يقول انها لنفي مضمون الجملة عموما. و قيل مطلقا حالا كان او غيره. و قواه ابن الحاجب. و رد الاول بقوله ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم و هذا نفي لكون الغذاب مصروفا عنهم يوم القيامة فهو نفي في المستقبل و على هذين القولين يصح ليس إلا الله و على الاول يحتاج إلى تاويل و هو انه قد ينفى عن الحال بالقرينة نحو ليس خلق الله مثله. و هل هو لنفي الجنس او الوحدة لم ار من تعرض لذلك غير ابن مالك في كتاب شواهد التوضيح فقال في قوله صلى الله عليه و سلم ( ليس صلاة اثقل على المنافقين ) ففيه شاهد على استعمال ليس للنفي العام المستغرق به للجنس و هو مما يغفل عنه. و نظيره قوله تعالى: ليس لهم طعام إلا من ضريع بمعنى عند و هي أخص منها لدلالته على ابتدائها به نحو أقمت عنده من لدن


397
طلوع الشمس إلى غروبها. فتوضح نهاية الفعل و هي ابلغ من عند قال تعالى قد بلغت من لدني عذرا ، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ، من لدن حكيم عليم ، فهب لي من لدنك وليا . و قد سبق الفرق بينهما في عند. و قد تحذف نونها قال تعالى و ألفيا سيدها لدى الباب ، هذا ما لدي عتيد .


398

ما
تكون على اثني عشر وجها ستة منها اسماء و ستة حروف.
ما الاسمية
فالاسمية ضربان معرفة و نكرة لانه اذا حسن موضعها الذي فهي معرفة او شئ فهي نكرة و إن حسنا معا جاز الامران كقوله تعالى: و يغفر ما دون ذلك و هذا ما لدي عتيد . و النكرة ضربان ضرب يلزم الصفة و ضرب لا يلزمه و الذي يلزمه الاستفهامية و الشرطية و التعجب و ما عداها تكون منه نكرة فلا بد لها من صفة تلزمها. فالأول من الستة الاسماء الخبرية و هي الموصولة و يستوي فيها التذكير و التانيث و الافراد و التثنية و الجمع كقوله تعالى: ما عندكم ينفد و ما عند الله باق و قوله: بما أنزل إليك ، و لله يسجد ما في السماوات و ما في الأرض . فان كان المراد بها المذكر كانت للتذكير بمعنى الذي و إن كان المراد بها المؤنث كانت للتانيث بمعنى التي. و قال السهيلي كذا يقول النحويون انها بمعنى الذي مطلقا و ليس كذلك بل بينهما تخالف في المعنى و بعض الاحكام. أما المعنى فلان ما اسم مبهم في غاية الابهام حتى انه يقع على المعدوم نحو إن الله عالم بما كان و بما لم يكن.


399

و اما في الاحكام فانها لاتكون نعتا لما قبلها و لا منعوتة لان صلتها تغنيها عن النعت و لاتثنى و لا تجمع. انتهى. ثم لفظها مفرد و معناها الجمع و يجوز مراعاتها في الضمير. و نحوه من مراعاة المعنى و يعبدون من دون الله ما لا يضرهم و لا ينفعهم ثم قال هؤلاء شفعاؤنا لما اراد الجمع. و كذلك قوله: و يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات و الأرض شيئا و لا يستطيعون . و من مراعاة اللفظ قل بئسما يأمركم به إيمانكم . و اصلها إن تكون لغير العاقل كقوله تعالى: ما عندكم ينفد . و قد تقع على من يعقل عند اختلاطه بما لا يعقل تغليبا كقوله تعالى: أو لم ينظروا في ملكوت السماوات و الأرض و قوله: إنكم و ما تعبدون من دون الله الآية بدليل نزول الاية بعدها مخصصة إن الذين سبقت لهم منا الحسنى . قالوا و قد تاتي لانواع من يعقل كقوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اي الابكار إن شئتم او الثيبات. و لا تكون لاشخاص من يعقل على الصحيح لانها اسم مبهم يقع على جميع الاجناس فلا يصح وقوعها إلا على جنس.


400

و منهم من جوزه محتجا بقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي و المراد آدم. و قوله: و السماء و ما بناها و قوله: و لا أنتم عابدون ما أعبد أي الله. فأما الأولى فقيل إنها مصدرية. و قال السهيل بل إنها وردت في معرض التوبيخ على امتناعه من السجود و لم يستحق هذا من حيث كان السجود لما يعقل و لكن لعلة أخرى و هي المعصية و التكبر فكأنه يقول لم عصيتني و تكبرت على ما خلقته و شرفته فلو قال ما منعك إن تسجد لمن كان استفهاما مجردا من توبيخ و لتوهم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل أو لعلة موجودة فيه أو لذاته و ليس كذلك. و اما آية السماء فلأن القسم تعظيم للمقسم به من حيث ما في خلقها من العظمة و الآيات فثبت لهذا للقسم بالتعظيم كائنا ما كان. و فيه إيحاء إلى قدرته تعالى على إيجاد هذا الأمر العظيم بخلاف قوله من لأنه كان يكون للمعنى مقصورا على ذاته دون أفعاله. و من هذا يظهر غلط من جعلها بتأويل المصدر. و اما ما أعبد فهي على بابها لأنها واقعة على معبوده عليه السلام على الإطلاق لأن الكفار كانوا يظنون انهم يعبدون الله و هم جاهلون به فكأنه قال أنتم لا تعبدون معبودي. و وجه آخر و هو أنهم كانوا يحسدونه و يقصدون مخالفته كائنا من كان معبوده فلا يصح في اللفظ إلا لفظة ما لإبهامها و مطابقتها لغرض أو لازدواج الكلام لأن معبودهم لا يعقل و كرر الفعل على بنية المستقبل حيث أخبر عن نفسه إيماء إلى عصمة الله له عن


401
الزيغ و التبديل و كرره بلفظ حين أخبر عنهم بأنهم يعبدون أهواءهم و يتبعون شهواتهم بفرض أن يعبدوا اليوم ما لا يعبدون غدا. و هاهنا ضابط حسن الفرق بين الخبرية و الاستفهامية و هو إن ما إذا جاءت قبل ليس او لم أو لا أو بعد إلا فإنها تكون خبرية كقوله: ما ليس لي بحق ، ما لم يعلم ، ما لا تعلمون ، إلا ما علمتنا و شبهه. و كذلك إذا جاءت بعد حرف الجر نحو ربما و عما و فيما و نظائرها إلا بعد كاف التشبيه. و ربما كانت مصدرا بعد الباء نحو بما كانوا يظلمون ، بما كانوا يكذبون ، بما تعملون . و إن وقعت بين فعلين سابقهما علم أو دراية او نظر جاز فيها الخبر و الاستفهام كقوله تعالى: و اعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون ، و الله يعلم ما تسرون و ما تعلنون ، و إنك لتعلم ما نريد ، هل علمتم ما فعلتم ، و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم ، و لتنظر نفس ما قدمت .


402

الثاني الشرطية و لها صدر الكلام و يعمل فيها ما بعدها من الفعل نحو ما تصنع أصنع و في التنزيل ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ، و ما تفعلوا من خير يعلمه الله ، و ما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ، و ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها . ف ما في هذه المواضع في موضع نصب بوقوع الفعل عليها. الثالث الاستفهامية بمعنى أي شىء و لها صدر الكلام كالشرط و يسأل بها اعيان ما لا يعقل و أجناسه و صفاته عن أجناس العقلاء و أنواعهم و صفاتهم قال تعالى ما هي و ما لونها ، و ما تلك بيمينك يا موسى . قال الخليل في قوله تعالى: إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء ما استفهام أي أي شىء تدعون من دون الله و مثال مجيئها لصفات من يعلم قوله تعالى: و ما الرحمن أنسجد لما تأمرنا و نظيرها لكن في الموصولة فانكحوا ما طاب لكم من النساء .


403

و جوز بعض النحويين أن يسأل بها عن أعيان من يعقل أيضا. حكاه الراغب. فإن كان مأخذه قوله تعالى عن فرعون و ما رب العالمين فإنما هو سؤال عن الصفة لأن الرب هو المالك و الملك صفة و لهذا اجابه موسى بالصفات. و يحتمل إن ما سؤال عن ماهية الشىء و لا يمكن ذلك في حق الله تعالى فاجابه موسى تنبيها على صواب السؤال. ثم فيه مسألتان إحداهما في إعرابها و هو بحسب الاسم المستفهم عنه فإن كانت هي المستفهم عنها كانت في موضع رفع بالابتداء نحو قوله تعالى: ما لونها و ما هي ، ما أصابك من حسنة فمن الله . و إن كان ما بعدها هو المسئول عنه كانت في موضع الخبر كقوله: و ما الرحمن و قوله: ما القارعة ما الحاقة . الثانية في حذف الفها و يكثر في حالة الخفض قصدوا مشاكلة اللفظ للمعنى فحذفوا الألف كما أسقطوا الصلة و لم يحذفوا في حال النصب و الرفع كيلا تبقى الكلمة على حرف واحد فإذا اتصل بها حرف الجر أو مضاف اعتمدت عليه لأن الخافض و المخفوض بمنزلة الكلمة الواحدة كقوله تعالى: فيم أنت من ذكراها ، لم تحرم ما أحل الله لك ، فبم تبشرون ، عم يتساءلون . و اما قوله: يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي فقال المفسرون معناه بأي شىء غفر لي فجعلوا ما استفهاما. و قال الكسائي معناه بمغفرة ربي فجعلها مصدرية. قال الهروي إثبات الألف في ما بمعنى الاستفهام مع اتصالها بحرف الجر لغة و اما قوله: فبما أغويتني لأقعدن لهم فقيل إنها للاستفهام أي بأي شىء


404
أغويتني ثم ابتدأ لأقعدن لهم . و قيل مصدرية و الباء متعلقة بفعل القسم المحذوف أي فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدن أي بسبب إغوائك أقسم. و يجوز إن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن و انما أقسم بالإغواء لأنه كان مكلفا و التكليف من افعال الله لكونه تعريفا لسعادة الأبد و كان جديرا إن يقسم به. فإن قيل تعلقها ب لأقعدن قيل يصد عنه لام القسم إلا ترى انك لا تقول و الله لا بزيد لأمرن. و الرابع التعجبية كقوله تعالى: فما أصبرهم على النار ، قتل الإنسان ما أكفره . و لا ثالث لهما في القرآن إلا في قراءة سعيد بن جبير ما غرك بربك الكريم و تكون في موضع رفع بالابتداء و ما خبر و هو قريب مما قبله لأن الاستفهام و التعجب بينهما تلازم لأنك إذا تعجبت من شىء فبالحرى إن تسأل عنه. و الخامس نكرة بمعنى شىء و يلزمها النعت كقولك رأيت ما معجبا لك و في التنزيل بعوضة فما فوقها ، إن الله نعما يعظكم به أي نعم شيئا يعظكم به.


405

و السادس نكرة بغير صفة و لا صلة كالتعجب و موضعها نصب على التمييز كقوله: إن تبدوا الصدقات فنعما هي أي فنعم شيئا هي كما تقول نعم رجلا زيد أي نعم الرجل رجلا زيد ثم قام ما مقام الشىء.

فائدة قال بعضهم و قد تجىء ما مضمرة كقوله تعالى: و اذا رأيت ثم رأيت أي ما ثم. و قوله: هذا فراق بيني و بينك اي ما بيني لقد تقطع بينكم أي ما بينكم.

ما الحرفية
و اما الحرفية فستة الأول النافية و لها صدر الكلام و قد تدخل على الأسماء و الأفعال ففي الأسماء ك ليس ترفع و تنصب في لغة اهل الحجاز و وقع في القرآن في ثلاث مواضع قال تعالى ما هذا بشرا . و قوله تعالى: ما هن أمهاتهم على قراءة كسر التاء. و قوله: فما منكم من أحد عنه حاجزين . و على الأفعال فلا تعمل و تدخل على الماضي بمعنى لم نحو ما خرج أي لم يخرج. و قوله تعالى: فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين . و على المضارع لنفي الحال بمعنى لا نحو ما يخرج زيد اي لا يخرج نفيت أن يكون منه خروج في الحال.


406

و منهم من يسميه جحدا و أنكره بعضهم. و سبق الفرق بين الجحد و النفي في الكلام على قاعدة المنفي. و قال ابن الحاجب هي لنفي الحال في اللغتين الحجازية و التميمية نحو ما زيد منطلقا و منطلق و لهذا جعلها سيبويه في النفي جوابا لقد في الإثبات و لا ريب إن قد للتقريب من الحال فلذلك جعل جوابا لها في النفي. قال و يجوز إن تستعمل للنفي في الماضي و المستقبل عند قيام القرائن قال تعالى حكاية عن الكفار و ما نحن بمنشرين ، و ما نحن بمبعوثين . و في الماضي نحو جاءنا من بشير و لا نذير فإنه ورد للتعليل على معنى كراهة إن يقولوا عند إقامة الحجة عليهم ما جاءنا في الدنيا من بشير و لا نذير و هذا للماضي المحقق و امثال ذلك كثيرة. قال ثم إن سيبويه جعل فيها معنى التوكيد لإنها جرت موضع قد في النفي فكما أن قد فيها معنى التأكيد فكذلك ما جعل جوابا لها. و هنا ضابط و هو إذا ما اتت بعدها إلا في القرآن فهي من نفي إلا في ثلاثة عشر موضعا أولها في البقرة قوله تعالى: مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا . الثاني فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون . الثالث في النساء قوله: لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين . الرابع ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف .


407

الخامس في المائدة و ما أكل السبع إلا ما ذكيتم . السادس في الأنعام و لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا . السابع و قد فصل لكم ما حرم عليكم إلا . الثامن و التاسع في هود ما دامت السماوات و الأرض إلا في موضعين أحدهما في ذكر أهل النار و الثاني في ذكر أهل الجنة. العاشر و الحادي عشر في يوسف فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا و فيها ما قدمتم لهن إلا . الثاني عشر في الكهف و ما يعبدون إلا الله على خلاف فيها. الثالث عشر و ما بينهما إلا بالحق حيث كان. و الثاني المصدرية و هي قسمان وقتية و غير وقتية. فالوقتية هي التى تقدر بمصدر نائب عن الظرف الزمان كقوله تعالى: خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض و قوله: إلا ما دمت عليه قائما و ما دمتم حرما اي مدة دوام السموات و الأرض و وقت دوام قيامكم و إحرامكم و تسمى ظرفية أيضا. و غير الوقتية هي التي تقدر مع الفعل نحو بلغني ما صنعت أي صنعك قال تعالى و بما كانوا يكذبون أي بتكذيبهم او بكذبهم على القرآن.


408

و قوله: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت و قوله: كما آمن الناس و كما أرسلنا فيكم رسولا و بئسما اشتروا أي كإيمان الناس و كإرسال الرسل و بئس اشتراؤهم. و كلما أتت بعد كاف التشبيه أو بئس فهي مصدرية على خلاف فيه و صاحب الكتاب يجعلها حرفا و الأخفش يجعلها اسما. و على كلا القولين لا يعود عليها من صلتها شىء. و الثالث الكافة للعامل عن عمله و هو ما يقع بين ناصب و منصوب أو جار و مجرور او رافع و مرفوع. فالأول كقوله تعالى: إنما الله إله واحد ، إنما يخشى الله من عباده العلماء ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما . و الثاني كقوله ربما رجل أكرمته و قوله: ربما يود الذين كفروا . و الثالث كقولك قلما تقولين و طالما تشتكين. و الرابع المسلطة و هي التي تجعل اللفظ متسلطا بالعمل بعد إن لم يكن عاملا نحو ما في إذما و حيثما لأنهما لا يعملان بمجردهما في الشرط و يعملان عند دخولها عليهما. و الخامس إن تكون مغيرة للحرف عن حاله كقوله في لو لوما غيرتها إلى معنى هلا قال تعالى لو ما تأتينا .


409

و السادس المؤكد للفظ و يسميه بعضهم صلة و بعضهم زائدة و الأول أولى لأنه ليس في القرآن حرف إلا و له معنى. و يتصل بها الاسم و الفعل و تقع ابدا حشوا او آخرا و لا تقع ابتداء و اذا وقعت حشوا فلا تقع إلا بين الشيئين المتلازمين و هو مما يؤكد زيادتها لأقحامها بين ما هو كالشىء الواحد نحو أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ، أينما تكونوا يدرككم الموت . و كذا قوله تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله ، أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ، فبما رحمة من الله لنت لهم ، فبما نقضهم ميثاقهم ، عما قليل ، أيما الأجلين قضيت ، مما خطيئاتهم . و جعل منه سيبويه في باب الحروف الخمسة قوله تعالى: إن كل نفس لما عليها حافظ قال فجعلها زائدة. و أجاز الفارسي زيادة اللام و المعنى إن كل نفس ما عليها حافظ.


410

ثم قال سيبويه و قال تعالى و إن كل لما جميع إنما هو لجميع و ما لغو. قال الصفار و الذي دعاه إلى إن يجعلها لغوا و لم يجعلها موصولا لأن بعدها مفرد فيكون من باب تماما على الذي أحسن . فإن قيل فهلا جعلها في لما عليها حافظ موصولة لأن بعدها الظرف قلنا منع من ذلك وقوع ما على آحاد من يعقل ألا ترى كل نفس و هذا يمنع في الايتين من الصلة. انتهى. و كان ينبغي إن يتجنب عبارة اللغو.


411

من
لا تكون إلا اسما لوقوعها فاعلة و مفعولة و مبتدأة و لها اربعة اقسام متفق عليها الموصولة و الاستفهامية و الشرطية و النكرة الموصوفة. فالموصولة كقوله تعالى: و له من في السماوات و الأرض و من عنده لا يستكبرون ، و لله يسجد من في السماوات و الأرض . و الاستفهامية و هي التي أشربت معنى النفي منه و من يغفر الذنوب إلا الله و و من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون . و لا يتقيد جواز ذلك بأن يتقدمها الواو خلافا لابن مالك في التسهيل بدليل من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه . و الشرطية كقوله تعالى: من عمل صالحا فلنفسه و من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها . و النكرة الموصوفة كقوله: و من الناس من يقول اي قريق يقول.


412

و قيل موصولة و ضعفة أبو البقاء بأن الذي يتناول اقواما باعيانهم و المعنى هاهنا على الإيهام. و توسط الزمخشري فقال إن كانت ال للجنس فنكرة أو للعهد فموصولة و كانه قصد مناسبة الجنس للجنس و العهد للعهد لكنه ليس بلازم بل يجوز إن تكون للجنس و من موصولة و للعهد و من نكرة. ثم الموصولة قد توصف بالمفرد و بالجملة و في التنزيل كل من عليها فان في أحد الوجهين أي كل شخص مستقر عليها. قالوا و اصلها إن تكون لمن يعقل و إن استعملت في غيره فعلى المجاز. هذه عبارة القدماء و عدل جماعة إلى قولهم من يعلم لإطلاقها على البارى كما في قوله تعالى: قل من رب السماوات و الأرض قل الله و هو سبحانه يوصف بالعلم لا بالعقل لعدم الإذن فيه. و ضيق سيبويه العبارة فقال هي للأناسي. فأورد عليه أنها تكون للملك كقوله تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات فكان حقه إن يأتي بلفظ يعم الجميع بأن يقول لأولى العلم. و أجيب بأن هذا يقل فيها فاقتصر على الأناسي للغلبة. و اذا أطلقت على ما لا يعقل فإما لأنه عومل معاملة من يعقل و اما لاختلاطه به. فمن الأول قوله تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق و الذي لايخلق المراد به الأصنام لأن الخطاب مع العرب لكنه لما عوملت بالعبادة عبر عنها ب من بالنسبة إلى اعتقاد المخاطب. و يجوز أن يكون المراد ب من لا يخلق العموم الشامل لكل ما عبد من دون


413
الله من العاقلين و غيرهم فيكون مجىء من هنا للتغليب الذي اقتضاه الاختلاط في قوله تعالى: و الله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه الآية فعبر بها عمن يمشي على بطنه و هم الحيات و عمن يمشي على اربع و هم البهائم لاختلاطها مع من يعقل في صدر الاية لأن عموم الآية يشمل العقلاء و غيرهم فغلب على الجميع حكم العاقل.


414

فائدة
قيل إنما كان من لمن يعقل و ما لما لا يعقل لأن مواضع ما في الكلام أكثر من مواضع من و ما لا يعقل أكثر ممن يعقل فأعطوا ما كثرت مواضعه للكثير و اعطوا ما قلت مواضعه للقليل و هو من يعقل للمشاكلة و المجانسة.

تنبيه
ذكر الإبياري في شرح البرهان إن اختصاص من بالعاقل و ما بغيره مخصوص بالموصولتين اما الشرطية فليست من هذا القبيل لأن الشرط يستدعى الفعل و لا يدخل على الأسماء.

تنبيه
و قد سبق في قاعدة مراعاة اللفظ و المعنى بيان حكم من في ذلك و قوله تعالى: إلا من كان هودا أو نصارى فجعل اسم كان مفردا حملا على لفظ من و خبرها جمعا حملا على معناها و لو حمل الاسم و الخبر على اللفظ معا لقال إلا من كان يهوديا أو نصرانيا و لو حملهما على معناها لقال إلا من كانوا هودا أو نصارى فصارت الآية الشريفة بمنزلة قولك لا يدخل الدار إلا من كان عاقلين و هذه المسالة منعها ابن السراج و غيره و قالوا لا يجوز إن يحمل الاسم و الخبر معا على اللفظ فيقال إلا من كان عاقلا أو يحملا معا على المعنى فيقال إلا من كانوا عاقلين و قد جاء القرآن بخلاف قولهم.


415

من

حرف ياتي لبضعة عشر معنى

الأول ابتداء الغاية إذا كان في مقابلتها إلى التى للانتهاء. و ذلك إما في اللفظ نحو سرت من البصرة إلى الكوفة و قوله تعالى: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى . و اما في المعنى نحو زيد أفضل من عمرو لأن معناه زيادة الفضل على عمرو و انتهاؤه في الزيادة إلى زيد. و يكون في المكان اتفاقا نحو من المسجد الحرام. و ما نزل منزلته نحو من فلان و منه إنه من سليمان و قولك ضربت من الصغير إلى الكبير إذا أردت البداءة من الصغير و النهاية بالكبير. و في الزمان عند الكوفيين كقوله تعالى: من أول يوم و قوله: لله الأمر من قبل و من بعد . فإن قبل و بعد ظرفا زمان. و تأوله مخالفوهم على حذف مضاف أي من تأسيس أول يوم ف من داخلة في التقدير على التأسيس و هو مصدر و اما قبل و بعد فليستا ظرفين في الأصل و انما هما صفتان. الثاني الغاية و هي التي تدخل على فعل هو محل لابتداء الغاية و انتهائه معا نحو


416
أخذت من التابوت فالتابوت محل ابتداء الأخذ و انتهائه. و كذلك اخذته من زيد ف زيد محل لابتداء الأخذ و انتهائه كذلك. قاله الصفار. و غاير قيله و بين ما قبله قال و زعم بعضهم انها تكون لانتهاء الغاية نحو قولك رايت الهلال من داري من خلل السحاب فابتداء الرؤية وقع من الدار و انتهاؤها من خلل السحاب و كذلك شممت الريحان من داري من الطريق فابتداء الشم من الدار و انتهاؤه إلى الطريق. و قال و هذا لا حجة فيه بل هما لابتداء الغاية فالأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل و الثانية لابتداء الغاية في حق المفعول و نظيره كتاب ابي عبيدة بن الجراح إلى عمر بالشام و ابو عبيدة لم يكن وقت كتبه إلى عمر بالشام بل الذي كان في الشام عمر فقوله بالشام ظرف للفعل بالنسبة إلى المفعول. قال و زعم ابن الطراوة انها إذا كانت لابتداء الغاية في الزمان لزمها إلى الانتهاء فأجاز سرت من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لأنك لو لم تذكر لم يدر إلى أين انتهى السير. قال الصفار و هذا الذي قاله غير محفوظ من كلامهم و اذا أرادت العرب هذا أتت فيه بمذ و منذ و يكون الانتهاء إلى زمن الإخبار. الثالث التبعيض و لها علامتان إن يقع موقعها و إن يعم ما قبلها ما بعدها إذا حذفت كقوله تعالى: حتى تنفقوا مما تحبون و لهذا في مصحف ابن مسعود بعض ما تحبون. و قوله: منهم من كلم الله .


417

و قوله: إني أسكنت من ذريتي فإنه كان نزل ببعض ذريته. الرابع بيان الجنس. و قيل إنها لا تنفك عنه مطلقا حكاه التراس و لها علامتان إن يصح وضع الذي موضعها و إن يصح وقوعها صفة لما قبلها. و قيل هي إن تذكر شيئا تحته اجناس و المراد أحدها فإذا أردت واحدا منها بينته كقوله تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان و غيرها فلما اقتصر عليه لم يعلم المراد فلما صرح بذكر الأوثان علم أنها المراد من الجنس. و قرنت ب من للبيان فلذلك قيل إنها للجنس و اما أجتناب غيرها فمستفاد من دليل آخر و التقدير و اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان اي اجتنبوا الرجس الوثني فهي راجعة إلى معنى الصفة. و هي بعكس التى للتبعيض فإن تلك يكون ما قبلها بعضا مما بعدها. فإذا قلت أخذت درهما من الدراهم كان الدرهم بعض الدراهم. و هذه ما بعدها بعض مما قبلها ألا ترى إن الأوثان بعض الرجس. و منه قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات أي الذين هم أنتم لأن الخطاب للمؤمنين فلهذا لم يتصور فيها التبعيض. و قد اجتمعت المعاني الثلاثة في قوله تعالى: و ينزل من السماء من جبال فيها من برد ف من الأولى لابتداء الغاية أي ابتداء الإنزال من السماء و الثانية للتبعيض اي بعض جبال منها و الثالثة لبيان الجنس لأن الجبال تكون بردا و غير برد. و نظيرها ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب و لا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم فالأولى للبيان لأن الكافرين نوعان كتابيون


418
و مشركون و الثانية مزيدة لدخولها على نكرة منفية و الثالثة لابتداء الغاية. و قوله: تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب فالأولى لابتداء الغاية و الثانية لبيان الجنس او زائدة بدليل قوله: و حلوا أساور و الثالثة لبيان الجنس أو التبعيض. و قد انكر القوم من متأخري المغاربة بيان الجنس و قالوا هي في الآية الشريفة لابتداء الغاية لأن الرجس جامع للأوثان و غيرها. فإذا قيل من الأوثان فمعناه الابتداء من هذا الصنف لأن الرجس ليس هو ذاتها ف من في هذه الآية كهي في أخذته من التابوت. و قيل للتبعيض لأن الرجس منها هو عبادتها. و اختاره ابن ابي الربيع و يؤيده قوله: و الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها . و اما قوله: منكم فهي للتبعيض و يقدر الخطاب عاما للمؤمنين و غيرهم. و اما قوله: من الجبال فهو بدل من السماء لأن السماء مشتملة على جبال البرد فكانه قال و ينزل من برد في السماء و هو من قبيل ما أعيد فيه العامل مع البدل كقوله: للذين استضعفوا لمن آمن منهم . و اما قوله: و يلبسون ثيابا خضرا من سندس ففي موضع الصفة فهي للتبعيض. و كثيرا ما تقع بعد ما و مهما لإفراط إبهامهما نحو ما يفتح الله للناس من رحمة ، ما ننسخ من آية ، مهما تأتنا به من آية و هي و مخفوضها في موضع نصب على الحال.


419

و قد تقع بعد غيرهما يحلون فيها من أساور من ذهب و يلبسون ثيابا خضرا من سندس و إستبرق الشاهد في غير الأولى فإن تلك للابتداء. و قيل زائدة. الخامس التعليل و يقدر بلام نحو مما خطيئاتهم أغرقوا و قوله: أطعمهم من جوع أي من أجل الجوع. و رده الأبذي بان الذي فهم منه العلة إنما هو لأجل المراد و انما هي للابتداء أي ابتداء الإطعام من أجل الجوع. السادس البدل من حيث العوض عنه فهو كالسبب في حصول العوض فكأنه منه أتى نحو قوله تعالى: لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون لأن الملائكة لا تكون من الانس. و قوله: أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة اي بدلا من الآخرة و محلها مع مجرورها النصب على الحال. و قوله: لن تغني عنهم أموالهم و لا أولادهم من الله شيئا أي بدل طاعة الله أو رحمة الله. و قوله: قل من يكلؤكم بالليل و النهار من الرحمن أي بدل الرحمن.


420

السابع بمعنى على نحو و نصرناه من القوم أي على القوم. و قيل على التضمين اي منعناه منهم بالنصر. الثامن بمعنى عن نحو فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ، يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا و قيل هي للابتداء فيهما. و قوله: أطعمهم من جوع فقد أشار سيبويه إلى إن من هنا تؤدي معنى عن. و قيل هي بمنزلة اللام للعلة أي لأجل الجوع. و ليس بشىء فإن الذي فهم منه العلة إنما هو أجل لا من. و اختار الصفار أنها لابتداء الغاية. التاسع بمعنى الباء نحو ينظرون من طرف خفي حكاه البغوي عن يونس. و قيل إنما قال من طرف لأنه لا يصح عنه و انما نظره ببعضها. و جعل منه ابن أبان يحفظونه من أمر الله أي بأمر الله. و قوله: من كل أمر. سلام . العاشر بمعنى في نحو إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة .


421
أروني ماذا خلقوا من الأرض . و قيل لبيان الجنس. الحادي عشر بمعنى عند نحو لن تغني عنهم أموالهم و لا أولادهم من الله قال أبو عبيد و قيل إنها للبدل. الثاني عشر بمعنى الفصل و هي الداخلة بين المتضادين نحو و الله يعلم المفسد من المصلح ، حتى يميز الخبيث من الطيب . الثالث عشر الزائدة و لها شرطان عند البصريين إن تدخل على نكرة و إن يكون الكلام نفيا نحو ما كان من رجل. أو نهيا نحو لا تضرب من رجل أو استفهاما نحو هل جاءك من رجل و أجرى بعضهم الشرط مجرى النفي نحو إن قام رجل قام عمرو. و قال الصفار الصحيح المنع. و لها في النفي معنيان أحدهما إن تكون للتنصيص على العموم و هي الداخلة على ما لا يفيد العموم نحو ما جاءني من رجل فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الجنس و نفي الوحدة فإذا دخلت من تعين نفي الجنس و عليه قوله تعالى: و ما من إله إلا إله واحد


422
و ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت . و ثانيهما لتوكيد العموم و هي الداخلة على الصيغة المستعملة في العموم نحو ما جاءني من أحد أو من ديار لأنك لو اسقطت من لبقي العموم على حاله لأن أحدا لا يستعمل إلا للعموم في النفي. و ما ذكرناه من تغاير المعنيين خلاف ما نص عليه سيبويه من تساويهما. قال الصفار و هو الصحيح عندي و انها مؤكدة في الموضعين فإنها لم تدخل على جاءني رجل إلا و هو يراد به ما جاءني أحد لأنه قد ثبت فيها تأكيد الاستغراق مع أحد و لم يثبت لها الاستغراق فيحمل هذا عليه فلهذا كان مذهب سيبويه أولى. قال و اشار إلى إن المؤكدة ترجع لمعنى التبعيض فإذا قلت ما جاءني من رجل فكانه قال ما أتاني بعض هذا الجنس و لا كله و كذا ما أتاني من احد اي بعض من الأحدين. انتهى. و قال الأستاذ ابو جعفر بن الزبير نص سيبويه على أنها نص في العموم قال فإذا قلت ما أتاني رجل فإنه يحتمل ثلاثة معان أحدها أن تريد ما اتاك من رجل في قوته و نفاده بل أتاك الضعفاء. أحدها أن تريد انه ما أتاك رجل واحد بل أكثر من واحد. و الثالث إن تريد ما أتاك رجل واحد و لا أكثر من ذلك.


423

فإن قلت ما أتاني من رجل كان نفيا لذلك كله قال هذا معنى كلامه. و الحاصل إن من في سياق النفي تعم و تستغرق. و يلتحق بالنفي الاستفهام كقوله تعالى: هل ترى من فطور . و جوز الأخفش زيادتها في الاثبات كقوله: يغفر لكم من ذنوبكم و المراد الجميع بدليل إن الله يغفر الذنوب جميعا فوجب حمل الأول على الزيادة دفعا للتعارض. و قد نوزع في ذلك بانه إنما يقع التعارض لو كانتا في حق قبيل واحد و ليس كذلك فإن الآية التى فيها من لقوم نوح و الآخرى لهذه الأمة. فإن قيل فإذا غفر للبعض كان البعض الآخر معاقبا عليه فلا يحصل كمال الترغيب في الإيمان إلا بغفران الجميع. و أيضا فكيف يحسن التبعيض فيها مع إن الإسلام يجب ما قبله فيصح قول الأخفش فالجواب من وجوه أحدها إن المراد بغفران بعض الذنوب في الدنيا لأن إغراق قوم نوح عذاب لهم و ذلك إنما كان في الدنيا مضافا إلى عذاب الآخرة فلو آمنوا لغفر لهم من الذنوب ما استحقوا به الإغراق في الدنيا و اما غفران الذنب بالإيمان في الآخرة فمعلوم. و الثاني إن الكافر إذا آمن فقد بقي عليه ذنوب و هي مظالم العباد فثبت التبعيض بالنسبة للكافر. الثالث إن قوله: ذنوبكم يشمل الماضية و المستقبلة فإن الإضافة تفيد


424
العموم فقيل من لتفيد إن المغفور الماضي و عدم إطماعهم في غفران المستقبل بمجرد الإسلام حتى يجتنبوا المنيهات. و قيل إنها لابتداء الغاية و هو حسن لقوله يغفر لهم ما قد سلف و سيبويه يقدر في نحو ذلك مفعولا محذوفا اي يغفر لكم بعضا من ذنوبكم محافظة على معنى التبعيض. و قيل بل الحذف للتفخيم و التقدير يغفر لكم من ذنوبكم ما لو كشف لكم عن كنهه لاستعظمتم ذلك و الشىء إذا أرادوا تفخيمه ابهموه كقوله: فغشيهم من اليم ما غشيهم أي أمر عظيم. و قال الصفار من للتبعيض على بابها و ذلك إن غفر تتعدى لمفعولين أحدهما باللام فالأخفش يجعل المفعول المصرح الذنوب و هو المفعول الثاني فتكون من زائدة و نحن نجعل المفعول محذوفا و قامت من ذنوبكم مقامه اي جملة من ذنوبكم و ذلك إن المغفور لهم بالإسلام ما اكتسبوه في حال الكفر لا حال الإسلام و الذي اكتسبوه في حال الكفر بعض ذنوبهم لا جميعها. و اما قوله في آية الصدقة و يكفر عنكم من سيئاتكم فللتبعيض لأن أخذ الصدقة لا يمحو كل السيئات. و مما احتج به الأخفش أيضا قوله تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم أي ابصارهم و قوله: و لهم فيها من كل الثمرات اي كل الثمرات. و قوله: ولقد جاءك من نبإ المرسلين .


425

و هذا ضعيف أيضا بل هي في الأول للتبعيض لإن النظر قد يكون عن تعمد و غير تعمد و النهي إنما يقع على نظر العمد فقط و لهذا عطف عليه قوله: و يحفظوا فروجهم من غير إعادة من لأن حفظ الفروج واجب مطلقا و لأنه يمكن التحرز منه و لا يمكن في النظر لجواز وقوعه اتفاقا و قد يباح للخطبة و للتعليم و نحوهما. و اما الثانية فإن الله وعد أهل الجنة إن يكون لهم فيها كل نوع من أجناس الثمار مقدار ما يحتاجون إليه و زيادة و لم يجعل جميع الذي خلقه الله من الثمار عندهم بل عند كل منهم من الثمرات ما يكفيه و زيادة على كفايته و ليس المعنى على إن جميع الجنس عندهم حتى لم تبق معه بقية لأن في ذلك وصف ما عند الله بالتناهي. و اما الثالثة فللتبعيض بدليل قوله: و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك . لطيفة إنها حيث وقعت في خطاب المؤمنين لم تذكر كقوله في سورة الصف يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم إلى قوله: يغفر لكم ذنوبكم . و قوله في سورة الأحزاب يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله إلى قوله: و يغفر لكم ذنوبكم . و قال في خطاب الكفار في سورة نوح يغفر لكم من ذنوبكم . و في سورة الأحقاف يا قومنا أجيبوا داعي الله و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم


426
و ما ذاك إلا للتفرقة بين الخطابين لئلا يسوى بين الفريقين في الوعد و لهذا إنه في سورة نوح و الأحقاف وعدهم مغفرة بعض الذنوب بشرط الإيمان لا مطلقا و هو غفران ما بينه و بينهم لا مظالم العباد. الرابع عشر الملابسة كقوله تعالى: المنافقون و المنافقات بعضهم من بعض اي يلابس بعضهم بعضا و يواليه و ليس المعنى على النسل و الولادة لأنه قد يكون من نسل المنافق مؤمن و عكسه. و نظيره قوله تعالى: و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض . و كذا قوله: ذرية بعضها من بعض . كما يتبرأ الكفار كقوله: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا . فأما قوله: و الله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض أي بعضكم يلابس بعضا و يواليه في ظاهر الحكم من حيث يشملكم الإسلام.


427

مع
للمصاحبة بين أمرين لا يقع بينهما مصاحبة و اشتراك إلا في حكم يجمع بينهما و لذلك لا تكون الواو التى بمعنى مع إلا بعد فعل لفظا أو تقديرا لتصح المعية. و كمال معنى المعية الاجتماع في الأمر الذي به الاشتراك دون زمانه. فالأول يكثر في أفعال الجوارح و العلاج نحو دخلت مع زيد و انطلقت مع عمرو و قمنا معا و منه قوله تعالى: و دخل معه السجن فتيان ، أرسله معنا غدا ، فأرسل معنا أخانا ، لن أرسله معكم . و الثاني يكثر في الأفعال المعنوية نحو آمنت مع المؤمنين و تبت مع التائبين و فهمت المسألة مع من فهمها و منه قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك و اسجدي و اركعي مع الراكعين . و قوله: و كونوا مع الصادقين ، و قيل ادخلا النار مع الداخلين ، إنني معكما أسمع و أرى ، إن معي ربي سيهدين ، لا تحزن إن الله معنا أي بالعناية و الحفظ. يوم لا يخزي الله النبي و الذين آمنوا معه يعني الذين شاركوه في الإيمان و هو الذي وقع فيه الاجتماع و الاشتراك من الأحوال و المذاهب.


428

و قد ذكروا الاحتمالين المذكورين في قوله تعالى: و اتبعوا النور الذي أنزل معه قيل إنه من باب المعية في الاشتراك فتمامه الاجتماع في الزمان على حذف مضاف إما إن يكون تقديره أنزل مع نبوته و اما إن يكون التقدير مع اتباعه. و قيل لأنه فيما وقع به الاشتراك دون الزمان و تقديره و اتبعوا معه النور. و قد تكون المصاحبة في الاشتراك بين المفعول و بين المضاف كقوله شممت طيبا مع زيد. و يجوز إن يكون منه قوله تعالى: إنك لن تستطيع معي صبرا نقل ذلك ابو الفتح القشيري في شرح الإلمام عن بعضهم ثم قال و قد ورد في الشعر استعمال مع في معنى ينبغي إن يتأمل ليلحق باحد الأقسام و هو قوله

يقوم مع الرمح الرديني قامة
و يقصر عنه طول كل نجاد

و قال الراغب مع تقتضي الاجتماع إما في المكان نحو هما معا في الدار أو في الزمان نحو ولدا معا أو في المعنى كالمتضايفين نحو الأخ و الأب فإن أحدهما صار أخا للآخر في حال ما صار الآخر أخاه و اما في الشرف و الرتبة نحو هما معا في العلو و تقتضي مع النصرة و المضاف إليه لفظ مع هو المنصور نحو قوله تعالى: لا تحزن إن الله معنا ، إن الله مع الذين اتقوا ، و هو معكم أين ما كنتم ، و اعلموا أن الله مع المتقين ، إن معي ربي سيهدين . انتهى.


429

و قال ابن مالك إن معا إذا أفردت تساوى جميعا معنى. و رد عليه الشيخ ابو حيان بأن بينهما فرقا. قال ثعلب إذا قلت قام زيد و عمرو جميعا احتمل إن يكون القيام في وقتين و إن يكون في واحد و اذا قلت قام زيد و عمرو معا فلا يكون إلا في وقت واحد. و التحقيق ما سبق. و يكون بمعنى النصرة و المعونة و الحضور كقوله: إنني معكما أي ناصر كما. إن الله مع الذين اتقوا اي معينهم. و هو معكم أين ما كنتم أي عالم بكم و مشاهدكم فكانه حاضر معهم و هو ظرف زمان عند الأكثرين إذا قلت كان زيد مع عمرو أي زمن مجىء عمرو ثم حذف الزمن و المجىء و قامت مع مقامهما.


430

النون
للتأكيد و هي إن كانت خفيفة كانت بمنزلة تأكيد الفعل مرتين أو شديدة فمنزلة تأكيده ثلاثا و اما قوله تعالى: ليسجنن و ليكونن من الصاغرين من حيث أكدت السجن بالشدة دون ما بعده إعظاما. و لم يقع التأكيد بالخفيفة في القرآن إلا في موضعين هذا و قوله: لنسفعا بالناصية . و في القواعد انها إذا دخلت على فعل الجماعة الذكور كان ما قبلها مضمونا نحو يا رجال اضربن زيدا و منه و قوله تعالى: لتؤمنن به و لتنصرنه فاما قوله تعالى: لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك و لنرسلن معك بني إسرائيل فإنما جاء قبلها مفتوحا لأنها دخلت على فعل الجماعة المتكلمين و هو بمنزلة الواحد و لا تلحقة واو الجماعة لأن الجماعة إذا أخبروا عن انفسهم قالوا نحن نقوم ليكون فعلهم كفعل الواحد و الرجل الرئيس إذا أخبر عن نفسه قال كقولهم فلما دخلت النون هذا الفعل مرة أخرى بنى آخره معها على الفتح لما كان لا يلحقه واو الجمع و انما يضمون ما قبل النون في الأفعال التى تكون للجماعة و يلحقها واو الجمع التى هي ضميرهم و ذلك إن واو الجمع يكون ما قبلها مضموما نحو قولك يضربون فإذا دخلت النون حذفت نون الإعراب لدخولها و حذف الواو لسكونها و سكون النون و بقي ما قبل الواو مضموما ليدل عليه. و مثله لنكونن من الخاسرين . فإن كان ما قبل الواو مفتوحا لم يحذفها و لكنها تحركها لالتقاء الساكنين نحو اخشون زيدا.


431

الهاء
تكون ضميرا للغائب و تستعمل في موضع الجر و النصب نحو قال له صاحبه و هو يحاوره . و تكون لبيان السكت. و تلحق وقفا لبيان الحركة و انما تلحق بحركة بناء لا تشبه حركة الإعراب نحو ما هيه و كالهاء في كتابيه و حسابيه و سلطانيه و ماليه . و كان حقها إن تحذف وصلا و تثبت وقفا و انما أجرى الوصل مجرى الوقف أو وصل بنيه الوقف في كتابيه و حسابيه أتفاقا فاثبتت الهاء كذا عند الجميع القراء إلا حمزة فإنه حذف الهاء من هذه الكلم الثلاث و أثبتها وقفا. أعنى في ماليه و سلطانيه و ماهيه في القارعة لأنها في الوقف يحتاج إليها لتحصين حركة الموقوف عليه و في الوصل يستغني عنه. فإن قيل فلم لا يفعل ذلك في كتابيه و حسابيه قيل إنه جمع بين اللغتين.


432

ها

كلمة تستعمل على ضربين

احدهما إن تكون اسما سمي به الفعل. و ثانيهما للتنبيه و لها موضوعان أحدهما إن تلحق الأسماء المبهمة المفردة نحو هذا و تتنزل منزلة حرف من الكلمة و لهذا يدخل حرف الجر عليه كقوله تعالى: و من هؤلاء من يؤمن به . و يفصل به بين المضاف و المضاف إليه كقوله: لمثل هذا فليعمل العاملون . الثاني إن تدخل على الجملة كقوله: ها أنتم أولاء تحبونهم ، ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم . و يدل على دخول حرف التنبيه على الجملة أنه لا يخلوا إما إن يقدر به الدخول على الاسم المفرد أو الجملة لا يجوز الأول لأن المبهم في الآيتين دخل عليهما حرف الإشارة فعلم إن دخولها إنما هو الجملة. ذكره أبو علي.


433

هل
للاستفهام قيل و لا يكون المستفهم معها إلا فيما لا ظن له فيه البتة بخلاف الهمزة فإنه لا بد إن يكون معه إثبات. فإذا قلت أعندك زيد فقد هجس في نفسك أنه عنده فاردت إن تستثبته بخلاف هل. حكاه ابن الدهان. و قد سبق فروق في الكلام على معنى الاستفهام. و قد تأتي بمعنى قد كقوله تعالى: و هل أتاك حديث موسى ، هل أتاك حديث الغاشية ، هل أتى على الإنسان . و ذكر بعضهم إن هل تأتي للتقرير و الإثبات كقوله تعالى: هل في ذلك قسم لذي حجر أي في ذلك قسم. و كذا قوله: هل أتى على الإنسان على القول بان المراد آدم فإنه توبيخ لمن ادعى ذلك. و تأتي بمعنى ما كقوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام . و بمعنى إلا كقوله: هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا . و بمعنى الأمر نحو فهل أنتم منتهون . و بمعنى السؤال هل من مزيد .


434

و بمعنى التمني هل في ذلك قسم لذي حجر . و بمعنى أدعوك نحو هل لك إلى أن تزكى فالجار و المجرور متعلق به.

هيهات
لتبعيد الشىء و منه هيهات هيهات لما توعدون قال الزجاج البعد لما توعدون. و قيل و هذا غلط من الزجاج أوقعه فيه اللام فإن تقديره بعد الأمر لما توعدون أي لأجله.


435

الواو

الواو العاملة
حرف يكون عاملا و غير عامل. فالعامل قسمان جار و ناصب. فالجار واو القسم نحو و الله ربنا ما كنا مشركين . و واو رب على قول كوفي. و الصحيح إن الجر ب رب المحذوفة لا بالواو. و الناصب ثنتان واو مع فتنصب المفعول معه عند قوم و الصحيح أنه منصوب بما قبل الواو من فعل أو شبهه بواسطة الواو. و الواو التى ينتصب المضارع بعدها في موضعين في الأجوبة الثمانية و إن يعطف بها الفعل على المصدر على قول كوفي. و الصحيح إن الواو فيه عاطفة و الفعل منصوب بان مضمرة. و لها قسم آخر عند الكوفيين تسمى واو الصرف و معناها إن الفعل كان يقتضي إعرابا فصرفته الواو عنه إلى النصب كقوله تعالى: أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء على قراءة النصب.

الواو غير العاملة
و اما غير العاملة فلها معان


436

الأول و هو أصلها العاطفة تشرك في الإعراب و الحكم. و هي لمطلق الجمع على الصحيح و لا تدل على إن الثاني بعد الأول بل قد يكون كذلك و قد يكون قبله و قد يكون معه فمن الأول إذا زلزلت الأرض زلزالها و أخرجت الأرض أثقالها فإن الإخراج متأخر عن الزلزال و ذلك معلوم من قضية الوجود لا من الواو. و من الثاني و اسجدي و اركعي مع الراكعين و الركوع قبل السجود و لم ينقل إن شرعهم كان مخالفا لشرعنا في ذلك. و قوله تعالى مخبرا عن منكري البعث ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا أي نحيا و نموت. و قوله: سخرها عليهم سبع ليال و ثمانية أيام و الأيام هنا قبل الليالي إذ لو كانت الليالي قبل الأيام كانت الأيام مساوية لليالي و أقل. قال الصفار و لو كان على ظاهره لقال سبع ليال و ستة ايام أو سبعة ايام و اما ثمانية فلا يصح على جعل الواو للترتيب.

فائدة قوله تعالى: ذرني و من خلقت وحيدا ، و ذرني و المكذبين أجاز أبو البقاء كون الواو عاطفة و هو فاسد لأنه يلزم فيه إن يكون الله تعالى أمر نبيه عليه السلام إن يتركه و كأنه قال اتركني و اترك من خلقت وحيدا و كذلك اتركني واترك المكذبين فتعين إن يكون المراد خل بيني و بينهم و هو وارد مع كقولك لو تركت الناقة و فصيلها لرضعها.


437

و الثاني واو الاستثناء و تسمى واو القطع و الابتداء و هي التي يكون بعدها جملة غير متعلقة بما قبلها في المعنى و لا مشاركة في الإعراب و يكون بعدها الجملتان. فالاسمية كقوله تعالى: ثم قضى أجلا و أجل مسمى عنده . و الفعلية كقوله: لنبين لكم و نقر في الأرحام ، هل تعلم له سميا و يقول الإنسان و الظاهر أنها الواو العاطفة لكنها تعطف لجمل ألتي لا محل لها من الإعراب لمجرد الربط و انما سميت واو الاستئناف لئلا يتوهم إن ما بعدها من المفردات معطوف على ما قبلها. الثالث واو الحال الداخلة على الجملة الاسمية و هي عندهم مغنية عن ضمير صاحبها كقوله تعالى: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم و طائفة قد أهمتهم و قوله: لئن أكله الذئب و نحن عصبة و قوله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق و إن فريقا من المؤمنين لكارهون . و قد يجتمعان نحو فلا تجعلوا لله أندادا و أنتم تعلمون ، و تنسون أنفسكم و أنتم تتلون الكتاب


438
و لا تباشروهن و أنتم عاكفون في المساجد ، ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت ، لم تكفرون بآيات الله و الله شهيد على ما تعملون ، و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون ، و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون و لستم بآخذيه ، أو قال أوحي إلي و لم يوح إليه شيء ، أنى يكون لي غلام و لم يمسسني بشر . الرابع للإباحة نحو جالس الحسن و ابن سيرين لأنك أمرت بمجالستهما معا. قال و على هذا أخذ مالك قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء و المساكين الآية. الخامس واو الثمانية و العرب تدخل الواو بعد السبعة إيذانا بتمام العدد فإن السبعة عندهم هي العقد التام كالعشرة عندنا فياتون بحرف العطف الدال على المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه فتقول خمسة ستة سبعة و ثمانية فيزيدون الواو إذا بلغوا الثمانية.


439

حكاه البغوي عن عبدالله بن جابر عن ابي بكر بن عبدوس و يدل عليه قوله تعالى: سبع ليال و ثمانية أيام . و نقل عن ابن خالويه و غيره و مثلوه بقوله تعالى: و ثامنهم كلبهم بعد ما ذكر العدد مرتين بغير واو. و قوله تعالى في صفة الجنة و فتحت أبوابها بالواو لأنها ثمانية و قال تعالى في صفة النار فتحت أبوابها بغير الواو لأنها سبعة و فعل ذلك فرقا بينهما. و قوله: و الناهون عن المنكر بعد ما ذكر قبلها من الصفات بغير واو. و قيل دخلت فيه أعلاما بأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره بالمعروف فهما حقيقتان متلازمتان. و ليس قوله: ثيبات و أبكارا من هذا القبيل خلافا لبعضهم لأن الواو لو اسقطت منه لاستحال المعنى لتناقض الصفتين. و لم يثبت المحققون واو الثمانية و اولوا ما سبق على العطف أو واو الحال و إن دخلت في آية الجنة لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم و حذفت في الأول لأنها كانت مغلقة قبل مجيئهم. و قيل زيدت في صفة الجنة علامة لزيادة رحمة الله على غضبه و عقوبته و فيها زيادة كلام سبق في مباحث الحذف. و زعم بعضهم أنها لا تأتي في الصفات إلا إذا تكررت النعوت و ليس كذلك


440
بل يجوز دخولها من غير تكرار قال تعالى و يقولون سبعة و ثامنهم كلبهم و قال و لقد آتينا موسى و هارون الفرقان و ضياء و ذكرا للمتقين . و تقول جاءني زيد و العالم. السادس الزيادة للتأكيد كقوله تعالى: إلا و لها كتاب معلوم بدليل الاية الأخرى. قال الزمخشري دخلت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف الدالة على إن اتصافه بها أمر ثابت مستقر. و ضابطه إن تدخل على جملة صفة للنكرة نحو جاءني رجل و معه ثوب آخر و كذا و ثامنهم كلبهم . و قال الشيخ جمال الدين بن مالك في باب الاستثناء من شرح التسهيل و تابعه. الشيخ أثير الدين إن الزمخشري تفرد بهذا القول و ليس كذلك فقد ذكر الأزهري في الأزهرية فقال و تأتي الواو للتأكيد نحو ما رأيت رجلا إلا و عليه ثوب حسن. و في القرآن منه و ما أهلكنا من قرية إلا و لها كتاب معلوم و قال و ما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون . انتهى. و أجازه أبو البقاء أيضا في الآية و في قوله تعالى: و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم فقال يجوز إن تكون الجملة في موضع نصب صفة ل شىء و ساغ دخول الواو لما كانت صورة الجملة هنا كصورتها إذا كانت حالا


441
و أجاز أيضا في قوله تعالى: على قرية و هي خاوية فقال الجملة في موضع جر صفة ل قرية. و اما قوله: فاضرب به و لا تحنث فقيل الواو زائدة و يحتمل إن يكون مجزوما جواب الأمر بتقدير أضرب به و لا تحنث. و يتحمل أن يكون نهيا. قال ابن فارس و الأول أجود. و كذلك قوله: و كذلك مكنا ليوسف في الأرض و لنعلمه قيل الواو زائدة. و قيل و لنعلمه فعلنا ذلك. كذلك و حفظا من كل شيطان أي و حفظا فعلنا ذلك. و قيل في قوله: و فتحت أبوابها إنها زائدة للتأكيد و الصحيح أنها عاطفة و جواب إذا محذوف أي سعدوا و أدخلوا. و قيل و ليعلم فعلنا ذلك و كذلك و حفظا من كل شيطان اي حفظا فعلنا ذلك.


442

و قيل في قوله: فلما أسلما و تله للجبين. و ناديناه أن يا إبراهيم اي ناديناه. و الصحيح انه عاطفة و التقدير عرف صبره و ناديناه و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض و ليكون من الموقنين و قوله: و لقد آتينا موسى و هارون الفرقان و ضياء و ذكرا للمتقين و قوله: و تلك الأيام نداولها بين الناس و ليعلم أي لنعلم. و قوله: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو افتدى به . و زعم الأخفش إن إذا من قوله تعالى: إذا السماء انشقت مبتدأ و خبرها إذا في قوله: و اذا الأرض مدت و الواو زائدة و المعنى أن وقت انشقاق السماء هو وقت مد الأرض و انشقاقها و استبعده ابو البقاء لوجهين أحدهما إن الخبر محط الفائدة و لا فائدة في إعلامنا بأن الوقت الانشقاق في وقت المد بل الغرض من الأية عظم الأمر يوم القيامة. و الثاني بان زيادة الواو تغلب في القياس و الاستعمال. و قد تحذف كثيرا من الجمل كقوله تعالى: و لا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت أي و قلت و الجواب قوله تعالى: تولوا و قوله: يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون و في قول أكثر قال فرعون و ما رب العالمين. قال رب السماوات و الأرض الآية. و قوله: إنهم كانوا قبل ذلك مترفين. و كانوا يصرون على الحنث العظيم .


443

ويكأن
قال الكسائي كلمة تندم و تعجب قال تعالى ويكأن الله يبسط الرزق ، ويكأن لا يفلح الكافرون . و قيل انه صوت لا يقصد به الإخبار عن التندم. و يحتمل أنه اسم فعل مسماه ندمت او تعجبت. و قال الصفار قال المفسرون معناه ألم إن تر فإن أرادوا به تفسير المعنى فمسلم و إن ارادوا تفسير الإعراب فلم يثبت ذلك. و قيل بمعنى ويلك فكان ينبغي كسر إن. و قيل وى تنبيه و كان للتشبيه و هو الذي نص عليه سيبويه. و منهم من جعل كأن زائدة لا تفيد تشبيها و لم يثبت فلم يبق إلا أنها للتشبيه الأمر يشبه هذا بل هو كذا. قلت عن هذا اعتذر سيبويه فقال المعنى على إن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم أما يشبه إن يكون ذا عندكم هكذا و هذا بديع جدا كانهم لم يحققوا هذا الأمر فلم يكن عندهم إلا ظن فقالوا نشبه إن يكون الأمر كذا و نهوا. ثم قيل لهم يشبه إن يكون الأمر هكذا على وجه التقرير. انتهى. و قال صاحب البسيط كانه على مذهب البصريين لا يراد به التشبيه بل القطع و اليقين


444
و على مذهب الكوفيين يحتمل إن تكون الكاف حرفا للخطاب لأنه إذا كان اسم فعل لم يضف. و ذهب بعضهم إلى أنه بكماله اسم. و ذهب الكسائي إلى إن أصله ويلك فحذفت اللام و فتحت على مذهبه إن باسم الفعل قبلها. و اما الوقف فأبو عمرو و يعقوب يقفان على الكاف على موافقة مذهب الكوفيين و الكسائي يقف على الياء و هو مذهب البصريين و هذا يدل على أنهم لم يأخذوا قراءتهم من نحوهم و انما أخذوها نقلا و إن خالف مذهبهم في النحو و لم يكتبوها منفصلة لأنه لما كثر بها الكلام وصلت.
ويل
قال الأصمعي ويل تقبيح قال تعالى و لكم الويل مما تصفون . و قد توضع موضع التحسر و التفجع منه كقوله: يا ويلتنا ، يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب .


445

يا
لنداء البعيد حقيقة او حكما و منه قول الداعي يا الله و هو أقرب إليه من حبل الوريد استصغار لنفسه و استبعادا لها من مظان الزلفى. و قد ينادى بها القريب إذا كان ساهيا أو غافلا تنزيلا لهما منزله البعيد. و قد ينادى بها القريب الذي ليس بساه و لا غافل إذا كان الخطاب المرتب على النداء في محل الاعتناء بشأن المنادى. و قد تحذف نحو يوسف أعرض عن هذا ، ربنا إنك آتيت فرعون و ملأه زينة ، قال ابن أم . و قد قيل في قوله تعالى: أم من هو قانت آناء الليل في قراءة تخفيف من إن الهمزة فيه للنداء أي يا صاحب هذه الصفات. قال ابن فارس تأنى للتأسف و التلهف نحو ألا يسجدوا . و قيل للتنبيه. قال و للتلذذ نحو

يا بردها على الفؤاد لو تقف

و هذا مع التوفيق كاف فحصلا


446
في آخر النسخة المنقول منها ما مثاله تمت النسخة المباركة بحمد الله تعالى و عونه و حسن توفيقه و نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعله خالصا لوجهه الكريم مقربا بالفوز في جنات النعيم و ذلك في اليوم المبارك السعيد رابع عشر شهر شعبان الفرد من شهور سنة تسع و سبعين و ثمانمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام و الحمد الله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه الطيبين الطاهرين. و غفر الله لنا و لكم و لجميع المسلمين و الحمد الله رب العالمين.

و إن تجد عيبا فسد الخللا
فجل من لا فيه عيب و علا
فهرست موضوعات
مقابلة الجمع بالجمع 3
قاعدة 6
تنبيه 22
قاعدة نحوية 23
قاعدة في الضمائر 24
فيما يتعلق بالسؤال و الجواب 42
فائدة في إن اقل الامم سؤالا امة محمد عليه السلام 52
تنبيه 58
قاعدة 63
فائدة 66
تنبيه 71
تنبيه 72
قاعدة 73
قاعدة 74
قاعدة 77
قاعدة 78
قائدة 85
قاعدة 87
تنبيه 93
قاعدة 93
قواعد تتعلق بالعطف 101
القاعدة الثانية 107
قواعد في العدد 117
احكام الالفاظ يكثر دورانها في القرآن 121
مسالة 127
مسالة 128
فائدة 134
قاعدة 139
قاعدة 139
فائدة 144
اتخذ 161
أخذ 163
سأل 164
وعد 165
ود 167
أفعل التفضيل 168
تنبيه 173
النوع السابع والأربعون 175
الهمزة 178
مسالة 178
مسالة 179
مسالة في ضرورة تقدم الاستفهام على أم 185
مسالة 186
إذن 187
إذا 190
ثم فيه مسائل 194
تنبيه 208
إن 215
أيان 251
إى 251
حرف الباء 252
وإما مع المفعول كقوله تعالى و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و قوله تلقون إليهم بالمودة أى تبذلونها لهم و قوله اقرأ باسم ربك الذي خلق و قوله بأيكم المفتون جعلت المفتون اسم مفعول لا مصدرا كالمعقول والمعسور والميسور وقوله 253
أى تجعلنا حلالا لا محرمين وليست الديار داخلة معهم في ذلك و اعلم أنه لكون الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما فإن قلت كيف جاء تنبت بالدهن و الهمزة في أنبت للنقل قلت لهم في الانفصال عنه ثلاثة أوجه 255
أي في ضاحى و هي نكرة 257
بل 258
بلى 261
في 302
قد 305
الكاف 310
كان 311
كل 317
مسألة 324
كم 328
كيف 330
من 411
فائدة 414
تنبيه 414
تنبيه 414
تنبيه / 414