فهرست عناوين
لمحات الاصول
فهرست عناوين
     مقدّمةم2
     القواعد الكلّيّة في أحاديث الأئمّةم7
     أُصول الفقه و أدواره‏م9
     المرحلة الأُولى: م9
     الدور الأوّل‏م9
     الدور الثاني(دور النموّ)م10
     الدور الثالث(دور الازدهار)م12
     المرحلة الثانية: مرحلة الإبداع و الابتكارم16
     دور المحقّق البهبهاني في إنعاش المذهب‏م20
     1-الدور الأوّل(دور الانفتاح)م21
     2-الدور الثاني(دور النضوج)م21
     3-الدور الثالث(دور التكامل)م22
     قم المقدّسة حرم أهل البيت: م24
     إقامة السيّد البروجردي في قم المقدّسةم26
     كلمة حول شخصيّة الإمام الخميني قدس سره‏م28
     عملنا في التحقيق‏م31
     المقدّمة5
     فصل البحث حول موضوع العلم‏7
     تمايز العلوم بتمايز الموضوعات‏11
     حول تمايز المسائل‏13
     موضوع علم الأُصول‏17
     فصل البحث في الوضع‏21
     حول أقسام الوضع و الموضوع له‏22
     المعنى الحرفي‏24
     و أمّا اللّحاظ الذهنيّ فهو على‏ نحوين: 27
المقصد الأوّل في الأوامر31
      المطلب الأوّل فيما يتعلّق بمادّة الأمر33
      الجهة الثالثة الطلب و الإرادة33
     دليلا الأشاعرة على‏ وجود صفة نفسانية قبال العلم‏33
      أحدهما: 33
     ثانيهما: 36
     الجبر و التفويض‏37
     الجهة الرابعة في أنّ الأمر إذا كان مطلقاً بلا قرينة هل يحمل على الوجوب أو الندب؟45
     تقديم أُمور: 45
     الأوّل: في معنى الطلب‏45
     الثاني: ما به الامتياز بين مبدإ الطلب الندبي و الوجوبي 45
     الثالث: الفرق بين الطلب الندبي و الوجوبي‏47
     الرابع: دلالة الطلب على الإرادة دلالة عقليّة48
     الخامس: تحرير محلّ النزاع‏49
      تحقيق المقام: 50
     المطلب الثاني فيما يتعلّق بصيغة الأمر53
     المبحث الأوّل: في صيغ الأمر53
     المبحث الثاني كثرة استعمال الأمر في الندب‏55
     تنبيهٌ: في الأحكام السلطانية59
     المبحث الثالث في التعبّدي و التوصّلي‏61
     الأمر الأوّل: في تعريفهما61
     الأمر الثاني: في أخذ قصد التقرّب في متعلّق الأمر63
     تفصّيات عن عويصة أخذ قصد التقرّب‏69
     أحدها: 69
     و ثانيها: ما أفاده بعض الأعاظم قدس سره في«الدُّرَر»بما حاصله: 71
     و ثالثها: 73
     تحقيقٌ و دفعٌ 74
     مقدّمات: 74
     الأُولى‏: أنحاء أخذ القصد74
     الثانية: الميزان في مقرّبية المقدّمات‏74
     الثالثة: فيما هو الباعث نحو العمل‏75
     رجع و فذلكة81
     الأمر الثالث: في مقام الشكّ في التعبّدية و التوصّلية83
     المبحث الرابع في«المرّة و التكرار»و«الفور و التراخي»84
     تنبيه: 85
     المطلب الثالث في الإجزاء87
     تمهيد أٌمور: 87
     الأمر الأوّل: تحرير محلّ النزاع‏87
     الأمر الثاني: المراد من«على وجهه»88
     الأمر الثالث: الفرق بين هذه المسألة و بعض أُخرى‏89
     الموضع الأوّل في إجزاء الإتيان بالمأمور به مطلقا عن التعبّد ثانيا90
     الموضع الثاني في الأوامر الاضطراريّة92
     تنبيه: 96
     الموضع الثالث في أنّ الإتيان بالمأمور به الظاهريّ هل يقتضي الإجزاء أم لا؟97
     المقام الأوّل: في الإتيان بالمأمور به حسبما تقتضيه الأُصول الشرعيّة98
     المقام الثاني: 101
     تذييلٌ استطراديّ: الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة106
     المطلب الرابع في مقدّمة الواجب‏111
     نقدّم أُموراً تبعاً للقوم: 111
     الأمر الأوّل: في عدم كون المسألة أُصولية111
     الأمر الثاني: تقسيمات المقدّمة113
     منها: تقسيمها إلى الداخليّة و الخارجيّة113
     منها: تقسيمها إلى‏ مقدّمة الوجوب،و الواجب،و الصحّة،و العلم‏117
     منها: تقسيمها إلى السبب،و الشرط،و عدم المانع،و المُعدّ 117
     منها: تقسيمها إلى المقارن و المتقدّم و المتأخّر121
     الأمر الثالث: في أقسام الواجب قد عُرّف الواجب: 125
     منها: تقسيمه إلى المطلق و المشروط 125
     و ما يمكن أن يكون وجه الإشكال أُمور: 127
     منها: أنّ الطلب عقلاً لا بدّ و أن يتعلّق بالمادّة لُبّاً;127
     و أمّا ملاك القيود التي لا يُعقل رجوعها إليها،129
     الأوّل: ما إذا كانت المصلحة في فعلٍ مطلقاً 129
     الثاني: ما إذا كانت المصلحة في ذات الفعل مطلقاً129
     الثالث: -و هو أوضح الموارد-أن لا يكون الغرض من الأمر جلب المنافع،130
     منها: أنّ الهيئة لمّا كانت آلة إيجاد الطلب و تحقّقه،131
     و منها: أنّ الهيئة من المعاني الحرفيّة،132
     منها: أنّ الهيئة جزئيّة حقيقيّة;132
     و منها: تقسيمه إلى المعلّق و المنجّز 133
     ثمّ إنّ هاهنا إشكالاً على الواجب المعلّق(1) : 137
     و منها: تقسيمه إلى الأصلي و التبعي(1) 140
     و منها: تقسيمه إلى النفسي و الغيري‏142
     حكم الشكّ في النفسيّة و الغيريّة144
     تذنيبان: 146
     الأوّل: في استحقاق المثوبات‏146
     إشكال و دفع‏148
     الثاني: في الوضوء التهيّئي‏150
     الأمر الرابع: في بيان ما هو الواجب في باب المقدّمة151
     إيقاظ: 155
     تَذنيب: في ثمرة النزاع في هذه المسألة155
     تتمّة: حول الأصل عند الشكّ في الملازمة156
     حول استدلال القائلين بوجوب المقدّمة156
     المطلب الخامس في مسألة الضدّ161
     رسم أُمور: 161
     الأوّل: كون المسألة من المبادئ الأحكامية161
     الثاني: في الضدّ العامّ‏161
     الثالث: في الضدّ الخاصّ‏162
     الرابع: في ثمرة المسألة166
     تحقيق في مسألة الترتّب‏170
     الأُولى‏: 170
     الثانية: أنّ رتبة عصيان كلّ أمر متأخّرة عن نفس الأمر،171
     الثالثة: أنّ شرائط التكاليف متقدّمة عليها172
     نقل كلام لتحقيق مرام‏181
     المطلب السادس في أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه‏183
     المطلب السابع في الواجب التخييري‏185
     المطلب الثامن في الواجب الكفائي‏191
     بقي تنبيهان: 194
     الأوّل: 194
     الثاني: 195
     المطلب التاسع ينقسم الواجب باعتبارٍ إلى المطلق و الموقّت 197
     فالأوّل: ما لا دخالة للزمان في متعلّقه،197
     و الثاني: ما له دخالة فيه،197
     المطلب العاشر هل متعلّق الأوامر و النواهي الطبائع أو الأفراد؟201
     المقصد الثاني في النواهي‏205
     فصل في اختلاف الأمر و النهي‏207
     تنبيه: 210
     فصل اجتماع الأمر و النهي‏213
     تمهيد مقدّمات: 214
     المقدّمة الأُولى‏: 214
     المقدّمة الثانية: 215
     المقدّمة الثالثة: 215
     المقدّمة الرابعة: 216
     المقدّمة الخامسة: 217
     دليل امتناع الاجتماع‏218
     لكن المجوِّزين استدلّوا على الجواز بأمور: منها: 224
     تنبيهات: 224
     التنبيه الأوّل: حكم العبادة في الدار المغصوبة224
     التنبيه الثاني: جريان النزاع في العامّين من وجه‏229
     التنبيه الثالث: جريان النزاع عند أخصّية المنهيّ عنه مطلقا231
     التنبيه الرابع: لا فرق في جريان النزاع بين أقسام الأمر و النهي‏232
     التنبيه الخامس: بعض أدلّة المجوّزين‏234
     التنبيه السادس: حكم توسّط الأرض المغصوبة238
     حول التصرّف التخلّصي‏241
     وجوهٌ و احتمالات: 241
     حكم من تاب بعد دخوله في ملك الغير246
     تذنيب: التصرّفات الخروجيّة مقدّمة للكون في الخارج‏247
     فصل اقتضاء النهي للفساد249
     تنبيه: الميزان في الاتّصاف بالصحة و الفساد252
     تتميم: أقسام النهي المتعلّق بالمعاملات‏254
     تذنيب: الاستدلال على الفساد بفهم العلماء257
     . تتمّة: في الاستدلال بالروايات‏258
     ختام: حول كلام أبي حنيفة260
المقصد الثالث في المفاهيم‏263
      مقدّمة في كيفيّة الدلالة على المفهوم‏265
     رجع‏273
     إبانة: في دخالة القيد في الموضوع أو الحكم‏275
     فصل الجملة الشرطيّة 281
     بقي أُمور: 283
     الأمر الأوّل: المفهوم في الجمل الإنشائيّة283
     الأمر الثاني: إذا تعدّد الشرط مع وحدة الجزاء287
     الأمر الثالث: تعدد الشرط و اتّحاد الجزاء290
     الأمر الرابع: المفهوم فيما أفاد السلب الكلّي‏296
     تنبيه: البحث حول باقي المفاهيم‏297
المقصد الرابع العامّ و الخاصّ‏299
      فصل تعريف العامّ و الخاصّ‏301
     فصل النكرة و اسم الجنس في سياق النفي‏307
     فصل في حجّية العامّ المخصَّص‏309
     فصل في الخاصّ المجمل‏317
     و استدلّ المجوّز: 318
     بقي هاهنا أمور: 324
     الأمر الأوّل: في إخراج الأفراد بجهة تعليليّة324
     الأمر الثاني: في العامّين من وجه المتنافيي الحكم‏325
     الأمر الثالث: في إحراز المشتبه بالأصل‏326
     وهم و إزاحة: 331
     الأمر الرابع: الشكّ بين التخصيص و التخصّص 335
     الأمر الخامس: لو دار الأمر بين التخصيص و التخصّص لإجمال الخاص‏335
     الأمر السادس: دفع توهّم‏337
     فصل هل يجوز العمل بالعامّ قبل الفحص عن مخصِّصه؟339
     فصل هل الخطابات الشفاهيّة تختصّ بالحاضرين أو تعمّ غيرهم حتّى المعدومين؟347
     فصل تعقّب العامّ بالضمير355
     فصل فرق بين المفهوم المخالف و الموافق‏359
     فصل الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة 363
     فصل جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد367
     المقصد الخامس المطلق و المقيّد371
      فصل تعريف المطلق‏373
     و ممّا ذكرنا يتَّضح أُمور: 374
     الأوّل: 374
     الثاني: 375
     الثالث: 375
     الرابع: 375
     الخامس: 375
     السادس: 375
     السابع: 376
     تنبيه: الألفاظ المطلقة376
     فصل الشياع و السريان 385
     فهاهنا دعاوٍ: 385
     الاستدلال على الإطلاق بدليل الحكمة387
     فذلكة: في ملخّص ما حقّقناه في معنى الإطلاق و التقييد391
     الأوّل: 391
     الثاني: 393
     الثالث: 393
     تنبيه: حول مقالة سلطان العلماء 394
     و ينبغي التنبيه على أُمور: 395
     الأمر الأوّل: طريق إحراز كون المتكلّم في مقام البيان 395
     الأمر الثاني: إشكال و دفع 397
     الأمر الثالث: أقسام المطلق 399
     الأمر الرابع: شرط الاحتياج إلى‏ مقدّمات الحكمة 401
     المقصد السادس في بيان الأمارات المعتبرة عقلاً أو شرعاً407
     الفصل الأوّل تمهيدات لمباحث القطع‏409
     الأمر الأوّل: أنّ مبحث القطع أصوليّة409
     الأمر الثاني: المراد ب«المكلّف»في تقسيم الشيخ قدس سره‏410
     الأمر الثالث: مراتب الحكم‏411
     الأمر الرابع: 413
     الأمر الخامس: تقسيم حالات المكلّف باعتبار وجود المنجّز و عدمه‏414
     الفصل الثاني معنى‏ حجّيّة القطع‏421
     الفصل الثالث قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي و الطريقي‏425
     الفصل الرابع في التجرّي تحرير محلّ النزاع‏433
     تحقيق المقام‏435
     مقالة المحقّق الخراساني في هذا المقام‏439
     تفصيل صاحب الفصول;442
     الفصل الخامس هل العلم الإجماليّ كالتفصيليّ مطلقاً،أو لا مطلقاً،أو فيه تفصيل؟447
     المقام الأوّل: في إثبات التكليف‏447
     المقام الثاني: في إسقاط التكليف 453
     الفصل السادس الأمارات الغير العلميّة 459
     المبحث الأوّل: في إمكان التعبّد بها459
     استدلال ابن قبة لامتناع التعبّد بالأمارات‏461
     التعبّد بالأمارات بناءً على السببيّة464
     بعض الأجوبة عن شبهة ابن قبة469
     كلام حول جعل الحجّية و الطريقيّة و أمثالهما475
     ظهور دليل الحكم الظاهري في الإجزاء476
     فهرس مصادر التحقيق‏496


م2

مقدّمة

مقدّمة بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد للَّه الذي أنزل الكتاب تبياناً لكلّ شي‏ء،و جعل السُّنّةَ الشريفة مفتاحاً لفهمه،و مبيّنة لمعضلاته،و الصلاة و السلام على أفضل من أُوتي الحكمةَ،و فصلَ الخطاب،و آله الطاهرين الأطياب،الّذين هم عيبة علمِه،و موئل حُكْمه،صلاة دائمة ما دامت السماوات ذات أبراج،و الأرض ذات فجاج. أمّا بعد،فمن دواعي الخير و بواعث الفخر و الاعتزاز أن أحظى‏ بكتابة مقدّمة لسِفْر أملاه أحد مشايخي العظام;أعني السيّد المحقّق البروجردي،و دبّجتْه يراعة أُستاذي الكبير الإمام الخميني-قدّس اللَّه سرّهما-. استعرض في هذه الكلمة الموجزة الأدوارَ التي اجتازها علم الأُصول;طوالَ قرون متوالية في الأوساط العلميّة الشيعيّة الإماميّة;ليكون القارئ العزيز على بصيرة من تاريخ هذا العلم،و مراحله و أدواره،و كيفيّة نشوئه و تطوّره. أتقدّم بكلمتي هذه إلى رحاب الأُستاذين الجليلين اللّذين لهما حقّ عظيم على العلم و أهله،كما أنّ لهما دوراً في تطوير علم الأُصول و تكامله في المرحلة النهائيّة.


م3

و لست بصدد الإدلاء بترجمتهما و ما تركا من الآثار الجليلة و التصانيف،و أخصّ بالذكر الإمام الخميني قدس سره و ما قام به من خدمة كبيرة للإسلام من خِلال ثورته الإسلاميّة المباركة،و التي أعقبتها صحوة إسلاميّة على نِطاق واسع. كيف،و الإمام هو النجم الساطع،و الجبل الأشمّ الذي لا ترقى‏ إليه أنظار المتطلّعين،و ليس بوسعي أن أقدّم صورة واضحة المعالم عن سيرته و خدماته،و جهاده و البَصَمات التي تركها على العقل الإسلامي،و لعلّ في هذا التقديم أداءً لجزء يسير ممّا عليَّ من الحقوق الكبيرة للأُستاذين العَلَمين،و الرجاء الواثق أن يحظى بالقبول لدى القُرّاء الأعزّاء. أُصول الفقه. شئونه و أدواره الإسلام عقيدة و شريعة. و العقيدة هي الإيمان باللَّه سبحانه و صفاتِه و التعرّفُ على أفعاله. و الشريعة هي الأحكام و القوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد و المجتمع في حقول مختلفة تجمعها العبادات،و المعاملات،و الإيقاعات،و السياسات. فالمتكلِّم الإسلامي من تكفّل ببيان العقيدة،و برهن على الإيمان باللَّه سبحانه و صفاتِهِ الجماليّة و الجلاليّة،و أفعالِهِ من لزوم بعث الأنبياء و نصب الأوصياء لهداية الناس و حشرهم يوم المعاد. كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعيّة الكفيلة بإدارة الفرد و المجتمع،و التنويه بوظيفتهما أمام اللَّه سبحانه و وظيفة كلٍّ منهما بالنسبة إلى‏


م4

الآخر. بَيْدَ أنّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين،فهم في مجال العقيدة أبطال الفكر و سَنامه،و في مجال التشريع أساطين الفقه و أعلامه،و لهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعِدة. و الكتاب الذي تزفّه مؤسّسة نشر آثار الإمام الخميني‏1 إلى القُرّاء الكرام له صلة بالفقه و الشريعة;حيث يعرِّف لنا القواعدَ الممهّدة في استنباط الأحكام الشرعيّة و ما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل،و قد سُمِّي منذ أوّل يوم دوِّن بعلم أُصول الفقه لصلته الوثيقة بعلم الفقه،فهو أساس ذلك العلم و ركنه،و عماد الاجتهاد و سناده. و الاجتهاد: عبارة عن بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها،و هو رمز خلود الدين و حياته،و جعله غضّاً طريّاً مصوناً عن الاندراس عَبْر القرون،و مُغني المسلمينَ عن التطفّل على موائد الأجانب. و يتّضح ذلك من خلال أُمور: 1-إنّ طبيعة الدين الإسلامي-و إنّه خاتم الأديان إلى يوم القيامة-تقتضي فتح باب الاجتهاد;لما سيواجه الدين في مسيرته من أحداث و تحدّيات مستجِدّة،و موضوعات جديدة لم يكن لها مثيل أو نظير في عصر النصّ،فلا محيص عن معالجتها;إمّا من خلال بذل الجهود الكافية في فهم الكتاب و السُّنّة و غيرهما من مصادر التشريع و استنباط حكمها،و إمّا اللجوء إلى القوانين الوضعيّة،أو عدم الإفصاح عن حكمها و إهمالها. و الأوّل هو المطلوب،و الثاني سيشكِّل نقصاً في التشريع الإسلامي،و هو سبحانه قد أكمل دينه بقوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ»،و الثالث لا ينسجم‏


م5

مع طبيعة الحياة و نواميسها. 2-لم يكن كلّ واحدٍ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه و آله متمكّناً من دوامِ الحضورِ عنده صلى الله عليه و آله لأخذ الأحكام عنه،بل كان في مدّة حياته يحضره بعضهم دونَ بعض،و في وقت دون وقت،و كان يسمع جواب النبيّ صلى الله عليه و آله عن كلّ مسألة يُسأل عنها-بعضُ الأصحاب و يفوت عن الآخرين،فلمّا تفرّق الأصحاب بعد وفاته صلى الله عليه و آله في البلدان،تفرّقت الأحكام المروية عنه صلى الله عليه و آله فيها،فتُروى‏ في كلّ بلدة منها جملة،و تُروى‏ عنه في غير تلك البلدة جُملة أُخرى‏;حيث إنّه قد حضر المدنيّ من الأحكام ما لم يحضره المصريّ،و حضر المصريّ ما لم يحضره الشاميّ،و حضر الشاميّ ما لم يحضره البصري،و حضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك،و كان كلٌّ منهم يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام(1) .

(1)المقريزي،الخطط: 2-333.
إنّ الصحابي قد يسمع من النبيّ صلى الله عليه و آله في واقعة حكماً،و يسمع الآخر في مثلها خلافه،و تكون هناك خصوصيّة في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين،و غفل أحدهما عن الخصوصيّة،أو التفت إليها و غفل عن نقلها مع الحديث،فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً;بالرغم من عدم تنافيهما واقعاً،و لهذه الأسباب و أضعافِ أمثالها،احتاج حتّى‏ نفس الصحابة-الذين فازوا بشرف الحضور-في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد و النظر في الحديث،و ضمّ بعضه إلى بعض،و الالتفات إلى القرائن الحاليّة،فقد يكون للكلام ظاهر و مراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام،و الحديث نُقِلَ و القرينة لم تنقل. و كلُّ واحدٍ من الصحابة-ممّن كان من أهل الرأي و الرواية-تارة يروي نفس ألفاظ الحديث للسامع من بعيد أو قريب،فهو في هذا الحال راوٍ و محدِّثٍ،


م6

و تارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية أو الروايات بحسب نظره،فهو في هذا الحال مُفتٍ و صاحب رأي(1) .

(1)كاشف الغطاء،أصل الشيعة: 118.
3-و هناك وجه ثالث: و هو أنّ صاحبَ الشريعة ما عُني بالتفاصيل و الجزئيّات;لعدم سنوح الفرصة لبيانها،أو تعذّر بيان حكم موضوعات لم يكن لها نظير في حياتهم،بل كان تصوّرها-لعدم وجودها-أمراً صعباً على المخاطَبين،فلا محيص لصاحبِ الشريعةِ عن إلقاء أُصول كلّيّة ذات مادّة حيويّة قابلة لاستنباط الأحكام وفقاً للظروفِ و الأزمنة. 4-إنّ حياة الدين مرهونة بمُدارسته و مُذاكرته،و لو افترضنا أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله ذكر التفاصيل و الجزئيّات و أودعها بين دفّتي كتاب،لاستولى‏ الرُّكود الفكري على عقليّة الأُمّة،و لانحسر كثير من المفاهيم و القِيَم الإسلامية عن ذهنيّتها،و أوجب ضياع العلم و تطرّق التحريف إلى أُصوله و فروعه;حتّى إلى الكتاب الذي فيه تلك التفاصيل. و على هذا لم تقم للإسلام دعامة،و لا حُفِظَ كِيانُه و نظامه،إلاّ على ضوء هذه البحوث العلميّة و النقاشات الدارجة بين العلماء،أو ردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر بلا محاباة. و قد حكى‏ شيخنا العلاّمة المتضلّع شيخ الشريعة الأصفهاني قدس سره (1266-1339ه)في مقدّمة كتابه «إبانة المختار»عن بعض الأعلام كلاماً يُعرِبُ عمّا قلناه،قال: «إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعضٍ،من أعظم مزايا هذه الأُمّة التي أعظم اللَّه بها عليهم النعمة;حيث حفظهم عن وصمةِ محاباة أهل الكتابين،المؤدّية إلى تحريف ما فيهما و اندراس تينك الملّتين،فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى‏


م7

دخول إلاّ بيّنوه،و لفاعلٍ فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه،حتّى‏ اتّضحت الآراء،و انعدمت الأهواء،و دامت الشريعة البيضاء على مل‏ء الآفاق بأضوائها،و شفاء القلوب بها من أدوائها،مأمونةً عن التحريف،و مصونة عن التصحيف. فإذا كان هذه مكانة الاجتهاد و منزلته و دوره في خلود الشريعة،فعلم الأُصول هو الذي يتطرّق إلى كيفيّة الاجتهاد و الاستنباط،و يُذلّل للفقيه استنباط الحكم من مصادره الشرعيّة.

القواعد الكلّيّة في أحاديث الأئمّة

لم يكن علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولاً عنه،فقد أملى‏ الإمام الباقر عليه السلام و أعقبه الصادق عليه السلام على أصحابهم قواعد كلّيّة في الاستنباط،رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث أٌصول الفقه. و ممّن ألّف في ذلك المضمار: 1-المحدّث الحرّ العاملي (ت عام 1104)مؤلّف كتاب «الفصول المهمّة في أٌصول الأئمّة»،و هذا الكتاب يشتمل على القواعد الكلّيّة المنصوصة في أُصول الفقه و غيرها. 2-السيّد العلاّمة شبّر عبد اللَّه بن محمّد الرضا الحسيني الغروي(ت عام 1242)له كتاب «الأُصول الأصليّة». 3-السيّد الشريف الموسوي،هاشم بن زين العابدين الخوانساري الأصفهاني،له كتاب«أُصول آل الرسول»،و قد وافته المنيّة عام 1318 ه. فهذه الكتب الحاوية على النصوص المرويّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام في القواعد و الأُصول الكلّيّة في مجال أُصول الفقه،تُعرِبُ عن العناية التي يوليها أئمّة أهل البيت: لهذا العلم.


م8

و قد تبعهم أصحابهم،فهذا هو: يونُس بن عبد الرحمن(ت 208 ه)يقول النجاشي: كان يونس بن عبد الرحمن وجهاً في أصحابنا متقدّماً عظيم المنزلة،روى عن أبي الحسن موسى و الرضا عليهما السلام. فقد صنّف كتاب «اختلاف الحديث و مسائله»،و هو نفس باب التعادل و التراجيح في الكتب الأُصوليّة. أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي(237-311 ه)يقول النجاشي: كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا و غيرهم،له جلالة في الدنيا و الدين... إلى أن قال: له كتاب«الخصوص و العموم»،و«الأسماء و الأحكام»(1) .

(1)النجاشي،الرجال،برقم 67.
و يقول ابن النديم: هو من كبار الشيعة،و كان فاضلاً عالماً متكلّماً،و له مجلس تحضره جماعة من المتكلّمين... إلى أن قال: له كتاب«إبطال القياس»(2) .

(2)ابن النديم،الفهرست: 225.
الحسن بن موسى النوبختي عرّفه النجاشي بقوله: شيخنا المتكلّم المبرِّز على نظرائه في زمانه قبل‏


م9

الثلاث مائة و بعدها. و ذكر من كتبه«خبر الواحد و العمل به»(1) .

(1)النجاشي،الرجال،برقم 146.
يقول ابن النديم: الحسن بن موسى ابن أُخت أبي سهل بن نوبخت،متكلّم فيلسوف،كان يجتمع إليه جماعة من النَقَلة لكتب الفلسفة(2) .

(2)ابن النديم،الفهرست: 225.
يقول ابن حجر: الحسن بن موسى النوبختي،أبو محمّد،من متكلّمي الإماميّة،و له تصانيف كثيرة(3) .

(3)ابن حجر،لسان الميزان 2: 258 برقم 175.
أُصول الفقه و أدواره‏

اجتاز علم الأُصول من لَدُن تأسيسه إلى زماننا هذا مرحلتين،و امتازت المرحلة الثانية بالإبداع و الابتكار و طرح مسائل مستجدّة،لم تكن مذكورة في كتب الفريقين.

المرحلة الأُولى:

ابتدأتْ المرحلةُ الأُولى منذُ أوائل القرن الثالث إلى عصر العلاّمة الحلّي(648-726)و قد اجتازت أدواراً ثلاثة.

الدور الأوّل‏

(دور النشوء)و قد بُدئ بإفراد بعض المسائل الأُصوليّة بالتأليف،دون أن يعمَّ كافّة


م10

المسائل المعنونة في هذا العلم يوم ذاك،و لم نقف في هذا الدور على كتاب عامّ يشمل جميع مسائله،و قد عرفت أنّ يونس بن عبد الرحمن صنّف كتاب«اختلاف الحديث و مسائله»،و أبا سهل النوبختي كتاب«الخصوص و العموم»و«إبطال القياس»،و الحسن بن موسى النوبختي كتاب«خبر الواحد و العمل به»،و بالرغم من ذلك فقد ازدهرت حركة الاستنباط و الاجتهاد بين أصحابنا في هذا الدور،فهذا هو«الحسن بن علي العماني»شيخ فقهاء الشيعة،المعاصر للشيخ الكليني(ت 329 ه)ألّف كتاب«المتمسّك بحبل آل الرسول». يقول النجاشي: أبو محمّد العماني فقيه متكلّم ثقة،له كتب في الفقه و الكلام،منها كتاب«المتمسّك بحبل آل الرسول»كتابٌ مشهورٌ في الطائفة. و قيل: ما ورد الحاجّ من خراسان إلاّ طلب و اشترى منه نسخاً(1) .

(1)النجاشي،الرجال،برقم 99.
كما ألّف الشيخ الكبير أبو علي الكاتب الإسكافي(ت 381 ه)كتاب«تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة»في الفقه،و هو كتابٌ كبيرٌ جامعٌ،ذكر فهرس كتبه الشيخ النجاشي في رجاله،و له كتاب«الأحمدي في الفقه المحمّدي». يقول النجاشي: وجهٌ في أصحابنا ثقةٌ جليلُ القدر صنّف فأكثر(2) .

(2)المصدر السابق،برقم 1048.
الدور الثاني(دور النموّ)

إنّ حاجة المستنبط في علم الأُصول لم تكن مقصورة على عصر دون عصر،بل كلّما تقدّمتْ عَجَلة الحضارة نحوَ الأمام،ازدادت الحاجة إلى تدوين‏


م11

قواعد الاستنباط;للإجابة على الحوادث المستجدّة و ملابساتها التي كان الفقهاء يواجهونها طيّ الزمان،ممّا ترك تأثيراً إيجابياً على علم الأُصول و ساهم في نموّه،فأفردوا جميع المسائل-بدل البعض كما في الدور الأوّل-بالتأليف،و قد تحمّل ذلك العب‏ء ثُلّة من أساطين العلم و سنامه منهم: أ-شيخنا و شيخ الأُمّة محمّد بن النعمان،المشهور بالمفيد(336-413)صنّف كتابا باسم«التذكرة بأُصول الفقه»و طُبعت في ضمن مصنّفاته(1) ،و نقل‏

(1)المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى الألفيّة لوفاة الشيخ المفيد،المصنفات 9-5.
خلاصته شيخنا الكراجكي(ت 449)في كتابه«كنز الفوائد». ب-السيّد الشريف علي بن الحسين،المعروف بالمرتضى‏(355-436). قال النجاشي: حاز من العلوم ما لم يُدانِهِ أحد في زمانه،و سمع من الحديث فأكثر،و كان متكلّماً شاعراً أديباً عظيم المنزلة في العلم و الدين و الدنيا،و عدّ من كتبه«الذريعة»،و قد طبع الكتاب في جزءين طباعة منقّحة،و قد عثرت على نسخة خطّية منها في مدينة«قزوين»جاء في آخرها أنّ المؤلّف فرغ من تأليفها عام 400 ه،و قد نقل عنه جلُّ من تأخّر من السُّنّة و الشيعة. ج-محمّد بن الحسن،المعروف بالشيخ الطوسي (358-460). يقول النجاشي: أبو جعفر،جليل من أصحابنا،ثقةٌ عينٌ،من تلامذة شيخنا أبي عبد اللَّه،و عدَّ من كتبه كتاب«العدّة في أُصول الفقه»،(2) و قد طُبع غير مرّة،

(2)النجاشي،الرجال،برقم 1069.
و هو كتابٌ مفصّلٌ مبسوطٌ يحتوي على الآراء الأُصوليّة المطروحة في عصره. د-سلاّر بن عبد العزيز الديلمي(000-463)ألّف «التقريب في أُصول‏


م12
÷

الفقه»ذكره في الذريعة(1) .

(1)الطهراني،الذريعة 4: 365،و ذكر أنّه توفّي في السفر سنة 448 و هو موضع تأمّل.
الدور الثالث(دور الازدهار)

بدأ هذا الدور منذ أواخر القرن السادس إلى أواسط القرن الثامن،و قد صنّف أصحابنا كتباً خاصّة في أُصول الفقه تُعرِب عن الإنجازات الضخمة،و المنزلة الراقية التي بلغها علمُ الأُصول من خلال دراسة مسائله بإسهاب و دِقّة و إمعان أكثر،و من المصنّفين في هذا الحقل: أ-الفقيه البارع السيّد حمزة بن علي بن زُهْرة الحلبي(511-558)مؤلّف كتاب«غُنْية النُّزوع إلى علمي الأُصول و الفروع»،و كتابه هذا يدور على محاور ثلاثة: العقائد و المعارف،أُصول الفقه،و الفروع. و قد طبع الكتاب محقّقاً في مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام في جزءين،و الناظر في قسم أُصول الفقه يرى فيه التفتّح و الازدهار بالنسبة إلى ما سبقه. ب-الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن حسن الحمصي الرازي،و قد صنّف كتابه«المنقذ من التقليد و المرشد إلى التوحيد»عام 581 في الحلّة الفيحاء،عند منصرفه من زيارة الحرمين بالحجاز(1) .

(1)لاحظ المنقذ من التقليد،مقدّمة المؤلّف: 17.
و قال منتجب الدين الرازي: الشيخ الإمام سديد الدين علاّمة زمانه في الأُصولين،ورع ثقة،و ذكر مصنّفاته التي منها: «المصادر في أُصول الفقه»و«التبيين و التنقيح في التحسين و التقبيح»(2) .

(2)منتجب الدين،الفهرست،برقم 389.


م13

ج-نجم الدين جعفر بن الحسن بن أبي زكريا الهذلي الحلّي،المكنّى بأبي القاسم،الملقّب بنجم الدين،و المشتهر بالمحقّق(602-676). قال ابن داود في رجاله: جعفر بن الحسن،المحقّق المدقّق الإمام العلاّمة واحد عصره،كان ألسَنَ أهل زمانه،و أقومهم بالحجّة،و أسرعهم استحضاراً،قرأت عليه و ربّاني صغيراً،و كان له عليّ إحسان عظيم. و ذكر من تأليفه: «المعارج في أُصول الفقه»،(1) و قد طبع غير مرّة،و هو و إن كان صغير الحجم،

(1)ابن داود،الرجال: 83.
لكنّه كثير المعنى شأنُ كلِّ ما جادت به قريحتُه في عالم التأليف،فهذا كتابه«شرائع الإسلام»عكف عليه العلماء في جميع الأعصار،و كتبوا عليه شروحاً و تعاليق و قد طبع في إيران و لبنان. و قال في أعيان الشيعة: و من كتبه«نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول»(2) .

(2)السيّد الأمين،أعيان الشيعة 4: 92،لاحظ الذريعة: 24-426.
د-الحسن بن يوسف المطهّر،المعروف بالعلاّمة الحلّي(648-726)و هو غنيٌّ عن التعريف،برع في المعقول و المنقول،و تقدّم على العلماء الفحول،و هو في عصر الصبا،أخذ عن فقيه أهل البيت الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن،خاله،و عن أبيه سديد الدين يوسف بن مطهّر الحلّي،و أخذ العلوم العقليّة عن نصير الدين الطوسي و غيره. و قد ألّف في غير واحد من الموضوعات النقليّة و العقليّة،كما ألّف في أُصول الفقه تصانيف عديدة ذكرها السيّد الأمين في أعيانه،نشير إليها: 1-النكت البديعة في تحرير الذريعة للسيّد المرتضى‏.


م14

2-غاية الوصول و إيضاح السبل في شرح مختصر منتهى الوصول لابن الحاجب. 3-«مبادئ الوصول إلى علم الأُصول»مطبوع في ذيل«المعارج»للمحقّق. 4-«نهاية الوصول إلى علم الأُصول»في أربعة أجزاء(1) .

(1)نحتفظ بنسخة منها في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام في قم المقدّسة.
5-«تهذيب الوصول في علم الأُصول»صنّفه باسم ولده فخر الدين،و هو مطبوع. و قد كتب عليه شروح و تعاليق مذكورة في أعيان الشيعة(2) .

(2)السيّد الأمين،أعيان الشيعة 5: 404.
ه-عبد المطلب بن أبي الفوارس بن محمّد بن علي الأعرجي الحسيني،ابن أُخت العلاّمة الحلّي. وصفه الشهيد الأوّل بقوله: السيّد الإمام فقيه أهل البيت عليهم السلام في زمانه،عميد الحقّ و الدين،أبو عبد اللَّه عبد المطلب بن الأعرج الحسيني. كما وصفه غيره بقوله: دُرّة الفخر و فريد الدهر،مولانا الإمام الربّاني،و هو ابن أُخت العلاّمة الحلّي رحمه الله و قد ألّف كتباً كثيرة في الفقه و غيره،كما ألّف في أُصول الفقه كتابه«منية اللبيب في شرح التهذيب»(3) لخاله العلاّمة الحلّي،

(3)نحتفظ بنسخة من هذا الكتاب في مكتبة مؤسّسة الإمام الصادق 7 في قم المقدّسة.
و قد فرغ منه في الخامس عشر من رجب سنة 740 ه(4) .

(4)السيّد الخوانساري،روضات الجنات: 261.
و-السيّد ضياء الدين عبد اللَّه بن أبي الفوارس ابن أُخت العلاّمة الحلّي،فقد شرح كتاب تهذيب الأُصول لخاله،و قام الشهيد بالجمع بين الشرحين،


م15

و سمّاه ب«جامع البين الجامع بين شرحي الأخوين». ز-فخر المحقّقين محمّد بن الحسن نجل العلاّمة الحلّي المتوفى سنة(771 ه)فقد شرح تهذيب والده و سمّاه ب«غاية السؤال». كان الأمل أن يواكب التأليفُ تقدّمَ العصر،و لكن الركب توقّف عن متابعة هذا التطوّر و أخلد إلى الركود،فلا نكاد نعثر على تصانيف أُصوليّة بعد شيخنا عميد الدين إلاّ ما ندر،كمقدّمة المعالم للمحقّق الشيخ حسين صاحب المعالم نجل الشهيد الثاني(ت 1011). نعم انصبّت الجهود على تدوين القواعد الفقهيّة و تنظيمها بشكل بديع نستعرض بعضها: 1-ألَّف محمّد بن مكّي،المعروف ب«الشهيد الأوّل»(734-786)كتاب«القواعد و الفوائد»،و قد استعرض فيه 302 قاعدة،و مع الاعتراف بفضله و تقدّمه في التأليف،لم يفصِّل القواعد الفقهيّة عن الأُصوليّة أو العربيّة،كما لم يرتِّب القواعد الفقهيّة على أبواب الفقه المشهورة;ممّا حدا بتلميذه المقداد عبد اللَّه السيوري إلى ترتيب تلك القواعد كما سيوافيك. 2-الفقيه المتبحّر و الأُصولي المتكلّم مقداد بن عبد اللَّه السيوري(ت 826 ه)من أكابر رجال العلم و التحقيق،فقد قام بترتيب كتاب القواعد لشيخه الشهيد،و سمّاه ب«نضد القواعد الفقهيّة على مذهب الإماميّة»،و قد طُبع محقّقاً عام(1404 ه). 3-الشيخ الأجلّ زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد،المعروف ب«الشهيد الثاني»(911-965)،وُلد في عائلة نذرت نفسها للدين و العلم،و قد ألّف في غير واحد من الموضوعات،و من آثاره كتابه: «تمهيد القواعد»،جمع في‏


م16

هذا الكتاب بين فنَّي تخريج الفروع على الأُصول و تخريج الفروع على القواعد العربيّة،و هو كتاب قلّ نظيره عظيم المنزلة،طبع مرّة مع كتاب«الذكرى»للشهيد الأوّل،كما طُبع أخيراً محقّقاً في مشهد الرضا. استعرض المؤلِّف فيه مائتي قاعدة،و فرغ منها في مستهلّ عام 958 ه. إلى هنا تمّت المرحلة الأُولى التي طواها علم الأُصول،و حان الآن استعراض المرحلة الثانية.

المرحلة الثانية: مرحلة الإبداع و الابتكار

ظهرت الأخباريّة في أواخر القرن العاشر و بداية القرن الحادي عشر على يد الشيخ محمّد أمين الأسترآبادي(ت‏1033)فشنّ حملة شعواء على الأُصول و الأُصوليين،و زيّف مسلك الاجتهاد المبني على القواعد الأُصوليّة،و زعم أنّ طريقة أئمّة أهل البيت عليهم السلام و أصحابه تخالف ذلك المسلك،فممّا قاله في ذمّ الاجتهاد: و أوّل من غفل عن طريقة أصحاب الأئمّة عليهم السلام و اعتمد على فنّ الكلام و على أُصول الفقه،المبنيّين على الأفكار العقليّة المتداولة بين العامّة،محمّد بن أحمد بن الجُنيد العامل بالقياس،و حسن بن علي بن أبي عقيل العماني المتكلّم،و لمّا أظهر الشيخ المفيد حُسنَ الظنّ بتصانيفهما بين أصحابه-و منهم السيّد الأجلّ المرتضى‏ و شيخ الطائفة-شاعت طريقتهما بين متأخرّي أصحابنا حتّى و صلت النوبة إلى العلاّمة الحلّي،فالتزم في تصانيفه أكثرَ القواعد الأُصوليّة من العامّة،ثمّ تبعه الشهيدان و الفاضل الشيخ علي-رحمهم اللَّه‏


م17

تعالى‏-(1) .

(1)الأسترآبادي،الفوائد المدنية: 44،الطبعة الحجريّة.
أقول: الأخباريّة منهج مبتدع;و لم يكن بين علماء الشيعة إلى زمان ظهورها منهجان متقابلان متضادّان في مجال الفروع باسم المنهج الأُصولي و الأخباري;حتّى يكون لكلّ منهج،مبادئ مستقلّة يناقض أحدهما الآخر،بل كان الجميع على خطّ واحد،و كان الاختلاف في لون الخدمة و كيفيّة أداء الوظيفة. و العجب أنّه استدلّ على انقسام علماء الإماميّة إلى أخباريّين و أُصوليّين بأمرين: 1-ما ذكره شارح المواقف;حيث قال: «كانت الإمامية أوّلاً على مذهب أئمّتهم حتّى تمادى‏ بهم الزمان فاختلفوا و تشعّب متأخّروهم إلى المعتزلة و إلى الأخباريّين». و ما ذكره الشهرستاني في أوّل كتاب«الملل و النحل»من أنّ الإماميّة كانوا في الأوّل على مذهب أئمّتهم في الأُصول،ثمّ اختلفوا في الروايات عن أئمّتهم حتّى تمادى‏ بهم الزمان،فاختارت كلّ فرقة طريقة،فصارت الإماميّة بعضها معتزلة إمّا وعيديّة و إمّا تفضيليّة،و بعضها أخباريّة مشبِّهة و إمّا سلفيّة. 2-ما ذكره العلاّمة في«نهايته» عند البحث عن جواز العمل بخبر الواحد،فقال: «أمّا الإماميّة: فالأخباريون منهم لم يعوّلوا في أُصول الدين و فروعه إلاّ على أخبار الآحاد،و الأُصوليّون منهم-كأبي جعفر الطوسي و غيره-وافقوا على خبر الواحد،و لم ينكره سوى‏ المرتضى‏ و أتباعه».


م18

و لا بدّ هنا من تعليقة مختصرة: إنّ كلا الشاهدين أجنبيان عمّا يرومه الأمين. أمّا الشاهد الأوّل: فهو نقله بالمعنى،و لو نقل النصّ بلفظه لظهر للقارئ الكريم ما رامه شارح المواقف و إليك نصّه: «... و تشعّب متأخّروهم إلى«المعتزلة»: إمّا وعيديّة أو تفضيليّة(ظ. تفضليّة)و إلى«أخباريّة»يعتقدون ظاهر ما وردت به الأخبار المتشابهة،و هؤلاء ينقسمون إلى«مشبّهة»يجرون المتشابهات على أنّ المراد بها ظواهرها،و«سلفيّة»يعتقدون أنّ ما أراد اللَّه بها حقّ بلا تشبيه كما عليه السلف،و إلى ملتحقة بالفرقة الضالّة. و بالتأمّل في نصّ كتاب«المواقف»يظهر فساد الاستنتاج;و ذلك لأنّ مسلك الأخباريّة الذي ابتدعه الشيخ الأمين ليس إلاّ مسلكاً فقهيّاً قوامه عدم حجّيّة ظواهر الكتاب أوّلاً،و لزوم العمل بالأخبار قاطبة من دون إمعان النظر في الأسناد،و علاج التعارض بالحمل على التقيّة و غيرها ثانياً،و عدم حجّيّة العقل في استنباط الأحكام ثالثاً. و ما ذكره شارح المواقف و الشهرستاني-من تقسيم الشيعة إلى أخباريّة و غيرها-راجع إلى المسائل العقائديّة دون الفقهيّة،فعلى ما ذكراه فالشيعة تشعّبت في تفسير الصفات الخبريّة-كاليد و الاستواء و الوجه و غير ذلك ممّا ورد في الأخبار بل الآيات-إلى طوائف ثلاث: مشبِّهة،و سلفيّة،و ملتحقة بالفِرَق الضالّة. و الحكم بأنّ ما ذكره شارح المواقف راجع إلى المسلك الذي ابتدعه الأسترآبادي،عجيب جدّاً مع اختلافهما في موضوع البحث،فأين العمل بظواهر الأخبار في صفاته سبحانه،عن الأخباريّة التي ابتدعها الأمين الأسترآبادي‏


م19

في سبيل استخراج الأحكام الشرعيّة من الكتاب و السُّنّة،مضافاً إلى أنّ مسلكه مبنيّ على أُسس و قوائم لم تكن معروفة عند غيره. و أمّا الشاهد الثاني-أعني ما ذكره العلاّمة-: فهو أيضاً لا يمُتّ بصلةٍ إلى مسلك الأخباريّة المبتدَع،بل هو راجع إلى مسألة خلافيّة بين علماء الإماميّة منذ زمن بعيد;و هل أنّ الخبر الواحد حجّة في الأُصول كما هو حجّة في الفروع أو لا؟ فالمحدّثون و الذين سبروا غور الأخبار،ذهبوا إلى القول الأوّل،و الأُصوليّون الذين حكَّموا العقل في مجال العقائد قالوا بالثاني. فالأخباري في كلام العلاّمة هو من يُمارس الخبر و يدوّنه شأن كلّ محدّث،لا من يسلك مسلك الأخباريّين في استنباط الأحكام الشرعيّة. إنّ هذه الفكرة الخاطئة الشاذّة عن الكتاب و السُّنّة و إجماع الأصحاب الأوائل،شغلت بال العلماء من أصحابنا ما يقرب من قرنين،و أضحت تلك البُرهة فترة ركود الأُصول و تألُّق نجم الأخباريّة،فترى أنّ أكثر مؤلّفاتهم تعلو عليها صبغة الأخباريّة،و هم بين متطرِّف كالأمين الأسترآبادي،و معتدل كالشيخ يوسف البحراني(ت 1186 ه)صاحب الحدائق الناضرة. و من سوء الحظ أنّ النزاع بين أصحاب المسلكين لم يقتصر على نطاق المحافل العلميّة،بل تسرّب إلى الأوساط العامّة و المجتمعات،فأُريقت دماء طاهرة،و هتكت أعراض من جرّاء ذلك،و قُتل فيها الشيخ أبو أحمد الشريف محمّد بن عبد النبي المحدِّث النيسابوري،المعروف بميرزا محمّد الأخباري(1178-1233)لمّا تجاهر بذمِّ الأُصوليّين قاطبة و النيل منهم،فلقي حتفه عند هجوم العامّة عليه عن عمر يناهز 55 عاماً. بالرغم من الهجوم العنيف الذي شنّه الأمين الأسترآبادي و أتباعه على‏


م20

الحركة الأُصوليّة،نرى أنّ هناك مَن أخذ بزمام الحركة;بتأليف كتب استطاعت حينها أن تصمد بوجه الأخباريّة و تذود عن كيان الحركة الأُصوليّة،و قاموا بمحاولات: 1-فقد قام الشيخ عبد اللَّه التوني(ت 1071)بتصنيف كتاب«الوافية في علم الأُصول»و قد طبع أخيرا محقّقا. 2-كما ألّف المحقّق الجليل السيّد حسين الخوانساري(ت 1098)كتاب«مشارق الشموس في شرح الدروس»،و هو و إن كان كتابا فقهيّا،و لكنّه طرح فيه أفكارا أُصوليّة بلون فلسفيّ. 3-صنّف الشيخ المحقّق محمّد حسن الشيرواني(ت 1098) تعليقته على«المعالم»،و هو مطبوع على متن كتاب«المعالم». 4-قام المحقّق جمال الدين محمّد بن الحسين الخوانساري(ت 1121 أو 1125)بتصنيف تعليقة على شرح مختصر الأُصول للعضدي،كما هو مذكور في ترجمته. و هذه الكتب-المؤلّفة في فترة انقضاض الحركة الأخباريّة على المدرسة الأُصوليّة-مهّدت لظهور حركة أُصولية جديدة تبنّاها المحقّق الوحيد البهبهاني(1118-1206)الذي فتح بأفكاره آفاقا جديدة في علم الأُصول.

دور المحقّق البهبهاني في إنعاش المذهب‏

و كان للأُستاذ الأكبر الشيخ محمّد باقر الوحيد البهبهاني(1118-1206)دور فعّال في إخماد نائرة الفتنة;بالردّ القاطع على الأخباريّين،و تزييف‏


م21

أفكارهم،و تربية جيل من العلماء و المفكّرين على أُسس مستقاة من الكتاب و السُّنّة و العقل الصريح،و اتّفاق الأصحاب،و استطاع أن يشيِّدَ للأُصولِ أركاناً جديدةً،و دعامات رصينة،فنهض بالأُصول من خموله الذي دام قرنين،مُعلناً بانتهاء عصر الركود و ابتداء عصر التطوّر و الابتكار. و بذر البذرة الأُولى التي تلقّفها العلماء بعده بالرعاية حتّى أينعت و أثمرت ثمارها على يد أساطين من العلماء في غضون الأدوار الآتية،و بها امتازت هذه المرحلة عمّا سبقها من المرحلة الأُولى:

1-الدور الأوّل(دور الانفتاح)

ابتُدئ هذا الدور بنُخبة من تلامذة الوحيد البهبهاني،و في طليعتهم: أ-السيّد مهدي الطباطبائي المعروف ببحر العلوم(1155-1212). ب-الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي(ت 1228 ه)صاحب كتاب«كشف الغطاء». ج-الأُصولي المتبحّر الميرزا أبو القاسم الجيلاني القمّي(1150-1231 ه)صاحب كتاب«القوانين». د-الفقيه الفحل السيّد علي(1161-1231)صاحب كتاب«رياض المسائل»،الذي طبع أخيراً في عشرة أجزاء محقّقاً.

2-الدور الثاني(دور النضوج)

ابتدأ هذا الدور بتلاميذ خريجي مدرسة البهبهاني،فقاموا بوضع صياغة جديدة للأُسس الأُصوليّة من منظار جديد،و على رأسهم:


م22

أ-الشيخ محمّد تقي بن عبد الرحيم الأصفهاني(ت 1248)صاحب«الحاشية على معالم الأُصول». ب-أخوه الجليل الشيخ محمّد حسين الأصفهاني(ت 1261)صاحب«الفصول». ج-الشيخ الجليل محمّد شريف الآملي المازندراني،المعروف بشريف العلماء(ت 1245 ه)و كفى به فخراً أنّ الشيخ مرتضى الأنصاري-ذلك النجم اللاّمع في سماء الأُصول-ممّن استسقى‏ من فيّاض علمه،و قد بقيت من آثاره العلميّة رسالة«جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء الشرط».

3-الدور الثالث(دور التكامل)

بلغ فيه علم الأُصول الذروةَ في التحقيق و التعميق و البحث،و تطرّقت إليه مسائل جديدة لم تكن مألوفة فيما سبق،و يُعتبر الشيخ مرتضى الأنصاري(1214-1281)هو البطل المِقْدام في هذا الحقل;حيث استطاع بعقليّته الفذّة أن يشيّد أركاناً جديدة لعلم الأُصول،بلغ بها قمّةَ التطوّر و التكامل. و أنت إذا قارنت المؤلّفات الأُصوليّة في هذه البرهة مع ما أُلّف في المرحلة الأُولى و حتّى مستهلّ المرحلة الثانية،تجد بينهما بوناً شاسعاً يُتراءى‏ في بادئ النظر كأنّهما علمان،و ما هذا إلاّ بفضل التطوّر و التكامل الذي طرأ على بُنْية الأُصول على يد هذا العبقري الفذّ،و لم يزل ينبوعه فيّاضاً إلى يومنا هذا. و خرج من مدرسته العديد من الفطاحل و العباقرة،و أخصّ بالذكر منهم: أ-السيّد الإمام المجدّد الشيرازي(1224-1312). ب-المحقّق الكبير الشيخ محمّد كاظم الخراساني(1255-1329)مؤلِّف‏


م23

كتاب«كفاية الأُصول»و يُعدّ كتابه هذا محور البحوث الأُصوليّة في الحوزات العلميّة إلى يومنا هذا. و قد تخرّج على يدهما-خاصّة الأخير-نخبة من رجال الفكر و العلماء البارعين في علم الأُصول: منهم: المحقّق البارع الميرزا حسين النائيني(1274-1355)و قد دوّن آراءه تلميذه البارع الشيخ محمّد علي الكاظمي(1309-1365)و قد نُشر كتابه باسم«فوائد الأُصول»،كما دوّن تلك الآراء أيضاً تلميذه الآخر المرجع الديني السيّد أبو القاسم الخوئي(1317-1413). و منهم: الشيخ المحقّق ضياء الدين العراقي(1278-1361)صاحب كتاب«المقالات في علم الأُصول»،و قد دوّن أفكاره العالم البارع الشيخ هاشم الآملي(1322-1412)في كتاب«بدائع الأفكار». و منهم: المحقّق الكبير الشيخ محمّد حسين الأصفهاني(1296-1361)و قد تخرّج من مدرسته طليعة من العلماء،منهم سيّدنا المحقّق العلاّمة الطباطبائي(1321-1401)و السيّد المحقّق محمّد هادي الميلاني(1313-1395). و أخيرهم لا آخرهم سيّد مشايخنا السيّد المحقّق حسين البروجردي(1292-1380)فقد قضى عشرة أعوام من عمره الشريف في درس المحقّق الخراساني،و دوّن شيئاً من أفكار أُستاذه،و ناقشها في موارد خاصّة تتجلّى‏ في تعليقته الثمينة على«كفاية الأُصول»في جزءين.


م24

قم المقدّسة حرم أهل البيت:

إنّ مدينة قم المقدّسة كانت بلدة عامرة بالعلم و الفقه منذ القرن الثاني إلى أواخر القرن الرابع،اكتظّت بعباقرة الحديث و الفقه و الرجال،و منها انتشر العلم إلى سائر الأمصار. فالمحدِّثون القُمّيّون عُرفوا في سماء الحديث و الفقه،و كفاك أنّ إبراهيم بن هاشم،و ابنه علي بن إبراهيم،و أحمد بن محمّد بن خالد البرقي،و أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري،و محمّد بن أحمد بن عمران الأشعري،و غيرهم من جهابذة الحديث و الفقه،خرّيجو مدرسة قم،و قد تركوا مصنّفات ثمينة بقيت مصونة عن حوادث الزمان. نعم: لم يبقَ تألّق نجم العلم في هذه البلدة على منوال واحد،بل توالى عليه طلوع و غروب مرّة تلو أُخرى إلى أن ساق القضاء رجل العلم و الفضيلة،مثال الزهد و التقى‏،آية اللَّه العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي-إليها عام 1340،فقام بتأسيس الحوزة العلميّة فيها و نفض الغبار عن كاهل حوزتها القديمة،و نفث روحاً جديدة في عروقها في حين كانت رياح الضلال تعصف في أرجاء العالم كلّه،و وقعت إيران العزيزة في مهبِّ رياحه،لكن شاءت الأقدار الإلهيّة أن تكون الحوزة العلميّة سدّاً منيعاً أمام التيّارات الإلحاديّة،و وتداً راسخاً يحول دون الهزّة العلمانيّة،فأضحت مناراً فيّاضاً يشعّ نوراً و هداية في قلوب الأُمّة الإسلاميّة;على وجه تمثل قول أئمّة أهل البيت عليهم السلام في حقّ هذه البلدة الطيّبة. هبط المؤسّس آية اللَّه الحائري مدينة قم في 22 من شهر رجب المرجَّب‏


م25

من عام 1340 ه،و تقاطر روّاد العلم إليها من كلّ فجٍّ عميق،فانتعش العلم ببركته،و خرّج طليعة من روّاد العلم و العلماء إلى أن لبّى‏ نداء ربّه في أواخر سنة 1355 ه،و بذلك فقدت الحوزة العلميّة أكبر زعيمٍ لها و مؤسّسها،و لكن استمرّ عطاء الحوزة العلميّة على يد تلامذته،فقاموا برعاية الجامعة العلميّة بعد رحيله أحسن رعاية،و أخذوا بزمام الأُمور بعزم سديد و يد من حديد في جوّ مشحون بأنواع من الِمحن و الشدائد،التي كادت أن تقلع جذور تلك الشجرة المباركة الطيّبة،و ينبغي علينا ذكرهم إجلالاً للجهود الثمينة التي بذلوها و العناية التي أولوها. 1-آية اللَّه السيّد محمّد الحجّة(1301-1372). 2-آية اللَّه السيّد صدر الدين الصدر(1299-1373). 3-آية اللَّه السيّد محمّد تقي الخوانساري(1305-1371). و هؤلاء الأقطاب الثلاثة كانوا مراجع العلم و أساتذة الحوزة و زعماءها صابرين للمحن و الكوارث،غير مكترثين بما ينتابهم من صروف الدهر،و غِيَر الزمان،مجابهين ضوضاء الباطل بحكمة عمليّة و عِظة بالغة. هكذا كانوا ناهضين بأعباء الرعاية و الإصلاح و الدراسة و التعليم،إلى أن شاءت الأقدار الإلهيّة أن شاركهم أحد أفذاذ العلم و أقطاب الفقه و الحديث و الأُصول;أعني آية اللَّه العظمى السيّد حسين البروجردي(قدّس اللَّه سرّه)حيث غادر مسقط رأسه متوجّهاً إلى قم في مستهلّ سنة 1364ه،بعد فترة قصيرة من مكوثه في طهران لتدهور صحّته،فاستقبله العلماء بحفاوة بالغة،فعادت روح جديدة في عروق الحوزة،و تجسّدت الآمال الكبيرة في شخصه و شخصيّته و زعامته.


م26

إقامة السيّد البروجردي في قم المقدّسة

قام السيّد بإلقاء الدروس و رعاية الحوزة،إلى أن هزّ نبأ وفاة زعيم الشيعة آية اللَّه العظمى السيّد أبو الحسن الأصفهاني البلادَ الإسلاميّة في اليوم الثامن من ذي الحجّة الحرام من عام 1365 ه(رضوان اللَّه عليه)،و منذ ذلك الحين استقطب سيّدنا البروجردي أنظار الشيعة في كلّ أرجاء المعمورة،و تجسّدت فيه الزعامة الدينيّة للشيعة الإماميّة. و كان-قدّس اللَّه سرّه-ذا ولع شديد بإلقاء الدروس و المحاضرات و تربية الفقهاء على الرغم من قيامه بأعباء الزعامة. و تعبِّر محاضراته الفقهيّة عن أبكار أفكاره،فتناول إلى غير واحد من أبواب الفقه،كالإجارة،و الوصيّة،و الصلاة،و الخُمس،و الطهارة،و غير ذلك. و أمّا أُصول الفقه فقد جعل محور دراستها كتاب«كفاية الأُصول»لأُستاذه المحقّق الخراساني،فألقى‏ محاضرات في معظم مباحث الألفاظ،ثمّ في المباحث العقلية،فأكمل البحث في القطع و الظنّ و البراءة و شي‏ء من مباحث الاشتغال،حتّى عاقته أُمور الزعامة عن مواصلتها. كان السيّد البروجردي آية في جُلّ العلوم الإسلاميّة فما منعه سَبْر الغور في الفقه و أُصوله،عن دراسة المعقول و الكلام و التاريخ و الرجال;ممّا أدّى إلى انكباب الفضلاء و علماء الحوزة على محاضراته;مع أنّهم كانوا في الرعيل الأوّل من الأساتذة. و ممّن كان يحضر محاضرات سيّدنا البروجردي،الزعيم الأكبر و الإمام الأعظم سيّدنا آية اللَّه العظمى السيّد روح اللَّه الموسوي الخميني(قدّس اللَّه سرّه


م27

و نوّر اللَّه ضريحه)فقد كان قدس سره أحد المتلهّفين و المتحمِّسين لإقامة السيّد البروجردي في حوزة قم،و قد تحمّل جهوداً مُضنية في هذا السبيل،و شكّلت فيما بعدُ إحدى الدوافع الرئيسيّة إلى حضوره و زملائه في درس السيّد البروجردي;حتّى‏ أضفى‏ طابع النشاط و الحيويّة على محاضراته،و أعطاها تألّقها و تميّزها عن سائر الدروس. لم يكن حضور سيّدنا الإمام الخميني أندية دروس السيّد البروجردي حضوراً شكليّاً و لإضفاء الجلال و الإكبار للمحاضرة فقط،بل كان هناك دافع آخر،و هو الاستقاء من منهل علمه و رحيق فكره،و كنت أحسّ حينما أنظر إليه أنّه يُنصت إلى دروس الأُستاذ بوعي و دقّة و شَغَف و لم يكن يدور بخَلَدي أنّه يدوّن ما يسمعه،و لكنّه(رضوان اللَّه عليه)أدرك بصفاء ذهنه-كما حدّثني به شفهيّاً-جدارة كتابة تلك الدروس لئلاّ تذهب جهود المحاضر سُدىً. و يرجع تاريخ كتابة تلك الدروس إلى عام 1364ه و امتدّت إلى 1370ه،و قد عاقت بعض الحوادث سيّدنا الإمام الخميني عن متابعة العمل،و مع ذلك فالكتاب يشتمل على معظم مباحث الألفاظ و مباحث القطع و شي‏ء من مباحث حجّيّة الظنّ. كان السيّد الإمام الخميني ينقل آراء السيّد البروجردي في دروسه-التي كنت أحضرها-في علم الأُصول بدقّة،ثمّ يتابعها بالدراسة و النقاش،و كان المصدر الوحيد لنقل آرائه هو ما كتبه من محاضراته،و قد شاهدت ما كتبه بخطّه الشريف في هذا المضمار،غير أنّه ممّا يؤسف له أنّ بعض الطوارق أتلفت بعض أوراقه،و مع ذلك ففي الباقي غِنىً و كفاية. و أتقدّم بالشكر الجزيل إلى الهيئة العلميّة المشرفة على نشر آثار الإمام‏


م28

الخميني (قدس سره) على وجه يلائم روح العصر و متطلّباته،و أخصّ بالذكر حفيده السيّد حسن الخميني،فهو كوالده المغفور له حجّة الإسلام السيّد أحمد الخميني قدس سره،قد أدّيا بعض ما للإمام قدس سره من حقوق عليهما و على الأُمّة،فلهما و لمساعيهما أسمى‏ آيات الثناء و التقدير.

كلمة حول شخصيّة الإمام الخميني قدس سره‏

إنّ السيّد الإمام الخميني(قدّس اللَّه سرّه)من الشخصيّات القلائل التي يضنّ بهم الدهر إلاّ في فترات يسيرة،و الكلام عنه و عن خدماته الجليلة و آثاره و مُعطَياته للأمّة،خاصّة تلك الثورة الإسلاميّة العظيمة التي رجّت البلاد و قوّضت عروش الطواغيت،رهن مقال مُسهَب أو كتاب مفرد،و قد قمنا ببعض وظيفتنا تِجاهَ أُستاذنا الكبير عام رحيله سنة 1309 ه،و نشير في هذا المقال إلى الدورات الأُصوليّة المختلفة التي أقامها،و الآثار التي تركها في ذاك المضمار: أ-ابتدأ بتدريس خارج الأُصول بعد حلول السيّد البروجردي بقم المقدّسة،و بما أنّ السيّد البروجردي بدأ بمباحث الألفاظ،نزل الإمام عند رغبة ثُلّة من الفضلاء-و على رأسهم الشهيد المطهّري-إلى إلقاء محاضرات حول الأدلّة الاجتهاديّة و الأُصول العمليّة،و كان يكتب ما يُلقي تحت عنوان التعليقة على«الكفاية». فلمّا انتهت دراسته إلى قاعدة«لا ضرر و لا ضرار»أعرض عن ضبط المباحث بصورة التعليقة،و عدل إلى كتابتها بصورة مستقلّة،حتّى انتهت هذه الدورة إلى دراسة مبحث الاجتهاد و التقليد،و تمّت المحاضرات في شعبان المعظّم من عام 1370،و قد كنّا نحضر محاضراته في هذه الدورة من أواسط


م29

الاستصحاب. و ما نشر من الإمام بصورة التعليقة على«الكفاية»إلى قاعدة لا ضرر،و منها إلى مبحث الاجتهاد و التقليد باسم«الرسائل»،فهو من نتاج هذه الدورة المختصّة بالمباحث العقليّة فقط. ب-بدأ(قدس اللَّه سرّه)بتدريس دورة جديدة كاملة في مُختتم عام 1370ه،و انتهت تلك الدورة عام 1377 ه. و هذه الدورة هي التي كتبناها و أشرف قدس سره على كلّ ما حرّرناه،و كتب تقريظاً في صدر الكتاب،و طُبع باسم«تهذيب الأُصول»في جزءين،غير أنّا لم ننشر ما يرجع إلى الاستصحاب و التعادل و التراجيح;و ذلك لأنّه قد سبقنا نشر ما كتبه الأُستاذ بقلمه الشريف في الدورة الأُولى المختصّة بالمباحث العقليّة. ثمّ إنّ ما نُشر منه أخيراً باسم«مناهج الوصول إلى علم الأُصول»في المباحث اللفظيّة،فهو نتاج هذه الدورة،و قد تمّ بدر تمامه في شهر شوّال المكرّم من عام 1373 ه. ج-ثمّ بدأ بدورة ثالثة استغرقت بين خمس أو ستّ سنوات،و قد علّق في هذه الدورة بعض ما بدأ له من الأنظار،و سجّلها في كتيّب خاصّ إكمالاً للمحاضرات السابقة التي كتبتُها باسم«تهذيب الأُصول»،و لكن العوائق حالت دون إكمالها،و توقّف ركب البحث و الدراسة في ثنايا مباحث الاشتغال،عقْب إقصاء الأُستاذ إلى تركيا و منها إلى العراق. فهذا جُلّ ما قام به الأُستاذ من محاضرات قيّمة في أُصول الفقه،و أمّا سائر محاضراته في الفقه و غيره فحدِّث عنها و لا حرج،و للحديث عنه مجال آخر.


م30

و للأُستاذ قدس سره رسالة أُخرى‏ باسم«الفوائد»،سجّل فيها ما بدأ لأُستاذه الكبير آية اللَّه الحائري من أبكار أفكار،و نتاجات جديدة في علم الأُصول وراء ما جاء في كتابه«درر الأُصول». فأرجو من المسئولين في مؤسّسة نشر آثار الإمام،نشر هذه الرسالة و التي كانت تضمّ أشياءَ أُخرى سجّلها فيها. و في الختام أرفع آيات الاعتذار إلى سماحة أُستاذي الكبير الإمام الخميني قدس سره،فإنّ ما قدّمتُ له من الترجمة لم تكن إلاّ لمحة خاطفة،لا تحيط بجزء من جوانب شخصيّته الفذّة. و العذرُ عند كرام الناس مقبول. جعفر السبحاني قم،مؤسّسة الإمام الصادق عليه السلام


م31

عملنا في التحقيق‏

1-لقد جعلنا النسخة المخطوطة بيد المؤلّف قدس سره مصدرا أساسيّا،و قابلناها بالنسخ الأُخرى بدقّة و صبر،و حيث لم يكن هذا الكتاب مطبوعا في حياة المؤلّف قدس سره،فلم يصحّحه ثانيا،و لهذا فقد قوّمنا نصّه و قطّعناه،و جعلنا له علامات للترقيم،و وضعنا له العناوين المناسبة ممّا يحتاجه القارئ الكريم في المتن. 2-قمنا بتحقيق الكتاب تحقيقا عصريا من حيث تخريج الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة و الأقوال الواردة من أهل السنّة و الشيعة بقدر ما استطعنا. 3-لقد فُقدت بعض أوراق الكتاب،ممّا اضطرّنا إلى إدخال بعض العبارات المستخلصة من تقريرات نهاية الأُصول أو التعليقات على كفاية الأُصول في المكان المفقود و ذلك من أجل تكميل بعض فصول الكتاب. 4-إنّ الكتاب خالٍ من كلّ نظر أو حاشية تحقيقية للمؤلّف مع أنّ الإمام الخميني قدس سره صاحب الفكر الثاقب و الرأي السديد يخالف كثيرا آراء أُستاذه آية اللَّه العظمى البروجردي. و حيث يكون للكتاب موقعه المناسب عند أهل العلم جعلنا بهامشه بعض ما خالف رأي الإمام عن المتن،و تركنا بعضها،الذي كان


م32

البحث فيه استطرادياً. 5-إعداد الفهارس العامّة في آخر الكتاب تسهيلا لأمر الإخوة المحقّقين و الاستفادة الكاملة من الكتاب. و الحمد للَّه ربّ العالمين. مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني قدس سره {المتن")


1


5

المقدّمة


7

فصل البحث حول موضوع العلم‏

و بعد،اعلم: أنّ من مسلّمات أهل الفنون من الحكماء و أصحاب الميزان،أمرين: <<أوّلهما: >>أنّ موضوعات العلوم هي التي يبحث في تلك العلوم عن عوارضها الذاتيّة(1)

(1)الإشارات و التنبيهات 1: 298-299،البصائر النصيريّة: 5-6،شرح الشمسيّة: 14-السطر 13-14،الحكمة المتعالية 1: 30،الشواهد الربوبيّة: 19.
[1].

[1]اعلم: أنّ القضايا المركّبة منها العلوم،مختلفة: فمن العلوم ما يكون جميع قضاياه أو غالبها،قضايا حقيقية أو بحكمها،كالعقليات و الفقه و أُصوله،و منها ما تكون جزئية حقيقية،كالتأريخ و الجغرافيا و غالب مسائل الهيئة و علم العرفان. و نسبة موضوع المسائل إلى‏ ما قيل: إنّه موضوع العلم،قد تكون كنسبة الطبيعي إلى‏ أفراده،و قد تكون كنسبة الكلّ إلى‏ أجزائه،بل قد يكون موضوع جميع المسائل هو موضوع العلم،فمن الأوّل الأمثلة الأُول،و من الثاني الثانية غالباً،ما عدا العرفان،و من الثالث العرفان;فإنّ موضوعه هو اللَّه تعالى‏،و هو عين موضوع مسائله.


8

...........

فاتّضح ممّا ذكر: أنّ ما اشتهر-من أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة-ممّا لا أصل له،سواء فسّرناها بما فسّرها القدماء،أو بأنّها ما لا تكون لها واسطة في العروض;ضرورة أنّ عوارض موضوعات المسائل-التي تكون نسبتها إلى‏ موضوع العلم كنسبة الأجزاء إلى الكلّ،لا الجزئيات إلى الكلّي-لا تكون من عوارضه الذاتية بالتفسيرين إلاّ بتكلّف. (مناهج الوصول 1: 38-39). ضرورة أنّ عارض الجزء و خاصّته،عارض لنفس الجزء الذي هو قسمة من الكلّ،و متشعّب عنه،لا لنفس الكلّ الذي تركّب منه و من غيره،اللّهمّ إذا تشبّث القائل بالمجاز في الإسناد. (تهذيب الأُصول 1: 2). و أمّا فيما كانت النسبة بينهما كنسبة الكلّي إلى أفراده،كالفقه و الفلسفة فنقول: فأيّ داعٍ للالتزام بكون موضوع علم الفقه هو فعل المكلّف،و أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية،مع أنّ الأحكام ليست من العوارض؟!و مع التسليم و تعميم الأعراض للاعتباريات،ليست كلّها من الأعراض الذاتية لموضوعات المسائل;فإنّ وجوب الصلاة لا يمكن أن يكون من الأعراض الذاتية لها بوجودها الخارجي;لكون الخارج ظرف السقوط لا الثبوت،و لا بوجودها الذهني،و هو واضح،و لا للماهيّة من حيث هي;ضرورة عدم كونها مطلوبة،فمعنى‏ وجوبها أنّ الآمر نظر إلى الماهيّة و بعث المكلّف نحو إيجادها،و بهذا الاعتبار يقال: إنّها واجبة،لا بمعنى اتّصافها بالوجوب في وعاء من الأوعية،و وعاء الاعتبار ليس خارجاً عن الخارج و الذهن. هذا،مع لزوم الاستطراد في كثير من مهمّات مسائل الفقه،كأبواب الضمان،و أبواب المطهّرات و النجاسات،و أبواب الإرث،و غير ذلك. أو أيّ داعٍ لجعل موضوع الفلسفة هو الوجود،ثمّ التكلّف بإرجاع المسائل فيها إلى البحث عن أعراضه الذاتيّة له،بما تكلّف به بعض أعاظم فنّ الفلسفة،ثمّ الالتزام باستطراد كثير من المباحث،كمباحث الماهية و الأعدام،بل مباحث المعاد و أحوال الجنّة و النار و غيرها،أو التكلّف الشديد البارد بإدخالها فيها. هذا،مع أنّ كثيراً من العلوم،مشتمل على‏ قضايا سلبية بالسلب التحصيلي. و التحقيق في السوالب المحصّلة: أنّ مفادها هو قطع النسبة و سلب الربط،لا إثبات النسبة السلبية،كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في مباحث الاستصحاب. (مناهج الوصول 1: 41-42).


9

<و ثانيهما: >أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات(1) .

(1)شرح المطالع: 18-السطر 5،شوارق الإلهام: 6-السطر 18،شرح الشمسية: 5-السطر5.
و هاهنا شي‏ء آخر قد تسالم عليه أصحاب فنّ الأُصول من السابقين الأوّلين: و هو أنّ موضوع علم الأُصول الأدلّة الأربعة بما هي متّصفة بالوصف العنوانيّ(2) .

(2)نسب إلى المشهور،و اختاره المحقّق القمّي في حاشيته على القوانين 1: 8.
<و استشكل عليه بعض المحقّقين: >بأنّ عمدة المباحث الأُصوليّة،[تخرج‏]عن كونها أُصوليّة على‏ هذا الفرض،مثل حجّية الخبر الواحد،و مباحث التعادل و الترجيح و أمثالهما،و تندرج في المبادئ(3) .

(3)الفصول الغروية: 11-السطر 32 و 12-السطر 10.
<و قد يقال: >إنّ الموضوع ذوات الأدلّة،لا بما هي متّصفة بهذا الوصف،فيكون البحث عن حجّية الخبر،بحثاً عن العوارض الذاتيّة لذات الموضوع;فإنّ الخبر من السنّة،و هي الموضوع،و اتصافه بالحجّية من العوارض الذاتيّة للموضوع(4) .

(4)نفس المصدر: 12-السطر 10.
<و استشكل على‏ هذا أيضاً: >بأنّ حجّية الخبر الواحد،لا تكاد تعدّ من عوارض السنّة،بل هي من عوارض الخبر الواحد،و الخبر بما هو لا يكون موضوعاً للعلم(5) .

(5)فرائد الأُصول: 67-السطر 8.
<و قد تصدّى العلاّمة الخراسانيّ رحمه الله>لدفع تمام الإشكالات;بأنّ موضوع العلم لا هذا و لا ذاك،بل هو الكلّي المتّحد مع موضوعات المسائل خارجاً،على‏


10

وزان اتحاد الطبيعيّ مع أفراده،و المغايرة من حيث المفهوم،كما هو الشأن في الطبيعيّ مع الأفراد(1) .

(1)كفاية الأُصول: 22.
<و الإشكال عليه تارة: >بأنّه ربّما لا نعرف في بعض العلوم،جهةً مشتركة متّحدة مع موضوعات المسائل،كي تكون هي الموضوع للعلم(2) .

(2)نهاية الأفكار 1: 9-11.
<و أُخرى‏: >بأنّه مع عدم تشخيص الموضوع،ربّما تتداخل العلوم في المسائل،و لا يعلم أنّها من أيّ علم من العلوم،و قد تسالم القوم على‏ أنّ تمايز العلوم بالموضوعات. <مندفع: أمّا الأوّل: >فبأنّه لا بدّ و أن تكون بين المسائل جهة مشتركة سارية في جميع موضوعات مسائل كلّ فن من الفنون،و هذه هي موضوع العلم و إن لم نعرف اسمها;إذ الأسماء لا دخل لها في المعاني. <و أمّا الثاني: >فبأنّه لا نسلّم هذا التسالم،بل نقول في قبالهم: إنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض،لا الموضوعات،و كلّ مسألة دخيلة في غرض المدوّن،تكون لا محالة من مسائل العلم المدوَّن‏[2].

[2]إنّ كلّ علم عبارة عن عدّة قضايا مرتبطة تجمعها خصوصية بها يترتّب عليها غرض واحد و فائدة واحدة بالوحدة السنخية. و وحدة العلم-كوجوده-اعتبارية لا حقيقية;ضرورة امتناع حصول الوحدة الحقيقية المساوقة للوجود الحقيقي للقضايا المتعدّدة;لأنّ المركّب من الشيئين أو الأشياء لا يكون موجوداً آخر غير الأجزاء،اللهمّ إلاّ المركّب الحقيقي الحاصل من الكسر و الانكسار المتحصّلة منهما صورة غير صورة الأجزاء. و لا إشكال في أنّ العلوم كلّها-عقليّة كانت أو غيرها-أنّما نشأت من النقص إلى الكمال،فكلّ علم لم يكن في أوّل أمره إلاّ قضايا معدودة،لعلّها لم تبلغ عدد الأصابع،فأضاف إليها الخلف بعد السلف،و كم ترك الأوّل للآخر،و الفرط للتابع. (مناهج الوصول 1: 35-36). ثمّ إنّ منشأ الوحدة في العلوم هو سنخية قضاياها المتشتّتة،و منشأ امتيازها هو اختلاف ذاتها و سنخ قضاياها،و لا يمكن أن يكون ما به اختلافها و امتيازها هو الأغراض أو الفوائد المترتّبة عليها;لتأخّرها رتبة عن القضايا،فمع عدم امتيازها لا يمكن أن يترتّب عليها فوائد مختلفة. نعم،قد تتداخل العلوم في بعض القضايا;بمعنى‏ أن تكون لقضيّة واحدة فائدة أدبية مثلاً يبحث الأديب عنها لفائدتها الأدبية،و الأُصولي لفهم كلام الشارع،كبعض مباحث الألفاظ،فالأُصولي و الأديب يكون غرضهما فهم كون«اللام»للاستغراق،و«ما»و«إلاّ»للحصر،لكن يكون ذلك هو الغرض الأقصى‏ للأديب بما أنّه أديب،أو يكون أقصى‏ مقصده أمراً أدبياً،و للأُصولي غرض آخر،هو فهم كلام الشارع لتعيين تكليف العباد. و تداخل العلوم في بعض المسائل لا يوجب أن تكون امتيازها بالأغراض،بما أنّها واحدة بالوحدة الاعتبارية;فإنّ المركّب من مسائل شتّى‏ إذا اختلف مع مركّب آخر بحسب مسائله،و اتّحد معه في بعضها،يكون مختلفاً معه بما أنّه واحد اعتباري ذاتاً،خصوصاً إذا كان التداخل قليلاً،كما أنّ الأمر كذلك في العلوم. فتحصّل ممّا ذكر: أنّ اختلاف العلوم أنّما يكون بذاتها،لا بالأغراض و الفوائد;فإنّه غير معقول. (مناهج الوصول 1: 43-44).


11

تمايز العلوم بتمايز الموضوعات‏

هذا،و الذي يؤدّي إليه النظر: أنّ مسائل العلوم و الفنون;من الأدبيّة،و العقليّة،و الفقهيّة،و الأُصوليّة و غيرها،كلّها تكون في حدود ذواتها-مع قطع النظر عمّا عداها من المدوِّن و أغراضه-ذاتَ خصوصيّة،بها تمتاز مسائل كلّ علم عمّا سواها من مسائل العلم الآخر. <و إن شئت قلت: >إنّ كلّ مسألة من كلّ علم،لها بنفسها خصوصيّة ذاتيّة،


12

تشترك هذه المسألة في لواء هذه الخصوصيّة مع عدّة مسائل أُخرى‏،فتكون هذه و تلك جميعاً من فروع علم واحد،و هذه الحيثيّة المشتركة ثابتة و سارية في جميع مسائل الفنّ،من دون نظرٍ إلى‏ ما هو الغرض من التدوين أصلاً. <مثلاً: >عند الإمعان في مسائل علم النحو،يتّضح أنّ ما يبحث عنه في تمامها ليس إلاّ كيفيّة أواخر الكلمة;من المرفوعيّة،و المنصوبيّة،و المجروريّة،و تلك الخصوصيّة سارية في جميع مسائل علم النحو و لو مع الغفلة عمّا هو الغرض من التدوين;إذ من الواضح أنّ تلك الخصوصيّة السارية،لا تكون إلاّ لذوات المسائل بما هي مسائل،بدون أن يكون للأغراض الداعية إلى التدوين دخل فيها أصلاً. و هكذا علم الصرف و المعاني و البيان و الفلسفة و غيرها،فإنّ الخصوصيّة الموجودة سارية في جميع مسائل الفلسفة الإلهيّة،و ثابتة لتمامها،من غير دخالة للأغراض فيها;بل هي بنفس ذواتها واجدة لتلك الخصوصيّة المشتركة[3]. و لباب الكلام: أنّ المسائل المتشتّتة في كلّ علم مع تشتّتها،لها خصوصيّة

[3]و ممّا يؤيّد ذلك بل يدلّ عليه: ما أفاده المحقّق الطوسي;في أوّل مبحث طبيعيّات«الإشارات»: من أنّ مباحث الهيولى‏ و الصورة التي يبتني عليها العلم الطبيعيّ،مصادرات فيه،و مسائل من الفلسفة الأُولى‏(1) .

(1)-الإشارات و التنبيهات 2: 3).
إذ موضوع الفلسفة هو الموجود بما هو موجود و إثبات وجود المادّة و الصورة من فروع الفلسفة،لا العلم الطبيعيّ،بل من مبادئه;لأنّ الموضوع فيه الجسم الطبيعيّ المتألّف من المادّة و الصورة،مع أنّ الغرض في العلم الطبيعيّ يشمل البحث عن الهيولى‏ و الصورة. (خارج عمّا أفاد الأستاذ)(2) .

(2)ما بين الهلالين أيضا بخطّ المؤلّف). $


13

جامعة لشتاتها،و حافظة لمتفرّقاتها،و تلك الخصوصيّة ثابتة في حدّ ذاتها مع قطع النظر عن الأغراض;فإنّ الأغراض جهات طارئة خارجة عن ذوات المسائل،و لا تكاد تكون مميّزة للعلوم;لأنّ المميّز لا بدّ و أن يكون من الخصوصيّات الثابتة لذوات المسائل;إذ الغرض الأوّل من الفلسفة و إن كان العلم بموجوديّة الأشياء،و العلم هو التصديق،إلاّ أنّ العلم كيف يمكن أن يكون الجهة المميّزة للفلسفة عن غيرها من العلوم;بحيث يكون جامعاً لمسائلها،و مانعاً عن غيرها؟! فإنّ العلوم كلّها ممّا يتعلّق هذا الغرض بها،و تكون مسائل جميع الفنون واجدة لتلك الخصوصيّة من حيث تعلّق الغرض بها. نعم،الأغراض أنّما تكون متفرّعة على‏ تلك الخصوصيّات الذاتيّة الثابتة لجميع المسائل في المرتبة الثانية،و هذا ممّا لا ينكر البتّة;فإنّ الغرض من تدوين النحو مثلاً;هو العلم بكيفيّة أواخر الكلمة،و من المعلوم أنّ هذا الغرض لا يتعلّق إلاّ بعد ما كانت لمسائل النحو خصوصيّة ذاتيّة;هي كيفيّة أواخر الكلمة. هذا كلّه إذا كان المراد من«الغرض»الأوّلي. و أمّا إذا كان المراد الأغراض الثانوية،كتحصيل نفع أو مصلحة من المسائل الشخصيّة أو النوعيّة،مثل التقرّب إلى اللَّه تعالى‏،أو غير ذلك،فهي ممّا تختلف باختلاف الأشخاص،فكيف يحصل بها مميّز كلّي في العلوم؟!< فانقدح بذلك: >أنّ موضوع العلم هو الحيثيّة المشتركة الجامعة التي تشترك فيها المسائل بأجمعها،و عين هذه الحيثيّة هي الجهة المميّزة بين العلوم. هذا بالنسبة إلى‏ موضوعات العلوم.

حول تمايز المسائل‏

و أمّا امتياز نفس المسائل بعضها عن بعض،فهو أيضاً بنفس ذوات المسائل;


14

فإنّ الخصوصيّة التي تكون في هذه المسألة،غير ما تكون في غيرها،لكن هذه الجهات المميّزة بين المسائل،أنّما تنتزع من الحيثيّة المشتركة الكليّة التي تكون موضوعاً للعلم،و تكون تلك الجهات خارجة عن ذات الموضوع مفهوماً،و متّحدة معها خارجاً،على‏ وِزان خارجات المحمول،لا المحمولات بالضميمة التي تكون حقائق غير حقيقة الموضوع. كيف؟! و لا يمكن أن تكون تلك الجهات المميّزة بين المسائل،هي عين الجهة المشتركة ذاتاً و مفهوماً;لأنّ الحيثيّة المشتركة لا يعقل أن تكون عين الحيثيّات المتمايزة في المسائل،و لا جزءها،بل إنّما تكون مغايرة لها مفهوماً،و من عوارضها التي تتّحد معها وجوداً،كما هو الشأن في العوارض التي من قبيل خارجات المحمول،فتحمل هذه الجهات المتمايزة المائزة بين المسائل على الجهة المشتركة الوحدانيّة،و تكون محمولات لها. <و من هنا ينقدح: >الفرق بين العرض المصطلح في لسان الطبيعيّ،(1)

(1)الحكمة المتعالية 4: 235،شرح المنظومة،قسم الحكمة: 137-السطر 6.
و العرض المصطلح في لسان المنطقيّ،(2) و تنقدح أيضاً مواضع الخلط بين‏

(2)الإشارات و التنبيهات 1: 40،شرح المطالع: 69-السطر ما قبل الأخير.
الاصطلاحين;إذ العرض في اصطلاح الطبيعيّ: هو ما إذا وجد وجد في الموضوع،في قبال الجوهر الذي يوجد لا في الموضوع،بل على‏ نحو الاستقلال. و العرض في لسان المنطقيّ: هو ما يكون خارجاً عن مقام الذات و لو كان منتزعاً عنها،و بهذا الاصطلاح يكون مفهوم الناطق عرضاً بالنسبة إلى‏ مفهوم الحيوان;لأنّ الناطق مفهوم خارج عن مفهوم الحيوان،و كذلك الحيوان بالنسبة إلى‏ مفهوم الناطق،و لكنّهما ذاتيّان بالنسبة إلى الإنسان،و لذا كان حمل‏


15

«الإنسان»على‏«الحيوان الناطق»حملاً أوّليّاً مفهوميّاً. و على‏ هذا،فقد يكون ما في الاصطلاح المنطقيّ بالنسبة إلى‏ شي‏ء عرضاً،و بالنسبة إلى‏ شي‏ء آخر ذاتيّاً،و أمّا الأعراض في لسان الحكيم الطبيعيّ،فهي ممّا لا تختلف بالوجوه و الاعتبارات. <إذا عرفت ذلك يظهر: >أنّ الجهات المائزة المتمايزة في المسائل التي حكمنا بأنّها من عوارض الجهة المشتركة،إنّما هي عوارض لها في اصطلاح المنطقيّ،لا العوارض باصطلاح الطبيعيّ;فإنّها تكون بالنسبة إلى الجامع من قبيل خارج المحمول;بمعنى‏ أنّها متّحدة في الخارج معها بحيث لا يكون في الخارج شي‏ء غير تلك الحيثيّة المشتركة،مثل أنّ الجسميّة ليست إلاّ ما تكون في الخارج موجودةً،حيث لا يكون في الخارج شي‏ء بحذاء الجسميّة،و شي‏ء آخر بحذاء الموجوديّة،و هكذا العقل،و كلّ ما يقال: «إنّه موجود»بالحمل الشائع. فما هو الجهة المشتركة في جميع مسائل علم الفلسفة،و يكون موضوعاً للعلم،هو الموجود بما هو موجود،و الحيثيّات المائزة المتمايزة-كالجسميّة،و الهيولى‏،و الصورة،و العقل،و كلّ ما يقال: «إنّه موجود»-إنّما هي الجهات المنتزعة من الوجود،و تكون من عوارض الموجود بما هو موجود;بحيث لا يكون في الخارج إلاّ نفس أنّه موجود. <لا يقال: >بناءً على‏ هذا،فالجهة المشتركة التي تكون موضوعاً للعلم،هي محمول المسائل،لا أنّها موضوع المسائل،كما يقال: «الجسم موجود»و«العقل موجود». <لأنّا نقول: >المتداول بين ألسنة أهل الميزان،هو حمل الأخصّ على


16

الأعمّ،(1)

(1)اُنظر البصائر النصيريّة: 51-55.
و إلاّ فموضوعيّة الموجود ممّا لا شك فيها،كما أنّ عرضيّة الجسم بالمعنى الذي ذكرناه،ليس مشكوكاً فيها. <و أمّا ما أفاده صاحب«الفصول»تارة: >بأنّ العرض الذاتيّ هو ما كان عارضاً للمعروض بلا واسطة عارضٍ آخر(2) .

(2)الفصول الغروية: 10-السطر 23.
<و أُخرى‏: >بأنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات المتقيّدة بالحيثيّات،كالكلمة و الكلام من حيث الإعراب و البناء(3) .

(3)نفس المصدر: 11-السطر 20.
<فواضح الفساد;لما في الأوّل: >من أنّ المراد بالعرض كما حقّقناه،ليس ما هو مصطلح في باب الطبيعيّات،كي يقال: «إنّ العرض الذاتيّ كذا»و هذا من الخلط بين الاصطلاحين. و لما في الثاني: من أنّ تمايز العلوم بتمايز الحيثيّات المشتركة السارية في جميع المسائل;بحيث يكون الموضوع نفس تلك الحيثيّة،و هي الجامعة المائزة،لا أنّه بتمايز الموضوعات المتقيّدة بالحيثيّات‏[4].

[4]هذا ما أفاده سيّدنا الأُستاذ في درسه،و لكن الذي يخطر بالبال،أنّ الحيثيّة المشتركة الذاتيّة السارية في جميع المسائل،و إن كانت ممّا لا تنكر كما أفاده دام ظلّه،إلاّ أنّه من الممكن فرض حيثيّة مشتركة ذاتيّة،تكون أعمّ من الأُولى‏;فإنّ حيثيّة الإنسان مثلاً في علم الإنسان،تكون حيثيّة مشتركة ذاتيّة،لازمة للحيثيّة الحيوانيّة،و يدوّن العلم لأجلها كما في علم الحيوان،فتكون الحيثيّة الإنسانيّة من المسائل،فهذا الاختلاف الذي يجعل الحيثيّة تارة من المسائل،و أُخرى‏ يجعلها موضوعاً للعلم،إنّما نشأ من قِبَل أغراض المدوّنين الداعية للتدوين.

و الذي أظنّه في تمايز العلوم;هو أنّ الحيثيّة المشتركة بنفسها-مع قطع النظر عن أغراض المدوّنين-ممّا لا يمكن الاكتفاء بها في سبيل التمايز،كما أنّ الأغراض أيضاً بنفسها لا يمكن الاكتفاء بها،بل ما هو المميّز للعلوم هو الحيثيّات المتعلّقة لغرض التدوين،فعليك بالتأمّل [الإمام الخميني قدّس سرّه الشريف‏].


17

و أمّا تمثيله بالكلمة و الكلام من حيث الإعراب و البناء،فغير خالٍ من التسامح كما لا يخفى‏،و لعلّه لتفهيم المتعلّمين. و أمّا ما أفاده المحقّق الخراسانيّ رحمه الله: من أنّ موضوع العلم هو نفس موضوعات المسائل،و ما يتّحد معها خارجاً،كالطبيعيّ و أفراده(1) .

(1)كفاية الأُصول: 21.
ففيه: أنّ الطبيعيّ تمام حقيقة كلّ فرد من أفراده،كالإنسان بالنسبة إلى‏ أفراده،و ليست الأفراد خارجة عنه كي تكون من عوارضه،و تكون من خارجات المحمول،و قد عرفت: أنّ الجهات المائزة بين المسائل،جهات منتزعة من الجهة المشتركة،و تكون بالنسبة إلى الجامع من قبيل خارج المحمول،و أنّها عوارض ذاتيّة بحسب اصطلاح المنطقي. هذا كلّه فيما هو الموضوع للعلوم،و ما هو المميّز فيها على النحو الكلي.
موضوع علم الأُصول‏

و أمّا موضوع علم الأُصول،فقد قال مؤسّسه الأوّل في رسالة له تسمّى‏ ب«الرسالة الشافعيّة»: إنّ موضوع العلم هو عنوان«الحجّة في الفقه»لأنّه يبحث فيه عن أنّ القياس حجّة أم لا،أو أنّ قول الصحابيّ حجّة في الفقه أم لا(2) ،أو أنّ الاستصحاب حجّة في الفقه أم لا،أو أنّ الاستحسان حجّة،أو خبر

(2)لم نعثر في رسالة الشافعي على‏ تصريحه بهذا. نعم بحث الشافعي عن حجّية الحجج‏الشرعية من الكتاب و السنّة و غيرهما،و منه يعلم أنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه،اُنظر نهاية الأُصول: 16.


18

الواحد-أو غير ذلك من موضوعات المسائل-حجّة في الفقه أم لا. و عنوان«الحجّة في الفقه»بما أنّه جارٍ و سارٍ في جميع المسائل،هو الموضوع للعلم،و هو بعينه موضوع المسائل أيضاً،و إن وقع محمولاً في قضايا المسائل،و حمل على‏ موضوعاتها،كما أشرنا إليه(1) في قضيّة«الجسم موجود»

(1)تقدّم في الصفحة 15.
و هذا هو صراح الحقّ في موضوع علم الأُصول كما يؤدّي إليه النظر،و به تندفع جميع الإشكالات: <أمّا ما أفاده صاحب«القوانين»: >من أنّ البحث عن دليليّة الدليل،بحث عن المبادئ،(2) فمردودٌ: بأنّ الموضوع ليس الأدلّة بما هي أدلّة،بل الموضوع هو

(2)قوانين الأُصول 1: 8.
عنوان«الحجّة في الفقه»و كلّ ما يكون خارجاً عن ذات هذا العنوان و محمولاً عليه،يكون من عوارض الموضوع حسب اصطلاح المنطقيّ. و على‏ هذا،فكلّ مسألة من المسائل،لو كان البحث فيها عن حجّيتها،فهي من عوارض الحجّة،فتكون من المسائل: <أمّا خبر الواحد،>فيبحث فيه عن أنّه حجّة في الفقه أم لا،كما أنّ الشهرة أو الإجماع أو حجّية أيّ من الخبرين في باب التعارض كذلك. <و أمّا سائر المسائل،>فمسألة الاشتغال يبحث فيها عن حجّية العلم الإجماليّ;و أنّه كالعلم التفصيليّ في الحجّية تنجيزاً أم لا. <و القطع> و إن كان من شدّة الوضوح بمثابة لا يبحث في حجّيته،بل حجّية كلّ شي‏ء بالقطع،و حجّية القطع بمقتضى‏ ذاته،إلاّ أنّه إذا توهّم المتوهّم و شكّ


19

في حجّيته،فإثبات حجّيته حينئذٍ يجعله من المسائل. و قد أفاد المحقّق الخراسانيّ: أنّه بمسائل الكلام أشبه(1) .

(1)كفاية الأُصول: 296.
و أنت خبير بما في هذا الكلام;لأنّ البحث في علم الكلام عن إثبات واجب الوجود و توحيده و صفاته تعالى‏،و إثبات النبوّة و الولاية و العقائد الإسلاميّة،و ليست حجّية القطع من جملة هذه الأُمور. <و أمّا مسألة حجّية الظواهر،>فهي و إن كانت ممّا لا ريب فيها،إلاّ أنّ القدماء يعنونون هذا البحث في خصوص الموارد التي يعرض للكلام اعتلال ما من التقييد و التخصيص;ممّا يوجب اضطراب الظهور،و كانوا يبحثون في أنّ العامّ و المطلق بعد التخصيص و التقييد،باقيان على الحجّية أم لا(2) .

(2)الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 332-337،عدّة الأُصول 2: 424-430.
و لكنّ هذا البحث في كتب المتأخّرين،معنون على النحو الأعمّ الأبسط،من دون اقتصارٍ على‏ تلك الموارد. فعلى‏ كلّ حال البحث عن حجّية الظهور بحث عن عوارض الحجّة،و يكون من المسائل. و من الموارد التي كان الظهور فيها ضعيفاً قابلاً للترديد و الإنكار،هو البحث عن حجّية المفاهيم،و سنبرهن في محلّه(3) على‏ أنّ وجود المفهوم و لو على‏ نحو

(3)يأتي في الصفحة 269-270.
الإبهام و غاية الضعف،ممّا لا يقبل الإنكار،إنّما الكلام في حجّية هذا الظهور و عدمها،و هذا بخلاف ما هو المعروف عن الشيخ رحمه الله في باب المفاهيم(4) . و على‏

(4)مطارح الأنظار: 169-السطر 26.
هذا كان البحث عن حجّيّة المفاهيم من المسائل أيضاً. <و أمّا مسألة البراءة،>فالبحث فيها يرجع إلى‏ أنّ احتمال التكليف-كالقطع به-


20

منجّز أم لا،و منجّزية الاحتمال عبارة أُخرى‏ عن الحجّيّة في الفقه. و أمّا الاستصحاب،ففيه يبحث أيضاً عن حجّية البقاء و البناء على الحالة السابقة أم لا. و في التخيير عند عدم إمكان الاحتياط،أو ترجيح أحد الجانبين،يبحث في الأُصول عن أنّ هذا الجانب،هل هو حجّة في الفقه أم لا؟ و حينئذٍ لا مجال للتخيير،بل هو من باب التعادل و الترجيح،و أمّا مع عدم الترجيح و تساوي الطرفين،فيبحث فيه عن أنّ التخيير بالنسبة إلى‏ كلّ من الطرفين،معذِّر عن التكليف و حجّة في الفقه،و تؤلّف منه قضيّة حمليّة;من موضوع خاصّ،و محمول عامّ;هو عنوان«الحجّة في الفقه». <نعم،>بعض المباحث و المسائل التي لا يمكن إيقاعها موضوعاً لهذا المحمول-كبعض مباحث الألفاظ مثل مسألة الوضع،و الحقيقة و المجاز،و المشتقّ و غيرها،أو كبعض المسائل العقليّة مثل مسألة الضدّ،و اجتماع الأمر و النهي-هي إمّا من المبادئ اللّغوية،أو من المبادئ الأحكاميّة،كبحث مقدّمة الواجب،كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى‏(1) .

(1)يأتي في الصفحة 111 و 161 و 215.
هذا تمام الكلام في تمايز العلوم،و موضوع علم الأُصول. و أمّا تعريفه،فبعد ما حقّقناه في موضوعه،واضح لا يحتاج إلى‏ مزيد بيانٍ. هذا هو الحقّ،و نحن معه حيثما دار;فإنّ«الْحَقّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ»(2) و لو

(2)يونس(10): 36.
كان في«الرسالة الشافعيّة»فافهم و تأمّل في المقام.


21

فصل البحث في الوضع‏

< قال المحقّق الخراسانيّ: >الوضع نحو اختصاص للّفظ بالمعنى‏(1) .

(1)كفاية الأُصول: 24.
<و لا يخفى‏: >أنّ هذا الكلام ليس إلاّ إحالة إلى‏ مجهول،و ليس له معنى‏ محصّل دالّ على‏ كيفيّة تعلّق الألفاظ بالمعاني. على‏ أنّ الوضع ليس هو اختصاص اللّفظ و ارتباط بالمعنى‏،بل الارتباط و الاختصاص ما يحصل من الوضع،فحينئذٍ لا بدّ و أن يكون المراد ب«الوضع»هاهنا بمعنى اسم المصدر،كي يصحّ أن يقال: «إنّه نحو اختصاص للّفظ بالمعنى‏». <فنقول: >الوضع باعتبار هذا المعنى‏،ليس إلاّ الدلالة الشأنيّة،و جعل اللّفظ بحيث إذا سمع يفهم منه المعنى‏،و ينتقل الذهن من هذا الكيف المسموع إلى المعنى‏. و هذه الدلالة الشأنيّة باعتبار سببها تنقسم إلى‏ ما هي بالتعيين،أو بكثرة الاستعمال. <و ملخّص الكلام: >هو أنّ وضع اللّفظ بمعناه الاشتقاقي المفعوليّ،أو بمعنى


22

اسم المصدر،هو الدلالة الشأنيّة على المعنى‏ بنحو الاندكاك و المرآتيّة،بحيث إذا سمع يفهم منه المعنى‏،و هذه الدلالة بهذه الحيثيّة لا تحصل بصرف الوضع،بل إنّما تحصل باتباع الواضع في الوضع التعيينيّ،و بكثرة الاستعمال في الوضع التعيّنيّ‏[5]. <فالدلالة الشأنيّة للألفاظ تارة: >تحصل بتعيين الواضع بشرط اتباعه. <و أُخرى‏: >بكثرة الاستعمال. <و ثالثة: >باستعمال اللّفظ بداعي الوضع.

حول أقسام الوضع و الموضوع له‏

ثمّ إنّه لو كان اللّحاظ على‏ نحو المفهوم،و وضع اللّفظ لهذا الملحوظ العامّ،كان الوضع عامّاً،و الموضوع له كذلك. و لو كان الملحوظ حين الوضع عامّاً،لكنّ الوضع بإزاء الخواصّ و الجزئيّات،كان الوضع عامّاً،و الموضوع له خاصّاً. و إن كان الملحوظ خاصّاً،و الوضع بإزاء هذا الخاصّ،فالوضع و الموضوع له خاصّان،كما في الأعلام الشخصيّة[6]. و هذه الأقسام الثلاثة ممّا لا يكاد

[5]إنّ الوضع-على‏ ما يظهر من تصاريفه-هو جعل اللفظ للمعنى‏ و تعيينه للدلالة عليه،و هذا لا ينقسم إلى‏ قسمين;لأنّ التعيّني لا يكون وضعاً و جعلاً. و الاختصاص الواقع في كلام المحقّق الخراساني ليس وضعاً،بل أثره. (مناهج الوصول 1: 57).

[6]في كونها منه إشكال;للزوم كون نحو: «زيد موجود»قضيّة ضرورية،كقولنا: «زيد زيد»،و كون حمله عليه كحمل الشي‏ء على‏ نفسه،و مجازية مثل قولنا: «زيد معدوم»،و قولنا: «زيد إمّا موجود،و إمّا معدوم»،مع عدم الفرق وجداناً بينه و بين قولنا: «زيد إمّاقائم،أو قاعد»في عدم العناية فيه،فلا يبعد أن يلتزم بأنّها وضعت للماهية الكلّية التي لا تنطبق إلاّ على الفرد الواحد. و توهّم: أنّ الماهية الكذائية مغفول عنها حين الوضع بالوجدان. مدفوع: بأنّ الارتكاز مساعد لذلك،كما نرى‏ من إخبار العوامّ و النساء بمعدومية المسمّيات في الأعلام و موجوديتها. و الموضوع في هذا الحكم ليس الماهية الكلّية القابلة للانطباق على الكثيرين،و لا الشخص الموجود بما هو كذلك،بل الماهية التي لا تنطبق إلاّ على الفرد الخارجي،و هي متصوّرة ارتكازاً،و الأعلام الشخصية موضوعة لها،و هذا أهون من الالتزام بمجازية كثير من الاستعمالات الرائجة بلا عناية وجداناً. تأمّل. (مناهج الوصول 1: 67-68).


23

يشكّ في تصويرها. <إنّما الكلام في تصوير قسم رابع;>هو الوضع الخاصّ و الموضوع له عامّ،كما يتراءى‏ تصويره من كلام المحقّق الرشتيّ(1) .

(1)بدائع الأفكار،المحقّق الرشتي: 40-السطر 23.
و لكنّ الحقّ على‏ خلاف ما فرضه;إذ الجزئيّ ليس بكاسب و لا مكتسب،و لا يمكن أن يكون بجزئيّته وجهاً و عنواناً للعامّ،كما يمكن أن يكون العامّ وجهاً و عنواناً للأفراد،هذا هو السرّ في استحالة القسم الرابع. هذا كلّه بحسب مقام الفرض و الثبوت‏[7].

[7]و ما يقال: من عدم امتناع كون العامّ مرآة للخاصّ و وجهاً له،دون الخاصّ للعامّ،غير صحيح;لأنّ العامّ-أيضاً-لا يمكن أن يكون مرآة للخاصّ بما أنّه خاصّ;لأنّ الخصوصيات و إن اتّحدت مع العامّ وجوداً،لكن يخالفها عنواناً و ماهية،و لا يمكن أن يحكي عنوان إلاّ عمّا بحذائه،فالإنسان لا يحكي إلاّ عن حيثية الإنسانية،لا خصوصيات الأفراد،فلا يكفي للوضع للأفراد تصوّر نفس عنوان العامّ الذي ينحلّ الخاصّ و الفرد إليه و إلى‏ غيره،بل لا بدّ من لحاظ الخاصّ،و لا يعقل الوضع إلاّ مع تصوّر الطرفين،و لو بالإجمال،فلو تقوّم الوضع بمرآتية العنوان للموضوع له،كان عموم الوضع‏و خصوص الموضوع له كالعكس محالاً،و إلاّ-كما هو الحقّ-يكون كلاهما ممكنين. و التحقيق: أنّ تصوّر العامّ قد يكون موجباً لانتقال الذهن إلى‏ مصاديقه بوجه إجمالي،فيتصوّر العامّ و يوضع اللفظ بإزاء ما هو مصداقه،و يكون هذا العنوان الإجمالي المشير،آلة للوضع للأفراد،و لا يحتاج في الوضع إلى‏ تصوّرها بخصوصياتها تفصيلاً،بل لا يمكن ذلك;لعدم إمكان الإحاطة بها تفصيلاً،لعدم تناهي أفراد الطبيعي،و بهذا المعنى‏ يكون خصوص الوضع و عموم الموضوع له ممكناً. (مناهج الوصول 1: 59-60). و بذلك يظهر: ضعف ما عن بعض الأفاضل من أنّ الطبيعة كما يمكن أن تلاحظ مهملة جامدة،يمكن لحاظها سارية في أفرادها،مندرجة في مصاديقها،و عليه تكون عين الخارج و نفس المصاديق;ضرورة اتّحاد الماهية و الوجود في الخارج،و الانفصال أنّما هو في الذهن،فتصحّ مرآتيتها للأفراد;إذ الاتّحاد الخارجي لا يصحّح الحكاية،و إلاّ لكانت الأعراض حاكية عن جواهرها،و من الواضح: أنّ المشخّصات غير داخلة في مفهوم العامّ فكيف يحكي عنها،و الحكاية تدور مدار الوضع و الدخول في الموضوع له. ثمّ إنّ هناك قسماً خامساً بحسب التصور و إن كان ثبوته في محلّ المنع و هو: أنّ عموم الموضوع له قد يكون بوضع اللفظ لنفس الطبائع و الماهيات كأسماء الأجناس;فإنّها موضوعة لما هو عامّ بالحمل الشائع،من دون أخذ مفهوم العموم فيه،و إلاّ يلزم التجريد و التجوّز دائماً;لكونها بهذا القيد آبية عن الحمل،و أُخرى‏ يكون الموضوع له هو العامّ بما هو عامّ،كما أنّه في الخاصّ كذلك دائماً;إذ الموضوع له هو الخاصّ بما هو خاصّ. (تهذيب الأُصول 1: 8-9).


24

المعنى الحرفي‏

<و أمّا بحسب مقام الإثبات،>فذكرت لكلّ من الأقسام المفروضة أمثال،و قد اضطربت أفهام الأعلام في خصوص القسم الثاني;و هو الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ،الذي يتمثّل بالحروف،فالاختلاف كلّه أنّما هو فيما هو الموضوع له في الحروف.


25

<فقد قال المحقّق الرضيّ: >إنّ الاسم و الحرف كليهما في مرتبة الذات سيّان،من دون فرق جوهريّ بينهما،و الخصوصيّة الاستقلاليّة و الغيريّة ناشئة من قِبَل الاستعمال. <و قال أيضاً في تحقيق كلامه: >إنّ الاسم ما دلّ على‏ معنى‏ في نفسه،و الحرفَ ما دلّ على‏ معنى‏ في غير هذه الكلمة. <و هذا في قبال من قال: >إنّ معنى التعريف;أنّ الاسم كلمة دلّت في نفس هذا المعنى‏،و الحرف كلمة دلّت على‏ معنى في غير هذا المعنى‏،و الفرق بين الاسم و الحرف هو الفرق بين العرض و الجوهر. <و خلاصة هذا النزاع: >أنّما هو في ضمير«في نفسه»و«في غيره»بإرجاعه تارة: إلى الكلمة،و أُخرى‏: إلى المعنى‏(1) .

(1)شرح الكافية 1: 9 و 10.
<و قد اختار المحقّق الخراسانيّ> كلام الرضيّ،و قال: بأنّ المعنى‏ في حدّ ذاته لا مستقلّ،و لا مستقلّ،و الخصوصيّات ناشئة عن طور الاستعمالات(2) .

(2)كفاية الأُصول: 26-27.
<و قال السيّد الشريف في حاشيته على‏«المطوّل»: >إنّ المعنى‏ إن كان ملحوظاً على النحو الآليّ و المرآتيّ يكون حرفيّاً،و إن كان ملحوظاً على‏ نحو الاستقلال و النفسيّة يكون اسميّاً،و مناط المعنى الاسميّ و الحرفيّ هو اللّحاظ الاستقلاليّ و الآليّ(3) .

(3)المطوّل: 372-374.
<و قال بعض المحشّين على‏«القوانين»: >إنّ المعنى الحرفيّ هو الارتباط بين المفاهيم المستقلّة،و الألفاظ و الحروف موضوعة بإزاء تلك الارتباطات،و أمّا المعنى الاسميّ فهو نفس هذه المفاهيم المستقلّة التي لا ربط بينها في حدّ ذاتها


26

مع قطع النظر عن المعاني الحرفيّة(1) .

(1)قوانين الأُصول 1: 10-السطر 5،عند قول المصنّف«و كذلك الفعل»،حاشية السيّد علي القزويني.
<و قال المحقّق العلاّمة صاحب«الحاشية»: >إنّ المعنى الحرفيّ هو الإنشائي الإيقاعيّ،و المعنى الاسميّ ما ليس كذلك(2) .

(2)لم نعثر عليه في هداية المسترشدين،و انظر نهاية الأُصول: 20.
<و أنت خبير: >بأنّ في تمام هذه الأقوال ما لا يخفى‏: أمّا ما أفاده المحقّق الرضيّ و الذي اختاره المحقّق الخراسانيّ،فهو أنّ من المعلوم عدم إمكان استعمال«من»و«إلى‏»على‏ نحو الخبريّة أو الابتدائيّة،و هذا ممّا لا يمكن إنكاره،فإن لم يكن فرق ذاتيّ بين الحروف و الأسماء بحسب المعنى‏،فَلِمَ لا يمكن استعمال كلّ واحد في محلّ الآخر؟! و أمّا ما أفاده الآخرون في تحقيق التعريف،ففيه: أنّه على‏ خلاف تعريف المشهور: بأنّ«من»للابتداء،و«إلى‏»للانتهاء(3) مع أنّه لو دلّت على‏ معنى‏ في‏

(3)شرح الكافية 2: 319 و 324،مغني اللبيب 1: 74 و 218.
غير هذا المعنى‏،فكيف يمكن دلالتها على الابتداء و الانتهاء؟! و أمّا ما أفاده صاحب«الحاشية»فليس على‏ ما ينبغي;فإنّ المعاني الإنشائية ما توجد في عالم الاعتبار;بحيث لا تكون حقيقتها إلاّ حقيقة اعتبارية صرفة،مثل الملكيّة،و الزوجيّة و أمثالهما،و أمّا المعاني الحرفيّة فكلّها وجودات حقيقيّة،و هذا ممّا لا يقبل الإنكار. و أمّا ما أفاده الآخرون(4) من نقد كلامهم فتامها قد يخلو من التأمّل(5)

(4)فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 47،درر الفوائد،المحقّق الحائري: 36-40،نهاية الأفكار 1: 38-52.

(5)كذا في المتن و لعلّه يدل على صحّة بعض الآراء.


27

و ارتكاب المشقّات التي لا تزيد المتعلّمين إلاّ مرارة و كلالةً. نعم،يمكن إرجاع بعض هذه المقالات إلى‏ ما نحن بصدد تحقيقه،كما سيجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى‏. <فنقول و من اللَّه التوفيق: >إنّنا إذا سلخنا أذهاننا عن الألفاظ في مثال«سرت من البصرة إلى الكوفة»أو«سر من البصرة إلى الكوفة»لا نرى‏ إلاّ السير الخارجيّ ممتدّاً بهذا الامتداد الخاصّ،و البصرة،و الكوفة،و أمّا أوّليّة السير و آخريته فليس بحذائهما شي‏ء في الخارج قبال تلك الأشياء الخارجيّة المذكورة. نعم،هذا الامتداد المعيّن الذي يقال له: «السير»إذا وقع في الخارج كان له حدّ;هو الانقطاع و التناهي بالنسبة إلى الطرفين;أعني طرفية المحاذي أحدهما للبصرة،و آخرهما للكوفة،فتعيّن امتداد السير في الخارج أنّما هو بانقطاع أطرافه و تناهيها المحاذي أحدهما للمبدإ،و الآخر للمقصد. و هذا التناهي و الانقطاع الخارجيّ،أنّما هو منشأ لانتزاع مفهوم الأوّلية و الآخريّة،و هذا من غير أن يكون بإزاء نفس الأوّلية و الآخريّة شي‏ء في الخارج،كما يكون بإزاء السير و البصرة و الكوفة شي‏ء في الخارج،مع قطع النظر عمّا يوجد في وعاء الذهن.

و أمّا اللّحاظ الذهنيّ فهو على‏ نحوين:

<تارة: >يلاحظ عين ما يكون واقعاً في الخارج;بأن يلاحظ ذلك الامتداد المتناهي الأطراف بالبصرة و الكوفة،بدون تعقّل للوصف الانتزاعيّ من الأوّلية و الآخريّة اللّتين لا حقيقة لهما في الخارج،فتكون حينئذٍ القضيّة المعقولة في الذهن قضيّة تامّة مرتبطة بعض أجزائها ببعض،حاكية عمّا يكون واقعاً في الخارج،فيكون نفس هذا الربط بين السير و البصرة و بين السير و الكوفة-أي


28

نفس تناهي السير و انقطاعه المعقول في الذهن-هو معنى‏«من»و«إلى‏»هذا إذا لوحظ عين ما هو واقعٌ موجودٌ في الخارج. <و أُخرى‏: >تلاحظ بالإضافة لما في الخارج،مفاهيم أُخرى انتزاعيّة من الخصوصيّات و النفسيّات الخارجيّة،مثلما إذا لوحظ قبال تصوّر السير و البصرة و الكوفة،مفهوم الأوّلية و الآخريّة;بانتزاعهما من السير المتناهي الأطراف،فيكون في وعاء الذهن الأوليّةُ و الآخريّة و السير و البصرة و الكوفة،فالمعقول في الذهن هذه المفاهيم المتشتّتة التي لا ربط بينها،و هذه المتشتّتات ليست إلاّ المتصوّرات الذهنيّة التي قد تصلح لأن تكون قضيّة. اللهمّ إلاّ أن ينقسم إلى‏ روابط تربط بين هذه المتشتّتات المتفرّقات،فيقال: «إنّ أوّل سيري من البصرة،و آخره من الكوفة»فحينئذٍ لوحظ أيضاً السير الخاصّ الخارجيّ المقتطع الطرفان بما أنّه وقع في الخارج. <و خلاصة الكلام: >أنّ تعقّل ما يكون واقعاً في الخارج،هو بعينه تعقّل الأشياء المرتبطة بعضها ببعض،و يكون الربط بينها حقيقة الربط و ما يكون ربطاً بالحمل الشائع الصناعيّ،لا الربط بالحمل الأوّلي،و الأوّلية و الآخريّة و الربط و الارتباط،ليست إلاّ مفاهيم الربط،و مفاهيم الربط ليست بمقيّدة للارتباط بين الأشياء و المفاهيم الكلّية حقيقة،و لذا كانت مفاهيم الأوّلية و الآخريّة و البصرة و الكوفة و السير في حدّ ذاتها،ليست إلاّ صرف المتصوّرات الذهنيّة،و ما لا ينقسم إليها ما يكون بالحمل الشائع ربطاً،و مع الانضمام تكون القضيّة العقليّة حاكية عمّا وقع في الخارج،و يصير السير حينئذٍ مرتبطاً بالسير المتناهي بالبصرة و الكوفة. فهذه الروابط كلّها مصاديق الربط،و مصاديق الربط عبارة أُخرى‏ عن السير الذي وقع في الخارج،و المعاني الحرفيّة ما يوجد بها الارتباط بين المفاهيم


29

المتفرّقة،و هي هذه الروابط الحقيقيّة،و الابتداء و الانتهاء هما الروابط بالحمل الأوّلي. <و إن شئت قلت: >المعاني الحرفيّة ما يوجد بها الارتباط بين المفاهيم المتفرّقة المتشتّتة،و المعاني الاسميّة نفس هذه المتفرّقات. هذا هو الفرق بين المعنى الاسميّ و المعنى الحرفيّ. و أمّا مناط الفرق و سرّ هذا الافتراق،فهو ما أشرنا إليه;من أنّ الملحوظ المتعقّل في الذهن،لا بدّ و أن يكون عين ما وقع أو عين ما سيقع في الخارج من المفاهيم المرتبطة;فإنّ السير الذي يقع في الخارج،لا بدّ و أن يكون مقطوع الطرفين،و انقطاع الطرفين في الخارج عين الارتباط في الذهن،و هذا هو معنى الربط الحقيقيّ الذي يكون الحرف موضوعاً بإزائه. و أمّا إذا كان الملحوظ هو المفاهيم،لا بما أنّها عين ما وقع في الخارج،بل بما أنّها مفاهيم تصوّرية،أو بما أنّ الارتباطات الملحوظة في الذهن،ارتباطات مفهوميّة انتزاعيّة،مثل مفهوم الابتداء و الانتهاء،فلا يكون حينئذٍ إلاّ صِرف التصوّرات الذهنيّة المتشتّتة،لا ربط بعضها ببعض،فهذه هي المعاني الاسميّة غير المشوبة بالمعاني الحرفيّة. <و من هنا انقدح ما في كلام بعض المحقّقين: >من أنّه لا فرق بين الأسماء.. (1) ..

(1)هاهنا سقط في أصل النسخة الخطّية.


31

المقصد الأوّل في الأوامر


33

المطلب الأوّل فيما يتعلّق بمادّة الأمر

الجهة الثالثة الطلب و الإرادة

دليلا الأشاعرة على‏ وجود صفة نفسانية قبال العلم‏

أحدهما:

أنّ الطلب اللّفظي،قد يتحقّق بلا إرادة قائمة بذات المتكلّم تكون مبدأً له،كأمره تعالى‏ إبراهيم عليه السلام بذبح ولده،و أمثاله من الأوامر الامتحانيّة،و لا بدّ لهذا الطلب اللّفظي من مبدإ حالّ في نفس المتكلّم،و حيث لم يكن الإرادة بالضرورة،و ليس شي‏ء آخر من الأوصاف النفسانيّة صالحاً للمبدئيّة،فلا محالة يكون هو الطلب النفسيّ. فإذا وقع في مورد،ثبت الإمكان،فليكن كذلك في سائر الأوامر،بل في مطلق الكلام(1) .

(1)اُنظر شرح القوشجي على التجريد: 246-السطر 11.
و أجاب عنه المحقّق الخراساني رحمه الله على‏ مسلكه في تحرير محلّ النزاع: بأنّ الإرادة الإنشائيّة كالطلب الإنشائيّ في مورد النقض محقّقان،و الإرادة


34

الحقيقيّة كالطلب الحقيقيّ غير محققّين(1) و قد عرفت ما فيه‏[8].

(1)كفاية الأُصول: 86.
و التحقيق في الجواب: أنّ المنشأ لتلك الأوامر هو الإرادة الحقيقيّة أيضاً،لكنّها الإرادة المتعلّقة بالغايات و المقدّمات التي لا تحصل إلاّ بالأمر بنفس ذي المقدّمة. بيان ذلك: أنّ الكمالات الفعليّة التي لأجلها شرعت التكاليف الإلهيّة،قد لا تحصل إلاّ بإتيان نفس المأمور به،كالأوامر الحقيقيّة;فإنّ في صدور متعلّقاتها من المكلّف مصالحَ لا تحصل إلاّ به،و قد تحصل بنفس المقدّمات المسبِّبة لذيها;بنحو يعتقد المكلّف أنّ الآمر أراد صدور ذي المقدّمة،فمن إرادة الغاية ينبعث إرادة إلى المقدّمات التي بوجودها تحصل الغاية،و لمّا كان حصول الغاية متوقّفاً على‏ نفس طلب ذي المقدّمة،فلا محالة ينبعث إرادة إلى‏ طلبه. مثلاً: في أمر الخليل عليه السلام الذي هو مورد النقض،لو أراد اللَّه تعالى‏ حصول مرتبة من الكمال له،التي لا تحصل إلاّ بتقديم إرادة اللَّه على‏ إرادته،و إعراضه عمّا سواه تعالى‏ بإعراضه عن أحبّ أعزّته و فلذّة كبده و قرّة عينه،فهذه الإرادة لاستكمال الخليل عليه السلام تصير مبدأً لإرادة مقدّمات ذبح الولد;بحيث يقطع الخليل عليه السلام بأنّه تعالى‏ أراد منه الذبح;فإنّ الغاية كما تحصل بالذبح تحصل بنفس المقدّمات. بل الذبح بما هو نتيجة فعله الاختياريّ،غير دخيل في حصول الكمال‏

[8]إنّه لا معنى‏ محصّل للإرادة الإنشائية،بل لا معنى‏ للوجود الإنشائي و الاعتباري للحقائق المتحقّقة،كالسماء و الأرض و الإنسان. نعم،يعتبر العقلاء أُموراً،لا حقيقة لها لمسيس الحاجة إليها،كالزوجية و الملكية و سائر الاعتباريات،فليس للإرادة و الطلب فرد حقيقي،و فرد إنشائي. (الطلب و الإرادة: 17).


35

المطلوب،بل الكمال يحصل بتسليمه لأمر المولى‏،و إتيان ما في قدرته من أسباب الذبح;من تلّه للجبين،و وضع المدية على الحلقوم،و الإمرار بشدّة لإرادة الذبح فلم يبق من أسبابه الاختياريّة شي‏ء إلاّ أتى‏ به،فوقع منه ما في قدرته،و ما لم يقع لم يكن تحت قدرته. فإذا سلّم لهذا الأمر العظيم الذي تصغر دونه المُعْظمات،حصل له الكمال التامّ المتوقّع الذي لا يحصل إلاّ بالمقدّمات. فإرادة حصول هذه الغاية العظمى‏،صارت سبباً لإرادة المقدّمات على‏ نحو اعتقد الخليل عليه السلام مطلوبيّة ذي المقدّمة منه;فإنّ الغاية لم تكن مترتّبة على المقدّمات إلاّ بهذا النحو،و حصولها به لم يكن ممكناً إلاّ بالأمر بالذبح،فالأمر به مسبّب عن هذه الإرادة،فلم يكن غيرَ الإرادة شي‏ء نسمّيه«الطلب»[9].

[9]و بالجملة: ما هو فعل اختياري للآمر هو الأمر الصادر منه،و هو مسبوق بالمبادئ الاختيارية،سواء فيه بين الأوامر الامتحانية و غيرها،و إنّما الفارق بينهما بالدواعي و الغايات. فالداعي للأوامر غير الامتحانية-و ما يكون باعثاً للأمر و غاية له-هي الخاصية المدركة من المتعلّقات،فالداعي إلى الأمر بإتيان الماء للشرب هو الوصول إلى الخاصّية المدركة. و أمّا الداعي إلى الأوامر الامتحانية و الإعذارية هو امتحان العبد و اختباره،أو إعذار نفسه. (الطلب و الإرادة: 14-15). هذا كلّه في الأوامر الصادرة من الموالي العرفية. و أمّا الأوامر و النواهي الإلهية-ممّا أوحى اللَّه إلى أنبيائه-فهي ليست كالأوامر الصادرة منّا في كيفية الصدور،و لا في المعلّلية بالأغراض و الدواعي;لأنّ الغايات و الأغراض و الدواعي كلّها مؤثّرات في الفاعل،و يصير هو تحت تأثيرها،و هو غير معقول في المبادئ العالية الروحانية فضلاً عن مبدإ المبادئ جلّت عظمته;لاستلزامه للقوّة التي حاملها الهيولى‏،و تركّب الذات من الهيولى‏ و الصورة و القوّة و الفعل و النقص و الكمال،و هو عين الإمكان و الافتقار،تعالى‏عنه. فما هو المعروف بينهم: «أنّه-تعالى‏-يفعل للنفع العائد إلى العباد»،مشترك في الفساد و الامتناع مع فعله للنفع العائد إليه. و لا يلزم ممّا ذكرنا أن يكون فعله لا لغرض و غاية،فيكون عبثاً;لأنّ الغاية في فعله-و هو النظام الأتمّ التابع للنظام الربّاني-هو ذاته تعالى‏،و الفاعل و الغاية فيه تعالى‏ واحد،لا يمكن اختلافهما،لا بمعنى‏ كونه تعالى‏ تحت تأثير ذاته في فعله;فإنّه-أيضاً-مستحيل بوجوه،بل بمعنى‏ أنّ حبّ ذاته مستلزم لحبّ آثاره استجراراً و تبعاً،لا استقلالاً و استبداداً. فعلمه بذاته علم بما عداه في مرتبة ذاته،و علّة لعلمه بما عداه في مرآة التفصيل،و حبّه بذاته كذلك،و إرادته المتعلّقة بالأشياء على‏ وجه منزّه عن وصمة التغيّر و التصرّم لأجل محبوبية ذاته و كونها مرضية،لا محبوبية الأشياء،و كونها مرضية استقلالاً. و إلى‏ ذلك أشار الحديث القدسي المعروف: «كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف»فحبّ ظهور الذات و معروفيتها،حبّ الذات لا الأشياء. و ليعلم: أنّ إيحاء الوحي و إنزال الكتب و إرسال الرسل،جزء من النظام الأتمّ الكياني التابع للنظام الأجمل الربّاني،و كيفية تعلّق الإرادة بها ككيفية تعلّقها بالنظام الكياني،بنحو التبعية و الاستجرار للنظام الربّاني;أي حضرة الأسماء و الصفات،و هي الكنز المخفي المحبوب بالذات،و المحبّ و المحبوب و الحبّ عين الذات. فتحصّل ممّا ذكرنا: و هن تمسّك الأشعري لإثبات مطلوبه بالأوامر الامتحانية;فإنّه-مع ما عرفت بطلانه-لو فرض كلام نفسيّ،و طلب نفسي لنا فيها لا يمكن تصوّره في ذات القيّوم الواجب جلّ و علا،و هل هذا إلاّ قياس الحقّ بالخلق و التراب و ربّ الأرباب و لعلّ النملة ترى‏ أنّ للَّه زبانيتين. (الطلب و الإرادة: 15-16).


36

ثانيهما:

أنّه لو كان مبدأ الأوامر اللّفظية هي الإرادة،لوجب أن يكون في أمر الكفّار بالإسلام و أمر الناس بإتيان شي‏ء،حصول المأمور به بالضرورة;لعدم تخلّف مراد اللَّه تعالى‏ عن إرادته الواجبة;لكن يتخلّف حصول المأمور به عن الطلب كثيراً،فيجب أن لا يكون مبدؤه الإرادة. و حيث لا بدّ للطلب اللّفظي من


37

مبدإ،و لا يكون غيرَ الطلب النفسيّ شي‏ء آخر،فيكون هو المبدأ(1) .

(1)اُنظر شرح القوشجي على التجريد: 340-السطر 21،و الفصول الغرويّة: 68-السطر 28 و36،و كفاية الأُصول: 88.
فبرهانهم على‏ هيئة قياس استثنائيّ،ينتج من رفع التالي رفع المقدّم،فيقال: لو كانت الإرادة الواجبة مبدأً للطلب اللّفظي،لزم حصول المطلوب بالضرورة،لكنّ المطلوب لا يحصل كثيراً ما بالضرورة،فلم تكن الإرادة مبدأً له. ثمّ ينضمّ إليه: أنّ الطلب اللّفظي لا بدّ له من مبدأٍ،و ليس سوى الطلب النفسي ما يكون مبدأً،فيكون هو المبدأ لا غير. و لمّا ثبت في مورد،فليكن سائر الموارد كذلك. و أجاب عنه العدليّة بما حاصله: أنّ الإرادة التي لا تتخلّف عن المراد،هي إرادته تعالى‏ فعل نفسه،و أمّا إرادته فعل غيره فلا يلزم أن لا تتخلّف(2) .

(2)الفصول الغرويّة: 68-السطر 38.
و أجاب المحقّق الخراسانيّ بما يرجع إلى‏ جوابهم;فإنّ الإرادة التكوينيّة هي إرادة فعله تعالى‏،و الإرادة التشريعيّة هي إرادة فعل غيره(3) .

(3)كفاية الأُصول: 88-89.
الجبر و التفويض‏

و إلى‏ هنا تمّ كلام الفريقين،و لا يحتاج إلى‏ شي‏ء آخر،لكن المحقّق الخراسانيّ رحمه الله أضاف شيئاً آخر غير مربوطٍ بالنزاع;و هو تفسير الإرادة بالعلم بالنظام الأتمّ الأصلح على‏ ما هو مذاق الحكماء(4) .

(4)القبسات: 322،الحكمة المتعالية 6: 333،شوارق الإلهام: 55-السطر 12.
ثمّ عقّبه: بأنّ الإرادة التكوينيّة و التشريعيّة إذا توافقتا فلا بدّ من الإطاعة و


38

الإيمان،و إذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر و العصيان(1) .

(1)كفاية الأُصول: 89-90.
فتولّد منه الإشكال المعروف،الذي أشار إليه قائلهم بقوله:
مى خوردن من،حقّ ز أزل ميدانست‏
گر مى نخورم،علم خدا جهل بُوَد
(2)

(2)رباعيّات عمر الخيّام: 250،و قد عرّبه السيّد الصافي النجفي إلى قوله: درى اللَّه قِدماً بارتشا في للطِّلا فإن أجتنبها ينقلب علمه جهلاً
فأجاب عنه رحمه الله بما لا يشفي العليل،و لا يحسم مادّة الإشكال،بل يؤكّده و يؤيّده،حتّى انتهى الأمر إلى‏ كسر رأس القلم(3) .

(3)كفاية الأُصول: 89-90.
فلا بدّ من بيان أصل الإشكال،و التفصّي عنه بنحو الإجمال;فإنّ دفعه تفصيلاً متوقّف على‏ مقدّمات لا يمكن تحصيلها إلاّ في مقرّه من العلوم العالية. فنقول: أصل الإشكال هو أنّ الإرادة إذا كانت هي العلم بالنظام الأتمّ،و قد تعلّق العلم بوجود الفعل عن العبد،فيكون واجب الحصول،و هو مضطرّ في إيجاده،فكيف يكون مثل هذا الفعل مورداً للحسن و القبح و المثوبة و العقوبة؟! و بالجملة: أنّ فعل العبد إن علم اللَّه وجوده،و تعلّق به قضاؤه و إرادته،فهو واجب الصدور،و إلاّ فيكون ممتنع الصدور،فكيف يكون العبد قادراً عليه،و يستحقّ به الثواب و العقاب كما عليه العدليّة؟! و لقد أجاب عنه المحقّق البارع نصير الملّة و الدين رحمه الله: بأنّ العلم تابع للمعلوم،لا المعلوم للعلم،فلا يكون تعلّق العلم موجباً للوجوب و الامتناع في المعلوم(4) .

(4)نقد المحصّل: 328.
و ردّه بعض المحقّقين من الفلاسفة: بأنّ تابعيّة العلم للمعلوم أنّما هي في


39

العلوم الانفعاليّة،لا الفعليّة،و هو تعالى‏ علمه فعليّ،فالمعلوم تابع للعلم(1) .

(1)الحكمة المتعالية 6: 384-385.
و هذا الإشكال واضح الورود على‏ ظاهر كلامه،و لكن يمكن توجيهه بما لا يرد عليه. توضيحه: أنّ علّية كلّ مرتبة من مراتب نظام الكلّ لمرتبة تالية منه،أنّما تكون لخصوصيّة ذاتيّة فيها،و هي غير مجعولة،بل الجاعل أوجدها،و الخصوصيّة ذاتيّة ثابتة لها بلا جعلٍ،فما كان العلم بالنسبة إليه فعليّاً هو وجود النظام،و أمّا كون المراتب ذات خصوصيّةٍ ذاتيّة-أي خصوصيّة العلّية و المعلوليّة-فليس العلم بالنسبة إليها فعليّاً،بل هو شبيهٌ بالانفعاليّ،و تابعٌ للمعلوم‏[10].

[10]إنّه بعد ما علم: أنّ التفويض-و هو استقلال الممكن في الإيجاد و الفاعلية-و الجبر-و هو سلب التأثير عن الموجود،و مزاولته تعالى‏ للأفعال و الآثار مباشرة و بلا وسط-مستحيلان،اتّضح سبيل الأمر بين الأمرين،و هو كون الموجودات الإمكانية مؤثّرات،لكن لا بالاستقلال،و فيها الفاعلية و العلّية و التأثير،لكن من غير استقلال و استبداد،و ليس في دار التحقّق فاعل مستقلّ سوى اللَّه تعالى‏. و سائر الموجودات كما أنّها موجودات لا بالاستقلال،بل روابط محضة،و وجودها عين الفقر و التعلّق،و محض الربط و الفاقة،تكون في الصفات و الآثار و الأفعال كذلك،فمع أنّها ذات صفات و آثار و أفعال،لم تكن مستقلاّت في شي‏ء منها،كما تقدّم برهانه. فمن عرف حقيقة كون الممكن ربطاً محضاً،عرف أنّ فعله مع كونه فعله،فعل اللَّه سبحانه،فالعالم بما أنّه ربط صرف و تعلّق محض،ظهور قدرة اللَّه و إرادته و علمه و فعله،و هذا عين المنزلة بين المنزلتين و الأمر بين الأمرين. و لعلّه إليه أشار في قوله-و هو الحقّ-: (وَ ما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمَى‏);حيث أثبت الرمي من حيث نفاه فقال: «رميت و ما رميت»;فإنّ الرمي كونه منه لم يكن بقوّته


40

...........

و استقلاله،بل بقوّة اللَّه و حوله. و قوله: (وَ مَا تَشَاءونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)فأثبت المشيّة للَّه من حيث كونها لهم،لا بأن يكون المؤثّر شيئين أو فعلين بالاشتراك،بل بما أنّ مشيّة الممكن ظهور مشيّته تعالى‏ و عين الربط و التعلّق بها. (الطلب و الإرادة: 23-24). ثمّ إنّ علمه و إرادته تعلّقا بالنظام الكوني على الترتيب العلّي و المعلولي،و لم يتعلّقا بالعلّة في عرض معلوله،و بالمعلول بلا وسط;حتّى يقال: إنّ الفاعل مضطرّ في فعله،فأوّل ما خلق اللَّه تعالى‏ هو حقيقة بسيطة روحانية،بوحدتها كلّ كمالٍ و جمالٍ،و جفّ القلم بما هو كائن،و تمّ القضاء الإلهي بوجوده،و مع ذلك،لمّا كان نظام الوجود فانياً في ذاته ذاتاً و صفة و فعلاً،يكون كلّ يوم هو في شأن. فمن عرف كيفية ربط الموجودات على‏ ترتيب سببي و مسبّبي إليه تعالى‏ يعرف أنّها-مع كونه ظهوره تعالى‏-تكون ذات آثار خاصّة،فيكون الإنسان مع كونه فاعلاً مختاراً ظلَّ الفاعل المختار و فاعليته تعالى‏(وَ ما تَشاءونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللَّه). فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ تعلّق إرادته تعالى‏ بالنظام الأتمّ،لا ينافي كون الإنسان فاعلاً مختاراً،كما أنّ كون علمه العنائي منشأً للنظام الكياني لا ينافيه،بل يؤكّده،هذا. (الطلب و الإرادة: 43-44). إرشاد: مع أنّ أثر كلّ ذي أثر و فعل كلّ فاعل،منسوب إلى اللَّه تعالى‏ و إليها-كما عرفت-لكن خيراتها و حسناتها و كمالاتها و سعاداتها كلّها من اللَّه،و هو تعالى‏ أولى بها منها،و شرورها و سيّئاتها و نقائصها و شقاواتها ترجع إلى‏ نفسها،و هي أولى‏ بها منه تعالى‏;فإنّه تعالى‏ لمّا كان صرف الوجود،فهو صرف كلّ كمال و جمال،و إلاّ يلزم عدم كونه صرفاً،و هو يرجع إلى التركيب و الإمكان،فالخيرات كلّها مجعولات،و مبدأ الجعل فيها هو الحقّ تعالى‏. و الشرور التي في دار الطبيعة المظلمة،من تصادمات الماديّات و ضيق عالم الطبيعة،و كلّها ترجع إلى‏ عدم وجود أو عدم كماله،و الأعدام مطلقاً غير متعلَّقة للجعل،بل المضافة منها من لوازم المجعول و تضايق دار البوار و تصادم المسجونين في سجن الطبيعة و سلاسل الزمان،فكلّها ترجع إلى الممكن.

فما أصابك من حسنة و خير و سعادة و كمال فمن اللَّه،و ما أصابك من سيّئة و شرّ و نقص و شقاء فمن نفسك،لكن لمّا كانت النقائص و الشرور اللازمة للوجودات الإمكانية من قبيل الأعدام المضافة و الحدود و الماهيات،كان لها وجود بالعرض،و ما كان كذلك فمن عند اللَّه،لكن بالعرض،فالخيرات من اللَّه بالذات،و منسوب إلى الممكنات بالعرض،و الشرور من الممكنات بالذات،و منسوب إليه تعالى‏ بالعرض. فحينئذٍ يصحّ أن يقال: كلٌّ من عند اللَّه;فإنّه لو لا الإيجاد و الإفاضة و بسط الخيرات،لم يكن وجود و لا حدّه و لا طبيعة و لا ضيقها،و لعلّ تغيير الأُسلوب و تخلّل لفظة«عند»في قوله تعالى‏: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)للإشارة إلى المجعولية بالعرض. (الطلب و الإرادة: 25-26).


41

و ليعلم: أنّ مناط استحقاق العبد للثواب و العقاب،ليس هو إراديّة الفعل و مجرّد صدوره عن العلم و الإرادة،كيف! و جميع الحيوانات تكون أفعالها عن علمٍ و إرادةٍ بالضرورة،فلو كان مجرّد صدور الفعل عن علمٍ و إرادةٍ،مصحّحاً لاستحقاق العقوبة،للزم الالتزام بصحّة عقوبة الحيوان،مع قضاء الضرورة ببطلانه. و التحقيق: أنّ مناط الاستحقاق و صحّة العقوبة،هو اختياريّة الفعل،و ليست الاختياريّة بمجرّد الصدور عن علم و إرادةٍ كما يظهر من المحقّق الخراساني(1) و غيره(2) و إلاّ لعاد المحذور.

(1)كفاية الأُصول: 89.

(2)درر الفوائد،المحقّق الحائري: 337،وقاية الأذهان: 185.
و لتوضيح الحال لا بدّ من تمهيد مقدّمة;و هي أنّ الإنسان مخلوقٌ من رقائق مختلفة،هي رقائق العوالم العلويّة و العوالم السفليّة،و له بحسب اقتضاء كلّ رقيقةٍ ميل،فله ميول مختلفة،فباقتضاء رقائقه العلويّة له ميل إلى‏ جهة العلوّ و عالم التقديس و التنزيه،فيحنّ إلى الكمال و حقيقة العبوديّة،و باقتضاء رقائقه السفليّة يميل إلى‏ جهة السفل و المنزلة الحيوانيّة و الشيطانيّة،و يحنّ


42

إلى الشيطنة و الشهوة البهيميّة و الغضب السبعيّ. و الإنسان دائماً بين هاتين الجاذبتين،و معركة جنود الرحمن و الشيطان،و قد أعطاه اللَّه تعالى‏ عقلاً محيطاً مميّزاً للمصالح و المفاسد في العاجل و الآجل حاكماً على‏ سائر القوى‏. ثمّ إنّه تعالى‏ مع إعطائه القوّة المميّزة العاقلة،لم يتركه سدىً،بل بعث إليه النبيّين و المرسلين،و أنزل الكتب السماويّة،هادياً إلى الطريق القويم،مرشداً إلى الصراط المستقيم،داعياً إلى‏ ما به كماله و سعادته،زاجراً عمّا به نقصه و شقاوته. ثمّ إنّ الإنسان في صدور كلّ فعلٍ منه،لا بدّ من تصوّره و ترجيحه أحد جانبي الفعل و الترك،و حيث كان له عقل مميّز،و له ميول مختلفة-حسبما عرفت-يجعل الفعل و الترك في كفّتي ميزان عقله،فإن رجح جانب الفعل يختار لنفسه فعله،و يفعله بإرادته،أو يختار تركه و يتركه كذلك،فقد يرجّح النفع الدنيويّ العاجل على الضرر الأُخرويّ الآجل فيختاره;أي يعتقده خيراً لنفسه،فيفعله باختياره و إرادته،و قد يرجّح تركه فيتركه كذلك. و لعلّ إلى‏ ما ذكرنا أشار تعالى‏ في سورة الدهر،حيث قال: «هَلْ أتَى‏ عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ منَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً إنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعَاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِراً وَ إمَّا كَفُوراً»(1) .

(1)الإنسان(76): 2-4.
و لعلّ«النطفة»هي النطفة الروحانيّة التي أشارت إليها أخبار الطينة(2)

(2)بصائر الدرجات: 35-5 و 37-10،بحار الأنوار 25: 50-10.
كما يظهر للمتدبّر فيها. و المشج هو المختلط،و الجمع للإشارة إلى‏ كثرة الاختلاط،


43

و هذا الاختلاط إشارة إلى الرقائق العلويّة و السفليّة. و الدليل على‏ أنّ«النطفة»هي الروحانيّة،قوله: «نَبْتَلِيهِ»فإنّ الابتلاء مناسب للروح،لا للجسد و المادّة الجسمانيّة. و السمع و البصر أيضاً هما الروحانيّان منهما;بمناسبة الابتلاء و الهداية،فبهما يميّز الصلاح من الفساد. و هداية السبيل عبارة عن بعث الأنبياء،و إرسال الرسل،و إنزال الكتب. و قوله: «إمَّا شَاكِراً وَ إمَّا كَفُوراً»إشارة إلى اختيار الطاعة،فيكون شاكراً لأنعم اللَّه،أو المعصية فيكون كفوراً. إذا عرفت ذلك علمت: أنّ مجرّد إتيان العمل بالإرادة،لا يوجب استحقاق العقوبة و المثوبة،بل المناط هو الإتيان باختيارٍ و ترجيحٍ بحسب ميزان العقل،فاللَّه-تعالى‏ شأنه-قد مكّنه من تحصيل السعادة،و هداه إلى‏ طرقها،و أعطاه المؤيّدات الداخليّة و الخارجيّة،فإذا كفر بأنعم اللَّه و اختار لنفسه الشقاوة،فلا يلومنّ إلاّ نفسه،و إذا اختار السعادة فليشكر ربّه‏[11].

[11]في المسألة إشكال و تحقيق،أمّا الإشكال: أنّ الإرادة الإنسانية إن كانت واردة من الخارج بأسباب و علل منتهية إلى الإرادة القديمة،كانت واجبة التحقّق،من غير دخالة العبد في ذلك،فيكون مضطرّاً و ملجأ في إرادته،و لازمه الاضطرار في فعله;لأنّ ما يكون علّته التامّة اضطرارية يكون هو-أيضاً-كذلك،و إن كانت إرادته بإرادته،ننقل الكلام إلى‏ إرادة إرادته،فإمّا أن يتسلسل،أو يلزم الاضطرار و الجبر. (الطلب و الإرادة: 31). و أمّا التحقيق الذي به يدفع الإشكال: اعلم: أنّ الأفعال الاختيارية الصادرة من النفس على‏ ضربين: أحدهما: ما يصدر منها بتوسّط الآلات الجرمانية،كالكتابة و الصياغة و البناء،ففي مثلها تكون النفس فاعلة الحركة أوّلاً،و للأثر الحاصل منها،ثانياً و بالعرض. و في هذا الفعل‏


44

...........

تكون بين النفس المجرّدة و الفعل،وسائط و مبادٍ من التصوّر إلى العزم و تحريك العضلات. و الضرب الثاني: ما يصدر منها بلا وسط،أو بوسط غير جسماني،كبعض التصوّرات التي يكون تحقّقها بفعّالية النفس و إيجادها،لو لم نقل جميعها كذلك-مثل كون النفس لأجل الملكة البسيطة الحاصلة لها من ممارسة العلوم خلاّقة للتفاصيل،و مثل اختراع نفس المهندس صورة بديعة هندسية-فإنّ النفس مع كونها فعّالة لها بالعلم و الإرادة و الاختيار،لم تكن تلك المبادئ حاصلة بنحو التفصيل،كالمبادئ للأفعال التي بالآلات الجسمانية;ضرورة أنّ خلق الصور في النفس لا يحتاج إلى‏ تصوّرها و التصديق بفائدتها و الشوق و العزم و تحريك العضلات،بل لا يمكن توسيط تلك الوسائط بينها و بين النفس;بداهة عدم إمكان كون التصوّر مبدأ للتصوّر،بل نفسه حاصل بخلاّقية النفس. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ العزم و الإرادة و التصميم و القصد من أفعال النفس،و لم تكن سبيلها سبيل الشوق و المحبّة من الأُمور الانفعالية،فالنفس مبدأ الإرادة و التصميم،و لم تكن مبدئيتها بالآلات الجرمانية،بل هي موجدة لها بلا وسط جسماني،و ما كان حاله كذلك في صدوره من النفس لا يكون بل لا يمكن أن يكون بينه و بينها إرادة زائدة متعلّقة به،بل هي موجدة له بالعلم و الاستشعار الذي في مرتبة ذاتها;لأنّ النفس فاعل إلهي،واجد لأثره بنحو أعلى‏ و أشرف،فكما أنّ المبدأ للصور العلمية واجد لها في مرتبة ذاته البسيطة بنحو أعلى‏ و أشرف و أكمل،فكذا الفاعل للإرادة. (الطلب و الإرادة: 36-37).


45

الجهة الرابعة في أنّ الأمر إذا كان مطلقاً بلا قرينة هل يحمل على الوجوب أو الندب؟

و لا بدّ قبل تحقيق المقام من

تقديم أُمور:

الأوّل: في معنى الطلب‏

قد عرفت أنّ الطلب النفسانيّ الذي ادّعاه الأشاعرة(1) ممّا لا أساس له،

(1)اُنظر شرح القوشجي على التجريد: 245-السطر الأخير.
فاعلم أنّ الطلب عبارة عن البعث و الإغراء نحو المطلوب. و بيان ذلك: أنّ المريد لوجود شي‏ء في الخارج،قد تتعلّق إرادته بإتيانه مباشرة،فإرادته تصير مبدأً لتحريك عضلاته و آلاته الفعّالة نحو المطلوب،فيوجده و يحقّقه في الخارج. و قد تتعلّق إرادته بإيجاد الغير لمطلوبه،فيحرّكه و يبعثه نحوه بواسطة طلبه و أمره،فكأنّه يستخدم غيره و يجعله كعضلاته و آلاته الفعّالة،فيحرّكه نحوه،كتحريك عضلاته. و هذا البعث و الإغراء عبارة عن الطلب،استحبابيّاً كان أو وجوبيّاً،و قبل هذا البعث لا يصدق«أنّه طلبَ منه»و بعده يصدق كما لا يخفى‏.
الثاني: ما به الامتياز بين مبدإ الطلب الندبي و الوجوبي

الثاني: في تحصيل معنى الطلب الندبيّ و الوجوبيّ،و بيان ما به الافتراق


46

بينهما. فاعلم: أنّ ما به الامتياز بين الشيئين قد يكون تمام الذات،كامتياز الأجناس العالية بعضها مع بعضٍ. و قد يكون بعض الذات،كامتياز الأنواع من الجنس الواحد. و قد يكون المنضمّات و الأُمور الخارجة عن الذات،كامتياز الأشخاص من النوع الواحد. و هاهنا قسم رابع عند طائفةٍ من الفلاسفة(1) ،و هو كون نفس الذات‏

(1)هم فلاسفة الإشراق،اُنظر المطارحات: 292-303،و شرح حكمة الإشراق: 233-238 و 303-305.
و الحقيقة المشتركة ما به الامتياز و الافتراق;بأن يكون لنفس الحقيقة و الذات عَرض عرِيض و مراتب مختلفة،كامتياز مراتب الحقائق البسيطة،كالخطّ القصير و الطويل،و مراتب الشدّة و الضعف في الألوان البسيطة،كما هو المقرّر في محالّه(2) .

(2)اُنظر الحكمة المتعالية 1: 427.
إذا عرفت ذلك يشبه أن يكون الامتياز بين مبدإ الطلب الذي هو الإرادة في الوجوبيّ و الندبيّ،هو هذا القسم،و أنّ الإرادة لمّا كانت من الحقائق البسيطة كالعلم و الوجود و الوحدة،تكون لها مراتب مختلفة،و ما به الامتياز فيها عين ما به الاشتراك،و تكون بينها ذات عَرض عريض. و أمّا الاختلاف بتمام الذات،حتّى‏ تكون الإرادة الوجوبيّة متباينة مع الندبيّة،فواضح الفساد. كما أنّ الامتياز ببعض الذات باطلٌ;فإنّها حقيقة بسيطة،و لا يكون اختلافها بالعوارض،حتّى‏ تكون الإرادتان واحدة،و تكون الإرادة الوجوبيّة في‏


47

درجة واحدة مع الندبيّة;فإنّه خلاف الضرورة. بل تكون الإرادة الشديدة و الضعيفة اللّتان هما المبدأ للوجوب و الندب،المرتبتين المختلفتين بتمام ذاتهما،و المشتركتين بتمام ذاتهما-كما هو الشأن في الامتياز بنحو القسم الرابع من الأقسام-كالوجود و سائر البسائط،فلمّا كانت الإرادتان مختلفتين،يكون الطلب الناشئ منهما مختلفاً بالتبع،فيكون الطلب الوجوبيّ هو الطلب المتأكّد الناشئ عن الإرادة الشديدة القويّة،و الطلب الندبيّ هو الطلب الغير المتأكّد الناشئ من الإرادة الضعيفة.

الثالث: الفرق بين الطلب الندبي و الوجوبي‏

إنّ الطلب الذي هو البعث و الإغراء نحو العمل،قد يكون متأكّداً ببعض أداة التأكيد،كنونَي التأكيد و غيرهما،و قد يكون مقروناً بترخيص الترك،و قد يكون مطلقاً غير مقترنٍ بشي‏ء منهما. و قد عرفت: أنّ الفرق بين مبدئَي الندبيّ و الوجوبيّ بالشدّة و الضعف،و أمّا الفرق بين نفس الطلبين،فيكون بالاقتران بالترخيص و عدمه،كما سيأتي عن قريب(1) .

(1)يأتي في الصفحة 51.
و أمّا ما قيل: من أنّ الافتراق بينهما أنّما يكون بصحّة المؤاخذة على الترك و عدمها(2) .

(2)اُنظر هداية المسترشدين: 191-السطر 35،و الفصول الغرويّة: 87-السطر 38.
و ما قيل: من أنّ الوجوب هو الرجحان مع المنع من الترك،و الندب هو الرجحان مع الإذن في الترك(3) .

(3)معالم الدين: 63-السطر 5.


48

فيرد على الأوّل: أنّ صحّة المؤاخذة أنّما هي من الآثار العقليّة التي يتأخّر وجودها عن تحصّل الأمر،و لا يمكن دخالتها في تقوّم الأمر المتقدّم عليها. و على الثاني: أنّ الرجحان و الرضا بالترك و عدمه،من مبادئ تحصّل الأمر الوجوبيّ و الندبيّ،فلا يعقل تقوّمهما بهما.

الرابع: دلالة الطلب على الإرادة دلالة عقليّة

إنّ دلالة الطلب على الإرادة و كشفه عنها،لا تكون دلالة وضعيّة جعليّة،بل دلالة عقليّة،كدلالة المعلول على‏ علّته و كشف الصادر عن منشئه و مصدره;فإنّ اللّفظ الصادر عن المتكلّم بما أنّه فعل صادر منه كسائر أفعاله،يدلّ بالدلالة العقليّة على‏ أنّ فاعله مريد له،و مبدأ صدوره هو إرادة الفاعل و اختياره. كما يدلّ على‏ أنّ صدوره أنّما يكون لأجل إفادة،و لا يكون لغواً باطلاً. و كذا يدلّ على‏ أنّ قائله أراد إفادة مضمون الجملة;أي الفائدة الخبريّة أو الإنشائيّة مثلاً،لا الفائدة الهزليّة،و كلّ هذه دلالات عقليّة،لا وضعيّة جعليّة. و يدلّ من حيث إنّه لفظ موضوع،على‏ أنّ المتكلّم به أراد المعنى الموضوع له،لا المعاني المجازيّة،و سيأتي إن شاء اللَّه في باب المفاهيم،أنّ دلالتها أيضاً من قبيل الدلالات العقليّة(1) .

(1)يأتي في الصفحة 267-271.
و ممّا ذكرنا يظهر النظر فيما أفاده المحقّق الخراسانيّ رحمه الله: من أنّ صيغة الطلب و الاستفهام و الترجّي و غيرها،تدلّ بالدلالة الالتزاميّة على‏ ثبوت هذه الصفات،أو انصراف إطلاقها إلى‏ هذه الصورة(2) . انتهى‏.

(2)كفاية الأُصول: 88.


49

فإنّ هذه المبادئ-مثل الإرادة في الطلب-مبدأ لوجود الإنشائيّات،و متقدّمة عليها تقدّم العلّة على المعلول،و لا يعقل تقيّد المتأخّر بالمتقدّم،و تجافي العلّة عن مقامها،و صيرورتها قيداً لمعلولها المتأخّر عنها،حتّى‏ يكون الموضوع له هو المعلول المتقيّد بالعلّة. مع ما عرفت: من أنّ دلالة الإنشائيّات على‏ مبادئها،أنّما هي دلالة عقليّة،لا وضعيّة جعليّة،و كشفها عن مبادئها هو كشف المعلول عن العلّة،لا كشف اللّفظ عن معناه الموضوع له.

الخامس: تحرير محلّ النزاع‏

أنّه قد يقرّر و يحرّر محلّ النزاع في حمل الأمر على الوجوب أو الندب;بأنّ موضوع حكم العقلاء باستحقاق العبد للعقوبة و المذمّة و اللّوم;لخروجه عن مراسم العبوديّة و مخالفته لسيّده و مولاه،هل هو الأمر المتأكّد ببعض أداة التأكيد،و يكون المجرّد عن المؤكّدات غير موضوعٍ لهذا الحكم العقلائيّ؟أو يكون تمام الموضوع هو الأمر،سواء كان مطلقاً،أو مقروناً بأداة التأكيد،و يكون الاقتران بالترخيص رافعاً لحكم العقلاء؟و بالجملة: مجرّد صدور الطلب تمام موضوعه،إلاّ أن يقترن بالترخيص،هذا بحسب مقام الثبوت. و هل يحكمون في مقام الشكّ في الاقتران و عدمه بالعقوبة أم لا؟ و قد يحرّر النزاع،بأنّ الأمر المقرون بأداة التأكيد،هل يكشف عن الإرادة


50

الشديدة التي هي موضوع حكم العقلاء للعقوبة،أم الطلب المطلق الذي لا يقترن بالترخيص موضوعه؟ فعلى التقرير الثاني،يكون المدّعى‏ أنّ موضوع حكم العقلاء باستحقاق الذمّ و العقوبة،هو الإرادة الشديدة;بحيث لو اطَّلع العبد عليها،و يكون المولى‏ غافلاً غير آمرٍ أصلاً،يجب عليه الإتيان بالمراد،و لو لم يأتِ يكون عاصياً مستحقّاً لها،و يكون النزاع في الكاشف،و أنّه هل هو الأمر مطلقاً،أو المتأكّد منه،و على‏ أيّ شي‏ء يحمل في مقام الشكّ في الاقتران بالترخيص أو التأكيد؟

تحقيق المقام:

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّه لا إشكال في أنّ صرف الطلب إذا صدر من المولى المنعم الذي له حقّ المولويّة و السيادة،متوجّهاً إلى العبد الذي له العبوديّة،بأيّ نحوٍ من أنحاء التحقّق-باللّفظ،أو بالإشارة،أو الكتابة،أو غير ذلك-يجب على العبد إطاعته،و لو خالفه يستحقّ عند العقلاء العقوبة و اللّوم و المذمّة،و لا يقبلون منه العذر أصلاً،سواء قلنا: بأنّ الطلب تمام الموضوع لهذا الحكم،أو قلنا: بأنّ الطلب كاشفٌ عن الموضوع الذي هو الإرادة الغير المقترنة بالرضا بالترك. بل لو قلنا: بأنّ الطلب تمام الموضوع،لا بدّ من الالتزام بأنّ الموضوع هو الطلب الذي يكون مبدؤه إرادة الانبعاث،لا مطلق الطلب و لو كان مبدؤه إرادة التعجيز و السخريّة مثلاً أو غير ذلك. و على‏ أيّ حالٍ: مجرّد إحراز الطلب من المولى‏،موضوعٌ لحكم العقلاء;إمّا


51

ذاتاً،و إمّا كشفاً. بل لو شكّ في مقارنة أمر المولى‏ للترخيص،أو إرادته للرضا بالترك،يكون حكم العقلاء ثابتاً. و لو ترك العبد أمر المولى‏;معتذراً بالشكّ في مقارنته للترخيص،أو مقارنة إرادته للرضا بالترك،عُدَّ عاصياً مستحقّاً للعقوبة و الذمّ عند العقلاء كافّة. و هذا هو العمدة في حمل الطلب المطلق على الوجوب،و إن دلّ على‏ ذلك أيضاً قوله تعالى‏: «مَا مَنَعَكَ أن لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ»(1) بعد قوله: «قُلْنَا

(1)الأعراف(7): 13.
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ»(2) فإنّ ذمّه تعالى‏ لإبليس لمخالفته مجرّد أمره‏

(2)الأعراف(7): 12.
بالسجود،كما يظهر من صدر الآية. فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الطلب المطلق سواء كان مجرّداً عن الترخيص،أو مشكوك التجرّد عنه،محمولٌ على الوجوب،و إنّما يحمل على الندب إذا أُحرزت مقارنته للترخيص،أو مقارنة الإرادة للرضا بالترك. بل المحقّق القمّي رحمه الله،ذهب إلى أنّ الطلب مطلقاً محمول على الوجوب(3)

(3)قوانين الأُصول 1: 81-السطر 18.
و لا تعقل مقارنة الطلب للترخيص;فإنّ البعث إلى الفعل و الترخيص في الترك،متنافيان غير مجتمعين،و ليست للإرادة مراتب،بل الإرادة مطلقاً حتميّة وجوبيّة،و الأوامر الندبيّة كلّها إرشاديّة;ترشد إلى‏ ما في متعلّقاتها من المصالح،فالآتي بها لا ينال إلاّ تلك المصالح،و التارك لها يحرم عنها،و ليس في البين طلب أصلاً. و على‏ هذا: يكون الوجوب و الندب سنخين متباينين،أحدهما من سنخ


52

الطلب،دون الآخر،و هذا ليس ببعيدٍ عن الصواب‏[12].

[12]اعلم: أنّه تختلف إرادة الفاعل فيما صدر منه قوّة و ضعفاً،حسب اختلاف أهمّية المصالح المدركة عنده،فالإرادة المحرّكة لعضلاته لنجاة نفسه عن الهلكة،أقوى‏ من الإرادة المحرّكة لها للقاء صديقه،و هي أقوى‏ من المحرّكة لها للتفرّج و التفريح،فمراتب الإرادات-قوّة و ضعفاً-تابعة لإدراك أهمّية المصالح أو اختلاف الاشتياقات،و اختلاف حركة العضلات-سرعة و قوّة-تابع لاختلاف الإرادات كما هو ظاهر. (مناهج الوصول 1: 247). و أنّ الإرادة لمّا كانت من الحقائق البسيطة كالعلم و الوجود،يكون التشكيك الواقع فيها خاصّياً-ما به الافتراق بين مراتبها عين ما به الاشتراك-و لا يكون الاختلاف بينها بتمام الذات المستعمل في باب الماهيات،أو بعضها،أو خارجها;ضرورة عدم التباين الذاتي بين الإرادة القويّة و الضعيفة،و لا يكون اختلافهما ببعض الذات;لبساطتها،و لا بأمر خارج;حتّى‏ تكونا في مرتبة واحدة،و الشدّة و الضعف لاحقان بها،فالإرادة كسائر الحقائق البسيطة يكون افتراق مراتبها كاشتراكها بتمام الذات،و تكون ذات عرض عريض و مراتب شتّى‏. و أنّ صدور الأمر من الآمر-بما أنّه فعل إرادي له كسائر أفعاله الإرادية-مسبوق بمقدّمات من التصوّر إلى الإرادة و تحريك العضلات،غاية الأمر أنّ العضلات فيه عضلات اللسان،و تكون الإرادة فيه-قوّة و ضعفاً-تابعة لإدراك أهمّية الفعل المبعوث إليه;ضرورة أنّ الإرادة الباعثة إلى‏ إنجاء الولد من الغرق،أقوى‏ من الباعثة إلى‏ شراء اللحم. ثمّ إنّه قد يظهر آثار الشدّة في المقال،بل في كيفية تأدية الكلام شدّة،أو في الصوت علوّاً و ارتفاعاً،و قد يقرن أمره بأداة التأكيد و الوعد و الوعيد،كما أنّه قد يقرنه بالترخيص في الترك،أو بما يفهم منه الوجوب أو الاستحباب. (مناهج الوصول 1: 248-249).


53

المطلب الثاني فيما يتعلّق بصيغة الأمر

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في صيغ الأمر

قد ينشأ الطلب بنحو قوله: «أطلب منك الضرب»أو«آمرك بالإكرام»و قد ينشأ بنحو«اضرب»و«أكرم»و لا إشكال في تحقّق حقيقة الطلب بكلّ من الإنشاءين،فيبقى‏ سؤال الفرق بينهما. و قد التزم بعض أساتيذنا بأنّ نحو«اضرب»و«أكرم»ليس مفاده إلاّ النسبة الصدوريّة إلى الفاعل،و لا يكون مفاده إنشاء الطلب،بخلاف مثل«أطلب»و«آمر»(1) .

(1)تشريح الأُصول: 97-السطر ما قبل الأخير.
و فيه: أنّ النسبة الصدوريّة إمّا تصوّرية،أو تصديقيّة،و كلّ منهما أجنبيّ عن مفاد هذه الصيغ الإنشائيّة;فإنّ الضرورة قاضية بأنّ معنى«اضرب


54

زيداً»ليس صدور الضرب من زيد بنحو المعنى التصوّري،و لا صدوره بنحو المعنى التصديقيّ،و ليست النسبة خارجة عنهما. و بالجملة: لا إشكال في تحقّق الطلب بكلٍّ من نحو«أطلب»و«آمر»و بالهيئات الإنشائيّة،فحينئذٍ يمكن أن يقال: الفرق بينهما أنّ الطلب مطلقاً و إن كان وسيلة إلى‏ حصول المطلوب،و تكون الغاية و المتوجّه إليه هو المطلوب،و ليس للطلب إلاّ سمة المقدّمية و التوصّل إليه،لكن قد يلاحظ الطلب بنحو المعنى الحرفيّ،فيكون فانياً في المطلوب غير منظورٍ فيه،و هذا مفاد نحو«اضرب»و«أكرم». و قد يكون نفس الطلب منظوراً فيه بالنظر الاستقلاليّ و بنحو المعنى الاسميّ،و يكون عنوان«الطلب و الأمر»حاضراً في الذهن،و إن كان وسيلة إلى‏ حصول المطلوب،و هذا مفاد نحو«أطلب»و«آمر». و بالجملة: قد تنشأ حقيقة طلب الضرب بنحو المعنى الحرفيّ فانيةً في المطلوب،و قد تنشأ بنحو المعنى الاسميّ مستقلّة في الملحوظيّة،و إن كانت في كلا الصورتين وسيلة إلى المطلوب. و منه يظهر عدم التفاوت فيما هو الملاك في حمل الطلب على الوجوب،سواء أُنشئ بمادّته أو بهيئته;فإنّ الملاك هو تحقّق الطلب بأيّ نحوٍ كان.


55

المبحث الثاني كثرة استعمال الأمر في الندب‏

ادّعى‏ صاحب«المعالم» رحمه الله،أنّ كثرة استعمال الأمر في الندب في الأحاديث المرويّة عن أئمّتنا عليهم السلام،جعلته من المجازات الراجحة في الاستعمال،المساوية للوجوب في الاحتمال،فإذا ورد منهم أمر بلا قرينة نتوقّف فيه،و لا نحمله على الوجوب(1) .

(1)معالم الدين: 48-السطر 13.
و أجاب عنه المحقّق الخراسانيّ رحمه الله تارة: حلاّ بأنّ كثرة الاستعمال فيه في الكتاب و السنّة و غيرهما،لا يوجب صرف ظهوره عن معناه الوضعيّ;لأنّ الاستعمال أنّما هو مع القرينة المصحوبة،و هو و إن كثر لا يوجب صيرورته مشهوراً ليرجّح أو يتوقّف. و تارة: نقضاً بالعامّ فإنّه مع كثرة استعماله في الخاصّ حتّى‏ قيل: «ما من عامٍّ إلاّ و قد خُصَّ»(2) لم ينثلم ظهوره في العموم ما لم تقم قرينة(3) .

(2)المُستصفى‏ من علم الأُصول 2: 57.

(3)كفاية الأُصول: 92.
و يرد عليه: -مضافاً إلى‏ عدم ادّعائه كثرة الاستعمال في الكتاب و السنّة،بل ادّعاها في الأخبار المرويّة عن الأئمّة عليهم السلام،و لا ملازمة بينهما;فإنّ ما ورد عنهم و إن كان مأخوذاً عنهما،و لهذا قال الصادق عليه السلام في جواب مَنْ قال له: إنّي أُحب أن تروي ما تروي لي مسنداً إلى‏ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «إنّ كلّ ما أقوله فهو ممّا


56

حدّثني أبي،عن أبيه،عن أبيه،عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام ،عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله (1) لكن لا يلزم أن تكون استعمالاتهم مطابقةً لاستعمال رسول‏

(1)اُنظر الكافي 1: 42-14،و أمالي المفيد: 42-10،و بحار الأنوار 104: 44،و وسائل الشيعة 18: 58 و 69 و 74،كتاب القضاء،أبواب صفات القاضي،الباب 8،الحديث 26 و 67 و 86.
اللَّه صلى الله عليه و آله،بل يمكن أن يكون استعمالهم الأمر في الندب أكثر بكثير من استعماله فيه كما لا يخفى‏-أنّ الحلّ و النقض كليهما مخدوشان: أمّا الحلّ ففيه: أنّ استعمال الأمر في الندب مع القرينة المصحوبة،ليس معناه أنّ الأمر مع القرينة يستعمل في المعنى المجازيّ،بل معناه أنّ الأمر يستعمل بنفسه فيه،و المعيّن لهذا الاستعمال هو القرينة،كما هو الشأن في سائر المجازات‏[13]،فإذا كان كذلك فكثرة استعمال اللّفظ فيه توجب أُنساً للذهن‏

[13]و الحقّ الحقيق بالتصديق هو ما اختاره بعض أجلّة العصر;في وقايته و تبعه غيره: أنّ اللفظ في مطلق المجاز-مرسلاً كان أو استعارة أو مجازاً في الحذف،مفرداً كان أو مركّباً-و كذا في الكناية،مستعملٌ فيما وضع له لا غير،لكن يكون جدّه على‏ خلاف استعماله،و إنّما يكون تطبيق المعنى الموضوع له على‏ ما أراده جدّاً بادّعاء كونه مصداقه،كما في الكلّيات،و عينه كما في الأعلام الشخصية. فقوله: «ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ»استعمل«الملك»في الماهية المعهودة من الروحانيين،و إنّما حملها عليه بادّعاء كونه من مصاديقها،فالادّعاء على‏ مذهب السكّاكي وقع قبل الإطلاق،فأُطلق اللفظ على المصداق الادّعائي،دون هذا;فإنّ الادّعاء بناء عليه وقع بعد الاستعمال،و حين إجراء الطبيعة الموضوع لها اللفظ على المصداق الادّعائي،و في قوله: «رأيت حاتماً»أُريد ب«حاتم»هو الشخص المعروف و ادّعي أنّ فلاناً هو هو،فالادّعاء لتصحيح إجراء المعنى‏ على المعنى‏،فحسن الكلام في باب المجازات أنّما هو بتبادل المعاني و التلاعب بها،لا بعارية الألفاظ و تبادلها،و الشاهد على‏ صحّة هذا


57

...........

المذهب هو الطبع السليم و الذوق المستقيم. ثمّ لا وجه لتخصيص ما ذكر بالاستعارة،بل هو جارٍ في المجاز المرسل أيضاً،فلا يطلق العين على الربيئة إلاّ بدعوى‏ كونه نفس العين لكمال مراقبته،لا بعلاقة الجزئية و الكلّية،و لا الميّت على المريض المشرف على الهلاك إلاّ بدعوى‏ كونه ميّتاً،و المصحّح للدعوى‏ إشرافه عليه و انقطاع أسباب الصحّة عنه،و في قوله: «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ... »يُدّعى‏ كون القضية بمثابة تجيب عنها القرية و العير،و تقدير«الأهل»فيه يحطّ الكلام من ذروة البلاغة و الحسن إلى‏ حضيض البرودة و السوقية. و كذا الحال في المجاز المركّب،فإذا قيل: «أراك تقدّم رجلاً و تُؤخِّر أُخرى‏»للمتحيّر و المتردّد،لم تستعمل الألفاظ المفردة إلاّ في معانيها الحقيقية،لكن ادّعي كون المتردّد و المتحيّر شخصاً متمثّلاً كذلك،و ليس للمركّب وضع على‏ حِدة بحيث كانت أجزاؤه بمنزلة حروف الهجاء في المفردات;بالضرورة و لعدم الاحتياج إليه و لغويته،حتّى‏ يقال: إنّ اللفظ الموضوع لمعنى استعمل في غيره. (مناهج الوصول 1: 104-107). هذا حال المجازات،أمّا الأوامر فنقول: لا إشكال في حكم العقلاء كافّة على‏ تمامية الحجّة على العبد مع صدور البعث من المولى‏ بأيّ دالّ كان،و قطع عذره و عدم قبوله باحتمال نقص الإرادة و عدم حتمية البعث و غير ذلك. و لا ريب في حكمهم بلزوم إطاعة الأوامر الصادرة من المولى‏ من غير توجّه إلى التشكيك العلمي من احتمال كونه صادراً عن الإرادة غير الحتمية،أو ناشئاً عن المصلحة غير الملزمة،و ليس ذلك للدلالة اللفظية،أو لجهة الانصراف،أو لاقتضاء مقدّمات الحكمة،أو لكشفه عن الإرادة الحتمية،بل لبناء منهم على‏ أنّ بعث المولى‏ لا يترك بغير جواب،كما لا يترك باحتمال الندب،فتمام الموضوع لحكمهم بوجوب الطاعة هو نفس البعث ما لم يرد فيه الترخيص. هذا،من غير فرق بين ما دلّ على الإغراء و البعث،سواء كان الدلالة بآلة الهيئة،أو بإشارة من يده أو رأسه،فالإغراء-بأيّ دالّ كان-هو تمام الموضوع لحكم العقلاء بتمامية الحجّة إلاّ أن يدلّ دليل على الترخيص. (تهذيب الأُصول 1: 110).

و هنا إشكال يرد على‏ كلّ من قال بدلالة الأمر على الوجوب أو الندب بأيّ دليل تمسك،و من قال باستعماله فيهما حقيقة أو مجازاً;إذ انتزاعهما أو اعتبارهما-على الفرق المقرّر في محلّه بين الانتزاعيات و الاعتباريات-إن كان بلحاظ الإرادة الحتمية،أو المصلحة الملزمة في الوجوب و عدمهما في الندب،فمن البيّن أنّ ذلك من مبادئ الاستعمال،و هو مقدّم بالطبع على الاستعمال،و إن كان بلحاظ حتمية الطاعة أو عدمها،فمن الواضح أنّهما منتزعتان بعد الاستعمال،فلا يعقل الاستعمال فيهما على‏ جميع الأقوال. (تهذيب الأُصول 1: 109-110).


58

بالنسبة إليه;بحيث أنّه ربّما يصير هذا الأُنس موجباً للترجيح و تقديم اقتضائه على اقتضاء الوضع أو التوقّف و عدم الترجيح. و أمّا النقض،ففيه: أوّلاً: أنّ العامّ لا يستعمل في الخاصّ،بل هو مستعملٌ في العامّ دائماً،و التخصيص أنّما هو إخراج ما دخل فيه،و حينئذٍ فلا معنى‏ لانثلام ظهوره،بخلاف الأمر فإنّه مستعملٌ في الندب،فكثرته توجب الأُنس. و ثانياً: أنّ استعمال العامّ في الخاصّ لو سُلّم،ليس استعمالاً في عنوان الخاصّ،حتّى‏ يصير الذهن مأنوساً به،و يصير اللّفظ ظاهراً فيه;بحيث يزاحم ظهوره في العموم،بل يكون استعمالاً فيما هو بالحمل الشائع خاصّ،فيكون المستعمل فيه مختلفاً متكثّراً،و ينتزع عنوان الخاصّ من كلٍّ منهما. و بالجملة: لا تكون كثرة الاستعمال في معنى واحد،موجبة للأُنس و الظهور المزاحم لظهور العامّ،و هذا بخلاف استعمال الأمر في الندب،فإنّ كثرة استعماله فيه توجب الظهور المزاحم;لكونه معنى‏ واحداً. هذا،و لكن إشكال«المعالم»لا يرد على‏ طريقتنا في حمل الأمر على الوجوب;فإنّ الطلب-على‏ ما ذهبنا إليه-إذا صدر من المولى‏،فإمّا هو بنفسه


59

موضوعٌ لحكم العقلاء بوجوب الإطاعة و قبح المخالفة،إلاّ إذا أُحرز الإذن في الترك،و إمّا لكشفه عن الإرادة الحتميّة كشفَ المعلول عن العلّة،و ليس من قبيل الاستعمال حتّى‏ يرد عليه ما ذكر.

تنبيهٌ: في الأحكام السلطانية

و ممّا ذكرنا في باب حمل الطلب على الوجوب،و أنّ الطلب بأيّ نحو كان إمّا تمام الموضوع،أو كاشف عنه;يعرف حال الجمل الخبريّة التي تستعمل في الطلب،فلا نحتاج إلى‏ بيانها و بيان سائر المباحث المربوطة بحمل الطلب على الوجوب،لكن لا بأس بصرف عنان الكلام إلى‏ ذكر نكتة كثيراً ما نحتاج إليها في الفقه. و هي أنّ الأوامر الصادرة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام،قد تكون صادرة بعنوان السلطنة الإلهيّة;و بما أنّهم مسلّطون على الرعيّة من قبل اللَّه تعالى‏،و لهم الرئاسة العامّة،كأمره صلى الله عليه و آله بالخروج مع جيش أُسامة بن ثابت،و كأمر أمير المؤمنين عليه السلام بخروج الجيش للشام،و أشباههما،فهذه الأوامر بما أنّها صادرة منهم،واجبة الإطاعة،و التخلّف عنها-بنفسها و بما أنّها أوامرهم-حرامٌ موجب للفسق. و بالجملة: أنّ لأوامرهم و نواهيهم الكذائيّة موضوعيّة،و لعلّ قول بُرَيْرة: أ تأمرني يا رسول اللَّه؟كان استفساراً منه صلى الله عليه و آله عن أنّ أمره هل صدر بجهة السلطنة الإلهيّة؟فقال: «لا،بل أنا شافع»(1) .

(1)مستدرك الوسائل 2: 600،كتاب الطهارة،أبواب نكاح العبيد،الباب 36،الحديث‏3.


60

و قد تكون أوامرهم و نواهيهم صادرة لا بجهة السلطنة و الحكومة الإلهيّة،بل لبيان الأحكام الإلهيّة و الفتوى‏،فلا تكون مولويّة،و مخالفتها لا تكون حراماً موجباً للفسق بما أنّها مخالفتهم،بل بما أنّها مخالفة لأحكام اللَّه;فإنّ أوامرهم الكذائيّة إرشاديّة إلى الأحكام الإلهيّة كفتوى الفقيه،فلا تكون لها إطاعة و معصية،و لا مخالفتها موجبة للعقاب،بل هي كاشفة عن أحكام اللَّه. نعم،إنّها لو كانت مطلقة غير مقارنة للترخيص،أو قرينة الندب،تكون كاشفة عن الأوامر المولويّة الوجوبيّة. و إن شئت قلت: لمّا كانت كاشفة عن الطلب الإلهيّ،فلا مناص من وجوب إطاعتها،إلاّ مع الإذن في الترك. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الأوامر و النواهي المنقولة عن أئمّتنا المعصومين عليهم السلام،بل عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله،جُلّها إرشاديّة ليست بمولويّة. نعم،قد تكون إرشاداً إلى الأوامر و النواهي الإلهيّة،و قد تكون إرشاداً إلى الصحّة و الفساد،أو إلى الشرطيّة و المانعيّة،أو المصلحة و المفسدة;حسبما ما يستفاد من تفاصيلها و تضاعيفها.


61

المبحث الثالث في التعبّدي و التوصّلي‏

كان الترتيب الطبيعيّ يقتضي بيان التعبّدي و التوصّلي و ماهيّتهما و ما تقتضيه كلّ منهما،ثمّ تفريع مورد الشكّ فيهما و اقتضاء الأصل عليه،لكن المحقّق الخراسانيّ رحمه الله جعل حال الشكّ أصلاً،و جعل بيان ماهيّتهما من مقدّماته(1) .

(1)كفاية الأُصول: 94 و 98.
و كيف كان،فهاهنا أُمور:
الأمر الأوّل: في تعريفهما

الواجب و الندب التعبّديان،ما لا يسقط الغرض منهما إلاّ بإتيانهما مرتبطين بالمولى‏،و متقرّباً بهما إليه،سواء تعلّق بهما أمر أم لا،فتعظيم المولى‏ و مدحه و ثناؤه،تكون تعبّدية و إن فرض عدم تعلّق الأمر بها،لكن لا بدّ من إتيانها تقرّباً إليه تعالى‏;لأنّ الإتيان بها لا يسقط الغرض كيفما اتّفق،بل لا بدّ و أن تكون مرتبطة بالمولى‏،و مقصوداً بها حصول عناوينها. و التوصّليان منهما ما يسقط الغرض بنفس وجودهما مطلقاً،سواء أُتي بهما تقرّباً إليه تعالى‏ أم لا،و سواء قصدت عناوينهما أم لا،بل لو وجدا بلا إرادةٍ و اختيارٍ و في حال النوم و الغفلة،لَحَصل الغرض منهما[14].

[14]إنّ الواجبات بل المستحبّات في الشريعة على‏ أقسام‏


62

...........

: أحدها: ما يحصل الغرض بها كيفما تحقّقت;أي يكون المطلوب فيها نفس التحقّق و الوجود بأيّ نحو حصل،كستر العورة و إنقاذ الغريق و النظافة. ثانيها: ما لا يحصل الغرض بها إلاّ مع قصد عناوينها من غير احتياج إلى‏ قصد التقرّب و التعبّد،كردّ السلام و كالنكاح الواجب أو المستحبّ. ثالثها: ما لا يحصل بها بصرف قصد العناوين،بل لا بدّ في سقوط أمرها من الإتيان بها متقرّباً إلى اللَّه تعالى‏. و هذا على‏ قسمين: أحدهما: ما ينطبق عليه عنوان العبودية للَّه تعالى المعبّر عنه في لغة الفرس ب«پرستش»،كالصلاة و الحجّ و الاعتكاف. و ثانيهما: ما ليس كذلك و إن كان قربياً;أي يعتبر فيه قصد التقرّب و الطاعة،كالزكاة و الخمس،بل و الصوم;فإنّ إتيان الزكاة-مثلاً-و إن يعتبر فيه قصد التقرّب،لكن لا تكون عبادة بالمعنى المساوق ل«پرستش»;ضرورة أنّ كلّ فعل قربي لا ينطبق عليه عنوان العبودية،أ لا ترى‏ أنّه لو أطاع أحد والديه أو السلطان بقصد التقرّب إليهم،لا تكون إطاعته عبادة لهم،فستر العورة و الاستبراء بقصد الأمر و التقرّب إلى اللَّه ليسا عبودية له،بل إطاعة لأمره. فالواجبات المعتبرة فيها القربة على‏ قسمين: تعبّدي و تقرّبي،فالأوّل ما يؤتى به لأجل عبودية اللَّه تعالى‏ و الثناء عليه بالمعبودية،كالصلاة التي هي أظهر مصاديقها;فإنّها في الحقيقة ثناء عليه تعالى‏ بعنوان العبودية،بخلاف الثاني;فإنّ إعطاء الزكاة إطاعة له تعالى‏ لا ثناء عليه بالمعبودية،فلا يجوز إتيان عمل بعنوان التعبّد لغيره تعالى‏ بخلاف الإتيان بعنوان التقرّب. فحينئذٍ نقول: المراد بالواجب التعبّدي-فيما نحن فيه-هو الواجب التقرّبي بالمعنى الأعمّ من التعبّدي بالمعنى المتقدّم،و هو ما لا يسقط الغرض بإتيانه إلاّ بوجه مرتبط إلى اللَّه تعالى‏،سواء قصد الامتثال له،أو التقرّب إليه تعالى‏ و التوصّلي بخلافه،سواء سقط الغرض بإتيانه كيفما اتّفق،أو احتاج إلى‏ قصد العنوان. و اتّضح ممّا ذكرنا وجه الخلل في تعريف التعبّدي: بأنّه الذي شرّع لأجل التعبّد به لربّه‏المعبّر عنه بالفارسيّة ب«پرستش»;فإنّ الواجبات التعبّدية بالمعنى المبحوث عنه أعمّ ممّا ذكر. (مناهج الوصول 1: 258-259).


63

إن قلت: كما أنّ تعلّق الأمر بشي‏ء غير إراديّ محال،كذا تعلّقه بالأعمّ منه أيضاً محال. قلت: ليس المراد أنّ الأمر في التوصّلي تعلّق بأمرٍ أعمّ من الإراديّ،بل الأمر مطلقاً-تعبّدياً كان أو توصّلياً-ليس إلاّ لإيجاد الداعي في المأمور،و بعثه إلى المأمور به لأن يريده و يفعله،لكن قد يكون لتسبيبه للداعي أو لنفس الداعي و الإرادة،دخالة في الغرض،و قد لا يكون لها دخالة أصلاً،بل الغرض يحصل بنفس الفعل بأيّ نحوٍ اتّفق وجوده،فالمولى‏ يتوصّل بالأمر لإيجاد الداعي للعبد كي يفعل بإرادته. و لكن كونه في التوصّلي مراداً،أو معنوناً بداعي الأمر،أو قصد حصول العنوان و أمثال ذلك،غير دخيلٍ في الغرض من الأمر;بحيث لو اتّفق تحقّقه بلا إرادةٍ و شعورٍ لحصل به الغرض،و سقط الأمر المسبّب من الغرض.

الأمر الثاني: في أخذ قصد التقرّب في متعلّق الأمر

إنّ الأصحاب رضوان اللَّه عليهم من الصدر الأوّل-على‏ ما اطّلعنا على‏ كلماتهم-كانوا ينظمون قصد التقرّب و امتثال الأمر و أشباههما،في سلك سائر القيود و الشرائط الشرعيّة من غير تفريقٍ بينها(1) إلى‏ عصر الشيخ العلاّمة

(1)اُنظر مفتاح الكرامة 2: 319-323.
الأنصاريّ رحمه الله،فأبدى التفرقة بينه و بين سائر القيود و الشرائط،و ذهب إلى‏


64

محاليّة أخذه في متعلّق الأوامر(1)

(1)مطارح الأنظار: 60-السطر 26.
فأصبح ذلك كالضروريّات بين المتأخّرين منه;بحيث تلقّوه بالقبول أوّلاً،ثمّ تكلّفوا في إقامة الدليل عليه ثانياً. و قد اختلفت كلمات تلامذته و أدلّتهم في وجه الاستحالة،فجعله بعض منهم من ناحية الأمر;و أنّ تعلّق الأمر بهذا المقيّد محالٌ(2) و بعضهم من ناحية

(2)بدائع الأفكار،المحقّق الرشتي: 237-السطر 16.
الإتيان;و أنّ الإتيان بهذا النحو من المقيّد محال(3) .

(3)كفاية الأُصول: 95.
و الذي حرّره المحقّق المقرّر لبحثه الشريف،هو أنّ هذه القيود أنّما تتحقّق بعد تعلّق الأمر بالمتعلّق،و لا يمكن أخذ ما يأتي من قِبَل الأمر في موضوعه;لوجوب تقدّم الموضوع على الأمر الذي هو بحكم الموضوع(4) .

(4)مطارح الأنظار: 60-السطر 26.
و بالجملة: يلزم من أخذه في الموضوع،تقدّم الشي‏ء على‏ نفسه;لأنّ الأمر متوقّفٌ على الموضوع،و هو بالفرض متوقّفٌ على الأمر. و قرّر بعضهم وجه الاستحالة;بأنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بما هو المقدور،فلا بدّ من كون المتعلّق مقدوراً،و الفرض أنّه غير مقدور إلاّ بعد تعلّق الأمر به(5) .

(5)كفاية الأُصول: 95.
و قال بعض أساتيذنا: إنّ وجه الاستحالة لا ذاك و لا ذاك،بل وجهها أنّ تعلّق الأمر بذلك المقيّد،موجبٌ للجمع بين اللّحاظين;أي الآليّ و الاستقلاليّ،لأنّ الموضوع لا بدّ و أن يكون ملحوظاً بنحو الاستقلال،و الأمر لكونه آلة لحصول المطلوب،ليس ملحوظاً إلاّ بنحو الآليّة و الحرفيّة،فإذا قيّد الموضوع بما يأتي


65

من قِبَل الأمر،فلا بدّ و أن يكون الأمر ملحوظاً بنحو الاستقلال;لمكان الموضوعيّة،فيجمع بين اللّحاظين المتنافيين. و قال المحقّق الخراسانيّ رحمه الله(1) : إنّ لزوم المحال أنّما هو من ناحية إتيان‏

(1)نقل السيّد... هذا التقرير من مجلس بحث صاحب الكفاية;[منه‏1].
المأمور به،و إنّ الإتيان بالمتعلّق الكذائيّ ممتنعٌ. بيانه: أنّ داعويّة الأمر أنّما تكون إلى‏ ما لو وجد يكون مصداقاً لعنوان المأمور به،فإن كان المأمور به مثلاً نفس الصلاة،تكون الداعويّة إليها،و إن كان الصلاة متقيّدة بالداعويّة،فداعويّته لا محالة تكون إليها مع هذا التقيّد،مع أنّ هذا التقيّد أنّما يتحقّق بعد الداعويّة،فداعويّة الأمر تتوقّف على‏ أنّ ما وجد يكون معنوناً بالداعويّة،و هو يتوقّف على‏ داعويّة الأمر. و إن شئت قلت: إنّ الأمر لا يدعو إلاّ إلى‏ متعلّقه،و المتعلّق بالفرض متقيّدٌ بالداعويّة،فالأمر لا بدّ و أن يدعو إلى‏ داعويّته،فتحقّق المتعلّق في الخارج مستلزمٌ للدّور المحال. و لك أن تقول: إنّ الأمر في المقام لا يدعو إلاّ إلى المتقيّد بالداعويّة;أي الصلاة بداعي الأمر،فتكون داعويّة الأمر إلى‏ داعويّته،فننقل الكلام إلى الداعويّة الثانية،هل هي تدعو إلى الصلاة،أو إلى الصلاة بداعي الأمر؟ فإن كانت تدعو إليها مطلقاً فلا تكون مأموراً بها;لأنّه هو المتقيّد،و إن دعت إلى المتقيّد فلا بدّ من فرض داعويّة ثالثة،فيذهب الأمر إلى‏ غير نهاية،و لا تقف السلسلة إلاّ إذا كانت الصلاة بنفسها مأموراً بها. هذا كلّه إن قلنا: بأنّ قصد التقرّب المعتبر في المأمور به،هو قصد الأمر. و أمّا إن قلنا: بأنّه عبارةٌ عن قصد المحبوبيّة،أو حسن الفعل،أو


66

المصلحة،فلا يلزم منه محالٌ. هذه جملةٌ من الإشكالات الواردة في المقام،و قد عرفت أنّ بعضها راجعٌ إلى استحالة الأمر،و بعضها إلى استحالة المأمور به. و يرد على الأوّل منها: أنّ الموقوف و الموقوف عليه متغايران،فلا دور في البين;فإنّ الأمر أنّما يتوقّف على الموضوع في الوجود الذهنيّ;أي على الوجود الذهنيّ للموضوع،و الموضوع يتوقّف بوجوده الخارجيّ على الأمر. و على الثاني: أنّ الأمر أنّما يتوقّف على القدرة في زمان إيجاد المأمور به،و في زمان الإيجاد يصير المكلّف قادراً و لو بنفس الأمر. و إن شئت قلت: إنّ التوقّف هاهنا لا يستلزم تقدّم الموقوف عليه على الموقوف،و التقدّم هو مناط الدور،بل التوقّف هاهنا بمعنى‏ أنّ الأمر لا يحسن أو لا يجوز،إلاّ مع علم الآمر بقدرة العبد في موطنه و لو حصلت بنفس الأمر،فملاك الدور هاهنا غير متحقّقٍ أصلاً. و على الثالث: أنّ المحال غير لازمٍ،و اللازم غير محالٍ;فإنّ اجتماع اللّحاظين-بمعنى‏ كون لحاظ واحد آليّاً و استقلاليّاً-و إن كان محالاً،إلاّ أنّه غير لازم،و ما هو لازمٌ هو لحاظ الأمر استقلالاً بما أنّه قيدٌ للمتعلّق بلحاظٍ،و لحاظه آليّاً بما أنّه بعثٌ إلى المتعلّق بلحاظ آخر،فيكون الشي‏ء الواحد ملحوظاً بلحاظٍ آليّ و استقلاليّ في آنين;آن تصوّر الموضوع،و آن تعلّق الأمر،و هو غير محالٍ‏[15].

[15]إنّ الموضوع مع قيد قصد امتثال الأمر ملحوظ قبل الإنشاء،و استعمال الأمر آلة للبعث،فالاستعمال الآلي لا يجتمع مع اللحاظ الاستقلالي الذي لا بدّ منه قبل الإنشاء.

و أمّا في مقام الإنشاء فتقييد الموضوع يكون في الآن المتأخّر عن الاستعمال الإيجادي الآلي،فيلحظ ما هو آلة للبعث في الآن المتأخّر بنحو الاستقلال،كما في جميع القيود الواردة على المعاني الحرفية،بل الاسمية أيضاً،ففي قوله: «زيد في الدار يوم الجمعة»يكون«يوم الجمعة»ظرفاً للكون الرابط الذي هو معنى حرفي،و هو ملحوظ في الآن المتأخّر استقلالاً. (مناهج الوصول 1: 263).


67

و على الأخير: أنّ التفصيل بين قصد الأمر و غيره ممّا لا وجه له;فإنّ الإشكال واردٌ حتّى‏ بناءً على‏ جعل قصد التقرّب عبارة عن قصد المحبوبيّة،أو حسن الفعل،أو المصلحة،طابق النعل بالنعل،بل الإشكال فيها أشدّ وروداً. بيانه: أنّ وجه الاستحالة على‏ هذا الوجه،لا يكون هو الدّور المصطلح،بل وجهها مناطه;فإنّ داعويّة الأمر لا تتوقّف على‏ عنوان كون المأتيّ به منطبقاً على المأمور به بالحمل الأوّلي،حتّى‏ يختلف الموقوف و الموقوف عليه،بل تتوقّف على‏ ما هو بالحمل الشائع مأمور به،و لمّا كانت هاهنا نفس الداعويّة مأخوذة في المتعلّق،تصير الداعويّة متوقّفة على‏ نفسها;أي كون الداعويّة داعويّة إلى‏ داعويّة نفسها،و هذا مناط الدّور. و هذا بعينه واردٌ على‏ إتيان الشي‏ء بقصد المحبوبيّة و المراديّة و شقيقيهما;فإنّ ذوات الأعمال لا تكون متعلّقة للأمر،بل هي مع تقيّدها بداعي المحبوبيّة،لا الحسن أو المصلحة،فالمدعوّ إليه بداعي المحبوبيّة و أمثالها;هو أفعال مع الداعي،فالداعويّة تتوقّف على الداعويّة. و بالجملة: أنّ الصلاة مثلاً لا تكون بنفسها محبوبة،و لا ذات مصلحة،فلا يمكن أن تكون ذاتها داعية إلى‏ إتيانها بداعي المحبوبيّة و المصلحة،بل لا بدّ من كونها متقيّدة بداعي المحبوبيّة و المصلحة،داعية إلى‏ إتيانها كذلك،و هذا هو


68

عين الإشكال و مناط الدّور[16]. و إنّما قلنا: إنّ الإشكال فيها أشدّ وروداً;لأنّ الأمر لمّا كان أمراً اختياريّاً،

[16]و أيضاً لمّا كانت المصلحة قائمة بالمقيّد يكون الفعل غير ذي المصلحة،فلا يمكن قصدها إلاّ على‏ وجه دائر;لأنّ قصد المصلحة يتوقّف عليها،و هي تتوقّف على‏ قصدها فرضاً. و أيضاً أنّ الداعي مطلقاً في سلسلة علل الإرادة التكوينية،فلو أُخذ في العمل الذي في سلسلة المعاليل،لزم أن يكون الشي‏ء علّة لعلّة نفسه،فإذا امتنع تعلّق الإرادة التكوينية،امتنع تعلّق التشريعية;لأنّها فرع إمكان الأُولى‏. و يمكن دفع الأوّل ببعض ما ذكرنا في دفع الإشكال في قصد الأمر. مضافاً إلى‏ أن يقال: إنّ للصلاة مصلحة بنحو الجزء الموضوعي،و لمّا رأى‏ المكلّف أنّ قصدها متمّم للمصلحة،فلا محالة يصير داعياً إلى‏ إتيانها بداعي المصلحة،من غير لزوم كون الداعي داعياً. و بهذا يجاب عن الإشكال الثاني و يقطع الدور;فإنّ قصد المصلحة-التي هي جزء الموضوع-يتوقّف عليها،و هي لا تتوقّف على القصد،و لمّا رأى المكلّف أنّ هذا القصد موجب لتمامية الموضوع و حصول الغرض،فلا محالة يدعوه ذلك إلى القصد إلى الفعل. نعم،لا يمكن قصد تلك المصلحة مجرّدة و منفكّة عن الجزء المتمّ،و فيما نحن فيه لا يمكن التفكيك بينهما. و أمّا الجواب عن الثالث: فبمثل ما سبق،من أنّ الداعي و المحرّك إلى إتيان المأمور به،بعض المبادئ الموجودة في نفس المكلّف،كالحبّ و الخوف و الطمع،و تصير هذه المبادئ داعية إلى‏ إطاعة المولى‏ بأيّ نحو أمر و شاء. فإذا أمر بإتيان الصلاة بداعي المصلحة،تصير تلك المبادئ المتقدّمة داعية إلى‏ إتيانها بداعي المصلحة،من غير لزوم تأثير الشي‏ء في علّته،أ لا ترى‏ أنّك إذا أحببت شخصاً حبّاً شديداً،فأمرك بإتيان شي‏ء مبغوض أن تأتي به لأجله،صارت تلك المحبّة داعية إلى‏ إتيانه بداعي إطاعته و طلباً لمرضاته من غير لزوم الدور. (مناهج الوصول 1: 273-274). أمّا الجواب عن كلام المحقّق الخراساني فيأتي في الصفحة 81.


69

يمكن أن يتعلّق بما هو أوسع دائرة من الغرض;للتوسّل به إليه،فيكون الأمر داعياً إلى‏ نفس الفعل بلا قيدٍ،و إتيانه متقيّداً أنّما يكون بإرشادٍ من الشرع و حكمٍ من العقل،لكن في الحبّ و الحسن و المصلحة لا يمكن أن يقال: إنّها تعلّقت بأوسع من الغرض;لأنّها أُمور غير اختياريّة،كما لا يخفى‏.

تفصّيات عن عويصة أخذ قصد التقرّب‏

و هاهنا تفصّيات عن هذه العويصة،نذكر بعضها و ما فيها:

أحدها:

ما عن الشيخ الأنصاريّ قدس سره;من أنّ الإشكال أنّما يكون،إذا كان اعتبار قصد الأمر و أمثاله بأمرٍ واحدٍ،و أمّا إذا كان بأمرين;تعلّق أحدهما: بذات العمل،و ثانيهما: بإتيانه بداعي أمره،فلا محذور أصلاً(1) .

(1)مطارح الأنظار: 60-السطر ما قبل الأخير.
و فيه: -مضافاً إلى‏ ما أفاده المحقّق الخراسانيّ رحمه الله(2) [17]-أنّ قصد امتثال‏

(2)كفاية الأُصول: 96-97.

[17]قد استشكل المحقّق الخراساني رحمه الله: -مضافاً إلى القطع بأنّه ليس في العبادات إلاّ أمر واحد كغيرها-«بأنّ الأمر الأوّل إن يسقط بمجرّد موافقته و لو لم يقصد الامتثال،فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأوّل،فلا يتوسّل الآمر إلى‏ غرضه بهذه الوسيلة،و إن لم يسقط،فلا يكون إلاّ لعدم حصول الغرض،و معه لا يحتاج إلى الثاني;لاستقلال العقل بوجوب الموافقة بما يحصل به الغرض». و فيه أوّلاً: أنّ دعوى القطع بعدم الأمرين بهذا النحو ممنوعة،بل لو لا محذور عقلي،يكون مدّعي القطع بخلافه غير مجازف;ضرورة أنّ ألفاظ العبادات موضوعة لمعنى غير مقيّد بشرائط آتية من قبل الأمر،كما حقّقناه في الصحيح و الأعمّ،فحينئذٍ لا تكفي الأوامر المتعلّقة بنفس الطبائع لإفادة مثل هذا القيد و لو قلنا بجواز أخذه في المتعلّق،فلا بدّ للمولى‏لإفادته: إمّا من بيان متّصل لو جاز،و المفروض عدم الجواز،بل مع جوازه ليس منه في الأوامر المتعلّقة بالطبائع عين و لا أثر. و إمّا من بيان منفصل،و قد قام الإجماع بل الضرورة على‏ لزوم قصد التقرّب أو الأمر أو نحو ذلك في العبادات،و هو يكشف عن أمر آخر لو لا المحذور،و معه لا بدّ من التشبّث بشي‏ء آخر. و ثانياً: -بعد القطع بأنّ الأمر الأوّل لا يسقط بمجرّد الإتيان;لقيام الإجماع و الضرورة على‏ عدم صحّة العبادات بلا قصد أمر أو تقرّب أو نحو ذلك،و صحّتها مع قصده-أنّ هذا الإجماع و تلك الضرورة كاشفان عن تقيّد الطبائع بمثل هذا القيد،و مع فرض عدم إمكان الأخذ في موضوع الأمر المتعلّق بها،يعلم أنّ ذلك كان بأمر آخر و بيان مستقلّ،و لو لا هذا الإجماع و الضرورة،لكنّا شاكّين في اعتبار مثل قصد الامتثال،و معه كان على المولى‏ بيان ما هو دخيل في غرضه و موضوع حكمه. إن قلت: إنّ العقل يستقلّ بالاشتغال،و معه لا مجال لأمر مولوي. قلت: -مضافاً إلى‏ جريان البراءة في المورد كما سيأتي بيانه-إنّ حكم العقل بالاشتغال لم يكن ضرورياً;و إلاّ لما اختلفت فيه الأنظار و الآراء،و معه يبقى‏ للمولى‏ مجال التعبّد و المولوية و لو لردع القائلين بالبراءة. و ثالثاً: أنّ قوله: «إنّ المولى‏ لا يتوسّل لغرضه بهذه الوسيلة»،مدفوع: بأنّ ترك الأمر الثاني و لو برفع موضوعه موجب للعقوبة،فيحكم العقل بلزوم إطاعته،و ليس للمولى‏ وسيلة للتوصّل إلى‏ أغراضه إلاّ الأمر و الإيعاد بالعقاب على‏ تركه. هذا. (مناهج الوصول: 1: 269-271).


70

هذا الأمر الصوريّ الذي لا روح فيه،و لا يترتّب عليه غرض،و لا يكون ذا مصلحةٍ و حسن و محبوبيّة أصلاً،لا يكون مقرّباً للمولى‏ أبداً،فقصد هذا الأمر الصوريّ مع لا قصده سواء،فلا يصل المولى‏ بهذه الحيلة إلى‏ غرضه مطلقاً[18].

(18)و الجواب عنه: أنّ الممتنع هو تعلّق الإرادة و البعث بالمجرّد عن القيد مع الاكتفاء به،و أمّا مع إرادة إفهام القيد بدليل آخر فلا،فكما يجوز للآمر الذي تعلّق غرضه بإتيان مركّب‏أو مقيّد أن يأمر بهما،يجوز له أن يأمر بالأجزاء واحداً بعد واحد،مع إفهام أنّ الغرض متعلّق بالمركّب،و أن يأمر بالخالي عن القيد و يأمر بالقيد مستقلاّ،و هذا ممّا لا محذور فيه،لا سيّما في المقام الذي لا يمكن غير ذلك فرضاً. و أمّا عدم مقربّية قصد الأمر المتعلّق بالمجرّد عن القيد،فهو-أيضاً-ممنوع فيما نحن فيه;ضرورة أنّ تمام المحصّل للغرض هو الصلاة مع قصد أمرها. نعم،في الأجزاء و القيود التي لم تكن بتلك المثابة،لا يمكن قصد أمرها فقط،و لا يكون قصده مقرّباً،لا في مثل المقام الذي يكون قصد الأمر قيداً متمّماً للغرض. (مناهج الوصول 1: 272).


71

و ثانيها: ما أفاده بعض الأعاظم قدس سره في«الدُّرَر»بما حاصله:

أنّ المعتبر في العبادة ليس إلاّ وقوع الفعل على‏ وجهٍ يوجب القرب عند المولى‏،و هذا لا يتوقّف على الأمر;لأنّ الفعل على‏ قسمين: أحدهما: ما ليس للقصد دخلٌ في تحقّقه. و ثانيهما: ما يكون قوامه بالقصد،كالتعظيم و الإهانة. و لا إشكال في أنّ تعظيم مَن له الأهليّة بما هو أهلٌ له حسنٌ عقلاً،و مقرّبٌ ذاتاً،بلا احتياجٍ إلى الأمر. نعم،قد يشكّ في أنّ التعظيم المناسب للمولى‏ ما ذا؟و قد يتخيّل كون عملٍ تعظيماً له،و الواقع خلافه. إذا تمهّد ذلك نقول: لا إشكال في أنّ ذوات الأفعال و الأقوال الصلاتيّة-من دون إضافة قصدٍ إليها-ليست محبوبة و لا مجزية قطعاً،لكن من الممكن كون صدورها مقرونة بقصد نفس هذه العناوين،مناسباً لمقام البارئ عزّ شأنه،غاية الأمر أنّ الإنسان لقصور إدراكه لا يدرك ذلك،و يحتاج إلى‏ إعلام اللَّه تعالى‏،فلو فرضت إحاطته بجميع الخصوصيّات لم يحتج إلى الإعلام. و الحاصل: أنّ العبادة عبارة عن إظهار عظمة المولى‏ و الشكر على‏ نعمائه،و


72

من الواضح أنّ محقّقات هذه العناوين مختلفة باعتبار المعظِّم و المعظَّم،و بعد إعلام اللَّه-على‏ ما هو المناسب لشأنه-لا يتوقّف حصولها على الأمر حتّى يلزم الدّور،بل يكفي قصد نفس العناوين(1) .

(1)درر الفوائد،المحقّق الحائري: 95-97.
و فيه: أنّ الإجماع قائمٌ،بل الضرورة على‏ لزوم قصد التقرّب في العبادات‏[19] و لو لا ذلك لأمكن لنا إنكار أصل قصد القربة و الامتثال فيها;لكونه أسهل من دفع هذه العويصة،و إنّما أوقع الأصحابَ في حيص و بيص،قيامُ هذا الإجماع و الضرورة،و على‏ ما ذكره قدس سره يلزم أن لا يعتبر في العبادات قصد التقرّب;فإنّ العناوين القصديّة إذا أُتي بها بقصد تحقّق عناوينها،تتحقّق في الوعاء المناسب لها،مثل المعاني الإنشائية. و ليس هذا القصد-أي قصد تحقّق العناوين-كقصد الامتثال و التقرّب معتبراً في المتعلّق،حتّى‏ يرد إشكال الدّور،بل هو نظير المعاني الإنشائية التي تتحقّق بنفس قصد عناوينها،مع مظهرٍ دالٍّ عليها،فكما أنّ البيع إذا قصد تحقّقه بإنشاء مفهومه;يتحقّق عنوانه،كذلك حقيقة التواضع و التعظيم و العبادة إذا قصد بالأفعال حصول عناوينها،و قصد التقرّب و المحبوبيّة و أمثالهما،أمرٌ خارج غير دخيلٍ في تحقّق عناوينها. فإذا كان الأمر كما عرفت،فلا بدّ و أن يلتزم القائل بأنّ المعتبر في العبادات ليس إلاّ قصد حصول عناوينها،مع عدم اعتبار قصد التقرّب و الامتثال فيها،فلو

(19)الظاهر استناد دعوى الإجماع إلى‏ تتبّع الموارد الخاصّة من العبادات كالصوم،و الصلاة،و إلاّ فلم يقم إجماع على اشتراط النيّة في مطلق ما يسمّى بالعبادة،اُنظر غنية النزوع 1: 33،الوسيلة إلى‏ نيل الفضيلة: 40.


73

أوجد المكلّف الصلاة و الحجّ و غيرهما من العبادات،قاصداً حصول عناوينها و لو بشهوة نفسه،التزم بالصحّة و الإجزاء،مع أنّ هذا خلاف الإجماع،بل الضرورة.

و ثالثها:

ما أفاده في«الدّرر»أيضاً بما ملخّصه: أنّ ذوات الأفعال-مقيّدة بعدم صدورها عن الدواعي النفسانيّة-متعلّقة للأمر،و هذا ليس تمام المطلوب،لكن يتّحد في الخارج معه;فإنّ المطلوب هو الأفعال مع الدليل الإلهيّ،و صَرفِ الدّواعي النفسانيّة،و هما متّحدان في الخارج،و المولى‏ إنّما أمر بأحد الجزءين لتعذّر الأمر بكليهما،و الأمر بأحد الجزءين أنّما يكون للغير،كالغسل قبل الفجر لا غيريّاً،فلهذا لا يكون الأمر صوريّاً،بل حقيقيّاً،و الإشكال من ناحية القدرة قد عرفت دفعه. فتحصّل: أنّ ما أُخذ في المتعلّق،لا يكون قصد التقرّب و أمثاله،و لكن يتّحد معه،فلا محذور فيه(1) .

(1)درر الفوائد،المحقّق الحائري: 97-98.
و فيه: -بعد الاعتراف بأنّ هذا التقرير أسلم من الإشكال ممّا أفاده الشيخ من تصوّر الأمرين (2) مع أنّه يرد عليه ما أوردنا على‏ مقالة الشيخ رحمه الله; فإنّ ما

(2)مطارح الأنظار: 60-السطر ما قبل الأخير.
هو المطلوب هو الأجزاء مع كلا القيدين بالفرض،فقصد أحد القيدين;أي صَرف الدّواعي النفسانيّة فقط،لا يكون مقرّباً،بل الأمر به صوريٌّ لا حقيقيّ-إنّه لا دليل على اعتبار صَرف الدّواعي النفسانيّة في العبادات. نعم،إنّه ملازمٌ لما قام الدليل-من الإجماع و الضرورة-على اعتباره;و هو قصد التقرّب. و في الحقيقة: هذا التزامٌ بالإشكال،لا دفعٌ له;فإنّه بعد اعتبار قصد التقرّب في العبادات بالإجماع نشأ هذا الإشكال،فلا بدّ من دفعه مع هذا الفرض.


74

تحقيقٌ و دفعٌ

و لنا في المقام تحقيقٌ تحسم به مادّة الإشكال،و لا بدّ لتوضيحه من تمهيد

مقدّمات:

الأُولى‏: أنحاء أخذ القصد

إنّ قصد الأمر و الامتثال و المحبوبيّة و أمثالها،قد يؤخذ في المأمور به على‏ نحو الجزئيّة مثل سائر الأجزاء. و قد يؤخذ على‏ نحو القيديّة; بنحوٍ يكون التقيّد بالمعنى الحرفيّ داخلاً،و القيد خارجاً. و قد يؤخذ لا بنحو الجزئيّة و لا القيديّة،بل يكون المأمور به عنواناً لا ينطبق على الأجزاء إلاّ في حال إتيانها مع هذا القيد. مثلاً: يمكن أن يكون للصلاة عنوانٌ حقيقيّ،لا يتحقّق في الخارج إلاّ بعد كون الأجزاء و الشرائط المعهودة،متقيّدة بقصد الأمر أو المحبوبيّة،لكن لمّا كان هذا أمراً لا يعلم إلاّ من قِبَل اللَّه،فلا بدّ و أن يكشف عنه الشارع. و بالجملة: على‏ هذا الفرض،لا تكون الصلاة عبارة عن الأجزاء و الشرائط المعهودة مطلقاً،بل هي عنوانٌ لا ينطبق عليها إلاّ في حال مقارنتها مع قصد التقرّب أو المحبوبيّة.

الثانية: الميزان في مقرّبية المقدّمات‏

إنّ المقدّمات مطلقاً-داخليّة أو خارجيّة،تحليليّة عقليّة أو غيرها-


75

لا تكون واجبة بوجوب آخر غير وجوب ذي المقدّمة،حتّى‏ يكون لها امتثال و معصية،بل لو فرض ترشّح الوجوب عليها من ذيها،لا يكون وجوبها المقدّمي بما هو،مقرّباً للمولى‏ و محصّلاً لغرضه،و ليس لهذا الوجوب امتثال و لا عصيان،بل مقربيّة المقدّمات و امتثالها بنفس مقرّبيّة ذي المقدّمة و امتثاله. فالمقدّمات أنّما تكون مقرّبة;لكونها وسيلة لإتيان ذي المقدّمة،و مقربيّة ذي المقدّمة بواسطة كونه امتثالاً لأمر المولى‏،و محصّلاً لغرضه،و هذا المعنى‏ موجودٌ في المقدّمات،تعلّق بها أمر أم لا،و لو لم يأتِ المكلّف بالمقدّمات وسيلة إلى‏ حصول ذيها،لا تكون مقرّبة،تعلّق بها الأمر أم لا. فالميزان في مقرّبيّتها كونها وسيلة إلى‏ حصول ذيها،الذي يكون إتيانه طاعة لأمر المولى‏،و عملاً بوظيفة العبوديّة،و يكون تعلّق الأمر كالحجر بجنب الإنسان. و بالجملة: لا يكون للأوامر المتعلّقة بالمقدّمات نفسيّة،بل هي فانية في الأمر النفسيّ المتعلّق بذي المقدّمة.

الثالثة: فيما هو الباعث نحو العمل‏

إنّ الأمر لا يكون محرّكاً و باعثاً نحو العمل مطلقاً،بل هو موضوعٌ لتحقّق الإطاعة،و إنّما المحرّك و الباعث نحو العمل،مبادئ أُخر موجودة في نفس المكلّف،على‏ تفاوت مراتب العباد و مقاماتهم; فإنّ المبدأ المحرّك قد يكون حبّ المولى‏،و قد يكون إدراك عظمته و صيرورة العبد مقهوراً تحت نور سطوته و جلاله،و هذان المبدأان من أعلى‏ مراتب العبوديّة،و تكون العبادة المتحقّقة بهما من أعلى‏ مدارج العبادة. و بعد هاتين المرتبتين مرتبة رؤية العبد نعماء المولى‏،و مشاهدة استغراقه


76

في بحار جوده و نواله; من أوّل نشأة وجوده،إلى‏ آخر مراتبه،من النّعم الظاهرة و الباطنة و الحسّية و المعنويّة،و هذا الشعور و الإدراك مبدأ محرّك له نحو طاعة أوامره و نواهيه; أداءً لبعض حقوقه تبارك و تعالى‏،و شكراً لبعض آلائه و نعمائه. و بعد هذه المرتبة مرتبة الخوف من ناره و أليم عذابه،و مرتبة الطمع في جنّته و نعيمه،و هاتان المرتبتان من أدنى‏ مراتب العبوديّة و أخسّها. فإذا وجدت في نفس العبد إحدى‏ تلك المبادئ الخمسة،تصير محرّكة له نحو طاعته،فالأوامر و النواهي موضوعات لتحقّق الطاعة،لا محرّكات نحوها،و إنّما المحرّك ما عرفت. إذا عرفت ما مهّدنا لك من المقدّمات فاعلم: أنّ عمدة الإشكال في المقام هو الدّور الوارد في ناحية إتيان المأمور به،و هذا هو الإشكال الدائر على لسان المحقّق الخراسانيّ قدس سره و تصدّى‏ لجوابه(1) ،و أمّا الإشكالات الأُخر-مثل الدّور

(1)كفاية الأُصول: 95.
من ناحية تعلّق الأمر،و من ناحية القدرة،و الإشكال من ناحية الجمع بين اللّحاظين-فقد عرفت الجواب عنها(2) .

(2)تقدّم في الصفحة 66-67.
و أمّا هذا الإشكال العويص و العويصة المشكلة،التي هي كالشبهة في مقابل الضرورة و البديهة; فإنّ الضرورة-كما عرفت-قائمة على اعتبار قصد التقرّب في العبادات،و من لدن تأسيس الشرائع إلى الآن كان الأمر على هذا المنوال. فيمكن دفعه: بأنّك قد عرفت(3) في المقدّمة الثانية،أنّ المقدّمات إذا

(3)تقدّم في الصفحة 74-75.


77

أُوجدت و أُتي بها وسيلة إلى‏ إتيان ذيها،تكون مقرّبيّتها بعين مقربيّة ذي المقدّمة،فالمكلّف إذا علم بأنّ الإتيان بأجزاء المأمور به بقصد التقرّب و التوسّل إلى المأمور به،يلازم في الخارج حصولَ هذا القيد الذي لا يمكن داعويّة الأمر إليه،فلا محالة يأتي بها،و يتحقّق المأمور به بتمام الأجزاء و الشرائط في الخارج. غاية الأمر: يتحقّق بعضها بداعويّة الأمر،و بعضها بالملازمة بينه و بين سائر الأجزاء و الشرائط في الخارج. إن قلت: الأمر لا يدعو إلاّ إلى‏ متعلّقه،و تكون دعوته للأجزاء في ضمن دعوته للكلّ،فلا يعقل أن يدعو إلى‏ بعض الأجزاء و يحرّك إليه إلاّ في ضمن تحريكه إلى الكلّ. قلت: بعد ما عرفت في المقدّمة الثالثة،أنّ الأمر لا يكون باعثاً و محرّكاً نحو المأمور به،و إنّما هو الموضوع المحقّق للطاعة،و الباعث المحرّك هو أحد المبادئ الخمسة،نقول: إنّ الأمر لا يدعو إلاّ إلى‏ ما ليس بحاصلٍ من الأجزاء و الشرائط،و الفرض أنّ قيد التقرّب يحصل بنفس تحقّق الأجزاء بقصد التوسّل إلى المأمور به،و التقرّب في الأجزاء و المقدّمات عين التقرّب في الكلّ و ذي المقدّمة،فلا يلزم أن يكون قيد التقرّب مدعوّاً إليه حتّى‏ يلزم الإشكال. إن قلت: فإذن تكون داعويّة الأمر إلى‏ بعض المأمور به،و هذا التزامٌ بالإشكال،مع أنّ الأمر لا يدعو إلاّ إلى‏ متعلّقه. قلت: بعد ما عرفت(1) في المقدّمة الأُولى‏،أنّ أخذ قصد التقرّب يتصوّر

(1)تقدّم في الصفحة 74.
على‏ وجوه،نقول: إن أُخذ على‏ نحو القيديّة أو على‏ نحو المحصّلية،لا على‏ نحو


78

الجزئيّة،و يكون هذا القيد حاصلاً متحقّقاً،فلا يلزم أن تكون الدعوة إليه،بل لا يمكن; لأنّها تكون من قبيل تحصيل الحاصل،كما أنّ الأمر كذلك في سائر القيود و الشرائط،مثل الستر،و التوجّه إلى القبلة،و طهارة اللباس،فلو كان المكلّف مستور العورة،متوجّهاً إلى القبلة و لو بغير داعويّة الأمر،تكون دعوته إلى‏ سائر القيود التي ليست بحاصلة. إن قلت: بعد اللّتيا و التي،فالإشكال بحاله; فإنّ داعويّة الأمر تتوقّف على‏ كون المدعوّ إليه-على‏ تقدير وجوده-مصداقاً للمأمور به،و معنوناً بعنوانه،و الفرض أنّ كونه مصداقاً معنوناً به،يتوقّف على الداعويّة; لكونها من قيود المأمور به،و هذا كرٌّ على‏ ما فرّ منه. قلت: كلاّ; فإنّ داعويّة الأمر لا تتوقّف على‏ ما ذكر; بمعنى لزوم تقدّم كون الأفعال معنونةً به على الداعويّة،بل لو صارت الأجزاء معنونةً بعنوان المأمور به،و مصداقاً له و لو بنفس داعويّة الأمر،يكون كافياً،فالمكلّف إذا وجد في نفسه أحد المبادئ الخمسة المحرّكة نحو طاعة المولى‏،و كان متهيئاً لإطاعة أوامره،منتظراً لصدورها عنه،و رأى‏ إيجاد الأجزاء في الخارج بقصد التقرّب إلى المولى‏ إيجاداً لما هو مصداقٌ حقيقيّ للمأمور به و لتمام المطلوب،و معنوناً بعنوان الطاعة له،يصير الأمر-لا محالة-داعياً إلى‏ إتيانها. و قد عرفت(1) في المقدّمة الثانية: أنّ التقرّب الحاصل من الأجزاء،عين‏

(1)تقدّم في الصفحة 74-75.
التقرّب الحاصل من الكلّ،و أنّ الأمر الترشّحي-لو كان-هو عين الأمر المتعلّق بالكلّ باعتبارٍ،و لا نفسيّة له أصلاً،فالمكلّف يقصد التقرّب بإتيان الأجزاء; لكونها وسيلة إلى‏ تحقّق المأمور به في الخارج. و بما ذكرنا من أوّل البحث إلى‏ هاهنا،يظهر النظر فيما أفاده المحقّق


79

الخراساني رحمه الله في جواب مَنْ قال: إنّ ذات الصلاة صارت مأموراً بها بالأمر بها مقيّدة،بقوله: كلاّ; لأنّ ذات المقيّد لا تكون مأموراً بها،فإنّ الجزء التحليليّ العقليّ لا يتّصف بالوجوب(1) .

(1)كفاية الأُصول: 95.
وجه النظر: أنّ الجزء التحليليّ و إن كان لا يتّصف بالوجوب،لكن لا احتياج إليه في حصول التقرّب به إلى المولى‏،إذا أُتي به للتوسّل إلى الكلّ-كما عرفت-و الفرض أنّ ذات الصلاة إذا أُتيت بقصد التوسّل إلى‏ تمام المطلوب،يحصل بها القرب و تمام المطلوب; أي الصلاة المقيّدة،و قد عرفت(2) أنّ التقرّب‏

(2)تقدّم في الصفحة 75.
بالمقدّمات أنّما يكون بنفس التقرّب بذيها. و بالجملة: ذات الصلاة و إن لم تكن مأموراً بها،لكنّها مقدّمة لحصول المأمور به-أي الصلاة المقيّدة-و ما كان كذلك يمكن قصد التقرّب به; لأجل التوصّل إلى المطلوب. و أمّا ما أفاده قدس سره في جواب أخذ الامتثال شطراً لا شرطاً: بأنّه ممتنعٌ اعتباره كذلك; فإنّه موجبٌ لتعلّق الوجوب بأمرٍ غير اختياريّ،فإنّ الإرادة غير اختياريّة(3) .

(3)كفاية الأُصول: 96.
ففيه أوّلاً: أنّ اختياريّة الأربعة بنفس ذاتها،و اختياريّة غيرها بها. و ثانياً: أنّ الإشكال بعينه واردٌ بناءً على‏ تعلّق الأمر بنفس الصلاة،و عدم سقوط الغرض إلاّ بإتيانها بقصد الامتثال; فإنّ الإتيان بقصد الامتثال إذا كان غير اختياريّ،فلا يمكن أن يكون تحصيل الغرض المتوقّف عليه واجباً; لإناطة


80

الامتثال بأمرٍ غير اختياريّ،و هذا واضحٌ‏[20].

[20]و الحقّ في الجواب عن كلام المحقّق الخراساني،يظهر بتوضيح أمرين: الأوّل: أنّ متعلّقات الأوامر ليست إلاّ المهيات المعقولة،لا أقول: إنّ المأمور به أنّما هي الصلاة في الذهن،حتّى‏ يصير امتثاله محالاً،بل طبيعة الصلاة بما أنّها مهية كلّية قابلة للانطباق على‏ كثيرين،و الوجود الذهني آلة تصوّرها،فالبعث إليها في الحقيقة أمر بإيجادها و تحصيلها،فهي بما أنّها مفهوم،مأمور به و معروض للوجوب و متعلّق للحكم على‏ تسامح في إطلاق العرض عليه،و الوجود الخارجي مصداق للمأمور به لا نفس الواجب،و لذلك يكون الخارج ظرف السقوط دون الثبوت. و عليه: فالموضوع في المقام ليس إلاّ الصلاة المتصوّرة مع قصد أمرها،و الإنشاء و الأمر إنشاء على‏ ذلك المقيّد. الثاني: أنّ الأمر ليس إلاّ المحرّك و الباعث الإيقاعي،لا المحرّك الحقيقي و الباعث التكويني،و لهذا ليس شأنه إلاّ تعيين موضوع الطاعة،من غير أن يكون له تأثير في بعث المكلّف تكويناً،و إلاّ لوجب اتّفاق الأفراد في الإطاعة،بل المحرّك و الداعي حقيقة ليست إلاّ بعض المبادئ الموجودة في نفس المكلّف،كمعرفته لمقام ربّه،و درك عظمته و جلاله و كبريائه،أو الخوف من سلاسله و ناره،أو الطمع في رضوانه و جنّته. فحينئذٍ نقول: إن أراد القائل-من كون الأمر محرّكاً إلى‏ محركية نفسه-أنّ الأمر الإنشائي المتعلّق بالعنوان المقيّد موجب لذلك المحال،فقد عرفت أنّ الإنشاء و الإيقاع لا يحتاج إلى‏ مئونة أزيد من تصوّر الطرفين،مع أنّه قد أقرّ بصحة ذلك الإيقاع. و إن أراد: أنّ الأمر المحرّك للمكلّف تكويناً محرّك إلى‏ محركيّة نفسه،فهو باطل بحكم الأمر الثاني،و أنّ نسبة التحريك إليه بضرب من التشبيه; إذ العبد إذا أدرك استحقاق المولى‏ للإطاعة أو خاف من ناره و غضبه و رأى‏ أنّ الإطاعة لا يحقّق إلاّ بالإتيان بالصلاة المقيّدة،فلا محالة يقوم بامتثاله كيف ما أمر. و أمّا قوله: إنّ الصلاة غير متعلّقة بالأمر،حتّى‏ يأتي بها بقصد أمرها; لأنّ المفروض أنّ الأمر لم يتعلّق إلاّ بالمقيّد بقصد الأمر. فالجواب عنه يتوقّف على‏ رفع الحجاب عن كيفية دعوة الأمر في المركّبات و المقيّدات إلى‏ أجزائها و قيودها.

و مجمل القول فيه: أنّ الأوامر المتعلّقة بالمركّبات و المقيّدات أنّما تتعلّق بهما بما أنّهما موضوعات وحدانية و لو اعتباراً،و لها أمر واحد لا ينحلّ إلى‏ أوامر متعدّدة،و لا فرق بينهما و بين البسائط في ناحية الأمر،فهو بعث وحداني تعلّق بالبسيط أو المركّب و المقيّد،فالمطابق للبرهان و الوجدان هو: أنّ البعث في هذه الأقسام الثلاثة على‏ وزان واحد،لا ينحلّ الأمر إلى‏ أوامر،و لا الإرادة إلى‏ إرادات و إن كانت تفترق في انحلال الموضوع في الأوّلين دون الثالث،و لكنّ دعوة الأمر إلى‏ إيجاد القيود و الأجزاء بعين الدعوة إلى‏ إيجاد المركّب و المقيّد،و إيجاد القيد أو الجزء امتثال للأمر المتعلّق بالمقيّد و المركّب،لا امتثال لأمرهما الضمني أو الانحلالي،كما اشتهر بين القوم; لأنّ العقل حاكم على‏ أنّ كيفية امتثال الأمر المتعلّق بالمركّب و المقيّد،إنّما هو بالإتيان بالأجزاء و إيجاد القيود،فحينئذٍ فالجزء أو القيد ليس غير مدعوّ إليهما رأساً،و لا مدعوّ إليهما بدعوة خاصّة منحلّة،بل مدعوّ إليهما بعين دعوته إلى المركّب أو المقيّد; إذ الأمر واحد و المتعلّق فارد. إذا عرفت ذلك،تقدر على‏ حلّ العويصة; إذ المأمور به و إن كان هو المقيّد بقصد الأمر-و هو قد تعلّق بنعت التقيّد-إلاّ أنّ نفس الصلاة المأتي بها تكون مدعوّة بنفس دعوة الأمر المتعلّق بالمقيّد،لا بأمرها الخاصّ،و هذا يكفي في مقام الإطاعة. (تهذيب الأُصول 1: 116-117).


81

رجع و فذلكة

الكلام فيما ذكرنا من دفع الإشكال: أنّ الأمر بالشي‏ء كما أنّه يدعو إلى‏ ذلك الشي‏ء،كذلك يدعو إلى‏ مقدّماته الداخليّة،تحليليّة كانت أو غيرها،و إلى‏ مقدّماته الخارجيّة،و داعويّة الأمر ليست بمعنى‏ محركيّته،بل المحرّك هو المبادئ الخمسة السالفة المتحقّقة في النفس،و يكون الأمر موضوعاً لتحقّق الطاعة. و لمّا كان الداعي إلى إتيان ما هو مصداق المأمور به،موجوداً في النفس بواسطة إحدى المبادئ،و رأى المكلّف أنّ إتيان الأجزاء في الخارج-بعد تحقّق


82

الداعي في نفسه-مصداقٌ حقيقيّ للمأمور به،يصير الأمر داعياً إلى‏ إتيان الأجزاء الغير الموجودة،لا إلى‏ إتيان هذا القيد أو الجزء المتحقّق في النفس بعلله; لأنّ الأمر لا يدعو إلاّ إلى‏ ما ليس بحاصلٍ من المقدّمات الخارجيّة و الداخليّة. و الفرض أنّ داعي الامتثال حاصلٌ لا من قِبَل الأمر،بل من قِبَل المبادئ السالفة،فالأمر قد تعلّق بالصلاة بداعي الأمر،و قد عرفت(1) سابقاً أنّه لا

(1)تقدّم في الصفحة 76-78.
محذور فيه،و لمّا كان الداعي موجوداً فلا يدعو إلاّ إلى‏ غيره-و هو بقيّة الأجزاء-فاندفع الإشكال من أصله،فتدبّر جيّداً. و هاهنا وجهٌ آخر لعلّه يكون أقرب إلى الأفهام; و هو أنّه بعد ما عرفت(2) في‏

(2)تقدّم في الصفحة 74.
المقدّمة الأُولى‏ أنّ قصد الأمر و الامتثال و أمثالهما،قد يؤخذ بنحو الجزئيّة،أو بنحو القيديّة،و قد لا يؤخذ في المأمور به،بل يكون من قيود محصّل المأمور به،و في المقدّمة الثانية (3) أنّ المحرّك الداعي إلى امتثال أوامر المولى‏ هو

(3)تقدّم في الصفحة 74-75.
إحدى المبادئ الخمسة. فاعلم: أن المكلّف إذا كان في نفسه المبدأ المحرّك متحقّقاً،فلا محالة يصير هذا المبدأ أوّلاً داعياً إلى امتثال أوامر المولى‏ بنحو العنوان الكلّي،


83

ثمّ ينشأ من هذا الداعي داعٍ إلى‏ ما يكون مصداقاً لهذا العنوان الكلّي،كالصلاة و الحجّ مثلاً،و يمكن أن يكون المأمور به هو عنوان«الصلاة»و تعلّق الأمر بهذا العنوان،دون نفس الأجزاء و الشرائط،و تكون الأجزاء في حال تحقّق الشرائط و رفع الموانع مصداقاً له. ثمّ ينشأ من الداعي إلى‏ إتيان الصلاة-التي هي المأمور به بعنوانها-داعٍ إلى‏ إتيان الأجزاء و الشرائط. فهي مع الداعي المحقّق في النفس بمبادئه،محصِّلة لعنوان«الصلاة»و لا يلزم من ذلك محذورٌ;فإنّ تحقّق عنوان«الصلاة»في الخارج يتوقّف على‏ قصد الامتثال،لكن تحقّق قصد الامتثال غير متوقّفٍ على‏ تحقّق الصلاة،بل هو متوقّفٌ على‏ إحدى‏ المبادئ المحقّقة في النفس بعللها،و هذا واضحٌ جدّاً.

الأمر الثالث: في مقام الشكّ في التعبّدية و التوصّلية

إذا عرفت حال التعبّدي و التوصّلي،فاعلم: أنّهم عنونوا البحث عنهما في المقام;لاستنتاج النتيجة في مقام الشكّ في التعبّديّة و التوصّليّة;من جواز التمسّك بأصالة الإطلاق مع تماميّة مقدّماته و عدمه،و جواز التمسّك بأصالة البراءة و عدمه. و لمّا كان البحث عن كلا الأمرين،محتاجاً إلى‏ إشباع الكلام و النقض و الإبرام،و ليس المقام مناسباً له،فيجب إيكال الأمر إلى المباحث المناسبة لهما من ذي قبل،بعون اللَّه و حسن توفيقه.


84

المبحث الرابع في«المرّة و التكرار»و«الفور و التراخي»

لا إشكال في أنّ الظاهر من صيغة الأمر،هو إيجاد الطبيعة،و المرّةُ و التكرار و الفور و التراخي،كلّها خارجة عن مدلولها;فإنّ المادّة هي نفس الطبيعة بلا قيدٍ،و مفاد الهيئة هو البعث و الإغراء نحوها. و المراد من«المرّة و التكرار»إمّا الأفراد،أو الدفعة و الدفعات،و الفرق بينهما أنّ الآتي بعدّة أفراد دفعةً،آتٍ بما هو مصداق المأمور به على الثاني،دون الأوّل،و لا إشكال في شي‏ء من ذلك. إنّما الإشكال في أنّه على المختار;من دلالتها على‏ طلب الطبيعة،لو أتى المكلّف بعدّة أفرادٍ معاً،هل يكون امتثالاً واحداً;حيث إنّ الطبيعة كما تتحقّق في ضمن فردٍ ما،تتحقّق في ضمن جميع الأفراد،و هي أمرٌ وحدانيّ؟أو امتثالات بعدد الأفراد;حيث إنّ الطبيعة تتكثّر بتكثّر أفرادها،و لا يكون فردان من الطبيعة موجوداً على‏ حِدَةٍ،حتّى‏ يكون المجموع وجوداً وحدانيّاً للطبيعة،بل الطبيعة اللاّ شرط تتكثّر،و كلّ فردٍ من الأفراد محقّقٌ للطبيعة،و لمّا كان المطلوب هو الطبيعة بلا تقيّدٍ بالمرّة و التكرار،فحينئذٍ لو أتى المكلّف بأفراد متعدّدة فقد أوجد المطلوب-أي الطبيعة-بإيجاد كلّ فردٍ،و يكون كلّ فردٍ امتثالاً برأسه،-كما أنّه موجود برأسه-و تكون الطبيعة مع كلّ فردٍ موجودة برأسها على‏ نعت الكثرة؟الحقُّ هو الثاني. و من هذا القبيل الواجب الكفائيّ،حيث إنّ الأمر فيه متعلّقٌ بنفس الطبيعة،و يكون جميع المكلّفين مأمورين بإتيانها،فلو أتى‏ واحدٌ منهم بها تسقط


85

عن الباقي،و لا مجال للامتثال ثانياً،و لو أتى‏ عدّة منهم بها دفعة،يكون كلّ واحدٍ منهم ممتثلاً،و تتحقّق امتثالات،لا امتثال واحد من الجميع‏[21].

[21]و فيه: أنّ مناط وحدة الامتثال و كثرته بوحدة الطلب و كثرته و لو بالانحلال بوجه،فلو تعلّق أمر بإكرام كلّ فرد من العلماء،يكون إكرام كلّ فرد واجباً برأسه،و له امتثال برأسه. و أمّا مع تعلّق الأمر بنفس الطبيعة متوجّهاً إلى‏ مكلّف واحد،فلا يعقل أن يتكثّر الامتثال بتكثّر الأفراد و لا بتكثّر الطبيعة;فإنّ تكثّرها لا يوجب تكثّر الطلب و الوجوب و لو انحلالاً،فلا يوجب تكثّر الامتثال;و لهذا لو ترك الطبيعة القابلة للكثرة،لم يعاقب بعدد كثرة الأفراد،فلو تعلّق الطلب بإكرام العالم بحيث لو أكرم واحداً منهم سقط الطلب،فترك العبد الإكرام مطلقاً،لم يكن له إلاّ عقاب واحد بالضرورة،و معه كيف يمكن أن يكون له امتثالات مع الإتيان بإكرام عدّة منهم؟!فالامتثال فرع الطلب،كما أنّ العقوبة فرع ترك المطلوب،فلا يمكن الامتثالات مع وحدة الطلب،و لا استحقاق عقوبة واحدة مع كثرته. و ممّا ذكرنا يظهر فارق قياسه بالواجب الكفائي;فإنّ الطلب هناك-على‏ فرض كون الكفائي كما ذكر-توجّه إلى‏ كلّ مكلّف بإتيان الطبيعة،فكلّ فرد ممتثل مع الإتيان دفعة و معاقب مع الترك رأساً،و مع إتيان واحد منهم يسقط الطلب عن الباقي لرفعه موضوعه،فهناك طلبات كثيرة فامتثالات كثيرة،بخلاف ما نحن فيه،فلا تغفل. إذا عرفت ذلك: فالحقّ عدم دلالة الأمر على المرّة و التكرار;لأنّ المادّة موضوعة للماهية بلا شرط،و الهيئة للإغراء و البعث،أو لطلب الوجود،أو الإيجاد،و ليس لهما وضع على‏ حدة،و لا قرائن عامّة تدلّ على‏ واحد منهما،كما لا يخفى‏. (مناهج الوصول 1: 290-291).
تنبيه:

لا ضابط في الأوامر الواقعة عقيب الحظر،حتّى‏ نرجع إليه في موارده،بل الفقيه لا بدّ له من الاجتهاد في كلّ موردٍ موردٍ حسب اختلاف المقامات،و يستظهر من كلّ مورد ما هو مقتضى المقامات.


87

المطلب الثالث في الإجزاء

و قبل الخوض في المقصود،لا بدّ من

تمهيد أٌمور:

الأمر الأوّل: تحرير محلّ النزاع‏

قد اختلفت تعبيرات الأُصوليّين في تحرير محلّ الكلام،فقد يقال: هل الأمر يقتضي الإجزاء على‏ فرض الإتيان بمتعلّقه على‏ وجهه أم لا(1) ؟

(1)الذريعة إلى أٌصول الشريعة 1: 121،الفصول الغرويّة: 116-السطر 9.
و قد يقال: إتيان المأمور به على‏ وجهه،هل يقتضي الإجزاء أم لا(2) ؟

(2)مطارح الأنظار: 18-السطر 23،كفاية الأُصول: 104.
و الاقتضاء على التعبيرين مختلفٌ;فإنّه على التعبير الأوّل يكون الاقتضاء بمعنى الدلالة،أي هل يدلّ الأمر على‏ أنّ الإتيان بمتعلّقه مجزٍ أم لا؟و على الثاني يكون بمعنى العلّيّة،و إن لم تكن العلّيّة بمعناها المصطلح،و يرجع المعنى‏ إلى‏ أنّ الإتيان الكذائي،هل يوجب الإجزاء و امتناع التعبّد به ثانياً أم لا[22]؟

[22]لكن كون النزاع في دلالة الأمر بعيد عن الصواب;فإنّ الدلالة المتوهّمة: إن كانت‏وضعية،فلا أظنّ بأحد يتوهّم دلالة هيئة الأمر،أو مادّته على الإجزاء إذا أتى المكلّف بالمأمور به على‏ وجهه;بحيث يكون جميع هذه المداليل من دلالة الأمر هيئة أو مادّة. و إن كانت هذه الدلالة التزامية-بأن يدلّ على أنّ المأمور به مشتمل على‏ غرض للآمر،و لا محالة أنّ ذلك الغرض يتحقّق في الخارج بتحقّق المأمور به،و حينئذٍ يسقط الأمر لحصول الغاية الداعية إليه-فكذا لا يتوهّمها أحد;فإنّ عدّ تلك القضايا العقلية المتكثّرة من دلالة الأمر التزاماً،ممّا لا مجال للالتزام به،مع ظهور فساده،فحينئذٍ لا يكون في دلالة الدليل. و هذا من غير فرق بين إرجاع النزاع إلى الأوامر الاختيارية الواقعية،أو الاضطرارية و الظاهرية;لأنّ دلالة الأمر لا تخرج عن مادّته و هيئته. و ليس الاقتضاء بمعنى العلّية و التأثير;لعدم تأثير لإتيان المكلّف في الإجزاء،سواء فسّر بالمعنى اللغوي-و هو الكفاية-و هو واضح;فإنّها عنوان انتزاعي ليس مورداً للتأثّر و التأثير،و العجب من المحقّق الخراساني،حيث جمع بين الالتزام بكون الاقتضاء بمعنى العلّية،و بين القول بأنّ الإجزاء هو الكفاية،أو فسّر بإسقاط الأمر و نحوه;فإنّ الإتيان ليس علّة مؤثّرة في الإسقاط،و هو-أيضاً-ليس شيئاً قابلاً لكونه أثراً لشي‏ء. و ما يمكن أن يقال: إنّ الأمر لمّا صدر لأجل غرض هو حصول المأمور به،فبعد حصوله ينتهي اقتضاء بقائه،فيسقط لذلك،كما أنّ الحال كذلك في إرادة الفاعل المتعلّقة بإتيان شي‏ء لأجل غرض،فإذا حصل الغرض سقطت الإرادة لانتهاء أمدها،لا لعلّية الفعل الخارجي لسقوطها. و الأولى‏ في عنوان البحث أن يقال: إنّ الإتيان بالمأمور به هل مجز أم لا؟(مناهج الوصول 1: 298-300).


88

الأمر الثاني: المراد من«على وجهه»

أنّ المراد من قولهم: «على‏ وجهه»هو ما ينبغي أن يؤتى‏ به;أي إتيانه مع كلّ ما يعتبر فيه،و يكون دخيلاً في المصلحة الحاصلة منه و الغرض الذي


89

أُمر به لأجله،و لعلّ إضافة هذا القيد ردٌّ على القاضي عبد الجبّار،حيث أنكر الإجزاء;مستدلاًّ بأنّ الطهارة الاستصحابيّة لا تجزي عن الواقع(1) .

(1)فواتح الرحموت،المطبوع بذيل المستصفى‏ 1: 393-394.
فردّ: بأنّ إتيان الصلاة معها لا يكون إتياناً بالمأمور به على‏ وجهه(2) .

(2)نفس المصدر 1: 394،الفصول الغرويّة: 118-السطر 13.
و أمّا احتمال أنّ الوجه هو قصد الوجه(3) فلا وجه لتخصيصه بالذكر.

(3)ذكر في مطارح الأنظار: 19-السطر 8،و كفاية الأُصول: 105 و غيرهما.
كما أنّ ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله: من أنّ المقصود به إفادة ما يعتبر في المأمور به عقلاً،و لا يمكن أخذه فيه شرعاً كقصد التقرّب،حتّى‏ لا يكون القيد توضيحيّاً(4) منظورٌ فيه;فإنّ التفرقة بين الشرائط و القيود و إحداث القول بامتناع‏

(4)كفاية الأُصول: 105.
أخذ قصد القربة في المأمور به،أنّما هو من زمن الشيخ العلاّمة الأنصاري رحمه الله(5) و تقييد العنوان بهذا القيد يكون في كلام المتقدّم عليه.

(5)مطارح الأنظار: 60-السطر 26.
الأمر الثالث: الفرق بين هذه المسألة و بعض أُخرى‏

الفرق بين مسألة المرّة و التكرار و هذه المسألة،هو ما أفاده المحقّق الخراسانيّ(6) لكنّ الفرق بينها و بين مسألة تبعيّة الأداء للقضاء ليس كما أفاد(7) ،

(6)كفاية الأُصول: 106.

(7)نفس المصدر: 107.
بل ما أفاده لا يخلو من غرابةٍ من مثله;فإنّه ليس بين المسألتين مشابهة و مناسبة أصلاً،حتّى‏ نحتاج إلى‏ إبداء التفرقة;فإنّ المبحوث عنه في مسألة الإجزاء،هو


90

أنّ الإتيان بالمأمور به على‏ وجهه،هل يقتضي الإجزاء أم لا؟و المبحوث في مسألة تبعيّة الأداء للقضاء،هو أنّ الأمر المتعلّق بالصلاة في الوقت،هل ينحلّ إلى الأمر بالصلاة و إلى الأمر بإيجادها في الوقت،حتّى‏ إذا لم يؤتَ بالقيد يجب الإتيان بالمطلق أم لا؟و بعبارة أُخرى‏: هل يقتضي الأمر بالصلاة في الوقت،وجوب إتيانها خارج الوقت إذا لم يؤتَ بها فيه،أم لا؟فالمفروض في هذه المسألة عدم الإتيان في الوقت،و المفروض في مسألة الإجزاء هو الإتيان على‏ وجهه،فأيّ مشابهةٍ بينهما حتّى‏ نتصدّى‏ لبيان التفرقة؟!إذا عرفت ما ذكرنا،فالكلام يقع في ثلاثة مواضع:

الموضع الأوّل في إجزاء الإتيان بالمأمور به مطلقا عن التعبّد ثانيا

أنّ الإتيان بالمأمور به الواقعيّ أو الاضطراريّ أو الظاهريّ،يجزي عن التعبّد به ثانياً;فإنّ المولى‏ قبل الأمر بموضوعٍ،لا بُدَّ له من ملاحظة موضوع حكمه و كلّ ماله دخالة في سقوط غرضه;من الأجزاء و الشرائط و رفع الموانع،ثمّ الأمر به،فلو أتى المكلّف به مع كلّ ماله دخلٌ عقلاً في حصول غرضه،يستقلّ العقل بأنّه لا مجال ثانياً لإتيانه تداركاً،و لا مجال لأمر المولى‏ ثانياً-في الوقت أو خارجه-بعنوان التدارك،و هذا واضح. و أمّا مسألة تبديل الامتثال فيما لا يسقط به الغرض،فهو أمرٌ آخر خارجٌ عن موضوع البحث;لرجوعه إلى‏ كون الأمر بما لا يحصل الغرض منه فقط،


91

مقدّميّاً[23].

[23]و فيه: أنّه لو كان الوجوب المتعلّق بشي‏ء لأجل تحصيل غرض من قبيل الوجوب المقدّمي،كانت جميع الوجوبات النفسية من قبيل المقدّمي،و هو لا يلتزم به،فما نحن فيه من قبيل الوجوب النفسي،لا المقدّمي،حتّى‏ يأتي فيه ما ذكر،و قد حقّقنا في محلّه ميزان النفسية و المقدّمية. (مناهج الوصول 1: 308). التحقيق: أنّه فرق بين تبديل امتثال بامتثال و تبديل مصداق المأمور به بمصداق آخر و لو لم يكن امتثالاً;فإنّ تبديل الامتثال يتوقّف على‏ تحقّق امتثالين مترتّبين;بمعنى‏ أنّه يكون للمولى‏ أمر متعلّق بطبيعة،فيمتثل المكلّف و يبقى الأمر،ثمّ يمتثل ثانياً،و يجعل المصداق الثاني الذي تحقّق به الامتثال بدل الأوّل الذي كان الامتثال تحقّق به. و أمّا تبديل مصداق المأمور به-الذي تحقّق به الامتثال بمصداق آخر غير محقّق للامتثال،لكن محصّل للغرض اقتضاءً مثل المصداق الأوّل أو بنحو أوفى‏-فهو لا يتوقّف على‏ بقاء الأمر،بل من قبيل تبديل مصداق المأمور به بمصداق آخر،لا بصفة كونه مأموراً به. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ محلّ كلام الأعلام أنّما هو الأوّل;أي تبديل الامتثال بالامتثال،كما هو ظاهر العنوان،و لهذا تصدّى المحقّق الخراساني لإقامة البرهان على‏ بقاء الأمر. و التحقيق: عدم الإمكان مطلقاً فيما هو محلّ كلامهم،و الجواز فيما ذكرنا إذا لم يكن المصداق الأوّل علّة تامّة لحصول الغرض. أمّا الثاني: فلحكم العقل بحسن تحصيل غرض المولى‏ و لو لم يأمر به،و لزوم تحصيله إذا كان لازم التحصيل. أ لا ترى‏ أنّه إذا وقع ابن المولى‏ في هلكة،و غفل المولى‏ عنه و لم يأمر عبده بإنجائه،لزم بحكم العقل عليه إنجاؤه،و لو تركه يستحقّ العقوبة;و ذلك لأنّ الأمر وسيلة لتحصيل الغرض و لا موضوعية له،و بعد علم المكلّف بغرض المولى‏ لا يجوز له التقاعد عنه مع لزوم تحصيله. و كذا لو كان له غرض غير لازم التحصيل و لم يأمر بتحصيله و اطّلع المكلّف عليه،يحسن له تحصيله،و معه يصير مأجوراً عليه و مورداً للعناية مع عدم كونه امتثالاً،فلو أمره بإتيان الماء للشرب،فأتى‏ بمصداق منه،ثمّ رأى‏ مصداقاً آخر أوفى‏ بغرضه فأتى‏ به;ليختار المولى‏ أحبّهما إليه،يكون ممتثلاً بإتيان الأوّل لا غير،و مورداً للعناية;لإتيانه ما هو أوفى‏ بغرض المولى‏،لا لصدق الامتثال و تبديل الامتثال بالامتثال،و هذا واضح. و أمّا عدم الإمكان فيما هو محلّ كلامهم;فلعدم تعقّل بقاء الأمر مع الإتيان بمتعلّقه بجميع الخصوصيات المعتبرة فيه;لعين ما ذكر من البرهان. (مناهج الوصول 1: 305-306).


92

الموضع الثاني في الأوامر الاضطراريّة

ظاهر كلام مَن عبّر بأنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ،هل يجزي عن الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ؟(1) هو أنّ محل البحث و النقض و الإبرام،

(1)مطارح الأنظار: 20-السطر 8،كفاية الأُصول: 108.
أنّه إذا تعلّق أمرٌ بشي‏ءٍ بملاحظة حال الاختيار،ثمّ تعلّق أمرٌ آخر بشي‏ء بملاحظة حال الاضطرار،هل يجزئ الإتيان بالاضطراريّ عن الاختياريّ أم لا؟فعليه لا بُدَّ و أن يكون هنا أمران متعلّقان بموضوعين،حتّى‏ نبحث عن إجزاء إتيان متعلّق الاضطراريّ منهما عن الاختياريّ،مع أنّ الأمر ليس كذلك،بل لا معنى‏ للبحث عنه;فإنّ الإتيان بمتعلّق أمرٍ لا معنى‏ لأن يسقط أمراً آخر من متعلّقه. مضافاً إلى‏ أنّ البحث كذلك لا موضوع له;فإنّ الأوامر أنّما تتعلّق بالطبائع،و إنّما الاختلاف في أفراد المأمور به و خصوصيّاتها الشخصيّة;من حيث الجزء و الشرط بالنسبة إلى‏ حال الاختيار و الاضطرار،لا أنّ الأمر بها في حال الاختيار غيره في حال الاضطرار.


93

فطبيعة الصلاة المتعلّقة للأمر،تكون أجزاؤها و شرائطها مختلفة بحسب أحوال المكلّفين;فالمختار لا بدّ له من القيام و السجود و الطهارة،و المضطرّ يتبدّل قيامه بالقعود،و سجودُه بالإيماء،و طهارته المائيّة بالترابيّة،مع أنّ الطبيعة هي المأمور بها في جميع الأحوال،و الاختلاف أنّما هو في مصاديقها و أفرادها التي لم يتعلّق الأمر بها. فالبحث هاهنا: في أنّ الإتيان بالطبيعة مع هذه الشرائط و الأجزاء في حال الاضطرار،هل يجزي عن الأمر المتعلّق بها،حتّى‏ لا يحتاج إلى الإعادة و القضاء إذا صار المكلّف مختاراً،أم لا؟إذا عرفت ذلك،فيقع البحث في مقتضى الأوامر الاختياريّة;و أنّ الإتيان بالفرد الاضطراريّ للطبيعة،هل يجزي عنها;بحيث يسقط الأمر المتعلّق بها،أم لا،بل تدلّ الأوامر المتوجّهة إلى الطبيعة،على‏ لزوم الإتيان بالفرد الاختياريّ بعد الإتيان بالفرد الاضطراريّ؟فلا بدّ أوّلاً من تنقيح موضوع البحث حتّى‏ يتّضح الحكم. فنقول: تارةً يكون المكلّف مختاراً من أوّل الوقت إلى‏ آخره،و تارةً: يكون مضطرّاً كذلك،و تارةً: يكون مختاراً في بعضه،و مضطرّاً في بعضٍ. و على الأخير: تارةً نقول بأنّ الاضطرار المأخوذ في الأدلّة-من فقدان الماء،و العجز عن القيام،و التكتّف حال التقيّة مثلاً-هو الاضطرار المستوعب للوقت،و تارةً نقول: إنّه الاضطرار في كلّ وقتٍ بالنسبة إلى الأداء. و بعبارة أُخرى‏: هو صِرف وجود الاضطرار في كلّ وقتٍ تحقّق. و ما يكون موضوع الكلام في باب الإجزاء عن الإعادة،هو هذا الفرض الأخير،و أمّا الفروض الأُخر فهي خارجةٌ عن مورد البحث;أمّا الأوّلان فواضحٌ. و أمّا الثالث: فلأنّ المأتيّ به لم يكن فرد المأمور به;أي الفرد الاضطراريّ


94

منه،و موضوع البحث فيما إذا أتى المكلّف بالفرد الاضطراريّ من الطبيعة. فالبحث ينحصر في الفرض الرابع;أي ما إذا كانت الطبيعة متعلّقة للأمر في وقتٍ مضروب لها،مثل الصلاة من دلوك الشمس إلى‏ غروبها،و يكون المكلّف مخيّراً بين الإتيان بها في كلّ زمانٍ من الوقت المضروب لها تخييراً شرعيّاً-كما قيل(1) -أو عقليّاً-كما هو المتصوّر-و يكون لها فردان أحدهما: اختياريّ،و الآخر:

(1)معالم الدّين: 79-السطر ما قبل الأخير.
اضطراريّ،و يكون المكلّف على‏ هذا الفرض مخيّراً في كلّ وقتٍ بين الإتيان بالفرد الاضطراريّ في حال الاضطرار،أو الانتظار إلى‏ زمان الاختيار و الإتيان بالفرد الاختياريّ،فإذا أتى‏ بالاضطراريّ،هل الأمر المتعلّق بالطبيعة و الداعي إلى الفرد الاختياريّ،يدعو إلى‏ إتيان الاختياريّ بعد رفع الاضطرار أم لا؟ و لعلّ الحكم بعد تنقيح موضوع البحث،صار متّضحاً أيضاً;لأنّه من القضايا التي قياساتها معها;فإنّ بقاء الأمر بطبيعةٍ مع الإتيان بفردها الذي تتحقّق الطبيعة به،غير معقولٍ. و إن شئت قلت: بقاء الأمر بالطبيعة تخييراً مع الإتيان بأحد الأفراد غير معقولٍ،و قد عرفت (2) أنّ الفرد الاضطراريّ لم يكن له أمرٌ مستقلّ،و كذلك‏

(2)تقدّم في الصفحة 92.
الاختياريّ ليس له أمرٌ استقلاليّ،حتّى‏ نبحث في أنّ الإتيان بمتعلّق أحد الأمرين،هل يجزي عن الأمر الآخر أم لا؟ بل لا معنى‏ لذلك،إلاّ أن يقوم دليلٌ عليه،و هو أيضاً خارج عن مسألة الإجزاء كما لا يخفى‏. بل لو قلنا: بأنّ المأمور به الاضطراريّ،بدلٌ و نائبٌ عن الاختياريّ في ظرف الاضطرار،فلنا أن نقول-بعد الغضّ عن بطلان المبنى‏-: إنّ ذلك يقتضي الإجزاء;فإنّه أيضاً يرجع إلى التخيير بين الإتيان بالفرد الاضطراريّ البدليّ في


95

ظرفه،و الإتيان بالفرد الاختياريّ في ظرف رفع الاضطرار،و الإتيانُ بأحد فردي الواجب مُسقطٌ لأمره،كما هو واضحٌ. و من ذلك يتّضح الأمر بالنسبة إلى القضاء أيضاً;فإنّه لو فرض استيعاب العذر لجميع الوقت،أو يكون التكليف من قبيل المضيّق،فيكون-بحسب أدلّة الاضطرار-انقلاب الفرد الاختياريّ بالفرد الاضطراريّ،و أتى‏ به المكلّف،فلا مجال للتشكيك في الإجزاء،و عدم شمول أدلّة القضاء للمورد;ضرورة أنّ الآتي بالفرد الاضطراريّ-بعد فرض كونه متعيّناً له مع العذر المستوعب-آتٍ بالطبيعة التي هي الفريضة،فلا معنى‏ لشمول قوله: «مَن فاتته فريضة فليقضها»(1) .

(1)بحار الأنوار 85: 298-40،و86: 92-10.
هذا كلّه بحسب مقتضى‏ أدلّة الواجبات و أدلّة تشريع الفرد الاضطراريّ،و قد عرفت أنّه لا يعقل بقاء الأمر بالطبيعة مع الإتيان بفردها،و كما لا يعقل ذلك لا يعقل ورود أمرٍ آخر بعنوان التدارك أداءً أو قضاءً;لأنّه فرع عدم الإتيان،و هذا خلفٌ. نعم،للشارع أن يأمر استقلالاً بإتيان فردٍ آخر من الطبيعة بملاكٍ آخر،كما أنّه لو قام دليلٌ على‏ عدم الإجزاء،نستكشف منه أنّ الاضطرار في بعض الوقت-الذي كان مقتضى‏ ظاهر الأدلّة الأوّلية-لم يكن موضوعاً للحكم،و هذان الفرضان خارجان عن موضوع البحث في مبحث الإجزاء. و قد اتّضح بما تلوناه عليك،وقوع الخلط في كلام المحقّق الخراساني رحمه الله و غيره من المتأخّرين في تحرير محلّ البحث،و أنّ التشقيقات التي تكلّفوها (2) ممّا

(2)كفاية الأُصول: 108-109،فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 244-246.


96

لا أساس لها،و لا تغني من الحقّ شيئاً. ثمّ إنّه لو تمّت دلالة أدلّة الاضطرار على‏ أنّه أعمّ من المستوعب فهو،و إلاّ فالأصل هو الاشتغال بلا ريبٍ و لا إشكالٍ;لرجوعه إلى الشكّ في التعيين و التخيير. و إن شئت قلت: لرجوعه إلى الشكّ في سقوط التكليف عن الطبيعة بالإتيان بالفرد الاضطراريّ.

تنبيه:

ما ذكرنا: من كون الإتيان بالفرد الاضطراريّ يقتضي الإجزاء،إنّما هو فيما كان الأمر المتعلّق بالطبيعة باقياً في حال الاضطرار،و دلّت أدلّة الاضطرار على‏ كون الفرد الاضطراريّ في حاله مصداقاً للطبيعة. و بعبارةٍ أُخرى‏: فيما إذا دلّت أدلّة الاضطرار على اتّساع دائرة الطبيعة،و شمولها للفرد الفاقد للجزء أو الشرط،أو الواجد للمانع في حال الاضطرار. و أمّا لو اقتضى الاضطرار رفع الأمر عن الإتيان بالطبيعة عند الاضطرار،فهو خارجٌ عمّا ذكرنا،مثلاً لو حكم قاضي العامّة يوم الثلاثين من شهر رمضان بكونه عيداً،يجب الإفطار بمقتضى التقيّة،كما قال عليه السلام: «أفطر يوماً من شهر رمضان أحبّ إليّ من أن يضرب عنقي»(1) لكن يجب قضاؤه;لأنّ التقيّة تقتضي‏

(1)الكافي 4: 83-9،وسائل الشيعة 7: 95،كتاب الصوم،أبواب ما يمسك عنه الصائم،الباب 57،الحديث‏4.
رفع الأمر عن الصوم في هذا اليوم،لا رفع مفطريّة الأكل و الشرب كما لا يخفى‏.


97

الموضع الثالث في أنّ الإتيان بالمأمور به الظاهريّ هل يقتضي الإجزاء أم لا؟

و قبل الخوض في المقصود،لا بدّ من تنقيح محلّ البحث;حتّى‏ لا يختلط الأمر. فنقول: محلّ الكلام في المقام أيضاً حسبما حرّرنا في الأوامر الاضطراريّة فيما إذا تعلّق أمرٌ بطبيعةٍ،و يكون لها مصداقٌ واقعيّ جامعٌ لكافّة الشرائط و الأجزاء،و فاقدٌ لجميع الموانع،و دلّت أدلّة الأحكام الظاهريّة-أصلاً كانت أو أمارة-على‏ عدم كون شي‏ءٍ جزءاً أو شرطاً أو مانعاً في حال الجهل بالواقع،فهل الإتيان بمصداق الطبيعة-حسب اقتضاء الأدلّة الظاهريّة-يجزي عن المأمور به أم لا؟و أمّا إذا دلّ دليلٌ على‏ وجوب شي‏ءٍ،فأتى‏ به المكلّف،ثمّ تبيّن عدم وجوبه،و إنّما الواجب شي‏ءٌ آخر،فهو خارجٌ عن محطّ البحث،كما لو دلّ الدليل على‏ وجوب صلاة الجمعة في يومها،فصلّى المكلّف صلاة الجمعة،ثمّ تبيّن وجوب الظهر،فإنّ هذا خارجٌ عن بحث الإجزاء;لأنّه لا معنى‏ لكون الإتيان بمتعلّق أمرٍ،مجزياً عن أمرٍ آخر متعلّق بموضع آخر. و كذلك إذا دلّ دليلٌ على‏ عدم وجوب شي‏ءٍ،فلم يأتِ به المكلّف في وقته،ثمّ تبيّن وجوبه،فهو أيضاً خارجٌ عن بحث الإجزاء،و هو ظاهرٌ. فتحصّل من ذلك: أنّ محطّ البحث أنّ الإتيان بالمصداق الظاهريّ للمأمور به،هل يكون مُجزياً عن الأمر المتعلّق بالطبيعة أم لا؟


98

إذا عرفت ذلك فيتمّ الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في الإتيان بالمأمور به حسبما تقتضيه الأُصول الشرعيّة

فاعلم: أنّ المحقّق الخراسانيّ رحمه الله لم يستقصِ جميع الأُصول المنقّحة لموضوع التكليف بلسان تحقّق ما هو شرطه أو شطره،و أمّا الأُصول الحكميّة الجارية في الأجزاء و الشرائط،فغير مذكورةٍ في كلامه. نعم،قد تعرّض في آخر كلامه للأُصول الحكميّة الجارية في أصل التكليف،كصلاة الجمعة و الظهر(1) فلا بدّ لنا من استقصاء الكلام في جميع‏

(1)كفاية الأُصول: 112.
الأُصول و الأمارات. ثمّ اعلم: أنّا نتعرّض أوّلاً لمقام الإثبات;و أنّ مقتضى‏ ملاحظة الأدلّة الواقعيّة المثبتة للأجزاء و الشرائط و الموانع و الأدلّة الظاهريّة بحسب الإثبات ما هو؟ثمّ لو دلّت الأدلّة على الإجزاء إثباتاً نتشبّث بها،إلاّ أن يدلّ دليلٌ عقليّ على الامتناع فنتركها بمقدار دلالته،و نأخذ بالباقي. ثمّ اعلم: أنّ من الأُصول ما تتعرّض لبيان تنقيح الموضوع في الشبهة الموضوعيّة،مثل قاعدة التجاوز و الفراغ. و منها: ما تتعرّض لتنقيح المأمور به في الشبهة الحكميّة،مثل أصالة البراءة المستفادة من مثل حديث الرفع(2) [24].

(2)التوحيد: 353-34،الخصال: 417-9،وسائل الشيعة 11: 295،كتاب الجهاد،أبواب جهاد النفس،الباب 56،الحديث 1.

[24]قد يقال: باختصاص الحديث بالشبهة الحكمية;لأنّ الموضوعات الخارجية غيرمتعلّقة للأحكام،و إنّما هي متعلّقة بنفس العناوين،فرفع حكم عن الموضوعات المشتبهة فرع وضع الحكم لها،و هو ممنوع. و فيه أوّلاً: أنّه منقوض بسائر العناوين;فإنّ الاضطرار و الإكراه إنّما يحصلان في الموضوع،كالطلاق المكره عليه،مع أنّه مشمول للحديث بلا إشكال،كما في صحيح البزنطي. و ثانياً: أنّ الحديث رفع الحكم عن العناوين،كالبيع المكره عليه،و الشرب المضطرّ إليه،و الخمر المجهول حكماً أو موضوعاً،إلاّ أنّ معنى‏ رفع الحكم هو رفع إيجاب الاحتياط،أو رفع الفعلية،أو رفع المؤاخذة،على اختلاف المسالك،و رفع الموضوع كذلك إن لم نقل برفع الحكم عن الموضوع المجهول حقيقة،كما في سائر العناوين،و الظاهر عدم التزامهم به في بعض الموارد. (أنوار الهداية 2: 39-40).


99

و في أمثال هذه الأُصول المنقّحة للمتعلّق و المأمور به مطلقاً،لا إشكال في أنّ الظاهر منها هو الإجزاء;فإنّ الظاهر من قوله: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى‏ فأمضه كما هو»(1) هو البناء على‏ إتيان الجزء المشكوك فيه،و البناء على‏

(1)تهذيب الأحكام 2: 344-1426،وسائل الشيعة 5: 336،كتاب الصلاة،أبواب الخلل الواقع في الصلاة،الباب 23،الحديث 3.
إتيان الشرط المشكوك فيه و عدم المانع المشكوك فيه. و معنى البناء على‏ ذلك،أنّ المصلّي الذي أتى‏ بالصلاة لغرض إسقاط الأمر المتوجّه إليه،و صيرورته مستريحاً من التكليف الإلهيّ و تبعاته،قد صار مستريحاً منه بإتيان هذا الفرد المشكوك فيه من حيث الصحّة بعد التجاوز. و إن شئت قلت: إنّ دليل القاعدة بلسان الحكومة،يدلّ على‏ توسعة المأمور به;بحيث يشمل ذيله هذا الفرد المشكوك فيه و لو كان ناقصاً بحسب الواقع. و هكذا الكلام في مقتضى‏ أدلّة أصالة الطهارة و الحلّية الجاريتين في الشبهات الموضوعيّة،فإنّهما أيضاً ممّا ينقّح الموضوع بلسان الحكومة;فإنّ


100

معنى البناء على الطهارة في اللّباس،هو صحّة إتيان الصلاة به،و كون هذا المأتيّ به هو الصلاة المأمور بها. و هكذا الأُصول الجارية في الشبهات الحكميّة،فإنّها أيضاً كذلك;فإنّ دليل رفع الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة،يدلّ-بلسان الحكومة-على‏ أنّ الصلاة الفاقدة للجزء أو الشرط أو الواجدة للمانع واقعاً لدى الشك،صلاة حقيقةً،و تكون الصلاة في حقّ الشاك هي هذا المأتيّ به;فإنّ مقتضى التعبّد بالبناء على‏ عدم جزئيّة مشكوك الجزء و شرطيّة مشكوك الشرطيّة و مانعيّة مشكوك المانعيّة،هو البناء العمليّ;أي الإتيان بالفرد الناقص،و البناء العمليّ على‏ كونه صلاةً في حقّه،و هذا يدلّ على‏ توسعة المأمور به في زمان الشكّ،و تنزيلِ هذا الفرد منزلة المأمور به التامّ،و هو المقصود من الإجزاء. و بالجملة: جميع أدلّة الأُصول الجارية في الأجزاء و الشرائط و الموانع،حاكمة على الأدلّة الأوليّة،و يكون مفادها توسعة دائرة المأمور به. لا يقال: إنّ ما ذكرت حقٌّ لو لم ينكشف الخلاف،بخلاف ما إذا انكشف;فإنّ قوله: «كلّ شي‏ءٍ نظيفٌ حتّى‏ تعلم أنّه قذرٌ»(1) و قوله: «كلّ ما شككت فيه ممّا

(1)تهذيب الأحكام 1: 284-832،وسائل الشيعة 2: 1054،كتاب الطهارة،أبواب النجاسات،الباب 37،الحديث‏4.
قد مضى‏ فأمضه كما هو»(2) يدلّ على الإجزاء ما دام الشكّ باقياً،و أمّا إذا ارتفع‏

(2)تهذيب الأحكام 2: 344-1426،وسائل الشيعة 5: 336،كتاب الصلاة،أبواب الخلل الواقع في الصلاة،الباب 23،الحديث‏3.
الشكّ،فلا بدّ من إتيان المأمور به على‏ ما هو عليه في نفس الأمر،و بحسب الأدلّة الواقعيّة. فإنّه يقال: لا إشكال في أنّ الشكّ المأخوذ في هذه الأدلّة،هو الشكّ


101

الحادث،سواء كان مستمرّاً أو لا،لا الشكّ المستمرّ إلى‏ آخر العمر;فإنّ التعبّد بالعمل على‏ طبق الأصل مع الشكّ المستمرّ غير ممكنٍ;لأنّ وقت العمل على‏ طبقه هو حين حدوثه،فلا معنى‏ لكون التعبّد بالعمل بالأصل متفرّعاً على الشكّ إلى‏ آخر الوقت أو العمر،فإذا كان كذلك،فلا يضرّ انكشاف الخلاف بما نحن بصدده. بل لا معنى‏ لكشف الخلاف;فإنّ الظاهر من الأدلّة-كما بيّنا-هو كون الفرد الناقص في زمن الشكّ،مصداقاً للمأمور به حقيقةً،فإذا اتّسعت دائرة المأمور به،فلا معنى‏ لكشف الخلاف أصلاً،فتدبّر جيّداً.

المقام الثاني:

في الإتيان بالمأمور به حسبما تقتضيه الأمارات الشرعيّة سواء كانت قائمة على‏ تحقّق الموضوع في الشبهات الموضوعيّة،كما لو قامت البيّنة على‏ إتيان القراءة أو الركوع مثلاً مع الشكّ في الإتيان،أو قامت على‏ طهارة اللّباس،أو كونه من المأكول و المذكّى‏ مع الشكّ فيها. أم كانت قائمة على‏ نفي الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة مع الشكّ في الشبهة الحكميّة،كما لو قام خبر الثقة على‏ عدم جزئيّة السورة،أو على‏ عدم شرطيّة طهارة اللّباس،أو عدم مانعيّة المذكّى‏. و هي أيضاً تدلّ على الإجزاء;فإنّ الأمارات و إن كانت لها جهة الكشف و الطريقيّة عن الواقع بأنفسها،لكن أدلّة اعتبارها تكون بعينها من هذه الجهة مثل أدلّة الأُصول;فإنّ معنى‏ تصديق العادل هو البناء العمليّ على‏ صدقه،و كون خبره مطابقاً للواقع،و الإتيان بالمأمور به على‏ طبق إخباره،فإذا أخبر العدلان بطهارة اللّباس،أو كونه مذكّى‏،فمعنى‏ تصديقهما في عالم التشريع و التعبّد،هو البناء العملي على‏ طبق قولهما،و إتيان المأمور به مع اللّباس المشكوك فيه،


102

و خروج المكلّف عن عهدة التكليف;بإتيان الفرد المشكوك فيه على‏ طبق قولهما،و كذلك الحال في الشبهات الحكميّة بلا تفاوتٍ. و بالجملة: أنّ لسان أدلّة اعتبار الأمارات من هذه الجهة عيناً،لسان أدلّة الأُصول;من البناء التعبّدي على‏ تحقّق المأمور به،و تنقيح الموضوع في عالم التشريع،فهي بلسانها حاكمة على الأدلّة الواقعيّة،و موسّعة لنطاق أفرادها،و دائرة ماهيّاتها[25]. إن قلت: فعلى‏ ما ذكرت من كون مفاد أدلّة اعتبار الأمارات و أدلّة الأُصول هو البناء العملي،و أنّ مفادها واحدٌ لا تفاوت فيه،فلا معنى‏ لحكومة الأمارات على الأُصول،و هو كما ترى‏. قلت: تحكيم بعض الأدلّة على‏ بعضها،أنّما هو ببركة لسان الدليل و كيفيّة أداء مفاده،فربّما يكون مفاد الدليلين من حيث النتيجة واحداً،و لكن يكون لسان أحدهما و كيفيّة أداء المعنى‏،بنحو يكون عند العرف حاكماً و مقدّماً على الآخر. إذا عرفت ذلك نقول: إنّ الأمارات و الأُصول مشتركتان في النتيجة;و هي كون مفادهما البناء العملي على‏ وجود شي‏ء أو عدمه،فلا فرق بين أصل الطهارة و قيام البيّنة عليها من هذه الجهة;فإنّ معنى‏ قوله: «كلّ شي‏ءٍ نظيفٌ»(1) هو

(1)تهذيب الأحكام 1: 284-832،وسائل الشيعة 2: 1054،كتاب الطهارة،أبواب‏النجاسات،الباب 37،الحديث‏4.

[25]هذا الكلام غير تامّ;لأنّ إيجاب تصديق العادل لأجل ثقته و عدم كذبه و إيصال المكلّف إلى الواقع المحفوظ،كما هو كذلك عند العقلاء في الأمارات العقلائية،و لا يفهم العرف و العقلاء من مثل هذا الدليل إلاّ ما هو المركوز في أذهانهم من الأمارات،لا انقلاب الواقع عمّا هو عليه،بخلاف أدلّة الأُصول. و بالجملة: أنّ الإجزاء مع جعل الأمارة و إيجاب العمل على‏ طبقها-لأجل الكشف عن الواقع كما هو شأن الأمارات-متنافيان لدى العرف و العقلاء،هذا من غير فرق فيما ذكرنا بين الأمارات القائمة على الأحكام أو الموضوعات. (مناهج الوصول 1: 316).


103

البناء على الطهارة عملاً،و جواز لبس ما شكّ في طهارته في المشروط بها،كما أنّ مفاد اعتبار دليل البيّنة أيضاً هو البناء العملي على الطهارة،و جواز لبس ما قامت البيّنة على‏ طهارته في المشروط بها،من غير تفرقةٍ بينهما من هذه الجهة. لكن كيفيّة تأديتهما لهذا المعنى‏ مختلفة;فإنّ لسان الأُصول هو البناء على الطهارة لدى الشكّ فيها،فالشّك مأخوذٌ في موضوع الدليل،و أمّا لسان الأمارات فهو البناء على‏ تصديق العادل عملاً،و كون خبره مطابقاً للواقع،و هذا لسان إزالة الشكّ في عالم التشريع،فيكون رافعاً لموضوع الأصل لدى العرف،فيقدّم عليه،و هذا لا ينافي كون مفادهما هو البناء العملي-كما عرفت(1) -.

(1)تقدّم في الصفحة 101.
فإن قلت: لازم ما ذكرت هو تنويع المكلّف;و أنّ تكليف العالم غير تكليف الجاهل،و أنّ الأجزاء و الشرائط و الموانع،أنّما تختصّ بالعالم بها،و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به;فإنّه-مع ورود الدّور في الشبهات الحكميّة-مخالفٌ لظاهر أدلّة الأمارات و الأُصول;فإنّ الظاهر من تشريع التعبّد بشي‏ءٍ و الحكم بالبناء العملي على‏ شي‏ءٍ;هو كونه بحسب الواقع ذا حكمٍ حتّى‏ في زمان الشكّ. مثلاً قوله: «كلّ شي‏ءٍ نظيفٌ»يدلّ على البناء على‏ طهارة اللّباس في زمان الشكّ و جواز الصلاة به،فلو لم تكن الطهارة شرطاً للباس المصلّي حتّى‏ في زمان الشكّ،فلا معنى‏ لهذا التعبّد،فمن نفس هذا الحكم بالبناء على الطهارة،يعلم كون الطهارة شرطاً حتّى‏ في زمان الشكّ فيها،حتّى‏ يصحّ التعبّد. و كذلك ظاهر قوله: «رفع... ما لا يعلمون»(2) أنّ الحكم الموجود بحسب‏

(2)التوحيد: 353-24،الخصال: 417-9،وسائل الشيعة 11: 295،كتاب الجهاد،أبواب جهاد النفس،الباب 56،الحديث‏1.


104

الواقع،و المجهول لدى المكلّف،مرفوعٌ تعبّداً و في عالم التشريع. و قس على‏ ذلك موارد الأمارات و سائر الأُصول;فإنّ ظاهرها كون الحكم الواقعي مطلقاً لمورد الشكّ،و لا يمكن تقييد الأدلّة الواقعيّة بالأدلّة الظاهريّة;فإنّ المقيّد و المطلق لا بدّ و أن يردا على‏ موضوعٍ واحدٍ،فإنّهما من أقسام التعارض و إن كان أحدهما مقدّماً-بحسب الظهور-على الآخر;لأنّ دليل المطلق ظاهرٌ في كونه تمام الموضوع للحكم،و دليلَ المقيّد ظاهرٌ في دخالة القيد فيتعارضان،لكن ظهور المقيّد في دخالة القيد أقوى‏ من ظهور المطلق في تماميّة الموضوعيّة،فيقدّم عليه. و بالجملة: أنّ المطلق و المقيّد لا بدّ و أن يردا على‏ موضوعٍ واحدٍ حتّى‏ يتحقّق التعارض،و لمّا كانت أدلّة الأحكام الظاهريّة في طول الأحكام الواقعيّة،و متأخرة عنها برتبتين-لأنّ الشكّ فيها مأخوذ في موضوعها-فلا يمكن تقييدها بها;لعدم ورودهما على‏ موضوعٍ واحدٍ،و لا يمكن تجافي أحدهما عن موطنه. قلت: لا محيص عمّا ذكرت;فإنّه حقٌّ لا مرية فيه،إلاّ أنّه مع ذلك يكون بين الأدلّة الواقعيّة و الظاهريّة تنافٍ و تعارض لا بدّ من رفعه;فإنّ الزجر الفعلي عن شرب الخمر مثلاً حتّى‏ في زمان الشكّ،مع الترخيص الفعلي بشربه،متنافيان،و كذلك الأمر الفعلي بإتيان الجزء و الشرط مع الترخيص الفعلي لدى الشكّ متنافيان،و لا مناص إلاّ بالالتزام بكون الأحكام الواقعيّة إنشائيّة;بمعنى‏ أنّ الحكم المنشإ يكون مطلقاً شاملاً لحال العلم و الجهل،لئلاّ يلزم الدّور المستحيل. و لكن فعليّة الحكم تكون مختصّةً بحال العلم;جمعاً بين الأدلّة الواقعيّة و الظاهريّة،و لا يمكن الالتزام بفعليّة الأحكام الواقعيّة[26].

[26]لا إشكال في عدم اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم بها،كما أنّ الخطابات الشرعية


105

...........

متعلّقة بعناوين محفوظة في حال العلم و الجهل،فإنّ الحرمة قد تعلّقت بذات الخمر،و الوجوب تعلّق بذات الصلاة من غير تقيّد بالعلم و الجهل،فهي بحسب المفاد شاملة للعالم و الجاهل،كما لا يخفى‏. فالخطابات-كما عرفت-و إن لم تكن مقيّدة بحال العلم،و لا مختصّة بالعالم بها،و لكن هنا أمر آخر،و هو: أنّ الخطابات أنّما تتعلّق بالعناوين و تتوجّه إلى المكلّفين;لغرض انبعاثهم نحو المأمور به،و لتحريكها إيّاهم نحوه،و لا إشكال في أنّ التكليف و الخطاب بحسب وجوده الواقعي لا يمكن أن يكون باعثاً و زاجراً;لامتناع محرّكية المجهول،و هذا واضح جدّاً. فالتكاليف أنّما تتعلّق بالعناوين و تتوجّه إلى المكلّفين;لكي يعلموا فيعملوا،فالعلم شرط عقلي للباعثية و التحريك،فلمّا كان انبعاث الجاهل غير ممكن،فلا محالة تكون الإرادة قاصرة عن شمول الجاهلين،فتصير الخطابات بالنسبة إليهم أحكاماً إنشائية. و إن شئت قلت: إنّ لفعلية التكليف مرتبتين: إحداهما: الفعلية التي هي قبل العلم،و هي بمعنى‏ تمامية الجهات التي من قبل المولى‏،و إنّما النقصان في الجهات التي من قبل المكلّف،فإذا ارتفعت الموانع التي من قبل العبد،يصير التكليف تامّ الفعلية،و تنجّز عليه. و ثانيتهما: الفعلية التي هي بعد العلم و بعد رفع سائر الموانع التي تكون من قبل العبد،و هو التكليف الفعلي التامّ المنجّز. (أنوار الهداية 1: 199-200). إذا عرفت ما ذكرنا من المقدّمات سهل لك سبيل الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية;فإنّه لا بدّ من الالتزام بأنّ التكاليف الواقعية مطلقاً سواء كانت في موارد قيام الطرق و الأمارات،أو في موارد الأُصول مطلقاً،فعلية بمعناها الذي قبل تعلّق العلم،و لا إشكال في أنّ البعث و الزجر الفعليين غير محقّقين في موارد الجهل بها;لامتناع البعث و التحريك الفعليين بالنسبة إلى القاصرين،فالتكاليف بحقائقها الإنشائية و الفعلية التي من قبل المولى‏-بالمعنى الذي أشرنا إليه-تعمّ جميع المكلّفين،و لا تكون مختصّة بطائفة دون طائفة،لكن الإرادة قاصرة عن البعث و الزجر الفعلي بالنسبة إلى القاصرين.

فإذا كان التكليف قاصراً عن البعث و الزجر الفعليين بالنسبة إليهم،فلا بأس بالترخيص الفعلي على‏ خلافها،و لا امتناع فيه أصلاً،و لا يلزم منه اجتماع الضدّين أو النقيضين أو المثلين و أمثالها. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الأحكام الواقعية و الخطابات الأوّلية-بحسب الإنشاء و الجعل،و بحسب الفعلية التي قبل العلم-عامّة لكلّية المكلّفين جاهلين كانوا أو عالمين،لكنّها قاصرة عن البعث و الزجر الفعليين بالنسبة إلى الجهّال منهم،ففي هذه المرتبة التي هي مرتبة جريان الأصل العقلي،لا بأس في جعل الترخيص. (أنوار الهداية 1: 199-200).


106

بل كلّ مَنْ تصدّى‏ للجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة،لا مناص له من ذلك،و المحقّق الخراساني رحمه الله،القائل: بجعل العذر لدى التخلّف أيضاً(1) لا

(1)كفاية الأُصول: 319.
مناص له من القول بشأنيّة الأحكام;فإنّه مع فعليّة الحكم لا معنى‏ لجعل العذر أصلاً كما لا يخفى‏.
تذييلٌ استطراديّ: الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة

و حيث انجرّ الكلام إلى‏ كيفيّة الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة،لا بأس بصرف عنان الكلام إليها على‏ سبيل الاختصار. فنقول: محصّل الكلام فيها،أنّه لا إشكال في عدم إمكان تعلّق الحكم بالعالم به;فإنّ العلم بالشي‏ء يتوقّف على‏ تحصّل الشي‏ء و تحقّقه بالضرورة،فما لا وجود له أصلاً لا يمكن تعلّق العلم به،فالحكم لا بدّ و أن يكون متحقّقاً حتّى‏ يتعلّق به العلم،فالعلم بالحكم يتوقّف على الحكم،و تعلّق الحكم بالعالم به لا بدّ و أن يتوقّف على العلم به;لأنّ عنوان«العالم بالحكم»لا يتحقّق إلاّ بتحقّق العلم به،فالعلم يتوقّف على الحكم،و الحكم على العلم،و هذا دورٌ واضحٌ. فلا بدّ و أن يتعلّق الحكم بعنوانٍ آخر ذاتيّ أو عَرَضيّ،مثل: «أيّها الناس»أو


107

«أيّها المؤمنون»و يكون متعلّق الحكم نفس العنوان بلا تقيّدٍ بحال العلم و الجهل،و هذا لا إشكال فيه. كما أنّه لا إشكال في أنّ الأوامر و النواهي الصادرة من كلّ متكلّمٍ آمرٍ،أنّما تصدر لغرض انبعاث المكلّف نحو العمل،و الانبعاث بها نحوه لا يمكن إلاّ بعد العلم بالأوامر و النواهي;لأنّ العلم بها في سلسلة علل الانبعاث،فإذا علم المكلّف أوامر المولى‏;و أنّ موافقتها موجبة لآثار و خواصّ مطلوبة،و مخالفتها مورثة لنكال و عقوبة،يشتاق إلى‏ موافقتها،و يشتدّ الشوق إليها،و يتحقّق الجزم و العزم و الإرادة،فينبعث نحو العمل،و أمّا الجاهل بها فلا يمكن أن ينبعث و يتحرّك بها. و أمّا الانبعاث في محتمل الوجوب و الحرمة احتياطاً،فلا يكون بباعثيّة الأمر الواقعيّ و نهيه إذا كانا موجودين واقعاً،بل بواسطة احتمال الأمر و النهي،سواء كان أمر و نهي في الواقع أو لا،فوجوبهما و عدمهما-بحسب الواقع-على السواء،و نسبتهما إلى الإتيان و اللاّ إتيان سواء،و ما كان كذلك لا يمكن أن يكون باعثاً،فباعثيّة الأوامر و النواهي لا تمكن إلاّ بعد العلم بهما. فإذا كان الأمر كذلك،فلا بدّ و أن تكون إرادة المولى‏ في الأوامر و النواهي،مقصورةً على العالمين بها قهراً و من باب الاضطرار،و إن كان غرضه متعلّقاً بالأعمّ،و خطابه متعلّقاً بعنوانٍ شامل للعالم و الجاهل،لكنّ الخطاب لمّا كان لغرض الانبعاث،و هو لا يحصل إلاّ من العالم به،و لا يمكن الانبعاث بالنسبة إلى الجاهل به،فلا محالة تكون إرادته قاصرة عن شمول الجاهل،و مقصورة على العالم. و لو تعلّق غرضه بعدم مخالفة أمره الواقعيّ مطلقاً،فلا بدّ له من إيجاب الاحتياط بخطابٍ آخر طريقيّ;لغرض حفظ المأمور به بالأمر الأوّلي عن


108

المخالفة،حتّى‏ يعلم المكلّف هذا الخطاب الاحتياطيّ،فينبعث نحو الاحتياط. و لا يخفى‏: أنّ إيجاب الاحتياط في الشبهات التحريميّة و الوجوبيّة،موجبٌ للعسر الشديد زائداً عمّا تقتضيه ذات التكليف،و لهذا ما أوجب الشارع الاحتياط;لمصلحة التسهيل،و الأوامر الواقعيّة الأوّلية لا تصلح للباعثيّة إلاّ للعالم و نحو المعلوم،لا الشاكّ و نحو المجهول-كما عرفت-. و هذا طريق الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة،فتدبّر تعرف. إن قلت: إنّ ما ذكرت هو التصويب المُجمع على‏ بطلانه;فإنّ الإجماع قائمٌ على اشتراك التكليف بين العالم و الجاهل(1) .

(1)عُدّة الأُصول 2: 725-726،تمهيد القواعد: 322.
قلت: مناط حجّية الإجماع عندنا هو الكشف عن رأي الحجّة;فإنّ اتّفاق الفقهاء و المحدّثين خلفاً بعد سلفٍ على المسائل التي لا سبيل للعقل إليها،يكشف كشفاً قطعيّاً عن رأي الحجّة،و هذا المناط ليس بمتحقّقٍ في هذه المسألة;لأنّ أوّل من تعرّض للمسائل الأُصوليّة و جمع شتاتها من أصحابنا،هو شيخ الطائفة في كتاب«العُدَّة»فإنّ«ذريعة»السيّد و إن كانت متقدّمة عليها،لكنّها غير متعرّضةٍ إلاّ لعدّة مسائل محصورة بنحو الاختصار،و أمّا«العُدَّة»فهي مشتملة على‏ نوع المسائل الأُصوليّة. و الشيخ رحمه الله لمّا تعرّض لهذه المسألة،نقل إجماع المتكلّمين خلفاً عن سلفٍ على اشتراك التكليف(2) و إجماعهم لا يكشف عن وجود النصّ المعتبر،أو

(2)عُدَّة الأُصول 2: 725-726.
عن رأي الحجّة،فالمسألة إذن عقليّة صرفة،لا تكون إجماعيّة بالمعنى المصطلح.


109

فما قام الدليل العقليّ عليه،هو اختصاص العالم بالخطاب-كما عرفت(1) -و أمّا كون الأحكام في صورة الجهل إنشائيّة غير فعليّةٍ،فلا مناص‏

(1)تقدّم في الصفحة 107.
منه،و لا دليل عقلاً و لا نقلاً على‏ خلافه. هذا،فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ ظاهر أدلّة الأُصول و الأمارات،في مشكوك الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة،و فيما هو مشكوك التحقّق و قام الدليل على‏ تحقّقه;هو الإجزاء[27]،و توسعة دائرة المأمور به في حال الشكّ-كما عرفت(2) -و لا دليل عقلاً أو نقلاً على‏ خلاف ذلك الظاهر،فلا بدّ من الأخذ به حتّى‏

(2)تقدّم في الصفحة 98-102.
يقوم دليلٌ على‏ خلافه في المسائل الفرعيّة،التي محلّها الكتب الفقهيّة.

[27]التحقيق: هو عدم الإجزاء في الأمارات مطلقاً،و الإجزاء في الأُصول مطلقاً. (مناهج الوصول 1: 315-317).


111

المطلب الرابع في مقدّمة الواجب‏

و هي كلّ ما يتوقّف عليه الواجب في تحقّقه،و يحتاج إليه في وجوده،و قبل الخوض في المقصود

نقدّم أُموراً تبعاً للقوم:

الأمر الأوّل: في عدم كون المسألة أُصولية

المبحوث عنه في هذه المسألة و إن كان هو الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب ما يتوقّف عليه‏[28]،لكن مع ذلك لا تكون المسألة أُصوليّة،بل هي من‏

[28]إنّ ما يمكن أن يقع محلّ البحث أحد أمرين: الأوّل: أنّه هل تكون ملازمة بين إرادة بعث المولى‏ عبده نحو ذي المقدّمة،و بين إرادة بعثه نحو ما يراه مقدّمة،أو لا،أو تكون ملازمة بين إرادتهما أو لا؟و أمّا البحث عن الملازمة بين إرادة ذي المقدّمة و إرادة المقدّمة الواقعيّة بالحمل الشائع،فساقط; ضرورة عدم تعقّل الملازمة بينهما;لعدم تعلّق الإرادة بالواقع من غير تشخيص مقدّميته،و عدم إمكان تحقّق الملازمة بين الموجود و المعدوم. الثاني: أن يقع النزاع في الملازمة العقلية بين وجوب ذي المقدّمة أو الإرادة المتعلّقةبه،و بين وجوب عنوان ما يتوقّف عليه ذو المقدّمة،أو عنوان ما يتوصّل به إليه،أو الإرادة المتعلّقة بأحد العنوانين. و هذا يصحّ بناء على‏ تعلّق الوجوب بأحد العنوانين،و تكون حيثية التوقّف أو التوصّل حيثية تقييدية،كما هو التحقيق في الأحكام العقلية،و أمّا بناءً على‏ تعلّق الوجوب بذات المقدّمة،و ما يتوقّف عليه ذو المقدّمة بالحمل الشائع،و عدم رجوع الحيثيات التعليلية إلى التقييدية-كما يظهر من بعضهم-فلا محيص عن الوجه الأوّل. ثمّ إنّ ما ذكرنا من إمكان تخلّف الواقع عن تشخيص المريد في الوجه الأوّل،أنّما هو في غير الشارع،و أمّا فيه فلا يمكن التخلّف،كما هو واضح،و في الموالي العرفية إذا رأى المأمور تخلّف إرادة الآمر عن الواقع لسوء تشخيصه،لا يلزم-بل لا يجوز في بعض الأحيان-اتّباعه،بل يجب عليه تحصيل غرضه بعد العلم به. (مناهج الوصول 1: 325-326).


112

المبادئ الأحكاميّة،و قد حقّقنا في محلّه الفرق بين المسائل الأُصوليّة و غيرها،و وجه امتياز مسائل العلوم بعضها عن بعض(1) فالمسألة ليست أُصوليّة

(1)تقدّم في الصفحة 17-20.
على‏ ما حقّقنا[29].

[29]و أمّا كونها مسألة أُصولية فلا شكّ أنّها كذلك;لما وقفت في مقدّمة الكتاب على‏ ميزانها من أنّها عبارة: عن القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى‏ لاستنتاج الحكم الفرعي الإلهي،أو الوظيفة العملية،فحينئذٍ،لو ثبت وجود الملازمة،يستكشف منها وجوب مقدّمات الصلاة و غيرها;لأنّ البحث عن وجود الملازمة ليس لأجل الاطّلاع على‏ حقيقة من الحقائق،حتّى‏ يصير البحث فلسفياً،بل لأنّها ممّا ينظر بها إلى‏ مسائل و فروع هي المنظور فيها،و لا نعني من الأُصولية غير هذا. (تهذيب الأُصول 1: 156). و ربّما يقال: إنّها من المبادئ الأحكامية و إن كان البحث عن الملازمة;لأنّ موضوع الأُصول هو الحجّة في الفقه،و البحث إذا كان عن حجّية شي‏ء يكون من العوارض،فيبحث في الخبر الواحد عن أنّه حجّة في الفقه أو لا،و كذا سائر المسائل،فعليه يكون‏البحث عن الملازمات خارجاً عن المسألة الأُصولية;لعدم كون البحث في الحجّة في الفقه. و فيه: ما عرفت في محلّه-بما لا مزيد عليه-من عدم تطبيق ما ذكر و ما ذكروا في موضوع العلوم و مسائلها على الواقع،هذا هو الفقه،فقد جعلوا موضوعه أعمال المكلّفين،و ادّعوا أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية،مع أنّ مسائل الفقه ليست كذلك،حتّى الأحكام التكليفية;فإنّها ليست من العوارض،حتّى‏ يقال: إنّها أعراض ذاتية،و لو سلّم فيها فكثير من مباحث الفقه لا ينطبق عليها هذا العنوان،كالنجاسات و الطهارات و أبواب الضمان و أمثالها،و إن ترجع بالأخرة إلى‏ ثمرة عملية،و بالجملة: فالمسألة على‏ ما ذكرنا من الضابط،أُصولية. (مناهج الوصول 1: 328-329).


113

الأمر الثاني: تقسيمات المقدّمة

لمّا كان عنوان البحث في مقدّمة الواجب;هو أنّ مقدّمة الواجب هل هي واجبة أم لا؟جرت عادة الأُصوليّين على البحث عن المقدّمة و تقسّماتها،و الواجب و تقسّماته،و المحصّل أنّ للمقدّمة تقسّمات:

منها: تقسيمها إلى الداخليّة و الخارجيّة

منها: إلى الداخليّة;و هي الأجزاء المأخوذة في ماهيّة المأمور به،و الخارجيّة;و هي الأُمور الخارجة عنها،ممّا يتوقّف وجودها عليها،و لا توجد بدونها. و ربّما يقال: إنّ الأجزاء بالأسر عين المركّب في المقدّمات الداخليّة(1) .

(1)الفصول الغرويّة: 86-السطر 25،كفاية الأُصول: 115.
فيستشكل تارة: بأنّ ذا المقدّمة يحتاج إلى المقدّمات،و الاحتياج نحو


114

إضافةٍ بين الشيئين،و لا يعقل أن يكون المحتاج عين المحتاج إليه(1) .

(1)اُنظر نهاية الأفكار 1: 262-263.
و أُخرى‏: بأنّ المتوقّف عليه لا بدّ و أن يكون مقدّماً على‏ ما يتوقّف عليه،و الشي‏ء الواحد لا يعقل أن يكون متوقِّفاً و متوقَّفاً عليه;للزوم الدّور(2) .

(2)قوانين الأُصول 1: 108(حاشية المحقّق السيّد علي القزويني).
و لعلّ هذا الإشكال مأخوذٌ من الإشكال المعروف في فنّ المعقول;و هو أنّ العلّة التامّة بجميع أجزائها،لا بدّ و أن تكون متقدّمة على‏ معلولها،مع أنّ المادّة و الصورة من أجزائها،و هما عين الماهيّة المركّبة منهما(3) .

(3)اُنظر الحكمة المتعالية 2: 189-190 مع تعليقة الحكيم السبزواري عليه،و شرح المنظومة،قسم الحكمة: 104-السطر الأوّل.
و الجواب: أنّ المركّبات الاعتباريّة عبارة عن عدّة أُمور متكثّرة حقيقةً،اعتبرت بنعت الوحدة في جهة من الجهات،كاشتراكها في تحصيل الغرض مثلاً،فالكثرة في المركّبات الاعتباريّة حقيقيّة،و الوحدة اعتباريّة. كما أنّ الأمر بعكس ذلك في المركّبات الحقيقيّة التي لها وحدةٌ حقيقيّة،فإنّه قد تكون الكثرة اعتباريّة،و الوحدة حقيقيّة،كاعتبار الكثرة في الماهيّة الواحدة. و بالجملة: ما لم تعتبر في الأُمور المتكثّرة المتحقّقة بوجودات متعدّدة وحدة،لا يصير المجموع مركّباً،و لا الكثرات أجزاءه. فإذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ المركّب في المركّب الاعتباريّ،عبارة عن الأجزاء بالأسر مع اعتبار الوحدة فيها،و هذا هو ذو المقدّمة،و المقدّمة عبارة عن كلّ واحدٍ واحدٍ من الأجزاء،فالعسكر مثلاً عبارة عن عدّة أفراد تعتبر فيها الوحدة،و كلّ واحدٍ واحدٍ من الأفراد مقدّمة له،فذو المقدّمة الأجزاء بالأسر


115

مع اعتبار الوحدة،و المقدّمة هي كلّ واحدٍ واحدٍ من الأجزاء و الأفراد. لا يقال: فإذا كان كلّ واحدٍ من الأجزاء مقدّمة،فالمجموع يصير مقدّمة،مع أنّه عين المركّب،فلا محالة يكون الاختلاف بينهما اعتباريّاً. فإنّه يقال: كلاّ،فإنّ المجموع مقدّمات متكثّرة،لا مقدّمة واحدة حتّى‏ يرد الإشكال،كما أنّ كون كلّ واحد من زيد و عمرو و بكر إنساناً لا يلزم أن يكون المجموع منهم إنساناً واحداً،بل أناسيَّ كثيرة،فإنّ الكثير ليس موجوداً على‏ حِدة [مغايراً] لوجود المتكثّرات. أ لا ترى‏: أنّه يصدق على‏ كلّ واحد من أجزاء المركّب: «أنّه بعض المركّب»و لا يصدق على‏ جميعها: «أنّه بعض المركّب»و يصدق: «أنّها أبعاض بنحو الكثرة و نعت العموم الأفراديّ». فقد علم ممّا ذكرنا: أنّ المركّب غير الأجزاء حقيقة;فإنّ المركّب أمر وحدانيّ بالوحدة الاعتباريّة،و الأجزاء-و هي المقدّمات-أُمور متكثّرة،موجودة بالوجودات الحقيقيّة. و من هذا ظهر الخلل في ما أفاده المحقّق الخراساني و غيره: من أنّ الاختلاف بين المقدّمات و ذيها بالاعتبار;و أنّ الأجزاء بالأسر هي المقدّمة،و بشرط الاجتماع هي ذوها(1) .

(1)كفاية الأُصول: 115،مقالات الأُصول 1: 291.
ثمّ اعلم: أنّ الوجوب المتعلّق بالمركّب هو وجوبٌ وحدانيّ منبسطٌ على الأجزاء،و باعتبار انبساطه عليها يعتبر فيه الأبعاض،فالوجوب واحد حقيقيّ،و الأبعاض كثيرة اعتباراً،و كلّ بعض متعلّق بجزء من الأجزاء،و الأجزاء واجبة بعين وجوب المركّب،لكن بالمعنى الذي ذكرنا;أي يعتبر فيه أبعاض كثيرة حسب كثرة الأجزاء،فكلّ جزء تمام المتعلَّق لبعض الوجوب،و بعض المتعلق


116

لنفس الوجوب‏[30]. و من هذا يظهر فساد احتمالات أُخر(1)

(1)مجموع الاحتمالات سبعة على‏ ما في حاشية المحقّق المشكيني على‏ كفاية الأُصول 1: 140.
: من كون الأجزاء واجبةً بالوجوب الغيريّ فقط،أو النفسيّ فقط إن أريد منه كون كلّ جزء متعلَّقاً لتمام الوجوب،أو هما معاً. و أسخف الأقوال هو الأوّل;فإنّ وجوب المقدّمة يترشّح من وجوب‏

[30]لا إشكال في أنّ المركّبات المتعلّقة للأوامر كالصلاة-مثلاً-موضوعات وحدانية و لو في الاعتبار،و لها أمر واحد من غير أن ينحلّ إلى‏ أوامر عديدة،لا في الموضوعات المركّبة و لا في المقيّدة،فلا فرق بينهما و بين الموضوعات البسيطة في ناحية الأمر. فالأمر بعث وحداني،سواء تعلّق بالمركّب أو البسيط،فلا ينحلّ الأمر إلى‏ أوامر،و لا الإرادة إلى‏ إرادات كثيرة،فالانحلال في ناحية الموضوع،لكنّ الموضوع المركّب لمّا كان تحقّقه بإيجاد الأجزاء،يكون الإتيان بكلّ جزء جزء بعين الدعوة إلى الكلّ،و الأجزاء مبعوث إليها بعين البعث إلى المركّب،فكلّ جزء يأتي به المكلّف،امتثال للأمر المتعلّق بالمركّب. فإذا قال المولى‏ لعبده: «ابن مسجداً»،و شرع في بنائه،لا يكون المأمور به إلاّ واحداً و الامتثال كذلك،لكن كيفية امتثاله بإيجاد أجزائه،فلا تكون الأجزاء غير مدعوّ إليها رأساً،و لا مدعوّاً إليها بدعوة خاصّة بها;بحيث تكون الدعوة منحلّة إلى الدعوات. بل ما يكون مطابقاً للبرهان و الوجدان أنّها مدعوّ إليها بعين دعوة المركّب،فالأمر واحد و المتعلّق واحد;فإنّ الصلاة المتقيّدة بقصد الامتثال متعلّقة للأمر،فنفس الصلاة المأتي بها أنّما تكون مدعوّاً إليها بعين دعوة الأمر المتعلّق بالمقيّد،لا بأمر متعلّق بنفسها،و هذا كافٍ في تحقّق الإطاعة،فإذا علم العبد أنّ الأمر متعلّق بالصلاة بداعي امتثال أمرها،و يرى‏ أنّ الإتيان بها بداعوية ذلك الأمر موجب لتحقّق المأمور به بجميع قيوده،فلا محالة يأتي بها كذلك،و يكون ممتثلاً لدى العقلاء. (مناهج الوصول 1: 267-268).


117

ذيها[31]،فإذا لم يكن للأجزاء وجوب نفسيّ،فمن أين يترشّح الوجوب الغيري؟!

منها: تقسيمها إلى‏ مقدّمة الوجوب،و الواجب،و الصحّة،و العلم‏

لا إشكال في خروج مقدّمة الوجوب عن حريم النزاع;لتوقّف وجوب ذي المقدّمة على‏ وجودها،فلا يُعقل وجوبها من قِبَل وجوبه. و مقدّمة الصحّة ترجع إلى‏ مقدّمة الوجود و لو على القول بالأعمّ;لتعلّق الوجوب بالصحيح لا الأعمّ. و المقدّمات العلميّة أيضاً خارجة عن حريم النزاع;لعدم ترشّح الوجوب عليها من الواجب في البين.

منها: تقسيمها إلى السبب،و الشرط،و عدم المانع،و المُعدّ

و عُرِّف السبب: بما يلزم من وجوده الوجود،و من عدمه العدم(1)

(1)شرح المولى‏ صالح المازندراني على المعالم: 78-السطر 1،و أضاف المحقّق القمّي‏1 في قوانين الأُصول 1: 100-السطر 11 قيد«لذاته»إلى‏ آخر التعريف.
. و هذا ينطبق على العلّة التامّة،و أخصّ من المقتضي.

[31]و معنى‏ تبعية إرادة المقدّمة لذي المقدّمة ليس نشوؤها و تولّدها منها;بحيث تكون إرادة ذي المقدّمة موجدة لإرادتها،كما هو ظاهر تعبيراتهم،بل معناها أنّ الفاعل بعد تشخيص التوقّف يريد المقدّمة بعد تحقّق مبادئها;لأجل تحصيل ذي المقدّمة،لا لنفسها. (مناهج الوصول 1: 324). فالإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة لم تكن مبدأ للإرادة المتعلّقة بالمقدّمة بنحو النشؤ و الرشح و الإيجاد،و إذا كان حال الإرادات كذلك،فالوجوب أسوأ حالاً;لأنّه ينتزع من تعلّق البعث بالشي‏ء،و لا يعقل أن يترشّح بعث من بعث آخر،كما هو واضح. (مناهج الوصول 1: 335).


118

و الأولى‏ أن يقال: إنّ ما يتوقّف عليه الشي‏ء إمّا أن يكون ما منه الوجود،و هو الذي يكون المعلول أثرَهُ و مقتضاه،و هو السبب و المقتضي;أو لا يكون منه الوجود،بل يكون به الوجود. و هو إمّا يكون بوجوده دخيلاً في تحقّق المعلول،أو بعدمه،أو بوجوده و عدمه،فالأوّل الشرط،و الثاني المانع،و الثالث المُعدّ. و لا يخفى‏: أنّ المقصود من كون العدم دخيلاً،هو مضادّة وجود المانع و ممانعته للوجود،و لمّا كان كذلك يقال: إنّ عدمه دخيل،و إلاّ فليس العدم دخيلاً حقيقة في شي‏ء. كما أنّ المراد من كون العدم و الوجود دخيلين في المُعِدّ-مثل الأقدام لتحقّق الكون على السطح;فإنّها بوجودها و عدمها تكون معدّة-هو أنّ الحركة بوجودها الاستمراريّ مُعِدّة،لا أنّ العدم دخيل. و في الحقيقة: أنّ الشرط إن كان من قبيل الحركة يقال له: المُعِدّ. و يمكن إرجاع غير السبب إلى الشرط،و الأمر سهل. ثمّ إنّه قد وقع بينهم نزاع في السبب و المسبّب في الأفعال التوليديّة-مثل حركة اليد و المفتاح و فتح الباب-غير نزاع وجوب المقدّمة،و هو أنّ الأمر المتعلّق بالمسبَّب بحسب ظاهر الدليل هل هو أمرٌ بسببه لُبّاً و حقيقةً،أم لا،أو يُفصَّل بين الأسباب التي تكون آلة لإيصال قوّة الفاعل إلى المسبَّب،كحركة اليد و المفتاح،و بين غيرها،كالإحراق و الإلقاء في المسبعة(1) ؟

(1)أوائل المقالات: 125،الموافقات في الأُصول الشريعة 1: 193 و ما بعدها،درر الفوائد،المحقّق الحائري: 119-122.
و تحقيق الحال يحتاج إلى‏ مقدّمة: هي أنّه لا إشكال في أنّ الإرادة سببٌ لوجود المسبّب التوليدي،لكنّ السبب الذي هو محلّ الكلام هو الفعل الصادر من الإرادة لا نفسها،فإذا صدرت حركة اليد من إرادة الفاعل،و ترتّبت عليها حركة المفتاح،و ترتّب عليها فتح الباب،تحقّقت أُمور ثلاثة:


119

أحدها: الحركة القائمة باليد. الثاني: الحركة القائمة بالمفتاح. الثالث: فتح الباب. فقد تتعلّق إرادة الفاعل استقلالاً و أوّلاً و بالذات بفتح الباب،و قد تتعلّق بحركة المفتاح مثل أن يتعلّق غرضه بامتحان المفتاح،و قد تتعلّق بحركة اليد مثل أن يتعلّق غرضه بامتحان قوّة يده،فيحرّكها فيترتّب على‏ حركتها حركة المفتاح،و عليها فتح الباب. فهاهنا وجودات ثلاثة،و إيجادات ثلاثة;لأنّ الإيجاد و الوجود واحد حقيقة،متكثّر اعتباراً;لأنّ الوجود إذا اعتبر في نفسه [فهو] وجود،و إذا اعتبر انتسابه الصدوري [إلى‏] الفاعل [فهو] إيجاد،فلا يمكن أن يكون الوجود متعدِّداً،و الإيجاد واحداً،بل هما في الوحدة و التعدّد متكافئان. لكن مع كونها وجودات و إيجادات،يكون انتسابها إلى الفاعل بواسطة الإرادة الواحدة،المتعلّقة بأقدم الأسباب;أي الفعل المباشريّ،فحركة اليد متعلَّقة للإرادة بلا واسطة،و حركة المفتاح و فتح الباب منتسبان إليها مع الواسطة،لا أنّ هاهنا إرادات ثلاثة مستقلّة،بل إرادة واحدة متعلِّقة بالفعل المباشريّ،و بالفعل التوليديّ بواسطته،و بالمولَّد عن التوليديّ بواسطة التوليدي... إلى‏ آخر الأسباب و المسبّبات. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّه قد استدلّ القائلون بلزوم صَرف التكاليف المتعلِّقة بالمسبَّبات إلى‏ أسبابها: تارة: بعدم مقدوريّة المسبّبات(1) .

(1)الموافقات في أُصول الشريعة 1: 191-193.
و فيه: أنّ المقدور مع الواسطة مقدور.


120

و تارة: بأنّ التكليف لا بدّ و أن يتعلّق بالفعل الصادر من المكلّف،و ما هو صادرٌ منه هو السبب المباشريّ،دون غيره من الأسباب و المسبّبات المتأخّرة عنه(1) .

(1)اُنظر درر الفوائد،المحقّق الحائري: 20.
و فيه: أنّه إن أُريد من الفعل الصادر منه ما هو صادر بلا واسطة،فالكبرى‏ ممنوعة;لعدم الدليل عليها،بل الضرورة قاضية بأنّ التكليف يحسن تعلّقه بما هو فعل اختياري له و لو مع الواسطة. و إن أُريد منه ما هو صادر مطلقاً،فالصغرى‏ ممنوعة;لقضاء الضرورة بصدور كلٍّ من الأسباب و المسبّبات منه اختياراً. و منه يظهر الخلل في المؤيّد الذي ذكروه: و هو أنّ الفاعل بعد إصدار الفعل المباشريّ قد يموت قبل تحقّق الفعل التوليديّ،كما لو فرض موت الرامي قبل إصابة السهم الغرض،فانتساب الفعل إلى‏ الرامي انتساب إلى الميّت،و هو باطل بالضرورة(2) .

(2)نفس المصدر: 120.
و فيه: أنّ الانتساب إليه أنّما هو بصدور الرمي منه و هو في حال حياته،و أمّا المسبّب فلا يكون بإرادة مستقلّة،و لا بقوّة فاعلة أُخرى‏،و هو واضح. فاتّضح من ذلك: أنّه لا وجه لصرف ظاهر الأدلّة الدالّة على‏ تعلّق التكليف بالمسبّبات;ضرورة صحّة التكليف بها،كما يصحّ بالأسباب. و ممّا ذكرنا يعلم: أنّ مقارنة الأسباب و المسبّبات زماناً غير لازم،بل يمكن انفكاكهما،كما أنّ التأخّر الزمانيّ أيضاً غير لازم،نعم التأخّر الرتبيّ للمسبّب-قضاءً لحقّ المعلوليّة-لازم. هذا حال الأسباب و المسبّبات التوليديّة من الفواعل الطبيعيّة الواقعة في


121

عمود الزمان. و أمّا الأسباب و المسبّبات في الفواعل الإلهيّة-التي يتقوّم المسبّب [فيها] بالسبب،و يكون المسبّب عين التعلّق بسببه-فلا يمكن انفكاكهما زماناً،كما لا يمكن الانفكاك بين العلّة التامّة و معلولها مطلقاً.

منها: تقسيمها إلى المقارن و المتقدّم و المتأخّر

و قد استشكل في الأخيرين: بأنّ المقارنة بين أجزاء العلّة و معلولها لازمة;لاستحالة تأخّر العلّة عن المعلول،و كذلك تقدّمها عليه،فأشكل الأمرُ في المقدّمة المتأخّرة كالأغسال الليليّة المعتبرة في صحّة صوم المستحاضة عند بعضٍ(1) و كالإجازة في صحّة العقد على الكشف،(2) و في المقدّمة

(1)اُنظر مفتاح الكرامة 1: 397.

(2)اُنظر مفتاح الكرامة 4: 184-185،المكاسب،الشيخ الأنصاري: 133-السطر 19.
المتقدّمة أيضاً كالشرائط و المقتضيات و المتصرّمات زماناً،و المتقضيّة أجزاؤها;لعدم بقائها حين العقد بجميع أجزائها المؤثّرة في العقد،فيعمّ إشكالُ انخرام القاعدة العقليّة في غير الشروط و المقتضيات المقارنة(3) .

(3)كفاية الأُصول: 118.
و التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الموارد التي تُوهم ورود الإشكال،إمّا أن يكون المتقدّم أو المتأخّر شرطاً للتكليف،و إمّا شرطاً للمكلّف به،و إمّا لأمر وضعيّ: أمّا الأوّل: فكون شي‏ء شرطاً للتكليف-مثل الشرائط العامّة،كالقدرة،و التمييز بين الحسن و القبيح،و أمثال ذلك-أنّما هو بمعنى‏ دخالة الشرط في


122

إمكان تعلّق التكليف بالمكلّف. و بعبارة أُخرى‏: لا يكون توجُّه التكليف إلى المكلّف،و تعلّقه بالمكلّف به-من المولى الحكيم-ممكناً،إلاّ مع شرائط و قيود في المكلَّف;من كونه قادراً مميّزاً بين الحسن و القبح،و في المكلّف به;من كونه مقدوراً ممكن التحقّق،و لا تكون تلك الشروط مؤثّرة في وجود التكليف حتّى‏ يرد الإشكال;لاستحالة دخالة ما هو من شرائط إمكان تعلّق التكليف بالمكلّف به أو توجّهه إلى المكلّف في المؤثّريّة في وجوده،فعِللُ وجود التكليف أُمور أُخرى‏ كلّها مقدّمة عليه،و أمّا تلك الشروط الدخيلة في إمكان التكليف،فلا محذور في تقدّمها أو تأخّرها عنه،كما لا يخفى‏[32].

[32]إنّ ما يتراءى‏ من تقدّم الشرط على المشروط ليس شي‏ء منها كذلك: أمّا في شرائط التكليف كالقدرة المتأخّرة بالنسبة إلى التكليف المتقدّم،فلأنّ ما هو شرط لتمشّي الإرادة من الآمر و البعث الجدّي هو تشخيص الآمر قدرة العبد مع سائر شرائط التكليف في ظرف الإتيان،كانت القدرة حاصلة أولا،فإذا قطع المولى‏ بأنّ العبد قادر غداً على‏ إنقاذ ابنه،يصحّ منه الإرادة و البعث الحقيقي نحوه،فإذا تبيّن عجز العبد لا يكشف ذلك عن عدم الأمر و البعث الحقيقي في موطنه،بل يكشف عن خطائه في التشخيص،و أنّ بعثه الحقيقي صار لغواً غير مؤثّر. هذا حال الأوامر المتوجّهة إلى الأشخاص. و أمّا الأوامر المتوجّهة إلى العناوين الكلّية،مثل: (أيّها الناس)و(أيّها المؤمنون)،فشرط تمشّي الإرادة و البعث الحقيقي هو تشخيص كون هذا الخطاب صالحاً لبعث من كان واجداً-من بين المخاطبين-لشرائط التكليف،من غير لزوم تقييده بالقدرة و سائر الشرائط العقلية،بل التقييد إخلال في بعض الموارد،فإذا علم المولى‏ بأنّ إنشاء الأمر على العنوان الكلّي صالح لانبعاث طائفة من المكلّفين كلٍّ في موطنه،يصحّ منه التكليف و الأمر،فشرط التكليف حاصل حين تعلّق الأمر. و لعلّه إلى‏ ذلك يرجع كلام المحقّق الخراساني،و إن كان إلحاق الوضع بالتكليف-كما صنعه-ليس في محلّه. (مناهج الوصول 1: 340-341).


123

و أمّا الثاني: فكون شي‏ء شرطاً للمكلّف به ليس بمعنى‏ كونه مؤثّراً في وجوده،بل بمعنى‏ أنّه من حدوده و قيوده. فتارة: يكون المكلّف به هو عنوان«الصلاة»التي يقارنها الستر،أو يتقدّم عليها الوضوء مثلاً،أو يتأخّر عنها شي‏ء،و من هذا القبيل صوم المستحاضة;فإنّ المأمور به هو الصوم المتقيّد بكونه متعقّباً بالأغسال الليليّة. و تارة: يتعلّق التكليف بعنوان بسيط،غير منطبق بحسب الواقع إلاّ على‏ شي‏ء،يكون مقارناً أو مسبوقاً أو ملحوقاً بشي‏ء. و كلّ ذلك ممّا لا إشكال فيه أصلاً،و ليس في البين تأثير و تأثّر و علّيّة و معلوليّة. و من ذلك يُعلم حال الوضع أيضاً;فإنّ ما هو موضوع انتزاع النقل و الانتقال منه هو العقد المتعقَّب بالإجازة،و ليس العقد من قبيل العلّة المؤثّرة;بمعنى‏ ما منه الوجود،بل هو موضوع لأمر اعتباريّ عند العقلاء بلا تأثير و تأثّر في البين،كما هو واضح‏[33].

[33]و هاهنا طريق آخر لدفع الشبهة و تحقيقه يتّضح بعد مقدّمة و هي: أنّ للزمان-بما أنّه أمر متصرّم متجدّد متقضّ‏ٍ بذاته-تقدّماً و تأخّراً ذاتياً،لا بالمعنى الإضافي المقولي،و إن كان عنوان المتقدّم و المتأخّر معنيين إضافيين،و لا يلزم أن يكون المنطبق عليه للمعنى الإضافي إضافياً،كالعلّة و المعلول;فإنّهما بعنوانهما إضافيان،لكن المنطبق عليهما;أي ذات المبدإ تعالى‏-مثلاً-و معلوله،لا يكونان من الأُمور الإضافية،و كالضدّين;فإنّهما مقابل المتضايفين،لكن عنوان الضدّية من التضايف،و ذات الضدّين ضدّان. فالزمان-بهويته التصرّمية-متقدّم و متأخّر بالذات،و الزمانيات متقدّمة بعضها على‏ بعض بتبع الزمان;فإنّ الهوية الواقعة في الزمان الماضي بما أنّ لها نحو اتّحاد معه،تكون متقدّمة على الهوية الواقعة في الزمان الحال،و هي متقدّمة على الواقعة في‏الزمان المستقبل،و هذا النحو من التقدّم التبعي ثابت لنفس الهويتين;بواسطة وقوعهما في الزمان المتصرّم بالذات،و ليس من المعاني الإضافية و الإضافات المقولية. فالحوادث الواقعة في هذا الزمان متقدّمة بواقع التقدّم-لا بالمفهوم الإضافي-على الحوادث الآتية،لكن بتبع الزمان. إذا عرفت ذلك يمكن لك التخلّص عن الإشكال;بجعل موضوع الحكم الوضعي و المكلّف به هو ما يكون متقدّماً بحسب الواقع على‏ حادث خاصّ،فالعقد الذي هو متقدّم بتبع الزمان على الإجازة تقدّماً واقعياً،موضوع للنقل،و لا يكون مقدّماً عليها بواقع التقدّم التبعي إلاّ أن تكون الإجازة متحقّقة في ظرفها،كما أنّ تقدّم الحوادث اليومية أنّما يكون على الحوادث الآتية،لا على‏ ما لم يحدث بعد من غير أن تكون بينها إضافة كما عرفت. و موضوع الصحّة في صوم المستحاضة ما يكون متقدّماً تقدّماً واقعياً;تبعاً للزمان على‏ أغسال الليلة الآتية،و التقدّم الواقعي عليها لا يمكن إلاّ مع وقوعها في ظرفها،و مع عدم الوقوع يكون الصوم متقدّماً على‏ سائر الحوادث فيها،لا على‏ هذا الذي لم يحدث،و الموضوع هو المتقدّم على الحادث الخاصّ. و بما ذكرنا يدفع جميع الإشكالات،و كون ما ذكر خلاف ظواهر الأدلّة مسلّم لكن الكلام هاهنا في دفع الإشكال العقلي،لا في استظهار الحكم من الأدلّة. (مناهج الوصول 1: 341-343).


124

نعم،قد تكون الشروط من أجزاء العلّة التي منها الوجود،و حينئذٍ فتقدّمها الطبعيّ على المعلول ممّا يحكم به العقل،أمّا مقارنتها الزمانيّة في غير الزمانيّات فممّا لا معنى‏ لها،و أمّا فيما هو واقع في سلسلة الأزمان،فلزوم المقارنة بينه و بين المعلول محلّ تأمّل و إشكال،تأمّل. إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم: أنّ الكلام واقع في أنّ شروط المأمور به-التي هي من قيوده-هل هي واجبة بالوجوب الترشّحي المقدّمي-كما في المقدّمات الوجوديّة الخارجيّة على القول بوجوبها(1) -أم هي واجبة بعين‏

(1)اختاره الأكثر كما في معالم الدين: 57،الوافية في أُصول الفقه: 219 و غيرهما.


125

وجوب ذي المقدّمة(1) كالمقدّمات الداخليّة على‏ ما عرفت حالها؟

(1)مطارح الأنظار: 90-السطر 33،كفاية الأُصول: 159.
الحقّ هو الثاني;لأنّ التقيّدات المأخوذة في المأمور به موجودة بعين وجود القيود،لا بوجود آخر،و يكون الوجوب المنبسط عليها منبسطاً على القيود أيضاً،و لا يكون لها وجوب على‏ حِدَة،فحالها حال المقدّمات الداخليّة التي عرفت أنّها واجبة بعين وجوب ذيها.
الأمر الثالث: في أقسام الواجب قد عُرّف الواجب:

بما يستحقّ على‏ فعله الثواب،و على‏ تركه العقاب(2) .

(2)اُنظر المستصفى‏ من علم الأُصول 1: 27-السطر 6،و نهاية الوصول: 9-السطر 15،و شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 81.
و هذا لازم المعنى‏،كما لا يخفى‏. و الأولى‏ تعريفه: بأنّه ما تتعلّق به الإرادة المؤكّدة،و قد ذكرنا سابقاً حال الإرادة في الواجب و المستحبّ،فراجع. و كيف كان،فقد قسّم الواجب بتقسيمات:
منها: تقسيمه إلى المطلق و المشروط

و قد عرّفهما القوم بتعريفات شتّى‏،و أطالوا النقض و الإبرام في أطرافها. فقيل: إنّ المطلق ما لا يتوقّف وجوبه على‏ شي‏ء(3) .

(3)ضوابط الأُصول: 70-السطر 31.
و قيل: هو ما لا يتوقّف وجوبه على‏ شي‏ء سوى الشرائط العامّة(4) .

(4)كذا عرّفه عميد الدين في شرحه على التهذيب كما في مطارح الأنظار: 43-السطر 2،و اختاره في الفصول الغروية: 79-السطر 21.


126

و قيل: ما لا يتوقّف وجوبه على‏ ما يتوقّف عليه وجوده(1) .

(1)نسبه في المطارح: 43-السطر 4 إلى التفتازاني و المحقّق الشريف و اختاره المحقّق القمي في قوانين الأُصول 1: 100-السطر4 مع قيد: «و إن كان في العادة أو في نظر الآمر».
و المشروط في كلٍّ من التعاريف مقابل المطلق. و الحقّ: ما أفاد المحقّق الخراساني رحمه الله: من أنّ الإطلاق و الاشتراط وصفان إضافيّان،و من قبيل المتضايفين،و هما لا يجتمعان في موضع واحد بجهة واحدة،كالأُبوّة و البُنوَّة اللّتين لا تجتمعان في موضع واحد باعتبار واحد،و أمّا بجهتين فلا مانع من اجتماعهما،فيمكن أن يكون شخص واحد أباً و ابناً من جهتين،و المطلق و المشروط من هذا القبيل;فإنّ كلّ شي‏ء يلاحظ مع الواجب،فإمّا أن يكون وجوبه بالنسبة إليه مشروطاً،أولا. و الثاني مطلق بالإضافة إليه،و إن أمكن أن يكون مشروطاً بالإضافة إلى‏ غيره(2) و هذا واضح.

(2)اُنظر كفاية الأُصول: 121.
و الظاهر أنّ تخصيص التفتازاني و بعض آخر الكلامَ بالمقدّمات الوجوديّة-حيث عرّفوه: بما لا يتوقّف وجوبه على‏ ما يتوقّف عليه وجوده-ليس لأجل أنّ في المطلق و المشروط اصطلاحاً خاصّاً;بل لأنّ كلامهم لمّا كان في وجوب المقدّمة،و كانت المقدّمة الوجوديّة التي هي مقدّمة للوجوب أيضاً من مستثنيات وجوب المقدّمة،خصّصوا الكلام بذلك،و إلاّ فليس في البين اصطلاح خاصّ،و لا ينبغي النقض و الإبرام فيما لا تترتّب عليه ثمرة مهمّة. ثمّ الظاهر من الفقهاء و الأُصوليّين و المتكلّمين و كلّ مَنْ تصدّى‏ لبيان الواجب المشروط،هو رجوع الشرط إلى الهيئة(3) إلى‏ زمن الشيخ قدس سره و هو أيضاً

(3)تقدّمت الإشارة لبعض المصادر في الحواشي السابقة،و انظر أيضاً المبسوط 3: 22 في قوله قدس سره: و ما كان واجباً... لا يجوز أن يتعلّق وجوبه بشرط مستقبل.


127

اعترف بأنّ مقتضى القواعد العربيّة رجوعه إليها،كما أنّ المتفاهم العرفيّ ذلك(1)

(1)مطارح الأنظار: 52-السطر 24 و 53-السطر 7.
إلاّ أنّه أشكل فيه على‏ ما في تقريرات بحثه.
و ما يمكن أن يكون وجه الإشكال أُمور:

منها: أنّ الطلب عقلاً لا بدّ و أن يتعلّق بالمادّة لُبّاً;

لأنّ العاقل إذا توجّه إلى‏ شي‏ء،فإمّا أن يكون ممّا فيه المصلحة مطلقاً،فيصير متعلّقاً لشوقه و إرادته و طلبه كذلك،و إمّا أن تكون فيه مصلحة على‏ تقدير خاصّ. و ذلك التقدير: تارة يكون من الأُمور الاختياريّة،و أُخرى‏ لا يكون كذلك. و ما كان من قبيل الأوّل: قد يكون مأخوذاً على‏ نحوٍ يكون مورداً للتكليف،أو لا. و على‏ أيّ حالٍ: يتعلّق الشوق و الإرادة و الطلب به على‏ نحو ما يكون فيه المصلحة،و لا معنى‏ لعدم تعلّق الإرادة و الطلب به،و توقّفه على‏ شي‏ء(2) .

(2)اُنظر مطارح الأنظار: 52-السطر 35.
و محصّل مرامه: أنّ الأوامر أنّما تتعلّق بالمتعلّقات لأجل المصالح الكامنة فيها،و في الواجبات المشروطة لا بدّ و أن تتعلّق بالمقيّد;لكون المصلحة فيه دون المطلق. لكن لمّا أشكَل الأمرُ في القيود الاختياريّة من أنّ تعلّق الأمر بالمقيّد بها مستلزم لوجوب تحصيل القيد أيضاً;لأنّ الطلب المطلق إذا تعلّق بالمطلوب المقيّد يجب تحصيل قيده بلا إشكال،مع أنّ في الواجبات المشروطة لم يكن تحصيل الشرط واجباً بالضرورة. فأجاب عنه: بأنّ المصلحة كما أنّها قد تكون في المقيّد بنحو يكون القيد مورداً للتكليف كما في الصلاة المقيّدة-بالوضوء و الغسل،فإنّهما دخيلان في المصلحة،فتعلّق التكليف بهما-كذلك قد تكون في المقيّد بنحو يكون القيد غير


128

مكلّف به،عكس الصورة المتقدّمة،كما في الحج المقيّد بالاستطاعة،فالاستطاعة و إن كان تحصيلها من الأُمور الاختياريّة القابلة لتعلّق التكليف بها،لكنّ المصلحة أنّما هي في الحجّ المقيّد بالاستطاعة،التي أُخذت على‏ نحوٍ لم يتعلّق التكليف بها;أي حصولها من باب الاتّفاق مثلاً،فالطلب المتعلّق بالحجّ المقيّد لا يسري إلى القيد;لقيام المصلحة [به‏] بهذا النحو. هذا ملخّص ما أفاده المقرّر رحمه الله. و يرد عليه: -مضافاً إلى‏ أنّ عدم كون شي‏ء مورداً للتكليف ليس من الأُمور الدخيلة في المصلحة;فإنّ الأعدام لا معنى‏ لدخالتها في شي‏ء،بل هذا في الحقيقة يرجع إلى‏ أنّ نفس ذات المقيّد مصلحة;بلا دخالة شي‏ء آخر فيها،فقياس ذلك على‏ موردٍ يكون الأمر العباديّ دخيلاً في المأمور به كالوضوء و الغسل،ليس على‏ ما ينبغي-أنّ لرجوع القيود إلى الواجب أو إلى الوجوب ملاكات بحسب مقام الثبوت و الواقع،لا يمكن التخلّف عنها،فلا بدّ أوّلاً من بيان تلك الملاكات الواقعيّة;حتّى‏ يتّضح الأمر،و يرتفع الخلط. فنقول: إنّ الأوامر قد تتعلّق بالمتعلَّقات لغرض جلب المنافع الكامنة فيها،و قد تتعلّق لغرض دفع المفاسد و المضارّ،فكلّ قيد يكون دخيلاً بحسب الثبوت في جلب المنافع أو دفع المضار-بحيث يكون المتعلّق بلا تقيّده به لا يجلب المصلحة،أو لا يدفع المفسدة-لا بدّ و أن يرجع إلى الواجب لا الوجوب;فإنّ الوجوب و الإيجاب آلة لتحصيل تلك المصلحة أو دفع المفسدة،و وسيلة لإيصالها إلى العباد محضاً،و أمّا المصلحة فقائمة بنفس المقيّد بما أنّه مقيّد،ففي مثل تلك الموارد يرجع القيد إلى الواجب و المادّة،لا الوجوب و الهيئة،فلو فرض أنّ الصلاة لا تكون بنفس ذاتها بلا تقيّدها بالطهارة ذات مصلحة،لا يُعقل تعلّق الطلب بها بنحو الإطلاق،كما لا يُعقل أن يكون الطلب المتعلّق بها مشروطاً،


129

بل الطلب المطلق يتعلّق بالصلاة المقيّدة بها. هذا ملاك القيود التي لا بدّ من إرجاعها إلى المادّة لُبّاً[34].

و أمّا ملاك القيود التي لا يُعقل رجوعها إليها،

بل لا بدّ من رجوعها إلى الهيئة بحسب الثبوت،فإنّما يكون في موارد:

الأوّل: ما إذا كانت المصلحة في فعلٍ مطلقاً

و بلا شرطٍ،و لكن يكون في بعث المولى‏ نحوه بنحو الإطلاق مانع،كموارد عجز المكلّف و جنونه،أو كونه غير مميّز،أو كونه غافلاً أو نائماً... إلى‏ غير ذلك من موارد قصوره،فإذا كان الفعل على‏ نحو الإطلاق ذا مصلحة،فلا يمكن أن يرجع القيد إلى المادّة عقلاً;ضرورة عدم دخالة تلك القيود في المصلحة،فلا معنى‏ لتقيّدها بها،و لمّا لم يمكن أن يتعلّق البعث بالقاصر على‏ نحو الإطلاق،فلا بدّ و أن ترجع القيود إلى الوجوب لا الواجب،و هذا واضح.

الثاني: ما إذا كانت المصلحة في ذات الفعل مطلقاً

بلا قيدٍ و شرطٍ،و يمكن

[34]اعلم: أنّ القيود الراجعة إلى المادّة هي كلّ ما يكون بحسب الواقع دخيلاً في تحصيل الغرض المطلق،من غير أن يكون دخيلاً في ثبوت نفس الغرض. مثلاً: قد يكون الغرض اللازم التحصيل هو الصلاة في المسجد-بحيث تكون الصلاة فيه متعلّقة لغرضه الذي لا يحصل إلاّ بها،كان المسجد متحقّقاً أو لا-فلا محالة تتعلّق إرادته بها مطلقاً،فيأمر بإيجاد الصلاة فيه،فلا بدّ للمأمور-إطاعة لأمره-أن يبني المسجد على‏ فرض عدمه و يصلّي فيه. و قد يكون الغرض لا يتعلّق بها كذلك،بل يكون وجود المسجد دخيلاً في تحقّق غرضه-بحيث لو لم يكن ذلك،لم يتعلّق غرضه بالصلاة كذلك،بل قد يكون وجوده مبغوضاً له،لكن على‏ فرض وجوده تكون الصلاة فيه متعلّقاً لغرضه-فلا محالة تتعلّق إرادته بها على‏ فرض تحقّق المسجد،ففي مثله يرجع القيد إلى الهيئة. ثمّ إنّ للقيود الراجعة إلى الهيئة موارد أُخر. (مناهج الوصول 1: 348)


130

أن يتعلّق الأمر به على‏ نحو الإطلاق،لكن لطف المولى‏ بالعبد يقتضي أن يتعلّق الطلب به على‏ نحو خاصٍّ،و يجعل للوجوب شرطاً أو شرائط;لأجل التسهيل على العباد و التوسعة عليهم،أو لأنّ المولى‏ يرى‏ أنّ الأمر إذا تعلّق بالفعل بنحو الإطلاق يقع نوع المكلَّفين في المعصية،فلأجل لطفه عليهم يشترط و جوبه بشرائط تسهّل الأمر عليهم،فلو فرض أنّ في الحجّ مصلحة مطلقاً،كان المكلّف مستطيعاً شرعاً أو لا،و في الزكاة مصلحة،بلغ المال الزكويّ حدّ النصاب أو لم يبلغ،لكن مصلحة التسهيل و اللّطف الإلهيّ اقتضت أن يُشترط الوجوب بالاستطاعة و بلوغ النصاب،ففي مثل تلك الموارد لا يمكن أن يتوجّه القيد إلى الواجب و المادّة;فإنّ القيد لا دخالة له في المصلحة بالفرض،فلا معنى‏ لتقيّدها به،بل المانع في الإيجاب و الأمر على‏ نحو الإطلاق.

الثالث: -و هو أوضح الموارد-أن لا يكون الغرض من الأمر جلب المنافع،

بل الغرض منه دفع منقصة متوجّهة إلى العبد،أو رفع مفسدةٍ ابتلي‏ بها،كما في باب الكفّارات. مثلاً: لو فرض أنّ الظِّهار،أو الإفطار متعمّداً في شهر رمضان،و حَنث النَّذر و العهد،و الصيدَ حال الإحرام... و أمثال ذلك،توجب منقصة للعبد لا تنجبر إلاّ بالكفّارات،فلا بدّ من تعلّق الطلب بالكفّارات بعد تحقّق تلك المنقصة;لأجل رفعها. و لا يعقل أن ترجع الشروط و القيود الكذائية إلى المادّة،و لا يعقل أن يتقيّد المكلّف به بتلك القيود;فإنّها موجبة للمنقصة،و لا يعقل دخالتها في رفعها،فلا يمكن أن يقال: إنّ المصلحة قائمة بالكفّارة المقيّدة بإفطار شهر رمضان،ففي قوله: «إن أفطرت متعمّداً وجبت الكفّارة»(1) لا بدّ و أن يرجع الشرط إلى الهيئة،

(1)هذا مضمون الروايات الواردة في المقام فانظر وسائل الشيعة 7: 28،كتاب الصوم،أبواب ما يمسك عنه الصائم،الباب 8.


131

و لا يعقل رجوعه إلى المادّة. و إن شئت فانظر إلى الأمثلة العرفيّة،مثل قول الطبيب للمريض: «إذا مرضت فاشرب الدواء»فهل يمكن أن يقال: إنّ الأمر تعلّق بشرب الدواء المتعقَّب بالمرض،و إنّ المرض له دخالة في المصلحة أو دفع المفسدة؟!تدبّر و لا تغفل. إذا عرفت ما ذكرنا: من حال القيود في عالم اللُبّ و الثبوت،و أنّ بعضها يرجع إلى المادّة،و بعضها إلى الهيئة،و معلوم أنّ مقتضى القواعد العربيّة(1)

(1)اُنظر شرح الكافية 2: 108-السطر 28،و لا يبعد أن يكون المراد هو الظهور العرفي للقضيّة الشرطيّة في أنّ الطلب معلّق على المجي‏ء،لا أنّ الواجب مقيّد و الطلب مطلق،فيكون عطف المتفاهم العرفيّ على القواعد العربيّة من العطف التفسيري. اُنظر كفاية الأُصول: 121.
و المتفاهم العرفيّ رجوع القيود إلى الهيئات،فلا بدّ مع عدم إحراز الرجوع إلى المادّة[من‏]إرجاعها إلى الهيئة لا المادة في مقام الإثبات;ضرورة أنّ إفهام مثل هذا المعنى‏;أي الوجوب المشروط،من ضروريّات أهل اللسان،فحكمة الوضع تقتضي أن يكون بإزاء هذا المعنى‏-الذي هو مورد الاحتياج كثيراً في المحاورات-لفظ دالّ عليه،فالشبهات الواردة في المورد من قبيل الشبهة في مقابل البديهة،مع أنّها كلّها قابلة للدفع:
منها: أنّ الهيئة لمّا كانت آلة إيجاد الطلب و تحقّقه،

لا يمكن أن تكون معلَّقة و مشروطة بشي‏ء;فإنّ الإيجاد هو المساوق للوجود و التحقّق،و التعليق هو اعتبار اللاتحقّق،و هما لا يجتمعان(2) .

(2)ذكره المحقّق المشكيني في حاشيته على الكفاية بقوله: «الثاني: أنّ... »1: 154.
و الجواب عنه: أنّ الإيجاد الاعتباري أمره سهلٌ،و المغالطة أنّما وقعت من اشتباه الأمر المحصّل بالأمر الاعتباري،و إلاّ فالإيجاد الاعتباري قابل


132

للإطلاق و الاشتراط و التعليق.

و منها: أنّ الهيئة من المعاني الحرفيّة،

فلا يعقل أن تكون مستقلّة باللّحاظ،مع أنّه لا بدّ في الاشتراط و التعليق من اللّحاظ الاستقلاليّ في المشروط و المعلّق(1) .

(1)حاشية كفاية الأُصول،المحقّق المشكيني 1: 154 عند قوله: «الثالث... ».
و الجواب: أنّها قابلة للّحاظ و لو بنظرة ثانية،مع أنّ لنا أن نقول بمقالة المحقّق القمّي رحمه الله; من أنّ حقيقة الاشتراط هي رجوع الشرط إلى المكلّف،و تنويع المكلّفين إلى‏ نوعين(2) فقوله: «للَّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ‏

(2)قوانين الأُصول 1: 124-السطر 11.
سَبيلاً»(3) أنّ المستطيع يجب عليه الحجّ،كما أنّ الظاهر من الآية الشريفة ذلك‏

(3)آل عمران(3): 97.
أيضاً;فإنّ الموصول بدل‏[من‏]الناس بدل الجزء من الكلّ. و بالجملة: في جميع الموارد التي ترجع القيود فيها إلى الهيئة،يمكن التخلّص عن كافّة الإشكالات بإرجاع القيود إلى المكلّفين. و
منها: أنّ الهيئة جزئيّة حقيقيّة;

فإنّ الوضع فيها عامّ،و الموضوع له خاصّ،و لا يمكن تقييد الجزئيّات الحقيقيّة(4) .

(4)مطارح الأنظار: 45-السطر 32 و 52-السطر 32.
و الجواب أوّلاً: بمنع الصغرى‏[35]. و ثانياً: برجوع الشرط إلى المكلّف،كما

[35]التحقيق: أنّ هيئات الأفعال حروف،لها معانٍ حرفية غير مستقلّة بالمفهومية و لا بالموجودية،و يكون وضعها كالحروف عامّاً و الموضوع له خاصّاً. أمّا كون معانيها حرفية;فلأنّ هيئة الماضي وضعت للحكاية عن تحقّق صدور الحدث من فاعل على‏ ما هو عليه;من أنّ الصدور و تحقّقه يكون بتبع الفاعل،أو للحكاية عن الكون‏الرابط أي حلول الحدث في الفاعل،كبعض الأفعال اللازمة،ك«حسن و قبح»،و بالجملة: الهيئات موضوعة لتحقّق المعاني الربطية بالحمل الشائع. (مناهج الوصول 1: 205). راجع حول وضع الحروف إلى‏ مناهج الوصول 1: 68-72.


133

عرفت‏[36]. و بالجملة: لا محيص عن رجوع القيد إلى الوجوب،و لا بدّ من ردّ الشبهات الواردة في مقابل الحقيقة الرائجة،تدبّر و لا تغفل.

و منها: تقسيمه إلى المعلّق و المنجّز

و هذا تقسيم و اصطلاح من صاحب«الفصول» رحمه الله. قال في ما ملخّصه: و ينقسم باعتبار آخر إلى‏ ما يتعلّق وجوبه بالمكلّف،و لا يتوقّف حصوله على‏ أمرٍ غير مقدورٍ له كالمعرفة،و ليسمّ منجّزاً. و إلى‏ ما يتعلّق وجوبه به،و يتوقّف حصوله على‏ أمرٍ غير مقدورٍ له،و ليسمّ معلَّقاً كالحجّ;فإنّ وجوبه في أوّل زمن الاستطاعة،و يتوقّف فعله على‏ مجي‏ء وقته،و هو غير مقدورٍ. و الفرق بين هذا النوع و بين الواجب المشروط هو أنّ التوقّف هناك للوجوب،و هنا للفعل(1) .

(1)الفصول الغرويّة: 79-السطر 36.
ثمّ شرع في سدّ ثغوره بما محصّله: أنّ الوجوب في الواجب المعلّق حاليّ،و الواجب استقباليّ،و الوجوب الحالي إنّما هو مشروط بأمر انتزاعيّ متحقّق في الحال،و إن انتُزع من أمر متأخّر،فوجوب الحجّ قبل مجي‏ء ذي الحجّة معلّق على‏ أمر انتزاعيّ;هو كون المكلّف بحيث يدرك ذا الحجّة قادراً على الحجّ،و هذا

[36]جوابنا: أنّ تعليق الجزئي و تقييده ممكن واقع،فزيد قابل للتقييد بالنظر إلى‏ طوارئه;و لهذا تجري فيه مقدّمات الحكمة إذا وقع موضوعاً للحكم. (مناهج الوصول 1: 352).


134

الأمر الانتزاعيّ صادق على المكلّف في الحال،و إن كان انكشافه في الاستقبال،فلا يكون الزمان المقدّم ظرفاً للوجوب و الواجب;حتّى‏ يلزم التكليف بالمحال،و لا يكون نفس بلوغ المكلّف إلى الوقت شرطاً للوجوب;حتّى‏ يتعلّق الوجوب به بعد حضور الوقت،بل الشرط هو هذا الأمر الانتزاعي المتحقّق في الحال و المنطبق على المكلّف،و يكون الوجوب-لأجل حصول شرطه-حاليّاً،و الواجب استقباليّاً. و الفرق بين الواجب المعلّق و المشروط: أنّ الأوّل مشروط بأمر انتزاعيّ،و الثاني مشروط بنفس الأمر الخارجيّ،ففرق إذاً بين قول القائل: «إذا دخل وقت كذا فافعل كذا»و بين قوله: «افعل كذا في وقت كذا»فإنّ الأوّل جملة شرطيّة،مفادها تعلّق الأمر و الوجوب بالمكلّف عند دخول الوقت،و الثاني جملة طلبيّة مفادها إلزام المكلّف بالفعل في الوقت الآتي. و من هذا النوع كلّ واجب مطلق توقّف وجوده على‏ مقدّمات مقدورة غير حاصلة،فإنّه يجب قبل وجود المقدّمات إيجاد الفعل بعد زمن يمكن إيجادها فيه،و إلاّ لزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجباً مطلقاً،أو التكليف بما لا يطاق،و كلاهما ضروريّ الفساد(1) .

(1)الفصول الغروية: 80-السطر 1.
و محصّل مرامه: أنّه كما أنّ الحجّ قبل دخول ذي الحجّة يكون واجباً على‏ من يدركه قادراً عليه،و ظرف الإتيان هو ذو الحجّة،فكذلك الصلاة في أوّل الوقت واجبة على‏ من يأتي بالمقدّمات قادراً على‏ إتيانها بعدها،فلا فرق بين كون المكلّف به غير ممكن الوجود [لأجل تقيّده بزمان استقباليّ أو أمر آخر استقباليّ لم يكن تحت قدرة العبد،و بين كونه كذلك [لأجل امتناع تحقّقه عقلاً قبل حصول المقدّمات،ففي كليهما يكون الوجوب حاليّاً و الواجب استقباليّاً.


135

ثمّ شرع في بيان أمر آخر سيأتي في باب الترتّب إن شاء اللَّه تعالى‏(1) .

(1)يأتي البحث عن الترتّب في الصفحة 170.
فتحصّل ممّا لخّصنا من كلامه: أنّه لم يقسِّم الواجب إلى المطلق و المشروط،و المطلق إلى المعلَّق و المنجَّز،كما قيل(2) .

(2)درر الفوائد،المحقّق الحائري: 106.
و أيضاً لم يجعل المعلَّق قسماً ثالثاً في مقابل المطلق و المشروط،بل هو قسَّم الواجب-باعتبار-إلى المطلق و المشروط،و باعتبارٍ آخر إلى المعلَّق و المنجَّز،و باعتبارٍ آخر إلى‏ غيرهما. و بما ذكرنا-من تصوير الواجب التعليقي،و أنّ ظرف الواجب في الاستقبال،و لكنّ الوجوب حالي-اندفع الإشكال المعروف في وجوب بعض المقدّمات في الواجبات الموقّتة قبل وقتها،كغسل الجنابة الذي هو شرط لصحّة الصوم،فإنّه واجب قبل الفجر،مع أنّ وجوب الصوم من أوّل الفجر،فيلزم وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها(3) .

(3)اُنظر منتهى المطلب 1: 93-السطر 17،و جواهر الكلام 16: 246-247.
فأجاب عن الإشكال صاحب«الفصول» رحمه الله: بكون الواجب في مثله تعليقيٌّ(4) .

(4)الفصول الغروية: 79-80.
و أجاب أخوه المحقّق رحمه الله عنه: بأنّ الغسل واجبٌ نفسيّ تهيّئي(5) .

(5)هداية المسترشدين: 217-السطر 35.
و أجاب الشيخ العلاّمة رحمه الله عنه-بعد الإشكال على‏ صاحب الفصول: بعدم الفرق لُبّاً بين المثالين المتقدّمين;أي قوله: «إذا دخل الوقت»إلى‏ آخره(6) -

(6)مطارح الأنظار: 51-السطر 30.
بأنّ الوجوب في مثل تلك المقدّمات لا يكون بملاك الوجوب الترشّحي المقدّمي،


136

بل بملاك تفويت الواجب،فكما أنّ العقل يحكم بقبح مخالفة الواجب،كذلك يحكم بقبح ترك أمرٍ يفوت به الواجب،و إن لم يكن الوجوب في الحال،فترك الغسل قبل وجوب الصوم موجبٌ لتفويته،و العقل يحكم بوجوب إتيانه حتّى‏ يتمكّن من صوم اليوم(1) .

(1)مطارح الأنظار: 53-السطر 9.
هذا،و لا يخلو كلام الشيخ رحمه الله في المقام من تهافتٍ مع ما اختاره في الواجب المشروط;(2) فإنّ الوجوب المشروط-بما حقّقه-يكون كالوجوب‏

(2)نفس المصدر: 46-السطر 2.
المعلّق على‏ مذهب صاحب«الفصول»،مع أنّ ما ذكره من حكم العقل بلزوم إتيان أمثال ذلك لا بملاك المقدّميّة،بل بملاكٍ آخر،في محلّ المنع‏[37].

[37]اعلم: أنّ الملاك في إرادة المقدّمة هو علمه بتوقّف التوصّل إلى‏ ذي المقدّمة عليها،فإذا كان ذو المقدّمة مراداً فعلياً فلا محالة تتعلّق إرادة بما يراه مقدّمة بملاك التوصّل;بناءً على الملازمة. و أمّا إذا فرض عدم تعلّق إرادة فعلاً بتحصيل ذي المقدّمة فعلاً،لكن يعلم المولى‏ أنّه عند حصول شرطه مطلوب له لا يرضى‏ بتركه،و يرى‏ أنّ له مقدّمات لا بدّ من إتيانها قبل حصول الشرط،و إلاّ يفوت الواجب في محلّه بفوتها،فلا محالة تتعلّق إرادة آمرية بتحصيلها;لأجل التوصّل بها إليه في محلّه و بعد تحقّق شرطه،لا لشي‏ء آخر. بل إذا علم المكلّف بأنّ المولى‏ أنشأ البعث على‏ تقدير يعلم حصوله،و يرى‏ أنّه يتوقّف على‏ شي‏ء قبل تحقّق شرطه;بحيث يفوت وقت إتيانه،يجب عليه عقلاً إتيانه;لحفظ غرض المولى‏ في موطنه. فإذا قال: «أكرم صديقي إذا جاءك»،و يتوقّف إكرامه على‏ مقدّمات يكون وقت إتيانها قبل مجيئه،يحكم عقله بإتيانها لتحصيل غرضه،بل لو كان المولى‏ غافلاً عن مجي‏ء صديقه لكن يعلم العبد مجيئه،و تعلّق غرض المولى‏ بإكرامه على‏ تقديره،و توقّفه على‏ مقدّمات‏كذائية،يحكم العقل بإتيانها لحفظ غرضه،و لا يجوز له التقاعد عنه. (مناهج الوصول 1: 357-358).


137

ثمّ إنّ هاهنا إشكالاً على الواجب المعلّق(1) :

و هو أنّ وزان الإرادة التشريعيّة

(1)ذكره باختصار في الفصول الغروية: 79-السطر ما قبل الأخير،ثمّ أجاب عنه،و كذا في كفاية الأُصول: 130.
كوزان الإرادة التكوينيّة،طابق النعل بالنعل،و حذو القذّة بالقذّة،و هي في الإمكان و الامتناع تابعة للتكوينيّة،فكما أنّ الإرادة التكوينيّة ممتنعة التعلّق بأمر يكون متقيّداً بشي‏ء غير مقدور كالزمان المتأخّر،أو أمر آخر لا يكون تحت قدرة العبد،فكذلك الإرادة التشريعيّة التي هي بإزاء التكوينيّة. و الحاصل: أنّه فرقٌ بين الفعل المقيّد بأمرٍ غير مقدورٍ-كالحجّ في ذي الحجّة قبل حضور الموسم-و بين الفعل الذي يكون مقدوراً،لكن يتوقّف على‏ مقدّمات مقدورة تدريجيّة الحصول،ربّما يطول إتيانها عدّة ساعات أو أيّام،ففي الأوّل يمتنع تعلُّق الإرادة التكوينيّة الفعليّة على‏ إيجاد الفعل،و إنّما تكون الإرادة تعليقيّة مشروطة;بأنّه«لو أدركتُ ذا الحجّة مثلاً قادراً على الحجّ لحججتُ»بخلاف الثاني،فإنّ الإرادة الفعليّة لا مانع من تعلّقها به;فإنّ المقدور بالواسطة مقدور،فقبل الزوال لا يمكن تعلّق الإرادة الفعليّة بإتيان الصلاة،خصوصاً إذا لم يكن لها مقدّمات،أو كانت حاصلة،و يكون المكلّف منتظراً لدخول الوقت،فلا يمكن فعليّة الإرادة ضرورة،و أمّا بعد تحقّق الزوال فتتعلّق الإرادة بها [و إن‏] توقّف وجودها على‏ عدّة مقدّمات غير حاصلة تكون تحت قدرة العبد،كتحصيل الساتر و الماء و غيرهما من المقدّمات;فإنّ الصلاة مقدورة مع القدرة على‏ مقدّماتها،فتتعلّق الإرادة بها. هذا حال الإرادة التكوينيّة،و الإرادة التشريعيّة مثلها طابق النعل بالنعل،


138

فلا يمكن تعلّقها بأمرٍ متأخّر يتوقّف حصوله على‏ أمرٍ غير مقدور-كالزمان و شبهه-إلاّ على‏ سبيل الاشتراط،و يمكن تعلّقها بأمرٍ متوقّف على‏ مقدّمات مقدورة. فإذاً فرقٌ بين تأخّر الفعل لأجل عدم حضور وقته،و تأخّره لأجل التوقّف على‏ مقدّمات تدريجيّة مقدورة،تأمّل‏[38].

[38]و الجواب: أمّا عن الإرادة التكوينية،فغاية ما يمكن أن يقال في بيان كونها علّة تامّة لحركة العضلات: إنّ القوى العاملة للنفس و آلاتها المنبثّة هي فيها لمّا كانت تحت سلطان النفس و قدرتها،بل هي من مراتبها النازلة و شئونها،فلا يمكن لها التعصّي على‏ إرادتها،فإذا أرادت قبضها،تنقبض،أو بسطها تنبسط،من غير تعصّ و تأخّر مع عدم آفة للآلات،هذا أمر برهاني و وجداني،لكن كون القوى‏ تحت إرادة النفس و إطاعتها أنّها إذا أرادت تحريكها في الحال تحرّكت،لا عدم إمكان تعلّق الإرادة بأمر استقبالي. فما اشتهر بينهم-من أنّ الإرادة علّة تامّة للتحريك،و لا يمكن تخلّفها عن المراد،حتّى‏ أخذوه كالأُصول الموضوعة،و نسجوا على‏ منواله ما نسجوا-ممّا لم يقم عليه برهان إلاّ ما ذكرنا،و لازم ذلك هو ما عرفت: من أنّ الإرادة إذا تعلّقت بتحريك عضلة في الحال و لم يكن مانع في البين،تتحرّك إطاعة للنفس. و أمّا عدم إمكان التعلّق بأمر استقبالي،فيحتاج إلى‏ برهان مستأنف،و لم يقم عليه،لو لم نقل بقيامه على‏ إمكانه،و قضاء الوجدان بوقوعه،كيف و إرادة اللَّه-تعالى‏-قد تعلّقت أزلاً بإيجاد ما لم يكن موجوداً على الترتيب السببي و المسبّبي،من غير إمكان التغيّر و الحدوث في ذاته و إرادته،كما برهن عليه في محلّه؟!(مناهج الوصول 1: 360). هذا كلّه في الإرادة التكوينية. و أمّا التشريعية: فإمكان تعلّقها بأمر استقبالي أوضح من أن يخفى‏ و لو سلّمنا امتناعه في التكوينية;فإنّها و إن تتعلّق بالأمر لغرض البعث،و معه لا بدّ و أن يكون الانبعاث ممكناً،لكن يكفي إمكانه على‏ طبق البعث في إمكانه و صحّته،و البعث إلى‏ أمر استقبالي يقتضي إمكان الانبعاث إليه لا إلى‏ غيره،و الأغراض المتعلّقة للبعث في الحال كثيرة،بل قدعرفت أنّ البعث القانوني لا يمكن إلاّ بهذا النحو،فلا ينبغي الإشكال فيه. (مناهج الوصول 1: 363).


139

فذلكة و فذلكة مرام صاحب«الفصول»: أنّ اعتبار انقسام الواجب إلى المشروط و المطلق غير اعتبار انقسامه إلى المنجَّز و المعلّق،و إن كان المعلّق قسماً من المشروط بحسب الواقع،لكنّ الاعتبارين مختلفان; فإنّ التعليق باعتبار كون الواجب كأنّه مراعى‏ إلى‏ حصول وقته،و إن كان الوجوب فعليّاً باعتبار اشتراطه بأمر انتزاعيّ متحقّق بالفعل،و إنّما الباعث على هذا التقسيم عدم تصويره الشرط المتأخّر. و أمّا نحن ففي فُسحة من ذلك،فإنّ الشرط المتأخّر ممّا لا مجال لإنكاره;أ لا ترى‏ أنّ القدرة على‏ العمل شرط التكليف عقلاً[39]،مع عدم لزوم كونها مقارنة للتكليف،بل اللاّزم عقلاً كون المكلّف قادراً حين الإتيان،بل كلّ الأعمال التدريجيّة مشروطة بالشرط المتأخّر،و هو القدرة على العمل إلى‏ تمامه. و الإيرادات التي أوردوا على صاحب«الفصول»(1) و إن لم تكن واردة

(1)كإشكال الشيخ الأعظم على‏ ما في مطارح الأنظار: 51-السطر 24،و إشكال المحقّق صاحب الكفاية: 128 عند قوله: نعم يمكن أن يقال،و في الصفحة: 130 عند قوله: ثمّ لا وجه... ،و إشكال المحقّق النهاوندي في تشريح الأُصول: 186 و ما بعدها،و قد ذكر المحقّق المشكيني تسعة منها في حاشيته فراجع الكفاية 1: 161،165.
عليه،لكن يرد عليه-مضافاً إلى‏ عدم الداعي إلى هذا التقسيم بعد تصوّر الشرط المتأخّر-أنّ إشكال الشرط المتأخّر وارد على الواجب التعليقي أيضاً;فإنّ الأُمور

[39]راجع التعليقة 29.


140

الانتزاعيّة التي جعلها شروطاً للواجب لا تكون شروطاً بمفاهيمها،بل بوجوداتها،و معلوم أنّ الأُمور الانتزاعيّة موجوديّتها بعين مناشئ انتزاعها،و الغرض أنّ المناشئ متأخّرة وجوداً. و على‏ أيّ حالٍ: إنّ الإشكال المعروف-و هو وجوب المقدّمة في بعض الواجبات قبل وجوب ذيها-مرتفعٌ;إمّا بتصوير الواجب التعليقي،أو بالالتزام بالشرط المتأخّر،أو بالالتزام بالوجوب النفسي لأجل الغير لو دلَّ دليلٌ عليه. بقيت تتمّات لعلّنا نتعرّض لها إن شاء اللَّه تعالى‏.

و منها: تقسيمه إلى الأصلي و التبعي(1)

(1)مطارح الأنظار: 78-السطر 33،كفاية الأُصول: 152.
و هذا تقسيم بحسب مقام الإثبات و الدلالة،كما أنّ التقسيم إلى النفسي و الغيري بحسب مقام الثبوت و الواقع. فالأصلي-على‏ ما عرّفه المحقّق القمي رحمه الله-هو ما فهم وجوبه من خطاب مستقلّ غير لازم لخطاب آخر،و بعبارة أُخرى‏ ما يكون المتكلّم قاصداً لإفهامه من الكلام. و التبعي بخلافه،مثل دلالة الإشارة،كأقلّ الحمل المفهوم من قوله تعالى‏: «وَ الْوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ»(2) ،و قوله: «وَ حَملُهُ‏

(2)البقرة(2): 233.
وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً»،(3) فإنّ دلالتها على‏ أقلّ الحمل تكون بدلالة الإشارة،

(3)الأحقاف(46): 15.
و لا تكون مقصودة،و الواجب التبعي أيضاً كذلك(4) .

(4)اُنظر قوانين الأُصول 1: 100-السطر1 و 101-السطر17 و 102-السطر7 و 104-السطر11.


141

هذا،لكن يرد عليه: أنّ دلالة الإشارة إنّما تتأتّى‏ فيما إذا كان للمدلول واقع و نفس أمريّة،مع قطع النظر عن الدلالة و اللّفظ،و أمّا فيما لا يكون كذلك،كالإنشائيّات التي لا تحصُّل لها إلاّ بنفس الإنشاء،و يكون استعمال ألفاظها في معانيها استعمالاً إيجاديّاً،فلا يتأتّى‏ فيها ذلك;فإنّ ما يكون تحصّله متقوّماً بالإنشاء لا يمكن فيه عدم إرادة الإفهام حتّى‏ يكون الإفهام بدلالة الإشارة;لأنّ تحقّق المعاني الإنشائيّة إنّما يكون بالإنشاء و الإيجاد المتقوِّمين بالقصد،فكيف يمكن مع عدم قصد الإفهام-الذي يرجع إلى‏ عدم قصد الإنشاء،و إلى‏ عدم الإنشاء-تحقُّقُ ما هو متقوِّم و متحقِّق به؟! و الشيخ المحقّق الأنصاري-على‏ ما في تقريرات بحثه-أرجع هذا التقسيم إلى الثبوت و اللُّب،لا الدلالة و الإثبات،فحينئذٍ يرتفع الفرق بينه و بين التقسيم إلى النفسي و الغيري،فراجع(1) [40].

(1)مطارح الأنظار: 66-السطر 9 و 78-السطر 33 و 79-السطر 9.

[40]و الظاهر أنّ التقسيم إلى الأصلي و التبعي بحسب مقام الإثبات و لحاظ الخطاب،و هو تقسيم معقول في مقابل سائر التقسيمات،و إن لا يترتّب عليه أثر مرغوب فيه. و المحقّق الخراساني أرجعه إلى‏ مقام الثبوت: بأنّ الشي‏ء إذا كان متعلّقاً للإرادة و الطلب مستقلاّ-للالتفات إليه بما هو عليه ممّا يوجب طلبه،سواء كان طلبه نفسياً أو غيرياً-يكون الطلب أصلياً،و إذا كان متعلّقاً لها تبعاً لإرادة غيره-لأجل كون إرادته لازمة لإرادته من دون التفات إليه بما يوجب إرادته-يكون تبعياً. و لكن ورد عليه: أنّ الاستقلال إن كان بمعنى الالتفات التفصيلي يكون في مقابله الإجمال و الارتكاز،لا عدم الاستقلال بمعنى التبعية،فيكون الواجب النفسي-أيضاً-تارة مستقلاً،و تارة غير مستقلّ،مع أنّه لا شبهة في أنّ إرادته أصلية لا تبعية،و إن كان بمعنى‏ عدم التبعية فلا يكون الواجب الغيري مستقلاّ،سواء التفت إليه تفصيلاً أو لا. (مناهج الوصول 1: 406)


142

و منها: تقسيمه إلى النفسي و الغيري‏

و قد عرّف النفسي: بما أُمر به لأجل نفسه،و الغيري: بما أُمر به لأجل غيره(1) .

(1)هداية المسترشدين: 193-السطر 6،الفصول الغروية: 80-السطر 37.
و أُشكل عليه: بأنّ جُلّ الواجبات-إن لم يكن الكلّ-مطلوبات لأجل الغايات الخارجيّة،فيلزم أن تكون واجبات غيريّة،و هو كما ترى‏(2) .

(2)مطارح الأنظار: 66-السطر 21،و قد ذكره المحقّقان صاحبا الفصول و الهداية و أجابا عليه،فانظر الفصول الغروية: 80-السطر 38،و هداية المسترشدين: 193-السطر 7.
و ما قيل: من أنّ الغايات لا يتعلّق بها الطلب;لكونها غير اختياريّة(3) ،

(3)مطارح الأنظار: 66-السطر 14.
مدفوع: ضرورة كونها تحت الاختيار و لو مع الواسطة،فإنّ القدرة على السبب قدرة على المسبّب،و إلاّ لما صحّ وقوع مثل التطهير و التزويج و التمليك و أمثالها مورداً للأحكام التكليفيّة. كما أنّ ما قيل: من أنّه لا يلزم أن يكون الغير-الذي يكون لأجله هذا المراد-مراداً أيضاً;حتّى‏ يرد الإشكال،مدفوع أيضاً: بأنّ ما تتعلّق به الإرادة لأجل غيره،لا بدّ و أن ينتهي إلى ما تتعلّق به الإرادة لأجل ذاته;فإنّ كلّ ما بالعرض لا بدّ و أن ينتهي إلى ما بالذات،و إلاّ لتسلسل. فالمراد بالذات هو أوّل سلسلة المرادات،و تتعلّق به الإرادة أوّلاً،ثمّ تنشأ منها إرادة إلى‏ مقدّمته،و من مقدّمته إلى‏ مقدّمة مقدّمته... و هكذا حتّى‏ ينتهي إلى ما لا مقدّمة له،فتنقطع السلسلة،فما تتعلّق به الإرادة آخراً يتعلّق به الإيجاد أوّلاً. و التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الواجبات النفسيّة هي ما تكون واجبة


143

لأجل ذاتها،لا لأجل بعث آخر،و يكون بعث المولى‏ متعلِّقاً بها أوّلاً،و يكون لها استقلال في عالم البعث و الطلب و إن كان تترتّب عليها فوائد. بخلاف الواجبات الغيرية،فإنّ الطلب الغيري طلب فانٍ في الغير مترشِّح عنه مستظلّ به غير مستقلّ في عالم البعث،فالبعث في الواجبات الغيرية يكون ظلَّ بعثٍ آخر و فيئه;بحيث يمكن أن يقال: إنّه ليس بطلب و بعث باعتبارٍ،و يمكن أن يقال: إنّه بعث مندكّ في بعث،فيمكن أن يقال: أن لا بعث إلاّ إلى ذي المقدّمة،و يكون البعث إلى المقدّمات بعين البعث إلى‏ ذيها،لا أنّ لها بعثاً مستقلاّ منظوراً إليه،بخلاف البعث إلى‏ ذي المقدّمة،فإنّه مستقلّ منظور إليه و لو لأجل ترتّب فوائد عليه‏[41].

[41]قد مرّ الكلام في عدم ترشّح الإرادة و الوجوب عن غيرهما(الصفحة 88،الهامش 39). و الصحيح: أنّ إرادة الفاعل و الآمر لشي‏ء و إن كانت لأغراض متصاعدة إلى‏ أن تبلغ مقصوداً بالذات،لكن تقسيم الواجب إلى‏ أقسامه ليس باعتبار الإرادة أو الغرض;فإنّهما خارجان عن اعتبار الوجوب و الواجب،بل تقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري باعتبار تعلّق البعث و الوجوب،فقد يتعلّق البعث بشي‏ء لأجل التوصّل إلى‏ مبعوث إليه فوقه و توقّفه عليه،و قد يتعلّق به من غير أن يكون فوقه مبعوث إليه،فالأوّل غيري،و الثاني نفسي. و لا يرد على‏ هذا ما قد يقال: من أنّ الواجبات مطلقاً مطلوبة لأجل التوصّل إلى‏ أغراض و لأجل حصول ملاكات،فتكون كلّها غيريات;و ذلك لأنّ التقسيم باعتبار الوجوب و البعث،من غير دخالة الأغراض و الملاكات فيه. فإذا أمر المولى‏ ببناء مسجد و لم يكن فوق ذلك أمر متوجّه إلى المأمور،يكون ذلك نفسياً و إن كان لأجل غرض،و إذا أمر ذلك المأمور بإحضار الأحجار و الأخشاب لأجل التوصّل إلى‏ ذلك المبعوث إليه و توقّفه عليها،يكون غيرياً،لكن إذا صدر منه أوامر ابتداء إلى‏ أشخاص،فأمر شخصاً بشراء الأحجار،و آخر بإحضارها،و ثالثاً بتحجيرها و تنقيشها،تكون تلك الأوامر نفسية،و إذا أمر لأجل التوصّل إلى‏ تلك المبعوث إليها يكون غيرياً،مع‏أنّ كلّها لأغراض،و هي ترجع إلى‏ غرض أقصى‏ فوقها،و الأمر سهل. (مناهج الوصول 1: 371-372)


144

هذا،و قال المحقّق الخراساني رحمه الله في رفع الإشكال ما محصّله: إنّ الواجبات التي لها آثار و خواصّ مطلوبة،يتعلّق الطلب بها لأجل تلك الآثار و الخواصّ،و إن كانت واجبات غيريّة بهذا اللحاظ،لكن لا ينافي ذلك أن تكون لها عناوين حسنة منطبقة عليها،تكون بواسطتها واجبات نفسيّة. فالفرق بين الواجب النفسي و الغيري: أنّ الغيري ما يكون وجوبه لأجل التوصّل إلى الغير بما أنّه متوصَّل به إليه،و هذا لا ينافي أن تكون له جهة نفسيّة أيضاً،يكون بها واجباً نفسيّاً(1) .

(1)كفاية الأُصول: 136.
و فيه: أنّ تلك الواجبات التي يُدّعى‏ أنّ لها جهة نفسيّة و غيريّة،إمّا أن تكون بالنسبة إلى الغير من قبيل الأسباب بالنسبة إلى المسبّبات،كحركة اليد و المفتاح،[فحينئذٍ يكون صدور المسبّبات بنفس إرادة أسبابها،لا بإرادة أُخرى‏ مستقلّة،فلا يكون الثابت إلاّ وجوباً واحداً،لا وجوبين: نفسيّ و غيريّ. و إمّا أن تكون جزء المؤثّر في وجود الغير،و يكون الجزء الآخر للعلّة خارجاً عن قدرة المكلّف،فحينئذٍ لا يكون الغير مقدوراً للمكلّف،فكيف يتعلّق به وجوب نفسيّ؟!](2) .

(2)ما بين المعقوفتين إضافة مستفادة من تقريرات بعض مقرّري بحث آية اللَّه البروجردي،و لم يكمل الإشكال في المخطوط.
حكم الشكّ في النفسيّة و الغيريّة

ثمّ إنّه لا إشكال فيما إذا علم أحد القسمين،و أمّا مع الشكّ في واجب بأنّه


145

نفسيّ أو غيريّ،فقد قال المحقّق الخراساني رحمه الله في بحثه: إنّ مقتضى الإطلاق هو الحمل على النفسيّة(1) ;سواء كان ذلك الغير واجباً في بعض الأحيان و غير

(1)كفاية الأُصول: 136.
واجب في بعضها،أو كان واجباً على‏ كلّ حال. أمّا في الأوّل فواضح;أنّ إطلاق الهيئة يقتضي أن يكون هذا واجباً،وجب غيره أو لم يجب. و أمّا في الفرض الثاني;فلأنّ مطلق اشتراط شي‏ء بشي‏ءٍ آخر تقييد لإطلاقه،و أصالة الإطلاق ترفع الشكّ في التقييد. هذا مضافاً إلى‏ أنّ الوجوب منصرفٌ إلى‏ النفسي. و فيه: أنّ ما أفاد في الشقّ الثاني-من تقييد الوجوب الغيري-غيرُ معقولٍ;لأنّ الوجوب الغيري ناشٍ من النفسي و معلول له،و لا يمكن أن يتقيّد المعلول بعلّته;للزوم تجافي العلّة عن محلّها،فالبعث الغيري المتأخّر عن البعث النفسي لا يمكن تقيّده به... للزوم تأخّر الشي‏ء عن نفسه و محلّه. و أمّا الانصراف الذي ادّعاه فهو في محلّه،لكن على‏ ما قرّرنا من الفرق بين النفسي و الغيري;فإنّ الواجب الغيري هو الواجب الفاني في الغير،و لا نفسيّة له أصلاً،و الواجب منصرف عنه،كما لا يخفى‏[42].

[42]إذا شككنا في واجب بأنّه نفسي أو غيري،يحمل على النفسي;لأجل الانصراف كما لا يبعد،لا بمعنى انصراف جامع إلى‏ أحد أقسامه;فإنّ التحقيق أنّ الموضوع له في الهيئة خاصّ،و أنّها في النفسي و الغيري لا تستعمل إلاّ استعمالاً إيجادياً لنفس البعث و الإغراء،و النفسية و الغيرية انتزاعيتان،لا من مقوّماته;بل لمّا كان البعث لأجل الغير نادراً،لا يعتني باحتماله العقلاء. و يمكن أن يقال: إنّ البعث المتعلّق بشي‏ء حجّة على العبد،و لا يجوز التقاعد عن طاعته باحتمال كونه مقدّمة لغيره إذا سقط أمره. (مناهج الوصول 1: 372).


146

تذنيبان:

الأوّل: في استحقاق المثوبات‏

قد اختلف كلمة أصحاب الكلام في أنّ هذه المثوبات-التي تكون في فعل الواجبات و المستحبّات،و ترك المحرّمات و المكروهات-هل هي بصِرف التفضّل منه تعالى‏ شأنه(1) أم العقل يحكم باستحقاق العبد;بحيث يُعَدّ عدم إعطائها قبيحاً

(1)شرح المقاصد 6: 126،أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 170 و انظر شرح القوشجي على التجريد: 384-السطر 19.
عليه تعالى‏(2) ؟

(2)المسلك في أُصول الدين: 17،إرشاد الطالبين: 413.
و القائلون بالاستحقاق استدلّوا: بأنّ حمل المشاقّ على الغير بلا أجر قبيح عقلاً،و لا شكّ أنّه في إطاعة المولى‏ مشقّات و رياضات للعبد،فلا بدّ من جبرانها بالأجر و الثواب(3) .

(3)إرشاد الطالبين: 413 و انظر شرح المقاصد 6: 125-126.
و لا يخفى‏ ما فيه من الوهن و الخطإ;فإنّه-مضافاً إلى أنّ العبد وجوده و قواه و حركاته و سكناته مملوكة للَّه تعالى‏ بالملكيّة الحقيقيّة القيّوميّة،و في مثلها لا معنى‏ للاستحقاق-أنّ أوامر اللَّه و نواهيه ألطاف عقليّة;لإصلاح حال العباد و تزكيتهم و تطهيرهم،و إيصالهم إلى‏ مدارج الكمالات النفسانيّة و الفضائل الروحانيّة،أو حفظ النظام الذي يرجع نفعه إليهم. و بالجملة: ليس في أوامره و نواهيه تعالى‏ نفع له;فإنّه غنيّ عن العالمين،بل المنافع ترجع إليهم،و إنّما أوامره و نواهيه كأوامر الطبيب و نواهيه;


147

لإصلاح حال المريض،فهل يجوز عند العقل أن يرجع المريض إلى الطبيب،و يطالبه بالأجر على‏ إطاعة أوامره و نواهيه-من شرب الأدوية البشعة،و ترك المشتهيات النفسانيّة-و يقول: إنّ حمل المشقّة على الغير بلا أجر قبيح. و هذا واضح لدى التفكّر في حال العبد مع اللَّه،و نسبة العبوديّة إلى الربوبيّة. و لعمري إنّ القول بالاستحقاق لا يخلو عن جسارةٍ على‏ ساحته المقدّسة،و عُجبٍ بالأعمال،و جهلٍ بحقيقة الحال. و أمّا استحقاق العقاب في مخالفة المولى‏،فهو ممّا حكم به العقل;فإنّ الخروج عن إطاعة المولى‏ هتك لمقام الربوبيّة،و في مثله يحكم العقل بالاستحقاق،و معناه أنّه لو عذّبه المولى‏ يكون في محلّه،لا أنّه يعذبّه [حتماً];فإنّ باب الرحمة و العفو واسعة. هذا،و لو التزمنا بالاستحقاق في امتثال الواجبات النفسيّة،فهل امتثال الأوامر الغيريّة-على‏ فرض وجوب المقدّمة-يوجب الاستحقاق(1) ،أم لا(2) ؟

(1)المستصفى من علم الأُصول 1: 72،إشارات الأُصول: 72-السطر 11.

(2)مطارح الأنظار: 68-السطر 34،كفاية الأُصول: 138-139.
التحقيق: -حسبما عرفت من أنّ الواجبات الغيريّة لا نفسيّة لها،بل باعتبار يمكن سلب الوجوب عنها-عدم الاستحقاق. و لكن هاهنا أمر آخر،و هو أنّ إتيان المقدّمات مع عدم تعلّق الوجوب الغيريّ بها-كما هو التحقيق-إذا كان لأجل الإتيان بذي المقدّمة،يوجب استحقاق المثوبة;فإنّ العقل لا يفرّق بين الإتيان بالواجب النفسي،و بين الإتيان بالواجب الغيري;لأجل إطاعة المولى‏،لا للشهوات،فإذا كان الباعث للعبد نحو المقدّمة إطاعة أمر ذي المقدّمة،و لا داعي له إلاّ الامتثال فيستحقّ المثوبة على القول بالاستحقاق;فإنّه تحمّل المشقّة له تعالى‏،و العقل يجد الفرق بين


148

مَنْ يتحمّل المشقّة بإتيان مقدّمات كثيرة للواجب النفسي،و مات قبل إتيانه،و بين مَنْ لم يتحمّلها،فالاستحقاق إنّما هو لأجل إطاعة الواجب النفسي و إن كان على‏ مقدّماته‏[43].

إشكال و دفع‏

ربّما يُشكل في بعض المقدّمات-كالطهارات الثلاث-من جهتين: الأُولى‏: من حيث ترتّب الثواب عليها،مع أنّ الأمر الغيري لا مثوبة فيه(1)

(1)اُنظر مطارح الأنظار: 70-السطر 19،و كفاية الأُصول: 139.
.

[43]أمّا استحقاق الثواب عليها باعتبار الواجب النفسي،فهو غير صحيح;فإنّ الآتي بالمقدّمات لأجل الإتيان بالواجب النفسي،لو لم يأت به لعذر أو لغيره،لم يأت بمتعلّق الأمر النفسي،و معه لا يعقل الاستحقاق بالمعنى الذي هو مورد البحث أي كون ترك الثواب ظلماً و قبيحاً;لأنّ استحقاق من لم يأت به: إمّا للأمر الغيري،فقد عرفت حاله،و إمّا للأمر النفسي،فمع عدم الإتيان بمتعلّقه لا وجه للاستحقاق. فلو أمر شخص أحداً بردّ ضالّته،فتحمّل المشقّة الكثيرة و لم يوفّق إلى‏ ردّها و رجع صفر الكفّ،فطالب بالأجر،فهل تراه محقّاً أو مبطلاً؟ لا أظنّك-بعد تشخيص محلّ النزاع-أن تشكّ في عدم الاستحقاق. نعم،إذا كان لذي المقدّمة مقدّمات كثيرة و تحصيلها مستلزم للمشقّات،يكون أجر نفس العمل بحسب المقدّمات مختلفاً،لا بمعنى التقسيط عليها،بل يكون التفاوت بلحاظها،فالآتي بالحجّ من البلاد النائية بأمر شخص،يكون أُجرته أكثر من أُجرة الآتي بالحجّ من غيرها،و لو أتى‏ بجميع المقدّمات و لم يأت بالحجّ،فليس له استحقاق للأُجرة;لعدم الإتيان بمتعلّق الأمر،فكذا الحال في أوامره-تعالى‏-بناء على الاستحقاق. و ظنّي أنّهم خلطوا بين الاستحقاق و ممدوحية العبد;بمعنى‏ إدراك العقل صفاء نفسه،و كونه بصدد إطاعة أمره،و كونه ذا ملكة فاضلة و سريرة حسنة;ضرورة أنّ الآتي بالمقدّمات مع عدم توفيقه لإتيان ذي المقدّمة ممدوح،لا مستحقّ للأجر بالمعنى المتقدّم. (مناهج الوصول 1: 380-381).


149

الثانية: من حيث إنّه يعتبر فيها قصد التقرّب و الامتثال،فلا بدّ من تعلّق الأمر الغيري بالطهارات بداعي أمرها،فيأتي الإشكال المعروف في الواجبات التعبّديّة: من كون الأمر داعياً إلى‏ داعويّة نفسه(1) و لا يأتي الجواب الذي قال‏

(1)مطارح الأنظار: 60-السطر 30،كفاية الأُصول: 95.
به المحقّق الخراساني رحمه الله هناك: من تعلّق الأمر بالأوسع من الغرض(2) ;لأنّ‏

(2)كفاية الأُصول: 95.
الأمر الغيري إنّما يتعلّق بالمقدّمة بملاك المقدّميّة،و لم يكن الملاك إلاّ في الطهارة المقيّدة بالتقرّب. هذا،و التحقيق في الجواب عن الأوّل ما عرفت: من أنّ الثواب لم يكن لأجل وجوبها الغيري،بل لأجل الوجوب النفسي المتعلّق بذي المقدّمة[44]. مضافاً إلى‏ أنّ الوضوء و الغسل من المستحبّات النفسيّة،فإن أتى‏ المكلّف بهما بداعي استحبابهما النفسي،فلا إشكال في ترتّب الثواب عليهما،و إن لم يكن له داعٍ إلاّ الإتيان بذي المقدّمة،فيأتي بهما لأجله،فيكون مُثاباً لأجل داعويّة الأمر النفسي لإتيانهما،كما عرفت. و عن الثاني: أنّ الجواب عن الإشكال هاهنا أهون;فإنّ الطهارة مع داعي الامتثال إذا كانت مقدّمة للصلاة،تكون نفس الطهارة أيضاً مقدّمة;فإنّها مقدّمة المقدَّمة،فيتعلّق الأمر بذات الطهارة لأجل المقدّميّة،و قد مرّ منّا التحقيق في مثل المقام،فتذكّر[45].

[44]قد مرّ الكلام في عدم ترتّب الثواب على الواجب الغيري(التعليقة 40)مع أنّ الثواب جعلي ليس باستحقاقي،و هو تابع للجعل،و قد يجعل على المقدّمات. (مناهج الوصول 1: 382).

[45]فالتحقيق: أنّ الطهارات الثلاث بما هي عبادات جعلت مقدّمة للصلاة و غيرها،و عباديتهالا تتوقّف على الأمر الغيري حتّى‏ ترد الإشكالات المتقدّمة. بل التحقيق: أنّ المعتبر في صحّة العبادة ليس الأمر الفعلي النفسي أيضاً،بل مناط الصحّة صلوح الشي‏ء للتعبّد به،و هذا ممّا لا يمكن الاطّلاع عليه غالباً إلاّ بوحي اللَّه تعالى‏،و بعد ما علم صلوح شي‏ء للتعبّد به و أُتي به بقصد التقرّب إليه-تعالى‏-يقع صحيحاً،قصد الأمر أو لا،بل لا يبعد دعوى ارتكاز المتشرّعة في إتيان الواجبات التعبّدية بقصد التقرّب إليه-تعالى‏-مع الغفلة عن الأمر بها،تأمّل. فلو فرض سقوط الأمر بواسطة عروض شي‏ء،فأتى به متقرّباً،تكون العبادة صحيحة. و لا يحتاج في عبادية الشي‏ء و وقوعه صحيحاً زائداً عن قصد التقرّب بما هو صالح للتعبّد به إلى‏ شي‏ء آخر،فالأمر النفسي المتعلّق بذي المقدّمة يدعو إلى الوضوء بقصد التقرّب;فإنّه مقدّمة للصلاة،فلا محالة يأتي المكلّف به كذلك. و بما ذكر ينحلّ جميع الشبهات. (مناهج الوصول 1: 383-385).


150

الثاني: في الوضوء التهيّئي‏

قد انقدح بما ذكرنا-من داعويّة الوجوب النفسي المتعلِّق بذي المقدّمة إلى‏ إتيان المقدّمات بلا احتياجٍ إلى‏ تعلّق الوجوب الغيري بها-: إمكانُ تطبيق الوضوء التهيّئي-المفتى به بين الأصحاب(1) -على القاعدة و إن لم نلتزم‏

(1)الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 49،الدروس الشرعية: 1-86،جواهر الكلام 1: 17-18.
بالوجوب التعليقي بالنسبة إلى‏ ذي المقدّمة;فإنّ علمَ المكلّف بأمر المولى في موطنه يدعوه إلى‏ إتيان مقدّمته قبل الوقت،فإنّ التوقيت لذي المقدّمة لا لمقدّمته،فالوضوء مقدّمة للصلاة مطلقاً;أتى‏ به قبل دخول وقتها أو بعده،فالإتيان به بداعي حصول مقدّمتها عند حضور وقتها ممّا لا إشكال فيه،فتدبّر. كما أنّه قد انقدح بما حقّقنا سابقاً: أنّه ليس الوضوء متعلَّقاً لأوامر كثيرة


151

حسب تكثّر الغايات،بل له أمر نفسيّ استحبابيّ فقط،نعم الأمر بالغايات يدعو إلى‏ إتيانه لأجل المقدّميّة بلا تعلّق أمر غيريّ به،فالأمر الغيري لا أساس له أصلاً،فالإشكال المعروف: من لزوم اجتماع المثلين أو الأمثال في الوضوء(1) لا

(1)اُنظر مطارح الأنظار: 70-السطر 23،حاشية كفاية الأُصول،المحقّق القوچاني 1: 100-101،حاشية كفاية الأُصول،المحقّق المشكيني 1: 178.
أساس له.
الأمر الرابع: في بيان ما هو الواجب في باب المقدّمة

لا إشكال في أنّ وجوب المقدّمة-بناء على الملازمة-يتبع في الإطلاق و الاشتراط وجوب ذي المقدّمة،فما عن صاحب«المعالم» رحمه الله: من أنّ وجوبها مشروط بإرادة المكلّف إتيانَ ذي المقدّمة(2) منظور فيه‏[46].

(2)معالم الدين: 74-السطر 3.
مضافاً إلى‏ أنّ تعلّق الأمر بشي‏ء إنّما هو لأجل الداعويّة و التحريك نحوه،فإذا كان المكلّف مريداً لإتيان ذي المقدّمة،فمن الضروري تعلّق إرادته بإتيان‏

[46]نسب إلى‏ صاحب«المعالم»أنّه قال: باشتراط وجوبها بإرادة ذي المقدّمة،و ردّ بأنّ المقدّمة تابعة لصاحبها في الإطلاق و الاشتراط،فيلزم أن يشترط وجوب الشي‏ء بإرادة وجوده،و هو واضح البطلان. لكنّ عبارة«المعالم»خالية عن ذكر الاشتراط،بل نصّ في أنّ الوجوب في حال كون المكلّف مريداً للفعل المتوقّف عليها،و هو و إن كان غير صحيح،لكن لم يكن بذلك الوضوح من الفساد. نعم يرد عليه: أنّ حال إرادة ذي المقدّمة غير دخيلة في ملاك وجوبها،مع أنّه حال إرادته لا معنى‏ لإيجاب مقدّمته;لأنّه يريدها لا محالة. (مناهج الوصول 1: 388).


152

مقدّمته،فبعد تعلّقها به يصير تعلّق الأمر به لغواً باطلاً غير صالح للداعويّة. و هل يعتبر في وقوعها على‏ صفة الوجوب أن يكون الإتيان بها بداعي التوصّل بها إلى‏ ذي المقدّمة كما يُتراءى‏ من ظاهر كلام بعض محقّقي مقرّري بحث الشيخ العلاّمة أعلى اللَّه مقامه(1) ،أو يعتبر فيه أن يترتّب ذو المقدّمة عليها

(1)مطارح الأنظار: 72-السطر 7.
بحيث لو لم يترتّب يكشف عن عدم وقوعها على‏ صفة الوجوب كما ذهب إليه صاحب الفصول رحمه الله (2) ،أو يعتبر فيه كلا الأمرين-أي قصد التوصّل،

(2)الفصول الغروية: 81-السطر 4 و 86-السطر 12.
و الموصليّة،أو لا يعتبر شي‏ء منهما(3) ؟

(3)كفاية الأُصول: 143.
و التحقيق عدم اعتبارهما: أمّا عدم اعتبار قصد التوصّل: فلأنّ تمام الملاك في تعلّق الوجوب بالمقدّمة-على القول بالملازمة-هو كونها مقدّمة;و ممّا يتوقّف عليها ذوها،و معلوم أنّ قصد التوصّل لا يكون ممّا يتوقّف عليه الواجب،فلا معنى‏ لترشّح الوجوب عليه منه;لفقدان ما هو الملاك. و ليعلم: أنّ المتراءى‏ من صدر كلام المحقّق المقرّر و إن كان ما ذكر،لكن بعد التأمّل في تمام كلامه و احتجاجاته يعلم أنّ قصد التوصّل إنّما اعتبره في التقرّب بالمقدّمة،لا في وقوعها على‏ صفة الوجوب،و هذا موافق للتحقيق;فإنّ التقرّب بها لا يحصل إلاّ مع قصد الامتثال،و هو لا يحصل إلاّ مع قصد الإيصال إلى‏ ذي المقدّمة،و لعلّ هذا موافق لما قلنا(4) : من أنّ استحقاق الثواب على المقدّمة إنّما

(4)تقدّم في الصفحة 147.


153

يكون لأجل الأمر النفسي،المتعلّق بذي المقدّمة الذي يدعو إلى مقدّمته. هذا حال قصد التوصّل. و أمّا المقدّمة الموصلة: فحاصل ما أفاد صاحب«الفصول» رحمه الله: أنّ الموصوف بالوجوب هو المقدّمة مع قيد الإيصال،و إلاّ يلزم الالتزام بجواز إتيان المقدّمة المحرّمة بلا توصّلٍ إلى‏ ذي المقدّمة،فيجوز دخول الملك الغصبي الذي يكون مقدّمة لإنقاذ الغريق مع عدم إنقاذه،و هو كما ترى‏. نعم،لو قصد التوصّل و لم يتوصّل أتى‏ بالمحرّم الواقعي،لكنّه معذور فيه،كما أنّه لو أتى‏ بالمقدّمة المحرّمة بلا قصد الإيصال،و لكن بدا له التوصّل إلى‏ ذي المقدّمة فتوصّل،أتى‏ بالواجب الواقعي،لكنّه متجرٍّ. و بالجملة: ما هو الواجب هو المقدّمة مع قيد الإيصال(1) .

(1)الفصول الغروية: 81-السطر 9.
و يرد عليه: أنّه إن أراد بوجوب المقدّمة الموصلة التفصيل بين المقدّمة التي هي موصلة بالحمل الشائع-أي ما يلزم من عدمه العدم و من وجوده الوجود-و بين غيرها;أي ما يلزم من عدمه العدم،كما هو شأن المقدّمية،لكن لا يلزم من وجوده الوجود،فهذا تفصيل بين المقدّمة السببيّة و غيرها;أي بين الأفعال التوليديّة التي لم تكن إرادة الفاعل متوسِّطة بينها و بين أسبابها،و بين غيرها[47]،و ليس هذا خلافاً جديداً،بل هو ما نُسب إلى‏ عَلَم الهدى السيّد

[47]إنّ المراد بالإيصال أعمّ من الإيصال مع الواسطة،فالقدم الأوّل بالنسبة إلى الحجّ قد يكون موصلاً و لو مع الوسائط إليه;أي يتعقّبه الحجّ،و قد لا يكون كذلك،و الواجب هو الأوّل. (مناهج الوصول 1: 395).


154

المرتضى‏ رحمه الله (1) ،و أنكره صاحب«المعالم»(2) . و يأتي حينئذٍ النزاع المعروف في‏

(1)حكى هذا القول عن السيّد،العلاّمة في نهاية الوصول: 129-السطر 14،اُنظر الذريعة إلى أُصول الشريعة 1: 83.

(2)معالم الدين: 57-السطر 5.
التسبيبيّات(3) : من أنّ الأوامر هل هي متعلّقة بالأسباب أو بمسبّباتها؟

(3)تقدّم في الصفحة 119-120.
و إن أراد بوجوبها وجوب جميع المقدّمات،لكنّه ذهب إلى‏ أنّ اتّصافها بالوجوب لا يكون إلاّ مع الإيصال،فتجب على المكلّف المقدّمة و تحصيل قيد الإيصال. ففيه: أنّ تحصيل هذا القيد لا يكون إلاّ بإتيان ذي المقدّمة،فبناء على الملازمة يترشّح الوجوب الغيري من نفس ذي المقدّمة على‏ نفسها بعدد المقدّمات،فيكون متعلَّقاً لوجوب واحد نفسيّ و وجوبات كثيرة غيريّة مترشّحة من ذاتها إلى‏ ذاتها. و بالجملة: يلزم أن يكون ذو المقدّمة مقدّمة لنفسها،و هو ضروريّ البطلان‏[48].

[48]لأنّه يتعلّق به الوجوب الغيري،بل وجوبات غيرية بعدد المقدّمات،بل يلزم أن يجب ذو المقدّمة الموصل إلى‏ نفسه و لو بوسط،و هو أفحش. و جوابه: أنّ القائل بهذه المقالة يقول: إنّ ما يتعلّق به الوجوب الغيري هو المقدّمة،مع قيد الإيصال إلى‏ ذي المقدّمة،فلا بدّ فيه من جهتين: الأُولى‏ كونه موقوفاً عليه،و الثانية كونه موصلاً إلى‏ ذي المقدّمة،و نفس ذي المقدّمة لا يكون موقوفاً على‏ نفسه،و لا يكون موصلاً إلى‏ نفسه،فلا يتعلّق به الوجوب الغيري،و توقّف وصف المقدّمة على‏ وجوده لا يوجب تعلّق الوجوب به. (مناهج الوصول 1: 394-395).


155

إيقاظ:

لا يخفى‏: أنّ كلاّ من صاحبي«المعالم»و«الفصول»و العلاّمة الأنصاري رحمهم اللَّه أرادوا-بما التزموا في باب مقدّمة الواجب-تصحيح العبادة التي يتوقّف على‏ تركها فعل الواجب;بناءً على‏ كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه،فإنّ تركها-على‏ مبنى‏ صاحب«المعالم»-لا يكون مطلقاً واجباً،بل الواجب هو الترك في حال إرادة فعل الواجب،و معلوم أنّ الآتي بالضدّ لا يريد فعل ضدّه،فلا يكون تركه مقدّمة. و سيأتي في باب الضدّ زيادة توضيحٍ لذلك،و كذا توضيح ما أراد صاحب«الفصول»و الشيخ العلاّمة الأنصاري رحمهما اللَّه،فانتظر.

تَذنيب: في ثمرة النزاع في هذه المسألة

لا يخفى‏: أنّه لا ثمرة مهمّة في هذه المسألة;ضرورة أنّ وجوب المقدّمة-على القول به-لا يكون وجوباً يترتّب عليه أثر;فإنّ هذا الوجوب الترشّحي لا يكون له إطاعة و معصية،و لا في إتيانه و تركه استحقاق مثوبة و عقوبة،و لا بدّ بحكم العقل من إتيان المقدّمة،تعلّق بها الوجوب الشرعي أو لا. و ما قيل به من سائر الثمرات-مثل البرّ بالنذر و غيره(1) -كلّها مخدوش،

(1)الفصول الغروية: 81-السطر 9 و 87-السطر 18،مطارح الأنظار: 80-السطر 30.
و منها الثمرة التي سيأتي ذكرها في باب الضدّ مفصّلاً(2) ،فلا داعي للتعرّض لها

(2)يأتي في الصفحة 164.
هاهنا.


156

تتمّة: حول الأصل عند الشكّ في الملازمة

لا أصل في المسألة يُعوَّل عليه عند الشكّ;فإنّ الملازمة لا حالة سابقة لها(1) [49]. و وجوب المقدّمة و إن كان مسبوقاً بالعدم(2) ،لكن جريان‏

(1)كفاية الأُصول: 155-156.

(2)كفاية الأُصول: 156.
الأصل فيه مشكل،فإنّ أصالة عدم تنجّز التكليف;بمعنى‏ عدم استحقاق العقوبة على‏ تركها،غير جارية;فإنّ التنجّز-مضافاً إلى كونه أمراً عقليّاً،ليس بيد الشارع جعله و رفعه-لا معنى‏ له في باب المقدّمة،فإنّه في تركها ليس استحقاق العقوبة،و لا في فعلها استحقاق المثوبة. و إن كان المراد بأصالة عدم الوجوب رفع فعليّته،ففيه: أنّه لا يُعقل رفع فعليّة وجوب المقدّمة مع فعليّة وجوب ذيها;فإنّ وجوب المقدّمة تابع لذيها في الوجود و مرتبته،فلا يعقل انفكاكهما في الفعليّة،و الفرض أنّ الشكّ في وجوب المقدّمة ناشٍ عن الشكّ في الملازمة و عدمها،و ليس الشكّ في وجوب مستقلّ يمكن رفعه و وضعه.
حول استدلال القائلين بوجوب المقدّمة

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ المشهور بين الأُصوليّين وجوب المقدّمة(3)

(3)معالم الدين: 57،الوافية في أُصول الفقه: 219،الفصول الغروية: 82-السطر 18.

[49]بل لو كانت معلومة بنحو الليس الناقص لما جرى الأصل;لعدم ترتّب حكم عليها بلا توسّط أمر عقلي;لأنّ الملازمة لم تكن موضوعة لحكم شرعي،بل العقل يحكم بعدم الوجوب على‏ فرض عدم الملازمة،و بتحقّقه على‏ فرض تحقّقها. (مناهج الوصول 1: 409-410)


157

و مقصودهم منه هو الوجوب الشرعي،لا اللابدّية العقليّة;فإنّها غير قابلة للنزاع و النقض و الإبرام(1) .

(1)قوانين الأُصول 1: 101-السطر 15،إشارات الأُصول: 68-السطر 12،مطارح الأنظار: 80-السطر 8.
و ليعلم: أنّ الشهرة في المسائل الأصليّة الفقهيّة و إن لم تبعد حجّيّتها،بل تترجّح عندنا،لكن ليست مسألتنا هذه منها;فإنّ الاشتهار في هذه المسألة-على الظاهر-لا يكون إلاّ بملاك إدراك الملازمة العقليّة،لا الأمر التعبّدي الواصل إليهم دوننا،ففي مثلها لا حجّيّة لاتّفاق الآراء فضلاً عن الشهرة;فإنّ الحاكم في مثلها العقل،فإن أدرك الملازمة فهو،و إلاّ فلا موجب لحكمه بالوجوب. نعم،ربّما يتوهّم: أنّ تفصيل بعضهم بين السبب و غيره (2) و بعضهم بين‏

(2)اُنظر الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 83،و المحصول في علم أُصول الفقه 1: 289.
الشرط الشرعي و غيره(3) -مع أنّ الملاك العقلي مطَّردٌ في جميعها-يُرجِّح كون‏

(3)شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 90،91.
الوجوب شرعيّاً،لا عقليّاً محضاً،و إلاّ فلا معنى‏ للتفصيل. و فيه: أنّ التفصيلين مبنيّان على اشتباه و خطإ لا بدّ من رفعهما;حتّى‏ يرفع التوهّم: أمّا التفصيل بين السبب و غيره،فمبنى الاشتباه فيه أنّ المسبّبات التوليديّة لا يعقل تعلّق الأمر بها،بل لا بدّ من صرف الأوامر المتعلّقة بها ظاهراً إلى‏ أسبابها;فإنّ القدرة إنّما تتعلّق بأسبابها،و إيجاد الأسباب عين إيجادها،و ليس بينها و بين أسبابها تخلّل إرادة و قدرة(4) .

(4)اُنظر الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 84 و 85،و قوانين الأُصول 1: 105.


158

و لا يخفى‏: أنّ هذا ليس تفصيلاً في مقدّمة الواجب،بل هو أجنبيٌّ عنها تماماً،مع أنّها في حدّ نفسها أيضاً باطلة;فإنّ المقدور مع الواسطة مقدورٌ كما مرّ(1) .

(1)تقدّم في الصفحة 119-120.
و أمّا التفصيل بين الشرط الشرعي و غيره،فغاية ما يُتوهّم فيه أنّ الشرطيّة-فيما لا يكون عند العقل شرطاً-إنّما تنتزع من تقييد المكلّف به به،كما إذا قيل: «صلِّ مع الطهارة»فلا بدّ من تعلّق الطلب المتعلّق بالمركّب به أيضاً(2) .

(2)اُنظر شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 91-السطر 16،و كفاية الأُصول: 159.
و لا يخفى‏ ما فيه;فإنّه-مضافاً إلى خروجه عن مورد النزاع في باب مقدّمة الواجب،فإنّ النزاع إنّما يكون في المقدّمات الخارجيّة،لا القيود و الشرائط-أنّ الشرائط الشرعيّة ترجع إلى العقليّة،فما يرى‏ أنّه يمكن وجوده بغير المقدّمة الشرعيّة،كالصلاة التي يتوهّم إمكان وجودها بلا طهارة عقلاً،لا يكون كذلك واقعاً;فإنّها حقيقة واقعيّة لا يمكن تحقّقها إلاّ بالطهور،فالشرائط الشرعيّة مقدّمات عقليّة كشف عنها الشارع. إذا عرفت ما ذكرنا: فقد استدلّ على‏ وجوب المقدّمة أبو الحسين البصري،و تبعه غيره: بأنّه لو لم تجب المقدّمة لجاز تركها،و حينئذٍ إن بقي الواجب على‏ وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق،و إلاّ خرج الواجب المطلق عن كونه واجباً مطلقاً;لصيرورته مشروطاً بإتيان مقدّمته،لكنّ اللازمين باطلان،فالملزوم مثلهما،فإذا بطل الملزوم-أي جواز الترك-وجبت المقدّمة،و هذا هو المطلوب(3) .

(3)اُنظر المعتمد في أُصول الفقه 1: 95،100،و المحصول في علم أُصول الفقه 1: 289،و معارج الأُصول: 74،و كفاية الأُصول: 157.


159

و الجواب عنه: أنّ ما يُضاف إليه الظرف إمّا أن يكون الجواز،و إمّا أن يكون الترك،فعلى الأوّل لا تصدّق الشرطيّة الثانية;فإنّه بمجرّد جواز الترك لا يلزم التكليف بما لا يطاق،و على الثاني لا ينتج القياس;لعدم تكرار الوسط[50]. و قد يستدلّ على‏ وجوب المقدّمة: بتعلّق الأوامر الشرعيّة و العرفيّة بها،كما هو واضح(1) .

(1)اُنظر مناهج الأحكام و الأُصول: 50-السطر 15،و كفاية الأُصول: 157.
و فيه: أنّ الأمر بالمقدّمة إنّما هو تحريك إلى المطلوب النفسي،لا تحريك إلى‏ المقدّمة. و قد يقال-كما عن بعض المعاصرين-: إنّ وزان الإرادة التشريعيّة كوزان الإرادة التكوينيّة في جميع الخصوصيّات،فكما أنّ الإرادة التكوينيّة إذا تعلّقت بشي‏ء تتولّد منها إرادة أُخرى‏ تتعلّق بمقدّماته،كذلك الإرادة التشريعيّة طابق النعل بالنعل،فلا بدّ من طلب غيريّ مقدّميّ متولِّد من الطلب النفسي(2) .

(2)فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 284.
و فيه: أنّه ممنوع;فإنّ الإرادة التشريعيّة ليست إلاّ البعث و التحريك نحو الفعل،ليحصل في نفس المكلّف حبّه و اشتياقه و إرادته،ليتحرّك نحو إيجاده،و هذا ليس إلاّ إنشاء البعث النفسي نحو ذي المقدّمة،بدون أن يكون هناك إنشاءات بعثيّة أُخرى‏. أ لا ترى‏: أنّه لو سُئل الآمر عن ذلك،لا يعترف بأزيد من بعث واحد متعلّق بذي المقدّمة. نعم،لا بأس بافتراض الوجوب الذي ليس له ثواب و لا عقاب‏

[50]مضافاً إلى‏ أنّه منقوض بالمتلازمين;لأنّ برهانه آتٍ فيهما،مع أنّ تعلّق الإرادة بملازم ما فيه المصلحة مع خلوّه عنها ممّا لا يعقل;للزوم تعلّقها بلا ملاك،و هو ممتنع. (مناهج الوصول 1: 414).


160

و لا بعث و لا تحريك نحو المقدّمة;فإن البعث إليها هو البعث إلى‏ ذيها حقيقة،لا إليها،تدبّر[51].

[51]اعلم: أنّ المريد لإيجاد الفعل لمّا رأى‏ توقّفه على المقدّمة،فلا محالة يكون جميع مبادئ إرادة المقدّمة موجودة في نفسه،من التصوّر،و التصديق بالفائدة،و الاشتياق التبعي في بعض الأحيان،و الغاية هي التوصّل إلى‏ ذي المقدّمة. و أمّا الإرادة التشريعية،فليست إلاّ إرادة البعث إلى الشي‏ء،و أمّا إرادة نفس عمل الغير،فغير معقولة;لأنّ عمل كلّ أحد متعلّق إرادة نفسه،لا غيره. نعم،يمكن اشتياق صدور عمل من الغير،لكن قد عرفت مراراً: أنّ الاشتياق غير الإرادة التي هي تصميم العزم على الإيجاد،و هذا ممّا لا يتصوّر تعلّقه بفعل الغير. فإرادة البعث لا بدّ لها من مبادٍ موجودة في نفس المولى‏،و هي بالنسبة إلى‏ ذي المقدّمة موجودة;لأنّ غاية البعث هو التوصّل إلى المبعوث إليه و لو إمكاناً،و هو حاصل. و أمّا إرادة البعث إلى المقدّمات،فممّا لا فائدة لها و لا غاية;لأنّ البعث إلى‏ ذي المقدّمة إن كان مؤثّراً في نفس العبد،فلا يمكن انبعاث فوق الانبعاث،و إلاّ فلا يمكن أن يكون البعث الغيري موجباً لانبعاثه مع كونه لنفس التوصّل إلى‏ ذي المقدّمة،و مع عدم ترتّب أثر عليه من الثواب و العقاب،فحينئذٍ تكون إرادة البعث من دون تمامية المبادئ من قبيل وجود المعلول بلا علّة تامّة. نعم،يمكن تعلّقها بها إرشاداً،أو لتأكيد ذي المقدّمة كناية. هذا،مع أنّ الضرورة قاضية بعدم إرادة البعث نحو المقدّمات;لعدم تحقّق البعث في غالب الموارد،فيلزم تفكيك الإرادة عن معلولها،فإرادة البعث غير حاصلة. (مناهج الوصول 1: 412-413).


161

المطلب الخامس في مسألة الضدّ

الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضدّه أم لا؟ أقوال(1) .

(1)اُنظر بدائع الأفكار،المحقّق الرشتي: 387-السطر 27 و 388-السطر 7.
و تحقيق الحال يستدعي
رسم أُمور:

الأوّل: كون المسألة من المبادئ الأحكامية

تقدّم أنّ المراد بالمبادئ الأحكاميّة هي لوازم الأحكام الشرعيّة و معانداتها،و حيث إنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة على الحكم الشرعيّ،لذا ناسب الأُصوليّ أن يبحث عن حال الأحكام من حيث استلزامها للمقدّمية،و للنهي عن الضدّ و هكذا،فتكون مسألتنا من المبادئ الأحكاميّة.

الثاني: في الضدّ العامّ‏

اختلفوا في الضدّ العامّ;أي الترك،فقيل: بأنّ الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضدّه العامّ،بدعوى‏ أنّ الأمر بشي‏ء-كالإزالة-هو عين النهي عن تركها وجوداً;


162

لأنّ حقيقة النهي عبارة عن طلب الترك،فإذا صار متعلّق الترك تركاً،يصير معنى النهي طلب ترك الترك،و هو عين طلب الفعل. و فيه: أنّ حقيقة النهي عبارة عن الزجر عن الفعل،لا طلب الترك،فلا تصحّ دعوى العينيّة. نعم،لا بأس بأن يقال: إنّ الأمر عين النهي عن ضدّه العامّ;فإنّه يصحّ أن ينسب إلى الآمِر بفعل: «أنّه زاجر عنه»على‏ نحو من المسامحة،كما ينسب إلى الناهي عن فعل: «أنّه طالب لتركه». لكن لا بمعنى‏ ثبوت تكليفين،حتّى‏ يلزم تعدّد العقاب في صورة العصيان،بل بمعنى اتّحاد البعث نحو الفعل مع الزجر عن تركه في الواقع و نفس الأمر،و إن اختلفا مفهوماً(1) .

(1)هذه العبارات تتميم موافق لما أفاد آية اللَّه البروجردي،استفدنا من بعض تقريرات بحثه.
الثالث: في الضدّ الخاصّ‏

قد استدلّ على اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه الخاصّ بوجهين: أحدهما: أنّ إتيان الضدّ مستلزم لترك ضدّه،و ترك الضدّ حرام;لكونه ضدّاً عامّاً للواجب،فإتيان الضدّ مستلزم للترك الحرام،و المستلزم للترك الحرام حرام،فضدّ الواجب حرام(2) [52].

(2)اُنظر معالم الدين: 67-السطر 13،و قوانين الأُصول 1: 114-السطر 21.

[52]و هذا الدليل يبتني على‏ ثلاث مقدّمات: إحداها: أنّ وجود كلٍّ من العينين مع عدم ضدّه متلازمان.

ثانيتها: أنّ المتلازمين محكومان بحكم واحد لا محالة. ثالثتها: أنّ الأمر بالشي‏ء مقتضٍ للنهي عن ضدّه العامّ. و الدليل على الأُولى‏: أنّ الضدّ لا يصدق مع ضدّه لبطلان اجتماعهما،فإذا لم يصدق هو لا بدّ من صدق نقيضه;لبطلان ارتفاع النقيضين،و لمّا لم يمكن الصدق الذاتي بين الوجود و العدم فلا بدّ و أن يكون عرضياً بنحو التلازم في الصدق،و هو المطلوب. و الجواب عنه: أنّ نقيض صدق إحدى العينين على الأُخرى‏ عدم صدقها عليها على‏ نعت السلب التحصيلي لا الإيجاب العدولي،و إلاّ لزم ارتفاع النقيضين;ضرورة كذب الإيجاب العدولي أيضاً;للزوم كون العدم صادقاً على الوجود و متلازماً معه فيه. هذا،مع أنّه لا شيئية له حتّى‏ يكون ملازماً لشي‏ء. مضافاً إلى‏ أنّ التلازم في الوجود يقتضي عروض الوجود للمتلازمين،فيلزم اجتماع النقيضين،فالغلط ناشٍ من عدم اعتبار الحيثيات و تقديم الحمل على السلب و عدم التفريق بين السوالب المحصّلة و الموجبات المعدولة،و كم له من نظير. و الدليل على الثانية: أنّ المتلازم مع وجوب ملازمه إن لم يكن واجباً،فلا بدّ و أن يكون محكوماً بحكم آخر;لعدم خلوّ الواقعة عن حكم،و الجامع بين ما عدا الوجوب هو جواز الترك،و مع جوازه يلزم إمّا خروج الواجب عن كونه واجباً،و إمّا التكليف بما لا يطاق. و الجواب أمّا أوّلاً: أنّ العدم ليس من الوقائع;فإنّه بطلان محض لا يمكن أن يكون-بما هو-محكوماً بحكم،و ما ترى‏ من نسبة الحكم إلى‏ بعض الأعدام،لا بدّ من إرجاعه إلى‏ مقابلاته،كوجوب تروك الإحرام و تروك المفطرات. و ثانياً: لم يقم دليل على‏ عدم خلوّ الواقعة عن الحكم،بل الدليل على‏ خلافه;فإنّ الواقعة لو لم يكن لها اقتضاء أصلاً،و لم يكن لجعل الإباحة-أيضاً-مصلحة،فلا بدّ و أن لا تكون محكومة بحكم،و الإباحة العقلية غير الشرعية المُدّعاة،و مع خلوّها عن الجواز الشرعي لا يلزم المحذور المتقدّم. هذا،مع أنّه لو سلّم فلزوم ما ذكر ممنوع. و قد مرّ الجواب عن الثالثة. (مناهج الوصول 2: 17-19).


163

و ثانيهما: أنّ ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه الواجب،و مقدّمة الواجب واجبة،فترك الضدّ واجب،فإذا وجب ترك الضدّ يكون فعله حراماً;لكونه ضدّاً


164

عامّاً له(1) .

(1)اُنظر معالم الدين: 67-السطر 10،و قوانين الأُصول 1: 114-السطر 10.
و لا يخفى‏: أنّ هذين الدليلين مأخوذان من نفس عنوان البحث،أحدهما: من إتيان الضدّ،و الآخر: من تركه. ثمّ لا يخفى‏: أنّ مقتضى‏ مجموع الدليلين هو الدور الواضح;فإنّ مقتضى الأوّل أنّ فعل كلٍّ من الضدّين علّة لترك ضدّه،فإنّ الضدّيّة من الإضافات المتشابهة الأطراف،فإذا كان وجود أحد الضدّين مستلزماً لترك ضدّه و علّة له-لمكان الضديّة-يكون وجود الآخر أيضاً كذلك،و مقتضى الثاني أنّ ترك كلٍّ من الضدّين مقدّم على‏ ضدّه;لعين ما ذكرنا،فوجود كلٍّ من الضدّين مقدّم على‏ ضدّه،و كلّ منهما مقدّم على‏ وجود ضدّه،و هذا دور مستلزم لاجتماع النقيضين،كما لا يخفى‏[53]. ثمّ إنّهم اختلفوا في مقدّميّة عدم الضدّ: فمنهم: من يظهر منه أنّ فعل كلٍّ منهما مقدّمة لترك الآخر،و تركه مقدّمة لفعله،فالتوقّف من الجانبين. و هذا القائل و إن لم يصرّح بذلك،لكنّه لازم قوله في البابين،فإنّه فيما نحن فيه ردّ الاستدلال-بأنّ ترك الضدّ مقدّمة،و مقدّمة الواجب واجبة-بأنّ وجوب المقدّمة ممنوع(2) ،فيظهر منه قبول المقدّميّة.

(2)شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 201-202.
و في ردّ قول الكعبي-بنفي الإباحة المستدلّ عليه: بأنّ كلّ فعل وجوديّ‏

[53]و فيه: أنّ التمانع إذا اقتضى‏ توقّف وجود أحد الضدّين على‏ عدم الآخر توقّف الشي‏ء على‏ عدم المانع،يقتضي-بمقتضى المقابلة-توقّف وجود الضدّ الآخر على‏ عدم ضدّه أيضاً،لا توقّف عدمه على‏ وجوده;لأنّ العدم ليس بشي‏ء حتّى‏ يتوقّف تحقّقه على‏ شي‏ء. (مناهج الوصول 2: 13-14).


165

مقدّمة لترك واجب-قال: إنّ مقدّمة الواجب ليست بواجبة(1) فيظهر منه قبول‏

(1)شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 96-97.
مقدّميّة الوجود للعدم. و منهم من قال: بتوقّف وجود الضدّ على‏ ترك ضدّه(2) .

(2)قوانين الأُصول 1: 108-السطر 20،و قد نسبه غير واحد إلى المشهور كما في بدائع الأفكار،المحقّق الرشتي: 372-السطر 17.
و منهم: من فصّل بين الضدّ الموجود و غيره،فقال بالتوقّف في الأوّل دون الآخر(3) .

(3)القائل هو المحقّق الخوانساري كما في مطارح الأنظار: 104-السطر 10.
و الحقّ: عدم التوقّف من الجانبين مطلقاً،وفاقاً للمحقّقين(4) لأنّ التوقّف‏

(4)مطارح الأنظار: 107-السطر 33،كفاية الأُصول: 161.
-إن كان-إنّما هو من جهة التعاند و الضدّيّة،لا من جهات أُخرى‏;فإنّها خارجة عن حريم البحث،فإذا كان المدّعى التوقّف من جهة الضدّيّة،فلا إشكال في أنّها لا تقتضي إلاّ عدم اجتماع الضدّين في محلّ واحد في زمان واحد،و رفع هذا الاجتماع و الاستحالة إنّما هو بقيام عدم أحد الضدّين-مع وجود الضد الآخر-مقام وجوده،و هذا لا يقتضي تقدّم العدم على الوجود. و بعبارة أُخرى‏: أنّ ما يرفع الاجتماع المستحيل هو رفع أحد الضدّين مع وجود ضدّه،و هذا لا يقتضي إلاّ كون الرفع مع وجود ضدّه لا مقدّماً عليه،و الفرض أنّه لا مقتضي آخر للتقدّم غير التعاند و الضديّة[54].

[54]و التحقيق: أنّ التوقّف مطلقاً باطل فيهما;لأنّ العدم ليس بشي‏ء،بل باطل محض،فلا يمكن أن يكون دخيلاً في تحقّق شي‏ء أو متأثّراً من شي‏ء،فما لا شيئية له يسلب عنه بالسلب التحصيلي جميع الأُمور الثبوتية،و لا شكّ أنّ التوقّف من طرف الموقوف‏و الموقوف عليه ثبوتي،و ثبوته له فرع ثبوت المثبت له،بل ثبوت كلّ شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوته،فما لا شيئية له لا تقدّم له و لا تأخّر و لا مقارنة،فكلّ الحيثيات مسلوبة عنه سلباً تحصيلياً،لا بمعنى‏ سلب شي‏ء عن شي‏ء،بل السلب عنه من قبيل الإخبار عن المعدوم المطلق: بأنّه لا يخبر عنه;لأجل التوسّل بالعناوين المتحصّلة في الذهن. (مناهج الوصول 2: 14).


166

نعم،يكون التزاحم بين علّتي وجود الضدّين في مرتبة متقدّمة،فإذا اقتضى‏ كلّ من علّتي الضدّين وجود معلوله يقع التزاحم لأجل التعاند بين المعلولين،فيقدّم الغالب،فيوجد معلوله،أو يتمانعان إذا لم يغلب أحدهما الآخر.

الرابع: في ثمرة المسألة

تظهر الثمرة في بطلان العبادة إذا كانت ضدّاً للمنهيّ عنه،بناءً على الاقتضاء. و عن البهائي رحمه الله إنكارها;بدعوى‏ أنّ الأمر بالضدّ و إن لم يقتضِ النهي عن ضدّه،لكن يقتضي عدم الأمر به;ضرورة امتناع تعلّق الأمر بالضدّين،مع أنّ صحّة العبادة تتقوّم بقصد التقرّب،و هو لا يحصل إلاّ بقصد امتثال الأمر(1) .

(1)زبدة الأُصول: 82-83.
و لا يخفى‏: أنّ ما اشتهر-من أنّ الأمر بالضدّين قبيح لا يصدر من الحكيم(2) -

(2)الذريعة إلى أُصول الشريعة 1: 178،درر الفوائد،المحقّق الحائري: 145،نهاية الوصول: 136-السطر 16.
ليس على‏ ما ينبغي،بل الحقّ أنّ الأمر بالضدّين;بإرادة البعث مع الالتفات إلى الضدّيّة و استحالة تحقّقهما في الخارج،محالٌ لا يمكن صدوره من مريد مطلقاً،فإنّ البعث إلى المحال مع الالتفات ممّا لا يمكن صدوره من العاقل،لا لأجل القبح،بل لأجل امتناع البعث إلى المحال.


167

ثمّ إنّ القوم تشبّثوا لردّ إيراد البهائي رحمه الله بوجوه: الوجه الأوّل: أنّ مجرّد الرجحان و المحبوبيّة يكفي لصحّة التقرّب،و لا تحتاج العبادة إلى الأمر،و لا يجد العقل فرقاً بين الفرد المبتلى‏ بالمزاحم و غيره في وجدان تمام الملاك،من غير منقصة في المبتلى‏ لأجل التزاحم(1) .

(1)كفاية الأُصول: 166.
الوجه الثاني: بناءً على احتياج صحّة العبادة للأمر،لا نسلّم امتناع تعلّق الأمر بشيئين;يكون أحدهما موسّعاً،و الآخر مضيّقاً،بل المسلّم امتناع تعلّقه بالمضيّقين،فيجوز تعلّق الأمر بالصلاة من دلُوك الشمس إلى‏ غَسَق الليل،و بإزالة النجاسة عن المسجد في أوّل الوقت(2) .

(2)جامع المقاصد 5: 13-14،قوانين الأُصول 1: 116-السطر 2.
لكن لا يخفى‏: أنّه في الأوامر الموسّعة-إذا التزمنا بالتخيير الشرعي بين الأفراد-لا تدفع الاستحالة;ضرورة امتناع تعلّق الأمر بشي‏ء معيّناً و تعلّق الأمر بضدّه على‏ نحو التخيير;لاستلزامه الأمر بالضدّين. نعم،ما هو الحقّ و الظاهر من الأدلّة-من أنّ الأوامر إنّما تتعلّق بالطبائع،و يكون الزمان مع كونه كلاًّ ذا أجزاء وهميّة،لا كليّاً ذا أفراد،ظرفاً لوقوع الطبيعة فيه،و تكون الطبيعة متكثّرة الأفراد باعتبار وقوعها في الزمان الموسّع-يدفع الاستحالة;ضرورة عدم تعلّق الأمر بالأفراد،بل ما يتعلّق الأمر به هو الكلّي الطبيعي،و الأفراد بخصوصيّاتها غير مأمور بها،و لا يكون تحقّق الامتثال بها لأجل تعلّق الأمر بالخصوصيّة،بل لأجل تعلّقه بالكلّي. و بالجملة: لا ضدّيّة بين الأمر المتعلّق بالطبيعة في ظرف موسّع-كالزمان،مثل إيقاع الصلاة من دلوك الشمس إلى‏ غَسَق الليل،و كالمكان الموسّع،مثل الوقوف في عرفات-و بين الأمر المتعلِّق بفرد مضادّ مع فرد منها;لعدم سراية


168

الأمر المتعلِّق بالطبيعة إلى الأفراد،و عدم كون الفرد بخصوصيّاته متعلَّقاً للأمر. و بما ذكرنا: -من عدم سراية الأمر المتعلّق بالطبيعة إلى الخصوصيّات المميّزة الفرديّة-يظهر فساد ما قيل: من أنّ الأمر بالموسّع على‏ سبيل الإطلاق يضادّ الأمر بالفرد المعيّن،فلا يمكن إرادة كليهما و لا إيجابهما،فإنّ الممتنع الشرعي كالعقلي،فإذا صار إطلاق الأمر بالطبيعة منشأ لتفويت الواجب المضيّق،فلا بدّ من تقييده أو تخصيصه بغير الفرد المعيّن(1) ;فإنّ المنافاة بينهما إنّما تكون لو

(1)اُنظر جامع المقاصد 5: 13،و مطارح الأنظار: 119-السطر 24،درر الفوائد،المحقّق الحائري: 140،الهامش.
سرى الأمر بالطبيعة إلى الخصوصيّات المشخَّصة المميِّزة الفرديّة،مع أنّ الأمر ليس كذلك;لأنّ متعلَّقه في الموسّع هو الطبيعة المجرّدة عن الخصوصيّات،و هي متعلّق واحد لأمر واحد،فلا معنى‏ للتقييد و التخصيص فيها. و بالجملة: نشأ الاشتباه من توهّم سراية الأمر بالطبيعة إلى‏ أفرادها،مع أنّها ممنوعة;ضرورة أنّ المولى‏ لا بدّ و أن يأخذ في متعلَّق تكليفه كلّ ما هو دخيل في تحصيل المصلحة،و تكون حدود الموضوع-بجميع أجزائه و شرائطه-مأخوذة في متعلّق أمره لا يشذّ منها شي‏ء،و لا يجوز أخذ ما ليس دخيلاً في المصلحة فيه;للزوم اللغو و الجُزاف،فكما أنّ عدم أخذ ما هو دخيل في المصلحة ممتنعٌ;للزوم التفويت،كذلك أخذ ما ليس دخيلاً فيها في المتعلَّق ممتنعٌ;للزوم اللّغو و الجُزاف. فإذا قامت المصلحة بالطبيعة الكلّيّة في الظرف الموسّع الزماني أو المكاني،فلا يمكن أخذ خصوصيّة من الظرفين-أيّة خصوصيّة كانت-في متعلّق التكليف،فلو تعلّق التكليف بالصلاة من دلوك الشمس إلى الغروب،لا يكون شي‏ء من أجزاء الزمان متعلَّقاً للتكليف،و مأخوذاً في المتعلّق على نعت


169

الخصوصيّة المميّزة،و لو مضى‏ من أوّل الوقت مقدار أربع ركعات لا تصير الطبيعة مخصَّصة;فإنّ القدرة على الطبيعة بحالها و إن سلبت عن الفرد،فالفرد الخارج عن تحت القدرة بواسطة مضيّ الوقت لم يكن متعلَّق الأمر،و الطبيعة المأمور بها مقدورة ما دام الوقت باقياً،و لو مضى الوقت،و لم يبقَ منه إلاّ مقدار أربع ركعات،لا يصير الفرد بخصوصيّته متعلّقاً للأمر لأنّ الخصوصيّة غير دخيلة في تحصيل المصلحة،فأخذُها في المتعلَّق جزاف. نعم،مع ضيق الوقت يصير تحريك الأمر نحو الطبيعة تحريكاً لإتيان الفرد بالتبع;بمعنى‏ أنّ العقل يحكم بلزوم إتيان الفرد،لخروج الطبيعة مع مضيّ هذا الزمان أيضاً عن تحت القدرة،و يكون في تركه تفويت المصلحة. و بالجملة: إنّ الفرد بخصوصيّته لا يكون متعلّقاً للأمر،و لا يكون الأمر بالطبيعة مضادّاً مع الأمر بالفرد. و بهذا يظهر فساد ما قيل: من أنّ الفرد إذا كان مبتلىً بالضدّ في الأفراد الطوليّة كالزمان،فلا بدّ و أن تصير الطبيعة مخصّصة بالنسبة إليه;لأنّ الطبيعة غير مقدورة;لعدم تصوّر فرد لها مقدور في الزمان المبتلى‏ بالضدّ،و هذا بخلاف الأفراد العرضيّة;فإنّ القدرة عليها محفوظة مع فردٍ ما. وجه الفساد: أنّ الطوليّة و العرضيّة لا دخالة لهما فيما ذكرنا من أنّ الطبيعة الكلّيّة تحت الأمر،و هي مقدورة ما دام فرد مّا منها مقدوراً،ففي الزمان الذي يكون الفرد مبتلىً بالضدّ،تكون الطبيعة مقدورة لأجل الأفراد الأُخر،و لا تكون الطبيعة مقيّدة بزمان خاصّ حتّى‏ تصير غير مقدورة فيه إذا ابتلي بالضدّ. و لعمري إنّ هذا الاشتباه ناشٍ من اشتباه الكلّي بالفرد;فإنّ الغير المقدور هو الطبيعة المقيّدة بالزمان،لا الطبيعة الكلّيّة الغير المقيّدة[55].

[55]هذا،و يمكن أن يقال: إنّ ملاك استحالة الأمر بالضدّين-و هو التكليف بالمحال-موجودمع تضييق الوقت،أو انحصار الفرد،أو كون الأفراد طولية;فإنّ معنى‏ تعلّق الأمر بالطبيعة هو البعث إلى‏ إيجادها،و الأمر و إن تعلّق بنفس الماهية لكنّ البعث إليها هو البعث إلى‏ إيجادها،فمع ضيق الوقت إن كان البعث إلى‏ إيجادها فعلياً،و كذلك إلى‏ ضدّ مصداقها،ينتهي الأمر إلى التكليف بالمحال;لأنّ إيجاد الطبيعة و ضدّ المصداق ممّا لا يمكن في الوقت المضيّق،و كذا الحال مع انحصار المصداق،بل مع كون الأفراد طولية;فإنّ فعلية الأمر بالطبيعة في وقت يكون فردها مبتلى بالضدّ الواجب،لازمها التكليف بالمحال. هذا،لكن سيأتي تحقيق الحال بما يدفع الإشكال،فانتظر. (مناهج الوصول 2: 22).


170

هذا حال الموسّع و المضيّق،و قد عرفت صحّة تعلّق الأمرين بالطبيعة و الفرد بلا لزوم محالٍ.

تحقيق في مسألة الترتّب‏

الوجه الثالث: تصوير تعلّق الأمرين بشيئين مضيّقين على‏ نحو الترتّب،و بيانه يتوقّف على‏ مقدّمات:

الأُولى‏:

-و هي العمدة في هذا الباب و إن غفل عنها القائلون بالترتّب،أو لم يعتنوا بها كما هو حقّها،و اعتنوا بمقدّمات أُخر ليست كثيرة الدخالة في تحقيق المطلب-أنّ الملاك في بطلان الأمر بالضدّين و استحالته ليس هو الأمر بالمحال;فإنّ الأمر المتعلّق بكلٍّ من الضدّين أمر بالمقدور الممكن لا المحال،و مجموع الأمرين ليس موجوداً على‏ حِدَة،فالأمر بالصلاة في أوّل الزوال أمر بمقدور ممكن،و الأمر بأداء الدين فيه أمر أيضاً بممكن مقدور،و ليس هاهنا أمر آخر يكون أمراً بممكن أو محال،فليس ملاك استحالة الأمرين بضدّين هو الأمر بالمحال. بل الملاك هو أنّ البعث إلى‏ أحد الضدّين في رتبة البعث إلى الضدّ الآخر،يكون مشتركاً في الاستحالة مع الأمر بجمع الضدّين;ضرورة عدم إمكان العبد


171

من الجمع بين الضدّين،فالمولى‏ إذا توجّه إلى ذلك لا يمكن أن يأمره بأحد الضدّين في رتبة الأمر بالضدّ الآخر;فإنّ البعث إلى أحدهما-في رتبة البعث إلى الآخر-شريك الأمر بالجمع بين الضدّين في الملاك،لا هو نفس الأمر بالضدّين،فإذا أمر بالصلاة في أوّل الزوال،لا يمكن أن يأمر بإزالة النجاسة من المسجد في رتبة هذا الأمر،لا للأمر بالجمع بين الضدّين،بل لوجدان ملاكه.

الثانية: أنّ رتبة عصيان كلّ أمر متأخّرة عن نفس الأمر،

كما أنّ رتبة إطاعته كذلك،فما لم يكن هنا أمر،لم يكن و لم يمكن عصيان و لا إطاعة،فهما متأخّران عن الأمر و النهي المتعلّقين بالموضوع،و هذه واضحة[56].

[56]إنّ العصيان لا يكون متأخّراً رتبة عن الأمر;لعدم ملاك التأخّر الرّتبي فيه;فإنّه إمّا من ناحية العلّية و المعلولية،أو كون شي‏ء جزء للعلّة أو جزء للماهية أو شرطاً للتأثير أو التأثّر،و كلّها مفقود بالنسبة إلى العصيان. لا يقال: إنّ إطاعة كلّ أمر متأخّرة عن الأمر رتبة;لأنّها عبارة عن الانبعاث عن البعث،و لا إشكال في تأخّر الانبعاث عن البعث رتبة تأخّر المعلول عن علّته أو عن جزئها،و العصيان عبارة عن ترك الامتثال بلا عذر،و هو مصداق نقيض الإطاعة،و الماهية و مصداقها ليسا في رتبتين;لمكان اتّحادهما الذاتي،فالعصيان في رتبة نقيض الإطاعة،و نقيض الإطاعة في رتبتها;لأنّ النقيضين في رتبة واحدة،و ما مع المتأخّر رتبة متأخّر كذلك،فينتج أنّ العصيان متأخّر عن الأمر. (مناهج الوصول 2: 46-47). فإنّه يقال: منع كون النقيضين في رتبة واحدة;لأنّ نقيض كلّ شي‏ء رفعه،فنقيض البياض في المرتبة رفعه على‏ أن يكون القيد للمسلوب لا للسلب،فإذا لم يصدق كون المعلول في رتبة علّته،صدق عدم كونه في رتبتها بنحو السلب التحصيلي مفاد الهلية المركّبة،أو بنحو السلب المحمولي للمقيّد على أن يكون القيد للمسلوب،و إن كذب كون عدمه في رتبتها،فنقيض كون المعلول في رتبة العلّة عدم كونه في رتبتها،لا كون العدم في رتبتها. (مناهج الوصول 2: 12-13).

نعم،العصيان يتأخّر عن الأمر زماناً لو أُغمض عن الإشكال الآتي،و هو غير التأخّر الرّتبي. هذا،مضافاً إلى‏ أنّ العصيان عبارة عن ترك المأمور به بلا عذر،و هو معنى عدمي لا يمكن أن يتّصف بحيثية وجودية مطلقاً. و قد تكرّر منّا: أنّ القضايا الصادقة التي موضوعاتها أُمور عدمية لا بدّ و أن تكون من السالبة المحصّلة أو ترجع إليها،و الموجبات مطلقاً لا تصدق في الأعدام إلاّ بتأوّل،و في بعض القضايا الغير المعتبرة،كقوله: «العدم عدم»،فالعصيان بما أنّه عدمي لا يمكن أن يتأخّر عن شي‏ء أو يتقدّم،و لا يمكن أن يكون موضوعاً لحكم و لا شرطاً لشي‏ء أو مانعاً عنه. و بما ذكرنا ينهدم أساس الترتّب;لأنّه مبنيّ على التقدّم و التأخّر الرتبيين،و هما بين الأمر و إطاعته-على‏ تأمّل فيه أيضاً-لا بينه و بين عصيانه. اللّهم إلاّ أن يجعل الموضوع هو الذي لا يأتي بالمأمور به بلا عذر،لكن مع ذلك لا يكون التقدّم رتبياً. (مناهج الوصول 2: 47-48).


172

الثالثة: أنّ شرائط التكاليف متقدّمة عليها

نحو تقدّم الموضوعات على الأحكام،فالاستطاعة متقدّمة رتبة على الأمر المتعلّق بالحجّ بشرط الاستطاعة. و إن شئت قلت: إنّ الشرائط كلّها ترجع إلى‏ تقيّد الموضوع بها،فتقدّمها على الأمر تقدّم الموضوع على الحكم،فكما أنّ الأمر إذا تعلّق بالمستطيع،فقيل: «يجب على المستطيع الحجّ»،تكون الاستطاعة متقدّمة عليه،كذلك الأمر المشروط،بل تقدّم الشرط عليه أوضح‏[57].

[57]أقول: ما ذكره من عدم تأخّر الحكم عن شرطه زماناً متين،سواء رجعت الشرائط إلى‏ قيود الموضوع أو لا... ،لكن كلّ شرط إنّما يتقدّم على‏ مشروطه رتبة في ظرف تحقّقه،لا حال عدمه. و بعبارة أُخرى‏: أنّ وجود الشرط يتقدّم على المشروط تقدّماً رتبياً،فقبل وجود الشرط لا يمكن تحقّق المشروط بالضرورة،فحينئذٍ يلاحظ فإن كان الشرط أمراً زمانياً فلا بدّ من‏تحقّقه في زمانه حتّى‏ يتحقّق بعده مشروطه بلا تخلّل آن بينهما،و كذا لو كان غير زماني. فإذا فرضنا واجبين مضيّقين أحدهما أهمّ،كإنقاذ الابن في أوّل الزوال و إنقاذ العمّ في أوّله،و يكون ظرف إنقاذ كلٍّ منهما ساعة بلا نقيصة و لا زيادة،فمع أمر المولى‏ بإنقاذ الابن مطلقاً لا يعقل تعلّق أمره بإنقاذ العمّ مشروطاً بعصيان أمر الأهمّ;لأنّ العصيان عبارة عن ترك المأمور به بلا عذر في مقدار من الوقت يفوت به الإتيان به،و لا محالة يكون ذلك في زمان،و لا يعقل أن يكون الترك في غير الزمان;أي في ظرفه محقّقاً للمعصية;لعدم محقّقية الفوت به،ففوت الأهمّ المحقّق لشرط المهمّ لا يتحقّق إلاّ بمضيّ زمان لا يتمكّن المكلّف من إطاعة أمره،و مضيّ هذا الزمان كما أنّه محقّق لفوت الأهمّ،محقّق لفوت المهمّ أيضاً،فلا يعقل تعلّق الأمر بالمهمّ في ظرف فوته،و لو فرض الإتيان به قبل عصيان الأهمّ،يكون بلا أمر،و هو خلاف مقصود القائل بالترتّب. (مناهج الوصول 2: 38-39). و هذا الإشكال يهدم أساس الترتّب،سواء في مضيّقين،أو مضيّق و موسّع. أمّا الأوّل: فقد عرفت. و أمّا الثاني: فبعين ما ذكرنا;لأنّه إذا فرض كون أحدهما موسّعاً،لكن يكون أوّل زمانه أوّل الزوال الذي هو ظرف إتيان المضيّق،لا يعقل تعلّق الأمر بالموسّع أوّل الزوال مشروطاً بعصيان المضيّق;لما عرفت من أنّ العصيان ترك المأمور به في مقدار من الزمان يفوت به الأهمّ،فلا بدّ من تعلّق الأمر بالموسّع بعد مضيّ زمان يتحقّق به العصيان،و هو هدم أساس الترتّب. و كذا الحال لو فرض أنّ العصيان آنيّ الوجود;لأنّه قبل مضيّ هذا الآن لا يتحقّق شرط المهمّ،فيكون ظرف تحقّق أمر الأهمّ فقط،و بتحقّقه سقط أمر الأهمّ بحصول العصيان و مضيّ أمد اقتضائه،و لا يُعقل بقاؤه على‏ فعليته بعد عصيانه و مضيّ وقته،فتفويت متعلّق الأهمّ في رتبة متقدّمة أو آنٍ متقدّم على‏ تعلّق أمر المهمّ،و سقوط أمر الأهمّ و ثبوت أمر المهمّ في رتبة واحدة أو آنٍ واحد،فأين اجتماعهما؟! و إن شئت قلت: إنّ اجتماعهما مستلزم لتقدّم المشروط على‏ شرطه،أو بقاء فعلية الأمر بعد عصيانه و مضيّ وقته،و هما باطلان. (مناهج الوصول 2: 40-41).


173

إذا عرفت ذلك يتّضح لك تصوير الترتّب،و لا تحتاج إلى‏ طول مقدّمات غير دخيلة في المقصود;فإنّ الأمر بالمهم أمر بمقدور،و كذا الأمر بالأهمّ،فلا يكون


174

ملاك الاستحالة هو الأمر بالمحال،كما عرفت في أُولى المقدّمات،فلا بدّ للقول بالاستحالة من التشبّث بالكبرى الأُخرى‏،و هي وحدة الملاك بين الأمر بهما و بين الأمر بالجمع بين الضدّين في الاستحالة،و وحدة الملاك إنّما هي مسلّمة إذا كان البعثان في رتبة واحدة،فيتعلّق البعث بالمهمّ في رتبة تعلّقه بالأهمّ. لكن الأمر فيما نحن فيه ليس كذلك;فإنّ البعث بالمهمّ متأخّر رتبة عن البعث بالأهمّ بمرتبتين،فإنّ البعث بالمهمّ مشروط بعصيان الأهمّ،فالعصيان متقدّم عليه تقدّم الموضوع على‏ حكمه،و عصيان الأهمّ متأخّر رتبة عن الأمر بالأهم فالأمر بالأهمّ متقدّم على‏ عصيانه،و هو متقدّم على الأمر بالمهمّ،فالأمر بالأهمّ متقدّم على الأمر بالمهمّ برتبتين،فملاك الاستحالة-أي كون البعثين في رتبة واحدة-غير موجود،فالترتّب حقٌّ. فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ ملاك الاستحالة في الأمر بالضدّين ليس موجوداً فيما نحن فيه;فإنّ أحد الأمرين مشروط بعصيان الآخر،و متأخّر عنه. فإن قلت: بناءً على‏ ما ذكرت: -من أنّ الأمر بالأهمّ لا يكون في رتبة عصيانه-لا بدّ أن يشترط الأمر به بعدم عصيانه،كما أنّ الأمر بالمهمّ مشروط بعصيانه،فالأمران كلاهما مشروطان،أحدهما: بعدم عصيان نفسه،و ثانيهما: بعصيان ضدّه،مع أنّ اشتراط الشي‏ء بعصيانه و لا عصيانه غير معقول;للزوم التناقض و تحصيل الحاصل،كما أنّ إطلاقه أيضاً غير معقول;لأنّ الإطلاق و الاشتراط توأمان في الجواز و اللاّجواز. قلت: إنّ الأمر بالأهمّ لا يكون مشروطاً بشي‏ء أصلاً،بل هو متعلّق بذات العاصي و المطيع-أي الإنسان-و هو الذي يعبّر عنه بالإطلاق الذاتي،و لا محذور فيه. إن قلت: إنّ الأمر بالأهمّ طارد للأمر بالمهمّ;لمكان المضادّة و إطلاقه


175

الذاتي،و إن كان الأمر بالمهمّ غير طارد للأمر بالأهمّ;لمكان الاشتراط. قلت: كلاّ;فإنّ رتبة العصيان رتبة غيبة الأمر و عدم تأثيره في تحريك العبد،و الأمر و إن كان موجوداً،لكنّه في موضوعه المتقدّم على العصيان،و هو أمر غير ذي أثر في رتبة العصيان،و الأمر بالأهمّ متقدّم على الأمر بالمهمّ برتبتين،و لا يمكن التجافي لا من ناحية الأمر بالأهم المتقدّم،و لا من ناحية الأمر بالمهمّ المتأخّر،فلا يعقل أن يكون واحد منهما طارداً لصاحبه. و قد عرفت: أنّ ملاك الاستحالة هو المطاردة،و ملاكها هو كون الأمرين في رتبة واحدة. إن قلت: إن كان اختلاف الرتبة مصحِّحاً للأمر بالضدّين و موجباً لرفع المطاردة،فليجُز الأمر بالضدّين مع اشتراط أحدهما بإطاعة الآخر;فإنّ ملاك رفع المطاردة-و هو التقدّم و التأخّر الرتبيّان-موجود في ذلك أيضاً(1) .

(1)اُنظر كفاية الأُصول: 167.
قلت: كلاّ،فإنّ الفرق بينهما كالنار على المنار;فإنّ الأمر بإيجاد شي‏ء مع اشتراطه بإيجاد ضدّه في هذا الزمان بعث نحو الضدّين و تحريك نحو المتنافيين،و فيه ملاك الأمر بالضدّين،بل يكون أسوأ حالاً من الأمر بشيئين في مرتبة واحدة;يكون كلّ واحد منهما مقدوراً في ذاته،و غير مقدور في رتبة البعث إلى الآخر. فإن قلت: على‏ هذا لو ترك المكلّف الضدّين فلا بدّ من الالتزام بعقابين،مع أنّه عقاب بأمر غير مقدور;لعدم القدرة على‏ إيجادهما(2) .

(2)كفاية الأُصول: 168.
قلت: أيّ مانع عقليّ من الالتزام بعقابين بعد فرض توجّه أمرين على‏ نحو الترتّب;لأنّ القدرة متحقّقة،لكن على‏ سبيل الترتّب. فالعبد قادر على‏ إتيان


176

الأهمّ،و حينئذٍ لا عقاب له أصلاً،و قادر على‏ إتيان المهم فحينئذٍ عليه عقاب واحد على‏ ترك الأهمّ،و قادر على‏ ترك المهمّ أيضاً،فله عقابان و ليس العقابان على‏ أمر غير مقدور. و بالجملة: ما هو المصحِّح لتعلّق الأمرين هو المصحِّح لصحّة العقوبتين. ثمّ إنّه قد يشتبه الأمر بسبب اختلاط العصيان الرتبي بالخارجي،فيقال: إنّ شرط الأمر بالمهمّ لمّا كان هو عصيان الأمر بالأهمّ،و هو لا يتحقّق إلاّ بمضيّ زمان الأهمّ،فيكون الأمر بالمهمّ بعد مضيّ زمان إتيانه;لأنّ المفروض اتّحاد زمان الأهمّ و المهمّ،و هو كما ترى‏(1) .

(1)اُنظر فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 346.
و الجواب: أنّ الشرط هو العصيان الرتبي،و هو يحصل قبل انقضاء الزمان،لا العصيان الزماني المتوقّف على مضيّ زمانه‏[58].

[58]ما سلكناه في هذا المضمار،و هو تصوير الأمر بالأهمّ و المهمّ في عرض واحد بلا تشبّث بالترتّب،و هو يبتني على‏ مقدّمات: المقدّمة الأُولى‏: أنّه سيأتي في محلّه أنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع،و أنّ الخصوصيّات الفرديّة مطلقاً خارجة عن المتعلَّق و إن كانت متّحدة معها خارجاً. المقدّمة الثانية: أنّ الإطلاق بعد تمامية مقدّماته يباين العموم في أنّ الحكم فيه لم يتعلّق إلاّ بنفس الماهية أو الموضوع من غير دخالة فرد أو حال أو قيد فيه،و ليس الحكم متعلّقاً بالأفراد و الحالات و الطوارئ،ففي قوله: «أعتق الرقبة»تكون نفس الطبيعة-لا أفرادها أو حالاتها-موضوعاً للحكم;فإنّ الطبيعة لا يمكن أن تكون حاكية و مرآة للأفراد و الخصوصيّات و إن كانت متّحدة معها خارجاً،و هذا بخلاف العموم،فإنّ أداته وضعت لاستغراق أفراد المدخول،فيتعلّق الحكم فيه بالأفراد المحكيّة بعنوان الكلّ و الجميع. المقدّمة الثالثة: أنّ التزاحمات الواقعة بين الأدلّة بالعرض لأجل عدم قدرة المكلّف‏


177

...........

على الجمع بين امتثالها-كالتزاحم بين وجوب إزالة النجاسة من المسجد و وجوب الصلاة،حيث تكون متأخّرة عن تعلّق الحكم بموضوعاتها و عن ابتلاء المكلَّف بالواقعة-لم تكن ملحوظة في الأدلّة،و لا تكون الأدلّة متعرّضة لها،فضلاً عن التعرّض لعلاجها،فقوله: «أزل النجاسة عن المسجد»-مثلاً-لا يكون ناظراً إلى حالات الموضوع-كما عرفت في المقدّمة المتقدّمة-فضلاً عن أن يكون ناظراً إلى حالاته مع موضوع آخر و مزاحمته معه،فضلاً عن أن يكون ناظراً إلى‏ علاج المزاحمة،فاشتراط المهمّ بعصيان الأهمّ-الذي هو من مقدّمات الترتّب-لا يمكن أن يكون مفاد الأدلّة إن كان المراد شرطاً شرعياً مأخوذاً في الأدلّة،و لا يكون بنحو الكشف عن الاشتراط;لما سيأتي من عدم لزومه بل عدم صحّته،و سيأتي حال حكم العقل. المقدّمة الرابعة: أنّ الأحكام الشرعيّة القانونيّة المترتّبة على‏ موضوعاتها على قسمين: أحدهما: الأحكام الإنشائية،و هي التي أُنشئت على الموضوعات و لم تبق على ما هي عليه في مقام الإجراء،كالأحكام الكلّية قبل ورود المقيّدات و المخصّصات و مع قطع النظر عنهما،أو لم يئِن وقت إجرائها،كالأحكام التي بقيت مخزونة لدى‏ وليّ العصر عجّل اللَّه فرجه و يكون وقت إجرائها زمان ظهوره;لمصالح تقتضيها العناية الإلهية. ثانيهما: الأحكام الفعلية،و هي التي آنَ وقت إجرائها،و بلغت موقع عملها بعد تماميّة قيودها و مخصّصاتها،ف(أوفوا بالعُقود)بهذا العموم حكم إنشائي،و الذي بقي بعد ورود المخصّصات عليه بلسان الكتاب و السنّة هو الحكم الفعلي،و نجاسة بعض الطوائف المنتحلة للإسلام و كفرهم حكمان إنشائيان في زماننا،و إذا بلغا وقت إجرائهما يصيران فعليّين. و أمّا الفعلية و الشأنية بما هو معروف-من أنّ الحكم بالنسبة إلى الجاهل و الغافل و الساهي و العاجز يكون شأنياً،و بالنسبة إلى مقابليهم يصير فعلياً-فليس لهما وجه معقول;لأنّ الاشتراط الشرعي في بعضها غير معقول،مع عدم الدليل عليه في جميعها،و التصرّف العقلي غير معقول،كما سيتّضح لك. و بالجملة: إنّ الأحكام المضبوطة في الكتاب و السنّة لا يعقل فيها غير هاتين المرتبتين‏


178

...........

،فقوله: (لِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيتِ. ). إلخ لا يختلف بالنسبة إلى الجاهل و العالم،و لا معنى للفعلية و الشأنية في هذا الحكم المجعول المنضبط،و كذا لا يعقل تغيير إرادة اللَّه-تعالى‏-الصادع بالشرع;لامتناع تغيّرها،كما هو معلوم لدى‏ أهله. و أمّا الاقتضاء و التنجّز فليسا من مراتب الحكم: أمّا الأوّل فواضح،و أمّا الثاني فلأنّه حكم عقلي غير مربوط بمراتب الأحكام المجعولة،و معنى تنجّزه قطع عذر المكلّف في المخالفة،و عدمه كونه معذوراً فيها،من غير تغيير و تبديل في الحكم و لا في الإرادة. المقدّمة الخامسة: أنّ الأحكام الكلّية القانونية تفترق عن الأحكام الجزئية من جهات،صار الخلط بينهما منشأً لاشتباهات: منها: حكمهم بعدم منجّزية العلم الإجمالي إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء;بتوهّم أنّ الخطاب بالنسبة إليه مستهجن. و قد ذكرنا في محلّه أنّ الاستهجان ليس في الخطابات الكلّية المتوجّهة إلى عامّة المكلّفين،فراجع. و منها: توهّم أنّ الخطاب لا يعقل أن يتوجّه إلى العاجز و الغافل و الساهي;ضرورة أنّ الخطاب للانبعاث،و لا يعقل انبعاث العاجز و مثله. و هذا-أيضاً-من موارد الخلط بين الحكم الكلّيّ و الجزئيّ;فإنّ الخطاب الشخصي إلى العاجز و مثله لغو ممتنع صدوره من الملتفت،و هذا بخلاف الخطابات الكلّية المتوجّهة إلى العناوين الكلّية،كالناس و المؤمنين،فإنّ مثل تلك الخطابات تصحّ من غير استهجان إذا كان فيهم من ينبعث عنها،و لا يلزم أن تكون باعثة أو ممكنة البعث بالنسبة إلى‏ جميعها في رفع الاستهجان. أ لا ترى‏ أنّ الخطاب الشخصي إلى‏ من كان عاصياً،أو الكلّي إلى عنوان العصاة،مستهجن غير ممكن الصدور من العاقل الملتفت،و لكنّ الخطاب العمومي غير مستهجن بل واقع;لأنّ الضرورة قائمة على أنّ الخطابات و الأوامر الإلهيّة شاملة للعصاة;و أنّ بناء المحقّقين على أنّها شاملة للكفّار أيضاً،مع أنّ الخطاب الخصوصيّ إلى الكفّار المعلومي الطغيان من أقبح المستهجنات،بل غير ممكن لغرض الانبعاث،فلو كان حكم الخطاب‏


179

...........

العامّ كالجزئي فلا بدّ من الالتزام بتقييد الخطابات بغيرهم،و هو كما ترى‏. و كذا الحال في الجاهل و الغافل و النائم و غيرهم ممّا لا يعقل تخصيصهم بالحكم،و لا يمكن توجّه الخطاب الخصوصي إليهم،و إذا صحّ في مورد فليصحّ فيما هو مشترك معه في المناط،فيصحّ الخطاب العمومي لعامّة الناس من غير تقييد بالقادر،فيعمّ جميعهم،و إن كان العاجز و الجاهل و الناسي و الغافل و أمثالهم معذورين في مخالفته،فمخالفة الحكم الفعلي قد تكون لعذر كما ذكر،و قد لا تكون كذلك. و السرّ فيما ذكرنا: هو أنّ الخطابات العامّة لا ينحلّ كلّ منها إلى خطابات بعدد نفوس المكلّفين;بحيث يكون لكلّ منهم خطاب متوجّه إليه بالخصوص،بل يكون الخطاب العمومي خطاباً واحداً يخاطب به العموم،و به يفترق عن الخطاب الخصوصي في كثير من الموارد. هذا،مضافاً إلى أنّ الإرادة التشريعية ليست إرادة إتيان المكلّف و انبعاثه نحو العمل،و إلاّ يلزم في الإرادة الإلهية عدم انفكاكها عنه و عدم إمكان العصيان،بل هي عبارة عن إرادة التقنين و الجعل على‏ نحو العموم،و في مثله يراعى الصحّة بملاحظة الجعل العمومي القانوني،و معلوم أنّه لا تتوقّف صحّته على صحّة الانبعاث بالنسبة إلى كلّ الأفراد،كما يظهر بالتأمّل في القوانين العرفية. المقدّمة السادسة: أنّ الأحكام الشرعية غير مقيّدة بالقدرة لا شرعاً و لا عقلاً: أمّا شرعاً فظاهر;فإنّه ليس في الأدلّة ما يوجب التقييد بالقدرة العقلية،و لو فرض التقييد الشرعي للزم الالتزام بجواز إيجاد المكلّف العذر لنفسه،و لا أظنّ التزامهم به،و للزم جريان البراءة عند الشكّ في القدرة،و لا يلتزمون به،و ليس ذلك إلاّ لعدم تقييد شرعي. و من ذلك يعلم عدم كشف التقييد الشرعي عقلاً. و أمّا التقييد العقلي-بمعنى تصرّفه في الأدلّة-فهو لا يرجع إلى‏ محصّل;بل تصرّف العقل في إرادة المولى أو جعله ممّا لا معنى‏ معقول له،و التقييد و التصرّف لا يمكن إلاّ للجاعل لا لغيره. نعم للعقل الحكم في مقام الإطاعة و العصيان،و أنّ مخالفة الحكم في أيّ مورد توجب‏


180

...........

استحقاق العقوبة،و في أيّ مورد لا توجب لمعذوريّة العبد،و ليس للعقل إلاّ الحكم بأنّ الجاهل و العاجز و نظيرهما معذورون في ترك الواجب أو إتيان الحرام،من غير تصرّف في الدليل. المقدّمة السابعة: أنّ الأمر بكلّ من الضدّين أمر بالمقدور الممكن،و الذي يكون غير مقدور هو جمع المكلّف بين الإتيان بمتعلّقهما،و هو غير متعلّق للتكليف،فإذا أمر المولى بإزالة النجاسة عن المسجد و أمر بالصلاة لا يكون له إلاّ أمر بهذه و أمر بتلك،و مجموع الأمرين ليس موجوداً على حدة،و الأمر بالجمع أو المجموع غير صادر من المولى‏،و قد تقدّم أنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بنفس الطبائع،من غير نظر إلى الخصوصيات و الحالات الطارئة و جهات التزاحم و علاجه. إذا عرفت ما ذكر فاعلم: أنّ متعلّقي التكليفين قد يكونان متساويين في الجهة و المصلحة،و قد يكون أحدهما أهمّ. فعلى الأوّل لا إشكال في حكم العقل بالتخيير;بمعنى‏ أنّ العقل يرى‏ أنّ المكلّف مخيّر في إتيان أيّهما شاء،فإذا اشتغل بأحدهما،يكون في مخالفة الأمر الآخر معذوراً عقلاً،من غير أن يكون تقييد و اشتراط في التكليف و المكلّف به،و مع عدم اشتغاله بذلك لا يكون معذوراً في ترك واحد منهما;فإنّه قادر على‏ إتيان كلّ واحد منهما،فتركه يكون بلا عذر;فإنّ العذر عدم القدرة،و الفرض أنّه قادر على‏ كلٍّ منهما،و إنّما يصير عاجزاً عن عذر إذا اشتغل بإتيان أحدهما،و معه معذور في ترك الآخر،و أمّا مع عدم اشتغاله به،فلا يكون معذوراً في ترك شي‏ء منهما،و الجمع لا يكون مكلّفاً به حتّى‏ يقال: إنّه غير قادر عليه،و هذا واضح بعد التأمّل. و أمّا إذا كان أحدهما أهمّ: فإن اشتغل بإتيان الأهمّ،فهو معذور في ترك المهمّ;لعدم القدرة عليه مع اشتغاله بضدّه بحكم العقل،و إن اشتغل بالمهمّ،فقد أتى‏ بالمأمور به الفعلي،لكن لا يكون معذوراً في ترك الأهمّ،فيثاب بإتيان المهمّ و يعاقب بترك الأهمّ. فقد اتّضح ممّا ذكرنا أمران: أحدهما: أنّ الأهمّ و المهمّ كالمتساويين في الأهمّية;كلٌّ منهما مأمور به في عرض‏الآخر،و الأمران العرضيان فعليان متعلّقان بعنوانين كلّيين،من غير تعرّض لهما لحال التزاحم و عجز المكلّف،و المطاردة التي تحصل في مقام الإتيان لا توجب تقييد الأمرين أو أحدهما أو اشتراطهما أو اشتراط أحدهما بحال عصيان الآخر،لا شرعاً و لا عقلاً،بل تلك المطاردة لا توجب عقلاً إلاّ المعذورية العقلية عن ترك أحد التكليفين حال الاشتغال بالآخر،و عن ترك المهمّ حال اشتغاله بالأهمّ. فظهر: أنّ الأمر بالشي‏ء لا يقتضي عدم الأمر بضدّه في التكاليف الكلّية القانونية،كما فيما نحن فيه. فما ادّعى‏ شيخنا البهائي ليس على‏ ما ينبغي،كما أنّ ما أجابوا عنه بنحو الترتّب و تصوير الأمر بالمهمّ مشروطاً بعصيان الأهمّ ممّا لا أساس له،كما سيتّضح لك. و ثانيهما: أنّ المكلّف مع ترك الأهمّ و المهمّ يستحقّ عقابين;لما تقدّم تفصيله. و لو تأمّلت فيما تقدّم تأمّلاً صادقاً،و تدبّرت فيه تدبّراً أكيداً،يسهل لك التصديق بما ذكرنا،و اللَّه وليّ الأمر. (مناهج الوصول 2: 23-30).


181

نقل كلام لتحقيق مرام‏

إنّ للشيخ العلاّمة الأنصاري رحمه الله كلاماً،حاصله: أنّه-بناءً على الالتزام بالسببيّة في باب حجّيّة خبر الواحد-إذا تعارض الخبران-يكونان لا محالة من قبيل المتزاحمين;لقيام المصلحة فيهما على‏ هذا المبنى‏،فيتقيّد إطلاق كلٍّ منهما بعدم الآخر،و لا يسقط الخطابان;لأنّ التزاحم يرتفع بواسطة هذا التقييد(1) .

(1)فرائد الأُصول: 438-السطر 9.
و قد أورد عليه بعض المعاصرين على‏ ما في تقريرات بحثه: بأنّه التزام بترتّبين،فضلاً عن ترتّب واحد;فإنّ الالتزامَ بخطابين-يكون كلّ منهما مترتّباً على‏ عدم امتثال الآخر-التزام بما ذكرنا،مع أنّ الشيخ قدس سره أنكر إمكان الترتّب،و التزم بسقوط خطاب المهمّ رأساً،لا بسقوط إطلاقه فقط(2) . انتهى‏.

(2)اُنظر فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 338،339.


182

و لكن بعد إعطاء التأمّل في كلام الشيخ رحمه الله،يعرف أنّ ما أورده عليه أجنب عمّا هو مراده،فإنّ مراده أنّه بعد الالتزام بالسببيّة يكون التعارض بينهما من قبيل التزاحم،و يكون نتيجة تزاحمهما تقييداً لإطلاق كلٍّ منهما بعدم إتيان الآخر،و هو عبارة أُخرى‏ عن التخيير العقلي،و بهذا يرتفع محذور التزاحم،و لا يحتاج إلى سقوط الخطابين،و هذا غير التقييد بالعصيان الذي هو مناط صحّة الترتّب;كي يكون كلّ منهما مترتّباً على الآخر،بل المراد تعيّن كلٍّ منهما في ظرف عدم الآخر بما أنّه عدمه،لا بما أنّه عصيانه. نعم،لو كان عدم الآخر بمعنى التمرّد و العصيان،و كان وجوب كلٍّ منهما مشروطاً بعصيان صاحبه،لكان الإشكال وارداً،و لكن تفسير كلامه بذلك ضروريّ البطلان. هذا تمام الكلام في مسألة الترتّب،و الزائد عليه من قبيل إلزام ما لا يلزم،أو من قبيل التوضيح و التشريف لها.


183

المطلب السادس في أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه‏

اعلم: أنّه قد وقع تحريف من المتأخّرين في هذا المبحث(1) ،و ما هو عند

(1)اُنظر معالم الدين: 85،و قوانين الأُصول 1: 124-السطر 5،و الفصول الغروية: 109-السطر 15 و غيرها.
القدماء منه غير ذلك(2) ;ضرورة أنّه لا محصّل لهذا العنوان،فإنّه مع انتفاء

(2)اُنظر الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 430،و عدّة الأُصول 2: 518،و معارج الأُصول: 167 و 168.
الشرط ينتفي المشروط،فبانتفاء شرط الأمر ينتفي الأمر بالضرورة،فيصير ملخّص هذا العنوان: أنّه مع عدم الأمر هل يجوز الأمر أم لا؟و هل هذا إلاّ التناقض؟ و الذي يكون معقولا في هذا المبحث،و يكون معنونا عند القدماء هو أنّه هل يجوز أمر الآمر مع وجدانه لشرائطه حين الأمر،لكنّه يعلم فقدان شرطه حين حضور العمل،أم لا؟كما في أمره مع علمه بالنسخ قبل حضور وقت العمل،كما في أمره تعالى‏ بذبح إسماعيل عليه السلام مع علمه بالفداء و فقدان شرطه حين حضور العمل.


184

فالأشاعرة لمّا التزموا بالكلام النفسي غير الإرادة و سائر الصفات النفسانيّة،(1) فقد التزموا بإمكانه،فإنّ الطلب-الذي هو الكلام النفسي عندهم-

(1)شرح المواقف 8: 91-104،شرح المقاصد 4: 147-151.
قد يتعلّق بأمر مع علم الآمر بفقدان شرطه حين العمل(2) .

(2)اُنظر شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 106،108،و المستصفى من علم الأُصول 1: 112-116،و المحصول في علم أُصول الفقه 1: 541.
و المعتزلة لمّا أبطلوا ذلك،و ذهبوا إلى‏ أنّه ليس وراء العلم و الإرادة و سائر الصفات النفسانيّة الوجدانية شي‏ء في النفس يكون هو الكلام النفسي أو الطلب(3) ،فقد التزموا بمحاليّة تعلّق الإرادة بشي‏ء يكون الآمر عالماً بفقدان‏

(3)اُنظر المعتمد في أُصول الفقه 1: 376.
شرط أمره وقت حضور العمل. و أمّا قضيّة إسماعيل عليه السلام و أمثالها فقد فرغنا من تحقيقها في محلّها،فراجع‏[59].

[59]ثمّ إنّ البحث قد يقع في الأوامر الشخصية،كأمره-تعالى‏-للخليل‏7،و قد يقع في الأوامر الكلّية القانونية،فعلى الأوّل فلا إشكال في امتناع توجّه البعث لغرض الانبعاث إلى‏ من علم الآمر فقدان شرط التكليف فيه. و أمّا الأوامر الكلّية القانونية المتوجّهة إلى‏ عامّة المكلّفين،فلا تجوز مع فقد عامّتهم للشرط،و أمّا مع كون الفاقد و الواجد غير معيّنين مع وجودهما في كلّ عصر و مصر-كما هو الحال خارجاً-فلا يلزم تقييد التكليف بعنوان الواجد مثلاً،و إلاّ يلزم تقييده بعنوان غير العاصي و غير الجاهل و غير النائم،و هكذا،و هو كما ترى‏. و إن شئت قلت: لا يكون الخطاب العامّ خطابات مستقلّة لكلٍّ منها غاية مستقلّة،فتدبّر. (مناهج الوصول 2: 60-61).


185

المطلب السابع في الواجب التخييري‏

قد عرّف الأُصوليّون-في سالف الزمان-الوجوب ببعض لوازمه و توابعه،كقولهم: الواجب ما يستحقّ فاعله الثواب و تاركه العقاب(1) ،و لمّا

(1)اُنظر نهاية الوصول: 9-السطر 15،و المستصفى‏ من علم الأُصول 1: 27-السطر 6،و الفصول الغروية: 64-السطر13.
وصلوا إلى البحث عن الواجب التخييري أرادوا تطبيقه على التعريف المتقدّم،فقال بعضهم: إنّ الواجب هو الواحد لا بعينه(2) ،و قال الآخر: إنّه الواحد بعينه‏

(2)اُنظر عُدّة الأُصول 1: 220،و المستصفى‏ من علم الأُصول 1: 67،و مناهج الأحكام و الأُصول: 71-السطر 24.
معلوماً عند اللَّه،غير معلوم عندنا(3) ،و لازمه أن يكون الواجب مختلفاً باختلاف‏

(3)اُنظر المحصول في علم أُصول الفقه 1: 274.
اختيار المكلّفين... إلى‏ غير ذلك من [التخيّلات‏](4) .

(4)اُنظر الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 88،المعتمد في أُصول الفقه 1: 79.
و الحقّ: أنّ الواجب التخييري-الكثير الوقوع في الشرع و العرف-نحو وجوبٍ في مقابل التعييني،و يكون الوجوب-أي البعث المؤكّد-متعلِّقاً بكلٍّ من


186

الأطراف،لكن على‏ سبيل الترديد النفس الأمري،لا الترديد النفساني،و هو نحو من التعلّق،كتعلّق العلم الإجمالي بأطراف المعلوم بالإجمال،فإنّه أيضاً نحو من التعلّق،فبعد إمكان تعلّق الوجوب بكلٍّ من الأطراف بنحو ما ذكرنا،لا داعي إلى صرف الوجوب التخييري إلى التعييني،كما أنّه لا داعي إلى تطبيق التعريف المتقدّم عليه;فإنّه تعريف للواجب التعييني ببعض لوازمه. و بالجملة: الواجب التعييني و التخييري مفترقان بذاتهما و لوازمهما،و لا يمكن إرجاع أحدهما إلى الآخر،لا في الذات،و لا في جميع اللوازم‏[60].

[60]ما يمكن أن يقال في وجه الامتناع: أنّ الإرادة التكوينية لا يمكن أن تتعلّق بما هو مردّد واقعاً،فكذلك التشريعية. و السرّ في عدم الإمكان: أنّ الوجود-أيّ وجود كان-مساوق للتشخّص و التعيّن الواقعي،و التردّد النفس الأمري مضادّ للموجودية،فلا يمكن أن يكون وجود متردّداً واقعاً بين شيئين ترديداً بحسب نفس الأمر،سواء كان وجوداً خارجياً أو ذهنياً. و فيه: منع لزوم ما ذكر من الإبهام و التردّد الواقعي في شي‏ء من المذكورات;لأنّ المولى‏ إذا رأى‏ أنّ في شي‏ء أو أشياء مصلحة ملزمة،وافٍ كلّ منها بغرضه;بحيث يكون كلّ من الطرفين أو الأطراف محصّلة،و لم يكن جامع بينها قابل لتعلّق الأمر به-على‏ فرض لزوم الجامع على‏ مبنى‏ بعضهم-فلا محالة يتوسّل لتحصيل غرضه بهذا النحو بإرادة بعث متعلّق بهذا و إرادة بعث آخر متعلّق بذاك،مع تخلّل لفظة«أو»و ما في معناها بينهما;لإفهام أنّ كلّ واحد منهما محصّل لغرضه،و لا يلزم الجمع بينهما. فهاهنا إرادة متعلّقة بمراد،و بعث متعلّق بمبعوث إليه،كلّها معيّنات مشخّصات لا إبهام في شي‏ء منها،و إرادة أُخرى‏ متعلّقة بمراد آخر،و بعث آخر إلى‏ مبعوث إليه آخر،كلّها معيّنات مشخّصات،و بتخلّل كلمة«أو»و ما يرادفها يرشد المأمور إلى‏ ما هو مراده،و هو إتيان المأمور بهذا أو ذاك،و بالضرورة ليس في شي‏ء من الإرادة و المراد و غيرهما إبهام بحسب الواقع و نفس الأمر. و أنت إذا راجعت وجدانك في أوامرك التخييرية ترى‏ أنّ الواقع هو ما ذكرنا،فلا تكون‏الإرادة في الواجب التعييني و التخييري سنخين،و لا البعث و الواجب. (مناهج الوصول 2: 85-87).


187

فالأحسن في تعريف الواجب إذا أُريد تعريفه بهذا اللاّزم أن يقال: الواجب ما يستحقّ فاعله الثواب و تاركه-لا إلى‏ بدل-العقاب،كما عرّفه أصحابنا الإماميّة(1) ،لكن ليس مقصودهم من البدل ما هو المتفاهم عرفاً: من كون أحدهما

(1)اُنظر زبدة الأُصول: 44،و الوافية في أُصول الفقه: 80.
أصلاً و الآخر بديله كما هو واضح،فيكون هذا التعبير من باب ضيق العبارة بعد وضوح المقصود. ثمّ إنّه قد وقع الكلام في إمكان التخيير بين الأقلّ و الأكثر و عدمه(2) .

(2)اُنظر قوانين الأُصول 1: 117-السطر 10،و الفصول الغروية: 103-السطر 36،و كفاية الأُصول: 175.
و محصّل الكلام في المقام: أنّه لا بدّ من فرض الكلام في مورد يكون الأقلّ لا بشرط شي‏ء و داخلاً في الأكثر;بحيث يكون الأكثر مشتملاً عليه مع الزيادة،و يكون الأقلّ فاقداً لبعض ما للأكثر فقداناً بالحمل الشائع،لا مقيّداً بالفقدان،و إلاّ لو فرضنا أنّ الأقلّ يكون بشرط لا،و مقيّداً بالفقدان-بحيث يكونان متباينين-خرج عن محلّ الكلام و مورد النقض و الإبرام،و معلوم أنّ التخيير بين المتباينين و لو بهذا المعنى‏ ممكن،لا معنى‏ للنزاع فيه،فمحلّ الكلام هو الأقلّ و الأكثر بنحو ما أشرنا إليه. و التحقيق: عدم معقوليّة التخيير بينهما;فإنّ الأقلّ إذا كان وافياً بتمام المقصود و الغرض،يكون الأكثر-المشتمل عليه مع الزيادة-مشتملاً على‏ ما هو الوافي بتمام الغرض مع الزيادة،فما هو الوافي بالغرض و المحصّل له يكون واجباً تعيينيّاً،لا يرضى الآمر بتركه،و لا دخالة للزيادة في تحصيل ذلك الغرض،


188

و إنّما القائم بها مصلحة أُخرى‏ ندبيّة لا إلزاميّة. و بالجملة: ما يُتراءى‏ منه صورة التخيير بين الأقلّ و الأكثر،ينحلّ إلى‏ وجوب تعيينيّ متعلّق بالأقلّ،و إلى أمر ندبيّ متعلّق بالزيادة،و إنّما التخيير بين الوجود و العدم بالنسبة إليها،فلو أتى‏ بها تكون على‏ صفة الندبيّة;لتعلّق الأمر بها مع الرضا بالترك،و هذا واضح بعد التأمّل في موضوع البحث و تشخيص الأقلّ و الأكثر[61]. نعم،يمكن التخيير بينهما في موردين: أحدهما: ما إذا كان الأقلّ و الأكثر تحت طبيعة واحدة،تكون بحسب الوجود مشكّكة،و يكون ما به الاشتراك بين الأفراد عين ما به الامتياز،كالخطّ القصير و الطويل،فإنّ التخيير بين الفردين منها ممكن;لأنّ تعيّن الخطّ لفرديّة الطبيعة إنّما يكون إذا صار محدوداً،و أمّا ما دام مستمرّاً متدرّجاً في الوجود،فلا يتعيّن للفرديّة،فكأنّه مبهمٌ قابلٌ لكلّ تعيّنٍ،فيحصل الغرض إذا كان فرداً لها،و لا يصير الفرد القصير فرداً لها إلاّ مع محدوديّته،كما لا يصير الطويل فرداً إلاّ معها،فالفردان و إن كان التفاوت بينهما بالأقلّيّة و الأكثريّة،لكن صيرورتهما فردين للطبيعة و محصّلين للغرض غير ممكنة إلاّ بتحقّق الفرديّة،و هي متقوّمة بالمحدوديّة بالحمل الشائع‏[62].

[61]هذا في التدريجيات،و أمّا الدفعيات،فقد يكون الغرضان قابلين للاجتماع،و لا يكون اجتماعهما مبغوضاً و إن لم يكن مراداً أيضاً،فالتخيير بينهما جائز;لأنّ الأقلّ مشتمل على‏ غرض مطلوب،و الأكثر على‏ غرض آخر مطلوب،فإذا وجد متعلّق الغرضين،كان للمولى‏ أن يختار منهما ما يشاء. (مناهج الوصول 2: 91).

[62]فيه خلط نشأ من الخلط بين اللابشرطية و البشرط لائية;لأنّ الخطّ الذي لا يتعيّن بالمصداقية للطبيعة هو الخطّ المحدود بحدّ القصر الذي هو بشرط لا،و أمّا نفس طبيعةالخطّ بمقدار الذراع-مثلاً-بلا شرط بالمحدودية و غيرها،فلا إشكال في تحقّقها إذا وصل الخطّ المتدرّج إلى‏ مقدار الذراع و إن لم يتوقّف عند ذلك الحدّ;ضرورة أنّ الخطّ الموجود في الخارج لا يمكن أن لا تصدق عليه طبيعة الخطّ،و إذا وصل إلى‏ ذراع لا يمكن عدم موجودية الذراع اللابشرط. فما هو الموجود يصدق عليه طبيعة الذراع من الخطّ و إن لم يصدق عليه الخطّ المحدود،و مورد الكلام هو الأوّل;أي اللابشرط المتحقّق مع المحدود و غيره. فقوله: لا يصير الفرد القصير فرداً لها إلاّ مع محدوديته إن أراد به أنّ اللابشرط لا يتحقّق،فهو مدفوع بما ذكرنا. و إن أراد أنّ المحدود بالقصر لا يتحقّق،فهو خارج عن محطّ البحث. و ممّا ذكرنا يتّضح النظر في الفرض الثاني;لأنّ الأقلّ اللابشرط إذا وجد،يكون محصّلاً للعنوان الذي هو محصّل للغرض،فلا يبقى‏ مجال لتحصيل الأكثر ذلك العنوان المحصّل له. (مناهج الوصول 2: 90).


189

و ثانيهما: ما إذا كان الأقلّ و الأكثر محصِّلين لعنوان آخر،يكون ذلك العنوان محصِّلاً للغرض،كما قلنا سابقاً في الصحيح و الأعمّ: من أنّ صلاة الحاضرة و المسافر تكونان محصّلتين لعنوان،يكون ذلك العنوان محصِّلاً للغرض،ففي مثل هذا المورد أيضاً يمكن التخيير بينهما;فإنّ صلاة الحاضر و المسافر مع كونهما مختلفتين بالأقلّيّة و الأكثريّة،لكن كلّ واحدة منهما محصِّلة لعنوانٍ يكون محصّلاً للغرض،فصلاة القصر للمسافر و التمام للحاضر محصّلتان لذلك العنوان،تدبّر.


191

المطلب الثامن في الواجب الكفائي‏

و هو نحو وجوبٍ يقتضي عند العقلاء المثوبة و السقوط بفعل واحدٍ من المكلّفين إذا أتى‏ به،و العقوبةَ لجميعهم إذا تركوه. و هذا النحو من الوجوب واقع في الشرعيّات و العرفيّات كثيراً،و لا إشكال في أنّه بفعل واحدٍ من المكلّفين يسقط الأمر،و يحصل غرض المولى‏،و لا إشكال أيضاً في استحقاق جميعهم للعقوبة عند الترك،إنّما الكلام في حقيقة هذا النحو من الوجوب(1) .

(1)اُنظر قوانين الأُصول 1: 120-السطر 20،و هداية المسترشدين: 268-السطر 9،و الفصول الغرويّة: 107-السطر 10.
و التحقيق أن يقال: إنّ التكليف له نحو إضافة إلى المكلِّف-بالكسر-و نحو إضافة إلى المكلَّف-بالفتح-و نحو إضافة إلى المكلَّف به،و عند التأمّل يظهر: أنّ ما به الافتراق بين الواجبات العينيّة و الكفائيّة ليس في الإضافتين الأوّلتين: أمّا الأُولى‏ منهما: فلأنّها إضافة صدوريّة في كليهما.


192

و أمّا الثانية: فلأنّ المأمور-بإتيان المكلّف به في كليهما جميعُ المكلّفين،لا مجموعهم;لعدم وجود المجموع بما هو مجموع وجوداً قابلاً لتعلّق البعث به،و إنّما هو أمر انتزاعيّ،و لا واحد منهم لا بعينه أو على‏ نحو الترديد[63];لعدم تعقّل تعلّق البعث بالواحد لا بعينه،و لا بنحو الترديد الواقعي بين المكلّفين،و عدم باعثيّة الأمر بنحو ما ذكر،مع أنّ الغرض من الأمر هو البعث و الإغراء،بل المأمور و المكلَّف هو جميعهم على‏ نحو الاستغراق. و لا فرق من هذه الجهة بينه و بين الواجب العيني،و إنّما الافتراق بينهما في الإضافة الثالثة;فإنّ المكلّف به في الواجب الكفائي هو أصل الطبيعة بلا تقيّدها بشي‏ء،فكلّ واحدٍ من المكلّفين مأمور بإتيان أصل الطبيعة الغير المقيّدة. و أمّا في الواجب العيني فكلّ واحدٍ منهم مأمور بإتيان الطبيعة المقيّدة بكون تحقّقها بمباشرته خاصّة. فغرض المولى‏ في الواجب الكفائي إنّما تعلّق بحصول الطبيعة من كلّ واحدٍ منهم،و لازمه أن يحصل الغرض بإتيان واحدٍ منهم;لأنّ الطبيعة الغير المقيّدة لا تكرار فيها،و الفرض أنّ تمام الغرض قائم بها،فسقوط الأمر عن سائر

[63]و ما قيل: من أنّ الفرد الغير المعيّن لا وجود له حقّ لو قيّد بعنوان غير المعيّن،و أمّا عنوان فرد من المكلّفين فممّا له وجود في الخارج;فإنّ كلّ واحد منهم مصداقه،و مع ذلك لا يلزم بعث الجميع في عرض واحد. و كذا يجوز التكليف بالفرد المردّد بنحو التخيير،كالتخيير في المكلَّف به. و ما قيل: من أنّ المردّد لا وجود له،و لا يجوز البعث التخييري،لا يُصغى‏ إليه;ضرورة صحّة التكليف التخييري بين الفردين فصاعداً،و لم يكن عنوان الترديد قيداً;حتّى‏ يقال: لا وجود له. و الإشكال العقلي في الواجب التخييري مرّ دفعه. (مناهج الوصول 2: 94-95).


193

المكلّفين لا يكون جُزافاً،و لا سقوطاً بالعصيان،بل سقوط بالإطاعة،لكن المطيع هو الآتي بالمأمور به،و مع عدم الإتيان رأساً يكون المستحقّ للعقوبة جميعهم;لأنّ الجميع مأمورون بالإتيان،و مع الترك يكون جميعهم عصاة. و هذا بخلاف الواجب العيني;فإنّ الغرض منه إنّما تعلّق بإتيان كلّ واحد منهم بالطبيعة لا على‏ نحو الإطلاق،بل تكون الطبيعة مضافة إلى كلّ واحد منهم إضافة صدوريّة مباشريّة،فلا يُسقط فعلُ واحدٍ منهم ما هو المأمور به للآخرين;لأنّ سقوطه عنهم يكون جُزافاً بلا وجهٍ،و هذا واضح‏[64].

[64]و التحقيق: أنّ للكفائي صوراً: منها: ما لا يمكن له إلاّ فرد واحد،كقتل المرتدّ. و منها: ما يمكن،و حينئذٍ: تارة: يكون المطلوب فيه فرداً من الطبيعة،و أُخرى‏: يكون صرف وجودها. فعلى الأوّل: إمّا أن يكون الفرد الآخر مبغوضاً،أو لا يكون مبغوضاً و لا مطلوباً. لا يمكن أن يكون المكلّف جميع المكلّفين في الصورة الأُولى‏;فإنّ التكليف المطلق لهم في عرض واحد بالنسبة إلى‏ ما لا يمكن فيه كثرة التحقّق لغرض انبعاثهم،ممّا لا يمكن،و هذا واضح. و كذا الحال في الثانية و الثالثة;فإنّ انبعاثهم و إن كان ممكناً،لكن مع مبغوضية الزائد من الفرد الواحد أو عدم مطلوبيته،لا يمكن بعثهم إليه;لأدائه إلى البعث إلى المبغوض في الأُولى‏،و إلى‏ غير المطلوب في الثانية. و أمّا الصورة الرابعة: فلازم بعثهم إليه بنحو الإطلاق هو اجتماعهم في إيجاد الصرف،و كون المتخلّف عاصياً. و ممّا ذكرنا يظهر: أنّ التكليف بصرف وجود المكلّف غير جائز في بعض الصور،فلا بدّ من القول بتعلّق التكليف فيه بفرد من المكلّفين بشرط لا في بعض الصور،و لا بشرط في الأُخرى‏،و يمكن في بعض الصور أن يكون المكلّف به صرف الوجود،و كذا المكلّف،و لازمه عصيان الجميع مع الترك،و إطاعتهم مع إتيانهم عرضاً،و السقوط عن الغير مع إتيان البعض. (مناهج الوصول 2: 93-95).


194

بقي تنبيهان:

الأوّل:

أنّ المحقّق الخراساني رحمه الله-في أوائل مبحث الأوامر-ذهب إلى جواز التمسّك بإطلاق المأمور به لكون الأمر عينيّاً فيما إذا شُكّ في العينيّة و الكفائيّة. و أفاد في وجهه: أنّ الواجب الكفائي مقيّد بعدم إتيان الآخر،و أمّا الواجب العيني فلا قيد له من هذه الجهة(1) .

(1)كفاية الأُصول: 99.
و قد عرفت ممّا قدّمنا: أنّ الواجب الكفائي ليس من قبيل الواجب المشروط و المقيّد بعدم إتيان الآخر،بل هو متعلّق بجميع المكلّفين على‏ نحو الإطلاق،و سقوطه عن المكلّفين بإتيان واحد منهم لا يدلّ على الاشتراط،بل إنّما هو بحصول تمام المقصود و تمام متعلّق الأمر،و لا يعقل أن يكون الأمر مشروطاً بحصول متعلّقه،مع أنّه يلزم منه أن يكون الواجب العيني أيضاً مشروطاً،و هو كما ترى‏. بل مقتضى التمسّك بالإطلاق هو كون الوجوب كفائيّاً،فإنّ الواجب الكفائي-كما عرفت-لا يفترق عن العيني إلاّ في الإضافة إلى المتعلّق;لأنّ متعلّق الكفائي هو نفس الطبيعة،و متعلّق العيني هو الطبيعة المقيّدة بصدوره عن كلّ واحدٍ من المكلّفين،و هو قيد زائد يُرفع بالأصل. نعم،ظاهر الأوامر هو العينيّة لا الكفائيّة،لكن التمسّك بالظهور غير التمسّك بالإطلاق،كما لا يخفى‏[65].

[65]إذا شكّ في كون الوجوب نفسياً تعيينياً عينياً أو مقابلاتها،فالظاهر لزوم الحمل عليها دون المقابلات;لأنّ أمر المولى‏ و بعثه بأيّ دالٍّ كان-بلفظ أو إشارة أو غيرهما-تمام الموضوع‏عند العقلاء لوجوب الطاعة،و معه يقطع عذر المكلّف،كما مرّ في باب دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب;فإنّ الهيئة و إن لم توضع إلاّ لمجرّد البعث و الإغراء،و ما ذكر و مقابلاته خارجة عن مدلولها،لكن مجرّد صدور الأمر عن المولى‏ موضوع لوجوب الطاعة. فإذا تعلّق أمر بشي‏ء يصير حجّة عليه،فإذا عدل المكلّف إلى‏ غيره باحتمال التخييرية،أو تركه مع إتيان الغير باحتمال الكفائية،أو تركه مع سقوط الوجوب عن غيره باحتمال الغيرية،لا يكون معذوراً لدى العقلاء،لا لدلالة الهيئة وضعاً على‏ شي‏ء منها;و لهذا لو أشار المولى‏ بإتيان شي‏ء يجب عقلاً إتيانه،و الأعذار المتقدّمة ليست موجّهة،مع أنّه لا وضع للإشارة. و أمّا قضيّة مقدّمات الحكمة-مع إطلاق الأمر-ذلك،فمحلّ إشكال و منع;لأنّ مقدّمات الحكمة لا يمكن أن تنتج هاهنا;لأنّه إمّا أن يراد: أن تنتج مطلق البعث الجامع بين النفسي و الغيري... و هكذا،فمع كونه خلاف المقصود ممتنع;لعدم إمكان الجامع بين المعاني الحرفية كما سبق بيانه،هذا،مضافاً إلى القطع بعدم إرادة الجامع في المقام. أو تنتج الوجوب النفسي و أخواته-كما ذكر المحقّق الخراساني-فلا يمكن أيضاً;لأنّ النفسية متباينة مع الغيرية،كلّ منهما يمتاز عن الآخر بقيد وجودي أو عدمي،فالنفسي ما يكون البعث إليه لذاته أو لا لغيره،و الغيري بخلافه،و يحتاج كلاهما في مقام التشريع و البيان إلى‏ قيد زائد و لو من باب زيادة الحدّ على المحدود. (مناهج الوصول 1: 282-283).


195

الثاني:

أنّه لو أتى‏ عدّة من المكلّفين بالمأمور به في عَرض واحد،هل يكون المجموع مطيعاً،أو واحد منهم،أو كلّ واحد منهم؟التحقيق: هو الأخير;لأنّ المجموع-كما عرفت-لا وجود له حتّى‏ يطيع أو يعصي،بل الموجود هو كلّ واحد،و لا معنى‏ لمطيعيّة واحد بعينه أو لا بعينه،بل المطيع هو الجميع;فإنّ التكليف-كما عرفت-إنّما تعلّق بهم على‏ نحو الاستغراق،و الفرض أنّ كلّ واحدٍ منهم آتٍ بالطبيعة المأمور بها،فيكون مطيعاً[66].

[66]قد مرّ في التعليقة 61.


196

و هذا فيما نحن فيه أوضح ممّا ذكرنا في مبحث المرّة و التكرار(1) من أنّ‏

(1)تقدّم في الصفحة 84.
المكلّف لو أتى‏ بفردين أو أفراد من المأمور به،يكون مثاباً بعدد الأفراد المأتيّ بها;لأنّ الطبيعة المأمور بها حصلت بكلّ واحدٍ من الأفراد. وجه الأوضحيّة: أنّ المكلّف في ذلك المبحث لمّا كان واحداً،و نفس الطبيعة هي المأمور بها،يمكن أن يقال: إنّ الطبيعة المطلقة مع تكثّر الأفراد لا تخرج عن وحدتها،و المأتي بها إنّما هي الطبيعة المشتركة،و هي واحدة،و لكن فيما نحن فيه لمّا كان المكلّف كلّ واحد من أفراد المكلّفين،فإتيانُ كلّ واحد منهم بالطبيعة في عرض واحد،إتيان بنفس الطبيعة المأمور بها،و الإطاعة لا تنتزع إلاّ من ذلك،فكلّ واحد منهم مطيع مثاب.


197

المطلب التاسع ينقسم الواجب باعتبارٍ إلى المطلق و الموقّت

فالأوّل: ما لا دخالة للزمان في متعلّقه،

و يكون تمام ملاك الأمر فيه هو نفس الطبيعة;بحيث لو فرض إتيانها في خارج الزمان يكون تمام الملاك حاصلاً،و المصلحة الداعية إلى الأمر متحقّقة،فكون المكلَّف و المكلَّف به زمانيّاً غير دخالة الزمان في موضوع التكليف،كما أنّ كونهما مكانيّين و محفوفين بالعوارض الماديّة غير دخيل في المأمور به.

و الثاني: ما له دخالة فيه،

و هو على‏ قسمين: مضيّق و هو ما كان الزمان المأخوذ فيه بمقداره،كصوم اليوم،و موسّع و هو ما كان أوسع منه كالصلاة من دلوك الشمس إلى‏ غَسَق الليل. و الموسّع كلّي ذو أفراد عرضيّة و طوليّة،و التخيير بين أفراده عقليّ لا شرعيّ،و معنى‏ عقليّته أنّ العقل لمّا رأى‏ أنّ الأمر قد تعلّق بالطبيعة في هذا الظرف الموسّع-كالصلاة من الزوال إلى الليل-حكم بأنّ الإتيان بها في أيّ قطعةٍ من الزمان إتيان بمتعلَّق الأمر;لأنّ المتعلّق هو الطبيعة المتقيّدة بهذه القطعة الوسيعة،و الفرد عين الطبيعة خارجاً. و هاهنا نكتة يجب التنبيه عليها،و هي أنّ الواجب الموسّع لا يصير مضيّقاً


198

لو بقي من آخر الوقت بمقداره،كما هو المعروف في الألسنة(1) .

(1)اُنظر المحصول في علم أُصول الفقه 1: 285،و شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 89،و مبادئ الوصول إلى علم الأُصول: 104.
و وجهه واضح;لأنّ تمام متعلَّق الأمر هو الطبيعة المقيّدة بكونها في القطعة الوسيعة;من غير دخالة لخصوصيّات الزمان-كأوّل الوقت أو وسطه أو آخره-فيه. و معنى‏ صيرورة الواجب مضيّقاً هو تعلّق الأمر بالطبيعة في القطعة الأخيرة من الزمان،مع أنّ خصوصيّة القطعة الأخيرة لا دخالة لها في متعلّق الأمر،و تكون دخالتها فيه جزافاً بلا ملاكٍ،فكما أنّ الآتي بالمأمور به في أوّل الوقت،يكون تمام الملاك في كونه مطيعاً هو إتيان الطبيعة المقيّدة بكونها في القطعة الوسيعة،لا إتيانها في أوّل الوقت;فإنّ أوّليّته غير دخيلة في المصلحة،كذلك الآتي بها في وسطه أو آخره،و كون آخر الوقت آخر زمانٍ يمكن فيه الإطاعة،لا يصيِّر الواجب مضيّقاً،و لا يوجب كون الخصوصيّة التي لا دخالة لها في المتعلّق دخيلةً فيه،كما لا يخفى‏ على المتأمّل. ثمّ إنّه لا إشكال في أنّه لا دلالة للأمر بالموقّت على الأمر به في خارج الوقت إذا فات فيه;لأنّ التقيّد بالوقت يدلّ على‏ دخالته في متعلّق التكليف،و كون المتعلّق هو الطبيعة المقيّدة لا المطلقة،و مع فوت القيد لا معنى‏ لبقاء الأمر في المطلق;لعدم كونه متعلّق الأمر. و بعبارة أُخرى‏: إنّ تمام تحصُّل الأمر بالموقّت إنّما هو بتعلّقه بالموقّت بما أنّه موقّت،و بعد فوت الوقت إن بقي الأمر: فإمّا أن يدعو إلى الموقّت الذي فات وقته،و هو غير معقولٍ;لكونه تكليفاً بالمحال.


199

و إمّا أن يدعو إلى المطلق،و هو أيضاً غير معقولٍ;لعدم كونه متعلَّقاً له،و الأمر لا يدعو إلاّ إلى‏ متعلّقه. و بالجملة: حال الوقت مثل حال سائر القيود،فإذا تعلّق الأمر بالصلاة المقيّدة بالطهور،و تعذّر الطهور،فلا معنى‏ لدعوته إلى الصلاة المطلقة،و هذا واضح. إنّما الكلام فيما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله من أنّه لو كان التوقيت بدليلٍ منفصلٍ،لم يكن له إطلاق في التقييد بالوقت،و كان لدليل الواجب إطلاق،لكان قضيّةُ إطلاقه ثبوتَ الوجوب بعد انقضاء الوقت،و كونَ التقييد به بحسب تمام المطلوب لا أصله،و يكون من قبيل تعدّد المطلوب(1) . انتهى‏.

(1)كفاية الأُصول: 178.
و أنت خبير بما فيه،فإنّ حمل المطلق على المقيّد إنّما هو فيما إذا أُحرزت وحدة المطلوب;لأجل تقديم ظهور المقيّد في دخالة القيد على‏ ظهور المطلق في كونه تمام المطلوب،فإذا أُحرزت فصار الدليل مقيّداً،فلا معنى‏ لدلالته على مطلوبيّة المطلق خارج الوقت;لما ذكرنا آنفاً. و إن لم تحرز وحدة المطلوب-سواء احتمل أن يكون في البين مطلوبان مستقلاّن،أو مطلوب ذو درجتين،تكون درجته الضعيفة متعلَّقة للمطلق،و درجته الشديدة متعلَّقة للمقيّد-فلا معنى‏ لحمل المطلق على المقيّد;لعدم المعارضة بينهما أصلاً،كما كان الأمر كذلك في المستحبّات;لعدم حمل المطلق على المقيّد فيها;لعدم التنافي بينهما. فإذا كان الأمر كذلك يخرج الكلام عمّا نحن فيه;لأنّ المطلق بإطلاقه يدلّ على‏ [ثبوت الوجوب‏] خارج الوقت،و المقيّد يدلّ على‏ مطلوب آخر مستقلّ،أو مرتبة أُخرى‏ من المطلوب في الوقت،و هو أجنبيّ عمّا نحن بصدده.


201

المطلب العاشر هل متعلّق الأوامر و النواهي الطبائع أو الأفراد؟

الحقّ أنّ الأوامر و النواهي متعلّقة بالطبائع دون الأفراد،لا بمعنى‏ تعلّقها بنفس الطبائع;أي الماهيّات من حيث هي،فإنّها ليست إلاّ هي،لا مطلوبة و لا لا مطلوبة،و النقائض كلّها منتفية عن مرتبة ذاتها،و لا يمكن إثبات شي‏ء لها-من حيث ذاتها-إلاّ ذاتها و ذا تيّاتها،بل بمعنى‏ أنّ الإرادة و الطلب بحسب مقام الثبوت و الإثبات إنّما تتعلّق بإيجاد نفس الطبيعة،من غير دخالة للخصوصيّات المفرّدة الحافّة بها في تعلّق الإرادة و الطلب و البعث;بحيث لو فرض إمكان إيجادها مجرّدة عن كافّة الخصوصيّات الزائدة عن أصل وجود الطبيعة،تكون تمام متعلَّق الإرادة و البعث. و بالجملة: إنّ كافّة الخصوصيّات اللاّحقة بالفرد خارجة عن حريم تعلّق الإرادة و الطلب حقيقة. و البرهان عليه: أنّ الطلب من الحقائق التي لها إضافة إلى الطالب إضافةً صدوريّة،و إلى المطلوب منه،و إلى المطلوب،و لا يمكن تحقّقها مجرّدة عن تلك الإضافات:


202

أمّا المطلوب منه فلا بدّ من وجوده في الخارج،حتّى‏ تتعلّق به إضافة الطلب;لعدم تعقّل الطلب من المعدوم. و أمّا المطلوب فلا يمكن أن يكون طرفَ الإضافة بوجوده الخارجي;للزوم تحصيل الحاصل،و لزوم عدم تعلّق التكليف بالعصاة،أو تعلّقه بالمعدوم إذا لم يتحقّق المطلوب،و هو محال،و لا يمكن أن لا يكون متحقّقاً أصلاً-لا في الخارج و لا في غيره-لاستحالة تعلّق الإضافة بالمعدومات،فلا بدّ له من وجود ذهنيّ،لكن لا بما أنّه وجود ذهنيّ متقيّد به;لاستحالة تحقّقه في الخارج مع ذاك التقيّد،فلا محالة يكون المطلوب موجوداً في الذهن،و الطالب لا يرى‏ إلاّ نفسه،لا موجوديّته في الذهن،و يتعلّق الطلب بالموجود الذهني،أي الطبيعة المتحقّقة في الذهن;ليجعلها المكلّف موجودة في الخارج. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الطلب قد تعلّق بالطبيعة المتحقّقة في الذهن بحسب الواقع،و إن كان الطالب غير ناظر إلى‏ تحقّقها الذهني،فطلب من المكلّف إيجادها في الخارج،فإذا كان كذلك فلا يمكن أن يتعلّق الطلب بالعوارض الخارجيّة الحافّة بالطبيعة في الخارج;لأنّها بوجودها الخارجي غير موجودة في الذهن،و لا يمكن أن تكون نفس الطبيعة الموجودة في الذهن مرآة للحاظها;فإنّ الطبيعة إنّما تكون مرآة للحاظ ما به الاشتراك بين الأفراد-أي نفس الطبيعة المتحقّقة-لا مرآة لما به الامتياز بينها;لأنّها مباينة مع الطبيعة،و لا يمكن أن يكون المباين مرآة للمباين،فلا يمكن تعلّق الإرادة و الأمر بغير وجود الطبيعة;أي الوجود السِّعيّ منها. ثمّ إنّ المحقّق الخراساني رحمه الله فصّل بين متعلّق الطلب و متعلّق الأمر;بأنّ الأوّل هو وجود الطبيعة،فالطلب يتعلّق بالوجود المتعلّق بالطبيعة،لا الطبيعة من حيث هي،فإنّها ليست إلاّ هي. و أمّا الأمر فهو متعلِّق بالطبيعة;لأنّه هو


203

طلب الوجود(1)

(1)كفاية الأُصول: 171-172.
و فيه: -مضافاً إلى‏ ما مرّ(2)

(2)تقدّم في الصفحة 53-54.
من أنّ الأمر و الطلب شي‏ء واحد-أنّه يمكن أن يقال: إنّ الطلب متعلّق بنفس الطبيعة بحسب العرف و المتفاهم من الألفاظ،فتكون نفس المادّة المتعلَّقة لهيئة الأمر في قولنا: «اضرب»و«انصر»متعلَّقة للطلب حقيقة عند العرف،و يكون البعث و الإغراء متوجّهاً إليها،و لا يلزم منه أن تكون الطبيعة-التي هي مَقسم للموجود و المعدوم-متعلَّقة للطلب،حتّى‏ لا يدلّ الأمر على‏ إيجادها خارجاً;و ذلك لأنّ الطبيعة لا تكون حقيقة مقسماً للموجود و المعدوم;حتّى‏ يكون المعدوم أيضاً هو الطبيعة المتّصفة بالمعدوميّة،بل المعدوم ليس بشي‏ء،و هو باطل محض،بل الطبيعة لا تكون طبيعة إلاّ في ظرف الوجود،و كذلك كلّ الماهيّات و الطبائع لا تصدق نفسها على‏ نفسها إلاّ في ظرف الوجود،فلا يكون المعدوم بما أنّه معدوم مبعوثاً إليه،فالطلب إنّما يتعلّق بالطبيعة نفسها عرفاً،لكن تحصيل الطبيعة و إطاعة أمر المولى‏ لا يمكن إلاّ بإيجادها خارجاً،لا بأن يكون الطلب متعلّقاً بالوجود،بل بأن يكون متعلّقاً بنفس الطبيعة،لكن كون الطبيعة طبيعة لا يمكن إلاّ بالوجود و في ظرفه،و ما ليس بموجود يكون«ليساً»صِرفاً،لا يصدق عليه ذاته و ذاتيّاته. و أمّا قضيّة أصالة الوجود و الماهيّة فقضيّة عقليّة فلسفيّة،خارجة عن متفاهم العرف و مداليل الألفاظ،و هي أمر دقيق غير مربوط بهذا الوادي. و أمّا ما يقال: من أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي(3)

(3)كشف المراد: 86،الحكمة المتعالية 2: 3-4،شرح المنظومة،قسم الحكمة: 93.
فهو مطلب صحيح،لكن معناه أنّ الماهيّة من حيث ذاتها لا تكون مصداقاً لشي‏ء و لا يحمل


204

عليها شي‏ء غير ذاتها و ذاتيّاتها،لا أنّها لا يمكن أن تكون طرفاً لإضافة;فإنّ طرفيّتها للإضافة غير حمل شي‏ء عليها،فالماهيّة من حيث هي يمكن أن تكون متعلَّقة للأمر;أي طرفاً لإضافة الطلب،فينتزع منها المطلوبيّة باعتبار تلك الإضافة التي هي خارجة عن ذاتها من حيث هي،فذاتها من حيث هي ليست إلاّ هي،لكنّها تصير طرفاً للإضافة،و باعتبار طرفيّتها لها يحمل عليها: أنّها مطلوبة،و هذا أمر خارج عن ذاتها،كما عرفت. فتحصّل من ذلك: أنّ الأمر و الطلب،-و هما شي‏ء واحد-إنّما يتعلّق بالطبيعة لا بالوجود. و الحمد للَّه أوّلاً و آخراً.


205

المقصد الثاني في النواهي‏


207

فصل في اختلاف الأمر و النهي‏

قال المحقّق الخراساني قدس سره ما محصّله: إنّ الأمر و النهي مشتركان في الدلالة على الطلب،إلاّ أنّ الأمر يدلّ على‏ طلب الوجود،و النهي على‏ طلب العدم،فمتعلّق أحدهما الوجود،و الآخر العدم،و لا يدلاّن على الدوام و التكرار،لكنهما مختلفان عقلاً مع وحدة المتعلّق،فإنّ الأمر إذا تعلّق بالطبيعة يكون امتثاله بتحقّق فردٍ مّا;ضرورة وجود الطبيعة بوجوده،و عصيانه بترك جميع الأفراد،و أمّا النهي إذا تعلّق بها من غير قيدٍ،يكون امتثاله بترك الطبيعة،و عصيانه بإتيان فردٍ مّا. فالأمر و النهي متعاكسان عقلاً و إن كان متعلّقهما طلب وجود الطبيعة و عدمها(1) . انتهى‏[67].

(1)كفاية الأُصول: 182،183.

[67]و التحقيق: امتناع ذلك ثبوتاً،و مخالفته للظواهر إثباتاً;ضرورة أنّ العدم ليس بشي‏ء،و لا يمكن أن يكون ذا مصلحة تتعلّق به إرادة و اشتياق و لا بعث و تحريك و طلب. (مناهج الوصول 2: 103).


208

أقول: لو كان مفاد النهي هو طلب عدم الطبيعة،للزم أن يكون الطلب ساقطاً مع ترك إتيان فردٍ مّا،و أن لا يكون باقي الأفراد المتعاقبة عصياناً;لسقوط الطلب كما أنّ الحال كذلك في جانب الأمر،مع أنّ العقلاء يحكمون بخلاف ذلك;فإنّ للنهي عندهم إطاعات و عصيانات،فلو ترك العبدُ المنهيَّ عنه للَّه تعالى‏-مع شهوته لارتكابه-مرّاتٍ عديدة،عُدّ مطيعاً بحسب المرّات،كما أنّه لو أتى‏ به مرّات عديدة عدّ عاصيّاً كذلك،و لو أتى‏ به مرّة،و ترك للَّه تعالى‏ مرّة أُخرى‏،لَعُدَّ عاصياً و مطيعاً،و هذه الأحكام ثابتة بالضرورة عند العقلاء،و هذا يكشف عن كون مفاد النهي غير ما ذكر قدس سره وفاقاً للمشهور(1) .

(1)اُنظر هداية المسترشدين: 316-السطر 1،و مناهج الأحكام و الأُصول: 74-السطر 2،و الفصول الغروية: 120-السطر 1.
و التحقيق حسبما يؤدّي إليه النظر الدقيق: أنّ الأمر و النهي متخالفان بحسب الذات و المبادئ و الأحكام. أمّا اختلافهما ذاتاً: فلأنّ الأمر هو البعث نحو وجود الطبيعة أو نحو الطبيعة حسبما عرفت،فهو طلب و بعث و إغراء،و النهي هو الزجر و الإزعاج عن الوجود أو الطبيعة،فمتعلّقهما واحد،و إنّما اختلافهما بحسب الذات،فالبعث الإنشائي في الأمر بمنزلة الإغراء الخارجي و الإلقاء التكويني نحو العمل،و الزجر الإنشائي بمنزلة الدفع التكويني و المنع الخارجي عن الارتكاب. و أمّا اختلافهما بحسب المبادئ: فمبادئ الأمر-بعد التصوّر-هو التصديق بالفائدة و الاشتياقُ،و مبادئ النهي هو التصديق بالمفسدة و الكراهةُ. و أمّا بحسب الأحكام: فلمّا كان الأمر متعلّقاً بالطبيعة،كان تمام المتعلَّق له هو الطبيعة،فبتحقّق فردٍ مّا منها يتحقّق تمام المطلوب،فبقاء الأمر مع تحقّق تمام المطلوب جُزاف باطل.


209

و أمّا النهي فلمّا كانت حقيقته الزجر عن الوجود،لا طلب العدم،كان حكمه العقلائي هو دفع الطبيعة و الزجر عنها بتمام حقيقتها،فلا يكون-مع الانتهاء في زمان-مطلوبُ المولى‏ حاصلاً،و لا مع الإتيان بفرد من المنهيّ عنه نهيُه ساقطاً;فإنّ المعصية لا يعقل أن تكون مسقطة،لا في جانب الأمر و لا النهي‏[68]. و ما اشتهر بينهم: من أنّ سقوط الأمر قد يكون بالطاعة،و قد يكون بالمعصية(1) ،ممّا لا أساس له،فإنّ الأمر إذا لم يكن موقّتاً لا يسقط إلاّ بموت‏

(1)اُنظر كفاية الأُصول: 146.
المكلّف،و سقوطه به لا يكون للمعصية،بل لتعذّر توجّه الأمر إلى الميّت. و إذا كان موقّتاً فما دام وقته باقياً لا يسقط إلاّ بالموت-و قد عرفت حاله-و بعد الوقت يسقط لا للمعصية بل لخروج وقته،و الموقّت لا يعقل بقاؤه بعد وقته كما أنّه لا يعقل بعثه قبله،فلا يكون السقوط مستنداً إلى المعصية في شي‏ء من الموارد. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الفرق بين الأمر و النهي-بعد وحدة المتعلّق-أنّ الطبيعة في جانب الأمر لمّا كانت تمام المتعلّق و تمام المطلوب-و هو معنى‏

[68]ما ذكر: من أنّ الافتراق لأجل كون مفاد النهي هو الزجر و المنع لا الطلب. مدفوع: بأنّ المولى‏ لو صرّح بطلب ترك شرب الخمر كان الحكم العقلائي و العرفي عيناً كالزجر عن الشرب،بل لو فرض تعلّق الزجر بصرف الوجود أي ناقض العدم لسقط النهي مع العصيان;لانتهاء اقتضائه،كما لو نهاه عن ذكر اللَّه في الملإ لغرض عدم معروفيته،فمع ذكره يسقط. (مناهج الوصول 2: 107-108). نعم،الظاهر أنّ ذلك حكم العرف;لأنّ الطبيعة لدى العرف العامّ توجد بوجود فرد،و تنعدم بعدم جميع الأفراد،و عليه تحمل المحاورات العرفية،فإذا تعلّق نهي بطبيعة،يكون حكمه العقلائي أنّ امتثاله بترك جميع الأفراد. (مناهج الوصول 2: 105).


210

إطلاق الأمر في مقابل الإهمال-يكون الإتيان بفردٍ مّا منها إتياناً لتمام المطلوب،فلا يعقل بقاء الأمر بعده. و أمّا في جانب النهي لمّا كان إتيان الطبيعة المتعلَّقة للنهي عصياناً له،لا يعقل أن يكون النهي ساقطاً لأجله;لتقوّم السقوط بالإطاعة،و عدم كون العصيان مسقطاً-كما عرفت-فسقوط النهي مع الإتيان بفرد من الطبيعة-الذي هو المحقّق للعصيان-بلا ملاك و لا وجه. و أمّا ما قيل: من أنّ متعلَّق الأمر هو الطبيعة المُهملة،و [متعلّق‏] النهي [هو الطبيعة] المطلقة(1) ،فلا ربط له بما نحن فيه،فإنّ الإطلاق و الإهمال‏

(1)اُنظر مقالات الأُصول 1: 348.
المصطلحين في باب المطلق و المقيّد-أي كون المتعلّق تمام المطلوب في طرف الإطلاق،و عدمه في طرف الإهمال-غير مربوطٍ بالمقام،و إرسال المتعلّق في جانب النهي دون الأمر و إن كان هو الفارق بينهما،إلاّ أنّ السرّ ما أشرنا إليه،فتدبّر جيّداً.
تنبيه:

قد ذكرنا سابقاً(2) : أنّ الأمر بالشي‏ء متّحد مع النهي عن ضدّه العامّ،لا بمعنى‏

(2)تقدّم في الصفحة 162.
اتّحادهما مفهوماً،بل بمعنى‏ أنّ العقل يحكم بأنّ الأمر بشي‏ء و البعث نحوه هو الزجر عن نقيضه;لأنّ اجتماع النقيضين ممتنع. و بعبارة أُخرى‏: إنّ النهي عن النقيض منتزع من الأمر بنقيضه،لا بمعنى‏ أنّ في ذهن الآمر أمراً و نهياً متوجِّهين بنقيضين،بل بمعنى‏ أنّ العقل يحكم بذلك،و ينتزع من نفس الأمر بشي‏ء النهيَ عن نقيضه،و يكون المنتزع موجوداً بعين


211

منشإ انتزاعه. و هذا منشأ ما اشتهر بينهم في الأمر الوجوبي: أنّه هو الطلب مع المنع من الترك،فإنّ المنع من الترك(1) لم يكن منظوراً إليه;بحيث يكون في ذهن‏

(1)معالم الدين: 63-السطر 5،مناهج الأحكام و الأُصول: 37-السطر 31،ضوابط الأُصول: 45-السطر ما قبل الأخير.
الآمر طلب متعلِّق بالفعل،و منع متعلِّق بالترك. و معلوم: أنّ ما ينتزعه العقلاء من الأمر بالشي‏ء،هو النهي عن نقيضه الذي هو العدم بلا قيدٍ أصلاً;فإنّ منشأ الانتزاع هو المناقضة لا غير. و ما ذكرنا جارٍ في النهي طابق النعل بالنعل;فإنّ النهي عن الشي‏ء عين الأمر بنقيضه،لا بمعنى‏ أنّ هاهنا نهياً و أمراً،و لا بمعنى‏ اتّحادهما مفهوماً،بل بمعنى‏ اتّحادهما خارجاً،و كون النهي منشأ لانتزاع الأمر بنقيضه،و لمّا كانت حقيقة النهي عبارة عن الزجر عن الوجود،و نقيضُ الوجود هو العدم،كان الأمر بالعدم منتزعاً منه. و بما ذكرنا: انهدم أساس الخلاف الذي اختصّ بالنهي من أنّه هل هو نفس الترك و أن لا يفعل(2) ،أو الكفّ(3) ؟ فإنّ هذا النزاع إنّما له وجهٌ معقول لو كان النهي‏

(2)قوانين الأُصول 1: 137-السطر 3،الفصول الغروية: 120-السطر 25،كفاية الأُصول: 182.

(3)المحصول في علم أُصول الفقه 1: 350،351،شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 208،209.
عبارة عن الطلب،فيُنازَع بأنّه طلب الترك أو الكفّ،و أمّا بعد ما عرفت-من أنّ النهي عبارة عن الزجر عن الوجود-فلا معنى‏ له. نعم،لمّا كان نقيض الوجود هو العدم و نفس أن لا تفعل،يكون النهي عن الشي‏ء متّحداً خارجاً معه،لا مع الكفّ;فإنّ الكفّ هو العدم مع اعتبار زائد،و في الحقيقة الكفّ ضدّ النهي،لا نقيضه،و يجوز ارتفاعهما،بخلاف النقيضين،لكن


212

كون الترك نقيضاً للزجر عن الوجود،لا يقتضي أن يكون متعلَّقاً للطلب حقيقة;بمعنى‏ أن يكون في ذهن المولى‏ طلب ترك الفعل حقيقة. كما أنّه بما ذكرنا انهدم أساس تقسيم النهي إلى التعبّدي و التوصّلي(1) ;فإنّ‏

(1)مطارح الأنظار: 59-السطر 20،بدائع الأفكار،المحقّق الرشتي: 334-السطر 21.
منشأ هذا التقسيم أيضاً هو كون النهي عبارة عن طلب العدم،و أمّا بعد كونه زجراً عن الوجود فلا معنى‏ لهذا التقسيم;فإنّ قيد التقرّب إذا أُخذ في الوجود فلا بدّ و أن يكون العصيان تعبّديّاً،و هو كما ترى‏،و لا معنى‏ لأخذه في العدم الذي هو نقيضه;لأنّ العدم لا يكون متعلّقاً للأمر حقيقة،و لا يكون منظوراً إليه،فلا مجال للتعبّديّة فيه. نعم،لو ترك المكلَّف المنهيَّ عنه بعد تعلّق شهوته بإتيانه لأجل نهي المولى‏،يكون مستحقّاً للمثوبة عقلاً.


213

فصل اجتماع الأمر و النهي‏

اختلفوا في جواز اجتماع الأمر و النهي في واحدٍ (1) و امتناعه(2) [69]،و قبل‏

(1)معالم الدين،حاشية سلطان العلماء: 98،قوانين الأُصول 1: 140-السطر 20،و قد اختاره أيضاً السيّد المحقّق الفشاركي‏1 على ما حكى عنه تلميذه في وقاية الأذهان: 343.

(2)الفصول الغروية: 125-السطر 14،كفاية الأُصول: 195.

[69]محطّ البحث في الباب هو: أنّه هل يجوز تعلّق الأمر و النهي بعنوانين متصادقين على‏ واحد؟ فحينئذٍ يكون المراد بالواحد هو الواحد الشخصي;لأنّه الذي تتصادق عليه العناوين،و أمّا الواحد الجنسي فلا تتصادق عليه،بل يكون جنساً لها،مع أنّ النزاع في الواحد الجنسي مع قطع النظر عن التصادق على الواحد الشخصي ممّا لا معنى‏ له;ضرورة أنّ الحركة في ضمن الصلاة يمكن أن يتعلّق بها الأمر،و في ضمن الغصب أن يتعلّق بها النهي مع قطع النظر عن تصادقهما خارجاً على الواحد الشخصي،و معه يكون محطّ البحث هو ما ذكرنا;لأنّه المنشأ لقول الامتناعي. و أمّا إبقاء العنوان على‏ ظاهره فممّا لا يمكن،سواء أُريد بالواحد الشخصي أو الجنسي أوالأعمّ،أمّا الجنسي فلما عرفت،و أمّا الشخصي فلأنّ الأمر و النهي لا يتعلّقان به;لأنّ الخارج لا يمكن أن يكون ظرف ثبوت التكاليف،فاجتماع الأمر و النهي فيه ممّا لا معنى‏ له. (مناهج الوصول 2: 109-110)


214

الخوض في المقصود لا بدّ من

تمهيد مقدّمات:

المقدّمة الأُولى‏:

إنّه لا شبهة و لا إشكال عقلاً في امتناع توجّه الأمر و النهي من شخص واحد إلى‏ مكلَّفٍ واحد في زمانٍ واحد بجهةٍ واحدة;ضرورة استحالة اجتماع حالة بعثيّة و زجريّة مع وحدة تلك الأُمور،و هذه قضيّة ضروريّة لا تعتريها الشبهة،و لا يحوم حولها الإشكال. إنّما الإشكال في أنّ الأمر من مولًى واحد،إذا تعلّق بعنوانٍ متوجِّهاً إلى مكلَّف في زمانٍ،و النهي تعلَّق بعنوانٍ آخر متوجِّهاً إليه في هذا الزمان،و كان بين المأمور به و المنهيّ عنه تصادق في مصداق واحد في ظرف التحقّق و الوجود;بحيث يكون الموجود الخارجي مصداقاً لعنوانين يكون بينهما عموم من وجه مثلاً،كعنواني التصرّف في مال الغير و الصلاة،فهل اختلاف العنوانين كذلك يرفع غائلة امتناع اجتماع الأمر و النهي،و أنّ العقل يحكم بجواز توجّه الأمر و النهي الكذائيّين من مولًى واحد إلى مكلَّفٍ واحد في زمانٍ واحد،أو يحكم بامتناعه بمُجرّد تصادق العنوانين خارجاً و إن اختلفا عنواناً،و يكون هذا الفرض و المورد في نظر العقل من صُغريات تلك القضيّة الضروريّة المتقدّمة[70]؟

[70]و ممّا ذكرنا يتّضح أنّ الأولى‏ في عقد البحث أن يقال: هل يجوز اجتماع الأمر و النهي على‏ عنوانين متصادقين على‏ واحد،أو لا؟ و يكون حينئذٍ النزاع كبروياً،لا صغروياً كما زعموا. (مناهج الوصول 2: 110).


215

و بعبارة أخرى‏: إنّ الأمر و النهي إذا تعلّقا بعنوانين من مولًى واحد،متوجّهاً إلى‏ مكلَّفٍ واحد في زمانٍ واحد،فهل يجب أن يكون بينهما تباين كلّي بحسب الصدق،أو يمكن أن يكون بينهما تصادق،و جمعُ المكلّف-بسوء اختياره-بين المأمور به و المنهيّ عنه في موجودٍ شخصيّ و فردٍ خارجيّ،ممّا لا يوجب امتناع تعلّق الأمر و النهي بعنوانين مختلفين؟

المقدّمة الثانية:

بناء على‏ ما ذكرنا-من تحرير محلّ النزاع و الجهة المبحوث عنها في المسألة-أنّ المراد من الواحد في عنوانها هو الواحد الشخصي،الذي يكون مصداقاً لمفهومين و معنوناً بعنوانين،لا الأعمّ منه و من الواحد الجنسي أو النوعي;فإنّ الوجود هو ناظم شتات المفاهيم،و جامع متفرّقاتها،و الهويّة الوجوديّة ممّا يمكن أن تتصادق عليها المفاهيم الكثيرة،و تتصالح فيها العناوين المختلفة. و أمّا المفاهيم الكلّيّة-مثل مفهوم الصلاة في المغصوب-فلا تكون واحداً بوجهٍ،فإنّ مفهوم الصلاة شي‏ء،و مفهوم المغصوب شي‏ء آخر;لأنّ المفاهيم من ذاتيّها الاختلاف و الغيريّة،و اجتماعهما مجرّد اجتماع لفظيّ أو اعتباريّ;بحيث لا يرجع إلى الوحدة حقيقة. و بالجملة: الواحد في عنوان البحث هو الواحد الشخصي الذي يكون معنوناً بعنوانين،يكون أحدهما مأموراً به،و الآخر منهيّاً عنه.

المقدّمة الثالثة:

قد فرغنا سابقاً عن ميزان المسألة الأُصوليّة،فلا نطيل بالإعادة،و بحسب ما ذكرنا-من كون موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه-لا تندرج تلك‏


216

المسألة في المسائل الأُصوليّة،بل هي من المبادئ الأحكاميّة[71].

المقدّمة الرابعة:

و بما ذكرنا-من معنى‏ تعلّق الأحكام بالأفراد(1) -يعلم: أنّ النزاع لا يجري‏

(1)تقدّم في الصفحة 167-169.
إلاّ بناءً على‏ تعلّق الأحكام بالطبائع‏[71];فإنّ معنى‏ تعلّقها بالأفراد هو أنّها بجميع‏

[71]فالتحقيق: أنّ المسألة أُصولية;لصحّة وقوعها في طريق الاستنباط،و إن جعلنا موضوع علم الأُصول الحجّة في الفقه;لأنّ جعل موضوعه كذلك لا يستلزم البحث عن عوارض العنوان بالحمل الأوّلي،بل المراد من كون مسألة حجّة في الفقه أنّها حجّة بالحمل الشائع;أي يستنتج منها نتيجة فقهية،و هي كذلك. (مناهج الوصول 2: 113).

[72]الظاهر أنّ النزاع لا يبتني على‏ تعلّق الأمر و النهي بالطبائع،بل يجري في بعض فروض تعلّقهما بالأفراد. كأن يراد بتعلّقهما بها تعلّقهما بالعنوان الإجمالي منها;بأن يقال: معنى‏«صلّ»أوجد فرد الصلاة،فيكون عنوان فرد الصلاة غير عنوان فرد الغصب،فيجري النزاع فيهما. أو يراد به تعلّقهما بالطبيعة الملازمة للعناوين المشخّصة،أو أمارات التشخّص،كطبيعي الأين و المتى‏ و الوضع و هكذا،فيجري النزاع لاختلاف العنوانين. أو يراد به تعلّقهما بعنوان وجودات الصلاة و الغصب في مقابل«الوجود السعي»،فإنّه لا يخرج به عن العنوانين المختلفين. نعم،لو أُريد من الفرد هو الخارجي منه فلا إشكال في عدم جريانه فيه،لكنّه بديهي البطلان،و إن يظهر من بعضهم أنّه مراد القائل به. و كذا لو أُريد به الطبيعة مع كلّ ما يلازمها و يقارنها حتّى الاتّفاقيات منها،كما قيل: إنّ الأمر متعلّق بالصلاة المقارنة لكلّ ما يشخّصها و يقارنها حتّى‏ وقوعها في محلّ مغصوب،و أُخذت هذه العناوين في الموضوع،فلا يجري النزاع فيه أيضاً،لكنّه بمكان من الفساد. فتحصّل: أنّ النزاع جارٍ على القول بتعلّقها بالأفراد على الفروض التي تصحّ أن تكون محلّ النزاع. (مناهج الوصول 2: 114 و 115).


217

خصوصيّاتها الشخصيّة و حيثيّاتها الخارجيّة متعلَّقة لها،و معه لا محيص إلاّ من القول بالامتناع،و أمّا مع تعلّقها بالطبائع فيجري النزاع،كما لا يخفى‏. فما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله-من أنّ النزاع يجري حتّى‏ بناءً على‏ تعلّقها بالأفراد(1) -لا وجه له،و ما أفاده في وجهه مخدوشٌ;لأنّه يرجع إلى‏

(1)كفاية الأُصول: 188-189.
التعلّق بالطبائع لا الأفراد.
المقدّمة الخامسة:

محطّ النزاع في باب الاجتماع هو الإمكان و الامتناع بنحو الكبرى الكلّيّة،بلا نظرٍ إلى الوقوع و اللاوقوع،فتقييد محلّ النزاع بما إذا كان في كلّ واحدٍ من متعلَّقي الإيجاب و التحريم مناط الحكم مطلقاً حتّى‏ في مورد التصادق و الاجتماع-كما صنعه المحقّق الخراساني رحمه الله (2) -ممّا لا أساس له،و فيه خلط

(2)نفس المصدر: 189.
بين الإمكان و الامتناع كبرويّاً،و بين ثمرة النزاع في الفقه و محلّ الوقوع،فالقائل بالجواز يقول: إنّ اجتماع الأمر و النهي في واحدٍ ذي جهتين ممكنٌ،وقع أو لم يقع،و القائل بالامتناع ينكره. نعم،تظهر الثمرة في الشرعيّات في مورد يكون ملاك الحكم متحقّقاً في صور الاجتماع،و هو أمر آخر وراء محلّ النزاع،كما لا يخفى‏. و هاهنا أمور أخر ذكرها المحقّق الخراساني رحمه الله على‏ سبيل المقدّميّة(3) ،

(3)اُنظر كفاية الأُصول: 190-192.
و نحن نذكر المهمّ منها في تنبيهات المسألة;لمناسبتها معها و عدم دخالتها في المقدّميّة.


218

دليل امتناع الاجتماع‏

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الأُصوليّين-من سالف الزمان-استدلّوا على الامتناع بدليلٍ(1) قد شيّد أركانه و أحكم بنيانه المحقّق الخراساني رحمه الله بذكر

(1)اُنظر عُدّة الأُصول 1: 263،و المحصول في علم أُصول الفقه 1: 342،و المستصفى‏ من علم الأُصول 1: 76،و نهاية الوصول: 157-159.
مقدّمات: ملخّصُ أوّلها: أنّ الأحكام بأسرها متضادّة في مقام فعليّتها و بلوغها مرتبة البعث و الزجر،فاجتماع الأمر و النهي يكون من قبيل التكليف المحال،لا بالمحال. و ثانيها: أنّه لا شبهة في أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف و ما هو صادرٌ منه خارجاً و ما هو جاعله،لا ما هو اسمه و لفظه،و هو واضح،و لا ما هو عنوانه و مفهومه الذهني;ضرورة أنّ البعث لا يكون نحوه،و الزجر لا يكون عنه،و إنّما يؤخذ العنوان في متعلّق الأحكام آلة للحاظ متعلّقاتها،لا بما هو و بنفسه استقلالاً. و ثالثها: أنّ تعدّد الوجه و العنوان لا يوجب تعدّد المعنون،و لا تنثلم به وحدته;لجواز انطباق المفاهيم الكثيرة على الواحد البسيط المحض،كمفاهيم الأسماء الحسنى الصادقة على الواحد البسيط الحقّ جلّت آلاؤه. و رابعها: أنّ الواحد وجوداً واحدٌ ماهيّة و ذاتاً،فالمفهومان المتصادقان على‏ شي‏ء واحد لا يكون كلّ منهما ماهيّة حقيقة،فالمجمع و إن تصادق عليه متعلَّقا الأمر و النهي،إلاّ أنّه كما يكون واحداً وجوداً يكون واحداً ماهيّة و ذاتاً،و يتصادق المفهومان على الفرد في الخارج تصادق الطبيعي على‏ فرده;من غير


219

فرقٍ في ذلك-أي في كون الواحد وجوداً،واحداً ماهيّةً-بين أصالة الوجود أو الماهيّة. و منه ظهر عدم ابتناء الجواز و الامتناع على القولين،كما ظهر عدم الابتناء على‏ تعدّد وجود الجنس و الفصل في الخارج و عدمه;ضرورة عدم كون العنوانين من قبيلهما. إذا عرفت ذلك: عرفت أنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً و ذاتاً،كان تعلّق الأمر و النهي به محالاً و لو كان التعلّق بعنوانين;لما عرفت: من أنّ التعلّق حقيقة إنّما يكون بما هو فعل المكلّف خارجاً،لا بالعناوين الطارئة و المفاهيم،فالفعل الخارجي يكون مجمع الأمر و النهي،و لمكان تضادّهما يجتمع الضدّان في واحد شخصيّ،و هو ضروريّ البطلان(1) . انتهى‏.

(1)كفاية الأُصول: 193-195.
و لقد تصدّى القوم لجوابه بما يرجع كلّها أو جلّها إلى‏ تكثير متعلَّق الأمر و النهي،مع اعترافهم بتضادّ الأحكام(2) .

(2)درر الفوائد،المحقّق الحائري: 180،وقاية الأذهان: 345.
و عندي فيه إشكال،يبتني توضيحه على‏ بيان مقدّمة: و هي أنّ تضادّ الأحكام و إن كان ممّا تسالمت عليه كلمة الأصحاب قديماً و حديثاً(3) ،و اشتهر بينهم غاية الاشتهار،لكنّه ممّا لا أساس له;فإنّ الضدّين‏

(3)اُنظر عُدّة الأُصول 1: 261،و معالم الدين: 101-السطر 1،و مطارح الأنظار: 126-السطر25.
أمران وجوديّان يتواردان على‏ محلٍّ واحد بينهما غاية الخلاف،و ليس الوجوب و الحرمة و سائر الأحكام من الأُمور الوجوديّة الحالّة في متعلّقاتها،و إن يصدق عليها أنّها واجبة أو محرّمة مثلاً،فإنّه لا يلزم في صدق كلّ مفهومٍ على شي‏ء


220

أن يكون منشأ الانتزاع أمراً موجوداً أو عرضاً حالاّ في موضوعه و متعلّقه. و إن شئت توضيح ذلك فاعلم: أنّ الأمر أو النهي إذا صدر من المولى متوجّهاً إلى المكلَّف و متعلِّقاً بالمكلَّف به،يكون له إضافة إلى المولى‏ إضافة صدوريّة;لقيامه به صدوراً،و إضافة إلى المكلَّف و إلى المكلَّف به،و يكون تحقّق هاتين الإضافتين بنفس تحقّق منشإ انتزاعهما،و هو الأمر و النهي القائمان بالمولى‏ قياماً صدوريّاً،و لا نفسيّة لهما،و ليس لهما قيام و عروض على المكلّف،و لا على المكلّف به. و لهذا ترى‏ أنّ مفهوم المأمور به و الواجب و المنهيّ عنه و المحرّم،تصدق على‏ متعلّقات الأحكام بعد بعث المولى‏ و زجره،و قبل إيجاد المكلَّف إيّاها،فالصلاة واجبة و مأمور بها قبل إتيانها،و الغِيبة حرام و مزجور عنها قبل ارتكابها،بل الخارج ظرف سقوط التكليف،فكيف يمكن أن يكون ظرف ثبوته؟! فهل يكون ثبوته فيه-بعد تحقّق المتعلّق-إلاّ من قبيل تحصيل الحاصل في الواجبات؟! و بالجملة: إنّ وِزانَ الأمر و النهي-القائمَيْن بنفس المولى‏،المضافَيْن إلى المتعلّق بلا عروض شي‏ءٍ خارجيّ موجود فيه-وِزانُ العلم و الإرادة و القدرة القائمات بنفس الإنسان،المضافات إلى‏ متعلّقاتها قبل تحقّقها،فكما أنّ العلم قد يتعلّق بأمرٍ متأخّر قبل تحقّقه،و ينتزع منه مفهوم المعلوم بواسطة نفس إضافة العلم إليه،و كذا الإرادة و القدرة،فكذلك الأمر و النهي من هذه الحيثية. فتحصل من جميع ما ذكرنا: أنّ الوجوب و الحرمة و كذا سائر الأحكام ليست ممّا يتحقّق بينها تضادّ;لعدم تحقّقها في الخارج،و عدم عروضها للمتعلّقات،و إنّما هي إضافات متحقّقة بنفس الأمر و النهي،القائمَيْن بنفس المولى قياماً صدوريّاً،و هي تابعة لمناشئها،فإن كانت مناشؤها ممكنة الاجتماع،تكون هي ممكنة الاجتماع،و إن كانت ممتنعة الاجتماع فكذلك،بل هي في الوجود و الوحدة


221

و الكثرة و جواز الاجتماع و عدمه تابعة لها،فلا بدّ من عطف النظر إلى المناشئ. فنقول: لا يكون مطلق اجتماع الأمر و النهي في نفس المولى‏ ممتنعاً;ضرورة اجتماعهما في نفسه بالنسبة إلى متعلّقات متشتّتة كثيرة،بل ما يكون ممتنعاً-و يكون من قبيل اجتماع الضدّين-اجتماعُ الأمر و النهي من مولًى واحد،متوجّهاً إلى‏ عبدٍ واحد بجهةٍ واحدة في زمنٍ واحد. و أمّا تعلّق الأمر بحيثيّةٍ،و كذا تعلّق الإرادة بها،و تعلّق النهي و الكراهة بحيثيّةٍ أخرى‏،فغير ممتنعٍ،و لو أوجدهما المكلّف بسوء اختياره في مصداقٍ واحد و موجودٍ فارد;ضرورة أنّ معنى‏ تعلّق البعث بحيثيّة أن تكون تلك الحيثية تمام المتعلّق للأمر و البعث،و عدم دخالة حيثيّة أخرى‏ فيه،كما أنّ معنى‏ تعلّق الزجر و النهي بحيثيّة أيضاً كذلك،فلا يُعقل أن يتجاوز الأمر ما تعلّق به و قامت المصلحة الملزمة فيه إلى‏ حيثيّة أخرى‏ أيّة حيثيّة كانت;اتّحدت معه في الخارج أو لا،فما هو متعلّق العلم بالصلاح هو متعلّق الاشتياق و الإرادة و البعث;لا يمكن أن يتخلّف أحدها عنه و يصير شي‏ء آخر دخيلاً فيه بنحوٍ من الدخالة،و كذا في جانب النهي. و وِزان الإرادة التشريعيّة وِزان الإرادة التكوينيّة في ذلك طابق النعل بالنعل و القُذّة بالقُذّة،فكما أنّ ما تعلّق العلم بالمصلحة فيه،يصير متعلَّقاً للاشتياق و تَوَقان النفس و الإرادة التكوينيّة للإيجاد،و لا يمكن أن يتعلّق الشوق و الإرادة بما يقارنه و يتّحد معه في الوجود،فإكرام الصديق الذي هو متعلَّق الشوق و الإرادة هو تمام الموضوع و المتعلَّق لهما،و لا يكون شي‏ء من مقارناته و المتّحدات معه في الوجود-من كونه في زمان كذا،أو مكان كذا،و متعلَّقاً لإضافات كذائيّة،و أوضاع كذائيّة-متعلَّقاً لهما;فإنّها كلّها خارجة عن الموضوع الذي قامت المصلحة به،و يكون تعلّق الشوق و الإرادة بها بلا ملاكٍ‏


222

يوجبه،فكذلك الإرادة التشريعيّة;لاشتراكهما في جميع المقدّمات،و افتراقهما في أنّ إحداهما متعلِّقة بإيجاد الغير للمتعلَّق،و الأُخرى‏ بإيجاد نفسه إيّاه. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الصلاة مثلاً متعلَّقة للإرادة و البعث،و هي بذاتها تمام الموضوع لهما،و لا يمكن أن يتعلّقا بغيرها;ممّا هو خارجٌ عن عنوان الصلاة و إن اتّحد معها في الخارج،و التصرّف في مال الغير بغير إذنه متعلَّق للكراهة و الزجر،و هو أيضاً تمام الموضوع لهما من غير دخالة شي‏ء فيه من مقارناته و المتّحدات معه،و لا يعقل سراية الإرادة المتعلِّقة بالصلاة إلى التصرّف الكذائي;لفقدان الملاك و منافاته لتمام الموضوعيّة،فالبعث إلى الصلاة بعثٌ إليها فقط لا إلى‏ غيرها;اتّحد معها في الخارج أو لم يتّحد،و الزجر عن التصرّف في مال الغير زجرٌ عنه فقط دون غيره،و هما لا يجتمعان في ظرف من الظروف و وعاءٍ من الأوعية. و لو كان هذا النحو من التعلّق و الاجتماع ممتنعاً;لأدائه إلى اجتماع الضدّين،لكان اجتماع العلم و الجهل المتعلِّقين بجهتين-يتّفق اجتماعهما في موجودٍ واحد-محالاً;لعين ما ذكر. مثلاً: لو علمنا بمجي‏ء زيد غداً،و علمنا أنّه عالمٌ،و شككنا في عدالته،اجتمع العلم و الجهل في موجود واحد;فإنّ المجي‏ء الشخصي يصدق عليه أنّه معلومٌ و مجهولٌ،معلومٌ كونه مجي‏ء عالمٍ،و مجهولٌ كونه مجي‏ء عادلٍ. و كذا مَنْ صلّى‏ في دار مجهولةٍ غصبيّتُها،يصدق على الحركات الخاصّة أنّها معلومة و مجهولة;معلومة من حيثية صلاتيّتها،و مجهولة من حيثيّة غصبيّتها،و لو كان هذا النحو من التعلّق نحو عروض شي‏ء موجود على شي‏ء موجود،للزم اجتماع الضدّين في واحدٍ شخصيّ،أو الالتزام بعدم حصول هذا النحو من العلم و الجهل في موجودٍ شخصيّ،أو الالتزام بعدم التضادّ بين العلم و الجهل مطلقاً:


223

و الأوّل: ضروري البطلان. و الثاني: خلاف الوجدان. و الثالث: خلاف الضرورة;بداهة امتناع تعلّق العلم و الجهل بشي‏ءٍ واحد من جهةٍ واحدة. فإذا بطلت التوالي بأسرها بطل المقدّم و هو كون هذا التعلّق نحو عروض الأعراض الموجودة الحالّة في محالّها. و مورد النقض هو عين ما نحن فيه،و الحلّ بما عرفت: و هو أنّ العلم و الجهل إنّما يكون قيامهما بنفس العالم و الجاهل،و لهما نحو تعلّقٍ بالمعلوم و المجهول،و يكون تحقّق تلك الإضافة إلى المعلوم و المجهول-أي المشكوك فيه-بعين تحقّق العلم و الشكّ،و ليس لهما وجود على‏ حِدَة يكون عارضاً على المعلوم و المشكوك فيه،فهما في تحقّقهما و امتناع اجتماعهما و جوازه تابعان لمنشإ انتزاعهما،و هما العلم و الشكّ القائمان بنفس العالم و الجاهل،فإذا عطفنا النظر إلى المنشإ نرى‏ أنّ الممتنع هو اجتماع العلم و الشكّ في شي‏ءٍ واحد من جهةٍ واحدة. و أمّا تعلّق العلم بجهةٍ و الشكّ بجهة أخرى‏،فغير ممتنعٍ،و إن اتّفق اجتماعهما في موجودٍ شخصيّ،و انطباقهما على واحدٍ خارجيّ،كالحركة الخارجيّة الشخصيّة المتّصفة بالمعلوميّة و المشكوكيّة بجهتين. ثمّ إنّا لا نحتاج إلى‏ إقامة البرهان على‏ الجواز حتّى‏ يقال: لعلّ الاجتماع يكون ممتنعاً بجهة أخرى‏ غير ما ذكر و لم نتنبّه عليها،فلا بدّ لإثباته من إقامة البرهان;و ذلك لأنّ رفع اليد عن إطلاق الأدلّة و عمومها لا يجوز إلاّ بدليلٍ شرعيّ أو عقليٍّ مفقود في المقام،و مجرّد احتمال جهةٍ واقعيّة تكون موجبة للامتناع لا يصحّح رفع اليد عن الأدلّة-كما هو واضح-فلا بدّ للمانع من إقامة الدليل،لا للمجوِّز.


224

لكن المجوِّزين استدلّوا على الجواز بأمور: منها:

أنّ العقلاء يعدّون مَنْ أتى‏ بالمأمور به في ضمن الفرد المحرَّم مطيعاً و عاصياً،فإذا أمر المولى‏ عبده بخياطة ثوبه،و نهاه عن التصرّف في فضاءٍ خاصّ،فأوجد المكلّف الخياطة بحركاته الخاصّة المتّحدة مع الخياطة و التصرّف،فنفس الحركات الخاصّة مصداق لكلا العنوانين،و محقّق للمأمور به و المنهيّ عنه،و يكون مطيعاً لإيجاد المأمور به،و عاصياً للتخلّف عن النهي(1) .

(1)انظر المحصول في علم أصول الفقه 1: 341،و قوانين الأُصول 1: 148-السطر 7.
تنبيهات:

التنبيه الأوّل: حكم العبادة في الدار المغصوبة

ما ذكر-من كون العبد مطيعاً و عاصياً إذا أتى‏ بمجمع العنوانين و مصداق الطبيعتين-إنّما هو في التوصّليّات،و هل يجري في التعبّديّات أيضاً أو لا؟ و التحقيق هو الثاني. و ليعلم أوّلاً: أنّ القول بجواز الاجتماع لا يلازم القول بصحّة العبادة المتّحدة مع المنهيّ عنه في الخارج;لإمكان التزام القائل بالجواز بالبطلان من جهة أخرى‏ و ملاك آخر غير الامتناع،و هو أنّ العبادة تتقوّم بقصد التقرّب،و كون الموضوع ممّا يمكن فيه التقرّب و صالحاً لذلك. و لمّا كان الموجود الخارجي هو مصداق عنوان المعصية،و متّحداً بتمام هويّته مع المنهيّ عنه-لا بجهةٍ دون جهة-،كان المصداق الخارجي-بتمام هويّته-مُبعِّداً للعبد،و معصيةً للمولى‏،و مخرجاً له عن رسم العبوديّة،و ما يكون كذلك لا يمكن أن يصير مقرِّباً للعبد


225

و طاعة للمولى‏. و ليس للموجود الخارجي جهتان متحقّقتان،يكون بإحداهما معصية،و بالأُخرى‏ إطاعة،بل عنوان المأمور به-كعنوان المنهيّ عنه-منطبق عليه تمام الانطباق،و يكون بتمام هويّته و شراشر حيثيّاته الخارجيّة مصداقاً للعنوانين،فالصلاة في الدار المغصوبة بتمام هويّتها مصداق لعنوان الغصب و معنونة بعنوان المنهيّ عنه،و ما يكون كذلك لا يمكن أن يكون مقرِّباً و لا إطاعة و عبادة للمولى‏،و هذا أمر يصدّقه العقل و الوجدان،و بذلك ظهر وجه المختار[73].

[73]بعد البحث عن إمكان اجتماع الأمر و النهي يتّضح الجواب عن سائر إشكالات الباب،كلزوم كون شي‏ء واحد متعلّقاً للإرادة و الكراهة،و كون شي‏ء واحد محبوباً و مبغوضاً،و ذا صلاح و فساد،و مقرّباً و مبعّداً. و أمّا لزوم كون الموجود الخارجي محبوباً و مبغوضاً فلا محذور فيه;لأنّ المحبوبية و المبغوضية ليستا من الصفات القائمة بالموضوع خارجاً،كالسواد و البياض،حتّى‏ يكون المحبوب متّصفاً بصفات خارجية بعدد المحبين،و اللَّه-تعالى‏-محبوب الأولياء و لا يمكن حدوث صفة حالّة فيه بعددهم،فالمحبوبية و المبغوضية من الصفات الانتزاعية التي يكون لهما منشأ انتزاع،فلا بدّ من لحاظ المنشإ; فإنّ المنتزع تابع لمنشئه في الوحدة و الكثرة. و أمّا حديث قيام المصلحة و المفسدة بشي‏ء واحد فهو-أيضاً-لا محذور فيه; لأنّهما-أيضاً-لا يجب أن يكونا من الأعراض الخارجية القائمة بفعل المكلّف،مثلاً: التصرّف في مال الغير بغير إذنه ظلم قبيح له مفسدة; لأنّ ذلك موجب للهرج و المرج و الفساد،من غير أن تكون هذه العناوين أوصافاً خارجية قائمة بالموضوع،و الخضوع للَّه-تعالى‏-و الركوع له قيام بأمر العبودية،و له حسن و مصلحة،و موجب لأداء حقّ العبودية،من غير أن تكون هذه العناوين أعراضاً خارجية،بل هي و مقابلاتها من الوجوه و الاعتبارات‏التي يمكن أن يتّصف شي‏ء واحد بهما. فمسّ رأس اليتيم في الدار المغصوبة من جهة أنّه رحمة به حسن ذو مصلحة،و من جهة أنّه تصرف في مال الغير قبيح ذو مفسدة،من غير أن يكون ذلك من اجتماع الضدّين بالضرورة. و ممّا ذكرنا يتّضح: إمكان أن يكون شي‏ء واحد مقرّباً و مبعّداً;لأنّهما-أيضاً-من الوجوه و الاعتبارات التي يمكن اجتماعها في شي‏ء واحد بجهات مختلفة;ضرورة أنّ العقل يدرك الفرق بين من ضرب ابن المولى‏ في الدار المغصوبة،و من أكرمه فيها،فحركة اليد لإكرام ابن المولى‏ من جهة أنّها إكرام،محبوبة و صالحة للمقرّبية،و من جهة أنّها تصرّف في مال الغير عدواناً،مبغوضة و مبعّدة،فالحركة الصلاتية في الدار المغصوبة من جهة أنّها مصداق الصلاة،محبوبة و مقرّبة،و من جهة أنّها مصداق الغصب،مبغوضة مبعّدة. (مناهج الوصول 2: 132-135). لكن عدم صحّة الصلاة ليس لأجل الغصب،بل لأجل التصرّف في مال الغير بلا إذنه،و هو عنوان آخر غير الغصب;لأنّه قد يكون التصرّف في ماله بلا إذن و لا يتحقّق عنوان الغصب;أي استقلال اليد عليه،و قد يتحقّق الغصب بلا تصرّف خارجي في ماله،فبطلان الصلاة في الدار المغصوبة-على‏ فرضه-ليس لأجل استقلال اليد على‏ ملك الغير;لأنّه اعتباري لا ينطبق على الصلاة،بل لأجل التصرّف فيه;لأنّ الحركة الركوعية و السجودية عين التصرّف فيه،بل السجود على‏ سبعة أعظم و الكون الركوعي و القيامي و غيرهما تصرّف و مبعّد،فلا يجوز التقرّب به على الفرض،قيل بجواز الاجتماع أو لا. (مناهج الوصول 2: 121-122).


226

و ليعلم أيضاً: أنّ ما اشتهر بين المتأخّرين-من أنّ المشهور بين الإماميّة عدم جواز اجتماع الأمر و النهي(1) -ليس له مأخذٌ صحيح،فإنّه بعد التتبّع في‏

(1)معالم الدين: 97،الفصول الغروية: 125-السطر 12،مطارح الأنظار: 129-السطر9.
كلمات قدماء أصحابنا الإماميّة-رضوان اللَّه عليهم-يظهر أنّ ما هو المشهور بينهم إنّما هو عدم صحّة الصلاة في الدار المغصوبة،و كذا عدم صحّة كلّ عبادةٍ


227

متّحدةٍ مع المنهيّ عنه في الخارج. و استدلّوا على‏ بطلانها بما ذكرنا: من أنّ المبعِّد لا يمكن أن يصير مقرِّباً و يقع عبادة(1) ،و قد عرفت أنّ هذا أمر آخر غير مربوطٍ بمسألة جواز الاجتماع،و لا

(1)اُنظر الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 191،غنية النزوع 1: 67.
ملازمة بين المسألتين. نعم،يظهر من بعض المتأخّرين: أنّ مدرك المسألة هو عدم الجواز(2) ،و هو

(2)جواهر الكلام 8: 285.
ليس في محلّه. و بما ذكرنا في وجه مختار المشهور،ظهر ما في كلام المحقّق الخراساني رحمه الله في عاشر المقدّمات: من أنّه لا إشكال في سقوط الأمر و حصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي الأمر،على الجواز مطلقاً و لو في العبادات و إن كان معصية للمنهي عنه أيضاً(3) .

(3)كفاية الأُصول: 191.
و ذلك لما عرفت من وجه الإشكال،و أنّ ذهاب أصحابنا إلى‏ بطلان العبادة في الدار المغصوبة هو لهذا الوجه،لا للذهاب إلى الامتناع; فإنّ بحث اجتماع الأمر و النهي بهذا العنوان المعروف بين المتأخّرين،لم يكن إلى زمن العلاّمة قدس سره،و إنّما حدث في زمانه(4) ،و تبعه المتأخّرون،فالوجه في ذهاب المشهور إلى‏

(4)نهاية الوصول: 157-السطر 13.
البطلان هو الوجه المتقدّم. و أمّا ما أفاده بقوله: و كذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر،إلاّ أنّه لا معصية في إتيانه بناءً عليه(5) .

(5)كفاية الأُصول: 191.


228

ففيه ما لا يخفى‏: فإنّ ترجيح جانب الأمر إنّما يؤثّر في تقييد النهي بغير مورد الاجتماع إذا لم تكن مندوحة في البين،و أمّا مع وجودها-كما هو محطّ البحث-فلا معنى‏ للتقييد و لو بلغ مناط الأمر ما بلغ من القوَّة و الترجيح; فإنّ التقييد معها يكون بلا ملاكٍ و جهةٍ. و هاهنا أمر: و هو أنّ ما ذكر في وجه بطلان العبادة،إنّما يجري فيما إذا كان النهي مؤثّراً فعليّاً; حتّى‏ يكون صدور الفعل من الفاعل قبيحاً،و يكون عصياناً و طغياناً على المولى‏،و أمّا مع عدم كونه كذلك-كالجاهل بالموضوع أو بالحكم مع قصوره-فصحّة العبادة و صيرورتها مقرِّبة و إطاعة لأمر المولى‏،ممّا لا مانع منه،كما لا يخفى‏[74].

[74]أمّا مع القصور فصحّتها تتوقّف على‏ أمرين: أحدهما: إثبات وجدانها في مورد الاجتماع للملاك التامّ. و ثانيهما: كون الملاك المرجوح قابلاً للتقرّب. و الأمر الأوّل: محلّ إشكال بناء على‏ كون الامتناع لأجل التكليف المحال;و ذلك للتضادّ بين ملاكي الغصب و الصلاة،فإن رفع تضادّهما باختلاف الحيثيتين،رفع التضادّ بين الحكمين أيضاً،فلا محيص عن القول بالجواز،فالقائل بالامتناع لا بدّ له من الالتزام بأنّ الحيثية التي تعلّق بها الأمر عين ما تعلّق به النهي;حتّى‏ يحصل التضادّ،و مع وحدة الحيثية لا يمكن تحقّق الملاكين،فلا بدّ و أن يكون المرجوح بلا ملاك،فعدم صحّتها لأجل فقدانه،و معه لا دخالة للعلم و الجهل في البطلان و الصحّة. و أمّا الأمر الثاني-بعد تصوير الملاك-فلا إشكال فيه;لأنّ الحيثية الحاملة لملاك الصلاة غير الحيثية الحاملة لملاك الغصب،فأتمّية ملاكه من ملاكها،و ترجيح مقتضاه على‏ مقتضاها لا يوجب تنقيصاً في ملاكها،فملاكها تامّ،لكن عدم إنشاء الحكم على‏ طبقه لأجل المانع،و هو أتمّية ملاك الغصب،و في مثله لا مانع من صحّتها بعد عدم تأثير النهي للجهل قصوراً;لكفاية الملاك التامّ في صحّتها مع قصد التقرّب،و كون الموضوع ممّايمكن التقرّب به. بل يمكن أن يقال بصحّتها حينئذٍ مع العلم و العمد-أيضاً-لعين ما ذكر و إمكان التقرّب بها مع تمامية الملاك،فعدم الأمر هاهنا كعدم الأمر في باب الضدّين المتزاحمين. (مناهج الوصول 2: 123-124).


229

التنبيه الثاني: جريان النزاع في العامّين من وجه‏

أنّ جريان النزاع في العامّين من وجه ممّا لا إشكال فيه،و كذا يجري فيما إذا كان المنهيّ عنه أخصّ مطلقاً بحسب المورد،لا من قبيل المطلق و المقيّد مفهوماً-أي ما أخذ مفهوم المطلق في المقيّد-لتأتّي مناط الجواز الذي ذكرنا في العامّين من وجه فيه،طابق النعل بالنعل;لأنّ الأمر إنّما تعلّق بجهةٍ،و تكون تلك الجهة تمام الموضوع للأمر،و لا يعقل تسريته من موضوعه إلى‏ عنوانٍ آخر-أيّ عنوانٍ كان-و النهي كذلك. ففي الصُّقع الشامخ من النفس-الذي يكون مورد تقدير موضوعات الأوامر و النواهي،و محطّ تعلّق الإرادة و تقدير المصالح و المفاسد،الذي هو قبل تحقّق المتعلّقات-لم تكن موضوعات الأوامر و النواهي مختلطات بعضها مع البعض،و لا متّحدات كذلك،و إنّما الاتّحاد يتحقّق في صُقعٍ متأخّر و وعاءٍ نازل،هو وعاء الوجود العيني التكويني،لا وعاء الوجود العقلي التقديري. و قد عرفت: أنّ الوجود الخارجي لم يكن معروضاً للأمر و لا النهي،و لا أنّ الوجوب و الحرمة عرضان خارجيّان حالاّن في الموضوعات الخارجيّة. و قد عرفت [أيضاً]: أنّ معنى‏ إطلاق المتعلّق في الأمر و النهي هو كونه تمام الموضوع لهما من غير دخالة شي‏ءٍ آخر-أيّ شي‏ء-فيه. و في مقابله عدم الإطلاق،و هو كون المتعلَّق-بحسب الإرادة الاستعماليّة-هو بعض الموضوع،


230

لا تمامه،و أفيدت قيوده و متمّماته بدليلٍ آخر مقيّد له،و ليس معنى الإطلاق هو سريان البعث و الزجر إلى الأفراد الخارجيّة;حتّى‏ يقال: إنّ المولى لا بدّ له من تقييد متعلّق أمره أو نهيه بغير مورد الاجتماع. نعم،آثار الإطلاق في الأوامر و النواهي و الأحكام الوضعيّة مختلفة،كما أشرنا إليه سابقاً(1) .

(1)تقدّم في الصفحة 208-209.
هذا كلّه في العامّين من وجه و الأخصّ المطلق بحسب المورد. و هل يجري النزاع في الأخصّ المطلق بحسب المفهوم;بأن يكون الأمرُ متعلِّقاً بمفهوم،و النهيُ متعلّقاً بنفس المفهوم مع قيدٍ زائد كالصلاة،و الصلاة في الدار المغصوبة؟ الظاهر جريان النزاع فيه أيضاً،و التزام المجوِّز بجوازه(2) ،كالعامّين من‏

(2)اُنظر قوانين الأُصول 1: 142-السطر 18 و 153-السطر 17.
وجه،فلو فُرض أنّ خياطة الثوب تكون ذات مصلحةٍ تامّة ملزمة،و كانت تمام الموضوع لتلك المصلحة بلا دخالة شي‏ءٍ وجوديّ أو عدميّ فيها،فلا بدّ أن يتعلّق الأمر بها بنفس ذاتها بنحو الإطلاق;أي بلا دخالة قيدٍ فيها،لا بمعنى السراية إلى الأفراد،كما عرفت آنفاً. و لو فرض أنّ في خياطته في دار زيد مفسدة تامّة-بحيث تكون الخياطة فيها تمام الموضوع للمفسدة-فلا بدّ أن يتعلّق النهي بها،فلو خاط المكلّف الثوب في دار زيد أتى‏ بمورد الأمر بلا إشكالٍ و كلامٍ;لتحقّق الخياطة التي هي تمام الموضوع بلا دخالة قيدٍ وجوديّ أو عدميّ فيه،و أتى‏ بمورد النهي أيضاً الذي هو الخياطة في دار زيد،و تكون تمام الموضوع للمفسدة و النهي،فأصل الخياطة مأمورٌ بها،و هي مع التقيّد الكذائي منهيٌّ عنها،فهما مفهومان قد تعلّق النهي


231

بأحدهما،و الأمر بالآخر،و أخذُ أحدهما في الآخر لا يوجب اجتماع الأمر و النهي في شي‏ءٍ واحد بجهةٍ واحدة،و اجتماعهما في الوجود بسوء اختيار المكلَّف لا يوجب امتناعاً في ناحية التكليف،كما عرفت‏[75].

التنبيه الثالث: جريان النزاع عند أخصّية المنهيّ عنه مطلقا

كما أنّ تعلّق الأمر و النهي بشي‏ءٍ واحد بجهةٍ واحدة من مولًى واحد،متوجّهين إلى‏ مكلَّف واحدٍ في زمانٍ واحد،لا يمكن و لا يكون مورداً للنزاع(1) ،

(1)نهاية الوصول: 157-السطر 23،الوافية في أصول الفقه: 91،قوانين الأُصول 1: 140-السطر 6.
كذلك لا يجري في مفهومين متساويين في الصدق،و لا في مفهومين متلازمين بحسب الوجود،و لا في مورد يكون الأمر أخصّ مطلقاً من النهي-سواء كانت الأخصّيّة بحسب المورد أو بحسب المفهوم-فإنّ في جميع الصور يكون اجتماع الأمر و النهي محالاً،و لا يجري النزاع فيها،و قد عرفت جريانه في العامّين من‏

[75]و أمّا العامّ و الخاصّ بحسب المفهوم ففي جريانه فيهما إشكال;من حيث إنّ المطلق عين ما أخذ في المقيّد،و وصف الإطلاق ليس بشي‏ء،بل المطلق عبارة عن نفس الطبيعة بلا شرط،و المقيّد هو هذه مع قيد،فلا يمكن أن تكون الطبيعة مورداً لحكمين مختلفين،فلا يجري فيهما; و من حيث إنّ المقيّد بما هو كذلك عنوان غير المطلق،و ليس الحكم فيه على المطلق مع قيده،بل على المقيّد بما هو كذلك،و هو غير المطلق،و الأمر الضمني لا أساس له;فيجري فيهما. و المسألة محلّ إشكال و تأمّل،و إن كان عدم جريانه أشبه. و أمّا العامّان من وجه فلا إشكال في جريانه فيهما،إلاّ إذا أخذ مفهوم أحدهما في الآخر،كقوله: «صلّ الصبح»و«لا تصلّ في الدار المغصوبة»،فيأتي فيه الإشكال المتقدّم. (مناهج الوصول 2: 126-127).


232

وجه،و هذا المورد متسالم عليه بينهم(1) ،و فيما إذا كان المنهيّ عنه أخصّ مطلقاً

(1)نهاية الوصول: 157-السطر 24،معالم الدين: 98،الفصول الغروية: 125-السطر8.
-سواء كانت الأخصيّة بحسب المورد أو بحسب المفهوم-و هذان الموردان محلّ الإشكال في جريانه،و قد عرفت أنّ التحقيق جريانه فيهما و تحقّق ملاكه فيهما،بل كلّ موردٍ يكون فيه بين العنوانين عموم و خصوص يرجع إلى العموم المطلق;فإنّ النهي ينحلّ إلى نواهٍ مستقلّة،فكلّ تصرّفٍ في المغصوب يكون متعلَّقاً لنهيٍ مستقلّ،و نسبة هذا النهي الانحلالي إلى الأمر تكون بالأخصّيّة المطلقة،كما هو واضح.
التنبيه الرابع: لا فرق في جريان النزاع بين أقسام الأمر و النهي‏

لا فرق في جريان النزاع بين الأمر الوجوبي و الندبي(2) و النهي التحريمي‏

(2)الوافية في أصول الفقه: 96،الفصول الغروية: 129-السطر 8،خلافاً لما في مطارح الأنظار: 127-السطر25.
و التنزيهي(3) ،فَعَلى القول بالامتناع يمتنع اجتماعهما-بأيّ نحوٍ كان الأمر

(3)الوافية في أُصول الفقه: 94،الفصول الغروية: 129-السطر 8.
و النهي-فإنّ تمام الملاك للامتناع هو الضدّية،و معلوم أنّ الأحكام الخمسة بأسرها متضادّة،فكما يمتنع اجتماع الأمر الوجوبي و النهي التحريمي بملاك الضدّيّة،كذلك يمتنع اجتماع كلّ أمرٍ و نهيٍ-بأيّ مرتبةٍ كانا-في شي‏ءٍ واحد بجهة واحدة;لتحقّق الملاك في الجميع‏[76].

[76]عرّف الضدّان: بأنّهما أمران وجوديان لا يتوقّف تعقّل أحدهما على الآخر،بينهما غاية الخلاف،يتعاقبان على‏ موضوع واحد،لا يتصوّر اجتماعهما فيه.


233

...........

قالوا: و من شرط التضادّ أن تكون الأنواع الأخيرة التي توصف به،داخلة تحت جنس واحد قريب،فلا يكون بين الأجناس و لا بين صنفين من نوع واحد و لا شخصين منه تضادّ. و هذا التعريف لا يصدق على الأحكام الخمسة،سواء جعلت الإرادات المظهرة أو نفس البعث و الزجر;لأنّه إن جعلت الإرادات فلم تكن الأحكام أنواعاً مختلفة تحت جنس قريب. أمّا الواجب و المستحبّ و كذا الحرام و المكروه،فواضح;لأنّ الإرادة الوجوبية و الاستحبابية مشتركتان في حقيقة الإرادة،و ممتازتان بالشدّة و الضعف،و كذا الحال في الحرمة و الكراهة;لأنّ المبدأ القريب للزجر-تحريمياً كان أو تنزيهياً-هو الإرادة،فإذا أدرك المولى‏ مفسدة شرب الخمر،يتوسّل إلى‏ سدّ بابه بزجر العبيد تشريعاً،فيريد الزجر التشريعي،فيزجرهم عنه،فإرادة الزجر المظهرة إذا كانت إلزامية،ينتزع منها التحريم على‏ هذا المبنى‏،و إذا كانت غير إلزامية،ينتزع منها الكراهة،فالإرادة مبدأ الزجر و البعث و الإباحة الشرعية. و ما اشتهر بينهم: من تقابل الإرادة و الكراهة،و جعلوا الكراهة مبدأ للنهي،و الإرادة للأمر،ليس على‏ ما ينبغي; لأنّ الكراهة لصدور الفعل من المكلّف ليست في مقابل إرادة البعث،بل مقابلة للاشتياق إلى‏ صدوره منه،فكما أنّ استحسان عمل و الاشتياق إلى‏ صدوره من المكلّف صارا مبدأ لإرادة بعثه نحو الفعل،فكذا استقباح عمل و كراهة صدوره منه صارا مبدأ لإرادة الزجر التشريعي و النهي عنه،فنفس الكراهة ليست بمبدإ قريب للنهي; ضرورة مبدئية الإرادة لصدور جميع الأفعال. فبناء على انتزاع الحكم من الإرادة المظهرة لا فرق بين الوجوب و غيره في كون مبدئها الإرادة،فلا تكون الأحكام أنواعاً مختلفة مندرجة تحت جنس قريب،فلا تضادّ بينها،و مطلق عدم الاجتماع لا يوجب الاندراج تحت تقابل التضادّ،مع أنّ غاية الخلاف-لو اعتبرت فيه-لا تتحقّق في جميع الأحكام،بل التعاقب على‏ موضوع واحد-المراد به الموضوع الشخصي لا الماهية النوعية-ممّا لا معنى له فيها; لأنّ متعلّقاتها لا يمكن أن تكون الموجود الخارجي،فلا معنى للتعاقب و عدم الاجتماع فيه.

و بهذا يظهر عدم التضادّ بينها;بناء على‏ أنّ الأحكام عبارة عن البعث و الزجر المنشأين بوسيلة الآلات الموضوعة لذلك،كهيئة الأمر و النهي و غيرهما،و لا شكّ في أنّهما-حينئذٍ-من الأُمور الاعتبارية،فلم تكن وجودية و لا حالّة في الموضوع الخارجي،بل قائمة بنفس المعتبر قياماً صدورياً،فالتضادّ بين الأحكام ممّا لا أَساس له،فتدبّر. (مناهج الوصول 2: 136-138).


234

نعم،بين النهي التحريمي و التنزيهي فرقٌ من جهةٍ أخرى‏،غير ما هو محلّ البحث و محطّ النزاع،و هو أنّ القائل بالاجتماع يمكن أن يذهب إلى‏ بطلان العبادة في مورد الاجتماع في الموجود الخارجي;لما عرفت(1) من أنّ المبعِّد لا يمكن أن‏

(1)تقدّم في الصفحة 224-225.
يصير مقرِّباً،و هذا الملاك إنّما يكون في النهي التحريمي. و أمّا النهي التنزيهي فلا يكون متعلّقه مبغوضاً للمولى‏،و لا إتيانه عصياناً و طغياناً عليه،و لا مبعِّداً للعبد،فصحّة العبادة في مورد الأمر و النهي التنزيهي ممّا لا مانع منه عقلاً.
التنبيه الخامس: بعض أدلّة المجوّزين‏

استدلّ المجوِّز على‏ مدّعاه-مضافاً إلى‏ ما عرفت-بأنّ أوّل الدليل على الإمكان هو الوقوع،و قد وقع الاجتماع في الشريعة،كالعبادات المكروهة،مثل الصلاة في مواضع التهمة،و في الحمّام،و الصوم في السفر،و بعض الأيّام مثل يوم عاشوراء ،و قد عرفت أن ملاك الامتناع-على‏ فرضه-موجود في الأوامر و النواهي قاطبة لتضادّ الأحكام بأسرها،فإذا وقع في موردٍ الأمر الإيجابي و النهي التنزيهي،أو الأمر الندبي و النهي التنزيهي،فذلك يدلّ على الإمكان و الجواز في مطلق الأوامر و النواهي(2) .

(2)اُنظر قوانين الأُصول 1: 142-السطر 13.


235

و قد أجاب المحقّق الخراساني رحمه الله عنه: تارةً على‏ نحو الإجمال،و تارةً على‏ نحو التفصيل. أمّا جوابه الإجمالي فحاصله: أنّ الظواهر لا تصادم البرهان العقلي،فإذا قام البرهان على الامتناع،فلا وجه للتمسّك بالظهور في مقابله،فلا بدّ من التصرّف و التأويل فيه،مع أنّ في بعض تلك الموارد اجتمع الأمر و النهي بعنوانٍ واحد و جهةٍ واحدة،مثل صوم يوم عاشوراء و النوافل المبتدأة في الحمّام ممّا لا بدل لها،فإنّه في كلّ حينٍ تستحبّ الصلاة ففي الحمّام أيضاً تستحبّ،و لا بدل لها(1) .

(1)كفاية الأُصول: 197.
هذا،و لنا جواب إجمالي عن الدليل: و هو أنّ غاية ما يدلّ عليه الدليل في هذه الموارد-من الإجماع(2) و الأخبار(3) -هو كراهةُ هذه العناوين،مثل صوم‏

(2)مفتاح الكرامة 2: 207-السطر 21،جواهر الكلام 8: 339.

(3)اُنظر الكافي 3: 390-12 و 4: 146-3،و الفقيه 1: 156-725،و وسائل الشيعة 3: 441،كتاب الصلاة،أبواب مكان المصلّي،الباب 15،الحديث 6-7،و 7: 341،كتاب الصوم،أبواب الصوم المندوب،الباب 21،الحديث 6.
يوم عاشوراء و الصلاة في الحمّام و أمثالهما،و صحّتُها على فرض الإتيان بها،و مجرّد هذا لا يدلّ على‏ مدّعاه-أي اجتماع الأمر و النهي-إذ لعلّ الصحّة تكون بواسطة الملاك لعدم احتياجها إلى الأمر،فمجرّد الصحّة مع الكراهة لا يدلّ على‏ وقوع الاجتماع،و ذلك واضح. و أمّا جوابه التفصيلي: فهو أنّ العبادات المكروهة على‏ ثلاثة أقسام: أحدها: ما تعلّق النهي بعنوانه و ذاته و لا بدل له،كصوم يوم عاشوراء و النوافل المبتدأة في بعض الأوقات. و ثانيها: ما تعلّق النهي بعنوانٍ أخصّ من المأمور به،كالنهي عن الصلاة


236

في الحمّام. و ثالثها: ما تعلّق به لا بذاته،بل بما هو مجامع معه وجوداً،أو ملازم له خارجاً،كالصلاة في مواضع التهمة;بناء على‏ أنّ المنهيّ عنه هو الكون في مواضعها. ثمّ أجاب قدس سره عن كلّ قسمٍ تفصيلاً(1) .

(1)اُنظر كفاية الأُصول: 197-201.
و نحن في فُسحةٍ من القسمين الأخيرين;لاختيارنا الجواز فيهما،كما تقدّم(2) .

(2)تقدّم في الصفحة 223-228.
و أمّا القسم الأوّل فلا بدّ لنا من الجواب عنه-كالقائل بالامتناع-لورود النقض على‏ كلا الفريقين،فلا بدّ من البحث عنه تفصيلاً. فنقول: حاصل ما أفاد المحقّق المتقدّم قدس سره في الجواب عنه: أنّ النهي في مثله إمّا يرجع إلى النهي عن الترك; لأجل انطباق عنوانٍ ذي مصلحة عليه،فيكون فعل الصوم ذا مصلحة،و تركه كذلك;لأجل انطباق ذاك العنوان عليه،لكن الترك أرجح،فيكونان من قبيل المستحبّين المتزاحمَيْن،فيحكم بالتخيير بينهما لو لا الأهمّيّة،و إلاّ فيقدّم الأهمّ و إن كان المهمّ أيضاً يقع صحيحاً;لرجحانه و موافقته للغرض،و أرجحيّة الترك لا توجب منقصة في الفعل،بل الفعل يكون ذا مصلحةٍ خالصة،و إن كان الترك لأجل انطباق عنوانٍ مرجوح عليه ذا مفسدةٍ غالبة. و إمّا لأجل ملازمة الترك لعنوانٍ كذائيّ من دون انطباقٍ عليه،فيكون حاله حال الانطباق. و الفرق بينهما: أنّ الطلب المتعلّق به حقيقيّ على الأوّل،و عرضيّ على‏


237

الثاني،و إنّما يتعلّق حقيقة بما يلازمه من العنوان(1) . انتهى‏.

(1)كفاية الأُصول: 198-199.
و فيه أوّلاً: أنّ إرجاع النهي إلى طلب الترك خلاف التحقيق،كما عرفت مفصَّلاً من أنّ النهي عبارة عن الزجر عن الفعل،لا طلب الترك(2) .

(2)تقدّم في الصفحة 162 و 208.
و ثانياً: لو سُلّم أنّ النهي عبارة عن طلب الترك،لكن إرجاعه إلى طلب ترك عنوان آخر-منطبق عليه أو ملازم له-خلاف ظواهر الأدلّة الناهية عن الصوم يوم عاشوراء (3) ،أو الصلاة في زمان كذا(4) .

(3)وسائل الشيعة 7: 339،كتاب الصوم،أبواب الصوم المندوب،الباب 21.

(4)اُنظر تهذيب الأحكام 2: 174-694،و الإستبصار 1: 290-1065،و وسائل الشيعة 3: 170،كتاب الصلاة،أبواب مواقيت الصلاة،الباب 38،الحديث 1.
و ثالثاً: لا داعي إلى تصوير عنوانٍ أرجح منطبق أو لازم;لجواز كون نفس الترك له رجحان،كما أنّ للفعل رجحاناً،و يكون الترك أرجح من الفعل،و معلوم أنّ رجحان الفعل و الترك غير كون الفعل ذا مصلحةٍ و مفسدةٍ مع كون المفسدة أرجح،حتّى‏ يقال: إنّ هذا ينافي صحّة الفعل;فإنّ الفعل إذا كان فيه مصلحة خالصة،و الترك كان فيه مفسدة خالصة،فمع تساويهما يكون المكلّف مخيّراً بينهما،و مع أرجحيّة الترك يصير الزجر مقدّماً،و لكن لو أتى‏ به يكون صحيحاً;لكون الفعل ذا مصلحةٍ خالصة،فتصوير العنوان الآخر تبعيدٌ للمسافة بلا داعٍ يدعو إليه. و رابعاً: لازم ما أفاده أنّ التارك للصوم يكون آتياً بأمرٍ مستحبّ و عبادة قهراً;من دون الالتفات إلى‏ عنوان المأمور به،و هو كما ترى‏. و التحقيق في التفصّي عن هذا الإشكال أن يقال: إنّ الفعل فيه مصلحة


238

خالصة،و لكن ينطبق على‏ ذلك الفعل عنوان آخر يكون فيه مفسدة راجحة;فالنهي عن الفعل إنّما هو لأجل انطباق تلك العناوين عليه. مثلاً: صوم يوم عاشوراء بما أنّه صوم،فيه مصلحة خالصة و لا مفسدة فيه،لكن ينطبق عليه عنوان التشبّه ببني أميّة و بني مرجانة-لعنهم اللَّه-و هذا التشبّه فيه مفسدة غالبة على الصوم المندوب،و كذلك النوافل عند غروب الشمس و طلوعها تكون فيها مصلحة خالصة بما أنّها صلاة،و لكن ينطبق عليها عنوان التشبّه بعَبَدة الشمس،و هذا فيه مفسدة راجحة على‏ مصلحة النافلة،و لأجل ذلك وقع النهي عنها.

التنبيه السادس: حكم توسّط الأرض المغصوبة

قد وقع الخلاف بين الأعلام بأنّ المتوسّط في أرض مغصوبة إذا كان دخوله فيها غصباً،و كان التخلّص عن الغصب منحصراً بالتصرّف فيها بغير إذن صاحبها،هل يتّصف تصرّفه للتخلّص بالحرمة(1) ،أو الوجوب مع جريان حكم‏

(1)إشارات الأُصول: 221.
المعصية عليه(2) ،أو بدونه(3) ،أو يتّصف بكليهما(4) ؟ على‏ أقوال.

(2)الفصول الغروية: 138-السطر 25.

(3)مطارح الأنظار: 153-السطر 33.

(4)قوانين الأُصول 1: 153-السطر 22.
و هذه مسألةٌ معنونة بينهم،و اختار كلٌّ مسلكاً،و قد قدّم المحقّق الخراساني رحمه الله لتحقيقها مقدّمة،لعلّها غير دخيلة فيه. قال ما محصّله بتوضيحٍ منّا: أنّ الاضطرار إلى ارتكاب الحرام إمّا أن يكون


239

بسوء اختيار المكلَّف أو لا. و على الثاني فلا إشكال في أنّ الحرمة و العقوبة مرتفعان،و حينئذٍ لو كان له ملاك الوجوب لأثَّر في إيجابه أيضاً،فيصير واجباً-كما لو لم يكن بحرامٍ-و هذا ممّا لا كلام فيه. و أمّا على الأوّل-بأن يختار ما يؤدّي إلى الحرام لا محالة-فإنّ الخطاب بالزجر عنه و إن كان ساقطاً،إلاّ أنّه حيث يصدر عنه عصياناً لذلك الخطاب،و مبغوضاً و مستحقّاً عليه العقاب،لا يصلح لأن يتعلّق به الإيجاب بلا إشكالٍ و لا ارتيابٍ،و إنّما الإشكال فيما إذا كان ما اضطرّ إليه بسوء اختياره ممّا ينحصر به التخلّص عن محذور الحرام،كالخروج عن الدار المغصوبة فيما إذا توسّطها بالاختيار(1) . انتهى‏.

(1)كفاية الأُصول: 203.
و فيه أوّلاً: أنّ ما أفاد في الصورة الثانية-من أنّ ملاك الوجوب يصير مؤثّراً في إيجابه بعد ارتفاع الحرمة و العقوبة-منظورٌ فيه،فإنّ المفروض أنّ ملاك الحرمة-أي المفسدة الكامنة في المتعلَّق-تكون أقوى‏ من ملاك الوجوب،و معه كيف يمكن فعليّة الوجوب و لو مع ارتفاع خطاب الحرمة؟! فإنّ المزاحم للوجوب هو غلبة ملاك الحرمة. مثلاً: أنّ الخمر مع كونه ذا مصلحةٍ و منفعة،لكن لمّا كانت مفسدته راجحة،و إثمه أكبر من نفعه،صار حراماً;لغلبة الملاك،فلو فرضنا الاضطرار إلى‏ شربه لمرضٍ أو شبهه،و ارتفع الخطاب لأجله،فلا يصير راجحاً أو واجباً بمجرّده. نعم،لو حدث في ظرف الاضطرار مصلحة أخرى‏ ملزمة و راجحة على المفسدة صار الفعل لا محالة واجباً،لكن هذا غير ما أفاده رحمه الله.


240

و ثانياً: أنّ ما أفاده في الشِّقِّ الأوّل-من وقوع الفعل مبغوضاً و عصياناً-بإطلاقه ممنوعٌ;فإنّ الفعل الاختياري الذي يؤدّي إلى المحرَّم اضطراراً،قد يكون مباحاً،و قد يكون محرَّماً. و على‏ أيّ حالٍ: تارةً يكون المكلَّف ملتفتاً إلى‏ تأديته إلى‏ المحرّم،و تارةً لا يكون ملتفتاً إليها. فإن لم يكن ملتفتاً إلى التأدية،و كان الفعل مباحاً،فلا إشكال في عدم وقوع الفعل المضطرّ إليه عصياناً و مبغوضاً،و لا معاقباً عليه،كما أنّه لو كان الفعل محرّماً مع عدم الالتفات،لم يقع الفعل المضطرّ إليه محرّماً و مبغوضاً،و إن كان الفعل الاختياري المؤدّي إلى‏ ذاك المحرّم حراماً و مبغوضاً. و لا فرق في ذلك بين الاضطرار العقلي و العاديّ العرفي،إلاّ أنّ العقلي منه مرفوع عقلاً،و العرفي بدليل الرفع. و إن كان ملتفتاً إلى التأدية-سواء كان الفعل المؤدّي إلى الحرام مباحاً أو حراماً-يأتي فيه النزاع الآتي. و ليعلم مقدّمة: أنّ الفعل المضطرّ إليه اختياراً قد يكون واحداً معيَّناً،كمن أوجد لنفسه مرضاً فاضطرّ إلى‏ شرب الخمر،و قد يكون أحد الفعلين. و على الثاني: قد يكون الفعلان من سنخين من المحرّم،و قد يكونان من سنخ واحد. و على الأوّل: تارة يكون أحدهما أهمّ من الآخر،كمن اضطرّ إلى‏ شرب أحد إناءين: أحدهما خمر،و الآخر متنجّس،و قد يكونان متساويين في الملاك. و على الثاني-أي ما إذا كانا من سنخ واحد-: تارة يكون أحدهما أكثر عدداً،أو زماناً من الآخر،كمن اضطرّ إلى التصرّف في المغصوب ساعة أو ساعتين،أو مرّة أو مرّتين،و في المتساويين من حيث الأهميّة يأتي احتمال الأكثريّة من حيث العدد و الزمان. و حكم كلّ واحدٍ من الصور معلوم عقلاً.


241

حول التصرّف التخلّصي‏

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّه لا إشكال في حرمة الدخول في أرض الغير بغير إذنه،و البقاء فيها،و التصرُّفات الزائدة عن التخلّص. و إنّما الإشكال في التصرّف التخلّصي-أي ما هو في طريق التخلّص،سواء كان من قصده الخروج و التخلّص أو لا،كمن يريد التفرّج و التفريح لكن في طريق التخلّص-فهل يقع مأموراً به مع جريان حكم المعصية عليه أو بدونه،أو منهيّاً عنه،أو مأموراً به و منهيّاً عنه كليهما،أو منهيّاً عنه بالنهي السابق الساقط،أو مأموراً به و منهيّاً عنه على‏ نحو الترتّب؟

وجوهٌ و احتمالات:

اختار شيخنا المرتضى‏ قدس سره عدم الحرمة،بل كونه واجباً صرفاً. و ملخّص ما أفاده في وجهه: أنّ التصرّف الخروجي قبل الدخول لا يتّصف بالحرمة و لا بالوجوب على‏ نحو الإطلاق;لعدم كون المكلّف قادراً عليه،و لو تعلّق به أمرٌ أو نهيٌ فإنّما يتعلّق به على نحو التقدير،فيكون الأمر أو النهي متوجِّهاً إليه على‏ فرض الدخول،و لا إشكال في أنّ المولى‏ إذا لاحظ تقدير الدخول لا يكون له إلاّ الأمر بالخروج،لا النهي عنه،نظير شرب الخمر المتوقّف عليه النجاة من الهلاك،فهل ترى‏ من نفسك أنّ من أوجد المرض لنفسه بسوء اختياره،و توقّفت نجاته على‏ شرب الخمر،بقي شربه للخمر على‏ حرمته،أو يكون الشرب واجباً على‏ هذا التقدير؟ فشرب الخمر العلاجي لا يكون حراماً في حالٍ من الحالات-كالتصرّف الخروجي-و قبل الدخول لا يكون الخروج منهيّاً عنه أو مأموراً به بنحو الإطلاق،و بعد تحقّق التقدير


242

لا يكون إلاّ الأمر بالخروج،لا النهي عنه(1) . انتهى‏.

(1)اُنظر مطارح الأنظار: 155-السطر 27.
و سيتّضح ما فيه عند تحقيق ما هو الحقّ عندنا. و أمّا كون الخروج مأموراً به و منهيّاً عنه جميعاً،كما اختاره الفاضل القمّي رحمه الله (2) تبعاً لأبي هاشم من العامّة(3) ،ففيه ما لا يخفى‏;للزوم اجتماع الأمر

(2)قوانين الأُصول 1: 153-السطر 22.

(3)اُنظر شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 94.
و النهي في واحدٍ شخصيّ مع عدم المندوحة،فيلزم منه التكليف بالمحال و الجمع بين الضدّين‏[77].

و أمّا كونه منهيّاً عنه بالنهي السابق الساقط،كما اختاره المحقّق الخراساني رحمه الله (4) ففيه: أنّ النهي إذا سقط فلا معنى‏ للعصيان و المخالفة،و مجرّد

(4)كفاية الأُصول: 204.
كون الاضطرار بسوء الاختيار،لا يوجب المخالفة و العصيان مع عدم النهي الفعلي.

[77]لو سلّم بوجوب ردّ المال إلى‏ صاحبه،أو وجوب التخلّص عن التصرّف،أو ترك التصرّف،و كون التصرّف الخارجي مقدّمة للواجب،فإن قلنا بجواز تعلّق النهي بالتصرّف فيقوى قول أبي هاشم،و إلاّ فقول صاحب الفصول. و ما قيل: من لزوم تعلّق الأمر و النهي بشي‏ء واحد ممنوع;لأنّ النهي متعلّق بعنوان التصرّف في مال الغير،و الأمر المقدّمي بحيثية ما يتوقّف عليه ذو المقدّمة،أو ما يتوصّل به إليه،و هما بما لهما من العنوان قابلان لتعلّق الأمر و النهي بهما،لا بما هما كذلك بالحمل الشائع;لأنّهما بالحمل الشائع-أي الوجود الخارجي-لا يمكن تعلّق الأمر و النهي بهما،فاتّحاد مقدّمة الواجب مع التصرّف في مال الغير في الوجود الخارجي دون وعاء تعلّق التكليف. فحينئذٍ إن قلنا: بأنّ قيد«المندوحة»لا يعتبر في باب اجتماع الأمر و النهي،فلا محيص عن قول أبي هاشم،و إلاّ فعن قول صاحب الفصول. (مناهج الوصول 2: 145-146).


243

و أمّا كونه منهيّاً عنه و مأموراً به على‏ نحو الترتّب،فهو ممّا لا يحتمله أحد،و إنّما هو احتمالٌ أبديناه. و يمكن أن يقال في تقريره: إنّه كما يمكن أن يتعلّق الأمر بالأهمّ و المهمّ في صورة التزاحم بشيئين في وقتٍ واحد بنحو الترتّب;بأن يأمر المولى‏ بالأهم بنحو الإطلاق،لكن لمّا احتمل أن يكون أمره بالأهم غير مؤثّر في نفس المكلّف-فتركه و ترك المهمّ أيضاً;لعدم الأمر به فلا يصل إلى‏ شي‏ء من غرضيه-يأمر بالمهمّ على‏ فرض عدم تأثير الأمر بالأهمّ;حتّى‏ لا يكون زمان عصيان الأمر بالأهمّ خالياً عن إتيان المهمّ،كما مرّ(1) ذكره في الترتّب مستوفًى،فكذلك في‏

(1)تقدّم في الصفحة 173-176.
المقام أنّ النهي إنّما تعلّق بالتصرف في ملك الغير بغير إذنه بنحو الإطلاق،و تعلّق أمرٌ آخر بنحو الاشتراط;بأنّه لو لم يؤثّر النهي في نفس المكلّف،فعصى‏ و دخل في ملك الغير،يجب عليه الخروج تخلّصاً من التصرّف. هذا،و فيه: أنّ قياس المقام بالترتّب مع الفارق: فإنّ في الترتّب يكون أمران: أحدهما بالأهمّ،و الآخر بالمهمّ،و مع تركهما يكون المكلّف عاصياً و معاقباً بالنسبة إليهما;لتركه التكليفين،و ارتكابه المعصيتين. و أمّا في المقام فلا يكون إلاّ النهي عن التصرّف في ملك الغير بغير إذنه فقط،و لا يكون أمر في البين،و إنّما يحكم العقل بلزوم الخروج;لأنّ أمره دائر بين البقاء و الخروج،و يكون البقاء أكثر تصرّفاً و أشدّ محذوراً من الخروج،فيحكم العقل بالخروج.


244

نعم،قد ذكر في مبحث الضد(1) : أنّ الأمر بالشي‏ء نهي عن ضدّه العامّ،

(1)تقدّم في الصفحة 162.
لا بمعنى‏ أنّ هنا أمراً و نهياً مستقلّين و إطاعة و عصياناً;حتّى‏ يكون الآتي بالمأمور به مطيعاً من جهتين،إحداهما إطاعة الأمر،و الأُخرى‏ إطاعة طلب ترك الترك،بل لا يكون إلاّ أمر فقط،و النهي عن ضدّه العامّ فانٍ فيه،و يكون متحقّقاً بعين تحقّق الأمر،فهما واحد باعتبار،و متعدّد باعتبار. و بالجملة: لا يكون للنهي استقلال،و لا إطاعة و معصية. و نظير ذلك ما مرّ(2) في مبحث مقدّمة الواجب: من كون المقدّمات واجبات‏

(2)تقدّم في الصفحة 143.
بعين وجوب ذيها،و فانيات فيه،و لا استقلال لها في الجعل،فلا إطاعة و لا معصية لها. و نظير ذلك ما نحن فيه،فإنّ النهي عن التصرّف في ملك الغير مقتضٍ للأمر بضدّه العامّ-أي ترك التصرّف-و لكن لا يكون ترك التصرّف مأموراً به بالأمر الاستقلالي جعلاً و تحقّقاً،و لا يكون له إطاعة و معصية;حتّى‏ يكون هنا أمر و نهي،و يقال: النهي مطلق،و الأمر مشروط على نعت الترتّب. و بما ذكرنا من التحقيق يظهر المختار في المقام. و حاصله: أنّ التصرّف في مال الغير بغير إذنه،أو مع نهيه،حرام مبغوض من قِبَل المولى‏،و يكون ذلك التصرّف خروجاً عن طاعته و عصياناً له;من دون فرقٍ بين التصرّف الدخولي و الخروجي في نظر العقل،فإنّه يرى‏ جميع التصرّفات متساوية في كونها معصية و خروجاً عن رسم العبوديّة،و لا يكون الخروج واجباً أو ترك الغصب واجباً;حتّى‏ تكون التصرّفات الخروجيّة مقدّمات له،بل التصرّف حرام،لكن العقل يحكم-عند دوران الأمر بين التصرّف الطويل


245

و القصير-باختيار القصير،من غير أن يكون للمولى‏ أمر و بعث،بل ما يكون من قبله ليس إلاّ النهي عن التصرّف‏[78].

[78]و الأقوى‏ أنّ التصرّف حرام فعلي و لا يكون واجباً: أمّا عدم الوجوب: فلعدم دليل عليه بعنوان الخروج من الأرض المغصوبة،أو التخلّص عن الغصب،أو ردّ المال إلى‏ صاحبه،أو ترك التصرّف في مال الغير. نعم،دلّ الدليل على‏ حرمة الغصب و حرمة التصرّف في مال الغير بلا إذنه،و العناوين الأُخر لا دليل على‏ تعلّق الوجوب بها،و ما في بعض الروايات: من أنّ(المغصوب كلّه مردود)لا يدلّ على‏ وجوب الردّ بعنوانه،بل لمّا كان الغصب حراماً،يردّ المغصوب تخلّصاً عن الحرام عقلاً،فهو إرشاد إليه. نعم،بناء على‏ أنّ النهي عن الشي‏ء مقتضٍ للأمر بضدّه العامّ و وجوب مقدّمة الواجب يمكن القول بوجوب بعض تلك العناوين;لأنّ التصرّف في مال الغير إذا كان حراماً،يكون ترك التصرّف واجباً،و الخروج عن الدار مقدّمة لتركه على إشكال،لكنّ المقدّمتين ممنوعتان،كما حقّق في محلّه. و أمّا حرمة التصرّف الخروجي فعلاً: فلما تكرّر منّا: من أنّ الأحكام المتعلّقة بالعناوين الكلّية-كقوله: (لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه)-فعلية على‏ عناوينها من غير لحاظ حالات كلّ واحد من المكلّفين،و صحّة الخطاب العمومي لا تتوقّف على‏ صحّة الباعثية بالنسبة إلى‏ جميع الأفراد،و أنّ الخطابات لم تكن مقيّدة بالقادر العالم الملتفت،لا من ناحية الحكم،و لا من ناحية العقل كشفاً أو حكومة،لكنّ العقل يحكم بمعذورية المكلّف في بعض الأحيان. فالحكم بعدم جواز التصرّف في مال الغير فعليّ على‏ عنوانه،غير مقيّد بحال من الأحوال،لكنّ العقل يحكم بمعذورية العاجز إذا طرأ عليه لا بسوء اختياره،و أمّا معه فلا يراه معذوراً في المخالفة. فالحكم الفعلي بالمعنى المتقدّم قد يخالف بلا عذر،و قد يخالف معه،و ما نحن فيه من قبيل الأوّل،و إن حكم العقل بلزوم التخلّص;لكونه أقلّ المحذورين،و هكذا الحال في جميع الموارد التي سلب المكلّف قدرته اختياراً. (مناهج الوصول 2: 143-144).


246

حكم من تاب بعد دخوله في ملك الغير

نعم،هنا أمر آخر: و هو أنّ العبد-بعد دخوله في ملك الغير عن عصيان-لو تنبّه و تاب عن عمله صارت تصرّفاته السابقة بحكم أدلّة التوبة مغفورة،خارجة عن حكم العصيان،و تصير تصرّفاته اللاحقة الاضطرارية بعد التوبة،تصرّفات غير مسبوقة بالمعصية المؤثّرة،فيصير حاله بالنسبة إلى التصرّفات الخروجيّة لأجل التخلّص عن التصرّف،كمن اضطرّ إلى الدخول و اختار الخروج من أقصر الطرق للتخلّص،فكما أنّ العقل يحكم بمعذوريّة الثاني;حيث لا يكون ارتكابه للتصرّف الخروجي إلاّ باضطرارٍ محض غير مسبوق بالمعصية،يمكن أن يقال: إنّ التائب من ذنبه و تصرّفه-إذا اختار الخروج لأجل التخلّص من أقرب الطرق-تكون تصرفاته الخروجية غير مبغوضة للمولى‏;للفرق بين مَنْ كان خروجه كدخوله بنفس الإرادة للظلم و العصيان،و بين مَنْ كان تائباً عن ذنبه،و يكون خروجه لأجل التخلّص من معصية المولى‏،و يرى‏ نفسه مضطراً في تلك التصرّفات الخروجيّة لأجل التخلّص من التصرّفات الزائدة. و بما ذكرنا و حقّقنا يتّضح ما فيما أفاده شيخنا المرتضى‏ قدس سره (1) فإنّ كلامه‏

(1)مطارح الأنظار: 155-السطر 27.
مبنيّ على‏ وجوب ترك التصرّف أو وجوب الخروج،و قد عرفت عدم وجوبهما. و أمّا ما أفاد: من أنّ الخروج لم يكن مقدوراً قبل الدخول،فلم يكن حراماً مطلقاً،و على‏ تقدير الدخول لا يكون إلاّ واجباً،و جعله نظير شرب الخمر العلاجي(2) .

(2)التنظير بشرب الخمر مذكور في توجيه صاحب الكفاية لمختار الشيخ قدّس سرّهما،و لم نعثر عليه في المطارح،فلاحظ الكفاية: 205.


247

ففيه أوّلاً: أنّ ما تعلّق به النهي لم يكن عنوان الخروج;حتّى‏ يقال: إنّه غير مقدورٍ،بل ما تعلّق به النهي إنّما هو التصرّف في ملك الغير،و لا إشكال في أنّ التصرّف في ملك الغير-قبل الدخول-بأنحائه مقدوراً للعبد،فيمكن له التصرّف الطويل و القصير و بمقدار ساعة يكون نصفه الدخول و نصفه الخروج. و بالجملة: إنّ جميع تصرّفاته تكون مبغوضة للمولى‏ و إن سقط الخطاب بعد اضطراره،و لا ينافي سقوطُ الخطاب المبغوضيّةَ و كونَ التصرّف طغياناً. و ثانياً: أنّ تنظير المقام بشرب الخمر العلاجي مع الفارق;فإنّه بعد الاضطرار لا تحدث فيما نحن فيه مصلحة ملزمة خارجيّة،يكون ارتكاب المحرَّم مقدّمة لاستيفائها;فإنّه ليس في البين إلاّ حرمة التصرّف في ملك الغير-كما عرفت-و أمّا بعد الاضطرار إلى‏ شرب الخمر للمرض،يصير شربه مقدّمة لحفظ النفس الأهمّ منه،فشربه مقدّمة لاستيفاء مصلحة مُلزِمة خارجيّة تكون أهمّ منه.

تذنيب: التصرّفات الخروجيّة مقدّمة للكون في الخارج‏

قد قاس بعضهم المقام بمسألة الضدّين،و قال: إنّه لا مقدّميّة بين التصرّف الخروجي و الكون في خارج الدار لأجل التضادّ بين الكونين،كما لا مقدّميّة بين الضدّين من ناحية العدم و الوجود(1) .

(1)اُنظر مقالات الأُصول 1: 378.
و لا يخفى‏ ما فيه لوضوح الفرق بين المقامين،فإنّ زمان وجود الضدّين واحد في الخارج،و يكون بينهما تمانع،و يكون أحدهما مقارناً لعدم الآخر،فيقع البحث في مقدّميّة أحدهما للآخر و إن كان التحقيق عدمها.


248

و أمّا فيما نحن فيه فلا يكون زمانُ الكون في خارج الدار،عينَ زمان التصرّفات الخروجيّة،بل التصرّفات مقدّمة للكون في خارج الدار،و كذا لترك التصرّف;فإنّ الكون في الخارج و ترك التصرّف في ملك الغير،إنّما يتحقّقان بالخطوة الأخيرة التي تقع خارج الدار،و تكون الخطوات الواقعة في داخلها مقدّمة للخروج و ترك التصرّف،و أين ذاك من مسألة الضدّين. و قال بعض آخر: إنّ ردّ المال المغصوب إلى‏ مالكه واجبٌ،و التصرّفات الخروجيّة مقدّمة له،فتقع واجبة(1) .

(1)فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 451-452.
و فيه: أنّ عنوان الغصب-و هو الاستيلاء على‏ مال الغير عدواناً-غير عنوان التصرّف في مال الغير بغير إذنه;فإنّ التصرّف فيه لا يتوقّف على الاستيلاء،فالداخل في ملك الغير بغير إذنه،لا يلزم أن يكون غاصباً و مستولياً عليه،بل ربّما يكون الملك تحت استيلاء صاحبه،و يتصرّف غيره فيه بغير إذنه،و لا يخفى‏ أنّ عدم التفريق بين العنوانين صار منشأً للاشتباه في كثيرٍ من الفروع الفقهيّة. هذا،مضافاً إلى‏ أنّ وجوب ردّ المال المغصوب ممنوعٌ،و إنّما يكون الغصب حراماً،و وجوب الردّ ليس أمراً مستقلاًّ بالجعل و الاعتبار،بل هو أمرٌ منتزع من حرمة الغصب،كما مرَّت نظائره(2) .

(2)«در مشهد مقدس،روز آخر صيام 1366 مبيضّه شد»كذا في هامش الكتاب بخطّ المصنّف‏1.


249

فصل اقتضاء النهي للفساد

هل النهي المتعلّق بالعبادة-سواء كانت بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ-أو المتعلّق بالمعاملة،يقتضي الفساد،أم لا؟ و قبل تحقيق المقام لا بدّ من ذكر ما هو دخيلٌ في ماهيّة الدعوى‏،و إن أطال المتأخّرون الكلام في تمهيد مقدّمات غير دخيلة فيها،و ليس في الخوض فيها ثمرة معتدّ بها،كالبحث عن أنّ المسألة من أيِّ علمٍ(1) ؟ أو الفرق بينها و بين‏

(1)مطارح الأنظار: 157-السطر 34،كفاية الأُصول: 217،218.
اجتماع الأمر و النهي(2) ... و غير ذلك(3) .

(2)مطارح الأنظار: 157-السطر 26،كفاية الأُصول: 217.

(3)مطارح الأنظار: 157-السطر ما قبل الأخير،كفاية الأُصول: 218.
فنقول: ما هو الدخيل في جوهر النزاع و ماهيّة الدعوى‏ هو تحصيل معنى الصحّة و الفساد. اعلم: أنّ الصحّة و الفساد-في العبادات مطلقاً،و في المعاملات،بل في الأُمور التكوينيّة-بمعنىً واحد و مفهومٍ فارد،و هما معنيان إضافيّان،يتّصف بهما الوجود الخارجي باعتبار نسبته إلى المفهوم المتوقّع وجوده به،و أمّا نفس


250

المفهوم من حيث هو فلا يتّصف بهما،كما أنّ الموجود من حيث هو لا يتّصف بهما،و إنّما يتّصف الموجود لأجل انطباق المفهوم المتوقّع وجوده عليه و عدمه. فكلّ موجودٍ يتوقّع لدى‏ تحقّقه انطباق المفهوم و العنوان الذي له آثار عليه،يكون صحيحاً إذا تحقّق المفهوم به و انطبق عليه،و لا محالة تترتّب عليه الآثار المتوقّعة من هذا العنوان،و فاسداً إذا لم ينطبق عليه;لأجل فقدان ما يعتبر فيه من جزءٍ أو شرطٍ أو عدم مانعٍ. فالصلاة من حيث مرتبة ذاتها و ماهيّتها لا تتّصف بالفساد،بل هي ليست إلاّ هي;فإنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي،كما أنّ ما وجد في الخارج من التكبيرة و القراءة و الركوع و السجود من حيث هي وجودات لا تتّصف به،بل المتّصف بالصحّة و الفساد هو هذا الموجود المركّب;باعتبار ملاحظتها مع مفهوم الصلاة المتوقّع وجودها به،فإذا انطبق عليه عنوان الصلاة يتّصف بالصحّة و يترتّب عليه آثارها،و ذلك لا يكون إلاّ بعد [تحقّق‏] الموجود الخارجي بجميع ما يعتبر في ماهيّة الصلاة وجوداً و عدماً،و إذا لم ينطبق عليه لنقصانٍ فيه يتّصف بالفساد،و إذا انطبق عليه الصلاة يكون لا محالة مُسقطاً للقضاء و الإعادة،و موافقاً للأمر و الشريعة. فما وقع في كلمات القوم من الأُصوليين و المتكلّمين(1) تعريفات باللوازم،

(1)اُنظر المستصفى‏ من علم الأُصول 1: 94،95،و المحصول في علم أُصول الفقه 1: 26،و الفصول الغروية: 140-السطر 1،و مطارح الأنظار: 159-السطر3.
لا تحصيل معنى الصحّة و الفساد. و على‏ ما ذكرنا: لا مانع من تفسير الصحيح بالتامّ،و الفاسد بالناقص;بالمعنى الذي ذكرنا[79].

[79]قالوا: الصحّة و الفساد أمران إضافيان بينهما تقابل العدم و الملكة،مساوقان معنى‏ للتمام‏و النقص لغةً و عرفاً،و كذا في نظر الفقهاء و المتكلّمين،و اختلاف تعبير الفريقين لأجل ما هو المهمّ في نظرهما. أقول: أمّا مساوقتهما للتمام و النقص عرفاً و لغة فهو واضح الفساد;لاختلاف مفهومهما و موارد استعمالهما،فلا يقال لإنسان فاقد لبعض الأعضاء: إنّه فاسد،و يقال: ناقص،و الدار التي بعض مرافقها ناقصة لا يقال: إنّها فاسدة،و لا لما تمّت مرافقها: إنّها صحيحة بهذا الاعتبار. فالتمام و الصحّة عنوانان بينهما عموم من وجه بحسب المورد،فالنقص بحسب الأجزاء غالباً،و التمام مقابله. و أمّا الصحّة فغالب استعمالها في الكيفيات المزاجية أو الشبيهة بها،و مقابلها الفساد،و هو كيفية وجودية عارضة للشي‏ء منافرة لمزاجه،و مخالفة لطبيعته النوعية،فالفاكهة الفاسدة ما عرضتها كيفية وجودية منافرة لمزاجها،تتنفّر عنها الطباع غالباً،فبين الصحّة و الفساد تقابل التضادّ لو سلّم كون الصحّة وجودية،و بين النقص و التمام تقابل العدم و الملكة. هذا بحسب اللغة و العرف. و أمّا في العبادات و المعاملات،فلا إشكال في استعمال الصحّة و الفساد فيها مع فقد جزء أو شرط أو وجود مانع،فكأنّهما مساوقان للتمام و النقص أو قريبان منهما،لكن يمكن أن يكون بوضع جديد،و هو بعيد عن الصواب،و يمكن أن يكون باستعمالهما مجازاً ثمّ بلغا إلى‏ حدّ الحقيقة. فالصحّة في الماهيات المخترعة صفة لمصداق جامع لجميع الأجزاء و الشرائط،مطابق للمخترع و القانون،و الفساد مقابلها،و بينهما في هذا المورد تقابل العدم و الملكة،و بهذا المعنى‏ يمكن أن يقال: إنّهما أمران إضافيان;لإمكان أن يكون عبادة تامّة الأجزاء ناقصة الشرائط،و بالعكس. و أمّا الصحّة بالمعنى المتعارف،فليست كذلك،إلاّ بالإضافة إلى‏ حالات المكلّفين. و أمّا اختلاف الأنظار في صحّة عبادة و عدمها،فلا يوجب إضافيتهما;لأنّ الأنظار طريق إلى‏ تشخيص الواقع،فكلّ يخطئ الآخر،فما في كلام المحقّق الخراساني-من إثبات إضافيتهما بذلك-غير تامّ. (مناهج الوصول 2: 153-154).


251

و ما ذكرنا هو ميزان الصحّة و الفساد في العبادات و المعاملات،فالغسل


252

الصحيح ما يكون مصداقاً لذلك العنوان،فيترتّب عليه أثره،و هو الطهارة،و المعاملة الصحيحة ما ينطبق عليها العنوان الكذائي،فيترتّب عليها أثرها لا محالة. و لا يخفى‏: أنّ بين مفهومي الصحة و الفساد تقابلاً شبيهاً بتقابل العدم و الملكة;لأجل كون الموجود الفاسد غيرَ صحيح متوقَّعاً منه الصحّة،و لأجل هذا التوقّع يشبه بتقابلهما لأنفسهما;فإنّ الحقيقي منهما ما يكون في العدمي شأنيّة الوجود،كالكوسجيّة و الالتحاء،و التوقّع شبيه الشأنيّة.

تنبيه: الميزان في الاتّصاف بالصحة و الفساد

ليس كلّ عنوان يوجد في الخارج-و قد يترتّب عليه أثر و قد لا يترتّب-يتّصف بالصحّة و الفساد;كما أنّ الملاقي للنجس قد يترتّب عليه أثر و هو النجاسة،و قد لا يترتّب كماء الاستنجاء،لكن لا يقال للأوّل: إنّه صحيح،و للثاني: إنّه فاسد،و أنّ القتل قد يترتّب عليه أثر و هو القِصاص،و قد لا يترتّب كقتل الأب ابنه،و لا يتّصف بالصحّة و الفساد. بل الميزان في الاتّصاف بهما: أنّ كلّ ما يوجده العقلاء بما هم عقلاء أو المتشرّعة بما هم كذلك;بترقّب حصول أثر أو آثار منه،و يترتّب عليه ذاك الأثر تارة،و لا يترتّب عليه أُخرى‏،يقال: إنّه صحيح أو فاسد،كالمعاملات;فإنّ العقلاء إنّما يُقدمون على‏ إيجادها لأجل ترتّب الأثر عليها،فإذا وجدت في الخارج-بحيث تكون مناشئ لتلك الآثار-يقال: إنّها صحيحة،و إلاّ يقال: إنّها فاسدة،و كالعبادات،فإنّ المكلّفين يأتون بها لأجل ترقّب ترتّب الآثار عليها،فإذا وجدت كذلك يقال: إنّها صحيحة،و إلاّ يقال: إنّها فاسدة. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ للقوم مسلكَيْن في إثبات دلالة النهي على الفساد:


253

أحدهما: من جهة ظهور النواهي المتعلّقة بالعبادات و المعاملات في الإرشاد إلى الفساد(1) .

(1)اُنظر مطارح الأنظار: 163-السطر 6 و 164-السطر 3،و كفاية الأُصول: 226.
و تقريره: أنّ العناوين على‏ قسمين: أحدهما: ما تكون مطلوبة لنفسها. و ثانيهما: ما تكون مطلوبة لا لنفسها،بل لآثار مترتّبة عليها،و تكون نفس تلك العناوين آلة-أو كآلةٍ-لتحصيل تلك الآثار. فَعَلى الثاني: قد يكون الموجِد لتلك العناوين يعلم كيفيّة إيجادها;بحيث يترتّب عليها الآثار،و قد لا يعلم. و على الثاني إن رجع إلى العالم بكيفيّة ترتّب الآثار عليها،فأمر بإتيانها بكيفيّةٍ خاصّة،أو نهى‏ عنه كذلك،يكون أمرُهُ ظاهراً في أنّ الكيفيّة الكذائيّة دخيلة في حصول هذا العنوان و ترتّب الأثر عليه،و نهيُهُ ظاهراً في أنّ الكيفيّة الكذائيّة مانعة عن حصول العنوان الكذائي بحيث يترتّب عليه الأثر. كلّ ذلك لأنّ الإتيان بتلك العناوين ممّا كان لترقّب الآثار،لا لكونها أُموراً مطلوبة لنفسها. فإذا أمر العالم بالواقعيّات بالصلاة مع الطَّهور أو إلى القبلة،أو نهى‏ عن لبس الحرير فيها،يكون ذلك ظاهراً في الإرشاد إلى أنّ تلك الحقيقة المترقّبة منها الآثار،لا تترتّب عليها الآثار إلاّ مع الطهور و إلى القبلة،و ذاك إلى‏ عدم ترتب الآثار المرغوبة عليها مع لبس الحرير. و أوضح من العبادات في ذلك،المعاملات;فإنّها آلات صِرفة لحصول مسبّباتها،و لا تكون منظوراً إليها لنفسها أصلاً،فالأوامر و النواهي المتعلّقة بها من العالم بكيفيّة ترتّب الآثار عليها،تكون ظاهرة في الإرشاد بلا إشكال. و المسلك الثاني: من ناحية منافاة المبغوضيّة مع الصحّة،و كون النهي


254

لدلالته على التحريم منافٍ لها عقلاً(1) .

(1)اُنظر مطارح الأنظار: 163-السطر 11 و 28،و كفاية الأُصول: 225-226.
و لا يخفى‏: أنّ المسلكَيْن مختلفان;من جهة أنّ الأوّل يثبت المطلوب بواسطة الدلالة اللفظيّة،فلا بدّ و أن يكون في البين نهي لفظيّ متعلّق بها. و في الثاني يثبت من جهة الدلالة العقليّة;سواء ثبتت الحرمة بدليلٍ لفظيّ أو لُبّيٍّ. و أيضاً يفترقان من حيث إنّ ظهور النهي في الإرشاد يعمّ العبادات و المعاملات مطلقاً،بخلاف منافاة الحرمة مع الصحّة عقلاً،فإنّها تختصّ بالعبادات بالمعنى الأخصّ-أي ما يشترط فيها قصد التقرّب-و أمّا في غيرها فلا منافاة بينهما،إلاّ على‏ بعض التقريرات الآتية. و بالجملة: المسلكان مختلفان من حيث الموضوع،و الدالّ،و كيفية الدلالة.
تتميم: أقسام النهي المتعلّق بالمعاملات‏

قد قسّم العلاّمة الأنصاري قدس سره النهي المتعلّق بالمعاملات إلى أقسام(2) ،

(2)الأقسام أربعة كما في مطارح الأنظار: 163-164.
و زاد المحقّق الخراساني رحمه الله قسماً آخر،و أمّا في العبادات فلم يذكرا إلاّ قسماً واحداً(3) .

(3)اُنظر نفس المصدر: 163-السطر 6.
و محصّل ما أفاد المحقّق الخراساني-بتوضيح منّا-: أنّ النهي الدالّ على الحرمة المتعلّق بالمعاملات على‏ وجوه: أحدها: أن يتعلّق بنفس المعاملة بما هي فعل مباشريّ-أي يكون صدور الإيجاب و القبول محرّماً-كالبيع وقت النداء. ثانيهما: أن يتعلّق بمضمونها بما هو فعلٌ بالتسبيب،كبيع المصحف من كافرٍ.


255

ثالثها: أن يتعلّق النهي من جهة التسبّب بها إلى الأثر و إن لم يكن الأثر و المؤثّر-بما هما-حرامَيْن،و يمكن أن يكون الظِّهار من هذا القبيل;فإنّ نفس التلفّظ بصيغة الظِّهار ليس بحرامٍ،و فراق الزوجة أيضاً ليس بمبغوضٍ،بل التوصّل إلى الفراق بهذه الطريقة حرامٌ. و تعلّق النهي بالوجوه الثلاثة لا يدلّ على الفساد[80]. رابعها: أن تكون الحرمة متعلّقة بما لا يكاد يحرم مع صحّة المعاملة،مثل النهي عن أكل الثمن و المثمن في بيعٍ أو بيعِ شي‏ء،فإنّ حرمته تدلّ على الفساد.

[80]فيه منع،كالحيازة بالآلة الغصبية،تأمّل. فأيّة منافاة بين تحقّق الوضع و الحرمة التكليفية؟! مضافاً إلى‏ أنّ المعاملات عقلائية لا بدّ فيها من الردع،و مجرّد ذلك لا يكون رادعاً،كما لا يكون مخصّصاً أو مقيّداً;لما دلّ على‏ تنفيذ الأسباب. نعم لو تعلّق النهي بالمعاملة لأجل مبغوضية ترتيب الآثار المطلوبة عليها،لفهم منه الفساد عرفاً;لأنّ حرمة ترتيب الأثر على‏ معاملة مساوقة لفسادها عرفاً. هذا كلّه لو أُحرز تعلّقه بأحد العناوين،و مع عدمه فلا ينبغي الإشكال في ظهوره في النحو الأخير. فإذا ورد«لا تبع ما ليس عندك»و أُحرزت حرمة النهي،يفهم منه أنّها متعلّقة بالبيع باعتبار ترتيب الآثار،و المبغوض هو العمل على‏ طبقه،كسائر معاملاته،و لا ينقدح في ذهن العرف حرمة التلفّظ بالألفاظ الخاصّة;لأنّها آلات لا ينظر إليها،و لا حرمة المسبّب الذي هو أمر اعتباري لا يكون مبغوضاً نوعاً،و لا التسبّب بها إلى المسبّب،بل ما ينقدح في أذهانهم هو الزجر عن المعاملة على‏ نحو سائر المعاملات من ترتيب الأثر عليها،فالنهي متوجّه إلى المعاملة باعتبار ترتيب الآثار،و هو مساوق للفساد. و منه يظهر ما في كلام الشيخ الأعظم: من دعوى‏ ظهور تعلّقه بصدور الفعل المباشري،مع أنّه أبعد الاحتمالات لدى العرف و العقلاء،فتدبّر. (مناهج الوصول 2: 162-163).


256

خامسها: أن يكون النهي إرشاداً إلى الفساد،كالأمر الإرشادي من دون الدلالة على الحرمة و الوجوب،و لا يبعد ظهور النواهي المتعلّقة بها فيه،لكن في المعاملات بمعنى العقود و الإيقاعات،لا بالمعنى الأعمّ(1) . انتهى‏.

(1)اُنظر كفاية الأُصول: 225-226.
و فيه أوّلاً: أنّ النهي عن نفس المعاملة بما هي فعل مباشري-أي بما هي ألفاظ صادرة من المتكلّم-لا معنى‏ له;فإنّها بهذا المعنى‏ ليست لها نفسيّة،و لا تتعلّق بها المحبوبيّة و المبغوضيّة عند العقلاء،و لا أظنّ أن يكون في الشريعة المطهّرة نهيٌ متعلّق بها من هذه الحيثيّة. و النهي عن البيع وقت النداء ليس عن التلفّظ به،بل هو نهيٌ عن الاشتغال بغير ذكر اللَّه;إرشاداً إلى‏ حضور الجمعة،و لمّا كان اشتغال الناس نوعاً بالمعاملات و النقل و الانتقالات،تعلّق النهي بما هو مانع نوعيّ عن حضورهم إلى الجمعة،و معلوم أنّ المعاملات المتعارفة بينهم إنّما هي حقائقها لا ألفاظها. مضافاً إلى‏ أنّ النهي عن البيع وقت النداء لم يكن تحريميّاً،بل هو نهي غيريّ،و إرشاد إلى الاشتغال بذكر اللَّه،و عدم الاشتغال بغيره في هذا الوقت. و ثانياً: ما أفاد-من عدم دلالة النهي على الفساد في القسم الثالث-ليس على‏ ما ينبغي لإمكان دعوى‏ دلالته عليه فيه;لأنّ التسبّب بمعاملة إلى حصول أثرها إذا كان مبغوضاً،لا يمكن أن تكون المعاملة ممضاة من الشارع،و عدم إمضائها يدلّ على‏ عدم ترتّب الأثر عليها عنده،و هذا معنى الفساد. و ثالثاً: أنّ ما أفاد من أنّ النهي يكون ظاهراً في الإرشاد إلى الفساد في خصوص العقود و الإيقاعات،لا المعاملات بالمعنى الأعمّ. مخدوش;لأنّ الإرشاد إلى الفساد،يعمّ المعاملات بالمعنى الأعمّ بالتقريب الذي ذكرنا في المعاملات بالمعنى الأخصّ;فإنّ النهي إذا تعلّق بغسل الثوب بنحو


257

خاصّ-كغسله بالماء المضاف من عالم بكيفيّة ترتّب الأثر المتوقّع من الغسل-إنّما يدلّ على الإرشاد إلى‏ عدم حصوله معه،كما ذكرنا سابقاً.

تذنيب: الاستدلال على الفساد بفهم العلماء

قد يستدلّ على‏ دلالة النهي على الفساد بأنّ علماء الأعصار لا يزالون يتمسّكون بالنهي على الفساد،و ذلك يكشف عن كون النهي يدلّ عليه شرعاً(1) .

(1)الذريعة إلى أُصول الشريعة 1: 184،187-190،شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 209-210.
أقول: لا إشكال في تمسّكهم بذلك عليه،كما لا إشكال في أنّ المفهوم من النواهي أيضاً ذلك،كما لا إشكال في عدم الوضع الشرعي فيها،و أنّ تمسّك العلماء بها للفساد إنّما هو بما هم أهل اللسان،لا بما هم أهل الشريعة،كلّ ذلك واضح لا ينبغي الإشكال فيه. إنّما الإشكال في سرّ استفادة الفساد منها،و يمكن أن يكون السرّ فيها أُموراً: الأوّل: ما ذكرنا آنفاً(2) من أنّ المعاملات لمّا كانت آلات إلى‏ حصول آثار

(2)تقدّم في الصفحة 253.
متوقّعة عند العقلاء،فإذا تعلّق نهي-من عالم بترتّب الآثار و عدم ترتّبها-بمعاملة أو معاملة شي‏ء أو كيفيّة منها،يُفهم منه عرفاً أنّ النهي لم يكن عن الآلة بما هي أمر مستقلّ;إذ لا استقلال لها في نظر العقلاء،و ليست منظوراً إليها،بل إنّما تعلّق بها بما أنّها منشأ للآثار،و متوقّع منها آثار مخصوصة،فإذن يكون النهي إرشاداً إلى عدم حصول الأثر المتوقّع منها،و هو مساوق للفساد. الثاني: أنّ النهي دالّ على مبغوضيّة حصول المسبّب أو التسبّب،و مع مبغوضيتهما لا يمكن إمضاء المعاملة،و عدم الإمضاء مساوق للفساد.


258

الثالث: -و هو المُعوَّل عليه-أنّه لا إشكال في أنّ ألفاظ المعاملات-بما هي ألفاظ-لا تكون منظوراً إليها عند العقلاء و ليست لها شأنيّة إلاّ الآليّة الصِّرفة لتحقّق مسبّباتها كما أنّ حصول المسبّبات-بما أنّها أُمور اعتباريّة عند العقلاء،كالملكيّة و الزوجيّة و أمثالهما-أيضاً ليست لها مطلوبيّة عندهم،و إنّما غرضهم منها حصول الآثار و ترتّبها عليها;من أكل الثمن و المثمن،و السلطنة عليهما،و التصرّف فيهما بما هو موافق لأغراضهم. فالنواهي إذا تعلّقت بالمعاملات،لا يكون تعلّقها بالآلة-بما أنّها لفظ معتمد على‏ مخرج الفَم-و لا بالمعنى الاعتباري الصِّرف-بما أنّه أمر اعتباريّ عند العقلاء-ضرورة عدم مفسدة و مصلحة في هذه الأُمور الاعتباريّة،و إنّما تنصرف النواهي إلى ترتيب الآثار التي تتوقَّع منها،فإذا نهى‏ عن البيع الربوي،لا يكون النهي عن لفظ«بعتُ»و«اشتريتُ»،و لا عن حصول الملكيّة الاعتباريّة-بما أنّها أمر اعتباريّ عند العقلاء-بل إنّما يكون النهي عن ترتيب الآثار المطلوبة من المعاملات;من أكل الثمن و المثمن،و التصرّف فيهما كتصرّف المُلاّك في أملاكهم،فإذن تكون النواهي دائماً متعلّقة بالمعاملات على‏ نحوٍ يترتّب عليها الآثار،و لا إشكال في أنّ المعاملة إذا كانت صحيحة لا معنى‏ لتعلّق النهي بآثارها،فالنهي عنها ملازم للفساد

. تتمّة: في الاستدلال بالروايات‏

ربّما يُستدلّ على الفساد بروايات: منها: ما رواه في الكافي عن زرارة;حيث دلّ على أنّ النكاح لو كان ممّا حرّمه اللَّه،و كان فيه عصيان اللَّه،كان فاسداً(1) ،فيدلّ على‏ أنّ المعاملة

(1)الكافي 5: 478-2 و 3،الفقيه 3: 283-1349 و 350-1675،تهذيب الأحكام‏7: 351-1431،1432،وسائل الشيعة 14: 524،كتاب النكاح،أبواب نكاح العبيد و الإماء،الباب 24،الحديث 1 و 2.


259

المحرّمة فاسدة(1) .

(1)الوافية في أُصول الفقه: 104-106.
هذا،لكن الظاهر أنّ المراد بالروايات أنّ العبد و إن كان عاصياً بالنسبة إلى السيّد،و يكون عصيانه للسيّد عصياناً للَّه تعالى‏;من جهة أنّ اللَّه أمره أن يطيع سيّده،و لا يخرج عن طاعته،لكنه لم يأت بالنكاح الذي يكون بعنوانه من الأنكحة المحرّمة،كنكاح المحارم المذكورة في الكتاب الإلهي كما تشير إلى ما ذكرنا رواية موسى‏ بن بكير عن زرارة;حيث قال فيها: «إنّما أتى‏ شيئاً حلالاً،و ليس بعاصٍ للَّه،إنّما عصى‏ سيّده،و لم يعصِ اللَّه;إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللَّه عليه;من نكاحٍ في عدّة و أشباهه»،فإنّ التمثيل بالنكاح في العدّة،يدلّ على أنّ علّة عدم الفساد إنّما هو عدم كونه من العناوين المحرّمة ذاتاً،كنكاح الأُمّ و مثله‏[81].

[81]و التحقيق أن يقال: إنّ مورد السؤال و الجواب النكاح بما له من المعنى المتعارف;أي ما صنعه العبد بلا إذن مولاه،هو عصيان سيّده،و ليس بعصيان اللَّه: أمّا عصيان السيّد،فلأنّ ارتكابه هذا الأمر المهمّ بلا إذنه مخالفة لسيّده،و خروج عن رسم العبوديّة،و أمّا عدم كون النكاح عصيان اللَّه تعالى‏،فلأنّ ما حرّم اللَّه-تعالى‏-على العبد هو عنوان مخالفته لمولاه،و متعلّق النهي هذا العنوان،و لا يكاد يتجاوز عنه إلى‏ عنوان آخر،كالنكاح و الطلاق. فالتزويج الخارجي مصداق لعنوان محرّم هو مخالفة المولى‏،و عنوان غير محرّم بل محلّل،هو النكاح،فالتزويج بعنوانه حلال ليس بمحرّم،و لا تسري حرمة مخالفة المولى‏ إلى‏ ذلك العنوان في وعاء من الأوعية،و إنّما يتّحد مصداق النكاح مع مصداق المخالفة في الخارج الذي لم يكن ظرف تعلّق الحكم. (مناهج الوصول 2: 165-166).


260

ختام: حول كلام أبي حنيفة

حكي عن أبي حنيفة أنّ النهي يدلّ على الصحّة(1) .

(1)روضة الناظر و جنّة المناظر: 123-124،شرحا البدخشي و الأسنوي: 69-73.
و يمكن تقرير كلامه: بأنّ الصحّة من كلّ عنوانٍ عبارة عن التامّ منه;بحيث يكون ما وجد في الخارج،و يكون متوقّعاً منه أن يكون مصداقَ ذلك العنوان،يكون جامعاً لجميع الخصوصيّات المعتبرة في ذلك العنوان;بحيث يصدق عليه العنوان،فالصحّة أو الفساد لا يمكن أن يكون وصفاً لذات العنوان;لأنّ كلّ عنوانٍ لا يكون إلاّ نفسه،فطبيعة الصلاة لا تنقسم إلى الصحيح و الفاسد;للزوم انقسام الشي‏ء إلى نفسه و غيره،بل ما يتّصف بهما إنّما هو الموجود الخارجي الذي يتوقّع منه كونه مصداقاً للعنوان،فإن كان جامعاً للخصوصيّات المعتبرة في العنوان يكون صحيحَ ذلك العنوان،و إلاّ يكون فاسدَة،فإذن إذا تعلّق نهي تحريميّ بمعاملةٍ أو عبادةٍ،دلّ النهي على أنّ تحقّق هذا العنوان في الخارج يكون مبغوضاً،و أنّ المكلّف قادر على‏ إيجاد مصداقه في الخارج بجميع الخصوصيّات المعتبرة فيه;لأنّ النهي لا يمكن أن يتعلّق بغير المقدور،فإذا حرم على الحائض الصلاة أيّام حيضها،يكون لا محالة إيجاد المصداق الجامع لجميع الخصوصيّات مقدوراً لها،و الفرض أنّ الصحة من كلّ عنوانٍ عبارة عن ذلك،و هذا معنى‏ دلالة النهي على الصحّة. هذا. و فيه: أنّه مغالطة و خلط;فإنّ المقصود من دلالة النهي على الصحّة في العبادات إن كان أنّ عنوان هذا المفهوم يمكن أن يوجد في الخارج و لو لم يتقيّد بقصد التقرّب،فهذا أمر ممكن،لكنّه ليس مورداً لبحث الأعلام.


261

و إن كان المقصود أنّ العبادة مع تعلّق النهي بها-أي بذاتها و عنوانها-يمكن أن تتحقّق في الخارج مع تعلّق النهي بها،فهذا أمر غير معقولٍ;لأنّ تعلّق النهي بما يتعلّق به الأمر فعلاً من جهةٍ واحدة محال،و التقرّب بما يكون منهيّاً عنه مستحيل. و ما يكون مورداً للنقض و الإبرام هو هذا الشِّقّ،لا الأوّل‏[82].

[82]أمّا المعاملات،فأجاب عنه المحقّق الخراساني: بأنّ النهي عن المسبّب أو التسبّب يدلّ على الصحّة;لاعتبار القدرة في متعلّقه،و أمّا إذا كان عن السبب فلا;لكونه مقدوراً و إن لم يكن صحيحاً. انتهى‏. و لا يخفى‏: أنّ نظرهما إلى المعاملات العقلائية على‏ ما هي رائجة بينهم لو لا نهي الشارع،فإيقاع السبب-بما أنّه فعل مباشري-ليس معاملة،و لا مورد نظرهما،و لا متعلّقاً لنهي في الشريعة في مورد من الموارد. و ادّعى‏ بعض المدقّقين سقوط قولهما على‏ جميع التقادير;بما محصّله: أنّ ذات العقد الإنشائي غير ملازم للصحّة،فمقدوريته لذاته لا ربط لها بمقدوريته من حيث هو مؤثّر فعلي،و إيجاد الملكية عين وجودها حقيقة،غيرها اعتباراً،و النهي عنه و إن دلّ عقلاً على‏ مقدوريته،لكن لا يتّصف هو بالصحّة;لأنّ الاتّصاف إن كان بلحاظ حصول الملكية،فهي ليست أثراً له;لأنّ الشي‏ء ليس أثراً لنفسه،و إن كان بلحاظ الأحكام المترتّبة على الملكية المعبّر عنها بآثارها،فنسبتها إليها نسبة الحكم إلى‏ موضوعه،لا المسبّب إلى‏ سببه ليتّصف بلحاظه بالصحّة. انتهى‏. و أنت خبير: بأنّ محطّ نظرهما هو النهي المتعلّق بالمعاملة على‏ نحو أوجده العقلاء;أي العقد المتوقّع ترتّب المسبّب عليه فلا يرد عليهما هذا الإشكال،و لو سلّم تعلّق النهي بإيجاد الملكية،فلا محالة يكون إيجادها مقدوراً،كما اعترف به المستشكل. فمقدوريته كاشفة عن صحّة المعاملة،لا عن صحّة الإيجاد;حتّى‏ يقال: إنّه لا يتّصف بها،فالحقّ معهما إذا أُحرز أنّ النهي تكليفي لا إرشادي،و إلاّ فظهوره في الفساد لا ينبغي أن ينكر.


262

...........

هذا إذا لم نقل: بأنّ النهي إذا تعلّق بمعاملة لأجل مبغوضية ترتيب الآثار المطلوبة عليها،يدلّ على الفساد في نظر العقلاء،و إلاّ فيصير نظير الإرشاد إلى الفساد. تدبّر. و أمّا العبادات: فكلامهما فيها خالٍ عن التحصيل على‏ أيّ تقدير: أمّا على‏ قول الأعمّي،فواضح. و أمّا على الصحيحي فهو-أيضاً-كذلك;لأنّ الصحيحي لم يكن قائلاً بالصحيح حتّى‏ من قبل الشرائط الآتية من قبل الأمر على‏ ما قيل. و أمّا لو قلنا بالصحّة الفعلية،فلأنّ العبادة تتقوّم بالأمر أو الملاك،و شي‏ء منهما لا يتعقّل مع النهي: أمّا الأمر،فواضح;لأنّ العنوان واحد،و أمّا الملاك،فلا يمكن أن يكون عنوان واحد مبغوضاً و محبوباً و ذا صلاح و فساد،فلا يجتمع النهي مع الصحّة الفعلية مطلقاً. (مناهج الوصول 2: 168-169).


263

المقصد الثالث في المفاهيم‏


265

مقدّمة في كيفيّة الدلالة على المفهوم‏

الظاهر أنّ المفهوم من صفات المدلول بما هو مدلول;بمعنى‏ أنّ دلالة اللّفظ قد تكون بحيثيّة و خصوصيّة يكون المدلول بهذه الدلالة منطوقاً،و قد تكون بحيثيّة و خصوصيّة يكون المدلول بهما مفهوماً،فهما من صفات المدلول،لكن بواسطة الدلالة. و قد وقع النقض و الإبرام في تعريفهما: فعن المشهور: أنّ المنطوق ما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق،و المفهوم ما دلّ عليه لا في محلّه(1) .

(1)قوانين الأُصول 1: 167-السطر 21،الفصول الغرويّة: 145-السطر 20.
و يظهر من العلاّمة الأنصاري رحمه الله: أنّ ما يكون دلالة اللفظ عليه بمثل«لا غير»كمفهوم المخالفة،أو بمثل الترقّي من الداني إلى العالي كمفهوم الموافقة،مثل«فلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ»(2) ،فهو مفهوم اصطلاحاً و ما ليس كذلك لا يقال‏

(2)الإسراء(17): 23.
له المفهوم(3) .

(3)مطارح الأنظار: 168-السطر الأخير.


266

و لكنّه قدس سره اعترف: بأنّ الخصوصيّة التي لأجلها يقال: إنّه مفهوم أو منطوق،غير معلومة،و ما ذكرنا أيضاً إحالة على المجهول(1) .

(1)مطارح الأنظار: 169-السطر 16.
و قيل: إنّ دلالة اللفظ على‏ تمام ما وضع له منطوق،و دلالته على‏ جزئه أيضاً منطوق على‏ إشكالٍ،فإنّه يمكن أن يكون مفهوماً;لأنّه مدلول بتبع الدلالة على التمام،و دلالته على الخارج اللازم مفهوم(2) .

(2)اُنظر الفصول الغرويّة: 146-السطر 31 مع حاشية المؤلّف.
أقول: قد استقرّ اصطلاح أهل الميزان على‏ تقسيم الدلالات بالنسبة إلى المفردات،فعندهم دلالة اللفظ المفرد على‏ تمام ما وضع له مطابقة و لو سمع اللفظ من غير شاعرٍ مريد،فما فهم من اللفظ المفرد و دلّ على‏ تمام الموضوع له هو المدلول المطابقي،و لا محالة له دلالة على جزئه بنحو دلالة التضمّن(3) .

(3)اُنظر الجوهر النضيد: 8،و شرح المطالع: 28-السطر 18،و شرح الشمسية: 19.
و إن أشكل بعض الأُصوليّين في دلالة التضمّن: بأنّه قد تكون الدلالة على تمام ما وضع له من دون أن تكون على‏ جزئه;لكونه مغفولاً عنه. نعم،الدلالة التفصيليّة على‏ تمام ما وضع له متضمّنة للدلالة على‏ جزئه،لكن الدلالة على الجزء مقدّمة على الدلالة على التمام. هذا،و الدلالة على الخارج اللازم دلالة الالتزام،و شرطها اللزوم الذهني لا الخارجي،فقد يكون شي‏ء لازماً لشي‏ءٍ في الذهن،و منافٍ له في الخارج،كدلالة الأعمى‏ على البصر(4) .

(4)شرح الشمسية: 21،22.
و اللازم: قد يكون لزومه بيِّناً،و قد لا يكون كذلك. و البيِّن: قد يكون بيّناً بالمعنى الأخصّ،و هو الذي يلزم تصوّره من تصوّر الملزوم،و يستحيل انفكاكه عنه ذهناً،و قد يكون بالمعنى الأعمّ،و هو الذي يلزم


267

من تصوّره و تصوّر ملزومه و النسبة بينهما،الجزمُ باللزوم;أي يكون بعد تلك التصوّرات بيّناً غير محتاجٍ إلى‏ تجشّم الاستدلال عليه. و غير البيِّن من كلّ قسمٍ ما يقابله(1)

(1)شرح المطالع: 72-السطر 3،الحاشية على‏ تهذيب المنطق: 54-55.
و أمّا الأُصوليّون فيقسّمون الدلالات باعتبار دلالة الكلام،لا بمعنى‏ أنّ للكلام وضعاً غير وضع المفردات،و دلالة غير دلالتها،بل بمعنى‏ أنّ ما فهم من قوله: «زيدٌ قائم»-و لو بدلالة«زيد»على الذات و«قائم»على الوضع الخاصّ،و الهيئة على اتّحاد المحمول اللاّبشرط مع الموضوع خارجاً-يسمّى‏ بدلالة المطابقة،و لا محالة يدلّ على‏ جزء المعنى‏،فيدلّ القيام باعتبار كونه من مقولة الوضع;بمعنى‏ تمام المقولة،على الهيئة الحاصلة من النسبتين;نسبة الأجزاء بعضها إلى‏ بعض،و نسبة المجموع إلى الخارج،فيدلّ على الوضع;بمعنى‏ جزء المقولة،بدلالة التضمّن. و إن دلّ على‏ أمرٍ لازم له في الخارج تكون تلك دلالة الالتزام. فالدلالة الالتزاميّة في اصطلاحهم هي الدلالة على اللازم الذي يمكن الاحتجاج به;فإنّ نظرهم في تقسيم الدلالات إلى ما يحتجّ به على المتكلّم و له،و الدلالات الثلاثة-بالمعنى الذي ذكرنا-يمكن الاحتجاج بها عليه و له،فإذا قال المتكلّم: «إنّ الشمس طالعة»كما يمكن الاحتجاج عليه بإخباره بطلوع الشمس،كذلك يمكن الاحتجاج عليه بإخباره بوجود النهار،اللازم خارجاً لطلوع الشمس،و يكون إخباره بوجود النهار بعين إخباره بطلوع الشمس. و هذه الدلالات الثلاثة دلالات لفظيّة في محلّ النطق،و تكون حجّة بلا إشكال،و القدماء من القوم أيضاً يعدّون هذه الدلالات دلالات لفظيّة،و دلالة المفهوم عندهم أمرٌ خارج عنها،و هي الدلالة لا في محلّ النطق(2)

(2)اُنظر الذريعة إلى أُصول الشريعة 1: 323-324،و عدّة الأُصول 1: 409-410،و شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 306.
،و هي نحو دلالة تفهم‏


268

من اللفظ،لكن لا يمكن الاحتجاج على المتكلّم بأنّه نطق بها،فإذا قال المتكلّم: «إن جاءك زيدٌ فأكرمه»يفهم منه أنّه إذا لم يتحقّق المجي‏ء لا يجب الإكرام،لكن لا يجوز أن يحتجّ على المتكلّم بأنّك قلت: إذا لم يتحقّق المجي‏ء لا يجب الإكرام،و إذا قيل له: لِمَ قيّدتَ كلامك بالمجي‏ء؟ له أن يعتذر بأعذارٍ. و بالجملة: إنّ دلالة المفهوم خارجة عن الدلالات الثلاث،التي هي في محلّ النطق‏[83].

لكنّ المتأخّرين لمّا لم يتأمّلوا في كلام القدماء حقّ التأمّل،و ظنّوا أنّ دلالة المفهوم من قبيل دلالة الالتزام-أي ما يكون لازم المعنى‏ خارجاً(1) -وقعوا في‏

(1)مفاتيح الأُصول: 221-السطر 21،ضوابط الأُصول: 105-السطر 29.
«حيصَ بيصَ»في توجيه المفاهيم،فقالوا: إنّ أداة الشرط تدلّ على العلّيّة المنحصرة(2) ،و الوصف المعتمد يُشعر بالعلّيّة(3) ،و تجاوزوا عن الإشعار إلى‏

(2)اُنظر الفصول الغروية: 148-السطر 1.

(3)قوانين الأُصول 1: 181-السطر 6،الفصول الغرويّة: 152-السطر 31،مطارح الأنظار: 183-السطر30.
الدلالة،و عنها إلى الدلالة المنحصرة(4) [84].

(4)شرح المولى‏ صالح المازندراني على المعالم: 107-السطر 13،و اُنظر مفاتيح الأُصول: 218-السطر20،و ذكرى الشيعة 1: 53.

[83]المراد: أنّ المفهوم مستفاد من وجود القيد،و أنّ الظاهر من إتيان القيد-بما أنّه فعل اختياري للمتكلّم-دخالته في الموضوع،و أنّه مع انتفائه ينتفي الحكم،فتكون دلالته عليه بغير الدلالات اللفظية الالتزامية،كما هو كذلك عند المتأخّرين بناء على استفادة الحصر من الإطلاق،و سيتّضح الفرق بينهما. (مناهج الوصول 2: 176).

[84]يمكن انطباق تعريف الحاجبي على‏ كلٍّ من المسلكين;فإنّه عرّف المنطوق بما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق،و المفهوم بما دلّ عليه‏اللفظ لا في محلّ النطق. فيمكن أن يقال: أراد من دلالته في محلّ النطق دلالة المطابقة،أو هي مع التضمّن،و من دلالته لا في محلّه دلالة الالتزام;حيث إنّ اللفظ دالّ على اللازم بواسطة دلالته على المعنى المطابقي،مع عدم كون الدلالة عليه في محلّ النطق،فإذا أخبر المتكلّم: بأنّ الشمس طالعة،دلّ لفظه على‏ طلوع الشمس في محلّ النطق;أي كان لفظه قالباً للمعنى المطابقي،و دلّ على‏ وجود النهار مع عدم النطق به. أو يقال: أراد من محلّ النطق الدلالات اللفظيّة مطلقاً،و من غيره دلالة اللفظ-بما أنّه فعل اختياري للمتكلّم-على‏ دخالته في موضوع الحكم،فدلّ على الانتفاء عند الانتفاء. و أنت خبير: بأنّ ظاهر الحاجبي هو الأوّل،و لهذا يمكن أن يكون مراد القدماء-أيضاً-موافقاً للمتأخّرين،مضافاً إلى‏ بعد دعواهم استفادة المفهوم من صرف وجود القيد،مع كونه ظاهر الفساد. و بالجملة: في صحّة النسبة المتقدّمة إلى القدماء تردّد. و كيف كان،فالمفهوم هو قضيّة غير مذكورة مستفادة من المذكورة،و هذا ينطبق على المسلكين;فإنّ طريق الاستفادة قد يكون بدلالة اللفظ،و قد يكون بأصل عقلائي. (مناهج الوصول 2: 176-178).


269

و هكذا وقعوا في حيرة أُخرى‏;حيث نظروا في كلام القدماء [فوجدوهم‏] يقولون: إنّ المفهوم الكذائي هل هو حجّة أم لا(1) ؟ مع أنّ الدلالة الالتزاميّة

(1)اُنظر غنية النزوع 1: 64،تمهيد القواعد: 108-110.
حجّة بلا إشكال،فأوّلوا كلامهم بأنّ المقصود أنّ المفهوم ثابت أو لا؟ و إلاّ فمع ثبوته فهو حجّة بلا إشكال،فالنزاع صغرويّ،لا كبرويّ(2) .

(2)اُنظر هداية المسترشدين: 280-السطر 21،و مطارح الأنظار: 169-السطر 26،و كفاية الأُصول: 231.
كلّ ذلك للاختلاط الواقع منهم;لأجل قلّة التتبّع في كلام القوم،و ما يظهر للمتأمّل فيه بعد التتبّع أنّ دلالة المفهوم عندهم دلالة أُخرى‏ خارجة عن الدلالات اللفظيّة،و مع كون الكلام ذا مفهوم بهذا المعنى‏-أي لا في محلّ النطق-


270

وقع البحث بينهم في أنّ هذه الدلالة هل هي حجّة،و يمكن الاستدلال عليها و الاحتجاج بها أم لا؟ فالنزاع كان بينهم كبرويّاً لا صغرويّاً[85].

و الشاهد عليه-بعد ظهور كلماتهم-كيفيّة استدلالاتهم للحجّية في المفاهيم;لأنّ مدار احتجاجهم على‏ لزوم لغويّة القيد الزائد،فإذا وجب إكرام زيد مطلقاً يكون إيراد قيد المجي‏ء لغواً،و إذا وجب التبيّن عن كلام المخبر مطلقاً،فلما ذا التوصيف بالفسق(1) ؟ إلى‏ غير ذلك(2) .

(1)إشارة إلى‏ قوله تعالى‏: (إن جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ. ). الحجرات(49): 6.

(2)اُنظر شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 311-السطر 14،و معارج الأُصول: 144.
و أمّا المتأخّرون فاستدلّوا عليه بدلالة الأدوات على العلّيّة المنحصرة(3) ،

(3)اُنظر قوانين الأُصول 1: 175-السطر 15،و الفصول الغروية: 147-السطر 27،و مطارح الأنظار: 171-السطر 15.
مع أنّه لا وجه لها أصلاً. و ممّا ذكرنا-من أنّ مدار استدلال القوم في باب المفاهيم مطلقاً هو إيراد المتكلّم القيد الزائد في الكلام،و هو يدلّ على أنّ الحكم لمورد القيد،و عند فقده‏

[85]أقول: النزاع عليه صغروي أيضاً;لأنّ القائل بالمفهوم يدّعي أنّ إتيان القيد الزائد يدلّ-بما أنّه فعل اختياري-على‏ كون القيد ليس إلاّ موضوع الحكم،و مع عدمه لا ينوب منابه شي‏ء،و المنكر إنّما ينكر هذه الدلالة،لا حجّيتها بعد تسليم الدلالة،كما هو ظاهر استدلال النافين من نفي الدلالات،بل ظاهر كلام السيّد المرتضى‏ أيضاً;فإنّ قوله: -«إنّ تأثير الشرط إنّما هو تعليق الحكم به،و ليس يمتنع أن يخلفه و ينوب منابه شرط آخر»-ظاهر في أنّ المستفاد من الشرط دخالته،لا عدم دخالة شرط آخر حتّى‏ يفيد المفهوم،فهو ينكر المفهوم،لا حجّيته بعد ثبوته،كما يظهر منه أنّ مدّعي المفهوم يدّعي دلالة الكلام على‏ عدم نيابة قيد آخر مناب القيد المذكور،و هو عين مسلك المتأخّرين،فتدبّر. (مناهج الوصول 2: 178-179).


271

ينتفي الحكم-يظهر [سرّ] ما أفاد عَلَم الهدى السيّد الشريف المرتضى;من ردّ استدلالهم بالتمسّك بقوله تعالى‏: «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجالِكُمْ... »(1) إلى‏

(1)البقرة(2): 282.
آخره،فإنّه يمنع عن قبول الشاهد الواحد حتّى‏ ينضمّ إليه شاهد آخر،ثمّ علمنا أنّ انضمام امرأتين إلى الشاهد الأوّل،قائم مقام الرجل الواحد،ثمّ علمنا أنّ ضمّ اليمين يقوم مقامه أيضاً(2) . فأشكل عليه رحمه الله بوجوه كثيرة(3) .

(2)الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 406.

(3)اُنظر معالم الدين: 81،و مطارح الأنظار: 171-السطر ما قبل الأخير.
و ربّما يقال: إنّ ما صدر منه في الردّ على المفهوم لا ينبغي أن يصدر من أصاغر الطلبة،فضلاً من مثله;فإنّ الآية الشريفة غير مربوطةٍ بباب المفاهيم. لكن بما ذكرنا يظهر وجهه;فإنّ ما يستدلّ به للمفهوم-في جميع المفاهيم-شي‏ء واحد،هو مدار الاستدلال عند القدماء،و الوجه الفريد الذي كانوا يعتمدون عليه;و هو أنّ إيراد القيد الزائد لو لم يكن لإفادة المفهوم،كان لغواً لا يصدر من الحكيم. و لقد أجاب السّيد رحمه الله بما أفاد عن هذا الاستدلال: بأنّ القيد قد يجي‏ء لا لإفادة المفهوم،بل لأمرٍ آخر،كما في الآية الشريفة(4) .

(4)الذريعة إلى أُصول الشريعة 1: 404،406-407.
ثمّ اعلم: أنّ الكلام في المفاهيم إنّما يكون في قِسمَيْه-أي مفهوم الموافقة و المخالفة كليهما-و مدار الكلام فيهما إنّما هو في القيود الزائدة في الكلام،لكن البحث في مفهوم الموافقة في أنّ بعض القيود لا يفهم منه القيديّة لدى العرف،و يكون موضوع الحكم نفس الذات من دون تقيّدها بالقيد،كما في قوله:


272

«رجل شكّ في صلاته بين الاثنين و الثلاث»(1) ،فإنّ الموضوع في نظر العرف هو

(1)اُنظر وسائل الشيعة 5: 319،كتاب الصلاة،أبواب الخلل الواقع في الصلاة،الباب 9،الحديث‏1-3.
المصلّي الشاكّ من غير دخالةٍ للرجوليّة فيه،فالقيود إذا كانت بنظر العرف مُلغاة غير دخيلةٍ في الحكم،و كان الحكم بنظرهم ثابتاً لغير مورد القيد،كان ذلك من مفهوم الموافقة;سواء كانت نسبة المنطوق إلى المفهوم هي الأولويّة،كقوله تعالى‏: «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ»(2) ،أو لا كالمثال المتقدّم،و القدماء جعلوا القول‏

(2)الإسراء(17): 23.
بالمفهوم-فيما إذا كانت النسبة هي الأولويّة-قولاً بالتفصيل في المسألة(3) ،لا

(3)اُنظر الذريعة إلى أُصول الشريعة 1: 392-393،399-400،و شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 308.
أنّ البحث في المفهوم مختصّ بها. و بالجملة: أنّ موضوع البحث في المفاهيم أعمّ من المفهوم الموافق و المخالف،و في الأوّل أعمّ ممّا يكون بالأولويّة أو لا،و الجامع بين المفهومين في البحث هو القيد الزائد،و إن كان القيد في مفهوم المخالفة على طبق القاعدة-أي كونه للاحتراز و القيديّة-و في الموافقة على غير القاعدة-أي الإتيان به-إنّما هو من جهة كونه أحد الأفراد،و يكون القيد ملغًى بنظر العرف. و مفهوم الموافقة عند القدماء هو الذي يعبِّر عنه المتأخّرون ب«إلغاء الخصوصيّة»(4) ،و هو غير تنقيح المناط;فإنّ الثاني أمرٌ عقلي،و الأوّل من‏

(4)فوائد السيّد بحر العلوم: 124-السطر 13-الفائدة 37.
المداليل العرفيّة[86].

[86]و اختلفت التعبيرات في تفسيره،و نحن نذكر الاحتمالات،و نتكلّم فيها.

فنقول: فيه احتمالات: الاحتمال الأوّل: ما يعبّر عنه المتأخّرون بإلغاء الخصوصية،مثل قوله: «رجل شكّ بين الثلاث و الأربع... »و لا شبهة في أنّ العرف يرى‏ أنّ الحكم إنّما هو للشكّ بينهما من غير دخالة للرجولية فيه. الاحتمال الثاني: المعنى الكنائي الذي سيق الكلام لأجله،مع عدم ثبوت الحكم للمنطوق،كقوله: «فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ»إذا فرض كونه كناية عن حرمة إيذائهما،و لم يكن الأُفّ محكوماً بحكم. الاحتمال الثالث: ما إذا سيق الكلام لأجل إفادة حكم،فأتي بأخفّ المصاديق-مثلاً-للانتقال إلى‏ سائرها،مثل الآية المتقدّمة إذا كان الأُفّ محكوماً بالحرمة أيضاً. الاحتمال الرابع: الحكم الغير المذكور الذي يقطع العقل به بالمناط القطعي من الحكم المذكور،كقوله: «أكرم خدّام العلماء»حيث يعلم بالمناط القطعي وجوب إكرام العلماء. الاحتمال الخامس: الحكم المستفاد من القضيّة التعليلية،كقوله: «الخمر حرام لأنّه مسكر». فيمكن أن يكون المراد من الموافق بعض هذه الاحتمالات،أو جميعها،و الجامع بينها هو الحكم في غير محلّ النطق،الموافق للحكم في محلّه-على‏ فرضه-في الإيجاب و السلب. (مناهج الوصول 2: 297-299).


273

رجع‏

قد أشرنا(1) إلى‏ أنّ المفهوم ليس من المداليل اللفظيّة-أي المطابقة

(1)تقدّم في الصفحة 267-268.
و التضمّن و الالتزام-بل المداليل المذكورة من المنطوق و لو مع الواسطة و بالتبعيّة،فلا بدّ من بيان كيفيّة دلالة الكلام عليه،و أنّ المفهوم من أيّة خصوصيّةٍ من خصوصيّات الكلام يستفاد. التحقيق أن يقال: إنّ الأصل العقلائي في الكلام الصادر من المتكلّم-بما


274

أنّه فعلٌ من أفعاله الاختياريّة-الحمل على‏ أنّه صدر لأجل فائدةٍ و غرضٍ،و لم يصدر منه لغواً باطلاً،و هذا الأصل ليس مختصّاً بالكلام،بل هو جارٍ في كلّ فعلٍ من أفعاله الاختياريّة،فإذا شككنا في أنّ تكلّمه الكذائي صدر منه لغواً،أو لأجل غايةٍ و غرضٍ،حمل على‏ كونه ذا غايةٍ و غرضٍ،ثمّ لو شككنا في أنّ غرضه فيه هل هو التفهيم أم شي‏ء آخر غيره من الأغراض؟ يحمل على الأوّل;و ذلك أيضاً لأصلٍ عقلائيّ;فإنّ الكلام آلة للتفهيم،فاستعماله لأجل غايات نادرة خلاف الأصل العقلائي. ثمّ لو شككنا في أنّ غرضه هو تفهيم المعنى الحقيقي أو غيره،يحمل على الأوّل;لأصالة الحقيقة التي هي أصل عقلائي آخر،و لا تصل النوبة إلى أصالة الحقيقة إلاّ بعد الأصلين السابقين. ثمّ اعلم: أنّه كما في أصل صدور الكلام يجري الأُصول العقلائيّة،كذلك في الخصوصيّات الزائدة فيه،فإذا شككنا في قيدٍ في كلامه أنّه أتى به لغواً أو لغرضٍ،يحمل على الثاني. و لو شككنا في أنّه للتفهيم أو لا،يحمل على الأوّل. فالبناء العقلائي في القيود الزائدة في الكلام على الحمل على غرض التفهيم،و ما تكون القيود آلة لتفهيمه هو دخالتها في الموضوع،إن كان الموضوع مقيّداً بها مثلاً،و هذا ليس من قبيل دلالة اللفظ على المعنى الذي وضع له،أو على‏ جزئه أو خارجه،بل هو خارج عنها،و إنّما هو من قبيل دلالة الفعل الاختياري-الصادر من الإنسان-على‏ شي‏ءٍ بحسب الأصل العقلائي،لا الوضع;لكون المتكلّم ممّن صدر منه الكلام لأجل غرضٍ،لا لمحض اللَّغويّة،و ليس من الدلالات الثلاث. و كذا دلالة الكلام على‏ كونه بصدد التفهيم ليست منها. فدلالة القيد على‏ دخالته في الموضوع أو الحكم بالأصل العقلائي لا بها،فأداة الشرط و الأوصاف المعتمِدة على‏ موصوفها،لا تكون دلالتها على‏ دخالتها في الموضوع أو الحكم بالوضع;حتّى تكون من سنخ الدلالات،بل بالأصل العقلائي بما هي أفعال اختياريّة،و بما هي ألفاظ و آلات للتفهيم.


275

و بما ذكرنا يتّضح أمرٌ آخر: و هو أنّ القضايا المشروطة قد يكون سوقها لأجل إفادة كون المشروط علّة للجزاء،و قد يكون لأجل إفادة أنّ الجزاء ثابت للمشروط بهذا الشرط. فالأوّل: كقول الطبيب: «إن شربت السقمونيا فيسهل الصفراء». و الثاني: كقوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قدر كُرٍّ لا ينجّسه شي‏ء»(1) .

(1)اُنظر وسائل الشيعة 1: 117،كتاب الطهارة،أبواب الماء المطلق،الباب‏9،الحديث‏1و2و6.
فإن سيقت لإفادة العلّيّة فلا مفهوم لها;لأنّ المتكلّم لم يأتِ في كلامه بقيد زائد،بل أفاد أنّ«السقمونيا»مثلاً علّة لإسهال الصفراء. و بالجملة: كلّما كان إتيان الشرط لإفادة علّيّته للجزاء،و لا يكون فيه قيد زائد،لا يكون له مفهوم. و إن سيقت على النحو الثاني،يكون لها مفهوم إن تمّ ما ذكر من أنّ القيود الزائدة في الكلام تفيد دخالتها على نحوٍ ينتفي الحكم عند انتفائها[87].
إبانة: في دخالة القيد في الموضوع أو الحكم‏

اعلم أنّه بعدما ذكرنا(2) : من أنّ مدار حجّيّة المفهوم عند القدماء في جميع‏

(2)تقدّم في الصفحة 270-271.
المفاهيم شرطاً أو غيره على‏ وجود القيد،و أنّ الظاهر من إتيان القيد في الكلام‏

[87]و أنت خبير: بأنّ ذلك لا يفيد ما لم يضمّ إليه شي‏ء آخر،و هو أنّ عدم الإتيان بشي‏ء آخر في مقام البيان،يدلّ على‏ عدم القرين له،و به يتمّ المطلوب،و إلاّ فصرف عدم لغوية القيود لا يدلّ على المفهوم ما لم تفد الحصر. فإثبات المفهوم إنّما هو بإطلاق الكلام،و هو أحد الطرق التي تشبّث بها المتأخّرون. (مناهج الوصول 2: 182).


276

دخالته في الموضوع أو الحكم-لا بدّ و أن يعلم أنّ غاية ما يقتضيه إتيان القيد أنّ الذات المجرّدة عن القيد لا تكون تمام الموضوع للحكم،و يكون تمام الموضوع له هو المقيّد بما هو مقيّد،و إلاّ يكون إتيان القيد لغواً مخالفاً للأصل العقلائي،و أمّا عدم كون الموضوع مع قيدٍ آخر نائباً مناب هذا القيد في تماميّة الموضوع للحكم;فلا دلالة للقيد عليه،و لا يكون مقتضى التقيد بشي‏ء عدم كون قيدٍ آخر نائباً عنه في الدخالة في الموضوع. مثلاً: إذا سئل الإمام عليه السلام عن غدير ماء تَلِغ فيه الكلاب،فقال: «إذا بلغ الماء قدر كُرٍّ لا ينجّسه شي‏ء»يدلّ ذلك على أنّ تمام الموضوع لعدم التنجّس،ليس الماء المجرّد عن بلوغ الكرّيّة،و إلاّ يكون إتيان القيد لغواً،و إنّما تمام الموضوع هو ذات الماء مع قيد الكرّيّة،لكن لا يدلّ ذلك على‏ أنّ الماء-مع وصفٍ آخر غير الكرّيّة-لا يكون موضوعاً لعدم التنجّس;حتّى‏ يكون قوله: «الماء الجاري لا ينجّسه شي‏ء»(1) منافياً و معارضاً له.

(1)الجعفريات،ضمن قرب الإسناد: 11،مستدرك الوسائل 1: 190،كتاب الطهارة،أبواب الماء المطلق،الباب 5،الحديث 1.
نعم،لو أُحرز أنّ المتكلّم كان بصدد بيان تمام ما له دخلٌ في الموضوع،و اكتفى‏ بذكر قيدٍ أو قيودٍ،لاستُفيد منه المفهوم،كما لو سئل: «ما هو الماء الذي لا ينجّسه شي‏ء؟»فقال: «إذا بلغ الماء قدر كُرٍّ لا ينجّسه شي‏ء»،فإنّه بضميمة مسبوقيّته بالسؤال يكون ظاهراً في المفهوم،و لكن مع قيام القرينة يكون للّقب أيضاً مفهوماً،كما لو سئل: «ما المائع الذي لا ينفعل؟»فقال: «الماء لا ينفعل»،فإنّ المفهوم عرفاً-مع قيام هذه القرينة-أنّ غير الماء ينفعل. و ممّا ذكرنا يتّضح: أنّ احتجاج عَلَم الهدى‏ رحمه الله على‏ عدم المفهوم احتجاجٌ متينٌ في غاية التحقيق;فإنّ مدار المفهوم-كما عرفت-على لَغويّة القيد الزائد،


277

فأجاب السيّد عن هذا الاستدلال: بأنّ القيد لا يقتضي إلاّ كونه دخيلاً في الموضوع،و لا يكون الموضوع المجرّد عنه تمام الموضوع،و أمّا عدم نيابة قيدٍ آخر منابه،فلا يدلّ عليه التقييد،و استشهد بقوله تعالى‏: «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهيدَيْنِ مِنْ رِجالِكم... »(1) إلى‏ آخره(2) .

(1)البقرة(2): 282.

(2)اُنظر الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 406.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني رحمه الله قد عرّف المفهوم بأنّه عبارة عن حكمٍ إنشائيّ أو إخباريّ تستتبعه خصوصيّة المعنى‏،الذي أُريد من اللفظ بتلك الخصوصيّة و لو بقرينة الحكمة(3) .

(3)كفاية الأُصول: 230.
و الظاهر-بقرينة ما أفاد في مفهوم الشرط(4) -أنّ مراده من الخصوصيّة

(4)نفس المصدر: 231.
هو انحصار العلّيّة،و بالمعنى‏ هو ذات المعنى الدالّ على‏ أصل العلّيّة. و لكن يرد عليه: أنّ تلك الخصوصيّة إمّا أن تكون زائدة على المعنى المراد;بحيث لا تكون مرادة،و لا اللفظ دالاًّ عليها،و إمّا أن تكون مرادة من اللفظ،و تكون من خصوصيّات المعنى المراد بما أنّه مرادٌ. فَعَلى الأوّل: لا وجه لعدّ لازم مثل تلك الخصوصيّة من المفاهيم;فإنّ الخصوصيّة الملزومة إذا لم تكن مرادة فلا يكون اللازم أيضاً مراداً،فلا وجه لعدّ المفهوم من المداليل،و أنّه حكمٌ غير مذكورٍ،أو حكمٌ لغير مذكورٍ. مثلاً: لو دلّت القضيّة الشرطيّة على‏ صِرف علّيّة الشرط للجزاء،لكن عرضت العلّيّة خصوصيّة الانحصار من غير أن تكون تلك الخصوصيّة مرادة،و كان المفهوم لازماً لتلك الخصوصيّة الغير المرادة،فلا وجه لعدّ المفهوم اللازم


278

لغير المراد مدلولاً. و على الثاني: تصير الخصوصيّة جزء المعنى المراد،و يصير المفهوم لازماً للمعنى‏،فلا داعي لتعريفه بما ذكر ممّا يخلّ بالمقصود;فإنّ المعنى هو ما أُريد من اللفظ،فإذا أُريد من اللفظ شي‏ء مع تلك الخصوصيّة،يصير الشي‏ء المتخصّص بتلك الخصوصيّة معنى اللفظ،لا أنّ المعنى‏ أمر،و الخصوصيّة أمر آخر،كما يوهمه التعريف المذكور. فالأولى‏ تعريفه-على‏ مسلكه-بأنّ المفهوم حكمٌ إنشائيّ أو إخباريّ لازم للمعنى المراد من اللفظ. و لقد تصدّى‏ بعض الأعاظم المتأخّر عنه لتعريف المفهوم بما حاصله: أنّ المفهوم هو اللازم البيِّن بالمعنى الأخصّ،و أمّا اللازم البيِّن بالمعنى الأعمّ فيكون من الدلالات السياقيّة،و ينقسم إلى‏ دلالة الاقتضاء و التنبيه و الإشارة(1) . انتهى‏.

(1)اُنظر فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 477 و فيه: «و لعلّ دلالة الاقتضاء... يكون اللازم فيه من اللازم بالمعنى الأعم».
و لازمه أن تكون أقسام الدلالات أكثر من دلالة المنطوق و المفهوم;فإنّ دلالة المنطوق بناء عليه تكون منحصرة بدلالة المطابقة،و دلالة المفهوم هي دلالة الالتزام;أي الدلالة على اللازم البيِّن بالمعنى الأخصّ،فدلالة اللفظ على اللازم البيِّن بالمعنى الأعمّ-التي جعلها مَقسماً لدلالة الإشارة و أُختيها-تكون خارجة عنهما. و هنا قسم رابع: و هو الدلالة على اللازم الغير البيِّن في مقابل اللازم البيِّن بالمعنى الأعمّ-أي ما لا يكون نفس تصوّر اللازم و الملزوم و النسبة بينهما كافياً في الجزم باللزوم،بل يحتاج إلى برهانٍ-مع أنّ القوم حصروا الدلالات بالدلالة المنطوقيّة و المفهوميّة،و قد عرفت أنّ دلالة المطابقة و شقيقتَيْها من الدلالات


279

المنطوقيّة. و أمّا دلالة الإشارة و أُختيها فهي أيضاً من الدلالات المنطوقيّة;فإنّ المنطوق منقسمٌ إلى الصريح و غير الصريح. و الثاني إلى ما دلّ عليه اللفظ بدلالة اقتضاءٍ و تنبيهٍ-يقال له: «الإيماء»أيضاً(1) -و إشارةٍ;لأنّ ما يدلّ عليه اللفظ: إن‏

(1)الوافية في أُصول الفقه: 228،قوانين الأُصول 1: 168-السطر 6.
كان غير مقصودٍ للمتكلّم فهو المدلول عليه بدلالة الإشارة،كدلالة الآيتين على‏ أقلّ الحمل(2) . و إن كان مقصوداً: فإن كان صدق الكلام أو صحّته يتوقّف عليه;

(2)البقرة(2): 233،الأحقاف(46): 15.
فهو المدلول عليه بدلالة الاقتضاء،نحو«رُفع عن أُمَّتي... الخطأ و النسيان»(3)

(3)التوحيد: 353-24،الخصال: 417-9،وسائل الشيعة 11: 295،كتاب الجهاد،أبواب جهاد النفس،الباب 56،الحديث 1.
و نحو«وَ اسْألِ الْقَرْيَةَ»(4) فإنّهما يدلاّن على‏ مقدَّرٍ مصحِّحٍ للكلام. و إن اقترن‏

(4)يوسف(12): 82.
بالحكم ما فُهم منه العلّيّة فهو المدلول عليه بدلالة الإيماء و التنبيه كما لو قال السائل: «واقعتُ امرأتي في نهار رمضان»،فأجيب: «كفّر»(5) ،فإنّ اقتران قوله‏

(5)اُنظر الكافي 4: 102-2،الفقيه 2: 72-309،تهذيب الأحكام 4: 206-595.
بقول السائل ممّا يفهم منه علّيّة المواقعة للكفّارة،و هذه كلّها دلالات منطوقيّة عند القوم. هذا تمام الكلام في معنى المفهوم،و قد عرفت التحقيق فيه.


281

فصل الجملة الشرطيّة

هل الجملة الشرطيّة تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء،كما تدلّ على الثبوت عند الثبوت،أم لا؟ أمّا على‏ طريقة القدماء: فقد اتّضح لك بما أشرنا إليه(1) : أنّ غاية ما يدلّ‏

(1)تقدّم في الصفحة 275-276.
عليه القيد الزائد هو دخالته في ثبوت الحكم،أمّا عدم قيام قيدٍ آخر مقامه،فلا يدلّ عليه إلاّ مع قيام القرينة(2) .

(2)اُنظر الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 406.
و أمّا على‏ طريقة المتأخّرين المتشبّثين بذيل العلّة المنحصرة،و أنّ المفهوم من الدلالات الالتزاميّة،المدلول عليها في الكلام بواسطة الدلالة على‏ حصر علّيّة الشرط للجزاء(3) ،فأحسن ما أُفيد في المقام هو ما أفاده المحقّق‏

(3)اُنظر الفصول الغروية: 147-السطر 26،و مطارح الأنظار: 171-السطر 15.
الخراساني رحمه الله من تقرير الدلالة على ترتّب الجزاء على الشرط-بنحو الترتّب على العلّة المنحصرة-بوجوه: التبادر.


282

و الانصراف‏[88].

و قضيّة الإطلاق بمقدّمات الحكمة،كدلالة صيغة الأمر على الوجوب النفسي‏[89].

و التمسّك بإطلاق الشرط على الانحصار;ضرورة أنّه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثّر وحده،و قضيّة الإطلاق أنّه مؤثّرٌ مطلقاً كذلك‏[90].

و التمسّك بإطلاق الشرط،بتقريب أنّ مقتضاه تعيّنه،كما أنّ مقتضى‏ إطلاق الأمر التعيين لا التخيير(1) .

(1)كفاية الأُصول: 233-234.
و هذه وجوه خمسة يمكن التمسّك بها لتقريب المقصود. و لقد أجاب رحمه الله عنها بما يُغني عن الأتعاب(2) ،و إن أصرّ بعض أعاظم‏

(2)نفس المصدر.
العصر رحمه الله على‏ تتميم الوجه الخامس(3) ،لكنّه لم يأتِ بشي‏ءٍ مقنعٍ،فراجع.

(3)أجود التقريرات 1: 418-419.
و هاهنا وجهٌ سادس لإثبات الانحصار;و هو أنّ الشرط إذا كان علّة منحصرة،يكون مؤثّراً في الجزاء بخصوصيّته،بخلاف ما إذا لم يكن بمنحصر،

[88]و لا يخفى‏ ما فيهما. (مناهج الوصول 2: 183).

[89]و قد مرّ الإشكال في المقيس عليه(في الهامش 62)،و يرد نظيره هاهنا،مع أنّ القياس مع الفارق. (مناهج الوصول 2: 184).

[90]و فيه: أنّ ذلك ليس قضيّة الإطلاق;فإنّها ليست إلاّ أنّ ما جعل شرطاً،هو تمام الموضوع لإناطة الجزاء به،و إلاّ لكان عليه بيانه،كما هو الحال في جميع موارد الإطلاق. و بعبارة أُخرى‏: أنّ الإطلاق في مقابل التقييد،و دخالة شي‏ء آخر في موضوع الحكم،و كون شي‏ء آخر موضوعاً للحكم أيضاً لا يوجب تقييداً في الموضوع بوجه. (مناهج الوصول 2: 184).


283

فإنّه حينئذٍ يؤثّر بجهةٍ جامعة بينه و بين شريكه;لأنّ الخصوصيّة المميّزة لا تعقل دخالتها مع عدم الانحصار،و الظاهر من القضيّة الشرطيّة أنّ الشرط بخصوصيّته مؤثّرٌ في الجزاء،لا بالقدر الجامع بينه و بين غيره‏[91]. و لقد أبديتُ هذا الوجه لدى المحقّق الخراساني رحمه الله فأجاب عنه: أنّ ذلك حكمٌ عقليّ بحسب الدِّقّة العقليّة،مخالف للأنظار العرفيّة المتّبعة في أمثال المقامات.

بقي أُمور:

الأمر الأوّل: المفهوم في الجمل الإنشائيّة

إنّه لا إشكال في أنّ انتفاء شخص الحكم عن الموضوع عقليٌّ،لا يكون من قبيل المفهوم،فلا يكون من المفهوم مثل قوله: «أوقفتُ داري على‏ أولادي إن كانوا

[90]و فيه أوّلاً: أنّ استفادة العلّية من القضيّة الشرطية في محلّ المنع،بل لا يستفاد منها إلاّ نحو ارتباط بين المقدّم و التالي و لو كان على‏ نحو الاتّفاق،مثلاً: لو فرض مصاحبة الصدّيقين غالباً في الذهاب و الإياب،صحّ أن يقال: «إن جاء أحدهما يجي‏ء الآخر»من غير ارتكاب تجوّز و تأوّل بلا إشكال. نعم،لا يصحّ استعمال الشرطية فيما لا ربط بينهما بلا تأوّل،مثل ناهقية الحمار و ناطقية الإنسان،فلا تستفاد العلّية حتّى‏ يقال ذلك. و ثانياً: أنّ العلّية و المعلولية في المجعولات الشرعيّة ليست على‏ حذو التكوين،من صدور أحدهما من الآخر،حتّى‏ يأتي فيها القاعدة المعروفة،فيجوز أن يكون الكرّ-بعنوانه-دخيلاً في عدم الانفعال،و الجاري و المطر بعنوانهما،كما هو كذلك،فقياس التشريع بالتكوين باطل و منشأ لاشتباهات كثيرة. و ثالثاً: أنّ لجريان القاعدة مورداً خاصّاً و شرائط،و ما نحن فيه ليس بمورده. و رابعاً: ما أفاده المحقّق الخراساني في الجواب عنه: من أنّ طريق استفادة الأحكام من القضايا هو الاستظهارات العرفية،لا الدقائق الحكمية. (مناهج الوصول 2: 186-187).


284

عدولاً»،أو«على‏ أولادي العدول»،و كذا في الوصيّة و النذر;فإنّ مثل هذه العناوين-التي توجد بنفس الإنشاء،و لا وجود لها غير ما ينشئه المنشئ،و تكون عناوين شخصيّة لموضوع خاصّ-لا يكون انتفاؤها عن غير موضوعاتها بدلالة المفهوم،بل إنّما هو بحكم العقل،فالوقف على الأولاد العدول لا يمكن أن يكون وقفاً على‏ غيرهم،و هذا ممّا لا إشكال فيه. و كذا لا إشكال في أنّ القضايا الإخباريّة ممّا يمكن أن تكون حكاية عن عنوانٍ كليّ أو جزئيّ،مثل: «إن جاءك زيدٌ فيجب إكرامه»بنحو القضيّة الإخباريّة،تكون دلالتها على الانتفاء بدلالة المفهوم على‏ فرضه. و من هذا القبيل القضايا الإنشائيّة التي تكون إرشاداً إلى الأحكام الإلهيّة،كفتاوى الفقهاء،فإذا قال الفقيه للمستفتي: «إذا شككت بين الأربع و الثلاث فَابْنِ على الأربع،و صلِّ ركعتين من جلوس،أو ركعة من قيام»،تكون هذه القضيّة الإنشائيّة حكاية عن الحكم الواقعي الإلهي،و يمكن أن يكون الحكم الكلّي مرتفعاً عند فقدان الشرط،و تكون دلالتها عليه من قبيل دلالة المفهوم على القول به،و كذا الأخبار الصادرة عن المعصومين عليهم السلام فإنّها أيضاً إرشادات إلى الأحكام الإلهيّة المنشأة،و تكون دلالتها على الانتفاء من قبيل المفهوم. إنّما الإشكال في القضايا الإنشائيّة التي تكون بصدد إنشاء الأحكام،كالأوامر الصادرة عن اللَّه تعالى‏ معلّقة على الشرط،و كذا ما صدر عن الموالي العرفيّة معلّقاً عليه;ممّا تكون آلة لإيجاد الوجوب،ممّا تكون نحو تحقّقها بنفس الإنشاء،و يكون إيجادها و وجودها الإنشائي واحداً حقيقة و مختلفاً بالاعتبار;فإنّ الألفاظ المستعملة في المعاني الإنشائيّة يكون نحو استعمالاتها فيها استعمالاً إيجادياً-كما حُقّق في المعاني الحرفيّة(1) -فلا وجودَ لها قبل‏

(1)تقدّم في الصفحة 27-29.


285

الاستعمال يكون الاستعمال حاكياً عنه،ففي مثل هذه المعاني يقع الإشكال في أنّ ما عُلّق على الشرط لا يمكن أن يكون نفس ماهيّة الفرد;فإنّ الماهيّات من حيث هي ليست إلاّ هي،و ليست هي-في مرتبة ذاتها مع قطع النظر عن الوجود-صالحة لحمل شي‏ءٍ عليها إلاّ ذاتيّاتها،فلا تصلح لتعلّق شي‏ءٍ عليها،و لا لتعلّقها على‏ شي‏ءٍ،و الوجود ليس إلاّ أمراً متشخّصاً و جزئيّاً خارجيّاً،و الحكم الكلّي و سنخ الحكم لا يكون مذكوراً في القضيّة اللفظيّة،و لا يكون معلّقاً على الشرط. و لا إشكال في أنّ المفهوم قضيّة غير مذكورة،يكون موضوعها و محمولها متّحدين مع المذكورة،كما لا يكون مفهومُ«إن جاءك زيد فأكرمه»-ممّا يكون إكرام زيد موضوعه،و الوجوب محموله-قضيّةً مختلفة الموضوع مع القضيّة المنطوقة،مثل: «إن لم يجئك فلا يجب ضربه»،أو مختلفة المحمول معها،أو مختلفة الطرفين;كلّ ذلك لأجل لزوم اتّحاد المنطوق و المفهوم في الموضوع و المحمول،و الاختلاف في السلب و الإيجاب. و بالجملة: كلّ ما عُلّق على الشرط،و يكون هو علّة منحصرة له،يكون مُنتفياً بانتفائه لا غير،و الفرض أنّ ما يصلح للتعليق في القضايا الإنشائيّة-التي يكون نفس استعمالها في معانيها إيجادَها لها،و يكون مفادها تكاليف جزئيّة و معانٍ شخصيّة-هو هذا المعنى الشخصي و الأمر الجزئي;لأنّ الفرد ينحلّ إلى ماهيّة كلّيّة و وجود،و الماهيّة لا تصلح لتعلّقها بالعلّة،و الوجود المعلّق جزئيّ،يكون انتفاؤه بانتفاء الشرط عقليّاً،لا من باب المفهوم،و سنخ الوجوب و كلّيّه غير مذكورٍ في القضيّة حتّى ينتفي بانتفائه. و بما ذكرنا ظهر ما في كلام المحقّق صاحب الكفاية و مَنْ تأخَّر عنه ممَّن عبَّر بتعبيره: من أنّ المفهوم انتفاء سنخ الحكم المعلَّق على الشرط عند انتفائه،


286

لا انتفاء شخصه;ضرورة انتفائه عقلاً بانتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده.. (1) ..

(1)كفاية الأُصول: 236،فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 484،مقالات الأُصول 1: 396،درر الفوائد،المحقّق الحائري: 196.
إلى‏ آخره. فإنَّ فيه: -مضافاً إلى‏ أنّ الشرط لا يكون من قيود الموضوع على‏ طريقة المتأخّرين في باب المفهوم;لأنّه علّة منحصرة للجزاء عندهم،و العلّة متقدّمة تحصّلاً على المعلول،فلا يكون من قيود الموضوع الذي يكون مع الحكم في التحصّل و إن كان له نحو تقدّمٍ في العقل،نعم على طريقة القدماء يكون الشرط من قيوده كما عرفت(2) -أنّ ما عُلّق في الكلام ليس إلاّ وجوب إكرام زيدٍ،و هو أمرٌ

(2)تقدّم في الصفحة 270-271.
شخصيّ و موجودٌ جزئيّ;سواء ذكر بنحو القضيّة الإنشائيّة أو الإخباريّة في مقام الإنشاء،و الجزئي غير قابلٍ للكثرة. نعم،أصل وجوب الإكرام أو أصل الوجوب كلّيٌّ،لكنّهما غير مذكورين في القضيّة،و ما ذكر جزئيٌّ،فإذا كان الشرط علّة منحصرة لشخص الحكم ينتفي-لا محالة-بانتفائه. و أمّا على‏ طريقة القدماء،فما هو قيدٌ في الكلام يكون قيداً لموضوع الحكم الشخصي المذكور في القضيّة،و لا محالة مع عدم القيد يكون الحكم منتفياً،و أمّا انتفاء أمرٍ آخر-غير مذكورٍ في الكلام-فلا معنى له. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّه ليس هناك معنًى محصَّل لما استقرَّت عليه آراء المتأخّرين: من أنّ المفهوم انتفاء سنخ الحكم‏[92].

[92]و لكن مع ذلك يمكن دفع الإشكال: بأنّ ظاهر القضايا بدواً و إن كان تعليق الوجوب على الشرط،لكن حكم العقل و العقلاء في مثل تلك القضايا أنّ لطبيعة المادّة مناسبة مع‏الشرط تكون سبباً لتعلّق الهيئة بها،فيكون الإيجاب المتعلّق بالمادّة في الجزاء متفرّعاً على التناسب الحاصل بينها و ما يتلو أداة الشرط،فإذا قال: «إن أكرمك زيد أكرمه»يفهم العرف و العقلاء منه،أنّ التناسب الواقعي بين إكرام زيد إيّاه و إكرامه،دعا المولى‏ لإيجابه عند تحقّقه،فالإيجاب متفرّع على التناسب الواقعي،و إلاّ كان لغواً،فإذا فرض دلالة الأداة على انحصار العلّة،تدلّ على‏ أنّ التناسب بينهما يكون بنحو العلّية المنحصرة،ففي الحقيقة يكون التناسب بين طبيعة ما يتلو أداة الشرط و مادّة الهيئة،فإذا دلّت الأداة على الانحصار،تتمّ الدلالة على المفهوم و إن كان مفادها جزئياً. و لك أن تقول: إنّ الهيئة و إن كانت جزئية لكن تناسب الحكم و الموضوع يوجب إلغاء الخصوصية،و جعل الشرط علّة منحصرة لنفس الوجوب و طبيعيه،فبانتفائه ينتفي طبيعي الوجوب. (مناهج الوصول 2: 188-189).


287

و أمّا ما في«تقريرات»العلاّمة الأنصاري رحمه الله: من أنّ النزاع ليس في شخص الحكم،فإنّه ينفد بنفاد الكلام،و ليس له بقاء و ثبات(1) .

(1)مطارح الأنظار: 173-السطر 8.
ففيه: أنّ ما ينفد بنفاد التكلّم هو التلفّظ بالحكم;ضرورة أنّ الكلام غير قارّ الذات،و لكنّ الحكم المعلَّق على الشرط غيره بالضرورة،و ما هو معلَّقٌ هو الحكم المُنشأ بهذا الإنشاء و المنتزع منه،و له بقاء و ثبات عند العقلاء و إن كان من الأُمور الاعتباريّة.
الأمر الثاني: إذا تعدّد الشرط مع وحدة الجزاء

مثل: «إذا خفي الأذان فقصِّر»،«إذا خفي الجدران فقصِّر»،فبناء على المفهوم يقع التعارض بين منطوق كلٍّ منهما مع مفهوم الآخر[93]،و في مقام رفع‏

[93]هل التعارض بين المنطوقين أوّلاً و بالذات،أو بين مفهوم كلّ منهما و منطوق الآخر؟ الظاهر هو الأوّل،سواء قلنا-: بأنّ المتبادر من الشرطية هو العلّية المنحصرة،أو قلنا:


288

...........

بانصرافها إليها،أو بأنّ ذلك مقتضى الإطلاق: أمّا على الأوّل: فلأنّ حصر العلّية بشي‏ء ينافي إثباتها لشي‏ء آخر،فضلاً عن حصرها به;ضرورة التنافي بين قوله: «العلّة المنحصرة للقصر خفاء الأذان»،و قوله: «العلّة المنحصرة له خفاء الجدران». و كذا لو قلنا بانصرافها إلى العلّة المنحصرة،فيقع التعارض بينهما لأجله. و كذا على الأخير;لوقوع التعارض بين أصالتي الإطلاق في الجملتين. ثمّ بعد وقوع التنافي بينهما يقع الكلام في التوفيق بينهما،فنقول: تختلف كيفية التوفيق باختلاف المباني في استفادة المفهوم. فلو قلنا: بأنّ استفادة الحصر تكون لأجل الوضع،فيقع التعارض بين أصالتي الحقيقة في الجملتين،و مع عدم الترجيح-كما هو المفروض-تصيران مجملتين;لعدم ترجيح بين المجازات. و كون العلّة التامّة أقرب إلى المنحصرة واقعاً،لا يكون مرجّحاً في تعيينه;لأنّ المعيّن له هو الأُنس الذهني،بحيث يرجع إلى الظهور العرفي. و إن قلنا: بأنّ استفادته لأجل الانصراف،فحينئذٍ إن قلنا: بأنّ الأداة موضوعة للعلّة التامّة و منصرفة إلى المنحصرة،فمع تعارض الانصرافين،تكون أصالة الحقيقة في كلّ منهما محكّمة بلا تعارض بينهما. و كذا لو قلنا: بوضعها لمطلق اللزوم،أو الترتّب،أو غيرهما. و إن قلنا: بأنّ استفادته مقتضى الإطلاق،فحينئذٍ إن قلنا: بأنّ الأداة موضوعة للعلّة التامّة،فمع تعارض أصالتي الإطلاق،يؤخذ بأصالة الحقيقة بلا تعارض بينهما. و إن قلنا: بأنّ العلّية التامّة-أيضاً-مستفادة من الإطلاق،فمقتضى‏ إطلاق قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر»هو عدم الشريك و عدم العديل،فإذا ورد: «إذا خفي الجدران فقصّر»فكما يحتمل أن يكون خفاء الجدران قيداً لخفاء الأذان،يحتمل أن يكون عدلاً له،فيقع التعارض بين أصالتي الإطلاق;أي من جهة نفي الشريك،و من جهة نفي العديل،و مع عدم المرجّح يرجع إلى الأُصول العملية. لكن لأحد أن يقول: إنّ العلم الإجمالي بورود قيد-إمّا على الإطلاق من جهة نفي الشريك،و إمّا عليه من جهة نفي البديل-منحلّ بالعلم التفصيلي بعدم انحصار العلّة،إمّالأجل تقييد الإطلاق من جهة البديل،و إمّا من جهة تقييده لأجل الشريك الرافع لموضوع الإطلاق من جهة البديل،فيشكّ في تقييد الإطلاق من جهة الشريك بدواً،فيتمسّك بأصالة الإطلاق. اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ العلم الإجمالي بورود قيد-إمّا على الإطلاق من جهة الشريك،أو من جهة العديل-مولّد للعلم التفصيلي بعنوان الآخر،و هو عدم انحصار العلّة،و في مثله لا يعقل الانحلال;لأنّ العلم التفصيلي معلول للعلم الإجمالي الفعلي،فكيف يمكن أن يكون رافعاً له؟! و إن شئت قلت: إنّ الانحلال-أينما كان-يتقوّم بالعلم التفصيلي بأحد الأطراف و الشكّ في الآخر،كما في الأقلّ و الأكثر،و فيما نحن فيه لا يكون كذلك;لأنّ العلم الإجمالي محفوظ،و منه يتولّد علم تفصيلي آخر،و في مثله يكون الانحلال محالاً،فيجب الرجوع إلى‏ قواعد أُخر. (مناهج الوصول 2: 189-192).


289

التعارض و الجمع بينهما احتمالات: أحدها: رفع اليد عن كلٍّ من المفهومين. الثاني: تقييد كلٍّ من المفهومين بمنطوق الآخر. الثالث: جعل الشرط هو القدر المشترك بينهما. الرابع: تقييد كلٍّ من المنطوقين بالآخر. فَعَلى الاحتمالات الثلاثة الأُوَل تكون النتيجة هي تحقّق القصر بتحقّق كلٍّ منهما،و الانتفاء بانتفائهما جميعاً. نعم،بناءً على‏ أوّل الاحتمالات منها،لو دلَّ دليلٌ على‏ اعتبار أمرٍ آخر لا يكون معارضاً لهما;لعدم المفهوم لهما. و أمّا على الاحتمال الرابع فلا يتحقّق القصر إلاّ بتحقّقهما،و يكون الانتفاء بانتفاء واحدٍ منهما. ثمّ إنّ الاحتمال الأوّل-في المثال المذكور-أبعد الاحتمالات;لأنّ حكم


290

الإتمام و القصر في الحضر و السفر كان معروفاً بين المسلمين،فليست الشرطيّتان لإفادة أصل حكم القصر،بل لإفادة تحديد حدّ السفر،و معلومٌ أنّ ما قبل الحدّ يكون باقياً على الحكم الأوّل-و هو التمام-فتدلّ القضيّتان على انتفاء حكم القصر عند فقدان الحدّ فيكون لهما مفهوم. و يتلوه في الضعف الاحتمال الثاني;لأنّ المفهوم لازم المنطوق و تابعٌ له،و ليس له استقلال بالإنشاء;حتّى‏ يرد عليه التخصيص،و تختلف الإرادة الاستعماليّة مع الجدّيّة-كما في باب التخصيص-فإذا كان الشرط علّة منحصرة للجزاء،و يفهم منها المفهوم،فلا معنى‏ لتقييده و تخصيصه. و أمّا الاحتمالان الآخران،فلا يبعد أظهريَّة أوَّلهما;أي كون الشرط هو أمراً آخَرَ يكون كلّ منهما أمارة عليه;بأن يقال: إنّ الميزان في القصر مقدار من البعد;بحيث إذا أراد المسافر تشخيصه بحسّ بصره خفيت الجدران عنه،و إذا أراد تشخيصه بحسّ سمعه خفي أعلى صوت البلد عنه;أي أذان المؤذّنين.

الأمر الثالث: تعدد الشرط و اتّحاد الجزاء

[تداخل الأسباب و المسبّبات‏] إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء،فهل يتعدّد الجزاء;أي يجب الإتيان به متعدّداً حسب تعدّد الشرط(1) ،أو يتداخل،و يكتفي بإتيانه دفعة واحدة(2) ؟

(1)اختاره المشهور كما في مطارح الأنظار: 175-السطر 21.

(2)مشارق الشموس: 61-السطر 31،عوائد الأيّام: 297.
و لا يخفى‏: أنّه ليست هذه المسألة من المسائل التي تكون الشهرة فيها حجّة;حتّى‏ نبحث عن تحقّقها و عدمه;للعلم بعدم كاشفيّتها عن النصّ،فليس في البين إلاّ ظهور القضيّة. ثمّ إنّ الكلام يقع في مقامين:


291

أحدهما: في اقتضاء كلّ من الشرطيّتين وجوباً مستقلاّ و عدمه،و هو معنى تداخل الأسباب و عدمه. ثانيهما: بعد فرض عدم التداخل،هل يجوز امتثال التكليفين في مصداق واحد؟ و هذا معنى‏ تداخل المسبّبات. ثمّ إنّه لا ربط بين هذه المسألة و المسألة السابقة بوجه;فإنّ الكلام هناك بعد تسليم المفهوم،و هاهنا غير مربوط به،بل لو فرضنا عدم المفهوم يقع البحث في أنّ القضيّة الشرطيّة-الظاهرة في الحدوث عند الحدوث-إذا تعدّدت مع وحدة الجزاء،هل تكون ظاهرة في لزوم الإتيان به متعدّداً،أو تتداخل الأسباب؟ فلا جهة اشتراك بين المسألتين. هذا،مضافاً إلى‏ أنّ خفاء الأذان و الجدران ممّا لا سببيّة لهما لوجوب القصر،بل لتحديد البعد الموجب لذلك،فلا يكون خفاء الأذان سبباً للقصر،و خفاء الجدران سبباً آخر له،بخلاف المسألة السابقة;فإنّ كلَّ شرطٍ سبب مستقلّ،له سببيّته،فما وقع من بعض الأعاظم من ابتناء المسألة على المسألة السابقة(1) ممّا لا وجه له.

(1)كفاية الأُصول: 239 قوله‏1: فلا إشكال على الوجه الثالث.
ثمّ اعلم: أنّ العلاّمة الأنصاري أقام البرهان على‏ عدم التداخل: بأنّ ظاهر القضيّة هو استقلال علّيّة كلٍّ من الشروط للجزاء،و حفظ هذا الظهور يقتضي الحكم بتعدّد الجزاء عند تعدّد الشرط. نعم،إطلاق الجزاء يقتضي أيضاً أن تتداخل الشروط،لكن ظهور الإطلاق لا يتعارض مع ظهور الشرطيّة في الاستقلال;لأنّه معلّق على عدم البيان،و ظهور الشرطيّة بيان له(2) .

(2)اُنظر مطارح الأنظار: 179-السطر 15.


292

و قريب منه ما أفاد المحقّق الخراساني،لكنّه عَدَل عن ظهورها في الاستقلال إلى‏ ظهورها في الحدوث عند الحدوث(1) .

(1)كفاية الأُصول: 240-242.
و الفرق بينهما: أنّ تقرير المحقّق الخراساني لا يتمّ فيما إذا تقارنت الشروط;لأنّه معه ليس التداخل مخالفاً للظهور المدّعى‏،فإذا حدث وجوب الوضوء عند تقارن النوم و البول،يكون ظهور الشرطيّتين في الحدوث عند الحدوث محفوظاً مع التداخل. نعم،مع تقدّم إحداهما لا بدّ و أن لا تتداخل;حفظاً لظهور الشرطيّتين في الحدوث. و أمّا على‏ تقرير الشيخ يكون التداخل-مطلقاً-مخالفاً للقاعدة;أي ظهور الشرطيّة في الاستقلال. فتحصّل ممّا أفاداه: أنّه لا بدّ من تقييد إطلاق الجزاء;حفظاً لظهور الشرطيّة في الاستقلال أو الحدوث. أقول: لا إشكال في إمكان تعلّق الأمر بفردين من الطبيعة،مثل«أكرم زيداً إكرامين»;سواء تعلّق بمجموع الفردين،أو بكلٍّ منهما استقلالاً;بحيث ينحل إلى‏ أمرين،و لا إشكال في أنّ كلّ فرد يكون في الغرض متعلَّقاً لأمر;من غير امتياز بينهما بحسب الواقع،فإذا أوجد المكلّف إكراماً بقصد إطاعة المولى‏ يعدّ مطيعاً له;من غير أن تكون إطاعة لواحد معيّن من الأمرين;لعدم الامتياز الواقعي،و هذا ممّا لا إشكال فيه. كما أنّه لا إشكال في جواز سببيّة الأمرين لوجوبين متعلّقين على فردين من الطبيعة في عَرض واحد،مثل«إذا بلت و نمت توضّأ وضوءين». إنّما الإشكال في إمكان تعلّق الوجوب بفردين من الطبيعة تعاقباً،مثل«إذا


293

بلت فتوضّأ»،و «إذا نمت فتوضّأ»فإنّ تعلّق الوجوب في الشرطيّة الأُولى بطبيعة،و في الثانية بالطبيعة الأُخرى‏،أو في الأُولى بفرد منها،و في الثانية بفرد آخر،ممّا لا يُعقل;فإنّ النوم قد يكون مقدّماً،و قد يكون مؤخّراً،و كذا البول،و ليست القضيّتان ناظرتين إلى‏ حال الاجتماع. و حينئذٍ: لا يمكن تقييد أحد الجزاءين بكونه فرداً آخر غير الجزاء الآخر،أو طبيعة أُخرى‏ غير مقتضى الشرطيّة الأُخرى‏،و معه أيضاً لا يكون قيد صالح لتقييد الطبيعة،و مع عدم إمكان التقييد يكون التداخل ممّا لا محيص عنه،و فقدان القيد الصالح لتقييد متعلّق الأمر يظهر بمراجعة الوجدان‏[94].

و أمّا إرجاع سببيّة الشرط إلى‏ نفس الطبيعة-بأن يقال: إنّ النوم سبب لطبيعة الوضوء،و البول كذلك،و هي قابلة للتكرار-فممّا لا مجال له;ضرورة ظهور الشرطيّة في سببيّة النوم و البول للوجوب المتعلّق بالطبيعة،لا لنفسها،كما لا يخفى‏. و ما عن العلاّمة من أنّه لا يخلو: إمّا أن يؤثّر كلّ واحدٍ من الشرطيّات في الجزاء مستقلاًّ،أو يؤثّر المجموع في واحدٍ،أو يؤثّر واحد معيَّن لا غير،أو غير معيّنٍ،أو لا يؤثّر واحد منها،و الكلّ معلوم البطلان إلاّ الأوّل(1) .

(1)اُنظر مختلف الشيعة 2: 423،و منتهى المطلب 1: 90-السطر 24،و مطارح الأنظار: 177-السطر17.

[94]و فيه: أنّه إذا فرض ظهور القضيّتين الشرطيتين في عدم التداخل و أُريد رفع اليد عنه لأجل عدم معقولية تقييد الجزاء بما ذكر،فلنا تصوير قيد آخر و لو لم يكن في الكلام،مثل التقييد بالوضوء من قبل النوم،و من قبل البول،أو قيد آخر. و بالجملة: لا يجوز رفع اليد عن الظاهر حتّى‏ يثبت امتناع كافّة القيود،و هو بمكان من المنع،فلا يجوز الالتزام بالتداخل لأجل هذه الشبهة. و ممّا ذكرنا يظهر: أنّه مع ظهور الدليل لا يلزم إثبات الإمكان،بل مع عدم ثبوت الامتناع يؤخذ به. (مناهج الوصول 2: 196).


294

ففيه: أنّه يمكن أن يقال: إنّ المؤثّر أوّلها وجوداً لا غير،كما يمكن اختيار ثاني الاحتمالات. و استدلّ بعضٌ آخر على‏ عدم التداخل بما يقرب من ذلك. و حاصله: أنّ ظهور الشرط إنّما يكون في العلّيّة بالنسبة إلى الجزاء،فلو كان هو مع غيره أو أحدهما-معيّناً أو غير معيّنٍ-شرطاً،كان خلاف ظاهر أخذ كلّ شرطٍ مستقلاًّ في القضيّتين،فلا مناص من الالتزام بعدم التداخل(1) .

(1)مقالات الأُصول 1: 406-407.
و فيه: أنّه عبارة أُخرى‏ عمّا قرَّبه المحقّق الخراساني(2) مع تصرّفٍ مخلٍ‏

(2)كفاية الأُصول: 240-242.
بالاستدلال. و قد يظهر من التقريرات إشكالٌ على‏ عدم التداخل،محصّله: أنّ ظاهر إطلاق الجزاء في كلٍّ من الشرطيّات هو إيجاد صِرف الطبيعة،و هو ممّا لا يتكثّر كالفرد(3) .

(3)مطارح الأنظار: 179-السطر 9.
و الجواب: أنّه لو كان الإشكال ذلك لكان واضح البطلان;لأنّ الطبيعة قابلة للتكرار مع عدم انسلاخها عن الوحدة النوعيّة-كما قيل: إنّ المفهوم إن لم يمتنع صدقه على الكثيرين فهو كلّي(4) -بل الإشكال في أنّ كلاًّ من الشرطيّات‏

(4)الحاشية على تهذيب المنطق: 38،و انظر شرح المطالع: 48-السطر 5.
علّة للوجوب المتعلّق بالطبيعة،و هو غير قابلٍ للتكثّر[95].

[95]لكن بعد اللتيّا و التي لا شبهة في أنّ فهم العرف مساعد على‏ عدم التداخل،و أنّ الشرطيات المتعدّدة مقتضية للجزاء متعدّداً. و هل هذا من جهة ارتكاز مقايسة التشريع بالتكوين و إن أبطلناها،لكن إذا كان هذا الارتكاز منشأ للظهور العرفي و تحكيم ظهور على‏ آخر،فلا بدّ من اتّباعه،أو من جهة ارتكاز تناسب الشرط مع متعلّق الأمر في الجزاء;لحكم العرف بأنّ لوقوع الفأرة-مثلاً-في البئر تناسباً مع نزح سبع دلاء،و لوقوع الوزغة تناسباً معه،و أنّ الأمر إنّما تعلّق به لأجل التناسب بينهما،و إلاّ كان جزافاً،فيرى‏ بعد ذلك أنّ لوقوع كلٍّ منهما اقتضاء خاصّاً بها،و ارتباطاً مستقلاّ لا يكون في الأُخرى‏،و هو يوجب تعدّد وجوب نزح المقدّر أو استحبابه،و هذا يوجب تحكيم ظهور الشرطية على‏ إطلاق الجزاء؟ ثمّ إنّه على‏ فرض استقلال كلّ شرط في التأثير لا بدّ من إثبات كون أثر الثاني غير أثر الأوّل. (مناهج الوصول 2: 204-205). فالأولى‏ في هذا المقام-أيضاً-التشبّث بذيل فهم العرف،تعدّد الجزاء لأجل مناسبات مغروسة في ذهنه كما تقدّم;و لهذا لا ينقدح في ذهنه التعارض بين إطلاق الجزاء و ظهور الشرطية في التعدّد،فتدبّر جيّداً. ثمّ إنّه بعد تسليم المقدّمتين-أي ظهور الشرطية في استقلال التأثير،و كون الأثر الثاني غير الأوّل-فهل يمكن تداخل المسبّبين ثبوتاً،أو لا؟ و على الأوّل فما حال مقام الإثبات؟ أمّا مقام الثبوت: فالوضوء في قوله: «إذا نمت فتوضّأ»،و«إذا بلت فتوضّأ»ماهية واحدة،و لأجل تسليم المقدّمتين لا بدّ من كونها مقيّدة بقيدين،حتّى‏ يكون كلّ سبب علّة مستقلّة للإيجاب على‏ أحد العنوانين،لكن لا يجب أن يكون بين العنوانين التباين،حتّى‏ يمتنع تصادقهما على الفرد الخارجي،فمع عدم قيام دليل على امتناعه لا يجوز رفع اليد عن الدليل الدالّ على التداخل فرضاً،فقوله: لا يعقل ورود دليل على التداخل،فرع إثبات الامتناع،و هو مفقود. بل لنا أن نقول: لازم ظهور الشرطيتين فيما ذكر،و ورود الدليل على التداخل،كون المقيّدين قابلين للتصادق. هذا حال مقام الثبوت. و أمّا في مقام الإثبات: فما لم يدلّ دليل على التداخل لا مجال للقول به،فلا بدّ في مقام العمل من الإتيان بفردين،حتّى‏ يتيقّن بالبراءة;للعلم بالاشتغال بعد استقلال الشرطيتين في التأثير،و كون أثر كلّ غير الآخر،كما هو المفروض. (مناهج الوصول 2: 208-210).


295

و قال أيضاً: إنّ مقتضى القضيّتين هو اشتغال الذمّة بإيجاد الطبيعة مرّتين(1) .

(1)مطارح الأنظار: 180-السطر 1.


296

و فيه: أنّ اشتغال الذمّة ليس أمراً معقولاً سوى‏ وجوب إيجاد الطبيعة فالإشكال على‏ حاله.

الأمر الرابع: المفهوم فيما أفاد السلب الكلّي‏

هل المفهوم في مثل قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قدر كُرٍّ لم ينجّسه شي‏ء»(1)

(1)اُنظر وسائل الشيعة 1: 117،كتاب الطهارة،أبواب الماء المطلق،الباب‏9،الحديث‏1و2و6.
-ممّا يفيد السلب الكلي-هو الإيجاب الكلّي،فيستفاد منه تنجّس الماء القليل بكلِّ شي‏ءٍ قذر،أو لا يفيد إلاّ الإيجاب الجزئي،فيستفاد منه التنجّس ببعض النجاسات على‏ سبيل الإهمال؟ اختار أوّلهما الشيخ الأنصاري;بتقريب أنّ المنطوق لمّا كان منحلاً إلى‏ قضايا حسب تكثّر الموضوع;لكونه قضيّة حقيقيّة-و هو كذلك-فلا بدّ و أن يكون المفهوم على‏ طبقه;لعدم الفرق بين المفهوم و المنطوق إلاّ في الإيجاب و السلب لا غيرهما(2) .

(2)مطارح الأنظار: 174-السطر 18.
و اختار ثانيهما المحقّق صاحب«الحاشية»;لأنّ نقيض السالبة الكلّيّة هو الموجبة الجزئيّة(3) .

(3)اُنظر هداية المسترشدين: 291-السطر 108.
و هو الحقّ;لأنّ الظاهر من القضيّة المتقدّمة هو عاصميّة الكُرّ عن تأثير أيّ شي‏ءٍ من النجاسات،و مقتضى المفهوم عدم هذه العاصميّة الثابتة في المنطوق،و هو مساوق عرفاً للإيجاب الجزئي.


297

تنبيه: البحث حول باقي المفاهيم‏

اعلم أنّه على‏ ما بنينا عليه تبعاً للقدماء-من أنّ المفهوم على القول به،إنّما هو لأجل القيد الزائد في الكلام،و لزوم اللغويّة لولاه‏[96]-لا تفترق أقسام المفاهيم في ذلك،و لا ينبغي لكلّ مفهوم بحث مستقلّ;لوحدة المناط فيها. نعم،قد يقع الخلاف في شي‏ءٍ آخر في بعض المفاهيم: كالخلاف في أنّ الغاية داخلة في المُغيّا مطلقاً،أو لا مطلقاً،أو التفصيل بين غاية الموضوع و الحكم(1) .

(1)الفصول الغروية: 153-السطر 1،مطارح الأنظار: 185-السطر 7،كفاية الأُصول: 246.
و كالخلاف في أنّ الدلالة في الغاية و الاستثناء من دلالة المنطوق أو المفهوم(2) .

(2)شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 321-323،مطارح الأنظار: 188-السطر10.
قد يقال: إنّ أداة الغاية و الاستثناء و الحصر حيث يستفاد منها الانتهاء-و معنى الانتهاء هو انتفاء الحكم عمّا بعدها-تكون الدلالة منطوقيّة،و هو غير بعيد. و كالإشكال المشهور في كلمة التوحيد;من أنّ المقدَّر إن كان«الممكن»فلا تدلّ على‏ وجوده تعالى‏،و إن كان«الموجود»فلا تدلّ على‏ نفي إمكان الشريك له تعالى‏(3) .

(3)اُنظر الفصول الغرويّة: 154-السطر 28،و كفاية الأُصول: 248.

[96]لاحظ البحث حول باقي المفاهيم في مناهج الوصول. (مناهج الوصول 2: 215-226).


298

و الجواب عنه: أنّ الأعراب في زمان الجاهلية إنّما يعبدون غير اللَّه تعالى من صنوف الأصنام،و لا يعتقدون أُلوهيّتها،و كان شركهم في العبادة لا غيرها،و كلمة التوحيد إنّما هي لنفي المعبود الآخر سوى اللَّه،فمعنى كلمة التوحيد: أنّه لا إله معبود إلاّ اللَّه،فالإقرار بها مقابل للاعتقاد الرائج،و موجب لتوحيد اللَّه تعالى الذي هو محلّ النزاع بينهم. و الحمد للَّه أوّلاً و آخراً.


299

المقصد الرابع العامّ و الخاصّ‏


301

فصل تعريف العامّ و الخاصّ‏

قد عُرّف العامّ بتعاريف(1) ،فأُشكل عليها طرداً و عكساً(2) ،مع أنّ التعاريف‏

(1)زبدة الأُصول: 108-109،المعتمد في أُصول الفقه 1: 189،المستصفى من علم الأُصول 2: 32.

(2)اُنظر هداية المسترشدين: 339-341،و الفصول الغروية: 158-160.
لفظيّة-لا حقيقيّة-كما قيل(3) .

(3)اُنظر الفصول الغرويّة: 146-السطر 27،و كفاية الأُصول: 252.
و معنى الاطّراد: أنّ المعرَّف-بالفتح-إذا جُعل موضوعاً،و حُمل عليه المعرِّف-بالكسر-يصدق عليه بنحو الإيجاب الكلّي،فإذا صدق المعرِّف-بالكسر-على‏ كلّ ما يصدق عليه المعرَّف،يقال: إنّ التعريف مطَّردٌ و جامع;أمّا الاطّراد فلأجل صدقه الكذائي،و أمّا الجامعيّة فلكونه جامعاً لجميع ما يصدق عليه المعرَّف. و معنى الانعكاس: أن تنعكس هذه القضيّة كلّية،فإذا صدق المعرَّف-بالفتح-على المعرِّف صدقاً كلّياً،يقال: إنّه منعكس و مانع;أمّا انعكاسه


302

فظاهر،و أمّا مانعيّته فلكونه مانعاً عن دخول غيره في التعريف. و كيف كان،فقد عُرّف العامّ بأنّه لفظٌ مستغرق لما يصلح أن ينطبق عليه(1) .

(1)المعتمد في أُصول الفقه 1: 189،عُدّة الأُصول 1: 273.
و فيه أوّلاً: أنّ العموم ليس من صفات اللفظ،بل هو من صفات المفهوم و المعنى‏،إلاّ أن يراد اللفظ بما له من المعنى‏. و ثانياً: أنّ العامّ لا ينطبق على المصاديق;لأنّ«زيداً»مثلاً ليس«كلّ عالم»أو«العلماء». فالأولى‏ أن يُعرَّف: بأنّه ما دلّ على‏ شمول مفهومٍ لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه،فلفظة«الكلّ»و«الجميع»و أمثالهما دالّة على استغراق ما يتلوها لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه،فالصيغ الدالّة على العموم إنّما هي آلات لاستغراق المفهوم-كالعالم و الإنسان-لكلّ ما يصلح أن ينطبق عليه‏[97].

[97]ينبغي التنبيه لشي‏ء يتّضح من خلاله تعريف العامّ: و هو أنّه لا إشكال في أنّ الألفاظ الموضوعة للطبائع بلا شرط،كأسماء الأجناس و غيرها،لا تكون حاكية إلاّ عن نفس الطبائع الموضوعة لها،فالإنسان لا يدلّ إلاّ على الطبيعة بلا شرط،و خصوصيات المصاديق لا تكون محكية به،و اتّحاد الإنسان خارجاً مع الأفراد لا يقتضي حكايتها;لأنّ مقام الدلالة التابعة للوضع غير مقام الاتّحاد خارجاً. و كذا نفس الطبيعة لا يمكن أن تكون مرآة و كاشفة عن الأفراد،سواء كان التشخّص بالوجود و العوارض أماراته،أو بالعوارض;ضرورة أنّ نفس الطبيعة تخالف الوجود و التشخّص و سائر عوارضها خارجاً أو ذهناً،و لا يمكن كاشفية الشي‏ء عمّا يخالفه،فالماهية لا تكون مرآة للوجود الخارجي و العوارض الحافّة به. فحينئذٍ نقول: إنّ العموم و الشمول إنّما يستفاد من دوالّ أُخر،مثل: الكلّ و الجميع و الجمع المحلّى‏ ممّا وضعت للكثرات،أو تستفاد الكثرة منه بجهة أُخرى‏،فإذا أُضيفت هذه المذكورات إلى الطبائع،تستفاد كثرتها بتعدّد الدالّ و المدلول. فقوله: «كلّ إنسان حيوان»يدلّ على‏ أنّ كلّ مصداق من الإنسان حيوان،لكن«الإنسان»لا يدلّ إلاّ على‏ نفس الطبيعة من غير أن يكون لفظه حاكياً عن الأفراد،أو الطبيعة المحكية به مرآة لها،و كلمة«كلّ»تدلّ على الكثرة،و إضافتها إلى الإنسان تدلّ على‏ أنّ الكثرة كثرة الإنسان،و هي الأفراد بالحمل الشائع. فما اشتهر في الألسن: من أنّ الطبيعة في العامّ تكون حاكية عن الأفراد،ليس على ما ينبغي;لأنّ العموم مستفاد من كلمة«كلّ»و«جميع»و غيرهما،فهي ألفاظ العموم،و بإضافتها إلى‏ مدخولاتها يستفاد عموم أفرادها بالكيفية التي ذكرناها. و على‏ هذا يصحّ أن يعرّف العامّ: بما دلّ على‏ تمام مصاديق مدخوله ممّا يصحّ أن ينطبق عليه. و أمّا تعريفه: بأنّه ما دلّ على‏ شمول مفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه،فلا يخلو من مسامحة;ضرورة أنّ الكلّ لا يدلّ على‏ شمول الإنسان لجميع أفراده،و الأمر سهل. (مناهج الوصول 2: 229-231).


303

ثمّ إنّ هذا التعريف إنّما هو للعامّ الاستغراقي،و أمّا العامّ المجموعي فليس له صيغة تخصّه،و إنّما مثَّل القدماء له بمثل«الدار»التي هي مركّبة من عدّة أجزاء مختلفة الحقيقة(1) ،و إذا اعتبر في مصاديق مفهومٍ واحد وحدة و اجتماعاً،

(1)اُنظر المعتمد في أُصول الفقه 1: 189،و شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 213-214.
يصير أيضاً من العامّ المجموعي،و لكنّه مجرّد فرضٍ،و ليس له صيغة خاصّة،و سيأتي أنّ الأحكام الجارية في العامّ الاستغراقي جارية في المجموعي(2) ،مثل‏

(2)يأتي في الصفحة 313.
الدار و سائر المركّبات التي نحوها. و لا يخفى‏: أنّ الألفاظ المتداولة الدالّة على العموم إنّما تدلّ على الاستغراقي،مثل الجمع المحلّى باللاّم و الكلّ و المفرد المضاف. أمّا دلالتها على العموم: فلأنّها متساوية النسبة إلى‏ جميع المصاديق،


304

فلا يعقل اختصاصها ببعضٍ دون بعضٍ. و أمّا اختصاصها بالاستغراقي-أي العامّ الأُصولي-: فلأنّها آلة لحاظ الكثرات و المصاديق،و معلوم أنّ المصاديق إنّما هي الأفراد بنعت الكثرة لا الاجتماع،فزيد و عمرو فردان من«العالم»،و مجموعهما ليس فرداً له،فجميع أفراد العلماء مصاديق كثيرة له،و ليس مجموعهم ممّا ينطبق عليه العلماء،فهذه الصيغ تختصّ بالعامّ الاستغراقي،لا البدلي و المجموعي‏[98]. ثمّ إنّ المحقّق الخراساني رحمه الله ذهب إلى أنّ ما ذُكر للعامّ من الأقسام(1) ،إنّما

(1)هداية المسترشدين: 341-السطر 17،الفصول الغروية: 160-السطر 7.
هو لاختلاف كيفيّة تعلّق الحكم به،و مع قطع النظر عنها فليس للأقسام اعتبار(2) .

(2)كفاية الأُصول: 253.
و أنت خبير بما فيه;ضرورة أنّ هذه الاعتبارات إنّما هي قبل تعلّق الحكم،

[98]ينقسم العموم إلى الاستغراقي و المجموعي و البدلي;لأنّ اللفظ الدالّ على العموم إن دلّ على‏ مصاديق الطبيعة عرضاً بلا اعتبار الاجتماع بينها مثل: «كلّ»،و«جميع»،و«تمام»و أشباهها،يكون العامّ استغراقياً،ف«كلّ عالم»دالّ بالدوالّ الثلاثة على أفراد طبيعة العالم،من غير اعتبار اجتماعها و صيرورتها موضوعاً واحداً،مع كون شموله لها عرضياً. فإذا اعتبرت الوحدة و الاجتماع في الأفراد;بحيث عرضتها الوحدة الاعتبارية،و صارت الأفراد بمنزلة الأجزاء،كان العامّ مجموعياً،و لا يبعد أن يكون لفظ المجموع مفيداً له عرفاً،و لذا اختصّ هذا اللفظ ارتكازاً به،فلفظ«مجموع العلماء»يشمل الأفراد مع صيرورتها واحدة اعتباراً. و إذا دلّ اللفظ على الأفراد لا في عرض واحد يكون بدلياً،مثل«أيّ»الاستفهامية،كقوله: «فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنكِرون»و قوله: «أيُّكُم يَأتِيني بِعَرشِها». و قد يكون البدلي في غير الاستفهامية،مثل: «زكِّ مالك من أيّ مصداق شئت»و«اذهب من أيّ طريق أردت»فإنّها تدلّ بالدلالة الوضعية على العموم البدلي. (مناهج الوصول 2: 234-235).


305

فالكلّ يدلّ على الاستغراق،تعلّق به حكمٌ أو لا. و بالجملة: إنّ الملاحظ-مع قطع النظر عن الحكم-قد يلاحظ الأفراد مستقلاًّ من مرآة المفهوم كما هي في الخارج،و قد يلاحظها بنعت الاجتماع و الوحدة;حتّى‏ تكون الأفراد أجزاء معنًى واحد،و قد يلاحظ واحد منها بنعت البدليّة،و تعلُّق الحكم إنّما هو متأخّرٌ عن لحاظ الموضوع،و لا يعقل أن يكون دخيلاً في اعتباره. ثمّ إنّ المتراءى‏ من ذكر العامّ و الخاصّ أنّهما متقابلان،و يكون للعامّ صيغة،و للخاص صيغة أُخرى‏ مقابلة له،لكن الواقع ليس كذلك;فإنّ القدماء قد عرّفوا الخاصّ: بأنّه ما قصر شموله(1) ،و الظاهر منه أنّ صيغة العامّ منقسمة إلى‏

(1)اُنظر المعتمد في أُصول الفقه 1: 234،و شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 247-248.
قسمين: أحدهما: ما يكون مستغرقاً لما يصلح أن ينطبق عليه. و ثانيهما: ما قصر شموله عنه. و بعبارة أُخرى‏: أنّ العموم إن بقي على عمومه فهو عامّ،و إن قصر شموله عن جميع الأفراد فهو خاصّ. و هذا تقسيم للعامّ إلى‏ قسمين،و لا يكون للخاصّ في مقابل العامّ صيغة تخصّه. و بما ذكرنا ظهر: أنّ للعامّ صيغة تخصّه دون الخاصّ. و ما يقال في أولويّة كون الصيغ حقيقة في الخاصّ: تارة: لأجل أنّ الخاصّ متيقّنٌ في المراديّة: إمّا بنفسه،و إمّا في ضمن العامّ(2) .

(2)اُنظر شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 217،و قوانين الأُصول 1: 193-السطر22،و الفصول الغرويّة: 161-السطر الأخير.


306

و أُخرى‏: لأجل كون الخاصّ أكثر من العامّ،حتّى‏ قيل: «ما من عامٍّ إلاّ و قد خُصّ»،فكونها حقيقة في الخاصّ تقليل للمجاز(1) .

(1)اُنظر شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 217-218،و قوانين الأُصول 1: 196-السطر15،و الفصول الغرويّة: 162-السطر 2.
ففيه: إن أُريد بالأولويّة هي الأولويّة بحسب الوضع،فقد ذكرنا سابقاً: أنّ سبب الوضع هو الاحتياج،فكما يحتاج الناس إلى‏ إفادة الخاصّ،يحتاجون إلى‏ إفادة العامّ بأنحائه. و إن كان المراد بعد الوضع و الاستعمال،ففيه: -مضافاً إلى‏ عدم كفاية هذه الاستدلالات لإثبات الحقيقة-يرد على الأوّل: أنّ تعيّن الخاصّ-على‏ أيّ حالٍ-ممّا لا معنى‏ له: أمّا أوّلاً: فلأنّه يتفرّع على الشكّ. و أمّا ثانياً: فلأنّ المراد بالخاصّ ليس هو مفهومه;لأنّه واضح الفساد،بل المراد هو ما دون العامّ من الأفراد الباقية،و للبقيّة مراتب،و تعيّن اللفظ-من بين تلك المراتب-لمرتبةٍ دون أُخرى‏ بلا معيّنٍ. و على الثاني: أنّ التخصيص لا يوجب المجازيّة حتّى يوضع اللفظ بإزاء الخاصّ تقليلاً للمجاز.


307

فصل النكرة و اسم الجنس في سياق النفي‏

و لا يخفى‏: أنّ النكرة و كذا اسم الجنس في سياق النفي تفيدان العموم‏[99];سواء كان السلب بسيطاً مثل«لا رجل ،أو مركّباً مثل«لا رجل في الدار»;و ذلك لأنّ النفي المتعلّق بالطبيعة لا يصدق إلاّ مع عدم جميع أفرادها،و مع تحقّق فرد منها لا يجوز نسبة النفي إلى الطبيعة،و لا يحتاج إلى أخذها مرسلة،كما قال‏

[99]عدّ النكرة و اسم الجنس في سياق النفي أو النهي من ألفاظ العموم وضعاً،ممّا لا مجال له،فإنّ اسم الجنس موضوع لنفس الطبيعة بلا شرط،و تنوين التنكير لتقييدها بقيد الوحدة الغير المعيّنة،لكن بالمعنى الحرفي لا الاسمي،و ألفاظ النفي و النهي وضعت لنفي مدخولها،أو الزجر عنه،فلا دلالة فيها على‏ نفي الأفراد،و لا وضع على‏ حدة للمركّب،فحينئذٍ تكون حالها حال سائر المطلقات في احتياجها إلى‏ مقدّمات الحكمة،فلا فرق بين: «أعتق رقبة»و«لا تعتق رقبة»في أنّ الماهيّة متعلّقة للحكم،و في عدم الدلالة على الأفراد،و في الاحتياج إلى المقدّمات. نعم،بعد تماميتها قد تكون نتيجتها في النفي و الإثبات مختلفة عرفاً;لما تقدّم من حكمه بأنّ المهملة توجد بوجود فرد ما،و تنعدم بعدم جميع الأفراد،و إن كان حكم العقل البرهاني على‏ خلافه. (مناهج الوصول 2: 237 و 238).


308

المحقّق الخراساني(1) ،كما سيأتي توضيحه في المطلق و المقيّد(2) .

(1)كفاية الأُصول: 254.

(2)يأتي في الصفحة 385.
ثمّ لا يخفى‏: أنّ لفظة«لا»في السلب البسيط لا تحتاج إلى الخبر،كما عليه سيبويه-(3) على‏ ما ببالي-ففي قوله: «لا رجل لا يقدّر«موجود»خبراً

(3)لم نعثر عليه في كتابه«الكتاب»،و لعلّ منه قوله‏7: (يا أشباه الرجال و لا رجال). نهج البلاغة،صبحي الصالح: 70،الخطبة 27.
لها;لأنّ نفي الطبيعة بسيطاً يفيد المقصود من غير تقدير. و لا دليل على‏ كون«لا»في ذلك التركيب معنًى حرفيّاً;حتّى يقال: إنّها تحتاج إلى المرتبطين;لعدم تعقّل تركيب كلام من الحرف و الاسم;لأنّ«لا»في هذا التركيب مساوق لقولنا: «نيست»في الفارسيّة،فإذا قيل: «زيد نيست»،«إنسان نيست»لا نحتاج إلى التقدير،كما لا يخفى‏،فلعلّ«لا»تكون اسماً في هذا التركيب.


309

فصل في حجّية العامّ المخصَّص‏

لا شبهة في أنّ العامّ المخصّص حجّة في الباقي،كان الخاص متّصلاً أو منفصلاً. و ربما يفصّل بين المتّصل و المنفصل; بأنّه حجّة في الأوّل دون الثاني(1) .

(1)اُنظر شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 221،و مطارح الأنظار: 192-السطر7.
احتجّ النافي: بأنّ استعمال العامّ في الخاصّ مجاز،و المخصِّص-متصلاً أو منفصلاً-قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي،و حيث تكون مراتب المجازات كثيرة،و في كلّ مرتبةٍ عددها كثير،بل يمكن أن يكون العامّ مستعملاً في معنىً مجازيّ آخر غيرها،و ليست قرينة معيّنة في البين يصير العامّ مجملاً،و تعيُّن أحد المجازات من بينها بلا معيّنٍ ترجيحٌ بلا مرجّحٍ. و دعوى‏: تعيّن البقيّة بعد التخصيص; لكونه أقرب المجازات. مدفوعة: لأنّ الأقربيّة إنّما هي بحسب أنس الذهن،و ليست البقيّة كذلك(2) .

(2)اُنظر قوانين الأُصول 1: 266-السطر 3،و مطارح الأنظار: 192-السطر 13.
و أجاب عنه المحقّق الخراساني رحمه الله بما حاصله: أنّه لا يلزم من التخصيص كون العامّ مجازاً:


310

أمّا في المتّصل: فلأنّ أداة العموم مستعملة في معناها،و هو شمول مدخولها و إن كانت دائرته مختلفة سعة و ضيقاً،فلفظة«كلّ»في مثل«كلّ رجل و«كلّ رجل عالم»قد استعملت في العموم و إن اختلفت دائرة مدخولها(1) .

(1)كفاية الأُصول: 255-256.
و هذا و إن كان بظاهره منقوضاً بالاستثناء،لكن حال الاستثناء حال المخصِّص المنفصل; لورود الاستثناء على المستثنى‏ منه بعد استعماله في العموم،فالاستثناء إخراج من العموم‏[100]،فيأتي فيه الجواب الآتي في المنفصل. ثمّ قال في المنفصل: إنّ إرادة الخصوص واقعاً لا تستلزم استعماله فيه و كون الخاصّ قرينة عليه،بل الممكن قطعاً استعماله معه في العموم قاعدة(2) .

(2)كفاية الأُصول: 256.
و محصّله: الفرق بين الإرادة الاستعماليّة و الجدّيّة; و أنّ العامّ مستعمَلٌ في العموم بحسب الإرادة الاستعماليّة ضرباً للقاعدة،و يكون الخاصّ مانعاً عن حجّيّة ظهوره; تحكيماً للنصّ أو الأظهر على الظاهر،لا مصادماً لأصل ظهوره حتّى‏ يصير مجملاً. و يتراءى‏ ورود إشكال عليه: و هو أنّ ما ذكر كرٌّ على‏ ما فرَّ منه; فإنّ ما يكون حجّة عند العقلاء-بين العبد و المولى‏-هو ما يراد من اللفظ جدّاً لا استعمالاً،و الخاصّ قرينة على‏ عدم تعلّق الإرادة الجدّيّة بالعموم،و لا معيِّن لتعلّقها بأيّة مرتبةٍ من مراتب الخصوص،فالعامّ الحجّة مجملٌ(3) .

(3)اُنظر نهاية النهاية 1: 279.

[100]إنّ كلّ لفظ في المخصّص المتّصل مستعمل في معناه،و إنّ إفادة المحدودية إنّما هي لأجل القيود،و الإخراج بالاستثناء،فلفظ«كلّ»موضوع لاستغراق مدخوله،فإذا كان مدخوله«العلماء إلاّ الفسّاق»يستغرقه من غير أن يكون الاستثناء مانعاً عن ظهوره;لعدم ظهوره إلاّ في استغراق المدخول;أيّ شي‏ء كان. (مناهج الوصول 2: 242-243).


311

و فيه: أنّ أصالة تطابق الإرادتين محكَّمة عند العقلاء حتّى‏ يعرف خلافها. و التحقيق في بيان مرامه في الإرادة الجدّيّة و الاستعماليّة،يتوقّف على تحقيق باب الحقائق و المجازات،و إن مرّ سابقاً(1) .

(1)تقدّم في الصفحة 55،إشارة إلى المعنى المجازي،و البحث عن الحقيقة و المجاز من المباحث التي قد سقطت من النسخة.
فنقول: إنّ استعمال اللفظ في المعنى عبارة عن طلب عمل اللفظ فيه;أي جعل اللفظ بإزائه،و إحضاره في ذهن المخاطب بواسطته،فحينئذٍ قد يستعمل اللفظ في المعنى،و يريد المتكلّم أن يثبت المعنى في ذهن المخاطب،و يكون غرضه إفهام المعنى الموضوع له و إثبات حكم له،فيقال له: الحقيقة،من«حَقَّ الشي‏ء»; أي ثبت(2) ،و الحقيقة هي الثابت،و هي صفة المعنى حقيقة،

(2)المصباح المنير: 143.
و اللفظ يتبعه. و قد يستعمل فيه،و يريد المتكلّم أن لا يثبت المعنى الموضوع له في ذهنه،بل ينتقل منه إلى معنىً آخر،فيكون اللفظ مستعملاً في المعنى الموضوع له،و المعنى الموضوع له مستعملاً في المعنى الآخر. و معنى استعمال المعنى الموضوع له في غيره;هو طلب عمله فيه-أي إحضاره في الذهن بواسطته،بادّعاء اتّحاده معه-كأن يقال: «جاء حاتم»إذا جاء شخص سخيّ،فاستعمل لفظ«حاتم»في الشخص المعروف من بني طيّ،و أريد الانتقال منه إلى الجائي; بدعوى اتّحاده معه،و يقال لهذا الاستعمال استعمالاً مجازيّاً،و للمعنى‏ مجازاً،من«جازَ الشي‏ء»;أي عبره(3) ;لكون المعنى الموضوع‏

(3)اُنظر القاموس المحيط 2: 176،و المصباح المنير: 114.
له محلّ عبور الذهن و انتقاله إلى المعنى الغير الموضوع له،فاللفظ مطلقاً لا يستعمل إلاّ في الموضوع له.


312

و الفرق بين الحقيقة و المجاز: أنّ الاستعمال في الأوّل لإحضار المعنى في الذهن و إثباته فيه،و في الثاني لإحضاره فيه;لكونه عبرة إلى الآخر;بدعوى اتّحاده معه،و لو لا ذلك لما كان مصحِّح للاستعمال;فإنّ مُصحّحه هو الوضع،و لَما استُحسنت الاستعمالات المجازية. أ لا ترى‏: أنّه إذا جاء شخصٌ موصوف بكمال البخل و الضنة،فقيل: «جاء حاتم»يكون استعمالاً[هزيلاً]و مضحكاً للحضّار،و لو لا استعمال اللفظ في معناه الحقيقي،و استعمال المعنى في المعنى بدعوى الاتّحاد و العينيّة،لما صار[هزيلاً]و مُضحكاً. و الشاهد عليه: أيضاً-بعد شهادة الوجدان السليم-أنّه قد يكون عدّة ألفاظ لها معانٍ خاصّة،لا يراد من واحدٍ منها المعنى المجازي،بل من مجموعها،و لا يمكن أن يقال: إنّ المجموع مستعملٌ فيه،مثل قوله تعالى‏: «وَ لَمّا سُقِطَ في أَيْديهِمْ وَ رَأوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا... »(1) حكاية عن قوم موسى‏ و ندامتهم على‏ عبادة

(1)الأعراف(7): 149.
العجل فعبّر تعالى‏ عن وحشتهم و ندامتهم بقوله: «سُقِطَ في أيْديهِمْ»،مدّعياً اتّحادهم مع من سُقِط في يده شي‏ء فجأة،فأخذته الوحشة،و معلومٌ أنّ كلّ واحدٍ من ألفاظ الجملة لم يستعمل إلاّ في معناه،و أريد إحضار معنى الجملة في الذهن; عَبرة إلى المعنى المجازي المقصود. و بالجملة: لا إشكال في أنّ حال المجازات و الحقائق ما ذكرنا: من أنّ استعمال الألفاظ إنّما هو في المعاني الموضوعة لها في الجميع،فيصحّ أن يقال: إنّ المعاني الحقيقيّة تكون مرادة استعمالاً و جدّاً في الاستعمالات الحقيقيّة،و تكون مرادة استعمالاً-لا جدّاً-في الاستعمالات المجازيّة،و المعاني المجازيّة تكون مرادة جدّاً-لا استعمالاً-أي لا تكون الألفاظ مستعملة فيها ابتداء


313

و مستقيماً،بل هي مستعملة في المعاني الحقيقيّة،و المعاني مستعملة في المعاني المجازيّة. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ العامّ قد يكون مستعملاً في العموم،و يجعل المتكلّم المعنى العامّ عبرة للخاصّ;بدعوى اتّحادهما،مثل قول بعضهم في مدح بعض الأُمراء: «إنّ جميع العالم بلد الأمير،و جميع الناس هو الأمير»،و حينئذٍ يكون حاله حال سائر المجازات. و قد يستعمل العامّ في معناه الموضوع له،لكن لا يريد بقاء تمام أفراده في ذهن السامع و تعلّق الحكم بجميعها،بل يريد إحضار العامّ و إخراج ما لا يريد أن يتعلّق به الحكم;لعدم لفظٍ خاصّ للباقي،أو تعلّق غرضه بإفهامه كذلك جرياً على العادة،فإذا قال: «أكرم العلماء»،و أراد جميعهم بالإرادة الاستعماليّة،و لم يكن العامّ مستعملاً في الخاصّ-كما عرفت في المجازات-فقد يريد بقاء العامّ على‏ عمومه،و قد يريد إخراج بعض الأفراد منه،فيستعمل العامّ توطئة لإخراج الخاصّ و بقاء الباقي. و هذا الاستعمال لا يكون بمثابة الاستعمالات الحقيقيّة;لعدم تعلّق الغرض ببقاء تمام الموضوع له في ذهن السامع و ثباته فيه كالحقائق،و لا بمثابة الاستعمالات المجازيّة; لعدم ادّعاءٍ في البين،و عدم عبرة العامّ إلى المعنى الغير الموضوع له،فهو أمرٌ متوسّط بينهما،فأريد الخاصّ بالإرادة الاستعماليّة في ضمن العامّ،و أريد الباقي بالجدّيّة و الاستعماليّة في ضمنه. و لا فرق في ذلك بين العامّ الاستغراقي و المجموعي;أي اللفظ الموضوع للمركّبات،كالدار و البستان و البيت،فإذا قيل: «بع داري إلاّ عشرها»يكون حاله حال العامّ الاستغراقي المخصَّص،و قد عرفت(1) : أنّ القدماء مثَّلوا للعامّ‏

(1)تقدّم في الصفحة 303.


314

المجموعي بمثل المركّبات(1) ،و أمّا المجموعي-بمعنى جميع الأفراد التي يعتبر

(1)كالعشرة،اُنظر المعتمد في أصول الفقه 1: 189،و شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 213-214.
فيها الوحدة و الاجتماع-فليس له لفظ خاصّ موضوع‏[101]. ثمّ إنّ ما ذكرنا هو تفسير مرام المحقّق الخراسانيّ،و هو رحمه الله و إن ذهب في المجازات إلى‏ غير ما ذكرنا،و قال: إنّ الألفاظ فيها مستعملة في المعاني المجازيّة،و مصحّح الاستعمال هو موافقة الطبع(2) ،لكن سلك في المقام ما هو

(2)كفاية الأُصول: 28.
التحقيق الحقيق بالتصديق(3) .

(3)نفس المصدر: 256.
نعم،إنّه قال: إنّ استعمال ألفاظ العامّ في العموم،إنّما هو لضرب القاعدة و للاحتجاج به في مقام الشكّ(4) ،و نحن قلنا: إنّه أمرٌ عاديّ طبيعيّ متعارف‏[102].

(4)نفس المصدر.

(101)قد مرّ في التعليقة 95،أنّ لفظ«المجموع»مفيد له عرفاً.

[102]إنّ قوله تعالى‏: (أوْفُوا بِالْعُقُودِ)استعمل جميع ألفاظه فيما وضعت له،لكنّ البعث المستفاد من الهيئة لم يكن في مورد التخصيص لداعي الانبعاث،بل إنشاؤه على‏ نحو الكلّية مع عدم إرادة الانبعاث في مورد التخصيص،إنّما هو لداعٍ آخر،و هو إعطاء القاعدة; ليتمسّك بها العبد في الموارد المشكوكة،فالإرادة الاستعمالية التي هي في مقابل الجدّية قد تكون بالنسبة إلى الحكم بنحو الكلّية إنشائياً،و قد تكون جدّياً لغرض الانبعاث،و قوله سبحانه: (أوْفُوا بِالْعُقُودِ)إنشاء البعث إلى الوفاء بجميع العقود،و هو حجّة ما لم تدفعها حجّة أقوى‏ منها. فإذا ورد مخصّص يكشف عن عدم مطابقة الجدّ،للاستعمال في مورده،و لا ترفع اليد عن العامّ في غير مورده;لظهور الكلام و عدم انثلامه بورود المخصّص،و أصالة الجدّ التي‏هي من الأُصول العقلائية حجّة في غير ما قامت الحجّة على‏ خلافها. (تهذيب الأُصول 2: 11).


315

ثمّ إنّ ما فصّلناه هو تحقيق المقام بحسب البرهان،و إلاّ فالأمر أسهل من ذلك،فإنّا قد ذكرنا مراراً: أنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه،و العامّ المخصَّص ممّا يحتجّ به في الفقه;لأنّ بناء العقلاء هو على التمسُّك بالعمومات الصادرة من الموالي بعد التخصيص،من غير اعتناءٍ بمثل هذه الشبهة-أي صيرورة العامّ مجملاً-فهذه و أمثالها شبهة في مقابل البديهة لدى العقلاء فتدبّر.


317

فصل في الخاصّ المجمل‏

لا إشكال في أنّ الخاصّ المجمل بحسب المفهوم-بأن كان دائراً بين الأقلّ و الأكثر-لا يسري إجماله إلى العامّ إذا كان منفصلاً;لعدم حجّيّته إلاّ في القدر المتيقّن،فيكون العامّ حجّة من غير معارضٍ في مقدار إجمال الخاصّ‏[103].

كما لا إشكال في سراية إجماله إليه مطلقاً إذا كان متّصلاً به;لعدم انعقاد ظهوره من أوّل الأمر. و أمّا المنفصل المردّد بين المتباينين-سواء كانا متساويين بحسب الأفراد،أو لا-فيسري إجماله حكماً إلى العامّ،و لا يتّبع ظهوره في واحدٍ منهما بالخصوص،لكنّه حجّة في أحدهما المردّد،و نتيجتها عدم جريان الأُصول فيهما. فإذا علم تخصيص«أكرم العلماء»بواحدٍ من زيد و عمرو،لا يجوز التمسّك به في واحدٍ منهما لكنّه حجّة بالنسبة إلى واحد منهما،فلا تجري البراءة أو استصحاب عدم التكليف فيهما.

[103]نعم،لو كان الخاصّ بلسان الحكومة على‏ نحو التفسير و الشرح،كما في بعض أنحاء الحكومات،فسراية إجماله إليه و صيرورة العامّ معنوناً غير بعيدة. و المسألة محلّ إشكال. (مناهج الوصول 2: 246).


318

و أمّا إذا كان الخاصّ مجملاً بحسب المصداق;بأن يكون مفهومه مبيّناً،لكن شكّ بالشبهة الخارجيّة في كون فردٍ مصداقاً له،بعد العلم بكونه فرداً للعامّ. فإن كان الخاصّ متّصلاً به،فلا إشكال في عدم جواز التمسّك بالعامّ;لعدم انعقاد ظهور له من رأسٍ. و إن كان منفصلاً منه،ففيه خلافٌ بين المحقّقين(1) .

(1)نسب القول بالجواز إلى المشهور بين القدماء و الشهيد و جماعة من الأخباريين. اُنظر مطارح الأنظار: 192-السطر 33،و اختاره المحقّق النهاوندي في تشريح الأُصول: 261-السطر21.
و استدلّ المجوّز:

بأنّ المصداق الخارجي لمّا كانت فرديّته للعامّ معلومة،يكون العامّ حجّة فيه;لضمّ صغرى‏ وجدانيّة إلى‏ كبرى‏ شرعيّة،فيقال: «هذا خمر،و الخمر حرام»فلا بدّ من رفع اليد عن الحجّة الفعليّة بحجّة أقوى‏،لكن الخاصّ لم يكن حجّة على الفرد;لعدم العلم بكونه مصداقاً له،فلا يمكن تشكيل القياس بالنسبة إليه. لا يقال: إنّ العامّ بعد التخصيص يصير معنونا،فلا يمكن التمسّك به. لأنّه يقال: هذا خلطٌ بين التخصيص و التقييد;لأنّ الثاني يوجب ذلك،لا الأوّل،فالخاصّ يخرج الأفراد من العامّ من غير تقييده بعنوانه،و الأفراد الباقون في المثال واجبو الإكرام بملاك كونهم علماء،لا بملاك كونهم علماء عدولاً. لا يقال: إنّ الفرد المشكوك فيه يكون مشكوك الاندراج تحت المراد الجدّي للعامّ،فلا يمكن التمسّك به. فإنّه يقال: لمّا كان مندرجاً تحته بالإرادة الاستعماليّة نحكم بكونه


319

مراداً جدّيّاً لأصالة تطابقهما(1) .

(1)اُنظر تشريح الأُصول: 261-263.
هذا محصّل الاستدلال في جواز التمسّك. و قد أجاب عنه المحقّق الخراساني رحمه الله بما حاصله: أنّ الفرد المشتبه،و إن كان فرداً للعامّ بلا كلامٍ،إلاّ أنّه لم يُعلم كونه فرداً له بما هو حجّة;لاختصاص حجّيّته بغير الفاسق،فإنّ الخاصّ و إن لا يزاحم ظهور العامّ،لكن يزاحمه بما هو حجّة،فتُخصَّص حجّيّته بغير عنوانه،فحينئذٍ يكون الفرد المشتبه غيرَ معلوم الاندراج تحت إحدى الحجّتين(2) .

(2)كفاية الأُصول: 259.
و توضيحه: أنّ هاهنا مقامين: أحدهما: مقام حجّيّة العامّ بالنسبة إلى الحكم الكلّي. ثانيهما: مقام حجّيّته بالنسبة إلى الأفراد الخارجيّة. لا إشكال في أنّ حجّيّته بالنسبة إلى الحكم الكلّي،لا تتوقّف على معلوميّة الفرد،فقوله: «أكرم العلماء»حجّة بالنسبة إلى‏ وجوب إكرام كلّ عالمٍ واقعيّ;عُلم مصداقه أو لم يعلم،و لهذا تجري الأُصول في إحراز موضوعه و نفيه،فيستصحب بقاء عالميّة زيد مثلاً أو نفيها،و لو لا حجّيته بالنسبة إلى الواقع مطلقاً،لكان جريان الأصل بلا محلٍّ،فالعامّ حجّة على الأفراد الواقعيّة،و ليس العبد معذوراً في ترك الفحص،و لا حجّة له في ترك إكرام المصداق الواقعي،بعد قيام الحجّة على وجوب إكرام كلّ رجل عالمٍ واقعيّ. و بالجملة: إنّ العامّ ظاهرٌ في وجوب إكرام كلّ فردٍ واقعيّ،و الأصل العقلائي يقتضي مطابقة الإرادة الاستعماليّة للجدّيّة،فيكون حجّة على وجوب إكرام الأفراد الواقعيّة،فإذا ورد خاصّ-كقوله: «لا تكرم الفسّاق من


320

العلماء»-يكون هو أيضاً حجَّة على الحكم الكلّي; من غير توقّفٍ على معلوليّة الأفراد-كما عرفت في بيان حجّية العامّ-فيدلّ الخاصّ على أنّ إكرام العالم الفاسق ليس بواجبٍ،و تكون الإرادة الاستعماليّة في العامّ بالنسبة إلى الفسّاق الواقعيّين من العلماء مخالفة للإرادة الجدّيّة،فالأفراد من العلماء العدول داخلة في العامّ بحسب الحجّيّة و الإرادة الجدّيّة،و الفسّاق الواقعيّون خارجون عنه بحسب الإرادة الجدّيّة،فالفرد المشتبه كما لا يكون الخاصّ حجّة بالنسبة إليه; لإمكان كونه عادلاً،لا يكون العامّ حجّة عليه;لإمكان كونه فاسقاً واقعاً،و الفاسق الواقعي خارج من العامّ جدّاً. لا يقال: بعد اللَّتيا و التي يكون الفرد المشتبه-بعد كونه فرداً للعامّ بحسب الإرادة الاستعماليّة-مشكوكاً فيه من حيث مطابقة الجدّ و الاستعمال،و الأصل العقلائي يقتضي المطابقة،فيكون العامّ حجّة عليه،و لا ترفع اليد عنه بغير حجّةٍ قاطعة. فإنّه يقال: إن كان المقصود من إجراء أصالة التطابق إحرازَ الحكم الواقعي-أي كون الفرد المشتبه واجب الإكرام واقعاً،و مصداقاً للعالم العادل-فهي لا تصلح لذلك;للعلم بخروج الفاسق الواقعي،و الفرد مشكوك فيه فرضاً،و لا يُحرز الأصلُ عدالته. و إن كان المقصود من إجرائها; أنّ الحكم الظاهري عند الشكّ في الفسق هو التعبّد بوجوب الإكرام،فيكون العامّ كفيلاً للحكم الواقعي و الظاهري،فلا يمكن ذلك;لكون الحكمين في رتبتين،و الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي. إن قلت: العامّ بعمومه الأفرادي يشمل كلّ فردٍ،و بإطلاقه الأحوالي يعمّ كلّ حالٍ من حالات الموضوع،و مشكوكيّة الفرد و معلوميّته منها،و الخاصّ لا يكون حجّة إلاّ بالنسبة إلى الفرد المعلوم،و المشكوك فيه باقٍ تحت العامّ،


321

و يكون حكماً ظاهريّاً. قلت: -مضافاً إلى‏ ما أشرنا إليه من عدم إمكان تكفّل العامّ للحكمين المترتّبين;للاحتياج إلى استئناف نظرٍ من المنشئ للحكم-يرد عليه: أنّ معنى الإطلاق ليس لحاظ القيود المتكثّرة;و الأحوال المتخالفة اللاحقة للموضوع;لامتناع كون العنوان الواحد آلة للحاظ الكثير،فلا يمكن أن يكون العالم مثلاً مرآةً للكثرات إلاّ بما أنّها عالم،لا بجهات و حالات أُخرى‏ من المشكوكيّة و المعلوليّة و الطول و القصر،بل المراد من الإطلاق هو عدم تقيّد ما هو الموضوع بأمرٍ،و لا يكون موضوع الحكم في القضيّة إلاّ العنوان المأخوذ فيها. و بعبارة أُخرى‏: معناه هو كون العنوان المأخوذ في القضيّة تمام الموضوع للحكم;من غير تقيّده بقيدٍ آخر،و هو معنى الإرسال أيضاً-أي كونه مرسلاً من القيود-فالعالم في قولنا: «أكرم العالم»تمام الموضوع للوجوب،من غير دخالة شي‏ء آخر فيه،و لازمه أنّه كلّما تحقّق عنوان العالم يجب الإكرام; تحقّق عنوان آخر أو لا،و مع جميع المقارنات يكون الموضوع هو عنوان العالم،و تكون القيود و المقارنات كالحجر جنب الإنسان. فاتّضح بذلك: أنّ العالم المشكوك في فسقه،لا يكون موضوع الحكم إلاّ بما أنّه عالم،فلا يعقل أن يكون الحكم المتعلّق بالعنوان الواقعي-من غير أخذ الشك فيه-حكماً ظاهريّاً;لتقوّم الحكم الظاهري بكون موضوعه عنوان المشكوك فيه بما أنّه كذلك. فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ العامّ تعلّق حكمه بجميع الأفراد الواقعيّة بما أنّها أفراد العالم بالإرادة الاستعماليّة،و الأصل العقلائي يحكم بمطابقتها للإرادة الجدّيّة،و المخصِّص قد أخرج الأفراد الواقعيّة بعنوانه من تحت العامّ،و دلّ على‏ أنّ المتكلّم بالعامّ تكون إرادته الجدّية في مورد الخاصّ مخالفة


322

للاستعماليّة،فيكون الحكم الواقعي-بعد التخصيص-وجوب إكرام العالم الغير الفاسق،و عدم وجوب إكرام العالم الفاسق;فعند الشكّ في كون فردٍ من العالم أنّه فاسقٌ،فإن أريد بالتمسّك بالعامّ أو الأصل العقلائي وجوبُ إكرام الفرد المشكوك فيه واقعاً و لو كان فاسقاً،فلا يمكن التزامه;لأنّ الفاسق الواقعي غير واجب الإكرام واقعاً. و إن أريد إثبات حكم ظاهري لدى الشكّ،فلا يُعقل تكفُّل العامّ لحكمَيْن واقعيّ و ظاهريّ. فلو رجع كلام المحقّق الخراساني إلى ما ذكرنا فهو،و إلاّ فإتمامه مُشكلٌ. و قد يُستدلّ لعدم جواز التمسّك بالعامّ: بأنّ بناء العقلاء في التمسّك بالعامّ في التخصيص،إنّما يكون فيما إذا لزم من خروج الفرد التخصيصُ الزائد،كما لو شكّ في خروج الفسّاق من قوله: «أكرم العلماء». و أمّا إذا خرج عنوان،و شكّ في كون فرد منه أو لا،فلا;لعدم لزوم التخصيص الزائد لو كان الفرد من عنوان الخاصّ;لأنّ ما خرج هو عنوان الفاسق لا أفراده(1) .

(1)اُنظر مطارح الأنظار: 194-السطر 18،و تشريح الأُصول: 261-السطر 17،و قد نسب هذا القول في نهاية الوصول: 332 إلى بعض مشايخه.
هذا كلّه حال المخصِّصات اللفظيّة. و أمّا اللُّبيّات منها: فيظهر من تقريرات العلامة الأنصاري رحمه الله: أنّ جواز التمسّك و عدم جوازه،مبتنيان على‏ معنونيّة المخصِّص بعنوانٍ خاصّ،كعنوان الفاسق و عدمه،مثل ما إذا أخرج ذوات الأفراد من غير عنوانٍ،فلا يجوز على الأوّل،دون الثاني(2) .

(2)مطارح الأنظار: 194-السطر 26.
ثمّ قال-في ذيل كلامه-: إنّ الغالب في المخصِّصات اللفظيّة هو الأوّل،


323

و في اللُّبيّة هو الثاني،كما إذا قال المولى: «أكرم العلماء»و علم المكلّف بعدم إرادته إكرام عدوّه(1) .

(1)مطارح الأنظار: 194-السطر 29.
و يرد عليه: أنّه لو لم يكن المخصّص اللُّبّي معنوناً بعنوان-بل أخرج ذوات الأفراد-خرجت الشبهة عن كونها مصداقيّة،فإنّ معنى الشبهة المصداقيّة كون الفرد مشكوك الاندراج تحت عنوان الخاص،و مع عدم معنونيّة الخاصّ يرجع الشكّ إلى الشكّ في التخصيص الزائد،و سيجي‏ء توجيه لكلامه. حاصله: أنّ المخصّص ربّما لا يكون معنوناً بعنوانٍ خاصّ،بل يكون مُخرِجاً لذوات الأفراد،لكن بحيثيّة تعليليّة و علّة سارية[104]،كما سيأتي تفصيله. و أمّا المحقّق الخراساني رحمه الله: ففصّل في اللُّبيّات بين ما يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم-إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب-و غيره،فجوّز في الثاني،دون الأوّل;لعدم انعقاد الظهور فيه للعامّ إلاّ في الخصوص،و أمّا في الثاني فالظاهر بقاء العامّ في الفرد المشتبه على حجّيّته(2) .

(2)كفاية الأُصول: 259-260.
و فيه: أنّه قد عُلم ممّا سلف: أنّ المناط في الحجّيّة هو الكبرى الكلّيّة الملقاة من الشارع; من غير فرقٍ بين ما ألقاها باللفظ،و ما التفت إليه العقل،أو ألقيت بدليلٍ آخر من اللُّبّ،فالمخصِّص-سواء كان لفظيّاً أو لُبّيّاً-هو الأفراد بوجودها الواقعي بحسب الكبرى الكلّيّة،و الفرد المشكوك فيه،كما أنّه مشكوك في اندراجه تحت كبرى المخصِّص،كذلك بالنسبة إلى كبرى العامّ بما

[104]و فيه: أنّ الجهات التعليلية في الأحكام العقلية موضوع لها،فلا يكون المخرج هو الأفراد،بل العنوان،و معه لا يجوز التمسّك به. و مع التسليم بخروج ذوات الأفراد يخرج الكلام عن الشبهة المصداقية للمخصّص،مع أنّ الكلام فيها. (مناهج الوصول 2: 253-254).


324

هي حجّة و مراد جدّيّ; من غير فرقٍ بين اللّفظيّات و اللُّبيّات. و لو كان العامّ كفيلاً للحكم الواقعي و الظاهري لزم ما أسلفناه من لزوم الجمع بين الحكمين المترتّبَيْن. و يمكن توجيه كلامه بما لا يخلو من إشكالٍ أيضاً: و هو أنّ المولى‏ كما اتّكل على‏ عقل المكلَّف في المخصِّص المتّصل بحسب الكبرى الكلّيّة،كذلك يمكن أن يتّكل عليه في تشخيص صُغرياتها; أي لم يكتفِ في التخصيص باللُّبّي بالاتّكال على‏ عقله في الكبرى‏ فقط،فحينئذٍ لا يكفي في التخصيص صرف معلوميّة عنوان المخصِّص بحسب الكبرى الكلّيّة،بل لا بدّ في إخراج الأفراد عن العموم من تشخيص الصُّغرى‏ و ضمّها إلى الكبرى‏ حتّى‏ يخرج الفرد من تحت العامّ،فيكون هاهنا حكم واقعيّ لأفراد واقعيّة بحسب الإرادة الجدّيّة في العامّ،و حكم ظاهري لأفراد مشكوك في كونها من الخاصّ،لا بحسب الإرادة الجدّيّة،بل لأجل حفظ الحمى‏; بمعنى‏ أنّ لزوم إكرام الأفراد المشكوك فيها لأجل محفوظيّة الأفراد النفس الأمريّة للعامّ; حيث لا تنحفظ إلاّ بذلك،و لا مانع عقلاً من تصوير هذا النحو من الحكم الواقعي و الظاهري للعامّ بعد تخصيصه على النحو المتقدّم،لكنّه أيضاً لا يخلو من إشكالٍ.

بقي هاهنا أمور:

الأمر الأوّل: في إخراج الأفراد بجهة تعليليّة

لو كان المخصِّص ذوات الأفراد،لكن بحيثيّة تعليليّة،كما لو ورد«أكرم العلماء»،ثمّ ورد«لا تكرم زيداً و عمراً و بكراً; لأنّهم فُسّاق»،فهل يكون كالتخصيص الزائد في مورد الشكّ في فسق مصداقٍ،و يجوز التمسّك بالعامّ،أو كالمخصّص اللفظي المعنون بعنوان،مثل«لا تكرم الفسّاق منهم»،فلا يجوز التمسّك به؟


325

لا يبعد الجواز; لأنّ الفرد المشكوك فيه لا يكون من قبيل الشبهة المصداقيّة فرضاً،بل من قبيل الشكّ في التخصيص الزائد; و إن كان منشؤه الشكّ في سريان العلّة في المشكوك فيه‏[105].

الأمر الثاني: في العامّين من وجه المتنافيي الحكم‏

إذا ورد حكمان متنافيان على‏ عنوانين مستقلّين يكون بينهما عموم من وجهٍ،كقوله: «أكرم العلماء»،و«لا تكرم الفسّاق»،أو«لا تكرم كلّ رجلٍ فاسقٍ»،فإن علم تصادقهما على‏ موضوع و مصداقٍ خارجيّ،فلا إشكال في تقديم أقوى المقتضيين،و الحكم بالتخيير و التساوي في صورة عدم رجحانهما; لأنّ المورد من قبيل تزاحم المقتضيين. و أمّا لو علم صدق أحد العامَّين على‏ فردٍ،و شكّ في كونه مصداقاً للآخر،كأن علم كون زيدٍ عالماً،و شُكَّ في فسقه،فهل يتمسّك بعموم«أكرم العلماء»; بملاك أنّ حجّيّة العامّ تامّة،و كون الفرد مصداقاً له مُحْرَزاً بالوجدان،و نشكّ في وجود حجّة مزاحمة له،أو لا يجوز; لأنّ الخارج عن العامّ-على‏ فرض التصادق-هو الأفراد الواقعيّة،فالشكّ في الفرد هو الشكّ في حجيّة العامّ بالنسبة إليه،كما ذكرنا سالفاً(1) ؟

(1)تقدّم في الصفحة 319-322.
و الحقّ هو الأوّل; لأنّ الحكم الثابت لعنوانٍ مستقلّ آخر،ليس من قبيل الإخراج و التخصيص; حتّى‏ يأتي فيه ما ذكرناه سابقاً،بل من قبيل إثبات حكم‏

[105]و فيه نظر; لأنّ الظاهر من إخراج أفراد بجهة تعليلية أنّ المخرج هو العنوان،لا الأشخاص برأسها،و معه تكون الشبهة في مصداق المخصّص. و كذا الحال في اللبّيات. (مناهج الوصول 2: 255).


326

لموضوع مقتضٍ له،فالموارد المتصادقة من قبيل تزاحم الحجّتَيْن،لا تخصيص أحدهما بالآخر،فالفرد المشكوك فيه-بعد تماميّة إحدى الحجّتَيْن بالنسبة إليه،و عدم تماميّة الأُخرى‏-لا محيص عن التمسّك بالحجّة،و ليس رفع اليد عنها إلاّ بغير الحجّة،و هذا ممّا لا إشكال فيه‏[106].

الأمر الثالث: في إحراز المشتبه بالأصل‏

لعلّك سمعت أنّ القضايا مطلقاً تنقسم إلى الهليّة البسيطة و المركّبة: و الأُولى‏: ما كان الوجود محمولاً لموضوعها،كقولنا: «زيدٌ موجود»،أو«ليس بموجودٍ»،فالوجود محموليٌّ،و القضية بسيطة; لكونها أبسط من‏

[106]إذا ورد حكمان متنافيان على‏ عنوانين مستقلّين بينهما عموم من وجه،فقد يكون أحدهما حاكماً على الآخر،فيصير من قبيل المخصّص،فمع الشبهة المصداقية في مصداق الحاكم لا يجوز التمسّك بالعامّ المحكوم; لعين ما تقدّم. و إن لم تكن حكومة بينهما،فإن قلنا: بأنّ العامّين من وجه مشمولان لأدلّة التعارض،و قدّمنا أحدهما بأحد المرجّحات،أو كانا من قبيل المتزاحمين،و قلنا: إنّ المولى‏ ناظر إلى‏ مقام التزاحم،فكان حكمه إنشائياً بالنسبة إلى المرجوح،فيكون حاله حال المخصّص،فلا يجوز التمسّك; للملاك المتقدّم. و أمّا إن قلنا: بأنّ الحكمين في المتزاحمين فعليان على‏ موضوعهما،و الانطباق الخارجي و عدم القدرة على‏ إطاعتهما لا يوجبان شأنية المرجوح،بل العقل يحكم بمعذورية المكلّف عن امتثال كليهما من غير تغيير في ناحية الحكم،فالظاهر جواز التمسّك في مورد الشكّ في انطباق الدليل المزاحم الذي هو أقوى‏ ملاكاً; لأنّ الحكم الفعلي على‏ موضوعه حجّة على المكلّف ما لم يحرز العذر القاطع،و لا يجوز رفع اليد عن الخطاب الفعلي بلا حجّة،نظير الشكّ في القدرة،فإذا أمر المولى‏ بشي‏ء و شكّ المكلّف في قدرته عليه،لا يجوز عقلاً التقاعد عنه لاحتمال العجز; لعين ما ذكر. (مناهج الوصول 2: 255-256).


327

المركّبة،أو لكون الوجود البسيط الغير المتقيّد محمولاً لها. و الثانية: ما كان الوجود رابطاً فيها،و المحمول غير الوجود،كقولنا: «زيدٌ قائم»،أو«ليس بقائمٍ»،فإنّ الوجود فيها رابطٌ بين الموضوع و المحمول و ليس محمولاً،و لذا قيل إنّ الوجود الرابط يختصّ بالهليّات المركّبة. ثمّ لا يخفى‏: أنّ النسبة السلبيّة-كالنسبة الإيجابيّة-نسبة برأسها[107]،لا كما قيل من أنّ السلب في السلبيّات وارد على النسبة الإيجابية[108]،و يعتبر في القضيّة السالبة الإيجاب أوّلاً،ثمّ يرد السلب عليه،و يكون أجزاء القضيّة أربعة(1) . فإنّه خلاف الوجدان في السالبات،بل القضيّة السالبة مركّبة من‏

(1)اُنظر الشفاء،قسم المنطق 1: 34-35.
ثلاثة أجزاء كالموجبة،و النسبة السلبيّة نسبة بسيطة كالإيجابيّة،كما أنّ إيقاع النسبة و انتزاعها ليسا من أجزاء القضيّة; لأنّ أجزاءها إنّما هي ما تكون ثابتة في المادّة النفس الأمريّة-أي الخارج-و معلومٌ أنّه ليس في الخارج شي‏ء وراء الموضوع و المحمول و النسبة التي بينهما; كي يكون هو إيقاع النسبة أو انتزاعها.

[107]ما ذكر فاسد في السوالب المحصّلة مطلقاً; لأنّ حرف السلب فيها آلة لسلب الهوهوية في الحمليات الصريحة،و لسلب الكون الرابط في الحمليات المؤوّلة،فلا يكون للسوالب نسبة بين الموضوع و المحمول بحسب الواقع. (مناهج الوصول 1: 91).

[108]التحقيق في السوالب: أنّ في حمليتها يدلّ حرف السلب على‏ سلب الهوهوية،فيرد على الحمل،فيكون مفاد السوالب سلب الحمل،لا حمل السلب،أو حمل هو السلب كما يتوهّم،فقولنا: «زيد إنسان»حمل يدلّ على الهوهويّة،و«زيد ليس بحجر»سلب حمل يدلّ على‏ نفي الهوهوية،و أمّا السوالب الحملية بالتأويل،كقولنا: «زيد ليس في الدار»و«عمرو ليس له البياض»فحرف السلب يرد على الكون الرابط،فيسلب به الكينونة في الدار. (مناهج الوصول 1: 89-90).


328

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم: أنّ العامّ المخصَّص بالمنفصل،أو بمثل الاستثناء من المتّصل،لمّا كان غير معنونٍ بعنوانٍ خاصّ،بل بكلّ عنوانٍ غير عنوان الخاصّ،و يكون جميع الأفراد مشمولة له بعنوانٍ واحد هو عنوان العامّ،و المُخصِّص إنّما يخرج بعض الأفراد من غير حصول قيدٍ في العامّ،و من غير تعنونه بعنوانٍ،كان إحراز المشتبه منه بالأصل الموضوعي غالباً ممكناً،و ذلك بوجهين: الوجه الأوّل في تقرير الأصل: ما أفاد المحقّق الخراساني رحمه الله،و هو بنحو السالبة الهليّة البسيطة كما إذا شكّ في امرأة أنّها قرشيّة أو غيرها،بعد ورود قوله: «إنّ المرأة تَرى الدم إلى‏ خمسين»(1) ،و قد خرجت بالمنفصل أو بنحو

(1)اُنظر وسائل الشيعة 2: 580،كتاب الطهارة،أبواب الحيض،الباب 31.
الاستثناء المرأة القرشيّة،فيقال-لأجل إحراز الموضوع-: إنّ انتساب هذه المرأة إلى‏ قريش لم يكن سابقاً،و الآن كما كان،فهذه القضيّة هليّة بسيطة سالبة،موضوعها انتساب المرأة إلى‏ قريش،و محمولها هو الوجود،و النسبة سلبيّة. و كون القضيّة المتيقَّنة سالبة بسلب الموضوع،و المشكوك فيها سالبة بسلب المحمول،لا يضرّ بالاستصحاب; فإنّ القضيّة السالبة بسلب الموضوع أو المحمول لم تكن قضيّتَيْن; لأنّ القضايا تنقسم إلى الموجبات و السوالب،و لا ثالث لهما،فالقضيّة السلبيّة أعمّ من السلب الموضوعي أو المحمولي،و هي قضيّةٌ واحدة. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ أصالة عدم انتساب المرأة إلى‏ قريش تجدي في تنقيح الموضوع،و أنّها ممّن لا تحيض إلاّ إلى‏ خمسين. لا يقال: إنّ أصالة عدم الانتساب لا تُجدي في تنقيح الموضوع إلاّ بالأصل المثبت; لأنّ ما خرج من العامّ هي المرأة القرشيّة،و ما بقي هي المرأة الغير القرشيّة،و الأصل بنحو الهلية البسيطة لا يثبت كونها غير قرشيّة،أو عدم كونها


329

قرشيّة بنحو الهلية المركّبة،التي هي موضوع الحكم. قلت: نعم،لا يُجدي ذلك لو احتجنا إليه،لكن لا نحتاج إليه; لأنّ العامَّ شامل لجميع الأفراد،و المانع منه هو عنوان الخاصّ،و أصالة عدم الانتساب تدفع المانع،فيبقى الفرد تحت العامّ. و الحاصل: أنّ تمام الموضوع في الحكم هو العنوان المأخوذ فيه،فالمرأة تمام الموضوع لرؤية الدم إلى‏ خمسين،و بعد خروج القرشيّة يكون الموضوع أيضاً هو عنوان العامّ من غير تقييده بشي‏ءٍ،و الفرض أنّ المرأة مُحْرَزة بالوجدان،و المانع من تعلّق الحكم هو الشكّ في كونها من عنوان الخاصّ،و هو أيضاً مدفوعٌ بالأصل،فأصالة عدم الانتساب إلى‏ قريش ممّا يُجدي لإثبات الحكم لها; من غير احتياجٍ إلى‏ إثبات كونها غير قرشيّة بنحو«ليس»الناقصة(1) .

(1)كفاية الأُصول: 261.
هذا حاصل ما أفاده المحقّق الخراساني بتوضيحٍ منّا. و لا يخفى‏: أنّ قوله: «إنّ الباقي تحت العامّ بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من المتّصل،لمّا كان غير معنونٍ بعنوانٍ خاص،بل بكلِّ عنوانٍ لم يكن ذاك بعنوان الخاصّ»في غاية الإشكال و السقوط،إن أراد بمعنونيّة العامّ بكلّ عنوانٍ أنّ جميع العناوين المقارنة للأفراد دخيلة في موضوعيّة الحكم،حتّى تكون المرأة في قوله: «إنَّ المرأة ترى الدم إلى خمسين»موضوعاً للحكم مع جميع حالاتها اللاحقة بها،كالعالميّة و الجاهليّة و القرشيّة و غيرها لأنّ ذلك واضح الفساد،فإنّ كلّ عنوانٍ أخذ في موضوع الحكم،لا يمكن أن يتجاوز الحكم عنه إلى‏ غيره. نعم،لا يضرّ مقارنته بكلّ عنوانٍ خارجيّ،فالمرأة في المثال المذكور


330

موضوعٌ للحكم من غير دخالة شي‏ءٍ آخر فيه،و مع كلّ مقارنٍ تكون هي بنفسها موضوعاً له،و لعلّ مراده يرجع إلى‏ ما ذكرنا. ثمّ إنّه يرد عليه: أنّ أصالة عدم الانتساب ممّا لا أصل لها; لأنّ القضيّة المتيقّنة في الاستصحاب لا بدّ و أن تكون عين القضيّة المشكوك فيها،و فيما نحن فيه ليست كذلك; لأنّ هذه المرأة لم تكن قبل وجودها قابلة للإشارة،و ليست هذيتها محفوظة،فانتساب هذه المرأة في الأزل; ممّا لا يجوز أن يقال معدومة أو موجودة و ليست معدومية انتسابها تُقابِل موجوديّته تَقابُل الإيجاب و السلب،بل كتقابل العدم و الملكة. و إن شئت قلت: إنَّ الانتساب لمّا كان من الأُمور الإضافيّة و الاعتباريّة،فلا تحقّق له إلاّ بعد تحقّق المرأة و وجودها،و قبله لا يعتبر الانتساب،لا أنّه يعتبر عدم الانتساب. هذا،مضافاً إلى‏ أنّ العامّ بعد التخصيص،يصير بحسب مقام الثبوت و الواقع معنوناً بعنوانٍ وجودي أو عدميّ،و لا يُعقل أن تكون الأفراد بعد التخصيص نفس ذاتها; من غير حصول عنوانٍ مقابل للخاصّ لها; ضرورة أنّ المرأة في قوله: «المرأة ترى الدم إلى‏ خمسين»بعد تخصيصه: ب«أنّ المرأة القرشيّة ترى الدم إلى‏ ستّين»(1) لا يمكن أن تكون تمام الموضوع لرؤية الدم إلى‏ خمسين،بل‏

(1)وسائل الشيعة 2: 580،كتاب الطهارة،أبواب الحيض،الباب 31،الحديث 5 و 9.
الموضوع هي المرأة الغير القرشيّة،أو المرأة التي ليست بقرشيّة على نعت اللّيسيّة الناقصة و العدم النعتي،فلا مجرى‏ للاستصحاب لإثبات كونها غير قرشيّة. و بما ذكرنا: يتّضح الإشكال على الإيراد الذي أورده بعض المتأخّرين من أعاظم المعاصرين على‏ ما في«الكفاية»بأنّ التخصيص إن كان كالتقييد-يُخرج العامّ عن تمام الموضوعيّة إلى‏ بعضها-يكون الأصل مُجدياً.


331

و لكنّ التحقيق خلافه; فإنّ شأن المخصِّص إخراج الفرد مع إبقاء العامّ على‏ تمام الموضوعيّة،و إنّما يقلّل العامّ بلا انقلابٍ فيه،نظير موت بعض الأفراد،فلا يبقى‏ مجال لجريان الأصل; إذ الأصل السالب ليس شأنه إلاّ نفي الحكم الخاصّ عن مورده،لا إثبات حكم العامّ عليه،و نفي أحد الحكمين بالأصل لا يثبت الآخر(1) .

(1)مقالات الأُصول 1: 444-445.
و فيه: أنّه إن أراد من [كون‏] باب التخصيص غير باب التقييد،أنّ ظهور العامّ لا ينقلب عمّا هو عليه،و لا تصير البقيّة-بعد التخصيص-متقيّدة بحسب مقام الظهور،فهو مسلّمٌ،لكن لا يضرّ بجريان الأصل. و إن أراد أنّ الحكم بحسب الواقع و الإرادة الجدّيّة كذلك،و أنّ العامّ بعد التخصيص يبقى‏ على‏ تمام الموضوعيّة واقعاً،فهو ظاهر البطلان كما عرفت. الوجه الثاني في تقرير الأصل: ما يظهر من العلامة الأنصاري-على ما في تقريرات بحثه-من إجراء أصالة عدم القرشيّة بنحو الهليّة المركّبة،فيقال: إنّ هذه المرأة لم تكن قرشيّة قبل وجودها،و الآن كما كانت(2) .

(2)اُنظر مطارح الأنظار: 194-السطر 30.
و يرد عليه عين ما أوردنا على المحقّق الخراساني.
وهم و إزاحة:

قال المحقّق الخراساني ما حاصله: إنّه ربّما يظهر من بعضهم(3) : التمسّك‏

(3)اُنظر الدروس الشرعيّة 2: 151،عند قوله‏1: و لا تجزئ الخمس(أي الركعات)فصاعداً بتسليمة إلاّ أن يقيّده في نذره على تردّدٍ.
بالعمومات فيما إذا شكّ في فردٍ،لا من جهة احتمال التخصيص،بل من جهة


332

أُخرى‏،كما إذا شكّ في صحّة الوضوء أو الغسل بمائعٍ مضاف،فيستكشف صحّته بعموم مثل: «أوفوا بالنذر»(1) فيما إذا وقع متعلَّقاً للنذر.

(1)هذا إشارة إلى‏ قوله تعالى‏(وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)الحج(22): 29.
ثمّ ردّه قائلاً: بأنّ ذلك ممّا لا يكاد يتوهّمه عاقل(2) .

(2)كفاية الأُصول: 261-262.
و أنت خبير: بأنّ عدم جواز التمسّك بأدلّة وجوب الوفاء بالنذر لصحّة الوضوء بالمائع المضاف،ليس إلاّ من جهة عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة; فإنّ أدلّة النذر-بعد تقييدها بقوله: «لا نذر إلاّ في طاعة اللَّه»(3) -تكون من قبيل العامّ المخصَّص; ممّا لا يجوز التمسّك بها فيما شكّ في‏

(3)اُنظر وسائل الشيعة 16: 239،كتاب النذر و العهد،أبواب النذر و العهد،الباب 17.
كونه طاعة اللَّه من جهة الشبهة المصداقيّة. نعم،هنا أمر آخر: و هو دعوى‏ كشف حال الفرد بعد التمسّك بالعامّ،فيحكم بصحّة الوضوء،و كونه طاعة اللَّه،فهو من أفراد العامّ لا المخصِّص،و هذا ظاهر الفساد،و أمّا صِرف التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة،فليس ظاهر الفساد و لا ينبغي التعبير عنه بما عبّر به. اللّهم إلاّ أن يُقال: إنّ قوله: «لا نذر إلاّ في طاعة اللَّه»من قبيل المقيّد لدليل«أوفوا بالنذر»فيصير معنوناً بعنوانه فيكون التمسّك به من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لنفس العامّ،و هو ممّا لا يلتزم به عاقلٌ،كما أفاد. ثمّ لا يخفى‏: أنّ تأييد كلام هذا القائل بما ذكر في«الكفاية»-من أدلّة صحّة الإحرام قبل الميقات و الصيام في السفر إذا تعلّق بهما النذر(4) -ممّا لم يظهر

(4)كفاية الأُصول: 262.
له وجهٌ،فإنّ مدَّعى‏ هذا القائل هو جواز الوضوء و الغسل بالمائع المضاف مطلقاً;


333

تعلّق به النذر أو لا،و استدلّ عليه: بإطلاق أدلّة وجوب الوفاء بالنذر; لكشف حال الفرد المشكوك فيه. و لا يؤيّد ذلك هذا المدّعى‏; لأنّ الإحرام قبل الميقات و الصوم في السفر ممّا لا يجوزان شرعا،و ما يكون جائزا هو الإحرام قبل الميقات و الصّوم في السفر مع تعلّق النذر بهما،لا مطلقاً،فما ذكر من التأييد غير مربوط بالمدّعى‏. ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذكر-لتصحيح نذر الإحرام قبل الميقات و الصيام في السَّفر ثبوتاً مع حرمتهما قبله و قيام الدليل على الصحّة في مقام الإثبات(1) -

(1)اُنظر وسائل الشيعة 7: 139،كتاب الصوم،أبواب ما يصح الصوم،الباب 10،وسائل الشيعة 8: 236،كتاب الحجّ،أبواب المواقيت،الباب 13.
وجوهاً: أحدها: أنّ الدليل الدالّ على الصحّة إثباتاً،يكشف عن رجحانهما ذاتاً قبل الميقات و في السفر،لكن لم يؤمر بهما استحباباً أو وجوباً; لمانعٍ مرتفع بالنذر. و ردّه: بأنّه مخالف لما دلّ على‏ أنّ الإحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت(2) .

(2)اُنظر وسائل الشيعة 8: 234،كتاب الحج،أبواب المواقيت،الباب 11،الحديث 3 و6،كفاية الأُصول: 263.
ثانيها: أنّهما يصيران راجحَيْن بنفس تعلّق النذر بهما،بعد عدم كونهما كذلك. لا يقال: كيف يُعقل ذلك مع قيام الدليل على‏ أن«لا نذر إلاّ في طاعة اللَّه»؟! لأنّ لازمه توقّف النذر على الرجحان و الرجحان على النذر،مضافاً إلى‏ لزوم صيرورتهما توصّليّيْن; لأنّ وجوب الوفاء بالنذر توصّليّ. لأنّه يقال: إنّ دليل صحّتهما يكشف عن عروض عنوانٍ راجح عليهما،غير


334

عنوان الإحرام و الصوم،و غير عنوان النذر،بل عنوان آخر ملازم لتعلّق النذر بهما،و ذلك ممّا يصحّح عباديّتهما(1) .

(1)كفاية الأُصول: 263.
ثالثها: تخصيص عموم دليل اعتبار الرجحان في متعلّق النذر بهذا الدليل،و حينئذٍ يمكن أن يقال: بكفاية الرجحان الطارئ من قِبَل النذر. لا يقال: إنّ الرجحان الطارئ من قِبَله لا يصحّح العباديّة،كما أشرنا إليه آنفاً. فإنّه يقال: عباديّتهما إنّما هي لأجل تعلّق النذر بإتيانهما عباديّاً و متقرّباً بهما منه تعالى‏; فإنّه و إن لم يتمكّن من إتيانهما كذلك قبله،إلاّ أنّه يتمكّن منه بعده،و لا يعتبر في صحّة النذر إلاّ التمكُّن من الوفاء و لو بسببه(2) . انتهى.

(2)نفس المصدر.
و يرد على الوجه الثاني: أنّه لا معنى لصيرورتهما عباديّين لأجل طُرُوّ عنوانٍ مجهول يغفل عنه المكلّف،و لا يكون مقصوداً له،لا تفصيلاً و لا إجمالاً،و إنّما هو أمرٌ يخترعه عقل بعض المدقّقين; لتصوير الإمكان ثبوتاً. و على‏ الوجه الثالث: أنّ تصوير العباديّة بما ذكر-من أخذها في متعلّق النذر،و تعلّق الأمر بالوفاء به على الموضوع المتقيّد بقصد التقرّب-كرٌّ على‏ ما فرَّ منه قدس سره في باب التعبّدي من عدم إمكان أخذ التقرّب في متعلّق الأمر،و أنّه مستلزمٌ لعدم إمكان إتيان المأمور به; لتوقّف داعويّة الأمر على‏ داعويّته(3)

(3)نفس المصدر: 95.
بالتفصيل الذي مرَّ ذكره(4) .

(4)تقدّم في الصفحة 65.
نعم،بناءً على‏ ما ذكرنا من تصويره،لا مانع منه،فراجع.


335

الأمر الرابع: الشكّ بين التخصيص و التخصّص

لو ورد عامٌّ،و عُلم بعدم كون فردٍ محكوماً بحكمه،و شكّ في كونه من باب التخصيص أو التخصّص،فهل يجوز التمسّك بأصالة عدم التخصيص لكشف حال الفرد; بأن يقال: إكرام كلّ عالمٍ واجبٌ بحكم أصالة العموم،فمن لا يجب إكرامه فليس بعالمٍ; بحكم عكس النقيض اللازم للقضيّة،فزيدٌ مثلاً ليس بعالمٍ؟ الظاهر عدم جريانها لذلك; لأنّ جريانها مخصوصٌ بما إذا شكّ في كون فردٍ محكوماً بحكم العامّ بعد إحراز كونه منه،و أمّا بعد العلم بالمراد و الشكّ في التخصيص و التخصّص،فلا;لأنّ معنى‏ أصالة العموم،هو أنّ كلَّ فردٍ مرادٍ بالإرادة الاستعماليّة،مرادٌ بالجدّيّة أيضاً،فاللفظ لا يتكفّل إلاّ وجوب إكرام كلّ عالمٍ بالإرادة الاستعماليّة،و الأصل العقلائي يقتضي كون الإرادة الاستعماليّة في كلّ فردٍ مطابقة للجدّيّة،و لا يتعرّض العموم لحال الفرد إثباتاً و نفياً،لعدم كونه مفاده،و إنّما هو في مقام إثبات الحكم الكلّي،لا بيان حال الأفراد،و كذا الأصل العقلائي لا يتعرّض إلاّ لتطابق الإرادتين،من غير تعرّض لحال الفرد.

الأمر الخامس: لو دار الأمر بين التخصيص و التخصّص لإجمال الخاص‏

لو قامت الحجّة على‏ عدم وجوب إكرام زيدٍ،و كان مشتركاً بين زيد العالم و الجاهل،و شكّ في التخصيص و التخصّص،فقد يكون زيد محكوماً-بحسب الحجّة-بحكمٍ غير إلزاميّ،كعدم وجوب إكرامه،و قد يكون محكوماً بحكم إلزاميّ،كحرمة إكرامه. فَعَلى الأوّل: لا إشكال في جريان أصالة العموم،و يكون العامّ حجّة على وجوب إكرام زيد العالم،و لا ترفع اليد عنه لأجل الدليل المجمل،للشكّ في


336

التخصيص بعد قيام الحجّة على‏ وجوب إكرامه. و معلومٌ أنّ هذه المسألة غير السابقة التي حكمنا بأنّ أصالة العموم لا تكشف عن حال الفرد. و على الثاني: يمكن أن يتمسّك أيضاً بأصالة العموم; بأن يقال: إنّ مقتضاها كون زيد العالم واجب الإكرام،و لازم وجوب إكرامه عدم حرمة إكرامه،و لازم ذلك أن يكون زيد المحرّم إكرامه هو زيد الجاهل،لا العالم،و لوازم الأُصول العقلائيّة حجّة; لكونها أمارة على الواقع،و حينئذٍ تنحلّ الحجّة الإجماليّة،لا بمعنى الانحلال الاصطلاحي،بل بمعنى أنّها تنحلّ إلى قيام الحجّة بوجوب إكرام زيد العالم،و حرمة إكرام زيد الجاهل،فانحلالها بحسب أثرها; فإنّه لو لا أصالة العموم يكون أثر الحجّة الإجماليّة تنجّز الحرمة الواقعيّة،و لزوم ترك إكرام كليهما عقلاً. و قد يقال: إنّ الحجّة الإجماليّة تنحلّ إذا قامت الحجّة على‏ وجوب إكرام زيد العالم بالخصوص،كما لو قامت البيّنة على‏ وجوب إكرام زيد العالم،و أمّا العامّ فلا يتكفّل لحكم الأفراد بالخصوص،بل هو حكمٌ عامّ متعلّق بعنوانٍ عامّ هو عنوان«العالم»; من غير تعرّضٍ للفرد بخصوصه،و الحجّة الإجماليّة القائمة على‏ حرمة إكرام زيد،المردّد بين العالم و الجاهل-التي يجب عقلاً الخروج عن عهدتها; بترك إكرام كليهما-تقدّم على العامّ(1) .

(1)اُنظر أجود التقريرات 1: 457-458.
و فيه: أنّه لا فرق-من هذه الجهة-بين إفادة حكم زيد العالم بدليل خاصّ أو حجّة عامّة،فإنّ زيداً مصداق العالم وجداناً،و محكومٌ بوجوب الإكرام; بضمّ الصُّغرى الوجدانيّة إلى الكبرى الكلّيّة،فإذا وجب إكرامه لا يحرم إكرامه،و لازمه حرمة إكرام زيد الجاهل،و لازم الأُصول اللفظيّة حجّة،كما عرفت.


337

الأمر السادس: دفع توهّم‏

قد يتوهّم: أنّ ما هو المشهور بين الأصحاب-بل المتّفق عليه بينهم(1) -

(1)اُنظر مفتاح الكرامة 5: 209،و جواهر الكلام 25: 262.
الحكم بالضمان فيما إذا دار أمر اليد بين أن تكون يداً عادية أو أمينة; للاشتباه من جهة الأُمور الخارجيّة،إنّما هو لأجل التمسّك بعموم قوله: «على اليد ما أخَذَتْ حتّى‏ تؤدّي»(2) ،مع أنّه تمسّكٌ بالعامّ في الشبهة المصداقيّة،و هذا مع‏

(2)عوالي اللآلي 1: 224-106،مسند أحمد بن حنبل 5: 8،سنن أبي داود 2: 318-3561.
كونه مخالفاً للتحقيق،مخالف لقواعد باب القضاء،لأنّ عدم الضمان موافق للأصل،و للمدّعي إثباته(3) .

(3)ذكر حاصله في فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 529.
و يدفع: بأنّ فتوى المشهور ليس لما ذكر،بل للروايات الواردة في هذا الباب(4) ; ممّا يستفاد منها هذا الحكم.

(4)اُنظر الكافي 5: 238-3-4،و وسائل الشيعة 13: 137،كتاب الرهن،أبواب أحكام الرهن،الباب 16،الحديث 2 و 3.


339

فصل هل يجوز العمل بالعامّ قبل الفحص عن مخصِّصه؟

فيه خلاف(1) : و ربّما يدّعى الإجماع على‏ عدم الجواز(2) ،لكن هذه‏

(1)اُنظر قوانين الأُصول 1: 272،و مطارح الأنظار: 197-السطر 30.

(2)اُنظر المستصفى‏ من علم الأُصول 2: 157.
المسألة ليست من المسائل التي تكشف الشهرة أو الاتّفاق عن نصٍّ خاصّ،فلا تكون من المسائل الإجماعيّة،مع أنّها لم تكن معنونة قبل القرن الرابع على‏ ما يشهد به التتبّع; فإنّ أوّل من تعرّض لها هو أبو العبّاس بن سريج في أواخر القرن الثالث،أو أوائل القرن الرابع،و اختار عدم الجواز(3) ،و أنكر عليه تلميذه‏

(3)المحصول في علم أُصول الفقه 1: 404-405 و شرح الأسنوي،ذيل شرح البدخشي 2: 126-127.
أبو بكر بن الصيرفي قائلاً: بأنّه لو لا جواز العمل بالعامّ قبل الفحص عن مخصِّصه،لوجب أن لا يجوز العمل بالحقيقة قبل الفحص عن قرينة المجاز(4) .

(4)نفس المصدر.
ثمّ بعد ذلك صارت المسألة معنونة في كتب القوم،و قد عثرنا على هذا البحث-و كلامهم فيه-في مطاوي كلماتهم في جواز اسماع المتكلّم العامّ


340

المخصَّص من غير ذكر مخصِّصه متّصلاً به،بل أورد المخصِّص منفصلاً(1) .

(1)الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 390-391،عدّة الأُصول 2: 465،المعتمد في أصول الفقه 1: 331-333.
و من المعلوم: أنّ البحث عن حجّيّة العامّ قبل الفحص،متفرّعٌ على‏ جواز اسماع العامّ المخصَّص بدون ذكر مخصِّصه. و ليعلم: أنّه لا دخالة للعامّ-بما أنّه عامّ‏ٌ-في الجهة المبحوث عنها في هذه المسألة،و لا بما أنّه من الأدلّة اللفظيّة،بل البحث يطّرد في جميع الأُصول اللفظيّة و العقليّة. فيقال: هل يجوز العمل بالظهور قبل الفحص عن معارضه،و هو يعمّ أصالة الحقيقة و العموم و الإطلاق. و هل يجوز العمل بالأُصول العقليّة-كأصل البراءة-قبل الفحص عن البيان؟ فلا فرق في الأُصول اللفظيّة و العقليّة مطلقاً في الجهة المبحوث عنها. و ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله: من الفرق بين الفحص هاهنا و بينه في الأُصول العمليّة; بأنّه هاهنا عمّا يزاحم الحجّة،بخلافه هناك،فإنّه بدونه لا حجيّة; ضرورة أنّ العقل بدونه يستقلّ باستحقاق المؤاخذة على المخالفة،فلا يكون العقاب بدونه بلا بيانٍ،و النقل و إن دلّ على البراءة أو الاستصحاب في موردهما مطلقاً،إلاّ أنّ الإجماع بقسميه على‏ تقييده به(2) .

(2)كفاية الأُصول: 265-266.
ليس على‏ ما ينبغي،ضرورة أنّ العامّ-بما أنّه لفظٌ كاشفٌ عن الإرادة الاستعماليّة-لا يكون حجّة إلاّ إذا جرت فيه أصالة تطابق الإرادة الاستعماليّة للجدّية و هي لا تجري قبل الفحص عن المخصّص،فلا يكون العامّ


341

قبل الفحص حجّة; حتّى‏ يكون الفحص عن مزاحمها بعد تماميّة الحجّة،بل الفحص من متمّمات الحجّيّة،كما أنّ النقل الدالّ على البراءة و الاستصحاب‏[يكون‏]من العمومات أو الإطلاقات التي تكون مورد البحث في جواز التمسّك بها قبل الفحص،و قد عرفت أنّ المسألة ليس من المسائل الإجماعيّة. ثمّ اعلم: أنّ«الجواز»في عنوان البحث ليس الجواز التكليفي; بمعنى أنّه لو عمل به قبل الفحص لارتكب محرَّماً،بل بمعنى‏ صحّة الاحتجاج و عدمه،كما هو الشأن في سائر المسائل الأُصوليّة،فلو عمل به قبل الفحص،فصار مخالفاً لمطلوب المولى‏-لأجل ورود التخصيص-لم يكن معذوراً،و يكون معاقباً على‏ مخالفة الواقع،لا على‏ ترك الفحص و العمل بالعامّ قبله،كما أنّه لو عمل به بعده يكون معذوراً،و له الحجّة على المولى‏. ثمّ إنّ محلّ البحث في المسألة-كما يظهر من المحقّق الخراساني-إنّما هو بعد الفراغ عن اعتبار أصالة العموم بالخصوص من باب الظنّ النوعي،لا من باب الظنّ المطلق،و لا من الظنّ الخاصّ الفعلي،و لا يكون العلم الإجمالي حاصلاً بوجود المخصِّص(1) ; ضرورة أنّ مع القول باعتبارها من باب الظنّ المطلق أو الظن‏

(1)كفاية الأُصول: 264.
الفعلي،يكون الأمر دائراً مدار حصولهما،فلا مجال للبحث عن الحجّيّة قبل الفحص أو بعده،كما أنّه لو علم إجمالا بورود المخصِّص،فلا مجال للتشكيك في لزوم الفحص،و أن يظهر من استدلال بعض المحقّقين على‏ لزومه بالعلم الإجمالي بورود المخصّصات(2) ،أعميّة البحث.

(2)اُنظر مطارح الأنظار: 202-السطر 15،و فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 540،و مقالات الأُصول 1: 455.
و كيف كان: فقد استدلّ المحقّق الخراساني رحمه الله على عدم الجواز فيما إذا كان


342

العام في معرض التخصيص دون غيره: بأنّه لو لا القطع باستقرار سيرة العقلاء على عدم العمل به قبله،فلا أقلّ من الشكّ(1) .

(1)كفاية الأُصول: 265.
و لم يظهر مراده من المعرضيّة; هل هي عبارة عن احتمال المخصِّص أو الظنّ به،أو العلم الإجمالي به؟ فَعَلى الأوّل: يكون هذا الاحتمال حاصلاً لجميع العمومات من غير فرق بينها،و ليس بناء العقلاء على الاعتناء بمثل هذا الاحتمال،و لا الفحص عن المخصِّص المحتمل،كما يظهر بالتأمّل في بنائهم على العمل بالعمومات الصادرة عن الموالي العرفيّة. و على الثاني: لا يكون دليل على اعتبار هذا الظنّ،و ليس بناء العقلاء على عدم العمل معه. و على الثالث: يكون خلاف المفروض; لأنّ الكلام فيما إذا لم يكن علم إجمالي في البين. اللّهمّ إلاّ أن يكون مراده: ما هو موافق للتحقيق-كما يظهر من ذيل كلامه-و هو أنّ العمومات قد تكون في لسان أهل المحاورة من الموالي و العبيد لدى التخاطب مشافهة أو مكاتبة،و في هذه الصورة لا شبهة في حجّيّتها و لو مع احتمال التخصيص،و كذا لا شبهة في حجّيّة سائر الظواهر-من الإطلاقات و الحقائق-مع احتمال المعارض لها،بل و لو مع العلم بأنّ المولى‏ قد يعول على‏ مخصِّصٍ و مقيِّدٍ منفصلين. و الدليل على‏ ذلك بناء العقلاء و سيرتهم،و ليس للعبد بعد ورود العامّ من المولى‏ أن يترك العمل باحتمال ورود المخصِّص،و لا للمولى‏ أن يعاقب العبد على العمل بالعامّ مع ترك الفحص،و ذلك ظاهر. و قد تكون العمومات و أمثالها في لسان المشرِّع و المقنِّن،و يكون له كتاب


343

قانونٍ و تشريعٍ الذي من شأنه أن تذكر فيه المخصِّصات و المقيِّدات و سائر القيود و الحدود. و هذا المقنّن قد لا يبالي بمخالفة أحكامه عند الجهل بها،و قد لا يكون كذلك،بل يكون معتنياً بها،ففي هذه الصورة لا يكون للعبد عذرٌ في ترك الفحص عن أحكامه الواقعيّة. و الأمر في الأحكام الشرعيّة كذلك; فإنّ أحكامه تعالى قوانين مدوّنة في الكتاب و السُّنّة النبويّة و أخبار أهل العصمة-عليهم صلوات اللَّه-و يكون من شأنها ورود المخصِّصات و المقيِّدات عليها،و قد أمر اللَّه تعالى‏ عباده بتعلّم أحكامه،فقال: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ... »(1)

(1)التوبة(9): 122.
إلى‏ آخره،و ورد: أنّ«طلب العلم فريضة على‏ كلّ مسلمٍ»(2) و«هلا تعلَّمت»(3)

(2)الكافي 1: 23-1.

(3)أمالي الطوسي: 9-10.
و أمثالها(4) .

(4)الكافي 3: 68-4-5.
و الذي يظهر بالتأمّل في الآيات و الأخبار أنّ المراد بالعلم ليس هو العلم الوجداني،بل هو بمعنى العلم بالأحكام من طريق الأدلّة-أي الخطابات الواردة في لسان الكتاب و السنّة-كما هو الظاهر من قوله تعالى‏: «أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ»(5) ; أي العلم المأثور،و معلومٌ أنّ وجوب التعلّم ليس نفسيّاً يعاقب المكلَّف‏

(5)الأحقاف(46): 4.
على‏ تركه،بل يكون العقاب على‏ ترك الأحكام الواقعيّة. و بالجملة: قد قطع اللَّه تعالى العذر عن عباده في ترك الفحص و ترك التعلّم لأحكامه الواقعيّة،فللّه على الناس حجّة بالغة(6) ،و ليس لهم عليه تعالى‏

(6)إشارة إلى الآية 149 من سورة الأنعام.


344

حجّة،فلا بدّ لكلّ مكلَّفٍ أن يتفحّص عن مرادات اللَّه و أحكامه الواقعيّة بالمقدار الميسور له‏[109].

هذا حال لزوم الفحص بناء على‏ ما ذهبنا إليه،و قد عرفت: أنّ المناط فيه

[109]التحقيق ما أفاد المحقّق الخراساني في المقام،و توضيحه: أنّ الشارع لم يسلك في مخاطباته غير ما سلك العقلاء،بل جرى‏ في قوانينه على‏ ما جرت به عادة العقلاء و سيرتهم،لكن ديدنهم في المخاطبات العادية و المحاورات الشخصية بين الموالي و العبيد و غيرهم،عدم فصل المخصّصات و المقيّدات و القرائن; و لهذا تكون العمومات و المطلقات الصادرة منهم في محيط المحاورات حجّة بلا احتياج إلى الفحص،و لا يعتني العقلاء باحتمال المخصّص و المقيّد المنفصلين،و يعملون بالعمومات و الإطلاقات بلا انتظار. هذا حال المحاورات الشخصية. و أمّا حال وضع القوانين و تشريع الشرائع لدى‏ جميع العقلاء،فغير حال المحاورات الشخصية،فترى‏ أنّ ديدنهم في وضع القوانين ذكر العمومات و المطلقات في فصل و مادّة،و ذكر مخصّصاتها و مقيّداتها و حدودها تدريجاً و نجوماً في فصول أخر. و الشارع الصادع جرى‏ في ذلك على‏ ما جرت به طريقة كافّة العقلاء،فترى‏ أنّ القوانين الكلّية في الكتاب و السنّة منفصلة عن مخصّصاتها و مقيّداتها،فالأحكام و القوانين نزلت على‏ رسول اللَّه 6 نجوماً في سنين متمادية،و بلّغها حسب المتعارف في تبليغ القوانين للأُمّة،و جمع علماؤها بتعليم أهل بيت الوحي القوانين في أصولهم و كتبهم. فإذن تكون أحكامه-تعالى‏-قوانين مدوّنة في الكتاب و السنّة و العمومات و المطلقات التي فيها في معرض التخصيص و التقييد،حسب ديدن العقلاء في وضع القوانين السياسية و المدنية،و ما هذا حاله ليس بناء العقلاء على التمسّك فيه بالأُصول بمجرّد العثور على العمومات و المطلقات من غير فحص; لأنّ كونهما في معرض المعارضات يمنعهم عن إجراء أصالة التطابق بين الاستعمال و الجدّ،و لا يكون العامّ حجّة إلاّ بعد جريان هذا الأصل العقلائي،و إلاّ فبمجرّد ظهور الكلام و إجراء أصالة الحقيقة و الظهور لا تتمّ الحجّية،فأصالة التطابق من متمّماتها لدى العقلاء. (مناهج الوصول 2: 275-276).


345

ليس هو العلم الإجمالي،فلا مورد لبعض الإشكالات(1) :

(1)اُنظر مقالات الأُصول 1: 455.
منها: أنّه لا يجوز العمل بالعامّ قبل انحلال العلم و لو بعد الفحص الكثير. و منها: أنّه بعد الانحلال لا يجب الفحص عن مخصِّصات العمومات المشكوك في تخصيصها. و ذلك لما عرفت: من أنّ المناط للفحص هو ما دلّ على‏ وجوب التعلّم من الآيات و الأخبار،فبعد الفحص و التعلّم تصير العمومات حجّة،و ليس للعبد عذر قبل الفحص و لو في الشبهة البدويّة. نعم،بناءً على‏ أنّ لزوم الفحص إنّما هو من جهة العلم الإجمالي،لا يجوز التمسّك بالعموم و لو بعد الفحص عنه ما لم ينحلّ العلم; لعدم خروجه عن الطرفيّة بالفحص عنه. و الجواب عن هذه الشبهة-بأنّه بعد الفحص عنه يعلم أنّه خارج عن طرف العلم من أوّل الأمر(2) -كما ترى‏.

(2)مقالات الأُصول 1: 455.
هذا حال الفحص. و أمّا مقداره فيتفاوت بحسب الوجوه التي استُدلّ بها له; فإن كان المبنى هو العلم الإجمالي(3) ،فلا بدّ من الفحص حتّى ينحلّ العلم،و إن كان حصول‏

(3)مطارح الأنظار: 202-السطر 15.
الظنّ(4) فإلى‏ أن يحصل.

(4)اُنظر الوافية في أصول الفقه: 129-130.
و بناءً على‏ ما ذكرناه فلا بدّ من الفحص بالمقدار الميسور له; بحيث لا يقع في العُسْر و الحَرَج،فلا بدّ من تحصيل التكاليف الواقعيّة،و تهيئة وسائله من


346

تعلُّم العلوم العربيّة،و المنطق،و أصول الفقه بمقدار الاحتياج،و التتبّع لفتاوى الفقهاء لكي لا يقع في خلاف الإجماع أو الشهرة المتّبعة،و تعلّم القرآن و لا أقلّ من آيات أحكامه،بل ربّما يكون العلم بغيرها دخيلاً في فهم بعض الأحكام،و تعلّم علم الحديث و الرجال،و البحث عن الأسانيد و طبقات الرجال،و الفحص عن الروايات،بل عن روايات أهل السُّنّة و فتاويهم،فإنّها أيضاً قد تكون دخيلة في فهم أحكام اللَّه. و بالجملة: لا بدّ للمكلَّف أن يبذل جهده لتحصيل الأحكام،و ليس له العذر في تركه،و نسأل اللَّه التوفيق و التأييد له،و على اللَّه التكلان.


347

فصل هل الخطابات الشفاهيّة تختصّ بالحاضرين أو تعمّ غيرهم حتّى المعدومين؟

هذا النزاع كان معنوناً بين الأُصوليّين من قديم الأيّام(1) .

(1)نهاية الوصول: 189-190،المحصول في علم أصول الفقه 1: 393-394.
و المحقّق الخراساني جعل ما يمكن أن يكون محلّ النزاع أحد أمور ثلاثة: الأوّل: أنّ التكليف-و لو لم يكن بنحو المخاطبة-هل يمكن تعلّقه بالمعدومين أم لا؟ و محصّل ما أفاده في هذا المضمار: أنّ التكليف الحقيقي مستحيلٌ،و


348

الإيقاعي الإنشائي ممكن بلا بعث و زجر فعليّين،بل بغرض أن يصير فعليّاً بعد وجودهم و حصول شرائط التكليف،فلا يكون لغواً،كما أنّ التكليف الفعلي-مقيّداً بوجود المكلَّف و وجدان الشرائط-بمكانٍ من الإمكان(1) .

(1)كفاية الأُصول: 266-267.
هذا،و لا يخفى‏: أنّ النزاع على الوجه الأوّل ممّا لا معنى‏ له; فإنّ أحداً من العقلاء لا يمكن أن يجوِّز تعلّق التكليف بالمعدوم في حال عدمه،كما أنّ التكليف الإيقاعي الإنشائي لا لغرض البعث،لا يصير فعليّاً عند وجود الشرائط،و البعث الإنشائي الإيقاعي ممّا لا يمكن تعلّقه و توجّهه بالمعدومين و يكون لغواً. و ليعلم: أنّ طرفي النزاع قد تسالما على أنّ التكاليف مشتركة بين الموجودين و المعدومين،و أنّ حكمه تعالى‏ على الأوّلين حكمه على الآخرين(2) ،و لكنّ النزاع في أنّ الاشتراك إنّما هو ثابتٌ بنفس الخطابات‏

(2)قوانين الأُصول 1: 240-السطر 17،الفصول الغرويّة: 185-السطر5،فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 549.
المشتملة على التكاليف،أو بغيرها مثل إجماعٍ أو ضرورةٍ أو دليلٍ لفظيّ،و معلوم أنّه بعد هذا التسالم لم يكن النزاع فيما أفاده رحمه الله. و لا يخفى‏: أنّ نفس العناوين المأخوذة في التكاليف-مثل قوله تعالى: «وَ لِلّهِ عَلى‏ النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَن اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»(3)

(3)آل عمران(3): 97.
و قوله تعالى‏: (يا أَيُّها النّاسُ)(4) و«يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنوا»(5) -لا تصدق إلاّ على الموجودين،فلا يكون‏

(4)النساء(4): 170.

(5)البقرة(2): 104.
المعدوم ناساً،و لا مستطيعاً،و لا مؤمناً،و لا مصداقاً لأمرٍ من الأُمور،و عنواناً من العناوين،فالنزاع إنّما يكون في أنّ التكاليف المتعلّقة بالعناوين،هل تختصّ بالمصاديق المتحقّقة حال الخطاب أو في مجلس المخاطبة،أو تعمّ غيرهم ممّن سيوجد تدريجاً،و يصير مصداقاً لها في عمود الزمان؟ و إن شئت قلت: إنّ القضايا المتضمّنة للتكاليف،هل هي قضايا خارجيّة،أو حقيقيّة،و تكون التكاليف متعلّقة بالعناوين بغرض البعث و الزجر،لكن بنحو القضايا الحقيقيّة; من غير تقيّدها بزمن الخطاب،فتصير فعليّة لدى‏ وجود


349

المكلّف،و صيرورته مصداقاً للعناوين،و جامعاً لشرائط التكليف؟ و هذا النزاع-مضافاً إلى‏ إمكانه-واقع(1)

(1)اُنظر معالم الدين: 108-السطر 11،و الفصول الغروية: 179-السطر 37،و مطارح الأنظار: 203-السطر10.
الحقّ: هو الثاني،و أنّ كلّ فردٍ من الأفراد-في ظرف و جوده،و صيرورته مصداقاً لها-مبعوثٌ بنفس الخطابات الصادرة،و تكون حجّة عليه في ظرف تحقّقه من دون أن تعمّ التكاليف المعدومين،أو تُقيّد بوجود المكلَّف و وجدانه الشرائط. و ما يقال: من أنّ التكليف إضافة متقومة بمتضايفَيْن،و لا يمكن أن تتحقّق بين الموجود و المعدوم،فلا بدّ في التكليف-و لو إنشائيّاً بغرض البعث-من وجود المكلّف بالكسر و الفتح(2)

(2)اُنظر قوانين الأُصول 1: 229-السطر21.
. خلط بين الإضافة من الإضافة التي من المقولات،و بين الأوصاف الحقيقيّة ذات الإضافة،مثل العلم و القدرة و الإرادة; فإنّ الثانية تكون تحقّقها بقيامها بنفس العالم و القادر و المريد،مضافةً-بنحو من الأنحاء-إلى المعدوم،كالعلم بالأشياء المستقبلة،و كعلمه تعالى قبل الإيجاد. نعم،الإضافة المقوليّة لا يمكن تحقّقها إلا بين الموجودَيْن. الثاني: هل تصحّ المخاطبة مع المعدومين و توجيه الخطاب إليهم و لو لم يكن متضمّناً للتكليف؟ حاصل ما أفاده في هذا المقام: أنّه يمتنع الخطاب الحقيقي إلى المعدوم حال عدمه،و أمّا بملاحظة حال وجوده فلا مانع منه،كما أنّ الخطاب الإيقاعي الإنشائي ممّا لا مانع منه حتّى إلى المعدوم،و نتيجته صيرورته فعليّاً عند وجوده و حصول شرائطه.


350

و الظاهر أنّ مثل أدوات النداء لم يكن موضوعاً للخطاب الحقيقي،بل هو موضوعٌ للإيقاعي الإنشائي منه،فالمتكلّم ربّما يوقع الخطاب بها تحسّراً أو تأسّفاً أو حزناً،كقوله: يا كوكباً ما كان أقصرَ عُمْرَهُ(1) . فلا يوجب استعماله في معناه‏

(1)عجزه: و كذاك عمر كواكب الأسحار. و هذا بيت من قصيدة لأبي الحسن التهامي أنشدها في رثاء ولده الصغير. اُنظر الكنى و الألقاب 1: 48. و له ديوان شعر مطبوع.
الحقيقي حينئذٍ التخصيص بمن يصحّ مخاطبته. نعم،لا يبعد دعوى الانصراف إلى الخطاب الحقيقي،كما هو الحال في أداة الاستفهام و التمنّي و الترجّي(2) . انتهى موضع الحاجة.

(2)كفاية الأُصول: 267-268.
أقول: حقيقة الخطاب عبارة عن توجيه كلامٍ إنشائيّ أو إخباريّ إلى شخص لغرض إفهامه،و لا يتقوم تحصُّل الخطاب بتضمّن الكلام لأداة الخطاب،كالكاف و حروف النداء و أمثالها،فلو ألقى متكلّم كلاماً إخباريّاً إلى شخص،فقال-متوجّهاً إليه و لغرض إفهامه-: «زيدٌ قائم»،يكون الكلام خطاباً بالحمل الشائع،و السامع مخاطباً كذلك; من غير احتياج إلى أداة الخطاب. نعم،مع اشتمال الكلام عليها يكون آكد فيه من عدمه. فالخطاب عبارة عن توجيه الكلام إلى الغير لغرض إفهامه و إعلامه;[ليصل‏]المتكلّم-بواسطة فهم المخاطب-إلى ما هو مقصده الأعلى. و ليس هذا المعنى من المعاني التي يقع بإزائها لفظ،كسائر الألفاظ الموضوعة للمعاني،بل التكلّم بما هو فعل من الأفعال الاختياريّة للمتكلّم،يكون بحسب طبعه عند العقلاء آلةً للتوسّل بها إلى التخاطب; بحيث لو سُلب عنها ذلك،و يتوسل بها إلى غيره من المقاصد-كإظهار التأثّر و التأسّف أو الإشفاق و الشوق-يكون مجازاً عقلائيّاً،لا لفظيّاً لغويّاً; بمعنى أن هذا الفعل الاختياري


351

الذي يكون بحسب طبعه آلة للتوجّه إلى الغير لغرض الإفهام،إذا توجّه بها إلى‏ ما ليس له شعور و إدراك،لغرضٍ آخر غير الإفهام-كالتحسّر في قوله: «يا كوكباً ما كان أقصرَ عمرَهُ... »-لا تكون ألفاظه مستعملة في غير معانيها اللُّغويّة،فحرف النداء في المثال و كذا سائر ألفاظه استعملت في معانيها الموضوعة لها،لكن وقع هنا انحراف و تجوز في التكلّم الذي هو من الأفعال الاختياريّة،لا من الألفاظ الموضوعة للمعاني،فالمجاز عقلائيّ لإيجاد ما يكون إيجاده طبعاً لغرض الإفهام; لا لهذا الغرض،بل لمقاصد أخر. و إنّما قلنا: إنّه مجاز و انحراف،لأنّ العقلاء يحملون إيجاد هذا الفعل الاختياري على‏ طبق طبعه لو خُلّي و نفسه،فلو قال المولى لعبده: «أكرم زيداً»،ليس له أن يعتذر عن تركه; باحتمال صدور الكلام منه لغرض آخر غير الإفهام،من الأُمور المترتّبة على‏ هذا الفعل الاختياري،فإنّه لا يُصار إليه إلا مع نصب قرينة،و مع عدمها يحمل التكلّم على‏ ما هو طبعه. و اتّضح ممّا ذكرنا: أنّ ما أفاده المحقّق الخراساني-من أنّ الخطاب موضوع للإيقاعي و الإنشائي،و لكنّه منصرف إلى الحقيقي(1) -ليس على ما ينبغي; لما

(1)كفاية الأُصول: 267-268.
عرفت من أنّ الخطاب لم يكن من الألفاظ الموضوعة; حتّى‏ يقال: إنّه موضوع لمعنى‏ كلّي،و منصرف إلى أحد أفراده أو أقسامه،بل هو فعل اختياريّ كسائر الأفعال الاختياريّة،كما أنّ الأمر في الطلب و أمثاله ليس على ما أفاده،بل كما ذكرنا على‏ ما مرّ تفصيله. هذا مضافاً إلى‏ أنّ الخطابات الإلهيّة في الكتاب العزيز،ليست صادرة لغير غرض الإفهام،كالتأسّف و التحزّن و التحسّر و أمثالها بالضرورة. مع أنّ نسبة الخطابات الإلهيّة إلى المعدومين و الموجودين-في زمن‏


352

الخطاب و في محضر النبيّ صلى الله عليه و آله على السواء; فإنّها إنّما نزلت على قلب سيّد المرسلين صلى الله عليه و آله،كما قال تعالى‏: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَميِنُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرينَ»(1) ،و معلوم أنّها لم تكن من الخطابات اللّفظيّة التي يسمعها كلّ سامع‏

(1)الشعراء(26): 193-194.
و لو كان حاضراً في مجلس الوحي،و النبيّ صلى الله عليه و آله إنّما هو حاكٍ عن تلك الخطابات الغيبيّة،لا أنّها هي نفس الخطابات كما هو واضح و حكايته عن الوحي وصل إلينا بالواسطة; فلا يضرّ بالمدّعى تصرُّمُ الألفاظ و عدم سماعها،بعد كون الحكاية مستمرّة بالكتابة أو بالنقل،كما قال تعالى‏: «لِأنذِرَكُم بِهِ و مَنْ بَلَغَ»(2) ،فنفس الخطاب غير مسموع لأحد،و لا مستمرّ الوجود،لكن الحكاية

(2)الأنعام(6): 19.
عنه مستمرّة باقية إلى‏ آخر الأبد. و ممّا ذكرنا يتّضح النظر فيما أفاده قدس سره. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ النزاع في باب شمول الخطابات للمعدومين،ليس في شمولها في حال عدمهم; بحيث يكون المعدوم طرف المخاطبة مع كونه معدوماً; فإنّه ضروريّ البطلان و لا يمكن أن يكون مورد النقض و الإبرام بين الأعلام،بل الكلام في أنّ تلك الخطابات،هل صدرت لغرض إفهام الموجودين حال الخطاب أو الأعمّ منهم و من المعدومين في زمنهم; ممّن سيوجد في عمود الزمان بحسب التدريج-كلّ في وعائه و زمانه-لا حال عدمه‏[110]،فقوله تعالى: «للَّهِ عَلَى‏

[110]النزاع العقلي المعقول يمكن أن يكون في أنّ ألفاظ العموم التي جاءت تلو أداة النداء و أشباهها ممّا تكون خطاباً،هل تعمّ المعدومين و الغائبين،كما تعمّهم و لو في ظرف وجودهم لو لم تكن مقرونة بها،أو لا،حتّى‏ يرجع النزاع العقلي إلى أنّه هل يستلزم التعميم مخاطبتهما،حتّى‏ يمتنع،أو لا; فيكون النزاع في الملازمة و عدمها؟و هذا يناسب مبحث العامّ،لا ظاهر العنوان; لأنّ إمكان مخاطبتهما و عدمه غير مربوط به،بل المناسب له هو شمول ألفاظ العموم لهم و عدمه،بعد كونها تلو الخطابات الشفاهية. (مناهج الوصول 2: 283-284).


353

الْنَّاسِ حِجُّ البَيْتِ»(1) مثلاً صدر لإفهام كلّ مَنْ كان مصداقاً لهذا المفهوم في الأزمنة

(1)آل عمران(3): 97.
المتدرّجة،و هذا نزاع معقول يمكن الذهاب إلى‏ طرفيه. و الحقّ أن يقال: إنّ الخطاب الصادر من المتكلّم إذا لم يكن له ثبات بوجهٍ-و لو بحفظه بالدفاتر و الخواطر-لا يمكن أن يكون خطاباً إلى‏ غير الموجود في مجلس الخطاب. و إن كان له ثبات و لو بالكتب و الحفظ-و لو في بعض الآلات-فلا إشكال في إمكان تعميمه كالخطابات الواردة في الكتب،مثل قوله: «اعلم»،«افهم»و كالوصايا من الأشخاص إلى‏ أولادهم نسلاً بعد نسلٍ،و لا إشكال في أنّ الخطابات الإلهيّة من هذا القبيل.


355

فصل تعقّب العامّ بالضمير

إذا تعقِّب العامّ بضمير راجع إلى‏ بعض أفراده،فهل يوجب ذلك تخصيصه أم لا[111]؟ كقوله تعالى‏: «و الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ»إلى قوله: «و بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ»(1)

(1)البقرة(2): 228.
حيث اختصّ حكم الأحقّية بالردّ بالرجعيّات. قال المحقّق الخراساني: إنّه دار الأمر بين التصرّف في العامّ; بإرادة خصوص ما أريد من الضمير،أو التصرّف في الضمير،بإرجاعه إلى بعض ما هو

[111]و لا يخلو هذا العنوان عن مسامحة; لما سيتّضح لك: من أنّ الضمير لا يرجع إلى‏ بعض الأفراد في مورد،بل الحكم بحسب الجدّ يختصّ ببعضها،فعوده إلى‏ بعضها لم يكن مفروغاً عنه. و ليعلم: أنّه لم يتّضح من كلامهم أنّ النزاع يختصّ بما إذا علم من الخارج أنّ الحكم غير عامّ لجميع أفراد المرجع،كالآية الشريفة،أو يختصّ بما إذا علم ذلك بقرينة عقلية أو لفظية حافّة بالكلام،مثل قوله: «أهن الفسّاق،و اقتلهم»حيث علم المخاطب حين إلقاء الكلام إليه أنّ حكم القتل ليس لجميع أفراد الفسّاق أو يعمّهما. ظاهر التمثيل بالآية الشريفة عدم الاختصاص بالثاني،بل لا يبعد أن يكون ذيل كلام المحقّق الخراساني شاهداً على التعميم لهما على‏ تأمّل. (مناهج الوصول 2: 293-294).


356

مرجعه،أو بارتكاب التجوز في نسبة الحكم إلى الكلّ توسّعاً،و مع الدوران بينها تكون أصالة العموم بلا معارض; لأنّ المراد من الضمير معلوم; لرجوعه إلى الرجعيّات مثلاً،و إنّما الشكّ في كونه من باب الحقيقة أو المجاز في الكلمة أو الإسناد،و لم يثبت بناء العقلاء على اتّباع الظهور في ذلك،بل المتيقّن منه اتّباعه في تعيين المراد،لا في كيفيّة الاستعمال. هذا،إذا انعقد للكلام ظهورٌ في العموم. و أمّا مع اكتنافه بما يصلح للقرينيّة،فيحكم بالإجمال،و يرجع إلى‏ ما تقتضيه الأُصول(1) . انتهى‏ ملخَّصاً.

(1)كفاية الأُصول: 271-272.
أقول: إنّ الاحتمالين الأخيرين ساقطان رأساً. أمّا احتمال رجوع الضمير إلى‏ بعض ما أريد من المرجع‏[112]،فلما عرفت في محلّه: من أنّ المُبهمات-و منها الضمائر-إنّما وضعت لما هو إشارة بالحمل الشائع; أي لإيجادها،لا لمفهومها(2) ،

(2)توهَّمه جماعة كما في حاشية السيّد الشريف على المطول: 70.
و لا لمصداق المشار إليه(3) ،كما يتراءى‏ من بعض حواشي«المطول»،و لا بدّ

(3)كما اختاره السيّد الشريف،فانظر نفس المصدر.

[112]ما في كلامهم: من كون المقام من قبيل الدوران بين التخصيص و الاستخدام في الضمير،من غريب الأمر; لأنّه يخالف مذاق المتأخّرين في باب التخصيص من عدم كونه تصرّفاً في ظهور العامّ،فقوله: (و الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَََّّصْنَ). مستعمل في العموم،و ضمير بعولتهنّ-أيضاً-يرجع إليها من غير استخدام و تجوز،و المخصّص الخارجي في المقام ليس حاله إلا كسائر المخصّصات من كشفه عن عدم تعلّق الإرادة الجدّية إلا ببعض الأفراد في الحكم الثاني; أي الأحقّية،و ذلك لا يوجب أن يكون الحكم الأول كذلك بوجه،بل هذا أولى‏ بعدم رفع اليد عنه من العامّ الواحد إذا خصّص بالنسبة إلى البقيّة. (مناهج الوصول 2: 295).


357

للإشارة من تعيّن المشار إليه بوجهٍ: إمّا بنحو الحضور خارجاً،أو ذهناً،أو بنحو التخاطب كضمير المخاطب،أو التكلّم كضمير المتكلّم. ف«أنت»و أخواتها وضعت للإشارة إلى‏ متعيّن بالتخاطب،و«هو»و أخواتها وضعت للإشارة إلى‏ متعيّن في الذهن،أو سابق في اللفظ،و إذا لم يكن للمرجع تعيّن بوجه،فلا يكون للإشارة مورد،فلا بدّ و أن يرجع الضمير إلى‏ كلّ ما أريد من العامّ; لأنّه المذكور في الكلام و المتعيّن في المقام،و لا يكون بعض ما أريد من العامّ متعيّناً بوجه; لا لفظاً و ذكراً،و لا عقلاً و ذهناً،فاحتمال رجوعه إلى البعض ساقطٌ. و إن شئت قلت: إنّ الضمير لمّا وضع لأن يكون آلة للإشارة إلى‏ متعيّن،يكون تابعاً للمشار إليه في العموم و الخصوص،فأصالة الظهور في الضمير تابعة لأصالة العموم; فجريان الأصل في العامّ يرفع الشكّ من الضمير،و يكون من قبيل الأصل الحاكم. و أمّا حديث المجاز في الإسناد-بإسناد أحقّيّة الرجوع في الآية إلى كلّ المطلَّقات توسُّعاً-فهو أيضاً ساقط،لأنّ إسناد ما للبعض إلى الكلّ،إنّما يحسن إذا اعتُبر الكلّ شيئاً واحداً،و ادُّعي أنّ ما صدر من البعض صادر من الكلّ; لمكان اتّحاده معه،كقوله: «بنو فلانٍ قتلوا فلاناً»; بدعوى‏ أنّهم بمنزلة شخصٍ واحد،فإذا صدر من واحدٍ منهم أمرٌ،فقد صدر منهم،و أمّا مع إرادة الاستغراق من العموم،فحيث يكون كلّ واحدٍ من أفراده مستقلا في الحكم من غير ادّعاء الوحدة،فلا مصحّح للتجوز و إرجاع الضمير إلى الكلّ توسّعاً،فإذا سقط الاحتمالان،بقي الاحتمال الأول. و التحقيق: أنّ العامّ باقٍ على‏ عمومه،و الضمير راجع إليه و الإسناد واقع عليه بحسب الإرادة الاستعماليّة،و المخصِّص الخارجي أخرج بعض ما أريد-بحسب الاستعمال-عن العامّ،كما هو الحال في كليّة المخصِّصات.


358

و بما ذكرنا يظهر النظر فيما أفاده من إمكان اكتناف العامّ بما يصلح للقرينيّة-أي كون الضمير صالحاً للقرينيَّة-لما عرفت من أنّ الضمير تابع لمرجعه،و أصالة العموم حاكمة على‏ أصالة الظهور فيه،فلا يصلح الضمير للقرينيّة،و إنّما المخصّص للعامّ أمر آخر خارج و المخصّص الخارجي يوجب عدم تطابق الإرادتين في الضمير لا العامّ; لأنّ حكم التربّص ثابتٌ لجميع المطلّقات،و الاختلاف إنّما هو في جواز الرجوع و عدمه‏[113].

[113]أمّا إذا كان الكلام مقترناً-عقلاً أو لفظاً-بما يجعل الحكم خاصّاً ببعض الأفراد،فالظاهر طرو الإجمال في الغالب; لعدم إحراز بناء العقلاء على‏ إجراء أصالة التطابق في مثل ما حفّ الكلام بما يصلح للاعتماد عليه،فصحّة الاحتجاج بمثل: «أهن الفسّاق و اقتلهم»لإهانة غير الكفّار،مشكلة. (مناهج الوصول 2: 296).


359

فصل فرق بين المفهوم المخالف و الموافق‏

قد عرفت-فيما سبق(1) -الفرق بين المفهوم المخالف و الموافق،و أنّ‏

(1)تقدّم في الصفحة 271-272.
الثاني يرجع إلى إلقاء الخصوصيّة[114]،و لا يشترط فيه الأولويّة،كما في قوله: الرجل يشكّ بين الثلاث و الأربع،قال: «يبني على الأربع»(2) فإنّ العرف‏

(2)اُنظر وسائل الشيعة 5: 322،كتاب الصلاة،أبواب الخلل الواقع في الصلاة،الباب 10،الحديث‏7.
يلقي الخصوصيّة مع أنّ المرأة لا أولويّة لها و بعد فرض إلقاء الخصوصيّة يخصّص العامّ. و ما أفاده في«الكفاية»-من كون التخصيص به مورد الاتفاق(3) -غير

(3)كفاية الأُصول: 272.
مسلّم بل قد يظهر وجود الخلاف بين القدماء،كما في كلام العضدي(4) بعد

(4)اُنظر شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 275.
الترديد«أنّ الأظهر هو التخصيص به»فالتعبير به ممّا يتراءى‏ منه الخلاف في المسألة.

[114]اُنظر التعليقة 83.


360

و أمّا الأول-أي المفهوم المخالف-فهو يرجع إلى‏ دخالة القيد،و أنّ الحكم ثابت للذات مع تقيّدها بقيدٍ،و ليست الذات تمام الموضوع للحكم،و قد عرفت(1) : أنّ ذلك هو مورد بحث القدماء[115]،دون ما هو المبحوث عنه لدى‏

(1)تقدّم في الصفحة 268-271.
المتأخّرين من أنّ أداة الشرط يستفاد منها العلّيّة المنحصرة،أو الوصف مثلاً يُشعر بالعلّيّة المنحصرة. و بالجملة: إنّ الملاك في كلّية المفاهيم عند القدماء شي‏ء واحد هو دخالة القيد في الحكم،فعلى هذا يكون التقييد أو التخصيص بالمفهوم المخالف راجعاً دائماً إلى‏ حمل المطلق على المقيّد،و السرّ فيه هو السرّ فيه. مثلاً: ما روته العامّة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله من أنّه قال: «خلق اللَّه الماء طهوراً لم ينجّسه شي‏ء،إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته»(2) تكون نسبته‏

(2)اُنظر اتّحاف السادة المتّقين 2: 332،و المغني عن حمل الحكمة المتعالية 1: 129،و التفسير الكبير 24: 95،و السرائر 1: 64.
إلى قوله: «إذا بلغ الماء قدر كُرٍّ لم ينجّسه شي‏ء»(3) ،نسبة المطلق إلى المقيّد;

(3)مختلف الشيعة 1: 24،و انظر وسائل الشيعة 1: 117،كتاب الطهارة،أبواب الماء المطلق،الباب 9،الحديث 1 و 2 و 6.
فإنّ الأوّل يدلّ على‏ أنّ الماء تمام الموضوع لعدم التنجّس،و الثاني يدلّ على أنّ للكريّة دخالة فيه،فتقع المعارضة بين المنطوقين،و لا إشكال في أظهريّة المقيّد في دخالة القيد من المطلق في تمام الموضوعيّة،فيحمل عليه. و أمّا إذا لم يكن الماء كُرّاً فلا يدلّ الثاني على شي‏ء; فإنّ المفهوم منه ليس إلا دخالة القيد،و أمّا عدم دخالة شي‏ء آخر،فلا يمكن أن يقع قيد آخر مقام القيد المذكور،فيكون الماء مثلاً مع الجريان أو مع المادة أيضاً غير منفعل.

[115]قد مرّ في مبحث المفاهيم أنّ في هذه النسبة تردّد. لاحظ التعليقة 81.


361

و بالجملة: إنّ التخصيص بالمفهوم المخالف-عند القدماء-من صُغريات حمل المطلق على المقيّد،و الكلام فيه هو الكلام فيه‏[116]. و أمّا عند المتأخّرين،فعلى القول بالعليّة المنحصرة ليس دلالة مفهوميّة،بل هي دلالة بالمنطوق; حيث تدلّ أداة الشرط أو الوصف المعتمد على الموصوف على العلّيّة المنحصرة،فتدلّ على‏ عدم الحكم عند عدم القيد،و حينئذٍ ليس من قبيل المطلق و المقيّد،كما لا يخفى‏; و لهذا تدلّ على‏ عدم مدخليّة قيدٍ آخر سوى القيد المذكور،فتدبّر.

[116]لا إشكال في أنّ الكلام بعد الفراغ عن المفهوم،و أن يكون التعارض بين عامّ و مفهوم،كما لو ورد: «أكرم كلّ عالم»و ورد: «إن جاءك زيد لا تهن فسّاق العلماء»ممّا كان مفهومه أخصّ من العامّ مطلقاً،و مثل: «أكرم العلماء»و«إن جاءك زيد أكرم الفسّاق»ممّا كان مفهومه أعمّ من وجه معه. و أمّا ما قيل: من أنّ الكلام في تخصيص العامّ بالمفهوم عند القدماء هو الكلام في باب الإطلاق و التقييد،فهو خروج عن ظاهر البحث و عنوانه بلا دليل. (مناهج الوصول 2: 302).


363

فصل الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة

الاستثناء المتعقّب لجملٍ متعدّدة،هل يمكن رجوعه إلى الكلّ أم لا؟ و على الأوّل هل الظاهر رجوعه إلى الكلّ،أو الأخيرة،أو لا ظهور له؟ قد عرفت في مبحث الحروف: أنّ معانيها غير مستقلّة في الوجود،و أنّ موجوديّتها بنفس المعاني الاستقلاليّة التي هي فانية فيها،و الاستثناء ب«إلا»من المعاني الحرفيّة الربطيّة الغير المستقلّة،الفانية في المعاني الاسميّة،فحينئذٍ قد يعتبر الجمل المتعدّدة بنعت الوحدة،فيخرج ب«إلا»من مجموعها من حيث المجموع،و هذا ممّا لا محذور فيه. و قد يُعتبر القضايا متعدّدة كثيرة،فيراد أن يستثنى‏ ب«إلا»من كلّ واحدٍ منها،فمحذوره أشدّ من استعمال لفظٍ واحد في معانٍ متعدّدة; فإنّ الحروف آلة للحاظ المعاني الاسميّة و فانية فيها،و لا يمكن فناء شي‏ءٍ واحد في أمور كثيرة،و لا يُقاس ذلك بالاستثناءات المتعدّدة; فإنّ حروف العطف فيها رابطة،فيخرج الأوّل ب«إلا»و يرتبط الثاني به بحرف العطف... و هكذا،فلا محذور فيه،بخلاف الاستثناء الواحد من الجمل الكثيرة،فإنّه من قبيل استعمال اللّفظ الواحد في


364

معانٍ متعدّدة،بل أشدّ محذوراً منه‏[117]. اللّهمّ إلا أن يقال: إنّ الاستعمال ليس إلا من قبيل العلامة(1) ،فبعد تصوّر

(1)اُنظر كفاية الأُصول: 53.
الجمل المتعدّدة،و كون المستثنى‏ خارجاً من كلٍّ منها،يجعل علامة للإخراج من كلٍّ منها،فيفهم المخاطب بواسطتها كونه خارجاً من جميعها. أو يقال: ربّما يلاحظ الجمل الكثيرة بلحاظٍ واحد حين استعمال الأداة الاستثنائيّة،و أن تلاحظ تلك الجمل مستقلّة حين استعمالها،فيستثنى‏ باللحاظ الواحد من جميعها. و يؤيّد ذلك: عدم إمكان إلزام أئمّة الأدب بالإشكال المتقدّم.

[117]التحقيق أن يقال: إنّ تلك الحروف لمّا كانت تابعة للأسماء في التحقّق الخارجي و الذهني و في أصل الدلالة على‏ معانيها،كانت تابعة لها في كيفية الدلالة; أي الدلالة على الواحد و الكثير،فتكون دالّة على‏ واحد عند كون الأطراف كذلك،و على الكثير إذا كانت الأطراف كذلك. ففي قولنا: «كلّ عالم في الدار»يكون العالم دالا على‏ عنوان المتلبّس بالعلم،و الكلّ على‏ أفراده،و لفظة«في»على الروابط الحاصلة بينها و بين الدار،فيكون من قبيل استعمال اللفظ في المعاني الكثيرة،لا استعماله في كلّي منطبق على الكثيرين; لعدم تعقّل ذلك و إمكان ما ذكرنا بل وقوعه. و هذا النحو من الاستعمال في الكثير كالوضع له و الحكاية عنه ممّا لا مانع منه،و لو كان المستعمل فيه غير متناهٍ; لأنّ تكثير الدلالة و الاستعمال تبعي فلا محذور فيه و لو قلنا بعدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى‏ في الأسماء; لعدم جريان البرهان المتوهّم في الحروف; لما عرفت: من أنّ استعمالها و دلالتها و تعقّلها و تحقّقها تبعية غير مستقلّة. (مناهج الوصول 1: 85). هذا،مع منع لزوم استعمال الأداة في أكثر من معنى‏; فإنّ المستثنى‏ إذا كان كلّيا قابلا للصدق على الكثيرين فأُخرج ب«إلا»و غيرها،يكون الاستثناء بإخراج واحد مخرجا للكثيرين،فقوله: «أكرم العلماء،و أضف التجّار إلا الفسّاق منهم»إخراج واحد للفسّاق قابل للانطباق على‏ فسّاق العلماء و التجّار،فلا يكون استعمال الأداة في أكثر من معنى‏. (مناهج الوصول 2: 307).


365

هذا بحسب مقام الثبوت. و أمّا بحسب مقام الدلالة و الظهور: فلا إشكال في عدم الظهور في شي‏ءٍ[118]،و لكن القدر المتيقّن هو الأخير،و غيره يحتاج إلى الدليل.

[18]و الظاهر رجوع الاستثناء إلى‏ جميع الجمل إذا ذكر الاسم الظاهر في الجملة الأُولى‏،و عطف سائر الجمل عليها مشتملاً على الضمير الراجع إليه،و اشتمل المستثنى‏-أيضاً-على الضمير،كقوله: «أكرم العلماء و سلّم عليهم و ألبسهم إلا الفسّاق منهم»لأنّ الضمير-كما مرّ-موضوع لنفس الإشارة إلى الغائب،كما أنّ أسماء الإشارة موضوعة للإشارة إلى الحاضر،فإذا اشتمل المستثنى‏ على الضمير يكون إشارة إلى‏ شي‏ء،و لم يكن في الجمل شي‏ء صالح للإشارة إليه إلا الاسم الظاهر المذكور في صدرها،و أمّا سائر الجمل فلا تصلح لإرجاع الضمير إليها; لعدم عود الضمير إلى الضمير. و بالجملة: لمّا كان الاسم الظاهر مرجعاً للضمائر التي في جميع الجمل،فإذا رجع ضمير الاستثناء إليه،يخرجه عن تحت جميع الأحكام المتعلّقة به،كما هو المتفاهم به عرفاً أيضاً. و كذا لا يبعد أن يكون الاستثناء من الجميع إذا لم يشتمل المستثنى‏ على الضمير مع اشتمال الجمل عليه،كما لو قال في المثال المتقدّم: «إلا بني فلان». أمّا إذا قلنا: بأنّ الضمير في مثله منويّ،فلما ذكرنا،و إن قلنا بعدم النيّة; فلأنّ الضمائر في سائر الجمل غير صالحة لتعلّق الاستثناء بها; فإنّها بنفسها غير محكومة بشي‏ء،فلا محالة يرجع الاستثناء إلى‏ ما هو صالح له. و أمّا إذا تكرّر الاسم الظاهر،كما لو قال: «أكرم العلماء و أضف التجّار و ألبس الفقراء إلا الفسّاق منهم»فرجوعه إلى الجميع و إلى الأخيرة محتمل،و لا يكون ظاهراً في واحد منهما. و ما قيل: من أنّ الظاهر رجوعه إلى الأخيرة; لأنّ تكرار عقد الوضع في الجملة الأخيرة مستقلاّ يوجب أخذ الاستثناء محلّه من الكلام،لا يرجع إلى‏ محصّل،بل المستثنى‏ إن اشتمل على الضمير،يكون الاستثناء تابعاً له في السعة و الضيق،و هو محتمل الرجوع إلى الأخيرة و إلى الجميع من غير تأوّل و تجوّز،و مع عدم الاشتمال يحتمل الأمرين-أيضاً


366

...........

-بانطباق العنوان على الجميع أو الأخيرة،بل رجوع الضمير و انطباق العنوان على الجميع لو لم يكن أولى‏،فلا أقلّ من المساواة احتمالاً. و ممّا ذكرنا يظهر حال ما إذا اشتمل بعض الجمل المتوسّطة على الاسم الظاهر،و ما بعده على الضمير الراجع إليه،مثل قوله: «أكرم العلماء و سلِّم عليهم و أضف التجّار و أكرمهم إلا الفسّاق منهم»من احتمال الرجوع إلى المشتمل على الاسم الظاهر في الجملة الأخيرة و ما بعدها،و إلى الجميع. (مناهج الوصول 2: 307-308). ثمّ إنّه فيما إذا لم يظهر رجوعه إلى الأخيرة أو الجميع،فالأخيرة متيقّنة; لأنّ الرجوع إلى‏ غيرها خلاف قانون المحاورة،فهل يجوز التمسّك بالعامّ في سائر الجمل التي شكّ في رجوعه إليها،أو لا،أو يفصّل بين ما إذا قلنا باحتياج العموم إلى‏ مقدّمات الحكمة،و عدمه؟ الظاهر عدم الجواز مطلقاً; لعدم إحراز بناء العقلاء على التمسّك بأصالة الجدّ فيما إذا حفّ الكلام بشي‏ء صالح لتقييد مدخول أداة العموم،فلا محالة يصير الكلام مجملاً. و ما قيل: من أنّ ذلك مخلّ بغرض المتكلّم،منظور فيه; لإمكان تعلّق غرضه بإلقاء الكلام المجمل،و إلا لوجب أن لا يصدر منه المجملات،و هو كما ترى‏. و قد يقال: إنّ أصالة الإطلاق في الاستثناء و المستثنى‏ جارية لو لا حكومة أصالة العموم عليها،و معها لا مجال لقرينة الإطلاق; لأنّه دوري. و فيه أوّلاً: أنّ المستثنى‏ إن اشتمل على الضمير،يتبع إطلاقه له،و لا يكون الإطلاق مشخّصاً لمرجع الضمير; للزوم الدور. و ثانياً: أنّ العموم و إن لم يحتج إلى المقدّمات،لكن يتوقّف الاحتجاج به على‏ جريان أصالة الجدّ،و في مثل الكلام المحفوف بما ذكر جريانها غير محرز. و مع عدم اشتماله على الضمير-أيضاً-محلّ إشكال; لصحّة انطباق عنوانه على الجميع،كان الضمير منويّاً أو لا،و معه لا تكون أصالة الجدّ محرزة،فتدبّر. (مناهج الوصول 2: 309-310).


367

فصل جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

الحقّ جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد المعتبر بالخصوص; للسيرة المستمرّة في جميع الأعصار عليه،و لولاه لما قام للمسلمين فقه; ضرورة نُدرة خبر لم يكن على‏ خلافه عموم الكتاب. و استدلّ على‏ عدم الجواز بأمور: الأوّل: أنّ الخبر الواحد ظنّي،و الكتاب قطعي،و لا يجوز رفع اليد عنه به(1) .

(1)عُدّة الأُصول 1: 344،و انظر شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 247-السطر13.
و الجواب: أنّ التصرّف ليس في السند،بل في العموم،و أصالة العموم ظنّيّة،فرفع اليد عن العموم به رفع لليد عن الدليل الظنّي بالدليل الظنّي الأقوى‏; للسيرة العقلائيّة. الثاني: أنّ دليل حجّيّة الخبر هو الإجماع،و هو قاصرٌ عن المورد; لأنّ القدر المتيقّن منه غيره(2) .

(2)عُدّة الأُصول 1: 344-345،و انظر كفاية الأُصول: 275.


368

و فيه: أنّ الدليل هو السيرة القطعيّة العقلائيّة،و لم يرد ردعٌ عنها،و الإجماع أيضاً عمليّ يرجع إليها،لا إلى الإجماع المصطلح،كما أنّ سيرة المسلمين ترجع إلى السيرة العقلائيّة،لا المتشرّعة،و قد عرفت: أنّ السيرة في جميع الأعصار[جارية]على‏ تخصيص الكتاب بالخبر. الثالث: أنّه لو جاز التخصيص لجاز النسخ; لأنّ النسخ هو التخصيص الزماني،و لا يجوز نسخه به قطعاً(1) .

(1)اُنظر عدّة الأُصول 1: 345،و معالم الدين: 147-148.
و فيه: منع الملازمة; لقيام الإجماع على عدم جواز النسخ،دون التخصيص. مضافاً إلى‏ منع عدم جواز النسخ أيضاً. الرابع: أنّ الأخبار المتواترة معنىً أو إجمالاً،تدلّ على وجوب طرح الأخبار المخالفة للقرآن(2) ،فكيف يخصّص القرآن به(3) .

(2)تأتي الإشارة لمصادرها.

(3)اُنظر عُدّة الأُصول 1: 350،و كفاية الأُصول: 275-276.
و الجواب عنه: أنّ تلك الأخبار-على‏ كثرتها-على‏ طوائف: الأُولى‏: ما دلّت على‏ وجوب عرض الخبر على‏ كتاب اللَّه،فإن وُجد فيه شاهد أو شاهدان عليه فيعمل به،و إلا فلا(4) .

(4)اُنظر الكافي 1: 55-2 و 2: 176-4،و المحاسن: 225-145،و وسائل الشيعة 18: 78،كتاب القضاء،أبواب صفات القاضي،الباب 9،الحديث 11.
و هذه الطائفة تدلّ على‏ عدم حجّيّة الأخبار من رأسٍ،فإنّه لو وجد شاهد أو شاهدان من كتاب اللَّه على‏ شي‏ءٍ،و يكون شرط العمل به ذلك،يكون المعمول عليه هو الكتاب فقط،فلا معنى‏ لحجّيّته،فهذه الطائفة معارضة لجميع ما دلّ


369

على‏ حجّيّة الخبر الواحد،و قد دلّت الأخبار المتواترة على‏ إمضاء السيرة العقلائيّة في العمل بالأخبار،كما أنّ عمل الأصحاب عليه خلفاً عن سلفٍ،فلا يمكن أن تكون تلك الأخبار رادعة عنها. مع أنّها أخبار آحاد لا تبلغ حدّ التواتر،فرادعيّتها عنها دوريّة. الثانية: ما دلّ على الترجيح بكتاب اللَّه عند تعارض الخبرين(1) .

(1)كما في الكافي 1: 7،عيون أخبار الرضا7 2: 20-45،وسائل الشيعة 18: 80-81،كتاب القضاء،أبواب صفات القاضي،الباب 9،الحديث 19 و 21.
و هذه الطائفة غير مربوطةٍ بما نحن فيه. الثالثة: الأخبار الدالّة على‏ عدم صدور الأخبار المخالفة-أو غير الموافقة-للقرآن منهم،و أنّ الخبر الكذائي(زُخرف)،و(باطل)،و(يُضرب على الجدار)(2) .

(2)كما في الكافي 1: 55-4،تفسير العيّاشي 1: 9-7،التبيان في تفسير القرآن 1: 5،عُدّة الأُصول 1: 350،وسائل الشيعة 18: 78،كتاب القضاء،أبواب صفات القاضي،الباب 9.
الرابعة: ما دلّت على‏ أنّ الأخبار المخالفة-أو غير الموافقة-لا يجوز العمل بها،و يجب ردّ علمها إليهم(3) . فالعمدة هي هاتان الطائفتان.

(3)مستطرفات السرائر: 69-17،جامع أحاديث الشيعة 1: 66،باب 6 من أبواب المقدّمات.
و الجواب عنهما: أنّه لا محيص عن حملهما على المخالفة بالتباين; ضرورة ورود الأخبار المخالفة لعموم الكتاب و إطلاقه منهم،بل ما من خبرٍ إلا و هو مخالفٌ لعموم الكتاب أو إطلاقه،و قلّما يتّفق أن تكون الأخبار المتواترة على‏ خلافه،مع أنّ لسان‏[تينك‏]الطائفتَيْن طرح الأخبار المخالفة مطلقاً; واحدة كانت أو متواترة.


370

هذا،مضافاً إلى‏ أنّ المخالفة بالعموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد ليست مخالفة عرفاً; فإنّ المخالفة-أو غير الملائمة و الموافقة-عند العرف هي المباينة عندهم. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ تخصيص الكتاب بالخبر الحجّة جائز.


371

المقصد الخامس المطلق و المقيّد


373

فصل تعريف المطلق‏

عُرّف المطلق: بأنّه ما دلّ على‏ شائعٍ في جنسه،و المقيّد بخلافه(1) .

(1)شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 284،معالم الدين: 54-السطر 3.
و قد استُشكل عليه بعدم الاطّراد و الانعكاس(2) .

(2)الفصول الغرويّة: 218-السطر 12.
و قال المحقّق الخراساني: إنّ مثله شرح الاسم،و ليس بتعريف حقيقيّ،و هو ممّا يجوز ألا يكون بمطّرد،و لا بمنعكس(3) . و هو كما ترى‏.

(3)كفاية الأُصول: 282.
و يرد على‏ هذا التعريف إشكالات: منها: أنّه إن كان المراد بالجنس فيه،هو الطبيعة التي مدلول اللفظ،يلزم أن يكون المطلق شائعاً في نفسه،و هو كما ترى‏. و إن كان الجنس الذي فوق مدلول المطلق،يلزم أن يكون شائعاً فيما فوقه،و هو أشدّ محذوراً. و إن كان المراد بالجنس هو الأفراد،ففيه: أنّها ليست جنس الكلّي. و منها: أنّه يظهر من هذا التعريف: أنّ الإطلاق و التقييد وصفان للّفظ


374

باعتبار المعنى الموضوع له،فبعض الألفاظ وضع لمعنىً شائع في جنسه،و هو المطلق،و بعض الألفاظ وضع لمعنىً غير شائع فيه و هو المقيّد،فالموضوع له في المطلق غيره في المقيّد. و إن شئت قلت: إنّ الأعلام الشخصيّة و الجزئيّات الحقيقيّة ممّا لا شيوع لها تكون من المقيَّدات،و الماهيّات الكلّيّة-من أسماء الأجناس و أعلامها و النكرات; ممّا لها شمول استغراقي أو بدليّ-من المطلقات،و هذا خلاف التحقيق في المطلق و المقيّد حسب ما يستفاد من موارد استعمالاتهما لدى الفقهاء و الأُصوليّين(1) .

(1)اُنظر الذريعة إلى‏ أُصول الشريعة 1: 275-277،و عدّة الأُصول 1: 329-333.
و التحقيق: أنّ المطلق و المقيّد ليسا من صفات المعنى الموضوع له،و ليس للمطلق معنىً،و للمقيّد معنىً آخر موضوع له لفظ آخر في قباله،بل المطلق و المقيّد صفتان لموضوع الحكم بما أنّهما موضوعه،فربّما جعل شي‏ء تمام الموضوع في ثبوت حكم عليه،و ربّما لا يكون كذلك،بل جعل موضوعاً مع قيد زائد. فالمطلق: ما يكون موضوعاً لحكمٍ من الأحكام بلا دخالة قيد فيه غير ذاته،و يقال له: المطلق; لإطلاقه عن القيود و السلاسل،و لكونه جارياً على‏ مقتضى‏ ذاته. و المقيّد: ما يكون موضوعاً لحكم مع دخالة شي‏ء آخر فيه،و يقال له: المقيّد; لتقيّده،كالمحبوس المقيّد بالسلسلة.
و ممّا ذكرنا يتَّضح أُمور:

الأوّل:

أنّ المطلق لا بدّ له من شيوع،سواء كان شيوعاً فرديّاً،أو حاليّاً،فما


375

لا شيوع له أصلاً-لا بحسب الأفراد،و لا بحسب الحالات و الأزمان-لا يعدّ مطلقاً.

الثاني:

أنّ الشائع أيضاً لا يُعدّ مطلقاً إلا إذا أخذ موضوعاً لحكم،و يكون تمام الموضوع له بلا دخالة شي‏ء فيه،فقوله: «أعتق رقبة»مطلق،كقوله: «أكرم زيداً».

الثالث:

أنّ الإطلاق و التقييد صفتان لأمر واحد باعتبارين،فالرقبة إذا كانت تمام الموضوع لحكم تكون مطلقة،و إذا كانت مع قيد الإيمان موضوعاً له تكون مقيّدة،فالإطلاق و التقييد وصفان للرقبة في المثال; باعتبار تمام الموضوعيّة للحكم و عدمه.

الرابع:

أنّ الإطلاق و التقييد وصفان إضافيّان،فربّما كان شي‏ء باعتبار قيد مطلقاً،و باعتبار قيد آخر مقيّداً،فعتق الرقبة بالنسبة إلى الإيمان يمكن أن يكون مقيّداً،و بالنسبة إلى الصحّة و المرض مطلقاً.

الخامس:

أنّ بين المطلق و المقيّد تقابل العدم و الملكة،فالمطلق هو غير المقيّد ممّا من شأنه أن يكون مقيّداً[119].

السادس:

أنّ الإطلاق و التقييد وصفان للمعنى‏ أوّلاً و بالذات،و للّفظ الدالّ عليه ثانياً و بالعرض،فالرقبة-في مقام الثبوت-إذا كانت تمام الموضوع لحكم،تكون مطلقة،و إلا تكون مقيّدة،و اللفظ الدالّ على الأوّل مطلق بواسطة،

[19]و منها: أنّ بين الإطلاق و التقييد شبه العدم و الملكة; لأنّ الإطلاق متقوّم بعدم التقييد،و كان من شأنه ذلك،و ما لا يكون من شأنه التقييد لا يكون مطلقاً و لا مقيّداً. و إنّما قلنا: شبههما; لأنّ التقابل الحقيقي إنّما يكون فيما إذا كان للشي‏ء استعداد حقيقة; بحيث يخرج من القوّة إلى الفعل بحصول ما يستعدّ له،فالأعمى‏ إذا صار بصيراً خرج من القوّة إلى الفعل،و في باب المطلق و المقيّد ليس الأمر كذلك. (مناهج الوصول 2: 315).


376

و الدالّ على الثاني مقيَّدٌ كذلك.

السابع:

أنّ الإطلاق متقوّم بأمر عدميّ،و هو عدم أخذ شي‏ء في الموضوع سوى الذات،و لا يحتاج إلى‏ لحاظ السريان و الشيوع في الأفراد،و لا إلى تقيّدها بالسريان فيها(1)

(1)كما هو المشهور على‏ ما في مطارح الأنظار: 221-السطر 34.
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ ملاك الإطلاق-أي صيرورة الموضوع متساوي النسبة إلى‏ جميع الأفراد بالنسبة إلى‏ حكم،شموليّاً كان أو بدليّاً-هو كونه تمام الموضوع ثبوتاً،و ملاك التقييد كونه الموضوع مع قيد. و هذا هو ملاك السريان،لا تقييده بالسريان أو لحاظه فيه،بل التقييد به يوجب عدم السريان،فالاختلاف بين الإطلاق و التقييد إنّما هو باعتبار مقام الموضوعيّة لحكم،لا بحسب مقام الوضع،فلا يكون الموضوع له فيهما مختلفاً.
تنبيه: الألفاظ المطلقة

بناءً على‏ ما ذكرنا في تحقيق المطلق و المقيّد،لا حاجة إلى تحقيق أسماء الأجناس و أعلامها و أمثالهما،لكن نذكر ما هو التحقيق فيهما استطراداً و تبعاً ل«الكفاية»(2)

(2)كفاية الأُصول: 282-286.
فنقول: أمّا اسم الجنس-كإنسان و فرس و سواد و بياض من الجواهر و الأعراض-فوضع لنفس الطبيعة اللابشرط،التي هي نفس الماهيّات من حيث هي،المنتفية عن مرتبة ذاتها غير ذاتها و ذاتيّاتها،حتّى النقائض،فالإنسان بما أنّه إنسان،لا موجود و لا لاموجود،و لا واحد و لا كثير،و لا أسود و لا لاأسود... و هكذا،فالأوصاف التي تكون من قبيل الخارج المحمول،و التي من قبيل


377

المحمول بالضميمة،كلّها مرتفعة عن مرتبة ذات الماهيّة،كما أنّ مقابلاتها كذلك،و هذا لا يحتاج إلى‏ تحقيق أقسام الماهيّة،لكنّا نشير إليها تبعاً للقوم. فنقول: إنّهم قسّموها إلى الماهيّة بشرط شي‏ء،و بشرط لا،و لا بشرط. فعرّفوا الأُولى‏: بأنّها عبارة عن الماهيّة مع لحاظ شي‏ء معها،كالإنسان الموجود أو الكاتب. و الثانية: بأنّها هي مع لحاظ التجرّد عن كلّ شي‏ء و اعتبار عدمه. و الثالثة: بأنّها هي مع عدم لحاظ شي‏ء معها(1)

(1)اُنظر الحكمة المتعالية 2: 16-18.
فأشكل عليهم: بأنّ المقسم فيها عين القسم الثالث; أي الماهيّة لا بشرط شي‏ء(2) ،فأطالوا الكلام و النقض و الإبرام لدفع الإشكال و تحصيل الفرق بينهما(3)

(2)نفس المصدر: 19.

(3)نفس المصدر 2: 19،شرح المنظومة،قسم الحكمة: 97،مطارح الأنظار: 216-السطر 26،فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 569.
و الذي يساعد عليه النظر الدقيق: أنّ تلك الأقسام ليست لنفس الماهيّة،بل هي أقسام للحاظها على أنحاء،فقد تلحظ بشرط شي‏ء،و قد تلحظ بشرط لا،و قد تلحظ لا بشرط شي‏ء،فأصل اللحاظ مَقْسمٌ-و هو غير أقسامه-و ليست الأقسام للماهيّة حتّى‏ يرد الإشكال. و ليست الماهيّة اللابشرط على‏ قسمين: مقسمي و قسمي،و كلّ مَنْ تصدّى‏ لتقسيم الماهيّة قسَّمها بلحاظ هذه الاعتبارات،و إن غفل عن كون التقسيم للاعتبار و اللحاظ لا لنفسها. بل لا يمكن أن يكون التقسيم لنفسها; فإنّ الماهيّة المجرّدة-أي التي بشرط لا-لا حقيقة لها أصلاً بحسب الواقع،لا في الخارج و لا في الذهن،فكيف تكون من أقسامها؟!


378

كما أنّ اللابشرط-بما أنّها لا بشرط-لا حقيقة لها،فتحقّقهما و تقرّرهما بحسب الاعتبار و اللحاظ و إن كان نفسُ الاعتبار مغفولاً عنه،فالتقسيم باعتبار اللحاظ،و المقسم لحاظ الماهيّة،لكن اللحاظ مغفول عنه،فالأقسام و إن كانت متقوّمة باللحاظ،و لكنّه مغفولٌ عنه‏[120]. و هذا بوجهٍ نظير الجواب عن الإشكال في باب«أنّ المجهول المطلق لا يخبر عنه»بأنّ هذا إخبارٌ(1) .

(1)اُنظر الحكمة المتعالية 1: 345-347.
فيجاب: بأنّ هذا الإخبار باعتبار معلوميّته بحسب اللحاظ; و إن كان‏

[120]و أبعد شي‏ء في المقام هو توهّم: كون التقسيم للحاظ الماهية،لا نفسها،فلا أدري أنّه أيّ فائدة في تقسيم اللحاظ. ثمّ أيّ ربط بين تقسيمه و صيرورة الماهية باعتباره قابلة للحمل و عدمه. (مناهج الوصول 2: 321). و الذي يؤدّي إليه النظر الدقيق-و إن لم أر المصرّح به-أنّ كلّية التقسيمات التي في باب الماهية و الأجناس و الفصول تكون بلحاظ نفس الأمر و مرآة إلى الواقع،و الاختلاف بين المادّة و الجنس و النوع واقعي.... ،و كذا الحال في أقسام الماهية،فإنّها بحسب حالها في نفس الأمر; فإنّها إذا قيست إلى‏ أيّ شي‏ء،فلا يخلو إمّا أن يكون لازم الالتحاق بها بحسب ذاتها،أو وجودها،أو ممتنع الالتحاق بها،أو ممكن الالتحاق،فالأوّل كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة،و كالتحيّز بالنسبة إلى الجسم الخارجي،و الثاني كالفردية بالنسبة إلى الأربعة،و كالتجرّد بالنسبة إلى الجسم الخارجي،و الثالث كالوجود بالنسبة إلى الماهية،و كالبياض بالنسبة إلى الجسم الخارجي. فالماهية بحسب الواقع لا تخلو عن أحد الأقسام،و هو مناط صحيح في تقسيمها إلى بشرط شي‏ء و لا بشرط و بشرط لا،من غير ورود إشكال عليه،و من غير أن تصير الأقسام متداخلة. و حينئذٍ يكون الفرق بين المقسم و اللابشرط القسمي واضحاً; لأنّ المقسم نفس ذات الماهية،و هي أعمّ من الأقسام،و اللابشرط القسمي مقابل للقسمين بحسب نفس الأمر،و مضادّ لهما. (مناهج الوصول 2: 320-321).


379

اللحاظ مغفولاً عنه. هذا حال اسم الجنس. و أمّا عَلَمه: و هو كما ذكره المحقّق الخراساني-تبعاً لأعاظم أئمّة النحو،كسيبويه في«الكتاب»(1) و ابن مالك(2) -أنّه لا فرق بين أسماء الأجناس‏

(1)الكتاب 1: 307.

(2)في شرح التسهيل،اُنظر شرح الأُشموني مع حاشية الصبّان 1: 135.
و أعلامها[121]; فإنّهما موضوعتان لنفس الطبيعة من غير لحاظ شي‏ء آخر معها،و لا معنى‏ لوضع اللفظ بإزاء الطبيعة المتعيّنة بالتعيّن الذهني(3) ; فإنّه معه‏

(3)اُنظر شرح الأُشموني مع حاشية الصبَّان 1: 135-136،و همع الهوامع 1: 70،و شرح التصريح على التوضيح 1: 125.
لا يمكن أن يحمل على الخارج(4) .

(4)كفاية الأُصول: 283.

[121]و يمكن أن يقال: إنّ اسم الجنس المجرّد عن اللام و التنوين و غيرهما موضوع لنفس الطبيعة من حيث هي،و هي ليست معرفة و لا نكرة،و هما تلحقانها في رتبة متأخّرة عن ذاتها; لأنّ التعريف-في مقابل التنكير-عبارة عن التعيّن الواقعي المناسب لوعائه،و التنكير عبارة عن اللاتعيّن كذلك،فالماهية بذاتها لا تكون متعيّنة و لا لا متعيّنة; و لهذا تصلح لعروضهما عليها،فلو كانت متعيّنة و معرفة بذاتها لم يمكن أن يعرضها ما يضادّها،و بالعكس،هذا مع أنّ لازم ذلك كونهما جزءها أو عينها،و هو كما ترى‏. فحينئذٍ نقول: يمكن أن يفرّق بينهما بأن يقال: إنّ اسم الجنس موضوع لنفس الماهية التي ليست نكرة و لا معرفة،و علمه موضوع للماهية المتعيّنة بالتعيّن العارض لها متأخّراً عن ذاتها في غير حال عروض التنكير عليها،و الفرق بين علم الجنس و اسم الجنس المعرّف أنّ الأوّل يفيد بدالّ واحد ما يفيد الثاني بتعدّد الدالّ. فالماهية بذاتها لا معروفة و لا غيرها،و بما أنّها معنى‏ معيّن بين سائر المعاني و طبيعة معلومة-في مقابل غير المعيّن-معرفة،فأُسامة موضوعة لهذه المرتبة،و اسم الجنس لمرتبة ذاتها. (مناهج الوصول 2: 323).


380

هذا إذا كان المراد بالتعيّن الذهني مفهومه،و إن كان المراد هو التعيّن الماهويّ-أي ما هو بالحمل الشائع كذلك-فلا يحتاج إلى التقيّد; لأنّ ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروريّ،و إثبات أحكام المعرفة على‏ عَلَم الجنس-دون اسمه-ليس باعتبار التعيّن الذهني،بل إنّما تعريفه لفظيّ مسموع من العرب،كالتأنيث اللّفظي‏[122]. و أمّا المفرد المعرَّف باللام: فينقسم إلى‏ أقسام،حيث إنّه إمّا أن يتعيّن الشي‏ء في الخارج،و يحكم عليه بأنّه كذلك،أو لا. فالأوّل: هو المعرَّف بلام العهد،كقوله تعالى‏: «فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ»(1) ،و قولنا: «اُنظر إلى الرجل كيف يضحك».

(1)المزمّل(73): 16.
و الثاني: لا يخلو إمّا أن يكون الملحوظ نفس الماهيّة من غير لحاظ اتّحادها مع الأفراد،أو لا-أي مع لحاظها كذلك-. و الثاني: إمّا أن يلاحظ اتّحادها مع جميع الأفراد،أو مع بعضها. و يقال لجميع الشقوق الثلاثة: المعرَّف بلام الجنس،إلا أنّ الشقّ الأخير هو المعرّف بالعهد الذهني في الاصطلاح(2) ،كقوله: «و لقد[أمرُّ]على اللئيم‏

(2)مغني اللبيب: 25-السطر 21،المطوَّل: 63-السطر 20.

[122]إنّ الظاهر أنّ اللام وضعت مطلقاً للتعريف،و إفادة العهد و غيره بدالّ آخر،فإذا دخلت على الجنس و على الجمع،تفيد تعريفهما،و إفادة الاستغراق لأجل أنّ غير الاستغراق من سائر المراتب لم يكن معيّناً،و التعريف هو التعيين،و هو حاصل في استغراق الأفراد لا غير. و ما ذكرنا غير بعيد عن الصواب،و إن لم يقم دليل على‏ كون علم الجنس كذلك،لكن مع هذا الاحتمال لا داعي للذهاب إلى التعريف اللفظي البعيد عن الأذهان. (مناهج الوصول 2: 324).


381

يسبُّني»(1) . و المقصود منه هو بعض الأفراد المعلومة عنده.

(1)عجزه: فمضيت ثمَّة قلت لا يعنيني،و هو لعميرة بن جابر الحنفي كما في شروح التلخيص 1: 325-السطر 25.
إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم: أنّه وقع البحث عندهم في أنّ الخصوصيّات المتقدّمة(2) هل تتأتّى‏ من قِبَل اللاّم(3) ،أو القرائن من غير دخالة

(2)من كون العهد ذهنيّاً أو جنسيّاً....

(3)مغني اللبيب: 25-السطر 18،شرح الكافية،الرضي 2: 130 و 131،المطوَّل: 63-السطر9.
اللاّم في إفادتها(4) ؟ و الحقّ هو الثاني.

(4)كفاية الأُصول: 284-285.
و التحقيق: أنّ التعيّن الواقعي بالحمل الشائع كافٍ في التعريف،و لا يلزم فيه أخذ مفهوم التعيّن الذهني في الشي‏ء; ليلزم منه عدم الانطباق على الخارج إلا بتجرّده عن التعيّن،و التعيّن الواقعي اللازم للتعريف حاصل في جميع أقسام المعارف; من غير احتياج إلى التقييد المضرِّ بالحمل على الخارج،فالمعارف لا تحتاج في معرّفيّتها إلى اللاّم;لأنّ التعيّن حاصل لذاتها بذاتها،فلا تفيد اللام التعريف،كما لا تفيد الإشارة-كما قيل(5) -أو مفهوم المشارَ إليه حتّى‏ لا ينطبق‏

(5)مقالات الأُصول 1: 499.
على الخارج،و لا إيجادَ الإشارة،و ما هو بالحمل الشائع كذلك; لأنّه يلزم منه إفادة إشارتَيْن في مثل قولنا: «هذا الإنسان عالم»إحداهما: من«هذا»،و الأُخرى‏: من اللام. و المحقّق الخراساني ذهب إلى كون اللاّم في مثله للتزيين،كالحسن و الحسين(6) .

(6)كفاية الأُصول: 284-285.


382

و فيه: أنّ اللاّم لا يدخل إلا في المعاني الوصفيّة التي تفيد الكلّية،كوصف الحسن; و إدخال اللاّم على الأعلام الشخصيّة إنّما هو للتلميح على النقل عن الوصفيّة،كما قال ابن مالك: «وَ بعضُ الأعْلامِ عليه دَخَلا للَمْحِ ما قد كان عنه نُقِلا»(1)

(1)الألفية: 15.
فلا يكون اللام للتزيين مطلقاً،حتّى‏ ما تدخل على الأعلام الشخصيّة. و التحقيق: أنّه لا فرق وجداناً-فيما يستفاد من اللفظ-بين مدخول اللام كالرجل و مدخول التنوين كرجل و غيرهما كالمضاف،فإذا لم يكن فرقٌ بين دخول اللام و عدمه،فكيف يفيد التعريف أو شيئاً آخر! فحينئذٍ يكون تعريف اللام لفظيّاً كالتأنيث اللّفظي. و أمّا الجمع المعرّف باللام: فقد يقال في تقريب دلالته على العموم: إنّ اللام تدلّ على التعيين،و لا تعيّن إلا لجميع الأفراد،فلا بدّ من الدلالة على العموم(2) .

(2)الفصول الغروية: 169-السطر 33.
فأشكل عليه المحقّق الخراساني: بأنّ المتيقّن من بين مراتب الجمع هو أقلّ مراتبه،و هو المتعيّن(3) .

(3)كفاية الأُصول: 285.
و فيه ما لا يخفى‏: فإنّ أقلّ مراتب الجمع-أي الثلاثة-كلّيّ يصدق على كلّ ثلاثة من مدلول الجمع،فتعيّن إحداها بلا معيّن. و التحقيق: أنّ منشأ دلالة الجمع على العموم هو نفس المفهوم; فإنّه حاكٍ عن جميع الأفراد; بحيث لا يشذّ فردٌ عن كونه مصداقاً له،فلا معنى‏ لتعيّن بعضٍ; لأنّ لازمه دلالته على‏ ذلك البعض دون الآخر من غير مرجّح،فنفس الجمع دالّ


383

على‏ جميع الأفراد; من غير احتياج إلى‏ دخول اللاّم فيه،فتعريف الجمع المعرّف أيضاً لفظيّ،و قد عرفت: أنّ أخذ مفهوم التعيّن فيه مخلّ بالصدق،و مصداقه حاصل لنفس المدخول بذاته. و من المطلقات النكرة: و هي دالّة إمّا على فرد معيّن واقعاً غير معيّن عند المخاطب،كقوله: «وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصى‏ الْمَدِينَةِ... »(1) و إمّا على الطبيعة المهملة المأخوذة مع‏

(1)القصص(28): 20.
قيد الوحدة،كقولنا: «جئني برجل . و الحقّ: أنّ القسمين بمعنى‏ واحد،و هو الطبيعة المهملة مع قيد الوحدة،إلا أنّ الدلالة على التعيّن الواقعي عند المتكلّم نشأت من دالّ آخر،مثل«جاء»في المثال المتقدّم على نحو تعدّد الدالّ و المدلول‏[123]،فلا وجه للنزاع في أنّ المعنى الموضوع له في النكرات،هل هو الفرد المردّد،كما اختاره صاحب«الفصول»(2) ،أو الكلّي المأخوذ مع قيد مفهوم الوحدة حيث إنّ ضمّ مفهوم كلّي هو

(2)الفصول الغروية: 163-السطر 7.

[123]الظاهر أنّها دالّة بحكم التبادر على الطبيعة اللا معيّنة; أي المتقيّدة بالوحدة بالحمل الشائع،لكن بتعدّد الدالّ فالمدخول دالّ على الطبيعة،و التنوين على الوحدة،و عليه فهي كلّي قابل للصدق على الكثيرين،سواء وقع في مورد الإخبار،نحو«جاءني رجل أم في مورد الإنشاء،نحو«جئني برجل . و ما يقال: -من أنّ الأوّل جزئي; لأنّ نسبة المجي‏ء إليه قرينة على‏ تعيّنه في الواقع; ضرورة امتناع صدور المجي‏ء عن الرجل الكلّي،-غير تامّ; لأنّ المتعيّن الذي يستفاد عن القرينة الخارجية كما في المقام،لا يخرج النكرة عن الكلّية،و من هنا يظهر النظر في كلمات شيخنا العلامة أعلى اللَّه مقامه. (تهذيب الأُصول 2: 70).


384

مفهوم الوحدة إلى‏ كلّي آخر،لا يوجب صيرورة الشي‏ء جزئياً،كما اختاره صاحب«القوانين»(1) و هو الحقّ; لأنّه لا معنى‏ للفرد المردّد إن كان مراده هو الذي ظهر

(1)اُنظر قوانين الأُصول: 204-السطر 1 و 208-السطر 10،و 312-السطر1.
من كلامه; أي كون كلّ فرد هذا أو غيره; فإنّ ما في الخارج ليس هو أو غيره،بل هو من مصاديق الطبيعة الواحدة. و إن كان مراده منه هو لحاظ الفرد على‏ نحو الترديد القابل للانطباق على‏ كلّ واحدٍ من الأفراد،كالعلم الإجمالي فهو ممّا لا إشكال فيه،إلا أنّه راجع إلى ما اختاره المحقّق القمّي. ثمّ إنّ ما قيل في المقام: من أنّ الإطلاق إن كان هو بمعنى الإرسال و الشمول،لا يمكن عروض التقييد عليه إلا تجوّزاً(2) ،يرد عليه: أنّ التقييد هو

(2)اُنظر مطارح الأنظار: 221-السطر 34،و كفاية الأُصول: 286،و مقالات الأُصول 1: 495.
إضافة قيد إلى‏ ما يدلّ على المطلق،فتقييد المطلق ليس بمعنى استعمال المطلق في المقيّد حتّى يلزم المجاز،كان معنى المطلق هو الإرسال،أو لا،بل بمعنى إفادة الخصوصيّة بدالٍّ آخر،فلا يلزم التجوّز.


385

فصل الشياع و السريان

قال المحقّق الخراساني رحمه الله ما محصّله بتوضيح منّا: أنّه بعدما ظهر أنّه لا دلالة لمثل«رجل إلا على الماهيّة المبهمة بحسب الوضع،و أنّ الشياع و السريان ليس ذاتيّاً لها،و لا لازماً لذاتها،بل يكون من العوارض و الطوارئ الخارجة عمّا وضع له،فلا بدّ من لحاظ هذا السريان بحسب مقام الثبوت،و الدلالة عليه بحسب مقام الإثبات و الدلالة،و هي مقدّمات الحكمة(1) .

(1)كفاية الأُصول: 287.
فهاهنا دعاوٍ:

الأُولى‏: أنّ كلّ ماهيّةٍ وُضعت لنفس الذات من حيث هي. الثانية: أنّ الشائع خارج عن ذاتها،و ليس لازماً لذاتها،بل يكون من العوارض المفارقة. الثالثة: أنَّ حصول الشياع و السريان لا يمكن إلاّ بلحاظها كذلك بحسب مقام الثبوت.


386

الرابعة: أنّه لا بدّ من قيام الدليل عليه بحسب مقام الإثبات،و هو مقدّمات الحكمة. أقول: إن كان المراد من الشياع هو سريان الماهيّة نفسها في أفرادها،فلا إشكال في أنّه من ذاتيّاتها،لا بمعنى دخوله في مفهومها،بل بمعنى أنّها شائعة واقعاً-أي متّحدة مع الأفراد-و ليس هذا الشيوع و الاتّحاد قابلاً للافتراق عنها حتّى‏ يكون من قبيل الأعراض المفارقة،فالماهيّة بذاتها متّحدة مع الأفراد و سارية فيها،و لا يمكن افتراقها عنها. و إن كان المراد من الشياع و السريان هو الشياع بحسب موضوعيّة الماهيّة للحكم،و أنّ الماهيّة إذا كانت موضوعاً لحكم فلا بدّ في شيوعها في جميع الأفراد من لحاظ شيوعها و سريانها فيها،و إلاّ فنفس جعل الماهيّة موضوعاً للحكم لا يوجب سريانه في الأفراد،فلا بدّ في السريان من لحاظه لُبّاً و قيام الدليل عليه إثباتاً،فهذا له وجه. و من الممكن أن يكون مرادهم ذلك; فإنّ الأوّل بعيد،لكنّه أيضاً خلاف التحقيق; فإنّ لحاظ سريان ماهيّة في الأفراد معنى العموم،لا الإطلاق‏[124]،و لا يمكن أن تجعل الماهيّة آلة للحاظ بعض أفرادها في التقييد الذي يقابل الإطلاق،فالإطلاق و التقييد بحسب اللحاظ ممّا لا أصل لهما،بل الإطلاق و التقييد-على‏ ما يستفاد من موارد استعمالهما في لسان الأصحاب(1) -وصفان‏

(1)اُنظر الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 275-277،و عدّة الأُصول 1: 329-333.
لشي‏ء واحد،له سريانٌ مّا و لو بلحاظ الحالات; باعتبار جعله تمام الموضوع لحكم،أو لا،كالرقبة،فإنّها في كفّارة اليمين مطلقة،و في كفّارة قتل الخطإ مقيّدة بالمؤمنة،و في كفّارة الظهار مختلَف فيها،فالرقبة قد تكون مطلقة،و قد

[124]لاحظ التعليقة 94.


387

تكون مقيّدة. و هذا الإطلاق و التقييد قد يتحقّقان في الأعلام الشخصيّة بالنظر إلى الحالات،فزيدٌ قد يجعل تمام الموضوع لحكم،فيكون مطلقاً،و قد يُجعل زيدٌ العالم موضوعاً له،فيكون زيد بعض الموضوع،فيكون مقيّداً،مثال الأوّل: «أكرم زيداً»،و مثال الثاني: «أكرم زيداً العالم»،أو«الجائي»،أو«يوم الجمعة». إذا عرفت ذلك: فهل يدلّ دليل-في مقام الإثبات،في صورة الشكّ في أنّ ما جعل موضوعاً لحكمٍ مطلقٌ أو مقيّد-يُثبت واحداً منهما. قد يقال: إنّ بعض القدماء-قبل سلطان العلماء-استدلّ بأصالة الحقيقة على‏ حمل اللفظ على الإطلاق(1) ،و هو-على‏ فرض الصحة-في غاية

(1)اُنظر نهاية الوصول: 240-السطر 2،و شرح العضدي على‏ مختصر ابن الحاجب: 286-السطر3.
السقوط; فإنّ اللفظ في المقيّد لا يستعمل إلاّ فيما وضع له. و لا أظنّ بأحد أن يتخيّل أنّ«الرقبة»في قوله: «أعتق رقبة مؤمنة»،استعملت في«الرقبة المؤمنة»حتّى‏ يكون مجازاً; ضرورة أنّ كلاّ من الطبيعة و القيد مستعمل فيما وضع له،و يستفاد منهما-بنحو تعدّد الدالّ و المدلول-ما هو موضوع الحكم،و هذا ممّا لا إشكال فيه.
الاستدلال على الإطلاق بدليل الحكمة

و استدلّ المحقّق الخراساني على الإطلاق بدليل الحكمة،و هو مركّب من مقدّمات،و استدلاله إنّما يكون على‏ مبناه من كون الإطلاق هو السريان في موضوع الحكم و هو من العوارض المفارقة،يعرض الماهيّة لأجل لحاظها سارية.


388

المقدّمة الأُولى‏: كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد،و ليس المقصود كونه في مقام بيان تمام مراده; فإنّ كلّ متكلّم في تكلّمه يكون بصدد بيان تمام مراده،بل المقصود كونه في مقام بيان تمام الموضوع لحكمه; أي بيان كلّ ما هو دخيل في موضوع حكمه،لا في مقام الإهمال و الإجمال‏[125]. الثانية: [انتفاء قيد يوجب التعيين. الثالثة: ]انتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب; أي لا يكون في ذهن المخاطب-في حين التخاطب-جهات توجب العلم الإجمالي بين الأقلّ و الأكثر; بحيث يكون الأقلّ هو القدر المتيقّن،كما إذا ورد: «أعتق رقبة»،و يكون في ذهن المخاطب جهات توجب العلم بأنّ الموضوع إمّا تمام أفراد الرقبات بنحو البدليّة،أو الرقبات المؤمنات; بمعنى‏ أنّه إمّا جعل الرقبة مرآة لتمام الأفراد،أو مرآة للمؤمنات منها،فتكون المؤمنات متيقّنة منها; إذ لو كان المتيقّن في البين،لما أخلّ بغرضه لو كان تمام مراده المؤمنات; لأنّ المخاطب يعلم بأنّ المؤمنات موضوع الحكم و يشكّ في بقيّتها،فالمتكلّم بيَّنَ موضوع حكمه،و أدخله في ذهن‏[المخاطب‏]و لم يُخلّ ببيان ما هو موضوع حكمه،و إنّما أخلّ ببيان كون البعض تمام الموضوع; لاحتمال أن يكون البعض الآخر أيضاً موضوعاً،و هذا غير الإخلال بالغرض. بل يمكن أن يقال بالنظر الثانوي: بيَّن أنّه تمام الموضوع; فإنّ المفروض أنّ المتكلّم في مقام تبيين تمام الموضوع،فبيّن أنّ المتيقّن موضوع،و لم‏

[125]إنّ الدواعي لإلقاء الحكم مختلفة،فربما يكون الداعي هو الإعلان بأصل وجوده مع إهمال و إجمال،فهو حينئذٍ بصدد بيان بعض المراد،و معه كيف يحتجّ به على المراد. و ربما يكون بصدد بيان حكم آخر،و عليه،لا بدّ من ملاحظة خصوصيات الكلام المحفوف بها،و محطّ وروده و أنّه في صدد بيان أي خصوصية منها،فربما يساق الكلام لبيان إحدى الخصوصيات دون الجهات الأُخر،فلا بدّ من الاقتصار في أخذ الإطلاق على المورد الذي أحرزنا وروده مورد البيان. (تهذيب الأُصول 2: 71).


389

يبيّن غيره،فيجب أن لا يكون موضوعاً،و إلاّ لَبيَّنه،فينتج: أنّ المتيقّن تمامُ الموضوع. و إنّما قيّد المتيقّن بكونه في مقام التخاطب; لأنّ الخارج عنه لا يضرّ بالإطلاق،فإنّ المخاطب إذا علم بالقدر المتيقّن من برهان خارجيّ و مقدّمات عقليّة خارجة عن مقام التخاطب،لا يمكن أن يقال: إنّ المتكلّم بيَّن تمام موضوع حكمه; فإنّ البرهان الخارجي لا دخل له ببيان المتكلّم،و لا يكون المتكلّم حين بيانه للحكم مبيّناً لموضوعه،بخلاف مقام التخاطب; فإنّ المتكلّم إذا علم أنّ المخاطب يرد في ذهنه القدر المتيقّن حين التخاطب،يتبيّن له أنّ كلامه كأنّه محفوف بالبيان لموضوع حكمه(1) .

(1)كفاية الأُصول: 287.
هذا مفاد كلام المحقّق الخراساني بتوضيح منّا. و لا يخفى‏: أنّ المقدّمة الثانية لا مقدّميّة لها،فإنّ الموضوع في باب الإطلاق،هو ما إذا جعلت الماهيّة موضوع الحكم بلا قيد،و شكّ في أنّ المراد هو الإطلاق أو التقييد،فعدم بيان القيد محقِّق موضوع البحث،لا من مقدّمات إثبات الإطلاق. و أورد بعض الأعاظم على المقدّمة الثالثة: أوّلاً: بأنّ القدر المتيقّن لو كان مُخلا بالإطلاق،لما جاز التمسّك به فيما إذا ورد في مورد[جواب السؤال عن‏]بعض الأفراد،كما لو سئل: «هل يجب إكرام زيد العالم؟»فقال: «يجب إكرام العالم»مع أنّه يتمسّك أحياناً بتلك المطلقات. و ثانياً: لا فرق بين القدر المتيقّن في مقام التخاطب و غيره،فالتفصيل بلا وجه. و ثالثاً: أنّ الإخلال بالغرض لازم و لو مع القدر المتيقّن; فإنّ موضوع


390

حكمه لو كان الأفراد المتيقّنة،لم يبيّن و لم ينصب دليل عليه،و هذا معنى الإخلال به(1) .

(1)اُنظر فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 575-576،و أجود التقريرات 1: 530-531.
أقول: أمّا قضيّة القدر المتيقّن في مقام التخاطب،و الفرق بينه و بين غيره،فقد مرّ ذكره(2) .

(2)تقدّم في الصفحة 306.
و أمّا قضيّة الإخلال بالغرض مع وجود القدر المتيقّن،فلا وجه له لو بنينا على‏ كون الإطلاق هو جعل الماهيّة مرآةً لتمام الأفراد،و التقييد جعلها مرآةً للبعض،كما أفاده الشيخ،و تبعه غيره،حتّى المُورِد(3) ; فإنّ المفروض أنّ معنى‏

(3)اُنظر مطارح الأنظار: 215-السطر 10 و22،و كفاية الأُصول: 287،و أجود التقريرات 1: 525-السطر20.
بيان موضوع الحكم تبيين أنّ تمام الأفراد أو بعضها هو موضوعه،فإذا كان في البين قدر متيقّنٍ،فلا إشكال في تبيين كون الماهيّة مرآة للمتيقّن،و عدم تبيين كونها مرآة للأفراد الغير المتيقّنة،و مع عدم تبيينها يعلم أنّها ليست موضوع حكمه،لأنّ المفروض كون المتكلّم في مقام بيان تمام الموضوع للحكم،و قد بيَّن القدر المتيقّن; أي أورده في ذهن المخاطب،و لم يبيّن غيره،مع كون المخاطب شاكّاً في كونه مراداً[126].

[126]اعتبار انتفائه في مقدّمات الحكمة محلّ إشكال; لأنّ المتكلّم إذا كان في مقام البيان،و جعل الطبيعة موضوع حكمه،و تكون الطبيعة بلا قيد مرآة بذاتها إلى‏ جميع الأفراد،و لا يمكن أن تصير مرآة لبعضها إلاّ مع القيد،فلا محالة يحكم العقلاء بأنّ موضوع حكمه هو الطبيعة السارية في جميع المصاديق،لا المتقيّدة; و لهذا ترى‏ أنّ العرف لا يعتني بالقدرالمتيقّن في مقام التخاطب و غيره،فلا يضرّ ذلك بالإطلاق إذا لم يصل إلى‏ حدّ الانصراف. (مناهج الوصول 2: 327-328).


391

نعم،بناءً على‏ ما سلكناه في معنى الإطلاق،و قلنا: إنّ الإطلاق عبارة عن جعل الماهيّة تمام الموضوع للحكم من غير جعلها مرآة للأفراد(1) ،تكون تلك‏

(1)تقدّم في الصفحة 374-376.
المقدّمة حشواً غير محتاج إليها،فإنّ القدر المتيقّن في مقام التخاطب ممّا لا دَخْلَ له بمقدّمات الحكمة; ضرورة أنّ الأحكام حينئذٍ إنّما تثبت للحيثيّات،لا للأفراد،فإذا قال المولى‏: «أعتق رقبة»،و كان في مقام بيان تمام موضوع حكمه،يعلم بأنّ موضوع حكمه هو حيثيّة الرقبة صِرفاً; من غير دخالة حيثيّة أُخرى‏-أيّة حيثيّة كانت-فيه،و إلاّ لكان عليه البيان. و ليست الأفراد على‏ هذا المبنى المنصور موضوعاً للحكم; حتّى‏ يكون القدر المتيقّن في مقام التخاطب مضرّاً بالإطلاق; ضرورة أنّ الأفراد إذا لم تكن-بما أنّها أفراد; و بنعت الكثرة-محكومةً بحكم،لا يكون عدم القدر المتيقّن في مقام التخاطب دخيلاً في الإطلاق. فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ المقدّمات التي مهّدها المحقّق الخراساني رحمه الله لا تكون دخيلة في التمسّك بالإطلاق-على مسلكنا-إلاّ المقدّمة الأُولى; أي كون المتكلّم في مقام البيان.
فذلكة: في ملخّص ما حقّقناه في معنى الإطلاق و التقييد

و ملخّص ما حقّقناه في معنى الإطلاق و التقييد إنّما نذكره في ضمن أمور; لمكان أهميّتها:

الأوّل:

قد عرفت أنّ أهل المعقول قد قسّموا الماهيّة إلى‏: اللابشرط و بشرط شي‏ء و بشرط لا(2) ،فأشكل عليهم بأنّ المقسم هو اللابشرط; حيث‏

(2)اُنظر الحكمة المتعالية 2: 16،18.


392

لا يمكن أن يكون بشرط لا و لا بشرط شي‏ء; لعدم انطباق كلٍّ منهما على صاحبه،فيلزم اتّحاد القسم و المقسم(1) .

(1)اُنظر الحكمة المتعالية 2: 19،شرح المنظومة،قسم الحكمة: 97.
و أجاب عنه المحقّق السبزواري: بأنّ اللابشرط القسمي مقيّدٌ باللابشرطيّة دون المقسمي(2) .

(2)شرح المنظومة،قسم الحكمة: 97.
و قد أجبنا عن الإشكال: بأنّ المقسم ليس هو الماهيّة كي يرد الإشكال،بل هو اعتبار الماهيّة و لحاظها،فيكون نفس الملحوظ ممّا يقبل الوجود في قسمٍ،و لا يقبله في آخر،و لا بشرطٍ في ثالث(3) .

(3)تقدّم في الصفحة 377.
و بالجملة: المقسم لحاظ الماهيّة،و لذلك نلتزم بأنّ المقسم لا يكون كليّاً طبيعيّاً،بخلاف الماهيّة اللابشرط القسمي; فإنّ ذاتها-مع قطع النظر عن الاعتبار-تكون هي الماهيّة اللابشرط،و اللحاظ غير مأخوذ في الأقسام‏[127]. ثمّ إنّه قد وقع النزاع في وجود الكلّي الطبيعي(4) الذي هو معروض‏

(4)اختلفوا في وجود الكلّي الطبيعي في الخارج فنفاه بعضٌ كشارح المطالع: 59-السطر15،و ذهب جملة منهم: المحقّق الطوسي إلى وجود الكلّي الطبيعي في الخارج و أنّه عين اللابشرط القسمي كما تجده في شرح التجريد: 87،و خالف المحقّق السبزواري ذاهباً إلى أنّه اللابشرط المقسمي فلاحظ شرح المنظومة،قسم المنطق: 21،22 و قسم الحكمة: 97.
الكلّية،و يكون كلّيّاً بالحمل الشائع. و على‏ فرض وجوده،هل هو اللابشرط القسمي،أو المقسمي؟ بعد وضوح أنّه لم يكن الماهيّةَ بشرط لا التي لا تقبل الوجود،و يكون وجوده الذهني على وزان وجود المعدوم المطلق في الذهن. كما

[127]راجع التعليقة 117.


393

أنّه لا يمكن أن يكون الطبيعي هو بشرط شي‏ء; لأنّه كلّي يصدق على كثيرين،و الماهيّة بشرط شي‏ء ليس كذلك. اختار مَن ذهب إلى الطريق الأوّل في حلّ الإشكال-كالمحقّق السبزواري-: أنّ الطبيعي هو اللابشرط المقسمي; حيث لا يمكن كون القسمي هو الكلّي الطبيعي على مختارهم; لأنّ الطبيعي غير مقيّدٍ بقيدٍ،و اللابشرط القسمي مقيّد عندهم،و لأنّ الماهيّة المقيّدة باللابشرطيّة كلّيّ عقليّ،و الطبيعي ليس كذلك. و أمّا على‏ مختارنا: فالطبيعي هو اللابشرط القسمي; لأنّ المقسم هو اعتبار الماهيّة لا نفسها،و الطبيعي هو الماهيّة،و الماهيّة اللابشرط تقع مَقْسماً للمخلوطة و المجرّدة فقط،و المقسم بين الثلاثة هو اعتبار الماهيّة. و بالجملة: المقسم لحاظ الماهيّة و الأقسام نفسها.

الثاني:

قد اتّضح أنّ الإطلاق عبارة عن كون شي‏ء تمام الموضوع لحكم،فكلّ ما يكون تمام الموضوع لحكمٍ،و يكون جميع أفراده أو حالاته متساوياً بالنسبة إلى الحكم،يكون مطلقاً; و المقيّد بخلافه. و ليس معنى الإطلاق ما دلّ على‏ شائع في جنسه حتّى تكون الطبائع الكلّية بحسب الوضع من المطلقات،و الجزئيّات الحقيقيّة من المقيّدات.

الثالث:

ما أشرنا إليه من أنّ مناط الإطلاق ليس ما ذهب إليه المحقّق الخراساني(1) -تبعاً للشيخ الأنصاري(2) -لحاظ السريان و الشياع; فإنّهما

(1)كفاية الأُصول: 287.

(2)اُنظر مطارح الأنظار: 215-السطر 8.
حاصلان لنفس الطبيعة ذاتاً من غير احتياج إلى اللحاظ،بل اللحاظ يخرجها عن إمكان الانطباق على‏ جميع الأفراد،بل مناط الإطلاق حمل الطبيعة تمام الموضوع للحكم بحيث لا يلاحظ في الموضع قيد زائد على نفس الطبيعة.


394

فقد علم: أنّ مقوّم الإطلاق ليس إلاّ عدم ملاحظة شي‏ء في موضوع الحكم. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الألفاظ التي تدلّ على المعاني المطلقة-كأسماء الأجناس و أعلامها و النكرة-ليست موضوعة إلاّ للطبيعة من حيث هي،و نفس وقوعها في موضوع الحكم من غير قيد هو مناط الإطلاق،من غير فرق بين الشمولي و البدلي. و السريان و الشياع غير مأخوذَين في الموضوع له و لا في موضوع الحكم. و لا ينطبق ذلك‏[إلاّ]على الماهيّة اللابشرط القسمي; لأنّها متساوية النسبة إلى‏ جميع أفرادها. و من ذلك يعلم: أنّ النزاع في أنّ الشياع و السريان في المطلقات،هل هو من الوضع أو من مقدّمات الحكمة،ليس على‏ ما ينبغي.

تنبيه: حول مقالة سلطان العلماء

و يقرب ممّا ذكرنا كلام سلطان العلماء على‏ ما في التقريرات(1) ; قال: يمكن‏

(1)مطارح الأنظار: 217-السطر 1.
العمل بالمطلق و المقيّد من غير الإخراج عن حقيقته،فلا يجب ارتكاب التجوّز لو عمل بالمقيّد،و يبقى المطلق على‏ إطلاقه; فإنّ مدلول المطلق ليس صحّة العمل بأيّ فرد فرد حتّى‏ ينافي المقيّد،بل هو أعمّ منه و ممّا يصلح للتقييد،بل المقيّد في الواقع. أ لا ترى‏ أنّه معروض للتقييد كقولنا: «رقبة مؤمنة»و إلاّ يلزم حصول المقيّد بدون المطلق مع أنّه لا يصلح لأيّ رقبة كانت.


395

فظهر أنّ مقتضى المطلق ليس ذلك و إلاّ لم يتخلّف فيه»(1) . انتهى‏.

(1)معالم الدين،حاشية سلطان العلماء: 155،باختلاف.
و لا يخفى‏: أنّ المطلق لا يبقى‏ على‏ إطلاقه مع التقييد،فقوله: -بأن يعمل بالمقيّد،و يبقى المطلق على‏ إطلاقه-مسامحة،فمراده أنّ التقييد لا يوجب خروج المطلق عن معناه الموضوع له. و بعد التأمّل في كلامه يتّضح: أنّ كلامه ظاهرٌ فيما ذكرنا من معنى الإطلاق،و أنّ حقيقته عدم التقييد بقيدٍ،و أنّ ذات الطبيعة بنفسها مطلقة،من غير اعتبار قيد السريان و الشياع،كما هو ظاهر قوله: إنّ مدلول المطلق ليس صحّة العمل بأيّ فردٍ كان; حتّى‏ ينافي مدلول المقيّد،بل هو أعمّ منه و ممّا يصلح للتقييد(2) ،فما ذكره راجع إلى‏ ما ذكرنا،إلاّ أنّ الذي ذكره في معنى الإطلاق‏

(2)نفس المصدر.
و التقييد،مربوط بمقام الوضع،لا الموضوعيّة للحكم،كلفظ«الرقبة»،و ما نحن فيه هو الإطلاق; بمعنى‏ تمام الموضوعيّة للحكم،و التقييد في مقابله. و لعلّ مراد المشهور من السريان و الشياع في المطلق(3) -على فرض ثبوت‏

(3)حيث عرّفوا المطلق بما دلّ على شائع في جنسه،اُنظر قوانين الأُصول 1: 321-السطر16،و شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 248.
الشهرة-هو السريان بالحمل الشائع،لا أنّ مفهومه قيد في الموضوع له(4) .

(4)اُنظر مطارح الأنظار: 221-السطر 34،و كفاية الأُصول: 286.
و ينبغي التنبيه على أُمور:

الأمر الأوّل: طريق إحراز كون المتكلّم في مقام البيان

بعد ما عرفت من أنّ كون المتكلّم في مقام بيان تمام موضوع حكمه ممّا


396

لا بدّ منه في الإطلاق،فطريق إحراز كونه في مقام البيان أنّ ظهور حال المتكلّم في أنّ كلامه الصادر منه-بما أنّه فعل من أفعاله الاختياريّة-إنّما هو لبيان مراده. فكلامه بما أنّه عملٌ من أعماله،لا بما أنّه لفظ دالّ،يدلّ دلالة عقلائيّة على‏ كونه بصدد بيان موضوع حكمه‏[128]. كما أنّ بناء العقلاء و ديدنهم على التمسّك بهذا الظهور الفعلي،فترى‏ أنّهم عند فقدان القيد في الكلام يحملونه على الإطلاق; أي على كون ما أخذ موضوعاً أنّه تمام الموضوع. و إذا ورد بعد ذلك قيدٌ،و أحرز وحدة الحكم،يقع التعارض بين الإطلاق و التقييد،و يحمل الإطلاق على التقييد; لأنّ منشأ ظهور المطلق في الإطلاق،إنّما هو متقوّم بأمر عدمي-هو عدم التقييد-و مع وصول القيد ترفع اليد عن ظهور المطلق في الإطلاق،كما أنّ بناء العقلاء على أصالة الحقيقة،إنّما هو عند عدم القرينة،و معها ترفع‏[اليد]عنها،و كذا الحال في أصالة العموم عند فقدان المخصِّص. و قد يقال: إنّ ذلك صحيح إذا لم يكن من دأب المتكلّم ذكر قيود كلامه-من المخصِّصات و المقيِّدات-منفصلة و أمّا معه فلم يثبت بناء العقلاء على‏ ما ذكر; أي الحمل على الإطلاق(1) .

(1)اُنظر مطارح الأنظار: 202-السطر 15.

[128]لا شبهة في أنّه إذا شكّ في أنّ المتكلّم هل هو في مقام بيان جميع ما هو دخيل في مراده-بعد إحراز كونه في مقام بيان الحكم-أو أنّه بصدد الإجمال و الإهمال،يكون الأصل العقلائي هو كونه في مقام بيان تمامه،و به جرت سيرة العقلاء. نعم،إذا شكّ في أنّه في مقام بيان هذا الحكم أو حكم آخر،فلا أصل لإحراز كونه في مقامه،فالأصل بعد إحراز كونه بصدد بيان الحكم يقتضي أن يكون بصدد بيان تمام ما يدخل في الموضوع في مقابل الإهمال و الإجمال،لا كونه بصدد بيان هذا الحكم دون غيره،فلا بدّ فيه من الإحراز الوجداني،أو بدليل آخر. (مناهج الوصول 2: 328-329).


397

و فيه: أنّا لا نسلّم خروج الشارع عن دأب العقلاء في إلقاء كلامه،و إلاّ فيشكل الأمر في باب أصالة الحقيقة و العموم أيضاً[129].

الأمر الثاني: إشكال و دفع

قد يستشكل على القول المنسوب إلى المشهور: بأنّ الشياع المأخوذ في‏

[129]إنّ الشارع لم يسلك في مخاطباته غير ما سلك العقلاء،بل جرى‏ في قوانينه على‏ ما جرت به عادة العقلاء و سيرتهم،لكن ديدنهم في المخاطبات العادية و المحاورات الشخصية بين الموالي و العبيد و غيرهم عدم فصل المخصّصات و المقيّدات و القرائن،و لهذا تكون العمومات و المطلقات الصادرة منهم في محيط المحاورات حجّة بلا احتياج إلى الفحص،و لا يعتني العقلاء باحتمال المخصّص و المقيّد المنفصلين،و يعملون بالعمومات و الإطلاقات بلا انتظار. هذا حال المحاورات الشخصية. و أمّا حال وضع القوانين و تشريع الشرائع لدى‏ جميع العقلاء،فغير حال المحاورات الشخصية،فترى‏ أنّ ديدنهم في وضع القوانين ذكر العمومات و المطلقات في فصل و مادّة،و ذكر مخصّصاتها و مقيّداتها و حدودها تدريجاً و نجوماً في فصول أُخر. و الشارع الصادع جرى‏ في ذلك على‏ ما جرت به طريقة كافّة العقلاء،فترى‏ أنّ القوانين الكلّية في الكتاب و السنّة منفصلة عن مخصّصاتها و مقيّداتها،فالأحكام و القوانين نزلت على‏ رسول اللَّه 6 نجوماً في سنين متمادية،و بلّغها حسب المتعارف في تبليغ القوانين للأُمّة،و جمع علماؤها بتعليم أهل بيت الوحي القوانين في أصولهم و كتبهم. فإذن تكون أحكامه-تعالى‏-قوانين مدوّنة في الكتاب و السنّة و العمومات و المطلقات التي فيها في معرض التخصيص و التقييد،حسب ديدن العقلاء في وضع القوانين السياسية و المدنية،و ما هذا حاله ليس بناء العقلاء على التمسّك فيه بالأُصول بمجرّد العثور على العمومات و المطلقات من غير فحص; لأنّ كونهما في معرض المعارضات يمنعهم عن إجراء أصالة التطابق بين الاستعمال و الجدّ،و لا يكون العامّ حجّة إلاّ بعد جريان هذا الأصل العقلائي،و إلاّ فبمجرّد ظهور الكلام و إجراء أصالة الحقيقة و الظهور لا تتمّ الحجّية،فأصالة التطابق من متمّماتها لدى العقلاء. (مناهج الوصول 2: 275-276).


398

معاني الألفاظ المطلقة إمّا أن يكون شياعاً بدليّاً-كما في باب الأوامر-و إمّا أن يكون شياعاً استغراقيّاً-كما في أغلب النواهي و الأحكام الوضعيّة-كقوله: «أَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ... »(1) .

(1)البقرة(2): 275.
فَعَلى الأوّل: يلزم التجوّز في إطلاقات باب النواهي و ما يكون مثلها في الشياع الاستغراقي. و على الثاني: يلزم ذلك في إطلاقات باب الأوامر و مثلها،و لا جامع بين الشياعَيْن; حتّى‏ يقال: إنّ المأخوذ هو الشياع الجامع(2) .

(2)اُنظر مقالات الأُصول 1: 491.
و هذا الإشكال لا يرد على‏ مقالتنا في باب الإطلاق; لأنّ المأخوذ في الموضوع ليس إلاّ نفس الطبيعة،من غير قيد الشياع و غيره و إن كانت الطبيعة شائعة ذاتاً. و[أمّا]الاختلاف الحاصل في جانب الأوامر و النواهي،فقد ذكرنا منشأه في مبحث النواهي(3) . و ملخّصه: أنّ مقتضى أخذ الطبيعة في متعلّق البعث هو

(3)تقدّم في الصفحة 208-210.
مطلوبيّة إيجادها في الخارج،و بعد وجودها بوجود فرد ما منها يحصل المطلوب،فيسقط الأمر،و إلاّ يلزم تحصيل الحاصل. و أمّا النهي فلمّا كانت حقيقته عبارة عن الزجر عن الطبيعة،و الطبيعة تتكثّر بتكثّر الأفراد،فكلُّ ما فُرض من الطبيعة يكون الزجر بالنسبة إليه موجوداً،و لا يسقط الزجر بعصيان بعض الأفراد،كما فصّلناه في ذلك الباب. و قد ذكرنا(4) : أنّ ما هو المعروف-من أنّ الأمر أو النهي كما يسقطان‏

(4)تقدّم في الصفحة 209.


399

بالإطاعة يسقطان بالعصيان(1) -ليس بصحيح،فإنّ الإسقاط بالعصيان ممّا لا

(1)كفاية الأُصول: 146،فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 1: 350.
معنى‏ له. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الطبيعة في جانب الأوامر و النواهي غير ملحوظة إلاّ نفس ذاتها،فالسريان غير ملحوظٍ فيها; لا في مقام الوضع،و لا مقام الإطلاق،فلا نحتاج إلى‏ تصوير الجامع بين الشياعَيْن. نعم،إنّما يرد الإشكال على‏ مقالة المشهور; أي أخذ الشياع و السريان في وضع تلك الألفاظ على‏ ما نسب إليهم(2) .

(2)اُنظر قوانين الأُصول 1: 324-السطر 2،و مطارح الأنظار: 221-السطر 34.
الأمر الثالث: أقسام المطلق

الطبيعة المجعولة الموضوعة لحكمٍ قد تكون موضوعاً له بنفس ذاتها من غير حكايتها عن الأفراد،كما في متعلّق الأوامر و النواهي; فإنّ أفراد طبيعة الإكرام أو الشرب-المتعلّق للأمر و النهي-لا تكون موجودة في الخارج حتّى تكون حاكية عنها،فلا محالة يكون الأمر و النهي متعلّقين بنفس الطبيعة،لا الطبيعة الحاكية عن الخارج. و قد تكون موضوعاً له بما أنّها حاكية عن الأفراد،كقوله تعالى‏: «إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ»(3) ،فإنّ الخسران ليس للطبيعة قبل وجودها،بل لها بحسب‏

(3)العصر(103): 2.
الوجود الخارجي،و كقوله: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»(4) ،فإنّ الحلّية إنّما هي للوجود

(4)البقرة(2): 275.
الخارجي منه،و لا بدّ في هذا النحو من الإطلاق من لحاظ الأفراد تحت عنوان


400

الطبيعة[130]. و من هذه الجهة فرق بين الإطلاق في القسم الأوّل و الثاني،و لكن ملاك الإطلاق في كلا القسمين هو عدم أخذ القيد الزائد في المتعلّق: أمّا في القسم الأوّل: فقد فرغنا عن بيانه. و أمّا في القسم الثاني: فملاك الإطلاق فيه أيضاً عدم أخذ قيدٍ آخر; لتكون الطبيعة متساوية النسبة بالنسبة إلى‏ جميع الأفراد،و مع القيد تكون حاكية عن بعضها،و معلوم أنّ الطبيعة الكلّية المطلقة لا تحكي إلاّ عن وجود أفرادها،لا أمرٍ آخر و خصوصيّة أُخرى‏،و لا تحتاج إلى‏ قيد السريان و الشياع; لأنّهما ذاتيّان لها،فهذا الإطلاق كسابقه يتقوّم بأمرٍ عدميّ; هو عدم لحاظ قيد زائد،لا أمر وجودي هو سريان الطبيعة،فهي حاكية بذاتها عن تمام الأفراد. و هذا الإطلاق أشبه بالعموم. و من قال: «إنّ المفرد المحلّى‏ باللام يفيد العموم»(1) لعلّ منشأه ذلك،فإنّ«العالم»ك«العلماء»من حيث حكايتهما عن‏

(1)عُدّة الأُصول 1: 275،شرح الكافية،الرضي 2: 129-السطر 13،المستصفى من علم الأُصول 2: 89.
الأفراد،فعنوان«العالم»يحكي عن كلّ مَنْ له العلم،فالقول بإفادته العموم من جهة شَبَهه بالعامّ،مع أنّه مطلقٌ لا عامّ-كما عرفت-. و لكن فرقٌ بين إطلاقه و إطلاق النكرة،فإنّ الثاني من القسم الأوّل من الإطلاق; لأنّ في«أعتق رقبة»لا يكون الملحوظ إلاّ طبيعة الرقبة بما هي،لا بما هي حاكية.

[130](أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ)بناء على الإطلاق،و تمامية المقدّمات،يثبت النفوذ و الحليّة لنفس طبيعة البيع من غير أن يكون للموضوع كثرة،و إنّما يثبت نفوذ البيع الخارجي لأجل تحقّق الطبيعة التي هي موضوع الحكم به. (مناهج الوصول 2: 232).


401

هذا حال الإطلاق بكلا قِسمَيْه. و أمّا منشأ اختلاف كيفيّة الإطلاق من الشمولي و البدلي،فليس بنحوين من اللحاظ; أي لحاظ نحو من السريان في الشمولي،و نحوٍ آخر في البدلي،بل يكون منشأ اختلافهما من أخذ نفس الطبيعة في متعلّق الأمر و في متعلّق النهي،و اختلاف مقتضاهما كما أشرنا إليه(1) ،و هذا من غير فرقٍ بين قسمي الإطلاق.

(1)تقدّم في الصفحة 208-210.
الأمر الرابع: شرط الاحتياج إلى‏ مقدّمات الحكمة

الاحتياج إلى‏ مقدّمات الحكمة في باب الإطلاق،إنّما هو فيما إذا لا ينافي إطلاق المطلق في الكلام مع إرادة المقيّد واقعاً،و أمّا مع تنافيهما فيكفي التمسّك بأصالة الحقيقة لإثبات الإطلاق; من غير احتياج إلى‏ إثبات كون المتكلّم في مقام البيان،أو سائر المقدّمات على‏ فرض احتياجنا إليها. توضيحه: أنّه قد لا تكون الطبيعة بذاتها تمام الموضوع لحكم،بل تكون هي مع قيدٍ زائد تمامه،إلاّ أنّ المتكلّم يريد إيكال بيان القيد إلى دليلٍ منفصلٍ عن المطلق،و لا يضرّ ذلك باستعمال اللفظ المطلق فيما هو موضوع له(2) ،كما إذا قال:

(2)خلافاً لما حكاه الشيخ عن البعض كما في مطارح الأنظار: 217-السطر الأخير.
«أعتق رقبة»،مع عدم كون طبيعة«الرقبة»تمام الموضوع للعتق،بل«الرقبة المؤمنة»تمامه،و أراد بيان قيد الإيمان بدليل منفصل،فحينئذٍ لا يكون استعمال لفظ«الرقبة»إلاّ في الطبيعة الموضوع لها،و يكون بيان القيد من قبيل تعدّد الدالّ و المدلول بالنسبة إلى‏ إفادة تمام الموضوع،فحينئذٍ لو شككنا في أنّ«الرقبة»تمام الموضوع،لا يمكن إثباته بأصالة الحقيقة; لما عرفت(3) من أنّ‏

(3)تقدّم في الصفحة 387.


402

اللفظ المطلق مستعمل في معناه الحقيقي،و لو مع عدم كونه تمام الموضوع،فنحتاج في إثباته إلى مقدّمات الإطلاق و دليل الحكمة. و أمّا إذا كان التقييد بالقيد المنفصل منافياً لاستعمال بعض الألفاظ المذكورة في الكلام الأوّل فيما وضع له; فيمكن كشف الإطلاق من أصالة الحقيقة من غير احتياجٍ إلى‏ دليل الحكمة،و إحراز كون المتكلّم في مقام البيان،كالنكرة الواقعة في سياق النفي; فإنّ حرف النفي وضع لنفي مدخوله ليس إلاّ،فالخصوصيّة الزائدة إذا أخذت قيداً للمدخول ينفي حرفُ النفي المدخولَ بخصوصيّته،و استعمل في معناه الموضوع له. و أمّا مع انفصال القيد،و ذكر الطبيعة بلا قيدٍ عقيب النفي،فمقتضاه نفي الطبيعة المطلقة المدخولة،فإذا أريد نفي الطبيعة المقيّدة من غير ذكر القيد،يكون استعمال حرف النفي في غير ما هو موضوع له. فإذا شكّ في ذلك،يرجع الشكّ إلى استعمال حرف النفي في معناه الموضوع له أو غيره،فيجوز التمسّك بأصالة الحقيقة; و الحكم بأنّ الطبيعة المنفيّة هي تمام الموضوع للحكم،فلو قيل: «لا رجل في الدار»،و شكّ في أنّ مراده مطلق الرجل أو الرجل العالم،يكفي في كشف الإطلاق نفس أصالة الحقيقة; لأنّ اللام وُضعت لنفي مدخولها لا غير،فإن استعملت في ذلك تكون مستعملة في معناها الحقيقي،و إن استعملت و أريد منها نفي أمر زائد على المدخول،تكون مستعملة في غير ما هي موضوعة له،فأصالة الحقيقة تكشف عن إطلاق مدخولها من غير احتياج إلى‏ مقدّمات الإطلاق. و لا يبعد أن تكون النواهي الواردة على الطبائع أيضاً كذلك،أي لا تحتاج في إثبات إطلاق مدخولاتها إلاّ إلى‏ أصالة الحقيقة،دون مقدّمات الإطلاق،بخلاف الطبائع الواقعة في سياق الإثبات; فإنّ بيان القيد الزائد فيها لا ينافي استعمال


403

المطلق في الإطلاق،و لا يوجب استعمال لفظٍ في غير ما هو موضوع له. و أمّا في النواهي فيوجب ذلك استعمال حرف النهي في غير الموضوع له،كما قلنا في النفي‏[131]،فتدبّر. و الحمد للَّه أوّلاً و آخراً،و ظاهراً و باطناً.

[131]ألفاظ النفي و النهي وضعت لنفي مدخولها،أو الزجر عنه،فلا دلالة فيها على‏ نفي الأفراد،و لا وضع على‏ حدة للمركّب،فحينئذٍ تكون حالها حال سائر المطلقات في احتياجها إلى‏ مقدّمات الحكمة. فلا فرق بين«أعتق رقبة»و«لا تعتق رقبة»في أنّ الماهيّة متعلّقة للحكم،و في عدم الدلالة على الأفراد،و في الاحتياج إلى المقدّمات. (مناهج الوصول 2: 238).


405

بسم اللَّه الرحمن الرحيم و صلّى اللَّه على‏ محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللَّه على‏ أعدائهم أجمعين


407

المقصد السادس في بيان الأمارات المعتبرة عقلاً أو شرعاً

و قبل الخوض فيما هو المهمّ،لا بأس بتقديم فصول:


409

الفصل الأوّل تمهيدات لمباحث القطع‏

يذكر فيه أمور:

الأمر الأوّل: أنّ مبحث القطع أصوليّة

أنّ مبحث القطع-بناءً على‏ ما ذكرنا في موضوع علم الأُصول: من أنّه هو الحجّة في الفقه(1) -من مسائل علم الأُصول‏[132]; ضرورة كونه حجّة فيه‏

(1)تقدّم في الصفحة 17-18.
كسائر الأمارات المعتبرة،و إن كانت حجّيّته ذاتيّة ضروريّة،و ليس من مسائل علم الكلام; لأنّ علم الكلام هو ما يبحث عمّا يجب على اللَّه،أو يقبح عليه،و في مسائل القطع لا يبحث عن أمثاله.

[132]إنّ الملاك في كون الشي‏ء مسألة أصولية هو كونها موجبة لإثبات الحكم الشرعي الفرعي; بحيث يصير حجّة عليه،و لا يلزم أن يقع وسطاً للإثبات بعنوانه،بل يكفي كونه موجباً لاستنباط الحكم كسائر الأمارات العقلائية و الشرعية. و إن شئت فاستوضح المقام بالظنّ; فإنّه لا يقع وسطاً بعنوانه،بل هو واسطة لإثبات الحكم و حجّة عليه; إذ الأحكام تتعلّق بالعناوين الواقعية،لا المقيّدة بالظنّ،فما هو الحرام هو الخمر،دون مظنونها،و القطع و الظنّ تشتركان في كون كلّ واحد منهما أمارة على الحكم و موجباً لتنجّزه و صحّة العقوبة عليه مع المخالفة إذا صادف الواقع. (تهذيب الأُصول 2: 81).


410

و أمّا ما أفاده الشيخ الأنصاري في معنى الحجّية: من أنّها هي التي وقعت وسطاً في الإثبات(1) ،فهي الحجّة على طريقة المنطقيّين،لا على طريقة

(1)فرائد الأُصول: 2-السطر 13.
الأُصوليّين; لأنّ الوقوع وسطاً في الإثبات أو اللاوقوع كذلك،لا مساس له بالحجيّة الأُصوليّة التي هي بمعنى المنجّز و المعذّر كما لا يخفى‏[133]. مضافاً إلى‏ أنّ الحجّة في المنطق عبارة عن كلتا مقدّمتي القياس(2) لا مجرّد

(2)البصائر النصيريّة: 78-السطر 15،شرح الشمسيّة: 17-السطر 3.
الوسط في الإثبات.
الأمر الثاني: المراد ب«المكلّف»في تقسيم الشيخ قدس سره‏

أنّ المراد من«المكلّف»في المقسم في رسالة الشيخ(3) هو المكلّف‏

(3)فرائد الأُصول: 2-السطر 2.
الفعليّ بالنسبة إلى بعض الأحكام الضروريّة; فإنّه إذا التفت إلى حكم غير ما

[133]اعلم أنّ للحجّية معنيين: الأوّل: الوسطية في الإثبات و الطريقية إلى الواقع،و بهذا المعنى‏ تطلق الحجّة على المعلومات التصديقية الموصلة إلى المجهولات،و على الأمارات العقلائية أو الشرعية،باعتبار كونها برهاناً عقلائياً أو شرعياً على الواقع،لا باعتبار صيرورتها بعناوينها وسطاً في الإثبات. الثاني: الغلبة على الخصم و قاطعية العذر،و إطلاق الحجّة بهذا المعنى‏ على الأمارات أنسب. ثمّ إنّ الحجّية بالمعنى الأوّل تستلزم-وجوداً و عدماً-جواز الانتساب إلى الشارع و عدمه; إذ ليس للطريقية و الوسطية في الإثبات معنى سوى‏ ذلك. و أمّا بالمعنى الثاني فلا تلازم بينهما أصلاً; فإنّ الظنّ على الحكومة حجّة بالمعنى الثاني،لكونه قاطعاً للعذر،و مع ذلك لا يصحّ معه الانتساب إليه. (تهذيب الأُصول 2: 154 و155).


411

يكون لأجله مكلّفاً،فإمّا أن يحصل له القطع،أو الظنّ... إلى‏ آخره،لا المكلّف الفعليّ بالنسبة إلى ذلك الحكم الذي يحصل له الأقسام; ضرورة عدم كونه مقسّماً لها،و لا المكلّف الشأنيّ; فإنّه‏[لا يكون‏] مكلَّفاً،بل له شأنيّة التكليف،و الظاهر من قوله رحمه الله: «اعلم أنّ المكلّف... »إلى‏ آخره،هو المكلَّف الفعليّ،كما هو الشأن في كلّيّة العناوين المأخوذة في موضوع حكم.

الأمر الثالث: مراتب الحكم‏

إنّ المحقّق الخراسانيّ جعل للحكم مراتب; من الاقتضائيّ،و الإنشائيّ-أي‏[الذي‏] يكتب في الدفاتر-و الفعليّ،و المنجّز(1) . و إن جعل للفعليّ مرتبتين;

(1)حاشية المحقّق الخراساني على فرائد الأُصول: 36-السطر 4 و 314-السطر 9،كفاية الأُصول: 297.
الفعليّ قبل التنجّز،و بعده،[ف]تصير المراتب خمساً. و لا يخفى‏: أنّه لا يصير الشي‏ء[ذا]مراتب إلاّ إذا كان محفوظاً بذاته في جميع المراتب،و يختلف شدّة و ضعفاً،كمراتب البياض و السواد،أو زيادة و نقصاً كالكمّ،و أمّا مع عدم محفوظيّته فيها فلا يكون ذا مراتب. و من ذلك يتّضح: أنّ ما ذكره من المراتب للحكم منظور فيه: لأنّ مقام الاقتضاء-أي كون موضوع الحكم ذا مصلحة أو مفسدة-لا يكون من مراتب الحكم; لعدم تحقّقه في هذا المقام،و لا يكون الاقتضاء قوّةً و استعداداً بالنسبة إلى الحكم،كالنطفة بالنسبة إلى الصورة الإنسانيّة; فإنّها استعداد بالنسبة إلى الصورة،و لها إمكان استعداديّ بالنسبة إلى النطفة،فيمكن أن يقال: إنّ الاستعداد من مراتب وجود الشي‏ء. و أمّا الاقتضاء،فلا يكون كذلك،و لا يتبدّل بالحكم كما هو واضح،فعدّه من


412

مراتبه ممّا لا وجه له،كما أنّ إطلاق«الحكم»عليه غير صحيح. و كذا الحال في الحكم الإنشائيّ على اصطلاحه-أي ما يكتبه الحاكم في الدفاتر لأجل النظر إليه و الحكّ و الإصلاح حتّى‏ تتمّ حدوده،ثمّ يحكم حكماً فعليّاً-فإنّه أيضاً لو أطلق عليه«الحكم»لا يكون من مراتبه; بمعنى‏ صيرورته حكماً فعليّاً بعد كونه إنشائيّاً،بحيث تكون ذات واحدة لها مرتبتان. و كذا التنجّز ليس من مراتب الحكم; فإنّه وصف عقليّ اعتباريّ للحكم الفعليّ،لأجل تعلّق علم المكلّف به،أو قيام الحجّة عليه،من غير أن تكون للحكم مرتبتان شدّة وضعفاً; فإنّ الحكم الفعليّ لا يكون ناقصاً قبل العلم،و لا يصير بعده تامّاً أو مؤكّداً،بل الحكم على‏ ما هو عليه،لكنّه قبل تعلّق العلم لا يمكن أن يكون باعثاً فعليّاً و محرّكاً،بخلافه بعد تعلّقه،و ليست له إلاّ مرتبة واحدة; منجّزة بعد تعلّق العلم به،و غير منجّزة قبله‏[134]. لا يقال: إنّ الحكم قبل تعلّق العلم به،قد يكون محرّكاً،كما في الاحتياط

[134]اعلم أنّ للحكم الشرعي مرتبتين ليس غير: الأُولى‏: مرتبة الإنشاء و جعل الحكم على‏ موضوعه،كالأحكام الكلّية القانونية قبل ملاحظة مخصّصاتها و مقيّداتها،نحو قوله تعالى‏: (أوْفُوا بِالْعُقُود)أو(أحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ)و كالأحكام الشرعية التي نزل به الروح الأمين على‏ قلب نبيّه،و لكن لم يأن وقت إجرائها; لمصالح اقتضته السياسة الإسلامية،و ترك إجراؤها إلى‏ ظهور الدولة الحقّة عجّل اللَّه تعالى‏ فرجه. الثانية: مرتبة الفعلية،و هي تقابل الأُولى‏ من كلتا الجهتين،فالأحكام الفعلية عبارة عن الأحكام الباقية تحت العموم و المطلق بعد ورود التخصيصات و التقييدات حسب الإرادة الجدّية،أو ما آن وقت إجرائها. فالذي قام الإجماع على‏ أنّه بين العالم و الجاهل سواسية،إنّما هو الأحكام الإنشائية المجعولة على‏ موضوعاتها،سواء قامت عليه الأمارة،أم لا،وقف به المكلّف،أم لا. (تهذيب الأُصول 2: 138).


413

مع احتمال التكليف. فإنّه يقال: لا يعقل أن يكون المحرّك في الاحتياط،هو الحكم الواقعيّ المجهول; لأنّ وجوده الواقعيّ و عدمه سواء في تحرّك العبد،بل المحرّك فيه نفس الاحتمال مع مقدّمات أخرى‏،فالاحتياط قد يصادف الواقع،و قد لا يصادفه،و ما يكون كذلك لا يمكن أن يكون المحرّك فيه هو الحكم الواقعيّ.

الأمر الرابع:

تقسيم الحكم إلى الواقعي و الظاهري إنّ للحكم تقسيمات; من التكليفيّ،و الوضعيّ،و لكلٍّ منهما أقسام. و ينقسم أيضاً إلى الحكم الواقعيّ و الظاهريّ. و الأوّل: ما يتعلّق بالموضوعات بعناوينها الأوّلية،كالمستطيع،و البالغة غلاته حدّ النصاب. و الثاني: ما يتعلّق بالعناوين الثانويّة-أي مع الشكّ في الأحكام الأوّلية-فيكون جعلها بلحاظ الأحكام الأوّلية،من غير أن تكون لنفسها مصلحة،و يكون الجعل لتلك المصلحة; فإنّه إذا كان الجعل بلحاظها يكون حكماً واقعيّاً،لا ظاهريّاً. مثلاً: لو كان تعلّق الشكّ بحكمٍ،موجباً لحصول مصلحة مورثة لتعلّق الحكم به،و يكون تعلّق الحكم به لأجلها،فلا يكون حكماً ظاهريّاً و حجّة على الحكم الواقعيّ،فجعل وجوب الاتّباع في خبر الثقة-إذا كان لمصلحةٍ في نفس اتّباعه-لا يصير حجّة على الحكم الواقعيّ،و لا أمارة عليه،بل يكون حكماً واقعيّاً في عَرْض سائر الأحكام الواقعيّة. فالأحكام الظاهريّة ما يكون جعلها لحفظ الأحكام الواقعيّة الأوّلية،فلو أمر المولى‏ بالاحتياط،أو جعل خبر الثقة حجّة لحفظ الواقعيّات،يصير الواقع


414

منجّزاً بواسطة الحكم الظاهريّ،فالحكم الفعليّ قد يصير منجّزاً بتعلّق العلم به،و قد يصير منجّزاً بواسطة الأحكام الظاهريّة. و المراد من«التنجيز»صيرورة الحكم الفعليّ بحيثيّةٍ تكون مخالفته خروجاً عن رسم العبوديّة،و تكون العقوبة عليها غير قبيحةٍ عند العقلاء. و هو منحصر بالأحكام الإلزاميّة في الواجبات و المحرّمات،دون المرغّبات و المنزّهات. و أمّا كون الحكم محرّكاً فعليّاً،فلا يكون مختصّاً بالإلزاميّات. فالعلم بالحكم الإلزاميّ منجِّزٌ،و بمطلق الأحكام يوجب الباعثيّة الفعليّة،فعدّ التنجيز لمطلق الأحكام-كما هو ظاهر كلام المحقّق الخراساني(1) -ليس على‏

(1)حاشية المحقّق الخراساني على فرائد الأُصول: 36-السطر 7،كفاية الأُصول: 297.
ما ينبغي. و قولنا«إنّ الباعثيّة مختصّة بحال العلم»ليس معناه أنّ الحكم جعل للعالم به; فإنّه دورٌ باطل. بل التحقيق: أنّ الحكم الفعليّ جعل لكلّ مكلّفٍ،لكنّه لا يكون باعثاً و محرّكاً إلاّ بعد العلم،و إنّما أمر المولى‏ ليعلم المكلّف و ينبعثَ نحو المطلوب،فالعلم بالحكم من مقدّمات الانبعاث،لا أنّ الحكم مجعولٌ للعالم به.
الأمر الخامس: تقسيم حالات المكلّف باعتبار وجود المنجّز و عدمه‏

إنّ الشيخ الأعظم قد ثلّث حالات المكلّف إلى القطع،و الظنّ،و الشكّ(2) .

(2)فرائد الأُصول: 2-السطر 2.
و لمّا ورد عليه إشكال التداخل،عدل عنه المحقّق الخراسانيّ إلى التثنية،فقال: «إمّا أن يحصل له القطع،أو لا»و جعل القطع بالأحكام الظاهريّة من


415

أقسام القطع(1) .

(1)كفاية الأُصول: 296.
و يرد عليه‏[135]: أنّ القطع لمّا كان منجّزاً قاطعاً للعذر،تنحصر منجّزيته بتعلّقه بالأحكام الواقعيّة; إذ لا معنى‏ لتنجيزه الأحكام الظاهريّة،فإنّ القطع بحجّيّة الخبر الواحد لا يكون منجّزاً،بل المنجّز هو الخبر القائم على الواقع،لا القطع المتعلّق بحجّيّته،مضافاً إلى‏ ورود إشكالات أخر عليه كما سيتّضح لك. فالتحقيق أن يقال‏[136]: إنّ المكلّف إذا التفت إلى‏ حكمٍ فعليٍّ،فإمّا أن يكون‏

[135]بل يرد عليه: أنّ المراد إن كان هو القطع التفصيلي،فالبحث عن الإجمالي منه في المقام يصير استطرادياً،و لا يرضى‏ به القائل،و إن كان أعمّ يلزم دخول مسائل الظنّ و الشكّ في المقام،حتّى الظنّ على الحكومة; فإنّه من مسائل العلم الإجمالي،إلاّ أنّ دائرته أوسع من العلم الإجمالي المذكور في مبحث القطع،و كون دائرته أوسع غير دخيل في جهة البحث. و أمّا مسائل الشكّ فلوجود العلم بالحكم الظاهري في الأُصول الشرعية،بل بناء عليه يمكن إدراج عامّة المباحث في مبحث القطع،حتّى الأُصول العقلية،بأن نجعل متعلّق القطع وظيفة المكلّف،فيصير المباحث مبحثاً واحداً،و لا يرضى‏ به القائل. (تهذيب الأُصول 2: 82).

[136]و الأولى‏ أن يقال: إذا التفت المكلّف إلى‏ حكم كلّي،فإمّا أن يحصل له القطع به و لو إجمالاً،أو لا: و الأوّل مبحث القطع و يدخل فيه مبحث الانسداد; بناء على‏ أنّ وجوب العمل بالظنّ في حال الانسداد لأجل العلم الإجمالي بالحكم،و كون دائرة المعلوم بالإجمال فيه أوسع لا يضرّ بالمطلوب. و كذا يدخل فيه أصل الاشتغال و التخيير في غير الدوران بين المحذورين; فإنّهما أيضاً من وادي العلم الإجمالي إذا تعلّق العلم الإجمالي بالحكم. نعم،في الدوران بين المحذورين يكون التخيير للابدّية العقلية،لا العلم الإجمالي،إلاّ إذا قلنابوجوب الموافقة الالتزامية و حرمة مخالفتها. و على الثاني: فإمّا أن يقوم عليه أمارة معتبرة أو لا; فالأوّل مبحث الظنّ و يدخل فيه سائر مباحث الاشتغال و التخيير; أي فيما تعلّق العلم الإجمالي بالحجّة،لا بالحكم،كما إذا علم بقيام حجّة كخبر الثقة و نحوه إمّا بوجوب هذا أو ذاك،و عليه يكون أصل الاشتغال و التخيير خارجان عن مبحث الشكّ و داخلان في مبحث القطع و الظنّ; و على الثاني: إمّا أن يكون له حالة سابقة ملحوظة،أو لا. فالأوّل مجرى الاستصحاب و الثاني مجرى البراءة. و على‏ هذا التقسيم،يجب البحث عن الانسداد في مبحث القطع إن كان من مقدّماته العلم الإجمالي بالأحكام الواقعية،و في مبحث الأمارات إن كان من مقدّماته العلم الإجمالي بالحجّة. و يمكن المناقشة في هذا التقسيم أيضاً: بأنّ الأولى‏ أن يكون التقسيم في صدر الكتاب إجمال ما يبحث فيه في الكتاب تفصيلاً،و عليه لا يناسب التقسيم حسب المختار في مجاري الأُصول و غيرها،و الأمر سهل. (تهذيب الأُصول 2: 83).


416

له منجّز أو لا،فيدخل في الأوّل القطع بالحكم،و الأمارات المعتبرة; فإنّها منجّزات للواقع; بمعنى‏ أنّه إذا خالف المكلّف مفادها،و كان موافقاً للواقع،يصير مستحقّاً للعقوبة على الواقع،و إن عمل بها و تخلّف مفادها عن الواقع،لا يكون معاقباً عليه. و أمّا أصالة الاشتغال،فراجعة إلى‏ منجّزية القطع الإجمالي للواقع الذي في الأطراف،فمع المخالفة يكون معاقباً على الواقع المعلوم على فرض المصادفة،فأصل الاشتغال بأقسامه من باب منجّزية القطع للواقع. و أمّا أصل التخيير،فقد يكون مع منجّزية الواقع بنحوٍ،كما لو علم بالتكليف إجمالاً و لم تمكن الموافقة القطعيّة،و لكن أمكنت الموافقة الاحتماليّة.


417

و كذا المخالفة القطعيّة،كمن علم بوجوب صلاة الجمعة أو الظهر عليه،و لم يمكنه الإتيان بكلتيهما،و أمكنه تركهما و إتيان إحداهما،فالواقع حينئذٍ منجّز في صورةٍ،و غير منجّز في أخرى‏; لأنّه لو تركهما يكون معاقباً على الواقع المتروك،و لو أتى‏ بواحدةٍ منهما لا يكون مستحقّاً للعقوبة و لو كان الواقع غير ما أتى‏ به. و العقل إنّما يحكم بوجوب إتيان إحداهما مخيّراً بينهما،إذا لم يكن لإحداهما مرجّح،كما لو ظنّ بكون الواقع إحداهما خاصّة; فإنّ الأخذ بالراجح لازم عقلاً،فيحكم العقل بمنجّزية الواقع على‏ فرض ترك الأخذ بالمرجّح،و عدمها على‏ فرض الأخذ به. فلو ظنّ بأنّ الواجب هو الجمعة،و تركها و صادف الواقع،يستحقّ العقوبة عليه،دون ما إذا أتى‏ بها و خالف الواقع; فإنّه معذورٌ. و السرّ فيه: أنّ المكلّف العالم بالواقع،لا بدّ له-بحكم العقل-من التحفّظ عليه بمقدار الميسور; و هو الأخذ بالمظنون،فلا بدّ له من الأخذ به مراعاةً للواقع و تحفّظاً عليه. فتحصّل من ذلك: أنّ أصالة التخيير أيضاً من أقسام منجّزية القطع للواقع،كما أنّ الأخذ بالمظنون منها. و أمّا أصالة التخيير في الدوران بين المحذورين،فهي ترجع إلى عدم منجّزية القطع للواقع،فتكون من قبيل أصالة البراءة،و إن افترقتا في أنّ التنجيز في مورد أصل البراءة ممّا لا مقتضي له،و أمّا في مورد أصالة التخيير فالمقتضي له-و هو العلم بالتكليف-و إن كان موجوداً،لكنّ المانع منه متحقّق. و أمّا الاستصحاب،فهو أيضاً راجعٌ إلى‏ منجّزية الواقع; فإنّ المكلّف لو خالف الاستصحاب و صادف الواقع،يكون مستحقّاً للعقوبة عليه،سواء كانت


418

الشبهة حكميّة أو موضوعيّة،فالاستصحاب منجّزٌ كسائر المنجّزات. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ المكلّف إمّا أن يحصل له منجّز أو لا،فيدخل في الأوّل جميع المنجّزات; من القطع،و الأمارات،و أصالتي الاشتغال و التخيير في غير الدوران بين المحذورين،و الاستصحاب،و في الثاني أصالة البراءة،و التخيير في الدوران بينهما. و اتّضح أنّ عدّ أصالتي الاشتغال و التخيير في مقابل القطع كما صنعه الأعلام(1) ممّا لا وجه له.

(1)فرائد الأُصول: 2-السطر 2،كفاية الأُصول: 296-297،فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 3: 4.
و لا يخفى‏: أنّ المراد من وجوب العمل بالقطع،ليس هو الوجوب الشرعيّ،بل المراد منه هو الوجوب العقليّ،و هو يرجع إلى منجّزية الواقع كما عرفت. كما أنّ التخيير في أصالة التخيير مطلقاً،ليس هو التخيير الشرعيّ،بل هو التخيير العقليّ بالتفصيل الذي عرفت،فصحّ أن يقال: إنّ جميع حالات المكلّف ترجع إلى‏ وجود المنجّز وعدمه،فلا تغفل. و ممّا ذكرنا-من أنّ أصالة الاشتغال و التخيير عقليّة لا شرعيّة،و أصالة البراءة-بحسب اصطلاح الأُصوليّين-هي الأصل العقليّ(2) و أمّا المستفاد من‏

(2)قوانين الأُصول 2: 13-السطر الأخير،هداية المسترشدين: 444-السطر 28.
الشرع فلا يطلق عليه أصل البراءة-يظهر النظر فيما أفاده الشيخ الأنصاري: من أنّ المرجع عند الشكّ هو القواعد الشرعيّة الثابتة للشاكّ(3) .

(3)فرائد الأُصول: 2-السطر 1.


419

نعم،هو يصحّ بالنسبة إلى الاستصحاب; فإنّه قاعدة شرعيّة[137].

[137]أقول: هذا ما أدّى‏ إليه نظري في سالف الزمان قبل الوصول إلى‏ مباحث الاستصحاب،و لقد جدّدت النظر حين انتهاء بحثنا إليه فوجدت أنّه ليس أمارة شرعية،بل هو أصل تعبّدي،كما عليه المشايخ; لأنّ عمدة ما أوقعنا في هذا التوهّم أمران: أحدهما: توهّم أنّ اليقين السابق كاشف عن الواقع كشفاً ناقصاً في زمان الشكّ،فهو قابل للأمارية كسائر الكواشف عن الواقع. و ثانيهما: توهّم أنّ العناية في اعتباره و جعله إنّما هي إلى‏ هذه الجهة بحسب الروايات،فتكون روايات الاستصحاب بصدد إطالة عمر اليقين و إعطاء تمامية الكشف له،و بعد إمعان النظر في بناء العقلاء و أخبار الباب ظهر بطلان المقدّمتين: أمّا الأُولى‏: فلأنّ اليقين لا يعقل أن يكون كاشفاً عن شي‏ء في زمان زواله،و المفروض أنّ زمان الشكّ زمان زوال اليقين،فكيف يمكن أن يكون كاشفاً عن الواقع في زمان الشكّ؟! نعم،الكون السابق-فيما له اقتضاء البقاء-و أن يكشف كشفاً ناقصاً عن بقائه،لكن لا يكون كشفه عنه أو الظنّ الحاصل منه; بحيث يكون بناء العقلاء على العمل به من حيث هو من غير حصول اطمئنان و وثوق. و أمّا الثانية: فلأنّ العناية في الروايات ليست إلى‏ جهة الكشف و الطريقية; أي إلى‏ أنّ الكون السابق كاشف عن البقاء،بل العناية إنّما هي إلى‏ أنّ اليقين لكونه أمراً مبرماً لا ينبغي أن ينقض بالشكّ الذي ليس له إبرام،فلا محيص عن القول: بأنّ الاستصحاب أصل تعبّدي شرعي،كما عليه المشايخ المتأخّرون. و أمّا الاستصحاب العقلائي الذي في كلام المتقدّمين،فهو غير مفاد الروايات،بل هو عبارة عن الكون السابق الكاشف عن البقاء في زمن لاحق،و قد عرفت أنّ بناء العقلاء ليس على‏ ترتيب الآثار بمجرّد الكون السابق ما لم يحصل الوثوق و الاطمئنان. (أنوار الهداية 1: 110 و 111).


421

الفصل الثاني معنى‏ حجّيّة القطع‏

قال الشيخ: لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجوداً(1) .

(1)فرائد الأُصول: 2-السطر 11.
أقول: يحتمل أن يكون المراد من«وجوب متابعة القطع»هو الوجوب الشرعيّ الثابت للواقع المقطوع به;لكون متابعة الواقع هو العمل بالقطع بالحمل الشائع. و المراد من«عدم الإشكال»هو عدم الإشكال لدى القاطع. فالمعنى المحصَّل: أنّه لا إشكال لدى القاطع في وجوب متابعة الواقع وجوباً شرعيّاً،فإذا قطع بوجوب صلاة الجمعة،أو وجوب ترك شرب الخمر،فلا إشكال عنده في وجوبهما عليه،فيرجع إلى أنّ القاطع بوجوب صلاة الجمعة و ترك شرب الخمر،قاطع بوجوب العمل بهما شرعاً،فتصير القضيّة ضروريّة;يكون المحمول فيها عين الموضوع. و يحتمل أن يكون المراد منه أنّه لا إشكال لدى القاطع و غيره من العقلاء،في وجوب متابعة القاطع لقطعه وجوباً عقليّاً;أي يكون عند العقلاء القطع منجّزاً


422

للتكليف الواقعيّ،بمعنى أنّه لو خالف قطعه،و كان مصادفاً للواقع،ليستحقّ العقوبة على الواقع. و بهذا المعنى‏ تكون سائر الأمارات أيضاً واجبة العمل بها;أي لا إشكال في منجّزيّتها للواقع،و الفرق بينه و بينها أنّه لا يحتاج في ذلك إلى جعلٍ بخلافها[138]. و الظاهر من كلامه الآتي بعد هذا الكلام هو المعنى الأوّل;فإنّه قال في مقام الفرق بين القطع و غيره من الأمارات: إنّه لا يصير وسطاً في الإثبات،فلا يقال: «هذا مقطوع الخمريّة،و كلّ ما كان كذلك يجب الاجتناب عنه»بل يقال: «هذا خمر،و كلّ خمر يجب الاجتناب عنه». بخلاف سائر الأمارات،فإنّه يقال: «هذا مظنون الخمريّة،و كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه»فتقع وسطاً في الإثبات(1) .

(1)فرائد الأُصول: 2-السطر 12.
فإنّ الظاهر منه: أنّ مراده من«وجوب العمل بالقطع»هو الوجوب‏

[138]إنّ الكشف من آثار وجود القطع،لا من لوازم الماهية،و آثار الوجود مطلقاً مجعولة;لأنّ مناط الافتقار إلى الجعل موجود في الوجود و آثاره. و عليه،فإن أُريد من امتناع الجعل هو الجعل التكويني،فلا نسلّم امتناعه،بل لا يصحّ بدونه;بناء على أصالة الوجود و مجعوليته. و إن أُريد الجعل التشريعي-فلو سلّمنا كون هذه العناوين الثلاثة من لوازم وجوده-فهو صحيح;فإنّ الجعل التشريعي لا يتعلّق بما هو لازم وجود الشي‏ء فلا معنى لجعل النار حارّة تشريعاً،لا لأنّ الحرارة من لوازم ذاتها;بل لأنّها من لوازم وجودها المحقّقة تكويناً بوجود الملزوم،و القطع حسب الفرض طريق تكويني و كاشف بحسب وجوده،و لا يتعلّق الجعل التشريعي به للزوم اللغوية. نعم،الحجّية و قاطعية العذر ليستا من الآثار التكوينية المتعلّقة للجعل،و لا من لوازم الماهية،بل من الأحكام العقلية الثابتة بوجوده. (تهذيب الأُصول 2: 85).


423

الشرعيّ الثابت للواقع،و إنّما يكون ذلك عملاً بالقطع;لانطباق العمل به على العمل بالواقع المقطوع به،فيكون وجوباً شرعيّاً. إذا عرفت ذلك نقول: إنّه لا إشكال في أنّ إطلاق«الحجّة»على الأمارات عند الأُصوليّين،ليس إلاّ لأنّها حجّة على الأحكام الواقعيّة الثابتة لموضوعاتها;بمعنى‏ أنّها منجّزات لها،فتكون الأمارات حجّة على‏ الواقع،و منجّزة لها،و لا تطلق عليها«الحجّة»باعتبار وجوب العمل على‏ طبقها وجوباً ظاهريّاً في مقابل الواقع;فإنّ وجوب العمل بالأمارات لدى الشكّ في الواقع،حكم ظاهريّ أُخذ في موضوعه الشكّ في الواقع،و يكون مجعولاً بلحاظ التحفّظ على الواقع،فهاهنا أمران: أحدهما: الأحكام الواقعيّة المنجّزة بواسطة قيام الأمارات عليها. ثانيهما: الأحكام الظاهرية الثابتة للأمارات،و تكون هي موضوعات لها. فالأمارات منجّزات للأحكام الواقعيّة،و موضوعات للأحكام الظاهريّة;أي يجب العمل على‏ طبقها لدى الشكّ في الواقع،فإذا قيل: «إنّها حجّة»إنّما يراد كونها منجّزات للواقع،لا أنّه يجب العمل على‏ طبقها وجوباً ظاهريّاً. و بهذا المعنى‏ من إطلاق«الحجّة»على الأمارات،تطلق على القطع أيضاً;لكونه أيضاً منجّزاً للواقع كسائر الأمارات،و لا يقع القطع و لا غيره من المنجّزات وسطاً في الإثبات في قياسٍ باعتبار منجّزيتها للواقع. و أمّا وقوع الأمارات وسطاً في قولنا: «هذا قامت الأمارة الكذائيّة على وجوبه،و كلّ ما كان كذلك يجب العمل به» فإنّما هو بالنسبة إلى الحكم الظاهريّ الثابت بها لدى الشكّ;أي الحكم الذي تكون الأمارات القائمة على الواقع موضوعات له،لا الموضوعات الواقعيّة،فتدبّر و لا تغفل. ثمّ إنّه قد اتّضح: أنّ الظاهر من كلام الشيخ-أي قوله: لا شكّ في وجوب


424

العمل بالقطع-هو الاحتمال الأوّل،لكن صريح كلام المحقّق الخراسانيّ هو المعنى الثاني،حيث قال: «لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً»(1) .

(1)كفاية الأُصول: 297.
لكن بقي إشكال في قوله: إنّ القطع موجب لتنجّز التكليف فيما أصاب;باستحقاق الذمّ و العقاب على‏ مخالفته،و كونه عذراً فيما أخطأ قصوراً(2) .

(2)نفس المصدر.
و هو أنّ القطع إذا كان منجّزاً للتكيف،فلا يعقل أن يكون موجباً للعذر;ضرورة أنّ عدم القطع بالحكم حينئذٍ موجب للعذر،لا القطع بعدمه،فنسبة المعذّرية إلى القطع بعدم الحكم،غير تامّة. بل الجمع بين العبارتين تناقضٌ و تهافتٌ;فإنّه إذا صار القطع موجباً للتنجّز،فلا بدّ و أن يكون الحكم في حدّ ذاته-بلا تعلّق القطع به-غير مقتضٍ للتنجّز،و لازم كون القطع بالعدم عذراً،أنّ الحكم بحسب وجوده الواقعيّ و في حدّ ذاته،مقتضٍ للتنجّز،و القطع بخلافه عذر.


425

الفصل الثالث قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي و الطريقي‏

لا إشكال في أنّ معنى اعتبار أمارة،هو أنّه إذا قامت على حكمٍ أو موضوع ذي حكمٍ،يجب ترتيب آثار القطع بهما عليها. فكما أنّ القطع بهما منجّز و موجب لوجوب العمل على‏ وفقه عقلاً،كذلك الأمارة المعتبرة. فمعنى‏ وجوب تصديق العادل،جعل مؤدّى‏ قوله موافقاً للواقع عملاً،و وجوب العمل على‏ طبقه،و جعل مؤدّاه كمؤدّى القطع في مقام العمل،فلا بدّ و أن يكون المكلّف شاكّاً في الحكم أو الموضوع الذي هو ذو حكمٍ،حتّى‏ يكون لقيام الأمارة معنى‏ معقول. فإذا كانت صلاة الجمعة مشكوكاً فيها،و قامت الأمارة على‏ وجوبها،و حكم الشارع باعتبار تلك الأمارة،يجب عقلاً ترتيب آثار القطع بوجوبها. و كذا إذا شكّ في حياة زيدٍ،فقامت على حياته،يجب ترتيب آثار القطع بحياته. فالحكم الواقعي يصير منجّزاً بالأمارة المعتبرة،كتنجّزه بالقطع بلا افتراقٍ بينهما من هذه الحيثيّة،و هذا معنى‏ قيام الأمارة مقام القطع الطريقيّ،و هو ممّا لا


426

إشكال فيه‏[139].

[139]اعلم: أنّ الأمارات المتداولة على‏ ألسنة أصحابنا المحقّقين كلّها من الأمارات العقلائية التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم و سياساتهم و جميع أُمورهم;بحيث لو ردع الشارع عن العمل بها لاختلّ نظام المجتمع و وقفت رحى الحياة الاجتماعية،و ما هذا حاله لا معنى‏ لجعل الحجّية له و جعله كاشفاً محرزاً للواقع بعد كونه كذلك عند كافّة العقلاء،و ها هي الطرق العقلائية-مثل الظواهر و قول اللغوي و خبر الثقة و اليد و أصالة الصحّة في فعل الغير-ترى‏ أنّ العقلاء كافّة يعملون بها من غير انتظار جعل و تنفيذ من الشارع،بل لا دليل على‏ حجّيتها-بحيث يمكن الركون إليه-إلاّ بناء العقلاء،و إنّما الشارع عمل بها كأنّه أحد العقلاء. و في حجّية خبر الثقة و اليد بعض الروايات التي يظهر منها بأتمّ ظهور أنّ العمل بهما باعتبار الأمارية العقلائية،و ليس في أدلّة الأمارات ما يظهر منه-بأدنى‏ ظهور-جعل الحجّية و تتميم الكشف،بل لا معنى‏ له أصلاً. و من ذلك علم: أنّ قيام الأمارات مقام القطع بأقسامه ممّا لا معنى‏ له;أمّا في القطع الموضوعيّ فواضح;فإنّ الجعل الشرعي قد عرفت حاله و أنّه لا واقع له،بل لا معنى له. و أمّا بناء العقلاء بالعمل بالأمارات،فليس وجهه تنزيل المؤدّى‏ منزلة الواقع،و لا تنزيل الظنّ منزلة القطع،و لا إعطاء جهة الكاشفية و الطريقية أو تتميم الكشف لها،بل لهم طرق معتبرة يعملون بها في معاملاتهم و سياساتهم،من غير تنزيل واحد منها مقام الآخر،و لا التفات إلى‏ تلك المعاني الاختراعية و التخيّلية،كما يظهر لمن يرى‏ طريقة العقلاء و يتأمّل فيها أدنى‏ تأمّل. و من ذلك يعلم حال القطع الطريقي;فإنّ عمل العقلاء بالطرق المتداولة حال عدم العلم ليس من باب قيامها مقام العلم،بل من باب العمل بها مستقلاّ و من غير التفات إلى‏ تلك المعاني. نعم،القطع طريق عقلي مقدّم على الطرق العقلائية،و العقلاء إنّما يعملون بها عند فقد القطع،و ذلك لا يلزم أن يكون عملهم بها من باب قيامها مقامه;حتّى‏ يكون الطريق منحصراً بالقطع عندهم،و يكون العمل بغيره بعناية التنزيل و القيام مقامه.

و ما اشتهر بينهم: من أنّ العمل بها من باب كونها قطعاً عادياً،أو من باب إلقاء احتمال الخلاف-على‏ فرض صحّته-لا يلزم منه التنزيل أو تتميم الكشف و أمثال ذلك. و بالجملة: من الواضح البيّن أنّ عمل العقلاء بالطرق لا يكون من باب كونها علماً و تنزيلها منزلة العلم،بل لو فرضنا عدم وجود العلم في العالم،كانوا يعملون بها،من غير التفات إلى‏ جعل و تنزيل أصلاً. و ممّا ذكرنا تعرف وجه النظر في كلام هؤلاء الأعلام المحقّقين‏4 من التزام جعل المؤدّى‏ منزلة الواقع تارة،و التزام تتميم الكشف و جعل الشارع الظنّ علماً في مقام الشارعية و إعطاء مقام الإحراز و الطريقية له أُخرى‏،إنّها كلمات خطابيّة لا أساس لها. و العجب أنّ بعض المشايخ المعاصرين-على‏ ما في تقريرات بحثه-قد اعترف كراراً بأنّه ليس للشارع في تلك الطرق العقلائية تأسيس أصلاً،و في المقام قد أسّس بنياناً رفيعاً في عالم التصوّر يحتاج إلى‏ أدلّة محكمة،مع خلوّ الأخبار و الآثار عن شائبتها فضلاً عن الدلالة. هذا حال الأمارات. (أنوار الهداية 2: 105-108).


427

و أمّا إذا كان القطع موضوعاً لحكم أو جزء موضوعٍ له،فيكون القطع بالخمريّة أو الخمر المقطوع به،موضوعاً للحرمة،فلا يعقل قيام الأمارة مقامه: أمّا أوّلاً: فلأنّ قيام الأمارة على‏ شي‏ءٍ،إنّما يعتبر مع الشكّ في تحقّقه،دون ما إذا قطع بعدم تحقّقه;فإنّه حينئذٍ لا معنى‏ لقيامها عليه،و المفروض أنّه مع الشكّ في الخمريّة يقطع بعدم تحقّق موضوع الحكم;فإنّ موضوعه هو المقطوع به،لا المشكوك فيه. و أمّا ثانياً: فلأنّ اعتبار الأمارة،إنّما هو فيما إذا قامت على‏ حكمٍ أو موضوعٍ ذي حكم،و الفرض أنّ الموضوع هو«مقطوع الخمريّة»لا الخمر،فقيامها على الخمريّة قيام على‏ غير ما هو الموضوع،فلا معنى‏ لاعتبارها و قيامها مقام القطع،و لو فرض قيام الأمارة على‏ نفس الموضوع،فقامت البيّنة على‏ أنّك قاطعٌ بالخمريّة،مع كونك شاكّاً فيها،تقطع بكذبها،و معه لا يعقل اعتبارها. فقيام الأمارة-بما لها من المعنى‏،من كونها أمارة للواقع و معتبرة-مقامَ


428

القطع الموضوعيّ،ممّا لا معنى له. نعم،لا بأس بقيامها مقامه بمعنى‏ آخر;و هو تنزيل قيام الأمارة مقام القطع الموضوعيّ،كتنزيل الطهارة الترابيّة مقام المائيّة،كما لو دلّ دليل على أنّ الأمارة إذا قامت على‏ خمريّة شي‏ء،يكون قيامها بمنزلة تعلّق القطع به في كونه ذا مصلحة أو مفسدة ملزمة،فيكون حينئذٍ حكماً واقعيّاً كسائر الأحكام الواقعيّة،لكنّه خارج عن الأماريّة التي يكون اعتبارها بلحاظ الشكّ في الواقع. و ما أفاده الشيخ ممّا ظاهره المنافاة لما ذكرناه: من أنّ القطع المأخوذ في الموضوع على‏ قسمين;فإنّه تارة: يؤخذ على‏ نحو الطريقيّة،و تارة: على‏ نحو الصفتيّة،فتقوم الأمارات بأدلّة اعتبارها مقام القطع الموضوعيّ على النحو الأوّل،دون الثاني(1) .

(1)فرائد الأُصول: 4-السطر الأوّل.
فالظاهر رجوعه إلى‏ ما ذكرناه;و أنّ مراده من ذلك أنّه قد يكون القطع في ظاهر الدليل و مقام الإثبات و الدلالة،مأخوذاً في الموضوع،لكنّه ليس موضوعاً في مقام الثبوت و الواقع،بل الحكم ثابت للواقع بلا دخالة القطع فيه;لا بنحو تمام الموضوع،و لا بنحو جزئه،بل يكون طريقاً محضاً إلى المتعلّق،كسائر الموارد التي لم يؤخذ في ظاهر الدليل أيضاً في الموضوع. فإذا قال: «إذا قطعت بخمريّة شي‏ء اجتنب عنه»و يكون المراد هو الاجتناب عن الخمر الواقعيّ،و يكون القطع كاشفاً و طريقاً محضاً إلى الموضوع الواقعيّ،تقوم الأمارات مقامه;لأنّ الحكم ثابت للواقع،لا المقطوع و إن أُخذ في ظاهر الدليل في الموضوع،بخلاف ما إذا أُخذ في الموضوع بحسب مقام الثبوت،كما أخذه كذلك بحسب الإثبات.


429

و بالجملة: ليس مراده التفصيل بين القطع المأخوذ في الموضوع ثبوتاً على‏ نحو الطريقيّة و الصفتيّة،بل مراده التفصيل بين القطع المأخوذ في الموضوع و غيره;أي ما كان طريقاً محضاً،و لو أُخذ في ظاهر الدليل في الموضوع. و يؤيّد ما ذكرنا بل يدلّ عليه،قوله: ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع،قيام الأمارات الشرعيّة و بعض الأُصول العمليّة مقامه(1) ;فإنّ عدّ

(1)فرائد الأُصول: 3-السطر الأخير.
هذا من خواصّ القطع الطريقيّ،ينافي التفصيل بين قسمي القطع الموضوعيّ و قيام الأمارات مقام قسمٍ منه;فإنّ خاصّة الشي‏ء ما لا يشترك معه غيره فيها. و يؤيّده أيضاً ما أفاده بعد ذلك في مقام بيان القطع المأخوذ في الموضوع بقوله: فإنّه تابع لدليله;فإن ظهر منه أو من دليلٍ خارج،اعتباره على‏ وجه الطريقيّة للموضوع،قامت الأمارات و بعض الأُصول مقامه(2) .

(2)نفس المصدر: 4-السطر الأول.
فإنّ الظاهر من قوله: على‏ وجه الطريقيّة للموضوع،أنّ متعلّق القطع هو تمام الموضوع،لا بعضه و بعضه الآخر هو القطع;فإنّه لا يناسب هذا التعبير كما لا يخفى‏. و دون هذا التوجيه لكلامه توجيه آخر و هو أنّ القطع لمّا كان من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة،فله إضافة إلى القاطع،و إضافة إلى الأمر المقطوع به;لكشفه عنه،فيمكن أن يؤخذ في الموضوع بما أنّه صفة خاصّة للقاطع،و أن يؤخذ فيه بما أنّه كاشف عن الواقع،فإن أُخذ على النحو الثاني قامت الأمارات مقامه،دون ما إذا أُخذ على النحو الأوّل(3) .

(3)كفاية الأُصول: 303.


430

و فيه ما عرفت: أنّ معنى اعتبار الأمارة القائمة على‏ حكمٍ أو موضوعٍ ذي حكم،هو ترتيب آثار الواقع عليه لدى الشكّ فيه،و أمّا مع القطع بعدمه فلا معنى‏ لاعتبارها،فإذا أُخذ القطع في موضوعٍ،فقامت الأمارة على ذلك الموضوع للشاكّ،يقطع بعدم تحقّق موضوع حكمه. و أيضاً: قيام الأمارة على الخمريّة،لا على القطع بها،و الموضوع هو الثاني،لا الأوّل،و لو قامت على الثاني تكون كذباً قطعاً. و هاهنا احتمال ثالث في توجيه عبارته و هو أنّ المراد من القطع الملحوظ على الصفتيّة ملاحظته من حيث أنّه كشف تامّ،و من الملحوظ على‏ نحو الطريقيّة ملاحظته من حيث أنّه أحد مصاديق الطرق المعتبرة;أي ملاحظة الجامع بين القطع و بين سائر الطرق المعتبرة. فإن أُخذ في الموضوع على النحو الأوّل،لا تقوم الأمارات مقامه،بخلاف ما إذا أُخذ فيه على النحو الثاني،فإنّها تقوم مقامه بواسطة الأدلّة الدالّة على اعتبارها. فإن كان القطع بعض الموضوع،و بعضه الآخر هو الواقع المقطوع به،فيكفي في إثبات جزء الموضوع و اعتبار الأمارة بالنسبة إليه،كونه ذا أثرٍ تعليقيّ;أي لو انضمّ إليه الجزء الآخر يكون ذا أثرٍ فعليّ شرعيّ،و كم له من نظير،فإنّ إثبات بعض الأجزاء بالأصل أو الأمارة،و الباقي بالوجدان،غير عزيزٍ. و أمّا إن كان تمام الموضوع،فلا معنى‏ لاعتبار الأمارة إلاّ إذا كان للموضوع أثر آخر تعتبر الأمارة بلحاظه،مثل أن يكون الخمر موضوعاً للحرمة واقعاً،و ما علم خمريّته يكون موضوعاً للنجاسة مثلاً،فحينئذٍ يمكن إحراز الخمر تعبّداً بقيام البيّنة;لكونها ذات أثرٍ شرعي،و بعد قيامها يترتّب عليها الحكم الآخر الذي‏


431

رتّب على العلم من حيث أنّه طريق إلى‏ تحقّق موضوعه(1) .

(1)درر الفوائد،المحقّق الحائري: 330-332.
و فيه: أنّه فيما إذا كان القطع جزء الموضوع،يكون اعتبار الأمارة متوقّفاً على‏ كونه ذا أثر،و كونه ذا أثر متوقّف على اعتبار الأمارة،فقيام الأمارة لا يمكن إلاّ على‏ وجهٍ دوريّ. و إذا كان تمام الموضوع،و كان له أثر آخر-كما في المثال المتقدّم-فلا مانع منه،إلاّ أنّه يلزم منه أن يكون الحكم الواقعيّ،مترتّباً على الحكم الظاهريّ بعكس المتعارف;فإنّ وجوب ترتيب آثار الحرمة على الأمارة القائمة على الخمريّة،حكم ظاهريّ يترتّب عليه الحكم الواقعيّ الذي هو النجاسة.


433

الفصل الرابع في التجرّي تحرير محلّ النزاع‏

و لا بدّ قبل تحقيق المقام من تحرير محلّ النزاع،فنقول: ما يمكن أن يكون محلّ النزاع أحد أُمور أربعة: الأوّل: أنّ القطع إذا تعلّق بحرمة شي‏ء أو وجوبه،هل هو موجب للحرمة الشرعيّة على‏ مخالفته-سواء صادف الواقع أوْ لا-أم لا يوجب؟ الثاني: إذا تعلّق القطع بهما،هل هو موجب للحرمة على المخالفة إذا لم يصادف الواقع أم لا؟ الثالث: الصورة الأُولى‏ بحالها،لكن يقع النزاع في أنّ العقل هل يحكم باستحقاق العقوبة على المخالفة أم لا؟ الرابع: الصورة الثانية بحالها،و يقع النزاع في الحكم العقليّ كالثالثة. ثمّ إنّ النزاع يمكن أن يقع في أنّ التجرّي هل له ملاك غير ملاك التجرّي الذي في المعصية،أم لا بل ملاكهما واحد؟ و توضيحه: أنّ في المعصية جهتين،إحداهما: قبح نفس الفعل بما أنّه ذو


434

مفسدة محضة أو غالبة،و ثانيتهما: قبح مخالفة المولى‏ و التجرّي عليه،فيمكن النزاع في أنّ ملاك قبح التجرّي،هل هو ملاك قبح المعصية من الجهة الثانية،أم له ملاك مستقلّ غير الملاك الذي في المعصية؟إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّه لا إشكال في أنّ النزاع إنّما هو في الصورة الرابعة;فإنّها قابلة للنقض و الإبرام،و أمّا كون الحرمة الشرعيّة متعلّقة بنفس مقطوع الحرمة بما أنّه كذلك،فمقطوع العدم;لعدم الدليل عليها. بل لازم تعلّق الحرمة به،أن تتحقّق في المعصية الواحدة الصادرة من المكلّف،معاصٍ غير متناهية;فإنّ مقطوع الحرمة حرامٌ بالفرض،فإذا تعلّق القطع بمقطوع الحرمة،يتحقّق حرام آخر،و هكذا في صورة تعلّق القطع بالقطع... إلى‏ ما لا نهاية له،فتتضاعف المحرّمات حسب تضاعف القطع. و أمّا القول: بأنّ في التجرّي ملاكاً مستقلاًّ غير ملاك التجرّي الذي في المعصية(1)

(1)انظر فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 3: 48-49.
فهو غير محقّقٍ;ضرورة أنّ الملاك الآخر المستقلّ مقطوع العدم،فالنزاع إنّما هو في أنّ القطع إذا تعلّق بحرمة شي‏ء أو وجوبه،فكما أنّه في صورة الإصابة موجب لاستحقاق العقوبة على المخالفة،فهل هو في صورة عدمها أيضاً موجب لاستحقاقها عقلاً أم لا؟ و أمّا تعبير الشيخ العلاّمة: بأنّ النزاع في أنّ القطع حجّة عليه و إن لم يصادف الواقع أو لا(2)

(2)فرائد الأُصول: 4-السطر 20.
ففي غير محلّه;فإنّ معنى الحجّيّة-كما مرّ مراراً-هو تنجيز الواقع على المكلّف،و معلوم أنّه لا معنى‏ لتنجيز القطع الغير المصادف للواقع.


435

تحقيق المقام‏

ثمّ إنّه قد استدلّ على‏ قبح التجرّي بالإجماع(1)

(1)فرائد الأُصول: 4-السطر 22.
و العقل(2)

(2)كفاية الأُصول: 298.
أمّا الإجماع،فلا شبهة في عدم تحقّقه;فإنّه مضافاً إلى كون المسألة عقليّة-كما قال الشيخ(3) -أنّها ليست من المسائل الأصليّة المعنونة في كلام‏

(3)فرائد الأُصول: 5-السطر 7.
قدماء أصحابنا،بل من المتفرّعات التي ليست دعوى الإجماع عليها في محلّها. و أمّا العقل،فقد يقرّر: بأنّ الحكم باستحقاق عقوبة العاصي دون المتجرّي،إناطة لاستحقاق العقاب بما هو خارجٌ عن الاختيار;لأنّ العاصي و المتجرّي متساويان إلاّ في تصادف قطع أحدهما للواقع دون الآخر،و هو غير اختياريّ(4) .

(4)أُنظر ذخيرة المعاد: 210-السطر 3.
و قد يقال: إنّ العقل يحكم باستحقاق المتجرّي للعقاب(5) .

(5)جعله الشيخ الأعظم‏1 مؤيّداً،أُنظر فرائد الأُصول: 5-السطر 3.
و أجاب عنهما الشيخ الأنصاري رحمه الله: بأنّ العقاب على العصيان،إنّما يكون على‏ شرب الخمر اختياراً;فإنّ العاصي شرب الخمر اختياراً،و العقل إنّما يحكم بتساويهما في استحقاق الذمّ من حيث شقاوة الفاعل،و سوء سريرته مع المولى،و خبث طينته،لا في استحقاق المذمّة على الفعل المقطوع به(6) .

(6)فرائد الأُصول: 5-السطر 17 و ما قبل الأخير.
أقول: ما أفاده من أنّ العاصي و المتجرّي مستحقّان للذمّ من حيث خبث


436

طينتهما،و سوء سريرتهما،و شقاوتهما الذاتيّة،ليس كذلك مطلقاً،بل قلّما يتّفق أن يكون صدور العصيان و التجرّي على المولى‏،ناشئَيْن عن سوء السريرة مع المولى‏،و لو فرض كون العبد مع مولاه كذلك،لكشف ذلك عن كفره و عناده مع مولاه. لكن الأمر ليس كذلك نوعاً;فإنّه كثيراً مّا يكون العاصي أو المتجرّي حسنَ السريرة معه،خاضعاً لربوبيّته،مائلاً لطاعته،محبّاً له،لكن غلبته الشهوات و الميول الباطنيّة،و أعانت عليه الوساوس الشيطانيّة،فإذا ارتكب المعصية ندم على‏ ما فعل غاية الندامة،و ذمّ نفسه،و رجع إلى‏ ربّه. و مثله تكون سريرته حسنة،و طينته طيّبة،و ليس من الأشقياء،بل ربّما يكون من السعداء،فلا يصحّ أن يقال عمّن عصى‏ و اجترأ على‏ مولاه: «إنّه سيّ‏ءُ السريرة،خبيث الطينة... »إلى‏ غير ذلك. و التحقيق أن يقال: إنّ الذمّ لا يكون على‏ سوء السريرة و خبث الطينة كما ذكره،و لا على العزم و الجزم على المعصية،و كونِه بصدد هتك المولى‏،مع كون الفعل المتجرّى‏ به على‏ ما هو عليه كما عليه المحقّق الخراسانيّ(1) .

(1)كفاية الأُصول: 298-299.
بل لأنّ المتجرّي و العاصي،إنّما يكونان متوافقين في أنّ مبدأ المخالفة للمولى‏ كان فيهما بالقوّة،فصار فعليّاً بحركتهما الاختياريّة،فالمتجرّي خرج من قوّة مخالفة المولى‏ إلى‏ فعليّتها بذلك الفعل الاختياريّ كالعاصي،و إنّما الفرق بينهما أنّ العاصي وقع في مفسدة الفعل بما أنّه فعل ذو مفسدةٍ،دون المتجرّي‏[140].

[140]إنّ بين التجرّي و المعصية جهة اشتراك،و جهة امتياز: أمّا الثاني: فيمتاز التجرّي عنها في انطباق عنوان المخالفة عليها دونه،و لا إشكال‏في حكم العقل بقبح مخالفة أمر المولى‏ و نهيه مع الاختيار،و العقلاء مطبقون على‏ صحّة المؤاخذة على‏ مخالفة المولى‏ بترك ما أمره،و ارتكاب ما نهى‏ عنه،و لا ريب أنّ تمام الموضوع في التقبيح هو المخالفة فقطّ،من غير نظر إلى‏ عناوين أُخر،كهتكه و ظلمه و خروجه عن رسم العبودية إلى‏ غير ذلك،كما أنّها تمام الموضوع أيضاً عند العقلاء الذين أطبقوا على‏ صحّة مؤاخذة المخالف،من غير فرق فيما ذكرنا بين أن يكون نفس العمل ممّا يحكم العقل بقبحه مستقلاّ،كالفواحش،أو لا،كصوم يوم العيد و الإحرام قبل الميقات. و الحاصل: أنّ العقل إذا لاحظ نفس مخالفة المولى‏ عن اختيار،يحكم بقبحه مجرّدة عن كافّة العناوين;من الجرأة و أشباهها. و أمّا الأوّل: -أعني الجهة المشتركة بينهما-فهي الجرأة على المولى‏ و الخروج من رسم العبودية و زيّ الرقّية و العزم و البناء على العصيان و أمثالها. و أمّا الهتك فليس من لوازم التجرّي،و لا المعصية;فإنّ مجرّد المخالفة أو التجرّي ليس عند العقلاء هتكاً للمولى‏ و ظلماً عليه. و عند ذلك يقع البحث في أنّ التجرّي هل هو قبيح عقلاً أو لا؟ و على‏ فرض قبحه هل هو مستلزم للعقاب أو لا؟ لما عرفت من عدم الملازمة بين كون الشي‏ء قبيحاً و كونه مستلزماً للعقوبة. و الذي يقوي في النفس سالفاً و عاجلاً عدم استلزامه للعقوبة،سواء قلنا بقبحه أم لا،و الشاهد عليه: أنّه لو فرض حكم العقل بقبح التجرّي و استحقاق العقوبة عليه،فليس هذا الحكم بملاك يختصّ بالتجرّي و لا يوجد في المعصية،بل لو فرض حكمه بالقبح و صحّة المؤاخذة فلا بدّ أن يكون بملاك مشترك بينه و بين المعصية،كأحد العناوين المتقدّمة المشتركة،و لو كانت الجهة المشتركة بينهما ملاكاً مستقلاّ للقبح و استحقاق العقوبة،لزم القول بتعدّد الاستحقاق في صورة المصادفة;لما عرفت أنّ مخالفة المولى‏ علّة مستقلّة للقبح و الاستحقاق،فيصير الجهة المشتركة ملاكاً مغايراً موجباً لاستحقاق آخر. (تهذيب الأُصول 2: 89-90).


437

و بعبارة أُخرى‏: إنّ الأفعال-مع قطع النظر عن انتسابها إلى المولى‏-لها مفاسد و مصالح ذاتيّة قبل تعلّق التكليف بها،فالخمر فيها مفسدة غالبة على‏


438

مصلحتها،تعلّق بها تكليف أو لا،و إذا تعلّق التكليف بها يصير منسوباً إلى المولى‏ لأجله،فيصير ارتكاب شرب الخمر-مضافاً إلى‏ إيصال المكلَّف إلى‏ المفسدة الذاتيّة-موجباً لمخالفة المولى‏ و خروجِ العبد عن رسم العبوديّة و طريق الطاعة،و المتجرّي القاطع بأنّ المائع الكذائيّ خمرٌ يكون شريكاً للعاصي في الجهة الثانية للعصيان،لا الأُولى‏. فالفعل المتجرّى‏ به يصير قبيحاً لا بعنوانه الذاتيّ،بل بعنوانٍ عرضيّ ثابت له بواسطة قطع العبد بكونه متعلّقاً للتكليف. و لا فرق في نظر العقل من هذه الجهة بين تصادف القطع للواقع و عدمه،فكما أنّ ارتكاب شرب الخمر المقطوع به مذمومٌ عند العقلاء،و يكون خروجاً عن رسم العبوديّة،و قبيحاً بالعنوان المنطبق عليه-و هو عنوان مخالفة المولى‏ و الجرأة عليه-كذلك الفعل المتجرّى‏ به من هذه الحيثيّة،طابق النعل بالنعل. نعم،الخمر في ذاتها مع قطع النظر عن تعلّق النهي بها ذات مفسدةٍ،و الماء المقطوع بكونه خمراً ليس كذلك. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الفعل المتجرّى‏ به كالعصيان من جهةٍ،و يفترق عنه من جهةٍ أُخرى‏[141].

[141]الظاهر أنّ الفعل المتجرّى‏ به لا يخرج عمّا هو عليه،و لا يصير فعلاً قبيحاً و لو قلنا بقبح التجرّي;فإنّ توهّم قبحه لو كان بحسب عنوانه الواقعي فواضح الفساد;فإنّ الفعل الخارجي أعني شرب الماء ليس بقبيح،و إن كان لأجل انطباق عنوان قبيح عليه،فليس هنا عنوان ينطبق عليه حتّى‏ يصير لأجل ذلك الانطباق متّصفاً بالقبح;فإنّ ما يتصوّر هنا من العناوين فإنّما هي التجري و الطغيان و العزم و أمثالها،و لكنّ التجرّي و أخويه من العناوين القائمة بالفاعل،و المتّصف بالجرأة إنّما هو النفس،و العمل يكشف عن كون الفاعل جريئاً،و ليس ارتكاب مقطوع الخمرية نفس الجرأة على المولى‏،بل هو كاشف عن‏وجود المبدإ في النفس،و قس عليه الطغيان و العزم،فإنّهما من صفات الفاعل،لا الفعل الخارجي. و أمّا الهتك و الظلم،فهما و إن كانا ينطبقان على الخارج،إلاّ أنّك قد عرفت عدم الملازمة بينهما و بين التجرّي. فتحصل: أنّ الفعل المتجرّى‏ به باقٍ على‏ عنوانه الواقعي،و لا يعرض له عنوان قبيح. نعم،لو قلنا: بسراية القبح إلى العمل الخارجي الكاشف عن وجود هذه المبادئ في النفس،فلا بأس بالقول باجتماع الحكمين لأجل اختلاف العناوين،و لا يصير المقام من باب اجتماع الضدّين;فإنّ امتناع اجتماع الضدّين يرتفع باختلاف المورد. و قد وافاك بما لا مزيد عليه: أنّ مصبّ الأحكام و موضوعاتها إنّما هي العناوين و الحيثيات فلا إشكال لو قلنا: بإباحة هذا الفعل أعني شرب الماء بما أنّه شرب،و حرمته من أجل الهتك و التجرّي و الطغيان،فالعنوانان منطبقان على‏ مصداق خارجي،و الخارجي مصداق لكلا العنوانين،و هما مصبّان للأحكام على‏ ما أوضحناه في مبحث الاجتماع. (تهذيب الأُصول 2: 91-92).


439

مقالة المحقّق الخراساني في هذا المقام‏

ثمّ إنّ المحقّق الخراسانيّ،قد أرخى عنان القلم إلى بحث لا ينبغي الخوض فيه كثيراً،و أعاد ما أفاد في باب الطلب و الإرادة(1) : من أنّ العقاب على قصد

(1)كفاية الأُصول: 89-90.
العصيان و العزم على الطغيان،و أنّهما و إن لم يكونا بالاختيار لكونهما من مبادئه فيتسلسل،إلاّ أنّ بعض مبادئ الاختيار غالباً يكون وجوده بالاختيار;للتمكّن من عدمه. مضافاً إلى‏ إمكان أن يقال: إنّ حسن المؤاخذة و العقوبة،إنّما يكون من تبعة بُعْده عن سيّده بتجرّيه عليه،كما كان من تبعة العصيان،فكما أنّه يوجب البُعْد،كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة;فإنّه و إن لم يكن باختياره،إلاّ


440

أنّه بسوء سريرته و خبث باطنه;بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتاً و إمكاناً. و إذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال،و ينقطع السؤال ب«لِمَ»فإنّ الذاتيّات ضروريّة الثبوت للذات،و السؤال عن أنّ الكافر لِمَ اختار الكفر،و العاصي العصيان؟ كالسؤال عن أنّ الحمار لِمَ يكون ناهقاً،و الإنسان ناطقاً؟... إلى‏ آخره(1) .

(1)كفاية الأُصول: 300-301.
و قد مرّ الكلام فيه سالفاً(2) و ملخّص المقال‏[142]: أنّ الظاهر وقوع الخلط

(2)تقدّم في الصفحة 37-39.
في معنى الاختيار،و ظنّ أنّ الفعل بمجرّد كونه عن إرادةٍ و عزمٍ،موجب لصحّة العقوبة أو المثوبة عليه،مع أنّ الأمر ليس كذلك;فإنّ الحيوانات أيضاً لها عزمٌ و إرادة،و يكون صدور الأفعال منها عن إرادة و عزمٍ في مقابل صدورها عن الطبائع،مع أنّ العقوبة و المثوبة على‏ أفعالها ممّا لا وجه لهما. بل التحقيق: أنّ ما يوجب استحقاقهما عليهما عقلاً إنّما هو الاختيار،و هو عبارة عن تشخيص الخير و طلبه،و قد مرّ(3) أنّ الإنسان خلق من لطائف العوالم‏

(3)تقدّم في الصفحة 41-43.
العلويّة و لطائف العوالم السفليّة،كما قال اللَّه تعالى‏: «إنّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ»(4) و النطفة الأمشاج-أي المختلطة(5) -هي النطفة المعنوية

(4)الإنسان(76): 2.

(5)تاج العروس 2: 100-101.
و التخمير الإلهيّ من اللّطائف العلويّة و السفليّة. و لكلٍّ من اللّطيفتين ميول إلى‏ عالمها;فالإنسان باللّطيفة العلويّة يميل إلى العالم العلويّ،و دار ثواب اللَّه،و يتوجّه إلى الحقائق الغيبيّة،و باللّطيفة السفليّة

[142]لاحظ حول هذه المسألة أنوار الهداية 1: 60-89.


441

يميل إلى العالم السفليّ،و يتوجّه إلى الشهوات النفسانيّة،و اللَّه تعالى جعل فيه قوّة العقل و التمييز،و أيّده بالعقول الكاملة الخارجيّة;من الأنبياء و المرسلين،و الأولياء و العلماء الكاملين. فهو دائماً يكون بين الميول المختلفة العلويّة و السفليّة،و له قوّة العقل و التمييز بين الحسن و القبح،فإن رجح-بحسب ميوله العلويّة،و تأييد العقل الداخليّ و الخارجيّ-جانب العلوّ،و رأى‏ خيره فيه و اصطفاه و اختاره،يشتاق إليه و يريده،و يفعل ما يناسبه. و إن رأى‏ خيره في العاجل و غلبته الشهوات و الميول النفسانيّة،و اختار الخير العاجل و إن كان قليلاً فانياً-على الآجل و إن كان كثيراً باقياً،يشتاق إليه و يريده و يفعل على‏ منواله،فمناط استحقاق العقاب إنّما هو هذا الاختيار،الذي يكون بقوّة العقل و التمييز،مع تماميّة الحجّة من اللَّه تعالى‏ عليه. و يؤيّد ما ذكرناه: ما ورد في الروايات من أنّ في قلب كلّ إنسانٍ نكتتين;بيضاء و سوداء،فإذا أطاع تزداد النكتة البيضاء حتّى‏ تحيط بالقلب،و إذا عصى‏ تزداد النكتة السوداء كذلك(1) .

(1)الكافي 2: 273،بحار الأنوار 73: 332-17.
و ما ورد: من أنّ للقلب أُذنين ينفث فيهما الملك و الشيطان(2) .

(2)مجمع البيان 10: 570-571.
و ما ورد في كيفيّة خلق الإنسان من أخذ طينته من السماوات السبع و الأرضين السبع(3) ... إلى‏ غير ذلك ممّا يظهر للمتتبّع(4) .

(3)بحار الأنوار 25: 50-10 من غير تقييدٍ للأرضين بكونها سبعاً.

(4)بصائر الدرجات: 35-5 و 37-10.


442

تفصيل صاحب الفصول;

ثمّ إنّه يظهر من صاحب«الفصول» رحمه الله التفصيل;و هو أنّ العبد مستحقّ للعقوبة على‏ فعله المتجرّي به،إلاّ أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة،فإنّه لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقاً أو في بعض الموارد;نظراً إلى‏ معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة;فإنّ قبح التجرّي ليس ذاتيّاً،بل يختلف بالوجوه و الاعتبار،فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافرٍ واجب القتل،و تجرّى‏ و لم يقتله،فإنّه لا يستحقّ الذمّ على‏ هذا الفعل عقلاً عند مَن انكشف له الواقع.. (1) . إلى‏ آخره.

(1)الفصول الغروية: 431-السطر 36.
أقول: تحقيق المقام يتمّ بذكر أُمور: الأوّل: أنّ معنى‏ مزاحمة الجهات المحسّنة و المقبّحة في الأفعال،ليس هو انمحاء جهات الحسن في صورة غلبة جهات القبح عليها،أو بالعكس،بل تكون الجهات بحالها بحسب الواقع،لكن حسن الفعل أو قبحه تابعٌ للجهة الغالبة،فالخمر التي فيها نفعٌ و صلاح،لكن فسادها و ضرّها أكثر منهما،و إثمها أكبر من نفعها،و يكون حكمها تابعاً للجهة الغالبة،لا ينمحي صلاحها الجزئيّ و نفعها اليسير،بل يكون باقياً مغلوباً عند تزاحم المقتضيين. الثاني: أنّ التحقيق في كون الحسن و القبح ذاتيّين أو بالوجوه و الاعتبار،أنّ بعض العناوين المتصوّرة،تكون بحسب ذاتها حسنة أو قبيحة عقلاً،فيحكم العقل بحسنها أو قبحها الذاتيّين،إذا وجدت في الخارج بذاتها مع قطع النظر عن الطوارئ و العوارض الخارجيّة الملحقة بها في الخارج،كالصدق و الكذب من


443

حيث ذاتهما،مع قطع النظر عن اللّواحق فهذا معنى‏ ذاتيّة الحسن و القبح. لكن تلك العناوين الحسنة أو القبيحة،إذا وجدت في الخارج،قد تتصادق عليها عناوين أُخر في الوجود الخارجيّ و الهويّة العينيّة،فتتزاحم معها،فحينئذٍ يكون الحسن و القبح بالوجوه و الاعتبار;لأجل التزاحم الخارجيّ بين المقتضيات التابعة للعناوين الصادقة على الهويّة العينيّة. فقتل ابن المولى‏ قبيحٌ ذاتاً،إذا تحقّق في الخارج بذاته من غير لواحق أُخر مزاحمة له في المقتضي،و لكن قد يصير حسناً إذا عرضه عنوان راجح،مثل كونه قاتلاً للمولى‏،و إكرام المولى‏ حسن ذاتاً،و قد يتصادق مع عنوان آخر في الخارج،فيصير قبيحاً بالعرض;لكونه معرّفاً له عند العدوّ القاهر الذي يريد قتله‏[143]. الثالث: قد عرفت أنّ الأفعال بذاتها مع قطع النظر عن أمر المولى‏ أو نهيه،مشتملة على‏ مصالح و مفاسد ذاتيّة،و بعد تعلّقهما بها ينطبق عليها عنوان آخر،لأجله يحكم العقل بحسنها أو قبحها،فإذا أمر المولى‏ بشي‏ء،و أطاع العبد،يكون فعله حسناً لأجل انطباق عنوان طاعته عليه،و لو تركه يكون تركه قبيحاً لأجل انطباق عنوان العصيان عليه،و كذا في النواهي،و كلّ ذلك من متفرّعات أمره و نهيه. و قد عرفت أيضاً: أنّ ملاك حكم العقل بقبح التجرّي،هو عين ملاك حكمه بقبح المعصية;و هو الخروج عن رسم العبوديّة،و كون الفعل الخارجيّ منتهى ما يمكن للعبد أن يظهر به المخالفة للمولى‏،من غير فرقٍ من هذه الحيثيّة بين العصيان و التجرّي،و يختصّ العصيان بوقوع المكلّف في المفسدة الذاتيّة للفعل. إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم: أنّ ما أفاده صاحب«الفصول»من كون العبد غير

[143]لاحظ حول هذه المسألة المكاسب المحرّمة،الإمام الخميني;2: 112-114.


444

مستحقٍّ للعقوبة مع مصادفة فعله لما هو واجبٌ واقعاً(1) غير صحيح;لما عرفت‏

(1)الفصول الغروية: 431-السطر 37.
من أنّ تزاحم الجهات المحسّنة مع الجهات المقبّحة،ليس بمعنى انمحائها،فحينئذٍ يكون التجرّي على المولى‏-بعنوانه القبيح-متحقّقاً،و له أن يعاقب العبد عليه;لعدم سقوط قبحه،و المصلحة الواقعيّة لا توجب زوال القبح من جهة التجرّي. نعم،هنا أمر آخر;و هو أنّ هذا التجرّي في نظر المولى قبيحٌ،و موجبٌ لسخطه على العبد بما أنّه متجرّئ عليه،و نجاة ابنه من الهلاك ذات مصلحةٍ تامّة،فحينئذٍ قد يكون قبح التجرّي أقوى في نظره،و قد يكون ملاك نجاة ابنه أقوى‏. فأيّهما يكون أقوى‏ يكون مؤثّراً في نفسه;أي قد يصير مسروراً لأجل تحقّق الواقعة،و قد يصير محزوناً. و هذا غير مربوطٍ بعدم استحقاق المتجرّي للعقوبة;لأنّ المتجرّي كان إقدامه و حركته نحو مخالفة المولى‏،و هو أمرٌ،و المزاحمة بين عنوان التجرّي و المصلحة الواقعيّة أمرٌ آخر لا يوجب خروج التجرّي عن كونه قبيحاً و جرأة على المولى‏ و هتكاً لحرمته. لا يقال: إنّ استحقاق العقوبة تابعٌ لإتيان العبد ما هو مبغوض المولى‏،و الفعل المتجرّى‏ به إذا انطبق عليه عنوان ذو مصلحةٍ غالبة،لا يكون مبغوضاً له. لأنّا نقول: هذا ممنوعٌ،بل استحقاق العقوبة إنّما هو على‏ مخالفة المولى‏. أ لا ترى‏ أنّ مخالفة الأوامر و النواهي الامتحانيّة،موجبة لاستحقاق العقوبة،مع عدم كون الفعل إذا تركه مبغوضاً له؟! هذا،ثمّ إنّه قد تحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ الحقّ في باب التجرّي مع


445

المثبتين(1)

(1)ذخيرة المعاد: 209-السطر الأخير،كفاية الأُصول: 298-299.
لكن بالمعنى الذي ذكرنا في محلّ النزاع;من أنّ النزاع في حكم العقل باستحقاق العقوبة و عدمه. و بما ذكرناه: من أنّ المدّعى‏ إثبات استحقاق العقوبة لا فعليّتها-فإنّها أمرٌ ليس للعقل فيه دخالة و حكم حتّى‏ في مورد المعصية-يظهر الجواب عمّا يمكن أن يقال: من أنّ ظاهر الأدلّة الشرعيّة أنّ العقوبة على‏ فعل المعصية،فشرب الخمر و قتل المؤمن و ترك الصلاة و الصوم و أمثالها موجبة للعقوبة بحسب الأدلّة،و لا دليل على العقوبة على‏ غيرها(2)

(2)اُنظر فوائد الأُصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 3: 39.
فإنّ هذه الظواهر تدلّ على‏ أنّ العصيان له عقوبة فعليّة،و لا تدلّ على‏ نفي استحقاقها على التجرّي،و المدّعى‏ أنّ التجرّي موجب لاستحقاقها لا فعليّتها. ثمّ قال صاحب«الفصول»في ذيل كلامه(3)

(3)بل في بحث مقدّمة الواجب،اُنظر الفصول الغروية: 87-السطر 34.
: إنّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعيّة يتداخل عقابهما. و فيه: أنّ محلّ الكلام هو ما إذا لم يصادف الواقع،و إلا فهو معصية. اللّهم إلاّ أن يريد به أنّه إذا قطع المكلّف بكون مائعٍ خمراً و شربه،فتبيّن عدم كونه خمراً،و أنّه مغصوبٌ،فصادف التجرّي معصية واقعيّة،يتداخل العقابان. و فيه: أنّه لو كفى‏ في تنجّز التكليف الواقعيّ العلم بجنس التكليف و لو في ضمن نوعٍ آخر،يكون المثال المذكور معصية لا تجرّياً،و لو توقّف التنجّز على العلم بنوع التكليف يكون تجرّياً لا معصية،و الجمع بينهما ممّا لا يمكن فتدبّر.


447

الفصل الخامس هل العلم الإجماليّ كالتفصيليّ مطلقاً،أو لا مطلقاً،أو فيه تفصيل؟

وجوه. و الكلام يقع تارة: في إثبات التكليف به،و تارة: في إسقاطه.

المقام الأوّل: في إثبات التكليف‏

و الأقوال المعروفة فيه ثلاثة: الأوّل: كونه كالشكّ البدويّ،و هو منسوب إلى المحقّقَيْن الخوانساريّ و القمّي رحمهما الله (1) و سيجي‏ء حال النسبة(2) .

(1)مشارق الشموس: 281-282،قوانين الأُصول 2: 25-السطر 3 و 36،حاشية المحقّق القمّي على كلام الخوانساري و37-السطر 3،الفصول الغرويّة: 358-السطر3.

(2)يأتي في الصفحة 453.
الثاني: كونه كالقطع التفصيليّ بالنسبة إلى المخالفة القطعيّة;أي كونه علّة تامّة بالنسبة إليها،دون الموافقة القطعيّة،فإنّه بالنسبة إليها بنحو


448

الاقتضاء لا العلّية،فمع عروض المانع-و هو ترخيص الشارع-لا يكون منجّزاً للواقع،و هو مختار الشيخ الأنصاريّ رحمه الله (1) .

(1)فرائد الأُصول: 21-السطر 15 و 242-السطر 8.
الثالث: كونه بنحو الاقتضاء لا العلّيّة مطلقاً،و هو مختار المحقّق الخراسانيّ قدس سره (2) .

(2)كفاية الأُصول: 314.
و هنا احتمالات أُخر لا يعلم لها قائل،و لا بدّ أوّلاً من تنقيح محلّ البحث. فنقول: تارة يقع الكلام في العلم الإجماليّ-أي الذي لا يحتمل خلافه-و تارة في الحجّة الإجماليّة. أمّا الكلام في العلم الإجماليّ،فحاصله: أنّ محلّ البحث ما إذا تعلّق العلم بتكليف متعلّق بأمرٍ واقعيّ معيّن واقعاً،و مردّد لدى المكلّف،كعلمه بوجوب صلاة في يوم الجمعة،إمّا الظهر،و إمّا الجمعة. و لا إشكال في منجّزية هذا العلم الذي لا يحتمل خلافه للتكليف الواقعيّ;لأنّ معنى‏ تنجّز التكليف،أن يصير بحيث يستحقّ المكلّف العقوبة على‏ مخالفته. و معنى‏ منجّزية العلم أن يصير التكليف بسبب تعلّقه به كذلك،فلو علم المكلّف بتكليف أكيد لا يرضى المولى‏ بتركه،متعلّق بصلاة معيّنة واقعاً،و تردّدت بين الظهر و الجمعة فتركها،يكون عند العقل مستحقّاً للعقوبة على التكليف المعيّن الواقعيّ،فإذا ترك إحداهما،فصادفت المتروكة التكليفَ الواقعيّ،يكون مستحقّاً للعقاب عليها،من غير فرقٍ بين الصورتين;لأنّ استحقاق العقوبة في صورة ترك المشتبهين،ليس لأجل ترك مجموعهما،و لا لترك كلٍّ منهما،بل إنّما يكون لأجل ترك التكليف الواقعيّ المنجّز،و هو حاصل في الصورة الثانية;أي ترك إحداهما المصادفة للواقع.


449

و بالجملة: العلم الجازم بالتكليف الفعليّ الذي لا يرضى المولى بتركه،منجّز للواقع،و معنى‏ تنجّزه صحّة العقوبة على‏ تركه،سواء تركه في ضمن ترك المجموع،أو ترك أحدهما[144]. و أمّا حديث جعل البدل(1) فإن كان المراد منه جعله في الواقع-أي جعل‏

(1)فرائد الأُصول: 242-السطر 8.
عدل للتكليف الواقعيّ في ظرف عروض الاشتباه-فهو خلاف الفرض;لأنّه يرجع إلى التكليف التخييريّ بأحد المشتبهين،و المفروض في العلم الإجماليّ أن يكون التكليف الواقعيّ معيّناً بحسب الواقع،و مردّداً عند المكلّف. و إن كان المراد جعل البدل في الظاهر-أي جعل التكليف الظاهريّ عند اشتباه التكليف-فهو ممّا لا يمكن;لأنّ التكليف الواقعيّ المتعلّق للعلم الإجمالي،فعليّ لا شأنيّ;لأنّ معنى الفعليّة هو صيرورة التكليف بحيث يكون باعثاً و زاجراً نحو المتعلّق،و هو حاصل مع العلم الإجمالي،كالتفصيليّ. توضيحه: أنّ التكاليف-بعثيّة كانت أو زجريّة-لا يمكن أن تتقيّد بالعلم بها،بل إنّما تتعلّق بمتعلّقاتها،من غير تقييدٍ بعلم المكلَّف و جهله،و لكن‏

[144]إنّه مع العلم القطعي بالتكليف لا يمكن العلم بالترخيص;لاستلزامه العلم بالمتناقضين،كما لا يجوز العلم به مع احتمال التكليف القطعي;لأنّ الترخيص الفعلي مع احتمال التكليف من باب احتمال اجتماع النقيضين و يعدّ من اجتماعهما على‏ فرض المصادفة. و بهذا يعلم: أنّ وجه الامتناع هو لزوم اجتماع النقيضين مع التصادف،و احتماله مع الجهل بالواقع،و أنّه لا فرق في عدم جواز الترخيص بين العلم القطعي بالتكليف أو احتمال ذلك التكليف،و أنّه ليس ذلك لأجل كون العلم علّة تامّة للتنجيز أو مقتضياً له;فإنّ وجه الامتناع مقدّم رتبة على‏ منجّزية العلم،فالامتناع حاصل،سواء كان العلم منجّزاً أم لا،كان علّة تامّة أم لا،فوجه الامتناع هو لزوم التناقض أو احتماله. (تهذيب الأُصول 2: 124-125).


450

مع ذلك تكون إرادة المولى‏ قاصرة عن بعث الجاهل،و كذا تكاليفه تكون قاصرة عنه،لا لكونها متقيّدة بحال العلم،بل لعدم إمكان بعث الجاهل. و إن شئت قلت: إنّ المولى‏ إنّما ينشئ التكاليف;ليُعلم بها المكلّف،و ينبعث منها نحو متعلّقاتها،أو ينزجر عنها،فإذا كانت التكاليف الواقعيّة غير قابلة للتأثير في المكلّف بعثاً أو زجراً،تكون شأنيّة،و حينئذٍ يمكن للمولى جعل الترخيص و الحكم الظاهريّ;من الاحتياط و الترخيص. و قد عرفت سابقاً(1) : أنّ التكليف الواقعي غير صالحٍ للباعثيّة،و أنّ‏

(1)تقدّم في الصفحة 106-107 و 412-413.
احتمال التكليف و إن كان أحياناً باعثاً،لكن بما أنّه نفس الاحتمال;فإنّ وجود التكليف الواقعيّ و عدمه بالنسبة إليه سواء،فالاحتمال باعث،سواء كان محتمل واقعاً أو لا. لا يقال: إنّ القطع بالتكليف أيضاً كذلك;فإنّه مع عدم مطابقته للواقع يكون أيضاً باعثاً،فوجود التكليف الواقعيّ و عدمه سواء. فإنّه يقال: نحن لا ننكر باعثيّة القطع و لو مع عدم مطابقته للواقع،لكن نقول: إنّ التكليف إذا صار معلوماً يكون هو الباعث،و لا نقول: بانحصار الباعث في التكليف حتّى يرد الإشكال. و بالجملة: إنّ التكليف الواقعيّ غير قابلٍ للبعث و الزجر بوجوده الواقعيّ مع الشكّ فيه. فحينئذٍ،إن أراد المولى‏ حفظ تكليفه الواقعيّ لأجل أهميّته،فلا بدّ له من جعل تكليفٍ طريقيّ;هو إيجاب الاحتياط لحفظ الواقع،حتّى يعلم المكلَّف هذا التكليف الظاهريّ بالاحتياط،فيعمل على‏ طبقه. و إن لم يكن بنظره بهذه المثابة من الأهميّة،أو كانت مصلحة التوسعة


451

على المكلَّف أهمّ من حفظ الواقع،يجوز له الترخيص في إتيان المشتبه. لكن قد عرفت: أنّ ذلك فيما إذا لم يكن التكليف الواقعيّ باعثاً فعليّاً أو زاجراً كذلك،و مع كونه كذلك فلا يمكن جعل الترخيص،و لا جعل البدل،و لا جعل حكمٍ ظاهريّ آخر،و المفروض أنّ التكليف الواقعيّ المعلوم بالإجمال،يكون منجّزاً و باعثاً و زاجراً فعليّاً،و يكون التكليف الفعليّ المتعلّق بموضوعه،معلوماً لا يحتمل خلافه،و في مثله لا معنى للحكم الظاهريّ. و لا فرق في مورده بين الموافقة و المخالفة القطعيّتين;لأنّ المخالفة إنّما هي بترك الواجب الواقعيّ و إتيان المحرَّم الواقعيّ،سواء في ضمن المخالفة القطعيّة أو الاحتماليّة. نعم،مع المخالفة الاحتماليّة يكون المكلَّف متجرّياً مع عدم المصادفة للواقع. إن قلت: إنّ الركعة المفصولة في الشكّ في عدد الركعات،و جواز المُضيّ في الشكّ بعد التجاوز و الفراغ و الوقت،من قبيل جعل البدل،فما تلتزم به في تلك الموارد،نلتزم به هاهنا. قلت: كلاّ;فإنّه فيها لا يكون من قبيل جعل البدل،و لا ربط بينها و بين ما نحن فيه: أمّا الركعة المفصولة في الشكّ في عدد الركعات،فالإتيان بها من قبيل كيفيّة مصداق المأمور به بحسب حال المكلّف;فإنّ الأمر بالصلاة إنّما تعلّق بطبيعتها،فإذا عرض للمكلَّف عارضٌ،و دلَّ الدليل على‏ إتيان الصلاة في هذه الحالة بكيفيّة كذائيّة،يستفاد منه أنّ المصداق الكذائيّ مصداقٌ للطبيعة في هذه الحالة،فالصلاة مع الطهارة الترابيّة في حال فقدان الماء،عين الطبيعة مع المائيّة في حال وجدانه،لا أنّ المولى رفع اليد عن الصلاة مع المائيّة،و جعل


452

الصلاة مع الترابيّة بدلها. و كذا الصلاة مع الركعة المفصولة حال الشكّ،عين الطبيعة المأمور بها،لا بدلها. و بالجملة: إنّ الدليل الدالّ على‏ إتيان الطبيعة في حال عروض العارض بكيفيّة خاصّة،حاكمٌ على الأدلّة الأوّلية،و معيّن لمصداق المأمور به. و منه يعلم الحال في الشكّ بعد التجاوز و الفراغ. و أمّا الشكّ بعد المحلّ-أي الشكّ في إتيان الصلاة بعد الوقت-فجواز المُضيّ و عدم الاعتناء به ليس من قبيل جعل البدل،و إلاّ لزم أن يكون عدم الصلاة بدلاً منها،و هو كما ترى‏. بل هو لأجل الإرفاق بالمكلّفين،و رفعِ اليد عن التكليف الواقعيّ;فإنّه مع عدمه يقع المكلَّف في الحرج و العُسر;لأنّ عروض الشكّ مع مُضيّ الأزمنة المتطاولة نوعيّ أكثريّ،قلّما يتّفق عدم عروضه،فشرعت قاعدة الشكّ بعد الوقت;لرفع الحرج عن المكلَّف،و صرف النظر عن التكليف. فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ جعل البدل ممّا لا معنى‏ له. هذا مضافاً إلى‏ أنّ قرين المعلوم بالإجمال لا يصلح للبدليّة عن المعلوم،و مجرّد كونه قريناً له في تعلّق الشكّ به،لا يوجب صلاحيّته للبدليّة،فترك الماء المشكوك فيه بدلاً عن الخمر،ممّا لا معنى‏ له كما لا يخفى‏. ثمّ إنّه لا فرق في العلم الإجماليّ-أي العلم الجازم الذي لا يحتمل خلافه-بين الشبهة المحصورة و غيرها،فمع فرض تعلّق العلم بالتكليف الفعليّ الذي لا يرضى المولى‏ بمخالفته،يحكم العقل بوجوب الاجتناب عن أطراف الشبهة-محصورة كانت أو غيرها-هذا كلّه في العلم الإجماليّ. و أمّا الكلام في الحجّة الإجمالية،فمحصَّله: أنّه لو قامت الحجّة-من


453

عموم أو إطلاق-على‏ حرمة الخمر حتّى‏ في أطراف الشبهة،و دلّت أدلّة أصالة الحلّ على‏ حلّية كلّ مشكوك فيه،فيتعارض الدليلان في الموضوع المشكوك فيه،فوقع الكلام و النقض و الإبرام في تقديم إطلاق دليل حرمة الخمر،أو إطلاق دليل حلّية كلّ مشكوك فيه(1) .

(1)مشارق الشموس: 281-282،قوانين الأُصول 2: 25-السطر 3 و 27-السطر 3،الفصول الغرويّة: 357-358.
و هذا هو مورد بحث المحقّقَيْن القمّي و الخوانساريّ،لا العلم الإجماليّ;لتصريحهما بلزوم الموافقة القطعيّة في العلم الإجمالي(2) فكلامهما في الحجّة

(2)نفس المصدر.
الإجماليّة،لا العلم الإجماليّ. و كلمات الشيخ الأنصاريّ في هذا المقام مضطربة;فإنّه عقد البحث في العلم الإجماليّ،مع أنّ غالب الأمثلة التي أوردها من قبيل الحجّة الإجماليّة،لا العلم الإجماليّ(3) .

(3)فرائد الأُصول: 21-السطر 15.
و التحقيق في العلم هو ما ذكرنا،و أمّا في الحجّة الإجماليّة فموكولٌ إلى باب البراءة و الاشتغال;فإنّ المناسب هنا هو البحث عن العلم،لا عن الحجّة.
المقام الثاني: في إسقاط التكليف

و الأولى‏ صرف عنان القلم إلى‏ ما تعرّض له الشيخ في الامتثال الإجماليّ،و هو المقام الثاني(4) .

(4)نفس المصدر: 14-السطر 23.
و مجمل الكلام فيه: أنّ البحث في جواز الامتثال الإجماليّ،ليس في


454

المحرّمات،و لا في الواجبات التوصّليّة،و لا في الواجبات التعبّديّة مع عدم إمكان تحصيل العلم التفصيليّ أو الحجّة التفصيليّة،و الامتثال على الوجه المعيّن;فإنّ المطلوب في المحرّمات ليس إلاّ صرف الترك-و هو يحصل مع ترك الأطراف-و في التوصّليّات إلاّ التحقّق بأيّ وجه اتَّفق-و هو يحصل مع إتيانها-و إذا لم يمكن الامتثال في التعبّديات إلاّ على نحو الإجمال،فلا كلام في جوازه;فإنّه غاية قدرة المكلَّف في امتثال أمر المولى. و إنّما الكلام و الإشكال في التعبّديات مع إمكان رفع الإجمال علماً أو بطريقٍ معتبر،فيقع الكلام فيها تارة: في الأقل و الأكثر،و أُخرى‏: في المتباينَيْن. و على الأوّل: يقع الكلام تارة: في الشكّ في الجزء،و تارة: في الشكّ في الشرط. و على الأوّل تارة: يكون المشكوك فيه مردَّداً بين كونه جزءا واجباً أو مستحبّاً،و أُخرى‏: يكون مردَّداً بين الجزئيّة و عدمها مع عدم احتمال المانعيّة. فإن كان الترديد بين الأقلّ و الأكثر في الجزء،مع الترديد في كونه واجباً أو مستحبّاً،فلا إشكال في جواز الاحتياط بإتيانه،و عدم لزوم رفع الإجمال;لعدم الإخلال مع إتيانه بشي‏ءٍ ممّا يعتبر أو قيل باعتباره في العبادة،حتّى‏ قصد الوجه و التميّز و التقرّب;لما عرفت في مبحث الصحيح و الأعمّ من أنّ الصلاة ليست عبارة عن نفس الأجزاء بالأسر;ضرورة أنّه مع كونها كذلك،لا يمكن صدقها على الأفراد المختلفة بحسب الأجزاء و الشرائط،و الاشتراك اللّفظي معلوم البطلان. فلا بدّ و أن يقال: إنّ الصلاة عبارة عن عنوان عرضيّ مقول بالتشكيك،صادق على الأفراد المتفاوتة في النقص و الزيادة و الكمال و غيره،نحو صدق كلّ طبيعة مقولةٍ بالتشكيك على‏ أفرادها،فالمصداق التامّ الكامل للمختار الحاضر صلاة،


455

و الناقص هو الذي يشتمل على‏ أربع تكبيرات،كصلاة المطاردة أيضاً[145]. و لا يتوهّم: أنّ المصداق الناقص من حيث الأجزاء و الشرائط،ناقصٌ في الصلاتيّة;إذ قد يكون الناقص من هذه الجهة،أتمّ من المشتمل على‏ جميع الأجزاء و الشرائط;لأنّ الميزان في النقص و التمام في الصلاتيّة،هو تماميّة هذا العنوان العرضيّ الصادق على الأفراد و نقصه،مثل عنوان المتوجّه الخاصّ إلى المولى‏. إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ الأجزاء المستحبّة ليست خارجة عن الصلاة،و لكن أُتي بها فيها،بل هي موجبة لتماميّة المصداق و كماله،فالقنوت إذا جي‏ء به يكون متمّماً لمصداق الصلاة،و تصدق«الصلاة»على الفرد الواجد له،و تتّحد الطبيعة مع الفرد الواجد اتّحاد الطبيعيّ مع أفراده،فالمصداق الواجد للجزء المستحبّ،مصداقٌ للصلاة الواجبة،لكنّه مصداق أتمّ من الفاقد له،لا أنّ الصلاة شي‏ءٌ،و الجزء المستحبّي شي‏ءٌ آخر. فمعنى استحباب الجزء أو الجزء المستحبّي،أنّ الصلاة مع عدم الإتيان به تكون صحيحة،لكنّها أنقص من الواجدة له. فحينئذٍ يكون الآتي بالجزء المشكوك فيه،آتياً بالمأمور به على وجهه،متقرّباً إلى اللَّه،ممتازاً عمّا عداه،لأنّ الأمر الصلاتيّ متعلّقٌ بالطبيعة،و لا تكون الأجزاء أو كلّ واحدٍ منها متعلّقة للأمر و وجهاً للوجوب،و إن كان المصداق فرداً كاملاً للواجب. و ممّا ذكرنا يظهر حال الشرط أيضاً،فإنّ الشرائط الاستحبابيّة أيضاً من مكمِّلات الصلاة،كالأجزاء المستحبّة. و أمّا الكلام في المردّد بين كون شي‏ءٍ جزءا أو لا،أو شرطاً أو لا،مع القطع‏

[145]لاحظ حول هذه المسألة مناهج الوصول 1: 154-157.


456

بعدم المانعيّة،فقد يقال: إنّ قصد التقرّب متعذّرٌ في هذا الجزء أو الشرط;فإنّ قصد التقرّب عبارة عن كون الأمر داعياً إلى‏ إتيان المأمور به،و الفرض أنّ تعلّق الأمر الضمنيّ بهما مشكوك فيه،فلا يمكن قصد التقرّب بهما(1) .

(1)اُنظر الرسائل الفشاركية: 129.
و الجواب: أنّ قصد التقرّب إنّما يكون بالأمر المتعلّق بالطبيعة المأمور بها،لا الأوامر الضمنيّة،و الفرض أنّه حاصلٌ. مع أنّ المكلَّف ليس له داعٍ في إتيان الجزء أو الشرط إلاّ احتمال أمر المولى‏،فهو قاصدٌ للأمر الاحتماليّ على فرضه،و لا يعتبر في قصد التقرّب شي‏ء زائداً على‏ ذلك،-كما سنشير إليه-فالاحتياط في المشكوك فيه من هذه الجهة أيضاً لا مانع منه;أي أنّ الإتيان بهما احتياط لإتيان كلّ ما يحتمل أن يكون دخيلاً في المأمور به;من قصد التقرّب و غيره،فيكون جائزاً. و أمّا الكلام في المتباينَيْن فيما يستلزم الاحتياط فيه تكرار مجموع العبادة،كتردّد الواجب بين كونه ظهراً أو جمعة،و تردّد القبلة بين الجهات،فالأقوى‏ فيه أيضاً أنّ الإتيان بهما احتياط-أي إتيان للمأمور به الواقعيّ بجميع ما يعتبر فيه-فيجوز الإتيان بهما من باب الاحتياط;لأنّ الإشكال إن كان من باب قصد التقرّب المعتبر في العبادة،فلا إشكال في حصوله;لأنّ المكلّف لم يأتِ بهما إلاّ لأجل أمر المولى‏-أي لحصول المأمور به الواقعيّ-فهو متقرّب به بما هو في الواقع مأمور به،و إن لم يعلم حين الإتيان أنّ القرب بأيّهما حَصَلَ. نعم،يحتمل أن يعتبر في العبادة العلم التفصيليّ بالمأمور به حين الإتيان به،و لا يمكن رفعه بالتمسّك بأصالة الإطلاق;لأنّها إنّما يتمسّك بها فيما يمكن أخذه في المتعلّق،و العلم بالأمر متأخّر عنه،فلا يمكن أخذه فيه،و ما لا يمكن


457

التقييد به لا يمكن فيه التمسّك بالإطلاق;لأنّ معنى‏ أصالة الإطلاق أنّه لو كان القيد معتبراً في المأمور به،فَعلى المولى أن يقيّده به،فعدم التقيّد يكشف عن عدم الدخالة،و مع امتناع التقييد يحتمل أن يكون عدم الأخذ لامتناعه،لا لعدم دخالته. لكن أصالة البراءة العقليّة و النقليّة جارية;لأنّه على المولى‏ بيان القيد،و مع عدمه يكون العقاب عليه بلا بيانٍ،فالإشكال مرتفعٌ من جهة قصد التقرّب،و كذا من جهة احتمال دخالة العلم التفصيليّ‏[146]. و أمّا كون التكرار لعباً بأمر المولى‏ فممنوعٌ;لأنّ المفروض أنّ الآتي بهما إنّما يأتي احتياطاً،لا لعباً. و دعوى الإجماع على‏ عدم جواز التكرار و بطلان الاحتياط(1) ممنوعةٌ;لأنّ‏

(1)فرائد الأُصول: 15-السطر 4.

[146]الحاكم في باب الإطاعات هو العقل،و هو لا يشكّ في أنّ الآتي بالمأمور به على‏ ما هو عليه بقصد إطاعة أمره و لو احتمالاً،محكوم عمله بالصحّة و لو لم يعلم حين الإتيان أنّ ما أتى‏ به هو المأمور به;لأنّ العلم طريق إلى‏ حصول المطلوب،لا أنّه دخيل فيه. و عليه،فدعوى‏ دخالة العلم التفصيلي في حصول المطلوب دعوى‏ بلا شاهد،فلا تصل النوبة إلى الشكّ حتّى‏ نتمسّك بالقواعد المقرّرة للشاكّ. (تهذيب الأُصول 2: 129).
المسألة عقليّة أوّلاً،و غير معنونةٍ لدى القدماء ثانياً،و مع ذلك كيف يمكن دعواه؟! و ممّا ذكرنا يظهر الحال فيما لا يستلزم التكرار،بل هو أولى‏ بالجواز. كما أنّ الاحتياط في الشبهة البدويّة الغير المقرونة بالعلم الإجماليّ مع إمكان رفعها بالفحص و الاجتهاد أيضاً لا مانع منه،لا من جهة قصد التقرّب،و لا من جهة أُخرى‏،كما يظهر بالتأمّل فيما ذكرنا. و الأولى‏ صرف عنان القلم فيما هو المهمّ من مباحث الأمارات الغير العلميّة.


459

الفصل السادس الأمارات الغير العلميّة

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في إمكان التعبّد بها

المراد بالإمكان و«الإمكان»يطلق في العلوم العقليّة على معانٍ،لا يهمّنا التعرّض لها(1) .

(1)اُنظر الحكمة المتعالية 1: 149-154.
و الظاهر أنّ المراد به هاهنا غيرها،بل يطلق هاهنا باصطلاحٍ خاصّ بالأُصوليّ;و هو الإمكان الوقوعي‏[147]-أي ما لا يلزم من وقوعه محال-و هو غير الإمكان‏

[147]بل المراد الإمكان الاحتمالي الواقع في كلام الشيخ رئيس الصناعة من أنّه«كلّما قرع سمعك من الغرائب،فذره في بقعة الإمكان،ما لم يذدك عنه قائم البرهان». و الإمكان الاحتمالي معناه تجويز وقوعه،في مقابل ردعه و طرحه بلا برهان،و إن شئت قلت: عدم الأخذ بأحد طرفي القضية و الجزم بإمكانه أو امتناعه،كما هو ديدن غير أصحاب‏البرهان. و هذا من الأحكام العقلية،يحكم به العقل السليم،و لو جرى‏ عليه العقلاء في اجتماعهم،فلأجل حكم عقولهم الصحيحة،و ليس بناء منهم على الإمكان لمصلحة من المصالح الاجتماعية،كما هو الحال في سائر أُصولهم العقلائية. ثمّ إنّ ما هو المحتاج إليه في هذا المقام هو الإمكان الاحتمالي،فلو دلّ دليل على‏ حجّية الظنون و جواز العمل بآحاد الأخبار،لا يجوز رفع اليد عن ظواهر تلك الأدلّة ما لم يدلّ دليل قطعي على امتناعه. نعم،لو دلّ دليل قطعي على امتناعه،يؤوّل ما دلّ على‏ حجّيتها بظواهره،فاللازم ردّ ما استدلّ به القائل على الامتناع،حتّى‏ ينتج الإمكان الاحتمالي،فيؤخذ بظواهر أدلّة الحجّية. و بذلك يظهر: أنّ تفسير الإمكان بالذاتي و الوقوعي في غير محلّه;إذ مع أنّه لا طريق إليه،غير محتاج إليه. (تهذيب الأُصول 2: 130).


460

الوقوعيّ باصطلاح أهل المعقول;فإنّه مرادفٌ للإمكان الاستعداديّ كما عرّفوه به(1) .

(1)شرح القوشجي على التجريد: 41-السطر 15،شوارق الإلهام: 96-السطر 3.
و بالجملة: مرادهم في المقام،أنّ التعبّد بالأمارات أو بمطلق الأحكام الظاهريّة،هل يلزم من وقوعه محالٌ-كما عليه ابن قِبَة(2) -أو لا؟

(2)حكى‏ عنه في معارج الأُصول: 141.
و ليعلم: أنّ الإمكان ليس مقتضى‏ أصلٍ عقليّ أو عقلائيّ،ليرجع إليه عند الشكّ،و لكن لو لم يدلّ دليلٌ عقليّ على امتناع التعبّد بالأحكام الظاهريّة،فلا محيص عن أخذ ظواهر الأدلّة الدالّة عليها. و مجرّد احتمال الامتناع و عدم الدليل على الإمكان،لا يوجب جواز رفع اليد عن الحجج الظاهريّة و الأدلّة المعتبرة الدالّة على‏ حجّيّة الأمارات و الأُصول و لزوم التعبّد بها. و أمّا ما يقال: من أنّ أدلّ دليلٍ على الإمكان هو الوقوع،فوقوع التعبّد بها شرعاً يكشف عن الإمكان(3) .

(3)كفاية الأُصول: 317-318.


461

فهو صحيح لو كان وقوع التعبّد بها قطعيّاً،و ليس كذلك;لأنّ الأدلّة الدالّة عليه ظنّيات سنداً،أو دلالة،أو كليهما[148]،و مثلها لا تدلّ على الإمكان،و لا تكشف عنه حقيقةً. و ليس الإمكان أمراً يمكن التعبّد به شرعاً;فإنّه أمرٌ عقليّ،لا أثر عمليّ.

استدلال ابن قبة لامتناع التعبّد بالأمارات‏

ثمّ إنّ ابن قبة قد استدلّ على الامتناع بدليلين(1) :

(1)و قد حكيا عن الجبائي أيضاً،اُنظر فواتح الرحموت،المطبوع في ذيل المستصفى من علم الأُصول 2: 131.
أحدهما: أنّه لو جاز التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النبيّ صلى الله عليه و آله،لجاز التعبّد به في الإخبار عن اللَّه تعالى،و الثاني باطل إجماعاً،فكذا الأوّل(2) .

(2)معارج الأُصول: 141.
و الظاهر أنّ مراده من«الإخبار عن اللَّه»هو إخبار المُتنبّي عن اللَّه تعالى‏

[148]اعلم: أنّ الأمارات المتداولة على‏ ألسنة أصحابنا المحقّقين كلّها من الأمارات العقلائية التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم و سياساتهم و جميع أُمورهم;بحيث لو ردع الشارع عن العمل بها،لاختلّ نظام المجتمع و وقفت رحى الحياة الاجتماعية،و ما هذا حاله لا معنى‏ لجعل الحجّية له و جعله كاشفاً محرزاً للواقع بعد كونه كذلك عند كافّة العقلاء،و ها هي الطرق العقلائيّة-مثل الظواهر و قول اللّغوي و خبر الثقة و اليد و أصالة الصحّة في فعل الغير-ترى‏ أنّ العقلاء كافّة يعملون بها من غير انتظار جعل و تنفيذ من الشارع،بل لا دليل على‏ حجّيتها-بحيث يمكن الركون إليه-إلا بناء العقلاء،و إنّما الشارع عمل بها كأنّه أحد العقلاء. و في حجّية خبر الثقة و اليد بعض الروايات التي يظهر منها بأتمّ ظهور،أنّ العمل بهما باعتبار الأمارية العقلائية،و ليس في أدلّة الأمارات ما يظهر منه بأدنى‏ ظهور جعل الحجّية و تتميم الكشف،بل لا معنى‏ له أصلاً. (أنوار الهداية 1: 105 و 106).


462

بأحكام شريعته. و الجواب عنه: أنّ المقصود لو كان قبول قول المتنبّي تعبّداً من غير دليلٍ،فنمنع الملازمة;لعدم الملازمة بين جواز التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النبيّ صلى الله عليه و آله مع قيام الدليل عليه-و بين جواز التعبّد في الإخبار عن اللَّه مع فقد الدليل على النبوّة. و إن كان المقصود قبول قوله مع قيام دليلٍ قطعيّ عليه،فنمنع بطلان التالي،و ليست المسألة بكلا شقّيها إجماعيّة،بل هي أمرٌ عقليّ،يدلّ على عدم قبول قول المتنبّي بلا دليلٍ،و قبول قوله مع الدليل القطعيّ. اللّهم إلا أن يكون مراده من«إمكان التعبّد في الإخبار عن اللَّه»هو التعبّد من قِبَل النبيّ الثابت النبوّة بالنسبة لإخبار شخصٍ مُدّعٍ للنبوّة،أو شخصٍ غير مدّعٍ لها،بل مخبر عنه بواسطة صفاء نفسه. فحينئذٍ نقول: أمّا على الفرض الأوّل،فعدم وقوعه لقيام الضرورة على‏ ختم النبوّة،فلا ملازمة بين التعبّد بهما. و أمّا على الثاني: فلا مانع منه عقلاً و إن لم يثبت وقوعه،و لا ملازمة أيضاً بين عدم وقوعه أو عدم ثبوت وقوعه،مع عدم وقوع التعبّد بالأمارات أو مطلق الأحكام الظاهريّة،فهذا الدليل لا يرجع إلى‏ محصَّلٍ معتدٍّ به. ثانيهما: أنّه يلزم من التعبّد بها تفويت المصلحة،و الإيقاع في المفسدة،و الجمع بين المثلَيْن و الضدَّيْن،و الجمع بين الإرادتين المتضادّتَيْن،و هذه كلّها مفاسد تحليل الحرام،و تحريم الحلال المذكورَيْن في كلامه(1) .

(1)حكاه عنه في معارج الأُصول: 141.
و الجواب عن تفويت المصلحة و الإيقاع في المفسدة;أمّا على طريقيّة الأمارات كما هو الحقّ-لعدم كونها تأسيسيّه،بل هي أُمور عقلائيّة أمضاها


463

الشارع،و معلوم أنّ الأمارات عند العقلاء ليست إلا طريقاً إلى الواقع،و كاشفات عنه-فقبح إيجاب العمل بالأمارات و التعبّد بها،إنّما هو فيما إذا فوّتت الأمارة المصلحة،أو أوقعت في المفسدة. و أمّا مع جهل المكلّف بالأحكام الواقعيّة;بحيث لو تركه الشارع على‏ جهله يرى‏ وقوعه في خلاف الواقع كثيراً،و يرى‏ أنّ في جعل الأمارة على الواقع إيصالاً له إليه،أكثر ممّا لو تركه على‏ حاله،فلا قبح فيه،و تخلّف الأمارة عن الواقع إذا كان قليلاً-في مقابل الإصابة،و في مقابل جعل الأمارة-شرّ قليل،في قبال الخير الكثير،و لا يترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل. مع أنّ وقوعه في الخلاف أيضاً،من تبعات جهله،لا من تبعات التعبّد بالأمارة،و عدم القبح في هذه الصورة إنّما هو بحسب تشخيص الشارع كثرة الإصابة و قلّة المخالفة. و لو فرض أنّ المكلّف يرى انفتاح باب علمه إلى الواقع،و توهَّم أنّ التعبّد بالأمارة موجب لصرفه عن علمه بالواقع،و رأى الشارع أنّه جاهلٌ مركّب،فلا يكون تعبّده بالأمارة قبيحاً. نعم،لو فرض انفتاح باب العلم حقيقة،و أنّ التعبّد بالأمارات موجبٌ لتفويت المصلحة،و الإيقاع في المفسدة،يكون التعبّد بها قبيحاً[149]،لكنّه فرضٌ‏

[149]إنّ في إيجاب تحصيل العلم التفصيلي في زمان الحضور،و في إيجاب الاحتياط في زمن الغيبة أو الحضور مع عدم إمكان الوصول إليه‏7 مفسدة غالبة. توضيحه: أمّا في زمان الانفتاح;فلأنّ السؤال عن الأئمّة: و إن كان أمراً ممكناً غير معسور،إلا أنّ إلزام الناس في ذلك الزمان على العمل بالعلم كان يوجب ازدحام الشيعة على‏ بابهم،و تجمّعهم حول دارهم،و كان التجمّع حول الإمام أبغض شي‏ء عند الخلفاء،و كان موجباً للقتل و الهدم و غيرهما.

فلو فرض وجوب العلم التفصيلي في زمن الصادقين: ،كان ذلك موجباً لتجمّع الناس حول دارهم و ديارهم،بين سائل و كاتب،و قارئ و مستفسر،و كان نتيجة ذلك تسلّط الخلفاء على الشيعة و ردعهم،و قطع أُصولهم عن أديم الأرض،و عدم وصول شي‏ء من الأحكام الشرعية موجودة بأيدينا. فدار الأمر بين العمل بالأخبار الواردة عنهم: بطريق الثقات الموصلة إلى الواقع غالباً و إن خالفت أحياناً،و بين إيجاب العلم حتّى‏ يصل بعض الشيعة إلى الواقع و يحرم آلاف من الناس عن الأحكام و الفروع العملية;لما عرفت أنّ الإلزام على‏ تحصيل العلم كان ذلك مستلزماً للتجمّع على‏ باب الأئمّة،و كان نتيجة ذلك صدور الحكم من الخلفاء بأخذهم و شدّهم،و ضربهم و قتلهم،و اضطهادهم تحت كلّ حجر و مدر. و أمّا الاحتياط في هذه الأزمان أو زمن الحضور-لمن لم يمكن له الوصول إليهم: -ففساده أظهر من أن يخفى‏;فإنّه مستلزم للحرج الشديد و اختلال النظام و رغبة الناس عن الدين الحنيف،بل موجب للخروج من الدين،فإنّ الحكيم الشارع لا بدّ له ملاحظة طاقة الناس و استعدادهم في تحمّل الأحكام و العمل بها،و مثله التبعيض في الاحتياط;فإنّه لو لم يوجب حرجاً شديداً،لكنّه موجب رغبة جمهرة الناس عن الدين. و بالجملة: البناء على الاحتياط المطلق،أو بمقدار ميسور في جميع التكاليف من العبادات و المعاملات و المناكحات و غيرها،يستلزم الحرج الشديد في بعض الأحوال،و رغبة الناس عن الدين،و قلّة العاملين من العباد للأحكام في بعض آخر،فلأجل هذا كلّه أُمضي عمل العقلاء و بناؤهم في العمل بالظنون،و أخبار الآحاد بمقدار يؤسّس لهم نظاماً صحيحاً،و هذا و إن استلزم فساداً و تفويتاً،غير أنّه في مقابل إعراض الناس عنه و خروجهم منه و قلّة المتدينين به،لا يعدّ إلا شيئاً طفيفاً يستهان به. (تهذيب الأُصول 2: 133-134).


464

صِرْفٌ لا واقع له،هذا كلّه على الطريقية.

التعبّد بالأمارات بناءً على السببيّة

و أمّا على الموضوعيّة و السببيّة،فهي على صور:


465

إحداها: عدم حكم مشترك بين الجاهل و العالم متعلّق بالعناوين الواقعيّة،و كون الحكم تابعاً لقيام الأمارة لأجل مصلحة حاصلة للمتعلّق بواسطة قيامها،و هذا تصويبٌ باطل مجمع على‏ بطلانه(1) ،و الأخبار متواترة على‏ بطلانه(2) .

(1)عُدّة الأُصول 2: 723 و 725،تمهيد القواعد: 322.

(2)اُنظر الأُصول الأصليّة: 273-283.
ثانيتها: كون الواقع ذا حكمٍ مشتركٍ بين المكلّفين،مع تقيّده بعدم قيام الأمارة على‏ خلافه،و أمّا مع قيامها فيكون الحكم تابعاً للأمارة;لغلبة مصلحة مؤدّى الأمارة على‏ مصلحة الواقع،و هذا أيضاً تصويبٌ باطل بالأخبار و الإجماع،و إن لم يكن وضوحه كالأوّل. ثالثتها: أن لا يكون لقيام الأمارة تأثيرٌ في الفعل،و لا تحدث فيه مصلحة بقيامها،بل يكون لسلوك الأمارة أو الأمر بسلوكها مصلحة،يتدارك بها ما فوّت على المكلَّف من مصلحة الواقع. و ليعلم: أنّ نسخ«الفرائد»مختلفة في هذا المقام المذكور،فإنّ في النسخة المطبوعة أوّلاً في حدود سنة مائتين و سبعين: أنّ في سلوك الأمارة مصلحةً كذائيّة. و في النسخة المطبوعة في حدود سنة ثمانين قريباً من وفاة الشيخ رحمه الله: أنّ في الأمر بالعمل على طبق الأمارة مصلحةً كذائيّة. قال بعض المشايخ: إنّ مسلك الشيخ كان أوّلاً مطابقاً للنسخة الأُولى‏،فأشكل بعض تلامذته عليه،فأمر بتغيير العبارة بما في النسخة الثانية،و وجه الإشكال غير معلوم و لا مذكور في كلامه(3) .

(3)أجود التقريرات 2: 71.
أقول: نحن نناقش في كلا المسلكين:


466

أمّا المسلك الثاني-أي كون الأمر بالسلوك ذا مصلحةٍ جابرة،من غير أن تكون في المأمور به مصلحة،كما تكرّر نظيره في كلمات المحقّق الخراساني(1) -فأمرٌ غير معقولٍ;فإنّ الأمر وِزانه وزان الإرادة التكوينيّة في عدم‏

(1)حاشية المحقّق الخراساني على فرائد الأُصول: 37-السطر 17،كفاية الأُصول: 179 و 319.
النفسيّة له،و كونِه فانياً في المأمور به،و يتوسّل به إليه،من غير أن يكون ملحوظاً بذاته. كما أنّ الإرادة بالنسبة إلى المراد كذلك،فلا يمكن أن تتحقّق الإرادة لمصلحةٍ في نفسها;لعدم النفسيّة لها،و كذا لا يمكن أن يتحقّق الأمر لمصلحةٍ فيه،و هكذا النهي،فإذا انسلخ الأمر عن كونه آلة للتوسّل إلى المأمور به،و كانت له نفسيّة ملحوظة،يخرج عن كونه أمراً،و كذلك النهي،فلا يعقل أن يكون الأمر أو النهي لمصلحةٍ فيهما. مضافاً إلى‏ أنّه لا يمكن أن تكون تلك المصلحة القائمة بنفس الأمر الغير المربوطة بالمكلَّف،جابرة للمصلحة الفائتة عليه،فأيّة مناسبةٍ بين المصلحة في الأمر،و المصلحة في الواقع حتّى تكون الأُولى جابرة للثانية؟! و أمّا المسلك الأوّل-أي كون نفس سلوك الأمارة ذا مصلحةٍ كذائيّة-ففيه: أنّ معنى‏ سلوكها ليس إلاّ العمل بمؤدّاها على‏ أنّه مؤدّى‏ الأمارة،فلو فرض وجوب شي‏ءٍ،فأدّت الأمارة إلى حرمته،فلازم هذا المبنى أن يكون في ترك العمل به-بما أنّه مؤدّى الأمارة-مصلحة جابرة لمصلحة الواقع،مع عدم تعقّل كون العدم ذا مصلحةٍ أو مفسدةٍ. مضافاً إلى‏ أنّ النهي عن الشي‏ء،إنّما ينشأ عن مفسدة العمل،و النهي هو


467

الزجر عن العمل لمفسدةٍ فيه،لا طلب الترك-كما عرفت سابقاً(1) -و لازم ذلك أن‏

(1)تقدّم في الصفحة 161-162.
تجتمع في الفعل مصلحة و مفسدة،و يكون ترك المفسدة جابراً لمصلحة الفعل،و هو كما ترى‏. و لو أدّت الأمارة إلى استحباب ما هو واجبٌ واقعاً،فلازم هذا المسلَك أن يصير الفعل-بواسطة المصلحة الغير التامّة العائدة إلى المكلّف-موجباً لرفع الوجوب،مع عدم تعقّل أن يصير الواجب لأجل تزايد المصلحة الغير الملزمة،خارجاً عن وجوبه. و لو أدّت إلى‏ كراهة ما هو الواجب،يلزم أن يخرج الواجب عن وجوبه;لأجل مفسدةٍ غير مؤكّدة. و لو أدّت إلى‏ إباحته،يلزم أن يكون عدم اشتمال الفعل على‏ المصلحة و المفسدة،جابراً لمفسدة ترك الواجب. و قس على‏ ما ذكر ما لو فرض كون الواقع حراماً،و أدّت الأمارة إلى‏ أمثال ما ذكر،فتصحيح جعل الأمارات بمثل ذلك ممّا لا يمكن. و أمّا قضيّة الجمع بين المثلَيْن،فليست بمحذورٍ;فإنّ التحقيق أنّ الأحكام ليس لها وجودٌ خارجيّ في الموضوع،حتّى يقرّر محذور اجتماع المثلَيْن في الحكمَيْن المتوجّهَيْن إلى‏ موضوعٍ واحد;بأنّ المثلَيْن مشتركان في الماهيّة و لوازمها،و اختلافهما إنّما يكون باختلاف الموضوع،و مع عدم اختلافه لا تعدّد،حتّى‏ تصحّح المثليّة و الامتياز،و مع الامتياز يخرج عن اجتماع المثلَيْن;فإنّ كلّ ذلك للعرضَيْن الحالَّيْن في موضوعٍ،و الأحكام ليست من عوارض المتعلّقات بما أنّها موجودات خارجيّة;فإنّ الخارج ظرف سقوط الحكم،و لا يعقل بقاؤه في


468

الوجود الخارجيّ;لأنّ البعث و التحريك إنّما هما لإتيان المتعلّق و إيجاده،و لا يعقل بقاؤهما بعد الإتيان و الإيجاد[150]. و من ذلك يتّضح: أنّ اجتماع الضدَّيْن لأجل أنّ الأحكام متضادّات،ليس بمحذورٍ أيضاً;لعين ما ذكرنا في المثلَيْن. نعم،المحذور الذي لا بدّ من جوابه;هو لزوم اجتماع الإرادتين المتضادّتَيْن في متعلّقٍ واحد;ضرورة امتناع تعلّق الإرادة الحتميّة الوجوبيّة مع الإرادة الحتميّة التحريميّة،أو الراجحة الاستحبابيّة،أو التنزيهيّة،أو الترخيصيّة،على‏ موضوعٍ واحد،من مريدٍ واحد،متوجّهة إلى‏ مكلَّفٍ واحد،في زمانٍ واحد.

[150]اعلم: أنّ الإنشائيات كلّها من الأُمور الاعتبارية لا تحقّق لها إلاّ في وعاء الاعتبار;فإنّ دلالة الألفاظ المنشإ بها على‏ معانيها إنّما هي بالمواضعة و الوضع الاعتباريين،فلا يعقل أن يوجد بها معنى‏ حقيقي تكويني أصيل،فهيئة الأمر و النهي وضعت للبعث و الزجر الاعتباريين في مقابل البعث و الزجر التكوينيين،فقول القائل: «صلّ»مستعمل في إيجاد البعث و الحثّ و التحريك الاعتباري،فالعلّة اعتباري و المعلول مثله. و على‏ هذا الأساس فالأحكام التكليفية كلّها من الأُمور الاعتبارية لا وجود حقيقي لها إلاّ في وعاء الاعتبار. إذا عرفت ذلك،تقف على‏ بطلان القول بأنّ الأحكام الخمسة أُمور متضادّة،كما اشتهر عنهم في باب الترتّب و اجتماع الأمر و النهي،و الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية و غيرها. و أظنّ أنّك بعد الوقوف على‏ ما ذكرنا تقف على‏ أنّ بطلان الضدّية فيها ليس لأجل انتفاء شرط الضدّية أو قيدها فيها،بل البطلان لأجل أنّ التضادّ و التماثل و التخالف من مراتب الحقيقة;أي الموجودة في المادّة الخارجية،فالأحكام لاحظّ لها من الوجود الخارجي حتّى‏ يتحمّل أحكامه،و قس عليه سائر القيود;فإنّها أيضاً منتفية،كما ذكرنا. (تهذيب الأُصول 2: 136 و 137).


469

بعض الأجوبة عن شبهة ابن قبة

و لقد تصدّى‏ بعض الأعاظم للجواب عنه(1) . و ما يظهر من المحقّق‏

(1)المراد به آية اللَّه العظمى السيّد محمّد الفشاركي. اُنظر وقاية الأذهان: 143-145.
الخراسانيّ رحمه الله في دفعه طرق: الأوّل: ما في تعليقته-بعد بيان مراتب الأحكام;أي الشأنيّة،و الإنشائيّة،و الفعليّة،و التنجيزيّة-و هو أنّ التضادّ إنّما هو بين الأحكام الفعليّة،دون الإنشائيّة و الشأنيّة،و أنّ الأحكام الواقعيّة في مورد مخالفتها مع الأمارات،إنّما تصير شأنيّة و إنشائيّة،و يكون الحكم الفعليّ ما أدّت إليه الأمارة(2) .

(2)حاشية المحقّق الخراساني على فرائد الأُصول: 36-السطر 11.
و أجاب عن لزوم التصويب و بطلانه إجماعاً: بأنّ الإجماع كما قام على‏ بطلانه-أي عدم حكمٍ مشتركٍ بين العالم و الجاهل مطلقاً-كذلك قام الإجماع بل الضرورة على‏ عدم فعليّة الأحكام الواقعيّة لكلّ من يشترك في الحكم(3) .

(3)نفس المصدر: 36-السطر 24.
الثاني: ما في«الكفاية»و هو أنّ وجوب اتّباع الأمارة إذا كانت موافقة للحكم الواقعيّ لا يكون إلا الحكم الواقعيّ-بناءً على الطريقيّة-و مع التخلّف يكون حكماً صوريّاً،لا بعثاً و زجراً فعليّاً،فاختلف الحكمان بحسب الفعليّة و الإنشائيّة،و رفع التضادّ بينهما(4) .

(4)كفاية الأصول: 319.
الثالث: ما فيها أيضاً;و هو أنّ التعبّد بالأمارات إنّما هو بجعل الحجّيّة،و ليست الحجيّة مستتبعة لأحكام تكليفيّة بحسب ما أدّى‏ إليه الطريق،بل


470

لا تكون الأمارات إلا منجّزة للواقع في صورة الإصابة،و موجبة لصحّة الاعتذار في صورة المخالفة،فلا يلزم اجتماع الضدَّيْن أو المثلَيْن(1) .

(1)كفاية الأصول: 319-320.
و أجاب عن الإشكال بعض أعاظم تلامذة العلامة الميرزا الشيرازي(2) -

(2)هو العلامة المحقّق البارع السيّد محمّد الفشاركي طاب ثراه.
و قيل: إنّه منه قدس سره (3) -و قد شيّد أركانه هذا العظيم;بأنّ الأحكام الواقعيّة

(3)أجود التقريرات 2: 79.
المتعلّقة بالموضوعات الواقعيّة،لا يمكن إطلاقها بالنسبة إلى‏ حال الشكّ في الحكم;فإنّه من الحالات الطارئة للموضوع و المكلّفِ بعد تعلّق الحكم،فلا يمكن الإطلاق و التقييد بالنسبة إليها. فموضوع الحكم الواقعيّ،هو الذي لا يمكن فيه لحاظ الإطلاق و التقييد بالنسبة إلى الحالات اللاحقة المتأخّرة عنه،و موضوع الحكم الظاهريّ هو مشكوك الحكم بما هو مشكوك،و هو متأخّرٌ رتبة عن الذات،و لا يمكن الجمع بينهما في اللّحاظ;فإنّ أحدهما ممّا يمتنع تقييده و إطلاقه بالنسبة إلى الشكّ،و الآخر ما يكون الشكّ موضوعاً له،فتختلف رتبتهما،و يرتفع التضادّ بينهما. كما أنّ الصواب في باب الترتّب و رفع التضادّ فيه،هو اختلاف الرتبة;فإنّ الأمر بالأهمّ لا يمكن إطلاقه بالنسبة إلى‏ حال العصيان;فإنّه من الحالات اللاحقة للحكم،و لا يمكن تقييد الموضوع به،و لا إطلاقه بالنسبة إليه،و الأمر بالمهمّ يكون متقيّداً بعصيان الأهمّ،فهو متأخّر رتبة عن الأمر بالأهمّ. فكما أنّ رفع التضادّ في باب الضدّين باختلاف الرتبة،فكذلك فيما نحن فيه(4) .

(4)اُنظر درر الفوائد،للمحقّق الحائري: 140 و 351-354،و وقاية الأذهان: 487-490.
هذا،و لا يخفى‏ ما فيه;فإنّ الإطلاق-كما مرّ ذكره(5) -ليس عبارة عن جعل‏

(5)تقدّم في الصفحة 374.


471

الماهيّة آلة للحاظ الخصوصيّات و الحالات،حتّى‏ تكون ملحوظة و دخيلة في تعلّق الحكم،بل حقيقته عبارة عن جعل الطبيعة تمام الموضوع للحكم،خاليةً عن كافّة القيود و الحالات. فموضوع وجوب الحجّ في قوله«و للَّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً»(1) ليس إلا المستطيع،من غير دخالة شي‏ءٍ من الحالات السابقة

(1)آل عمران(3): 98.
على‏ تعلّق الحكم به،أو اللاحقة له،و من غير لحاظ شي‏ءٍ سوى‏ نفس طبيعة المستطيع في موضوع الحكم. و«الْبَيْع»في قوله: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»(2) ليس آلة للحاظ شي‏ءٍ من‏

(2)البقرة(2): 276.
الحالات أو الخصوصيّات،بل معنى‏ إطلاقه أنّه بنفسه-من غير قيدٍ-موضوع للحلّية،و يكون تمام الموضوع لها هو البيع بما أنّه هو. فبناءً عليه،يكون الحكم المتعلّق بالموضوع المطلق،محفوظاً مع الحالات السابقة و اللاحقة. فوجوب صلاة الجمعة ثابتٌ لها مع الشكّ في وجوبها،و مع العلم به،كما أنّه ثابتٌ لها مع الحالات السابقة على‏ تعلّق الحكم. فالإطلاق محفوظٌ مع الطوارئ السابقة على‏ تعلّق الحكم و اللاحقة له;لما عرفت(3) من أنّ معنى الإطلاق ليس عبارة عن لحاظ القيود،حتّى‏ يقال:

(3)تقدّم في الصفحة 374.
بامتناع لحاظ الحالات المتأخّرة عن تعلّق الحكم،بل هو عبارة عن كون الشي‏ء موضوعاً للحكم،من غير دخالة قيدٍ من القيود أو لحاظه،و الذات الموضوعة للحكم محفوظة مع كافّة الحالات السابقة و اللاحقة،من غير دخالتها في الحكم.


472

إذا علم ذلك يظهر: أنّ اختلاف الرتبة لا يرفع التضادّ;لا فيما نحن فيه،و لا في باب الضدَّيْن. و لو صار اختلاف الرتبة مسبِّباً لدفع التضادّ،لجاز فيما نحن فيه أن يتعلّق الوجوب بالموضوع،و الحرمة بمعلوم الوجوب;لأنّ الشكّ في الحكم و العلم به كليهما من الحالات المتأخّرة،و لجاز في باب الضدَّيْن تقييد الأمر بالمهمّ بإطاعة أمر الأهمّ;لأنّ الطاعة و المعصية أيضاً كلتيهما متأخّرتان عن تعلّق الحكم بالموضوع. بل الجواب عن إشكال التضادّ في باب الضدَّيْن،هو ما عرفت سابقاً(1)

(1)تقدّم في الصفحة 468.
و سيأتي الجواب عنه فيما نحن فيه(2) .

(2)يأتي في الصفحة الآتية.
و أمّا ما أجاب به المحقّق الخراساني رحمه الله في تعليقته: من شأنيّة الحكم الواقعيّ(3) و في«الكفاية»أخيراً-مع تسليم انتزاع الحجّية عن الحكم‏

(3)حاشية المحقّق الخراساني على فرائد الأصول: 36-السطر 11.
التكليفيّ-: بأنّ حكم الأمارة لمّا كان طريقيّاً للتوسّل إلى الحكم الواقعيّ،فمع المصادفة لا يكون إلا الحكم الواقعيّ،و مع المخالفة يكون حكماً صوريّاً،و إنّما حكم به لأجل عدم الامتياز بين صورة المصادفة و غيرها،و إلا لا يحكم إلا على‏ طبق ما هو المصادف لا غير(4) .

(4)كفاية الأصول: 319-320.
فيمكن تصحيحهما بأن يقال: إنّ إرادة المولى‏-التي هي روح الحكم-إنّما تعلّقت بوجود الواجب الواقعيّ،أو عدم المحرّم الواقعيّ،و هذه الإرادة صارت سبباً للخطاب الواقعيّ;ليتوسّل به إلى المطلوب،أو إلى رفع المكروه;أي أراد المولى‏ بالخطاب انبعاث المكلّف نحو المطلوب،أو انزجاره عن المكروه،إلا أنّ


473

الخطاب لا يمكن أن يؤثّر إلا في حال العلم به;ضرورة عدم باعثيّته مع الجهل. لكن لا بمعنى‏ أنّ إرادة وجود الفعل أو عدمه ناقصة،بل بمعنى‏ أنّ الخطاب مع كونه متعلّقاً بذات الفعل من غير تقييدٍ بالعلم و الجهل،ناقص عن بعث الجاهل،لكنّ الإرادة متحقّقة في هذا الحال. فحينئذٍ قد يكون المطلوب بوجهٍ لا يرضى المولى‏ بتركه مطلقاً،فيأمر بالاحتياط;ليعلم المكلَّف بالخطاب الاحتياطيّ،و يتوسّل المولى لأجله إلى المطلوب الواقعيّ. و قد لا يكون كذلك،أو يرى‏ في إيجاب الاحتياط محذوراً،فيتوسّل إلى مراده بخطابٍ آخر غير إيجاب الاحتياط;و هو جعل أمارةٍ أو أمارات للتوسّل بها إلى المطلوب الواقعيّ،فيأمر بمتابعة خبر الثقة أو أمارةٍ أخرى‏. و هذا الخطاب أيضاً خطاب طريقيّ توسّلي،يتوسّل به إلى المطلوب الواقعيّ،فإذا طابقت الأمارة الواقع،لا يكون إلا الحكم الواقعيّ و الإرادة الواقعيّة،التي يكون الخطاب الأوّلي و الخطاب الثانويّ وسيلةً إلى تحصيل متعلّقها،و إذا خالفته لا يكون الخطاب إلا صوريّاً،كالقصد الضروريّ في الإرادة التكوينيّة. فحينئذٍ نقول: إن لوحظت الإرادة المتوسّلة بالخطاب الواقعيّ لتحريك العبد نحو المطلوب،يجوز أن يقال: إنّ الإرادة التي تتسبّب بالخطاب الواقعيّ الأوّلي لتحريك المكلّف،شأنيّة في حال الجهل،لا لقصور فيها،بل لقصورٍ في الخطاب. و إن لوحظت الإرادة مطلقة،و كان نطاق النظر أوسع من غير تقييدٍ بالخطاب الواقعيّ،يجوز أن يقال: إنّ الإرادة الواقعيّة التي هي روح الحكم فعليّة،علم المكلّف بالخطاب الواقعيّ أو لا،و لأجل فعليّتها توسّل بالخطاب


474

الثانويّ،و جعل الأمارة وسيلة إلى‏ مراده الواقعي‏[151].

[151]اعلم: أنّ للحكم الشرعي مرتبتين ليس غير: الأولى‏: مرتبة الإنشاء و جعل الحكم على‏ موضوعه،كالأحكام الكلّية القانونية قبل ملاحظة مخصّصاتها و مقيّداتها،نحو قوله تعالى‏: (أَوْفُوا بِالْعُقُود)أو(أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ)و كالأحكام الشرعية التي نزل به الروح الأمين على‏ قلب نبيّه،و لكن لم يأن وقت إجرائها;لمصالح اقتضته السياسة الإسلامية،و ترك إجرائها إلى‏ ظهور الدولة الحقّة عجّل اللَّه تعالى‏ فرجه. الثانية: مرتبة الفعلية،و هي تقابل الأولى‏ من كلتا الجهتين. فالأحكام الفعلية عبارة: عن الأحكام الباقية تحت العموم و المطلق بعد ورود التخصيصات و التقييدات حسب الإرادة الجدّية،أو ما آن وقت إجرائها،فالذي قام الإجماع على أنّه بين العالم و الجاهل سواسية إنّما هو الأحكام الإنشائية المجعولة على‏ موضوعاتها،سواء قامت عليه الأمارة،أم لا،وقف به المكلّف،أم لا،و هكذا،و هي لا يتغيّر عمّا هي عليه،و أمّا الفعلية فيختلف فيها الأحوال كما سيوضح. و أمّا توضيح الجواب و حسم الإشكال فهو ما مرّ منّا: أنّ مفاسد إيجاب الاحتياط كلاّ أو تبعيضاً صارت موجبة لرفع اليد في مقام الفعلية عن الأحكام الواقعية في حقّ من قامت الأمارة،أو الأصول على‏ خلافها،و ليس هذا أمراً غريباً منه،بل هذا نظام كلّ مقنّن;إذ في التحفّظ التامّ على الواقعيات من الأحكام مفسدة عظيمة لا تجبر بشي‏ء أيسرها خروج الناس من الدين،و رغبتهم عنه،و تبدّد نظام معاشهم و معادهم،فلأجل هذا كلّه رفع اليد عن إجراء الأحكام في الموارد التي قام الأمارة أو الأصل على‏ خلافها،و ليس هذا من قبيل قصور مقتضيات الأحكام و ملاكاتها في موارد قيام الأمارات و الأصول على‏ خلافها،حتّى‏ يتقيّد الأحكام الواقعية بعدم القيام،بل من قبيل رفع اليد لجهة اللابدّية و مزاحمة الفاسد و الأفسد في مقام الإجراء. فالأحكام الواقعية تنشأ على‏ موضوعاتها من غير تقييد. و يكفي في صحّة ما ذكرنا ملاحظة القوانين العالمية،أو المختصّة بجيل دون جيل و طائفة دون أُخرى‏;فإنّ الأحكام ينشأ على‏ وجه الإنشاء على‏ موضوعاتها العارية من كلّ قيد و شرط،ثمّ إذا آن وقت إجرائه،يذكر في لوح آخر قيوده و مخصّصاته،فالمنشأعلى الموضوعات قبل ورود التخصيص و التقييد هو الحكم الإنشائي،و الحكم الفعلي اللازم الإجراء ما يبقى‏ تحت العموم و المطلق بعد ورودهما عليه. (تهذيب الأصول 2: 138-139).


475

فتحصّل من ذلك: أنّ التقريبَيْن كليهما صحيحان،و إن كان ما في«الكفاية»أتمّ و أصحّ;ضرورة عدم موجبٍ للحاظ الإرادة الواقعيّة متقيّدة بتسبّبها الخطاب الأوّلي;لعدم دخالته فيها،ضرورة عدم تقيّد الإرادة الواقعيّة التي صارت منشأً للخطاب،بالتوسّل إلى‏ تحصيل المراد بالخطاب;فإنّ العلّة لا يعقل أن تتقيّد بطولها. و ليعلم: أنّ ما ذكرنا من ترجيح ما في«الكفاية»على ما في التعليقة-من بقاء الحكم الواقعيّ على فعليّته،و عدم صيرورته شأنيّاً-إنّما هو فيما إذا علم المكلّف بالأمارة المؤدّية إليه،و أمّا مع جهله بالحكم الواقعيّ و بالخطاب الأوّلي و الثانويّ المتعلّق بالأمارة،فلا تعقل فعليّته;ضرورة امتناع توجّه الإرادة الفعليّة و الحكم الفعليّ لغاية بعث الجاهل المطلق.

كلام حول جعل الحجّية و الطريقيّة و أمثالهما

ثمّ إنّ ما أفاده المحقّق الخراساني: من جعل الحجّية(1) و كذا ما ادّعى بعض‏

(1)كفاية الأصول: 319.
الأعاظم من جعل الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات و المحرزيّة(2) ممّا لا يرجع‏

(2)فوائد الأصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 3: 106-108.
شي‏ء منها إلى محصّلٍ;فإنّ الحجيّة و قاطعيّة العذر،ليست إلا حكم العقل و العقلاء باستحقاق المكلّف للعقوبة في صورة مصادفة الطرق للواقع إذا ترك مؤدّاها،و حكمهما بقبح مؤاخذته و عقوبته في صورة عدم المصادفة إذا عمل


476

بها،و مثله ليس بيد الجاعل،و لا من الأحكام الوضعيّة القابلة للجعل،كالولاية،و الحكومة. و كذا الطريقيّة و المحرزيّة و الوسطيّة في الإثبات،ليست قابلة للجعل;فإنّ الظنّ كاشفٌ ذاتاً عن الواقع كشفاً ناقصاً،و لا يمكن جعل هذه الكاشفيّة الذاتيّة له،و لا إعطاء كشفٍ آخر فوق هذا الكشف الذاتيّ له،كما لا يمكن جعل الكاشفيّة للشكّ. هذا مضافاً إلى‏ ما ذكرنا في أوّل القطع(1) : من أنّ الوسطيّة في الإثبات‏

(1)تقدّم في الصفحة 410.
أجنبيّة عن باب حجّية الأمارات،و أنّ الحجيّة التي فيما نحن فيه غير الحجيّة المنطقيّة[152]. و العجب ممّن أصرّ على‏ أنّ الأمارات التي بأيدينا كلّها عقلائيّة أمضاها الشارع(2) و مع ذلك ذهب إلى‏ جعل ما ذكر ممّا لا معنى‏ معقول لها(3) .

(2)فوائد الأصول(تقريرات المحقّق النائيني)الكاظمي 3: 106-107.

(3)نفس المصدر 3: 101-105.
ظهور دليل الحكم الظاهري في الإجزاء

ثمّ إنّ ما ذكرنا: من الجمع بين الأحكام الظاهريّة و الواقعيّة،إنّما هو في الوجوب و الحرمة الواقعيّين مع قيام دليل الحكم الظاهريّ على‏ خلافهما. و أمّا الكلام في أدلّة الأحكام الظاهريّة الحاكمة على أدلّة الأحكام الواقعيّة،و الموسّعة لنطاق المأمور به،فقد مرّ الكلام فيها في مباحث الإجزاء(4) .

(4)تقدّم في الصفحة 97-104.

[152]راجع التعليقة 130.


477

و محصّله: أنّ قوله: «كلّ شي‏ءٍ نظيفٌ حتّى تعلم أنّه قذرٌ»(1) حاكم على‏

(1)تهذيب الأحكام 1: 284-285-199،وسائل الشيعة 2: 1054،كتاب الطهارة،أبواب النجاسات،الباب 37،الحديث 4.
الأدلّة الدالّة على‏ مانعيّة نجاسة ثوب المصلّي و بدنه من الصلاة،أو الأدلّة الدالّة على‏ شرطيّة الطهارة لها،و هو ظاهرٌ عرفاً في أنّ الصلاة مع الطهارة الظاهريّة،مصداق للمأمور به،و مسقطة لأمرها. فلا يرد عليه: أنّ ذلك صحيحٌ مع عدم كشف الخلاف،و أمّا معه فإطلاق أدلّة شرطيّة الطهارة الواقعيّة يحكم بوجوب الصلاة معها;و ذلك لأنّ المفروض أنّ دليل الحكم الظاهريّ-كما عرفت-ظاهرٌ في كون المأتيّ به مصداقاً للمأمور به،فبعد الإتيان بمصداقه لا يعقل بقاء الأمر،و لا تجب على المكلّف في كلّ يومٍ إلا صلاة واحدة،فالإعادة ممّا لا وجه لها،بل المكشوف خلافه إنّما هو نفس الطهارة،لا الآثار المترتّبة عليها[153]. و بعبارة أُخرى‏: إنّه بعد ظهور الأدلّة في كون المأتيّ به مع الطهارة الظاهريّة،مصداقاً للمأمور به،لا يعقل كشف خلاف ذلك،فهو مصداقٌ للمأمور به حتّى‏ مع كشف كون الثوب أو البدن نجساً. إن قلت: إنّ الحكم الواقعيّ في طول الظاهريّ،و رتبته مقدّمة عليه،و لا يعقل تقييده به و توسعته لأجله;لأنّ الحاكم و المحكوم لا بدّ و أن يكونا في مرتبةٍ واحدة. قلت: -بعد تسليم إطلاق دليل الحكم الظاهريّ،و تسليم ظهوره في الإجزاء-لا محيص من التصرّف في دليل الحكم الواقعيّ،و توسعة دائرة

[153]بل لا معنى‏ لانكشاف الخلاف هاهنا;لأنّ الأصل ليس طريقاً للواقع يطابقه تارة و يخالفه أُخرى‏ مثل الأمارة;حتّى‏ يقال: انكشف الخلاف. (مناهج الوصول 1: 317).


478

المأمور به،و إلا لزم رفع اليد عن الحكم الظاهريّ،أو إطلاقه بلا موجبٍ يوجبه. إن قلت: لعلّ مفاد دليل الحكم الظاهريّ،هو المعذوريّة لدى المخالفة،فلا يفيد الإجزاء بعد الانكشاف. قلت: لا معنى‏ لجعل العذر فيما نحن فيه;لأنّه لو انكشف الخلاف في الوقت،فلم تتحقّق المخالفة بعدُ،حتّى‏ يكون الحكم الظاهريّ عذراً لبقاء وقت إطاعة الحكم الواقعيّ،و المفروض أنّ دليل الحكم الظاهريّ مطلقٌ;انكشف الخلاف في الوقت أو لا،بل لا معنى لتقييده بعدم انكشاف الخلاف;للزوم لغويّته. و لو لم ينكشف الخلاف إلى‏ ما بعد الوقت،فلا معنى‏ لكون مفاده جعل العذر أيضاً;لأنّ نفس دليل الحكم الظاهريّ أوقع المكلَّف في المخالفة;إذ لو لا دليله لَحصَّل المكلَّف الطهارة الواقعيّة،فلا معنى‏ لكونه معذّراً بعد كونه موقعاً في المخالفة،فلا يمكن الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ;بحمل الحكم الظاهريّ على‏ جعل العذر أو جعل الحجّية،فإنّه أيضاً ممّا لا معنى‏ له فيما نحن فيه،كما لا يخفى‏. فلا بدّ من التصرّف في الحكم الواقعيّ;بحمله على الشأنيّة،لكن فرقٌ بين الالتزام بالشأنيّة في باب الإجزاء،و فيما ذكرنا في الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ;فإنّ المكلَّف في الثاني لمّا كان جاهلاً بالحكم الواقعيّ و الخطاب المتعلّق به،لا يعقل كون الخطاب باعثاً له;لتوقّف باعثيّته على العلم به،فلا بدّ و أن يكون شأنيّاً. بخلاف الأوّل،فإنّ المكلَّف يعلم بشرطيّة الطهارة في الصلاة،و يمكن له تحصيل الطهارة الواقعيّة،و مع ذلك جعل المولى الحكم الظاهريّ،و أجاز الصلاة مع الطهارة الظاهريّة،فحينئذٍ يقع الإشكال في جعل الحكم الظاهريّ مع إمكان تحصيل الشرط الواقعيّ.


479

و يمكن أن يقال: إنّ المقتضي للحكم الواقعيّ و إن كان موجوداً،فيكون اشتراط الصلاة بالطهارة الواقعيّة عن اقتضاء و ملاك،لكن مع الشكّ في الطهارة يكون تحصيلها ملازماً لمشقّةٍ زائدة على‏ أصل التكليف،فمصلحة التوسعة و رفع المشقّة عن العبد،صارت مزاحمة لمصلحة التكليف بالطهارة الواقعيّة،و لأجل رجحانها عليها رخّص في الصلاة مع الطهارة الظاهريّة،فمصلحة التسهيل على المكلّف صارت موجبة لجعل الحكم الظاهريّ. إن قلت: فما الداعي إلى جعل الحكمين،إذ لو جعل المانع عدم العلم بالنجاسة لكفى‏؟! قلت: بعد ظهور الأدلّة في جعل الحكمَيْن،حتّى أنّ أدلّة الأحكام الظاهريّة أيضاً دالّة على اشتراط الصلاة بالطهارة الواقعيّة;لمكان قوله: «حتّى‏ تعلم أنّه قذرٌ»(1) و بعد عدم إمكان رفع اليد عن الحكم الظاهريّ،لا لمكان‏

(1)تهذيب الأحكام 1: 284-285-199،وسائل الشيعة 2: 1054،كتاب الطهارة،أبواب النجاسات،الباب 37،الحديث 4.
رواية عمّار الساباطيّ،بل للسيرة المستمرّة القطعية القائمة على ترتيب آثار الطهارة على المشكوك فيه;بحيث توجب القطع بكون هذا الحكم ثابتاً في الشريعة،يمكن أن يقال في الجواب عن هذا الإشكال العقليّ: بأنّه من الممكن أن يكون إذن الشارع و أمره،دخيلاً في الملاكات و المصالح الواقعيّة،فالصلاة إنّما صارت معراج المؤمن(2) و مقرّبة للعبد،لا لاشتمالها ذاتاً على‏ تلك‏

(2)اعتقادات،العلاّمة المجلسي: 39.
الخصوصيّة أمر بها الشارع أو لا،بل لأمر الشارع،و كونها إطاعة لأمره،و محصّلة للعبوديّة،فأمر الشارع و إذنه دخيلٌ في الملاك و المصلحة. نعم،تعلّق الأمر بالأركان المخصوصة و بهذه الكيفيّة الخاصّة;لترجيح


480

و ملاك و مصلحة كائنة فيها،لكنّها لم تكن تمام الملاك،فالشارع أمر بتلك الأركان لرجحان ما فيها،و أراد بأمره تمكين العبد من تحصيل تمام الملاك و المصلحة التامّة الملزمة الموجبة لقرب العبد،و عروجه معراج الكمال،فأمر أوّلاً بالصلاة،و جعل شرطها الطهارة الواقعيّة;لملاك واقعيّ. و هذا الأمر مع الشرط الكذائيّ،مكّن المكلَّف من تحصيل المصلحة التامّة النفس الأمريّة. و إذا شكّ المكلّف في طهارة لباسه،صار موضوعاً لإذنه بإتيانها مع اللّباس المشكوك فيه;لملاك التسهيل كما عرفت. و هذا الإذن في هذا الموضوع،يمكن أن يكون دخيلاً في تحصيل المصلحة التامّة،و يكون الإذن ممكّناً للعبد من تحصيلها،و قبل الشكّ لا يكون الموضوع محقّقاً،بل يكون الحكم الواقعيّ ممكّناً له،و مع الشكّ يكون الإذن و جعل الطهارة الظاهريّة كذلك،فجعل الحكمَيْن الظاهري و الواقعيّ،ممّا لا مانع عقليّ منه. و هذه الدعوى‏ و إن لم تكن مقرونة بدليلٍ مثبت لها،لكن مجرّد الإمكان كافٍ في لزوم الأخذ بظهور دليلي الحكم الواقعيّ و الظاهريّ;إذ لا ترفع اليد عن الظهور الحجّة إلا بدليلٍ قاطعٍ عقليّ أو نقليّ،و مع هذا الاحتمال ترفع دعوى الامتناع،فيجب الأخذ به. ثمّ إنّ ما ذكرنا: من ظهور دليل الحكم الظاهري في الإجزاء،يأتي في أدلّة الأمارات أيضاً طابق النعل بالنعل;فإنّ ظاهر ما دلّ على‏ وجوب العمل بقول الثقة أو جوازه،هو صيرورة الصلاة مع الطهارة الظاهريّة المخبر بها،مصداقاً للصلاة المأمور بها،فدليل حجّية الأمارات يوجب التوسعة في مصاديق المأمور به،كدليل الأصل من غير فرقٍ بينهما من هذه الجهة. فلا فرق بين قوله: «يجب العمل على‏ طبق الحالة السابقة لدى الشك»


481

و قوله: «يجب العمل على‏ طبق قول الثقة»في دلالتهما على أنّ المأتيّ به مصداقٌ للمأمور به،و أنّ المكلّف مع الإتيان بمصداق المأمور به مع الطهارة الظاهريّة،ينال جميع الآثار المتوقّعة من إتيان المأمور به;من المثوبات الأخرويّة،و عدم وجوب القضاء و الإعادة،كما ذكرناه مفصّلاً في مبحث الإجزاء(1) [154].

(1)تقدّم في الصفحة 97-104.

[154]و هذا غير تامّ;لأنّ إيجاب تصديق العادل لأجل ثقته و عدم كذبه و إيصال المكلّف إلى الواقع المحفوظ،كما هو كذلك عند العقلاء في الأمارات العقلائية،و لا يفهم العرف و العقلاء من مثل هذا الدليل إلا ما هو المركوز في أذهانهم من الأمارات،لا انقلاب الواقع عمّا هو عليه،بخلاف أدلّة الأصول. و بالجملة: أنّ الإجزاء مع جعل الأمارة و إيجاب العمل على‏ طبقها-لأجل الكشف عن الواقع كما هو شأن الأمارات-متنافيان لدى العرف و العقلاء،هذا من غير فرق فيما ذكرنا بين الأمارات القائمة على الأحكام أو الموضوعات. (مناهج الوصول 1: 316).


496

فهرس مصادر التحقيق‏

«القرآن الكريم».

«أ»

-اتّحاف السادة المتّقين. أبو الفيض السيّد محمّد بن محمّد الحسيني الزبيدي،بيروت،دار الفكر.

أجود التقريرات. السيّد أبو القاسم بن السيّد عليّ أكبر الموسوي الخوئي،قم،مكتبة المصطفوي.

إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين. جمال الدين مقداد بن عبد اللَّه السيوري الحلّي،قم،مكتبة آية اللَّه المرعشي،1405.

الإستبصار فيما اختلف من الأخبار. أبو جعفر شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي،طهران،دار الكتب الإسلامية،1390.

-إشارات الأُصول. حاج محمّد إبراهيم بن محمّد حسن الكافي الأصفهاني،الكلباسي،طهران،الحجرية،1245.

-الإشارات و التنبيهات. شيخ الرئيس أبو عليّ الحسين بن عبد اللَّه بن سينا،مطبعة الحيدري،1377.


497

-الأصول الأصليّة. مولى محمّد بن المرتضى،الفيض الكاشاني،قم،دار إحياء الإحياء،1412.

-اعتقادات. العلامة الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي،أصفهان،مكتبة المجلسي،1409.

-الألفية. ابن مالك،المطبوع مع شرح ابن عقيل و السيوطي.

أمالي الطوسي. أبو جعفر شيخ الطائفة محمّد بن الحسن،الشيخ الطوسي،تحقيق قسم الدراسات الإسلامية،قم،دار الثقافة،1414.

-أمالي المفيد. أبو عبد اللَّه محمّد بن النعمان البغدادي،الشيخ المفيد،تحقيق الحسين أُستاد ولي و عليّ أكبر الغفاري،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1403.

-أنوار الملكوت في شرح الياقوت. جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهّر،العلامة الحلّي،تحقيق محمّد النجمي الزنجاني،قم،منشورات الرضي و بيدار،1363ش.

-أوائل المقالات. أبو عبد اللَّه محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي،الشيخ المفيد.

«ب»-

بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمة الأطهار. العلامة محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي،طهران،دار الكتب الإسلامية.

بدائع الأفكار. الميرزا حبيب اللَّه الرشتي،قم،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.

بصائر الدرجات. أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ الصفّار. تحقيق الميرزا


498

محسن كوچه‏باغي،طهران،منشورات الأعلمي،1404.

-البصائر النصيرية في المنطق. زين الدين عمر بن سهلان الساوجي،قم،مدرسة الرضوية.

«ت»

-تاج العروس من جواهر القاموس. السيّد محمّد بن محمّد مرتضى الحسيني الزبيدي،مصر،المطبعة الخيرية،1306،1307.

-تشريح الأُصول. الشيخ مولى عليّ بن مولى فتح اللَّه النهاوندي،طهران،دار الخلافة،1320.

-تفسير التبيان. أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي،تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي،بيروت،دار إحياء التراث العربي.

تفسير العيّاشي. أبو النضر محمّد بن مسعود بن محمّد بن عياش السمرقندي،تحقيق السيّد هاشم الرسولي،طهران،المكتبة العلمية الإسلامية.

التفسير الكبير. محمّد بن عمر الخطيب فخر الدين الرازي،بيروت،دار إحياء التراث العربي.

تلخيص المحصّل. أبو جعفر محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي،الخواجة نصير الدين الطوسي،بيروت،دار الأضواء،1405.

-تمهيد القواعد. الشهيد الثاني زين الدين بن عليّ بن أحمد العاملي،التحقيق مكتب الإعلام الإسلامي فرع خراسان،قم،مكتب الإعلام الإسلامي،1416.

-تهذيب الأحكام. أبو جعفر محمّد بن الحسن،الشيخ الطوسي،إعداد السيّد حسن الموسوي الخرسان،طهران،دار الكتب الإسلامية،1364 ش.


499

-التوحيد. أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي،الشيخ الصدوق،تحقيق على أكبر الغفاري و السيّد هاشم الحسيني الطهراني،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1398.

«ج»

-جامع أحاديث الشيعة. الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي،قم،مطبعة مهر،1414.

-جامع المقاصد في شرح القواعد. المحقّق الثاني عليّ بن الحسين بن عبد العالي الكركي،قم،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث،1408-1411.

-الجعفريات أو الأشعثيات(المطبوع مع قرب الإسناد). يرويه أبو عليّ،محمّد بن محمّد الأشعث،طهران،مكتبة نينوى الحديثة.

جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. الشيخ محمّد حسن بن باقر النجفي،طهران،دار الكتب الإسلامية،1398.

-الجوهر النضيد في شرح كتاب التجريد. جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهّر،العلامة الحلّي،قم،منشورات بيدار،1413.

«ح»

-حاشية الصبّان على شرح الأُشموني. محمّد بن عليّ الصبّان،قم،منشورات زاهدي،1412.

-الحاشية على تهذيب المنطق التفتازاني. المولى عبد اللَّه بن شهاب الدين الحسين اليزدي،طهران،المكتبة العلمية الإسلامية.


500

-حاشية كتاب فرائد الأُصول. الآخوند الخراساني المولى محمّد كاظم بن حسين الهروي،قم،مكتبة بصيرتي.

حاشية كفاية الأصول. الشيخ عليّ القوچاني،قم،مكتبة الوجداني.

حاشية كفاية الأُصول. الميرزا أبو الحسن المشكيني،قم،منشورات دار الحكمة،1413.

-الحكمة المتعالية«الأسفار». محمّد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي،صدر المتألهين،قم،مكتبة المصطفوي.

«خ»

-الخصال. أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي،الشيخ الصدوق،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1403.

«د»

-درر الفوائد. الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي المهرجردي الميبدي،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1408.

-الدروس الشرعية في فقه الإمامية. الشهيد الأوّل شمس الدين محمّد بن مكّي العاملي،قم،مكتبة صادقي،بالأُوفست عن طبعته الحجرية،1398.

«ذ»

-ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد. المحقّق السبزواري محمّد باقر بن محمّد مؤمن،قم،الطبعة الحجرية،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.


501

-الذريعة إلى أُصول الشريعة. أبو القاسم عليّ بن الحسين الموسوي،الشريف المرتضى و علم الهدى،طهران،جامعة طهران،1348ش.

-ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة. الشهيد الأوّل شمس الدين محمّد بن مكّي العاملي،قم،الطبعة الحجرية،بصيرتي.

«ر»

-الرسائل الفشاركية. السيّد محمّد الطباطبائي الفشاركي،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1413.

-روضة الناظر و جنّة المناظر. موفق الدين أحمد بن قدامة المقدسي،مصر،المطبعة السلفية،1342.

«ز»

-زبدة الأُصول. الشيخ البهائي الحسين بن عبد الصمد،طهران،الطبعة الحجرية،1319.

«س»

-السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي. أبو جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1410-1411.

-سنن أبي داود. أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني،دار إحياء السنّة النبويّة.

«ش»

شرحا البدخشي و الأسنوي مناهج العقول.


502

-شرح التصريح على التوضيح. خالد بن عبد اللَّه الأزهري،مصر،دار إحياء الكتب العربية.

-شرح الشمسية. قطب الدين محمّد بن محمّد الرازي البويهي،إيران،الطبعة الحجرية،1304.

-شرح العضدي على مختصر ابن حاجب. القاضي عضد الملّة و الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار،إسلامبول،مطبعة العالم،1310.

-شرح تجريد العقائد. علاء الدين عليّ بن محمّد القوشجي،الطبعة الحجرية،1285.

-شرح الكافية. الشيخ رضيّ الدين محمّد بن الحسن الأسترآبادي،بيروت،دار الكتب العلمية،1399.

-شرح حكمة الإشراق. قطب الدين الشيرازي،قم،الطبعة الحجرية،منشورات بيدار.

-شرح المطالع. قطب الدين الرازي،قم،مكتبة النجفي.

-شرح المقاصد. مسعود بن عمر بن عبد اللَّه المعروف بسعد الدين التفتازاني،تحقيق عبد الرحمن عميرة،قم،منشورات الرضي،1370-1371 ش،«بالأُوفست عن طبعته السابقة،مصر،1409».

-شرح المنظومة. المولى هادي بن مهدي السبزواري،قم،مكتبة العلامة،1369ش.

-شرح المواقف. السيّد الشريف عليّ بن محمّد الجرجاني،إعداد السيّد محمّد بدر الدين النسعاني،قم،منشورات الرضي،1412،«بالأُوفست عن طبعة مصر،1325».


503

-الشفاء،الشيخ الرئيس أبو عليّ حسين بن عبد اللَّه بن سينا،قم،مكتبة آية اللَّه المرعشي،1405.

-شروح التلخيص. و هي مختصر سعد الدين التفتازاني على«تلخيص المفتاح»،خطيب القزويني و مواهب الفتاح في شرح «تلخيص المفتاح»ابن يعقوب المغربي و عروس الأفراح في شرح«تلخيص المفتاح»،بهاء الدين السبكي،قم،نشر أدب الحوزة.

-شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام،المولى عبد الرزاق بن عليّ بن الحسين اللاهيجي،أصفهان،نشر مهدوي،الطبعة الحجرية.

-الشواهد الربوبيّة في المناهج السلوكية. محمّد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي،صدر المتألهين،تعليق و تصحيح السيّد جمال الدين آشتياني،مركز نشر دانشگاهي،1360ش.

«ض»

-ضوابط الأُصول. السيّد إبراهيم بن محمّد باقر القزويني الحائري،الطبعة الحجرية.

ع

-عُدّة الأُصول. أبو جعفر محمّد بن الحسن،الشيخ الطوسي،الطبعة الحجرية.

-عوائد الأيّام. المولى أحمد بن محمّد مهدي بن أبي ذرّ النراقي،قم،مكتب الإعلام الإسلامي،1417.

-عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية. محمّد بن عليّ بن إبراهيم الأحسائي،ابن أبي جمهور،تحقيق مجتبى العراقي،قم،مطبعة سيد الشهداء،1403-1405.


504

-عيون أخبار الرضا عليه السلام . أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي،الشيخ الصدوق،تصحيح السيّد مهدي الحسيني اللاجوردي،قم،مطبعة الطوسي،1363 ش.

«غ»

-الغنية«غنية النزوع إلى علمي الأُصول و الفروع»،أبو المكارم السيّد حمزة بن عليّ بن زهرة الحسيني الحلبي،ضمن«الجوامع الفقهية»،قم،مكتبة آية اللَّه المرعشي،1404،«بالأُوفست عن طبعته الحجرية».

«ف»

-فرائد الأُصول،الشيخ الأعظم مرتضى بن محمّد أمين الأنصاري الدزفولي،الطبعة الحجرية،تبريز،1314.

-الفصول الغرويّة في الأُصول الفقهية،الشيخ محمّد حسين بن عبد الرحيم الطهراني الأصفهاني الحائري،قم،دار إحياء العلوم الإسلامية،1404.

-الفقيه«مَن لا يحضره الفقيه». أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي،الشيخ الصدوق،طهران،دار الكتب الإسلامية،1390.

-فوائد الأُصول،الشيخ محمّد عليّ الكاظمي الخراساني،تقريرات بحث الميرزا محمّد حسين الغروي النائيني،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1404.

-الفوائد الأُصولية،العلامة السيّد محمّد بحر العلوم الطباطبائي،طهران،الطبعة الحجرية.

-فواتح الرحموت،عبد العلي محمّد بن نظام الدين الأنصاري،«المطبوع مع


505

المستصفى من علم الأُصول»،قم،الطبعة الثانية،منشورات دار الذخائر،1368ش. «ق»

-قاموس المحيط. أبو طاهر مجد الدين محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي،بيروت،دار الجيل.

-القبسات. المير محمّد باقر بن محمّد الحسيني الأسترآبادي،تهران،منشورات دانشگاه،1374ش.

-قوانين الأُصول،المحقّق ميرزا أبو القاسم القمّي بن المولى محمّد حسين الجيلاني،الميرزا القمّي،الطبعة الحجرية،طهران،المكتبة العلمية الإسلامية،1378.

«ك»

-الكافي. أبو جعفر ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي،تحقيق عليّ أكبر الغفاري،طهران،المكتبة الإسلامية،1388.

-الكتاب. سيبويه،مجلدان،قم،طبع أدب الحوزة،1404.

-كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد. العلامة الحلّي جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر،تحقيق حسن حسن زاده الآملي،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1407.

-كفاية الأُصول. الآخوند الخراساني المولى محمّد كاظم بن حسين الهروي،إعداد مؤسسة النشر الإسلامي،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1414.

-الكنى و الألقاب. المحدّث القمّي عباس بن محمّد رضا،طهران،مكتبة الصدر،1368ش.


506

«م»-مبادئ الوصول إلى علم الأُصول. العلامة الحلّي جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهّر،قم،مكتب الإعلام الإسلامي،1404.

-المبسوط. أبو جعفر شيخ الطائفة محمّد بن الحسن،الشيخ الطوسي،إعداد السيّد محمّد تقي الكشفي و محمّد باقر البهبودي،طهران،المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية،1387-1393.

-مجمع البيان لعلوم القرآن. أبو عليّ أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي،طهران،المكتبة الإسلامية،1395.

-المحاسن. أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي،تحقيق جلال الدين الحسيني،المحدث الأُرموي،قم،دار الكتب الإسلامية. -المحصول في علم أُصول الفقه. فخر الدين محمّد بن عمر بن الحسين الرازي،بيروت،دار الكتب العلمية،1408. -مختلف الشيعة في أحكام الشريعة. العلامة الحلّي جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهّر،قم،مكتب الإعلام الإسلامي،1412-1418.

-مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل. الحاج ميرزا حسين المحدّث النوري،تحقيق و نشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث،1407.

-المستصفى من علم الأُصول. أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي،قم،مطبعة دار الذخائر،1368ش.

-مستطرفات السرائر. أبو عبد اللَّه محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس العجلي الحلّي،قم،مدرسة الإمام المهدي عليه السلام ،1408.

-المسلك في أُصول الدين. نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد،المحقّق الحلّي،مشهد،مجمع البحوث الإسلامية،1414.


507

-مسند أحمد. أحمد بن محمّد بن حنبل،مصر،المطبعة الميمنية،1313.

-مشارق الشموس في شرح الدروس. العلامة حسين بن جمال الدين محمّد الخوانساري،الطبعة الحجرية،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث. -المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. أحمد بن محمّد بن عليّ الفيّومي،بيروت،دار الكتب العلمية،1398.

-مطارح الأنظار. العلامة أبو القاسم كلانتري،قم،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث،«بالأُوفست عن طبعته الحجرية».

-المطارحات. الشيخ شهاب الدين السهروردي. -المطوّل«كتاب المطوّل في شرح تلخيص المفتاح». مسعود بن عمر بن عبد اللَّه المعروف بسعد الدين التفتازاني،و بهامشه حاشية المير سيد شريف،قم،منشورات مكتبة آية اللَّه المرعشي،1407.

-معارج الأُصول. المحقّق الحلّي نجم الدين جعفر بن حسن بن يحيى بن سعيد الهُذَلي،قم،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث،1403.

-معالم الدين و ملاذ المجتهدين. أبو منصور جمال الدين الحسن بن زين الدين العاملي،قم،منشورات الرضي. -المعتمد في أصول الفقه. أبو الحسين محمّد بن عليّ بن الطيّب البصري المعتزلي،بيروت،دار الكتب العلمية،1403.

-مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. أبو محمّد عبد اللَّه بن يوسف بن هشام الأنصاري المصري،طهران،الطبعة الحجرية،المكتبة العلمية الإسلامية،1291.


508

-مفاتيح الأُصول. السيّد محمّد ابن آقا مير سيّد عليّ السيّد محمّد الطباطبائي،قم،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث،«بالأُوفست عن طبعته الحجرية».

-مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة. السيّد محمّد جواد الحسيني العاملي،قم،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث،«بالأُوفست عن طبعته السابقة».

-مقالات الأُصول. الشيخ ضياء الدين العراقي،قم،مكتبة الكتبي النجفي. -المكاسب. الشيخ مرتضى بن محمّد أمين الأنصاري الدزفولي،تبريز،الطبعة الحجرية،1375.

-المكاسب المحرّمة. الإمام الخميني قدس سره،مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني قدس سره،قم،1373ش.

-مناهج الأحكام و الأُصول. المولى أحمد بن محمّد مهدي بن أبي ذرّ النراقي،الطبعة الحجرية. -مناهج العقول،محمّد بن الحسن البدخشي،المطبوع على«نهاية السُؤل»،لجمال الدين عبد الرحيم الأسنوي،كلاهما شرح«منهاج الوصول في علم الأُصول»،للقاضي البيضاوي،بيروت،دار الكتاب العربي،1405.

-منتهى المطلب في تحقيق المذهب. العلاّمة الحلّي جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهّر،إيران،الطبعة الحجرية،1333.

-الموافقات في أُصول الشريعة. إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي،بيروت،دار المعرفة.


509

«ن»نقد المحصل تلخيص المحصل-نهاية الأُصول. تقريراً لأبحاث الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي،بقلم الشيخ حسين علي المنتظري،قم،نشر تفكّر،1415.

-نهاية الأفكار. الشيخ محمّد تقي بن عبد الكريم البروجردي النجفي،تقريرات بحث أُستاذه آية اللَّه آغا ضياء الدين العراقي،قم،مؤسسة النشر الإسلامي،1405.

-نهاية النهاية في شرح الكفاية. الحاج ميرزا عليّ الإيرواني النجفي،قم،مكتب الإعلام الإسلامي،1370ش.

-نهاية الوصول. جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهّر،العلاّمة الحلّي،مخطوطة مكتبة آية اللَّه المرعشي،المرقّمة 277.

«ه»

-هداية المسترشدين في شرح معالم الدين. الشيخ محمّد تقي الأصفهاني،قم،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث،«بالأُوفست عن طبعته الحجرية».

-همع الهوامع. السيوطي،قم،منشورات الرضي.

«و»

-الوافية في أُصول الفقه. المولى عبد اللَّه بن محمّد البشروي الخراساني،الفاضل التوني،تحقيق السيّد محمّد حسين الرضوي الكشميري،قم،مؤسسة إسماعيليان،1412.


510

-وسائل الشيعة«تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»،الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي،طهران،المكتبة الإسلامية،1383-1389.

-الوسيلة إلى نَيل الفضيلة. عماد الدين أبو جعفر محمّد بن عليّ الطوسي المعروف بابن حمزة،إعداد الشيخ محمّد الحسّون،قم،مكتبة آية اللَّه المرعشي،1408.

-وقاية الأذهان. الشيخ أبو المجد محمّد رضا بن محمّد حسين النجفي الأصفهاني،تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث،قم،مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث،1413.