فهرست عناوين فهرست آيات
مجمع الافكارومطرح الانظار ج 3

1

5
فهرست عناوين
     الجزء الثالث‏5
     المقصد السادس في الأمارات‏5
     البحث الأول في القطع‏5
     الكلام في مقدمات القطع‏5
     المقدمة الأولى:5
     المقدمة الثانية9
     المقدمة الثالثة12
     المقدمة الرابعة14
     الأمر الأول في أحكام القطع‏ و له جهات ثلاثة15
     الأولى في ان القطع يكشف عن الواقع أو لا:15
     الجهة الثانية21
     الجهة الثالثة من جهات القطع في التجري‏27
     المسلك الثاني‏38
     المسلك الثالث‏41
     كلام الخراسانيّ(قده)في قبح الفاعلي لا الفعلي‏42
     الجهة الثانية في البحث الأصولي‏44
     و ينبغي التنبيه على أمور47
     في ثمرة بحث التجري‏51
     الأمر الثاني في أقسام القطع‏52
     الأمر الثالث:في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع‏53
     المقام:الأول في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع الجزء الموضوعي‏59
     اما المقام الثاني‏ ففي قيام الأمارات و الأصول مقام القطع الطريقي‏60
     في عدم جواز أخذ القطع في موضوع شخص الحكم‏ الأمر الرابع:67
     في قيام الظن مقام ظن آخر في طوله‏72
     المقام الثالث‏ في الظن الجزء الموضوعي أو تمامه على وجه الطريقية73
     في لزوم الالتزام بالأحكام و عدمه‏ الأمر الخامس‏78
     تنبيه‏81
     في حجية القطع مطلقا من أي سبب‏ الأمر السادس‏85
     الأمر السابع:في القطع الإجمالي المعبر عنه بالعلم الإجمالي‏87
     في كون العلم الإجمالي علة تامة في المقام الثالث‏91
     في أقسام الامتثال‏95
     البحث الثاني في الظن‏100
     إمكان التعبد بالظن‏100
     فنشرع بعون اللّه تعالى في الجواب عن أصل المحذورات و هو يحتاج إلى‏ مقدمات أربع:103
     الأولى:103
     المقدمة الثانية:104
     المقدمة الثالثة:106
     المقدمة الرابعة:107
     دفع النائيني قده الإشكالات عن حجية الأمارة109
     تتمة114
     البحث في حجية الأصول المحرزة115
     الأمر الثالث في تأسيس الأصل‏119
     في موارد الخروج عن أصالة عدم الحجية و هي أمور123
     و منها الظهورات‏123
     بقي في المقام شي‏ء131
     أدلة حجية قول اللغوي‏134
     فصل في الإجماع المنقول‏137
     تتمة في أن التواتر المنقول هل هو حجة أم لا144
     فصل في الشهرة146
     فصل في حجية الخبر الواحد150
     أدلة المانعين عن حجية الخبر الواحد152
     اما الآيات‏152
     في الاستدلال بالروايات على عدم حجية الخبر الواحد154
     و اما الإجماع على عدم الحجية157
     و اما الدليل العقلي على عدم الحجية158
     في الأدلة الأربعة على حجية الخبر الواحد158
     و منها الآيات‏158
     منها آية النبأ158
     في الإشكالات المشتركة بين الآية و الاخبار و غيرها في الخبر الواحد169
     بقي في المقام شي‏ء177
     في الاستدلال بآية النفر للخبر الواحد178
     فصل في الاستدلال‏ (1) بالأخبار عن المعصومين عليهم السّلام‏ على حجية خبر الواحد182
     فصل في الدليل الثالث و هو الإجماع على حجية الخبر الواحد185
     الدليل الرابع لحجية خبر الواحد هو العقل‏191
     الوجه الأول‏191
     الوجه الثاني من بيان الدليل العقلي‏197
     الوجه الثالث من حكم العقل‏198
     فصل في الأدلة التي أقيمت على حجية مطلق الظن حتى يكون‏ حجية الخبر الواحد أحد أفراده‏199
     الأول‏199
     و توضيح ذلك يتوقف على بيان مقدمات.199
     المقدمة الأولى:199
     المقدمة الثانية200
     الوجه الثاني:204
     الوجه الثالث:205
     الوجه الرابع الدليل المعروف بدليل الانسداد205
     و هو مركب من مقدمات‏205
     و اما المقدمة الأولى و هي انسداد باب العلم في معظم الفقه‏206
     اما المقدمة الثانية و هي عدم إهمال الأحكام‏207
     اما المقدمة الرابعة211
     و اما المقدمة الثالثة216
     ثم فذلكة البحث‏219
     اما المقام الثاني‏222
     خاتمة في البحث عن أمرين‏231
     المقصد السابع في الأصول العملية234
     مقدمات البحث في الأصول العملية239
     فصل في النسبة بين الأصول و الأمارات‏239
     في حكومة الأصول المحرزة على غير المحرزة243
     الأمر الثاني‏245
     الأمر الثالث‏246
     الأمر الرابع‏247
     المقام الأول الشك من دون لحاظ الحالة السابقة و فيه موضعان‏249
     الموضع الأول الشك في التكليف و فيه مقامات‏249
     المقام الأول البحث عن الشبهة التحريمية249
     المسألة الأولى في المقام الأول‏ و هو البحث عن الشبهة التحريمية من جهة فقدان النص‏249
     يدل على البراءة الأدلة الأربعة249
     اما الكتاب‏249
     الروايات التي استدل بها على البراءة254
     منها حديث الرفع‏254
     و قبل الورود في البحث عن الاستدلال يجب رسم أمور.254
     الأمر الأول‏254
     الأمر الثاني‏257
     الأمر الثالث‏258
     الأمر الرابع‏260
     الأمر الخامس:261
     الأمر السادس:262
     الأمر السابع:263
     البحث الأول في فقرة ما لا يعلمون‏264
     فصل في البحث عن فقرة رفع الخطاء و النسيان‏275
     البحث في فقرة ما اضطروا إليه‏284
     فصل في فقرة ما لا يطيقون‏286
     فصل في فقرة ما استكرهوا عليه‏287
     تتمة291
     فصل في سائر الأحاديث الدالة على البراءة292
     في ما دل على حلية كل شي‏ء حتى يعلم حرمته‏300
     في الدليل الثالث على أصالة البراءة و هو الإجماع‏304
     الرابع من الأدلة للبراءة حكم العقل‏305
     فصل في الاستدلال للأخباري‏313
     و قد استدل بوجوه:313
     الأول بالآيات‏313
      منها قوله تعالى و لا تلقوا بأيديكم إلى‏ التهلكة313
     و من الآيات آية النهي عن متابعة غير العلم‏316
     و من الآيات آية الاتقاء317
     و الدليل الثاني لهم الروايات‏317
     فالطائفة الأولى ما يكون لسانه وجوب الوقوف عند الشبهة317
     الطائفة الثانية من الاخبار321
     في اخبار التثليث للاحتياط328
     في الجمع بين اخبار البراءة و الاحتياط328
     الدليل الثالث للاحتياطي هو العقل‏332
     فصل في التنبيه على أمور مهمة في أصالة البراءة339
     التنبيه الأول‏339
     الأمر الثاني في البحث في معنى التذكية341
     المسألة الثانية1 في الشك في الحرمة من باب إجمال النص‏346
     فصل في الشبهات الموضوعية التحريمية348
     بحث في فرع فقهي في المقام‏357
     التنبيه الثاني من تنبيهات البراءة في معنى الاحتياط1362
     المقام الثاني البحث عن الشبهة الوجوبية366
     في معنى الاحتياط في العبادات‏366
     فصل في اخبار من بلغ‏371
     و ينبغي التنبيه على أمور في اخبار من بلغ‏376
     الأمر الأول‏376
     الأمر الثاني‏376
     الأمر الثالث‏377
     الأمر الرابع‏378
     الأمر الخامس‏378
     الأمر السادس‏379
     الأمر السابع‏380
     فصل في البراءة عن الوجوب التعييني عند الشك فيه‏381
     فصل في الشك في الواجب العيني و الكفائي و البراءة من العيني‏391
     فصل في حكم دوران الأمر بين المحذورين‏ (1) 394
     في القول بالتعيين عند دوران الأمر بين المحذورين‏ مع احتمال الأهمية401
     في دوران الأمر بين المحذورين في التعبديات‏402
     الموضع الثاني الشك في المكلف به‏405
     المقام الأول في دوران الأمر بين المتباينين‏405
     المطلب الأول في اشتباه الحرام بغير الواجب و البحث عن‏ العلم الإجمالي‏405
     الأمر الأول في البحث عن‏ العلم الإجمالي الّذي تعلق بالطرفين أو الأطراف‏405
     فيجب البحث في مقامين‏415
     ففي المقام الأول نقول لا شبهة في ان العلم يقتضى ترك المخالفة القطعية415
     و اما المقام الثاني و هو وجوب الموافقة القطعية420
     فصل في ان العلم الإجمالي مقتض أو علة تامة420
     أقول يجب علينا البحث في المقام عن مقامات أربعة420
     ففي المقام الأول‏420
     المقام الثاني في بيان أنه هل ينحل العلم الإجمالي بجريان الأصل في بعض الأطراف‏ أم لا421
     و المقام الثالث في جعل البدل للواقع‏423
     المقام الرابع في التخيير في الأصل‏426
     في النقوض الواردة في الفقه في تنجيز العلم الإجمالي‏430
     صور عدم تنجيز العلم الإجمالي‏435
     فصل في تنبيهات العلم الإجمالي‏438
     الأمر الأول‏438
     التنبيه الثاني:438
     التنبيه الثالث‏440
     الأمر الرابع في الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي‏444
     تذييل‏450
     الأمر الخامس‏1في خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء453
     بقي في المقام شيئان‏461
     الأول‏461
     الثاني‏463
     فصل في حكم ملاقى الشبهة المحصورة465
     بقي في المقام أمران‏478
     الأمر الأول‏ في الشك في كون الاجتناب عن الملاقى بالسراية أو النشو478
     الأمر الثاني في قياس ثمرة إحدى الشجرتين بالمقام‏484
     فصل في حكم الشبهة الغير المحصورة486
     الكلام في تنبيهات الشبهة الغير المحصورة492
     الأول‏492
     التنبيه الثاني‏492
     التنبيه الثالث:494
     فصل‏المطلب الثاني‏في اشتباه الواجب بغير الحرام‏495
     فصل في الشبهة الموضوعية الوجوبية497
     فصل في تنبيهات الأصل في الشبهة الوجوبية505
     التنبيه الأول‏505
     الأمر الثاني‏506
     الأمر الثالث‏507
     الأمر الرابع‏508
     الأمر الخامس‏509
     الأمر السادس‏511
     المقام الثاني في الأقل و الأكثر512
     الفصل الأول في الشبهة الحكمية513
     بيان النائيني قده لجريان البراءة النقليّة لا العقلية في المقام‏523
     كلام الفصول في الأقل و الأكثر525
     في دفع إشكال المثبتية في الأقل و الأكثر529
     طريقان آخر ان للقول بالبراءة الشرعية في المقام‏532
     الأول‏532
     الطريق الثاني‏533
     في بيان استصحاب عدم الأكثر537
     فصل في الشك في شرطية شي‏ء للمأمور به و عدمه‏ و المطلق و المقيد في الأقل و الأكثر539
     و ينبغي التنبيه على أمور:539
     الأول:539
     الأمر الثاني‏541
     الأمر الثالث في الشك في الأسباب و المحصلات‏545
     الفصل الثاني‏ في بيان حكم الأقل و الأكثر في الشبهات الموضوعية548
     ثم ينبغي التنبيه على أمور552
     الأول في الشك في مانعية شي‏ء و قاطعيته أو في وجوده‏552
     الأمر الثاني‏ في بيان الشك في ركنية شي‏ء و عدمها بعد إحراز كونه جزء562
     يجب البحث في مقامين‏562
     و البحث في المقام الأول عن جهات:562
     الجهة الأولى في أنه هل يمكن أن‏ يكون الناسي مخاطبا بخطاب غير الجزء2المنسي و هو البقية أم لا:562
     الجهة الثانية567
     و اما الجهة الثالثة571
     فالبحث يكون عن جهات:571
     الأولى‏571
     الجهة الثانية580
     الجهة الثالثة582
     الجهة الرابعة من جهات أصل المطلب في قاعدة لا تعاد583
     المقام الثاني في حكم الزيادة السهوية أو العمدية592
     و البحث فيه أيضا عن جهات:592
     ثم البحث في الجهة الأولى يكون في مقامين‏592
     و البحث في المقام الأول‏592
     و اما المقام الثاني‏595
     في استصحاب الصحة في صورة الشك في إبطال الزيادة599
     الجهة الثانية في بطلان الصلاة بالزيادة لدليل خاص‏ (1) 604
     فصل في تعذر الجزء بالعجز عنه‏609
     المقام الأول في تنقيح المرام من جهة القواعد الأولية609
     في دليل ثانوي على سقوط الجزئية حين الاضطرار هذا هو المقام الثاني‏615
     الخامس قاعدة الميسور621
     و ينبغي التنبيه على أمرين:626
     الأمر الأول في ضابطة الميسور و غيره‏626
     الأمر الثاني:628
     تتمة في بحث الاجزاء و الشرائط و فيها أمران:629
     الأمر الأول‏629
     الأمر الثاني‏630
     خاتمة في شرائط جريان الأصل‏631
     الفصل الأول في أصالة الاحتياط.631
     تذييل في الكلام في بعض شئون الاحتياط633
     بقي في المقام فرعان:635
     الفرع الأول‏635
     الفرع الثاني‏636
     الفصل الثاني‏ في شرط جريان الأصل في الشبهات الموضوعية638
     الفصل الثالث‏ في جريان الأصل بالنسبة إلى الشبهات الحكمية و البحث في هذا الفصل‏ في مراحل أربعة:640
     فنقول اما أصل وجوب الفحص‏640
     المرحلة الثانية في ان ترك الفحص هل يوجب العقاب أم لا.646
     ثم ينبغي التنبيه على أمور في الفحص‏650
     الأول‏650
     الأمر الثاني‏651
     الأمر الثالث‏653
     المرحلة الثالثة في البحث عن حال تاركي طريقي‏ الاجتهاد و التقليد655
     البحث في التفكيك بين صحة العمل و عدم العقاب في الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام‏656
     المرحلة الرابعة في مقدار الفحص‏662
     فيما اشترطه الفاضل التوني لجريان البراءة664
الجزء الثالث‏
المقصد السادس في الأمارات‏
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و الحمد للّه رب العالمين الّذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم‏

و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا معلم البشر محمد و آله الطاهرين من‏

الآن إلى قيام يوم الدين.

اما بعد فهذا هو المجلد الثالث من كتاب مجمع الأفكار من تقريرات بحث‏

شيخنا العلامة الفهامة آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي أطال اللّه بقاء وجوده‏

الشريف مدارا للعلم و لأهل التحقيق و التدقيق بيد العبد محمد علي الإسماعيل پور

الشهرضائي القمي عفي عنه مع تذييلات من المقرر و لا حول و لا قوة الا باللَّه العلي‏

العظيم.

البحث الأول في القطع‏
الكلام في مقدمات القطع‏

اعلم ان المكلف الملتفت إلى حكم شرعي اما ان يحصل له القطع أو الظن‏

أو الشك و يبحث في هذا المقام بعون اللّه تعالى في ثلاث مقاصد و خاتمة:

المقصد الأول:في القطع و الثاني في الظن و الثالث في الشك و الخاتمة في‏

التعادل و التراجيح و قبل الخوض في المقصود ينبغي رسم مقدمات.

المقدمة الأولى:
ان التقسيم إلى الثلاثة يكون باعتبار أحكام يترتب عليها
6
و هذه الأحكام هل تختص بالمجتهدين أو تعمهم و المقلدين خلاف بين الاعلام و بعبارة

واضحة ان الأحكام على قسمين الفرعية:مثل الصلاة و الصوم و الحج و غيرها و الطرقية:

أعني ما يستكشف منه حكم في موارد الظن و الشك مثل حجية الخبر الواحد بتصديق‏

العادل لإثبات وجوب صلاة الجمعة مثلا أو لا تنقض اليقين بالشك في الاستصحاب‏

خطابا إلى المكلفين أو رفع ما لا يعلمون للبراءة أو ما في الحديث للتخيير من قوله‏

عليه السّلام اذن فتخير أو قوله أخوك دينك فاحتط لدينك للاشتغال.

و الأول حكم فرعي واقعي و الثاني سنخه يكون غير سنخ الأول فانها طريق‏

للإيصال إلى الواقع في مورد الشك و الظن.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا إشكال في شمول الحكم لكل عاقل بالغ من‏

المكلفين إذا كان من قبيل الأحكام الفرعية الواقعية و هذا مما لا شبهة فيه انما الإشكال‏

في الأحكام في ان الطريقية منها هل تختص بالمجتهد أو الأعم منه و من المقلد

و سمى الأول بالواقعي لأن نفس الصلاة مثلا تكون ذات مصلحة فأرادها المولى‏

بخلاف القسم الثاني فان الحكم بتصديق العادل و الاستصحاب و البراءة و غيرها لا

يكون من حيث ان نفس هذه الأمور تكون ذات مصلحة بل لكونها مرآتا إلى الواقع‏

و طريقا إليه و المولى يشتاق إلى إحراز المصلحة الواقعية فيجعل الطريق إليه عند

عدم إمكان العلم به و ينحفظ به مصلحة الواقع و لهذا فان أصاب فهو و الا فيقع فاسدا

فتارة تكون المصلحة بحيث لا يرضى تركها بنحو من الأنحاء فيجعل الاحتياط في‏

مورده و تارة لا يكون بهذه المثابة فالبراءة مجعولة مثلا و في هذا القسم الطريقي‏

المتنازع في شموله للمقلدين و المجتهدين أو المجتهدين فقط قولان:

الأول ما قال الشيخ الحائري قده في أول كتابه المسمى بالدرر و هو انه يختص‏

بالمجتهدين لوجهين الأول هو ان في موضوع الخطاب لهذه الأحكام أخذ الشك‏

و الظن و هما يحتاجان إلى التفات تفصيلي و العوام لا يكون لهم ذلك.

و الثاني ان جريان الأصول يحتاج إلى مقدمة و هو الفحص عن المعارض في‏

المتعارضين من الأدلة و ملاحظة الأقوى و الأضعف ثم بعد ذلك الإسقاط إذا لم يبلغ‏


7
أحدهما إلى حد الترجيح و الرجوع إلى الأصول لأن الأصل أصيل حيث لا دليل‏

و لما لم يكن للعوام الفحص فلا يكون الخطاب متوجها إليهم مثل لا تنقض اليقين‏

بالشك أو رفع ما لا يعلمون أو أخوك دينك فاحتط لدينك و هذه تتوجه إلى من فحص‏

و لم يجد دليلا.

نعم نتيجة الاستصحاب و غيره تفيد العامي كمن شك في عدالة زيد العادل‏

من قبل فيرجع إلى مجتهده و يفهم ان حكمه استصحاب ما ثبت سابقا.

و يجاب عن هذا الدليل كما عن العراقي بان نفس الخطاب عام و يكون مثل‏

يجب الصلاة و اما عدم إمكان تفحص الغافل فنفرض غير المجتهد كالطلاب البالغين‏

إلى رتبة التفحص و العوام الصرف يكون المجتهد نائبا من قبلهم في التفحص كما

يجتهد لهم في مسائل الخمس و الزكاة و لو كان ممن كان فقيرا لا يحتاج إلى إثبات‏

الحكم في حق نفسه و أيضا الشك للعوام ممكن كما انه يفهم حكم من الأحكام في‏

مورد ثم يشك لتبدل بعض حالات المورد فيسأل عن حكمه بعده.

و الحاصل:ان التكليف عام و كل الناس فيه شركاء و من ثمرات كون‏

المجتهد نائبا عن العوام و لا يكون مخصوصا بالحكم هو الرجوع إلى الأعلم في‏

الكبرى و الصغرى فرب مجتهد هو أعلم في تنقيح القواعد و رب طلبة هو أعلم في‏

التطبيق فإذا علم شخص طريقة التطبيق لا يجوز له تقليد المجتهد في ذلك المورد

بخلاف صورة كون الخطاب مختصا به فأن شئونه أيضا فيهم من قبله لا من قبل المقلد:

لا يقال ان روايات رفع القلم عن الصبي يعلم منها ان الخطابات لا تكون‏

لجميع البشر:لأنا نقول ان المميزين لا شبهة في شمول الخطاب لهم و المجتهد نائب‏

عن المقلد في استنباط الحكم فانه ينزل نفسه لعلوه منزلة نفس جميع المقلدين و بعد

التنزيل فكأن المخاطب يكون هو المقلد و أدلة رجوع الجاهل إلى العالم التي‏

تكون سند التقليد يكون مقتضاها هذا النحو من النيابة و لو سلم اختصاص الخطابات‏

الطرقية بالمجتهد فلا شبهة ان الجري العملي يكون في المقلدين فان أحكام الحيض‏

من الاستصحاب و غيره لا يكون له ثمرة للمجتهد الّذي لا يكون من النساء فإذا قيل‏


8
لا تنقض اليقين لا يكون معناه الاعتقاد بذلك و لا ثمرة له بل يكون معناه الجري‏

العملي و هو في بعض الأحكام مختص بالمقلد و في بعضها يشترك مع المجتهد و لهذا

قال بعض الظرفاء في المقام ان المجتهد يكون دخيلا في الحكم عنوانا و المقلد عملا

و هذا كلام خفي معناه علينا.

فتحصل ان الأحكام تشمل المجتهد و المقلد سواء كانت طريقية أو فرعية

و المجتهد نائب عن المقلد في كل ما لا يفهمه و الثمرة1ما ذكرناه.

1:أقول لا فرق بين الأحكام الطرقية و الفرعية في عدم قدرة المكلف على‏

استنباطه كما أشار إليه مد ظله و على فرض شمول الحكم و الخطاب للمقلد أيضا

ترتب الثمرة من كون نظر المقلد دخيلا في التطبيق محل النّظر لأن الفقهاء من البدو

إلى الختم لم يبينوا الأحكام لمقلديهم كذلك مع كون الخطاب لجميع المكلفين.

و ما ذكر من ان المقلد ربما يكون له نظر في تطبيق الكبرى على الصغرى‏

مثل ما مثل بأنه ربما يفهم ان الاستصحاب يكون تنزيل الشك منزلة اليقين في مقابل‏

من يقول بأنه يكون تنزيل المشكوك منزلة المتيقن فلا وجه له بالنسبة إلى المقلد

الغير المتجزي في الاجتهاد و ان استدل على ذلك فهو مجتهد متجزّي و البحث في غير

المجتهد لأن الاجتهاد ليس الا فهم الكبريات و تطبيقها على صغرياتها سواء كان الكبرى‏

فقهية أو أصولية و لا نقول ان المجتهد نائب عن المقلد حتى نحتاج إلى تنزيل بدني‏

أو نفسي منه لمقلده ليكون التكليف متوجها إليه.

بل نقول كما ان اللّه تعالى جعل وسائط لا لإيصال التكليف إلى المكلفين مثل‏

إرسال الرسل أو إنزال الكتب كذلك جعل المفسرين لتكاليف حتى يفهم المقلد ما

هو تكليفه فكما ان الأئمة عليهم السّلام ليسوا نائبين عنا و يفسرون القرآن فكذلك المجتهدون‏

اللذين هم مقامهم يفسرون كلامهم للعوام و لذا يكون الاجتهاد من الواجبات الكفائية

و انه لا يكون نيابة بالمعنى الاصطلاحي عن المقلدين فالتكليف متوجه إلى جميع‏

الناس و لكن يجب إفهامهم إياه و من الوسائل لإفهامهم وجود المجتهد كما ان من‏

الوسائل للوصول إليه إرسال الرسل و الأوصياء و هذا المعنى أوفق بالذهن و الخارج‏

أيضا كذلك.


9
المقدمة الثانية

في طريق جعل الأحكام و كيفيتها و الأقوال الواردة فيها فنقول ان الأقوال و المسالك‏

هنا أربعة:الأول:ان يكون في موارد الأصول و الأمارات أحكام ظاهرية مجعولة

و الثاني:ان لا يكون حكم ظاهري أصلا بل الأحكام كلها واقعية و مفاد الأصول‏

و الأمارات هو انحفاظ الواقع كما هو التحقيق و الثالث:ان يكون الأحكام الظاهرية

في موارد الأصول مجعولة في طول الواقعية و هو مذهب الخراسانيّ(قده)دون‏

الأمارات و الرابع:عكس الثالث و هو ان تكون في مورد الأمارات مجعولة دون‏

الأصول.

ثم ان عرفت ذلك فقد ورد في تثليث الشيخ الأقسام إلى القطع و الظن و الشك‏

إشكالات:الأول:هو ان المراد بالحكم ان كان الواقعي منه لا خصيصة للقطع‏

لأنه على مسلكه(قده)لنا أحكام ظاهرية و لا يمكن ان يكون مراده القطع فقط و ان‏

كان أعم من الظاهري و الواقعي فلا وجه للتثليث لأن الأمارات و الأصول إذا كان‏

في موردها حكم ظاهري ففي جميع الموارد يحصل القطع بالحكم الكذائي و لا

ظن و لا شك و ان كان المسلك مسلك من قال في الأمارات بالحكم الظاهري في‏

موردها فيصير قسمين القطع و الشك لأن الظن داخل تحت القطع و ان كان المسلك‏

مسلك من قال بالحكم الظاهري في الأصول فأيضا يصير قسمين لأن الشك داخل‏

في القطع فيبقى قسمان القطع و الظن:

و الحاصل على أي تقدير يصير الحكم الظاهري داخلا في الحكم الواقعي‏

و لا وجه للتثليث:

و التحقيق.ان انقسامه إلى الثلاثة صحيح على ما ذهب إليه من انه لا حكم‏

ظاهري لنا أصلا بل كلها واقعية و لا أثر في الاخبار من هذا المقال و على هذا فتقسيم‏

الشيخ في غاية المتانة لأن المكلف بحسب الوجدان يحصل له هذه الأقسام و العدول‏

عنه على جميع التقادير يصير بلا وجه و غير تام لأن النّفس لا محالة يحصل له‏


10
القطع أو الظن أو الشك و لو صارت بعد التأمل قاطعة بالحكم و لكن في الموارد التي‏

لنا أصول عقلية مثل الانسداد على الحكومة و الأصول العقلية الغير المجعولة شرعا

لا تكون حكما واقعيا و لا حكم واقعي في مورده و لا ظاهري بل مجرد حكم العقل‏

قاض هنا و معنى الانسداد على الحكومة هو كون العقل حاكما بالعمل بالظن و اما

على الكشف فمعناه استكشاف حكم الشرع ظاهرا فمفاده من الأحكام الظاهرية على‏

هذا الفرض لا العقلية:و ما قال الخراسانيّ لا يصح لا على مسلك القدماء و لا الشيخ.

الثاني:هو ان جرم هذا التقسيم يكون هادما للشركة لأن الظن إذا كان غير

معتبر يكون من أقسام الشك و الشك إذا صار معتبرا عند الشارع يصير من أقسام‏

الظن مثل موارد الظن القياسي في الأول و قاعدة الفراغ في الثاني فالواجب في‏

التعبير ان يقال ان المكلف الملتفت إلى حكم شرعي اما ان يحصل له القطع أولا

و على الثاني اما ان يكون له طريق معتبر أو لا كالأصول العقلية للشاك فلا تثليث و هذا

ما أورده المحقق الخراسانيّ(قده)عليه.

و فيه انه لا وجه لإشكاله(قده)لأن مراد الشيخ(ره)لا يكون بيان الحجج من‏

حيث هي حجة بقوله اما ان يحصل له القطع أو الظن أو الشك حتى يشكل عليه‏

و انما مراده ان يبين ان للحجة أحوالات مختلفة فبعضها لا يقبل الجعل لا نفيا و لا ثباتا

مثل القطع و بعضها يقبل مثل الظن و بعضها لا جعل في مورده و هو الشك.

و ما مر من ان غير القاطع اما ان يحصل له طريق معتبر أو لا:يكون نتيجة

فهم الحجة و نحن كنا بصدد فهم نفس الحجة و الاعتبار و عدمه يكون بعد حصول‏

الصفات النفسانيّة و التفحص في طلب الحكم‏1.

1و أضف إليه ان الخراسانيّ قده على فرضه أيضا يمكن ان لا يكون التقسيم‏

ثنائيا بل يكون من الدوران بين الوجود و العدم لأن المكلف اما ان يحصل له القطع‏

بالوظيفة و لو من باب الأصول الشرعية و العقلية أو لا يحصل فالمتين هو رأى الشيخ‏

قده على حسب اقسامه و أغراضه المترتبة عليها.


11
و الثالث:و هو إشكال دقيق يجب دقة النّظر فيه و هو ان ما قيل من ان المكلف‏

الملتفت إلى الحكم إلخ.ما المراد من الحكم فيه فان كان المراد الحكم الفعلي‏

فلا يمكن لأنه محال فالشاك في الحكم الفعلي لا يمكن ان يكون موضوعا لحكم‏

فعلى لأن إحراز الموضوع قبل الحكم لازم و الشاك في حال شكه لا يغفل ان يكون‏

موضوعا للحكم الفعلي و الفعلية تكون في رتبة متأخرة فلا يمكن أخذها في الموضوع‏

و بعبارة واضحة الفعلية تأتى من قبل الجعل و وظيفة الأمارات و الأصول هي‏

صيرورة الواقع فعليا فإذا نظرت بدليل اعتبار الشك أو الظن يحصل لك حكم فعلى‏

بجميع الجهات و ان كان المراد الحكم الشأني فبعد العلم به و الكشف عنه لا يحصل‏

لنا تكليف فالعالم بوجوب الصلاة مثلا شأنيا لا يجب عليه الصلاة فلا فائدة لإثباته.

ثم هنا شبهة أخرى عويصة و هي ان المولى ان كان مراده بالاحكام الأحكام‏

الواقعية مثل وجوب الصلاة فلأي وجه جعل الأمارة حتى يفوت الواقع.

و حل الإشكال هو ان المصلحة تارة تقتضي ان يجعل الواقع و ان يبين بعده‏

ما يكون بمنزلة الأسطوانة له لئلا يفوت على أي نحو كان فيجعل الاحتياط في‏

مورده لشدة علاقته بالواقع مثل الفروج و الدماء:و تارة تكون المصلحة في التقنين‏

بما إذا لم يبلغ به أيادي الفاسدة و لم يمنع من إيصاله إلى الناس فهو و الا فيجعل‏

الأمارة و لا مصلحة أكثر من ذلك و لو كان الاحتياط حسن في كل حال و هذا يقال‏

له الفعلية من قبل الأمر و لا يكون فعليا حتى في ظرف الشك.

فإذا عرفت ذلك فيظهر لك الجواب عن الإشكال الثالث و هو ان يقال ان المراد

بالحكم هو الفعلي لكن الفعلي من قبل الأمر و بالقطع يصبر فعليا من جميع الجهات‏

للعبد و كذا دليل الأمارة و الأصل كالقطع يتم الفعلية فلها رتبتان رتبة من قبل الأمر

و رتبة من قبل المأمور و القول بان متعلق الشك يكون شأنيا لا وجه له أصلا كما مر

الأعلى مسلك من قال بان العلم يكون متمما للفعلية و التنجيز فكلام الشيخ صحيح لأن‏

المتعلق هو الحكم الفعلي و الإنشاء لا فائدة تحته.


12
المقدمة الثالثة

قد مر تنويع الأبواب و المقاصد إلى ثلاثة و الثالث منها هو المقصد الذي‏

يكون في الشك و هنا تقسيم آخر عقلي في مجاري الشك فان الشاك في الحكم‏

الواقعي لا يخرج عن أربعة أحوال بحصر عقلي لأن الجاعل للوظيفة اما ان يلاحظ

الحالة السابقة كما هو التحقيق في جعله و لا فرق في الشاك في الحكم مثل من شك‏

في وجوب صلاة الجمعة بعد ما كان واجبا لاحتماله إقامتها في أقل من فرسخ أو

موضوع ذي حكم مثل من شك في الوضوء الكائن قبل الشك و يقال للحكم الملاحظ

فيه الحالة السابقة الاستصحاب و لا يخفى انه يعتبر فيه شيئان الحالة السابقة و لحاظها

في مقام الجعل بقوله لا تنقض اليقين بالشك و اما لا يعلم الحالة السابقة و لا يعلم‏

جنس التكليف أيضا فيصير ذا شبهة بدوية مثل الشك في نجاسة عرق الجنب من الحرام‏

و مع عدم علم إجمالي في البين فيكون مجرى البراءة بقوله رفع ما لا يعلمون و قبح‏

العقاب بلا بيان و غيرهما.

و اما لا يعلم الحالة السابقة و لكن يعلم جنس التكليف إجمالا ففي هذه الصورة

اما ان يمكن الاحتياط أو لا مثل العلم بنجاسة أحد الإناءين اما الأحمر أو الأبيض‏

فيكون مجرى الاحتياط لإمكانه و اما ان لا يمكن الاحتياط مع العلم بجنس التكليف‏

مثل الشك في حرمة صلاة الجمعة و وجوبها فيدور الأمر بين المحذورين فيكون‏

مورد التخيير و يكون موضوعا لأصله و أطوار وجود الشاك لا يكون خارجا مما ذكر

و قد أورد هنا أيضا إشكالات و هي ان هذه التعاريف يتداخل بعضها في بعض‏

فالأوّل مثل مجرى الاستصحاب كان موضوعه العلم بالحالة السابقة ففي الشك في‏

المقتضى مثل ما إذا كان الحيوان موجودا في الدار و لا يدرى انه قيل حتى يبقى‏

أو بق حتى لا يكون بعد ثلاثة أيام باقيا يجري البراءة مع وجود الحالة السابقة.

و الجواب عن هذا واضح لأنا اعتبرنا في موضوع الاستصحاب امرين الأول‏

الحالة السابقة و الثاني لحاظها و هنا و ان كانت الحالة السابقة موجودة و لكن لا تلاحظ


13
فلا يجري الاستصحاب لذلك و عبارات الشيخ مختلفة ففي بعضها ذكر الحالة السابقة

و في بعضها لم يذكر.

الثاني.قلتم ان من موارد الاحتياط ما إذا كان علم إجمالي و يمكن الاحتياط

ففي ما إذا وجد أمارة لتعيين أحد طرفي علم الإجمالي كيف تحكمون بعدم الاحتياط

و جوابه أيضا واضح لأن الأمارة ترفع موضوع الأصل و الأصل أصل حيث لا دليل‏

الثالث:و هو ان أحد الأصول هو أصالة التخيير التي كانت في الصورة

الرابعة من الحصر و مرجعها إلى البراءة لأن المخير اما ان يفعل و اما ان لا يفعل فلا حكم‏

له فهو مثل من يجري البراءة و العلم الإجمالي يسقط عن درجة الاعتبار و قبح العقاب‏

بلا بيان يجري في كلا طرفيه مثل من شك في حرمة صلاة الجمعة فان قبح العقاب‏

بلا بيان جار في الطرفين.

و الجواب عنه ان البراءة العقلية في هذه الصورة غير معقولة لأن البيان في‏

الرتبة المتقدمة موجود و العلم الإجمالي في المورد لما كان ترجيح أحد طرفيه‏

بلا مرجح و ان الاحتياط غير ممكن فالعقل يحكم بالتخيير و الحاصل ان العقل يسقط

العلم الإجمالي عن درجة الاعتبار و يكون بيانا.

ثم اعلم ان الأقوال قد اختلف في انه هل يكون للعقل حكم وراء الدرك أم‏

لا فان الشيخ و الخراسانيّ(قدهما)على الأول و هو التحقيق و جماعة من الفلاسفة

و بعض الأصوليين تبعا لهم على الثاني و حاصل البيان للأول هو ان العقل في المرتبة

الأولى يتصور الحكم أي امر المولى و يتصور ثانيا مملوية المصلحة في الإتيان‏

فيحكم بوجوبه و كذا إذا كان الحكم نهيا مولويا يتصور كذلك فيحكم بالزجر عنه‏

ثم في مقام الامتثال اما ان يمتثل أو لا كما ان الموالي أيضا يفعلون كذلك أي يتصورون‏

المصلحة التامة أو المفسدة التامة في العمل ثم يأمرون أو ينهون و المكلف في مقام‏

العمل اما ان يتمثل أو لا و لذا نقول الحكم بوجوب إطاعة المولى لا يكون الا من‏

العقل فأن المولى ان امر أو نهى لا دليل على وجوب متابعته الا حكم العقل و ما ورد

من قوله تعالى أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول:ليس الا إرشاديا محضا و لو فرضنا


14
وجوبه من قبل الأمر المولوي يصير دورا لأن وجوب الإطاعة متوقف على الأمر

فلو كان نفس هذا الأمر سببا لوجوبه يلزم تقدم الشي‏ء على علته فلا شبهة في ان العقل‏

يكون له حكم و انه رسول باطني كما ان الشرع عقل من الخارج و اما القائلون‏1

بأنه ليس للعقل حكم فيقولون بأنه ليس شأن العقل الا الدرك و لا يكون له امر و لا نهى‏

فليس لنا أحكام عقلية.

المقدمة الرابعة

في ان البحث عن القطع هل هو بحث أصولي أو كلامي مع الإذعان بان‏

البحث عن غيره يكون أصوليا و ينتج البحث عنه أحكاما كبروية تنطبق على‏

الصغريات في الفقه و حيث ان القطع لا يكون وسطا في إثبات الحكم للأصغر حتى‏

يكون نتيجة ترتيب المقدمات و لا يطلق عليه الحجة اصطلاحا لأنها هي ما يوجب‏

القطع و هو نفسه طريق و كشف للواقع أشكل في المقام من حيث كونه بحثا أصوليا.

و لكن التحقيق كونه بحثا أصوليا لأن البحث الأصولي هو الّذي ينتج في‏

الفقه و يكون نتيجته كبرى للصغريات و البحث عن شئون القطع ينتج في الفقه من‏

1:أقول كما اعترف الأستاذ مد ظله انهم قائلون بأن العقل يدرك المصطلحة

و المفسدة أي لزوم الإتيان و عدمه و لكن بظني ان هذا نزاع لفظي لأن معنى درك‏

لزوم الإتيان و درك ان التارك مذموم يكفى في ان لا يكون للمكلف عذر في مقابل العقل.

فان شئت سمه حكم العقل و قل انه حاكم لأن معنى الحكم في العقل المنفصل‏

و هو الشرع هو جعل المكلف بحيث لا يكون له عذر عند نفسه و لو فرض ان الشرع‏

ألقى ما في نفسه من المصلحة الملزمة و دركه للزوم الإتيان بدون الأبزار المعمولة

من الأمر و النهي المعمول لكان هذا الشخص معاقبا لتركه المأمور به أو المنهي عنه‏

و لكن ليس هذا هو المعمول فحكم العقل هو دركه لزوم الإتيان و دركه كذلك‏

هو حكمه فيصير النزاع في تسمية هذا الواقع حكما أو دركا كما انه مد ظله في‏

الدورة السابقة مال إلى هذا المعنى.


15
حيث انه لا تناله يد الجعل إثباتا و نفيا إذا كان طريقيا أو جزء الموضوع و غيره فإذا

كان لشي‏ء دخلا ما في الفقه يكفى لكون البحث عنه أصوليا و لو كان الإشكال فيه‏

عدم صيرورته وسطا في الإثبات بأن يقال هذا مقطوع الحرمة و كل مقطوع الحرمة

فهو حرام فهذا حرام في صورة كونه طريقيا فيجي‏ء في الظن أيضا فانه لا يقال هذا

مظنون الحرمة و كل مظنون الحرمة حرام فهذا حرام حيث كان الحكم على الواقع‏

فانه ما وقع الظن وسطا في الإثبات في القطع الطريقي فأمر البحث في كونه بحثا

أصوليا سهل لإمكان الاستنتاج منه في الفقه بأدنى مناسبة.

إذا عرفت تلك المقدمات فلنشرع في المقصود بعون اللّه تعالى.

الأمر الأول في أحكام القطع‏

و له جهات ثلاثة

أو أربعة فكلما تحقق القطع بحكم تكليفي ينشأ هذه الجهات:

الأولى في ان القطع يكشف عن الواقع أو لا:
و هذه الكاشفية اما أن تكون نفسه‏

أو من لوازمه و على تقدير كونه نورا يكشف به الواقع فان أصاب فهو و الا فيقال له‏

الكشف الزعمي فان من قطع بأن في الدار أسدا فان كان الأسد واقعا في الدار فهو

و الا يكون هذا القطع بزعمه قطعا و لا واقع له و الكاشفية تكون من آثاره الذاتيّة

التكوينية و لوازمه أيضا تكوينية.

و ثانيا بعد القطع و انكشاف الواقع بالوجدان يوجد شي‏ء و هو حكم العقل‏

بأن من علم بأن الصلاة مثلا تكون واجبة بأن الإطاعة حسنة و المخالفة قبيحة.

و ثالثا ان المؤاخذة من قبل المولى حسن على من ترك المأمور به و لم ينته‏

عن المنهي عنه لعدم حصول غرضه فبعد درك العقل ذلك أو حكمه بقبح المخالفة

و حسن الموافقة و المؤاخذة فمن الآمر يوجد شي‏ء آخر و هو ان من رتب المقدمات‏

العقلية بعد القطع ينقدح الداعي في نفسه و جرى على نحو مطلوب المولى لأن كل‏

عاقل إذا علم ان التكليف موجود و يعلم الثواب و العقاب يعمل ما هو المأمور به مثل‏

من كان عطشان و يعلم الهلاكة بترك شرب الماء الموجود فانه يشرب الماء قهرا


16
لحفظ نفسه و المرتبة الثانية يقال لها باب التحسين و التقبيح.

فالحاصل،قد علمت ان من لوازم القطع الانكشاف و حكم العقل بالثواب‏

و العقاب و الجري العملي القهري لمن حصل له ذلك و الأول ذاتي القطع و الثاني‏

حكم العقل و الثالث قهري و هذا الترتيب لازم و لو على مذهب الأشعري المنكر

للحسن و القبح العقلي فان دفع الضرر يكون فطري الحيوانات فضلا عن الإنسان‏

العاقل.

و بعبارة واضحة لا شبهة و لا ريب انه إذا قطعنا بحكم من الأحكام أو موضوع‏

من الموضوعات يكون الانكشاف ضروريا حتى في الأمور المعمولة العرفية بنحو

لا يرى القطع أصلا و لا يتوجه إليه و حكم العقل أيضا من أثر القطع و مركزه هو التحسين‏

و التقبيح فإذا تحقق المرتبتان يكون بعد هما جرى عملي و انقداح الداعي عمل‏

فطري لا حكم العقل.

ثم ان هذه الآثار لا تنالها يد الجعل تكوينا إثباتا و نفيا لأن الجعل التكويني يكون‏

بجعل الماهية فانه ما جعل اللّه المشمشة مشمشة بل أوجدها كما قال الشيخ الرئيس‏

فإذا جعل المشمشة ينجعل المشمشية و لا يمكن جعل الشي‏ء ثم جعل لوازمه و الجعل‏

التركيبي بين الشي‏ء و ذاتياته لغو فالناطقية جعلها وجودها و الآثار في القطع كذلك‏

فإذا وجد القطع يوجد لوازمه من حكم العقل و الجري العملي الذي هو لازم‏

اللازم و أثر الأثر فهو أثر أو لازم أيضا و لكن مع واسطة حكم العقل.

و هذا يكون مراد من كان أهلا لفن الفلسفة من استحالة جعل اللوازم‏

و لا تناله يد الجعل تشريعا فانه و ان كان من مسلك الشارع تشريع بعض الأحكام و جعله‏

مثل الزوجية و الملكية و غيرهما بالصيغة المخصوصة أو جعل الأمارات و الأصول طريقا

للواقع الا انه يكون لفقد الأصول و الأمارات الكاشفية و ما يكون بنفسه كاشفا لا معنى‏

لجعل الكاشفية له مثل القطع و كلما لا تناله يد الجعل تكوينا لا تناله تشريعا.

و الحاصل انه إذا تحقق القطع في الخارج يتحقق ثلاث آثار انكشاف الواقع‏

و حكم العقل بحسن الإطاعة و قبح المعصية و دركه و انقداح الداعي بعد الحكم و لا يقبل‏


17
ردع الشارع بنحو من الأنحاء لأن النهي عن المنجزية و عن ما يكون ذاته النور محال‏

اما المرتبة الأولى:و هي الانكشاف فلا تقبل المنع لأن مقتضاه و ذاتيه الكشف فان‏

مثله مثل من له العين و لا يكون له مانع عن الرؤية من الظلمة و عدم إرادة النّظر1

و عدم الحائل بينه و بين المرئي فانه يرى لا محالة و يستحيل ان يقال أيها الناظر لا تر

لأن الرؤية لا محالة يترتب عليه.

و مثل الماء فان من ذاتياته البرودة و لا يمكن نفى البرودة عنه لأن عدمها يكون‏

عند عدمه و الا فما دام الماء موجودا فيلازم مع البرودة و القطع أيضا كذلك فما دام‏

كونه موجودا لا يمكن رفع الكاشفية عنه نعم يمكن التشكيك في مقدماته ليصير

القطع معدوما و بالنتيجة يرتفع اثره بارتفاعه أو بجعله ناسيا.

ثم للقطع بعد الكاشفية أثران و هو حسن المؤاخذة من جهة المولى عند المخالفة

و حسن الموافقة و قبح المعصية من طرف العبد فالعقل إذا أدرك ذلك يحكم لا محالة

بحسن العقاب و الثواب و لا يمكن ردع الشارع إيانا عن هذا الأثر أيضا بقوله ان‏

الموافقة قبيحة و العصيان حسن و الفطرة تقضى بذلك و علته هي ان العلماء قالوا ان‏

العقل يكون منجزا و عباراتهم هنا مختلفة فبعضهم يعبر بالمنجزية و بعضهم بدرك‏

العقل الحسن و القبح أو بحكمه بهما و لكن عباراتهم شتى و المعنى واحد فان مرجع‏

الجميع إلى حسن الموافقة و قبح المؤاخذة و لا معنى لقول الشارع اجتنب عن الخمر إذا قال‏

بعده ان المعصية لا منع منها فان معنى الردع هو الترخيص في الفعل و علة الترخيص هي‏

ان حكم العقل منجز و ليس له حالة منتظرة و بعد المنجزية فالترخيص في الفعل لا يكون من‏

دأب الشارع و بعبارة واضحة:الحكم العقلي على قسمين الأول ان يكون معلقا على امر

من الأمور مثل العلم الإجمالي عند من يراه مقتضيا لا علة تامة لكشف الواقع فانه‏

1أقول هذا إشارة إلى ما هو التحقيق في باب الرؤية من انها تحصل بتوجه‏

النّفس و لا يكفى عدم المانع و مقابلة المرئي كما نرى عدم حصول الرؤية بمجرد

حصول سائر الشرائط و هو صدر الآراء الّذي هو رأى الملا صدرا الشيرازي قده.


18
حكم عقلي معلق على عدم ترخيص الشارع على خلاف ما يقتضيه نعم المخالفة

القطعية قبيحة فان من يعلم نجاسة أحد الإناءين قطعا لا يمكن الترخيص في ارتكابها

و اما ترخيص أحد طرفي العلم الإجمالي لا منع منه لأن المقتضى لعدم ارتكابه كان‏

هو عدم البيان و الترخيص بيان.

الثاني ان لا يكون معلقا على امر بل يكون منجزا من الأول بدون حالة منتظرة

مثل العلم التفصيلي بحرمة شرب الخمر و هذا القسم لا يمكن الترخيص فيه لأن حكم‏

العقل بحسن المؤاخذة و قبح المخالفة و حسن الإطاعة لا ينوط بشي‏ء و لا يكون معلقا

على شي‏ء.

فتحصل ان الحكم العقلي التنجيزي لا يقبل الردع:و بعبارة أخرى ان حكم‏

العقل لا يمكن الردع عنه لأنه بعد امر المولى و حكم العقل بوجوب الإطاعة يكون‏

المنع عن المتابعة ترخيصا في المعصية و هو قبيح حتى من الأشعري القائل بعدم‏

الحسن و القبح في صورة كون العقل له حكم تنجيزي و اما إذا كان تعليقيا فلا إشكال‏

في الردع عنه لأنه من الأول كان منوطا بعدم البيان و الردع بيان:هذا على مسلك‏

التحقيق من ان للعقل حكما و هكذا على مسلك القائلين بأنه ليس للعقل الا الدرك‏

فان درك لزوم المتابعة و قبح تركها يلازم عدم إمكان المنع عنه في التنجيزي دون‏

التعليقي.

و قد يستدل لبطلان الترخيص بتقرير آخر و هو ان الردع عن القطع يستلزم‏

اما اجتماع الضدين أو النقيضين أو التسلسل بيان ذلك هو انه لو علم ان الخمر

حرام يفهم ان الشارع زجر عنه و الترخيص في الموضوع الكذائي يستلزم ان يكون‏

هنا حكمان متضادان في موضوع واحد و الضدان امر ان وجوديان لا يجتمعان فان‏

معنى الردع هو الترخيص في المعصية فيصير شرب الخمر مثلا مباحا و حراما و هو

كما ترى.

و الثاني و هو التناقض فيكون في حكم العقل لأن حسن موافقة المولى لا يجتمع‏

مع حسن مخالفته و عصيانه فان الاجتناب عن الخمر إذا صار حراما يحكم العقل بحسن‏


19
الانزجار و المؤاخذة على الارتكاب و الترخيص يقتضى انقلاب حكم العقل في آن‏

واحد فان ما حكم به العقل اما ان يكون حسنا أو قبيحا و ليس بينهما شي‏ء.

و الحاصل لا يمكن ان يكون للعقل في آن واحد حكمان منجزان.

و اما ما ذهب إليه بعض الاعلام من ان الموضوع للحكمين متعدد لأن موضوع‏

اجتنب يكون هو الخمر و موضوع الترخيص يكون هو مقطوع الخمرية.

فيكون القطع فيه جزء الموضوع فلا يستلزم اجتماع النقيضين فإذا صار

القطع جزء الموضوع فلا إشكال و الاعلام بعباراتهم المختلفة يريدون معنى واحد

نعم ان كان حكم العقل غير منجز مثل الظن القياسي أو يكون من الأول معلقا فيجوز

الترخيص من الشارع مثل من قال لولده أعط إجارة المنزل إذا بلغ رأس الشهر إن‏

لم أرسل إليك كتابا اذكر فيه المنع عنه و الترخيص في تركه فكان الأمر في ذلك‏

من الأول معلقا على عدم الترخيص و حكم العقل يكون هو الاجتناب ان لم يكن‏

الترخيص من المولى.

و اما بيان التسلسل فهو انه إذا قطعنا بان الخمر حرام قطعا شخصيا فينتج وجوب‏

العمل فان لم يكن الوجوب ثابتا و قطع بان هذا القطع مردوع عنه فننقل الكلام في‏

القطع بالردع فنحتمل ان يكون هو أيضا مردوعا عنه فننقل الكلام إلى ما يؤل إليه‏

هذا القطع أيضا فيتسلسل و هو كما ترى فإذا قطعنا بان الخمر مثلا حرام ثم قطعنا

بالردع عن هذا القطع فالقطع بالردع أيضا يكون فردا من القطع فيحتمل ان لا يكون‏

حجة.

ثم انه ينقض الأثر الثاني من القطع بالظن القياسي و هو الحكم لا محالة بعد

القطع بحسن الموافقة و قبح المخالفة.بيان ذلك انه إذا تم دليل الانسداد على الحكومة

التي تكون من الأحكام العقلية بخلاف كونه كاشفا فانه يكون من الأدلة الظاهرية

الشرعية على الحكم من عدم العلم و عسر الاحتياط و غيرهما و كان هنا ظن حاصل‏

من القياس مثل قياس ماء الشعير قبل النش بالنبيذ فنتيجة الانسداد هنا هي اتباع هذا

الظن القياسي و هذا يكون حكما مستقلا من العقل و الشرع منع عن اتباع هذا الظن‏


20
فحكم العقل يمكن ردع الشارع عنه كما رأيت و لا فرق بين القطع و الظن في ذلك‏

بنظر المستشكل و الناقض.

و بعبارة أخرى القطع مشترك مع الظن في انه المنجز ان أصاب الواقع و المعذر

ان لم يصبه و الظن في باب الانسداد على الحكومة حيث يكون مما يستفاد من حكم‏

العقل حجيته لا يمكن الردع عنه فكيف لا يكون الظن الحاصل من القياس حجة و ردع‏

الشارع عنه.

و الجواب ان حكم العقل بوجود متابعة القطع تنجيزي و لا يمكن ان يردع عنه‏

الشارع ما دام القطع موجودا الا ان يصيّر القاطع مشكوكا و كلام المقنن يمكن ان‏

يكون سببا لأخذ أصل القطع من القاطع و الا فلا يمكن التشكيك في منجزية قطعه،

هذا في القطع:

اما الظن فلا يكون انكشافه عن الواقع و استقلال العقل بالحسن و القبح بموافقته‏

و مخالفته تنجيزيا بل يكون معلقا و منوطا بان لا يكون من الشارع حكم على خلافه‏

و الظن لا يغنى من الحق شيئا و اما علة جعله حجة فلان باب العلم منسد و لا طريق إلى‏

العلمي أيضا فإذا ردع الشارع عن القياس علمنا بان هذا الظن غير منجز و العمل على‏

طبقه باطل فنحكم بجواز شرب ماء الشعير قبل النش مثلا.

و الحاصل ان القطع لا تناله يد الجعل إثباتا و نفيا تشريعا و تكوينا نعم يمكن‏

النفي تكوينا بجعل القاطع غير قاطع و لا فرق فيما ذكرنا بين قولنا بان للعقل حكما

و قول من يقول ليس شأن العقل الا الدرك لأن الواقع إذا كان مستورا و يكون الظن‏

طريقا ناقصا إليه يمكن ان يجعل الحكم على خلافه مثل ان يقال مظنون الحرمة

بالظن القياسي حلال و هذا بخلاف القطع فانه لا يمكن ان يقال ان مقطوع الحرمة

حلال و الا يلزم الترخيص في المعصية.

و اما المرحلة الثالثة:و هي انقداح الداعي بعد حكم العقل بالحسن و القبح‏

فلا يكون مقام التفوه للإشكال عليه لأنه يقتضى نقض الغرض و هذا فطري لكل أحد

حتى الحيوانات لأن من علم ان هذا سم و ان السم قاتل و يحب حياته لا يمكن‏


21
ان لا يمنع نفسه عنه و الا فنقض غرضه و هو إبقاء الحياة مثلا.

فتحصل من جميع ما ذكرنا ان القطع له ثلاثة آثار ذاتي و عقلي و فطري‏

فالكشف ذاتي و الحسن و القبح عقلي و انقداح الداعي فطري.

ثم هل يكون حكم العقل من آثار المنكشف بالقطع أو من آثار القطع مثلا

هل يكون حكم العقل من أثر السم المنكشف بالقطع أو من أثر القطع و لو لم يكن‏

في الواقع سم فيه خلاف:قال النائيني(قده)تبعا لبعض عبارات الشيخ(قده)انه‏

يكون من آثار المنكشف بالقطع فان من علم ان هذا خمر يحكم عقله بالاجتناب‏

و قبح الارتكاب من باب ان المصلحة تكون في الواقع لا في القطع فينزجر.

و لكن هذا خلاف التحقيق كما عن العراقي تبعا لبعض عبارات الشيخ أيضا

لأن حكم العقل يكون من آثار نفس القطع الطريقي و هو الصفة الحاصلة عند

الوجدان فمن قطع بأن في الدار أسدا يفر و لو لم يكن فيه إلاّ هرّة أو لم يكن فيه‏

شي‏ء أصلا و هذه الآثار من حكم العقل و انقداح الداعي يكون من أثر القطع‏

الوجداني و مربوط بتصوراته فالكشف و حكم العقل بالحسن و القبح و انقداح الداعي‏

يحصل بواسطة الوجدان كما انه يحصل القطع مثلا بحرمة العصير العنبي و يجب‏

الاجتناب عنه ثم يظهر انه في الواقع حلال فالواقع لا يكون مؤثرا تاما و لا جزء مؤثر

نعم الآثار التي تكون للواقع الواقعي غير مربوطة بالقطع.

الجهة الثانية

من أحكام القطع هو انه هل يطلق الحجة على القطع بأقسامه المنطقي و اللغوي‏

و الأصولي أم لا.

اشتهر بين الاعلام عدم إطلاق الحجة المنطقية على القطع و إطلاقها على‏

الظن صحيح و لتوضيح المقام نقدم مقدمة و هي ان القطع و الظن كما سيجي‏ء تارة

يكونان طريقيين و تارة موضوعيين أعنى تارة يصير القطع و الظن طريقا محضا

و أخرى تكون نفسها موضوعا لحكم مثل ان يقال إذا قطعت بشرب الخمر يجب‏


22
عليك الشهادة أو يقال إذا ظننت بالخمر يجب الشهادة بنحو يكون الموضوع المقطوع‏

الخمرية و المظنون الخمرية و الحجة أيضا كما أشير إليها على ثلاثة أقسام منطقية

و أصولية و لغوية و اللغوية معناها ما يحتج بها العبد أو غيره لغيره فهو الحجة و الحجة

في المنطق تطلق على ما يكون سببا لإثبات الأكبر للأصغر و يجب ان يكون للوسط

ربطا بالعلية أو المعلولية كما حرر في محله في اصطلاحهم و الحجة في الأصول‏

تطلق على ما يصير سببا لإثبات الحكم المتعلق سواء كانت علة له أم لا مثل قيام الأمارة

على ان هذا خمر و حرام فيثبت الخمرية و الحرمة بمجرد قول الشارع بتصديق‏

العادل في ذلك سواء كان في الواقع أيضا كذلك أم لا و لا فرق بين أن يكون المتعلق‏

حكما أو موضوعا ذا حكم.

فإذا علمت ذلك فنقول إطلاق الحجة اللغوية على القطع لا شبهة فيه بل يقول‏

النائيني(قده)يكون هو أظهر افراد حجج اللغوي بل سائر الحجج يكون بالنسبة

إليها مثل نسبة ما بالعرض إلى ما بالذات و كل ما يكون حجة بين الموالي و العبيد

يكون هو القطع الطريقي كما انه لا شبهة في ان إطلاق الحجة المنطقية عليه غير

صحيح و لا يمكن تشكيل القياس بواسطته لأن الطريقي منه لا يكون مولّد مصلحة

أصلا فإذا قطع بالحرمة مثلا في الخمر لا يكون للقطع دخالة فيها فان الحرمة تكون‏

للخمر لا لمقطوع الخمرية فلا يمكن تشكيل القياس بأن هذا مقطوع الخمرية

و كل مقطوع الخمرية حرام فهذا حرام لأن القطع على هذا الفرض يكون جزء

الموضوع لا طريقا و لا شبهة في ان الوسط في القياس المنطقي يجب ان يكون له‏

دخل في الأثر و مؤثرا في المصلحة و هنا لا يكون كذلك فالقطع إذا صار وسطا في‏

ما نحن فيه لا يؤثر في الحرمة فان الحرمة تكون على الخمر لا على مقطوع الخمرية

بحيث يصير القطع جزء الموضوع و من هنا يظهر ان إطلاق الحجة الأصولية على‏

القطع أيضا لا وجه له و لا يصير وسطا في الثبوت.

و بعبارة واضحة إذا قطعنا ان هذا خمر لا يكون القطع سببا للخمرية و لا لثبوت‏

الحرمة و على التحقيق لا يكون قابلا للجعل و يكون عين الواقع و الكشف ذاتي له‏


23
فلا يثبت الواقع و لا الجعل و لا أثر له واقعا و لا جعلا.

ثم انه قد قيل ان المنجزية فيه يكون لبناء العقلاء و المسلك و لو كان فاسدا

من رأس و لكن على فرض صحته يصير القطع مؤثرا في الحكم و هو بناء العقلاء

فيقال هذا مقطوع الخمرية و كل مقطوع الخمرية حرام ببناء العقلاء فهذا حرام‏

لبناء العقلاء.

و بيانه كما1عن بعض الأعيان من أهل الفلسفة هو ان حجية القطع تكون‏

معناها هو ترتب الثواب و العقاب على موافقته و مخالفته و استحقاقهما لا ربط له بالواقع‏

فانه ربما يتخلف الواقع عنه بل يكون بناء العقلاء بعد قطعهم بشي‏ء هو ذم من‏

لا يتبعه و هذا يكون من القضايا المشهورة فلو لا بناء المشهور عليه ما كان حجة على‏

ترتب الثواب و العقاب فتكون حجية جعلية و يمكن ان يصير وسطا لإثبات الحكم‏

مثل ان يقال هذا مما هو مقطوع و كل مقطوع يكون بناء العقلاء على حجيته و ذم‏

مخالفته فهذا مذموم مخالفته و ممدوح متابعته فإذا قطع بحرمة شرب الخمر صار

القطع وسطا لإثبات حكم العقلاء بوجوب الاجتناب عنه هذا كلامه رفع مقامه.

و فيه أولا انه مع الفحص عن عدم كون المقام من القضايا المشهورة حيث‏

انها تكون مما عليه ارتكاز العقلاء مثل ركوب القاضي على حمار بلا ذنب الّذي‏

يكون الارتكاز على قبحه لو لم يكن حجية القطع برهانية لم يبق لنا في العالم قضية

1أقول:كلام هذا البعض كما في شرحه للكفاية(نهاية الدراية)يتوهم‏

منه انه يقبل ان طريقية القطع ذاتية و هو عين الكشف و الانكشاف و في مقام ترتب‏

الثواب و العقاب يقول بما قاله الأستاذ مد ظله و من هنا وقعنا في التعب في مقام‏

تشخيص مراده فان من كلامه في هذا المقام يستفاد ان الثواب و العقاب جعليان كما

سيجي‏ء نسبته إلى الشيخ الرئيس و لا ينكر طريقية القطع ذاتا و مع ذلك لا نفهم وجه‏

الجمع بين الكلامين و بعد يحتاج إلى تدبر وفقنا اللّه له و لا نفهم بعض إشكالات الأستاذ

مد ظله مثل تساوى الواجد و الفاقد مع ان القطع و لو لم يصل إلى الواقع فهو أيضا

حجة و مع عدم العمل بما هو موجب لرقاء النّفس كيف يحصل الرقاء.


24
برهانية لأن كل البراهين منشأها القطع فان المقدمات إذا كانت قطعية تسمى القضية

برهانية و الا فتدخل تحت الخطابة أو الجدل و غيره.

و ثانيا يلزم من قوله(قده)تساوى الواجد و الفاقد لأن العمل إذا كان في نفسه‏

لا يكون له أثر و يكون بجعل العقلاء يلزم ان يكون الفاعل للخير الّذي صار سببا

لرقاء النّفس كالفاعل للشر الّذي صار سببا لانحطاطها و كيف يكون الواجد للسبب‏

لرفعه النّفس بواسطة العمل الصالح كالفاقد فانه يكون مثل تساوى الوجود و العدم‏

و كون الوجود هو العدم فان الأعمال الصالحة و الطالحة يكون لها تأثير في النّفس‏

على التحقيق و يوجب استحقاق العبد و استعداده للثواب و العقاب و لا يكون‏

ترتبهما جزافيا.

و ثالثا يلزم التسلسل لأن قولكم حجية القطع يكون ببناء العقلاء يأتي فيه‏

سؤال و هو ان بنائهم من أين وجد.فان قيل بالقطع مثلا فننقل الكلام في ذلك‏

و هكذا يتسلسل أو يرجع إلى أن يقال حجيته بذاته.

و رابعا ان وجوب المتابعة إذا كان بحكم الشرع فالحاكم بوجوب الإطاعة

هو العقل و لا يكون من جانب الشرع حكم كذلك كما مر و لو كان فيكون من باب‏

الإرشاد فلا محالة بسبب القطع بوجوب المتابعة يقال يجب متابعة هذا القطع فاما

ان يتسلسل أو يقال بأن حجيته ذاتية لا بجعل الجاعل:و بعبارة أخرى معنى حجية

القطع هو ترتيب الأثر فن قطع بأن الصلاة واجبة يكون من آثار قطعه وجوب‏

الإتيان و هذا الوجوب لا بد أن يكون ملزمه العقل بالاستقلال و الا فأي دليل لوجوب‏

متابعة هذا القطع و إتيان الصلاة كما ان الظن أيضا يكون وجوب متابعته بمعنى‏

ترتيب الأثر عليه بالقطع فالقول بأن القطع حجة منطقية بمعنى تأثيره في إثبات الحكم‏

للمتعلق لا وجه له فانه لا واسطة بينه و بين الواقع.

و الحاصل ان القطع الطريقي يطلق عليه الحجة اللغوية دون المنطقية و الأصولية.

و اما القطع الموضوعي فيكون ذا أثر و علة لثبوت حكم المتعلق مثل ما إذا قيل إذا

قطعت بالزنا مثلا يجوز لك الشهادة أو إذا قطعت بعدالة زيد يجوز الاقتداء به فالقطع‏


25
يكون جزء للموضوع و مؤثرا لإثبات جواز الشهادة و الاقتداء فله ارتباط تشريعي‏

لإثبات الحكم فإطلاق الحجة اللغوية و المنطقية عليه صحيح و اما الأصولية فلا فانها

هي كل ما يكون مثبتا للمتعلق فان القطع بالعدالة لا يثبتها:هذا حكم القطع‏

و اما الظن فإطلاق الحجة عليه صحيح و يصير وسطا في الإثبات فيقال هذا

مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية حرام فهذا حرام فان الظن يكون له كشف‏

ناقص و جعله يكون من قبل الشرع أو العقلاء فان الظن الطريقي بالحكم يكون‏

مقدمة لإثبات الحكم الظاهري التعبدي لا الحكم الواقعي و الحاصل إطلاق الحجة

على القطع قد مر ذكره و على الظن أيضا قد مر صحته.

و قد أشكل على الظن بأنه لا يثبت حكم المتعلق بل يثبت مماثله فعالم الثبوت‏

من الحرمة الواقعية أو الحلية محفوظ لا ربط له نفيا و إثباتا بالظن و في مقام الإثبات‏

أيضا لا يثبت حكما واقعا بل يكون هو الحكم الظاهري فإطلاق الحجة المنطقية

و الأصولية عليه غير صحيح فهو يصير مثل القطع في عدم إطلاق الحجة عليه نعم‏

الفرق بينهما انكشاف الواقع فيه دونه بل هو يثبت المماثل.

و للجواب عن هذا الإشكال ينبغي إيراد كلام في الأمارات و ان لم يكن مقام‏

تفصيله هنا و لكن لا بد لتوضيح المقام منه فنقول ان في جعل الأمارات مسالك مختلفة

منها ما هو التحقيق من ان كل آمر إذا رأى مصلحة في شي‏ء يعشق إتيانها اما بالمباشرة

أو بالتسبيب و بعد العشق يجي‏ء الإرادة بالمباشرة أو بالتسبيب أيضا كمن عشق‏

الصلاة و أرادها فانه اما ان يصلى نفسه أو يأمر الغير بإتيان ما أراد و موضوع الامتثال‏

يكون هذه الإرادة و موضوع حكم العقل أيضا هو الإرادة فإذا أبرزها يكون هذا

الإبراز امرا(و بالفارسية يسمى فرمان)و الموضوع يصير هو الإرادة المبرزة و سيأتي‏

ذلك كله في باب الأمارات و لكن إذا لم يبرزها لا يصدق عليها الحكم.

و اما جعل الحكم الظاهري فلا أصل له كما سيجي‏ء و هو التحقيق و الموافق‏

لمذهبنا.فان المولى تارة يقول يجب الصلاة فيحتمل عدم وصوله إلى المكلفين‏

أو لا يعتمد على قول مبلغه فيجعل ما ينحفظ به الواقع و هذا الواقع تارة يكون بنحو


26
لا يرضى المولى ان يترك بحال من الأحوال فيجعل الاحتياط فيما يمكن فيه ذلك‏

مثل باب الفروج و الدماء فإذا لم يكن الاحتياط ممكنا أو يكون عسريا فيجعل طريقا

إلى الواقع بنحو يكون في الغالب موصلا إليه مثل جعل تصديق العادل.

و في الصورتين فكل ما يكون المولى بصدد انحفاظه فهو الواقع و لا يريد

غيره فان بلغ بهذا الطريق إليه فهو و الا يكون لغوا و لا يكون في مورده حكم ظاهري‏

جعلي و بهذا الطريق يجوز إلقاء احتمال الخلاف و يقول للمكلف عامل معاملة اليقين‏

فاليقين بالواقع و جعل الظن مقام العلم كلاهما يكونان طريقين إلى مصلحة الواقع‏

و من أسباب إبراز الإرادة لا غير.

و منها ان الأمارات تنزل الظاهر منزلة الواقع فمعنى صدق العادل يصير نزل‏

مؤدى قوله منزلة الواقع مثل ما إذا كان واجبا في الواقع فقال العادل انه واجب‏

فيصير في ما أخبر به العادل مصلحة و يكون حكما مماثلا للواقع النّفس الأمري‏

و هذا مشهور كما سيجي‏ء و لو لم يكن في الواقع كذلك يكون لغوا كما عليه الشيخ‏

(قده)و منها ما عن المحقق الخراسانيّ و هو ان الحجية و الحجة في الأمارات يصلح‏

الجعل فيها أي يكون قول العادل حجة و سيجي‏ء ان ذلك أيضا فاسد و الفرق بين‏

الحجة و الحجية:ان الحجة تكون في ذات الأمارة و الحجية مجعولة و كلتاهما تستفاد ان‏

من كلامه(قده)و مشارب اخر فيها لا يكون المقام مقام بحثه و فحصه بل سيجي‏ء الكلام‏

في مواضعه إن شاء اللّه.

فإذا عرفت ذلك فاعلم ان الحجة المنطقية يجب ان يكون للوسط فيها دخل‏

في ثبوت الحكم للموضوع و الحجة الأصولية يثبت حكم متعلقه مثل البينة القائمة

على موضوع ذي أثر فالقطع يثبت الحكم و لكن يكون فيه أعلى درجة الإثبات بل‏

هو نفسه.

و الظن على مذهب من يقول بجعل المماثل و الأحكام الظاهرية فالحجة المنطقية

تطلق عليه لأنه يثبت الحكم للموضوع و يكون علة لإثباته خلاف ما قال الشيخ(قده)

نظير القطع إذا كان جزء الموضوع فإذا فرض ان مظنون الحرمة بالظن يجعل مماثله‏


27
فيثبت ان الظن كان دخيلا في إثبات الحرمة في مرتبة الظاهر و ليس القياس المنطقي‏

الا ذلك فيقال هذا مظنون الحرمة الواقعية و كل مظنون الحرمة الواقعية فهو مجعول‏

في مورده حكم مماثل للواقع فهذا في مورده حكم مماثل للواقع.

و اما على ما ذهبنا إليه فإذا ظن بحرمة شي‏ء و قال المولى ألق احتمال الخلاف‏

فالعلم له فردان تنزيلي و واقعي و الظن يصير كالقطع فيقال ان مظنون الحرمة يكون‏

كمقطوع الحرمة فهذا كمقطوع الحرمة فيكون كالقطع و لا يصدق عليه الحجة

المنطقية إذا كان طريقا فالظن اما ان يكون مبرزا للواقع أو منزلا غيره منزلته و بكلا

معنييه لا يثبت المتعلق بمعنى انه يقال هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية خمر

لا انه حرام و لكن حيث انه لا يكون خمرا واقعا يكون هذا بلحاظ حكمه و يكون‏

التعبد به من باب الحكم الا ان يقال بالنظر الدّقيق ان الظن يصير من جهة حجة

أصولية و من جهة أخرى منطقية فانه قد مر ان وجه انحفاظ الحكم حفظ الواقع و روح‏

الحكم هو الإرادة و جسمه الإبراز و الإبراز تارة يحصل بقوله صلّ و تارة بقوله صدّق‏

العادل و ألق احتمال الخلاف فهذا الظن من جهة انه محقق مبرز يكون قياسا منطقيا لأن‏

كل ظن يكون فردا للقطع التنزيلي و الظن دخيل في تحقق جعل اللّه تعالى إياه فردا من‏

العلم و في الوجود التشريعي يكون واسطة في ثبوته فيقال هذا مظنون الحرمة و كل‏

مظنون الحرمة علم و مبرز للواقع فهذا علم و مبرز له.

و الحجة الأصولية أيضا تطلق عليه بان يقال معناها هو إثبات الحكم للمتعلق‏

فيثبت الظن للواقع إثباتا تعبديا فيحرز به أحكام الدين و يحرز متعلقه بوجود تعبدي‏

فكأنه تعالى جعل لكم علما وجدانيا و ظنا بمنزلة العلم فكما انه بالعلم يثبت الحكم‏

فكذا بالبينة التي هي موجبة للظن.

الجهة الثالثة من جهات القطع في التجري‏

هل التجري قبيح عقلا أم لا.و على الأول هل يحرم شرعا أم لا وجوه و أقوال:

و معنى التجري هو القطع بحكم لم يكن في الواقع كذلك مثل من قطع بان هذا


28
المائع خمر و حرام و يشرب باعتقاد انه خمر فتبين كونه الخل أو الماء و يكون في‏

مقابله الانقياد إذا اعتقد مثلا بوجوب شي‏ء فأتى به باعتقاد الوجوب فتبين عدمه‏

و المعصية تطلق على ما إذا كان الواقع أيضا مطابقا للاعتقاد كمن شرب الخمر الواقعي‏

باعتقاد انه خمر و الإطاعة تكون موافقة الواقع مع اعتقاد انه كذلك و قبل الورود

في البحث يجب رسم مقدمة.

و هي:ان في الفلسفة العليا نزاع في ان الشارع مضافا إلى جعل الأحكام هل‏

جعل قانونا للمجازات مثل ان يحكم بوجوب الصلاة و حرمة شرب الخمر و جعل‏

قانونا بان من أطاعه يستحق الثواب و من عصاه يستحق العقاب كما عليه الشيخ الرئيس‏

علي بن سينا أو لا يكون كذلك بل يكون الحكم بالثواب و العقاب من العقل بعد

إبلاغ الأمر أو النهي إلى المكلف و ان كان من جهة امر فيكون إرشاديا فاستقلال‏

الحكم كاف للحكم بهما بواسطة الموافقة و المخالفة.

ثم على مسلك من قال بقانون مجعول من الشرع فبحث التجري يكون خارجا

عن محل النزاع لأنه لا شك في ان التجري لا يكون موجبا للعقاب لأن جعل قانون‏

المجازاة يكون للإطاعة و العصيان و المتجري ليس بعاص و لا مطيع فانهم يقولون‏

يجب على اللّه تعالى من باب اللطف جعل قانون المجازاة ليفهم الناس و يشوقهم‏

بواسطة إلى العمل الّذي فيه الفائدة و يزجرهم عما فيه المفسدة و هذا الملاك يكون‏

في المحرمات الواقعية و المحللات الواقعية و اعتقاد ان هذا حرام لا يوجد مصلحة

و لا مفسدة حتى يشمله القانون.

انما الكلام فيما إذا لم يكن مجعولا شرعيا و كان بحكم العقل و البحث في‏

التجري على هذا الفرض يكون بمكان من الإمكان و موضوع حكم العقل إذا وجد

فيحكم بلا احتياج إلى شي‏ء آخر و البحث فيه تارة يكون من مسائل علم الكلام‏

و تارة من مسائل علم الأصول و أخرى من مسائل علم الفقه.فان عنوان البحث بان‏

التجري يكون موجبا لحسن العقاب اما لا يصير البحث كلاميا لأنه يبحث عن الحسن‏

و القبح في الأشياء و ان عنوان بأنه هل يوجب التجري في المتجري به عنوانا مخالفا


29
لعنوان الواقع أعني هل يكون الواقع الحلال بواسطة التجري حراما أم لا فتصير

المسألة من مسائل علم الأصول لأن المسألة الأصولية هي ما يكون كبرى كلية في الفقه‏

و ان عنوان البحث بأنه بعد استقلال العقل بالقبح و إثباته في علم الكلام هل يكون‏

القبح العقلي مستتبعا للحكم الشرعي بالحرمة أم لا أعني يستكشف من القبح الحرمة

أم لا تصير المسألة فقهية فينبغي ان يبحث في مقامات ثلاثة.

الأول البحث في التجري من جهة انه مسألة من مسائل علم الكلام و هنا أقول‏

ثلاثة و الزائد على ذلك يكون للخلط بين المباحث الأول القبح الفعلي و الفاعلي في‏

فعل المتجري به و هو المختار.الثاني:القبح الفاعلي دون الفعلي أعني لا قبح للفعل‏

بل القبح يكون من جهة الفاعل المعتقد بقبح العمل الّذي عمله.الثالث:ما قال‏

الأنصاري(قده)و هو انه لا قبح للفعل و لا للفاعل و المتجري لا يستحق العقاب و لا

يكون عمله قبيحا بل يكون مجرد سوء السريرة و له نظائر من الحسد و البخل و لا

يخفى عدم العقاب على أمثال هذه بمجرد سوء السريرة1.

اما الدليل على المسلك المختار و هو ان المتجري شريك مع العاصي في‏

عنوانين:الأول عنوان القطع و هو لا يفيدنا شيئا فيما نحن بصدده و لا يكون المتجري‏

كالعاصي من هذه الجهة الاشتراكية.و الثاني:الاشتراك في عنوان الطغيان على‏

المولى و عدم العمل برسوم العبودية و هتك نواميس الدين و بتقرير آخر و عبارة

واضحة ان شرب الخمر مثلا يوجب فساد الكلية و نقصان قوة الجماع و هذه المفسدة

لا يترتب على الماء بمجرد اعتقاد انه خمر و اما من جهة عدم العمل برسوم العبودية

و هتك نواميس الدين فشرب الماء متجريا و معتقدا بأنه خمر و شرب الخمر الواقعي‏

معصية سواء و هو بهذه،الجهة يكون عين العاصي و هذا لا ربط له بالواقع و هذا الفساد

1أقول:ان عدم العقاب على نظائره يتصور عند عدم إظهاره اما عند الإظهار

فلا و فيما نحن فيه أظهر ما في الباطن و عنون بعنوان قبيح يستحق العقاب عليه و هو

الخروج عن قانون العبودية كما عليه الأستاذ مد ظله.


30
المترتب على التجري يصير عنوانا للعمل فيصير العمل قبيحا من هذه الناحية و ان‏

لم يكن في الواقع ذا أثر وضعي فنحن ندعي ان الفعل بئس الفعل و الفاعل بئس‏

العبد و هذا الفعل يكون عنوان هتك المولى.

و الحسن و القبح تارة يكونان بعنوان أولى و تارة بعنوان ثانوي و هذا يكون‏

قبحه بعنوان ثانوي عارضي و اما عنوان الاشتراك في القطع فلا ثمرة تحته لأن القطع‏

يكون طريقا محضا و لا يؤثر في المصلحة فان القطع بالحموضة لا يصيّر الحلو

حامضا فلا يتوهم تأثيره بل المؤثر هو عنوان الطغيان على المولى فتدبر جيّدا.

و بتقرير آخر ان الفعل المتجري به على ما قلنا قبيح عقلا بواسطة تطبيق عنوان‏

الهتك عليه.

و دليلنا الوجدان و الخروج عن رسوم العبودية بواسطته و يكون تحت عنوان‏

الظلم فيكون قبيحا فإذا أبرز المتجري ما يكون في سريرته يكون مصداقا لعنوان‏

ثانوي و هو هتك المولى و المؤيد التسالم بينهم على حسن الاحتياط عقلا أعني في‏

محتمل الوجوب قالوا بحسن الاحتياط بواسطة الإتيان به رجاء صادف الواقع أو

لم يصادف فإذا عمل يكون له حسن عقلي و حسنه يكون لتطبيق عنوان الانقياد عليه‏

المقابل للتجري كالإطاعة و المعصية و هما مرتضعان من لبن واحد و من العجب ان‏

الشيخ الأنصاري(قده)قال بحسن الاحتياط بدون الشبهة و اما فيما نحن فيه فقال بان‏

التجري يكون من سوء السريرة فقط لا غير و لا يكون قبيحا في الخارج و من قال‏

بحسن الاحتياط يلزمه القول بالقبح هنا لأنه لا فرق بينهما و ربما يشكل بأمور عديدة.

الأول:ان القول بالقبح الفعلي و الفاعلي يستلزم أحد المحالين و هو اما انقلاب‏

الواقع عما هو عليه أو اجتماع الضدين و هذا صار سببا لذهاب كل من الفقهاء إلى‏

مذهب:من القول بالقبح الفاعلي دون الفعلي و القول بعدم القبح أصلا.

و بيان اجتماع الضدين هو ان الفعل الواحد كيف يمكن ان يكون حسنا و قبيحا

في مرتبة واحدة و العناوين تكون تعليلية و توجب المصلحة على الواقع أي العمل‏

الخارجي بعنوان انه صلاة يصير ذا مصلحة في الواقع و لا يمكن ان يكون بعنوان‏


31
التجري ذا مفسدة في الواقع فالقول بالجمع يكون من اجتماع الضدين.

و نجيب عن هذا الإشكال العويص بوجوه:الأول:ان مركز الحسن و القبح‏

اثنان و يكونان في رتبتين فذات صلاة الجمعة رآها اللّه تعالى ذات مصلحة فأمر بها

و هذه الصلاة في رتبة قبل الأمر كانت موضوعا نحويا و صارت متعلقة للحكم الفقهي‏

و الإطاعة و العصيان و التجري و الانقياد متأخرة عن الذات برتبتين فان الصلاة بعد

الأمر بها بعد الإتيان بها يصدق عليها عنوان المعصية أو الإطاعة أو الانقياد أو التجري‏

و هذا واضح و على هذا فاللاحظ يرى الذات قبل الأمر ذات مصلحة فيأمر بها و بعد الأمر

فالذات المأمور بها يصير بعنوان التجري ذات مفسدة فنرى الصلاة مثلا في رتبتين.

قبل الأمر و بعده فقبله حسنة و بعده قبيحة و معنونة بعنوان القبيح.

فإذا عرفت ذلك فالجواب عن الشبهة هو ان العمل تارة يلاحظ باعتبار

المصلحة و المفسدة و تارة يلاحظ باعتبار الحسن و القبح و الأوليان أعني المصلحة

و المفسدة في الشي‏ء تكونان من آثاره الوضعيّة و تكونان في الخارج و لو لم يكن‏

في العالم لاحظ أصلا لأنهما تكونان من الواقعيات و الشي‏ء لا يتغير عن واقعه و الطبيعي في‏

الشي‏ء لا يكون مربوطا بلحاظ اللاحظ فان الإنسان إنسان لا يغيره اللحاظ عما هو عليه‏

و اما الحسن و القبح فيكونان من الأمور الوجدانية و لو لم يكن في الخارج‏

حسن و قبح فمثل من ظن أو قطع بان في الدار أسدا أو حية يفر و لو كان فيها صديقه‏

أو لم يكن فيها شي‏ء أصلا و هكذا عنوان التجري الحاكي عن الخارج يكون قبيحا

و يكون عن الوجدانيات بخلاف المصلحة و المفسدة فانهما توجدان في الخارج‏

و لو لم يكن للوجدان أثر فلم يفر المعتقد بان الأسد في الدار مع عدم وجوده فيها

فان كان مراد الاعلام ان الخارج لا يمكن ان يكون ذا مصلحة و مفسدة فهو ممنوع‏

لأن الشي‏ء الواحد يمكن ان يكون بجهات عديدة حاويا لهما و هذا مما لا شبهة فيه‏

فان الصلاة مثلا في باب اجتماع الأمر و النهي يكون فيها مصلحة من جهة انها صلاة

و مفسدة من جهة انها غصب و هذا مسلم عندهم و الا فالبحث عن الاجتماع و عدمه في‏

بابه يصير لغوا و ان كان المراد الوجدان فلا يمكن ان يكون فيه مصلحة و مفسدة


32
و اما ان يقال بالكسر و الانكسار كما قال صاحب الفصول رحمه الله أو القول بما هو مسلك‏

المختار بان المصلحة تكون في رتبة لذات قبل الأمر و هي قبله صار سببا للحكم و المفسدة

تكون بعد الأمر ان كان.

و الحاصل ان الحسن يكون قبل الأمر في مرتبة الذات و القبح بعده مع إتيان‏

العمل بنحو التجري فلا غرو في كون شي‏ء واحد حسنا و قبيحا بلحاظين و المصلحة

و المفسدة في الخارج أيضا يمكن اجتماعهما بلحاظين و حيثيتين.

فان قلت لا نحتاج إلى هذه التفاصيل بل يقال ان الصلاة موضوع حسن و التجري‏

موضوع آخر قبيح،قلت السرّ في التفصيل هو ان العنوان لا يكون مطلوبا بل بما

هو حاك عن الخارج لا يمكن ان يلاحظ حسنها و قبحها و الكلام في رفع إشكال‏

التهافت في اللحاظ فعلى هذا قد ظهر ان الإشكال لا يبقى و ارتفع بحذافيره من جهة

الاجتماع في الوجدان أو الخارج.

الوجه الثاني:هو ان نقول ان الصلاة كانت فيها مصلحة موجبة للأمر و التجري‏

و ان كان قبيحا و لكن لا يوجد مصلحة و لا يصير منشأ للحكم و المصلحة و المفسدة

الواقعيتان ربما لا تعلمهما مثل رمي الجمرة فلا نعلم ما هو المصلحة فيه و لا يلزم ان يكون‏

كل ما يعقل انه قبيح ذا حكم فيمكن ان لا يكون التجري مصب النهي الشرعي.

و لتوضيح المقام و كشف السر عن المرام يجب زيادة تقرير و هو ان نقول‏

مقدمة ان الحسن و القبح اللذين يصيران منشأين للحكم هما اللذان يكونان في سلسلة

العلل لا المعلولات مثلا إكرام اليتيم و تقبيل يد المجتهد امران لهما مصلحتان و قابلان‏

ان يصيرا منشأين المحكم و علة له و ضرب اليتيم و إهانة العالم امران قبيحان قابلان‏

لأن يصيرا منشأين للنهي مثلا فرتبة المصلحة و المفسدة تكون قبل الحكم و علة له.

و اما ما كان معلولا مثل قبح التجري و المعصية فانهما يكونان بعد الحكم‏

و متأخران عنه فما لم يكن أمر و لا نهى لا يصدق المعصية أو التجري و الإطاعة أو الانقياد

و لذا نقول ان التجري قبيح عقلا و لا يستتبع الحكم شرعا فكل حسن و قبح لا يصير

منشأ للحكم بل ما في سلسلة العلل يكون منشأ له دون المعلولات و الا يستلزم الدور.


33
فإذا عرفت ذلك فصلاة الجمعة الواجبة في الواقع المأتية بها بعنوان الحرام‏

لا تكون المصلحة و المفسدة فيها متزاحمتين و متصادمتين فالوجوب فيها يكون لمصلحة

كامنة في نفس الصلاة و لا ربط لها بالقبح العقلي من جهة التجري و غير مربوط

أيضا بعالم اللحاظ فبعض ما لم يحكم العقل بحسنه حكم الشارع بوجوبه مثل رمي‏

الجمرة التي يقصر عقولنا عن درك مصلحته و بعض ما يستقل العقل بقبحه لا يلزم ان‏

يحكم الشارع بحرمته مثل التجري.

و بعبارة واضحة هنا ثلاث احتمالات يحتمل التصادم في اثنين منها دون الاخر

اجتماع الوجوب و الحرمة و الحسن و القبح و كلاهما فاسدان لأن الهتك في التجري‏

لا يولد مفسدة حتى يصير سببا للحكم بالحرمة بل هو قبيح لا غير و قبحه لا يسرى إلى‏

الخارج و مورد القبح العنوان الحاكي فلا يجتمع الواجب و الحرام.

فنقول ان الهتك قبحه عقلي و من الصفات الوجدانية و يكون بلحاظ اللاحظ

و الواقع غير مقلوب عن واقعه فما هو مركز الحسن هو الفعل الخارجي و ما هو

مركز القبح الوجدان الحاكي عن الخارج و لكن هذا عند شيخنا العراقي و اما

عندنا فالخارج في كليهما ظرف السقوط و ما هو مركز الحسن أيضا يكون بعنوانه‏

الحاكي عن الخارج و اما صورة التصادم و هي التهافت في اللحاظ فقد قلنا ان الحسن‏

و القبح الحاكيين عن الخارج و ان لم يمكن الا انه يكون في رتبتين و لا يكون من باب‏

الاجتماع و مبنى صاحب الفصول(قده)بالكسر و الانكسار فاسد فقبح التجري لا يصير

منشأ حكم و مصلحة الخارج لا تسرى إلى العقل.

الوجه الثالث:للجواب عن إشكال اجتماع الحكمين الضدين و تعرضنا لهذا

الوجه يكون من باب التأسي بالأعلام و الا فلا جدوى له فان صاحب الفصول(قده)

قال بتراكم المصلحة و المفسدة و هذا لا يصلحه تعدد الرتبة و لذا ذهب إلى حكم شأني‏

بين الواقعي و الفعلي و حاصله ان التجري يصير ذا أحكام خمسة فتارة يرجح مصلحة

الواقع فتقدم و ربما يرجح مصلحة التجري فتقدم و الرجحان تارة يكون بنحو يوجب‏

الحكم بالوجوب و أخرى بالاستحباب و القبح أيضا تارة يكون بحيث يوجب الحرمة


34
و تارة الكراهة و تارة تتساويان فيصير التجري عملا مباحا و اعتقد ان هذا طريق حسن‏

لرفع المحذور.

و أشكل عليه الشيخ الأنصاري(قده)و من تبعه أولا بأن عنوان التجري لا يخلو

اما ان يكون بنحو اللااقتضاء أو بنحو الاقتضاء أو بنحو العلية و بعبارة أخرى الأشياء

القابلة للحكم تكون على ثلاثة أنحاء.الأول ما يكون بنحو اللااقتضاء و بأدنى مقتض‏

يتأثر مثل المباحات فإذا رجح أحد طرفيه بالحسن و القبح يقبل حكم الوجوب أو

الحرمة أو الكراهة أو الاستحباب.الثاني ما يكون مقتضيا للحسن و القبح بعنوانه‏

الأولى و لكن لما يكون معنى الاقتضاء هو الوجود لو لا المانع فبعنوان ثانوي يتغير

حكمه مثل الكذب في صورة المصلحة يصير ذا حسن و الصدق في مورد الفساد يصير

ذا قبح.الثالث ما يكون بنحو العلية مثل الحسن في الإحسان و القبح في الظلم فانه‏

مع انحفاظ عنوانه لا يمكن أن يصير متقلبا عن واقعه بحال من الأحوال.

و مختاره(قده)هو النحو الثالث أعني التجري يكون تمام العلة للقبح و لا

يتغير عن واقعه بحال فلا وجه على ما قاله(قده)لقول صاحب الفصول بالاحكام الخمسة

و لا يزال يجب ان يقول(قده)بالحرمة في التجري هذا.

و لكن فيه إشكال و هو ان الحسن و القبح تارة يلاحظ بالنسبة إلى اللاحظ

فمن رأي شيئا إذا كان علة تامة للقبح لا يمكن أن يكون غيره مقدما عليه و فيما نحن‏

فيه لا يكون الخروج من رسوم العبودية من العنوانات المتغيرة بل يبقى في كل حال‏

و لكن لا يكون كلام صاحب الفصول في هذا انما الكلام في انه هل يمكن ان يكون‏

مصلحة الواقع في نظر الآمر في أحدهما مقدمة على الاخر مثل ما إذا اعتقد باجتهاد

شخص و فقاهته و مع ذلك قتله تجريا فبان انه سارق أو بالعكس فهل يمكن تقديم‏

مصلحة الواقع أم لا و نظر الآمر لا ربط له باللاحظ فان كانت المصلحة في أحدهما

أقوى يقدمها لا محالة و لكن اللاحظ يرى الفعل قبيحا و لا يتغير عن القبح أبدا.

و الحاصل الفرق بين نظر الأمر بالشي‏ء و نظر الفاعل و اللاحظ واضح و لا نقول‏

ان الفعل الخارجي بالنسبة إلى الفاعل ليس بقبيح بل يلاحظ بالنسبة إلى الأمر و ما


35
قاله الفصول قده أيضا يمكن ان يكون مراده ذلك نعم عبارة غير واضحة في هذا

المعنى.

و قد أشكل قده ثانيا بان ما قلتم من الأحكام الخمسة في مقام انكشاف الواقع‏

و انه ربما يكون حسنا في الواقع مثل عدم قتل ابن المولى تجريا من باب اعتقاد

كونه عدوه لا يتم لأن الحسن و القبح و الثواب و العقاب يتصور إذا كان الفعل باختيار

المكلف و هنا لا يمكن مدح العبد لعدم قتله ابن المولى لأنه ما قصده و لم يكن‏

باختياره بل اعتقد انه عدو و لم يقتله و لم يكن له التفات إلى ان هذا ابن المولى و هذا

واضح فساده.

و فيه ان الإشكال من جهة عدم كون العمل باختيار المكلف متين و لكن ما

قاله صاحب الفصول هو ان انحفاظ ابن المولى في نظره أولى و أهم من عقاب العبد

على تركه و كان في الواقع هذا العمل ذا مصلحة وجوبية بحيث لو سئل المولى‏

في حين التجري عن ان هذا العمل حرام أم لا ينادى بعدم الحرمة و يحكم بالوجوب‏

و كان هو قده بصدد بيان رفع التصادم هذا.اما على ما قلناه من تعدد الرتبتين‏

فلا نحتاج إلى تفصيله ثم قال بأنه ان صادف التجري مع الواقع يتداخل العقابان للتجري‏

و المعصية فهذا الكلام منه لما كان ظاهر المناقضة لأن التجري يصدق إذا لم يكن‏

العمل مصادفا مع الواقع فإذا كان كذلك لا يكون تجريا و المعصية تكون في صورة

مصادفة الواقع و هما ضدان و لا يجتمعان حتى يقال بالتداخل.

فقال الاعلام لا نفهم كلامه و لكن ربما يمكن توجيه كلامه بأن نقول إذا كان‏

العلم الإجمالي بجنس التكليف كافيا للفرد و الشخص و قبلنا ذلك فنقول إذا شرب‏

متجر مائعا بعنوان انه خمر فبدا انه غصب فانه بالنسبة إلى الخمر متجر و بالنسبة إلى‏

الغصب عاص فان قلنا جنس المبغوضية يكفى فهذا مثال للتداخل و لكن لا نقول به‏

هنا لأنه لا يكون لنا علم إجمالي في المقام لأنه يتصور في صورة كونه قابلا للتطبيق على‏

أحدهما و هنا العلم بالخمر يكون تفصيليا و العلم بالغصب لا يكون أبدا فتبين ان البيان‏

لا يكون للغصب لا بالخصوصية و لا بالاشتراك.


36
فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الفعل بعنوانه الواقعي يكون مصب الأمر أو

النهي لا غير و ان التجري قبيح لا حكم له شرعا.

الإشكال الثاني على المسلك المختار(و هو القبح الفعلي و الفاعلي في التجري)

هو ان الفعل المتجري به خارج عن تحت الالتفات لأن الخارج على الفرض لا يكون‏

مصادفته مع القطع باختيار الفاعل بل المصادفة و عدمها في من شرب المائع يكون‏

بدون اختياره فكيف يعاقب على ما لا اختيار له فيه و لا يمكن الثواب و العقاب على ما

لا التفات به و المتجري ان خوطب بأنه يا أيها المتجري لا تفعل كذا يعلم انه متجر و يترك‏

العمل و هذا نظير الإشكال في باب الصلاة عند التمسك بحديث لا تعاد للناسي لجزء

من الاجزاء فانه ان خوطب بأنه يا أيها الناسي لا يجب عليك هذا الجزء مثلا يعلم‏

انه ناس و يتذكره فكيف المحيص عنه و هو حاصل إشكال المحقق الخراسانيّ(قده)

في الكفاية.

و اما في حاشيته على رسائل الشيخ فكلامه ذا وجهين:

الأول:ان جرم شرب المائع يكون خارجا عن الاختيار و ما صدر عن الالتفات‏

لا يقصد و هو شرب الماء مثلا و ما قصد من شرب الخمر لم يقع فانه تصور انه خمر

فاشتاق إلى شربه فمال إليه و لم يصل إلى ما تصوره أولا و عشقه و بلغ إلى ما لا عشق‏

له به أصلا فالفعل الصادر عن المتجري خارج عن الاختيار جدا.

و الثاني:لو فرض انه بما هو شرب مائع لا يكون قبيحا و بعنوان التجري‏

يصير قبيحا فهذا العنوان لا يكون قابلا للتصور و اعتقاد ما هو المبغوض لا يصادف‏

الواقع و لا يكون بالاختيار و كان عنوان المبغوض صدر ممن هو كالمغمى عليه.

و الجواب اما عن الوجه الأول من اشكاله قده فربما يجاب كما عن العراقي‏

قده بان الفعل الصادر الجامع بين الفردين يكون تحت الاختيار و الإرادة و هذا

يكفى فشارب المائع الذي يكون جامعا بين الخمر و الماء أوجد شرب المائع‏

الذي قصده و لكن اشتبه في تطبيقه على الخمر كما يقول به الفقهاء في موارد من انه‏

يكون من الاشتباه في التطبيق كما في باب نية صلاة الظهر مقام العصر مثلا اشتباها


37
غاية الأمر أراد شرب الخمر من الأول و التفت في ضمنه بشرب المائع و من المعلوم‏

ان الجامع يتحقق في ضمن الفرد فقصد شرب مائع مطلق و كان في ضمن شرب‏

الخمر و الحاصل ان الطبيعي كان مورد الإرادة و هو يوجد في كل الوجودات مع‏

الافراد.

و هذا الجواب لا وجه له لأن الفرد حصة من الطبيعي موجود و الحصة التي‏

عشقها هي الحصة في ضمن الخمر لا مطلق الحصة و لا عشق له بما وجد أصلا و الطبيعي‏

يكون مثل الآباء مع الأبناء لا مثل أب واحد مع الأولاد فلا يشتبه عليك ان الفاعل‏

اما ان يكون فاعلا بالإرادة أو بالقصر أو بالطبع و الأول مثل من يريد شيئا فيفعله‏

بالاختيار.و الثاني مثل تحريك الحجر إلى الهواء بحركة قسرية.و الثالث مثل‏

البرودة للماء و النور للشمس و ميل الأجسام إلى المركز.و المتجري لا يكون فاعلا

بالطبع و لا بالقسر فلا محالة يكون فاعلا بالإرادة فما صدر الفعل عن غير التفات‏

غاية الأمر اشتبه في تطبيق المورد على المقصود كما عن بعض الأعيان.

و اما عن الوجه الثاني‏1من كلامه و هو ما عليه غيره أيضا هو ان يقال‏

العقوبة و المثوبة و ان كانت على فعل اختياري و العنوان المشترك هذا و هو الطغيان‏

على المولى يكون بالاختيار معصية كان أو تجريا و بالعمل صار طاغيا الا انه اشتبه‏

في التطبيق و تخيل انه يكون من جهة المعصية فبان له التجري و الظلم و الهتك قابلان‏

للتصور بالوجدان و الخطاء في التطبيق لا إشكال فيه و لا يقال ان الهتك يدور مدار

امر لا يكون في التجري و هو العلم بالموضوع فان الجاهل لا يكون مهتكا و المتجري‏

و الجاهل سواء و لا يمكن ان يكون شبيه العلم علما و لذا من لا يعلم بالخمرية لا يهتك‏

بشربه.

و بعبارة واضحة الوجود الواقعي في الخمر يكون جزء الموضوع أي الخمر

المعلوم حرام شربه و إذا شربه كان مهتكا و بعبارة ثالثة الخمر الواقعي اما لا دخل‏

1أقول فرق مد ظله بين التقريبين للجواب تارة ببيان العنوان الاشتراكي‏

و تارة ببيان الاشتباه في التطبيق في الدورة الثانية من بحثه و لكن هما واحد بتقريبين.


38
له في الحكم أصلا و اما ان يكون تمام الموضوع أو جزئه و القول بعدم الدخل و كونه‏

تمام الموضوع فاسدان فتعين كونه جزء الموضوع.

و هذا الإشكال و التوهم لا وجه له بل فاسد لأن الوجود الواقعي لا يكون‏

جزء الموضوع و لا تمامه و عدم الاعتناء بالمولى تجريا أو معصية لا دخل له بالعلم‏

و الجهل و لا يكون مربوطا بالأثر الواقعي و أيضا لا يكون باعتبار المفسدة و المصلحة

فعدم الاعتناء باب و المبغوضية باب آخر فتحصل ان التجري يكون قابلا للالتفات‏

و الفعل صدر عنه و عن إرادة ففعل المتجري قبيح و إشكال التضاد و عدم الالتفات‏

غير وجيه.و الحاصل ان الطغيان على المولى صادق في التجري و في صورة المصادفة

و العبد على أي تقدير يكون طاغيا و التطبيق لا أثر له في هذا العنوان حتى يكون‏

الاشتباه فيه مؤثرا.

الإشكال الثالث على المسلك المختار و هو ان التجري إذا كان قبيحا عقلا

و مستلزما للعقاب فيجب ان يكون في المعصية عقابان فلما لم يكن تعدد العقاب في‏

البين فنعلم عدمه على التجري و عدم قبحه.بيان ذلك ان الواقع في عمل يكون‏

مبغوضا للمولى فمن شرع في مقدمات الحرام شرع فيما هو المبغوض و لكن إذا

لم يأت بالحرام أعني ذا المقدمة فلا يقال بحرمة المقدمات و على فرض الإيصال إلى‏

ذي المقدمة فلا يقال بعقابين عقاب عليها و عقاب على ذيها مع انه أقبح من التجري‏

و الطغيان فيه يكون أشد من الطغيان في المقدمات.

و فيه ان المقدمة و ذاها يكونان مستمرين و بمنزلة الفعل الواحد فلا تعدد في‏

الفعل و لا تعدد في المعصية فلا يكون لهما عقابان و المعصية أيضا إذا كان التجري‏

فيها و نفس الواقع مستمرين و يكون الواقع في الخارج فعل واحد فلا نقول بتعدد

العقاب و اما إذا فصل بين الواقع و الطغيان فالعقاب على الطغيان لا ربط له به.

المسلك الثاني‏

من البحث الكلامي يكون للشيخ مرتضى الأنصاري(قده)فانه يقول ان فعل‏


39
المتجري لا قبح له فعلا و لا فاعلا و العقل يحكم بان المتجري يكون خبيث السريرة

و اما حكمه باستحقاق العقوبة له فلا و هذا يكون مقابلا لما ذهبنا إليه من قبح الفعل‏

و الفاعل كليهما.

و محصل ما ذكره في الفرائد ان الأدلة التي يمكن ان يستدل بها لإثبات قبح‏

فعل المتجري أمور كلها ناقصة.الأول دعوى الاتفاق و الإجماع في كثير من فتاوى‏

الفقهاء على ان الظان بضيق الوقت إذا تأخر الصلاة فانكشف عدم الضيق عصى سيده‏

و لا يكون العصيان الا للتجري لأنه ما فعل قبيحا الا من جهته و أيضا يدعون الإجماع‏

على ان سلوك طريق خطري و لو لم يكن كذلك بظن الخطر حرام و لا يكون الحرمة

الا من جهة التجري.

فأجاب(قده)عن هذا الأمر بان الإجماع الّذي ادعيتم لا يكون محصلا و المنقول‏

منه غير سديد و المسألة أيضا اختلافية على ان الكلام في المسألة الكلامية و الإجماع‏

لا يكون كاشفا من حكم العقل و فتوى الفقهاء و الإجماع يثبت المسألة الفقهية على‏

فرض التمامية فان العمل يمكن ان يكون قبيحا و لا يكون للشارع حكم على طبقه‏

و الوجوب و الحرمة الشرعيتين لا يلازم القبح العقلي انتهى.

و هذا الكلام منه(قده)متين و ان كان مخالفا لما ذهبنا إليه.

الثاني:بناء العقلاء على تقبيح المتجري و أجاب(قده)عنه بان التقبيح لا يعلم‏

انه يكون من جهة سوء السريرة أو للفعل و الظاهر كونه للأول.

الثالث:استقلال العقل بان التجري قبيح و فعل المتجري به أيضا قبيح و الفاعل‏

قبيح لأنه فعل فعلا قبيحا ورده بأنه لو سلم حكم العقل لا نسلم كونه لنفس الفعل بل‏

لأنه يكون كاشفا عن سوء السريرة.

الرابع:و هو الاستدلال الفني بان الشخصين إذا اعتقدا ان المائعين خمران‏

فصادف اعتقاد أحدهما للواقع و لم يصادف الاخر فأحدهما شرب الخمر و الاخر شرب‏

الماء في الواقع فعلى هذا الفرض لا يكون التصورات العقلية خارجة عن أربعة

عقابهما أو عدم عقابهما أو عقاب من صادف قطعه الواقع أو بالعكس و القول بعقابهما


40
معا هو المطلوب و عدم عقابهما كان باطلا بالذات لأنه يلزم منه عدم العقاب على‏

المعاصي و عقاب المتجري دون العاصي أيضا باطل و عقاب العاصي دون المتجري‏

يكون خلاف ما حكم به العقل فلا فرق بينهما لأن من صادف قطعه الواقع يكون‏

هو العاصي و من لم يصادف يكون هو المتجري و المصادفة و عدمها لا تكون بأيديهما

و ما يكون خارجا عن الاختيار كيف يكون سببا للعقاب و عدمه.

فأجاب(قده)عنه بأنه نختار عقاب العاصي دون المتجري من الاحتمالات‏

الأربعة و ما قلت من مصادفة الواقع و عدمه لا وجه له بل منشأ العقاب في العاصي‏

يكون هو التفاته بالعنوان و عدم عقاب المتجري يكون لأجل عدم التفاته إلى عنوان‏

التجري فحيث لا يكون بالاختيار لا يعاقب عليه هذا كلامه رفع مقامه.

و فيه انه ما قال من سوء السريرة فقط من الدليل العقلي لا وجه له فان المتجري‏

لا يعاقب بسوء السريرة فقط بل لأنه جزم و عزم و أظهر العمل على وفقه و لعل مراده قده‏

ان القبح العقلي المستتبع لحكم شرعي لا يكون في البين و هو موافق لما قلناه‏

و لكن عبارته مشوشة و ظاهرة بأنه يكون سوء السريرة فقط و لا قبح فيه هذا ما في‏

جوابه عن الاستدلال العقلي.

و اما جوابه(قده)عن البرهان الفني فلا يكون تاما و ان كان البرهان غير

صحيح لأنه أجاب من جهة الاختيار في العاصي و عدمه في المتجري و لقد أجبنا عن‏

ذلك بأن الفعل الصادر عن المتجري يكون فعلا اختيارا لا قسريا و لا طبعيا و لكن‏

الخطاء يكون في التطبيق فجوابه ليس بصحيح.

ثم لنا إيراد على الشيخ(قده)و هو انه قال بحسن الاحتياط و الانقياد و لو لم‏

يكن العمل مطابقا للواقع فهذا العمل الّذي صار بالاحتياط حسنا مع عدم الحسن‏

الواقعي له فكيف لا يصير التجري سببا لقبح العمل و لو لم يكن في الواقع قبيحا

و لا تتوهم ان حسن الاحتياط يكون من باب التفضل لأنه(قده)صرح بأنه يكون‏

للانقياد.


41
المسلك الثالث‏

للميرزا النائيني(قده)و حاصل كلامه هو ان العقل مستقل بأن المتجري صدر

منه فعل قبيح فخرج به عن رسوم العبودية و يكون طاغيا و لكن لا يكون القبح للفعل‏

بل للفاعل و ما هو المناط هو اعتقاد المتجري فان الجاهل لا يعاقب و لو كان الواقع‏

قبيحا فالواقع لا دخل له في الحسن و القبح بل الاعتقاد و مدار الطغيان يكون التصور

فحاصل الكلام انه(قده)قال:للفعل حيثيتان حيثية الصدور عن الفاعل و حيثية نفسه‏

فبالأولى قبيح و بالثانية لا قبح فيه.

و بعبارة أخرى ان الفعل له جهتان الإيجادية و الوجودية و الإصدارية و الصدورية

فمن جهة الإيجاد و الإصدار قبيح و من جهة الوجود و الصدور ليس بقبيح فالفعل‏

صار ذا وجهين فالجهة الفاعلية قبيحة و الفعلية حسنة.

و يرد عليه ان الإيجاد و الوجود لا ينفكان و لا تفكيك من حيث الإيجاد و الوجود

و هذا الكلام منه بعيد لأنه من أهل فن الفلسفة هذا أولا و ثانيا على فرض عدم الإضافة

الإشراقية يكون الانتساب اعتباريا فالفعل الخارجي مع ذلك كله الحيث الاعتباري‏

القبيح فيه و هو عنوان الهتك جاء قبحه من قبل الفعل أو من الإضافة فان كان عنوان‏

الهتك من جهة الإضافة فقبيح و من قبل الفعل أيضا قبيح و الإضافة بين الفعل و الفاعل‏

يصيّر الفعل قبيحا فلم ينفك أحدهما عن الاخر.

و لكن التحقيق ان الشيخ و الميرزا وقعا في الإشكال من جهة اجتماع الضدين‏

و قد مرّ في المسلك المختار ان الكلام لا يكون في الحسن و القبح و يكون في المصلحة

و القبح فرمي الجمرة يكون ذا مصلحة و لا يكون في نظر العقلاء حسنا و المصلحة

الكامنة صارت سببا للأمر و لا ربط له بالحسن و القبح العقلائي و التجري و الطغيان‏

لا يصيران منشأين للحكم فذات صلاة الجمعة تكون ذات مصلحة لا تسرى إلى‏

الوجدان و الوجدان يكون فيه القبح و لا يسرى إلى الخارج فعنوان الهتك لا يسرى‏

إلى الخارج و مصلحة الذات لا تسرى إلى الوجدان.


42
نعم الذات التي هي ذات مصلحة تكون قبل الأمر و ما يكون قبيحا يكون في‏

رتبة بعد الأمر و لا ربط له بالمصلحة.

كلام الخراسانيّ(قده)في قبح الفاعلي لا الفعلي‏

و محصل مرامه في الباب هو ان عنوان الهتك قائم على العزم و الإرادة ففي‏

مورد التجري و العصيان يكون على منوال واحد فإذا عزمت على المعصية أو التجري‏

يكون طغيانا و هو قبيح عقلا بدون سراية القبح و المفسدة إلى الخارج في ما كان‏

تجريا فنفس الفعل ان كانت قبيحة تكون ذات مفسدة و الا فالعزم لا يولّد المفسدة

و لذا قال ان ما هو القبيح يكون هو الطغيان و الفعل باق على ما هو عليه و يستدل في‏

الكفاية بأمرين:

الأول:هو ان التجري هو القطع بحرام مع عدم مصادفته لنهي المولى و الواقع‏

و المعصية هي القطع بالحرام مع مصادفته لنهيه و لا يمكن أن يكون المصالح و المفاسد

النّفس الأمرية سببا لانقلاب الواقعيات عما هي عليها فالواقع ان كان شرب خمر

فذا مفسدة و ان كان شرب ماء فيكون ذا مصلحة و عنوان الهتك فيهما موجود.

و الحاصل انه لا ينكران العناوين الثانوية تكون سببا للقبح تارة و لكن يقول‏

ان مركز القبح يكون هو العزم و ليس القطع الا طريقا إلى الواقع.

الثاني:على فرض إيجاد القطع شيئا أيضا فالحسن و القبح يكونان من‏

الأفعال الاختيارية و لو كان عنوان القطع مولدا لا التفات للفاعل به و لا يكون اختياريا

للفاعل فلا يصدق الحسن و القبح للفعل الغير الاختياري لكون القطع مغفولا و فانيا

في المقطوع فالتجري له قبح فاعلي دون الفعلي فان قلت ان مقطوع الخمرية ان لم‏

يكن الملتفت إليه فالعزم أيضا غير اختياري لخروج الواقع عن اختيارنا لنعزم عليه‏

فنقول ان مبادئ الإرادة بعضها يكون تحت الاختيار فمن التفت إلى المضار و المنافع‏

مكنه المنع من الإرادة و له(قده)كلام آخر لا فائدة في ذكره.

و في كلامه موارد من النّظر:


43
الأول:انه قال العزم على العصيان يكون في المعصية و التجري كليهما و ما

صار معضلا للميرزا و الشيخ(قدهما)ألجأه إلى هذا القول فنقول العرف الحاكم‏

بعقله هل يحكم ان القبيح هو العزم أم العزم مع الإظهار و الحق ان ما يكون هتكا

يكون هو الثاني و العزم مع الفعل يكون طغيانا و العزم بلا إظهار لا يكون قبيحا

فالفعل يكون قبيحا و الانقياد إلى امر يكون ذا مقدمة أيضا يكون كذلك فالشروع‏

في المقدمة يكون شروعا في الانقياد و الشروع في العزم يكون شروعا في الفعل‏

القبيح و هذا مطابق للعرف و أيضا نقول ان القطع لا ينقلب عما هو عليه و هذا صحيح‏

و لكن ما هو من العناوين المولدة يكون هو الطغيان و الهتك و نحن قلنا ان الهتك‏

يكون في سلسلة المعلولات و لا يكون مولدا للمفسدة فالعنوان يكون مملوا من‏

القبح و لكن لا يسرى إلى الخارج.

و الاستدلال الثاني له(قده)و هو فرض المولدية يكون في صورة الالتفات‏

و لا يكون الصدور اختياريا فنقول قد مر ان الفعل صدر عن اختيار و عنوان القطع‏

لو كان غير اختياري لا إشكال فيه مع انه عين الالتفات و هو بما انه ظلم يكون محل‏

الالتفات.

و ما قاله من الشبهة في اختيارية العزم أيضا و ان بعض المبادي يكون اختياريا

فنقول بيانا له في الجواب ان الإنسان يكون فيه الطبيعة فمن رأي الكمثرى يعشقها

و يريدها فالرؤية لوازمها تكون غير اختيارية و لكن جعل الشارع فيكم سلطان الاختيار

فإذا جاء الشوق بلا اختيار يمنع الغير الاختياري من التأثير فإذا جاء العزم القطعي‏

أيضا يمكنه المنع فنقول ان الوجدان حاكم بأن الاختيار و الإرادة يمكن منعه بسلطان‏

الاختيار و لا نقول ان الإرادة تكون بالإرادة حتى يتسلسل و ما في ذهنكم ان الإرادة

هي ما يكون بعده العمل يكون في صورة عدم سلطان الاختيار.

و اما الجواب الثاني في الكفاية من إرجاعه إلى الذاتيات فذره في سنبله.

إلى هنا قد تم الجهة الكلامية في التجري.


44
الجهة الثانية في البحث الأصولي‏

و هو انه هل يكون عنوان التجري بعد اختيار القبح موجبا لتحقق الحرمة

و انه كان سببا للمفسدة فكان حراما شرعا أو لم يكن سببا لها فلم يكن كذلك و بتقرير

آخر هل عنوان التجري بواسطة تطبيق عنوان الهتك يكون منشأ لحكم تكليفي‏

مستقل أم لا فان قلنا بإيجاد المفسدة في التعلق فيكون قبيحا عقلا و حرام شرعا و الا

فلا.وجهان عند الاعلام.

و التحقيق ان التجري لا يوجد المفسدة حتى يصير سببا للحرمة لأمور:

الأول:انه لا ينكر ان العناوين الثانوية تارة توافق العنوان الأولى فيؤكده‏

و تارة تكون مخالفة فينقلب الواقع فالخمر بالعنوان الثانوي لأجل المعالجة ينقلب‏

حرمته و مثل السلام على المؤمن و ان كان مستحبا بالعنوان الأولى و لكن بالعنوان‏

الثانوي و هو لزوم هتك العالم المجتهد من تركه يصير واجبا فمناط العنوان الأولى‏

آكد بالثانوي الا ان عنوان التجري لا يكون مولّد مصلحة و مفسدة في المتعلق و السر

فيه ان العنوان الأولى و الثانوي تارة يكون من الطبائع الكامنة و أخرى من العوارض‏

فمثل شرب الخمر يكون ذا مفسدة بالعنوان الأولى فإذا انحصر معالجة المريض‏

به يكون فيه المصلحة و هي أيضا كامنة فيه و انه بالأثر الذاتي يكون موجدا لهذه‏

المصلحة ففي هذه الموارد لا نتحاشى عن الانقلاب و التأكيد و تارة يكون العنوان‏

عنوانا عارضيا لا ربط له بواقع الشي‏ء مثل ان القيام في مورد خاص يكون تعظيما

و الجلوس عند مورد يكون توهينا و التوهين و التعظيم لا يكونان في جرم القيام‏

و القعود و هما من العناوين القصدية فلاحظ العناوين الثانوية التي تكون في الأدوية

التي تكون في ذاتها.

و الحاصل ان العناوين تارة تكون من العوارض لأمر خارجي و تارة تكون‏

قائمة باعتبار المعتبر فبعد تصديق هذه الضابطة ففي باب التجري و الانقياد لا يولّد

هذه العناوين شيئا من المصلحة و المفسدة في المتعلق فعنوان مقطوعية الحرمة في‏


45
الخمر لا يوجب انقلابه عن واقعه و المقطوعية تكون من العوارض في أفق الذهن‏

و القطع لما يحتاج إلى متعلق يتعلق بهذا و لا يكون من قبيل ماء العنب الموجب‏

للنشاط في ذاته و عنوان الجرأة و الهتك و الظلم يكون في رتبة متأخرة عن الذات‏

فعلى المختار من أن التجري هتك فالهتك لا يكون مولّد مفسدة في ذات الماء

المقطوع خمريته و التوهين في الجلوس عند لزوم القيام لعالم لا يؤثر شيئا فيه و لذا

ترى عدم خارج لبعض متعلقات القطع مثل ما إذا تعلق بوجود أسد في الدار

فظهر خلافه.

فنقول مع القول بأن العناوين الثانوية توجد مصلحة لا في كل حال فلا

يصير بعض العناوين موجبا لمفسدة في المتعلق حتى يكون حراما.فالحاصل انه لا

يوجد مفسدة فلا يستتبع حكما شرعيا هذا أولا.

و ثانيا:لو كان العنوان مولدا لمفسدة فلا يوجب كل عنوان النهي الشرعي‏

لأن النهي يجب أن يكون متعلقه خارجا و ملتفتا إليه و عنوان القطع يكون‏

مغفولا عنه و القاطع يرى الواقع و لا يرى قطعه و التجري يجب أن يكون في كل‏

الموارد سببا للحرمة بكل الخطابات بأن يقال أيها القاطع أو المهتك أو الظالم‏

لا تفعل كذا.

و بعبارة واضحة لو سلم إيجاد المفسدة فمن الشائع بينهم ان الخطابات‏

الشرعية تتعلق بما يكون ملتفتا إليه فلا يجب الصوم المغفول عنه مثلا.نعم يمكن‏

الخطاب بعنوان الهتك لأنه لا يكون مغفولا عنه.

قال النائيني(قده)ان القطع يمكن أن يكون متعلق الخطاب و لذا يصير تارة

تمام الموضوع و أخرى جزئه و هو حاضر عند القاطع قبل الخطاب فيتوجه إليه‏

فالخمر بعنوان القطع به يمكن النهي عنه فيه ان حضور القطع عند القاطع لا شبهة

فيه ففي القطع الجزء الموضوعي يكون عنوان المقطوع مولّد المصلحة فحضوره‏

عند القاطع لا يكفى و القطع الطريقي الجزء الموضوعي مثل ما إذا قيل إذا قطعت‏

بغصبية شي‏ء فهو حرام يكون الحكم على عنوان الغصب لا القطع.


46
و ثالثا:لو سلم كون عنوان التجري مولد مفسدة و الالتفات إليه ممكن و لكن‏

هذه العناوين المتأخرة عن النهي الشرعي و لا تكون سببا له كما ان الإطاعة و العصيان‏

أيضا بعد رتبة الأمر أو النهي و في رتبة الامتثال فان النهي عن شرب الخمر يكون‏

قبل شربه فإذا شربه بعده يكون عاصيا و هكذا إتيان الصلاة مثلا بعد الأمر بها فلو لا

الأمر لا معنى للإطاعة و لو لا النهي لا معنى للعصيان.

و بعبارة واضحة بعد الاعتقاد بأن ماء الرمان و صيرورته سببا للمفسدة لا يمكن‏

للشرع ان يقول لا تشرب هذا المائع الّذي صار ذا مفسدة لأنه يلزم التسلسل أو اللغوية

لأن التجري ان كان أثره إتيان خطاب لا تشرب فانه اما أن يشرب أولا فان عصى‏

فيكون نهى آخر و هكذا و ان أطاع و لم يشرب فيكون واجبا.

و بعبارة أوضح لو كان عنوان التجري منشأ للتكليف لا اختصاص بالتجري‏

الأول فكلما عصى النهي يجي‏ء نهى آخر و هكذا يتسلسل.

و بعبارة ثالثة بعد القطع بالخمرية و اليقين بالنهي فاما أن يؤثر الأول أولا فان‏

أثر فهو و الا فيصير الثاني أيضا لغوا لأن الآمر إذا رأى العصيان لا يمكنه النهي على‏

من لا يسمع نهيه.

فتحصل ان التجري لا يكون قابلا لجعل الحكم عليه و من هنا ظهر انه لا وجه‏

بعد حسن الإطاعة و قبح التجري لما يقال من انه لا حاجة لنا لتوليد المصلحة و المفسدة

فبعض الأحكام يكون على المستقلات العقلية و بالملازمة بين حكم الشرع و العقل‏

يحكم الشرع بها فالعقل يستقل بقبح التجري فتكون الحرمة ثابتة بالملازمة و لا وجه‏

لإتعاب النّفس لإيجاد المفسدة.

و مما قلنا ظهر ان هذا لا يصح اما للتسلسل أو للغوية فان استقل العقل بوجوب‏

إطاعة أمر الصلاة فإذا جاء حكم آخر بإطاعة الأمر ثانيا فالامر الثاني أيضا يكون‏

العقل مستقلا بإطاعته و هكذا فيتسلسل و ان لم يكف الأول للبعث لا وجه للأمر ثانيا

و لذا قيل لو كان أمر مثل أطيعوا اللّه في مورد حكم العقل فيكون إرشاديا محضا

و لا يمكن ان يكون تعبديا.


47
ثم لا يخفى ان ما ذكر من البحث الأصولي لا اختصاص له بما اخترناه بل‏

يجي‏ء على مسلك الخراسانيّ و الميرزا(قدهما)دون الشيخ لأن القبح عندنا فعلى‏

و عندهما فاعلي و عند الشيخ(قده)ليس لنا قبح عقلي أصلا.

الجهة الثانية في البحث الفقهي و هو ان التجري هل يكون حراما أم لا و مما

ذكرنا في البحث الأصولي ظهر ان التجري لا يكون قابلا لجعل حكم تكليفي في‏

مورده لأن الملازمة لا تكون قابلة للإثبات لأنه يكون في سلسلة المعلول و على فرضها

لا تكون قابلة لاستتباع الحكم فلا يبقى مقام للبحث عن الحكم الفقهي.

و ينبغي التنبيه على أمور

الأول:لا فرق في التجري بين الحكم المقطوع في الإسلام و بين ما يكون‏

ثابتا بالأصول و الأمارات فالمتخلف عن الأصول و الأمارات أيضا يصير متجريا سواء

كانت الأصول من الأصول المحرزة مثل الاستصحاب أو غيرها مثل البراءة أو الأصول‏

العدمية أو غيرها و السر في جميع ذلك هو ان المناط في التجري يكون الخروج‏

من رسوم العبودية.

و بتقرير آخر ان التجري يتحقق ان قامت أمارة معتبرة على موضوع ذي‏

أثر شرعي مثل شهادة العدلين كما يتحقق بالقطع و ان لم يكن مثل القطع لأن الشارع‏

جعل الأمارة حجة و دليل اعتبارها يكون قطعيا لأنه لا يمكن أن يكون ظنيا لأنه يتسلسل‏

و أيضا يكون مثل الأمارة و القطع الأصول المحرزة فمثل الخمر المتيقن الخمرية

في السابق يستصحب خمريته و يجب الاجتناب عنه و كذا الأصول الغير المحرزة

مثل قاعدة الطهارة عند عدم العلم بالحالة السابقة لأن دليلها يكون قطعيا و السر في‏

الجميع واحد فكما ان مخالفة القطع يوجب الطغيان كذلك الأمارات و الأصول‏

تكون طرقا مجعولة و وظائف مقررة للشاك توجب مخالفتها على المولى و الأصول‏

تكون حجة عند رجاء الواقع و مع عدمه.

و مع الاحتمال فمخالفة السنة على ثلاثة أنحاء:الأول:إتيان العمل و لو كان‏


48
الواقع كذلك.و الثاني:عدم الاعتناء بالمصادفة و عدمها.و الثالث:ان يشرب‏

الخمر مثلا و لو برجاء عدم كون المائع خمرا و هذا أيضا طغيان غاية الأمر يكون‏

أخف محذورا من الصورتين الأوليين و تكون هذه الصورة بعقيدتنا تجريا لأن‏

التجري يصدق على ما قام عليه الحجة في ظرف الشك فبعد عدم الاعتناء بدليل المولى‏

يكون طغيانا.

و بعبارة واضحة:الأمارة مفادها إلقاء الظان احتمال الخلاف و كذلك الأصول‏

فالشارع قال لنا مثلا ألق احتمال الخلاف و اجعلها كالقطع.

ثم انه ربما يشكل كما عن النائيني بأن الصورة الثالثة لا تكون تجريا في‏

الأمارات و الأصول لأن التجري هو عدم المصادفة مع الواقع فإذا احتمل ان لا يكون‏

خمرا فما شرب الخمر و الأمارات تكون حجة من باب الطريقية على ما هو التحقيق‏

فوجهها عامل معاملة اليقين مع الظن و لا مصلحة في اخبار العادل بل المصلحة تكون‏

في الواقع فان كان له واقع فهو و إلاّ يكون لغوا.

و بعبارة أخرى ان اللّه تعالى يوصل الأحكام بطريقين:الأول:الإسماع‏

و الخطاب و بعد احتمال عدم الوصول يجعل الأمارة فلهذا يقول المستشكل ان الشارب‏

برجاء عدم الخمرية لا مخالفة له لأن الواقع لا يكون في التجري و اما من باب جعل‏

الأمارة حجة فلا إشكال لأن الأمر الواقعي لا يكون و لا تكون الأمارة مصادفة للواقع‏

و فرض انها تكون حجة لكشفها عن الواقع هذا في الأمارات.

اما الأصول المحرزة فهي مثل الأمارات في الحجية و إلقاء احتمال الخلاف‏

و دليل اعتباره يكون أيضا طريقيا فما قلنا في الأمارات نقول هنا أيضا و الأضعف‏

منهما الأصول الغير المحرزة و هذا الإشكال يكون منشأ أصل جعل الأمارات و الأصول‏

و يكون من باب الشبهة المصداقية للحجة لأن الأمارة و الأصل المحرز و غيره إذا

شك كذلك فيها فلعلها لا تكون حجة لأن كل مورد تكون الشبهة في المصادفة فتكون‏

الشبهة في الحجية.

و الجواب عنه في محله بوجوه:الأول ان الفرق بين احتمال التكليف المنجز


49
و غيره موجود ففي الأول يحكم العقل بالاشتغال و في الثاني بالبراءة و الفرق واضح‏

و ما نحن فيه قامت الأمارة على الواقع فان كان واقع في البين يكون الأمارات‏

و الأصول بيانا فما هو وظيفة المولى ان صادف الواقع يكون بيانا و بعد المصادفة

و تمامية البيان يعاقب العبد عند المحاجة و المؤمن لا يكون هنا لا من جهة العقل و لا

الشرع و النكتة في ذلك ان جميع الطرق ان خالف الواقع يكون طغيانا عند عدم‏

الانزجار فمهما لا تكون البراءة الشرعية و لا العقلية يستحق العقاب فلا فرق بين‏

القطع و سائر الطرق نعم ان كانت حجية الأمارات من باب السببية فيحصل التجري‏

بنفس مخالفته.

و الحاصل ان الحكم التكليفي الّذي يتجري العبد بالنسبة إليه اما ان يكون‏

من ما ثبت بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال اما الّذي ثبت بالقطع فلا شبهة في صدق‏

التجري بالنسبة إليه إذا لم يصادف الواقع و اما الّذي ثبت بالظن فهو أيضا يكون‏

مثل الّذي ثبت بالقطع في إثبات التكليف سواء في ذلك الأصول و الأمارات فان‏

مخالفته يكون مخالفة للحكم الشرعي و انه على تقدير المصادفة مع الواقع حجة و لو

كان طريقا إلى الواقع.

و قد زعم شيخنا الأستاذ العراقي(قده)في هذا المقام عدم صدق التجري إذا

أتى بنية عدم الإصابة إلى الواقع مستدلا بان الأمارات حجة من باب انها طريق إلى‏

الواقع و كذلك الأصول و لو لا الواقع فيكون العمل على طبقها لغوا فإذا لم يصب‏

الواقع واقعا و قد تبين ان ما قامت البينة على انه خمر ما كان بخمر و شربه بنية كونه‏

غيره فلم يفعل قبيحا فلا يصدق التجري على المولى.

و فيه ان الأمارات في كل الموارد يحتمل ان يكون غير مصادفة للواقع و كل‏

مورد يكون من الشبهة المصداقية بالنسبة إلى الإصابة و عدمها و لكن يكون بيانيتها

على فرض الإصابة إلى الواقع تماما فكل مورد قامت الأمارة على حكم أو موضوع‏

لا يجوز مخالفتها فمن خالفها و لو بنية عدم الإصابة إلى الواقع يكون متجريا كمن‏

شرب مقطوع الخمرية بنية عدم الإصابة و هذا القدر لا يكفى في رفع التجري.


50
و اما ما لم تقم الأمارة على إثباته و لا يكون مقطوعا بل يكون صرف احتمال‏

الحكم مثل احتمال الحرمة الذاتيّة لصلاة الحائض فهل يكون إتيانه برجاء عدم الحرمة

كافيا في عدم كونه تجريا أم لا فيه خلاف:فعن الشيخ العراقي(قده)هنا أيضا عدم‏

صدق التجري لعدم وجود تكليف منجز في البين حتى يكون مخالفته مخالفة المولى‏

و التجري عليه و لكن يمكن ان يقال ان الواقعة ربما يكون من موارد الشبهة التي‏

لا يشمله البراءة1النقليّة لانصراف دليله عنه و لا العقلية و هو قبح العقاب بلا بيان‏

من باب الانصراف أيضا كما في الموارد التي يكون الفحص مما يستقر به الشك‏

مثل من كان نائما فشك في دخول الصبح بحيث لو فتح عينيه زال شكه فانه‏

يجب عليه فتح العين لا استصحاب بقاء الليل و مثل من كان في بيته يعمل خمرا فشك‏

في مائع انه خمر أم لا فانه يجب عليه الفحص و لا يكون في حقه البراءة عن كونه‏

خمرا لكونه شبهة بدوية و بالفحص يزول شكه و ربما لا يكون المورد مورد الاحتياط

أيضا مثل احتمال كون الصلاة لمن اشتبه عليه الأمر و لا يدرى ان الدم حيض أم لا

حراما ذاتيا من باب انه يكون كذلك بالنسبة إلى الحائض فانه مع احتمال كون الحرمة

ذاتية لا يكون وظيفتها الاحتياط لأنه يكون امره دائرا بين كون الصلاة حراما ذاتيا

أو كونه واجبا من باب عدم كونها حائضا و لا يكون لها إجراء البراءة عن الحرمة

الذاتيّة للعلم الإجمالي بأنه اما يكون كذلك أو يكون واجبا فعلى هذا اقدامه على العمل‏

بدون الفحص يكون تجريا على المولى لعدم وجود المؤمن لإقدامه على العمل.

ثم انه في الصورتين من الثلاثة و هما صورة كون الحكم مظنونا أو محتملا

اما أن يأتي برجاء عدم الإصابة إلى الواقع أو برجاء اصابته أو لا يكون بصدد أحدهما

1أقول لا يمكن ان تكون الواقعة بدون حكم من الأحكام فانه في مورد

انصراف الدليل يكون حكمه وجوب الفحص إذا احتمل الحرمة و في مثل احتمال‏

الحرمة الذاتيّة في الحائض للصلاة إذا كانت المرأة اشتباهها في كون الدم حيضا أو

استحاضة فحيث يكون امرها دائرا بين المحذورين فلها التخيير بين الفعل و الترك.


51
فالأوّل مثل من يكون من رفقائه و له عرق ديني يشرب الخمر و لكن يرجو عدم كونه‏

خمرا و الثاني كمن يكون خمارا و يريد ان يشرب الخمر واقعا لترتب آثاره و اما

صورة كون الحكم و الموضوع مقطوعا بهما فلا يتصور رجاء عدم الإصابة1لعدم‏

احتمال ذلك مع الكشف القطعي و على أي تقدير يكون التجري صادقا الا ان من‏

يأتي برجاء عدم الإصابة يكون أقل محذورا من غيره و اقرب إلى المولى.

في ثمرة بحث التجري‏

ثم ان ثمرة البحث عن التجري تظهر في العبادات و لكن تختلف حسب‏

اختلاف المباني فان كان المبنى مبنى الشيخ الأنصاري(قده)القائل بعدم قبح فعلى‏

و لا فاعلي للعمل بل هو يكون سوء السريرة فقط مع انه قائل بان الانقياد حسن و هو

تفصيل بلا وجه فانه لو كان هذا حسنا يكون ذاك قبيحا فلا يضر بالعبادة كما في‏

الصلاة في الدار المغصوبة إذا ظهر انها كان ملكه فالفاعل فاعل قبيح النّفس و لا ربط

لسوء السريرة مع حسن الفعل بالعمل فانه يكون في نفسه مباحا.

و اما ان كان المبنى ما هو المختار من ان الفعل المتجري به يكون قبيحا

و الفاعل يكون قبيحا لقبح فعله فلا شبهة في أنه على فرض عدم جواز اجتماع الأمر

و النهي كما هو التحقيق لا تصح العبادة لأن قصد القربة لا يتمشى ممن يرى نفسه عاصيا

و طاغيا على المولى.

نعم على مسلك القائل بجواز الاجتماع لا ثمرة للقول بقبح التجري و حرمته‏

كما نسب إلى الميرزا القمي(قده)فان صفحة الصلاة غير صفحة الغصب بنظر هذا

القائل فالغصب ظهر عدمه و الصلاة كانت صحيحة.

و اما على مسلك الخراسانيّ(قده)القائل بان الفعل المتجري به لا يكون قبيحا

بل هو حسن و انما القبيح هو الفاعل لذلك الفعل و لازم هذا القول أيضا هو القول‏

1هنا أيضا يمكن ان يحتمل عدم الإصابة من باب احتمال كون علمه جهلا

مركبا.


52
ببطلان العبادة لأنه يرى نفسه عاصيا و العاصي لا يمكن ان يرى نفسه مطيعا فلو فرض‏

تمشي‏1قصد القربة من المتجري من باب جواز اجتماع الأمر و النهي لا يكون لهذا

العمل صلاحية المقربية لأنه يكون بهذا العمل بعيدا عن المولى لا قريبا إليه.

فتحصل ان التجري إذا كان قبيحا فعلا و فاعلا أو فاعلا فقط يمنع عن صحة

العبادة المتجري بها.

الأمر الثاني في أقسام القطع‏

فانه على خمسة2أقسام الطريقي المحض و الطريقي الجزء الموضوعي‏

و الوصفي الجزء الموضوعي و الوصفي التمام الموضوعي و الطريقي التمام الموضوعي‏

كما حرر في كتب الأصول فانه إذا لم يكن المصلحة الا في متعلق القطع فلا يكون‏

العناية إليه أصلا و اما إذا كان موضوعا أو جزئه فيكون إليه النّظر الاستقلالي كما أن‏

جميع الموضوعات كذلك و لا إشكال في سائر الأقسام تصويرا.

و انما الإشكال عن شيخنا النائيني(قده)في الأخير و هو الطريقي الّذي‏

يكون تمام الموضوع مثل ما يقال إذا قطعت بحرمة شي‏ء يجب عليك التصدق بدرهم‏

و معناه ان القطع هو تمام المؤثر لكن إذا كان طريقا إلى حرمة الخمر لا ما إذا كان‏

طريقا إلى حرمة الزنا مثلا و اشكاله(قده)اما ان يكون من جهة انه لا يمكن اجتماع‏

اللحاظين أي الآلية و الاستقلالية ضرورة ان الطريقية لازمها كون القطع مما يرى به‏

1أقول لو كان هذا هو الحق فيلزم ان يكون على مسلكه مد ظله أيضا كذلك‏

بالأولوية و لا وجه لاستثنائه مسلك القائل بالجواز فانه على الجواز أيضا يلزم ان يقول‏

انه لا صلاحية لكونه مقربا.

2:أقول لم يكن في كلماتهم شرح هذه الأقسام و امتياز بعضها عن بعض‏

في ترتيب الآثار و اكتفوا بالتقسيم و لا يكون الفارق في الوضوح بحيث لا يحتاج‏

إلى الشرح و الشيخ(قده)مثل لبعض الأقسام إجمالا نعم يظهر من مطاوي البحث‏

بعض ما هو فارق و لكن لا يكفى.


53
الغير و الاستقلالية لازمها رؤية القطع نفسها و اما ان يكون من جهة ان المصلحة لا

يمكن ان يكون في القطع فقط على هذا الفرض فانه يكون لذي الطريق أيضا دخلا ما.

اما ان كان اشكاله من ناحية عدم جمع اللحاظين فمندفع لأن النّفس لا يقهر

بعد رؤيتها القطع طريقا حتى لا يكون لها في لحاظ آخر ان تراه موضوعا فان موطن‏

اللحاظين في النّفس متغاير ضرورة.

و اما1ان كان من جهة المصلحة و انه لا يمكن ان يكون العلم الطريقي هو

تمام الدخيل في الحكم و حيث ان متعلق العلم أيضا يكون له نحو دخل لا يمكن تمامية

الموضوع فهو أيضا مندفع بأن العلم طريق بالنسبة إلى المعلوم و موضوع بالنسبة

إلى الحكم الثاني و المتعلق يكون طرف إضافة فقط مثلا ان العلم بحرمة خمر يكون‏

هو الدخيل في وجوب الصدقة و ليس حرمة الخمر الا طرفا للإضافة و هذا الجواب حلّي.

و اما الجواب النقضي فهو ان اشكاله(قده)حيث يكون عمدة توجهه إلى‏

اجتماع اللحاظين الآلية و الاستقلالية فهو يكون في صورة كون العلم الطريقي جزء

الموضوع فانه أيضا لا بد ان يكون بنظر الجزئية للموضوع مستقلا و بالنظر إلى ذي‏

الطريق آليا و حيث لم يشكل في هذا الّذي يكون الإشكال مشترك الورود بالنسبة

إليه أيضا يجب ان لا يشكل في صورة كون العلم الطريقي تمام الموضوع.

فتحصل ان تصوير الأقسام بأجمعه لا إشكال فيه نعم أكثر ما في الأدلة الشرعية

يكون العلم الطريقي اما المحض أو بنحو جزء الموضوع أو تمام الموضوع و اما

الوصفي بلحاظ انه صفة بين صفات النّفس فلا يكون منشأ أثر في الشرع أعني في‏

لسان الأدلة.

الأمر الثالث:في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع‏

و الأقوال هنا أربعة:الأول:قيام الأمارات و الأصول مطلقا محرزة أو غيرها

1على ما فرض من المثال من ان القطع بحرمة خمر يكون موضوعا

لوجوب التصديق لا القطع بحرمة الزنا مثلا فيكون لحرمة الخمر دخلا ما في الموضوع.


54
مقام القطع سواء كان طريقيا أو موضوعيا و الثاني:قيام الأمارات و الأصول مطلقا مقام‏

القطع الطريقي فقط لا الوصفي و الثالث:قيام الأمارات مقام القطع مطلقا موضوعيا

أو طريقيا دون الأصول محرزة كانت أو غيرها و الرابع:قيام الأمارات و الأصول‏

المحرزة مقام القطع الطريقي دون الأصول الغير المحرزة.

فمثل الاستصحاب و قاعدة التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة يقوم مقامه دون‏

البراءة و التخيير و اختلاف الأقوال كذلك يكون لاختلاف المباني في باب جعل‏

الأمارات و الأصول فيجب بيان مقدمات لتوضيح المقام.

الأولى في وجه منجزية الأمارات فنقول هنا مسالك أربعة:الأول:مسلك‏

شيخنا النائيني(قده)و هو ان لسان أدلة حجية الظن مثل الخبر الواحد يكون لتتميم‏

الكشف و جعل الظن منزلة العلم و لكن يكون التنزيل بالنسبة إلى آثار المقطوع‏

كما يميل إليه بعض الميل فإذا قامت الأمارة على حرمة شي‏ء تكون مثل القطع‏

بحرمته لكن بالنسبة إلى آثار الحرام الكذائي لا بالنسبة إلى أنه قطع ليترتب عليه‏

آثار القطع و صيرورته مقام القطع الجزء الموضوعي.

و يرده ان التكوين لا ينقلب عما هو عليه بواسطة الدليل فلا يصير الظن علما

بل يكون التنزيل بلحاظ الآثار الشرعية و هو أعم من كونه للقطع أو للمقطوع.

و الثاني:مسلك الأنصاري(قده)و هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع فيكون‏

مرامه ان ما قامت الأمارة عليه يترتب عليه آثاره كما لو كان مقطوعا به لا انه مقطوع‏

به و عليه أيضا و ان كان المبنى فاسدا لا يمكن ان تصير الأمارة مقام القطع لأنها

لا يكون النّظر إليها من هذه الجهة أصلا.

و الثالث:مسلك المحقق الخراسانيّ(قده)و هو ان مفاد الأمارات هو جعل‏

الحجة أو الحجية أو جعل المماثل كما في الاستصحاب و عليه أيضا لا يكون النّظر

إلى القطع بل يكون حجة فقط لترتيب آثار الواقع فلا يمكن ان يصير مقام جزء

الموضوع أو تمام الموضوع من القطع و لكن المبنى فاسد.

و الرابع:و هو التحقيق هو ان لسان أدلة الأمارات هو إلقاء احتمال الخلاف‏


55
و ترتيب الآثار مطلقا أعم من آثار القطع أو المقطوع به و عليه يمكن ان يجعل مقام‏

القطع و الفارق بين مسلكنا و مسلك شيخنا النائيني هو انه(قده)ينزل الظن منزلة

العلم و لكن بلحاظ أثر المقطوع و نحن ننزله منزلة القطع بالنسبة إلى أثره و أثر

المقطوع فلا يخفى عليك.

المقدمة الثانية:في وجه منجزية الأصول المحرزة و فيها أيضا يكون المسالك‏

مختلفة.فمسلك الشيخ الأنصاري(قده)هو ان مفاد لا تنقض اليقين في الاستصحاب‏

هو تنزيل المشكوك منزلة المتيقن في ترتيب آثاره لا تنزيل الشك منزلة اليقين فكل‏

أثر يترتب على المتيقن يترتب على المشكوك و اما آثار اليقين فلا يترتب عليه و اما

على مسلك المحقق الخراسانيّ(قده)يكون مفاد الدليل جعل المماثل أي يكون في‏

مورد الاستصحاب حكم مماثل للواقع فكما ان القاطع بوجوب عمل يجب عليه‏

الإتيان بذاك العمل كذلك يكون عليه حكم الوجوب مثل صورة القطع في صورة

الشك أيضا و اما على التحقيق من ان مفاد الدليل تنزيل الشك منزلة اليقين فيترتب‏

عليه آثار اليقين و المتيقن كليهما و يختلف قيام الأصل كذلك منزلة القطع كما سيأتي‏

و هكذا كل أصل محرز مثل قاعدة الفراغ و التجاوز و أصالة الصحة.

المقدمة الثالثة:في وجه الأصول الغير المحرزة في المنجزية فاما الأصول‏

المثبتة منها بمعنى ما يثبت التكليف مثل قاعدة الطهارة و قاعدة الحلية فلا يكون لها

جهة كشف أصلا و لا يكون النّظر إليها من هذه الجهة و انها وظيفة قررت للشاك و اما

غير المثبتة منها أي النافية للتكليف مثل أصالة البراءة فلا يكون إطلاق الحكم على‏

مفادها صحيحا و بقول سيدنا الأستاذ الأصفهاني(قده)لا يكون للفقيه الفتوى عليها

لأنه يكون جاهلا و دليل التقليد يكون من باب رجوع الجاهل إلى العالم لا الجاهل‏

إلى الجاهل.

و لكن يمكن ان يقال ان الفقيه له ان يقول بأن الوظيفة في مورد البراءة هو

دالا الحكم و اما الاحتياط و ان كان طريقا إلى الواقع أي إلى تحصيله و لكن لا يكون‏

نفسه كاشفا عنه بل بعد الإتيان بأطراف المحتمل يحصل العلم بحصول الواقع‏


56
و لا يطلق عليه الكاشفية عن الواقع بلحاظ أثر شرعي حتى يبحث عن انه هل يقوم مقام‏

القطع أم لا و معناه هو عدم جعل احتياط شرعي بل في موارد العلم الإجمالي يكون‏

الحاكم به العقل و في الشبهات البدوية لا يكون مجعولا.

و كذلك أصالة التخيير فانه في الخبرين المتعارضين سواء نقول بأن التخيير

يكون في الواقع و الأخذ بإحدى الروايات أو يكون التخيير بمعنى ان للمجتهد أن‏

يختار إحداها و يحكم على مقتضاها تعيينا فلا يكون له جهة كشف أيضا حتى يبحث‏

عن قيامه مقام القطع‏1.

إذا عرفت هذه المقدمات فنقول تارة نبحث عن قيام الأمارات و الأصول مقام‏

القطع الطريقي المحض و أخرى عن قيامها مقام ساير أقسام القطع فيكون البحث‏

هنا عن جهات:

الأولى في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض فنقول قد مر المسالك‏

في باب وجه منجزية الأمارات فان كان المسلك مسلك الشيخ الأنصاري(قده)و هو

تنزيل مؤداه منزلة الواقع فلا تقوم مقام القطع لأن معنى تنزيل المؤدى هو ترتيب‏

آثار ما ادى إليه الأمارة و حيث ان حجية القطع ذاتية تكوينية و التنزيل يحتاج إلى‏

أثر شرعي لا يمكن‏2تنزيل الأمارة منزلته لأن القطع بنفسه نور و لا يمكن ان‏

1أقول:هذا بيان إجمالي لا يكون المراد منه محرزا و لكن ما يأتي في‏

النّظر هو انه ليس التخيير الا الأخذ بإحدى الحجج و الطرق إلى الواقع و لا يكون‏

له شأن سواه فيكون الأخذ في الواقع بالأمارة لا بالأصل و لكن هذا قانون للأخذ0

بما هو حجة من الأمارات عند التعارض.

2:أقول التنزيل اما ان يكون في موضوع ذي حكم أو في ما يكون مفاده‏

نفس الحكم فإذا كان القطع بوجوب صلاة الجمعة يمكن تنزيل الظن أو الشك‏

منزلته بالنسبة إلى ما هو حكم شرعي و هو الوجوب فلا يكون الإشكال فيه من هذه الجهة.

على ان الشيخ و الآخوند(قدهما)ظاهر كلامهما ترتيب آثار المتيقن أو جعل‏

الحجية لا اليقين و لا محالة يرجع كلامهما إلى امر عامل معاملة اليقين الّذي يكون‏


57
يقال ان الظن أيضا نور إلاّ على وجه انقلاب الواقع عما هو عليه و هو محال‏

و لا أثر شرعي له فان التنزيل في قوله الطواف في البيت كالصلاة يكون صحيحا حيث‏

ان أثره هو الحكم بشرطية الطهارة له كما ان الصلاة شرطها الشرعي هو الطهارة

و لا أثر شرعي للقطع حتى ينزل الظن منزلته.

و هكذا على مسلك الخراسانيّ(قده)حيث ان حجية القطع ذاتية له و لا يكون‏

معنى جعل الحجية للظن هو تنزيله منزلة القطع لأن التنزيل يجب ان يكون بلحاظ

أثر شرعي و هنا لا أثر شرعي للقطع حتى ينزل الظن منزلته و اما على ما هو المختار

من تتميم الكشف فيمكن التنزيل بان يقال يرجع التنزيل كذلك إلى امر عامل معاملة

اليقين لترتيب الآثار أي كما كان أثر القطع الجري العملي على طبقه كذلك يكون‏

التعبد من الشارع بأمر عامل معاملة اليقين فان كان مراد العلمين قدهما من تنزيل‏

المؤدى و جعل الحجية هذا المعنى فلا نزاع معهما و لكن لا يكون موافقا لكلماتهما

فتقوم الأمارة مقام القطع في ترتيب هذا الأثر.

و اما قيام الأصول المحرزة مقام القطع فهو أيضا يختلف حسب اختلاف‏

المباني في باب الاستصحاب فان كان المبنى تنزيل المشكوك منزلة المتيقن كما

هو مسلك الأنصاري(قده)و بعض من تبعه فقيامه مقام القطع لا يصح لأن معنى هذا

هو ترتيب آثار المتيقن على المشكوك لا ترتيب آثار اليقين حتى يقوم مقامه.

و كذلك إذا كان المسلك مسلك الخراسانيّ(قده)القائل بجعل المماثل في‏

الباب فان جعل المماثل مضافا إلى فساده في ذاته حيث انه لو كان كذلك ما كان له‏

ظهور خلاف لأن الحكم الّذي يكون مماثلا للواقع حكم آخر و كان مجعولا

في هذا الظرف واقعا لا يصح البناء عليه أيضا لأن جعل المماثل معناه عدم النّظر إلى‏

رأى الأستاذ مد ظله.

على انه لو كان الإشكال ما ذكر فيرد عليه أيضا حيث يقول بصحة تنزيل‏

الشك منزلة اليقين مع ان رأيه في الأمارات هو ان الحجية تكون من الآثار العقلية

بالنسبة إلى اليقين فهذا الإشكال مشترك الورود و الجواب ما ذكرناه.


58
طريقية الاستصحاب و كشفه عن الواقع بل ترتيب الآثار فقط فلا يقوم مقام القطع‏

لأنه يكون في صورة كون الجعل بالنسبة إليه.

و اما على ما هو التحقيق من ان الاستصحاب يكون مفاده هو جعل الشك‏

و تنزيله منزلة اليقين فلا شبهة في قيامه مقام القطع الطريقي المحض كما هو مفروض‏

البحث فان قوله لا تنقض اليقين بالشك يكون النّظر إليه و صرف النّظر إلى المتيقن‏

يحتاج إلى مئونة زائدة هذا حال الأصول المحرزة.

و اما الأصول الغير المحرزة فمنها قاعدة الطهارة و قاعدة الحلية كما قيل فأنه‏

على ما قيل لا يمكن قيامها مقام القطع حيث لا كاشفية لها و لكن التحقيق عدم صحة

قولهم بالنسبة إلى كونها من الأصول الغير المحرزة فان القاعدتين تكونان من‏

الأصول المحرزة.

و الشاهد على ما ذكرنا هو انهم يحكمون ببطلان صلاة من توضأ بما جرى‏

فيه قاعدة الطهارة ثم ظهر نجاسته فلو لم يكن النّظر إلى الواقع كيف لا يحكمون‏

بصحة الصلاة فان لازمه الاجزاء و كذا في المال إذا ظهر انه مال الغير بعد جريان‏

قاعدة الحلية فيه.

فما هو حقيق بأن يقال ان الشارع يكون في مقام إيصال الواقع إلينا و ترتيب‏

آثاره و لكن حيث يرى انه لا يصل إلينا بعض المطالب بدس الدساسين يجعل لنا

طرقا يوصلنا إلى الواقع غالبا فإذا ظهر خلافها يكون المدار عليه لا على الطريق‏

فهما أيضا من الأصول المحرزة و يقوم مقام القطع.

و اما الاحتياط فهو و ان كان مما ينحفظ به الواقع و لكن حيث يكون في موارد

العلم الإجمالي فيكون وجوبه بحكم العقل لا بحكم الشرع و لا يصح التنزيل فيه‏

و اما في الشبهات البدوية فلا يجب الاحتياط أصلا و اما الاحتياط الشرعي فلا يكون‏

لنا أصلا و كل ما ورد من الاخبار فيه يكون إرشادا إلى حكم العقل و كل ما كان‏

كذلك لا يكون الأمر به مولويا و موجبا لحكم شرعي فالبحث لا يجي‏ء فيه من باب‏

قيامه مقام القطع هذا كله في قيام الأصول و الأمارات مقام القطع الطريقي المحض‏


59
و الحق من جميع ما ذكرناه هو قيامهما مقام القطع سوى مثل أصل البراءة و الاحتياط1.

و اما قيام الأمارات و الأصول مقام القطع الجزء الموضوعي أو تمامه سواء

كان طريقيا أو وصفيا فيكون البحث عنه في مقامات أيضا.

المقام:الأول في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع الجزء الموضوعي‏
أو تمام‏

الموضوعي بنحو الصفتية و الحق عدم قيامها مقامه لأن المراد بقيامها مقامه لا يكون‏

الا ما يكون عند العقلاء من البناء على رؤيتهم غير القطع مقامه في ترتيب أثر الواقع‏

من حيث كونه طريقا لا من جهة انه يكون صفة من صفات النّفس فانه يكون بنائهم‏

على إقامة غير العلم مقامه في الطريقية و الا فأي فائدة في القطع من حيث انه صفة

من صفات النّفس مثل الخوف و الجبن فأنه لا يكون لهم النّظر إليه أصلا من هذه‏

الجهة و لا يخفى عليكم ان القطع كذلك و ان مثل له الشيخ الأنصاري(قده)بأمثلة

و لكن لا يكون لنا في الشرع أثر منه و اما أمثلته قده ففي الركعتين الأوليتين قال بأن‏

القطع على نحو الصفتية شرط لا على نحو الطريقية.

و لكن عند التحقيق ليس هذا القطع الا ما هو الطريق إلى الواقع بنحو الجزء

الموضوعي و لذا ورد في الرواية بالنسبة إليهما قوله عليه السّلام الا ان يثبتهما أو يحرزهما

فجعل الإحراز في مقابل الإثبات يكون معناه ان النّظر يكون إلى الطريقية و ما هو

المحرز إلى كونه من صفات النّفس فانه يكون كدخل الحجر و الشجر بالنسبة إلى‏

الموضوع.

و اما مثاله بان الشهادة أيضا يكون المدار فيها على القطع الوصفي بحيث انه‏

لو لم يكن تلك الصفة في النّفس بالمشاهدة العيانية لا يمكن الشهادة.

ففيه ان الإجماع قام على انه يمكن الشهادة بالمال بصرف كون اليد دليلا

عليه مع ان اليد لا تكون مما يوجب العلم في النّفس و العجب منه قده مع انه يقول‏

1:و لم يذكر حال أصالة التخيير و قدم منا انه لا يكون له طريقية بل هي‏

قانون مجعول من الشرع للأخذ0 بإحدى الحجج فيكون مفادها هو الأخذ بالأمارة

و هي تقوم مقام القطع.


60
بصحة الشهادة على هذا الفرض أيضا يقول في المقام بأنه يكون الصفة من صفات مع‏

انه يكون من الطرق إلى الواقع كما في ساير الموارد.

و الحاصل مع انه لم يرد في الشرع هذا النحو من القطع لا يكون بناء العقلاء

على قيام شي‏ء مقامه فما هو طريق إلى الواقع فان ما يلاحظ فيه الطريقية بنظرهم‏

لا يلاحظ قيامه مقام ما لا يكون النّظر إلى طريقيته أصلا و من هنا ظهر انه لا يقوم الأصول‏

مطلقا مقامه بالأولوية.

لا يقال إنكم مع اعترافكم بقيام الأمارات مقام القطع الطريقي الجزء الموضوعي‏

أو تمام الموضوعي كيف لا تقولون به في المقام فانه لو كان النّظر إلى نفس القطع‏

مما لا يكون عليه بناء العقلاء في الوصفي كذلك في المقام يجب ان يقال بعدم قيام‏

الأمارات مقام القطع الذي هو طريق و لكن مع كونه طريقا يكون إليه النّظر الاستقلالي‏

لأنا نقول ان القطع هنا بلحاظ طريقيته إلى الواقع يكون حجة من الحجج‏

و يوجب انكشاف الواقع و صيرورته بهذا النّظر من مقومات الموضوع لحكم آخر

و من شئون الحجة و العقلاء كما انهم يأخذون بالحجة يأخذون بما هو من شئون الحجة

من باب التوسعة في الحجج.

اما المقام الثاني‏

ففي قيام الأمارات و الأصول مقام القطع الطريقي‏

سواء كان جزء الموضوع أو تمام الموضوع و الحق هو قيام الأمارات‏

مقام هذا القسم من القطع و السر فيه على المختار هو ان هذه المسألة مسألة

عقلائية و هم بعد عدم وصولهم إلى الواقعيات بواسطة القطع يعملون بالظن أيضا من‏

باب انه لو كان المدار في جميع الأمور عليه لضاع امر معاش بنى آدم فمن باب‏

التوسعة في الحجج يحكمون بذلك و القطع إذا كان طريقيا يكون بالنسبة إلى آثار

نفسه أيضا ذا أثر و يترتب عليه ما يكون العقلاء بصدده فإذا كان جزء الموضوع‏

أيضا يرون ان الظن يقوم مقامه.


61
ثم ان المحقق الخراسانيّ قده أشكل في الكفاية على قيام الظن مقام القطع‏

الجزء الموضوعي بما حاصله هو ان القطع بما هو طريق يكون النّظر إليه آليا و بما

هو موضوع يكون النّظر إليه استقلاليا و كيف يمكن ان يكون النّظر في تنزيل واحد

آليا و استقلاليا فان دليل التنزيل إذا كان واحدا لا يمكن ان يكون النّظر الا إلى‏

جهة الآلية و العقلاء أيضا يكون بنائهم على إحراز الواقع بالطريق الواقعي بالقطع‏

أو الطريق المجعول من باب انه كاشف.

و قد أشكل عليه شيخنا الأستاذ النائيني و العراقي(قدهما)على مسلكهما اما الأول‏

فهو يقول بان كلام الخراسانيّ يكون صحيحا إذا كان قيام الأمارات مقام القطع من باب‏

التنزيل و لكن ليس كذلك فيما إذا كان القطع جزء الموضوع و بيانه‏1ان الأمارات‏

1:أقول حاصل ما قاله(قده)على ما استفدنا من تقريرات الكاظمي(قده)

هو ان القابل للتنزيل في القطع الجزء الموضوعي يكون هو المؤدى و اما القطع‏

نفسه فلا يكون قابلا للتنزيل لأنه لا يكون معنى لجعل الطريق للطريق بان يقال نزل‏

المحرز الّذي هو الظن بمنزلة المحرز الّذي هو القطع و نزل المظنون منزلة المقطوع.

و هذا بخلاف ساير الموضوعات المركبة فان العلم الوجداني أو التعبدي‏

بجميع اجزائه لازم و فيما جزئه العلم لا يكون كذلك فيكون معنى حجية دليل الأمارة

في مورد كون القطع كذلك هو اعتبار العقلاء ترتيب آثار القطع بما هو موضوع‏

على الظن أيضا مثل اعتبارهم الملكية فانها لا وعاء لها في التكوين فالقطع الّذي‏

لا يمكن التنزيل بالنسبة إليه يعتبر كذلك.

هذا حاصل جوابه(قده)و لا يكون في قوله هذا كلام من تعدد الاعتبارين‏

و وحدته حتى يشكل عليه الأستاذ مد ظله بما ذكره بل مراده ان التنزيل الواحد أو

الاعتبار الواحد يكفى و يترتب على تنزيل أحد اجزاء الموضوع و هو المؤدى‏

لا محالة أثر الطريق أيضا و لو لم يكن مورد التنزيل بل لا يمكن ان يفرض للإحراز

الإحراز.

على انه لا يكون في هذا البيان التصريح بالاعتبار بل مثل بالملكية الوجدانية

و ما تكون باعتبار اليد فانظر إلى عبارة الكاظمي في هذا المقام.


62
تكون حجة من باب تتميم الكشف و الوسطية في الإثبات و الإحراز لا من باب تنزيل‏

المؤدى و ترتيب آثاره و لا معنى لذلك الا اعتبار الظن منزلة العلم فإذا اعتبر كذلك‏

يترتب عليه جميع آثار القطع و المقطوع لحصول وجود اعتباري له.

و لكن يرد عليه أولا فساد المبنى في باب الأمارات لأن مبناه و ان كان تتميم‏

الكشف لكن لا يكون قوله بالاعتبار له وجه بل الحق هو التنزيل.

و ثانيا فساد البناء عليه أيضا لأنه على فرض تسليم الاعتبار يجي‏ء أيضا إشكال‏

الخراسانيّ قده و هو أنه كيف يمكن اعتبار المعتبر في لحاظ واحد شيئا بالنظر الآلي‏

و الاستقلالي كليهما و هذا عمدة إشكال المستشكل.و اما العراقي قده فقد أشكل‏

عليه بما حاصله هو ان الأمارات لا يكون بابها باب التنزيل بل يكون لها أثر القطع‏

لكن له أثران إحراز الواقع و الترخيص في العمل و لها أثر واحد و هو الترخيص في‏

العمل فقط.

فيكون معنى دليل حجية الأمارة الأمر بمعاملة اليقين معها و الا فلو كان الباب‏

باب التنزيل فحيث انه يحتاج إلى أثر شرعي و لا يكون للقطع أثر شرعي بل يكون‏

الحجية من آثاره التكويني لا يصح التنزيل بالنسبة إليه فانه ليس مثل قوله الطواف‏

في البيت كالصلاة فان التنزيل يكون بلحاظ الأثر الشرعي و هو شرطية الطهارة له‏

كما في الصلاة ففي المقام حيث لا يكون التنزيل نقول يمكن استفادة ترتيب أثر

اليقين و المتيقن بواسطة امر عامل معاملته.

و يردّه أيضا بأن التنزيل في المقام يصح و لو لم يصح في القطع الطريقي‏

المحض لأنه بالنسبة إلى طريقيته للواقع لأثر شرعي له و لكن بالنسبة إلى كونه جزء

ثم انه لا فرق في المقام بين الاعتبار و التنزيل و يكون المراد من أحدهما هو

الاخر نعم يكون الفرق هو ان الاعتبار في مثل الملكية يترتب عليه الأثر واقعا و يكون‏

محتاجا إلى الإمضاء عند العقلاء بجمع الشرائط عندهم فيه و التنزيل هنا يكون‏

على فرض الواقع و بدونه يكون لغوا و عند التحقيق بالنسبة إلى هذا الفرق أيضا

نظر و تأمل و البحث عنه موكول إلى المحل المناسب له.


63
الموضوع يكون له الأثر الشرعي و هو ترتيب حكم من الأحكام على وجوده من‏

باب الموضوعية لا من باب الطريقية فالصحيح هو ما ذكرناه في وجهه.

ثم ان النائيني(قده)قال بأنه ان قال أحد بأن الظاهر من الدليل الّذي يكون‏

متكفلا لبيان القطع الجزء الموضوعي هو القطع الوجداني لا الأعم منه و من‏

التعبدي فكيف يقال بأن الأمارة تقوم مقام القطع.

فأجيب بالورود تارة و بالحكومة أخرى اما الورود فهو ان الغالب حيث‏

يكون طريق العقلاء إلى الواقعيات الظن أيضا فإذا ورد في لسان دليل موضوعية

القطع نستكشف منه ان المراد هو المحرز الأعم من القطع أو ما يقوم مقامه فما قامت‏

الأمارة عليه يكون مما يكون له المحرز فتكون واجدا للمحرز واقعا لا تعبدا فيكون‏

دليلها واردا على الدليل الّذي دلّ على جزئية المحرز للموضوع و لكن حيث ان‏

القول بذلك أيضا يحتاج إلى دليل و لا يمكن ان يقال بأن صرف الغلبة دليل على‏

كون المراد به المحرز تمسكوا بالحكومة1و قسموها إلى قسمين حكومة ظاهرية

و حكومة واقعية و معنى الواقعية هو ان يكون الحاكم بصدد التوسعة و التضييق واقعا

أي بالنظر إلى الواقع مثل ما إذا قيل للشاك بين الثلاث و الأربع في الركعات يبنى‏

على الأربع ثم يقول لا شك لكثير الشك فان معناه ان كثير الشك لا يكون له حكم‏

1أقول الحكومة بهذا النّظر أيضا تحتاج إلى النّظر في دليل الحاكم‏

و الكلام في إثبات ذلك و إثباته لا بد ان يكون ببناء العقلاء حيث لا دليل له بالخصوص‏

الا ما ورد في حجية الظن بالعموم و هو و ان كان مسلك الأستاذ مد ظله بأنهم يتسعون‏

في الحجة حتى بالنسبة إلى هذا الأثر و لكن في إثبات هذه التوسعة في نظرهم تأمل‏

لأنهم غاية مرامهم يكون إثبات ماله الأثر من المقطوع.

و اما بالنسبة إلى ما يكون جزء الموضوع و يكون نادرا لا يكون لهم هذا

البناء مع ظهور دليله بأن المراد بالقطع هو الوجداني نعم لو كان دليل خاص‏

في مورد من الموارد يتبع و اما الأدلة العامة فلا يمكننا القول بوجودها في المقام‏

و اللّه العالم.


64
الشاك العادي و يكون مستثنى من أحكامه واقعا و هذا يكون من باب تضييق دائرة

الموضوع و هو الشك بإخراج فرد منه و مثل ما يقال يشترط في الصلاة الطهارة ثم‏

يقال الطواف في البيت كالصلاة فيكون من باب التوسعة في الموضوع أي موضوع‏

الحكم بوجوب الطهارة الصلاة و الطواف داخل فيه فيكون معناه ان الطواف‏

يشترط فيه الطهارة فالنظر يكون إلى بيان الواقع بهذا البيان.

و اما الحكومة الظاهرية فتكون في باب تقديم الأمارات على الأصول و الأصول‏

المحرزة على غيرها فانه إذا قيل لا تنقض اليقين بالشك يكون الظاهر منه اليقين‏

و كذلك قوله بل انقضه بيقين آخر فإذا قامت الأمارة تقوم مقام اليقين و تصير موجبة

للحكم بنقض الحالة السابقة اليقينية فان معنى هذه الحكومة لا يكون هو التصرف‏

في الواقع بل يكون أحد الدليلين مقدما على الاخر في مفاده.

و ربما يظهر خلاف ما ادى إليه الأمارة و يعلم انه ليس الواقع كذلك و لذا يترتب‏

آثار الواقع بعد ظهوره فتكون الحكومة في مرتبة الظاهر و بالنظر إليه و اما مقامنا

فيكون حكومة الأمارة على القطع من باب الحكومة الظاهرية بمعنى أنه لا يكون‏

تنزيل الظن منزلة القطع في الواقع بل في الإحراز و يكون المدار على الواقع في‏

كشف الخلاف فيتصرف في ظاهر الدليل الدال على ان القطع الوجداني هو جزء

الموضوع و يقال ان المحرز أيضا يقوم مقامه.

و لكن الإشكال عليه(قده)هو ان المدار حيث يكون على الإحراز في المقام‏

أي مقام كون القطع جزء الموضوع يكون الإحراز هو الحكم الواقعي و يكون‏

التوسعة في الإحراز واقعا لا ظاهرا فيكون من الحكومة الواقعية على حسب نظره‏

الّذي أخذ عن الأنصاري(قده)فانه لو كان المدار على المقطوع كانت الحكومة

ظاهرية لأنه يمكن ان ينكشف خلافه بخلاف الإحراز فان هذا الّذي ادى إليه الأمارة

أيضا يكون إحرازا من باب التوسعة فالصحيح في النّظر هو ما ذكرناه من التوسعة

في الحجج عند العقلاء فتقوم الأمارة مقام القطع الطريقي الجزء الموضوعي أو

التمام الموضوعي.


65
و لكن هذا كله على مسلك التحقيق من تتميم الكشف و إرجاع الأمر إلى امر

عامل معاملة اليقين بالاعتبار أو التنزيل و الثاني هو التحقيق و الأول مسلك النائيني قده‏

و اما على مسلك الشيخ القائل بتنزيل المؤدى و على مسلك المحقق الخراسانيّ‏

القائل بجعل الحجية فلا تقوم الأمارة مقام القطع حتى مع قطع النّظر عن فساد المبنى‏

لأن معنى تنزيل المؤدى هو ترتيب أثر المقطوع على المظنون لا ترتيب أثر القطع‏

و كذلك معنى جعل الحجية هو ترتيب آثاره لا آثار القطع فلا يكون معنى الأمارة

ان لك قطعا حتى يقوم مقامه.

ثم ان الخراسانيّ(قده)تعرض في الحاشية على الرسائل لوجه تصحيح كلام‏

شيخه(قده)في قيام الأمارات مقام القطع الجزء الموضوع و ردّ،في الكفاية اما

بيان وجه التصحيح فهو انه(قده)قال بأن اللازم من قيامها مقامه حيث يكون‏

اشكاله تعدد اللحاظ أي لحاظ القطع طريقا و آليا و لحاظه استقلاليا و لا يمكن أن‏

يكون الدليل الواحد متكفلا للتنزيلين لأنهما متوقفان على اللحاظين.

و يمكن الذب عن الإشكال بأن يقال يمكن تصحيح ذلك بلحاظ واحد و هو

بأن يقال بأن دليل الأمارة حيث يوجب تنزيل المؤدى منزلة الواقع و كذلك دليل‏

الاستصحاب حيث يوجب تنزيل الظن منزلة المتيقن على مسلكه(قده)فبالملازمة

العرفية يستفاد منه تنزيل الشك منزلة اليقين أيضا فإذا قيل نزل المؤدى منزلة الواقع‏

يرجع معناه إلى انه كما في صورة القطع بالواقع كان عليك الجري على طبقه‏

كذلك في المقام يكون لك العلم الوجداني بالواقع التعبدي.

فانه بعد التعبد بالتنزيل في المؤدى يتحصل واقع تعبدي و يحصل العلم الوجداني‏

به حيث ان دليل حجية الأمارات قطعي فإذا كان لنفس القطع أثر يترتب عليه لا محالة

ففي ما لم يكن القطع جزء الموضوع يترتب آثار الواقع و المؤدى فقط و في ما يكون‏

جزء الموضوع فحيث يكون ثابتا بالملازمة يترتب عليه اثره أيضا بلا احتياج إلى‏

تعدد اللحاظ و تعدد التنزيل و لا يخفى عليك انه(قده)يكون في بيانه هذا مسلكه مثل‏

مسلك شيخه(قده)في باب الأمارات و هو تنزيل المؤدى و ان كان هو(قده)يقول‏


66
بجعل الحجية في غير المقام هذا حاصل كلامه في الحاشية بتقريب منا.

و اما ردّه في الكفاية فهو انه قال بان هذا الكلام و ان قلنا به في الحاشية و لكن‏

لا يخلو من تكلف و تعسف لأنه يلزم منه الدور لأن تنزيل المؤدى منزلة الواقع فيما

يكون القطع جزء الموضوع غير ممكن قبل تنزيل الظن منزلة العلم ضرورة ان‏

التنزيل يكون بلحاظ الأثر الشرعي المترتب عليه و المفروض انه لا أثر للمؤدى وحده‏

بدون حصول جزئه الاخر و هو العلم به فتنزيله منزلة الواقع متوقف على حصول‏

جزئه الاخر و هو العلم به و حصول العلم به متوقف على تنزيله ضرورة انه إذا كان‏

ذلك بالدلالة الالتزامية لا يمكن إثباته قبل إثبات ما يتوقف عليه و هو الدلالة المطابقية.

و لا يكون نظره(قده)إلى ان التنزيل حيث يكون طوليا لا يمكن‏1ذلك‏

بل يكون عمدة نظره إلى ان تنزيل المؤدى حيث يكون في رتبة العلة على الملازمة

لتنزيل الظن منزلة القطع و ما هو العلة محتاج إلى المعلول في هذا التنزيل لا يمكن‏

تأثير المعلول في العلة الا على وجه دائر.

و لا يخفى ان هذا كله يكون في صورة كون الإثبات بدليل واحد و اما إذا كان‏

في دليل خاص تنزيل المؤدى منزلة الواقع و كذلك تنزيل الظن منزلة القطع فيما

إذا كان جزء الموضوع بتعدد الدال و المدلول لا إشكال فيه أصلا و هو خارج عن‏

1:أقول يستفاد من متن الكفاية هو ان الإشكال يكون هو الطولية انظر

إلى قوله فيها فانه لا يكاد يصح تنزيل جزء الموضوع أو قيده بما هو كذلك بلحاظ

اثره الا فيما كان جزئه الاخر محرزا بالوجدان أو تنزيله في عرضه.

فمن قوله أو تنزيله في عرضه نفهم انه لو كان التنزيل عرضيا لا يكون الإشكال‏

بل يكون من ناحية الطولية على ان ما ذكره مد ظله أيضا يرجع إلى هذا لأن العلة

في طول المعلول ذاتا فلا يكون ما ذكره الا بيانا لمنشإ الطولية فان طولية التنزيل‏

يكون منشأها هذه الطولية و قوله في تتمة كلامه هذا كله يكون في صورة كون‏

الإثبات بدليل واحد إلخ يكون معناه هو ان العرضي لا إشكال فيه و الطولي فيه‏

الإشكال.


67
الفرض لأنه يكون في صورة كون الدليل واحدا.

و لكن يمكن الجواب عن الإشكال بتنظير المقام بالأخبار مع الواسطة فان‏

حاصل الكلام فيها هو ان التعبد بتصديق العادل يلزم ان يكون بلحاظ أثر شرعي‏

فمن يكون مقول قوله قول الإمام عليه السّلام فحيث يكون قوله عليه السلام حكما شرعيا يصح‏

التعبد به و اما إذا حصلت الواسطة لأن مقول قول الراوي عن الراوي الأول هو قول‏

الراوي لا قول الإمام عليه السلام فكيف يمكن التعبد فهنا قيل في الجواب ان الأمر بتصديق‏

العادل ينحلّ إلى افراد متعددة طولية و عرضية.

فتطبيق أحد الافراد على ما يكون مقول قوله قول الراوي عن الإمام عليه السّلام‏

يتحقق الموضوع للفرد الاخر أي الموضوع الّذي يكون له الأثر الشرعي و هو قول‏

الراوي عن الإمام عليه السّلام فأحد افراد الأمر يوجب حصول الموضوع للفرد الاخر

ففي المقام لقائل ان يقول بأن التنزيل الواحد أي تنزيل المؤدى منزلة الواقع يوجب‏

ان يتحقق الموضوع تنزيل الظن منزلة اليقين ثم بعده يتحقق المحرز و يمكن تنزيله‏

منزلة القطع في صيرورته جزء الموضوع.

هذا كله على مسلك الشيخ القائل بتنزيل المؤدى و اما نحن ففي غنى عن ذلك‏

و نتمسك بما مر من القطع الطريقي و يصح ان يكون الأمارة مقامه إذا كان جزء

الموضوع من باب التوسعة في الحجج.

في عدم جواز أخذ القطع في موضوع شخص الحكم‏

الأمر الرابع:

في انه لا يمكن أخذ القطع في موضوع شخص هذا الحكم‏

مثل ما إذا قيل إذا قطعت بجواز الشهادة يجوز لك الشهادة فان القطع بجواز الشهادة

و هو الحكم أخذ في موضوع هذا الحكم و هو جواز الشهادة و قد اتفقت الآراء على‏

القول بالمحالية تارة من باب لزوم الدور و هو ان الجواز متوقف على القطع به‏

و القطع به متوقف على الجواز و هو الدور و تارة يعبرون عنه بتوقف الشي‏ء على نفسه.

و فيه ان الدور هنا غير متحقق ضرورة ان التوقف على الفرض لا يكون من‏


68
الطرفين حيث ان القطع بالحكم لا يتوقف على الجواز و هو المقطوع بل التوقف‏

من ناحية المقطوع فانه يتوقف إثباته على القطع و اما القطع فإثباته لا يتوقف عليه‏

فانه يحصل و لو لم يكن له خارج أصلا كالجهل المركب فانه يكون القطع عنده‏

و لكن لا واقع للمقطوع.

و تارة يعبرون بأن هذا مستلزم للتهافت في اللحاظ و بيانه ان القاطع بشي‏ء

يكون حكم العقل مستقلا بالجري العملي على طبقه فان من قطع بجواز الشهادة

يجوز له ذلك من دون الاحتياج إلى الحكم ثانيا بالجواز مترتبا على القطع فانه‏

يكون لغوا فلا يكون للأمر مع لحاظ المكلف قاطعا بالحكم حكمه به.

و هذا الإشكال يستلزم موانع في الفقه في قصد الأمر في العباديات و في الجهر

و الإخفات و القصر و الإتمام فان الحكم بوجوب الجهر و غيره مما ذكرنا يكون بالنسبة

إلى العالم به و اما الجاهل فلا يكون له هذا الحكم فالقطع بالحكم أخذ في موضوعه‏

مع اعتراف القائلين بالمنع في المقام بما ذكر من الأمثلة.

و قال النائيني(قده)ان الحكم بالنسبة إلى العلم و غيره اما ان يكون مقيدا

أو مطلقا و الإهمال محال و حيث ان التقييد بالعلم غير ممكن فالإطلاق أيضا غير ممكن‏

ضرورة ان النسبة بينهما العدم و الملكة فلا يمكن ان يقال ان الحكم غير مشروط بالعلم‏

به أو مشروط به.

و الجواب عنه ان الإطلاق على قسمين،اللحاظي و الذاتي.و ما هو الممنوع‏

في المقام و الأمثلة هو الإطلاق اللحاظي حيث لا يكون للأمر و الحاكم ان يأخذ قصد

الأمر و العلم بالحكم في الأمر من باب لزوم الدور و التهافت في اللحاظ و اما الإطلاق‏

الذاتي و هو السريان في نفس الطبيعة فلا إشكال فيه فان الحكم في ذاته لا يأبى عن‏

كونه مطلقا عن قيد العلم به و عدمه فإذا قيد في مقام لا ينافى شيئا.

هذا على فرض تسليم كون النسبة بين الإطلاق و التقييد العدم و الملكة و اما

على فرض كون النسبة التضاد فعدم إمكان الضد لا ينافى وجود الضد الاخر.

ثم انه يقال بعد إمكان القول بالإطلاق الذاتي ثبوتا ففي مقام الإثبات يقال انه‏


69
يثبت بتعدد الدال مثل تصحيح العبادية بالأمرين بان يقال يكون امر بأصل العمل‏

و امر آخر بإتيان المأمور به بداعي امره و هذا كله يكون صحيحا في صورة كون‏

الإشكال من ناحية الإثبات و لم يكن في الثبوت إشكال و لكن يمكن ان يسرى‏

الإشكال إلى مقام الثبوت أيضا ففي مثل الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام إذا كان‏

العلم دخيلا يكون دخيلا في جميع المراتب حتى يصل إلى مقام المصلحة و المفسدة.

فإذا قيد الحكم بالعلم به يكون معناه انه لا مصلحة للجهر بدون العلم به فالعلم‏

بالحكم متوقف على الحكم و هو متوقف على العلم ضرورة انه ما لم يكن العلم‏

لم يتم المصلحة و لم تكن تامة الا بالعلم فعلى هذا يجي‏ء الإشكال في الإطلاق الذاتي‏

أيضا و يمكن الذب‏1عن هذا بان يقال لنا مصلحتان مصلحة للواقع المعلوم‏

في طول تلك المصلحة فمصلحة للجهر و الإخفات في نفسها و مصلحة لهما مع العلم‏

بهما بحيث يكون للعلم دخل فيها حتى لا يتوقف تمامية مصلحة الواقع على العلم به‏

بل له مصلحة تامة و له مع العلم به أيضا مصلحة أخرى فيرفع الإشكال الثبوتي و يمكن‏

الإثبات بواسطة تعدد الأمر.

ثم انهم رضوان اللّه عليهم مثلوا كما مر فيما يكون العلم به مأخوذا في نفس‏

الحكم الشخصي بالقصر و الإتمام و الجهر و الإخفات و لكن عند التحقيق نرى ان‏

الأمثلة لا تكون من المقام لأنهم قالوا بأن الجاهل المقصر بالنسبة إلى الحكمين يكون‏

عاصيا و لكن لا إعادة لصلاته فنستكشف من هذا هو ان أصل الحكم لا يكون منوطا

بالعلم به ضرورة انه لو لم يكن لما كان معنى للعصيان بل يكون الواقع بالنسبة إلى‏

1:أقول المفروض ان الجهر و الإخفات و غيرهما لا يكون لهما حكمان‏

أحدهما لهما بنفسهما و أخرى بلحاظ تعلق العلم بل يكون لهما حكم واحد بلحاظ

حال العلم و الإشكال يكون من هذه الجهة.

نعم لو قلنا بان لهما الحكم في الواقع للعالم و الجاهل و لكن حيث ما حصل‏

العلم و اتفق إتيان الصلاة و قيل بعدم الإعادة من باب تفويت مصلحة الواقع فيكون‏

كلام آخر و لا ربط له بتعدد المصلحة كما ذكر-مد ظله.


70
العالم و الجاهل و لكن بعد الجهل و الإتيان بالعمل تنطبق قاعدة لا تعاد من باب تفويت‏

مصلحة الواقع أي لا يمكن تحصيلها بعد إتيان الصلاة بدونها كما يقال في جميع‏

الموارد الّذي يقال بالاجزاء لمصلحة التفويت كمن يشرب الماء و لا يبقى مورد بعده‏

لشرب(الأنگبين)الأنجبين و كذلك القصر و الإتمام فلا تكون الأمثلة مما أخذ العلم‏

فيهما في شخص الحكم هذا كله بالنسبة إلى القطع المأخوذ في شخص الحكم.

و اما القطع المأخوذ في مثله مثل ان يقال إذا قطعت بحرمة خمر يحرم بحرمة

أخرى غير ما قطعت به فانه يكون الحرمة الثانية مثل الحرمة الأولى و الحق هنا عدم‏

الإشكال الا من ناحية لغوية الخطاب كذلك.

ثم هنا كلام عن بعض الأعيان قده‏ (1) لا بأس بتوضيحه هنا و هو انه قال بان الحكم‏

المماثل للواقع لو كان هو التحريك و التحرك الخارجي يكون من اجتماع المثلين‏

المبرهن عليه في الفلسفة انه محال كاجتماع الضدين لأنهما لا يرد ان على موضوع‏

واحد في حال واحد و لا معنى لتعدد التحريك في الخارج و اما لو كان الحكم هو

الإرادة المبرزة فحيث أن الإرادة قابلة للاشتداد فيمكن ان يكون القطع بالحكم دخيلا

في حكم مثله و اللازم منه الاشتداد في العشق و الشوق بالنسبة إلى المطلوب هذا

حاصل كلامه رفع مقامه.

و الجواب عنه(قده)هو ان الحكم يكون على المختار هو الإرادة المبرزة

و لا فرق بين الواجبات المشروطة و المعلقة و المطلقة على ما هو التحقيق و لكن ما يقال‏

انه يوجب الاشتداد فيكون من باب ان الإرادة تعلقت بالمرادين أحدهما في طول‏

الاخر فان أصل الإرادة تعلق بحرمة الخمر أولا و بالذات و تعلقت إرادة أخرى بها

بملاحظة كون الحرمة مما تعلق العلم به فيكون متعلق الإرادة شيئين.

و النائيني(قده)يقول باشتداد الإرادة في باب الصلوات الاستئجارية أو

العبادات طرا بأن الأمر التوصلي من قبل الإجارة مع الأمر التعبدي لنفس العمل‏

1)هو الشيخ محمد حسين الأصفهاني في ص 23 من شرح الكفاية ج 2.

71
يتأكدان كما في النذر يتأكد بالأمر من قبل النذر و لكن هذا القائل لم يقبل منه لكون‏

أحدهما متعلق بغير ما تعلق به الاخر فلا يكون له هنا ان يقول بالاشتداد على حسب‏

مسلكه(قده)هذا أولا.

و ثانيا لو كان الحكم هو التحريك الخارجي فكيف لا يقبل الاشتداد فانه أيضا

يكون قابلا للشدة و الضعف فلا فرق بين ان يكون الحكم هو الإرادة أو التحريك‏

الخارجي و كيف كان لا إشكال في أخذ العلم في موضوع حكم المماثل إلاّ من‏

ناحية لغوية الخطاب حيث انه إذا كان الشي‏ء حراما لا معنى لحرمته ثانيا بعد جعل‏

الداعي لتركه و هو جعل الحرمة مثلا بالنسبة إليه.

و اما أخذ العلم في موضوع حكم يضاده فان كان معنى الواجب و الحرام‏

الّذي هو الضد هو الفعل و طلب الترك و يكون متعلق أحدهما الوجود و متعلق الاخر

العدم فيصدق تعريف الضدين عليهما و هو انهما امران وجوديان لا يجتمعان في‏

موضوع واحد فان الفعل اما ان يكون مأمورا به أو منهيا عنه و لا يجتمع الأمر و النهي‏

فلا يمكن ان يقال مثلا إذا قطعت بوجود شي‏ء يحرم عليك ذلك الشي‏ء من باب عدم‏

اجتماع الضدين و اما ان كان معنى الواجب و الحرام هو ان أحدهما البعث إلى‏

الوجود و الثاني البعث إلى الزجر عن الوجود فيكونان مثلين في كونهما البعث‏

و متعلق كليهما الوجود فكل ما يقال في البحث السابق من اتخاذ القطع بحكم في‏

موضوع حكم يماثله من انه يرجع إلى لغوية الخطاب يقال هنا أيضا.

هذا كله في القطع الّذي كان طريقا محضا أو موضوعا بأقسامه و اما الظن ففي‏

صيرورته طريقا أو جزء الموضوع يكون البحث فيه في مقامات:

الأول:لا شبهة و لا ريب في ان الظن يكون حجيته بنحو من الجعل عن‏

الشارع و لا يكون له حجية ذاتية مثل القطع حتى يكون الحاكم بها هو العقل من‏

باب أنه يكون طريقا ذاتا و الظن لا يكون له الا طريقية ناقصة فما دام لم يتم نقصه‏

بالإمضاء لا يكون حجة.

ثم انه ربما توهم ان الظن إذا كان حجة من باب الانسداد على الحكومة بمعنى‏


72
انه بواسطة الانسداد نفهم ان الظن حجة بحكم العقل بخلافه على الكشف بمعنى‏

ان دليله يكشف عن ان الشارع جعل الظن حجة فانه يرجع إلى جعل الشارع إياه‏

حجة فعلى الأول و هو الحكومة حيث يكون الحاكم هو العقل يكون حجة ذاتا

و العقل كما يحكم بوجوب متابعة القطع كذلك يحكم بوجوب متابعة الظن.

و قال شيخنا النائيني(قده)في مقام الجواب ان الظن لا يكون حجة عقلية في‏

شي‏ء من الحالات و لا تكون منجعلة كالعلم و حجية الظن الانسدادي بناء على الحكومة

ليس معناها حجية الظن عقلا بحيث يقع في طريق إحراز الواقعيات و إثبات التكاليف‏

بل معناها كفاية الامتثال الظني في الخروج عن عهدة التكاليف المعلومة إجمالا

فالحكم العقلي واقع في طريق الامتثال و الإطاعة لا في طريق الإثبات حتى يكون‏

الظن حجة عقلية.

و فيه ان عدم كون الظن حجة من حكم العقل لا يستلزم ان لا يكون مثبتا للأحكام‏

بل كما انه يكون في مقام الفراغ كافيا كذلك يكون كافيا في مقام إثبات الحكم‏

إثباتا ظنيا و لا وجه لاختصاصه بمرحلة الفراغ فقط.

في قيام الظن مقام ظن آخر في طوله‏

ثم انه‏1بعد إثبات كون الظن حجة بالجعل ينبغي البحث عن انه هل تقوم‏

الأمارات الاخر في طوله مقامه و كذلك الأصول المحرزة و غيرها في المقام الثاني.

و بعبارة أخرى كما انه قد مر البحث في انه هل تقوم الأمارات و الأصول‏

1أقول البحث عن قيام ظن مقام الظن الاخر مع وجود الدليل لكل منهما

في موضوع في طول الدليل الاخر أو عرضه لا فائدة له و كما ذكره الأستاذ مد ظله‏

لا معنى للقيام و لا يكون البحث بحث الحكومة و الورود بل الدليل يشمل كل واحد

من الظنون بالتساوي.

و اما في ساير أقسام الظن من الجزء الموضوعي و تمامه فيكون فرضا محضا

لا يكون له في الفقه نظير.


73
مقام القطع الوجداني إذا كان طريقا محضا أو جزء الموضوع أو تمامه على الطريقية

أو على الصفتية فهل تقوم الظن الاخر في طول بعض الظنون أو أصل محرز في طول‏

الأمارة أو غير محرز كذلك مقامه في الحجية مثلا إذا قيل تثبت الملكية بشهادة

العدلين فهل تقوم اليد أو أصالة الصحة بالنسبة إلى ما في اليد مقام شهادتهما أو أصالة

الصحة مقام اليد بناء على أنها أمارة و ليس لها لوازم أي لا يكون مثبتاتها حجة على‏

ما هو التحقيق أو بناء على كونها أصلا محضا أم لا فيه خلاف.

و الحق ان الظن الطريقي المحض يقوم مقام الظن الّذي يكون في طوله و يكون‏

القيام مقامه بالورود لأن المراد هو ان الواقع يحتاج إلى محرز و الأمارات كلها

محرزة للواقع لكن بعضها في طول بعض و كذا الأصول المحرزة و لكن شيخنا

العراقي يقول بأن كل واحد من الأمارات الطولية يكون في مقام الاخر و لكن نحن‏

نقول كل أمارة تكون بنفسها حجة و لا تكون مقام شي‏ء آخر و كنا نورد عليه هذا

و لم يقبل منا.

و الحاصل طولية الأمارة مثلا يكون في باب الحيض في العادة و التميز و الرجوع‏

إلى الأقران و الأقارب في غير الناسية و الرجوع إلى العدد المعين في الروايات من‏

التحيض في كل شهر ثلاثة أو سبعة أو ستة أيام على ما هو المحرز في محله فنحن‏

نقول العادة و ان كانت متقدمة على التميز بالصفات و لكن لا يكون معنى الرجوع‏

إلى التميز هو كونه مقام العادة بل بنفسه أمارة على الحيضية و هكذا الرجوع إلى‏

الأقارب ثم الرجوع إلى الروايات في تعيين العدد فان الشارع جعل إحداهن الأمارة

بنفسها لكن بعضها في ظرف عدم بعض الاخر و لا معنى لقولنا يكون هذا مقام ذاك‏

مع جعل المحرزية من الشارع لكل منها هذا كله بالنسبة إلى الظن الطريقي.

المقام الثالث‏

في الظن الجزء الموضوعي أو تمامه على وجه الطريقية

فتارة يكون البحث‏

في الظن المعتبر و تارة يكون في ما هو غير معتبر.


74
أما ما هو المعتبر فان كان جزء الموضوع لحكم آخر مثل ما يقال إذا ظننت بحرمة

شي‏ء يجب عليك التصدق بدرهم فان هذا القسم من الظن يقوم جميع الأمارات‏

المعتبرة مقامه و لو كان الموضوع بعض اقسامه مثل ان يقال إذا شهد العدلان بملكية شي‏ء

لشخص يكون التصدق واجبا فإذا صارت اليد أو أصالة الصحة في العقد سببا للملكية

أيضا يمكن ان يحصل جزء الموضوع به و هو الظن بالملكية و هذا يكون قيامه مقام‏

غيره بالورود لا بالحكومة و يكون أحسن حالا من قيام الأمارة مقام القطع الوجداني‏

ضرورة ان الظاهر كما مر في القطع المأخوذ جزء الموضوع هو الوجداني فقيام‏

الأمارة مقامه يكون بالحكومة و فرض المظنون كالمقطوع بواسطة التوسعة في دليل‏

اعتباره بخلاف المقام فان الظن المأخوذ جزء الموضوع أو تمامه يكون أحد افراد

المحرز فإذا حصل المحرز يكون جزء الموضوع حاصلا بالوجدان لا بالحكومة1

و المخالف هنا أيضا شيخنا العراقي فانه يقول بعدم قيام بعض الظنون مقام‏

البعض الاخر إذا كان الدخيل شخص الظن الخاصّ.

ثم لو أخذ شخص الظن الخاصّ جزء للموضوع يكون لظن آخر معتبران‏

يقوم مقامه مثل ما إذا قيل إذا ظننت بالملكية من طريق الأمارة يجب لك التصدق‏

بدرهم فانه يقوم الظن الحاصل من اليد مقامه‏2هذا كله في أخذ الظن بحكم في‏

1:أقول الكلام عن الحكومة و الورود في أمثال المقام لا وجه له على‏

حسب الاصطلاح بل إذا قام دليل على ان هذا الظن معتبر و أخذ في لسان دليل آخر

جزء الموضوع يكون شمول جميع الأقسام من الظن بالدلالة الانحلالية و يكون كل‏

واحد من افراد الموضوع.

فكل أمارة يكون ظنا معتبرا و يكون جزء الموضوع أو تمامه و لا يكون مثل‏

قوله كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام ليكون أحدهما رافعا لموضوع الاخر

كما ان العلم يوجب رفع موضوع الحلية و هو الشك و هذا واضح.

2:أقول لو استفدنا من دليل ان شخص هذا الظن معتبر في الموضوع‏

يكون قيام الغير مقامه مناف لكون شخصه دخيلا نعم لو كان لسان الدليل إذا شهد


75
موضوع حكم آخر و اما أخذ الظن في موضوع حكم نفسه و شخصه و هكذا المأخوذ

في موضوع حكم مماثله أو مضاده فيكون الكلام فيه مثل ما مر في القطع بأنه لا يمكن‏

اما الأول فللزوم الدور لأن الظن بالحكم متوقف على وجود الحكم قبله حتى يظن‏

به و وجود الحكم متوقف على الظن به و هذا يوجب التهافت في لحاظ الأمر و تقدم‏

الشي‏ء على نفسه و رؤية المتقدم متأخرا فان الموضوع مقدم على الحكم و الحكم‏

متأخر عنه ففرض ما هو المتقدم و هو الموضوع متأخرا.

و اما الثاني فلان اجتماع المثلين كاجتماع الضدين محال و حكم اجتماع‏

الضدين أيضا واضح فما عن الخراسانيّ(قده)بإمكانه في المقام لا وجه له ضرورة ان‏

الظن لا شأن له الا الكاشفية عن الواقع كالقطع و لا يكون دخيلا في المصلحة حتى‏

يؤخذ في موضوع حكم نفسه.

و اما هو قده فيكون حاصل مرامه هو ان الظن حيث لا يكون كاشفا للواقع بكشف‏

تام فينحفظ معه مرتبة الحكم الظاهري فإذا قيل إذا ظننت بحرمة شي‏ء يحرم عليك‏

ذلك الشي‏ء يكون الثاني حكما ظاهريا و في مرتبة الظاهر و متعلق الظن حكما واقعيا

و لكن حيث لا يكون العلم به واقعا لا إشكال في وجود حكم آخر.

و بعبارة أخرى انه(قده)يقول بأن الحكم المتعلق للظن يكون فعليا و لكن‏

بمعنى انه لو قطع به لتنجز على المكلف و استحق على مخالفته العقاب فعلى هذا

يكون للحاكم جعل حكم مماثل له أو مضاد له كما انه يمكن جعل الاحتياط في حق‏

الظان كذلك.

ثم قال(قده)ان قلت كيف يمكن ذلك و هل هو الا ان يكون مستلزما لاجتماع‏

المثلين أو الضدين:قلت لا بأس باجتماع الحكم الواقعي الفعلي بذلك المعنى أي‏

لو قطع به من باب الاتفاق لتنجز مع حكم آخر فعلى في مورده بمقتضى الأصل‏

العدلان بكذا يجب التصدق بدرهم و لم نفهم منه الخصوصية و نقحنا المناط و قلنا

بأن المراد منه المحرز الظني يقوم غيره مقامه بالبيان السابق و هو غير ما ذكره.


76
أو الأمارة أو دليل أخذ في موضوعه الظن بالحكم بالخصوص به.

و هذا الكلام منه(قده)مما لم نفهمه و ما فهمه تلامذته أيضا حتى سألنا عن‏

أستاذنا العراقي(قده)مراده قال ما فهمناه فانه لا معنى لقولنا انه لو قطع به لتنجز

بعد كونه منجزا فعلا و الظن يكون معتبرا و موجبا لجعل الحكم فعلا في مورده سواء

كان المراد بالحكم الإرادة أو التحريك و التحرك الخارجي فان اجتماع الإرادتين‏1

الفعليتين بالنسبة إلى شي‏ء واحد محال سواء كانت من المثلين أو من الضدين و كذلك‏

التحريك الفعلي الّذي يتم جميع جهاته من الشرائط و رفع الموانع أيضا لا يتصور

له أزيد من واحد ضرورة انه أيضا من اجتماع المثلين أو الضدين.

لا يقال ان الظن الّذي هو جزء الموضوع قلتم يكون كاشفا و منوّرا لمتعلقه‏

فنور المتعلق منه و اما نوره فمن أين حصل مع انه ظن.لأنا نقول جواب هذا واضح‏

لأن نورية هذا الظن يكون بجعل الجاعل بعد كون المفروض ان الظن يكون معتبرا

اما غير المعتبر فلا كلام فيه هنا.

و اما إشكال الدخل في المصلحة و أنه إذا أخذ جزء الموضوع يكون دخيلا

فيها كما كان في القطع و مثّلنا بمسألة الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام فيكون في‏

المقام أيضا ضرورة انه يلزم منه أيضا تقدم الشي‏ء على نفسه من باب انه ما لم يكن‏

الظن بالحكم لا يكون له مصلحة و الظن به متوقف على وجوده و لا جواب عنه.

لا ثم و لا هنا2هذا في الظن المعتبر و اما الظن الغير المعتبر الّذي أخذ في‏

الموضوع أيضا لا يمكن ان يكون أخذه بنحو جزء الموضوع أو تمامه في إثبات‏

نفس حكم متعلقه و لا مثله و لا ضده حيث انه يلزم منه الدور و توقف الشي‏ء على نفسه‏

1:أقول:قد أطال الكلام في ذلك الشيخ محمد حسين الأصفهاني(في‏

ص 25 و 24)من شرحه على الكفاية ان شئت فارجع إليه.

2:أقول مر منه في مقام الإشكال عن النائيني(قده)إصلاح المطلب برتبتين‏

رتبة الواقع قبل العلم به و رتبته بعده فقال بطولية المصلحة فله ان يقول هنا أيضا

و لكن لا يصح على التحقيق كما مر و لعله سهو وقع منه.


77
و التهافت في اللحاظ كما في الظن المعتبر.

و لكن قال شيخنا النائيني(قده) (1) بأنه إذا كان مأخوذا في إثبات حكم‏

ضده لا يصح لأنه لا يمكن ان يكون للشي‏ء حكمان متضادان مثل ان يقال إذا ظننت‏

بحرمة شرب الخمر يجب عليك شربه حيث لا يكون وجه الاجتماع الوجوب و الحرمة

لأنهما ضدان.

و اما إذا أخذ في إثبات حكم مماثله فلا إشكال فيه مثل ما يقال إذا ظننت بحرمة

شرب الخمر بظن غير معتبر يحرم عليك شربه فانه ان صادف الواقع يكون مؤكدا

للواقع حيث ان المظنون يكون له الحكم الظاهري و ربما يوافق الواقع و ربما

لا يوافق فان لم يوافق فيكون الحكم هو الثاني و ان وافقه فيكون مؤكدا له بخلاف‏

القطع فانه حيث يكون مصيبا للواقع من الأول لا يمكن ان يجعل حكم مماثله لأنه‏

لغو و من اجتماع المثلين المحال.

و فيه انه(قده)ان كان إصلاحه هذا المطلب من باب اجتماع الحكم في‏

الرتبتين لا في رتبة واحدة فلا فرق بين القطع و الظن فانه في القطع أيضا يكون‏

للشي‏ء حكم بلحاظ نفسه و حكم بلحاظ تعلق القطع به و ان لم يصح اختلاف الرتبة

فالمقام أيضا لا يكون صحيحا و حيث لا يكفى اختلافها في إصلاح محذور الدخل‏

في المصلحة كما مر في القطع كذلك لا يكفى هنا.

مضافا بأن الظن الّذي هو غير حجة لا يكون مثبتا لمتعلقه حتى يكون الباب‏

من اجتماع الضدين أو المثلين فيما كان جزء الموضوع لأن الظن بالحرمة الواقعية

إذا كان موجبا للحكم بالحرمة أو الوجوب يحتاج الموضوع إلى جزءين الظن‏

و هو غير معتبر و متعلقه أيضا لا يثبت به فلا يحصل موضوع الحكم أصلا.

نعم فيما إذا كان الظن تمام الموضوع بنحو الصفتية بأن يكون هو المدار

لوجود الحكم بحيث انه إذا حصل الظن في النّفس حصل صفة يكون تمام الموضوع‏

1)في ص 13 في تقريرات الشيخ محمد على الكاظمي(قده).

78
للحكم بالحرمة أو الوجوب و لو لم يثبت الحرمة المتعلقة بها الظن و هذا كله يكون‏

حسب الفرض و الا فلم يكن لنا في الشرع غير الظن الّذي يكون طريقا لإثبات متعلقه‏

و اما الجزء الموضوعي أو تمامه فلا يكون لنا في الفقه.

في لزوم الالتزام بالأحكام و عدمه‏

الأمر الخامس‏

1:في انه هل الالتزام بالأحكام وراء العمل لازم أم لا و قبل‏

1:أقول الالتزام وراء العلم بالتكليف و العمل على طبقه بحيث لو سئل‏

عنه هل هذا حكم اللّه يصدق و لا ينكر و يعمل أيضا على طبقه يكون من مراتب كمال‏

العبودية و هو التسليم واقعا فان الإسلام الواقعي هو التسليم و له مراتب و هذا يحتاج‏

إلى السلوك النفسيّ و البناء لا يفيده حتى يقال انه واجب.

اما من باب المقدمية فكما ذكره مد ظله فلا حيث ان العلم بالتكليف مقدمة

للعمل عليه و لا يحتاج إلى تسليم فوق هذا فان أدنى مراتب العبودية هو العمل بما

علم و اما من باب شكر المنعم فما يجب بحكم العقل هو التصديق باللَّه و وجوب‏

معرفته و معرفة رسله الذين يكونون طريقا للوصول إليه بمعرفة أحكامه و اما التسليم‏

كذلك فهو و ان كان حسنا و لكن لا يتوقف عليه شكر المنعم و نحن الآن في صدد

إثبات حكم للعموم.

و اما الخواصّ فيجتنبون عن كل ما يكون خلاف رسوم العبودية ليعطي اللّه‏

لهم مقام التربية لمن دونهم فانه يمكن ان يقال ان ما ورد من ان العبودية جوهرة

كنهها الربوبية على فرض الصحة معناه ما ذكر لا أن معناه ان العبد بصير ربا بجميع‏

شئونه بل يصير قابلا لوساطة الفيض على غيره كما نشهد بأن محمدا صلى اللّه عليه و آله عبده‏

و رسوله و هو واسطة الفيض و هذا الكلام لم يكن هنا مقامه و لكن جرى على القلم‏

فان هذا له ذيل طويل.

و لا يخفى ان اللازم الّذي لا ينكر هو ان المسلم يجب ان يكون معتقدا بما

جاء به النبي صلى اللّه عليه و آله بمعنى انه لا ينكره و لو لم يصل عقله إلى مصلحته و ربما يرجع‏

الإنكار إلى الكفر كما في الضروريات.


79
الخوض في المقصود يجب ان يعلم ان حقيقة الالتزام في النّفس فيها نوع خفاء من‏

حيث انه هل يكون وراء التصديق و العلم شي‏ء آخر مثل البناء على ما علم(و بالفارسية

گردن نهادن آنچه ميداند)أم لا؟

و الحق انه يكون بعد العلم بالشي‏ء فعل من افعال النّفس و من مقولة الفعل‏

كما ترى ان الشخص مع الإذعان بحقية شخص لمنصب من المناصب ربما

لا يلتزم به و لا يترتب عليه آثاره لجهة من الجهات من خبث النّفس و غيره و هكذا

الأحكام الشرعية و الاعتقاد بالنبوة فان الشخص يقبل أوامر النبي صلى اللّه عليه و آله مثلا و لا يلتزم‏

به كما ان الإعراب في صدر الإسلام مع الاعتقاد بنبوته صلى اللَّه عليه و آله و علمهم بأنه نبي‏

ما كانوا ملتزمين بذلك بالعقد القلبي و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ثم انه تارة يقال‏

بوجوب الالتزام من باب الملازمة العقلية كما في المقدمة و ذيها و تارة من باب حكم‏

العقل بوجوبه لا من هذه الجهة و تارة يقال بوجوب الالتزام شرعيا من باب دليل خاص.

اما الأول و هو القول بالوجوب من باب الملازمة العقلية فلا يكون في المقام‏

لأن الالتزام بالوجوب لا يكون من مقدمات إتيان نفس العمل كالصلاة فانها مشروطة

بالطهارة لا بالالتزام بها فانه بدونه أيضا يصح الإتيان بها و لا يكون من مقدمات‏

الأمر بها أيضا كما هو واضح فانه لا مقدمية له لا من باب حكم العقل و لا من باب‏

حكم الشرع.

لا يقال ان الالتزام بالعمل واجب من باب انه ما لم يلتزم لا يأتي بالعمل و مع‏

احتمال وجوبه يجب حيث ان دفع الضرر المحتمل واجب عقلا كما ان دفع الضرر

القطعي كذلك.

و بعبارة أخرى العقل يحكم بأن رسوم العبودية يقتضى الالتزام بنبوة النبي‏

صلى اللّه عليه و آله و التسليم له و ان من يأبى عن ذلك خرج عن رسوم العبودية و دفع الضرر

المحتمل لازم أيضا لأنا نقول لا يتوقف العمل عليه و الضرر المحتمل مع وجود المؤمن‏

لا عقاب عليه ففي المقام إذا لم يكن دليل على الوجوب فأصل البراءة يحكم بعدم‏

وجوب دفعه.


80
و اما الخروج عن رسول العبودية فهو و ان كان كذلك و لا يكون هذا عبدا

منقادا و لكن لا ربط له بالوجوب فان سوء النّفس شي‏ء و الحكم بأنه يجب للشخص‏

إطاعتان:إطاعة لنفس العمل و إطاعة بالنسبة إلى الاعتقاد شي‏ء آخر يحتاج إلى‏

الدليل كما قلنا في التجري انه كاشف عن سوء النّفس و لا حكم له شرعا.

و اما الطريق الثاني و هو حكم العقل بوجوبه من باب أن شكر المنعم واجب‏

فكما ان بعد العلم بوجود اللّه تعالى يجب معرفته من باب ان الشكر يقتضى ذلك‏

فكذلك يقتضى ان يعتقد بنبوة النبي صلى اللّه عليه و آله مثلا من حيث انه جاء بالأحكام و الالتزام‏

بأحكامه لازم حيث انه يعتقد به بواسطة هذه الأحكام فمن لم يلتزم بأحكامه كأنه لم‏

يلتزم بنبوته واقعا.

و الجواب عنه هو ان الاعتقاد بالنبوة و ان كان واجبا من باب الشكر و لكن‏

لا يقتضى هذا الاعتقاد بكل حكم حتى ما جاء به في حيض النساء مثلا اللهم الا ان‏

يقال الاعتقاد الإجمالي بالأحكام حيث كان لازما من باب الشكر فينحل إلى جميع‏

الأحكام فالاعتقاد بجميعها لازم و الفرق بين هذين الطريقين هو أن الأول يكون لازمه‏

الاعتقاد بما يكون مقدمة لعمل نفسه من باب المقدمية و لا يجب عليه الالتزام بما

يكون منوطا بعمل غيره مثل ما ورد في حيض النساء و اما على فرض كون الطريق‏

حكم العقل فحيث لا يكون من باب الملازمة فالالتزام بجميع الأحكام لنفسه و لغيره‏

لازم فيلزم عليه الالتزام بوجوب الصوم و الحج و أحكام الحائض و النفساء.

و اما1وجوب الالتزام بالالتزام من باب الحكم الفقهي الشرعي التعبدي‏

فلازمه ان يقال ان الالتزام بالتزام الالتزام و هكذا لازم على نحو التسلسل و هو محال‏

على انه لا دليل على وجوبه نقلا.

ثم انه على فرض القول بوجوب الالتزام يجب ان يكون بالنسبة إلى ما هو

1أقول من هنا و ما بعده في هذا الفصل ينبغي ان يرجع إلى حاشية الكمپاني‏

للكفاية ص 17 لزيادة التوضيح.


81
المعلوم تفصيلا بالتفصيل و بالنسبة إلى ما هو المعلوم بالإجمال بنحو الإجمال فيكون‏

ملتزما بما جاء به النبي صلى اللّه عليه و آله و أوصياؤه عليهم السلام‏1و لا يخفى ان الإجمال لا يكون في‏

العلم مطلقا بل يكون في المنطبق فيما سمى إجماليا.

تنبيه‏

لا يخفى عليكم ان وجوب الالتزام لو قلنا به لا يختص بما حصل من القطع‏

بل كل حكم ادى إليه الأمارة أيضا يجب الالتزام بمفادها و كذلك مفاد الأصول‏

المحرزة و غيرها فانها أيضا وظائف قررت للشك فيجب الاعتقاد بان الوظيفة في‏

المورد الكذائي هو العمل على طبق الأصل.

ثم انه في موارد دوران الأمر بين المحذورين أو في مورد المتعارضين مطلقا

لو قلنا بأنه يجب الالتزام بأحد أطراف العلم الإجمالي تعيينا لا يمكن لأن الالتزام‏

الجدي بالحكمين سواء كانا وجوبين أو وجوب و تحريم لا يمكن مع العلم بان‏

أحدهما غير موافق للواقع فانه إذا علم ان صلاة الجمعة اما واجبة أو صلاة الظهر

أو أنها اما واجبة أو حرام لا يمكنه قصد وجوبهما معا و الوجوب و الحرمة لأن الالتزام‏

بالحكم فرع ثبوته الا بنحو التشريع المحرم بان يجعل ما ليس بواجب أو حرام‏

واجبا أو حراما.

مضافا إلى أنه لا دليل على وجوب هذا الالتزام و هكذا لو قلنا بأن الالتزام‏

1أقول لو قلنا بوجوب الالتزام من باب الحكم الشرعي و التعبد من دليل‏

اما من باب المقدمية أو طريق آخر لا يلزم منه التسلسل المحال بل يكون مثل الدليل‏

الدال على وجوب تصديق العادل تعبدا فانه ينحل إلى الافراد و يشمل حتى نفسه من‏

باب ان الحكم يكون على الطبيعي و كلما يعتبر المعتبر للالتزام التزام فيجب و إذا

انقطع الاعتبار انقطع الحكم و من المعلوم عندهم ان التسلسل في الأمور الاعتبارية

لا يكون محالا لكن لا دليل لنا على الوجوب الشرعي لا من باب الملازمة و لا غيرها

و كذلك الوجوب العقلي.


82
بأحدهما تخييرا لازم لأن الفرض ان اللازم هو الالتزام بأحدهما تعيينا لا أحدهما

تخييرا فيكون أيضا تشريعا و ما ورد في باب المتعارضين من التخيير في العمل بأحدهما

لا يكون دليلا على وجوب الالتزام أيضا كذلك فإجراء الأصل بالنسبة إلى أطراف‏

العلم الإجمالي بان يقال الأصل عدم وجوب الالتزام بهذا بعينه و ذاك كذلك لا مانع‏

منه و اما إذا قلنا بان الالتزام الإجمالي لازم فلا يمكن جريان الأصل لأن اللازم منه‏

العلم بالمخالفة القطعية و لكن لا لما ذكره الشيخ الأنصاري(قده)في الرسالة من أن‏

لازم جريان الأصل هو الاذن في المخالفة العملية للتكليف بالالتزام فانه مختص بما

إذا كان هنا تكليف مولوي شرعي بالالتزام و هو لم يكن في المقام بل لأن المخالفة

الالتزامية أيضا معصية التزامية للتكليف كالمخالفة العملية و الاذن في المعصية قبيح‏

في كل شي‏ء بعد وجود العلم الإجمالي بتكليف مردد في البين.

و لا يخفى ان ما ذكره(قده)يكون في صورة ان يكون المراد الالتزام بالحكم‏

المعين و اما الالتزام الإجمالي فهو مما لا إشكال فيه فانا نلتزم بأن الواقع المردد في‏

البين هو من اللّه تعالى مثلا و لا مانع في النّفس من اعتقاد هذا النحو من الحكم كما

إذا اعتقد بالإباحة الشرعية إذا كان دوران الأمر بين كون الواجب هذا أو ذاك و كما

إذا اعتقد بأصل حكم إلزاميّ في البين إذا كان الدوران بين الوجوب و الحرمة من‏

باب ان الانقياد حسن على أي حال.

و الحاصل مراد الشيخ(قده)هو ان الالتزام الّذي يكون واجبا يكون هو

الالتزام بالحكم و حيث لم يكن حكم منجز لا يكون لوجوب الالتزام معنى ضرورة

أنه يكون في رتبة الموضوع له فعلى هذا في موارد دوران الأمر بين المحذورين أو

المتعارضين حيث لم يكن في وسعنا ان نقول بوجوب كل واحد بعينه ضرورة انه‏

لا يتمشى القصد القلبي من عاقل على امر لا يعلم بوجوده واقعا فكيف من لم يعلم‏

بوجوب هذا بعينه يلتزم بوجوبه بعينه الا على نحو التشريع على مسلك القوم اللهم‏

الا ان يكون البناء الظاهري العملي كالبناء على ان الشك يقين في باب الاستصحاب‏


83
ففساد هذا القسم يكون من باب عدم تمشي قصده لا من باب التشريع كذلك إذا كان‏

المراد التخيير الواقعي بأن يختار أحدهما معينا ثم يلتزم به كما في خصال الكفارات‏

لأنه لا يكون المقام مثلها و لا يكون التخيير في المتعارضين واقعيا و اما التخيير كما في‏

باب التعارض ظاهرا و البناء على الالتزام بما اختاره و ان كان ممكنا ثبوتا و لكن لا دليل‏

لنا على وجوب هذا القسم من الالتزام فيمكن على هذا الالتزام الرجائي و لا يكون‏

الالتزام معينا واجبا.

و اما الالتزام الإجمالي فهو أيضا غير لازم لعدم تحقق موضوعه و بعبارة واضحة

دليل الأصل يكون حاكما على دليل الالتزام ضرورة ان دليل الأصل أمارة فإذا ثبت‏

بأصالة عدم وجوب هذا و ذاك التعبد بعدم الحكم لا يتحقق موضوع للالتزام حتى‏

يقال يجب فهذا الدليل يدل على ان الحكم لم يكن و الالتزام بالحكم فحيث تعبدنا

الشرع بعدم الحكم لا يجب الالتزام أيضا فالأصل في أطراف العلم الإجمالي لم يمنع‏

عنه وجوب الالتزام لو لم يكن مانع آخر.

و أجاب عنه تلميذه الخراسانيّ(قده)بالدور.و حاصله ان جريان الأصل‏

متوقف على عدم وجود المانع و هو وجوب الالتزام بالحكم و عدم وجوب الالتزام‏

متوقف على جريان الأصل لأنه ما لم يجر الأصل الّذي يكون معدما لموضوع الالتزام‏

لا نعلم عدم المانع الّذي يكون شرط جريان الأصل فيتوقف جريان الأصل على‏

جريان الأصل و هو دور واضح.

و قيل في الجواب عنده(قده)هو ان في الحكومة يلزم ان يكون أحد

الدليلين تعليقيا و الاخر تنجيزيا و اما إذا كان الحكمان تنجيزيين فلا وجه له و هنا

حيث يكون حكم العقل بالالتزام معلقا على وجود الحكم فان كان حكم فيجب‏

الالتزام به و دليل الأصل غير معلق بشي‏ء و لذا يرفع موضوع المعلق بدلالته على‏

عدم الحكم الّذي يكون من شروط وجوب الالتزام.

ثم هنا وجه آخر لعدم وجوب الالتزام عن المحقق الخراسانيّ(قده)على‏

تقدير وجوب الالتزام تخييرا و لعل وجهه ان الأصل مقتضاه هو الترخيص في مقام‏


84
العمل و معه لا إلزام بالنسبة إلى كل واحد عملا فلا وجه للالتزام و حيث انه فرض وجوبه‏

فلا يجري الأصل فالالتزام بكل واحد تخييرا مع عدم الالتزام عملا بخلاف ما إذا

كان الواجب هو الالتزام بما هو الواقع في البين.

و ان الالتزام القلبي على طريق الجد لا يتصور بالنسبة إلى خصوص كل‏

واحد و لا يتمشى من المكلف لأنه تابع للعلم و علم بأحدهما بالخصوص فلا التزام‏

كذلك فالالتزام لا بد أن يكون تعبديا بنائيا برجاء إصابة الواقع و من الواضح جدا

ان هذا النحو من الالتزام بالنسبة إلى خصوص كل واحد من الطرفين لا يصادم‏

الترخيص العملي فلا يمنع الالتزام الكذائي من جريان الأصل.

و لكني أقول كما ان الالتزام بمفاد الحكم لازم كذلك الالتزام بمفاد الأصل‏

أيضا لازم على فرض كون الالتزام بالحكم تنجيزيا أيضا فكما انه يجب الالتزام بالحكم‏

في البين كذلك يجب الالتزام بعدمه من باب أصل البراءة و قد مر ان الالتزام بمفاد

الأصل و هو الوظيفة المقررة للشاك أيضا لازم لو قلنا بوجوبه في غيره و مع ذلك‏

كله لا معارضة و لا مزاحمة لا مع الأصل و لا مع الالتزام به اما عدم المعارضة مع‏

الأصل فلان مفاده التعبد بعدم الحكم ظاهرا فنتعبد به و نتعبد في هذا الظرف أيضا

بما هو في الواقع حكم و نقول لو كان في الواقع واجبا أو حراما أو هذا واجبا

أو ذاك نلتزم به و نلتزم أيضا بعدم الحكم في الظاهر و اما عدم منافاته مع الالتزام‏

به فلأنه نلتزم بمفاد الأصل و نلتزم أيضا بما هو الواقع حكم الواقعة و لذا يمكن في‏

بعض الموارد الإتيان بالعمل برجاء الوجوب.

فان قلت الالتزام بالحكم الواقعي و الظاهري كليهما متعارض فانه لا يمكن‏

الالتزام بوجوب صلاة الجمعة في الواقع و الالتزام بعدم وجوبه أيضا في الظاهر.

لأنا نقول التعبد يكون بعدم الحكم في الظاهر و الالتزام يكون بما هو المحتمل في‏

الواقع.

فتحصل انه لا مانع من جريان الأصل في موارد المتعارضين من باب وجوب‏

الالتزام.


85
و لا يخفى انه يكون عندهم ثمرة بين جريان الأصلين و التساقط بالتعارض‏

لمنافاته للمعلوم بالإجمال و بين عدم جريانه من الأول و البحث عنها موكول إلى باب‏

التعارض و من هنا ظهر فائدة البحث في وجوب الالتزام و عدمه.

اما الثمرة الأولى فهي انه يكون نتيجته هي وجوب الالتزام و عدمه و هو حكم‏

فقهي و الثمرة الثانية هي ان القول به لا يلزمه ان يكون مانعا من جريان الأصل في‏

موارد المتعارضين لو لم يكن مانع آخر من جريانه عندنا و اما عند القائل بلزوم‏

الدور فيكون مانعا من جريان الأصل.

في حجية القطع مطلقا من أي سبب‏

الأمر السادس‏

في انه لا ريب في ان القطع حجة مطلقا حيث كان سواء حصل‏

من الأسباب العادية أولا و سواء حصل من شخص عادي أو ممن لا يكون عاديا مثل‏

القطاع و قد نسب إلى الأخباريين إنكار ذلك و لكن عند التحقيق يظهر انه ليس المراد

ان القطع ليس بحجة.

ثم ان القطع اما طريقي أو موضوعي كما مر و نبحث عن حكم كل واحد

منهما في المقام و عن حكم سبب القطع و القطاع.اما القطع الطريقي فحجة و حجيته‏

ذاتية كما مر لا تنالها يد الجعل لأنه يرجع إلى التناقض أو الدور و التسلسل ضرورة

ان الشارع لو قال أيها القاطع بحرمة الخمر يحل لك شربه يكون تناقضا حيث انه‏

لو كان حراما فكيف يكون حلالا أيضا فهل هذا إلاّ التناقض و لو كانت بجعل الجاعل‏

يلزم ان ننقل الكلام فيما دلّ على حجيته فاما ان يكون بالقطع و حجيته ذاتية أو

يحتاج إلى جعل جاعل و هكذا يتسلسل و لو كان متوقفا على سابقه فيدور فليس لأحد

ان يقول بأن القطع يكون السبب الخاصّ فيه دخيلا.

و الحاصل لا يكون الحكم بوجوب المتابعة تعليقيا بمعنى ان يكون لشخص‏

خاص أو سبب خاص دخل بل تنجيزيا و اما القطع الجزء الموضوعي فسيجي‏ء انه‏

يمكن ان يكون القطع الخاصّ دخيلا في الموضوع.


86
ثم لا يخفى عليكم ان هنا امرين:الأول:ان القطع الّذي نقول لا تناله يد

الجعل إثباتا و نفيا يكون من جهة إثبات الحكم و اما في مقام الفراغ فيمكن ان يتصرف‏

الشارع فيه مثل مورد قاعدة الفراغ فانه يمكن ان يكون اجزاء الصلاة مثلا أربعة

واقعا و قطع به القاطع و لكن في مقام العمل نسي إتيان جزء و أتى بثلاثة أجزاء ففي‏

مقام الفراغ يقول المولى قطعك بأن الصلاة أربعة أجزاء ما كان لي سبيل إليه و الآن‏

أيضا كذلك و لكن لي أن أقبل في مقام الفراغ الثلاثة مقام الأربعة ففي مقام الجعل‏

يكون الاجزاء أربعة حتى الآن و في مقام الفراغ يقول تمت صلاته.

و الثاني انه يمكن ان يتصرف الشارع في أسباب القطع فيقول إذا حصل لك‏

القطع من المقدمات الكذائية يجب عليك العمل على طبقه مثل ان يقال للذي يجتهد

في الأحكام ان كان اجتهادك من المقدمات القوية مثل الشيخ الأنصاري(قده)لشدة

ممارسته في الأصول فلك العمل على طبق الاجتهاد و اما ان لم تكن المقدمات قوية

فلا متابعة لهذا القطع ففي المثال ان فرّق شخص بين الأقل و الأكثر و المتباينين‏

و الدوران بين التعيين و التخيير بحيث لا يرجع إلى المتباينين يكون مجتهدا و اما

من لم يفرّق ففيه التأمل و هكذا فيما إذا كان العلم جزء الموضوع كما يقال مثلا إذا

قطعت بالجهر يجب عليك الجهر و إذا قطعت بالقصر يجب عليك القصر فان العلم‏

هنا يكون دخيلا في المصلحة على ما قيل و لا يكون هنا التصرف في القطع أيضا بل‏

يكون التصرف في المقطوع فان الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام في غير صورة

القطع لا يكون حكم الشارع و في صورة القطع يكون حكمه و اما نفس القطع فانه‏

حجة من غير تصرف من الشارع هذا كله في القطع الطريقي.

و اما القطع الجزء الموضوعي فقد قال جمع من الاعلام كما في الكفاية و عن‏

الشيخ(قده)فيمكن ان يتصرف الشارع فيه بالتوسعة و التضييق فله ان يقول إذا

قطعت بخمرية شي‏ء و كان هذا من جهة عادية دون ما كان من مثل القطاع فهو حرام‏

و اما إذا قطعت بطريق غير عادي فلا اعتبار به و هكذا الشك فان له ان يقول إذا

شككت فابن علي الأكثر ثم يقول بأن كثير الشك لا اعتبار بشكه هكذا قيل.


87
و لكن لنا ان نقول تارة يكون جزء الموضوع بنحو يكون العناية إلى جهة

خاصة في حصول المصلحة و هو كما ذكر قابل للتصرف و اما إذا قال بنحو عام إذا

قطعت بشي‏ء من الطرق التي ينبغي حصول القطع منها فاتبعه فلا يمكن التصرف في‏

القطع الحاصل لأن القاطع لا يرى مقدماته مما لا ينبغي الوصول إلى ذيها و لو كانت‏

في الواقع مما لا ينبغي فله العمل على قطعه و لا يمكن ردعه الا بحيث ينقدح في نفسه‏

فساد المقدمات ليزول قطعه و هذا القسم من القطع ليس في الواقع من الموضوعي‏

كما مر في الأمرين السابقين مثل الاجتهاد بالطرق المتعارفة من المقدمات القوية.

ثم ان الأخباريين حيث منعوا من القطع الحاصل من المقدمات العقلية

و لا يمكن قبول هذا منهم من باب كون الحجية ذاتية في القطع فوجّهوا كلامهم بتوجيهات‏

لا تتم.الأول ان يكون مرادهم بالقطع هو الموضوعي و صريح كلماتهم يدفعه لأنهم‏

يقولون بان كل ما لا يكون بالسماع من الصادقين عليهما السّلام لا يكون حجة.و الثاني ان‏

يكون مرادهم ان المقدمات العقلية حيث لا يوجب القطع لا يكون متبعا ففي الواقع‏

أنهم يقولون لا يحصل القطع لا انه لا يتبع و هذا أيضا غير وجيه لأن كلامهم في ان‏

المدار يكون على السماع عن المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين.

و الثالث.ان يقال حكم العقل لا يكون بالنسبة إلى حجية القطع تنجيزيا بل‏

يكون تعليقيا بعدم ردع الشرع عنه فحيث يكون مخالفة عنه لا يتبع و هو أيضا ممنوع‏

لأن حكم العقل بذلك تنجيزي لا تعليقي و الأولى بشأن الأخباريين ان يقال مرادهم‏

هو ان المقدمات العقلية حيث لا توجب غالبا القطع لا تكون متبعة.

الأمر السابع:في القطع الإجمالي المعبر عنه بالعلم الإجمالي‏

في انه هل يكون القطع الإجمالي مثل القطع التفصيلي في استقلال العقل‏

بوجوب المتابعة أم لا؟خلاف بين الاعلام.و البحث تارة يكون في الجعل و تارة

في الفراغ فانه ان كان البحث عن ان العلم كذلك هل يوجب إثبات التكليف و هل‏

يكون منجزا كالعلم التفصيلي يكون البحث عن الجعل و ان كان البحث في أنه بعد


88
إثبات الحكم بالدليل فهل يكون الامتثال الإجمالي كافيا يكون البحث في الفراغ‏

و يكون البحث كذلك موكولا إلى باب الاشتغال و البحث هنا عنه استطرادي و لنقدم‏

البحث عن الأول.

و نقول يكون البحث عنه في مقامات:الأول في أنه هل يكون للعلم اقتضاء

للتنجيز أصلا أم لا؟الثاني بعد ثبوت الاقتضاء في انه هل يكون بنحو العلية التامة

أو يكون مقتضيا؟و الثالث في أنه بعد إثبات كونه علة تامة هل يكون العلية كذلك بالنسبة

إلى حرمة المخالفة القطعية أو بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية بحيث يكون‏

الاجتناب عن جميع أطراف محتمل الحرمة لازما.

اما المقام الأول فالحق فيه هو ان للعلم الإجمالي اقتضاء للتنجيز و لا يكون‏

مثل الظن بحيث يحتاج في إثبات الحجية له إلى جعل جاعل كما نسب إلى القمي‏

(قده)هذا المذهب.و الدليل على ما ذكرنا هو ان العلم الإجمالي كالتفصيلي فعليّ‏

من جميع الجهات بحيث يكون العلم دخيلا في التنجز لا الفعلية و حينئذ حيث لا يكون‏

فرق بينهما من هذه الجهة لا وجه لاختصاص الحجية بأحدهما دون الاخر نعم يكون‏

الفارق هو احتفاف منطبق هذا العلم بالشك بخلاف التفصيلي و مرجع عدم الاقتضاء

هو الترخيص فيما علم انه معصية للتكليف المسلم في البين و العقل مستقل بقبح‏

الترخيص فيما علم من التكليف فانه مع العلم بأن الخمر اما هذا أو ذاك فالامر

بالاجتناب في البين مسلم و لا شبهة فيه و القول بأنه يمكن ارتكاب كليهما قول بارتكاب‏

المعصية.

فان قلت:ما ذكرت صحيح إذا كان الارتكاب دفعة واحدة بان يشرب الكأسين‏

آنا واحدا فانه يعلم انه يعصى في هذا الحال للتكليف و اما إذا ارتكب تدريجا فعند

ارتكاب الأول لا يكون له العلم بالتكليف بالنسبة إليه و عند ارتكاب الثاني يحتمل ان‏

يكون التكليف في الواقع متوجها إلى الأول بكونه خمرا في الواقع فيرتكبه أيضا

و لا يعلم بالمعصية نعم بعد ارتكابهما يعلم بوجود شرب الخمر و حينئذ لا تكليف له.

و بعبارة أخرى في الشبهة المحصورة يقولون بأنه إذا خرج أحد الأطراف عن‏


89
الابتلاء مثل ما إذا علمت اما بنجاسة ثوبك أو ثوب من مكان في الديار البعيدة عنك‏

لا يجب الاجتناب ففي المقام حيث خرج أحد الأطراف بواسطة ارتكابه عن محل الابتلاء

لعدم الموضوع حتى يتوجه إليه الحكم فبالنسبة إلى الاخر تصير كالشبهة البدوية

التي يكون الأصل فيها البراءة اتفاقا.

قلت مضافا إلى أن المقام لا يكون من موارد الخروج عن محل الابتلاء حيث‏

لا يكون معناه هو الخروج بأي نحو كان و لو بارتكاب بعض الأطراف بل يكون‏

معناه هو كون التكليف بالنسبة إليه مستهجنا كما مثلناه و اما إذا كان التكليف عقلائيا

و لو لم يحتج إلى ارتكاب الجميع كالإزار في الحمام فانه إذا احتمل ان يكون‏

النجس هذا أو ذاك يجب عليه الاجتناب لحسن التكليف بالاجتناب و لو لم يكن هذا

الشخص مبتلى بجميعه بل ببعضه أن العقل مستقل بعدم جواز الترخيص في محتمل‏

المعصية مع وجود التكليف الفعلي في البين و الوجدان أقوى شاهد على ما ذكرناه.

فان قلت ثانيا بأن منشأ حكم العقل بوجوب المتابعة هو انه على فرض عدمها

يكون خروجا عن رسم العبودية و هذا في صورة كون التكليف مسلما يصح و اما إذا

لم يكن كذلك كما في المقام فلا يكون خروجا عن رسمها فان في كل طرف من‏

الأطراف حيث يشك في وجود التكليف تجري البراءة.

قلت هذا في الشبهات البدوية اما المعلوم بالعلم الإجمالي القابل للتطبيق‏

على هذا أو ذاك فلا يكون مما يجري الأصل بالنسبة إليه و بهذا يفارق الشبهات البدوية

فتحصل انه لا شبهة في ان العلم الإجمالي يكون له نحو اقتضاء للتنجيز.

و اما المقام الثاني و هو البحث عن كونه مقتضيا أو علة تامة فنقول لا شبهة أيضا

على التحقيق في أنه يكون علة تامة بالنسبة إلى الامتثال و يكون حكمه تنجيزيا

و لا ينوط بعدم جريان الأصل في مورده و لكن ربما يقال بأن حكمه تعليقي بتقريب‏

ان مرتبة الحكم الظاهري منحفظة مع جريان الأصل بالنسبة إلى كل واحد من‏

الطرفين فان عمدة الإشكال هي ان يكون جريان الأصل مناقضا للعلم و حيث ان‏

العلم يكون بالواقع و هو منحفظ و الأصل يكون جاريا في الأطراف فلا مناقضة


90
فالحكم الظاهري البراءة و الواقع يكون في عالمه منحفظا كما في الشبهات البدوية

و الموضوعية فان الأصل الذي يجري حيث انه يكون في مرتبة الظاهر لا ينافى‏

ان يكون حكم الواقعة في الواقع شيئا آخر فإذا جرى الأصل في مورد لا يكون‏

العلم منجزا للتكليف نعم ان كان في مورد المانع من جريانه فالعلم يؤثر أثره.

و الجواب عنه هو ان الإشكال لا يكون في المضادة حتى ترفع بواسطة المرتبة

الظاهرية و الواقعية إذ مرتبة انحفاظ الحكم الظاهري يكون الجهل بالحكم في كل‏

واحد من الأطراف و حيث يكون العلم الإجمالي منجزا بحكم العقل و الوجدان‏

يمنع عن جريان المرخص بالنسبة إلى الأطراف و عدم الفرق في نظره بين العلم‏

الإجمالي و التفصيلي فان ارتكاب أحد الأطراف عنده يكون معصية احتمالية و ارتكاب‏

كليهما يكون معصية محققة و هذا الارتكاز هو المانع عن جريان الأصل لا التضاد.

و بعبارة أخرى في الشبهات البدوية الجهل بالواقع و الكلام في انه كيف‏

يجري الأصل حتى لا يضاد الواقع و في المقام حيث يكون الحكم الواقعي معلوما

في البيان لا يكون الإشكال من ناحية التضاد بين الحكم الظاهري و الواقعي فان‏

ما ذكروه يكون من الأكل من القفا لعدم التوجه إلى ما هو المانع من جريان‏

الأصل هنا،نعم لو لم يكن العلم موجبا لتنجيز التكليف من جميع الجهات يمكن‏

هذا القول و لكن قد مرّ في المقام الأول انه منجز للتكليف.

و توهم ان إطلاق أدلة الأصول يشمل المقام فان قوله عليه السّلام كل شي‏ء حلال‏

حتى تعرف انه حرام بعينه يشمل المقام أيضا فمن هذا الإطلاق يستكشف ان العلم‏

يكون مقتضيا لا علة تامة مندفع لأن أدلة الأصول لا يكون موردها منحصرا بالمقام‏

حتى نحكم بدلالة الاقتضاء بذلك بل لها مورد آخر و هو الشبهات البدوية التي‏

لا يكون فيها العلم الإجمالي و بهذا يظهر ان العلم الإجمالي يضاده جريان الأصل‏

و لو أصلحنا مرتبة الحكم الظاهري و الواقعي في غير هذا المورد و لا يكفى الشك‏

التفصيلي في كل واحد من الأطراف.


91
في كون العلم الإجمالي علة تامة في المقام الثالث‏

و هو انه على فرض كونه علة تامة هل تكون هذه العلية بالنسبة إلى الموافقة القطعية

أعني يجب الامتثال بالاجتناب عن جميع الأطراف إذا كان العلم بالحرمة مثلا أو

تكون العلية بالنسبة إلى ترك المخالفة القطعية بمعنى انه إذا اجتنب عن بعض الأطراف‏

حيث لا تحصل المخالفة القطعية و يبقى بعضها الاخر لمكان العلم يكفى و الحق هنا

أيضا انه علة تامة بالنسبة إلى الأول و لكن الثاني يظهر من جمع من الاعلام منهم‏

الشيخ النائيني قده و يستدل له بأن جريان الأصول ممنوع حيث يكون مناقضا للعلم‏

الإجمالي و هو إذا كان الاجتناب عن بعض الأطراف مندفع بخلاف ما إذا ارتكب‏

جميعها فانه لا يبقى للعلم أثر أصلا و اما عند الاجتناب عن بعضها للعلم فترفع المضادة

و الشاهد على هذا هو أنه في مقام الامتثال يكتفى بالامتثال الاحتمالي كما مر في موارد

قاعدة الفراغ في صورة كون العلم تفصيليا فانه مع العلم بأن الصلاة مثلا أربعة

اجزاء يكتفى بالثلاثة فما ظنك بالعلم الإجمالي فان الامتثال الاحتمالي بالنسبة إليه‏

يكفى بالأولوية.

و الجواب عنه ان هذا الاستدلال مختل النظام خصوصا من جهة الذيل‏

و شيخنا الأستاذ قده أجل من ذلك فان الصدر يستفاد منه ان العلم لا يكون علة تامة

بالنسبة إلى الموافقة القطعية من باب رفع المضادة بين جريان الأصل في بعض‏

الأطراف و لكن في الذيل يتمسك بالأصول في مقام الفراغ فكأنه قده سلم ان العلم‏

يكون علة تامة و لكن في مقام الفراغ يجري الأصول الفراغية و لا يخفى على المتأمل‏

ان الأصول الفراغية تكون مؤكدة للعلم لا مناقضة فان معناها ان الواقع و ان كان‏

كذلك و لا محيص عنه و لكن اكتفى في مقام الفراغ بما أتى به لمصلحة من المصالح‏

و كيف كان فالحق ما تقدم من ان العقل حاكم بالوجدان بأنه يلزم الخروج عن‏

عهدة التكليف في البين و لا يكفى الامتثال الاحتمالي.

ان قلت كما أنه يكون من المسلم بأن التكليف إذا كان على الطبيعي الّذي يكون‏


92
متساوي الإقدام بالنسبة إلى الافراد على الجامع و يكون التخيير عقليا أو شرعيا في مقام‏

الامتثال كذلك المقام يكون التكليف بالجامع.

بيانه انه إذا كان الأمر بالصلاة يكون الطبيعي تحت الأمر و لا تكون‏

الخصوصيات من كونها على المنارة أو في المسجد أو في الحمام تحت الأمر فالعقل‏

يرى التخيير في الامتثال بإتيان أحد الافراد القابل لتطبيق الطبيعي عليه و كذلك إذا

كان الأمر بخصال الكفارات فان الشرع خيّر المكلف في الإتيان بالجامع بأحد

الافراد ففي مقام الامتثال يسقط التكليف بإتيان بعض الافراد و المخالفة تتحقق بترك‏

جميع الافراد.

ففي المقام يكون النجس المردد بين الكأسين هو واجب الاجتناب و يكون‏

هو الجامع فبترك بعض الافراد قد صار الجامع ممتثلا و هذا معنى كون العلم الإجمالي‏

علة تامة بالنسبة إلى ترك المخالفة القطعية و لا يجب الاحتراز عنهما كما لا يجب إتيان‏

جميع خصال الكفارات و لا جميع الافراد المحتملة من الصلاة.

قلت انه فرق واضح بين المقامين و هو ان التكليف في خصال الكفارات‏

يكون على الجامع الغير المنطبق على الافراد و كذلك في الصلاة و يكون التطبيق‏

بيد المكلف و له ان يطبق على أي فرد شاء و يسقط التكليف به و اما في المقام فيكون‏

التطبيق على الواقع بيد الآمر و يكون الحكم على الواقع المنطبق بحيث لو كشف‏

الغطاء لكان التكليف معينا في أحدهما و لكن حيث اشتبه الأمر لا ندري أنه على أيهما

انطبق في الواقع فيجب الاجتناب عنهما ليحصل العلم بتحصيل الواقع الذي يكون‏

الحكم منطبقا عليه واقعا و لا يكون باختيار المكلف حتى يطبقه على بعض الافراد

و يكتفى به فان امتثال البعض هنا لا يقتضى امتثال الجامع يقينا هذا بالنسبة إلى مقام‏

الجعل.

و اما الترخيص في مقام الفراغ فهو امر مسلم في بعض الموارد و لكن لا يدل‏

على ان العلم الإجمالي يكون مقتضيا حيث يجري في العلم التفصيلي مع أنه علة

تامة بلا إشكال.


93
و لتوضيح المقام نقول ان للعلم حسب نظر العقل جهتين:إحداهما.جهة

رؤيته اشتغال الذّمّة بما هو المعلوم و ثانيتهما.جهة الفراغ عنه ففي الجهة الأولى يحكم‏

باشتغال الذّمّة بالمعلوم بالإجمال المنطبق بدون حالة منتظرة لعدم إمكان الترخيص‏

المخالف لذلك و اما الجهة الثانية فللشرع في مقام المولوية ان يوسع في الامتثال‏

من حيث الفراغ و اكتفى بالامتثال الاحتمالي و هذا غير مربوط بمقام الجعل.

فان قلت كلما نتفكر نرى ان وجه اكتفاء الشرع بالامتثال الاحتمالي هو احتمال‏

مصادفة ما مع الواقع فأيّ فرق بين المقامين من الجعل و الامتثال مع انهما متماثلان‏

في هذا الاحتمال فان الواقع إذا كان فعليا من جميع الجهات فلا وجه لرفع اليد

عنه في المقامين و ان لم يكن فعليا من جميع الجهات فلا وجه لإتمام الشارع في مقام‏

الامتثال و رفع اليد عنه فانه مرفوع من الأول.

قلت فرق واضح بينهما و هو ان جهة الفعلية لا تكون محل البحث في المقامين‏

و لكن التصرف في حكم العقل بالتكليف ممنوع حيث انه يكون كاشفا عن الواقع‏

و لا يكون كشفه بالجعل حتى يكون رفعه أيضا بالجعل فانه لا تناله يد الجعل إثباتا

و نفيا و اما التصرف من الشرع في مقام الامتثال فحيث يكون في مصداق حكم العقل‏

لا في حكمه يمكن ان يتصور فان معناه هو ان ما أدّى إليه العلم هو الحكم و لا محيص‏

عنه و لكن يكتفى بالمصداق و لو لم يكن موافقا له من جميع الجهات.

فان قلت يمكن إرجاع التصرف في مقام الجعل في جميع المقامات إلى‏

التصرف في مقام الامتثال بيان ذلك ان المانع عن جريان الأصول هو المناقصة

بين الصدر و الذيل مثل قوله لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر فان العلم‏

الإجمالي أيضا يقين فلو جرى الأصل في الأطراف يلزم منه عدم العناية إلى ذيل دليل‏

الأصل فيمكن ان يقال ان الأصل في الأطراف يجري و يكون لازمه جعل البدل للواقع‏

و التخيير في مقام العمل بعدم جريان بعضها و معناه التخيير في الأخذ بإطلاق دليل‏

أحدهما دون الاخر من باب الأبدية كما انه إذا قامت الأمارة على تعيين بعض‏

الأطراف بجعله بدلا عن الواقع كالبينة على أن النجس مثلا هو هذا الكأس الأبيض‏


94
لا الأحمر و يمكن ان يكون مراد الخراسانيّ قده مع علو شأنه بالاقتضاء هو هذا البيان‏

قلت لا يمكن هذا الا على وجه الدور المحال إذ جريان الأصول متوقف على جعل‏

البدل و جعله يكون متوقفا على جريان الأصول ضرورة انه ما لم يجر الأصل لا يعرف‏

البدلية و لا يعرف البدلية الا من جريانه و المفروض انه لم يكن لنا دليل من الخارج‏

على البدلية.

فان قلت لا ثمرة للنزاع في كون العلم علة تامة لوجوب الموافقة القطعية و عدمها

إذ كون العلم علة تامة نتيجته عدم جريان الأصول و على الاقتضاء يجري الأصل فيسقط

المعارضة إذ لا مجال للتخيير حيث أن المسلك في باب الأمارات هو الطريقية لا السببية

و لا مجال له على الثاني فأين الفائدة.

قلت لا مانع من التخيير في الظاهر كما ينبه عليه الشيخ(قده)و أيضا ربما

يمكن ان يكون لبعض الأطراف مانع من جريان الأصل فيجري بالنسبة إلى الطرف‏

الاخر كما لو كان أحد طرفي الأصل مسبوقا بالطهارة و الاخر غير مسبوق بها في‏

صورة احتمال نجاسة الكأسين فيعارض استصحاب الطهارة مع قاعدتها فيسقطان ثم‏

يرجع إلى قاعدة الطهارة في طرف آخر و لو كان العلم علة تامة لا يجري الأصل‏

أصلا.فتحصل أنه لا إشكال في كون العلم الإجمالي علة تامة مطلقا و يثبت التكليف‏

به هذا هو المقام الأول.

و اما المقام الثاني فهو الكلام في الامتثال الإجمالي بعد الفراغ عن ثبوت‏

التكليف بأي طريق كان.و الكلام فيه أيضا يكون في جهتين:الأولى:في كفايته‏

بالنظر إلى اعتبار قصد الوجه في العبادات.و الثانية:بالنسبة إلى ان المناط في‏

الامتثالات هو نظر العقل أو العرف مع قطع النّظر عن اعتبار قصد الوجه و لا يخفى‏

ان البحث كله يكون في العبادات و اما المعاملات بالمعنى الأعم فلا شبهة في كفاية

الامتثال الإجمالي بينهم كما انه يكفى غسل الثوبين اللذين يكون أحدهما نجسا

و لو أمكن العلم بخصوص النجس.و لنقدم الجهة الثانية و هي الكلام بالنسبة إلى غير

قصد الوجه.


95
في أقسام الامتثال‏

فنتعرض هنا لكلام شيخنا النائيني(قده)فانه قال بأن الامتثالات على أقسام‏

أربعة:

الأول الامتثال اليقينيّ بعد إحراز التكليف يقينا بالنسبة إلى المأمور به سواء

كان بالقطع أو بالأمارات أو بالأصول.و الثاني الامتثال الإجمالي بمعنى إتيان جميع‏

المحتملات بحيث يحصل اليقين بإتيان ما هو الواجب في البين.و الثالث الامتثال‏

الظني.و الرابع الامتثال الاحتمالي و لا شبهة في عدم كفاية القسمين الأخيرين في‏

إسقاط التكليف كما انه لا شبهة في كفاية القسم الأول في إسقاطه و انما الكلام في الثاني.

و لا يخفى ان كيفية الامتثالات يكون بنظر العقل و في بعض الموارد يقول انه‏

يكون بنظر العرف و لكن للشرع ان يتصرف فيه بأن يرى ما يراه العرف امتثالا غير

كاف كما في بعض الشرائط و الاجزاء الخفية في الصلاة و بالعكس مثل موارد قاعدة

الفراغ فان تارك السورة مثلا إذا التفت بعد الصلاة يتم صلاته و العرف لا يراه امتثالا

لنقص بعض الاجزاء ثم بعد كون المناط هو نظر العرف في كيفية الامتثال في الامتثال‏

الإجمالي يرجع الأمر إلى دوران الأمر بين التعيين و التخيير فانه لا نعلم أنه هل يتعين‏

الامتثال التفصيلي أو يتخير بينه و بين الإجمالي و القاعدة في ذلك هي التعيين فيقدم‏

التفصيل على الإجمال و لا يرى العرف الثاني امتثالا يقينا و على الشك يكون حكمه‏

ما ذكر من اليقين و لا يكون من باب الأقل و الأكثر فلا يكفى الإجمالي و لا مجرى‏

للبراءة هذا حاصل كلامه رفع مقامه.

و يرد عليه أولا بأن العقل لا يكون مشرعا حتى يحكم بكفاية الامتثال و عدمها

و يتبع حكمه و لو كان المناط على حكم العرف أيضا للشرع ان يتصرف فيه و مع‏

الغمض عن هذا الشك في كيفية الامتثال أيضا يكون من الشك في شرط العبادة أو

جزئها فلا ندري انه هل يعتبر ان يكون البعث اليقينيّ موجبا للانبعاث أو الاحتمالي‏

أيضا في كل طرف يكفى فيرجع الأمر إلى الأقل و الأكثر و الأصل فيه البراءة.


96
و ثانيا لو كان المدار على التعيين و التخيير فلا نقول في جميع المقامات‏

بالتعيين بل كل مورد يرجع الشك إلى زيادة التكليف يكون الأصل فيه البراءة

و المقام كذلك فان التعيين لم يبين من الشرع فالأصل عدمه فتحصل انه مع كون‏

الامتثال بنظر العرف لا يعتبر الامتثال التفصيلي.

و اما على الجهة الثانية و هي اعتبار قصد الوجه فائضا لا يلزم و لا يتم صغرويا

و كبرويا اما الصغرى فلعدم اعتبار قصد الوجه و لا يكون الأصل عدم اعتباره في‏

المأمور به و لا يكون في الشرع عنه عين و لا أثر و إطلاق الخطاب أيضا يقتضى عدمه‏

و هو على ثلاثة أنحاء الإطلاق المقامي و الإطلاق السعي و الإطلاق الذاتي.

و لا يخفى ان قصد الوجه الّذي يكون من شئون قصد الأمر في العبادات لا يمكن‏

أخذه في لسان الدليل أي الخطاب بالمأمور به مثل أصل قصد الأمر لأنه ما لم يأمر

لا يكون لنا مأمور به حتى يقال ائت بالصلاة مثلا بقصد الأمر فان الفرض هو حصول‏

الأمر بنفس هذا الخطاب فيلزم منه تقدم الشي‏ء على نفسه بالبيان المفصل الّذي يكون‏

في باب التعبدي و التوصلي و لكن الطرق الثلاثة من الإطلاق يكفى و لو لم يمكن‏

الإطلاق اللفظي.

اما بيان الأول فلان المولى حيث يكون في مقام بيان ما هو مطلوبه و ان لم‏

يمكن أخذ القيد في اللفظ مع كون هذا القيد من القيود المغفولة التي تحتاج إلى‏

البيان و لكن يمكنه ان يبيّن قيده ببيان آخر و حيث لم يبيّن نفهم عدم دخله.

و بيان الثاني و هو عن شيخنا النائيني هو ان الأمر الواحد ينحلّ إلى الاجزاء

الطولية و بعض افراده المنحلة يوجب الموضوع لبعضها الاخر و هذا غير عزيز فان‏

الاخبار مع الواسطة أيضا يكون بهذا النحو فان تصديق العادل يجب حيث كان لخبره‏

أثر شرعي و هو قول الإمام عليه السّلام فإذا كان قول العادل مثل محمد بن مسلم هو قول‏

زرارة و لا أثر شرعي لقول زرارة من حيث هو قوله و لكن حيث يكون مقول قوله‏

قول الإمام عليه السّلام فنتيجة أحد افراد صدق و هو تصديق محمد بن مسلم مثلا توجب‏

وجود الموضوع لما له أثر ضرورة انه ما لم يصدق اللاحق لا يثبت قول السابق ففي‏


97
المقام أيضا أحد افراد الأمر بالصلاة مثلا يوجب كونها مأمورا بها و الفرد الاخر

يصير باعثا لإتيانها بقصد الأمر و لكنه يحتاج إلى قرينة دالة على هذا و حيث لم يأت‏

بها نفهم إطلاق الخطاب و عدم شرطية قصد الوجه.

و اما بيان الثالث فهو انه حيث لم يمكن أخذ القيد و لا يمكن على الفرض‏

انحلال الأمر إلى افراد طولية و لكن نفس اللفظ يكون بالنسبة إلى القيد و الإطلاق‏

عاريا فيكون قابلا للتطبيق على المطلق و المقيد و التعيين في المقيد يحتاج إلى دليل‏

خارج و حيث لم يكن القيد دخيلا فلا يعتبر قصد الوجه أصلا ففي الشك في التعبدي‏

و التوصلي الأصل هو التوصلية و قصد الوجه أيضا كذلك فيكفى إتيان المأمور به‏

بداعي الأمر لا بداعي الأمر الشخصي هذا منع الصغرى و اما منع الكبرى و هو على‏

فرض دخل قصد الوجه أيضا يمكن الامتثال الإجمالي فسيجي‏ء بعيد هذا.

و لا بأس هنا بالإشارة إلى وجه آخر لتقريب الاشتغال في صورة الشك في‏

كون قصد الوجه دخيلا أم لا بعد عدم تمامية الأخذ بالإطلاق و هو انه حيث يكون‏

من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر فاللازم القول بالاشتغال لأن ما هو وظيفة المولى‏

من بيان أصل العمل قد تم فان الصلاة لها اجزاء و شرائط و قد بينه الشارع و كيفية

الامتثال و منها قصد الوجه لا يكون بيانها بعهدته فان العبد بعد العلم بالاشتغال اليقين‏

يجب عليه الفراغ اليقينيّ و يعاقب على ترك الصلاة من ناحية هذا الجزء فانه لا فرق‏

بين ترك الصلاة رأسا أو ترك بعضها شرطا كان أو جزء فان المركب ينتفي بانتفاء

أحد أجزائه أو شرائطه ففي المقام إتيان العمل بدون قصد الوجه يوجب عدم العمل‏

بما هو الوظيفة لو كان في الواقع دخيلا و لو أتينا به نعلم بالفراغ يقينا فيلزم قصده.

و فيه ان هذا يكون تقريبا من القائلين بالاشتغال في جميع موارد الأقل و الأكثر

و منه المقام و حيث أثبتنا في محله أن الأصل البراءة فيه ففي المقام أيضا نقول بها

و حاصل الرد هو أن العمل كما يحتاج نفسه إلى البيان من المولى يحتاج كيفية

امتثاله أيضا إلى بيانه و حيث نشك في الكيفية من ناحية قصد الوجه أو التميز فالأصل‏

يقتضى البراءة عن الزائد و نحن في مقام العبودية يلزم ان نلاحظ ما أمرنا المولى‏


98
به و لا يجب علينا حفظ الأغراض الواقعية للمولى و لنا ان نحتج عليه بعدم البيان في‏

امتثال هذا الشرائط و الاجزاء و بعبارة أخرى للصلاة مثلا تركان ترك من ناحية بقية

الاجزاء المبينة و هو معاقب عليه لتمامية البيان و ترك من ناحية الجزء الذي لم يبين‏

و هو غير معاقب عليه فلو كان في الواقع قصد الوجه دخيلا و لم تقع الصلاة ما كان‏

للمولى حجة علينا فلا يتم هذا التقريب للاشتغال أيضا.

و هنا وجه آخر من باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير و هو ان العمل الذي‏

كلفنا به يدور امره بين أن يكون مع قصد الوجه فيوجب براءة الذّمّة تعيينا و بدونه‏

نشك فيها و حيث تكون القاعدة في ذلك الاشتغال فيجب الأخذ بالتعيين فهنا يلزم‏

القول بالاشتغال.

و فيه قد تقدم وجه لتقريب عدم الاشتغال فيما سبق و هنا نقول بوجه آخر و هو ان‏

ضابط التعيين و التخيير غير ضابط الأقل و الأكثر فان المصلحة في الأول تكون متعددة

قائمة باعمال متعددة مثل الكفارة بالإطعام أو بالصيام أو بالعتق فإذا كان الأمر دائرا

بين هذا معينا أو مع الاخر تخييرا لا يكون الإلزام واحدا و لا يكون له زيادة و نقيصة

بل إلزام واحد اما متعلق بهذا أو ذاك فلا يجري البراءة بالنسبة إلى الزائد و اما في باب‏

الأقل و الأكثر فتكون المصلحة واحدة مثل الصلاة مثلا فان لها مصلحة واحدة صلاتية

و يكون لأجزائها و شرائطها قلة و كثرة فإذا شك في الزائد يمكن نفيه بالأصل و الشك‏

في قصد الوجه يكون من قبيل الثاني دون الأول فالأصل يقتضى عدم اعتباره‏

و امام مع تسليم الصغرى فلنا كما مر منع الكبرى و هو أن قصد الوجه منحفظ

مع الامتثال الإجمالي على مسلك التحقيق و هو ان الداعي في الإتيان بالأطراف لا يكون‏

احتمال الأمر بل الأمر الوجوبيّ في البين و لكن يكون الاحتمال في التطبيق فمن يكرر

الصلاة يكون في كل فرد من افرادها داعيه هو الأمر الوجوبيّ و ما توهم احتمال‏

الأمر المنافي لقصد الوجه لا يكول له وجه و كذلك قصد التميز بمعنى تعيين العبادة

مثل كون الصلاة ظهرا فتكراره لا يضر بهذا الوجه.

و للخراساني قده أيضا هنا تقريب لعدم مضرية الامتثال الإجمالي بقصد الوجه‏


99
و هو ان الجزء الذي يكون في الأكثر عند إتيانه اما ان يكون من الاجزاء التي لا تضر

بالأقل فلا إشكال في ان إتيان الأكثر لا ينافى قصد الوجه بالنسبة إلى الأقل فيأتي بالأقل‏

بقصد الوجوب و يأتي بالجزء الزائد رجاء فان كان دخيلا فقد أتى به و الا فلم يأت‏

بشي‏ء مخل بالأقل و اما إذا كان الجزء مما يحصل به بطلان العبادة فلا كلام فيه أصلا.

و الجواب عنه(قده)أولا ان الكلام لا يكون في الأقل و الأكثر إذا لم يكن‏

مستلزما للتكرار بل الكلام يكون فيما إذا استلزمه فانه لا يكون له أقل و أكثر و الكلام‏

في قصد الوجه في كل طرف من الأطراف من أوله إلى آخره.

و ثانيا اما ان يكون الجزء نسبته مع الأصل بنحو اللا بشرط فيكون ضميمته إليه‏

كاتحاد الماء مع الماء و لا يكون له امتياز و اما ان يكون الكل بالنسبة إليه بنحو بشرط

لا فيكون مضرا بالعبادة فكيف قسم الاجزاء بين الأقل و الأكثر.و ثالثا الجزء1

المضاف إلى الأقل لا يصير عين ذلك بل لو كان مستحبا يبقى على استحبابه.

هذا كله في صورة إمكان الامتثال التفصيلي و اما إذا لم يكن فلا إشكال في‏

تقديم الإجمالي على الامتثال الظني لأنه المصيب إلى الواقع لا الظن فيما إذا لم يقم‏

دليل على اعتبار الظن الا على فرض عدم إمكان الامتثال الإجمالي و اما لو قام دليل‏

على اعتباره مطلقا فلا إشكال في كفاية الظني أيضا خصوصا على مسلك تتميم الكشف‏

لأنه فرد من العلم تنزيلا بخلاف تنزيل المؤدى فان ترتيب أثر الواقع لا يكفى في‏

1:أقول ان الخراسانيّ(قده)أيضا قائل بالوجه الّذي ذكره الأستاذ في‏

منع الكبرى و يكون تنظيره بالأقل و الأكثر لتوضيح الشقوق في المقام و كان يلتفت‏

إلى صورة الاحتياج إلى التكرار و ذكر حكمه في الكفاية و كان مراده من الجزء

المحتمل دخله هو صورة كون العبادة لا بشرط بالنسبة إليه و لعل مراده ما هو مراد

الأستاذ مد ظله و كل موارد البحث في الأقل و الأكثر يكون كذلك.

و اما اشكاله الأخير عليه فهو أيضا غير واضح فانه ليس في كلامه هنا ما يفهم‏

منه أن حده الاستحبابي يندك أو لا يندك فارجع إلى الكفاية و كيف كان فلا يكون‏

عليه(قده)كثير إشكال.


100
ذلك‏1و كذلك إذا لم يتمكن من الامتثال الإجمالي يمكن ان يعمل بالظن‏

الانسدادي و هكذا يمكن الامتثال الإجمالي و يكفى في صورة وجود الظن الانسدادي‏

و هنا أيضا قال الخراسانيّ(قده)بأن الظن الانسدادي يعتبر إحدى مقدماته عدم لزوم‏

الاحتياط أو بطلان ذلك من باب لزوم الاختلال بالنظام فان كان المختار هو الشق‏

الأول أي عدم لزوم الاحتياط فيمكن الامتثال الإجمالي و اختيار الاحتياط لأن المفروض‏

انه لا يكون ممنوعا و اما إذا كان المختار هو الشق الثاني أي بطلان الاحتياط من‏

مقدماته فهنا حيث يكون ممنوعا لا يكفى الامتثال الإجمالي في مقابل الظن الانسدادي‏

بل يجب العمل على طبق الظن كذلك بعد عدم الطريق إلى الامتثال التفصيلي و عليه‏

يمكن الحكم ببطلان عبادة تاركي طريقي الاجتهاد و التقليد أي المحتاط فيجب‏

اما الفحص و الاجتهاد أو التقليد لأن المفروض بطلان العمل كذلك.

و فيه ان هذا أيضا من العجب فان المطلب له شق ثالث و هو احتمال بطلان‏

العمل بواسطة اعتبار قصد الوجه فالاحتياط لا يمكن على فرض كون مقدمة الانسداد

هي عدم لزومه من باب اعتبار قصد الوجه فيجب ان يقول ان الظن الانسدادي هو المتعين‏

في المقام سواء كان مقدمته عدم لزوم الاحتياط أو بطلانه و لا وجه للتفصيل و هذا

تمام الكلام في مبحث القطع.

البحث الثاني في الظن‏

اعلم ان البحث تارة يكون في‏

إمكان التعبد بالظن‏
بعد عدم كون حجيته ذاتية

و عدمه و الإمكان يطلق في الفلسفة و الكلام في معان عديدة ربما تبلغ سبعة و هنا نبحث‏

عن قسميه الوقوعي و الذاتي اما الذاتي فهو الذي يكون الماهية بالنسبة إلى الوجود

و العدم متساوي الطرفين و لا يرجح أحدهما في نظر العقل فلا يكون فيه اقتضاء

أحدهما و اما الوقوعي فهو الإمكان الّذي يكون بعد الفراغ عن الإمكان الذاتي للماهية

1:أقول على فرض تنزيل المؤدى أيضا يكفى في كفاية الامتثال لو كان‏

لسان الدليل نزل أثر الواقع عليه أي أثر الامتثال الواقعي.


101
فان البحث فيه يكون عن أن العوارض الخارجية هل يكون مانعا عن وقوع ماهية

ما في الخارج أم لا.

و لا يخفى انه كلما كان الوقوعي متصورا يكون لازمه الإمكان الذاتي بخلاف‏

العكس و البحث هنا يكون من جهة ان المانع الخارجي هل يكون مانعا عن التعبد

بالظن أم لا و هل يكون له إمكان ذاتي أم لا اما إمكانه الذاتي بمعنى تساوى طرفي‏

الوجود و العدم فلا شبهة فيه من جهة بناء العقلاء على ان كل ما رأوه و لم يكن عندهم‏

مانع من وجوده يقولون بإمكانه الذاتي و هو الّذي قال الشيخ الرئيس كلما قرع‏

سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يزدك عنه قائم البرهان هكذا قال الشيخ‏

و لا وجه لإنكار الخراسانيّ(قده)بنائهم مدعيا انه لا يكون لهم سيرة في موارد الشك‏

لأن الوجدان شاهد عليه و اما الوقوع الّذي تمسك به في إثبات الإمكان الذاتي فهو

في غير محله لو لم يقم دليل آخر على إثبات إمكانه الذاتي لأن الوقوع يتوقف على‏

الإمكان و هو على الوقوع و الدليل القطعي و ان قام على حجية الأمارات الا انه بعد

عدم مساعدة العقل لا يفيد لأنه يكون من الظواهر و يلقى عند معارضة حكم العقل‏1.

ثم ان شيخنا النائيني(قده)قال بما حاصله ان المانع الّذي يجب البحث‏

عنه هو المانع الشرعي و أتعجب كيف قال بهذا و صار مطبوعا في الكتاب مع انّ‏

1:أقول انا نرى بالوجدان انه لا يشك أحد بعد وقوع الشي‏ء و وجوده‏

في انه كان ممكنا و لكن يكون التوقف من نظير توقف العلة على المعلول من طرف‏

واحد و توهم انه يكون من الطرفين و يلزم الدور و ان كان صحيحا في بدو النّظر و لكن‏

عند التحقيق الوقوع يتوقف على الإمكان و لا عكس بل الإمكان متوقف على ان‏

العقل إذا لاحظ الماهية لا يرى مانعا من وجوده و الاستدلال من الوقوع عليه يكون‏

نظير برهان الإنّ و يمكن ان يكون مراده مد ظله ان الوقوع الظني لا يدل على الإمكان‏

لأنه ليس الا ظاهر دليل و هذا صحيح إذا لم يكن الدليل على التعبد بالأمارات‏

قطعيا برهانيا.


102
المانع يكون عقليا لو كان و الّذي لا يعقل لا يمكن ان يشرع‏1و كيف كان فالمحاذير

التي يتصور في المقام أربع.

الأول نقض الغرض بيانه ان المولى ان تعلق غرضه بعمل مثل صلاة الجمعة

في الواقع و لكن جعل الأمارة على إتيان الظهر مكانها نقض محبوبه الذاتي و ما تعلق‏

غرضه به و هذا ليس الا من جهة جعل الأمارة.

الثاني إلقاء العبد في المفسدة و ترك المصلحة:بيانه انه إذا كان في الصلاة

مصلحة فجعل الأمارة في موردها و كانت على خلاف الواقع توجب للعبد فوت هذه‏

المصلحة و ان كانت مثلا في الواقع حراما ذا مفسدة فإذا ادى الأمارة إلى خلافه‏

فتوجب إيقاع العبد في المفسدة بهذا الطريق الظني.

الثالث اجتماع الضدين أو اجتماع المثلين بيانه انه إذا كان الحكم الواقعي‏

هو الوجوب و ادى الظن إلى الحرمة فيكون هذا اجتماع الحكمين المضادين في‏

متعلق واحد و ان ادى إلى مثله أعني الوجوب يوجب اجتماع المثلين على متعلق‏

واحد و كلاهما محال.

الرابع و يمكن إرجاعه إلى الثالث و هو تحليل الحرام و تحريم الحلال إذا

كان الواقع أحد هذين و أدى الأمارة إلى خلافه هذا.

و فيه ان المحاذير الأربع لا يلزم على كل تقدير بل يلزم بعضها على تقدير

و بعضها على تقدير آخر و كلها على تقدير و هذا يحتاج إلى البيان ليتضح المرام.

فنقول:ان الأمارات اما أن يكون حجيتها على الطريقية بكونها كاشفة للواقع‏

إذا أصابت و عذر عند الخطاء و على الموضوعية يكون المصلحة في نفسها أصابت‏

الواقع أو لم تصب و على كل تقدير اما أن يكون في حال انفتاح باب العلم أو

1أقول لعل مراده(قده)من هذا هو ان البحث حيث يكون بعد ملاحظة

جعل الشارع أحكاما في الواقع و يكون له الواقع يأتي هذا البحث و إلاّ فاصل‏

الإمكان في التعبد بالظن مع قطع النّظر عنه فلا كلام فيه.


103
انسداده فالصور تكون أربعة:

الأولى:ان يكون الحجية بنحو الطريقية في حال الانفتاح فيلزم نقض الغرض‏

و تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة دون اجتماع الضدين أو المثلين أو تحريم‏

الحلال و تحليل الحرام فالأوّلان واضحان و اما الثانيان فلأنها لا توجب حكما خلاف‏

ما في الواقع لكونها طريقا إليه.

الثانية:ان تكون طريقا في حال الانسداد فلا يلزم أحد منها لأن الغرض‏

و المصلحة يفوت سواء جعل الأمارة أم لا و عدم اجتماع الحكمين أيضا واضح.

و الثالثة:أن تكون بنحو الموضوعية في حال الانفتاح فيلزم جميع المحاذير

فانه ان تعلق غرضه واقعا بما في الواقع و المصلحة تكون فيه لم جعل الأمارة ليكون‏

سدا له و ان كان حكمه الواقعي ما جعله عليه أولا فلا موجب لحكم آخر عليه ليلزم‏

اجتماع الضدين أو المثلين.

و لا يقال ان المولى الحكيم يرى الواقعيات بعينه الدقيقة فلذا يعلم ان العلم‏

تارة لا يكون مطابقا للواقع لاشتباه العالم من جهة بعض المقدمات و يعلم ان الأمارات‏

أيضا كذلك فجعل هذه مكان العلم لتساوي احتمال الخلاف فيهما.

لأنا نقول:انه فرق واضح بين ما إذا كان الاشتباه من جهة العبد و عدم الوصول‏

إلى الواقع أو من جهة المولى ففي الثاني صار بنفسه سببا لتفويت الواقع دون الأول.

و الرابعة:أن تكون بنحو الموضوعية في حال الانسداد فلزوم اجتماع‏

الضدين أو المثلين واضح اما نقض الغرض و تفويت المصلحة فلا لأنه كان في حال‏

الانسداد و تفويت الغرض حاصل سواء كان الأمارة مجعولة في مورده أم لا هذا تنقيح‏

الكلام.

فنشرع بعون اللّه تعالى في الجواب عن أصل المحذورات و هو يحتاج إلى‏

مقدمات أربع:

الأولى:
انه اختلف بين الاعلام في ان الأوامر بما ذا يتعلق؟بالعنوان أو بالفرد

الخارجي الموجود و الأول لا يمكن القول به لأنه بدون الوجود لا أثر له و الثاني‏


104
يكون من باب تحصيل الحاصل فان الصلاة التي يؤتى بها في الخارج لا يمكن ان‏

يتعلق بها الأمر لأنها وجدت قبله.

فما هو التحقيق في رفع هذه العويصة أن نقول ان الأمر يتعلق بالعنوان باعتبار

وجوده في الخارج و له المرآتية الا انه تارة يكون العنوان مرآتا لما هو واقع في‏

الخارج و تارة لما يكون وجوده زعميا و هنا يكون مرآتا للوجود الزعمي فيرتفع‏

الإشكال مثل البنّاء يتصور البناء ثم يوجده في الخارج.

المقدمة الثانية:
لا يخفى ان العناوين المترتبة على الموضوعات تارة تكون‏

عرضية مثل العلم و الشجاعة و السخاوة بالنسبة إلى زيد و تارة تكون طولية و لكن‏

الذات في جميع المراتب تكون واحدة مثل الخمر بالنسبة إلى الحرمة و هو إذا

كان مشكوك الحكم واحد و لا يخفى طولية العنوان فان الخمر المعلوم لا يكون‏

عليه عنوان الترخيص بل هو حرام و لكن بعد صيرورته مشكوكا يترتب عليه حكم‏

الترخيص مثلا.

و تارة يكون العناوين طولية و لكن الذات أيضا في كل مرتبة تكون غير ما كان‏

في مرتبة أخرى مثلا الصلاة بعنوان ذاتها يؤمر بها و بعنوان انها مأمور بها تكون في‏

مقام الامتثال و الإطاعة و بعد صيرورتها مشكوك الحكم تكون موضوع الترخيص‏

فعلية العنوان بالنسبة إلى الذات مؤثرة و الصلاة في رتبة الامتثال غيرها في رتبة الأمر

و بعبارة واضحة ان العناوين الطولية تارة يؤخذ في لسان الدليل بنحو القيدية و يقال‏

لها العناوين التقييدية.

و تارة تكون بنحو العلية فيقال عليها العناوين التعليلية و لا إشكال في ان القسم‏

الأول لا يوجب تعدد الذات في جميع المراتب فان الرقبة و الرقبة المؤمنة كلتاهما

رقبة و هي الجامع بخلاف العناوين التعليلية فان صلاة الجمعة مثلا بعلة انها مشكوك‏

الحكم يرخص في تركها مثلا و هذا غير الصلاة الغير المعللة بهذه العلة فتحصل‏

ان العناوين التعليلية يوجب تعدد الذات.

و ببيان آخر الأقوال في تعدد الذات بواسطة تعدد العنوان ثلاثة الأول:ان‏


105
يكون القيد في مثل كون الصلاة المشكوكة موضوعا لحكم كذا جهة تقييدية أو

جهة تعليلية فقيل بأنه إذا كانت الجهة تقييدية فتتحد مع الذات ضرورة انها مع القيد

و بدونه منحفظة فان الرقبة المؤمنة بقيد الإيمان لا يخرج عن كونها رقبة فكذلك‏

الصلاة بقيد انها مشكوكة هي الصلاة التي كانت الذات فقط فهي أيضا حصة منها

و لا يمكن أن يكون ذات واحدة لها حكمان متضادان.

و اما إذا كانت الجهة تعليلية فان الذات تتفاوت فان العلة للحكم بالبراءة إذا

كانت المشكوكية و علة الحكم بالوجوب هي الذات بدون هذه العلة فيتفاوت‏

الموضوع و بواسطة تعدده يرفع التضاد في الحكم و اجتماع المصلحة و المفسدة

لأن إحداهما متعلقة بالذات و الأخرى بالذات مع كونها مشكوكة الحكم.

و بعبارة أخرى الموضوع مقدّم على الحكم برتبة و الحكم مقدّم على الشك‏

فيه أيضا برتبة و حكم المشكوك مؤخر عنهما برتبتين فيحصل الترتيب لا محالة في‏

الموضوع لحكم الذات و لحكم المشكوك.

الثاني من الأقوال هو عدم الفرق بين كون الجهة تقييدية أو تعليلية فان الذات‏

بقيد المشكوكية أيضا غير الذات بدون هذا القيد و يكون بينهما التباين فيتعدد

الموضوع و الحكم و لا يكون موضوع الواجب و الحرام أو الواجب و غيره مثل‏

المباح واحدا و كذلك موضوع المصلحة و المفسدة.

و فيه‏1ان موضوع الحكم لا يكون المطلق بقيد الإطلاق أو المجرد بقيد

1أقول الحق مع هذا القائل لأن النسبة بين المطلق و المقيد كما حرر في‏

موضعه حاو لأحد أقسام التقابل فلو كانت النسبة السلب و الإيجاب و التضاد فحقية

قوله واضحة و اما إذا كانت العدم و الملكة فائضا كذلك.

لأن جميع موارد المطلق و المقيد يكون الحكم مختلفا مثل أكرم عالما

و لا تكرم العالم الفاسق فان موضوع النهي أيضا هو إكرام العالم لكن بقيد انه فاسق‏

و موضوع الأمر هو العالم الغير الفاسق فلو لم يفد شيئا و يكفى وجود حصة من الطبيعي‏

في ضمن المقيد يلزم ان يكون موضوع الأمر و النهي واحدا و هو سخيف.


106
التجرد بل موضوعه يكون المصداق المجرد بنحو اللا بشرط فيجتمع مع الشرط

فإذا ضم إليها قيد لا يحصل التباين و التعدد في الموضوع فلا يتم قول هذا القائل.

و القول الثالث هو عدم تعدد الذات و الموضوع بواسطة القيد سواء كان الجهة

تقييدية أو تعليلية.

المقدمة الثالثة:
لا شبهة و لا ريب في ان المقدمات تكون على ثلاثة أنحاء

الأول ما يكون باختيار المكلف بعد الأمر بذيها مثل تحصيل الستر و الوضوء و طهارة

الثوب و البدن للصلاة الثاني:ما يكون باختيار المولى قبل الخطاب مثل المصلحة

و العشق و الإرادة و الاختيار فانه بعد ترتيب هذه المقدمات يأمر بما يجب ان يقع في‏

الخارج الثالث ما يكون خارجا عن اختيار المولى قبل الخطاب و لا يمكن ان يكون‏

الخطاب داعيا بالنسبة إليه بالملازمة بين المقدمة و ذيها مثل إرادة المكلف فانه لا يكون‏

تحت اختيار المولى قبل توجيه الأمر إليه و بعده لا معنى لداعوية هذا الأمر إليها مثل‏

قصد الأمر و الوجه و التميز.

و لا يكون داعوية حكم ذيها إليها الا دورا لأن داعويته لهذا بالملازمة يتوقف‏

على وجوده قبله و وجوده يتوقف على هذا الأمر و لذا قيل باستقلال العقل بان مثل‏

هذه المقدمات يجب ان تجي‏ء بها فان العقل مستقل بان من امر بالصلاة يجب عليه‏

إرادتها و إتيانها بعدها ففي المقام إرادة المولى الفعل تكون من المقدمات التي تكون‏

تحت اختياره و يجب حفظها لعشقه به فهو اما يحفظه بجعل الاحتياط أو بجعل الطريق‏

إليه و هو الأمارة أو لا يكون له شأن عند،الا بقدر انه لو وصل إلى المكلف لكان منجزا

فيجعل البراءة في مورده.

و أنت ترى في جميع الموارد في الفقه و الأصول ما ذكرناه فلا فرق بين العناوين‏

العرضية و الطولية و بعبارة أخرى يمكن ادعاء ان طبيعي الإكرام يتفاوت بتفاوت القيود

نعم ربما يحصل الاجتماع في مورد كما في الصلاة و الغصب ففي هذا المورد يجب‏

ان يرجع إلى قواعده.


107
المقدمة الرابعة:
لا يخفى ان الأغراض من الموالي ينشأ من المصلحة الواقعية

للشي‏ء المحبوب إتيانه أو تركه فالصلاة مثلا كانت فيها مصلحة فأحبها المولى‏

و عشقها ثم أرادها فيأمر بها في رابعة المراتب فإذا كان كذلك فتارة تكون المصلحة

في نفس جعل القانون و إبلاغه بنحو قانون كلي للعالم و الجاهل و تارة تكون أزيد

من ذلك و لكن لا يبلغ وجوب إحرازها إلى درجة يجعل الاحتياط في موردها بل‏

تكون بحيث يجعل طريقا لإحرازها في زمان الجهل لئلا تفوت كلا و تارة تكون‏

بحيث انه يجب إحرازها لا محالة فيجعل الاحتياط في موردها مثل الفروج و الدماء

لئلا يفوت بحال و لا يخفى ان الأحكام بالنسبة إلى العالم و الجاهل سواء.

ففي الأول أي صورة كون المصلحة في جعل القانون فقط تجري قاعدة قبح‏

العقاب بلا بيان عند الجهل بالحكم بعد عدم وصوله بدس الدساسين و في الثاني أي‏

مورد الأمارة لا تجري لأن الطريق بيان و لا يخفى أيضا ان الفحص في الصورة الأولى‏

واجبة بخلاف الثانية لأنه بجعل الطريق سد باب الفحص و رضى بما يكون غالبا

موصلا إلى الواقع.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان غرض المولى في جميع الصور يكون هو الواقع‏

التام و لكن عند الخطاب و جعل القانون لا يرى مصلحة ملزمة لإبلاغه أزيد مما يجعل‏

في كل الثلاثة من الطريق للوصول إليها فانه مع حبه لوقوع هذه المصلحة لا يرى‏

مصلحة ملزمة أزيد مما يبين أي المصلحة ليست بحيث يجب انحفاظها بأي وجه كان‏

إتيانها ممكنا.

هذا في مقام الثبوت اما في مقام الإثبات فنقول ان الشارع الحكيم يرى‏

المصلحة في بعض الأشياء بحيث لا تكون مصلحة ملزمة لإحرازها أزيد من بيان‏

نفس القانون و تارة تكون بقدر ما يجعل في مورد عدم العلم بها أمارة حتى تكون‏

غالبية الوصول و ان لا تفوت المصلحة كلا و تارة تكون بنحو يجعل الاحتياط طريقا

للوصول إليها و هذا يستفاد من لسان الأدلة.

لا يقال:ان الرجوع إلى الطرق و الأمارات يكون في صورة انسداد باب العلم‏


108
و اما في صورة الانفتاح فلا وجه للرجوع إليها و المراد بالانسداد هنا هو انسداد باب‏

العلم بخلاف الانسداد في باب الانسداد المعروف فانه يكون بالنسبة إلى العلم و العلمي‏

الّذي يشمل الطرق أيضا فهنا مع إمكان العلم الوجداني يجب الفحص.

لأنا نقول ان الشارع بواسطة جعل الطريق سد باب الفحص الغير العادي‏

و لكن الفحص العادي لازم و يكون القانون و أصلا بالوجدان في هذه الصورة و اما

إذا لم يكن ممكنا كذلك فلا تجب.

فتحصل انه في مقام الإثبات يلزم ملاحظة لسان الأدلة الشرعية ليتضح ان المدار

على الاحتياط أو البراءة أو الرجوع إلى الأمارة.

و بعبارة أخرى أوضح لبيان المقصود ان المحاذير على قسمين محذور ملاكي‏

و محذور خطابي و المراد بالثاني هو الّذي يتصور بعد الخطاب بالحكم و شيخنا

الأستاذ بتمهيد المقدمة الأولى و الثانية أجاب عن المحذور الخطابي بما حاصله هو ان‏

اجتماع الحكمين و تحليل الحرام و تحريم الحلال لا يلزم لأنه بمقتضى المقدمة الأولى‏

يكون الأحكام على الطبائع و لا يكون على الخارج لأنه ظرف سقوطه حتى يقال بان‏

الذات الخارجية الواحدة كيف يكون فيها الحكمان المتماثلان أو المتضادان.

و اما محذور اجتماع الحلال و الحرام فانه أيضا مندفع بواسطة تعدد الموضوع‏

بمقتضى المقدمة الثانية فان الذات مركز المصلحة الوجوبية إذا كانت واجبة واقعا

و الذات مع الشك في حكمها تكون مركز المفسدة لو أتى بها المكلف بهذا العنوان‏

لأنها لا تجب عليه و مع تعدد الموضوع لا يبقى إشكال الاجتماع كذلك.

و اما المحذور الملاكي و هو نقض الغرض و اجتماع المصلحة و المفسدة فائضا

مندفع بمقتضى المقدمة الثالثة و الرابعة اما مقتضى الثالثة فهو ان أغراض المولى متفاوتة

فبعضها في غاية الشدة فيجعل بالنسبة إليه الاحتياط و بعضها ليس كذلك فيجعل بالنسبة

إليه الطرق ليكون غالبي الوصول إلى الواقع و بعضها لا يكون بهذا القدر أيضا فيكتفي‏

بجعل القانون فقط فلو وصل فهو و لو لم يصل يجعل البراءة.

و بمقتضى الرابعة ما يكشف عن مراتب المصالح و الأغراض الخطاب الّذي‏


109
توجه إلينا فلا إشكال في جعل الطرق لا ملاكا و لا خطابا.

و لقد أجاد شيخنا الأستاذ قدس اللّه نفسه فيما أفاد و أطلنا بيان مقدماته تعظيما لشأنه‏

و يتلوه مسلك شيخنا النائيني قده.

دفع النائيني قده الإشكالات عن حجية الأمارة
(1)

و محصله ان الشبهة من وجهين فتارة تكون باعتبار الملاك و هو نقض الغرض‏

و تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة و أخرى باعتبار الخطاب و هو اجتماع المثلين‏

و الضدين اما الأولى فتندفع بالمصلحة السلوكية بمعنى ان في التمسك بالأمارة مصلحة

أخرى وراء ما في الواقع جابرة لما فيه فتدارك مصلحته بهذه المصلحة.

و عليه فلا تفويت للمصلحة و لا نقض للغرض و لا يرجع هذا إلى التصويب إذ

لا تقول انه تتولد مصلحة في المتعلق بقيام الأمارة بل في التسلك بالأمارة مصلحة أخرى‏

ينجبر بها مصلحة الواقع.

هذا بحسب الثبوت و اما في مقام الإثبات فيستكشفها بأدلة حجية الأمارات و هذه‏

غير مصلحة التسهيل كي يقال انها من سنخ مصلحة الواقع حتى ينجبر بها و اما الثانية

أعني المحذور الخطابي فيندفع أيضا اما في الأمارات فلان المجعول فيها هو الوسطية

في الإثبات أعني جعل الظن منزلة العلم و عليه فلا حكم وراء ما في الواقع مماثلا له‏

أو مضادا بل جعل الظن أو لا علما و حجة و هذا حكم وضعي ثم امر بالمعاملة معه معاملة

العلم تكليفا.

خلافا لما أفاده شيخنا الأستاذ العراقي قده من أن وجه منجزية الأمارات هو

الأمر الطريقي التكليفي ابتداء بعناية كونها كشفا و قد مر التفصيل و التحقيق فيه و سيجي‏ء

أيضا عن قريب فتحصل انه لا حكم في الأمارات وراء ما في الواقع حتى يلزم اجتماع‏

المثلين أو الضدين.

1)في تقرير بحثه فوائد الأصول ج 3 ص 34 و 35

110
و اما الأصول المحرزة و هي التنزيلية فالمجعول فيها و ان لم تكن الوسطية في‏

الإثبات لعدم الكاشفية فيها الا ان المجعول فيها هو البناء العملي على أحد طرفي‏

الشك على انه هو الواقع و إلقاء الطرف الاخر و جعله كالعدم و بالجملة الهوهوية

التي قد بنى عليها الشيخ الأنصاري قده في باب الأمارات و هي التي تكون مجعولة في‏

باب الأصول التنزيلية.

قال و بالجملة ليس في الأصول التنزيلية حكم مخالف لما في الواقع بل المجعول‏

فيها هو ان البناء العملي على أن المؤدى هو الواقع فلا يكون وراء الواقع حكم يناقضه‏

أو يماثله.

و اما الأصول الغير المحرزة كأصالة الحل و الاحتياط و البراءة فيشكل الأمر

فيها إذا المجعول فيها ليست الهوهويّة و لا البناء العملي على بقاء الواقع بل الأمر

فيها مجرد البناء على أحد طرفي الشك من دون إلقاء الطرف الاخر بل يحكم على‏

أحد طرفيه بالوضع أو الرفع على حفظ الشك فالحرمة المجعولة في أصالة الاحتياط

و الحلية في أصالة الحل تناقض الحلية و الحرمة الواقعية على تقدير تخلف الأصل‏

عن الواقع ضرورة أن المنع عن الاقتحام في الشي‏ء كما هو مفاد أصالة الاحتياط أو

الرخصة كما هو مفاد أصالة الحل ينافي الجواز في الأول و المنع في الثاني.

قال قده و قد تصدى بعض الاعلام(العلامة الفشاركي)لرفع غائلة التضاد

باختلاف الرتبة و أن رتبة الحكم الظاهري تكون هي الشك في الحكم الواقعي و هو

متأخر وجودا عن الحكم الواقعي فان الموضوع للواقع و حكمه و الشك فيه ثلاث‏

مراتب قبل حكم الشك و من المقرر في محله عدم التضاد بين الحكمين في الرتبتين‏

و ان وحدة الرتبة من الوحدات الثمانية التي تكون شرط التناقض.

فأجاب عنه ان الحكم الظاهري و ان لم يكن في رتبة الواقع الا ان الواقع منحفظ

في طرف الشك فيه و لو بنتيجة الإطلاق فيجتمع الحكمان المتضادان في رتبة الشك‏

فتأخر الحكم الظاهري عن الواقعي لا يرفع غائلة التضاد بينهما الا بضم مقدمة أخرى‏

و هي ان مناطات الأحكام الشرعية و مراتب الملاكات النّفس الأمرية مختلفة فرب‏


111
مصلحة تكون عالية مهمة لا يرضى الشارع بتفويتها فحينئذ يجعل الاحتياط المتمم لحفظ

الخطاب الأول في ظرف الجهل به و قد لا تكون كذلك فله ان يرخصه في الفعل و الترك‏

عند عدم وصول الخطاب الأول.

و عليه فإيجاب الاحتياط في ظرف الشك حكم طريقي محض مجعول لحفظ

الواقع فان طابق الواقع بان كان المشتبه مما يجب حفظه على أي حال حتى عند

الجهل به لعدم وصوله فلا مضادة في البين بل وجوب الاحتياط يتحد مع الوجوب‏

الواقعي و الا فالاحتياط ما كان واجبا لأنه لم يكن واجب الحفظ على كل حال فعلة

وجوبه منتفية غاية الأمر يتوهم المكلف وجوبه لعدم علمه بحال المشتبه من حيث‏

الملاك.

و الحاصل وجوب الاحتياط يدور مدار الوجوب الواقعي فلا يعقل التضاد بينهما

لاتحادهما في مورد الموافقة و عدم وجوب الاحتياط في مورد المخالفة فأين التضاد

هذا تمام الكلام في مقام إثبات إيجاب الاحتياط.

و أما الأصول الغير المحرزة فالمجعول فيها هو المؤمن فليس المراد من رفع‏

ما لا يعلمون رفع الواقع عن موطنه حتى يلزم التناقض بل مفاده هو رفع التكليف من‏

حيث استتباعه للتبعات و من جهة إيجاب الاحتياط فالمستفاد من هذه الأصول هو الرخصة

فقط نظير الرخصة المستفادة من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فكما ان الثانية لا تصادم‏

الحكم الواقعي كذلك الأولى.

و بالجملة هذه الرخصة تكون في طول الواقع متأخرة عنه رتبة لكون موضوعها

هو الشك في الحكم الواقعي فهي تؤكده و لا تضاده و الحاصل هذه الرخصة تكون‏

في مرتبة الامتثال لا الجعل و تكون في عرض المنع و الحرمة المستفادة من وجوب‏

الاحتياط و قد عرفت أن إيجابه يكون في طول الواقع أيضا و الا فيلزم ان يكون ما في‏

طول الشي‏ء في عرضه انتهى كلام الأستاذ رفع مقامه‏ (1)

و فيه مواقع للنظر اما المصلحة السلوكية فلا أساس لها على ما سيأتي فيبقى‏

1)يرجع إلى فوائد الأصول أيضا ج 3 ص 37 إلى 42

112
المحذور الملاكي في الأمارات بحاله على انه لو كانت تجري في الأمارات لتجري‏

في الأصول أيضا و الا فلا تجري فيهما أيضا فما وجه الفرق بينهما من هذه الحيثية كما

أن الطولية و الاختلاف في الرتبة التي قال بها في الأصول الغير المحرزة لو كانت‏

مجدية في دفع المحذور الخطابي كانت كذلك في الأمارات فما وجه الفرق بينهما

و لأي وجه اعترض على بعض الاعلام(الفشاركي)الّذي تصدى لدفع التضاد بها.

هذا كله مع ان ما قال في الأمارات من جعل الوسطية في الإثبات لا يندفع به‏

شبهة نقض الغرض بناء على الانفتاح لاعترافه قده بفعلية لإرادة الواقعية بحفظ الغرض‏

حال الجهل بها و عليه فكيف يجعل ما يوجب تفويت ذلك الغرض و لو في بعض‏

الأحوال.

و اما ما قال به في الأصول المحرزة من أن المجعول فيها هو الجري العملي‏

و البناء على أحد طرفي الاحتمال بأنه الواقع فخال عن السداد إذ هذا البناء يكون فعلا

للمكلف الباني و العمل الّذي هو الجري يكون فعله صادرا منه غير قابل للجعل‏

التشريعي بل المجعول هو الأمر التكليفي الطريقي بالبناء على أحد طرفي الشك.

و بعبارة أخرى المنقول من جعله هو إيجاب الجري العملي و هذا قد يؤدى إلى‏

ترك الواقع فكيف يجامع مع فعلية الحكم الواقعي على انه هو الواقع فعند مخالفة

الأصل له يعود شبهة نقض الغرض و تفويت الواقع و اجتماع الضدين الا ان تدفع‏

باختلاف الرتبة و هو قده لا يقول به في الأمارات و الأصول المحرزة.

و قال المحقق الخراسانيّ قده بأن المحاذير التي تتوهم اما غير لازمة في المقام‏

أو غير باطلة اما في الأمارات فلان التعبد بطريق غير علمي انما هو بجعل حجيته و الحجية

غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية بحسب ما ادى إليه الطريق بل انما تكون موجبة

لتنجز التكليف إذا أصاب و صحة الاعتذار به إذا أخطأ فحيث لا يكون حكم وراء ما

في الواقع في صورة موافقة المؤدى مع الواقع فلا يكون من اجتماع المثلين في‏

شي‏ء و هكذا لا يجتمع الضدان في صورة مخالفة المؤدى مع الواقع لأن ما ادى إليه‏

الظن(ح)يكون لغوا في هذه الصورة و لا يكون له حكم و لا تجتمع المصلحة و المفسدة


113
و لا نقض الغرض.

لعدم تعلق الغرض الا بالواقع و اما تفويت المصلحة و الوقوع في المفسدة و ان‏

كان يلزم و لكن حيث يكون في التعبد بالأمارة مصلحة راجحة على ما في الواقع‏

فلا محذور فيه أصلا و اما الأصول الغير المحرزة فيقول قده و ان كان الإشكال فيه مثل‏

الإباحة الشرعية حيث ان الإقدام على العمل مع كونه في الواقع حراما فان الاذن‏

فعلا مع المنع الفعلي لا يجتمعان.

و لكن لا محيص الا عن الالتزام بعدم انقداح إرادة الكراهة في بعض المبادي‏

العالية أيضا كما في المبدأ الأعلى لكنه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي‏

فعليا بمعنى كونه على صفة لو علم به المكلف لتنجز عليه كسائر التكاليف الفعلية التي‏

تتنجز بسبب القطع بها و كونه فعليا انما يوجب البعث و الزجر في النّفس النبوية أو

الولويّة فيما إذا لم ينقدح فيها الاذن لأجل مصلحة فيه فظهر انه لا يلزم من الترخيص‏

في موارد الأصول الغير المحرزة سقوط الحكم الواقعي عن الفعلية فهو فعلى في‏

الدرجة الثانية.

و لا يكون شأنيا حتى يقال بأنه إذا لم يكن الحكم بمرتبة الفعلية لا يلزم امتثاله‏

حيث لم يصل مرتبة البعث و الزجر فالأصول و الأمارات لهما فارق و هو أن الأول‏

لا يكون لها مانع مصلحة و جعلا بخلاف الثانية فان مصلحة جعلها يمنع عن فعلية

الحكم.

و اما الأصول الغير المحرزة فانه قده لم يتعرض لها في المقام و يتعرض في‏

التنبيه الثالث من الكفاية بأن في موردها يجعل حكم مماثل للواقع على وجه قوى.

و يقول تارة بأنه على فرض ظهور الخلاف تجب الإعادة كالصلاة مع استصحاب‏

الطهارة.

و تارة يقول في الفقه بأنه إذا صلى بالاستصحاب و ظهر الخلاف فلا إعادة و هذا

مبنى على كون مفاده هو الحكم المماثل أو صرف الوسطية في الإثبات.


114
و فيه ان جعل‏1الحجية لا معنى له في باب الأمارات بل يكون بابها باب تتميم‏

الكشف على ما حرر في محله و بيانه فيما ذكره بيان لطيف جدا زيد في علو مقامه.

تتمة

فيما بقي من الإشكال في التعبد بالظن غير ما ذكر من المفسدة و تفويت المصلحة

و اجتماع الضدين و المثلين.

و هو ان الأحكام المستفادة من التعبد بالظن يكون لحفظ الواقع و طريقا إليه‏

فلو لا الواقع لا يكون له وجه فإذا قال الشارع يجب تصديق العادل يكون معناه انه‏

لا موضوعية لتصديقه من حيث هو عادل بل من حيث انه يخبر عن الواقع.

ففي كل مورد حيث يحتمل وجود الواقع له و عدم وجوده يكون من الشبهة

المصداقية للعام و لا يمكن التمسك به فيها و كذلك الأصول المحرزة مثل الاستصحاب‏

فان في كل مورد نحتمل أن لا يكون مطابقا للواقع فان قوله لا تنقض اليقين بالشك‏

في صورة احتمال النقض لا يمكن التمسك به للشك في كون المورد منطبقا للدليل‏

و حيث يكون الإشكال في كل الموارد لا يبقى وجه صحيح للتعبد بالظن.

و قد أجاب عن الإشكال عدة من الاعلام من أساتيذنا و أساتيذ أساتيذنا قدس اللّه‏

1:أقول يمكن للأستاذ مد ظله أن يشكل عليه أيضا بأنه لم لا يقول بتعدد

الموضوع بواسطة اختلاف الرتبة فانه على حسب ما مرّ يكون الاختلاف بالرتبة

صحيحا عنده و هو(قده)ينكره في كلماته و ثانيا لم لا يقول في الأصول الغير المحرزة

انها وظيفة قررت للشاك و لا يكون في الواقع متغيرا عن واقعه فيها أيضا.

و كذلك الأصول المحرزة فانها أيضا لكونها لإحراز الواقع لا يكون في‏

موردها حكم فان الواقع على جميع التقادير منحفظ فأي فرق بين الأصول و الأمارات.

و بعبارة أخرى الكل حجج في مقام العمل و الواقع يكون فعليا على جميع‏

الفروض بمعنى انه لو كشف الغطاء لكان هو المتبع الا أن يكون لنا دليل لصحة

ما وقع مثل لا تعاد في مقام الفراغ.


115
أسرارهم و نحن نذكره اصطيادا من كلماتهم.

فمنهم الشيخ النائيني(قده)فانه قده يقول بما حاصله ان الشارع جعل أحكاما

للعباد فاما أن يحصل لهم القطع فهو المتبع و اما ان لا يحصل القطع كذلك فيجعل‏

طريقا تنزيليا مقامه فكما ان القطع متبع كذلك الطريق التنزيلي في اثره و لا يحتاج‏

إلى امر عامل معاملة اليقين و تصديق العادل حتى يقال ان الشبهة في موارده مصداقية

لاحتمال عدم الوصول إلى الواقع.

و لا يقال ان العلم الّذي يكون متبعا في اثره يكون مما يوصل إلى الواقع و لذا

يجب بحكم العقل متابعته و اما غيره كما في المقام فلا يكون شأنه كذلك لاحتمال‏

عدم الوصول إلى الواقع.

لأنه يقول ان العلم أيضا يمكن ان يكون خلاف الواقع مثل كونه جهلا مركبا

و مع هذا لا شبهة في وجوب متابعته فكذلك الظن الّذي يكون في مقامه تنزيلا هذا

تمام الكلام في حجية الأمارات.

البحث في حجية الأصول المحرزة

و اما الأصول المحرزة فهي أيضا مثل الأمارات لأن للقطع آثار ثلاثة كشفه‏

للواقع و كونه حجة و الجري العملي على طبقه فالأمارات منزلة منزلته في كاشفيته‏

عن الواقع و كونه حجة و يلزمه الجري العملي و لكن الأصول يكون منزلا منزلته‏

في الأثر الثالث و هو الجري العملي فقط و لا يحتاج إلى امر عامل معاملة اليقين‏

ليصير الموارد شبهة مصداقية له و لا يكون للشارع حكم طريقي.

و الجواب عنه(قده)هو ان التنزيل لا بد ان يكون اما لأثر شرعي من قبله‏

كما يقال ان الطواف في البيت كالصلاة فان شرط الثانية الطهارة فكذلك ينزّل‏

الطواف في هذه الأثر مقامها و اما ان يكون لأثر عقلي لازمه أثر شرعي فان تنزيل‏

الظن منزلة القطع الطريقي لا بد أن يكون للتعبد بأمر عامل معاملة اليقين و الا فلا

وجه للتنزيل.


116
نعم إذا أخذ القطع في لسان دليل جزء الموضوع فقط فيكون التنزيل فقط

كافيا و هذا الأمر طريقي فيعود المحذور من أنه يصير الموارد شبهة مصداقية له‏

بالتقريب السابق.

و لا يكون المقام أيضا مثل الملكية التي يفيد اعتبارها فقط و لا وعاء لها الا

الاعتبار بل يكون للطريقية إلى الواقع فحيث لا واقع لا وقع لهذا الطريق هذا في‏

الأمارات.

و اما في الأصول فأيضا كذلك فان متابعة الجهة الثالثة للقطع تكون من جهة

كونه كاشفا للواقع لا من جهة كون المصلحة في ذات العمل و لو لم يكن له واقع‏

و على فرض عدم ملاحظة الواقع لا دليل على وجوب الجري العملي.

و اما إشكال شيخنا الأستاذ العراقي عليه بأن الأصول حيث لا يكون له الوسطية

في الإثبات فلا بد ان يقول بأن اللازم هو الأمر بوجوب المتابعة لا غير فغير وارد

عليه لأنه(قده)لا يقول بأمر عامل و الوسطية بل يقول ان للجري على طبق الواقع‏

بمقتضى الأصل موضوعية.

و على فرض تسليمه فلا يفيد لأن حكمة جعل الأصل لا تكون الا تحفظ الواقع‏

فيعود المحذور.

و توهم ان تحفظ الواقع حكمة للجعل لا علة له ليدور مدار الواقع مندفع‏

أيضا لأن لازمه هو القول بأن الأمر بوجوب المتابعة نفسي لا طريقي و في صورة

كشف الخلاف أيضا مجز عن الواقع و لا يقول بذلك القائل بالطريقية لأنه تهافت.

و منهم الخراسانيّ(قده)بأن الأمارة بعد جعلها حجة يجب متابعتها كما ان‏

القطع متبع بنفسه و لا يكون في المقام جعل تكليفي ليبحث عنه ان الشبهة في الموارد

تكون مصداقية فيكون نظير الملكية التي يكون اعتبارها كافيا في ترتيب آثارها.

هذا في الأمارات و اما في الأصول فيكون كلامه مختلفا فلازم كلامه في‏

الاستصحاب من انه بعد كشف الخلاف تجب إعادته ما ظهر خلافه ان الجعل يكون‏

طريقيا كما ان شيخه الأنصاري(قده)يقول بذلك و يكون بناء العقلاء أيضا على‏


117
الطريقية و عليه فاللازم هو الأمر بالمتابعة تكليفا.

و هذا هو الحق فان الجعل المحض غير مرضي عندنا و من لوازمه هو العقاب‏

على ترك الجري على طبق الأمارة أو الأصل و ان ظهر كونها على خلاف الواقع‏

و هو لا يقول به و في مجرى قاعدة الطهارة يقول بعدم وجوب الإعادة فلعله كان نظره‏

إلى صرف الجعل لا الطريقية للواقع.

و الحاصل ان جعل الحجية لا معنى له أولا و ثانيا انه يقول بالطريقية و عليه‏

لا وقع للاعتبار و لا يكون مثل الملكية التي يكون نفس اعتبارها منشأ للأثر بل يكون‏

الأثر على ذي الطريق و بعد التنزيل يكون الأمر بمعاملة اليقين مع ما هو الظن فلا يتم‏

كلامه(قده)في دفع إشكال الشبهة المصداقية.

و من الذين أجابوا عن الإشكال السيد محمد الأصفهاني الفشاركي(قده)أستاذ

أستاذنا(قده)و قد تركنا ذكره هنا لئلا يطول البحث‏ (1) .

و منهم شيخنا الأستاذ العراقي(قده)فانه قال بما حاصله ان العلم بالتكاليف من‏

الشرع الا نور إجمالا يقتضى أولا ان يحتاط المكلف باحتياط تام لدفع الضرر

المحتمل في البين و لكن القاعدة محكومة لقبح العقاب بلا بيان لأنه لا يكون للشارع‏

ان يعاقب العبد على ما لم يصل منه بيان إليه بمقتضى دليل البراءة بقوله رفع ما

لا يعلمون و لكن هذا يكون في الشبهات التي تحتاج إلى الفحص.

و اما التي يكون الفحص عنها قليل المئونة مثل رفع اللحاف لمن هو نائم‏

عن رأسه ليرى انه هل يكون الوقت لصلاة الصبح باقيا أم لا.

فلازم قطعا كما انه يكون كذلك فيمن يشك في زيادة الدين و نقصه و يكون‏

له الدفتر فانه يجب عليه الفحص و لا يكون له ان يجري البراءة بادعاء انه من الأقل‏

و الأكثر الغير الارتباطي فان البيان له تام لو تفحص تفحصا ما فان قاعدة دفع الضرر

1)كلامه قده في تقريرات بحث العلامة العراقي قده المسماة بنهاية الأفكار

في صفحة 76 عند قوله و منها ما عن بعض الأساطين إلخ فان شئت فارجع إليها.


118
المحتمل تصير حاكمة بعد كونها محكومة.

و في مقامنا هذا أيضا كذلك فان الشارع بعد ما جعل الطرق التي يوصل أكثرها

إلى الواقع يصير مورد وجودها خارجا عن مورده قاعد قبح العقاب بلا بيان لأن‏

الشارع اهتم بالواقع حتى في ظرف الشك فيه و الاحتياط التام غير لازم و لكن‏

الاحتياط بمعنى العمل على طبق ما قامت الأمارة عليه و لو لم يصل بعضها إلى الواقع‏

صونا للواقع لازم و في كل مورد من مواردها يكون الاحتجاج للمولى على العبد

لو كان له واقع.

و بعبارة أخرى على فرض وجود الواقع يكون البيان تماما.

و بعبارة ثالثة يكون المقام من الشبهة المصداقية للابيان فلا يمكن التمسك‏

بقبح العقاب بلا بيان أو بأدلة البراءة التي غايتها البيان و هي العلم بقوله كل شي‏ء لك حلال‏

حتى تعلم انه حرام فدفع الضرر هنا لازم.

و بعبارة رابعة هذا هو البيان لأن العقلاء لا يكون لهم بيان على مراداتهم بعد

قطع أيديهم عن العلم الا هذا الطريق في امر معاشهم و للشارع ان يحتج بأنه يكون‏

مثل ساير الطرق في ساير الأمور فلا مجرى لأصل البراءة و لا يجب الاحتياط التام‏

بل يجب الجري العملي على طبق ما قامت الأمارة عليه.

لا يقال أي فرق بين المقام و بين الشبهات البدوية و أي فرق بينه و بين الاحتياط

فان احتمال الواقع و الضرر المحتمل يكون فيها أيضا لأنا نقول ان الجهة المشتركة

بين الجميع هي الضرر المحتمل و لكن في موارد الشبهة البدوية الغير المقرونة

بالعلم الإجمالي لا يكون البيان على الفرض أيضا فانه لا يكون البيان واصلا و لو كان‏

في الواقع موجودا و لكن في المقام يكون البيان على الفرض حاصلا و في موارد

الاحتياط يكون الحاكم هو العقل بعد العلم الإجمالي و في المقام يكون الحاكم هو

الشرع بكفاية الامتثال على طبق الأمارة.

و فرق بين ان يكون الحاكم هو العقل بلزوم الاحتياط أو الشرع بلزومه ناقصا

كما ذكر فلا شأن للاحتمال الّذي يكون في موارد الشبهة البدوية مع عدم وصول‏


119
بيان ما من الشرع.

الأمر الثالث في تأسيس الأصل‏

و هي من الأمور التي قدمها في الكفاية على الاستدلال للتعبد بالظن بقوله‏

ثالثها في تأسيس الأصل فان الأمر الأول كان في بيان ان الظن ليس حجيته ذاتية

و الأمر الثاني في إمكان التعبد بالظن.

و في هذا الأمر يكون البحث عن ان كل مورد شك في حجية الظن بالخصوص‏

فهو يكون الأصل هو الحجية أو عدمها و لا يخفى ان الشك في الحجية يلازم القطع‏

بعدمها لأن الحجة ما يمكن ان يحتج به على المولى و ما شك في حجيته لا يمكن ان‏

يحتج به فلا يكون حجة قطعا و سيجي‏ء وجه البحث هنا مع القطع بذلك.

و البحث في ذلك في جهات:الجهة الأولى في صحة استناد ما قامت الأمارة

عليه إلى اللّه تعالى و فيه اختلاف بين الاعلام.

قال الخراسانيّ(قده)رد الشيخ الأنصاري(قده)ان صحة الاستناد و الالتزام‏

بمفاد الأمارة ليسا من آثار الحجية ضرورة ان الظن على الانسداد على فرض الحكومة

حجة و لكن لا يمكن استناد ما دل عليه الظن كذلك إلى اللّه تعالى لأن الحاكم هو

العقل على الفرض و لو فرض صحتهما شرعا مع الشك في التعبد لا يكاد يجدى ذلك‏

في الحجية و لا يترتب عليها آثارها فلا يكون جواز الاستناد و عدمه مع الشك في‏

التعبد مربوطا بالمقام و لا يكون الاستدلال عليه بمهم كما أتعب شيخنا العلامة نفسه‏

الزكية في النقض و الإبرام.

و قد ذكرناه في تعليقتنا على رسائله فراجعه فالمهم البحث في الأصل و ما خرج‏

عنه بالدليل من الخبر الواحد و غيره انتهى كلامه(قده).

و قد أشكل عليه شيخنا الأستاذ النائيني قده بأنه على فرض كون الظن وسطا

لإثبات حكم الواقع فكما انه يمكن الاستناد في صورة العلم بالواقع يصح في‏

صورة الظن به بعد تمامية وسطيته في الإثبات و الظن لا يكون حجة في باب الانسداد


120
على الحكومة بل يكون حجة على فرض تمامية الانسداد من باب انه كاشف عن‏

حكم الشرع.

و فيه ان الخراسانيّ(قده)على حسب مبناه يصح ما يقول به لأنه قائل بجعل‏

الحجية و لا يقول بتنزيل الظن منزلة العلم حتى يترتب عليه اثره و اما شيخنا

النائيني(قده)فهو يقول بما ذكر حسب مبناه في باب الأمارات من تتميم الكشف‏

و ما ذكره من فساد التعليل في الظن الانسدادي لأن العقل ليس مشرعا فهو صحيح‏

و لكن الخراسانيّ لا يقول بان السند يكون هذا بل يقول على الفرض و معه أيضا لا يكون‏

إلاّ حجة.

و على التحقيق أيضا من تتميم الكشف بواسطة التنزيل و امر عامل معاملة

اليقين فائضا يمكن الاستناد أي استناد الواقع التعبدي بعد قيام الأمارة إلى اللّه تعالى‏

و مع الشك في حجيتها لا يمكن الاستناد كذلك.

و اما على مبنى الشيخ(قده)القائل بتنزيل المؤدى أيضا فلا يكون الاستناد

صحيحا لأنه أيضا لا يقول بوجود الواقع تعبدا بل يقول بترتيب أثر الواقع على ما

ادى إليه الأمارة.

و اما ما وعدنا من معنى ان الشك في الحجية يلازم القطع بعدم الحجية فهو

انه لا يكون المراد بهذه العبارة ان الواقع لا يكون موجودا قطعا في عالم الواقعية

حتى يلزم دخل العلم في تنجيز الواقع و فعليته فيلزم منه دور العلامة بل المراد هو

عدم ترتيب أثر الواقع.

و بعبارة أخرى يكون المراد هو ان المكلف في مقام العمل لا يكون للمولى‏

حجة عليه حتما و ان كان الواقع محفوظا في عالم الواقعية.

الجهة الثانية في المقام هي ان الشيخ الأنصاري(قده)قال بأن ما شك في حجيته‏

يكون استناده و التعبد به حراما بالأدلة الأربعة الكتاب و السنة و الإجماع و العقل لأنه‏

كذب و افتراء على اللّه تعالى و حرمته مستدل بالكتاب و السنة و الإجماع و اما حكم‏


121
العقل بالحرمة فهو يكون من باب التشريع لأنه من إدخال ما ليس من الدين‏

في الدين.

و الجواب عنه ان استدلاله في باب حكم العقل بالتشريع لا يكون على ما هو

التحقيق صحيحا لأن التشريع عندنا يكون هو جعل ما ليس من الدين باعتقاد انه من الدين‏

مثل من يرى نفسه نبيا فيجعل حكما أو من يرى قصورا في النبوة أو يرى تغيير مصلحة

الحكم بواسطة تغيير الأزمان مثل ما قيل في أن الذبح في المنى يوم العيد لا يكون‏

له مصلحة في زماننا هذا و اما من يعتقد بأن ما ينسبه إلى الدين ليس من الدين و لكن‏

لمصالح نفسه من طلب الدنيا و غيره يكذب و يفتري فليس مشرعا و لا يصدق التشريع‏

بالنسبة إليه بل هو كاذب مفتري‏1ففرق بين الكذب و التشريع فعدم جواز الاستناد

يكون من باب استقلال العقل بعدم جواز استناد ما لا يعلم انه حكم اللّه إليه تعالى لا من‏

باب التشريع.

الجهة الثالثة في انه هل يجري الأصل في المقام أم لا بأن يقال الأصل عدم‏

حجية ما شك في حجيته كما يستصحب حجية ما كانت حجة فشك فيها.

فقال الشيخ الأنصاري قده لا يجري لأنه مثبت لأن جريان الأصل يحتاج إلى‏

جرى عملي و هنا يكون عدم التنجيز من الآثار العقلية لا الشرعية فلا بعث حتى يستصحب.

و قال الخراسانيّ(قده)في الحاشية ردا لكلام أستاذه ان الاستصحاب اما ان يكون‏

في موضوع ذي أثر شرعي و اما ان يكون المستصحب نفسه الحكم و استصحاب‏

الحكم لا يحتاج إلى أثر لأن نفسه يكون الأثر و هنا عدم الحجية نفسه حكم شرعي‏

فكما ان استصحاب الحكم يثبته كذلك استصحاب عدمه يكون اثره الحكم بالعدم‏

فكما ان الحجة الواقعية لها أثر كذلك عدم الحجة الواقعية و المستصحب الّذي‏

1أقول التشريع هو جعل الحكم في الدين من غير دليل سواء رأى المشرع‏

نفسه نبيا أم لا و سواء كان معتقدا بأن الحكم هكذا لجهله المركب أم لا و من يعلم‏

انه يكذب لا نتحاشى انه كاذب و لكن الكاذب بهذا الكذب الخاصّ يسمى مشرعا

بحسب ما يصدر عنه من الحكم الّذي هو شأن المشرع كما مر في غير المقام أيضا.


122
يثبت وجوده أو عدمه يكون حكمه حكم الواقع فالأصل لا إشكال في جريانه هنا

و لترتب الأثر و هو عدم صحة الاستناد لو كانت الحجية موضوعا من الموضوعات.

و يكون الاستصحاب و القاعدة المضروبة لرفع الشك موجبا للأثر الواحد و لكن‏

أحدهما مقدم على الاخر كما في استصحاب الطهارة و قاعدتها فان الأول مقدم‏

على الاخر لأنه يوجب رفع موضوعه و كذلك في المقام يكون الاستصحاب مقدما

على غيره.

و قد أشكل شيخنا النائيني(قده)على ما ذكره بأن الاستصحاب يكون على‏

فرض الشك في الحجية و الشك الّذي يكون موضوعا له يكون متأخرا عن الواقع‏

و حكمه و الشك فيه بمراتب فإذا فرضنا ان الشك في الحجية يلازم القطع وجدانا

بعدمها يكون الواقع محرزا بالوجدان و لا يأتي الشك بعده في رتبة متأخرة لذهابه‏

بالقطع و هذا أسوأ حالا من اجتماع المثلين لعدم جمع الشك مع العلم الوجداني‏

فما هو الحاكم هو الوجدان لا الاستصحاب.

و اما قياس المقام باستصحاب الطهارة و قاعدتها فليس في محله لأن الأثر هنا

لا يكون مختلفا فان عدم الحجية كما انه أثر للشك فيها كذلك يكون أثرا للاستصحاب‏

فلا فرق بينهما ليقدم عليها و اما في باب الطهارة فيكون الاستصحاب ناظرا إلى‏

الواقع و محرزا له و اما القاعدة فتكون وظيفة للشاك و لا يكون لها النّظر إلى الواقع‏

فالأثران متفاوتان.

و الجواب عنه أولا ان استصحاب الحكم لا يجري هنا لعدم كون الحجية حكما

و اللازم ان تكون موضوعا ذا أثر.

فان قلت جريان الأصل متوقف على وجود الأثر الشرعي و هو عدم صحة

الاستناد و هو متوقف على جريان الأصل.

قلت اما نقضا ففي صورة قيام الأمارة على عدم الاستناد ما ذا تقولون ففيها أيضا

يكون أثر الأمارة متوقفة على جريانها و لا يشكل فيها كذلك و اما حلاّ فهو ان فعلية

الأثر متوقفة على جريان الأصل و اما ما يكون شرطا للجريان فيكون له شأنية الأثرية


123
ففي المقام يكون فعلية عدم جواز الاستناد متوقفة على جريان الأصل.

و اما ما قال من أن الأثر حاصل بالوجدان ففيه ان الاستصحاب دليله يكون‏

عاما شاملا للمقام فيدور الأمر بين ان يقال لا تجري الأصل أصلا و يكون خروج المورد

من باب التخصيص أو يقال يكون الاستصحاب جاريا و لكن حيث لا يكون له الأثر

فلا يجري و إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصص فالتخصيص مقدم عليه.

و اما الجواب الثاني عن الإشكال الثاني للمحقق الخراسانيّ(قده)و هو على‏

فرض عدم كون الحجية حكما فيكون من الموضوعات و لها الأثر الشرعي فأجاب‏

عنه(قده)هو أن الشك الّذي يكون موضوعا لجريان الأصل متأخر عن الواقع و عن‏

الشك فيه و عدم جواز الاستناد متأخر عن جريان الأصل و حيث أن الأثر طولي و لا يكون‏

رتبة القاعدة و الأصل واحدة في الأثر لا يقدم الأصل على القاعدة لتقدم أثرها على‏

الأصل على ان لسان الاستصحاب هو رفع الشك و لا لسان للوجدان في صورة الشك‏

في الحجية بعدم الشك بل لازمه عدم الحجية و الجواب عنه هو ما مر من دوران‏

الأمر بين التخصيص و التخصص و التخصيص مقدم و اما ما قال من أن أثر القاعدة

و الاستصحاب متفاوتان بقوله ان الأصل يكون ناظرا إلى الواقع في باب الطهارة

و القاعدة ناظرة إلى الظاهر فكيف تصح الصلاة مع الطهارة بالماء الّذي جرت فيه‏

القاعدة مع ان شرط الصلاة واقعي لا ظاهري و ان كان الشرط أعم من الظاهري‏

و الواقعي فكيف يقولون بوجوب الإعادة عند كشف الخلاف فان مقتضى كون الشرط

الظاهر هو كفايته و ان انكشف الخلاف فالحق مع الخراسانيّ(قده)في تقريب جريان‏

الأصل.

فتحصل ان كلّما شكّ في حجيته يكون مقتضى الأصل و القاعدة عدم الحجية

و يجب ملاحظة الموارد التي خرجت عن هذا الأصل بالدليل.

في موارد الخروج عن أصالة عدم الحجية

و هي أمور

و منها الظهورات‏
الأول:الظهورات التي وصلت من الشرع إلينا
124
من الكتاب و السنة فانها حجة في الجملة و ظهورها متبع و لا يخفى أن هذا البحث‏

من أهم المباحث الأصولية التي بنى عليه أساس الفقه لأن حجية الظهورات تكون‏

في الكتاب و السنة و لولاها لما بقي شي‏ء من الأحكام.

و البحث هنا في كشف الظهورات في أمور الأمر الأول في انه لا يخفى ان‏

للّفظ ظهورات ثلاثة التصوري و التصديقي أي الاستعمالي و مطابقة الاستعمالي مع‏

الإرادة الجدية و قبل هذا يجب ان يلاحظ جهة الصدور و جهة الجهة فان الكلام ما

لم يثبت صدوره لا يبحث عن ظهوره في مقام الدلالة كما إذا كان الراوي كاذبا فانه‏

لا اعتناء بخبره حتى يبحث عن دلالته.

ثم إذا ثبت ان الصدور لا إشكال فيه لكون الخبر متواترا أو كان الراوي عادلا

يمكن الوثوق بخبره فيجب ملاحظة انه هل كان هذا الصدور لإرادة المعنى جدا

أو يكون القائل في التقية و صدر كذلك فلو كان كذلك أيضا لا بحث عن دلالته أيضا

ما لم يثبت انه لم يكن للتقية فإذا ثبت انه لم يكن كذلك فيأتي البحث عن الدلالة

و لا يكون الجهات الثلاثة إحداهما متوقفة على الأخرى حتى يقال أنه دور بل يكون‏

كل واحد من المرتبة السابقة كالموضوع للمرتبة اللاحقة ضرورة انه ما لم يثبت‏

الصدور لا بحث عن الجهة و ما لم تثبت صحتها لا بحث عن الدلالة.

ففي مقام الدلالة يكون البحث عن الجهات الثلاثة التي أشير إليها اما الظهور

التصوري فيكون مقوّمة العلم بالوضع مثل العلم بأوضاع اللغة العربية فما لم يعلم‏

الوضع لا تصل النوبة إلى البحث عن الظهور التصديقي في مقام التفهيم و التفهم‏

و لإثبات الظهور كذلك يجب البحث عن أنه ما كان المتكلم لاغيا بل أراد المعنى‏

من اللفظ.

ثم بعد إثبات الإرادة الاستعمالية يحتمل أن يكون ما يفهم من اللفظ غير

مراد له مثل أن يكون مراده من الأسد الرّجل الشجاع لا المعنى الحقيقي و هو

الحيوان المفترس فبأصالة عدم القرنية أو أصالة الظهور يتمسك لإثبات ما ذكر فان‏

الخراسانيّ(قده)يرجع الأصول العدمية مثل أصالة عدم القرينة إلى أصل وجودي‏


125
و هو أصالة الظهور و الشيخ الأنصاري(قده)يقول بأن الأصول الثلاثة العدمية

في المقامات الثلاثة يرجع إلى أصل عدمي واحد و هو أصالة عدم القرينة.

و لتوضيح مرامه(قده)يجب ان يقال ان كلامه يتوقف على ثلاثة أمور.

الأول معنى تأخير البيان عن وقت الحاجة فان كان معناه هو قبح التأخير عن‏

وقت العمل بما هو المراد الجدي من اللفظ مثل من يلقى الخطاب بنحو العموم‏

و يريد إكرام كل واحد و يكون المصلحة في نفس الإكرام فإذا كان خطاب عام‏

و لا ندري انه هل كان المراد هذا أم لا فاللازم هو التمسك بأصالة عدم القرينة لإثبات‏

أن مراده كان العموم لقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة و لا يمكن التمسك بأصالة

الظهور.

و اما إذا كان المراد من قبح تأخير البيان هو البيان يكون المصلحة في نفس‏

إلقاء العموم و لو كان الواقع غير مراد مثل من كان في تقية و لهذه يأمر بنحو العموم‏

بإكرام العلماء ثم بعد زمان يأتي بالقرنية إذا رفع المانع فهنا إذا شك في وجود

القرينة و عدمه يتمسك بأصالة الظهور التي هي أصل وجودي.

الثاني ان المناط هل كان في الظهورات على الظهور الصادر أو الواصل فان‏

كان المدار على الأول لا بد من جريان الأصل أي أصالة عدم القرينة لإثبات ان هذا

الكلام الّذي وصل إلينا يكون هو الّذي صدر عن المعصوم عليه السّلام و لم يكن فيه قيد

زائد و اما إذا كان المدار على الظهور الواصل فما وصل إلينا حيث لا يكون معه قرينة

تأخذ بظهوره الفعلي و لا نحتاج إلى أصالة عدم القرنية.

و تظهر الثمرة في الفقه أيضا في موردين الأول فيما إذا وصل إلينا خبر و نقطع بسقوط

بعض كلماته و نحتمل ان يكون الساقط لائقا للقرينية فان كان المدار على الصادر

لا يثبت أصالة عدم القرينية ان الساقط ما كان قرينة و اما إذا كان المدار على الواصل‏

فيمكن علاجه لأن الظهور في حال الوصول يكون مستقرا للكلام و لا احتياج إلى‏

أصالة عدم القرينة حتى يكون مثبتا.

و الثاني ان يكون في الكلام شي‏ء و لكن لا نعلم انه زيد فيه بواسطة دس‏


126
الدساسين أو لا فان كان المدار على الواصل لا يمكن إجراء أصالة عدم قرينية الموجود

لأنه هو الواصل و يجب العمل على طبقه و اما إذا كان المدار على الظهور الصادر

فيمكن جريان أصالة عدم كونه في وقت الصدور.

و لا يخفى ان الصادر الّذي نبحث هو الّذي ينتهى إلى الواصل و الواصل‏

الّذي نبحث عنه هو الّذي نريد انتهائه إلى الصادر لا أن يكون الصادر و الواصل مقابلا.

و الجواب اما عن الثمرة الأولى فهو ان العقلاء لا يكون لهم تعبدات حتى‏

يقال بأن الأصل الّذي يكون مثبتا لا يكون جاريا بل لهم بناء في فهم الكلمات و تلقى‏

الخطاب فانهم إذا كان جريان الأصل عندهم غير مشكل لثبوت البناء كذلك لا يتوجه‏

إلى ان الأصل مثبت أم لا فان كان لهم بناء كذلك فهو و الا فلا يجري الأصل أصلا.

و اما الجواب عن الثانية فهو ان المدار لو كان على الصادر أيضا فإذا كان‏

في الكلام شي‏ء و لا نعلم انه كان في زمن الصدور أم لا يجري أصالة عدم الدس و أصالة

عدم الزيادة و يترتب عليه آثاره فلا ينتج البحث عن الظهور الصادر و الواصل ثمرة.

و اما أصل المطلب فلا شبهة في ان المدار عند العقلاء على الظهورات الواصلة

فان كل أحد إذا وصل إليه شي‏ء من متكلم و كان له حجة في أخذه يتبع هذا الظهور

و لا يسأل المتكلم به عن مراده به فيكون الروايات الواصلة عن المعصومين صلوات اللّه‏

عليهم أجمعين حجة عندنا بظهورها الواصل و لا يكون فهم من سبق منا سندا

لنا بل نحن أيضا مأمورون بهذا الظهور.

الثالث مما يتوقف عليه كلام الخراسانيّ(قده)ان يكون للعقلاء أصول تعبدية

و اما إذا لم يكن أصول كذلك فلا أساس للقول بجريان الأصل و حيث لا يكون لهم‏

أصول تعبدية فيكون المدار على الظهورات و لا نحتاج إلى أصالة عدم القرينة بخلاف‏

ما لو كان لنا أصل تعبدي فيكون الحق مع الشيخ قده.

الأمر الثاني في أن المدار في فهم الظهورات هل يكون الظن الشخصي أو

النوعيّ بحيث لو لم يفهم شخص من المكلفين من لفظة ما ظهورا في معنى ما و فهم‏

العقلاء ذلك الظهور يجب عليه اتباعهم أم لا أو لا يكون مقيدا بالظن الشخصي على الوفاق‏


127
و لكن يجب عدم الظن بالخلاف أي بخلاف ما عند العقلاء أو يفصل بين الأوامر

و النواهي بأن يقال ان الظن النوعيّ متبع فيهما و لا يحتاج إلى الظن الشخص بالوفاق‏

و بين غيرهما بأن يقال انه يحتاج الظن بالوفاق وجوه و أقوال:

فقد ذهب قوم إلى أن المدار على الظن الشخصي و الاطمئنان كذلك بمدلول‏

اللفظ و ذهب بعض آخر إلى كفاية الظن النوعيّ فعدم حصول الظن كذلك لشخص‏

لاعوجاج في سليقته لا يوجب سقوط الظهور بالنسبة إليه فانه يجب عليه اتباع من‏

لا اعوجاج في سليقته.

و استدل على كون المدار على النوعيّ أولا بأنه هو الدارج بين العقلاء و يصح‏

عقوبة العبد الّذي لم يتبع ما فهم العقلاء ظهوره عند الاحتجاج إذا كان مكلفا بذلك‏

التكليف سواء كان هذا الظن النوعيّ بالنسبة إلى الجهة أو الصدور أو الدلالة و لا

شبهة في أن بناء الشارع أيضا يكون في إلقاء الخطابات على العرف مثلهم و لا يكون‏

له طريق جديد لأخذ الأحكام الشرعية.

و ثانيا انه لو كان كذلك أي لو كان المدار على الظن الشخص لا يبقى وجه‏

للتعارض و الرجوع إلى أدلة العلاج لعدم حصول الظن كذلك لأحد ضرورة انه‏

لا يمكن أن يحصل لأحد الاطمئنان بكلا طرفي النقيضين.

و الجواب عنه أولا بالنقض و هو انه لو كان المدار على الظن النوعيّ أيضا

لا يمكن ان يحصل ظنان نوعيان بكلا طرفي النقيضين.

و ثانيا بالحل و هو ان الظن في طرفي المتعارضين بالظهور في كل طرف‏

يكون لولائيا أي هذا لو لا ذاك لكان ظاهرا في هذا المعنى.

فان قلت الظن بالشي‏ء يدور امره بين الوجود و العدم فنقول هذا صحيح و لكن‏

يتصور اللولائية أيضا بأن يكون الظن حاصلا لو لا المعارض.

و اما ما قيل من ان اللازم عدم الظن الشخصي على الخلاف فلا يكون تاما لأن‏

العدم لا يكون مؤثرا في شي‏ء فما هو الحاكم هو العقل بأن الظن الشخصي غير لازم‏

في الظهورات و لا يكون السند بناء العقلاء فقط مضافا إلى حكمة الوضع فان وضع‏


128
الألفاظ بالظهور التصوري و التصديقي و الجدي يكون لإفهام الناس أغراضهم‏

بالأوضاع التي يوجب الظن النوعيّ بالظهور و لو كان المدار على الظن الشخصي‏

فيدعى كل أحد أنى ما فهمت من هذا اللفظ هذا المعنى و ما حصل الظن لي و يختل‏

نظام بنى آدم في معاشهم و معادهم و يكون دأب الشارع أيضا دأب ساير العقلاء و لم‏

يكن له طريق جديد و ما ردع عن هذا الطريق.

ثم انه فرق الميرزا القمي(قده)تارة بين من قصد افهامه كالمخاطبين مجلس‏

التخاطب و من لا يكون كذلك مثل تنظيم الإسناد و السجلات و السر فيه هو ان‏

المتكلم حين التخاطب يجري بالنسبة إليه أصالة عدم الغفلة عن خصوصيات الكلام‏

و هذا المخاطب لا يكون غافلا عما هو المراد لقرينة مقامية أو حالية أو يكون بينهما

رمز يمكن ان المستفاد منه خصوصيات المطلب و يمكنه ضم كل قيد شاء و لو بإشارة

إصبع أو رأس.

و اما من لم يكن حاضرا في مجلسه فلا يكون كذلك فانه يمكن الغفلة عن‏

بعض القيود و أصالة الظهور لا تكون أصلا تعبديا بل يكون على حسب ما ذكر فمن‏

قصد افهامه يكون الظهور بالنسبة إليه متبعا بخلاف من لم يكن كذلك و لم يكن‏

بناء العقلاء الا في هذه الصورة.

و فيه انه ممنوع أولا بأن في ساير الموارد أيضا ربما يكون قرينة حالية أو مقالية بها

يستفاد جميع خصوصيات مراد المتكلم و ثانيا ان المتبع عند العقلاء هو أصالة عدم‏

القرينة التي تأتى في كل مورد لا خصوص أصالة عدم الغفلة حتى يشكل بأنها تجي‏ء

في من قصد افهامه و من لا يكون كذلك و مخاطبة طائفة خاصة لا يضر بالظهور كما

انه يمكن الشهادة بالإقرار و لو لم يكن المقر قاصدا لإفهامه بل ربما يكون القصد

إلى عدم فهم الغير و ثالثا أي فرق بين السجلات و الإسناد و الأحكام الشرعية.

و فرق(قده)تارة أخرى بين الظهورات الواردة في الكتاب و السنة و بين‏

الظهورات في كلام عموم الناس بما حاصله هو ان المراد من اتباع الظهورات يكون‏

كل ظهور في كل مقام فإثبات الظهور بالنسبة إلى كلمات عموم الناس لا يثبت ظهور


129
كل لفظ فان الكتاب،و السنة يكونان مدار الأحكام و الاعتقادات فاما الكتاب فانه يكون‏

في غاية حد البلاغة بحيث يكون معجزة باقية من النبي صلى اللَّه عليه و آله و له بطون و لبطونه‏

بطون حسب الروايات فما كان بهذا القدر من علو الشأن كيف يفهمه كل أحد و يكون‏

ظهوره متبعا و انما يعرف القرآن من خوطب به مع وقوع التحريف في الآيات‏

و هو ينافى اتباع الظهور.

مضافا إلى الروايات التي دلت على حرمة تفسير الآيات بالرأي فإثبات أن‏

اللفظ يمكن ان يكون ظاهره متبعا صغرويا لا يثبت اتباع الظهور في كل مقام.

و الجواب عنه أولا ان القرآن كله ليس كذلك فانه أحكام و قصص و أخلاق‏

و استدلالات عقليات و من الظاهر أن قصة من القصص إذا بينها يفهمها كل أحد.

و ثانيا ان لمعانيه مراتب فيفهم كل مرتبة منه بعض الأشخاص فالإمام الصادق‏

عليه السّلام يفهم من قراءة آية بطون المعاني و غيره بحسب مرتبته من العقل و الذكاء

مرتبة دونها و هذا هو معنى وجود البطون للقرآن فهو لا ينافى فهم الظهور منه.

و اما التحريف فالمشهور عدمه و هو الحق لأوله إلى إبطال النبوة و لو كان‏

علم إجمالي به ينحل بواسطة أن الأحكام لا يكون فيه التحريف بل بالنسبة إلى ما ورد

في شأن بعض الأئمة عليهم السّلام مثل علي بن أبي طالب عليه السّلام.

و اما النهي عن التفسير بالرأي فهو يكون في صورة التفسير من عند النّفس‏

و اما ما يكون من باب فهم الظهور فلا يكون تفسيرا بالرأي و اما الروايات فيعارضها

روايات الإرجاع إليه الا ترى ما في صحيحة عبد الأعلى مولى آل سام بعد قوله عليه السّلام‏

امسح على المرارة و قوله عليه السّلام ان هذا و أشباهه يعرف من كتاب اللّه.

على ان الاخباري القائل بأن المتبع هو الاخبار فعند معارضة الاخبار كيف‏

يكون له الرجوع إلى الآيات مع إنكار ظهورها في شي‏ء و لا يكون له طريق آخر

لدفع التعارض مع انه يقول به.

و قد أشكل في المقام بإشكال آخر و هو ان عمومات الآيات و إطلاقاتها لا شك‏

أنها قد خصصت بجملة من الروايات في الأبواب المختلفة فكل عام أو مطلق يكون‏


130
في القرآن حيث نحتمل ان يكون مخصصا أو مقيدا لا يكون الظهور منعقدا له فلا

يكون الظهورات متبعة.

و أجابوا عنه بأن العمومات و الإطلاقات على أقسام منها ما في القصص و منها

ما في أصول العقائد و منها ما في الأحكام و حيث يكون العلم الإجمالي منجزا إذا كان‏

جميع الأطراف محل الابتلاء و لم يكن محل الابتلاء لنا الا الأحكام فينحل العلم‏

لاحتمال ان يكون المخصص في غير الأحكام فلا يكون العلم مؤثرا.

و فيه ان لنا العلم بوجود المخصص و المقيد بالنسبة إلى الأحكام أيضا فخروج‏

بعض الأطراف عن محل الابتلاء لا يفيد الانحلال أو عدم تأثير العلم الإجمالي فلنا

علم إجمالي كبير بالنسبة إلى جميع الأبواب و علم إجمالي صغير بالنسبة إلى الأحكام.

فالجواب الصحيح أولا ان العلم بوجود المخصص و المقيد لا يوجب هدم‏

الظهور بل يوجب عدم الحجية.

و ثانيا ان تشكيل العلم الإجمالي يكون بنحو ينحل بعد الفحص عن المخصص‏

لأن لنا العلم الإجمالي بورود مخصصات و مقيدات لو تفحصنا عنها لظفرنا بها و حيث‏

تفحصنا و لم نجد لا يكون لنا العلم كذلك من أصل.

و اما ادعاء الانحلال بأن يقال وجد ان بعض المخصصات و المقيدات حيث‏

يأتي معه احتمال التطبيق مع المعلوم بالإجمال يكفى لا وجه له ضرورة انه اما ان‏

يكون الانحلال وجدانيا مثل ما إذا علمنا بنجاسة أحد الكأسين ثم علمنا بأن النجس‏

هو الكأس الأبيض فانه ينحل العلم قطعا و اما ان يكون تعبديا مثل ان يقوم البينة

على أن المعلوم بالإجمال هو هذا الكأس الأبيض فهذا أيضا لا إشكال فيه و اما إذا علمنا

إجمالا بنجاسة أحدهما ثم قامت البينة على ان هذا الكأس نجس لا على ان ما هو

النجس يكون هذا الكأس فبصرف احتمال التطبيق لا ينحل العلم.

و في المقام أيضا لو لم يكن العلم بنحو ما ذكر فوجدنا جملة من المخصصات‏

و المقيدات و احتملنا التطبيق لا يكفى فالنكتة هنا هي ان الفحص يوجب عدم العلم‏

و انحلاله لأنه كان مشروطا بأنه لو حصل الفحص لوجدنا و حيث ما وجدنا فلا مخصص‏


131
فيتبع الظهور فالظواهر حجة مطلقا في الآيات و الروايات.

بقي في المقام شي‏ء

و هو ان اختلاف القراءات هل يوجب هدم الظهور أم لا كما في قوله تعالى‏

«يسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض و لا تقربوهن حتى‏

يطهرن»فانه قرأ كلمة يطهرن تارة بالتشديد في الطاء و تارة بالتخفيف فعلى قراءة

التشديد لا يحل الوطء الا بعد الغسل و على قراءة التخفيف يكفى مجرد قطع الدم.

و لتوضيح المقام يجب رسم أمور الأول قد اختلف في أن اختلاف القراءات‏

هل كان متواترا عن النبي صلى اللّه عليه و آله أم لا فعن الشهيد ان قراءة السبع عنه صلى اللّه عليه و آله يكون‏

متواترا و من المسلمات و أنكره الشيخ في التبيان و جمع من المتأخرين.

و التحقيق انه من البعيد ان يكون جميع القراءات عن النبي صلى اللّه عليه و آله فان كلمة كفوا

أحد تكون فيها أربعة أوجه و ان لم تكن موجبة لاختلاف المعنى و صدور الجميع‏

يكون خلاف ما ورد من الروايات.

مثل ما في صحيحة فضيل قال له أن الناس يقولون ان القرآن نزل على سبعة

أحرف قال كذب أعداء اللّه و لكنه نزل بحرف واحد من عند الواحد.

فلا يصح القول بصدور جميع القراءات فلعل هذه الاختلافات نشأت عن أذهان‏

بعض أهل الأدب من العامة لتوجيهات أدبية فالقراءة واحدة و نحن نقول بأن المتبع‏

ما هو الدارج كما في يطهرن بدون التشديد فان جميع المصاحف كذلك.

الأمر الثاني على فرض إثبات ان القراءة واحدة فإسناد ما هو غير الدارج‏

إلى اللّه تشريع و كذب و لو بحسب الارتكاز فأن من يقرأ القرآن يكون في ذهنه‏

أن هذا كلام اللّه فيجب مراعاة ما هو الصحيح من القراءات.

الأمر الثالث مع عدم جواز الاستدلال لا يجوز القراءة أيضا فالقول بأن الاستدلال‏

يجب ان يكون على ما هو الدارج و التوسعة في القراءة كما إذا قرأ في الصلاة

لا وجه له لما مرّ.


132
الأمر الرابع في الجهة الأصولية من بحث اختلاف القراءات فان البحث إلى‏

هنا كان في أصل اختلاف القراءة من حيث انه هل يكون متواترا أم لا و قد حققنا

عدم الاختلاف و أن القرآن ما هو الدارج المكتوب الموجود بأيدينا و من هنا يكون‏

بعد فرض إثبات اختلافها من حيث أن القراءتين مثلا إذا تعارضتا كما في يطهرن‏ (1)

بدون التشديد و يطهرن معه من حيث ان مفاد أحدهما وجوب الغسل للوطء و مفاد

الاخر عدم وجوبه فهل يكون مثل تعارض الاخبار فيلاحظ المرجحات التي عدت‏

في باب التعارض هنا أيضا غير المرجحات السندية لأن التواتر يمنع عن الكلام‏

في السند أم لا و حيث تكونان متساويتين في الدلالة فلازمه التساقط فيه خلاف.

فقيل بأنهما مثل الروايتين من باب أن القرآن أيضا حجة و أدلة العلاج تشملهما

بعمومها و الشاهد أيضا خبر زرارة عن كتاب فضل القرآن ان القرآن واحد نزل من‏

عند واحد و لكن الاختلاف من قبل الرّواة بتقريب ان القرآن بعد النقل يكون كالرواية

فعند التعارض مقتضى الأصل الأولى التساقط و مقتضى الأصل الثانوي هو التخيير

في الأخذ بأحدهما.

و قيل كما عن الخراسانيّ(قده)ان لسان دليل العلاج يكون في الخبرين‏

بقوله إذا جاءكم الخبران المتعارضان إلخ.

و اما ما جاء عن اللّه تبارك و تعالى فلا يصدق عليه الخبر كذلك و قد يجاب عنه‏

بأن المراد بالخبرين هو وصول حجتين و ما وصل من الكتاب أيضا حجة فتشمله‏

أدلة علاج الحجج عند التعارض فعليه بعد التعارض و التساقط1يرجع إلى عام‏

1الدليل الوارد في الخبرين بالنسبة إلى ما ذكر فيه من المرجحات يمكن‏

ادعاء انصرافه عن الآيتين مع ما في القرآن العزيز من قوله تعالى‏ و لو كان من‏

عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا «سورة النساء آية 84»فانه لا اختلاف في‏

القرآن عند التحقيق و آية يطهرن بدون التشديد أو معه يكون الدليل على عدم كونها

مع التشديد من الروايات في باب الحيض موجودا فلا تصل النوبة إلى التعارض.

1)سورة البقرة آية 222.

133
فوق في القرآن أو أصل من الأصول مثل قوله تعالى‏ نساؤكم حرث لكم فأتوا

حرثكم انّى شئتم (1) بعد تعارض يطهرن و يطهّرن مع التشديد و بدونه إذا كان‏

عمومه أزمانيا و اما إذا لم يكن كذلك فيستصحب حكم الخاصّ و هو حرمة الوطء

وقت الحيض هذا كله الكلام في الكبرى و هو حجية الظواهر بعد ما ثبت الظهور.

و اما البحث في الصغرى و هو أن الظهور إذا شك فيه فمن أين يثبت ففي صورة

القطع به فهو المتبع و اما في صورة الشك فيه فاما ان يكون الشك في ظهوره التصديقي‏

من باب الشك في مطابقة الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية و اما ان يكون من‏

باب الشك في الإرادة الاستعمالية من باب انه يمكن ان يكون المراد منه معناه المجازي‏

و اما ان يكون من الشك في ظهوره التصوري من باب عدم العلم بالوضع مثل ان‏

لا يعلم ان الموضوع له للفظ الصعيد هل كان مطلق وجه الأرض أو التراب فقط فان كان‏

الشك في الأول و الثاني يكون من باب احتمال وجود قرينة سقطت فأصالة عدم القرينة

عند العقلاء جارية.

و معنى جريان الأصل عندهم هو اتباعهم الظهور و لا يكون لهم أصل تعبدي‏

حتى يكون اتباع الظهور بعد جريان الأصل و من هنا يظهر ما في كلام المحقق‏

الخراسانيّ(قده)من أن الظهور لا يكون للفظ الا بنحو التعليق بمعنى انه يكون‏

ظاهرا لو لا احتمال القرينة ليجب جريان الأصل أولا ثم اتباع الظهور بل يكون لهم‏

البناء العملي على اتباع الظهورات و عدم الاعتناء بالاحتمالات التي لا دليل لها فيكون‏

اتباعهم الظهور من باب انهم يرون الألفاظ كاشفا عن الإرادات الاستعمالية و الجدية

و لا يكون وجود القرينة واقعا مؤثرا في نظرهم بل ما هو المؤثر الواقع المنكشف‏

بدال له هذا فيما إذا كان الشك في أصل وجود القرينة.

و اما إذا كان في الكلام ما يحتمل القرينية فيتأملون في اتباع الظهور بل يكون‏

الكلام عندهم مجملا كما في ورود الأمر عقيب الحظر من حيث انه هل يدل على‏

1)سورة البقرة آية 223.

134
الإباحة أو على الوجوب فحيث يكون اتباع أصالة عدم القرينة من باب الكشف عن‏

الواقع لا يجري هذا الأصل عملا الا مع وجود ما يحتمل القرينية لأن هذا اللفظ مع‏

هذا الاحتمال لا يكون له كشف عن الواقع.

و المحقق الخراسانيّ قال بأن الأصل سواء كان تعبديا أم لا.لا يجري في المقام‏

بقوله لا يخلو عن إشكال و لكن مر انه لا يكون لنا أصل تعبدي عند العقلاء هذا كله‏

إذا كان الشك في الظهور التصديقي الاستعمالي أو الجدي.

و اما إذا كان الشك في الظهور التصوري بمعنى عدم العلم بوضع اللفظ عربيا

أو فارسيا أو غيرهما فهل كان المدار على قول اللغوي في تعيين المفهوم أم لا خلاف‏

و لا يخفى ان من قال بأن قول اللغوي حجة يقول به من باب الموضوعية أي من باب‏

انه لغوي و هذا يكون محل النزاع.

و اما لو كان قوله موجبا للاطمئنان مثل أن يكون بيانه لموارد الاستعمالات‏

مع ضم الضميمة أو بدونه موجبا للاطمئنان فلا كلام فيه لأنه حجة بنفسه.

أدلة حجية قول اللغوي‏

و كيف كان فاستدل لحجية قوله بأمور أربعة:الأول الإجماع العملي‏

و السيرة كذلك على الرجوع إلى كتب أهل اللغة إذا صاروا محتاجين إلى معنى لغة

من اللغات مثل القاموس و الصحاح و المجمع و المنجد و غيره و قد يدعى إجماع‏

قولي أيضا على هذا.

و فيه ان رجوع الاعلام إلى الكتب لا يكون من باب ان اللغوي يكون لقوله‏

موضوعية بل يكون من جهة انه يوجب الاطمئنان و يكون هذا أحد طرقه و لا يكون‏

لنا سيرة متصلة إلى المعصوم عليه السّلام و اما الإجماع القولي فانه على فرض ثبوته يكون‏

مدركه هذه السيرة و الحاصل لا يكون الرجوع إليهم من حيث انهم لغويون بل من‏

حيث موجبية قولهم الاطمئنان فان حصل فهو و إلاّ فلا وقع له.

الثاني مما استدل به هو ان بناء العقلاء يكون على الرجوع إلى أهل الخبرة


135
في كل فن كالبنّاء و النّجار بالنسبة إلى البناء و النجارة و لا يكون ردع عن الشارع‏

عن هذه السيرة فهكذا في المقام يكون هؤلاء اللغويون خبراء هذا الفن فيرجع‏

إليهم في تشخيص المفهوم التصوري.

و فيه أولا انهم ليسوا خبراء فانهم ينسبون موارد الاستعمالات فقط و لا يكون‏

من دأب أكثرهم ان يدخلوا في قلب الاجتماع ليفهموا ان هذا اللفظ يكون موضوعا

لهذا المعنى عندهم الا قليلا منهم مثل صاحب القاموس فلا يكون اخبارهم عن الوضع.

و الفرق بين قولهم و بين الشهادة هو ان الثانية تكون عن حس فتقبل و الأول‏

يكون فيه نوع اجتهاد و تصرف من اللغوي فلا يكون متبعا الا ان يقال ان الرجوع‏

إلى أقوالهم لا يكون المراد منه الرجوع إلى فرد منهم و قبول قوله بل الرجوع إلى‏

جمع منهم ليوجب الاطمئنان بالمفهوم.

و ثانيا ان الرجوع إلى الخبراء في كل مورد يكون لحصول الاطمئنان فالرجوع‏

إلى الأطباء أو أهل ساير الصنائع إذا حصل منه الاطمئنان يكون متبعا عند العقلاء.

الثالث مما استدل به هو ان أدلة حجية خبر الواحد تشمل المقام فيكون قول‏

اللغوي مثل شهادة العدلين في الموضوعات فكما ان الشهادة كذلك في باب المخاصمات‏

مقبولة كذلك قول اللغوي أيضا مسموع لأنه شهادة بالموضوع.

و لا يقال انه يكون عن حدس و الاخبار في الشهادة يجب ان يكون عن حس‏

لأنا نقول يمكن إلحاق بعض موارد الحدس بالحس كما في الاخبار بالعدالة مع‏

ان الشخص يحكم بأن زيدا عادل بواسطة أمارات العدالة و لا تكون حسية و لكن‏

تكون ملحقة بالحس.

فالإشكال على هذا التقريب بهذا غير وارد فان الحدس الّذي يكون له مباد

حسية ملحقة بها و لو التزمنا به يلزم عدم قبول قول العادل أيضا.

و لكن يمكن الإشكال عليه أولا بأن اللغوي يخبر عن موارد الاستعمالات‏

و الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز فلا يمكن كشف الوضع به.

و ثانيا سيجي‏ء ان أدلة حجية خبر الواحد النقليّة لا تشمل الاخبار بالموضوعات‏


136
بل مختصة بالاحكام كما في رواية مسعدة بن صدقة و الأشياء كلها على ذلك حتى‏

تستبين أو تقوم به البينة.فان المراد بالبينة شهادة عدلين لا عدل واحد نعم لو كان‏

دليل حجية الخبر الواحد بناء العقلاء يكون شاملا للموضوعات أيضا و لكن الرواية

رادعة عنه و لذا لا يقبل في الفقه الاخبار بالموضوعات إذا كان المخبر واحدا الا ان‏

يقال التعدد مختص بباب المخاصمات و يكفى في غيرها الواحد كما لا يبعد.

و ثالثا ان اتكاء العقلاء على الخبر الواحد في الموضوعات بدون حصول‏

الاطمئنان محل منع فان بنائهم على القبول و لو لم يحصل الاطمئنان نوعا بعيد غير

ثابت و في المقام أيضا لو حصل الاطمئنان من قول اللغوي فلا بحث فيه.

الدليل الرابع الانسداد الصغير و هو انا نعلم ان فهم عدة من الأحكام متوقف‏

على قول اللغوي لأن تحصيل العلم بالوضع عسري و رفع اليد عن الأحكام مما يقطع‏

بعدم رضاء الشارع به و الاحتياط أيضا عسري فلا مناص الا من اتباع الظن الحاصل‏

من قول اللغوي و هذا أحسن من التوقف و لو لم يكونوا في الواقع من أهل الخبرة.

و فيه ان الانسداد إحدى مقدماته هي عسر الاحتياط و لا نسلم ان أكثر الأحكام‏

منوط بقول اللغوي بل بعض قليل و لا عسر في الاحتياط في ذلك البعض على ان‏

حجية الظن الانسدادي لا تكون مختصة بالظن الحاصل من قول اللغوي بل بكل‏

ظن من أي طريق حصل.

ثم انه قد قيل بأن قبول المعصوم عليه السّلام قول زرارة في اخباره بان هذا الوادي‏

وادي العقيق دليل على قبول قول الواحد في الموضوع و لكنه لا يتم لأنه يكون من‏

حيث انه يوجب الاطمئنان لا من باب موضوعية قوله‏1.

1أقول ليس هذا الاخبار اخبار الثقة في الموضوع و لا موجب للحمل على مورد

الاطمئنان و لنا رواية في باب 2 من أبواب الوكالة في الوسائل ح 1-عن هشام بن‏

سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام دالة على قبول خبر الواحد في إبلاغ عزل الوكيل عن‏

الوكالة بقوله عليه السّلام و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة أو يشافه(يشافهه‏

ن ل)بالعزل عن الوكالة و لا خصيصة لها ليقبل قول الثقة فيها دون غيرها و هكذا


137
ثم انه بعد القول بحجيته قد اختلف في انه هل يوجب الظهور أم لا فقيل‏

بأنه موجب له لبناء العقلاء على اتباعه من باب انه كاشف عن الواقع و قيل انه ليس‏

له الا الحجية و اما الظهور فلا و الحق انه موجب للظهور لبنائهم على قبول قول‏

الخبرة من حيث انه كاشف عن الواقع و لكن قد عرفت انه كلما حصل الاطمئنان‏

فهو الحجة و اما إذا لم يحصل فقول اللغوي من حيث انه لغوي و لقوله موضوعية

فلا يكون مرضيا عندنا و عند جملة من الاعلام.

لا يخفى عليكم انه من دأب الأئمة عليهم السّلام في الروايات الإتيان بقرائن منفصلة

فحيث وجدنا هذا من دأبهم لا يكون لنا متابعة ظهور العمومات و المطلقات الا بعد

الفحص عن المخصص و المقيد فاما ان نقول بأن وجدانه موجب لهدم الحجية إذا

تفحصنا و لم نجد و اتبعنا الظهور كما هو الحق أو يقال‏1بأن الظهور ينهدم بعد

وجدانه كما هو محرر في البحث عن العام و الخاصّ.

فصل في الإجماع المنقول‏

أقول لا طريق لإثباته الا من باب حجية الخبر الواحد في الموضوعات و اما

أصل حجية الإجماع المنقول فيكون من باب انه كاشف عن رأي المعصوم عليه السّلام‏

فلو ثبت ذلك فهو و إلاّ فلا حجية له و حيث انه يكون من الاخبار عن الموضوعات‏

يجب ان يكون إثباته لمدعيه عن حس أو حدس قريب بالحس ملحق به كما إذا

تمسك في إثباته بقرائن عامة مثل الاخبار بالعدالة كما في الاخبار بموت زيد من‏

القرائن العامة التي توجب الوثوق كما هو الشرط في كل خبر عن الموضوع أو كما

قد استدل بأذان الثقة في باب 3 من أبواب الأذان في الوسائل و بثبوت الوصية

به كما في باب 97 من كتاب الوصايا ح 1 في الوسائل و بثبوت استبراء الأمة به‏

كما في باب 6 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.هذا كله مضافا إلى بناء العقلاء على‏

قبول الواحد و خبر مسعدة بن صدقة محمول على باب المخاصمات.

1و هو الحق عندنا كما مر في الموارد المناسبة.


138
في الاخبار عن العدالة فانها ليست محسوسة و لكن لها شواهد لو كانت موجودة

في الباطن.

و كيف كان فتشكيل الإجماع المحصل بحيث يكون معتبرا في الإسلام يكون‏

على أنحاء و لتوضيحه ينبغي رسم أمور:

الأول ان وجه اعتباره كما ذكر يكون هو كاشفيته عن رأي المعصوم عليه السّلام و هذا

تارة يكون بنحو نقل السبب و تارة يكون بنحو النقل المسببي و الثاني يكون على‏

أنحاء الأول ان يكون مدعيه عالما بدخول الإمام عليه السّلام فيمن أجمعوا على امر بأن‏

يكون عدة من العلماء و فيهم من يجهل حاله و لم يعرف نسبه حتى يكون موجبا

للاطمئنان بدخوله عليه السّلام فيهم و يسمى هذا الإجماع إجماعا دخوليا فيقول الناقل المطلب‏

الفلاني إجماعي و لا ينقل سبب حصول الإجماع.

أقول و هذا النحو من الإجماع و ان كان ممكنا في صدر الإسلام و في زمان‏

حضور الأئمة عليهم السّلام و يمكن ادعائه في زمان الغيبة الصغرى مثل زمان محمد بن يعقوب‏

الكليني و المفيد و السلار و لكن بعد هذه الأزمنة لا يكون متحققا.

الثاني هو الإجماع اللطفي و هو ان يكون حاكي الإجماع قاطعا بالحكم من باب‏

اتفاق جمع من الفقهاء في عصر من الأعصار على امر فعلى اللّه تعالى ان لا يضعهم على‏

الخطاء و يرشدهم بطريق إلى ما هو الحق فيكون هذا دليلا على وجود رأى الإمام‏

عليه السّلام في الآراء.

و اما أصل بيان اللطف فمنوط بعلم الكلام و حاصله انه تعالى كما يكون منه‏

أصل الوجود يجب ان يكون كمالاته أيضا منه و كما يكون موجدا لما هو أدون‏

يكون موجدا لما هو أشرف على قاعدة الإمكان الأشرف من ان كل كمال ممكن‏

في حقه تعالى يكون موجودا لأنه تعالى ليس له حالة منتظرة فيكون من لوازم ذاته‏

الواجبة هو منع الفقهاء عن رأي خطئي موجب لضلال العوام الذين يقلدونهم فانه‏

كمال له تعالى و كمال لنظام الوجود.

و فيه ان هذا القسم من الإجماع و ان كان كبراه و هو أصل وجود اللطف‏


139
حقا و لكن لا ينطبق في المقام لأن اللازم هو اللطف بالنسبة إلى ما تجب ان يصل‏

إلى الناس منه تعالى بحيث يكون عدم وصوله منافيا للنظام و اما ما لا تحب أن يكون‏

واصلا فلا يجب اللطف بالنسبة إليه فأن المصالح في الواقع و نفس الأمر على أنحاء

فبعضها يجب حفظها حتى يجعل الاحتياط في بعض الموارد مثل الفروج و الدماء

و في بعض الموارد تقتضي المصلحة الوصول بالطريق العادي فان وصل فهو و اما

ان لم يصل فلا تكون بقدر يجب إيصاله و لو من باب اللطف فعلى هذا لا يلازم فتوى‏

جمع من العلماء رأى الإمام عليه السّلام فالإجماع مثلا في العصير العنبي على الحرمة

لو كان ملاكه هذا لا يتم بعدم كشفه عن الواقع بالملازمة العقلية التي ذكروها من‏

باب اللطف.

الثالث الإجماع الحدسي و هو ان لا يكون من القسم الأول و الثاني بل عند

فتوى جمع من العلماء يحكى الإجماع و يحدس ان يكون رأى الإمام عليه السّلام معهم‏

و يطمئن به مع عدم علمه بدخول جنابه عليه السّلام فيهم كما هو دأب المتأخرين في نقل‏

الإجماع غالبا حيث وجد و أقول عدة على امر من الأمور.

و فيه انه مع عدم اجتماعهم في مجلس واحد و وجدان رأى كل واحد منهم‏

في كتابه أو بطريق آخر لا يكشف أن يكون رأى الإمام عليه السّلام معهم فلعل لبعض من‏

لا نعرفه من العلماء الذي لا يكون مشهورا مع كونه اعلم أو مثلهم على خلاف رأيهم‏

فلا يحصل الإجماع الذي يكون الحدس الصائب هو وجود رأيه عليه السّلام فيهم.

الرابع الإجماع الكشفي و هو أن يفتى الاعلام بشي‏ء و يدعون أنه يكون‏

منسوبا إلى المعصوم عليه السّلام و لكن ما وجدنا رواية في الكتب الذي يكون بأيدينا

و لا يحتمل الكذب بالنسبة إليهم مع كونهم رضوان اللّه عليهم في أعلى درجات‏

الصلاح و السداد و العدالة فيكشف قولهم هذا عن وجود سند صحيح لهم وجدوه‏

بالحس أو بحدس قريب به مثل التمسك بقرائن عامة التي قرينة عند كل أحد و هذا

أحسن طريق للإجماع المنقول.

و فيه أولا بأن هذا أي القول بوجود رواية يكون صحيحا إذا لم يكن في المقام‏


140
أصل من الأصول العقلية أو الشرعية لهذا الحكم مثل البراءة في الموضوعات المشتبهة

فإذا كان كذلك يمكن ان لا يكون ذلك الأصل معتبرا عند شخص و يحتمل استنادهم‏

إليه فلا يكشف عن رأيه عليه السلام .

و ثانيا بان صرف وجود الرواية لا يكون سندا لنا لاختلاف في النّظر من‏

حيث السند أو من حيث الدلالة اما من حيث السند فلأنه يمكن أن يكون المدار

عندهم على الخبر الموثوق الصدور و عندنا على ما يكون صحيحا باشتراط عدالة

الراوي مع كونه إماميّا أو حسنا بالاكتفاء بكونه إماميّا مع الوثوق به.

و اما من حيث الدلالة فائضا يمكن ان يكون فهم الرواية هذه لا يوافق نظرنا

في فهم الظهور كما في مسألة البئر فان العلماء قبل العلامة كانوا يفتون بأنه ينجس‏

بالملاقاة و هو(قده)استفاد من رواية إسماعيل بن بزيع انه لا ينجس إذا لم يتغير

لأن له المادة فيمكن ان يكون ما وجدوه هكذا في الدلالة فلا نكشف منه رأى المعصوم‏

عليه السّلام فمع قطع النّظر عن الإشكال الأول يكون الثاني بحاله.

و الجواب عن الأول هو ان المقام لا يكون الكلام من حيث دلالة خبر على‏

المطلوب بل يكون الكلام في حصول الإجماع فيكون نظير الخبر المتواتر1

و لكن التواتر يكون متحققا بالحس و اما هنا فيكون من الحدس و لكن لا بحيث‏

يمتنع التمسك به من باب انه عن الحدس فانه هذا قريب بالحس بعد اجتماع‏

الاعلام الذين هم من أساتيذ الفن عليه و احتمال الخطاء بالنسبة إليهم بعيد جدا.

فلا يقال ان أصالة عدم الخطاء بالنسبة إلى الخبر عن الحس و ان كان جاريا

و لكن الخبر الّذي يكون عن حدس فالأصل لا يجري فيه لاشتباه كثير فيه لأن هنا

1أقول نقل التواتر أيضا يكون مثل نقل الإجماع بخلاف التواتر الحاصل‏

بالتحصيل فكونه نظيره لا ينحل به الإشكال و اما الحدس فيوجب الاطمئنان إذا كنا

محصلا للإجماع و اما نقل ما يمكن ان يكون حدسه موجبا للاطمئنان فلا يفيدنا

شيئا.


141
لا يكون الحدس حدس واحد من العلماء بل حدس جمع منهم.

و اما1الجواب عن إشكال الدلالة فهو ان المناط على الظن النوعيّ في‏

الظهورات لا الشخص فما يكون له ظهور نوعي عند جمع من الاعلام يكون ظاهرا

عندنا أيضا و من البعيد اختلاف النّظر في فهم الظهور.

و اما قضية البئر فلا يقاس بالمقام لأن النص فيه موجود عندنا بخلاف المقام‏

فالإجماع بهذا النحو قابل للاعتماد في الفقه سواء كان عن حس أو حدس قريب‏

به أو حدس محض و الثالث عندنا صحيح لأنهم خبراء الفن و هم يتبع حدسهم أيضا.

الأمر الثاني في الإجماع المنقول بنقل سببه كأن يقول بعبارة يفهم منه ان‏

الإجماع يكون دخوليا أو لطفيا أو حدسيا أو كشفيا كان يقول هذا فتوى جماعة من‏

1هذا الإشكال أيضا بحاله لأنه يمكن ان يكون ما كان عند الناقل للإجماع‏

ظنا نوعيا لا يكون عندنا كذلك و في قضية البئر وجود النص و عدمه لا يفيد فانه يمكن‏

ان يكون سند المجمعين هكذا فانه إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

و الحاصل الإجماع المنقول بهذا النحو أيضا غير قابل للاعتماد لأنه بعد كون‏

الغالب هو نقل الإجماع من دون إحراز سنده من حيث كون قوله من باب الملازمة

استنادا إلى قاعدة اللطف أو بنحو الإجماع الدخولي أو بنحو الحدس و لا يكون بعض‏

هذه الأقسام متحققا عندنا فنشك في حجية هذا الإجماع و هو مساوق للقطع بعدم‏

الحجية.

نعم في صورة نقل قول عدة من الفقهاء كما هو الدارج في الكتب مع تسميتهم‏

أو نقل الناقل الإجماع عن عدة منهم و تسميتهم يكون قوله هذا مثبتا لأقوالهم‏

و يكون نظير تحصيل أقوالهم في كتبهم و هذا يوجب نحو وثوق بالحكم و يشكل‏

مخالفته و اما تصرف قول قائل واحد بان هذا المطلب إجماعي أو اتفق الفقهاء على‏

كذا مع عدم دليل آخر أو مؤيد يشكل الاعتناء.

و كون المخبر من خبراء الفن يفيد بالنسبة إليه و إلى مقلديه و اما من كان في‏

صدد الاستنباط فلا بد ان يحصل له الاطمئنان بصدور الخبر و أنه في صدد ان يصير

خبرة مثلهم.


142
أصحابنا يكون الإمام على أحدهم حدسا من غير معرفة شخصه أو عن جماعة لا يمكن‏

ان يكون رأيه عليه السلام خارجا عنهم من باب اللطف ففي هذه الصورة يكون استفادة

الملازمة بعهدة من ينقل إليه الإجماع بخلاف صورة نقل المسبب فانه بنفسه استفاد

الملازمة عقليا أو عاديا و أخبر بما استفاد بخلاف هذا و يلزم ان يكون قبول قوله‏

كذلك أيضا مستندا إلى حجية خبر الواحد من الحس أو الحدس القريب منه و في‏

هذه الصورة ان كان عنده ما يوجب الاطمئنان بالحكم الشرعي بضم ما وجد من‏

أقوال لعلماء فيجب عليه التعبد به و ان لم يكن عنده ما يوجب ذلك فلا وجه للتعبد

به لعدم الدليل عليه حيث لا أثر شرعي له.

الأمر الثالث في سند القول بأن الخبر يجب ان يكون عن حس أو حدس‏

قريب به.

فنقول ان دليل حجية الخبر الواحد سواء كان آية النبأ أو الروايات يكون‏

في بدو النّظر مطلقا من حيث كون الاخبار عن الحس أو الحدس لو لم نقل بانصرافه‏

عن ما يكون بالحدس و لكن حيث يكون هذا الدليل النقليّ إمضاء لبناء العقلاء نرى‏

ان بنائهم مختص بصورة كونه عن حس لا عن حدس و غاية ما يستفاد من هذا الدليل‏

هو ان احتمال تعمد الكذب يلقى بواسطة هذا الدليل و اما الخطاء في الحس أو

الحدس فلا يكون سنده هذا بل يجب ضم أصالة عدم الخطاء من العقلاء و هم لا يجرون‏

هذا الأصل بالنسبة إلى من يخبر عن حدس و يجرونه بالنسبة إلى من استند إلى‏

الحس فيما يخبر عنه.

ثم ان بعض مشايخنا قده(و هو الشيخ محمد حسين الأصفهاني)قال‏1بأن‏

1أقول هذا الإشكال بنحو آخر مقرر في تعليقته قده على الكفاية في ص 69

و الأستاذ مد ظله أيضا في الدورة السابقة تعرض له بأبسط بيان و أوفق بمراده أيضا

و حاصله انه قده يقول في صورة نقل السبب إذا لم يكن ما نقله الناقل سببا لحصول‏

الإجماع عندي فلا يكون لقول هذا الناقل أثر شرعي حتى يجب تصديقه و ان كان‏

كلامه في تعليقته أيضا فيه إجمال يوهم ما ذكره مد ظله في هذه الدورة فارجع إليها.


143
كل ما كان له أثر شرعي من الاخبار يشمله دليل حجية الخبر الواحد و اما ما لا يكون‏

له أثر شرعي فلا يجب التعبد به فإذا نقل الناقل في المقام ما يكون ملازما لقول المعصوم‏

عليه السّلام فقد أخبر بما هو من الآثار العقلية و هو الملازمة بخلاف صورة كونه ناقلا لرأي‏

المعصوم عليه السلام فان نفسه الحكم و هو الأثر الشرعي.

و لا يقال ان مثبت الأمارة حجة بخلاف مثبت الأصول لأنه يقال هذا يكون‏

في صورة وجود الأثر للمدلول المطابقي و لا يقاس بالأخبار مع الواسطة لأن مقوله‏

قول الإمام عليه السلام فيها بخلاف المقام فان مقوله قول عدة من الفقهاء و هو ليس بحجة.

و لكن لا يتم هذا الإشكال لأنه نظير الاخبار مع الواسطة فانه كما يقال بأن‏

تصديق الصدوق مثلا لازم لأنه يثبت قول زرارة و قول زرارة يكون له الأثر كذلك‏

في المقام نقول بواسطة التعبد بقول ناقل الإجماع نثبت الملازمة و من آثارها هو

استفادة الحكم الشرعي و دليل حجية خبر الواحد يشمل ما كان له الأثر مطابقيا أو

و أجاب مد ظله عنه بأن نقل السبب إذا كان مع ما وجدنا من الأقوال مثبتا للحكم‏

الشرعي فلا إشكال في التمسك بقوله لأنه بالاخرة يترتب عليه أثر شرعي كما في‏

الاستصحاب إذا كان بعض اجزاء الموضوع بالوجدان و البعض الاخر بالأصل أي‏

الاستصحاب.

فكما لا يقال ان هذا حيث لا يترتب عليه تمام الأثر لا يجري و يكتفى بكونه‏

جزء المؤثر فكذلك في المقام نعم إذا لم يكن له أثر لعدم شي‏ء عندنا حتى يكون‏

هو جزء المؤثر فلا يجب التعبد به و هذا النحو من الإشكال و الجواب متين.

و اما الإشكال الّذي ذكر بأنه مثبت للملازمة و هو أثر عقلي فيمكن ان يقال‏

في جوابه ان الأمارة مثبتها حجة و لا يقول القائل بعدم حجية مثبت الأمارات و لا

يليق بشأنه أيضا و الجواب بالأخبار مع الواسطة ينطبق على ذاك الإشكال لا هذا مع‏

ان الجواب كذلك أيضا لا يناسب بل التنظير بالاستصحاب الّذي يكون جزء موضوع‏

الحكم فيه بالوجدان و جزئه الاخر بالأصل أوفق بالمقام لأن الأثر هنا يكون على المجموع‏

من حيث المجموع بخلاف الاخبار مع الواسطة فان الأثر يكون على قول الإمام عليه السّلام‏

فقط و تصديق الواسطة يكون من باب إثبات الموضوع له و لكن التنظير به لا إشكال فيه.


144
التزاميا أو تضمنيا.

و الحاصل إذا كان الموضوع ذا أثر شرعي بنفسه أو في طريق أثر شرعي‏

يمكن التعبد به في المقام لو لم يكن نقل قول الفقهاء بنفسه ذا أثر شرعي و لكن‏

لازمه هو ذلك.

الأمر الثالث في بيان ان الإجماع على حكم إذا كان متعارضا فهل يكون مثل‏

تعارض الخبرين و يجري فيه قواعده أم لا خلاف و الحق دخوله في ذلك الباب سواء

كان النقل نقل السبب فيهما أو المسبب أو بالاختلاف كأن ينقل أحدهما سبب الإجماع‏

و الاخر نقله فقط لأنهما على فرض الحجية يكونان أمارتين معتبرتين فالقانون الأولى‏

يقتضى التساقط بالتكاذب و القانون الثانوي حسب المستفاد من الاخبار التخيير في‏

الأخذ بأحدهما.

اما في صورة نقل المسبب فلان التعارض بالمطابقة.و اما إذا كان بنحو نقل‏

السبب فلان مدلوله الالتزامي هو الحكم و يحصل التعارض فيه بالالتزام و اما إذا

كان أحدهما بنحو نقل المسبب و الاخر بنحو السبب فلمعارضة المدلول الالتزامي‏

مع المدلول المطابقي و حيث ان كليهما حجتان لا إشكال في حصول التعارض.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الإجماع المنقول عن حسن أو حدس قريب‏

بالحسن أو حدس محض يكون حجة عندنا و يشمله أدلة حجية خبر الواحد من باب‏

أن الفقهاء خبراء و لا يشترط في قبول قول الخبراء الحس فان حدسهم أيضا حجة

لغيرهم.

تتمة في أن التواتر المنقول هل هو حجة أم لا

و الحق هو انه مثل نقل الإجماع في جميع ما ذكرناه و لتوضيحه نقول أصل‏

التواتر هو اخبار عدة من الرّواة خبرا عن امام واحد عليه السلام أو عن جمع من الأئمة

عليهم السّلام مثل أن يخبر زرارة بلا واسطة عن المعصوم عليه السّلام و هكذا محمد بن مسلم و هكذا

أبان بن تغلب بحيث يحصل القطع بصدور الخبر و محالية التواطؤ على الكذب عادة.


145
و اما إذا كان رواية واحدة بوسائط كثيرة كل واحد في طول الخبر بان يكون‏

السند ذا رجال كثير فمن الواضح انه لا يحصل به التواتر و هكذا إذا نقل رواة كثيرة

عن ناقل واحد عن الإمام عليه السلام فانه أيضا ليس بتواتر لأن الراوي بلا واسطة يكون واحدا

و يكون مثل الخبر الواحد و هكذا إذا نقلت الرواية في كتب كثيرة عن راو واحد لعدم‏

ملاك التواتر فيه فيجب ان يكون التواتر مثل علمنا بالكعبة من باب الاخبار الّذي‏

يمتنع كذبه عادة.

إذا عرفت هذا فنقول اما ان يكون نقل التواتر كذلك عن حدس أو عن حس‏

أو حدس قريب به بأن وجد الناقل ما يكون متواترا واقعا عندنا أيضا حتى يكون حسيا

أو وجد قول عدة فأخبر بالتواتر لحدسه عدم تواطئهم على الكذب فان كان تمسكه‏

بقرائن عامة فيكون من الحدس القريب بالحس و ان كان من القرائن الشخصية

التي تكون قرينة عنده فقط فيكون الحدس المحض فكلما قيل في الإجماع المنقول‏

الحاصل عند الناقل بحدس من حجية خبره و عدمه نقول في المقام أيضا و حيث قلنا

باعتبار جميع الأقسام نقول به في المقام أيضا مضافا بأن المقام يكون السند لأصل‏

الحكم و هو الخبر موجودا و الكلام يكون في تحصيل تواتره و نقله بخلاف الإجماع‏

فان السند لا يكون محرزا فيه كما هو واضح.

ثم ان الناقل تارة ينقل المسبب كما مر من أنه يقول انه متواتر و تارة ينقل السبب‏

كأن يقول وجدت الخبر عن فلان و فلان فان نقل هكذا فان كان ما نقله عندنا أيضا

موجبا للتواتر و حده أو مع ضم ما وجدنا من الرّواة فهو و اما إذا لم يكن عندنا

متواترا فلا يترتب عليه أثره الا إذا كان لنقل التواتر عند الناقل أثر فلو فرض كذلك‏

يترتب عليه هذا الأثر و الا فلا يثبت التواتر.

و الإشكال‏1في المقام أيضا بأن قبول بعض الرّواة حيث لا يكون له أثر

1هذا الإشكال أيضا نظير الإشكال لبعض مشايخه فيما مر و هو الشيخ محمد

حسين الأصفهاني قده).


146
لأنه جزء العلة و ما يكون له الأثر هو التواتر و هو لم ينقله حتى يجب تصديقه مندفع‏

بأن وجود الأثر مع ضم الضميمة يكفى لتصديقه كما في الاخبار مع الواسطة فان‏

الأثر كما قلنا على قول المعصوم عليهم السّلام و قبول قول الواسطة يكون من باب انه مثبت‏

لموضوعه فتقل التواتر سواء كان نحو نقل السبب أو نقل المسبب عن حس أو حدس‏

معتبر مقبول.

فصل في الشهرة

و هي في ألسنتهم تطلق على ثلاثة أقسام الروائيّة و العملية و تسمى بالاستنادية

و الفتوائية.

اما معنى الشهرة الروائيّة فهو وجود رواية بطرق عديدة عن الإمام عليه السّلام و نقل‏

الخبر في جوامع الحديث الذي قيل بأنه تبلغ إلى ستين أو سبعين قبل الجوامع الأربع‏

الكافي و الاستبصار و التهذيب و الفقيه و هذه الشهرة هي التي تكون مرجحة في باب‏

تعارض الخبرين و قيل خذ بما اشتهر بين أصحابك.

و اما الشهرة العملية أو الاستنادية.فهي أن يستندوا في فتاواهم برواية فانها

لو كانت ضعيفة السند توجب جبر ضعفها و لا يضران ينقل الفقيه أدلة غير تامة أيضا

في ضمن الاستناد بهذا الخبر كما في الجواهر من إرداف الأدلة بعضها ببعض ثم يكون‏

المستند أحدها فقد توهم إضرار هذا بالاستناد.

و لكنه مندفع لأن استنادهم إلى رواية مع كونها ضعيفة السند مما يوجب‏

الاطمئنان بالصدور لأنهم مع كونهم في كمال الديانة و الاحتياط و السداد يبعد ان‏

يتمسكوا في الفتوى بدليل ضعيف و النسبة بين هذا القسم و الشهرة الروائيّة العموم‏

من وجه فربما تجتمعان في حكم و ربما يكون إحداهما دون الأخرى.

لا يقال يمكن ان يكون سندهم رواية أخرى صحيحة السند لا هذه الرواية ليقال‏

انها منجبرة بفتواهم لأنا نقول بعد استنادهم إليها لا وجه لهذا الاحتمال فانه يكون‏

في صورة عدم الاستناد و بمثل هذا نقول إذا أعرضوا عن رواية صحيحة يكون هذا


147
كاشفا عن ضعفها من حيث السند أو الدلالة لوجود قرينة عندهم على عدم تمامية

الدلالة أو قدح في السند و كلما ازداد صحة ازداد بعدا.

و ربما توهم في المقام عدم الانجبار و عدم الوهن بها و تارة يفصل بين الجبر

فيقولون به و بين الوهن فيقولون لا يوجبه عدم تمسكهم برواية صحيحة و كانوا بعض‏

هؤلاء من المتأخرين من أساتيذنا في النجف الأشرف مستدلا بأنه مع صحة سند

الرواية لا يكون الوثوق النوعيّ معتبرا و كذلك لا يفيد في الرواية الضعيفة.

و الجواب عنه هو أن دليل حجية الخبر الواحد هو بناء العقلاء و أمضاه الشرع‏

و لا يكون لهم بناء على قبول خبر لا يوجب الوثوق فانا إذا نرى أن التاجر مع كونه‏

في صدد تحصيل النّفع يقال له ان هذا الجنس الفلاني لا يكون له مشتر في السوق‏

الذي يصدر متاعه إليه و قد سقط عن القيمة فرأينا انه لا يعتنى بهذا الخبر مع كون‏

الراوي ممدوحا نفهم وجود قرينة أو شي‏ء في البين صار سببا لئلا يعتنى التاجر بهذا

الخبر و الفقهاء رضوان اللّه عليهم تجار الأحكام و أنهم في صددها فمع الاعراض‏

عن خبر صحيح نفهم وجود شي‏ء في البين و كذلك يقال فما كان الراوي ضعيفا

و يوثق بخبره فانه أيضا كاشف عن قرائن في البين موجبة للاعتماد.

و اما الشهرة الفتوائية فهي على التحقيق عندي تكون مثل الإجماع الحدسي‏

إذا كانت بحيث يطمئن النّفس بوجود سند قوى عندهم مع كون ما يخالفهم شاذا

نادرا لا يعبأ به لأنهم خبراء الفن كما مر في الإجماع.

و اما شيخنا الأستاذ قده فيقول ان الشهرة غير الإجماع فانها تكون في صورة

كون المسألة بحيث يكون فيها القولان أو الأكثر و يكون القائل في أحد الأطراف‏

أكثر من القائل للطرف الاخر بحيث لا يكون الاخر شاذا فان المشهور عنده هو

الواضح فإذا كان الإجماع الحدسي فلا شبهة في أن الفقهاء إذا لم يستندوا إلى رواية

ضعيفة اما لعدم وجودها أو مع وجودها نفهم اما ان يكون السند لهم ما كان من الرواية

موجودا في الأصول المشهورة أو كان لهم سند آخر غيره فاما ان تكون منجبرة

لضعفها أو كاشفة عن سند قوى و اما إذا لم تكن الرواية في الأصول المشهورة فهذه‏


148
الشهرة لا تكون منجبرة لضعفها لأنها لم تكن بمرآهم و منظرهم.

و الحاصل الشهرة بالمعنى الذي نقول تكون مثل الإجماع الحدسي و هو

حجة عندنا و سنده سند حجية الخبر الواحد و هذا النحو من الشهرة لا يكاد تتحقق‏

في عصر واحد ما يكون مقابلا لها بخلاف ما يكون معناه ما عن الأستاذ قده فانه يمكن‏

ان يكون في عصر واحد الأقوال في مسألة متخالفة بعضها أقل و بعضها أكثر.

ثم انه ربما قيل على ما هو المشهور من معنى الشهرة بان الشهرة في مسألة إذا

كانت عن القدماء تكون موجبة لوهن الرواية الصحيحة و اما ما كان عن المتأخرين‏

فلا توجب الوهن لأن القدماء لكونهم قريبا بعصر الإمام عليه السلام يمكن ان يكون عندهم‏

شي‏ء هو قرينة لم يصل إلينا و اما المتأخرين فلا يكون هذا الاحتمال في حقهم.

و فيه ان المتأخرين مثل العلامة و الشهيد و المحقق و أمثالهم إذا كانت رواية

صحيحة بمرآهم و منظرهم و لم يفتوا بمؤداه مع أنهم خبراء الفن كيف لا يقال ان‏

إعراضهم موجب للوهن مع حسن الظن بهم فلعلهم أيضا وجدوا ما يكون سندا

لهم لوهن تلك الرواية اما من حيث السند أو الدلالة أو الجهة هذا في كونها موجبة

للوهن و اما الجبر فيقول الخراسانيّ قده أن المناط في الخبر هو الوثوق المخبري‏

بأن يحصل لنا الوثوق بأن هذا صادر عن المعصوم عليه السّلام و اما الوثوق الخبري فلا يلزم‏

فعليه إذا كانت الشهرة متحققة فيحصل الوثوق الخبري و لو لم يحصل الوثوق‏

بالخبر الذي يكون ضعيفا مع قطع النّظر عن هذه الشهرة فمن كان مبناه مبناه‏

قده فنقول بالجبر و من لا يكون مبناه مبناه لا يقول به فكل على شاكلته.

هذا كله بالنسبة إلى أصل الشهرة و اما السند لاعتبارها فهو مرفوعة زرارة عن‏

غوالي اللئالي بقوله عليه السلام خذ بما اشتهر بين أصحابك و اترك الشاذ النادر فان الشهرة

عامة في شمولها لما كانت روائية و لما كان فتوائية و المورد و ان كانت الروائيّة لأن‏

السائل يسأل عن الخبرين المتعارضين بقوله إذا جاء عنكم الخبران و لكنه لا يخصص‏

الجواب العام.

و فيه ان المراد بالموصول هو ما ذكر في الصدر أي خذ بالخبر المشهور


149
فلا يكون شاملا لغير الروائيّة حتى نحتاج إلى ان نقول ان المورد مخصص أو غير مخصص‏

هذا على المشهور و اما على ما قلنا من معنى الشهرة فلا بد ان يختص بالخبر فانه لا يمكن‏

ان يكون الشهرة في الفتوى متحققة في كل طرفي مسألة مع أن الراوي قال كلاهما

مشهوران فلا بد ان يكون الكلام في الخبرين فقط فانه يمكن ان يكونا مشهورين‏

بنقل الرّواة في الأصول فلا تشمل الرواية الشهرة الفتوائية.

و استدل أيضا بمقبولة عمر بن حنظلة (1) قوله ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا

في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به و يترك الشاذ النادر

الذي ليس بمشهور عند أصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه.

و الكلام فيها أيضا كالكلام في الرواية السابقة فان المجمع عليه هنا بمعنى الشهرة

و على ما قلناه من انها هو الإجماع الحدسي فلا يأتي فيه التعارض و لا بد ان يكون‏

المشهور هو المشهور الروائي و اما على مسلك القوم فالمشهور أيضا هو الروائي.

و استدل أيضا لحجية الشهرة في نفسها بآية النبأ من حيث التعليل في ذيلها

بقوله تعالى‏ ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين فعدم اتباع نبإ

الفاسق يكون لنكتة انه موجب للإصابة بالجهالة و كل مورد لم تكن الإصابة كذلك‏

لا إشكال في الاتباع و الشهرة حيث لا يكون متابعتها موجبة للوقوع في الجهالة يجب‏

اتباعها.

و الجواب عنه هو انه إذا قيل لا تشرب الخمر لسكره معناه هو ان حرمة الخمر

تكون للإسكار و لا يشمل ما لا يكون بمسكر و هنا الخبر الّذي لا يوجب الوقوع في‏

الجهالة يجب اتباعه لا أن كل شي‏ء كذلك حتى يتعدى منه إلى الشهرة.

و استدل أيضا بأنه يكون من الظنون الّذي يمكن ان يقال انه أقوى من الظن‏

الحاصل من خبر العادل فكما انه حجة بدليل حجية خبر الواحد كذلك هو الّذي‏

هو أقوى و هو الحق بتقريب ما ذكرناه من أنهم إذا كانوا خبراء الفن و قالوا بشي‏ء من‏

1)في باب 9 من أبواب صفات القاضي ج 18 من الوسائل ح 1

150
الحكم يحصل الاطمئنان باستناده إلى رأى المعصوم عليه السّلام و قد أشكل عليه المحقق‏

الخراسانيّ في الكفاية فان شئت فارجع إليها.

فصل في حجية الخبر الواحد

و البحث في هذا في جهات:الجهة الأولى في أن هذا البحث هل يكون من‏

مسائل علم الأصول أولا و الحق عندنا كما عن بعض الاعلام من مشايخنا هو أن المسألة

الأصولية هي كل بحث يكون نتيجته كبرى للصغريات الفقهية سواء كان موجبا لإحراز

التكليف الشرعي كمفاد الأمارات أو موجبا لتعيين الوظيفة كما في الأصول و لا يكون‏

عنده موضوع محرز لعلم الأصول.

و لا يقال علينا إذا لم يكن الموضوع لهذا العلم محرزا يلزم تداخل العلوم‏

لأنا نقول اختلاف الأغراض يكون سببا لاختلاف العلوم فربما يبحث في شي‏ء لغاية

و ربما يبحث عنه لغاية أخرى.

و اما على المشهور من وجود الموضوع له يجب البحث في أن البحث في‏

الخبر الواحد هل يكون موضوعه السنة أم لا فانه اشتهر ان موضوع علم الأصول‏

الكتاب و السنة و الإجماع و العقل فنقول انهم عرفوا موضوع العلم بأنه ما يبحث عن‏

عوارضه الذاتيّة بقولهم موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة و عليه‏

فقد أشكل بأن البحث عن الخبر الواحد لا يكون البحث عن السنة التي هي قول‏

الإمام أو فعله أو تقريره بل يكون بحثا عن أحوال الحاكي للسنة و هو الخبر.

و قد أجاب عنه الشيخ الأنصاري قده بما حاصله هو ان البحث في حجية الخبر

الواحد يكون بحثا عن عوارض السنة بأن يقال يكون البحث في أن السنة هل تثبت‏

بالخبر الواحد أم لا.

فأجاب عنه تلميذه الخراسانيّ قده بأن المراد ان كان إثبات السنة واقعا ليرجع‏

البحث عنها إلى البحث عن الوجود و العدم فمحل بحثه يكون الفلسفة العليا

لا الأصول و ان كان المراد إثبات السنة بالخبر الواحد فيكون البحث عنها بعد الشك‏


151
فيها فالموضوع في الواقع يكون هو السنة المشكوكة لا عن السنة نفسها و قد ادعيتم ان‏

الموضوع هو الّذي يكون البحث عن عوارضه الذاتيّة و يكون هذا البحث عنها

بالواسطة و هي المشكوكية فهذا خلف.

و الجواب عنه قده هو أن البحث يكون عن أن السنة هل تعلم بالخبر أم لا.

و لا يقال ان العلم لا يكون من العوارض للسنة فانه كشف محض.لأنا نقول حيث‏

يكون مقوم الحجية الوصول ففي صورة عدم الوصول لا حجية لها و حيث يكون‏

البحث في إثباته بالخبر الواحد بحثا عن الوصول و عدمه يرجع البحث إلى البحث‏

عن أحوال السنة و لا يضر الواسطة في العروض و هو المشكوكية.

لا يقال العلم يكون في صقع النّفس و لا يسرى إلى الخارج حتى يكون حالا

للسنة.لأنا نقول يكون البحث في أن مطابقه هل يكون في الخارج أم لا و كيف كان‏

فلا بد من رفع اليد عن كون العرض ذاتيا في موضوع العلم لأنه لا بد من الواسطة1.

1أقول كل موضوع من الموضوعات تارة يكون نفسه مفروض الوجود

و البحث يكون عن عوارضه و لا شبهة في ان البحث عنه يكون البحث عن عوارضه‏

الذاتيّة و اما إذا كان موضوع من الموضوعات وجوده الإجمالي محققا و الشك يكون‏

في وجوده التفصيلي فكل ما كان متعرضا لإثبات هذا التفصيل لا بد ان يكون بعد

الجهل أو الشك فيه.

فان السنة وجودها الإجمالي و هو انه كان لنا أي في ديننا قول الإمام عليه السّلام أو

قول النبي صلى اللّه عليه و آله و اما أنها هل تكون موجودة في خصوص فرض صلاة الجمعة مثلا

أم لا فهو مشكوك و المقام كذلك كما أن الوجود بنحو الإجمال يكون في الفلسفة

العليا موضوعا و من أنكره يكون سوفسطيا.

و لكن إذا جاء البحث عن العقل الفعال و برهان إثباته يكون وجود العقل‏

الفعال مشكوكا فيثبت بالدليل فيكون موضوع البحث ما هو مشكوك الوجود فثبت‏

وجوده بالدليل.

و لعله لذا قال مد ظله لا بد من الواسطة أو إنكار الموضوع للعلم و الثاني أيضا


152
أو يقال لا موضوع لعلم الأصول أصلا و المراد من المسألة الأصولية ما ذكر و كيف كان‏

فلا شبهة في أن البحث هنا يكون من أهم المسائل الأصولية.ثم قبل الورود في‏

الاستدلال يجب التوجه إلى شي‏ء و هو أن الخبر يجب ان يبحث فيه عن جهات:

الأولى عن صدوره و الثانية عن الجهة و هو إثبات عدم كون الصدور تقية و الثالثة

جهة الدلالة و الظهور.

و قد مر البحث عن الجهة الثانية و الثالثة في بحث الظهورات فيما سبق و ثبت‏

ان بناء العقلاء على اتباع الظهورات و عدم الاعتناء إلى احتمال الصدور عن تقية إذا

لم يكن في البين قرينة عليها لأصالة تطابق الإرادة الجدّية و الاستعمالية و الآن يكون‏

البحث عن الجهة الأولى و هي جهة الصدور فنبحث من انه هل يثبت الخبر الواحد

قول الإمام عليه السّلام و فعله و تقريره أم لا.

أدلة المانعين عن حجية الخبر الواحد

فنقول مقدما لدليل القائلين بعدم حجية الخبر الواحد كما قدمه الشيخ قده‏

و غيره على دليل الحجية.

فقد استدل على المنع بالأدلة الأربعة الآيات و الروايات و الإجماع و العقل.

اما الآيات‏
فقوله تعالى‏ لا تقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد

كل أولئك كان عنه مسئولا في سورة الإسراء و قوله تعالى أن الظن لا يغنى من‏

الحق شيئا (في سورة يونس)بتقريب ان الآية الأولى للنهي عن اتباع غير العلم‏

و الخبر الواحد موجب للظن لا العلم فبمقتضى النهي عن اتباع غير العلم مع كون‏

أسهل و الأول لا بد ان يلتزم به من قال بوجود الموضوع لعلم الأصول و المباحث‏

أكثرها يكون كذلك عند التدبر في ما يذكر موضوعا لسائر العلوم أيضا.

و لنا بحث في تعاليقنا على الأسفار لصدر المتألهين عند البحث عن موضوع‏

كل علم و هكذا في الأصول عند البحث المستقل عن موضوع هذا العلم في ما مر

تذييلا لمباحث الأستاذ مد ظله و الرجوع إليه لا يخلو عن الفائدة و اللّه العالم.


153
الظن لا يغنى من الحق شيئا بمقتضى الآية الثانية يحرم اتباع الخبر الواحد.

و قد أجابوا عنها بان الروايات الدالة على حجيته يكون واردا على الآيات‏

و لكن هذا التعبير غير صحيح على المتدبر فان الورود في الواقع يكون في صورة

عدم الموضوع للدليل المورود و في المقام لا يسقط الظن عن كونه ظنا بواسطة دليل‏

حجيته فالأولى هو التعبير بالحكومة و لكن التعبير بها أيضا يحتاج إلى إثبات نظر

الحاكم إلى المحكوم و ان يكون مفاد أدلة الحجية هو تتميم الكشف كما هو التحقيق‏

من مسلك العلمين النائيني قده و العراقي قده فان مفادها هو ان الظن علم فلا يكون‏

متابعته متابعة الظن تنزيلا لا واقعا.

و اما على مسلك الشيخ الأنصاري قده القائل بتنزيل المؤدى و مسلك الخراسانيّ‏

قده القائل بجعل الحجية فالتعبير بالحكومة أيضا غير صحيح و هما(قدهما)كانا

ملتفتين لمسلكهما و لذا لم يكونا قائلين بالحكومة بل قالا بأن دليل حجيته يكون‏

مخصصا للآيات.

و أضف إلى ذلك أن الآية تدل على ان الظن لا يكون له الأثر بقوله تعالى‏

ان الظن لا يغنى من الحق شيئا فهو لا اقتضاء و أدلة حجية الخبر الواحد يكون لها اقتضاء

الحجية فتقدم الثانية على الأولى فلا معارضة بين المقتضى و اللا اقتضاء و لو سلم‏

التعارض أيضا فأدلة الحجية أظهر.

فان قلت هذا يكون صحيحا في صورة كون الدليل نقليا و هو الروايات و لكن‏

العمدة هي بناء العقلاء في حجية خبر الواحد و هو يتم في صورة عدم الردع عنه‏

و الروايات رادعة عنه فلا يتم حجيته.

أقول لا يخفى عليكم الخلط في الكلمات بين السيرة المتشرعية على الحجية

و بين بناء العقلاء فان الأولى تكون كالدليل النقليّ لأنها لكشفها عن رأي الإمام عليه السلام‏

يكون حجة قطعية و لا يمكن ان يرفع اليد بظهور الآية بل إذا دار الأمر بين رفع اليد

عن ظهورها أو السيرة يرفع اليد عن الظهور بالدليل القطعي و اما إذا كان الدليل‏

بناء العقلاء فيمكن ان يكون له رادع.


154
ثم قال الخراسانيّ(قده)في مقام الجواب ان ردع الآيات عن بنائهم يكون‏

دوريا لأن ردع الآيات يتوقف على ان لا يكون بنائهم مخصصا لها و مخصصيته يتوقف‏

على عدم ردع الآيات عنها.

و قد أجيب عنه بأن السيرة حيث تكون في حجيتها محتاجة إلى عدم الردع‏

فإذا شك فيه يكفى للأخذ0 به فانه إذا شك في رادعية العام نأخذ بالسيرة و الجواب‏

عنه هو ان دلالة العام في الرادعية غير متوقفة على شي‏ء فان له اقتضاء الحجية و لكن‏

السيرة حيث تكون متوقفة الدلالة حتى يجي‏ء إمضائها من قبل الشرع و لو بواسطة

عدم الردع فلا تكون حجة فعلى هذا يكون ماله الاقتضاء مقدما على ما لا اقتضاء له‏

ففي صقع حجية العام لا يكون المعارض قابلا للتمسك حتى تصل النوبة إلى الدور

فبهذا البيان يمكن ان يقال بأن العام يردع عن السيرة.

فالتحقيق في الجواب ان يقال ان الآيات تردع عن متابعة غير العلم لا عن متابعة

العلم و السيرة حيث تكون كاشفة عن رأي المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين‏

يتحصل بها فرد من العلم و بناء العقلاء على متابعته يكون محصلا للعلم و إلقاء احتمال‏

الخلاف فلا إشكال في متابعة الخبر الواحد هذا كله في البحث عن الآيات الرادعة

عن العمل بالخبر الواحد.

في الاستدلال بالروايات على عدم حجية الخبر الواحد

و اما الروايات فهي بالسنة مختلفة (1) في عدم الحجية و الجامع بين الجميع‏

هو عدم الصدور أو عدم الحجية من باب انه يكون للتقية و هي على ثلاث طوائف‏

و يجي‏ء فيها الاحتمالان:

الطائفة الأولى ما دل على وجوب الرجوع فيما لا يعلم إلى اللّه و الرسول صلى اللّه عليه و آله‏

مثل ما روى عن بصائر الدرجات عن محمد بن عيسى قال أقرأني داود بن فرقد

1)و كثير منها في الوسائل في باب 9 من أبواب صفات القاضي كخبر 11

و 12 و 15 و 19 و 20 و 24.


155
الفارسي كتابه إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام و جوابه بخطه نسألك عن العلم المنقول‏

عن آبائك و أجدادك سلام اللّه عليهم أجمعين فكيف العمل به على اختلافه فكتب‏

بخطه ما علمتم انه قولنا فألزموه و ما لم تعلموه فردوه إلينا (1) .

و تقريبها ان الخبر الواحد مما لا يعلم بصدوره فكيف نعلم انه قولهم عليهم السّلام و ما

هو المفيد للعلم يكون الخبر المتواتر فما لا يعلم بصدوره يجب رد علمه إليهم و هذا

يقتضى نفى العمل به.

الطائفة الثانية ما دل على عرض الاخبار على كتاب اللّه فما وافق الكتاب يؤخذ

به و ما خالفه و لم يوافقه يترك مثل ما عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال‏

انظروا أمرنا و ما جاءكم عنا فان وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به و ان لم تجدوه‏

موافقا فردوه و ان اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده و ردوه إلينا حتى نشرح من ذلك‏

ما شرح لنا (2) .

و تقريب الاستدلال هو ان اللازم هو متابعة الكتاب لأن ما وافق الكتاب يكون‏

المرجع فيه في الواقع هو الكتاب لا الاخبار.

الطائفة الثالثة من الاخبار ما دل على قبول ما لا يخالف الكتاب و رد ما خالفه‏

و الفرق بينها و بين السابقة ان المدار فيها على ان عدم المخالفة يكفى و لا يجب الموافقة.

فمنها صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السلام لا تقبلوا علينا حديثا

الا ما وافق الكتاب و السنة و تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة فان المغيرة بن‏

سعد لعنه اللّه دس في كتاب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي فاتقوا اللّه‏

و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا و سنة نبينا (3) .

و الجواب الصحيح عن هذه الروايات هو ان مخالفة الكتاب و السنة اما ان‏

1)في الوسائل ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 36.

2)في الباب المتقدم ح 37.

3)هذا في فرائد الشيخ الأعظم و نظيره في الوسائل في الباب المتقدم ح 47

عن سدير.


156
تكون بنحو العام و الخاصّ المطلق أو من وجه أو بنحو التباين فما كان منها بنحو

العموم و الخصوص المطلق فحيث يكون الجمع العرفي بين الطائفتين موجودا

لا يرى مخالفة في الواقع و هكذا إذا كانت النسبة العموم و الخصوص من وجه‏1

فانه لا مخالفة فيها أيضا.

و اما ما كان مباينا فهو يكون مشمولا لتلك الروايات الناهية عن العمل بها

فلا يكون النهي عن مطلق الخبر الواحد بل فيما يتحقق به المخالفة لا ما لا يكون‏

كذلك هذا أولا.

و ثانيا ان المراد بما يجب رد علمه إليهم عليهم السّلام من باب انه مما لا يعلم لا يكون‏

المراد بنقيضه و هو ما يعلم هو العلم الوجداني بل نقول ان المراد ما لا يكون الحجة

عليه قائما و اما ما دل الدليل عليه فلا يكون مما لا يعلم لبناء العقلاء على اتباع الخبر

الواحد من باب انه يوجب العلم و حيث يكون لنا دليل أيضا على حجية الاخبار كما

سيجي‏ء إمضاء لبناء العقلاء لا يكون اتباعه اتباع ما لا يعلم و في مورد التباين حيث‏

لا يكون حجة لا يجوز اتباعه.

و ثالثا هذه الاخبار التي ادعيتم دلالتها على عدم حجية الخبر الواحد نفسها

آحاد فكيف يمكن نفى حجيتها أي نفى حجية الاخبار الآحاد بها.و ما قيل من أن‏

هذه متواترة إجمالا لأنا نعلم بصدور بعض المضامين عنهم عليهم السّلام فلا يتم لأن هذه‏

اخبار آحاد ضعاف و لا يكون لنا العلم الإجمالي كذلك.

و اما ما يقال بأن العلم الإجمالي بوجود اخبار غير صحيحة في الاخبار من‏

1أقول النسبة إذا كانت العام و الخاصّ من وجه ففي مورد المعارضة يعنى‏

الاجتماع لا بد ان يقال بسكوت كلا الدليلين عنه لا أنه يكون له جمع في مورد

الاجتماع أيضا و لعل هذا هو مراده مد ظله من عدم المخالفة و هذا هو التحقيق و ان‏

كان رأى بعضهم إعمال مرجحات باب التعارض في مورده و عدم الاعتناء بلزوم‏

التبعيض في السند و ان التعبد بذلك ممكن و ان لزم التبعيض كما احتمله الشيخ الأعظم‏

في باب التراجيح و اختاره غيره.


157
باب الدس ينحل بالحمل على صوره كون النسبة بينها و بين الآيات و سنة النبي صلى اللّه عليه و آله‏

بالتباين فينحل العلم فلا وجه له أيضا لأن من يريد الدس لا يدس بنحو لا يقبل منه‏

فانه يريد ان يحق الباطل بكلماته و لا طريق له الا ان يكون بما لا يتباين الحق.

فالصحيح ان يقال ان المراد بالدس هو ما يظن بعضهم من ألوهية الإمام عليه السّلام‏

و ينقل ما يدل على ذلك أو ادعاء ان الصلاة الحقيقية ما قرأها أمير المؤمنين عليه السّلام لا ما قرأه‏

الناس فليس لنا صلاة و أمثال ذلك كما عن الخراسانيّ و أستاذنا العراقي(قدهما)

فتحصل انه لا يتم الاستدلال بهذه الروايات لعدم حجية الخبر الواحد.

و اما الإجماع على عدم الحجية
كما عن السيد المرتضى قده ففي مقابله إجماع‏

الشيخ الطوسي قده على الحجية و من العجب تحقق ادعاء إجماعين في عصر واحد

من العلمين مثلهما.

و يمكن ان يكون لكل واحد منهما محمل ليكون وجه جمع بينهما و هو أن‏

في الصدر الأول كان يطلق الخبر الواحد على كل خبر ضعيف عند السيد و اتباعه‏

و لذا ادعى السيد الإجماع على عدم حجيته و يكون مراد الشيخ قده من الإجماع على‏

الحجية الاخبار التي لا تكون ضعافا و قول كل واحد منهما صحيح لعدم حجية الاخبار

الضعاف و حجية الصحيحة و الموثقة.

أو يقال الإجماع على المنع يكون فيما يكون مباينا للكتاب و الإجماع على‏

العمل به فيما لا يكون كذلك.و على فرض عدم قبول هذا الجمع فهما متعارضان‏

فيتساقطان.

و مع قطع النّظر عن المعارضة فحيث يكون عمل جل من الفقهاء عليه و لو

لم يصل حد الإجماع يكفى لسقوط الاعتماد بمثل هذا الإجماع المدعى عن السيد ره‏

لعدم كشفه عن رأي المعصوم عليه السّلام.

مضافا بأنه يكون منقولا بالخبر الواحد و هو السيد(قده)فإذا لم يكن حجة

لا يكون هذا أيضا حجة لأن حجيته تتوقف على حجية الخبر الواحد كما مر.

فتحصل انه لا يمكن القول بعدم حجية الخبر الواحد الا إذا كان مباينا للكتاب.


158
و اما الدليل العقلي على عدم الحجية
فهو ما ذكره ابن قبة في أصل حجية

الظن من تحليل الحرام و تحريم الحلال و اجتماع الضدين أو المثلين و حيث مر

البحث عنه مفصلا فلا نعيد هنا.

ثم ان هذا القدر من الدليل على منع المانعين لا يكفى لإثبات الحجية فيلزم‏

إثبات الحجية أيضا بالأدلة.

في الأدلة الأربعة على حجية الخبر الواحد
و منها الآيات‏

فنقول:قد استدل على حجية الخبر الواحد بالأدلة الأربعة فمن الكتاب بآيات:

منها آية النبأ
و هي قوله تعالى(في سورة الحجرات آية 6) يا أيها الذين‏

آمنوا ان جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم‏

نادمين و تقريب الاستدلال بها بوجوه:

الأول بدلالة الاقتضاء الناشئ من تناسب الحكم و الموضوع.

و بيانه هو ان الفاسق إذا جاء بالخبر حيث يكون الكذب في حقه محتملا و بناء

الفقه على الاخبار الآحاد فيحب التبين في خبر الفاسق حتى يعلم انه يكون صادقا

أو كاذبا و اما العادل فحيث لا يكون في خبره الكذب يقبل قوله بدون التبين.

و الثاني الاستدلال بمفهوم الشرط و طريق أخذ المفهوم على ما هو التحقيق‏

هو إثبات ان المحمول يكون سنخ الحكم و اما على المشهور فطريقه ان يكون الشرط

علة منحصرة للحكم بشخصه لا يجامعه و هنا يكون شرط وجوب التبين هو مجي‏ء

الفاسق بالخبر و هو علة منحصرة بشخصه لوجوب التبين لا بجامعه بأن يكون المجي‏ء

الجامع بين مجي‏ء الفاسق و العادل هو العلة لوجوب التثبت بل شخص مجي‏ء

الفاسق فلا يكون وجوب التبين بانتفاء هذا الشرط.

و اما على ما هو التحقيق من ان سنخ وجوب التبين هو الّذي أنيط بمجي‏ء

الفاسق لا الشخص منه بأن يكون التبين واجبا عند مجي‏ء الفاسق بالخبر بحيث يكون‏

هذا حصة من الطبيعي و حصته الأخرى و هي مجي‏ء العادل بالخبر أيضا يحتمل ان‏


159
تكون واجب التبين فإذا كان سنخا فلا يجب التبين إذا لم يكن الجائي بالخبر الفاسق‏

فإذا كان عادلا فلا يجب التبين.

ثم ان الشيخ الأنصاري(قده)قال بما حاصله هو انا لا نحتاج إلى ضم مقدمة

الأسوئية في وجوب العمل على خبر العادل فانه(قده)قال بأن الأمر بوجوب التبين‏

لا يكون نفسيا بأن يكون التبين مع قطع النّظر عن العمل واجبا و الا فعلى فرض‏

كونه واجبا شرطيا في جواز العمل بقول الفاسق فلا يحتاج إلى ضم هذه المقدمة

و بعبارة أخرى لو كان الوجوب نفسيا ليكون حينئذ أمور ثلاثة في المقام:وجوب‏

الفحص عن الصدق و الكذب و الرد من دون التبين بالنسبة إلى العادل.و القبول‏

بدون التبين و حيث ينتفي الثاني لكون العادل أسوأ حالا من الفاسق حينئذ فلا بد

من اختيار الثالث و هو القبول بدون التبين و لكن لا يكون الوجوب نفسيا حتى يكون‏

التقريب هكذا بل الوجوب بقرينة الذيل و هي إصابة القوم بجهالة يكون شرطيا لئلا

يقع في الجهالة فالعمل بخبر العادل غير مشروط بشرط لعدم احتمال الوقوع في‏

الجهالة بواسطة خبره فلا يكون له هذا الشرط فأصل جواز العمل بالخبر لا يكون‏

مشروطا بالتبين بل خبر الفاسق يكون له هذا الشرط.

و قد أجاب‏1عنه شيخنا العراقي قده بأن التبين في الآية المباركة اما أن‏

1أقول وقع خلط في المقام في نقل كلام الشيخ قده و هو انه قده في تقريب‏

مفهوم الشرط لا يقول بعدم الاحتياج إلى مقدمة الأسوئية فان عبارته في الرسائل في‏

المقام هكذا.

و المحكي في وجه الاستدلال بها أي بالآية وجهان أحدهما انه سبحانه علّق‏

وجوب التثبت على مجي‏ء الفاسق فينتفى عند انتفائه عملا بمفهوم الشرط و إذا لم‏

يجب التثبت عند مجي‏ء غير الفاسق فاما ان يجب القبول و هو المطلوب أو الرد و هو

باطل لأنه يقتضى كون العادل أسوأ حالا من الفاسق و فساده بين الثاني إلخ.

ففي هذا الوجه صرح(قده)بمقدمة الأسوئية و اما في الوجه الثاني و هو

باصطلاح القوم هو الاستدلال بمفهوم الوصف صرح بعدم الاحتياج إلى مقدمة


160
يكون لتحصيل العلم الوجداني بمفاد الخبر أو يكون لتحصيل الوثوق لا العلم كذلك‏

بل الأعم منه.

و على الأول لا معنى لشرطية التبين لوجوب العمل بالخبر بل حجية العلم‏

ذاتية لا تحتاج إلى جعل جاعل فلا يكون خصوصية للخبر بل العلم من أي طريق‏

حصل يجب اتباعه فمفاد المنطوق هنا هو وجوب إلقاء خبر الفاسق من أصله و لزوم‏

تحصيل العلم بالواقع عند إرادة العمل و حيث يكون وجوب اتباع القطع بحكم‏

العقل فلا محالة يصير الأمر بوجوب التبين إرشادا إلى حكمه و لا يكون مولويا لا بنحو

الشرطية و لا بنحو النفسيّة.

و عليه فخبر العادل الّذي لا يكون بالنسبة إليه وجوب التبين اما ان يكون‏

للقطع بعدم صدقه أي انه كاذب لا يتوجه إليه أصلا بحيث لا يوجب الاحتمال أيضا

و هو يصير أسوأ حالا من الفاسق فلا بد من قبول قوله من دون التبين فمقدمة الأسوئية

لازمة على هذا الاحتمال.

و اما على فرض كون المراد هو التبين لتحصيل الوثوق فوجوبه الشرطي و ان‏

الأسوئية في هذه العبارة فيتم المطلوب بدون ضم مقدمة خارجية و هي كون العادل‏

أسوأ حالا من الفاسق.

و الشيخ العلامة الآغا ضياء الدين العراقي نفسه على ما في تقريرات تلميذه‏

الشيخ محمد تقي البروجردي قده صرح في مقام بيان مفهوم الوصف بعدم الاحتياج‏

إلى مقدمة الأسوئية بمقتضى المقابلة بين الفسق و العدالة فراجع إليه ففي مفهوم الشرط

يقول الشيخ أيضا بضم مقدمة الأسوئية و الآغا ضياء أيضا كذلك و في مفهوم الوصف‏

أيضا يتوافقان فلا إشكال على الشيخ قده في الواقع عنه قده و لعله أخذ كلامه من تقريب‏

مفهوم الوصف و ادخل في تقريب مفهوم الشرط ثم أجاب عنه بما ذكره لكثرة اشتغالاته.

و اما جواب الأستاذ مد ظله عنه فهو بيان واقع و هو ان الشيخ أو غيره لو قال‏

في مفهوم الشرط بعدم ضم مقدمة الأسوئية يكون الحق معه و هو الحق بعد ملاحظة

تناسب الحكم و الموضوع.


161
كان صحيحا و لكن لا يجدى بالنسبة إلى عدم الاحتياج إلى مقدمة الأسوئية إلاّ على‏

فرض ان يكون أصل جواز العمل بخبر الواحد مفروغا عنه و لكن لخبر الفاسق شرط

لا يكون هو لخبر العادل فعليه لا نحتاج إلى المقدمة المذكورة.

و اما على فرض عدم مفروغية جواز العمل بخبر الواحد بل كونه في صدد

أصل الجواز فيكون وجوب التبين مقدمة للعمل فيكون مرجع هذا الوجوب إلى‏

الوجوب الغيري فهو شرط لوجوب العمل بخبر الفاسق و اما نفى هذا الوجوب‏

بالنسبة إلى خبر العادل باقتضاء المفهوم فله فردان عدم وجوبه لعدم وجوب العمل‏

بخبر العادل و عدم وجوبه لعدم جواز العمل بخبره و حيث ان الثاني يوجب أن‏

يكون العادل أسوأ حالا من الفاسق فيتعين الأول و هو ان وجوب العمل بخبره‏

لا يكون مشروطا بهذا الشرط.

و الحاصل بعد إسقاط احتمال الوجوب النفسيّ في التبين يدور الأمر بين‏

الوجوب الشرطي و لازمه كون الأمر إرشادا و الوجوب المقدمي الغيري فيكون الأمر

مولويا و إذا دار الأمر بينهما فالحمل على المولوية مقدم لظهور الأمر فيها و بما ذكرنا

يلزم ضم مقدمة الأسوئية.

هذا مضافا بأنه يمكن ان يقال لا يكون هذا الشرط رأسا بالنسبة إلى خبر

العادل بل عدم كونه فيه يكون لأنه يحصل الوثوق غالبا منه فلو فرض خبر عادل لم‏

يحصل به الوثوق النوعيّ يكون هذا الشرط فيه أيضا لأنه أيضا موجب للندم على‏

ما هو الظاهر من التعليل في ذيل الآية،و لا يخفى انه لا يضر بأصل حجية خبر العادل‏

لأن المدار على الوثوق النوعيّ فحيث حصل يكفى و إذا لم يحصل الوثوق للنوع‏

أيضا لا يجب العمل بخبره هذا كلامه قده رفع مقامه.

و الجواب عنه قده تأييدا للأنصاري قده هو ان الوجوب النفسيّ إذا كان غير

صحيح لكونه خلاف التعليل في ذيل الآية و خلاف تناسب الحكم و الموضوع‏

فيكون الوجوب شرطيا ثم ان كان المراد بالوجوب الشرطي هو الإرشاد إلى أن‏

التبين شرط للعمل بخبر الفاسق ليرجع إلى حكم وضعي و هو إناطة حجية الخبر


162
بالتبين كما ان العام قبل الفحص عن المخصص لا يكون حجة فهذا خلاف ظاهر الآية

لعدم الخصوصية في التبين لإثبات حجية الخبر و له فارق مع العام لأن الفحص عن‏

المخصص يكون لتحصيل الظهور و هنا ليس كذلك.

و اما ان كان معنى الوجوب الشرطي هو الإرشاد إلى الوثوق فانه إذا تفحصنا

عن خبر الفاسق يحصل لنا الوثوق بصدقة و كذبه فيكون التبين مقدمة لتحصيل‏

الوثوق فيكون وجوبه وجوبا غيريا فيصير الآية ان التبين يجب لتحصيل الوثوق‏

و حيث ان العادل يكون الوثوق بالنسبة إليه حاصلا من الأول فلا يحتاج إلى التبين‏

فيكون عدم وجوب التبين لعلو شأن العادل و لا نحتاج إلى ضم مقدمة الأسوئية فان‏

أصل الوجوب يكون لتحصيل الوثوق فالوجوب الغيري بهذا المعنى يمكن أن‏

يكون بالنسبة إلى التبين و اما الوجوب المقدمي بمعنى ان يكون للتبين دخلا في‏

العمل بخبر الفاسق فلا نسلمه.

اما مفهوم الوصف فائضا بيّنه الشيخ و استنتج منه و هو مع عدم كونه حجة

على ما حرر في محله و لكن يمكن ان يكون حجيته في المقام لنكتة و خصيصة فيه‏

و إلاّ فإذا قيل النبأ مع كونه عن الفاسق يجب التبين عنه مثل ما إذا قيل أكرم زيدا

الجائي فيمكن ان يكون للموصوف خصوصية فليس الدخل في طبيعة الإكرام أو

طبيعة التبين على ما هو المشهور في أخذ المفهوم.

و اما تقريبه في المقام فهو أن المحمول أنيط بموضوع مركب من امر ذاتي‏

و هو كونه نبأ واحد أو عرضي و هو كونه نبأ الفاسق و يجب في أخذ المفهوم أن يكون‏

ما أنيط به علة منحصرة تامة أعني بخصوصيته الخاصة دخيلا في الحكم فالفسق‏

و النبأ يكونان كلاهما أو أحدهما علة منحصرة و إذا انتفى كلاهما أو أحدهما انتفى ما

أنيط به لانتفاء العلة أو أحد اجزائها على فرض كون المركب هو العلة لا أحدهما

المعيّن.

و إذا اجتمع العنوانان الذاتي و العرضي فان كان الدخيل في الحكم و ما يكون‏

شرطه هو الجهة الذاتيّة يجب ان يقدم في مقام بيان الإناطة ففي المقام الخبر يكون‏


163
هو الجهة الذاتيّة و كونه عن فاسق هو الجهة العرضية فلو كان الخبر من حيث هو

يحتاج إلى التبين يجب أن يذكر نفسه علة منحصرة للتبين لا كونه عن فاسق فيعلم‏

منه انه يكون خصيصة في الفسق فلو لم يكن المخبر فاسقا لا يجب التبين فإذا كان‏

المخبر عادلا فلا يجب التبين.

و الجواب‏1عنه أن الخبرية و كون الخبر عن الفاسق إذا اجتمعا في الكلام‏

لا تقدم لأحدهما على الاخر من حيث كونه علة فكما يمكن ان يكون ذات الخبر

علة كذلك يمكن ان يكون الفسق علة للتبين فالمهم ان يقال الخبر الّذي جاء به الفاسق‏

الّذي يكون حصة من الخبر يكون منوطا بالتبين و اما حصته الأخرى و هي ما عن‏

العادل فلا يكون منوطا بالتبين لأنه يكون خلاف الارتكاز فأن العادل يكون موثوقا

عند العقلاء في نفسه.

و يمكن التقريب بنحو آخر و هو ان التبين يكون لاحتمال كذب خبر الفاسق‏

فيكون موضوعه خبره و خبر العادل حيث لا يكون فيه احتمال الكذب لا يكون‏

موضوعا للتبين فيكون تمام سنخ التبين في صورة مجي‏ء الفاسق بالخبر لهذه النكتة

و الا فقد حرر في محله ان مفهوم الوصف لا يكون حجة.

و ينبغي هنا إشارة إجمالية إلى ان كل وصف أو شرط يكون محقق الموضوع‏

(بمعنى انه لو لم يكن الموضوع للقضية و يصير الانتفاء لانتفاء الموضوع)لا يكون‏

له المفهوم مثل ما إذا قيل ان ركب الأمير فخذ ركابه فانه إذا لم يركب لا يكون معنى‏

للأخذ0 بركابه و هذا النحو لا يكون له المفهوم و اما ما لا يكون محققا للموضوع فيمكن‏

ان يكون له المفهوم.

1أقول مراد الشيخ قده هو ان الخبر ان كان سببا يلزم ان يذكر فقط و لا

دخل لإضافة مجي‏ء الفاسق به فذكر القيد يدل على ان الخبر بنفسه لا يكون فيه الإشكال‏

بل خبر الفاسق و لا يكون هنا في مقام إثبات تقدم الذات على الصفة حتى يقال كل‏

مقام يكون كذلك و لا خصيصة للذكر هنا.


164
ثم انه قد أشكل على الآية بإشكالات بعضها قابل للذب عند الشيخ قده و بعضها

غير قابل له الأول هو ان الشرط محقق للموضوع هنا مثل ما إذا قيل ان ركب الأمير

فخذ ركابه فانه ما دام لم يكن ركوب لا يكون معنى لأخذ ركاب الأمير لعدم الموضوع‏

له و المقام أيضا كذلك فانه ما دام لم يكن خبر لا معنى للتبين فلا مفهوم لهذا الوصف‏

أو الشرط و لتنقيح الموضوع في المقام أي في الآية ينبغي ان نتعرض لبيان الأنصاري‏

و الخراسانيّ و شيخنا الأستاذ العراقي قدس سرهم.

فقال الشيخ الأنصاري قده ان الموضوع مركب من النبأ و كون الجائي به‏

الفاسق و المحمول هو التبين فإذا لم يأت الفاسق بالخبر فلا يكون الموضوع متحققا

فلذا لا يكون الحكم عليه بوجوب التبين أيضا متحققا فيكون الانتفاء لانتفائه و لا يكون‏

شي‏ء آخر و هو خبر العادل حتى نقول يجب التبين بالنسبة إليه أم لا فلم يكن الموضوع‏

ذات الخبر بل خبر الفاسق فلا يكون له مفهوم لانحصار الحكم على هذا بهذا الموضوع‏

و هي ساكتة عن حكم ساير الموضوعات و هذا هو الظاهر من الآية.

و فيه ان الظاهر من الآية هو ان الموضوع هو النبأ و شرطه هو مجي‏ء الفاسق‏

به و يمكن بقاء الموضوع بدون الشرط و ما ادعاه من الظهور ممنوع.

و اما تقريب الخراسانيّ قده فهو انه يقول الموضوع يكون هو النبأ و الشرط

يكون هو الربط بين النبأ و الفسق فإذا سقطت الإضافة بينه و بين الفسق لا يكون الحكم‏

و هو التبين متحققا فإذا جاء العادل بالنبإ لا يكون التبين واجبا لسقوط الربط بين النبأ

و الفسق فانه معنى حرفي قائم بالطرفين فإذا سقط الربط يبقى الخبر و هو لا يجب فيه‏

التبين.

لا يقال ان تحقق النبأ يكون بواسطة مجي‏ء الفاسق و بدونه ينتفي الموضوع‏

فيكون سالبة بانتفاء الموضوع لأنا نقول شخص هذا الخبر يكون الجائي به الفاسق‏

و لولاه لانتفى و اما طبيعي الخبر فلا فيكون موجودا في ضمن خبر العادل.

لا يقال لو كان الموضوع طبيعي النبأ يجب ان يكون خبر العادل الّذي هو فرد

من الطبيعي أيضا واجب التبين لأنا نقول بتحصص الطبيعي بواسطة الشرط و هو


165
مجي‏ء الفاسق و مجي‏ء العادل فحصة منه يجب فيها التبين و حصته الأخرى لا يجب‏

فيها ذلك.

و اما تقريب شيخنا العراقي قده فهو انه يقول ان الموضوع يكون هو مهملة

النبأ و مجي‏ء الفاسق به أو العادل يكون حالا من حالاته و بالمنشار العقلي يمكن ان‏

يحلل نبأ الفاسق بنبإ و مجي‏ء فاسق به و هذا يكون في كل مقام فان المحمول على‏

الموضوع بنحو اللا بشرط لا بنحو بشرط شي‏ء هو المحمول لأنه من تحصيل الحاصل‏

و لا الموضوع بشرط عدم المحمول لأنه يلزمه التضاد فانه إذا قيل زيد قائم يكون‏

الموضوع هو زيد لا بشرط انه قائم و لا بشرط أنه غير قائم فإذا كان الموضوع للتبين‏

هو النبأ فلا محالة يرجع قيد مجي‏ء الفاسق به إلى الحكم فإذا رجع إلى الحكم يبقى النبأ

في صورة عدم مجي‏ء الفاسق به غير واجب التبين.

و بعبارة أخرى القيد اما ان يرجع إلى الموضوع أو إلى الحكم فان رجع‏

إلى الموضوع يكون انتفاء الحكم لانتفاء موضوعه و اما إذا رجع إلى الحكم فلا

يكون كذلك بل الموضوع منحفظ و يجب ملاحظة ان القيد يكون قيد سنخ الحكم‏

أو شخصه فعدم مجي‏ء الفاسق بالخبر اما ان يكون لعدم الموضوع أو لكون الجائي‏

به العادل و لا يجب التبين بالنسبة إليه و هو المطلوب فليس الشرط محققا للموضوع‏

و اما ما عن الخراسانيّ(قده)فهو يكون خلاف ظاهر الآية و الفهم العرفي يساعد

ما ذكرناه.

و فيه ان قوله كلام الخراسانيّ(قده)خلاف ظاهر الآية لعدم العرفية ممنوع‏

لأن تحليل ما ذكره الأستاذ قده يكون هو كلام الخراسانيّ قده و اما أصل بيانه فهو

متين هذا أولا.

و ثانيا إشكال كون الشرط محققا للموضوع يكون صحيحا على مبناه و اما

على مبنى المشهور فحيث ان الطبيعي أنيط بالفسق يكون للوصف مفهوم و لا مفهوم‏

له على مبناه من باب انه يلزم إثبات ان المحمول و هو التبين يكون نسخه منوطا

بمجي‏ء الفاسق بحيث يرجع القيد إلى الحكم و هو غير ثابت و اما نحن فنقول‏


166
المدار كله على إثبات كون المحمول سنخا سواء كان الشرط محقق الموضوع أم لا.

فان قلت مقتضى الأدب هو عدم المفهوم للشرط المحقق للموضوع.قلت‏

هذا صحيح و لكن في المقام خصيصة و هي ان تناسب الحكم و الموضوع يحكم‏

بأن التبيّن هنا يكون بالنسبة إلى الفاسق لعدم الأمن من كذبه و اما العادل حيث يكون‏

مأمونا فلا يكون التبين بالنسبة إليه و بهذا يثبت ان المحمول يكون سنخا و لو كان‏

المفهوم مفهوم الوصف و الشرط محقق للموضوع و كل مورد كان كذلك يكون‏

مفهومه حجة.

الإشكال الثاني هو ان ذيل الآية و هو قوله أن تصيبوا قوما بجهالة يمنع عن‏

أخذ المفهوم لأن العلة لوجوب التبيّن إصابة القوم بجهالة و تصديق العادل أيضا

يكون فيه احتمال عدم المطابقة مع الواقع و العادل و ان كان مأمونا عن الكذب و لكن‏

لا يكون مأمونا عن الخطاء فيحتمل ان لا يطابق خبره الواقع فتحصل الندامة بقبول‏

قوله فيكون خبره أيضا واجب التبين فلا تدل الآية على حجية خبر العادل.

و القول بأن عموم العلة يخصص بخبر العادل لا وجه له لأن التخصيص‏

فرع الحجية.

و الجواب عن هذا الإشكال أولا هو أن الجهالة تكون بمعنى السفاهة في المقام‏

لأن تناسب الحكم و الموضوع يحكم بأن إصابة القوم بجهالة بالنسبة إلى الفاسق‏

يكون من جهة ان الناس يلومون من يعمل بخبر الفاسق و يرونه خارجا عن زيّ العقلاء

و اما من عمل بخبر العادل فلا يكون كذلك فانهم لا يلومون من عمل بخبره فالندامة

أيضا ترجع معناها إلى الملامة فيكون العامل بخبر الفاسق ملوما دون العامل بخبر

العادل و الجهل لا يكون هنا في مقابل العلم و لا يكون الملامة لمخالفة الواقع و موافقته‏

فان خالف الواقع يكون للعامل ندامتان ندامة لقبول قول الفاسق و ندامة لخلاف‏

الواقع و ان وافق الواقع فندامة واحدة و هي للخروج عن زيّ العقلاء بهذا العمل‏

و على هذا يقال الآية تكون إرشادا إلى ما حكم به العقل و لا تكون مستقلة في جعل‏

الحجية فالسند في الواقع بنائهم.


167
و يمكن ان يقال ان الآية تكون في صدد جعل الحجية و لكنها كاشفة عن‏

جعلها في رتبة سابقة.

و الحاصل ينبغي ان يقال ان الآية سواء كانت إمضاء لبنائهم أو إرشادا يكون‏

هذا لملاك الوثوق و حيث ان العادل يكون الوثوق بالنسبة إلى خبره حاصلا يصح‏

العمل به و اما الفاسق فلا يكون موثقا و إصابة القوم بالجهالة تكون موجبة للندامة

سواء كان للتمسك بخبر العادل أو الفاسق و لكن الجهالة التي نشأت عن الوثوق‏

لا توجب الندامة و الندامة التي نشأت عن عدم الوثوق توجب الملامة و الندامة.

و اما الجواب ثانيا فبالحكومة و هو ان العلة تدل على النهي عن متابعة الجهل‏

و متابعة العلم و الصدر حيث يكون موجبا لصيرورة خبر العادل علما فيكون الخروج‏

خروجا موضوعيا و متابعة العلم التعبدي أيضا مثل متابعة العلم الوجداني فان مفهوم‏

الصدر يدل على حجية خبر العادل و لا يعارضه الذيل و الحكومة غير التخصيص فانه‏

يكون مع انحفاظ الموضوع بخلافها ففي المقام يكون العمل على خبر العادل‏

بعنوان انه علم لا بعنوان انه جهل.

لا يقال كما عن العلمين و الشيخ محمد حسين الأصفهاني بأن الحكومة إذا

كانت في دليلين منفصلين مستقلين لا إشكال فيها و اما في المقام فحيث يكون في كلام‏

واحد بالنسبة إلى الصدر و الذيل فلا ينعقد المفهوم أولا لأن الذيل يمنع عن اقتضاء

الصدر فعليا للمفهوم حتى يصير حاكما فيتوقف الحكومة على عدم المعارضة مع‏

الذيل و عدم المعارضة يتوقف على الحكومة فهي متوقفة على نفسها بملاك تقدم الشي‏ء

على نفسه و هذا دور واضح فلا يصح الجواب بالحكومة.

و الجواب هو ان المزاحمة لا تكون أصلا لما مر من البيان بان المائز بين‏

تبعية خبر العادل و بين خبر الفاسق فطري بحمل الجهالة على السفاهة فإذا لم يكن‏

إصابة القوم بجهالة بمعنى السفاهة و كان ناشئا عن امر عقلائي لا إشكال فيه.

ثم انه قد أشكل شيخنا العراقي قده على الحكومة بأنها تكون صحيحة على‏

فرض القول بأن حجية الأمارات تكون من باب تتميم الكشف و اما على مسلك‏


168
الشيخ القائل بتنزيل المؤدى و الخراسانيّ القائل بجعل الحجية فلا تصح لعدم حدوث‏

فرد من العلم حتى يقال تبعية خبر العادل لا تكون من الجهل بل هي علم تعبدا حتى‏

يصح الحكومة فالنسبة اما تكون بين الصدر و الذيل العام و الخاصّ المطلق أو من‏

وجه فيقدم عموم العلة على مفهوم الصدر للأظهرية و يقال بأنه لا فرق بين خبر العادل‏

و الفاسق فيجب التبيّن فيهما حتى يحصل العلم.

و لا يقال عليه قده بأن المقام يمكن ان يكون مثل رواية مسعدة بن صدقة لأنها

كما تستفاد منها من قوله عليه السّلام كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام قاعدة الطهارة

و الحلية و استصحابهما فالصدر يدل على القاعدة و الذيل على الاستصحاب و يكون‏

هذا كاشفا عن جعل القاعدة و الأصل في رتبة متقدمة و هذا اخبار عنهما فالمقام أيضا

كذلك فانه يكون اخبارا عن حجية قول العادل.

فإذا كان اخبارا فيكون مثل الدليل المنفصل المستقل الّذي يستفاد منه الحكومة

و لا كلام فيه و لا نريد إثبات الحكومة بصدر هذا الدليل حتى يلزم تعارض الصدر

و الذيل و الدور.

لأنه قده يقول ان المزاحمة و الدوران تكون بالنسبة إلى المكشوف لا الكاشف‏

أعني يكون عموم العلة في الذيل بالنسبة إلى حجية خبر العادل واقعا لا بالنسبة إلى‏

ما هو الكاشف عنه فانه ليس الا إنشاء و هو لا يكون الا لإبراز ما هو المراد.

فلا بد ان يقال بأن الذيل لا يزاحم الصدر أصلا من باب ان الغريزة على ان‏

تبعية خبر العادل الموثق لا يعد في العقلاء جهالة بمعنى السفاهة و لا يوجب الندامة

بمعنى الملامة لو خالف الواقع عندهم و لا إشكال في كون الصدر اخبارا عن الجعل‏

أيضا على ما ذكر.

و الإشكال الثالث هو ان خبر الفاسق لو لم يكن معتمدا فكيف اعتمد الصحابة

على خبر الوليد الفاسق و فيه انهم لم يعلموا فسقه لإظهاره الإسلام و الآية تخبر

عن فسقه فقبول قوله لم يكن مع فسقه بل للوثوق هذا بيان الإشكالات المختصة بالآية.


169
في الإشكالات المشتركة بين الآية و الاخبار و غيرها

في الخبر الواحد

و اما الإشكالات الغير المختصة أي المشتركة بينها و بين الاخبار و ساير الأدلة

فمن الحري ان نذكر بعد الاستدلال بها و لكن حيث قدمها الشيخ قده قدمناها تبعا له.

فمنها هو أن البحث عن حجية خبر الواحد يكون لإثبات حجية الاخبار

الصادرة عن الأئمة عليهم السّلام و هو في زماننا يكون مع الواسطة بنقل بعض الرّواة عن‏

بعض مثل نقل الطوسي قده عن المفيد و هو عن الصفار و هو عن العسكري صلوات‏

اللّه عليه و الآية لا تشمل هذا النحو من الاخبار فلا اعتماد عليها بوجوه من التقريب‏

للإشكال.

الأول انها منصرفة إلى الاخبار بدون الواسطة و ما صدر يكون مع الوسائط

و الجواب عنه كما عن الأنصاري قده ان الاخبار كلها يكون بدون الواسطة فانه إذا

أخبر الشيخ عن المفيد و هو عن الصدوق و هو عن الصفار يكون كل واحد منهم‏

ينقل ما وجده من غيره بدون الواسطة إلى أن يبلغ إلى الإمام عليه السّلام لا ان يكون مراد

القائل هو ما لا يكون له الواسطة عنه عليه السّلام.

الوجه الثاني من الإشكال في الاخبار مع الواسطة هو عدم الأثر الشرعي‏

و بيانه هو ان كل موضوع تعبدي يجب ان يكون ذا أثر شرعي حتى يصح التعبد به‏

مثل جواز قبول قول العادل في الشهادة على العدالة للأثر الشرعي و هو جواز الاقتداء

و في المقام يكون مفاد قول من يخبر بالواسطة قول أحد من الرّواة أو الفقهاء و قولهم‏

من حيث هو هو غير حجة بل ما هو الحجة هو قول الإمام عليه السّلام من باب ان قوله‏

و فعله و تقريره حجة لنا بواسطة الدليل الدال عليه و وجوب إطاعة أولي الأمر الذين‏

فرض اللّه طاعتهم.

و الراوي الّذي لا يكون واسطة بينه و بين الإمام عليه السّلام و يكون مفاد قوله عليه السّلام‏

لم نجد خبره بالوجدان و ما وجدناه لا يكون له الأثر فطرف من الخبر الّذي يمكن‏


170
يمكن الاعتماد عليه ما وصل إلينا و ما وصل لا يكون له الأثر.

و قد أجيب عن هذا الإشكال بأنه حيث يكون قول كل عادل واجب التصديق‏

بواسطة الأمر بتصديق العادل لا إشكال في التعبد بقول من ينقل عن الواسطة و اثره‏

الشرعي يكون هو تصديق الواسطة و كما ان التعبد بالاحكام النفسيّة واجب كذلك‏

التعبد بالاحكام الطريقية.

و أجيب عن الجواب بأن كل حكم يجب أن يكون موضوعه مفروغا عنه‏

و يكون له الأثر و هنا يريد القائل ان يثبت الموضوع بنفس الحكم فان قول الطوسي‏

مثلا لا يثبت الا بتصديق العادل الذي يكون اثره تصديق عادل آخر فتصديق العادل‏

الثاني متوقف على تصديق العادل الأول فتصديق العادل يتوقف على تصديق العادل‏

و هذا دور محال ضرورة انه ما لم يصدّق الأول لم يحصل الموضوع للتصديق الثاني‏

و بعبارة أخرى تصديق العادل يتوقف على وجود الأثر الشرعي و الأثر الشرعي‏

يتوقف على تصديق العادل.

و الجواب عنه لرفع الدور هو انه لا إشكال في كون الأوامر انحلالية في الأحكام‏

النفسيّة فإذا جاء الأمر بالصلاة ينحل إلى كل فرد من افراده بالنسبة إلى كل فرد من‏

المكلفين بالنسبة إلى كل حال مثل كونها في المسجد أو في الدار فكذلك الأحكام‏

الطريقية فان الأمر بتصديق العادل لوجدان الحكم الشرعي يكون انحلاليا و كل فرد

من افراد العدول يكون له أحد أفراد وجوب التصديق بالانحلال و لا فرق بين كون‏

الافراد طوليا مثل الاخبار مع الواسطة أو عرضيا كما إذا كان الناقلون كلهم ناقلين عن‏

الإمام عليه السّلام فكما لا إشكال في الثاني لا إشكال في الأول.

و وجه الطولية هو انه ما لم يصدق الأول لا يكون الوجه لتصديق الثاني و الثالث‏

و هكذا ضرورة أن تصديق كل واحد في الرتبة السابقة يثبت الخبر اللاحق ثم يجب‏

تصديقه بعد إثباته فان تصديق الطوسي(قده)مثلا يكون موجبا لإثبات قول المفيد

(قده)و ما لم يصدّق الأول لا يثبت القول الثاني حتى يكون عليه الحكم بوجوب‏

التصديق و هذا الحكم الطريقي هو الأثر الشرعي فان تصديق الأول يثبت موضوعا


171
ذا حكم طريقي.

لا يقال الانحلال في الأحكام إذا كان الموضوع عرضيا لا يكون عزيزا كما في‏

أوفوا بالعقود و أحل اللّه البيع و أما الأحكام الطولية بالنسبة إلى الموضوعات الطولية

فلا يكون كذلك كما عن بعض الاعلام.

لأنا نقول الانحلال إلى الموضوعات الطولية أيضا غير عزيز في الفقه كما

في وجوب الشرط و المقدمة بالنسبة إلى المشروط و ذي المقدمة مثل الصلاة

و الطهور فان الأمر بالصلاة ينحل إلى المقدمة و ذي المقدمة و لكن أحدهما في طول‏

الاخر فانه ما لم يحصل المقدمة لا يكون وجه لحصول ذي المقدمة ففي المقام أيضا

لا إشكال في صيرورة الأمر بتصديق العادل طوليا من حيث الوسائط.

لا يقال ان الأحكام التكليفية لو كان الاعتقاد بها واجبا تعبدا لكان التعبد و الاعتقاد

بتصديق كل عادل لازما و يحصل الانحلال و اما إذا لم يكن كذلك فلا يجب تصديق كل‏

عادل بل ما هو الواجب هو التصديق بالنسبة إلى ما يكون مفاده حكما عمليا لأن‏

الاعتقاد بالاحكام غير لازم و هنا يكون ماله الأثر هو الذي ينقل عن الإمام عليه السّلام بلا واسطة

و اما غيره فيكون الإشكال فيه بحاله.

لأنا نقول فيما نحن بصدده يكون لكل واحد من افراد التصديق دخلا في‏

الأثر الّذي يكون هو قول الإمام عليه السّلام بما ذكرنا من أنه ما لم يصدّق الراوي بالواسطة

لا يثبت خبر الراوي بلا واسطة و اما إذا صدق فيثبت موضوع الاخر فإذا كان مقول قول‏

زرارة مثلا تجب الصلاة يكون الوسائط بالاخرة واصلا إليه هذا أولا.

و ثانيا ان التعبد يحتاج إلى الأثر الشرعي و اما وجوب كون هذا الأثر بالفعل‏

و بلا واسطة فلا نسلمه بل يكفى ان يكون بالقوة و لا يكون التعبد لغوا و يندفع المحذور

بحذافيره.

و بيانه انا إذا صدقنا المفيد بواسطة قبول قول الطوسي(ره)و كان اثره قول‏

زرارة الذي يكون اثره قول الإمام عليه السلام يكفى لأنه يكون في سلسلة ما له الأثر كما

في صورة استصحاب بعض اجزاء الموضوع فان ماله الأثر يكون تمام الموضوع‏


172
و لكن ما يثبت جزئه أيضا يكون دخيلا في ترتيب أثر الكل فالتعبد به بلحاظه لا إشكال فيه‏

ثم ان شيخنا النائيني(قده)قال بأن المسلك في باب حجية الأمارات ان كان‏

تتميم الكشف فلا يكون إشكال في المقام لأن تصديق كل واحد من الوسائط يكون‏

مثل صورة وجدان قوله و اما إذا كان المسلك تنزيل المؤدى كما عن الشيخ الأنصاري‏

(قده)أو جعل الحجية كما عن الخراسانيّ(قده)فلا بل الإشكال بحاله و لم يبين(قده)

وجه الفرق.

و أجاب عن شيخنا العراقي(قده)بأنه ان كان المراد ان الدخل في الأثر كاف‏

لوجوب التصديق فهو الذي نقول و ان كان المراد ترتيب الأثر على كل خبر من الوسائط

فيكون الإشكال بحاله لعدم الأثر الشرعي و لا فرق من هذه الجهة بين كون المسلك‏

تنزيل المؤدى أو الجعل أو تتميم الكشف و إحراز الموضوع و ان كان بواسطة التعبد

بالحكم و لكن لا يكون دخيلا فيه فان ما هو واجب التصديق يكون هو النبأ لا النبأ

المحرز حتى يقال انه بتتميم الكشف يحصل الإحراز و بالجعل و التنزيل لا يحصل مثل‏

العدالة فان ما يترتب عليه الأثر و هو جواز الاقتداء و قبول الشهادة يكون هو العدالة

لا العدالة المحرزة.

فالحق هو الجواب بالانحلال كما مر و القول بعدم الفرق بين الافراد العرضية

و الطولية الا انه يبقى الكلام في أنه من أيّ جهة صار أحد افراد صدّق حاكما على‏

الاخر فان الخبر بالوجدان يكون منشأ الأثر و في المقام نريد ان نثبت الخبر بواسطة

تصديق العادل الأول ليترتب عليه حكم التصديق و سيجي‏ء عند الوجه الرابع من‏

الإشكال.

لا يقال ان الانحلال يكون بالنسبة إلى الأحكام العرضية اما الطولية فلا يكون‏

فيها الانحلال لتقدم البعض على البعض من حيث الرتبة لأنا نقول يكون المقام مثل‏

دخل قصد الأمر الناشئ من قبله في الامتثال فان الأمر كما يمكن ان ينحل إلى اجزاء

الصلاة و قصد امرها في الواقع و لكن في مقام الإثبات نحتاج إلى دال له بتعدد الأمر

بأن يقال صل ثم يقال صل الصلاة بدعوة امرها الكاشف عن ان المراد بالأمر


173
بالصلاة هو الأمر بالأمر أيضا فيكون اخبارا عن إنشائه.فكذلك المقام يكون انحلال‏

صدق على جميع الافراد و بالنسبة إلى ما يكون مع الواسطة و بدون الأثر الشرعي‏

كذلك فانه اخبار عن إنشاء الحكم على الخبر الذي يكون محقق الموضوع أيضا بعد

إثبات إطلاق الدليل.

ثم ان الخراسانيّ قده أجاب عن الإشكال الذي تصور في المقام و هو الدور

من ناحية عدم الأثر و بيانه منا هو أن الحكم حيث يكون على الطبيعي لا على الشخص‏

يكون شموله لبعض الافراد و هو الذي يكون محقق الموضوع قهريا مثل قولك كل‏

خبري صادق فان شموله لنص هذا الخبر قهري و ان كان خبرية هذا الخبر قبل‏

تمامه غير محققة حتى يكون الحكم عليه فان تحقق الموضوع قبل الحكم لازم.

و لكن حيث يكون هذا الحكم على طبيعي الخبر لا يشكل عليه بأنه كيف‏

يمكن ان يكون الحكم محقق موضوعه فان تحقق الحكم يتوقف على تحقق موضوعه‏

و تحقق موضوعه يتوقف على تحقق الحكم لأنه يصير من افراد الطبيعي و لو كان‏

الحكم على شخصه لكان يلزم ما ذكر ففي المقام أيضا نقول يكون حكم وجوب‏

تصديق الخبر الذي يكون له الأثر الشرعي لطبيعي الخبر لا للشخص حتى يقال‏

بأن شخص خبر الطوسي(قده)لا يكون له الأثر و ما يكون موضوعا هو الذي‏

يكون له الأثر و لا يترتب الأثر الا بعد تصديقه.

و بعبارة أخرى ما هو الموجود يكون خبر الطوسي(قده)بالوجدان و هو

برأسه لا يكون موضوعا بل يحتاج إلى إثبات الأثر الشرعي له حتى يصير موضوع‏

الحكم بالتصديق و حيث ان الأثر و هو قول الإمام عليه السّلام لا يترتب عليه الا بعد تصديقه‏

حتى يكون مثبت موضوع صدق لما يكون له الأثر حيث أنه لا يكون موجودا

بالوجدان و هذا يكون بالنسبة إلى شخص هذا الخبر بل بالنسبة إلى الطبيعي أي‏

طبيعي خبر العادل ذي الأثر الشرعي.

و الجواب عنه(قده)ان الطبيعي مهمل بنفسه و لا يكون منشأ الأثر بل الطبيعي‏

مرآتا عن الافراد و الأشخاص فيكون الحكم على الشخص بواسطة بسط الطبيعي‏


174
على الأشخاص و الإشكال يبقى بحاله.

فالحق في الجواب هو الذي اخترناه و اختاره من انحلال الأمر و عدم الفرق‏

بين كون الأثر الشرعي حكما طريقيا آخر أو حكما نفسيا هذا أولا.

و ثانيا ان المثال يكون في صورة كون افراد الطبيعي عرضيا و كلامنا في‏

الطولي فلا يكون في الثاني الا تصوير الاخبار عن الإنشاء.

و له قده جواب آخر و هو أن مناط تصديق ما لا واسطة له هو عدم تعمد الكذب‏

و هو حاصل في الاخبار مع الواسطة أيضا فانه لا فرق بين العدول.

و فيه ان الكلام كله يكون في ترتيب الأثر الشرعي و هو لا يكون في ماله الواسطة

فالجواب بالانحلال أحسن.

الوجه الثالث لبيان الإشكال هو ان كل حكم يتوقف على إثبات موضوعه‏

و هذا الوجه و الوجه السابق مرتضعان من لبن واحد الا انه في أحد أطراف سلسلة

الوسائط كان البحث عن عدم الأثر للخبر الّذي يكون بالوجدان كما في خبر

الطوسي(قده)و هنا يكون الإشكال من جهة طرف آخر للسلة و هو الخبر الذي‏

يكون له الأثر فانه غير ثابت بالوجدان فما هو ثابت لا أثر له و ماله الأثر لا يكون‏

ثابتا بالوجدان و الحكم يتوقف على إحراز موضوعه.

و الجواب عنه هو ما مر بتفصيله من أنه يثبت بالتعبد وجوده التعبدي و يترتب‏

عليه الأثر فبتصديق الوسائط يثبت الموضوع و لا يبقى إشكال.

الوجه الرابع لبيان الإشكال هو أن مناط حجية الأمارات يكون هو الحكومة

و لا فما يكون حجة بالأصالة يكون هو القطع و في المقام يكون المتبع هو الخبر

الذي وجدناه بالوجدان و على فرض حجية الخبر الواحد يكون ما وجدناه هو

الحجة و في الاخبار مع الواسطة لا بد من تصوير الحكومة بين بعض افراد صدق‏

العادل على البعض الاخر و يتصور الحكومة فيما إذا كان لنا واقع في البين.

فأنه إذا أخبر زرارة عن الصادق عليه السّلام بوجوب صلاة الجمعة مثلا يكون الحجة

هي الواجب الوجداني و بالحكومة ينزل ما أخبر به منزلة ما وجدناه و علمناه فيكون‏


175
دليل تصديق العادل حاكما.

و اما إذا كان حكم ظاهري و يراد تقديمه على حكم ظاهري آخر فلا يتصور

الحكومة فان تصديق الطوسي قده في المقام يكون بواسطة حكم صدق و هو حكم‏

طريقي ظاهري و هو المثبت لقول زرارة و هو أيضا حكم ظاهري فيكون صدق العادل‏

بالنسبة إلى الطوسي قده حاكما على صدّق بالنسبة إلى زرارة و ساير الوسائط

كذلك و حيث انه لا حكومة بين الظاهريين لا يمكن إثبات الموضوع ببعض افراد صدّق.

و الجواب عنه هو أن هذا يكون مثل حكومة الأصل السببي على الأصل‏

المسببي فكما ان تقديم أحدهما على الاخر يكون من تقديم حكم ظاهري على ظاهري‏

آخر فكذلك المقام،مثاله ان الشك في نجاسة الثوب المغسول،بالماء المشكوك‏

طهارته و نجاسته يكون مسببا عن الشك في الطهارة فإذا جرت أصالة الطهارة بالنسبة

إلى الماء لا تبقى نوبة لاستصحاب نجاسة الثوب فاستصحاب طهارة الماء يكون‏

مقدما على استصحاب نجاسة الثوب و موضوع الأصل في المسبب و هو الشك‏

يذهب بواسطة التعبد بالطهارة في الماء.

ففي المقام أيضا و ان كان موضوع صدّق هو الخبر بالوجدان و لكن بالتعبد ببعض‏

افراده نفهم انه يكون أعم من الوجدان و التعبد فخبر زرارة و ان لم نجده و لكن‏

يكون ثابتا بواسطة التعبد بخبر المفيد و الطوسي و غيرهما فلا إشكال في الحكومة

أيضا من هذه الجهة.

و من الإشكالات‏1المختصة بالآية هو أن الآية يلزم ان لا تشمل موردها

و عدم شمولها لموردها يكون مستهجنا لأن مورد الآية هو اخبار الوليد عن ارتداد

بنى المصطلق و الاخبار عنه يكون من الاخبار عن الموضوعات التي يلزم التعدد

فيها لأن الشرط في قبولها هو حصول البينة و هي لا تحصل الا باثنين فمورد الخبر

1الحري تقديم هذا الإشكال عند بيان الإشكالات المختصة بالآية لا بعد

بيان الإشكال المشترك و الأمر سهل.


176
الذي يكون واحدا لا تشمله الآية مفهوما لأنه خبر واحد و هو غير مقبول في‏

الموضوعات سواء كان المخبر عادلا أو فاسقا فلو كان الاخبار عن الارتداد عن عادل‏

أيضا لما كان مقبولا فلا وجه للتمسك بمفهوم الآية من هذه الجهة.

و الحاصل حيث أن المورد لا يقبل فيه خبر الواحد لا يدل المفهوم على حجية

خبر العدل.

و أجاب عنه الشيخ الأنصاري قده بأن غاية ما يلزم في المقام هو لزوم تقييد

المفهوم بالنسبة إلى الموضوعات بما إذا تعدد المخبر العادل فكل واحد من خبر

العدلين في البينة لا يجب التبين فيه بمقتضى المفهوم و اما لزوم إخراج المورد

فممنوع لأن المورد داخل في منطوق الآية لا مفهومها.

و جعل أصل الخبر عن الارتداد موردا للحكم بوجوب التبين إذا كان المخبر به‏

فاسقا و لعدم الحكم بالتبين إذا كان المخبر به عادلا،لا يلزم منه الا تقييد الحكم في‏

طرف المفهوم و إخراج بعض افراده و هذا ليس من إخراج المورد المستهجن‏

في شي‏ء.

و أجاب شيخنا النائيني قده عن الشبهة بهذا التقريب و هو أن المورد انما كان‏

من اخبار الوليد الفاسق بارتداد بنى المصطلق و الآية الشريفة انما نزلت في شأنه لبيان‏

كبرى كلية و المورد داخل في عموم الكبرى و هي قوله تعالى ان جاءكم فاسق بنبإ

فتبينوا فأن خبر الفاسق لا اعتناء به مطلقا في الموضوعات سواء كان واحدا أو متعددا

و كذلك في الأحكام.

و اما المفهوم فلم يرد كبرى لصغرى مفروضة الوجود و التحقق لأنه لم يرد

في مورد اخبار العادل بارتداد بنى المصطلق بل يكون حكم المفهوم من هذه الجهة

حكم سائر العمومات الابتدائية التي لم ترد في مورد خاص قابل للتخصيص بأي‏

مخصص فلا مانع من تخصيص عموم المفهوم بما عدى الخبر القائم في الموضوعات‏

و لا فرق بين المفهوم و العام الابتدائي سوى أن المفهوم مما تقتضيه خصوصية

في المنطوق بخلاف العام الابتدائي الّذي لم يرد في مورد خاص و لا ملازمة بين‏


177
المفهوم و المنطوق من حيث المورد حتى إذا كان المنطوق في مورد خاص يكون‏

المفهوم أيضا كذلك بل اللازم أن يكون الموضوع في المنطوق عين الموضوع‏

في المفهوم و هو الاخبار عن الارتداد في المقام.

و أجاب عما أفاده الشيخ قده بعد تسليم كون مورد المفهوم هو الخبر بالارتداد

فلا محالة يلزم خروج المورد عن عموم المفهوم و لا بد حينئذ من تقييد عموم المفهوم‏

بما ينطبق على المورد فإذا كان المورد مما يعتبر فيه التعدد فالمفهوم يختص بالبينة

و لا يصح التمسك به لحجية الخبر الواحد لأن الآية يجب ان تكون في مقام بيان كبرى‏

لصغرى المورد.

و أجاب عنه شيخنا العراقي بما حاصله أن المفهوم لا بد ان يكون تابعا للمنطوق‏

فإذا كان الموضوع في المنطوق هو النبأ الكلي الشامل للخبر عن الارتداد فلا محالة

يجب أخذه في طرف المفهوم أيضا فالمفهوم لا يكون ح كليا غير ناظر للمنطوق‏

ليكون كسائر العمومات الابتدائية قابلا للتخصيص فيبقى الإشكال بحاله ثم اختار

ما أفاده الشيخ قده.

و الحق هو تمامية قول الشيخ و عدم ورود إشكال النائيني عليه كما انه لا يرد

إشكال شيخنا العراقي أيضا على النائيني قده لأنه قده أيضا سلم وجوب كون الموضوع‏

في المنطوق و المفهوم واحدا كما ان الشيخ قده أيضا يكون ظاهر كلامه تقييد المفهوم‏

بعد كونه كليا.

بقي في المقام شي‏ء
و هو أن القائل بحجية الخبر الواحد لا يكتفى بقبول‏

قول العادل فقط بل يقول بما يكون حسنا أي يكون راويه إماميّا موثقا و غير عادل‏

و ما يكون موثقا بأن لا يكون راويه إماميّا و لكن يكون موثقا و مأمونا عن الكذب‏

و الآية تشمل قسما واحدا و هو خبر العادل المقابل للفاسق لا الأعم منه و من غيره.

و دفع هذا الإشكال هو ان يقال ان الاخبار المقبولة بأقسامها داخلة في المنطوق‏

و المفهوم اما المنطوق فلان المراد بالفسق لا يكون الا ما يكون سببا للكذب و لذا

يكون خبر الفاسق الذي يوجب الوثوق قابلا للاعتماد الا ترى انهم يعملون بالخبر


178
الضعيف بواسطة جبره بعمل المشهور مع كون الراوي فاسقا فالفاسق أيضا إذا كان‏

خبره موجبا للوثوق يكون مقبولا سواء كان حسنا أو موثقا و كذلك يدخل خبر

العادل أيضا لأن التبين يكون سببا لإحراز خبر الراوي إذا لم يكن خبره موجبا للوثوق‏

لبعض الطواري من انه هل كان موافقا للواقع أم لا فان التبين عن حال الخبر أيضا

يكون تبينا و لكن عن الخبر لا عن المخبر إذا كان محرز العدالة.

و يمكن اندراج الأقسام في المفهوم أيضا فان المناط إذا كان هو طرد الخبر

الذي لا يوجب الوثوق فخبر الموثق و الحسن إذا كان موجبا له و كذلك العادل يكون‏

مقبولا لا يجب التبين بالنسبة إليه و العادل الذي لا يكون خبره موجبا للوثوق يجب‏

التبين عن خبره و يكون داخلا تحت المنطوق فتحصل ان المدار يكون على الوثوق‏

بالخبر من ناحية المخبر أو من جهة أخرى و لا خصيصة للعدالة.

في الاستدلال بآية النفر للخبر الواحد

و من الآيات آية النفر قوله تعالى‏ ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من‏

كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (1)

و تقريب الاستدلال يتوقف على التنبيه لأمور.

الأول ان التفقه في كل عصر يكون بحسبه ففي زمان الإمام عليه السّلام و عصر الحضور

يكون عبارة غالبا عن سماع الروايات و استماعها عن الإمام عليه السلام و نقلها لمن لم يكن‏

بمحضر منهم عليهم السلام أو من كان قريبا بعصرهم مثل الكليني قده فيكون الفقيه في ذاك‏

الزمان هو الّذي ينقل الرواية و اما الفقاهة في زمن العلامة صارت بنحو أبسط لكثرة

الاحتمالات في الروايات و عدم وصول اليد إلى مرجع الأمر ليسأل عن غالب المسائل‏

من الحلال و الحرام و في زماننا هذا أيضا صارت أبسط و يكون التفقه هو تعلم‏

الأحكام من الحوزات العلمية من النجف الأشرف و القم و ساير الحوزات صانها اللّه‏

1)سورة التوبة آية 123.

179
تعالى عن التهادم و التهاجم فاختصاص التفقه ببعض الأعصار دون بعض لا وجه له‏

الثاني ان الإنذار لا يختص بتخويف الناس في امر المعاد و ما في جهنم من العقارب‏

و الحيات بل بيان الأحكام من الصلاة و الصوم و غيرهما أيضا يكون إنذارا للناس‏

لأنهم بعد ما علموا ان الأمر الفلاني يكون امر اللّه تعالى فلا محالة يجب العمل عليه و كذلك‏

إذا علم ان الشي‏ء الفلاني نهى عنه يجب الانزجار عنه و في ترك الإطاعة عقاب.

الثالث ان المراد بالطائفة و تفقهوا و لينذروا و يحذرون ليس العام المجموعي‏

بمعنى انه يجب ان يكون التحصيل و التعلم بنحو الاجتماع في مكان ثم الإنذار و التحذير

أيضا كذلك بل كل فرد من الافراد ان تعلم الأحكام ينذر و يحذر من ينذره و حيث ان‏

الحذر لا يلزم ان يكون اجتماعيا يكون الذيل شاهدا على ان المراد بالصدر أيضا

كذلك.

الرابع ان كلمة لعل يكون عن اللّه تعالى أيضا مستعملا في معنى الترجي كما

أن ساير الألفاظ المستعملة في حقه تعالى مثل العالم و القادر يكون بمعناه المستعمل في‏

غيره الا ان نحو المفهوم و طوره في حقه تعالى يكون بنحو آخر.

فما قيل من أن أدوات الترجي و الاستفهام و غيره في حقه تعالى مستعملة في غير

ما هو الدارج عند الناس لا وجه له فحيث انه ربما يحصل التحذير و ربما لا يحصل يكون‏

التعبير كذلك أي بلفظ لعلّ.

الخامس في أن التحذير المراد به هو العمل بعد بيان الأحكام لا ان يحصل خوف‏

من شخص المنذر فانه لا خوف بالنسبة إليه لأن شكله و قيافته غير دخيل في الإنذار

بالمعنى الّذي ذكرناه.

إذا عرفت ما ذكر فنقول ان الإنذار يكون مطلقا أي سواء حصل العلم به أم لا يجب‏

و لا معنى للقول بوجوبه مطلقا مع عدم وجوب القبول مطلقا فان حصل العلم به فهو و ان‏

لم يحصل أيضا يجب القبول لأنه يكون فرد تعبدي من العلم و خبر الواحد يصير حجة

بهذا التقريب.

لا يقال لو كان الأمر كذلك فلا فرق بين الفاسق و العادل فان خبر كل أحد و كل‏


180
فقيه و لو كان فاسقا مقبول لأنا نقول تناسب الحكم و الموضوع بأنه يكون في صورة

حصول الوثوق و الفسق مانع عنه لاحتمال تعمد الكذب بالنسبة إلى الفاسق و على‏

فرض إطلاق الآية من هذه الجهة يقيد بصورة كون المنذر غير فاسق بواسطة ما مر

من آية النبأ ثم إن الشيخ الأنصاري قده أشكل عليها بأن الآية تكون في صدد الأمر

بالتعلم و التفقه و الإنذار و حيث أن الإنذار لا يوجب العلم من الواحد و ما هو المتبع‏

هو العلم و هو القدر المتيقن فالإنذار الذي يوجبه يكون واجب القبول لا ما لا يوجب‏

العلم و حيث يكون المورد مورد التعلم تكون الآية مهملة و لا إطلاق لها حتى تشمل‏

خبر الواحد الّذي لا يوجب العلم.

و الحاصل ان عمدة الكلام في المقام إثبات الإطلاق للإنذار و يتبعه الإطلاق‏

في التخدير فان المقدمة إذا كانت مطلقة فلا بد ان يكون ذوها كذلك.

لا يقال ان وجوب المقدمة ناش عن وجوب ذيها فيكون الأمر بالعكس فانه‏

ما لم يثبت إطلاقه لا يثبت إطلاق المقدمة.لأنا نقول في مقام الإثبات يكونان متلازمين‏

و ما ذكرتم يكون في مقام الثبوت فان المقدمة لا تكون الا لذيها و لكن إذا قلنا بإطلاق‏

المقدمة فلا محالة يثبت إطلاق ذيها لأنه لو لم يثبت يلزم اللغوية.

و قد أشكل شيخنا الحائري قده على الإطلاق بأنه و ان كان صوريا و لكن في‏

الواقع لا يكون لأن الذي يكون مقدمة لحصول التحذير في الواقع هو الذي يكون‏

مفيدا للعلم فإذا لم يحصل العلم لم يحصل التخدير و خبر الواحد لا يوجب العلم‏

فلا يكون حجة و لكن الإطلاق الصوري يكون إظهاره من باب أن الإنذار الذي‏

يكون مفيدا للعلم حيث لا يكون له تميز من بين الإنذارات ضرورة عدم معلومية أن‏

قول زيد هل يوجب العلم أو قول عمرو أو قول كليهما معا مع حصول العلم تارة

بواحد أيضا لضم القرائن أوجب الإنذار مطلقا ليصل إلى مقصوده بأي طريق كان‏

فالإنذار واجب مطلقا و لكن المتبع يكون هو العلم فان حصل فهو و الا فلا.

و بعبارة أخرى إطلاق الإنذار يكون من باب انه طريق إلى حصول المقصود

و الجواب عنه قده هو أن هذا التقريب يكون لازمه كون الأمر بالإنذار امرا


181
إرشاديا إلى ما يحكم به العقل لأن وجوب متابعة العلم عقلي لا يحتاج إلى امر الا بنحو

الإرشاد و هو خلاف ظاهر الآية فان ظاهرها هو كون الوجوب مولويا و مقتضاه انه إذا

لم يحصل العلم أيضا يجب فيكون الوجوب تعبديا فعليه يجب قبول إنذار المنذر

و لو كان واحدا لا يفيد العلم.

ثم ان الخراسانيّ قده أيضا أشكل بإشكالين في المقام أحدهما إشكال الشيخ‏

و صار مرضيا عنده.و حاصله أن الآية تكون في صدد إثبات التحذير العملي بعد

إثبات حكم اللّه تعالى و إثبات حكمه تعالى لا يحصل الا بالإنذار المفيد للعلم فالواحد

إذا أخبر لم يحصل العلم بحكمه تعالى حتى يجب التحذير و العمل عليه فتكون الآية في‏

صدد بيان وجوب التعلم و الإنذار لأنه يكون طريقا لإثبات الأحكام إذا كان موجبا

للعلم ففي الواقع يكون حكم اللّه الواقعي هو المتبع و هو لا يحصل بالخبر الواحد

لأنه لا يفيد العلم فلا وجه للإطلاق.

و الجواب عنه ان كل تخصيص و تقييد في الشرع يكون هكذا فان روح التخصيص‏

هو التخصص و لكن نحن يكون لنا لسان الدليل بعمومه أو بإطلاقه حجة ففي المقام‏

و ان كان ما هو المتبع هو أحكام اللّه الواقعية و لكن إذا نظرنا إلى إطلاق الإنذار نأخذ

بكل حكم أنذره المنذر فإن طابق الواقع فهو و إن لم يطابق فنحن كنا مأمورين‏

بالاخذ بالإطلاق و لنا الحجة على المولى و لو لم نعمل عليه يكون له الحجة علينا بترك‏

الأخذ بالإطلاق.

و ثانيهما عنه قده و هو أن الآية تكون في صدد إظهار الحق بواسطة الإنذار

فإن القوم أن أنذروا فلا محالة يصير الحق ظاهرا و يكون هذا من آثاره القهرية و لا يكون‏

بصدد إثبات قول الواحد و لو لم يظهر الحق به.

و فيه أن الآية لا تدل على وجوب الإنذار بنحو العام المجموعي حتى يقال‏

يظهر الحق بالجميع بل العام افرادي كما مر في المقدمة و كما هو المعمول في بيان‏

الأحكام فيدور الأمر بين كون وجوب الإنذار لكل أحد غايته إظهار الحق أو التحذير

و ما ذكر في الآية غاية للإنذار هو التحذير لا إظهار الحق فيتعين فيجب قبول قول‏


182
المنذر و لو لم يفد العلم و لا غرو في أن الحق أيضا يظهر بذلك تارة ظهورا علميا

و تارة ظهورا تعبديا.

و أما الإشكال في المقام بأن التفقه لا يكون معناه نقل الرواية بل صيرورة

الشخص فقيها ينقل رأيه و هو من الخبراء يقبل قوله.

فلا وجه له أيضا في المقام لأن التفقه في كل عصر بحسبه كما مر في المقدمة

ففي زمان المعصومين سلام اللّه عليهم أجمعين أو قريب عصرهم كان بنحو نقل الرواية

و لكن بمفادها حيث فهموه فكانوا أيضا فقهاء لا الراوي فقط و في زماننا هذا و قبل‏

زماننا مثل زمن العلامة صار بنحو آخر حسب الاحتياجات و عدم القرب إليهم عليهم السّلام‏

و الوصول لسؤال الأحكام.

و ثانيا ان الفقيه أيضا من أين يقبل قوله فهل هذا الا واحدا يوجب قوله الظن‏

فلا بد من قبول قوله بدليل حجية خبر الواحد و الا فمع عدم الوثوق به لا يقبل قوله.

فالحق دلالة الآية على حجية خبر الواحد و ساير الآيات حيث لا يكون دلالتها

تامة لا نتعرض لها في المقام و فيما ذكرناها منها غنى و كفاية.

فصل في الاستدلال‏ (1) بالأخبار عن المعصومين عليهم السّلام‏

على حجية خبر الواحد

و هي على أربعة طوائف الطائفة الأولى ما ورد في علاج الاخبار المتعارضة

و المرجحات التي ذكرت فيها تارة تكون بالنسبة إلى الوثوق المخبري أي حصول‏

الوثوق من ناحية المخبر بالخبر كما في قوله عليه السّلام خذ بأعدلهما و تارة بالنسبة إلى‏

الوثوق الخبري كما في قوله عليه السّلام خذ ما خالف العامة و خذ بما اشتهر بين أصحابك.

و تقريب الاستدلال بها ان التعارض يكون بين الاخبار التي تكون ظنية الصدور

1)في جامع أحاديث الشيعة تأليف آية اللّه العظمى المرحوم البروجردي‏

(قده)في باب 5 ص 48 يبلغ عددها 116.


183
و لا تعارض بين القطعيين من جهة السند الا إذا صدر عن تقية و اللازم منه حجية الخبر

الّذي يكون له المعارض و الاعتناء به ان المتيقن منها هو حجية خبر العادل لأن‏

الملاك عليه في المرجحات أو الملاك بالأوثقية و بتناسب الحكم و الموضوع نفهم‏

ان المراد ان كل خبر موثق يكون حجة لأن الّذي يضر هو تعمد الكذب و لا يكون‏

هذا في صورة الاطمئنان بعدم الكذب و لو كان الراوي غير عادل.

الطائفة الثانية الاخبار الدالة على الرجوع إلى أمثال زرارة و أبان بن تغلب‏

في مقام أخذ معالم الدين منهم بقوله عليه السّلام فلان ثقتي خذ معالم دينك منه فما ادى عني‏

فعني يؤدى و تلك الاخبار كثيرة و معلوم ان قولهم حيث لا يوجب العلم مع انهم عليهم السلام‏

أمروا بقبوله يكون قول الواحد حجة حتى انه مع الظن بالخلاف أيضا يكون‏

قولهم متبعا مثل قضية أبان في دية قطع أصابع المرأة بقوله عليه السّلام في قطع الأربعة

بعشرين إبلا و في الثلاثة بثلاثين و استند بأن الدية في المرأة إذا بلغت ثلث دية الرّجل‏

في الأطراف تنتصف.

فإن في أمثال هذه الموارد يكون الظن بخلافه من حيث المحاسبة العقلية

و لكن السنة إذا قيست محق الدين و مورد هذه الاخبار و ان كان خبر العدل في غاية

العدالة مثل زرارة و أبان و لكن تناسب الحكم و الموضوع يحكم بأن المدار يكون‏

على الوثوق فقط.

و الطائفة الثالثة ما دل على الرجوع إلى الرّواة بقولهم عليهم السّلام و اما الحوادث‏

الواقعة فارجعوا إلى رواة أحاديثنا و هذا يدل على حجية قول الرّواة و هي أيضا كثيرة

و لا يمكن دعوى اختصاصها بصورة حصول اليقين من خبرهم لأن الظاهر قبول قول‏

كل فرد منهم لا قول المجموع من حيث المجموع بحيث يفيد العلم فقط و من المعلوم‏

عدم حصول العلم من اخبار الرّواة غالبا فتدل على المطلوب لكن في صورة الوثوق‏

لا غير كما مر من تناسب الحكم و الموضوع.

الطائفة الرابعة هي الاخبار المتفرقة في الموارد المتعددة التي يفهم منها مفروغية

جواز العمل بخبر الواحد في الجملة و لو في خصوص موثوق الصدور.


184
ثم انه قد أشكل على الاستدلال بهذه الاخبار من جهة أنها اخبار آحاد و لا يمكن‏

إثبات حجيتها بها الا بنحو الدور لأن حجية خبر الواحد تتوقف على حجية خبر الواحد

و قد أجيب عن الإشكال بأن هذه الاخبار الدالة على الحجية و ان لم تكن متواترة

لا لفظا (1) و لا معنى‏ (2) الا انها متواترة إجمالا بحيث نعلم صدور بعض هذه في‏

الجملة قطعا.

و عليه فيجب ان يؤخذ بأخصها مضمونا و هو ما دل على حجية خبر العادل و لكن‏

حيث نعلم بان المدار على الوثوق فيثبت المطلوب بان كل خبر كان ثقة حجة بل‏

يمكن ان يدعى ان غير ما كان في خصوص العادل أيضا فيه التواتر الإجمالي فيدل بنفسه‏

على حجية خبر الثقة و لو لم يكن عادلا.

و فيه ان التواتر الإجمالي لا أساس له فان صدور اخبار لا يكون الاتحاد في‏

اللفظ و لا في المعنى كيف يمكن القطع به فان كل واحد منها اخبار آحاد في موضوع‏

و ضم غير الحجة بغير الحجة لا يفيد القطع ما لم يرجع إلى الاتحاد في المعنى أو

اللفظ و لكن يمكن ان يكون مرادهم هو التواتر المعنوي لأن المتفاهم من جميع هذه‏

الاخبار حجية خبر الموثوق في موارد متعددة فتكون متحدة في المعنى مع ان بعضها

يكون محفوفا بقرائن يفيد القطع بالصدور.

لا يقال أن المستفاد منها هو الوثوق المخبري فانه معنى قوله فلان ثقتي فلا تشمل‏

الوثوق الخبري مثل الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة.لأنا نقول اللازم هو الوثوق‏

بالخبر و هو تارة يحصل بواسطة الوثوق بالمخبر و تارة بالوثوق بالخبر مضافا إلى أن‏

بناء العقلاء يكون في الأعم منه.

فتحصل أن دلالة الاخبار أيضا على حجية الخبر الواحد تامة لا إشكال فيها.

1)مثل حديث الثقلين.

2)مثل شجاعة أمير المؤمنين عليه السّلام.


185
فصل في الدليل الثالث و هو الإجماع على حجية الخبر الواحد

و تقريره على وجوه:الأول الإجماع القولي و الثاني الإجماع العملي و الثالث‏

سيرة المسلمين و الرابع بناء العقلاء بما هم عقلاء.

اما الأول فلا يكون منقولا فقط بل يكون محصلا لوجداننا موارد عديدة على‏

حجية خبر الواحد من كلماتهم فلا تصل النوبة بعد تحصيل الإجماع بمعارضة منقوله‏

بقول السيد قده و نقله عدم الحجية بالإجماع.

لا يقال أن الإجماع حجة في المسألة الفقهية على ما سمعناه و رأيناه في الفقه‏

و لكن الإجماع في المسألة الأصولية لا يكون حجة.لأنا نقول المدار على كشف رأى‏

المعصوم عليه السلام منه و لا فرق في ذلك من جهة كون المسألة أصولية أو فرعية.و لكن‏

في المقام يمكن ان يقال انه مدركي و مدركه الاخبار و الآيات و بناء العقلاء هذا أولا

و ثانيا انه معارض بإجماع السيد على خلافه و قد مر الجواب عن الثاني بأن‏

لنا الإجماع المحصل و يمكن أن يكون مراد السيد(قده)أيضا طرد اخبار موضوعة

في الدين في زمانه و كان في التقية فقال بعدم حجية اخبار الآحاد مطلقا حتى يحصل‏

الغرض على أنه يستفاد من بعض كلماته عدم حجية ما لا يوثق بصدوره لا ما يوثق به‏

فلا يكون إجماعه معارضا.

و اما الإجماع العملي فهو عمل الفقهاء بالأخبار الآحاد في موارد عديدة و أخذوا

بالأخبار الواردة في الكتب الأربعة.و قد أشكل شيخنا النائيني عليه بأنه يمكن ان‏

يكون عملهم بما في الكتب الأربعة من باب زعمهم أن كل ما فيها مقطوع الصدور

و ليس كذلك أو لزعمهم ان مطلق الظن حجة أو لظنهم ان ما دل على حجية الخبر الواحد

يكون في خصوص ما في الأربعة فلا يدل عملهم على العمل بكل خبر واحد.

و فيه ان المدعى انهم عملوا بالأخبار الآحاد مطلقا لا بما في خصوص الأربعة

و يكشف عملهم عن رضاء المعصوم عليه السّلام و لكن يمكن ان يقال ان سنده هو الآيات‏

و الروايات و بناء العقلاء فلو لم تكن تامة لا يتم الإجماع كذلك.


186
و اما السيرة في المتشرعين من حيث انهم متشرعون و مسلمون فهي أيضا

على وجهين الأول السيرة العلمية الثاني السيرة الارتكازية.اما الأولى فهي ان‏

المتشرعين إذا كانت سيرتهم على العمل بالأخبار الآحاد و لم يصل ردع عن صاحب‏

الشريعة نفهم انها كانت موردا لإمضائه و لو ثبتت تكون مخصصة للآيات و الروايات‏

الرادعة عن العمل بغير العلم.

و اما السيرة الارتكازية فتقريبها ان يقال انا من موارد سؤالات السائلين عن‏

الأئمة عليهم السّلام نفهم ان ارتكاز المسلمين كان على العمل بالأخبار الآحاد فإذا سئل عن‏

تعيين من أخذ منه معالم الدين و المسائل عنهم عليهم السلام يكون المراد هو بيان من هو

عالم بأحكامهم عليهم السلام لا صرف السؤال عن ان الخبر الواحد حجة أم لا فكان أصل‏

قبوله مفروغا عنه عند السائلين و هذا هو العمدة.

و بعبارة أخرى يكون السؤال عن مصداق العارف بالاحكام بعد المفروغية

عن انه إذا بين الحكم يكون حكمه متبعا و لا ردع عن هذه السيرة.

و قد أجاب شيخنا النائيني(قده)عن هذا التقريب أيضا بأنه يمكن ان يكون‏

الارتكاز مستندا إلى الآيات و الروايات فلو لم تكن تامة عندنا لا تفيد هذه السيرة على‏

انه لا تكون السيرة كذلك ثابتة و لو كانت ثابتة لا تختص بالفقهاء فيحتمل ان يكون‏

هذا هو بناء العقلاء فلا تكون للمتشرعين فقط حتى تكون دليلا برأسه.

و فيه ان أصل السيرة ثابتة و حيث لا تكون هذه مختصة بالفقهاء يمكن ان يقال‏

لا تكون من باب الاستناد بالآيات و الروايات و لكن يكون الإشكال بأنه يكون هو

بناء العقلاء في محله فلو تم بنائهم فهو و الا فلا يجوز الاستناد بهذه لحجية خبر الواحد

و اما بناء العقلاء فهو أن الناس كلهم من المسلمين و غيرهم ممن يكون متمسكا

بدين خاص أو لم يكن كذلك يتمسكون بالخبر الواحد في أمور معاشهم و معادهم‏

و لا يكون هذا في الشرع مما ردع عنه فيكون هو السند لنا.

و فيه انه لو كان هذا في امر معادهم أيضا فيكون هذا هو سيرة المتشرعين‏

لأن هذه تكون بالنسبة إلى الشرع و امر المعاد يرجع إليه و لذا لا يكون كلمة امر المعاد


187
في كلام الشيخ الأنصاري و الخراسانيّ في تقريب طريقة العقلاء حتى يرد هذا الإشكال‏

عليه فلا فرق بينهما.

و هنا بيان عن الشيخ الأنصاري قده لا بأس بالإشارة إلى نقل عبارته قده في‏

الرسائل فانه قال الرابع استقرار طريقة العقلاء على الرجوع إلى خبر الثقة في أمورهم‏

العادية و منها الأوامر الجارية من الموالي إلى العبيد فنقول ان الشارع ان اكتفى‏

بذلك منهم في الأحكام الشرعية فهو و الا وجب عليه ردعهم و تنبيههم على بطلان‏

سلوك هذا الطريق في الأحكام الشرعية كما ردع في موارد خاصة و حيث لم يردع‏

علم منه رضاه بذلك لأن اللازم في باب الإطاعة و المعصية الأخذ بما عدّ إطاعة في‏

العرف و ترك ما يعد معصية كذلك انتهى.

و قد قالوا في مقام بيان كلامه قده وجوها أربعة و لكنا نبين وجهين الأول:

صدر كلامه قده و هو ان قبول خبر الثقة لا يختص بالأمور العادية بل أوامر الموالي‏

و العبيد أيضا يكون كذلك و الشارع أيضا لا يكون له طريق جديد في الخطابات فعليه‏

حيث لا يكون له ردع عن هذه الطريقة فهي متبعة و يكون دليلا على حجية خبر الثقة.

و قد أشكل‏1على هذا الوجه بأنه لو تمّ يكون بالنسبة إلى خبر العادل‏

و اما خبر الثقة مطلقا فلا يكون كذلك.و جوابه ان بنائهم لو تم يكون في الأعم‏

من خبر العادل الّذي يشمل خبر الثقة أيضا.

و قد أشكل ثانيا بأن هذه الطريقة غير سيرة المتشرعين و لذا يمكن ان يكون‏

الاخبار الناهية عن العمل بغير العلم ردعا عنها بخلاف السيرة فانها لو ثبتت تكون‏

كاشفة عن رأي المعصوم عليه السّلام و يتضح الجواب عنه فيما سيأتي.

الوجه الثاني:ذيل كلامه قده من أن المدار في الإطاعة و العصيان فإذا أخبر

1أقول لا أساس لهذا الإشكال بعد كون الدليل بناء العقلاء و هذا الإشكال‏

يكون بالنسبة إلى مفهوم آية النبأ له وجه و جوابه ما مر من أن المراد بالمفهوم الخبر

الموثق و لكن في المقام لا يكون بناء العقلاء في خصوص العادل بل هم من حيث‏

هم كذلك لا يكون للعدالة بمعنى فعل الواجبات و ترك المحرمات موضوع عندهم.


188
الثقة في الشرع بخبر يجب إطاعته و موافقته عند العقلاء بحيث بعد تاركه في العرف‏

عاصيا و حيث لا خصيصة للشرع في أوامره و نواهيه من حيث انه مولى الموالي‏

فلا محالة يجب الأخذ بالأخبار الآحاد.

لا يقال عليه ان العرف مرجع في أخذ المفهوم لا المصداق‏1فأن شك في‏

مفهوم الإطاعة و العصيان يرجع إليه و لا يكون مرجعا في تعيين المصداق بأن يقول‏

يجب قبول الخبر ليحصل الإطاعة.

لأنا نقول يكون الكلام في المقام في المفهوم أيضا من باب انه يصدق عنده‏

الإطاعة من حيث انه عاقل لو أتى بالمأمور به بالخبر الواحد عن الشرع و يصدق‏

المعصية لو تركه و لو كان وصوله بهذا النحو فهو المرجع في ذلك و بعبارة أخرى‏

لا فرق عنده في وجوب الإطاعة بالنسبة إلى ما علمه من امر الموالي و ما قام عليه الخبر

الموثق و يكفي الوثوق و لا يشترط العدالة حتى يقال هذا لا يثبت أن خبر الموثق حجة.

و اما الكلام في أن إمضاء هذا البناء عند الشرع فهو المهم لأن البيع الربوي‏

أيضا يكون عند العقلاء و لكن ما أمضاه الشرع و ردع عنه و هنا أيضا يكون الآيات‏

الناهية عن اتباع غير العلم رادعا عنه و فرق المقام و سيرة المتشرعين هو ان السيرة

نفس تحققها تكفي لإثبات رأى الشارع و لا يحتاج إلى شي‏ء آخر بخلاف المقام‏

فانه يحتاج إلى الإمضاء.

و بعبارة أخرى سيرة المتشرعين يكون البحث في إثباتها لا في حجيتها و لكن‏

بناء العقلاء بعد إثباته يكون الكلام في حجيتها.

أو يقال ان السيرة موجبة للعلم فتكون حاكمة على الآيات الرادعة بخلاف‏

بنائهم و يقال انها يكون ممضاة لكن في صورة حصول العلم.

1في بعض الموارد يكون العرف مرجعا حتى في تعيين المصداق خصوصا

الخبراء منهم في كل فن و المراد هنا هو ان الخطابات الشرعية يكفي فيها مطابقة المأتي‏

به مع المأمور به و هو غير مربوط بالعرف بل يكون تابعا لتحديد الشارع.


189
و الجواب عنه بنحو صحيح عندنا هو الحكومة في المقام أيضا على فرض‏

كون حجية الخبر عند العقلاء من باب تتميم الكشف فان الخبر أيضا عندهم علم‏

و لا يكون اتباعه اتباع غير العلم و لكن على مبنى الخراسانيّ و الشيخ القائل بجعل‏

الحجية و تنزيل المؤدى فالإشكال بحاله و لرده طريق آخر و لا يخفى انهما على حسب‏

مبناهما لم يذكر الحكومة لأنهما غير قائلين بتتميم الكشف فما في بعض الكلمات‏

من إلزامهما بذلك يكون من باب عدم التوجه إلى مسلكهما و التعبير بأن قولهما من‏

باب الأكل من القفا إشكال عليهما لا يصح فان عدم تعرضهما للحكومة يكون لغاية

فراستهما و ملاحظتهما للمبنى.

و اما جواب الخراسانيّ(قده)فهو يقول ان الآيات الناهية عن اتباع غير

العلم يكون في أصول الدين أولا و لو سلم أنها في غيره تكون منصرفة عن المقام‏

لأن الخبر الذي قام الدليل على حجيته لا يكون مورد نظرها ثم انه(قده)تعرض‏

في المقام لإشكال الدور المتصور في المقام و جوابه و بيان ذلك هو أن السيرة العقلائية

تحتاج إلى إمضاء الشارع و عدم ردعه عنها و توهم ان الآيات الناهية عن اتباع غير

العلم رادعة عنها يكون دوريا لأن عمومها للمورد يتوقف على عدم كون السيرة

مخصصة لها و مخصصيتها لها متوقفة على عدم ردعها إياها فلا يمكن إثبات الردع لها

لا يقال أن الدور من قبل السيرة أيضا متحقق لأنها أيضا لم تكن مخصصيتها

للآيات الأعلى فرض عدم ردعها عنها و ردعها عنها أيضا متوقف على عدم مخصصيتها

لأنه يقول ان التنافي بينهما صحيح الا انه بعد سقوط العموم من قبلها و المخصصية

كذلك ما أثبتنا الردع عنها و يكفي لحجية السيرة عدم وصول الردع و هنا على‏

الفرض ما ثبت و هو كاف في الإمضاء و لا نحتاج إلى إثبات الإمضاء بدليل آخر.

و الجواب عنه قده ان هذا الكلام غير صحيح منه في بيان حجية السيرة بوجوه:

الأول فساد المبنى فان الحق في باب الأمارات هو تتميم الكشف تبعا لشيخنا العراقي‏

و النائيني قدهما لا جعل الحجية.و الثاني إحراز الإمضاء شرط لا عدم وصول الردع.

و الثالث انه كما يكفي على فرضه لحجية السيرة عدم وصول الردع كذلك يكفي‏


190
لعموم العام أيضا عدم وصول المخصص و نحن في المقام ما أثبتنا مخصصية السيرة

على الفرض فالعام رادع.و الرابع ان دلالة العام على العموم تنجيزية و دلالة السيرة

تعليقية لأن الثانية تتوقف دلالتها لا أقل على عدم وصول الردع و لكن دلالة العام‏

على العموم لا تتوقف على عدم المخصص و لذا يكون المخصص بعد وجدانه هادما

للحجية لا هادما لظهور العام‏1.

و لا شبهة ان الدلالة التنجيزية مقدمة على الدلالة التعليقية فلا يفيد ما ذكره قده‏

في رفع غائلة الدور و كان قده متوجها للإشكالات فقال فتأمل.

ثم أجاب عن الإشكال بنحو آخر و هو أن العقلاء كانوا قبل نزول الآيات و كان‏

بنائهم أيضا على العمل بالخبر الموثق و حيث لا ندري ان عمومها هل يوجب هدم‏

بنائهم أم لا يستصحب حجيته قبلها.

ثم قال ان قلت حجيته مبنى على عدم الردع و مغيا به و الآيات غايتها.قلت‏

يكون مغيا و لكن لا بها بل ما كان غاية في الواقع فان الأمر هنا يدور بين كونها

غاية له و ناسخا و بين كونه مخصصا للآيات و إذا دار الأمر بين النسخ و التخصيص‏

فالتخصيص مقدم فتخصص الآيات به.

و هذا أيضا لا يتم لأن بنائهم يحتاج إلى الإمضاء اما من قبل الأنبياء السلف أو من‏

قبل نبينا صلى اللّه عليه و آله و لا يقول بالأول لعدم فائدته.

و الثاني يكون الكلام فيه و هو غير حاصل على الفرض فعمدة الكلام هي‏

احتياجه إلى الإمضاء و في المقام إذا كان قياس العام و الخاصّ بالنسبة إلى الشرع‏

1العرف كما مر في ساير الموارد المناسبة يرى هدم الظهور بعد وجدان‏

المخصص المنفصل كالمتصل و لا يكون العام بعد وجدانه ظاهرا في العموم.

و الحاصل دلالة العام لو خلى و طبعه على العموم لا كلام فيها فانه كاشف ذاتا

عن العموم و لكن بحسب الظهور في مقام الإثبات فلا فرق بين المتصل و المنفصل‏

من المخصص.


191
السابق فالنسخ مقدم على التخصيص لبناء هذه الشريعة عليه لا العكس و يختص تقديم‏

الأول على الثاني بالعامّ الوارد بعد الخاصّ في شريعتنا لا الشرع السابق فتحصل ان‏

الطريق الصحيح هو حكومة السيرة العقلائية على الآيات الناهية عن اتباع غير

العلم و لا يتم ما ذكره قده في المقام و هذا تمام الكلام في بيان الإجماع و تقاريبه على‏

حجية الخبر الواحد.

الدليل الرابع لحجية خبر الواحد هو العقل‏

و هو أيضا يكون بيانه بوجوه:

الوجه الأول‏
ما عن الشيخ الأنصاري(قده)و هو الحكم بوجوب قبول خبر

الثقة من باب تمامية مقدمات الانسداد الصغير.و بيانه انا تارة نكون في صدد حجية

كل ظن من الخبر أو من ساير الأمارات مثل الشهرات و الإجماعات و الأولويات‏

أو نكون في صدد إثبات حجية ظن خاص مثل الظن الحاصل من خبر الثقة و الأول‏

يكون مسمى بالانسداد الكبير و الثاني مسمى بالانسداد الصغير.

و الآن نكون في صدد الثاني و إثبات صدور الخبر بواسطة تمامية مقدمات‏

الانسداد ضرورة ان الخبر يكون له جهات عديدة مثل الصدور و عدم كونه عن تقية

و الظهور و حجية هذا الظهور و لا كلام فعلا في غير الجهة الأولى و هو الصدور فانه‏

على فرض تمامية الجهة و الظهور و حجيته يكون الصدور فيه البحث و لذا نسمي‏

البحث عنه بحثا عن الانسداد الصغير و لو كان جميع الجهات غير ثابت لنا بعد

احتمال الحكم للواقعة يكون البحث بحثا عن الانسداد الكبير.

اما أصل بيان الانسداد الصغير فهو ان لنا علم إجمالي بصدور عدة من الاخبار فيما

بأيدينا من الكتب قطعا و الاحتياط في كل واقعة متعذر أو متعسر و لا نكون كالبهائم‏

و لا تجري الأصول في كل واقعة فعليه لا بد من الأخذ بالطريق الظني بعد عدم العلم‏

بالاحكام فيما بين هذه الاخبار معينا فان الظن الحاصل من خبر الثقة يكون له نحو

طريقية إلى الواقع فالعقل يحكم بمقتضى العلم الإجمالي بعد سد طريق العلم بوجوب‏


192
متابعة الظن سواء كان هذا الحكم على نحو الكشف عن حكم الشارع أو على نحو

الحكومة من العقل على اختلاف المباني في باب الانسداد هذا حاصل ما أفاده الشيخ‏

بتقرير منا على حجية الاخبار الآحاد من باب حكم العقل.

و قد عدل عنه بأن هذا البيان لا يفيد حجية اخبار الآحاد فقط بل يثبت الأعم لأن‏

لنا علما إجماليا بوجود أحكام في ما بين الاخبار و علم إجمالي أوسع بوجوده بينه‏

و بين ساير الطرق مثل الإجماعات و الشهرات و علم إجمالي أوسع منه و هو وجوده لكل‏

واقعة و لو لم يكن الطريق عليه من الاخبار و الإجماع و لا شبهة أن الثالث ينحل بواسطة

العمل بمقتضى الأول و الثاني و دليله الوجدان فانا بعد العمل بما في الكتب من الاخبار

و الإجماعات و غيرها نشك في بقاء حكم آخر بشك بدوي و اما الثاني فلا ينحل بواسطة

الأول ضرورة انه نعلم بوجود أحكام فيما بين الإجماعات و الشهرات و وصول بعضها

إلى الواقع.

و لكلامه وجهان الأول‏1انه يقول بأن الثاني يكون طرف العلم الإجمالي‏

1أقول عند ملاحظة كلامه قده في الفرائد يظهر أن مراده هو أن في المقام‏

علمين إجماليين و لا يكون تعبيره الأول مخالف الثاني بل يكون عبارته هكذا الا ان‏

العلم الإجمالي حاصل أيضا في مجموع ما بأيدينا.

ثم في ذيل الكلام يقول فهنا علم إجمالي حاصل في الاخبار و علم إجمالي‏

حاصل بملاحظة مجموع الاخبار و ساير الأمارات المجردة عن الخبر فمراده من‏

الصدر و الذيل واحد.و لم يفرض الأولويات و ما لا اعتبار به من الظنون و يكون تعبيره‏

بسائر الأمارات شاهدا على ما ذكر و لذا لو فرض حجية الظن فيها أيضا لا يكون خلاف‏

الإجماع يكون في عدم حجية الأولويات و الاستحسانات لا مثل الإجماع و الشهرة.

سلمنا و لكن في صورة الإجماع على عدم الحجية يخصص الدليل العام في تلك‏

الحجية به و بنقل الأستاذ مد ظله يكون الأمارات الغير المعتبرة داخلة في مطلق الظن و ادعى‏

عند انحلاله بالوجدان.

و كيف كان لو لم يحصل الانحلال بالأول لا يضر بشي‏ء الا أن الدليل لا يكون‏

خاصا بالظن الخبري بل الظن الحاصل منه و من كل أمارة و لا إشكال في ذلك.


193
الأول و اما الثالث فلا يكون طرفا منه فهو مباين و عليه كيف يمكن القول بالانحلال‏

و الموج الثاني ان لنا علمين إجماليين لا علما واحدا أي لنا علم إجمالي بوجود

الأحكام فيما بين الاخبار و علم إجمالي بوجود أحكام أيضا فيما بين الإجماعات بحيث‏

لا يوجب وجدان بعض الأحكام و العمل به في الاخبار الشك في وجوده في الاخر فمقتضى‏

الانسداد العمل بالظن الحاصل منهما و لا جامع بينهما لينحل فما كان هذا دليلا لخصوص‏

حجية الخبر الواحد بل دليل لسائر الأمارات من الإجماع و الشهرة و الأولوية و القول‏

بحجية الجميع يكون خلاف الإجماع.

و لتوضيح مرامه قده يقول بما حاصله انا لو وجدنا عدة من الأحكام فيما بين الاخبار

لا ينحل العلم الإجمالي بوجود أحكام اخر في ضمن ساير الأمارات لعلمنا انها أيضا

متضمنة لطائفة من الأحكام و ما عن الخراسانيّ قده من أن العلم ينحل بعد وجدان عدة

من الأحكام في الاخبار سيجي‏ء النكتة فيه.

ثم انه في مقام بيان عدم تأثير العلم الإجمالي الثاني و ان هذا الدليل أي الانسداد

يكون في خصوص الاخبار لا في الأعم قيل ان العلم الإجمالي الثاني بعد العلم الأول‏

لا يكون له أثر مثل ما إذا علمنا بان أحد الكأسين نجس و لكن لا نعلم أنه يكون الأخضر

مثلا أو الأبيض ثم وقعت قطرة دم لا نعلم انه وقع في أيتهما فعلمنا إجمالا بوقوع القطرة

في إحداهما و لكن لا يكون له تأثير غير ما كان للأول فان وجوب الاجتناب عنهما

كان قبل نزول القطرة أيضا فما أثر العلم الثاني لأن المنجز لا ينجز ثانيا و في المقام‏

أيضا كذلك فإذا علمنا بوجود الأحكام فيما بين الاخبار فلا يكون تأثير للعلم بوجوده‏

فيما بين ساير الأمارات فلا يكون موجبا للتكليف فلا يكون الاحتياج إلى انحلاله‏

فلنا علم إجمالي واحد منجز و هو في الاخبار فقط.

و فيه ان المفروض وجود أحكام اخر فيما بين ساير الأمارات فلا يكون من باب‏

تنجز المتنجز و لكن الصحيح ان يقال ان الأحكام التي وجدناها من بين الاخبار

لا نعلم أن ما في ساير الأمارات يكون غير ما وجدنا فيها فالعلم بوجود أحكام في غير

الاخبار و ان كان مسلما و لكن يحتمل التطبيق مع ما وجد في الاخبار فيكون بعد ذلك‏


194
الشك في وجود حكم آخر فيما بين ساير الأمارات لاحتمال التطبيق.

و لعل النزاع بين العلمين الشيخ و الخراسانيّ قدهما يرجع إلى الخلط بين‏

المقام و صورة عدم تنجيز المتنجز في صورة قيام أمارة معتبرة على نجاسة أحد الكأسين‏

ثم علمنا بوقوع قطرة دم في إحداهما فان هذه الصورة حيث يكون أحد أطراف العلم‏

منجزا قبل هذا العلم لا يؤثر العلم شيئا لأن المنجز لا ينجز ثانيا و الفرض في تأثير العلم‏

الإجمالي هو ان يكون مؤثرا في الطرفين فإذا خرج أحد الأطراف عن دائرته لا يؤثر

شيئا لأن نجاسة أحد الأطراف يقيني و الطرف الاخر نجاسته مشكوكة فيكون المقتضى‏

للتنجيز في هذه الصورة متحققا و المانع أيضا متحقق و هو عدم تنجيز المنجز و اما

في المقام فلا يكون المقتضى للتنجيز أيضا موجودا لعدم العلم‏1من الأول بوجود

أحكام فيما بين ساير الأمارات غير ما يكون فيما بين الاخبار و لذا قال أحدهما و هو

الخراسانيّ قده بأن العلم الإجمالي منحل و قال الشيخ قده انه لا ينحل فعليه لو سلم‏

وجود العلم الإجمالي المؤثر لا يكون منحلا كما فرض الشيخ و على فرض عدمه فلا

إشكال في كون الشبهة بدوية بالنسبة إلى وجود حكم في سائر الأمارات.

الإشكال الثاني عن الشيخ قده هو انه لو سلم كون هذا الانسداد دليل على حجية

خصوص الخبر و لكن لا يكون للخبر بما هو في نفسه خصيصة بل لكونه كاشفا عن‏

1أقول هذا غير معلوم عندنا لأن الوجدان حاكم بان العلم الإجمالي موجود

و يكون الكلام في انحلاله و لا يحصل الانحلال لو كان بما ذكر لأنه لو قامت الأمارة على أن‏

أحد أطراف المعلوم بالإجمال يكون الكأس الأبيض لا يقول الأستاذ مد ظله بالانحلال‏

بل يجب أن تكون الأمارة ناطقة بأن المعلوم بالإجمال يكون هذا المعين ليحصل‏

الانحلال.

و في المقام حيث ان وجدان بعض الأحكام في الاخبار يكون نظير الأول لا الثاني‏

فلا ينحل و صرف عدم إثبات كون ما في غير الاخبار من الأحكام غير ما في الاخبار

لا يكفي لذلك بل يلزم العلم بأن ما وجدناه فيه يكون عين ما كان في الاخبار حتى يحصل‏

الانحلال.


195
الواقع و لذا قيل بأن ضعف بعض الاخبار ينجبر بالشهرة فيكون الخبر بما هو كاشف‏

حجة بالانسداد فعليه كل ما كان كاشفا عن الواقع من الإجماع و الشهرة أيضا حجة

بهذا الدليل فلا يختص بالأخبار.

و الإشكال الثالث منه قده يرجع إلى إشكالين الأول أنه لو سلم هذا الدليل يكون‏

بالنسبة إلى الاخبار المثبتة للتكليف الملزمة له لأن إحدى مقدمات الانسداد هي وجود

أحكام إلزامية لا محيص عنها و عدم الإهمال بالنسبة إليها فلذا يجب العمل بمقتضى‏

الظن الحاصل منه و اما الاخبار النافية للتكليف فلا ملزم لنا بالنسبة إليه حتى نتمسك‏

بالانسداد فانه ان لم يكن حجة لا يضر بشي‏ء من التكاليف فلا يكون هذا الدليل عاما

شاملا لجميع الاخبار و الثاني هو أن الحكم بذلك يكون من باب الاحتياط أي نعمل‏

بجميع الاخبار و لو كان بعضها غير موافق للواقع ليحصل موافقة ما له الواقع في الجملة

و لا يكون حجة شرعية ليكون مخصصا للعمومات و غاية للأصول مثل الاستصحاب‏

و البراءة بعد كون دليلها لفظيا و حجة شرعية و هذا حكم عقلي.

فنقول اما الجواب عن الأخير أولا فلأنه يكون مبنيا على أن يكون الانسداد

من باب الحكومة لا الكشف و اما عليه فيكون نتيجته الكشف عن حكم الشارع بوجوب‏

العمل بالظن في مقابل الوهم و الشك و ثانيا فلان الاخبار الصادرة يكون لها ظهور

و أصالة الظهور على فرض الصدور تحكم بتقييد المطلقات بها و تخصيص العمومات‏

و تقديمها على الأصول.

بيان ذلك يظهر بتنظيره بجريان قاعدة الفراغ في صورة وقوع الصلاة إلى أربع‏

جهات لاشتباه القبلة فانه إذا شك في صحة بعض تلك الصلوات فان قلنا بأن القاعدة

تجري في صلاة معينة فلا تجري في المقام و اما إذا قلنا بأنها تجري حتى بالنسبة إلى‏

الصلاة في الجملة فنقول به في المقام أيضا فنقول الاخبار الواصلة يكون لها ظهورات‏

فنعلم إجمالا بأن بعض هذه مخصصة للعمومات و مقيدة للمطلقات فبأصالة الظهور

نتمسك و نقول بأنه لو كان صادرا يكون ظهوره متبعا و حيث نعلم بصدور البعض‏

نرفع اليد عن كل عام و مطلق واصل به ضرورة انا نعلم بصدور بعض العمومات‏


196
و المطلقات و الأصول فحيث لا ترجيح لأحدها على الأخرى يسقط الجميع.

هذا في صورة جريان أصالة الظهور و لو كان البعض صادرا في ضمن الجميع‏

و اما ان قلنا أن أصالة الظهور تكون حاكمة بعد إحراز الصدور بخصوصه في كل‏

خبر فحيث لا يكون هذا متحققا فلا يمكن تخصيص ذلك بها و لكن لا يلزم إحراز

الصدور بخصوصه.

و اما الجواب عن الإشكال بعدم فائدة الاخبار النافية في مقام جريان الأصول‏

النافية لأنه لا ملزم لنا بإثبات النفي.فهو انه لا شبهة و لا ريب في أن الاخبار يكون‏

حاكما على الأصول سواء كان مثل الاستصحاب أو البراءة أو غيرهما فانه يكون كالعلم‏

فإذا قيل لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر يكون ما دل عليه الخبر كاليقين‏

و يكون غاية الاستصحاب و هكذا كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام فان قيام‏

الخبر يكون مثل العلم فيكون غاية لدليل البراءة فلا وجه لجريان الأصول في المقام‏

الّذي يكون العلم الإجمالي بصدور الاخبار لأنه علة تامة و لا يجري الأصل بالنسبة

إلى طرف منه.

و لا فرق في ذلك بين الأصول المثبتة و النافية فإذا كان الدليل على وجوب‏

صلاة الجمعة في فاصلة فرسخ بين الجمعتين ثم شك في الوجوب في الأقل منه‏

لا تجري استصحاب الوجوب لو قام خبر على عدم وجوبه و كذلك الأصل العقلي‏

كالاشتغال الجاري لإثبات جزئية شي‏ء أو شرطيته مع وجود خبر على نفيها فيكون‏

هذا كالسابق في انه بعد علمنا بصدور بعض الاخبار و إطلاق أصالة الظهور حتى في‏

هذا المورد يجب الأخذ بظهور الخبر النافي لمفاد الأصل أو العموم أو الإطلاق.

على انه يمكن القول بالانحلال في الأصول الموافقة بأن يقال بعد علمنا

بموافقة جملة من الأصول مع الواقع ثم وجدنا اخبارا مثبتة للتكاليف ينحل العلم‏

الإجمالي بالنسبة إلى موارد الأصول و لكن لا وجه لإتعاب النّفس و القول بالانحلال‏

بعد حكومة الأمارة على الأصل.

و الحاصل لا يجري الأصل لا النافي و لا المثبت في مورد وجود الأمارات لأنها


197
حاكمة مطلقا و لا تختص بالخبر المعلوم الصدور بالعلم التفصيلي بل يشمل المقام‏

أيضا الذي نعلم بالصدور واقعا إجمالا و هي سواء كانت نافية أو مثبتة للتكليف‏

تقدم على الأصل و تظهر الثمرة عند المعارضة مع العمومات و الإطلاقات و فيما كان‏

المعارضة بنحو التباين فان الأصل لا يقاوم ظهور العام و المطلق و لكن الأمارة تقع‏

في صف التعارض و تقدم القوائية الظهور أو للجمع العرفي كما حرر في مقامه.

فلا يقال ما الفائدة في حجية الاخبار النافية للتكليف مع وجود الأصل فان‏

الفرق واضح بين عدم الدليل على إثبات الشي‏ء كما هو مورد الأصل و بين أن يكون‏

الدليل على العدم موجودا كما في موارد الأمارة على النفي الا ان يقال بعدم كون‏

حجية الأمارة هنا كما في الموارد الخاصة التي تكون الصدور قطعيا بل يكون مثل‏

الاحتياط و قد مر جوابه.

و قد يقرب العلم الإجمالي في المقام بحيث يندفع به إشكال الاخبار النافية

للتكليف من باب عدم كونها ملزمة بأن يقال بأنا نعلم بصدور اخبار كثيرة فيما بأيدينا

و يكون حجة لنا بصدورها و التعبد به و لا نكون في صدد المضمون حتى يندفع‏

الإشكال الذي مر من العلم الإجمالي بوجود أحكام فيما بين الشهرات و الإجماعات‏

بالقول بعدم حجيتها من رأس لعدم التعبد بالصدور فيها و كذلك الإشكال الثاني عن‏

الأنصاري(قده)بأن حجية الخبر تكون من حيث المضمون و الشهرة أيضا كذلك‏

لأنه يكون حجية الخبر من جهة المضمون و ان كان نتيجة التعبد بالمضمون و حجيته‏

أيضا حتى يقال ان الشهرة أيضا كذلك و هكذا ليندفع الإشكال الثالث بأن الاخبار

النافية لا فائدة لها لأن الكلام ليس بالنسبة إلى الواقع بل يجب التعبد بالصدور و هذا

لا يتم لأنه مبنى على كون الاخبار حجة من باب السببية لا الطريقية و هو خلاف التحقيق‏

فالحق في المقام ما ذكرناه من انحلال العلم الإجمالي خلافا للشيخ(قده)

و الجواب عن الإشكال بالنسبة إلى الاخبار النافية بالحكومة خلافا له أيضا و وفاقا

للمحقق الخراسانيّ(قده).

الوجه الثاني من بيان الدليل العقلي‏
هو ما ذكره الشيخ و الخراسانيّ(قدهما)
198
من الوافية و حاصله ان العلم بحجية الاخبار الموجودة في الكتب الأربعة للشيعة

حاصل لعمل جمع من العلماء به من غير رد ظاهر.

بوجوه قال الأول انا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة سيما بالأصول الضرورية

كالصلاة و الصوم و الحج و المتاجر و الأنكحة-و نحوها مع ان جل اجزائها و شرائطها

و موانعها انما يثبت بالخبر الغير القطعي بحيث يقطع بخروج حقائق هذه الأمور عن‏

كونها هذه الأمور عند ترك العمل بخبر الواحد و من أنكر فانما ينكر باللسان و قلبه‏

مطمئن بالايمان فيكون المرجع(ح)هذه الاخبار التي أفادت الظن بالواقع.

و يرد عليه أولا بأن العلم الإجمالي لا يختص بما في الكتب بل يكون حاصلا

بما في غيرها أيضا و ثانيا لا يختص بالاجزاء و الشرائط بل حرمة الكذب و الخمر و غيرها

أيضا كذلك فان الخمر و الكذب و ساير المحرمات يكون حرمته في جميع النشئات‏

حتى في الجنة و ثالثا لا يشمل هذا التعبير ما دل على عدم الشرطية و المانعية مع انه‏

أيضا داخل في دائرة العلم و رابعا على فرض تسليم الاختصاص بالأربع يجب ان‏

يحصل الانحلال بالنسبة إلى ما في غيرها من الكتب و هو غير حاصل فالفرض هو اهتمام‏

الشارع بجميع الأحكام من الاجزاء و الشرائط و الموانع و غيرها بما في الكتب الأربعة أو

غيرها.

الوجه الثالث من حكم العقل‏
ما ذكره المحقق صاحب الحاشية على المعالم‏

(قده)لإثبات حجية الظن الحاصل من الخبر لا مطلقا و ملخصه ان وجوب العمل‏

بالكتاب و السنة ثابت بالإجماع بل بالضرورة و الاخبار المتواترة و بقاء هذا التكليف‏

أيضا بالنسبة إلينا ثابت بالأدلة المذكورة و(ح)فان أمكن الرجوع إليها على وجه‏

يحصل العلم بهما بحكم أو الظن الخاصّ به فهو و الا فالمتبع هو الرجوع إليهما على‏

وجه يحصل الظن منهما هذا حاصل كلامه رفع مقامه و المستفاد منه ان الطريق حجة

لنا لو لم يحصل العلم بالواقع.

و يرد عليه أولا ان هذا الدليل بظاهره عبارة عن دليل الانسداد الّذي ذكروه‏

لحجية الظن في الجملة أو مطلقا و ذلك لأن المراد بالنسبة هو قول الحجة أو فعله‏


199
أو تقريره فإذا وجب علينا الرجوع إلى مدلول الكتاب و السنة و لم نتمكن من الرجوع‏

إلى ما علم انه مدلول الكتاب أو السنة تعين الرجوع باعتراف المستدل إلى ما يظن‏

كونه مدلولا لأحدهما فإذا ظننا ان مؤدى الشهرة أو معقد الإجماع المنقول مدلول الكتاب‏

أو لقول الحجة عليه السّلام أو فعله أو تقريره وجب الأخذ به و لا اختصاص للحجية بما يظن‏

كونه مدلولا لأحد هذه الثلاثة من جهة حكاية أحدها التي تسمى خبرا أو حديثا

في الاصطلاح.

و ثانيا ان السنة التي دل الإجماع على الرجوع إليها هي قول الإمام عليه السّلام‏

أو فعله أو تقريره و هو المحكي لا الخبر الحاكي و الحاكي طريق إليها حيث لا موضوعية

له فما ادعاه من الضرورة من الدين بالرجوع إليها يكون المحكي و هو غير ثابت‏

و اما الرجوع إلى الحاكي من باب الطريقية فيكون من باب دليل الانسداد الذي‏

ذكره الشيخ قده في خصوص الاخبار و هو الوجه الأول من العلم الإجمالي فلا يكون‏

ما ذكره(قده)غير ما ذكره الشيخ من الوجه الأول.

فصل في الأدلة التي أقيمت على حجية مطلق الظن حتى يكون‏

حجية الخبر الواحد أحد أفراده‏

و هي على وجوه‏

الأول‏
هو ان المجتهد إذا حصل له الظن بوجوب شي‏ء أو

حرمة شي‏ء آخر يكون الظن بوجود المفسدة في ترك الواجب و فعل الحرام حاصلا

له و حيث ان المفسدة ضرر فالفعل يحكم بوجوب دفعه و العقاب عليه لو لم يفعل على‏

مقتضاه.

و فيه ان قبح العقاب بلا بيان يكون أيضا حكم العقل و هو حاكم على وجوب‏

دفع الضرر المحتمل‏

و توضيح ذلك يتوقف على بيان مقدمات.

المقدمة الأولى:
ان المصالح و المفاسد في نظر الشارع يكون على أنحاء

الأول:ان يكون مراده هو حفظ المصلحة على أيّ نحو كان و دفع المفسدة كذلك فعليه‏

ان يوصل الحكم إلى المكلف بأي نحو كان أو يجعل الاحتياط على فرض عدم الوصول‏


200
كما في موارد الفروج و الدماء لئلا يفوت الواقع فإذا لم تكن الأهمية كذلك لجعل‏

الطريق الذي يكون وصوله غالبيا فان وصل فهو و ان لم يصل بدس الدساسين كانت‏

المصلحة في أصل جعل القانون بهذا النحو فكان وجودها أو عدمها لو وصلت مراده‏

و لا إشكال في ذلك من حيث كون شدة الاهتمام بالحكم من ناحية شدة المصلحة

أو المفسدة أو ضعفه كذلك فعلى هذا نقول إذا لم يصل بيان عن الشرع إلينا يكون الحاكم‏

قبح العقاب بلا بيان و لا يكون دفع الضرر المحتمل واجبا و لا يكون العقاب مترتبا

عليه و لو كان واجبا يجب على المولى جعل الاحتياط و لم يجعله فعليه بعد الفحص‏

المتعارف عن الدليل إذا لم نجد شيئا من ذلك يجري أصالة البراءة من جهة حكم‏

العقل بقبح العقاب بلا بيان.

لا يقال العقل نبي من الباطن كما ان الشرع نبي في الظاهر و لا فرق بين حكم‏

العقل بوجوب دفع الضرر أو الشرع فيجب الاحتياط بحكمه لأنا نقول هذا يلزم منه الدور

بعد كون المصلحة و المفسدة بالوجود الواصل لا ما يكون في الواقع فان حكم العقل‏

بوجودها متوقف على وصولها و وصولها متوقف على حكم العقل و لا يكون المناط

على الواقع إذا لم يكن الاحتياط مجعولا من قبله فظهر عدم الملازمة بين الظن بالحكم‏

و الظن بالضرر.

و لا وجه لتوهم الشبهة في المصداق بأن يقال لا ندري أنه يكون من مصاديق‏

حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان أو حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل لأن وصول‏

الحكم و عدمه وجداني لا يجي‏ء فيه الشبهة لدوران امره بين الوجود و العدم فالحق‏

جريان قبح العقاب بلا بيان و لا يثبت حجية الظن بذلك.

المقدمة الثانية
في أن الضرر الّذي كان سندا لحكم العقل لا يثبت لا الأخروي‏

و لا الدنيوي و هو انه بعد عدم جعل الاحتياط من الشرع لا يكون الضرر متحققا لأنه‏

كان يتوقف على الوصول و حيث لم يصل لا يكون لنا طريق بأن نقول تحصل مفسدة

و منقصة في النّفس في الدنيا أو عقاب في الآخرة لعدم المثبت لذلك و لا سبيل للعقل‏

إلى المصالح و المفاسد النّفس الأمرية الا من قبل خطاب الشرع و الشاهد على ذلك‏


201
انا نسأل منكم كيف يكون زيارة سيد الشهداء أرواحنا فداه مع مالها من الثواب‏

العظيم مستحبا و غير واجب و الإنفاق على طير من الطيور واجبا فهل المصلحة في‏

الزيارة أقل مما في الإنفاق على الطير.

على أنه لو فرض تفويت مصلحة في الواقع أو وجود مفسدة كذلك يمكن أن‏

يقال انها تتلافى و ما يكون له التلافي لا يصدق الضرر بالنسبة إليه و المثبت لذلك‏

إطلاق أدلة الأصول مثل كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام فان هذا الدليل‏

أيضا ناش عن مصلحة بها يتلافى مصلحة الواقع الذي لم يصل إلينا و لم نعمل عليه‏

فان قلت ان الضرر ان كان متوجها إلى المكلف و كان تفويته من قبله يجب‏

عليه التدارك و التلافي و اما إذا لم يكن كذلك فلا ففي صورة انفتاح باب العلم لو كان‏

الأصول و الطرق مجعولا كان التفويت من قبله و اما في صورة انسداده فجعله ما صار

موجبا لتفويت الواقع فانه سواء جعله أم لم يجعله ما كان لنا طريق إلى الواقع فلا يكون‏

الفوت مستندا إليه ليتداركه قلت يمكنه جعل الاحتياط في حال الانسداد ليحفظ به‏

الواقع و حيث ما جعله و جعل الأصول و الطرق يكون تفويت الواقع مستندا إليه‏

فيتداركه بمصلحة العمل بالأمارات و الأصول.

فتحصل انه مع عدم البيان اما لا يكون الضرر متحققا أو يكون متداركا على‏

فرض التحقق.

ثم ان الحكم بوجود الضرر اما ان يكون بالفطرة مع احتماله أو بالعقل‏

أو بحكم العقلاء لا وجه للأول و الأخير لأن الحكم الفطري لا يحتاج إلى التأمل‏

و هذا يحتاج إليه و بعده يظهر الحال و اما بناء العقلاء فيكون في الأمور النوعية

لا الشخصية و احتمال الضرر الدنيوي و العقاب الأخروي يكون في الأمر الشخصي‏

أي شخص المحتمل فلا يكون هذا موضوع بناء العقلاء فلو كان حكم يكون عن‏

العقل و لكن لا ملازمة بين حكم العقل و الشرع فان ما ادعى من أن كلما حكم به‏

العقل حكم به الشرع غير تام فان العقل النبوي يكون حكمه هو حكم الشرع لا ساير

العقول على فرض استقلاله بوجوب دفع الضرر المحتمل لو كان.


202
ثم أن شيخنا النائيني قده نقل كلام الشيخ الأنصاري قده و رده بما حاصله‏

هو أن الشيخ قده أذعن بأن دفع الضرر يكون مما استقل به العقل و احتمال العقل‏

يكون محققا لحكمه بوجوده و لكن منع الصغرى و هو انه قال بعد إذعان صدق‏

الضرر يكون متداركا بواسطة جعل الأصول و الأمارات فلا يكون في الواقع ضرر

فما هو الضرر يكون على الذي لا يتدارك.

و في مقام الجواب عنه قال أولا بأن التدارك يكون في صورة كون الضرر

من ناحية الشارع و اما الذي لا دخل له فيه فلا يكون عليه تداركه ففي المقام لو كان‏

جعل الأصول في صورة انفتاح باب العلم كان الشارع موجبا لوقوع المكلف‏

في الضرر و لكن في صورة انسداده سواء جعل الأصول أم لم يجعله لم يكن هو

الموجب لعدم الوصول إلى الواقع بل عدم العلم به نعم لو كان العقل حاكما بالاحتياط

أو الشرع و جعل الأصل كان هذا موجبا للوقوع في الضرر فيكون تداركه لازما

و الجواب عنه‏1انه أيّ اهتمام أولى من حكم العقل مستقلا بالضرر و مقتضاه‏

1أقول هكذا فهمنا كلامه مد ظله في بيان الإشكال و جوابه بعد المراجعة إلى‏

فوائد الأصول ص 81:و البيان في الدرس كان بنحو مجمل خصوصا في بيان‏

الإشكال.

و يمكن ان يقال في جوابه ان جعل الاحتياط شرعا لو ثبت ما كان وجه لجعل‏

الأصول في مورده فقوله في الاستثناء بهذا غير موجه و اما العقل فهو حاكم بالاحتياط

لو كان الضرر صادقا ففي الواقع لا إشكال من هذه الجهة على الشيخ قده بعد حكم‏

العقل بالاحتياط و مع حكم الشرع به لا معنى لجعل الأصل في مورده للمضادة

بينهما.

و العجب انه في مقام بيان كلام الشيخ قده بيّن أن عدم جعل الاحتياط موجب‏

للقول بكون الضرر متداركا و مع ذلك في الجواب في آخر كلامه إشكالا عليه قال‏

الا إذا أوجب عليه الاحتياط شرعا أو عقلا و قد لا تكون مصلحة الواقع لازمة الرعاية

بجعل المتمم و إيجاب الاحتياط و هذا خلاف فرض الشيخ قده حيث انه جعل العقل‏


203
الاحتياط و مع ذلك يكون جعل الأصل مانعا منه فيكون المورد مورد إيقاع الشارع‏

في المفسدة فيجب أن يتداركه هذا أولا.

و ثانيا أجاب بأن العموم في كل مورد يشمل الافراد التي لا تحتاج في كونها

مصداقا له إلى مئونة زائدة فلو احتاج إليها لا يشمله الا إذا لم يبق له مصداق الا هذا

ففي المقام عمومات الأصول لا تشمل مورد الظن بالحكم الذي يلازم مع الظن‏

بالضرر لأن مورد الأصول يكون هو الشك و بعد اليأس عن كل أمارة معتبرة و اما

الظن الّذي يكون مصداقا له يكون بعد إثبات ان الضرر الّذي يكون في مخالفته‏

متداركا و إثبات ذلك يكون هو المئونة الزائدة و مع عدم شمول العام له لا يبقى‏

بلا مورد لوجود المورد له و هو الشك و الوهم فلا يجري الأصل في مورد احتمال‏

الضرر.

و الجواب عنه‏1ان كل عام يكون مبرز تطابقه التطبيق بمعنى انه إذا توجهنا

مستقلا بدفع الضرر المقتضى للاحتياط فهذا الكلام لا يكون في الواقع ردا لكلامه‏

مطلقا على فرض تسليمه بل في مورد لا يحكم العقل بوجوب الاحتياط لا المورد

الذي حكم الشرع به فهذا الكلام منه فيه خلط.

1قول حاصل هذا الجواب هو ان التطابق في الواقع يوجب التطبيق فإذا

أحرز ان الضرر متدارك بالدليل الخارجي و هو دليل جعل الأصل فلا محالة يكون‏

العموم شاملا له فالأصل بالدلالة الالتزامية يدل على وجود المصلحة التي بها يتدارك‏

الواقع و حجية الالتزامي يكون في عرض حجية المطابقي و ان كان ظهوره في طوله‏

فهو بمدلوله الالتزامي يوجب وجود الموضوع لمدلوله المطابقي.

كما ان في الاخبار مع الواسطة بالمدلول الالتزامي من صدّق العادل يستكشف‏

وجود الموضوع له و هذا يكون في صورة حجية المطابقة أولا ثم إسقاطها و بقاء

الدلالة الالتزامية و القائل يكون مانعا لأصل المطابقة في المقام بحيث لو تمت لتم‏

الالتزام مع ان بقاء الالتزامية بعد سقوط المطابقية لا نفهمه كما حرر في محله و لكن‏

أصل المطلب صحيح من باب ان التطابق يلازم التطبيق.


204
إلى شي‏ء و فهمنا انه مصداقه و لو بمئونة زائدة نحرز ان العام يطابقه فلا يتوقف شمول‏

العام على شي‏ء سوى التطبيق سلمنا و لكن لا يكون التوقف على المئونة الزائدة في‏

الحجية بل في الظهور أي في كون العام شاملا من حيث عمومه لهذا الفرد و اما الحجية

فلا يتوقف عليها نظير الاخبار مع الواسطة فان بعض أفراد صدّق العادل يحرز

الموضوع للبعض الاخر فهنا بتطبيق العام على الضرر الغير المتدارك نفهم انه فرده‏

فمدلوله المطابقي شي‏ء و هو رفع ما لا يعلم مثلا و مدلوله الالتزامي هو تدارك الضرر

الّذي يكون محتملا و الظن الّذي لا اعتبار به لا يكون الا كالشك و الوهم فلا فرق بينهما

من هذه الجهة حتى يكون مورده البعض دون الاخر.

و ثالثا أشكل على الشيخ قده بأن العقل يكون حاكما على الأصل و لا معنى‏

لجريانه في مورده لأن حكمه على فرض الملازمة لا يبقى موضوع له لأن موضوعه‏

يكون هو الشك في الحكم و مع استقلال العقل بوجوب الاجتناب و دفع الضرر

لا يبقى شك حتى يكون موضوعا للأصول فهو اما حاكم أو وارد سواء كان الحكم‏

العقلي موضوعيا أو طريقيا.

و الجواب عنه ان حكم العقل لا يكون مطلقا بل يكون في صورة عدم التدارك‏

و بعد جريان الأصول يكون موضوع حكم العقل منتفيا لأن الضرر المتدارك لا يكون‏

موضوع حكمه بدفعه.

أضف إليه ان حكم العقل يكون مستفادا من الملازمة بينه و بين حكم الشرع‏

عند استقلال العقل به فإذا حكم الشرع بالبراءة كيف يستكشف حكمه بالدفع فان‏

جعل الأصل يكون مانعا عن هذا الكشف فلا يكون لحكم العقل حكومة أو ورود

بالنسبة إلى الأصل فالصحيح ان يقال ان حكم العقل لو كان لكان مقيدا مع انه لم يكن‏

ملازمة حكمه لحكم الشرع محققا عندنا فلا يصح إثبات حجية الظن بهذه القاعدة.

الوجه الثاني:
للقول بحجية الظن المطلق انه لو لم يؤخذ بالظن مع انسداد

باب العلم يلزم ترجيح المرجوح و هو الشك و الوهم على الراجح و هو الظن و هو

قبيح عقلا.


205
و فيه ان هذه إحدى مقدمات الانسداد و مع ضم ساير المقدمات لو تمت تنتج‏

المطلوب لا هذه فقط و لعل مراده عدم الرجوع إلى الأصل مع الانفتاح و جوابه ان‏

الظن الغير المعتبر كالشك.

الوجه الثالث:
ما حكاه أستاذ الشيخ قده عن أستاذه السيد الطباطبائي المجاهد

و حاصله انه لا ريب في وجود واجبات و محرمات كثيرة من المشتبهات و مقتضى ذلك‏

وجوب الاحتياط بالإتيان بكل ما يحتمل الوجوب و لو موهوما و ترك ما يحتمل‏

الحرمة كذلك و لكن مقتضى قاعدة نفى الحرج و العسر عدم وجوب ذلك كله فمقتضى‏

الجمع بين قاعدتي الاحتياط و انتفاء الحرج العمل بالاحتياط في المظنونات فقط

لأن الجمع على غير هذا الوجه باطل بالإجماع.

و فيه ان هذا1أيضا بعض مقدمات الانسداد و بضم البقية لو تمت،تمت‏

مقالته قده.

الوجه الرابع الدليل المعروف بدليل الانسداد
2

و هو مركب من مقدمات‏
لكن عند الشيخ قده مقدماته أربعة و عند الخراسانيّ‏

قده خمسة.الأولى انسداد باب العلم و الظن الخاصّ في معظم الفقه.الثانية عدم‏

جواز إهمال الأحكام الشرعية.الثالثة عدم وجوب الاحتياط في جميع المحتملات‏

و عدم إمكان جريان الأصول في كل مورد لأن اللازم منه الحرج أو تعطيل الأحكام.

1أقول مقتضى هذا الدليل العمل بالاحتياط في المظنونات لا العمل بالظن‏

و لو لم يكن موافقا للاحتياط و مقتضى دليل الانسداد هو حجية الظن مطلقا لو تم‏

فيكون هذا وجها آخر و ان لم يكن تاما.

2اعلم ان هذا البحث و ان لم يكن منتجا للفقه عند المتأخرين لعدم القول‏

بالانسداد و لكن تعرضه مد ظله في البحث و تعرضنا له فيه و في الطبع يكون من‏

جهة عدم خلوّه عن الفائدة كفهم معنى الاحتياط و عسريته و غير ذلك كما لا يخفى‏

على الخبير الماهر.


206
الرابعة عدم الرجوع إلى الوهم و الشك في ذلك لأنه مرجوح.و الخامسة و هي عن‏

الخراسانيّ(قده)و هي الأولى منها في الكفاية العلم الإجمالي بوجود تكاليف فعلية

شرعية في الشريعة.

و قد اقتصر بعضهم‏ (1) على مقدمات الشيخ و أسقطوا ما ذكره قده بأنه ان كان‏

المراد من العلم بالتكاليف في الشريعة هو عدم نسخه فهو مسلم واضح لا يحتاج إلى‏

الشرح و ان كان المراد العلم الإجمالي بوجود الحكم في كل واقعة مشتبهة فهو إحدى‏

المقدمات التي ذكرها الشيخ قده فلا وجه لذكر الخامسة من المقدمات.

و فيه ان معنى المقدمية دخل شي‏ء في شي‏ء من باب المقدمية و هو موجود هنا

فان العلم بالتكليف هو الذي أوقعنا في البحث عن العمل بالظن على فرض الانسداد

و لولاه لم يكن وجه للبحث و اما البداهة و الوضوح و ان كان في محله و لكن لا ينفى‏

بداهة شي‏ء مقدميته لشي‏ء آخر و لا فرق في ذلك بين كون تقريب العلم بالتكاليف‏

في دائرة صغيرة مثل الاخبار الواردة في الكتب أو جميع ما يحصل الظن منه فكما

انه كان دخيلا في إثبات حجية الظن الخاصّ الحاصل من الخبر كذلك يكون دخيلا

في مطلق الظن لكن أصل إثبات تلك المقدمة لا يحتاج إلى مئونة لبداهتها.

و من هنا ظهر ما فيما سيجي‏ء عن شيخنا العراقي قده من ان هذه المقدمة دخيلة

على فرض القول بالكشف في الانسداد و عدم دخلها على فرض القول بالحكومة

لأنه على أي تقدير ما لم يكن العلم بالتكاليف الفعلية لم يكن وجه لحكم العقل بالعمل‏

بالظن كشفا أو حكومة.

و اما المقدمة الأولى و هي انسداد باب العلم في معظم الفقه‏
فهي مسلمة على‏

فرض كون المراد بالعلم هو الوجداني ضرورة عدم وفاء القطعيات من الآيات‏

و المتواترات من النصوص إلاّ بأقل قليل من الأحكام الفقهية.

و اما على فرض كون المراد به الطريق العملي فباب العلم بعد حجية الاخبار

1)كما في فوائد الأصول ص 82 تقريرات بحث النائيني قده.

207
الآحاد يكون منفتحا لأن معظم الفقه يكون أحكامه مستفادا من الاخبار الواردة في‏

الكتب لو كان الوثوق كافيا في حجيته.

و اما على فرض القول بأن الحجة هي الخبر الّذي يكون راويه عادلا إماميّا

و عدالة كل راو يجب ان يثبت بعدلين فحيث يكون هذا النحو من الخبر نظير

المتواترات قليلا جدا يكون انسداد باب العلم بالنسبة إلى معظم الفقه مسلما و كذلك‏

لو قلنا بمقالة القمي قده من أن الظهورات مقصورة بمن قصد افهامه و هم الذين‏

كانوا في زمن صدور الأحاديث فلا يكون ما وصل إلينا من الظهور حجة و لكن الحق‏

كفاية الوثوق في الخبر و المراد بمفهوم آية النبأ هو الخبر الموثوق به لا خبر العادل‏

و كذلك الظهورات لا تختص بمن قصد افهامه.

هذا لو كان دليل حجية الخبر الواحد الآية و اما ان كان بناء العقلاء فهو ان‏

كان في صورة حصول الظن النوعيّ بالصدور فلا إشكال في الانفتاح و اما على‏

فرض دخل الظن الشخصي فهو أيضا حيث يكون قليلا لا يفي ما حصل منه بمعظم‏

الفقه و الحق كفاية النوعيّ أو قيل بأن الوثوق و لو كان نوعيا و لكن يجب ان يكون‏

بالنسبة إلى المخبر و اما الظن النوعيّ بالنسبة إلى الخبر فلا يكفى فانه أيضا قليل‏

و لكن الحق كفاية الظن الخبري و عليه لا تتم هذه المقدمة.

اما المقدمة الثانية و هي عدم إهمال الأحكام‏
فقد استدل لها بوجوه الأول:بإجماع‏

الفقهاء و لكن ان كان المراد منه الإجماع العملي فهو صحيح و اما الإجماع القولي‏

فحيث لا يكون له عنوان في الأدلة لا معنى له و لهذا من قال به قال معناه هنا الإجماع‏

التقديري بمعنى أنه لو سألنا عن الفقهاء طرا أجابوا بعدم جواز الإهمال و لكن‏

لا معنى لهذا النحو من الإجماع.

فالصحيح ان يقال ان الإجماع العملي يكون محققا لبحث الفقهاء عن موارد

الشبهة و عدم إهمالهم الدين في هذه الموارد.

الوجه الثاني انه يلزم من الرجوع إلى البراءة و أصالة العدم في الوقائع‏

المشتبهة الخروج عن الدين لقلة الأحكام المعلومة بالتفصيل فالاقتصار عليها و ترك‏


208
لتعرض للوقائع المشتبهة و إهمالها يوجب المخالفة الكثيرة القطعية بحيث بعد

المقتصر على امتثال المعلومات فقط خارجا عن الدين و كأنه غير ملتزم بشريعة سيد

المرسلين صلى اللّه عليه و آله و هذا بنفسه محذور نعلم انه يكون مرغوبا عنه عند الشرع و ان‏

لم نقل بان العلم الإجمالي منجز للتكليف كما هو مبنى الوجه الثالث و هذا الوجه‏

متين جدا.

الوجه الثالث:العلم الإجمالي بثبوت التكاليف الوجوبية و التحريمية في الوقائع‏

المشتبهة و العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي منجز للتكليف فيجب موافقته و ترك مخالفته‏

فلا تجري الأصول النافية للتكليف في أطرافه و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الثاني‏

هو أن الثاني يكون بنفسه دليلا مستقلا و هو لزوم الخروج عن الدين و لو لم يكن‏

العلم الإجمالي منجزا للتكليف على بعض المسالك و هذا مبنى على كونه منجزا

للتكليف.

و قد أشكل المحقق الخراسانيّ(قده)على هذا الفرق بأنه مع القول بتبعيض‏

الاحتياط لا يلزم الخروج عن الدين ان لم يكن لنا علم إجمالي بوجود التكليف‏

و وجوب الامتثال بالنسبة إلى جميع الأطراف فيمكن الاحتياط في بعض الأطراف‏

و البعض الاخر تصير الشبهة بالنسبة إليه بدوية فإذا حصل الاحتياط بالنسبة إلى البعض‏

لا يكون ارتكاب بعض الأطراف الاخر موجبا للخروج عن الدين و قبح العقاب بلا

بيان يحكم بعدم المحذور في ارتكابه و أجاب هو قده عن هذا الإشكال بأنا نكشف‏

الحجة من الشرع بأنه اما ان يكون الاحتياط مجعولا في جميع الموارد أو يكون‏

المتبع هو الظن بعد كونه عسريا بعد كشف الاهتمام عن الشارع بالدين.

و الجواب عنه قده ان نقول من أين يكشف الاهتمام لو لم يكن العلم الإجمالي‏

بوجود التكليف في كل مورد فإذا كان العلم بالتكليف نفهم عدم الخروج عن عهدته‏

الا بالاحتياط أو العمل بالظن.

و قال شيخنا العراقي قده لا نحتاج إلى الوجه الثالث بعد تمامية الوجه الأول‏

لأنه بعد كشف اهتمام الشرع بالدين بواسطة أن جريان الأصل في الموارد المشتبهة


209
يلزم منه الخروج عن الدين فنكشف عن هذا أن الشارع جعل لنا الطريق إلى حفظه‏

اما واصلا بنفسه كما في جعل الاحتياط أو جعل طريق إلى الواقع يوصله فإذا لم يكن‏

الاحتياط مجعولا لعسره فيكون الظن حجة لأنه طريق إلى الواقع و مع كشف المنجز

لا نحتاج إلى منجز آخر فان المنجز لا ينجز فالعلم الإجمالي بالتكاليف من المشتبهات‏

و تقريبه لا يزيد على ما حصل من المنجز شيئا و حيث لا وجه للوجه الأول و هو الإجماع‏

التعبدي لعدم وجود إجماع كذلك فلا محالة يكون الوجه في عدم إهمال التكاليف‏

هو الخروج عن الدين فقط.

و قال بعضهم بعكسه و هو أنه مع العلم الإجمالي كذلك لا نحتاج إلى الوجه‏

الثاني و لكن يمكن ان يقال فرق بين العلم بالتكاليف الّذي هو الدين فيما بين مباحات‏

و مكروهات و مستحبات و واجبات و محرمات و بين خصوص العلم بالتكليف الإلزامي‏

في الوقائع و ما هو المفيد في المقام هو العلم الإجمالي بالتكاليف الملزمة في الوقائع‏

الخاصة لا العلم الإجمالي بوجود التكليف في ما بين الخمسة فانه حيث لا يكون‏

بعض أطرافه ملزما لا يكون منجزا.

ثم أن الشيخ(قده)بنى القول بالحكومة أو الكشف في باب الانسداد على‏

الفرق بين الوجوه الثلاثة و قال بحكومة متوسطة بين الكشف و الحكومة و كذلك‏

الخراسانيّ(قده)قال بالحكومة و شيخنا العراقي(قده)أيضا و لكن كلام الشيخ غير

مفهوم لنا و قال شيخنا النائيني(قده)ان كان المستند هنا هو الإجماع و الخروج عن‏

الدين كانت النتيجة الكشف لا محالة فان مرجع الإجماع أو لزوم الخروج عن الدين‏

إلى أن الشارع أراد من العباد التعرض للوقائع المشتبهة و يرخص لهم إهمالها فالعقل‏

يحكم حكما ضروريا بأنه لا بد للشارع جعل طريق للعباد ليتمكنوا من امتثال هذه‏

التكاليف و لا بد ان يكون الطريق المجعول واصلا إلى العباد اما بنفسه أو بطريقه‏

و الطريق ينحصر اما في الاحتياط أو العمل بالظن فحيث أن الأول عسري يتعين الثاني‏

نظير جعل الاحتياط في باب الفروج و الدماء لإحراز الأهمية و هذا يكون من حكم‏


210
الشرع دون العقل و اما لو كان السند العلم الإجمالي فيكون الحاكم هو العقل‏

بتقريب التبعيض في الاحتياط و يمكن ان يكون الشرع فيكون النتيجة الكشف‏

و سيجي‏ء بيانه.

و قال شيخنا العراقي(قده)في المقام بعكس ما ذكره الأستاذ النائيني(قده)

و هو أن السند لو كان الإجماع و الخروج من الدين فيمكن ان تكون النتيجة الحكومة

و الكشف و ان كان العلم الإجمالي تكون النتيجة الكشف لأنه على فرض لزوم الخروج‏

عن الدين أو الإجماع يكون بعده البحث عن ناحية الفراغ و لا يكون الكلام في الحكم‏

لأن اللازم هو الخروج عن عهدة هذا التكليف لئلا يلزم الخروج عن الدين و مخالفة

ما قام عليه الإجماع و لا يكون للشرع في ناحية الفراغ في جهة حكم العقل تصرف‏

بل الحاكم هو العقل بلزوم الخروج عن العهدة.

و ان كان للشرع التصرف في غير جهة حكم العقل في الفراغ مثل قاعدة لا تعاد

فانها مجعولة في ناحية الفراغ فعليه إذا كان الفراغ لا بد منه فاما أن يكون الطريق‏

الاحتياط التام و هو غير ممكن فتصل النوبة اما إلى التبعيض في الاحتياط أو الرجوع‏

إلى الظن بحكم العقل و مع الإجماع بعدم لزوم التبعيض في الاحتياط فينحصر الطريق‏

في الظن و هذا معنى الحكومة فلا استكشاف لحكم الشرع الا إذا لم يكن للعقل حكم‏

و لكنه يحكم بالبيان السابق و اما لو كان السند العلم الإجمالي بالتكليف فلا بد للشارع‏

ان يجعل طريقا لحفظ تكاليفه و يتمكن العباد به من الوصول إلى مطلوبه و هو اما ان‏

يكون واصلا بنفسه كالاحتياط أو واصلا بطريقة كالظن و مع عدم الاحتياط فلا محالة

يكون الظن هو المرجع اما من باب المرجعية أو من باب الكشف عن الواقع و تتميمه‏

بواسطة تمامية مقدمات الانسداد و يكون هذا معنى الكشف.

و لكن حيث يقول بانحلال العلم الإجمالي بواسطة أن التكليف بواسطة لزوم‏

الخروج عن الدين صار منجزا و المنجز لا ينجز ثانيا بواسطة هذا العلم فيكون‏

المتعين في تلك المقدمة الخروج عن الدين تكون النتيجة هي القول بالحكومة متعينة

لاستقلال العقل بذلك و لا أساس للكشف.


211
و الخراسانيّ(قده)أيضا يقول بالانحلال و لكن لا من هذا الباب بل من باب وجود

القطعيات و الأصول المثبتة للتكليف فانه يقول هذا القدر واف بمعظم الأحكام فينحل‏

العلم بالنسبة إلى بقية الموارد.

و قد أشكل عليه النائيني(قده)بأنه كيف يكون موجبا للانحلال مع عدم وفاء

ما ذكر الا بأقل قليل من الأحكام.

اما المقدمة الرابعة
1و هو عدم جواز الرجوع إلى الطرق المقررة للشاك‏

و الجاهل لأنه اما ان يكون التقليد و المقلد اما ان يكون مجتهده انفتاحيا أو انسداديا

فعلى الثاني انه أيضا مثله جاهل آخر و أدلة التقليد تكون في رجوع الجاهل إلى العالم‏

و اما على الأول فهو باطل أيضا لأن المقلد ممن يرى خطأ مجتهده في قوله بالانفتاح‏

فكيف يرجع إليه سواء كان الدليل الدال على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم‏

في الأحكام الفطرة أو بناء العقلاء أو العقل.

و اما ان يكون الأصول اما الأصول النافية أو المثبتة فاما النافية فكالبراءة فانه أيضا

لا يمكن ان يرجع إليها مع العلم الإجمالي بالتكاليف في بعض مواردها فجريان هذا

الأصل يلزم منه هدم الدين لعدم طريق إلى أحكامه.

لا يقال أن موارد الشبهة كثيرة و ما يكون مبتلى به من الموارد لهذا المكلف‏

الخاصّ يكون قسما منها فيمكن أن يجري الأصل بالنسبة إلى هذه الموارد لأنه يمكن‏

ان يكون الأحكام فيما هو خارج عن الابتلاء فلا يكون للمكلف علم بوجود التكليف‏

فيما بيده فيجري أصالة البراءة.

لأنا نقول من المسلم وجود تكاليف فيما هو محل ابتلائه أيضا و إنكاره مكابرة

و خلاف الوجدان فيكون العلم الإجمالي مؤثرا.

و اما الأصول المثبتة للتكليف فاما ان يكون الاحتياط أو الاستصحاب اما الأول‏

1أقول و سيجي‏ء البحث عن حال المقدمة الثالثة و هي عدم كون الاحتياط

مجعولا شرعا عند تمام هذه المقدمة.


212
ففي الوقائع الشخصية ربما لا يجري لدوران الأمر بين المحذورين من الحرمة

و الوجوب فلا بد اما من الترك أو الفعل و في كل واقعة فحيث يكون بعض الأطراف غير

ملزم أيضا لا يلزم لأن العلم بأنه اما ان يكون التكليف في هذا المورد الحرمة أو

الوجوب الملزمين أو الإباحة و غيرها التي لا توجب الالتزام لا يوجب‏1الاحتياط.

و اما الاستصحاب فانه أيضا يكون موارده قليلة جدا لأن الحالة السابقة للحكم‏

يلزم ان تكون و في كثير من الموارد مع انسداد باب العلمي لا يكون له موضوع‏

لاختلال أركانه و هو اليقين السابق و الشك اللاحق.

ثم أن العلمين الشيخ النائيني و العراقي فهما من كلام الشيخ الأنصاري(قده)

أن الاحتياط عسري مطلقا فلذا يجب الرجوع إلى الظن فأشكلا عليه بأن الاحتياط

بالنسبة إلى العلم الإجمالي الكبير و هو العلم بالدين عسريا أعني الاحتياط التام و اما

الاحتياط في الوقائع الشخصية فلا يكون عسريا فلا مانع من ارتكابه كما في الموارد

المشتبه من الوجوب و الحرمة فانه يعبّر عنه بالعلم الإجمالي الصغير و لا يختل النظام‏

منه أيضا الا في موارد المعاملات فان الحكم بعدم ترتيب الأثر في كثير من مواردها

يلزم منه الاختلال.

و لكن الذي نفهم من كلام الشيخ(قده)و يمكن الجواب عنهما(قدهما)

هو أن كلامه قده يكون بالنسبة إلى العلم الإجمالي الكبير الذي يلزم منه العسر فانه‏

يكون مبينا على أن جريان الأصول النافية يلزم منه هدم الدين هذا أولا.

و ثانيا لو سلم أن كلامه قده يكون في العلم الإجمالي الصغير بالنسبة إلى‏

الموارد المشتبهة في الوقائع الشخصية فلا نسلم عدم لزوم الحرج و العسر فيه أيضا

لأن تشخيص مورد الاحتياط أيضا و تحصيل الطريق إليه في جميع هذه الموارد

أيضا يكون عسريا للمجتهد و المقلد سيما الثاني.

1أقول على فرض لزوم هدم الدين فهذا العلم الإجمالي الكبير أيضا يجب‏

متابعته لو لا محذور عسر الاحتياط ففي صور إمكانه يلزم الجمع بين المحتملات.


213
و ثالثا في موارد دوران الأمر بين جزئية شي‏ء للصلاة مثلا أو شرطيته أو مانعيته‏

لها كيف يمكن الاحتياط فان التكرار في جميع موارد هذه الاحتمالات في الصلاة

و في شرائطها مثل اللباس و الطهور و غيره لا محالة يكون عسريا.

و الحاصل اما ان نقول ان كلامه يكون بالنسبة إلى العلم الإجمالي الكبير

أو نقول بان التبعيض في الاحتياط أيضا عسري فلا إشكال عليه.

و اما قوله(قده)بعسر الاستصحاب أيضا فقد أشكل عليه تلامذته(الآشتياني‏

و الآخوند و غيرهما)بأنه كلام لا يخلو عن الاعوجاج فان الاستصحاب كيف يكون‏

عسريا مع وضوح سبيله.

و لكن يمكن ان يقال عليهم أيضا بأن نظر الشيخ قده كان إلى ان الاستصحاب‏

لو كان موافقا للاحتياط فيكون المرجع الاحتياط دونه و الكلام فيه ما مر و ان كان‏

مخالفا للاحتياط فلا يجوز1جريانه أصلا فالإشكال عليه من هذا الحيث أيضا مندفع.

ثم ان العلمين النائيني و العراقي(قدهما)لم يقولا بانحلال العلم الإجمالي‏

الكبير و هو العلم بالدين بواسطة الموارد المشتبهة و وجود قطعيات و أصول مثبتة

فيها فليس لهما الإشكال على الشيخ قده هكذا لأنه على فرض عدم الانحلال لا بد ان‏

يقال بأن الاحتياط عسري كما قال الشيخ قده.

و اما الخراسانيّ قده القائل بأن العلم الإجمالي الكبير ينحل من باب وجود

قطعيات أو أصول مثبتة مثل الاستصحاب فله ان يقول لا يلزم عسر الاحتياط لأن التام‏

منه غير لازم و ما هو لازم لا يكون عسريا على فرض الإغماض عما ذكرناه من لزومه‏

1أقول بعد كون دليل الاستصحاب بالتعبد فيه رافعا للحجاب كيف يقال‏

معه أيضا يجب الاحتياط فانا إذا شككنا في نجاسة إحدى الكأسين بعد العلم‏

التفصيلي بنجاسة إحداهما قبلا لا يؤثر هذا العلم للاستصحاب فمع وجود الاستصحاب‏

لا وجه للرجوع إلى الاحتياط فضلا عن عدم جوازه.

و اما عسر الاستصحاب فهو لا وجه له لأن موارده يوجب تشخيص الوظيفة

و لا يكون كالاحتياط عسريا أ لا ترى انا لا زال نجريه في موارده و لا يلزم العسر.


214
بالنسبة إلى العلم الإجمالي الصغير أيضا فانه قده يقول لا نحتاج إلى الاحتياط أصلا1.

ثم قال شيخنا النائيني(قده)في مقام رد الخراسانيّ قده بعد قوله بجريان‏

الاستصحابات المثبتة و إيجابه الانحلال ان الاستصحاب هنا لا يجري لعدم اجتماع‏

أركانه و حاصله انه بعد العلم الإجمالي بحصول الغاية في بعض الموارد و انتقاض‏

الحالة السابقة لا وجه لجريانه مثلا إذا علمنا بطهارة إحدى الكأسين بعد كونهما نجستين‏

لا يمكن استصحاب النجاسة في كل منهما للعلم بعدم الواقع لهذا العمل لأن معنى‏

الاستصحاب هو ان هذه نجسة واقعا و تلك نجسة واقعا و كيف يمكن هذا مع العلم‏

بعدم الواقعية لإحديهما فان هذا أصل محرز كاشف عن الواقع بخلاف الأصل الغير

المحرز مثل أصالة الحل و قاعدة الطهارة.

و في المقام أيضا يكون كذلك لأنا نعلم ان الحالة السابقة في بعض موارد

الاستصحاب في الأحكام قد انتقض مسلما ففي كل مورد نريد إجرائه يلزم ان يقال‏

انه الواقع مع العلم بأن بعض الموارد لا يكون الواقع كذلك فلا يجري‏

الاستصحاب أصلا.

و الجواب عنه أولا بأن‏2العلم لا يكون مجملا بل الإجمال في ناحية المعلوم‏

1أقول ان الإشكال يكون على فرض قبول المبنى و هو انسداد باب العلم‏

و عدم كفاية ما وصل إلينا بمعظم الأحكام فالخراساني قده له ان يقول بعدم وجوب‏

الاحتياط أصلا و اما بعد فرض عدم كفاية ما رآه من الأصول المثبتة و القطعيات‏

بمعظم الأحكام ليس له ان يمنع عسر الاحتياط لأن هذا شي‏ء و القول بالانحلال شي‏ء

آخر فان هذا لا يكون من التبعيض في الاحتياط.

2أقول حيث يكون العلم بلحاظ الخارج و يترتب اثره فيه يرى المناقضة

بين القول بطهارة كل طرف أو نجاسته إذا كان الحالة السابقة فيهما كذلك و قلنا ببيان‏

الأستاذ النائيني(قده).

و لكن جوابه الثاني مد ظله عنه هو المتعين و لا بد للنائيني قده أن يدفع الإشكال‏

لأن هذا الإشكال لا يختص بالمقام بل جميع الاستصحابات كذلك و هو يقول بجريانه‏


215
فانا نعلم بأن النجاسة مثلا في إحدى الكأسين موجودة بالعلم التفصيلي في صقع‏

النّفس و نشك في كل طرف من الأطراف بالشك التفصيلي و المدار على الصور

الذهنية كما ان الإنسان يفرّ مما زعمه الحيّة مع عدم كونه كذلك بعد تصوير هذه‏

الصورة عند نفسه و عليه فيكون مجرى الاستصحاب هو الشك التفصيلي في كل طرف‏

و العلم محفوظ في صقعه و لا يضاد هذا البناء له لاختلاف الموطنين في الذهن‏

فلا يضر هذا بالواقع فمع العلم به يجري الأصل في كل طرف.

و ثانيا فرق بين القول بأنه الواقع أو كأنه الواقع و لسان دليل الاستصحاب‏

البناء على الواقع في كل طرف لا القول بأنه الواقع حتى يقال نعلم ان أحدهما ليس‏

له واقع بالوجدان فلا يحصل العلم الوجداني بواسطة البناء على الواقع فيجمع مع‏

العلم الإجمالي بخلاف الواقع في بعض الأطراف فلا مخالفة عملية هنا.

ثم ان الشيخ الأنصاري(قده)قال بعدم جريان الاستصحاب من جهة تناقض‏

الصدر و الذيل في دليله.

و حاصله ان اليقين في قوله عليه السّلام لا تنقض اليقين بالشك في الصدر يكون‏

معناه الأعم من اليقين الإجمالي و التفصيلي و في الذيل بقوله و لكن تنقضه بيقين آخر

أيضا كذلك فإذا علمنا ببعض الأحكام ثم حصل الشك في بقائه و علمنا بالعلم الإجمالي‏

انتقاض بعض الحالات السابقة لا يكون لنا البناء على الحالة السابقة لحصول العلم‏

و اليقين الّذي كان غاية البناء على الحالة السابقة.

و أجاب عنه المحقق الخراسانيّ بأن المجتهد حين الاستنباط حيث لا يكون‏

ملتفتا إلى جميع الوقائع لعدم إحاطة علمه به و يكون استنباطه تدريجيا ففي كل‏

واقعة يكون له الشك و اليقين الفعلي و بمقتضاه يجري الأصل لتمامية أركانه ثم بعد

جريان الاستصحاب في جميع الموارد يحصل له علم بعدم موافقة بعض ما فعل‏

في الفقه أي نعلم إجمالا بنقض الحالة السابقة في بعض الموارد لا أن كل حالة سابقة

يقينية يكون نقضها بالعلم الإجمالي.


216
للواقع و هو لا يضر و لا يكون له الابتلاء بجميع الوقائع هذا كلامه جوابا لأستاذه قده‏

بعد إذعانه.

و الجواب عنه انه لا يكون إذعانه لما ذكره أستاذه صحيحا لا لما قيل من‏

انصراف‏1الدليل إلى ما يكون اليقين في الغاية تفصيليا بل لما ذكرناه من أن‏

موطن الشك غير موطن اليقين فجريان الأصل في الأطراف لا ينافى العلم الإجمالي‏

بانتقاض بعض الأطراف بالنسبة إلى حالته السابقة كما ذكر.

و مع تمامية كلام الأستاذ أيضا لا يتم جوابه للإشكال لأن المجتهد بالنسبة إلى‏

تمام المكلفين يكون وكيلا في الاستنباط فيكون جميع الوقائع مورد ابتلائه فعليا

فكيف يمكن القول بخروج بعض الأطراف عن محل ابتلائه و عدم لزوم المضادة

من جريان الأصل في بعض الأطراف.

ثم انه لا يخفى عليكم ان هذه المباحث بعضها لا يختص بباب الانسداد كما

ان الاحتياط و البحث فيه يكون في جميع الفقه مورد الابتلاء و لو كنّا انفتاحيا لأنه‏

يكون البحث فيه بين الاعلام من باب وجوب الامتثال التفصيلي فقيل لا يجوز الاحتياط

لأنه ينافى ذلك و من قال بكفاية الإجمالي من الامتثال يقول بجوازه.

و اما المقدمة الثالثة
و هي أن الاحتياط لا يكون مجعولا في الشرع و اما الدليل‏

عليه فقيل بأنه الإجماع و قيل لأنه يوجب العسر و الحرج و هو غير مجعول في الدين‏

و قيل بأنه يوجب اختلال نظام العالم و اختلف بينهم فقيل انه لا يجوز الاحتياط كما

عن شيخنا النائيني قده و قيل بأنه لا يجب كما عن بعض أساتيذنا مثل سيدنا الأستاذ

الأصفهاني قده و البحث في المقام يكون من باب الشبهة في الحكم و في الفقه يكون‏

في جميع الموارد من الشبهات الموضوعية و الحكمية مورد البحث.

و اما الإجماع فقيل بأنه يكون تقديريا بمعنى ان الفقهاء لو سئلوا عن ان الاحتياط

هل يكون مجعولا أم لا.يقولون بأنه غير مجعول و سيجي‏ء منا الكلام فيه.

1بل هو المتعين على فرض الإشكال فيما ذكره مد ظله لما مر آنفا في التذييل‏


217
و اما شيخنا النائيني فقال في مقام عدم جواز الاحتياط في الأحكام و الموضوعات‏

بتقريب لم يسبقه أحد بيانا للإجماع و هو انا فهمنا بالإجماع ان الامتثال الاحتمالي‏

سواء كان من ناحية الشك في الحكم أو في الموضوع يكون مرغوبا عنه عند الشرع‏

لأنا نرى بالوجدان ان المولى لو أمر عبده بإتيان شربة فاحتمل ان يكون الماء وحده‏

أو هو مع الأنجبين أو شي‏ء آخر فأتى بجميع المحتملات ينتزع من عمله هذا التمسخر

بالمولى لا الإطاعة له و لا فرق في ذلك بين الاحتياط التام أو التبعيض فيه لوجود

الاحتمال فيهما.

فلنا الإجماع بعدم جعل الاحتياط و الإجماع بأن الامتثال الاحتمالي غير كاف‏

فنفهم من هذا ان الظن يكون مجعولا بجعل شرعي و يعبر عنه بالكشف لأن مقدمات‏

الانسداد يكون كاشفا عن ذلك و لا يكون النتيجة الحكومة لأن معناها هو أن العقل‏

بعد عدم الطريق له إلى الواقع و عدم إمكان الاحتياط التام يحكم بأن الظن يكون‏

حجة لأنه أرجح من الوهم و الشك و هذا أيضا يكون من الامتثال الاحتمالي لأن‏

الظن يحتمل أن يكون مؤداه موصلا إلى الواقع و يحتمل ان يكون امتثال ما ادى‏

إليه امتثالا للأمر و لا يكون القطع به و حيث ان الامتثال التفصيلي لازم.

و علمنا بمقتضى الإجماع على عدم جواز الامتثال الاحتمالي ان الظن حجة

شرعية و يكون استناد العمل به إلى اللّه تعالى جزميا سواء كان الوجه في عدم جواز

إهمال الأحكام المقتضى للقول بحجية الظن هو هدم الدين أو الإجماع أو العلم‏

الإجمالي بالاحكام هذا بناء على كون السند الإجماع على الوجه الثاني.

و اما لو كان السند هو الوجه الأول من الإجماع و هو الإجماع على عدم‏

وجوب الجمع بين المحتملات فيختلف النتيجة حسب اختلاف المباني في الوجوه‏

التي ذكروها لعدم جواز إهمال الأحكام فان كان الوجه هو العلم الإجمالي و عدم‏

جواز مخالفته كانت النتيجة التبعيض في الاحتياط لا محالة لأن العلم الإجمالي يقتضى‏

الجمع بين جميع المحتملات فحيث لا يجب للإجماع على عدم وجوبه فيرجع‏

إلى التبعيض في الاحتياط بالجمع بين المحتملات الظنية و هذا يقتضى سقوط


218
الاحتياط عن بعض الأطراف دون البعض الآخر و ح تبقى مقدمات الانسداد بدون‏

النتيجة و لا تصل النوبة إلى القول بحجية الظن من باب ترجيحه على الوهم و الشك.

و ان كان الوجه‏1في عدم جواز الإهمال هو الإجماع و الخروج من الدين‏

اللذان كانا يقتضيان جعل الشارع طريقة الاحتياط في جميع الوقائع فإذا قام الإجماع‏

على عدم وجوب الاحتياط و الجمع بين جميع المحتملات و لكن ذلك لا يقتضى‏

القول بمرجعية الظن بحكم العقل بل يمكن أن يكون التبعيض في الاحتياط هو المجعول‏

أو الظن هو الحجة و لا طريق لإثبات كون الحجة هو الظن فقط بنحو الكشف.

و الجواب عنه قده أولا منع الإجماع الأول تعبدا لأن سنده يمكن ان يكون حكم‏

العقل بلزوم اختلال النظام أو للزوم العسر و الحرج أو يكون السند هو الإجماع على‏

عدم جوازه كما هو مقتضى الوجه الثاني من الإجماع لو تم.

و ثانيا ادعائه الإجماع الثاني ممنوع لأنه غير ثابت و مخالفه كثير حتى قال‏

بعضهم ان الامتثال الاحتمالي ربما يكون أوقع في النفوس في صدق الإطاعة و كما

ان أصل التكليف يجب ان يكون بيانه من الشرع فكذلك طور التكليف فإذا شك‏

في وجوب الامتثال التفصيلي فالأصل البراءة عنه و كفاية الامتثال الإجمالي.

و ثالثا بعد الإجماع على عدم جواز الامتثال الاحتمالي لا يثبت الكشف بل‏

يمكن ان يكون العقل هو الحاكم و لكن من باب تعيين المنجز في الظن فيكون‏

النتيجة الحكومة حتى على فرض قبول هذا الإجماع و ما أفاد من أن العقل لو كان‏

حاكما يكون الامتثال احتماليا غير تام لأن العقل يحكم بأن الوظيفة هي العمل على‏

طبق الظن من باب أنه حجة بحكم المقدمة الرابعة في ان الطريق يتعين فيه بعد عدم‏

1أقول هل يكون لزوم هدم الدين الا بعد العلم إجمالا بوجود الأحكام فيما

بين المحتملات فهل فرق بين كون السند العلم الإجمالي أو هدم الدين فأي عقل‏

لا يحكم بالتبعيض في الاحتياط في الثاني و يحكم به في الأول فان العلم بالدين أيضا

يقتضى الجمع بين المحتملات و مع عدم لزوم الاحتياط الرجوع إلى الناقص.


219
لزوم الاحتياط التام فنستكشف حجية الظن بحكم المقدمة الرابعة و لا يكون الامتثال‏

احتماليا فيكون حكومة العقل هي التعيين في مقابل الاحتياط لا الحكومة في أصل‏

الحجية فعلى هذا يكون العقل معينا و اما على فرض الخراسانيّ قده يكون العقل منجزا

كما سيجي‏ء.

و اما قوله في تقريب عدم وجوب الاحتياط على مسلك المشهور من أنه ان‏

كان الوجه في عدم جواز إهمال الأحكام العلم الإجمالي فيجب التبعيض في الاحتياط

و تبقى المقدمة الرابعة بلا فائدة لعدم حجية الظن حينئذ فهو قول متين و لقد أجاد

فيما أفاد.

و اما قوله في صورة كون السند لعدم جواز الإهمال الإجماع و الخروج عن‏

الدين بأنه أيضا لا ينحصر الطريق في الظن بل يمكن ان يكون الظن حجة و يمكن‏

ان يكون التبعيض في الاحتياط و حيث ان العقل حاكم به بعد الإجماع على عدم‏

وجوب الاحتياط التام بدون المئونة فهو المتعين لا الرجوع إلى الظن للاحتياج إلى‏

مئونة زائدة جعل الشرع إياه حجة و هو كشف فهو قول غير تام لأن التبعيض في‏

الاحتياط ليس كاشفا عن الواقع ليكون مجعولا و حجة فلم يرجع هذا القول إلى معنى‏

محصل فلا أساس للقول بالكشف بهذا الملاك.

فيمكن ان يقال بالحكومة و لكن في التطبيق يعنى أن العقل حيث يكون الظن‏

عنده طريقا إلى الواقع و كاشفا ناقصا يمكن ان يقال اتكل الشرع عليه فلم يبين بيانا

آخر فهو حجة بحكم العقل في مقابل التبعيض في الاحتياط و يكون كشفا لحكم‏

الشرع في هذا المورد أيضا فهو حكومة من جهة التطبيق و كشف من جهة استكشاف‏

حكم الشرع و عدم الطريقية و الحجية للتبعيض في الاحتياط.

ثم فذلكة البحث‏
و حاصله لبيان الكلام للأستاذ النائيني قده و ما فيه من الإشكال‏

هي انه قده يقول لنا إجماعان إجماع عن المشهور مفاده عدم وجوب الاحتياط

و إجماع ادعاه قده و هو عدم جواز الامتثال الإجمالي.فعلى الثاني يقول بأن نتيجة

المقدمات في الانسداد هي الكشف لأن التبعيض في الاحتياط و الظن الّذي يحكم‏


220
به العقل يكون موجبا للامتثال الإجمالي لأن الداعي يكون احتمال التكليف في‏

كل طرف من الأطراف فعليه يجب ان يكون الظن حجة شرعية حتى يكون العمل‏

مستندا إلى الشرع بالامتثال التفصيلي من غير فرق بين ان يكون الوجه في عدم‏

جواز إهمال الدين الإجماع و الخروج عن الدين أو العلم الإجمالي بالتكاليف.

و جوابه هو أن الإجماع على المشهور سندي لأنه يمكن ان يكون سنده‏

العسر و الحرج و اختلال النظام و سيجي‏ء الكلام فيه.و اما الإجماع على عدم جواز

الامتثال الإجمالي فغير ثابت و اما حجية الظن من باب الكشف المحض أيضا فلا تم‏

من باب ان العقل حيث يكون له حكم بترجيح الظن يمكن ان يتكل الشرع عليه‏

في التعيين فيكون هو المعين للمنجز فيكون حاكما من هذه الجهة.

و اما على الأول و هو تقريب الإجماع على المشهور فيقول فرق بين أن‏

يكون السند لعدم جواز إهمال الدين العلم الإجمالي أو الخروج من الدين و الإجماع‏

فعلى الأول يجب التبعيض في الاحتياط و هو غير مربوط بحجية الظن من باب الانسداد

و تصير المقدمة الرابعة بدون النتيجة و اما على الثاني فيكون المتعين هو التبعيض‏

في الاحتياط أيضا لكن من باب ان حجية الظن من الشرع تحتاج إلى مئونة زائدة

و هو كشف حكم الشرع في مورده و لا فرق بينهما في كونهما حجة فما لا مئونة عليه‏

هو المقدم.

و الجواب عنه بعد عدم سندية إجماع المشهور لما ذكر من انه سندي لا إشكال‏

في ان يكون العقل كاشفا عن حكم الشرع في حجية الظن من باب احتمال اتكال‏

الشرع عليه حيث لم يصرح بحجية الظن فهو المعين للحجة و اما قوله بعدم النتيجة

للمقدمات على فرض كون السند لعدم جواز الإهمال هو العلم الإجمالي فلقد أجاد

فيما أفاد.

هذا كله الكلام في فرض كون السند الإجماع و اما لو كان سند عدم وجوب‏

الاحتياط التام العسر و الحرج فالبحث فيه في مقامين:الأول في بيان النسبة بين‏

الاحتياط و قاعدة العسر و الحرج و الثاني في بيان نتيجته في المقام.


221
اما المقام الأول فقد اختلف الكلام فيه فقيل بعدم التقديم أي تقديم القاعدة

عليه لا بالحكومة كما هو الحق عندنا و لا بالتخصيص و لا بالجمع العرفي خلافا لما

اختاره الخراسانيّ قده من ان التقديم بالجمع العرفي.

ثم للشروع في المقصود يجب التوجه إلى مقدمة و هي ان رفع الضرر و الحرج‏

يكون لهما معان كثيرة و المهم هنا بيان معنيين:الأول هو الاختلاف المعروف بين‏

الشيخ الأنصاري و الخراسانيّ فان الأول يقول بأن المراد منهما هو رفع الحكم‏

الضرري و الثاني يقول ان الموضوع الضرري يرفع حكمه و الحق هو ما عن الشيخ‏

لأن قوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج و قوله عليه السّلام لا ضرر و لا ضرار في‏

الإسلام يكون ظاهرا في أن الحكم كذلك غير مجعول في الدين أصلا.

و الثاني انه قد اختلف في ان القاعدة بعد كونها للامتنان هل يلزم ان يكون‏

الامتنان في رفعه أو يعم الرفع و الوضع بحيث لو كان وضع الحكم خلاف الامتنان‏

تكون القاعدة منطبقة و الحق هو أن رفع الحكم يجب ان يكون فيه الامتنان صادقا.

إذا عرفت هذا فنقول تارة يكون الحكم بطبعه ضرريا و حرجيا و تارة يكون‏

في طور من أطواره الحرج و الضرر فالأوّل مثل الجهاد و الزكاة و الخمس و كذلك‏

الاحتياط التام فان طبع الحكم يستلزم الحرج و الضرر بإعطاء الأنفس و الأموال و الثاني‏

مثل نفقة الزوجة فانها بعض أطوارها غير حرجي و بعضه حرجي فان تهية بعض الأغذية

بالنسبة إلى بعض الافراد حرجية فقالوا ان المرفوع بالقاعدة هو الّذي يكون بعض أطواره‏

موجبا للحرج لا ما يكون بطبعه موجبا له.

فلا يمكن ان يقال يكون الجهاد مرفوعا للحرج و الخمس مرفوعا للضرر

و هكذا الاحتياط التام فانه بطبعه حرجي فلا يمكن ان يتوجه إليه القاعدة الا ان يلزم‏

منه الإخلال بالنظام فهو غير مرفوع بهذا الدليل.

و قد أجاب شيخنا العراقي قده بأن القاعدة في ابتداء طلوعها لا يكون لها نظر

إلى الاحتياط فان الذي تكون القاعدة متوجهة إليه هو الحكم فان الحكم الضرري‏

و الحرجي مرفوع و غير مجعول فما هو منشأ لزوم ذلك و هو الحكم مرفوع فيكون‏


222
هذا مرفوعا برفعه و لكن حيث يكون الالتزام بجميع الأحكام هو المستلزم للحرج‏

و الضرورات تتقدر بقدرها فاما ان يقال بالتبعيض في الاحتياط الذي لا يكون كذلك‏

أو حجية الظن.

و قد يقرب كلامه قده بأن الاحتياط لا يكون حكما ليكون الدليل شاملا له‏

و جوابه ان الشارع لو حكم به لكان حكما فان الحكم بالجمع بين المحتملات أيضا

لا ينقص عن ساير الأحكام و العقل لو حكم به أيضا يكون من باب كشفه الملاك‏

و سنده يكون العلم الإجمالي بالتكليف أو لزوم الخروج عن الدين فيكون حكمه‏

ثانيا عن تنجيز المنجز الشرعي الذي استفدنا منه اهتمام الشارع بالاحكام فيمكن‏

رفع تلك الأحكام بواسطة القاعدة.

و لا يقال فالاحتياط غير لازم أصلا فليس يبقى لنا حكم لأنا نقول كما مر ان‏

الضرورات تتقدر بقدرها و الحرج في الجميع بين جميع المحتملات لا بعضها.

و اما المحقق الخراسانيّ قده فيقول على حسب مبناه من أن الحكم الضرري‏

و الحرجي مرفوع عن موضوع كذلك و حيث لا يصدق على الاحتياط كونه موضوعا

فانه ليس الا الجمع بين المحتملات و لا يكون إتيان كل محتمل حرجيا بل الجمع‏

بين المحتملات.

و فيه ان المبنى فاسد لأن المرفوع هو الحكم كما قال الشيخ قده على أن‏

الموضوع أيضا صادق لأن الحكم صادق على الاحتياط شرعا و عقلا كما مر فللشارع‏

جعل هذا الحكم ففي رفعه الامتنان.

اما المقام الثاني‏

و هو في نتيجة المقدمات‏1من حيث أنها توجب الكشف عن حجية الظن‏

شرعا كما عن شيخنا النائيني قده أو الحكومة بمعنى أن الظن مرجع بحكم العقل‏

1أقول هذا المقام لا يكون منوطا بالعسر و الحرج بل يعم جميع أدلة عدم‏

وجوب الاحتياط التام و يكون بيانا لنتيجة جميع المقدمات.


223
في الثبوت و السقوط كما هو مبنى شيخنا العراقي قده أو لا يكون مرجعا في الثبوت‏

بل في السقوط كما هو مبنى الشيخ الأنصاري قده بعد عدم وجوب الاحتياط التام‏

اما للإجماع أو للزوم العسر و الحرج.

اما بيان كلام النائيني قده فهو انه يقول بأنه بعد كون بناء الشرع على وجوب‏

الامتثال التفصيلي و لا يكتفى بالامتثال الإجمالي مع انسداد باب العلم يقتضى حجية

الظن شرعا ان كان السند في عدم جواز إهمال الوقائع هو الإجماع و الخروج‏1

عن الدين و لو كان السند العلم الإجمالي بالتكليف فيكون مقتضى حكم العقل هو

حجية الظن من باب لزوم الخروج عن عهدة التكليف بعد العلم به فيكون النتيجة

حجية الظن بالحكومة فالإجماع و لزوم الخروج عن الدين حيث يكون سندا شرعيا

تعبديا يكون نتيجته أيضا حجية الظن شرعا بعد عدم لزوم الاحتياط التام و لا التبعيض‏

فيه من باب لزوم الامتثال التفصيلي و حيث كان عقليا يكون النتيجة أيضا كذلك.

و فيه أولا ان التفصيل غير صحيح لأن السند على فرض كونه هو الإجماع‏

أو الخروج عن الدين أيضا نعلم بأنه يكون لنا منجز و العقل يستقل بحجية الظن‏

بعد عدم التبعيض في الاحتياط بحكم المقدمة الرابعة و عدم مرجعية الوهم و الشك‏

على فرض قبول كون اللازم هو الامتثال التفصيلي فلا فرق بينهما و بين العلم الإجمالي‏

فان عدم جواز إهمال الدين بأي سند كان لازمه حجية الظن بحكم العقل فينتج الحكومة

و هذا التفصيل و ان لم يكن مرامه قده و لكن الكلام غير تام.

و ثانيا ان القول بأنه ان كان السند هو الإجماع أو الخروج من الدين فكذا

1ما نقل عنه في الفوائد في ص 90 حجية الظن شرعا مطلقا بقوله فتحصل‏

إلخ و فصل بين العلم الإجمالي في تبعيض الاحتياط فقال انه عقلي عليه و شرعي على‏

فرض الإجماع و الخروج من الدين و هو كلام ظاهره التهافت بين الصدر و الذيل من‏

حيث القول بحجية الظن شرعا مطلقا و التفصيل كذلك فان هذا التفصيل مع ضم‏

وجود الامتثال التفصيلي هو التفصيل في النتيجة كما فهمه الأستاذ مد ظله و أشكل عليه‏

فلعله وقع اشتباه في التقرير.


224
و ان كان العلم الإجمالي فكذا فيكون مجرد فرض و الا ففي الواقع يكون السند

هو العلم الإجمالي بالتكاليف و هو غير منحل عنده بالعلوم التفصيلية القطعية ببعض‏

التكاليف و كذلك الأصول المثبتة خلافا للخراساني قده فالنتيجة تتعين في الحكومة

فالظن حجة عقلية لا شرعية.

و ثالثا ان قوله بان الإجماع قائم على عدم كفاية الامتثال الإجمالي ممنوع‏

جدا فيما لا يلزم اللعب بأمر المولى و لم يكن في كلام المتقدمين عنه عين و لا أثر

و يمكن القول بعدمه من باب الإطلاق المقامي فان الشارع كما انه يجب عليه بيان‏

التكليف يجب عليه بيان طور الامتثال فحيث ما بين وجوب الامتثال التفصيلي في‏

الأحكام تجري البراءة بالنسبة إليه لأنه تكليف زائد و لا فرق في ذلك بين كون السند

لحجية الظن العقل أو الشرع.

و رابعا قال(قده)بوجوب الامتثال التفصيلي فيما أمكن و اما في صورة عدم‏

الإمكان كما في المقام فلا بد من القول بكفاية الإجمالي فيجب ان يقول بأن المرجع‏

هو التبعيض في الاحتياط بعد عدم وجوب الاحتياط التام فلا يكون كاشفا عن حجية

الظن شرعا.

و اما ما أفاده‏1الشيخ قده في التنبيه الثاني فحاصله هو أن الشارع حيث يكون‏

له تكاليف و لا يكون لنا عذر في مقابله بعد العلم به يجب امتثاله حيث انه لا يكون‏

الاحتياط التام واجبا فلا بد من الرجوع إلى ما ثبت بالظن و امتثال امره دون ما يكون‏

موهوما لأن الاحتياط في المشكوكات و الموهومات و المظنونات يلزم منه العسر

و الحرج أو الإجماع على عدم وجوبه فالعقل يحكم بان الاحتياط في المظنونات‏

و المشكوكات لازم في مقام إسقاط التكليف و لا يكون كاشفا عن جعل الشرع هذا

1أقول في فوائد الأصول ص 98 و 99 يكون بيانه و بيان إشكال النائيني‏

قده و جل الكلمات يكون في أواسط البحث عن المقدمة الثالثة في الرسائل الحاضر

عندي ص 115 و 116 و بعضه في التنبيه الثاني بقوله الأمر الثاني فان شئت فارجع.


225
الظن حجة فالنتيجة الحكومة لا الكشف.

و أول ما يرد على هذا القسم من كلامه عدم تحاشي من أنكر الحكومة عن هذا

النحو من حكم العقل فانه يكون من التبعيض في الاحتياط لكن في المظنونات‏

و المشكوكات لا في الموهومات و الذي يكون الكلام فيه هو ان يكون العقل حاكما

بتبعية1الظن بدون لاحتياط أو الشرع.

و الحاصل الكلام في مرجعية الظن بحكم العقل أو الشرع لا التبعيض في‏

الاحتياط.

ثم قال قده بعد ذلك اللهم الا ان يدعى قيام الإجماع على أن المشكوكات‏

أيضا مثل الموهومات في عدم وجوب الاحتياط و الحاصل عدم وجوب امتثال ما هو

غير مظنون.

ثم قال فان قلت إذا ظن بعدم وجوب الاحتياط في المشكوكات فقد ظن بأن‏

المرجع في كل مورد منها إلى الأصل الجاري في ذلك المورد فتصير الأصول‏

مظنونة الاعتبار في المسائل المشكوكة فالمظنون في الواقع هو عدم إرادة

المولى امتثال التكاليف الواقعية على المكلف و كفاية الرجوع إلى الأصول و لا فرق‏

في حجية الظن المعتبر بدليل الانسداد بين كون المظنون هو الواقع أو المظنون هو

الطريق إلى الواقع كما فرض أن الظن بالأصل هنا ظن بطريق الواقع فما هو الحجة

يكون الظن شرعا.

ثم أجاب قده بأن حجية الظن بالطريق كذلك فرع المقدمة الثالثة و هي إثبات‏

1أقول لو اقتصر الشيخ قده على المظنونات و ألحق المشكوكات بالموهومات‏

لقلنا ان العمل بكل مظنون لا يكون معناه التبعيض في الاحتياط بل هو العمل بالظن‏

و مع إلحاق المشكوكات بالمظنونات يكون لازمه العمل بالاحتياط في المشكوكات‏

لأن الشك يكون له أطراف و الظن يكون مفاده واحدا حتى لا يلزم عليه هذا الإشكال‏

لكنه قده لم يلحق المشكوكات بالموهومات حتى ينتصر له بذلك.


226
عدم وجوب الاحتياط أصلا و الكلام يكون فيه فما لم يثبت عدم وجوبه لا يثبت حجية

الظن بالطريق و لا تكون النتيجة بمقتضى المقدمة الرابعة حجية الظن مطلقا سواء كان‏

بالطريق أو بالواقع و الحاصل لم يثبت عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات حتى‏

يكون النتيجة ما ذكر.

و أجاب شيخنا النائيني قده عن هذا الجواب بأن الشيخ قده اعترف بأنه يمكن‏

أن يدعى إجماع على إلحاق المشكوكات بالموهومات و ان لم يثبت عنده القطع‏

بهذا الإجماع و لكن الظن بوجود إجماع كذلك لازمه الظن باعتبار الطريق فيكون‏

التكاليف في المشكوكات مثل الموهومات و لو من حيث الأثر لا من حيث الواقع‏

و المفروض عدم وجوب الاحتياط في الموهومات و المشكوكات كذلك فالظن حجة

بنفس هذه المقدمة و لا نحتاج إلى المقدمة الرابعة عند الشيخ و هي ترجيح الظن على‏

الشك و الوهم.و لذا ضرب الميرزا الشيرازي الخطّ على قوله قلت و قال بدله مرجع‏

الإجماع قطعيا أو ظنيا على الرجوع في المشكوكات إلى الأصل هو الإجماع على‏

وجود الحجية الكافية في المسائل التي انسد فيها باب العلم و مرجع هذا إلى دعوى‏

الإجماع على حجية الظن بعد الانسداد و رضى الشيخ قده بعمله قده هذا كما حكى‏

و الحق انه لا وجه لإشكال الشيخ النائيني قده عليه و لا وجه لضرب تلميذه‏

على جوابه لأن العلم الإجمالي عند الشيخ قده علة تامة لوجوب الامتثال و معنى العلية

هو عدم جريان الأصول المرخصة التي يلزم منه المضادة مع العلم فحينئذ فحيث يكون‏

المدعى الإجماع على إلحاق المشكوكات بالموهومات و هو يضاد العلم فلا وجه له‏

لو كان قطعيا فضلا عن كونه ظنيا فان الإجماع بكلا وجهيه لا يقاوم مع العلم الإجمالي‏

حتى يقال يحصل الظن بالطريق و هو مثل الظن بالواقع فيكون حجة فلا بد اما من‏

انحلال العلم الإجمالي أو جعل البدل باكتفاء الشارع بالعمل بمورد المظنونات‏

و المشكوكات دون الموهومات و لا وجه للظن بالإجماع فلا يكون هنا مانع عن القول‏

بلزوم الاحتياط في المشكوكات فهو قده يقول للنائيني قده أين مقدمات الانسداد التي‏

منها عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات حتى يقال الظن الطريقي أي الذي‏


227
يحصل بالنسبة إلى الأصول حجة و لم يثبت بعد عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات‏

و على فرض التسليم لا ينتج حجية الظن لأن الاحتياط في دائرة المظنونات على‏

مسلكه بحاله و هذا بمعزل عن حجية الظن‏1بل هو التبعيض في الاحتياط.

فتحصل أن الظن عند الشيخ قده مرجع في السقوط لا في إثبات التكليف فلم يثبت‏

به أن مورده هو حكم الشارع.

و اما مسلك شيخنا العراقي قده فهو أن الظن مرجع في الإثبات و الإسقاط على‏

نحو الحكومة لكن لا بنحو الحكومة التي تعرض لها الشيخ قده بل بمعنى آخر و لازمه‏

إسقاط العلم الإجمالي فان بناء حكومة الشيخ قده على ثبوت العلم الإجمالي بالتكاليف‏

و لا بد لنا من وجدان طريق في مقام فراغ الذّمّة و من حكومة العراقي قده على إسقاط

العلم الإجمالي بالتكاليف و يكون السند له في عدم جواز إهمال الوقائع هو الإجماع‏

أو الخروج من الدين.

فانظر إلى عبارة الشيخ قده عند قوله الأمر الثاني ليتضح أن مراده هو الحكومة

في مقام الفراغ فانه قده قال اما ان يقرر (1) على وجه يكون العقل منشأ للحكم بوجوب‏

الامتثال الظني فمعنى حسن المعاقبة على تركه و قبح المطالبة بأزيد منه كما يحكم‏

بوجوب تحصيل العلم و عدم كفاية الظن عند التمكن من تحصيل العلم فهذا الحكم‏

العقلي ليس من مجعولات الشارع إذ كما أن نفس وجوب الإطاعة و حرمة

المعصية بعد تحقق الأمر و النهي من الشارع ليس من الأحكام المجعولة للشارع بل‏

شي‏ء يستقل به العقل لا على وجه الكشف فكذلك كيفية الإطاعة و انه يكفى فيها الظن‏

1أقول قد مر انه لو كان المراد هو تبعية الظن بالحكم لا يكون من التبعيض‏

في الاحتياط كما هو المطرح هنا و الذي يكون الاحتياط فيه متصورا هو الظن بالامتثال‏

بإتيان المشكوكات و الموهومات و المظنونات مثلا و هو خارج عن البحث و لكن‏

مع إلحاق المشكوكات بالمظنونات لا يمكن إصلاح كلامه قده.

1)في ص 129 من الفرائد الحاضر عندي في الأمر الثاني من شبهات الانسداد

228
بتحصيل مراد الشارع في مقام و يعتبر فيها العلم بتحصيل المراد في مقام اما تفصيلا

أو إجمالا انتهى فقد عرفت ان كلامه صريح في أن المتابعة من الظن في المقام يكون‏

في مقام الامتثال بعد العلم الإجمالي بالتكليف.

و اما شيخنا العراقي قده فيكون حاصل مرامه‏1أن السند الوحيد لعدم جواز

إهمال الأحكام هو العلم بهدم الدين فانه لو فرض عدم العلم الإجمالي و عدم تنجيزه‏

على فرض وجوده لمكان لزوم هدم الدين كافيا لعدم جواز الإهمال و لا بد من العمل‏

في الوقائع بحيث لا يلزم هدم الدين و طريقه اما هو الاحتياط التام في جميع الوقائع‏

و هو غير مجعول و اما متابعة الوهم و الشك و هو مرجوح عند العقل بالنسبة إلى الظن‏

1أقول أن ما ذكر في كلماتهم إلى الآن من جعل العلم الإجمالي في طرف‏

و الإجماع و لزوم هدم الدين في طرف و قالوا بترتيب الأثر العقلي على الأول و الشرعي‏

على الثاني يكون خلاف ما نفهم لأن لزوم هدم الدين ليس الا من باب العلم الإجمالي‏

بالاحكام فانه ليس الدين الا هذه الأحكام لو فرض عدم العلم الإجمالي لا يبقى وجه‏

لهذا فعلى هذا كان اللازم عليهم جعل العلم الإجمالي و هدم الدين في طرف‏

و الإجماع في طرف آخر ليمكن لهم القول بأن هذا دليل شرعي و الاخر دليل عقلي.

ثم الإجماع أيضا على التحقيق هنا يكون سنده أيضا العلم الإجمالي و لزوم‏

هدم الدين فلا يكون له وقع فلا بد من أن يقال ان السند الوحيد هو العلم الإجمالي‏

لعدم جواز إهمال الأحكام.

ثم ما ذكره المحقق العراقي قده على فرض كون السند غير العلم الإجمالي‏

لا يتم لأنه بعد كون السند لزوم هدم الدين يسقط الاحتياط بقدر لزوم العسر و الحرج‏

فاللازم هو التبعيض في الاحتياط لا حجية الظن بعد الدوران و اما ما ذكره من انحلال‏

العلم الإجمالي بواسطة مقارنته مع العسر و الحرج و عدم منجزيته فهو أيضا غير تام‏

لأن العسر و الحرج إذا أوجب سقوط الاحتياط التام في جميع الأطراف فحيث ان‏

الضرورات تقدر بقدرها يسقط بعض الأطراف عن الاعتبار مثل الموهومات أو هي مع‏

المشكوكات لو فرض لزوم العسر و الحرج فيها أيضا و يبقى الباقي و يكون تنجيز العلم‏

بالنسبة إليه بلا إشكال.


229
فيكون المرجع هو الظن و الحاصل ان العقل حيث لا يجد سبيلا إلى امتثال أحكام‏

الدين يحكم بالمراجعة إلى الظن في مقام الامتثال و لا يكون هذا كاشفا عن حكم‏

الشرع بقانون الملازمة لأن ذلك القانون يكون في صورة حكم العقل في علل الأحكام‏

لا الحكم العقلي بعد الحكم في مقام الامتثال.

و لو فرض أن السند يكون العلم الإجمالي بالاحكام أيضا فلا مجال لكلام الشيخ‏

قده لأنه يسقط عن التنجيز بيانه ان العلم الإجمالي تارة يكون في آن حصوله مبتلى‏

بالمزاحم في التنجيز مثل ما إذا كان بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء و تارة

بعد تحققه يخرج بعض الأطراف عن الابتلاء فالأوّل لا يكون منجزا و الثاني يكون‏

و بعبارة أخرى هنا علم إجمالي كبير و هو يسقط بواسطة لزوم الحرج و العلم‏

الإجمالي الصغير بان في دائرة المظنونات أو هي مع المشكوكات أيضا يكون أحكام‏

فعلية أيضا فيجب التبعيض في الاحتياط و لو قلنا بلزوم العسر في المشكوكات أيضا

يكون العمل بمقتضى الظن في كل مورد هو اللازم و قد مر انه لا يكون من التبعيض‏

في الاحتياط العمل بموارد المظنونات.

فتحصل أنه لا يكون الكشف و لا الحكومة على مسلك الشيخ قده مقتضى المقدمات‏

و ما ذكره قده أيضا لا يتم من بعض الجهات فيمكن ان يقال مقتضى المقدمة الثانية هو

التبعيض في الاحتياط لو لم يلزم العسر في المشكوكات و لو لزم فالظن حجة في مقام الامتثال‏

في موارد المظنونات.

ثم ان المراد هو إثبات حجية الظن في الإثبات و الإسقاط و هذا البيان منه قده‏

يفيد في الإسقاط و اما الإثبات فاما بالعلم بالدين أو العلم الإجمالي و اما بيانه الأخير من‏

كشف الاهتمام في خصوص المظنونات فهو أيضا يحتاج إلى دليل فانه و ان كان من‏

المتيقن و لكن في غيره أيضا يكون احتمال التكليف بحاله الا ان يدعى الانحلال و هو

متوقف على قبول العلم الإجمالي ثم نسأل منه لو لم يكن علم إجمالي بالتكليف فمن أين‏

ثبت اهتمام الشرع فلا بد من دخل المقدمات جميعا و لا يتم هذه البيانات.


230
منجزا فإذا علمنا مثلا بنجاسة أحد الكأسين ثم أهريق أحدهما فخرج عن الابتلاء

لا يقال بسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز بل يجب الاجتناب عن الاخر أيضا بخلاف‏

ما لو كان أحدهما من الأول خارجا عن الابتلاء ففي المقام نقول حيث أن العلم الإجمالي‏

في ظرف تحققه يكون إتيان جميع أطرافه عسريا و حرجيا و ان كان الإتيان ببعض‏

الأطراف مثلا غير حرجي و لا عسري لا يكون منجزا فحيث لم يكن منجزا من الأول‏

لا وجه للقول بالتبعيض في الاحتياط بالنسبة إلى المظنونات فقط أو هي مع المشكوكات‏

لأنه فرع تنجيزه فلا بد من الرجوع إلى الظن من باب عدم جواز هدم الدين و سقط

العلم الإجمالي فلا وجه لحكومة الشيخ قده و لا وجه للكشف لأن الحكم بالمراجعة

إلى الظن يكون بحكم العقل و لو كان للشرع حكم أيضا لكان إرشاديا مثل أطيعوا اللّه‏

و أطيعوا الرسول فتكون الحكومة بمعنى حجية الظن في مرحلة الفراغ هي المتعين‏

و هذا هو الحق عندنا تبعا لأستاذنا قده.

ثم هنا لطيفة عرشية و هي انه مع سقوط العلم الإجمالي أيضا نعلم بالوجدان‏

عدم جواز جريان البراءة من باب قبح العقاب بلا بيان و إهمال الوقائع فلا ينتج سقوط

العلم الإجمالي شيئا.

قلت يمكن ان يقال هنا بكلام لا يكون مربوطا ببعض مقدمات الانسداد و هو ان‏

يقال انا نعلم ان الشارع يكون له اهتمام بالاحكام و الاهتمام له مراتب ثلاثة الاهتمام‏

في موارد المظنونات و في موارد المشكوكات و في الموهومات و ما هو المتيقن هو

الاهتمام في موارد المظنونات فحيث ما كشفنا اهتمامه في غيرها نقول بأنه ساقط عن‏

الاعتبار و هذا طريق سهل للقول بحجية الظن على فرض الانسداد و لا نحتاج إلى‏

المقدمة الرابعة و هي لزوم العسر من الاحتياط لأن الاحتياط لا يلزم من الأول و لا إلى‏

المقدمة الرابعة و هي ترجيح الظن على الوهم و الشك لعدم حصول الدوران من باب‏

عدم إحراز اهتمام الشرع في غير مورد الظن فإذا كشفنا اهتمام الشرع بموارد المظنونات‏

يلزم متابعتها لعدم رضاء الشرع بتركها لا من باب حجية الظن عنده.

لا يقال احتمال التكليف فيما بين المشكوكات و الموهومات لو لم يكن منجزا


231
و لم يكن له أثر و لا يهتم به فيلزم أن يقال بعد لزوم الفحص في الشبهات البدوية بالنسبة

إلى التكليف حتى في صورة القول بالانفتاح مع أنهم يقولون بعدم جواز جريان‏

البراءة قبل الفحص عن الدليل ففي مقام الانسداد أيضا يلزم ان يكون كذلك.

لأنا نقول الفحص في صورة الانفتاح يكون مقتضى رسم العبودية فان المقنن‏

إذا وضع قانونه و جعل طريقا للوصول إليه يجب أن يسلك الطريق حتى يكون معذورا

و بدونه لا يكون له العذر بخلاف صورة الانسداد فانه لا يكون له ملجأ يلجأ إليه فاللازم‏

هنا العمل على طبق ما كشف الاهتمام به فتحصل ان المؤيد هو الحكومة على مسلك‏

العراقي قده بهذا البيان أيضا.

ثم ان نتيجة الانسداد على فرض تمامية مقدماته يظهر في موارد منها الظن‏

الحاصل من قول اللغوي و منها صورة اشتراط الاطمئنان في حجية الاخبار لا الوثوق‏

فانه حيث لا يفي ما يطمئن به بالاحكام لا بد من العمل بالأخبار المظنونة.

ثم لا يخفى انه لو كان الظن حجة يكون في خصوص الحاصل من الاخبار1

لا الذي يكون حاصلا من القياس و غيره.ثم هنا تنبيهات في ذيل البحث عن الانسداد

لا نتعرض لها لعدم الفائدة.

خاتمة في البحث عن أمرين‏

الأول الكلام في حجية الظن في أصول الدين إذا انسد باب العلم فيه و لا نتعرض‏

له و البحث عنه موكول إلى علم الكلام.

و الثاني في الظن الذي يكون جابرا أو موهنا بالنسبة إلى الروايات من حيث‏

السند و الدلالة فنقول أن الظن الذي يكون حجة في الاخبار تارة يكون المدار على‏

الشخص منه الحاصل من حاق كتب الرواية و تارة يكون أعم منه و من الخارج و ثالثة

1أقول و لعله لادعاء انحلال العلم الإجمالي الكبير بما في الاخبار كما مر في‏

صدر بحث الانسداد.


232
الظن النوعيّ الحاصل من القرائن الداخلية مثل وثاقة الرّجال في السند و رابعة الأعم من‏

الظن النوعيّ الحاصل من الداخل أو من الخارج كالحاصل من الشهرة الفتوائية أو

الروائيّة فعلى الأول الظن الخارجي لا دخل له في الجبر و الوهن أصلا لأنه خارج‏

و الشرط فيه كونه من الداخل فالشهرة لا توجب الجبر و الضعف و كذلك التعديلات‏

الرجالية لأنها غير حاصلة في زماننا و حيث أن الظن يكون شخصيا فانه لا يجتمع‏

المتخالفان منه مثل أن يحصل الظن بالصدور و عدمه كذلك.

و ان كان المناط هو الظن النوعيّ الحاصل من القرائن الداخلية فائضا لا دخل‏

للظن الحاصل من القرائن الخارجية فمثل الشهرة لا دخل لها في الجبر و الوهن أيضا.

و ان كان المناط هو حصول الظن النوعيّ الأعم من الحاصل من الخارج أو

الداخل كما هو التحقيق فالشهرة و أمثالها يمكن ان تكون جابرة أو موهنة و هكذا لو كان‏

المناط الظن الشخصي و لكن بالأعم من الخارج و الداخل فعليه لو كان جميع الشرائط

الداخلية للخبر موجودا من حيث السند و الدلالة و لكن أعرض المشهور عنه لا يعتنى به‏

و يقال كلما كان أصح سندا يكون أشد ضعفا لأن إعراضهم يكون شاهدا على وجود

قرائن لهم موجبة للضعف و خفيت علينا.

و اما الظن الشخصي المخالف للظن النوعيّ فقيل بأنه لا وقع له أصلا و الحق‏

هو التفصيل فان كان منشأ هذا الظن الشخصي هو القرائن العامة فهو يكون مضرا كما

أن الظن النوعيّ الحاصل من الخارج إذا خالف الظن النوعيّ الحاصل من الداخل‏

يكون مضرا و اما لو كان حصوله لاعوجاج في السليقة لخصوص شخص فلا يصغى إليه.

فتحصل ان الظن الحاصل في الاخبار ان كان الخارج دخيلا فيه يكون الظن‏

الحاصل من الخارج الموافق له جابرا للضعف و المخالف له موهنا له هذا مقتضى البحث‏

كبرويا و اما البحث عن الصغرى و هو البحث عن كون الشهرة جابرة أو موهنة التي‏

تكون من الظنون الخارجية فقد مضى البحث عنه في الشهرة مستوفاة و قد اخترنا انها

توجب الجبر و الوهن هذا كله الكلام بالنسبة إلى جبر السند و وهنه.

و اما الدلالة فقيل بأنه على مبنى القائل بان المدار على الظهور الواصل لا يكون‏


233
الظن الخارجي دخيلا أصلا فانه إذا لم يكن للخبر ظهور عندنا لا يؤثر فهم قدماء

الأصحاب عنه ظهورا شيئا.

و لكن الحق ان يقال ان كان ما هو الحجة هو الظهور المفيد للظن فيأتي فيه ما مر

في جبر السند و وهنه من حيث حصول الظن و عدمه و ان كان المدار في الظهورات‏

على مطلق الظهور سواء حصل الظن أم لم يحصل.

فتارة يكون الكلام بحيث يحتمل فهم الظهورين المخالفين منه كما في مسألة

نجاسة البئر في قوله عليه السّلام ماء البئر واسع لا يفسده شي‏ء لأن له المادة حيث أن القدماء

فهموا منه شيئا فقالوا بأن البئر ينجس و العلامة قده فهم ان وجود المادة مانع عن‏

النجاسة فعليه يمكن مخالفة المشهور في الفهم.

و اما لو لم يكن للكلام الا وجه واحد نفهمه و لا طريق أصلا لما فهمه المشهور

بمعنى عدم قابلية الكلام لذلك فلا بد من متابعتهم في الدلالة لأنه كان كاشفا عن وجود

قرينة لهم خفيت علينا و كذلك وهن الدلالة فيه التفصيل المتقدم في الجبر.

و اما إذا كان الترديد في الوهن من حيث السند أو الدلالة فيكون إعراضهم موجبا

للضعف اما من جهة الدلالة أو السند إجمالا.فتحصل ان الظن ببعض أنحائه يمكن ان‏

يكون جابر الضعف في السند و الدلالة و موهنا كذلك و إلى هنا تم ما أردنا إيراده من‏

مباحث الظن و الحمد للّه أولا و آخرا.


234
المقصد السابع في الأصول العملية

و هي التي ينتهى إليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بدليل ما دل عليه‏

حكم العقل أو عموم النقل كما في الكفاية و منها البراءة و ينبغي البحث عن أمور قبل‏

الاستدلال على البراءة.

الأمر الأول في وجه الفرق بين الأصل و القاعدة و نسبة الأمارات مع الأصول‏

و وجه التقديم بالحكومة أو الورود فأقول هذا التعبير و التعريف في الأصول العملية عنه‏

قده يكون لإدراج البحث عنه في البحث الأصولي لأن البحث الأصولي عندهم هو

الّذي يقع نتيجته في طريق الاستنباط و البحث عن الأمارات يكون كذلك لأنه بعد

حجية الاخبار مثلا يتمسك بها في الفقه و اما الأصول فلا يكون طريقا لاستنباط أحكام‏

الفقه و لذا قال سيدنا الأصفهاني قده لا يشمل دليل التقليد المجتهد الّذي يكون سنده‏

لحكمه أصالة البراءة لأن غاية ما يستفاد من الدليل الرجوع إلى الغير في الأحكام‏

بالفطرة أو بالعقل أو ببناء العقلاء و هو رجوع الجاهل إلى العالم و المجرى للبراءة

نفسه جاهل و لذا قيل ان الدليل الّذي يكون بيانا للحكم أو لتعيين الوظيفة يكون‏

واسطة لبيانها فبيان الوظيفة أيضا يفهم من الأصول فيكون طريقا في استنباط الوظيفة.

ثم هنا إشكال و هو ان قاعدة الطهارة و أمثالها من القواعد الفقهية و لا شبهة انها

أيضا مما ينتهى إليها أمر المجتهد في مقام الشك في الوظيفة فكيف يقال بأن الأصول‏

منحصر في الأربعة:البراءة و الاحتياط و الاستصحاب و التخيير و كما ان الأصل ينتهى‏


235
أمده بواسطة وجدان أمارة على خلافه كذلك القاعدة ينتهى أمدها كذلك لحكومة

الأمارة على الأصل فيجب ان تكون من الأصول العملية لا القواعد الفقهية و الخطاب‏

أيضا فيها متوجه إلى تمام البشر لا خصوص المجتهد فكما أن قوله عليه السّلام لا تنقض اليقين‏

بالشك متوجه إلى جميع الناس كذلك قوله عليه السّلام كل شي‏ء طاهر إلخ.و المجتهد

وكيل عن المقلد في الجميع لا في خصوص الأصول الأربعة.

فأجاب الخراسانيّ(قده)في الكفاية بما حاصله ان البحث عن القاعدة ليس‏

بمهم لأنها من المسلمات و لكن البحث عن الأصول لازم لاختلاف الناس فيها فانه‏

سيجي‏ء أدلة الأخباريين في النقض و الإبرام.

و لا يخفى ان شأنه أجل من أن يجيب بهذا الجواب و لكن الجواد قد يكبوا

فان مسلمية شي‏ء و عدم مسلمية شي‏ء آخر لا توجب ان يكون أحدهما مسألة أصولية

و الاخر قاعدة فقهية مع كون المستفاد منهما حكما كليا لا الحكم الجزئي الفرعي.

و نقل عن درسه(قده)جواب و لا بد لبيان الشيخ قده هنا في معنى النجاسة

و الطهارة لتوضيحه و جواب الخراسانيّ(قده)عليه.فنقول ان المسالك في أصل‏

النجاسة ثلاثة:

الأول:ان لا تكون النجاسة إلاّ الأمر بالاجتناب أو النهي عن الارتكاب و ليست‏

الطهارة الا الأمر بالارتكاب كما عن بعض العلماء.

الثاني:ان تكون واقعيات كشف عنها الشرع بالأمر و النهي و هو مسلك‏

الشيخ قده و لم يتعرض لكونها أعيانا أو أعراضا.

و الثالث‏1ما عن المحقق الخراسانيّ قده و هو أنها اعتبارات لملاك في الاعتبار

1أقول الظاهر من الإشكال و الجواب هو أن المحقق الخراسانيّ قده يكون‏

في مقام بيان الوجه الثاني لصيرورة قاعدة الطهارة مسألة فقهية لا أصولية و بيان كون‏

النجاسة و الطهارة اعتبارية أو واقعية يكون لكشف هذا الواقع ما ظهر لنا وجه صحيح‏

لدخل هذا الكلام و لم يبيّنه مد ظله الا بهذا المقدار.

فان كان مراد المحقق الخراسانيّ(قده)القول بأن النجاسة و الطهارة من‏


236
لا في المعتبر كما في الملكية فعلى مسلكه هذا أشكل على الشيخ قده بأن قاعدة الطهارة

حيث يكون جريانها في الشبهات الموضوعية فلا محالة تكون لبيان الحكم الفرعي‏

الجزئي في الموضوع كما ان الاستصحاب و البراءة في الموضوعات أيضا كذلك‏

فلا تكون في مقام بيان الحكم حتى يكون طريقا للاستنباط.

و قال بأن القول بأن النجاسات واقعيات كشف عنها الشرع غير صحيح لأنه‏

الأمور الاعتبارية و الاعتبار يكون في خصوص الموضوعات و لا كبرى له بخلاف‏

صورة كونها أمورا واقعية.

فيمكن ان يقال عليه بأن الموضوع له حالتان حالة الشبهة فيه من جهة عارض‏

خارجي بعد بيان حكم الشرع من ناحيته كما انا نعلم ان الدم نجس و وجدنا رطوبة

لا ندري انه دم أم لا بواسطة الظلمة فلا نعلم انه طاهر أو نجس فنجري قاعدة الطهارة

مع فقد الحالة السابقة فان كانت النجاسة و الطهارة أمرا واقعيا لا نعلم وجود الواقع‏

و عدمه و ان كانت امرا اعتباريا لا نعلم اعتبار الشرع في هذا الموضوع فلا نعلم أن‏

الاعتبار الكلي في نجاسة الدم هل انحل إلى هذا المورد أم لا.

و حالة الشبهة في مورد من جهة فقدان النص أو إجماله كما في مورد عرق‏

الجنب من الحرام مثلا فلا نعلم هل يكون الشارع اعتبر النجاسة أم لا أو لا نعلم هل‏

يكون الواقع هنا أم لا و لكن المانع لعدم العلم هو عدم وصول دليل من الشرع‏

فما كان البحث عن واقعية النجاسة و الطهارة و اعتباريتها مفيد فائدة لصيرورة القاعدة

فقها لا أصولا فلا يكون هذا الفرق فارقا فبقي الإشكال بحاله.

ثم نقول في بيان رفع الإشكال بما ذكره الأستاذ مد ظله بعبارة أخرى و هي‏

ان المسألة الأصولية هي التي تكون البحث فيها بحثا لإيضاح الحكم و إثباته من‏

قبل الشرع بنحو يفيد في الموضوعات و المصاديق فكبرى قاعدة الطهارة و ما لا يضمن‏

بصحيحه لا يضمن بفاسده و قاعدة الحلية و غيرها و الأصول من الاستصحاب و البراءة

بحث أصولي و تطبيق هذه الكبريات في جميع الموارد بحث فقهي و بهذا ينحل‏

الإشكال.

و هذا كله لو كان البحث هنا في فرق المسألة الأصولية و الفقهية و لكن ليس‏


237
لو كان كذلك يلزم أن يكون إزالة العين مطهرة كما يقوله إخواننا العامة و لا يقول‏

به قده و يلزم أن لا يكون الملاقاة مع النجاسة منجسة لعدم انتقال العين إلى الملاقى.

مضافا بأن الدم فيما له النّفس السائلة و فيما لا نفس سائلة له المحكوم بالنجاسة

في الأول و بالطهارة في الثاني يلزم أن يكون جنسه و فصله متعددا مع انه واحد فان‏

الجميع دم و كذلك القول بطهارة بول الغنم و نجاسة بول الكلب و الإنسان مع وحدة

الجنس و الفصل فلا يكون للنجاسة واقع سيما بالنظر إلى بعض النجاسات الحكمية

مثل نجاسة الكافر النظيف و طهارة المسلم الكثيف هذا في النجاسة الخبثية.

و اما النجاسة الحدثية فيمكن إنكار واقعيتها لأنها لا محل لها فان الجنب هل‏

ينقص نفسه بالمواقعة و لو كان كذلك فالسفراء الربوبي أيضا كانوا يواقعون فهل‏

يحدث نقص في أنفسهم الشريفة؟!

فالحق إنكار كون النجاسة و الطهارة بالمعنى الخبثي و الحدثي جوهرا أو

عرضا و ليستا الا الاعتبار.

و الجواب عنه قده ان النجاسات بجميع أنحائها يكون لها واقعيات سواء

فرضت من الاعراض التي هي فوق المقولة أو من الاعراض التي هي تحت المقولة

كالكيف أو من الوجود العيني الجوهري فانه يمكن إثبات كونها وجودا و لها ما بإزاء

خارجي بأي نحو فرض و انه من الواضح أن العرف يحصل له التنفر من بعض‏

الأشياء و لو كان تنفره هذا بعد كشف الموضوع له مثل تنفره عن البول و الغائط

و لكن ربما لا يفهم الملاك و لا يكون خبيرا بما فيه من المضرة فلا يتنفر فمثل الدم‏

مثلا لا يكون عنده مما يتنفر عنه لعدم علمه بالموضوع كاملا فيكون تنفره عما يجده‏

كذلك بل المراد هو الفرق بين الأصل و القاعدة كما هو الظاهر فان الأصل هو الّذي‏

ينتهى إليه المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الدليل الخاصّ و القاعدة أيضا كذلك‏

و قد ذكرت هذا له مد ظله فلم يجب بشي‏ء و وعد ان يتفكر فيه.

و الّذي يمكن ان يقال هنا هو ان القاعدة تكون دائرتها أضيق من الأصل فان‏

قاعدة الطهارة و ما لا يضمن و أمثالها تكون في موارد خاصة بخلاف الأصول.


238
فيه من الاعراض.

و يمكن ان يكون بعض الأشياء عند الشارع مما يكون مضرا و لكن العرف‏

لا يتوجه إليه فيخبره بعين الحكمة و الدقة أن هذا نجس فلو قال بأنه كذلك يمكن‏

كشفه عن عرض فيه.

بل يمكن ان يقال علي ما ثبت في العلم اليوم أن النجاسة يكون لها ما بإزاء

خارجي عيني كما أخبرنا بعض أهل الفن بأن البول له بخمسة و عشرين ميكرب‏

و العذرة لها سبعة ميكربات فيمكن ان يكون القول بالنجاسة لما فيهما من الموجودات‏

الضارة.

و يمكن الاستئناس في الشرع أيضا لذلك فانه قيل بأن البول لا يطهره الا الماء

و الغائط يطهره الأحجار أيضا.

و يمكننا أن نقول في النجاسة الحكمية التي يعبرون عنها بالنجاسة السياسية

في الكفار أيضا يحدث في نفس الكافر أو في بدنه بواسطة الأشعة الخبيثة الكفرية عرض‏

من الاعراض أو جوهر من الجواهر يكون مضرا و الإيمان باللَّه تعالى و بالضروريات‏

مما يوجب رفع هذه القذارة.

و الملاقاة في جميع هذه الصور أيضا يمكن ان تكون موجبة لسراية القذارة

حتى على فرض القول بأنها عرض من الاعراض فان ملاقاة ما كان عرضه هذا الخبيث‏

غير ملاقاة ما لم يكن عرضه ذلك هذا كله في مقام الثبوت و رفع الاستبعاد.

و اما في مقام الإثبات أيضا فيمكن ان نفهم من الأدلة الشرعية واقعية النجاسة

فإنهم يشترطون في حصول النجاسة السراية بواسطة الرطوبة فلو لم يكن لها واقع‏

فشرطية الرطوبة و السراية لما ذا؟و ان كان لقائل ان يقول هذه أيضا تكون من شرائط

اعتبار النجاسة و لكنه بعيد جدا.

و هكذا يستأنس مما مر من كفاية الأحجار لرفع الغائط و وجوب كون رافع‏

البول هو الماء فان كثرة القذارات في البول صارت سببا لذلك.

و اما الجواب عن قوله بأن قاعدة الطهارة تكون في الشبهات الموضوعية فهو


239
ان الشبهة الموضوعية على نحوين الأول أن يكون الاشتباه من عوارض خارجة

مثل ان لا نعلم ان هذا دم أو غير دم أو هذا الماء طاهر أو نجس و تارة يكون الاشتباه‏

من جهة إجمال النص أو فقدانه فان التمسك بالقاعدة في هذه الصورة يكون من‏

التمسك بالمسألة الأصولية لا الفقهية في الحكم الفرعي المحض فلا إشكال في ان‏

تكون قاعدة الطهارة في هذا النحو من الشبهات مسألة أصولية و البحث عنها مما يقع‏

في طريق الاستنباط و في الشبهات الموضوعية عن غير ناحية إجمال النص أو فقدانه‏

من المسائل الفقهية الفرعية و لا يكون لنا التزام بأن الأصول منحصر في الأربعة و هكذا

الأصول الأربعة في الشبهات الموضوعية من المباحث الفقهية.

مقدمات البحث في الأصول العملية
فصل في النسبة بين الأصول و الأمارات‏

فنتعرض أولا لكلام شيخنا العراقي قده و حاصل مرامه هو أن الأصول مثل‏

الأمارات يكون إمضائيا بمعنى أن العقلاء عند فقدان العلم و العلمي يرجعون إليه‏

و الشارع أمضى ما هو الدارج بينهم و يكون موضوعه في طول موضوع الأمارات‏

فان موضوعها هو استتار الواقع بواسطة عدم العلم الوجداني و موضوع الأصول هو

استتاره بالعلم الوجداني و العلمي و هو الأمارة فتكون حاكمة على الأصول من باب‏

ان موضوعه مقيد بعدمها و كنا نورد عليه بان موضوع الأصول ليس الا الشك‏

و لا يكون في العقلاء أصل تعبدي فلو كان لهم طريق إلى الواقع فهو و الا يتوقفون‏

و لا يكون في موضوعه أخذ الاستتار بالعلم و العلمي و من الشواهد على عدم تمامية ما ذكره‏

هو أن لازم هذا القول هو الورود لأنه بعد وجدان الأمارة يذهب موضوع الأصول‏

واقعا و هو لا يقول به و لكن هو قده ما قبل منا ما ذكرناه.

ثم ان النسبة بين الأصول و الأمارات يختلف حسب اختلاف المباني في الأمارات‏

من تتميم الكشف و تنزيل المؤدى و جعل الحجة أو الحجية كما أن الأول رأينا و رأى‏

شيخنا النائيني و الثاني رأى الأنصاري قده و الثالث رأى الخراسانيّ ره.

اما على مسلك تتميم الكشف فتارة يلاحظ النسبة مع الأصل العقلي مثل قبح‏


240
العقاب بلا بيان و تارة مع الأصل الشرعي الغير المحرز مثل البراءة و تارة مع أصل‏

الشرعي المحرز مثل الاستصحاب فاما النسبة بينها و بين الأصول العقلية مثل قبح‏

العقاب بلا بيان فهو انها واردة عليه لأن موضوع هذا الأصل عدم البيان و الأمارة بيان‏

من الشرع فيذهب موضوع هذا الأصل بواسطة وجدان البيان.

و اما بالنسبة إلى الأصل الشرعي الغير المحرز مثل البراءة فهي حاكمة لأن‏

الغاية في دليله يكون هو العلم الوجداني فإذا قيل كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه‏

حرام يكون غاية الأصل العلم بالحرمة وجدانا و لكن بواسطة القول بان مفاد الأمارة

علم تعبدا لأن معنى تتميم الكشف هو تنزيل الظن منزلة العلم فتكون الغاية حاصلة بالتعبد

و حيث يكون لدليل الأمارة النّظر إلى دليل الأصل فيكون حاكما عليه فيكون الأصل‏

منتهى أمده حصول هذا النحو من العلم و هكذا تكون حاكمة بالنسبة إلى الأصول‏

المحرزة من الاستصحاب فإذا قيل لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر فان‏

المراد باليقين هو العلم الوجداني و قد ثبت أن مؤدى الأمارة علم تعبدي.

لا يقال ان الاستصحاب حيث يكون محرزا يكون مثل الأمارة فان الإمضاء

يكون بجهة كشفه كما في الأمارة فهو أيضا علم فكيف تقدم الأمارة عليه.

لأنا نقول الفرق بينهما هو أن الحكم في الاستصحاب يكون في موضوع‏

الشك فيقال أيها الشاك لا تنقض اليقين بالشك و لا يكون النّظر إلى جهة كشفه و اما

الأمارة تكون في مورد الشك فيكون الإمضاء بجهة الكشف لأن العقلاء يرون الظن‏

علما و يكون تبعيتهم له لذلك و تقديم الاستصحاب عليها دوري بخلاف تقديمها عليه‏

مع أنه أيضا علم.

و تظهر ثمرة البحث في كون المبنى في الأمارات تتميم الكشف أو غيره في‏

موارد الأول:في صورة كون القطع جزء الموضوع فان الأمارة تقوم مقامه على ما ذكرناه‏

لأنه علم و لا تقوم مقامه على غير هذا المسلك مثل ما إذا قيل بان ما علم غصبيته يكون‏

مبطلا للصلاة في المكان و اللباس.

و الثاني في استصحاب الحكم المستفاد من الأمارة بعد الشك فيه فان قلنا


241
بان مفادها علم يجري الأصل لأنه يقين و لا ينقض بالشك على المختار بخلاف ساير

المسالك.

و الثالث في صورة تعارض الاستصحاب مع الأصل العقلي مثل قبح العقاب‏

بلا بيان فان الاستصحاب مقدم لأنه علم و بيان على المختار بالورود و مع الأصل‏

الشرعي فانه حاكم عليه لأنه علم تعبدي بالبيان السابق و هذا من ثمرات تتميم الكشف‏

لا غيره.

فان قلت‏1بعد كون الاستصحاب أصلا محرزا و بمنزلة العلم فكيف يقدم‏

عليه قاعدة التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة مع كونها من الأصول المحرزة أيضا

قلت السر في ذلك هو انه لو قدمناه عليها يلزم لغوية القواعد و عدم المورد لها لأن‏

كل مورد من الموارد يكون فيه الاستصحاب.

و اما تقديمه على أصالة الاشتغال‏2مع انه أصل محرز بالإحراز الوجداني‏

لأنه يحصل بعده العلم بالفراغ إذا عمل عليه بخلاف الاستصحاب فانه محرز تعبدي‏

فيحتاج إلى دليل و الحاصل يحصل المعارضة بين الأصول المحرزة المتخالفة ففي‏

كل مورد يحتاج إلى دليل آخر للتقديم و الاشتغال على فرض كونه أصلا عقليا يكون‏

الأصل الشرعي المحرز مقدما عليه.

هذا كله على مسلك التحقيق و اما على مسلك الشيخ قده و هو تنزيل المؤدى‏

1هذا الإشكال و الجواب في حاشية الآخوند قده على الرسائل ص 317

في بحث التعادل و الترجيح فان شئت فارجع.

2أقول موارد تقديم الاستصحاب إذا كان موافقا للاشتغال و هو الّذي يسمى‏

باستصحاب الاشتغال يكون التقديم مع الاستصحاب و تظهر الثمرة عند التعارض‏

لأنه دليل شرعي و اما صورة التخالف بين استصحاب المخالف له و الاشتغال فلم‏

نجد مثالا له و لم يمثل له مد ظله بعد المراجعة إليه و قال انه نادر و مع ذلك فاللازم‏

إمكان تقديم الاشتغال عليه لأن كل مورده يكون لنا استصحابه فيتعارضان و نحتاج‏

إلى مرجح.


242
فقال شيخنا العراقي قده بأنه لا يتصور عليه الحكومة و لا يترتب عليه الثمرات التي‏

ذكرناها في مسلك الكشف فانه لا يقوم مقام القطع جزء الموضوع لأنه ليس التنزيل‏

في كونها علما و كذا لا تكون غاية،للاستصحاب بهذا المناط و هكذا ساير الثمرات‏

بهذا الملاك فان ملاك الحكومة و ترتيب الآثار شي‏ء واحد و هو تنزيل الظن منزلة

العلم لا تنزيل المؤدى منزلة الواقع هذا ما قيل.

و لكني أقول انه يمكن القول بالحكومة و ترتيب الثمرات على هذا المسلك‏

أيضا و خلاصة الكلام هي ان دليل الأمارات يكون موجبا لليقين فإذا قامت الأمارة

في مورد يحصل لنا القطع الوجداني بالواقع التعبدي فإذا حصل لنا هذا القطع‏

فنضم دليل الأصل إلى هذا الدليل فنرى الحكومة بالنسبة إلى الأصل الشرعي و الورود

بالنسبة إلى الأصل العقلي.

اما الثاني فلان حكم العقل فيه يكون لعدم البيان و مع العلم الوجداني بالواقع‏

التعبدي نفهم البيان فلا موضوع له مع قيام الأمارة و اما الأصول الشرعية فبالنسبة

إلى المحرز منها مثل الاستصحاب فيكون الحكومة محكمة فان دليل الأصل يدل على‏

ان اليقين لا ينقض الا باليقين بخلافه و الأمارة تحكم بأنه يكون لك اليقين بالواقع‏

التعبدي.

و اما شيخنا النائيني قده فيكون مسلكه في باب الاستصحاب موافقا للشيخ قده‏

فانه يقول يكون التنزيل فيه في المتيقن لا في اليقين لأن اليقين يكون منقوضا تكوينا فمعناه‏

ترتيب آثار المتيقن إلى أن يحصل اليقين بخلافه و في الأمارات يكون مسلكه تتميم‏

الكشف خلافا له و عليه أيضا يقال بعد العلم الوجداني بدليل الأمارة بالواقع التعبدي‏

ينتهى أمد الاستصحاب.

لا يقال الاستصحاب أيضا كذلك فلما ذا لا يقدم على الأمارة مع انه أيضا تنزيل‏

في المتيقن على مسلك العلمين الشيخ و النائيني لأنا نقول الأمارة موردها الشك‏

و الأصل موضوعه الشك و تقديمه عليها يلزم منه الدور لأن جريانه متوقف على بقاء

موضوعه حتى يكون حاكما على الأمارة و بقاء موضوعه متوقف على جريانه.


243
و بعبارة أخرى لازم تقديمه هو تخصيص دليل الأمارة في مورده و هو متوقف‏

على بقاء موضوعه و بقاء موضوعه متوقف على تخصيصه دليل الأمارة و هذا يكون‏

من جهة ذهاب موضوعه بواسطة الأمارة.

في حكومة الأصول المحرزة على غير المحرزة

و اما الأصل الغير المحرز مثل البراءة فيكون تقديم الأمارة عليه أيضا بالحكومة

من باب انه بيان تعبدي في مقابل رفع ما لا يعلم فان ما لا يعلم مرفوع ما لم يحصل‏

العلم الوجداني بالواقع التعبدي هذا بالنسبة إلى الأمارة و الأصل.

و اما الأصول فنسبة بعضها مع البعض في المقام أيضا يكون مثل ما مر في تتميم‏

الكشف بهذا البيان في تقديم الأمارة على الأصل على مسلك الشيخ(قده)فالأصل‏

المحرز مقدم على الأصل العقلي بالورود و على ساير الأصول الشرعية بالحكومة

من باب أن مفادها علم وجداني بواقع تعبدي.

فالفرق بين تتميم الكشف و تنزيل المؤدى هو انه على الأول يحصل العلم‏

التعبدي بالواقع الواقعي و هنا يحصل العلم الوجداني بالواقع التعبدي.

و اما الأصول المحرزة بعضها مع البعض فيحصل التعارض بينهما و نحتاج‏

للترجيح إلى مرجح كما نقول في تقديم قاعدة التجاوز و الفراغ على الاستصحاب‏

لعدم بقاء المورد لهما لأن كل مورد من مواردهما يكون فيه الاستصحاب و الحاصل‏

على مسلك تنزيل المؤدى يأتي كل ما قلناه على مسلك الكشف و يترتب الثمرات أيضا

ثم انهم وجهوا كلام الشيخ قده انتصارا له بتوجيهين:

الأول‏1:ان الخطاب يكون عاما من الأول في أدلة الأصول فإذا قيل‏

1أقول لم يبيّن وجها و سندا لهذا القول و بعد المراجعة إليه مد ظله قال‏

كلامهم ليس أزيد من هذا و لكن يمكن أن يكون قولهم هذا من باب ان العلم الوجداني‏

اليقينيّ قليل جدا و لكن الشك الواقعي كثير جدا فغالب اليقين في صدر لا تنقض‏

اليقين إلخ و ذيله هو الحاصل من الأمارات و هكذا ما يكون غاية دليل البراءة و لذا


244
لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر أو كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام.

ان اليقين و العلم في غاية الدليلين بقوله بل انقضه أو حتى تعلم إلخ يكون الأعم من‏

الحاصل بالتعبد أو بالوجدان فإذا قامت الأمارة على شي‏ء يكون العلم التعبدي حاصلا

فيكون مقدما بالورود لا بالحكومة لأن موضوع الأصل كان مغيا بعدم حصول هذا

النحو من العلم أيضا فإذا حصل لا يبقى له موضوع.

و أجاب عنه المدقق العراقي(قده)بأن هذا خلاف الظاهر فانه كما ان الشك‏

يكون بلحاظ الواقع كذلك العلم ظاهر في العلم الوجداني فلو قلنا بأن الشك يتعلق‏

في صدر الدليل بالواقع و العلم في ذيله بالأعم منه يلزم تهافت الصدر و الذيل فلا

يتم هذا الوجه حذرا من هذا المحذور.

التوجيه الثاني هو ان كل مورد من موارد الأمارات يكون مورد أصل من‏

الأصول اما البراءة أو الاستصحاب فلو لم نقل بتقديمها عليه يلزم لغوية جعلها لعدم‏

بقاء مورد يمكن أن نتمسك بها فإذا كان مقدما على أصل واحد يلزم منه تقديمها

على جميع الأصول و لو لم يلزم بعد تقديمها على بعض الأصول محذور اللغوية لعدم‏

ترجيح الأصول بعضها على بعض بالإجماع.

و الجواب عنه أولا انا لا نحتاج إلى هذا الطريق في تقديم الأمارة على الأصل بل‏

الحكومة بتقريب تتميم الكشف أو بتقريب تنزيل المؤدى على ما مر مفصلا.و ثانيا لا يكون‏

لنا إجماع تعبدي بان الأصول كلها يكون الملاك فيها واحدا و لو فرض يكون سنده هذه‏

الاحتمالات الأصولية و لا يكون من الإجماع الّذي يكون حجة شرعية.و ثالثا قد مر أن الأمارة

موردها الشك و الأصل موضوعه الشك و هي تذهب بموضوع الأصل لأنه بعد قيام الأمارة

لا يبقى للأصل مجال و تقديمه عليها يكون اللازم منه هو الدور المحال الذي مر آنفا

يمكن أن يقال بأن هذا صار سببا لانقلاب كون المفهوم من اليقين هو الوجداني فقط

فادعاء كونه أعم لا يكون فيه خلاف الظاهر العرفي و لا يكون بعيدا عنه كثير بعد

و لا يبعد الورود بهذا التقريب و ان كان تقريب الحكومة أيضا كما مر متين.


245
من انه لا بد له من تخصيص دليل الأمارة في مورد الأصل و هو يتوقف على بقاء

موضوعه و بقاء موضوعه يتوقف على كونه مخصصا و مما ذكرنا ظهر أن المسلك الثالث‏

و هو مسلك الخراسانيّ قده‏1في الأمارة من باب جعل الحجة و الحجية غير تام و لا يتم‏

الحكومة و الورود بالنسبة إلى الأمارات فنضرب عنه الذّكر اختصارا.

الأمر الثاني‏

من الأمور التي تقدم البحث عنه هو انه ربما توهم ان البحث عن ان الأصل في‏

صورة الشك في التكليف البراءة أو الاحتياط متوقف على البحث عن ان الأصل في‏

الأشياء هل يكون الحذر أو الإباحة فلو قلنا ان العقل يحكم بالحذر لا بدّ من القول‏

بالاحتياط و لو قلنا أن الأصل هو الإباحة فهنا أيضا يكون الأصل هو البراءة فالبحث‏

هو البحث و لا يلزم التكرار.

و قد أجيب عنه بأن المقام يكون البحث عن الحكم الظاهري و هناك كان البحث‏

عن الحكم الواقعي فيمكن ان يقال بأصالة الإباحة بحسب الواقع و بأصالة الاحتياط

بحسب الظاهر أو يقال بالحذر في الواقع و البراءة في الظاهر و لا تلزم من اختيار الحذر

هناك اختيار الاحتياط هنا و هكذا بالعكس‏

و فيه انه ان كان العقل مستقلا بالحذر فكيف يمكن ان يقال بالبراءة مع أن موضوعها

هو الشك و في صورة الحكم الاستقلالي من العقل لا وجه في القول بها لعدم بقاء الموضوع‏

و هكذا لو كان الأصل يقتضى الإباحة و حكم العقل مستقلا به فلا يبقى شك ليحتاط فان‏

ضرب اليتيم و ظلمه يكون قبيحا عقلا و لا يكون له وجه للجواز الشرعي الا إذا كان الضرب‏

1أقول يرجع لفهم مسلكه قده في حاشيته على الرسائل في ذيل التعادل‏

و التراجيح ص 317 و في ذيل الاستصحاب كما أشار إليه قده في هذا الموضع من‏

شرحه و تعرض له مد ظله في الدورة الأولى و قررناه في تلك الدورة و فيها مطالب‏

اخر أيضا.


246
للتأديب فهذا يكون من مستثنيات حكم العقل‏

و قد أجيب عنه أيضا بان البحث عن أصل الإباحة أو الحذر في الأشياء يكون‏

مربوطا بالموضوعات الخارجية مثل التصرف في الأملاك و لا يكون في العناوين الكلية

من الأحكام.

و الجواب عنه ما مر من أنه مع استقلال حكم العقل لا يبقى مجال لحكم الشرع.

فالصحيح أن يقال ان حكم‏1العقل كان منوطا بعدم ترخيص من الشرع فالبحث‏

عن الأصل في الأشياء أيّ شي‏ء انتج يكون مراعى بعدم الترخيص من الشرع و أصل‏

البراءة ترخيص عنه و وصل إلينا أو يقال هذا البحث يكون في الأحكام الثانوية و ذاك البحث‏

في الأحكام الأولية و كيف كان فذاك البحث ساقط عن الاعتبار.

الأمر الثالث‏

من الأمور التي يجب تقديمه هو بيان ان النزاع بين الأصولي و الاخباري في‏

القول بالبراءة و الاحتياط هل يكون صغرويا أو كبرويا قال شيخنا العراقي قده ان البحث‏

صغروي و الكبرى لا يكون فيها الإشكال.

بيانه انه يقول ان سند الأصولي هو قبح العقاب بلا بيان و هذا حكم عقلي‏

يحكم به كل عاقل و لا يمكن أن يقال ان كبراء الأخباريين مع جلالة شأنهم لا يلتفتون إليه.

و سند الاخباري هو أن دفع الضرر المحتمل الأخروي واجب بحكم العقل‏

فيجب الاحتياط و الأصولي لا ينكر هذا الكبرى و أيضا لا نزاع في تقديم قبح العقاب‏

بلا بيان على دفع الضرر المحتمل بالحكومة كما يقوله الأصولي فهذه الثلاثة لا نزاع‏

1لو كان سندهم حكم العقل فقط و اما لو كان سندهم الدليل الشرعي و التمسك‏

بالآيات و الروايات كما انه لا يخلو كلامهم منها فيكون مدعى الحذر احتياطيا و مدعى‏

الإباحة قائلا بالبراءة و لكن في مورد خاص و هو الأموال و هذا البحث هنا يكون بالنسبة

إلى كل مشكوك فهذا البحث أعم منه.


247
فيها و انما النزاع في الصغرى و هي أن الاخباري يقول ان البيان وصل إلينا بالآيات‏

و الاخبار الدالة على وجوب الاحتياط فيجب الاحتياط و الأصولي يقول ما وصل إلينا

بيان لعدم تمامية الاستدلال بالآيات و سقوط الاخبار لتعارضها مع الاخبار الدالة

على البراءة.

و يرد عليه قده أولا بأن قوله لا نزاع في تقديم قبح العقاب بلا بيان على دفع‏

الضرر المحتمل يكون على مسلكه قده و أما على مسلك غيره ففيه الاختلاف حتى‏

من الأصوليين فضلا عن الأخباريين فهذا محل النزاع و الاخباري يقول بأن التقديم‏

مع قاعدة دفع الضرر لا قبح العقاب بلا بيان.

و ثانيا لو تم كلام الاخباري بأن البيان تام باخبار الاحتياط و الآيات فلما ذا

يتمسك بدفع الضرر المحتمل و ترجيحه.

و ثالثا من أين يحتاج الأصولي إلى التمسك بقبح العقاب بلا بيان في قوله‏

بالأصل فانه كفاه إسقاط أدلة الاخباري في قوله بالاحتياط.

الأمر الرابع‏

في انحصار الأصول بالحصر العقلي إلى الأربعة:الاستصحاب و البراءة

و الاحتياط و التخيير.

و بيانه ان المشكوك اما أن يكون له حالة سابقة تلاحظ تلك الحالة فيه فهو

مورد الاستصحاب و اما لا يكون له حالة سابقة كذلك و عليه اما أن يكون في مورده‏

منجز للتكليف كالعلم الإجمالي أولا و على الأول اما أن يمكن الاحتياط فهو المرجع‏

و اما أن لا يمكن الاحتياط مثل دوران الأمر بين المحذورين فالأصل هو التخيير

و على الثاني و هو صورة عدم المنجز فيه فالأصل هو البراءة فقد انحصر الأصول في‏

الأربعة بهذا البيان.

لا يقال أن مورد التخيير و البراءة واحد لأن صورة التخيير اما أن يكون المكلف‏

فاعلا أو تاركا و في صورة البراءة أيضا كذلك لأنه بعد جريانه اما أن يفعل أولا فهما


248
من حيث ان اقتضائهما الفعل أو الترك لا تعدد فيهما.

لأنا نقول فرق واضح بينهما و هو ان القول بالتخيير يكون بعد إحراز التكليف‏

بالعلم الإجمالي و يكون الترخيص من باب عدم إمكان الجمع بين المحتملات‏

بخلاف أصل البراءة فان الترخيص في الفعل أو الترك نشأ من قبح العقاب بلا بيان‏

بحيث لو لم نقل بالبراءة من هذا الباب لا يكون محذور في الجمع بين المحتملات‏

فلا إشكال في كون الأصول أربعة.

ثم أن ترتيب البحث و عنوانه و ان كان هو الكفاية و لكن ترتيب الشيخ‏

الأنصاري قده أوفق بفن التعليم لأن الخراسانيّ قده جعل البحث عن الشبهة التحريمية

و الوجوبية من جهة فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين أو الشبهة في المصداق‏

في أربعة مسائل و قال ان البحث عن الشبهة المصداقية أصول و كون الشبهة تحريمية

أو وجوبية لا يوجب تفرد البحث عن كل واحد لاتحاد الدليل و لكن الشيخ(قده)

جعل البحث عن الشبهة التحريمية من جهة إجمال النص و فقده و تعارضه و الشبهة

الموضوعية في أربعة مسائل و البحث عن الشبهة الوجوبية أيضا في أربعة فالبحث‏

على ما جرى عليه أوقع في النّفس من جهة التفصيل.

و اما الخراسانيّ قده أيضا يصح مذهبه من حيث أن الشبهة الوجوبية و التحريمية

لا تكون موجبة لانفراد البحث عن كل واحد منهما على حدة و نحن نجري على ما

جرى عليه الشيخ قده.

فنقول البحث هنا في مقامين و كل مقام في أربعة مسائل المقام الأول في‏

الشبهة التحريمية و المقام الثاني في الشبهة الوجوبية من جهة فقدان النص أو إجماله‏

أو تعارضه أو الشبهة في المصداق مع كون الشبهة تحريمية فقط أو وجوبية فقط أو يدور

الأمر بين الواجب و الحرام فنقول:


249
المقام الأول الشك من دون لحاظ الحالة السابقة و فيه موضعان‏
الموضع الأول الشك في التكليف و فيه مقامات‏
المقام الأول البحث عن الشبهة التحريمية
المسألة الأولى في المقام الأول‏

و هو البحث عن الشبهة التحريمية من جهة فقدان النص‏

و في صورة كون الشبهة دائرة بين الحرمة و غير الوجوب و في هذه المسألة

اختلاف بين الأخباريين و الأصوليين و نحن نقول بالبراءة وفاقا للأصوليين و خلافا

لهم القائلين بالاحتياط و الآن نذكر دليل البراءة ثم نتبعه بدليل الاخباري فنقول‏

يدل على البراءة الأدلة الأربعة
من الكتاب و السنة و الإجماع و العقل.

اما الكتاب‏
ففيه آيات منها قوله تعالى لا يكلف اللّه نفسا الا ما آتاها.و تقريبها

عندنا هو ان المراد بالتكليف هو البعث و الزجر و المراد بكلمة ما مطلق الشي‏ء أعم‏

من كونه تكليفا أو مالا لأن الوضع في الحروف و الأسماء عام كما ان الموضوع له‏

عام و الخصوصيات تستفاد من الخارج فقوله تعالى و جاء رجل من أقصى المدينة

يكون استعمال الرّجل في معناه العام و تعيين حبيب النجار مصداقا له يكون من جهة

قرينة خارجية و هي مجيئه من أقصى المدينة و غيره.

و هكذا كلمة ما الموصولة في المقام و الإيتاء أيضا استعمل في معناه الحقيقي‏

و إيتاء كل شي‏ء بحسبه فان إيتاء الحكم بنحو و إيتاء المال أيضا بنحو آخر و ليس‏

بمعنى الاعلام فيصير معناها ان اللّه تبارك و تعالى لا يبعث و لا يزجر نفسا إلاّ بتكليف‏

أعلمها أو مال أعطاها فإذا لم يكن بيان التكليف و هو إتيانه لا يكون له تعالى بعث‏

و زجر فيكون المكلف بريئا من التكليف قبل إعلامه و كلمة ما مفعول به لا مفعول‏

مطلق بأن يقال لا يكلف اللّه تكليفا بل المعنى لا يكلف اللّه شيئا من الصلاة و الصوم‏

و الزكاة و بهذا التقريب يندفع جميع الإشكالات.

منها ان المحتملات في الآية المباركة ثلاثة بالنسبة إلى الموصول الأول أن‏

يكون المراد منه هو التكليف و من الإيتاء الوصول و الاعلام الثاني ان يكون المراد

من الموصول هو المال و من الإيتاء هو الملك أي لا يكلف اللّه نفسا الا بمال ملّكه‏

الثالث يكون المراد بالموصول مطلق الشي‏ء و من الإيتاء الإقدار أي لا يكلف اللّه‏


250
نفسا الا بما أقدرها عليه.

و لا مجال للاحتمال الثاني لأنه يلزم منه التكرار لأن صدر الآية يكون متعرضا

له بقوله تعالى و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللّه.

و لا للأول لأن صدر الآية منوط بالمال و لا يناسب التكليف و لا للثالث لأن‏

المراد بالإيتاء ان كان الإقدار فلا يناسب الحكم فانه يحتاج إلى الاعلام و الإقدار يناسب‏

بالنسبة إلى المال.

و ربما قيل كما عن النائيني قده‏1و غيره بأن الاحتمال الأول و هو كون‏

المراد بالموصول التكليف لازمه أن يكون مفعولا مطلقا و على فرض كون المراد منه‏

المال أن يكون مفعولا به و نحو وجود المفعولين مختلف فان المفعول المطلق يتخذ

من حاق الفعل و المفعول به يكون غيره و يتعلق به الفعل فكيف يمكن أن يكون‏

المراد من الموصول هو الأعم من المفعول المطلق و المفعول به فان الجمع بينهما

غير ممكن و هذا وجه آخر لبطلان الاحتمال الثالث.

و لكن نحن نقول لا نحتاج إلى القول بالأعم بهذا المعنى حتى يلزم علينا رد

هذا الإشكال بل نقول كلمة ما الموصولة يكون مفعولا به مطلقا و لا يكون المعنى‏

لا يكلف اللّه تكليفا بل نقول ان متعلق التكليف أيضا هو مفعول به فانه اما أن يكون‏

الصلاة أو الصوم فنقول لا يكلف اللّه نفسا الا بالصلاة و الصوم اللذين أقدر

المكلف عليهما.

و قال شيخنا الأستاذ العراقي قده يكون الاستعمال في خصوص التكليف مستفادا

من دال آخر و الا فبعد كون كلمة ما في الوضع عاما مع الموضوع له العام يلزم من‏

إرادة جميع المعاني تعدد اللحاظ مع انه واحد.

و هذا الكلام منه(قده)مع انه زاد الإشكال به و لم يكن جوابا فان الدال‏

الاخر لم يكن في المقام بعد كون كلمة ما موضوعا للمعنى العام و معنى زيادة الإشكال‏

1في فوائد الأصول ص 14 و أجاب عنه أيضا فيه ثم اختار ما يقرب من‏

اختيار الأستاذ مد ظله بل هو عينه عند قوله و لكن الإنصاف إلخ.


251
هو انه لو كان لنا دال آخر أيضا مثل ما ورد من الرواية هل كلف الناس بالمعرفة

قال لا على اللّه البيان لا يكلف اللّه نفسا الا ما آتاها فان المراد هو البيان بالنسبة إلى‏

كل شي‏ء تكليفا كان أو مالا أو شيئا آخر فلا يكون مضرا بعمومية وضع العام و الموضوع‏

له العام‏1.

ثم الإشكال بأن المراد لا بد ان يكون المال من الموصول لأن السياق يكون بالنسبة

إليه أيضا غير وارد لأن ما ذكرنا من الأعمية لا ينافى السياق لأنه يكون أعم من المال‏

و غيره فلا يكون مخالفا للسياق حتى يقال المتيقن منه المال لا التكليف حتى يفيد

أصالة البراءة عما شك فيه.

و من الإشكالات في المقام هو ان غاية ما يستفاد من الآية هي أن التكليف‏

بدون البيان لا يكون من الشرع الأنور و لا ينفى التكليف مع البيان فيقول الاخباري‏

هنا ان الاخبار الآمرة بالاحتياط تكون واردة على هذه الآية لأن موضوعها عدم‏

البيان و الاحتياط بيان.

و لا يقال عليه ان الاحتياط لا يكون وجوبه نفسيا بل يكون طريقا إلى الواقع‏

فلم يثبت الواقع في ظرف الشك لنتوصل إليه بالاحتياط فيكون المقام من الشبهة

المصداقية لدليل الاحتياط ضرورة انه نشك في وجود الواقع فيتحقق المعارضة بين‏

الآية و الاخبار الآمرة بالاحتياط من جهة عدم وجوبه لعدم ثبوت التكليف و من حيث‏

انه يقول يجب الاحتياط في هذا المورد.

لأنا نقول يمكن ان يقال بأن الاحتياط يكون على فرض الواقع كما قلنا بأن‏

الأمارات بيان على الطريقية على فرض الواقع الا انه لا يكون للكلام في المقام‏

أصل حيث أن الأمارات ناظرة إلى الواقع و طريق لها و لكن الاحتياط لا يكون نظره‏

إلى الواقع فلا يكون بيانا و العمل به يكون من باب اللابدية.

و التحقيق ان يقال في جوابه ان الآية في مقام بيان الحكم الامتناني على العباد

1قد استفدنا أكثر ما في المقام منه مد ظله بعد الدرس.


252
بأنه إذا لم يصل التكليف إليكم بواسطة دسّ الدساسين بعد جعله لا يكون عليكم‏

التكليف و اما التكليف الّذي لا يكون مجعولا من رأسه فلا يكون الامتنان في رفعه‏

لأنه غير مجعول من الأول فالحكم يكون مرفوعا في مرتبة الظاهر و الواقع بالنسبة

إلى ما لا بيان من الشرع أي البيان الواصل فليس للأخباري أن يقول انه مرفوع في‏

مرتبة الظاهر دون الواقع حتى يجب الاحتياط لحفظ الواقع فالمعارضة بين الآية

و اخبار الاحتياط محققة و سيجي‏ء عدم تمامية الاخبار في الاحتياط لأنها معارضة بمثلها.

و من الآيات الدالة على البراءة قوله تعالى و ما كنا معذّبين حتى نبعث رسولا.

و تقريب الاستدلال هو ان مقتضى الألوهية بمقتضى الفطرة أيضا هو عدم‏

العذاب بدون بعث الرسل و إنزال الكتب فإذا لم يكن البيان واصلا إلينا لا يكون علينا

التكليف حتى يلزم من مخالفته العقاب و العذاب في الآخرة كما أن مقتضى العبودية

بعد بيان التكليف هو الإطاعة فالعقاب بدون البيان خلاف الألوهية و العصيان بعد البيان‏

خلاف العبودية.

و قد أشكل أولا على الآية أيضا بإشكالات واهية الأول ان الآية كما هو الظاهر

من قوله تعالى ما كنا إلخ تكون في مقام بيان قضية ماضية في الأمم السالفة أي انا

ما عذّبنا الأمم السالفة و ما أهلكناهم في الدنيا الا بعد إرسال الرسل فعصوا فكان‏

عاقبة أمرهم الهلاك أي العذاب الدنيوي و لا تكون في صدد بيان عدم العذاب في‏

الآخرة بالنسبة إلى الأمة المرحومة حتى يستدل بها للبراءة.

و فيه ان المشتق لا يكون الزمان فيه مأخوذا حتى يقال انه يكون زمانه هو الماضي‏

بل يكون لمطلق الحدث و هو ان العذاب لا يكون من شأن اللّه بدون البيان و لو سلم‏

فيستفاد منها أن العذاب في الدنيا كان مع البيان فنحن بالأولوية القطعية نستفيد منها

أن عذاب الآخرة بدون البيان و إرسال الرسل لا يكون من شأن اللّه تعالى فلا وجه‏

لهذا الإشكال.

و ثانيا بأن الآية تكون في مقام بيان نفى فعلية العذاب لا في مقام بيان نفى الاستحقاق‏

و قد استحسنه بعضهم فلا تكون نافية للاحتياط كما انه في بعض الموارد يعفو عن‏


253
العقاب المسلم مثل مورد الظهار.

و قد أجاب عنها شيخنا العراقي قده بأن الآية لا تكون في مقام نفى الفعلية فقط

بل في مقام بيان نفى الاستحقاق أيضا لأن العقاب كما مر يكون خلاف شأن الألوهية

و لو كان الاستحقاق متحققا ما كان وجه لنفي التعذيب مطلقا بل ربما يعذب و ربما

يعفو لأنه تعالى في خيار.

و قال الشيخ و الخراسانيّ(قدهما)انها ظاهرة في نفى الفعلية الا انه يكون‏

الإجماع على نفى الاستحقاق أيضا نافيا له و الثاني يقول ان الاخباري يعترف بأنه إذا

كانت فعلية العذاب منتفية يكفى الانتفاء لعدم وجوب الاحتياط و يقول بالملازمة

بين فعلية التكليف و وجوب الاحتياط فبانتفائها ينتفي الاحتياط و نحن نكون في مقام‏

جواب الأخباري و هذا كاف لنا في ردّه.

و الجواب اما عن الأول فلان الإجماع في المسألة الأصولية معلوم السند فلا

نتمسك به و عن الثاني انه جدل يقنع الاخباري به و لكن لا ينفى أصل الإشكال فانه‏

مع الاستحقاق يجب الاحتياط في الواقع.

أقول ما هو المهم لنا في المقام هو نفى العذاب و العقاب سواء كان الاستحقاق‏

في الواقع أم لا و رجاء العفو مع المعصية العمدية يكون للعبد و لا يكون مسلما

حتى يقال مع استحقاق العقاب لا يكون العذاب ليثبت به وجوب الاحتياط فبينهما

بون بعيد فلا يقال في المقام بالاستحقاق و العفو كما يقال في ذاك المقام.

و هنا وجه آخر لبعض الظرفاء1من الأعيان في مقام القول برفع العذاب‏

الفعلي بأن ما هو المهم هو رفع عذاب الوجوب و الحرمة اللذان هما الحكم و هما

يستفادان من التكليف الفعلي.

1لم يبين كلام هذا العين و هو الكمپاني أزيد مما ذكرناه بل أشار بنحو مجمل‏

و كلامه في حاشيته على الكفاية فارجع إليه و الوقت لا يسعنا لبيان كلامه و ما فهمنا

منه أيضا لا يخلو عن إشكال لقصور فهمنا عن دركه.


254
و فيه انه غير منوط بالاستحقاق و عدمه في المقام و استفادة ما ذكر يكون من‏

فعلية الأحكام هذا تمام البحث فيما أردنا إيراده من الآيات على البراءة و لا نتعرض‏

لغيرها لعدم تماميتها و فيما ذكرنا غنى و كفاية.

الروايات التي استدل بها على البراءة

و هي أيضا كثيرة

منها حديث الرفع‏
الّذي هو المشهور و يكون فقراتها سارية

في الفقه و الأصول في باب المعاملات و العبادات و يجب ان يتوجه إليه كاملا و تسمية

هذا الحديث بالنبوي لا يكون مثل سائر النبويات فان هذا التعبير يكون لأجل نقل‏

الإمام عليه السّلام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هو في الخصال و التوحيد مسند بسند صحيح و في‏

من لا يحضره الفقيه باب 14 ح 3 قول صلى اللّه عليه و آله رفع عن أمتي تسعة أشياء الخطاء و النسيان‏

و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و الطيرة و الحسد

و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفته.

و قبل الورود في البحث عن الاستدلال يجب رسم أمور.

الأمر الأول‏
ان الفرق بين الرفع و الدفع هو أن الأول يطلق بالنسبة إلى شي‏ء

يكون شاغلا لصفحة الوجود ثم رفع بسبب من الأسباب و أزيل و اما الدفع فيطلق‏

بالنسبة إلى شي‏ء لم يأت في صفحة الوجود فيوجد المانع عن وجوده.

و فقرات هذا الحديث الشريف لا يكون الرفع بالنسبة إلى جميعها صادقا ففي فقرة

ما لا يعلمون التي تكون دليلنا على البراءة يكون الرفع بمعنى الدفع أي لم يجعل حكم‏

من قبل الشارع بالنسبة إلى غير العالم و اما بالنسبة إلى ساير الفقرات يكون بمعنى الرفع‏

فان الخطاء و الاضطرار و أمثالهما يكون موجودا فيرفع حكمه عن صفحة الوجود مع‏

أن الرواية استعمل فيها كلمة الرفع بالنسبة إلى الجميع فهل يكون هذا الاستعمال‏

مجازا أو حقيقة فيه اختلاف.

فقال الشيخ‏ (1) النائيني قده بما حاصله هو أن الرفع و الدفع يكون لهما جهة

1)في تقرير بحثه فوائد الأصول ص 122.


255
اشتراك و هي ان الشي‏ء كما يحتاج في وجوده إلى المؤثر كذلك يحتاج في بقائه‏

أيضا إليه و ما يمنع عن تأثير المؤثر و اقتضائه يطلق عليه الدافع و ما كان موجودا ثم‏

أزيل عن صفحة الوجود يكون هذا في الواقع دفعا1لتأثير المؤثر في البقاء و ما لم‏

يجئ في صفحة الوجود ثم حدث المانع يكون دفعا للتأثير في الحدوث فهما مشتركان‏

في إطلاق الدفع عليهما و جهة امتياز و هي مسبوقية أحدهما بالوجود و عدم مسبوقية

الاخر به فلا مجاز في الكلمة لكون الاستعمال موافقا للوضع و لا في الإسناد لعدم الاحتياج‏

إلى التقدير كما سيجي‏ء فاستعمال الرفع في الدفع لا إشكال فيه.

و الجواب عنه انه ان كان المراد هو الاستعمال في ذلك بقرينة أخرى غير وضع‏

اللفظ فهو خلاف المتبادر و ليسا مترادفين ليصح فيه ذلك فان المتبادر هو وضع كل‏

واحد منهما بإزاء معنى واحد و الحاصل مع الوضع الواحد ندعي انه خلاف المتبادر

لأنه يكون متعددا.

و ان كان مراده الاستعمالين بمعنى ان الدفع يستعمل في معناه تارة و في الرفع‏

أخرى فهذا كلام عجيب فان المفهوم المتعدد يكون له مطابق متعدد و المفهوم‏

الواحد لا يمكن ان يكون له مطابق متعدد الا ان يكون في أحدهما على سبيل المجاز

فاستعمال الرفع‏2في الدفع مجاز و الحاصل مع الوضع المتعدد يكون استعمال‏

1أقول هذا يرجع إلى أن يقال ان كل رفع دفع في الواقع و لكن لا يرجع‏

إلى أن يكون كل دفع رفعا في الواقع حتى يكونان مترادفين و يصح استعمال‏

كل منهما في الاخر فيكون الرفع مختصا بمورد و الدفع مختصا بمورد و نحتاج‏

إلى قرينة المجاز مع وجود العلاقة في استعمال أحدهما في الاخر أو يقال ليس لنا

رفع أصلا و ليس له مطابق لأن كل رفع دفع و هذا خلاف الواقع فان الرفع يكون‏

المتبادر منه في العرف غير الدفع و هو علامة الوضع.

2أقول يمكن أن نختار أن الوضع يكون متعددا و في المقام ندعي وجود

القرينة على فرض قبول استعمال الرفع في الدفع و هو عدم إمكان كون المولى‏

الحكيم لاغيا في الكلام فان هذا قرينة عقلية عليه و سيجي‏ء معنى الرفع و الدفع في‏

فقرة ما لا يعلمون.


256
كل واحد في الاخر مجازا و هو خلاف الواقع.

و قال شيخنا العراقي قده بما حاصله ان لنا حقيقة واقعية و حقيقة ادعائية فيمكن‏

ان يكون استعمال الرفع في الدفع من باب استعمال للفظ في المعنى الحقيقي الأعم‏

من الادعائي و الواقعي فيكون استعمال لرفع في الدفع من باب انه يكون رفعا بالنسبة

إلى الوعاء المناسب له.

و هذا كما نقول في إسقاط الخيار في ضمن العقد فان إسقاط ما لم يجب لا معنى‏

له فان المعاملة قبل وقوعها لا يكون فيها خيار حتى نقول بسقوطه و ليس هذا لا لتصور

معنى أعم للسقوط الّذي يناسب مع ما لم يكن فعلا موجودا فوجود مقتضى هذا الحق‏

في التشريع يكفى لإسقاطه فيستعمل السقوط بدون العناية في ذلك و في المقام أيضا

كذلك فانه يستعمل الرفع في الدفع لشدة المقتضى لوجود هذا الشي‏ء.

و الجواب عنه هو انه ليس كذلك فان الحقيقة الادعائية تحتاج إلى العناية

و ما قال في إسقاط الخيار يكون الإسقاط فيه على فرض الثبوت لا الإسقاط بلحاظ

المقتضى فهذا القول لا يناسب التبادر.

فالصحيح ان يقال ان للرفع و الدفع جامع في الوجود1و هو ما قال شيخنا

النائيني قده فيمكن استعمال أحدهما في الاخر بهذا اللحاظ و ما قلنا في جوابه قده‏

من انه خلاف التبادر يمكن العدول عنه بأن نقول التبادر تارة يكون إطلاقيا أي يحدث‏

بواسطة كثرة الاستعمال و تارة يكون كاشفا عن الوضع ففي المقام يمكن ان يقال‏

ان التبادر يكون من جهة كثرة الاستعمال و لا يكون كاشفا عن الوضع فاستعمال‏

الرفع في الدفع لا يكون خلاف الوضع فيكون حقيقة فاستعمال الرفع في الحديث‏

الشريف في جميع الفقرات مع أن بعضها دفع لا إشكال فيه و لا يضر بالحديث الا ان‏

1و قد اتضح مما تقدم أن المتبادر خلافه و لا إشكال في ادعاء المجاز لو فرض‏

الدفع في بعض الفقرات و فيه تأمل و سيجي‏ء و لا يمكننا المساعدة مع القول بأن‏

التبادر لا يكون هنا كاشفا عن الوضع.


257
يدعى أن التبادر كاشف عن الوضع فيشكل الأمر حينئذ.

الأمر الثاني‏
ان فقرات الحديث الشريف لا تكون متساوية الإقدام من حيث العلية

للرفع و عدمها ففي أربعة فقرات منه و هو ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه‏

و ما استكرهوا عليه يكون العناوين الأربعة الجهل و عدم الطاقة و الاضطرار و الإكراه‏

علة لرفع الشارع الحكم عنهم بوجوده التكويني و الثلاثة من الفقرات و هي الحسد

و الوسوسة و الطيرة لا تكون كذلك بل بالعكس فان هذه العناوين علة لإثبات الحكم فان‏

الحسد علة لوجود الحرمة و كذلك أخواه فيكون بين الطائفتين من الفقرات تمام المقابلة

فيكون بعضها علة الإثبات و بعضها علة لرفع فكيف استعمل الرفع فيهما.

و الخطأ و النسيان في الفقرتين الأخريين لا يكونان مرفوعين أصلا بل ما هو المرفوع‏

أثر المخطإ و المنسي فانه ربما يكون الأثر على الخطاء و السهو مثل وجوب الدية على‏

القتل الخطئي و ضمان الشي‏ء و ان أتلفه أو أضرّ به خطاء و مثل وجوب سجدة السهو في‏

الصلاة إذا نسي بعض الاجزاء فلا يكون حكم الخطاء و السهو مرفوعا مطلقا فما يكون‏

أثر نفس الخطاء لا يكاد يرفع بواسطة الخطاء و كذلك النسيان و لذا يقال في الطلاق‏

عن خطاء أن المرفوع هو أثر الطلاق و هو المخطي.

لا يقال لا يصح اسناد الرفع إلى الخطاء و النسيان مع أن المرفوع هو المخطي‏

بلحاظ اثره لأنا نقول هذا النحو من الاستعمال متعارف فانه ينفى المصداق بإسناد

النفي إلى الطبيعة فيقال الخطاء مرفوع مع انه بدال آخر يفهم أن المرفوع مصداق‏

ما وقع الخطاء فيه و هذا كالطلاق الذي مر مثاله و سيجي‏ء روايته في ضمن الروايات فان‏

التطبيق على المخطي و هو الطلاق و اسناد الرفع إلى الخطاء يكون قرينة على ذلك.

ففي جميع ما ذكرناه يمكن ان يقال بأن الرفع يستند إلى مقتضى الحكم بمعنى‏

أن الشارع دفع ما كان مقتضيا عن اقتضائه‏

و قال شيخنا النائيني قده ان الحكم في فقرة ما لا يعلمون لا يكون له تشريع فان‏

الحكم الّذي يكون مجعولا لا يسند الرفع إليه الا على نحو النسخ فلا بد ان يقال بأن‏

الرفع يكون بمعنى الدفع أي لم يكن الحكم مجعولا من رأسه لمنع مقتضية عن‏


258
الاقتضاء و اما في غيره من الفقرات و هي الخطاء و النسيان و الاضطرار و الإكراه‏

و ما لا يطاق فتكون نتيجة الدفع تخصيص الحكم بما عدى هذه الموارد

و يكون التخصيص واقعيا بالنسبة إليها و ظاهريا بالنسبة إلى ما لا يعلمون أي في ظرف‏

الشك يكون الحكم مرفوعا و بالنسبة إلى الحسد و الوسوسة و الطيرة أيضا لا يكون‏

الحكم مجعولا من رأسه فيكون الرفع دفعا.

و يمكن الجواب عنه قده بأن التخصيصات طرا يرجع في الواقع إلى التخصصات‏

فالتخصيص فيما لا يعلمون أيضا يرجع إلى التخصص و مراده بالتخصيص الظاهري‏

هو رفع إيجاب الاحتياط لا أصل الحكم و لكن بواسطة دفع مقتضى الحكم عن‏

الاقتضاء فيكون نتيجة ذلك رفع الاحتياط و لكن نحن تبعا للشيخ قده نقول لا فرق‏

في الفقرات فان إيجاب الاحتياط يكون مرفوعا ابتداء.

الأمر الثالث‏
ان الرفع في المقام لا يكون له معنى بالنسبة إلى متعلقاته ففي مثل‏

رفع ما لا يعلمون يكون معنى ما لا يعلم هو الجهل و الجهل غير مرفوع بل هو ثابت‏

و كذلك الاضطرار و الإكراه و غيره يكون ثابتا غير مرفوع.

كما يقال المؤمنون عند شروطهم مع أنهم لا يكونون كذلك فانهم ربما

ينقضون عهدهم و شرطهم فقال الشيخ الأعظم قده لا بد من تقدير شي‏ء بأن يقال‏

رفع مؤاخذة ما لا يعلم و غيره أو جميع آثاره أو ان اثره الظاهر مرفوع صونا لكلام‏

الحكيم عن اللغوية فان الاخبار عن امر غير واقع يكون كذبا و يخرج عن الكذب‏

بالتقدير.

و قال شيخنا النائيني قده انا لا نحتاج إلى التقدير لأن الحاجة إليه انما يكون في‏

صورة توقف تصحيح الكلام عليه و هو أن يكون ما ذكر اخبارا عن امر خارجي أو

يكون الرفع رفعا تكوينيا فانه لا بد عليه من تصحيح الكلام بنحو يخرجه عن الكذب‏

و اما إذا كان الرفع تشريعيا فالكلام يصح بلا تقدير فان الرفع التشريعي كالنفي‏

التشريعي ليس اخبارا عن امر واقع بل إنشاء لحكم يكون وجوده التشريعي بنفس‏

الرفع و النفي كقوله صلى اللَّه عليه و آله لا ضرر و لا ضرار و كقوله عليه السلام لا شك لكثير الشك و أمثال‏


259
ذلك مما يكون متلو النفي امرا ثابتا في الخارج.

و الحاصل لا يكون الشارع في المقام في مقام الاخبار بل في مقام إنشاء الحكم‏

نعم لا بد للتعبد كذلك من أثر شرعي و هو غير التقدير.

و الجواب عنه قده ان الكلام في نظيره مشكل كما في المقام اما في نظائره و هو

كل ما يكون التشريع بلسان الاخبار كما في قوله يعيد الصلاة و المؤمنون عند شروطهم‏

فلا يستقيم ان يقال بأنه يجب الإعادة و يجب الالتزام بالشرط فان مطابق هذه العبارات‏

ليس ما ذكر الا بنحو المجاز و لا يليق بشأن الإمام عليه السّلام الّذي هو في غاية البلاغة.

و لذا قلنا في أمثال المقام انه اخبار عن وجود المقتضى في الخارج لوفور

المقتضى و الإرادة الشديدة بالنسبة إليه فيخبر بوجود الإعادة و يستعمل في معناه‏

الاخباري لهذه النكتة.

لكن الآن بعد التدبر نرى الإشكال في هذا البيان أيضا و هو أن الإرادة الواصلة

تكون الشدة بالنسبة إليها متصورة و اما غير الواصلة كما في المقام و غيره فلا لأنه ان‏

كان لنا سند آخر غيره فيكون هو السند و لا نحتاج إلى هذا الاخبار و ان شئنا إثباته‏

بهذا الخبر فيكون دوريا لأن ثبوته يتوقف على كشف الإرادة كذلك‏1و كشفها

متوقف على ثبوته.

و لكن يمكن ان يقول كما هو مفاد كلامه بأن الاضطرار و غيره لا يكون له‏

وجود تشريعي كما يقال ليس لشرب الخمر وجود تشريعي و نفى هذا الوجود يلزمه‏

نفى الأثر الشرعي لا تقدير شي‏ء في الحديث.

و قال شيخنا العراقي قده بما ان حاصله يرجع إلى قريب من مسلك شيخنا

1و أقول ان عبارة الاخبار تكون لها كاشفية عرفية على المطلوب‏

كالأمر فيكون استعمال يعيد الصلاة في مقام الأمر مقام أعد الصلاة و اما أصل الإتيان‏

بالجملة الخبرية فيكون لأبلغية هذا الكلام في إثبات المطلوب عند أهل المحاورة

و ثبوت واقع الإرادة متوقف على علله لا على الكشف.


260
النائيني قده و هو أن الرفع يكون أعم من الحقيقي و التعبدي كما في موارد الاستصحابات‏

فان القول بعدم نقض اليقين بالشك مع انه صار منقوضا به تكوينا يكون التعبد ببقاء

اليقين إلى أن يحصل اليقين بالخلاف فاستصحاب العدم يكون بناء على العدم و استصحاب‏

الوجود يكون بناء على الوجود مع انه لم يكن وجوده التكويني مسلما مثل استصحاب‏

حياة زيد و ترتيب اثره من نفقة زوجته و غيره فإذا قيل رفع ما لا يعلمون إلخ يكون‏

معناه الرفع التعبدي في وعاء العين أي الخارج لا الرفع التشريعي و حيث أن التعبد

يحتاج إلى أثر شرعي فعلى مسلك النائيني قده يكون الرفع في وعاء التشريع و على‏

مسلك شيخنا العراقي قده يكون الرفع بلحاظ وعاء التكوين لكن تعبدا.

الأمر الرابع‏
لا شبهة في أن المستفاد من هذا الحديث الشريف هو أن الرفع‏

يكون امتنانا من الشرع على العباد لما ذكر فيه من العناوين التعليلية من الجهل‏

و الاضطرار و الإكراه و غيره فان هذه العناوين صارت سببا لرفع الحكم لكن وقع‏

الاختلاف بينهم رضوان اللّه عليهم من حيث أن الامتنان في الرفع كاف أو يلزم أن‏

يكون وضعه أيضا خلاف الامتنان.

مثال ذلك هو ان المضطر الّذي صار بطبعه مضطرا يكون وضع التكليف‏

بالنسبة إليه خلاف الامتنان و يكون في رفعه الامتنان و اما من صار مضطرا بسوء اختياره‏

فلا يكون وضع التكليف بالنسبة إليه خلاف الامتنان لأنه كان بسوء اختياره فحينئذ

هل يرفع التكليف عنه فان الرفع في هذه الصورة يكون امتنانا و لكن الوضع‏

لا يكون خلافه.

فربما قيل بأن التكليف لا يلزم ان يكون وضعه خلاف الامتنان بل إذا كان‏

رفعه موافقا له يكفى استنادا بأن المنة منصرفة إلى الدرجة العليا منها و هي في صورة

كون الاضطرار بالاختيار أيضا منطبقة.

و ربما قيل بأن المتيقن من الرفع هو أن يكون وضع التكليف خلاف‏

الامتنان و هو يكون في صورة الاضطرار بالطبع مثلا و مع الشك في ذلك أيضا حيث‏


261
يكون الرفع مطلقا عن قيد الامتنان فحيث تكون القرينة لذلك حافة بالكلام كالقرينة

العقلية فيوجب الإهمال من هذا الحيث فيؤخذ بالمتيقن.

و هذا البحث يترتب عليه ثمرات فقهية منها ما مر في مطاوي الكلمات و هي‏

انه لو دخل شخص في دار خمّار يعلم انه يجعله في اضطرار شرب الخمر فاضطر

و شرب يكون عاصيا معاقبا على القول بان الرفع يكون مختصا بصورة كون الوضع‏

خلاف الامتنان و غير معاقب على القول بالأعم و على الأول يجب عليه التحفظ حتى‏

لا يقع في المحذور فان وقع فيه معه يكون مشمولا للحديث.

لا يقال مرجع القول بعدم شموله لصورة عدم كون الوضع خلاف الامتنان‏

هو القول بوجود التكليف في هذه الصورة بالاجتناب عن الخمر و عن كل ما وقع‏

فيه بسوء الاختيار و لسان الحديث هو الرفع لا الوضع.

لأنا نقول الواقع من التكليف يكون منحفظا في ظرفه بدليله و انما نحتاج إلى‏

رفع الحكم بدليل فشرب الخمر حرام يجب لنا تهية دليل لرفعه في صورة الإكراه‏

مثلا و لا يكون وضع هذا التكليف على هذا الفرض منسوبا إلى الحديث حتى يقال‏

ان مفاده الرفع لا الوضع.

و منها في صورة العلم بالغبن و الإقدام على المعاملة الغبنية فعلى مسلك القدماء

من التمسك بحديث الرفع لخيار الغبن لا يأتي الخيار في صورة العلم بالغبن لأن‏

وضع التكليف في صورة الإقدام لا يكون خلاف الامتنان على هذا المسلك و اما على‏

القول بالأعمية فيمكن التمسك به في هذه الصورة أيضا و اما الشيخ الأنصاري قده‏

فيتمسك لخيار الغبن بان الشرط الضمني عند العقلاء في المعاملة هو تساوى الطرفين‏

من المبيع و الثمن و لا فرق في صورة العلم و الجهل كما حرر في محله.

الأمر الخامس:
أن الحديث حيث يكون في مقام بيان الرفع لا الوضع يجب‏

أن يراعى فيه أن لا يكون الرفع موجبا للوضع و الا فلا يجري.

مثال ذلك هو انه لو شك في أن الشرط لوجوب الحج هل يكون هو


262
الاستطاعة العرفية أو العقلية لا يمكن جريان الحديث في العرفية و يقال انها مرفوعة

لأن من رفعها يلزم وجوب الحج في صورة عدم الاستطاعة العرفية و هو موجب للكلفة

و هكذا كل مورد يكون الشك في شرطية شي‏ء للوجوب فان رفع الشرطية حيث‏

يوجب استقرار التكليف لا تجري الحديث فيه بخلاف شرط الواجب فانه حيث يكون‏

نتيجته رفع الكلفة فيجري فيه فإذا شك في أن عدم النّظر إلى الأجنبية هل يكون شرطا

لصحة الصلاة أم لا يجري أصالة دمه و نتيجته صحة الصلاة معه و لو كان معصية.

و يحتاج إلى جريان الرفع هنا من لم يلتفت إلى أن اجتماع الأمر و النهي هنا موردي‏

و الا فيعلم عدم الشرطية بواسطة الالتفات إلى ذلك و هكذا نقول في كل موارد الشك‏

في الأقل و الأكثر الارتباطي فان الحديث يجري بالنسبة إلى رفع الأكثر حيث انه لا يوجب‏

كلفة زائدة بل يكون رفع تكليف محض.

و اما في كل موارد الشك في الوجوب من ناحية الشرط فلا يجري لأنه موجب‏

للتكليف و هو خلاف مفاده.

الأمر السادس:
هو انه حيث يكون امتنانيا فهل يجري في صورة لزوم الضرر

على الغير أو لا خلاف بين الشيخ الخراسانيّ قدهما.

مثال ذلك هو انه إذا كان محتاجا إلى حفر بئر في داره يضر بجدار جاره فيقول‏

الخراسانيّ(قده)ان قاعدة الناس مسلطون على أموالهم من أصلها لا تشمل صورة

الإضرار بالغير و قال الشيخ قده بأن القاعدة مطلقة ففي كل مورد يوجب الضرر يمنعها

فعلى مسلك الأول لا نحتاج إلى المانع و على الثاني نحتاج إلى حكومته.

ثم ان حفر البئر اما لا يكون تركه ضرريا عليه و هو خارج عن البحث و اما يكون‏

مضطرا إليه و هو مورد البحث كما إذا كان خراب داره في تركه بواسطة المياه‏

الزائدة فعلى مسلك الشيخ قده يكون التعارض بين اللاضررين بالنسبة إليهما و يكون‏

المرجع هو قاعدة الناس إلخ لأنها على فرض التعارض لا مانع من جريانه.

و اما على مسلك الخراسانيّ قده فحيث يكون قاعدة الناس من الأول غير

شامل للمورد كما انها ليس مقتضاها حركة العصا تمسكا بها و لو أوجب كسر رأس‏


263
شخص آخر على هذا المسلك و الضرر ان أيضا متعارضان لأن دليل اللا ضرر أيضا امتناني‏

لا يمكن ملاحظته بالنسبة إلى شخص واحد و لا مجرى لأصالة البراءة و القول بالجواز

لأنها أيضا يكون امتنانا على الأمة لا على الشخص كما هو مفاد حديث الرفع فتصل‏

النوبة إلى أصالة الإباحة لأنها ليست امتنانية1.

الأمر السابع:
لا يخفى أن الحكم في الحديث الشريف يكون على ثلاثة أنحاء الأول‏

ان يكون على الموضوع بنحو اللا بشرط المقسمي أي لا بشرط الإطلاق و لا التقييد

عن الجهل و الاضطرار و غيره مثل أن الحكم يكون بالحرمة على شرب الخمر غير

مقيد بحال الاضطرار أو الاختيار بل الموضوع نفس شرب الخمر.

الثاني:أن يكون الحكم على الموضوع بشرط عدم الاضطرار و غيره.

و الثالث:ان يكون الحكم على الموضوع بشرط شي‏ء من العناوين المذكورة

في الحديث مثل ان يكون الحكم مترتبا على السهو كما يقال في وجوب سجدة

السهو فأن موضوعه يكون مقيدا بالسهو و كذلك الحكم بالدية على العاقلة في القتل‏

الخطئي فأن الموضوع مقيد بالخطإ.

و لا يخفى أن حديث الرفع يكون محل انطباقه هو صورة الأولى و لا يكاد

يكون انطباقه في الصورة الثانية لأنه مع الاضطرار لا يكون الحكم عليه ليرفع‏

بواسطة حديث الرفع.

و كذلك الصورة الثالثة بالعكس فان الحديث لا ينطبق على صورة كون الحكم‏

على الموضوع الخطئي و غيره فأنه لا بد من ترتيب الآثار الموضوعة في الشرع عليه‏

فان العنوان هنا يكون علة للحكم فلا يمكن أن يكون علة لرفعه أيضا للزوم التناقض‏

1على فرض كون الدليل من الشرع في الإباحة من أين يقال لا يكون امتنانيا

فان قوله تعالى و الأرض وضعها للأنام أي امتنان أعلى و أجل من هذا مع انه يكون‏

مثل دليل البراءة لكن في خصوص الأموال فمع قصور قاعدة الناس كما هو الحق‏

بحسب التصالح بتقسيم الضرر و الخسارة فيتحمل بعضه هذا و بعضه ذاك.


264
إذا عرفت هذه الأمور العامة فيجب البحث بعدها في كل فقرة من الفقرات‏

على حدة لكثرة الفائدة في ذلك فنقول.

البحث الأول في فقرة ما لا يعلمون‏
1

قد اختلف الكلام في المرفوع في هذه الفقرة و أن المراد من كلمة ما هل هو

إيجاب الاحتياط أو المؤاخذة أو تنجيز الواقع في الظاهر و منه يتضح أن الرفع هنا

يكون بمعنى الدفع أو يكون مستعملا في معناه.

فنقول هنا مسالك ثلاثة الأول ما عن شيخنا العراقي قده و هو المستفاد من كلام‏

الشيخ الأنصاري قده و هو أن المرفوع يكون إيجاب الاحتياط في ظرف الجهل.

الثاني:مسلك شيخنا النائيني قده و هو أن الرفع يكون بمعنى دفع مقتضيات‏

الأحكام عن الاقتضاء في ظرف الجهل و ينتج رفع الاحتياط أي من آثار دفع الواقع‏

رفع الاحتياط.

الثالث:مسلك الخراسانيّ قده و هو أن المرفوع هو الحكم الفعلي في مرتبة

الظاهر مع إمكان وجوده في الواقع و لعلنا بعون اللّه تعالى يمكننا إرجاع مسالكهم‏

إلى مسلك واحد.

فاستدل الأول لقوله بأمور:الأول أن المؤاخذة و استحقاق العقاب يكون من‏

الآثار العقلية المترتبة على العصيان و لا تناله يد الجعل إثباتا و نفيا ضرورة انه لا يمكن‏

رفع العقاب الثابت على فرض العصيان بالتعبد و ما تناله يد الجعل يكون إيجاب‏

الاحتياط شرعا ضرورة انه يمكن ان يقال بأنه لا يجب انحفاظ الواقع المحتمل و لا يكون‏

الاحتمال منجزا عليك.

لا يقال أن ملاحظة سياق الفقرات في الحديث الشريف لازمة و لازم ما ذكرتم‏

1فقرات الحديث على الترتيب ليس هكذا بل الخطاء و النسيان مقدم فراجع‏

فالأولى البحث في كل فقرة على حسب ترتيب الرواية.!


265
هو اختلاف السياق لأن المرفوع في غير فقرة ما لا يعلمون على هذا مثل الاضطرار

و الإكراه هو نفس الحكم و إيجاب الاحتياط لا يكون هو نفس الحكم بل هو مولود

الحكم الواقعي.

لأنا نقول لا يضر هذا بوحدة السياق لأن إيجاب الاحتياط لا يكون مولود

الواقع بل يكون حكما واقعيا طريقيا منشأ بالاستقلال مثل صدق العادل فيكون هذا

الحكم مرفوعا واقعا فليس هو تابع الواقع كما يقوله شيخنا النائيني قده.

الثاني:أن الحديث يكون في صدد تسهيل الأمر على العباد برفع ما هو ثقل‏

عليهم و ما هو الثقيل ليس الواقع في ظرفه بدون تنجيزه علينا بل هو إيجاب الاحتياط

مع احتمال الواقع و يكون وضع هذا خلاف الامتنان فيكون هو المرفوع.

و فيه أن ماله الثقل يكون هو احتمال الواقع و يجب رفعه بواسطة المؤمن‏

فلو كان هو قبح العقاب بلا بيان فيقول الاخباري بأنه دليل عقلي يقوم عليه الدّليل‏

الشرعي لوجوب الاحتياط فلو لم يرفع وجوب الاحتياط يكون الواقع هو الثقيل‏

علينا فيكون الرفع بلحاظ الواقع بحيث انه لو لم يكن رفعه لكان الثقيل هو الواقع‏

و هذا يكون خلاف مسلكه قده حيث يقول بأن ذلك لا يكون مولود الواقع كما سيجي‏ء

عن شيخنا النائيني قده.

الثالث:انه قده يقول بأن علة الرفع فيما لا يعلمون تكون هي الجهل كما أن‏

الاضطرار و غيره في ساير الفقرات أيضا كذلك أي يكون علة للرفع فالمرفوع يكون‏

معلوله و الجهل متأخر عن الواقع برتبة لأن الواقع ما لم يكن لا يتصور الجهل به‏

و الرفع يكون متأخرا عن الجهل أيضا برتبة فيكون متأخرا عن الواقع برتبتين و ما

هو متأخر كذلك كيف يمكن أن يكون علة لما هو المتقدم فأن هذا هو اللازم من‏

القول بأن المرفوع هو الواقع بواسطة الجهل به و هذا دليل على أن الجهل علة لرفع‏

إيجاب الاحتياط الّذي يكون متأخرا عنه.

و يمكن الجواب عن هذا الدليل بأن يقال كل ما ذكرتم من التأخر الرتبي‏

و عدم تأثير المتأخر في المتقدم صحيح الا أن هذا يكون على فرض القول بأن‏


266
الواقع في ظرفه يكون مرفوعا بالجهل و اما إذا قلنا بأن الواقع في مرتبة الظاهر

مرفوع أي يكون الجهل علة لرفع الحكم ظاهرا فلا يأتي هذا الإشكال.

و يمكن نقض دليله أيضا في ساير الفقرات فانه يقول بأن المرفوع فيها يكون‏

الواقع مع أن اشكاله مشترك الورود ففي الاضطرار مثلا يمكن تقريب الإشكال بأنه‏

علة الرفع و الاضطرار متأخر عن الواقع و الرفع متأخر عنه فما هو المتأخر برتبتين‏

كيف يمكن ان يكون مؤثرا في المتقدم مع فرض إطلاق دليل الحكم في صورة

الاضطرار أيضا مثل إطلاق دليل حرمة شرب الخمر لصورة الاضطرار إليه.

و اما سند الثاني و هو شيخنا النائيني قده فهو ان وحدة السياق في الحديث‏

تقتضي ان يقال ان المرفوع هو الواقع و يكون رفع إيجاب الاحتياط من آثاره فان‏

المرفوع في ساير الفقرات هو الواقع فكذلك فيما لا يعلمون فيكون معناه دفع‏

مقتضى الواقع عن اقتضائه و يلزمه رفع الاحتياط.

و فيه ان الرفع على هذا أيضا يصير مختلفا بالنسبة إلى المرفوع لأنه على‏

فرضه يكون المرفوع فيما لا يعلمون مولود الواقع و هو الاحتياط و في غيره نفس‏

الواقع فلا يمكننا ملاحظة وحدة السياق فان كان الاختلاف فيه معفوا فلا إشكال في‏

أن يقال ان المرفوع هو إيجاب الاحتياط من الابتداء.

و اما الثالث:و هو الخراسانيّ قده فحيث يكون الحكم عنده ذا مراتب أربعة

الاقتضاء و الإنشاء و الفعلية و التنجيز يقول بأن المرفوع في المقام يكون هو الحكم‏

فعلا لعدم وصوله و ان كان في الواقع في ساير المراتب موجودا فيكون المؤاخذة

و استحقاق العقاب مرفوعا برفعه.

و لا يقال ان المؤاخذة و الاستحقاق مما لا تنالهما يد الجعل حتى يقال برفعه‏

لأنه يقول ذلك مرفوع بواسطة ما هو أثر الواقع من إيجاب الاحتياط شرعا فيكون‏

رفع إيجابه مستتبعا لرفع المؤاخذة و الاستحقاق فبتوسيط الأثر الشرعي يترتب‏

هذا الأثر العقلي و يصح التعبد بالرفع في مرتبة الظاهر بلحاظ الأثر الشرعي المستتبع‏

للأثر العقلي.


267
و لا يقال عليه أيضا إذا كان الوصول شرط التنجيز ففي مورد الشك لا يكون‏

الحكم أصلا بواسطة عدم الوصول و لا نحتاج لرفعه بواسطة حديث الرفع و الحاصل‏

كل حكم لم يصل لا يكون حكما في الواقع لقصوره في نفسه و لو لم يكن مقومه‏

الوصول فالعالم و الجاهل سواء في شمول التكليف لاشتراك الناس في التكليف‏

من دون اشتراط العلم.

لأنه يقول المرفوع هو فعلية الحكم و اما إنشائه فلا يكون مرفوعا و لا يلزم‏

دور العلامة لأن التوقف ان كان في مقام الإنشاء كان الدور صحيحا لأنه لا يمكن ان‏

يتوقف الحكم على العلم به و العلم به عليه و اما إذا كان الوصول شرطا بالنسبة إلى‏

المرتبة الفعلية فلا يكون هذا الإشكال.

و اما قولهم بعدم فائدة للتمسك بالحديث لأنه مرفوع بنفسه فجوابه ان هذا

يكون إنشاء للرفع شرعا و ينتج في مقام المعارضة مع دليل شرعي آخر مثل اخبار

إيجاب الاحتياط في المقام فلو اكتفينا في الرفع بعدم الوصول لصار أدلة الاحتياط

مقدما عليه لأن الحكم بالرفع لعدم الوصول يكون من باب عدم وصول البيان على‏

الواقع المشتبه و اخبار الاحتياط يكون هو وصول البيان بالنسبة إلى الموارد المشتبهة

فان موضوعه احتمال الحكم الواقعي و اما إذا كان هذا أيضا بيانا شرعا للرفع فيتعارضان‏

لو تم دلالة اخبار الاحتياط.

الا ان يقال أن فقرة ما لا يعلمون تكون مفادها الأصل و هو لا يتعارض مع‏

الأمارة و هو اخبار وجوب الاحتياط1.

و يمكن ان يقال عليه بأن نفى الحكم الفعلي اما يكون بدون النّظر إلى استحقاق‏

العقاب أو معه فعلى الأول لا يكون الاستحقاق للعقاب مرفوعا فيجب الاحتياط لينفيه‏

1و قد أجاب الشيخ قده و الأستاذ مد ظله فيما مر من كلماته أن دليل الأصل‏

الّذي يلاحظ مع اخبار الاحتياط و يحاسب معارضته يكون أمارة فيكون التعارض‏

بين الأمارتين لا أصل و أمارة.


268
و مع النّظر إلى نفيه أيضا يعارض مع اخبار الاحتياط و لكن الأثر يكون عقليا و أثر

التعبد يجب ان يكون شرعيا.

و يمكن ان يجيب بان الأثر العقلي غير مترتب على الأصل في صورة كونه‏

أثر الواقع فقط مثل استصحاب حياة زيد فانه يترتب عليه وجوب نفقة زوجته و لا

يترتب عليه طول لحيته لأنه أثر الوجود الخارجي و اما إذا كان الأثر للأعم من الواقع‏

الواقعي و التعبدي فيترتب عليه كما في استصحاب العدالة فان اثره جواز الاقتداء و هو

لا يكون مترتبا على العدالة الواقعية بل على العدالة المحرزة و لو بالتعبد ففي المقام‏

يتعبد بنفي الحكم في مرتبة الظاهر و يترتب عليه نفى الاستحقاق و نفى إيجاب الاحتياط

فان استحقاق العقاب أو المؤاخذة يكون من الآثار المترتبة على الأعم من الواقع‏

الواقعي و الواقع الظاهري.

فان قلت من أين صار إيجاب الاحتياط من آثار الواقع مع انه يكون منشئا بإنشاء

مستقل كما في الحكم الطريقي بصدق العادل فحيث لم يكن معلول الواقع لا يرفع‏

بواسطة رفع الواقع كما عن شيخنا العراقي قده.

قلت أن الأثر لا يكون استحقاق العقاب فقط بل رفع الواقع في مرتبة الظاهر

يترتب عليه آثاره‏1الأعم من العقلي و الشرعي لأن نفى الواقع الواقعي غير شرط

لترتيب الآثار بل نفى الواقع في مرتبة الظاهر يكون هذا اثره على انه قده كان ملتفتا

لما ذكر و لذا لم يعبر بالعلية كما في الكفاية بل عبر بالاستتباع فيكشف الرفع عن‏

عدم اهتمام الشارع بالتكليف بحيث يوجب الاحتياط.

1المقام لا يكون من قبيل الأثر الأعم من الظاهري و الواقعي بل يكون‏

الأثر الشرعي لرفع الحكم في الظاهر هو إيجاب الاحتياط و يترتب عليه نفى استحقاق‏

العقاب و ما يكون البحث فيه من عدم ترتب الآثار العقلية يكون في صورة عدم‏

واسطة أثر شرعي على انه يمكن ان يقال ان دليل الأصل هنا أمارة و مثبتها حجة.


269
لا يقال من أين ينفى الاستحقاق بنفي الاحتياط و يثبت به و لا يقال أن وجوبه‏

نفسي لأنا نقول يكون هذا مخالفا لعنوانه فان إيجابه يكون لحفظ الواقع لا لمصلحة

في نفسه و الشي‏ء لا يخالف عنوانه.

و الحاصل بعد عدم كون إيجاب الاحتياط من آثار الواقع كيف يرفع برفعه‏

وجوبه فان الأمر يدور بين ان يكون وجوبه نفسيا و تركه موجبا للعقاب فيكون‏

رفعه موجبا لرفعه أو مقدميا لتحفظ الواقع أو إرشاديا إلى حفظ الواقع و لا يكون‏

كل واحد من هذه الأمور صحيحا لأن وجوبه النفسيّ خلاف عنوانه فانه يكون‏

لحفظ الواقع و المقدمي غير واقع لأن المقدمة مما لها دخل في ذي المقدمة و لا

دخل‏1لإيجاب الاحتياط في حصول الواقع و عدمه لأن الشارع ان أوجبه أيضا

يمكن ان يعصى العبد فلا يكون وجوبه مقدميا.

مع انه لا يكون العقاب على ذي المقدمة مسلما ليكون ترك المقدمة موجبا

للوقوع في الحرام فيوجب العقاب و لا يكون إرشادا أيضا لأن حكم العقل بوجوب‏

حفظ الواقع يكون على فرض وجوب حفظه بالاحتياط و استحقاق العقاب عليه من‏

جهته و لا يكون لنا علم باستحقاق العقاب عليه حتى يكون إيجاب الاحتياط إرشادا

إلى ما حكم به العقل فمن أين نثبت الاستحقاق بترك الاحتياط حتى يكون مرفوعا برفعه.

لأنا نقول لنا شق رابع و هو أن يكون وجوبه طريقيا مثل وجوب تصديق‏

العادل فيصح أن يقال ان الواقع من جهة الوجوب الطريقي للاحتياط يكون موجبا

لاستحقاق العقاب فحيث ان الشارع رفع وجوبه رفع الاستحقاق أيضا بتوسيطه‏

1أقول أصل الدخل غير منكر كما هو واضح و لكن لا تكون من المقدمات‏

الموصلة كما انه ينصب السلم للرفع على السطح و لا يرفع إليه مع مسلمية مقدميته‏

ببعض الأنحاء فلو جعل الشارع وجوب الاحتياط فربما يصير داعيا للمكلف لحفظ

الواقع و لكن خصوص الاحتياط مما لا يكون وجوبه النفسيّ متصورا بل يكون طريقا

إلى الواقع و مقدمة للوصول إليه بنحو من الأنحاء.


270
فكلام الخراسانيّ(قده)بأن الواقع يكون مرفوعا في مرتبة الظاهر و بتوسط رفع‏

إيجاب الاحتياط يرفع الاستحقاق و المؤاخذة صحيح.

و فذلكة1البحث في رأى الشيخ و شيخنا العراقي و شيخنا النائيني و المحقق‏

الخراسانيّ هي ان الأولين يقولان بان ما هو الثقل يكون هو إيجاب الاحتياط ابتداء

مع انحفاظ الواقع في واقعيته فالرفع لا يمس بكرامة الواقع لأن الحكم عندهما

يكون له مرتبة واحدة و لا تفكيك بين الفعلية و الإنشاء.

و الثاني يقول وحدة السياق يقتضى ان يكون المرفوع هو الحكم كما في ساير

الفقرات و لكن رفعه يوجب دفع اقتضاء الحكم من جهة إيجاب الاحتياط فلا يقتضيه‏

مع بقائه و هو أيضا يقول بأن الرفع لا يمس بكرامة الواقع و للحكم مرتبة واحدة.

و اما الثالث فيقول بان الحكم له مراتب و في المقام يكون المرفوع مرتبة الفعلية

و رفع الحكم في هذه المرتبة يوجب رفع وجوب الاحتياط و رفع استحقاق العقاب‏

بتوسيطه فعلى قول الخراسانيّ و العراقي و الشيخ يتحقق المعارضة بين اخبار إيجاب‏

الاحتياط و حديث الرفع لإنشاء أحدهما الاحتياط إنشاء و الاخر نفيه و اما على مسلك‏

شيخنا النائيني(قده)2فلا يتحقق المعارضة لأنه يقول بأن الحكم يكون بنحو اللا اقتضاء

1أقول اقرب المسالك إلى السياق و الواقع مسلك الخراسانيّ(قده)على‏

فرض صحة مبناه لأنه يرفع الحكم و رفعه يترتب عليه آثار عدمه من إيجاب الاحتياط

و المؤاخذة.

ثم مسلك النائيني قده لأنه أيضا يرفع وجوب الاحتياط برفع مبدئه و لو من‏

باب منعه عن الاقتضاء و عقمه.

ثم مسلك العراقي قده فانه يتصور رفع وجوب الاحتياط ابتداء و لكن يخالف‏

السياق وحدة الكل في رفع إيجاب الاحتياط و كيف كان لا إشكال في الحديث من‏

هذه الجهة.

2أقول ما هو الظاهر من كلامه قده هو انه يريد إثبات عدم اقتضاء الحكم‏

لإيجاب الاحتياط أي يقول ان مقتضى حديث الرفع إنشاء ما يمنع عن اقتضاء الحكم له‏


271
بالنسبة إلى إيجاب الاحتياط و اخبار الاحتياط يكون له اقتضاء الوجوب فيقدم‏

و لا تعارض.

ثم ان المهم في هذه الفقرة من الحديث الشريف هو القول بالبراءة في الشبهات‏

الحكمية في مقابل الاخباري القائل بوجوب الاحتياط فيها و اما الشبهات الموضوعية

فبعضهم قالوا بالبراءة فيها و ليس هو بأهمية القول بالبراءة في الشبهات الحكمية

و هذا لا يستفاد من الحديث الشريف ببعض التقاريب فيجب الكلام في ذلك ليتضح‏

المرام.

فنقول ربما قيل بأن الظاهر من كلمة ما في قوله رفع ما لا يعلمون هو الفعل‏

الذي يكون في الخارج بقرينة السياق‏1فأنه كما أن في رفع ما اضطروا إليه و ما استكرهوا

عليه و ما لا يطيقون يكون المرفوع هو الفعل الّذي صار معنونا بالاضطرار و غيره‏

لا أصل الاضطرار و الإكراه و غيره ضرورة انه يكون متحققا في الخارج لا مرفوعا فيه‏

كذلك يكون المرفوع فيما لا يعلمون هو الفعل الّذي لا يعلم حكمه من باب اشتباه عنوانه‏

مثل أنه لا يعلم أن هذا الفعل الخارجي يكون معنونا بعنوان شرب الخمر حتى يكون‏

حراما أو معنونا بعنوان شرب الماء حتى يكون مباحا فعليه يستفاد من الحديث‏

كل فعل اشتبه عنوانه من بين العناوين يكون مرفوعا أي لا يكون له التكليف‏

فيختص بالشبهات البدوية في الموضوعات المشتبهة من جهة الأمر الخارجي و هذا

فكأنه يقول لا يكون الاحتياط واجبا لعدم اقتضاء الواقع له بحكم الشرع.

و اخبار إيجاب الاحتياط يدل على إنشاء الشرع وجوبه فيتعارضان و لا يكون‏

مراده صرف عدم اقتضاء الحكم فقط بل عدمه مع إثبات عدم الوجوب بحديث الرفع‏

1أقول الظاهر من كلامهم هو أن المحذور المهم عليهم في المقام المجاز في‏

الإسناد بالنسبة إلى ما لا يعلمون في الشبهات الموضوعية و هذا المحذور بعينه لازم عليهم‏

حيث لاحظوا وحدة السياق لأن الفعل المضطر إليه أيضا لا يكون مرفوعا واقعا بل‏

ما هو المرفوع يكون الحكم.


272
غير مربوط بالشبهات الحكمية التي تكون بواسطة فقدان النص أو إجماله أو تعارض‏

النصين فصار التمسك بالحديث الشريف قليل الجدوى.

و لا يقال أن المراد بكلمة ما هو الشي‏ء المبهم الأعم من كون الإبهام من ناحية

العوارض الخارجية أو من ناحية فقدان النص و غيره فيكون المرفوع في أحدهما

الفعل و في الاخر الحكم.

لأنا نقول اللازم من هذا هو أن يكون المرفوع في غير الشبهة المصداقية هو

الحكم نفسه و فيها هو الفعل بلحاظ حكمه فيكون الرفع في أحدهما بلحاظ نفسه و في‏

الاخر بلحاظ غيره فيكون اسناد الرفع إلى الفعل مع انه في الحقيقة يكون بالنسبة إلى‏

الحكم من المجاز في الإسناد و هو لا يستقيم.

و أجاب المحقق الخراسانيّ قده بقوله لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة

و لا غيرها من الآثار الشرعية فيما لا يعلمون فأن ما لا يعلم من التكليف مطلقا كان في‏

الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع و الوضع شرعا و ان كان في غيره لا بد

من تقدير الآثار أو المجاز في الإسناد فانه ليس ما اضطروا و ما استكرهوا إلى آخر

و ادعاء نفى الفعل في وعاء التشريع أيضا يحتاج إلى عناية زائدة و لا بد ان‏

يكون بلحاظ الحكم فالقول بأن المرفوع هو الحكم يكون أنسب و اقرب بملاحظة

وحدة السياق في الجميع فان ما لا يعلم و ما اضطر إليه و الحسد و غيره يكون ما هو

المهم رفع حكمه و يكون الحكم هو الّذي يكون قابلا للرفع و الوضع و ادعاء وعاء

التشريع يكون من إتعاب النّفس و الورود على الكلام بنحو شبيه بالعرفان.

فالظاهر ان كلام الخراسانيّ قده فيما ادعاه من أن المراد بما لا يعلمون هو

التكليف صحيح و ما ادعاه في الكفاية من ان المجاز في الإسناد لازم في غير هذه‏

الفقرة فنقول له إذا قدرنا الحكم في الجميع و قلنا المراد بما الموصولة هو التكليف‏

فلا يلزم شي‏ء من ذلك لكن فيما لا يعلمون يكون المرفوع في الشبهة الحكمية هو إيجاب‏

الاحتياط و فيما اضطروا نفس الحكم و لا يلزم دور العلامة في غير ما لا يعلمون لأن‏

التخصيص واقعي.


273
تسعة بمرفوع حقيقة.

و الحاصل انه قده يقول اختلاف مناشئ الشبهة في الحكم لا يؤثر شيئا فان‏

الحكم مما لا يعلم أيضا في الشبهات الموضوعية و يكون منشأه امر خارجي مثل الظلمة

في تشخيص أنه خمر أو خلّ و في غيرها يكون منشأه اما فقدان النص أو إجماله أو

تعارض النصين.

و الجواب عنه انه قده لم يجب عن لزوم ما ذكره من الاختلاف في السياق فانه‏

لو كان المراد مما لا يعلمون هو الحكم و من غيره هو الفعل يخالف وحدة السياق فان‏

كلمة ما في جميع الفقرات بمعنى واحد مع أنه ينحصر أن يكون المراد بما لا يعلمون‏

خصوص الشبهة الحكمية فتكون الموضوعية خارجة لأن المراد على فرضه من كلمة

ما هو الحكم مضافا بأن الرفع بالنسبة إلى الحكم حقيقي و بالنسبة إلى الموضوع‏

يكون من المجاز في الإسناد كما مر لأن رفعه يكون بلحاظ حكمه.

لا يقال أن السياق في الحديث لا بد من انخرامه لأنه على فرض كون المراد من‏

كلمة ما هو الفعل حفظا لوحدة السياق لا يكون هذا صحيحا في الحسد و الوسوسة

و الطيرة فان هذا ليس فعلا من الأفعال الخارجية فلا بد من تقدير الحكم بأن يقال رفع‏

حكم الحسد و أخويه فليكن الأمر فيما لا يعلمون بالنسبة إلى الشبهات الموضوعية

كذلك فلا يضر اختلاف السياق بما هو المراد من الحديث في الشبهات الموضوعية

و الحكمية.

لأنا نقول الأمر في هذا سهل فان ما ذكره ليس فعلا جوارحيا و لكن يكون من‏

الأفعال الجوانحية فأن هذه افعال القلب.

نعم يمكن ان يقال بأن وحدة السياق منخرمة و لو على فرض كون المراد من‏

كلمة ما في ما لا يعلمون هو الفعل و يكون مختصا بالشبهات الموضوعية لأن المرفوع‏

في ما اضطروا و ما استكرهوا و ما لا يطيقون هو الفعل بعنوانه المعين يعنى شرب الخمر

الاضطراري أو الإكراهي يكون مرفوعا بعنوانه الخاصّ و هو شرب الخمر و اما في‏

المائع المردد بين الخمر و الخل فيكون المرفوع هو الفعل بعنوانه المردد بين‏


274
الخمر و الخل لا بعنوان الخمرية فانخرمت الوحدة.

فإذا دار الأمر بين مخالفة الوحدة بهذا النحو أو بأن يقال أن المراد بنفي ما لا يعلم‏

هو الحكم بمناشئه الأربعة من فقدان النص و إجماله و تعارض النصين أو شبهة خارجية

الّذي يخالف سياق ما اضطروا و غيره يكون ارتكاب خلاف الوحدة في الثاني‏

أولى في نظر العرف من ارتكابه بالنسبة إلى الموضوع المردد كما في الشبهة المصداقية

و الموضوع المعين كما فيما اضطروا و غيره.

و يمكن تقريب الحديث بنحو آخر ليشمل الشبهات الحكمية و هو أن يقال أن‏

الموضوعية غير ذات الموضوع و مصداقه فان الفعل الخارجي يكون مصداق الموضوع‏

نفسه بعنوان انه موضوع فحينئذ نقول شرب الخمر المشتبه حكمه من ناحية الخارج‏

و شرب التتن المشتبه حكمه من ناحية فقدان النص أو إجماله أو تعارضه يكون موضوعا

و يصدق عليه عنوان الموضوعية و الخارج يكون مصداقهما.

فإذا قيل رفع هذا الموضوع فيكون معناه أن الموضوع في وعاء التشريع غير

موجود سواء كان شرب الخمر أو شرب التتن بلحاظ المناشئ الأربعة فعدم الوجود

التشريعي يكون لازمه عدم الحكم من الشارع ففي الشبهات الحكمية و الموضوعية

يكون المرفوع هو الموضوع و ان شئت قلت ان المرفوع هو الفعل و لكن مناشئ‏

الشبهة مختلفة فيرتفع الإشكال من البين و يكون الرفع فيما لا يعلمون في الأعم من‏

الشبهات الموضوعية و الحكمية.

بقي في المقام شي‏ء و هو أن الشك في التكليف يكون على ثلاثة أنحاء.

الأول الشك في التكليف الاستقلالي مثل الشك في أن شرب التتن حرام أو

حلال أو الدعاء عند رؤية الهلال واجب أم لا.

الثاني الشك في التكليف التبعي مثل الشك في جزئية شي‏ء لشي‏ء أو شرطية

شي‏ء له فان هذا النحو من الشك لا يكون شكا في تكليف مستقل بل من الشك في‏

التكليف في ضمن تكليف آخر.

الثالث ان يكون الشك في الأسباب مثل الشك في حصول الطهارة بواسطة


275
الفعل الفلاني أو لا فيكون الشك في سببية هذا الفعل لحصول الطهارة و عدمه.

و المتيقن من الأقسام الّذي تجري فيه البراءة هو الأول و اما الثاني فيكون محل‏

بحث عند الأصوليين فبعضهم على جريان الأصل في الأقل و الأكثر الارتباطي فضلا عن‏

الاستقلالي و هو التحقيق و بعضهم على جريان الاشتغال في الأقل و الأكثر الارتباطي‏

و سيجي‏ء البحث عنه كاملا و الثالث من الأقسام أيضا يكون محل الاختلاف و مقام‏

بحثه الاشتغال و في المقام كان الإشارة إليه فانتظر البحث عنه فيما سيجي‏ء.

فصل في البحث عن فقرة رفع الخطاء و النسيان‏

أقول لا يخفى عليكم أن معنى رفع الخطاء لا يكون هو انقلابه إلى العمد و كذلك‏

النسيان بأن يقال يكون الخطاء و النسيان مرفوعين فيكون حكمهما حكم العمد لأن‏

الحديث كما مر يكون في مقام بيان الامتنان و هذا خلافه و لا يمكن ان يقال أن نفس‏

الخطاء و النسيان و يكونان كالعدم لأنهما علة الرفع فكيف يمكن ان يقال وجودهما

كالعدم فلا بد ان يقال أن المرفوع هو حكم الفعل أو المخطي أو المنسي.

فإذا شرب الخمر خطاء فيكون المرفوع هو هذا الفعل بلحاظ حكمه و هو

الحرمة التي يكون لازمها العقاب و المؤاخذة فيكون المرفوع هو أثر المخطي و المنسي‏

فقال شيخنا النائيني قده أن المرفوع هنا هو الحكم واقعا لأن إطلاق دليل‏

الحكم مثل حرمة شرب الخمر يشمل حتى صورة الخطاء و النسيان و لذا يكون‏

رفع هذا الحكم في هذا امتنانا فيكون مفاد الحديث هو تخصيص دليل الحكم أي‏

حكم كان بغير صورة الخطاء و النسيان.

و الشاهد عليه‏1هو أن الفسق لا يتحقق بشرب الخمر الخطئي أو النسياني و لا يلزم‏

دور العلامة في اختصاص الأحكام بالعالمين لأن رفع الحكم عن الموضوع لا يجي‏ء

1في فوائد الأصول هذا الشاهد يكون عن شيخه قده عند الأمر الخامس عنده‏

في ص 128 لا في هذا الأمر و هو الأمر الرابع عنده فان شئت فارجع إليه.


276
فيه ذلك و لا يكون أصل الحكم مختصا بالعالمين دون الخاطئين و الناسين بل‏

الحكم مطلق و يكون رفعه عن الموضوع في الحالتين هذا حاصل كلامه رفع مقامه.

و يرد عليه بعد تسليم ان المراد من رفع الخطاء و النسيان رفع المخطي‏

و المنسي يكون الحاكم برفعه هو العقل فان الحكم الغير المنجز لعدم الالتفات إليه يكون‏

مرفوعا بحكم العقل فانه يحكم بعدم ذلك عليه و لا نحتاج إلى رفع الشارع و لا يكون‏

رفعه امتنانا و الواقع بدون التنجيز لا يكون له ثقل ليكون مرفوعا و لو كان محفوظا

في عالم الواقعية.

فالصحيح أن يقال أن المرفوع في المقام أيضا يكون مثل المرفوع فيما لا يعلمون‏

فكما أن المرفوع فيه هو إيجاب الاحتياط فكذلك في المقام نقول يكون المرفوع‏

هو إيجاب التحفظ فانه يكون للمولى ان يأمر العبد بتهيئة وسائل يمنعه عن الخطاء

و النسيان كما أن بعض المصلين لكثرة شكه بعد الركعات بالحصاة فكل ما أتى بركعة

يضع واحدة منها فكان للشارع أيضا بالنسبة إلى الأحكام أن يوجب التحفظ كذلك‏

و لكن رفعه امتنانا.

الا ان نعلم في مورد وجوب التحفظ مثل من كان نسيانه أو خطائه سببا لقتل نفس‏

محترمة أو قتل أولاده فانه يجب عليه التحفظ لخصوصية المورد فرفع التنجيز و ان‏

كان بحكم العقل و لكن رفع التحفظ لا يكون بحكمه بل بيد الشرع فاما لا يكون الواقع‏

مجعولا في هذا الظرف أو يكون و لا أثر له.

و اما ما في تقريرات‏1شيخنا قده من عدم تصور نسيان الحكم و الخطاء فيه‏

فيكون اشتباه من المقرر أو سهو قلم ضرورة انه نتصور ذلك فيما إذا علم بالحكم ثم‏

1في فوائد الأصول ص 126 في ذيله في مقام بيان الأمر الرابع عنده و بيانه‏

قده يكون في عدم تصوير الإكراه و الاضطرار بالحكم و هكذا الخطاء و النسيان و إشكال‏

الأستاذ مد ظله وارد في الأخيرين و اما في الأولين فلا يكون له إشكال كما اعترف به‏

بعد السؤال عنه فانه لا يتصور الإكراه و الاضطرار بالنسبة إلى الحكم.


277
نسيه أو أخطأ في انطباقه و كذلك إذا علم بالموضوع مثل ان المائع الفلاني خمر

ثم نسيه أو أخطأ.

نعم دور العلامة يجي‏ء في نسيان الحكم لأن مقابل النسيان هو الذّكر و هو و العلم‏

متساويان كما أن نسيانه مساو للجهل به و لا يجي‏ء بالنسبة إلى الموضوع فان القول‏

بأن الخمر إذا نسي خمريته لا يكون عليه الحكم في حال النسيان لا يلزم منه الدور لأن‏

الحكم بحرمة الخمر لا يتوقف على العلم بها بل يتوقف على العلم بالموضوع مثل‏

ان يقال ان علمت بخمرية خمر فهو حرام و لذا لا بد من التمسك برفع إيجاب التحفظ

في الشبهات الحكمية كما يقال برفع وجوب الاحتياط فيما لا يعلمون لئلا يلزم الدور

و يلزم شيخنا الأستاذ قده ان يقول بالتخصيص في الواقع بالنسبة إلى ما لا يعلمون‏

في الشبهات الموضوعية كما يقول به هنا مع انه لا يقول به.

فمن ذلك كله نفهم أن المرفوع في المقام أيضا هو إيجاب التحفظ في الشبهات‏

الموضوعية و الحكمية في النسيان و الخطاء كما قلنا به فيما لا يعلمون و لا يتم القول‏

بالتخصيص في الواقع كما قال شيخنا الأستاذ قده.

ثم انه قده قال في الأمر الخامس‏ (1) عنده في مقام بيان أن شأن حديث الرفع هو

الرفع لا الوضع انه لو نذر أحد أن يشرب من ماء الدجلة فأكره على العدم أو اضطر إليه‏

أو نسي الفعل ففي شمول حديث الرفع لذلك إشكال فمقتضى القاعدة وجوب الكفارة

عليه لو لم تكن أدلة وجوب الكفارة مختصة بصورة العمد في الحنث و مخالفة النذر

عن إرادة و التفات فان شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم لا تنزيل المعدوم‏

منزلة الموجود لأن تنزيل الموجود منزلة المعدوم يكون رفعا.

و اما تنزيل المعدوم منزلة الموجود فيكون وضعا و ليس لسان الحديث هو

الوضع بل الرفع و المفروض ان المكلف قد ترك الفعل عن إكراه أو نسيان فلم يصدر

منه امر وجودي قابل للرفع و لا يمكن ان يكون عدم الشرب في المثال مرفوعا و جعله‏

1)في الفوائد ص 128.

278
كالشرب حتى يقال لم يتحقق مخالفة النذر فلا حنث و لا كفارة

و الجواب عنه قده هو أن مرادنا بالرفع لا يكون هو رفع شي‏ء يكون حاصلا

في الخارج لئلا يشمل الترك بل يكون المراد به هو رفع الحكم عن الموضوع‏

في عالم الموضوعية برفع إيجاب الاحتياط أو إيجاب التحفظ.

فنقول في المقام ان الشرب النسياني لا يكون له حكم كما ان عدم الشرب‏

كذلك أو عن اضطرار أو إكراه لا يكون له الحكم ففي المقام ترك شرب ماء الدجلة

يكون خلاف ما نذره فان شربه بمقتضى نذره واجب عليه لئلا يلزم حنث النذر

فالترك حرام بمقتضى الوفاء بالنذر و هذا موضوع من الموضوعات يكون حكمه‏

و هو الحرمة و حنث النذر مرفوعا.

كما يقال في شرب الخمر فان تركه واجب فعند النسيان و الاضطرار و الإكراه‏

يكون مرفوعا و لا نحتاج إلى انقلاب الموضوع من الوجود إلى العدم أو بالعكس‏

لرد الإشكال فان شئت فقل الدليل الدال على حرمة حنث النذر خصّص واقعا بالنسبة

إلى المورد بمسلك الأستاذ قده.

ثم‏1ان الرفع هل يشمل ترك جزء أو شرط أو مانع مع القول بالاجزاء

و عدمه فيه خلاف و الأقوال ثلاثة الأول ان الرفع يشمل الجميع مطلقا بدون الاجزاء

كما هو الحق الثاني عدم شموله للجميع مطلقا و عدم الاجزاء و الثالث التفصيل‏

بين المانع و بين الجزء و الشرط بشموله للمانع و عدمه بالنسبة إلى الجزء و الشرط.

و معنى شمول الحديث هو ان يكون ذلك مرفوعا و يكون التكليف بالبقية

على فرض القول بالاجزاء أو رفع هذا الجزء و الشرط من دون القول بالاجزاء.

و الحق عندنا شمول الحديث للجميع مع القول بعدم الاجزاء و مقتضى‏

1أقول سيجي‏ء البحث في أنه يمكن رفعه بواسطة رفع منشأ انتزاعه و هو

التكليف و لا يكون الأثر عقليا حتى لا يتعبد به بل يكون رفع التكليف قابل التعبد

كوضعه.


279
الارتباطية بين الاجزاء هو أن يكون الباقي باطلا و غير مؤثر و القول بأن رفعه يكون‏

معناه عدم تأثيره في الواقع فيكون العمل صحيحا مجزيا ممنوع لأن الصحة و الفساد

من الأحكام العقلية و لا يكون في وسع الحديث رفعه و لا تكون امرا جعليا.

لا يقال معنى الرفع بالنسبة إلى الجزء و الشرط و المانع هو أن يكون هذا

الّذي ذكر خارجا عن دائرة الاجزاء فيكون الباقي هو المأمور به و هو يقتضى الاجزاء

بحكم العقل.

لأنا نقول فرق بين نسيان الجزء أو نسيان الجزئية و هكذا نسيان الشرط

و الشرطية و المانع و المانعية فان البحث هنا يكون في نسيان الجزء و الشرط و المانع.

مثاله في الجزء هو العلم بكون السورة مثلا جزءا للصلاة و لكن نسي أن‏

يأتي بها في الخارج و نسيان الجزئية هو أن لا يعلم الجزئية نسيانا لها ففي نسيان الجزء

يكون للخطاب إطلاق مثل خطاب صل فانه مطلق من حيث ان السورة جزء لها

سواء نسي المكلف أو لم ينس فلا بد ان يأتي بها بإعادة الصلاة لارتباطية الاجزاء

و اما الجزئية فلا يكون للخطاب إطلاق بالنسبة إليه كما سيجي‏ء بل إذا شك فيها فالأصل‏

يقتضى البراءة كما سيجي‏ء في محله.

و اما المفصل فهو شيخنا النائيني قده مبنيا على اشكاله السابق بأن حديث الرفع‏

لسانه الرفع لا الوضع و هو يتصور بالنسبة إلى المانع لا الشرط و الجزء لأن المانع‏

مثل التكتف إذا حصل نسيانا ثم قلنا انه مرفوع فيكون معناه رفع المانعية الموجودة

و اما الجزء و الشرط المعدومان يكون معنى الرفع فيهما هو انقلاب المعدوم موجودا

لأن هذا معنى رفع العدم فان رفع العدم هو الوجود.

و اما التمسك بلا تعاد الصلاة إلاّ من خمس في المقام فلا يكون من جهة

عدم تطبيق الحديث بل من جهة عدم إحراز الاجزاء لأن مفاد الحديث في نسيان‏

الجزء و الشرط و المانع لا يكون هو خروج الخبر و أخويه عن نظام المركب و

لا يكون أثر رفعه صحة البقية كما مر و لذا لا ينتج التطبيق في المقام نتيجة فقهية.

فان قلت فأي امتنان في تطبيق الحديث هنا مع عدم حصول الاجزاء قلت‏


280
اثره‏1رفع إيجاب التحفظ كما ان أثر الرفع فيما لا يعلمون رفع الاحتياط.

لا يقال أي فرق بين المقام و ما لا يعلمون بالنسبة إلى الاجزاء و الشرائط فإنكم‏

تقولون في الأقل و الأكثر الارتباطي بالبراءة عقليا و نقليا و لا تتوجهون إلى إشكال المثبتية

مع ان رفع ما لا يعلم لازمه العقلي كون التكليف في البقية و لا تقولون في المقام بذلك‏

فان المرفوع بالنسيان و الخطأ مثل المرفوع بما لا يعلمون.

لأنا نقول ان المنسي و المخطي هنا هو الجزء لا الجزئية و هكذا ان المنسي‏

هو الشرط لا الشرطية فان نسيان الجزئية يكون مثل ما لا يعلمون في القول بالبراءة

و اما نسيان الجزء فلا يكون كذلك كما مر في مطاوي البحث.

و اما إشكال المثبتية فعدم التوجه إليه يكون من باب انه لا نريد إثبات التكليف‏

على البقية بواسطة رفع بعض الاجزاء بل التكليف انبسط على جميع الاجزاء و يكون‏

ما هو المشكوك مرفوعا و الباقي بنفس الدليل الأولى يكون تحت التكليف بخطابه‏

الأصلي فما أحرز انبساطه على المشكوك لا أن يكون المراد هو إثباته للبقية فلا يكون‏

مثبتا و نسيان الحكم مثل عدم العلم به بخلاف نسيان الموضوع فما هو المرفوع في‏

المقام يكون هو إيجاب التحفظ على التحقيق لا شي‏ء آخر.

لا يقال كيف يقال بحكومة دليل اللاحرج في الموضوعات و يقال بأنه يكون‏

مرفوعا فهكذا يقال بالنسبة إلى حديث الرفع في المقام فان الرفع يكون هو مفادهما

1أقول إيجاب التحفظ لا يكون له مصلحة نفسية بل المصلحة ناشئة عن‏

الغير ففي المقام إذا كان إبطال العمل مثلا حراما كما يقال في الصلاة فيمكن أن يقال‏

لم يجب التحفظ لذلك و اما في صورة عدم كون الابطال حراما فأي فائدة للرفع‏

و أي امتنان فيه فانه بعد فرض عدم الاجزاء و عدم الأثر ما رفع ثقل عن المكلف.

و بعبارة أخرى الحديث في صدد رفع الثقل عن المكلف و الرفع بدون‏

الاجزاء لا يكون له هذا الأثر فاما لا ينطبق الحديث أو ينطبق و يكون له الأثر و هو

واقع الثقل و هو القضاء و الإعادة كما هو التحقيق و ليس ببعيد و لم يكن استناده‏

مد ظله إلى عدم جواز الابطال ليكون التحفظ له فتأمل.


281
و لا خصيصة في الأول.

لأنا نقول اللاحرج يكون ناظرا إلى الأدلة الأولية فان شرب الخمر حرام إذا

لم يكن تركه موجبا للحرج و هكذا الصلاة مع السورة فيكون مفاده تضييق الحكم‏

بالنسبة إلى غير مورد الحرج و نتيجته التوسعة في التكليف بخلاف المقام فانه لا

يكون حديث الرفع حاكما و ناظرا بل يكون صرف الإرفاق و نفى إيجاب التحفظ

و الاحتياط و فرق بين عدم إمكان إتيان الجزء بالحرج أو إمكانه مع الإرفاق بنفي‏

إيجاب التحفظ و لذا يجب ملاحظة العموم و الإطلاق و التقييد و التخصيص عند

ملاحظة النسبة بين حديث الرفع و الأدلة الأولية للأحكام و لا يلاحظ بالنسبة إلى الحرج‏

فانه مقدم و لو كانت النسبة بين الدليلين العموم من وجه.

ثم انه لا فرق على التحقيق من عدم الاجزاء في المقام بين أن يكون العذر

مستوعبا أو غير مستوعب لأن إعادة الصلاة في الوقت و قضائها في خارجه مثلا

يكون لفقد الجزء أو الشرط أو لحصول المانع و لا فرق في ذلك من جهة الوقت و عدمه.

نعم على مسلك شيخنا النائيني(قده)القائل بالفرق بين المانع و بين الشرط

و الجزء يمكن التفصيل‏1بين الوقت و خارجه بأن يقال مورد جريان الحديث في‏

المانع فقط يكون موجبا للاجزاء من باب عدم الإشكال من جهة ترك الترك الّذي‏

يفيد الوضع بالنسبة إلى الجزء و الشرط المانع من جريان الحديث فيهما و اما

الاجزاء مطلقا فلا لأن النسيان بطبيعي المانع هو الموجب للاجزاء و هو يكون في‏

1كما انه(قده)صرح به في ص 130 من الفوائد بقوله و من هنا يمكن أن‏

يفرق بين الاجزاء و الشرائط و بين الموانع و انه في صورة إيجاد المانع نسيانا يصح‏

التمسك بحديث الرفع إذا كان النسيان مستوعبا لتمام الوقت فتأمل جيدا انتهى.

و الحق معه في شمول حديث الرفع و لكن لا فرق بين الشرط و المانع و الجزء لو

لم يكن الأثر عقليا لأن الصحة قيل بأنها أثر عقلي و لكن سيجي‏ء ان رفع التكليف‏

كوضعه قابل للتعبد كما يلتزمون به في رفع الحكم الوضعي في المعاملات بالنسبة

إلى فقرة الإكراه.


282
صورة كونه ناسيا في جميع الوقت اما إذا كان في بعض الوقت فلا يكون النسيان‏

بالطبيعي فتجب الإعادة.

هذا كله البحث في فقرة الخطأ و النسيان من جهة الحكم التكليفي.

و اما الحكم الوضعي فانه اما أن يكون معامليا كما في العقود و الإيقاعات و اما

غير معاملي كما في النجاسة و الطهارة.

و الشك تارة يكون في الأسباب من حيث الاجزاء و الشرائط و تارة في المسببات‏

مثل الطهارة و النجاسة اما نسيان السبب فيكون متصورا في العناوين المعاملية مثل‏

البيع و الصلح و النكاح الدائم و المنقطع و كذلك الخطأ فلو قصد البيع ثم وقع‏

العقد نسيانا أو خطأ على الصلح أو قصد النكاح المنقطع مقام النكاح الدائم فهل‏

يشمله حديث الرفع أم لا الحق هو الثاني.

و الدليل العمدة هو أن يقال أن مقوم المعاملة البيعية يكون هو القصد و كذلك‏

مقوم الصلح هو القصد إليه و هذا هو الّذي يكون في كلماتهم من أن العقود تابعة

للقصود و هنا حيث أن ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع لا يكون وجه للقول بصحة

المعاملة مع عدم المقوم له فتكون باطلة و لا يمكن أن يقال بأن ما لم يقصد يكون واقعا

للنسيان و الخطأ و لا نحتاج إلى ما قيل في المقام.

و اما الشك في الاجزاء و الشرائط بالنسبة إلى الأسباب مثل الشك في شرطية

كون العقد عربيا أم يقع فارسيا أيضا فلا يكون حديث الرفع شاملا له لما مرّ من‏

انه ليس‏1في وسع الحديث رفع الجزء و الشرط و شيخنا النائيني قده على مسلكه‏

1حيث يكون الوضع منتزعا من التكليف في الاجزاء و الشرائط يمكن‏

القول بأن رفعه يوجب رفع الجزئية.

و لا يشكل علينا بأن أثر الرفع يكون صحة البقية و هو عقلي لا يمكن التعبد

به كما قال به في تهذيب الأصول عن الأستاذ الأكبر مد ظله لأنهم ألزموا برفع اللزوم‏

في فقرة ما استكرهوا عليه عن المعاملة أو أصل الصحة مع انه أيضا ليس شرعيا مع‏

انه يمكن ان يقال رفع التكليف نفسه يكون أثرا شرعيا بلحاظ ان جعل التكليف‏


283
من أن الحد لا يشمل الترك لأنه يكون لازمه الوضع و ليس هذا لسان الحديث‏

الشريف بخلاف المانع ففي المقام أيضا يجي‏ء كلامه.

و الجواب عنه هو الجواب الّذي مر من ان المراد رفع الحكم لا رفع الخارج‏

و وضعه.

و الحق في المقام أن يقال ان رفع الجزء و الشرط حيث يكون خلاف الامتنان‏

لا يأتي فيه الحديث لأن لازم عدم اشتراط العربية هو صحة العقد بالفارسية و لازمها

هو وجوب الوفاء به و هو إلزام و ثقل على المكلف و هو خلاف الامتنان و كذلك‏

يقال بالنسبة إلى الأسباب أيضا و قال شيخنا العراقي قده ان الحديث ليس لسانه‏

التحديد و لا يكون المثبت فيه حجة بان يكون المستفاد منه بعد رفع بعض الاجزاء

أن ما بقي يكون تحت الأمر فيكون خارجا عن نظام الجزئية مع أنه من الآثار العقلية

فان رفع البعض يكون لازمه العقلي بقاء البقية تحت الأمر.

هذا كله بالنسبة إلى الأوامر المعاملية و اما الوضعيات مثل الطهارة و النجاسة

التي ليست من المعاملية فانه على فرض القول بأنها واقعيات كشف عنها الشرع فلا

إشكال في شمول الرفع بالنسبة إليه فانه لو نسي أحد و غسل الثوب مثلا مرة واحدة

مقام المرتين لا إشكال في ان يقول الشارع اكتفيت بالواحد مقام الاثنين.

و لكن حيث‏1ان هذه الأمور من التوصليات و ليس لسان الحديث إخراج‏

الشي‏ء عن نظام التأثير بل يكون لرفع التكليف فلا تجي‏ء في المقام فإذا كان المؤثر

كما يتعبد به كذلك رفعه و في المعاملات يرجع رفع الوضع و هو الحكم الوضعي‏

إلى رفع التكليف بالوفاء فهو أيضا مما يتعبد به.

1هذا في الواقع يكون إنكارا لشمول الرفع له و عدم تصويره في المقام‏

فيكون القول بأنه معقول بالبيان الأول و غير معقول بالبيان الثاني غير مستقيم و لكن‏

المراد هو ان لسان الحديث لا يكفى لإخراج الجزء عن نظام الجزئية فلو كان لنا

تصريح بخروج الشي‏ء عن نظام الجزئية لكان ممكنا و هذا لا خفاء فيه.


284
هو الغسل مرتين لا يكون في وسع الحديث ان يقول المؤثر في الطهارة هو المرة

الواحدة.

البحث في فقرة ما اضطروا إليه‏

اعلم ان الاضطرار على قسمين الأول ما يصل إلى حد الإلجاء بحيث يحكم‏

العقل أيضا بعدم إمكان الترك بالنسبة إلى ما اضطر إليه و الثاني ان لا يصل بحد الإلجاء

بل يكون بحسب العرف من الموارد الاضطرارية و هذه الفقرة بالنسبة إلى الأول‏

إرشاد لحكم العقل به أيضا و بالنسبة إلى الثاني حكم تعبدي إرفاقي من الشارع.

ثم البحث في هذه الفقرة في مقامات ثلاثة الأول الرفع بالنسبة إلى التكليفيات‏

و الثاني بالنسبة إلى الاجزاء و الشرائط و الموانع و الثالث بالنسبة إلى الأحكام الوضعيّة

في المعاملات.

اما الأول فمثل الاضطرار بشرب الخمر من باب انه يكون دواء فانه يكون‏

مرفوع الحرمة قطعا لأن حديث الرفع بالنسبة إلى هذه الفقرة يكون مخصصا للأحكام‏

الأولية فان مفاده اختصاص الحكم بغير هذا المورد و لا يجي‏ء الدور في ما لا يعلمون‏

و في نسيان الحكم على فرض التخصيص كذلك لأنه لا يرجع إلى أن يكون التكليف‏

منوطا بالعلم به.

و لذا قيل بأن الوضوء إذا كان ضرريا يكون باطلا لأن دليله خصص واقعا

بغير صورة الضرر كما في الحرج و ان كان خلاف التحقيق عندنا لأنا نقول بأن‏

الحديث بهذه الفقرة يكفى في كونه امتنانا رفعه للحكم الإلزامي فقط فانه إذا كان‏

إلزام الوضوء الحرجي و الضرري مرفوعا فيكون المكلف في وسع فان احتمل‏

الضرر و توضأ يكون صحيحا.

و الفرق بين هذه الفقرة و فقرة النسيان و الخطأ هو كون مورد الاضطرار تحت‏

الاختيار بخلافهما فانه يمكن ان يكون الحكم من الشرع على تحمل المشقة و لكنه‏

مرفوع و لكن الناسي و الخاطي لا يمكن ان يكون مكلفا بالتكليف في هذا الحال‏


285
الا بانقلاب نسيانه و خطائه إلى العلم و العمد و هذا واضح.

و اما الثاني و هو شموله للاجزاء و الشرائط فالكلام فيه كالكلام في الخطاء

و النسيان و شيخنا النائيني قده هنا أيضا يفرق بين الجزء و الشرط و بين المانع و يقول‏

بما قال في السابق من التفصيل بأن الاضطرار إلى المانع يوجب رفع مانعيته عن‏

نظام المركب بخلاف الجزء و الشرط فان رفعه لازمه الوضع و هو ليس في وسع‏

حديث الرفع كما مر منه قده.

و الجواب عنه هو الجواب بأنا لا نكون بصدد رفع الفعل أو وضعه بل بصدد

رفع الحكم و هو لا فرق فيه في الجميع الا ان الّذي كان مانعا عن الاجزاء في الجميع‏

و وجوب إعادة العمل هو ان الحديث لا يكون حاكما على أدلة الاجزاء و الشرائط

و الموانع بحيث يخرجه عن نظام المركب و ان كان حاكما بالنسبة إلى الحكم‏

التكليفي فيكون الحكم هنا مرفوعا ما دام الاضطرار و يجب إعادة العمل لفقده‏

للاجزاء أو الشرائط أو لوجود المانع فيه بخلاف اللاحرج كما مر.

و اما وجوب إتيان البقية فليس من باب أن رفع ذلك يقتضيه بل بدليل آخر

مثل ما ورد في الصلاة من أنها لا تترك بحال أو عدم وجوب الإعادة من باب ورود

لا تعاد بالنسبة إليها فان الحديث لو كان مفاده وجوب البقية يكون خلاف السنة لأنه‏

وضع بالنسبة إليها.

و اما الثالث و هو الاضطرار في المعاملات فمثاله من يكون ابنه مريضا فاضطر

إلى بيع داره فانه في مقام الدوران بينهما يمكن ان يرى مصلحته في بيع الدار و لو

لم يكن في الباطن راضيا بذلك و لكن على فرض الدوران يكون له الرضا به لأنه‏

أخف محذورا من رؤية مرض ابنه فحيث ان الرفع بمعنى إسقاط أثر المعاملة

الاضطرارية يكون خلاف المنة فلا يشمل الحديث له ضرورة انه محتاج إلى بيع داره‏

و يحتاج إلى ثمنه.

فلو قال الشارع ان المورد يكون خارجا عن تحت عموم أحل اللّه البيع و تجارة

عن تراض و أوفوا بالعقود يكون هذا خلاف الامتنان و ثقلا بالنسبة إلى هذا الفرد


286
الّذي يكون حاله كذلك و لذا نفرق بين المعاملة الإكراهية و الاضطرارية مع أن‏

طيب النّفس لا يكون فيهما.

لا يقال يمكن أن يكون المرفوع هو لزومه فيكون جائزا فيكون في خيار في‏

هذه المعاملة لأنا نقول ان الغرض انه محتاج إلى الثمن و لا يختار الخيار نعم إذا

فرض رفع اضطراره بعد البيع بلا فاصلة فيكون لهذا الاحتمال وجه و يكون هذا

من الامتنان.

هذا كله في الوضعيات المترتبة على نفس الرفع و اما الوضعيات المترتبة على‏

التكاليف فهل يمكن رفعه أم لا فيه خلاف مثل ان حنث النذر حرام و هو يوجب‏

الكفارة فلو اضطر إلى حنث النذر يكون الحرمة مرتفعة بالنسبة إليه و اما بعد رفعها

فيكون رفع الكفارة أيضا فيه التأمل و كلما تفكرت إلى الآن ما جاء في ذهني ترجيح‏

لأحد الطرفين فذره إلى وقت آخر.

فصل في فقرة ما لا يطيقون‏

اعلم انها مثل فقرة ما اضطروا إليه في الآثار لأن عدم الطاقة أيضا اما أن‏

يكون بحد الإلجاء و اما لا يكون كذلك و المرفوع بالحديث هو الثاني.

اما الأول فيكون رفعه بحكم العقل و لو وصل‏1عدم الطاقة إلى حد الحرج‏

يكون التقييد بالنسبة إلى الأدلة الأولوية واقعيا بمعنى تقييد الحكم في الواقع بحيث‏

لا يكون عليه الإعادة عند رفع الحرج لو كان بالنسبة إلى جزء أو شرط لتكليف‏

من التكاليف.

1أقول ما فهمنا إلى الآن الفرق بين الدليلين فانه لو كان الحرج موجبا

للتخصيص واقعا يكون الاضطرار أيضا كذلك فانه ليست الحكومة الا نظر أحد

الدليلين إلى الاخر و أصل النّظر فيهما موجود باعترافه مد ظله بالنسبة إلى الحكم‏

التكليفي ففي الوضعي أيضا اما ان يكون هذا النّظر أولا من غير فرق.


287
و اما إذا كان بحد الاضطرار فالمرفوع هو الإلزام فقط من دون التقييد في‏

الواقع لعدم حكومة الحديث بالنسبة إلى الأدلة الأولوية من حيث الأحكام الوضعيّة

و إخراج الجزء عن نظام الجزئية و الشرط عن نظام الشرطية كما مر.

و اما حاله في الأحكام الوضعيّة مثل البيع و ترتيب أثره فالكلام فيه كالكلام‏

في فقرة الاضطرار من حيث عدم شموله لرفع أثر البيع لأنه خلاف الامتنان و الفرق‏

بينه و بين الاضطرار هو أن عدم الطاقة لا يتعلق بالترك بخلاف الاضطرار1.

فصل في فقرة ما استكرهوا عليه‏

أقول الإكراه أيضا اما ان يكون في الحكم التكليفي أو الوضعي المعاملي أو

الوضعي الغير المعاملي اما التكليف فلا يكون مرفوعا بواسطته فلو أكره على شرب‏

1أقول هذا لا يكون فارقا لأنا نرى ان من صار خمّارا أو صار ذلك‏

طبيعة ثانية و عادة له يصدق انه لا يطيق الترك و لا يبقى فرق بين هذه الفقرة و فقرة ما

اضطروا بعد وجود الحد الإلجائي له أيضا.

الا ان يقال ان منصرف الدليل هو ان عدم الطاقة يكون في صورة ان يكون‏

إلى حد الإلجاء و الاضطرار يكون استعماله في الأعم منه أو يقال ان هذه الفقرة

تكون متعرضة لحكم الحرج مثلا.

و لكن بعد في الذهن شي‏ء و هو ان الإلجاء في الاضطرار و في عدم الطاقة

يكون مرفوعا بحكم العقل باعترافه مد ظله فلا يكون هذا الا إرشادا إلى حكمه و لا

يكون امتنانا فيه الا ان يقال لا يستقل العقل برفعه لأن الشارع ان يقول أهلك نفسك‏

لملاكات مهمة لا ندريها و حيث رفعه فقد منّ علينا بمنة كاملة الا ترى انه في الجهاد

يأمر بتعريض النّفس للهلاك و هو ليس بهلاك في الواقع لأن الشهداء لهم حياة

باقية مرزوقون عند ربهم.

و الحاصل ما امر به الحكيم العليم يكون فيه مصلحة تامة و كلما كان العمل‏

أشق فهو يكون أحسن و أحب فلا مانع في عدم رفع الحكم في مورد من الموارد

و ان كان موجبا لمشقة كثيرة.


288
الخمر أو إعطاء الف درهم يكون إعطاؤه لازما إلاّ ان يصل التكليف به إلى حدّ

الاضطرار و اما الوضع الغير المعاملي مثل الطهارة و النجاسة فلا يكون مرفوعا قطعا

لأنه ليس في وسع الحديث رفع التأثير عما هو مؤثر واقعا و إخراجه عن نظامه و اما

الأثر المعاملي فهو مرفوع قطعا فلو أكره أحد على بيع داره لا يكون هذا البيع مؤثرا

لأنه لا يكون عن طيب النّفس.

و اما معنى الإكراه فهو الإيعاد بضرر من الغير ماليا أو عرضيا أو نفسيا بخلاف‏

الاضطرار فانه لا يكون فيه الإيعاد كذلك.

لا يقال لا معنى للإكراه على الفعل فان الشخص حين كونه فاعلا لا بد ان يكون‏

راضيا بما فعل بمعنى انه ما لم يكن له تصور الشي‏ء و تصور الفائدة و الإرادة الجازمة

لا يكون حركة العضلات متحققة في الخارج فلو كان فعل فيكون عن إرادة و رضاء من‏

النّفس و عليه فإذا أكره شخص على بيع داره أو هتك عرضه يحصل الدوران في نفسه‏

بين الضررين فيرجح قبول أقل الضررين فيرى انه يكون في بيع الدار فيبيعها أو يرى‏

الدوران بين شرب الخمر الّذي يكون له مفسدة عنده اما لكونه معتقدا بالدين‏

الحنيف الإسلامي أو لكونه خبيرا بمفاسده للإنسان و بين بيع داره فلا يشرب الخمر

و يرضى ببيع الدار.

و ربما يكون امره بعكس ذلك فيرضى بشرب الخمر و ان كان غير جائز بالإجماع‏

أو لانصراف دليل رفع الإكراه عنه لأهمية الدين و على أي تقدير يكون له الرضا

الفعلي بما فعل و عدم الرضا التقديري لا يضر.

و في صورة الدوران بين الضرر العرضي و النفسيّ يكون التكليف ساقطا لأهمية

حفظ النّفس و العرض في نظر الشرع لأنا نقول انه و ان كان له الرضا بما فعل و لكن‏

هذا الرضا بالفعل يكون من سلطة الغير عليه فمن جهة سلطة الغير يصدق عليه الإكراه‏

و من حيث انه من افعال نفسه يكون له الرضا به فهو مكره على أحد الفعلين و مختار

في التعيين فالإكراه بالجامع يكون حاصلا.

ثم انه إذا لم يكن التكليف مرفوعا بالإكراه لا يكون الوضع مرفوعا به‏


289
بالأولوية فإذا أكره على ترك جزء أو شرط يكون التكليف به مرفوعا و لا يكون عمله‏

صحيحا لعدم رفع ما هو منشأ رفعه و هو التكليف.

لا يقال الإكراه في الأمور التوصلية مثل الإكراه على ترك السدر و الكافور

في غسل الميت يكون متصورا و اما في الأمر العبادي فحيث يسقط عن كونه عبادة

فلا معنى للإكراه فيه.

لأنا نقول القصد يكون من جهة و الإكراه من جهة أخرى أو يقال بأنه إذا

كان عاميا يزعم انه لا بد ان يقصد الأمر الواقعي و لا يلتفت إلى عدم علم المكره بباطن‏

ضميره فيقصد الأمر فيصير عبادة كما يقال بنظره في بيع المكره بيعا واقعيا بقصده‏

له كذلك.

لا يقال ما الفرق بين الاضطرار و الإكراه حيث انه يرفع التكليف دون الإكراه‏

لأنا نقول ان الفرق هو ان الإكراه يصدق مع المندوحة على الترك بخلاف الاضطرار

فانه يكون في صورة انحصار الطريق و عدم المندوحة منه فيصدق الإكراه في صورة

دوران الأمر بين بيع الكتاب و بين المطالعة في المسجد لا في الدار مثلا فيمكن ان‏

لا يطالع في المسجد و لا يبيع الكتاب و لا يكون الاضطرار كذلك.

مضافا بأنه يكون التحميل من الغير في الإكراه بخلاف الاضطرار فتحصل‏

انه لا يرفع التكاليف بواسطة الإكراه.

و اما المعاملات بالمعنى الأخص فيكون الرفع شاملا لأثره فينتفى صحة المعاملة

الإكراهية1لكنه قيل حيث يكون هذا الدليل امتنانيا يكون المرفوع هو اللزوم لا أصل‏

1أقول لا شبهة في كون الحديث في مورد الامتنان و يكفى ان يكون المرفوع‏

هو اللزوم فان ما هو الثقل يكون اللزوم فهو مرفوع و اما أصل الصحة فلا فانه ان لم يشاء

يفسخ العقد و لو فرض أن شخصا لا يحب ان يصير ملكه ملك الغير آنا ما فمع انه له‏

المندوحة بأن لا يقصد البيع أصلا كما سيذكر لا يكون وضع هذا النحو من الحكم‏

خلاف الامتنان عند العقلاء و ان كان رفعه امتنانا


290
الصحة و هو غير صحيح و الحاصل قد اختلف الكلام بينهم في أن المرفوع هل هو

اللزوم فقط مع بقاء الصحة أو أن المرفوع هو اللزوم و الصحة كلاهما و لكن يكون‏

لما وقع صحة تأهلية مثل العقد الفضولي المحتاج إلى الإجازة و الإمضاء أو يكون‏

المرفوع هو الصحة مطلقا.

و الدليل على الثالث هو ان المرفوع نفس الانتقال لا لزومه لأن ما أكره عليه‏

يكون هو النقل و الانتقال فالرفع يتوجه إلى هذه الجهة لا جهة اللزوم فقط و هذا هو

التحقيق.

لا يقال لا نحتاج إلى حديث الرفع في رفع أثر المعاملة لأن كل معاملة يكون‏

شرطه الرضاء و الطيب و هو غير حاصل في المعاملة الإكراهية فالشرط مفقود و لا تصل‏

النوبة إلى المانع و الرافع.

لأنا نقول انا فرضنا حصول الطيب فعلا في المعاملة بعد ملاحظة الدوران بين‏

الضرر الموعود عليه و البيع فلا طيب فعلى مغلوب و إكراه من الغير الغالب و كل‏

معاملة إكراهية و كل فعل إكراهي يكون كذلك فلو كان للإكراه مصداق يكون‏

مصداقه هكذا فلا يشكل على المقام.

فان قيل أي فرق بين الإكراه و الاضطرار فانه أيضا يكون عن طيب فعلى في‏

النّفس مع إكراه بيع داره فانه لا يرضى أبدا بيع داره خصوصا إذا كان ترتيب أموره‏

و يدور مدار أن يقال ما كان وضعه خلاف الامتنان هو المرفوع أو يقال بأن‏

الأعم من ذلك أي ما لم يكن وضعه خلاف الامتنان أيضا يشمله الحديث و الإنصاف أن‏

ماله العلاج لا يحتاج إلى الرفع فالذي يكون مرفوعا هو اللزوم و هو مد ظله أيضا في‏

بعض الفتاوى كان يتمسك بأن المرفوع هو اللزوم و لا يخفى أن ما ذكره هنا من أن‏

النقل و الانتقال إكراهي و هو المرفوع يكون متينا و لا نقول ان المرفوع من الأول‏

اللزوم بل نقول أن النقل و الانتقال يكون متحصصا بحصص بالذهن فوق الذهن‏

فحيث يكون النقل و الانتقال اللزومي هو الثقل فيكون المرفوع هذه المرتبة لا سائر

المراتب.


291
من غرس الأشجار و التزيينات بيده و لكن مرض ابنه مثلا يصير سببا لبيعه فله الرضاء

من جهة و كره من جهة.

قلت الفرق بينهما هو ان انطباق الحديث في مورد الاضطرار يكون خلاف‏

الامتنان و في مورد الإكراه موافق له.

بيانه أن المضطر إلى بيع داره لمرض ابنه رأى في مقام الدوران بيع داره‏

أسهل من موت ابنه و يكون بيعها سببا لراحته من جهة هي أقوى من حبه داره فلو قيل‏

ان المعاملة لا تقع حينئذ يكون هذا خلاف الامتنان عليه و اما الإكراه الّذي يكون‏

التوعيد فيه من الغير يكون رفع أثر المعاملة من كمال الامتنان فان قلت أي فرق في‏

الواقع و الخارج بينهما قلت ما ذكرناه من أن الإيعاد بالضرر في الإكراه يكون من الغير

في الاضطرار لا يكون كذلك‏1

تتمة

في البحث عن الفقرات الثلاثة الطيرة و الحسد و الوسوسة في الخلق‏

و حاصل الكلام فيها هو ان هذه علة لجعل الحكم لا لرفعته كما مر و لكن منع‏

الشارع عن اقتضائه و لم يجعل في مورده حكم تسهيلا للعباد لرأفته و رحمته بهم.

ثم ان المرفوع ليس هو أثر الحسد و غيره في الظاهر بأن يكون مثلا أثر

الحسد و هو غيبته أو نميمته مرفوعا فيكون المرفوع هو الغيبة و غيرها من الآثار المحرمة

و هكذا الطيرة بأن يؤذي الشخص بأن يقول مثلا من رأي في أول آنات خروجه من‏

منزله لفعل من الأفعال كلبا لا يصل إلى مطلوبه و أمثال ذلك لأن هذا من الأفعال‏

الاختيارية فان رفع الجسد يكون من جهة انه لا يخلو الإنسان منه و لو أمكن التحفظ

1أضف إليه كما أضافوا إشكالا و هو ان العقد تابع للقصد فللمكره أن‏

لا يقصد و قلما شخص يطلع على الضمائر ليكره على القصد فلا يحتاج إلى حديث‏

الرفع و الجواب عنه يظهر الثمرة في صورة كون العاقد عاميا يكون في خياله‏

انه يجب ان يقصد العقد واقعا.


292
بترتب المقدمات.

و اما الغيبة مثلا فيمكن ان يمنع نفسه منها و هكذا فان قلت ما هو المرفوع‏

يكون الفعل و الحسد ليس بفعل من النّفس قلت كيف و هو فعل جوانحي فالمرفوع‏

هو أصله لا آثاره فتحصل ان حديث الرفع يكون تام الدلالة للبراءة بفقرة ما لا

يعلمون.

فصل في سائر الأحاديث الدالة على البراءة

اعلم ان هنا أحاديث أخر تمسكوا بها للبراءة و نحن أيضا نتمسك بها تتبعا للشيخ‏

الأعظم و الخراسانيّ قدهما.

منها حديث الحجب-قوله عليه السّلام‏ (1) ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو

موضوع عنهم.

و تقريب الاستدلال هو ان الحكم المشتبه يكون مما حجب اللّه علمه عن العبد

فلا يكون مكلفا به و حجب كل شي‏ء بحسبه و قد أشكل عليه بان الحكم اما ان يكون‏

إنشائيا بمعنى وجود الاقتضاء له و يعلمه الرسول صلى اللّه عليه و آله و لا يكون مأمورا بتبليغه و اما

ان يكون مأمورا بتبليغه و بلغه و لم يصل إلينا بدس الدساسين و الكلام في بحث‏

البراءة هو الثاني لا الأول و الحديث ينفيه لا الثاني فان نسبة الحجب إلى اللّه تعالى‏

تكون في صورة ان يكون المنع منه تعالى لا من الدساسين فلا يفيد المقام.

أقول ان هذا الحديث يكون في الشبهات الحكمية لو كانت دلالتها تامة و لا

يكون فيه إشكال حديث الرفع كما مرّ من انه يكون في الشبهة الموضوعية لأن المراد

بما لا يعلمون هو الفعل الخارجي بقرينة السياق و ان أجنبا عنه و الإشكال الّذي يكون‏

فيه دون حديث الرفع هو ان الموضوعات يكون حجبها من الناس أو من الخارج‏

مثل الظلمة المانعة عن رؤية ان هذه الرطوبة الفلانية دم أم لا و هذا الحديث يحكم‏

بوضع ما يكون حجبه من اللّه تعالى.

1)في الوسائل كتاب القضاء باب 12 من أبواب صفات القاضي ح 28.

293
و الجواب عنه لا شبهة و لا ريب في أن الحجب لا يصدق الا بعد وجود شي‏ء

فان من لا زوجة له لا يأمر بحجابها ففي المقام اما ان يكون المحجوب هو التكليف‏

الإنشائي أو التكليف الفعلي و نختار ان يكون الثاني و نسبة حجبه إلى اللّه تعالى تكون‏

لعدم جعله الاحتياط في مورده فان كان جعله لكان ينحفظ الواقع به فحيث لم يجعله‏

يكون الحجب مستندا إليه.

و قد أشكل صاحب الوسائل على الحديث بأن معنى الحديث هو وضع‏

التكليف في صورة الحجب و هو يكون في صورة وجوب شي‏ء في الواقع ثم‏

وضعه أي رفعه عند الجهل و هذا لا يشمل التروك فان الترك ترك بنفسه لا يحتاج إلى‏

الوضع.

و الجواب عنه ان الترك يكون الزجر عن فعله تكليفا فلا يكون عدما محضا

فان ترك شرب الخمر مثلا واجب فلو جعل الاحتياط يجب ترك أشياء ليحصل الزجر

عنه في الواقع و إذا لم يجعله يكون هذا رفعا فلا يرد هذا الإشكال أيضا على الحديث‏

و يكون دلالتها على البراءة تامة.

و منها الناس في سعة ما لا يعلمون‏1و تقريب الاستدلال بتناسب الحكم‏

و الموضوع و هو أن الحكم الّذي لا يعلمه الناس يكون مرفوعا عنهم لأن معنى السعة

ليس الا هذا فلو جعل الاحتياط في الموارد المشتبهة لا يكون الناس في سعة بل في‏

ضيق فهذا الخبر مثل السابق يدل على البراءة و عدم وجوب الاحتياط.

1ما وجدت هذا الحديث بهذا النحو في الوسائل و حكى انه عن بعض كتب‏

العامة.

و ما وجدت في الوسائل في ج 2 في باب 50 من أبواب النجاسات و عنوانه‏

باب طهارة ما يشترى من مسلم و من سوق المسلمين ح 11 هو رواية عن السكوني‏

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قريبة إلى هذا المعنى فان قوله في ذيل الحديث يا أمير المؤمنين‏

عليه السّلام لا يدرى سفرة مسلم أم سفرة مجوسي فقال عليه السلام هم في سعة حتى يعلموا قريب‏

إلى هذا المعنى فيمكن ان يكون قولهم الناس في سعة ما لا يعلمون نقل العبارة بالمعنى.


294
و قد أشكل عليها بإشكالات منها أن مفاده سعة الناس بالنسبة إلى الحكم الّذي‏

لا يعلمونه و اما الّذي يعلمه الناس فلا سعة لهم فيه و الاحتياط يكون هو الحكم في‏

موارد الشبهة فأخبار الاحتياط وارد عليه لرفع موضوعه بواسطة تلك الاخبار.

و أجاب عنه في الكفاية ص 176 بما حاصله ان الاحتياط يكون لانحفاظ الواقع‏

فإذا علمنا بالحكم يجب الاحتياط لحفظه و اما الحكم الّذي ما علمناه بعد فلا يكون‏

لوجوب الاحتياط بالنسبة إليه وجه و لا نكون في ضيق من ذلك نعم لو كان للاحتياط

وجوب نفسي لكان الناس في ضيق عند الشبهة و هو غير صحيح فالتعارض بين هذا

الخبر و اخبار الاحتياط محقق.

أقول وجوب الاحتياط سواء كان نفسيا أو غيريا لا يكون واردا على الحديث‏

لأنا لنا المعذر و هو هذا الخبر و سائر الاخبار فانه يكون وجوبه في صورة عدم جعل‏

البراءة عند الشك و هو ليس بعلم حتى يكون غاية لدليله.

فان قلت الاحتياط ليس بعلم كما ذكرت و لكن ينتج نتيجته لأن العلم موصل‏

إلى الواقع و هو أيضا يكون كذلك و به يحفظ الواقع.

لأنا نقول الناس في سعة ما لا يعلمون يكون معناه ما لا يعلمونه بطريقه بأن لا

يكون دليل خاص بالنسبة إليه لا أن يكون المراد أن السعة تكون فيما لا يعلم حتى‏

بالاحتياط.

فان قلت المراد من السعة في ما لا يعلمون هو السعة ما لم يعلم الواقع و لا يعلم الوظيفة

سواء كان إحرازها بالعلم أو بطريق آخر و لا شبهة في أن الاحتياط وظيفة من لا يعلم‏

فيكون العلم بالوظيفة حاصلا كما أن المجتهد الّذي يكون سنده البراءة في فتواه‏

يرجع إليه بدليل رجوع الجاهل إلى العالم و الغرض أنه لا يكون له علم بالواقع بل‏

بالوظيفة فالناس في سعة ما لا يعلمونه و اما ما يعلمونه و لو بالعلم بالوظيفة المقررة

فليس مما لا يعلم فيكون الاحتياط واردا على البراءة.

قلت هذا خلاف الظاهر أولا لأن المراد بما لا يعلم هو عدم العلم بالواقع‏

لا ما لا يعلم و لا يعلم الوظيفة في مورده حتى يصح أن يقال الاحتياط وظيفة.


295
و ثانيا ان البراءة أيضا وظيفة جعلت للشاك قلنا ان نعكس الأمر و نقول البراءة

حاكمة أو واردة على الاحتياط لأنه يكون في صورة عدم كون الوظيفة بالنسبة إلى‏

الواقع هي البراءة و معه لا وجه لهذا القول الا ان يقال بأن الوظيفة في الشبهة التحريمية

الاحتياط و في الشبهة الوجوبية البراءة حتى يكون لكل وجه كما يقول به بعض‏

الأخباريين و لا وجه له كما سيجي‏ء.

هذا كله إذا كان وجوب الاحتياط طريقيا و اما إذا كان نفسيا أيضا فلا يكون‏

وجه لوروده على البراءة لأن لازمه هو أن يقال بأن في نفس الاحتياط مع قطع النّظر

عن الواقع مصلحة فنقول في البراءة أيضا مصلحة نفسية و هي مصلحة التسهيل فتعارض‏

مع مصلحة الاحتياط و لا وجه لتقديمها عليها.

و لا وجه للقول بأن الاحتياط واقع ثانوي فيكون الواقع معلوما فلا تصل النوبة

إلى البراءة لأنه خلاف الظاهر كما مرّ لأن المراد بعدم العلم هو عدم العلم بالواقع‏

الأولى على ان البراءة أيضا واقع ثانوي نعلمه فتعارض مع الاحتياط فدلالة الحديث‏

على البراءة واضحة تامة.

و منها قوله عليه السّلام كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى‏ (1) .و تقريب الاستدلال‏

بتناسب الحكم و الموضوع هو ان كل شي‏ء لم يصل من الشارع نهى بالنسبة إليه يكون مباحا

سواء كانت الإباحة الاقتضائية أو اللا اقتضائية و سواء كانت الشبهة موضوعية أو حكمية

فان المراد بالإطلاق هو الإباحة و المراد بورود النهي وصوله لا أصل صدوره كما

ظن الخراسانيّ قده.

و الإشكال عليها بما مر من أن الاحتياط يكون هو النهي الظاهري و هو وارد

و واصل إلينا من الشرع بقول الاحتياطي و لا يكون المراد هو النهي الواقعي.

مندفع بأنه لو كان الأمر كذلك نقول البراءة رخص و أصل من الشرع فلا يكون‏

مورد للاحتياط بعد وصول الرخص فضلا عن عدم العلم بالرخص أو عدمه.

1)في الوسائل ج 18 في باب 12 من أبواب صفات القاضي ح 60.

296
و الإشكال ثانيا عن الخراسانيّ قده أيضا مندفع اما أصل اشكاله قده فبيانه‏

ان المراد بالورود في الرواية لو كان هو الوصول لكان للاستدلال بالرواية على‏

البراءة وجه و لكن ليس كذلك فان ورود النهي صادق بصرف الصدور خصوصا إذا

كان الوصول إلى علماء الصدر الأول و لم يصل إلينا بعدهم بالدس.

لا يقال‏1و حيث لم يصل إلينا نشك في صدوره أيضا فنستصحب عدم الصدور

بعد الشك فيه لأنا نقول انه لو تم الاستدلال بالرواية بهذا النحو يكون الحكم بإباحة

ما شك فيه و إطلاقه من باب أنه لم يرد بالنسبة إليه نهى واقعا لا بعنوان انه مشكوك‏

و مجهول الحرمة حتى يقال بهذا العنوان يكون الأصل فيه البراءة.

لا يقال لا فرق من هذه الجهة فيما هو المهم فان الإباحة و الإطلاق إذا ثبتت‏

لا فرق بين ان يكون بهذا العنوان أو بذاك العنوان فان المقصود حاصل.

لأنا نقول ان الحكم بالإباحة من باب انه لم يرد فيه نهى واقعا يكون في صورة

إثبات عدم وروده واقعا و اما إذا كان النهي عنه صادرا في زمان و الإباحة في زمان‏

آخر و لا نعلم ان المقدم هل هو النهي حتى يكون الحكم بعده إلى الآن الإباحة

الفعلية أو كانت الإباحة متقدمة حتى يكون النهي فعليا لا وجه للقول بالإباحة لعدم العلم‏

بعدم الصدور واقعا.

لا يقال هذا الكلام صحيح على فرض القول بالفصل بين افراد ما اشتبهت‏

حرمته بأن تكون البراءة فيما لا يصدر عنه النهي واقعا و الاحتياط فيما صدر و لا نعلم‏

تقدم أحدهما على الاخر و اما على فرض القول بعدم الفصل بين الصورتين فلا يكون‏

لهذا الإشكال وجه.

لأنا نقول ان الافراد المشتبهة و ان لم يكن بينها الفصل و لكن هذا يكون في‏

صورة كون المثبت للإباحة فيما هو المسلم هو الدليل لا الأصل و في المقام حيث‏

يكون المثبت للإباحة هو الأصل لا وجه لعدم القول بالفصل بل يلزم القول بالفصل.

1كلامه قده يحتاج إلى بيان و توضيح من أوله إلى آخره.


297
و الجواب عنه قده‏1أولا بأن ما ذكره خلاف الظاهر فان المراد بقوله عليه السّلام‏

1أقول جعل مد ظله الإشكال و الجواب في درس واحد مع أن الشأن ان‏

يجعل هذا الإشكال و جوابه في ثلاثة دروس أو أزيد ليكون البيان مستوفيا و بيان الإشكال‏

و الجواب لتمام شئونه و لم يكن لنا بد الا أن نقرر بقدر ما قرره مد ظله فليرجع في‏

هذا البحث إلى تهذيب الأصول في ص 243 إلى 249 ج 2.

و اما اشكاله الثاني فهو غير وارد لأن الحكم بالإباحة الفعلية إلى حين ورود

النهي لا إشكال فيه فان عدم المنع عن الشي‏ء حتى يرد فيه نهى غير مشكل كما هو

الحال في جميع الأحكام الظاهرية و لكن الحكم بالإباحة الاقتضائية يمكن انقلابها

لبعض العوارض.

و الإشكال هو عدم إيجاب الجهل لانقلاب الواقع عما هو عليه و كيف كان‏

فالإباحة الظاهرية غير مشكلة كما عن بعض الاعلام من الأساتيذ.

و اما الإشكال الثالث فائضا لا نفهمه لأن توقف إثبات الإباحة و ان كان على‏

إثبات جريان الاستصحاب و لكن في الواقع يكون موضوعه متوقفا عليه لا أصل الحكم‏

فان جزء من الموضوع يكون بالوجدان و هو الشي‏ء و جزء يحرز بالأصل و هو عدم‏

صدور الحكم بالنسبة إليه فهو مباح.

فالحكم على فرض وجود الموضوع مسلم لا يكون متوقفا على الاستصحاب‏

و هذا مثل العدالة فان عدالة زيد إذا كانت مشكوكة كان جواز الاقتداء أيضا مشكوكا

فكما انه يكفى الحكم بالجواز في صورة العلم بها كذلك يكفى بعد إثباتها

بالاستصحاب فترتيب الحكم و هو الجواز متوقف على جريان الاستصحاب و جريانه‏

متوقف على هذا الأثر الشرعي.

و لكن لا ضير لأنه يكفى شأنية إثبات الموضوع لهذا الحكم فإذا ثبت يثبت‏

الحكم فكذلك إذا ثبت عدم الصدور في الشي‏ء يترتب عليه حكم الإباحة و الحكم‏

بالإباحة في المعلوم عدم صدوره يكون مثل جواز الاقتداء في الفرد المعلوم من‏

العادل فلا يكون التوقف في أحدهما في الحكم حتى يقال ان إثباته بالاستصحاب‏

دوري و في الموضوع فقط في أحدهما حتى لا يكون كذلك بل هما مثلان فالوارد

هو الإشكال الأول و الرابع و هو انه خلاف الظاهر.


298
حتى يرد هو الوصول لا الصدور كما هو المعروف فانه إذا قيل ورد بالنسبة إليه خبر

يفهم منه انه وصل فالدلالة تامة.

و ثانيا ان المراد بالإباحة سواء كانت الإباحة اللا اقتضائية أو الإباحة الاقتضائية

يستحيل ان يرد النهي عما هو كذلك فانه كيف يتصور ان يكون الشي‏ء مباحا و مع‏

ذلك يصدر بالنسبة إليه نهى فان النهي وصوله أيضا مستحيل كيف عن صدوره لأن‏

المراد بالإباحة هو الإباحة الفعلية لا الشأنية فانه بعد اقتضاء الشي‏ء الإباحة لا يمكن‏

ان يكون فيه اقتضاء غيرها.

و لو كانت الإباحة ظاهرية أيضا لا تكون مغياة بالنهي الواقعي لأنه لا يوجب‏

العلم فان الواقع الّذي لم يصل إلى المكلف كيف يكون غاية الحكم الظاهري‏

فوروده كذلك يجتمع مع الجهل بالواقع فما لم يصل نهى يكون الإطلاق بحاله.

فلا بد ان تكون الغاية للإباحة هو الحكم الواصل لا الصادر الا ان يكون‏

المراد بالإباحة هو الإباحة قبل الشرع بان يقال ما كان مباحا قبل الشرع في الشرائع‏

السابقة يكون بحال إباحتها حتى يصدر نهى في الواقع و عليه فلا يكون في مقام‏

بيان حكم فعلى لنا بل في الواقع يكون حقيقة الأمر بحيث انه لو صدر نهى انقلب‏

الإطلاق بصدوره.

و ثالثا لو سلم ان يكون النهي الصادر غاية للإطلاق أو الإباحة لا يكون التمسك‏

بالاستصحاب في المقام لتكميل دلالة الخبر مفيد فائدة لأن الأصل التعبدي يحتاج‏

إلى أثر شرعي فما لم يكن أثر متحقق قبل جريانه لا مجال له و في المقام يكون جريانه‏

لإثبات حكم الإباحة فان أصالة عدم صدور النهي لازمه هو إباحة الشي‏ء المشكوك‏

و هذا يجي‏ء من قبل الأصل فجريانه يتوقف على الأثر الشرعي و الأثر الشرعي يتوقف‏

على جريانه و هذا دور واضح.

و هذا ليس مثل استصحاب العدالة لترتب جواز الاقتداء فان إثبات الموضوع‏

يتوقف على الأصل و هو العدالة فانها بواسطة الاستصحاب يحرز و يترتب عليها


299
حكمها و لا يكون التوقف بالنسبة إلى الحكم بل هو ثابت من الخارج لا من جريان‏

الأصل.

و رابعا لا يتم جوابه في عدم القول بالفصل لأنه يريد تكميل الدلالة بواسطة

الأصل فإذا كمل فلا يحتاج ان يتمسك بذلك بل كل شي‏ء مشكوك الحكم يكون‏

كذلك حتى يرد نهى من غير فرق بين الافراد.

و على فرض التسليم أيضا لا يتم الجواب لأنه لا فرق في عدم القول بالفصل‏

بين ان يكون الدليل هو الأصل أو الأمارة فانه إذا قام الإجماع على عدم الفصل لا

فرق بين أن يكون بالنسبة إلى الحكمين الواقعيين أو بالنسبة إلى ظاهري و واقعي‏

ففي المقام ان ثبت إجماع على عدم الفصل لا فرق بين ان يثبت أحد الأطراف بالأصل‏

و هو الاستصحاب أو بالدليل فكلامه رفع مقامه مع علو شأنه بعيد من شأنه.

ثم ان الشيخ(قده)قال بان هذه الرواية دلالتها أحسن من غيرها و النكتة فيه‏

هي ان عمدة النزاع بين الاخباري و الأصولي هي في الشبهات التحريمية و هذه‏

ناصة في عدم وجوب الاحتياط بالنسبة إليها فلا يكون للأخباري ان يقول اخبار

البراءة يخصص بالشبهات التحريمية ففيها يجب الاحتياط و اما البراءة فهي في الشبهات‏

الوجوبية فقط.

و منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج‏ (1) عن أبي إبراهيم عليه السّلام قال سألته‏

عن الرّجل تزوج المرأة في عدتها بجهالة أ هي ممن لا تحل له أبدا فقال عليه السّلام اما إذا

كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها فقد يعذر الناس بما هو أعظم من ذلك‏

قلت بأي الجهالتين أعذر بجهالة ان ذلك تحرم عليه أم بجهالة انها في العدة قال عليه السّلام‏

إحدى الجهالتين أهون من الأخرى الجهالة بان اللّه تعالى حرم عليه ذلك و ذلك لأنه‏

لا يقدر معه على الاحتياط قلت فهو في الاخر معذور قال نعم إذا انقضت عدتها فهو

معذور في ان يزوجها.

1)في الوسائل ج 14 في باب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 4.

300
تقريب الاستدلال لهذه الرواية هو انها لا تختص بالحكم الوضعي و هو الحكم‏

بالحرمة الأبدية لمن زوج المرأة في عدتها فانه يكون مرفوعا في حال الجهل و كذلك‏

الحكم التكليفي و هو حرمة تزويج من في العدة فان الملاك هو المعذورية و هي‏

متحققة مع الجهل بالوضع أو بالتكليف.

و قد أشكل عليها أولا باختصاصها بالحكم الوضعي و هو الحرمة الأبدية لأن‏

مورد الرواية يكون هو ذا.

و الجواب عنه ان المعذورية أعم من كون الحكم تكليفيا أو وضعيا و ثانيا بأن‏

الغفلة تكون سببا لرفع الحكم لأنه لا معنى لعدم إمكان الاحتياط الا في مورد الغفلة

و اما من كان ملتفتا إلى شكه فيمكن له الاحتياط بترك ما شك في حرمته و هذا الإشكال‏

لا محيص عنه فلا يكون دلالة هذا الحديث على المطلوب تامة فان المطلوب هو

القول بالبراءة في صورة الشك في الحكم أو الموضوع.

في ما دل على حلية كل شي‏ء حتى يعلم حرمته‏

ثم هنا طائفة من الاخبار نسميها اخبار الحلية و انها في الشبهات التحريمية

منها رواية مسعدة بن صدقة كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه الحديث‏ (1) .

و قد ظن الشيخ الأنصاري قده بان كلمة بعينه في هذه الرواية و هي بدونها رواية

مستقلة و لكن نحن لم نجد رواية بهذا المضمون بدون كلمة بعينه.

و تقريب الاستدلال لو لا هذا الذيل للمقام كان واضحا في الشبهات الموضوعية

و الحكمية و اما بلحاظه فقيل انه يكون في الشبهات الموضوعية لأن ما يعلم أن عينه‏

حرام هو الموضوع و الحكم لا يكون عينا في الخارج.

و ربما يتخيل ان الدلالة غير تامة حتى مع فرض الذيل لأن الشي‏ء يكون هو ما في‏

الخارج من الموضوع و لا يكون صادقا بالنسبة إلى ما لا يكون في الخارج و لا يتم‏

1)في الوسائل ج 12 باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4.

301
لأنه لا فرق بين ان يكون الشي‏ء هو الموجود في الخارج بشخصه مثل ما إذا كان‏

في الخارج مائع علمنا بأنه خمر و حرام و بين ان يكون عنوانا ذا افراد مثل التتن‏

المشكوك حرمته فان هذا العنوان قابل للانطباق على الكثير فيكون هذا الشي‏ء بعنوانه‏

مرآة عن الخارج حلالا حتى يعلم حرمته.

و كذلك لو كان الذيل في الرواية أيضا يمكن الاستدلال بها للمقام و لا وجه‏

لما قيل من انه كلمة بعينه تكون مخصوصة بالشبهات الموضوعية مستدلا بأن الموضوع‏

هو الّذي يكون مميزا في الخارج بحدوده و قيوده دون الحكم لأن الحكم عندنا

أيضا يكون له حدود و قيود يجب ملاحظته حتى يعلم ان الحكم الفلاني يكون لهذا

الموضوع مثل ان العصير العنبي يكون للقول بحرمة حدّ و هو ان يكون مغليا بالنار

مثلا لا ما يكون غليانه بواسطة غيرها فكل شي‏ء من العناوين إذا شك في حرمته يكون‏

حلالا حتى يحرز الحرمة بحدودها و قيودها.

و الحاصل ان الإشكال في الرواية من وجوه الأول من جهة كلمة بعينه و قد

مر جوابه و الثاني من جهة الذيل الاخر و هو ذكر موضوعات بعده مثل الشراء عن‏

السوق و احتمال كون اللحم ميتة و احتمال كون المنكوحة هي الأخت أو الرضيعة

فيكون تطبيق الكبرى في الموضوعات شاهدا على اختصاصها بها و لا يشمل الأحكام.

و الجواب عنه هو ان الذيل لا يكون بيانا لمورد أصالة الحل بل يكون من‏

باب بيان أحكام أخر بطرق أخر فان اليد أمارة الملكية و السوق أمارة حلية اللحم‏

الّذي يكون فيه و أمثاله و في النكاح أصالة صحة العقد الواقع أمارة على صحته فهذه‏

قواعد أخر يكون بيانها في الرواية و لا يضر بالصدر.

الإشكال الثالث ان الذيل الاخر أيضا يكون شاهدا على كونها في الشبهة

الموضوعية لقوله عليه السلام و الأشياء كلها على ذلك حتى يستبين أو تقوم به البينة فان البينة

تكون في الموضوعات لا في الأحكام فان الخبر الواحد حجة فيه فيكون صدر الرواية

أيضا بالنسبة إلى الموضوع.

و الجواب عنه ان قوله يستبين يكون بيانا لغاية الشبهات الحكمية فانه إذا ظهر


302
الحكم لا يكون للحلية وجه و قيام البينة يكون بالنسبة إلى الموضوعات و مع التسليم‏

لا يضر بالكبرى في الصدر فان ما ذكر يكون بيان موارد خاصة بعنايات أخرى.

و من الروايات ما عن عبد اللّه بن سليمان فان ذيلها قوله عليه السلام كل شي‏ء فيه حلال‏

و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه‏1و في بعض النسخ حتى‏

تعرف الحرام منه بعينه فتدعه.

و تقريب الاستدلال هو أن كل شي‏ء من الأشياء سواء كان عينا من الأعيان‏

الخارجية أو من العناوين التي يتصور أن يكون متعلقا لفعل المكلف و يكون فيه‏

قسمان من الحكم بأن يكون بعض عناوينه حراما و بعض عناوينه حلالا و يكون بعض‏

أعيانه حراما و بعضها حلالا يكون المشكوك منه حلالا حتى يحصل العلم بأنه حرام‏

فلا يكون فرق بين الشبهات الموضوعية و الحكمية.

و قد أشكل عليها كما أشكل على السابقة بأن كلمة بعينه مانعة عن شمولها

للشبهات الحكمية لما مر و الجواب الجواب و قد ظن ان زيادة كلمة منه نصّ في‏

الشبهات الموضوعية فقط و يظهر الجواب عنه في جوابنا عن الشيخ قده.

و قد أشكل الشيخ الأنصاري قده في الرسائل بما حاصله هو أن قوله عليه السّلام‏

فيه حلال و حرام يكون معناه ان كل ما يكون منقسما في الخارج بقسمين بالفعل‏

مثل اللحم الموجود في الخارج فان فيه حلال و هو المذكى و فيه حرام و هو غيره‏

فيكون معناه كل كلي يكون فيه قسم حلال و قسم حرام فهذا الكلي لك حلال إلى‏

ان تعرف الحرام معينا في الخارج فتدعه و على الاستخدام يكون معناه كل جزئيّ خارجي‏

يكون في نوعه القسمان فذلك الجزئي لك حلال حتى تعرف الحرام منه أي من‏

1في الوسائل ج 17 باب 61 من الأطعمة المباحة ح 1 و ح 7-و في ح 7

يكون كلمة فتدعه مقدمة على كلمة بعينه و لم يكن في الروايتين كلمة منه مذكورا

و لا أدري من أين أضيف إليه نعم نقل الشيخ في الرسائل الرواية الأولى عن الشهيد

في الذكرى و أضاف إليه كلمة منه و ذكر قده انها ليست في بعض النسخ.


303
ذلك الكلي فيكون المراد بالشي‏ء هو الجزئي و من ضميره هو الكلي.

و على أيّ تقدير يكون المستفاد منه الشبهات الموضوعية لا الحكمية فسواء

كان المراد بالشي‏ء هو الشخص أو الطبيعي لا تشمل الرواية الشبهات الحكمية مع‏

لزوم الاستخدام لأن المراد بالشي‏ء هو الخارجي الشخصي و حيث أن الشخص‏

لا يكون فيه حلال و حرام فانه اما ان يكون حلالا أو حراما و لا ينقسم بقسمين و المراد

بالضمير الراجع إليه هو نوعه القابل للتقسيم كذلك و اما الشبهات الحكمية فلا يشمله‏

الحديث لأن امره مردد بين الوجود و العدم و لا يقبل التقسيم ذهنا و خارجا فان‏

المشتبه يكون امره مرددا بين الحلية و الحرمة لا أنه منقسم إليهما بالتقسيم الفعلي.

و ربما يجاب عنه بأن الشي‏ء مساوق للوجود فكل شي‏ء فيه حلال و حرام معناه‏

كل موجود فيه حلال و حرام و هو أعم من الحكم و الموضوع فان موارد الشبهات الحكمية

مثل الشك في حلية شرب التتن أيضا يكون الشك في موجود فيه حلال و حرام.

و فيه ان هذا خلاف الظاهر فان الظاهر من الشي‏ء هو الشي‏ء الخارجي لا

الوجود مع أن الشي‏ء يكون فوق المقولة و لا يكون مساوقا للوجود و ربما قيل ان‏

المراد بقوله فيه حلال و حرام أي فيه احتمال الحلية و الحرمة و هو أيضا خلاف‏

الظاهر لأن الظاهر منه هو التقسيم الفعلي.

و الصحيح في الجواب أن يقال لا بد من ارتكاب خلاف الظاهر سواء كان‏

المراد من الشي‏ء الشبهات الحكمية أو الموضوعية لأنه على فرض شموله للموضوعية

لا بد من الاستخدام و يمكن تصوير التقسيم الفعلي بحيث يشمل الشبهات الحكمية

و ان كان هو أيضا خلاف الظاهر.

و تقريبه ان يقال كل شي‏ء فيه حلال و حرام أي كل نوع من الأنواع يكون‏

فيه حلال و حرام مثل اللحم مثلا فمشكوكه حلال فان في اللحم حلالا و هو لحم‏

الغنم و حراما و هو لحم الخنزير و مشتبها و هو لحم الحمار فيصدق كل شي‏ء فيه حلال‏

مثل لحم الغنم و حرام مثل لحم الخنزير فهو لك حلال مثل لحم الحمار فالانقسام‏

الفعلي موجود و المراد من كلمة بعينه هو حدود الحكم و قيوده فالاستدلال بالرواية


304
للشبهات الحكمية و الموضوعية يمكن تصويره مع الالتزام بالاستخدام لأنه لا بد منه‏

لأنه لا معنى للرواية لو لم يكن كذلك لعدم التقسيم في الشي‏ء الشخصي.

و منها ما عن معاوية بن عمار بمضمون ما تقدم‏ (1) و الإشكال عليها الإشكال‏

و الجواب الجواب و لا فائدة في التكرار و ذكر الجبن فيهما لا يعين ان تكون الرواية

في الشبهة الموضوعية فقط بل الشبهات الحكمية أيضا داخلة من باب إضافة كلمة

و غيره بقوله سأخبرك عن الجبن و غيره و لفظ الغير شامل للطبائع الكلية التي تكون‏

مشتبهة.

فتحصل من جميع ما تقدم تمامية الروايات الواردة في البراءة اما بنحو العموم‏

في الشبهات الحكمية و الموضوعية سواء كانت الشبهة وجوبية أو تحريمية مثل حديث‏

الرفع و اما بنحو الخصوص في خصوص الشبهة التحريمية و يكون مفاد الجميع نفى‏

الاحتياط الّذي يقول به الاخباري.

في الدليل الثالث على أصالة البراءة و هو الإجماع‏

الدليل الثالث على البراءة الإجماع و له تقريبان الأول هو ان كل ما لم يصل‏

من ناحية المولى و هو هنا الشرع البيان عليه يكون إجماع الأمة على البراءة منه‏

لأن التكليف الغير الواصل لا يكون عليه العقاب.

و فيه ان هذا و ان كان متحققا متسالما عليه بين الاخباري و الأصولي و لكن لا

يتم من باب ان الاخباري يقول في مورد النزاع وصل البيان و هو وجوب الاحتياط

فلو لم يكن لنا البيان كذلك لكان الإجماع تاما.

التقريب الثاني هو ان يقال ان لنا الإجماع على ان كل واقعة مشتبهة يكون الأصل‏

فيه البراءة عند العلماء أجمع و لا يكون الاحتياط مجعولا و هذا النحو من الإجماع‏

لو كان متحققا لكان مفيدا و لكن لا يكون لنا إجماع كذلك لأن أصحابنا الأخباريين‏

1)في الباب المتقدم ذكره ح 7.


305
يكونون من الاعلام في الفقه و هم منكرون لذلك و اختلافنا معهم يكون نظير اختلاف‏

الأصوليين في الأقل و الأكثر الارتباطي فان بعضهم يقولون بالبراءة فيه كما هو الحق‏

و بعضهم يقولون بالاحتياط فهكذا الأخباريون يقولون بوجوب الاحتياط فما هو

المتحقق من الإجماع غير مفيد و ما هو مفيد غير متحقق فلا وقع للإجماع في المقام‏

مع انه سندي.

الرابع من الأدلة للبراءة حكم العقل‏

و هو أن المولى الحكيم يجب ان يبلغ تكليفه بأحد من الطرق العادية الدارجة

عند العقلاء و حيث لم يكن له حكم فما بأيدينا من الكتب بعد الفحص يكون العقاب‏

على ما لم يصل من العقاب بلا بيان و هو قبيح عقلا ففي كل مورد يكون كذلك يكون‏

حكم العقل بالبراءة دليلا عليها.

لا يقال ان الاحتياط لو كان مجعولا من الشرع لكان اللازم الأخذ به و الاحتياط

العقلي مثل الاحتياط الشرعي و احتمال الضرر حيث يكون فيحكم العقل برفع ذلك‏

الضرر المحتمل من جهة الاحتراز عن الوقوع في المصلحة و لا فرق في ذلك بين‏

حكم العقل أو الشرع.

لأنا نقول اما ان لا يكون احتمال الضرر بيانا أصلا أو يكون محكوما لقبح‏

العقاب بلا بيان فلا يقدم عليه و لتوضيح المقام لا بد من بيان كلام الشيخ الأعظم و بيان‏

كلام المحقق الخراسانيّ قده و أساتيذنا العظام قدس أسرارهم.

اما الأول فما يظهر من عبارته في الرسائل هو ان الضرر المحتمل لا يصلح‏

أن يكون بيانا حتى لا يجي‏ء قاعدة قبح العقاب بلا بيان و غيره يقول انه بيان و لكن‏

يكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان واردا عليه.

فعليك بعبارة الشيخ قده بقوله و دعوى ان حكم العقل بوجوب دفع الضرر

المحتمل بيان عقلي فلا يقبح بعده المؤاخذة مدفوعة بأن الحكم المذكور على‏

تقدير ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه و انما هو بيان لقاعدة كلية


306
ظاهرية و ان لم يكن في مورده تكليف في الواقع فلو تمت عوقب على مخالفتها

و ان لم يكن تكليف في الواقع لا على التكليف المحتمل على فرض وجوده فلا يصلح‏

القاعدة لورودها على قاعدة القبح المذكورة بل قاعدة القبح واردة عليها لأنها فرع‏

احتمال الضرر أعني العقاب و لا احتمال بعد حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان‏

فمورد قاعدة دفع العقاب المحتمل هو ما ثبت العقاب فيه ببيان الشارع فيه للتكليف‏

فتردد المكلف به بين امرين كما في الشبهة المحصورة و ما يشبهها انتهى.

و حاصل كلامه ان الضرر المحتمل موضوعه الاحتمال و هو في الشبهات البدوية

يكون مرفوعا بواسطة قبح العقاب بلا بيان و انما يجب مراعاة الضرر المحتمل إذا

كان لنا العلم بالتكليف و لو إجمالا و اما في صورة عدمه فلا وقع له الا ان يكون‏

دفع الضرر قاعدة ظاهرية نفسية و تكون المصلحة في نفسها و معلوم انه ليس لنا دليل‏

على ذلك إثباتا لأنها ليست أمارة شرعية مجعولة و عليه لا يكون له شأن ضرورة عدم‏

كونه لإحراز الواقع و الكلام يكون فيه لا في كونه قاعدة ظاهرية.

لا يقال عليه ان دفع الضرر المحتمل لا يمكن ان يكون قاعدة ظاهرية بل هو

حكم إرشادي لأن كل حكم يكون في سلسلة معلول الحكم يكون إرشادا كما

يقال في أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول فانه يحكم العقل بوجوب الإطاعة بعد وجود

الأمر من المولى و في المقام يكون حكم العقل من باب وجود حكم العقل لحفظ

ما هو في الواقع فيكون حكمه إرشاديا و لا يكون قاعدة ظاهرية بحيث يكون المصلحة

في نفسها.

لأنا نقول لو كان لنا حكم من الشرع و لو بنحو الإجمال كما في موارد الشبهة

المحصورة لكان لذلك وجه و اما إذا لم يكن لنا حكم يجب إحرازه فلأي شي‏ء

يكون هذا إرشادا فان ذات الاحتمال لا يكون بيانا للواقع حتى يكون حكم العقل‏

بدفع الضرر المحتمل إرشادا فما عن النائيني قده غير وارد عليه.

قال قده‏ (1) فالإنصاف انه ما كنا نترقب من الشيخ قده ذلك فان حكم العقل‏

1)في ص 134 من الفوائد تقرير الشيخ محمد على الكاظمي قده.

307
بقبح الإقدام على ما يحتمل فيه الضرر العقابي انما يكون إرشادا محضا لا يمكن ان‏

يستتبع حكما مولويا شرعيا فكيف يمكن ان يكون العقاب على مخالفته و ان لم يكن‏

في مورده تكليف واقعي و كيف صار هذا الحكم العقلي من القواعد الظاهرية مع‏

ان مخالفة الأحكام الظاهرية لا تستتبع استحقاق العقاب مع عدم مصادفتها للواقع‏

بل العقاب يدور مدار مخالفة الواقع مع وجود طريق إليه و في جميع الموارد القواعد

الظاهرية يكون العقاب على مخالفة الواقع أو على مخالفة القاعدة عند أدائها إلى‏

مخالفة الواقع لا مطلقا على اختلاف فيها من كونها محرزة للواقع كالأمارات و الأصول‏

التنزيلية فالعقاب على الواقع أو غير محرزة كأصالة الاحتياط فالعقاب على مخالفة

القاعدة و لكن بشرط كونه مؤديا إلى مخالفة الواقع و على كل حال ما أفاده قده من‏

ان العقاب على مخالفة نفس القاعدة الظاهرية و ان لم تؤدى إلى مخالفة الواقع مما

لا يستقيم انتهى.

اما وجه دفعه هو ان الشيخ(قده)ينكر حكم العقل بوجوب الدفع و ينكر

كون حكمه بيانا حتى يكون مانعا عن جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان و معه لا تصل‏

النوبة إلى القول بأنه إرشاد فانه مع عدم الواقع و عدم الحكم كيف يكون إرشادا إليه.

و ثانيا1انه قده يقول انه لو سلم ان يكون قاعدة ظاهرية يكون العقاب على‏

1أقول هذا أيضا خلاف الظاهر فان العقل لو كان له حكم يكون لحفظ

الواقع فقط و يمكنه ان يحكم بوجوب الاحتياط في كل مورد من الموارد ففيما كان‏

الواقع موجودا فهو و في صورة عدمه يكون لغوا مثل الأمارات فلا يرد على النائيني‏

قده كثير إشكال مع ان كلام الشيخ قده لا يكون بهذا البيان صريحا و هو مد ظله بيّن‏

كلامه هكذا لاحتمال كون مراده ذلك لئلا يرد عليه الإشكال عن النائيني(قده)

أو غيره.

و مع ذلك لا يتم و سيجي‏ء إيراد الإشكال على الشيخ أخذا من كلامه مد ظله‏

في بيان أدلة الاحتياطي في آية التهلكة في التذييلات فارجع إليه فإعطاء الحق لشيخه‏

قده أولى من إعطائه للشيخ الأعظم قده.


308
تركه و لو كان جعلها لوجود واقع احتمالي يراد حفظه مثل العقاب على ترك الاحتياط

فنعبر عنه بالفارسية نر و مادة لا ان لنا واقع يجب حفظه حتى يكون إرشادا إليه فانه‏

وظيفة قررت مثلا للشاك في الواقع و لا يمكن ان يكون بيانا للواقع حتى يكون‏

غاية لقبح العقاب بلا بيان فقبح العقاب بلا بيان لا مزاحم له لأنه يكون بالنسبة إلى‏

الواقع فلا يكون اشكاله عليه واردا و ما كنا نترقب منه قده ان يشكل كذلك كما ان‏

ما نترقب عن الشيخ قده فالحق مع الشيخ قده في ذلك و قوله بالورود لا يكون حسب‏

الاصطلاح بل يكون من باب عدم الموضوع لقاعدة دفع الضرر رأسا.

قال الخراسانيّ قده في حاشيته على الرسائل ص 117 بما حاصله ان قاعدة

دفع الضرر المحتمل يكون موضوعها احتمال الضرر كما هو واضح لمن تدبر و هو

فرع عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

فانه ان لم تجر القاعدة يبقى احتمال الضرر فيحكم العقل بوجوب دفعه و مع‏

جريان القاعدة ينفى احتمال الضرر فلا يكون موضوع لقاعدة الضرر فقاعدة القبح‏

بجريانها يذهب بموضوع قاعدة الضرر و كل دليلين يكون حالهما كذلك يكون‏

المذهب بالموضوع واردا عليه فيكون قاعدة القبح واردة على قاعدة دفع الضرر.

و لو فرض قاعدة العقاب بلا بيان فرع قاعدة دفع الضرر المحتمل يكون دوريا

لأن جريان قاعدة قبح العقاب على هذا يكون متوقفا على عدم كون قاعدة دفع الضرر

المحتمل بيانا و عدم كونها بيانا متوقف على جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان لأنها

ان جرت يذهب بموضوع القاعدة و هو الاحتمال.

فنقول له ان التوقف لو كان في الحكم يكون بالنسبة إلى عدم جريان القاعدة

أي قاعدة القبح أيضا دوريا لأن عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان متوقف على‏

كون دفع الضرر المحتمل بيانا و كون دفعه بيانا يتوقف على عدم جريان القاعدة

أي قبح العقاب بلا بيان فما هو السر في تقديم قاعدة قبح العقاب بلا بيان على قاعدة

وجوب دفع الضرر المحتمل هو ان موضوع قاعدة الضرر و هو الاحتمال يذهب‏

بواسطة جريان قبح العقاب بلا بيان و هذا حال كل وارد على دليل آخر و الا فمع‏


309
قطع النّظر عن ذلك تكون القاعدتان بيانا للوظيفة و تكونان متعارضتين.

هذا كله إذا كان المراد بالضرر الضرر الأخروي و اما إذا كان المراد به هو

المفاسد التي تكون ملاكا للحكم مثل أن يحتمل أن يكون موجبا لاختلال في النظام‏

فيكون حكم العقل بوجوب دفعه و حكم الشرع كذلك حتى يكون معارضا لقبح‏

العقاب بلا بيان منوطا بقاعدة الملازمة المعروفة بأن كلما حكم به العقل حكم به‏

الشرع فانه بعد تمامية القاعدة تحصل المعارضة.

أو يقال بأن موضوعه يكون هو احتمال الضرر و هو يكون منفيّا بواسطة

ذهاب موضوعه بواسطة قبح العقاب بلا بيان لعدم العلم بالتكليف.

قال الشيخ قده هنا و ان أريد بها مضرة أخرى غير العقاب التي لا يتوقف‏

ترتبها على العلم فهو و ان كان محتمل لا يرتفع احتماله بقبح العقاب من غير بيان الا

أن الشبهة من هذه الجهة موضوعية لا يجب فيها الاحتياط باعتراف الأخباريين فلو

ثبت وجوب دفع المضرة المحتملة لكان هذا مشترك الورود فلا بد على كلا القولين‏

اما من منع وجوب الدفع و اما من دعوى ترخيص الشارع و اذنه فيما شك في كونه‏

من مصاديق الضرر و سيجي‏ء توضيحه في الشبهة الموضوعية إن شاء اللّه انتهى.

و حاصل ما أفاده قده ان احتمال الضرر و المفسدة يكون موجبا للشك في أن‏

المورد هل يكون مصداقا للهلاك و الفساد أم لا و الأصل في الشبهات المصداقية أي‏

الموضوعية البراءة كما اعترف به الاخباري مثل الشك في أن هذا المانع خمر أو خل.

و أجاب عنه الشيخ النائيني قده،بقوله و أغرب من ذلك أي من اشكاله السابق‏

عليه ما أفاده أخيرا من أنه لو كان المراد من الضرر غير العقاب من المصالح و المفاسد

فاحتماله لا يرتفع بقاعدة قبح العقاب بلا بيان و هذا الكلام منه قده يعطى أن المصالح‏

و المفاسد من افراد الضرر و تعمها قاعدة قبح الإقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر

و لكن الشارع رخص في الإقدام في موارد احتمال المفسدة.

و أنت خبير بما فيه فان باب المصلحة و المفسدة غير باب الضرر الّذي يستقل‏

العقل بلزوم التحرز عن محتمله انتهى.


310
و كأنه قده ينكر ان تكون الشبهة موضوعية و مرخصا فيها من هذا الباب‏

و لكن الّذي يجب ان يقال في المقام هو أن الشبهة موضوعية و لكن فرق بين ما كان‏

حصول الشبهة من ناحية الخارج مثل وجود الظلمة المانعة عن رؤية أن هذا خمر

أو خلّ و بين ان يكون من باب عدم البيان من الشرع و يكون امر رفع الشبهة بيده‏

و المقام يكون من قبيل الثاني لعدم الدليل من الشرع على لزوم ترك الإقدام فيما يكون‏

فيه احتمال المفسدة.

ثم لا يخفى انه لا فرق بين الضرر الدنيوي الّذي يكون بدنيا و بين أن يكون‏

الضرر بالنسبة إلى مصالح الأحكام و مفاسده فانه يكون في سلسلة علل الأحكام و الجامع‏

بينهما هو ان الضرر الّذي يكون مانعا يكون فيهما فلو تم ملازمة حكم العقل لحكم‏

الشرع لا فرق بينهما.

و لكن الحق عدم صحة الملازمة لأن العقل لا يكون محيطا بجميع العلل و الأسباب‏

عند الشرع حتى يكشف الملازمة فرب شي‏ء يكون ضارا بنظر العقل و يكون له‏

مانع من قبل الشرع فلا يكون معارضا لقبح العقاب بلا بيان.

ثم ان الخراسانيّ قده‏ (1) أنكر الصغرى في المقام تارة و أنكر الكبرى تارة

أخرى اما إنكار الصغرى فهو ان الضرر لا يكون في جميع الموارد ملاك عدم الحكم‏

أو وجوده الا ترى ان الشارع امر بالزكاة مع انه ضرري و منع عن البيع الربوي‏

مع انه يكون ضارا فلو كان الضرر ملاك الحكم يجب ان لا يكون الحكم بذلك في‏

هذه الموارد و تبعه في ذلك شيخنا العراقي قده.

و فيه ان الضرر لا فرق بين أن يكون شخصيا أو نظاميا فان البيع الربوي يكون‏

مضرا بالنظام فنهى عنه و كل فرد يكون له نفع تحت النظام و ضرر تحت خلاف النظام‏

و الزكاة أيضا كذلك فانها أيضا توجب قلة السارقين لكونها موجبة لشبعهم فيكون‏

النهي عن ملاك ضرري و لا يمكن إنكار كون النواهي كاشفا عن وجود الضرر

1)في الكفاية ج 2 ص 180.

311
و لكن ليس للعقل كشف حكم الشرع في كل مورد احتمله.

و اما إنكاره قده الكبرى فيكون من باب انه يقول ان العقل لا يستقل بدفع كل‏

ضرر محتمل بل ربما يكون تحمله أولى من باب المزاحمة بالأهم فيختلف الدواعي‏

باختلافه.

و فيه ان باب ملاحظة الأهمية يكون بابا آخر غير مربوط بالمقام فانه يجب‏

البحث هنا لو لا المزاحم الأهم فاحتمال الضرر يكون في غير هذه الصورة.

ثم قال بأن هذا كله في صورة عدم ترخيص من الشرع و اما معه فلا يكون وجه‏

لاحتماله و قد ورد مثل قوله رفع ما لا يعلمون و كل شي‏ء لك حلال فيكون هذا

دليلا على ان الضرر لو كان أيضا يكون متداركا فدفع الضرر الغير المتدارك واجب‏

اما المتدارك كما في المقام فلا يجب دفعه و هذا متين جدا.

فتحصل من جميع ما تقدم عدم الملازمة بين حكم العقل و الشرع و معه أيضا

ورد الترخيص منه و هو موافق لقبح العقاب بلا بيان فدفع الضرر المحتمل مطلقا

غير واجب و حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان في محله مع التأييد بترخيص الشارع.

ثم قد استدل في تقريب حكم العقل بالبراءة بوجه آخر و هو ما عن السيد

أبو المكارم بن زهرة في الغنية و حكى الشيخ قده عنه و تعرض له شيخنا العراقي‏

أيضا و حاصل التقرير ان التكليف بما لا طريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق فهو

تكليف محال و قال الشيخ المراد به ما لا يطاق الامتثال به بقصد الطاعة و الا فنفس‏

الفعل لا يصير مما لا يطاق بمجرد عدم العلم بالتكليف به.

و نحن نقرب كلامه بوجه آخر لا يبقى فرق بين ما يعتبر فيه قصد الإطاعة

كالتعبديات و ما لا يعتبر فيه ذلك كالتوصليات و هو أن التكليف من قبل الشارع يكون‏

جعله لجعل الداعي في المكلف و تحريكه نحو العمل و التكليف الّذي لم يصل إلى‏

المكلف و لو تفحص لم يجد أيضا لا يكون له شأنية المحركية فهو تكليف محال‏

لا تكليف بالمحال لعدم تخلف التكليف عن داعي جعله و هو التحريك.

و لا نقول يكون المكلف عاجزا عن الامتثال بل الآمر لا يمكنه جعل هذا النحو


312
من التكليف فضلا عن مرتبة الامتثال فنحن نقطع بعدم التكليف على هذا الفرض‏

لعدم العلم به و لا طريق إليه.

لا يقال اعترفتم فيما قيل بأن التكليف لا يمكن أن يكون مقيدا بالعلم به للزوم‏

دور العلامة.

لأنا نقول الآن أيضا كذلك فان العالم و الجاهل في مرتبة الإنشاء مشتركان‏

و كذلك في مرتبة الفعلية بمعنى أنه لو تفحص لوجد و اما في مرتبة التنجز فلا يمكن‏

ان يكون هذا الشخص مكلفا بالتكليف المجهول الّذي لا طريق إليه فلا يمكن جعل‏

التكليف بالنسبة إليه.

و لكن يمكن ان يقال ان المراد بالجهل هو الجهل البسيط لا المركب منه‏

و عليه فامتثال شي‏ء باحتمال المطلوبية لا يكون مما لا يطاق فكما ان العلم بالأمر

موجب لامتثاله و العلم بالنهي موجب للانزجار عن المنهي عنه كذلك يمكن ان‏

يكون احتمال الأمر أيضا كذلك لو كان عليه دليل و هكذا بالنسبة إلى الجعل يمكن‏

ان يكون الاحتمال داعيا للمكلف إلى المطلوب فلا يكون جعله محالا.

و اما الجهل المركب ففي مورد،لا يمكن الامتثال و لا معنى للجعل أيضا

لعدم حصول الداعي و لا الأمثال في مورده فالإطاعة و الانقياد متمش من المحتمل‏

كما في موارد العلم الإجمالي بالتكليف فان امتثال الأطراف يكون بواسطة

احتمال الأمر في البين لا الأمر التفصيلي المعين.

ثم أن الشيخ قده قال بأن هذا الدليل لم تم يكون مثل ساير الأدلة العقلية

و لا يمكن أن يكون معارضا لاخبار الاحتياط لو تم فانها بيان على وجوب الاحتياط

فيجب البحث فيها ليظهر أن الاستدلال بها تام أم لا.

ثم قد استدل في المقام بوجوه أخرى للبراءة مثل استصحابها و التمسك‏

بلزوم الحرج على فرض عدم القول بها و حيث لا يكون تاما عنده لا نتعرض له هذا

تمام الكلام في الاستدلال على البراءة.


313
فصل في الاستدلال للأخباري‏

القائل بلزوم الاحتياط في الشبهات التحريمية بالآيات و غيرها.

و قد استدل بوجوه:
الأول بالآيات‏
منها قوله تعالى و لا تلقوا بأيديكم إلى‏

التهلكة

و تقريبها بان يقال ان احتمال الحرمة يكون الوقوع فيه من الهلاكة و قد نهى‏

اللّه تعالى عن الوقوع فيها فلا بد من الاحتياط لا من باب انه يفتى بالاحتياط بل من‏

باب التوقف من حيث العمل فلا يقال عليه ان الإفتاء بالاحتياط قول بغير العلم و هو

أيضا يكون هلاكة للنفس لأن الإفتاء كذلك أيضا هلاكة.

و الجواب عنها ان هذه الآية يكون مفادها نظير قولهم بان دفع الضرر المحتمل‏

واجب فلو كان ضرر يجب دفعه و اما مع عدم إثباته فلا يجب دفعه كما مر.

و الحاصل الاحتمالات في الأوامر الاحتياطية ثلاثة الأول ان يكون نفسيا الثاني‏

ان يكون إرشاديا و الثالث ان يكون طريقيا.

اما الأول فبيانه أن يقال عند احتمال الحرمة يتولد مصلحة توجب الأمر بالاحتياط

و لكن لو كان في مورده واقع فهو المطلوب و الا فيكون المطلوب نفسه نظير ما قال‏

الشيخ قده في دفع الضرر المحتمل فان القاعدة بنظره قده تكون قاعدة ظاهرية

بعد عدم إحراز الواقع بمعنى كونه واجبا اما من باب المصلحة في نفسه أو من باب‏

انه لو كان في مورده واقع يكون طريقا إلى دفع الضرر و لا يحتاج إلى وجود منجز

قبله كما في موارد العلم الإجمالي.

و الجواب‏1عنه أولا ان هذا التقريب غير صحيح لأن إثبات كون المورد تهلكة

1عدم صدق التهلكة هو المتعين و هو الأساس في المقام و اما كون هذا

مثل قاعدة دفع الضرر المحتمل ظاهريا فيرد عليه انه خلاف الظاهر.

و ليته قال بهذا في رد النائيني(قده)للشيخ فانه أنكر كون القاعدة ظاهرية في‏

مقابل الشيخ قده و الأستاذ مد ظله قال ما كنا نترقب منه ذلك.


314
لا طريق إليه لعدم دليل على الحرمة فانه من الشبهة المصداقية لها.

و ثانيا على فرض التسليم ان كونه قاعدة ظاهرية خلاف الظاهر بل الاحتياط

و اما تعدد العقاب فهو لا يلزم على قول القائل بان المصلحة تكون في نفس‏

الاحتياط لأنه ليس العقاب الا عليه لا على الواقع نعم ملاك وجوبه يمكن ان يكون‏

الواقع و القول بأنه للواقع و انه نفسي متهافت.

فليته قال في جواب الشيخ أيضا بان القاعدة الظاهرية و بتعبيره بالفارسية نر و مادة

خلاف الظاهر فان المراد بجميع ما ذكر من الدليل النقليّ و العقلي على الاحتياط

هو حفظ الواقع لا غير.

و لا يخفى ان السند الوحيد لإيراده هذه الإشكالات هو عدم وجود الدليل على‏

التهلكة و الا فمع صدقها لا إشكال في تمامية الدليل فانه يجب الاحتياط بحكم العقل‏

و عليه و ان كان الأمر بالاحتياط إرشاديا و لا سبيل إلى القول بالنفسية و لكن أصل عدم‏

الملاك للوجوب نشأ عنده من عدم وجود الهلاك.

و اما ما قال ردا للأساتيذ في معنى ان الاحتياط واصل بنفسه فمرادهم قدس اللّه‏

أسرارهم ليس ان الاحتياط طريق كاشف مثل الأمارة حتى يرد عليهم الإشكال بل‏

مرادهم هو ان الواقع يحرز به و هو تارة يكون بالجمع بين المحتملات كما في‏

العلم الإجمالي و تارة بالترك كما في الشبهة البدوية التحريمية أو بالفعل كما في‏

صورة احتمال الوجوب.

و كيف كان فلو كان لنا دليل على وجوب الاحتياط في مورد كما في باب‏

الفروج و الدماء نقول بان وجوبه طريقي بمعنى انه يكون لحفظ الواقع فاللازم ان‏

يقال في ذلك بأنه دل الدليل عليه و كلما يكون الدليل فلا إشكال في الوجوب كذلك‏

لا أن يقال لا يتصور جعل الاحتياط طريقا بمعنى كونه محرزا للواقع و اما الطريق‏

الكاشف فلا يكون حتى فيما دلّ الدليل على وجوبه.

و مما ذكرنا ظهر أن قوله في البحث ان الفارق بيننا و بين أساتيذنا صدق التهلكة

عندنا و عدم تمامية الدليل و عدم صدقها عندهم يكون من التهافت في الكلام و لعله‏

وقع السهو في البيان و الكلام منه مد ظله.


315
يكون لحفظ الواقع.

و ثالثا على هذا الفرض يلزم تعدد العقاب لو صادف الواقع لوجود المصلحة

في نفسه و في الواقع لو تركه و هو كما ترى فانه ليس عليه الا عقاب واحد لو سلم‏

أصله فلا سبيل لنا إلى القول بوجوبه النفسيّ فلا بد من القول بالوجوب الإرشادي‏

بمعنى انه يكون لحفظ الواقع و لا يمكن المساعدة عليه في المقام أيضا لأن الإرشاد

يكون بعد حكم العقل بوجوب حفظ الواقع بعد إحرازه و في المقام حيث ما أحرزنا

الهلاك لا يكون الأمر بالاحتياط إرشاديا أيضا فيكون لنا القطع بعدم العقاب لعدم البيان.

لا يقال بقي الثالث و هو أن يكون وجوبه طريقيا مثل الاحتياط الّذي يكون‏

واجبا في الفروج و الدماء فانه يكون لحفظ الواقع فيكون بيانا للواقع بهذا النحو

من البيان فان الاحتياط على ما هو المشهور بين أساتيذنا واصل بنفسه و الأمارات‏

تكون واصلة بطريقه أي تكون طريقا إلى الواقع لا يبقى سبيل مع الاحتياط لفقدان‏

الواقع.

لأنا نقول انه ليس فيما يجب الا وظيفة قررت للشاك و لا يكون له الطريقية

إلى الواقع لأنه ليس بعلم و لا علمي فلا كاشفية له عن الواقع إلزاما و لا استحسانا

فانه ليس الا الجمع بين المحتملات.

لا يقال فلأي دليل يتمسك به في الفروج و الدماء لأنا نقول من باب الدليل‏

الخارجي على وجوبه.

هذا طريقينا1لعدم إحراز الوجوب بالنسبة إلى موارد التهلكة و اما أساتيذنا

فينكرون صدق التهلكة في المقام فلا تشمل الآية موارد احتمال الحرمة و انا أقول ان‏

التهلكة صادقة و لكن لا يتم الدليل من هذه الجهة.

فعلى هذا نقول إذا كانت الشبهة بدوية حيث يكون احتمال الهلاك محكوما

لقبح العقاب بلا بيان و عدم تمامية هذا الدليل اللفظي على الاحتياط ليعارض مع‏

الأدلة النقليّة للبراءة فلا محالة يكون الحق هو القول بالبراءة لعدم تمامية دليل الاحتياطي‏

1قد ظهر عدم تمامية هذا و انه سهو بيان في التذييلات السابقة.


316
هذا و تمامية دليل البراءة عقلا و نقلا كما مر في جواب الدليل العقلي للاحتياط و هو

دفع الضرر المحتمل فلا دلالة لهذه الآية على مطلوبهم و لو تم هذا الدليل يكون‏

معارضا مع أدلة البراءة لا محكوما أو مورودا لها.

هذا كله لو كان المراد من التهلكة العقاب الأخروي و اما لو كان المراد منه‏

الضرر الدنيوي من وقوع الناس أو الشخص في المفاسد النظامية أو البدنية فالكلام‏

فيه كالكلام في قاعدة دفع الضرر المحتمل و قد مر أن العقل لو كان حاكما بدفع‏

هذه المهلكة لا يستتبع حكمه هذا حكما شرعيا لعدم تمامية الملازمة بين حكم العقل‏

و الشرع و الفارق انه لو ثبت في المقام تهلكة يكون الأمر بعدم الوقوع فيها و اما في‏

دفع الضرر يكون الحكم هو حكم العقل فقط الّذي لا يلازمه حكم الشرع و لكنه‏

يكون إرشادا إلى الواقع و حيث لا واقع للهلاك لعدم الإحراز يكون مثله في عدم‏

الإنتاج.

و من الآيات آية النهي عن متابعة غير العلم‏
بقوله تعالى لا تقف ما ليس لك‏

به علم،و لا شبهة في ان الإنسان إذا احتمل حرمة شي‏ء ثم أقدم على ارتكابه يكون‏

هذا ارتكابا لما لا علم له به فالعمل عليه و الفتوى بالبراءة يكون من اتباع غير العلم.

و لا يقال عليه ان القول بالاحتياط أيضا يكون إفتاء بغير العلم فلو كان المراد

به هو ان الوظيفة تكون هذا في مقام العمل نقول البراءة أيضا كذلك ففي عدم كونهما

علما مشتركان فلا ترجيح للاحتياط لأنا نقول كما قال الشيخ(قده)بأنهم لا يفتون‏

بالاحتياط بل يتوقفون في مقامه و في مقام العمل و هذا غاية تقريب كلامهم.

و يرد عليه أولا بالشبهة الوجوبية فانهم يقولون بالبراءة فيها مع انه أيضا يكون‏

من القول بغير العلم و ثانيا ان القول بالبراءة يكون من القول مع العلم فان الدليل‏

إذا دلّ عليها لا يكون اتباعه اتباع غير العلم فان المراد بالعلم لا يكون هو العلم‏

الوجداني فقط بل يشمل الوظيفة أيضا و أدلة الاحتياط أيضا لو تم يكون بيانا للوظيفة

و يتعارض مع أدلة البراءة و لكن لا يتم و لو تم أيضا يكون دليل البراءة واردا عليها

لذهاب موضوعها و هو الاحتمال للعقاب بواسطة ورود دليل البراءة.


317
و من الآيات آية الاتقاء
قوله تعالى فاتقوا اللّه حق تقاته بتقريب ان الإقدام‏

في موارد الشبهة ينافى التقوي و الورع في الدين مع انا مأمورون بذلك و هكذا الإفتاء

بالبراءة أيضا ينافى التقوي فالعمل و الإفتاء ينافى الآية.

و يرد عليه ان الاتقاء واجب عما يكون حراما و اما ما لا يكون كذلك لوجود

الدليل على البراءة فلا يجب الاحتياط نعم انه حسن في كل حال عقلا و شرعا و لكن‏

الكلام في لزومه و لا دليل عليه مع ان الإفتاء بالاحتياط مع عدم لزومه و ورود الدليل‏

على البراءة يكون خلاف التقوي فهذه الآية أيضا لا تتم على مطلوبهم و يكفينا من‏

الآيات ما ذكرناها و لا نتعرض للبقية.

و الدليل الثاني لهم الروايات‏

و هي على طوائف و كل طائفة منها تكون بحد التظافر و فيها صحاح و موثقات:

فالطائفة الأولى ما يكون لسانه وجوب الوقوف عند الشبهة
و في عدم الوقوف‏

عندها اقتحام في الهلاكة كما في قوله صلى اللّه عليه و آله قفوا عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهة

خير من الاقتحام في الهلكة و غيره مما ذكروه من الروايات‏ (1) .

و تقريب الاستدلال لجميع هذه الاخبار بوجهين الأول‏1أن يكون قوله صلى اللّه عليه و آله‏

1التقريب الثاني هو الأظهر مع عدم تمامية هذا التقريب أيضا لأن اختصاص‏

الشبهة بالبدوية فيه التأمل فان موارد العلم الإجمالي أيضا يكون الشبهة صادقة و الاحتياط

فيها لازم.

مضافا إلى ان النّظر إلى الذيل يرشدنا إلى أن التوقف يكون لازمه عدم الوقوع‏

في الهلاك و هو غير محرز في البدوية فالتعليل بقوله فان الوقوف إلخ يوجب الإشكال‏

في شمولها للشبهات البدوية و اللّه العالم.

1)و هي في باب 12 من أبواب صفات القاضي في ج 18 من الوسائل ح 121

و غيره.


318
فان الوقوف تفريعا على الأمر بالتوقف و ظاهر الخطاب هو التوقف عند الشبهة

البدوية لأن أخذ هذا العنوان متعلقا للتوقف يكون ظاهره انه بعنوانه الخاصّ دخيل‏

في الحكم ففي صورة إحراز الواقع بالعلم الإجمالي حيث لا تكون الشبهة محضة

و يكون إحراز الواقع من ناحية أخرى يكون خارجا عن هذا العنوان فالخطاب طريقي‏

محض و لا يكون إرشادا لما ثبت حكمه بالعلم الإجمالي لأنه خلاف الظاهر فان‏

الشبهة ظاهرة في البدوية فقط فيتفرع على الوقوف عند الشبهة عدم الوقوع في الهلكة.

و التقريب الثاني ان يقال ان معنى الذيل هو ان علة القول بوجوب التوقف‏

يكون من جهة ان الاقتحام في الهلكة غير جائز فان عموم العلة يكون شاملا للشبهات‏

البدوية و المقرونة بالعلم الإجمالي و لا يختص بالعلم الإجمالي فقط لأصالة العموم‏

و التخصيص به يكون خلاف الأصل فيكون الوقوف عند الشبهة معلولا لوجوب عدم‏

الاقتحام في الهلكة.

و هذا التقريب يكون عن الشيخ الأعظم قده‏1و انه كاشف عن ان الاحتياط

يكون مجعولا في صورة كون الشبهة بدوية للغوية الخطاب بالتوقف مع عدم وجوبه.

ثم أجاب الشيخ قده عن هذا الأخير الّذي تعرض له بأن المراد بالاحتياط و الوقوف‏

عند الشبهة ان كان من باب المقدمية لعدم الوقوع في العقاب الأخروي لأنه هلكة

فهو مستلزم لترتب العقاب على التكليف المجهول و هو قبيح كما اعترف به الاخباري‏

فان وجود العقاب فرع التكليف و هو غير مسلم.

و ان كان المراد بوجوبه هو الحكم الظاهري النفسيّ لمصلحة في نفس‏

التوقف من دون ملاحظة الواقع فيكون الهلكة الأخروية مترتبة عليه لا على الواقع‏

و هذا خلاف ظاهر الآية لأن الظاهر هو أن الهلاك يكون بالنسبة إلى التكليف الواقعي‏

1في الرسائل الموجود عندي ص 193 إلى 195 و للإحاطة بجميع جواب‏

كلامه قده يلزم الرجوع إليه و ما ذكره مد ظله هنا فذلكة منه و انه بعض كلامه قده‏

لا كلّه.


319
لا بالنسبة إلى ترك الاحتياط كما يظهر من المراجعة إلى قوله فان قلت إلخ فيكون‏

الأمر إرشاديا و هو لا يكون الا في موارد العلم الإجمالي لأن الإرشاد يكون فرع‏

المرشد إليه و في الشبهات البدوية لا يكون لنا تكليف ليجب إطاعته بحكم العقل‏

ليكون الاحتياط طريقا إلى حفظه و يكون الأمر به إرشاديا فلا يتم دلالة هذه الآية

على مطلوبهم.

و قد أشكل عليه شيخنا العراقي قده بأن في الأمر بالاحتياط احتمالا ثالثا و هو

كونه طريقا لحفظ الواقع كما في مورد الفروج و الدماء و هو قده أيضا يقول به في‏

بعض الموارد فان الاحتياط يكون محرزا للواقع و واصل بنفسه على ما هو التحقيق‏1

و لا يكون القول بعدم كونه كذلك مستدلا بأنه ليس الجمع بين المحتملات‏

و لا يكون طريقا علميا و لا بمنزلته بصواب فانه لا شبهة في انه لو كان واقع في البين‏

يكون هذا طريقا إلى حفظه كما أن الأمارات تكون على فرض وجود الواقع حافظة

له بوجه و عليه يكون الأمر بالوقوف موجبا للقول بوجوب الاحتياط فيتعارض مع‏

ما دل على البراءة من أدلة الأصولي.

و قد أجاب‏2بعض الأعيان عن هذا التقريب فان التهلكة هنا منصرفة إلى المضار

1مر منه مد ظله قبل الرد على الأساتيذ في هذا القول و هذا يكون خلافه‏

و قد اعترف بذلك بعد الإيراد عليه و عذره أن الإنسان في كل آن في شأن و مرّ منا

ان الاحتياط ليس طريقا في مقام إثبات التكليف كالعلم و العلمي و لكنه طريق لإحرازه‏

2أقول ان مقتضى التقرير هو بيان نصّ كلام الأستاذ مد ظله و الا فما عن‏

بعض الأعيان في حاشيته على الكفاية نهاية الدراية في ذيل ص 195 و صدر ص 196

و وسط ص 197 يأبى عن الحمل على هذا المعنى فانه قده بيّن بيانا في الهلكة الأخروية

و قال بأن المحرز حيث لا يكون لها لا وجه للاحتياط و لا للإرشاد و قال و ان‏

أريد الثانية أي التهلكة الدنيوية ففيه أولا انه خلاف الظاهر مع ان كل مفسدة ليست‏

تهلكة جزما إلخ قوله و ان كان نفسيا فان شئت فارجع إليه.

و تمسك الأستاذ مد ظله يكون بعبارته هذا في ص 197 قوله لا تجامعوا


320
الدنيوية كما في نكاح من احتمل كونها أخته الرضاعي من المفاسد الدنيوية و العقوبة

الأخروية ليست هلكة.

و فيه ان كون العقوبة من أشد أنحاء الهلكة ظاهر الا إشكال فيه و على فرض إطلاق‏

التهلكة بالنسبة إلى الهلاك الدنيوي و الأخروي حيث يكون في لسان الشرع يجب أن‏

يكون المراد منها العقوبة الأخروية لا الضرر الدنيوي لأن مقام الشارعية يقتضى ذلك.

و قد أشكل العراقي(قده)أيضا بأن هذا التقريب يتوقف على إثبات الإطلاق‏

ليكون شاملا للشبهات البدوية و المقرونة بالعلم الإجمالي و اما على فرض عدم القول‏

بأصالة الإطلاق فينحصر بموارد العلم الإجمالي و هذا يكون دوريا لأن أصالة الإطلاق‏

متوقفة على العلم بالمنجز و لو كان هو الاحتياط بالوجوب النفسيّ.

و العلم بالمنجز في موارد الشبهات البدوية متوقف على أصالة الإطلاق ضرورة

انه لو لم تكن جريانها لا يكون هذا دوريا لأن أصالة الإطلاق تكون كاشفة

عن إيجاب الاحتياط لأن إيجابه يكون متوقفا عليها ليصير دورا.

و الجواب عنه ان هذا يكون في جميع موارد الظهورات و الإطلاقات و لا بد

النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة يقول إذا بلغك من لبنها أو أنها لك محرمة و ما أشبه‏

ذلك فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة فانه لا شبهة في أن الهلكة

لا يراد منها العقوبة بل المفاسد الذاتيّة الواقعية.

كيف و قد نصّ في موثقة مسعدة بن صدقة بأن الإقدام حلال ممثلا له بذلك‏

و بأشباهه و عليه فما في رواية أخرى أيضا لا ظهور للهلكة فيها في العقوبة بل في الجميع‏

إرشاد إلى ما يعم العقوبة و المفسدة كل بحسب ما يقتضيه المورد من وجود المنجز

و عدمه انتهى.

و قوله في الذيل ما يعم إلخ صريح في عدم الانصراف بل يمكن ان يستعمل‏

و يراد منه العقوبة و الضرر الدنيوي أو يراد منها العقوبة حسب اقتضاء الموارد فعليك‏

بالتدبر في استظهار المعنى منه.


321
أن يقال بأن الإطلاق كاشف عن الواقع فانه إذا فرض إطلاق العلة و شمولها للشبهات‏

البدوية فلا بد ان يكون كاشفا عن جعل الاحتياط في موردها لئلا يصير الإطلاق‏

لغوا فيكشف عن الإطلاق في مقام الإثبات ان الثبوت مطابق له بالكشف الإنّي.

و بعبارة أخرى للإشكال ان التهلكة تكون موضوع الحكم بالوقوف في‏

الشبهات البدوية و المقرونة بالعلم الإجمالي فصدقها متوقف على الحكم مطلقا بالوقوف‏

حتى في الشبهات البدوية و إطلاق الحكم متوقف على صدقها و هذا دور لأن الحكم‏

لا يكون مقوما لموضوعه فانه بعد الفراغ عنه.

و الجواب عنه انا بالإطلاق نكشف‏1عن صدق التهلكة في الواقع و ان‏

الشبهات البدوية في موردها العقاب فدلالة الروايات على الاحتياط تامة و يجب العلاج‏

عند المعارضة مع اخبار البراءة.

الطائفة الثانية من الاخبار

ما ورد في خصوص وجوب الاحتياط مثل ما نقل‏ (1) في الرسائل عن أمالي‏

المفيد الثاني ولد الشيخ قده بسند كالصحيح عن مولانا الرضا عليه السّلام قال قال أمير المؤمنين‏

لكميل بن زياد أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت و في حديث عنوان البصري عن‏

1و أقول لو كان التقريب هو التقريب الأول من دوران الأمر بين الإثبات‏

و الثبوت و أن الإثبات كاشف عن الثبوت يكون الجواب واردا عليه كما انه في كل‏

مقام يكون هذا اشكاله يكون هذا جوابه و اما الإشكال بالتقريب الثاني كما هو في‏

تقريرات العراقي قده و هو أليق بشأنه أيضا فلا نفهم الجواب عنه لأن الحكم لا يمكنه‏

إثبات موضوعه و يكون من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية ضرورة أن الموضوع‏

يجب ان يكون قبل الحكم ليمكن القول بسريان الحكم إلى أنحائه فإذا لم يكن‏

الموضوع لا يكون وجه للسريان ففي المقام التهلكة في الشبهات البدوية غير مسلم‏

حتى يكون التوقف عندها لأنها تهلكة فهذا الإشكال وارد على هذه الروايات.

1)في الوسائل ج 18 باب 12 من أبواب صفات القاضي ح 41.

322
خط الشهيد قده في حديث طويل‏ (1) يقول فيه سل العلماء ما جهلت و إياك ان تسألهم‏

تعنتا و تجربة و إياك ان تعمل برأيك شيئا و خذ الاحتياط في جميع أمورك ما تجد إليه‏

سبيلا و اهرب من الفتيا هربك من الأسد و لا تجعل رقبتك عتبة للناس.

و هذه الروايات غير معللة بشي‏ء و لا يكون في موضوعها أخذ الهلكة حتى‏

يجي‏ء فيه الدور الّذي مرّ جوابه.

و الأمر بالاحتياط لا يخلو اما أن يكون نفسيا بأن يكون في نفس الاحتياط مع‏

قطع النّظر عن الواقع مصلحة توجب الحكم بوجوبه أو يكون غيريا مولويا أو

إرشادا إلى حفظ الواقع أو طريقا مجعولا لحفظ الواقع كالأمارات.

لا سبيل إلى الأول لأن الظاهر في كل مورد يكون الاحتياط معنونا يكون لحفظ

الواقع به و لا مصلحة في نفسه فانه أي مصلحة في الجمع بين المحتملات و اما كونه‏

غيريا مولويا مثل الأمر بالمقدمة أيضا فلا يصح لأنه لا يكون له مقدمة بالنسبة إلى‏

الواقع أي لا يكون فعل محتمل الوجوب و ترك محتمل الحرمة مقدمة لوجود الواجب‏

في الواقع أو الحرام بل يكون مقدمة لإحرازه كما في موارد العلم الإجمالي فان‏

الاحتياط يكون لحفظ الواقع بعد وجوده في البين.

و اما الثالث و هو كونه إرشادا لما حكم به العقل و هو يحتاج إلى إحراز المرشد

إليه قبل هذا فيكون مختصا بموارد العلم الإجمالي و هذا أيضا خلاف الظاهر لأن‏

الشارع في مقام التشريع يجب ان يبيّن الحكم الشرعي لا ما يكون العقل حاكما به.

فيتعين القول بالوجوب الطريقي فكأن الشارع في مقام حفظ الواقع قال‏

مثلا صلّ ثم انه قد يصل هذا الأمر إلى العبد بالوجدان و قد لا يصل فيقول صدّق‏

العادل إذا لم يكن قادرا للعلم الوجداني لأنه طريق غالبي لحفظ الواقع ثم إذا لم‏

يصل بهذا النحو أيضا يقول فاحتط ليتحفظ الواقع على أي حال فيكون الاحتياط

واجبا في كل مورد شبهة و لو كانت بدوية.

1)في الباب المتقدم ح 54.

323
و الإشكال بما مرّ من أن الاحتياط لا يكون الا الجمع بين المحتملات و لا

يكون له طريقية إلى الواقع كما عن الشيخ قده قد مرّ جوابه و ان لم يتعرض له هنا

و قلنا ان الحق انه يكون محرزا للواقع كما ان الطريقية في الاحتياط اللازم في الفروج‏

و الدماء تكون متصورة فدلالة هذه الاخبار على العمل بالاحتياط تامة أيضا و لا بد من‏

ملاحظة المعارضة بين اخبار البراءة و ترجيحها ببيان يأتي.

و في المقام إشكالات أخر و منها انه يمكن حمل الروايات على الاستحباب‏

للقرائن عليه في بعضها و حملها على التقية لوجود القرائن لها في البعض الاخر و هو

مندفع لأن كلها ليس كذلك فنحن مبتلى بالجمع بين الطائفتين تبعا للخراساني قده‏

بين الروايات الدالة على الاحتياط و الدالة على البراءة و الشيخ و من تبعه في غنى‏

عن ذلك لعدم تمامية دلالتها عنده أصلا.

و اما الإشكال في كل واحد منها فنتعرض له فاما رواية أخوك دينك إلخ فقالوا

بأنها تكون في مقام بيان ان التقوي و الورع يقتضى ذلك لا انه واجب فان ملاحظة

الأخوة بالنسبة إلى الدين أيضا لازم لأن الأخلاق الديني يقتضى ذلك و الشاهد عليه‏

التعليق على المشية في الذيل فان الواجب لا يكون معلقا على المشية أصلا و اما

قوله و اهرب من الفتيا هربك من الأسد يكون في مقام بيان ان الإفتاء يجب التحرز

عنه الا في الموارد اللازمة التي يكون الوظيفة على ذلك و الفتوى بالاحتياط أيضا

يكون داخلا تحت هذه الكبرى فانه ممنوع أيضا فلا ربط لهذه الرواية بالاحتياط

بل في وجوب الكف عن الفتوى ما أمكن.

ثم انه قد أشكل في روايات وجوب الاحتياط بإشكال آخر و هو أن الاحتياطي يقول‏

بأن اللازم هو الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية و اما الشبهات الموضوعية

و الشبهات الوجوبية الحكمية فلا يكون ذلك فيه لازم كما اعترف به الاخباري فيلزم‏

من هذا تخصيص الأكثر في عمومات فاحتط و اختصاصها بموارد قليلة و هو كما حرّر

في محله مستهجن فالحمل على الاستحباب أولى من الحمل على اللزوم لأن الاحتياط


324
في جميع الشبهات الحكمية وجوبية أو تحريمية و في الموضوعية مستحب باتفاق‏

الكل فلا يجب الاحتياط في مورد من الموارد.

و الجواب عنه ان الخروج العنواني لا يكون فيه إشكال تخصيص الأكثر

فإذا كان لنا عام و قد خرج منه عنوان الشبهات الوجوبية الحكمية و الموضوعية

لا يصدق تخصيص الأكثر المستهجن لأن بقاء ساير الافراد تحت الحكم يكفي لعدم‏

الاستهجان هذا أولا.

و ثانيا أن الشبهات الوجوبية المقرونة بالعلم الإجمالي و هي كثيرة يكون‏

الاحتياط فيها لازما و كذلك موارد الفروج و الدماء و الأموال من الشبهات الموضوعية

و البدوية قبل الفحص فبواسطة خروج العنوان مع عدم الخروج عن حكم الاحتياط

في موارد كثيرة منه الاستهجان و لا يكون من تخصيص الأكثر.

و ثالثا ان قال القائل بأن الأمر بالاحتياط إرشاد إلى ما حكم به العقل فنقول له مع‏

انه خلاف الظاهر لأن الأوامر الصادرة عن الشارع ينعكس إشكال تخصيص الأكثر عليه‏

لأنه يلزم خروج موارد الفروج و الدماء و الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي و البدوية

قبل الفحص و في الأموال فان الاحتياط في جميع ذلك يكون واجبا فيكون من‏

حمل الأمر على الفرد النادر و هو الإرشاد إلى غير هذا من الموارد و الحق عدم‏

ورود هذا الإشكال على الروايات فان تخصيص الأكثر غير لازم أصلا.

و من الروايات ما في الرسائل و هو المرسل قوله عليه السلام ليس بناكب عن الصراط

من سلك سبيل الاحتياط و الكلام فيه استدلالا و إشكالا و جوابا كالكلام فيما مر فلا

نعيد.و منها (1) الصحيح الّذي ورد السؤال فيه عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان‏

الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء قال عليه السّلام بل عليهما أن تجزى كل واحد

منهما الصيد قلت ان بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه قال عليه السّلام إذا أصبتم‏

بمثل هذا و لم تدروا فعليكم الاحتياط حتى تسألوا عنه و تعلموا.

1)في الوسائل ج 18 باب 12 من أبواب صفات القاضي ح 1


325
و تقريب الاستدلال لوجوب الاحتياط واضح الا ان أصل الرواية يكون في‏

الشبهات الوجوبية و العمومية تستفاد من قوله عليه السّلام إذا أصبتم بمثل هذا و المراد بمثل‏

هذا الشبهات التحريمية لأنها مثل الوجوبية في وجوب الاحتياط.

لا يقال هذه الرواية تكون في مورد الشبهات البدوية قبل الفحص لأن قوله عليه السّلام‏

حتى تعلموا يكون ظاهرا في المورد الّذي يمكن تحصيل العلم بالسؤال عن الإمام‏

عليه السّلام أو الرجوع إلى المصادر الّذي يوجب العلم بالتكليف فلا يكون مربوطا بالمقام‏

يعنى الاحتياط فيما لا سبيل إلى العلم به بعد الفحص عن الدليل و عدم العلم به.

لأنا نقول في جميع موارد الشبهات يكون حد الاحتياط إلى آن حصول‏

العلم سواء حصل العلم بأن كان ممكنا مثل زمان حضور الإمام عليه السلام و وصول اليد

إليه أو لم يكن كذلك مثل صورة كون الإمام عليه السلام حاضرا و لم يصل إليه المكلّف‏

للسؤال لبعده عنه عليه السلام أو زمن الغيبة و سواء كان موجودا في الكتب المدونة أو لم‏

يكن فالتحديد بالعلم لا يوجب أن يكون الكلام في الشبهات البدوية قبل الفحص‏

فقط بل تشمل الرواية الجميع.

ثم قد (1) أشكل شيخنا النائيني قده بما حاصله ان المقام اما ان يكون داخلا

تحت الأقل و الأكثر الاستقلالي أو الارتباطي فان كان الواجب عليهما هو قيمة البدنة

فيرجع الشك إلى الاستقلاليين فإذا أعطى كل واحد منهما نصفه يشك في الزائد

كما إذا ادى دينه بالمقدار المتيقن و شك في الزائد.

و إذا كان الواجب البدنة لا قيمتها فحيث يحتمل دخل النصف الاخر في سقوط

التكليف و ان يكون المصلحة قائمة بالبدنة الواحدة لا نصف البدنة فيكون من الأقل‏

و الأكثر الارتباطيين و على كلا التقديرين يكون الشبهة وجوبية و يكون اتفاق الاخباري‏

و الأصولي بعدم وجوب الاحتياط فيه فالحديث الشريف لا يشمل مورده.

مضافا بأن البحث في المورد الّذي لا يكون مسبوقا بالعلم أصلا و في المقام‏

1)في فوائد الأصول ص 137.

326
يكون مسبوقا بالعلم في الجملة و هو وجوب الجزاء اما بالاستقلال أو على كل واحد

منهما النصف و من الممكن القول بوجوب الاحتياط فيه دون ما لم يكن مسبوقا بالعلم‏

كذلك و لم يكن إجماع على خلافه مع أن ظاهر الحديث هو صورة التمكن من‏

الاستعلام لا صورة عدم التمكن منه كما هو مورد البحث.

و الجواب عنه أولا بأن الرواية غير مختصة بالشبهات الوجوبية لأن كلمة مثل‏

ذلك يكون المراد منها الشبهات التحريمية فلا تختص بالوجوبية فقط لئلا تشمل‏

موردها و التخصيص بالوجوبية كما مر غير مستهجن لعدم لزوم تخصيص الأكثر مع‏

دخول الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي الوجوبية و كذلك ما قبل الفحص و موارد

الفروج و الدماء في مورد البحث من الوجوبيّ و لا يضر سبق العلم بالتكليف هنا

إجمالا في كون المورد داخلا في البحث لأن كل واحد من الشخصين يكون شبهته‏

بدوية بالنسبة إلى التكليف الزائد و بحثنا في الشبهات البدوية.

و لا يكون كل مورد قابلا لحصول العلم و لو في زمن حضور الإمام عليه السلام ليقال‏

ان الإناطة بالسؤال تكون ظاهرة في إمكان رفع الشك لأنه ربما يكون المانع من‏

الوصول إليه عليه السّلام موجودا فغاية كل شبهة هي العلم سواء أمكن تحصيله أولا

فلا يكون هذا إشكالا واردا على الرواية في المقام كما مرّ و دلالتها على المطلوب تامة.

و قد أشكل شيخنا العراقي قده في المقام على الرواية بأنها تكون في مقام‏

النهي عن الإفتاء لا العمل.

و الجواب عنه هو ان المراد هو عدم جواز الإفتاء و لا العمل على طبق مورد

الشبهة و لا يكون الإفتاء على فرضه بالواقع حتى يقال انه كذب و افتراء و لو كان‏

كذلك فالفتوى بالاحتياط أيضا يكون فتوى على خلاف الواقع.

و من الروايات موثقة عبد اللّه بن وضاح‏ (1) قال كتبت إلى العبد الصالح يتوارى‏

منا القرص و يقبل الليل و يزيد الليل ارتفاعا أو يستر عنّا الشمس و يرتفع فوق الجبل‏

1)في الوسائل في باب 16 من أبواب مواقيت الصلاة ح 14.

327
الحمرة و يؤذن عندنا المؤذنون فأصلي و أفطر ان كنت صائما؟أو أنتظر حتى تذهب‏

الحمرة فكتب عليه السّلام أرى لك أن تنظر حتى تذهب الحمرة و خذ بالحائطة

لدينك الخبر.

و تقريب الاستدلال هو أن الشبهة كانت حكمية للسائل لأنه لا يعلم أن استتار

القرص يكفى أو يجب ان تذهب الحمرة ليجوز الإفطار و الصلاة فأجاب عليه السّلام‏

يجب الأخذ بالاحتياط كما مر في التقريب في الروايات السابقة.

و قد أشكل عليها (1) شيخنا النائيني قده بأن الشبهة يمكن ان تكون موضوعية

و الشاهد عليها هو الأمر بالاحتياط مع انه لو كانت حكمية لكان اللازم بيان الحكم‏

و من كانت شبهته موضوعية و لا يعلم ان الليل دخل أم لا يجب عليه استصحاب النهار

و لو لا امره عليه السّلام بالاحتياط أيضا لكان اللازم مراعاته لذلك و هو خارج عما

نحن فيه لأن الشبهات الموضوعية لا كلام في البراءة عنه عند الفريقين.

و اما ان كانت الشبهة حكمية أيضا فيكون الأمر بالاحتياط لبيان الحكم الواقعي‏

و انه يجب ذهاب الحمرة و التعبير بالاحتياط يكون للتقية لأن العامة لا يقولون بذلك‏

فكان هذا التعبير لجعل أوهامهم إلى أن الحكم كذلك عند الشيعة احتياطي استحبابي‏

لا انه واجب فلا تكون الرواية على هذا في مقام بيان وجوب الاحتياط أصلا بل في مقام‏

بيان الواقع بهذا اللسان الموافق للتقية.

و الجواب عنه قده ان الشبهة لا شبهة في كونها حكمية لا موضوعية لأن‏

السائل صرح في السؤال بأنه لا شك عنده من هذه الجهة لأنه يصرح باستتار القرص‏

و يسأل أن ذهاب الحمرة لازم أم لا و بعد كونها حكمية فالامر بالاحتياط في كل مورد

مشتبه يكون صحيحا و التطبيق يكون هنا في خصوص المورد لأجل التقية و هو

لا يضر بعموم الحكم في الذيل فدلالتها أيضا على لزوم الاحتياط مستقيمة.

1)في الفوائد ص 137.

328
في اخبار التثليث للاحتياط

و من الروايات اخبار التثليث كخبر عمر بن حنظلة (1) و هو مقبول انما الأمور

ثلاثة امر بيّن رشده فيتبع و امر بيّن غيّه فيجتنب و امر مشكل يرد حكمه إلى اللّه‏

تعالى و رسوله صلى اللَّه عليه و آله الحديث.

و تقريبها انها في صورة كون الشبهة حكمية تحريمية كما يشهد له قوله حلال‏

بين و حرام بين و شبهات بين ذلك يكون الواجب هو إرجاع امره إلى اللّه تعالى‏

و عدم الارتكاب و هذا يكون في كل مورد يكون مشتبها و يكون فيه الريب فالاحتياط

لازم من هذه الجهة و قد أجاب عنها (2) شيخنا النائيني أيضا بأن مساق هذه الرواية

هو ان الأمر فيها يكون للإرشاد كما يظهر من قوله فمن ارتكب الشبهات وقع في‏

المحرمات و هلك من حيث لا يعلم فملاحظة الإنسان على هذا يكون موجبا لعدم عادة

النّفس بارتكاب المحرمات من باب الإقدام على المشتبهات فهذا حكم أخلاقي يحكم‏

به العقل و يرشد إليه الشرع لا انه واجب نفسي.

و الجواب عنه ان وجود ملاك أخلاقي في الرواية لا يوجب حمل الرواية عليه‏

و اختصاص ملاك الحكم به فوجوب الاجتناب مسلم كما هو الظاهر و هذا أحد فوائده‏

و لا ينحصر الملاك فيه فالاخبار بعضها عندنا تام على وجوب الاحتياط فيحصل‏

التعارض بينها و بين اخبار البراءة.

في الجمع بين اخبار البراءة و الاحتياط

فنقول إذا وصلت النوبة إلى التعارض فنحن لا بد لنا بعد القول بالتساقط من‏

الرجوع إلى البراءة العقلية و هو قبح العقاب بلا بيان أو الحكومة لاخبار البراءة على‏

1)في الوسائل ج 18 في باب 12 من أبواب صفات القاضي ح 9.

2)في الفوائد ص 138.

329
اخبار الاحتياط و مثل الشيخ القائل بعدم تمامية دلالة الاخبار الاحتياط فالبراءة بحكم‏

الشرع مضافا إلى حكم العقل ثم قال‏1الشيخ قده على فرض تسليم التعارض يدور

الأمر بين تخصيص الاخبار بالنسبة إلى الشبهات الموضوعية و الحكمية الوجوبية

أو القول بأن الجميع إرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط فيما كان معللا كقوله‏

قفوا عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة و الحمل على‏

الثاني أهون فيحمل على الإرشاد.

و فيه ان قوله قده بذلك يكون لما في ذهنه من عدم دلالة الاخبار على الوجوب‏

بل كان إرشادا و هذا ليس بجمع بل يكون الحمل عليه بلا شاهد عندنا فهو جمع‏

تبرعي محض و اما ما ليس التعبير فيه بالشبهة مثل الاخبار الآمرة بالاحتياط فإشكالها

تخصيص الأكثر لخروج الشبهات الموضوعية و الوجوبية الحكمية و قد مر الجواب‏

عنه بأنه لا يلزم تخصيص الأكثر المستهجن لأن تخصيص العنوان الّذي يكون تحته‏

افراد ليس تخصيصا للأكثر.

و قال الخراسانيّ(قده)ان إيجاب الاحتياط حيث يكون طريقيا و ممكن‏

المعارضة مع اخبار البراءة و لكن المعارضة تكون مع ما هو أخص و أظهر و هو اخبار

البراءة ضرورة ان ما دل على حلية المشتبه أخص بل هو في الدلالة على الحلية نصّ‏

و ما دلّ على الاحتياط غايته انه ظاهر في وجوب الاحتياط مع أن هناك قرائن دالة

على انه للإرشاد فيختلف إيجابا و استحباب حسب اختلاف ما يرشد إليه و يؤيده انه‏

لو لم يكن للإرشاد يوجب تخصيصه لا محالة ببعض الشبهات إجماعا مع انه آب عن‏

1في أوائل البحث عن الاخبار في الرسائل الحاضر عندي ص 195 و لم يبين‏

قده وجه كون الإرشاد أهون من التخصيص و لعله كان لحفظ أصالة العموم على هذا

التقدير بالنسبة إلى اخبار الاحتياط بخلاف التخصيص و لكن ليس لنا التزام بحفظ

أصالة العموم في كل مورد فان هذا يدور مدار الدليل الدال عليه فربما يقدم الإرشاد

و ربما يقدم العموم و هذا هو سرّ كلام الأستاذ مد ظله أيضا.


330
التخصيص قطعا و كيف يقال في قوله قفوا عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهة خير

من الاقتحام في الهلكة بأن المراد من الهلاكة هو العقوبة في الشبهات البدوية مع‏

عدم البيان له فلا بد من القول بالإرشاد انتهى.

و نقول له ان كان مراده قده بالأخصية هو التقديم من باب تقديم الأظهر على‏

الظاهر الّذي يكون هو مناط التقديم في كل دليل متعارض و لو كان الأظهر هو العام‏

يكون كلامه قده متين لأظهرية اخبار البراءة و ان كان المراد ما هو المصطلح من العام‏

و الخاصّ فلا يكون كذلك لأنه كما خصص اخبار البراءة بموارد السبق بالعلم الإجمالي‏

و الشبهات البدوية قبل الفحص و في باب الفروج و الدماء كذلك اخبار الاحتياط

خصص بالشبهة الوجوبية الحكمية و بالشبهات الموضوعية.

فالنسبة بينهما عموم من وجه مورد الاجتماع هو الشبهات التحريمية لأن اخبار

الاحتياط يحكم بوجوبه و اخبار البراءة يحكم بعدم الوجوب و لهما موردا افتراق‏

أيضا بل يمكن أن يقال اخبار الاحتياط أخص من اخبار البراءة لأن تخصيص اخبار

الاحتياط يكون في موردين و هو الشبهة الوجوبية و الموضوعية و اخبار البراءة يكون‏

تخصيصه في مورد واحد و هو مورد السبق بالعلم الإجمالي.

و لا فرق فيما ذكر بين القول بأن المرفوع من الأول هو إيجاب الاحتياط في‏

حديث الرفع أو يكون المرفوع هو الحكم الواقعي بلحاظ تولد الاحتياط منه لو

لم يكن مرفوعا لأن القائل بالبراءة يقول لا يكون للواقع شأنية وجوب الاحتياط

فيه و اخبار الاحتياط يحكم بان للواقع شأنية كذلك فالمعارضة متحققة على أي تقدير

لأن المرفوع لو كان إيجاب الاحتياط أيضا يكون مقتضى اخبار الاحتياط وجوبه.

لا يقال علي فرض كون المرفوع هو الواقع كما عن النائيني قده يكون معناه‏

عدم اقتضاء الواقع إيجابه و اخبار الاحتياط يحكم بوجوبه و وجود الاقتضاء للواقع‏

للاحتياط فيدور الأمر بين اللا مقتضى و المقتضى و لا شبهة في تقديم ماله الاقتضاء على‏

ما لا اقتضاء له فأخبار الاحتياط عليه مقدم بل يقال بعبارة أخرى اخبار البراءة يكون‏

في صورة عدم العلم بالواقع و عدم المنجز له بتعيين الوظيفة و اخبار الاحتياط يكون‏


331
مفاده تعيين الوظيفة فلا معارضة.

لأنا نقول اخبار البراءة يكون موجبا لرفع ما لا يعلم بمعنى ان الواقع ليس‏

بحد يوجب الاحتياط1أي لا يجب الاحتياط من ناحية و اخبار الاحتياط يحكم بوجوبه‏

فالتعارض يكون محققا و اما احتمال كون ما لا يعلم أعم من عدم العلم بالواقع أو

بالوظيفة فهو خلاف الظاهر لأن الظاهر منه هو عدم العلم بالواقع الوجداني و يحصل‏

غايته في صورة حصول العلم الوجداني لا العلم بالوظيفة و هو الاحتياط.

و الحاصل انّا و ان كنا نستفيد تمامية بعض الاخبار في باب الاحتياط و نعترف‏

بالمعارضة و لكن نقول ان اخبار الاحتياط محكوم بالنسبة إلى اخبار البراءة لأن‏

مناط التقديم في باب العام و الخاصّ هو الأظهرية سواء كان الأظهر هو الخاصّ أو

العام فلو كان العام أظهر من باب أن تخصيصه يوجب أن لا يبقى له مورد نقول بتقديم‏

العام ففي المقام نقول ما كان من اخبار البراءة بلسان كل شي‏ء حلال حتى تعرف انه‏

حرام بعينه يكون نصا في أن في مورد الشبهة التحريمية يكون الحكم هو الحلية

إلى أن يعلم الحرام بالعلم الوجداني بالواقع و اخبار الاحتياط ظاهر في هذا المورد

فأخبار الحلية مقدم.

و اما ما كان التعبير فيه بالهلكة من اخبار الاحتياط مثل قوله عليه السّلام قف عند الشبهة

إلخ تكون الأمر بالاحتياط في صورة الهلكة و اخبار الحلية يذهب بموضوعه من‏

باب انه لا هلكة بمقتضى تلك الاخبار.

و اما القول بأن المراد بحتى تعلم هو العلم بالوظيفة و اخبار الاحتياط يكون‏

علما بالوظيفة فهو خلاف الظاهر كما مر فما دام لم يحصل العلم بالواقع لا مجال للقول‏

بالاحتياط و هكذا قوله عليه السلام كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى يكون نصا في البراءة

1و هذا هو الّذي مر منا في كلام النائيني قده من أن مراده هو اقتضاء عدم‏

الاحتياط من الرفع لا عدم اقتضائه و هو مد ظله في ذلك المقام كان يفهم من كلامه‏

عدم الاقتضاء كما قررناه.


332
في الشبهات التحريمية و اخبار الاحتياط ظاهر.

و لا يقال حتى يرد نهى يكون المراد منه المنجز و هو الاحتياط لأنا نقول يكون‏

المراد هو ورود النهي عن الواقع لا القول بالاحتياط.

فتحصل من جميع ما تقدم ان اخبار البراءة على فرض المعارضة مقدم على‏

اخبار الاحتياط للأظهرية و هو الحق و على فرض عدم القول بهذا فبالتعارض يتساقطان‏

و معه يكون قبح العقاب بلا بيان سندا للبراءة العقلية بعد تقديمه على دفع الضرر

المحتمل و لكن على هذا يسقط الثمرات الفقهية للبراءة الشرعية و لكن عرفت أن‏

البراءة الشرعية لا إشكال فيها هذا تمام الكلام في اخبار الاحتياط و البراءة.

الدليل الثالث للاحتياطي هو العقل‏

و هو قد مر مرارا و يكون التعرض له هنا احتراما للاعلام و حاصله أن لنا علم‏

إجمالي بالتكاليف في الشرع الأنور و عدم إهمالنا من جهة و اشتغال الذّمّة اليقينيّ‏

يحتاج إلى فراغ يقيني و هو لا يمكن الا بالاحتياط في الموارد المشتبهة.

و فيه ان العلم كذلك منحل لوجود تكاليف بواسطة العلم التفصيلي الوجداني‏

و الأمارات بمقدار يحصل العلم بالانحلال.

و لا يقال ان العلم الإجمالي سابق على وجدان التكاليف و لا يوجب ما هو متأخر

عن العلم الإجمالي انحلاله كما إذا كان بعد العلم بنجاسة أحد الكأسين العلم بنجاسة

أحدهما بعينه فانه لا يوجب الانحلال لعدم العلم بانطباق الواقع عليه.

لأنا نقول المدار على المعلوم و هو هنا مقدم فانه كان مع العلم الإجمالي بالتكليف‏

وجود الأمارات للواقع فيكون مثل العلم بالتكليف قبل العلم الإجمالي فيكون مثل‏

ما إذا علمنا بنجاسة أحد الكأسين بعينه ثم حصل العلم الإجمالي أيضا بوقوع قطرة

دم مثلا لا ندري انه وقع في معلوم النجاسة أو في غيره فانه لا يؤثر شيئا.

لا يقال ان الأمارات لا يكون الواصل منها بمقدار يوجب العلم بالانحلال و هي‏

على أي مسلك من تتميم الكشف و تنزيل المؤدى أو جعل الحجية لا تفيد العلم بالواقع‏


333
حتى يصير سببا للانحلال فالعلم الإجمالي بالتكليف لازمه الاحتياط ليحصل الفراغ اليقينيّ‏

لأنا نقول هذا نشأ من الخلط بين الانحلال الحقيقي و الحكمي و لتوضيح‏

ما ذكر نحتاج إلى مقدمة و هي أن لسان الدليل في الأمارات تارة يكون هو تعيين‏

المعلوم بالإجمال فيما وصل إليه و تارة ليس كذلك فعلى الأول يعبر عنه بجعل البدل‏

و هو مؤكد العلم و لا يوجب انحلاله مثاله ما إذا علمنا بأن أحد الكأسين من الأبيض‏

و الأسود نجس و لكن لا نعلم انه الأبيض أو الأسود فقام أمارة فتقول النجس المعلوم‏

بالإجمال هو الأبيض مثلا فان هذا اللسان يعين المعلوم بالإجمال في هذا المخصوص‏

و دليل التعبد بالأمارة يحكم بالتعبد بمفادها و جعل هذا بدلا عن الواقع.

و الحاصل هذا يكون من التوسعة في الفراغ لا في الجعل نظير قاعدة التجاوز

و الفراغ فان قوله عليه السّلام تمت صلاته في صورة الشك في إتيان جزء و عدمه و الشك‏

في صحة المأتي به بعد التجاوز عنه لا يكون معناه ان الصلاة في حق هذا الشخص‏

يكون أربعة اجزاء مثلا بعد كونها خمسة في حق غيره بل يكون معناه ان الناقص‏

يكون مقبولا منزلة التام مع حب المولى في مقام الجعل بالخمسة و لا فرق في‏

ذلك بين الواجب و الحرام فانه يمكن قبول شي‏ء منزلة شي‏ء حرام في البين فالاجتناب‏

عن النجس الّذي قام عليه الأمارة يكون بدلا عن الحرام في البين.

و اما إذا كان لسان الأمارة عدم تعيين المعلوم بالإجمال في المعين مثل أن‏

نعلم بنجاسة أحد الكأسين ثم قام أمارة على أن الأبيض مثلا نجس لا ان يقوم على‏

ان النجس في البين هو الأبيض و هذا القسم يأتي البحث فيه عن الانحلال و عدمه‏

و لا يأتي البحث عن الانحلال في القسم الأول.

ثم ان هنا صورا من العلم الإجمالي نذكر واحدة منها و هي أن يكون العلم‏

كذلك مع الأمارة القائمة على أحد الطرفين مقارنا و الأقوال في الانحلال على ثلاثة

أوجه الأول أن يكون الانحلال حقيقيا مطلقا الثاني ان يكون حكميا مطلقا و الثالث ان‏

الدليل الدال على أحد الأطراف لو كان هو العلم الوجداني يكون حقيقيا و لو كان‏

الدليل الأمارة يكون الانحلال حكميا.


334
و الأول رأى شيخنا النائيني قده و جملة من الاعلام و الدليل عليه الوجدان‏

و البرهان اما الوجدان فلأنه إذا كان في البين نجس واحد و قامت الأمارة على نجاسة

أحد الكأسين بخصوصه أو حصل العلم الوجداني كذلك نعلم بالوجدان نجاسة أحدهما

و نشك بشبهة بدوية في نجاسة الاخر كما نقول في باب الأقل و الأكثر الاستقلالي فانه‏

إذا علم يقينا أن دينه عشرة دراهم و شك في الزائد فأدى العشرة يكون له شك بدوي‏

في وجوب الأكثر لأنه لم يعلم ان دينه كان عشرة أو خمسة عشر فله متيقن و مشكوك‏

فكذلك المقام.

و اما البرهان فلان العلم الإجمالي ينبسط على الطرفين و يحصل التنجيز

بالنسبة إليهما ثم إذا قامت أمارة على أحد الطرفين أو العلم الوجداني فلا يمكن ان‏

يكون العلم الإجمالي منجزا بالنسبة إليه لأن اجتماع المثلين كاجتماع الضدين محال‏

ففي المقام اجتماع وجوب الاجتناب من ناحية العلم الإجمالي و من ناحية الدليل‏

الخاصّ يكون من اجتماع المثلين فحينئذ تقول لا يكون هذا الطرف داخلا تحت عنوان‏

العلم الإجمالي لأنه يلزم منه اجتماع المثلين فإذا سقط عن التنجيز في طرف واحد

لا يكون له أثر بالنسبة إلى الطرف الاخر لأنه يكون كخروج أحد الأطراف عن الابتلاء

فكما انه يوجب سقوط التنجيز كذلك هذا فيكون الشبهة بالنسبة إلى الطرف الاخر بدوية

و هذا معنى الانحلال الحقيقي.

و فيه ان العلم الإجمالي بعد قيام الأمارة أو حصول العلم بالنسبة إلى بعض‏

الأطراف في صفحة النّفس محقق لأنه لم يكن الدليل قائما على أن المعلوم بالإجمال‏

يكون ما دل عليه الدليل بالخصوص بل قام الدليل على هذا بالخصوص و يكون‏

في صفحة النّفس احتمال أن يكون النجس في البين أيضا موجودا في الطرفين‏

فليست الشبهة بدوية محضة.

و اما قياسه بالأقل و الأكثر الاستقلالي ففيه أو لا انه لا فرق بين الارتباطي و الاستقلالي‏

على التحقيق من القول بالبراءة في الارتباطي أيضا و ثانيا يكون له فرق مع المقام‏

لأن الشك هناك يكون في حد التكليف من حيث الزيادة و النقصان و يكون له متيقن‏


335
و مشكوك من الأول بخلاف المقام فان الطرفين يكونان عرضيين بالنسبة إلى الحكم‏

في البين و قيام الدليل على أحدهما بالخصوص لا يوجب الانحلال كذلك حقيقية.

و اما الجواب عن البرهان فهو أن العلم الإجمالي لا يكون له مطابق في الخارج‏

بل يكون صورة حاصلة في صقع النّفس و ما يكون في الخارج لا يكون الا المشكوكين‏

فان كل طرف يكون الشك في تطبيق المعلوم بالإجمال عليه فان المردد لا مطابق له‏

لا في الذهن و لا في الخارج فان العلم المردد بين هذا أو ذاك لا يكون له مطابق في الخارج‏

للترديد فلا يكون العلم منبسطا على الأطراف ليصير بعد ورود الدليل الخاصّ في‏

بعض الأطراف اجتماع المثلين محققا فنقول بالانحلال الحقيقي و هذا في العلم الوجداني‏

بأحد الأطراف كذلك فضلا عن قيام الأمارة التي لا يكون كالعلم الوجداني.

و هذا كله كاشف عن أن الانحلال ليس بحقيقي بل هو حكمي و معنى الحكمي‏

هو وجود العلم مع عدم الأثر له و هو التنجيز سواء كان الانحلال كذلك بقيام الأمارة

على تعيين أحد الأطراف أو بقيام العلم الوجداني لأنه بعد ذلك يكون احتمال تطبيق‏

الواقع على المعين بحكم العقل و لا يمكن وجود منجزين في مورد واحد تنجيز من‏

ناحية العلم و تنجيز من ناحية الأمارة أو العلم الوجداني للطرف المعين فيكون تعيين‏

بعض الأطراف مثل صورة خروجه عن الابتلاء.

فكما انه ينحل العلم الإجمالي بواسطة احتمال كون النجس هو الّذي يكون‏

محل ابتلائه من النجس أو يكون ما هو خارج عن ابتلائه لأن الخطاب بالنسبة إلى‏

ما هو خارج عن الابتلاء مستهجن فكذلك في المقام لا بد من الاجتناب عما قام الأمارة

عليه و تكون الشبهة بالنسبة إلى غيره بدوية.

لا يقال ان العلم الإجمالي كالتفصيلي في التنجيز كما انه إذا كان العلم التفصيلي‏

منجزا حتى بعد وجود دليل آخر على أحد الأطراف أو خروجه عن الابتلاء كذلك‏

العلم الإجمالي فلا فرق بينهما في ذلك.

لأنا نقول الفرق بينهما واضح لأن العلم التفصيلي في كل طرف يكون منجزا

مستقلا و سقوط بعض الأطراف لا يكون له تأثير في منجزيته بالنسبة إلى الطرف‏


336
الاخر فان خروج أحد الكأسين عن الابتلاء بالإهراق مثلا بعد العلم بنجاستها لا يؤثر

شيئا بالنسبة إلى الاخر بخلاف العلم الإجمالي فانه لا يوجب في كل طرف الا الاحتمال‏

فيكون بالنسبة إلى كل طرف نصف العلم لا العلم التام و التام يكون بينهما و هو الّذي يوجب‏

التنجيز فإذا سقط بعض الأطراف و خرج عن الابتلاء فحيث سقط نصف المنجز

يكون الشبهة بالنسبة إلى الطرف الاخر بدوية و العلم غير مؤثر فيه و احتمال التطبيق و ان‏

كان و لكنه غير منجز و هذا هو الانحلال الحكمي.

لا يقال ان كلامكم في هذه الصورة كان في فرض مقارنة الأمارة مع العلم‏

الإجمالي و ليس الأمر في التكاليف الشرعية كذلك لأن العلم الإجمالي بالاحكام‏

متقدم و الظفر بالأمارة لأحد الأطراف يكون بعد الفحص فهو متأخر و المتأخر لا يؤثر

في إسقاط العلم الإجمالي كما إذا كان العلم الإجمالي بنجاسة أحد الكأسين فأهريق أحدهما

فانه يجب الاجتناب عن الطرف الاخر لأن العلم أثر اثره و لا يكون الخروج عن‏

الابتلاء مضرا بساحة العلم الإجمالي المتقدم فلا يحصل الانحلال في المقام حكميا

أيضا و هذا سند القول بعدم الانحلال مطلقا حكميا و حقيقيا.

لأنا نقول ان الأمارة بوجودها الواقعي كان مقارنا مع العلم الإجمالي و الفحص‏

طريق إليه و لا موضوعية له و المدار على المعلوم و هو متقدم على العلم و مقارن مع‏

العلم الإجمالي.

و بعبارة أخرى نقول ان العلم الإجمالي المتقدم على الفحص لا شك انه ان بقي‏

يكون له الأثر و ان عدم فلا يكون مؤثرا فحينئذ نقول العلم الإجمالي يبقى إلى ما بعد الفحص‏

فإذا تفحص فوجدت الأمارة يحصل التقارن في هذا الحال و يحصل الانحلال فالأخباري‏

ليس له أن يقول بوجوب الاحتياط لحصول الانحلال.

و القدماء رضوان اللّه عليهم في صورة تقدم العلم الإجمالي و تأخر المنجز في‏

أحد الأطراف كانوا يقولون بعدم حصول الانحلال ح لأن العلم أثر اثره فيما تقدم‏

و لم يكن وجدان الأمارة متأخرا مؤثرا و نحن موافق لهم في النتيجة و لكن في الطريق‏


337
يكون لنا بيان آخر لعدم حصول الانحلال و هو انه‏1إذا حصل العلم الإجمالي‏

بما هو في عمود الزمان و يكون الأطراف فيه تدريجيا لا يوجب وجدان الأمارة على‏

بعض الأطراف انحلال العلم الإجمالي في الأزمنة المتأخرة عنه.

مثاله ان المرأة إذا علمت بأنه اما أن يكون دمها في أول الشهر حيضا أو وسطه‏

أو آخره فانها يكون لها العلم الإجمالي بالنسبة إلى كل فرد من افراد الزمان و كذلك من علم‏

بنجاسة أحد الكأسين الأبيض أو الأسود فانه إذا فرض مبدأ العلم هو يوم الجمعة يكون‏

العلم الإجمالي بأنه اما ان يكون الكأس الأبيض في الجمعة نجسا و الأسود في يوم السبت‏

أو يوم الأحد أو يوم الاثنين نجسا فيكون له علم إجمالي في الجمعة و السبت و الأحد

و الاثنين.

فإذا قامت الأمارة في يوم الأحد على نجاسة أحدهما المعين هذه الأمارة حين‏

وجودها يوجب إسقاط العلم الإجمالي المقارن معه و المتقدم عليه و لكن لا يمكنه‏

التأثير فما هو متأخر عنه لأن المتأخر و هو على الفرض يوم الاثنين لم يجئ حتى‏

يصير هذا سببا لانحلاله فلا محالة لا يوجب قيام الأمارة على بعض الأطراف العلم‏

1أقول هذا طريق شيخه العراقي قده و يسمى عنده بالعلم الإجمالي المورّب‏

و لم يسمه هنا لأنه كان في مقام الإشارة فقط و اما أصل الكلام فهو دقيق لطيف الا انا

إذا لاحظنا هذا العلم الإجمالي في عمود الزمان بالنسبة إلى صفحة النّفس نرى انه‏

لا يكون لنا علم إجمالي بعد قيام الأمارة المنجزة في الواقع حتى يقال انه بعد سقوط

ما تقدم يبقى ما تأخر عنه.

فمن الأول لو فرض وجود أمارة في الواقع لأحد الطرفين ينقطع العلم عنده‏

و ينتقل العلم إلى الشك في أنه هل صار المعلوم في البين منطبقا عليه أم لا و بالنتيجة

تكون الشبهة بدوية بالنسبة إلى الاخر و هذا يكون مثل إهراق أحد الكأسين.

و اما حل الإشكال فهو أن الرواية في باب الكأسين وردت بقوله عليه السّلام يهريقهما

و يتيمم فلو كان للمقام علاج بإهراق أحد الكأسين و تصير الشبهة بدوية لقال به عليه السّلام‏

و من هنا يمكن تأييد من يقول ان العلم الإجمالي أثر اثره و لا ينحل بذلك.


338
الإجمالي بالنسبة إلى الطرف الاخر فعلى هذا في مقامنا هذا نقول بأن وجدان الأمارة

في بعض الأزمنة لا يوجب انحلالا بالنسبة إلى الأزمنة المتأخرة فلا يحصل الانحلال‏

و هذا يوجب حياة الاخباري في قوله بوجوب الاحتياط في المقام.

و لكن يمكن الجواب عن الاخباري نقضا و حلا اما النقض فهو ان العلم الإجمالي‏

لو كان سند الاحتياط فلأي دليل لا يقول به في الشبهات الوجوبية مع انه يلزم ان يقول به‏

لعدم الفرق بين الحكم التحريمي و الوجوبيّ في وجوب حفظه و الخروج عن عهدته‏

و اما الحل فهو انه لا فرق في التنجيز بين الأمارة الواصلة أو المنجز العقلي و الأمارة

و لو فرضت متأخرة عن العلم و لكن المنجز العقلي و هو وجوب الاحتياط1قبل الفحص‏

يكون موجبا للانحلال ضرورة أن الشبهات البدوية قبل الفحص يجب فيه الاحتياط

فيكون المنجّز العقلي موجودا و موجبا للانحلال فالاحتياط في كل شبهة يوجب‏

الانحلال فليس الاخباري في فسحة من ناحية العلم الإجمالي بالاحكام ليقول‏

بالاحتياط.

هذا مضافا بأنه لنا علم إجمالي بوجود أحكام فيما بأيدينا من الأمارات واصلة

إلى الواقع فإذا تفحصنا فظفرنا به فهو و الا يكشف عن خروجه عن مورد العلم‏

الإجمالي و هذا يصير سببا لانحلال العلم الإجمالي بالاحكام فالعلم الإجمالي بوجود

أحكام فيما بين الأمارات يوجب انحلال العلم بوجود الأحكام.

1أقول وجوب الاحتياط قبل الفحص في كل الشبهات و هو فيما يجب الجمع‏

فيه بين الأطراف لا يوجب الانحلال فان النزاع مع الاخباري في وجوب الاحتياط

و عدمه و هو قبل الفحص متفق عليه و بعد الفحص يكون فيه الكلام على أنه كيف‏

يحصل الانحلال بواسطة موارد قليلة لم يتفحص المكلف فهذا كلام لا نفهمه و عهدته‏

عليه مد ظله.


339
فصل في التنبيه على أمور مهمة في أصالة البراءة

التنبيه الأول‏
انه بعد تمام الكلام عن جريان البراءة في الشبهات التكليفية

التحريمية و القول بالإباحة عقلا و نقلا يجب أن لا يكون في مورد جريان البراءة أصل‏

موضوعي مخالف لمفاد الأصل أو حاكم كذلك فانه لا يخفى عليكم أن ما في كلام‏

الشيخ الأنصاري قده و غير انه يشترط أن لا يكون أصل موضوعي يكون بيانا لصغرى‏

من كبرى الحاكم فانه كما يمنع جريان الأصل الموضوعي عن جريان البراءة كذلك‏

يمنع الحاكم عن جريانه.

و لا فرق بين أن يكون الحاكم هو الأصل في الموضوع أو الأصل في الحكم‏

فالأصل الموضوعي يكون مثاله الحيوان الّذي لا نعلم انه قابل للتذكية أولا فان الشك‏

في الحلية ناش عن الشك في القابلية فلو جرى أصالة عدم التذكية لا تصل النوبة إلى‏

أصالة الحل لأن مقتضى جريانها حرمته و كذلك إذا كانت الشبهة في الحرمة من باب‏

الشبهة الموضوعية كاللحم المطروح في البرّ فانه إذا شك في اجتماع الشرائط للذبح مثل‏

الإسلام في الذابح و استقبال القبلة في المذبوح يجري أصالة عدم حصول التذكية بشروطها

و يحكم بالحرمة و لا تجري أصالة الحل فجريان الأصل في الموضوع منع عن جريان‏

الأصل في الحكم و هكذا لو كان الشك في الحكم ناشئا عن الشك في حكم آخر.

مثلا إذا كان حكم شي‏ء قبل ذلك الحرمة و الآن لا نعلم انها انقلبت إلى الحلية

أم لا من باب احتمال النسخ فأصالة عدم نسخ الحكم حاكم على أصالة البراءة فلا

تجري بل يحكم بالحرمة.

و هكذا لو كان الحاكم مثل الأمارة فان وجودها يمنع عن جريان الأصل‏

أيضا فان السوق للمسلمين و أياديهم أمارة حلية اللحم و ذكاته و معه لا مجال لجريان‏

أصالة عدم التذكية أيضا فهذا الحاكم مقدم على ذاك الحاكم الّذي لولاه كان حاكما

فان أصالة عدم التذكية حاكمة على أصالة البراءة في صورة عدم محكوميتها بالأمارة

و لو كانت موافقة فلو دلّ الدليل على أن كل حيوان لا يقبل التذكية إلاّ ما خرج‏


340
بالدليل الخاصّ فان التقديم معها و لو كانت مفاد أصالة عدم التذكية أيضا كذلك.

فتحصل انه يلزم أن يكون تعبيرهم في هذا الأمر بأنه يشترط أن لا يكون في‏

مورد الأصل ما هو حاكم عليه سواء كان الأصل في الموضوع أو في الحكم أو أمارة

أخرى حاكمة و لقد أجاد شيخنا الأستاذ العراقي قده حيث قال في الدرس ان التعبير

بالشرط أيضا فيه مسامحة لعدم الموضوع للأصل مع وجود الحاكم حتى يقال أن‏

هذا شرط و ذاك مشروط.

فقد تحصل ان قولهم باشتراط عدم أصل موضوعي في مورد أصل البراءة

يكون بيانا لصغرى من صغريات كبرى اشتراط عدم الحاكم.

إذا عرفت ذلك فهنا ينبغي البحث في أمور عند بيان أصالة عدم التذكية.

الأول ان الشبهة في التذكية تارة تكون حكمية و أخرى موضوعية اما الحكمية

فهي تكون في صورة الشك في دخالة شي‏ء في كيفية الذبح مثل الشك في أنه هل‏

يشترط مباشرة الذابح للآلة الذابحة أو يكفى ارتباطه إليها بالوسائط مثل ما هو الدارج‏

في زماننا هذا من ذبح الف غنم بواسطة ضرب اليد على مفتاح البرق فانه لو كان‏

مباشرة الذابح شرطا لا يحل هذا النحو من الذبح ما هو المذبوح بخلاف صورة

عدم اشتراطه فمع عدم العلم به في صورة الشك يكون البحث في جريان أصالة

عدم التذكية هذا من جهة الشك في الشرط.

و تارة يكون الشك من جهة عدم وجدان دليل اجتهادي على ان كل حيوان‏

قابل للتذكية فمن باب الشك في القابلية في المتولد عن كلب و غنم الّذي لا يشبه أحدهما

يكون البحث في جريان أصالة عدم التذكية.

و اما الشبهة الموضوعية فهي مثل ما إذا علمنا بجميع الشرائط و علمنا قابلية

الحيوان أيضا للذبح و لكن لم نعلم أن هذا اللحم المطروح هل جرى عليه ما يجب‏

أن يجري أم لا فيجي‏ء الكلام في جريان الأصل.


341
الأمر الثاني في البحث في معنى التذكية

فقد اختلف فيه فقيل انها عبارة عن أمر مركب من علة فاعلية مع قابلية المحل‏

لها بشروطها و قيل انها هي العلة الفاعلية و هي فري الأوداج مع الشرائط و قابلية المحل‏

أيضا شرط و قيل انها أمر بسيط أو معنى محصل من الجميع كما يقال في حصول‏

الطهارة عن الحدث بواسطة الغسل.

و الفرق بين الأول و الأخير هو كونها نفس الأعمال مع الشرائط و القابلية في‏

الأول و غيرها في الثاني و قد تعرض لمعنى التذكية شيخنا1النائيني قده.

و كل مسلك من هذه المسالك يترتب عليه ثمرة بالنسبة إلى جريان الاستصحاب‏

و عدمه فعلى فرض كونها امرا مسببا عن مجموع الفري و قابلية المحل و الشرائط فقيل‏

بأنه لا إشكال في جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية أو الموضوعية للحالة السابقة

النعتية على التقديرين لأن الشك إذا كان في شرط من الشرائط كالاستقبال في الشبهات‏

الموضوعية في اللحم المطروح حيث يكون الشك في حصول التذكية الغير الحاصلة

قبل فيجري استصحاب عدمها و كذلك إذا كان الشك من جهة الشبهة في الحكم‏

كما إذا كان قابلية الحيوان مثل الأرنب مثلا للتذكية مشكوكة من جهة الحكم فهنا

أيضا يجري استصحاب عدم التذكية لعدم العلم بحصولها بعد ما لم يكن فلا إشكال‏

في جريان الأصل و ترتب النجاسة و الحرمة على اللحم المطروح على هذا المبنى.

و قد أشكل على هذا التقريب بأنه يكون في صورة أخذ عدم التذكية في لسان‏

الدليل و يكون النجاسة و الحرمة مترتبا على غير المذكى و اما إذا كان مترتبا على‏

عنوان الميتة فحيث لم يثبت بهذا الأصل عنوان كونه ميتة و أن الموت كان بحتف‏

1تعرض(قده)على ما في الفوائد لمعنيين الأول كون التذكية عبارة عن‏

المركب من الثلاثة فري الأوداج و قابلية المحل مع الشرائط أو كون المقوم غير

قابلية المحل و انها شرط فراجع ص 140 منه.


342
الأنف فلا فائدة في جريانه لأنها بالنسبة إلى هذا الأثر تكون من الأصول المثبتة.

و الحاصل الموت امر وجودي و لا يكون ثابتا بخلاف عدم المذكى فانه امر

عدمي.

و الجواب عنه عن الخراسانيّ قده‏1و تبعه شيخنا الأستاذ العراقي قده هو أن‏

ما في لسان الدليل يكون عنوانين الموت حتف الأنف و عدم كون الحيوان مذكى فان‏

كليهما موجبان للقول بالنجاسة و الحرمة و من المحرر أن كل عنوانين أخذ في لسان‏

الدليل يكون أحدهما أعم و الاخر أخص يكون المدار على الأعم مع قطع النّظر عن‏

حكم العام و الخاصّ المثبتين و هنا يكفى صدق العنوان الأعم و هو عدم المذكى في‏

ترتيب الآثار فلا نحتاج إلى إحراز الموت حتف الأنف و استصحاب عدم التذكية مسلم‏

و لو من باب استصحابه من حين الحياة و لو لم يكن حالة سابقة للموت حتف الأنف‏

حتى يستصحب.

أقول ما ذكراه متين في ترتب الثمرة على الموت و على عدم المذكى و لكن‏

لم أجد ترتيب النجاسة في لسان دليل‏2على عدم المذكى و ان كان الحرمة مترتبة

1قال قده في الكفاية فأصالة عدم التذكية تدرجها فيما لم يذك و هو حرام‏

إجمالا كالموت حتف أنفه فلا حاجة إلى إثبات أن الميتة تعم غير المذكى شرعا

ضرورة كفاية كونه مثله حكما.

و الحاصل من كلامه قده هو أنه في صورة محرزية عدم التذكية لا شبهة في‏

النجاسة و الحرمة فهكذا إذا أثبت بالأصل و تفكيك القوم بين الحرمة و النجاسة يكون‏

في مقام الشك و جريان الأصل لا في غيره يعنى إذا كان عدم التذكية ثابتا بالدليل أو

بالوجدان.

2أقول وجدت في الوسائل ج 16 في باب 28 من الذبائح في ح 4 ما يدل‏

على أن غير المذكى ميتة بل أعظم منها.

عن أبي بصير قال سئلت أبا عبد اللّه عليه السلام عن الرّجل يشتري اللحم من السوق‏

و عنده من يذبح و يبيع إخوانه فيتعمد الشراء من النصاب فقال أي شي‏ء تسألني أن‏


343
عليه و الشاهد على عدم وجود نصّ في ذلك هو اختلافهم في ذلك و انفكاكهم‏

بين الحرمة و النجاسة فقال بعضهم بالحرمة دون النجاسة و لو كان نصّ في ذلك لم يختلفوا

كذلك.

و ذب الشيخ الأنصاري قده عن الإشكال بأن المراد بالميتة في لسان الدليل الدال‏

على النجاسة هو عدم المذكى فاستصحاب عدمه يكفى للقول بالنجاسة.

و فيه ان الاتحاد في الحكم ان كان مراده قده لم نجده في دليل كما مر و الاتحاد

في المفهوم ممنوع ضرورة ان الميتة بالموت حتف الأنف غير عدم المذكى فتحصل‏

أنه على هذا المسلك في معنى التذكية و ان جرى الأصل و لكن لا يترتب عليه النجاسة

بل الحرمة فقط.

و اما على فرض القول بأن التذكية يكون هو فري الأوداج مع ساير الشرائط

و يكون قابلية المحل أيضا من الشرائط فهنا أيضا تارة نتكلم في الشبهات الحكمية

و أخرى في الموضوعية و في الموضوعية تارة يكون الشك من ناحية مقوم التذكية

و هو فري الأوداج و أخرى من ناحية ساير الشرائط.

اما من ناحية الشك في المقوم فيكون الاستصحاب جاريا لأن الحيوان قبل‏

الفري لم يكن مذكى و بعده يكون الشك في حصول التذكية و الأصل عدمها فالحالة

السابقة النعتية أوجبت صحة جريان هذا الأصل و هكذا إذا كان الشك من ناحية شرط

من الشرائط كالاستقبال إلى القبلة فانه بفقده أيضا لا يحصل التذكية و له حالة سابقة

أقول؟ما يأكل الا مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير قلت سبحان اللّه مثل الميتة و الدم‏

و لحم الخنزير فقال نعم و أعظم عند اللّه من ذلك الحديث.

فان ذلك يكون من فقد شرط الإسلام و في باب 30 من الذبائح يكون التصريح‏

بأنه ميتة بالنسبة إلى ما يقطع عن الأليات و حتى ما يكون بحيث ينتصف و ليس هذا من‏

الموت حتف الأنف بل لعدم جريان شرائط التذكية يكون ما ينتصف حراما و نجسا

لكونه ميتة.


344
عدمية فيستصحب.

و اما الشرط الّذي يكون هو القابلية فعند الشك فيه حيث لا يكون له حالة سابقة

لا يمكن استصحاب عدم القابلية ليترتب عليه عدم التذكية لأنا لا نعلم وجود القابلية

في هذا الحيوان و لا عدمه فمن قال بجريان استصحاب العدم الأزلي مثل شيخنا العراقي‏

قده لا يقول به هنا بأن يقال هذا الحيوان حين لم يوجد لم يكن له قابلية فكذلك بعد

الوجود لأن القابلية و عدمها من صقع الماهية و ملازمة للذات و لم تكن من طوارئ‏

الوجود حتى يمكن استصحاب عدمها قبل الوجود فانه قده يجري الاستصحاب في‏

طوارئ الوجود لا في طوارئ الماهية و المقام من قبيل الثاني.

و بعبارة أخرى الأقوال في جريان استصحاب العدم الأزلي مختلفة فقول بجريانه‏

مطلقا و قول بعدم جريانه مطلقا و قول بالتفصيل بين لوازم الوجود فانه يجري فيه الأصل‏

لأنه في رتبة ما بعد الذات و بين لوازم الماهية فلا يجري فيه و المقام على هذا المسلك‏

و مسلك القائل بعدم جريان الأصل الأزلي مطلقا لا يجري فيه الأصل و اما على المسلك‏

الأول فيجري و الحق التفصيل هذا كله إذا كان الشك في أصل القابلية.

و اما إذا كان الشك في زوالها بواسطة الجلل فالأصل بقائها و يمكن استصحابها

لوجود الحالة السابقة النعتية.

و مما ذكرنا ظهر حال المسلك الثالث في معنى التذكية و هو أن يكون مجموع‏

فري الأوداج مع الشرائط و القابلية بدون ان يكون موجبا لشي‏ء هو المحصل‏

و هو التذكية و من دون ان يكون لبعض ما ذكر دخالة في التذكية كما قلنا في‏

المسلك الثاني بالنسبة إلى فري الأوداج و على هذا فكل ما ذكرنا الفري حيث لا يكون‏

له حالة سابقة لا مجال لجريان الأصل فيه فان غير فري الأوداج مثل القابلية و الإسلام‏

و الاستقبال و كون الآلة هي الحديد لا غير إذا شك في تحققه لا تجري أصالة العدم‏

بالنسبة إليه سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية و اما الفري فحيث يكون له حالة

سابقة مطلقا تجري الأصل بالنسبة إليه و هذا المسلك يكون متحد النتيجة مع المسلك‏

الثاني و هو القول بأن المقوم للتذكية فري الأوداج و الباقي شرائطه من جهة عدم‏


345
جريان الاستصحاب بالنسبة إلى ما شك في تحققه و لذا ما بيّن في معنى التذكية عند

الأساتيذ الا المسلكان هذا كله في مقام بيان الاحتمالات و المسالك بحسب الثبوت.

و اما المختار في معنى التذكية عند الأساتيذ هو انها تكون فعل الذابح حسب‏

المستفاد من الآية و الرواية اما الآية فقوله تعالى الا ما ذكيتم فان نسبة التذكية تكون‏

إلى الفاعل بإسناد الفعل إليه و في الرواية التعبير بذكاة الذابح و بقوله عليه السّلام أ ليس‏

الذكي ما ذكي بالحديد فليس التذكية الأمر المسببي و لا مجموع ما ذكره فعليه يجي‏ء

التفصيل في جريان الأصل فان الشك لو كان من ناحية الفري يجري الأصل و لو كان‏

من جهة القابلية لا يجري لعدم الحالة السابقة.

أقول ما ذكروه‏1غير تام لأن الأفعال التوليدية كلها يكون اسناد سببه إلى‏

الفاعل مع ان المولد منه يكون شيئا آخر كما ينسب الإحراق إلى الحطب و المحرق‏

هو النار المولد منه فنسبة الذبح إلى الذابح فيما ذكر من الآية و الرواية لا توجب أن‏

يكون المختار هو أن التذكية تكون فعل الذابح بل من الممكن أن تكون هي فعله أو

ما هو المسبب منه و اما لو شك في ذلك بان لا نعلم أن التذكية أي معنى من المعاني فحيث‏

انه على بعض الفروض لا تجري الأصل و على بعضه يجري فيكون من الشبهة المصداقية

لدليل الأصل و هو قوله لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر فلا يتمسك به‏

1أقول ان الظاهر من اسناد الفعل إلى ما هو الحاصل بالأسباب و هو الذكاة

هو ان التذكية هو الأمر الحاصل من الأسباب لا الأسباب فقط فان قوله تعالى الا ما ذكيتم‏

يكون مثل قوله تعالى و ان كنتم جنبا فاطهروا فان الطهارة أيضا محصلة بالأسباب‏

من الغسل مع الشرائط و لم يكن الإسناد إلى الأسباب بان يقال الا ما فريتم أوداجه أو

جعلتموه جانب القبلة أو سميتم عند ذبحه أو ذبحتموه بالحديد فلو كان هذا التعبير في‏

الكلام لأمكن الاحتمالان كما ذكره مد ظله.

و اما الإسناد إلى المسبب مع كون التعبد المحض خلاف الذوق في هذه الأفعال‏

و أنها تؤثر أثرا طيبا في اللحم يسمى بالذكاة يوجب الاطمئنان بأنها المسبب الحاصل‏

من الأفعال و يجري الأصل بالنسبة إلى ما يكون له حالة سابقة و هو فري الأوداج فقط.


346
و الأصل بحسب التكليف الفعلي هو الإباحة و الطهارة لأنه بعد عدم جريان الحاكم‏

تصل النوبة إلى المحكوم فتحصل أن أصالة عدم التذكية لا تجري لعدم إثبات معنى‏

محصل من الآية و الرواية في غير الأوداج هذا كله حال المسألة الأولى من مسائل الشبهة

التحريمية و هو فقد النص.

المسألة الثانية1

في الشك في الحرمة من باب إجمال النص‏

و قد ذكر الشيخ قده هذا بعد بيان أحد تنبيهات البراءة و مر أن الخراسانيّ قده‏

جعل فقد النص و إجماله و تعارض النصين في مسألة واحدة لعدم الفرق عنده في ذلك‏

و الشيخ قده أفرد كلا بالبحث لبعض النكات و الكلام في الشك في حرمة شي‏ء

بواسطة الإجمال يكون كالكلام فيه من جهة فقدان النص فان الأصل يقتضى البراءة

عن الحرمة.

و لا يخفى ان الإجمال تارة يكون في الحكم و تارة في المتعلق اما الإجمال في‏

الحكم فهو مثل ان يرد نهى بالصيغة مثل لا تشرب الخمر أو بالمادة مثل هو لك حرام‏

و يكون الناظر إليه ممن لم يكن النهي بالصيغة أو بالمادة عنده مما يفيد المبغوضية

و الحرمة بل يكون مجملا عنده فيكون الإجمال عنده في الحكم‏

و اما الإجمال في المتعلق فمثل الغناء مثلا فانه يعلم حرمة هذا العمل و لكن‏

لا يدرى أنه أي صوت هو و لا يدرى انه الصوت المخصوص بمجالس اللهو أو الصوت‏

المطرب أو المحزن فان كان الإجمال كذلك يرجع إلى المتباينين لا بد من الاحتياط

لإحراز أصل التكليف و اما إذا كان مرجعه إلى الأقل و الأكثر فالأصل يقتضى البراءة

1الأولى ذكر بقية التنبيهات كما فعله الخراسانيّ ثم ذكر ما أفرد الشيخ ببحثه‏

في ترتيب البحث حسب ما في الكفاية و في بعض التقارير من الماضين مثل الفوائد

للنائيني زيادة أمور مفيدة بنحو الإجمال فان شئت فارجع إليه.


347
بالنسبة إلى الأكثر أو لا يقتضيه حسب اختلاف المباني.

و السر في تفرد الشيخ بهذا البحث في مسألة على حدة هو ان البيان على الطبيعة

في صورة إجمال النص تام و لكن لا يدرى افرادها بخلاف فقدان النص فان البيان‏

رأسا غير موجود فلقائل ان يقول يكفي البيان على الطبيعة في وجوب الاحتياط بالنسبة

إلى المشكوك.

و الجواب عنه هو ان افراد الطبيعة إذا لم يكن متساوي الإقدام بالنسبة إليها فلا

محالة بالنسبة إلى ما هو المتيقن يؤخذ بالحكم و بالنسبة إلى الفرد المشكوك يجري‏

الأصل لعدم العلم بالحكم في ذاك الفرد و يكون مما لا يعلم فيشمله حديث الرفع فلا

فرق بين إجمال النص و فقده في جريان البراءة.

و اما تعارض النصين فائضا كذلك من حيث القاعدة الأولية لأن الأصل الأولى‏

في المتكاذبين التساقط و الرجوع إلى البراءة و لكن الأصل الثانوي بحسب الروايات‏

هو التخيير في المتعارضين و لا إشكال في جريان الأصل بحسب الأصل الأولى و ان‏

كان الإشكال في القول بالتخيير بالنسبة إلى الأصل الثانوي كما سيجي‏ء في محله‏

و لكن لا يكون البحث عنه بلا فائدة أصلا لأن الأصل الثانوي يكون بالنسبة إلى المتعارضين‏

بالتباين و اما بالعامين من وجه‏

فبالنسبة إلى مورد الاجتماع فربما يقال بوجوب الاحتياط أو البراءة حسب‏

الاختلاف بينهم و ربما يقال ان البحث عن المتعارضين يكون للقول بالاحتياط في‏

مورده بسبب‏ (1) ما ورد من رواية غوالي اللئالي فانه في تلك الرواية يكون الأمر

بالاحتياط أولا ثم بعد عدم إمكانه التخيير فيظن من ذلك ان اللازم في الخبرين‏

المتعارضين الاحتياط إذا أمكن لأنه بعد قوله عليه السّلام خذ بالحائطة لدينك يقول الراوي‏

كلاهما موافق للاحتياط فيقول اذن فتخير.

و الجواب عنه هو ان ضعف الغوالي و ضعف استناده بمؤلفه و ضعف خصوص‏

1)كما في الرسائل الحاضر عندي في ص 219

348
هذه الرواية غير خفي بل هو مشهور كما عن الحدائق مع عدم تمامية الدلالة على‏

وجه لأن الكلام لا يكون في الاحتياط الّذي يكون هو مرجح إحدى الحجتين بل‏

الكلام في أصل الاحتياط عند الشبهة و ان كان يمكن القول بتمامية الدلالة من جهة

القول بإطلاق الاحتياط الشامل لما هو مرجح أو غيره.

و مما تقدم ظهر البحث عن حال الشبهات الوجوبية فانه إذا شك في وجوب‏

شي‏ء تجري البراءة كما في الشبهات التحريمية و لا خصيصة لانفراد البحث عنها

على حدة فان فقد النص و إجماله و تعارضه يكون مثل التحريمية نعم في المقام خصيصة

للبراءة و هي ان الشبهات الوجوبية يكون البراءة فيها جارية حتى عند الاخباري‏

القائل بوجوب الاحتياط في التحريمية لأن الاخبار الآمرة بالاحتياط أكثرها و أصحها

في الشبهات التحريمة و ما ورد في الشبهات الوجوبية لا يتم دلالتها و سندها.

فصل في الشبهات الموضوعية التحريمية

و يشترك معها الشبهات الوجوبية أيضا و الإجماع قائم على البراءة فيها مثل‏

من يعلم ان إيذاء الأمّ حرام منهي عنه غاية التأكيد كقوله تعالى لا تقل لهما أف و لكن‏

لا يعلم أن المورد الفلاني يكون إيذاء لها أم لا مثل ان تأمره بطلاق زوجته لبعض‏

الاختلافات و لا يعلم أن تركه هل يكون إيذاء أم لا فحيث يكون من الشبهات‏

الموضوعية فالأصل يقتضى البراءة فيجوز له ترك الطلاق و ان كان يمكن السؤال عنها

حتى يعلم انها تتأذى به أم لا و مثل الشبهة في كون شي‏ء خمرا بعد العلم بحرمة شرب‏

الخمر مع إمكان السؤال أو الفحص فانه يجوز شربه و هكذا من يجد رطوبة في‏

الظلمة يحتمل ان يكون هو الدم يجوز له عدم الاجتناب و لو أمكن رفع الظلمة و الشك‏

و هذا القول بالبراءة إجماعي.

و لكنه عند التحقيق يكون الإشكال فيه أصعب من الإشكال في الشبهات‏

الحكمية اما أولا فلان القول بالبراءة في الشبهات الحكمية بواسطة قبح العقاب‏

بلا بيان يكون من جهة أن البيان يكون وظيفة الشارع و حيث ما وصل البيان يجري‏


349
البراءة و أما الشبهات الموضوعية فالبيان من جهة قد تم و يكون رفع الشك بيد

المكلف لا بيد المولى فعليه أن يسأل أو يتفحص حتى يذهب شكه فكيف يجري‏

البراءة مع عدم لزوم البيان من الشرع و العقاب عليه ليس من العقاب بلا بيان.

و ثانيا انه ما الفرق بين الشبهات المصداقية المفهومية في باب الألفاظ

حيث لم يتمسك فيها بالعامّ مثل ما إذا قيل أكرم العلماء و شك في فرد انه هل يكون‏

منهم أم لا و يتمسك في المقام بعموم أدلة البراءة مع أن المقام أيضا يكون من الشبهة

المصداقية لأدلة البراءة فان أدلة البراءة بالنسبة إلى الشبهات الحكمية مقطوعة

الانطباق و اما انطباقها على الموضوعية فمشكوك لأنا لا نعلم أنه هل يكون مصداق‏

كل شي‏ء لك حلال أم لا فكيف يتمسك بالعامّ هنا دون الشبهات المصداقية في‏

باب الألفاظ بادعاء أن العام لا يتكفل إيجاد فرد و جعل مصداق لنفسه سواء كانت‏

الشبهة مصداقية للعام أو مصداقية للمخصص.

اما الجواب عن الإشكال الأول فبوجهين الأول هو الجواب الإجمالي‏

عنهم و هو أن فعلية الحكم تتوقف على فعلية الموضوع فان الحكم ما لم يكن‏

موضوعه متحققا لا يكون البعث إليه فعليا فان وصوله بالنسبة إلى كل شخص موضوع‏

دخيل في باعثيته و زاجريته فحيث لم يكن واصلا كذلك في الشبهات الموضوعية

يجري البراءة عنه.

و فيه ان هذا صحيح و لكن الكلام في أنه لأي دليل لا يجب الفحص ليكون‏

الحكم و أصلا فان رفع الشك بيد المكلف و لا يفيد هذا لجريان البراءة فان جريانها

في كل شك يحتاج إلى الدليل.

و قد أجاب بعض الأعيان عن ذلك أيضا بجواب غير تام و هو أن بيان الحكم‏

الجزئي و ان لم يكن من وظيفة الشرع و لكن المدار في جريان البراءة الخروج عن‏

رسم العبودية و لا يصدق ذلك في حق الشاك في الموضوع إذا أجرى البراءة

و الجواب عنه ان احتمال التكليف يكون منجزا و لو لم يكن الحكم فعليا فانه‏

لأي دليل لا يعتنى بهذا الاحتمال فهل يكون له سبيل إلى جريان البراءة بقبح العقاب‏


350
بلا بيان مع عدم انطباقه فيه فلا يتم جوابه هذا و يصدق الخروج عن رسم العبودية

في المقام أيضا.

و اما الجواب التفصيلي‏ (1) عن هذه الشبهة هو أن الأحكام التي يتعلق بافعال‏

المكلفين اما لا يكون لها متعلق خارجي الا فعل المكلف مثل الصلاة و الصوم و الحج و قيل‏

الغناء أيضا و أمثالها فانها لا بتعلق الأمر بالصلاة و غيرها الا لإيجادها في الخارج أو

يكون لها متعلق سوى الفعل مثل وجوب إكرام العالم و إهانة الفاسق فان الحكم‏

يكون له موضوع و هو الإكرام و الإهانة و متعلق و هو العالم و الفاسق سواء كان الحكم‏

وجوبيا أو تحريميا.

و هذا الأخير أيضا تارة يكون مصلحة الحكم بحيث تدعوا إلى إيجاد المتعلق‏

في الخارج مثل أن يكون إيجاد العالم في بلدة قم مثلا واجبا ثم يجب إكرامه فإيجاد

الموضوع الّذي يكون متعلق الحكم يكون واجبا إذا كان ملاك الحكم يستفاد منه‏

ذلك كما يقال في الخمر أيضا يجب إعدامه لئلا يشرب.

و تارة لا يكون كذلك بل يكون الحكم على الوجود الاتفاقي فلو وجد عالم‏

مثلا يجب إكرامه على التقديرين اما يكون الحكم بنحو الطبيعية السارية كما أن‏

النواهي غالبا كذلك فان النهي عن شرب الخمر يسرى إلى جميع الافراد و تارة يكون بنحو

صرف الوجود كما في الأوامر غالبا فان الأمر بإتيان الصلاة لا يفهم منه الا صرف الوجود

و لبعض القرائن بعض النواهي يكون لصرف الوجود كما في النهي عن أكل الثوم‏

ليلة الخميس فانه بعد حصول الرائحة الكريهة فتكراره لا يؤثر شيئا و لا يكون منهيا

عنه إذا لم يكن موجبا لزيادة الرائحة فان العلة هي كراهة الملائكة و هي تحصل‏

بصرف وجود الرائحة كما أن الأوامر أيضا كذلك مثل أحل اللّه البيع فان حلية بيع‏

شخصي دون ساير البيوع لغو و لا خصوصية فيه.

و تارة يكون النهي و الأمر بنحو العام المجموعي و أخرى بنحو العموم الأفرادي‏

1)فارجع إلى فوائد الأصول للنائيني قده ص 143

351
و الفرق بين الأفرادي و الطبيعة السارية هو أن قصد الخصوصية في الأول ممكن و في‏

الثانية لا يمكن فالأوّل مثل خصال الكفارات فان قصد الخصوصية في العمل جاز

لكونه بنحو العموم الأفرادي و البحث مع جميع التقادير تارة يكون في الشبهات‏

الوجوبية و أخرى في التحريمية.

فالبحث في مقامين المقام الأول في الشبهات الوجوبية بالنسبة إلى صرف‏

الوجود و بالنسبة إلى ما يكون له المتعلق فان البحث في الشبهة المصداقية تكون‏

في ذلك لا فيما ليس له المتعلق في المقام و الإجماع قائم من الاخباري و الأصولي‏

على عدم وجوب الاحتياط و الفحص و ذلك لأن فعلية التكليف في هذا القسم تكون‏

بفعلية المتعلق و حيث لم يكن التكليف هنا فعليا يقال بالبراءة و عدم وجوب الفحص‏

عن الموضوع كما مرّ في الجواب الإجمالي.

و قد مر الجواب عنه بأن الشك في الموضوع يرجع إلى الشك في الحكم‏

و لكن لا يكون لنا دليل على أن كل شك في الحكم يكون الأصل فيه البراءة فان‏

بيان الموضوع ليس من وظيفة المشرع.

و لكن الجواب الصحيح هو أن يقال ان وجوب الفحص عن الموضوع يحتاج‏

إلى دليل و حيث لم يبين الشارع وجوبه فالأصل يقتضى البراءة عن هذا الحكم و هو

وجوب الفحص و قانون العبودية يقتضى الفحص في خصوص الأحكام و اما الموضوعات‏

فعدم الفحص فيها لا يكون خروجا عن رسم العبودية.

هذا كله إذا كان الأمر بنحو صرف الوجود و اما إذا كان بنحو الطبيعة السارية

مثل أحل اللّه البيع فما له المتعلق و ما ليس له ذلك سواء في جريان البراءة و عدم‏

وجوب الفحص بخلاف ما إذا كان بنحو صرف الوجود فان ماله المتعلق يكون فيه‏

الكلام هناك و اما هنا فلا كلام فيه.

و حاصل الفرق عن شيخنا العراقي هو أن التكليف إذا كان بنحو صرف الوجود

يكون التطبيق بيد العرف فإذا شك في مصداق و لم يكشف من الشرع وجوب‏

إيجاد الموضوع ثم تطبيق الحكم بمعنى انه لم يكن الملاك و الفرض بهذا القدر


352
فالأصل يقتضى البراءة فيما له المتعلق و الا فيجب إيجاد المصداق و اما ما ليس له‏

المتعلق فيكون الشك في فراغ الذّمّة فيجب تحويل مصداق يكون من متيقن المصداقية

و اما في الطبيعة السارية فحيث يكون لحاظ الافراد بيد الشرع عند إجراء الحكم‏

و تطبيقه عليه في مقام الشك لا نعلم انه هل لاحظ هذا الفرد و جعل الحكم عليه أم‏

لأن فان الأصل يقتضى البراءة عن جعل الحكم على هذا لأن التكليف يرجع إلى‏

الأقل و الأكثر فيكون الشك بالنسبة إلى المصداق من الشك في كثرة التكليف و التحقيق‏

جريان البراءة في الأقل و الأكثر خصوصا إذا لم يكونا ارتباطيين فإذا شك في عقد

انه يجب الوفاء به أم لا من حيث صدق العقدية فالأصل يقتضى البراءة عن وجوب‏

الوفاء و لا فرق في ذلك بين ماله المتعلق و ما ليس له ذلك.

و فيه ان تطبيق كل حصة من الطبيعة السارية أيضا بيد العبد فكما أنه لا يكون‏

تطبيق حكم أكرم العلماء بنحو صرف الوجود بيد الشارع بل على المكلف التطبيق‏

فهكذا بالنسبة إلى ما كان الافراد كثيرة فان تطبيق الحكم على كل فرد أيضا يكون‏

بيد العبد فان الشارع لا يقول هذا عالم و ذاك غيره فيكون من هذه الجهة مثل صرف‏

الوجود1فكما انه إذا شك في المصداق و لم يكن لنا معيّن تجري البراءة كذلك‏

هنا إذا شك فيه تجري البراءة فلا فرق بين صرف الوجود و الطبيعة السارية في‏

جريان البراءة.

هذا كله بالنسبة إلى التكليف الوجوبيّ و اما التكليف التحريمي فانه أيضا اما

ان يكون بنحو صرف الوجود و هو الأقل في النواهي أو الطبيعة السارية و هو الأكثر

1قول و مع الغمض عن ذلك فلا أظنه يلتزم بأنه في صورة كشف اهتمام‏

الشرع في مورد الشبهة المصداقية للطبيعية السارية بوجوب الفحص يقول لا يجب‏

و كذا في صورة عدم وجود المتعلق للتكليف سوى نفس التكليف و الموضوع فانه‏

إذا كان الشك مرجعه الاشتغال كذلك في افراد الطبيعة السارية و كان الفارق عنده‏

قده هذا و ما تقدم فلا يبقى فرق و اما إذا كان مرجع الشك إلى الشك في التكليف‏

فهو في الصورتين ضرورة ان افراد الطبيعة السارية أيضا يجب الفراغ عنه.


353
و الإجماع أيضا عن الاخباري و الأصولي على البراءة في صورة الشك في المصداق‏

الا فيما أحرزت الأهمية في نظر الشارع مثل باب الفروج و الدماء فانه قبل الفحص‏

يجب الاحتياط و هنا يكون عن الطوسي قده الإشكال على الاخباري بأنه كيف يقول‏

في الشبهات الحكمية التحريمية بوجوب الاحتياط و لم يقل في المقام أي في الشبهات‏

الموضوعية به مع أن الشك هنا أيضا في التكليف فانه لا فرق بين ان يكون التكليف‏

من أصله مشكوكا.

و بين ان يكون بالنحو الكلي معلوما و لكن يكون الشك في الانحلال على‏

هذا الفرد فانه إذا كان النهي عن شرب الخمر بالنحو الكلي ثم شك في مائع انه‏

خمر أم لا ففي الواقع يكون الشك في انحلال التكليف على هذا أم لا فيرجع الشك‏

إلى الشك في زيادة التكليف و هو أيضا حكم لكن نشأ الشك فيه من ناحية الموضوع‏

فعليه أن يقول بالاحتياط هنا كما يقول في الشبهات الحكمية.

و قد أجيب عنه بأن السند للبراءة هو قبح العقاب بلا بيان و هو في صورة الشك‏

في الحكم حيث لا يكون البيان فيه محرزا يكون متحققا فيجري الأصل و اما في‏

الشبهات الموضوعية فحيث يكون البيان على الكلي واردا عن المولى و ليس البيان‏

الا بمعنى الظهور و هو حاصل و التطبيق يكون بيد العبد لا بيد المولى يقول بأنه‏

يجب الاحتياط أو الفحص بعد تمامية البيان فلا يجري الأصل لعدم جريان قبح العقاب‏

بلا بيان فلا يكون الإشكال على الاخباري واردا.

و لكن الجواب غير تام لأن البيان على الكلي لا يكون بيانا على الفرد ففي‏

كل فرد إذا كان التكليف يدور امره بين الأقل و الأكثر يجري البراءة عن التكليف‏

و لا يكون مورد جريان الاشتغال لأنه يكون في صورة الشك في الامتثال لا الشك في‏

التكليف و وجوب الفحص أيضا يكون بالنسبة إلى بيان الأحكام لا الموضوعات فان‏

العلم الإجمالي بكوننا مكلفين و لسنا كالبهائم يقتضى الفحص عن الأحكام لرسم‏

العبودية و هو هنا منتف لأن الشك يكون في الموضوع و لا يكون مقتضى رسم العبودية


354
الفحص فيه.

فالحق الحقيق‏1هو ما نقول من ان وجوب الفحص أحد التكاليف المشكوك‏

لزومه و حيث ما بينه الشارع و لا جعل الاحتياط نكشف عدم الوجوب لأنه لو كان في‏

مورده الاهتمام لجعل الاحتياط كما في باب الفروج و الدماء

و بيان التطبيق و ان لم يكن على المولى و لكن بيان الفحص يكون عليه لأنه‏

حكم من الأحكام فيكون مثل ساير الأحكام عهدته عليه و على أي حال إذا كان النهي‏

بنحو صرف الوجود ففيه مبنيان فعلى مبنى الخراسانيّ قده القائل بأن المراد بالصرف‏

هو الحاصل من ترك جميع الافراد كما ان ترك شرب الخمر يكون بترك جميع‏

ما يصدق عليه شرب الخمر ففي كل فرد شك أنه من مصاديق شرب الخمر أم لا يجب‏

الاحتياط لأنه لو كان في الواقع شرب الخمر يكون مضرا بوجود صرف الترك‏

و اما على مبنى القائل بان المراد بصرف الوجود هو النهي عن أحد افراد الشرب‏

أو غيره من المحرمات كما يتصور في صرف الوجود في الأوامر فإذا ترك أحد

مصاديق شرب الخمر فقد حصل صرف وجود الترك و لا يلزم الاجتناب عن المشكوك‏

أيضا في صورة كشف الاهتمام على المبنى الأول يجب الاحتياط أو الفحص فقد

ظهر من جميع ما مر ان الفحص لا يكون واجبا في الشبهات الموضوعية لعدم الدليل‏

على وجوبه و الأصل البراءة عن هذا الوجوب في جميع الأقسام المتصورة هذا كله‏

في الجواب عن الإشكال الأول.

و اما الإشكال الثاني و هو القول بأنه ما الفرق بين الأصول اللفظية و الأصول‏

1و هذا أيضا لا يكون جوابا للإشكال بل بيانا لأصل المطلب و قد بقي الإشكال‏

على الاخباري حيث أنه يقول بالبراءة هنا و قد اعترف مد ظله بعد المراجعة إليه بذلك‏

و لكن يمكن ان يقال ان وجوب الفحص و ان كان عن حكم تحريمي و لكنه يكون‏

من الواجبات و هو يقول بالبراءة فيها و بعد ففيه التأمل لأن هذا يكون من الشك في‏

الامتثال و الحكم قد بنى كبراه فمن يقول بوجوب الاحتياط في أصل الحكم لأهمية

الحرام عنده كيف لا يقول به هنا.


355
العملية حيث لا يقولون بجريان الأصل في الأول و يقولون به في الثاني فأجاب عنه‏

شيخنا النائيني قده على ما قرر بنحو يكون خلاف شأنه قده و لعله سهو قلم من المقرر

قال‏ (1) و لعمري ان الفرق بينهما في غاية الوضوح فان الأصول اللفظية انما تكون‏

كاشفة عن المرادات النّفس الأمرية و عنوان العام بعد تخصيصه يكون جزء الموضوع‏

و جزئه الاخر عنوان المخصص و لا يمكن ان يتكفل الدليل وجود موضوعه و انما

يكون متكفلا لبيان الحكم على تقدير وجود الموضوع و المصداق المشتبه لم يعلم‏

انه من مصاديق العام أو من مصاديق الخاصّ فلا يجوز التمسك بأصالة العموم لإثبات‏

كونه من مصاديق العام و هذا بخلاف الأصول العملية فانها وظائف عملية و المصداق‏

المشتبه إذا لم يقم دليل على بيان حكمه فبحسب الوظيفة لا بد أن ينتهى الأمر إلى‏

أحد الأصول العملية و لا أقل من البراءة أو الاشتغال الذين ينتهى إليهما الأمر عقلا عند

فقدان الأصول الحاكمة عليهما.

و الجواب عنه قده ان الشبهة المصداقية مطلقا سواء كانت في الأصول العملية

أو الأصول اللفظية لا يمكن التمسك فيها بالعامّ للإشكال الّذي ذكره من ان الحكم‏

لا يتكفل إيجاد موضوعه سواء كانت الشبهة مصداقية للعام أو مصداقية للمخصص‏

و أدلة الأصول العملية أيضا أمارات فان قوله عليه السّلام كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه‏

حرام يكون من الأمارات.

و هكذا قوله عليه السّلام لا تنقض اليقين بالشك في الاستصحاب فيكون هذه الأدلة

أيضا عمومات و يتصور لها شبهات مصداقية و لا يمكن التمسك بالعموم في كل مورد

يكون الشبهة مصداقية كما انه يجب أن يكون جريان البراءة عند حفظ الموضوع‏

و كذا الاستصحاب و هو الشك المستقر فلو فرض عدم استقرار الشك بأدنى التفاوت‏

نقول بعدم الجريان كما انه إذا كان تحت اللحاف و شك في طلوع الفجر يجب عليه‏

رفع اللحاف و بدونه لا يستقر الشك و لا يكون له إجراء الأصل و هو استصحاب بقاء

1)في الفوائد ص 145

356
الليل لجواز الأكل و الشرب مثلا في صوم رمضان.

و كذلك من شك في زيادة الدين و يكون له الدفتر يجب الرجوع إليه و لا

يكون له جريان البراءة عن الزائد بمجرد الشك لعدم استقرار الشك فلو فرض انه‏

شك في مورد انه هل يكون من موارد كون الشك مستقرا حتى يجري الأصل أو

لا يكون من موارده فلا يعلم انه هل يكون مصداقا للأصل أم لا.لا يكون له جريان‏

الأصل تمسكا بعموم العام في كل شي‏ء لك حلال أو لا تنقض اليقين بالشك.

و اما مقامنا هذا في الشبهات المصداقية أي الموضوعية فلا يكون من الشبهة

المصداقية للعام الّذي يكون دليل الأصل بل يكون من الشبهات المصداقية لعام‏

آخر مثل أكرم العلماء أو لا تشرب الخمر و لا يتمسك فيها بالعامّ و من حيث الوظيفة

العملية و لا يكون في مورد من الموارد فرق في الشبهات المصداقية فما قاله(قده)

من ان الأصول العملية وظائف قررت للشاك بخلاف الأصول اللفظية لا يتم فما هو

شبهة مصداقية لدليل الأصل لا يتمسك به و ما يكون شبهة مصداقية لعام آخر يتمسك‏

فيه بالأصل لا بالعامّ.

فقد ظهر عدم الإشكال في جريان الأصول في الشبهات المصداقية من وجه‏

من الوجوه هذا كله في الأوامر و النواهي الاستقلالية.

و اما الأوامر و النواهي التبعية التي يستفاد منها الجزئية و الشرطية أو المانعية

فالكلام فيها الكلام في الأوامر النفسيّة من الاحتمالات و ما يترتب عليها كما يقال لا تصل‏

في وبر ما يؤكل لحمه فانه إذا شك في شي‏ء انه مما يؤكل لحمه أم لا يجوز الصلاة

فيه لجريان أصالة البراءة في هذه الشبهة التي تكون موضوعية خلافا لبعض الاعلام‏

مثل الميرزا الشيرازي قده حيث يقول بوجوب الاحتياط حيث ان الصلاة عنده مركبة

من عدة تروك و عدة شرائط و اجزاء بحيث لو لم يحرز شرط من الشروط يكون‏

الشك في المحصل.

كما انه إذا قيل في النهي عن شرب الخمر كن لا شارب الخمر فان تحصيل‏

هذا العنوان يستلزم ترك جميع الافراد المعلومة و المشكوكة فانه إذا قيل لا تشرب‏


357
الخمر أيضا يقولون بأن تحصيل العنوان لازمه ترك جميع الافراد كذلك و لكن هذا

لازم كلامهم لا انهم يلتزمون به في الأوامر النفسيّة.

و ليس كذلك فان المحصل و المحصّل يحتاج بابه إلى الإحراز.

بحث في فرع فقهي في المقام‏

و هو (1) انهم بعد اتفاقهم على جريان البراءة في الشبهات الموضوعية قد

حكموا في بعض الفروع بأحكام يخالف هذا الكلام.

منها ان من كان عليه فوائت من الصلوات لا يدرى قدرها فانهم يحكمون‏

بوجوب إتيان ما يحصل العلم معه بإتيان جميع ما عليه من الوظائف مع ان المقام‏

يكون حسب ما مرّ من الأقل و الأكثر الاستقلاليين الذين يكون مقتضى القواعد هو

جريان أصالة البراءة عن الزائد و الإتيان بما هو المتيقن من الفائتة و لكن يقولون‏

بأن إتيان الأكثر واجب ليحصل اليقين بالفراغ و على فرض عسرة فالعمل بالمظنون.

و قد يعالج هذا الإشكال بوجهين:الأول ان عدم جريان الأصل يكون لاستصحاب‏

شغل الذّمّة و هو مقدم على البراءة فان الأصل عدم تحقق ما في عهدته مع الشك فيه‏

بعد العلم بالتكليف.

و يرد عليه أولا ان هذا يكون في صورة اليقين بالاشتغال و هو صورة كون‏

هذا الشخص ممن ترك الصلاة مدة و لا يعلم ان الترك هل كان في جميع العمر أو

بعضه مع العلم بمدة العمر مثل ان يعلم انه ثلاثون سنة فحيث يكون الاشتغال في‏

جميع العمر من وقت التكليف مسلما و يكون الشك في الفراغ فلا محالة لا بد من‏

الإتيان بحيث يعلم عدم وجوب شي‏ء عليه.

و اما لو فرض المطلب بالعكس بأن يكون مدة عمره مشكوكة بأن يعلم الفوائت‏

1)هذا البحث في الرسائل في المسألة الرابعة من الشبهات الوجوبية و هو

في الشبهات الموضوعية و في الحاضر عندي يوجد في ص 219 إلى 222.


358
و لا يعلم قدرها و لكن عدم علمه يكون من باب عدم العلم بمدة عمره بحيث لو علم‏

مدته لم يكن في شك من القدر فحيث يكون هنا الشك في أصل توجه التكليف‏

حيث ان عمره لو كان أقل لم يكن التكليف متوجها إليه بالنسبة إلى الزائد و الآن‏

يكون مشكوكا فلا شغل له بالتكليف يقينا حتى يستصحب.

و لا فرق في ذلك بين كون القضاء بالأمر الجديد أو بالأمر القديم لأنه على‏

الفرض الأول يكون اليقين بالاشتغال مطلقا لو كان القضاء بالأمر القديم و يكون اليقين‏

بالاشتغال أيضا على فرض الفوت لو كان القضاء بالأمر الجديد أيضا فان العلم بالجامع‏

يكون حاصلا على التقديرين فتصوير الأمر بالقضاء على وحدة المطلوب كما في‏

الأمر القديم أو تعدده كما في بيان كونه بالأمر الجديد غير مؤثر في جريان الاستصحاب.

و كذلك لا إشكال في عدم جريان الأصل على كلا التقديرين على الفرض الثاني‏

و هو عدم تصوير حالة سابقة للاشتغال.

و يرد عليه ثانيا انه على فرض كون انقضاء بالأمر الجديد بأنه يتوقف جريان‏

الأصل على صدق الفوت و هو امر وجودي يكون لازم ترك الصلاة واقعا و أصالة

عدم الإتيان لا يثبت الفوت لأنه من اللوازم العقلية و قد حرّر في محله ان الأصل لا يكون‏

جاريا بالنسبة إلى لوازمه المثبتة بخلاف ما لو كان القضاء بالأمر القديم فانه لا نحتاج‏

إلى إثبات عنوان الفوت فجريان الأصل لا مانع عنه.

و يرد عليه ثالثا بأن الفوت على فرض عدم كونه امرا وجوديا بل و كونه امرا عدميا

ليس هو العدم المحض بل عدم الملكة فان عدم إتيان الصلاة في الوقت الّذي يكون‏

من شأنه إتيان الصلاة فيه يكون هو الفوت و اما عدم الإتيان حتى بالنسبة إلى قبل‏

الوقت لا يسمى فوتا و الّذي يكون له الحالة السابقة يكون هو عدم الإتيان قبل الوقت‏

و ان كان مسلما و لكن لا يفيد و عدم الإتيان في الوقت لا حالة سابقة له يستصحب‏

و جريان الأصل قبل الوقت يكون هذا من آثاره المثبتة به و الأصل لا يجري بالنسبة إليها.

و رابعا يكون الشك بالنسبة إلى ما هو خارج الوقت من الشك بعد الوقت‏

و قاعدة الوقت حائل لازمها عدم الاعتناء بالشك فما هو خارج الوقت لا قضاء له‏


359
بالنسبة إلى المشكوك.

و لكن يرد على هذا الأخير ان القاعدة تكون في صورة كون الشخص في‏

الوقت بانيا على الإتيان ثم حال الوقت فشك اما من كان بنائه على الترك مع الالتفات‏

فلا تكون في حقه القاعدة فلا بد ان يتمسك بالاشتغال بل السند لقولهم في المقام‏

بالإتيان بالأكثر يكون هو الاشتغال اليقينيّ في صورة العلم بمدة العمر و الشك في‏

المقدار الفائت و الا فالإشكالات على الاستصحاب أيضا يكون بحالها فالسند الوحيد

لنا هو الاشتغال لا الاستصحاب لنحتاج إلى إثبات عنوان الفوت.

الوجه الثاني لوجوب الإتيان بالأكثر هو ما عن المحقق صاحب الحاشية قده‏

و حاصله ان الشاك بعد الوقت في مقدار الفائتة يكون له ثلاث حالات:

الأول ان يكون عالما بعدم الالتفات في الوقت فيكون الترك من جهة الغفلة

لا من جهة التساهل.

و الثاني ان يكون عالما بالالتفات في الوقت فيكون الترك من باب التساهل.

الثالث ان يكون شاكا في انه هل كان ملتفتا في الوقت و ترك الصلاة عن التفات‏

أو لم يكن ملتفتا فكان الترك عن غفلة.

اما الأول فالأصل فيه البراءة لأنه مصداق لفقرة ما لا يعلمون ضرورة انه لا يدرى‏

أنه هل جاء في عهدته صلاة لم يصلها أو لم يجئ فيكون غير عالم بالفوت و حيث‏

يكون بعد الوقت يكون الأصل بالنسبة إليه البراءة و اما الثالث فحيث يكون شاكا

في ذلك يكون الشك في كونه مصداقا لدليل البراءة أم لا و لا يمكنه التمسك بالعامّ‏

في الشبهة المصداقية و اما الصورة الثانية و هو صورة كون العلم بالالتفات و ان الترك‏

وقع عن التساهل و لكن الآن يكون شاكا.

فيكون دعواه انه حيث كان عالما لا يجري الأصل بالنسبة إليه و ان كان الآن‏

جاهلا كما انه في العلم الإجمالي بنجاسة أحد الكأسين إذا خرج بعض الأطراف‏

عن الابتلاء و صار المعلوم مشكوكا يقال بأن العلم السابق يؤثر اثره و ان عدم بعد

خروج أحد الأطراف عن الابتلاء و العلم التفصيلي ليس بأضعف من الإجمالي و ان‏


360
أدلة البراءة منصرفة عن هذا المورد.

و كلا الدعويان ممنوعان اما الأول‏1فلان العلم هو النور و يكون له الأثر

حين وجوده و اما إذا صار مبدلا بالجهل فلا يكون له الأثر و الشاهد عليه ان الشك‏

الساري يقولون له الأثر بالنسبة إلى اليقين السابق في الاستصحاب فلو كان المدار

على حال قبل الشك فيجب ان لا يعتنى بالشك الساري هذا فساد أصل الاستدلال.

1أقول ان بقاء أثر العلم يكون في العلم الإجمالي هو الحكم الشرعي فان‏

القول بالاجتناب عن الطرف المشكوك بعد خروج الاخر عن الابتلاء يكون من باب‏

العلم بالحكم و هو من تطبيق الحكم على الموضوع و الكلام ليس في العلم الّذي‏

يكون في صقع النّفس فقط حتى يقال انه لا يموت بل الكلام فيما ينطبق و لا بد اما

من القول ببقاء الأثر بالإجماع أو بالتعبد المستفاد من قوله عليه السّلام في الإناءين يهريقهما

و يتيمم و لو لا ذلك لأمكن القول بأنه يهرق أحدهما ثم يتوضأ بالاخر لأنه طريق إماتة

العلم أو القول بالعلم الإجمالي المؤرّب الّذي يكون لنا الكلام فيه في محله.

و لا نطمئن بتقريبه و مع ذلك يكون الفرق الواضح بين العلم في المقام و العلم الإجمالي‏

لأنا لا نكون بصدد إثبات حكم بواسطة الالتفات بالترك عن تساهل بل صاحب هذا

القول يريد ان يقول بأن العلم كذلك قبل الوقت صار سببا لانصراف أدلة الأصول‏

نظير موارد الإقدام على الضرر فانه حيث يكون المقدم على الجهل فعلا قصوره في‏

ظرف وجوب إتيان الصلاة يمكن ان يقال انه يكون مقدما على الجهل فلا يشمله‏

أدلة البراءة.

و هذا التقريب يكون له وجه وجيه لما نحن فيه الا انه مبنى على القول بأن‏

دليل البراءة حيث يكون امتنانيا يكون في صورة كون وضع التكليف خلاف‏

الامتنان و حيث لم يكن بالنسبة إلى هذا الشخص وضع التكليف خلاف الامتنان‏

لا يكون الرفع شاملا له و اما على فرض القول بأن الرفع يكفى ان يكون امتنانا و لو

لم يكن الوضع خلاف الامتنان كما انّه لعله المستفاد من إطلاق الدليل فلا إشكال في‏

ان يكون الحديث شاملا لهذا الشخص أيضا.


361
و اما القياس بالعلم الإجمالي أيضا فهو فاسد أيضا للفرق بينهما حيث ان العلم‏

يكون في صقع النّفس و لا يموت بواسطة خروج بعض الأطراف عن الابتلاء.

و مع الغمص فيكون قولهم باجتناب ما خرج بعض أطرافه عن الابتلاء اما

من باب ان تنجيز العلم من جهة احتمال تطبيق المعلوم على بعض الأطراف و هو باق‏

حتى بعد فقد أحدها ضرورة ان أحد الكأسين إذا أهريق يكون احتمال تطبيق الخبر

على الاخر باقيا بعد أو من جهة ما يقال كما هو الحق من ان لنا علما إجماليا مؤرّبا

كما حررناه في الأصول.

و حاصله ان لنا العلم بنجاسة الكأس اما الأبيض أو الأسود عرضا و لنا علم‏

أيضا في طول الزمان بأنه اما ان يكون الأبيض في الصبح نجسا أو الأسود في العصر

فلو أهريق أحدهما بين الصبح و العصر لا ينحل هذا العلم الإجمالي فيكون القول‏

بالاجتناب عن الطرف الاخر بعد خروج أحد الأطراف عن الابتلاء من باب بقاء العلم‏

فلا يقاس المقام به لأنه بعد الوقت لا يكون لنا علم أصلا.

و من ما ذكرنا يظهر ان المسألة لا تكون مبتنية على كون القضاء بالأمر الجديد

أو بالأمر القديم حتى يقال انه ان كان بالأمر القديم يمكن الاشتغال لكون الشك في‏

سقوط الأمر و اما ان كان بالأمر الجديد فحيث يكون الشك في الأمر من جهة صدق‏

الفوت فلا يحكم بالاشتغال كما عن الشيخ الأنصاري قده‏1ففي صورة العلم بمقدار

العمر مع الشك في مقدار الفائتة يجب الحكم بالاشتغال مطلقا و في صورة عدم‏

العلم به فالأصل البراءة مطلقا أي سواء كان القضاء بالأمر الجديد أو بالأمر القديم.

1لا يكون هذا الابتناء في كلام الشيخ قده في الرسائل و له قده تفصيل في‏

كون القضاء بالأمر الجديد أو الأمر القديم و منه يستفاد انه قده أيضا قائل بأن العلم‏

بالجامع من الأمر أداء و قضاء يكفى فارجع إليه و كلامه في الرسائل الحاضر عندي‏

في ص 220 و 221،هذا على ما فهمناه،و غيرنا لعله يفهم غير هذا.


362
التنبيه الثاني من تنبيهات البراءة في معنى الاحتياط1

و قد تعرض له الشيخ الأعظم و المحقق الخراسانيّ قدهما في الرسائل و الكفاية

و هكذا غيرهما في انه لا شك في رجحان الاحتياط عقلا و نقلا بعد الاتفاق على عدم‏

وجوب الاحتياط خلافا للأخباري و لكن الكلام في أن هذا الأمر الراجح هل يكون‏

مستحبا شرعيا أو حكما عقليا فقط و لم يكن في كلماتهم تنقيح البحث في معنى‏

الاحتياط و ان المأمور به في أوامر الاحتياط بقوله عليه السّلام أخوك دينك فاحتط لدينك‏

أي قسم من اقسامه و اللازم علينا بيان الأقسام و الاحتمالات في الأوامر ليتضح المرام‏

في المقام.

فنقول مستعينا باللَّه تعالى للاحتياط معنيان:الأول هو الإتيان بالمحتملات‏

أو ترك ما احتمل حرمته و فعل ما احتمل وجوبه بعنوان نفس العمل المأتي به مثل‏

ترك شرب التتن بعنوان نفسه و فعل الدعاء عند رؤية الهلال أيضا بعنوان أنه دعاء لا

بعنوان أنه مشكوك فانه ربما يمكن الاحتياط فيما قامت الأمارة على عدم وجوبه أو

عدم حرمته فضلا عما كان عدم القول بالحرمة أو الوجوب من جهة وجود المؤمن‏

أي جريان الأصل فان ما قامت الأمارة على عدم وجوبه لا يكون مشكوك الحكم‏

و مع ذلك يمكن الاحتياط فيه لدرك الواقع لو كان.

و المعنى الثاني هو إتيان الفعل أو الترك بعنوان انه مشكوك الحكم و يظهر

هذا المعنى من مطاوي كلمات الشيخ الأنصاري قده ففي صورة الشك في حكم شي‏ء

يحدث مصلحة توجب الاحتياط مع عدم هذه المصلحة قبل الشك بالنسبة إلى ذات‏

الفعل أو الترك و كلا المعنيين يشتركان في ان الاحتياط يكون إتيان الفعل أو الترك‏

1أقول التنبيه الثالث في الكفاية في انه هل يجب في النهي عن شي‏ء ترك‏

افراده المشكوكة أم لا و التنبيه الرابع في حسن الاحتياط و لو كان الأمارة على عدم‏

وجوب شي‏ء أو حرمته و لم يتعرض له لوضوحه فارجع فيهما إلى الكفاية أو غيرها.


363
بداعي الأمر الاحتمالي أو النهي كذلك و كذلك في صورة الجمع بين المحتملات.

ثم في أوامر الاحتياط في الروايات احتمالات أربع:الأول ان يكون الأمر

بعد عدم الحمل على الوجوب إرشادا إلى المفاسد و المصالح النّفس الأمرية بالنسبة

إلى ذات الترك و الفعل بمعنى أنه لو صادف يكون موجبا لدرك المصلحة أو ترك‏

المفسدة مثل أوامر الطبيب.

الثاني ان يكون الأمر به من باب انه يكون حسنا في ذاته من دون ملاحظة

مصلحة نفس العمل أو مفسدته لأن الاحتياط خصوصا فيما قامت الأمارة أو الأصل على‏

عدم وجوب شي‏ء أو حرمته يكون من العمل برسوم العبودية في أعلى درجته و يكون‏

انقيادا تاما للمولى فان صادف الواقع فهو المطلوب و الا يكون الانقياد هو المطلوب‏

المستقل و هذا ما يحكم به العقل فيكون الأمر به إرشادا إلى ما حكم به العقل الصريح‏

و لا يكون مولويا.

الثالث ان يكون الأمر به مولويا نفسيا بأن يكون نفس الجمع بين المحتملات‏

أو ترك محتمل الحرمة و فعل محتمل الوجوب له مصلحة سواء أخذ منه الانقياد أو

لم يؤخذ صادف الواقع أو لم يصادف.

الرابع ان يكون الأمر مولويا طريقيا مثل صدق العادل بأن يكون الأمر به‏

من باب انه موصل إلى الواقع فان صادفه فهو المطلوب و ان لم يصادف أيضا يكون‏

لازم الاتباع.

فعلى المعنى الأول من معاني الاحتياط و هو كون المصلحة في ذات الفعل أو

الترك لا يكون الأمر بالاحتياط نفسيا أو طريقيا مولويّا ضرورة ان الأمر به هنا يكون‏

لدرك المصلحة في ذات الفعل من دون النّظر إلى عنوان كونه مشتبها و يكون الانقياد

أيضا موافقا له نظير الأمر في قوله تعالى أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول صلى اللّه عليه و آله فان الأمر

بالإطاعة لا يكون مولويّا بل إرشاديا إلى حكم العقل و لا يمكن ان يكون حسن‏

الإطاعة في نفسه بل لمصلحة فيما يطاع فالامر بالاحتياط لمصلحة في المأمور به‏

الاحتمالي و حسن الانقياد يكون من باب درك تلك المصلحة.


364
فيمكن ان يكون الأمر بالاحتياط نظير أوامر الطبيب فان الشارع في مقام الشارعية

لا يكون شأنه الإرشاد إلى ما يحكم به العقل من الانقياد و حيث يكون المولوية أيضا

بكلا معنييها غير متصورة فيكون كأوامر الطبيب.

و اما الاحتياط بالمعنى الثاني و هو كونه مأمورا به لكون الفعل معنونا بعنوان‏

كونه مشتبها فهو يكون قابلا للمعاني الأربعة في الأمر فحيث يمكن ان يكون في‏

نفس عنوان المشتبه مصلحة توجب الاحتياط فيكون الأمر به نفسيا و يمكن ان يكون‏

للمصلحة في الفعل فيكون الأمر به طريقيا مولويّا و حيث يكون للعقل الحكم أيضا

بحسن الاحتياط من باب الانقياد يمكن ان يكون إرشادا إليه و هكذا من باب كونه‏

من قبيل أوامر الطبيب للإرشاد إلى المصالح و المفاسد النّفس الأمرية.

لا يقال كيف يمكن ان يكون فعل واحد محكما بحكمين فان هذا الفعل بعنوان‏

كونه مشتبها يكون واجب الإتيان أو واجب الترك و بعنوان كون نفسه أيضا في الواقع‏

له حكم اما الحرمة واقعا أو الوجوب واقعا يتحقق له الحكم فلو كان حكمه موافقا

للحكم الاحتياطي يكون من اجتماع المثلين و لو كان مخالفا يكون من اجتماع‏

الضدين و كلاهما محال.

لأنا نقول هذا عين شبهة ابن قبة في باب التعبد بالظن و اجتماع الحكم الظاهري‏

و الواقعي و جوابه يعلم مما مر في محله فان للموضوع مراتب،مرتبة ذاته و يكون‏

لها حكم و مرتبة كونها مشكوكا في طول الذات و يكون لها حكم آخر فاختلاف‏

المراتب سبب لاختلاف الأحكام و لا إشكال فيه أصلا فلا يكون من اجتماع الحكمين‏

في موضوع واحد هذا كله في الاحتمالات الثبوتية بالنسبة إلى معنى الاحتياط و الأمر

الوارد في الروايات.

و اما في مقام الاستظهار و الإثبات فالروايات يكون على ثلاث طوائف الطائفة

الأولى ما يكون فيه الأمر بالاحتياط نفسه فيكون الموضوع فيه هو الاحتياط مثل‏

قوله عليه السّلام أخوك دينك فاحتط لدينك فالامر يكون بنفس الاحتياط و الظاهر منه أنه‏

حيث يكون الاحتياط موافقا لرسم العبودية و الانقياد لأمر المولى يكون مأمورا به‏


365
فيكون إرشادا إلى حكم العقل على معنى كون الاحتياط هو ترك محتمل الحرمة

و فعل محتمل الوجوب و اما على فرض كونه بمعنى ترك المشتبه بعنوان انه مشتبه‏

يكون الأمر به مولويا نفسيا أو طريقيا لكون الملاك عند صاحب الشرع و لا يكون‏

للعقل سبيل إليه.

الطائفة الثانية ما لا يكون فيه الأمر بالاحتياط بل يكون الأمر بالتوقف عند

الشبهة مثل قوله عليه السّلام قفوا عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام‏

في الهلكة و في هذا القسم قال شيخنا العراقي قده الظاهر منها أن المشتبه بعنوان‏

كونه مشتبها يكون مصب الحكم و قد مر الكلام فيه من حيث انه يمكن أن يكون‏

فيه الاحتمالات الأربع و التعليل في الذيل يكون شاهدا على انه يكون إرشادا إلى‏

المصالح و المفاسد النّفس الأمرية بنحو أوامر الأطباء فانه يكون التحذير عن الوقوع‏

في المهالك من باب ترك المأمور به في الواقع أو فعل المنهي عنه كذلك و الابتلاء

بترك المصلحة أو فعل المفسدة.

و الطائفة الثالثة ما في الرسائل و هي ما دل بقوله أورع الناس من وقف عند

الشبهة و قوله لا ورع كالوقوف عند الشبهة و قول أمير المؤمنين عليه السّلام من ترك ما اشتبه‏

عليه من الإثم فهو لما استبان له اترك و المعاصي حمى اللّه فمن يرتع حولها يوشك‏

أن يدخلها.

و الموضوع في هذه يكون عند شيخنا العراقي قده ظاهرا في كونه هو المشتبه‏

بعنوان انه مشتبه و لا يكون لها الذيل ليقال انه إرشاد إلى المصالح و المفاسد و وجه‏

قده بأن الظاهر هو الاستحباب الطريقي أو الموضوع لعدم درك العقل مصلحة

الاحتياط في المشتبه بعنوان أنه مشتبه و بهذا الملاك لا يكون الإرشاد إلى المصالح‏

و المفاسد و إلى ما حكم به العقل من حسن الاحتياط لأنه لا يكون من هذا الباب بعد

عدم درك العقل مصلحة الاحتياط كذلك هذا.

و أقول ان ما فهمناه من جميع الطوائف هو ما حكم به العقل من حسن الاحتياط

من جهة انه انقياد و التزام برسوم العبودية و اختلاف المضامين في الروايات يكون‏


366
لاختلاف الآثار المترتبة عليه فيكون ما دل على الأمر بالاحتياط بقوله عليه السّلام فاحتط

من باب أنه حسن لأنه يكون انقيادا فيكون الأمر إرشادا كما في قوله تعالى أطيعوا

اللّه و أطيعوا الرسول صلى اللّه عليه و آله فكما يكون امره إرشادا محضا و لا يكون مولويّا لأن‏

الأمر بالإطاعة متوقف على حسنها و حسنها متوقف على الأمر بها و هذا دور محال‏

فكذلك المقام و لا ملازمة بين حكم العقل و الشرع بأن يقال كلما حكم به العقل حكم‏

به الشرع لأن الملازمة يكون تماما في صورة العلم بالمصلحة في سلسلة علل الأحكام‏

و اما الحسن المتأخر عن الحكم فلا يكون علة للحكم و حسن الاحتياط يكون متأخرا

عن مصلحة الواقع و لا غر و في ان يكون له حسن نفسي لأنه حمى النّفس فان من‏

يحتاط في المشتبهات يكون لنفس ذلك الشخص أدب بالنسبة إلى المحرمات الصريحة

فلا تقع فيها.

و هذا أيضا يستفاد من الروايات كما مر و يكون من لوازم ما حكم العقل بحسنه‏

و يلزمه أيضا درك المصالح و ترك المفاسد في المأمور به الاحتمالي و المنهي عنه كذلك‏

و هذا سر قوله عليه السّلام فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة.

و الحاصل الانقياد الّذي حكم بحسنه العقل يكون الروايات أيضا إرشادا إليه‏

و اختلاف التعبير يكون لاختلاف اللوازم هذا كله في الاحتياط في التوصليات فانه‏

سواء كان بين محتمل الوجوب و غيره أو محتمل الحرمة و غيرها من الاستحباب‏

و الكراهة و الإباحة يتصور فيه الاحتياط.

المقام الثاني البحث عن الشبهة الوجوبية
في معنى الاحتياط في العبادات‏

و لا يخفى أن الإشكال في العبادات يكون من جهة ان قصد الأمر الجزمي دخيل‏

في عباديتها و بدونه لا يكون للعبادية قوام كما حرر في محله و أنه الفارق بين التوصلي‏

و التعبدي و عليه فلا إشكال في صورة دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب لأن الأمر

الجزمي المولوي يكون في البين و يمكن الإتيان بداعيه و كون أحدهما فيه المنع من‏

الترك لا يضر بأصل الأمر فيبقى الكلام فيما إذا دار الأمر بين الوجوب و الإباحة و الكراهة


367
فعن الشيخ الأنصاري قده‏ (1) في الرسائل ان الأقوى في بدو النّظر هو عدم تصوير الاحتياط

فيها و ان رجع عنه في أواسط كلامه و قوى ذلك بقوله وجهان أقواهما العدم لأن‏

مقوم العبادية هو قصد الأمر الجزمي و لا يتصور الأمر الجزمي بالنسبة إلى ما احتمل‏

كونه مكروها أو مباحا و لكن في رسالته العملية قال الاحتياط كذلك يكون من دأب‏

الصلحاء و لا يرد عليه قده ما قيل بأن من احتمل عدم كفاية غسل الجمعة لإتيان ما اشترط

الطهارة فيه مثل الصلاة لا يجب عليه إبطاله ثم الوضوء حتى يكون قصده الأمر الوضوئي‏

بالجزم بل يكفي و لو مع عدم الابطال و احتمال الأمر فكما أن احتماله هناك كاف كذلك‏

في كل ما احتمل الأمر فيه.

لأن الكلام يكون في دوران الأمر بين الوجوب و الإباحة و الكراهة لا في دوران‏

الأمر بين الواجب و المستحب فان الوضوء بعد الغسل اما ان يكون واجبا أو يكون مستحبا

من باب أنه نور على نور و قد مر أن الأمر الجزمي يكون في الدوران كذلك و قد صرح‏

قده بذلك في صدر المطلب.

ثم اعترض على الشيخ قده شيخنا الأستاذ النائيني‏ (2) بوجه يوهم خلاف الأدب‏

و قال بعض مقرريه ان الإشكال في الاحتياط في العبادات سخيف جدا و حاصل اشكاله‏

قده ان الامتثال له مراتب أربعة الامتثال القطعي التفصيلي و الامتثال القطعي الإجمالي‏

و الظني و الاحتمالي و القطعي التفصيلي من الجميع يكون مقدما على جميع المراتب‏

و حيث يمكن الإتيان به لا تصل النوبة إلى الإجمالي و الظني و الاحتمالي و الإجمالي‏

أيضا بعد عدم إمكان التفصيلي مقدم على الأخيرين لحصول العلم بالامتثال في الأولين‏

و عدم حصوله في الثانيين.

و عليه فإذا أمكن التفصيلي لا يجوز الاحتياط بالجمع بين الأطراف أو غير ذلك‏

1)في الرسائل في ص 215 في تنبيهات المطلب الثاني منه في حكم دوران‏

الأمر بين الوجوب و غير الحرمة.

2)في الفوائد ص 92.

368
فان قصد الأمر الجزمي إذا أمكن يكون هو المتيقن و معه يعد الامتثال الإجمالي لعبا

بأمر المولى و بعبارة أخرى يجب ان يكون العبد منبعثا عن حاق امر المولى ليحقق‏

العبودية و الاحتمال لا يكون فيه البعث و الانبعاث عن حاق الأمر و لا يكون محركا

و في صورة عدم إمكان التفصيلي يكون له نحو بعث‏1لا بد منه لعدم إمكان غيره.

و الجواب عنه إنكار المبنى أولا لأنا لا نحتاج إلى الامتثال التفصيلي لأن الإجمالي‏

أيضا يعد في نظر العرف امتثالا بل ربما يكون أو في ترسم العبودية و قال سيدنا الأصفهاني‏

قده انه أحسن من الامتثال التفصيلي فان من يكون الأمر الاحتمالي محركا له يكون‏

تحريكه من لأمر الجزمي أشد و أقوى و لا عكس.

و ثانيا ما ذكره قده يكون من الخروج عن مورد البحث لأن البحث يكون‏

في حسن الاحتياط و لو في مورد يكون الدليل على عدم الأمر موجودا مثل صورة

قيام الأمارة على عدم الوجوب و معه أيضا يمكن الاحتياط بإتيان العمل رجاء لدرك‏

الواقع و ليس الأمر هنا متصورا الا من حيث الاحتمال.

و ثالثا ان المحرك نحو العمل يكون هو الواقع و رجاء وجوده و يكون الأمر

الجزمي أو الاحتمالي كاشفا عنه و لا يكون لهما موضوعية.

و قد اعترض الخراسانيّ قده في كتاب حاشية الرسائل في ص 127 بأن الإشكال‏

في عبادية العبادات من جهة عدم الأمر الجزمي يكون على فرض كون قصد الأمر

دخيلا فيها شطرا أو شرطا و اما على تقدير عدم اعتبارها فيها كذلك بل كانت من‏

الوجوه و الكيفيات المعتبرة في إطاعة امرها كما هو الحق حسب ما حققناه في محله‏

فلا للتمكن من إتيان ما احتمل كونه مأمورا به بداعي احتمال الأمر كما في غيرها.

غاية لأمر لما كان على تقدير الأمر به عبادة لا بد أن يكون إتيانه بداعي احتماله‏

لا بداع نفساني آخر و لا يعتبر في القربة أزيد من أن يكون الداعي إلى الإتيان هو امتثال‏

1ان لم يكن للاحتمال بعث واقعا فلا فرق بين الصورتين و ان كان له بعث‏

فلا فرق أيضا.


369
امره على تقديره.

و الحاصل انه قده يقول حيث أن قصد الأمر لا يمكن أخذه في الخطاب للزوم‏

الدور لو كان كذلك ضرورة ان الأمر بالإتيان بداعي أنه مأمور به متوقف على الأمر

به أولا و الأمر به كذلك متوقف على أنه مأمور به بهذا الأمر فلا يمكن أخذه في الخطاب‏

فلا يكون الأمر الشرعي على وجوب كون قصد الأمر في العبادة بل بعد الأمر بالصلاة

مثلا ينتزع العقل منه وجوب كون الامتثال بداعي هذا الأمر لأنها عبادة و لا تتحقق‏

العبادية الا بالامتثال كذلك فإتيان العمل بداعي الأمر على فرض كون الأمر به‏

في الواقع كاف فالاحتياط في العبادات لا إشكال فيه أصلا.

مضافا بأنه حيث يكون سيرة الصلحاء على الاحتياط في العبادات أيضا فيكشف بها

عدم دخالة الأمر الجزمي لوجود السيرة في الاحتمالي أيضا.

و الجواب عنه قده ان ضيق الخناق و ان كان مانعا أن يكون قصد التقرب متعلقا

لنفس الأمر بالصلاة مثلا و لكن حيث يمكن الإطلاق الذاتي بأن يتصور الأمر اجزاء

المأمور به مع الأمر الّذي يتوجه إليه و يأمر به غاية الأمر يحتاج الكشف عن هذا إلى امر

آخر و دال آخر فيمكن أن يكون قصد الأمر دخيلا بنحو الجزئية و لكن يكشف عنه‏

بتعدد الأمر بأن يقال أولا صلّ ثم يقال صلّ هذه الصلاة المأمورة بها بقصد امرها هذا

على مسلك شيخنا النائيني قده.

و اما مسلكنا في ذلك فهو أن الأمر الواحد بالانحلال على الاجزاء الطولية

و العرضية يمكن أن يؤخذ فيه قصد الأمر بأن ينحل امر الصلاة على الاجزاء و على قصد

الأمر فبعض العمل صار مأمورا به بواسطة الانحلال فيمكن أن يقال بوجوب إتيان‏

ما صار مأمورا به بواسطة الانحلال فيمكن أن يقال بوجوب إتيان ما صار مأمورا به كذلك‏

بقصد هذا الأمر الانحلالي الّذي يكون بعضه على قصد الأمر أيضا و شرحه في محله‏

فيكون قصد الأمر دخيلا شرعا و لكن لا نحتاج إلى الجزم بل الاحتمال كاف في ذلك‏

و هذا هو الوجه الثاني من كلام الشيخ قده حيث أنه يقول بأن قصد الأمر


370
و لو كان دخيلا و لكن يكفي احتماله و هو المحرك فالعلم بوجود الأمر غير لازم فان‏

الاحتمال أيضا كاف.

و الوجه الثالث لكلامه قده هو أنه يقول على فرض وجوب الأمر الجزمي لنا أن‏

نحقق الأمر الجزمي أيضا في موارد الاحتياط و حاصل تقريبه قده ان الأمر بالاحتياط

يكون امرا جزميا ينحل على جميع المحتملات فالعمل الّذي يراد إتيانه انحل عليه‏

امر فاحتط و يكون معنى الاحتياط هو الأمر بإتيان هذا العمل و يكفي هذا النحو من الأمر

الجزمي في أن يكون هذا العمل مأمورا به.

مثل نذر العبادة فان امر الوفاء بالنذر ينحل فان كان المنذور هو الأمر العبادي‏

يكون امر وجوب الوفاء عليه عباديا و ان كان توصليا يكون امره توصليا و مثل من‏

يقول بأن قصد التقرب لا يكون جزء العبادة بل من كيفية الامتثال فان الأمر في الصلاة

لا يكون الا على الاجزاء من الركوع و السجود و غيره و قصد الأمر يكون من المنتزعات‏

العقلية كما مر عن الخراسانيّ قده آنفا فليكن الأمر في المقام أيضا كذلك.

و الجواب عن هذا التقريب هو أن المراد من قصد الأمر في العبادة قصد الأمر

المتوجه إليها بنفسها لا الأمر المتوجه إلى الاحتياط مع أنه‏1دور لأن الأمر الاحتياطي‏

يكون على فرض وجود الواقع فساد أم لم يتحقق الأمر بشي‏ء لا يكون وسيلة التحريك‏

موجودا و الأمر الاحتياطي يكون بعد هذا الأمر و لا يمكن أن يكون امر الاحتياط

بدون هذا الأمر فصحة الأمر بالاحتياط تتوقف على كونه مأمورا به و كونه مأمورا

متوقف على الأمر الاحتياطي.

و الجواب عن التمثيل بمقالة الخراسانيّ قده مر جوابه من أن قصد الأمر شرط

أو شطر بتعدد الأمر كما عن النائيني أو بإنشاءين في النّفس مع كون المبرز واحدا

فالحق هو التمسك بالمسلك الثاني للشيخ قده و هو كفاية الأمر الاحتمالي في‏

صحة الاحتياط في العبادات و لا نحتاج إلى الأمر الجزمي و لا نقول بعدم جريان الاحتياط

1تعرض الخراسانيّ قده في الكفاية لهذا الجواب عند هذا البحث.


371
فيها و الجزم بالأمر لا يكون الا صورة ذهنية و لا يكون دخيلا في التحريك بل المحرك‏

هو الواقع و احتماله أيضا يكون كافيا في المحركية.

فصل في اخبار من بلغ‏

ثم انه ربما يتمسك لتصحيح استحباب الاحتياط في الأعمال بالأخبار الواردة

عنهم عليهم السّلام و حاصله ان من بلغه ثواب على عمل فعمل ذلك العمل يكون له الأجر

كما بلغه و ان لم يكن الأمر في الواقع كذلك فان صرف احتمال الثواب بواسطة

بلوغ الخبر يكفي لإعطاء اللّه تعالى ثوابه و إذا كان كذلك فكل مورد يكون احتمال‏

الثواب يكون الأجر موجودا فموارد الاحتياط يكون إتيان العمل فيه مأجورا عليه.

و لا يقال ان مفاد الاخبار هو أن من بلغه ثواب على عمل و لو بخبر ضعيف‏

و موارد الاحتياط لا يكون بلوغ الخبر و لو كان ضعيفا فكيف يقاس بما إذا بلغ.

لأنا نقول موارد الاحتياط أيضا يكون فيه احتمال الثواب على بعض الفروض‏

فيكون مستحبا و لتوضيح المقام و البحث فيما ذكر صحة و سقما ينبغي ملاحظة

الروايات ثم البحث في المحتملات التي تكون فيها حتى يظهر الحق فنقول انها

كثيرة1.

فعن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام من بلغه شي‏ء من الثواب على شي‏ء

من الخير فعمل به(فعمله)كان له أجر ذلك و ان كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لم يقله(خ ل-

و ان لم يكن على ما بلغه)و عن محمد بن مروان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام من بلغه عن‏

النبي صلى اللّه عليه و آله شي‏ء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي صلى اللّه عليه و آله كان له ذلك الثواب‏

و ان كان النبي صلى اللّه عليه و آله لم يقله و هكذا غير ما ذكر من الاخبار بحسب المضمون فراجع إليه.

1و قد وردت في باب 18 من أبواب مقدمة العبادات في الوسائل ج 1

باب استحباب العمل بكل عمل مشروع روى له ثواب منهم عليهم السّلام.


372
و اما المحتملات فيها1فهي أربعة الأول أن يكون المستفاد منها حكما فقهيا

1أقول لا يكون مفاد هذه الاخبار الا الاخبار عن فضل اللّه تبارك و تعالى‏

بالنسبة إلى كل ما وعد من نعيم الجنة سواء كان ذلك من جهة كونه ثواب عمل واجب‏

أو مستحب فان المنساق منها هو ان كل عمل يفعله العبد لا يكون بدون الأجر و يكون‏

ورود هذه الاخبار ليكون قلب المؤمن مطمئنا بما يفعله فان الخبر الّذي قد تم شرائط

حجيته أيضا حيث يحتمل أن لا يكون مطابقا للواقع سواء كان في واجب أو مستحب‏

فيحصل في نفس العبد منه تشويش و وسوسة فيكون هذا في صدد بيان رفع الشك‏

عن النّفس و الاطمئنان بفضل اللّه.

و الشاهد عليه ما ذكر في الوسائل في باب 18 من مقدمة العبادات في سياق‏

هذه الاخبار ح 2 و لم يتعرض له القوم عن حمدان بن سليمان قال سئلت أبا الحسن‏

علي بن موسى الرضا عليه السّلام عن قول اللّه عز و جل فمن يرد اللّه ان يهديه يشرح صدره‏

للإسلام قال من يرد اللّه أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنته و دار كرامته في الآخرة

يشرح صدره للتسليم للّه و الثقة به و السكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه.

فهذا الحديث الشريف يفهم منه ما ادعيناه و استظهرناه من تلك الاخبار و لا

يكون المستفاد منها حكما فقهيا بأن يقال يستحب عند البلوغ العمل بل يكون المدار

على الدليل الدال على كل واقعة فان كان المستفاد منه الاستحباب فهو و ان كان‏

الوجوب فهو أيضا.

و لا يكون بصدد بيان الحكم للوقعة عموما و لا يكون في صدد إلقاء شرائط

الحجية أيضا في المستحبات ضرورة ان بلوغ الثواب لا يكون في خصوص‏

المستحب فقط.

و الحاصل يكون مفادها ان ما بلغ بأبزار البلوغ غير الوجدان من خبر الثقة أو العادل‏

لا يكون الثواب متفرعا على إصابة الواقع و هذا الاخبار عن فعل اللّه تعالى يكون‏

للترغيب في الخيرات واجبا أو مستحبا غاية الأمر في المستحبات يكون منشأ الفضل‏

حكم العقل بحسن الانقياد و في الواجبات يكون حكم العقل بوجوب الإطاعة لأن‏

الأمر المولوي الطريقي بتصديق العادل في الواجبات يكون واجب الإطاعة و كذلك‏


373
و هو استحباب العمل بكل ما بلغ بالنسبة إليه الثواب و ان لم يكن صادرا في الواقع‏

عنهم عليهم السّلام فكما انه يمكن ان يقال عنوان كون الشي‏ء مشتبها يحدث مصلحة توجب‏

القول باستحباب الاحتياط نفسيا كذلك بلوغ خبر يوجب استحباب ذلك العمل‏

لمصلحة فيه بعد فرض كون الاخبار في الروايات بمعنى الإنشاء و عدم الإشكال في‏

ذلك من جهة أخرى.

فان شيخنا العراقي قده يقول في المقام بإشكال آخر مع قطع النّظر عن إشكال‏

كون الاخبار بمعنى الإنشاء فانه لو دفعناه بأنه اخبار عن وجود المقتضى لوجود

المقتضى كما في يعيد الصلاة لا يكون المقام اخبارا عن فعل العبد حتى يقال انه‏

اخبار بمعنى الإنشاء بل يكون اخبارا عن فعل اللّه تعالى و هو إعطاء الثواب و هذا

النحو من الاخبار لا يتصور أن يكون إنشاء في حقه تعالى فعلى فرض عدم إشكال‏

من هذه الجهة يكون معنى الروايات مثل ما ورد من أنه من سرّح لحيته يكون له‏

كذا و كذا فأفادت الاستحباب و بإطلاقها تشمل صورة كون البلوغ بخبر ضعيف أيضا

و فيه ان هذا الوجه و ان كان وجيها في نفسه لكنه يكون خلاف سياق الروايات‏

الأمر النفسيّ الّذي يكون أبزار حجيته تماما و حكم العقل بحسن الانقياد أو الإطاعة

يكون الإرشاد إليه من جهة ما ورد من قوله تعالى أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و غيره.

فالمقام لا يكون من الإرشاد المحض بل لو لا الاخبار عن إعطاء اللّه ثواب‏

العمل ما كان للعقل طريق إلى هذا النحو من الثواب فيكون هذا اخبارا عن واقعية

في العالم الربوبي و لا يكون المستفاد منه ما ذكروه.

و العجب مما قيل سيما بالنسبة إلى الحكم الفقهي أو الطريقي في المقام فانا

لو خلينا و طبعنا لا يكون المستفاد الا ما ذكرناه و الإجماع على شي‏ء عندهم لا يكون‏

سنده الا الاستظهار من الروايات فليس سندا.

و مما ذكرنا ظهر أيضا انه لا يمكن استفادة الانقياد من إطاعة الأوامر الغير

الثابتة فلو كان في بعض الصور صادقا مثل صورة عدم احتمال كونه بدعة في الدين‏

فيكون الأوامر إرشادا من هذه الجهة لا من جهة تعيين الثواب.


374
فان المنساق منها ان الثواب يكون على نفس العمل لا وجود مصلحة نفسية في البلوغ‏

يقتضى ذلك.

الاحتمال الثاني هو كون المسألة أصولية و بيانه ان يقال انها تكون في مقام‏

بيان حكم طريقي و هو حجية الاخبار الضعاف في باب السنن فيكون المفاد إلقاء

شرائط حجية الاخبار الآحاد من الوثوق النوعيّ في الاخبار الضعاف كما عن الشيخ‏

قده في رسالته المستقلة في بيان تسامح دليل السنن فيكون على هذا سندا للتسامح‏

في أدلة السنن فيكون الحكم طريقيا مولويا.

و فيه ان الإتيان برجاء الواقع يكون مانعا عن هذا الوجه لأنه يكون لمصلحة

في ذات العمل و برجائها يعمل العبد لا أن يكون المراد إعمال المولوية بالنسبة إلى‏

الاخبار الضعاف هذا أولا و ثانيا ان هذا مخصوص بصورة بلوغ الخبر و لو ضعيفا

و اما موارد الاحتياط فلا يكون من بلوغ الخبر في شي‏ء حتى يقال أن الاحتياط

مستحب بهذا الدليل لأن الحكم يكون في ظرف وجود الموضوع و هو في موارد

الاحتياط غير محقق.

ثم انه على فرض تمامية هذا النحو من الاحتمال في الاخبار يحصل المعارضة

بينها و بين ما دل على حجية الخبر الواحد بالشرائط المقررة في بابه و النسبة بينهما العموم‏

من وجه في غير مورد1البلوغ لأن أدلة الشروط عامة من جهة كون المخبر به‏

ثوابا أو غيره و هي عامة من جهة كون المخبر عادلا أم لا في مورد كون الخبر في مورد

بيان ثواب ما و مورد الاجتماع صورة كون المخبر به ثوابا مع كون الراوي ضعيفا

فيتعارضان.

فقال الشيخ الأنصاري قده بتقدم هذه الروايات ليكون دليلا على التسامح‏

في أدلة السنن بتقريب ان يقال ان السند للشروط في الخبر الواحد اما يكون الإجماع‏

1الظاهر هو العموم من وجه في مورد البلوغ و اما غيره فيكون خارجا عن‏

الكلام و ان قال مد ظله في الدرس في مورده تكون النسبة عموما مطلقا.


375
أو الآية و كلاهما يختصان بصورة كون الخبر في واجب أو محرم دون ما كان مستحبا

و الشاهد عليه ما ذكر في ذيل آية النبأ من قوله تعالى أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا

على ما فعلتم نادمين.

فالسر في الشرائط هو عدم حصول الندم و معلوم أنه لا يحصل الندم بفعل ما يكون‏

فيه الثواب على فرض مخالفة الواقع أيضا فتكون الحكومة مع هذه الروايات في‏

مورد بلوغ الخبر في الثواب و اما في غير مورد البلوغ فلا حكومة فما عن الشيخ‏

يكون صحيحا من وجه غير صحيح من وجه آخر.

اما الصحة من وجه فهو أنه على فرض اختصاص دليل الشرائط بالواجب‏

و الحرام يكون الحكومة في صورة بلوغ الخبر في الثواب لا صورة عدم بلوغه و اما

عدم الصحة من وجه فيكون من جهة أن دليل حجية خبر الواحد لا يكون هو الإجماع‏

و الآية فقط بل بناء العقلاء و هو يكون في الاخبار عن المستحبات أيضا فانهم فيها

أيضا بصدد حصول الوثوق فما عن شيخنا النائيني قده من عدم الحكومة مطلقا

لا يكون تاما.

الاحتمال الثالث هو ان لا تكون في صدد الحكم النفسيّ و لا الطريقي بل في‏

صدد بيان مسألة كلامية و هو أن اللّه تعالى يعطى العباد بفضله و رحمته ما بلغ خبر ثوابه‏

إلى العباد فلا يكون سندا للاستحباب و لا لإلقاء الشرائط فالفرق بين الاحتمالين و هذا

الاحتمال واضح و هو الحكم بالثواب بعد وجود العمل في الخارج في الأخير و الحكم‏

للعمل قبل وجوده في الأولين ضرورة أن الاستحباب حكم للعمل الّذي لم يقع بعد

فيقع مبتنيا عليه.

و فيه ان هذا خلاف سياق الروايات لأن سياقها هو التحريض على العمل‏

لا الاخبار عن الفضل و الرحمة فقط.

و الاحتمال الرابع هو أن يكون في صدد بيان حكم الانقياد الّذي يكون العقل‏

حاكما به فان انقياد العبد يكون مما حكم العقل بحسنه و الشرع أيضا يكون حاكما

بحسنه و أن الثواب يكون متحققا كما حكم به العقل و هذا على فرض عمومية حكم‏


376
العقل بالنسبة إلى ما يسمى انقيادا و إطاعة و اما على فرض اختصاصه حكمه بصورة

الإطاعة أي كون الثواب على الإطاعة فلا يكون إرشادا و هذا الوجه خال عن الإشكال‏

و ينبغي التنبيه على أمور في اخبار من بلغ‏

و هذه الأمور يكون الإشارة إليها على مسلك القوم في الاخبار و اما على ما

اخترناه فلا يكون فيها كثير فائدة.

الأمر الأول‏
على فرض كون المستفاد منها الحكم الفقهي فحيث يكون موضوعه‏

هو البلوغ و لا يكون مصلحة الا بالبلوغ لا يجوز للمجتهد الفتوى بالاستحباب لمقلديه‏

لأن الخبر إذا بلغ المجتهد يحدث المصلحة بالنسبة إليه و لا يكون بالنسبة إلى المقلد

الّذي لم يبلغه الخبر نعم يمكن أن يجعل المجتهد مقلده ممن بلغ إليه الخبر بنقل‏

الخبر له ثم الفتوى على طبقه و نيابة المجتهد عن المقلد لا تجي‏ء هنا لأنه نائب عنه‏

فيما ورد لا فيما بلغ.

و هذا هو ما عن شيخنا العراقي قده و حاصله مع عدم البلوغ لا يكون الموضوع‏

للاستحباب متحققا.

و فيه ان المقام يكون مثل مورد البراءة فانه كما يكون المخاطبون كلهم مشمولا

للخطاب من المجتهد و المقلد و يكون المجتهد نائبا عن المقلد في الاستنباط و يفتى‏

بالبراءة مع ان المقلد لا يكون شاكا بالفعل بل غير ملتفت إلى الحكم أصلا حتى‏

يشك فيه في الغالب و يقولون بصحة الإفتاء كذلك في المقام مع عدم كون البلوغ‏

فعليا بالنسبة إلى المقلد يكفى فعليته بالنسبة إلى المجتهد و يكون نائبا عن المقلد في‏

ذلك هذا في الشبهات الحكمية و في الشبهات الموضوعية أيضا يكون الاستصحاب‏

مثلا و هو أحد من الأصول فقها محضا و ينوب المجتهد عن المقلد في بيان الحكم‏

و المقام أيضا فقه يكون المجتهد نائبا عن المقلدين فيه.

الأمر الثاني‏
و هو على فرض كون المستفاد من الروايات مسألة أصولية قالوا

بأن للمجتهد سعة في الإفتاء بمفاد ما بلغ لأنه على هذا الفرض يكون مفاد الأحاديث‏


377
ألق اعتبار الشروط في حجية الخبر الواحد كما يكون مفاد أدلة حجية الخبر الواحد

إلقاء احتمال الخلاف و السر فيه ان المسألة الأصولية لا يكون للمقلدين وسع الاستنباط

فيها و فهم أحكامها و المقام يكون كذلك فان المجتهد يجد خطاب من بلغ و يكون‏

الإفتاء على طبقه مختصا به بنحو المسألة الأصولية فيما إذا كان المقلد ممن له يد في‏

العلم و يكون في وسعه التطبيق بالنسبة إلى المسائل الفقهية أو الإفتاء بمفاده الفقهي‏

فالإفتاء بالكبرى و الصغرى يكون له و هو في فسحة من ذلك.

و فيه ان الخطابات طرا بالنسبة إلى المسائل الأصولية كخطابات الاستصحاب‏

و البراءة و بالنسبة إلى المسائل الفقهية يشترك فيها العالم و الجاهل و المجتهد و المقلد

لكن المقلد إذا لم يكن له شأن فهم الأحكام يكون المجتهد نائبا عنه في كل ما هو

وظيفة و لا يكون الاختصاص في الخطاب بالمسائل الفقهية بالنسبة إلى المكلفين كما

هو واضح.

فلا فرق بين كون مفاد أحاديث من بلغ مسألة أصولية أو فقهية و لا يكون الفسحة

في إحداهما دون الأخرى.

ثم ان شيخنا النائيني قده جعل المقام كالواسطة بين المسألتين فقال انه يكون‏

مثل مسألة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده التي تكون كبرى كلية تنطبق على‏

الصغريات و لا تكون فقهية محضة.

و فيه ما مر من ان القاعدة فقه محض و المقام على ما هو التحقيق ليس فقها و لا

أصولا بل ما هو المستفاد هو الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد و عليه فحكم‏

المجتهد بالإرشاد لا إشكال فيه فيفتي بمفاد الاخبار إرشادا.

الأمر الثالث‏
انه على فرض كون المستفاد من الاخبار هو المسألة الأصولية

فهل يمكن جبر الخبر الضعيف الّذي ورد في ثواب عمل واجب من جهة إلقاء الشروط

لكونه اخبارا بالثواب أم لا؟فيه خلاف فربما قال بعضهم بأن الخبر الدال على‏

الوجوب يكون الرجحان مستفادا منه غاية الأمر يكون المنع من الترك مما لا دليل‏

عليه لأنه لا يمكن جبره باخبار من بلغ و اما أصل الرجحان و الاخبار بالثواب فحيث‏


378
يكون يتمسك بها كما يتمسك بها في الخبر الدال على الثواب استحبابا.

و فيه ان الأمر الوجوبيّ لا يكون الا إرادة بسيطة و لا يتحصص بالرجحان مع‏

المنع من الترك كما ان الأمر المستحبي أيضا إرادة بسيطة غير مانعة من الترك نعم‏

على مسلك القائل بالتحصص يصح ما قيل و لكنا لا نقول به.

الأمر الرابع‏
في أنه على فرض كون المستفاد منها أيضا مسألة أصولية فهل‏

يكون مختصا بمورده أو يعم صورة كون الاخبار بالعقاب مثل الخبر الضعيف الدال‏

على الكراهة أو الحرمة فيه خلاف أيضا فربما قيل بأن الذوق الفقهي يقتضى التعميم‏

لأنه لا فرق بين العمل بما هو مراد المولى من جهة الانقياد بين كونه لاحتمال الأمر

أو لاحتمال النهي مضافا بأن ترك المكروه و الحرام أيضا يترتب عليه الثواب‏

فيكون في معنى الاخبار به و لا فرق بين الفعل و الترك و بين كون الثواب مذكورا أو

غير مذكورا.

و فيه ان الاخبار ظاهرة في العمل الغير الإلزامي الّذي يكون لرجاء الثواب‏

و يكون ظاهرا في الوجود فلا يشمل الترك سواء كان إلزاميا أو غيره.

مضافا بأن التروك لا يترتب عليه الثواب فان الترك يكون زجرا محضا و يكون‏

الثواب لعلو النّفس بالترك فلا يكون الترك منشأ أثر لأنه عدم محض فلا يكون ما ذكر

من انه لا فرق بين كون الثواب مذكورا أو غير مذكور عليه فلا ثواب للتروك حتى‏

يقال انه غير مذكور و يشمله الاخبار و المثال للتروك الّذي يترتب عليه الثواب بالصوم‏

و الحج أيضا غير تمام لأنهما مركبان من الأفعال الوجودية أيضا.

الأمر الخامس‏
في انه هل يشمل الاخبار على فرض كون المستفاد منها أيضا

مسألة أصولية الحكايات و القصص و ما ورد في مدح الأئمة عليهم السّلام أو مصائبهم مثل‏

ما وقع في كربلاء من المصائب أم لا فيه خلاف فعن الشهيدين في الدراية الجزم بجواز

النقل بالنسبة إلى الاخبار الضعاف و نسبه إلى علمائنا و يكون نظير الإجماع مع أن‏

مفاد هذه الاخبار ليس حكما شرعيا.

و لكن يكون موضوعا لما هو مستحب فان البكاء على السيد المظلوم حسين‏


379
ابن علي بن أبي طالب عليه السّلام يكون مستحبا و يترتب عليه الثواب كثيرا و يصير هذا

النقل سببا لما يكون حكمه الاستحباب و لكن يشكل ذلك ان كان النقل بنحو العلم‏

بالمخبر به و اما إذا كان التعبير في نقل المصيبة بعنوان نقل كذا أو كذا و يكون هذا

النقل أيضا من باب الرجاء فلا إشكال فيه فما هو المشكل يكون النقل بعنوان الجزم.

لا يقال ان قبح الكذب عقلي فكيف يرفع اليد عنه بصرف الاحتمال لأنا نقول‏

هذا صحيح إذا كان الأثر مترتبا على الواقع و اما إذا كان الأثر لرجاء إصابة الواقع‏

فلا يكون كذبا يحكم العقل بقبحه فلو كان كذلك في الواقع أو لم يكن يحصل‏

الثواب بالبكاء.

ثم انه لو كان عنوان من بلغه شي‏ء من الثواب شاملا لفتوى الفقيه البالغ‏

إلى غيره فيمكن ان يقال حيث بلغ إلينا عن الشهيدين(قدهما)جواز النقل كذلك‏

يشمله الأحاديث.

و لكن في الشمول كلام فلو كان النقل عنه بنحو الرواية كفتاوى الصدوق التي‏

تكون غالبا متون الروايات لا إشكال في الاعتماد عليه و شمول روايات من بلغ له‏

و اما إذا لم يكن كذلك فلو كان السند للفتوى الرواية فهو أيضا لا إشكال في شموله‏

و لعل وجه القول به هو هذه الصورة و اما إذا لم يكن مستندا إلى الرواية فلا دليل‏

لنا على شمول الأحاديث لها لعدم سندية لقول الفقيه وحده.

الأمر السادس‏
في انه هل يثبت بواسطة شمول اخبار من بلغ لشي‏ء يكون‏

جزءا أو شرطا الاستحباب أو الوجوب الشرطي و الجزئي أو أصل الوجوب‏

و الاستحباب فيه وجهان اختار شيخنا العراقي قده الأول و لكن الحق عدم ثبوت الأزيد من‏

الاستحباب إذا كان المستفاد من الأحاديث حكما فقهيا و ان كان حكما أصوليا فحيث‏

ان السند يكون كالموثق و المفاد يكون مثل مفاد الخبر الموثق فيكون المستفاد هو

الجزئية أو الشرطية حسب دلالة الدليل.

و اما على فرض المسألة الفقهية فحيث يكون المصلحة في أصل البلوغ من‏

دون النّظر إلى المفاد فإثبات الجزئية أو الشرطية يحتاج إلى مئونة زائدة و هي غير ثابتة.


380
و تظهر الثمرة في بعض الموارد مثل أن غسل مسترسل اللحية مستحب فلو كان‏

هذا الاستحباب بنحو يكون غسله جزء الوضوء فيمكن أخذ الماء منه إذا جف البلل‏

في اليد لمسح الأعضاء و اما إذا كان مستحبا فقط فلا يكون هذا الماء من الوضوء

ليمكن المسح به و على فرض كون المستفاد من الاخبار الإرشاد المحض فلا ثمرة

كذلك أيضا إذ لا يستفاد الجزئية للوضوء عليه بل غسله رجاء مثاب عليه.

الأمر السابع‏
في أنه إذا عارض الخبر الّذي ثبت استحباب العمل به بمفاد

اخبار من بلغ خبر آخر ضعيف فتارة تكون النسبة العموم و الخصوص المطلق و تارة

التباين فإذا كان المثبت هو العام و النافي للاستحباب هو الخاصّ فالعام يكون بحاله‏

لأن الّذي يكون فيه الدلالة على الثواب يكون مشمولا لاخبار من بلغ و اما النافي‏

لذلك فلا يكون مشمولا له لأنه ليس اخبارا بالثواب و الفرض أن المصلحة تحدث‏

بواسطة بلوغ الثواب و قد بلغ بخبر ضعيف و لا وجه للاستناد بالخبر النافي.

لا يقال ان العام بعد المعارضة مع الخاصّ يصير مجملا لأنه لا يعلم ان بلوغ‏

الثواب مطلقا موجب للاستحباب أو في صورة عدم المعارضة مع الخاصّ.

لأنا نقول هذا يكون في المخصص المتصل اما المنفصل فلا يكون موجبا

للإجمال كما حرر في محله.

و اما على القول بتنقيح المناط و ان الخبر النافي أيضا يكون مشمولا لاخبار

من بلغ من باب انه لا فرق في ذلك من بلوغ الثواب أو بلوغ ترك ما يكون في‏

تركه ثوابا فيتحقق المعارضة بينهما فيجمع بينهما بالتخصيص هذا كله بناء على ان‏

المستفاد من الأدلة هو المسألة الفقهية و اما إذا كان المستفاد هو المسألة الأصولية

فحيث يحصل الوثوق بالسند فيها فهما كالخبرين المتعارضين في ساير المقامات.

و اما إذا كان النسبة بينهما بالتباين فتحصل المعارضة على فرض كون المستفاد

هو المسألة الأصولية و اما على فرض كونه المسألة الفقهية فلا معارضة لأن الاستحباب‏

يكون لبلوغ الثواب و النفي لا يكون مشمولا للدليل لتحصل المعارضة الا على القول‏

بالعمومية لذلك أيضا من باب تنقيح المناط كما مر فعليه يكون كلاهما اخبارا عن‏


381
الثواب أحدهما ثواب العقل و الثاني ثواب الترك فإذا فرض المعارضة فأدلة العلاج‏

تصل النوبة إليه.

هذا كله إذا كان المعارض الخبر الضعيف و اما إذا كان المعارض هو القوى‏

فهل التقدم مع القوى أو مع الضعيف أو التخيير بمقتضى الأصل الثانوي و التساقط

بمقتضى الأصل الأولى وجوه و أقوال فقيل بأن المقدم هو القوى لأن مفاده عدم‏

البلوغ فانه إذا دل دليل قوى على عدم شي‏ء و نفيه فيكون مقتضى التعبد به هو القول‏

بعدم البلوغ فكأنه ما بلغ شي‏ء.

و قيل ان هنا عنوانين عنوان الذات و عنوان البلوغ فيمكن أن يكون الشي‏ء

بعنوان الذات غير مستحب و بعنوان البلوغ مستحبا فلا معارضة بين الخبرين و هذا

صحيح على فرض القول بأن المستفاد من الأدلة هو المسألة الفقهية و اما على فرض‏

كونه مسألة أصولية فحيث يوجب الاخبار وثاقة سند الضعيف فيوجب وقوع المعارضة

بينهما فيجب الرجوع إلى أدلة العلاج.

و اما إذا كان مفاد الخبرين إثبات الثواب و لكن نعلم إجمالا بأن أحدهما غير

مطلوب في الواقع مثل الدليل إذا دل على وجوب صلاة الجمعة يوم الجمعة و دليل‏

آخر دل على وجوب الظهر فيه و علمنا إجمالا بأن الواجب علينا ليس الا صلاة

واحدة فيكون من اشتباه الحجة باللاحجة و الكلام فيه الكلام في ذلك المورد و نحن‏

قد طوينا البحث عن اخبار من بلغ و في رسالة الشيخ قده في التسامح في أدلة السنن‏

مزيد بيان فليرجع إليه من شاء و الحمد للّه أولا و آخرا.

فصل في البراءة عن الوجوب التعييني عند الشك فيه‏

و قد تصدى الشيخ الأنصاري قده في الرسائل لهذا البحث في التنبيه الثالث من‏

تنبيهات البحث عن الشبهات الوجوبية من جهة فقدان النص و حاصل المدعى هنا

هو البحث في أنه هل يكون أدلة البراءة من الأحاديث بقوله عليه السّلام رفع ما لا يعلمون و غيره‏

بصورة كون الواجب تعيينيا أو يشمل صورة كون الشك في التعيين و التخيير وجهان.


382
و البحث تارة يكون في الشك في أصل الوجوب كما إذا شك في أن هذا

معينا واجب أم مخيرا أو لا يكون واجبا أصلا لا مخيرا و لا معينا ففي الواقع يكون‏

الشك في أصل الوجوب و طوره من التعيين و التخيير.

و الظاهر من كلام الشيخ قده هو كون البحث في غير هذه الصورة و لا إشكال‏

في كون هذا الفرض مجرى البراءة لأنه من الشك بدوا في أصل الوجوب و لا شبهة

في جريان البراءة بالنسبة إلى ما كان الشك في أصل وجوبه مثل الشك في أن الارتماس‏

في رمضان هل يوجب الكفارة صوما أو إطعاما أم لا و أخرى يكون البحث في التعيين‏

و التخيير من جهة طور الوجوب بعد العلم إجمالا بالتكليف في البين و الظاهر من‏

كلام الشيخ قده هو البحث في هذه الصورة فما عن بعض المحشين للرسائل من أن‏

كلام الشيخ يكون في الأول غير ظاهر من كلامه خصوصا بالنسبة إلى ذيله.

و اما القسم الثاني و هو1صورة وجود العلم الإجمالي بالتكليف فائضا

يتصور على وجوه الأول ان يكون عالما بوجوب هذا الشي‏ء بخصوصه و لكن لا

1أقول هنا صورة أخرى لم يتعرض لها مد ظله و لا النائيني و لا غيره في‏

هذا المقام على ما تفحصت و كثيرا ما نبتلى به في الفقه و هو أن نعلم أن ذلك الشي‏ء

عدل لهذا و لكن لا نعلم أن عدليته مختصة بصورة عدم إمكان هذا أو يكون كلاهما

متساويين فلا نعلم أن هذا معينا هو المأمور به أو في ظرف عدم التمكن منه يكون‏

الغير عدلا له أو يكون الغير عدلا له مطلقا و هذا نظير هذه الصورة الثانية و الفرق‏

بينهما ان الثانية يمكن أن يقال بالاشتغال فيها لا من جهة ما ذكروه بل من جهة عدم‏

إثبات الأمر للعدل و المطلوبية و يكون أسوأ حالا من الصورة الرابعة لأن الأمر المستحب‏

و لو كان مفوت الملاك و لكن يكون مسقطا مثلا و لكن في صورة عدم الجعل لا يكون‏

وجها لكون إتيان غير المجعول مسقطا و اما في هذه الصورة التي ذكرناها فاصل‏

الجعل بالنسبة إلى العدل مسلم و لكن لا نعلم انه في ظرف عدم إمكان الغير عدل أو

مطلقا و القول بالبراءة عن الكلفة الزائدة له وجه كما في الصورة الثالثة على مسلك‏

الأستاذ مد ظله و لا مجال لنا هنا للشرح أزيد مما ذكرناه و اللّه الموفق.


383
يعلم انه جعل ذاك الشي‏ء عدلا له أو لا فقيل في هذه الصورة بالبراءة أيضا مستدلا

بأن الالتزام بالخصوصية كلفة زائدة و التكليف الزائد يكون مرفوعا بمقتضى حديث‏

الرفع بقوله عليه السّلام الناس في سعة ما لا يعلمون ضرورة أن الالتزام بخصوص الصوم‏

مثلا كفارة لشي‏ء يكون من التكليف الزائد بخلاف صورة التخيير بينه و بين الإطعام مثلا

و لكن قد أشكل على هذا التقريب كما عن شيخنا النائيني قده‏ (1) بأن صفة

التعيينية و ان كانت كلفة زائدة و لكن مجرد ذلك لا يكفى في جريان البراءة بل يلزم‏

أن يكون التكليف مما يكون امر وضعه و رفعه بيد الشرع و هو يتصور في صورة

كون المجعول امرا وجوديا و اما في صورة كونه امرا عدميا فلا مجال للقول بأن‏

هذا مرفوع و المقام يكون كذلك لأن الصفة التي تكون هي التعيين ليست امرا وجوديا

بل يكون الأمر بالشي‏ء مع وجود فرد آخر مسقطا لهذا التكليف ينتزع منه التخييرية

و مع عدم العدل ينتزع منه التعيينية.

و لا يكون امرا وراء أصل التكليف بالشي‏ء فحينئذ حيث لا يكون هذه كلفة

من ناحية الشرع لا يمكن إجراء الأصل بالنسبة إليها و لو كان كذلك فكل ما كان الشك‏

في الفراغ و لو من ناحية الامتثال يلزم أن يقال بجريان الأصل بالنسبة إليه و هو كما

نرى فحيث أن التكليف معلوم و مع عدم الإتيان بالمعنى يكون الشك في الفراغ‏

لا بد من القول بوجوب التعيين و لا يجري أصالة عدم التعيين.

و لشيخنا العراقي قده بيان آخر في مقام اختيار الاشتغال في الفرض و عدم‏

جريان الأصل و حاصل تقريبه قده هو أن لنا العلم الإجمالي بالتكليف بين المعين‏

و عدله و لا بد من إتيان التكليف بحيث يسدّ جميع أنحاء عدمه فإذا أتى المكلف‏

بالمعين يكون له العلم بالبراءة و يكون فارغا و اما إذا أتى بالفرد الاخر لا يكون له‏

العلم بالبراءة لاحتماله عدم امتثال التكليف من جهة دخالة الفرد الخاصّ في المصلحة

فلا بد من إتيان المعين بعد العلم الإجمالي بالتكليف.

1)في ص 155 من فوائد الأصول.

384
فان قلت كل موارد الشك في الفراغ إذا جرى الأصل في ناحية الجعل يكون‏

المكلف في وسع في ناحية الفراغ و في المقام أيضا إذا جرى الأصل بالنسبة إلى‏

قيد التعيين لا تصل النوبة إلى الشك في حصول الامتثال بالنسبة إلى الفرد المخير

قلت البراءة في مقام الجعل يكون في صورة مجهولية حدّ التكليف كالشك في الجزء

أو الشرط و اما إذا كان الحد معينا و يكون الشك في شي‏ء خارج عن دائرة المكلف به فلا

يكون الأصل جاريا و في المقام حد التكليف من الجزء و الشرط معلوم غاية الأمر لا

ندري أن هذا المعين لازم أو يكفى الغير و حيث لا يكون لنا العلم بجعل الغير بدلا

له فالأصل الاشتغال.

و هذا البيان أمتن مما قاله شيخنا النائيني لأنه يرد عليه قده ان المرفوع بحديث‏

الرفع لا يلزم أن يكون أمرا وجوديا في جميع الموارد بل إذا كان التسهيل في عدم‏

الجعل يكفى لشمول أدلة البراءة و الحق هو القول بالاشتغال لأنه موافق للاحتياط.

الصورة الثالثة هي أن يكون للمكلف العلم بوجوب شي‏ء معين و العلم أيضا

بوجوب شي‏ء آخر مثل أن يعلم وجوب الإطعام و يعلم وجوب الصيام أيضا و لكن‏

يكون شكه من جهة ان وجوب هذا هل يكون بنحو التخيير بمعنى انه عدل‏

للآخر أو يكون له وجوب بنفسه كما ان الاخر أيضا له وجوب نفسي فيكون الشك‏

في ان أحد هذين هل يكون عدلا للآخر أو كلاهما واجبان عينيان.

و قد جعل الشيخ الأنصاري قده‏ (1) البحث عن هذه الصورة في باب الأقل‏

و الأكثر و قال الشيخ النائيني قده في المقام أيضا بالاشتغال كما قال في الصورة السابقة

و سنده مثل السند الّذي ذكرناه سابقا و نشير إليه أيضا لمزيد توضيح لأصل الدليل‏

و زيادة بيان للمقام فقال بما حاصله ان الواجب التخييري معناه هو جعل العدل له فيكون‏

الأمر بالشي‏ء مع ذكر العدل له هو الوجوب التخييري و الأمر به مع عدم ذكر العدل‏

يكون هو الوجوب التعييني و الإثبات يوافق الثبوت فإذا لم يذكر العدل إثباتا يكشف‏

1)في الرسائل ص 217 و 218.


385
عن عدم وجود العدل ثبوتا ففي هذه الصورة حيث ذكر وجوب كل واحد منهما و لم‏

يذكر أحدهما عدلا للآخر يستفاد التعيينية من الخطاب.

و الفرق بين هذه و الصورة السابقة هو وجوب الجمع هنا لتعلق التكليف بكل‏

واحد منهما و في السابقة كان الواجب هو أحدهما المعين لعدم تعلق التكليف بالاخر

و إشكال عدم كون التعيين مما تناله يد الجعل حتى يرفع بالبراءة أيضا مشترك في‏

الصورتين و كذلك احتمال العقاب‏1لا يكون حتى يجري البراءة العقلية و هي قبح‏

العقاب بلا بيان و لا يصح القول بالتعيين بواسطة أصالة عدم جعل العدل لأنه خلاف‏

الامتنان و لا التخيير لأنه غير مجعول كما مر.

و فيه أولا ان معنى التخيير لا يكون ما ذكره قده فانه ليس من باب الإطلاق‏

و التقييد بأن يقال إذا لم يذكر العدل يكون معينا و إذا ذكر يكون مخيرا بل معنى‏

التعيين هو البعث بالشي‏ء بجميع أنحاء وجوده و هو يشمل حتى صورة الإتيان بشي‏ء

آخر و معنى التخيير هو البعث إلى الشي‏ء ببعض أنحاء وجوده و هو فرض عدم الإتيان‏

بالعدل فإذا أتى به لا يكون البعث محققا و ما ذكره قده من ذكر العدل و عدمه يكون‏

من لوازم هذا المعنى لا نفسه و حينئذ لا يكون لنا أصل محرز للتعيين أو التخيير عند

الشك فيهما لعدم الحالة السابقة للتعيين و التخيير.

و مقتضى الاحتياط عملا هو الجمع بينهما لعدم العلم بهما فعدم ذكر العدل في‏

مقام الإثبات لا يكون كافيا للقول بعدمه في مقام الثبوت.

و ثانيا لا يكون العدل مذكورا لكل واحد منهما في هذه الصورة بل ذكر

كل واحد منهما و عدم ذكر العدل و الأمر بالشي‏ء فقط يكون في الصورة الثانية

1هذا الإشكال لا يكون من المقرر في الفوائد بل نقله الأستاذ مد ظله بعد

الدرس عن مقرره الاخر العلامة الخوئي في أجود التقريرات و لا نفهم وجهه لأن‏

النائيني قده أجل شأنا من ان لا يلتفت إلى أن ترك أحدهما و إتيان الاخر مما فيه احتمال‏

العقاب في المقام و ان إتيان غير المعيّن و تركه في الصورة الثانية أيضا موجب‏

لاحتمال العقاب.


386
لا هذه الصورة.

و ثالثا احتمال العقاب على فرض ترك بعض الأطراف موجود فلا بد من وجود

المؤمّن لرفعه و ما هو المرفوع هو التعيين لأنه بذاته كلفة لا زيادة تكليف ليقال انه‏

ليس التكليف الا الأمر مع عدم ذكر العدل.

و يمكن أن يقرب المقام بحيث يكون النتيجة عدم الجمع بل الإتيان بأحدهما

تخييرا في الفرض و بيانه أن يقال انا إذا وجدنا الأمر بكل واحد منهما و شككنا في‏

أنه هل يكون أحدهما بدلا عن الاخر أو واجب بنفسه يحصل لنا علم تفصيلي‏

و شك بدوي.

اما العلم التفصيلي فهو أنا نعلم ان ترك هذا في ظرف ترك ذاك يكون حراما

و معاقبا عليه و اما تركه في ظرف الإتيان بالاخر لا يكون العلم به فوجوبه يكون‏

مشكوكا على هذا الفرض فتجري البراءة عنه و حيث ان هذا البيان يأتي بالنسبة إلى‏

كليهما نقول مقتضى العلم بكون أحدهما واجبا لا محالة بمقتضى العلم التفصيلي هو

الإتيان بأحدهما مخيرا فإذا فرض الأمر بالعتق و بالصيام فعلى المكلف أن يصوم‏

و أن يعتق رقبة.

فان قلت فأي فرق بين هذه الصورة و الصورة السابقة فانه يمكن ان يقال‏

المتيقن هو العقاب على ترك هذا المعين في ظرف ترك الاخر و اما العقاب و التكليف‏

في ظرف فعل الاخر فهما مشكوكان فيجري البراءة العقلية و الشرعية بالنسبة إليه و ينتج‏

عدم التعيين.

قلت الفرق بينهما هو وجود العلم الإجمالي بالتكليف هنا بتوجه التكليف‏

بكليهما هنا و يكون مفروض المطلوبية غاية الأمر يكون الشك في التعيين و التخيير

و اما هناك فيكون المفروض التكليف بأحدهما محرزا و يكون بدلية الاخر عنه‏

مشكوكة مع الشك في كون الاخر مسقطا أم لا و في المقام نعلم بان كل واحد منهما

يكون مسقطا للتكليف المتوجه إليه و لكن يكون الشك في الزائد هذا أولا.

و ثانيا ان استصحاب بقاء التكليف في تلك الصورة لا إشكال فيه فانه بعد الإتيان‏


387
بالفرد المشكوك يكون الشك في سقوط الوجوب عن المعين فاستصحاب التكليف‏

يحكم بوجوب الإتيان بخلاف المقام فان استصحاب التكليف فيه يرجع إلى الفرد

المردد لأن استصحاب الوجوب يكون جاريا إذا لم يكن الشك في أصل الجعل‏

ففي المقام ان كان وجوب كل واحد منهما تعيينا يكون وجوب الاخر بعد إتيان أحدهما

مقطوعا و ان كان تخييريا يكون وجوبه مقطوع العدم و هذا يكون بعينه من استصحاب‏

وجود الحيوان في الدار مع كون الشك في انه كان بقّا أو فيلا و من المعلوم و المقرر

في محله عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردد فبهذا البيان يمكن مخالفة شيخنا

الأستاذ و القول بالتخيير بين الفردين.

الصورة الرابعة1من صور الدوران بين التعيين و التخيير هي ان يعلم الشخص‏

بأن الشي‏ء الفلاني يكون مسقطا للتكليف المتوجه إلى شي‏ء و لكن يكون الشك في‏

أنه هل يكون فردا واجبا تخييريا أو يكون مستحبا أو مباحا يوجب تفويت الملاك‏

و هذا تارة يكون في صورة تعذر الإتيان بالواجب للاضطرار أو صورة الاختيار اما

في صورة الاختيار فلا يترتب عليه ثمرة فقهية و اما في صورة الاضطرار فيكون الثمرة

وجوب الإتيان به على فرض تعذر الاخر إذا كان واجبا لأنه أحد افراد الواجب التخييري‏

و اما إذا كان مستحبا أو مباحا فلا يجب الإتيان به أصلا و لأن ما هو الواجب متعذر

و هذا ليس فردا له فلا يجب إتيانه و أيضا على فرض كونه واجبا لا يكون مفوتا للملاك‏

و لا يكون عليه العقاب و على فرض كونه مستحبا أو مباحا يكون معاقبا على ترك الواجب‏

بتفويت ملاكه و هذا يكون في صورة التمكن من إتيان الواجب.

و من الثمرات التي نقل عن فخر المحققين قده و ذكره الشيخ قده في الرسائل‏

و شيخنا النائيني أيضا هو إتيان الصلاة جماعة لمن لا يكون قراءته صحيحة لعدم‏

إمكان تصحيحها أو لعدم تعلمها فعلى فرض كون الصلاة جماعة إحدى افراد الصلاة

1هذه آخر صور التعيين و التخيير و قد ذكر قسما خامسا كما مر في أوائل‏

البحث و هو التعيين و التخيير بين الطوليين مثل الوضوء و التيمم فارجع إليه.


388
الواجبة فالمكلف اختيار الفرد الصحيح من الصلاة و اما إذا كان من الافراد المستحبة

فلا يكون من الافراد و لا يجب على المكلف اختيارها في صورة عدم التمكن من‏

الصلاة فرادى مع قراءة صحيحة و استظهر شيخنا النائيني قده‏ (1) من الأدلة ان الصلاة

جماعة أيضا تكون إحدى افراد الصلاة الواجبة بتنزيل قراءة الإمام منزلة قراءة المأموم‏

فالمأموم قادر على القراءة بهذا الفرد التنزيلي مع كونه أفضل الافراد و مع ذلك كله لا يجب‏

على المكلف اختيار الصلاة جماعة مع عدم صحة قراءته لأن صلاة الجماعة فرد تخييري‏

لو اختاره المكلف و اما إذا لم يختره فلا و لا يكون لنا دليل على وجوب اختياره و صرف‏

كونه أحد افراد الواجب لا يوجب القول بوجوب اختياره فعليه الصلاة بدون القراءة

أو بما يحسن.و أقول على فرض قبول وجوب‏1اختياره و كون الجماعة بدلا تنزيليا كما

قال شيخنا الأستاذ قده لا يكون بدلا عن المرتبة العليا بل بدلا مطلقا فمثل البلال الّذي‏

يكون سينه بمنزلة الشين كما هو المروي يكون قادرا على فرد من القراءة و من يمكنه‏

التكلم بالسين أيضا يكون قادرا على فرد آخر منها فان شاء الجماعة فقد اختار بدل‏

قراءته فكل يكون له بدل تنزيلي بحسب قراءته لا أن يكون قراءة الإمام بدلا لقراءة

الأقرأ فقط فلا ينتج هذا المثال للكبرى في المقام.

ثم انه تعرض شيخنا الأستاذ النائيني قده لسائر أقسام التخيير هنا فنشير إليه‏

أيضا احتراما بشأنه(قده)مع كونه مفيدا فان التخيير على ثلاثة أقسام الأول ما مرّ

و هو التخيير في مقام الجعل و هو الّذي يكون في لسان الشرع مثل خصال الكفارات‏

و البحث الماضي كان في صورة الشك في هذا النحو من التخيير و التعيين الّذي يكون‏

مقابلا له في عالم الجعل.

القسم الثاني من التخيير هو الّذي يحصل من التزاحم بين الخطابين التعينيّين‏

1أقول ما ذكره يكون تقريبا آخر لكلام النائيني قده و لا يكون على فرض‏

وجوب اختياره بل يكون بيانا لعدم وجوب الاختيار كما هو واضح.

1)في الفوائد ص 157.

389
و الفرق بينهما ان هذا التخيير يكون في بعض الموارد على حسب الاتفاق و ذاك‏

يكون دائميا.

و المثال المعروف لهذا القسم هو صورة وجوب إنقاذ الغريقين الذين لا يمكن‏

الا إنقاذ أحدهما ففي هذه الصورة اما ان يكون الخطاب التعييني بالنسبة إلى كل منهما

معارضا بما للآخر و يتساقطان و العقل يحكم بالتخيير في مقام العمل إذا كانا متساويين‏

بحسب الملاك كما عن الرشتي قده من أن الإشكال في مقام الجعل حيث ما كان مصلحة

في جعلهما أو يكون التصادم بين إطلاق الخطابين و تقييد أحدهما بالاخر في ظرف‏

المزاحمة كما عن النائيني و لكن حيث يلزم من هذا الدور1المحال فعبر بالقضية

الحينية بمعنى ان إطلاق هذا يكون حين عدم المزاحمة مع الغير و هكذا بالعكس‏

و يكون نتيجته التقييد فعلى أيّ مسلك لو كان في البين ما هو أهم يجب اختياره لحكم‏

العقل بالتعيين و هكذا مع احتمال الأهمية لأن الفراغ اليقينيّ لا يحصل الا بهذا النحو

و على فرض التساوي يحكم بالتخيير لعدم إمكان الجمع.

فان قلت بعد عدم إمكان الجمع و القول بتقييد الإطلاقين يرجع إلى التخيير

شرعا لأن الإطلاق إذا لم يكن ممكنا فنكشف حكم الشرع بالتخيير كما إذا كان‏

التخيير في لسان الدليل كخصال الكفارات فكلما قيل في الخصال إذا شك في التعيين‏

و التخيير كذلك في المقام من جهة البراءة عن التعيين أو الاشتغال.

قلت ان التخيير هنا لا يكون ناشئا عن حكم الشرع به من جهة كون المصلحة

اقتضته بل يكون من جهة ضيق الخناق و عدم إمكان الجمع بين كون المصلحة تامة

في كليهما بخلاف صورة كون المصلحة في كل واحد على البدل من دون أن يكون‏

1تقريب الدور هنا مشكل لأن وجوب أحدهما و ان كان متوقفا على عدم‏

إتيان الاخر و لكن عدم إتيان الاخر لا يكون متوقفا على وجوب هذا بل يكون متوقفا

على عدم أسبابه و الا فلو كان التوقف في الواقع كذلك ما كان اختلاف التعبير

بالحينية منتج نتيجة لأن التوقف الواقعي لا يختلف باعتبار تغيير الألفاظ.


390
المصلحة في الجمع و فرق واضح بين كون المصلحة قاصرة الشمول للطرفين أو

تامة الشمول و يكون المنع هو عدم القدرة على الجمع هذا على المختار من أن‏

التزاحم يكون بين الإطلاقين و اما على فرض كون التزاحم في ذات الخطابين في‏

المورد فقد توهم أن القول بالتعيين يكون خلاف الأصل لأنه كلفة زائدة و مقتضى‏

الأصل البراءة عنها فلا بد من القول بالتخيير مطلقا سواء كانا متساويين أو كان أحدهما

محتمل الأهمية.

و لكن هذا التوهم مندفع لأنه على فرض قبول المبنى أيضا تكون المصلحة

معينة لا مخيرة كما مر فان المانع من الجمع هو عدم القدرة على الامتثال و العقل حاكم‏

بأن ما هو الأهم يكون معينا في الامتثال لأقوائية المصلحة فالحاصل اللازم في القسم‏

الثاني من أقسام التخيير و هو الّذي يكون ناشئا عن تزاحم الخطابين من جهة عدم‏

القدرة على الامتثال يجب القول بالتخيير في صورة تساوى الملاكين و اما صورة أهمية

أحدهما أو احتمالها فالمقدم هو الأعم.

القسم الثالث من أقسام التخيير ما يكون في الطرق مثل الخبرين المتعارضين‏

أو فتوى المجتهدين المتعارضين فهل المعنى هو الأخذ بما احتمل كونه هو الطريق‏

مثل فتوى الأعلم أو يكون التخيير في الأخذ بأيهما شاء فنقول على فرض كون الأخذ

بالطريق من باب الموضوعية و ان كان من باب المصلحة السلوكية فلا بد من الأخذ

بالمعنى و هكذا على الطريقية لأنه مع الأخذ بغيره يكون الشك في الامتثال بعد إحراز

التكليف و على الطريقية يكون القطع بعدم الحجية لأنها لا يكون مثل احتمال التكليف‏

حتى يرفع بالبراءة لأن الحجة ما به يحتج على المولى و لا شبهة في أن مشكوك الحجية

لا يمكن الاحتجاج به فيكون القطع بعدم كونه حجة لنا فلا بد من الأخذ بما هو متيقن‏

الحجية و هو الأخذ بفتوى الأعلم و الأمارة التي يحتمل تعيين الأخذ بها و لا يمكن‏

إجراء الأصل بالنسبة إلى المعين لأنه ليس من باب التكليف:


391
فصل في الشك في الواجب العيني و الكفائي و البراءة من العيني‏

و هو يكون في صورة عدم استفادة أحدهما من الدليل و الكلام يكون ابتداء في‏

معنى الكفائي و العيني ليتضح أقوى اتضاح في صورة الشك في أن الأصل هل يقتضى‏1

البراءة أو الاحتياط و الإشكال يكون في تصوير الكفائي من جهتين الأولى من جهة

كيفية المصلحة و الثانية من جهة كيفية الإرادة.

ثم ان القوم و منهم شيخنا النائيني قده جعلوا للواجب الكفائي معنيين:الأول‏

أن يكون كل واحد من افراد المكلفين مكلفا بالتكليف و لكن يكون تكليف كل‏

واحد منهم منوطا بعدم إتيان المكلف به بالمأمور به مثل دفن الميت فانه إذا لم يسبق‏

أحد بالدفن يجب على جميع المسلمين و اما إذا سبق أحد فلا يجب على البقية فيكون‏

وزان ذلك وزان الواجب التخييري لكن هذا من جهة المكلف و ذاك من جهة المكلف‏

به فهنا يجب اما على هذا أو ذاك و هناك يجب اما هذا أو ذاك.

و الثاني أن يكون المكلف هو الإنسان و لكن تكليف كل فرد يكون من جهة

انطباق الطبيعي على الفرد و حيث صار صفحة الوجود مشغولة بالمكلف به فصار

الميت مدفونا أو مغسولا أو مكفونا يسقط التكليف عن الجميع لأنه لا يكون للطبيعي‏

مصداقان على الفرض بل يكون له مصداق واحد هذا.

و لكن لا يكون كلامهم مشروحا في رفع إشكال المصلحة و الإرادة مضافا بأن‏

المعنى الأخير غير محصل لأن التكليف يجب أن يكون بالنسبة إلى الأشخاص و يلاحظ

شرائط تنجيزه بالنسبة إلى الفرد لا بالنسبة إلى النوع فربما لا يكون لأحد القدرة

فلا يتوجه إليه الخطاب أصلا و هكذا يرد الإشكال على المعنى الأول أيضا من جهة أن‏

الاشتراط بعدم السبق مخصوص بصورة كونه مما لا يمكن الجمع بحيث يكون بين‏

1و الحق هو القول بالبراءة في جميع الصور لرجوع الشك إلى أصل التكليف‏

على فرض عدم سبق الغير.


392
التكليفين المضادة أو المماثلة بحيث يدخل في باب اجتماع المثلين أو الضدين و اما

صورة إمكان الاشتراك في العمل فلا يكون التكليف مشروطا بسبق العمل ففي مثل‏

دفن الميت و ساير ما يجب إذا كان جمع من المؤمنين مشغولا به يكون الوجوب‏

بالنسبة إلى عمل الجميع متحققا.

فيكون المختار عندنا معنى ثالثا و هو أن يكون الواجب الكفائي هو الّذي‏

يكون كل واحد من المكلفين مكلفا بالتكليف و لكن حين عدم إتيان الغير به فيكون‏

من القضية الحينية و هذا المعنى يناسب مع صورة كون المكلف به شيئا لا يكون‏

المطلوب منه الا فردا بحيث يكون الفرد الاخر ضدا للمطلوب.

أو مثل دفن الميت مثلا حيث لا وجه لتكرار الدفن و لا يبقى الموضوع بعده‏

و يشمل صورة كون جمع من المؤمنين مشغولا بواجب كفائي فحين عدم إتيان الغير

يكون واجبا سواء يكون السبق بالوجود أو يكون حين عدم الإتيان و عليه فيكون‏

الإشكال في كيفية الإرادة و المصلحة أيضا مندفعا لأنهما أيضا تكونان حينيتين فلا يكون‏

التكليف في كل من الموارد مشروطا بعدم السبق بل في مورد المضادة أو المماثلة

و كل من التعريفين الذين يكون في أحدهما الاشتراط بعدم السبق و في الاخر يكون‏

التكليف على الطبيعي يكونان متعرضين لبعض الجهات فالأوّل لجهة ما يكون بينه‏

المضادة و المماثلة و الاخر لجهة ما يمكن معه المقارنة مثل الدفن.

ثم انه إذا شك في الكفائي و العيني فقال شيخنا النائيني قده ان مقتضى الأصل‏

على المعنى الأول هو القول بأنه عيني كما إذا شك في مكان موقوف بشي‏ء في انه‏

هل يكون الواجب على كل أحد قراءة الفاتحة عند دخوله أو يكفي قراءة واحدة

من الجمع كمقابر الأكابر مثلا و حاصل دليله قده انه بعد توجه التكليف و اشتغال‏

الذّمّة يقينا يكون الشك في الفراغ و لا يحصل العلم به الا بعد إتيان جميع الافراد بالتكليف‏

المتوجه إليه.

و فيه ان المقام أيضا يكون مثل الصورة الثالثة من دوران الأمر بين التعيين‏

و التخيير حيث كان العلم بمطلوبية شيئين و لكن لا نعلم أن كل واحد منهما يكون بدلا


393
عن الاخر أو يكون واجبا تعيينيا و نحن قد اخترنا البراءة عن التكليف الزائد لأنه ما كان‏

العلم بالتكليف في ظرف إتيان بعض الافراد ففي المقام أيضا ان الشك يكون في طور

التكليف لأنا علمنا بوجوب شي‏ء علينا عند عدم إتيان الغير و اما مع إتيانه فيكون‏

الشك في توجه هذا التكليف فلا يكون العلم به في بعض الفروض و يكون هذا الشك‏

من جهة الشك في أصل الجعل و الأصل فيه البراءة و لا يكون من الشك في الفراغ‏

في شي‏ء.

هذا على المعنى الأول و على المعنى الثاني و هو كون الطبيعي هو المكلف فقال‏

النائيني قده بالاشتغال لعين ما ذكرنا في الصورة الأولى و الجواب عنه الجواب و الشك‏

في ناحية الفراغ انما يكون فيما بين المتزاحمين فانه يكون بعد إحراز المصلحة و هكذا

كل مورد يكون التكليف مسلما فانا في الطبيعي أيضا لا نعلم أن كل من يصدق عليه‏

الإنسان على أي تقدير يكون مكلفا أو يكون مكلفا على تقدير دون آخر فعلى تقدير إتيان‏

الغير نشك في أصل توجه التكليف.

و اما لو قلنا بأن‏1الواجبات الكفائية واجبات عينية فيكون الشك في العينية

نظير الصورة الثانية من التخيير و هي صورة الشك في جعل شي‏ء عدلا أم لا و المقام‏

يكون كذلك لأنه يكون الشك في جعل عمل الغير مسقطا للتكليف عني أم لا فحيث‏

يكون الشك في الفراغ يجب الاحتياط و لا مجال لجريان البراءة كما عن بعض المعاصرين‏

أعلى اللّه مقامه.

ثم نرجع إلى ما كنا فيه على ترتيب الكفاية فان ما تقدم لم يكن فيها

1هذه الصورة أيضا يرجع لبّا إلى الصورة الأولى و الأصل في جميع الصور

يقتضى البراءة فان العيني المشروط بعدم الوجود يكون هو معنى الكفائي الّذي يقال‏

انه يكون مشروطا بعدم السبق.


394
فصل في حكم دوران الأمر بين المحذورين‏ (1)

فنقول إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمته لعدم نهوض حجة على أحدهما

تفصيلا بعد نهوضها عليه إجمالا ففيه وجوه:الحكم بالبراءة عقلا و نقلا و وجوب الأخذ

بأحدهما تعيينا أو تخييرا و التخيير بين الفعل و الترك عقلا مع التوقف عن الحكم به‏

رأسا أو مع الحكم بالإباحة شرعا أوجهها الأخير لعدم الترجيح بين الفعل و الترك.

أقول من دأب القوم هو البحث عن أصالة التخيير في ذيل أصل البراءة باسم‏

الخاتمة و عدم انعقاد فصل على حدة في ذلك و هذا يكون لقلة مباحثه فان أصالة البراءة

و أصالة الاشتغال و الاستصحاب يكون لكلها فصل على حدة من جهة كثرة المباحث‏

ثم البحث في المقام يكون من دوران الأمر بين المحذورين مثل العلم بان هذا اما

واجب أو حرام و هو اما أن يكون في التوصليات أو التعبديات مع تعدد الواقعة و وحدتها

مثل العلم بان هذا المعين اما واجب أو حرام و البحث يكون فيما يكون توصليا و الكلام‏

كله هنا في أنه هل يمكن تصوير التخيير تعبدا أم لا فانه لا إشكال في صحة التخيير

في صورة كون الواقعة مرددة بين امرين وجوديين مثل وجوب صلاة الظهر أو الجمعة

انما الإشكال في الأمرين الذين أحدهما وجودي و الاخر عدمي فتصور الخراسانيّ‏

قده التخيير في هذا المقام أيضا بقوله أوجهها الاخر لعدم الترجيح بين الفعل و الترك‏

و شمول مثل كل شي‏ء لك حلال إلى آخر كلامه.

و لكن‏1لا وجه لما اختاره كما هو مختار شيخنا النائيني قده‏ (2) و حاصل الاستدلال‏

1أقول ما اختاره قده لا يكون هو التخيير الفقهي أيضا بل هو التخيير الأصولي‏

الّذي يقول به العراقي(قده)و الأستاذ مد ظله و كذلك الإباحة الشرعية و التخيير

الفقهي يكون بعد إثبات الحكم فقها مثل خصال الكفارات و هو في المقام يكون‏

الكلام فيه.

1)و البحث في الرسائل في المطلب الثالث ص 222.

2)في الفوائد ص 161


395
هو أن الأمر المجعول الشرعي يجب ان يكون بحيث لو لا حكم الشرع لم يكن الواقع‏

موجودا في عالم التكوين ففي صورة دوران الأمر بين المحذورين يكون الشخص‏

اما فاعلا أو تاركا سواء كان عليه الأمر بالتخيير أو لم يكن بل لا يمكن وجود الأمر و إعمال‏

التعبد لأنه يكون من تحصيل الحاصل.

و اما العلم الإجمالي بأحدهما أعني الوجوب و الحرمة فلا أثر له أيضا لما ذكر

أيضا لأنه يكون في صورة إمكان حفظ الواقع الّذي لم يكن منحفظا لو لا متابعة العلم‏

فان العلم الإجمالي بنجاسة أحد الكأسين يوجب التنجز بالنسبة إلى الواقع الّذي في‏

البين و لو لا تنجيزه لم يكن منحفظا لأن المكلف يتركه لولاه.

و اما في دوران الأمر بين المحذورين فالواقع لا يمكن حفظه لأنه لا يعلم انه‏

هو الفعل أو الترك و لا سبيل إلى إحرازه بخلاف الصورة السابقة فانه بالجمع بين‏

المحتملات يمكن حفظ الواقع فلا أثر للعلم الإجمالي و لا لتعبد آخر فلا يكون وجه‏

للتعبدي الظاهري و لا الواقعي.

اما أصل التخيير فلا يجري لأن الترك لا يكون فيه المصلحة و يكون تصوير

التخيير في دوران الأمر بين المصلحتين و اما إذا لم يكن أحدهما الا الترك فلا مجال‏

للقول به.

و يمكن الإشكال عليه بأنه يمكن ان يكون الترك محدث عنوان من العناوين‏

فيكون ذاك العنوان ذا مصلحة كما في المكروهات و لكن الإشكال ما ذكره من عدم‏

إمكان التخيير واقعا لأنه حاصل هذا بالنسبة إلى التخيير الواقعي.

و اما التخيير الظاهري فقال شيخنا العراقي قده يمكن تصويره أصوليا لأنه على‏

ما حرر في محله يكون التخيير على قسمين:

الأول هو الفقهي و هو الّذي يكون بالنظر إلى الواقع كخصال الكفارات ففي‏

المقام حيث يكون التخيير بين الفعل و الترك بالنظر إلى الواقع حاصلا1لا يتصور

1أقول مضافا إلى انه يكون بعد ثبوت الحكم على الشخص و في المقام‏

يكون الكلام في تشخيص الحكم.


396
الأمر و التعبد به.

و الثاني التخيير الأصولي و هو الّذي يكون الأخذ دخيلا في الحجية و بعبارة

أخرى بالاخذ يصير حجة مثل التخيير في الخبرين المتعارضين ففي المقام يمكن أن‏

يحكم الشرع بأنه يجب اختيار أحد الطرفين و العمل به إلى الأبد فإذا أخذ بالحرمة

يصير حراما إلى الأبد و ان أخذ بالوجوب يكون واجبا كذلك و الأمارات أيضا

كذلك فانه بعد التعارض يرجع إلى التخيير و بالاخذ يصير إحدى الأمارتين المتعارضتين‏

حجة و الخراسانيّ و شيخنا النائيني(قدهما)و ان قالا بعدم جواز التعبد بالتخيير هنا

و لكن لم يذكرا وجهه و بما ذكرنا عن شيخنا العراقي عرفت بأن التخيير هنا أقوى‏

من التخيير في باب الأمارات لأنه إذا كان الأخذ بإحدى الأمارتين اللتين هما حجتان‏

ظنيتان واجبا ففي صورة العلم الإجمالي بحجية أحد أطراف العلم يكون أولى لأن‏

العلم أقدم شأنا من الظن فبالملاك في الأمارتين يقال بان التخيير في المقام أيضا جار.

اللهم الا ان يقال ان العمل بالأمارات يكون لحفظ النظام في النوع و عيشة

بني آدم و لهذا الملاك قد جعل التخيير في صورة التعارض أيضا لذلك بخلاف المقام‏

فانه لا يكون كذلك فلا يجب الأخذ بأحد الأطراف.

لا يقال التخيير كذلك يكون من شئون الأحكام فان الالتزام به لازم فكذلك‏

الالتزام بما هو من شئونه و هو التخيير.

لأنا نقول مع عدم الدليل على وجوب الالتزام يكون الواجب الالتزام بما جاء

به النبي صلى اللّه عليه و آله في الواقع على فرض الوجوب لا الالتزام بخصوصية الأحكام.

هذا كلّه في التخيير الشرعي و اما التخيير العقلي فانه أيضا لا يجري لأنه يكون‏

في صورة العلم بالملاك كما في باب التزاحم و اما في صورة عدم العلم به بل العلم‏

بملاك أحدهما فقط فلا يكون العقل حاكما بالتخيير و هذا بخلاف إنقاذ أحد الغريقين‏

الذين لا يمكن إنقاذهما نعم على فرض القول بأن الترك أيضا له مصلحة يكون من‏

باب العلم بالمصلحتين و لكن الإشكال في انه لا يكون للعقل حكم تعبدا بالتخيير بل‏

الإنسان اما تارك أو فاعل فطرة.


397
فتحصل من جميع ما تقدم ان أصالة التخيير لا تجري في دوران الأمر بين‏

المحذورين.

و اما ساير الأصول فقال شيخنا النائيني قده تبعا للشيخ الأنصاري قده انه لا

يجري اما أصالة الإباحة فلا تجري لوجوه ثلاثة(كما في الفوائد ص 162).

الأول ان أصالة الإباحة تكون في الشبهات الموضوعية لا الحكمية فان قوله‏

عليه السّلام كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه يكون‏

بالنسبة إلى الموضوع الّذي أحرز حكم بعضه انه الحرمة و حكم بعضه انه الوجوب‏

لا بالنسبة إلى الشبهات الحكمية التي لا يكون فيها حلال و حرام بل يكون حكم الحرمة

و الحلية مشكوكا من الأول فعلى هذا لا يمكن جريان أصالة الإباحة في دوران الأمر

بين المحذورين لأنه يكون من الشبهات الحكمية.

الثاني ان أصالة الإباحة تكون جارية في صورة عدم العلم بمخالفتها للواقع‏

و اما صورة العلم بذلك فلا يكاد تجري و في المقام حيث ان جنس الإلزام معلوم تفصيلا

و الشك يكون في الخصوصية و انها هل هي الحرمة أو الوجوب لا يمكن القول‏

بالإباحة ظاهرا مع العلم بالتكليف الإلزامي فان هذا الحكم يضاد مع العلم الوجداني.

الوجه الثالث ان هذا الأصل يكون مورد جريانه صورة كون أحد أطراف‏

الشبهة الحل و الإباحة مثل ان لا يعلم ان هذا حرام أو مباح أو واجب أو مباح و اما

في صورة دوران الأمر بين المحذورين التي نعلم بأنه اما واجب أو حرام فلا و لا

يقاس المقام بصورة جريان البراءة في كلا صورتي الاحتمال.

فانه إذا شك في وجوب شي‏ء و حرمته يمكن جريان أصالة البراءة عن الوجوب‏

و كذلك عن الحرمة و لا يكفى جريان الأصل في بعض الأطراف من جريانه في ساير

الأطراف فان أصالة عدم الوجوب لا يلازمها أصالة عدم الحرمة بل تجب جريانها

أيضا للأمن من عقاب الحرمة.

و اما أصالة الإباحة في أحد الأطراف فيلازمها أصالة الإباحة في الطرف الاخر

أيضا يعنى أصالة الإباحة في الترك تلازم الإباحة في الفعل و بالعكس ففرق بينهما من‏


398
هذه الجهة فان أصالة الإباحة بمدلولها المطابقي ينافى العلم الإجمالي بخلاف أصالة

البراءة في كل طرف و هكذا جريان الاستصحابين العدميين مثل استصحاب عدم‏

الحرمة و استصحاب عدم الوجوب فان المخالفة لا تكون بالمدلول المطابقي و المدلول‏

الالتزامي و ان كان مناف لذلك و لكن حيث انه من الآثار العقلية للأصل و قد حرر

في محله عدم جريان الأصول بالنسبة إلى الآثار المثبتة فلا إشكال فيه.

نعم جريان الاستصحاب في الطرفين أيضا لا يمكن لأن مفاده حيث يكون‏

الكشف عن الواقع و الحكم بان الواقع يكون كذلك ينافى العلم الإجمالي في البين‏

بخلاف البراءتين فان مفادهما الحكم في مرتبة الظاهر لا الواقع هذا كلامه قده‏1و قد

أخذ بعضه عن الشيخ الأنصاري قده.

و فيه مواقع من النّظر الأول ان قوله يختص جريان أصالة الإباحة بالشبهات‏

الموضوعية قد تحرر في محله انه ما تعم الشبهات الموضوعية و الحكمية و كل شي‏ء

فيه حلال و حرام قد مرّ منا ان معناه كل شي‏ء يكون في نوعه الحلال و الحرام مثل‏

اللحم الّذي يكون بعض اقسامه محكوما بالحلية مثل لحم الغنم و بعض اقسامه محكوم‏

بالحرمة مثل لحم الخنزير يكون حكم المشتبه منه مثل لحم الأرنب مثلا حلال و لا

إشكال في أن يكون الخطاب بلحاظ النوع.

و اما قوله من منافاة أصالة الإباحة للعلم الإجمالي فهو أيضا فيه النّظر من جهة

ان موطن العلم يكون صقع النّفس و ما في الخارج يكون مشكوكا و لا يسرى العلم‏

إلى الخارج فالعلم في صقعه محفوظ و جريان الأصل بالنسبة إلى الخارج لا ينافيه‏

و لا يكون للعلم أثر بالنسبة إلى الخارج لأنه لا يمكنه الإلزام بالفعل أو الترك لكونه‏

من دوران الأمر بين المحذورين و الموافقة الالتزامية تكون بالنسبة إلى ما في الواقع‏

1هذا غير موجود في الفوائد بهذا النحو بل بنحو آخر كما في ص 162

-163 في مقام بيان عدم جريان أصالة الإباحة نعم يكون هذا الكلام منه في مقام بيان‏

عدم جريان الاستصحاب في ص 164 و في المقام قال و كذلك الاستصحاب بعد بيان‏

جريان البراءة فارجع إليه.


399
و نحن نلتزم بالإلزام الّذي يكون في البين مع جريان الأصل أيضا.

و اما قوله بالفرق بين الاستصحابين و البراءتين من جريان الثاني دون الأول‏

أيضا فممنوع لأن الاستصحاب و ان كان له نحو كشف عن الواقع و لكن يكون مفاد

الدليل فرض المشكوك كأنه الواقع لا بنحو انه الواقع و فرق واضح بين انه الواقع‏

و كأنه الواقع فلو جرى الاستصحاب أيضا لا يكون فيه الإشكال لأنه أيضا حكم في‏

مرتبة الظاهر فجريان أصالة الإباحة في دوران الأمر بين المحذورين لا إشكال فيه.

و من هنا ظهر ان وجوب الالتزام بالاحكام لا ينافيه جريان أصالة الإباحة لأن‏

جريانها في الظاهر لا ينافى الالتزام بالإلزام الّذي يكون في الواقع من الوجوب و الحرمة

بعنوانه الإجمالي فيعتقد الإلزام في الواقع و الإباحة بمعنى تساوى الفعل و الترك في‏

الظاهر هذا كله بالنسبة إلى أصالة الإباحة.

و اما عدم جريان أصالة البراءة فقيل بأنه و ان كان لا مانع من جريانها لعدم‏

المضادة مع العلم الإجمالي لانحفاظ رتبة الظاهر و الواقع كما مر في ضمن البيان‏

السابق من انها لا تنافي بمدلولها المطابقي العلم الإجمالي و لكن يكون المنع من‏

جريانها عقليا و شرعيا بشي‏ء آخر و هو ان البراءة الشرعية تكون في مورد يمكن‏

الجعل لأن الرفع فرع الوضع و حيث لا يمكن جعل التكليف و وضعه بالنسبة إلى من‏

هو فاعل في الواقع أو تارك كذلك لا معنى للقول برفع ما لا يعلم من الخصوصية

الوجوبية و التحريمية فلا تشمل أدلتها للمقام فلا مانع من جريانها الا لغوية الجعل.

و اما البراءة العقلية فلان مدركها قبح العقاب بلا بيان و هو في صورة احتمال‏

العقاب و اما في صورة القطع بعدم العقاب كما في المقام لحصول المؤمّن بدون‏

جريان الأصل فلا يكون وجه لجريانها فهي أيضا لا مانع من جريانها الا اللغوية و هكذا

الاستصحاب فانه لا موقع لجريانه و ان كان من جهة عدم مخالفة مؤداه مع الواقع‏

لأنه يجري في خصوص رفع خصوصية الوجوب و الحرمة لا في رفع الواقع‏

و استصحاب عدمه.

و لكن حيث يكون من الأصول التنزيلية للواقع بمعنى انه يكون معناه ابن‏


400
على انه الواقع يضاد مفاده مع الواقع لأن الواقع يكون في ظرفه هو الإلزام و لا

يمكن ان يقال لا وجوب و لا حرمة بمقتضى الأصل لأنه إذا لم يكن في الواقع‏

وجوب و لا حرمة و لو بناء لم يكن إلزام أيضا في الواقع فمن هذه الجهة يفارق‏

مع البراءة.

أقول في هذا الكلام الصادر عن شيخنا النائيني قده أيضا نظر كما في السابق‏

اما أولا فلما مر من ان الفرق بين أصالة الإباحة و أصالة البراءة بالقول بمضادة الأولى‏

مع العلم الإجمالي في البين دون الثانية غير وجيه لانحفاظ رتبة الظاهر و الواقع‏

فان أصالة الإباحة في الظاهر تكون مثل أصالة البراءة في عدم المنافاة مع الواقع.

و ثانيا ان العقاب المحتمل الّذي يكون من جعله البراءة العقلية جارية بالنسبة إليه يكون‏

في المقام متصورا لأن التكليف لا مانع من جعله‏1ذاتا فانه فرق بين التكليف المحال‏

و التكليف بالمحال و المقام من قبيل الثاني لأن الإشكال يكون من ناحية الامتثال‏

لا من ناحية الجعل.

و ثالثا لا فرق كما مرّ بين الاستصحاب و أصالة البراءة في الجريان لأن‏

الاستصحاب أيضا يكون البناء على ان المشكوك كالواقع لا انه الواقع و المضادة تكون‏

بين نفى الواقع و الواقع لا بين نفى ما فرض انه الواقع و الواقع.

و رابعا ان الأصل في أطراف العلم الإجمالي على حسب بعض المسالك جار

فانه على فرض كون العلم الإجمالي مقتضيا يجري الأصل في أطرافه.

ثم لا يخفى ان الإشكال المشترك بين جميع الأصول هو لغوية جعله كما في‏

البراءة الشرعية و الاستصحاب و أصالة الإباحة و كل ما ذكرناه من الإيراد يكون بالنسبة

إلى الإشكال الّذي يكون في خصوص كل أصل فلا تغفل.

1أقول الّذي نتصوره هنا هو ان للشارع أن يجعل حكما تعيينيا في دوران الأمر

بين المحذورين كما جعل التخيير في تعارض الروايتين و حيث أمكن جعل التعيين‏

يكون الأمن من العقاب من ناحية هذا النحو من التكليف بقبح العقاب بلا بيان عقلا

و رفع ما لا يعلمون شرعا.


401
في القول بالتعيين عند دوران الأمر بين المحذورين‏

مع احتمال الأهمية

ثم أنه يكون في كلمات الاعلام مثل الخراسانيّ و شيخنا العراقي(قدهما)

اختصاص ما ذكرنا من عدم جريان التعبد بأي نحو كان في الدوران بين المحذورين بصورة

عدم احتمال أهمية بعض الأطراف من حيث الاحتمال كما إذا كان احتمال الوجوب‏

أقوى بالنظر إلى الدليل أو احتمال الحرمة كذلك و من حيث المحتمل كما إذا كان‏

الشي‏ء على فرض وجوبه من أهم الواجبات كحفظ النظام و لو كان حراما من أهم‏

المحرمات كقتل النّفس مثلا فكما يقال في باب الدوران بين التعيين و التخيير بتقديم‏

محتمل الأهمية كذلك يقال في المقام لاحتمال الأهمية.

و قد أشكل كما عنى شيخنا النائيني(قده)(كما في الفوائد ص 165)بأن‏

القول بالتعيين يكون في صورة إحراز الحكمين و يكون الشك في تعيين أحدهما

و اما في المقام الّذي لا يكون الحكم مسلما و جنس الإلزام غير قابل للامتثال فلا يأتي‏

بحث التعيين و التخيير فيه.

و الجواب عنه أنه يكون الحكم عن الشرع في هذه الصورة متصورا لأنه‏

يمكن العصيان فان المانع من القول بوجوب أحد الأطراف أو حرمته كان هو عدم‏

خلو المكلف عن الفعل أو الترك فلا يكون التعبد بالنسبة إليه متصورا و اما في المقام‏

فعلى فرض كون هذا المعين هو المكلف به يكون العصيان ممكنا بتركه‏1فلا محذور

في التعبد به بخلاف تلك الصورة فان العقل يستكشف حكم الشرع في هذه الصورة

و قد أشكل ثانيا2بان الوجود التقديري للحكم في الواجب التخييري يكون‏

1أقول إمكان وجود الحكم لا يستلزمه وجوده إثباتا فالحق مع المستشكل‏

في ذلك.

2هذا هو الإشكال الأول بتقريب آخر و هكذا الجواب عنه و لذلك لم يكن‏

في بيان النائيني قده الا التقريب الأول.


402
متصورا و لذا يمكن القول بتعيين المكلف به عند احتمال الأهمية و لكن في المقام‏

الحكم على التقدير أيضا لا يكون و الجهل به يوجب القول بعدمه فكيف يقال بتعيين‏

مالا وجود له إثباتا لأنه فرع وجود أصل الحكم في البين.

و فيه ان الحكم في صورة التخيير لا يكون تقديريا بل لكل حكم تعييني و لكن‏

يسقط بفعل الاخر فلا يكون الحكم دائرا مدار التخيير بل أصل الحكم يمكن أن يكون‏

بالنسبة إلى المعين كما كان بالنسبة إلى الاخر.

ثم انه ربما قيل بان احتمال الحرمة بنفسها في جميع المقامات يكون لازمه‏

القول بالتعيين لأن دفع المفسدة يكون أولى من جلب المنفعة فكل الموارد في‏

دوران الأمر بين المحذورين يكون الأهم فيه موجودا فيؤخذ به.

و قد أشكل فيه بان ترك الواجب أيضا يكون فيه المفسدة فلا يكون جانب‏

الحرمة مختصا بالمفسدة فقط و فيه ان العدم عدم لا يكون له أثر وجودي فان ترك الواجب‏

لكونه تركا يكون منطبقا للعدم فكيف يكون له أثر و هو المفسدة و لو فرضت المفسدة

فيكون لطرو عنوان آخر غير عنوان الترك و هو يكون فيه المفسدة كما إذا فرض لزوم‏

خلاف النظام في ترك الواجب و لا فرق في النظام أيضا بين النظام الشخصي و النظام‏

النوعيّ فان كل واجب يمكن ان يكون تركه خلاف النظام شخصيا أو نوعيا في‏

مقابل كون الحرام أهم المحرمات فيكون ترك الواجب أيضا أهم فلا يختص الأهمية

بصورة إرجاع الواجبات الشخصية إلى النظام النوعيّ في الأهمية كما عن النائيني‏

و كيف كان لا سند لكبرى دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة و الا فيمكن الإشكال‏

على ما ذكر من أن ترك الواجب فيه المفسدة لعدم تأثير العدم في شي‏ء هذا كله البحث‏

في التوصليات.

في دوران الأمر بين المحذورين في التعبديات‏

فنقول اما التعبديات فلا يكون مثل التوصليات في ما ذكر فان التوصلي قد مرّ

عدم جريان التعبد فيه يعنى إعمال المولوية لحصول الفعل أو الترك تكوينا و ذلك لعدم‏


403
الموضوع للمخالفة و الموافقة و اما إذا كان الدوران بين المحذورين و كان كلاهما

أو أحدهما تعبديا فحيث يتصور المخالفة يمكن التعبد فيه فإذا فرض ان الأمر لو كان هو

الوجوب يكون تعبديا فأتى المكلف بالفعل بدون قصد الأمر يحصل له القطع بالمخالفة

لأنه ان كان في الواقع حراما فقد فعله و ان كان واجبا لم يفعله على وجهه و هو قصد

الأمر الّذي يكون من شروط عبادية العبادات فيمكن هنا التعبد بأحد الطرفين معينا

و حيث لا دليل على التعيين فالقول بالتخيير بين الفعل و الترك بنحو لا يلزم المخالفة

القطعية و لا يكون الاضطرار إليها أيضا كما هو واضح.

هذا كله في الواقعة الواحدة و اما إذا كان دوران الأمر بين المحذورين في‏

الوقائع المتعددة مثل أن يكون النذر على ترك الكتابة أو فعلها في ليلة الجمعة مثلا

فانه إذا علم انه نذر أحدا من الفعل و الترك و لا يعلم الخصوصية يكون من الدوران‏

بين حرمة الفعل و وجوبه فان كان هذا في ليلة واحدة فلا شبهة في كون حكمه ما مر

و اما ان كان أكثر من ليلة واحدة فهل يكون التخيير ابتدائيا بحيث انه إذا اختار في‏

أول ليلة الفعل أو الترك فيكون ملزما به إلى آخر الوقائع أو يكون التخيير استمراريا

بحيث يكون له اختيار الفعل في ليلة و اختيار الترك في ليلة أخرى،فيه خلاف.

فربما يقال بان القول بالتخيير الاستمراري حيث يلزمه المخالفة القطعية للعلم‏

بها بعد تكرار الواقعة فلا يجوز لأنا و ان لم نقدر على الموافقة القطعية و لكن نقدر على‏

ترك المخالفة القطعية.

و قد أشكل عليه بعضهم كما عن شيخنا النائيني قده بأن المخالفة و الموافقة

تكون بعد إحراز التكليف و انا في كل واقعة لا يكون لنا التكليف المحرز بل يكون‏

من دوران الأمر بين المحذورين الّذي لا يكون فيه مجال التكليف و التعبد.

و العلم الإجمالي في المقام لا يكون مثل العلم الإجمالي في التدريجيات‏

منجزا فانه في دوران أيام المرأة بين كون الثلاثة الأولى من الشهر حيضا أو الثانية

أو الثالثة نحكم بتنجيز العلم الإجمالي و وجوب الاحتياط في جميع الأيام و لكن في‏


404
المقام لا يكون كذلك لأن العلم الإجمالي لا يكون طوليا بل في كل ليلة يكون‏

لنا العلم الإجمالي اما بكون التكليف هو الترك أو الفعل و لا يكون التكليف عن الشرع‏

محرزا كما يكون في التكليف بالحيض ففي كل واقعة يلاحظ حكم تلك الواقعة.

و فيه انه لا فرق بين أن يكون منشأ العلم هو حكم الشرع ابتداء كما في الحيض‏

أو وجود الحكم لطريان شي‏ء مثل النذر فان الوفاء بالنذر أيضا واجب فحيث ما أمكن‏

الموافقة القطعية لا يجوز المخالفة القطعية و هذا هو حكم العقل فيكون العلم بالنسبة

إلى ما أمكن المخالفة منجزا و يجب متابعته.

ثم هنا كلام آخر لاختيار كون التخيير بدويا لا استمراريا و هو أن العلم الإجمالي‏

على مسلك بعضهم يكون علة تامة بالنسبة إلى المخالفة القطعية و مقتضيا بالنسبة إلى‏

الموافقة القطعية ففي المقام حيث يلزم المخالفة القطعية على الاستمراري يكون العلم‏

مؤثرا.

و قد أجيب عنه أولا كما عن شيخنا العراقي قده بأن العلم الإجمالي يكون علة

تامة بالنسبة إلى الموافقة القطعية و ترك المخالفة القطعية و في التخيير الاستمراري‏

حيث يكون العلم بالموافقة القطعية أيضا في ضمن العلم بالمخالفة القطعية لا إشكال‏

في التخيير الاستمراري و هذا يكون من جهة فساد المبنى.

و ثانيا1على فرض التسليم للمبنى يكون المقام مثل مقام الاضطرار إلى أحد

1أقول على فرض تسليم المبنى للقائل ان يقول ان ترك المخالفة القطعية

هنا ممكن و ان كان المخالفة الاحتمالية لازمة على أي تقدير.

مضافا بأن كون الاضطرار إلى أحد الأطراف موجبا لعدم تنجيز العلم الإجمالي‏

بالنسبة إلى الطرف الاخر محل كلام فان الاضطرار إلى الكأس الأبيض مثلا لا يوجب‏

جواز ارتكاب الأحمر خصوصا إذا كان الاضطرار بعد العلم مع التأمل في مساواة

المقام لموارد تشخيص التكليف بخصوصيته كموارد العلم الإجمالي نعم حيث ان‏

العلم الإجمالي علة تامة للموافقة و ترك المخالفة لا يكون القول بالتخيير البدوي‏

مستقيما كما هو الحق و اللّه العالم.


405
الأطراف فحينئذ لا مجال للقول بوجوب الموافقة القطعية لعدم الإمكان فإذا اضطر

أحد إلى ارتكاب أحد الإناءين المشتبهين لا يمكن أن يقال بوجوب الاجتناب عنهما

بتحصيل الموافقة القطعية حتى لو فرض العلم التفصيلي بشي‏ء و آل الاضطرار إلى ترك‏

ما هو واجب و فعل ما هو حرام لا كلام عن الموافقة القطعية فضلا عن صورة كون العلم‏

إجماليا كما في المقام فلا يمكن أن يقال بوجوب ترك المخالفة القطعية لأنها لازمة

على أي حال فلا يكون هذا سند التخيير البدوي فيكون التخيير استمراريا و هذا

الإشكال يكون عن شيخنا (1) العراقي و قد تم البحث هنا عن الشك في التكليف‏

و الحمد للّه أولا و آخرا.

الموضع الثاني الشك في المكلف به‏
فصل في أصالة الاشتغال‏

قال في الكفاية لو شك في المكلف به مع العلم بالتكليف من الإيجاب و التحريم‏

فتارة لتردده بين المتباينين و أخرى بين الأقل و الأكثر الارتباطيين فيقع الكلام في‏

مقامين.

المقام الأول في دوران الأمر بين المتباينين‏
المطلب الأول في اشتباه الحرام بغير الواجب و البحث عن‏

العلم الإجمالي‏

إلخ.

أقول و في هذا المقام يكون البحث عن أمور

الأمر الأول في البحث عن‏

العلم الإجمالي الّذي تعلق بالطرفين أو الأطراف‏

و العمدة فهم كلام المحقق‏

الخراسانيّ قده هنا من جهة انه يقول يكون البحث عن العلم الإجمالي من جهة

انه هل يكون مقتضيا للامتثال أو علة تامة من ناحية العلم لا من ناحية المعلوم فانظر

إلى كلامه.

و توضيح مقاله هو ان الأحكام الواقعية المجعولة من قبل الشرع اما ان يكون‏

من جهة الملاك و الأهمية بحيث يجعل في ظرف الجهل به و الشك فيه الاحتياط و يكون‏

فعليا من جميع الجهات حتى جهة الشك فيه و اما ان لا يكون كذلك بل يكون‏

1)في نهاية الأفكار لمقرره المرحوم آية اللّه الشيخ محمد تقي البروجردي قده.

406
المصلحة بحيث لو وصل إلينا و لم يمنع عنه مانع من الجهل و غيره لكان فعليا فان‏

كان الحكم الواقعي من قبيل الأول لا فرق في العلم المتعلق به بين أن يكون تفصيليا

أو إجماليا للمصلحة التامة فيجب الموافقة القطعية كما في باب الفروج و الدماء و اما

إذا لم يكن كذلك بل بحيث لو وصل و لم يمنع عنه مانع لكان فعليا يكون لجريان‏

الأصل في صورة الشك فيه مجال لعدم المانع من تطبيق حديث الرفع و ساير أدلة

البراءة بالنسبة إليه لأنه لم يكن فعليا حتى في ظرف الشك فيه فانقدح بذلك عدم‏

الفرق بين العلمين و انما الفرق في تأثير العلم و عدمه بين المعلومين.

و الجواب عنه أولا انه يكون الفرض في موارد العلم الإجمالي بعد العلم‏

بفعلية البعث و يكون الشك فقط من ناحية المكلف به فانه يعلم بأن الاجتناب عن النجس‏

واجب غاية الأمر يكون الشك في انه هل كان هذا الإناء أو ذاك فلا يكون الشك في‏

أصل التكليف حتى يجري البراءة.

و ثانيا ان المصلحة1تكون منكشفة بأصل الخطاب المتوجه إلى الواقع و لا

1أقول لا يكون في كلامه قده في الكفاية ص 208 تعرضا لاختلاف مراتب‏

الواقع بواسطة العلم الإجمالي بل حاصل ما فهمناه من كلامه قده أن الواقع بدليله‏

تارة يكون الدليل بحيث يكون مطلوب المولى على أي نحو كان و لو بواسطة

الاحتياط و تارة لا يكون المستفاد من دليله هو مطلوبيته على أي حال فقال في الصورة

الثانية يكون لجريان البراءة مجال بخلاف الأولى فلا يكون الإشكال عليه بهذا

الوجه واردا و ان كان الإشكال الأول عليه واردا.

و عدم فرقه بين العلمين التفصيلي و الإجمالي يكون في صورة كشف وجوب‏

الاحتياط من الدليل و هذا صحيح في نفسه و لكن لا يكون دليلا على جريان البراءة

في المقام.

و اما ما استنبطه مد ظله من لازم كلامه من أن التفاوت لا بد أن يكون بتفاوت‏

العلم و الجهل و هو ممنوع عنده ففي أصله كلام متين و استفدنا بعد عنه أنه يقول‏

به فصارت التفاوت في العلمين لا المعلومين.


407
يكون لعلم المكلف و جهله بالواقع دخل في الملاك حتى يكون في صورة العلم‏

تفصيلا أقوى و في صورة العلم إجمالا أضعف فان الواقع لا يتغير عما هو عليه بالعلم‏

و الجهل الشخصي و ليس العلم جزء الموضوع حتى يقال في صورة العلم يتم المصلحة

بل طريق محض و بيان دخله العلم في ذلك هو انه في صورة عدم إحراز أهمية

المصلحة من دليل الواقع يكون في صورة العلم التفصيلي واجب الإتيان و في‏

صورة العلم الإجمالي مجرى للبراءة فصار علم المكلف و جهله دخيلا في مصلحة

الواقع.

الأمر الثاني ربما يقال بأن العلم الإجمالي لا يكون منجزا لعدم وجود المتعلق‏

له و ما لا متعلق له لا يكون له وجه في التنجيز و ذلك لأن العلم بحكم كل واحد من‏

الأطراف شخصا غير حاصل كما هو المفروض و الّذي يتعلق العلم به هو عنوان أحدهما

لا بعينه و عنوان الأحد كذلك لا يكون له مطابق لا في الخارج و لا في الذهن بل هو

مفهوم انتزاعي اختراعي من النّفس فحينئذ يكون العلم الإجمالي كالشبهة البدوية في‏

عدم الأثر له و مال إليه القمي قده و لم يجزم به.

و الجواب عنه ان الفرق بين المقام و بين الشبهات البدوية هو عدم‏

حصول العلم مطلقا بالنسبة إليها و اما في المقام فيكون العلم حاصلا بما في البين‏

و للعلم انطباق في الواقع و لا يكون لنا العلم به ففرق واضح بين ما لم يمس العلم أصلا

كالشبهة البدوية و ما تعلق به العلم و صار الشك في التطبيق.

و لا يقال في الشبهات البدوية أيضا يكون العلم الإجمالي بوجود أحكام في‏

الشريعة المقدسة و يكون احتمال تطبيقه على مورد الشبهة فيكون مثل المقام.

لأنا نقول العلم الإجمالي بالاحكام صار منحلا بواسطة وجدان بعضها في‏

و لكن اشكاله بان العلم و الجهل لا يكون دخيلا في مصلحة الواقع لا نفهمه‏

لأنه لا إشكال في أن يكون مصلحة التسهيل مقتضية لرفع الحكم في ظرف الجهل‏

بالموضوع كما في موارد الشبهة البدوية.


408
الآيات و الاخبار و لكن في المقام لا يكون منحلا و هذا هو الفارق.

لا يقال الإشكال الّذي قد مرّ منكم على الخراسانيّ قده من ان المائز يكون‏

بين العلمين لا المعلومين يرد عليكم لأن حاصل ما أفدتم ان الفرق يكون بين المعلومين‏

أي في منطبق العلم فانه في الإجمالي لا يكون المعلوم واضحا و في التفصيلي يكون‏

واضحا بدون الشك فيه فصار الاختلاف في المعلومين لا العلمين فالحق معه(قده)

في ذلك.

لأنا نقول ان العنوان الّذي يكون متعلق العلم تارة لا يكون له مطابق في الخارج‏

جوهرا أو عرضا مثل عنوان زيد فانه لا مطابق له شخصا في الخارج لأن ما في الخارج‏

يكون له وجودات جوهرية و عرضية من الكم و الكيف و الوضع و الأين و ليس كل‏

واحد من هذه العناوين منطبقا لعنوان زيد فيكون مشيرا فقط مثل عنوان من في الصحن‏

بالنسبة إلى الافراد من زيد و عمرو و خالد.

و تارة يكون له مطابق محرز في الخارج كعنوان الإنسان فان زيدا يكون فيه‏

شي‏ء يكون هو منطبقا للإنسان واقعا و هو النّفس الناطقة.

و تارة ثالثة لا يكون المنطبق موجودا في الخارج لا شخصيا و لا جنسيا و لكن‏

يكون له انطباق في الواقع و نفس الأمر بحيث لو كشف الغطاء يكون الواقع شخصا

معينا و هذا يكون مثل عنوان الأحد الّذي يكون في العلم الإجمالي بين الأطراف‏

فان هذا العنوان يكون له منطبق واقعا بين الكأسين و لكن لا نعلمه.

و رابعة لا يكون له انطباق أصلا مثلا عنوان أحد نكرة فانه لا يكون له منطبق‏

أصلا و المقام يكون من قبيل الاحتمال الثالث و طور العلم فيه لا يكون مثل طور

العلم فيما يكون له منطبق خارجي شخصي و منشأ الفرق بين العلوم الّذي قلنا يكون‏

اختلاف نحو الصور في النّفس الّذي يكون مسمى بالعلم و لا يمكن ان يقال بسراية

صورة من الصور إلى أخرى كما لا يسرى صورة التمني في النّفس إلى صورة الترجي‏

و صورة العلم إلى صورة الشك و هذا ليس مما قال الخراسانيّ قده في بيان الاختلاف‏

بين المعلومين.


409
الأمر الثالث و قد تعرض لها في الرسائل‏ (1) و هو انه هل جريان الأصول‏

في أطراف العلم الإجمالي مثل أصل البراءة يكون له مانع ثبوتي مطلقا بعد عدم‏

التنجيز أو إثباتي مطلقا بمعنى عدم مساعدة الدليل و لو كان بحسب العقل بلا مانع أو

التفصيل بين الأصول المحرزة مثل الاستصحاب فيكون المانع ثبوتيا و بين الأصول‏

الغير المحرزة فيكون المانع إثباتيا وجوه و أقوال.

و مال الشيخ الأعظم قده إلى كون المانع إثباتيا و ان توهم ان المانع عنده‏

ثبوتيا و لا شبهة و لا ريب في ان الاحتمال لو لا المؤمن حجة فضلا عن العلم الإجمالي‏

و يكون البحث في المقام مع قطع النّظر عن التنجيز في أنه هل يمنع العلم ذاته من‏

جريان الأصول أم لا و ان كان في الكلمات الخلط بين العلم المنجز و ما لا يكون‏

كذلك و مورد عدم التنجيز للعلم يكون مثل صوره وجود الحالة السابقة في الأطراف‏

فانه إذا كانت الحالة السابقة في الإناءين النجاسة و حصل العلم الإجمالي بطهارة بعض‏

الأطراف لا يكون لهذا العلم أثر.

و الحق عندنا عدم منع العلم إذا لم يكن منجزا عن جريان الأصول في أطرافه‏

مطلقا سواء كان الأصل تنزيليا مثل الاستصحاب أو غيره كالبراءة.

فان الأصول في المقام ثلاثة أصالة الإباحة و أصالة البراءة و الاستصحاب و الكلام‏

فيه هنا يكون مثل ما سبق في جريان الأصل في باب دوران الأمر بين المحذورين‏

و الكلام الكلام و الجواب الجواب.

فان شيخنا النائيني كما مر عنه يكون قائلا بعدم جريان أصالة الإباحة من جهة

انها بمدلولها المطابقي يضاد العلم الإجمالي لأن إباحة هذا يكون معناها إباحة الطرف‏

الاخر أيضا و هو يضاد مع العلم الإجمالي بوجود الواقع في البين.

و قد مر الجواب عنه بان موطن العلم لا يكون موطن الشك فان العلم الإجمالي‏

1)و في الرسائل الحاضر عندي ص 226 و 227 و في الفوائد الجزء الرابع‏

عن النائيني ص 5 و 6 و 7.


410
يكون موطنه النّفس و لا يسرى‏1إلى الخارج فجريان الأصل في الخارج للشك‏

التفصيلي لا يكون مضادا للواقع بواقعيته و لو سلم ما ذكروه في دوران الأمر بين‏

المحذورين لا نسلمه هنا لأن هناك كان الشي‏ء الواحد مورد جريان الأصل و عدمه و في‏

المقام لا يكون كذلك لأن كل واحد من الأطراف يكون الشك فيه منحفظا و لا يكون‏

الإتيان لكل واحد مضادا مع العلم لأنه لا يكون مفاد أصالة الإباحة هو الجمع بين‏

الطرفين حتى يكون مضادا للعلم بخلاف صورة كون المورد واحدا فلا محالة يكون‏

مخالف الواقع.

و اما أصالة البراءة فهي أيضا لا إشكال في جريانها لعدم المضادة أيضا و اما

الأصول التنزيلية مثل الاستصحاب و قاعدة الفراغ و أصالة الصحة فانها أيضا لا مانع‏

من جريانها.

خلافا لشيخنا النائيني قده فان حاصل بيانه هو ان هذه الأصول حيث يكون‏

مفادها النّظر إلى الواقع و لا يكون لنا واقعان متضادان فالقول بالبناء على الواقع‏

مع العلم بعدم كون الواقع كذلك يمنع من جريان الأصل و هذا الكلام مع إقراره‏

قده بأن الكلام يكون في فرض عدم التنجيز.

و الجواب ما مر من أنه فرق بين القول بأنه الواقع أو كأنه الواقع و البناء على‏

الواقع لا يكون مثل نفس الواقع مع عدم سريان العلم إلى الخارج فلا منافاة ثبوتا

في جريان الأصول بالنسبة إلى العلم الغير المنجز.

و اما المانع الإثباتي فقد نسب إلى الشيخ و الخراسانيّ قدهما فقال الثاني في‏

باب وجوب اتصال الشك‏2باليقين في الاستصحاب بأن الموضوع لجريان الأصل‏

1العلم و ان كان لا يسرى إلى الخارج و لكن لا ينكر انه كاشف عما في الخارج‏

من الواقع بحيث لو كشف الغطاء لكان المنطبق في الخارج حتما.

2هذا في الاستصحاب و اما في ساير الأصول فلا بد ان يقول بهذه المقالة

من باب عدم الموضوع الساذج و هو الشك بل يكون الشك مقرونا بالعلم أيضا و هو

خلاف ظاهر الدليل.


411
يكون هو الشك فإذا لم يكن الموضوع متحققا لم يكن الحكم بالأصل لأن مفاد

الدليل عدم نقض اليقين بالشك و اما نقض اليقين بغير الشك فلا إشكال فيه ففي صورة

العلم الإجمالي في البين لا يكون الشك في كل واحد من الأطراف متصلا باليقين‏

بل صار العلم الإجمالي فاصلا بين الشك و اليقين فليس لنا شك فعلا بل كل واحد

من الأطراف يحتمل أن يكون منطبق العلم الإجمالي فيكون من الشبهة المصداقية

لدليل الأصل مثل لا تنقض اليقين بالشك لأن احتمال التطبيق أخرجه عن كونه شكا

محضا.

و هكذا رفع ما لا يعلمون في المقام لا يجري لأن ما لا يعلم و هو المشكوك يكون‏

مرفوعا و اما ما لا يكون شكا ساذجا فيكون الشبهة في تطبيق الدليل لأن احتمال كونه‏

مما يعلم و لو باحتمال التطبيق يمنع عن جريان الأصل.

و الجواب عنه قده ان العلم و الشك يكون لكل واحد منهما موطنا و لا يسرى‏

موطن‏1العلم إلى موطن الشك فيكون العلم في موطن لا يسرى إلى الخارج و الشك‏

في كل واحد من الأطراف تفصيلي فلا مانع من جريان الأصل كما مر.

و اما إشكال الشيخ(قده)فيكون من جهة مناقضة الصدر و الذيل في الأدلة

فيما له ذيل مثل قوله عليه السّلام لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر و قوله عليه السّلام‏

كل شي‏ء حلال حتى تعرف انه حرام بعينه و قوله عليه السّلام كل شي‏ء نظيف حتى تعلم‏

انه قذر.

لأنه لو فرض جريان الأصل في موارد العلم الإجمالي يلزم نقض اليقين بالشك‏

فان الصدر منع عن نقض اليقين بالشك و الذيل أمر بالنقض بيقين آخر و الصدر

حكم بحلية كل مشكوك الحلية و الذيل يدل على ان ما عرفنا انه حرام لا يكون حلالا

و كذا ما علمنا انه قذر ليس بطاهر و ما دل العلم الإجمالي عليه أيضا يكون معلوما بوجه‏

1العلم و الشك و ان كان لا يسرى أحدهما إلى الاخر و لا يسرى العلم إلى‏

الخارج و لكن يكون العلم كاشفا عما في الخارج و هذا شي‏ء لا ينكر.


412
و مشكوكا من وجه فلا يمكن ان يكون مورد الأصل.

و القول بتعيين وجه الشك في جريان الأصل لا مرجح له و كذلك القول بالتخيير

بين جريان حكم الأصل من جهة الشك و عدم جريانه من جهة العلم لم يقل به أحد

فلا يمكن القول بجريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي.

و الجواب عنه قده مع عظم شأنه هو انا نسأل منه ان كان المراد باليقين أو

العلم الّذي يكون غاية لحكم الشك هو الأعم من الإجمالي و التفصيلي فلا موضوع‏

للأصل أصلا لأن العلم الإجمالي أيضا كالتفصيلي فيكون معلوما لا مشكوكا و موضوع‏

الأصل هو الشك و لا ربط له بمناقضة الصدر و الذيل و على فرض اختصاص الغاية

بالعلم التفصيلي فيكون الموضوع باقيا لأن المعلوم بالإجمال يكون كالمشكوك و هو

قده رأى أن التصرف في الصدر أرجح بحمل اليقين على اليقين الإجمالي فإذا كان‏

اليقين في شي‏ء إجمالا لا ينقض الا بيقين لا بالشك في كل طرف من الأطراف كاليقين‏

بنجاسة أحد الكأسين فانه لا ينقض الا باليقين بالطهارة.

و لكنا نسأل منه أي فرق بين الصدر و الذيل فانه لو كان اليقين الإجمالي كافيا فلم‏

لا يقال بهذه المقالة في صورة كون الكأسين مثلا نجسين و حصل اليقين بطهارة

أحدهما فانه أيضا يقين فلما ذا يقال لا أثر لهذا اليقين فان النقض باليقين الاخر لو شمل‏

اليقين الإجمالي يجب أن يشمل هذا أيضا و لم يقل به.

فالسرّ في عدم جريان الأصل في العلم الإجمالي يكون تنجيزه في نفسه لحكم‏

العقل به لا مناقضة الصدر و الذيل.

فان قلت نحن نأخذ بما لا ذيل له مثل رفع ما لا يعلمون و الناس في سعة ما

لا يعلمون حتى لا يأتي الكلام عن المناقضة قلت المطلق يقيد و العلم يخصص فان ماله‏

الذيل يكون خاصا فيكون المدار أيضا على المقيد و الكلام فيه ما مرّ.

لا يقال لا يحمل إحدى الطائفتين على الأخرى لأن من المحرر في الأصول‏

عدم حمل المطلق و المقيد و العام و الخاصّ المثبتين على الاخر و يكون التقييد في‏

صورة تنافي العام و الخاصّ و المطلق و المقيد بالنفي و الإثبات.


413
لأنا نقول هذا حق في صورة عدم إحراز وحدة المطلوب و اما في المقام‏

فندعي ان المطلوب من جميع الروايات واحد و هو كونها في مقام جعل الوظيفة في‏

ظرف الشك.

مضافا بأنه يمكن أن يقال بان المناط هو إحراز الموضوع و لو كان الدليل‏

بلا ذيل فان عنوان ما لا يعلمون يجب أن يكون صادقا ففي صورة عدم الصدق لا مجرى‏

للأصل و الفرض أن مورد العلم الإجمالي لا يكون الموضوع متحققا فلا يكون هذا

مختصا بما له الذيل فانه كان أو لم يكن لم يؤثر فيهما هو المهم و الا فلو لم يكن العلم‏

الإجمالي مانعا من الجريان يلزم ان لا يكون التفصيلي أيضا غير مانع لأن الموضوع‏

في كلا الصورتين غير منحفظ.

فالحق أن يقال ان الموضوع في كل طرف منحفظ و لذا يجري الأصل فيه‏

و العلم بالواقع بينهما لا يسرى إلى الخارج و إلى موطن الشك في فرض عدم تنجيز

العلم الإجمالي و موته سواء كان المراد بالذيل العلم التفصيلي أو الإجمالي.

ثم انه قد أشكل شيخنا العراقي قده على الشيخ بما حاصله ان المراد باليقين‏

في الصدر هو اليقين التفصيلي لظاهر الدليل و يكون المراد من الذيل أيضا ما هو

المراد من الصدر فقوله عليه السّلام لا تنقض اليقين يكون المراد التفصيلي منه و قوله بل‏

انقضه بيقين آخر يكون المراد نقض اليقين باليقين الّذي يكون مثل يقين الصدر

لوحدة السياق فجريان الأصل في صورة العلم إجمالا و عدم نقض اليقين التفصيلي‏

بالإجمالي لا يكون من المناقضة بين الصدر و الذيل و لا يلزم من العمل بالصدر طرح‏

الذيل.

و لو سلم‏1فلا شبهة في أن حرمة نقض اليقين في الصدر تكون تعبدية محضة

1أقول ليس هذا و ما قبله الا برهانا واحدا لا كون هذا بعد تسليم عدم‏

وحدة السياق فانه لو كان السياق واحدا يلزمه كون الذيل مثل الصدر و حيث يكون‏

المراد باليقين في الصدر التفصيلي حسب ما يدعيه قده يكون اليقين في الذيل أيضا


414
لأن الشك إذا جاء لا شبهة في أنه لا يبقى العلم فان المعلوم إذا صار مشكوكا ينقلب‏

عما هو عليه فالحكم بحرمة النقض بعد النقض يكون تعبدا محضا و اما الذيل فيكون‏

على حسب التكوين فان اليقين السابق لا ينقض تكوينا الا بحصول يقين مثله فإذا

حصل اليقين بالخلاف يكون النقض تكوينيا و الحكم به يكون من الإرشاد المحض.

و لا شبهة في أن النقض التكويني حاصل إذا كان تفصيليا و لا يمكن نقض‏

اليقين التفصيلي باليقين الإجمالي تكوينا ضرورة لأنه علم مخلوط بالشك فلا يلزم‏

من ذلك أي من جريان الأصل في مورد العلم الإجمالي مناقضة الصدر و الذيل لأن‏

ما امر الشارع بنقض اليقين به هو التفصيلي فقط هذا كلامه رفع مقامه انتهى.

و فيه انه على ما هو الحق عندنا من عدم سراية العلم إلى موطن الشك كما

مر يصح هذا الكلام لعدم إمكان النقض لوجود الشك التفصيلي في كل طرف من‏

كذلك حسب وحدة السياق فيكون تكوينيا.

فعمدة الإشكال عليه قده يمكن ان تكون منع انصراف الصدر إلى اليقين‏

التفصيلي ليلزمه منع الذيل أيضا و منع الإرشاد و لم يحضرني تقريرات بحثه و هذا

ما قرره الأستاذ في الدرس.

و مع ذلك كله يكون هذا الكلام في الاستصحاب فقط و لم يكن بيانا لما له الذيل‏

من أدلة البراءة و إشكال المناقضة يكون عاما للاستصحاب و البراءة و لا يمكن تطبيق‏

هذا البيان في قوله كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام لأن الصدر لا يكون‏

الحكم الا في مورد الشك و لو لم تكن الحالة السابقة.

فالعمدة ان يقال ان الموضوع في الكل هو الشك و يلزم ان يكون منحفظا

غاية الأمر يكون في الاستصحاب أحد الأركان و الركن الاخر اليقين السابق و في‏

البراءة هو الركن الواحد.فان كان صادقا مع العلم الإجمالي فهو و الا فلا مجال‏

لجريان الأصل و حيث يشكل علينا ما ذكره الأستاذ مد ظله من ان العلم الإجمالي‏

لا ربط له بالخارج فيشكل القول بجريان الأصل ثبوتا لأنه مرآة للخارج بل لا ينفك‏

العلم كذلك عن التنجيز و فرض عدم تنجيزه يكون مجرد الفرض فقط.


415
الأطراف و لكن الأستاذ قده يقول بجريان الاستصحاب فيما كان معلوما بالإجمال ثم‏

شك في هذا العلم مثل أن نعلم بالعلم الإجمالي نجاسة أحد الإناءين ثم شككنا في‏

أن العلم كان مطابقا للواقع أم لا فانه قده يقول انه يستصحب العلم الإجمالي حتى‏

يظهر خلافه فلو كان المراد من الصدر في الاستصحاب بالانصراف هو اليقين التفصيلي‏

فكيف ينطبق على ما كان يقين الصدر فيه إجماليا.

هذا إيراد الشق الأول من كلامه و هو قوله ان اليقين منصرف إلى التفصيلي‏

و اما الإيراد على الشق الثاني و هو أن المراد من اليقين في الذيل هو اليقين التفصيلي‏

أيضا و جعل الأمر بالنقض إرشاديا فهو أيضا يتوقف على القول بأن اليقين في الذيل‏

يكون هو التفصيلي و اما على فرض كون المراد به الأعم من الإجمالي و التفصيلي‏

فلا يكون الأمر في صورة العلم الإجمالي إرشادا فيرجع إشكال الشيخ قده بمناقضة

الصدر و الذيل فالحق هذا الطريق الّذي ذكرناه في جريان الأصول على فرض عدم‏

تنجيز العلم.

إذا عرفت ذلك‏

فيجب البحث في مقامين‏
المقام الأول في حرمة المخالفة

القطعية و الثاني في وجوب الموافقة القطعية و هذا البحث يكون بعد وجود الاقتضاء

لجريان الأصل من جهة انه هل يكون العلم الإجمالي مانعا أم لا.

ففي المقام الأول نقول لا شبهة في ان العلم يقتضى ترك المخالفة القطعية
و ذلك‏

لأن الصفات تارة تكون نفسية و تارة تكون خارجية فالأوّل مثل العلم فانه يكون من‏

صفات النّفس فإذا كان المعلوم مجملا و مرددا لا يكون التعلق بعنوان الأحد الا من‏

باب أخذ ما هو مخلوق النّفس متعلقا له و هو لا واقع له بل مخلوق لكم و مردود إليكم‏

و تارة تكون الصفة خارجية مثل النجاسة فان الكأس في الخارج يكون مائة مثلا نجسا

و يوصف ان هذا في الخارج نجس و لا يقال ان هذا الشي‏ء في الخارج معلوم.

و نحن في المورد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الكأسين نعلم بوجود صفة

النجاسة بين ما هو موجود في الخارج و نعلم أيضا بأنه صدر عن الشارع وجوب‏

الاجتناب عن النجس يقينا و نعلم أن متعلق حكم الشارع لا يكون خارجا عما وجدناه‏


416
في الخارج و العلم نور محض يكشف عن واقعية يجب متابعته و يكون هذا العلم مثل‏

العلم التفصيلي في كشف الواقع و لا يكون عذر للعبد في المخالفة و عنوان أحدهما

لا يكون له المنطبق في الخارج و لا يكون التكليف متعلقا به.

و بعبارة أخرى الأحكام في الشريعة المقدسة على نحوين:الأول ما كان معلقا

على شي‏ء مثل الأحكام الأولية المعلقة بعدم الاضطرار و الحرج و الضرر فانه إذا حصل‏

أحد العناوين لا يكون الحكم فعليا و لا يجب البعث أو الزجر منه.

و الثاني أن يكون غير معلق على شي‏ء كالاجتناب عن النجاسة فانه لا يكون‏

حكمه مثلا معلقا على صورة علم المكلف بالمتعلق الشخصي بل يكون مطلقا فحينئذ

لا يكون للمكلف في صورة إجمال المتعلق ترك الحكم و امتثاله و لا سبيل للعقل هنا

في تشريع الحكم بل يحكم العقل بتا بوجوب متابعة هذا الحكم و لا يكون للشرع‏

ردع العقل بجعل الترخيص في أطراف العلم الإجمالي لأن حكم العقل يكون تابعا

لما نجز في الشرع فللشارع رفع اليد عن حكمه الّذي يكون منشأ حكم العقل بوجوب‏

المتابعة و ليس له الردع بعد حكمه بشي‏ء بدون التعليق على شي‏ء فنحن حيث نرى‏

أن الترخيص في هذا و ذاك مخالف لإطلاق الجعل نحكم بعدم جريان الأصل في مورد

العلم الإجمالي.

ان قلت ليس ما ذكرتم من وجوب الاجتناب عن النجس في مورد العلم الإجمالي‏

الا من باب احتمال تطبيق الواقع في البين على هذا و ذاك و هذا الاحتمال أيضا موجود

في الشبهة البدوية لاحتمال تطبيق الواقع على المشتبه و يترتب عليه احتمال المعصية فكما

لا يعتنى باحتمال التطبيق فيها فلا يعتنى في المعلوم بالإجمال من غير فرق بينهما.

قلت الفرق بينهما واضح لأن مورد العلم الإجمالي يكون التكليف واصلا

إلينا بأبزاره فيجب امتثاله و اما في مورد الشبهة البدوية فلا يكون التكليف و أصلا

أصلا فانه يكون التكليف من أصله مشكوكا بخلاف صورة العلم بنوع التكليف‏

من الوجوب و الحرمة و اشتباه المتعلق في الخارج.

فان قلت مرّ منكم أن الترخيص في كل واحد من الأطراف لا يكون مناقضا


417
للعلم ثبوتا فأيّ إشكال في جريان الأصل في كل واحد من الأطراف و الّذي يكون مناقضا

هو الأصل الجاري في مجموع الطرفين دفعة و ليس لنا أصل كذلك مجعول من الشرع.

مضافا بأنه بعد ارتكاب كل واحد منهما يحصل العلم بمخالفة الواقع و هو

لا يضر فان المعصية تكون في صورة إحرازها قبل الفعل بوضوح حكم ما يخالفه و ليس‏

في المقام كذلك فلا مانع من جريان الأصل.

قلت أجيب أولا كما عن النائيني قده بان الأصلين إذا كان جريانهما مضادا

للواقع على فرض الجريان يتساقطان فلا مؤمّن في صورة احتمال التكليف بعد سقوط

ما هو مؤمّن لو لا التعارض فلا بد من امتثال التكليف المحتمل في كل واحد من‏

الأطراف نعم الأصل الواحد لا إشكال في جريانه لعدم المنافاة.

و اما القول بأنه عند ارتكاب كل واحد لا يكون المعصية محرزة فجوابه أن‏

الفعل كذلك ينافي جعل التكليف في الواقع و مخالفته تحصل بواسطة فعل كلا

الطرفين أو الأطراف فان الجمع بين الأصول يضاد العلم الإجمالي بالتكليف بخلاف‏

الأصل الواحد.

و لكن الّذي هو الحق خلاف ما ذكروه في الجواب بل الحق هو ما ذكرناه من‏

أن اللازم من جريان أصل واحد أو الأصول المتعددة هو الترخيص في المعصية و لا يكاد

يمكن الترخيص فيها عن عاقل فضلا عن المولى الحكيم فلا يجري أصل واحد أيضا

و ما ذكر من تعارض الأصول و عدم المؤمّن لا يكون هذا شأنا للعلم بل يكون‏1

الاحتمال منجزا و الكلام يكون في تنجيز العلم الإجمالي لا الاحتمال فان الشبهات‏

البدوية أيضا يكون الحكم فيها الاحتياط إذا لم يكن المؤمّن في البين كما في موارد

1إذا كان المراد بالاحتمال هو احتمال التطبيق فلا محالة يكون ناشئا عن‏

العلم الإجمالي و ليس كل احتمال حجة بل الاحتمال الّذي يكون له منشأ عقلائي‏

و لا مؤمّن له و عدم وجود المؤمّن في المقام يكون لنكتة العلم و الا فالشبهة البدوية

التي لا تكون في باب الفروج و الدماء أيضا فيها الاحتمال و ليس بحجة.


418
الفروج و الدماء.

و اما ما ذكر من ان الشارع لا يجمع بين تعبدات ثلاثة التعبد بالاجتناب عن‏

النجس في البين و التعبد بارتكاب هذا الطرف و ذاك للمنافاة فائضا منقوض بصورة

عدم لزوم المخالفة العملية مثل صورة العلم بطهارة1أحد الكأسين بعد العلم‏

بنجاستها فانه كيف يمكن التعبد بالقول بالنجاسة و عدم ملاحظة العلم فالحق الوحيد

هو أن جريان الأصل يكون من الترخيص في المعصية.

1أقول يمكن ان يقال في المقام و ساير المقامات مثله بان الطهارة لا يكون‏

لها الاقتضاء فان احتمال الطهارة لا يكون فيه الأمر بشي‏ء و لكن احتمال النجاسة يكون‏

فيه الأمر بالاجتناب و هو لا يجمع مع الترخيصين و لو فرض في مورد اقتضاء الطهارة

حكما تعبديا.

مثل ما لو فرض ثوبان أحدهما يكون طاهرا بعد العلم بنجاستهما يجب الصلاة

فيهما قضاء للعلم الإجمالي بوجود الطاهر و ترك الصلاة فيها أو الاكتفاء بأحدهما

لا يكون صحيحا فعلى هذا لا يكون في طريق القائل بتعارض الأصلين و تنجيز الاحتمال‏

الناشئ من العلم الإجمالي كثير إشكال.

و اما ما ذكره مد ظله من أنه يكون من الترخيص في المعصية ففي ارتكاب كلا

الطرفين يكون كذلك و اما في ارتكاب بعض الأطراف فلا نسلمه لأنه من الممكن أن‏

يقتضى مصلحة التسهيل رفع اليد عن حكم بعض الأطراف إذا كان لدليل البراءة

عموم أو إطلاق يشمل المقام و المهم صرف عنان الكلام إلى أنه هل يكون الشك‏

الّذي هو موضوع الأصل شاملا لموارد العلم الإجمالي أم لا في لسان الدليل فان القول‏

بأن موضوعه هو الأعم مشكل بل ممنوع فان العرف لا يرى العالم بالعلم الإجمالي‏

كالشاك و لا يكون المراد بالعلم أو اليقين في دليل الأصل هو التفصيلي فقط فانظر إلى‏

قوله عليه السّلام في الإناءين المشتبهين فأنه عليه السّلام قال يهريقهما و يتيمم و لو لا لزوم الموافقة

القطعية و ترك المخالفة القطعية ما كان وجه لإهراقهما بل يمكن أن يقول اكتف بترك‏

الواحد منهما في مقام الاجتناب عن النجس.


419
لا يقال أن ما ذكرتم من المضادة بين جريان الأصل و العلم يكون في صورة

وجود العلم الوجداني الإجمالي و اما إذا كان الدليل هو العلمي مثل قيام الأمارة

على أن أحد هذين الكأسين مثلا نجسا فلا مجال لهذا القول لأن دليل الأصل أيضا

أمارة ففي مقام تعارض الأمارتين لأصالة الظهور فيها لا وجه لتقديم أمارة الحكم بل‏

يقدم دليل الأصل أيضا كما أنه يمكن تقديم أمارة الحكم و لا ترجيح لأمارته على‏

أمارة الأصل.

لأنا نقول دليل الحكم يكون حاكما على دليل الأصل لأن الموضوع في جريان‏

الأصل هو الشك فانه يكون جريان الأصل عند عدم العلم بالحكم بقوله رفع ما لا يعلمون‏

و أمثاله و فقدان الموضوع يكون موجبا لفقدان الحكم و دليل الحكم لا يكون موضوعه‏

الشك بل يكون في ظرف الشك فعلى مسلك تتميم الكشف يكون دليل الحكم تنزيل‏

الشك منزلة العلم فيكون مفادها حصول العلم تعبدا فيكون رافعا لموضوع الأصل‏

تعبدا فلذا يقدم أمارة الحكم على الأصل.

و بعبارة أخرى إذا شك في حكم العصير العنبي فدل دليل على النجاسة مثل‏

رواية عن زرارة مثلا فان مفاد دليل الأمارة هو تصديق العادل و إلقاء احتمال الخلاف‏

في ظرف الشك و فرض المشكوك معلوما و اما إذا لم يكن دليل كذلك فان مفاد رفع‏

ما لا يعلمون و غيره هو أن الحكم في الموضوع الّذي يكون هو الشك مرفوع فيكون‏

مفاده الأصل لأن الأصل موضوعه الشك فدليل النجاسة يدل على أنك عالم بالعلم‏

التعبدي و دليل الأصل لا يحكم كذلك بل مع تثبيت الشك يحكم برفع الحكم.

و معلوم أن الّذي يفيد العلم تعبدا يوجب رفع الموضوع بالنسبة إلى ما يكون‏

موضوعه الشك فلا فرق في العلم الإجمالي بين أن يكون العلم وجدانيا أو تعبديا

مستفادا من الشرع.

هذا كله في المقام الأول و هو وجوب ترك المخالفة القطعية و حاصل ما قلناه‏

في اقتضاء العلم ذلك هو أنه لو فرض جواز المخالفة كذلك يلزم الترخيص في المعصية

و هو قبيح عن المولى الحكيم و المخالف هنا شاذّ.


420
و اما المقام الثاني و هو وجوب الموافقة القطعية
فهي أيضا لازمة على التحقيق‏

و لا شبهة لأحد في أن موافقة العلم لازمة و لذا من قال بكفاية ترك المخالفة القطعية

يدعى ان الموافقة تكون أعم من الوجداني و التعبدي فان دليل البراءة في طرف واحد إذا

كان جاريا يكون مفاده هو الاكتفاء عن الواقع بواحد تعبدا.

و الشيخ الأعظم‏1قده أيضا يكون قائلا بوجوب الموافقة القطعية و يكون‏

العلم علة تامة لذلك عنده و ليس قائلا بالاقتضاء كما توهمه بعض الناظرين إلى عبارته‏

كما أنه في صورة قيام الأمارة على أن النجس مثلا هو هذا الكأس الأبيض يحكمون‏

بالانحلال أو الاكتفاء عن الواقع بالواحد المعين و على هذا يقولون بأن أدلة البراءة

حيث تكون عامة و يشمل كل طرف لوجود الشك التفصيلي و من جهة المضادة مع‏

العلم لا يمكن جريانها في الطرفين لا بد من القول بالتخيير مثل موارد التخيير بين‏

الأمارتين المتعارضتين.

فصل في ان العلم الإجمالي مقتض أو علة تامة

أقول يجب علينا البحث في المقام عن مقامات أربعة
الأولى في وجوب الموافقة

القطعية كوجوب ترك المخالفة القطعية و إثبات كون العلم علة تامة و الثاني البحث‏

في الانحلال و الثالث البحث في جعل البدل و الرابع البحث في التخيير.

ففي المقام الأول‏
نقول العلم علة تامة بعين الدليل السابق في كونه كذلك بالنسبة

إلى المخالفة القطعية و هو أن العلم صفة في النّفس و النجاسة صفة في الخارج فإذا

علمنا بأن النجاسة في الخارج موجودة بين الكأسين نعلم أن الحكم بالاجتناب عن‏

النجس الخارجي يكون في البين و الترخيص في طرف واحد أو الأطراف يكون‏

من الترخيص في المعصية و هو قبيح على المولى.

1فانظر إلى نصه في المقام الثاني في ص 229 من الرسائل فالحق وجوب‏

الاجتناب عن كلا المشتهيين وفاقا للمشهور.


421
فان قلت قد مر منكم عدم سريان العلم إلى الخارج فانه يكون متعلقا بطبيعي‏

النجاسة لا بالفرد الخارجي و هذا لازمه عدم تنجيز العلم بالنسبة إلى الأطراف فضلا

عن تنجيزه بالنسبة إلى طرف واحد و هذا يكون تهافت في البيان.

قلت هنا أيضا نقول بعدم سريان العلم و لكن نقول احتمال تطبيق الطبيعي‏

على الفرد هو المانع من جريان الأصل و موجبا للتنجز مضافا بأنه لو كان الأمر كما

ذكرتم يلزم أن يقال بجواز المخالفة القطعية و هو كما ترى لا يقول به إلا شاذ و لا يكون‏

مثل الشبهات البدوية لعدم احتمال تطبيق حكم بخصوصه فيها.

فنكتة القول بوجوب الموافقة و ترك المخالفة هو احتمال التطبيق لا العلم لأن‏

صقعه النّفس و لا التطبيق الخارجي لأنه غير معلوم فعلى هذا يكون الحاصل مما ذكر هو

أن العلم الإجمالي يوجب التنجيز من باب استقلال العقل بأن التكليف اليقينيّ يجب‏

أن يكون فراغه يقينيا.

فان قلت ان التنجيز على هذا يكون للعلم لا للواقع الخارجي لأن الّذي يوجب‏

التكليف يكون العلم به و لا يكون العلم مماسا بالخارج.

قلت يكون سبب التنجيز هو المعلوم الّذي يكون هو النجاسة و يكون على‏

عنوان أحدهما الغير المعين و لكن بلحاظ ما في الخارج من النجاسة الّذي ينطبق عليه‏

صورة المعلوم في الذهن.

و الحاصل يكون الاشتغال اليقينيّ حاصلا سواء كان التنجيز سببه ما في‏

الخارج أو المعلوم.

المقام الثاني في بيان أنه هل ينحل العلم الإجمالي بجريان الأصل في بعض الأطراف‏

أم لا

و بعبارة أخرى هل يكون العلم الإجمالي علة تامة للموافقة القطعية حتى يجري‏

الأصل في أي طرف فرض أو يكون مقتضيا حتى يجري الأصل الّذي يكون له المعارض.

فقد نسب إلى الشيخ الأنصاري قده الاقتضاء كما عن عدة و قيل أنه قائل بالعلية

التامة كما عن الخراسانيّ قده و الحق أن كلامه قده متهافت فربما يفهم منه العلية التامة

و ربما يفهم في موضع آخر الاقتضاء اما عبارته الدالة على العلية التامة فهو ما ذكره في‏


422
هذا المقام بقوله‏ (1) قلت أصالة الحل غير جارية هنا بعد فرض كون المحرم‏

الواقعي مكلفا بالاجتناب عنه منجزا على ما هو مقتضى الخطاب بالاجتناب عنه‏

لأن مقتضى العقل في الاشتغال اليقينيّ بترك الحرام الواقعي هو الاحتياط و التحرز عن‏

كلا المشتبهين حتى لا يقع في محذور فعل الحرام و هو معنى المرسل المروي في بعض‏

كتب الفتاوى اترك ما لا بأس به حذرا عما به بأس فلا يبقى مجال للإذن في فعل أحدهما

انتهى.

و قال في موضع آخر قلت العلم الإجمالي‏1كالتفصيلي علة تامة لتنجز التكليف‏

بالمعلوم الا ان المعلوم إجمالا يصلح لأن يجعل أحد محتمليه بدلا عنه في الظاهر

فكل مورد حكم الشارع بكفاية أحد المحتملين للواقع اما تعيينا كحكمه بالاحتمال‏

المطابق للحالة السابقة و اما تخييرا كما في موارد التخيير بين الاحتمالين فهو من باب‏

الاكتفاء عن الواقع بذلك المتحمل لا الترخيص لترك الواقع بلا بدل في الجملة فان‏

الواقع إذا علم به و علم إرادة المولى لشي‏ء و صدور الخطاب عنه إلى العبيد و ان‏

لم يصل إليهم لم يكن بد عن موافقته اما حقيقة بالاحتياط و اما حكما بفعل ما جعله الشارع‏

بدلا عنه و قد تقدم الإشارة إلى ذلك في الشبهة المحصورة.

و قوله ان الأصول تجري و تسقط بالمعارضة يكون نصا في الاقتضاء و عدم العلية

و لا يخفى ان العلية التامة التي ندعيها لا تكون ما ذكر من تعارض الأصول‏

ثم القول بالاشتغال بحيث لو فرض جريان الأصل بدون المعارض لا يكون فيه‏

الإشكال بل يكون معناه عدم جريان الأصل و لو كان بلا معارض لتنجيز العلم.

و قد وجّه النائيني قده كلام الشيخ بحيث يفيد لنفسه لقوله بالاقتضاء و هو انه‏

يقول ان الموافقة القطعية و ان كانت لازمة و لكن بالأعم من التعبدي و الوجداني فإذا

1وجدت عبارته تماما بعد إتعاب شديد في الرسائل في مبحث الاشتغال في‏

المطلب الثاني و المسألة الأولى من قوله القسم الأول في ص 248 في الرسائل الحاضر عندي‏

1)في الرسائل الحاضر عندي ص 230

423
كان أصل و جرى يكون لازمه كون الواقع في الطرف الاخر تعبدا و الاكتفاء

عن الموافقة القطعية به و لكنه غير تام لأن الظاهر من الموافقة القطعية هو الوجداني‏

لا التعبدي.

و المقام الثالث في جعل البدل للواقع‏

فانه اما ان يكون الأصل أو الأمارة و الثانية اما ان تكون موافقة للعلم في مقام‏

الجعل أو تكون في مقام الفراغ كما في موارد قاعدة التجاوز و الفراغ‏

فنقول ان كان جعل البدل بجريان الأصل في بعض الأطراف بدلا عن الواقع‏

مثل ان يجري الأصل بالنسبة إلى أحد الكأسين الذين يكون له حالة سابقة في الطهارة

عند العلم الإجمالي بنجاسة أحد الكأسين فلازمه يكون هو الاكتفاء بالطرف الاخر

عما هو معلوم و من هذا يكشف أن العلم الإجمالي يكون مقتضيا لا علة تامة.

و يرجع هذا إلى ان يكون الواقع حكمه تعليقيا بان يكون الواقع المعلوم‏

بالإجمال منجزا في ظرف عدم جريان الأصل و لكن حيث يكون الحكم تنجيزيا

بحسب حكم العقل لا تصل النوبة إلى جريان الأصل لأنه ينافي التنجيز.

و اما ان كان جعل البدل بالأمارة فتارة يكون مفاد الأمارة موافقا للعلم بالمطابقة

مثل ان يقوم أمارة بعد العلم بنجاسة أحد الكأسين أن هذا المعين هو النجس فيكون‏

المدلول المطابقي للأمارة موافقا للعلم بالنجاسة لأنه أيضا يقتضى النجاسة و لازمه‏

جريان الأصل في الطرف الاخر أي أصالة الطهارة بل يمكن ان يقال لا نحتاج في‏

الطرف الاخر إلى الأصل أيضا لأن الأمارة كما يشملها دليل الاعتبار في المدلول‏

المطابقي يشمله دليله في المدلول الالتزامي بنحو العرضية لا الطولية و ان كان الثاني‏

في طول الأول من حيث الوجود.

فدليل تصديق العادل يقتضى أن يقال ان النجس هذا العين و حيث لا يكون لنا

الا نجس واحد بمقتضى العلم الإجمالي فلا بد ان يكون الطاهر الطرف الاخر فان‏

هذا يكون من لوازمه العقلية و الالتزام حجة كالمطابقة بدون جريان الأصل في الطرف‏


424
الاخر و هذا النحو من الأمارة يكون مؤكدا للعلم الإجمالي و لا ينافيه كما أنه في موارد

قاعدة الفراغ أو التجاوز مع العلم بأن الواقع لا يكون مأتيا به جزما بل احتمالا يكتفي‏

بالامتثال الاحتمالي مقام التفصيلي لقيام الأمارة و هي دليل قاعدة الفراغ أو التجاوز

فمع العلم التفصيلي بأن الشي‏ء الفلاني جزء الصلاة يكتفي بالامتثال الاحتمالي‏

و لا يكون العلم الإجمالي أقوى من التفصيلي ليقال لا يكون الأمارة حجة في مورده‏

و اما إذا كان الأمارة ضد العلم بمدلولها المطابقي مثل قيام أمارة على طهارة

هذا الكأس عند العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما أو على حلية هذا بعد العلم كذلك‏

بحرمة أحدهما ففي هذا المقام ان قلنا بأن العلم الإجمالي علة تامة لا تصل النوبة إلى‏

الأمارة التي تكون ضد العلية بل ضد العلم و لكن حيث يقولون بجريانها قيل بأنه يكشف‏

هذا عن كون العلم مقتضيا لا علة تامة و الأصل الّذي يكون بدون المعارض أيضا يكون‏

مثلها لعدم الفرق بين الأصل و الأمارة من هذا الحيث.

و لكن الجواب ان الأمارة المضادة بالمدلول المطابقي للعلم حيث تكون‏

أمارة و يكون لازمها العقلي حجة لا إشكال في جريانها لأن القول بأن هذا طاهر

لازمه نجاسة الطرف الاخر و مثبت الأمارة حجة فلا تكون مخالفة للعلم مطلقا بل يكون‏

لازمه جعل البدل للواقع و الاكتفاء عنه بطرف واحد بخلاف الأصل فان لازمه لا يكون‏

حجة حتى نقول بأنه غير مضاد للعلم.

لا يقال إذا كان كذلك فلم لا يقال في جريان الأصل بذلك فان التخيير بين الأصلين‏

أيضا يمكن تصويره فيجري الأصل في طرف و يكون لازمه جعل البدل في الطرف‏

الاخر و إذا كان الأصل في طرف واحد بلا معارض فيجري فيه تعيينا.

و مثال الأصل بلا معارض في طرف هو صورة العلم بنجاسة أحد الكأسين مع‏

العلم بأن الحالة السابقة في أحدهما الطهارة فاستصحاب الطهارة في ذاك الطرف‏

لا تعارض بالطرف الاخر لعدم الحالة السابقة فيه و يكشف من ذلك أن العلم يكون‏

مقتضيا لا علة تامة.

و فيه ان جعل البدل و ان كان ممكنا في الواقع و لكن لا يثمر الإمكان في المقام‏


425
لأن الشارع لم يمضه من جهة لازمه فأن الأصل المثبت لا يكون حجة عند الشرع‏

و القول بجعل البدل في الأمارة يكون من جهة أنه لو لا ذلك يلزم لغوية الأمارة لأنه‏

على فرض قيام الأمارة على نجاسة طرف و لم نقل أن الطاهر هو الاخر يلزم‏

أن لا يكون للمدلول الالتزامي في الأمارة موردا بخلاف الأصل فانه إذا لم يكن‏

جاريا في مورد يكون له موارد اخر فيدفع به محذور اللغوية.

مضافا بأن اللازم من كون الأصل موجبا لجعل البدل هو الدور لأن جريان الأصل‏

متوقف على جعل البدل في الواقع و جعله كذلك يتوقف على جريان الأصل و تطبيقه‏

فلا يمكن أن يكون كاشفا عن جعل البدل.

لا يقال في الأمارة أيضا يلزم الدور إذا كان المراد استفادة جعل البدل في موردها

لأن تطبيق الأمارة يتوقف على جعل البدل و هو على تطبيق الأمارة.

لأنا نقول الفرق بينهما هو ان المدلول الالتزامي في الأمارة يكون حجة بنقل‏

دليل حجية الأصل الأمارة فكما أنه ينطبق في المدلول المطابقي ينطبق في المدلول‏

الالتزامي و لا يكون الشك في تطبيقها بالنسبة إليه بخلاف الأصل فان مدلوله الالتزامي‏

لا يكون حجة بواسطة دليل الأصل فللأصل مدلول واحد و للأمارة مدلولان لا يقال‏

ان للأصل أيضا يكون مدلولان مطابقي و التزامي.

لأنا نقول قلنا انه كذلك و لكن لا يكون المدلول الالتزامي حجة و موردا للإمضاء

لأن دليل الأصل منصرف عن لوازمه العقلية.

و كذلك الأصل بنحو التخيير إذا كان مع المعارض لا يجري بأن يقال إطلاق‏

جريان الأصل في كل واحد من الطرفين يقيد بصورة عدم جريان الاخر للمضادة مع‏

العلم فحيث لا يمكن جريانهما لذلك فلا بد من القول بالتخيير في جريان الأصل في‏

في أحد الأطراف و يستفاد منه جعل البدل لأن التطبيق فيه أيضا دوري و لا يكون لوازم‏

الأصل حجة سواء كان في طرف واحد أو الطرفين.

فما عن شيخنا النائيني قده‏ (1) بقوله نعم لا يجوز الاذن في جميع الأطراف‏

1)في ص 12 من الفوائد الجزء الرابع.

426
لأنه اذن بالمعصية و العقل يستقل بقبحها و اما الاذن في البعض فهو مما لا مانع عنه‏

فان ذلك يرجع في الحقيقة إلى جعل الشارع الطرف الغير المأذون فيه بدلا عن‏

الواقع و الاكتفاء بتركه عنه لو فرض انه صادف المأذون فيه للواقع و كان هو الحرام‏

المعلوم في البين.

و دعوى انه لا يكون للشارع الاكتفاء ببدله مما لا شاهد عليها و إلى ذلك يرجع‏

ما في كلام الشيخ قده من إمكان جعل بعض الأطراف بدلا عن الواقع فانه ليس المراد

تنصيص الشارع بالبدلية بل نفس الاذن في البعض يستلزم بدلية الاخر قهرا.

لا وجه له لما ذكرناه فان الأصل لا يجري أصلا ليتخذ لوازمه و العلم الإجمالي‏

علة تامة لوجوب الموافقة فيكون العلم مانعا عن جعل البدل و لا يكون كلام الشيخ‏

(قده)تماما.

المقام الرابع في التخيير في الأصل‏

فنقول هنا تخيير عن‏1الشيخ(قده)في جريان الأصل في أحد الأطراف‏

بدون الاحتياج إلى جعل البدل و قد تعرض له النائيني قده(في الفوائد ص 10 و 11)

و أجاب عنه.

و حاصل التقريب ان يقال ان التخيير اما ان يكون مستفادا من لسان الدليل‏

في الشرع مثل التخيير في خصال الكفارات فان الإطعام و الصوم و العتق ورد وجوب‏

1أقول هذا النحو من التخيير لم نجده في المقام عن الشيخ بل قوله قده في‏

ص 230 في الرسائل الحاضر عندي في المقام الثاني و هو وجوب الموافقة القطعية

عنده قلت أصالة الحل غير جارية إلى ان قال و سيجي‏ء في باب الاستصحاب أيضا

ان الحكم في تعارض كل أصلين إذا لم يكن أحدهما حاكما على الاخر هو التساقط

لا التخيير فارجع إليه.

نعم نقل النائيني قده في ص 10 من الفوائد القول بالتخيير عن بعض الأعاظم‏

في حاشيته على الفوائد و بعض أعيان العصر فارجع إليه.


427
واحد منه في لسان الدليل و يكون التخيير فقهيا و اما ان لا يكون كذلك بل من جهة

عدم إمكان امتثال المأمور به بجميع افراده يرجع إلى اختيار أحد الأطراف مع‏

تمامية المصلحة في الطرف الاخر أيضا مثل التخيير في باب التزاحم كإنقاذ أحد

الغريقين بعد عدم إمكان إنقاذهما و من ذلك ما إذا قلنا في باب الأمارات بالسببية فانه‏

في صورة التعارض يؤخذ بمؤدى أحدها من باب التزاحم بخلاف القول بالطريقية

فان الأخذ بأحدهما يكون من باب التخيير الأصولي.

و مقامنا هذا يكون من قبيل التخيير في باب التزاحم لا التعارض لأن قوله عليه السّلام‏

في دليل الاستصحاب لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر حكم عام شامل‏

لجميع موارد الشك مع اليقين السابق و هكذا دليل البراءة بقوله رفع ما لا يعلمون‏

و المصلحة تامة في جميع الافراد فإذا أمكن الامتثال على وفق عمومه فهو و اما إذا

لم يكن كذلك فاما ان يقال بإسقاط الدليل في جميع الأطراف كما عن الرشتي قده‏

و الرجوع إلى حكم العقل بالتخيير أو يقال بأن ماله مزاحم يكون هو إطلاق الدليل‏

و هو يكون ساقطا لا أصل الدليل لأن الضرورات تتقدر بقدرها و لازمه التخيير في مقام‏

الامتثال لأن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح فطرح كلا الأصلين لا وجه له بل يجب‏

الأخذ بمفاد أحدهما على التخيير في مرحلة الامتثال لا مرحلة الجعل فهو يكون من‏

التخيير في باب التزاحم لا التخيير في باب التعارض.

نعم بناء على الطريقية في الأمارات يكون التخيير في مقام الجعل و المقام لو

كان من ذاك الباب أيضا يجب ان يقال بالتخيير و على أي تقدير نكشف من ذلك ان العلم‏

الإجمالي لا يكون علة تامة بل مقتضيا للامتثال.

و القسم الثالث من التخيير هو الّذي يكون في باب التعارض من مقتضى‏

الجمع بين الأدلة.

و قد أشكل عليه شيخنا النائيني قده(في الفوائد ص 10 و 11)بعد بيان مثال‏

لتقريب كلام الشيخ غاية التقريب و هو انه قال إذا كان الأمر بإكرام العلماء و علمنا

بتخصيص زيد و عمرو منه و لكن لا نعلم ان تخصيص زيد يكون في جميع الأحوال‏


428
حتى حال ترك إكرام عمرو أو يكون مختصا بصورة إكرام عمرو فإذا فرض عدم‏

إكرام عمرو يجب إكرام زيد.

لا شبهة في ان اللازم هو الأخذ بأصالة العموم بالنسبة إلى التخصيص الزائد

و هو التخصيص في صورة عدم إكرام الاخر و نكتفي بالتخصيص في ظرف إكرام‏

الاخر و في المقام يكون جريان الأصل من هذا الباب فان عموم رفع ما لا يعلمون أو

لا تنقض اليقين إلخ نعلم انه قد خصص اما في هذا الطرف أو ذاك الطرف و القول‏

بالتخصيص حتى في ظرف عدم جريان الأصل في الطرف الاخر يلزمه زيادة التخصيص‏

و المتيقن منه هو صورة جريان الاخر و يرجع إلى أصالة العموم بالنسبة إلى ما شك فيه‏

فيكون جريان الأصل في بعض الأطراف مما لا مانع منه قضاء لحق العموم في دليل‏

الأصل و هذا غاية التقريب للقول بجريان الأصل في أحد الأطراف تخييرا لأن العلم‏

مانع من جريان الأصل في الطرفين فإطلاق كل مخصص بصورة جريان الأصل في‏

المورد الاخر لا بصورة عدم الجريان أيضا.

ثم لا يخفى ان التخيير في باب التزاحم يكون تخييرا في المنكشف حسب‏

اصطلاحه و التخيير في باب التعارض يكون من التخيير في الكاشف و التخيير الفقهي‏

هو التخيير في مقام الجعل و الواقع.

ثم قال قده إذا عرفت ذلك فنقول لا يجي‏ء التخيير بأقسامه في جريان الأصول‏

اما عدم جريان التخيير الفقهي فواضح لا يحتاج إلى الدليل لأن المقام ليس فيه دليل‏

مثل خصال الكفارات و اما التخيير من ناحية الكاشف كما في باب الاخبار المتعارضة

فليس لنا دليل و شاهد لجريانه في باب الأصول لأن الأمر بالتخيير يكون في باب‏

الأمارات بقوله عليه السلام اذن فتخيّر و ليس لنا دليل في المقام كذلك فان دليل جريان‏

كل أصل يقتضى جريانه عينا في كل طرف سواء عارضه أصل آخر أو لم يعارضه.

و اما التخيير من ناحية المدلول و المنكشف فلان المجعول في باب الأصول‏

العملية ليس الا الحكم بتطبيق العمل على مؤدّى الأصل اما بقيد انه الواقع و اما

بدونه على اختلاف المجعول في باب الأصول التنزيلية و غيرها.


429
و لكن الحكم بذلك ليس على إطلاقه بل له قيود ثلاثة الجهل بالواقع و إمكان‏

الحكم على المؤدى بأنه الواقع و عدم لزوم المخالفة العملية و الثالث مفقود في‏

المقام لأن جريان الأصل في الطرفين يلزم منه مخالفة عملية للمعلوم بالإجمال و كون‏

المجعول أحدها تخييرا و ان كان ممكنا ثبوتا و لكن لا دليل لنا على جريانه كذلك في‏

مقام الإثبات.

و بعبارة أخرى كما تعرض له في لباس المشكوك ان مفاد الأصول النافية النفي‏

و مفاد الأصول المثبتة ليس الا الأمر بتطبيق العمل على طبق ماله مصلحة في الواقع‏

مثل العلم بان الأمر الفلاني كان واجبا ثم الشك في وجوبه فان مفاد الاستصحاب هو

القول بالوجوب لمصلحة في الواجب لا لمصلحة في جريان الأصل ليقال انه مثل‏

باب الأمارات و اختيار إحدى المصلحتين لازم مثلا.

أقول اما جوابه في إنكاره التخيير من باب الكاشف فهو انه يكون من نسيان‏

المبنى فانه لو كان الأمر كما ذكره فلأي جهة يقول بجريان الأصلين في صورة كون‏

المعلوم في الطرفين في الحالة السابقة النجاسة لأحد الكأسين مثلا ثم حصل العلم‏

الإجمالي بطهارة أحدهما فلو كان للأصل مانع من جهة العلم الإجمالي فلما ذا يقول‏

بجريان الأصل في كلا الطرفين فكما يقول به هناك يجب ان يقول به هنا و لا مجال‏

له لأن يقول لا يجري الأصل بالنسبة إلى المجموع فجريان الأصل لا مانع منه و يكون‏

التنجيز للعلم في مرحلة الامتثال و حكم العقل بالتنجيز يكون متأخرا عن جعل الأصل‏

لأن الامتثال متأخر عن الجعل فكيف يقول بان الأصل لا يجري أصلا فان حكم العقل‏

المتأخر لا يمكن ان يكون مخصصا لدليل الأصل.

و لقد أجاد الشيخ(قده)حيث قال بان أدلة الأصول تشمل كل طرف تعيينا

و الحكم بالتخيير في كل طرف يكون من باب جعل البدل للواقع في مرحلة الامتثال‏

فالأصل جار لو لم يكن العلم الإجمالي علة تامة و لكنه على التحقيق علة تامة.

و اما الجواب عن اشكاله في التخيير من باب المدلول و المنكشف فهو ان‏

الأصول الّذي فرضه بدون المصلحة لا يكون كلاما تاما لأن مصلحة التسهيل في جعل‏


430
الأصول أيضا مصلحة فكيف يقال أنه لا مصلحة فيه الا من قبل الواقع المنطبق عليه‏

فإذا كان المصلحة متصورة فيكون مثل إنقاذ الغريقين فإذا لم يكن القدرة على إنقاذهما

ينقذ الواحد و هكذا في المقام إذا لم يكن جريان الأصلين ممكنا يقال بجريان أصل‏

واحد لإحراز المصلحة في الطرف الممكن.

فتحصل من جميع ما تقدم ان العلم لو كان مقتضيا يكون لجريان الأصل في أحد

الأطراف وجه و اما إذا كان علة تامة فلا يكون لجريانه وجه على التحقيق و ما قال بأنه‏

لا ملازمة بين وجوب ترك المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية و جعل هذا

في غاية الضعف فنقول في جوابه ان الملازمة عندنا في غاية القوة فالعلم الإجمالي علة

تامة لوجوب الموافقة القطعية و ترك المخالفة القطعية عندنا.

في النقوض الواردة في الفقه في تنجيز العلم الإجمالي‏

ثم أنه ورد نقوض على القول بتنجيز العلم الإجمالي على القول بكونه مقتضيا

و على القول بكونه علة تامة في الفقه نذكرها في المقام كما ذكر الشيخ‏1و النائيني‏

و غيره الأول ان القوم من زمان الشيخ الطوسي إلى الآن قالوا بأن من كان له العلم‏

الإجمالي بأنه اما ان يكون عليه الدين لزيد أو يكون الحج واجبا عليه على فرض‏

عدم الدين أو يكون عليه الصدقة لزيد بألف مثلا بالنذر إذا لم يكن عليه دين بهذا

المقدار يجب عليه الحج في الفرض الأول و يجب عليه الصدقة بمقتضى النذر مع‏

أنه على فرض كون العلم الإجمالي علة تامة فأصالة عدم الدين تعارض مع أصالة

عدم وجوب الحج و كذلك أصالة عدمه يعارض مع أصالة عدم وجوب الصدقة

1لم يكن في الرسائل هذا النقض بخصوصه لا في باب القطع الإجمالي‏

و لا في المقام و ان نسبه كرارا إليه فلعله في مقام آخر لم نجده فارجع إلى الرسائل‏

هنا بقوله ان قلت في ص 228 و جوابه في ص 229 و هكذا لم يكن في فوائد الأصول‏

عن النائيني قده هنا و في القطع الإجمالي هذا الفرع بل فروع أخرى.


431
فكيف يقال بتعيين الحج عليه أو الصدقة بجريان الأصل في الدين فان هذا يكون‏

نقضا لقولهم ان العلم الإجمالي منجز كالتفصيلي.

و الجواب عنه أولا بأن الأمارة كما مر يكون مثبتها حجة فإذا دل الدليل‏

على أن الكأس النجس يكون هذا الطرف في صورة العلم الإجمالي بنجاسة أحد

الكأسين يثبت طهارة الاخر بمدلولها الالتزامي بخلاف الأصل فان مثبته ليس بحجة

و لا يمكن الجواب في المقام بهذا النحو بأن يقال العلم يجعل البدل في مدلوله.

و لكن هنا نكتة أخرى يجب التوجه إليها و هي أنه فرق بين جعل البدل و انحلال‏

العلم الإجمالي فان المقام يكون من انحلال العلم الإجمالي لا من باب جعل البدل.

و بيانه هو أن الإشكال في جعل البدل بواسطة الأصل كان من جهة أن الأثر

العقلي لا يترتب عليه جريان الأصل و اما إذا كان الأثر شرعيا فلا إشكال في ترتبه ففي‏

المقام نقول في الحج يكون الوجوب مترتبا شرعا على ما هو مورد جريان الأصل‏

و في النذر يكون الترتب بواسطة النذر فإذا كان الترتب شرعيا لا يبقى إشكال في‏

جريان الأصل بالنسبة إلى الدين لترتب هذا الأثر الشرعي فان من آثار عدم الدين شرعا

هو وجوب الحج و الصدقة.

و الإشكال كله كان من جهة كون جعل البدل من الآثار العقلية و هو مفقود هنا

بخلافه في الكأسين فان الترتب كان عقليا فينحل العلم الإجمالي و يصير الشك في‏

الدين فيه الأصل و التعبير تارة باستصحاب العدم في الدين و بأصالة البراءة أخرى في‏

كلماتهم يكون سرّ إناطة الوجوب في الحج على عدم الدين واقعا أو على عدمه ظاهرا

فان الاستصحاب يكون نظره إلى الواقع فينزل المشكوك منزلة الواقع و البراءة

لا يكون لها النّظر إلى الواقع فيكون مفادها الحكم الظاهري فمن كان الشرط عنده‏

هو العدم الواقعي يتمسك بالاستصحاب و من كان عنده الشرط هو الأعم يتمسك‏

بالبراءة.

و الجواب عن النقض ثانيا بأن العلم الإجمالي يجب ان يكون منجزا في أي‏

طرف وقع مثل التنجيز في الاجتناب عن الكأسين و اما إذا لم يكن كذلك فلا يكون له الأثر


432
و هنا لا يكون من هذا القبيل فان وجوب الحج اما ان يكون منوطا بعدم الدين واقعا أو عدم‏

الدين الأعم من الواقعي و الظاهري أو عدم الدين المنجز فعلى الفرض الثالث يكون‏

تنجيز الحج متوقفا على عدم الدين المنجز و تنجيز الدين متوقفا على عدم وجوب‏

الحج فلا يكون الدين و الحج كلاهما منجزا حتى يقال ان العلم الإجمالي لا يمكن‏

مخالفته فلا يكون لنا من الأول الا الشك في الدين فيجري الأصل بالنسبة إليه و يترتب‏

عليه وجوب الحج بدون المانع.

و لا مانع أيضا على فرض كون عدم الدين واقعا دخيلا في الوجوب أيضا في‏

فرض تنجيز العلم لأنه في صورة التنجيز يمكن القول بأن العلم يمنع عن الواقع‏

أيضا مثل الشك في الإناءين المشتبهين مع وجود الحالة السابقة في أحدهما كان يكون‏

حالته السابقة الطهارة.

فان استصحاب الطهارة يعارض مع قاعدتها في الطرف الاخر و يسقط و يبقى‏

العلم بلا مانع و لكن في المقام استصحاب عدم الدين لا يكون له معارض لعدم تنجيز

العلم و كلامنا في العلم المنجز لا في العلم الغير المنجز فلو كان عدم الدين الواقعي‏

أيضا شرطا لوجوب الحج يمكن إحرازه بالاستصحاب.

هذا كله في النقض على القائلين بالعلية التامة و جوابه و اما النقض على القائلين‏

بأنه مقتض و يجري الأصل إذا كان بدون المعارض في ظرف العلم الإجمالي و هو

أن من المتسالم بين الفقهاء هو الاجتناب عن الكأسين الذين يكون العلم الإجمالي‏

بنجاسة أحدهما حاصلا مع وجود الحالة السابقة في الطهارة في أحدهما و لو كان‏

العلم الإجمالي مقتضيا يجب ان لا يقال بالاجتناب عن كليهما بل عن أحدهما فيكشف‏

هذا عن أن العلم يكون علة تامة لا مقتضيا خلافا للقائل به.

و لا يخفى أن شيخنا النائيني قده القائل بالاقتضاء أيضا يقول بأن الأصل بلا معارض‏

لا يوجد و لو وجد يكون جاريا و في المثال أيضا ينكر الصغرى.

اما بيان كون الأصل هنا بلا معارض فلان استصحاب الطهارة فيما يكون له‏

الحالة السابقة يكون معارضا بقاعدة الطهارة في الطرف الاخر فيسقط بالتعارض و يبقى‏


433
قاعدة الطهارة فيما له الحالة السابقة بلا معارض ضرورة أن الساقط فقط هو الاستصحاب‏

بالتعارض لا القاعدة.

فعلى هذا يمكن القول بجريان الأصل و عدم لزوم الاجتناب عن هذا الطرف‏

بخصوصه على القول بكون العلم مقتضيا.

و قد أجاب شيخنا النائيني قده عن هذا بأن الأصل بدون المعارض لا يكون في‏

المقام لأنه لا يتصور وجود استصحاب الطهارة و قاعدة الطهارة في شي‏ء واحد لأن الجعل‏

لغو فعلى هذا يكون أحدهما هو المجعول و يتساقطان بعد المعارضة و لا يبقى أصل اخر

يقتضى الطهارة في أحدهما المعين هذا أولا.

و ثانيا لو فرض وجود أصلين للطهارة في شي‏ء واحد يكون ذلك لرفع التحير

عن الشاك و يكفي في البناء العملي أحدهما و حيث أن البناء العملي واحد على أيّ تقدير

فالأصلان كلاهما يسقطان بواسطة الأصل في الطرف الاخر فان البناء العملي على‏

طهارة هذا ينافي البناء كذلك على طهارة الاخر فأين الأصل بلا معارض حتى يرد

النقض.

و الجواب عنه ان الأصلين في شي‏ء واحد إذا كانا عرضيين يصح ما ذكره قده‏

و لكن ليس كذلك فان استصحاب الطهارة مقدم على قاعدتها و نظره إلى الواقع‏

و التنزيل منزلته بخلاف القاعدة فانها لا تكون محرزة للواقع بل وظيفة قررت للشاك‏

في ظرف عدم الطريق إلى الواقع فالجعل في الرتبتين لا مانع منه.

و اما لغوية الجعل فلا تلزم لأن اثره هو ما يظهر في المقام من أنه إذا سقط أحدهما

بالتعارض يبقى الاخر و ينتج الطهارة و لا يمكن إسقاطهما بالقاعدة في الاخر للطولية

فلو لم يكن العلم علة تامة ما كان لنا مانع عن جريان الأصل في أحد الأطراف و قولهم‏

بعدم جريانه كاشف عن العلية.

لا يقال لا نسلم الطولية في الأثر و هو الطهارة فان استصحاب الطهارة بعد جريانه ينتج‏

الطهارة و قاعدة الطهارة أيضا ينتجها فيكون الطهارة المستفادة من الاستصحاب هي الحاصلة

بالقاعدة و ما مع المتأخر متأخر فيكون رتبة الطهارة المستفادة من الاستصحاب مع‏


434
رتبة الطهارة المستفادة من القاعدة فأين التقدم و التأخر و الرتبة.

لأنا نقول لا يتم القاعدة رأسا فان ما مع المتقدم ليس متقدما مطلقا و كذلك‏

ما مع المتأخر فان ملاك التأخر هو المعلولية لعلة أو كون الشيئين معلولين لعلة

واحدة و هذا لا يكون في المقام و لو كان الأمر كما ذكر يلزم أن يقال به في الشك‏

السببي و المسببي فان رتبة الأصل في السبب يكون متقدمة على الأصل في المسبب‏

لطولية الموضوع فان الثوب إذا كان مغسولا بالإناء الّذي يكون فيه استصحاب الطهارة

يجب ان لا يقال بطهارته مع أنه إذا جرى الأصل في السبب لا يجري في المسبب فلا يتمسك‏

باستصحاب نجاسة الثوب مع ان استصحاب طهارة الماء يوجب رفع الشك و ان كان‏

في خصوص المقام الإشكال في طهارة الثوب لأنه يكون غسله بما هو طرف العلم‏

الإجمالي فلا بد من ملاحظة الرتبة و الشيخ النائيني قده أيضا يسلم تقدم الأصل السببي‏

على المسببي.

مضافا بأنه لو قلنا بجريان الأصل في الطرف الواحد يلزم ان يقال أن الاخر

يكون بدلا عن النجس الواقعي في البين و الأصل لا يمكنه جعل البدل لعدم حجية

مثبت الأصل كما مر و يلزم منه الدور لتوقف تطبيق الأصل على جعل البدل و هو على‏

تطبيق الأصل و لا يكون انحلالا أيضا لأن الانحلال يكون في صورة قيام الأمارة على أن‏

النجس في البين هو هذا المعين لا قيام الأمارة على طهارة أحدهما فانه يكون اللازم‏

منه جعل البدل و هو يثبت من الأخذ بلازم الأمارة و هو حجة و في المقام لا يكون جريان‏

الأصل بحيث يستفاد منه الانحلال كالوجه الأول في الأمارة و لا جعل البدل لعدم الدليل‏

على الأول و عدم حجية مثبت الأصل.

فجريان الأصل بلا معارض في المقام لا يوجب إسقاط العلم عن التنجيز لعدم‏

إمكانه من جعل البدل و لا الانحلال و ليتأمل في الفرق بين جعل البدل و الانحلال و كلما

كان الأصل جاريا لا يكون سرّه اقتضاء العلم الإجمالي بل العلم علة تامة بل سره يكون‏

عدم تنجيز العلم من رأس بالنسبة إليه.


435
صور عدم تنجيز العلم الإجمالي‏

و صور عدم تنجيز العلم بالنسبة إلى بعض الأطراف من رأس كثيرة:منها

صورة كون العلم التفصيلي بنجاسة أحد الكأسين قبل العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما

مثل أن نعلم أن الأبيض نجس فوقع قطرة دم لا ندري انها وقعت فيه أو في الاخر فان العلم‏

الإجمالي هنا لا يكون له أثر بالنسبة إلى الطرف الاخر لا لعدم العلية بل لأن المنجز

لا ينجز ثانيا فالمعلوم نجاسته لا يكون الاجتناب عنه بواسطة العلم الإجمالي بل بواسطة

التفصيلي و حيث ان العلم الإجمالي يكون محتمل التطبيق على هذا المعنى يكون‏

احتمال النجاسة في الاخر بدويا و هذا لا يكشف عن أن العلم الإجمالي يكون مقتضيا.

و قال شيخنا النائيني قده و بتقريب آخر الأصل حيث لا يكون له المعارض في‏

الطرف الاخر يكون جاريا لأن أصالة الطهارة فيه لا تكون معارضة بأصالة الطهارة في‏

الاخر بل هو يحكم بنجاسته.

و فيه ان السر هو عدم تنجيز العلم لا أنه منجز و يجري الأصل في الطرف الاخر

لعدم التعارض فاصل البيان يكون أحسن من التقريب الاخر و من هذه الصورة صورة وجود

العلم الإجمالي المتقدم مع العلم الإجمالي المتأخر مثل أن يكون لنا العلم بنجاسة

أحد الكأسين الأبيض أو الأسود ثم وقع قطرة دم اما في الأبيض و الأحمر أو في الأسود

أو الأحمر.

و بعبارة أخرى إذا كان لنا ثلاثة أطراف حصل العلم بنجاسة اثنين منهما إجمالا

فيما تقدم ثم حصل علم إجمالي آخر بين الطرف الثالث و أحد الاثنين بواسطة

وقوع نجاسة جديدة في البين فان العلم الثاني لا يكون له الأثر لأن الاجتناب عن‏

الّذي يكون طرفا للعلم الإجمالي الثاني صار واجبا بواسطة العلم الإجمالي الأول‏

لأن اللازم من العلم هو الاجتناب عن الطرفين و العلم الثاني لا يؤثر بالنسبة إليه‏

لأن المنجّز لا ينجّز ثانيا و بالنسبة إلى الثالث أيضا لا يكون له الأثر لأن الشبهة

بالنسبة إليه بدوية و هذا أيضا لا يكشف عن كونه مقتضيا بل لم يثبت التنجيز من رأس.


436
الصورة الثانية هي صورة كون المعلوم التفصيلي متقدما مع كون العلم التفصيلي‏

متأخرا عن العلم الإجمالي مثل ان نعلم في الظهر ان أحد الكأسين يكون نجسا ثم‏

حصل لنا العلم التفصيلي في العصر على ان الكأس الأبيض كان نجسا من الصبح‏

مع فرض كون النجاسة التي تكون محققة للعلم الإجمالي غير النجاسة التي كانت‏

في الكأس الأبيض مثل ان يكون نجسا بالبول ثم العلم الإجمالي تعلق بنجاسة أحدهما

بالدم أو بالعكس.

و في هذه الصورة كان العلم الإجمالي منجزا من الظهر أو العصر و الكلام في‏

انحلاله في العصر من جهة انه هل يكون المدار على المعلوم أو العلم فان كان المدار

على المعلوم فحيث كان العلم بنجاسة الكأس الأبيض حاصلا من الصبح في الواقع‏

لا يؤثر العلم الإجمالي في الظهر بالنسبة إليه لأن المنجّز لا ينجّز ثانيا فلا يلزم‏

الاجتناب عن الطرف الاخر لانحلال العلم و عدم تنجيزه و هذا هو الحق و لا يكون‏

المدار على المعلوم حتى يقال بأن العلم الإجمالي أثر أثره قبل العصر فلا يكون لشي‏ء

أن يخرجه عن التأثير.

لا يقال المطلب على ما قلتم من أن المنجّز لا ينجّز ثانيا يكون بعكس ما قلتم فان‏

الإجمالي يجب ان يكون مقدما على التفصيلي لأن العلم الإجمالي أثر اثره قبل‏

التفصيلي فلا يكون تأثير لهذا العلم المتأخر

لأنا نقول العلم لا يكون منجزا لأنه نور و صفة نورية في النّفس بل من جهة

انه منوّر للغير و منوريته للغير يكون في الصبح لا في العصر فيكون التنجيز مقدما في‏

المعلوم التفصيلي‏1فان العلم الإجمالي لا فرق بين ان يكون بهذا الاعتبار غير مؤثر

1أقول السرّ انحلال العلم الإجمالي من باب ان الاجتناب من معلوم النجاسة

يكون امره نفسيا و الاجتناب في أطراف الإجمالي يكون بالأمر الطريقي فإذا حصل‏

الأمر النفسيّ يصير الاحتمال في الطرف الاخر بدويا لاحتمال التطبيق في المعلوم التفصيلي‏

و الا فصرف القول بان المنجز لا ينجز ثانيا لا يكون فيه حلّ الإشكال لأن التنجيز

في العلم الإجمالي بمعنى الأمر بالاجتناب يكون تنجيزه مقدما على التفصيلي ففي‏


437
في حال الحدوث أو كان مؤثرا ثم ظهر موته بعد ذلك فانه يسقط عن التأثير بدون‏

الفرق بين الصورتين.

لا يقال ان العلم الإجمالي المتأخر عن العلم الإجمالي المتقدم كما مرّ في الصورة

الأولى إذا كان المدار على المعلوم يكون غير مؤثر لأن معلوم العلم الإجمالي الثاني‏

متقدم فيكون التنجيز للعلم الإجمالي الثاني لا الأول لأن أحد أطرافه تعلق به العلم‏

في هذا الحين و لكن من قبل هذا لم يحصل العلم مع وجود المعلوم لأنا نقول‏

لا يضر هذا بما نقول.

الصورة الثالثة ان يكون العلم الإجمالي بنجاسة أحد الكأسين مقدما على العلم‏

التفصيلي بنجاسة أحدهما معينا قال شيخنا النائيني قده هنا ان العلم التفصيلي لا يكون‏

مؤثرا من جهة ان المنجز لا ينجّز ثانيا ضرورة ان أحد الأطراف الّذي تعلق به العلم‏

التفصيلي كان منجزا بالعلم الإجمالي و لم يكن تنجيز التفصيلي غير ما نجز بالإجمالي‏

و لكن لا يتم بل المدار في العلم الإجمالي هو أن يكون في كل طرف تمام العلة

للجري العملي على وفقه فإذا كان في بعض الأطراف علم تفصيلي يكون جزء المؤثر

لاجتماع العلتين على معلول واحد اللازم منه جزئية كل في العلية لأن العلة المستقلة

لا تتعدد بالنسبة إلى معلول واحد.

فهنا حيث يحتمل أن يكون الخبر في البين في الكأس الأبيض مثلا و يكون‏

هو الّذي كان في البين من النجس يصير الاحتمال بالنسبة إلى الطرف الاخر بدويا

فيجري الأصل بالنسبة إليه فتحصل أنه لا يكون الصور الّذي لا يكون العلم الإجمالي‏

منجزا من باب القول بالاقتضاء بل من باب عدم تنجيز العلم الإجمالي لا من باب‏

عدم العلية التامة.

الكل يجب ملاحظة الوجدان بأنه هل يكون العلم الإجمالي بعد التفصيلي باقيا كما

كان قبله أولا فإذا لم يكن يكون هذا معنى سقوطه عن التنجيز و في المقام يكون‏

كذلك.


438
فصل في تنبيهات العلم الإجمالي‏

و ينبغي التنبيه على أمور

الأمر الأول‏
في أنه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي‏

بين أن يكون التكليف في البين واحدا شخصيا مثل العلم بالنجاسة في البين و بين‏

ان يكون التكليف واحدا مرددا في البين كما إذا علمنا بأن أحد هذين الكأسين‏

لازم الاجتناب اما من باب انه نجس أو من باب انه غصب و يكون التصرف فيه‏

حراما فان التكليف الإلزامي في البين القابل للامتثال موجود فيجب امتثاله.

و قد خالف في ذلك صاحب الحدائق مستدلا بأنه في كل طرف من الأطراف لا يكون‏

لنا العلم بشي‏ء بل الموجود هو صورة العلم لأنه لا نعلم انه غصب أو نجس و المدار

في تنجيز العلم هو كونه في نوع خاص من التكليف.

و فيه ما لا يخفى لأن جنس الإلزام في البين حيث يكون و يكون قابلا للامتثال‏

يكون حكم العقل بلزوم الامتثال بدون المانع و السر في تنجيز العلم الإجمالي هو

حكم العقل و هو هنا موجود.

و قد أشكل في المثال بعد تسليم أصل المطلب من باب ان الغصب الواقعي‏

لا يكون لازم الاجتناب بل ما هو معلوم الغصبية الا ترى أن الصلاة في الدار الغصبية

صحيحة إذا لم يكن العلم بالغصب حاصلا قبله فالعلم منحل من الأول لأنه ان كان‏

غصبا لا يلزم الاجتناب منه و ان كان نجسا يلزم الاجتناب منه و لكن حيث يكون الشك‏

في النجاسة بدويا يجري الأصل بالنسبة إليه.

و الجواب عنه ان الغصب أيضا يكون فيه المفسدة كالنجس بحسب الواقع‏

و نفس الأمر و القول بصحة الصلاة في الدار الغصبية يكون من باب ان الشرطية لا

تستفاد من لسان الدليل بل من ضم خطاب صلّ و لا تغصب يستفاد اشتراط إباحة

مكان المصلى و في صورة عدم العلم بالغصب لا يكون الخطاب منجزا و يمكنه إتيان‏

العمل بقصد القربة فلذا يقال بصحة الصلاة مع عدم العلم بالغصبية.

التنبيه الثاني:
في انه على فرض عصيان الأمر المعلوم أو النهي المعلوم في العلم‏
439
الإجمالي بإتيان الأطراف في صورة العلم بالحرمة و تركه في صورة العلم بالوجوب‏

هل يكون العقاب على كلا الطرفين أو لا يكون العقاب على الواقع المعلوم في البين‏

فيه خلاف.

و التحقيق ان العقاب لا يكون إلاّ على الواقع في البين لأن وجوب العمل‏

بمقتضى العلم و ترك الأطراف أو فعلها يكون من باب الاحتياط و حفظ الواقع و لا

يكون الملاك له في نفسه.

فاما ان يقال بأن الاحتياط يكون مقتضى حكم العقل و ما ورد في الشرع من‏

الأمر بالاحتياط مثل قوله عليه السّلام أخوك دينك فاحتط لدينك يكون إرشادا إلى ما حكم‏

به العقل و لا شبهة في كون حكم العقل لحفظ الواقع.

و على فرض القول بان أوامر الاحتياط يكون مولويا أيضا مثل الأمر بتصديق‏

العادل و لو كان خلاف التحقيق و لكن مع ذلك أيضا الأمر المولوي الطريقي لا يكون‏

فيه مصلحة وراء مصلحة الواقع فلا يكون العقاب على ترك الاحتياط الا من باب‏

التجري لو قلنا بأنه أيضا يكون خلاف رسوم العبودية في مورد العلم الإجمالي و لو

كان الاحتياط واجبا لمصلحة في نفسه و ان كان العقاب على تركه و لكنه خلاف‏

التحقيق فان الاحتياط يكون لحفظ الواقع على ما هو الظاهر في الروايات.

لا يقال احتمال الضرر في كل طرف حيث يكون يجب دفعه و لا يكون المورد

مثل احتمال الضرر في الشبهات البدوية لأن البيان هنا تام فترك الاحتياط حيث يوجب‏

الوقوع في الضرر يكون فيه المفسدة و عليه العقاب.

لأنا نقول احتمال الضرر يكون لوجود الواقع في البين فلو فرض عدم‏

الواقع لا يكون للاحتياط وجه فيجب ان يكون العقاب لترك الواقع لا لنفس الاحتياط.

فتحصل ان الأمر إرشادي في الاحتياط و لا يكون العقاب الا على الواقع و على‏

المولوية أيضا كذلك.


440
التنبيه الثالث‏
1في ان التنجيز للعلم الإجمالي في التدريجيات هل يكون‏

مثل الدفعيّات أم لا فيه خلاف فقول بالتنجيز في التدريجيات مطلقا و قول بعدم التنجيز

مطلقا و قول بالتفصيل بين ما أخذ الزمان في لسان الدليل قيدا له فيكون العلم غير منجز

و بين ما كان الزمان ظرفا فقط فيكون العلم منجزا.

و التحقيق تنجيز العلم الإجمالي التدريجي في جميع الصور فمن علم انه يكون‏

في معاملاته معاملة ربوية اما في أول الشهر أو وسطه أو آخره يجب عليه الاجتناب‏

عن المعاملة و المرأة التي تعلم اما ان يكون ثلاثة أيام في أول الشهر حيضا أو في وسطه‏

أو آخره يجب عليها الاحتياط أيضا و قبل الورود في البحث يجب ملاحظة مقدمة

و هي ان الزمان اما ان يكون ظرفا محضا لا دخل له في الملاك و لا للخطاب مثل‏

حرمة الكذب و المعاملة الربوية فان حرمتهما لا تكون مختصة بزمان دون زمان لا من‏

جهة الخطاب و لا من جهة الملاك.

و تارة يكون دخيلا في الخطاب دون الملاك مثل الواجبات المعلقة كوجوب‏

الحج عند الموسم فان الموسم لا يكون دخيلا في ملاك الحج بل هو امر حسن و لكن‏

لا يكون الخطاب به الا في الموسم و لا يكون الخطاب قبله.

و ثالثة يكون الزمان دخيلا في الملاك و الخطاب كليهما كما في الواجبات‏

المشروطة كالصلاة بالنسبة إلى الدلوك فانه لا مصلحة للصلاة قبله و لا خطاب كذلك.

ثم ان أساتيذنا بعد النّظر إلى كلام الشيخ قده في الرسائل جعلوا المثال الّذي‏

يكون في الرّبا بالعلم الإجمالي بأنه اما ان يكون في أول الشهر معاملة ربوية أو

آخره أو وسطه من القسم الأول و هكذا المرأة التي حلف زوجها على ترك وطيها

في ليلة جمعة لا يدرى انها في أول الشهر أو الوسط أو آخره فانه حيث لا يكون للزمان‏

دخل في الملاك بل في خصوص الوطء يكون له دخل في الخطاب لخصوصية التعيين.

1هذا هو التنبيه في السادس في الرسائل عن الشيخ ص 240 و 241 و هكذا يكون‏

في تقريرات النائيني.


441
و في المثال الأول لا يكون له دخل أصلا و قالوا من جهة هذا قال الشيخ قده‏

بان العلم الإجمالي منجز.

ثم أشكل شيخنا النائيني بأن الزمان الّذي يكون خارجا عن الاختيار يمكن أن‏

يكون الخطاب بالنسبة إليه في هذا الحال فانه يكون نظير خروج بعض الأطراف عن‏

الابتلاء فلا يكون العلم بالنسبة إليه مؤثرا و اختار نفسه طريقا آخر و هو القول بأن‏

إطلاق الخطاب يشمل المقام أيضا و يكون المنظور من العلم الإجمالي الدفعي هو ذا.

و فيه انا لا نفهم كلام الشيخ و لا كلام النائيني(قدهما)فان التدريج لا زال يكون‏

بالنسبة إلى ما يتصور كونه دفعيا أيضا فان الكأسين أيضا يكون استعمالهما على التدريج‏

و قلّما يكون بنحو الدفعة.

و لكن التحقيق هو ان يقال بما اخترناه في أقسام الواجب من المشروط

و المعلق و المطلق فان الحكم و هو الإرادة المبرزة يكون في الجميع فعليا فيكون‏

الامتثال لازما بهذه النكتة و النائيني قده أنكر الواجب المعلق بل ألحقه بالمشروط1

و لا أدري كيف يقول بإطلاق الخطاب مع ذلك فلعله يكون من اشتباه مقرر بحثه‏

و الخراسانيّ قده ارجع الواجب المشروط إلى المعلق و قال بالوجوب الفعلي و الواجب‏

الاستقبالي و عليه أيضا يشكل القول بالتنجيز في المقام و في ساير المقامات.

و ما يكون في كلام الشيخ(قده)من الفرق بين مثال الرّبا و مثال المرأة من‏

القول بالاحتياط في الثاني دون الأول اجتهدوا في فهم كلامه و قالوا ان الزمان ظرف‏

محض في مثال الربا فالعلم منجز و في مثال المرأة يكون دخيلا في الملاك و لذا

لا يكون العلم منجزا.

ثم قال النائيني(قده)الدخل في الملاك و ان كان و لكن وجوب الاحتياط

يكون بحكم العقل بمنع تفويت المصلحة على المولى فلو كان في الواقع مصلحة

يجب إحرازها بحكم العقل.

1و هذا هو التحقيق كما مرّ تفصيله في بحث أقسام الواجب في المجلد الأول.


442
و حاصل دليل الشيخ قده هو ان الأصل بدون المعارض يجري في المرأة أي‏

أصالة الطهر قبل رؤية الدم و يحكم بإباحة وطيها و ساير أحكام الظاهر و في مثال الربا

أيضا يمكن القول بعدم الحرمة و الفساد لأنه في كل بيع لا يكون على النهي الفعلي‏

و بعد تمام الشهر و ان كان يحصل العلم بوقوع معاملة محرمة في البين و لكن لا يكون‏

العصيان صادقا و أصل الفساد يجري أيضا لأن كل معاملة يشك في كون عقدها ناقلا

أم لا و الأصل عدم النقل فالمعاملة غير محرمة فاسدة.

و الجواب اما عن النائيني قده فهو أن الحكم ان لم يكن فعليا كما هو معترف‏

به فمن أين يكشف المصلحة حتى يكون إحرازها لازما و تفويتها قبيحا فان حكمه‏

يكون بعد كشف حكم الشرع فان الارتكاب لا يكون موجبا للتفويت المنتسب إلى‏

العبد و ان كان الفوت في الواقع صادقا بعد تمام الأطراف.

و اما الجواب عن الشيخ قده فهو أن الفرق بين مثال الربا و المرأة بجريان‏

الاحتياط في أحدهما دون الاخر لا وجه له لأن كل واحد منهما طوليان في عمود الزمان‏

فكما انه لا يجري الأصل بالنسبة إلى أحدهما يجب ان لا يجري بالنسبة إليهما لنكتة

الطولية فاستكشف بذلك ان السر هو كون العلم علة تامة بالنسبة إلى الطرفين و حكم‏

العقل الّذي ادعاه النائيني قده أيضا يكون من هذا الباب و لا يكون العلم مقتضيا ليجري‏

الأصل بالنسبة إلى بعض الأطراف.

ثم أنه قيل على فرض القول بعدم وجوب الموافقة القطعية في التدريجيات‏

لا نتحاشى عن القول بجواز المخالفة القطعية أيضا بالبيان السابق من أن العلم بوقوع‏

حرام في البين بعد تمام الأطراف لا يضر و قال الشيخ قده بأن المعاملة الربوية فاسدة

و غير محرمة في الشهر كله فإيقاع المعاملات في أول الشهر و وسطه و آخره لا يكون‏

حراما بمقتضى الأصل و لا يترتب عليها أثر أيضا بمقتضى الأصل و هو أصالة عدم‏

الاشتغال.

و لكن حيث نقول بأن العلم علة تامة في التدريجيات أيضا نقول بحرمة المعاملة

و الفساد كليهما.


443
و لا يقال علينا بأن أصالة الصحة في المعاملات تكون حاكمة على الاستصحاب‏

أي أصالة عدم الانتقال لأنه لا مورد لجريان أصالة الصحة و هي أصل عقلائي الا و في‏

مورده استصحاب عدم الانتقال فحيث يلزم لغوية أصالة الصحة أو كونها بلا مورد

يجب تقديمها على أصالة عدم النقل.

لأنا نقول جريان أصالة الصحة في المعاملات يكون موضوعها هو الشك بعد

المعاملة من باب الشك في تطبيق الشروط على المعاملة و عدمه و اما الشك القبلي‏

فلا يكون موضوعا لها لأنه لم يقع شي‏ء حتى يقال أنه صحيح.

و اما كلام الشيخ قده على حسب مبناه من عدم تنجيز العلم في المقام و عدم‏

الملازمة بين الحرمة و الفساد فيكون صحيحا فانه إذا كان حلالا لا يمكن أن يقال أنه‏

صحيح.

فلا يقال عليه بأن النهي اما أن يكون عن السبب أو عن المسبب أو عن التسبيب‏

و الّذي لا يقتضى الفساد يكون هو النهي عن السبب و هو القصد و عن التسبيب و هو

فعل المكلف و اما النهي عن المسبب فيكون دالا على الفساد حتما فيكون الحرمة

ملازمة للفساد و الحلية ملازمة للصحة و النهي عن الربا يكون عن البيع و هو المسبب‏

فكيف لا يلازم الفساد و إذا لم يكن كيف لا يكون أصالة الصحة جارية.

لأنا نقول يمكن أن يكون القول بفساد الربا من جهة عدم تساوى الثمن و المثمن‏

الذي يكون شرط صحة المعاملة عند العقلاء لا نهى الشارع فلا يكشف من حلية

العقد صحة المعاملة لا من باب القول بأن النهي يقتضى الصحة كما هو مقالة أبي حنيفة

فكلام الشيخ في التفكيك بين الحرمة و الفساد صحيح جدا.

لا يقال علي فرض عدم تنجيز العلم الإجمالي مع العلم بوقوع العقد نتمسك‏

بقوله تعالى أوفوا بالعقود فنقول بأن الوفاء بهذا العقد لازم.

لأنا نقول قال النائيني قده في الجواب ان العلم الإجمالي لا يجري في مورده‏

الأمارة و الأصل التنزيلي لأن البناء على عدم الواقع في البين يضاد مع البناء على‏

الواقع في البين.


444
مع أن المقام يكون من الشبهة المصداقية لأوفوا بالعقود و الحق هو الثاني من‏

الجوابين و اما الأول فقد مرّ الجواب عنه بأنه لو لا كون العلم علة تامة ما كان وجه‏

لقوله بالتنافي لأنه فرق بين الواقع و البناء عليه و البناء على ضد الواقع لا يضاد الواقع‏

بل خلاف الواقع في الواقع يضاده.

ثم ان الخراسانيّ قده في الكفاية ص 214 و 215 قال بأنه على فرض القول بأن‏

العلم الإجمالي يوجب تنجيز الحكم و فعليته لا فرق بين الشبهة المحصورة و غيرها

و لو كان تفاوت يكون من ناحية المعلوم من جهة عدم فعلية الحكم بالنسبة إليه من‏

جهة الاضطرار إلى فعله أو تركه أو خروجه عن محل الابتلاء أو كونه متعلقا بموضوع‏

يقطع بوقوعه في هذا الشهر مثلا كأيام دم المستحاضة و أمثال ذلك فلو لم يكن مانع‏

عن فعلية الحكم من الخارج يكون العلم منجزا و سرّ ذلك هو أن الاضطرار يوجب‏

تخصيص الدليل في الواقع.

و فيه أن هذا كلام غير تام لأن الموارد تختلف ففي مثل الشبهة المحصورة

لا يكون عدم الحصر مخصصا لدليل الواقع و مع وجود العلم لا يجب الامتثال كما

سيجي‏ء.

الأمر الرابع في الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي‏
1

الاضطرار إلى بعض الأطراف يكون مختلفا من حيث الاضطرار إلى المعين‏

أو إلى أحدهما على التخيير و كونه قبل العلم الإجمالي أو بعده و نذكر حكم كل‏

صورة على حدة.

الصورة الأولى أن يكون الاضطرار إلى أحد الأطراف المعين مع كون العلم‏

الإجمالي بعده مثل الاضطرار إلى الكأس الأبيض من الكأسين بعد كون أحدهما

1و هذه في الرسائل في التنبيه الخامس ص 239 و كذا في التقريرات النائيني‏

ص 30 في الأمر الخامس.


445
نجسا لكن حصول العلم يكون بعد ذلك فانه في هذه الصورة يكون الاتفاق على‏

عدم تنجيز العلم الإجمالي لأن المدار فيه على أن يكون منجزا بأي طرف وقع.

و هنا حيث يكون احتمال التطبيق في المضطر إليه و لو كان كذلك لا بد من‏

ارتكابه للاضطرار.

يكون الاحتمال بالنسبة إلى الطرف الاخر بدويا لا يفيد أو يقال علي مسلك‏

النائيني قده الأصل بلا معارض جار في الطرف الاخر.

الصورة الثانية أن يكون المعلوم بالإجمال مقدما و لكن العلم الإجمالي مؤخرا

عن الاضطرار مثل أن يحصل الاضطرار إلى أحد الأطراف المعين في الظهر ثم حصل‏

في العصر العلم لأن أحد الكأسين كان نجسا من الصبح فيكون الواقع في الصبح‏

و العلم به في العصر ففي هذه الصورة اختلف كلام شيخنا النائيني فقال في بعض الدورات‏

المتقدمة من بحث أصوله بان المدار على المعلوم و هو الواقع فكأنه حصل الاضطرار

بعد العلم الإجمالي لأن المدار على الواقع لا على العلم به و قال في الدورة الأخرى‏

متأخرة ان المدار على العلم لأن الواقع بدون العلم به لا يكون له الأثر.

و لا يقال ان المدار على التكليف و هو قبل و العلم طريق محض لأنه يقال‏

الاجتناب عن الأطراف لا يكون الا من جهة تنجيز العلم و الأثر له لا للواقع و هذا هو

الحق لا ما سبق منه فان المدار على الكاشف لا على المنكشف لأن العلم بالموضوع‏

ما لم يحصل لا يكون وجه للقول بترتب الحكم.

الصورة الثالثة أن يكون الاضطرار بعد العلم الإجمالي و في هذه الصورة أيضا

يجي‏ء احتمال التطبيق لأنه يمكن أن يكون النجس هو المضطر إليه و لكن الإشكال‏

في أنه لو كان كذلك يمكن القول بإهراق أحد الإناءين ثم إهراق الاخر و لم يقل به‏

أحد و لكل طريق للجواب عنه في المقام و إثبات أن الاضطرار أو الإهراق لا يوجب‏

إسقاط العلم عن التنجيز.

و الحق طريق شيخنا العراقي قده و هو أن الكأسين يكون العلم الإجمالي‏


446
بنجاسة أحدهما في وقت واحد مثل الظهر و يمكن أن يفرض‏1من هذا العلم فرد

آخر في عمود الزمان أيضا بان يقال انى اعلم اما ان يكون هذا في الظهر نجسا و ذاك‏

في العصر أو بالعكس مضافا بعلمي بأن هذا أو ذاك في الظهر نجس و حيث أن العلم‏

الإجمالي في التدريجيات يكون منجزا و لو خرج بعض الأطراف بواسطة مضى‏

عمود الزمان عن الابتلاء فان الثلاثة في أول الشهر لا تكون محل الابتلاء في آخر

الشهر للحائض و هكذا بالعكس و لكن العلم منجز و يلزم الاجتناب عن جميع الأطراف.

ففي المقام نقول إذا حصل الاضطرار إلى أحد الأطراف قبل العصر يكون‏

سببا لموت العلم الإجمالي العرضي لا لموت العلم الإجمالي الطولي لأن الزمان‏

لا يوجب سقوط العلم عن التنجيز كما في التدريجيات و هذا ينتج في المقام و في‏

ساير المقامات.

و اما الاعلام فقد ذهب الشيخ الأنصاري قده بان الاجتناب عن الطرف الاخر

في هذه الصورة يكون لازما و هكذا أساتيذنا و منهم شيخنا النائيني و خالف الخراسانيّ‏

1أقول ما يكون حاصلا بالفعل هو العلم الإجمالي بين الكأسين عرضيا

و لا يكون في صفحة النّفس علم إجمالي طولي و التنظير بالتدريجيات أيضا لا يتم‏

لأن ما يكون ذاته تدريجية لا يكون مثل ما فرض كذلك ثم على فرض التسليم يكون هذا

العلم التدريجي من مواليد هذا العلم العرضي فإذا مات يموت ولده أيضا فبعد الظهر

لا يبقى علم بواسطة سقوط العلم الإجمالي العرضي.

و قد كرر الأستاذ مد ظله هذا التقرير في أبحاثه و لم يصر قريبا إلى ذهننا من‏

الأول فالحق هو التمسك بقوله عليه السّلام يهريقهما و يتيمم مع إمكان إخراج أحدهما عن‏

الاستيلاء ثم استعمال الاخر أو يقال بأن العلم بحدوثه أوجب الاجتناب عن كلا

الإناءين و بخروج بعض الأطراف عن الابتلاء أو الاضطرار إليه يشك في رفع الحكم‏

فيستصحب و هذا الخلاف في صورة عدم تشكيل العلم من الأول لخروج أحد الأطراف‏

عن الابتلاء قبلا أو بعد الاضطرار إليه و موت العلم بعد حياته لا يضر بالاشتغال بالإجماع‏

أو الرواية.


447
قده في الحاشية على الرسائل و في الكفاية و وافق الشيخ قده في حاشية منه على الكفاية

و حاصل دليل الشيخ ان التكليف بعد ما صار منجزا و يكون الاجتناب عن الأطراف‏

محرزا لا يكون الاضطرار إلى بعض الأطراف سببا لخروج الاخر عن دائرة الامتثال‏

بل الاشتغال اليقينيّ يحتاج إلى الفراغ اليقينيّ و هو لا يحصل الا بالاجتناب عن الطرف‏

الاخر و احتمال التطبيق لا يضر.

و قال النائيني ان الأصول هنا غير متعارضة لأن العلم الإجمالي إذا حصل يكون‏

قاعدة الطهارة في هذا معارضا بقاعدة الطهارة في ذاك و الاضطرار لا يوجب رفع‏

التعارض من البين فلا يجري الأصل بعده أيضا.

و اما سند المخالف و هو الخراسانيّ قده في قوله بالمخالفة فحاصله ان العلم‏

الإجمالي الحاصل بين المقدور و غير المقدور لا يكون منجزا و لا فرق بين الحدوث‏

و البقاء في ذلك ففي المقام حيث لا يكون الاجتناب عن كلا الإناءين بعد حصول‏

الاضطرار مقدور لا يكون العلم منجزا و التنجيز القبلي لا يفيد بقاء فلا يكون العلم هنا

منجزا كما في صورة كون الاضطرار قبل العلم.

و قال و لا يقال أي فرق بينه و بين الإهراق فانه أيضا يكون من دوران الأمر بين‏

المقدور و غيره بقاء فكيف يقال بوجوب الاجتناب عن الاخر فيه و لا يقال به هنا.

لأنا نقول الفرق بينهما هو أن التكليف لا يكون مقيدا بالموضوع في الواقع‏

فلا يقال اجتنب عن النجس إذا كان الإناء موجودا بل التكليف مطلق و اما الاضطرار

فيكون قيد الواقع فان الاجتناب عن النجس يكون في صورة عدم الاضطرار لا في صورة

الاضطرار إليه و هذا هو الفارق فالمتيقن من وجوب الاجتناب هو صورة عدم‏

الاضطرار إلى أحد الأطراف و غيره يكون مشكوكا.

و أجاب عن هذا التقريب في حاشيته على الكفاية بان القدر المتيقن لا يكون‏

هنا صحيحا فانه يمكن أخذه في شي‏ء واحد إذا كان له طول و قصر فإذا فرضنا الشك‏

في أنه هل الواجب يكون الاجتناب عن هذا الإناء في ساعة أو ساعتين فيمكن أخذ

المتيقن منه لأنه من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و اما إذا كان الحكم مرددا بين‏


448
الإناءين و حصل احتمال التطبيق بالنسبة إلى أحد الأطراف فلا يكون هذا هو المتيقن‏

لأن الطرف الاخر أيضا يكون فيه احتمال التطبيق كما كان في الطرف المضطر إليه.

و فيه حدوث العلم لا يكفي للبقاء فإذا فرض عدم انحفاظ العلم بعد طروّ

الاضطرار لا يكون هذا كافيا في القول بتنجيز العلم و لو كان كافيا لتمّ كلام الشيخ‏

و النائيني قدهما أيضا و في المقام الشك في بقاء الحكم لا يكون مثل ساير الموارد

بل يكون الشك ساريا بمعنى أنه يوجب هدم العلم الّذي كان من قبل لأن المدار في‏

التنجيز و عدمه هو العلم وجودا و عدما فلا بد من التمسك بما قال شيخنا الأستاذ في‏

الاضطرار الطاري و الخروج عن الابتلاء كذلك من العلم الإجمالي المورب التدريجي‏

الّذي يكون باقيا بعد سقوط العلم الإجمالي العرضي و قد مرّ تقريبه هذا كله في‏

الاضطرار إلى المعين.

و اما الاضطرار إلى غير المعين فالأقوال فيه ثلاثة:

قول بعدم سقوط العلم عن التنجيز بالنسبة إلى الطرف الاخر سواء كان الاضطرار

قبل العلم أو بعده و قول بعدم التنجيز مطلقا و قول بأن حاله مثل الاضطرار إلى المعين‏

ففي صورة كونه قبل العلم لا يكون العلم منجزا و في صورة كونه بعده يكون منجزا.

اما القول الأول فعن الشيخ الأنصاري قده و استدل له بما حاصله ان‏

الاضطرار إلى المعين كان بنفسه مضادا مع العلم و اما الاضطرار إلى غير المعين‏

لا يكون مضادا معه فانه في صورة كونه في المعين لو علمنا به أيضا بعلم تفصيلي‏

كان التكليف بالاجتناب عنه ساقطا بخلاف صورة كون الاضطرار إلى غير المعين‏

فانه لو علمنا به لزم اختيار الطرف الاخر و بعبارة أخرى ان الأصول في الطرفين‏

متعارضة فان أصالة الطهارة في هذا الكأس يتعارض مع أصالة الطهارة في ذاك و العلم‏

يؤثر اثره و تطبيق الاضطرار على بعض الأطراف لا يوجب سقوط العلم بالنسبة إلى‏

الطرف الاخر.

لا يقال هذا يكون في الاضطرار الّذي يكون بعد العلم الإجمالي و اما الاضطرار

قبل العلم الإجمالي فحيث يكون التكليف في الواقع مقيدا بعدم الاضطرار و هو


449
إلى أحدهما حاصل لا يكون العلم منجزا لاحتمال التطبيق كما عن الخراسانيّ قده.

لأنا نقول التكليف الواقعي لا يكون منوطا باختيار أحد الأطراف بل هو قبل‏

الاختيار يكون منجزا و الأصول عنده متعارضة و اختيار أحد الأطراف يوجب تطبيق‏

الاضطرار على هذا الفرد و لا يوجب تطبيق التكليف الّذي تنجز في الواقع أيضا على‏

هذا المعين المختار فيجب الاجتناب عن الاخر أيضا.

و بتقريب آخر يمكن ان يقال ان العلم الإجمالي بأن الاجتناب عن النجس‏

في البين لا شبهة فيه فان وجود تكليف بالاجتناب بين الكأسين الذين أحدهما نجس‏

يكون حتميا غاية الأمر في ظرف الامتثال حيث يكون الاضطرار إلى أحد الأطراف‏

مانعا عن الامتثال التام يجب الامتثال الناقص و الترخيص يكون في مرحلة الامتثال‏

لا في مرحلة الجعل فهو ترخيص ظاهري لا واقعي و أصل الكلام بين القائل بالتنجيز

و القائل بعدمه هو توهم أن الترخيص في مرحلة الجعل ليكون سندا للبراءة أو في‏

مرحلة الامتثال ليكون سندا للاشتغال و الحق هو الثاني.

لا يقال هذا يكون على فرض كون العلم الإجمالي علة تامة و أما على فرض‏

كونه مقتضيا فلا يكون التنجيز حاصلا لأن الأصل في الطرف الغير المختار للاضطرار

لا يكون له معارض ضرورة أن الأصل في الكأس المضطر إليه المختار لا يكون جاريا

للاضطرار.

لأنا نقول الأصل يحسب بالنسبة إلى مرحلة الجعل لا مرحلة الامتثال ففي المرحلة

الثانية و ان كان كذلك و لكن في مرحلة الجعل قبل الاختيار يكون الأصول‏

كما مر فعلى مسلك القائل بالاقتضاء أيضا لا يجري الأصل في الطرف الاخر و الخراسانيّ‏

قده يزعم أن الترخيص في مرحلة الامتثال يرجع روحه إلى الترخيص في مرحلة

الجعل فان الشارع إذا لم يحفظ تكليفه حتى في ظرف الجهل بجعل الاحتياط أو

برفع الجهل تكوينا و حكم بالترخيص في مورد الاضطرار و لم يحكم بالاحتياط

يكشف عنه عدم فعلية التكليف في هذا الظرف و لكن لا يتم ما ذكره لأن الترخيص‏

في مرحلة الامتثال لا ربط له بالجعل فان التكليف فعلى يجب الخروج عن عهدته‏


450
بقدر الإمكان‏1

و من هنا ظهر سند قول المفصل القائل بأن الاضطرار إلى غير المعين يكون‏

كالاضطرار إلى المعين فان سنده ما مر في المعين.

و حاصله ان التكليف إذا كان الاضطرار طارئا عليه لا يسقط عن التنجيز و اما

إذا كان الاضطرار قبله فحيث يحتمل التطبيق يكون مانعا عن التنجيز و الجواب عنه‏

ان الاضطرار إلى غير المعين يكون اختيار أحد الأطراف موجبا لتطبيق الاضطرار

عليه و لا يكون موجبا لتطبيق التكليف في الواقع على هذا الفرد المعين فتحصل أن‏

الحق ان الاضطرار إلى غير المعين قبلا كان أو بعدا لا يوجب سقوط العلم الإجمالي‏

عن التنجيز.

تذييل‏

قد اشتهر في السنة الأصوليين اصطلاح الواسطة في التكليف و الواسطة في‏

التنجيز في الاضطراري كونه واسطة كذا أو كذا و معنى الواسطة في التكليف‏

هو كون التكليف لو لا ذلك فعليا و معه يكون ساقطا عنه الفعلية بواسطة الاضطرار

و معنى الواسطة في التنجيز هو ان التكليف يكون فعليا على أي حال و يكون الجهل‏

1أقول و بعد الاختيار و ان كان الشبهة بالنسبة إلى الطرف الاخر بدوية

و لكن يكون مثل إهراق أحد الإناءين غاية الأمر يكون هنا استعمال أحدهما للاضطرار

الّذي يكون مجوز الارتكاب و ان كان بعد في الذهن شي‏ء و هو انه إذا كان الاستعمال‏

لأحد الأطراف بحكم الشرع جائزا و يكون احتمال تطبيق الواقع عليه يكون الشبهة

بالنسبة إلى الطرف الاخر بدوية لحكم الشارع بارتكاب أحد الأطراف الا أن يقال‏

ان هذا يكون بعد التكليف و الضرورات تتقدر بقدرها.

و لكن الكلام في إثبات التكليف في هذا المقام مع هذا الاضطرار فانه في‏

الاضطرار إلى المعين ما كان الجهل سببا لانحلال العلم الإجمالي بل احتمال التطبيق‏

جعل الشبهة في الطرف الاخر بدوية و هنا أيضا يكون احتمال المصادفة فتأمل.


451
بالتكليف مانعا عن التنجيز.

ثم انه لا إشكال عندهم في كون الجهل في باب الأقل و الأكثر بالأكثر واسطة

في التنجيز لأن التكليف في الواقع محفوظ و يكون الحكم بالبراءة عن الأكثر على‏

القول بها في الارتباطيين ظاهريا لأن البراءة عن الأكثر تكون في ظرف الإتيان‏

بالأقل و اما في ظرف ترك الأقل فلا يكون الحكم بالبراءة فالتكليف على الأكثر يكون‏

منجزا على فرض ترك الأقل و غير منجز على فرض إتيانه.

و لا إشكال في ان‏1الاضطرار إلى المعين يكون واسطة في التكليف لأن‏

1أقول الاضطرار إلى المعين ما كان في جميع الصور واسطة في التكليف‏

بل في صورة كون الاضطرار قبل العلم الإجمالي و اما في صورة كونه بعده فقد مرّ

تنجيز العلم الإجمالي فلا يكون مطلقا واسطة في التكليف.

و اما الاضطرار إلى غير المعين فيختلف حسب اختلاف المسالك و لكن لا يكون‏

واسطة في التكليف و لا في التنجيز على مسلك النائيني بتنجيز العلم الإجمالي لأنهم‏

لا يقولون بأنه يوجب البراءة كما في باب الأقل و الأكثر و لا وساطة له بالنسبة إلى‏

التكليف في البين.

و اما بالنسبة إلى أحد الأطراف و ان كان واسطة و لكن في الواقع لا يكون الوساطة

في التكليف أو التنجيز بالنسبة إلى الواقع في البين.

و اما على مسلك القائل بعدم تنجيز العلم الإجمالي فلا فرق بين كونه واسطة في‏

التنجيز أو في التكليف من حيث الأثر الشرعي فما قال النائيني قده من عدم الأثر و احتمال‏

كلا الوجهين يكون على فرض كونه واسطة في التنجيز أو التكليف و اما على فرض‏

كونه غير واسطة في التنجيز فلا فرق بين كونه غير واسطة في التكليف أم لا بل لا

يكون واسطة في التكليف أيضا بتمام المعنى و بالنسبة إلى الواحد من الأطراف لا

يكون للتكليف أثر سواء كان واسطة في التنجيز أو التكليف.

و اما الشيخ قده فلا أدري كيف يراه واسطة في التكليف على ما حكى عنه و انى‏

لم أجد كلامه في رسائله مع قوله بتنجيز العلم الإجمالي فان الاضطرار في الواقع‏

لا يكون له وساطة بل التكليف بحاله و لا مانعية له فان الواسطة يكون معناها المانعية


452
التكليف في الواقع يكون مقيدا بعدم الاضطرار إلى متعلقه فالاجتناب عن النجس‏

يكون الأمر به في صورة عدم الاضطرار إلى ما هو في الواقع يكون نجسا على فرض‏

مصادفة الواقع معه فلا يكون التكليف مسلما على أي حال.

و لكن الاختلاف في أن الاضطرار إلى غير المعين هل يكون واسطة في التنجيز

أو في التكليف و اختار الثاني الشيخ قده.

و قال‏1شيخنا النائيني(في الفوائد ص 33-34)يمكن ان يقال بأنه واسطة

في التنجيز أو واسطة في التكليف و لكل وجه و بيانه ان لكل من الجهل بالواقع‏

و الاضطرار دخلا في رفع التكليف لأنه لو لا الجهل بالواقع لكان اللازم تطبيق‏

الاضطرار على غير فرد النجس مثلا في دوران الأمر بين اختيار هذا أو ذاك لرفع‏

الاضطرار و المانع من ذلك هو الجهل.

و اما الاضطرار فهو له دخل من جهة أنه لولاه لكان اللازم الاجتناب عن كل‏

أطراف الشبهة و لم يحصل ما يوجب الترخيص في البعض فالتخيير في ارتكاب‏

أحد الأطراف يكون مستندا إلى امرين الجهل و الاضطرار و حينئذ فلا بد من ملاحظة

عن التكليف أو تنجيزه و مع القول بوجوب امتثال التكليف أين الوساطة كما مر.

نعم لمثل الخراسانيّ(قده)ان يبحث عن ذلك و مع ذلك لا فائدة ظاهرا في‏

تعيين كونه واسطة في التنجيز أو التكليف كما قال النائيني قده.

و الحاصل ان البحث عن الوساطة في التكليف أو التنجيز لا يكون في كلام‏

النائيني قده مشروحا بحيث يفهم منه الوساطة بالنسبة إلى بعض الأطراف أو جميعها

و بالنسبة إلى البعض أيضا لا يكون الوساطة وساطة تامة في التنجيز أو التكليف في‏

المعين و غيره.

و كلمات الشيخ قده في أصل عنوان الاضطرار إلى المعين أو إلى غير المعين‏

لا يكون صريحا فيما نسب إليه من الوساطة في التكليف في غير المعين بل ما يظهر

من عباراته هو الوساطة في التنجيز و ان لم يكن هذا عنوانا مستقلا في كلماته.

1كلامه في فوائد الأصول الجزء الرابع ص 33 و 34 هذا حاصله.


453
الجزء الأخير الّذي يكون سببا للترخيص في بعض الأطراف فان كان هو الجهل يكون‏

الترخيص ظاهريا و يكون واسطة في التنجيز كما في ساير موارد الترخيص المستفاد

من أدلة البراءة و أصالة الحل مع بقاء الواقع على ما هو عليه بلا تصرف فيه فان‏

الترخيص الظاهري لا يصادم الواقع كما أوضحناه في محله و ان كان الجزء الأخير

هو الاضطرار فالترخيص يكون واقعا و يلزمه التوسط في التكليف و الإنصاف أن‏

لكل من الأمرين وجه قوى انتهى.

و لكن التحقيق ان العلم الإجمالي منجز و لا يكون الاضطرار إلى المعين مانعا

من تنجيزه و قال الشيخ قده أنه لو لا رفع اليد عن الواقع لا يكون وجه للقول بالترخيص‏

في أحد الأطراف فانه يكون كاشفا عن رفع اليد عنه.

الأمر الخامس‏1في خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء

و قبل الشروع في المطلب يجب بيان ضابطة الخروج عن الابتلاء و عدمه فقال‏

شيخنا النائيني قده ان الضابطة في ذلك هي الخروج عن القدرة العقلية في الأمر

و الخروج عن محل الابتلاء بحيث لا يمكن الجمع بين جميع الأطراف فحب حنطة

نجسة في منّ موجود خارجا يوجب الاجتناب عن الجميع و لو كان نسبته كنسبة

الواحد إلى الألف و وجود نجس في إناء البلد لا يكون موجبا للاجتناب لعدم القدرة

على الجمع بين جميع الأطراف.

كما ان العلم الإجمالي بنجاسة هذا الجنس أو ما يكون في أقصى بلاد الهند

لا يوجب التنجيز لخروج ما في الهند عن القدرة العادية بالنسبة إلينا.

1هذا الأمر هو الأمر الثالث في فوائد الأصول من تنبيهات العلم الإجمالي‏

فارجع لتفصيله إلى ص 17 جزء 4 و في الرسائل أيضا التنبيه الثالث في ص 236

و لقد أجاد النائيني قده في ترتيبه على الرسائل و لكن الأستاذ مد ظله يقدم و يؤخر

هذه التنبيهات و قد صرنا في تعب من ذلك و لا ندري سره.


454
و بين الأوامر و النواهي فرق عنده و هو انه في النواهي يلزم ان يكون مما إليه‏

الابتلاء عادة فما يكون خارجا عن محل الابتلاء حيث انه منترك في نفسه لا يصح النهي‏

عنه لاستهجان النهي عنه و اما في الأوامر فليس هذا بشرط لأن المطلوب هو إيجاد

الواقع و في ترك بعض الأطراف المقدور أيضا احتمال مخالفة الواقع فيجب الامتثال‏

و خروج بعض الأطراف عن الابتلاء لا يوجب سقوط الأمر لأن المصلحة التامة في‏

المأمور به ربما تدعو إلى إتيان ما هو خارج عن القدرة عادة و ان لزم منه الحرج‏

لو لا دليل نفي الحرج نعم القدرة العقلية شرط فيه.

لا يقال ان الأوامر و النواهي كلاهما لا يكونان منوطين بإرادة المكلف و الا

يلزم ان يكون المريد للوضوء للتبريد غير مأمور به لأنه يريده و ان يكون الصارف‏

عن شرب الخمر غير منهي و معلوم ان الأمر و النهي يكون بالنسبة إلى الصارف عن‏

المنهي عنه و الطالب للمأمور به أيضا.

لأنا نقول ان ما لا يمكن ان يكون دخيلا في الأمر و النهي هو الإرادة التي‏

تكون في سلسلة علل الأحكام.

و من المعلوم ان الأحكام لا يكون الا تابعا للمصالح و المفاسد النّفس الأمرية

لا إرادات المكلفين و لكن القدرة العادية على إتيان المكلف به أو تركه يمكن دخلها

في التكليف و في سلسلة العلل و الحاصل فرق بين عدم القدرة على المأمور به أو

المنهي عنه أو عدم الإرادة و الكلام يكون بالنسبة إلى الخارج عن محل الابتلاء و هو يكون‏

خارجا عن القدرة.

و لكن الّذي يمكن الإشكال عن النائيني قده به هو ان فرقه بين الأمر و النهي‏

لا يكون في محله فان تلقى الخطابات يكون بيد العرف فربما يكون الخطاب بالنسبة

إلى شي‏ء مستهجنا عنده و الأمر و النهي سواء في ذلك فان من لا يكون مظنة للاجتهاد

أصلا لا يكون نهيه عن التسامح في الفتوى في محله و هكذا من لا يكون في شأنه عاديا

تزويج بنات الملوك فأمره بتزويجهن يكون مستهجنا مضحكا فمن يكون أجنبيا

بالنسبة إلى الخطاب يكون أجنبيا بالنسبة إلى الملاك أيضا فلا يقال ان الملاك حيث‏


455
يكون تاما في الأوامر لا يضر خروج أحد الأطراف عن الابتلاء.

و لا يخفى ان الخطاب المشروط أيضا غلط بالنسبة إلى من يكون المتعلق خارجا

عن قدرته عادة فانه يستهجن خطاب من لا يقدر على تزويج بنات الملوك بأنه ان‏

قدرت فزوّجهن.

و اما ما أجاب به عن الإشكال اللازم عليه من توقف الأحكام على إرادات‏

المكلفين بأنه فرق بين عدم القدرة على الشي‏ء أو عدم إرادته و الكلام في عدم القدرة

لا عدم الإرادة فلا يتم لما ذكرناه لأن الأوامر و النواهي سواء في ذلك فإذا لم يكن‏

الخطاب متلقى في نظر العرف بالنسبة إلى شخص لا فرق بين الأمر و النهي و الملاك‏

هو القدرة على الإتيان أو الترك في وجود الخطاب و الملاك هذا كله في صورة العلم‏

بخروج الشي‏ء عن محل الابتلاء.

و اما إذا شك في شي‏ء من حيث كونه محل الابتلاء و عدمه فله صور من جهة

كون الشبهة مصداقية أو صدقية أو مفهومية و من جهة كون الشبهة من جهة كون العلم‏

الإجمالي قبل الخروج عن محل الابتلاء حتى لا يكون الخروج عنه مسقطا للتنجيز

كما في إهراق أحد الإناءين بعد العلم بنجاسة أحدهما أو قبل العلم الإجمالي حتى‏

لا يكون العلم منجزا فإذا كانت الشبهة في المصداق فالعلم الإجمالي يكون منجزا.

و وجهه هو أن التكليف بعد كونه معلوما يكون الشك في الصورة على امتثاله‏

و قد حرر في محله ان الشك في القدرة و ان كان يرجع إلى الشك في التكليف و لكن‏

لا يكون هذا الشك في التكليف مرجعه إلى البراءة بل يجب الاحتياط أو الفحص‏

ليظهر الواقع لأن الملاك في أصل التكليف موجود و رجوعه إلى الشك في التكليف‏

لا يفيد هنا لجريان البراءة لأن روحه يرجع إلى الشك في الامتثال و هذا كلام متين‏

عن شيخنا النائيني قده أيضا.

و لكن عدل عنه في الدورة الأخيرة لإشكال أورده على التقريب السابق و هو

ان صورة الخروج عن الابتلاء أيضا تكون مثل هذه الصورة من جهة عدم إحراز

الملاك فانه في صورة القطع بعدم كون ما في أقصى بلاد الهند مورد الابتلاء لا يكون‏


456
الملاك للاجتناب عن الخمر الّذي يكون متعلق العلم محرزا.

فهكذا في صورة الشك في ذلك فإذا لم نعلم ان الفاصلة بيننا و بين البلد

الكذائي كذا فرسخ حتى يكون خارجا عن الابتلاء أو أقل حتى لا يكون كذلك‏

لا يكون الملاك بالنسبة إلى هذا الطرف محرزا فتصير الشبهة بالنسبة إلى الطرف‏

الّذي يكون محل الابتلاء بدوية و غير لازمة الاجتناب و لا يكون عدم القدرة عقليا

بل عاديا.

و سرّ عدم الاجتناب في صورة القطع عدم إحراز الملاك فهكذا في صورة الشك.

و فيه ان القياس مع الفارق فانه في صورة القطع بعدم القدرة العادية لا يكون‏

التكليف محتملا أيضا و لا يكون مخالفته خروجا عن رسم العبودية و اما في صورة

الشك فيكون احتمال القدرة موجبا لاحتمال بقاء التكليف و يكون المخالفة بالنسبة

إلى ما هو محل الابتلاء خروجا عن رسم العبودية فالاعتذار عن المولى في صورة

القطع ممكن و في صورة الشك لا يكون ممكنا و نحن نحرز عدم الدخل في الملاك‏

فالتعليل بان عدم إحراز الملاك يكون فيهما ضعيف غايته و على فرض احتمال دخل‏

القدرة في الملاك فالأصل و ان كان يقتضى البراءة و لكن ليس المقام منه فان القدرة

تكون عادية و من شرائط الامتثال لا العقلية التي تكون من شرائط التكليف و ليته(قده)

لم يعدل و لعل هذا يكون من اشتباه المقرر.

لا يقال ما ذكرتم من وجوب الاحتياط يكون على فرض العلم التفصيلي بالتكليف‏

و الشك في القدرة العادية بالنسبة إليه و اما إذا كان العلم الإجمالي به فلا يكون كذلك‏

لأنه يلزم ان يكون موجبا للتكليف بأي طرف وقع و معلوم انه مع الشك في القدرة

لا يكون التكليف بالنسبة إلى ما هو المشكوك محرزا و في الطرف الاخر أيضا تصير

الشبهة بدوية فلنا الشك في متعلق التكليف و الشك في التطبيق بالنسبة إلى ما هو مشكوك‏

الابتلاء و لا يمكن إحراز التكليف على أي نحو كان.

لأنا نقول الشك في أصل التكليف بالنسبة إلى المتعلق لا يختص بالمقام بل‏

كل علم إجمالي يكون الشك في أطرافه و اما الشك من جهة احتمال التطبيق أيضا


457
فلا يفيد لإسقاط التكليف لأنه على فرض وجود الابتلاء في الواقع يكون التكليف‏

محرزا فيجب الاعتناء به لأنه يعد المخالف عاصيا بالنسبة إلى ما هو مورد الابتلاء

فلا يكون أثر للشكين فالعلم منجز.

و من هنا ظهر حكم الشبهة الصدقية التي كالمصداقية و المفهومية أيضا فانه‏

إذا لم يعلم ان الخروج عن الابتلاء هل يصدق بالنسبة إلى الف فرسخ أو يجب ان‏

يكون أزيد حتى يصدق من جهة عدم معلومية مفهوم الخروج عن الابتلاء فهو أيضا

يكون من الشك في القدرة بعد إحراز التكليف فيجب الاجتناب عن الطرف الاخر

لاحتمال القدرة على المشكوك أيضا.

هذا هو الوجه الأول للقول بالاشتغال في صورة الشك في الخروج عن‏

الابتلاء و عدمه.

اما الوجه الثاني فهو عن الشيخ الأنصاري(قده)و حاصل ما أفاده هو ان‏

التمسك بالإطلاقات أو العمومات مثل لا تشرب الخمر و اجتنب عن النجس في مقام‏

الشك في كون بعض الأطراف موردا للابتلاء أم لا يكون بلا مانع و ان كانت الشبهة

في المفهوم لتردده بين الأقل و الأكثر لأن ما هو خارج عن تحت العموم يكون ما هو

خارج قطعا عن الابتلاء و ما يكون مشكوك الابتلاء فحيث يكون من الشك في زيادة

التخصيص بالنسبة إليه يجري أصالة العموم و أصالة الإطلاق خصوصا في المقام الّذي‏

يكون المخصص لبيا و هو حكم العقل.

فان التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية في المخصص اللبي يكون صحيحا

فضلا عن كون الشبهة مفهومية و لا يكون استهجان الخطاب في المقام كما هو في مورد

القطع بالخروج عن الابتلاء و لا تتوهم ان التمسك بالإطلاق في المقام يكون بعد

إحراز النجس كما توهمه البعض بل يكون الكلام في مورد الشك كما هو واضح.

قال شيخنا النائيني في الفوائد(الجزء الرابع ص 19)فان قلت بأن الشبهة

إذا كانت مفهومية لا ندري ان الخروج عن الابتلاء يصدق ببعد المسافة مقدار ألفين‏

و يكون الف فرسخ أو المخصص متصلا بالعامّ يمنع عن انعقاد الظهور له و في المقام‏


458
يكون المخصص العقلي متصلا و لا يمكن القول بانعقاد الظهور له حتى يكون مرجع‏

الشك إلى زيادة التخصيص و عدمها فيتمسك بالعامّ لدفع الشبهة و لا فرق بين كون‏

المخصص لفظيا أو لبيا في سراية الإجمال.

فقال قلت لا يكون المقام من المخصص المتصل بل من المنفصل لأن ما هو

متصل هو عدم القدرة العقلية فان العقل لا يتلقى الخطاب إذا لم يكن القدرة العقلية

على امتثاله و إذا شك في وجود هذا النحو من القدرة يشك في وجود العام و عدمه‏

و لا ينعقد الظهور.

و اما إذا كان المخصص هو عدم القدرة العادية فلا يكون الحاكم الّذي هو

العقل كالمخصص المتصل بل العقل بعد تعمّل شديد يفهم ان الخطاب مستهجن مع‏

عدم القدرة العادية ففي مورد القطع بعدم الابتلاء يكون التخصيص مسلما و في صورة

الشك يتمسك بالعامّ و لا يسرى إجماله إليه لكونه في حكم المنفصل و لذا نفرق بين‏

الأمر و النهي في القدرة العادية.

فنقول بأن تلقى الخطاب في النواهي مشروط بالقدرة العادية بخلاف الأوامر

لتمامية الملاك بخلاف القدرة العقلية فانهما فيها سواء و هذا الكلام عنه قده متين جدا.

و الحق مع الشيخ الا أنه لا فرق بين الأوامر و النواهي في تلقى الخطاب و عدمه‏

في القدرة العادية كما مرّ.

ثم انه قده قد أجاب بجواب آخر غير تام و هو أنه قال علي فرض تسليم كون‏

المخصص متصلا أيضا يمكن منع سراية إجماله إلى العام في المقام لأن سراية الإجمال‏

تكون في المخصص الّذي يكون له عنوان واقعي غير مختلف المراتب مثل إذا

قيل أكرم العلماء ثم خرج منه الفاسق فحصل الترديد من حيث المفهوم بين كون‏

الفاسق هو مرتكب الكبيرة فقط أو يشمل حتى مرتكب الصغيرة أيضا فان الفسق‏

حيث لا يكون له مراتب ففي مورد مرتكب الصغيرة لا يمكن التمسك بالعامّ و لا

بالمخصص لسراية الإجمال إليه.

و اما إذا كان الخاصّ مما له مراتب و يمكن تصوير الأقل و الأكثر فيه فلا يكون‏


459
إجمال حتى يسرى إلى العام كما في المقام لوجود القدر المتيقن فان مفهوم الخروج‏

عن الابتلاء يكون له مراتب فان الخروج عنه بألفين من الفرسخ متيقن مثلا و بألف‏

مشكوك فما هو المتيقن يكون خارجا عن تحت العام و ما هو المشكوك يكون باقيا

تحته للشك في زيادة التخصيص.

و الجواب عنه قده أنه لا فرق بين المقام و صورة كون الخارج عن تحت‏

العام عنوان واحد مثل الفسق ضرورة أنه لا يكون التمسك بأصالة العموم و الإطلاق‏

من باب التعبد المحض بل من باب بناء العقلاء و انعقاد الظهور و لا يكون عنوان‏

الخارج عن الابتلاء الا مثل عنوان الفاسق الّذي يكون امره دائرا بين الوجود و العدم‏

فإذا كان في المقام ما يحتمل كونه مخصصا أم لا يكون الشك في أن العام هل يشمل‏

هذا المورد أم لا و لا ينعقد الظهور عند العقلاء.

و فرق بين الشك في أصل وجود المخصص أو في مخصصيّة الموجود فان‏

الأول يكون الأصل عدمه و اما الثاني فيمنع عن انعقاد الظهور عند العقلاء نظير صورة

كون الشك في أصل وجود المانع عند الوضوء فان الأصل عدمه و وجود مانع مثل‏

الخاتم يشك في مانعيته فانه يجب إحراز عدم المانعية فما يحتمل القرينية يكون‏

مانعا عن التمسك بالعامّ فكيف فرق قده في المقام.

فتحصل ان التمسك بالعامّ يكون لخصوص كون المخصص منفصلا و على‏

فرض اتصاله يسرى إجماله إليه.

و قد أشكل الخراسانيّ على الشيخ في الكفاية ص 223 بما حاصله أن التمسك‏

بالإطلاق يكون في صورة الشك في مطابقة الإرادة الاستعمالية للإرادة الجديّة كما

إذا شك في دخل قيد و عدمه فهو يطرد القيد و يقال انه لو كان دخيلا لكان اللازم‏

ذكره في الخطاب و حيث لم يذكر لم يكن دخيلا و اما إذا كان الشك في وجود ما

هو معتبر في صحة الخطاب فلا يتمسك بالإطلاق ففي المقام يكون الشك في وجود

القدرة حيث لا نعلم أن المورد الفلاني خارج عن الابتلاء أم لا بعد إحراز أن الخارج‏

عنه يكون غير مكلف به فيكون الأصل هنا البراءة و لا يكون القول بالاحتياط الا


460
كالشبهة البدوية.

و قد أجاب‏1عنه شيخنا النائيني قده بما حاصله أن الوقوع يكون أخصّ‏

من الإمكان فكل مورد حصل الوقوع يكون الإمكان مسلما بخلاف العكس و نحن‏

إذا رأينا الخطاب و إطلاقه نكشف بذلك الإطلاق في مقام الظاهر الإطلاق الواقعي‏

و الا فلا يصح التمسك بالإطلاق في كل مورد ضرورة أنه يكون الشك في حقيقة

الإطلاق واقعا إذا كان الشك في دخل قيد من القيود مع أنه يكشف عدم الدخل‏

بنصّ الإطلاق فلا يتم كلام الخراسانيّ قده.

ثم انه قد وجه شيخنا الأستاذ العراقي كلامه بما يكون جوابا عن النائيني‏

و هذا التوجيه بعينه هو إشكال شيخنا الحائري و حاصله ان لنا حكما ظاهريا يكون‏

كاشفه الخطاب و ظهوره و حكم واقعي و هو يكون دائرا مدار الإطلاق في الواقع‏

و كشف الواقع و ان كان بواسطة الإطلاق في الظاهر و لكن في صورة تمامية ظهور

المطلق في إطلاقه في مقام الظاهر و اما إذا كان الشك في هذا الظهور فلا يكون وجه‏

للقول بالإطلاق في الواقع مستندا بهذا الظاهر و مراد الخراسانيّ قده هو عدم تمامية

ظهور الخطاب في الظاهر للشك في القدرة التي تكون شرطا لصحته فلا يكون لنا

إطلاق ليكشف منه الواقع لا أنه يكون لنا الإطلاق و مع ذلك لا يكشف منه الواقع‏

فالواقع و الظاهر كلاهما مشكوكان عنده قده و هو متين.

و قد يجاب بأن الحكم الظاهري يكون تابعا لبناء العقلاء على هذا الظهور

و هو غير محرز حتى يتمسك بالإطلاق الّذي سنده غير محرز.

و أجيب عنه بأنه على فرض مصادفة الواقع يكون الإطلاق حكمه تنجيزيا و على‏

فرض عدم المصادفة يكون معذرا فقط لأن الظهور لا يكون الا طريقا محضا إلى الواقع‏

فحيث يكون احتمال المصادفة يتمسك بالإطلاق.

1في الفوائد بعد عنوان الكلام بدون ذكر كونه هذا عن الخراسانيّ بقوله‏

ان قلت و أجاب بقوله قلت فلاحظ كلامه.


461
و فيه ان المطلق الّذي ثبت إطلاقه في مقام الظاهر يكون حاله بالنسبة إلى‏

المصادفة و عدمها كذلك و لكن الّذي لا يكون تاما في مقام الظاهر أيضا لا يكون وجه‏

للتمسك به.

فالحق ان القيود الّذي يكون في عهدة المولى بيانه يكون الإطلاق طاردا له و اما

ما كان من جهة حكم العقل كما في المقام و هو الشك في القدرة فلا يكون طرده في‏

وسع الإطلاق فلا يكون كلام الشيخ قده تاما و الطريق هو الوجه الأول الّذي مرّ.

بقي في المقام شيئان‏

الأول‏
هو أن الخروج عن محل الابتلاء كما يكون بواسطة عدم القدرة

التكوينية كما يكون أحد الإناءين المشكوك نجاسة أحدهما في أقصى بلاد الهند

كذلك قال الشيخ و النائيني‏ (1) بأنه يصدق بواسطة المنع الشرعي و خروج أحد

الأطراف عن الابتلاء كذلك أي عادة بحيث لا يكون في معرض الابتلاء عرفا بمثل‏

الشراء و العارية بالنسبة إلى ما هو ملك الغير فإذا دار الأمر بين نجاسة أحد الكأسين‏

الذين أحدهما ملك للغير لا يكون هذا العلم الإجمالي منجزا.

لأن الغير المقدور الشرعي يكون كغير المقدور التكويني بحسب العادة و النهي‏

عن التصرف في إناء الغير الّذي لا يكون له سبيل إليه الا بنحو الغصب يكون مستهجنا

و أصالة الطهارة في أحدهما لا يتعارض بأصالة الطهارة في الطرف الاخر أو يقال لا

يكون العلم بالتكليف حاصلا في هذه الصورة.

و قد أجيب عنه بأن الوصول العادي إليه و لو من باب الغصب لو لم يكن‏

يكون خارجا عن الابتلاء و اما إذا كان الوصول العادي ممكنا لا يكون خارجا عن‏

الابتلاء فللعلم الإجمالي التأثير لكن في مال الغير يكون النهي عن التصرف من‏

جهتين جهة كونه غصبا و جهة كونه نجسا و هذا يكون عن الشيخ و شيخنا العراقي‏

(قدهما).

1)في الفوائد الجزء الرابع ص 22 و في الرسائل ص 237 في التنبيه الثالث.

462
أقول الإشكال في المقام يكون من جهة ان المنجز لا ينجز كما إذا علمنا

بنجاسة الكأس الأبيض أو الأسود ثم حصل علم آخر بنجاسة أحدهما أو ثالث مثل‏

الأحمر فحينئذ يقال العلم الثاني لا يكون منجزا بالنسبة إلى الأحمر لأن المنجز بالعلم‏

الإجمالي الأول لا يصير منجزا ثانيا و الشبهة بالنسبة إلى الأحمر بدوية لعدم العدل‏

له و عدم إحراز التكليف.

ففي المقام و ان كان أحد الكأسين مال الغير و يكون النهي عن التصرف فيه‏

قبل تحقق العلم منجزا و لكن لا يؤثر في عدم تنجيز العلم الإجمالي لأن النهي من جهة

الغصب لا يكون مثل النهي عن جهة النجاسة و لا يكون قولهم المنجز لا ينجّز في لسان‏

دليل ليؤخذ بظهوره و يقال بشموله للمقام بل يكون من باب لغوية الخطاب و هو يتحقق‏

في صورة كون النهي عن شي‏ء من جهة النجاسة مثلا ثم النهي عنه في هذه الجهة

أيضا إذا لم يكن الاشتداد مثل ما إذا كان الشبهة في النجاسة من جهة الدم و اما إذا

كان إحداهما أقوى توجب تعدد الغسل و السابق يقتضى وحدته يمكن القول بالتنجيز

أيضا مع اتحاد متعلق النهي و هو النجاسة.

فالحق في المقام يكون مع شيخنا العراقي في تصوير النهي من جهة الغصب‏

و من جهة النجاسة1فالعلم منجز و لا يكون ما في تقريرات شيخنا النائيني تاما

و الحاكم هو العقل و هو يحكم بتنجيز العلم هذا كله في صورة الخروج عن الابتلاء

شرعا أو عادة.

1أقول فعلية النهي من جهة النجاسة تكون في صورة القول بالترتب في‏

خصوص الغصب في النجاسة بأن يقال علي فرض عصيان امر الأهم فنهى المهم أيضا

موجود في مثال الغصب و اما مع عدم العصيان فحيث أن امر الأهم موجود و يكون‏

الشخص ممن يطيع يكون النهي عنه ثانيا لغوا لأنه يحسب خارجا عن الابتلاء.

نظير ما كان العلم الإجمالي بجنابة أحد المشتركين في ثوب واحد فان الخروج‏

عن الابتلاء من جهة الشخص الاخر مانع عن تنجيز العلم.


463
الثاني‏
هو أن الخروج عن الابتلاء هل يكون بمعنى عدم إمكان الابتلاء به‏

عادة أو من باب اتفاق الابتلاء كذلك فعن الشيخ و تبعه النائيني في بعض دوراته ان‏

المدار على فعلية الابتلاء لا إمكانه فقط فإذا دار الأمر بين نجاسة التراب في بيته أو تراب‏

الطريق الّذي لا يبتلى به عادة من باب عدم ميله إليه غالبا فلا يكون العلم الإجمالي‏

كذلك منجزا.

و فيه انه مع القدرة العادية على الابتلاء لا نحتاج إلى فعلية الابتداء فان إمكان‏

الابتلاء يكفي في تنجز العلم الإجمالي الا إذا وصل إلى الخروج عن الابتلاء عادة

ثم هنا فرع‏1لا بأس بالإشارة إليه هنا تيمنا لأنه من الفقه و يكون كثمرة هذا

البحث.

و هو أنه إذا حصل العلم الإجمالي بنجاسة التراب الّذي يصح التيمم به أو

الماء الّذي يصح الوضوء به مع الانحصار و عدم طهور آخر فهل يجب التيمم و الوضوء

أو الوضوء فقط أو يكون فاقد الطهورين وجوه و أقوال و حينئذ اما أن يكون التراب‏

محل الابتلاء من ناحية التيمم فقط أو من ناحيته و ناحية غيره مثل الاحتياج إليه من‏

جهة أخرى فعلى فرض الابتلاء به الأعم من التيمم و غيره فيقال بالجمع بين الوضوء

و التيمم من باب أن تحصيل الطهارة التي تكون واجبة ممكن لأن العلم الإجمالي‏

بوجود مطهر في البين يقتضى الجمع بينهما لأن كليهما يكونان محل الابتلاء.

و يمكن أن يقال بأنه يجب الوضوء و التيمم قضاء للعلم الإجمالي و هذا

الاحتياط واجب متعين و لا يكون فاقد الطهورين و القول بوجوب الوضوء فقط أيضا

غير مستقيم لعدم العلم بحصول الطهارة به فقط لاحتمال كونه هو النجس.

و في هذه الصورة يجب تقديم التيمم على الوضوء لأنه إذا تيمم و نفض يديه‏

من التراب ثم توضأ بالماء لا يحصل له العلم بالنجاسة الخبيثة لأنه لو كان التراب‏

1هذا الفرع في العروة الوثقى للسيد محمد كاظم اليزدي قده في فروع التيمم‏

و قد تعرض له و تعرضنا لشرحه هناك في مسألة 3 من مسائل شروط التيمم.


464
هو النجس فقد نفضه و ان كان النجس هو الماء فيكون الشبهة فعلا بدوية بالنسبة إليه‏

و الأصل يقتضى البراءة عن النجاسة.

لا يقال ما ورد بالنسبة إلى الماءين النجس أحدهما المشتبه من قوله عليه السّلام يهريقهما

و يتيمم يكون في المقام أيضا فان التراب و الماء حكمهما كذلك فكما أنه أمر فيهما

بالإهراق مع إمكان تحصيل الطهارة بهما أيضا من جهة الوضوء بأحدهما ثم غسل‏

الموضع بالاخر و الوضوء به أيضا فكذلك في المقام.

لأنا نقول ما ورد فيهما يكون من التعبد المحض و يختص بمورده و لا يشمل‏

المقام و الا فمقتضى الأصل البراءة عن النجاسة المشكوكة مع إمكان تحصيل العلم‏

بالطهارة حتى في الإناءين هذا في صورة كون الابتلاء بالتراب من جهة الأعم من‏

التيمم أو السجدة عليه مثلا و أما إذا كان الابتلاء من جهة التيمم فقط فالأقوال الثلاثة

يكون في هذا المقام لا في المقام الأول من القول بالجمع مطلقا أو الترك مطلقا أو

الوضوء فقط لأن التكليف بالتيمم يكون هنا في طول التكليف بالوضوء لأن موضوعه‏

هو الفقدان.

و الفرض أن الابتلاء بالماء مقدم على الابتلاء بالتراب على هذا الفرض فحينئذ

يكون لنا ماء مشكوك الطهارة و العلم الإجمالي لا يكون مؤثرا لخروج بعض أطرافه عن‏

الابتلاء فعلا و هو التراب فانه لو كان النجس هو التراب في الواقع يكون لنا ماء

طاهر نتوضأ به و ان كان النجس في الواقع هو الماء أيضا فحيث يلزم أن يكون‏

الاجتناب عنه من ناحية العلم الإجمالي و لا يكون له الأثر فيكون الماء طاهرا ظاهرا

للشبهة البدوية في النجاسة بعد عدم الابتلاء بالتراب.

و لا يكون الأصلان متعارضين أي أصالة طهارة الماء مع أصالة طهارة التراب‏

لاختلاف الرتبة أو يقال إذا شك في طهارة الماء تجري أصالة الطهارة بالنسبة إليه‏

و يصير التراب خارجا عن الابتلاء بذلك لأنا نصير مصداق الواجد بهذا الأصل فيتعين‏

الوضوء فقط و الاحتياط بالجمع مستحب و القول بأنه يكون فاقد الطهورين للانحصار

لا وجه له أصلا.


465
فمن كان واجدا للماء و التراب المشتبه النجاسة للعلم الإجمالي يجب عليه‏

اما الوضوء فقط أو هو مع التيمم و لا يكون فاقدا للطهورين فتدبر.

فصل في حكم ملاقى الشبهة المحصورة

فإذا لاقى شيئا مع أحد الأطراف يجب ملاحظة أن التنجيز الواقع في البين‏

هل يكون لازمه الاجتناب عن الملاقى أيضا أولا فعلى الأول يلزم الاجتناب و على‏

الثاني لا يلزم.

و الأقوال هنا ثلاثة على حسب اختلاف المباني لزوم الاجتناب مطلقا و عدمه‏

مطلقا و التفصيل الّذي يكون مؤسسه الخراسانيّ(قده)في الكفاية و هو أنه تارة يكون‏

الاجتناب عن الملاقى و الطرف لازما دون الملاقى بالفتح و تارة يكون الاجتناب عن‏

الملاقى بالفتح لازما مع الطرف دون الملاقى بالكسر و تارة يكون الاجتناب عن‏

الملاقى و الملاقى كلاهما لازما مع الطرف و نحن قبل الورود في الاستدلال على‏

ما هو الحق يجب علينا تقديم مقدمات في المقام.

المقدمة الأولى في حقيقة وجوب الاجتناب عن الملاقى و كيفية سراية النجاسة

إليه و الأمر بالاجتناب عنه و المتصور منه أقسام أربعة.

الأول أن يكون صرف التعبد و لكن بواسطة الملاقاة يتحقق موضوعه فإذا

لاقى يجب الاجتناب عنه سواء كانت النجاسات واقعيات كشف عنها الشرع أو تكون‏

اعتبارية محضة لعدم الفرق في ذلك من جهة الموضوعية للملاقاة.

الثاني أن يكون نجاسة الملاقى علة لنجاسة الملاقى فإذا لاقاه حصل المعلول‏

و هو النجاسة.

و الثالث أن يكون نجاسته منشأ من نجاسة الملاقى مثل صورة مزج النجس‏

مع غيره و هذا على فرض كون النجاسات أمورا واقعية كشف عنها الشرع واضح‏

ضرورة حصول السراية بذلك و على فرض كونها اعتبارية أيضا يتسع دائرة التعبد

بواسطة كثرة الموضوع و اتساعه و الرابع ما عن بعض الأعيان فانه قال نجاسة الملاقى‏


466
تكون من جهة نجاسة الملاقى و يكون نجاسة الملاقى واسطة في عروض النجاسة

للملاقى مثل حركة راكب السفينة فان الحركة للسفينة حقيقة و تنسب إلى الراكب‏

بواسطتها فهكذا في المقام يكون الاجتناب عن الملاقى بالكسر من شئون الاجتناب‏

عن الملاقى بالفتح مثل أن إكرام خادم العالم يكون من إكرامه و من شئونه.

و الجواب عن هذا الأخير مع كون قائله أجل شأنا من هذا القول لأنه فنّان‏

هذا الفن هو أن الواسطة في العروض لا تنطبق في المقام فان الاجتناب عن الملاقى‏

بالفتح صادق بدون الاجتناب عن الملاقى بالكسر و لا يكون عدم الاجتناب عن الملاقى‏

مضرا بساحة الاجتناب عن الملاقى فانه في مقام الثبوت لا معنى للوسطية في العروض‏

فاما أن يكون النجاسة بواسطة السراية أو بواسطة النشو و ما ذكره قده من المثال يكون‏

من المحتملات الإثباتية لا الثبوتية.

و قال بعض العلماء ان الاحتمالات الثلاث الأول في الملكية بالنسبة إلى‏

المنافع أيضا يجي‏ء بأن تكون المنفعة من شئون العين أو سراية منها أو تعبدا هذا

المحتملات الثبوتية.

و أما الإثباتية فالحق هو كون النجاسة منشأة من نجاسة الملاقى بالفتح و الاتساع‏

الواقعي بواسطة الملاقاة لا الحكمي فقط.

و قد أشكل على هذا الاحتمال بأنه كيف يمكن تصوير نجاسة بحر من المائعات‏

المضافة مثل النفط بواسطة رأس إبرة من الدم فان الاتساع لا يتحقق و هو خلاف‏

الوجدان.

و الجواب عنه ان ثبوت هذا الاحتمال لا إشكال فيه و كذلك إثباته لأنه يمكن‏

أن يسرى دقة بحيث يراه الشارع بنظره الدّقيق و لا يراه العرف و ما ذكر من عدم السراية

يكون استبعادا محضا.

و مما يؤيد ذلك هو أن الفقهاء في النجاسة يشترطون رطوبة الملاقى أو الملاقى‏

و يكون ارتكاز العرف أيضا على أن اليابس لا ينجس اليابس و هذا لو فرض‏

أن يكون النشو حقيقيا.


467
و لو فرض أن يكون النشو بمعنى الاتساع في الحكم يكون الأمر أوضح‏

و لا يرد عليه هذا الاستبعاد أيضا لأن اتساع الحكم باتساع الموضوع لا إشكال فيه‏

و لا يقال ان القول بنجاسة ما ذكر لا يثبت المدعى لأنه كما يمكن ان يكون بالسراية

يمكن ان يكون بالتعبد لأنا نقول ان هذا الارتكاز على ان سرّ شرطية الرطوبة في‏

السراية هو اتساع الموضوع لا التعبد المحض فقط.

و مما يؤيد هذا المعنى هو مفهوم قوله عليه السّلام الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‏ء

فان الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‏ء و هذا يكون ظاهرا في ان ملاقاة نجس لغير

الكر يكون هو العلة بمعنى النشو لا التبعد المحض و أما العلية الواقعية فهي ممتنعة في‏

المقام لأن العلة يمتنع ان تكون في المعلول فانها متقدمة ذاتا و المعلول متأخر كذلك‏

و قد أشكل على هذا بأن معنى ينجسه شي‏ء كما أنه قابل لأن يقال يكون علة

للنشوء كذلك يمكن أن يكون واسطة في العروض و شأنا من شئون الاجتناب عن‏

النجس الواقعي أو بمعنى اتساع الحكم تعبدا و من الروايات التي تكون سندا للقول‏

بكون الاجتناب عن الملاقى يكون من شئون الاجتناب عن الملاقى ما تعرض له في‏

الرسائل(ص 238)عن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السّلام‏ (1) أنه أتاه‏

رجل فقال له وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله فقال أبو جعفر عليه السّلام‏

لا تأكله فقال الرّجل الفأرة أهون عليّ من أن اترك طعامي لأجلها فقال له أبو جعفر عليه السّلام‏

أنك لم تستخف بالفأرة و انما استخففت بدينك ان اللّه حرم الميتة من كل شي‏ء وجه‏

الدلالة و التقريب هو انه جعل عدم الاجتناب عن الطعام الملاقى للنجس و هو الفأرة

استخفافا بالدين فيكون من لوازم اجتناب نجاسة الفأرة الاجتناب عن الطعام الّذي‏

وقعت فيه فيكون الاجتناب عن أحدهما اجتنابا عن الاخر و هذا يكون معنى كون‏

الاجتناب عن الملاقى من شئون الاجتناب عن الملاقى لا التعبد و لا النشو.

و قد أشكل عليها الشيخ الأنصاري قده بضعف سند الرواية مع ان الظاهر من‏

1)في الوسائل ج 1 باب 5 من أبواب ماء المضاف ح 2

468
الحرمة فيها النجاسة لأن مجرد التحريم لا يدل على النجاسة فضلا عن تنجس الملاقى‏

و ارتكاب التخصيص في الرواية بارتكاب ما عدا النجاسات من المحرمات كما ترى‏

فانه من تخصيص الأكثر فالملازمة بين نجاسة الشي‏ء و تنجس ملاقيه لا حرمة الشي‏ء

و حرمة ملاقيه.

و الحاصل من كلامه قده هو ان حمل الحرمة على النجاسة خلاف الظاهر فان‏

الملازمة بين حرمة الفأرة و حرمة الطعام و القول بان ملاقى الحرام حرام كما هو ظاهر

الرواية لازمه تخصيص الأكثر لأن أكثر المحرمات لا يكون ملاقيها حراما بل ما هو

النجس بعد السراية فلا تدل هذه الرواية على ان الاجتناب عن ملاقى النجس يكون‏

من شئون الاجتناب عن المتنجس بحيث لو لم يجتنب عنه لم يكن الاجتناب عن الملاقى‏

بالفتح صادقا.

و الجواب عنه‏1قده ان سياق السؤال يدل على انه كان عن حكم ملاقى النجس‏

1أقول يمكن بقاء الرواية على ظاهرها من سراية الحرمة ببث اجزاء الميتة

في الطعام و يكون أكل الميتة حراما و لو فرض محالا عدم نجاسته و كون الرواية في‏

الكافي لا يدل على قوته لأن كل ما فيه حتى ما وجدنا ضعفه لا يكون قويا عندنا و لو كان‏

قويا عنده.

و اما اختصاص هذا البيان للقائل بصورة كون النجاسة في الملاقى بالكسر

اجتنابه من شئون الملاقى بالفتح لا يكون فان قوله بالاستلزام يناسب جميع المباني.

و هذا كله مع ان غاية ما يدل عليه هذه الرواية هي نجاسة الملاقى للنجس‏

لا نجاسة الملاقى لأطراف الشبهة المحصورة التي لا يكون الاجتناب عنه الا من باب‏

الاحتياط و الأمر الطريقي في البين و لا دخل للمباني في ملاقى الشبهة المحصورة مبنى‏

السراية و غيره.

و لو سلم الدخل فأي إشكال في اختيار السراية حسب ارتكاز العرف بأن‏

اليابس لا ينجس اليابس كما مر منه مد ظله في البحث الثبوتي.

و لقد أصر مد ظله على أن الاجتناب عن الملاقى بالكسر يكون مقدمة للاجتناب‏


469
فان القارة الميتة نجسة و الجواب يكون لهذا السؤال و لازمه كون ملاقى الشبهة

المحصورة من شئون الاجتناب عن ملاقيه أيضا.

و اما ضعف السند فيمكن الجواب عنه بأن الرواية وردت في الكافي و هو دليل‏

على قوته.

و الجواب الصحيح أن يقال لو كان نجاسة الطعام من نجاسة الفأرة بنحو النش‏

أيضا لكان هذا الجواب كذلك و هكذا بنحو الاتساع في الحكم فلا تكون دالة على‏

تعيين الشأنية.

فتحصل أنه لا دليل لنا على أن الاجتناب عن الملاقى يكون من أي قسم من‏

الأقسام من السراية و الشأنية و النشوية و الاتساع في الحكم.

المقدمة الثانية هي أن الاجتناب عن أطراف الشبهة يكون لحفظ الواقع و هو

النجس في البين و ملاقى الأطراف أيضا كذلك يكون اجتنابه دخيلا في حفظ الواقع‏

لأنه ما لم يجتنب عنه لم يعلم الاجتناب عن النجس الواقعي في البين.

المقدمة الثالثة في أن الملاقاة مع أحد الأطراف يلزمها ثلاث علوم إجمالية

الأول و هو الأصل هو العلم بنجاسة الملاقى بالفتح و الطرف و الثاني العلم بنجاسة

الملاقى بالكسر و الطرف و الثالث العلم بنجاسة اما الملاقى و الملاقى و اما الطرف‏

و أساس كلام الخراسانيّ في الكفاية ص 226 يكون هذه العلوم الثلاث مع‏

عن النجس في البين لأن العلم الإجمالي علة تامة و لو كان مقتضيا لصح القول بأن‏

أصل الملاقى لا معارض له.

و كنا نورد عليه بأنه علة تامة لما هو طرف له لا ما هو خارج عن الأطراف و الا

فيلزم أن لا يكون لنا انحلال في صورة من الصور العلم الإجمالي حتى في الصورة

الأولى عن الخراسانيّ قده هنا و غيره مع أنه قائل بجريان قاعدة الطهارة في صورة

تقدم العلم على الملاقاة في الملاقى بالكسر.

مضافا بأن القائلين في الصورة الأولى منهم الخراسانيّ قده و هو قائل بالعلية

التامة و مع ذلك يجري الأصل في الملاقى بالكسر مع سبق العلم بالنجاسة.


470
عرضية العلم بالملاقاة و النجاسة أو تقدم العلم بالملاقاة ثم حدوث العلم بعدها أو

بالعكس و سيجي‏ء تقرير مرامه.

إذا عرفت هذه المقدمات الثلاث فنقول على فرض كون المبنى في نجاسة

الملاقى هو السراية فيختلف الكلام في وجه وجوب الاجتناب عن ملاقى الشبهة

المحصورة بعد القول بوجوب الاجتناب عنه.

الوجه الأول هو أن الاجتناب عن الملاقى بالفتح حيث يكون لحفظ الواقع‏

في البين كذلك الاجتناب عن ملاقيه لازم لذلك كما عن الخراسانيّ لأنه على هذا يكون‏

الاجتناب عن الملاقى نفس الاجتناب عن الملاقى لأن الموضوع قد اتسع بواسطة

السراية فكأنه جعل كأس واحد من النجس في كأسين و جعل الذراع ذراعين من‏

غير فرق بين كون العلم الإجمالي للتنجيز أو علة تامة لأن الأصول على فرض الاقتضاء

أيضا متعارضة.

و الوجه الثاني هو أن الملاقاة يحدث بعدها علمان إجماليان عرضيان بواسطة

السراية و يجب الاجتناب عن الملاقى عملا بمقتضى العلم الإجمالي ضرورة أنه‏

بعد السراية و اتساع الملاقى بالفتح يكون لنا علم إجمالي بنجاسة الملاقى و الطرف‏

و علم إجمالي آخر بنجاسة الملاقى أو الطرف و لا فرق بين العلمين لأن العلم الإجمالي‏

بنجاسة الملاقى و الملاقى أو الطرف يكون عين العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى‏

و الطرف غاية الأمر اتسع الموضوع في جانب الملاقى و هو لا يضر بالتنجيز و لا فرق‏

في ذلك أيضا بين كون المبنى في العلم الإجمالي هو الاقتضاء أو العلية لأنه على الأول‏

أيضا يكون الأصول متعارضة و لا يكون لنا الأصل بلا معارض.

و لا يكون الشك في الملاقى بالكسر مسببا عن الشك في الملاقى بالفتح لئلا تصل‏

النوبة إلى تعارض الأصل في الملاقى لتعارض الأصلين في الملاقى بالفتح و الطرف‏

فان قاعدة الطهارة في الملاقى بالكسر لا معارض لها في صورة كون الشك فيهما سببيا

و مسببيا و في المقام ليس كذلك لعدم كون معنى السراية السببية و النشر.

و اما على فرض كون المبنى ان الاجتناب عن الملاقى يكون من شئون‏


471
الاجتناب عن الملاقى فهو أيضا لا شبهة في وجوب الاجتناب لعدم العلم بحصول‏

الاجتناب عنه الا بالاجتناب عن الملاقى كما أن إكرام العالم لا يتم الا بإكرام خادمه‏

و العقل حاكم بما ذكر و لا فرق أيضا بين العلية و الاقتضاء في العلم الإجمالي.

و اما على مبنى القائل بالنشو لا السراية و لا الشأنية،أو العلية الممنوعة و القول‏

بأن نجاسة الملاقى تكون فردا مباينا لنجاسة الملاقى كما قال صاحب الجواهر قده‏

من ان نجاسته تكون كنجاسة الكلب و الخنزير و ساير النجاسات في موضوعات مباينة

متعددة.

فقد أفتى بعضهم بوجوب الاجتناب و لكن لا يكون كلامهم صريحا في ذلك‏

و يمكن أن يكون في ذهنهم غير هذا المبنى من الشأنية أو السراية.

فنقول حاصل تقريب كلامهم كما عن الخراسانيّ‏1و النائيني‏ (1) و العراقي‏

قدس اللّه أسرارهم هو أن العلم بالملاقاة اما ان يكون مقدما على العلم الإجمالي‏

أو مؤخرا فعلى الثاني حيث أن الاجتناب عن الملاقى بالفتح قد نجز قبل هذا الزمان‏

و المنجز لا ينجز ثانيا لا مجال للقول بالعلم الإجمالي بنجاسة الملاقى و الملاقى لخروج‏

الملاقى بالفتح عن الطرفية بالتنجيز فتكون الشبهة في الملاقى بالكسر بدوية

محضة فقاعدة الطهارة فيها جارية بلا معارض و اما إذا كان العلم بالملاقاة قبلا و العلم‏

بالنجاسة بعدها فحيث يتحقق العلم الإجمالي في زمان واحد بنجاسة اما الملاقى‏

و الملاقى و اما بنجاسة الطرف.

فقال الخراسانيّ قده ان الاجتناب عن الجميع لازم للتنجيز في آن واحد

و عدم صيرورة الملاقى بالفتح منجزا قبله يشمله قاعدة المنجز لا ينجز ثانيا و في بعض‏

1في ص 226 في الكفاية و ما فيها يرجع إلى أربعة صور و ان جعله قده‏

ثلاثة صور من حيث الحكم فارجع إليه ليتضح المرام و سيجي‏ء البحث فيما أفاده‏

عند كل صورة.

1)في ص 26 و 27 في الفوائد الجزء الرابع.

472
الصور يكون الاجتناب عن الملاقى بالكسر و الطرف دون الملاقى و سيجي‏ء التفصيل‏

لقوله قده.

و قد أجيب عن الصورة الأولى بأن تقدم العلم لا يضر بوجوب الاجتناب عن‏

الملاقى لأنه على فرض القول بالسراية يكون الملاقى مثل الملاقى بالفتح ضرورة

اتساع الموضوع من باب جعل الكأس من النجس كأسين و قولهم المنجز لا ينجز

ثانيا لا يكون في صورة كون العلم الإجمالي الثاني من سنخ الأول بل لو كان علم‏

آخر من جانب آخر مثل ما إذا كان العلم الإجمالي بالنجاسة في الأول بوقوع‏

قطرة دم ثم علمنا بوقوع قطرة بول اما في هذا الثالث أو أحد الأطراف من العلم‏

الأول.

و هكذا إذا كان قطرة دم آخر ففي المقام يكون العلم الأول باقيا إلى زمان‏

العلم الثاني و هو لا يضر بالتنجيز.

و فيه ان المقام يكون له الفارق مع صورة فصل كأس بكأسين لأن هذا يكون‏

شيئا مستقلا في المقام و يكون مشكوك النجاسة و لا فرق في قاعدة المنجز لا ينجز ثانيا

بين المقام و ساير المقامات لأن هذا مستفاد من حكم العقل و هو لا يفرق بين المقامين‏

فان العلم الثاني لا يكون منجزا لعدم تنجيزه في بعض الأطراف من العلم الأول و هو

الملاقى بالفتح.

و اما عدم التنجيز في العلم الإجمالي الثالث و هو العلم بنجاسة اما الملاقى‏

بالكسر أو الطرف فهو أيضا واضح من باب أن الأصول في الملاقى بالفتح و الطرف‏

قد حصل التعارض بينها فتساقط و قاعدة الطهارة في الملاقى لا يكون لها المعارض‏

فهي جارية.

و هذا على مبنى الشيخ الأنصاري قده القائل بالاقتضاء في باب العلم الإجمالي‏

صحيح لأن الملاك فيه هو ان الأصل بلا معارض جار في هذا المسلك و اما على القول‏

بالعلية التامة فلا يتم لأنه على فرض كونه في دائرة العلم الإجمالي يجب الاجتناب‏

عنه لأنه علة تامة لوجوب الموافقة القطعية.


473
و قولهم بأن الشك في الطهارة بالنسبة إلى الملاقى مسبب عن الشك في الملاقى‏

و حيث جرى الأصل فيه لا تصل النوبة إليه.

ممنوع من جهة أنه يمكن أن يقال أن قاعدة الحلية في الملاقى تكون في عرض‏

قاعدة الطهارة في الطرف لأنه يمكن أن يكون العلم الإجمالي بغصبية هذا أو نجاسة

ذاك فتتعارضان و تتساقطان هذا مضافا بأن النجاسة تكون مسببة عن نجاسة الملاقى‏

بالفتح و الطهارة ليست كذلك الا أن يقال حيث أن المراد ترتيب أثر نقيض النجاسة

و هو الطهارة يحسب مسببا و الا فطهارته تكون مسببة عن عللها لا عن طهارة الملاقى‏

على فرض الطهارة في الواقع.

فالحق هو أن يقال ان العلم الإجمالي منحل في الملاقى بالكسر لأن المنجز

لا ينجّز ثانيا فتحصل أن مذهب الخراسانيّ قده و الشيخ و النائيني في هذه الصورة

هو عدم وجوب الاجتناب عن الملاقى بالكسر.

الصورة الثانية مما تعرض لها الخراسانيّ قده في الكفاية هي أن يكون العلم‏

الإجمالي بنجاسة الملاقى بالكسر و الطرف قبل العلم بالملاقاة مثل أن نعلم بنجاسة

الكأس‏1الأبيض الّذي يفرض أنه الملاقى أو الأحمر ثم حصل العلم بالملاقاة مع‏

1أقول في هذه الصورة يجب ملاحظة أن هذا العلم الأول من أين جاء

فان العلم الإجمالي يحصل اما بوقوع نجاسة في هذا أو ذاك أو يكون من باب التعبد

كما قام البينة على نجاسة شي‏ء مردد.

و المتصور في المقام هو الثاني لأن الأول يكون موجبا لتشكيل علم إجمالي مستقل‏

فحينئذ ان لم يبين سند شهادة البينة فالعلم بحاله و ان بين و فهمنا أن سنده يكون ملاقاة

هذا الطرف مع ما هو طرف للعلم الإجمالي فينقل الكلام فيه فان المبين وجوب‏

الاجتناب عن ملاقى أطراف الشبهة فلا كلام في تنجيز العلمين و ان كان المبنى‏

عدم وجوبه فاللازم الاجتناب عن الملاقى بالفتح و الطرف.

و ما قال النائيني قده ردا على هذه المقالة لعله يكون لهذه النكتة و العلم طريق‏


474
الكأس الأسود قبل ذلك بأن علم أن نجاسة هذا الملاقى يكون من نجاسة ذاك الملاقى‏

بالفتح فقال قده في هذا يلزم الاجتناب عن الملاقى و الطرف دون الملاقى بالفتح‏

لأن العلم الإجمالي صار أطرافه منجزا و يكون الملاقى كالشبهة البدوية.

و قيل ان الاجتناب عن الملاقى أو الطرف لازم كما عن النائيني قده و قد يفصل‏

بين كون العلم علة تامة أو مقتضيا فعلى الأول يلزم الاجتناب عن الملاقى أو الطرف و

على الثاني لا يلزم ذلك بل يلزم الاجتناب عن الملاقى بالكسر و الطرف و الحق مع‏

الخراسانيّ قده لقوله بالعلية التامة في العلم الإجمالي فانه يؤثر اثره حين التنجيز و المنجز

لا ينجز ثانيا فالطرف لا يكون وجها لتنجيز الطرف مع الملاقى فقاعدة الطهارة جارية

في الملاقى لا من باب كون العلم مقتضيا بل من باب عدم العلم بنجاسته من باب خروجه‏

عن الدائرة و لا يخفى أن هذا يكون على مسلك النشو و التعبد المحض كما هو مسلكه قده.

و قد أشكل على هذه الصورة شيخنا النائيني قده عليه قده بان ما ذكره يكون‏

مخالفا للبرهان و الوجدان.

اما البرهان فلان العلم لا يكون له موضوعية من باب انه صفة من صفات النّفس‏

بل من باب انه طريق إلى الواقع فالمدار على المعلوم لا على العلم و هو متقدم في‏

المقام فان العلم و ان كان متأخرا و لكن المعلوم و هو النجاسة كان مقدما و عدم العلم‏

به لا يكون مؤثرا في عدم تنجيزه في الواقع و هو علة و العلة متقدمة رتبة على المعلول‏

فيكون الواجب الاجتناب عن الملاقى بالفتح و الطرف لا عن الملاقى.

و الوجدان حاكم أيضا بأن ما هو علة الاجتناب يكون أولى بالاجتناب عن‏

المعلول و يأبى النّفس عن القول بخلافه.

محض فيكون المدار على المنكشف لا على الكشف كما قاله قده فيكون ظهور كون‏

الاجتناب عن الملاقى بالكسر لملاقاته مع شي‏ء آخر كرفع الحجاب عن الواقع‏

و حيث بيّنا فيما سبق عدم تشكيل علم إجمالي آخر على أي مسلك فالاجتناب عن‏

الملاقى غير لازم بعد كشف الحال.


475
أقول الطولية في المعلوم لا يلازم الطولية في العلم و التنجيز للعلم لا المعلوم‏

و لذا يتحقق التنجيز قبل ذلك و لا تصل النوبة إلى الملاقى بالفتح فانحلال العلم الأول‏

زمانا ينوط بتنجيز العلم الثاني و تنجيزه ينوط بالانحلال في الأول و هو دور و ما

لا وصول له لا تنجيز معه فالعلم بالملاقاة الغير الحاصلة حين العلم بالنجاسة لا يفيد شيئا

و الوجدان لا يأبى عما قام عليه البرهان لأن التفكيك في الآثار غير عزيز في الأصول‏

فان التبعية في الحكم لا تنافي عدم التبعية في التنجيز.

ثم انه ربما يقال في هذه الصورة بأن الاجتناب عن الملاقى غير لازم على‏

فرض كون العلم الإجمالي مقتضيا لا علة تامة لأن الشك حيث يكون سببيا و مسببيا

يكون المنجز هو العلم الإجمالي بين الملاقى بالفتح و الطرف لتعارض الأصلين فيه‏

و لا تنجيز للعلم الإجمالي الثاني لأن قاعدة الطهارة في الملاقى بالكسر لا معارض لها

لسقوط الأصل في الطرف بواسطة المعارضة مع الأصل في الملاقى بالفتح لتقدمه‏

رتبة فينحل العلم الإجمالي الثاني.

و على فرض القول بعدم الانحلال أيضا يكون اللازم الاجتناب عن الجميع‏

لا عن الملاقى و الطرف فقط لعدم الدليل على وجوب الاجتناب عن الملاقى بالفتح‏

و الطرف فقط مع وجود العلم الإجمالي.

و الجواب عنه ان احتمال عدم الانحلال مع كون العلم الإجمالي مقتضيا يكون‏

من الاحتمالات السوفسطية و لا وجه له أصلا و اما القول بأن الأصل السببي مقدم على‏

المسببي فائضا ممنوع لأن قاعدة الطهارة في السبب و ان سقطت بالمعارضة و لكن‏

قاعدة الطهارة في المسبب أعني الملاقى أيضا لا تكون بدون المعارض لأن قاعدة

الحلية في الطرف تعارض مع قاعدة الطهارة في الملاقى بالكسر لأن السببية لا تكون‏

بينهما و لا معارض لقاعدة الحلية في الملاقى بالكسر فيقال انه نجس و حلال فيفكك‏

بين الحلية و الطهارة.

ثم على السراية فلا فرق فيما ذكر في العلية التامة اما على السراية و القول بأن‏

العلم الإجمالي يكون مقتضيا فحيث لا يكون نشوء النجاسة عن الملاقى إلى الملاقى‏


476
بالكسر لا يلزم الاجتناب عنه و ادعاء الوجدان عن النائيني قده أحسن من صورة كونه‏

علة تامة فانه لا معنى للقول بوجوب الاجتناب عن الملاقى دون الملاقى بالفتح.

ثم المثال الثاني عن الخراسانيّ قده‏1لوجوب الاجتناب عن الملاقى أو

الطرف دون الملاقى هو صورة حصول العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى و الطرف‏

ثم العلم بأن هذه النجاسة حصلت بواسطة الملاقاة و لكن الملاقى بالفتح خرج عن‏

مورد الابتلاء في زمان العلم ثم دخل في محل الابتلاء في زمان آخر فحكم(قده)

بالاجتناب عن الملاقى أو الطرف دون الملاقى بالفتح لأن تنجيز العلم الإجمالي‏

مقدم على العلم بالملاقاة فأثر اثره قبل ذلك فلا يؤثر بالنسبة إلى ما بعده لأن العلم‏

بالملاقاة متأخر عن العلم بالملاقى و الطرف و ان كان الملاقى بالفتح حين العلم به‏

مورد الابتلاء.

و قد أشكل عليه النائيني(قده)(في الفوائد ص 27 الجزء الرابع)بالإشكال‏

السابق بالبيان السابق من ان العلم طريق لا موضوعية له و الجواب عنه الجواب السابق.

ثم في هذه الصورة إشكال آخر و هو انه إذا لم يكن الاجتناب عن الملاقى‏

بالفتح في حال رجوعه بمحل الابتلاء لازما فكيف يقال بوجوب الاجتناب عن ملاقيه‏

مع ان وجوب الاجتناب عنه يكون لوجوبه عن الملاقى بالفتح فإذا جرت قاعدة

الطهارة في الملاقى بالفتح يكون اللازم منه عدم وجوب الاجتناب عن الملاقى‏

بالكسر أيضا فيوجب جريان القاعدة فيه سقوط العلم الإجمالي عن الاعتبار و عدم‏

وجوب الاجتناب عن أحد الأطراف و حيث ان هذا يكون خلاف الوجدان بحسب‏

القول بمعارضة طهارة الملاقى و الملاقى مع طهارة الطرف فيجب الاجتناب عن‏

الجميع.

1أقول ما ذكره قده من التفصيل مما لا نفهمه فان المدار على العلم الإجمالي‏

و قد مرّ انه غير متحقق سوى الأصل و المدار عليه و الملاقى على أي صورة يكون‏

الشبهة في نجاسة بدوية و لا مجال فعلا لتفصيل الإشكال عليه تفصيلا.


477
و الجواب عنه هو ان جريان قاعدة الطهارة في الملاقى بالفتح لا يكون اثره‏

جريان القاعدة في الملاقى بالكسر فان الاجتناب عنه لازم بل يكون اثره عدم نجاسة

ملاقى الملاقى فيفكك بين الآثار1.

الصورة الثالثة فيما تصوره الخراسانيّ قده هي صورة كون الملاقى و الملاقى‏

و الطرف جميعا محل الابتلاء و يكون العلم بالنجاسة بعد العلم بالملاقاة فقال قده في‏

هذه الصورة حيث يكون جميع الأطراف أطرافا للعلم الإجمالي في زمان واحد

فيكون مثل ما إذا كان للعلم الإجمالي ثلاثة أطراف فحيث ان العلم واحد يكون‏

التنجيز بالنسبة إلى الجميع في رتبة واحدة فيجب الاجتناب عن جميع الأطراف‏

و تقدم الملاقى بالفتح على الملاقى من جهة الرتبة لا يفيد بعد كون مدار التنجيز على‏

حصول العلم في زمان واحد.

هذا على فرض كون المسلك في باب الملاقى سراية النجاسة عن الملاقى إلى‏

الملاقى و اما على فرض كون المسلك هو النشو أو التعبد المحض أيضا كما أن‏

النشو هو مسلكه قده فأيضا يقول بتنجيز العلم بالنسبة إلى جميع الأطراف و لا يفيد

سببية الملاقى للاجتناب عن الملاقى بالكسر في ذلك لأن العلم علة تامة2فيجب‏

الاجتناب عن جميع الأطراف و لا يجري الأصل بلا معارض أيضا في بعض أطرافه.

ثم انه على فرض القول بمعارضة القواعد يكون هذا في قاعدة الطهارة

1و فيه ما لا يخفى فانه في حال الابتلاء به كيف لا يجري الأصل بالنسبة إليه‏

مع أنه طرف للعلم الإجمالي واقعا و هو الأصل و كيف يكون أثر قاعدة الطهارة

النجاسة فان أثرها بلا واسطة هو المعارضة مع الطرف و بقاء الأصل في الملاقى‏

بلا معارض فينتج الطهارة لا النجاسة.

2و قد مر أن العلم علة تامة بالنسبة إلى ما هو طرف له و اما ما هو خارج عن الطرفية

و يكون العلم الإجمالي فيه مجرد الفرض أي على فرض ملاقاته مع النجاسة نشأ نجاسة

فيه أيضا فلا يكون العلم مؤثرا بالنسبة إليه نظير الصورة الأولى عنده قده.


478
في الملاقى بالفتح و الطرف مسلما و اما قاعدة الطهارة في الملاقى فهي و ان كانت‏

في طول قاعدة الطهارة في الملاقى بالفتح و لا تعارض بينهما على السببية و لكن‏

قاعدة الطهارة في الملاقى يكون في عرض قاعدة الحلية في الطرف فيتعارضان‏

و تتساقطان و تبقى قاعدة الحلية في الملاقى بالكسر بدون المعارض فهو حلال و غير طاهر

و معارضة قاعدة طهارته مع قاعدة الحلية في الطرف قبل ملاحظة قاعدة الحلية

فيه يكون من جهة أن رتبة قاعدة الطهارة متقدمة على قاعدة الحلية و لذا تقع في‏

صف المعارضة أولا و تأخرها بالرتبة يكون من جهة ان الشك في الحلية ناش عن‏

الشك في الطهارة و الأصل السببي مقدم على المسببي فعلى فرض القول بالنشو و السببية

أيضا في هذه الصورة يقول قده بوجوب الاجتناب عن الملاقى و الملاقى و الطرف.

فتحصل أنه سواء قلنا بالسراية أو بالنشو يكون الاجتناب عن الجميع لازما

لوحدة العلم و كلامه قده في جميع الصور على مسلكه صحيح كما أن كلام النائيني‏

قده أيضا على مسلكه صحيح.

بقي في المقام أمران‏
الأمر الأول‏

في الشك في كون الاجتناب عن الملاقى بالسراية أو النشو

اعلم‏1انه إذا شك في كون وجوب الاجتناب عن الملاقى هل يكون من باب‏

1أقول قد مرّ ان وجوب الاجتناب عن ملاقى النجس نفسه لا فرق بين أن‏

يكون بالسراية أو غيرها و أما الاجتناب عن ملاقى أحد أطراف الشبهة المحصورة

فيتوقف على حصول العلم الإجمالي بين الملاقى و الطرف أو بين الملاقى و الملاقى‏

و الطرف و قلنا ليس في غير الأصلي الا العلم الإجمالي الفرضي.

غاية الأمر على مسلك النشو يكون الفرض أضعف كما انه على السراية أيضا

يكون الفرض هو نجاسة الملاقى على فرض كون هذا الطرف نجسا و اما على فرض‏

تسليم ما ذكروه من العلم الإجمالي ففي صورة الشك في السراية لا يكون العلم‏


479
النشو أو السراية هل يجب الاجتناب عن الملاقى لأطراف الشبهة المحصورة أم لا

لأنه قد مر على مسلك النشو بأنه لا يجب الاجتناب و على السراية يجب فإذا شك‏

في ذلك من جهة الإثبات يحصل الشك في أنه هل يجب الاجتناب عن الملاقى بالكسر

أم لا فيه خلاف.

قال العلمان الشيخ العراقي و النائيني قدهما الأقوى هو وجوب الاجتناب عن‏

الملاقى و لكل تقريب.

اما تقريب النائيني قده(ص 28 و 29 من الفوائد)فله مقدمة و هي أنه من‏

المحرر في الأصول أن الشك إذا كان في مانعية شي‏ء أو شرطيته هل يكون المدار

على تقديم الشرطية أو المانعية و هذا يكون على قسمين القسم الأول هو أن يكون‏

الإجمالي عندهم أيضا متحققا لأنه على فرض النشو لا يكون العلم الإجمالي بين‏

الملاقى و الطرف أو بين الملاقى و الملاقى و الطرف.

فيجب أن يقال يكون الشبهة بدوية بالنسبة إلى نجاسة الملاقى و لا يكون‏

الاحتياج إلى تطويل البيان كما عن النائيني قده و ان كان فيه الفائدة و لا يجب الاحتياط

أيضا كما قال الشيخ العراقي قده و شيخنا مد ظله و فرض السراية لا يوجب تنجيز

العلم و حفظ الواقع في البين يكون بالنسبة إلى الأطراف لا ما شك في طرفيته.

و لا يكون من الشبهة المصداقية كقاعدة الطهارة لأن القاعدة تشمل صورة

كون الشبهة في الحكم أو في الموضوع و موضوعها الشك ففي المقام يكون جريانه‏

من ناحية الشبهة في الحكم.

و ان شئت فقل أصل البراءة عن جعل النجاسة حاكمة على قاعدة الطهارة

أيضا لأن موضوعها أيضا هو الشك فعلى أي تقدير لا يجب الاحتياط و لا تعارض بأصالة

البراءة في الطرف الاخر لعدم الطرفية و الا فمع فرض إحرازها فيكون العلم الإجمالي‏

منجزا و على فرض تنجزه أيضا يكون الاجتناب من باب الاحتياط و التعبير بالأقوى‏

عن النائيني قده أيضا فيه تسامح.


480
الشك في المانعية أو الشرطية من باب الضدين الذين لا ثالث لهما مثل أن يكون‏

الشك في القراءة في الجهر و الإخفات و لا يدرى أنه هل يكون الجهر شرطا أو الإخفات‏

مانعا عن الصحة فحيث أن أمر القراءة يدور بين كونه بالجهر أو الإخفات و لا ثالث لهما

يعنى لا يمكن عدم الجهر و الإخفات و لا بد من أحدهما.

و القسم الثاني ما إذا كان لهما ثالث مثل الشك في أن السورة بشرط الوحدة

جزء للصلاة أو يكون قران السورتين مانعا و يكون الشق الثالث هو إتيان الصلاة

بدون السورة و عدم إتيان الواحدة و لا الاثنتين.

فعلى الثاني يمكن إجراء أصالة البراءة عن كون الوحدة شرطا في السورة

و هذا لا يكون في المانع لعدم اقتضاء القرائن بطلان الصلاة بخلاف ترك الشرط

فانه يوجب بطلانها و هذا الأثر الزائد يقتضى أن يكون الأصل جاريا فيها دون المانعية

و بعبارة أوضح في المثال المذكور يعلم تفصيلا بأن القرآن مبطل للصلاة اما لفقد

الشرط من السورة و هو قيد الوحدة و اما لوجود المانع و هو القرآن و لكن يشك‏

في بطلان الصلاة بدون السورة فتجري فيه البراءة.

و اما القسم الأول فالشك فيه يرجع إلى المتباينين لا إلى الأقل و الأكثر

لاشتراك الشرطية و المانعية في الآثار و ليس للشرطية أثر زائد تجري فيه البراءة فكما

أن الصلاة تبطل بواسطة فقدان الشرط مثلا و هو الجهر كذلك تبطل بواسطة وجود

المانع و هو الإخفات نعم بعد تساويهما في الآثار يكون نفس الشك في جعل الشرطية

له الأثر الزائد على الشك في المانعية لأن المانع يجري بالنسبة إليه أصالة عدمه‏

و لا يحتاج إلى إحراز العدم.

و لكن الشرط يكون له الأثر الزائد و هو وجوب إحرازه لأن المشروط ما لم يحرز

شرطه لا يكون صحيحا فعلى هذا إذا شك المأموم في أن إمامه هل جهر في الصلاة أو

أخفت فبناء على مانعية الإخفات فأصالة عدم المانع توجب البقاء على الجماعة و بناء

على شرطية الجهر فحيث ما أحرز لا يكون له البقاء لعدم إحراز وجود الشرط و هذا

نحو كلفة و ضيق للمكلف أي كون المشكوك مجعولا شرطا لا مانعا و لكن لا يجري‏


481
أصالة البراءة عن هذا الضيق لأن حديث الرفع يكون بالنسبة إلى ما يكون مجعولا

شرعا و لو تبعا شاملا.

و أما ما لا يكون أمر وضعه و رفعه بيد الشرع فلا تجري فيه البراءة و لا ينطبق عليه‏

سنده و خصوصية وجوب إحراز الشرط لا تكون من المجعولات الشرعية ضرورة

أنه مما حكم به العقل فإنه يحكم بأن المشروط بدون إحراز الشرط يكون باطلا

و الامتثال غير حاصل كذلك.

إذا عرفت ذلك فنقول كون الملاقى للنجس نجسا بالسراية أو بالنشو لا يكون‏

له أثر زائد لأنهما على السوء في وجوب الاجتناب في عالم الثبوت و الواقع و لكن‏

في عالم الإثبات فلو كان الاجتناب عن الملاقى لازما من باب السراية يكون‏

الاجتناب عن الملاقى لأحد أطراف الشبهة المحصورة لازما و اما على فرض النشو

فحيث يكون الشك في حصول نجاسة جديدة لا يكون الاجتناب لازما.

فكون المجعول هو السراية يكون موجبا لكلفة و هي وجوب اجتناب ملاقيه‏

و حيث أن هذا لا يكون من الأحكام المجعولة الشرعية و لا من لوازمها لا يمكن جريان‏

البراءة بالنسبة إليه فلا بد من ان يكون الاجتناب عن الملاقى لأحد الأطراف لازما من هذا

الباب و لذا قلنا الأقوى هو الوجوب انتهى كلامه رفع مقامه.

و الجواب عما أخذ من النتيجة في المقام أنه إذا كان الشك في خصوصية الجعل‏

إذا كان المشكوك مما في إلزامه كلفة يكون مرفوعا بأدلة البراءة لأن حديث الرفع‏

و غيره يكون صدوره للامتنان على العباد و لتسهيل الأمر عليهم و لا يختص هذا بما كان‏

حكما مجعولا شرعيا فيكون الدليل شاملا لكل ضيق على العباد.

و لو سلم الاختصاص فنقول في المقام يكون الشك مما يمكن أن يجعل في مورده‏

حكما ظاهريا أي يمكن جعل حكم لمن شك في أن نجاسة الملاقى هل يكون من‏

باب السراية حتى يلزم الاجتناب عن ملاقى أحد أطراف الشبهة المحصورة أولا حتى‏

لا يكون كذلك فانه يمكن جعل الاحتياط أو حكما آخر في هذا المورد و هو مرفوع‏

بحديث الرفع و قبح العقاب بلا بيان فمقتضى الأصل هو الرفع.


482
مضافا بأنه إذا حصل الشك لا يكون العلم الإجمالي في المقام ليكون الأقوى‏

هو وجوب الاجتناب فانه قده فرض بقاء العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو الطرف‏

و لذا حكم بوجوب الاجتناب و هذا غير صحيح لأنه يمكن أن يقال ان العلم الإجمالي‏

لا يتحقق هنا لأنه لم يحرز كون نجاسة الملاقى بالسراية و لا بالنشو فعليه يكون المقام‏

من الشبهة المصداقية لتطبيق قاعدة الطهارة و لا ينطبق عليه عموم كل شي‏ء طاهر حتى‏

نعلم أنه قذر.

فلا بد أن يكون الاجتناب من باب الاحتياط لا من جهة تنجيز العلم فان أصالة

البراءة عن نجاسة كل واحد من الأطراف معارضة بها في الطرف الاخر و لا ينطبق‏

قاعدة الطهارة أيضا كما ذكر و على فرض حكومة البراءة في المقام حيث يكون الشك‏

من ناحية الجعل لا الفراغ يكون الأصل عدم وجوب الاجتناب عن ملاقى أحد الأطراف‏

و اما تقريب شيخنا العراقي قده بعد ما يظهر جملة الكلام فيه مما مر في تقريب‏

مذهب شيخنا النائيني قده و جوابه هو ان العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى بالفتح‏

و الطرف منجز و علة تامة و مقتضاه وجوب الاجتناب عن الملاقى بالكسر أيضا من‏

باب الاحتياط لعدم حصول العلم بالنسبة إلى الملاقى بالكسر و الطرف و عدم انطباق‏

قاعدة الطهارة لكونه من الشبهة المصداقية لها و من يظهر الفرق بين المسلكين يكون‏

من حيث أن قول الأول يكون هو وجوب الاجتناب على الأقوى و قول الثاني يكون‏

وجوبه على الأحوط و نحن أيضا تابع لشيخنا العراقي لوجود العلم الإجمالي‏

الأصلي و عدم وجود المؤمن في الملاقى من قاعدة الطهارة أو أصل البراءة من جعل‏

الحكم على نحو السراية.

ثم انه لا بأس بالإشارة إلى معنى عبارة الشيخ قده‏ (1) في ذيل هذا البحث‏

و الكلام فيه و هذه عبارته:و لو كان ملاقاة شي‏ء لأحد المشتبهين قبل العلم الإجمالي‏

1)في الرسائل الحاضر عندي في ص 203 ذيل الأمر الرابع من الأمور في‏

الشبهة المحصورة.


483
و فقد الملاقى بالفتح ثم حصل العلم بنجاسة المشتبه الباقي أو المفقود قام ملاقيه مقامه‏

في وجوب الاجتناب عنه و عن الباقي لأن أصالة الطهارة في الملاقى بالكسر معارضة

بأصالة الطهارة في المشتبه الاخر لعدم جريان الأصل في المفقود حتى يعارضه لما أشرنا

إليه في الأمر الثالث من عدم جريان الأصل فيما لا يبتلى به المكلف و لا أثر له بالنسبة

إليه فمحصل ما ذكرنا أن العبرة في حكم الملاقى بكون أصالة طهارته سليمة أو معارضة

انتهى موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه و هذا هو الفرع الثالث عن الخراسانيّ قده‏

في الكفاية كما مر و اختلف الناظرون إلى عبارته هذه فقال بعضهم ان الشيخ قده من باب‏

أن مسلكه العلية في العلم الإجمالي قال بوجوب الاجتناب عن الملاقى بالكسر و الطرف‏

كما ظنه شيخنا العراقي و قال بعضهم من باب كونه مقتضيا و يكون الأصل فيه معارضا

بالأصل في الطرف يكون الاجتناب لازما لأن ملاكه جريان الأصل بلا معارض في‏

أطرافه و هو قده أشار إليه من ان السر معارضة الأصول فلو فرض عدم معارضة أصل‏

الملاقى بالكسر مع الطرف أمكن القول بعدم وجوب الاجتناب.

و قد أشكل عليه شيخنا العراقي قده بان كلامه متين على فرض القول بكون‏

العلم الإجمالي علة تامة و اما على فرض كونه مقتضيا فلا يتم لأن حصول العلم الإجمالي‏

يكون بعد الملاقاة فيكون الملاقى مثل أحد الأطراف و تقدم الملاقى بالفتح رتبة لا أساس‏

له لأن المدار على اتحاد الزمان و لا مجال للأصل على العلية.

و اما على فرض القول بالاقتضاء فما ذكره الشيخ قده من عدم جريان الأصل‏1

في الملاقى بالفتح لفقده و خروجه عن محل الابتلاء ممنوع لأن ما هو المسلم من عدم‏

جريان الأصل هو عدم الجريان بالنسبة إلى الأثر المترتب على نفس المفقود و اما بالنسبة

إلى الأثر المترتب على غيره فلا لأن إجراء الأصل تعبد و هو قابل لئلا يجري‏

1أقول هذا و ما بعده من كلامه رفع مقامه لا يكون مما يمكن الاعتناء عليه‏

في الإفتاء و أدلة الأصول يمكن ادعاء انصرافها عن هذه الموارد و لا مجال فعلا لإطالة

الكلام فيما أفاده قده.


484
بالنسبة إلى شي‏ء و يجري بالنسبة إلى شي‏ء آخر فنقول أصالة الطهارة بالنسبة إلى الأثر

المترتب عليه و هو طهارة الملاقى له تكون جارية فتتعارض مع أصالة الطهارة في‏

الطرف و تبقى أصالة الطهارة في الملاقى بالكسر بدون المعارض.

فان قلت لا يكون للملاقى بالفتح الا قاعدة واحدة بالنسبة إلى نفسه و هي غير

جارية لفقده و لا يكون له قاعدة أخرى تجري بالنسبة إلى الملاقى له ضرورة عدم‏

جعل قاعدتين في موضوع واحد قلت عدم جعل القاعدتين في موضوع واحد يكون‏

في صورة كونهما عرضيتين و اما إذا كانتا طوليتين فلا إشكال فيه و معلوم أن قاعدة

الطهارة بالنسبة إلى أثر الملاقى يكون في طول قاعدة الطهارة بالنسبة إلى نفسه كما أن‏

قاعدة الطهارة في الملاقى أيضا تكون من جهة نفسه تارة و من جهة الملاقى بالفتح تارة

أخرى.

و الجواب عنه قده هو أنه لو كان فقد الطرف غير ضار بالنسبة إلى الأثر المترتب‏

على الملاقى فليكن العلم الإجمالي الّذي مات بفقد الملاقى بالفتح أيضا مؤثرا بالنسبة

إلى الملاقى فاما لا يكون الاجتناب عن الملاقى لازما مطلقا أو يكون لازما مطلقا فالأوّل على‏

القول بالاقتضاء و الثاني على القول بالعلية هذا أولا.

و ثانيا جريان الأصل يكون بالنسبة إلى ما لا واسطة له من الأثر و اما ما يكون‏

بالواسطة فلا يجري الأصل بالنسبة إليه و معلوم أنه إذا جرى الأصل في الملاقى بالفتح‏

يكون اثره المعارضة مع الطرف ثم بقاء قاعدة الطهارة في الملاقى بالكسر بدون‏

المعارض فطهارته يكون بعد المعارضة و لا يكون لأصالة الطهارة في الملاقى أثر بدون‏

الواسطة ليكون جاريا فتحصل أن الحق مع الشيخ قده فيما ذهب إليه و اللّه العالم.

الأمر الثاني في قياس ثمرة إحدى الشجرتين بالمقام‏

اعلم ان العلماء قد اتفقوا على أن الاجتناب عن ثمرة إحدى الشجرتين اللتين‏

إحداهما غصبية لازم و كذلك الاستفادة عن منافع الدار التي يكون طرف العلم‏

الإجمالي بغصبيتها أو غصبية غيرها فلو كان الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي‏


485
يقتضى الاجتناب عن كل ما يكون له مساس بالأطراف فلا فرق بين الاجتناب عن‏

الملاقى لأحد أطراف العلم الإجمالي بالنجاسة و ما ذكر فكل من قال بوجوب الاجتناب‏

هنا يجب أن يقول به في المقام أيضا و القائلين بوجوب الاجتناب عن الثمرة لم يجعلوا

هذا مبنيا على المباني من السراية و النشو و التعبد المحض و الشأنية و قد جعلوا الاجتناب‏

عن ملاقى أحد أطراف الشبهة مبنيا عليها مع أنه لا فرق بينها ففي عالم الثبوت‏

يمكن أن يكون الاجتناب عن الثمرة من باب السراية أو النشو أو الشأنية.

اما السراية فيمكن أن يقال لتقريبها أن الشجرة بعد ما أثمرت فكأن الملكية

التي كانت بالنسبة إليها اتسعت و صارت على الثمرة أيضا كما أن الكأس الواحد

النجس إذا جعل كأسين يكون من باب الاتساع في موضوع النجاسة.

و اما النشو فيمكن أن يقال ان الثمرة حيث أحدثت في ما هو مملوك الغير

يكون ملكيتها معلولة لملكية الأصل و هو فرد آخر منها كما أن الملاقاة أمكن أن‏

تكون موجبة لحدوث فرد من افراد النجس غير النجس الأول.

و أما الشأنية فيمكن أن يقال ان وجوب الاجتناب عن الثمرة يحسب من شئون‏

الاجتناب عن الشجرة كما أن إكرام العالم لا يتم الا بإكرام ولده أو خادمه.

ثم أن لكل مسلك لوازم اما اللوازم للقول بالنشو فهو أنه إذا كان العلم بغصبية

إحدى الشجرتين قبل حدوث الثمرة على إحداهما ثم حدثت الثمرة فيمكن أن يقال‏

حيث أن الشبهة بالنسبة إلى الثمرة بدوية لعدم العلم بحصول هذا الفرد من افراد مال‏

الغير الّذي يقتضى النهي عن التصرف في مال الغير النهي عنه فالأصل يقتضى البراءة

مع قطع النّظر عن أن الأصل في الأموال الحرمة و إذا كان وجود الثمرة مع العلم‏

الإجمالي بغصبية إحدى الشجرتين يلزم الاجتناب عن الجميع.

و الحاصل يأتي فيه جميع الصور التي تصوره الخراسانيّ قده على مسلكه بالنشو

و قد بيناه و منه الاجتناب عن الثمرة دون شجرتها إذا خرجت عن محل الابتلاء قبل العلم‏

الإجمالي.

و اما على السراية فلا فرق بين الثمرة و الشجرة لاتساع الموضوع للملكية


486
واقعا و هكذا على القول بالشأنية فانه على هذا المبنى و ان لم يتسع الملكية عن الشجرة

إلى الثمرة لكنه يجب الاجتناب عنها لعدم حصول الاجتناب عن مال الغير الا بالاجتناب‏

عن الثمرة و على هذا فلا يكون للخروج عن محل الابتلاء تأثير في وجوب الاجتناب‏

عن الثمرة هذا كله في مقام الثبوت.

اما في مقام الإثبات فمختار النائيني قده هو أن الاجتناب عن الثمرة يحسب من‏

شئون الاجتناب عن الشجرة بحيث لو لا الاجتناب عنها لا يكون الاجتناب عن الشجرة

أيضا صادقا و اما الاجتناب عن الملاقى للنجس فلا يكون الا من باب التعبد المحض‏

و يكون الملاقى لأحد أطراف الشبهة المحصورة مشتبها بالشبهة البدوية و لأجل‏

ذلك يفارق مع المقام في وجوب الاجتناب هنا دونه هناك.

و الجواب عنه أنه لا يكون تاما لأنه يمكن أن يقال ان الملكية للشجرة تكون‏

سارية في ثمرتها فأنها أيضا مملوكة كأصلها و لا يكون الدليل على كون الاجتناب‏

على وجه الشأنية و لكن يمكن أن يقال عدم الاختلاف هنا في وجوب الاجتناب يكون‏

من باب أن الأصل في الأموال هو الاحتياط فيلزم الاجتناب عن الثمرة من باب‏

الاحتياط لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه هذا تمام الكلام في حكم الشبهة المحصورة

و ما يتعلق بها.

فصل في حكم الشبهة الغير المحصورة

و البحث تارة يكون عن الصغرى و هو أن غير المحصور ما هو و تارة عن الكبرى‏

و هو أن حكمه هل يكون الاجتناب عن أطرافه أم لا.

و الشيخ الأنصاري قده(في الرسائل ص 242)في هذا المقام يكون في صدد

إثبات الموضوع بالكبرى و يكون هذا من دأب المجتهد فانه إذا لم يجد سبيلا إلى‏

إثبات الموضوع يذهب إلى بيان الحكم ليتضح أن الموضوع في نظر الشرع ما هو.

و المحقق الخراسانيّ قده في الكفاية(ص 214)قال ثم ان الظاهر انه لو فرض‏

أن المعلوم بالإجمال كان فعليا من جميع الجهات لوجب موافقته مطلقا و لو كانت‏


487
أطرافه غير محصورة و انما التفاوت بين المحصورة و غيرها هو أن عدم الحصر ربما

يلازم ما يمنع عن فعلية المعلوم انتهى مورد الحاجة منه.

و حاصل ما أفاده قده هو أن المحصور و غيره لا يكون ضابطة الاجتناب و عدمه‏

بل ربما يلازم الاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة الحرج أو الضرر أو الاستهجان‏

لخروج الأطراف عن الاستيلاء ضرورة أن الجمع بين جميع المحتملات يكون‏

حرجيا أو ضرريا في صورة كون التكليف بعثا و ترك الجميع أيضا يكون كذلك‏

إذا كان التكليف زجرا و ما ذكر مانع عن فعلية التكليف لعدم جعل الحرج و الضرر

في الدين.

و قد أشكل عليه بأن أصل جعل الأحكام لا يكون ضرريا و لا حرجيا و انما يكون‏

الضرر و الحرج في الجمع بين المحتملات أو ترك الجميع و الحاكم به هو العقل‏

و المرفوع هو الحكم لا الجمع بين المحتملات فعلا أو تركا.

و الجواب عن هذا الإشكال واضح فانه لو كان الحكم مجعولا يكون هو

الداعي للجمع بين المحتملات أو تركها لا شيئا آخر فيلزم أن يكون المرفوع هو

الحكم لئلا يلزم ما ذكر و لكن الإشكال عليه قده هو أن الضرر1و الحرج يدور مدار

مورده فربما يكون في مورد لشخص فيكون حكمه مرفوعا و ربما لا يكون الضرر

و الحرج صادقا بالنسبة إلى آخر بل يكون عليه في غاية السهولة فلا يكون هذا موجبا

للقول بأن الاجتناب عن أطراف الشبهة المحصورة غير لازم بل يختلف حسب اختلاف‏

الموارد.

و قال الشيخ قده في الوجه الخامس من الوجوه التي أقامها على عدم وجوب‏

الاجتناب عن أطراف غير المحصور بما حاصله ان كثرة الأطراف توجب أن يكون‏

1أقول لا يكون التصريح في كلامه بأن الضرر و الحرج يرفع التكليف‏

مطلقا حتى يشكل عليه بل يمكن أن يقال أنه يريد إثبات تنجيز العلم في غير صورة

لزوم الضرر و الحرج و لم يكن غير المحصورية سببا لسقوط الحكم.


488
احتمال تطبيق الخطاب على بعضها ضعيفا بحيث يرى العرف الخطاب غير منطبق أصلا

و مثل بأمثلة:منها أنه إذا كان احتمال السم بين إناء من الإناءين يكون الاحتمال‏

في التطبيق قويا و اما إذا كان في الألف فلا يكون كذلك و كذا إذا كان يشتم شخص‏

واحدا من افراد البلد أو يشتم أحد الشخصين المعلومين فان الاحتمال في الأول ضعيف‏

بخلاف الثاني.

و لكن يرد عليه ان هذا في المضار الدنيوية و لعل للمضار الأخروية خصوصية

يلزم أن يكون المؤمن القطعي على الأمن منها و في المضار الدنيوية أيضا يختلف‏

الحال كما في صورة احتمال هلاك النّفس في ارتكاب المشتبه.

و يمكن أن يوجه‏1كلامه هذا بأن يقال ان العرف في صورة كثرة الأطراف‏

يكون مطمئنا بعدم حصول الواقع في الطرف الّذي يرتكبه فمن كان يدرى نجاسة

أحد من الجبن في البلد يشتريه من دكة و يطمئن بعدم كون هذا هو النجس و الاطمئنان‏

طريق عقلائي و حجة في نفسه يمكن الاعتماد عليه في الأمن من العقاب و الاحتجاج‏

1أقول و هذا الاطمئنان لو سلم يكون منشأه ضعف احتمال التطبيق و لا يكون‏

ضعف الاحتمال وجها برأسه و لكن الكلام في أصل حصول هذا الاطمئنان فانه لا يوجب‏

ضعف الاحتمال الاطمئنان بأن المعلوم يكون في الغير بل يمكن أن يقال العرف‏

بنفسه حاكم في كيفية امتثال التكاليف فانه إذا كان التكليف بين الأطراف الغير

المحصورة لا يرى له باعثية نحو المطلوب المفقود بين الأطراف الكثيرة.

مع أن غالب افراد غير المحصور يكون خارجا عن الابتلاء و يؤيد ما ذكرناه‏

ما ورد من رواية الجبن أ لأجل مكان واحد يترك جميع ما في الأرض.

و اما كلام النائيني قده فهو يرجع إلى الخروج عن محل الابتلاء لأنه يقول‏

ملاكه ان يبلغ الأطراف حدا لا يمكن الجمع و عدم إمكان الجمع بنفسه يمنع عن‏

التكليف بالنسبة إلى غير المقدور و العجب أنه قده رد احتمال الخروج عن الابتلاء

الّذي هو أحد الوجوه عن الشيخ قده و كلامه يرجع إليه فانظر كلامه في الفوائد

ص 39 تعرف ما نقول.


489
عند المولى و هذا الوجه و ان لم يكن مصرحا به في كلامه قده و لكن يمكن استفادته منه.

و الحاصل كأن الاطمئنان يوجب أن يجعل الغير بدلا عن الواقع في البين‏

مع انحفاظ مرتبة العلم الإجمالي.

و هنا وجه آخر عن شيخنا النائيني قده في الفوائد ص 38 و هو ان الضابطة في غير

المحصور هي ان يبلغ أطراف الشبهة حدا لا يمكن عادة جمعها في الاستعمال من أكل‏

أو شرب أو لبس و نحو ذلك فربما يكون الأطراف كثيرة و لكن يكون الجمع بينها

ممكنا مثل حب من الحنطة في ضمن حقة منها مغصوبا أو نجسا فان العدد و لو وصل‏

إلى الألف و لكن لا يكون من غير المقدور و ربما يكون الأقل من الألف من غير

المحصورة كما إذا كان أحد من الجبن في البلد نجسا فان جميعه لا يكون مقدورا

للمكلف و هذا يوجب عدم كون الخطاب بالنسبة إلى المكلف لعدم القدرة على‏

الامتثال.

ثم ان ساير الوجوه التي أقامها الشيخ قده لا يكون تاما و يكون قده ملتفتا لعدم‏

التمامية و لذا قال المسألة فرعية و يكفى فيها الظن الاجتهادي و سيجي‏ء معناه.

ثم لازم الوجه الأول من تقريبنا للوجه الخامس عنه هو انه مع ضعف احتمال‏

التطبيق يكون المكلف في أمن من العقاب و لا يحتاج إلى مؤمن آخر مثل قبح العقاب‏

بلا بيان.

و فيه ان ضعف الاحتمال لا يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز فان‏

الكأسين إذا وقع قطرة دم لا نعلم وقوعها في هذا أو ذاك و يكون أحدهما أبعد و يكون‏

الاحتمال بالنسبة إليه أضعف لا يوجب عدم تنجيز العلم بالنسبة إليه.

و لكن التقريب الثاني يكون أضبط و أحسن لأنه مع انحفاظ رتبة العلم يكون‏

الاطمئنان موجبا لجعل البدل و هو حجة و هو مؤكد العلم.

و اما كلام النائيني قده فكأنه يكون قصور البيان بالنسبة إليه عن المقرر فان عدم‏

إمكان الجمع بين الأطراف لا يكون ملاكا مثل عدم وسع شخص واحد لا كل جميع‏

الجبن في البلد هذا مع إمكان ترك جميع الأطراف في الشبهة التحريمية و المخالفة


490
القطعية و ان كانت غير ممكنة و توجب هذه عدم تنجيز العلم بالنسبة إلى ساير الأطراف‏

لأن الأصل بالنسبة إليها بلا معارض و لكن هذا يتم على مسلك القائل بأن العلم الإجمالي‏

يكون مقتضيا و اما على العلية فلا يتم نعم على مسلكه قده يكون تاما من جهة قوله‏

بالاقتضاء.

و حاصل مفاد قوله هو أن المخالفة القطعية حيث لا تمكن لعدم القدرة عليها لا تكون‏

الموافقة القطعية أيضا واجبة و التفصيل بين الموافقة القطعية بأنها غير واجبة و بين‏

حرمة المخالفة بأنها محرمة و ان نسبه المقرر إلى الشيخ قده و قال انه غير تام و لكن‏

لا يكون تفصيله قده من باب عدم تعارض الأصول بل من باب جعل البدل و مع‏

الالتزام بالقدرة على الجمع بين الأطراف فان لازم جعل البدل هو عدم جواز

ارتكاب جميع أطراف المشتبه فقوله قده لا يكون من باب تعارض الأصول حتى‏

يشكل عليه بعدم تمامية هذا التفصيل فانه على مبناه صحيح لا على هذا المبنى فانه‏

يكون قوله بعدم الفرق من باب عدم القدرة على الجمع و الشيخ قده لا يكون مبناه‏

ما ذكره.

و اما المخالفة القطعية على فرض الإمكان فهل تجوز أم لا:يكون فيها قولان‏

فاختار الشيخ كما مرّ الإشارة إليه عدم جوازها و قال بوجوب التبعيض في الاحتياط

فنقول اما على مسلك النائيني و هو قوله ان عدم وجوب الامتثال على طبق العلم‏

الإجمالي يكون من باب عدم القدرة على الجمع فلا شبهة في ان التبعيض قهري‏

لعدم إمكان المخالفة القطعية بالجمع بين الأطراف فلا محالة يبقى البعض و يكون‏

الارتكاب بالنسبة إلى البعض الاخر و لا يكون هذا من جهة اقتضاء العلم الإجمالي‏

ذلك لأنه غير دخيل فان المانع عدم القدرة بحيث لو تفوه محالا إمكان الجمع‏

ما كان للعلم منع عن المخالفة القطعية.

و اما على مسلك الشيخ بالتقريب الثاني عنا و هو أن الاطمئنان بعدم كون‏

المعلوم بالإجمال هو ما يكون مورد ارتكاب المكلف فلازمه وجوب التبعيض في‏

الاحتياط لأن العلم الإجمالي على هذا الفرض يكون بحاله و يكون ارتكاب بعض‏


491
الأطراف من باب جعل البعض الاخر بدلا عن الواقع فلا بد من عدم الارتكاب و هو

معناه حرمة المخالفة القطعية و عدم وجوب الموافقة القطعية.

و اما على التقريب الأول و هو ضعف الاحتمال و شيده الخراسانيّ في الحاشية

على الرسائل فيكون من باب انهدام العلم و عدم التطبيق ففي كل مورد يكون الشك‏

في الحرمة فالأصل يقتضى البراءة و بعد ارتكاب الجميع يفهم وقوع مخالفة في‏

البين و هو لا يضر لأن قبل العمل لم يكن إحراز المعصية في مورد من الموارد لانحفاظ

رتبة الحكم الظاهري مع الشك.

و لكن يبقى شي‏ء و هو أنه ان كان العلم الإجمالي باقيا فلا بد من التبعيض في‏

الاحتياط و ان كان ضعف الاحتمال مثل عدم حصول العلم أصلا فلا يجب الاحتياط

أصلا لا من باب انحفاظ رتبة الشك و الحكم الظاهري.

و لكن الحق هو ان عدم وجوب الموافقة القطعية يكون من باب جعل البدل‏

من جهة الاطمئنان فاللازم هو التبعيض في الاحتياط و لكن لا يكون التبعيض فيه في‏

كلماتهم محررا بهذا النحو و لا انه بأي مقدار يجب ان يبقى للاحتياط فيشكل الأمر

من هذه الجهة.

هذا كله بالنسبة إلى الشبهة التحريمية اما الشبهة الوجوبية مثل أن يعلم ان أحد

المعيّن من هذه الأغنام مما يكون واجب التصدق بنذر و شبهه و لكن لا يعلم ان‏

المعين ما هو.

فعلى مسلك مثل النائيني قده الّذي يكون مداره على إمكان المخالفة و الموافقة

ففي المقام حيث يكون القدرة على الموافقة القطعية متحققة و لا يكون مثل‏

الشبهة التحريمية بأن لا يكون القدرة على المخالفة متحققة فاللازم هو القول بوجوب‏

الموافقة القطعية لإمكانها بتصدق جميع الأغنام الا أن يصل إلى حد العسر و الحرج‏

الّذي يكون مرفوعا بدليل آخر فيجب على هذا الفرض التبعيض في الاحتياط بقدر

ينفى معه الحرج أو العسر للعلم الإجمالي.

و اما على جعل البدل فهنا حيث لا يمكن جعله فأيضا يجب الاحتياط إلاّ ان‏


492
يمنع عنه مانع و اما على مسلك القائل بضعف الاحتمال فلا احتياط أصلا بل يتصرف‏

في كل الأغنام و بعد الفراغ عن الجميع يعلم بارتكاب محرم أو ترك واجب و هو لا

يضر و هذا أيضا غير محرر في كلماتهم و لقد أجاد بعض الاعلام حيث قال و المسألة

بعد محتاجة إلى التأمل.

الكلام في تنبيهات الشبهة الغير المحصورة

الأول‏
هو أنه هل يكون سقوط العلم الإجمالي عن التأثير في أطراف الشبهة

الغير المحصورة مثل صورة عدم حصول العلم أصلا و إلقاء حكم الشك بحيث لا

يكون عليه حكم الشبهات البدوية أو يكون مثل الشبهات البدوية و بعبارة أخرى هل‏

يكون العلم هو المائت أو المعلوم بحيث يفرض عدم الواقع في البين لا عدم تنجيزه‏

مع وجوده فيه خلاف.

و تظهر الثمرة في باب النكاح الّذي يجب الاحتياط فيه حتى بالنسبة إلى الشبهة

البدوية فلو علم إجمالا بوجود امرأة في البلد هي أخته من الرضاعة فان كان المائت‏

هو المعلوم فيمكن ارتكاب بعض الأطراف و اما ان فرض موت العلم و التمسك‏

بالبراءة من باب كون الشبهة بدوية فلا يمكن القول بجواز النكاح لوجوب الاحتياط.

و هكذا إذا كان أحد الآنية نجسا و يكون في غير المحصور فان كان النجس في‏

البين كالعدم يمكن الوضوء بأحد الآنية لأنه كالطاهر المحرز و اما على فرض كون‏

الشبهة بدوية فأصل البراءة عن حكم النجاسة و عدم حرمة الشرب لا يوجب إحراز

شرط ماء الوضوء و هو الطهارة لأنه لا يلزمه طهارة الماء التي هي الشرط و مال‏

النائيني قده إلى انه كالعدم و لا يكون مثل الشبهة البدوية و لكن لا يتم فان الظاهر كونه‏

مثل الشبهة البدوية.

التنبيه الثاني‏
في حكم الشك في كون الشبهة محصورة أو غير محصورة و هذا

تارة يكون من الشك في المصداق مثل أن يكون ضابط غير المحصور عدم القدرة

على الجمع كما كان عند النائيني قده و لكن لا نعلم ان عدد الأطراف وصل إلى حد


493
لا يمكنه الجمع أم لا أو يكون الشبهة من جهة المفهوم بأن لا نعلم ان غير المحصور ما هو

فمن هذه الجهة يحصل الشك في المفهوم و المنطبق في الخارج.

كما ان الشيخ(قده)لم يكن مفهوم غير المحصور عنده محرزا و على أي‏

تقدير فالتحقيق هو أنه في صورة الشك يجب الاحتياط اما على مسلك النائيني‏

فلأنه من الشك في القدرة بعد إحراز التكليف شرعا فانه إذا شك في كونه قادرا

على الجمع بين الأطراف حتى يكون محصورا أولا حتى لا يكون محصورا فبالنتيجة

يكون شاكا في قدرته على امتثال التكليف في البين و عدمه.

و اما على مسلكنا و مسلك الشيخ بتقريبنا له و هو أن ضابط عدم المحصور هو

اطمئنان العرف بأن التكليف يكون في غير هذا و هو حجة عقلائية فحيث يكون الشك‏

في جعل البدل للواقع يكون التكليف بحاله و يجب امتثاله لعدم المعذر الشرعي‏

لو لم يمتثل.

و بعبارة أخرى يكون المقتضى للامتثال تاما و يكون الشك في مانعية شي‏ء له‏

و حيث لم يحرز المانع فالمقتضى و هو التكليف في البين يؤثر أثره و النائيني حيث‏

لم يكن قاعدة المقتضى و المانع عنده تاما لا يقول بما ذكرنا و أصل مطلبه صحيح فان‏

القاعدة غير تامة و لكن في الشرعيات و اما فيما هو حكم العقل فلا يكون الإشكال في‏

تماميته فان باب الامتثالات باب حكم العقل و هو إذا رأى المقتضى تاما و لم يثبت عنده‏

المانع يجري على طبق حكم المقتضى.

و هكذا على فرض القول بأن ضعف الاحتمال يوجب سقوط التكليف فأيضا

نتمسك بتمامية المقتضى و عدم إحراز المانع.

ثم ان المحقق الخراسانيّ تمسك في مقام الشك بإطلاق الخطاب فان قول‏

الشارع مثلا اجتنب عن النجس يشمل حتى صورة الشك في وجوده في المورد.

و قد أشكل عليه بإشكالين:

الأول بأنه ان كان المراد التمسك بالإطلاق أو العموم في الشبهة المصداقية

فهذا يكون من التمسك بالعامّ في الشبهات المصداقية و هو ممنوع لأن العام لا يتكفل‏


494
بيان موضوعه و ان هذا فرد و مصداق له أم لا و ان كان المراد هو التمسك بالعامّ في‏

الشبهة المفهومية فهو حسن لأن الشك يرجع إلى زيادة التخصيص فيجب الاحتياط

لإطلاق الخطاب و مثال المصداقية في المقام هو أن يكون عالما بأن غير المحصور

ما هو من حيث المفهوم و لكن لا يدرى ان مقدار الأطراف مثلا الف حتى يكون من‏

المحصور أو ألفان حتى يكون من غير المحصور و هذا يتصور على ضابط النائيني‏

قده من ان الملاك فيه عدم القدرة على الجمع بين الأطراف.

و مثال الثاني هو عدم العلم بمفهوم غير المحصور مع العلم بأنه إذا كان كذلك‏

لا يكون الخطاب منجزا و الظاهر أن كلام الخراسانيّ يكون في الشبهة المفهومية

و هكذا كلام الشيخ و حيث لا يكون القيد من القيود المتصلة بالخطاب بل العقل بعد

التعمل يفهم خروج غير المحصور عن دائرة الحكم فلا يسرى إجماله إلى العام و مع‏

عدم السراية فلا إشكال في التمسك بالعامّ و اما كون الشبهة مفهومية عند الخراسانيّ‏

فهو ظاهر لأنه قده جعل المناط في كون الاحتياط عسريا أو حرجيا أو ضرريا و قال‏

لا فرق بين المحصور و غيره في ذلك الحكم الّذي يجب امتثاله إلاّ بتطبيق عنوان‏

ثانوي.

و الإشكال الثاني عن النائيني قده عليه هو أن التمسك بالبراءة في المقام لا

يمكن لأنه يكون من الشك في القدرة و لا يمكن التمسك بها في هذا الباب بل يجب‏

الاحتياط و لكن كلامه على فرض كون الشبهة مصداقية تام لا على فرض كونها مفهومية.

التنبيه الثالث:
هو البحث عن حكم الكثير في الكثير كما ذكره الشيخ في‏

الرسائل أيضا(ص 247)في ذيل حكم غير المحصور في التنبيه الثالث و مثاله كما

ذكره هو أن نعلم بوجود خمسمائة شاة محرمة في ضمن الف و خمسمائة شاة فاختار

قده انه من المحصور لأن النسبة تكون مثل نسبة واحد في الثلاث فان خمسمائة ثلث‏

الف و خمسمائة فيجب الاجتناب عن الجميع و لا يمكن ان يقال مثلا تصير المجموع‏

خمس عشر مائة أو يقسم بقسمة تكون الأطراف أكثر من ذلك لأن كل فرض سوى‏

ما فرضه قده يكون الأطراف المفروضة فيه الحرام و الحلال بخلاف فرض خمسمائة


495
حراما و الألف حلالا.

و هو على مبناه يكون كلامه متينا جدا لأنه يوافق البرهان و الوجدان فان سنده‏

ضعف الاحتمال أو الاطمئنان و هو غير حاصل في هذا المقام لقوة الاحتمال في كل‏

فرد من الافراد و اما على مبنى النائيني قده فانه و ان التزم بكون هذا من المحصور

و لكن يلزمه ان يقول يكون هذا مما يكون عليه حكم غير المحصور لأن الضابطة

عنده هي عدم إمكان الجمع بين الأطراف و هو يمكن ان يكون متحققا بالنسبة إلى‏

هذا المثال و أمثاله و لكن هذا خلاف الوجدان.

و الحاصل يجب ملاحظة المباني في المقام أيضا و الشيخ قده على حسب مبناه‏

يكون كلامه تاما كما هو الحق عندنا أيضا.

هذا كله البحث في حكم الشك من جهة الشبهة الموضوعية فان بيان أحكام‏

العلم الإجمالي و اقسامه يكون لهذا.

بقي في المقام حكم الشك من ناحية الشبهة الحكمية من جهة فقدان النص أو

إجمال النص أو تعارض النصين و الخراسانيّ ذكر حكم الجميع في بحث واحد

و نحن نتبع الشيخ قده في ترتيب البحث هنا و قد ظهر حكم فقد النص و إجماله مما

مرّ في الشبهات الموضوعية لأن العلم الإجمالي إذا كان حاصلا بحرمة شي‏ء و لكن‏

لا يمكن التعيين يجب امتثاله كما مر و اما في تعارض النصين فلو لا اخبار العلاج يكون‏

حكمه هكذا و لكن اخبار العلاج حكم فيه بالتخيير لأحد الطرفين بعد كون القاعدة

الأولية تقتضي التساقط.

فصل‏المطلب الثاني‏في اشتباه الواجب بغير الحرام‏

قال الشيخ المطلب الثاني في اشتباه الواجب بغير الحرام و هو اما بين المتباينين‏

أو بين الأقل و الأكثر و اما الشبهة التحريمية الدائر امرها بين الأقل و الأكثر فالأصل يقتضى‏

البراءة فيها عن الأكثر كما في الشبهة الوجوبية و لم يذكر هذا في البحث السابق‏

عن الشبهة التحريمية فذكره هنا.


496
و مثال ذلك الغناء فان امره دائر بين كون الحرام هو الصوت مع الترجيع‏

أو يكون حراما و لو كان بدونه فانه هنا يكون بعكس الشبهة الوجوبية لأن أصل البراءة

هنا يكون بالنسبة إلى الحرمة بالنسبة إلى الأقل و الأكثر هو المتيقن فان ما يكون مع‏

القيد هو الأكثر و هو المتيقن و ما لا يكون له القيد هو الأقل و يكون مشكوكا فالأصل‏

يقتضى البراءة هنا عن الأقل و في بعض نسخ الرسائل عن الشيخ قده هو القول بأن‏

المقام يكون مثل الشبهة الوجوبية و يكون البراءة عن الأكثر أيضا جارية و هذا و ان‏

كان لا يستقيم بالنسبة إلى مثال الغناء و لكن كان في ذهنه قده مطلب صحيح فانه في‏

باب الحيض إذا شك في ان وطي المرأة حرام في حال الحيض فقط أو يكون حراما

حتى بعده قبل الغسل عنه فالمتيقن هو الحرمة حال الحيض و المشكوك هو الأكثر

من هذه المدة و الأصل يقتضى البراءة عنه فيلاحظ القليل و الكثير هنا بالنسبة إلى‏

الزمان و هو صحيح أيضا.

ثم انه يكون إشكال في الشبهة الوجوبية بأنه إذا جرت البراءة عن الأكثر

فبأي دليل يكون الباقي واجبا و أجابوا عنه بأن الأقل يكون واجبا بأصل الدليل‏

و المرفوع يكون هو الجزء المشكوك بالبراءة و هذه الشبهة لا تأتى في المقام لأنه‏

لا يراد إثبات شي‏ء بعد جريان البراءة بالنسبة إلى ذي القيدين كما في مثال الغناء و بالنسبة

إلى الأكثر كما في مثال وطي المرأة قبل الغسل بعد تمام الحيض.

و في المقام عبارة1عن الخراسانيّ و لا نفهمها و هي أنه فرق بين كون الشك‏

في التكليف من جهة الإتمام أو التمام فان تصوير صورة المجسمة يأتي فيه الكلام‏

بأن يقال هل يكون الحرام هو تمام الصورة أو أن نصفها أيضا يكون تصويرها حراما

فيكون المتيقن هو حرمة إتمام الصورة و المشكوك هو تصوير بعض اجزائها.

1أقول لم أجد هذه العبارة في الكفاية و لا في الحاشية على الرسائل في‏

المقام فلعله تعرض لها في الفقه أو في درسه و قد ضبطه مد ظله.


497
فصل في الشبهة الموضوعية الوجوبية

ثم ان البحث في الشبهة الوجوبية كما عنون الشيخ قده اما ان يكون بين‏

المتباينين كما مر في نقل صدر عبارته أو بين الأقل و الأكثر فالبحث في مقامين.

المقام الأول في المتباينين و فيه مسائل أربعة:المسألة الأولى في الشبهة

الموضوعية مثل عدم العلم بأن الواجب في يوم الجمعة هو الظهر أو الجمعة أو ان الواجب‏

في سير أربعة فراسخ هل القصر أو الإتمام بعد العلم الإجمالي بوجوب الصلاة و الشك‏

يكون من ناحية المصداق و المسألة الثانية في فقد النص و الثالثة في إجمال النص‏

و الرابعة في تعارض النصين.

اما صورة كون الشك من جهة فقد النص مع العلم الإجمالي بوجود إجماع‏

في البين مثل الشك في كون الواجب يوم الجمعة الظهر أو الجمعة فالحق ان مقتضى‏

العلم الإجمالي هو الاحتياط و إتيان الظهر و الجمعة كما كان مقتضى العلم في الشبهة

التحريمية ذلك و العلم علة تامة على التحقيق و على فرض الاقتضاء أيضا يكون الأصلان‏

في الطرفين متعارضين و هكذا إذا كان دوران الأمر بين القصر و الإتمام يجب الجمع‏

بينهما قضاء لحق العلم و هذا لا إشكال فيه الا ان الميرزا القمي و العلامة الخوانساري‏

(قدهما)كما نسب إليهما يكونان مخالفين لهذا المعنى و قد ذهبا إلى أن المخالفة

القطعية في المقام لا إشكال فيها الا ان يكون إجماع أو ضرورة على خلافها ففي‏

مثل الدوران بين الظهر و الجمعة أو القصر و الإتمام يكون الإجماع على عدم سقوط

الصلاة فلهذا يجب الإتيان بهما و اما إذا لم يكن كذلك فلا وجه للقول بوجوب الموافقة

و حاصل كلامهما أن احتمال الأمر في كل طرف من الأطراف لا يكون باعثا

بل ما هو الباعث يكون الأمر الجزمي لا الاحتمالي:مضافا بأن الواجب هو المعين‏

في البين فإذا لم يكن البيان على التعيين و قلنا بالوجوب في كل طرف يلزم تأخير

البيان عن وقت الحاجة و هو قبيح فموضوع الأصل في كل طرف منحفظ و هو الشك‏

فهو يقتضى البراءة و الا يلزم اما باعثية الاحتمال أو تأخير البيان عن وقت الحاجة


498
و كلاهما ممنوعان.

و قد أجابوا عن إشكالهما بأن الإجمال يكون طارئا و يكون من جهة دس‏

الدساسين فلا يكون القصور من ناحية الأمر و الأمر بل من جهة الدس فلا إشكال في‏

كون المجمل باعثا على هذا الفرض و اما تأخير البيان عن وقت العمل فلا يقبح لأنه‏

يمكن أن يكون مصلحة في التأخير مضافا بأنه على فرض تسليم ذلك يكون في صورة

كون التأخير من ناحية المولى لا من جهة الدس فانه كان بيانه تاما و لم يصل.

أقول ان بيان كلام العلمين مع الجواب عنه يكون فيه اضطراب فان العلمين‏

لا يكون مسلكهما في الشبهات الموضوعية جواز المخالفة القطعية بل يقولان لا يجب‏

الموافقة القطعية ففي مثل صلاة الظهر أو الجمعة في الجمعة و القصر و الإتمام نسبة ذلك‏

إليهما فيه الإجمال و الاضطراب.

و لكن الجواب عن إشكالهما في غير الموضوعية فيكون تاما و الإجمال في‏

المعلوم لا يوجب قصورا في العلم فانه بنفسه يقتضى التنجيز.

لا يقال ما الفرق بين المقام و الشبهات البدوية التي يقولون فيها بالبراءة مع‏

ان الملاك لو كان بيان الكبرى و كفايته يكون في البدوية أيضا لأنه إذا شك في شي‏ء

ان هذا خمر أم لا بعد بيان الكبرى بأن الخمر حرام يجب الاجتناب كما في المقام‏

فان غاية الدليل عليه هو تمامية بيان الكبرى و الإجمال يكون في المصداق أو في المعلوم‏

لأنا نقول الفرق تنجيز الكبرى في المقام دونه في الشبهات البدوية هذا في‏

الشبهات المصداقية و اما في صورة تعارض النصين فلا يليق بشأن العلمين ان يقال‏

انهما قائلان بالاحتياط مع كونهما خريطا الفن في باب التعارض و ملاحظة أدلة العلاج‏

و اما في صورة فقد النص فلا ينطبق استدلالهما و لا الجواب عنهما لعدم التكليف في‏

هذه الصورة أصلا حتى يقال ان العلم الإجمالي يكون منجزا أولا لعدم العلم أصلا

و يمكن استظهار ان الكلام يكون في هذه الصورة من كلام الشيخ قده في الرسائل.

و اما في صورة إجمال النص مثل إجمال ان الصلاة الوسطى في قوله تعالى‏

حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى هل هي الظهر أو العصر فلو كان المدار على‏


499
الظهور الواصل فيكون الإجمال مضرا بالتكليف و اما ان كان المدار على الظهور الصادر

فحيث انه في حين الصدور كان مبينا و يكون الإجمال طارئا فلا يكون مضرا بالتكليف‏

و يجب الاحتياط و كلام القوم ردا لهما هنا صحيح.

و كيف كان فعندنا يكون العلم الإجمالي في الشبهات الوجوبية مثل الشبهات‏

التحريمية منجزا واجب الاحتياط.

ثم انه ربما يتمسك(البحث في الرسائل ص 252)لوجوب الإتيان بجميع‏

أطراف الشبهة الوجوبية قضاء للعلم الإجمالي بالاستصحاب.و هو اما ان يكون‏

بالنسبة إلى الحكم بأن يقال مثلا ان حكم وجوب الإتيان بالمشتبه في البين باق بعد

الإتيان ببعض الأطراف للشك في الامتثال أو يكون موضوعيا مثل استصحاب عدم‏

إتيان الظهر مثلا في صورة اشتباه القبلة بعد الصلاة إلى ثلاث جهات فان أصالة عدم‏

إتيان الظهر تقتضي القول بوجوبه بعد إتيان بقية الأطراف و هذا الاستصحاب على‏

فرض جريانه يكون حاكما على قاعدة الاشتغال.

فنقول اما الاستصحاب الموضوعي فيجب ان يكون الأثر على شخص الموضوع‏

و عليه قال شيخنا النائيني و جملة من الاعلام انه حيث يؤل إلى الفرد المردد لا يكون‏

جاريا.

بيان ذلك‏1انه إذا كان العلم الإجمالي حاصلا اما بوجوب الظهر أو الجمعة

1أقول عمدة كلام العلامة النائيني في الفوائد ص 41 في الجزء الرابع‏

هي ان قوام الاستصحاب يكون بالشك في البقاء بعد العلم بالحدوث فلا يجري‏

الاستصحاب عند الشك في كون الباقي هو الحادث.

فانه في المقام يكون الشك في أن الباقي من الأطراف هل يكون هو الحادث‏

وجوبه ليكون واجبا فعلا أم لا اما عدم إمكان التعبد في صورة حكم الوجدان يكون‏

في كلامه في ص 43 ردا للقول بجريان الاستصحاب بلحاظ القدر المشترك و هو مجرد

لزوم الإتيان بالطرف الاخر فلاحظ كلامه.

فانه لا يكون هذا أثرا للقدر المشترك شرعا بعد حكم العقل بالاشتغال و يلزم ان‏


500
ثم أتى بالظهر مثلا ثم شك في إتيان ما هو الواجب لا يمكن استصحاب عدم إتيان ما هو

الواجب لأنه على فرض كونه ظهرا فقد أتى به حتما و قطعا و على فرض كونه جمعة لم يأت‏

به قطعا و التعبد بالنسبة إلى ما يكون القطع بالنسبة إلى بعض أحواله محال لأن التعبد

بما هو مقطوع محال فإطلاق دليل الاستصحاب لا يشمله لأنه على فرض كون الواجب‏

هو الظهر لا يكون الشك في بقاء الواجب بل يكون القطع بعدم الوجوب حاصلا.

و العنوان الإجمالي لا يكون منشأ أثر كما ان الرضاع إذا شك في حصوله من‏

باب الشبهة في المفهوم من جهة انه هل يحصل بثلاثة عشر رضعة مثلا أو خمسة عشر

لا يمكن جريان الأصل بالنسبة إلى عنوان المحرم بل الملاك على حصول الحرمة

بالنسبة إلى هذه المرأة الخارجية و حصول حرمتها على فرض مقطوع الوجود

و على فرض آخر مقطوع العدم.

يكون التعبد بلحاظ الأثر الشرعي فالعمدة هي عدم الحالة السابقة في الفرد المردد

و اما إنكار صحة التعبد بالنسبة إليه ففيه نظر و هو أنه مع قطع النّظر عن المقام‏

الّذي يكون حكم العقل بالاشتغال وجدانا مانعا عن التعبد يمكن ان يجعل حكم‏

في مورد المردد بجعل عدم الحكم أو جعله كما أنه في مورد الشبهات البدوية

يكون دوران الأمر بين الوجوب و عدمه أو الحرمة و عدمها فانه لو كان الحكم‏

مجعولا لكان واجبا قطعا و لو لم يكن مجعولا في الواقع لم يكن واجبا قطعا مثلا

و هكذا في الحرمة و معه يجعل البراءة.

و الحاصل ان الشك منحفظ في كل فرد يكون مشكوكا كما قال العراقي قده‏

و لكن لا يتم كلامه قده من وجه آخر و هو انه في المقام لا يكون الكلام في منافاة

الأصل للعلم ليكون البحث في سريان العلم الإجمالي إلى الخارج و عدمه و يقال بعدم‏

المنافاة ضرورة انه لو كان الاستصحاب جاريا في المقام يكون موافقا للعلم و مؤيدا

له فكيف ينطبق عليه ما ذكره.

فكلامه قده من جهة انحفاظ موضوع الأصل و صحة التعبد في الفرد المردد

تام و لكن في المقام لا يتم لعدم الحالة السابقة ليجري الأصل الّذي هو الاستصحاب‏

و عدم صحة التعبد بالاشتغال لحكم العقل به فهذا خلط أو سهو في الكلام.


501
و قد أجاب عنه شيخنا العراقي قده حسب مبناه في موارد العلم الإجمالي و هو

أن الخارج لا يكون مصب العلم أصلا بل الّذي يكون مصبه هو العنوان الإجمالي‏

و التفصيل يكون في الشك فقط فانه في كل مورد و طرف يكون الشك التفصيلي و هو

موضوع الأصل و لا ينافي جريان الأصل في كل طرف مع العلم الإجمالي في البين‏

و يصير خلاف الوجدان فالأصل في المقام يكون جاريا و لا يرد عليه عدم إمكان التعبد.

أقول لا يكون الأصل جاريا في المقام على التحقيق و لا يتم كلام شيخنا العراقي‏

أيضا لأن المردد بما هو مردد لا يكون له تحصل لا في الذهن و لا في الخارج و مالا

يكون له تحصل في أي صقع فرض من الوجود أو الماهية كيف يمكن التعبد بالنسبة

إليه و لا يكون أركان الاستصحاب من الشك و اليقين بالنسبة إلى ما هو مردد موجودا

و اما قوله قده من أن العلم لا يسرى إلى الخارج فيكون متينا و لكن لا يفيد في المقام‏

و لو سرى يلزم أن يكون العلم بالنسبة إلى كل طرف حاصلا و هو معلوم العدم.

و اما جريان الأصل بالعنوان الإجمالي فهو أيضا غير تام بأن يقال يكون في‏

الواقع صلاة واجبة في الظهر في يوم الجمعة و بعد إتيان الظهر أو الجمعة لا أدري‏

أن الواقع حصل أم لا كما أنه يكون محل النزاع بين الاعلام بالنسبة إلى قاعدة

الفراغ فأنه إذا علم شخص بعد إتيان الصلاة إلى أربع جهات لاشتباه القبلة بطلان‏

إحدى الصلوات فانه ربما يقال بجريان القاعدة بالنسبة إلى ما يكون في الواقع إلى‏

جهة القبلة لأنه لا يدرى أن ما كان بجهة القبلة هل وقع صحيحا أم لا و يكون هذا

الشك بعد الفراغ.

و لكن التحقيق عندنا أن قاعدة الفراغ لا تجري بالنسبة إلى ما يكون مجملا

بل يلزم إحراز الصلاة التي نريد جريان القاعدة بالنسبة إليها لأن مصب الأثر هو

الشخص و لاشتباه القبلة لا يكون الشخص الواقع إلى جهتها محرزا خلافا للخراساني‏

و تبعا لشيخنا العراقي فان الأول يجري الأصل بالنسبة إلى ما هو المجمل في كتاب الرضاع‏

فيقول إذا شك في حصوله نقول الأصل عدم تحقق المحرم في البين و هذا لا يتم كما

أنه لا يتم في المقام لأن الأثر على الشخص و استصحاب العنوان لا يثبت الشخص‏


502
الا بنحو المثبت.

و لا يخفى أن الشك في المقام تارة يكون في مورده الاشتغال كما في المقام‏

لأن الاشتغال اليقينيّ بوجوب الصلاة اما الظهر و اما الجمعة يكون لازمه القول‏

بوجوب الفراغ اليقينيّ و الحق أن الاستصحاب في المقام يكون على فرض الجريان‏

حاكما على حكم العقل.

و لا يقال انا لا نحتاج إلى الأصل بعد حكم العقل بالاشتغال لأن الدليل الشرعي‏

مقدم على الدليل العقلي كما أنه في كل مورد يكون العقل حاكما بقبح العقاب بلا

بيان في البراءة يقال بجريان البراءة الشرعية أيضا برفع ما لا يعلمون و غيره لأن موضوع‏

الأصل يكون منحفظا ففي كل طرف حيث يكون الشك الّذي يكون هو موضوع‏

الأصل متحققا يقال بجريانه و هذا لا ينافي حكم العقل.

و تارة لا يكون في مورده العلم بالاشتغال كما إذا أتى بصلاة الظهر في يوم‏

الجمعة ثم حصل العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة فانه لا يكون العلم بالاشتغال‏

حاصلا لأنه على فرض كون الواجب هو الظهر يكون الشبهة بالنسبة إلى وجوب‏

صلاة الجمعة بدوية.

و توهم‏1جريان الأصل بالنسبة إلى العنوان الإجمالي مندفع بعدم الحالة

1أقول حيث يكون الشبهة حكمية فلازم العلم الإجمالي بعد العلم التفصيلي‏

بوجوب الظهر فقط مثلا بأية حجة كانت من الإجماع أو النص هو العلم باشتباه‏

الأمارة السابقة الدالة على وجوب هذا الخاصّ فإذا حصل العلم بالتكليف على هذا

النحو يجب امتثاله على طبق العلم الإجمالي.

و القول بأنه حيث ما انكشف خلاف الدليل السابق تفصيلا يصح ما أتى به‏

مما لا يمكن الاعتماد عليه لأنه على فرض كون الواقع هو المعين و ان كان يكفي‏

و لكن على فرض عدم كونه كذلك لا يكاد يكفي فان القصور في الفحص لا يوجب‏

صحة السابق و وجوب العمل على العلم الإجمالي فيما بعده فقط فهنا يجب الإتيان‏

ببقية الأطراف لا من باب الاستصحاب بل من باب اقتضاء العلم الإجمالي.


503
السابقة لعدم العلم بطبيعي الوجوب الا بعد الإتيان بالظهر و لا يحصل العلم بوجوب‏

شي‏ء آخر.

هذا كله في استصحاب الموضوع و هو عدم الإتيان و اما استصحاب الحكم‏

و هو أنه كان في البين صلاة واجبة اما الظهر و اما الجمعة و مع إتيان أحدهما لا يدرى‏

أن الوجوب في البين يكون باقيا أم لا فيستصحب.

و هنا أيضا تارة يكون المراد استصحاب شخص الحكم و هو وجوب الجمعة

أو الظهر بخصوصية كونه ظهرا أو جمعة و تارة يكون المراد استصحاب طبيعي‏

الحكم.

اما الأول فلا شبهة في عدم الجريان لأن الوجوب الشخصي بالنسبة إلى كل‏

واحد منهما لا يكون له حالة سابقة لعدم العلم التفصيلي بالوجوب في زمان حتى‏

يمكن استصحابه و يكون الفرد مرددا كما مر في استصحاب الموضوع.

و اما على الثاني و هو استصحاب كلي الوجوب ففيه تفصيل ينشأ من اختلاف‏

المسالك في حقيقة الاستصحاب بأنها تنزيل اليقين و الجري العملي كما هو الحق‏

أو تنزيل المتيقن منزلة المشكوك أو جعل المماثل كما هو مختار الخراسانيّ في‏

باب الاستصحاب و عليه فيقول بأن استصحاب الكلي يترتب عليه أثر الشخص لأنه‏

يجعل حكما مماثلا للواقع في المشكوك فيكون الحكم المماثل للواقع على الفرد

المشكوك و هو الظهر مثلا بعد إتيان الجمعة و لا يكون هو الحكم في الواقع ليتردد

امره بين الوجود و العدم و يصير مرددا.

و قد أشكل شيخنا النائيني قده بأن استصحاب الطبيعي لا يثبت الشخص الا

على نحو المثبت بأردإ أنحاء الإثبات فان استصحاب طبيعي الوجوب يكون من‏

لوازمه العقلي هو وجوب الظهر مثلا لا اللازم الشرعي.

و قد أجاب عنه شيخنا العراقي بأن اللازم تارة يكون لازم الواقع و تارة يكون‏

لازم ما هو الأعم من الواقع أو الظاهر و في المقام على فرض القول بجعل الماثل‏

يكون اللازم لازم ما هو في الظاهر يكون حكما لأنه يثبت بالاستصحاب حكم و هو


504
الوجوب المماثل للواقع و بعد إثبات هذا الحكم في الظاهر يترتب عليه وجوب‏

الشخص حيث لا يمكن جعل الطبيعة بدون الخصوصية الفردية و لا يمكن أيضا

ان يكون في ضمن الفرد المعدوم فيبقى أن يكون في ضمن الفرد الباقي و هذا شأن‏

كل استصحاب فان اللوازم العقلية المترتبة على اللازم الشرعي يكون مترتبا على‏

الأصل و انما الإشكال في ترتب اللوازم العقلية بدون واسطة حكم شرعي و ليس‏

المقام على هذا المبنى كذلك و اما على مسلكه قده من كون حقيقة الاستصحاب هو

الجري العملي على طبق الواقع فيقول لا مناص الا عن التمسك بالاشتغال لا الاستصحاب‏

لأن استصحاب الواقع و هو الطبيعي يكون وجود الفرد من لوازمه العقلية.

و الجواب عنه قده انه على فرض جعل المماثل أيضا حيث يكون استصحاب‏

الطبيعي اثره الاشتغال و وجوب الإتيان بالطرف الاخر من باب المقدمة و الاشتغال‏

يكون محرزا بالوجدان لا يجري الأصل لأن ما هو المحرز بالوجدان لا يأتي التعبد

فيه فاستصحاب الطبيعي للأثر الّذي هو الاشتغال غير جار كما قال النائيني قده‏

أيضا و يكون من تحصيل الحاصل.

ثم أنه قد يتوهم أن الشيخ الأعظم يقول بعدم جريان الاستصحاب في صورة

حكم العقل و استقلاله بالاشتغال و لكنه فاسد لأنه يقول بجريان الاستصحاب لو لا

المانع غير الاشتغال(في الرسائل ص 252)فانه قد صرح هنا بجريان الأصل مع‏

وجود الاشتغال بقوله و من هنا ظهر الفرق بين ما نحن فيه و بين استصحاب عدم فعل‏

الظهر و بقاء وجوبه على من شك في فعله فان الاستصحاب بنفسه مقتض هناك الوجوب‏

و الإتيان بالظهر الواجب في الشرع على الوجه الموظف من قصد الوجوب و القربة

و غيرهما انتهى.

فلو كان جريان الاستصحاب مختصا بصورة عدم الاشتغال لكان ينبغي هنا أن‏

يقول بعدم جريانه لوجود حكم العقل فالمانع عنده في المقام هو عدم تمامية أركان‏

الأصل أو كونه مثبتا.

فتحصل من جميع ما تقدم عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الوجوبية


505
بالنسبة إلى الطرف الاخر اما لأوله إلى الفرد المردد و اما لكونه مثبتا سواء كان في‏

مورده الاشتغال أو لم يكن و الدليل الوحيد على وجوب الإتيان بجميع الأطراف‏

هو الاشتغال لا غير سواء قلنا بأن العلم الإجمالي علة تامة أو مقتضيا لأنه على فرض‏

الاقتضاء أيضا يكون الأصول متعارضة فيؤثر العلم اثره كما في العلة التامة.

فصل في تنبيهات الأصل في الشبهة الوجوبية

و ينبغي التنبيه على أمور كما نبه عليه الشيخ قده:

التنبيه الأول‏
في أنه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي في الشبهة الوجوبية

بين كون العلم بالتكليف بين تكليفين مستقلين مثل الظهر و الجمعة أو بين ما هو مثل‏

الشروط من التكاليف الغير الاستقلالية فإذا كان اللباس مشكوكا و يدور الأمر بين‏

الصلاة عريانا أو في الثوبين الذين أحدهما نجس أو من غير المأكول يجب التكرار

لتحصيل الشرط.

و لا فرق بين كون استفادة الشرطية من الوضع كما في قوله لا صلاة الا بطهور

الّذي لازمه بطلان الصلاة بدونه أو يكون بلسان التكليف مثل لا تصل في وبر ما لا

يؤكل لحمه فما نسب إلى القمي قده من الفرق و قوله بوجوب حفظ الشرط في الأول‏

دون الثاني لا وجه له.

و ذلك كله لعدم الفرق في تنجيز العلم بين كون التكليف استقلاليا أو مقدميا

و لا وجه لقول صاحب السرائر من سقوط الشرطية عند الاشتباه و الدليل على مدعاهم‏

اما ان يكون تقدم الامتثال التفصيلي على الامتثال الإجمالي ضرورة أن الصلاة عاريا

يكون قصد امرها جزميا و اما الصلاة في الثوبين فيكون القصد باحتمال الأمر فيسقط

الشرط لذلك.

و هو باطل كبرويا و صغرويا اما الكبرى فلعدم تقديم الامتثال التفصيلي على‏

الإجمالي بل الإجمالي لو لم يكن أقوى لا يضر و اما من حيث الصغرى فلان رتبة

وجوب قصد الأمر يكون بعد إحراز الشرائط و الاجزاء و تابعا لها فإذا كان إحرازها


506
واجبا قبله فلا بد من الامتثال بهذا النحو لعدم إمكانه الا كذلك و وجوب الامتثال التفصيلي‏

على فرض وجوبه يكون مختصا بصورة الإمكان.

أو يكون الدليل ما نسب إلى القمي قده من أنه حيث تكون الخصوصية مجهولة

يكون التكليف غير مقدور و القدرة شرط التكليف فإذا لم تكن لا يكون التكليف‏

أيضا.

و هذا مع علو شأن القائل عنه لا يوجب الفرق بين الاستقلالي و المقدمي‏

ضرورة أن العلم بالخصوصية شرط التنجيز لا شرط التكليف كما في التكاليف‏

الاستقلالية فمقتضى العلم الإجمالي بالتكليف هو الإتيان بجميع الأطراف و لا تكون‏

الخصوصية دخيلة في الامتثال.

نعم لو استفدنا من دليل الشرط أن شرطيته تكون في صورة العلم التفصيلي‏

فالشرط ساقط من جهة الدليل على عدم شرطيته لا من جهة ما ذكر من عدم إمكان‏

الامتثال التفصيلي فتحصل أنه لا فرق بين التكاليف الاستقلالية و المقدمية في وجوب‏

الامتثال على طبق العلم الإجمالي.

الأمر الثاني‏
يظهر من الشيخ قده الفرق بين ما يكون مشتبها بالشبهة البدوية

و ما يكون مقرونا بالعلم الإجمالي في كيفية النية و قصد الامتثال فإذا كان عمل محتمل‏

الوجوب باحتمال بدوي يكون قصد الأمر الاحتمالي كافيا في العبادة.

و اما إذا كان مقرونا بالعلم الإجمالي كما إذا احتمل اما وجوب الظهر أو العصر

فقال قده يجب النية بامتثال الأمر الواقعي المحرز في البين فيجب أن يكون حين‏

العمل و إتيان أحد الأطراف قاصدا لإتيان الطرف الاخر بعده لأن امتثال الواقع الّذي‏

يكون في البين لا يتصور الا بهذا النحو و لا يمكن أن يقال إتيان هذا يكفي و لو لم‏

يكن قاصدا لامتثال الاخر فنية الأمر الاحتمالي في البين فقط لا تكفي.

و قد أشكل عليه النائيني قده بما حاصله ان الامتثال التفصيلي و ان كان مقدما

على الامتثال الاحتمالي الإجمالي الا أنه يكون في صورة إمكانه تفصيلا و اما في‏

صورة عدم الإمكان فلا يكون واجبا و في المقام لا يكون الامتثال التفصيلي واجبا لعدم‏


507
إمكانه لأنه في الشبهات البدوية يكون الأمر احتماليا و في إتيان كل طرف من أطراف‏

العلم الإجمالي أيضا يكون المحرك هو احتمال الأمر و تطبيقه و لا يكون الأمر الجزمي‏

محركا ضرورة أن الكلام يكون في العلم الإجمالي لا التفصيلي.

و لا يكون إتيان أحد الأطراف مرتبطا بإتيان الطرف الاخر حتى لا يصح الا

مع قصد ذاك الاخر بل يقصد إتيانه لو كان عليه الأمر فإذا أتى بالطرف الاخر فقد

امتثل ما في البين و لا يضر قصد عدم الإتيان بالاخر أيضا الا من جهة كونه تجريا.

و الجواب عنه هو أن مراد الشيخ في المقام لا يكون هو تقديم الامتثال التفصيلي‏

على الإجمالي في المقام ليقال انه لا يمكن بل مراده هو ان الامتثال يجب ان يكون‏

في كل مقام بحسب انكشاف الواقع فإذا كان الانكشاف تفصيليا يجب القصد هكذا

و ان كان إجماليا يجب كذلك و ان كان احتماليا يكون الإتيان بداعي الأمر الاحتمالي.

ففي المقام حيث يكون في مورد العلم الإجمالي وجود الأمر قطعيا و الاحتمال‏

يكون في التطبيق فقط فيلزم أن يكون الإتيان بداعي الأمر الجزمي في البين فعند

إتيان أحد الأطراف يجب ان يكون قاصدا لإتيان الفرد الاخر لئلا يكون مفوت‏

الواقع فان الواقع لا يمكن امتثاله الا بهذا النحو و اما إذا كان احتمال الأمر فقط

فيكون الإتيان بداعي الأمر الّذي يكون نفسه احتماليا لا ما يكون الاحتمال في التطبيق‏

فقط مع كون أصل الأمر جزميا فالحق هنا مع الشيخ قده.

الأمر الثالث‏
1في انه إذا كان الامتثال التفصيلي ممكنا برفع الإجمال بواسطة

الفحص هل يكون واجبا أم لا فيه خلاف و لم يختر الشيخ هنا شيئا و قال ان ظاهر

الأكثر وجوبه و جعل لبحثه مقاما آخر.

و اما النائيني فيكون مبناه تقديم الامتثال التفصيلي على الإجمالي عند الإمكان‏

و حاصل دليله هو ان كيفية الامتثال حيث لم يكن وظيفة الشرع فيكون موكولا إلى‏

نظر العرف و هو يحكم بتقديم التفصيلي فانظر إلى حال العبد فانه إذا أمكنه السؤال‏

1هذا هو التنبيه السادس في الرسائل ص 255.


508
عن مولاه بأنه أي مشروب أراد في طلبه ذلك و لم يسأل فأتى بجميع المحتملات‏

يكون لاغيا في نظرهم.

و الجواب عنه قده أولا ان كيفية الامتثال أيضا تكون مثل قصد الوجه و التميز

من كيفيات العبادة و بيانها وظيفة الشرع فإذا شك فيها فالأصل يقتضى البراءة عن وجوب‏

نحو خاص منها.

و ثانيا ان العرف أيضا لا يقضى بما ذكره فانه في صورة عدم لزوم اللغوية

لا يكون الامتثال التفصيلي متعينا عنده.

الأمر الرابع‏
1في انه إذا كان المعلوم بالإجمال مما له ترتيب شرعي فهل‏

يجب مراعاته بتقديم جميع محتملات الا سبق حتى يحصل الفراغ اليقينيّ عنه ثم‏

الإتيان بالاخر أم لا فيه خلاف فإذا كان الواجب مثل الظهر و العصر و اشتبه القبلة فهل‏

يجب تقديم جميع محتملات الظهر إلى الجهات الأربع ثم الإتيان بمحتملات العصر

أو يكفي إتيان كل عصر بعد ظهره في الجهات الأربع فاختار الشيخ عدم الوجوب‏

و اختار النائيني وجوبه أقول لا شبهة في عدم جواز تقديم العصر على الظهر و لا شبهة

في عدم جواز إتيان العصر بخلاف الجهة التي أتى بالظهر إليها باحتمال كونها قبلة

بل يجب إتيان محتملات العصر إلى الجهات التي أتى بالظهر إليها.

و انما الكلام في انه هل يجب إحراز إتيان الظهر بجميع محتملاته قبل العصر

أو يكفي إحرازه على فرض كون الجهة قبلة.

فسند القائل بوجوب التقديم هو إمكان الامتثال التفصيلي الجزمي لأن الترتيب‏

أيضا من كيفية العبادة فيجب إحرازها و لا يمكن هذا الا بتقديم جميع محتملات السابق.

و قال الشيخ ان الإحراز كذلك لا يلزم لأنه لا يرجع إلى إحراز الترتيب فانه‏

لو علمنا بأن العصر الّذي يأتي به بعده يكون إلى جهة القبلة فقد أحرزنا الترتيب‏

تفصيلا و اما حيث لا سبيل لنا إلى ذلك فيكون الترتيب فرضيا و هو حاصل بإتيان‏

1هذا هو التنبيه السابع في الرسائل.


509
العصر بعد كل ظهر و على فرض كونه إلى جهة القبلة يقع العصر بعده فالترتيب الفرضي‏

حاصل بهذا النحو أيضا و الواقعي لا يكون حاصلا في كلتا الصورتين و ما يكون واجبا

هو الترتيب لا إحرازه كذلك.

فمسألة الجزم بالنية شي‏ء و حفظ الترتيب شي‏ء آخر و كلاهما غير ممكن في‏

المقام بنحو التفصيل و الإحراز و الفرض منه حاصل على أي تقدير.

نعم في صورة لزوم التكرار1في العمل مع إمكان تقليله يجب تقليله على‏

فرض وجوب تقدم الامتثال التفصيلي على الإجمالي فإذا كان الترديد من جهة القبلة

و من جهة اللباس و يمكن إحراز ما هو الظاهر يجب إحرازه فإذا فرض اشتباه القبلة

و كون لباسه منحصرا في ثوبين أحدهما نجس و يمكن إحراز الظاهر منه فعلى فرض‏

عدم الإحراز يلزم إتيان ثمان صلوات في كل جهة من الجهات الأربع صلاتان فإذا

رفعت الشبهة بالنسبة إلى اللباس يقلل و يكون الواجب إتيان أربع صلوات إلى‏

الجهات الأربع.

و مقامنا هذا لا يكون كذلك فانه لا بد من إتيان أربع صلوات سواء أتى بكل‏

عصر بعد كل ظهر أو أتى به بعد الكل فلا تأثير له في الامتثال التفصيلي و لقد أجاد

الشيخ قده فيما أفاد و هو الحق الحقيق.

الأمر الخامس‏
2في ان المخالفة القطعية إذا كان أطراف الشبهة الوجوبية

1و هو الأمر الرابع في الفوائد و الأمر الخامس في الرسائل ص 255.

2أقول قال النائيني قده في الفوائد وجوب الامتثال التفصيلي مع الإمكان‏

لا يكون من جهة لزوم التكرار و عدمه بل انه واجب و من لوازمه مراعاة ترك التكرار

الموجب لخلافه.

و في المقام حيث يمكن درجة منه على فرض الإتيان بجميع المحتملات‏

للظهر ثم الإتيان بالعصر في حال الجزم بالفراغ عن الظهر يكون مقدما على إتيان‏

كل عصر بعد كل ظهر و هذا له وجه و لكن الامتثال التفصيلي غير لازم و هو إنكار المبنى.


510
غير محصورة لا تجوز بخلاف الشبهة التحريمية فان مخالفتها القطعية جائزة و هذا

يكون على مبنى شيخنا النائيني قده واضحا لأنه قال في باب الشبهة التحريمية ان‏

المدار في كون الشبهة غير محصورة هو عدم القدرة على المخالفة القطعية فإذا كان‏

أطراف الحرام بحيث لا يقدر المكلف على الجمع فلا يكون الخطاب بالنسبة إليها

منجزا لعدم الخطاب بغير المقدور و هذا منتف في الشبهة الوجوبية لإمكان المخالفة

القطعية بترك جميع الأطراف فانه مع ذلك يقطع بترك الواجب في البين و يكون‏

قاطعا بالمخالفة فعليه يحكم العقل بأن مقتضى العلم الإجمالي هو إتيان ما كان ممكنا

حذرا من ذلك.

و الواقع و ان لم يمكن إحرازه لعدم إمكان الجمع بين المحتملات لعدم الحصر

و لكن هذا لا يقتضى جواز المخالفة القطعية و هذا الكلام منه كأنه يكون مع قطع‏

النّظر عن العلم و ان المخالفة القطعية بنفسها فيها مفسدة يجب تركها.

و لكن الحق‏1هو ان العلم الإجمالي صار سببا لذلك بحيث لو لم يكن‏

لا سبيل لكشف ذلك فوجود العلم مانع عن المخالفة.

و اما على مسلك الشيخ القائل بأن المدار في غير المحصور هو صيرورة الاحتمال‏

في كل طرف من الضعف بمكان لا يحسب العلم علما و يقال بأن الواقع لا يكون هذا

الطرف و في الشبهة الوجوبية يجب ان يلاحظ الواقع بمقدار الإمكان.

ثم انه قال لا يكتفي بالواحد عن الواقع بل يجب إتيان البعض الّذي لا يلزم‏

و هذا التفصيل لا يكون مفيدا بالنسبة إلى العصر لأن إتيانه يكون باحتمال الأمر

لاحتمال كون الجهة قبلة فأصل كلامه من أن ترك التكرار يكون معلول وجوب‏

الامتثال التفصيلي له وجه و لكن كون هذا النحو من الامتثال التفصيلي لا يتم.

1كلامه في الفوائد يظهر منه أنه قده أيضا حكم بذلك من باب العلم‏

الإجمالي بل هو كالصريح في ذلك بقوله فلا بد من تأثير العلم الإجمالي بالنسبة إلى‏

المخالفة القطعية و لعل هذا سهو أو يكون نقله مد ظله من غير الفوائد.


511
منه حرج لأن الضرورات تتقدر بقدرها فإذا لم يكن جمع المحتملات ممكنا يأتي‏

بمقدار الإمكان كما قال النائيني قده أيضا و كأنه يظهر من كلامه ان قوله بوجوب هذا

القدر من الامتثال مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي.

و لكن‏1مر في جواب النائيني ان ذلك كله من ناحية العلم و لولاه لا يكون‏

للكلام في ذلك مجال.

فتحصل من جميع ما تقدم عدم جواز المخالفة القطعية على جميع المباني‏

و وجوب إتيان القدر الممكن لا الواحد فقط إذا كان الواجب واحدا في غير المحصور.

ثم انه إذا كان غير المحصور باعتبار شرط من الشروط مثل ما إذا لزم تكرار

الصلاة في أثواب غير محصورة تحصيلا للساتر أو التوضي بماء بين غير المحصور

من المياه فما هو الساقط يكون إحراز الشرط لا إحراز الواجب.

فإتيانه واجب على أيّ حال و الساقط هو الشرط فلا وجه لترك المشروط بواسطة

فقد شرطه نعم إذا كان الشرط شرطية مطلقة حتى في حال الاضطرار فالمشروط يسقط

بسقوط شرطه مثل فاقد الطهورين لا يجب عليه الصلاة الا على نحو الاستحباب‏

على بعض الأقوال فيه و الا ففي خصوص الصلاة فيمكن أن يقال انها لا تترك بحال‏

فلا يسقط وجوبه حتى مع فقد الشرط و بحثه في محله و ليس هذا مقامه.

الأمر السادس‏
و هو الّذي لم يتعرض له الشيخ و لا النائيني و هو انه إذا كان غير

المحصور ما له بدل في الشرع فهل ينتقل إلى البدل أو يكتفي بالامتثال الإجمالي بقدر

الإمكان فيه وجهان:

مثال ذلك هو انه إذا كان لنا ماء طاهر في ضمن مياه غير محصورة نجسة أو

ماء مطلق في ضمن مياه مضافة غير محصورة فهل يجب الوضوء بقدر الإمكان أو

ينتقل إلى التيمم فيه خلاف فربما يقال في خصوص ما إذا كان الطاهر بين غير المحصور

1و قد مر ما في اشكاله على مقالة النائيني:و الشيخ قده أيضا أجل شأنا من هذه‏

المقالة و لا يظهر من كلامه قطع النّظر عن العلم.


512
من النجس يجب الرجوع إلى البدل لأنه مع إمكان التوضي بالإناءين المشتبهين‏

يكون الأمر في الرواية بأنه يهريقهما و يتيمم فكذلك في الشبهة الغير المحصورة فإمكان‏

تحصيل الطهارة بالماء المشتبه لا يكفي لوجوب الوضوء.

اما إمكان التوضي فلأنه إذا توضأ بأحد الإناءين ثم طهّر موضع الغسل بالماء

الثاني ثم توضأ يحصل له القطع بتحصيل الطهارة عن الحدث و ابتلائه بالخبث يكون‏

من الشبهة البدوية فانه على فرض كون الثاني هو الطاهر فلا إشكال و كونه نجسا غير

معلوم فيكون الشبهة بدوية بالنسبة إلى النجاسة و الأصل يقتضى البراءة.

و فيه ان المقام يكون الشبهة بالنسبة إلى النجاسة تحريمية فلا يجب الاجتناب‏

عن النجس في الأطراف الغير المحصورة و لا تكون من الوجوبية حتى يلزم التوضي‏

بقدر الإمكان و عدم الرجوع إلى التيمم فهنا يجب التيمم من جهة عدم إحراز الشرط لا

من جهة وجوب الإهراق فانه لا يكون في المقام منطبقا و كذلك الكلام في مشكوك‏

الإطلاق بين غير المحصور من المضاف فان الرجوع إلى التيمم فيه يكون من جهة

عدم إمكان إحراز الشرط.

و من العجب فرق بعضهم بين مشكوك النجاسة فقال بالرجوع إلى البدل من‏

باب وجوب الإهراق و قال في مشكوك الإطلاق بوجوب التوضي مع عدم الفرق‏

كما عرفت فتحصل أنه إذا كان غير المحصور مما له البدل يرجع إلى البدل وجوب‏

الامتثال بقدر الإمكان يكون فيما ليس له البدل.

المقام الثاني في الأقل و الأكثر

و البحث عنه في فصول لأن الشك اما ان يكون في جزئية شي‏ء أو شرطية تكليف‏

مستقل أو يكون من قبيل الأسباب و المحصلات الشرعية و تارة في الارتباطيين و أخرى‏

في الاستقلاليين و على التقادير تارة يكون البحث في الشبهات الوجوبية و أخرى في‏

الشبهات التحريمية و منشأ الشك اما فقد النص أو إجماله أو تعارض النصين أو الاشتباه‏

في الموضوع و البحث في كل مسألة من هذه المسائل يكون بنحو التفصيل.


513
فنقول‏
الفصل الأول في الشبهة الحكمية
في بيان حكم الدوران بين الأقل‏

و الأكثر في الاجزاء و مع كون الكل ارتباطيا مثل اجزاء الصلاة و المراد بالارتباطية

وحدة المصلحة و وحدة الغرض و الحاصل تلازم الاجزاء في الوجود المؤثر و في‏

مقابله الاستقلالية و هو عدم الربط بين الاجزاء مثل الشك في كون الدين أقل أو أكثر

فان أداء كل مقدار يوجب براءة الذّمّة بحسبه و مثال الجزء كما ذكره الشيخ قده‏

(في الرسائل ص 257)هو في صورة فقد النص هو احتمال دخل الاستعاذة في الركعة

الأولى من الصلاة قبل القراءة بواسطة ذهاب جمع من الاعلام إلى وجوبها و جمع‏

آخر إلى عدم الوجوب فحينئذ يكون العلم الإجمالي بوجوب الصلاة لكن لا ندري‏

أن الواجب هو الأكثر بمعنى وجوب جميع الاجزاء حتى مثل الاستعاذة أو في ضمن‏

الأقل و هو الاجزاء بدون الاستعاذة.

و الأقوال هنا ثلاثة الأول البراءة عن وجوب الأكثر مطلقا كما اختاره الشيخ‏

و الثاني وجوب الاحتياط بإتيان الأكثر مطلقا كما عن جمع من القدماء و الثالث التفصيل‏

بين البراءة العقلية و النقليّة كما عن الخراسانيّ بأن يقال البراءة العقلية التي موضوعها

قبح العقاب بلا بيان غير جارية و البراءة الشرعية التي موضوعها الجهل جارية و تبعه‏

النائيني‏ (1) في ذلك و الحق مع الشيخ عندنا.

اما القول بعدم جريان البراءة عقلا و نقلا فهو من باب توهم أن العلم الإجمالي‏

بوجوب الصلاة متحقق اما في ضمن الأكثر أو في ضمن الأقل و مقتضى العمل على‏

مقتضى العلم هو الإتيان بالأكثر فلا بد من إتيان الأكثر من باب وجوب تحصيل الفراغ‏

مما اشتغلت به الذّمّة.

و قد أجيب عن هذا التوهم بانحلال العلم الإجمالي بوجوب الأقل و الشك‏

البدوي في الجزء الزائد:و بيانه أن الاجزاء في المركب يكون لها اعتباران اعتبار

بشرط لا فله وجوب نفسي و بشرط شي‏ء و هو ضميمة ساير الاجزاء فيكون له وجوب‏

1)تعرض قده لهذا البحث في الفصل الرابع من الفوائد ص 49.

514
مقدمي بالنسبة إلى الكل فوجوب الجزء محرز اما من باب كونه مقدميا أو نفسيا

فالأقل بالنسبة إلى الأكثر الّذي يكون هو الكل يكون واجبا قطعا اما لأنه موجب‏

لإتيان الكل أو من باب انه واجب بنفسه على فرض عدم وجوب الأكثر و على هذا

يجب الإتيان به و اما الجزء الزائد فيكون الشك فيه من الشك البدوي لعدم وجوبه‏

على أي تقدير.

فان قلت لحاظ الاجزاء بنحوين لا يكون موجبا لوجود وجوبين في شي‏ء

واحد وجوب مقدمي و وجوب نفسي لاختلاف الرتبة فان المقدمة في طول ذي المقدمة

فلا يوجب التأكد في الوجوب و لا وجوب شي‏ء واحد بوجوبين حتى يوجب الانحلال‏

قلت اللحاظ يكون في صقع النّفس و الخارج لا يكون الا ظرف وجود واحد

فان الجزء في الخارج لا يكون الا واحدا و لكن الإشكال في أن الاجزاء لا يكون وجوبها

مقدميا لا بنحو الترتيب في الرتبة مثل الترتيب بين العلة و المعلول بالفاء بقولنا تحركت‏

اليد فتحرك المفتاح لعدم هذا النحو من الترتيب بين الجزء و الكل بالبرهان و لا يكون‏

في الخارج أيضا لأن المركب ليس له وجود آخر وراء وجود الاجزاء بل هو وجود

الاجزاء بالنحو المرتب(و بالفارسية رج كرده).

فلو فرضت ان الاجزاء بشرط الاجتماع يتحقق منها الكل فنقول قد أضفت‏

جزء آخر و هو شرطية الانضمام لا ان نفس الانضمام يكون هو الكل فان الكل يتحقق‏

من جميع الاجزاء و شرط الانضمام فان فرضت شرطية الانضمام مع الاجزاء موجبا

لكل آخر الّذي يكون شرطه انضمام شرطية الانضمام‏1يلزم منه التسلسل لفرض‏

1أقول لا شبهة في ان الانضمام و الجمعية هو وضع خاص للاجزاء و الوضع‏

يكون أحد المقولات العرضية و لو عبرنا بان الأمر يجي‏ء على الاجزاء بالنحو المنظم‏

و بالفارسية رج كرده و لا يخفى ان الانضمام بهذا النحو من الوجود يكون فانيا

في الأطراف.

ضرورة ان وضع شي‏ء بالنسبة إلى آخر لا يكون له وجود منحاز بل يكون فانيا


515
شرط الانضمام في كل ما فرض انضمام مع الانضمام و الا فيلزم الدور لأن هذا الجزء

يتوقف على ذاك الجزء و مقدمة له و ذاك الجزء مقدمة لهذا الجزء لعدم تمامية المركب‏

الا ان يكون كل جزء دخيلا فيه فيكون الجزء مقدمة لنفسه لعدم كون الكل الا هذه‏

الاجزاء فالجزء مقدمة للجزء و هو أيضا ذو المقدمة فهو يتوقف على نفسه.

و بعبارة أخرى نحن ننكر الصغرى في المقام و الكبرى أي الانحلال في هذه‏

المقدمة اما إنكار الصغرى فلعدم مقدمية الجزء للكل.

و اما إنكار الكبرى و هو عدم الانحلال لو سلم الصغرى لأن الأمر الواحد كما سيجي‏ء

لا يتحقق منه الوجوبان بل وجوب واحد فلا يكون لنا وجوبان حتى يقال بالانحلال‏

لعدم العلم الإجمالي بل العلم التفصيلي بالوجوب و يكون الشك بين الحدين اما

عدم المقدمية فبعض الكلام فيه ما مر آنفا فنقول تتميما للبيان ان المرتكز في أذهان‏

القدماء و في ذهننا في بدو النّظر هو ان يرى المولى مصلحة واحدة فيتعلق بها غرض‏

واحد ثم يأمر و ينبسط امره على ما هو الواحد من حيث المصلحة و الغرض فيرى‏

الكل أولا ثم يأمر بالاجزاء مقدمة لتحصيله.

و لكن هذا لا يتم عند التحقيق فان الوحدة لا تأتي من قبل وحدة المصلحة و الغرض‏

لأن المصلحة أيضا تترتب على الاجزاء بالأسر فان الخل و الأنجبين يتركب منهما

مشروب مخصوص و يكون لكل جزء اثره لا ان الأثر يترتب عليه مع قيد الوحدة

في الاجزاء فهو لو فرض ان يكون شيئا سوى الاجزاء و قائما بها لا يحتاج إلى انضمام‏

آخر ليتسلسل بل انضمام الانضمام يكون في ذاته لا من الخارج و هذا واضح و قد تعرضنا

له في كل دورة وقع البحث عن التسلسل بهذا النحو معه مد ظله فالقول بان المركب‏

ليس الا الاجزاء بالأسر لا ينافي هذا القول.

و لا غرو في ان يكون الاجزاء الملاحظ بالوضع الخاصّ مع مصلحة واحدة

منبسطة على الاجزاء قبل الأمر و مع ذلك لا يلزم منه ان يكون للاجزاء وجوب مقدمي‏

و وجوب بنحو ذي المقدمة.


516
و ليس لنا في الخارج الاجزاء مع قيد آخر هو الوحدة و الا يلزم ان يكون لنا ثلاثة

اجزاء في المثال:الخل و الأنجبين و الوحدة و هكذا في اجزاء الصلاة التحريم إلى‏

التسليم مع جزء آخر و هو الوحدة و الوجدان ينكر هذا فقبل الأمر بالمركب لا يكون‏

لنا وحدة فلو كان الارتباط و الوحدانية يكون في الرتبة المتأخرة من الأمر لا متقدمة عليه‏

و سنبحث عن كيفية تعلق الأمر من انه بنحو اللابشرط أو بشرط شي‏ء أو بشرط لا فليس لنا

وجوبان وجوب على الكل و وجوب على الجزء لأن اللازم من بياننا هو عدم وجود

وحدة و كل يتعلق بها الأمر قبل الأمر بالاجزاء حتى يكون الأمر بالاجزاء مقدمة

لتحصيل تلك الوحدة و الكل.

فان قلت ان هذا يكون في اختيار الأمر فانه يرى في بدو الأمر وحدة المصلحة

و يلاحظها كذلك ثم يأمر على الواحد بالملاحظة.

قلت قد مر في صدر البحث انه لا يكون له هذا النحو من اللحاظ بعد انه يرى‏

بالوجدان انه طالب للاجزاء بالأسر و لم يكن قيد الوحدة فان امره لا يأتي على المرتبط

بقيد الارتباط بل على الاجزاء الذي يترتب عليها المصلحة و الا يلزم زيادة جزء آخر

و هو قيدية الارتباط فعلى هذا لا يكون لهذه الاجزاء رتبتان رتبة الكلية و الوحدة ليتعلق‏

بها الأمر من باب امر ذي المقدمة و رتبة الجزئية ليتعلق بها الأمر من باب انها مقدمة لتتصور

للجزء وجوبان وجوب بلحاظ الكل و وجوب بلحاظ الجزء فإذا لم يكن كذلك فإنكار

القول بانحلال العلم الإجمالي يكون سهلا لأن الانحلال يتوقف على أن يقال ان‏

الأقل من باب أنه مقدمة أو نفس الكل يكون واجبا حتما و الأكثر يكون الشك في‏

وجوبه بدوا فلا وجه للقول بالانحلال بهذا البيان.

بقي في المقام مقدمة أخرى و هي أن الأمر المتعلق بالإجراء على أي وجه يكون‏

مع فرض المركب ارتباطيا بعد عدم جعل الملاك وحدة المصلحة و الغرض فانه‏

حيث فرض المركب ارتباطيا لا يمكن أن يقال يكون الأمر بكل جزء بنحو اللابشرط

أي سواء كان معه الجزء الاخر أو لم يكن لأن هذا مخالف لمعنى الارتباط و لا يكون‏

بنحو بشرط لا أيضا بالأولوية فلا بد أن يكون الأمر على هذا الجزء بنحو بشرط الشي‏ء


517
و الكل مشكل.

اما الأولان فلان لحاظهما يكون خلاف الارتباطية و اما الثالث فلان اللازم منه‏

الدور فانه إذا فرض ان وجوب التكبيرة متوقف على وجود ميم السّلام عليكم و وجوده‏

أيضا يكون متوقفا على وجوب التكبيرة لا يتحقق بعث أصلا فان المكلف لا يأتي‏

بما يكون وجوبه متوقفا على شي‏ء يكون إيجاده بيده فوجود هذا متوقف على وجود

ذاك و وجود ذاك متوقف على وجود هذا فيتوقف الشي‏ء على نفسه و هو دور واضح‏

في الوجود و الوجوب فان هذا لا يمكن أن يجب الا ان يكون ذاك واجبا و بالعكس‏

للارتباطية و وجودهما أيضا كذلك.

و لا أقول ان الأمر الواحد كيف ينبسط على الحصص فانه بمحل من الإمكان‏

بل أقول مقتضى الارتباطية هو عدم تصوير الأقسام الثلاثة بهذا النحو.

فالحق في المقام لرفع إشكال وحدة الأمر هو ان يقال لا يكون معنى الارتباط

كون كل جزء مشروطا بالجزء الاخر حتى يلزم الدور بل يكون الواجب الاجزاء

بنحو التوأمية و بنحو الجنسية أي يأمر بهذا الجزء حين يأمر بالجزء الاخر أيضا

فان الضيق في القضية الحينية و المشروطة كلتيهما موجود و لكن الضيق‏

في الحينية تكون من جهة أنه لا يمكن الخروج عن النظام في الصف الواحد ففي‏

أيّ مورد خرج عن النظام سقط عن الاعتبار و المصلحة و لا يكون مفيدا للغرض و لكن‏

في المشروطة يكون الضيق في ناحية المصلحة بالنسبة إلى المشروط.

و هذا النحو من الارتباط يكون بعد تعلق الأمر بهذا النحو فإذا جعلت الاجزاء

في صف واحد ثم أمر المولى بإتيان الجميع بهذا النحو ينتزع من هذا الأمر الواحد

الارتباط فهو يكون بعد الأمر و قبله لا يكون ارتباط في البين و لكل جزء مصلحة

بنحو التمام لا بنحو النقص كما يظهر من تقريرات شيخنا العراقي قده.

ثم ان في المقام إشكالا و هو ان العلم الإجمالي هنا يكون مثله بين المتباينين‏

فكما يجب الاحتياط هناك يجب هنا أيضا.

بيان ذلك ان التكليف هنا اما أن يكون بين الوجوبين أو بين الواجبين فانا


518
نعلم الوجوب المردد بين الأقل و الأكثر أو نقول نعلم الواجب اما انه الأقل أو الأكثر

و على أي تقدير يكون هذا مثل ما إذا علمنا بأن الواجب علينا اما ان يكون الظهر

أو الجمعة فكما انه يجب الاحتياط بإتيان كلا الطرفين في هذا المثال و أمثاله كذلك‏

في المقام فان وجوب الأقل بنحو بشرط لا و الأكثر بنحو اللا بشرط يكون من المتباينين‏

ضرورة عدم اجتماع بشرط لا مع اللابشرط هذا أولا.

و ثانيا ان اللابشرط و بشرط لا يكون تصويرهما بعد الوجوب ضرورة ان‏

الارتباطية التي يلاحظ الاجزاء بالنسبة إليها كذلك يكون مما يحصل بعد الوجوب‏

و ما يكون رتبته بعد الوجوب يجب ان يكون ما هو الأصل و هو أصل الوجوب ملاحظا

و العلم به يقتضى الفراغ اليقينيّ بالاحتياط بإتيان الأكثر فالقول بالبراءة مما لا وجه‏

له في المقام بل يكون مثل المتباينين.

و الجواب عن هذا الإشكال هو ان لنا شقا ثالثا و هو ان الدوران تارة يكون‏

بين الحدين من الوجوب الواحد الشخصي فان البعث الشخصي في المقام يكون‏

امره مرددا بين كونه إلى هذا الحد الّذي يكون هو الأقل أو يكون أزيد بأن كان‏

بسطة على الأكثر فيرجع الكلام إلى أن يقال أن لا ندري هل قطع التكليف عند الأقل‏

أم لا فلنا علم تفصيلي بوجوب كل واحد من الاجزاء و شك بدوي بالنسبة إلى الزائد

فلا يكون في المقام علم إجمالي حتى نكون في صدد الاحتياط غاية الأمر وجوب‏

كل جزء في المركب الارتباطي يكون حين وجوب الجزء الاخر لا بنحو المهملة

لكونها محالا ثبوتا و لا مشروطة بشي‏ء حتى يلزم الدور من توقف وجوب كل جزء

بالاخر.

فتحصل من جميع ما تقدم معنى الارتباطية بأنها دون الأمر لا فوقه و كيفية تعلق‏

الأمر بها من انه بنحو الحينية لا المشروطة.

فإذا عرفت ما ذكرنا مقدمة فنقول قد اختار الشيخ قده البراءة العقلية و الشرعية

عن الأكثر لوجود المقتضى و فقد المانع اما وجود المقتضى فلان موضوع البراءة

العقلية عدم البيان و هو هنا حاصل لأن التكليف بالنسبة إلى الأكثر لا يكون مبيّنا


519
فيشمله قاعدة قبح العقاب بلا بيان و اما البراءة الشرعية فموضوعها الجهل بالتكليف‏

حتى يشمل رفع مالا يعلمون و أمثاله و هو أيضا حاصل بالنسبة إلى الأكثر.

و اما فقد المانع فلان ما يتوهم كونه مانعا أمور:

الأول العلم الإجمالي بوجوب الأقل أو الأكثر و هذا ظهر اندفاعه بما مر من‏

أن الأقل واجب على أي تقدير بالعلم التفصيلي و يكون الشك في الأكثر شكا بدويا

فتجري البراءة بالنسبة إليه و يكون هذا مراد الشيخ قده أيضا لأن مراده بوجوب الأقل‏

على أي تقدير هو وجوبه اما من باب كونه مقدمة أو من باب كون وجوبه نفسيا لأنه‏

أجل شأنا من نسبة هذا القول إليه بعد ما ظهر لك بطلانه بالبيان السابق آنفا.

و الحاصل انه ليس لنا علم إجمالي ليكون الاحتياط واجبا و ليعلم ان أس‏

الكلام في القول بالبراءة هو عدم تحقق العلم الإجمالي و أس الكلام بالاحتياط هو

كونه من موارد العلم الإجمالي فمن تصور كونه من ذلك يجب عليه القول بالاحتياط

فعلى مسلك الشيخ قده يكون العلم منحلا.

و قد أشكل عليه قده بوجوه:الأول ما عن صاحب الحاشية على المعالم المحقق‏

الشيخ محمد تقي على ما حكى عنه قده فانه قال ان العلم الإجمالي هنا يكون بين‏

المتباينين ضرورة مباينة الماهية بشرط شي‏ء للماهية اللابشرط فان أحدهما قسيم للآخر

فلو كان متعلق التكليف هو الأقل يكون الوجوب بنحو اللا بشرط عن الزيادة

و لو كان متعلقه هو الأكثر يكون الأقل بشرط شي‏ء هو الزيادة فوجوب الأقل يكون مرددا

بين المتباينين بملاحظة اختلاف اللحاظين.

كما ان امتثال التكليف بالأقل أيضا يختلف حسب اختلاف الوجوبين كذلك‏

لأن امتثال التكليف بالأقل بنحو اللابشرط يكون بإتيان المتعلق بدون الزيادة و امتثاله‏

بنحو بشرط شي‏ء يكون بإتيانه مع الزيادة فقد اختلف نحوي الامتثال أيضا فيكون‏

التكليف ثبوتا و سقوطا دائرا بين المتباينين.

و قد أجاب عنه شيخنا النائيني(في الفوائد ص 50)بأن اختلاف الطلب لا دخل‏

له في انحلال العلم الإجمالي و عدمه بل الانحلال يدور مدار العلم التفصيلي بوجوب‏


520
الأقل و الشك البدوي في وجوب الأكثر فيكون المتيقن هو وجوب الأقل و لو كان‏

الاختلاف في طور التكليف.

و ان شئت قلت ان الماهية لا بشرط و الماهية بشرط شي‏ء لا تكونان من المتباينين‏

الذين لا جامع بينهما فان التقابل بينهما ليس من تقابل التضاد بل من تقابل العدم‏

و الملكة فان الماهية لا بشرط ليس معناها لحاظ عدم شي‏ء معها بحيث يؤخذ العدم‏

قيدا و الا رجعت إلى الماهية بشرط لا بل معناها عدم لحاظ شي‏ء معها.

و من هنا قلنا ان الإطلاق ليس امرا وجوديا بل هو عبارة عن عدم ذكر القيد

خلافا لما ينسب إلى المشهور و عليه فيكون الجامع و هو نفس الماهية موجودا أو

يكون التغاير بلحاظ الاعتبار فقط.

و فيه أولا انه مع إذعان التباين لا يكون وجه لجوابه الأول من الانحلال بالعلم‏

التفصيلي بوجوب الأقل بل هذا في الواقع يكون إنكارا للتباين و لا وجه لجوابه‏

الثاني أيضا لأن الماهية اللابشرط1القسمي مباينة لبشرط شي‏ء مباينة التضاد و الجامع‏

هو اللابشرط المقسمي و هو يكون في ضمن الأقسام فاللابشرط القسمي ليس هو

الجامع بل يكون قسما و بشرط شي‏ء قسما آخر للمقسمي و قسيما لهذا فالحق هنا مع الشيخ‏

قده القائل بالانحلال من باب العلم التفصيلي و الشك البدوي لا مع النائيني قده.

1أقول اللابشرط لا يكون على قسمين و ما كنا نتصوره من قبل هذا و ان كان‏

من كلام الاعلام نعم نتصوره مصداقا و هو أصل الماهية بحيث يكون منطبقا لما

تصورناه بقيد اللابشرطية و ما نتصوره بقيد اللابشرطية لا يكون قسما بل هو مقسم لا

يباين اقسامه لأن قيد اللابشرط و هو اللابشرطية لا يكون له معنى الا الموافقة مع شرط

يكون معه أو لا.

فهذا القيد و ان كان قيدا(و لكن بالفارسية نقول اين قيد قيد سازش با هر

چيزيست)و مراد النائيني قده يمكن أن يكون هذا فنقول أصل ماهية الصلاة واجبة

و الشك في إضافة شي‏ء و هو الاستعاذة و الأصل يقتضى البراءة عنه و هذا في الواقع‏

يرجع إلى ما قيل من العلم التفصيلي ببعض الاجزاء و الشك البدوي في الاخر نعم‏

يرد عليه ان المقام لا يكون من المتباينين.


521
و من الإشكال على الانحلال ما عن الخراسانيّ قده في الكفاية(ص 228)و في‏

الحاشية على الرسائل بوجهين:

الأول لزوم الخلف منه و الثاني يلزم من وجوده عدمه اما الخلف فلان وجوب‏

الأقل على أي تقدير فعلا بمعنى وجوبه اما من باب كونه مقدمة للغير أو من باب‏

وجوبه في نفسه يتوقف على وجوب الأكثر على أي تقدير أي وجوب الأكثر مطلقا

سواء كان الأقل واجبا أم لا فانه لو لم يفرض كذلك فاحتمال كون الأقل واجبا مقدميا

يكون ساقطا لأنه على فرض عدم تنجز التكليف بالنسبة إلى الأكثر كيف يكون الأقل‏

واجبا بنحو المقدمية.

فتنجيز الأقل على أي تقدير يكون متوقفا على تنجيز الأكثر مطلقا و فرض عدم‏

تنجيز الأكثر يخالف هذا الفرض فيكون اللازم من الانحلال خلف الفرض.

و اما لزوم عدم الانحلال من الانحلال كذلك فلان لازمه عدم تنجيز التكليف‏

بالأكثر على كل حال و لازمه عدم لزوم الأقل على كل حال ليكون وجوبه بالتفصيل‏

و وجوب الأكثر مشتبها و ما يلزم من وجوده عدمه يكون محالا فاللازم هو وجوب‏

الاحتياط كما في المتباينين لعدم تمامية هذا الانحلال.

و قد أشكل عليه شيخنا النائيني قده كما في تقريراته(الفوائد الجزء الرابع‏

ص 51)بان هذا الإشكال منه قده يكون مبنيا على كون وجوب الأقل من باب المقدمة

و على فرض تسليمها لا يكون وجوب على المقدمة مستقلا هذا أولا.

و ثانيا ان القول بوجوب المقدمة لا يلزمه القول بتنجيز تكليف ذي المقدمة

بل لو كان واجبا في الواقع يكون كافيا لوجوب المقدمة فانها تابعة لذيها في الواقع‏

و لا دخل للعلم بتنجيز تكليف الأكثر في تنجيز الأقل.

فإذا علمنا بان الأقل اما واجب نفسا أو واجب من باب كون الأكثر واجبا

يكون كافيا في تنجيز هذا التكليف على أي حال فلاحظ تقريراته و هو قده لم يبين‏


522
وجه‏1ما ذكره في الوجه الأول من الجواب و لا في الوجه الثاني و نحن نبينه.

اما إنكاره للمقدمية فهو جيّد و اما وجه وجوب الأقل على أي حال فهو ما مرّ منّا

من أن التكليف يكون شخصيا و لا يكون دائرا بين الأكثر و الأقل بل بين الحدين‏

فانا لا ندري هل انقطع التكليف على هذا الجزء أو ذاك فيكون العلم التفصيلي‏

بوجوب الأقل حاصلا و لو لم يكن الزائد واجبا و هذا كله لعدم المقدمية و عدم كون‏

المركب الا الاجزاء بالأسر و على فرض كون الاجزاء مقدمة أيضا لا يكون لنا وجوبان‏

وجوب الكل و وجوب الجزء لأن الوحدة و الارتباطية تجي‏ء من جهة الأمر و الأمر

الواحد ينبسط على الاجزاء.

و اما جوابه الثاني قده فلا يكون تاما لأن الأقل اما ان يكون تنجيزه من جهة

العلم الإجمالي فيكون من بركة العلم و يكون الجواب الانحلال و اما ان يكون من‏

جهة الوجوب الواقعي للأكثر و هو لا وقع‏2له فان التكليف المنجز يجب‏

إتيان مقدماته لا ما لا يكون منجزا فلا وقع للواقع بدون الوصول فالحق في الجواب‏

1بين وجهه في الفوائد على ما فهمناه و هكذا الوجه للثاني و لكن لا يتم‏

كما ذكره مد ظله.

2المراد من هذا هو إثبات وجوب الأقل على أي حال و وجوب المقدمة

في ساير المقامات و ان كان لا بد ان يكون من جهة وجوب ذيها على فرض كون‏

وجه الوجوب هو المقدمية فقط و ما هو المؤثر وجود التنجيز لوجوب ذي المقدمة

و الواقع الغير الواصل غير مؤثر.

و لكن في المقام ليس كذلك لأن المراد إثبات وجوب الأقل على أي تقدير

فان الأكثر يدور امره بين الوجوب واقعا أو عدمه واقعا.

فعلى فرض تسليم المقدمية نقول لو كان الأكثر واجبا يكون الأقل من باب‏

المقدمية واجبا و لو لم يكن واجبا أيضا لا يضر بوجوب هذه الاجزاء لوجوبها من‏

جهة نفسها فعلى أي تقدير نعلم بوجوب الأقل و هذا مما لا شبهة فيه و ما ذكره مد ظله‏

يكون بالنسبة إلى ساير المقامات لا المقام.


523
عن الخراسانيّ هو إنكار المقدمية.

و اما بقية إشكالاتهم على الانحلال فلا نطيل الكلام فيها لعدم الفائدة فيه و قد ذكرها

الشيخ قده مع الجواب عنه.

بيان النائيني قده لجريان البراءة النقليّة لا العقلية في المقام‏

ثم ان شيخنا النائيني قده بعد ذلك قال بما هو المختار له من عدم جريان‏

البراءة العقلية في المقام دون النقليّة بما حاصله أن العلم الإجمالي كالتفصيلي في إيجاب‏

الاشتغال اليقينيّ و لا شبهة في أن الاشتغال اليقينيّ يقتضى وجوب الفراغ كذلك‏

فعلى هذا إذا علمنا بأن الواجب علينا اما الأقل أو الأكثر يكون العقل حاكما بوجوب‏

إتيان الأكثر لأنه مع الإتيان بالأقل فقط لا يحصل العلم بالفراغ و العلم التفصيلي‏

بوجوب الأقل يكون عين العلم الإجمالي بوجوب الأقل أو الأكثر فاللازم بحكم‏

العقل هو مراعاة الاحتياط.

و بتقريب آخر منه قده أن التكليف بالجزء المشكوك أو الشرط و ان لم يكن‏

منجزا بصرف الاحتمال و يكون الاستحقاق للعقاب عليه من القول بلزوم العقاب بلا

بيان و لكن في المقام نكتة أخرى تمنع عن القول بالبراءة في مقام الامتثال و هي‏

احتمال ارتباطية الاجزاء و قيدية الزائد للأقل بحيث لو لم يكن هذا الجزء على تقدير

وجوبه لا يكون للأقل أثر و لا يكون امتثاله متحققا و حيث لا يكون للعقل حكم بعدم‏

القيدية أو وجودها و لا يكون للشرع أيضا حكم مع أنه وظيفته فلا بد في مقام الامتثال‏

الخروج عن عهدة التكليف المسلم في البين و هو لا يتحقق الا بإتيان الأكثر و بدونه‏

يشك في الامتثال لاحتمال دخل الزائد.

فان قلت الشك في الارتباطية و قيدية الزائد يكون مسببا عن الشك في وجوب‏

القيد و تعلق التكليف به فإذا جرى الأصل بحكم العقل في الجزء و قلنا بأن العقاب‏

عليه يكون بلا بيان فلا تصل النوبة إلى هذا الشك فان جريان الأصل في السبب‏

يرفع الشك عن المسبب.


524
قلت ان الشك في الارتباطية و القيدية لا يكون مسببا عن الشك في الجزء

الزائد ليرفع بحكم العقل بل يكون من دوران الأمر بين وجوب الأقل و الأكثر

فالارتباطية تكون منتزعة عن تعلق الأمر بالمجموع لوحدة الملاك فكل جزء يكون‏

له دخل لا الجزء المشكوك فقط.

مضافا بأن رفع شك المسبب يكون من ناحية السبب في صورة كون الترتب‏

شرعيا أي في لسان الدليل الشرعي و في المقام يكون عدم الارتباطية بالنسبة إلى‏

هذا الجزء من حكم العقل بعد جريان البراءة عن الجزء و لذا نقول من شك في بقاء

اجتهاده لا يجوز عليه الفتوى باستصحاب بقاء الاجتهاد لأن ترتب الإفتاء على الاجتهاد

عقلي‏1و اما من شك في عدالته يجوز استصحاب العدالة للاقتداء و ساير الآثار

لأن شرطية العدالة في امام الجماعة و الشاهد تكون من الأحكام الشرعية فرفع الشك‏

عن العدالة بالأصل لازمه رفع الشك عن جواز الاقتداء و غيره شرعا.

فتحصل أن البراءة العقلية غير جارية في المقام.

أقول و يرد عليه أن التقريب الأول في كلامه يكون هو عين تقريب صاحب‏

الحاشية في إنكار الانحلال و قد مرّ آنفا و لم يقبله قده و لا أدري كيف تمسك به هنا

و قال بالانحلال هناك.

و اما التقريب الثاني من كلامه قده فهو يكون من جهة شبهة معروفة في هذا

الباب و هي أن الإتيان بالأقل لا يحرز به غرض المولى فانه لو تعلق بالأكثر لا يفيد

امتثال الأقل و لا ربط له بالانحلال و سنبحث عنه.

فنقول اما الجواب عن التقريب الأول فهو ما مرّ من أنه بعد كون الأقل معلوما

1بل شرعي لأن الشارع هو الّذي جعل المدار على الاجتهاد في الأعمال‏

و ارجع غير المجتهد إليه و ان كان العقلاء أيضا يرون لكل فن خبرة و هذا الفن‏

ليس مما يصل إليه العرف بعرفيته بل يتضح سبيله بإراءة الشرع و هذا القدر كاف‏

في التعبد بالاستصحاب.


525
بالتفصيل بالأمر الشخصي من دون العلم الإجمالي لا وجه لما ذكره قده فان الترديد

يكون بين الحدين لا بين الواجبين الأقل و الأكثر حتى يكون من المتباينين و الاحتياط

يتوقف على إثبات التباين و ليس العلم التفصيلي عين العلم الإجمالي لعدم الدوران‏

و هذا اضطراب في كلامه قده.

و اما الجواب عن التقريب الثاني و هو شبهة الغرض فلان الإشكال يكون منشأه‏

ارتباطية الاجزاء فإذا شككنا في أن هذا الجزء مرتبط مع البقية حتى يكون الواجب‏

الإتيان بالأكثر أم لا فلا أصل لنا يحكم بالارتباطية.

و بعبارة أخرى للأقل يتصور تركان ترك من ناحية نفس الاجزاء و ترك من‏

ناحية الجزء الزائد و ما تم البيان عليه هو أن الترك من ناحية نفس الاجزاء معصية

و اما الترك من ناحية الجزء الزائد حيث ما تم عليه البيان لا يكون للعقل حكم بالاشتغال‏

بالنسبة إليه.

لا يقال فعلى هذا يلزم أن يقال أن البراءة بالنسبة إلى الأقل أيضا جارية و لازم‏

ذلك هو القول بجواز المخالفة القطعية و هو كما ترى اما عدم وجوب الأكثر فمن‏

جهة الشك في الجزء و اما الأقل فلان الشك يكون في وجوبه على فرض كون الزائد

جزءا فانه لا يجب الأقل على هذا الفرض فيكون الشك في وجوبه فتجري البراءة

بالنسبة إليه أيضا.

لأنا نقول ان التلازم و الارتباطية يكون بين الواقعين لا بين التنجيزين فان‏

وجوب الأقل لا شبهة فيه و احتمال دخل الزائد في الواقع لا يكون مؤثرا لعدم كونه‏

منجزا.

كلام الفصول في الأقل و الأكثر

الإشكال الثالث على الانحلال و القول بالبراءة عن الأكثر هو ما عن صاحب‏

الفصول قده و قد مرّ آنفا الإشارة إليه في كلام النائيني و هو أن العقل يحكم بوجوب‏

الفراغ اليقينيّ عما تعلق به غرض المولى و لا شبهة في أن الأوامر يكون لمصالح‏


526
نفس الأمرية و يكون الكاشف عنها هو الخطاب فبالخطاب نكشف أن للمولى غرضا

يجب تحصيله و من المعلوم أن الأكثر لو كان واجبا لا يكون الأقل وافيا بالغرض بل‏

لا يفيد أصلا من باب ارتباط الاجزاء فعلى هذا يحكم العقل بأن الواجب هو إتيان‏

الأكثر تحصيلا للغرض و بدونه يكون الشك في تحصيله و لم يكن من الفراغ اليقينيّ.

و الفرق بين اشكاله هذا و إشكال صاحب الفصول هو أنه قده في المقام جعل‏

المدار في هذا الاستدلال على وجود مصالح في الأوامر على ما هو مسلك العدلية

بأن الأوامر و النواهي تكون تابعة لمصالح و مفاسد نفس الأمرية فلو أغمض عن ذلك‏

ما تم الاستدلال.

و اما إشكال صاحب الحاشية فيكون من جهة أن الأمر في البين حيث علمنا

بوجوده يقتضى أن يقال بوجوب الأكثر لأن الامتثال لم يتحقق الا بهذا النحو و لو

كان المبنى مبنى الأشعري المنكر للحسن و القبح و المصالح و المفاسد في الأوامر

و النواهي فهو قده في ضيق من جهة الأمر و هذا قده في ضيق من جهة الغرض فوجهة

الإشكالين متفاوتة.

و الجواب عنه انا لا يحكم عقلنا بأن أغراض المولى واجب الإتيان بل يحكم‏

بأن المولى في كل مورد عمل بوظيفته المولوية و هو البيان يجب عليك العمل بوظيفة

العبودية و هو الامتثال فبقدر البيان و ما قام الحجة عليه يجب الامتثال و نحن في المقام‏

ما تمّ البيان علينا الا بالنسبة إلى الأقل و البيان بالنسبة إلى الأكثر غير تام فتجري‏

البراءة بالنسبة إليه.

ثم انه قد توهم أن مراد صاحب الفصول قده يكون وجوب الاحتياط من‏

باب دوران الغرض بين الأقل و الأكثر بأن يقال انا نعلم بأن للمولى غرضا فاما ان‏

يكون متعلقا بالأقل أو بالأكثر فمقتضى الاحتياط الإتيان بالأكثر بالبيان السابق أي‏

حكم العقل بالفراغ اليقينيّ بعد الاشتغال اليقينيّ.

فأجاب عنه بأن العلم الإجمالي إذا كان منحلا فيكون البراءة جارية بالنسبة

إلى الغرض لو كان متعلقا بالأكثر و حيث تم البيان على الأقل دون الأكثر لا يجب‏


527
الإتيان به.

و فيه أن هذا التوهم لا يكون مراد صاحب الفصول قده بل يكون مراده أن‏

الغرض المتعلق بالأقل لا يمكن إحرازه الا من جهة الإتيان بالأكثر إمكان الارتباطية

فان الجزء الزائد على فرض وجوبه يكون دخيلا في مصلحة الأقل فكيف يمكن‏

إحراز الغرض المتوجه إلى الأقل بدون إتيان الأكثر فيكون كلامه قده نظير كلام‏

صاحب الحاشية فأنه قد يكون مراده أن التكليف المتوجه بالأقل لا يكون العلم‏

بامتثاله حاصلا الا بإتيان الأكثر و صاحب الفصول يقول الغرض المتوجه إلى الأقل‏

لا يوجد الا بإتيان الأكثر.

و الحق في جوابها هو ما مر من عدم العلم الإجمالي في المقام بل يكون‏

التكليف شخصيا مرددا بين الحدين و للواجب تركان ترك من ناحية الأقل و هو

معاقب عليه و ترك من ناحية الأكثر و هو لا يعاقب عليه لعدم تمامية البيان بالنسبة إليه.

ثم انه في كلام هذا القائل يكون تقسيم بالنسبة إلى الغرض بأنه اما ان يكون‏

وجوب إتيانه بحكم العقل أو بحكم الشرع و هذا لا نفهمه لأن وجوب إتيان الغرض‏

بحكم العقل معلوم بواسطة إتيان المحتملات و اما إتيان الغرض بحكم الشرع فلا نفهمه‏

لأن المصلحة اما ان تكون العمل وافيا بها أولا و لا حكم للشرع في ذلك‏1.

ثم أن الشيخ(قده)أجاب عن إشكال الغرض بجوابين الأول ان هذا القول‏

1أقول يمكن أن يكون مراد القائل هو أن بعض الموارد نفهم من خطاب‏

الشرع أن غرضه بحيث يجب إتيانه على أي حال و لو بالاحتياط كما في باب الفروج‏

و الدماء أو يكون امره بالمحصل كتحصيل الطهارة فان الأسباب في أمثال الموارد

لا يكفى سقوط امرها بل يجب الاحتياط لأن الغرض هو تحصيل الطهور فهذا هو

الغرض الواجب الشرعي.

نعم لو قلنا في الشك في المحصلات في بعض الموارد بوجود المرتبة فيكون‏

مثل ساير الموارد في أن الواجب هو الإتيان بالسبب بقدر الحجة و هذا يظهر من‏

مطاوي كلمات الشيخ قده في المقام.


528
يكون متوقفا على مسلك العدلية في باب الأوامر و النواهي من جهة أنها تابعة لمصالح‏

و مفاسد نفس الأمرية و الفقهاء رضوان اللّه عليهم لا يكون في كلامهم تفصيل في مقام‏

الأخذ بالبراءة أو الاحتياط في المقام.

و الثاني أن مراد القائل هو إتيان الغرض بتمامه و كماله بحيث يكون المكلف‏

محرزا لذلك و هو غير ممكن حتى مع إتيان الأكثر لأن قصد الوجه اما ان يكون محتمل‏

الدخل أو واجب الدخل في العبادة و هو دخيل في الغرض تعيينا أو احتمالا و الآتي‏

بالأكثر حيث لا يكون له الجزم بالأمر في إتيان الأكثر حيث ما أحرز وجوبه جزما

لا يمكنه إتيان قصد الوجه فاذن لا يمكنه الإتيان بالغرض كما هو حقه مضافا بأن المصلحة

يمكن أن تكون في الأمر لا في المأمور به فالحق هو جريان البراءة عن الأكثر و الاكتفاء

بما تم عليه البيان و هو الأقل و قد أطال هذا الكلام صاحب الكفاية و أجاب عنه مع‏

بنائه على الاختصار فيها و نحن لا نبينه فارجع إليها.

و اما الجواب عن الشيخ قده فنقول أولا ان صاحب الفصول كما مر لا يكون‏

مراده وجوب الإتيان بالغرض المردد كما مر بل يكون مراده ان إتيان غرض الأقل‏

لا يمكن الا بإتيان الأكثر فهو قده لا يكون مراده إتيان الغرض مطلقا ليشكل عليه بأنه‏

لا يمكن على أي تقدير و لا يكون مراده تعيين المصلحة في المأمور به فقط بل حيث‏

يحتمل أن يكون المصلحة في الأمر و يحتمل ان يكون في المأمور به و لا يتعين في‏

الأمر لعدم الدليل عليه يكون هذا الاحتمال منشأ لعدم الجزم بإتيان الغرض المتوجه‏

إلى الأقل لو كان المصلحة فيه الا بإتيان الأكثر و العقل يكون حاكما بذلك.

و لا يمكن هذا القول الا على مسلك العدلية القائلين بأن الأوامر ذات مصالح‏

و اما على مسلك الأشعري الّذي هو أفسد ما يكون من عدم تبعية الأوامر و النواهي‏

للمصالح و المفاسد فلا يجي‏ء هذا القول فكيف يقول الشيخ قده لا ربط لهذا بالعدلية

و كلام الفقهاء لا يكون فيه التعرض لذلك.

و اما قصد الوجه فلا يكون دخيلا أصلا للإطلاق المقامي في الخطابات فان‏


529
الناس من الغد إلى الليل محتاجون إليه في عباداتهم و لا يكون له في الروايات عين‏

و لا أثر.

و الشاهد لذلك انه لم يقل أحد بعدم إمكان الاحتياط في المتباينين مثل دوران‏

الأمر بين الظهر و الجمعة من جهة عدم إمكان هذا بل الإجماع على وجوب الاحتياط

مضافا إلى ما مر من ان مراده قد لا يكون إتيان الغرض من جميع الجهات بل من ناحية

الأقل الّذي تم البيان عليه.

ثم انه لو كان قصد الوجه دخيلا فالإتيان بالأقل أيضا لا يمكن لعدم إمكانه‏

بالنسبة إليه لاحتمال دخل الزائد فالحق عدم دخالته و لو كان دخلا يكون الحق مع‏

صاحب الفصول في كلامه.

و الجواب الصحيح عنه هو عدم كوننا في صدد أغراض الموالي.

فتحصل ان البراءة العقلية لا إشكال في جريانها في الأقل و الأكثر الارتباطي‏

و هذا أوضح على ما مر بيانه و كذلك يكون القول بالاحتياط العقلي و الاحتياط الشرعي‏

أيضا غير مشكل على مسلك من قال به كما عن المحقق الخراسانيّ في حاشيته على‏

الكفاية و لكن المشكل هو التفكيك بين البراءة العقلية و الشرعية بأن يقال ان الأولى‏

غير جارية بخلاف الثانية كما عن شيخنا النائيني و عنه في متن الكفاية.

في دفع إشكال المثبتية في الأقل و الأكثر

ثم ان هنا إشكالا معروفا و هو أن جريان البراءة في الأكثر على فرض جريانها

يكون مثبتا بالنسبة إلى وجوب الأقل لأنه من الآثار العقلية لعدم وجوبه بالأصل و هذا

الإشكال على المسلك المختار لا يجي‏ء لأن المدار لا يكون عندنا على العلم الإجمالي‏

بل يكون التكليف الواحد الشخصي محرزا بالنسبة إلى الأقل و مشكوكا بالنسبة

إلى الأكثر و لا نريد إثبات وجوب الأقل بالبراءة عن الأكثر.

و هكذا على مسلك القائل بالعلم الإجمالي ثم انحلاله لأن إثبات التكليف‏

على الأقل لا يكون من بركة الأصل بل من جهة أنه هو المتيقن من أصل الدليل‏


530
و لا فرق في ذلك بين كون النقل أي البراءة النقليّة إرشادا إلى العقلية أو واردا عليها.

و اما التفكيك بين البراءة العقلية و الشرعية فيختلف الإشكال فيه حسب اختلاف‏

المسالك في القول بالاحتياط العقلي كما عرفت عن الخراسانيّ و صاحب الحاشية

و شيخنا النائيني و صاحب الفصول(قدس سرهم).

اما على مسلك الثلاثة غير الفصول فلان عدم جريان البراءة بحكم العقل لازمه‏

عدم جريان ذلك الأصل بحكم الشرع أيضا لأن موضوع حكم العقل بالاحتياط هو

تمامية البيان بحكمه و عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان فهكذا موضوع حكم‏

الشرع بقوله رفع ما لا يعلمون و غيره يكون هو الجهل بالواقع و حيث تم البيان إجمالا

و هو كاف لا يكون الموضوع و هو الجهل متحققا فلا تجري البراءة.

لأن العلم الإجمالي على فرض تحققه على ما هو مسلك القوم اما ان يكون علة تامة

لوجوب الامتثال بالنسبة إلى التكليف الّذي يكون في البين كما عن الخراسانيّ أو

يكون مقتضيا كما عليه شيخنا النائيني فعلى الأول لا شبهة في عدم جريان الأصل في‏

الأطراف و على الثاني يكون الأصول متعارضة و لم يكن في مورده أصل بلا معارض‏

فيكون جاريا لأن أصالة عدم وجوب الأكثر يكون معارضا بعدم وجوب الأقل فيؤثر

العلم اثره.

و لذا يكون المحقق الخراسانيّ ملتفتا إلى هذه النكتة فلم يجري الأصل في‏

الوجوب ليقال عليه أنه معارض بل يقول بأن الأصل عدم جزئية1الزائد و لازمه‏

1أقول أصالة عدم الجزئية و ان كانت مفيدة لرفع الارتباط أيضا و لكن‏

بلحاظ منشأها يتحقق الرفع كما سيجي‏ء منه أي رفع الجزء فيكون رفعه بلحاظ اثره‏

الوضعي و هو الارتباط و اثره التكليفي و هو الوجوب.

و لا يمكن ان يقال انه واجب و غير مؤثر فينتج أن الأكثر غير واجب و هذا

و ان كان من لوازمه عقلا و لكن يرى العرف الواسطة خفية و بالاخرة يقول لا فرق بين‏

رفع وجوب الأكثر و نفي الجزئية و يشكل التفكيك و الّذي يسهل الخطب عدم تمامية

المبنى و ما بنى عليه.


531
هو جعل البدل كما يظهر من عبارته بقوله(في الكفاية ص 235)و يعينه في الأول أي يعين‏

الواجب في الأقل.

فان قلت أي فرق بين نفي الوجوب أو نفي الجزئية في المعارضة و عدمها في‏

الأصول:قلت الفرق هو أن نفي الجزئية لازمه نفي الارتباط بين الزائد و الباقي و لكن‏

نفي الوجوب لا يلازم نفي الارتباطية.

فان قلت الأصل العقلي أيضا يرفع الجزئية و لازمه جعل البدل:قلت جعل‏

البدل يكون بحكم الشرع و لا سبيل للعقل إلى حكم الشرع ليجعل البدل له.

و اما الإشكال بأن الجزئية لا تكون مما تنالها يد الجعل إثباتا و نفيا لأنها امر

انتزاعي فأجاب عنه في الكفاية بان المراد رفعها برفع منشأ انتزاعها و هو الجزء و لكن‏

حيث لا يكون رفع الوجوب ممكنا لأنه يعارض بنفي وجوب الأقل يكون لحاظ منشأ

الانتزاع هنا لإمكان رفع الجزئية و الا فبلحاظ نفسه لو جرى الأصل يعود محذور

المعارضة.

لا يقال نفي الجزئية لا يثبت وجوب البقية و هو الأقل الا بنحو المثبت و هو

كما ترى لأنه من آثاره العقلية.

لأنا نقول الجمع بين الأدلة يقتضى القول بذلك يعنى أدلة الاجزاء و الشرائط

إطلاقها يخصص بحديث الرفع و غيره فنسبة حديث الرفع الناظر إلى أدلة بيان‏

الاجزاء نسبة الاستثناء فالجزئية تكون بحالها الا في ظرف الجهل بها فانها مرفوعة

بحديث الرفع.

و قد أشكل عليه قده بان حديث الرفع يكون لبيان الحكم الظاهري و أدلة

الاجزاء و الشرائط يكون لبيان الحكم الواقعي و رفع الحكم الظاهري ينافي وجود

الحكم في الواقع الا ترى أن الأحكام لا يختص بالعالمين بها و الا يلزم دور العلامة

فحينئذ لا يمكن رفع الجزئية بحديث الرفع لمنافاته مع الحكم الواقعي المجعول في‏

ظرف الجهل أيضا.

و الجواب عنه ان رتبة الواقع منحفظة حتى في ظرف البراءة بحسب الظاهر


532
و أدلة البراءة تكون رافعة للحكم في الظاهر و حيث أن رتبة الواقع منحفظة لا يجي‏ء

هذا الإشكال هذا كلامه رفع مقامه.

و الإشكال عليه أولا بان المبنى غير صحيح لعدم العلم الإجمالي في المقام‏

بل لنا علم تفصيلي بوجوب الأقل و يكون الشك في حد هذا الواجب فلا نحتاج إلى‏

جعل البدل و جريان الأصل بالنسبة إلى الأكثر.

و ثانيا ان جعل البدل بالأصل لا يمكن الا بنحو دائر لأن جريانه يتوقف على‏

جعل البدل في الواقع و جعل البدل في الواقع يتوقف على جريان الأصل و هو دور

واضح ضرورة أنه لا يمكن إثبات البدل بجريانه لأن هذا يكون من الآثار العقلية فان‏

العقل يحكم بأن الواجب هو الأقل بعد أصالة عدم جزئية الزائد و من الواضح عدم‏

ترتب الآثار العقلية على الأصول فاما أن يكون جعله بدليل آخر و هو في المقام على هذا

الفرض مفقود أو بهذا الأصل و هو دور.

نعم لو قامت الأمارة على جعل البدل بأن قامت بعد العلم الإجمالي بأن الواجب‏

هو هذا المقدار يكون لازمها بدلية البقية عن الواقع و حيث أن الأمارات مثبتها حجة

لا يكون إشكال الإثبات فيها فلعل الخراسانيّ قده مع توجهه إلى أن الأصل لا يترتب‏

عليه آثاره المثبتة قال في المقام بجعل البدل من باب نكتة خاصة و هي مفقودة عندنا

و لا نقول به في المتباينين فانه لا يجري الأصل في طرف واحد في مثل الدوران بين‏

الظهر و الجمعة.

و ثالثا ان التفكيك بين البراءة العقلية و النقليّة لا وجه له لأن العقل إذا حكم بتمامية

البيان بالنسبة إلى النوع يخرج عن موضوع حديث الرفع و يصير مما يعلم لا مما لا يعلم‏

فتحصل أن كلامه على حسب مبناه غير تام عندنا.

طريقان آخر ان للقول بالبراءة الشرعية في المقام‏

الأول‏
هو ان رفع الزائد يلازم عدم وجود الحكم الواقعي بالنسبة إلى هذا الجزء

و بيانه أن يقال ان الحكم الواقعي يكون ضد الحكم الظاهري فلا بد من القول برفعه‏


533
في الواقع على حسب الظاهر فالواجب هو الأقل فقط لعدم الجمع بين العين أو المثلين.

و الجواب عنه ان الواقع تارة يكون دليل اعتباره بحيث يلزمه حفظه و لو بجعل‏

الاحتياط في ظرفه كما في باب الفروج و الدماء و الأموال و تارة لا يكون وجوده الواقعي‏

مطلوبا الا في ظرف الوصول إلى المكلف ففي هذه الصورة إذا شك فيها يرفع في‏

الظاهر الحكم عنه و لكن لا ينافي رفع الحكم في الظاهر وجود الحكم في الواقع‏

لانحفاظ رتبة الواقع و مع وجود الواقع في واقعيته فنكتة الارتباط بين الأقل و الأكثر

تمنع عن الاكتفاء بالأقل في مقام الامتثال لأن الفرض في الأقل و الأكثر الارتباطي فعدم‏

وجوب الزائد في الظاهر لا يرفع هذا المحذور.

الطريق الثاني‏
للقول بالانحلال على هذا المبنى هو أن نفي الأكثر يكون لازمه‏

العرفي هو الاكتفاء بالأقل لا أن يكون هذا لازمه العقلي ليجي‏ء إشكال الإثبات.

و الجواب‏1عنه ان حديث الرفع لا يكون في وسعه التنزيل و التنزيل يكون‏

1أقول و الحاصل على ما استفدنا منه مد ظله بعد الدرس انه يريد أن يقول ان‏

كان المراد هو خفاء الواسطة ففي المقام لا خصيصة.

و اما ان كان المراد هو جعل البدل بهذا الطريق و يكون من خصيصة حديث‏

الرفع في المورد و لو لم نقل في ساير الموارد به من باب الإثبات فلا دليل له عليه لأن‏

هذا الأثر لو لم يترتب لا يكون الحديث بلا مورد و اختصاص بعض الآثار في بعض‏

الموارد يكون من جهة صيرورته بلا مورد كما في موارد التنزيلات.

و لكن نقول بعد في الذهن شي‏ء و هو أن موارد التنزيلات أمارات و مثبتاتها حجة

كما هو رأيه مد ظله و لا يكون الكلام من جهة عدم المورد لها و ان كان في الأمثلة كذلك‏

بالنسبة إلى الآثار و لا مطابقة لها و لا بد من حملها على المداليل الالتزامية و لكن ليس‏

كل الموارد كذلك.

فله ان يقول ان الواسطة هنا ليست خفية و لو كانت خفية فالحق مع القائل بهذا

الطريق و اما فساد مبناه فهو كلام آخر.

ثم ان الأمثلة غير قوله الطواف في البيت صلاة لا يكون المراد استفادة ذلك من‏

المدلول الالتزامي منها بل لا مطابقة لقوله لا صلاة الا بطهور و مثله الاستفادة الشرطية


534
بيد الشرع مثل استفادة شرطية الطهارة من نفي الصلاة بدون الطهور بقوله عليه السّلام‏

لا صلاة الا بطهور و جزئية فاتحة الكتاب بقوله عليه السّلام لا صلاة الا بفاتحة الكتاب و إثبات‏

أهمية الصلاة في المسجد لجار المسجد بقوله عليه السّلام لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد

أو يستفاد شرطية الطهارة للطواف بقوله عليه السلام الطواف في البيت كالصلاة و لا معنى‏

لهذه التنزيلات الا ترتيب هذه الآثار.

و اما حديث الرفع فلا يكون اثره التنزيل فقط و جعل البدل فان كثيرا من‏

الموارد و هو مورد الشبهات البدوية يكون باقيا تحته و لا يختص اثره بهذا الأثر و هو

جعل البدل في مورد العلم الإجمالي فتحصل أن كلام الآخوند قده في المقام في‏

التفكيك بين البراءة العقلية و الشرعية غير تام و لذا لقد أجاد فيما أفاده في حاشية الكفاية

بقوله ان مقتضى الأصل الشرعي أيضا الاحتياط و هو على حسب مبناه تام خلافا لما

هو التحقيق من جريان البراءة مطلقا.

و أسوأ من ذلك المبنى هو مبنى شيخنا النائيني قده بأن البراءة الشرعية جارية

مع كون العقل يحكم بالاحتياط و طعن على الخراسانيّ قده مع أنه قائل في العلم‏

الإجمالي بالاقتضاء1و جريان الأصل في أطرافه إذا كان بدون المعارض ففي المقام‏

1أقول كلامه قده في المقام لا يكون أسوأ من كلام الخراسانيّ بل مثله في‏

الفساد لأنه على حسب مبناه يجب أن يقول بالبراءة في المقامين لجريان الأصل بدون‏

المعارض و هو أيضا يجب ان يقول بالاحتياط في المقامين على حسب مبناه من العلية

التامة ففساد كلام كل واحد منهما من جهة التفكيك.

مضافا بان فرض كلام النائيني قده كما في الفوائد يكون في صورة العلم التفصيلي‏

بوجوب الأقل مقدميا أو نفسيا لا فرض الخراسانيّ قده و هو تمسك بأن الإطلاق ليس‏

الا عدم القيد كما سيجي‏ء آنفا فانظر إلى عبارته في ص 53 الجزء الرابع و لا يعارضها

(أي أصالة البراءة عن الأكثر)أصالة البراءة عن الأقل للعلم بوجوبه على كل تقدير

فله ما يزعم الخراسانيّ.


535
حيث لا يكون المعارض لأصالة عدم الجزئية فيجب أن يقول بالبراءة العقلية أيضا

لأن العقاب بالنسبة إليها يكون من العقاب على مالا بيان له فكيف يقول بالتفكيك‏

و الخراسانيّ حيث يكون العلم الإجمالي عنده علة تامة لا يكون له هذا المحيص فهو

قده لو كان قائلا بمعارضة الأصلين يجب أن يقول بالاحتياط في المقامين و لو قال بعدم‏

المعارضة يجب أن يقول في المقامين أيضا و هو قده يقول بجعل البدل كما قال به‏

الخراسانيّ.

و يرد عليهما بأن المبنى غير تام لعدم العلم الإجمالي و عدم الوجه للتفكيك و أن‏

جعل البدل دوري هذا كله على مبنى القائل بالعلم الإجمالي من دون تشكيل علم تفصيلي‏

بالأقل من باب كونه مقدمة أو نفسيا.

و اما على فرض القول بذلك فلا يكون المانع من جريان الأصل المعارضة لأن‏

أصالة عدم وجوب الأكثر لا يعارضة أصالة عدم وجوب الأقل لأنه واجب تفصيلا على‏

هذا الفرض و لكن الإشكال هو أن أصالة عدم وجوب الأكثر وجوب الأقل و تماميته‏

للأثر يكون من آثاره المثبتة و لا يجري الأصل بالنسبة إليها.

و لا يخفى ان هذا لا يكون مثل ما هو التحقيق من المبنى لأن العلم التفصيلي‏

بوجوب الأقل على ما نحن عليه لا يكون من جهة العلم الإجمالي بالأكثر بل لا يكون‏

لنا في الواقع علم إجمالي بل علم تفصيلي و شك بدوي و لا نريد إثبات موضوعية الأقل‏

بواسطة جريان الأصل في الأكثر بل من الأول يكون العلم التفصيلي بوجوبه حاصلا

فالأصل عندهم لا مانع منه شرعا الا مانع كونه مثبتا.

فان قلت ان الإطلاق و التقييد لا يكونان من باب الضدين حتى يقال نفى أحد

و ان اضطرب كلامه قده في رد صاحب الحاشية و اختياره الاحتياط العقلي‏

و عدم تمامية الوجوب المقدمي للاجزاء و لكن طريقه هذا أسهل للقول بالبراءة من‏

طريقه فانه يجري أصالة عدم وجوب الأقل بدون المعارض و الخراسانيّ لا بد من‏

التمسك بأصالة عدم الجزئية في ذلك و قد مر ما في هذا الكلام من التأمل.


536
الضدين لا يثبت وجود الضد الاخر بل من باب العدم و الملكة و معناه ان نفى القيد يكفى‏

لأن الإطلاق هو ما لا يكون له القيد لا ما يكون له قيد الإطلاق فعلى هذا لا يكون وجوب‏

الأقل و إطلاقه من جهة وجود القيد الزائد محتاجا إلى الإثبات بل نفس عدم وجوب‏

الزائد يكفى لذلك فالإطلاق هو عدم القيد و لا يكون امرا وجوديا و عدمه يكون‏

مساويا له حتى ان ملاحظة العدم أيضا لا يكون فيه ليرجع اللحاظ إلى وجود

قيد زائد.

قلت ان الإطلاق و التقييد امران وجوديان فان السعة امر وجودي و الضيق امر

وجودي كذلك و ليس معنى الإطلاق الا السعة و معنى التقييد الا الضيق و نفى الضيق‏

لا يثبت السعة هذا أولا.

و ثانيا ان هذا مناف للعلم التفصيلي بوجوب الأقل لأن العلم التفصيلي على‏

الأكثر إذا تحقق يجب امتثاله فإذا وجب يكون القول بالبراءة عن الزائد مناف للعلم‏

على فرض كون الجزء الزائد جزء و مرتبطا بالأقل فالقول بالبراءة ينافى امتثال العلم‏

التفصيلي على فرض كونه في الواقع جزء.

و من هنا ظهر ما يترتب على مسلك القائل بأن الغرض يقتضى الاحتياط كما مر

عند بيان مسلك صاحب الفصول قده و هو أن العقل إذا حكم بوجوب الاحتياط من هذه‏

الجهة لا يمكن جريان البراءة الشرعية لأن البيان على الغرض تام و لو بنحو الإجمال‏

و لا يكون مما لا يعلمون حتى يكون موضوع حديث الرفع.

فتحصل أن جريان البراءة الشرعية على غير ما هو التحقيق من المبنى ممنوع‏

فالحق هو جريان البراءة عقلا و نقلا بما مر من البيان هذا كله في مقام بيان البراءة.


537
في بيان استصحاب عدم الأكثر

ثم انه ربما1يتمسك لإثبات الأمن من العقاب باستصحاب عدم الزيادة بالعدم‏

الأزلي أو قبل البلوغ أو قبل الوقت الحاكم على البراءة بأن يقال قبل وجود المكلف‏

لم يكن هذا الجزء مجعولا فيستصحب عدمه أو يقال قبل بلوغه لم يكن مكلفا فبعده‏

كذلك أو يقال في مثل الصلاة لم يكن مكلفا قبل الوقت فهكذا بعده.

و قد أشكل شيخنا النائيني قده في المقام بالإشكال المعروف في العدم الأزلي‏

و هو أن العدم النعتيّ لا يكون في المقام و لا في ساير المقامات لعدم الحالة السابقة لعدم‏

كون هذا الجزء له خصوصية في الأزل و استصحاب العدم و إثباته لهذا الخاصّ يكون‏

مثبتا لأن من أثر العقلي للعدم المطلق عدم هذا فلذا لا يجري استصحاب العدم الأزلي‏

في المقام و في ساير المقامات و هذا الإشكال معروف بين القائلين بعدم جريانه و نحن‏

لا نبحث عنه‏ (1) في المقام فكل من قال بجريانه فعليه مبناه و كل من قال بعدم جريانه‏

أيضا فعليه.

و لكن في المقام خصيصة توجب القول بالجريان و لو لم يكن جاريا في ساير

المقامات و هي انا لا نريد إثبات الحد للأقل بأصالة عدم جعل الجزء الزائد على ما

هو التحقيق من أن لنا علما تفصيليا بوجوب الأقل و الشك يكون في حده فإذا فرض‏

ان الأقل خمسة اجزاء و شك في أن هذا سادس أم لا نريد بأصالة عدمه إثبات أن الواجب‏

هو الخمسة التي لا سادس لها فاصل العدم بالنسبة إلى ذات الجزء المشكوك جار.

و لا يقال ان أصالة عدم الجعل لازمها العقلي عدم وجوب الجزء و اللازم العقلي‏

1هذا البحث في الفوائد عن النائيني قده عند قوله دفع وهم في ص 59

الجزء الرابع و لم يكن في ذيل البحث في الفصل الرابع عنده الّذي كان محل‏

البحث هنا فلا تغفل موضعه.

1)فلتفصيله فارجع إلى الفوائد تقريرات النائيني قده ص 59 و 60

538
لا يترتب على الأصل فهو مثبت كما عن النائيني.

لأنا نقول أصالة عدم الجعل تكون عين أصالة عدم الوجوب لأن الجعل له‏

متعلق هو الوجوب و نفى الجعل عين نفى الوجوب و التفاوت و الاختلاف بالاعتبار

فقط مثل غيرية الإيجاد للوجود مع الاتحاد في الخارج و الاختلاف في الاعتبار فقط

هذا أولا.

و ثانيا أن عدم الوجوب يكون من آثار العدم الثابت بالاستصحاب لا من آثار

العدم الواقعي و ما يقال من أن المثبت غير جار يكون في الآثار العقلية المترتبة على‏

الواقع مثل إثبات طول لحية زيد أو إنباتها بواسطة استصحاب الحياة و اما وجوب‏

نفقة الزوجة فهو من آثار ما ثبت بالاستصحاب لا أثر الواقع و هذا شأن كل استصحاب‏

فترتيب عدم الوجوب على عدم الجعل الثابت بالاستصحاب يكون أثر الاستصحاب‏

لا أثر المستصحب بمعنى كونه أثرا للواقع و يكون من ترتيب آثار الواقع في‏

الظاهر.

فأصالة عدم الوجوب أزلا جارية في خصوص المقام و اما أصالة العدم قبل الوقت‏

فهي على مسلكنا من أن الواجبات و التكاليف طرا تكون فعلية قبل الوقت أيضا

فلا معنى لها بهذا النحو و لكن نحن نجري أصالة عدم الفاعلية فان هذا التكليف و لو كان‏

فعليا قبل الوقت و لكن لا بد أن يكون له الفاعلية بعد الوقت و حيث ما ثبت فاعليته بدليل‏

يستصحب عدمها.

و اما من كان قائلا بأن التكاليف قبل الوقت غير فعلية مثل شيخنا النائيني قده‏

فيكون له استصحاب العدم قبل الوقت بالنسبة إلى التكليف.

و اما استصحاب عدمه قبل البلوغ فهو أيضا جار و لكن أشكل النائيني قده‏

أيضا عليه بأن ما هو قابل للاستصحاب هو العدم المجعول قبل ذلك و حيث لا شأنية

لغير البالغ لجعل العدم أو جعل الوجود لعدم القابلية لا يمكن إثبات عدم الجعل ليستصحب‏

و الجواب عنه قده ان المميز في ما قبل البلوغ يكون له قابلية التكليف و المرفوع‏

عنه هو قلم المؤاخذة لا قلم التكليف و لذا يكون عباداته شرعية و هذا مذهبه قده أيضا


539
فلا إشكال في جريان الأصل من هذه الجهة هذا أولا.

و ثانيا ان العدم و ان لم يكن له أثر في ما قبل البلوغ و لكن يكفى في الاستصحاب‏

أن يكون الأثر للمستصحب بقاء و في المقام ترى أثر الأصل في الحال و هو عدم‏

وجوب الأكثر بالنسبة إلى البالغ.

فالبراءة و الاستصحاب للعدم بجميع اقسامه جار بالنسبة إلى الأكثر على ما هو

التحقيق.

فصل في الشك في شرطية شي‏ء للمأمور به و عدمه‏

و المطلق و المقيد في الأقل و الأكثر

قال في الكفاية ص 238

و ينبغي التنبيه على أمور:
الأول:
أنه ظهر مما مر حال‏

دوران الأمر بين المشروط بشي‏ء و مطلقه و بين الخاصّ كالإنسان و عامه كالحيوان‏

و أنه لا مجال للبراءة هاهنا عقلا بل كان الأمر فيهما أظهر لأن الانحلال المتوهم في‏

الأقل و الأكثر لا يكاد يتوهم هاهنا بداهة أن الاجزاء العقلية لا تكاد تتصف باللزوم من‏

باب المقدمة عقلا فالصلاة مثلا في ضمن الصلاة المشروطة و الخاصة موجودة بعين‏

وجودها في ضمن صلاة أخرى فاقدة لشرطها و خصوصيتها تكون متباينة للمأمور بها

كما لا يخفى.

نعم لا بأس بجريان البراءة النقليّة في خصوص دوران الأمر بين المشروط

و غيره دون دوران الأمر بين الخاصّ و غيره انتهى موضع الحاجة من كلامه:

و الحاصل انه قده يكون قائلا بالبراءة شرعا في باب الشرط و المشروط و الاحتياط

عقلا لعدم تصوره الانحلال في المقام بطريق أولى من الشك في الجزئية لأن القيد اما

ان يكون محفوفا بالذات نفسه أو تقيده فما كان نفسه محفوفا بالذات مثل الإيمان في‏

الرقبة إذا قيل أعتق رقبة و شك في أن الواجب هو عتق المؤمنة أو عتق غيرها أيضا

يكفى.

فان الإيمان لا يكون له وجود منحاز في الخارج فلا يتصور في ذلك التكليف‏


540
الأقل و هو ذات الرقبة و الأكثر و هو الذات مع الإيمان و أما ما كان غير محفوف بالذات‏

فمثل شرطية الطهارة مثل الوضوء و غيره للصلاة فان الشرط يكون له وجود منحاز

و لكن المشروط محفوف بالتقيد بهذا الشرط و ان كان القيد خارجا عن الذات.

و على أي تقدير لا يمكن انفكاك ما هو الشرط أو القيد عن المشروط و المقيد

فالذات مع القيد مباين للذات بدونه و هكذا في الشرط و ما كان كذلك فالأصل فيه يقتضى‏

الاحتياط لا البراءة.

لا يقال في باب الجزء كان الانحلال من باب المقدمية على فرض تمامية المبنى‏

و في المقام و ان لم يكن المشروط مقدمة لشرطه و المقيد مقدمة لقيده و لكن يكون لنا

اليقين بوجوب المشروط فقط و يكون الشك في الشرط و هكذا في القيد فينحل العلم‏

الإجمالي.

لأنا نقول الجزء حيث يكون مستقلا يمكن جريان البراءة عنه و لكن الشرط

لا يكون له الاستقلال حتى يمكن جريانها بالنسبة إليه و هكذا القيد فيكون ما هو المتيقن‏

تحت الأمر هو الذات و ما هو مشكوك يكون هذه الذات بعنوان إطلاقها الأحوالي أي‏

لا ندري أنها هل تكون مطلقة من حيث القيد أم لا هذا حاصل التقريب للقول بالاحتياط

في هذا الباب.

و قد أجاب عنه الشيخ قده بأجوبة فارجع إليه و نحن نقول ما هو التحقيق في‏

المقام ان تصوير الأقل و الأكثر في الاجزاء بعينه يكون في المقام أيضا لأن ما هو التحقيق‏

عدم وجود العلم الإجمالي في باب الاجزاء و في المقام نكون بصدد انحلاله بل لنا علم‏

تفصيلي بوجوب الأقل و يكون الشك في عبور الخطاب على الجزء الزائد و الشرط

أيضا كذلك فان اليقين التفصيلي يكون متعلقا بالمشروط و الشرط مشكوك بدو أو هكذا

القيد.

و على فرض وجود العلم الإجمالي أيضا يكون بحث المقدمية للجزء باطلا

لأن الأقل يكون مقدمة للأكثر على فرض صحتها و لا تكون مقدمة للجزء الزائد فيكون‏

ملاحظة الجزء مع الأقل مثل ملاحظة الشرط مع المشروط فان الكل ليس الأعين‏


541
الاجزاء فهنا يكون محفوفية الكل باجزائه أشد من محفوفية الشرط بالمشروط لأنه على‏

أي حال يكون غيره و لو لم يكن مستقلا أيضا فجريان البراءة عقلا لا شبهة فيه هذا كله‏

في الشرط و المشروط و القيد و المقيد.

الأمر الثاني‏

في الجنس و النوع و النوع و الفرد انه هل يكون الحكم في الخصوصية البراءة

أو الاحتياط من باب التعيين و التخيير أو الاحتياط من باب التباين ففيه خلاف.

فقد استفاد بعض الناظرين إلى عبارة الشيخ قده الاحتياط و بعضهم البراءة

و الخراسانيّ قده قال في المقام بالاحتياط عقلا و شرعا و في باب الشرط و القيد

بالاحتياط عقلا و البراءة شرعا اما استفادة الاحتياط فهي من باب ان العرف يرى‏

الإنسان متحدا مع الحيوان بدون عناية زائدة فإذا توجه الخطاب إلى الإنسان يرى‏

خصوصية النطق متحدة مع الذات و اما في الشرط فلا يرى كذلك بل يحتاج إلى‏

عناية زائدة فان قيد الإيمان أو الطهارة يكون خارجا عرفا عن الذات و يحتاج إلى‏

مزيد عناية فالأصل هنا يقتضى شرط الاحتياط بخلاف الشرط و القيد.

و فيه أولا ان العرف لا شأن له في التحليل مع انه يرى في الجنس و النوع‏

أيضا الأقل و الأكثر لأن المهملة الثبوتية محال فاما ان يكون القيد دخيلا أولا.

و بعبارة أخرى اما ان يكون الواجب هو إكرام الإنسان عند الأمر به أو الأعم منه‏

و من غيره.

و لشيخنا العراقي قده تقريب في المقام و هو أن الطبيعي بالنسبة إلى الافراد

اما ان يكون بنحو التساوي و يكون مثل أب الأبناء أو بنحو التفاوت و أب الآباء فإذا

كان للإنسان افراد و قلنا أن الأفراد مثل زيد و عمرو و خالد تكون مصداقا لتمام‏

الطبيعي لا يكون في الافراد تفاوت لأن كل واحد يكون مصداق الطبيعي و اما ان قلنا

أن زيدا غير عمرو و بكر و انه حصة من الطبيعي و هكذا عمرو و بكر يكون الانطباق‏

بالحصة لا بالطبيعي فعلى هذا إذا كان الأمر بإكرام زيد مثلا و شك في أنه هل كان‏


542
الموضوع هو زيد بخصوصيته الخاصة أو الإنسان يمكن جريان البراءة على مبنى‏

التساوي فيمكن إكرام عمرو أيضا لأن الطبيعي في كل واحد منهما موجود و اما

إذا كان المبنى هو اختلاف الافراد فيدور الأمر بين التعيين و التخيير لأنه لا نعلم ان‏

زيدا بخصوصيته الخاصة واجب الإكرام أو الواجب إكرام الأعم منه و من عمرو

فاللازم حينئذ هو إكرام زيد لأنه المتيقن و الحصة الأخرى يكون خطابها مشكوكا.

و الجواب عنه هو أن الوحدة التي تؤخذ من الافراد و لو على نحو الحصص‏

لا تؤخذ من المتعدد بما هو متعدد بل يجب ملاحظة جهة وحدة واقعية و لو كانت هو

الاتحاد في الوجود و لا يكون الإنسان الّذي يؤخذ من الجميع موهوما محضا بل‏

لا بد ان يكون هذا بلحاظ حبل واحد في الجميع فعلى هذا يكون الشك في الخصوصية

الزائدة في كل واحد من الافراد مثل صورة تساوى نسبة الطبيعي إلى الجميع فإذا

كان الظاهر من ملاحظة الخطاب هو دخل هذه الخصوصية فلا بد من الاحتياط و عدم‏

الاكتفاء بالأعم‏

و اما إذا كان الخطاب مما يحتمل الوجهين و يكون المتيقن هو الأعم و يكون‏

الشك في الخصوصية الزائدة فالأصل يقتضى البراءة لرجوعه إلى الأقل و الأكثر

فالمدار على الخطاب في ذلك و يكون بعد استفادة كونه من الأقل و الأكثر مثل الشك‏

في الشروط و الاجزاء و لا فرق في ذلك من حيث البراءة العقلية و النقليّة

و قال الخراسانيّ في المقام ان البراءة الشرعية أيضا غير جارية كالبراءة

العقلية و ان كانت الشرعية بالنسبة إلى الشروط جارية فان خصوصية الخاصّ تكون‏

منتزعة عن نفس الخاصّ فيكون الدوران بينه و بين غيره من قبيل الدوران بين المتباينين‏

فيجب الاحتياط

و قال شيخنا العراقي ان هذا الكلام منه يكون تاما على فرض كون العلم‏

الإجمالي علة تامة كما هو مسلكه و اما على فرض كونه مقتضيا فلا يتم لجريان الأصل‏

بدون المعارض في بعض الأطراف فمثل الشيخ الأعظم و الشيخ النائيني لا يكون لهما

القول بالاحتياط مطلقا


543
و ان قلنا بان افراد الطبيعي مختلفة في الصدق بنحو الحصص بيان ذلك هو انا

إذا علمنا بوجوب الكفارة اما في ضمن العتق أو الإطعام يكون الناشئ من هذا العلم‏

ثلاثة1أمور بعد احتمال تعيين العتق مثلا.

الأول ان يترك العتق في ظرف ترك الإطعام ففي هذه الصورة يكون القطع‏

بالحرمة لأن ترك جميع المحتملات يكون مخالفة قطعية للعلم الإجمالي و أصالة عدم‏

وجوب هذا تعارضه أصالة عدم وجوب ذاك فلا يمكن ترك الطرفين لتعارض الأصلين‏

الثاني ترك العتق في ظرف وجود الإطعام فان هذا الترك لا يكون مقطوع الحرمة

لاحتمال امتثال التكليف في ضمن الإطعام فإذا شك في الحرمة فالأصل يقتضى‏

البراءة عنها.

الثالث عكس هذا و هو ترك الإطعام في صورة وجود العتق فان هذا الترك‏

1أقول المحتملات الثلاثة-روحها يرجع إلى إنكار العلم الإجمالي من‏

الأول بأن يقال إتيان محتمل اليقين مبرأ للذمة قطعا و يكون الشك في فردية الفرد

الاخر و وجوبه بدوا فلنا علم تفصيلي و شك بدوي في هذه الصورة كما مرّ منه‏

مد ظله في أصل مسلكه في الأقل و الأكثر.

نعم لو كان المدار على العلم الإجمالي و قلنا باقتضائه لا عليته يكون الإتيان‏

بغير المعين كافيا و لكن في أمثال المقام يكون مذهب القائل بالاقتضاء أيضا التعيين‏

و يقول مد ظله هذا من عيوب مسلك الاقتضاء في العلم الإجمالي و هكذا القائل‏

بالعلية التامة هذا.

ثم يمكن ان يقال ان خصوصية التعيين في جميع موارد دوران الأمر بين التعيين‏

و التخيير مما لا يكون مبينا من الشرع لا شك أنها كلفة زائدة فالأصل يقتضى البراءة

عنها كما يقول به قده في غير مورد من ذاك الباب فلا يبقى ثمرة على هذا بين القول‏

بالاقتضاء أو العلية التامة في العلم الإجمالي.

و الّذي افهم من روح كلام النائيني قده هو أنه أيضا قائل بالعلم التفصيلي‏

و الشك البدوي و لا يقول بالعلم الإجمالي و ان كان في كلام مقرره و لكن التقرير

ربما لا يفي بالبيان كما أن كلام نفس الشخص أيضا كذلك.


544
أيضا مما لا يكون القطع بحرمته بل ليس بحرام لاحتمال التعيين فالأصل في طرف‏

واحد جار بلا معارض.

فإذا كان كذلك مع العلم الإجمالي بأصل الوجوب فيكون النتيجة التخيير

بين امتثال أحد الأطراف لأن الأصل في كل واحد منها مع امتثال الطرف الاخر لا

يعارضه الأصل في الطرف الاخر لأنه قد حصل الامتثال قطعا في محتمل التعيين و كل‏

مورد يكون كذلك لا بد من القول بالتخيير فالمعارضة بين الأصلين تختص بصورة

ترك الطرفين و حيث لا تعارض يكون العلم الإجمالي على الاقتضاء غير مؤثر واحد

فردي التخيير إذا كان حاصلا بالفعل لا يجب إتيان الفرد الاخر.

و هذا هو السر في أن الافراد و ان كانت متباينة و لكن لا يجب الجمع فانه في‏

صورة الدوران بين الظهر و العصر يجب الإتيان بهما و اما في هذه الصورة ان كانت‏

خصوصية الفرد الّذي هو العتق غير خصوصية الفرد الّذي هو الإطعام و لكن لا يجب‏

الجمع بل يأتي بخصوص ما توجه الخطاب إليه و احتمل تعيينه فتحصل أن‏

الجمع بين الافراد و الاحتياط العقلي يختص بمن كان مبناه العلية في العلم الإجمالي‏

لا من كان قائلا بالاقتضاء.

ثم ان الخصوصيات تارة تكون مفردة مثل خصوصيات زيد و عمرو بالنسبة

إلى طبيعي الإنسان و اما منوعة مثل خصوصية النطق بالنسبة إلى نوع الإنسان و خصوصية

الناهقية في الحمار و القول بعدم جريان البراءة يكون في هذه الخصوصيات التي‏

تكون منتزعة عن الذات و لا تكون زائدة عليها و اما الخصوصيات الزائدة على‏

الذات فجريان البراءة بالنسبة إليها لا إشكال فيها من جهة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر

فإذا شك في أن الواجب إكرام زيد العادل مثلا أو يكفى إكرام زيد و لو لم يكن‏

عادلا فالأصل يقتضى البراءة عن هذه الخصوصية أي العدالة و لا تكون كالخصوصيات‏

المنوعة و المفردة.

لا يقال لو كان الأمر كذلك فلأي دليل لا يجري الأصل بالنسبة إلى الهاشمية

إذا شك في دخالتها في الملاك مع أنها أيضا من الخصوصيات الزائدة على الذات.


545
لأنا نقول الفرق بين الهاشمي و غيره هو أن صفة الهاشمية مما لا ينفك عن‏

إنسان كان هاشميا في أول الوجود فليس لنا رجل غير هاشمي يصير هاشميا بعد

زمان بل حين وجد اما ان يكون هاشميا أو غيره و لا يكون لنا جامع بينهما ليمكن‏

أن يتوجه التكليف إليه بخلاف مثل العدالة و العلم فانا نتصور إنسانا لا يكون عالما

أو عادلا ثم صار كذلك و بالعكس.

فتحصل من جميع ما تقدم أن الضابطة في الأقل و الأكثر هي أن يكون لنا

متيقن و مشكوك المتيقن هو الأقل و المشكوك هو الأكثر و الحق فيه جريان البراءة

بالنسبة إلى الأكثر و الضابطة في المتباينين هي أن لا يكون لنا جامع ما هوى مثل‏

الظهر و الجمعة مع عدم احتمال تعيين بعض الأطراف فالواجب فيه الاحتياط بالجمع‏

قضاء لشأن العلم الإجمالي.

و الضابطة في التعيين و التنجيز هي أن يكون الافراد متباينة و لكن نحتمل‏

أن يكون البعض المعين هو المتعين فهنا أيضا يجب الاحتياط و لكن لا بالجمع بين‏

الأطراف بل بإتيان محتمل التعيين و لذا قال بالاحتياط شيخنا الحائري قده في صورة

الشك في أن سهم الإمام عليه السّلام هل يختص بالهاشمي أو يعم الهاشمي و غيره فحيث‏

أن الهاشمي‏1هو محتمل التعيين يكون الاحتياط في اختياره و من عيوب مسلك‏

الاقتضاء في العلم الإجمالي هو القول بالتخيير في صورة احتمال التعيين مع عدم‏

قولهم بذلك.

الأمر الثالث في الشك في الأسباب و المحصلات‏

اعلم انه يكون تشخيص الأسباب في غاية الإشكال و ان كان المأمور به هو

المسبب فإذا كان المسبب هو تحصيل الطهور و الطهارة التي هي صفة قائمة بالنفس‏

1و حيث أن التعيين عندنا كما مر خصوصية و كلفة زائدة و لا يتم البيان بالنسبة

إليها يمكن جريان البراءة عنها و خصوص المسألة أيضا خلاف المشهور من حيث‏

العمل و دأب فقهاء العصر و من قبلهم الا من شذ منهم.


546
في الوضوء و الغسل و لكن شك في الغسل أن التولي شرط كما في الوضوء أو يحصل‏

المسبب و لو بدونه أو المسح منكوسا في الوضوء يجوز أم لا و هل يكون سببا أو

يتعين أن لا يكون كذلك فتشخيص أن السبب في ذلك ما هو مشكل.

و الأقوال في جريان البراءة و عدمه مختلف فقول بالبراءة مطلقا و قول بالاحتياط

مطلقا و قول بالتفصيل بين السبب الشرعي و العقلي و العادي ففي الأول البراءة و في‏

الثاني الاحتياط و التفصيل بين كون المسبب مما يتصور له مراتب مثل الوضوء على‏

الوضوء نور على نور فالأصل البراءة و ما لا يقبل المرتبة فالأصل الاحتياط كما هو

التحقيق.

اما القول الأول و هو الاحتياط مطلقا فعن شيخنا النائيني قده في تقريراته(في‏

ص 47 الجزء الرابع)و حاصله ان السبب العقلي مثل نصب السلم للكون على السطح‏

أو العادي مثل رفع المانع لإيصال الماء إلى أعضاء الوضوء فإذا شك فيه يكون‏

القول بالاحتياط فيه واضحا لأن المأمور به في الواقع هو المسبب و أسبابه تكويني‏

لا تناله يد الجعل إثباتا و نفيا بل يحكم العقل بتحصيل ما هو السبب و رفع المانع و لو

كان محتملا.

و اما الأسباب الشرعية فهي أيضا يكون المجعول فيها في الواقع هو المسبب‏

كالطهارة في باب الوضوء و لا يكون الأمر بالمسبب الا الأمر بالسبب لعدم كون السبب‏

و المسبب منفكين فيجب تحصيل المسبب بأي وجه يمكن و لا بد من الاحتياط لتحصيل‏

ذلك و التفصيل في تقريراته.

و الحاصل إذا كان الأمر بالمسبب يكون الأسباب الشرعية كالأسباب العقلية

مما لا تنالها يد الجعل إثباتا أو نفيا فلا وجه لجريان البراءة و كونه سببا شرعيا يكون‏

من جهة جعل الشارع ذلك سببا لذلك المسبب من دون دخل للعقل في ذلك و هكذا

كلام غيره قده.

و الجواب عنه و عمّن هو قائل بهذا المسلك أولا هو أن هنا أيضا يكون مثل‏

الشك في الجزء و الشرط من جهة ان ما تم البيان بالنسبة إليه و هو الأقل يكون وجوبه‏


547
مقطوعا و لكن الأكثر و هو الأقل مع الجزء الزائد يكون مشكوكا و الأصل يقتضى‏

البراءة عنه.

و بعبارة أخرى للمسبب تركان ترك من ناحية الأقل و هو حرام قطعا و ترك من‏

ناحية الأكثر و هو غير حرام لعدم تمامية البيان عليه فلا فرق بين الشك في الجزئية

و الشرطية و الأسباب و المحصلات.

و ثانيا ما ذكره قده يكون تاما بالنسبة إلى المسبب الّذي يكون بسيطا من جميع‏

الجهات لا ما يتصور له مراتب فان الوضوء مثلا مما له مراتب و كاشفه ان الوضوء

على الوضوء نور على نور فإذا شك في أسبابه فما هو مقطوع السببية يجب الإتيان‏

به و ما ليس كذلك فلا يجب الإتيان به لأنا لا نعلم ان التكليف بالمرتبة العليا هل يكون‏

حتى يلزم الاحتياط أولا و الأصل يقتضى البراءة و اما في المسبب الّذي لا يكون له‏

مراتب و كان بسيطا محضا كما لو فرض الوضوء كذلك و يقال لا يحصل المسبب الا

بعد تمام الاجزاء و الشرائط فلما ذكره قده وجه مع قطع النّظر عن ساير الإشكالات.

و ثالثا ان في المقام يجب التفصيل بين كون العلم الإجمالي علة تامة أو مقتضيا

فعلى الأول يجب الاحتياط و على الثاني يجري البراءة و هو قده ممن هو قائل بالاقتضاء

فيجب ان يقول بالبراءة و ان قلنا بأنه البسيط و لا مرتبة فيه.

و بيان ذلك ان إتيان الأكثر مع ترك الأقل يكون مقطوع الكفاية و الاجزاء

و إتيان الأقل مع ترك الأكثر يكون مشكوك الحرمة و الأصل يقتضى البراءة عنه و لا

معارض له لعدم جريان الأصل بالنسبة إلى الأقل لأنه المقطوع كما ان ترك الأطراف‏

أيضا مقطوع الحرمة و اما على العلية1فحيث لا نظر إلى جريان الأصل فيجب‏

الاحتياط على فرض وجود العلم الإجمالي و اما على فرض القول في باب الأقل‏

و الأكثر بالعلم التفصيلي و الشك البدوي فلا فرق بين مسلك الاقتضاء و العلية لعدم‏

1أقول هذا ما ذكرته له بعد الدرس و صدقني فلذا جعلت في تقرير كلامه‏

مد ظله و كان ظاهرا مما مر من مبناه أيضا.


548
العلم الإجمالي من رأس.

فتحصل ان الأسباب و المحصلات في ماله مرتبة من المسببات و ما يكون بسيطا

محضا يجري البراءة بالنسبة إلى الجزء المشكوك فيها كما في الجزء و الشرط لأنه‏

أيضا يرجع إلى تحصيل الغرض.

و اما القائل بالاقتضاء فله الفرق في الشك في المحصل و الشك في غيره و ليس‏

للقائل بالعلية الفرق هذا هو التوهم و اما الجواب فهو ان قول صاحب الفصول يكون‏

في صورة كون المأمور به الأسباب و يمكن تصور الأقل و الأكثر و جريان الأصل‏

فيه بخلاف تعلق التكليف بالمسبب.

ثم ان صاحب الفصول قده فيما تقدم قال بالاحتياط في باب الأقل و الأكثر من‏

ناحية الشبهة في تحصيل الغرض و في المقام لا تتوهم ان القول بالاحتياط في ما يكون‏

المسبب بسيطا يكون تبعية له لأن الكلام هنا في المسبب الّذي لا مرتبة فيه و لا يتصور

فيه الأقل و الأكثر و كلامه قده كان في السبب و قال بأن تحصيل غرض الأقل لا يمكن‏

الا بإتيان الأكثر و هو غير تام لوجود المرتبة في الأقل و الأكثر فيما يكون سببا و الأصل‏

يقتضى البراءة عن الزائد.

و بعبارة أخرى القائل بالعلية في العلم الإجمالي و الاحتياط فيما سبق يجب‏

ان يقول بمقالة صاحب الفصول.

هذا تمام الكلام في باب الأقل و الأكثر من ناحية الشبهة الحكمية و لا فرق بين‏

كونها وجوبية أو تحريمية من ناحية فقد النص أو إجماله أو تعارض النصين.

الفصل الثاني‏

في بيان حكم الأقل و الأكثر في الشبهات الموضوعية

و قد تعرض(في الرسائل ص 268 المسألة الرابعة)لها الشيخ قده و مثل لها

بالشك في المحصل بالنسبة إلى الطهارة و قال تلميذه الأجل الآشتياني بالاحتياط كما قال به‏


549
أيضا و قال بعض الناظرين إلى كلامه قده‏1انه لم يتصور الأقل و الأكثر في الشبهات‏

الموضوعية و لذا تمسك بالشك في المحصل في المثال و لكن يمكن تصويره في‏

غير هذا أيضا اما في الاستقلالي فكما يقال أكرم العلماء ثم شك في زيد انه عالم‏

أم لا فان كان عالما يجب لنا إكرام أحد عشر فردا و ان لم يكن عالما يكفي إكرام‏

العشرة فزيادة المتعلق موجب لزيادة التكليف و نقصه موجبا لنقصه.

و اما في الارتباطي فكما يقال بإكرام العلماء و لكن بنحو العام المجموعي بحيث‏

يكون إكرام هذا المشكوك دخيلا في المصلحة على فرض فرديته للعلماء فيرجع‏

1أقول و ظني به قده ان مراده الاحتياط في صورة الشك في مصداق المأمور

به لا الشك في متعلق التكليف و لا شبهة ان الأصل يقتضى الاحتياط فإذا أمر بالصلاة

و شك في ان الاجزاء في الخارج هل كان هو الأقل أو الأكثر يجب الاحتياط للاشتغال‏

اليقينيّ و الواجب تحصيل الفراغ اليقينيّ كما عليه الكل.

كما ان الإكرام كذلك إذا كان حدوده و قيوده معلوما و شك في إتيانه في‏

الخارج.

و اما مثل العلماء الّذي هو متعلق الإكرام فالشك فيه يكون من الشك في المصداق‏

المعروف الّذي يكون الأصل فيه البراءة و مثال الشيخ فيه مسامحة في التعبير و ليس‏

مراده الشك في المحصل فقط لأنه مثل الصوم بين الهلالين الّذي لا يكون الشك فيه‏

شكا في المحصل في أكثر الموارد.

و ملاحظة عبارات الرسائل أيضا يرشدك إلى هذا المعنى فان قوله فشك في‏

جزئية شي‏ء للوضوء أو الغسل الرافعين إلخ يعلم منه ان المراد ليس الشك من جهة

الحكم لأن المفروض الشبهة الموضوعية فمعنى هذه العبارة يكون الشك‏

في الجزئية من حيث المصداق الخارجي مثل ان يمسح على الرّجل أو الرّأس في‏

الوضوء فشك حينئذ انه صار مصداق المسح الصحيح الّذي يكون من أجزاء الوضوء

أم لا فان اللازم ان الاشتغال اليقينيّ يقتضى القول بوجوب الفراغ و التكرار لذلك‏

فما صدر عن الاعلام منهم النائيني(قده)من الإشكال على الشيخ قده في غير محله‏

ظاهرا فافهم و اغتنم.


550
الأمر إلى الأقل و الأكثر.

أقول الاحتياط في المقام بهذا النحو من التصوير لا يخلو من وجهين و كلاهما

غير تام الأول أن يكون بيان الكبرى كافيا في التطبيق أيضا و هذا في كل شبهة مصداقية

و معلوم أن التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية لا يصلح فان الشبهات البدوية

كلها كذلك و لا يقال بالاحتياط فيها فان الشك في حرمة هذا المائع من باب عدم‏

العلم بكونه خمرا مع العلم بحرمة الخمر يكون مجرى البراءة بالاتفاق.

الوجه الثاني أن يكون القول بالاحتياط من ناحية الشك في الزائد مع كون‏

العام مجموعيا و ارتباطيا فنكتة الاحتياط الارتباط و هو أيضا مجرى البراءة كما مر

بيانه فلا مناص للقول بالاحتياط إذا كان الشك في المحصل و الشيخ قده مع جلالة

شأنه لا يقول بالاحتياط فيما ذكروه لأن كل شبهة بدوية يرجع امرها إلى الأقل و الأكثر

و لا يكون الأصل فيها الاحتياط.

ثم من الثمرات الفقهية لهذا البحث ما إذا تردد اللباس بين كونه من وبر

ما لا يؤكل لحمه أم لا فان الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه حرام و هذا التكليف معناه‏

مانعية هذا النوع من اللباس للصلاة و لا فرق في هذا الباب بين كون الأقل و الأكثر

في التكليف الاستقلالي أو الغيري ففي هذا المثال يقال ان النهي عن الصلاة في وبر

ما لا يؤكل ينحل إلى جميع افراد اللباس المعلوم كونه من وبر ما لا يؤكل.

فإذا شك في انحلاله إلى هذا الفرد يكون مرجعه إلى الشك في مانعية هذا

الزائد فإذا جرى أصالة عدم المانعية و البراءة عن التكليف يصح الصلاة فيه و إذا

أخذ ترك اللباس بجميع أعدامه في الصلاة أيضا يكون الأصل البراءة لأن عدم‏

الجميع ينتزع من عدم كل فرد فإذا شك في ذلك فلا يكون عدمه دخيلا لكونه‏

مشكوكا.

نعم لو أخذ ترك وبر ما لا يؤكل بنحو السالبة المعدولة شرطا للصلاة يجب ترك‏

جميع الافراد حتى المشكوك مثل ان يكون لسان الدليل يجب أن يكون المصلى‏

غير لابس لغير المأكول فأن إحراز كونه غير لابس لا يمكن الا بترك المشكوك أيضا


551
لكن الدليل ليس كذلك فان قوله عليه السّلام لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه‏

لا يكون معناه بهذا النحو و الظاهر أن هذا اللباس مانع وجوده لا أنه يجب الاتصاف‏

بعدم لبسه.

فما توجه إليه القدماء من القول بالاحتياط في المقام كما كان إلى زمان الميرزا

محمد تقي الشيرازي قده لا وجه له و الحق من بعده من القول بالبراءة و لعل نظرهم‏

إلى الاحتياط في الشبهات الموضوعية بنحو ما مر و قد مر عدم تمامية قولهم بالاحتياط

في صدر البحث عن الشبهات الموضوعية في باب الأقل و الأكثر.

الفصل الثالث:في البحث عن الأقل و الأكثر من باب إجمال النص كما إذا قيل‏

إكرام العلماء و لا ندري أن هذا الإكرام يكون المراد منه الضيافة أو هي مع إعطاء

الدراهم أيضا أو يكون المراد من العلماء الأعم من النحويين و الفقهاء أو يختص‏

بالفقهاء فحينئذ حيث لا يكون متعلق الإكرام عنوان العلماء بل كل فرد فرد يكون‏

تحت الخطاب يكون تصور الأقل و الأكثر فيه بمكان من الإمكان.

و اما موضوع التكليف مثل الإكرام فيكون وجوده الزعمي قابلا لتصوير الأقل‏

و الأكثر لا الوجود الخارجي لأن الخارج يكون ظرف سقوطه و لا يتصور فيه الأقل‏

و الأكثر و مثاله ما تقدم في دوران الأمر بين كون الإكرام بالضيافة أو مع إعطاء الدراهم‏

و الأصل هنا أيضا البراءة.

الفصل الرابع:في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر من جهة تعارض‏

النصين.

مثل أن يكون الشك من جهة دلالة نصّ على جزئية هذا الشي‏ء و الاخر على‏

عدم الجزئية فان كان المقام داخلا في اخبار العلاج عند التعارض فمقتضاه التخيير

و لا تصل النوبة إلى الأصل و اما على فرض عدم الشمول بأن يكون في مورده إطلاق‏

يقتضى أصالة عدم تقييده عدم جزئية هذا المشكوك فائضا يكون المرجع هو هذا


552
الإطلاق و على فرض القول بالتعارض و التساقط فتصل النوبة إلى الأصل فعنوان‏

هذا يكون من هذه الجهة منوطا ببيان الأصل في المسألة.

و اما ما أطال الشيخ قده من وجود العموم و عدمه في مورد المتعارضين و أن‏

المرجع هو العموم أم لا فلا نطيل البحث فيه هنا لأنه مربوط بالبحث عن اخبار

العلاج و سيأتي الكلام فيه.

ثم ينبغي التنبيه على أمور

الأول في الشك في مانعية شي‏ء و قاطعيته أو في وجوده‏

اعلم انه‏1إذا شك في مانعية شي‏ء كالقهقهة للصلاة أو قاطعيته كالحدث في‏

الصلاة فهل يكون مرجعه إلى باب الشروط من حيث كونه من الأقل و الأكثر في‏

الشروط و يكون القول بالاحتياط أو البراءة حسب ما مر في باب الشك في شرطية

شي‏ء للمأمور به أو لا يرجع إليه فيه خلاف.

ربما يقال الشك في المانعية و القاطعية يرجع إلى الشك في كون عدم هذين‏

أي المانع و القاطع شرطا للمأمور به أم لا فعلى القول بالاحتياط فيه يجب القول به‏

هنا أيضا و الا فلا و هذا الكلام صدر عن بعض الأصوليين الّذي يكون من الفلاسفة أيضا

1أقول هذا الأمر لا يكون البحث عنه مستقلا في الرسائل و الكفاية و تقريرات‏

النائيني قده و لا في تقريرات العراقي على ما حكى الأستاذ عنه و لم تحضرني بل مما

أفرده بالبحث شيخنا مد ظله لكثرة الفائدة و يوجد في مطاوي كلماتهم في حكم‏

الزيادة العمدية ففي تقريرات النائيني في الجهة الثانية في مقام بيان حكم الزيادة

الجزء الرابع ص 78 و 79 يوجد بعض الكلام و في الرسائل في ص 270 قد أشار

إلى شرطية عدم المانع دون القاطع قبل تنبيهات الأمور المتعلقة بالجزء و الشرط في‏

ذيل القسم الثاني من الشك في قيدية شي‏ء للمأمور به و شطر من الكلام في الفرق بين‏

القاطع و المانع في طي المسألة الثانية في زيادة الجزء عمدا في ص 274 بقوله و حاصل‏

الفرق بينهما إلخ.


553
و هذا كلام عجيب لأن العدم لا يكون له الأثر أصلا مع أن الشرط اما ان يكون‏

متمم فاعلية الفاعل أو قابلية القابل و العدم لا يصير متمما لشي‏ء.

أو قيل في مقام الفرق بين القاطع و المانع ان الأول يكون وجوده موجبا

لاضمحلال الصورة المركبة في المركب و المانع يكون عدمه شرطا في تأثير

المقتضى فوبر ما لا يؤكل الذي هو المانع يكون عدمه شرطا للصلاة و القهقهة وجودها

يكون موجبا للاضمحلال.

و الجواب عنه هو أن العدم لا تأثير له كما مر ليصير عدمه شرطا لتأثير المقتضى‏

كما مر و عن بعض الفقهاء (1) ان المانع يكون وجوده مضرا في أحوال الصلاة

دون أكوانها بخلاف القاطع فلو فرض تلبس الشخص في وسط الصلاة بشعر الهرة

فأزاله و أتم الصلاة لا يكون هذا مضرا بخلاف مثل الحدث و القهقهة فان ذلك شرط

أكوان الصلاة فإذا كان حدوثه في الصلاة يوجب بطلان العمل من أوله إلى آخره‏

مع كونهما مشتركين في المنع عن اقتضاء المقتضى.

و الجواب عن هذا الفرق أيضا هو أن المانع الأعم من كونه مانعا للأحوال‏

حين الأعمال و من كونه مانعا في الأكوان و الأحوال يتصور و يجب ملاحظة لسان‏

الدليل فان دل على العموم فهو و ان دل على الخصوص فهو.

فلا يكون هذا فارق المانعية و القاطعية و لو شك في كونه مانعا للأحوال‏

و الأكوان أو لخصوص الأحوال فقط فحيث يكون من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر

فالأصل يقتضى البراءة عن الأكثر فالحق أن يقال ان المانع هو الّذي يوجب وجوده‏

منع المقتضى عن اقتضائه من حين وجوده و القاطع هو الّذي يوجب وجوده‏

اضمحلال صورة المركب من أول وجوده و هذا يكون في المركبات التي يكون‏

لها صورة اتصالية مثل الصلاة و الوضوء لا ما لا يكون كذلك مثل الحج و الغسل‏

و يختلف حسب اختلاف الأدلة.

1)هذا عن الشيخ قده في الرسائل في ص 274 فان شئت فارجع إلى ذلك.

554
فتحصل ان حاصل الأقوال في القاطع و المانع ثلاثة:الأول كون عدمهما شرطا

للمركب و هو قول شيخنا النائيني قده:و الثاني أن يكون القاطع وجوده ضارا

بالمركب و المانع عدمه شرطا له كما عن العراقي قده:و الثالث أن يكون وجودهما

ضارا للمركب كما هو التحقيق.

و صور الشك عديدة و المهم هو صورة الشك في كون الأمر الفلاني قاطعا

للمركب أو مانعا له أم لا مثل البكاء فدرجة منه قاطعة و درجة غير قاطعة و درجة

مشكوك القاطعية.

و الشك تارة يكون في قاطعية الموجود و مانعيته و تارة في أصل وجود المانع‏

أو القاطع فإذا كان في اليد خاتم لا ندري أنه مانع عن وصول الماء إلى البشرة أم‏

لا يكون الشك في مانعية الموجود و إذا كان الشك في أصل حدوثه يكون الشك‏

في أصل الوجود.

ثم ان البحث عن القاطع و المانع على فرض كون عدمهما شرطا كما هو مسلك‏

شيخنا النائيني أو على فرض كون وجودهما ضارا بالمركب يكون في مسألة واحدة.

و اما على فرض شيخنا العراقي بإرجاع القاطع إلى شرطية العدم و إرجاع‏

المانع إلى مضرية الوجود فالبحث في مقامين احتراما له قده.

المقام الأول في البحث عن الشك في القاطع و هو اما يكون في قاطعية

الموجود أو أصل وجوده:المقام الثاني في البحث عن المانع و هو أيضا على‏

قسمين مثل القاطع.

اما الشك في أصل وجود القاطع فالأصل يقتضى البراءة عنه سواء كانت‏

الشبهة حكمية أو موضوعية على مسلك شيخنا النائيني قده لأن امره يرجع إلى شرطية

هذا العدم للمركب أم لا فيرجع الأمر إلى الأقل و الأكثر لأن الشرط أيضا يكون‏

زيادة في المركب و الأصل كما مر هو البراءة عن الزائد1.

1أقول لو لم يرجع إلى الأقل و الأكثر أيضا يكون الأصل غير مشكل لأن‏


555
و له أيضا استصحاب عدم القاطع أيضا و له حالة سابقة نعتية و هو الحالة التي‏

كانت قبل الدخول في المركب و حيث أن إثبات العدم يكون شرطا للمركب يكون‏

هذا الأثر الشرعي موجبا لجريان هذا الأصل.

و اما على التحقيق من أن القاطع وجوده ضار و كذا على مسلك شيخنا العراقي‏

في القاطع بخصوصه فلا يكون الاستصحاب جاريا لعدم إثبات اتصال الاجزاء

السابقة و صحتها بذلك لأنه من آثاره العقلية و لا يجري البراءة أيضا لأن الشك لا يرجع‏

إلى الأقل و الأكثر و انما يرجع إليه على فرض دخالته في المركب بنحو شرطية

العدم و هو خلاف مسلكنا كما مرّ.

فلا بد لنا من التمسك باستصحاب بقاء الهيئة الاتصالية للمركب و هو كاف‏

فلنا طريق واحد و هو استصحاب بقاء الهيئة الاتصالية و لشيخنا النائيني طرق ثلاثة

هذا و البراءة و استصحاب عدم القاطع الا أنه أشكل في استصحاب الهيئة و هو غير وارد

كما سيجي‏ء.

لا يقال‏ (1) ان اجزاء المركب كلما وجد جزء منها كان الجزء المتقدم معدوما

و الاجزاء المتقدمة في الوجود كيف يمكن تصوير الاتصال و الهيئة فيها.

لأنا نقول هذا إشكال في جميع التدريجيات مثل بقاء الليل و النهار في الاستصحاب‏

و التدريجيات يكون أول جزء منها في الوجود كاف في الاستصحاب عرفا فهكذا في‏

مثل الصلاة و غيرها مما يؤتى به في عمود الزمان.

جعل القاطع أيضا كلفة و ضيق على المكلف و الأصل جار في الشك في الأمور الوضعيّة

كما في التكليفية.

و اما الشك في وجود القاطع موضوعا لا حكما فيكون مجرى استصحاب‏

العدم لا البراءة نعم الشك في قاطعية الموجود يكون الأصل فيه البراءة لأنها شبهة

موضوعية أو بتعبير آخر شبهة مصداقية للقاطع.

1)هذا البحث في تقريرات النائيني قده ص 78 و 79 من الجزء الرابع.

556
و اما القسم الثاني و هو الشك في قاطعية الموجود مثل الدرجة الخفيفة من‏

الضحك أو البكاء فاستصحاب عدم القاطعية في أول الوجود جار لأنا لا ندري أنه‏

وصل إلى مرتبة شديدة مبطلة أم لا فالأصل عدم الوصول إلى هذه المرتبة و هكذا

أصالة البراءة جارية على مسلك شيخنا النائيني قده لرجوعه إلى شرطية العدم و اما

على مسلكنا فلا يجري الاستصحاب لأنه مثبت و لا البراءة لعدم الرجوع إلى الأقل‏

و الأكثر و أصالة بقاء الهيئة الاتصالية هي الطريق لنا فقط هذا.

و لكن الفقهاء يفرقون بين المقامين فانهم في الشك في أصل وجود القاطع و المانع‏

يتمسكون بالأصل و لكن في الشك في مانعية الموجود لا يتمسكون به و له سرّ سيجي‏ء

ثم ان الشيخ قده ممن يرجع المانع إلى ما يكون عدمه شرطا في المركب و في‏

القاطع يقول بأن وجوده مضرّ بالهيئة الاتصالية و في مقام الشك في وجود القاطع‏

يقول بجريان استصحاب بقاء الهيئة الاتصالية.

و حاصل كلامه‏1بتقريب منا هو أن الأمر بالشي‏ء و البعث إليه على وجه‏

القيدية للمركب ينتزع منه الجزئية و الشرطية و الزجر عن الشي‏ء بالنهي عنه يرجع‏

إلى المانعية و القاطعية و لا يستفاد من الزجر شرطية العدم بالنسبة إلى المركب.

فان علمنا بأن عدمه شرط فهو المانع و ان لم نعلم فيكون قاطعا و نحن نقول‏

نحن نعلم بالبرهان عدم إمكان كون العدم شرطا فعلى رجوعه إلى شرطية العدم فالأصل‏

البراءة في مورد الشك و غيرها كما مرّ و في صورة عدم الرجوع إليها فاستصحاب‏

بقاء الهيئة الاتصالية جار.

و هكذا يكون مسلك شيخنا العراقي قده و قد أشكل النائيني قده على استصحاب‏

الهيئة الاتصالية بإشكالات ثلاثة:الأول ان النهي عن شي‏ء لا يستفاد منه أن الهيئة

الاتصالية شرط في المركب فمن الممكن أن يكون الصلاة مثل الحج في عدم‏

1قد مر موضع بيانه في الرسائل قبل البحث عن الشبهات في المقام و لم نجد

هذا النحو من البيان منه قده و كلامه صريح في شرطية عدم المانع في المركب.


557
شرطية الهيئة فيها.

و فيه أن صرف النهي لا يقتضى ذلك و لكن في بعض الأدلة التعبير بالقاطعية

و هذا التعبير يكون كاشفا عن اعتبار هيئة اتصالية و لا يكون الزجر فقط كما أنه يستفاد

القاطعية من قوله لا عمل في الصلاة.

و الثاني انه على فرض تسليم ما ذكر من أين يفهم ان الهيئة تكون مصب الأمر

حتى يمكن استصحابها فانه إذا لم يكن لنا دليل على إثبات ان هذا الأثر من الآثار

الشرعية لا يجري الأصل بالنسبة إليه لأن التعبد انما يتمشى في الحكم الشرعي‏

و الموضوع الّذي يكون ذا أثر.

و فيه ان روح الخطاب بالزجر عن القاطع يرجع إلى وجود هيئة اتصالية في‏

المركب و يكون هذا نقيضها فلو لم تكن تلك الهيئة مؤثرة لم يكن وجه للقول بأن‏

هذا قاطع فيكون حفظ الهيئة تحت الأمر لأن النهي عن نقيضها يلازم الأمر بوجودها.

و الثالث‏1ان الهيئة مع تسليم وجودها و كونها مصب الأمر لا يفيد استصحاب‏

بقائها لأن الشك في بقائها مسبب عن الشك في ان الشي‏ء الفلاني قاطع أم لا فيجب‏

ملاحظة الأصل في السبب ليرفع الشك عن المسبب فيجب الرجوع إلى البراءة عن‏

كونه قاطعا.

أو يقال ان وجود القاطع و عدم الهيئة متلازمان و هكذا عدم القاطع و وجودها.

1أقول هذا الإشكال منه(قده)يكون أهم ما قال هنا و الجواب عنه بأن‏

المطلوب واحد لا نفهمه لأنه لو كان واحدا أيضا يكون الشك في وجود القاطع و عدمه‏

الّذي صار سببا للشك في بقاء الهيئة.

و الترتب و ان لم يكن شرعيا و لكن بالوجدان نرى ان الأصل في المسبب‏

لا يرفع الشك عن السبب و جريان الأصل في السبب اثره الوضعي بقاء الهيئة الاتصالية

و كفى في الترتب الشرعي هذا النحو من الأثر أيضا لأنه على قوله مد ظله عين عدم‏

القاطع و عدم المانع و هما حكمان وضعيان فاستصحاب العدم جار و ليس بمثبت مضافا

بجريان البراءة أيضا على ما مرّ منا.


558
و فيه ان المطلوب واحد و هو مراعاة الهيئة الاتصالية في العمل و ليس لنا

هيئة و قاطع يلاحظ كل واحد منهما على حدة فالمهم هو إثبات بقاء الهيئة الاتصالية

و هي تثبت بالاستصحاب.

هذا كلّه في الشك في أصل وجود القاطع و قاطعية الموجود و لا فرق فيهما

حسب الدليل في مقام الشك من جريان الأصل استصحابا كان أو براءة.

و اما المقام الثاني و هو البحث في المانع:

فالكلام فيه الكلام في القاطع فمثل شيخنا النائيني القائل بأن المانع يرجع‏

إلى شرطية عدمه في المركب كما عن الشيخ و العراقي(قدهما)فيمكن جريان أصالة

البراءة للشك في الجزء الزائد للمركب و هو الشرط و الأصل يقتضى البراءة عنه‏

و هكذا استصحاب عدم المانع لأن اثره إحراز الشرط للمركب و اما نحن فلا يجري‏

على مسلكنا هذا الأصل أي البراءة لرجوعه إلى شرطية العدم‏1و هي ممنوعة لأن‏

العدم لا تأثير له بالنسبة إلى شي‏ء و لا يكون لنا استصحاب بقاء الهيئة الاتصالية لأنها

لا تكون في المانع بل تكون في القاطع فقط من باب إثبات اعتبار هذه الهيئة.

اما عدم إرجاعه إلى الأقل و الأكثر فلان المركب لا يتصف بعدم هذا الجزء فلا

يكون التحديد في المركب بل لا ربط له به من هذه الجهة بل النهي عن التكتف‏

مثلا غيري‏2ينتزع منه الوضع و هو حكم العقل لأن عدم المانع لازمه تأثير

1مر إمكان جريان البراءة في القاطع و هكذا في المانع و نقول به في الشبهة

الحكمية من دون الاحتياج إلى شرطية العدم و إثبات الأقل و الأكثر بل نقول جعل‏

المانع يكون من الأحكام الوضعيّة التي يكون ضيقا على المكلف و الأصل البراءة عن هذا

في مورد الشك.

2أقول معنى النهي الغيري هو ان هذا النهي له دخالة في الغير فكيف يقال‏

لا ربط لهذا بالمركب و من هذه الجهة كان الاعلام في الضيق و جعلوا الشرط هو

العدم و لا يضر انتزاع الوضع من التكليف بحكم العقل ليقال هذا أثر عقلي لا شرعي.

كما ان الجزئية و الشرطية تنتزع بحكم العقل من الأمر فعدم الحرمة التكليفية


559
المقتضى اثره فإذا شك في وجوده يكون الأصل عدم الوجود يعنى الاستصحاب‏

فان هذا الشي‏ء قبل الصلاة لم يكن مانعا مثلا فبعد الدخول فيها أيضا كذلك هذا في‏

الشك في أصل المانع.

و اما الشك في مانعية الموجود كالشك في قاطعية القاطع الموجود فلا يكون‏

مورد جريان الاستصحاب لعدم الحالة السابقة فان هذا الشي‏ء مثل الضحك الخفيف‏

أو التكتف بغير المرتبة المعلومة المانعية لا يكون له حالة سابقة في عدم المانعية حتى‏

يمكن استصحابه.

و اما من ناحية الشبهة الموضوعية فيكون جريان الاستصحاب فيه أيضا غير

مشكل لأن العمل يكون أحد اجزائه بالوجدان و الجزء الاخر بالأصل فانا إذا لم نعلم‏

من باب الشبهة المصداقية ان هذا له مانعية أم لا أو قاطعية أم لا يستصحب عدم تقارن‏

العمل بالمانع و القاطع.

ففرق‏1الفقهاء بين مانعية الموجود و قاطعيته بعدم جريان الأصل فيها بخلاف‏

لا تضر بجريان البراءة بل تجري بالنسبة إلى هذا الحكم الوضعي و قد عرضنا عليه‏

هذه المقابلة و ما قبلها فلم يأتنا بمقنع و كان نظره مد ظله ان هذا تأسيس منه شكر

اللّه سعيه من جهة الدقة هذا أولا.

و ثانيا لو كان الأثر عقليا فكيف يجري الاستصحاب مع انه يحتاج أيضا إلى‏

أثر شرعي فهذا شاهد كفاية كون المستصحب عدمه من الأحكام الوضعيّة لأنه امّا

يكون هو الحكم أو موضوع ذي أثر شرعي.

1أقول على فرض عدم جريان الاستصحاب فأصالة البراءة في الشبهات‏

الموضوعية في الشك في مانعية الموجود جارية على التحقيق من جريانها في المقام‏

الا ان يقال دليل البراءة منصرف عن المورد خصوصا إذا كان مما لا مئونة في الفحص‏

حتى يظهر الحال.

و اما إذا كانت الشبهة حكمية فأصالة البراءة عن جعل الحكم سواء كان الشك‏

في مانعية الموجود أو في أصل الجعل جارية على التحقيق و على مسلكهم أيضا

و هكذا على مسلكه مد ظله من جريان استصحاب العدم هنا.


560
أصل وجود المانع و القاطع في محله بعد فرض عدم اتصاف المركب بعدم ما ذكر

على ما هو التحقيق و اما على فرض الاتصاف بالعدم كما هو مسلك النائيني فيهما أو

في خصوص المانع فقط على مسلك شيخنا العراقي و الشيخ الأعظم فلا فرق للرجوع‏

إلى الأقل و الأكثر.

ثم انه لا فرق في ما ذكرنا من بيان اختلاف المسالك على مسلكهم بين كون‏

النواهي بنحو الطبيعة السارية أو صرف الوجود فانه إذا كان النهي عن التكتف أو

الضحك بنحو الطبيعة السارية يكون مثل النهي عن شرب الخمر فان كل فرد من‏

من افراد الخمر يكون تحت النهي و كل فرد من افراد الضحك و التكتف أيضا يكون‏

تحت النهي و في صرف الوجود يكون النهي عن العدم المطلق فتصوير الأقل و الأكثر

في الطبيعة السارية مما لا إشكال فيه.

فالأصل يقتضى البراءة عن العدم الزائد في المشكوك على مسلكهم و هكذا على‏

نحو صرف الوجود قالوا في العدم الصرف أنه حيث أنه يكون بنحو التدرج يمكن‏

تصوير الأقل و الأكثر ففي أي مورد شك يجزى البراءة.

و قد أشكل على هذا بأن عدم صرف الوجود بسيط لا يتصور فيه التعدد فلا يتصور

فيه الأقل و الأكثر ليكون الزائد مجرى الأصل.

و قد ذهب عنه شيخنا العراقي قده بأن صرف الوجود أيضا يكون له اتساع‏

نعم في الشبهة الموضوعية مع عدم جريان البراءة يكون الفارق بين مانعية

الموجود و أصل الوجود فهذا الفرق أيضا لا يتم على جميع المباني حتى نقول انه‏

سر فتوى الفقهاء بالفرق فيمكن ان يكون وجهه ما ذكرنا من انصراف الدليل.

و لا أدري كيف جعل جريان الاستصحاب ممنوعا فيما سبق لأنه مثبت و تمسك‏

به هنا فان كان على فرض القول بجريانه فلا يفيد هذا الفرق بالنسبة إلى مسلكه أيضا

لأن مسلكه في المقام هو انحصار الطريق في استصحاب الهيئة الاتصالية فلا احتياج‏

له في ذلك إلى وجود الحالة السابقة و عدمها حتى يفرق بين الشك في أصل الوجود

و مانعية الموجود.


561
بحسب اتساع الافراد و صرف العدم أيضا حيث يكون نقيضه يكون متسعا من جهة

الافراد.

و فيه ان هذا خلف لأن فرض صرف الوجود هو عدم وجود الافراد له و العدم‏

يكون بديل هذا الّذي لا افراد له فهو بسيط فكيف يكون عدمه هذا كثيرا و متعددا فعدمه‏

واحد مثل وجوده و الإشكال وارد.

و ما ذكرنا لا ينافي كون الطبيعي عين الفرد فانه عينه في صرف الوجود أيضا

فالفرق بين صرف الوجود و الطبيعة السارية في محله.

ثم مع إرجاعهم المانع أو هو مع القاطع إلى شرطية العدم يبدو إشكال آخر

و هو أن شرطية العدم روحها يرجع إلى الأمر بحفظ هذا الشرط و المستفاد من الأمر

هو صرف الوجود لا الطبيعة السارية فعلى الفرض يجب أن لا يكون الأقل و الأكثر

في الطبيعة السارية هنا متصورا ليكون مجرى البراءة1لتحقق الصرف بالفرد

المعلوم و هذا كاشف عن فساد هذا المبنى و على ما ذكر لا يكون الشك في تحصيل‏

الشرط من الشك في المحصل لأن صرف الوجود يتحقق في ضمن ترك واحد و اما

على ما ذكروه فيرجع إلى الشك في المحصل و يجب ترك جميع الافراد ليحصل‏

العلم بترك العدم المطلق.

نعم لو كان المراد بالعدم العدم الصرف في مقابل صرف الوجود يكون من باب‏

الأقل و الأكثر حتى على مسلكهم بإرجاعه إلى شرطية العدم لأن الشك يكون في‏

شرطية ما زاد عن المعلوم و الأصل البراءة عنه.

1أقول هذا لو كان مفيدا لكان في خصوص الشبهات الموضوعية و اما

الشبهات الحكمية فلا يكون الخطاب بعنوان المانع و القاطع بأن يقال يشترط في‏

الصلاة عدم القاطع و عدم المانع حتى يقال المقطوع يكون كافيا لامتثال الأمر

و المشكوك لا يكون تحت الأمر أصلا.

هذا كله مع ان القائلين يقولون بأن هذا لو رجع إلى الشرط أيضا يكون‏

شرط العدم و صرف العدم لا يتحقق الا بترك جميع الافراد فلا يكون الإشكال عليهم‏


562
الأمر الثاني‏

في بيان الشك في ركنية شي‏ء و عدمها بعد إحراز كونه جزء

و تصوير خطاب‏

الناسي و عدمه.

و هذا الأمر يكون في الكفاية بعنوان الثاني(ص 240)و في الرسائل بعنوان‏

الأول(ص 270)و الحاصل كلهم متعرضون لهذا التنبيه:و الركن هو ما يبطل العبادة

بتركه عمدا أو سهوا.

ثم لا يخفى ان أصل الخطاب مع قطع النّظر عن الدليل الخارجي يقتضى أن‏

يكون الجزء جزء في جميع الحالات لإطلاقه في الدخل فلو كان دخيلا في بعض‏

الأحوال و غير دخيل في بعضه يكون هذا خلاف إطلاق الدخل فما هو جزء سواء

كان نقصه بالسهو أو بالعمد يكون مخلا بالعمل فإطلاق الدليل يقتضى ركنية ما هو جزء

نعم لو كان لنا دليل حاكم نعمل عليه مثل قاعدة لا تعاد في الصلاة هذا بالنسبة

إلى النقيصة و اما بالنسبة إلى الزيادة فإطلاق الدليل لا يتكفل بيان فساد العمل بزيادة

الجزء فلا بد من التماس دليل آخر لذلك مثل قاعدة من زاد في صلاته فعليه الإعادة

فالخطاب الأولى بذاته متكفل للركنية بمعنى مضرية النقص مطلقا لو لا الحاكم‏

و لا يكون متكفلا لبيان الركنية في الزيادة.

إذا عرفت هذا فنقول‏

يجب البحث في مقامين‏
1الأول في نقص الجزء عمدا أو

سهوا و الثاني في زيادة الجزاء عمدا أو سهوا.

و البحث في المقام الأول عن جهات:
الجهة الأولى في أنه هل يمكن أن‏

يكون الناسي مخاطبا بخطاب غير الجزء2المنسي و هو البقية أم لا:

فيه خلاف.

1و الشيخ الأعظم جعل البحث في الرسائل في ثلاث مسائل النقص سهوا

و الزيادة عمدا و الزيادة سهوا.

2أقول البحث اما أن يكون في خطاب الناسي ببقية الاجزاء غير المنسي‏


563
فحاصل ما يستفاد عن الشيخ الأعظم قده هو عدم إمكان خطاب الناسي بعنوانه‏

لأنه إذا قلنا أيها الناسي افعل كذا يصير ذاكرا و خرج عن موضوعية تكليف الناسي‏

و هكذا الإشكال موجود و لو كان الخطاب بعنوان عام مثل يا أيها الذين آمنوا بالنسبة إلى‏

الذاكر و الناسي ففي صورة النسيان لا ينطبق الخطاب العام لانحلاله إلى الافراد.

و قد أجاب الخراسانيّ قده عنه في الكفاية و في الحاشية على الرسائل ص 147

بأن خطاب الناسي ممكن بعنوان ملازم مثل أن يقال أيها المعمم افعل كذا أو أيها المرطوب‏

مزاجا افعل كذا لأن رطوبة المزاج ملازمة للنسيان.

و الجواب عنه قده أن هذا لا يكون دأب العقلاء في الخطابات و الكلام فيما

هو الدارج لا ما هو ممكن فقط.

و قد أجاب ثانيا بأن خطابه ممكن بعنوان عام مثل يا الذين آمنوا الشامل للناسي‏

و الذاكر بالنسبة إلى بقية الاجزاء و لكن يكون الذاكر مختصا بخطاب يخصه فيكون‏

الجزء الاخر تكليف الذاكر بخطاب يخصه و اما في بقية الاجزاء فحيث أن كليهما

ذاكران يكون الخطاب العام شاملا لهما و لا محذور فيه فخطاب هذا الشخص بعنوان‏

ملازم أو خطابه من جهة العنوان العام بحيث يكون هذا أحد افراده ممكن و يكون‏

و اما ان يكون في إمكان خطاب الناسي بالنسبة إلى الجزء المنسي و ما أفاده الخراسانيّ‏

(قده)يكون بالنسبة إلى الأول من جهة تعدد الخطاب أو من جهة العنوان الملازم‏

و اما الجهة الثانية و هي خطاب الناسي بالنسبة إلى الجزء المنسي و إطلاق الخطاب‏

بالنسبة إليه أو شمول فقرة النسيان في حديث الرفع فائضا يجب ان يبحث عنه في‏

المقام فانه مفيد لما سيجي‏ء من البحث في شمول رفع النسيان للمقام أم لا و سيجي‏ء

الإشكال فيه عن العراقي قده.

و الظاهر أن خطاب الناسي لا يمكن بالنسبة إلى الجزء المنسي بأي عنوان فرض‏

لعدم توجه الخطاب إلى الغافل المحض الا أن يقال انه كالجاهل بالجهل المركب‏

فان التكاليف لا تنجيز لها بالنسبة إلى الجاهل و اما أصلها فيكون بالنسبة إليه و الناسي‏

كذلك أيضا.


564
كافيا في وجوب الامتثال و لو كان الالتفات إلى المأمور به بنحو مجمل.