فهرست عناوين
مجمع الافكارومطرح الانظار ج 4

1

3
فهرست عناوين
     الجزء الرابع‏3
     تتمة المقصد السابع في الأصول العملية3
     المقام الثاني في الاستصحاب‏3
     فصل في الاستصحاب‏ و البحث فيه يستدعى تقديم أمور:8
     الأمر الأول في معناه‏8
     الأمر الثاني‏11
     الأمر الثالث في فرق الاستصحاب مع قاعدة المقتضى و المانع و مع قاعدة اليقين‏13
     وهم و دفع‏14
     الأمر الرابع‏15
     الأمر الخامس‏20
     الأمر السادس في تقسيمات الاستصحاب‏22
     في الاستدلال على حجية الاستصحاب‏27
     الوجه الأول الإجماع‏27
     الوجه الثاني‏27
     الوجه الثالث للاستدلال على حجية الاستصحاب و هو العمدة الروايات‏29
     فمنها صحيحة زرارة29
     في عدم اختصاص الاستصحاب بالوضوء34
     في إشكالات دلالة الرواية36
     و منها صحيحة أخرى لزرارة138
     تذييل تنبيهي‏47
     و من الروايات صحيحة ثالثة لزرارة51
     و من الروايات لحجية الاستصحاب ما في الخصال‏56
     و من الروايات مكاتبة علي بن محمد القاساني‏57
     و قد استدل لحجية الاستصحاب بروايات أخرى‏59
     أدلة الأقوال في الاستصحاب‏61
     تتمة في مقدار دلالة الروايات و الشك في المقتضى و الرافع‏61
     في التفصيل بين الأحكام‏ التكليفية و الوضعيّة في الاستصحاب‏67
     النحو الأول‏70
     و من الوضعيات الولاية و القضاوة73
     و من الوضعيات الحجية74
     و من الوضعيات الصحة و الفساد74
     في نتيجة البحث عن الأحكام الوضعيّة في الاستصحاب‏75
     فصل في تنبيهات الاستصحاب‏76
     التنبيه الأول‏76
     التنبيه الثاني‏77
     فنقول و باللّه الاستعانة البحث في هنا في مقامات ثلاث.77
     الأول‏77
     المقام الثاني‏82
     المقام الثالث‏83
     التنبيه الثالث في استصحاب الكلي و الشخصي‏84
     في استصحاب الموضوع الشخصي المعين و المردد84
     و اما استصحاب الكلي فهو على أقسام‏88
     القسم الأول‏88
     القسم الثاني من استصحاب الكلي‏89
     في الشبهة العبائية98
     تتمة100
     في استصحاب الكلي في القسم الثالث‏101
     و هذا على ثلاثة أقسام.101
     الأول‏101
     الثاني‏101
     و الثالث‏101
     تذييل‏104
     التنبيه الرابع‏ في استصحاب الزمان و الزماني‏ و البحث في ذلك في مقامات‏107
     المقام الأول في جريان الاستصحاب‏107
     المقام الثاني‏ في استصحاب الزمانيات المتدرجة110
     المقام الثالث‏ في استصحاب الأمور المقيدة بالزمان‏112
     تتمة116
     التنبيه الخامس‏117
     التنبيه السادس في الاستصحاب التعليقي‏117
     في استدلال المانعين لجريان الاستصحاب التقديري‏119
     في الاستدلال على الاستصحاب التعليقي جوابا عن المانعين‏120
     تتمة في إشكال آخر على الاستصحاب التعليقي‏126
     التنبيه السابع‏ في استصحاب الأحكام في الشرائع السابقة131
     التنبيه الثامن‏135
     و ينبغي التنبيه في الأصل المثبت على أمور143
     الأول‏143
     الأمر الثاني‏144
     الأمر الثالث‏146
     فيما يتوهم كونه مثبتا مع عدم كونه كذلك و هو أمور.146
     الأول‏146
     الثاني‏147
     الثالث‏147
     الرابع‏148
     الخامس‏149
     التنبيه التاسع من تنبيهات الاستصحاب‏153
     التنبيه العاشر من تنبيهات الاستصحاب‏154
     الكلام في الحادثين المتضادين‏162
     نقض في المقام‏163
     التنبيه الحادي عشر165
     التنبيه الثاني عشر في جريان الاستصحاب في الاعتقادات أيضا لأنها من عمل الجوانح‏166
     التنبيه الثالث عشر170
     تتمة في تأسيس الأصل إذا شك في نحو العموم الزماني‏178
     التنبيه الرابع عشر181
     تتمة186
     التنبيه الخامس عشر188
     تتمة في اشتراط بقاء الموضوع في الاستصحاب‏و عدم أمارة معتبرة هناك‏189
     المقام الأول في انه لا شبهة في لزوم اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة في‏ الاستصحاب‏189
     عويصة في كلام الشيخ الأعظم الأنصاري قده‏193
     في مناط الموضوع في الاستصحاب‏196
     الكلام في عدم شمول دليل الاستصحاب لقاعدة اليقين‏199
     بقي في المقام أمور203
     الأول‏203
     الأمر الثاني‏204
     الأمر الثالث‏205
     المقام الثاني في تقديم الأمارة على الاستصحاب‏205
     اما تقريب الورود فهو على وجوه‏208
     فصل‏ في بيان الأصل عند الشك في الأمارية و الأصلية و في قاعدة اليد212
     المقام الأول في اليد التي تكون أمارة للملكية.212
     ثم هنا مسائل‏218
     الأولى‏218
     المسألة الثانية219
     المسألة الثالثة223
     المسألة الرابعة224
     بقي في المقام كلام في قضية الفدك‏229
     بقي في المقام أمر231
     المقام الثاني‏1 في اليد الدالة على غير الملك‏235
     البحث في أمارية يد الكافر على عدم التذكية و عدمها240
     في ثمرة أمارية يد الكافر على عدم التذكية244
     فصل في قاعدة التجاوز و الفراغ‏251
     و البحث هنا في جهات.251
     الجهة الأولى‏251
     الجهة الثانية253
     الجهة الثالثة260
     البحث في تنبيهات قاعدة التجاوز و الفراغ‏261
     الأول‏261
     الأمر الثاني‏265
     الأمر الثالث‏268
     الأمر الرابع‏270
     الأمر الخامس‏271
     الأمر السادس‏271
     الأمر السابع‏274
     الأمر الثامن‏1276
     الأمر التاسع‏ في عمومية القاعدتين لجميع العبادات و المعاملات‏280
     الأمر العاشر283
     الأمر الحادي عشر285
     الأمر الثاني عشر291
     الأمر الثالث عشر297
     في أصالة الصحة في فعل الغير و البحث فيها في ضمن أمور298
     الأمر الأول‏298
     الأمر الثاني‏300
     الأمر الثالث‏301
     الأمر الرابع‏303
     الأمر الخامس‏306
     الأمر السادس‏310
     الأمر السابع‏ في عدم حجية مثبتات أصالة الصحة314
     فروع الشيخ قده في مثبتات أصالة الصحة316
     الأمر الثامن‏ في بيان ورود هذا الأصل أو حكومته على الاستصحاب‏317
     الأمر التاسع‏ في جريان أصالة الصحة في الأقوال و الاعتقادات‏322
     البحث في القرعة و ملاحظتها مع الاستصحاب و غيره‏1325
     في القرعة جهات من البحث‏325
     الأولى‏325
     الجهة الثانية326
     الجهة الثالثة327
     الجهة الرابعة331
     الجهة الخامسة332
     الجهة السادسة333
     البحث في ملاحظة الاستصحاب مع غير القرعة من الأصول غير الاستصحاب‏333
     إشكال و دفع في تتمة معارضة الاستصحاب مع غيره‏337
     في تعارض الاستصحابين‏338
     و المشهور بل المتفق عليه هو تقديم الأصل السببي على المسببي‏339
     بيان العراقي قده في حكومة استصحاب السبب‏342
     توجيه العلامة النائيني لحكومة الأصل السببي‏344
     في وجه تقديم الأصل السببي على المسببي عندنا346
     في حكم الأصول في أطراف العلم الإجمالي‏347
     ففيه صور:347
     الصورة الأولى‏347
     الصورة الثانية في الأصل في أطراف العلم الإجمالي‏353
     الصورة الثالثة354
     الصورة الرابعة356
     تذييل‏358
     المقصد الثامن‏في التعادل و التراجيح‏360
     و البحث ابتداء في أمور:360
     الأمر الأول‏360
     الأمر الثاني في بيان ضابطة التعارض و التزاحم‏363
     فلا بد من إحراز الموضوع ببيانه و البحث هنا في جهات.363
     الجهة الأولى البحث في مقام الثبوت‏363
     في ضابطة التزاحم و التعارض عند النائيني قده‏364
     الجهة الثانية في إثبات التزاحم و التعارض من الخطاب‏369
     الجهة الثالثة في مرجحات باب التزاحم‏374
     الجهة الرابعة في ان التعارض بين الدليلين لا بد ان يكون في مورد واحد378
     في التفصيل في مائز الحكومة و التخصيص‏381
     تذييل في تقديم بعض الأصول اللفظية على بعض‏384
     الجهة الخامسة في ملاك أقوائية الظهور1396
     الجهة السادسة في التعارض بين الأكثر من الدليلين‏409
     مثال انقلاب النسبة في العارية416
     الجهة السابعة في مقتضى الأصل الأولى في المتعارضين‏419
     الجهة الثامنة في الأصل الثانوي في المتعارضين‏431
     و ينبغي التنبيه على أمور436
     الأول‏436
     الثاني‏436
     الجهة التاسعة في المرجحات الخارجية و الداخلية442
     الجهة العاشرة في التعدي عن المرجحات المنصوصة إلى غيرها453
     الجهة الحادية عشر في تقديم الجمع على العلاج‏456
     و ينبغي التنبيه على أمور460
     الأمر الأول‏460
     الأمر الثاني‏ (1) 463
     الأمر الثالث‏469
     الأمر الرابع في البحث عن الشهرة472
     الأمر الخامس‏476
الجزء الرابع‏
تتمة المقصد السابع في الأصول العملية
المقام الثاني في الاستصحاب‏
بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

و به نستعين‏

و صلى اللَّه على محمد و آله الطاهرين و اللعنة على أعدائهم أجمعين‏

إلى يوم الدين.

لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر

أقول تذكرة لنفسي و لمن أراد التذكر انه لا يخفى على أهل البصيرة ان أفضل‏

ما بأيدينا بعد القرآن الكريم من الكلام كلمات النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم و كلمات الأوصياء العظام‏

الأئمة الاثني عشر روحي لهم الفداء و عليهم السلام و يعبر عنها بالسنة و حيث انهم‏

كلمات اللَّه التامات و أسماؤه الحسني بوجودهم يكون كلامهم اللفظي أيضا أتم الكلمات‏

و أمتنها و في المثل كلام الملوك ملوك الكلام فيجب التدبر جدا فيما صدر عنهم عليهم‏

السلام فان كلامهم نور و أمرهم رشد و هو المتن و ساير الكلمات في الحاشية ان أخذ

من معاني كلماتهم و الا فلا وقع لها و لا اعتماد عليها و أي باحث كان في أي امر من الأمور الدينية التي فيها نظام المجتمع و يكون أهم ما بعث له الأنبياء صلوات اللَّه عليهم‏

أجمعين لا بد له من النّظر إلى ما صدر عنهم لأنهم معصومون من الزلل في القول‏

و الفعل و التقرير.

و من هذا الوجه يكون الاخبار روح الفقه و روح الأصول و روح الاعتقادات‏

بعد القرآن الشريف فالحكماء و الفقهاء و الأصوليون و ساير العلماء لا بد لهم من النّظر في كلماتهم أولا ثم التعمق حقه ثم توضيحها كما هو أدب العلماء الشامخين على‏

ما ترى في كتبهم و مؤلفاتهم.


4
و لنا ان نقول كل من كان في صدد إبداع ما لم يوجد فيها لفظا أو معنى و لم يكن‏

مذاقه مذاقهم يفتضح في مدة قصيرة من مؤلف أو ناطق أو باحث أعاذنا اللَّه تعالى من‏

هذا السبيل الّذي فيه هلاك من سلكه و من تبع سالكه و نسأل اللَّه التوفيق لفهم‏

كلماتهم و التدبر فيها بعد التدبر التام حسب الوسع في القرآن العظيم فأن ما لا يصدر

عن الشهوات و الميول النفسانيّة و لم يتصرف فيه أيدي الظلم و الجاهلية و لم يتغيره‏

جو عالم التزاحم و المشحون بالنكبات حقيق بأن نتدبر فيه.

و من هذا السبيل أي سبيل التفكر و التدبر قد مضى عمر جميع كثير من العلماء

رضوان اللَّه تعالى عليهم و شكر اللَّه مساعيهم في تأليف الكتب في الفقه و الأصول و التفسير

و الاعتقادات و سائر العلوم و هذا الأمر صار سببا لأن يصير ما ذكرنا في المتن من قوله عليه السلام لا تنقض اليقين بالشك و أمثاله في عدد من الروايات كتابا قطورا في الاستصحاب‏

و قوله عليه السلام رفع ما لا يعلمون في حديث كتابا قطورا في البراءة و هكذا ساير كلماتهم‏

عليهم السلام صار كل واحد منه سببا لتأليف رسالة و رسالة في القواعد الفقهية

و الأصولية و غيرها و لا محيص بعد عدم التصريح بمواردها في كلماتهم و عدم وصولنا

إليهم عليهم السلام الا أن نبحث و نلاحظ هذا الكلام و ذاك ثم نستفيد من جمعهما شيئا

ليسعنا ان نقول فهمنا هذا الكلام و ذاك فأن أحاديثهم صعب مستصعب من هذه‏

الجهة و من هذا الوجه لا بد من التنبيهات في الاستصحاب و ملاحظته مع ساير القواعد

كقاعدة التجاوز و الفراغ و اليد و أصالة الصحة و القرعة و غيرها و لا يسمع القائل ان‏

يقول فهمت معنى لا تنقض اليقين بالشك الا ان يبين مورده و يجيب عما ظاهره المناقضة

أو المضادة معه و لا يكفى اجتهاد الماضين و فهمهم لمن يكون في صدد الفهم نفسه ففي كل‏

زمان و دورة يجب الفحص و البحث و لا ينتهى أمده ما دام البشر يكون تحت لواء النبوة

و الإمامة إلى يوم القيامة فليس لقائل ان يقول يكفى ما فهموه و ما كتبوه فأن الزحمات‏

التي توجهت إليهم في طول حياتهم لفهم هذه الكلمات و أبرزوها بالكتابة يجب ان‏

تتوجه إلينا لا محالة على العادة حتى نصير مثلهم فكما ان الشيخ الأعظم الأنصاري‏


5
قده و صاحب الجواهر قده و غيرهما من المتأخرين و الشيخ المفيد و الطوسي و السيد

المرتضى و أمثالهم قدس اللَّه أسرارهم من المتقدمين قد أتعبوا أنفسهم طول حياتهم‏

في ذلك حتى بلغوا إلى ما بلغوا يجب ان يكون من يريد أن يكون مثلهم أيضا فضلا

عن كونه أفضل منهم طول حياته في تعب كذلك ليفهم ما فهموه فأن العلم حسب‏

العادة تدريجي الحصول.

ثم ان الكتب في شتى العلوم كثيرة و لا مجال لمطالعة بعضها المعتنى به فضلا

عن جميعها في طول العمر و الأفكار متشتتة و الآراء مختلفة و الخطايا كثيرة في غير ما هو

صادر عن المعصومين صلوات اللَّه عليهم أجمعين فلا بد لمن هو سالك طريق العلم ان‏

يأخذ العلم أولا من الكتاب المحكم ثم السنة ثم من المؤيدين بهما من العلماء

الشامخين الذين هم أهل هذا الفن ممن هو معروف بصفاء الباطن و سلامة الفكر عن‏

الوساوس الشيطانية أعاذنا اللَّه منها.

ثم ان العلم الّذي نريد أخذه من الاخبار المنسوبة إليهم عليهم السلام في غير قليل‏

من الكتب مشوب بالجهل الّذي حصل بدس الدساسين في الاخبار كما لا يخفى و هو

امر مشكل جدا مع غيبة الإمام صاحب الزمان روحي له الفداء بل لو فرض الحضور أيضا يحتاج فهم معاني كلماته عليه السلام مثل كلمات آبائه الكرام إلى حسن القريحة و لطافة

الذهن الّذي لا يحصل إلا بتزكية النّفس و تحصيل الصفاء بالرياضات المشروعة و من هذه‏

الجهة ورد في الأثر عنهم عليهم السلام أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا(في الوسائل‏

باب 9 من أبواب صفات القاضي ج 18 ح 27).

و الحاصل الوصول إلى مبلغ من العلم لا بد له من توجه تام إلى مبدأ العلم‏

بالتضرع إليه و الالتفات إلى ان الفقير بالذات فقير دائما و الغنى بالذات غنى دائما و عدم‏

التكبر بما وجد من قليل من العلم أو الاصطلاح الّذي هو مربوط بالعالم بالذات الّذي‏

يخاطب رسوله الأمين بقول تعالى«سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء اللَّه انه يعلم الجهر

و ما يخفى»ليكون غيره صلى اللَّه عليه و آله و سلم مع غاية ضعفه و فقره في مقابله صلى اللَّه عليه و آله و سلم على بصيرة


6
من الأمر و انه تعالى متى شاء يأخذ ما أعطاه و ان لم يكن الاستثناء في الآية بالنسبة إلى‏

نبيه صلى اللَّه عليه و آله و سلم الا من باب بيان ربط علمه صلى اللَّه عليه و آله مع عظم شأنه بخالقه الواجب بالذات‏

و الواجب في الصفات في مقابل الممكن بالذات و الصفات و هذا الاستعداد هو ما يحصل‏

بمناجاة اللَّه تعالى في الأوقات المناسبة من الليل و النهار و من الإتيان بالنوافل خصوصا

في الليل لأن المقام المحمود يحصل بنوافل الليل الّذي يكون شواغل النهار

فيه أقل كما قال اللَّه تعالى و من الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك‏

مقاما محمودا).

ثم لا يخفى ان فهم كلام واحد ربما يؤل إلى إطالة البحث في جوانبه لصعوبة

طريق فهمه و بعض المعاني بحيث كلما أريد فيه الاختصار يبدو بوجه آخر مفصلا بحيث‏

لو لا التفصيل لم يحصل الوصول إلى معنى ما هو المختصر و في ظني ان المحقق الخراسانيّ‏

قده أراد بتأليف الكفاية في الأصول تحصيل الاختصار في المطالب الأصولية بعد شيخه‏

الأستاذ العلامة الأنصاري قده دفعا لبعض ما يرد على التطويل ثم ترى الكتب عن‏

الاعلام من المجتهدين العظام لتوضيح ما اختصره الّذي لا بد منه في مقام التفهيم‏

و التفهم فشأن بعض المطالب هو التوضيح و التشريح لصعوبته.

لا أقول ان ما بأيدينا من الكتب الأصولية في غاية النظام بل يمكن تنقيح‏

المطالب و تحريره بوجه أحسن و حذف بعض المطالب الّذي الا ثمرة له الأعلمية

و صرف الفكر في وجه عملي له ثمرة أخرى غير العلمية و ان لم يختص أمثال ذلك بعلم‏

الأصول فقط بل ساير العلوم أيضا لا يخلو عنه و لكن مع عدم المجال و كثرة

الاشتغال لا يحصل التوفيق غالبا للإحاطة بالكلمات و تأسيس تنظيم خاص الا للأوحدي‏

من العلماء.

ثم ان التأليف الّذي بين أيديكم في الاستصحاب يكون التفصيل فيه في بعض‏

المطالب بوجه لم يوجد في كتب الأصول كالقرعة من القواعد المبحوثة عنها بالمناسبة

مع الاستصحاب و هو مجمع الأفكار كما سميته به و أشكر اللَّه فيما هداني و وفقني و ما


7
كنت لأهتدي لو لا ان هداني اللَّه تعالى و أرجو من المعصومين صلوات اللَّه عليهم‏

أجمعين سيما الإمام الثاني عشر روحي له الفداء و عليه السلام ان يقبلوا هذا القليل‏

بمنهم و كرمهم فلو لا رضاهم و قبولهم لكنا من الهالكين و أهدي هذا الكتاب إليهم عليهم‏

السلام و أعوذ باللّه تعالى من حبط العمل و سوء العاقبة و السلام على الأعاظم من العلماء

سيما الأستاذ العلامة مد ظله و على إخواني المحصلين الطلاب و العظام و أرجوهم ان‏

لا ينسوني من الدعاء و طلب المغفرة و الحمد لله كما هو أهله المؤلف‏


8
بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين‏

و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

اما بعد فهذه تقريرات بحث شيخنا العلامة الفهامة آية اللَّه العظمى الحاج ميرزا

هاشم الآملي أطال اللَّه بقاء وجوده الشريف أبا للعلم و التحقيق مع ما بلغ إليه النّظر

بعد البحث و الفحص بقدر الوسع و المجال في تذييلاتها من مؤلفه محمد علي الإسماعيل پور

الشهرضائي القمي و نسأل اللَّه التوفيق فأنه خير رفيق و هو حسبي و نعم الوكيل.

فصل في الاستصحاب‏

و البحث فيه يستدعى تقديم أمور:

الأمر الأول في معناه‏
في نظر الشرع و تعريفه و أن لم يكن له فائدة لعدم الاحتياج إليه‏

بعد ما كان المراد معلوما و لا وجه للنقض و الإبرام فيه سواء كان من الأمارات أو من الأصول‏

التعبدية أو الأصول المحرزة و لا نحتاج إلى بيان تعريف جامع ينطبق على جميع المباني‏

في سند حجيته مثل كونه هو الاخبار أو بناء العقلاء أو حكم العقل و لكن لا بأس‏

بالإشارة إليه كما فعله الشيخ قده و قال أنه إبقاء ما كان و قد تعرض لهذا التعريف‏

شيخنا العراقي قده و قال كما قال الشيخ بأن هذا التعريف أسد و أخصر اما أخصريته‏

فواضحة و أما أسديته فلانطباقه على جميع الإسناد في الاستصحاب لأنه لو كان حجة

مثل حجية الخبر الواحد فيكون معناه الحكم بالبقاء لقوله عليه السلام لا تنقض اليقين‏

بالشك فأن معناه هو ذا و لو كان السند بناء العقلاء فهم أيضا يحكمون بالبقاء على ما كان فزيد محكوم مثلا بالرجوع إلى داره و عدم الحكم بخرابه إذا شك فيه و هكذا لو كان السند هو العقل فأنه يدرك ان ما كان يكون باقيا على ما كان للملازمة بين‏


9
الحدوث أو البقاء فع

لى هذا لا يرد عليه الإشكال مطلقا لا نحافظ معنى البقاء في الجميع‏

و لكن‏1يرد عليه أن المراد بالاستصحاب أن كان هو فعل الآمر فيكون هو الحكم‏

بالبقاء أو الإبقاء لا نفسه فأن فعله ليس الا النهي عن نقض اليقين بالشك و أن كان‏

المراد به فعل المأمور فهو ليس الا الجري العملي على البقاء لا نفسه هذا لو كان السند

الاخبار و لو كان السند بناء العقلاء فهو ليس الا الجري العملي على البقاء و لا يكون‏

لهم حكم به ضرورة أنا نرى عملهم في الخارج و رجوعهم إلى منازلهم و لا نرى منهم‏

الحكم بالإبقاء و أفضح من ذلك إذا كان سنده العقل فأنه لا وظيفة له الا الدرك و هو ليس‏

البقاء و الإبقاء.

و ثانيا أن الاستصحاب يطلق عليه الحجة فأن كان هو فعل المأمور فليس هو

الحجة لأنه ليس الا الجري العملي و أن كان فعل الآمر فهو مدلول الحجة لا نفسه‏

و لا يصدق على مفهوم الإبقاء الحجة و هكذا لو كان الحاكم هو العقل أو العقلاء فلا ينطبق‏

هذا التعريف على جميع الأسباب للحجية من الاخبار و بناء العقلاء و العقل و لا على‏

فعل المأمور و لا على فعل الآمر.

1أقول يمكن رفع الإشكال بأن معنى الإبقاء على أي تقدير يكون منحفظا بيانه‏

أن الاستصحاب لا يكون فعل الأمر لأن فعله ليس الا النهي عن النقض و لا يقول به العراقي قده‏

أيضا فهو فعل المأمور و هو الجري العملي و يصدق عليه أنه إبقاء يعنى بلحاظ الأثر و الا

فالوجود التكويني في النّفس هو الشك فهو نفس الإبقاء و هكذا و لو كان السند بناء العقلاء

و العقل و للعقلاء الحكم كما ان للعقل أيضا حكم عقلي مع الجري العملي أيضا فإنكار الحكم‏

العقلائي أيضا فيه خفاء ثم إطلاق الحجة على الجري العملي يكون بلحاظ سنده كما أنه‏

إذا قيل خبر الواحد حجة معناه أن سنده الحجة و الا فالخبر خبر و الاستصحاب استصحاب‏

فإطلاق الحجة بهذا اللحاظ مما لا إشكال فيه و بلحاظ نفس الإبقاء و أن لم يطلق عليه الحجة

و لكن باعتبار سنده تطلق عليه و هذا هو مراده قده و الأستاذ مد ظله أيضا اعترف بعد الدرس‏

بإمكان الدفع كذلك و كلامه هنا يكون جريا على البحث في المطلب لا على ما هو الحق.


10
و لذا عرفه النائيني قده بتعريف آخر حيث رأى ورود الإشكال على هذا التعريف‏

بأنه حكم شرعي ببقاء الإحراز السابق من حيث اثره و هو الجري العملي على طبقه‏1

فبين قده مائزه من ساير الأصول بأنه حكم ببقاء الإحراز فأن البراءة حكم تعبدي‏

لا يكون فيها جهة الإحراز و مائزه من الأمارات هو أن الموضوع فيه الشك و فيها

يكون المورد هو الشك و فيه أن مبناه قده على أن سند الحجية هو الاخبار فقط و يكون‏

اليقين في قوله عليه السلام لا تنقض اليقين بالشك مرآتا عن المتيقن و معناه ترتيب آثار

المتيقن على المشكوك تبعا للشيخ قده و على هذا لا ينطبق هذا التعريف لأنه يكون‏

عليه هو الحكم الشرعي بالمحرز و هو المتيقن لا الحكم الشرعي بالإحراز.

نعم ينطبق على مسلكنا في ذلك عملا بظهور الرواية و هو أن اليقين لا ينقض‏

بالشك فكل أثر يكون على اليقين نفسه و على المتيقن الّذي يكون اليقين مرآتا

بالنسبة إليه يترتب عليه فأن بعض الآثار يكون لخصوص اليقين فأنه إذا كان جزء

الموضوع يكون اليقين الّذي استصحب مقامه لأن المفروض أنه باق و هذا لا يترتب‏

على القول بتنزيل الأثر في المتيقن فقط لأن لازمه هو بقاء المتيقن بحكمه على‏

ما هو عليه لا اليقين و من مفاسد مبناه هو عدم حكومته على البراءة أيضا لأن الإحراز

الّذي هو الفارق لا يكون ثابتا به و منه عدم جواز الصلاة مع استصحاب الطهارة لأن‏

شرطها هو الطهارة الواقعية و هي لا تثبت بواسطة تنزيل المشكوك منزلة المتيقن.

و ثانيا أنه لو كان هو الحكم ببقاء الإحراز لا ينطبق على ما هو فعل المأمور و هو

1هذه العبارات من كتاب أجود التقريرات للعلامة الخوئي مد ظله ص 343 و لكن‏

تعبيره في فوائد الأصول(تقرير الشيخ محمد علي الكاظمي قده)بنحو آخر و هو قوله فالأولى‏

في تعريفه أن يقال أن الاستصحاب عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق المتعلق بالحكم‏

أو الموضوع من حيث الأثر و الجري العملي بالشك في بقاء متعلق اليقين و هذا المعنى ينطبق‏

على ما هو مفاد الاخبار إلخ و قد رأيت أن اشكاله مد ظله يكون على التعبير في الأجود و تعبيره‏

في الفوائد خال عنه.


11
الجري العملي لأنه ليس هو الحكم.

و ثالثا على فرض عدم إثبات الإحراز لا يكون له الفرق مع ساير الأصول فهو

مثل قاعدة الطهارة و الحلية من الأصول الغير المحرزة و لكن على ما هو التحقيق من‏

تنزيل اليقين ينطبق التعريف بوجه.

ثم أن بعض الأعيان قده قال بأن دليل الاستصحاب أن كان الاخبار فهو من‏

الأصول العملية المحرزة و أن كان بناء العقلاء فهو ليس الا الجري العملي فقط و أن‏

كان العقل فيمكن إطلاق الحجة عليه لأنه مما يحتج به.

و فيه أن المستفاد من الاخبار بناء على تنزيل الشك منزلة اليقين هو حجية

الاستصحاب و اما بناء على تنزيل المتيقن منزلة المشكوك فهو أصل عملي لأن المراد به‏

ترتيب الآثار للمتيقن و لا يكون مثل اليقين التنزيلي حجة و اما على فرض كون الدليل‏

بناء العقلاء فهو و أن لم يكن الا الجري العملي و لكن كيف لا يطلق عليه الحجة كما يطلق على الخبر الواحد فأن سنده و لو كان بنائهم أيضا و لكن إطلاق الحجة عليه‏

مما لا كلام فيه و الاستصحاب على الفرض أيضا يكون كذلك و الحاصل إطلاق الحجة

عليه على التقادير و على مذهب التحقيق من تنزيل اليقين فيه لا إشكال فيه.

الأمر الثاني‏
1في أن الاستصحاب يكون من المسائل الأصولية أو الفقهية

أو من المبادي أو يكون التفصيل بين الأحكام و الموضوعات بالقول بكونه أصولا

في الأول فقط فيه خلاف و المراد بالمسألة الأصولية هو ما يقع نتيجته كبرى للصغريات‏

الفقهية من الأحكام كما هو مفاد الأمارات أو يكون منتهيا إلى العمل و تعيين الوظيفة

كما في الأصول فأنها تكون في مقام بيان وظيفة المتحير عند الشك،و التحقيق عندنا

هو أن البحث إذا كان عن حجية شي‏ء يكون أصوليا و ان كان في تطبيق ما هو الحجة

على الموارد فيكون فقهيا و لا شبهة في أن البحث عن حجية الاستصحاب من المسائل‏

1أقول و لا يخفى عدم وجود الثمرة لهذا البحث في الفقه و لا فائدة له الا

تقوية الفكر.


12
الأصولية كما أن البحث عن حجية الخبر الواحد أيضا يكون أصوليا انما الفرق‏

بينهما في أن ما يستفاد من الخبر الواحد يكون حكما من الأحكام لأنه أمارة و لكن‏

ما يستفاد من الاستصحاب و غيره من الأصول يكون بيان وظيفة الشاك فيقال في الأول‏

هذا مما أخبر بوجوبه الثقة و كل ما أخبر بوجوبه الثقة يكون واجبا فهذا واجب‏

و في الاستصحاب أيضا يقال هذا مما له حالة سابقة يقينية و كل ما كان كذلك يجب‏

عدم نقضه بالشك فهذا يجب عدم نقضه بالشك و لا يخفى أن دخل الاستصحاب في‏

الفقه يكون قريبا و دخل الصرف و النحو و المنطق يكون بعيدا و لهذا يكون البحث‏

فيه من الأصول و البحث فيما ذكر من المبادي و هذا هو الفارق بينه و بين ساير العلوم.

و توهم أن المسألة الأصولية هي التي تكون في الأحكام الكلية و يكون‏

مهارها بيد المجتهد و ما يكون مهاره بيد المقلد فليس من الأصول بدليل أن الفحص‏

عن المعارض و عن الدليل في الاستصحاب و غيره يكون من شأن الفقيه و لاحظ للمقلد

فيه بخلاف مثل استصحاب طهارة الشخص لثوب نفسه أو استصحاب حياة زيد فانه‏

يكون شأن المقلد أيضا.

مندفع لأن البحث عن دليلية الدليل هو الأصول و التطبيق تارة يكون بيد

المجتهد مثل تطبيق الدليل على الموارد الخاصة و قوله بجريان الاستصحاب مثلا

في هذه الواقعة من جهة الحكم و تارة يكون بيد المقلد مثل استصحاب الحياة بعد

أخذ حجيته عن المجتهد و هذا هو الوجه لرد هذا التوهم.

و لا يرد عليه ما يقال من أن الاستصحاب في الأحكام بيد المجتهد كيف‏

يصير أصولا و في الموارد الخاصة كيف يصير فقها مع أن الدليل واحد و هو لا تنقض‏

اليقين بالشك.

لأنه يقول ان الحكم الكلي انحلالي ففي بعض الموارد فقه و في بعضها أصول.

ثم أنه لا يقال عليه أيضا بأن الأمر لو كان كما ذكرت فما هو مفاد الأمارات‏

أيضا كذلك لأن البحث عن معارضها و سائر ما له دخل في إثبات الحكم مثل الوجوب‏


13
أو التحريم يكون بيد المجتهد فهي أيضا أصول.

لأنه يقول لا أبالي و يلتزم بأن كل مورد يكون البحث في الحكم الكلي فهو

أصول و في الموارد الجزئية فهو فقه.

فتحصل أن الإشكال عليه هو ما ذكرنا من أن كل مورد يكون البحث عن‏

الحجية يكون من الأصول و كل مورد يكون البحث عن التطبيق فهو فقه و من هنا

يظهر أن البحث عن دليل قاعدة ما لا يضمن و قاعدة لا ضرر و قاعدة الفراغ أصول و لو

ذكر في الفقه و لم يكن محررا في الأصول و البحث عن تطبيق القواعد على الموارد

فقه و لا فرق بين يجب الصلاة و يجب الصلاة و يجب تصديق العادل أو يجب عدم نقض اليقين بالشك‏

بعد إحراز الدليلية و الحجية غاية الأمر في مثل يجب الصلاة يكون الحكم نفسيا و في‏

مثل يجب تصديق العادل و أمثاله يكون الحكم طريقيا و هذا لا يوجب الفرق.

و لا فرق بين أن يكون السند لحجية الاستصحاب هو الاخبار أو بناء العقلاء

أو العقل فجزء الأخير من العلة التامة و للاستنباط هو الأصول و بقية ما هو دخيل مثل‏

الصرف و النحو و المنطق من المقدمات و المبادي من أي دليل كان مع حفظ كونه بحثا

عن دليلية الدليل.

ثم أن البحث عن حقيقة الاستصحاب و أنه هل هو الجري العملي أو غيره يكون‏

من المباحث الفلسفية لأنها يكون البحث فيها عن حقيقة الأشياء كما هي فالقول بأنه‏

إبقاء ما كان عملا أو بناء يكون من مسائلها و لا ربط له بالفقه و لا الأصول فظهر من‏

جميع ما تقدم ما هو الحق في معنى المسألة الأصولية.

الأمر الثالث في فرق الاستصحاب مع قاعدة المقتضى و المانع و مع قاعدة اليقين‏

و هذا البحث يفيد بالنسبة إلى الدليل الدال على أن اليقين لا ينقض بالشك من جهة

التطبيق على أي معنى من المعاني و الحق عدم شموله لقاعدة المقتضى و المانع و أن‏

توهم الشيخ هادي الطهراني قده أن الاستصحاب يرجع إليها و يكون دليله دليلها.

و حاصل الفرق هو أن المقتضى لا يكون وجود مقتضاه في الخارج فعليا فان‏


14
اليقين قد تعلق بأصل المقتضى و يكون الشك في وجود المانع فان كان المانع موجودا

لم يؤثر اثره و أن لم يكن لأثر الأثر مثل النار المقتضى للإحراق لو لا رطوبة الثوب في التكوين‏

فأن اليقين إذا كان بوجود النار المقتضى للإحراق لا يكون من اليقين بالإحراق و كما

أن الملاقاة مقتضية للنجاسة في الشرعيات و الكرية مانعة.

و هذا بخلاف قاعدة اليقين فأن المتيقن قد أحرز وجوده في الخارج مثل‏

عدالة زيد يوم الجمعة ثم حصل الشك في عدالته في يوم الجمعة بعدها فقد أحرزت‏

العدالة في زمان من الأزمنة و في المقتضى يكون الشك في أصل الوجود.

و اما الفرق بين قاعدة اليقين و الاستصحاب فهو أن الشك في الثاني يكون في طول‏

اليقين و لا يكون متعلقا بالمتيقن في ظرف اليقين بخلاف القاعدة فانا إذا شككنا

في عدالة زيد يوم الجمعة مع الشك يوم الخميس في زوالها لا يكون الشك متعلقا

بما حصل اليقين بالنسبة إليه في يوم الجمعة.

و اما إذا حصل الشك في العدالة في نفس يوم الجمعة يكون هو من قاعدة

اليقين فالشك يكون في اليقين السابق و لذا يسمى شكا ساريا فلا جامع بين الثلاث ليمكن‏

تطبيق دليل الاستصحاب عليه بل كل واحد يكون له معنى غير المعنى الاخر.

وهم و دفع‏

اما الوهم فهو أنه قد توهم أن الشيخ الأعظم الأنصاري قده حيث يقول بعدم‏

جريان الاستصحاب في الشك في المقتضى يكون مراده هذا المعنى من قاعدة المقتضى‏

و المانع و في مقابله قوله بجريانه في الشك في الرافع.

و اما الدفع فهو أن المقتضى في لسان الأصولي يكون له ثلاث إطلاقات و في‏

لسان الفيلسوف له إطلاق واحد الأول أن يكون المراد منه هو ما يترشح منه المعلول‏

تكوينا كالنار و الإحراق و هو اصطلاح الفلسفي أيضا.

و الثاني أن يكون المراد منه ما يقتضى الأثر الشرعي كاقتضاء الملاقاة مع‏


15
النجس للنجاسة و مانعية الكرية عن التأثير.

الثالث أن يكون المراد ما هو ملاك وجود الحكم مثل كون العلم مقتضيا

في نظر الشرع للحكم بوجوب الإكرام لو لا المانع و هو الفسق و كل ذلك‏

لا يكون مراد الشيخ قده لأن الكل يكون الشك في وجود مقتضاه و لا يكون الشك في بقائه.

و اما مراد الشيخ قده فهو صورة كون الشك في البقاء فان الدار على ساحل‏

البحر يكون له اقتضاء البقاء لو لا طغيان البحر بمائه و خرابه الدار و هذا بخلاف البيت‏

من الحجر و غيره مما لا يؤثر فيه الماء فأن الشك يكون في الرافع لا في بقاء

اقتضاء المقتضى.

و الحاصل مراده هو الشك في بقاء ما ثبت لا في أصل رشح المعلول عن العلة.

الأمر الرابع‏
-في اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة في الاستصحاب و هذا

مما لا بد منه و قد ظهر من الأمر الثالث الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين و المقتضى‏

و المانع و قلنا أن ما تعليق به الشك فيه هو الّذي تعلق به اليقين لكن مع اختلاف‏

الرتبة فإذا كان اليقين السابق متعلقا بعدالة زيد يوم الجمعة يجب أن يكون الشك‏

في عدالة زيد يوم السبت فان القضية هي عدالة زيد في صورة الشك و اليقين و هذا

في الموضوعات الخارجية واضح لا شبهة و لا ريب فيه لأن الاتحاد في الخارج معلوم.

و لكن الاتحاد في الذات لا يكفى ففي الكلي القسم الثالث إذا كان اليقين‏

بوجود زيد في الدار ثم علمنا بخروجه عنه و لكن لا نعلم دخول عمر و أولا بعده‏

لا يمكن أن يقال هما إنسان لاتحاد ذاتهما من هذه الجهة فكان اليقين بوجود الإنسان‏

في الدار و الشك في زواله لعدم الاتحاد من جهة الخصوصيات.

و من هنا قد أشكل في استصحاب الأحكام‏ (1) لأن الحكم يكون على الطبيعة

1)قد تعرض لهذا البحث الشيخ الأنصاري قده في الأمر السادس في الرسائل عند

قوله الثاني و هو في الرسائل الحاضر عندي في ص 304.


16
لا على الشخص فإذا كان حكم الماء المتغير بإحدى الأوصاف الثلاث النجاسة ثم زال‏

التغير بنفسه لا يمكن أن يقال ان الماء مشكوك الطهارة و كان في السابق معلوم‏

النجاسة فهكذا الآن لعدم اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة و الحكم على الطبيعي‏

لا يثبت حكم الشخص و هو الماء الموجود في حوض زيد.

و الجواب عنه أن الطبيعي يكون عليه الحكم بلحاظ الشخص لا بلحاظ الوجود

الذهني و بعبارة أخرى منشأ انتزاعه هو الخارج و لا يكون اللحاظ بالنسبة إلى الذهن‏

فيمكن أن يقال الماء المتغير الّذي يكون فرد منه ما في حوض زيد حكمه النجاسة

فيما سبق و بعد زوال تغييره بنفسه يكون حكمه كما كان فلا فرق بين استصحاب‏

الحكم و الموضوع.

و قد أشكل على الأحكام الشرعية الاستصحاب في الأحكام بإشكال آخر و هو أن من المسلم أن‏

بقاء الموضوع شرط في جريان الاستصحاب و هذا لا يمكن تحققه في صورة الشك‏

في قيد من قيود الحكم كما عن الخراسانيّ قده.

بيانه أن شيخنا النائيني قده ممن قوى أن كل قيد في الحكم يرجع إلى‏

الموضوع و كل قيد الموضوع يرجع إلى الحكم فإذا قلنا أن جاءك زيد فأكرمه‏

يرجع إلى قولنا زيد الجائي أكرمه لأن الإكرام إذا كان وجوبه مشروطا بالمجي‏ء

لا يخلو الموضوع من حالات ثلاثة فانه اما أن يكون مطلقا عن القيد بأن يقال زيد

سواء كان جائيا أو لا فأكره و هذا محال لأن اللازم منه لغوية الشرط في الحكم‏

و اما أن يكون مهملا ثبوتا و هو محال لأن المتكلم يكون في صدد بيان الحكم‏

و الإهمال منه قبيح و اما ان يكون مقيدا بالمجي‏ء و هذا هو المتعين لأن الأولين‏

لم يكن الالتزام بهما و عليه فيكون قيد الحكم قيد الموضوع.

و على فإذا شك في وجود القيد لم يكن الموضوع محرزا ليمكن استصحابه‏

فإذا قيل الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاث و وجدنا ماء قد زال تغييره بنفسه يكون‏

المتغير غير الّذي قد زال تغييره فلا وجه لجريان الاستصحاب بعد عدم صدق الموضوع‏


17
و عدم اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة.

و الجواب هو أن هذا المبنى يكون روحه إنكار الواجب المعلق.

و العجب عن المحقق الخراسانيّ قده الّذي تصور الواجب المعلق خلافا

للأنصاري قده و مع ذلك قد أجاب باتحاد القضيتين عرفا.

و الحق عندنا أن الواجب المشروط و المعلق‏1و المطلق لكل واحد منه‏

مائز ماهوي ثبوتا و لا يمكن القول بالاتحاد بين المشروط و المعلق كما عن الشيخ و عن‏

النائيني قده فأن المطلق لا يكون له شرط أصلا و اما المشروط فيكون القيد في رتبة ملاك الحكم و المعلق يكون القيد فيه بعد تمامية الملاك فمثل الاستطاعة قيد لوجوب‏

الحج بحيث لو لم تكن لم يكن للحج ملاك الوجوب و مثل المرض بالنسبة إلى شرب‏

المسهل فانه لا ملاك لشربه بدون المرض.

و لا يمكن ان نفس الحكم قيدا لموضوعه فضلا عما يكون متقدما على الموضوع‏

برتبتين رتبة الحكم و رتبة ملاكه.

و اما الواجب المعلق فمثاله الموسم بالنسبة إلى الحج فان الحج قد تم ملاكه‏

بواسطة وجود الاستطاعة و لكن ظرف تحققه هو الموسم و مثل شرب المنضج قبل المسهل مقدمة له بعد إحراز المرض فان شرب المسهل مما تم ملاكه و يفيد في‏

ظرف المنضج فيكون هذا قيد الموضوع لا قيد الحكم و هذا هو الفرق الواضح بين المعلق و المشروط و لا يمكن إنكاره و عليه فإذا شك في قيد من قيود الحكم يمكن استصحابه لبقاء الموضوع و الشك يكون في الحكم لاحتمال دخل شي‏ء فيه و هذا

في القيود التي يكون للحكم و إثبات ذلك يكون بحسب لسان الدليل و البحث هنا

كان في أن الشك في قيد الحكم لا يرجع إلى الشك في بقاء الموضوع.

1أقول و قد مر في مباحث أقسام الواجب في الجلد الأول ان المعلق يرجع إلى‏

المشروط تبعا للعلامة النائيني لأن ما علق عليه الحكم كالشرط فانه لو لم يكن لم يكن الحكم‏

و حيث قد مر الشرح في التذييلات في أقسام الواجب فلا نطيله هنا.


18
و اما الجواب عن مقالة شيخنا النائيني قده فهو ان لنا الواسطة بين المطلق‏

و المقيد و ليس هو الإهمال بل بنحو القضية الحينية في المنطق يعنى الموضوع‏

لا يكون مقيدا و لا مطلقا عن القيد بل في حين وجود القيد يكون الحكم عليه فان‏

كان خفاء عندك فانظر إلى قولنا زيد قائم في حمل الصفة على الموصوف فهل زيد

بشرط القيام قائم أو بشرط عدمه أو بنحو الحينية لا سبيل إلى الأولين لأن الموضوع‏

بشرط المحمول يكون المحمول ضروريا بالنسبة إليه و لا معنى للحمل و بشرط عدمه‏

يكون من المستحيل حمله عليه فلا بد أن يقال زيد في حال كونه قائما قائم لا بشرط

عدمه و لا بشرط وجوده ليصير قيدا.

فإذا قلنا الماء إذا تغير يكون نجسا يكون معناه أنه حين التغيير يكون كذلك‏

لا بشرطه بحيث إذا فقد يكون موجبا لفقد ان الموضوع فالموضوع هو ذات الماء

بدون الإطلاق و التقييد.

و الجواب الثاني عن أصل الإشكال هو ما ذكره الخراسانيّ قده و هو أن الموضوع‏

في الاستصحاب يكون بقائه بنظر العرف لا بالدقة العقلية و لا ما في لسان الدليل كما

ذكره الشيخ الأعظم قده أيضا و لكن يجب الالتفات إلى أن الموضوع يؤخذ من لسان الدليل و لكن العرف يتصرف فيما يتلقى من الخطاب ضرورة أنه ليس مشرعا

و هكذا العقل و لذا ربما يكون متصرفا فيما في لسان الدليل و ربما لا يكون متصرفا

و يتحد نظره مع ما في الدليل دقة.

ففي المقام نقول ان الموضوع في قوله الماء إذا تغير يكون هو ذات الماء

و خصوصية التغيير يكون خارجا عن ذات الموضوع فاستصحاب الأحكام الكلية

لا إشكال فيه إذا شك في قيد من قيود الحكم إذا لم يكن القيد جزء الموضوع.

و الجواب الثالث هو أن هذا الإشكال يكون على مبنى الشيخ و النائيني(قدهما)

القائلان بأن استصحاب الحكم مع الشك في الموضوع لا يجري و اما على ما هو التحقيق‏

من جريان الاستصحاب في بعض صور الشك في الموضوع فربما يكون جاريا بالنسبة


19
إلى الحكم فأن الأثر إذا كان على الاستصحاب لا على المستصحب يمكن جريان الأصل‏

في الحكم فإذا نذر أحد أنه لو كان زيد مستصحب العدالة يعطى عمراً درهما

فاستصحاب العدالة مع الشك فيها جارية و لو لم يكن حياة زيد محرزة فمع الشك في الحياة لا إشكال في جريان الأصل بخلاف صورة كون الأثر على المستصحب فأن‏

استصحاب عدالة زيد لجواز الاقتداء به لا يمكن مع الشك في الموضوع و هو زيد

الحي ضرورة انه لا يمكن ترتيب أثر المستصحب مع الشك في وجوده.

فتحصل من جميع ما تقدم أن الإشكال في جريان الاستصحاب في الأحكام‏

لا يكون الا على فرض كون القيد في الحكم راجعا إلى الموضوع و على فرض عدم‏

كون الموضوع فيه عرفيا و على فرض عدم جريان الأصل مع الشك في الموضوع‏

و قد عرفت أن الكل لا دليل عليه.

و من العجب أن الآخوند قده ممن لم يرجع قيد الحكم إلى الموضوع و مع ذلك‏

تمسك في دفع الإشكال بعرفية الموضوع فيه و له أن يدفع الإشكال بعدم رجوع قيد

الحكم إلى الموضوع.

و من العجب أن الآخوند قده ممن لم يرجع قيد الحكم إلى الموضوع و مع ذلك‏

تمسك في دفع الإشكال بعرفية الموضوع فيه و له أن يدفع الإشكال بعدم رجوع قيد

الحكم إلى الموضوع.

و من العجب عن شيخنا النائيني قده هو أنه التزم بالإشكال و يقول بأن البحث‏

في الاستصحاب بحث عن مسألة أصولية مع ان لازم هذا القول هو عدم جريانه إلا في‏

الموضوعات و هي بيده المقلد و ما يكون كذلك يكون من المسائل الفقهية1.

1أقول ان النائيني قده يظهر منه من المباحث التالية لهذا البحث في فوائد الأصول‏

انه ممن اعترف بأن الموضوع في الاستصحاب عرفي كما في قوله فيه فكما إلخ في ص 114

من الأمر الخامس.

و لا أظنه ان لا يجري استصحاب الحكم فقها على ما في ذهني من مباحثه الفقهية فيكون‏

مبناه إرجاع القيد إلى الموضوع و الإشكال في المقام من جهته و لكن العرفية في الموضوع‏

عنده تام فله ان يقول بان الاستصحاب مسألة أصولية نعم لو كان المدار على إشكال إرجاع‏

قيد الحكم إلى الموضوع لا يكون له ذلك.


20
الأمر الخامس‏

في بيان ان الشك و اليقين فيه يجب أن يكونا فعليين و لا اعتبار بالتقديري‏

منهما و الدليل عليه.

أولا ان كل عنوان من العناوين إذا أخذ في لسان دليل يكون ظاهرا في‏

دخله فعليا فإذا امر المولى بإكرام العالم يكون عنوان العالمية مما يجب ان يكون‏

فعليا ليترتب الحكم عليه فأنه دخيل فيه فإذا ورد لا تنقض اليقين بالشك يكون‏

معناه عدم جوازه نقض اليقين الفعلي بالشك الفعلي فمن لم يكن عالما بشي‏ء في زمان‏

و شاكا في زمان آخر أو في طول اليقين لا يكون أركان استصحابه تاما.

و ثانيا يمكن إقامة البرهان على ما ذكر مضافا إلى ظهور لسان الدليل و هو ان‏

الفرق بين الأحكام الظاهرية و الواقعية هو ان الثانية يكون الحكم على الواقع فيها

و لا دخل لعلم المكلف و جهله بالحكم حتى انها تشمل النائم و الساهي.

و اما الأولى و هي الأحكام الظاهرية فلا شأن لها الا التنجيز و بيان وظيفة الشاك‏

و هي لا تحصل الا مع الالتفات بما هو موضوع الحكم من الشك و اليقين فإذا لم يكن‏

المكلف شاكا لا يكون الحكم في حقه فعليا و منجزا و التقدير بأنه لو التفت‏

لشك لا يفيد.

و لا فرق فيما ذكر بين كون مفاد الدليل هو تنزيل المتيقن منزلة المشكوك‏

كما هو رأى شيخنا النائيني قده أو تنزيل اليقين منزلة الشك كما هو رأينا لأن‏

إحراز العنوان لازم على ما هو ظاهر الدليل غاية الأمر على المبنى الأول و أن كان‏

لا شأن للشك و اليقين من حيث ذاتهما و لكن في مقام ترتيب أثر المتيقن على المشكوك‏

لا بد من إحراز عنوان الشك و اليقين ليتصور المشكوك و المتيقن و من هنا يتم البرهان‏

أيضا على كلا المسلكين بعدم الموضوع للحكم الظاهري قبل تعلق الشك الفعلي‏

بالمشكوك الفعلي و قبل تعلق اليقين فعليا بالمتيقن.


21
فتحصل أنه لا شبهة في وجوب كون ركني الاستصحاب و هما الشك و اليقين‏

فعليين و لا يكفى التقديري.

و تظهر ثمرة البحث على ما ذكره الشيخ الأنصاري قده في موارد منها هو (1)

أنه من كان محدثا و لم يلتفت إلى حاله ثم صلى و بعد الفراغ منها شك في أنه هل‏

صار متطهرا أم لا.

فعلى فرض القول بأن الشك و اليقين الفعليين مناط الاستصحاب لا يجري في‏

المقام لعدم حصول الشك الا في زمان يحكم بصحة الصلاة بواسطة قاعدة الفراغ‏

و لا يكون العلم بعدم الطهارة حينها و مجرى القاعدة هو الشك في الصحة بعد الفراغ‏

و اما على فرض كفاية الشك التقديري فلا مجرى لجريان القاعدة لأنه لو التفت إلى‏

حاله قبل الصلاة لكان شاكا فيكون له استصحاب الحدث في الواقع و هو يمنع عن‏

جريان قاعدة الفراغ.

نعم لو التفت إلى حاله قبلها ثم غفل و دخل في الصلاة لا يكون له إجراء قاعدة

الفراغ لجريان الاستصحاب في حقه قبل جريانها هذا بالنسبة إلى الصلاة التي صلاها

و اما بالنسبة إلى غيرها فيجب تحصيل الطهارة للشك فيها هذا ما قيل.

أقول في الصورة المذكورة ثمرة للبحث و هي أنه في صورة الشك بعد الصلاة

لا فرق في جريان قاعدة الفراغ بين كون المناط في الاستصحاب الشك التقديري‏

أو الفعلي لأنه الأول أيضا و لو فرض وجود استصحاب في ما قبل الصلاة و لكن حيث‏

لا يكون في ظرف الفراغ مؤثرا لمضي أمده لا يمكن أن يكون مانعا من جريان‏

قاعدة الفراغ.

نعم لو كان شرط جريان القاعدة عدم محكوميتها في آن من الآنات بالاستصحاب‏

لكان وجوده في الزمن السابق مضرا و لكن دليلها مطلق و موضوعها الشك و هو حاصل‏

فليس ما ذكر من الثمرة تاما.

1)قد ذكرها قده في ذيل الأمر الخامس في الرسائل الحاضر عندي ص 302

22
نعم لو كان الشك في الطهارة في وسط الصلاة تظهر الثمرة لأن قاعدة الفراغ‏

لا موضوع لها لعدم الفراغ فلو كان الاستصحاب في حقه بالشك التقديري من أول‏

الصلاة يكون ما بقي باطلا لبطلان ما سبق اما لو لم يكن فلا وجه للقول ببطلان ما سبق‏

من الاجزاء بعد التجاوز عنه.

لا يقال في هذه الصورة أيضا يمكن أن يكون الاستصحاب محكوم قاعدة الفراغ‏

بعد حصول الفراغ منها لأنا نقول الشك في قاعدة الفراغ يكون مجرى قاعدته إذا

كان بعد الفراغ و اما إذا كان قبل الفراغ لا يكفى و الشك في الوسط قبل الفراغ‏

لا يكون مجرى للقاعدة و لقد أجاد الشيخ الأنصاري قده فيما أفاد في المقام و إشكال‏

الهمدانيّ قده في حاشيته غير وارد عليه.

الأمر السادس في تقسيمات الاستصحاب‏

ينقسم الاستصحاب باعتبار اختلاف المستصحب من كونه امرا وجوديا أو أمرا

عدميا أو غير ذلك و باعتبار الدليل الدال عليه من كونه عقلا أو بناء العقلاء أو النص‏

و باعتبار الشك المأخوذ فيه من كونه الشك في المقتضى أو في الرافع و على الثاني‏

اما ان يكون الشك في رافعية الموجود أو في أصل وجود الرافع و الصور كثيرة قد

تعرض لها الشيخ قده و عد الأقوال و لا وجه لإحصائها هنا.

و الحق عندنا هو جريانه في جميع الصور المتصورة حتى في الشك في المقتضى‏

كما سيجي‏ء في طي الأقوال و المباحث فنقول في المقام مما اختلف فيه من جهة كون‏

الاختلاف في دليله هو التفصيل عن الشيخ قده فانه فصل بين كون الدليل الدال‏

عليه هو الشرع أو العقل فقال بجريانه في الأول دون الثاني و حاصل دليله هو أن العقل‏

لا شبهة له في حكمه و لا في موضوع حكمه فكل ما أحرز علله و شرائطه يحكم بحكمه‏

و مع عدم إحرازه لا يكون له حكم أصلا و لا يشك حتى يستصحب حكمه السابق و

شكه في وجود القيد لموضوعه مساو لقطعه بعدم الحكم فإذا كان الكذب الضار


23
موضوعا لحكمه بالحرمة و القبح لم يكن له حكم بالنسبة إلى الكذب الغير الضار

لفقدان القيد و فقدان الموضوع و حاصله ان القيود في الأحكام العقلية كلها راجعة إلي‏

الموضوع.

و حاصل الجواب عن هذا الاستدلال هو أن الكلام.

اما ان يكون في استصحاب حكم العقل أو في استصحاب حكم الشرع المستكشف‏

من حكم العقل اما على الثاني فجريان الأصل مما لا إشكال فيه لأن الحرمة الشرعية إذا

استفيدت من حكم العقل بحرمة الكذب الضار بالملازمة فمن الممكن الشك في بقاء

الحكم الشرعي و ان لم يكن للعقل حكم حينئذ لاحتمال توسعة الحكم في نظر الشرع‏

فيمكن استصحاب الحرمة على الكذب الغير الضار أيضا و التبعية لحكم العقل يكون‏

في مقام الثبوت لا الإثبات فمع عدم حكم العقل يمكن إثبات حكم الشرع مضافا

بان الموضوع في الاستصحاب عرفي و لو كان المناط بالدقة العقلية لا يجري في‏

الشرعيات أيضا.

و اما ما يكون المستصحب حكم العقل لا الشرع.

فنقول أولا نمنع أن كل قيد في الحكم يرجع إلى الموضوع لأنه من‏

الممكن أن يكون القيد من الجهات التعليلية للحكم لا التقييدية فيكون موضوع‏

الحرمة هو ذات الكذب و الضارية جهة تعليلية فيصير العقل شاكا في الحكم من جهة كونه علة

فيمكن أن يكون الكذب الموجب للقتل و الهرج و المرج قبيحا و حراما عنده من‏

باب أنه هو الفرد المتيقن و اما فيما دون ذلك يمكن الشك فكيف يقال لا يكون‏

للعقل شك في حكمه فركن الاستصحاب و هو الشك موجود على أي تقدير

و لا فرق في ذلك أي عدم دخل قيد الحكم في الموضوع بين استصحاب حكم العقل‏

أو الشرع.

ثم أنه ربما يقال ان الملازمة بين الحكمين يعنى العقلي و الشرعي المستكشف‏

منه من اللوازم العقلية لأن إثبات أحد المتلازمين يوجبه إثبات اللازم الاخر و من‏


24
المعلوم أن الأصل المثبت غير جار فاستصحاب حكم العقل لإثبات الحكم الشرع غير

مفيد و لا يكون الحكم الشرعي أثر الاستصحاب بل من لوازمه فلا يكون مثل استصحاب‏

الموضوع لترتب أثر شرعي لأنه لا إشكال فيه.

ثم ان شيخنا النائيني قده قال بأن الأحكام العقلية على قسمين قسم يكون‏

ملاكه واضحا عند العقل مثل الظلم و الإحسان إلى اليتيم و قسم لا يكون كذلك بل يحتاج‏

إلى التدبر و التفكر مثل حكمه بملازمة المقدمة مع ذيها و بمحالية تكليف غير القادر

و ما لا يكون للعقل فيه الشك و لا يجري فيه الاستصحاب هو القسم الأول و اما ما

يكون فيه الشك و لا يجري فيه الاستصحاب هو القسم الأول و أما ما يكون فيه الشك و هو

القسم الثاني فكيف يقال بأنه واضح و العقل لا يشك في حكمه.

و الحاصل إشكال عدم جريان الاستصحاب في القسم الأول من باب كونه مثبتا

غير الإشكال من باب كونه مما لا يجي‏ء فيه الشك.

و فيه ان كلامه قده غير تام لأن البحث يكون فيما يجي‏ء فيه الشك لا ما لا يكون‏

كذلك و إشكال عدم جريان الاستصحاب فيه يكون من باب كونه مثبتا فقط لا من‏

باب عدم الشك.

فتحصل أن استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي على فرض‏

كون دليله العقل لا إشكال فيه و اما استصحاب الحكم العقلي لإثبات الحكم الشرعي‏

لا يجري لأنه مثبت لا من باب أن العقل لا يشك في حكم نفسه أبدا.

ثم ان استصحاب الموضوع الّذي حكم العقل بحسنه أو قبحه و الشرع بحرمته‏

أو وجوبه لا يجري علي التحقيق و ان نقل عن صاحب الجواهر قده جريانه لأن الموضوع‏

ان كان القيد دخيلا فيه على وجه القيدية لا يبقى بعد انتفائه قطعا و ان كان لا على‏

هذا الوجه فهو باق قطعا فيكون من الفرد المردد المعروف عدم جريان الاستصحاب‏

فيه كما في صورة الشك في الرضاع المحرم من جهة أن المحرم هو ثلاث عشرة رضعة

أو خمسة عشر و اما استصحاب الموضوع بوصف موضوعيته للحكم فهو من استصحاب‏


25
نفس الحكم فذات الموضوع لا يمكن جريان الاستصحاب فيها في المقام.

فالتحقيق هو جريان الاستصحاب الحكم الشرعي المستكشف من العقلي و عدمه‏

في الحكم العقلي و الموضوع لحكمه.

و اما التفصيل من ناحية المستصحب فمنه ما نقل عن أستاذ أستاذ الشيخ الأنصاري‏

قده(شريف العلماء)يعنى صاحب الرياض.

و حاصله ان استصحاب العدم في العدميات مما لا شبهة في جريانه و اما الاستصحاب‏

في الأمور الوجودية فلا يجري‏1و الشاهد له هو جريان أصالة عدم القرينة و أصالة

عدم المعارض و المزاحم و أصالة عدم النقل و أصالة عدم الحائل و المانع عند الجميع‏

و اما غير ذلك من الوجوديات فيكون فيه الإشكال فلا يجري.

و لكن لا وجه لما ذكره من التفصيل لأن كل ما ذكره من الأصول لا يكون‏

جريانه من باب الاستصحاب بل الأصول العقلائية هي الحاكمة و لا مجال لجريان‏

الاستصحاب أصلا الا على فرض القول بحجية أصل المثبت أو عد الاستصحاب من‏

الأمارات و كلاهما باطلان.

اما أصالة عدم القرينة لإثبات كون استعمال اللفظ في الموضوع له أو لإثبات‏

عدم التخصيص و التقييد فهي من الأصول العقلائية و لا شبهة لأحد فيها و لذا ترى أن من لا اعتقاد له بالشرع أيضا يجريها عملا و هذه جارية سواء كانت في القرينة المتصلة

أو المنفصلة و سواء كان المدار على الظهور الصادر أو على الظهور الواصل فإذا شك في أن‏

1عدم الجريان في الوجوديات كلام و القول بأن مورد النزاع مختص بالوجوديات‏

كلام آخر و ما يظهر من تقريرات الشيخ محمد تقي البروجردي لدرس أستاذه العراقي قده‏

هو التعبير الثاني و هذا أولى بالاعتبار لا ان النص في خصوص الوضوء وارد و هو امر وجودي‏

فكيف يمكن القول بعدم الجريان أصلا و كما يظهر من رسائل الأنصاري قده فانه بين ان‏

العدميات أيضا داخلة في محل النزاع و هذا هو مراده مد ظله أيضا و ان كان تعبيره بهذا النحو و قد كتبناه حفظا لكلامه.


26
المراد بلفظ زيد في جاءني زيد هل هو الرّجل الشجاع أو الأسد تجري أصالة عدم‏

القرينة لإثبات الاستعمال في معناه الحقيقي و إذا شك في ان العلماء في جملة أكرم‏

العلماء هل المراد منه العدول فقط أو عام للفساق أيضا يجري أصالة عدم القرينة.

و اما الاستصحاب فلا يجري لأن من اللوازم العادية بعد جريان الأصل هو كون‏

هذا اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي و هو من الأصل المثبت و لا أثر شرعي له و لا خصيصة

في المقام حتى نقول بأن الأصل كذلك لا يجري في غير هذه الموارد و في المورد

يكون جاريا.

و اما أصالة عدم المعارض و المزاحم أيضا جارية من باب أن المدار عند العقلاء

على الظهورات و لا تعبد عندهم فيها و على فرض كون الأصل تعبديا يمكن جريان‏

الاستصحاب و هكذا أصالة عدم النقل قبل استعمال اللفظ في لسان المتكلم أو بعده‏

على فرض كون المدار على الظهور و علي فرض التعبد عندهم فالمدار على الاستصحاب‏

و اما أصالة عدم الحائل مثل من يحتمل أن يكون في بعض أعضائه في الوضوء

مانعا و حائلا فهي أيضا أصل عقلائي و عدم الاعتناء بأن وصول الماء إلى البشرة من‏

اللوازم العادية لهذا الأصل و كونه مثبتا شاهد عدم كونه منه نعم لا يجري عندهم‏

هذا الأصل بالنسبة إلى من كان جصاصا فيحتمل وجود الجص في أعضائه و هذا أيضا

يكون من جهة احتمال كون سنده الغلبة في الخارج بكون العدم عقلائيا في غير

الجصاص و هو فيه عقلائي فلا يكون من باب الاستصحاب.

نعم أصل سندية الغلبة محل الكلام فينحصر سنده بين كونه بناء العقلاء فيكون‏

من الأصول العقلائية و بين الاستصحاب و الحق هو الأول لأنهم يفرقون بين الشك في‏

أصل وجود المانع و مانعية الموجود بالقول بعدم الجريان في الثاني مع أن الاستصحاب‏

لا يفرق فيه كذلك.

ثم في خصوص المقام يمكن جريان استصحاب وجودي فنقول أن المتوضئ أو

المغتسل إذا صب الماء على بشرته و علم بحدوث الصب و الجري على البشرة يستصحب‏


27
بعد الشك هذا العنوان و كونه من التدريجات لا يضر كما أنه لا إشكال في استصحاب‏

بقاء الليل و بقاء النهار من التدريجيات و هذا كما ترى استصحاب وجودي لا ربط

له بما ذكره صاحب الرياض فتحصل أن كلامه قده لا يتم في هذا التفصيل.

و من التفاصيل ما هو عكس صاحب الرياض و هو القول بجريان الاستصحاب‏

في الأمور الوجودية فقط لا العدمية.

و وجهه هو أن التعبد لا بد أن يكون بالنسبة إلى الأثر الشرعي و العدم نفى محض‏

لا أثر له حتى يستصحب بخلاف الأمر الوجوديّ فان الأثر مترتب عليه.

و الجواب عنه ان العدم بحدوثه و ان كان لا علة له إلا عدم العلة و لكن بقائه يكون‏

له الأثر و امر دفعه و استمراره بيد الشرع فيمكن التعبد بالنسبة إليه بأن يقول تعبد

على عدم الوجوب أو تعبد بالوجوب.

في الاستدلال على حجية الاستصحاب‏

و قد استدل على حجيته بوجوه.

الوجه الأول الإجماع‏
المحكي في كلام جماعة كالمبادي و النهاية و هو الوجه‏

الثالث في كلام المحقق الخراسانيّ(قده)في الكفاية و قد أشكل(قده)عليه كما

عن شيخنا الأستاذ العراقي(قده)بأن الإجماع في هذه المسألة منقوله لا يفيد

و محصله غير حاصل لاختلاف العلماء الذين تقدم ذكرهم فكيف يمكن أن يكون‏

سندا له و لو فرض يكون سنديا و سنده النص أو بناء العقلاء كما سيجي‏ء مع أنه‏

دليل لبي و القدر المتيقن منه هو الحجية في الشك في الرافع لا في صورة الشك في‏

المقتضى.

و فيه ان مخالفة من تقدم ممن هو معلوم الحال و معروف الاسم من العلماء

لا يضر به لأنه لا يضر بكشفه عن قول المعصوم عليه السّلام فالإشكال بأنه غير حاصل غير تام‏

نعم بقية إشكالاتهم من سنديته و عدم وجود الإطلاق له في محله.

الوجه الثاني‏
لحجيته بناء العقلاء و ديدنهم في مراسلاتهم في تجاراتهم و سائر
28
شئونهم الاجتماعية فانهم لا يعتنون بالشك في حياة من إليه المراسلة و من يرسل‏

إليه البضاعة في البلاد البعيدة و هذا البناء في الحيوانات أيضا ألا ترى أن الطيور

يرجعون إلى عشهم و لا يعتنون باحتمال الخراب و حيث لا يكون ردع عن الشارع فهو

حجة هذا.

و لكن فيه بحث و هو أن فطرة العقلاء و الحيوانات تكون بدون الالتفات إلى‏

الشك و لا يكون لهم جرى عملي بعد الشك في البقاء بل كل إنسان يرجع إلى داره‏

بدون الالتفات إلى الشك و لو فرض الشك و الالتفات يكون غالبا اما لاطمئنانهم بالبقاء

و هو علم عادي متبع و اما للاحتياط رجاء و بحثنا في التعبد الإلزامي منهم على ذلك‏

فبناؤهم مجمل لا يتعين في خصوص ما هو البحث فيه مضافا بأن كلا منا في أمور

الدين و إثبات حكم الشرع أو الموضوع الذي يترتب عليه الحكم و هم من حيث هم‏

عقلاء لا يكون عندهم استصحاب الحكم الشرعي و لا كلام عندهم من الدين،و أقول‏

يمكن أن يقال ان الرجاء و الاطمئنان في أكثر الموارد غير حاصل و يكون لهم‏

بناء على البقاء عند الشك فيه و هم بما هم عقلاء أيضا لهم أمور اجتماعية نظامية و هي‏

مثل الدين عند المتدينين و جريان الاستصحاب فيها أيضا يكون عندهم.

ثم ان المقصود من بنائهم ان كان سيرة1المسلمين فهي بنفسها حجة

لا تحتاج إلى الإمضاء و ما يحتاج إليه يكون بنائهم بما هم عقلاء لا بما هم متدينون.

ثم انه قد توهم ان كلام المحقق الخراسانيّ قده من أن السيرة أو بنا العقلاء

يكون الرادع عنها الآيات الناهية عن ترتيب الأثر على غير العلم مثل قوله تعالى‏

لا تقف ما ليس لك به علم مخالف لما مر عنه في الكفاية في باب حجية الخبر الواحد

ببيان أنه كيف لا يسلم الردع في ذلك الباب و يقول به هنا فلو كان بناء العقلاء مخصصا

1أقول السيرة العملية أيضا تحتاج إلى كشف رأى المعصوم بأن يقال كان هذا

العمل بمرآهم و منظرهم عليهم السلام و لم يردعوا عنه كما يقال في بناء العقلاء فهما مشتركان في‏

كفاية عدم الردع و هو نحو إمضاء و ان كانت سيرة المسلمين أقوى من حيث الكشف.


29
للعموم فيكون في المقامين و ان كان الاتباع من باب الخروج بالتخصص بأن يقال ما

قام عليه بنائهم علم ففي المقامين أيضا.

و قد أجاب عن التوهم شيخنا العراقي قده بالفرق بين المقامين و هو ان خروج‏

مورد الخبر الواحد عن العموم بالتخصيص أو التخصيص يكون من جهة ان العقلاء

يرون ما قام عليه الخبر مصداقا من مصاديق الكاشف عن الواقع و يكون متابعتهم إياه‏

من باب كونه علما على مسلك تتميم الكشف في الأمارات بخلاف المقام فان‏

متابعتهم لا يكون من هذا الباب بل من باب أنه أصل من الأصول و عدم نقض اليقين‏

بالشك فهنا يكون بعكس الاخبار الآحاد فالآيات حاكمة عليه من باب انه لا يكون من‏

اتباع العلم.

و لا أقول ان السيرة لا تكون أمارة و كذلك البناء العقلائي فانهما أمارتان‏

و لكن تكون سندا للأصل و لا ريب في أمارية سنده انما الكلام في مفاد هذه الأمارة

التي يكون هو الأصل التعبدي فالحق مع المحقق الخراسانيّ قده كما في الكفاية

و حاشيته على الرسائل.

لا يقال ان بناء العقلاء يحتاج إلى الإمضاء و عدم وصول الردع عنه يكفى لحجيته‏

فهو حجة يعارض مع الآيات في مفادها.

لأنا نقول بنائهم يكون من باب اللااقتضاء في الحجية و عدمها و لكن الآيات فيها

اقتضاء الحجية و حيث انه أصل لا يمكن ان يعارض مع الآيات نعم لو فرض أماريته‏

يمكن المعارضة و لكنه ليس كذلك فتحصل أن بناء العقلاء غير حجة في المقام‏

لردع الآيات عنه.

الوجه الثالث للاستدلال على حجية الاستصحاب و هو العمدة الروايات‏
فمنها

صحيحة زرارة

و هي و ان كانت مضمرة و لكن لا يضر الإضمار بصحتها لأن السند إلى‏

زرارة صحيح و في رواته من كان من أصحاب الإجماع و هو لا ينقل إلا عن الإمام عليه السّلام‏


30
و مثله لا ينقل عن غيره عليه السّلام‏ (1) .

(محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد بن حماد عن حريز عن زرارة

قال قلت له الرّجل ينام و هو على وضوء أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء قال‏

عليه السّلام يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فإذا نامت العين و الاذن و القلب فقد

وجب الوضوء قلت فان حرك على جنبه شي‏ء و هو لا يعلم قال عليه السّلام لا حتى يستيقن‏

انه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك امر بين و إلا فإنه على يقين من وضوئه و لا تنقض‏

اليقين أبدا بالشك و انما تنقضه بيقين آخر1.

و تقريب الاستدلال حاصله هو أن هذه الرواية تكون بيانا للكبرى الارتكازية

من عدم نقض اليقين بالشك و لا خصيصة للوضوء و يفهم أن ارتكاز زرارة أيضا كان‏

هذا يعني الاستصحاب على ما هو الظاهر من تقرير الإمام عليه السلام و كانت الشبهة في‏

مفهوم النوم و الألف و اللام في قوله عليه السّلام و لا تنقض اليقين أبدا بالشك يكون للجنس‏

لا للعهد حتى يقال يكون المعهود هو الوضوء فقط و لكن لا بأس بالبحث عن فقه‏

الحديث فانه نور و كذا لا بأس بنقل ما يرد عليه في مقام البحث.

فنقول قد أشكل عليه أو لا بأن السائل يسأل عن الرّجل الذي ينام و لا شبهة

في أن النوم مبطل للوضوء و شأن مثل الزرارة أجل من أن لا يفهم المضادة بينه و

بين الوضوء في الشرع الأنور فقيل في مقام الجواب هو أن المراد الاشراف علي النوم‏

لا النوم واقعا و لكن الحق هو أن يقال حيث أن للنوم مراتب مرتبة:ضعيفة و مرتبة قوية

عبر هنا عن المرتبة الضعيفة بالنوم و يكون سؤاله عن النوم الذي هو ناقض لوجود الشبهة

في المفهوم و حد النوم الذي هو مبطل للوضوء فأجاب عليه السّلام بأن النوم الذي يكون‏

1هذا المتن من الوسائل كما مر و في الكفاية و بعض التقارير يكون النقل باختلاف‏

في العبارة لا يوافق الوسائل فاحفظه.

1)و هي في باب 1 من أبواب نواقض الوضوء ص 174 في الوسائل الطبع الجديد ح 1


31
مبطلا هو نوم القلب لا نوم العين الذي يحصل بالخفقة و الخفقتين بقوله عليه السلام لا حتى يستيقن.

ثم يكون السؤال الثاني عن الشبهة الموضوعية بقوله فان حرك في جنبه‏

شي‏ء فأسقط عليه السلام أمارية الحركة للنوم المبطل بل جعل المدار على اليقين الذي‏

هو امر قلبي لا شك فيه و قد يتوهم أن السؤال الثاني أيضا يكون عن الشبهة المفهومية

من جهة أن السائل احتمل ان لا يكون نوم الاذن أمارة لنوم القلب بل يكون له‏

موضوعية و لو لم يحصل نوم القلب فسئل ثانيا عن حد المفهوم في النوم الناقض نظير

سؤاله الأول و لكن الجواب عنه هو أن الأمر لو كان كذلك يلزم أن يكون الجواب بيانا للحكم الواقعي بأن يقول ان هذا ليس من النوم الناقض فحيث بين حكم‏

صورة الشك بقوله لا حتى يستيقن انه قد نام يفهم أن المراد يكون بيان حكم ظرف‏

الشك لا بيان الحد المفهوم كما تعرض له شيخنا العراقي قده توهما و جوابا فدلالتها

من هذه الجهة على المطلوب مما لا شبهة فيه.

و قد أشكل عليها ثانيا بأن اللازم هو جريان الأصل في سبب الشك في‏

الوضوء و هو الشك في تحقق النوم لأنه من المعلوم أن الاستصحاب في السبب يكون‏

مقدما على الاستصحاب في المسبب فلزم أن يقال بأنه يكون شاكا في نومه فيبنى‏

على عدم النوم حتى يستيقن النوم لا أن يقال فانه على يقين من وضوئه إلخ و جعل‏

شيخنا قده هذا الاحتمال من مبعدات كون الشبهة في السؤال الثاني مصداقية لأنها

لو كانت مصداقية للنوم يجب الجواب عن حال النوم لا حال الوضوء و اما على فرض‏

كون الشبهة مفهومية فلا يرد هذا الأشكال لأن عدم جريان الاستصحاب في السبب‏

يكون من جهة الشبهة في الفرد المردد فانه لو كان النوم متحققا بعدم الالتفات‏

إلى الحركة على جنبه لا شبهة في بطلان الوضوء و على فرض عدم تحققه لا شبهة

في عدم البطلان فيكون مثل استصحاب الحرمة في صورة الشك في تحقق الرضاع‏

بأربعة عشر رضعة أو خمسة عشر و لا شبهة في عدم جريان الأصل في الفرد المردد


32
فعلى هذا يكون استصحاب الوضوء جاريا هكذا قال شيخنا قده.

و لكن كنا نورد عليه بأن الشبهة في السؤال الثاني مصداقية كما مر و عدم‏

جريان الاستصحاب في النوم يكون من جهة عدم كونه منشأ أثر لأن استصحابه‏

بالنسبة إلى الوضوء يكون من الأصل المثبت لأنه لا يثبت أن الوضوء باق الا من باب‏

ترتب الآثار العقلية على المستصحب و جوابه عليه السلام يكون بيانا للشبهة الحكمية

و الموضوعية كلتيهما فأن اليقين السابق معتبر سواء كان في الحكم أو الموضوع‏

لأنه يبين كبرى كلية في أن المدار على اليقين السابق و الشك اللاحق.

ثم ان قوله عليه السلام و الا فانه على يقين من وضوئه يكون جملة شرطية و معناها

أن لم يستيقن انه قد نام و جزاء الشرط محذوف و هو جملة فلا يجب عليه الوضوء و في‏

هذا المقام وجوه الأول عن الشيخ قده و تبعه المحقق الخراسانيّ(قده)من أن‏

المحذوف هو الجزاء و لكن أقيمت العلة للجزاء مقامه يعنى علة عدم وجوب الوضوء

هي وجود اليقين السابق و الشك اللاحق مع عدم نقضه بالشك فما هو مقام الجزاء

قوله عليه السلام و لا تنقض اليقين بالشك و قد ذكر في الرسائل موارد كثيرة أقيمت العلة

مقام المعلول في القرآن الشريف مثل قوله تعالى و ان تجهر بالقول فانه يعلم السر

و الخفي إلى آخر ما قال من الموارد.

الوجه الثاني أن يكون قوله فانه على يقين من وضوئه توطئة للجزاء بان‏

يقال حيث أنه يكون على يقين من وضوئه فلا ينقض اليقين بالشك مع كون الألف‏

و اللام في اليقين للجنس لا للعهد ليمكن استفادة كبرى كلية منه و الا فيكون‏

لخصوص الوضوء و لا يجري في غيره.

و فيه ان اللام إذا كان للجنس أيضا يحتمل أن يكون المراد باليقين الجنس‏

الذي يكون في الوضوء فهذا لا يفيد لاستفادة الكلية لو لا ساير الوجوه من الارتكاز

على عدم الخصيصة و التأييد بورود مثل هذا العبارة في الصوم و الصلاة أيضا.

الثالث أن يكون الجزاء قوله فانه على يقين من وضوئه و لكن تكون الجملة


33
الخبرية في مقام الإنشاء و نفهم بقائه على الحالة السابقة و معناه انه حيث يكون على يقين‏

من وضوئه يكون وضوئه بحاله و لم يتغير عما هو عليه فآثار اليقين مترتب و قد أتعب المحقق‏

الخراسانيّ قده نفسه الشريفة برد هذا الوجه من جهة أن لازمه العمل على طبق اليقين‏

و جعله أبعد و لكن على مبنى التحقيق من ترتيب آثار اليقين و المتيقن لا إشكال فيه‏

و مع ذلك فأحسن الوجوه مختار العلمين و غيره أضعف لقضاء الفطرة بذلك و

جواب السائل و ان كان فيه التكرار حيث أنه عليه السلام نفى الوضوء بقوله اللفظي و بالتقدير

أيضا يكون معناه البناء على الوضوء و عدم وجوبه و لكن حيث يكون عليه السلام‏

في مقام جعل الكبرى و الصغرى و بيان قاعدة كلية في جميع الموارد لا يضر هذا التكرار.

و بهذا الوجه يعنى جعل الجزاء قوله فانه علي يقين قد أشكل على الشيخ قده‏

بأن التقدير لا يلزم و هذه الجملة الخبرية تكون مقام الجملة الإنشائية فان قوله عليه السلام هذا يكون مقام قوله فليبن علي وضوئه و هي مثل قوله عليه السلام لا يعيد الصلاة في مقام‏

الأمر بالإعادة.

و فيه ان هذا و ان كان المشهور و لكن لا يتم عندنا فان استعمال الخبر في مقام‏

الإنشاء غير صحيح لأن الحكم هو الإرادة الواصلة فكونه و أصلا متوقف على هذا الخبر

و هذا الخبر يكون متوقفا على الوصول و هو دور1.

1أقول هذا الكلام صدر منه مد ظله في جميع الموارد و لكن الجواب عنه هو أن‏

الوصول لو كان شرط كون الحكم حكما يلزم ان لا يكون الأمر أيضا موجبا لإثبات الحكم‏

لأنه قبله لم يصل و به يصير واصلا فالحكم هو الإرادة و تصير فعلية في مقام الإبراز و هو يحتاج‏

إلى كاشف و الكاشف تارة يكون بصيغة الأمر و تارة بالخبر المحفوف بالقرينة و هذا النحو

من الخبر كاشف عند العرف و أهل المحاورة و في بعض المقامات جعل الدور بين الإرادة

و الوصول و قلنا في جوابه ان الإرادة غير متوقفة على الوصول و الوصول متوقف عليها من جهة

انه لا معنى له بدونها و الدليل على صحة هذا الاستعمال وقوعه في الشرع أيضا.


34
الوجه الرابع أن يكون الجزاء هو قوله عليه السلام فانه على يقين و لكن يكون معناه بدلالة

الاقتضاء هو عدم وجوب الوضوء و البناء على الحالة السابقة و معنى دلالة الاقتضاء هو أن‏

هذا الكلام لغو بدون هذا المعنى في مقابل جواب السائل و هذا غير كونه خبرا في‏

مقام الإنشاء بأن يكون معناه فليبن علي وضوئه.

في عدم اختصاص الاستصحاب بالوضوء

ثم ان هذه الوجوه في مقام الاستدلال بالحديث الشريف لا يفيد إلقاء خصوصية الوضوء

و لذا ذكروا للتعميم وجوها الأول انه لا شبهة و لا ريب في أن حد الوسط في القضية

الصحيحة يجب تكراره بأي معنى كان فانه إذا قلنا العالم متغير و كل متغير حادث‏

يكون التغير هو حد الوسط فان كان المراد منه التغير في عالم الناسوت فيجب التكرار

بهذا المعنى و ان كان الأعم و منه و من ساير العوالم فائضا كذلك و عليه فيجب أن‏

يكون اليقين في الصغرى و هي قوله فانه علي يقين من وضوئه هو اليقين في الكبرى و هي‏

قوله لا تنقض اليقين بالشك و من المعلوم أن اليقين بالوضوء هو المراد في الصغرى‏

فكذلك في الكبرى و لكن في المقام خصيصة لإلقاء القيد و هو الوضوء و هي الارتكاز

العرفي بأن اليقين لاستحكامه يجب البقاء عليه و هو لا يختص بالوضوء و لأن علماء

الإسلام ما فرقوا بين الاستصحاب في الوضوء و غيره مضافا إلى ورود هذه الصغرى و

الكبرى في الصوم و الصلاة أيضا فمن الجميع يستفاد عدم الخصوصية للوضوء في‏

جريان الاستصحاب.

الوجه الثاني ما عن شيخنا النائيني قده و هو أن اليقين لا شبهة في أنه يحتاج إلى متعلق‏

و هو المتيقن و هو اما ان يكون الوضوء أو يكون غيره من الصلاة و الصوم و الحج و غيره‏

فهو لا بد أن يكون مضافا إلى شي‏ء و ذكر الوضوء هنا لا يكون لخصيصة فيه بل لاحتياج‏

اليقين إلى المتعلق.

و فيه ان شخص اليقين يحتاج إلى متعلق و لكن الطبيعي لا يحتاج إليه فانه‏


35
يمكن النّظر إليه بالنظر الاستقلالي كما يقال اليقين خير من الشك و اليقين لا ينقض يكون‏

مثل قولنا انه خير من الشك.

و الوجه الثالث لعدم الاختصاص ما ذكره المحقق الخراسانيّ قده في الكافية

بأنه بعد غمض العين عن الفطرة و الارتكاز على عدم اختصاص اليقين بالوضوء يمكن‏

أن يكون قوله عليه السلام من وضوئه متعلقا بالظرف لا باليقين و معناه انه من طرف يقينه‏

على وضوء فالأصغر يكون مطلق اليقين و ينطبق عليه الأكبر بالعموم.

و قد أشكل عليه شيخنا الأستاذ العراقي قده بأن هذا احتمال فقط و هو لا يوجب الظهور

في هذا الوجه و لا يمكن إطلاق المعلول مع عدم الطلاق علته فان المعلول هو البناء

على الوضوء و عدم وجوب إعادته و علته،قوله عليه السلام فانه على يقين من وضوئه مع‏

احتمال دخل خصوصيته فإذا قيل لا تأكل الرمان لأنه حامض لا يمكننا إلقاء خصوصية

الرمان و الأخذ بإطلاق قوله لأنه حامض لاحتمال دخل كونه رمانا في ذلك و الحاصل‏

ان مفاد كلام الخراسانيّ قده هو إرجاع الجهة التقييدية في الوضوء إلى الجهة التعليلية

يعنى علة البناء عليه هو اليقين لا أن الوضوء المقيد باليقين لا ينقض و هذا لا يتم مع‏

عدم الطلاق العلة لو سلم الظهور و إطلاقها مع وجود ما يحتمل القرينية في الكلام‏

مشكل و هو ذكر الوضوء فما هو المتيقن في مقام التخاطب يكون هو الوضوء فقط.

و يمكن الجواب عنه قده بأن القدر المتيقن في مقام التخاطب هنا لا يكون قابلا

للقرينية لأن الارتكاز على خلافه و هو أن اليقين بما هو يقين يكون مما لا يمكن نقضه‏

الا باليقين و لا دخل للوضوء في ذلك فإطلاق العلة مما لا كلام فيه فتحصل ان الوجه للتعميم اما

الارتكاز بضميمة ما ورد من الاخبار في الصوم و الصلاة كما قال به الشيخ قده أو الإطلاق‏

في العلة بضميمة الارتكاز أيضا.


36
في إشكالات دلالة الرواية

ثم انه بعد تمامية دلالة الرواية بوجه قد أشكل عليها بأن غاية ما يستفاد منها

سلب العموم لا عموم السلب بمعنى أن قوله لا تنقض اليقين يكون معناه أن مجموع الافراد من حيث المجموع منهي عن نقضه و اما نقض بعض افراد اليقين فلا يكون‏

كذلك فلا يدل على ان الاستصحاب يكون في كل أبواب الفقه و قد أجيب عن هذا

الإشكال كما في حاشية المحقق الخراسانيّ قده علي الرسائل بأنه لو لم يكن لعموم‏

السلب لا ينطبق على مورده أيضا لأن الوضوء أحد الافراد فلو لا عدم جواز نقض اليقين‏

بالشك في جميع الموارد من أين يستفاد أن الوضوء من الافراد الذي لا يجوز نقض‏

يقينه بالشك و فيه ان مورده مما لا كلام فيه و لعل في الوضوء أو الطهارات الثلاث خصيصة فهذا الجواب غير تام.

و قد أجاب عنه شيخنا النائيني(قده)بأن مدار سلب العموم هو أن يرد حرف‏

النفي على ما يكون دالا على العموم بالمعنى الاسمي مثل لا تكرم كل عالم و اما إذا

لم يكن كذلك فلا يكون من سلب العموم في شي‏ء كما في قولنا لا رجل في الدار أو قولنا

في المقام لا تنقض اليقين فان المفرد المحلى باللام قبل النفي لا يدل علي العموم حتى‏

يكون النفي واردا عليه بل من النفي يستفاد العموم فكيف يكون واردا عليه فان‏

العموم متأخر عن السلب فكيف يكون متقدما عليه فيكون المقام و أمثاله‏

لعموم السلب و لا يرد الإشكال نعم يمكن ان يقال في النفي الوارد على الجمع‏

المحلى بالألف و اللام بسلب العموم لو قلنا بأنه لسلب العموم على بعض الأقوال و لكنه‏

خلاف ظاهره فانه لو لا القرينة لا يدل الا على عموم السلب و اما على التقدير الاخر

و هو الحق فحيث يكون العموم مرآة للافراد لا يمكن أن يلاحظ مستقلا ليتوجه النهي‏

إليه استقلالا فما هو قابل لسلب العموم يكون هو الألفاظ الموضوعة له مثل لفظ كل‏

و أجمع إذا ورد النفي عليه و هذا الكلام منه قده قد أخذ بعضه عن الشيخ قده.


37
و لكن يرد عليه أو لا ان ما اختاره من عموم السلب في مثل لا رجل في الدار

و لا تنقض اليقين و ان كان هو المشهور و لكن لا يصح عندنا لأن النهي المتوجه إلى‏

الافراد اما ان يكون للطبيعة السارية و اما يكون لصرف الوجود كالأمر فربما يكون‏

الغرض صرف وجود العدم لا عدم جميع الافراد كما يكون في الأمر كذلك فالفرق‏

بين الأمر و النهي بان الصرف في الثاني لا يصدق إلا بترك جميع الافراد و في الأول بفرد واحد الوجه له فإذا قال القائل لا تأكل الثوم لحصول الرائحة الكريهة لا نقول بأن‏

ساير الافراد أيضا يجب تركها لحصول الرائحة و لا ثاني لها إذا لم يكن الأكل الثاني‏

سببا للاشتداد.

و ثانيا فلان مرآتية العموم في الجمع المحلى باللام من جهة كونها

من المعاني الحرفية لا يضر باللحاظ فان المعاني الحرفية كالمعاني الاسمية

قابلة للحاظ مستقلا كما في النسب و الإضافات و لو لا ذلك لعطل الكلام لأن النسبة

من المعاني الحرفية و لا زال تكون مورد النّظر في مثل زيد قائم و عمرو قاعد و أمثال الجملات.

فتحصل أن سلب العموم في جميع الموارد يكون بالقرينة كما قال به الشيخ‏

قده و ما قاله شيخنا النائيني قده غير تام و العبارة تدل على عموم السلب خصوصا مع‏

ملاحظة قوله أبدا في آخر الرواية.

الإشكال الثاني في الرواية بعد دلالتها على الاستصحاب إجمالا هو انه لا شبهة

في أن النقض يسند إلى ما يكون له نحو دوام و استمرار و اما ما لا استمرار له فلا يستند

النقض إليه ففي المقام الوضوء يكون من الأفعال المنصرمة و هو الغسلتان و المسحتان‏

و لا يبقى من هذه الأفعال شي‏ء حتى يقال لا تنقضه و لو كان المراد اسناد النقض إلى اليقين فهو يكون من باب قاعدة اليقين و هو صورة سريان الشك إلى اليقين‏

السابق و يعبر عنه بالشك الساري فلا تدل على الاستصحاب في شي‏ء.

و قد أجيب عنه بأن اسناد النقض يكون بلحاظ الأثر الباقي منه و هو الطهارة


38
الحاصلة و هي امر باق غاية الأمر في النجاسة الخبثية يكون حصولها من الظاهر عند

العرف فأن النظافة شي‏ء يفهمه كل أحد بخلاف الطهارة الباطنية و لهذا النكتة

أسند النقض إلى الوضوء الذي يكون سببا و هو الغسلتان و المسحتان الظاهرتان‏

عند العرف.

و التحقيق عندنا هو أن الوضوء يكون مثل البيع و العقد في حصول الوجود

الاعتباري له فكما أن أوفوا بالعقود و أحل اللَّه البيع يشمل العقد الذي انقضى و كذلك‏

البيع الذي انقضى و يكون الخطاب بلحاظ نوع دوام عند العقلاء بالوجود الاعتباري فكذلك الوضوء يكون له نوع دوام في هذا الوعاء و هو يكفى في اسناد النقض‏

إليه فما هو غير باق هو المعنى المصدري و ما هو باق يكون هو الاسم المصدر(و بالفارسية

گره زدن و گره و فروختن و فروش و وضوء گرفتن و وضوء فرق دارد)فتحصل أن دلالة هذه‏

الرواية على الاستصحاب مما لا إشكال فيه و ما قيل فيها غير تام.

و منها صحيحة أخرى لزرارة1

قال قلت أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‏ء من المني فعلمت اثره إلى أن‏

أصب الماء فحضرت الصلاة و نسيت ان بثوبي شيئا و صليت ثم انى ذكرت بعد ذلك‏

قال عليه السلام تعيد الصلاة و تغسله قلت فان لم أكن رأيت موضعه و علمت أنه اصابه‏

فطلبته و لم أقدر عليه فلما صليت وجدته قال عليه السلام تغسله و تعيد قلت فان ظنت أنه‏

اصابه و لم أتيقن فنظرت و لم أر شيئا فصليت فرأيت فيه قال عليه السلام تغسله و لا تعيد قلت‏

لم ذلك قال عليه السلام لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك أن تنقض‏

اليقين بالشك أبدا قلت فانى قد علمت أنه اصابه و لم أدر أين هو فأغسله قال عليه السلام تغسل من.

1أقول هذا الحديث الشريف بهذا المقدار في الوسائل تأليف العلامة البروجردي‏

قده في باب 23 من أبواب النجاسات ح 5 نقلا عن التهذيب و الاستبصار و العلل و في‏

الوسائل للشيخ حر العاملي قده في باب 37 من أبواب النجاسات نقل قطعة منه‏


39
ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك فقلت فهل‏

على ان شككت أنه اصابه شي‏ء أن انظر؟قال لا و لكنك انما تريد أن تذهب بالشك‏

الّذي وقع قلت ان رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة قال عليه السلام تنقض الصلاة و تعيد إذا

شككت في موضع منه ثم رأيته و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم‏

بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك فليس ينبغي لك أن تنقض‏

اليقين بالشك الخبر.

و تقريب الاستدلال بفقرتين من الرواية فانها متعرضة لأحكام نفسي و حكم‏

طريقي و هو الاستصحاب الفقرة الأولى قوله عليه السلام لأنك كنت على يقين من طهارتك‏

فشككت و ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا فان عدم إعادة الصلاة يكون‏

من باب أن دخوله فيها كان على القاعدة فانه لم يكن له اليقين بالنجاسة بل كان‏

حالته السابقة اليقين بالطهارة و هو لا ينقض بالشك و اما غسل الثوب فلأنه يكون‏

على يقين من نجاسته في هذا الآن و على هذا يكون المراد باليقين اليقين الّذي كان قبل الظن‏

بالإصابة و هذا الفقرة دليل على أن الاستصحاب أصل محرز و اما على فرض حمله‏

على اليقين بعد الظن فهو يكون من باب قاعدة اليقين و الشك الساري لأنه فعلا يشك‏

في ان يقينه السابق هل كان حقا أم لا فتدل على هذا على حجية قاعدة اليقين و لكنه‏

خلاف الظاهر فيحمل على حجية الاستصحاب.و الفقرة الثانية أيضا كذلك فدلالة

الرواية صدرا و ذيلا تامة.

و قد أشكل على هذا التقريب بأن إعادة الصلاة بعد العلم بالنجاسة ليس من‏

نقض اليقين بالشك بل من نقض اليقين باليقين فكيف يصح أن يعلل عدم الإعادة

بأنها من نقض اليقين بالشك نعم يصح أن يعلل عدم الإعادة بجواز الدخول في الصلاة

لعدم إحراز النجاسة و عليه تكون الرواية دليلا على اجزاء الأمر الظاهري و هو خلاف‏

القاعدة لأنها تقتضي عدم الاجزاء لعدم مطابقة المأتي به مع المأمور به.

و لا يكون الظاهر من الدليل لأن التعليل بعدم نقض اليقين بالشك لا يناسب‏


40
هذا الاحتمال.

و لا يخفى أن مناط الإشكال في المقام يكون على فرض كون النجاسة التي‏

وجدها السائل هي ما احتمله و ظن به قبل ذلك و اما على فرض كون نجاسة جديدة

فلا يكون وجدانها من نقض باليقين بل الشك بالنسبة إلى النجاسة في حال‏

وجدان الجديدة باقية و الشيخ قده جعل هذا الاحتمال خلاف الظاهر بل الظاهر هو

ان ما وجده يكون هو الّذي ظن به و كيف كان فقد أجيب عن الإشكال بوجوه و هي‏

تدور مدار كيفية شرطية الطهارة للصلاة من كونها شرطا واقعيا أو ظاهريا أو إحرازيا

و غير و يكون في كلماتهم التعرض لها.

الوجه الأول ان يكون الشرط هو الجامع بين الطهارة الواقعية و الطهارة

المحرزة بالاستصحاب و عليه فعند كشف عدم الطهارة في الواقع لا يكشف خلاف‏

الواقع بالنسبة إلى ما هو الشرط ضرورة وجود الشرط الإحرازي بالاستصحاب فان‏

الإحراز السابق لا يكون له كشف خلاف و ان كان الواقع له كشف الخلاف لأن الإحراز

لا واقع له الا نفسه و هو كان حاصلا و لم يظهر خلافه.

و الجواب عنه بالنقض هو ان الغافل الّذي لم يتوجه إلى النجاسة أصلا تكون‏

صلاته صحيحة مع أنه لم يكن محرزا للشرط و لا للواقع فلو كان الشرط منحصرا

بهما يلزم ان يقال ببطلان هذه الصلاة لعدم الواقع و إحرازه و اما حلا فلان الظاهر

من دليل الشرطية مثل لا صلاة الا بطهور هو شرطية واقع الطهارة لا إحرازها فمع‏

كشف الخلاف يجب ان يقال ببطلان الصلاة لأن الاستصحاب حكم طريقي محض‏

و لا موضوعية له و من هذا الرواية لا يستفاد شرطية الطهارة الأعم من الواقعي و الإحرازي‏

لأنه خلاف ظاهره مضافا بأن عدم الإعادة أثر الاستصحاب على هذا التقدير بعد كشف‏

الخلاف لا أثر المستصحب و على مسلك مثل شيخنا النائيني قده من ان الاستصحاب‏

هو تنزيل المشكوك منزلة المتيقن يكون الأثر على الواقع لا على إحرازه فمع كشف‏

الخلاف يجب الإعادة و اما على ما هو التحقيق من انه تنزيل المشكوك منزلة اليقين‏


41
و المتيقن كليهما فيمكن ترتيب آثار الإحراز و أثر اليقين و لو لم يكن للمتيقن واقع‏

في البين فان هذا الأثر أثر اليقين فلا يتم هذا الوجه في رد الإشكال في الجملة.

الوجه الثاني هو أن يكون الإحراز الوجداني شرطا واقعيا و الإحراز التعبدي‏

شرطا ظاهريا فيما هو الشرط للصلاة هو الأعم من الإحرازين و عليه فلا كشف خلاف‏

في المقام لأن الواقع و ان لم يكن و لكن الإحراز بالتعبد كان حين الدخول في الصلاة

و الجواب عنه ان الإحراز الواقعي قد انكشف خلافه و الإحراز بالاستصحاب للظاهر

يكون بالوجدان لا بالتعبد فان الإحراز الوجداني بالنسبة إلى الشرط الظاهري‏

حاصل بالوجدان و عليه لو كان الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقن لا أثر

لهذا الإحراز لأن عدم الإعادة أثر الاستصحاب لا المستصحب و اما لو كان الأعم منه و من‏

تنزيل الشك منزلة اليقين يمكن أن يكون له الأثر.

الوجه الثالث ان يكون المانع للصلاة النجاسة المعلومة و حيث لم يكن العلم‏

بالنجاسة حاصلا حين الصلاة و قد انكشفت النجاسة بعدها فلا إعادة لحصول الشرط

حينها و ما انكشف خلافه بالوجدان فعدم الإعادة على القاعدة و عليه لا تكون‏

الرواية حجة على الاستصحاب و لا يناسب التعليل بعدم نقض اليقين بالشك بل المانع‏

ليس له المانعية على هذا الفرض ففي الواقع لم يكن الشرط شرطا ليجب إحرازه‏

بالاستصحاب.

الوجه الرابع ان يكون المانع هو ما لم يقم عليه حجة على العدم و اما ما قام‏

عليه الحجة فلا يكون مانعا و هنا قام الاستصحاب على عدم النجاسة فلا مانع و لا كشف‏

خلاف له لأنه لا يكون الشرط الا بهذا النحو.

الوجه الخامس ان يكون الشرط و هو الأعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية

فيكون الشرط هو الطهارة لا إحرازها و ان كان الإحراز طريقا الا إثباتها ظاهر أو هذا أيضا لا كشف خلاف له لأنه و ان ظهر خلاف الواقع و لكن الظاهر باق على ظاهره.

و يرد عليه بان لازمه انه لو كان الطهارة غير محرزة و لا تكون حاصلة واقعا و لكن وقع‏


42
الصلاة مع الغفلة ان لا تكون صحيحة و هذا خلاف الإجماع مع كون الظاهر من‏

الدليل مثل لا صلاة الا بطهور شرطية الطهارة الواقعية ثم هنا احتمال ان يكون تلك‏

الصحيحة دليلا على كفاية الطهارة التي كشف خلافها لوجود الاستصحاب فيكون‏

الاجزاء من هذا الوجه فيقال حيث كان محرزا للطهارة بواسطة وجود الاستصحاب‏

له لا إعادة عليه و هذا الوجه خلاف الظاهر لأن فهم الاستصحاب من قوله لا تنقض إلخ‏

ثم فهم الاجزاء بواسطته يكون من البعيد و يحتاج إلى تقدير كثير.

إذا عرفت هذه الوجوه في كيفية شرطية الطهارة عن الخبث في الصلاة فلنرجع‏

إلى أصل الإشكال في المقام و لا يخفى انه من جهتين الأولى من جهة التطبيق للكبرى‏

على عدم وجوب الإعادة و الثانية أصل التعليل بعدم نقض اليقين بالشك فيجب بيان‏

صدق نقض اليقين بالشك ثم التطبيق في المورد على عدم الإعادة اما صدق النقض‏

في الإعادة فلان أصل الإعادة نقض عملي لليقين و عدمها عدم نقض عملي سواء كان‏

الشرط هو الطهارة الواقعية أو الظاهرية و هذا سهل انما الإشكال في ان عدم النقض‏

يكون مستندا إلى ما قبل الصلاة فانه كان على يقين من طهارته قبل ذلك و ظاهر

الرواية عدم النقض فعلا يعنى بعد الفراغ من الصلاة مع أنه بعدها يكون من نقض‏

اليقين باليقين لا من نقض اليقين بالشك ليكون دليلا على حجية الاستصحاب.

و قد أجاب عن الإشكال المحقق الخراسانيّ قده بان حسن التعليل يكون من‏

جهة ان الشرط في باب الطهارة الخبثية هو إحراز الطهارة و لو بالأصل لا نفسها فالحكم‏

بصحة الصلاة و عدم وجوب إعادتها يكون من جهة كون الراوي محرزا للطهارة

باستصحابها حال الإتيان بالصلاة و واجد لما هو شرط صحتها واقعا و هو لم ينقلب‏

عما هو عليه حتى بعد العلم بالنجاسة.

و فيه ان استفادة كون الشرط للأعم من الظاهري الإحرازي و الواقعي مما

لا كلام فيه فانه يستفاد من الرواية و انما الكلام في التعليل و لا يناسب التعليل على هذا

بالكون على الطهارة بل اللازم ان يقال في هذا الفرض لأنك كنت على يقين بإحراز


43
طهارتك بالأصل لا أن يقال انك كنت على يقين من طهارتك مضافا بأن الاستصحاب‏

عنده يكون من تنزيل المشكوك منزلة المتيقن لا الشك منزلة اليقين و الإحراز

هو أثر اليقين لا المتيقن و هو لا يحصل بتنزيل المشكوك مثل الطهارة منزلة المتيقن‏

هذا مع انه لو التزم بمبناه من تنزيل المشكوك منزلة المتيقن يكون لازمه هو

القول بطريقة اليقين إلى الطهارة و هي قد انكشف خلافها و اللازم منه هو بقاء

الإشكال لأن الطهارة قد انتقضت باليقين بالنجاسة لا بالشك فيها.

و يرد عليه النقض أيضا بأنه علي فرض تسليم كون الشرط هو الإحراز يلزم‏

بطلان صلاة من لا إحراز له مع كونه طاهرا واقعا و لم يقل به أحد1و يرد عليه أيضا بان المستصحب يجب ان يكون حكما أو موضوعا ذي حكم شرعي و على‏

فرض عدم شرطية واقع الطهارة للصلاة فلا أثر لاستصحابها لعدم الأثر له بل للإحراز

فقط و هو قده كان متوجها لهذا الإشكال و لذا أجاب عنه في الكفاية بقوله فانه يقال‏

ان الطهارة و ان لم تكن شرطا فعلا الا انها غير منعزلة عن الشرطية رأسا بل هي شرط

واقعي اقتضائي و معنى الاقتضائي هو أنه لو لا المانع يكون هذا هو الشرط و لكن‏

مع مثل الجهل به فالإحراز يكون كافيا.

ثم ان كان مقصوده من هذا هو أن الشرط يكون هو الجامع بين الظاهر و الواقع‏

ففي صورة وجود الواقع فهو الشرط و في صورة عدمه يكون الشرط هو الإحراز فهذا

خلاف ظاهر عبارته لانفسها فان نفى نفس الطهارة عن الشرطية لا يناسب القول‏

بشرطيتها على وجه و ان كان المراد هو شرطية الواقع فهو أيضا لا يناسب لدفع الإشكال‏

1أقول هذا الإشكال غير وارد عليه لأنه فرض الشرط كذلك في صورة الالتفات‏

لا صورة الغفلة فان عبارته في الكفاية شاهدة فانه قال لا يكاد يمكن التفصي عن الإشكال‏

الا بأن يقال ان الشرط في الصلاة فعلا حين الالتفات إلى الطهارة هو إحرازها فان قوله‏

حين الالتفات إلى الطهارة يكون شاهدا على ان مراده غير صورة الغفلة و ليس الإحراز

شرطا فيها ليرد النقض فنفس الطهارة أيضا غير شرط في غير هذه الصورة لا فيها.


44
لظهور خلافه بالوجدان و هو أيضا لا يريده و ان كان المراد كون الطهارة قيد الإحراز

فما هو الشرط يكون إحراز الطهارة لا إحراز غيرها فهو أيضا لا يتم لأن الطهارة الواقعية

يكون المفروض عدمها بعد كشف الخلاف و الطهارة الزعمية التصورية لا أثر لها

لتستصحب و المفروض أن المستصحب يجب أن يكون حكما أو موضوعا ذي حكم‏

و يكون هذا الأثر قبل الاستصحاب لا من قبله و هذا أثر الاستصحاب يعنى زعم الطهارة

يكون اثره لا أثر المستصحب ضرورة انه يحصل بعد جريانه فقوله قده هذا مع‏

كفاية1كونها من قيود الشرط حيث انه كان إحرازها بخصوصها لا غيرها شرطا

غير تام أيضا اما لو كان الشرط هو الجامع بين الطهارة الواقعية و الظاهرية فائضا

لا يندفع الإشكال في المقام.

اما أو لا فلان لنا احتمال ثالث و هو حال الغفلة فانه لا يكون الشرط الواقع‏

و لا إحرازه فان الصلاة مع النجاسة الواقعية الغير الملتفتة إليها صحيحة فلا يكون‏

الشرط دائرا بين الاثنين فقط2.

و اما ثانيا فلان الكلام لا يكون في عدم وجوب الإعادة فقط حتى يقال ان‏

الشرط كان ظاهريا بل الكلام في تطبيق عدم نقض اليقين بالشك و هو غير منطبق‏1أقول من كلامه قده هذا يظهر أن مراده بإحراز الطهارة لا يكون هو دخل صفة

الإحراز من حيث هي في النّفس بل مراده اعتبار المحرز و ان لم يكن لنا محرز بدون الإحراز

فيرجع قوله قده إلى أن يكون الشرط هو الأعم من الطهارة الظاهرية أو الواقعية و يتعرض له‏

مد ظله بعد هذا الاحتمال كما ترى في كلامه و على أي تقدير فالإشكال من أصله لا يندفع بهذا

الكلام بل هو صعب العلاج واقعا.

2أقول في صورة الغفلة يمكن أن يقال الطهارة عن النجاسة لا تكون شرطا

و لا إشكال فيه فان البحث في صورة الالتفات اما صورة الغفلة أصلا لا تكون الطهارة شرطا

و في صورة النسيان تكون شرطا و لو لم يكن حين العمل الالتفات إليه و الحاكم به النص في‏

غيره هذه الفقرة فان الإحراز الظاهري فيه لا يكفى بل المدار على الواقع.


45
لأنه بالنسبة إلى الواقع قد انتقض و بالنسبة إلى الظاهر لا يكون له كشف خلاف لأن‏

الظاهر لم ينقلب عما هو عليه من كونه حكما ظاهريا فكيف يقال بحجية الاستصحاب.

بهذا البيان.

ثم انه قد أشكل شيخنا العراقي قده في المقام بإشكال دقيق و هو ان الجامع‏

لو كان شرطا لا يكون للاستصحاب مجرى أصلا بالنسبة إلى الجامع و لا بالنسبة إلى‏

الحصة المقارنة مع الواقع و لا بالنسبة إلى الحصة المقارنة مع الظاهر اما بالنسبة إلى‏

الجامع فلأنه لا أثر له شرعا بل ما هو منشأ الأثر هو الحصة و لو فرض له الأثر لا يكون‏

في الحصتين مجرى للاستصحاب فان الخصوصية في باب الكفارة على فرض كون‏

الجامع بين الصوم و الطعام و العتق هو الواجب لا يجوز قصدها لأنها بدعة و لا تكون‏

منشأ أثر و في المقام أيضا كذلك مضافا بأن الجامع بين الطوليتين لا يتصور فان‏

استصحاب الطهارة في طول واقعها فيلزم أو لا جريان الاستصحاب ثم حصول الظاهرية

بالتعبد فكيف يمكن ان يكون لنا جامع بينهما فان المتأخر رتبة لا يمكن ان يكون‏

في عرض المتقدم كذلك.

و اما جريان الاستصحاب في الحصة المقرونة إلى الواقع فلا يكاد يؤثر في‏

المقام و ان كان في نفسه ممكنا لأنه بعد كشف الخلاف يكون من نقض اليقين باليقين‏

لا بالشك ضرورة العلم بالنجاسة و على فرض عدم الأثر للواقع فلا يكون الأثر للحصة

الظاهرية لأن الاستصحاب يكون طريقا إلى الواقع فإذا فرضتم عدم الأثر للواقع حتى‏

يقال بعد كشف خلافها بعدم إعادة الصلاة و فرضتم ان الاستصحاب يكون متوجها إلى‏

الواقع و لا موضوعية له فيكون جريانه غير موجه بعده و لا يكون الكلام في‏

استصحاب الطهارة التعبدية بل في الطهارة الواقعية فان قلت الطهارة التعبدية

تستصحب قلت يكون هذا خارجا عن الفرض لأن المستصحب نفس الطهارة

لا الطهارة المستصحبة.


46
ثم استدرك قده بأنه لو كان النجاسات أحكاما جعلية بدون الواقعية فيمكن ان يكون‏

الأثر على الاستصحاب لا الواقع بخلاف ما لو فرض أنها واقعيات كشف عنها الشرع كما

التزم به الشيخ الأعظم قده فانه لا أثر الا للواقع و هذا هو التحقيق فالقول بان ما هو

المستصحب هو الحكم و ان ظهر خلافه خلاف الواقع‏1.

ثم أن شيخنا النائيني قده قد ذب عن الإشكال بالوجوه السابقة غاية الأمر

أضاف وجها آخر و هو أن كبرى عدم نقض اليقين بالشك كان مغروسا في ذهن السائل‏

و يكون المورد من باب التطبيق كما يقال الخمر حرام لسكره فعلة عدم الإعادة

يكون وجوده هذه الكبرى و يرد عليه أولا ان غاية ما يستفاد هو حمل اليقين و الشك‏

على ما قبل العلم بالنجاسة و هو خلاف الظاهر مع ان الكبرى أيضا لم تكن مغروسة

في ذهن السائل و الا فلأي جهة سئل في المقام عن التفكيك بين الإعادة و تحصيل‏

الطهارة فان الوحشة عن التفكيك كان دليلا على عدم المغروسية.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الحمل على ما قبل كشف الخلاف و ان كان‏

فيه دفع الإشكال عن تعليل الإعادة بعدم نقض اليقين بالشك و لكن يكون خلاف‏

الظاهر على جميع الأقوال و لا محيص عنه.

فيمكن أن يقال أن النجاسة التي وجدت تكون من الحادثة بعد الصلاة

فاليقين و الشك بالنسبة إلى قبل الصلاة يكونان باقيين حتى بعدها و يمكن الاستشهاد عليه‏

1أقول ان كان مراده استصحاب الحكم و لو بعد كشف الخلاف فهو غير ممكن لأن‏

الطهارة و النجاسة على فرض كونهما جعلتين أيضا يكون الجعل على الموضوع المنحفظ

ففي ظرف الملاقاة مع الدم مثلا يحدث الحكم بالاجتناب و لا حكم عند كشف الخلاف فإذا ظهر

نجاسة ما كان طاهرا لا يكون للحكم بالطهارة وجه و قبل كشف الخلاف فلا فرق بين‏

الطهارة الواقعية و الظاهرية و لو لم يكن أثر على الواقع الّذي كشف خلافه و كان هذا

كاشفا عن عدم الأثر في صورة التعبد أيضا يأتي فيه الإشكال السابق منه قده في الطهارة إذا

كانت واقعية و كذلك النجاسة


47
بأنه لم يذكر ضمير في قوله رأيت و اما في الفرع السابق منه فيكون الضمير بقوله فوجدته‏

فلا تكون النجاسة في هذه الفقرة هي ما ظنه أولا و لكن الإنصاف أن هذا الاحتمال‏

و الاستشهاد أيضا موهونان لأن وحشة الانفكاك بين المقامين تكون شاهدة على ان ما وجده كان هو ما ظنه أولا فهذا أيضا خلاف الظاهر و الحمل على ما قبل الصلاة أيضا

خلافه فنقول يكون التطبيق على المورد مجملا و لكن لا يضر بالكبرى في نفسها

فانها قاعدة كلية و ليس الاستصحاب إلا عدم نقض اليقين بالشك.

تذييل تنبيهي‏

أقول و في هذا التذييل يكون البحث عن امر غير مربوط ببحث الاستصحاب‏

و لكن حيث كان الكلام في شرطية الطهارة الخبثية للصلاة في الرواية السابقة و كان‏

البحث في استصحابها لا بأس بالجمع بين الاخبار في نحو الشرطية و لا يكون تكرارا

لما سبق من احتمالات الشرطية لأن البحث في أصل الاحتمالات غير البحث في مقام‏

الجمع بين الروايات.

اما الروايات فهي على ثلاث طوائف الطائفة الأولى ما دل على شرطية الطهارة

مثل قوله عليه السلام لا صلاة الا بطهور و غيره و هي بظاهرها تدل على أن واقع الطهارة هو الشرط كما أن هذا ظاهر لسان كل دليل بالنسبة إلى كل عنوان أخذ في لسان‏

الدليل فان الظاهر هو كاشفيته عن الواقع.

الثانية ما دل على كفاية الطهارة الاستصحابية أيضا كهذه الصحيحة التي تكون‏

مورد الاستدلال في الاستصحاب.

و الثالثة ما دل على صحة الصلاة في حال الغفلة و لو بدون الطهارة عن الخبث كما

في بعض فقرات الصحيحة و لم يذكروه في مقام الجمع و يكون اللازم و التوجه‏

إليه أيضا.

ففي مقام الجمع يذكر وجوه الأول أن يكون ما هو الشرط في الصلاة هو العلم‏


48
بالنجاسة و اما في غير هذا الصورة فلا يكون لنا شرط و لازم هذا هو صحة الصلاة في‏

حال الغفلة لعدم العلم بالنجاسة و هكذا صحتها في صورة الشك أيضا بدون الاستصحاب‏

و فيه ان هذا الاحتمال مخالف للإجماع لأنه في صورة الشك لا بد من الإحراز بالاستصحاب‏

و لازمه سقوطه عن الاعتبار مضافا بمخالفته لظاهر دليل الشرطية و هو شرطية الواقع‏

لا العلم به فقط فهذا في الواقع يكون موجبا لسقوط الطائفة الأولى من الروايات‏

و هكذا ما دل على وجوب الإحراز بالاستصحاب.

الوجه الثاني ان يكون الشرط هو الأعم من الواقع و إحرازه و فرقه مع الأول‏

هو أن إحراز الطهارة شرط لا إحراز النجاسة و لازمه هو تثبيت حجية الاستصحاب‏

في صورة الشك و فيه أن هذا ليس جمعا بين الروايات بل لازمه سقوط ما دل بظاهره‏

على أن الشرط هو واقع الطهارة فقط و هكذا يوجب سقوط ما دل على صحة الصلاة

في حال الغفلة لعدم الإحراز و عدم الواقع و لو كان المراد ان الجامع هو الشرط

يرد عليه إشكال شيخنا العراقي قده من عدم تصويره الاستصحاب بوجه من الوجوه‏

لا بالنسبة إلى الجامع و لا الحصة فهذا الوجه لا يكاد يفيد للجمع.

الوجه الثالث ان يكون الشرط هو واقع الطهارة1و لكن في صورة إتيان الصلاة

1أقول هذا امتن الوجوه كما عن التحرير النائيني قده و لا يرد عليه الإشكال‏

بوجه حتى إشكال العلامة العراقي قده فان مرجع هذا القول لا يكون الالتزام بان الشرط

هو الأعم من الواقعي و الظاهري بل الشرط هو الواقع و غيره يكون بدلا عنه كما في تقريراته‏

(الفوائد)و هكذا لا يرد عليه إشكال عدم السنخية في المصلحة كما في طي كلمات‏

الأستاذ مد ظله‏

و بيان ذلك هو أن الكلام اما يكون في الاجزاء في مرحلة الفراغ أو الاجزاء من‏

جهة الجعل اما الأول فلا إشكال فيه من جهة صيرورة الشرط الأعم من الظاهر و الواقع بل‏

يكون الشرط شرطا بحاله و واقعيته و تكون غفلة المكلف أو إحرازه بالاستصحاب موجدة

لمصلحة تفيد تمامية الصلاة فالشرط هو الواقع و الاجزاء كذلك لا يضره و لا يرد الإشكال من‏


49
مع الطهارة الإحرازية بالاستصحاب يكون الاجزاء عن الوقاع اما بملاك التفويت‏

لمصلحة الواقع و عدم موقع لها أو بملاك الوفاء بمرتبة من مصلحة الواقع في‏

مقام الامتثال أو من باب الاجزاء في مقام الجعل على فرض كون صحة الصلاة من باب‏

تمامية الصلاة لا من باب العفو عن الشرط.

و الحاصل اما ان يكون الاجزاء لمضادة مصلحة الظاهر مع الواقع و اما من‏

بال الوفاء بمرتبة منها أو من باب العفو عن الواقع و لازم هذا الاحتمال هو حفظ ظاهر

ما دل على أن الشرط هو الواقع على فرض عدم كون الاجزاء بملاك العفو و هكذا

ظاهر ما دل على كفاية الطهارة الإحرازية و لكن لازمه هو ان يقال بان الغفلة أيضا

حيث السنخية بين الواقع و ما وقع كذلك في صورة الاجزاء بملاك المضادة لأن الغرض‏

هو الضدية لا السنخية و في صورة الاجزاء بملاك الوفاء أيضا لا نحرز عدم السنخية لأنا لا نعلم‏

حقيقة المصلحة لنقول لا يكون غير الواجد له مصلحة الواجد فربما يكون للمولى غرض‏

يكون تحصله اما بالصلاة مع الطهارة أو هي مع إحرازها و لو زعما أو يكون تحصله بنفس‏

غفلة العبد فمن أين ثبت عدم سنخية المصلحتين هذا كله في الاجزاء في مقام الفراغ و الامتثال‏

كما يكون في كلام النائيني قده في تقريراته‏

و اما لو كان الاجزاء من باب كون الشرط في مقام الجعل كذلك فلا إشكال فيه‏

أصلا لأنه قده لا يقول بان الشرط هو الأعم بل يقول الشرط هو الطهارة في صورة عدم الشك و في صورة الشك يكفى الإحراز الزعمي أيضا و في صورة الغفلة لا يكون شرطا أصلا فان‏

الغفلة توجب عدم الشرطية فالأخيران في طول الأول و مع الطولية يندفع إشكال الجامع لعدم‏

الجامع بين الافراد الطولية كما اعترف به العراقي قده عند بيان الإشكال ففي صورة الاستصحاب ان‏

حصل الوصول إلى الواقع فهو و ان لم يحصل لا يكون الطهارة شرطا و لا إشكال فيه و عمدة

كلامه قده في مقام الامتثال و دفع الإشكال عنه أسهل من مقام الجعل و الأستاذ مد ظله قنع ببيان‏

الإشكال فقط و لم يبين وجها يكون هو موجبا للجمع الصحيح عنده في هذه الدورة و ان مال في‏

الدورة الأولى إلى الاجزاء بمصلحة المضادة فكلام التحرير النائيني قده امتن و انه دقيق جدا و لذا قال في آخر كلامه فتأمل في أطراف ما ذكرناه شكر اللَّه سعيه‏


50
توجب حفظ مرتبة من مصلحة الواقع أو تكون موجبة للاجزاء من باب المضادة فلو

التزمنا بهذا يكون الجمع بين الروايات كذلك له وجه فصحة الصلاة اما ان تكون‏

من باب الوفاء بمصلحة الواقع أو من باب المضادة مع مصلحة الواقع أو من باب العفو

عن الشرط ترخيصا أو عزما.

فحاصل مرام شيخنا النائيني قده هو قناعة الشرع بالعمل بأحد الوجوه فلو كانت‏

الطهارة واقعية فهي الشرط و الا فالطهارة الزعمية كافية لا أنها غير شرط من أصلها

حتى يكون الواجد و الفاقد متساويين بل التسلك بزعم الواقع بأصل محرز و لو لم‏

يكن موافقا للواقع يكون فيه المصلحة و كذلك الغفلة و لا يقال عليه بان الطهارة

تكون شرطيتها في الواقع مشروطة بعدم الغفلة فإذا تحققت الغفلة لا يكون الواقع‏

شرطا أصلا فلا يكون البحث عن وفائه بمصلحة الواقع له وجه مضافا بان شرطية

الشرط في حال الالتفات و عدم شرطيته في حال الغفلة فيه إشكال تقييد الأحكام‏

بالعلم به و يأتي فيه إشكال الدور عن العلامة قده.

لأنه يقول ان التقيد هنا يكون في مرحلة الفراغ لا مرحلة الجعل و بعبارة

واضحة لا يكون تقييد الحكم بالعلم بالموضوع فيه إشكال الدور فأنه يمكن أن‏

يقال إذا علمت ببولية شي‏ء يجب الاجتناب عنه فيمكن أن يقال بأنه إذا علمت بنجاسة

شي‏ء يجب أن لا يكون في اللباس و البدن في الصلاة فيكون التقييد بنحو نتيجة

التقييد التي تحصل بواسطة تقييد الموضوع و من هنا ظهر عدم ورود الإشكال عليه‏

قده بأنه لو كان غير الواقع وافيا بمصلحته يجب ان يكون الخطاب التخييري بين الواقع‏

و الظاهر يعنى يجب اما تحصيل الطهارة واقعا أو زعما لأنه قده لا يرى العرضية في‏

المصلحة بل مصلحة الظاهر في طول الواقع فلا يمكن الخطاب التخييري فلا يرد عليه‏

هذا الإشكال.

و انما يرد عليه إشكال شيخنا العراقي قده الّذي مر في السابق من أن الجامع‏

بين الطهارة الواقعية و الظاهرية لا أثر له و حصة الواقع أيضا غير مؤثر بعد ظهور


51
الواقع و لا يجري الاستصحاب بالنسبة إلى الظاهرية أيضا لعدم كونه الا طريقا إلى الواقع‏

و بعد ظهور الخلاف لا يبقى له الأثر فيرجع هذا الوجه منه قده إلى الوجه الثاني من‏

الجمع و هو كون الشرط الأعم من الظاهري و الواقعي و هو لا يقبله لمخالفته لظهور

روايات الاشتراط.

و من الروايات صحيحة ثالثة لزرارة
(قده)1

و هي قوله عليه السّلام إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد أحرز الثلاث قام و أضاف‏

إليها أخرى و لا شي‏ء عليه و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك في اليقين و لا يخلط

أحدهما بالاخر و لا ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين فيبنى عليه و لا يعتد بالشك‏

في حال من الحالات.

و لا إشكال في سند هذه الرواية في الجملة فان محمد بن إسماعيل و ان كان‏

مرددا بين التسعة أو العشرة من الرّجال و لكن العلامة و المامقاني قد ذكروا أنه من‏

تلامذة فضل بن شاذان و هو موثق و لكن الإشكال في هذه الرواية يكون من جهة

الدلالة و التطبيق على المورد.

و للرواية احتمالات يجب ذكرها و ذكر ما ورد من الإشكال في كل احتمال‏

الأول ان يكون المراد بقوله عليه السّلام لا ينقض اليقين بالشك هو اليقين بالثلاث و الشك‏

في الرابع و الإشكال عليه عن الشيخ قده هو أن المراد بإتيان الركعة ان كان الإتيان‏

1هذه الرواية في تهذيب الشيخ قده باب أحكام السهو في الصلاة و ما يجب منه طبع‏

القديم ص 188 ج 1 و لا يخفى أن له باب في أحكام السهو في ص 323 أيضا فلا تغفل‏

هذا بذلك و صدر الرواية و عنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه و محمد بن إسماعيل عن فضل بن‏

شاذان جميعا عن حماد بن عيسى عن حريز عن أحدهما عليهما السلام قال إذا لم يدر في أربع هو أو في‏

ثنتين و قد أحرز الثنتين قال يركع ركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهد

و لا شي‏ء عليه إلخ‏


52
متصلا يفيد الاستصحاب و لكن يخالف مذهب الشيعة في باب الشك في الركعات لأنه‏

يجب أن يكون منفصلا و على هذا مع كونه خلاف الظاهر من الرواية لا يفيد للاستصحاب‏

و القول بالتقية في التطبيق أيضا خلاف الظاهر.

و قد أجاب عن هذا الإشكال تلامذة الشيخ قده مثل المحقق الخراسانيّ و الحاج‏

آقا رضا الهمدانيّ(قد هما)بأن الظاهر من هذا الحديث هو حجية الاستصحاب‏

فقط و لكن التطبيق يكون بيانه في عهدة الأدلة البيانية للاجزاء و الشرائط

في الصلاة فلا ربط لوجوب انفصال الركعة بحجيته فلو استفدنا الظهور من هذه الرواية في الاتصال يصير مقيدا بنص أدلة وجوب الانفصال للحكومة على أدلة وجوب‏

الصلاة لأنه حاكم و شارح لما هو الواجب و منه هذا النحو من الامتثال.

أقول و يرد على هذا الجواب إشكال و هو أن فعل الاستصحاب هو التوسعة في‏

الواقع فإذا أحرزنا عدالة زيد في الواقع فهي شرط واقعي لجواز الاقتداء فإذا شك‏

فيها و استصحبت بعد وجود الحالة السابقة لها يكون هذا توسعة في الواقع و يحصل‏

فرد من العدالة بهذا الأصل لطرد الشك بجريانه و هذا لا يستقيم في المقام لأن‏

موضوع أدلة ركعات الاحتياط هو الشك بين الأقل و الأكثر فلازم طرد الشك‏

بواسطة الأصل هو عدم جريان الاستصحاب فان الموضوع لا يكون واقع الركعات‏

بل نفس الشك فجريان هذا الأصل يوجب أن يوجب الأصل عدم نفسه لأن جريه‏

يوجب فناء الأثر العملي له و لا شبهة في أنه يحتاج إلى أثر شرعي لأن موضوع دليل‏

الاحتياط في الركعات هو نفس الشك لا الواقع فإذا جرى الأصل فلازمه البناء

على عدم الشك و تصحيح أدلة الاحتياط في الركعات يكون على فرض بقاء الشك‏

فكيف يمكن القول بالجريان مع عدم أثر عملي له و هو حفظ أدلة الاحتياط و البناء

على الأكثر.

و من هنا ظهر ما في كلام شيخنا النائيني قده في هذا الوجه حيث أنه تبع‏

تلامذة الشيخ قده في ذلك من أن إتيان الركعات مفصولة ينافى إطلاق الاستصحاب‏


53
و لا ينافى نفسه ففي المورد يقيد بما دل على الإتيان مع الفصل و وجه الظهور عدم الأثر لهذا الأصل كذلك.

و اما الشيخ قده فيقول في جواب الإشكال بأن لزوم المحذور في المقام‏

يكون من جهة تطبيق الاستصحاب على المقام فاما أن يحمل على التقية في التطبيق‏

و هذا لازمه حجية الاستصحاب في نفسه و يكون التطبيق تقية و هذا و ان أمكن في‏

نفسه و لكنه خلاف الظاهر لأن صدر الرواية من قوله عليه السّلام يأتي بفاتحة الكتاب‏

في الشك بين الاثنين و الأربع شاهد عنده على عدم كون المقام مقام التقية لأن الإتيان‏

بالفاتحة شاهد الفصل بين الركعات أو يحتمل وجه آخر بحمل اليقين على اليقين‏

بالبراءة لا اليقين بالاشتغال و الفراغ.

الاحتمال الثاني في الرواية أن يكون المراد باليقين و الشك في المقام من‏

باب اصطلاح خاص في خصوص الركعات بأن يحمل اليقين على اليقين بالبناء على‏

الأكثر مثل قوله عليه السلام إذا شككت فان على اليقين يعنى ان المكلف‏

قبل إتيان الركعات منفصلة يكون له اليقين باشتغال الذّمّة يقينا و بعد الشك لا بد له‏

الا ان يأتي بما يحصل منه الفراغ اليقينيّ عن الاشتغال بالصلاة و هو لا يحصل الا

بإتيان الركعات منفصلة ليحصل اليقين و هو البناء على الأكثر ثم الإتيان بالمنفصلة.

و على هذا لا يكون التطبيق أيضا تقية لأن المراد لا يكون إتيان الركعات منفصلة

حتى يرد الإشكال مع كونها خلاف الظاهر.

و فيه ان هذا أسوأ حالا من الحمل على التقية و يكون خلاف الظاهر جدا

فانها لا تكون في صدد بيان هذا المعنى من مثل قوله عليه السّلام قام فأضاف إليها أخرى‏

الظاهر في الاتصال.

الاحتمال الثالث في الرواية و هو المختار ان الاستصحاب لا يكون في الركعة

أصلا ليجي‏ء الإشكال السابق من عدم الأثر للاستصحاب لكون موضوع روايات البناء


54
على الأكثر خصوص مورد الشك بل الاستصحاب بالنسبة إلى الآمر1بالصلاة و هو

و ان كان موافقا للاشتغال و لكن مقدم عليه لأنه أصل محرز فيستصحب في المقام‏

الأمر السابق و لا يحصل اليقين بالفراغ في مقام الامتثال الا بإتيان الركعات منفصلة

و هذا غير مربوط بمقام الجعل و لا يجي‏ء إشكال عدم الأثر للاستصحاب من باب كون موضوع أدلة الاحتياط الشك.

ثم ان هنا نزاع معروف و هو ان الاستصحاب هل يكون سقوطه في الشك في‏

الركعات مطلقا أو يكون مختصا بالموارد المخصوصة التي ورد النص بالنسبة إليها

ففي غير هذه الموارد يتمسك به؟قال شيخنا العراقي قده في هذه المقام ان الاستصحاب‏

مطلقا لا يجري في الشك في الركعات لإشكالين الأول كونه من الفرد المردد و

الثاني كونه مثبتا.

اما بيان الإشكال الأول فهو أنه إذا شك بين الثلاث و الأربع كان له قبل هذا

الشك اليقين بعدم إتيان الرابعة فهذه الركعة ان كانت رابعة في الواقع يكون يقينه‏

منقوضا و ان لم تكن الرابعة في الواقع بل تكون ثالثة فعدم إتيان الرابع يكون‏

1أقول و هذا الاحتمال أيضا خلاف ظاهر قوله عليه السلام قام فأضاف إليها أخرى الظاهر

في إتيان الركعة متصلة و يكون الكبرى بيانا لهذا فاحتمال التقية في التطبيق خصوصا مع‏

تكراره عليه السلام عدم دخل الشك في اليقين هو الأظهر لو لا الإشكال في أصل جريان‏

الاستصحاب في المقام.

و أصالة الجهة ملاحظة في صورة عدم قرينة على خلافها و صدر الرواية أيضا لا دلالة

لها على إتيان الركعة منفصلة بصرف ذكر فاتحة الكتاب لأن ذلك أيضا يمكن ان يكون‏

بيانا لا حد فردي التخيير في الركعة الثالثة و الرابعة و فرده الاخر هو التسبيحات و هذا التعبير

أيضا يوافق التقية لأنه يوافق مع الاتصال و الانفصال فما ذكره الشيخ قده في مقام رد هذا

الاحتمال لا يكون تاما فأصالة الجهة و قرينية الصدر لعدم التقية ممنوعة.


55
يقينيا و عنوان الركعة لا أثر له و شخصها يكون امرها مرددا بين الوجود و العدم و من‏

المعلوم عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردد كما في الرضاع المحرم إذا

لم بدر انه حصل بأربعة عشر رضعة أو خمسة عشر فان عنوان الرضاع لا أثر له و الخارج‏

مردد امره بين الوجود و العدم فلا يجري الاستصحاب في الفرد المردد في المقام أيضا

و اما بيان الإشكال الثاني فهو ان التشهد و السلام لا شبهة في وجوب كونهما

عقيب الركعة الرابعة لأن استصحاب عدم إتيان الرابعة قبل إتيان المشكوك لا يثبت‏

رابعية الموجود حتى يترتب عليه وجوب التشهد بعده فلا يكون الاستصحاب جاريا

في مطلق الركعات و المقام أي مورد الروايات أيضا في البناء على الأكثر لا يكون‏

خلاف القاعدة لا يقال البناء على الأكثر بمقتضى الروايات لا يثبت الرابعية

حتى يكون التشهد واقعا بعد الرابعة بالوجدان بل من المحتمل أيضا أن يكون‏

رابعة أو ثالثة و ظهور الدليل يكون هو إثبات الرابعية بالوجدان فلا فرق بين الأمارة

و الاستصحاب في ذلك مع أنه خلاف المذهب لأنا نقول ان المثبت من الأمارات‏

حجة و أدلة البناء على الأكثر أمارة مضافا بأن عدم حجية الأصل المثبت ما ورد فيه‏

رواية و لا آية بل يكون استظهارا من لسان الدليل فربما يكون الدليل قاصرا

عن إثبات اللوازم العقلية و ربما لا يكون كذلك ففي مثل المقام حيث طبق الإمام عليه السّلام الاستصحاب على الركعات مع صيرورته مثبتا نستكشف ترتيب هذا الأثر

أيضا و في مثل إنبات اللحية باستصحاب الحياة لا نلتزم به لقصور الدليل عن إثبات‏

الأثر العقلي لعدم مجي‏ء التعبد فيه فانه يكون بالنسبة إلى الأثر الشرعي فقط

و لا ملزم لنا بأن نقول نكشف من هذه الرواية حجية هذا الأثر في الرتبة السابقة

كما قال شيخنا العراقي(قده)و لازمه أن لا يكون نفس الاستصحاب حجة في هذه‏

الروايات لعدم الملزم لهذا القول و هذا يكون من باب أن الجواد قد يكبوا و الا فهو

قده أعظم شأنا من هذا.

و قد أشكل شيخنا الحائري قده في الدرر على هذه الرواية بأنها لو كانت‏


56
حجة لكانت الحجية في خصوص الركعات في الصلاة و لا تدل على حجية الاستصحاب‏

عموما فالدليل هو الرواية الأولى من الروايات لا هذه و فيه ان العموم يستفاد

من ارتكاز العرف على أن اليقين مما له بقاء و استحكام و يكون بيانه في الصلاة لأن‏

السؤال يكون عن هذا المورد فتحصل ان الرواية تامة الدلالة على حجية

الاستصحاب.

و من الروايات لحجية الاستصحاب ما في الخصال‏

عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال قال أمير المؤمنين عليه السّلام من‏

كان على يقين فشك فليمض على يقينه‏ (1) .

و تقريب الاستدلال لحجية الاستصحاب هو ان من كان على يقين فليمض على‏

يقينه أي فليجر يقينه السابق و يترتب عليه اثره حتى في حال الشك و قد أشكل‏

الشيخ الأعظم قده في الرسائل على الرواية بما حاصله يرجع إلى ان الظاهر من‏

هذه الرواية هو حجية قاعدة اليقين المعروفة بالشك الساري و لا ربط لها بالاستصحاب‏

لأن الظاهر من الشك هو ان يتعلق بنفس اليقين الّذي يكون مقدما عليه فمن كان‏

على يقين فشك بعده في هذه اليقين يكون عليه الحكم السابق و لا ينقض بالشك‏

و من المعلوم ان اليقين و الشك لا يجتمعان في زمان واحد و لا بد من اختلاف الزمانين‏

غاية الأمر يكون المتعلق في الاستصحاب واحد مع اختلاف زمان الشك و اليقين‏

مثل العلم بعدالة زيد يوم الجمعة ثم الشك في العدالة يوم السبت و في قاعدة اليقين‏

يكون الشك في الزمان الثاني متعلقا بنفس اليقين في الزمن الأول و في هذه الرواية

يكون الفاء للترتيب بحسب الزمان و يكون الشك في نفس اليقين فلا دلالة لهذه‏

1)أقول هذه في الوسائل تأليف العلامة البروجردي المسمى بجامع الأحاديث في‏

باب 23 من أبواب النجاسات.


57
الرواية للاستصحاب لأن اليقين مقدم و الشك مؤخر بحكم الفاء و لا يكون اليقين في‏

ظرف الشك موجودا و لو بالنسبة إلى ظرف الحدوث.

و حاصل الجواب عن هذا الإشكال هو أن المشتق حقيقة فيمن تلبس في زمان‏

النسبة و الجري في المقام حسب تلقى الخطاب و ان كان حقيقة في الأعم بحسب‏

القاعدة فإذا قلنا من كان على يقين فشك لا يكون المعنى انه لا يكون له اليقين في‏

هذا الحين بالنسبة إلى زمان الجري في هذا الحين فان الظاهر من العبارة بقاء

اليقين السابق في زمان الجري في هذه الحيث و يكون الشك متعلقا به فانه‏

لا يمكن اسناد النقض إلى ما لا بقاء له في حين اسناد النقض و اللازم‏

من ذلك هو ان يكون الاستصحاب حجة لبقاء اليقين السابق إلى ظرف الشك‏

و القول بقاعدة اليقين يكون لازمه عدم كون اليقين في ظرفه حقيقة للشك في‏

في التلبس في ظرف الجري على فرض تعلق الشك باليقين السابق و ظاهر العبارة عدم‏

الشك في ذاك اليقين في هذا الحين و ان متعلق الشك هو العدالة مثلا في يوم السبت‏

و متعلق اليقين هو العدالة يوم الجمعة و عدم كون الشك في نفس اليقين بل هو

باق باعتبار الحدوث حتى آن الشك كما إذا قيل لا تبل تحت شجرة مثمرة فان‏

الخطاب يكون معناه أن البول حين كون الشجرة مثمرة منهي عنه لا في صورة

انقضاء المبدأ عنها و هو المثمرية و هذا غير مربوط بأصل وضع المشتق في الأعم‏

من المتلبس و ما انقضى عنه المبدأ.

و من الروايات مكاتبة علي بن محمد القاساني‏

قال كتبت إليه و انا بالمدينة عن اليوم الّذي يشك فيه من رمضان هل يصام‏

أم لا فكتب عليه السّلام اليقين لا يدخله الشك صم للرؤية و أفطر للرؤية.

و جعل الشيخ قده هذه الرواية من أظهر الروايات في الدلالة على الاستصحاب‏

بتقريب ان يقال ان اليوم الّذي يشك في انه من آخر الشعبان أو اليوم الّذي يكون‏


58
في آخر الرمضان و يشك في كونه من الشوال أم لا فإذا قيل اليقين لا يدخله الشك‏

يكون معناه إبقاء ما كان من الشعبان أو الرمضان كما كان و قد نقل المحقق‏

الخراسانيّ قده الإشكال عليه بان المراد باليقين هنا هو اليقين الّذي يكون شرطا

في باب صوم الرمضان و هو اليقين الحاصل من الرؤية و هو لا يدخله الشك و الا يكون‏

قوله عليه السّلام في الذيل صم للرؤية و أفطر للرؤية لغوا و مع وجوده لا شأن للاستصحاب‏

بعد وجود هذه الأمارة فلا يكون المراد من اليقين اليقين الاستصحابي مضافا إلى‏

ضعف السند أيضا لقدح الغضائري فيهما كما قال به العلامة قده.

أقول يمكن دفع إشكال السند بأنه ان كان قدح العلامة بواسطة الغضائري‏

فهو غير وجيه لأنه كان رجلا مشهورا بسوء الظن و لا يعتبر قدحه و ان كان له‏

سند آخر فهو في محله.

و اما الدلالة فيمكن ان يقال إثبات كون اليوم من الرمضان يثبت بواسطة

الرؤية و اما كون اليوم السابق من الشعبان يكون بواسطة الاستصحاب فهو يثبت‏

كون اليوم من الشعبان و الرؤية أمارة دخول شهر رمضان فلا ضير في دلالتها

عليه‏1

1و أقول ان قوله عليه السلام صم للرؤية و أفطر للرؤية يكون أمارة و مثبتها حجة فإذا

كان الشك في اليوم الاخر من الشعبان و لم يكن الرؤية فلازمه بقاء الشعبان و إذا كان في‏

اليوم الاخر من الرمضان فعدم رؤية الشوال يلحقه بالرمضان فلا أثر للاستصحاب و لكن يمكن‏

ان يقال ان المراد باليقين لا يكون هو اليقين الحاصل من الرؤية بل اليقين السابق كما

في جميع موارد الاستصحاب حسب الارتكاز من ان اليقين لا ينقض بالشك و لكن ينقض باليقين‏

و هو اليقين الحاصل في المقام بسبب الرؤية و في ساير المقامات بسبب آخر و لا ينحصر السبب‏

بالرؤية فقط فان مضى ثلاثين يوما من الشهر أيضا يوجب اليقين بدخول الشهر الاخر فحمل‏

اليقين على اليقين الحاصل من الرؤية خلاف الظاهر فدلالة الرواية على الاستصحاب‏

لا كلام فيها.


59
و قد استدل لحجية الاستصحاب بروايات أخرى‏

في أبواب مختلفة و قد تعرض لها الشيخ الأعظم قده منها قوله عليه السّلام كل شي‏ء

لك حلال حتى تعلم انه حرام و قوله عليه السّلام كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قدر.

و في مقام التقريب لها يكون الاختلاف في كلماتهم من حيث فهم الظهور منها

فربما قيل بأنها في مقام بيان الواقع و الظاهر و ربما يقال انها في مقام بيان الحكم الظاهري‏

فقط و هو اما القاعدة يعنى قاعدة الحلية و قاعدة الطهارة فقط أو هي مع الاستصحاب‏

و الحاصل اما أن يفهم منها ثلاثة أشياء الحكم الواقعي و قاعدة الطهارة و الاستصحاب‏

أو اثنان القاعدة و الاستصحاب أو واحد و هو القاعدة فقط.

فقال المحقق الخراسانيّ قده بان الصدر يكون في مقام بيان الحكم الواقعي‏

و الذيل يكون في مقام بيان الحكم الظاهري و تقريبه هو أن الظاهر من كل لفظ عند

الإطلاق هو الكاشفية عن الواقع فإذا قيل كل شي‏ء طاهر يكون معناه انه طاهر

واقعا لا ظاهرا فمن هذه الجملة يستفاد الحكم الواقعي بطهارة كل شي‏ء و لكن الذيل‏

حيث لا يناسب مع هذا الصدر لأن الواقع لا يمكن ان يكون غاية العلم فلا بد أن‏

يقال انه يكون العلم غاية في صورة الشك في الواقع فان كل شي‏ء طاهر واقعا الا إذا

شك فيه فهو طاهر ظاهرها إلى حين العلم بالخلاف و عدم مناسبة الذيل للصدر يكون من‏

جهة ان الطاهر لا يصير نجسا الا بالملاقاة مع النجس و الحلال لا يصير حراما الا بعد

العلم بسبب الحرمة لا قبله فلا بد من الحمل على الحكم الظاهري فان قلت عليه بان المراد

بكل شي‏ء هو كل شي‏ء مشكوك الحكم ليكون المستفاد قاعدة واحدة و هي الاستصحاب فهو يقول هذا خلاف ظاهر اللفظ فان إضافة قيد المشكوكية تحتاج إلى قرينة و هي مفقودة

في المقام.

و يظهر من كلامه قده في حاشيته‏ (1) على الرسائل استفادة قاعدة الطهارة

1)و هي الحاشية المسماة بفوائد الأصول و هو شرح نفيس جدا الكتاب فرائد

الأصول(الرسائل)


60
منها أيضا لأن المشكوك اما ان يكون له حالة سابقة فيكون مجرى الاستصحاب أولا

فيكون مجرى القاعدة.

و الحاصل انه قده يكون لكلامه تقريبان الأول تقريب عادي و هو ان يكون‏

المراد بلفظة شي‏ء هو العموم الأحوالي يعنى ان الشي‏ء كما يكون له افراد يكون له‏

حالات أيضا فبعض حالاته حالة كونه مشكوكا مع العلم بحالته السابقة و مع عدمه و

بعض حالاته عدم الشك فيه و الغاية هنا تكون لخصوص الفرد المشكوك لأنه لا يناسب‏

ان تكون غاية للواقع و مؤيد هذا هو تغيير أسلوب الكلام و الا فيلزم ان يقال بان كل‏

شي‏ء طاهر حتى يلاقي مع النجاسة.

و لا يخفى انه(قده)لا يكون مراده جعل الشك قيد ليقال انه خلاف ظاهر

اللفظ بل يكون الشك ظرفا له و حالة من حالاته.

و هذا التقريب يرد عليه ان الظاهر من كل لفظ هو الإطلاق الأحوالي كالإطلاق‏

الأفرادي في ظرف واقعيته و اما الواقع في ظرف الشك فهو يحتاج إلى عناية زائدة

مضافا بان اللازم منه هو ان يكون الحكم واقعيا في جميع الافراد لا الواقعي في‏

البعض و الظاهري في البعض الاخر مثل القاعدة و الاستصحاب.

التقريب الثاني ان يكون المراد بالشي‏ء هو المهملة لا ان يكون المراد هو الشي‏ء

الواحد في جميع حالاته و منها حالة الشك فيكون الشي‏ء منطبقا على الواقع و على‏

الأعم منه و من مشكوك الحكم فيكون فرقه مع السابق هو ان الفرد هنا طولي لأن‏

مشكوك الحكم في طول الواقع بخلاف الشي‏ء الواحد بلحاظ الحالات و في هذا التقريب‏

يجب ملاحظة ان الإشكال في ذلك هل يكون من جهة قصور النّفس يعنى لحاظ

المعنيين من لفظ واحد و هو لفظ الشي‏ء يعين الواقع و المشكوك أو من جهة قصور اللفظ

لأن الدال الواحد لا يكون كاشفا عن المدلولين و من هذه الجهة وقع الإشكال في‏

استفادة أكثر من قاعدة واحدة من الرواية عن المتأخرين مثل شيخنا النائيني و العراقي‏

(قد هما)فنقول في مقام الثبوت لا إشكال في اللحاظ و لا في الكاشف لأن للنفس‏


61
عنايات كثيرة في آن واحد أ لا ترى انها تتصور الموضوع و المحمول و النسبة بينهما

عند الحكم و من الضروري لزوم حضور المتحاكمين في الذهن عند الحكم و لا يمكن‏

نسيان الموضوع أو المحمول عند الحكم ففي المقام يراد من الشي‏ء الواقع و هو مع‏

الشك فيه و الدال عليه أيضا يفهم من قرينة الذيل للصدر و لكن في مقام الإثبات‏

يكون خلاف الظاهر لأن الغاية غاية للصدر و تابعة له و يكون الظاهر امتداد الصدر واقعا

و الحمل على الظاهر يكون مع العناية فلا بد من القول بقاعدة واحدة و هي قاعدة الطهارة

فقط و اما الاستصحاب فلا يستفاد من الرواية لأن الظاهر من دوام الحكم هو دوام‏

نفس حكم المشكوك و اعتبار الحالة السابقة المتيقنة ثم صيرورته مشكوكا يحتاج‏

إلى عناية زائدة كما قال الشيخ قده في الرسائل فتحصل ان الرواية لا تدل على‏

الاستصحاب و لا على الواقع بل على القاعدة فقط و كذلك رواية كل شي‏ء لك حلال‏

حتى تعلم انه حرام يستفاد منها قاعدة الحلية فقط و لا وجه للقول بان الغاية غاية

الواقع الا على رأي صاحب الحدائق في خصوص الطهارة و النجاسة بأنها أحكام‏

جعلية فلا يكون البول مثلا نجسا الا بعد العلم بالنجاسة و هو غير تام على المشهور.

أدلة الأقوال في الاستصحاب‏
تتمة في مقدار دلالة الروايات و الشك في المقتضى و الرافع‏

فنقول قد عرفت مما مر حجية الاستصحاب في الجملة فيجب البحث في ان‏

الحجية تكون في جميع الصور المتصورة أو في بعض الصور فقد اختلف كلمات الاعلام‏

فربما يقال بجريانه في الأمور الوجودية دون العدمية و ربما يقال بالفرق بين‏

الموضوعات و الأحكام أو الفرق بين الوضعيات و التكليفيات أو الفرق بين الشك‏

في الرافع و الشك في المقتضى كما مرت الإشارة إلى الأقسام في أوائل البحث‏

عن الاستصحاب و المهم في المقام البحث عن التفصيل في الشك في الرافع‏

و المقتضى و التفصيل بين الوضعيات و التكليفيات و لا نطيل البحث في ساير الأقسام‏


62
المتصورة.

فنقول قد اشتهر عدم جريان الاستصحاب في الشك في المقتضى عن المحقق‏

الخوانساري و تبعة الشيخ الأنصاري قده في الرسائل و الناظر من إلى هذا الكلام‏

قد جعلوا للشك في المقتضى أقساما ثلاثة و توهموا ان الشيخ قده يريد التقسيم بهذه‏

الأقسام مع انه قده ما جرى على قلمه يكون من باب المثال و قالوا بأن المناسب‏

للبحث هو الثالث من الأقسام و هو الشك في استعداد الشي‏ء لبقاء.

القسم الأول من الصور هو ان يكون أشك في المقتضى معناه الشك في اقتضاء

ملاك الحكم مثل ان التغير بأحد الأوصاف في الماء يكون موجبا للنجاسة فبعده‏

زوال هذا التغيير بنفسه بدون الاتصال إلى العاصم يكون الشك في ان الملاك هل‏

يكون بحيث يبقى حتى بعد زوال التغيير حتى يكون الشك في الرافع أو لا يكون‏

له استعداد البقاء حتى يكون من الشك في المقتضى.

القسم الثاني ان يكون المراد بالمقتضى هو جعل الشرع سببية شي‏ء لشي‏ء

مثل جعل النكاح سببا لحصول علقة النكاح و الطلاق رافعا لها فالشك في المقتضى‏

هو ان يكون الشك في استعداد الجعل للبقاء حتى بعد قول القائل مقام أنت طالق‏

أنت خلية أو برية فان كان له استعداد البقاء يكون الشك في الرافع و ان لم يكن‏

يكون من الشك في المقتضى.

القسم الثالث هو ان يكون المراد به هو استعداد البقاء لشي‏ء بطبعه و عدم استعداده‏

مثل الدار في البلاد الجافة فان للبناء استعداد البقاء الا ان يحصل رافع و اما الدار

على ساحل البحر فلا يكون له استعداد البقاء لأنه يكون في معرض الزوال فالشك‏

شك في الرافع في الأول و في المقتضى في الثاني.

ثم قالوا بان القسمين الأولين لا يمكن ان يكونا موردا البحث في الاستصحاب‏

لأن لازمه عدم جريان الاستصحاب أصلا لعدم العلم بملاكات الأحكام و كونه قابلا

للدوام أو لا الا لمن يوحى إليه و معه لا سبيل للأصل لحصول العلم بالوحي و كل حكم‏


63
يكون الشك فيه كذلك و لا طريق لنا لإثبات كونه من الشك في الرافع و هكذا

جعل الشارع لا سبيل إلى كيفيته ليحصل العلم بأنه من الشك في الرافع أو المقتضى‏

فالمناسب هو البحث في القسم الثالث من الموضوعات.هكذا قيل و لكن ليس مناسبا

لمقتضى الصناعة فان معنى المقتضى يكون في جميع الأقسام هو مأمنه المعلول و ما

هو المؤثر فيه و لا فرق بين الأقسام من هذه الجهة و يكون هذا مراد الشيخ قده‏

و لا يكون المراد تقسيمه إلى الأقسام.

ثم الدليل على عدم جريان الأصل في الشك في المقتضى على وجوه كلها غير

تامة عندنا و الحق جريان الاستصحاب في جميع الأقسام المتصورة فمنها هو ان ظاهر

الدليل هو حرمة نقض اليقين بالشك بقوله عليه السلام لا تنقض اليقين بالشك و يجب حفظ

هذا الظهور.فنقول اما ان يكون المراد من اليقين اليقين الّذي يكون مرآتا إلى‏

المتيقن أو يكون المراد هو اليقين نفسه من حيث انه صفة من صفات النّفس أو يكون‏

المراد هو عدم نقض المتيقن فعلى فرض كون المدار على عدم نقض اليقين مرآتا

عن المتيقن فلا يصدق النقض لوجهين الأول ان النقض يقال بالنسبة إلى شي‏ء يكون‏

له استعداد البقاء و اما ما لا يكون كذلك فهو منقوض بنفسه و الثاني ان المراد

بالاستصحاب هو الجري العملي و لا فطرة على اتباع ما لا يكون له استعداد البقاء حتى‏

ينهى عنه فان النهي يكون في صورة اتباع الشك في المقتضى أيضا و الجواب عنه‏

هو ان الظاهر من اليقين هو اليقين نفسه و الحمل على المتيقن خلاف الظاهر.

لا يقال القرينة قائمة على خلاف هذا الظاهر لعدم الأثر على اليقين من حيث‏

انه صفة من صفات النّفس بل اليقين بلحاظ المتيقن يكون منشأ الأثر و هو بلحاظ

نفسه لا أثر له لأنه مغفول.

لأنا نقول و ان كان اليقين مرآتا لافراد اليقين في الخارج و هو يكون بعض‏

افراده منشأ الأثر بلحاظ المتيقن و لكن لا يكون كل افراده كذلك و للعبارة إطلاق‏

يشمل جميع الافراد الصادقة من اليقين و لليقين أثر في بعض الموارد بنفسه مثل‏


64
اليقين الّذي أخذ جزء الموضوع فان كل أثر يكون على اليقين الوجداني يكون‏

على اليقين التعبدي بالاستصحاب فالمراد بعدم النقض هو عدمه بالنسبة إلى آثار

الحاكي و المحكي فكل أثر على اليقين أو المتيقن مترتب على اليقين الاستصحابي.

لا يقال اللازم مما ذكر هو الجميع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في استعمال‏

واحد يعنى اليقين بلحاظ المتيقن مرآة و بلحاظ نفسه مستقل فكيف ذلك مع عدم‏

جواز استعمال اللفظ في المعنيين لأنا نقول عدم الجمع بين اللحاظين كلام عتيق و ان‏

اشتهر لأن للنفس عنايات متعددة و المثال المشهور لعناياتها في آن واحد هو تصور

الحكم و الموضوع في آن واحد مع النسبة الحكمية إذا قيل زيد قائم مثلا و هكذا

لا إشكال-في الاستعمال أيضا بدال آخر1بل معجزة القرآن الشريف في استعمال اللفظ

الواحد في الأكثر من معنى واحد و كذا فصاحته و بلاغته فان له سبعة أبطن أو سبعين‏

بطن هذا أولا.

و ثانيا ان التنزيل على قسمين قسم يكون في لسان دليل الشرع مثل ان‏

يقال الطواف في البيت صلاة بلحاظ الأثر الّذي هو شرطية الطهارة و قسم يكون التنزيل‏

بيد المكلف مثل مقامنا هذا فان تنزيل المشكوك أو الشك منزلة المتيقن أو اليقين‏

يكون بيد المكلفين لا بيد الشارع في الأول يكون التنزيل بالنسبة إلى الأثر

المتمشى من قبله و هنا يكون بالنسبة إلى جميع الآثار الّذي يمكن ان يكون لهذا

العنوان فإذا كان المناط الجري على طبق اليقين في العمل فربما يكون الأثر على المتيقن‏

و ربما يكون الأثر على اليقين كما في اليقين الّذي يكون جزء الموضوع مثل ما إذا

1أقول و الكلام في المقام في الدال الآخر و لم يبينه مد ظله و لا نجد في الكلام‏

و يمكن ان يقال ليس هذا من باب استعمال اللفظ في الأكثر من معنى بل إطلاق اليقين‏

بلحاظ الافراد يوجب شموله لليقين الاستقلالي و اليقين الآلي مثل استعمال لفظ العالم في‏

أكرم العالم في جميع من يمكن صدق هذا العنوان عليه.


65
قيل إذا علمت بغصبية شي‏ء لا يجوز الصلاة فيه فإذا كان استصحاب الغصبية في مورد

يكون اليقين الحاصل بالتعبد مقام العلم و يحصل جزء الموضوع.

و ثالثا من المسلم بين الفقهاء هو تقديم الاستصحاب على أصالة البراءة من باب‏

الحكومة و هو لا يمكن الا إذا جعل الآثار على اليقين أيضا فإذا قيل كل شي‏ء طاهر

حتى تعلم انه قذر فلا بد من وجدان غاية الأصل و هي العلم الوجداني حتى ينقطع‏

أمده فلو لم يكن مفاد استصحاب النجاسة هو ترتيب أثر العلم فكيف يكون حاكما

و لذا التجأ مثل المحقق الخراسانيّ(قده)القائل بأن التنزيل يكون بلحاظ المتيقن‏

بعد عدم إمكان إرادة الحقيقة لأنه من اقرب المجازات إلى ان يقول ان المراد

بالغاية هو الأعم من الواقع الواقعي أو الواقع التعبدي و بجريان الاستصحاب و ان‏

لم يحصل الواقع الوجداني و لكن يحصل الواقع التعبدي و هو النجاسة بحكم الأصل‏

فلا مجرى للبراءة بعده و لكن لا ملزم لنا بهذا القول لأن الأثر على اليقين مترتب و تنزيل‏

المتيقن منزلة المشكوك لا يفيد هذا الأثر.

هذا كلامنا في الدورة السابقة تبعا لشيخنا العراقي(قده)و لكن عدلنا عنه‏

و ندعي ان الغاية حاصلة و لو كان التنزيل في خصوص المتيقن فقط بيان ذلك هو ان‏

القطع الّذي يكون الاستصحاب مقامه اما ان يكون القطع الطريقي المحض و اما ان‏

يكون القطع الجزء الموضوعي كما في مثال إذا علمت بغصبية شي‏ء لا يجوز الصلاة

فيه و اما ان يكون القطع الغائي مثل قوله عليه السلام كل شي‏ء حلال حتى تعلم انه حرام‏

و كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر.

ثم لا يخفى ان لسان دليل الاستصحاب بعد النّظر إلى الأدلة الأولية هو التوسعة

في الواقع مثل ما إذا كان شرط جواز الاقتداء العدالة الواقعية فان الاستصحاب يحكم‏

بان العدالة الاستصحابية أيضا تكون مقام العدالة الواقعية أو مثل ما إذا كان شرط صحة الصلاة عدم نجاسة البدن أو اللباس و مانعية النجاسة الواقعية فيحكم الاستصحاب‏

بوجود هذا الواقع تعبد فالنجاسة التعبدية و الغصب التعبدي يكون مثل المعلوم‏


66
وجدانا في ترتيب أثر الواقع.

فإذا كان القطع بأي قسم من الأقسام الثلاثة في لسان الدليل يكون ترتيب‏

اثره على المعلوم كذلك مما لا إشكال فيه فما ذكرنا من الإشكالات على كون التنزيل‏

في المتيقن لا وجه له.

فان قلت ان ما ذكرت يكون بيانا لا مكان كون التنزيل في المتيقن كالتنزيل‏

في اليقين و لكن هذا الخلاف ظاهر الدليل فان الظاهر منه التنزيل في اليقين قلت‏

ان الغالب هو ترتيب أثر المتيقن لا اليقين فان اثره قليل فالامر مرجح لاتباع ظهور اليقين‏

و الإنصاف ان يقال التنزيل بلحاظ اليقين و المتيقن كليهما صحيح و فطرة الفقهاء أيضا

على هذا في الموارد التي ذكرت حكومته على البراءة فلا إشكال في تنزيل‏

المتيقن أيضا.

ثم ان المراد باستحكام المستصحب ليكون الشك فيه شكا في الرافع اما ان‏

يكون الاستحكام بالنسبة إلى اليقين و اما بالنسبة إلى المتيقن فعلى الأول يكون‏

اليقين في ذاته هو المحكم و المتقن و لو لم يكن للمتيقن استحكام و الظاهر ان‏

استحكام اليقين فقط كاف فيكون كل الموارد من الشك في الرافع فلا وجه للتفصيل‏

بين الشك في المقتضى و الرافع و النقض أيضا مما يتوجه إلى اليقين لا إلى المتيقن‏

فان رفع الحجر عن مكانه لا يسمى نقضا و الآثار كلها على اليقين لا على المتيقن‏

فان الشخص يفر مما زعمه حية و لو لم يكن في الواقع الا حبلا من القطن فلا بد

ان يقال بان النهي عن النقض مطلقا يدل على حجية الاستصحاب مطلقا و لو قلنا بأنه‏

يجري في الشك في الرافع فقط لا يبقى له الا موارد نادرة لعدم العلم بمقتضيات‏

الأشياء حتى يظهر الاستحكام و عدمه بل بالنسبة إلى الأحكام لا سبيل الا الوحي‏

فالاستصحاب حجة في الشك في الرافع و المقتضى كليهما.


67
في التفصيل بين الأحكام‏

التكليفية و الوضعيّة في الاستصحاب‏

و من التفاصيل المهمة في الاستصحاب هو جريانه في الشك في بقاء الأحكام‏

التكليفية و عدم جريانه في الأحكام الوضعيّة.

و حاصل البيان عليه هو ان الاستصحاب حيث يكون من التعبدات الشرعية

لا بد ان يكون له أثر شرعي ليصح التعبد بالنسبة إليه و المستصحب اما حكم شرعي أو

موضوع ذي حكم و الأحكام الوضعيّة لا تكون مجعولة حتى يمكن استصحابها و هذا

البيان للتفصيل ساقط رأسا لأن الأحكام الوضعيّة يمكن ان تكون مجعولة ضرورة

انها في اختيار الشارع و لو فرض عدم كونها مجعولة فصرف كونها في اختياره كاف‏

لصحة التعبد بالنسبة إليها ثم لا بأس‏ (1) ببسط الكلام في الأحكام الوضعيّة لمناسبته‏

للمقام و لا يكون لنا مورد مستقل للبحث فيها في الأصول فنقول اما بيان مجعوليتها

فبتقريبين الأول ان المقنن و هنا هو الشارع إذا رأى مصلحة نوعية أو شخصية بالنسبة إلى‏

شي‏ء يجعل القانون مثل قانون النظام لكل من بلغ إلى عشرين سنة في الدول‏

و التقريب الثاني هو انه بعد ما رأى للمصلحة في شي‏ء يحبه و يشتاق إليه مثل الحج‏

للمستطيع و حيث يكون الحب متوجها إلى صدور هذا الفعل من غيره و الغير إرادة و

اختيار فلا بد أن يجعل الداعي للإتيان بالوعد بالجنة و الوعيد بالنار ثم يأمر و ينهى و

هذا ليس الا الجعل و هذا البيان في التكليفيات و الوضعيات على نحو سواء فجعل الصلاة

و الحج يكون لمصلحة و إمضاء البيع بقوله أحل اللَّه البيع أيضا عن مصلحة و لا فرق‏

بينهما هذا على ما هو المشهور من كون الأحكام مجعولة و اما على ما هو التحقيق من‏

1)هذا البحث في الرسائل في ذيل بيان حجة القول السابع في الاستصحاب في‏

ص 329 في الرسائل الحاضر عندي و ذكر هذا التسهيل الأمر على الراجع لأنه لم يرتب البحث‏

لا على طبق الكفاية و لا الرسائل غالبا.


68
ان الأحكام ليست الا أرادت مبرزة بحيث لو تفوه فهم الحكم من الشارع بطريق آخر

يكون هو الإرادة و هي ليست من الأمور الجعلية بل من الأمور التكوينية و مع عدم‏

كشفها بالإبراز و ان لم يكن الحكم بمعنى فرمان في الفارسية صادقا عليه و لكن‏

موضوع وجوب الامتثال ليس الا كشف إرادة المولى‏1

ثم لتوضيح البحث عن الأحكام الوضعيّة يلزم التوجه إلى امر و هو ان الوجود

اما أصيل و هو ان يكون الخارج ظرف وجوده و اما انتزاعي و هي ما يكون لفظه في‏

التعبير بلسان العربي مذيلا بكلمة(يت)أو(وة)مثل فوقية و زوجية و جزئية و

كلية و مثل أبوة و بنوة و يكون الخارج ظرف خارجيته لا وجوده و هو المعقول الثاني‏

و اما ان يكون اعتباريا مثل البيع و الشراء و الضمان و الملك على المشهور و فرقه مع‏

الانتزاعي‏2هو ان منشأ الانتزاع فيه موجود و لو لم يكون في العالم لاحظ فان الفوق‏

1أقول موضوع وجوب الامتثال و ان كان كشف الإرادة الإلزامية و لكن هذا مع‏

تسليمه مد ظله بان الحكم لا يصدق عليه لعله غير مراد للقائلين بان المجعول هو الحكم بل‏

حيث رأوا انه لا طريق في العرف و في القوانين المدونة في الدول الا بالإبراز بكتابة أو لفظ

أو غير ذلك و في الشرع أيضا غير ممكن الا للأنبياء بالوحي و إبرازه بواسطة مثل جبرئيل قالوا

بان الحكم هو الإبراز و هو امر غير الإرادة و ان كان ناشئا منها و ما ذكره مد ظله تبعا لشيخه العراقي‏

قده و ان كان متينا في الواقع و لكن الكلام على ما هو المتفاهم من عنوان البحث هو هذا المعنى‏

من حيث الصدق العرفي و مع عدم دخله في وجوب الامتثال و عدمه و مع عدم الفرق بين‏

الأحكام الوضعيّة و التكليفية لا ثمرة في النزاع.

2أقول ما في كلامه مد ظله من ان الانتزاعي يكون الخارج ظرف خارجيته الا نفهمه‏

و ما وجدنا في كلام أهل الفلسفة هذا التعبير فان الخارج اما ان يكون ظرف وجود

الشي‏ء أو لا يكون الشي‏ء فيه بل في الذهن فقط و ما لا يكون له ما بإزاء في الخارج يكون هو

المعقول الثاني باصطلاح المنطقيين و هو في اصطلاح أهل الفلسفة يطلق في الأعم من ذلك كما

حرر في و محله و المعقول الثاني معناه ما يعقل ثانيا و في أمثال ما ذكره من الانتزاعيات لا يكون‏


69
يكون في الخارج و له الفوقية بخلاف الاعتباري فان وجوده قائم بوجود اللاحظ و

هو من له الاعتبار.

فإذا عرفت ذلك فنقول ما هو المشهور من ان الأحكام الوضعيّة اعتبارية كلام‏

عتيق لأن الملكية إذا اعتبرت لشخص عند البيع تكون من افعال النّفس و كذلك‏

الملك فان الخارج و لا يكون فيه إلا الدار و الفراش و أمثال ذلك و ليس لنا مقولة تسمى‏

بالملك في الخارج و لا يكون امرا اعتباريا و ان قلت انه من صفات النّفس أيضا على الاختلاف‏

فيه فلا يضر فانه سواء كان فعلا أو صفة يكون امرا وجوديا و ما يقال من ان اعتبار يكون‏

في الوعاء المناسب له فلا محصل له لأنا لا نجد له وعاء فهل كان وعائه مثل جابلسا

و جابلقا غير معلوم و في باب الضمان كسر كأس الغير امر شخصي خارجي و يكون موضوعا

لحكم الشرع بالضمان فليس لنا امر مجعول هو الضمان أو الملكية أو الملك ليكون هو

الاعتبار بل لنا واقعيات يترتب عليها الأثر و تكون مخلوقات للنفس مردودات إليها

ثم الأحكام الوضعيّة على ثلاثة أنحاء كما ذكره المحقق الخراسانيّ قده في الكفاية

و في الحاشية على الرسائل.

له ما بإزاء في الخارج و لا حقيقة له الا في صقع الذهن فلو لم يكن عاقل و لاحظ لا يكون الوجود

الانتزاعي في صقع فان منشأ الانتزاع مثل الفوق و التحت يكون في الخارج اما الفوقية و

التحتية لا تكونان شيئا في الخارج فكيف يقل مد ظله هذا فرق مع الاعتباري فان منشأ الانتزاع‏

من الوجود الأصيل و من القسم الأول و الخارج ظرف وجوده و لا فرق مع عدم وجوده في‏

الخارج بينه و بين الاعتباري و اما ما يقول مد ظله من ان الملك و أمثاله من الاعتباريات فيكون‏

في صقع النّفس من صفاته و أفعاله و لا يكون له الوعاء في الخارج بعدم الوجدان فقط استبعاد محض‏

و لكن فرقه مع الانتزاعي هو ان هذا الا يكون له منشأ انتزاع أصلا بل هو في النّفس و الانتزاعي‏

و ان كن في النّفس و لكن يكون مستقلا بالاعتبار و ان لم يكن لهما خارج.


70
النحو الأول‏

ما لا يكون قابلا للجعل لا مستقلا و لا بتبع التكليف،الثاني ما يكون قابلا له‏

بتبع التكليف لا غير و الثالث ما يكون قابلا للجعل ابتداء و بتبع التكليف أيضا.

اما النحو الأول فهو مثل السببية و الشرطية و المانعية و الرافعية المنتزعة من‏

السبب و الشرط و المانع و الرافع بالنسبة إلى التكليف و الدليل على عدم إمكان‏

الجعل بالنسبة إلى ما ذكر من التكليف هو ان التكليف متأخر ذاتا عما هو سبب لجعله‏

و ما هو المتأخر ذاتا كيف يمكن ان يكون منشئا لانتزاع ما هو المتقدم ذاتا فان السبب مقدم‏

بتقدم العلة على المعلول و هكذا الشرط و المانع و الرافع فمثل الدلوك إذا كان سببا

لوجوب الصلاة و الاستطاعة سببا الوجوب الحج فلا بد ان يكون السببية بينهما قبل‏

ذلك ضرورة الارتباط بين العلة و المعلول و المناسبة و لا يكون كل شي‏ء سببا لكل‏

شي‏ء حتى يكون النار علة للبرودة و الماء علة للحرارة فاما ان يكون هذه السببية و

الربط قبل الجعل أو لا تكون فان كانت فلا يكون الجعل سببا لانتزاعها و ان لم‏

تكن فلا يكاد يمكن ان يجعل هذا الشي‏ء سببا فلا يمكن انتزاع السببية من الجعل‏

تكوينا فان اللَّه تعالى ما جعل المشمشة مشمشة بل أوجدها كما عبر بذلك أهل‏

الفلسفة.

أقول السببية و المسببية من المتضايفين و لا إشكال في ان طرفي التضايف في‏

رتبة واحدة و من المعلوم ان ما هو المقدم هو ذات السبب لا سببيته و لذا لا يكون مجعولا

بجعل شرعي بل مجعول بجعل تكويني و اما السببية فهي مخلوقة للنفس مردودة

إليها و انتزاعية من جهة توجه التكليف بالمسبب و لذا يقول الشيخ قده بانتزاعيتها فقد

ظهر ان كلام المحقق الخراسانيّ قده متين من جهة التقدم في التكوين و غيره متين‏

من جهة إنكار الانتزاع.

ثم ان شيخنا النائيني قده قال بان المحقق الخراسانيّ قد خلط بين سبب الجعل‏


71
و سبب المجعول لما في نظره قده من ان الدلوك مثلا سبب لداعي جعل المولى لا سبب‏

لوجوب الصلاة و هو المجعول و الكلام يكون في سبب الجعل لا في سبب المجعول و من‏

المعلوم ان سببية المجعول متأخرة عن الجعل و الحاصل انه قده يقول بان ما يكون‏

سببا تكوينا هو سبب الجعل و اما سبب المجعول فليس كذلك.

و الجواب عنه قده ان الجعل و المجعول مثل الإيجاد و الوجود لا يكون الفرق‏

بينهما الا باعتبار و هما واحد في الواقع و لا ينفك سبب الجعل عن المجعول فيكون‏

الخلط في كلامه قده لا في كلام المحقق الخراسانيّ(قده)فوجوب الصلاة و ان‏

كان مجعولا في الشرع و لكن دخل الدلوك فيه يكون من التكوين.

النحو الثاني من أنحاء الوضع و هو الّذي لا يمكن انتزاعه الا بتبع الجعل فهو

مثل جزئية شي‏ء للمأمور به فانه من الضروري ان جزئية شي‏ء للمركب المأمور به‏

يلزم ان يكون بعد الأمر به و اما قبله فلا يكون الجزء متصورا حتى ينتزع الجزئية

و لا يكون الجعل المستقل متوجها إليه و كذلك الشرطية و المانعية للمأمور به لا للأمر

و قد فصل شيخنا العراقي قده في المقام أيضا بأن دخل الشرط و المانع في المأمور به‏

تكويني لا ينوط بالجعل بخلاف الجزء فان الجزئية منتزعة عن التكليف بالمركب و فيه ان‏

هذا خلط عجيب فان الشرائط و الموانع للمأمور به أيضا لا يكون الا بعد توجه التكليف‏

بالمركب و بعد جعل الشرع هذا مانعا و ذاك شرطا فان الانتزاع يكون بعد الجعل‏

و قبله لا معنى لشرطية شي‏ء لشي‏ء فهذا الكلام لا وجه له.

النحو الثالث و هو ما يكون قابلا للجعل ابتداء و تبعا للتكليف مثل الحجية و

القضاوة و الولاية و الزوجية و الملكية.

أقول الأقوال في الاعتباريات طرا ثلاثة و لنا قول رابع الأول هو ان تكون وجودات‏

ادعائية تنزيلية فكما يكون للشخص جدة حقيقية كالتلبس و التعمم كذلك يعتبر

في مثل الملكية بالنسبة إلى الأراضي و ساير ما ينقل و ما لا ينقل و كذلك ينزل التحجير

منزلة سبب الجدة الحقيقة و أثر هذا التنزيل القلب و الانقلاب بالنقل و الانتقال بالأسباب‏


72
الشرعية مثل البيع و الإجارة و كذلك ساير العناوين مثل الملكية فان أثر الحجية و

القضاوة كذلك يعتبر بلحاظها المناسب القول الثاني هو ان تكون الاعتباريات طرا

لها وعاء اعتبار في الخارج بان يوجد في الخارج بعد إجراء الصيغة مثلا أو بعد

نصب الإمام عليه السلام في الولاية من قبله عليه السلام شي‏ء في الخارج فيكون لها واقع اعتباري‏

لا ان تكون ادعاء محضا كالأول و القول الثالث عن الشيخ الأعظم(قده)و هو ان‏

تكون الملكية و غيرها من الأحكام الوضعيّة انتزاعية من التكاليف الشرعية مثل‏

انتزاع الملكية عن تكليف الشرع بأنه يجوز التصرف و انتزع عدمها من قوله لا يجوز

التصرف فان جميع الوضعيات عنده قده منتزع من التكليفيات.

و قال المحقق الخراسانيّ(قده)ان الوضعيات طرا قابلة للجعل الابتدائي و

الوضع يكون منتزعا من التكليف فما صار ملكا يجوز التصرف فيه و من صار قاضيا

يجب اتباع حكمه و القول بان الوضع منتزع من التكليف يكون عنده من تبعيد المسافة

و الشاهد على هذا هو وجود الضمان للصغير أيضا مع عدم التكليف مضافا بان ما يقصد

في المعاملات هو حصول الملكية و يكون السبب و هو العقد سببا لها و لا يكون الأحكام‏

مثل يجوز و لا يجوز باختيار العاقد ليكون هو المقصود بالإنشاء

و لكن يمكن الجواب عنه بان الشيخ قده و ان كان يقول بان الوضع منتزع‏

من التكليف و لكن يكفى التكليف بعد البلوغ لحصول الضمان قبله فان التكليف‏

البعدي كاف كما يقول في ضمان التالف بان البدل له يجب ان يكون بحيث يفرض‏

التالف كأنه لم يتلف و لذا يختار قيمة يوم التلف في القيميات و اما القول بان الحكم‏

لا يكون في العقد باختيارنا فيكون له ان يقول ان ما هو باختيارنا و يكون منشئا للحكم‏

هو العقد و هو السبب و الحكم يتبعه و ما هو اختياري بمنشئه يكون اختياريا فلا إشكال‏

عليه من هذه الجهة و يرد على القول بوجود الوعاء المناسب بان وجود وعاء الاعتبار

في الخارج كلام عتيق فانا لا نجد شيئا الا اعتبار الشخص و هو صفة أو فعل للنفس و العقلاء

يعتبرون هذا الاعتبار في الملكية و هو أيضا صفة أو فعل لأنفسهم و الكل تكوين و لا دليل‏


73
على وجود شي‏ء وراء ذلك فالأقوال صارت أربعة تنزيلية الاعتباريات و وجود

الوعاء لها في الخارج و انتزاعيتها و القول بأنها من التكوينيات و لا وعاء لها في الخارج‏

هذا في الملكية1.

و من الوضعيات الولاية و القضاوة

و هي على قسمين الأول الحكم الكلي على الموضوع الكلي مثل جعل الحكم‏

لمن روى حديثهم عليهم السلام و الثاني ان يكون على الموضوع الشخصي مثل جعل أبان بن‏

تغلب قاضيا و كل من نصب من قبل الإمام عليه السلام بشخصه و على أي تقدير اما ان يكون‏

النصب لهذا المقام اخبارا عن رقاء النّفس و قابلية الشخص لهذا المقام كما يكون‏

لنفس النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم و الأئمة عليهم السلام رقاء و علو و شرافة يوجب كونهم كذلك فيكون‏

من الأمور التكوينية لا مجعولة و هذا هو الحق عندنا و لو فرض الجعل بالنسبة إلى هذا المقام‏

باعتبار الفقيه قاضيا فائضا نقول بان الاعتبار كذلك أيضا تكوين من التكوينيات‏

و لكن الشيخ الأعظم قده يقول في المقام أيضا بالانتزاع فمن جواز تصرف الفقيه في‏

أمور المسلمين يفهم انه يكون واليا عليهم و من يقول بوجود الوعاء المناسب لذلك‏

1أقول ما يكرره مد ظله في هذا المقام من ان الاعتبار تكون لا أظن ان ينكره‏

القائلون بالانتزاع و بالوعاء المناسب فان الاعتبار في مقابل التكوين بهذا المعنى هو العدم‏

و لا يقول القائل بالجعل انه عدم و القائل بالوعاء المناسب ما صرح بان الوعاء المناسب أي شي‏ء هو فمن الممكن ان يكون هو أذهان العقلاء بعد اعتبار المتبايعين أو سائرها ما يعتبر بنوعهم‏

و لذا يزول الاعتبار عن نفس المعتبر بموته أو باعتبار عدمه و لكن لا يزول من نفس العقلاء و

كل من جعل للاعتباريات حدا من الوجود من أهل الفلسفة أيضا لا ينكر تكوينها نعم الخارج‏

الّذي لا يكون في أذهان العقلاء لا نجد إليه سبيلا و لم يبين مد ظله وجه تضعيف قول الشيخ‏

الأعظم في الانتزاع و يلزم زيادة توضيح لرده كما قد يتشبث لرده بان ما ورد من انه من حاز

ملك يكون ظاهرا في ان الحيازة سبب التمليك لا ان التكليف سبب الوضع.


74
أيضا في الخارج فكلامه أيضا غير تام لعدم الدليل عليه فان الخارج لا يكون إلا رقاء النّفس‏

أو نفس اعتبار المعتبر.

و من الوضعيات الحجية

و هي يختلف المشارب فيها حسب اختلاف المباني في الأمارات فان حجية

الأمارة اما ان تكون من باب تنزيل الظن أو الشك منزلة العلم من باب تتميم الكشف‏

فهي واسطة في التنجيز و اما ان تكون من باب تنزيل المؤدى منزلة الواقع فهي‏

واسطة في التكليف و الأقوال فيها ثلاثة قابليتها للجعل ابتداء كما عن المحقق‏

الخراسانيّ قده و عدم قابليتها له رأسا بل ادعاء و مجعوليتها بتبع جعل التكليف‏

و الحق هو القول الثاني و هو عدم المجعولية بل هي امر ادعائي تكويني و اما مقالة

الشيخ قده بأنها تابعة للتكليف فتكون من تبعيد المسافة و كذلك القول بوجودها

مستقلا و العجب عن القائل بتنزيل المؤدى في باب الأمارات و قوله بالمجعولية

الاستقلالية.

و من الوضعيات الصحة و الفساد

و الحق فيهما أيضا عدم المجعولية لأن الصحة بمعنى التمامية و الفساد بمعنى‏

عدم التمامية و هذا ن يختلف باختلاف و الأغراض بالنسبة إلى شي‏ء ما فان الصلاة

مثلا صحتها و تماميتها بان تكون معراجا للمؤمن و فسادها بخلافها و هذا امر تكويني‏

لا جعل فيه و هكذا لو كان المراد بالصحيح مطابقة المأمور به مع المأتي به فان المطابقة

امر تكويني عقلي محضا و لا جعل فيه فالبحث عن المجعولية لغو الا انه ربما يقال بوجه‏

يمكن البحث عن الجعل و هو ان قاعدة الفراغ أو التجاوز في الصلاة إذا كانت جارية

و كان معناها تمامية الصلاة لا العفو عن الجزء الفائت فعليه لا يكون مطابقة المأمور


75
به مع المأتي به و لا يكون الغرض حاصلا الا ان الشارع جعل الصحة بالنسبة إلى‏

هذا العمل فهذا الوجه من الصحة يمكن ان يقال انه جعلي و لكن على ما هو التحقيق‏

ان هذا النحو من التنزيل أيضا يرجع إلى التكوين و فرض الناقص تاما بوجه من‏

وجوه المصلحة فالصحة و الفساد أيضا ليسا جعليين.

و من الوضعيات الوكالة و النيابة و هذان الأمران أيضا يكون الكلام فيهما

كالكلام في غيرهما من ان التحقيق عدم الجعل فيهما و اعتبار السلطنة للغير يكون‏

من الأمور التكوينية و لا يكونان انتزاعيين و لا انهما في وعاء الاعتبار المناسب لهما

و اما الفرق بينهما فربما قيل بأن الوكالة هي التنزيل في البدن و النيابة هي التنزيل‏

في العمل و ربما يقال بالعكس فعلى فرض كون الوكالة هي التنزيل البدني لا يحتاج‏

الوكيل في المعاملة إلى ذكر الموكل لأنه هو هو تنزيلا و لذا لا يصح الوكالة عن‏

الميت بل في حقه يتصور النيابة لأنها هي التنزيل في البدن و كيف كان فإثبات‏

كونهما تنزيلا في العمل أو في البدن منوط بالفقه و ما نحن بصدده في المقام هو

عدم المجعولية على التحقيق و ان كانتا من الأمور الوضعيّة.

في نتيجة البحث عن الأحكام الوضعيّة في الاستصحاب‏

فنقول إذا عرفت ما قدمناه من تعريف الأحكام الوضعيّة فاعلم ان البحث عن‏

المجعولية و عدمها كان من جهة توهم جريان الاستصحاب على فرض كونها مجعولة

و عدم جريانه على فرض عدمها فقال المحقق الخراسانيّ(قده)بعدم جريان‏

الاستصحاب في النحو الأول و هو ما لا تناله يد الجعل من السببية و الشرطية للأمر مثل‏

الدلوك و الاستطاعة لأن الأثر الشرعي للتعبد مفقود هنا لأن الدخل تكويني فاما

ان يكون أولاد.

و لكن يمكن الجواب عنه بأنه إذا شككنا في كيفية دخل الدلوك أو الاستطاعة

يمكن استصحابه لأن أصل الدخل قد ورد من الشرع و هذا يكفى في التعبد بالبقاء


76
و لو لا ذلك يجب عدم جريان الاستصحاب في مورد في الموارد إذا شك في الموضوع‏

لتغيير بعض الخصوصيات و من العجب انه قده يقول في المقام بان ترتيب الأثر على‏

المستصحب يجب ان يكون شرعيا و حيث لا يكون الترتب هنا الا عقليا لا يجري الاستصحاب‏

و مع ذلك يلتزم بجريان استصحاب بقاء الاجتهاد أو بقاء الأعلمية لترتيب الأثر الّذي هو

جواز التقليد مع ان الترتب فيهما أيضا يكون من العقلي لا الشرعي مع ان الإشكال‏

في ذلك أقوى من المقام لكون وجوب تقليد المجتهد و الا علم من العقليات المحضة

و حل الإشكال فيه لا يكون بهذا النحو.

هذا كله في جريانه بالنسبة إلى السببية و الشرطية و اما بالنسبة إلى السبب و الشرط فلا

إشكال في الجريان و هو قده يكون مراده عدم الجريان في الأول دون الثاني و اما جريانه في‏

النحو الثاني و هو الشك في شرطية شي‏ء للمأمور به أو مانعيته أو قاطعيته فلا إشكال‏

فيه لأن امر الوضع و الرفع فيه بيد الشرع و هكذا في النحو الثالث سواء قلنا

بانتزاعية الاعتباريات أو وجود الوعاء المناسب لها أو التكوين فجريان الاستصحاب‏

في جميع الوضعيات مما لا إشكال فيه على التحقيق.

فصل في تنبيهات الاستصحاب‏

و هي مما قال بعض أهل العلم بالنسبة إليها انها مما به ماء وجه الاستصحاب‏

فزينة الاستصحاب تنبيهاته‏

التنبيه الأول‏
في انه يعتبر فيه ان يكون الشك و اليقين‏

فيه فعليا فغير الملتفت لا يجري في حقه الاستصحاب لأنه وظيفة قررت للشاك فانه‏

و ان كان على تقدير الالتفات في حقه الاستصحاب و لكن لا يكفى اليقين و الشك‏

التقديري و لذا يحكم بصحة صلاة من كان محدثا ثم غفل و صلى ثم شك في صحة صلواته‏

من باب عدم العلم بتحصيل الطهارة قبلها فانه لو كان ملتفتا قبل الصلاة كان له‏

استصحاب الحدث و لكن بعدها يشملها قاعدة الفراغ و قد مر البحث عن هذا التنبيه‏

في صدر الاستصحاب فلا نعيد.


77
التنبيه الثاني‏
في أنه هل يكفى في صحة الاستصحاب الشك في بقاء شي‏ء

على تقدير ثبوته و ان لم يحرز ثبوته فيما رتب عليه أثر شرعا أو عقلا و فيه خلاف‏

و لذا وقع الإشكال في استصحاب الأحكام التي قامت الأمارة المعتبرة على مجرد

ثبوتها فان اللازم هو استصحاب مفاد الأمارة لو كان له واقع و لا علم وجدانا بالبقاء

و هكذا يكون الخلاف في استصحاب مفاد الأصول المحرزة و غير المحرزة و الحق‏

جريانه على ما هو التحقيق من المبنى في الاستصحاب و في الأمارات.

فنقول و باللّه الاستعانة البحث في هنا في مقامات ثلاث.

الأول‏
في جريانه في مفاد الأمارات فنقول ان في أصل حجية الأمارات ثلاثة مبان‏

تتميم الكشف و تنزيل المؤدى و جعل الحجية و الأول هو التحقيق و في حجية الاستصحاب‏

مبنيان تنزيل الشك منزلة اليقين و تنزيل المتيقن منزلة المشكوك فعلى القول بتتميم‏

الكشف في الأمارات يكون مؤدى الأمارة كالمعلوم لأن الظن إذا ألقى احتمال‏

خلافه يكون كالعلم و دليل الاستصحاب يدل على حرمة نقض اليقين بالشك فمن‏

قامت الأمارة عنده يكون له العلم التعبدي فنزل الشك في الواقع منزلة العلم بحكم‏

الاستصحاب بعد حكومة الأمارة عليه لأن الظاهر من اليقين اليقين الوجداني بالواقع‏

الواقعي كما هو الظاهر من كل عنوان أخذ في لسان دليل فإذا قيل أكرم العلماء

تكون الجملة ظاهرة في الإكرام الواقعي بالنسبة إلى العالم الواقعي فإذا نظرنا إلى دليل الأمارة نرى التوسعة بالنسبة إلى اليقين فان اليقين التعبدي أحد افراد اليقين‏

عند الشرع فلا يجوز نقضه فجريان الاستصحاب لا إشكال فيه.

و اما إذا كان المبنى في الاستصحاب هو تنزيل المتيقن منزلة المشكوك و

كان مفاد الأمارة حصول اليقين تعبدا فلا إشكال في جريان الاستصحاب أيضا لأنه‏

و ان كان مفاد الأمارة هو اليقين و النهي عن النقص يكون بالنسبة إلى المتيقن و لكن‏

حيث لا يكون اليقين في باب الأمارات حجة من باب الصفتية بل من باب المرآتية

و يكون المراد ترتيب أثر المتيقن فلا إشكال في جريان الاستصحاب أيضا فيستصحب‏


78
الطهارة التي قامت الأمارة عليها بعد الشك فيها و الحاصل لو قلنا بتتميم الكشف و

حصول العلم التعبدي في باب الأمارات فيكون العلم طريقا فيحرم نقض المتيقن‏

بحكم الاستصحاب.

ثم قال شيخنا النائيني قده بان اليقين الّذي يحرم نقضه يمكن ان يكون‏

مطلق المحرز مع قوله بتتميم الكشف في باب الأمارات فمن قامت الأمارة عنده‏

يكون محرزا للواقع فيترتب عليه اثره الأعم من المتيقن أو اليقين و يحرم‏

نقض المحرز.

و لكن‏1يرد عليه ان الظاهر من اليقين هو اليقين الوجداني بالواقع الواقعي‏

و إرادة الإحراز منه خلاف الظاهر كما هو شأن كل عنوان أخذ في لسان دليل‏

مضافا بان لازم هذا ورود الأمارات على الاستصحاب لا حكومتها لأن الإحراز التعبدي‏

حاصل بالوجدان بعد قيام الأمارة.

هذا كله على فرض تتميم الكشف في باب الأمارات اما على قول الشيخ القائل‏

بتنزيل المؤدى فيشكل جريان الاستصحاب على المسلكين فيه يعنى تنزيل الشك‏

منزلة اليقين كما هو التحقيق و تنزيل المشكوك منزله المتيقن على ما هو رأى‏

الشيخ قده لأن معنى تنزيل المؤدى هو ترتيب أثر الواقع على مؤدى الأمارة.

1أقول ما صار موجبا لهذا القول من هذا التحرير هو ندرة اليقين الوجداني بالواقع‏

الواقعي في الشرعيات و مع هذا يمكن ان يقال يكون اليقين ظاهرا في مطلق المحرز

فكلامه قده ليس ببعيد عن الحق لو لم نقل انه المتعين و لا إشكال في القول بالورود و

و القول بحكومة الأمارات على الاستصحاب يكون على حسب المشهور ثم لا يخفى انه على فرض‏

تنزيل المؤدى و على فرض جعل الحجية إطلاق المحرز أيضا فيه تسامح لأنه ليس لنا الا ترتيب‏

أثر الواقع بدون لحاظ الإحراز فالتعبير الصحيح ان يقال مطلق قيام الدليل و الحجة على‏

الواقع يكفى أو مطلق المنجز يكفى.


79
و لا يكون هذا يقينا و لا متيقنا ليمكن ان يصير النقض متوجها إليه فلا يقين‏

و لا متيقن لا وجدانا و لا تعبدا و يمكن توجيه الاستصحاب في المقام على فرض كون‏

المبنى فيه تنزيل المشكوك منزلة المتيقن بطريقين الأول ان يقال ان من آثار

الواقع هو حرمة نقضه بالشك فكذلك إذا كان التعبد ببقائه مثلا لو كان لنا واقع‏

الطهارة لكان نقضها بالشك منهيا عنه فإذا كان التعبد بترتيب أثر الواقع على مؤدى‏

الأمارة يحرم نقضها بواسطة الشك لأنه كالواقع.

و الطريق الثاني ان يكون المراد باليقين في دليل الاستصحاب هو مطلق‏

المحرز الأعم من اليقين و المتيقن فما قامت الأمارة عليه يكون عليه المحرز و يحرم‏

نقضه لأنه محرز و هذا الطريق يرد عليه ما مر عن شيخنا النائيني(قده)بأنه خلاف‏

ظاهر اليقين و لازمه ورود الأمارات على الاستصحاب مع قولهم بالحكومة.

و اما على مبنى المحقق الخراسانيّ(قده)القائل بجعل الحجية في باب‏

الأمارات بمعنى المنجزية لو أصابت الواقع و المعذرية لو لم تصب فعدم جريان‏

الاستصحاب على حسب مبناه متين لعدم توسعة دليل الأمارة في اليقين و لا في المتيقن‏

حتى يكون دليل الاستصحاب شاملا لموردها الا ان يقال ان المراد باليقين هو

ما قام عليه الحجة فمؤدى الأمارة قامت الحجة عليه فيستصحب و لكن هذا خلاف‏

الظاهر.

ثم ان المحقق الخراسانيّ(قده)على حسب مبناه صار في صدد بيان جريان‏

الاستصحاب و له بيان في الكفاية و بيان في الحاشية على الرسائل اما بيانه في الكفاية

فهو ان مقتضى دليل الاستصحاب جعل الملازمة بين الحدوث و البقاء فعدم نقض‏

اليقين بالشك يدل على ان ما علم حدوثه يكون باقيا فإذا حصل العلم بنجاسة شي‏ء

ثم شك في زوالها تحكم الملازمة بوجودها و حيث ان وجودها واقعا أو بالأمارة

يكون من لوازمها العقلية نجاسة ملاقيها فلا إشكال في القول بترتيب اللازم لأن‏

مثبت الأمارة حجة.


80
و قد أشكل عليه شيخنا النائيني(قده)أولا بان جعل الحجية على حسب مبناه‏

قده لا معنى له الا كون مفاد الأمارة منجزا عند الإصابة و معذرا عند الخطاء و المنجزية

و المعذرية مما لا تنالها يد الجعل فانها اما واصلة إلى الواقع أولا فلا يمكن جعل‏

الملازمة بين الحدوث و البقاء و على فرض تتميم الكشف حيث تكون الأمارة وسطا في‏

إثبات الحكم يمكن جعل الملازمة.

و فيه ان هذا الإشكال يرجع إلى المخالفة في المبنى في باب الأمارات و لكن‏

لا وجه له لأن مراد المحقق الخراسانيّ(قده)ليس مجعولية المعذرية و المنجزية

حتى تكونان غير قابلتين للجعل بل مراده مجعولية الحجية كما ان الملكية و الوكالة

و النيابة أيضا مجعولة على حسب المشهور عند العرف فمبدؤهما إذا كان مجعولا

و هو الحجية كفى هذا أولا و ثانيا الوسطية في الإثبات أيضا تكون من التكوينيات‏

و لا تنالها يد الجعل فإشكاله قده وارد عليه أيضا.

و قد أشكل عليه ثانيا بأن الملازمة التي يريد إثباتها بدليل الاستصحاب غير

مجعولة لأنها أيضا من الأمور التكوينية و فيه ان الملازمة بين اللازم و الملزوم‏

الواقعي غير مجعولة و اما الملازمة الظاهرية يعنى الحكم بالملازمة مما تناله يد الجعل‏

و المراد جعل الملازمة بين الحدوث و البقاء بحكم الشرع فلا يرد عليه قده إشكال‏

شيخنا النائيني(قده)بوجه بل الإشكال عليه هو ان مفاد لا تنقض اليقين بالشك‏

يكون حرمة نقض اليقين بالشك و لا يكون المفهوم منه جعل الملازمة بين الحدوث‏

و البقاء فانه خلاف الظاهر.

فان قلت الأمارة القائمة على المستصحب حجة و حرمة نقض الحجة تلازم‏

القول بالملازمة بين الحدوث و البقاء قلت إرادة الحجة من اليقين خلاف ظاهره‏

فأنه ظاهر في العلم و القطع بشي‏ء.

فان قلت يكون المراد من اليقين الأعم من الوجداني و التعبدي و الحجة

فلا إشكال في إرادة الحجة منه قلت لو كان الأمر كذلك لا نحتاج إلى جعل الملازمة


81
بل نفس الدليل بمفاده شامل لمورد قيام الحجة أيضا و لكن الحق ان هذا أيضا

خلاف الظاهر.

و اما بيانه في الحاشية على الكفاية فهو ان هذا إذا لم نقل بمقالة المشهور من‏

جعل الحكم الظاهري في مؤدى الأمارة يعنى القول بجعل الملازمة يكون في غير

هذه الصورة و اما على القول بجعل الحكم الظاهري فلا إشكال في جريان الاستصحاب‏

لأن العلم الوجداني و اليقين كذلك حاصل بالواقع التعبدي فتطبيق لا تنقض اليقين‏

عليه مما لا إشكال فيه أصلا.

أقول و من المعلوم عدم تمامية الحكم الظاهري لأن مفاد الأمارات الطريقية

إلي الواقع فهو معذر ان أخطأ و منجز إن أصاب و هذا مقبول عنده قده و لكن‏

نسبة ما ذكره إلى المشهور أيضا غير تامة لأن المشهور هو الطريقية لا السببية في‏

باب الأمارات.

ثم انه قد أشكل شيخنا العراقي(قده)على هذا البيان بأنه على فرض تسليم‏

المبنى و القول بحدوث حكم ظاهري في باب الأمارات ففي الاستصحاب لا يمكن‏

القول بالجريان مطلقا بل من الجهة التي يكون الشك فيه فإذا كان قيام الأمارة على‏

طهارة الثوب من ناحية الدم مثلا يستصحب الطهارة من هذه الجهة لأن الأمارة أحدث‏

في موردها حكم ظاهري بالطهارة من ناحية الدم فإذا شك في الطهارة من ناحية

البول فلا يكون له مجرى لعدم تكفل الأمارة للطهارة من ناحية البول فكيف يمكن‏

استصحاب طهارة هذا الشي‏ء مطلقا.

و فيه ان هذا الكلام من أصله متين و لكن لا يمنع من جريان الاستصحاب‏

لأن هذا الشي‏ء إذا كان له استصحاب الطهارة في خصوص احتمال النجاسة بالدم‏

بحكم الأمارة يكون في نفسه من غير هذه الجهة من حيث ذاته اما مجرى للاستصحاب‏

لوجود الحالة السابقة أو مجري لقاعدة الطهارة فاما يستصحب مفاد الاستصحاب أو

مفاد القاعدة أو يتمسك بنفس القاعدة أو الاستصحاب فله من غير جهة قيام الأمارة أيضا.


82
طريق يمكن الاستصحاب فيه‏

ثم لشيخنا العراقي(قده)إشكال آخر على أصل مبنى المحقق الخراسانيّ قده‏

في قوله بجريان الاستصحاب من باب الملازمة بين الحدوث و البقاء و هو ان الأمارة

على فرض الإصابة تكون منجزة للواقع و على فرض عدم الإصابة تكون معذرة على‏

ما هو الحق من الطريقية فيها فعلى هذا إذا لاحظنا دليل الاستصحاب معها نرى ان‏

استصحابه يكون من الشبهة المصداقية لأنه على فرض الإصابة إلى الواقع يكون‏

الملازمة تامة و اما على فرض عدمها فلا حدوث في الواقع حتى يكون لازمه البقاء

فلا يجري الأصل لهذا الإشكال.

و فيه ان هذا الإشكال يكون في جميع المباني من تتميم الكشف و تنزيل‏

المؤدى لا خصوص مبناه قده من جعل الحجية و الحاصل يكون من شيخنا العراقي قده‏

في غير المقام بان الأمارة على فرض الإصابة إلى الواقع يكون بيانيتها تامة و يمكن‏

احتجاج المولى على العبد بأن الّذي لو أصاب لكان بيانا لا يكون لك ترك العمل‏

بمفاده و العجب منه قده في المقام حيث أشكل و لم يجب عنه فتحصل ان الاستصحاب‏

على جميع المباني في مفاد الأمارات جار الا على مسلك المحقق الخراسانيّ قده‏

و عليه أيضا لو قلنا بأن المراد باليقين مطلق المنجر أيضا لا إشكال في جريانه‏1

هذا كله البحث عن جريانه في مفاد الأمارات في المقام الأول.

المقام الثاني‏
في جريان الاستصحاب في مفاد الأصول المحرزة كنفس الاستصحاب‏

فإذا كان لنا شي‏ء ثبت طهارته بالاستصحاب ثم شك في بقاء طهارته في الزمن الثاني‏

فهل يمكن استصحاب مفاد الاستصحاب السابق أم لا و الحق جريانه فيه أيضا لأن‏

اليقين أو المتيقن التعبدي بحكم الاستصحاب حاصل و لكن لا احتياج إلى استصحاب‏

1أقول و لا يبعد الالتزام بذلك لأن اليقين الوجداني في الشرع قليل جدا فالمراد

بعدم نقض اليقين عدم نقض الحجة الأعم من اليقين الوجداني أو اليقين التعبدي أو الحجة

كما أن ارتكاز العقلاء أيضا على جريانه في جميع هذه الموارد.


83
مفاد الاستصحاب بل هذا الشي‏ء في عمود الزمان كلما كان الشك في طهارته و نجاسته‏

و شك في بقاء ذلك مع وجود الحالة السابقة يكون الاستصحاب الثاني كالاستصحاب‏

الأول فيكون القول بجريان استصحاب المستصحب من الأكل من القفاء و الحاصل‏

غاية الاستصحاب اليقين بنقض الحالة السابقة و متى لم يحصل يكون جاريا

بلا إشكال.

المقام الثالث‏
في جريانه في مفاد الأصول الغير المحرزة و الحق عدم جريان‏

الاستصحاب في مفادها لأن الأصل الغير المحرز وظيفة قررت للشاك و لا يكون‏

مفاده يقينا أو متيقنا تعبدا حتى يشمله دليل الاستصحاب كما يقال ان قاعدة الطهارة

و الحلية كذلك فركن الأصل و هو اليقين مفقود فيه و لكن هذا لا يمنع من جريان‏

القاعدة في نفس الشي‏ء فانه في الآن الثاني أيضا نفس قاعدة الطهارة و قاعدة الحلية

جارية فيه فالبحث في استصحابها يكون من الأكل من القفا هذا كله إذا قلنا بأنها

غير محرزة و اما على فرض كونها محرزة فتكون مثل الاستصحاب في جريان الاستصحاب‏

في مفادها فركن الأصل موجود على هذا الفرض و لكن لا احتياج إلى جريان‏

الاستصحاب كما مر نعم لو قلنا بأن مطلق المنجز كاف في الاستصحاب فعلى فرض عدم‏

المحرزية أيضا يجري الاستصحاب و فيه ما مر من انه خلاف ظاهر الدليل و لازمه‏

ورود الأمارات على الأصول لا حكومتها كما هو المشهور و الحق انها محرزة بدرجة

من الإحراز و لذا يجب إعادة الصلاة على من صلاها بقاعدة الطهارة ثم ظهر خلافها

و هذا ليس الا من باب كاشفيتها عن الواقع و لو كان الشرط فيها هو الطهارة الأعم‏

من الظاهرية و الواقعية يلزم ان يقال بعدم وجوب الإعادة و هو خلاف الإجماع هذا

تمام الكلام في التنبيه الثاني.


84
التنبيه الثالث في استصحاب الكلي و الشخصي‏

فنقول المستصحب اما ان يكون كليا أو شخصيا و على الثاني اما ان يكون فردا

معينا قد شك في بقائه أو يكون فردا مرددا من طبيعة واحدة أو طبيعتين أو طبائع‏

و على الأول و هو كونه كليا فاما ان يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في بقاء

الفرد الّذي كان الكلي متحققا في ضمنه أو يكون الشك من جهة التردد في الخاصّ‏

الّذي يكون الكلي في ضمنه بين ما هو مقطوع الارتفاع و ما هو مقطوع البقاء كالحدث‏

المردد بين الأصغر و الأكبر مع فعل ما يوجب رفع الحدث الأصغر كالوضوء مثلا و اما

ان يكون من جهة احتمال وجود فرد آخر للكلي غير الفرد الّذي علم بحدوثه‏

و ارتفاعه و هذا الفرد اما ان يكون محتمل الوجود في زمان الفرد الآخر و اما ان‏

يكون محتمل الحدوث مقارنا لارتفاعه و ذلك أيضا اما ان يكون بين الافراد المتواطئة

و اما ان يكون بين الافراد المشككة.

ثم الأثر الشرعي في فرض كون المستصحب من الموضوعات اما ان يكون‏

على نفس الكلي و الجامع بين الفردين و اما ان يكون على نفس الفرد دونه و اما

ان يكون الأثر على كليهما هذه صور المسألة.

في استصحاب الموضوع الشخصي المعين و المردد

و لنقدم البحث عن استصحاب الموضوع الشخصي و هو في صورة كونه معينا

لا إشكال في جريان الاستصحاب بالنسبة إليه مثل العلم بوجود نجاسة بولية في‏

هذا الثوب فشك في بقائها لأن اليقين و الشك الذين يكونان من أركان الاستصحاب‏

لا شك في وجودهما في هذا الفرد فان اليقين بحدوثه و الشك في بقائه لا شبهة فيه‏

و اما إذا كان هذا الفرد مرددا بين الفردين كما في موارد العلم الإجمالي مثل‏

ما إذا علمنا بوجوب إحدى الصلاتين في ظهر يوم الجمعة فشك في بقائه بعد إتيان‏


85
صلاة واحدة أو علمنا بنجاسة أحد الكأسين فخرج أحدهما عن محل الابتلاء فشك في‏

بقاء النجاسة في ضمن الفرد الاخر و هنا تارة يكون البحث في صورة خروج أحد

الأطراف عن محل الابتلاء و أخرى في صورة بقائه.

اما صورة الخروج عن محل الابتلاء فالتحقيق عدم جريان الاستصحاب لا لعدم‏

تصور الشك و اليقين بالعنوان المردد بل لأن الاستصحاب يحتاج إلى أثر شرعي و هو

لا يكون الا على الفرد الشخصي الخارجي.

فان الأثر يكون لخصوص صلاة الظهر أو الجمعة أو لخصوص الحدث البولي‏

أو المنوي و هكذا و لا أثر على العنوان المردد بين هذا و ذاك بعنوان انه أحدهما فمن‏

صلى الظهر ثم شك في بقاء الوجوب بالنسبة إلى الجمعة و عدمه فباستصحاب أصل‏

الوجوب لا يمكن إثبات ان الواجب هو الجمعة و كذلك في مثال الحدث باستصحابه‏

لا يمكن ترتيب أثر خصوص البول أو المني و الفرض هو ان الأثر على الشخص‏

لا على الكلي.

و من هنا لا يجري الاستصحاب في الشبهات المفهومية لا و لها إلى الفرد المردد

و يكون من دوران الأمر بين ما هو مقطوع البقاء و بين ما هو مقطوع العدم فمن لا يدرى‏

ان وقت المغرب هل يدخل بواسطة ذهاب الحمرة المشرقية أو بصرف غيبوبة

الشمس لا يكون له استصحاب بقاء النهار لأنه في الواقع ان كان بذهاب الحمرة

لم يدخل بغيبوبة الشمس فقط قطعا و ان كان بها فقط دخل قطعا و هكذا في الرضاع‏

المحرم المردد بين حصوله بعشر رضعات أو خمسة عشر لا يجري الاستصحاب لأن الأثر

على الشخص و هو لا يحرز به و من هنا ظهر الفرق بين المقام و بين استصحاب الكلي.

في القسم الثاني من اقسامه مثل استصحاب الحدث في صورة الشك بين كون‏

الحدث أصغر أو أكبر فان الأثر و هو المانعية عن الصلاة يترتب على الكلي لا على الشخص‏

و هذا لا يكون من جهة ما توهم من ان الحدث عنوان ذاتي و عنوان أحدهما عرضي‏

لأن الحدث أيضا عنوان عرضي للبول و المني و لا يمكن ان يكون الكلي مرآة للشخص‏


86
بالخصوصيات الفردية فان الإنسان لا يمكن ان يكون مرآة عن الخصوصيات في زيد

و عمر و فهو أيضا عنوان عرضي و لكن بعض العناوين العرضية يكون فوق المقولة مثل‏

عنوان أحدهما و بعض العناوين يكون له ما بإزاء في الخارج مثل الإنسان و الحدث‏

فجريان الاستصحاب في الحدث في الكلي القسم الثاني يكون لوجود الأثر على‏

الكلي لا على الشخص،ثم ان السيد محمد كاظم اليزدي(قده)قد توهم جريان‏

الاستصحاب في الفرد المردد و بيانه ان الفرد في الواقع معين و لكنه عندنا غير معين‏

فنستصحب وجوده في الواقع.

و فيه ان عنوان أحدهما لا خارج له و ما في الخارج مردد لا يمكن استصحابه‏

الا ان يكون المراد الجريان بالنسبة إلى أثر الكلي و هو خارج عن محل البحث‏

و استصحابه لا يثبت الفرد و لو كان هذا صحيحا عنده يلزم ان يقول في جميع‏

الموارد من الشبهات المفهومية في الرضاع و في حصول المغرب و غيره و لا أظن‏

انه يلتزم به.

ثم لا يخفى وجود الثمرة لهذا البحث فانه على فرض سقوط العلم الإجمالي‏

عن الاعتبار بواسطة خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء كما هو قول بعضهم فيفيد

الاستصحاب فان جرى يمنع عن القول بالبراءة بالنسبة إلى الطرف الآخر باحتمال‏

كونه من المشتبه البدوي و اما على فرض عدم جريانه فتجري البراءة فلا وجه لقول‏

القائل بأنه مع وجود العلم الإجمالي لا نحتاج إلى التمسك بالاستصحاب لأن لنا

المنجز و هو العلم و يكون صدور هذا القول لعدم التعمق في الكلام.

ثم ان شيخنا النائيني(قده)قال في المقام بان عدم جريان الأصل يكون‏

من جهة عدم تمامية أركان الاستصحاب فان خروج أحد الأطراف عن محل الابتلاء

يلزمه منه عدم بقاء المتيقن السابق لانقلاب اليقين بالنسبة إليه إلى اليقين بالخلاف‏

لأن متعلق اليقين في مورد العلم الإجمالي يكون هو الواحد المردد بين هذا و ذاك‏

مثل صلاة الجمعة و الظهر و بعد إتيان الجمعة مثلا سقط هذا العنوان عن الاعتبار


87
قطعا لأن العلم لا يكون بوجوب أحدهما الملازم لوجوب الطرفين.

و هذا ينافى العلم بارتفاع أحد الفردين الذين كانا متعلقا العلم بواسطة

الإتيان به كما في الكأسين الذين خرج أحدهما عن الابتلاء لإهراقه و قد أجاب عنه‏

(قده)شيخنا العراقي(قده)بان متعلق اليقين و الشك هو الصورة الحاصلة في الذهن‏

و لا يسري الشك منه إلى الخارج فاليقين بأحدهما بعنوانه يكون الشك فيه‏1

و الشاهد على ما ذكرناه هو ان العلم الإجمالي لا ينافى الشك التفصيلي بالنسبة إلى‏

كل طرف في الخارج و لا يكون هذا الأمن باب عدم سريان اليقين الإجمالي‏

الخارج إلى ففي المقام يكون الفرد الخارجي غير مربوط بالعنوان المردد و لذا يجري‏

1أقول المراد بعدم السريان ان كان هو كون موطن الشك و اليقين في الذهن و انهما

من صفات النّفس فلا شبهة فيه فان العلم و الشك و الظن و الوهم من صفات النّفس و اما ان‏

كان المراد الفرق بين العلم التفصيلي و الإجمالي و من حيث الأثر الخارجي فلا شبهة في‏

ان للعلم و الشك أثرا في الخارج و نرى ان ما ذكره التحرير النائيني قده يكون صحيحا

بالوجدان و في العلم الإجمالي أيضا يكون موطن الشك التفصيلي و العلم الإجمالي في‏

الذهن و يكون المتعلق في الخارج و لا يكون اجتماع العلم و الشك في شي‏ء واحد بل‏

متعلق العلم هو العنوان الواحد المردد و متعلق الشك هو كل فرد فرد فلا يكون هذا

الإشكال واردا.

و اما النقض عليه باستصحاب الكلي في القسم الثاني منه لعدم اليقين بانقلاب الطبيعي‏

الّذي كان متيقنا في ضمن الفرد بواسطة العلم بعدم الفرد القصير فان الشك في وجوده يكون‏

باقيا و هذا بخلاف المردد بما هو مردد فان الأثر يكون على الشخص و لا يكون لنا أثر قائم‏

بطبيعي وجوب الصلاة الأعم من الظهر و الجمعة مثلا بخلاف الكلي في القسم الثاني فان‏

الأثر على الكلي متصور و لذا يجري الاستصحاب بالنسبة إليه فلو فرض عدم الأثر للكلي ففيه أيضا

لا يجري و لو فرض وجوده في المقام أيضا فيجري.


88
الاستصحاب في الكلي في القسم الثاني منه لتعلق اليقين به و الشك يكون فيه مع ان الفرد الّذي‏

يكون الكلي في ضمنه قد عدم بوجه فان الحدث الأصغر إذا ارتفع بالوضوء يكون الشك‏

في بقاء الكلي في ضمن الفرد الطويل لو كان في الواقع مع ان الكلي لو كان في ضمن‏

الفرد القصير لا يكون الآن باقيا فالإشكال لا يكون من جهة عدم اليقين و الشك بل من‏

جهة عدم إمكان التعبد بالمردد بما هو مردد و استصحابه لترتيب أثر الفرد أيضا مثبت‏

لأن استصحاب وجوب الصلاة لا يثبت ان الواجب هو الفرد الخاصّ لأنه من آثاره‏

العقلية لو فرض عنوان الأحد مثل عنوان الإنسان و لكن ليس كذلك نعم على فرض‏

سريان الشك و اليقين إلى الخارج يكون إشكال شيخنا النائيني قده واردا و لكن‏

المبنى غير تام هذا كله في استصحاب الفرد.

و اما استصحاب الكلي فهو على أقسام‏

القسم الأول‏

ما إذا كان الكلي موجودا في ضمن فرد مثل وجود الإنسان في ضمن زيد فشك‏

في بقائه من جهة الشك في بقاء الفرد ففي هذا القسم لا إشكال في جريان الاستصحاب‏

بالنسبة إلى الأثر المترتب على الفرد و على الكلي إذا كان لهما الأثر الشرعي فلو فرض‏

عدم الأثر للكلي أو للفرد بواسطة كون الأثر من الملازمات العقلية أو عدم كونه منشأ

للأثر أصلا فلا شبهة في عدم جريان الاستصحاب ضرورة انه أصل تعبدي و هو يحتاج‏

إلى أثر شرعي فلو كان لكل واحد منهما أثر فلا إشكال في جريانه و اما إذا كان المراد

في هذا القسم استصحاب الفرد لترتيب أثر الطبيعي أو استصحاب الطبيعي لترتيب‏

أثر الفرد فهو غير جار لأن هذا لازمه إثبات الطبيعي أو لا ثم ترتيب اثره و هذا أثر


89
عقلي و هكذا إثبات الفرد بواسطة الطبيعي أيضا مثبت و قد فصل‏1المحقق الخراسانيّ‏

قده في الحاشية على الرسائل بين استصحاب الفرد لترتيب أثر الطبيعي فقال بجريان‏

الاستصحاب لأن الطبيعي عين الفرد و لا يكون شيئا آخر حتى يكون مثبتا و اما إذا

كان استصحاب الطبيعي لأثر الفرد ففيه و جهان اما وجه عدم الجريان فلان ترتيب‏

أثر الطبيعي على الفرد يكون بعد إثبات الطبيعي باستصحاب الفرد و هو من اللوازم‏

العقلية و يكون الطبيعي غير الفرد عند العرف و اما وجه الجريان فهو ان الطبيعي عين‏

الفرد فاستصحابه يكون استصحابه فان استصحاب وجود زيد مثلا يكون مثل‏

استصحاب وجود الإنسان.

و فيه ان استصحاب الفرد لترتيب أثر الطبيعي يكون كاستصحاب الطبيعي في‏

ترتيب أثر الفرد في كونه مثبتا مضافا بأن استصحاب الطبيعي لا يمكن ان يكون‏

مثبت الخصوصية فان استصحاب الإنسان أو الحدث لا يوجب ترتيب أثر الخصوصيات‏

الفردية في زيد و عمرو و في البول و المني و لو قلنا بأن الطبيعي ليس الا الافراد

فالحق كونهما مثبتين.

القسم الثاني من استصحاب الكلي‏

و هو استصحاب الكلي في ضمن أحد الفردين الذين نعلم بزوال أحدهما على‏

فرض كونه هو الموجود مثل الشك في بقاء الحدث إذا كان مرددا بين الأصغر

و الأكبر و الشك في وجود الحيوان بعد كونه قصير العمر كالبق أو طويلة كالبقر فانه‏

بعد زوال الفرد القصير بواسطة الوضوء في الحدث و بواسطة الموت في الحيوان‏

1أقول وجدت التفصيل في الحاشية ص 193 و لا أدري من أين يكون الاحتياج‏

إلى الاستصحاب كذلك بعد إمكان استصحاب نفس الفرد و نفس الطبيعي فان هذا النحو مع انه لا يجري لكونه مثبتا يكون من الأكل من القفا.


90
نشك في بقاء الكلي فانه لو كان الموجود في الواقع هو القصير فلا شبهة في زواله فان‏

الحدث الأصغر مثل البول يذهب بواسطة الوضوء و البق يموت بعد ثلاثة أيام و اما

لو كان هو الفرد الطويل مثل المني أو وجود البقر فهو باق ففي هذا القسم يكون‏

المشهور أيضا جريان الاستصحاب لوجود اليقين السابق بالطبيعي و الشك اللاحق‏

لكن يكون جريانه بلحاظ الأثر المترتب على الطبيعي لا القرد فان استصحاب الحدث‏

يكون اثره الجامع هو عدم جواز الدخول في الصلاة فان شرطها الطهارة الأعم من‏

كون الحدث الأصغر أو الأكبر و لكن الآثار الخاصة لا تترتب مثل حرمة دخول المسجد

و حرمة قراءة العزائم فان هذه أثر الحدث الّذي هو المني مثلا لا الحدث الأصغر الّذي‏

هو البول مثلا فمقتضى جريانه تام.

لا يقال إذا كان لنا العلم الإجمالي بوجود الحدث اما في ضمن الأصغر أو

الأكبر ثم خرج أحد الأطراف عن الابتلاء مثل تحصيل الرافع للحدث الأصغر

يكون المؤثر هو العلم الإجمالي بالنسبة إلى وجوب الرافع للحدث الأكبر و هو

الغسل فالأثر يكون له و لا نحتاج إلى إثباته بالاستصحاب فلاشتغال اليقينيّ يلزمه‏

العلم بالفراغ يقينا لأنا نقول الاستصحاب مقدم على قاعدة الاشتغال سواء كان موافقا

معها أو مخالفا لكون محرزا.

لا يقال هذا في صورة تقدم العلم ثم خروج أحد الأطراف عن الابتلاء و اما

إذا لم يكن العلم الإجمالي ثم خرج قبله بعض الأطراف عن الابتلاء فلا يكون أركان‏

الاستصحاب تاما و هو اليقين و الشك مثل ما إذا وجد رطوبة احتمل انه بول فتوضأ

ثم شك في انه بول أو منى فان الشك بالنسبة إلى المني بدوي و لا يكون لنا حالة

سابقة يمكن استصحابها.

لأنا نقول في هذه الصورة يكون العلم بالوجدان و لكن لا تنجيز له و استصحاب‏

طبيعي الحدث لا إشكال فيه فنعلم بوجود حدث بواسطة الرطوبة في السابق اما في ضمن البول أو المني و نشك في رفعه بالوضوء فيستصحب فيجب الغسل أيضا هذا كله في‏


91
تمامية المقتضى.

و اما المانع في المقام عن جريان الاستصحاب فهو على وجوه ذكر بعضها

الشيخ قده في الرسائل‏1ثم أجاب.

فمنها هو ما ذكره قده و حاصله ان الطبيعي لا يكون الا الحصص و لا يكون لنا كلي‏

طبيعي في الخارج و الفرد في المقام يكون امره مرددا بين ما هو مقطوع البقاء و ما هو مقطوع‏

الارتفاع فان الحدث لو كان هو الأصغر قد ارتفع بالوضوء قطعا و ان كان هو الأكبر فهو باق‏

قطعا و الحيوان ان كان فيلا فهو باق قطعا و ان كان بقا فهو معدوم قطعا فيكون الشك‏

في أصل حدوث الفرد الطويل و الأصل عدمه فلا يكون لنا اليقين بكلى الحدث أو كلي‏

الحيوان في زمان حتى يجري الاستصحاب.

و حاصل جوابه قده ببيان منا هو ان الموضوع في الاستصحاب عرفي و لا

يحتاج إلى الدقة الفلسفية و هو هنا موجود و هذا يظهر منه الإذعان بالحصص في الطبيعي‏

و ان الحصة مرددة في الواقع بين ما هو مقطوع البقاء و ما هو مقطوع الارتفاع‏

و لنا2ان نجيب ثانيا بان العلم كما مر يكون مركزه الصور الذهنية و لا يسرى‏

1أقول هذا في ص 350 و لا يخفى ان هذا هو التنبيه الأول حسب ترتيبه قده‏

فارجع إلى عبارته في اشكاله الثاني كما سيجي‏ء منه التعرض لها.

2أقول قد مر ما فيه فان مركز العلم الصور و لكن الخارج دخيل في وجود و عدمه‏

فإذا علمنا بالنجاسة ثم حصل المطهر لها ينقلب الصورة العلمية بالعلم بالطهارة و هكذا في‏

المورد إذا خرج بعض الأطراف عن الابتلاء لا يكون العلم باقيا كما كان فالخارج له تأثير

في الصور العلمية و هذا واضح لأن طريق حصول العلم في بعض الأشياء يكون هو الخارج‏

و من هذا الوجه يقول ببقاء العلم الإجمالي مؤربا في مورد خروج بعض الأطراف عن الابتلاء

و سقوط العلم الإجمالي العرضي و هذا لا يكون الأمن جهة التأثير و ان لم يتم العلم الإجمالي‏

المورب كما حرر في محله.


92
إلى الخارج فالعلم بالعنوان الإجمالي لا ينقلب عما هو عليه بواسطة خروج بعض‏

الأطراف عن محل الابتلاء فلا يضر بالعنوان الإجمالي مثل العلم بالحدث الشك‏

التفصيليّ في وجود المني أو البول فإذا خرج البول عن الابتلاء لمضي أثره و هو

الوضوء لا يضر بالعلم بالطبيعي هذا كله إذا كما معتقدا بوجود الطبيعي و قلنا بأن‏

الطبيعي مع الافراد كنسبة الآباء إلى الأولاد يعنى يكون كل فرد من الافراد

حصة من الطبيعي و لم نقل هو ابن واحد بالنسبة إلي الأولاد و هذا الاصطلاح يكون‏

موروثا من الحكماء قبل الإسلام.

و اما على التحقيق وفاقا للمتأخرين من الحكماء الإسلامية بان الأصل في‏

العالم هو الوجود و هو الخير المحض و لا شأن للماهيات الا اعتبار تحديد الوجود به‏

فلا يكون لنا العلم الا بوجود و يكون لنا الشك في مراتبه فلا ندري في المقام بان‏

هذا الوجود هل كان ممتدا أو يكون ضعيفا فإذا علمنا بمعدومية المرتبة الضعيفة

فلا يحصل العلم بمعدومية المرتبة القوية فيكون بقائه مشكوكا فيمكن استصحابه‏

فسقوط حد من الوجود لا يضر بالبقية فلا إشكال في استصحابها كما قال به المحقق‏

الخراسانيّ(قده)في الحاشية فهذا الإشكال على استصحاب الكلي في القسم الثاني‏

لا وجه له اما لكون الموضوع فيه عرفيا و هو باق في نظر العرف و اما بالدقة و هو

باق كذلك.

و منها ما عن الشيخ قده أيضا و هو ان الشك في وجود الكلي يكون مسببا عن الشك‏

في ان الحادث هل هو الفرد الطويل أم لا فإذا جرى أصالة عدم حدوث الفرد الطويل‏

مع العلم بزوال الفرد القصير لا يبقى الشك في الطبيعي بل هو معدوم و هذا شأن‏

كل أصل سببي مع المسببي فأصالة بقاء الكلي غير جارية لأن موضوعها و هو

الشك قد ذهب بأصالة عدم حدوث الفرد الطويل و أجاب قده عنه بعبارة في الرسائل‏

نذكرها بلفظها لعناية الاعلام بالإشكال فيه قال قده فان ارتفاع القدر المشترك‏

من لوازم كون الحادث هو الفرد المقطوع الارتفاع لا من لوازم عدم حدوث الأمر


93
الآخر نعم اللازم من عدم حدوثه هو عدم وجود ما هو في ضمنه من القدر المشترك‏

في الزمان الثاني لا ارتفاع القدر المشترك بين الأمرين و بينهما فرق واضح و لذا

ذكرنا انه تترتب عليه أحكام عدم وجود الجنابة في المثال المتقدم انتهى و حاصل‏

مرامه ان الفرد القصير لو كان هو الحادث مثل الحدث الأصغر بعد الوضوء فيحصل‏

القطع بعدم الطبيعي لصيرورته معدوما و هذا الا إثبات له لعدم العلم بان الحادث ما هو

و اما عدم حدوث الطويل فلا يترتب عليه عدم الطبيعي لأنه من اللوازم العقلية

فهو مثبت.

و قد أجيب عنه قده بان عدم الطبيعي كما انه لازم حدوث الفرد القصير يكون‏

لازما لعدم حدوث الفرد الطويل أيضا فلا فرق بينهما.

و فيه‏1ان مراده قده هو ان الوجود و هو الحدوث يكون له الأثر لا العدم فانه‏

1أقول مراده قده لا يكون من جهة عدم التأخير للعدم فان استصحاب عدم الموضوع‏

لازمه عدم الحكم و عدم الطبيعي لازمه عدم الحكم عليه و لا يكون المراد ان العدم مؤثر

بل عدم العلة أو عدم مقتضى الوجود الّذي هو تعبيره يكون لازمه عدم الشي‏ء.

و هو مد ظله يفر من هذه العبارة المنصوصة في كلماتهم و هي ان عدم العلة علة

للعدم من جهة قوله ان العدم لا أثر له ثم يقول عدم المعلول يكون من جهة عدم المقتضى‏

لوجوده يعنى بالفارسية چون مقتضى نيست معلول نيست و هذا عين ما يقولون و من المعلوم‏

ان المعلول العدم لا يحتاج إلى امر مؤثر وجودي بل يكون هذا التعبير من جهة ضيق‏

الخناق.

و الحق ان مراد الشيخ قده هو ان إثبات كون الحادث هو الفرد القصير يكون من‏

لوازمه بالوجدان عدم الطبيعي بعد العلم وجدانا بزواله و اما استصحاب عدم حدوث الطويل‏

يكون مثبتا من جهة ان عدم الطبيعي يكون من لوازمه العقلية فلا يجري هذا الأصل فيستصحب‏

بقاء الطبيعي.و يرد عليه هو انه في ذيل كلامه قائل بان استصحاب عدمه.


94
لا يمكن ان يقال عدم البقاء مسبب عن عدم الحدوث لعدم تأثير العدم في شي‏ء لأنه ليس‏

مؤثرا فالحق مع الشيخ قده.

و أجيب ثانيا بأنه لو سلم كون العدم مسببا يكون من اللوازم العقلية المترتبة

على استصحاب عدم كون الحادث هو الفرد الطويل و من الشروط في جريان الأصل‏

السببي هو كون المسبب مما رتب عليه شرعا مثل اشتراط طهارة الماء في طهارة ما

عسل به في لسان الدليل فانه يمكن استصحاب طهارة الماء المشكوك و القول بطهارة

الثوب المغسول به و اما في المقام فلا يكون الترتب بين عدم الطبيعي و عدم الفرد

الطويل في لسان الدليل فلا يكون لهذا الأصل أثر شرعي مع لزومه في صحة التعبد

الطويل في لسان الدليل فلا يكون لهذا الأصل أثر شرعي من لزومه في صحة التعبد

فلو سلم ان الدليل دل على حدوث الحدث بالجنابة في لسان الشرع لم يكن لنا دليل كذلك‏

بان عدمه منوط بعدم الجنابة فالحق مع المحقق الخراسانيّ قده في المقام حيث‏

أجاب عن الإشكال بهذا النحو و جواب الشيخ الأعظم أيضا له وجه.

ثم ان شيخنا النائيني قده قال بان استصحاب عدم الفرد الطويل معارض‏

باستصحاب عدم حدوث الفرد القصير أيضا و بعد التعارض يتساقطان فلا يجري الأصل‏

في السبب ليكون إشكالا على استصحاب الكلي.

و فيه ان الاستصحاب في الفرد القصير لا يجري حتى يكون معارضا لأنه أصل‏

تعبدي و يحتاج إلى الأثر و هو مفقود فيه اما في صورة خروج الفرد القصير عن الابتلاء

يترتب عليه عدم وجود الحصة من الطبيعي في ضمنه و لذا لا يترتب عليه أثره الخاصّ‏

و نحن نأخذ بهذا الكلام و نقول إذا ثبت عدم الحصة بالتعبد يكون عدم الحصة في ضمن‏

القصير بالوجدان فلا يكون لنا حصة أخرى يكون الطبيعي في ضمنها فلا يجري استصحابه و

يكون الإشكال بحاله الا ان يكون الجواب بان الموضوع في هو بنظر العرف لا الدقة فتدبر

في كلامه(قده)فانه دقيق و لم يتعرض مد ظله لذيل كلامه في الدرس و لذا لم نقرره و هذا

الإشكال قوى في النّظر فلذا اما ان يكتفى بالاشتغال الّذي هو لازم العلم الإجمالي أو يتمسك بكون الموضوع في الاستصحاب عرفيا.


95
بعد العلم الإجمالي فعدم الأثر واضح لأن المتوضئ لا يحتاج إلى استصحاب الحدث‏

الأصغر لأنه لو كان كان أثره الوضوء و قد تقدم و هكذا في صورة حصول العلم بعد

الخروج عن الابتلاء كما في مثال وجدان رطوبة علم بأنها بول فتوضأ ثم حصل‏

العلم بأنها اما بول أو منى فانه لا تأثير للعلم و لكن الفرد خرج عن الابتلاء فلا وجه‏

لكلامه قده و ان قبله بعضهم.

و منها ان الكلي الطبيعي لا يكون له وجود في الخارج حتى يمكن استصحابه‏

بل هو امر منتزع عن الافراد الخارجية التي هي منشأ الانتزاع و هي امرها دائر بين الوجود

و العدم لأنه على فرض كون الحادث هو القصير يكون معدوما قطعا و لو كان هو الفرد

الطويل يكون موجودا قطعا فليس لنا كلي ليستصحب بعد الترديد في الفرد و في ان‏

المراد من الكلي يكون هو المنشأ لانتزاع الجهة المشتركة المحفوظة بين الحصص‏

الموجودة في الخارج و لا إشكال في وجوده في الخارج بعين وجود الافراد فعدمه في‏

ضمن فرد لا يوجب عدمه في ضمن فرد آخر.

و منها ان استصحاب الكلي غير جار من جهة كون المقام من الشبهة المصداقية

لدليله و هو قوله عليه السّلام لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر لأنه لو كان الكلي‏

في ضمن الفرد القصير و قد أحرزنا عدمه بالوجدان يكون من احتمال نقض اليقين‏

باليقين لا نقضه بالشك و موضوعه هو الثاني يعنى نقض اليقين بالشك و هو غير محرز و

ليس كل مورد من موارد الاستصحاب كذلك فانه إذا شك في بقاء عدالة زيد يكون‏

استصحابها من عدم نقض اليقين بالشك و يكون الشك و اليقين متصلين بخلاف المقام.

و الجواب‏1عن هذا الإشكال هو ان المسالك في الطبيعي أربعة لا يرد الإشكال‏

1أقول الجواب الّذي يمكن الاعتماد عليه هو ان ساير الموارد أيضا يكون احتمال‏

نقض اليقين باليقين لأن الشك في عدالة زيد من باب احتمال فعله ما هو مزيل العدالة فان‏

كان في الواقع قد فعله فعدالته منقوضة يقينا و الا فلا أو يقال موضوع الاستصحاب عرفي و الشك‏

و اليقين بالنسبة إليه متحقق فعلا و ساير الوجوه يشكل الاعتماد عليه لأن الطبيعي يكون عين‏

الافراد الا ان يؤخذ غيرها عرفا.


96
على مبنيين منها و يرد على مبنيين آخرين الأول ان يكون الطبيعي هو الجامع بين‏

الحصص و يكون له الوجود المنحفظ و يكون هو المشكوك و علي هذا لا يكون الشك‏

متوجها إلى الفرد ليكون زوال الصغير بالوجدان موجبا لاحتمال نقض اليقين‏

باليقين فما هو المتيقن هو الطبيعي و ما هو المشكوك أيضا هو الطبيعي.

الثاني ان يكون القصر و الطول بالنسبة إلى الوجود من حيث الشدة و الضعف‏

مع كون الماهيات اعتباريات محضة كما هو التحقيق و عليه يكون لنا العلم‏

بقطعة من الوجود و بعد زوال الفرد الضعيف نشك في بقاء الوجود الّذي وجدناه‏

فنستصحب أيضا ما هو المشكوك و لا يوجب زوال الفرد احتمال اليقين بزواله فعليه أيضا

لا يرد الإشكال.

الثالث ان يكون الحاكم ببقائه هو العرف من دون الدقة بان يكون لنا حدث‏

أو حيوان و الآن نشك في بقائه فيكون زوال الفرد القصير بالوجدان موجبا لاحتمال‏

نقضه باليقين لعدم الطبيعي الا في ضمن هذا الفرد أو ذاك‏1.

الرابع ان يكون الطبيعي هو الجامع الانتزاعي العنواني من دون واقعية مثل‏

عنوان أحدهما و عليه أيضا يكون الإشكال واردا لعدم اليقين بالجامع الا في ضمن هذا أو ذاك.

و منها2ان اللازم منه اختصاص الاستصحاب بالموضوعات الا الأحكام لعدم‏

الجامع فيها فان الشك إذا كان في بقاء الوجوب بعد كونه دائرا بين الظهر و الجمعة

و قد أتى بالظهر لا يكون لنا جامع بينهما و هو الوجوب المطلق حتى يستصحب و الفرد

1أقول معنى كون الموضوع عرفيا هو عدم الاعتناء بالطبيعي و الافراد بالدقة و الا

فرجع إلى ساير الأقسام بل يقال لنا يقين بالحدث و شك في البقاء فهو باق يحكم الاستصحاب‏

2أقول على فرض عدم جريان الاستصحاب في الأحكام لا يكون جريانه في الموضوعات‏

مشكلا فهذا الإشكال متوجه إلى إطلاق الحكم بجريانه في الكلي القسم الثاني فعلى فرض‏

وروده لا يضر بأصل جريانه.


97
يعنى الجمعة لا يثبت وجوبه بالأصل و كذلك إذا تردد الوجوب بين كونه نفسيا أو

غير يأثم علمنا بعدم الوجوب الغيري بنسخ أو غيره و كان الشك في بقاء الوجوب النفسيّ‏

فان الفرد لا يمكن إثباته فانه كما يستحيل جعل الوجوب الواقعي الا في ضمن إحدى‏

الخصوصيّتين كذلك يستحيل جعل الحكم الظاهري أيضا الا في ضمن إحدى الخصوصيّتين‏

كما عن شيخنا النائيني قده فانه يقول ان الجامع لا تحصل له مطلقا حتى في الوجود

التعبدي و لكن يمكن الجواب عنه بان الأثر إذا كان أثرا للأعم من الظاهر و الواقع‏

يمكن ترتبه على ما ثبت بالاستصحاب كما ان استصحاب الحكم مع الشك في الموضوع‏

جار عند المحقق الخراسانيّ(قده)و من الواضح ان تحقق العرض بدون الموضوع‏

محال و الحكم بمنزلة العرض للموضوع و لكن لا إشكال في تعبد الشارع ببقاء الحكم‏

مع الشك في الموضوع الا ان يدعى انصراف لا تنقض اليقين بالشك بصورة كون‏

الشي‏ء ممكنا في التكوين فما هو ممكن البقاء في ظرف التكوين يمكن استصحابه‏

في ظرف التعبد و العرض بدون الموضوع حيث لا يمكن في التكوين لا يمكن‏

استصحابه بالتعبد.

و قد فصل شيخنا العراقي(قده)1في المقام بان التنزيل ان كان بيد الشارع‏

مثل الطواف في البيت كالصلاة لا بد من ملاحظة ما ذكر من وجود الجامع و عدمه‏

و ملاحظة الأثر الشرعي للتنزيل.

و اما في الاستصحاب فلا يكون التنزيل الا بيد المكلف و ليس عمله الا الجري‏

على طبق الحالة السابقة و هو لا يحتاج إلى إحراز الخصوصية بل ما كان واجبا بنى‏

1أقول كلامه قده في تقريراته يكون على فرض جعل المماثل في الاستصحاب و فهم‏

كلامه مع تفصيله قده مشكل لأنه مع ذلك استصحاب الجامع لا يكون له أثر الفرد و لو لم نقل‏

بجعل المماثل و الّذي يسهل الخطب هو ان الموضوع في الاستصحاب عرفي و هو باق بنظر

العرف في الموضوعات و الأحكام و لو لم يتم بالدقة في الطبيعي و الفرد و على فرض عدم التسليم‏

لكل ما ذكر فالعلم الإجمالي يؤثر أثره لبقاء تنجيزه.


98
على وجوبه فلا يرد الإشكال و اما على الأول فحيث يحتاج إلى جعل الأثر لا بد من‏

التزام ما قيل.

و الحق ان الاستصحاب في الحكم يكون للأثر الّذي يكون على الأعم من‏

الوجود الواقعي و التعبدي و لازم استصحاب الوجوب هو إثبات وجوب الفرد أو

نقول لا نحتاج إلى تحصل الطبيعي في التعبديات مثل الأحكام لأن نفس الحكم هو

الأثر الشرعي.

في الشبهة العبائية

ثم من الشبهات المعروفة في استصحاب الكلي في القسم الثاني هو ما صدر عن‏

السيد إسماعيل الصدر في بعض أسفاره في النجف الأشرف و هي المعروفة بالشبهة

العبائية و حاصلها هو ان العباء إذا علمنا بأنه اما صار أعلاه نجسا أو أسفله ثم حصل مطهر

لبعض أطرافه المعين و لا نعلم انه وقع على ما هو طاهر في الواقع فلا يحصل الطهارة

أو وقع على ما هو النجس فتحصل ثم بعد ذلك لاقى كلا طرفي هذا العباء مع البدن‏

بالرطوبة فمقتضى جريان استصحاب الكلي و هو أصل النجاسة هو القول بنجاسة

الملاقى و من المعلوم ان الملاقى لأحد أطراف الشبهة المحصورة لا يجب الاجتناب‏

عنه و المقام مثله فكيف يقال بجريان الاستصحاب مع انه خلاف المشهور1

1أقول هذا الإشكال لا يكون متوجها إلى أصل جريان الاستصحاب في الكلي القسم‏

الثاني بل لو صح يكون تخصيصا له في المورد للشهرة هذا أولا.

و ثانيا الاختلاف في ان الاجتناب عن ملاقى الشبهة المحصورة لازم أم لا مشهور في‏

الأصول و لا يكون الإجماع على عدم وجوبه فلقائل ان ينكره و يكون هذا أساس إشكال هذا

السيد قده و ثالثا هذا الإشكال على ما قرروه يكون مع فرضهم ملاقاة البدن مع كلا طرفي العباء

و هو يكون مثل ملاقى كلا طرفي الشبهة المحصورة و لا شبهة لأحد في حصول النجاسة من أحد للعلم‏

الوجداني بملاقاة النجس في غير المقام اما في المقام.


99
و قد أجاب شيخنا النائيني قده بجواب غير مترغب منه و هو ان المقام يكون‏

كاستصحاب الفرد المردد لأن استصحاب الكلي في القسم الثاني يجب ان يكون‏

فيما يكون معلوما بهويته ثم شك فيه كالحيوان الّذي لا نعلم انه فيل أو بق و كالحدث‏

الّذي لا نعلم انه أصغر أو أكبر و اما في المقام فالنجاسة بهويتها مرددة لأنا لا نعلم انها

كانت في هذا الطرف أو ذاك فانه يكون مثل الحيوان الّذي لا نعلم انه كان في الطرف‏

الشرقي أو الغربي و انهدم الشرق مثلا فان كان في الشرق فقد انعدم يقينا و ان كان‏

في الغرب فكون باقيا يقينا فلا يمكن استصحابه بعد الترديد و المقام مثله فلا يجري الأصل.

و يرد عليه ان المكان لا يكون من المشخصات حتى نقول بأنه ان أحرز كونه‏

في مكان خاص يكون معلوما بالهوية و على فرض عدم إحرازه و ترديده بين هذا

المكان أو ذاك يكون مجهول الهوية و تكثير المثال لا يوجب رفع الإشكال فإذا

علمنا بوجود حيوان في الدار أو نجاسة في العباء في أي طرف كان ثم أردنا

استصحابه لا يكون الإشكال فيه.

فان قلت لأي أثر نقول بجريان الاستصحاب في العباء فان كان بالنسبة إلى‏

-فعلى ما قرره القوم من العلم بحصول مطهر لطرف معين و لكن لا نعلم انه هو النجس‏

حتى يحصل الطهارة أو الطاهر حتى لا يؤثر شيئا و من المعلوم ان العلم الإجمالي يكون تنجيزه‏

باقيا ما لم يحصل مزيله الا ان يقال بان العلم حيث انقلب في الواقع لا يؤثر الا ان نلتزم بالعلم‏

الإجمالي المورب الّذي عن الأستاذ مد ظله أخذا عن أستاذه العراقي قده فكما ان الملاقاة

قبل طرو المطهر كانت موجبة للنجاسة كذلك بعده و اما وجه ان المقام يكون مثل ملاقى‏

أحد أطراف الشبهة فهو من باب ان الطرف المعين حيث لا شك في طهارته بعد طرح المطهر يكون‏

ملاقاة البدن معه غير مؤثرة في النجاسة للشبهة البدوية في نجاسة الطرف الاخر و كيف كان‏

لو تم عدم وجوب الاجتناب في المقام لا يضر باستصحاب الكلي لأنه كالمخصص فاللازم هو

التوجه إلى جميع وجوه المسألة و ما ذكرناه يوجب التوضيح.


100
المانعية للصلاة فهي ثابتة بالعلم الإجمالي و ان كان بالنسبة إلى نجاسة الملاقى فهو

مثبت لأن الملاقاة تكون بالوجدان و استصحاب بقاء النجاسة لا يثبت ان الملاقاة

حصلت مع ما هو النجس في الواقع ليترتب عليه نجاسة الملاقى فان الملاقاة مع‏

النجس لا تثبت بالأصل لأنها من الآثار العقلية.

قلت لو كان الاستصحاب جاريا يكون حاكما على الاشتغال و لو كان موافقا

له فلا إشكال من هذه الجهة و اما إشكال المثبتية فهو وارد فلا يفيد هذا الاستصحاب‏

للسيد الصدر لأنه يكون اشكاله على فرض القول بالاجتناب عن ملاقى النجس‏

لأن مستصحب النجاسة كالنجاسة نفسه فإذا بطل الاستصحاب هنا لا يرد الإشكال‏

على استصحاب الكلي في القسم الثاني و لا يكون الفرد هنا من الفرد المردد أيضا فلا

يرد اشكاله(قده)و لا يرد عليه جواب شيخنا النائيني قده أيضا.

تتمة

ثم لا يخفى ان عدم جريان الأصل في الفرد المردد لا يختص بباب الاستصحاب‏

بل في كل مورد لا يجري الأصل في الفرد المردد فإذا صلى أربع صلوات عند اشتباه‏

القبلة إلى أربع جهات ثم ظهر بطلان إحداها في طرف معين بخصوصه لا تجري قاعدة

الفراغ لأنه ان كانت القبلة في الواقع هذه الجهة يجب الإعادة قطعا و ان لم تكن‏

في الواقع كذلك لا تجب الإعادة قطعا فحيث يكون الفرد مرددا لا وجه لجريان‏

القاعدة فلا بد من إتيان ما يعلم ببطلانها معينا و هذا بخلاف صورة كون الصلاة التي‏

يعلم بطلانها في جهة من الجهات غير معلومة مثل ان يعلم بطلان الصلاة إلى جهة

و لا يعلم انها الشرقية أو الغربية أو الشمالية أو الجنوبية فان القاعدة جارية لأنه بعد

الفراغ يشك في بطلان صلاته بعد إحراز أصلها فان كانت الباطلة إلى جهة القبلة

لا تصح و اما على فرض عدم كونها إلى جهتها فتصح فلذا تجري القاعدة و بعد الجريان‏


101
بالنسبة إلى جميع الصلوات يعلم بأن إحدى القواعد كانت خلاف الواقع و هو

لا يضر1.

في استصحاب الكلي في القسم الثالث‏

و هو أن يعلم بوجود الطبيعي في ضمن فرد و قد علم زوال هذا الفرد و لكن‏

لا يعلم ان الطبيعي هل هو باق في ضمن فرد آخر أم لا

و هذا على ثلاثة أقسام.

الأول‏
ان يكون العلم بالطبيعي في ضمن فرد ثم علمنا بزوال الفرد و احتملنا

حدوث فرد آخر بعد زوال هذا الفرد مثل صورة العلم بوجود حيوان في‏

الدار في ضمن زيد ثم علمنا موته و لا نعلم انه هل جاء عمر و في الدار بعد موته أم لا

الثاني‏
ان يكون العلم بوجود الطبيعي في ضمن الفرد مع احتمال ان يكون معه‏

فرد آخر حين وجوده ثم بعد زواله نشك في أن الكلي هل بقي في ضمن فرد

آخر أم لا.

و الثالث‏
ان يكون الفرد من الافراد القابلة للتشكيك و المرتبة و علمنا بوجود

الطبيعي في ضمن الفرد الشديد ثم علمنا بزوال هذه المرتبة و لكن يكون الشك‏

من باب احتمال قيام المرتبة الضعيفة مقامها كاللون الشديد و الضعيف و هذا على قسمين‏

1أقول في هذه الصورة يمكن ان يقال ان المكلف مأمور بإتيان أربع صلوات صحيحة

و حيث علم ببطلان أحدها فالاشتغال يحكم بإتيان الرابع فيكون مثل العلم بعدم إتيان جزء

من اجزاء الصلاة الواحدة لو كان مما يجب الإعادة به و القاعدة تجري في صورة الشك لا العلم‏

و مع عدم تسليم هذا من جهة الشك و عدم إحراز ما هو الباطل.

نقول ان قاعدة الفراغ الظاهر من دليلها هو جريانها في صورة إحراز عنوان المشكوك‏

بخصوصها يعنى الصلاة المعينة و منصرفة عن المقام فيجب إتيان الأربع و هو مد ظله‏

في غير هذا المقام يلتزم بهذا الإشكال و ان لم يذكره هنا و الوجه الأول في نظره غير تام‏

و لا إصرار لنا عليه فان الثاني يكفينا.


102
قسم يكون الفرد الضعيف المحتمل مما يحسب عرفا و أحدا مع المرتبة السابقة

مثل ان يكون لنا حمرة شديدة و وقع عليها الماء و لا نعلم انه زالت من أصلها أو

بقي مرتبة ضعيفة تحسب عند العرف حمرة أيضا و الثاني ان تكون المرتبة الضعيفة

مما لا تحسب واحدة مع المرتبة القوية كاحتمال بقاء شي‏ء من الحمرة يحسب عند

العرف صفرة فهي فرد مباين للحمرة.

إذا عرفت الأقسام ففي جريان الاستصحاب في جميع الصور أو عدم جريانه فيه‏

أو جريانه في خصوص الثالث في القسم الأول منه دون غيره أو جريانه فيه و في القسم‏

الثاني من الأقسام و هو احتمال مقارنة فرد مع الفرد الزائل وجوه و أقوال.

اما الدليل على الجريان مطلقا فلان العلم بالطبيعي في ضمن الفرد قد حصل‏

و يكون الشك في زواله بزوال الفرد في جميع الأقسام فيستصحب و أجاب الشيخ الأعظم‏

بان الجريان في القسم الأول ممنوع لأن الطبيعي يكون في ضمن الافراد و الحصة

التي علمنا بوجودها في ضمن هذا الفرد قد علمنا بزوالها بزواله و لا يكون لنا علم بوجود حصة أخرى و لكن في القسم الثاني منه و هو احتمال مقارنة فرد آخر مع هذا الفرد

فحيث يكون العلم بالطبيعي في ضمن فردين فلا يكون زوال فرد واحد موجبا للعلم‏

بزواله لاحتمال بقائه باحتمال وجود فرد آخر فيمكن استصحابه.

و قد أجاب أساتيذنا عن هذا البيان بان الطبيعي الّذي يكون في ضمن حصة

معينة لا يكون قابلا للبقاء بعد زوال هذا الفرد المعين لزواله بزوالها قطعا و هذا بخلاف‏

الكلي في القسم الثاني من اقسامه فان الفرد لا يكون طوله و قصره معلوما من أول‏

الأمر و زوال فرد لا يوجب العلم بزوال الطبيعي بخلاف المقام.

و فيه ان الطبيعي اما ان يكون له وجود أو لم يكن الا الحصص فعلى تقدير الجامع‏

إذا علمنا بوجوده في الخارج يكون زوال الفرد موجبا للشك فيه سواء كان العلم به‏

في الكلي القسم الثاني أو في القسم الثالث و على تقدير الحصص فزواله بزوال‏


103
الفرد في الثاني و الثالث فكيف يقال بالفرق بينهما و كلامهم و ان كان دقيقا و لكن‏

لا يفيد للجواب.

فالحق ان يقال ان الموضوع عند العرف باق في القسم الثاني و يكون نقضه‏

نقضا لليقين بالشك فيه و اما في القسم الثالث فكون نقضه نقضا باليقين فالحاكم بالفرق‏

هو العرف.

و من هنا ظهر ما في كلام شيخنا الأستاذ النائيني(قده)حيث فرق بين المقامين‏

بان الحصة في المقام إذا زالت زال الطبيعي لأنه ليس الا الحصص و وجه الظهور ما مر من‏

عدم الفرق بين القسم الثاني و الثالث على الحصص أيضا.

و اما ما كان من قبيل الاعراض قابلا للشدة و الضعف فربما توهم ان زوال مرتبة

من المراتب لا توجب العلم بزوال الكلي فلذا يجري الاستصحاب بالنسبة إليه من‏

باب ان الطبيعي باق في ضمن الفرد الحادث بعد الشك في زواله و يرد عليه أو لا ان‏

الوجود يكون له مراتب و يسمى حدوده بالماهيات فلكل وجود حد فالحمرة الشديدة

يكون لها حد من الوجود و الحمرة الضعيفة لها حد آخر و كل حد غير الحد الاخر

فالحصص في الاعراض أيضا متباينات لتباين كل مرتبة مع المرتبة الأخرى فلو كان‏

الجامع في زيد و عمرو هو الإنسانية يكون الجامع بين افراد الحمرة من الضعيفة و

الشديدة هو الحمرة و لا فرق في ذلك بين الوجود الجوهري و العرضي.

و ثانيا علي فرض تسليم كون المراتب غير متباينة فنقول الوحدة الاتصالية

مساوقة للوحدة الشخصية فإذا ارتفع الفرد ارتفع الكلي أيضا و ثالثا ان هذا الكلام لا يتم في‏

جميع أقسام ماله المراتب بل في صورة عدم كون المرتبة الضعيفة مباينة للمرتبة القوية

ففي صورة بقاء الصفرة من الحمرة لا يجري الأصل و اما في صورة بقاء الحمرة الضعيفة

فيمكن جريان الاستصحاب لبقاء الموضوع عرفا.

و الحاصل ان المدار في الاستصحاب بالنسبة إلى بقاء الموضوع و عدمه هو العرف‏


104
و هو حاكم في بعض الصور غير حاكم في البعض الاخر و من ذلك الوجوب و الاستصحاب‏

فان المستحب مباين للواجب فإذا ذهبت المرتبة القوية و هي الوجوب لا يمكن‏

الالتزام ببقاء المرتبة الضعيفة و هي الاستحباب و اما الدقة العقلية الفلسفية فلا تفيد في‏

المقام و لقد أجاد شيخنا الأستاذ العراقي(قده)حيث فرق بين صورة كون‏

المرتبة الضعيفة مباينة عند العرف للقوية أو غير مباينة بجريان الاستصحاب في الثانية

دون الأولى.

تذييل‏

ان للفاضل التوفي قده كلاما يناسب المقام يعنى استصحاب الكلي في القسم‏

الثالث و يكون كلامه ردا لمن تمسك باستصحاب عدم التذكية في الجلد المطروح‏

أو الحكم المطروح الّذي يكون الشك فيه لا ثبات النجاسة.

و حاصله ان هذا الاستصحاب يكون مثل استصحاب الكلي في القسم الثالث في‏

صورة زوال الفرد المقطوع به و الشك في مجي‏ء الفرد الاخر مقامه لأن الّذي هو

الموضوع للنجاسة هو الموت حتف الأنف و هو لا يثبت بواسطة الاستصحاب يعنى استصحاب‏

عدم التذكية لأن ماله حالة سابقة عدمية يقينا و هي عدم التذكية حال الحياة قد انقلب‏

بواسطة زهوق الروح و عدم التذكية الّذي يكون لازمه هو الموت حتف الأنف و هو الموضوع‏

للأثر لا يكون له حالة سابقة لأنا لا نعلم ان زهوق الروح هل كان مع الشرائط المعتبرة

حتى تكون التذكية حاصلة أو لم يكن الشرائط حتى يكون عدم التذكية صادقا و باستصحاب‏

العدم الّذي كان حال الحياة لا يمكن ترتيب أثر هذا الفرد فلا موضوع للاستصحاب و لا يمكن‏

ترتيب أثر الكلي بعد العلم بزوال الفرد الّذي كان الكلي في ضمنه و هذا مثل استصحاب‏

في الدار باستصحاب بقاء الضاحك المتحقق بوجود زيد في الدار في‏

الوقت الأول فان زوال زيد يوجب زوال لازمه الأخص و هو الضحك أيضا و لا يمكن‏


105
إثبات وجود عمرو بواسطة وجد الضاحك في الدار الّذي هو العنوان الّذي‏

ينطبق عليها.

فتحصل ان مبني الإشكال يكون على فرض كون الموضوع للنجاسة هو الموت‏

حتف الأنف.

فقال الشيخ قده‏ (1) أقول و لقد أجاد فيما أفاد من عدم جواز الاستصحاب في‏

المثال المذكور و نظيره الا ان نظر المشهور في تمسكهم على النجاسة إلى ان النجاسة

انما رتب في الشرع على مجرد عدم التذكية كما يرشد إليه قوله تعالى إلا ما ذكيتم‏

الظاهر في ان المحرم انما هو لحكم الحيوان الّذي لم يقع عليه التذكية واقعا أو بطريق‏

شرعي و لو كان أصلا إلخ.

و حاصل كلامه قده هو ان الموضوع للحلية و الطهارة المذكى و الموضوع‏

للحرمة و النجاسة هو عدم المذكى و هو يثبت بواسطة جريان أصالة عدم التذكية

و لو لم يثبت الموت حتف الأنف و مخالفة الفاضل التوني قده و جملة مع المشهور في‏

اللحم المطروح و الجلد كذلك بالقول بجريان قاعدة الطهارة بالنسبة إلى الشك‏

فيها و إثبات الحرمة بواسطة أصالة عدم التذكية يكون على غير هذا الفرض:

و الحاصل عدم المذكى موضوع للحرمة كما يستفاد من الآيات التي تعرض‏

لها الشيخ قده و موضوع النجاسة و ان كان هو الميتة بمقتضى أدلة نجاسة الميتة

و لكن الكلام في معنى الميتة و يدور امره بين أمور ثلاثة كونه هو الموت حتف‏

الأنف أو الأمر الوجود الحاصل من عدم التذكية أو هو عين الأمر العدمي يعنى كون‏

الميتة عين عدم التذكية فان كان معناها الثالث فيمكن جريان أصالة عدم التذكية حال‏

الحياة فتثبت النجاسة و أصالة الحرمة حالها فتثبت الحرمة.

و على فرض الشك في كون الميتة هي الأمر الوجوديّ أو العدمي‏

1)في الرسائل الحاضر عندي في ص 352

106
فلا سبيل إلى جريان الاستصحاب فقاعدة الطهارة محكمة و اما أصالة عدم التذكية

بالنسبة إلى الحرمة فلا شبهة فيها لأن موضوع الحرمة هو عدم التذكية فكما ان‏

لسان دليل الحلية و الحرمة غير لسان دليل النجاسة في تعيين الموضوع كذلك‏

الأصل في كل واحد منهما غير الأصل في الآخر من حيث الأثر.

فتحصل ان مخالفة التوني(قده)و غيره مع المشهور يكون على فرض إثبات‏

كون الميتة هي التي حصلت بالموت حتف الأنف و جوابه هو ان هذا لا شاهد له‏

لا في اللغة و لا في الشرع.

ثم يمكن توجيه كلامه(قده)بوجه آخر و هو انه على فرض كون الموضوع‏

للنجاسة هو الأمر العدمي يعنى عدم التذكية لكنه يكون العدم المقيد بكونه بعد

زهوق الروح لا العدم الّذي يكون قبل زهوقه و هو لا حالة سابقة له و أوله إلى استصحاب‏

الطبيعي مع العلم بزوال الفرد كما مر بيانه.

و فيه ان الدليل الدال على النجاسة لا يدل على انها مترتبة على العدم المقيد

بكونه بعد زهوق الروح بل الموضوع هو الأمر البسيط فيكون زهوق الروح بالوجدان‏

و عدم التذكية يثبت بالاستصحاب و على فرض كون الذهاق ظرف الحكم بالنجاسة

فالامر واضح من جهة تحقق الظرف بالوجدان و المظروف بالأصل اما الأصل قبل‏

وجود الحيوان و هو العدم الأزلي فائضا لا إشكال في جريانه و انقلاب ليس التامة

بليس الناقضة أيضا لا يضر يعنى إثبات عدم التذكية بعد زهوق الروح باستصحاب العدم‏

الأزلي الّذي هو مفاد ليس التامة لا إشكال فيه لزهوق الروح بالوجدان و هذا ليس‏

من الأصل المثبت.


107
التنبيه الرابع‏

في استصحاب الزمان و الزماني‏

و البحث في ذلك في مقامات‏

المقام الأول في جريان الاستصحاب‏
في نفس‏

الزمان مثل الليل و النهار إذا شك في بقائهما كما إذا شك في بقاء النهار للإفطار

و عدمه في الصوم أو شك في بقاء الليل و عدمه لجواز الأكل و عدمه فيه أيضا أو شك‏

في بقاء الوقت للصلاة و الحق هو جريانه لأن الليل هو السواد المحدود بين الحدين‏

و النهار هو البياض المحدود بين الحدين عند العرف و بمجرد دخول السواد بعد

المغرب و دخول البياض بعد طلوع الفجر يكون عنوان الليل و النهار صادقا.

و لا يكون التدريج في هذا العنوان فالحدوث و البقاء لا شبهة فيهما فاليقين‏

بالحدوث و الشك في البقاء يكون مما تم به أركان الاستصحاب و هذا هو معنى‏

ما تعرض له المحقق الخراسانيّ(قده)من ان الحركة التوسطية مما يجري فيها

الاستصحاب و لا يكون الاجزاء فيها متدرجة بخلاف الحركة القطعية و من المعلوم‏

ان الزمان هو مقدار الحركة و لا يكون شيئا في نفسه.

و اما الإشكال الّذي يتوهم في جريان استصحاب الزمان فهو انه لا قرار له‏

فان الجزء الماضي منه قد انعدم و المستقبل منه لم يأت بعد و هو لا زوال كذلك‏

و هذا حال الحركة دائما.

و الجواب عنه ما مر من ان العنوان من الليل و النهار لا تدريج فيه و ما فيه‏

التدريج لا يكون هو المستصحب و على فرض عدم تسليم ما ذكرناه فنقول الأمر التدريجي‏

يكون له وحدة اتصالية مساوقة للوحدة الشخصية1و اما ما قيل من ان النقض صادق‏

1و يمكن ان يقال بان الزمان و هو مقدار الحركة يكون له دوام في عدم القرار

و دوام كل شي‏ء بحسبه فهو في نحو وجوده ثابت كما هو المعروف بين أهل الفن في مقام ربط

الحادث بالقديم فيقال انه من وجه ثبوته يربط بالثابت لا من وجه تزلزله.


108
ما دام لم يحصل العلم بالعدم إذا ابني على العدم و لو لم يكن له البقاء فلا يتم لأن المدار

في الاستصحاب على اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة و مع عدم إثبات البقاء بأي نحو

كان لا يحصل هذا المعنى هذا كله في استصحاب الزمان بمفاد كان التامة و اما

استصحابه بنحو كان الناقصة يعنى استصحاب بقاء الليل لإثبات ان هذا الجزء من الليل‏

و استصحاب النهار لإثبات ان هذا الجزء من النهار فقيل بأنه لا يجري بالنسبة إليه‏

لأنه مثبت ضرورة ان هذا من الآثار العقلية.

و لكن الحق هو جريان الاستصحاب في الجزء كالاستصحاب في الكل لأنه‏

بصرف دخول البياض ثبت عنوان دخول النهار و عنوان كون هذا الجزء من النهار

و كذلك بدخول السواد ثبت وجود الليل و ان هذا الجزء من الليل فيستصحب‏

وجود الجزء أيضا و يترتب عليه اثره.

ثم ان الزمان الّذي يكون في لسان الدليل مأخوذا اما ان يكون قيدا أو

يكون ظرفا أو يؤخذ مقارنا و على التقادير اما ان يكون في الحكم أو في المتعلق‏

و بعبارة أخرى اما ان يكون قيدا للوجوب أو ظرفا أو يؤخذ معه و اما ان يكون قيدا

للواجب أو ظرفا له أو أخذ مقارنا معه فعلى فرض كون الزمان قيدا للحكم فحيث‏

ان استصحاب الحكم مثل وجوب الظهر لا يكون مثبتا لكون الصلاة في الظهر الا على‏

نحو المثبت فلا يجري استصحابه عند الشيخ الأعظم قده و تمسك باستصحاب بقاء

الحكم في هذه الصورة فان نحو الوجوب و طوره كان هو وجوب الصلاة في الظهر

فإذا استصحب الحكم و ان كان لازمه العقلي هو الوقوع في الوقت المخصوص‏

و لكن هذا لا يضر لأن الوجوب نفسه الحكم و هو الأثر الشرعي و يترتب عليه لازمه‏

العقلي أيضا.

و بعبارة أخرى وقوع الصلاة في الوقت يكون من آثار الاستصحاب لا من آثار

المستصحب و آثار الأول مترتب عليه و ان كان عقليا و آثار الثاني إذا كانت عقلية

لا تترتب عليه و لكن مر منا عدم الاحتياج إلى رجوعه قده إلى استصحاب الحكم بل‏


109
نفس الموضوع يمكن استصحابه لوجود الحالة السابقة له كنفس العنوان في نظر

العرف و عند الدقة إثبات أصل العنوان أيضا بملاحظة الجزء الّذي يتخذ منه العنوان‏

الّذي هو متدرج يكون محل الإشكال كما قال شيخنا العراقي قده من انه لو انفتح‏

باب هذا الإشكال يجري في أصل الزمان أيضا.

و اما إذا كان الزمان ظرفا للوجوب أو ظرفا للواجب أو أخذ بنحو المعية

فلا إشكال في جريان الاستصحاب لأن وجود جزء من الاجزاء يكون بالوجدان‏

و هو وقوع الفعل في الزمان و وجود جزء آخر بالتعبد و هو إثبات ان هذا الزمان‏

زمان النهار أو الليل أو الظهر و غيره و لا نحتاج إلى إثبات وقوع العمل في هذا الوقت‏

المخصوص حتى يكون مثبتا و قد استظهر الحاج آقا رضا الهمدانيّ(قده)بأن أدلة

الموقتات طرا يستفاد منه الظرفية لا القيدية.

و قال شيخنا النائيني قده بأن القيدية تكون في صورة كون أحد الموجودين‏

جوهرا و الاخر عرضا و اما في الجوهرين أو العرضين فلا قيدية بل مطلق التقارن‏

و الصلاة و الوقت يكونان من قبيل العرضين و الشاهد على ذلك هو ان استصحاب الوضوء

يترتب عليه إتيان الصلاة و لا يتوقف أحد فيه لعدم إثبات كون الصلاة في الطهارة

لأن هذا من اللوازم العقلية لبقاء الوضوء و ليس هذا الأمن جهة كون الوضوء

و الصلاة متقارنين و لو كان الوضوء قيدا لما أمكن إثبات وقوع الصلاة في الطهارة

الا علي نحو المثبت.

و اما إذا كان الزمان قيدا للواجب فلا يجري استصحابه لكونه مثبتا و لا يمكن‏

استصحاب الحكم و لكن هذا كله على فرض عدم إمكان استصحاب الزمان نفسه‏

في الجزء و قد مر جريانه.

فتحصل ان استصحاب الزمان جار مطلقا في جميع الأقسام و لا نحتاج إلى‏

عدول الشيخ قده من استصحاب الموضوع إلى استصحاب الحكم.


110
المقام الثاني‏

في استصحاب الزمانيات المتدرجة

و هي مثل التكلم و الحركة و جريان الماء و سيلان الدم و نحوه و الشك في‏

أمثال ذلك يكون مناشئه أربعة.

الأول ان يكون الشك في انتهاء حركته و سيلانه مع إحراز استعداده لاحتمال‏

طرو المانع كالشك في بقاء تكلم الواعظ من جهة احتمال منعه عنه و الثاني الشك‏

في أصل الاقتضاء كالشك في انه هل يكون للمبدإ اقتضاء ليبقى إلى الآن كما في صورة

عدم العلم باستعداد المتكلم للتكلم ساعة أو ساعتين لعدم العلم لمحفوظاته أو معلوماته‏

الثالث ان يكون الشك في بقاء الطبيعي بعد العلم بزوال الفرد و هذا على قسمين الأول‏

ان يكون الفرد الّذي يحتمل حدوثه مباينا للفرد الّذي كان العلم بحدوثه و حدث‏

القطع بارتفاعه مثل ان يكون المتكلم تاليا للقرآن و نعلم ان محفوظاته من القرآن‏

قد تمت و لكن لا نعلم انه حدث فرد آخر للتكلم في ضمن الدعاء أم لا الثاني ان يكون‏

احتمال حدوث الفرد الاخر من باب احتمال فرد غير مباين مثل احتمال حدوث الداعي‏

له لإدامة قراءة القرآن بعد القطع بان السورة التي شرع فيها قد تمت.

إذا عرفت هذه الأقسام فلا شبهة في جريان الاستصحاب في الفرد و في الطبيعي‏

إذا كان له أثر لعدم القطع بارتفاع ما حدث مثل صورة وجود حيوان في ضمن زيد

نشك في بقائه بعد الشك في حياة زيد و هو من الكلي القسم الأول و اما في الصورة

الثانية فائضا لا شبهة في جريانه على ما هو التحقيق من جريانه في هذه الصورة و اما في‏

الصورة الثالثة ففي القسم الأول منها فلا شبهة في عدم جريان الاستصحاب لأنه يكون‏

من القسم الثاني من القسم الثالث من أقسام الكلي لأن القسم الثاني من الثالث هو


111
العلم بزوال الفرد المقطوع و الشك في حدوث فرد آخر بعده و هذا هو بعينه و لا فرق‏

في عدم جريانه بالنسبة إلى الشخص و بالنسبة إلى الكلي كما مر فيما سبق من بيان‏

اقسامه.

و اما القسم الثاني منها و هو احتمال حدوث الداعي له للتكلم مثل من يكون‏

في الحمام فانعكاس صوته يوجب عشقه بإدامة الكلام فهو أيضا من القسم الثاني من‏

القسم الثالث من أقسام الكلي و لكن حيث يكون للكلام وحدة اتصالية مساوقة

للوحدة الشخصية يمكن استصحاب الشخص لبقاء الموضوع عرفا و ان لم يكن العلم‏

ببقائه دقة و اما استصحاب الكلي فلا يجري.

و ما يتوهم من عدم الفرق بين الصورتين لا وجه له لأن الوحدة العرفية هنا

صادقة1

1أقول قد مر فيما سبق ان القسم الثاني من الثالث لا يجري فيه الاستصحاب بوجه‏

و لم يحتمله مد ظله و لكن في بعض صور القسم الثالث من القسم الثالث احتمل الشيخ قده‏

و هو مد ظله الجريان و هو في صورة كون الموجود مثل اللون له مرتبة شديدة و مرتبة ضعيفة

مع عدم تباين المرتبة الضعيفة مع الشديدة مثل الحمرة الضعيفة بالنسبة إلى الشديدة لا الصفرة

بالنسبة إليها.

و في المقام ان كان مثل هذا القسم فهو يكون من القسم الثالث في القسم الثالث من‏

أقسام الكلي لا الثاني منه الا ان يقال المدار على العرف و الصدق العرفي في أي قسم كان‏

و لكنه مشكل حسب ما بين من معنى القسم الثاني من الثالث لعدم صدق الوحدة عرفا ثم ان‏

جريان استصحاب الشخص دون الكلي لا نفهم وجه الا إذا رجع إلى عدم تصور الأثر له.


112
المقام الثالث‏

في استصحاب الأمور المقيدة بالزمان‏

و هذا المقام يكون نتيجة البحث في المقامين الأولين و التطبيق فيه في بعض‏

الموارد و المثال المعروف له هو أن الجلوس إذا كان واجبا يوم الجمعة ثم شك في‏

بقاء الوجوب يوم السبت فهل يجري استصحاب بقاء الوجوب أم لا و في الصوم إذا شك‏

بعد الزوال في زوال الوجوب قبله لحدوث مرض يحتمل ان يكون الصوم مضرا

عليه فهل يستصحب وجوب الصوم أم لا و ساير الأمثلة ذكره قده في الرسائل مع أصل‏

المطالب و أخذ شيخنا النائيني و العراقي قده عنه و نحن أيضا تابع لهم و الزمان في‏

ذلك اما ان يكون قيدا أو ظرفا و كل واحد منهما اما ان يكون في الشك في الحكم‏

أو في الموضوع.

فعلى فرض كون الزمان قيدا للموضوع فلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب‏

في الشخص ضرورة انه من إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر مباين له فان‏

الجلوس المقيد بكونه يوم الجمعة مباين للجلوس المقيد بكونه يوم السبت فإذا

تغير الموضوع لا يجري الاستصحاب لأن بقاء الموضوع شرط لجريانه و هو غير

باق على الفرض فيكون تباين الجلوسين من نوع واحد كتباين الصلاة و الصوم‏

من نوعين.

و بعبارة أخرى الإرادة المتشخصة متعلقة بالجلوس يوم الجمعة و لا تكون بعده‏

و احتمال تعدد المطلوب لا يفيد بعد إحراز كون الزمان قيدا.

و اما استصحاب الكلي فهو أيضا لا يجري في هذا الفرض لأنه من القسم الثاني‏

من القسم الثالث من أقسام الكلي و هو صورة العلم بارتفاع ما حدث و الشك في حدوث‏

من القسم الثالث من أقسام الكلي و هو صورة العلم بارتفاع ما حدث و الشك في حدوث‏

الفرد الاخر فلا يمكن استصحاب بقاء الكلي الّذي هو الوجوب لو كان له أثر الا ان‏

يكون الزمان في نظر العرف حالا من حالات الموضوع و لم يكن الجلوس بعد الجمعة


113
غير الجلوس فيها كما في اللون الشديد و الضعيف و لا يبعد الاتحاد عرفا1و لكن‏

لا ضابطة لنظر العرف فربما يحكم بالاتحاد في مورد و بالتباين في مورد آخر و ماله‏

المراتب من الشدة و الضعف هو الحكم بالنسبة إلى الإرادة.

و ربما قيل بان الحكم الّذي هو الإرادة و ان كان في المقام له مراتب لتصوير

الإرادة الشديدة و الضعيفة على الجلوس يوم الجمعة و يوم السبت و من هذا الوجه‏

يكون كاللون و لكن استصحاب الكلي لا يثبت الفرد الّذي هو وجوب جلوس يوم‏

السبت لأنه من اللوازم العقلية.

و لكن يرد عليه على فرض عدم الإشكال فيه من غير هذه الجهة بأنه‏

لا يكون هذا الإشكال و أرادا لأن الاستصحاب هنا يكون في الحكم الّذي يكون نفسه‏

الأثر و ترتب الأثر العقلي على الأثر الشرعي لا يكون من المثبت المعروف.

ثم ان الشيخ الأعظم(قده)تعرض لكلام النراقي(قده)في المقام و هو معارضة

الاستصحاب الوجوديّ باستصحاب العدم الأزلي و تقريبه هو انا قبل يوم الجمعة لم يكن‏

لنا الوجوب بالنسبة إلي الجلوس و بعده حصل العلم بوجوبه في خصوص يوم الجمعة

و ما بعده يستصحب العدم فإذا كان استصحاب الوجوب أيضا جاريا في الكلي يتعارضان‏

و لكن مع عدم جريانه فلا تعارض و على هذا الفرض و ان كان مقتضى الأصل البراءة

عن الوجوب و لكن الاستصحاب حاكم عليها لأنه أصل محرز و الحق هو جريان‏

استصحاب العدم الأزلي في المقام سواء قلنا بالتعارض أو لم نقل.

و قد أشكل عليه بان العدم الأزلي قد انقلب إلي الوجود بعد إحراز الوجوب‏

يوم الجمعة و لا حالة سابقة للعدم بعده ليستصحب كما عن شيخنا النائيني قده و بيانه(قده)في المقام هو ان جعل الحكم و ان كان له عدم أزلي لأن وجود الأحكام يكون في‏

1أقول ان العرف لو رأى الوحدة يكون من جهة ان الزمان ظرف غالبا و مع‏

إحراز القيدية لا يرى الوحدة بين الجلوسين لأنهما متباينان فإذا كان الاستصحاب في الفرد

من إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر كذلك يكون استصحاب الكلي.


114
الأزل و عدمه أيضا كذلك و لكن استصحابه لا يفيد عدم المجعول لأنه مثبت فان المجعول هو

وجوب الجلوس يوم الجمعة و اما وجوبه يوم السبت و عدمه كذلك فلا حالة سابقة له و ان كان‏

مؤثرا لو جرى الأصل بالنسبة إليه فما هو المؤثر لا حالة سابقة له و ما له الحالة السابقة غير مؤثر.

و فيه ان الإشكال غير وارد لأن العدم الّذي انقلب إلى الوجود هو عدم وجوب‏

جلوس يوم الجمعة و اما عدم وجوب جلوس يوم السبت فلم ينقلب إليه فللعدم حصص بالنسبة

إلى الوجودين حصة منه منقلبة إلى الوجود و حصة منه باقية بحاله فيستصحب و اما إشكال‏

المثبتية فقدر الجواب عنه من جهة ان استصحاب الحكم لا إشكال في ترتيب آثاره العقلية

عليه مضافا بأنه لا تفكيك بين الجعل و المجعول كما لا تفكيك بين الإيجاد و الوجود فتحصل‏

ان الاستصحاب العدم الأزلي جار فعلى فرض جريان استصحاب الوجوب لا دعاء الوحدة

العرفية فيتعارضان كما قال النراقي(قده)و على فرض عدم جريانه فلا معارضة

كما هو رأى الشيخ(قده).

هذا كله في صورة كون الزمان قيدا للموضوع.

و اما على فرض كون الزمان ظرفان للموضوع على حسب ما استفيد من لسان الدليل‏

فيكون الشك في بقاء الحكم من جهة الشك في أن أمد الحكم قد انتهى في غير

هذا الظرف أو يكون باقيا بعده و هذا يكون من جهة إجمال الدليل في بيان الظرفية

مع عدم إمكان أخذ الإطلاق منه و يمتاز عن صورة كون الزمان قيدا بان القيد

يوجب تكثر الموضوع و الظرف لا يوجب تكثره و هنا تارة يكون الخطاب بنحو

صرف الوجود و أخرى بنحو الطبيعة السارية و لا شبهة في جريان الاستصحاب بالنسبة

إلى الوجود و حيث لا يكون الزمان قيدا لا يكون الموضوع متكثرا فلا يكون‏

من باب إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر بل يكون مثل الشك في‏

بقاء نجاسة الماء بعد زوال تغييره فان زوال التغيير من حالات الموضوع فيستصحب‏

الحكم و انه منشأ للشك و في المقام تغيير الزمان يكون منشأ للشك في بقاء ما كان‏


115
فإذا شك في وجوب الجلوس يوم السبت بعد العلم بوجوبه يوم الجمعة يكون الزمان‏

من حالات الموضوع و منشأ للشك و استصحاب الوجوب لا إشكال فيه و اما استصحاب‏

العدم الأزلي فأيضا يكون جاريا فان الوجوب قبل الجمعة لم يكون و الآن نشك فيه‏

بعد العلم بخروج فرد و أحد من العدم إلى الوجود فيستصحب عدمه و يتعارض‏

الاستصحابات كما عن النراقي(قده)و اما إذا كان الخطاب بنحو صرف الوجود1

لا بنحو الطبيعة السارية فاستصحاب العدم الأزلي لا يكون جاريا لانقلاب صفحة العدم‏

بصفحة الوجود و لا يكون التحصص في العدم بخلاف الطبيعة السارية فانه يمكن ان‏

يقال ان العدم بالنسبة إلى هذا الفرد غير العدم بالنسبة إلى ذلك الفرد و ما انقلب‏

إلى الوجود هو عدم هذا الفرد لا كل الافراد.

1أقول ان استصحاب الوجود و كذلك العدم لا معنى له إذا كان الخطاب بنحو

صرف الوجود مع إتيان فرد واحد لعدم الشك بعد إتيان الصرف و هكذا استصحاب العدم‏

لا معنى له بعد عدم إتيان الفرد لأن اللازم هو إتيانه قطعا و فرض الشك يكون في صورة

عدم إتيان الصرف في ظرفه ثم شك في الوجوب بعد ذلك من باب كون الزمان ظرفا و حينئذ

لا شبهة في جريان الاستصحاب الوجوديّ كما انه لا شبهة في جريان استصحاب العدم الأزلي‏

بالنسبة إلى قبل زمان الوجود فالفرق في المقام في غير محله و اما إذا كان الخطاب بنحو

الطبيعة السارية و معنى السريان هو مطلوبية الافراد في كل زمان فلا شبهة في شمول العموم لما

بعد الزمان الّذي هو ظرف لأن المفروض ان نفس هذا الزمان لا شبهة فيه بل فيما بعده و لا

تصل النوبة إلى الاستصحاب و ما ذكرنا لم يكن مشروحا في الكلمات و لم يشرحه الأستاذ

مد ظله حتى بعد المراجعة إليه نعم يمكن ان يكون المراد هو الشك في السريان و صرف‏

الوجود فانه إذا شك في ذلك بعد الزمان المعين يكون مجرى الاستصحاب الوجوديّ و العدمي فاللازم التوجه إلى جهات البحث لئلا يختلط المرام.


116
تتمة

في ان التقسيم إلى كون الزمان قيدا أو ظرفا لا يكون جزافيا فانه‏

قد توهم بأنه لا فرق بين القيد و الظرف ففي صورة وجوب الجلوس يوم الجمعة

اما ان يكون لهذا الوقت دخل في الإرادة و الحكم أولا يكون له دخل فان كان له‏

الدخل فلا فرق بين كونه قيدا أو ظرفا و ان لم يكن له الدخل فلأي سبب أخذ

في لسان الدليل و لكن هذا الكلام لا وجه له لأن الفرق بينهما هو الفرق بين القضية

المشروطة و الحينية فان الشرط يكون له الدخل في الإرادة و الحكم و الظرف‏

لا يكون له الدخل فيه بل يراد الجلوس في هذا الوقت فيمكن أن يكون المصلحة

للجلوس فقط لا للجمعة كما أن قصد إقامة العشرة عند شيخنا الحائري(قده)يكون‏

يكون موجبا للحكم بوجوب التمام في الصلاة و لو لم تكن الإقامة عشرة بل و لو لم‏

تقصد الإقامة واقعا1.

فان قلت القيد المأخوذ في الحكم يكون راجعا إلى الموضوع كما عن‏

شيخنا النائيني(قده)فإذا قيل لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا يكون‏

المعنى يجب الحج على المستطيع و إذا قيل يجب الجلوس إذا كان يوم الجمعة يصير

معناه ان جلوس يوم الجمعة هو واجب لا غيره فإذا لم تكن الجمعة لم يكن الحكم من‏

غير فرق بين كونه قيدا أو ظرفا و هذا من جهة ان الحكم من المعاني الحرفية

المغفولة عند الشيخ قده و الأحكام يكون على نحو القضايا الحقيقية يعنى على‏

الموضوع المحرز وجوده‏

قلت لا وجه لهذا القول عندنا لأن الهيئة لا تكون مغفولة و تكون قابلة للتقييد

فان الوجوب و الحرمة من الأحكام مستفاد من الهيئة و مع ذلك لم يقل أحد بعدم‏

1و ان كان الحق عندنا هو طريقية قصد إقامة العشرة للحكم بالتمام لا موضوعيته.


117
جواز تقييده و اما قيد الحكم فلا يرجع إلى الموضوع لأن الحكم متأخر عن‏

الموضوع برتبتين الموضوع و العلم به ثم الحكم عليه فكيف يمكن ان يكون المتأخر

دخيلا في المتقدم الّذي لا بد من وجوده قبله هذا برهانا و اما وجدانا فالعرب يكون‏

الفرق عنده بين قيد الموضوع مثل ان يقال أكرم زيدا الجائي أو أكرم زيدا ان‏

جاءك فان الثاني قيد الحكم و الأول يكون المجي‏ء قيد الموضوع‏1فتحصل ان‏

الفرق بين القيد و الظرف مسلم لا إشكال فيه عندنا.

التنبيه الخامس‏
في عدم الفرق بين كون دليل الاستصحاب العقل أو غيره‏

و حيث مر الكلام عنه في أوائل البحث عن الاستصحاب عند بيان الأقوال لم‏

نذكره هنا.

التنبيه السادس في الاستصحاب التعليقي‏

و قد اختلف الأقوال فيه من جريانه مطلقا و عدم جريانه و التفصيل بين كون القيد

قيد الحكم فيجري و كونه قيد الموضوع فلا يجري و مثاله هو المثال المعروف في‏

العصير العنبي فان الحكم فيه معلق علي الغليان إلى ان العصير العنبي إذا على يحرم‏

و ينجس.

و المهم في المقام تنقيح محل النزاع ثم البحث عن أدلة المانعين و المجوزين‏

1أقول و قد مر مرارا انا لا نجد الفرق بين العبارتين بحسب ما هو المتفاهم العرفي‏

في تلقى الخطاب و امتثاله و ان كان من حيث الدقة العقلية لهذا الكلام وجه و اما تأخر الحكم‏

عن الموضوع فهو مسلم و لكن ليس الكلام فيه بل الكلام في المعنى المتفاهم من‏

الخطاب و هو بعد إمكان كون القيد قيدا للموضوع لا إشكال فيه و هكذا الكلام فيما سيجي‏ء

من هذا البحث.


118
و المفصلين فنقول ان محل البحث في التعليقات لا يكون في صورة كون احتمال عدم‏

الحكم من جهة1الشك في النسخ فانه إذا علمنا بان العنب بعد الغليان يكون حكمه‏

النجاسة و الحرمة ثم حصل الشك في هذا الحكم من جهة احتمال النسخ فلا شبهة

عندهم في جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الحكم الموجود قبلا و هكذا ما يكون مثل‏

احتمال النسخ مثل الجعالة في السبق و الرماية و غيرهما فيمن قال بأن من رد على‏

عبدي فله على كذا أو من سبق أو وقع سهمه على الهدف له على كذا ثم شك في‏

ان هذا العقد هل يكون لازما و غيره قابل للفسخ أو يكون جائزا و قابلا له فلا شبهة

عندهم في جريان استصحاب حكم الجعل فان احتمال الفسخ يكون كاحتمال‏

النسخ.

و الحاصل احتمال النسخ لا يمنع عن جريان الاستصحاب التعليقي.

و هكذا لا إشكال عندهم في جريانه بعد حصول ما علق عليه في الخارج ثم‏

الشك في زواله مثل الماء إذا تغير في الخارج بإحدى الأوصاف الثلاث فصار نجسا

1أقول لو كان الإشكال في عدم الجريان عند المانعين عدم فعلية الحكم لعدم‏

فعلية الموضوع لعدم حصول الغليان مثلا في الخارج فلأي دليل لم يكن احتمال النسخ‏

فيه النزاع قبل حصول الغليان.

و لا يقال ان الحكم الفعلي حيث لم يكن لا يكون مجرى للاستصحاب فمن قولهم بعدم‏

النزاع هنا نستكشف عدم تمامية المانع للمانعية اما على مسلك القائل بأن الأحكام قبل‏

حصول الشرائط فعلية فواضح لفعلية الحكم و اما على مبنى مثل المحقق الخراسانيّ(قده)

من عدم فعلية الحكم قبل فعلية الشرط فلان المستصحب هو الحكم الكلي الإنشائي و لا إشكال‏

فيه و مبناه أيضا متين و ان لم يكن مبنى مخالفه أيضا بعيدا عن الحق فان الفعلي بمرتبة

و هو البعث إلى بعض المقدمات يكون كالإنشائي إذا التزم القائل به بأن أثر الحكم الإنشائي‏

أيضا البعث إلى البعض و تطويل الكلام في محله في الواجب المشروط.


119
ثم حصل الشك في النجاسة بعد زوال تغييره بنفسه و كذلك العنب إذا غلى ثم ذهب‏

ثلثاه بغير النار فشك في نجاسته و حرمته فان استصحاب النجاسة و الحرمة جار

و لا إشكال فيه.

و انما الكلام في صورة تغيير بعض حالات الموضوع مثل صيرورة العنب زبيبا

مع عدم حصول الغليان في الخارج و الاستصحاب هنا اما ان يكون في الحكم الفعلي‏

أو التقديري أو في الملازمة الحاصلة بين الغليان و الحرمة كما يكون الثالث في‏

كلام الشيخ الأعظم قده تلويحا.

في استدلال المانعين لجريان الاستصحاب التقديري‏

ثم استدل المانعون و منهم شيخنا النائيني(قده)لعدم الجريان مطلقات بان‏

استصحاب الشخص في الحكم الفعلي غير جار بمقدمتين.

الأولى ان كل قيد في الحكم يرجع إلى الموضوع فإذا قيل العنب إذا غلى‏

يحرم و ينجس يكون معناه العنب المغلي هو الموضوع للنجاسة و الحرمة و لا فرق‏

بين كون القيد قيدا للحكم في لسان الدليل أو قيدا للموضوع في الأثر.

الثانية ان فعلية الحكم فإذا كان زيد في الخارج مستطيعا يكون حكم وجوب‏

الحج عليه فعليا و الا فلا و في المقام إذا كان الغليان فعليا في الخارج مع العنب يكون‏

الحكم بالحرمة و النجاسة فعليا و الا فلا.

فإذا عرفت ذلك فاستصحاب الشخص لا يجري بمقتضى المقدمتين لأن شرط

الحكم و هو الغليان يرجع إلى الموضوع و ح فحيث لا يكون الموضوع متحققا في‏

الخارج بجميع اجزائه فلا يكون لنا حكم ليستصحب فان البقاء فرع الحدوث و هو

هنا غير حادث ليحكم ببقائه.

و اما استصحاب الحكم التقديري بأن يقال ان العنب على فرض الغليان‏


120
و تقديره كان نجسا و محرما فهكذا عند الشك في بقائه على هذا الحكم فهو و ان‏

كان جاريا و لكن هذا يرجع إلى الاستصحاب عند الشك في الحكم من باب احتمال‏

النسخ و قد مر عدم النزاع فيه و لا كلام فيه.

و اما استصحاب الملازمة الحاصلة بين الحرمة و الغليان و كذلك النجاسة

و الغليان فلا يجري لأنها غير مجعولة و لا بد من كون المستصحب اما حكما أو موضوعا ذي‏

حكم و ما لا تناله يد الجعل حدوثا لا تناله يد الجعل بقاء بالتعبد و ثانيا الملازمة

من لوازم الحكم و هو هنا مشكوك يعنى إذا ثبت الاستصحاب في الحكم فالملازمة

تابعة و الا فلا وجه لها هذا خلاصة بيان المانع من جريان الاستصحاب في‏

التعليقيات.

و اما بيان المفصل فهو ان القيد ان رجع إلى الحكم فحيث ان الموضوع‏

يكون باقيا بحاله يكون لجريان الاستصحاب مع انحفاظ الموضوع وجه و اما إذا

رجع إلي الموضوع فحيث انه يعدم بعدم بعض اجزائه فلا يكون الموضوع منحفظا

ليترتب الحكم عليه بالاستصحاب.

في الاستدلال على الاستصحاب التعليقي جوابا عن المانعين‏

فنقول ان ما ذكره المانع من الجريان لا يتم بوجوه.

الأول ان ما توهم من ان قيد الحكم يرجع إلى الموضوع غير صحيح كما مر

منا مرارا فان الحكم متأخر عن الموضوع برتبتين أعني رتبة الموضوع و رتبة العلم‏

به ثم رتبة الحكم فكيف يمكن ان يكون قيد المتأخر قيدا للمتقدم فان الحكم‏

بمنزلة المعلول للموضوع فالمتأخر لا دخل له بالنسبة إلى المتقدم‏ (1) هذا برهانا

1)أقول مر ما في هذا الكلام آنفا.


121
و اما وجدانا فلفرق أهل الأدب بين أكرم زيدا ان جاءك و أكرم زيدا الجائي الأول‏

بنحو قيد الحكم و الثاني بنحو قيد الموضوع هذا أولا.

و ثانيا في خصوص المقام صيرورة العنب زبيبا لا يخرجه عن الموضوعية بل‏

الموضوع منحفظ و الزبيبية من حالاته فلو رجع القيد إلى الموضوع أيضا لا يكون‏

الانطباق في المثال صحيحا فاستدلالهم لأن كل قيد في الحكم يرجع إلى‏

الموضوع لا يصح.

الوجه الثاني هو ان ما توهم من ان الأحكام غير فعلية قبل وجود الموضوع‏

في الخارج لا وجه له لأن الحق عندنا هو ان الأحكام هي الإرادات و هي فعلية في جميع‏

أقسام الواجب المطلق و المشروط و المعلق‏ (1) فان الحج إذا كان مشروطا

بالاستطاعة و الصلاة إذا كانت معلقة بالدلوك لا يكون في أصل الحكم قصور و حالة

منتظرة بل الانتظار يكون في المتعلق كل على نحو من الدخل و كل واجب يكون له‏

ثلاث شعب من الوجوب المطلق بالنسبة إلى بعض الشروط مثل الطهارة بالنسبة إلى‏

الصلاة و المشروط بالنسبة إلى بعض كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج و المعلق بالنسبة

إلى البعض الاخر كالدلوك بالنسبة إلى الصلاة الا ترى ان القائل إذا قال ان رزقت‏

ولدا فاختنه لا يكون إرادته على الفرض إلا فعلية و الإبراز لا يكون له الا الكاشفية

و لذا لو حصل العلم بمطلوب المولى و لو بالرمل و الأسطرلاب يحكم العقل بوجوب‏

الامتثال و لو كان الإبراز بدون الإرادة لا يحكم العقل بوجوبه كما في موارد التقية

و الوجوب و الاستصحاب و ساير العناوين يكون منتزعا عن لب الإرادة.

و ح فكل حكم قبل حصول شرطه و موضوعه في الخارج يكون فعليا فعلى هذا

يظهر الجواب عن قول المانع من جريان الاستصحاب التعليقي بأن الحكم قبل‏

1)أقول تفصيل الكلام في أقسام الواجب قد مر في المجلد الأول في بحث أقسام‏

الواجب فارجع إليه.


122
حصول الموضوع في الخارج لا يكون فعليا ففي مثال الغليان نقول يكون الحكم‏

قبل حصول الغليان فعليا و لا مانع من جريان الاستصحاب فيه.

فان قلت لا بعث و لا تحريك للحكم قبل حصول الشرط قلت البعث و التحريك‏

متأخران عن الحكم برتبتين يعنى الحكم و العلم به موجبان للتحريك و لا يتصور

تقديم ما هو المتأخر ذاتا و لذا نقول ان الأحكام مشترك بين العالم و الجاهل فان‏

الجاهل و ان لم يعلم الحكم و لكن يكون عليه الحكم يعنى الإرادة و عدم تحريكه لعدم‏

علمه به لا ربط له بكون الحكم حكما فتحصل ان الحكم الفعلي موجود و يستصحب‏

و لا وجه لقول المانع من هذا الوجه.

و لو أغمض عن ذلك و قلنا بأن الأحكام مجعولة فما هو محل البحث عند الفقيه‏

ليس الحكم الشخصي الّذي هو في العنب المغلي في الخارج فانه ليس فعليه طبخ‏

العنب و عصيرة ليقال قبل الغليان لا يكون الحكم فعليا بل الفقيه لا زال يكون شأنه‏

استصحاب الحكم الكلي على فرض وجود الموضوع و لا شبهة في ان استصحاب الحكم‏

على الفرض لا يكون فيه إشكال عدم فعلية الحكم لعدم تمامية الموضوع غاية الأمر

في فرض غليان العنب لا شك في انه لو طبق في الخارج و حصل الغليان في العنب‏

يكون الحكم بالحرمة و النجاسة بدون الإشكال و اما في صورة غليان الزبيب‏

فيكون الشك في التطبيق فيجب(ح)التماس دليل لا ثبات حكم العنب على‏

الزبيب أيضا.

فنقول و باللّه الاستعانة لا شبهة و لا ريب في ان العرض يتحصص و ينقسم بانقسام‏

محله و لا شبهة في ان الحكم عرض للموضوع و عليه فلا شبهة في ان حكم الحرمة

على العنب المغلي يكون منبسطا على الجزءين العنب و الغليان فبعد صيرورة العنب‏

زبيبا تكون الحصة التي من الحكم على الغليان لها حالة سابقة يقينية و الحصة

الأخرى على العنب تكون مشكوكة لصيرورته زبيبا فحينئذ نقول تستصحب الحصة من‏

الحكم على الغليان و لازمه بقاء الحكم على العنب أيضا.


123
فان قلت هذا لازم عقلي و هو لا يترتب لمعروفية عدم جريان الأصل المثبت‏

و لذا يقال استصحاب الصحة التأهلية في الاجزاء الصلاتية بعد بطلان بعض الاجزاء

بفقد الطهارة مثلا لا يجري لأن صحة لحوق بقية الاجزاء أثر عقلي و المقام‏

كذلك‏

قلت:المقام يكون المستصحب نفسه الحكم و الآثار العقلية و الشرعية على‏

الحكم المستصحب مترتب بلا إشكال و هذا غير الموضوع الّذي يلازم شيئا

بالملازمة العقلية.

فتحصل ان الاستصحاب في الموضوع الشخصي جار و اما الاستصحاب على‏

الفرض و التقدير فهو في صورة عدم طرو حالة على الموضوع فلا إشكال فيه من‏

باب ان الفرض يكون بحيث لو طبق على الخارج يكون له واقع مثلا إذا كان الحكم‏

الكلي غلى العصير العنبي لو غلى يكون هذا الحكم منطبقا على ما غلى في الخارج‏

من حيث تطبيق الكلي على المصداق و اما في صورة طرو حالة جديدة للموضوع‏

مثل صيرورة العنب زبيبا.

فنحتاج إلى الاستصحاب للحكم الكلي بما مر من الحصص أو ما هو التحقيق‏

من فعلية الأحكام قبل حصول الشرط و ما علق عليه و لا يخفى ان ما ذكرناه من‏

تحصص الحكم على اجزاء الموضوع يأتي في كل جزء من اجزاء المركب إذا شك‏

في حكمه فتحصل ان القضايا الحقيقة فرض موضوعها يوجب الفرض و واقعه يوجب‏

الواقع فالنار الفرضية أثرها الحرارة الفرضية و النار الواقعية أثرها الحرارة الواقعية

و لكن القضايا الطلبية فرضها أيضا يوجب الواقع فواقع الحكم يكون على العنب‏

إذا غلى يعنى إذا فرضناه من الغليان.

و اما جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الملازمة كما عن الشيخ الأعظم فائضا

لا إشكال فيه و ما ذكره المانع من أن الملازمة امر تكويني لا يمكن استصحابها

ممنوع لأن هذا التكوين يكون منشأه التشريع فمن جعل الشرع الحكم على‏


124
الموضوع يستفاد الملازمة فإذا شك في بقائها لبعض العوارض يستصحب ما وجد من‏

الحكم و ليست الملازمة أثر الملزوم و هو الحكم حتى يقال لا يكون لنا حكم فعلا

لأنه مشكوك و ما هو المعلوم من الملازمة هو ما بين الحكم و تمام الموضوع لا بعضه‏

بل أثر المناسبة بين الحكم و الموضوع و هي امرها بيد الشرع.

ثم ان المحقق الخراسانيّ قده قال بما حاصله ان الاستصحاب في كل شي‏ء يكون‏

دائرا مدار موضوعه‏1فعلى أي نحو كان يستصحب كذلك فإذا كان الحكم على‏

1أقول كلامه قده على حسب مبناه في الواجب المشروط من عدم فعلية الحكم‏

قبل الشرط متين جدا و التحقيق هو مبناه في ذلك الباب و ان الواجب اما مطلق أو مشروط

و ليس لنا المعلق ضرورة ان قضية لا تنقض اليقين بالشك هو جر الحالة السابقة فان كان‏

الحكم في السابق فعليا فهو المستصحب و ان كان إنشائيا فكذلك و هكذا يفهم من عبارة

الشيخ في الرسائل أيضا.

و لا يرد عليه اشكاله مد ظله بان المراد بالحكم ان كان هو الإنشائي فلا شك فيه الا من‏

جهة احتمال النسخ لأن الشك فيه يتصور من جهة تغير بعض حالات الموضوع فانا لا ندري ان‏

الحكم المنشأ على العنب على فرض الغليان هل يكون منشأ على فرض الغليان إذا صار

العنب زبيبا أم لا فيستصحب و يكون الأثر عند التطبيق كما في فرض عدم تغيير حال الموضوع.

و لا يكون هذا مثل احتمال النسخ لأنه يكون في صورة الشك في انتهاء أمد الحكم‏

على الموضوع الّذي يكون بحاله من دون تغيير و منشأ الشك فيه لا يكون الا احتمال انتهاء

أمد المصلحة و أمثال ذلك بخلاف المقام مضافا بأنه لو قيل بجريان الاستصحاب في صورة

احتمال النسخ فله(قده)ان يقول هذا مؤيد لأن الحكم الإنشائي قبل احتمال النسخ‏

ما كان فيه الشك و بعد احتماله كيف يستصحب لو كان الاستصحاب في الحكم الفعلي فقط.

و الحاصل لا يحتاج هو قده إلى فعلية الحكم ليقال انه لا يكون له حالة سابقة و الحكم‏

الإنشائي في هذا الآن على هذا الموضوع مشكوك فكيف يقال لا شك فيه و ما لا شك فيه‏


125
العنب على فرض الغليان فشك فيه يستصحب هذا النحو من الحكم و لا نكون بصدد

إثبات الفعلية للحكم ليمكن استصحابه فان الدليل لو كان مطلقا لكان إطلاقه شاملا

للمقام الّذي يكون الشك فيه و لو كان مهملا فيكون الاستصحاب موسع دائرة الدليل‏

و شمول الحكم للمشكوك أيضا.

و يرد عليه ان إنشاء الحكم لا شك فيه الا من جهة احتمال النسخ و هو أيضا

مندفع بجريان الاستصحاب على فرض الشك و ما هو المشكوك و هو الحكم الفعلي لا حالة

سابقة له ليمكن استصحابه فلا يتم ما ذكره قده من البيان في ذلك.

ثم بقي إشكال آخر في خصوص مثال العنب إذا صار زبيبا فشك في حكمه بعد

الغليان في جريان الاستصحاب و هو ان الزبيب غير العنب عرفا و لا بد من اتحاد الموضوع‏

في باب الاستصحاب و المناط في الموضوع هو لسان الدليل الّذي أخذ الشي‏ء الفلاني‏

موضوعا للحكم فيه و هذا الإشكال غير وارد لأن الموضوع في نظر العرف للنجاسة

هو ذات الجسم و العنبية جهة تعليلية و هي باقية بعد صيرورته زبيبا و غلى.

و تقسيم الشيخ قده من ان الموضوع اما ان يكون المناط فيه العقل أو العرف أو لسان‏

الدليل تسامحي بل الموضوع لا زال يؤخذ من لسان الدليل.

و اما ما عن شيخنا النائيني قده‏1من ان المناط اتحاد القضية المشكوكة

فهو قبل هذا و كل الاستصحابات يكون كذلك.

فتحصل ان جريان الاستصحاب على مسلك من قال بفعلية الحكم قبل الشرط كما هو

مسلكه مد ظله لا إشكال فيه ببيانه و على مسلك غيره أيضا يكون جاريا ببيان المحقق‏

الخراسانيّ مع تنقيح منا هذا كله لو لم نقل بتغيير الموضوع في خصوص مثال العنب و الغليان‏

إذا صار زبيبا و لكن مع القول به كما هو الموافق للنظر نظرا إلى العرف فلا يجري في‏

خصوص المثال.

1أقول البحث في الفوائد ص 172 و 173 و الظاهر من كلامه هو ما ذكره مد ظله‏


126
و المتيقنة سواء كان العنوان مقوما أو لا و لا دخل لملاحظة لسان دليل الحكم يكون من‏

اشتباه المقرر لأن البحث يكون في الموضوع و هو لا زال يكون مأخوذا من لسان الدليل.

تتمة في إشكال آخر على الاستصحاب التعليقي‏

و هو أن الاستصحاب التعليقي على فرض القول بجريانه في ذاته و دفع جميع‏

الإشكالات الماضية يكون معارضا باستصحاب تنجيزي في المقام و هو حال المشكوك‏

قبل حصول ما علق عليه مثل الغليان في المقام فان الزبيب قبل الغليان كان حلالا و

طاهرا فإذا شك فيه تستصحب الطهارة و الحلية و التنجيزي مقدم على التعليقي.

و قد أجاب الشيخ الأعظم عن هذه الشبهة بأن الشك في الحلية و الطهارة مسبب‏

عن الشك عن انتهاء أمد الحكم بواسطة الغليان فإذا استصحب حكم العنب بعد غليان‏

الزبيب فهو حاكم على استصحاب الحلية و الطهارة لأن كل شي‏ء طاهر و حلال إلى‏

ببيان مفصل و كلما نتفكر يكون كلامه كلاما متينا و هذا التفصيل أيضا مما يبعد ان ينسب‏

إلى المقرر و اشتباهه و حاصل بيانه قده هو انه من الممكن عدم صدق الموضوع للدليل‏

عند العرف قطعا مع مجال البحث في الاستصحاب فان موضوع الدليل للطهارة مثلا إذا كان‏

الحطب لا يكون الحكم هو الحطب قطعا عند العرف و لكن عند الشك و ملاحظة القضية المتيقنة

و المشكوكة يرى اتحاد الموضوع للاستصحاب و هذا بخلاف صورة صيرورة الحطب رمادا

فان الموضوع قد انقلب قطعا فمرجعية العرف في موضوع الاستصحاب غير مرجعيته في لسان‏

الدليل و ان كان أصل الموضوع في لسان الدليل هو الملاك للبحث و هذا كلام مطابق للوجدان‏

و اللَّه العالم.

ثم انه في خصوص مثال الزبيب و العتب اختار تغير الموضوع لأن المغلي في الزبيب‏

هو الماء الّذي كسبه من الخارج و في العنب هو ماء نفسه و لا شبهة في ان الغليان يلاحظ بالنسبة

إلى الماء.


127
غاية و هي العلم بعد مهما و هو هنا حاصل تعبدا و شأن الاستصحاب توسعة دليل الحكم‏

فكما أنه لو كان للدليل الوارد في العنب إطلاق لكان شاملا للزبيب أيضا و لم‏

يكن استصحاب الحلية و الطهارة جاريا كذلك إذا كان التوسعة في الموضوع‏

بالاستصحاب.

و الإشكال عليه هو أن الأصل السببي مقدم على المسببي إذا كان الترتيب شرعيا

في لسان الدليل لأن اللازم العقلي غير مترتب لأنه من الأصل المثبت فإذا أخذ في‏

لسان الدليل أن طهارة الثوب مشروط بطهارة الماء فيكون استصحاب الطهارة موجبا لرفع‏

الشك عن طهارة الثوب في المثال المعروف في الشك السببي و المسببي و اما في المقام‏

فلا يكون كذلك أي لا يكون الترتب بين حلية الزبيب و حرمته و بين حرمة

العصير العنبي بالغليان من الترتب الشرعي ليكون الأصل جاريا.

ثم ان شيخنا الأستاذ النائيني(قده)يفهم من كلامه تسليم عدم كون الترتب‏

شرعيا و لكن يقول بان الترتب الشرعي يكون لازما في الموضوعات لا في الأحكام‏

اما أصل الترتب فهو مسلم عنده.

و بيانه هو ان الشك في ان العصير الزبيبي هل يحرم بالغليان أم لا يكون‏

ناشئا عن الشك في لسان الدليل فان دليل حرمة العصير العنبي إذا غلى لو كان له‏

إطلاق بحيث يشمل الزبيب أيضا لم يكن الشك فيه فالشك في ذلك مسبب عن الشك‏

في الإطلاق و لا عكس أي لا يكون الشك في الإطلاق مسببا عن الشك في حلية الزبيب‏

و حرمته بعد الغليان بل من باب إهمال الدليل في نفسه و ان كان ملازما للشك في‏

الإطلاق و اما استصحاب حكم العصير العنبي لترتب حرمة العصير الزبيبي و نجاسته‏

بعد الغليان فهو لا إشكال فيه لأن الآثار العقلية و الشرعية إذا كان المستصحب نفسه‏

الحكم مترتبة و اما في الموضوعات فحيث ان استصحاب الموضوع يكون من جهة

ترتب الحكم عليه و ما هو من اللوازم العقلية لا يكون من الأحكام الشرعية فلا يترتب‏

عليه فعدم جريان الأصل المثبت فيه على القاعدة.


128
أقول انا إذا لاحظنا حال الزبيب قبل الغليان فلا مزاحمة بين الحرمة التعليقية

و الحلية التنجيزية و اما بعد الغليان فكما يكون احتمال الحرمة الفعلية التنجيزية

كذلك يكون احتمال الحلية التنجيزية في رتبة واحدة1فكيف يقدم استصحاب‏

الحرمة التعليقية على استصحاب الحلية و لا إناطة بين عدم أحدهما و وجود الآخر

لأن عدم أحد الضدين لا يثبت وجود الضد الاخر و وجود أحدهما لا يثبت عدم الاخر

فلا طولية لا عقلية و لا شرعية فاستصحاب الحرمة لا يجري لمعارضته باستصحاب الحلية

و لا يمكن إثبات الإطلاق الا بعد طرد الشك عن الطرف الاخر و هو لا يثبت لجريان‏

استصحابه أيضا.

فكلام الأستاذ قده ان كان المراد منه هو جريان استصحاب الحرمة لأنه‏

حكم و لذا يترتب عليه الأثر العقلي ففيه ان استصحابه الحلية أيضا من استصحاب‏

الحكم فيجري و يتعارض و ان كان المراد انه يلزم من عدم الجريان لغوية الاستصحاب‏

التعليقي لأنه لا زال يكون مبتلى بالمعارض كما ان قاعدة التجاوز و الفراغ حيث‏

تكون معارضة باستصحاب عدم الإتيان لا يعتنى بالاستصحاب في موردها للزوم لغوية

جعل القاعدة.

ففيه ان ساير الموارد للاستصحاب يكفى موردا لدليل لا تنقض و لم يكن لنا

دليل لخصوص جريان الاستصحاب التعليقي ليلزم اللغوية و ان كان المراد هو ان‏

اللازم من جريان استصحاب الحكم هو ان يطرد ضده فيطرد استصحاب الحرمة

1أقول هذا لا يكون ردا للسببية ببيانه قده فان الشك في الزبيب يكون منشأه‏

الشك في الإطلاق و لا عكس و هذا بخلاف ما إذا ورد دليل خاص في الزبيب أيضا و كان‏

مجملا فان الشك في الخاصّ يوجب الشك في العام و المقام ليس كذلك و الاستصحاب يفيد

فائدة الإطلاق فاستصحاب الحرمة جار و لا يجري استصحاب الحلية لعدم الأثر كما سيجي‏ء منه‏

مد ظله في مختاره.


129
استصحاب الحلية فنقول استصحاب الحلية أيضا كذلك فتحصل انه لا وجه لكلامه‏

قده و لذا عدل عن الفرق بين استصحاب الحكم و الموضوع في الدورة الأخيرة من‏

بحثه في جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الآثار العقلية في الأول دون الثاني.

ثم ان المحقق الخراسانيّ(قده)له بيان في الكفاية و في حاشيتها على ان‏

المعارضة بين الاستصحابين منتفية لأن الشك واحد و لا يكون متعددا حتى يجي‏ء

فيه البحث عن السبب و المسبب و يجي‏ء الإشكال من ناحية عدم كون الترتب شرعيا

و معنى وحدة الشك هو ان دليل حلية العنب قد تغير بعض بصورة الغليان فانه إذا

غلى يحرم و ينجس و من المفروض ان العنب قد تغير بعض حالاته و صار زبيبا فكما

ان الحرمة و النجاسة مقيدة بالغليان كذلك لازم هذا القيد هو ان الحلية أيضا مغياة

بعدم الغليان و كذلك الطهارة فإذا شك في بقاء الحكم الّذي كان على العنب و استصحب‏

يكون غاية الحلية و الطهارة حاصلة و لا يضر وجودهما قبل الغليان مع هذا الأصل‏

بالقطع و اليقين فضلا عن صورة استصحابهما فان الحلية و الطهارة كانتا إلى ما قبل‏

الغليان و النجاسة و الحرمة تكونان بعد الغليان و لا منافاة بينهما أصلا هذا كلامه‏

رفع مقامه.

و لكن يرد عليه هو ان التقييد في عكس القضية و هو القول بان الحلية

و الطهارة مقيدة بعدم الغليان إذا كان من انتزاع العقل لا يفيد بالنسبة إلى جريان‏

الاستصحاب لأنه لا يكون الحلية اللوية يعنى المعلقة(ح)الا مخلوق العقل‏

و لا يكون من الآثار الشرعية و ليتمه قال ان القيد في العكس أيضا يكون من‏

اللوازم الشرعية لحكومة دليل الحرمة و النجاسة بالغليان على دليل الحلية

و استصحاب الحرمة و النجاسة على فرض الغليان إذا جرى حيث يكون من‏

استصحاب الحكم الشرعي يثبت لازمه العقلي شرعا فلا إشكال من حيث كونه‏

مثبتا و هذا يكون بتقريبين.


130
الأول ان يقال‏1ان الإناطة بين الغليان و حرمة العنب و نجاسته كان قبل‏

تغيير حالته و صيرورته زبيبا فتستصحب الإناطة و لازمه حصول الحرمة و النجاسة

بعد الغليان للزبيب.

و التقريب الثاني ان يقال العنب بعد الغليان كان حراما و نجسا فإذا شك‏

في الحرمة و النجاسة يستصحب نفسها و الحاصل اما ان يجري الأصل في منشئهما

و هو الإناطة أو في نفسهما و اما استصحاب الحلية قبل الغليان فلا أثر له بعد حصول غايته‏

به و كلما دار الأمر بين التخصيص و التخصيص فالثاني أولى و الحكومة تكون من التخصص.

1أقول انه مد ظله في استصحاب الإناطة أعني الملازمة يكون موافقا للشيخ(قده)

مع إنكار السببية و المسببية و في استصحاب الحكم يكون موافقا لشيخه النائيني قده لكن‏

مع إنكار السببية و المسببية أيضا بخلاف قده و اشكاله عليه بعد فرض كون الاستصحاب في‏

الحكم بان الشك في الحلية و الحرمة في رتبة واحدة و هذا الإشكال على الشيخ قده بان‏

بان الأثر غير شرعي فجوابه ما التزام به هنا في جواب المحقق الخراسانيّ قده من انه لا أثر

لاستصحاب المحكوم بعد تقديم الحاكم و اما اشكاله على المحقق الخراسانيّ قده من ان‏

الترتب يعنى إثبات كون الحلية مغياة بالغليان من انتزاع حكم العقل بعد عدم تصريحه‏

بذلك يعنى قيد العقلية غير وارد سيما مع طرده الإشكال في حاشيته على الكفاية في ذيل‏

قوله فلا تغفل حتى تقول ان الترتب ليس شرعيا و هو مد ظله يقول بترتيب أثر المثبت من‏

باب ان الاستصحاب استصحاب الحكم و هذا هو مراده قده أيضا فلو لم يكن عليه إشكال من جهة كون‏

دليل الغليان مبينا للغاية و كون الشك واحدا لا متعددا يكون كلامه مد ظله قريب معه.

فتحصل ان الاعلام الثلاثة و الأستاذ مد ظله كلهم قريب الكلام و التفاوت يكون قليلا

كما عبر بعد إلقاء ما ذكرنا عليه بان التفاوت بشهرة و نقول يكون التفاوت في البيان ثم‏

تصوير السببية و المسببية بما مر منه مد ظله بيانه عن النائيني(قده)لا يرد عليه ما مر منه‏

مد ظله عليه لما مر و اما الشيخ قده فيكون تعبيره هو الحكومة.


131
فتحصل أنه لا إشكال في جريان الاستصحاب التعليقي من حيث الكبرى و اما

في الصغريات فيمكن ان يشكل الفقيه مثل المثال فانه من الممكن ان يدعى الفقيه‏

ان الموضوع قد تغير بواسطة تغيير حالته فان الزبيب لا يكون هو العنب بل مباين معه‏

و الحكم على العنب لا ينوط بالزبيب.

ثم ان التفصيل في المقام بين كون القيد قيد الحكم فيجري فيه الاستصحاب‏

التعليقي و بين كونه قيد الموضوع فلا يجري كما عن السيد محمد كاظم اليزدي في‏

حاشيته على المكاسب في منجزات المريض لا وجه له لأن حاصل ما مر هو أنه كلما

كان امره بيد الشرع يمكن جريان الاستصحاب فيه فإذا قيل العنب إذا غلى حكمه‏

كذا يكون مثل ان يقال العنب المغلي حكمه كذا فان قيد الموضوع أيضا يكون‏

امر وضعه و رفعه بيد الشرع فيمكن التعبد فيه.

فالمختار من بين الأقوال الثلاثة هو الجريان مطلقا و لا وجه لعدم الجريان‏

مطلقا و لا للتفصيل بين قيد الحكم و قيد الموضوع.

التنبيه السابع‏

في استصحاب الأحكام في الشرائع السابقة

و البحث في ذلك في ضمن أمور الأول ان النسخ اما ان يكون من احتمال‏

انتهاء أمد المصلحة للحكم في هذه الشريعة كمن يزعم بخياله الفاسدان الذبح في‏

عيد الأضحى بمكة و إفساد اللحوم في زماننا هذا لا يناسب جعل هذا الحكم مع‏

احتياج الناس إليه و وجود الفقراء في البلاد النائية و هذا لا كلام فيه في المقام و اما

ان يكون احتمال النسخ من جهة تبديل شريعة بشريعة أخرى مثل تبديل شريعة

عيسى و موسى على نبينا و آله و عليهما السلام بشريعة الإسلام من باب عدم العلم بأن‏

المنسوخ هل هو بعض الأحكام أو كله غير ما ثبت عدم نسخه و هذا يكون البحث‏

فيه هنا.


132
الأمر الثاني ان النسخ على قسمين قسم نشأ من جهة ندامة الجاعل للحكم‏

و بروز المفسدة من جعله من جهة جهل المقنن بعواقب الأمور كما في القوانين‏

الموضوعة عند البشر و قسم يكون من جهة كون المصلحة في إبراز العموم ثم بعد

مضي زمان تكون المصلحة في بيان انتهاء أمده و هذا القسم هو الّذي يتصور في‏

الشرائع و اما القسم الأول فهو محال لأنه يلزم منه جهل الباري تعالى بعاقبة الأمور

تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

الأمر الثالث ان الدليل الدال علي الحكم اما ان يكون له عموم افرادي‏

و أزماني و اما ان يكون له العموم الأفرادي فقط و اما ان يكون من حيث العموم في الافراد و الأزمان مهملا.

الأمر الرابع في ان الأحكام اما ان يكون على نحو القضايا الحقيقية أو الخارجية

و المراد بالقضية الحقيقية هو أن يكون الحكم على الافراد على تقدير الوجود

و فرضه و بالخارجية هو ما يكون الحكم على الافراد الموجودة في الخارج مثل‏

أكرم من في الصحن و لا يكون المائز ما ذكره شيخنا النائيني(قده)من ان المراد بالقضية الحقيقة هو ان يكون الحكم على الافراد الأعم من الموجود و المعدوم‏

و المراد بالخارجية هو ان يكون على خصوص الموجود فان هذا خلاف الاصطلاح‏

و يكون الحقيقية عنده خارجية في الواقع للحاظ الافراد موجودة أيضا على فرضه‏

إذا عرفت ما ذكرناه من الأمور فقد أشكل في جريان الاستصحاب بالنسبة إلى‏

الحكم الثابت في الشرائع السابقة بإشكالين.

الأول ان الموضوع في الاستصحاب لا يكون واحدا هنا لأن المدرك لشريعة

إذا كان مخاطبا بخطاب هذه الشريعة ثم صار مدر كالشريعة أخرى و صار تحت لوائها

لا يكون واحدا في نظر العرف فان اليهودي غير المسلم و هكذا الموجود في زمن‏

الخطاب لا يكون كالمعدوم فمن لم يدرك الشريعة السابقة لا يكون موضوعا لحكمها

و قد أجيب عن هذا الإشكال بان الأحكام يكون على نحو القضايا الحقيقية


133
لا على نحو القضايا الخارجية فيكون المخاطب الإنسان بما هو إنسان من غير دخل‏

خصوصية الافراد و من غير قيد الوجود و العدم.

أقول ان كان لسان الدليل ظاهرا في العموم بحسب الافراد و الزمان‏1

لا وجه لاحتمال النسخ أصلا لأن لسان الدليل متكفل لبيان شمول الحكم لجميع‏

الزمان و لجميع الافراد و لا نحتاج إلى الاستصحاب مثل ما إذا فرض ان الحج يكون‏

واجبا على المستطيع في كل زمان فان أصالة الجهة في الصدور يحكم بالبقاء و معناها

هو انه إذا احتملنا أن تكون المصلحة في الإبراز فقط من دون دخل للواقع‏

فاحتملنا النسخ لا يكون هذا الاحتمال موافقا لظاهر الدليل من ان الإرادة الاستعمالية

موافقة للإرادة الجدية كما هو أب العرف في تلقى الخطاب و اما ان كان الدليل مهملا

من حيث الافراد و الأزمان فلا مجال لجريان الاستصحاب أيضا لعدم ثبوت الحكم من‏

الأول على آحاد المكلفين و اما ان كان الدليل مهملا من جهة الأزمان فالاستصحاب‏

يكون من الاستصحاب التعليقي و بيانه انى لو كنت في الشريعة السابقة لكنت محكوما

بحكمها و الآن يكون الشك في ثبوت هذا الحكم التقديري فان الشخص الواحد

يلاحظ بالنسبة إلى الوجودين الوجود السابق و الوجود اللاحق كما ان العنب‏

كان له حالة بالنسبة إلى نفسه و حالة بالنسبة إلى صيرورته زبيبا فمن قال بجريانه‏

1أقول ان الّذي يسهل الخطب عدم وجود كتاب صحيح من الشرائع السابقة بأيدينا

لنا حظ الإطلاق و العموم و الإهمال و لو فرض وجود حكم بنحو الإطلاق لتابعي تلك الشريعة

يشكل استفادة الإطلاق حتى بالنسبة إلى من هو خارج فان الإطلاق و العموم ظهورات عرفية

من اللفظ و يتوقف العقلاء فيه بعد تحول شريعة إلى شريعة و صيرورة النصراني مسلما.

ثم ما وجدنا موردا نحتاج إلى إثبات حكم في هذه الشريعة من شريعة عيسى أو موسى عليه السلام‏

بل لنا أحكام أولية و ثانوية بحيث كان لنا غنى عن غيرنا بعد كون الدين عند اللَّه الإسلام‏

و قد شرفنا به.


134
مطلقا فيقول في المقام و من منعه كشيخنا النائيني(قده)يمنع هنا أيضا فالكلام‏

الكلام و من قال بتغيير الموضوع في الصغرى يمكن ان يقول هنا أيضا لأن مدرك هذه‏

الشريعة غير مدرك تلك الشريعة و على هذا لا فرق بين كون الأحكام على نحو القضايا

الخارجية أو الحقيقية لأنه على فرض كونها على نحو الحقيقية أيضا يكون الموضوع‏

غير منحفظ و فرض وجود موضوع في الخارج مغاير لهذا الموضوع في الشريعة التي‏

هي بعد تلك الشريعة لا يوجب إسراء الحكم إليه من باب فرض الحقيقة فان الحكم‏

لا زال يكون على موضوع منحفظ.

فتحصل انه لا وجه لاحتمال النسخ على فرض إطلاق دليل الحكم من حيث‏

الافراد و الأزمان حتى نحتاج إلى الاستصحاب و على فرض الإهمال من جهة الافراد

و الأزمان لا مجرى له من باب إهمال الدليل في نفسه و على فرض الإهمال من جهة

الزمان يكون الاستصحاب تعليقيا.

الإشكال الثاني في استصحاب الشريعة السابقة هو وجود العلم الإجمالي بارتفاع‏

بعض الأحكام قطعا فلا يمكن الاستصحاب بالنسبة إلى ما شك فيه العلم بانتقاض الحالة

السابقة إجمالا و هذا الإشكال على مسلكنا من عدم الوجه لاحتمال النسخ الا في بعض‏

الموارد قليل الفائدة1.

و جوابه ان العلم الإجمالي قد انحل بواسطة وجدان كثير مما علم ارتفاعه‏

1أقول هذا التقريب لا يفيد للإشكال على الاستصحاب لأن المراد من قوله عليه السلام‏

لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر و ان كان اليقين فيه مطلقا شاملا لليقين الإجمالي أيضا و لكن لا أثر له عملا فانا إذا علمنا بنجاسة الكأسين ثم علمنا بطهارة أحدهما إجمالا

يكون الاجتناب عن كليهما لازما كما كان قبل و المقام أيضا كذلك فانا بعد فرض ثبوت أحكام‏

و نسخ بعضها غير المعين لا إشكال في ان الواجب متابعة الجميع نعم على فرض احتمال‏

تبديل الواجب بالحرام أو بالعكس يصير هذا إشكالا آخر في خصوص الأحكام و لا ربط له‏

بحصول الغاية لليقين.


135
بحيث ينحل العلم الإجمالي بعلم تفصيلي بارتفاع جملة و الشك البدوي في ارتفاع‏

جملة أخرى فهذا الإشكال غير وارد على القائل بالاستصحاب لو لم يكن الإشكال‏

الأول واردا.

التنبيه الثامن‏

في عدم حجية الاستصحاب بالنسبة إلى الأثر العقلي و العادي و بيان الأصل المثبت‏

المعروف بين المتأخرين.

فانه لا شبهة عندهم في حجية مثبت الأمارات يعنى ترتيب الآثار العقلية

و العادية على الواقع التعبدي الّذي يكون مؤدى الأمارة دون الأصول فمثل استصحاب‏

الحياة لزيد لا يثبت طول لحيته و لذلك طرق من البيان.

الأول ما عن شيخنا النائيني قده في تقريرات بحثه ببيان مفصل و نحن نبين‏

حاصلة و هو أن الأمارات تكون حجة من باب تتميم الكشف يعنى قول العادل يكون‏

موجبا للظن الّذي هو نصف العلم بالواقع فإذا أمضى الشارع يكون معناه إلقاء

احتمال الخلاف و جعل الظن كالعلم فيكون المظنون كالمعلوم و من الواضح أن‏

ما وجد واقعا يكون له تمام الآثار من العقلية و الشرعية مثل من وجد زيدا في حال‏

الحياة واقعا فانه يجد طول لحيته و يعلم وجوب نفقة زوجته فكذلك ما هو

مثله فيكون حجية مثبت الأمارة مقتضى طبعها بخلاف الأصل فانه وظيفة

قررت للشاك.

و بعبارة أخرى العلم الوجداني يكون له ثلاث آثار الأول كونه نورا في نفسه و من الأمور التكوينية و من الصفات الحاصلة للنفس.الثاني كونه مما يمكن‏

الاحتجاج به بملاحظة إراءة الواقع و وسطيته في الإثبات و الثالث الجري العملي على‏

طبقه و من المعلوم أن الأول تكوين و لا تناله يد الجعل و ما تناله يد الجعل هو الوسطية في الإثبات و المجعول هو ذلك في الأمارات لأنها محرزة للواقع و يكون‏


136
إمضاء الشرع لها بهذا اللحاظ و اما المجعول في الأصول فهو الثالث فقط يعنى جعل‏

الجري العملي على طبقه و لو لم يكن له إحراز أو كان له إحراز و لم يكن مورد إمضاء

الشارع كالاستصحاب و على هذا فيكون اللازم العقلي و لازم اللازم و هكذا مترتبا عليها

بخلاف الأصول فلا تحتاج إلى دليل آخر لإثبات الآثار بخلاف الأصل فانه يثبت‏

نفس المؤدى لا غير هذا كلامه رفع مقامه.

و الجواب عنه ان الحق في باب حجية الأمارات و ان كان تتميم الكشف‏

و لكن لا يكون معنى جعل الوسطية في الإثبات هو الوسطية تكوينا بحيث يكون‏

المؤدى هو المعلوم واقعا بل يكون تنزيلا من الشرع فلا بد من ترتب الآثار المتمشية

من الشرع لا كل الآثار ففي المثل إذا قلنا زيد أسد يكون التشبيه في الشجاعة

و لا يكون معناه وجود الذنب لزيد كما كان للأسد و ماله واقع تكويني لا يمكن ان‏

يكون الاعتبار مقام الواقع لوازمه فان العلم له واقعية و لغيره المنزل منزلته‏

أثر الواقع بمقدار التنزيل و اما الملكية فحيث لا يكون واقعها الا الاعتبار فاعتبارها

يكون له تمام آثار الواقع و من المعلوم ان العلم لا يكون مثل الملكية و الحاصل‏

حد آثار الاستصحاب أو المستصحب يكون بيد الشرع و حد أثر الأمارة أيضا يكون‏

بيده فان قلنا بالتنزيل في جميعها ففيها نقول و ان لم نقل فكذلك لو كان الفارق‏

ما ذكره(قده).

و ثانيا ان معني قول الإمام عليه السّلام العمري ثقة خذ معالم دينك منه ان كان‏

هو استعداد العادل لتصديق قوله لأنه عادل فكذلك يكون معنى لا تنقض‏

اليقين بالشك هو أن اليقين حيث يكون له دوام يكون له استعداد عدم النقض بل‏

الظهور في ذلك أقوى من ظهور ما دل على تصديق العادل فلا فرق بينهما من‏

هذه الجهة.


137
و ثالثا ان دليل الأمارة من أين يستفاد منه التنزيل منزلة العلم و لا يكون‏

المستفاد منه أيضا هو الجري العملي فما ذكره قده لا يتم بوجه.

الطريق الثاني هو ما عن المحقق الخراسانيّ(قده)و حاصله هو أن اللفظ له‏

دلالة بالمطابقة و دلالة بالالتزام فكما ان الدلالة المطابقية حجة كذلك الدلالة

الالتزامية و حجية كل واحد منهما في عرض الاخر فعلى هذا إذا قامت أمارة على‏

موضوع من الموضوعات يكون المدلول الالتزامي المستفاد من حكم العقل أيضا

حجة بخلاف الأصول.

و قد أشكل عليه بان دلالة اللفظ على المعنى يكون من باب كاشفيته عن‏

الإرادة الجدية للمتكلم فان كان المتكلم ملتفتا إلى لوازم كلامه نأخذ به و الا فلا

و هذا حال الدلالة الفعلية و اما الشأنية بمعنى انه لو التفت لأراد فلا يكون اللفظ

بالنسبة إليها حجة فلا يؤخذ بالالتزام مطلقا بل يؤخذ بمقدار كان المتكلم في مقام بيانه.

و قد أجيب عنه بأن اللفظ إذا كان له الشمول في ذاته و قد صدر الخطاب‏

يكون حجة و لو لم يكن المتكلم ملتفتا و لكن عدم حجية اللفظ بالنسبة إلى جميع‏

المداليل يكون من باب قصور دليل اعتبار حجية الأمارة كما ان قاعدة الفراغ على‏

القول بأماريتها تكون كذلك يعنى لا يكون جميع المداليل الالتزامية حجة في‏

مورد جريانها فان جريانها بالنسبة إلى الصلاة مع الشك في الطهارة لا يثبت الطهارة

بحيث لا يحتاج المصلى في صلاة أخرى إلى تحصيل الطهارة و الحاصل ظاهر اللفظ

الشمول و القصور من جهة قصور دليل اعتبار الأمارة.

و فيه ان كان المراد بالدلالة الدلالة التصورية فهو و ان كانت موجودة و ان‏

صدر اللفظ عن النائم و الساهي و لكن ليس الكلام فيه و ان كان المراد الدلالة التصديقية

فهي محتاجة إلى الالتفات الفعلي.

و اما ذكره من قصور الدليل مثل قاعدة الفراغ فهو خارج عن محل الكلام‏


138
بل الكلام فيما لا يكون القصور محرزا و نريد ان نثبت اللازم بظاهر الخطاب.

فالتحقيق في المقام ان يقال بان الأحكام التي وصلت إلينا عن النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم‏

أو أحد الأئمة عليهم السّلام حيث نعلم إحاطة المخبر فعلا بجميع شئون كلامه و ليس مثل بقية

البشر غير ملتفت إلى لازم كلامه تكون حجة في جميع المداليل لإحراز الالتفات‏

و اما الموضوعات فعدم التفات الشاهد بالنسبة إلى لوازم كلامه يوجب عدم حجية

اللفظ بالنسبة إليه الا في صورة الإقرار على النّفس فان لوازمه حجة عند العقلاء

و لو لم يلتفت المقر.

و من هنا ظهر ما في كلام شيخنا العراقي(قده)من عدم الاحتياج إلى الالتفات‏

في المداليل الالتزامية و كنا نورد عليه بان هذا يكون في الدلالات التصورية

لا التصديقية فكان يجيب بأن الالتفات الإجمالي حاصل و الوجدان حاكم بعدم حصوله‏

كذلك أيضا فان جميع المداليل لا يكون الالتفات إليه.

و الطريق الثالث عن بعض الاعلام و هو ان الفرق بين الأصل و الأمارة بان‏

الثانية حجة من باب الظن و حجية الظن بالشي‏ء يوجب حجية الظن بلوازمه‏

و لو لم يكن الالتفات إليه بخلاف الأول فان حجيته ليست من باب الظن بل هو

وظيفة قررت للشاك.

و الجواب عنه هو ان اللفظ هو الكاشف و الحاكي عن المدلول فإذا كان قاصرا

عن إثبات اللوازم مع عدم إحراز الالتفات فكيف يمكن الالتزام بذلك بصرف كون‏

الحجية من باب الظن فالحق هو طريق المحقق الخراسانيّ(قده)في وجه الفرق‏

مع التفصيل منا بأن ما صدر عن المعصوم عليه السّلام يكون الالتفات إلى جميع مداليله‏

حاصلا و في الموضوعات يؤخذ بما التفت إليه البينة من اللوازم هذا كله وجه حجية

مثبتات الأمارات.

و اما وجه عدم حجية مثبتات الأصول فعلى مبنى شيخنا النائيني قده من‏

تتميم الكشف في باب الأمارات فيكون من جهة ان دليل الأصل لا يفيد الا حجية


139
مؤداه و لا يكون له جهة كشف و لا دليل على حجية الزائد من المؤدى من اللوازم‏

العقلية و العادية.

و الجواب عنه كما مر هو ان الأصول الغير المحرزة و ان كان كما ذكره قده‏

و لكن المحرزة مثل الاستصحاب و قاعدة الفراغ و التجاوز و أصالة الصحة فتكون‏

مثل الأمارة فان حجيتها من باب الظن و لا قصور في قوله عليه السّلام فلا تنقض اليقين‏

بالشك بل انقضه بيقين آخر لا ثبات حجية الظن كما في الأمارات.

و اما طريق القائل بأن حجية الأمارات تكون من باب الظن و لازمه‏

حجة دون الأصول ففيه ما مر آنفا في رد مائز شيخنا النائيني قده من حجية الأصول‏

المثبتة أيضا من باب الظن مع عدم تماميته في نفسه كما مر.

و اما طريق المحقق الخراسانيّ قده من التمسك بالدلالة الالتزامية كالمطابقية

ففيه ان الأصول المحرزة تكون مثل الأمارات في ذلك فان المدلول الالتزامي في‏

دليل الاستصحاب أيضا حجة لأنه أيضا حجة من باب الظن الكاشف عن الواقع‏

فلا محيص للقول بعدم جريان مثبتات الأصول المحرزة الا التمسك بانصراف الدليل‏

عن اللوازم لو ثبت ذلك فان القدماء كانوا قائلين بحجية الأصول المثبتة أيضا و ما

اشتره من عدم الحجية يكون من المتأخرين.

و الحاصل ان الدليل الدال على حجية الأصول اما ان يكون التنزيل فيه بيد

الشرع كما يقال الطواف في البيت كالصلاة و اما ان يكون التنزيل فيه بيد المكلف‏

فان كان التنزيل فيه بيد الشرع فربما يقال بأن التنزيل لا بد ان يكون بالنسبة

إلى الآثار المتمشية من قبله مثل ما يقال بأن شرط الطواف الطهارة كما ان شرط

الصلاة الطهارة و هذا هو الأثر الشرعي المتمشى من الشرع في هذا التنزيل و فيه‏

ان الشارع لا يكون عاجزا عن ترتيب جميع الآثار فيؤخذ بعموم التنزيل و الشاهد

على ما ذكر هو قولهم بان الآثار الشرعية المترتبة على الآثار الشرعية بلا واسطة

مترتبة فلو كان التنزيل في أثر واحد كيف يمكن ان يقال بترتيب جميع الآثار


140
فلا يتم هذا الوجه.

و قد استدل لعدم حجية المثبت بأن روح دليل الحجية هو جعل الحكم‏

و الأثر العقلي لا يكون من الحكم ليمكن ادعاء الجعل فيه فإذا نهى الشارع عن نقض‏

اليقين بالشك يكون معناه وجوب النفقة على زيد باستصحاب حياته،

و الجواب عنه هو أن الحكم المجعول لا يختص بموضوع واحد فقط بل يشمل‏

كل حكم على كل موضوع في طول هذا الموضوع كشمول وجوب تصديق العادل‏

في الاخبار مع الواسطة للموضوع الّذي حصل من تطبيق أحد افراد وجوب التصديق‏

و في المقام يكون وجوب البقاء على اليقين موجبا لموضوع آخر ذي أثر.

و قد أجاب المحقق الهمدانيّ قده بان تخيل جعل الحكم مما لا وجه له لأنه‏

ربما يكون الاستصحاب و لا يكون الجعل ممكن لخروج الموضوع عن الابتلاء مثل‏

ما إذا كان استصحاب الحياة للولد في صورة نذر الصوم على فرض بقائها موجبا

لوجوب صوم يوم الخميس في يوم الجمعة لترتيب اثره في يوم الجمعة مثل وجوب‏

الصدقة على من نذر أن يتصدق لو كان عليه وجوب الصوم في يوم الخميس فزمان‏

الاستصحاب و هو يوم الجمعة حيث خرج الخميس عن الابتلاء و غفل من صومه‏

لا يكون الحكم المجعول بالنسبة إليه مع جريانه لترتيب الأثر الّذي هو وجوب‏

التصدق فلا يكون الحكم المجعول هو مفاد الاستصحاب.

و فيه ان زمان ترتيب الأثر هو يوم الجمعة و يكون هذا بحكم الاستصحاب‏

بقاء فالاستصحاب الحياة في يوم الجمعة يكون له الأثر و هو وجوب الصوم في‏

الخميس بلحاظ الأثر الشرعي و هو وجوب الصدقة فيكون الاستصحاب موجبا للحكم‏

في جميع الموارد.

و اما إذا كان التنزيل في دليل الاستصحاب بيد العرف كما هو رأى شيخنا

العراقي قده فحيث لا يكون معنى تنزيل العرف الا الجري العملي فلا بد أن يقال‏

بأن تنزيل المشكوك منزلة المتيقن معناه ترتيب كل أثر يكون على الواقع من الآثار


141
العقلية و العادية و الشرعية فان معنى تنزيل المكلف هو البناء على وجود الواقع عملا

فهو كما يترتب جميع الآثار و لو كان عقليا في صورة وجود الواقع واقعا كذلك عند

الاستصحاب الا ان يدعى الانصراف في دليله إلى اللوازم الشرعية يعنى ان التنزيل‏

و ان كان بيده و لكن يكون بالنسبة إلى ما هو المتمشى من قبل الشرع و غيره يكون‏

خارجا عن دائرة الشرعية و هذا الانصراف غير الانصراف إلى الآثار بلا واسطة اللازم‏

العقلي أو العادي الّذي يدعى على فرض كون التنزيل بيد الشرع.

ثم انه لا فرق بين المباني في الاستصحاب من كونه تنزيل المشكوك منزلة

المتيقن أو تنزيل الشك منزلة اليقين أو جعل المماثل الّذي هو رأى المحقق الخراسانيّ‏

(قده)بعد فرض كون التنزيل بيد الشرع في كون اللوازم مطلقا حجة و في القول‏

بعدم الحجية بالنسبة إلى اللوازم العقلية و العادية بالانصراف الا ان القول بجعل‏

المماثل أظهر في كون الحجة هي الأثر على نفس المستصحب و جعل الحكم المماثل‏

للواقع بالنسبة إليه فقط بطبع الدليل و عدم الاحتياج إلى الانصراف لعدم كون‏

التنزيل في غيره فليس عليه الحكم.

فتحصل ان الطريق في عدم حجية مثبتات الأصول هو ادعاء الانصراف عنها

و لو لم يتم لا يكون لنا طريق لمخالفة القدماء في قوله بحجية مثبتات الأصول كالأمارات‏

و بعبارة أخرى لو كان السند الانصراف فلقائل أن يقول به في الأمارات أيضا لأن‏

التنزيل فيها أيضا يكون بلحاظ الأثر الشرعي فان كان دليل الأمارة شاملا للمثبت‏

يكون دليل الأصل أيضا كذلك مضافا بأنه لو لم يكن الإطلاق للدليل كيف يترتب‏

الآثار الشرعية التي هي مع الواسطة فالإنصاف ان الحق طريق المحقق الخراسانيّ(قده)

في المقام بقوله ان الأمارة لها حكايات بالنسبة إلى المداليل الالتزامية في عرض‏

المدلول المطابقي فلو فرض المداليل الالتزامية مائة يكون للفظ مائة حكاية و اما

الأصول فلا يكون لها دلالة بالنسبة إلى المدلول الالتزامي أصلا فضلا عن‏


142
الحكايات‏1.

ثم انه ربما قيل بأن الفرق بينهما هو صدق النقض و عدمه في الاستصحاب‏

و لا يكون هذا في الأمارات فنقض اليقين بالشك في المداليل المطابقية يعنى ما هو

مؤدى الأصل و مجراه صادق و لكن في المداليل الالتزامية غير صادق.

و فيه ان حجية الأمارات أيضا تكون من باب التنزيل و فرض الظن منزلة

العلم فكيف يلاحظ التنزيل في أحدهما كذلك بل انهما مثلان في هذا الحكم.

ثم انه على فرض جريان استصحاب المثبت قيل بأنه معارض باستصحاب عدم‏

الأثر العقلي أو العادي فاستصحاب حياة زيد لإثبات طول لحيته يكون معارضا

باستصحاب عدم اللحية و هو العدم الأزلي أو العدم حين صباوة زيد و قد أجاب الشيخ‏

الأعظم الأنصاري(قده)عن المعارضة بأن الأصل السببي حاكم على الأصل المسببي‏

و هنا يكون الشك في وجود اللحية مسببا عن الشك في الحياة فنحن إذا أجرينا

الأصل بالنسبة إليها و قلنا بثبوت الأثر العادي كما في المقام لا يبقى شك في وجود

اللحية لنحتاج إلى استصحابه و قلنا بالمعارضة و انما الكلام في أصل ثبوت هذا الأثر

العقلي أو العادي.

1أقول هذا ادعاء محضا بعد كون دليل الأصل هو الأمارة و ينحل إلى كل مورد من‏

الموارد فان كان موارد الاستصحاب يكون مصداقا لقوله عليه السلام لا تنقض اليقين بالشك و اما

ادعاء الانصراف فلا يكون بإطلاقه تماما بالنسبة إلى الأمارات و الأصول فرب دلالة التزامية

للأمارة يمكن ادعاء الانصراف عنها و رب دلالة التزامية للأصل لا يكون الانصراف بالنسبة

إليها لخفاء الواسطة و ما ترى في الفقه من ادعاء انصراف أمارة عن شي‏ء يكون شاهدا على‏

ما ذكرناه فلو كان لنا شي‏ء قابل للتمسك إليه فيه الفرق بين الأصول و الأمارات يكون‏

هو الانصراف و هو أيضا لا يتم لما ذكرناه.


143
و ينبغي التنبيه في الأصل المثبت على أمور

الأول‏
ان البحث في المثبت المعروف يكون في صورة وجود أثر شرعي للأثر

العقلي أو العادي لنفس المستصحب و اما إذا كان الأثر أثرا للأعم من الواقع و التعبد

به فلا يكون الكلام في إثباته بجريان الأصل و ترتيب ذاك الأثر فإذا كان اللازم أثر

شرعي و هو مترتب على الأعم من إحرازه في الواقع أو بالاستصحاب يكون هذا

الأثر مترتبا فإذا نذر شخص صدقة درهم على فرض وجود اللحية لزيد و لو بالاستصحاب‏

بالنسبة إلى الحياة فهذا الأثر لا إشكال في ترتبه.

و اما ما ترى في الكلمات‏1من المثال بوجوب الإطاعة الّذي هو حكم‏

1أقول البحث في المثبت المعروف هو في وجود الأثر الشرعي للأثر العقلي أو العادي‏

و لكن البحث من جهة عدم إثبات الأثر العقلي أو العادي يشمل بظاهره كل مورد فلقائل أن‏

يقول ان وجوب الإطاعة و ان كان من الآثار العقلية و لكن حيث يكون مترتبا على إثبات‏

التنجيز اما واقعا كما في غير مورد الاستصحاب و اما بالتعبد كما في صورة الشك فوجوب‏

الإطاعة خارج عن بحث المثبت لأن المستصحب نفسه الحكم و يترتب عليه اثره فلا خلط

عن القوم هنا.

و اما ما ذكره مد ظله من خروج ما ذكره من المثال فهو مما خفي علينا وجهه لأن‏

الأثر و ان كان على الأعم من الوجود الواقعي و التعبدي و لكن إذا كان المستصحب نفس اللحية

فمن أين يثبت استصحاب الحياة وجود اللحية مع انها أثر عادي فالخلط كأنه يكون في‏

هذا المثال و اما الخلط الثاني منهم فهو أيضا غير خلط لأن الأثر إذا كان أثرا للاستصحاب كما

يكون هذا في استصحاب الأحكام لا كلام فيه كما في مثال وجوب الإطاعة و اما إذا كان أثرا

للمستصحب كما في استصحاب الحياة لوجود اللحية فكيف يثبت و هذا أول الكلام.


144
العقل و هو مترتب على استصحاب بقاء الأمر فلا ربط له بالمثبت أصلا لأنه أثر عقلي‏

و لا يكون له أثر شرعي ليقال انه من المثبت أم لا فهذا أخلط في الكلمات.

و خلط آخر أيضا في كلماتهم و هو أن المثبت المعروف يكون في صورة كون‏

الأثر أثرا للمستصحب و اما ما كان أثرا للاستصحاب فهو مترتب عقليا كان أو عاديا

لأنه أثر للاستصحاب و لا ربط له بالمستصحب و وجه الخلط في ذلك هو أن المستصحب‏

تارة يكون الأثر على لازمه الواقعي و تارة يكون الأثر على اللازم الأعم من وجوده‏

الواقعي و التعبدي و الثاني خارج عن مورد النزاع و الأول داخل فيه و لو لم يكن‏

الأثر أثر الاستصحاب فالعدالة المشكوكة استصحابها بالنسبة إلى جواز الاقتداء جار لأن‏

جوازه مترتب على العدالة سواء كانت في الواقع أو في الظاهر و اما جواز الاخبار

و الشهادة بها فمترتب على واقع العدالة لا على العدالة التعبدية و لا يثبت بالاستصحاب‏

مع كون الأثر على كلا التقديرين أثرا للمستصحب لا للاستصحاب فلا يختص الخروج‏

عن محل النزاع بكون الأثر أثرا للاستصحاب فقط بل أثر المستصحب أيضا ربما

يكون خارجا عن محل النزاع.

الأمر الثاني‏

في ان القول بعدم جريان الأصل المثبت على فرض تسليمه يكون عند الشيخ قده في صورة عدم خفاء الواسطة و اما إذا كانت الواسطة خفية بحيث يحسب‏

الحكم الشرعي من أثر نفس المستصحب عند العرف فلا كلام في جريان الاستصحاب‏

و لم أجد هذا البحث الا في تقريرات شيخه العراقي(قده)و هو يكون مثاله وجوب‏

الإطاعة و لا يجي‏ء في النّظر الخلط فيه و كلما أصررنا عليه(مد ظله)بعد الدرس لم يأتنا بمقنع‏

بل مال بعض الميل إلى ما ذكرناه.


145
لترتيب ذاك الأثر بحيث لو فرض عدم ترتيب ذاك الأثر يكون من نقض اليقين بالشك‏

و هكذا يقول المحقق الخراسانيّ قده في الحاشية على الرسائل‏ (1) .

و قد أجاب عن ذلك شيخنا النائيني قده‏ (2) بأن العرف يكون مرجعا في‏

المفهوم فقط و تطبيق المفهوم على المصداق يكون بالدقة العقلية و لا اعتناء بشأن‏

العرف في ذلك ففي المقام اما ان يكون الأثر الشرعي أثر للمستصحب واقعا فهو

خارج عن محل البحث و اما ان يكون أثرا للواسطة فما كان أثرا لها لا يترتب على‏

استصحاب شي‏ء هو ذو الواسطة بعد فرض عدم حجية الأصل المثبت.

و فيه ان العرف اما ان يكون مرجعا في المصداق أيضا كما عن شيخنا

الحائري(قده)مؤسس الحوزة العلمية فلا كلام لأنه هو المرجع في صدق‏

النقض في الموارد و اما ان يكون مرجعا في المفهوم فقط كما التزم به شيخنا

النائيني(قده)فعلى هذه الفرض نقول ان العرف عند تلقى الخطاب يفهم ان‏

النقض صادق في صورة خفاء الواسطة بواسطة تناسب الحكم و الموضوع فمفهوم‏

النقض في القضية المركبة عند تلقى الخطاب صادق إذا لم يرتب أثر الواسطة

و ان كان معناه بحسب الانفراد غير هذا كما قال المحقق الخراسانيّ(قده)في‏

حاشية الرسائل.

فالمفرد له أثر و المركب له أثر اخر و يتغاير المفهوم بالنسبة إلى شي‏ء واحد

في المفرد و المركب‏1.

1أقول حيث كان ملاك جريان أصل المثبت و عدم جريانه هو انصراف الدليل و عدمه‏

كما مر نقول إذا كانت الواسطة خفية لا يكون الدليل مثل لا تنقض منصرفا عن إثبات الحكم‏

1)يعنى فوائد الأصول في ص 203 و 204 فارجع إليه.

2)في تقريرات بحثه المسماة بفوائد الأصول ص 181 و 182.

146
ثم انه مع الشك في الاستصحاب عند خفاء الواسطة فحيث تكون الشبهة

مصداقية للا تنقض لا يجري الاستصحاب و لا بد من التماس أصل آخر لرفع الشك.

ثم ان جلاء الواسطة في بعض الموارد أيضا لا يكون مانعا عن جريان الأصل‏

المثبت و هو إذا كان الأثر من الآثار اللازمة للمستصحب مثل العلة و المعلول كما في‏

المتضايفين فان استصحاب أبوة زيد لعمر و يلازم بنوة عمر و لزيد و لا ينفك أحدهما

عن الاخر لقانون التضايف فكل أثر يكون على البنوة أيضا مترتب و هذا أيضا يكون‏

يكون مثل ما مر في خفاء الواسطة من جهة صدق مفهوم النقض في أمثال ذلك إذا

لم ترتب الأثر على الواسطة فان الملازمة في الواقع يلازم الملازمة في الظاهر أيضا

في نظر العرف و لو كان الأثر لخصوص الواسطة و لم يكن أثر لذي الواسطة أيضا يجري‏

الاستصحاب لأن أمثال المورد من المتلازمين كالشي‏ء الواحد الّذي يكون له و جهان‏

و هذا أيضا عن المحقق الخراسانيّ(قده)في الحاشية على الرسائل.

الأمر الثالث‏

(و هو التنبيه الثامن من تنبيهات الاستصحاب حسب ترتيبها في الكفاية)

فيما

يتوهم كونه مثبتا مع عدم كونه كذلك و هو أمور.

الأول‏
استصحاب بقاء الاستطاعة لا ثبات وجوب الحج و بيانه ان الاستطاعة شرط

للوجوب و يكون دخل الشرط في المشروط من باب التكوين فترتب الوجوب عليها

يكون من ترتب الآثار العقلية على المستصحب و هذا معنى المثبت فكيف أجمع‏

الفقهاء على جريان استصحابه.

للازم العقلي أو العادي كما في الأمارات و ان كانت الأمارة أيضا منصرفة عن‏

بعض اللوازم و ما ذكره المحقق الخراسانيّ(قده)مؤيد لوجه عدم الانصراف في‏

بعض الموارد.


147
و الجواب عنه ان مهار الشرطية حيث كان بيد الشرع يكفى لجريان الاستصحاب‏

لأنه جعل الاستطاعة شرطا للحج و لذا يلاحظ الاستطاعة العرفية و لا تكفي العقلية

فلا يقال ان الدخل هنا تكويني و يكون جعل الشارع من باب الإرشاد إلى ما حكم به العقل‏

فانه يكفى كون الدخل في طور خاص بيد الشرع فلا إشكال.

الثاني‏
استصحاب شرط الواجب فان استصحاب الطهارة يكون من لوازمه‏

التكوينية وجود التقيد و حصوله لمثل الصلاة و الطواف و من المعلوم ان حصول‏

التقيد باستصحاب القيد يكون من الآثار العقلية.

و جوابه ان الشرط ان كان معنى دخله هو دخل التقيد فنقول حيث ان‏

الإناطة تكون بيد الشرع يكفى لكونه قابلا للتعبد بالبقاء مثل ما مر في الاستطاعة

فان قوله عليه السّلام لا صلاة الا بطهور فهم منه الإناطة و اما ان كان دخل الشرط مثل‏

دخل الجزء من دون احتياج إلى القول بالتقيد فيكون الإشكال مرتفعا من أصله‏

لعدم الواسطة العقلية بين استصحاب القيد و ترتب الأثر و هي التقيد بل نفس الشرط

المجعول من قبل الشرع يحصل التعبد به بالاستصحاب.

الثالث‏
مما يتوهم المثبتية فيه هو استصحاب الجزء فان لازم ذلك هو صحة

لحقوق ساير اجزاء المركب و هو عقلي فهو مثبت.

و فيه ان المركب اما ان يكون مركبا من جوهرين أو عرضين أو مركب‏

من جوهر و عرض و يكون الجوهر متصفا بالعرض و لا إشكال في غير الأخير فان‏

المركب إذا كان اجزائه مترتبة من دون دخل الجزء بنحو الاتصاف بل بحيال ذاته‏

فيكون بعض الاجزاء حاصلا بالوجدان و البعض الاخر بالأصل فإذا وجدنا جوهرا

بالوجدان و شك في الجواهر الاخر يستصحب وجوده و كذلك في العرضين و لا نحتاج‏

إلى شي‏ء آخر و اما إذا كان بنحو الاتصاف كما إذا كان زيد متصفا بالعلم ثم شك في وجود زيد و هو وجود جوهري أو شك في وجود العلم فلا يمكن استصحاب أحدهما


148
لحصول الاتصاف فاستصحاب ذات زيد لا يوجب حصول صفة العلم فيه و كذلك‏

استصحاب ذات العلم فانه لا يمكن ان يقال العلم موجود في زيد بعد استصحاب العلم‏

لأن الاتصاف من الآثار العقلية.

فان قلت في الجوهرين و العرضين أيضا يكون استصحاب الجزء موجبا لترتب‏

ساير الاجزاء عليه و حصول النظام و هو عقلي لأن النظام امر عقلي.

قلت هذا لكون كل حصة من الأثر لحصة من الاجزاء و لا يكون المركب الا

الاجزاء لا ان يكون كل جزء منوطا بالجزء الاخر.

الرابع‏
مما يتوهم كونه مثبتا هو استصحاب الفرد و ترتيب أثر الكلي مثل‏

استصحاب زيد لترتيب أثر الطبيعي و هو الإنسان‏1و قال في الكفاية بما حاصله‏

هو ان المحمول اما ان يكون بالصميمة و هو حمل ذاتيات الشي‏ء عليه كما يقال الإنسان‏

حيوان ناطق و اما ان يكون المحمول بالضميمة مثل قولنا زيد عالم فان وصف العلم‏

خارج عن ذاتيات زيد ففي الأول لا إشكال في استصحاب الفرد و ترتيب أثر الكلي‏

لأن الكلي في الغالب لا يكون إلا مرآتا للحصص و الحصص عين الطبيعي فإذا

كان زيد مستصحبا بعنوان انه إنسان و حصة منه يكون المستصحب في الواقع‏

هو الإنسان‏

و اما إذا كان المحمول بالضميمة فلا يكون استصحاب الفرد موجبا لا ثبات‏

الوصف فإذا جرى الاستصحاب بالنسبة إلى زيد لا يثبت انه الأبيض لأن إثبات‏

الموضوع لا يترتب عليه إثبات الوصف الا بالملازمة العقلية أو العادية فإذا كان زيد

أبيض فباستصحابه لا يثبت الا نفسه لا وصفه و هو البياض انتهى.

1أقول قد مر فيما سبق في أقسام الكلي ان في هذه الصورة و هي القسم الأول من‏

أقسام الكلي لو لم يجر استصحاب الفرد لترتيب أثر الكلي لا مانع من جريان الاستصحاب‏

في نفس الكلي فالامر فيه سهل.


149
أقول و من المعلوم ان استصحاب الفرد يترتب عليه أثر الطبيعي إذا لم تكن‏

الخصوصيات الفردية مثل كون زيد بطول كذا و عرض كذا و لون كذا تحت الخطاب‏

كما هو الغالب و الا فاستصحابه لا يفيد بالنسبة إلى الكلي و اما في صورة كون المحمول‏

بالضميمة فالتفصيل فيه ما مر من ان التقارن بين الجوهرين و العرضين لا يمنع من‏

استصحاب أحدهما مع كون أحد الجوهرين أو العرضين بالوجدان لأن المركب‏

يتحصل ح من جزء تعبدي و جزء وجداني و اما في صورة الاحتياج إلى إثبات الاتصاف‏

فجريان الأصل في أحدهما لا يثبت الاتصاف الا على القول بالأصل المثبت.

الخامس‏
مما يتوهم كون الأصل مثبتا فيه الفروع الفقهية التي تعرض لها

الشيخ قده في الرسائل‏1

فمنها ما نقله عن المحقق في الشرائع و جماعة ممن تقدم عليه و جماعة

ممن تأخر عنه و هو ما إذا اتفق الوارثان على إسلام أحدهما المعين في أول شعبان‏

و الاخر في غرة رمضان و اختلفا فادعى أحدهما موت المورث في شعبان و الاخر موته‏

في أثناء رمضان كان المال بينهما نصفين لا أصالة بقاء حياة المورث و وجه كون الأصل‏

هكذا مثبتا هو أن يكون اللازم إثبات كون الإسلام في حال موت المورث و استصحاب‏

بقاء حياة المورث يكون من لوازمه العقلية وقوع الموت في حال إسلام الوارث‏

الا ان يقال ان المقصود هو إثبات إسلام الوارث في حال حياة المورث و هو يثبت باستصحاب‏

الحياة في غرة رمضان و على هذا فيكون لنا جزء بالوجدان و جزء بالأصل اما الجزء الّذي هو

بالوجدان فهو إسلام الوارث و اما الجزء الّذي هو بالأصل فهو حياة المورث و هذا

الوجه ذكره الشيخ(قده)و لم يجزم به.

فنقول ان أحرزنا أن الموضوع هو حياة المورث و إسلام الوارث فيكون‏

1أقول في جميع هذه الفروع حيث لا يكون دليل الاستصحاب منصرفا عن الآثار

الغير الشرعية يجري الاستصحاب لما مر من أنه لا دليل على عدم جريان الأصل المثبت الا الانصراف‏

و بعده عدم خفاء الواسطة و ان كان هو وجه الانصراف أيضا.


150
من قبيل الموضوع المركب من العرضين و قد مر عدم الإشكال في ذلك و اما ان‏

كان الموضوع هو الإسلام المتصف بكونه في حال موت المورث فيشكل إثباته‏

بجريان الأصل الا ان يدعى خفاء الواسطة و على فرض الشك في كون الموضوع‏

بنحو النعت أو الاستقلال في الاجزاء فلا يجري الاستصحاب لكون المورد من الشبهة

المصداقية لدليله فالعلم الإجمالي بكون المال اما لذا أو ذاك يحكم بالتنصيف‏

للاحتياط في باب الأموال و حكومة قانون العدل و الإنصاف فيها فالفتوى بالتنصيف‏

في محله اما لجريان الأصل أو للاحتياط.

و منها استصحاب الرطوبة في أحد الشيئين لإثبات نجاسة الطاهر منهما

بالملاقاة مع جفاف أحدهما فان الموضوع للنجاسة الملاقاة و السراية لا الملاقاة

فقط و استصحاب الرطوبة يكون من لوازمه العادية السراية و من آثار السراية النجاسة

فالأصل مثبت و قال الشيخ(قده)ان هذا أشبه شي‏ء باستصحاب الكرية حين‏

الملاقاة في ماء كان كرا ثم نقص عن الكرية و لا لاقاه النجس و لا نعلم ان الملاقاة

كانت في زمان الكرية حتى نقول بصيرورة النجس طاهرا بملاقاتها أو بعدها في‏

زمان النقص حتى نقول بنجاسة الملاقى و الملاقى فان استصحاب بقاء الكرية حين‏

الملاقاة لا يثبت كون الملاقاة مع الكر الا إذا قلنا بجريان الأصل المثبت فكيف من لا يقول‏

بجريان استصحاب الكرية يقول به هنا فلعل السر خفاء الواسطة في نظرهم هنا لا هناك أو كان‏

المستصحب هو الرطوبة المسرية لا نفس الرطوبة كما قال به شيخنا العراقي(قده)

و ان كان غير تام عندنا لعدم الحالة السابقة للسراية.

و من الفروع التي توهم كونه من الأصل المثبت و لم يذكره الشيخ قده هنا

هو صورة كون اليد على مال لا نعلم انها يد عدوانية يعنى بدون رضاء المالك أو لا تكون‏

عدوانية فان استصحاب عدم الاذن إلى وضع اليد لا يثبت كون اليد عدوانية مع انه من‏

المتسالم جريان الأصل هنا فيكون دليلا على حجية المثبت عندهم.

و قد أجاب شيخنا العراقي(قده)بان موضوع الضمان ليس اليد العدوانية بل اليد

الغير الأمانية فجزء بالوجدان و هو اليد و جزء بالأصل و هو عدم الاذن فلا يكون مثبتا.


151
و ربما قيل كما تعرض له شيخنا النائيني‏ (1) بأن اللازم اما القول بالأصل المثبت‏

في الفرع أو التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية لأن عموم على اليد ما أخذت‏

حتى تؤديه قد خصص باليد الأمانية و عنوان الأمانية أيضا من العناوين التي يحتاج‏

إلى الإثبات و حيث لا طريق إلى إثباته فيكون اليد المشكوكة من الشبهة المصداقية

لعموم على اليد فالقول بالضمان يكون من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية

لعموم على اليد فالقول بالضمان يكون من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية و لكن‏

الحق عدم جواز التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية و الطريق هو ما ذكره قده من‏

ان الموضوع للضمان مركب من اليد و عدم الاذن كما قال شيخنا العراقي(قده)فلا يكون‏

المقام من الأصل المثبت و لا من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية.

و من الفروع استصحاب عدم الحاجب في صورة الشك في وصول الماء إلى‏

البشرة في الوضوء أو الغسل و قد استدل لعدم وجوب الفحص عن الحاجب بأمور فان‏

كان سنده الاستصحاب فيكون مثبتا لأن استصحاب عدم الحاجب لا يثبت وصول الماء

إلى البشرة لأنه أثر عادي له فقولهم بجريانه دليل على حجية المثبت و لو كان سنده‏

الإجماع أيضا فيستكشف من وجوده في المورد حجية المثبت‏1الا ان يقال انه‏

سندي و سنده الأصل فيكون المدار نفيا و إثباتا عليه.

و ربما يدعى ان السند يكون هو بناء العقلاء كما عن شيخنا العراقي(قده)و

الحاج آقا رضا الهمدانيّ(قده)نظير بنائهم على جريان أصالة عدم القرينة في صورة

الشك في كون اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي أو المجازي ففي المقام يكون‏

بنائهم على عدم الاعتناء باحتمال المانعية في صورة كون الغالب عدم المانع مثل من‏

كان شغله الكتابة و لا يحصل له المانع و لذا لا يكون الأصل العقلائي جاريا في صورة

كون الاحتمال مما يعنى به العقلاء مثل احتمال المانع بالنسبة إلى الجصاص الغلبة

1أقول هذا على ما احتمل بعض في المقام و الا فوجود الإجماع على مورد خاص‏

لو تم يكون بنفسه دليلا على ذلك برأسه و لا ربط له بدليل آخر مثل وجود رواية في مورد

خاص فان وجودها لا يكشف عن حجية غير موردها.

1)في فوائد الأصول تقريرات بحثه قده ص 185.

152
وجود المانع و هكذا في صورة الشك في مانعية الموجود مثل الشك في كون الخاتم‏

مانعا عن وصول الماء إلى البشرة فان أصالة عدم المانع لا تجري في هذا الفرض‏

لعدم البناء عليه.

و فيه ان أصالة عدم القرينة لا تكون سندا لاستعمال اللفظ في معناه الحقيقي‏

بل المدار على الظهور عند العقلاء سواء كانت أصالة عدم القرينة أو لم تكن فإذا قيل‏

جئني بالماء لا يفهم من الماء الا معناه الحقيقي على ما هو التحقيق في باب الظهورات‏

خلافا للقدماء فان المدار عندهم على أصالة عدم القرينة فالكلام في المقيس عليه‏

غير تام فضلا عن المقيس و لو تم لا يكون القياس تاما لأن بناء العقلاء في أصالة عدم‏

القرينة لا يثبت بنائهم في المقام نعم لو كان لهم بناء مستقل في المقام لا يكون الكلام‏

فيه و يتم المطلوب به.

و قد ادعى الشيخ في الرسائل‏1وجود السيرة في المقام و قال فيها نظر و لعل‏

وجه هو ان المتيقن منها صورة الشك في أصل وجود المانع لا مانعية الموجود لأن‏

مصدر التفتيش عندهم و هو وجود ما من شأنه ان يكون مانعا موجود مع ان السيرة مثل‏

الإجماع سندية و سندها الأصل.

فالحق ان يقال في المقام ان الواسطة خفية فان العرف لا يرى جريان أصالة

عدم المانع الا مؤثرا في الحكم بحصول الطهارة و لا يرى الواسطة و هي وصول الماء

إلى البشرة.

1أقول كلامه في آخر التنبيه السادس على حسب ترتيبه و عبارته هكذا و ربما

يتمسك في بعض موارد الأصول المثبتة بجريان السيرة أو الإجماع على اعتباره هناك مثل‏

إجراء أصالة عدم الحاجب عند الشك في وجوده على محل الغسل أو المسح لا ثبات غسل‏

البشرة و مسحها المأمور بهما في الوضوء و الغسل و فيه نظر.

(في الرسائل الحاضر عندي ص 366)


153
و قد ذكر شيخنا العراقي(قده)هنا وجها آخر لا نفهمه و هو ان المستصحب هنا

يكون هو الماء مع سريانه و جريانه الّذي قد حدث بأول جزء من الغسل لأن مباشرة

الماء لهذا الموضوع المشكوك فيه لا يكون لها حالة سابقة لتستصحب فهذا الطريق أيضا

غير تام فأحسن الطرق القول بخفاء الواسطة و بعده بناء العقلاء في خصوص المورد

على عدم الاعتناء بالشك بالتفصيل الّذي مر.

التنبيه التاسع من تنبيهات الاستصحاب‏

في ان الملاك في وجوب كون المستصحب هو الأثر الشرعي أو ذو أثر شرعي يكون‏

هو الأثر حال التطبيق يعنى تطبيق دليل الاستصحاب لا الأثر وقت حدوث المستصحب فوجود

الأثر بقاء يكفى لجريان الأصل فلو فرض شي‏ء غير مؤثر في ظرف الحدوث ثم‏

كان في ظرف البقاء ذو أثر شرعي يجري فيه الاستصحاب مثل استصحاب العدم‏

فانه في الزمان السابق لم يكن له أثر لأنه عدم و لكن في الزمان اللاحق ربما

يكون له الأثر مثل استصحاب عدم التكليف و استصحاب عدم التذكية و مطلق الاعدام‏

الأزلية و قولهم الاستصحاب إبقاء ما كان كما كان لم يرد في لسان الدليل بل مرادهم‏

عدم نقض اليقين بالشك كما هو لسان الدليل فكل مورد صدق النقض و كان له الأثر

الشرعي ينطبق الدليل.

فلا يقال ان العدم في السابق لم يكن مجعولا و لم يكن له أثر شرعي أيضا بل ربما

يكون بلحاظ حال قبل الشرع الّذي لم يكن الكلام عن الجعل فيه أصلا فكيف يكون‏

في حال تطبيق الدليل و وجود الأثر إبقاء لما كان كما كان لأنه يقال كما مر لا التزام‏

لنا بهذا التعبير بل المدار على صدق النقض و وجود الأثر للعدم و لو بلحاظ استمراره‏

كما في الاعدام الأزلية فيما لا يزال يكفى لتطبيق الدليل كما عن المحقق الخراسانيّ‏

(قده)في الكفاية.

فتحصل انه لا إشكال في استصحاب العدم الأزلي من باب عدم الأثر له في الأزل‏

و لكن بعد يبقي مورد قالوا بجريان الاستصحاب فيه مع خروجه عن الابتلاء و عدم‏


154
الموضوع لجريان الأصل كما إذا لاقى شي‏ء مع العباء النجس و لم يكن التوجه في‏

ظرف الملاقاة إلي رطوبته لعدم الأثر له في ذاك الحين ثم شك في بقاء الرطوبة للعباء

حين الملاقاة فان كانت فتنجس الملاقى له و لا يصح الصلاة معه و الا فلا مع فرض‏

خروج العباء عن الابتلاء في هذا الحين لحرقه أو غرقة و غير ذلك فحينئذ يقال بجريان‏

استصحاب بقاء الرطوبة في العباء لترتيب أثر النجاسة في هذا الحين مع ان استصحابها

يكون مثل استصحاب العرض بدون الموضوع فان الرطوبة كالعرض للعباء.

و من المعلوم أن التعبد بالعرض بدون الموضوع و ان كان مما لا إشكال فيه‏

ثبوتا و انما الإشكال في بقائه بدونه في التكوين و لكن يمكن ان يقال أن دليل‏

الاستصحاب منصرف إلى التعبد بما هو ممكن في التكوين فان زيدا يمكن ان يكون‏

في حال العدالة كما كان في السابق فإذا شك في وصف العدالة يستصحب و اما إذا

كان الشك فيها مع العلم بفناء زيد فلا يستصحب لأن العدالة بدون الموضوع و هو

زيد لا يمكن في التكوين فيكون الدليل منصرفا عن أمثال هذه الموارد فكيف‏

يمكن تصحيح ما عن الفقهاء من استصحاب الرطوبة من خروج الموضوع لها عن‏

الابتلاء فانه مشكل جدا.

التنبيه العاشر من تنبيهات الاستصحاب‏
1

في انه كما يجري الاستصحاب فيما شك في أصل حدوثه و تحققه يجري في‏

صورة الشك في تحققه في بعض اجزاء الزمان و البحث هنا في مقامين.

المقام الأول ان يكون الأثر على نفس الوجود أو العدم في الزمان الخاصّ‏

أو ان يكون الأثر على الوجود المتقدم أو المقارن أو المتأخر مع إحراز هذا

الوصف.

1و هو الحادي عشر في الكفاية.


155
فعلى الأول لا إشكال في جريان الأصل و لا يكون مثبتا مثل ما إذا علم حياة

زيد في يوم الخميس و علم موته في يوم السبت و شك في حياته يوم الجمعة فان استصحاب‏

الحياة في يوم الجمعة يكون جاريا بالنسبة إلى الأثر الّذي يترتب عليها في ذاك‏

اليوم و اما لو كان الأثر على تقدم الحياة على يوم السبت و تأخرها عن يوم الخميس‏

فلا يترتب لأن استصحاب الحياة في يوم الجمعة يكون من آثاره العقلية تقدمها على‏

يوم السبت و تأخرها عن يوم الخميس.

و قد اختاره المحقق الخراسانيّ قده في المقام أيضا جريان الاستصحاب‏

بوجوه ثلاثة.

الأول ان الواسطة خفية الثاني أن التقدم و التأخر من اللوازم الّذي لا ينفك‏

عن الملزوم و المثبت كذلك يكون حجة كما ان استصحاب الأبوة يكون اثره بقاء

البنوة و لا ينفك إحداهما عن الأخرى و الثالث ان يكون المقام من المركبات التي‏

يكون جزء منها بالوجدان و جزء بالأصل فان عدم الموت يوم الخميس بالوجدان‏

و تقدمه على الجمعة بالأصل و عدم الحياة يوم السبت بالوجدان و تأخره عن الخميس‏

بالأصل.

فتحصل ان الأثر لو كان على عنوان التقدم و التأخر أيضا يترتب.

و الجواب عنه ان خفاء الواسطة ممنوع لجلائها هنا و لو لم تكن الواسطة هنا

جلية لا يكون لنا جلاء الواسطة في مقام و اما التضايف في المقام فممنوع‏1لأنه‏

يكون في مثل تقدم موت الأب على الابن فان بينهما التضايف كما ان استصحاب ذات‏

1أقول الّذي يفهم من هذا الكلام هو ان المستصحب لو كان هو التقدم أو التأخر

بالنسبة إلى شيئين يمكن جريان الاستصحاب و إثبات لازمه مثل استصحاب تقدم موت زيد على‏

موت عمر و فان لازمه تأخر موت عمر و عنه.


156
التقدم يلازمه تأخر غيره و المقام ليس كذلك و لا يكون المقام‏1مما يكون جزء

منه بالوجدان و جزء بالأصل لأنه يكون في صورة الشك بين الجوهرين أو العرضين‏

لا ما يكون مركبا من جوهر و عرض و هو الذات و وصف التقدم في المقام فانه لا يثبت‏

الاتصاف هذا كله في المقام الأول من ملاحظة المستصحب مع اجزاء الزمان.

و اما المقام الثاني و هو مقام قياس أحد الحادثين مع الاخر و هو مورد توارد

الحالتين على شي‏ء واحد مثل ملاقاة الماء مع النجس و صيرورته كرا مع عدم العلم‏

بالتقدم و التأخير و مثل موت المورث و إسلام الوارث مع عدم العلم بالتقدم و التأخر

و البحث هنا أيضا في موردين الأول في ملاحظة نفس أحد الحادثين مع الاخر و الثاني‏

في حساب صور معلومية تاريخ أحدهما و مجهولية تاريخ الآخر أو الجهل بتاريخهما

و اما صورة معلومية تاريخهما فلا يكون محل البحث لإحراز التقدم و التأخر ثم قبل الورود

في المطلب هنا يجب تقديم مقدمتين.

المقدمة الأولى في أن التقدم و التأخر هل يكونان من الأمور الانتزاعية

التي يكون لها منشأ انتزاع كالفوقية و التحية المنتزعة من الفوق و التحت أو يكونان‏

من الاعتباريات التي لا وعاء لها الا الاعتبار مثل الملكية فعلى الأول لا يكون اللحاظ

داخلا في حقيقتة بل لو لم يكن لاحظ أصلا يكون له تقرر بمنشإ انتزاعه و على‏

الثاني فلا بد من اللحاظ لأن الاعتبار يكون قوامه بالمعتبر.

فقال المحقق الخراسانيّ قده انهما من الأمورات الاعتبارية و من‏

المحمولات بالضميمة لا من المحمول بالضميمة فان المقدم مقدم بدون الاحتياج‏

إلى المؤخر.

و لكنا نقول انهما من الانتزاعيات لعدم انتزاع وصف التقدم من المتقدم‏

1هذا غاية التقريب لكلامه مد ظله و كان بيانه في مجلس الدرس أجمل و أضف‏

إليه ان التقدم و التأخر في هذا الفرض لا حالة سابقة لهما ليمكن استصحابهما و مع إحراز التقدم‏

و التأخر بالنسبة إلى زمانين كإحراز تقدم الحياة على الجمعة لا احتياج إلى الاستصحاب.


157
الا بعد وجود المتأخر و قبل ذلك لا يمكن انتزاع هذا الوصف و وجه توهم كونهما

اعتبارا محضا هو ان الزمان من البعد الموهوم و لا يكون له قوام في الخارج‏

و التقدم و التأخر يكون بلحاظه.

ثم الاعتبارية و الانتزاعية هل يكون لها دخل في جريان الاستصحاب و عدمه‏

فيه بحث و قد توهم شيخنا العراقي(قده)ان الاستصحاب يكون جاريا في صورة

كون التقدم و التأخر من الانتزاعيات‏1و لكن المحقق الخراسانيّ(قده)قال‏

بأن الاستصحاب يجري مطلقا و لا دخل لهذا الاختلاف فيه و هو الحق لأن المدار

فيه علي صدوق النقض و عدمه و البقاء على الموجود الاعتبار أيضا يكون بحسبه.

المقدمة الثانية في انه هل يكون لنا ضابطة لاستفادة التقدم أو التأخر أو

التقارن في الوجود بالنسبة إلى الشيئين من لسان الدليل أم لا فربما قيل بان الأثر

إذا كان في لسان الدليل على شي‏ء مع عرض من الاعراض يكون الظاهر منه‏

النعتية يعنى ان الموضوع للحكم يكون كلاهما و ان كان التفكيك في التعبد بين‏

العرض و المعروض جائزا فانه يمكن التعبد بعدالة زيد مع موته و لكن في صورة

التصريح في الدليل بذلك و الا فالظاهر من ذكر العرض مع الموضوع هو الاتصاف‏

و اما في العرضين مثل إسلام الوارث و موت المورث فلا يكون الاتصاف بل التقارن‏

في الوجود فقط و كذا في الجوهرين و لا احتياج إلى الاتصاف فان الإسلام يستصحب‏

و لا يلزم ان يثبت اتصافه بكونه بعد موت المورث و كذا حياة المورث يستصحب‏

من دون الاتصاف بكونها في ظرف الإسلام.

و بعبارة أخرى العرض وجوده في نفسه اما ان يكون عين وجوده في غيره أو غير

1أقول و تفصيل الكلام في تقريرات بحثه و حاصلة ان الانتزاع حيث يكون له‏

منشأ الانتزاع يصح استصحابه لوجود الحالة السابقة الوجودية و الاعتبار حيث لا يكون‏

كذلك فلا يكون شيئا يمكن استصحابه و جوابه يكون كما قررناه‏


158
وجوده في غيره فعلى التقديرين ففي الجوهر و العرض يستظهر الاتصاف و إثبات‏

الوجود الرابط بينهما من الدليل بخلاف الجوهرين أو العرضين الا ان يكون‏

التصريح في لسان الدليل بالتعبد بوجود العرض بدون الموضوع.

فإذا عرفت ذلك فاما أن يكون الحادثان اللذان يقاس أحدهما بالاخر معلومي‏

التاريخ و اما مجهولي التاريخ أو يكون أحدهما مجهولا و الاخر معلوما فالأوّل خارج‏

عن محل الكلام لأنه مع العلم بتاريخهما لا يكون الشك في التقدم و التأخر و اما

إذا كان أحدهما معلوم التاريخ و الاخر مجهول التاريخ أو كانا مجهولي التاريخ‏

فالبحث اما ان يكون في مفاد كان التامة و ليس التامة مثل استصحاب نفس الحياة

أو استصحاب عدم إسلام الوارث أو يكون بنحو كان الناقصة و ليس الناقصة مثل‏

استصحاب حياة المورث في ظرف إسلام الوارث و استصحاب عدم إسلام الوارث في‏

ظرف موت المورث فلا بد من ملاحظة جريان الاستصحاب على كلا التقديرين.

فنقول ان المشهور في صورة مجهولة تاريخ أحدهما هو جريان الاستصحاب في‏

المجهول و عدم جريانه في المعلوم فإذا علمنا بتاريخ إسلام الوارث و كان الشك في‏

موت المورث قبل إسلامه يستصحب حياة المورث إلى وقت إسلام الوارث و يترتب‏

عليه الأثر و هو كون هذا الشخص لكونه مسلما حين موت المورث سهميا في‏

التركة و لا نحتاج إلى إثبات كون الإسلام في حين الموت بل يكون من الموارد

التي يكون جزء منها بالأصل و جزء منها بالوجدان فان إسلام الوارث حاصل‏

بالوجدان و حياة المورث إلى وقت إسلام الوارث مشكوكة فتستصحب.

و بعبارة أخرى يكون الحياة عرض من الاعراض و الإسلام أيضا كذلك فهما من‏

العرضين الذين يكون أحدهما بالوجدان و الاخر بالأصل من دون الاتصاف بينهما

كما في استصحاب الجوهرين الذين لا ربط بينهما لأن الجوهر لا يوصف بالجوهر و

اما موت المورث في ظرف إسلام الوارث فحيث لا يكون له حالة سابقة لا يمكن استصحابه و

هكذا إذا كان تاريخ الإسلام مجهولا و تاريخ موت المورث معلوما يستصحب عدم إسلام‏


159
الوارث إلى حين موت المورث و اثره عدم كونه شريكا في التركة و لا يعارض‏

الاستصحاب في المجهول الاستصحاب في معلوم التاريخ لعدم جريانه لعدم الشك فيه‏

فان الإسلام إذا كان تاريخه يوم الجمعة لا شك فيه حتى يكون أركان الاستصحاب‏

موجودا و كونه في ظرف موت المورث و ان كان مشكوكا و لكن لا ربط له‏

بالاستصحاب لأن مفاد دليله جر المستصحب في عمود الزمان لا جره بالنسبة إلى‏

حادث آخر.

فتحصل ان الاستصحاب في معلوم التاريخ لا يجري بمفاد كان التامة و الناقصة

و هكذا بمفاد ليس التامة و الناقصة و اما في مجهوله يكون جاريا بمفاد كان التامة

أو ليس التامة لا الناقصة هكذا قيل كما عن شيخنا النائيني(قده).

و لكن يمكن ان يقال عدم جريان الاستصحاب بمفاد ليس الناقصة و كان الناقصة

يكون ممنوعا إذا كان بنحو النعتية و اما إذا كان بنحو العدم الأزلي فلا إشكال فيه الا الإشكال‏

في الاستصحاب العدم الأزلي في جميع المقامات ففي المثال يمكن ان يقال ان إسلام‏

الوارث حين لم يكن لم يكن مقارنا لموت المورث فحدث و لا نعلم انه كان مقرونا أم لا فالأصل‏

عدم كونه مقرونا به و هذا يكون معارضا باستصحاب عدم موت المورث إلى حين إسلام الوارث‏

ثم ان الّذي ينبغي ان يقال هو ان دليل الاستصحاب منصرف عن صورة كون‏

الحادث معلوم التاريخ لأن مفاده هو جر المشكوك من حيث الزمان كما في المثال‏

بالطهارة الّذي في النص فانها مشكوكة بالنسبة إلى عمود الزمان فتستصحب و إذا كان‏

الشك من جهة ملاحظة هذا الحادث مع حادث آخر فلا تعرض للاستصحاب له ففي المقام‏

ما كان تاريخه معلوما لا شك فيه من حيث الزمان و يكون الشك في مقارنته أو تقدمه أو تأخره‏

عن حادث آخر و هذا الشك لا يطرد بالاستصحاب لانصراف الدليل.

فتحصل ان الاستصحاب لا يجري بالنسبة إلى معلوم التاريخ لوجود هذا

الإشكال فيه.

و ربما يقال كما عن شيخنا النائيني قده ان الشك في معلوم التاريخ مسبب عن‏


160
الشك في المجهول فإذا جري الأصل في المجهول لا يبقى الشك في المعلوم ليجري‏

الأصل فيه و الجواب عنه ان هذا كان كذلك تكوينا و لكن الملاك في السببية و

المسببية هو ان تكون الطولية شرعية كما في الشك في الطهارة الثوب النجس‏

المغسول بالماء المشكوك طهارته فان الشارع جعل من شرط طهارة النجس طهارة

الماء و في المقام يكون الموضوع للإرث هو إسلام الوارث و موت المورث فإذا كان‏

جزء منه بالوجدان و هو الإسلام و جزء بالأصل و هو عدم الموت إلى حين الإسلام يكون‏

حصول المركب بحصول اجزائه تكوينيا فالحق هو الانصراف في الدليل عن الصورة كون‏

التاريخ معلوما لكون دليل الاستصحاب مختصا بصورة كون الشك في عمود الزمان.

و اما صورة كون الحادثين مجهولي التاريخ فاما ان يكون الأثر لكلا الحادثين و اما

ان يكون لأحدهما فقط فإذا كان الأثر لكليهما فالنزاع بين العلامة الأنصاري(قده)و

بين المحقق الخراسانيّ(قده)في الجريان و عدمه فان الأول قد اختار الجريان و قال‏

بالتعارض و التساقط و الثاني يقول بعدمه و الدليل على الجريان هو إطلاق دليل‏

الاستصحاب و هو لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر الشامل للمقام أيضا

و لا مانع منه الا ما عن المحقق الخراسانيّ قده من المنع و حاصله ان اليقين و الشك‏

المأخوذين في لسان الدليل لا بد من اتصالهما ليكون المتيقن هو المشكوك و يكون‏

الاختلاف باختلاف زمان الحدوث و البقاء و في المقام ليس كذلك.

و بيانه ان لنا ثلاث أزمنة زمان اليقين بعدم الحادثين و زمان الشك فيهما و

زمان اليقين بوجودهما ففي مثال الإسلام و الموت يكون يوم الأربعاء مثلا زمان‏

العلم بعدم الموت و عدم الإسلام و يوم الخميس زمان العلم بحدوث الموت و الإسلام‏

فان استصحاب الحياة إلى زمان الإسلام و هو يوم الجمعة غير جار لاحتمال ان يكون‏

الموت يوم الخميس للعلم الإجمالي بحدوث الموت اما يوم الخميس أو يوم الجمعة

فلو كان الموت في الواقع يوم الخميس لصار غاية للحياة فاليقين بالحياة يوم الأربعاء

غير متصل بالشك يوم الجمعة مع ان دليل لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر


161
يكون اليقين فيه أعم من اليقين الإجمالي و التفصيلي و هكذا اليقين بعدم الإسلام يوم‏

الأربعاء المشكوك يوم الجمعة نعلم إجمالا بنقضه.

اما يوم الخميس أو يوم الجمعة فلو كان يوم الخميس لكان مقدما على الموت فلا يمكن‏

استصحاب عدمه لاحتمال نقض اليقين السابق باليقين اللاحق إجمالا يوم الخميس فيصير

المقام من الشبهة المصداقية لأن اليقين السابق ان لم ينقض في الواقع قبل الجمعة لكان‏

المقام مصداقا لدليل الاستصحاب و لو نقض لم يكن مصداقا له و التمسك بالعامّ في الشبهة

المصداقية غير جائز فالدليل قاصر عن شمول المقام فلا يجري الاستصحاب أصلا.

و قد أجاب شيخنا النائيني و العراقي عن هذه الشبهة بان الوجدان حاكم بان‏

يوم الجمعة يكون لنا الشك في الحياة إلى زمان الإسلام و الشك في الإسلام إلى‏

زمان الموت باعتبار يوم الخميس و هذا الشك و اليقين متصلان و قد أقام البرهان‏

على ذلك شيخنا العراقي(قده)بان موطن العلم و الشك و الظن و التمني و الترجي‏

هو النّفس و لا يسرى الشك و العلم إلى الخارج و لذا ترى خلاف الواقع في الخارج‏

لكونه جهلا مركبا و ترى المضادة بين الشك التفصيلي و العلم الإجمالي لو سرى إلى‏

الخارج فان العلم و الشك لا يجتمع في الخارج بل يكون متعلقا بالصور الذهنية.

و عليه ففي المقام لا يسرى العلم الإجمالي بالحدوث اما يوم الخميس أو يوم‏

الجمعة إلى الخارج حتى يكون مضرا و موجبا لانفصال الشك عن اليقين.

أقول الفرق بين الشك البدوي و المقرون بالعلم الإجمالي واضح و لذا تجري‏

البراءة في الشبهات البدوية و لا تجري في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي و لو كان‏

كل واحد من الأطراف مشكوكا و العلم و الشك و ان لم يسر إلى الخارج و لكن‏

يكونان مرآتا عن الخارج و يترتب الأثر على الخارج بلحاظه.


162
الكلام في الحادثين المتضادين‏

إلى الآن كان الكلام عن الحادثين اللذين لم يكونا متضادين في الوجود

و الآن يكون الكلام في الحادثين الذين يكون بينهما التضاد بحيث لا يجتمعان‏

كالطهارة و الحدث فانهما لا يجتمعان في شخص واحد فإذا علم المكلف بحدوث حدث‏

منه و حدوث طهارة من الوضوء أو الغسل و لكن لا يعلم ان السابق هو الطهارة أو الحدث‏

ففي جريان الاستصحاب و السقوط بالتعارض أو عدم جريانه أصلا خلاف بين العلمين‏

الشيخ الأعظم الأنصاري(قده)و المحقق الخراسانيّ و الفرق بينهما هو الاستصحاب‏

الوجوديّ هنا يعنى استصحاب الحدث أو استصحاب الطهارة و الاستصحاب العدمي في‏

السابق كما في استصحاب عدم التقدم في الإسلام أو عدم التقدم في الموت حيث كان‏

الشك في التقدم و التأخر.

و دليل الشيخ قده على الجريان هو تمامية المقتضى و عدم المانع فيستصحب‏

بقاء الحدث و بقاء الطهارة و يتعارضان و يتساقطان و اما الخراسانيّ قده فيقول بأن‏

المانع هو عدم اتصال الشك باليقين السابق لأن موضوع الاستصحاب هو الشك في‏

بقاء ما كان و في الحادثين يكون لنا ثلاث أزمنة زمان اليقين بالحدث إجمالا و زمان‏

اليقين بالطهارة كذلك و زمان الشك فيهما.

فإذا عرفت ذلك فنقول لا يجري الاستصحاب في الحادثين المتضادين لوجوه ثلاثة

التي أبدعها شيخنا العراقي قده أو أخذها من درس أستاذه المحقق الخراسانيّ قده و ان‏

لم تكن في الكفاية الوجه الأول هو لزوم اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة و من‏

المعلوم عدم اتحاده في المقام لأن الطهارة كانت في السابق فلو كان الحدث بعدها

في الواقع لكان آن احتمال الارتفاع غير آن الشك في البقاء ضرورة ان الشك في‏

البقاء الآن و آن احتمال الارتفاع في السابق و اللازم اتحاد آن احتمال الارتفاع و


163
الشك في البقاء الإشكال‏1حسب منصرف دليل لا تنقض اليقين بالشك.

و بعبارة أخرى لا شك في الآن الثالث بل الطهارة اما باقية في هذا الحين‏

قطعا لو لم يتأخر الحدث أو فانية قطعا ان تأخر فلا يكون الشك فيه و كذلك استصحاب‏

الطهارة.

الوجه الثاني هو ان الشك الّذي يكون موضوعا للاستصحاب يجب ان يكون‏

متصلا إلى اليقين و لا شبهة في عدم اتصاله هنا من باب العلم الإجمالي بحدوث الحدث‏

فانه لو كان متأخرا قد انقطع حبل الشك عن اليقين و الظاهر من الدليل هو وجوب‏

اتصاله إليه.

و الوجه الثالث هو ان معنى الاستصحاب هو انه لو تقهقرنا لوصلنا إلى‏

اليقين السابق و في الفرض لا نصل إليه لاحتمال فصل الطهارة بالحدث و بالعكس فلا

يجري الاستصحاب لذلك.

نقض في المقام‏

و هو ان انفصال الشك عن اليقين لاحتمال وجود الفاصل لو كان مضرا في‏

توارد الحالتين بجريان الاستصحاب لكان هذا الإشكال في جريانه في الشبهات‏

1لا شبهة في كون الشك في البقاء و احتمال الارتفاع في هذا الحين متحدين و قبله‏

لم يحصل الالتفات إليه و تقدم الارتفاع في الواقع يكون شأن كل استصحاب فان احتمال‏

الزوال يكون قبل احتمال البقاء و العلم الإجمالي بتوارد الحالتين لا أثر له بالنسبة

إلى كل فرد و الجامع لا أثر له الا تعارض الاستصحابين.

و من هنا يظهر ان الحق مع الشيخ قده القائل بالجريان و التعارض و النقض في المقام‏

في محله سواء في ذلك الشبهة البدوية المحضة أو المقرونة بالعلم الإجمالي لقيام الاحتمال‏

على الجميع التقادير و عدم إحراز الفصل على الجميع.


164
البدوية أيضا ضرورة احتمال وجود الفاصل بين اليقين و الشك بطرو احتمال النقض‏

مع انه لم يقل أحد بعدم جريانه فيه.

و لا يخفى ان الإشكال لا يكون في الشبهة البدوية المحضة كما إذا كان‏

متيقنا بالطهارة السابقة ثم يشك فيها بل فيما إذا كان مقرونا بالعلم الإجمالي كما إذا علم‏

ان الطهارة قد حصلت له اما في أول الصبح أو أول الظهر ثم شك في بقائها في العصر

فانه في الآن الثالث لا يعلم بقاء الطهارة في الآن الثاني لأنه يكون طرف علمه الإجمالي‏

بأنها اما كانت في الصبح أو الظهر و الآن الأول لا يجري الاستصحاب بالنسبة إليه لاحتمال‏

فصل الحدث بينه و بين الآن الثالث بحيث لو تقهقرنا لا نصل إلي اليقين بالطهارة

فيكون مثل توارد الحالتين.

و الجواب عنه هو ان الشك يكون متصلا اما باليقين الوجداني في الآن الأول‏

و اما باليقين التعبدي في الآن الثاني لأنه لو كان له طهارة في الآن الأول يلزم‏

استصحابها في الآن الثاني أيضا فالشاك لو رجع إلى القهقرى لوصل إلى المتيقن و هذا

بخلاف توارد الحالتين فانه لا يصل إلى اليقين بدون الفصل بينه و بين الشك و لو كان‏

في الواقع في الآن الثاني يصل إلى الواقع فالواقع الأعم من التعبدي و الوجداني لا فصل‏

بينه و بين شكه.

ثم ان الوظيفة العملية على فرض عدم الجريان أو الجريان و التعارض‏

الاشتغال إذا لم نعلم الحالة السابقة على الحالتين من الحدث و الطهارة فان أراد إتيان‏

ما يشترط بالطهارة يجب تحصيلها و اما على فرض العلم بالحالة السابقة فربما يظهر

من كلمات العلامة(قده)الأخذ بضد الحالة السابقة فإذا فرض كونها الطهارة يؤخذ

بالحدث و إذا كانت الحالة السابقة الحدث يؤخذ بالطهارة لأن المعلوم هو نقض تلك‏

الحالة فإذا كان بالحدث لا نعلم انه قد زال بالطهارة ثانيا أم لا و إذا كان بالطهارة

فكذلك فيستصحب كذلك.

و يرد على بان استصحاب أحدهما معارض بالاستصحاب الاخر فانه بعد الحالة


165
السابقة حدث الحدث و الطهارة و لا نعلم تقدم أحدهما على الاخر أو تأخره عنه.

و ربما يظهر من كلامه الأخذ بمثل الحالة السابقة لأنا لا نعلم ان تلك الحالة

حدث بعدها مثلها أو حدث امر آخر ضدها بعد المثل أو قبله فتستصحب.

و فيه انه بعد العلم بحدوث الضد أيضا يكون استصحابه معارضا باستصحاب‏

ذاك الضد فتحصل انه لا طريق لنا الا القول بالاشتغال على تقدير العلم بالحالة السابقة و عدمه‏

كما هو المشهور.

التنبيه الحادي عشر

في أن المستصحب يجب ان يكون حكما شرعيا فعليا أو موضوعا ذي حكم‏

شرعي فعلى بحيث ينتهى إلى العمل و لو بوسائط عديدة كما في استصحاب الطهارة

لإتيان قضاء الصلاة فلو لم يكن له أثر عملي كالخارج عن محل الابتلاء أو الحكم‏

التعليقي لا يجري الأصل فيه و لا فرق في ذلك بين القول بان الاستصحاب هو الجري‏

العملي كما عن شيخنا العراقي قده أو جعل المماثل كما عن المحقق الخراسانيّ‏

قده أو تنزيل المؤدى كما عن الشيخ الأعظم قده لأنه على الأول هو العمل و على‏

غير يكون الظاهر من دليله هو عدم النقض عملا و بقاء مثله أو مؤداه بحاله‏

كذلك.

و السر في ذلك كله هو أن النهي عن النقض يكون تعبدا من الشرع و لا تعبد

في صورة عدم لزوم العمل سواء كان ذاك العمل عمل الجوارح أو عمل الجوانح‏

كعقد القلب على نبوة مستصحب النبوة أو الإمامة.

ثم ان الترتب بين ذي الأثر و الأثر أيضا يجب ان يكون شرعيا و لا يكفى‏

وجود الأثر فقط فعلى هذا إذا شك في عدالة شخص يمكن استصحابها لجواز الاقتداء

لأن دخل العدالة شرعي في جواز الاقتداء أو جواز التقليد و اما إذا شك في بقاء

اجتهاد المجتهد من باب كبر السن لا يمكن جريان الاستصحاب بالنسبة إليه لأن‏


166
جواز الرجوع إلى صاحب الرّأي من أحكام العقلاء و العقل و هو رجوع الجاهل‏

إلى العالم و الخبرة في كل فن فجواز التقليد و ان كان شرعيان‏1و لكن دخله‏

فيه ليس بشرعي و ان كان من دأب البعض جريان الاستصحاب فيه أيضا كما يقولون‏

بجواز البقاء على تقليد الميت باستصحاب وجود الرّأي له و لكنه غير تام عندنا.

التنبيه الثاني عشر

في جريان الاستصحاب في الاعتقادات أيضا لأنها من عمل الجوانح‏

و الأمور الاعتقادية مثل عقد القلب على نبوة شخص و إمامة آخر وراء العلم‏

بذلك فان العلم بشي‏ء غير الاعتقاد به لأن الاعتقاد هو البناء النفسيّ علي الالتزام‏

1أقول ان جواز التقليد ان كان حكما شرعيا يكون استصحاب الاجتهاد مثل ساير

الاستصحابات الموضوعية لترتب الحكم.

فان موضوع حكم الشرع بالرجوع إليه هو الاجتهاد و ان لم يكن حكما شرعيا بل‏

يكون حكما عقليا فحيث إمضاء الشارع.

بقوله عليه السلام اما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه إلى قوله فللعوام ان يقلدوه يكون مثل‏

ساير الأحكام الشرعية.

و مع الغمض فلا يكون الإشكال في الترتب بل في أصل شرعية الحكم على ان نفس‏

الاجتهاد يمكن ان يقال انه من الموضوعات المجعولة المحددة الشرعية.

و لذا ترى عدم الاعتماد على اجتهاد من كان سنده القياس و الاستحسان و الشارع‏

أمضى قبول قول من عرف حرامه و حلاله و هذا القدر يكفى لجواز الاستصحاب كما سيجي‏ء

عن المحقق الخراسانيّ في التنبيه الثاني عشر جريان استصحاب النبوة و الإمامة على فرض‏

مجعولية هذا المنصب و ان كان الأثر بعد الجريان عقليا و هو وجوب الرجوع إليهما و

الاعتقاد بهما.


167
بلوازم ما علم و بالفارسية دل دادن بچيزى است و لكن العلم به يمكن ان يكون بدون‏

هذه المرتبة و لا فرق في جريان الاستصحاب بين ذلك و بين غيره و لكن يلزم ملاحظة

الأثر الشرعي في ذلك كله ليصح التعبد كما مر في التنبيه السابق فان المستصحب‏

ما لم يكن من الأحكام أو من الموضوعات التي لها حكم شرعي لا يجري الاستصحاب‏

بالنسبة إليه ففي المقام اما ان يكون الاعتقاد في السابق واجبا مثل وجوب الصلاة

ثم يشك في بقاء الوجوب فهو من استصحاب الحكم و اما ان يكون استصحاب أصل‏

النبوة و الإمامة من الموضوعات التي لها حكم شرعي فيستصحب مثل كون حكمها

وجوب الاعتقاد بها فلو فرض عدم الوجوب الشرعي لا يبقى وجه له.

ثم من أركان الاستصحاب الشك اللاحق و اليقين السابق ففي المقام يتصور

الشك في بعض الصور و لا يتصور في البعض فنقول توضيحا لذلك ان النبي و الإمام عليهما السلام‏

لهما نفس كلية و هي الواسطة في الفيض و كونها في سلسلة علل الموجودات قبل‏

نزولها في عالم الناسوت و لهما نفس جزئية و هي المتعلقة بالبدن في هذا العالم العنصر

كما ان نبينا محمد صلى اللَّه عليه و آله يكون له نفس كلية و نفس جزئية و هي ولد مكة

في الأمس.

و لا يخفى ان النّفس الجزئية أيضا يمكن ان تكون في هذا العالم العنصري مؤثرة

تكوينا كما ان الشمس أحد العناصر و لها تأثير بالنسبة إلى الأرض و ساير الكرات فان‏

نضح المعادن و إنبات النبات يكون التأثير الشمس على ما هو محرر عند أهله فالإمام‏

و النبي عليهما السلام يمكن ان يكونا كذلك.

و هذان المقامان مما لا يكون جزافيا بل يكون مطابقا لنظم العالم و لا يكون‏

زائلا و إليها الإشارة بما ورد في الأثر بنا عرف اللَّه و بنا عبد اللَّه و ما ورد في الجامعة بكم‏

فتح اللَّه و بكم يختم إلخ و لا يجي‏ء الشك فيهما1فان موت النّفس هذه و رفع‏

1أقول اختلاف العلل و قيام علة مقام علة أخرى غير عزيز في العالم الوسيع و يمكن‏

الشك في تغيير هذا النحو من السببية نعم لو ثبت الانحصار لا يجي‏ء الشك فيه و في تقريرات‏

بحث شيخه العراقي قده أيضا الالتزام بحصول الشك فلا يرد الإشكال من هذه الجهة.


168
علائقها عن عالم الناسوت لا يوجب إلا شدة التصرف في العالم فلا يكون الشك الّذي‏

هو ركن الاستصحاب في ذلك ليمكن الاستصحاب.

و للنبي و الإمام عليه السلام منصب جعلي و هو التصرف في البلاد و هو ركن الاستصحاب في ذلك ليمكن الاستصحاب‏

و للنبي و الإمام عليه السلام منصب جعلي و هو التصرف في البلاد و هو ان كان قابلا

للزوال و يجي‏ء الشك فيه و لكن لا يجري الأصل في لعدم الأثر الشرعي لأن وجوب‏

الاعتقاد و متابعة النبي و الإمام عليهما السلام يكون من حكم العقل و من لوازم وجوب‏

شكر المنعم الّذي هو واجب بحكم العقل فان الشاكر لله تعالى مقتضى شكره هو قبول‏

سفرائه و أوصيائهم فلا فرق في عدم جريان الاستصحاب بين الأقسام.

فما عن المحقق الخراسانيّ قده من الجريان على فرض كون ذلك من المناصب‏

المجعولة غير وجيه عندنا1.

ثم ان الداعي لهذا البحث هو ما وقع بين السيد محمد باقر القزويني في قرية

ذي الكفل و بين كتابي يريد إلزام المسلم بدينه بواسطة العلم بالنبوة لعيسى فيستصحب‏

1أقول ان السر في كون الأثر يجب ان يكون شرعيا هو صحة التعبد فإذا فرض‏

كون هذا المنصب مجعولا شرعيا يكفى الإمكان التعبد به على فرض الشك فيه و لو كان الجعل‏

لملاك و هو رقاء النّفس فما عن المحقق الخراسانيّ هو الحق.

و هكذا نقول في استصحاب اجتهاد المجتهد فانه أيضا من المناصب المجعولة بما

ورد عنهم عليهم السلام من عرف حلالنا و حرامنا فليرضوا به حاكما أو ما ورد من ان من‏

كان من الفقهاء صائنا لنفسه إلى قوله عليه السلام فللعوام ان يقلدوه و لا إشكال فيه و قد مر الإشكال‏

عنه مد ظله في التنبيه الحادي عشر من هذا الكتاب و نظير هذا القول هو ان الشارع إذا

حكم بتمامية صلاة من نسي السورة يكون الاجزاء من الآثار العقلية مع ان الأصل و الأمارة

لا فرق فيهما من حيث وجوب كون التعبد بلحاظ الأثر فالموضوعات الشرعية مثل الأحكام‏

الشرعية في كفاية كون نفسها الأثر في إمكان التعبد بها نعم ان قلنا بان المنصبين مما يجب‏

إحرازهما باليقين في ترتيب الأثر و هو الاعتقاد بهما و غيره فلا يكفى الاستصحاب من هذا

الباب أولا يجري للإشكالات الاخر.


169
مع الشك فيه و مما ذكرنا ظهر عدم وجه للتمسك بالاستصحاب لعدم تمامية أركانه‏

لأن الكتابي ان كان مراده إثبات نبوة عيسى عليه السّلام للمسلم لا وجه له لأن المسلم‏

لا شك له في نبوة نبيه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و لا شك له في نفاد أمد عيسى عليه السّلام و ان كان مراده‏

استصحابه لنفسه فهو أيضا لا شك له في نبوة نبيه فانه نصراني على الفرض فلا يحتاج‏

إلى الاستصحاب لعدم الشك أصلا نعم لو فرض له الشك في بقاء نبوة نبيه من جهة

ما سمع من صيت الإسلام المقدس يمكن ذلك و لكن لا يجري لعدم الأثر الشرعي‏

له لأن وجوب الاعتقاد من أحكام العقل لا الشرع.

ثم ان ذلك كله يدور مدار سند حجية الاستصحاب فان أراد الاستصحاب في‏

دينه فيدور لأن حجية الاستصحاب في دينه متوقفة على إثبات دينه و إثباته متوقف على‏

جريانه مع الشك فيه ضرورة انه من أحكام الدين المشكوك فيه و ان أراد استصحاب المسلم‏

في دينه فهو أيضا غير مفيد لأن الدين الّذي لا يعتقد الكتابي به كيف يعتقد به بالاستصحاب‏

الّذي يكون من أحكام هذا الدين فان الاعتقاد به متوقف على الاعتقاد بهذا الدين و

هو خلاف مرامه.

فما عن السيد المذكور من إلزام الكتابي في جوابه بأن نقبل نبوة كل عيسى‏

و موسى أخبر بنبوة نبينا و خاتميته كما هو مضمون مباحثة ثامن الحجج علي بن موسى الرضا

عليه السّلام في مناظرته مع الكتابي يعنى الجاثليق يكون من باب إقناعه و لا يريد ان‏

لنا عيسى و موسى بالنحو الكلي أي المسمى بهذا الاسم و انا نؤمن ببعض افراده بل من‏

باب ان الشخص الّذي هو بهذه الصفة هو النبي و لنا القطع بنسخ شريعته فهذا الوصف‏

ليس من مفرداته بل من أوصافه كسائر الأوصاف من كونه راكب الحمار أو أسمر اللون‏

و أمثال ذلك.

فتحصل انه لا وجه لجريان الاستصحاب في النبوة و الإمامة مطلقا اما لعدم‏

وجود أركانه أو لعدم الأثر الشرعي.


170
التنبيه الثالث عشر

في ان العام بعد التخصيص بمخصص في زمان إذا شك بعد هذا الزمان في‏

بقاء الحكم للعام أو للمخصص فهل المرجع استصحاب حكم المخصص أو عموم العام‏

مثاله قوله تعالى أوفوا بالعقود فانه قد خصص بخيار الغبن ففي أول آن العلم بالغبن‏

لا شبهة في التخصيص و اما في غير هذا الآن يكون فيه الشبهة لأنا لا نعلم مثال فورية

الخيار و عدمها فهل المرجع بعد عدم إعماله في أول آنات إمكانه عموم العام أو المخصص‏

فيه بحث و قبل الورود في ما هو الحق يلزم تقديم مقدمات.

المقدمة الأولى في ان طبع الخطاب لو لا القرينة يقتضى ظرفية الزمان لا قيديته‏

و من المعلوم ان الزماني لا بد ان يقع في الزمان فان الموجودات في عالم الناسوت من الجواهر

و الاعراض لا تكون خارجة عن الزمان و لكن لا يخفى ان الزمان لو ثبت كونه ظرفا لا يمنع‏

عن القول بعدم جريان الاستصحاب في بعض الصور كما سيجي‏ء فإطلاق القول بجريان‏

الاستصحاب في المخصص لو كان الزمان ظرفا و عدم جريانه لو كان قيدا كما

توهم ممنوع و من المعلوم ان القيدية في الزمان يحتاج إلى البيان.

المقدمة الثانية في ان مدار جريان الاستصحاب كما مر ليس على الظرفية و مدار

عدم جريانه على القيدية لأن الظرفية أيضا على أنحاء،

الأول ان يكون الحكم شخصيا على كل فرد فرد من الزمان بان يكون في كل‏

فرد من الزمان هذا الحكم الشخصي المستمر و لا يكون قابلا للانحلال إلى الأزمان ليقال‏

هذا فرد من الحكم و ذاك فرد آخر بل هو فرد واحد من الحكم في طول الزمان بحيث‏

لو انقطع هذا الشخص لم يكن الخطاب متكفلا لحكم آخر لشخص موضوعه و لا يكون‏

قابلا للتكثر:

الثاني ان يكون الحكم على الموضوع على نحو القضية المهملة بحيث يكون‏

قابلا للانحلال بحسب الأزمان مثل أحل اللَّه البيع فانه قابل للتطبيق على كل فرد من‏


171
افراد البيع في كل زمان من الأزمنة و بمقدمات الحكمة يثبت السريان.

الثالث ان يكون الحكم بنحو السريان و الشمول لكل فرد من الافراد

بنحو العموم مثل أكرم كل عالم في كل زمان فان كل فرد من افراد العلماء يشمله‏

هذا الحكم بالوضع.

إذا عرفت ذلك فنقول على الأول لا مجال للبحث عن استصحاب حكم المخصص‏

أو عن التمسك بعموم العام لأن الحكم الواحد لا يكون الا واحدا و لا شك في عدمه بعد

التخصيص و اما على الأخيرين فللبحث عن ذلك مجال فلا يختص البحث عن جريان‏

الاستصحاب بصورة الظرفية دون القيدية لأنه على الظرفية أيضا يكون للبحث عن‏

استصحاب حكم المخصص أو عموم العام مجال.

ثم ان الزمان إذا كان قيدا للحكم اما ان يكون قيديته على نحو المجموع‏

من حيث المجموع مثل زمان الصوم بالنسبة إليه كما قيل فان مجموع الزمان من طلوع‏

الفجر إلى الغروب يكون قيد الوجوب الإمساك بحيث لو لم يكن آن من الآنات صائما لبطل‏

الصوم من أصله فهذه القطعة من الزمان هي القيد أو يكون قيديته لكل فرد من الافراد بحيث يكون كل فرد من الزمان قيد كل فرد من الموضوع فيكون كل فرد في كل‏

زمان غير هذا الفرد في الزمان الاخر.

مثل ان يقال إكرام زيد واجب في كل زمان أي كل إكرام زيد يكون هذا الفرد منه‏

غير ذاك الفرد فإكرام الصبح غير إكرام العصر فيتعدد الإكرام بتعدد الزمان و ما صار

سببا للتعدد هو قيدية كل زمان و الا فعلى الظرفية لا فرق بين إكرام الصبح‏

و العصر.

و الحاصل ان التكليف على فرض كون القيد مجموع الزمان واحد و على فرض‏

كونه كل فرد منه يكون متعددا و الإطاعة و العصيان أيضا واحدة أو متعددة فتحصل‏

من هذه المقدمة ان الزمان اما ان يكون قيدا أو ظرفا و على الظرفية أيضا يجي‏ء

اختلاف جريان الاستصحاب و عدمه بعد تخصيص العام في برهة من الزمان فلا يتوهم‏


172
انه على الظرفية لا إشكال في الجريان و على القيدية لا إشكال في عدم الجريان‏

كما توهم.

المقدمة الثالثة في ان العموم و الاستمرار بحسب الزمان لا بد ان يكون‏

بقيام الدليل عليه اما من نفس الخطاب أو من الخارج،اما من نفس الخطاب فمثل‏

ان يقال إكرام زيد واجب في كل زمان أو مستمرا أو يحب إكرام العلماء في كل‏

زمان أو مستمرا فان هذه العبارة و أمثالها صريحة في الدلالة على استمرار الحكم‏

و اما فهم الاستمرار من الخارج فمثل ان يقال شرع محمد صلى اللَّه عليه و آله و سلم مستمر إلى يوم‏

القيامة ثم الاستمرار المستفاد من الخطاب اما ان يكون وصفا للموضوع أو للمتعلق‏

بالموضوع أو يكون وصفا للحكم ضرورة انه إذا قيل أوفوا بالعقود ينحل إلى موضوع‏

و هو الوفاء فيقال الوفاء مستمرا واجب و إلى المتعلق بالموضوع و هو العقد

فيقال العقد وفائه مستمرا واجب و إلى الحكم و هو الوجوب فيقال وجوب الوفاء

بالعقد مستمر.

ثم أنحاء استفادة العموم و الاستمرار من الخطاب متفاوت ففي مثل أوفوا

بالعقود و أحل اللَّه البيع حيث يلزم اللغوية من القول بوجوب الوفاء بعقد دون‏

آخر و في زمان دون زمان و إمضاء بيع دون آخر و في آخر و في زمان دون آخر في كلام‏

الشرع فيقال ان الوفاء بالعقد و حلية البيع يكونان في كل زمان و في كل فرد

من الافراد.

ثم لا فرق في استفادة الاستمرار بين ان يكون صفة للحكم أو للموضوع‏

أو لمتعلق الموضوع عندنا على ما هو الحق و كذا عند شيخنا الأستاذ العراقي قده‏

و لكن شيخنا النائيني قده قد خالف في استفادة الاستمرار للحكم من نفس الخطاب‏

و حاصل كلامه قده هو ان الوصف لا بد له من موصوف و لا إشكال في وجوب تقدم‏

الموصوف على الوصف فكما ان العرض لا يمكن تقومه الا بالجوهر كذلك الوصف‏

لا قيام له الا بالموصوف فعلى هذا إذا قلنا يجب الوفاء بالعقد مثلا يكون الوجوب‏


173
هو المستفاد من هذه العبارة و اما استمرار الوجوب فلا يمكن استفادته منه لأنه فرع ثبوته و الاستعمال الواحد و اللحاظ الواحد لا يمكن ان يكون في المعنيين الوجوب و استمراره فوصف ا

لحكم و هو الاستمرار لا يمكن استفادته من الخطاب بخلاف‏

وصف الموضوع و متعلقه.

و فيه ان هذا الكلام لا يتم وجدانا و برهانا اما الوجدان فانه لا يأبى عن استفادة

الاستمرار من قول القائل يجب الوفاء بالعقد مستمرا1و اما برهانا فلان الوصف‏

و الموصوف لا يكونان من العلة و المعلول حتى لا يمكن ثبوت المعلول الا بعد ثبوت‏

العلة ليكون بينهما فاء الترتيب ذاتا مثل الفاء في تحركت اليد فتحرك المفتاح‏

بل من الممكن إيجاد هما معا لكن بدال آخر و الدال الآخر اما ان يكون الموضوع‏

أو لمتعلق الموضوع فان دوام الوفاء أو العقد يكون دالا على دوام الوجوب أيضا يعنى‏

من دوامهما يفهم دوام الحكم.

ثم قال الشيخ الأعظم في المقام في الرسائل بما حاصله هو ان الزمان ان‏

أخذ بالنسبة إلى العام بالعموم الأفرادي لكل زمان مثل ان يقال أكرم العلماء

كل يوم ثم خصص بمخصص مثل ان يقال إكرام زيد العالم في يوم ممنوع بالإجماع‏

مثلا فلا شبهة في عدم جواز استصحاب حكم المخصص لأن الدليل في كل آن‏

يكون دلالته بالوضع و تخصيص بعض الزمان موجب لإخراج هذا الفرد و اما ساير

الافراد فيكون تحت الحكم بنفس الدليل بل لو لم يكن لنا عموم لا يكون المرجع‏

استصحاب حكم المخصص بل الأصول الاخر و اما إذا أخذ الزمان لبيان استمرار

الحكم كقوله أكرم العلماء دائما و لم يكن لكل زمان حكم بخصوصه فإذا

1أقول قيد الاستمرار هنا يفهم من دال آخر و هو كلمة مستمرا و ان كان الكلام في انه‏

كيف يتعين كونه قيدا للحكم لا للمتعلق و فرضه قده في صورة كون الحكم بدون الدال الآخر

ليكون اشكاله تعدد اللحاظ و المعنى مع الاستعمال الواحد.


174
خصص بخصوص في زمان في فرد من افراد العام ثم شك في بقاء الحكم له بعد هذا

الزمان أم لا فيتمسك باستصحاب حكمه لأنه لا يلزم منه تخصيص زائد على التخصيص‏

المعلوم لأن الخارج هو الفرد الواحد في جميع الأزمان لأن مورد التخصيص الافراد دون‏

الأزمنة من غير فرق بين استفادة الاستمرار من اللفظ صريحا كالمثال المتقدم‏

أو استفادته بمقدمات الإطلاق مثل قوله تواضع للناس بناء على استفادة

الاستمرار منه و لا يكون هذا من تخصيص العام بالاستصحاب هذا حاصل كلامه‏

رفع مقامه.

ثم ان شيخنا النائيني قده قال ان مراد الشيخ قده من هذا الكلام هو ان‏

قيد الاستمرار حيث لا يمكن ان يؤخذ من نفس الخطاب إذا كان قيد الحكم بخلاف‏

صورة كونه قيدا للموضوع أو لمتعلق الموضوع فلا يكون للحكم السريان و الشمول‏

بحسب الأزمان فان القيد إذا كان قيدا للموضوع و المتعلق يمكن استفادة العموم‏

الا زماني منه فلا يتمسك باستصحاب حكم المخصص و اما إذا كان قيدا للحكم فحيث‏

لا يستفاد منه الاستمرار في الا زمان فيمكن التمسك باستصحاب حكم المخصص‏

و قال كلامه و ان كان مجملا و لكن يكون مراده هذا فمورد نفى استصحاب‏

المخصص هو كون متعلق الحكم محل الكلام و مورد إثباته هو صورة كون الحكم‏

محله انتهى حاصل ما أفاده.

و أقول كلام الشيخ قده و ان كان مشكلا و لكن لا يكون فيه شاهدا لكون‏

مراده ما ذكر و سيأتي زيادة توضيح لكلامه قده عند أخذ النتيجة من المقدمات.

المقدمة الرابعة في ان الكلام في الخاصّ أيضا يكون مثل الكلام في العام‏

فان الزمان اما ان يكون قيدا فيه أو ظرفا بالتفصيل السابق في أقسام القيد و أقسام‏

الظرف فأن ملاحظته أيضا لازم في مقام أخذ النتيجة.

إذا عرفت ما ذكرناه فان كان الزمان مأخوذ أعلى نحو الواحدة و الاستمرار

و لم يكن له عموم فردي بحيث يكون لكل زمان حكم مع كون الخاصّ مهملة


175
قال الشيخ الأعظم كما مر بجريان استصحاب حكم المخصص و لا يخفى ان الخاصّ‏

إذا كان مهملا من حيث كون الزمان مأخوذا فيه على نحو الوحدة و الاستمرار

أو على نحو الفرد الاستغراقي يكون محل البحث و الا فلو أحرز كون التخصيص‏

في الخاصّ أيضا في كل زمان من الأزمنة فلا شبهة في بقاء حكمه و لا نحتاج إلى‏

الاستصحاب و هذا الفرض هو محل الكلام في المقام و اما إذا كان العام بنحو العموم‏

الاستغراقي بالنسبة إلى افراد الزمان فلا شبهة في التمسك بعموم العام و عدم المجال‏

لجريان استصحاب حكم المخصص لأن ما هو الخارج على هذا الفرض هو الزمان‏

الواحد و اما ساير الأزمنة فيكون فردا للعام و أصالة العموم حاكمة بالنسبة إليه‏

كما قال الشيخ قده و غيره و اما في الفرض الأول فيجي‏ء الاختلاف من جهة ان المرجع‏

هو عموم العام مطلقا أو المرجع استصحاب حكم الخاصّ مطلقا أو يفصل بين كون‏

العام منقطع الأول و الاخر فيكون هو المرجع و بين كونه منقطع الوسط فيكون‏

المرجع استصحاب حكم المخصص وجوه و أقوال.

و قد اختار الشيخ قده كما مر التمسك باستصحاب حكم المخصص لأن افراد

الزمان لا يكون الحكم بالنسبة إليه محرزا بل أخذ الزمان على نحو الاستمرار و

الواحدة و لا يلزم من تخصيص الفرد بالحكم الخاصّ في ما بعد الزمان المتيقن زيادة

تخصيص بالنسبة إلى العام‏1لأن الخارج هو الفرد فإذا قيل أوفوا بالعقود ثم دل‏

الدليل على الخيار في أول زمان العلم بالغبن يكون خروج العقد الغبني من العام‏

خروج فرد من افراد المتعلق فان كان خارجا إلى الأبد أو في الآن الأول لا فرق فيه و

المفروض ان افراد الزمان غير داخل في الحكم بنحو الفردية ليكون إخراج ساير

1أقول كيف لا يلزم زيادة التخصيص مع ان العقد الغبني بالنسبة إلى الأزمان‏

يكون له افراد و لازمه تخصيص زائد بالنسبة إلى افراد المتعلق ضرورة ان الخارج هو الواحد

بالنوع لا بالشخص هذا


176
الأزمان موجبا الزيادة التخصيص بالنسبة إليه و قد فصل المحقق الخراسانيّ قده بين‏

صور العام و الخاصّ في الكفاية و تنظر في إطلاق كلام أستاذه قده و لكنه حيث كان‏

مؤسسا ما كان له مجال لتوضيح الصور.

و قد أشكل على مقالة الشيخ قده أو لا بان الزمان الواحد الّذي فرض ظرفا للافراد

الّذي يكون متعلق الحكم كيف يبقى على وحدته و لا ينحل إلى الافراد فان الواحد

لا بد ان يتعدد بالانطباق على الكثير ففرض الصورة كذلك لا يخلو عن الغموض.

و قد أجيب عنه بان الانحلال التبعي يعنى بتبع الافراد و ان أمكن ثبوتا و لكن‏

الآمر إذا لاحظ الوحدة و جهة الاتصال في الزمان لا وجه له.

و قد أشكل عليه ثانيا بان هذا الإطلاق في المقام مثل ساير الإطلاقات فكما

إذا قال المولى أعتق رقبة يتمسك للإطلاق الأفرادي و الزماني فيه بمقدمات الحكمة

فكذلك إذا قال المولى أوفوا بالعقود نتمسك بالإطلاق الأحوالي و الأفرادي فتعدد

الفرد و الزمان يفهم من الإطلاق.

و قد أجاب الحائري قده من هذا الإشكال بان الإطلاق قابل للتخصص فيمكن ان‏

يكون لنا إطلاق بالنسبة إلى قيد العدالة في أعتق رقبة في الكلام و لم يكن هذا الإطلاق‏

بالنسبة إلى قيد الإيمان إذا دل الدليل على التقييد فكذلك في المقام الإطلاق من جهة

الافراد لا ينافى عدمه من حيث الأزمان فإذا لاحظ اللاحظ الزمان متصلا واحدا لا يكون‏

لنا القول بالإطلاق،

و اما أصل كلامه قده فكيف يمكن الالتزام به مع ان اللاحظ لو كان لحاظه بالنسبة

إلى الزمان بنحو الوحدة بحيث يكون امتثال جميع الافراد امتثالا واحد فإذا خرج فرد

من الافراد في الوسط يكون الامتثال فيما بعده امتثالا آخر نعم التخصيص في أول العام‏

و آخره لا يضر بالامتثال الواحد و على فرض الغمض عن هذا فزيادة التخصيص بالنسبة إلى‏

الافراد لازم بالبيان السابق فأصالة العموم في العام محكمة.


177
و لا يقال ان الوحدة هنا ليست شخصية بل نوعية فان الزمان الطويل زمان‏

واحد و له اجزاء فكيف لا ينحل إلى الافراد.

لأنه يقول ان الواحد النوعيّ إذا لاحظه اللاحظ واحدا شخصيا لا يجي‏ء فيه‏

الانحلال فكلام الشيخ قده متين في المقام و عليه فإذا سقط العام عن الحجية في‏

الوسط بواسطة التخصيص و قطع اتصال الزمان لا يمكن التمسك إليه بل المتمسك‏

هو استصحاب حكم المخصص.

نعم إطلاق كلامه قده لا يتم على ما هو التحقيق للفرق بين منقطع الأول‏

و الاخر و بين منقطع الوسط فان العام إذا انقطع أوله يكون ظهوره في الشمول‏

بعد الانقطاع شاملا لبقية الافراد و لا يجي‏ء فيه ما يوجب سقوطه و هكذا إذا كان‏

التخصيص في آخره.

و اما في الوسط فحيث يكسر ظهوره فلا محيص بعده إلا عن استصحاب‏

حكم المخصص و لا يكون نظره قده إلى الإطلاق أيضا ليرد عليه الإشكال كما لا يكون‏

كلامه في صورة كون العام بنحو الاستمرار في الزمان و الحكم على الخاصّ بنحو

الشمول لجميع افراد المخصص في كل زمان ليقال هذا لا إشكال في ان المرجع‏

فيه هو التمسك بحكم الخاصّ دون العام هذا كله بيان كلامه قده في الرسائل.

و اما ما في المكاسب في خيار الغبن فقد فهم شيخنا النائيني قده منه ان‏

الزمان ان كان قيدا أو ظرفا للحكم فلا يكون له إطلاق بالنسبة إلى افراد الزمان‏

و اما ان كان قيدا أو ظرفا للمتعلق أو الموضوع فيكون له إطلاق و عليه بنى كلام الشيخ‏

قده في المقام و قد مر البحث فيه و الإشكال عليه بأنه غير منوط بكلامه قده.


178
تتمة

في تأسيس الأصل إذا شك في نحو العموم الزماني‏

و الكلام تارة يكون في أصل العموم و تارة في مصبه من حيث كون العموم‏

في الحكم أو في المتعلق بتعبير الأستاذ النائيني أو من حيث العام المجموعي و الأفرادي‏

بتعبيرنا.

اما إذا كان الشك في أصل العموم كما إذا شك في استمرار الوجوب بعد

قول المولى إكرام العلماء و لا نعلم انه أراد الدوام أو يكفى الإتيان بصرف الطبيعة فان‏

الأصل يقتضى البراءة عن استمرار الحكم لأنه قيد زائد على إتيان أصل الطبيعة

و المتيقن من الخطاب هو ذلك لا غيره فان صرف الوجود كاف في الامتثال.

و قال شيخنا الأستاذ النائيني قده ان الإتيان بالطبيعة في الآن الأول هو الواجب‏

و اما بقية الآنات فالأصل يقتضى البراءة عنه لعدم البيان للاستمرار في الخطاب‏

و لا في غيره من الخارج.

و يرد عليه ان الآنات و الزمان لا مرجح‏1لفرد منها على الاخر تساويها

من حيث كونها ظرفا للفعل فيكون المكلف مخيرا في جميع الآنات في إتيان ما هو

صرف الوجود لو كان المراد هو الصرف فقط و اما ان كان الحكم لفرد خاص‏

من الزمان و لا نعلم انه الأول أو الآخر أو الوسط فمقتضى العلم الإجمالي هو الاحتياط

كما في أيام الحيض الدائر بين أول الشهر أو وسطه أو آخره.

1أقول لعل مراده قده هو ان المكلف ابتداء عمله هو الشروع و هو الآن الأول و

بعد هذا الامتثال يعد الامتثال الاخر ثانيا و اما يكون المراد هو ان الأمر إذا اقتضى الفور

فيكون الآن الأول لا بد منه و ساير الآنات مشكوك فيه.


179
فتحصل انه لا خصيصة في الآن الأول إذا شك في استمرار الحكم و كيف كان‏

فالأصل عدم العموم في صورة الشك فيه.

و اما إذا كان الشك في مصب العموم يعنى في كونه عاما مجموعيا أو عاما

افراديا فربما قيل ان العموم الأفرادي لكل زمان يحتاج إلى مئونة زائدة مع‏

اشتراكهما في أصل العموم كما عن شيخنا العراقي قده فانه يدعى ان الفطرة تقتضي‏

القول بالعامّ المجموعي.

و فيه انه أيضا يحتاج إلى مئونة زائدة فان المجموعية أيضا مثل الافراد من‏

الزمان محتاجة إلى مئونة زائدة.

و قال شيخنا النائيني قده ان العام الأفرادي أقل مئونة من العام المجموعي‏

فهو المتعين و يرد عليه انه ادعاء لا شاهد له و مقدمات الحكمة لا تكون في المقام جارية

في إثبات أحد النحوين و لا يمكن هنا التمسك بأصالة البراءة عن أحدهما و عليه فإذا

خصص بمخصص و لا نعلم ان المخصص يكون في جميع الأزمان أو بعضه كما هو عنوان‏

أصل التنبيه لا يكون لنا السبيل إلى استصحاب حكم المخصص لأنه من الشبهة المصداقية

له فانه لو كان العام مجموعيا يجري و ان كان افراد يا فلا يجري و هذا التمسك بعموم‏

العام لا يمكن في هذا الفرض هذا على أساسنا في المقام.

و اما على أساس شيخنا النائيني قده من ان الاستمرار ان كان مستفاد من‏

الدليل للحكم فالعام عام مجموعي و ان كان للمتعلق فالعام عام افرادي و حيث‏

يكون الشك فيه فيكون الأصل اللفظي عنده هو إثبات العام المجموعي دون‏

الأفرادي.

و حاصل الكلام في بيانه هو ان الإطلاق و التقييد امر ان متلازمان ففي كل‏

صورة أمكن الإطلاق أمكن التقييد و بالعكس و في كل صورة لا يمكن الإطلاق لا يمكن‏

التقييد و بالعكس فهما متلازمان في ذلك.

ثم على هذا الأساس قال ان قيد الحكم و هو الاستمرار حيث لا يمكن استفادته‏


180
من نفس الخطاب لعدم إمكان إثبات الصفة و الموصوف بلحاظ واحد و استعمال واحد

فلا يمكن إثبات إطلاق الحكم عن هذا القيد لأن الإطلاق و التقييد متلازمان فإذا

لم يمكن إطلاق الحكم فلنا التمسك بإطلاق المتعلق لأنه مما يمكن تقييده فمع الشك‏

في استمرار المتعلق نثبت إطلاقه عن هذا القيد.

فإذا لم يكن القيد و هو العموم و الاستمرار للمتعلق فلا بد أن يكون للحكم و

حيث ان الحكم لا يكون في وسعه الاستمرار الفردي في الزمان فيكون الاستمرار

بنحو العام المجموعي للحكم.

و لا يقال عليه بان الطلاق الحكم أيضا يثبت كون القيد للمتعلق لأنه فرض‏

عدم إمكان إطلاق الحكم فلا تجري أصالة الإطلاق فيه لتعارض مع أصالة الإطلاق في‏

المتعلق هذا كلامه رفع مقامه.

و أقول‏1ان التلازم بين الإطلاق و التقييد يكون في الإطلاق و التقييد اللحاظي‏

و اما الإطلاق الذاتي فهو غير منكر في الحكم فان الحكم في ذاته يمكن ان يكون‏

له الاستمرار الفردي و الاستمرار بنحو العام المجموعي مضافا بان مقدمات الإطلاق‏

في أي موضع جرت توجب رفض القيود و لا يثبت الإطلاق في شي‏ء آخر فإطلاق المتعلق‏

1أقول و أضف إليه ان القيد إذا كان للحكم أيضا يرجع معناه بالفارسية إلى ان‏

يقال اين حكم هميشه هست يا تا يكسال هميشه هست و ليس معناه مجموعية العام فانه مثل‏

كون القيد للمتعلق بان يقال بالفارسية اين متعلق مثل اكرام هميشه يا يكسال حكم دارد.

و العلم الإجمالي بان العام اما ان يكون مجموعيا أو افراد يا لا يثبت المجموعية و لا

الإفرادية و لا يكون لازمه الاحتياط لعدم إمكانه في المقام في الأثر الّذي يترتب عليه و هو

التمسك بحكم العام أو المخصص بعد التخصيص بل مقتضاه التخيير بعد عدم إثبات شي‏ء.


181
لا يثبت القيد للحكم فيحصل التعارض بين الإطلاقين‏1.

التنبيه الرابع عشر

في استصحاب بعض اجزاء المركب الارتباطي إذا تعذر بعض اجزائه.

فقد ذكره الشيخ قده في الرسائل في التنبيه الحادي عشر من تنبيهات الاستصحاب‏

و قد ذكره الاستصحاب و وجهه بتوجيهات ثلاثة.

اما أصل بيان الاستصحاب فهو ان المركب مثل الصلاة إذا تعذر بعض اجزائها

مثل السورة في الصلاة كان واجبا فيما سبق فيستصحب وجوبه.

و إشكال على هذا التقريب بان المستصحب ان كان الوجوب النفسيّ لبقية

الاجزاء فهو مشكوك فيه من أصله فان المحرز هو الوجوب بتبع بقية الاجزاء

و ان كان هو الوجوب الغيري فيكون مقطوع العدم لانتفائه بتعذر الجزء و من‏

المعلوم ان اليقين السابق و الشك اللاحق يكون من أركان الاستصحاب و هو هنا

1أقول و في مقام العمل لا بد ان يلاحظ مقتضى الأصل الاخر فان المقام يكون نظير

الأقل و الأكثر ففي العموم الأزماني الأفرادي يكون الحكم لكل فرد من الزمان و لا يكون للفرد من‏

الزمان حكم في العام المجموعي فإذا شك في وجوب إكرام فرد بعد تخصيص العام بفرد

في زمان يكون المتيقن هو خروج الفرد عن تحت العام في الآن الأول و اما ساير الآنات فان‏

كان العام افراديا فهو باق تحت حكم العام و ان كان مجموعيا يكون تحت حكم الخاصّ‏

فحيث يدور الأمر بين الوجود و العدم فلا بد من التخيير لعدم إمكان الاحتياط بإكرام فرد

و ترك إكرامه هذا على ما هو الدارج من الفرق بين العام الأفرادي و المجموعي في صورة

الشك في التخصيص.

اما على فرض عدم الفرق كما لا يبعد بل هو المتعين فاللازم هو التمسك بعموم‏

العام بعد تخصيص ما هو المتيقن.


182
مفقود لعدم اليقين بشي‏ء كذلك.

و لذا قد وجه الاستصحاب بتوجيهات ثلاثة التوجيه الأول هو ان يكون المستصحب هو القدر المشترك في البين و لو علم بزوال الفرد المشخص له فان‏

المستصحب هو مطلق المطلوبية الدائرة بين الاجزاء فان الاجزاء الباقية مطلوبة

و لو في ضمن الكل و العرف لا يرى مغايرة بين القبل و البعد من حيث تعذر بعض‏

الاجزاء و عدمه فيكون نظير استصحاب الكلي في القسم الثاني.

و قد أشكل عليه شيخنا النائيني قده بأن وجوب الاجزاء لا يكون وجوبا

مقدميا في ضمن الكل بل الوجوب منبسط على الكل انبساط البياض على الجسم‏

هذا أولا.

و ثانيا ان هذا يكون من استصحاب الكلي في القسم الثالث لأن الوجوب‏

النفسيّ مغاير للوجوب الغيري حقيقة و سنخا و لا يكون بينهما الشدة و الضعف‏

بان يقال الوجوب النفسيّ شديد و الوجوب الغيري ضعيف و المقام يكون من‏

القسم الثاني من أقسام‏1الكلي القسم الثالث فان هذا القسم كما مر يكون له‏

ثلاثة أقسام.

الأول ان يكون العلم بوجوب حيوان مثلا في الدار و حصل العلم بموته و

لكن لا ندري وجود حيوان آخر فيه في ضمن فرد آخر حتى يكون الحيوان باقيا في‏

الدار أو لم يكن حتى لا يكون باقيا.

و الثاني ان نعلم بوجود حيوان في الدار في ضمن فرد مثل الفرس و نعلم زواله‏

بالموت أو غيره أيضا و لكن لا ندري انه حين زواله حدث فرد آخر أم لا.

1أقول حيث نحتمل ان يكون جعل الحكم نفسا على هذا الجزء مع كونه‏

مقدمة على فرض الغمض عن ساير الإشكالات مثل إنكار مقدمية الجزء للكل فيكون من‏

الكلي القسم الأول من القسم الثالث لا القسم الثاني منه لأنه لا يكون الشك في مجي‏ء الحكم‏

النفسيّ بالجعل بالمستقل بعد ذهاب المقدمي فتدبر.


183
و الثالث هذا القسم لكن في صورة كون الفرد الاخر من المراتب الضعيفة للفرد الباقي‏

كما إذا علمنا بزوال الحمرة الشديدة و لكن نحتمل وجود فرد آخر من الحمرة الضعيفة

فيكون المقام بعد زوال الوجوب المقدمي على فرض كونه مقدميا في الاجزاء الشك‏

في حدوث فرد آخر الّذي هو النفسيّ فيكون من القسم الثاني في الكلي القسم الثالث‏

الا ان يقال ان النفسيّة و الغيرية من الحالات للوجوب لا من المقومات.

و قد أشكل عليه بان استصحاب بقاء الجزئية حتى في حال الاضطرار حاكم‏

على استصحاب الوجوب بالنسبة إلى البقية فلا تصل النوبة إليه لأنه إذا أحرزت الجزئية

حتى في حال الاضطرار يسقط المركب عن الاعتبار لتعذره بتعذر بعض اجزائه‏

و قد أشكل عليه بان هذا الاستصحاب مثبت بالنسبة إلى إثبات عدم بقاء جزئية البقية

في حين الاضطرار و ليس الأصل المثبت حجة على المشهور.

و فيه ان اللازم الّذي يترتب على الأعم من الواقع و الظاهر لا إشكال في ترتبه‏

على الاستصحاب فان جواز الاقتداء هو الأثر للعدالة و لكن الا العدالة الواقعية فقط بل‏

العدالة التي ثبتت بالاستصحاب أيضا كذلك و هكذا جواز الاخبار عنها و كذلك وجوب الإطاعة أثر عقلي مترتب على الوجود الأعم من الواقعي أو الظاهري المحرز

بالاستصحاب أو دليل آخر.

و في المقام عدم جزئية البقية يكون من الآثار التي تترتب على جزئية الاجزاء

المضطرة إليها سواء أحرزت الجزئية في هذا الحال بالوجدان أو بالاستصحاب فلا إشكال‏

في ترتب هذا الأثر.

فان قلت الجزئية مما لا تنالها يد الجعل حتى يمكن استصحابها و التعبد ببقائها

بل هي امر تكويني و لا يجري الاستصحاب في التكوينيات‏

قلت الجزئية التكوينية بعد التعذر ساقطة و الجزئية بمعنى الوجوب الفعلي للجزء

مرفوع قطعا لتعذره و لكن الجزئية في ظرف التشريع و الجعل تكون مشكوكة و انا لا ندري‏

ان المركب بعد تعذر اجزائه هل هي باقية أو لا و فائدة الجعل عدم وجوب البقية و

من هذا الوجه يجري الاستصحاب.


184
التوجيه الثاني ان يكون المستصحب نفس الوجوب النفسيّ لا الجامع بان يقال‏

ان معروض الوجوب سابقا و المشار إليه بقولنا هذا الفعل كان واجبا و هو الباقي الا

انه يشك في مدخلية الجزء المفقود في اتصافه بالوجوب النفسيّ فيكون محل‏

الوجوب النفسيّ هو الباقي و وجود الجزء المتعذر و عدمه كالحالات المتبادلة فان‏

الصلاة مثلا مع التشهد و بدونه تكون كالصلاة في حال القيام و القعود و تبدل الأحوال‏

كذلك يكون منشأ للشك و استصحاب بقية الاجزاء لا مانع منه بعد عدم دخل المتعذر

في قوام المركب و هذا النحو من الاستصحاب لا يكون إلا في الوجوب الشخصي على‏

بقية الاجزاء لا في القدر المشترك فلا يرد عليه ما أورد على التوجيه الأول و مثل هذا

استصحاب بقاء الكرية بعد نقص الماء.

و قد أشكل شيخنا النائيني قده أيضا عليه بان كون الجزء من الأركان أو

من الحالات الغير المقومة للمركب لا يكون بيد العرف في المركبات الشرعية فمن‏

الممكن ان يكون الجزء المتعذر مما به قوام المركب بحيث لا يكون لبقية الاجزاء

مصلحة بدون كما ان قاعدة الميسور أيضا لا تجري في المركبات الشرعية لعدم‏

إحاطة العرف بالمصالح و المفاسد الشرعية التي هي ملاك جعل الأحكام البعثية

و الزجرية.

و الجواب عنه هو ان الشارع إذا بين في الصلاة الأركان بواسطة دليل لا تعاد

الصلاة الا من خمس و كذلك بين ما هو الركن في الحج بواسطة بيان موارد النسيان‏

و لم يبين في الجملة ان الجزء المتعذر من الأركان أم لا فهمنا انه أو كل ذلك إلى‏

نظر العرف في قاعدة الميسور و في المقام و الحاصل انه لو كان ركنا لبينه و حيث‏

لم يبين فلنا إجراء الأصل بالنسبة إلى البقية و فرض وجود هذا الجزء و عدمه للمركب‏

كالحالات التي صارت منشئا للشك.

التوجيه الثالث عن الشيخ قده و هو استصحاب وجوب نفس الاجزاء الباقية

و لكن الجزء لا ندري انه جزء مطلقا أو يكون جزء في حال الاختيار فنستصحب‏


185
الوجوب بالنسبة إلى الاجزاء الباقية و نثبت به ان الجزء كان جزء في حال الاختيار

فقط لا في حال الاضطرار و هذا نظير استصحاب الكر في هذا الإناء لا ثبات كون‏

الباقي كرا فيه.

أقول و قد صرح الشيخ قده و شيخنا النائيني أيضا بان جريان الأصل هكذا مثبت‏

و الأصل المثبت غير جار و لكنا لا نكون بصدد1الأثر الّذي يكون الأصل بالنسبة

إليه مثبتا و هو إثبات ان الجزء جزء في حال الاختيار فقط بل يجري الاستصحاب‏

بالنسبة إلى نفس الوجوب الّذي هو حكم من الأحكام الشرعية.

ثم ان شيخنا النائيني قده أجرى الاستصحاب بتقريب آخر ليسلم عن الإشكالات‏

التي مرت و هو انه قال ان المركب ليس الا الاجزاء بالأسر و لا يكون الجزء مقدمة

الكل كما حرر في باب وجوب المقدمة فتمام المركب يكون كالخط الطويل و

بعضه يكون كالخط القصير و القصر و الطول لا يؤثران بالنسبة إلى الوجوب فهو باق‏

بعد تعذر البعض بالأصل و تعذره يكون مثل تبدل الحال في الموضوع فلا يكون‏

المستصحب هو القدر المشترك و لا الوجوب النفسيّ بالمعنى المتقدم فلا إشكال‏

فيه أصلا فان قلت فعلى هذا يلزم ان يكون الوجوب باقيا و ان بقيت القدرة في مثل‏

الصلاة على السلام فقط.

قلت اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة أيضا شرط في جريان الاستصحاب‏

و هو مفقود في هذا الفرض فلا بد من الرجوع إلى العرف في ذلك و هو لا يحكم بالبقاء

الا بعد بقاء معظم الاجزاء.

و لكن يرد على جوابه قده ان العرف كيف صار هنا حاكما في اتحاد القضيتين‏

و قد مر آنفا منه انه ليس له تشخيص الميسور في المركبات الشرعية فكيف صار هو

1أقول هذا يكون من باب الخروج عن الفرض في التقريب و يكون تسليما

للتوجيه الثاني الّذي هو خال عن هذا الإشكال.


186
المرجع هنا و اما أصل هذا البيان لجريانه ليس الا التوجيه الثالث‏1عن الشيخ قده‏

و هو ما أراد بتوجيه الا هذا النحو من الأصل ضرورة ان المتعذر إذا كان غير دخيل‏

يمكن استصحاب شخص الوجوب في البقية و الا فمع احتمال زوال الوجوب لاحتمال‏

كونه مقدمة للكل فكيف يمكن الاستصحاب بهذا البيان.

فتحصل ان الاستصحاب جار بالتوجيه الأخير في اجزاء المركب المتعذر

بعضه.

تتمة

ان الظاهر من كلام الشيخ قده في جريان استصحاب الاجزاء عدم الفرق بين‏

صورة كون الشك في وجوب بقية الاجزاء بعد تعذر البعض في الوقت و بين كونه‏

في خارجه فان الشك و اليقين يكون بالنسبة إلى الحكم النوعيّ فقبل دلوك الشمس‏

إذا كان بعض اجزاء الصلاة متعذرا بلحاظ الوقت يمكن استصحابه بالبيان السابق‏

كما إذا كان بعد دخول الوقت و قد فهم شيخنا الأستاذ النائيني قده من كلامه ان‏

المراد هو الاستصحاب التعليقي يعنى هذا التكليف بالنسبة إلى المكلف هل يكون‏

بعد دخول الوقت لو بقي التعذر أم لا فأشكل عليه من جهة عدم جريان الاستصحاب‏

التعليقي عنده في جميع المقامات.

و المحقق الخراسانيّ قده في الحاشية على الرسائل ص 219 فرق بين استصحاب‏

الاشتغال و استصحاب الوجوب بعد كون الاستصحاب كذلك تعليقيا عنده فقال‏

بجريانه في الوجوب قبل الوقت دون الاشتغال لعدمه قبله لأن الاشتغال قبل دخول‏

الوقت لا معنى له و اما الوجوب فيمكن استصحابه لإمكانه قبل الوقت أيضا.

1أقول بل يشبه التوجيه الثاني و هو سالم عن إشكال مثبتية الاستصحاب الّذي كان‏

في التوجيه الثالث.


187
أقول و لا يخفى عليكم ان البحث تارة يكون في ان الناقص هل يجب بعد

تعذر الجزء و هو أصل البحث و تارة يكون الشك في الاستصحاب من جهة عدم دخول‏

الوقت و فعلية التكليف و من هذا الجهة يشبه بالتعليقي و حيث ان المختار جريان‏

الاستصحاب التعليقي أيضا فلا إشكال خلافا للنائيني قده و على فرض عدم جريانه‏

فان كان المقام من قبيل استصحاب المجتهد فيجري الاستصحاب‏1فان المجتهد

يكون موضوع حكمه هو الفرض فانه يفرض ان الماء إذا أزال تغييره بنفسه فهل يكون‏

استصحاب النجاسة جاريا أولا و لو لم يكون فعلا مورد ابتلائه و لا مورد ابتلاء مقلده‏

ففي المقام يفرض مركب و يفرض تعذر بعض اجزائه ثم يبحث عن جريان الأصل‏

و عدمه و هذا هو الثمرة في البحث فان كان تعليقيا فهو لا يجري قبل الوقت لعدم جريانه‏

عند بعض.

و اما ان كان من قبيل استصحاب المجتهد فهو يجري مطلقا و إحرازه في المقام‏

مهم جدا أي إحراز كونه من قبيل استصحاب المجتهد أو التعليقي و المحقق الخراسانيّ‏

قده و ان كان قائلا بجريان الاستصحاب التعليقي.

و لكن في المقام فرق بين استصحاب الوجوب فقال بجريانه كما مر و بين‏

استصحاب الاشتغال فقال بعدم جريانه.

1أقول ان الظاهر كونه مثل استصحاب المجتهد لأن المقلد يفرض المركب بعد

دخول الوقت و يفرض تعذر الاجزاء فيحكم بالاستصحاب انه واجب كذلك بعد الوقت و هذا

الفعل من المقلد يكون اجتهادا في الحكم و ليس شأنه بل هذا شأن المجتهد غالبا.

و لا يكون مثل استصحاب الحرمة في العصير الزبيبي بعد الغليان بعد كون الدليل في‏

العنب انه إذا غلى يحرم و ينجس فان الموضوع قد تغير و يمكن القول بعدم الجريان.

و لكن في المقام يكون الحكم على الفرض و فرضه بعد دخول الوقت حاصل فيكون‏

مثل قيام أمارة على وجوب الصلاة في الوقت فنزاع الاستصحاب التعليقي لا يجي‏ء هنا و

الظاهر أن مراد الشيخ الأعظم أيضا كذلك حيث جعل الشك و اليقين بالنسبة إلى النوع.


188
و لكن فرقه لا يكون في محله لأن استصحاب الوجوب أيضا يكون هو استصحاب‏

الاشتغال فحيث لا وجوب فلا اشتغال أيضا1

التنبيه الخامس عشر

في ان المراد بالشك الّذي أخذ في دليل الاستصحاب و هو قوله عليه السلام لا تنقض‏

اليقين بالشك ليس هو خصوص هذا الوصف يعنى الشك المتساوي الطرفين بل يشمل‏

الظن الغير المعتبر شرعا خصوصا بملاحظة ما ورد في الرواية فان حركت في جنبه شي‏ء و هو لا يعلم فان هذه الفقرة شاهدة للتعميم لأن من حرك في جنبه شي‏ء و هو لا يلتفت‏

يحصل له الظن بالنوم و مع ذلك لا يعتنى به و يقال بان اليقين هو المعتبر.

و سند الشيخ قده هو الإجماع على ذلك و ان المراد بالشك هو خلاف اليقين‏

و لو كان ظنا غير معتبر و حكومة الظن المعتبر على هذا الدليل في الاستصحاب من‏

جهة انه بمنزلة اليقين فيصير غاية للدليل.

و قال قده بما حاصله ان الظن الغير المعتبر يكون مشكوك الحجية و هو مثل‏

الشك و يرد عليه ان عدم الدليل على الحجية لا يوجب كونه كالشك.

1أقول نظره المبارك إلى ان الاشتغال هو مقام الفعلية للتكليف و هو لا تحقق له‏

قبل الوقت و مراده من الوجوب الوجوب في عالم الجعل و الإنشاء قبل الفعلية فيمكن‏

استصحابه بدون النّظر إلى الفعلية و اثره الوجوب الفعلي في الوقت ضرورة انه قائل في الأحكام‏

بالمراتب من الإنشاء و الفعلية و التنجيز نعم مبنى الأستاذ مد ظله هو فعلية الأحكام قبل الوقت‏

أيضا فلا فرق عنده و عليه يكون الاستصحاب للحكم الفعلي قبل الوقت و لنا في الوجوب‏

الفعلي و الإنشائي بحث قد مر في مباحث الواجب المشروط في الجزء الأول من كتاب مجمع‏

الأفكار المطبوع في سنة 1395 ق و ما ذكرنا لا يكون في كلامه في الحاشية و لكن يكون انتصارا له‏

في كلامه.


189
و لكن مقصوده قده هو ان الشك في لسان دليل الاستصحاب هو الأعم من الشك‏

في الحجية أو الشك في الموضوع فلا ينقض اليقين بالشك سواء كان الشك في بقاء

الموضوع أو في حجية الظن.

و لكن هذا خلاف ظاهر أدلة الاستصحاب فان ظاهرها هو الشك في المورد لا شك في‏

اعتبار الظن فكلامه قده لا شاهد له‏1و كيف كان فعدم صيرورة الظن الغير المعتبر غاية

لدليل الاستصحاب مما لا إشكال فيه و إلى هنا قد تمت التنبيهات بحمد اللَّه و المنة.

تتمة في اشتراط بقاء الموضوع في الاستصحاب‏و عدم أمارة معتبرة هناك‏

لا بد في الاستصحاب من بقاء الموضوع و عدم أمارة معتبرة هناك و لو على وفاقه‏

فهاهنا مقامان:

المقام الأول في انه لا شبهة في لزوم اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة في‏

الاستصحاب‏

ضرورة انه بدونه ان يكون من إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر

فان شك في العدالة يلزم ان يكون اليقين السابق متعلقا بها أيضا لا بشي‏ء آخر و

الا فلا يمكن الاستصحاب لأنه عبارة عن إبقاء ما كان كما كان و منصرف رواياته أيضا

كذلك و هذا واضح و لكن الاختلاف وقع بين المحقق الخراسانيّ قده و أستاذه الشيخ‏

الأعظم قده في مناط الوحدة فذهب الثاني بان الوحدة لا تصدق الا بعد إحراز الموضوع‏

فهو مقوم لها و أنكر الأول بان إحراز الموضوع لا يكون شرطا في غالب الموارد فإذا

أردنا استصحاب العدالة بعد الشك فيها-فقال الشيخ قده يجب إحراز حياة زيد ليمكن‏

استصحاب عدالته.

1أقول و تفصيل الكلام في كتابه الرسائل في التنبيه الثاني عشر فان بيانه قده‏

أبسط من جهة كون الاستصحاب حجة من باب الظن أو من الاخبار الواردة للتعبد به و من‏

جهة شواهد كون المراد بالشك في الدليل هو خلاف اليقين الّذي يشمل الظن فارجع إليه.


190
و استدل قده في الرسائل عليه برهنا و لم يقنع بما هو منصرف الروايات بما

حاصله ان العرض لا بد له من موضوع يقوم به و من المعلوم ان العدالة عرض من‏

الاعراض النفسانيّة و لا بد لها من موضوع هو الإنسان الحي فوجودها و تشخصها

بالموضوع و لا أثر للعدالة الكلية.

و أجاب عنه المحقق الخراسانيّ قده في الكفاية و في حاشيته على الرسائل مع‏

تفاوت يسير في البيان بما حاصله ان وحده القضيتين لا تتوقف على إحراز الموضوع‏

في عالم التعبد فان العدالة التكوينية لا بد لها من موضوع تكويني و هو زيد

الحي مثلا.

و اما العدالة التعبدية لترتيب الأثر الّذي يمكن ان يكون أثرا لها بدون‏

الموضوع فلا يحتاج إلى إحرازه فلا نحتاج لا ثبات جواز تقليد زيد بعد الشك في‏

عدالته الا إلى إحراز العدالة و لو لم نحرز حياة زيد فان التقليد تعبدا ممكن و اما

الآثار التي لا بد في ترتيبها إلى وجود الموضوع مثل استصحاب عدالة زيد للاقتداء

به و لا كرامة بتقبيل يده و غيره أو إعطائه شيئا فلا بد من إحراز حياته بإحراز وجوده‏

في الخارج ضرورة انه لا يمكن الاقتداء بمن هو غير محرز الوجود و هكذا غيره من‏

الآثار التي ذكرناها و الحاصل ان التعبد قليل المئونة و يمكن تصويره في كل أفق‏

في الوعاء المناسب له.

و الجواب عنه هو ان مراد الشيخ قده ليس إنكار إمكان التعبد كما ذكره فان‏

إمكانه لا غير و فيه و لكن المراد هو ان منصرف روايات الباب هو ان ما هو ممكن في‏

التكوين يكون التعبد بالنسبة إليه كالموارد التي تكون في الروايات من الطهارة

عن الحدث و الخبث فان بقائه ممكن في التكوين في شي‏ء أو شخص فيتعبد به.

و اما غير الممكن في التكوين و هو وجود العرض بلا موضوع فلا يكون منصرف‏

الروايات و الحاصل المحال التكويني لا يكون التعبد بالنسبة إليه أيضا.

و لكن التحقيق هو ان منصرف الدليل يكون جريان الاستصحاب مع إحراز.


191
الموضوع فان الممكنة في التكوين هي التي يجري التعبد فيها في التشريع فلا بد

من إحراز الموضوع في استصحاب العدالة لعدم إمكان وجودها لا في الموضوع و

الموارد التي ذكرت في الروايات تكون كذلك وفاقا للشيخ الأعظم و خلافا للمحقق‏

الخراسانيّ قده من غير فرق بين كون الاستصحاب جاريا في الشك في الرافع فقط كما

عليه الشيخ قده أو أعم من ذلك يعنى جريانه فيه و في الشك في المقتضى و سيجي‏ء بعيد

هذا نظر الفارق بين المسلكين في المقام.

و الدليل يتم بهذا التقريب و اما القول بوجوب إحراز الموضوع لأن وحدة

القضية المشكوكة و المتيقنة لا يمكن إحرازها بدونه ففيه ما ذكره المحقق الخراسانيّ قده من ان الوحدة صادقة إذا كان الشك في العدالة بعد ما كان اليقين فيها من غير

استصحاب عدالة زيد لتقبيل يده فان التقبيل لا يمكن الا بعد إحراز الموضوع.

ثم ان القائل بجريانه في صورة عدم إحراز الموضوع إذا كان الشك في المقتضي‏

مجرى للاستصحاب و بعدم جريانه إذا كان المجرى له هو الشك في الرافع فقط

يكون نظره في المقام إلى ان العدالة بدون الموضوع لم يحرز استعداد بقائها ليمكن‏

استصحابه بعد الشك في رافعها بخلاف صورة إحراز الموضوع فان استعداد

البقاء قد أحرز و يكون الشك في الرافع و اما مع عدم إحرازه فيكون الشك في المقتضى‏

لأنه مع الشك لم يكن استعدادها للبقاء محرزا فلا يجري الاستصحاب فيه على القول‏

بعدم جريانه في الشك في المقتضى و حيث ان الشيخ قده يكون مسلكه عدم جريان‏

الاستصحاب في الشك في المقتضى فلا بدله ان يقول بعدم جريان الاستصحاب بدون‏

إحراز الموضوع.

فتحصل ان له قده ان يقول بأن إحراز الموضوع شرط بطريقين.

أحدهما هو الانصراف الّذي ذكرناه انتصارا له من غير فرق بين الشك في‏

المقتضى و الرافع.


192
و ثانيهما هو مختاره في الاستصحاب من عدم جريان في الشك في المقتضى‏

مع كون إحراز الموضوع من إحراز استعداد المستصحب للبقاء و الفرق بين‏

الطريقين واضح فان الثاني مختص بمسلكه و مسلك من تبعه و اما الأول فيعم الشك‏

في الرافع و المقتضي و حيث ان التحقيق عندنا هو الجريان في الأعم منهما يكون‏

الطريق لنا هو الأول و هو الانصراف فافهم و اغتنم.

ثم ان الميرزا محمد تقي الشيرازي قده قال بان الاستصحاب تارة يكون‏

بمفاد كان التامة مثل استصحاب العدالة فان استصحاب وجودها أو عدمها و ان كان‏

في موضوع و لكن الموضوع هو الماهية من حيث هي و لا نحتاج إلى إحراز

وراء ذلك و اما ان كان الاستصحاب بنحو كان الناقصة مثل إثبات العدالة لزيد

فإحراز الموضوع لازم لعدم وحدة القضيتين بدونه فان اليقين بعدالة زيد

مع الشك فيها كذلك يمكن جره إذا كان الموضوع محرزا اما بالوجدان أو

بالأصل.

و فيه ان وجود العدالة حيث لا يمكن في الخارج بدون الموضوع و هو الإنسان‏

الحي فلا بد من إحراز الموضوع فان التعبد كما مر يكون في صورة كون المتعبد

به ممكنا في التكوين فلو فرض الأثر على نفس العدالة مثل نذر تصدق درهم‏

لو كانت العدالة ثابتة لزيد لا يمكن اجزاء الأصل الا بعد إحراز حياة زيد لعدم‏

إمكان وجود العدالة بدون الموضوع فكلامه قده غير تام.


193
عويصة في كلام الشيخ الأعظم الأنصاري قده‏

ثم ان المشكل في المقام ما ذكره الشيخ قده بقوله فان قلت إذا كان الموضوع‏

محتمل البقاء فيجوز إحرازه في الزمان اللاحق بالاستصحاب قلت لا مضايقة من‏

جواز استصحابه في بعض الصور الا انه لا ينفع في استصحاب الحكم المحمول عليه‏

بيان ذلك إلخ.

فأقول حاصل الإشكال بتوضيح منا هو ان الموضوع الّذي يكون دخيلا في‏

وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة اما ان يكون محرزا بالوجدان فلا كلام و اما ان‏

يكون محرز العدم فلا كلام أيضا و اما ان كان مشكوك البقاء فأي إشكال في جريان‏

الاستصحاب بالنسبة إليه مضافا إلى جريانه بالنسبة إلى ما يترتب عليه فإذا شك في‏

عدالة زيد و شك في حياته أيضا فيجري استصحاب بالنسبة إلى الحياة و استصحاب‏

بالنسبة إلى العدالة فجريان الاستصحاب في العدالة مع الشك في الموضوع بعد إمكان‏

إحرازه به أيضا لا إشكال فيه فكيف يقال لا يجري استصحاب العدالة مع الشك في‏

الموضوع و هو الحياة.

و اما حاصل جوابه قده بتنقيح منا هو ان الشك في بقاء الحكم يكون على‏

ثلاثة أقسام.

الأول ان يكون الشك فيه من غير ناحية الموضوع بحيث لو كان الموضوع‏

محرزا لكان الشك فيه من جهة أخرى مثل ان يكون الشك في العدالة ناشئا عن‏

احتمال زوالها بما هو موجب للفسق.

الثاني ان يكون الشك فيه مسببا عن الشك في الموضوع بحيث لو أحرز الموضوع‏

لما كان الشك في الحكم لكن مع معلومية الموضوع بحدوده و قيوده مثل ان يكون‏

الشك في النجاسة ناشئا عن الشك في زوال التغيير الّذي كان هو موضوع النجاسة

بحيث لو كان التغيير باقيا لا يبقى شك في النجاسة و كذلك الشك في مطهرية


194
الماء من جهة الشك في كريته أو إطلاقه بحيث لو أحرز الإطلاق أو الكرية لا يكون‏

الشك في المطهرية.

و الثالث ان يكون الشك في الحكم أيضا مسببا عن الشك في الموضوع و لكن‏

الموضوع امره دائر بين ما هو معلوم الارتفاع أو معلوم البقاء قطعا مثل ان يكون‏

الشك في النجاسة ناشئا عن الشك في التغيير و لكن لا يدرى ان التغيير بحدوثه يكفي‏

للحكم بالنجاسة حتى يكون نجسا حينئذ لفرض زواله أو ان التغيير الفعلي شرط

للحكم حتى لا يكون نجسا فعلا لفرض زواله فعلى فرض يكون الحكم باقيا قطعا

و على فرض يكون فانيا قطعا و كذلك الشك في نجاسة الكلب من جهة عدم العلم‏

بأن الموضوع للنجاسة هو الكلب بوصف الكلبية أو الكلب بوصف الجسمية حتى‏

يكون باقيا حتى بعد صيرورته ملحا.

فإذا عرفت أقسام الشك فنقول كما قال قده انه على الأول لا إشكال في جواز

استصحاب الموضوع أيضا كاستصحاب الحكم و لكن استصحاب الحكم كالعدالة

لا يحتاج إلى إحراز الموضوع فانه جار على فرض بقاء الحياة و على تقديرها غاية

الأمر يحصل الفرض باستصحاب الحياة أيضا.

فهنا مستصحبان لكل واحد منهما موضوع على حدة و هما حياة زيد و عدالته‏

على فرض الحياة و لا يعتبر في الثاني إثبات الحياة هذا كلامه قده في هذا القسم‏

رفع مقامه.

و يرد عليه ان مآل هذا الكلام إلى ان استصحاب الحكم مع الشك في الموضوع‏

أيضا يكون جاريا و هو خلاف مسلكه‏1و قد مر ان المحقق الخراسانيّ قده قائل‏

1أقول ان المحقق الخراسانيّ قده لا يكون بصدد فرض الموضوع بل يكفى عنده‏

الشك في العدالة مع كون اليقين متوجها إليها في السابق كما انه في استصحاب الحكم‏

أيضا يقول بهذه المقالة.

و اما الشيخ الأعظم قده في المقام و ان كان التسامح في عبارته حيث عبر عن مثل العدالة


195
بهذا المقالة نعم لو قال بأن الاستصحاب في العدالة مع الشك في الموضوع لا يجري‏

في المقام من باب ان استعداد بقاء الحكم بدون إحراز الموضوع غير ثابت و على‏

مسلكه من جريان الاستصحاب في الشك في الرافع دونه في الشك في المقتضى‏

يكون المقام بهذا النحو من الشك في المقتضى فلا يجري الاستصحاب فيه.

و اما على القسم الثاني و الثالث من الشك فلا يجري الاستصحاب عنده بالتفصيل‏

الّذي في الرسائل فراجع هذا هو البحث في الجهة الأولى من البحث في المقام‏

و هو ان وحدة القضية المشكوكة و المتيقنة لازمه على أي تقدير.

بالحكم ضرورة ان العدالة أيضا موضوع من الموضوعات و ليس حكما مثل الوجوب‏

و الحرمة غاية الأمر تكون من الاعراض القائمة بالموضوع كعروض الحكم للموضوع و هو

متوجه إلى ما ذكرنا و لذا ترى في ذيل عبارته التعبير بأنها موضوع و الحياة أيضا موضوع و

لكن لم يكن كلامه مخالفا لمبناه فانه لم ينس احتياج الاستصحاب إلى إحراز الموضوع‏

و لذا يقدر الحياة في استصحاب العدالة و يقول انه لا يحتاج إلى إحرازه في هذا الحين بل‏

يحصل فرضه باستصحاب آخر.

و بعبارة أخرى ان الاستصحاب التعليقي لا يحتاج إلى إحراز الموضوع و الاستصحاب‏

التنجيزي يحتاج إلى إحرازه و لذا ترى في عبارته فهنا مستصحبان لكل منهما موضوع فانه‏

رأى كل واحد من الحياة و العدالة على فرض الحياة موضوعا و الموضوع لا يحتاج إلى‏

الموضوع و ما يحتاج إلى الموضوع هو الحكم كجواز تقليد العادل أو الاقتداء به فان استصحاب‏

الحكم تعليقا على فرض إمكان إحراز الموضوع بأصل من الأصول يكون جاريا لحصول‏

الغرض.

و اما بدون إحرازه فلا يجري عنده و الفرق بين القول بعدم الاحتياج إلى الموضوع‏

و القول بجريان الاستصحاب التعليقي على فرض الموضوع يكون واضحا بما بيناه و قد عرضت‏

هذا البيان عليه مد ظله في توجيه كلام الشيخ قده بعد الدرس و تقريره فتلقاه بالقبول و اللّه‏

المعين.


196
في مناط الموضوع في الاستصحاب‏

ثم الجهة الثانية من البحث هو ان الموضوع الّذي يجب ان يكون واحدا

في القضية المتيقنة و المشكوكة هل هو الموضوع بنظر العقل أو هو الموضوع في‏

لسان الدليل أو هو الموضوع عند العرف فيه بحث.

و لا يخفى ان الاحتياج إلى هذا البحث يكون من جهة ان الشك في الحكم‏

غالبا يكون ناشئا عن الشك في الموضوع لأن احتمال النسخ في الحكم لا مجال‏

له بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و نشأ هنا إشكال و هو ان الموضوع لو تغير فلا وحدة للقضية

المشكوكة مع المتيقنة لتغييره بالدقة و حينئذ يلزم عدم جريان الاستصحاب في حكم‏

من الأحكام فلذا آل البحث إلى تنقيح الموضوع من حيث وحدته.

فان قيل ان الملاك هو حكم العقل في تشخيصه فيرد عليه بان العقل لا سبيل‏

له إلى تعيين موضوع حكم الشرع لعدم علمه بملاك الحكم.

و ان قيل الملاك هو حكم العرف فيرد عليه ان العرف هو المرجع في المفهوم‏

و اما في المصداق فالملاك هو الدقة في التطبيق و ليس مشرعا ليعين الموضوع فإذا

علمنا منه ان الحنطة نبت كذا أو ان المنّ مثقال كذا نرجع إلى الدقة في تعيين‏

مصداقه.

و ان قيل ان الملاك في الموضوع ما أخذ في لسان الدليل فنقول لا خصيصة

للاستصحاب في ذلك بل جميع الموضوعات الشرعية يؤخذ من لسانه كالصلاة و الصوم‏

ثم إذا كان في لسان الدليل التغيير جزء للموضوع بان يقال الماء المتغير نجس‏

لا يكون للعرف الدخل فيه بجعله الموضوع الماء و التغير من الحالات و إذا كان‏

في لسان الدليل الماء إذا تغير يكون نجسا لا يكون له دخل الوصف في الموضوع‏

فانه في لسان هذا الدليل هو الماء و التغير من حالاته.

و على أي حال فإذا كان الموضوع ما هو في لسان الدليل فتغير الموضوع.


197
بواسطة تغيير بعض أوصافه فقال الشيخ الأنصاري قده انه يحصل لنا القطع حينئذ

بارتفاع الموضوع في الدقة العقلية و لا مجال لاستصحاب الحكم بعد القطع بارتفاع‏

موضوعه و قال شيخنا النائيني قده ان أقصى ما يلزم منه هو الشك في بقاء الموضوع‏

لاحتمال كون الخصوصية المفقودة دخيلة في الموضوع و يحتمل أيضا ان لا يكون لها

الدخل بل تكون علة لحدوث الحكم فقط و لكن الشك في بقاء الموضوع كالعلم‏

بعدمه في منعه عن جريان الاستصحاب فلا يجري استصحاب الحكم بناء على اعتبار

بقاء الموضوع عقلا و دقة-فينسد بابه و ينحصر الاستصحاب بما إذا كان الشك في بقائه‏

لاحتمال وجود الرافع أو الغاية حقيقة لبقاء الموضوع فيهما حقيقية و اتحاد القضية

المتيقنة مع القضية المشكوكة عقلا و هو قده لدفع الإشكال يتمسك بوحدة القضية

المشكوكة و المتيقنة بنظر العرف.

و حاصل كلامه هو ان المناط في الموضوع و ان كان لسان الدليل و لكن‏

العرف في القضايا التركيبية له نظر غير نظره في المفردات و تطبيقها على الخارج و من القضايا

التركيبية قوله عليه السّلام لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر فكلما صدق‏

اتحاد القضيتين بنظره و صدق النقض يكون مجرى للاستصحاب و هذا يختلف حسب‏

اختلاف الموارد و بتناسب الحكم و الموضوع يفهم ذلك و يكون العلاج في نظر

الشيخ الأعظم قده إلى ان بقاء الموضوع يكون بنظر العرف و مثل له بان الكلب‏

نجس و الإنسان طاهر بحسب لسان الدليل و لكن بعد الموت يحكم ببقاء موضوع‏

النجاسة و هو الكلب و يحكم بزوال موضوع الطهارة و هو الإنسان مع ان الموت‏

طار عليهما.

أقول و في كلام الاعلام مواقع من النّظر.

الأول ان زوال قيد أو وصف من الموضوع يوجب العلم بعدمه الا ان يكون‏

القيد قيدا احتياطيا فما ذكره الشيخ قده هو الصحيح و لا يرد عليه ما عن شيخنا

النائيني قده من انه يوجب الشك.


198
و الثاني ان الموضوع لو كان مشكوكا لا ينسد باب الاستصحاب في الأحكام‏

كما عنه قده بل يكون دائرا مدار المبنى فمثل الشيخ قده الّذي لا يجريه مع الشك‏

في الموضوع له ان يقول ان هذا موجب لسد باب الاستصحاب في الأحكام و اما مثل‏

المحقق الخراسانيّ قده فهو في غني عن هذا لأنه يجري الاستصحاب حتى مع الشك‏

في الموضوع:

و الثالث ان استصحاب الموضوع مع الشك فيه يكون جاريا فإذا كان مشكوكا

يثبت به و استصحاب الحكم أيضا لا مانع منه.

نعم على مذهب شيخنا النائيني قده من ان كل قيد في الموضوع يرجع‏

إلى الحكم يشكل جريان الاستصحاب فيه.

و لذا ينكر الواجب المشروط و كذلك الشيخ قده و لكن ليس كذلك فان‏

قيد الحكم له طور من الدخل و قيد الموضوع له طور آخر فانه يكون فرقا واضحا عند أهل‏

المحاورة بين ان يقال الماء المتغير نجس بجعل التغير قيد الموضوع و بين ان يقال‏

الماء نجس إذا تغير بجعل التغيير علة للحكم.

و الرابع على فرض التسليم يكون الإشكال في استصحاب الحكم في صورة

كون الشك في المقتضى.

و اما على مبنى العلمين من انه مختص بالشك في الرافع فلا يبقى إشكال في‏

البين لانحفاظ الموضوع في صورة الشك في الرافع و انما الإشكال على معمم‏

الاستصحاب في الشك في المقتضى و الرافع.

فالتحقيق ان يقال ان كلام الاعلام لا يتكئ إليه بل الحق هو ان الموضوع‏

لا بد ان يؤخذ من لسان الدليل و نحن إذا لاحظناه نرى انه يرى الموضوع في لسان‏

الدليل ذات الماء إذا قال القائل الماء ينجس إذا تغير و يراه الذات مع الوصف إذا

قيل الماء المتغير نجس فإذا فقد التغير يرى تغير الموضوع و بعد أخذه من‏


199
لسان الدليل لا مسامحة له في التطبيق بل لا بد ان يكون التطبيق بالدقة.

فلا محصل للقول بالمسامحة في التطبيق عند ملاحظة اتحاد القضية المشكوكة

مع المتيقنة و لا للمسامحة عند ملاحظة النقض.

لا يقال كما عن شيخنا العراقي قده ان التسامح في دليل الاستصحاب مما لا بد

منه فان قوله عليه السّلام لا تنقض اليقين بالشك لا شبهة في كون المراد باليقين فيه هو

اليقين بالحدوث و في كون المراد بالشك هو الشك في البقاء فلا يكون لحاظ

اليقين و الشك بنحو واحد فإذا كان كذلك ففي الموضوع أيضا يتصرف و يقال بالتسامح‏

فيه من حيث بقائه في نظر العرف.

لأنا نقول ان الحدوث و البقاء لا يكونان الا امرين انتزاعيين عن حاق الوجود و من‏

أطواره فاليقين بالعدالة مثلا و الشك فيها أيضا و لكن اليقين بلحاظ حدوثها و الشك بلحاظ

بقائها.

الكلام في عدم شمول دليل الاستصحاب لقاعدة اليقين‏

أقول هذا البحث و ان مر في أوائل البحث عن الاستصحاب و لكن لزيادة التوضيح‏

نتعرض له في المقام في خاتمته.

فنقول قد اختلف الكلام من حيث شمول دليل الاستصحاب لقاعدة اليقين‏

المسماة بالشك الساري فربما قيل بشموله لها و ربما قيل بعدم شموله لها و استدل‏

القائلون لعدم الشمول بمحالية استعمال اللفظ في الأكثر من معنى واحد و بيانه هو

انا إذا شككنا في عدالة زيد يوم الجمعة بعد ما كان عادلا يوم الخميس و كان‏

اليقين بها في يوم الخميس بحالة يكون مجرى للاستصحاب و يكون الشك في البقاء

بعد العلم بالحدوث.

و اما إذا شككنا في أصل العدالة يوم الخميس من حيث احتمال كون العلم‏

بها فيه جهلا مركبا فيكون الشك في الحدوث فإذا قلنا بشمول قوله عليه السّلام لا تنقض‏


200
اليقين بالشك لهما فلا بد ان يراد من الشك الشك في الحدوث و الشك في البقاء

و كذلك لا بد ان يراد من اليقين المشكوك في حدوثه و اليقين المشكوك‏

في بقائه.

و هذان معنيان للشك و اليقين و لا يمكن استعمال اللفظ الواحد فيهما لاحتياج‏

المعنيين إلى لحاظين و إلى استعمالين فلا بد ان ينطبق الدليل على أحدهما و هو

الاستصحاب فقط لأن مورد الروايات هو الشك في البقاء لا في الحدوث و يمكن‏

الجواب عن هذا الاستدلال بان للنفس عرض عريض فيكون له لحاظ امرين متضادين‏

في آن واحد غاية الأمر لا بد ان يبرز اللحاظ المتعدد بدال متعدد.

و قال الآغا رضا الأصفهاني قده ان من إعجاز القرآن استعمال اللفظ في الأكثر

من معنى واحد فانه جائز و لكن الإشكال في المقام هو عدم وجود دال آخر في‏

الروايات ليفهم منه قاعدة اليقين بل موردها الاستصحاب فقط.

و قد استدل لمنع الشمول شيخنا النائيني قده بأنه لا يمكن اجتماع القاعدة

و الاستصحاب في اللحاظ أصلا لا من جهة اليقين و لا من جهة المتيقن و لا من جهة

النقض و لا من جهة الحكم.

اما من جهة اليقين فلان لحاظ اليقين في الاستصحاب يكون من جهة مر آتيته‏

عن الواقع فان معنى عدم نقض اليقين بالعدالة هو ترتيب أثر المتيقن و هو العدالة

لا ترتيب أثر اليقين و اما في القاعدة فيكون ملحوظا استقلالا فكيف يجتمع اللحاظ

الآلي و الاستقلالي في استعمال واحد:

و فيه ان لحاظ اليقين فيهما يكون بنحو المرآتية فان اليقين بالعدالة في يوم‏

الخميس الّذي يكون الشك في حدوثه يكون معنى عدم نقضه ترتيب أثر العدالة

في الخميس كما ان ترتيب الأثر عليها في الاستصحاب يكون بلحاظ الأثر يوم‏

الجمعة فلا يكون لحاظه استقلاليا ليرد الإشكال فهو كلام ضعيف يكون صادر عن‏

قائل عظيم الشأن.


201
ففي المثال إذا كان العلم بالعدالة لزيد في وقت طلاق فلانة حاصلا ثم شك‏

في عدالته وقت الطلاق يكون معنى عدم نقض اليقين هو صحة الطلاق اللازمة

للعدالة.

و اما من جهة المتيقن فقال قده فلان الزمان لا يلاحظ في المتيقن في الاستصحاب‏

فان المشكوك العدالة مثلا و المتيقن العدالة و لكن الشك يكون في بقائها فقط و اما

في القاعدة فلا بد من لحاظ الزمان بأن يفرض الشك في أصل حدوث العدالة في‏

يوم الخميس مثلا فالمتيقن هو العدالة يوم الخميس لا نفس العدالة فلا يجتمعان من‏

هذه الجهة.

و فيه ان الحدوث و البقاء لا يكونان امرين متأصلين فان الشك في الحدوث‏

أو في البقاء لا يكون موجبا لتعدد المتيقن و اختلافه بل العدالة مشكوكة في‏

الموردين.

و اما من جهة النقض فلان معنى عدم النقض في الاستصحاب هو الجري العملي‏

على طبق الحالة السابقة بلحاظ المتيقن و في القاعدة يكون بلحاظ نفس اليقين‏

من جهة لحاظه استقلالا.

و فيه ان النقض في القاعدة أيضا يكون بلحاظ الجري العملي لا بلحاظ اليقين‏

لعدم لحاظه استقلالا فان الأثر على العدالة لا على اليقين فيها أيضا كما مر.

و اما من جهة الحكم فلان الحكم المجعول في الاستصحاب هو البناء العملي‏

على المتيقن في زمان الشك فيه و في القاعدة يكون من جهة البناء العملي في زمان‏

اليقين ضرورة ان الشك يكون في اليقين الّذي كان يوم الخميس فيكون الحكم‏

بعدم النقض بلحاظ الأثر الّذي وقع في زمان اليقين.

و فيه ان الأثر على الجري العملي على طبق المتيقن في زمان الحدوث في‏

القاعدة و في زمان متأخر في الاستصحاب و الحدوث و البقاء امران انتزاعيان.

ثم ان روح جميع الإشكالات عدم جواز استعمال اللفظ الواحد في المعنيين‏


202
المتضادين و قد مر ان الاستعمال في المعنيين جائز غاية الأمر يحتاج إلى تعدد الدال‏

و هو مفقود في روايات الباب فيكون الإشكال من هذه الجهة لا من جهة عدم إمكان اللحاظين‏

في آن واحد فانه ممكن لأن للنفس عرض عريض ففي آن واحد يكون لها لحاظات‏

متعددة:

و من هنا ظهر ما في كلام شيخنا العراقي قده من ان الاتحاد دقة لا يكون في‏

الاستصحاب أيضا لأن اليقين يكون في الحدوث و الشك يكون في البقاء ففي المقام‏

يكون دائرة التسامح أوسع لأن اليقين يكون في ظرف الحدوث مشكوكا فيه‏

في القاعدة و في الاستصحاب يكون مشكوكا فيه في ظرف البقاء فلا إشكال في‏

التسامح.

و وجه النّظر هو ان الحدوث و البقاء لا يكونان الا امرين منتزعين عن الوجود

و لا يكون لهما تأصل ليلاحظ التسامح بالنسبة إليهما لا في أصل الاستصحاب و لا في المقام‏

و استعمال اللفظ في الأكثر من معنى واحد جائز الا انه لا دال على التعدد.

و هكذا نقول في جوابه من حيث انه يقول في الاستصحاب ان أصل الحدوث‏

يكون مفروغا عنه فيه و في القاعدة لا يكون كذلك لأن اليقين مشكوك فيه من‏

أول الأمر فان الحدوث و البقاء لا يكونان سببا لطولية اليقين في المقام بالنسبة إليهما

لأنهما امران انتزاعيان.

فأخذ الجامع هنا لا إشكال فيه بان يقال ان اليقين في المقامين واحد بالنوع‏

و التعدد يكون من خصوصية الفرد فيمكن لحاظهما و تصور الجامع بينهما و الإشكال‏

في الدال على التعدد.

و الروايات العامة في باب الاستصحاب بدون التطبيق مثل قوله عليه السّلام اليقين‏

لا ينقضه الشك كما في الخصال و ان كانت قابلة للتطبيق على القاعدة و على الاستصحاب‏

الا انها مجملة من حيث التطبيق و ضعيفة من حيث السند فعلى فرض الغمض عن‏

السند نقول ان الروايات الواردة في الاستصحاب من حيث التطبيق على المورد


203
تكون شاهدة للمراد من العمومات فلا دليل لنا على القاعدة في روايات الاستصحاب‏

و لا بد من التماس دليل آخر لها غيرها.

بقي في المقام أمور

الأول‏
ان الشيخ الأعظم قده‏1قال بان الروايات على فرض شمولها للقاعدة

لا تفيد لأنها تكون معارضة مع الاستصحاب دائما لأن العلم بعدم عدالة زيد مقدم على‏

العلم بعدالته فإذا علمنا يوم الجمعة عدالة زيد و شككنا يوم السبت فيها و يكون‏

قبل يوم الجمعة أيضا ظرف العلم بعدم العدالة فيكون لنا حالتان سابقتان‏

فاستصحاب عدم العدالة قبل العلم بها جار لشمول دليل الاستصحاب له فيعارض مع القاعدة

و هما ساقطان بعد التعارض فلا فائدة لشمول الروايات.

ثم أجاب قده عن الإشكال بما حاصله ان اليقين السابق قد انتقض بواسطة

حصول اليقين بالعدالة يوم الجمعة.

و قد أجاب شيخنا العراقي عنه بأن عدم النقض بلحاظ ظرف الجري يكون‏

بالنسبة إلى العدالة بعد اليقين بها و لا مجرى لاستصحاب عدم العدالة قبل هذا الحين‏

و أقول لعل مراده قده هو عدم اتصال الشك و اليقين لاحتمال نقض الحالة السابقة

بالعدالة في ظرف العلم بها و عليه فيكون من موارد الشبهة المصداقية للاتنقض‏

اليقين فانه ان حصلت العدالة في ظرف العلم بها في الواقع فلا يكون مصداقا له و ان‏

لم تحصل فيكون المورد مصداقه و حيث يكون الترديد فيه فلا مجال للتمسك بعمومه‏

1ينبغي المراجعة إلى كلامه قده في الرسائل لضبط خصوصياته فانه متعرض له‏

و الأستاذ مد ظله تعرض في درس واحد لتمام الأمور و تعرض لكلامه و لكلام المحقق الخراسانيّ قده‏

و لكلام العراقي قده و لإيراداته و شرح كل محتاج إلى بيان أزيد من هذا و لذا ترى ان الأمر

الثاني و الثالث لا يكون فيهما بيان لمختاره مد ظله.


204
لعدم إمكان التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية فلا مجرى له بل تكون القاعدة

بلا معارض.

و قال المحقق الخراسانيّ قده بما حاصله هو ان التعارض في المقام ممنوع‏

لأنه متوقف على كون نقض اليقين بعدم العدالة في عرض نقض اليقين بالعدالة و

ليس كذلك فان نقض اليقين بعدم العدالة بالشك متوقف على عدم جريان القاعدة

بالنسبة إلى العدالة المقيدة بالعلم بها فان شملها الدليل فلا يكون نقض اليقين‏

بالعدالة نقضا لليقين بالشك بل يكون من نقض اليقين باليقين و لا عكس لأن نقض‏

اليقين بالعدالة المقيدة بالعلم بها يكون نقضا لليقين بالشك من غير توقف على عدم‏

شمول النهي لنقض اليقين بعدم العدالة المطلقة فالقاعدة سالمة عن المعارض على فرض‏

شمول الدليل لها انتهى كلامه‏ (1) .

فأقول ان الشك السببي و المسببي يكون في صورة كون الشكين فيهما فعليين‏

كالشك في طهارة الثوب الناشئ عن الشك في كرية الماء أو إطلاقه.

و اما في المقام فلا فعلية بينهما لأن الشك في القاعدة و الاستصحاب يكون‏

في العدالة من حيث الوجود و العدم مثلا إذا كانت هي مشكوكة بل يكون لنا شكان‏

تقديريان.

الأمر الثاني‏
يمكن إثبات موضوع الاستصحاب بواسطة شمول الاخبار للقاعدة

بان يثبت أصل العدالة بواسطة عدم نقض اليقين في ظرفه مثل يوم الجمعة مثلا ثم‏

يستصحب تلك العدالة في يوم السبت لترتيب آثارها يوم السبت أيضا ففرد من افراد

لا تنقض يوجب ثبوت الموضوع للفرد الاخر منه كما في الاخبار مع الواسطة فان‏

تصديق الراوي الّذي ينقل عن غير الإمام عليه السّلام يوجب إثبات الموضوع لمن يروى عن‏

الإمام عليه السّلام فان شمول تصديق العادل لكل فرد يكون في طول الاخر و لا إشكال و

1)كلامه قده في حاشية الرسائل المسماة بفوائد الأصول ص 226

205
البحث محرر في محله عند ذكر الاخبار الآحاد و حجيتها و انه لا بد من وجود أثر شرعي‏

لها يشملها أدلة وجوب التعبد بها.

الأمر الثالث‏
ينبغي التوجه إلى ان الاستصحاب هل يمكن ان يكون أثرا لتطبيق‏

الدليل على القاعدة أو لا فان جريان قاعدة اليقين لو شملها الدليل بالنسبة إلى اثره في‏

المتيقن مثل العدالة لا كلام فيه و انما الكلام في انه إذا أردنا ان نرتب الأثر فعلا

بواسطة الاستصحاب فهل يمكن التعبد بالعدالة بمقتضى القاعدة حتى يمكن استصحابها

ثم ترتيب أثرها عليه أم لا فان التعبد لا بد و ان يكون بلحاظ أثر شرعي فهل الاستصحاب‏

أثر شرعي أم لا.

المقام الثاني في تقديم الأمارة على الاستصحاب‏

لا شبهة و لا ريب عند المتأخرين في تقديم الأمارة على الأصل مطلقا و منه‏

الاستصحاب سواء كانت الأمارة موافقة أو مخالفة له في المفاد خلافا للمتقدمين.

و انما الكلام في وجه التقديم من حيث كونها متقدمة بالحكومة أو بالورود

أو بالجمع العرفي بين دليل الاستصحاب و دليل حجية الأمارة.

و التقديم على أي تقدير هو المشهور بين المتأخرين و اما في القدماء فليس بهذا

الوضوح و قبل الورود في وجه التقديم ينبغي تقديم كلام في معنى الحكومة و الورود

و التخصيص و التخصص.

فنقول اما التخصص فهو ان يكون شيئا من الأشياء خارجا عن تحت العموم‏

بالوجدان من باب عدم كونه مصداقا له مثل ان يقال أكرم العلماء فكل عالم يكون‏

الحكم عليه و لكن الجاهل لا يكون الحكم شاملا له من أول الأمر لأنه ليس بعالم فلم‏

يكن مصداقا للعموم فيكون خروجه بالتخصص.

و اما التخصيص فهو يكون بعد كون الشي‏ء مصداقا للعام و لكن يكون خارجا

عن حكمه مثل ان يكون زيدا عالما و مع ذلك لم يكن عليه حكم الإكرام الشامل‏


206
للعلماء و هذا في الاصطلاح يسمى بالتخصيص.

و اما الورود فهو يكون في صورة كون الخروج وجدانيا بالتعبد مثل تقديم‏

الأمارة على أصل البراءة فان الموضوع للبراءة هو الجاهل الّذي لم يكن له البيان‏

و الأمارة بيان عند الناس.

و لذا طبق عليها في الروايات لفظ العرفان كما ورد بالنسبة إلى الحاكم انه‏

من عرف حلالنا و حرامنا فيكون كذا و كذا فهي بيان و لا موضوع للبراءة عنده و

لكن ثبت البيانية بالتعبد.

و اما الحكومة فيكون معناها هو تقديم أحد الدليلين على الاخر بالتعبد بالتصرف‏

في عقد الوضع أو عقد الحمل مثل ما إذا جعل الحكم للشك ثم يقال لا شك لكثير

الشك فانه خروج موضوعي فمع كونه شاكا يقال لا شك لكثير الشك كما إذا قيل أكرم‏

العلماء ثم يقال ان زيدا ليس بعالم مع انه من العلماء.

أو تكون الحكومة من باب التوسعة في الموضوع مثل ما يقال في المثال المتقدم‏

ان زيدا من العلماء و ان كان غير عالم بعناية كونه خادما لهم أو ساير الوجوه الّذي يكون‏

موجبا لإدخاله تحت حكم الإكرام.

و بالتصرف في عقد الحمل مثل ان يقال لا ضرر و لا ضرار في الإسلام و لا حرج‏

في الدين فان التصرف هنا يكون في الحكم أي لا حكم ضرري في الإسلام و لا حكم‏

حرجي في الدين فلو لزم من إطلاق حكم الضرر أو الحرج فلا يكون الحكم في هذه‏

الصورة.

و فرقها مع التخصيص هو ان الخارج من الحكم أو الموضوع و ان كان في الواقع مثل‏

التخصيص لأوله إلى خروج هذا الفرد الكذائي عن تحت الحكم و لكن المخصص في‏

الحكومة يتصرف في عقد وضع الحكم فيرى ما هو الموضوع غير الموضوع أو

يرى ما هو الحكم غير الحكم و اما في التخصيص فلا يتصرف في الموضوع بل يخصصه‏

من حيث الحكم بدون التصرف في عقد الوضع أو الحمل.


207
و اما فرقها مع الورود فهو ان الدليل الوارد يوجب انهدام الموضوع في‏

المورد كما مر و لكن الحاكم يكون ناظرا و شارحا لدليل المحكوم و لا يلزم ان‏

يكون شارحا بلفظ أي و أعني كما ذكره الشيخ قده بل بكل وجه كان مفاده‏

النّظر يكفى.

ثم ان شيخنا النائيني قده اصطلح في المقام بأن الحكومة على قسمين ظاهرية

و واقعية و لا نفهم مراده فانه ان كان مراده بالحكومة الظاهرية ما إذا كان الحاكم‏

أو المحكوم من الأحكام الظاهرية و بالحكومة الواقعية ما إذا كانا من الأحكام‏

الواقعية فلا سبيل لهذا الاصطلاح لأن ظاهرية طرفي الدليل لا توجب كون الحكومة

ظاهرية بل هي واقعية في الحكمين الظاهريين و في الحكمين الواقعيين فلا وجه‏

لهذا التقسيم.

ثم اعلم ان المباني في الأمارة و الاستصحاب يجب تحفظها لفهم الحكومة

أو الورود.

فان المباني في باب الأمارات ثلاثة تتميم الكشف و هو التحقيق بمعنى ان دليل‏

الأمارة يوجب تتميم الظن الّذي هو نصف العلم و يجعله مقام العلم و الثاني تنزيل‏

مؤدى الأمارة منزلة الواقع كما عن الشيخ الأعظم و الثالث جعل الحجية أو الحجة

كما عن المحقق الخراسانيّ قده.

و اما المباني في الاستصحاب فهي أيضا ثلاثة تنزيل الشك منزلة اليقين كما

هو التحقيق و تنزيل المشكوك منزلة المتيقن كما عن الشيخ الأعظم(قده)و جعل المماثل‏

كما عن المحقق الخراسانيّ قده فإذا عرفت هذه المقدمة.

فنقول الأقوال في كون التقديم في الأمارة على الاستصحاب بالحكومة أو بالورود

مختلفة.

فقال المحقق الخراسانيّ قده لا أصل للحكومة بل هي واردة على الاستصحاب‏

و قال جملة الاعلام من المتأخرين لا أصل للورود بل التقديم بالحكومة.


208
و نحن نقول ان التقديم مسلم و لكن لا نعلم أنه بالحكومة أو بالورود أو بالجمع‏

العرفي بين الدليلين.

اما تقريب الورود فهو على وجوه‏

الأول ما ذكره في الكفاية من ان دليل الاستصحاب يكون غايته اليقين‏

بالخلاف و الأمارة هو اليقين التعبدي فمن كان عنده الأمارة يكون عالما لا شاكا

و ان كان الظاهر من دليل الاستصحاب ان اليقين هو اليقين الوجداني لا التعبدي.

لا يقال لو كانت الأمارة علما تعبديا فكيف تحصل غاية الدليل الدال على‏

ان المراد باليقين هو الوجداني لأنا نقول لو كان لنا العلم الوجداني لكان خارجا

بالتخصص لا بالورود و اما إطلاق العلم على ما قامت عليه الأمارة فيكون من باب صدق‏

العرفان عليه فانه ورد في الأثر ان من عرف حلالنا و حرامنا فليرضوا به حكما

و لا يكون مثل أبان بن تغلب الا عارفا بالروايات الصادرة عنهم عليهم السّلام هذا.

و لكن يرد عليه ان هذا الكلام لا يتم على جميع المسالك في باب الأمارات‏

أولا و لا يصح الورود ثانيا اما عدم تماميته على مسلك المحقق الخراسانيّ في الأمارات‏

و الاستصحاب فلأنه قائل في الأمارات بجعل الحجية أو الحجة و في الاستصحاب قائل بجعل‏

مماثل حكم الواقع في مورده و عليه فلا يحصل العلم التعبدي على المسلكين في البابين.

بل يتم الكلام من هذه الجهة على ما هو التحقيق من تتميم الكشف في‏

الأمارات و تنزيل الشك منزلة اليقين في الاستصحاب.

ثم لا يتم الورود من جهة ان الوارد لا بد ان يذهب بموضوع المورد كما مر

معناه و في المقام لا يكون كذلك فان الأمارة لا توجب نفى الموضوع و هدمه في‏

الاستصحاب ضرورة ان الموضوع هو الشك و هو باق بعد الأمارة أيضا غاية الأمر يكون‏

الموضوع في الاستصحاب هو الشك و في الأمارة يكون المورد هو الشك فيدور الأمر

بين تخصيص دليل الاستصحاب في مورد الأمارة و بين كون مورد الأمارة خارجا


209
بالتخصص لكون الأمارة كالعلم و كلما دار الأمرين بين التخصيص و التخصص فالثاني مقدم‏

لأن أصالة العموم منحفظة في الثاني.

ثم ان هذا البيان لا يتم في المقام للحكومة أيضا لأن الأمارة كما توجب هدم‏

موضوع الاستصحاب كذلك الاستصحاب يوجب هدم مورد الأمارة ضرورة انهما

دليلان تعبديان و لا ترجيح لأحدهما على الاخر بهذا البيان فالتخصص يكون في الطرفين‏

بالنسبة إلى المورد و الموضوع فلا حكومة في البين و لا ورود بهذا البيان.

و بتقريب آخر لنفي الحكومة هو ان معناها كما مر هو كون أحد الدليلين‏

ناظرا إلى الدليل الاخر كما في حكومة لا ضرر على الأدلة الأولية و اما في المقام فلا

نظر لدليل الأمارة على الأصل بل هما متعارضان بإطلاقهما يعنى إطلاق دليل الاستصحاب‏

يشمل حتى مورد الأمارة و إطلاق دليل الأمارة يشمل حتى مورد الاستصحاب‏

و لا ترجيح لأحدهما.

فالذي هو التحقيق هو ان يقال ان التقديم مسلم من جهة ان العرف حسب‏

ارتكازه يرى من كان عنده الأمارة عالما و من كان له الاستصحاب شاكا و هو يقدم‏

العالم بهذا المعنى على الشاك و لكن لا نعلم انه يكون بملاك الحكومة أو الورود

أو الجمع بين الدليلين فان كان معنى التقديم كقول القائل أيها الشاك تعبد بأنك‏

غير متحير لوجود الأمارة فيكون هو الحكومة و ان كان معناه أيها المتحير لست‏

المتحير و نزّل نفسك منزلة العالم فيكون التقديم بالورود و لكن هذا خفي علينا و لا نقدر

على إثبات أحد الأقسام.

ثم لو كان المبنى في الأمارات تتميم الكشف و في الاستصحاب تنزيل المشكوك‏

منزلة المتيقن لا تنزيل الشك منزلة اليقين فلا سبيل الا إلى القول بالحكومة على‏

المشهور من جهة ان الأمارة مفيدة للعلم التعبدي و الاستصحاب لا يفيد الا ترتيب‏

أثر المتيقن فلا يكون في وسعه المعارضة مع الأمارة.

و اما على فرض تنزيل المؤدى في باب الأمارات و تنزيل المشكوك منزلة


210
المتيقن كما هو مسلك الشيخ قده فيمكن أيضا القول بالحكومة و لا وجه للورود

لعدم إفادة الأمارة الا ترتيب أثر المؤدى و لا يوجب العلم و هكذا الاستصحاب لأنه‏

أيضا يكون مفاده ترتيب آثار المتيقن لا اليقين و لكن يرد عليه ان الحكومة محتاجة

إلى النّظر و هو مفقود في المقام فلا سبيل للتقديم الا ما ذكرنا من ارتكاز العرف‏

على انه لا شك مع وجود الأمارة.

التقريب الثاني للورود هو ان الغاية في دليل الاستصحاب و ان كان اليقين‏

الوجداني و لا يمكن نقض اليقين الا به و لكن يكون أعم من جهة كون اليقين الوجداني‏

بالتعبد كما هو مفاد الأمارة أو بالوجدان و لا شك ان اليقين التعبدي يحصل بواسطة

الأمارة لأنها فرد من افراد العلم تعبدا و العارف بها عارف بالحكم و غير شاك عند

العقلاء فغاية عدم النقض حاصلة و لا ينطبق دليل الاستصحاب لانعدام موضوعه‏

و هو الشك.

و فيه أولا ان مفاد الأمارة لا يكون هو الواقع التعبدي بل على ما هو التحقيق‏

من كونها حجة من باب تتميم الكشف تكون منجزة للواقع ان أصابت إليه و معذرة

ان لم تصب.

و ثانيا على فرض اختيار مسلك الشيخ قده من كون مفادها هو تنزيل مؤداها

منزلة الواقع و ان كان التعبد بالواقع و لكن مع فساد المبنى يرد عليه أيضا ان مفاد

الاستصحاب أيضا كذلك لأن مفاده على فرض تنزيل المشكوك منزلة المتيقن الّذي‏

هو رأى الشيخ قده هو التعبد بالواقع في ظرفه فكيف يقال بتقديم الأمارة عليه‏

بالورود.

و ثالثا ان الظاهر من الدليل هو ان غاية الاستصحاب هي اليقين الوجداني‏

بالواقع الواقعي لا الواقع التعبدي فتحصل انه لا وجه لهذا التقريب أيضا للورود.

التقريب الثالث للورود هو ان يقال ان معنى لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه‏

بيقين آخر هو ان المراد باليقين في الصدر و الذيل هو الإحراز الأعم من الإحراز


211
الوجداني و التعبدي الا ترى ان مؤدى الأمارة يستصحب مع انها ليست يقينا

وجدانيا.

و يرد عليه أولا ان اليقين هو اليقين الوجداني في ظاهر الدليل لا الإحراز.

و ثانيا ان الاستصحاب أيضا يكون موجبا لإحراز الواقع فانه من الأصول‏

المحرزة فيذهب بمورد الأمارة فكيف تقدم عليه بالورود فتحصل من جميع ما تقدم‏

ان الورود لا وجه له بجميع التقاريب على جميع المباني و هكذا الحكومة لعدم‏

إثبات النّظر لدليل الأمارة على الأصل و اما أصل التقديم عند العرف فلا إشكال فيه‏

اما بالجمع بين الدليلين أو بسرّ آخر فتدبر جيدا.


212
فصل‏

في بيان الأصل عند الشك في الأمارية

و الأصلية و في قاعدة اليد

فنقول ان البحث السابق قد انتج تقديم الأمارة على الأصل اما بالورود أو

بالحكومة أو بوجه آخر و في هذا الفصل يكون البحث عن مقتضى الأصل عند الشك في‏

أمارية شي‏ء مثل قاعدة اليد أو أصليته.

و يترتب عليه ثمرات في الفقه منها التقديم على أصل آخر لو كان أمارة و منها

حجية مثبته على فرض الأمارية و عدم حجية مثبته على فرض الأصلية.

و الأقوال في الأمارية و الأصلية في خصوص قاعدة اليد مختلفة و لتوضيح المقام‏

ينبغي البحث في مقامين.

المقام الأول في اليد التي تكون أمارة للملكية.

مثل ان ما في أيدي الناس من الدار و الفرش يقال انه ملكهم لكونه تحت‏

أيديهم و البحث في هذا المقام في جهات.

الجهة الأولى في معنى اليد من حيث كونها هو وضع الجارحة على شي‏ء أو بمعنى‏

الاستيلاء عليه و لو لم يكن تحت يده و الحق هو البحث فيها من حيث الاستيلاء بالمعنى الحدثي‏

لا بالمعنى الجامدي و هو اليد التي تكون من جوارح الإنسان كالرجل و لكن الاستيلاء تارة

يكون مع كون الشي‏ء تحت اليد بمعنى الجارحة كالقلم الّذي يكون في يد الكاتب‏

و تارة لا يكون معه مثل من يكون مسلطا على الدار بكون مفتاحها في صندوقه و لا

جامع بين اليد بمعنى الجارحة و ما هو بمعنى الاستيلاء و من شواهد ما ذكرناه‏

هو انه ربما يكون تحت اليد بمعنى الجارحة و لا استيلاء مثل من يستأجر حمارا و

يركب عليه مع كونه تحت استيلاء المكاري.


213
فتحصل ان المراد باليد هو الاستيلاء.

الجهة الثانية من البحث و هي العمدة البحث في كونها أمارة أو أصلا بعد الشك‏

في ذلك فربما يتمسك بالأصل العملي في المقام و يقال بأنه يقتضى ان تكون قاعدة اليد

أصلا من الأصول.

و بيانه بوجهين من التقريب:

الأول ان المقام من الدوران بين الأقل و الأكثر لأن الأمارة مثبتها حجة

بخلاف الأصل فإذا شككنا في ان اليد هل يترتب عليها أثر نفسها أو يترتب عليها

لازمها أيضا فنقول ان الأصل عدم الأكثر يعنى عدم ترتيب اللوازم فينتج انها أصل.

و الثاني ان الأمارة تتحقق بأمرين الأول أن تكون كاشفة عن الواقع و الثاني‏

ان تكون ممضاة في نظر الشرع من جهة كشفها و اما الأصل فلا يلزم ان يكون كاشفا

و لا يكون الإمضاء من جهة كشفه و لو فرض كونه كاشفا في الواقع كالاستصحاب‏

و كلاهما مشتركان في وجوب الجري العملي على طبقهما فإذا شككنا في ان اليد هل‏

تكون ممضاة بجهة كشفها أم لا فالأصل عدم الإمضاء كذلك و ما هو المتيقن هو حجيتها

في نظر الشرع لا ما هو الزائد عن ذلك.

و كلا التقريبين مخدوشان اما الأول فلأنه لا دليل لنا على ان الأصل مثبته‏

ليس بحجة و الأمارة مثبتها حجة بل يدور مدار الموارد فرب أمارة لا يمكن استفادة

حجية لوازمها منها و رب أصل يمكن استفادة حجية اللوازم منه كما مر فيما سبق‏

و لذا تراهم يتمسكون بخفاء الواسطة في بعض الموارد حيث يرون حجية اللازم في‏

الأصل أيضا فلا يرجع البحث إلى الأقل و الأكثر.

و اما التقريب الثاني فهو مخدوش من جهة ان الاستصحاب و لو كان أصلا و لكن‏

كان عند القدماء ممضى بجهة كشفه مع كونه كاشفا في ذاته أيضا و لذا يقال انه‏

من الأصول المحرزة و يقع مقام القطع الجزء الموضوعي و عدم الكاشفية و عدم الإمضاء

من جهة الكشف لا يكون في جميع الأصول بل في مثل البراءة من الأصول فلا يتم‏

هذا الكلام في تقريب الأصلية و عدم الأمارية.


214
نعم يمكن ان يقال ان الأصل يقتضى عدم حجية مثبتات اليد بخصوصها

و لكن لا من حيث الكبرى الكلية و هو عدم حجية مثبت الأصول مطلقا كما مر.

ثم انه ربما قيل انه لا ثمرة للنزاع في كونها أصلا أو أمارة لأن سندها بناء العقلاء

و هم لا يكون التعبد في أمورهم بل يتبعون مقتضى اليد حسب ما رأوا من كاشفيتها

عن الملك فلا تكون اليد أصلا تعبديا.

و لكن لا وجه له لأن العقلاء أيضا يكون بينهم وظائف مقررة الرفع الشك‏

و هي الأصل و يكون بينهم كاشفات عن الواقع مثل رئيسهم و هو الشرع الأنور فانه‏

رئيس العقلاء و جعل بعض الأمور من باب افادته الظن و بعض الأمور لحفظ النظام‏

و رفع التحير من باب عدم قيام سوق للمسلمين لو لا ذلك فللبحث عن الأمارية

و الأصلية مجال.

إذا عرفت ما ذكرناه فيكون البحث عن كونها أمارة أو أصلا بحسب الدليل‏

تارة في مقام الثبوت و أخرى في مقام الإثبات.

اما الثبوت فاللازم هو وجود الكاشفية لها في الواقع و الا فما لا كاشفية له‏

لا يأتي البحث في إمضائه بجهة كشفه.

و الوجوه الاصطيادية لتقريب كونها كاشفة في الواقع ثلاثة.

الأول ان الاستيلاء على شي‏ء تنتزع منه الملكية و تستكشف منه ذلك كشف‏

العلة عن المعلول فلو لا الملكية يلزم انفكاك العلة عن المعلول كما ان الفوقية

و التحتية تنتزع من الفوق و التحت فمنشأ انتزاع الملكية هو الاستيلاء كما عن بعض‏

الاعلام.

و فيه ان الملكية لها أسباب اخر مثل الإرث و البيع و الشراء و غيره و لا يكون‏

من أسبابها الاستيلاء و لا ينتزع منه الملكية.

الثاني ما عن الشيخ الأعظم قده من ان اليد مع ملاحظة الغلبة توجب الكشف‏

عن الملكية و ذلك لأن الغالب ان ما في أيدي الناس يكون ملكا لهم و الشي‏ء يلحق‏


215
بالأعم الأغلب و فيه ان اليد كاشفة عن ملك الناس بضم الميم لا كاشفة عن ملكهم‏

بكسر الميم ضرورة ان الأيادي الملكية مثل يد الوكيل و الولي و الوصي تكون‏

كثيرة في الناس فلا تكون اليد الكاشفة عن الملك بكسر الميم الا كثيرة في مقابل‏

الكثيرة و لا تكون في الغلبة كذلك نعم في مقابل الأيادي العادية تكون أغلب و لكن‏

هذا لا يفيد.

فان قلت ان اليد في السوق بحسب الفطرة كاشفة عن الملك لا من باب كون‏

الاستيلاء منشأ لانتزاع الملكية فطبعها يقتضي ما ذكر قلت الأمر كذلك من‏

حيث الدلالة على الملك بضم الميم لا من حيث الدلالة على الملك بكسرها الا ان يقال‏

ان اليد كذلك يضم إليها أصول اخر عقلائية مثل أصالة عدم كونها يد الوكالة

و لا الوصاية و لا الولاية و لا الإجارة و غير ذلك فتفيد الملكية بكسر الميم فلعل هذا

يكون مراده قده هذا هو البحث في أصل الثبوت و كاشفية اليد عند العقلاء.

و اما البحث في مقام الإثبات فلا بد فيه من ملاحظة الدليل الدال عليها لنرى‏

ان إمضائها هل يكون بجهة الكشف بعد فرض كاشفيتها أو بسائر الجهات و الدليل‏

عليها أمور:

الأول الروايات فمنها صحيحة حفص بن غياث‏1الدالة على الحكم‏

بالملكية على ما في يد المسلمين لما في ذيلها لو لم يجز ذلك لم يقم للمسلمين سوق.

1أقول و هي في الوسائل ج 18 باب 25 من أبواب كيفية الحكم عن أبي عبد اللّه‏

عليه السلام قال قال له رجل إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي ان أشهد انه له قال نعم‏

قال الرّجل اشهد انه في يده و لا اشهد انه له فلعله لغيره فقال أبو عبد اللّه عليه السلام أ فيحل الشراء منه؟

قال نعم فقال أبو عبد اللّه عليه السلام فلعله لغيره فمن أين جاز لك ان تشتريه و يصير ملكا لك‏

ثم تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه و لا يجوز ان تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟

ثم قال أبو عبد اللّه عليه السلام لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق.


216
و غاية ما يستفاد منها حجية اليد و الحكم بالملكية في ظرفها و اما الأمارية

و كونها كشفا عن الواقع و علما ناقصا فلا و التعليل بعدم قيام سوق للمسلمين لولاها

يكون من جهة ان حفظ النظام يقتضى ذلك فطريقية اليد لا تستفاد من هذه‏

الرواية.

و اما حكم المشهور بأنه لو اعترف ذو اليد بكونه سابقا ملكا للمدعي انتزعت‏

منه العين الا ان يقيم البينة على انتقالها إليه فليس من تقديم الاستصحاب بل لأجل‏

ان دعواه الملكية في الحال إذا انضمت إلى إقراره بكونه قبل ذلك للمدعى يرجع‏

إلى دعوى انتقالها إليه فينقلب المنكر مدعيا و المدعى منكرا و لذا لو لم يكن في‏

مقابله مدع لم يقدح هذه الدعوى منه في الحكم بملكيته و حجية اليد كذلك غير

مربوطة بأماريتها بل يمكن ان تكون من الوظائف المقررة.

و منها رواية مسعدة بن صدقة1و هي من الروايات التي استدلوا بها للبراءة

و هي أيضا لا تدل الا على حجية اليد إلى قيام البينة لأن في ذيلها و الأشياء كلها

على ذلك حتى يستبين أو تقوم به البينة و هي لا تدل أيضا الا على الحجية لها لا الأمارية

و الطريقية.

و منها2ما ورد في محاجة على مع أبي بكر في امر فدك فانه كان في‏

1في باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4

2أقول و هي في باب 25 من أبواب كيفية الحكم في ج 18 من الوسائل عن‏

ابن أبي عمير عن عثمان بن عيسى و حماد بن عثمان جميعا عن أبي عبد اللّه عليه السلام في حديث فدك ان‏

أمير المؤمنين عليه السلام قال لأبي بكر:أ تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين قال لا قال فان‏

كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه ادعيت انا فيه من تسأل البينة قال إياك كنت أسأل البينة

على ما تدعيه على المسلمين قال فإذا كان في يدي شي‏ء فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما

في يدي و قد ملكته في حياة رسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله و بعده و لم تسأل المؤمنين البينة على ما ادعوا

على كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم إلى ان قال و قد قال رسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله البينة على من‏

ادعى و اليمين على من أنكر.


217
يد فاطمة سلام اللّه عليها و استدل عليه السّلام باليد على الملكية فيها و هي أيضا لا تدل‏

الا على الحجية لا على الطريقية.

و منها (1) موثقة يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في امرأة تموت قبل‏

الرّجل أو رجل قبل المرأة قال ما كان من متاع النساء فهو للمرأة و ما كان من‏

متاع الرّجال و النساء فهو بينهما و من استولى على شي‏ء منه فهو له‏ (2) .

و هذه الرواية أيضا انما تدل على ان الاستيلاء على شي‏ء يكون حجة على الملكية

و لا يفهم الأمارية و الطريقية منها.

فتحصل انه لا طريق إلى القول بأمارية اليد لا ثبوتا و لا إثباتا بحسب الروايات‏

و هكذا لو كان سندها الإجماع فانه أيضا يدل على حجية اليد لا على أماريتها و ادعاء

كونها كاشفة عن الملكية عند الفقهاء ممنوع.

و اما بناء العقلاء فلو كان هو السند من باب غلبة كون اليد على الأموال‏

يد المالكية فان كان من باب الكشف عندهم فيمكن ان يقال ان الشارع لم يردع‏

عنه و لكن أصل الغلبة ممنوع كما مر و الكشف عندهم غير ثابت عندنا فلذا يشكل‏

حكومتها على الاستصحاب من باب الأمارية عندي و ان قال به الفقهاء و أما التقديم‏

من جهة صيرورة اليد بلا مورد لوجود الاستصحاب في جل موارد تطبيقها فهو

المتعين.

1)في الوسائل باب 8 من أبواب ميراث الزوجين ح 3 في ج 17.

2)أقول و استدل أيضا بحديث 5 من باب 15 من أبواب إحياء الموات-و بحديث‏

1 باب 5 من أبواب بيع الحيوان فان شئت فارجع إليه.


218
ثم هنا مسائل‏

الأولى‏
في ان اليد هل هي حجة مطلقا أو تكون حجة في خصوص مشكوك‏

العنوان يعنى ما لا يعلم كونه يد ملكية أو يد أمانة أو غيرها و اما معلوم العنوان فلا

تكون حجة فيها كما علمت حالته السابقة فيه خلاف و الأكثر على اختصاصها

بمشكوك العنوان و اما معلوم العنوان فاستصحاب العنوان فيه حاكم على اليد

و لو قلنا بأماريتها فما أحرز كونه لغير صاحب اليد في السابق و الآن نحتمل صيرورته‏

ملكا له و كان تحت اليد لا يحكم فيه بالملكية لعدم أمارية اليد هنا.

ثم ان العنوان اما ان تكون محرزا قبل إثبات اليد و نحتمل صيرورة اليد

عليه بسبب ناقل كالبيع و نحوه و اما ان يكون بعد إثباتها عليه يكون الشك في‏

بقاء العنوان بعد ذلك مثل ما إذا علمنا بأن الدار كان لزيد و استأجرها عمرو و كان‏

اليد ابتداء يد إجارة و لكن نحتمل صيرورتها ملكا بعد ذلك.

ثم ان القول بسقوطها عن الاعتبار في صورة إحراز العنوان اما ان يكون‏

للقصور في المقتضى أو لحكومة الاستصحاب عليها أي استصحاب العنوان فنقول يدور هذا

مدار السند في حجية اليد.

فان كان هو الغلبة كما عن الشيخ الأعظم قده فحيث ان الغلبة في اليد التي‏

أحرز عنوانها ممنوعة لأن هذا القسم من اليد لا يكون الغالب فيه الانتقال إلى الغير

فلا حجية لليد هنا و يكون الدليل قاصرا و لا نحتاج إلى استصحاب العنوان و ان‏

كان السند هو الروايات أو بناء العقلاء فيمكن ان يقال بتعميم الدليل في ذاته‏

لهذا المورد أيضا لو لم نقل بان بنائهم مختص بغير هذه الصورة و الروايات إرشاد

إليها فلا بد من استصحاب العنوان الحاكم على اليد لأنه محرزا للعنوان فلا يبقى‏

الموضوع لليد فمع العلم يكون اليد عادية قبل ذلك لا يتمسك بها للملكية.

و كلام شيخنا النائيني قده فيه خلط من جهة قوله بالحكومة تارة و بقصور


219
الدليل أخرى و لم يحرز ان الحكومة في صورة عدم قصور الدليل و معه لا وجه له.

ثم ان الاستصحاب حاكم على اليد في صورة كون الشك في العنوان و الجهل‏

به مأخوذا في لسان دليل اليد و الا فلا يبقى وجه لحكومته.

فأن قلت ان الجهل بالعنوان إذا كان من ابتداء الأمر و حدوثه فلا تشتمل‏

القاعدة من أول الأمر لأن العنوان كان محرزا فلا نحتاج إلى إحرازه بالاستصحاب‏

قلت ان الاستصحاب يكون من جهة إحراز العنوان بقاء لا حدوثا.

و هذا الكلام يرد عليه بان الأمارة لم يؤخذ في موضوعها الشك بل موردها

هو الشك فكيف يحرز عدم موضوعها بواسطة حكومة استصحاب العنوان و المدلول‏

المطابقي في اليد هو الملكية لصاحبها و مدلولها الالتزامي هو عدم كونها عادية

و مثبتات الأمارات و لوازمها حجة كمدلولها المطابقي الا ان يقال بان تقدم استصحاب‏

العنوان يكون من باب كونه في رتبة الموضوع لليد ضرورة كون اليد حجة في غير

ما كان محرزا لعنوان.

ثم ان استصحاب العنوان يفيد على فرض عدم حجية اليد و الا فيتعارضان‏

و يتساقطان.

المسألة الثانية

في ان اليد هل تكون حجة فيما يكون بطبعه قابلا للنقل و الانتقال أو يشمل‏

حتى ما يكون قابليته بواسطة طرو عنوان موجب لذلك مثل الوقف فان بيعه ابتداء

غير جائز و لكن مع احتمال الخراب أو ساير المجوزات لبيعه كما حرر في محله يجوز

بيعه فعلى هذا إذا كان الوقف في يد شخص و نحتمل صيرورته ملكا له فهل هذا اليد

أيضا أمارة للملكية أم لا فيه بحث.

فقد ذهب السيد محمد باقر الأصفهاني قده إلى ان اليد هنا أيضا لها الأمارية

و خالفه شيخنا النائيني و العراقي قدهما و لا يخفى ان اليد اما ان تكون‏


220
على الوقف و لكن نحتمل تغييرها و اما ان نحتمل الانتقال إليها من ابتداء الأمر بحصول‏

مجوز للانتقال إليها فلا يكون وقفيته في يده محرزة.

و اما لا نعلم بالوقف أصلا و لكن نحتمل باحتمال بدوي انه كان وقفا ثم لا بحث‏

في القسم الأول و استصحاب عنوان الوقف و الثالث أيضا لا يكون مطرحا في الكلمات‏

و انما الكلام في القسم الثاني و في هذا القسم قد اختار السيد محمد كاظم‏

اليزدي صاحب العروة الوثقى في ملحقات العروة في كتاب القضاء أمارية اليد

على الملكية و خالفه جملة و منهم شيخنا النائيني قده و حاصل كلامه قده في الرد

هو ان اليد حجة فيما يكون قابلا للنقل و الانتقال بطبعه و اما مثل الوقف فلا تكون‏

اليد فيه حجة لاستصحاب عدم طرو مجوز للبيع.

و قد أشكل عليه شيخنا العراقي قده بأن المراد بالقابلية ان كانت القابلية

الواقعية فلازم هذا الكلام ان يقال بعدم حجية اليد حتى في القسم الثالث الّذي قلنا

بان احتمال الوقفية احتمال بدوي فيه و لا يقول قده به لأنه لو لم تكن اليد حجة في‏

هذه الصورة لا يبقى لها مورد للتمسك بها و اما لو كان الشرط عدم العلم بعدم القابلية

فاستصحاب عدم طرو المجوز و ان كان له مجال و لكن يفيد على فرض كون المبنى‏

في الاستصحاب تنزيل الشك منزلة اليقين لحصول العلم بعدم القابلية تنزيلا على هذا

المعنى فلا يمكن التمسك باليد و اما على مبناه قده من تنزيل المشكوك منزلة المتيقن‏

فلا سبيل له إلى هذا الكلام لأن غاية الاستصحاب هو التعبد بآثار المتيقن و هو يعارض‏

مع ما هو مقتضى اليد من الملكية.

أقول و في كلام الأستاذين نظرا ما ما قال شيخنا النائيني من ان المأخوذ في‏

موضوع اليد هو القابلية للنقل بالطبع فلأنه لا دليل لنا على دخلها في الموضوع غاية

الأمر ان الدليل حيث كان بناء العقلاء و الشرع أمضاه يكون المتيقن منه صورة وجود

القابلية كذلك و لكن معه لا يكون مما هو دخيل في موضوع اليد و عليه لا احتياج‏

إلى استصحاب عدم طرو المجوز في الصورة الثالثة و هي صورة كون الوقفية مشكوكة


221
من أصلها لأن عدم العلم بعدم اللياقة كاف في جريان القاعدة.

نعم العقل حاكم بان اللياقة إذا أحرز عدمها بعدم جريان القاعدة فالعلم بعدم‏

اللياقة مانع عن جريانها عقلا لا شرعا فعلى هذا لا يمكن استصحاب عدم طرو المجوز

لإثبات عدم اللياقة لأن الاستصحاب أصل تعبدي محتاج إلى أثر شرعي و هذا الأثر

عقلي فلا يجري بالنسبة إليه أضف إلى ذلك انه لم يرد في لسان الدليل من الشرع عدم‏

العلم بعدم اللياقة في موضوع اليد و لو كان في لسان الدليل أيضا لما يفيد لأن القيد

الّذي يحكم به العقل لو أخذ في لسان دليل الشرع نقول بأنه إرشاد إليه كما نقول‏

في الاستطاعة التي هي شرط الحج بالنسبة إلى الاستطاعة العقلية فان حكم الشرع‏

بشرطيتها بالنسبة إلى العقلية حكم إرشادي.

ففي المقام أيضا كذلك لأن العقل حاكم بأنه مع العلم بعدم القابلية لا أثر

لليد لأنها تكون في صورة الشك فلا مجرى لاستصحاب عدم طرو المجوز.

ثم ان اليد اما ان تكون من الأمارات أو من الأصول فعلى الأول يعنى أمارية

اليد يكون مدلولها الالتزامي هو طرو المجوز يعنى إذا حكمنا بأن اليد أمارة للملكية

يكون من لوازمها القول بطروّ مجوّز للانتقال ضرورة انه بدونه لا معنى للقول‏

بالملكية.

لا يقال ان الأمارة حجة بالنسبة إلى مثبتاتها بخلاف الأصول و لكن لا يمكنها

إثبات موضوعها و عدم العلم بعدم القابلية مأخوذ في موضوعها فكيف يمكن إثبات‏

الموضوع بنفس الأمارة.

لأنا نقول لا يكون ذلك جزء الموضوع حتى يلزم الإشكال و يكون من الشرائط

العقلية كما مر

و لا يقال ان من المعروف في الفقه و الأصول هو ان إطلاق الدليل لا يمكنه‏

إثبات لياقة المحل فكيف يؤخذ بدليل اليد من جهة إطلاقه و يثبت به لياقة المحل‏

و قابليته في المقام للنقل و الانتقال لأنا نقول ان اليد كاشفة عن الملكية و لا تكون‏


222
من الأسباب لها حتى لا يمكن إثباتها بها من باب ان السبب لا بد من إحراز سببيته.

فتحصل ان استصحاب عدم طرو المجوز غير جار خلافا لشيخنا النائيني قده‏

و اما ما في كلام شيخنا العراقي قده فيظهر مما ذكرناه من الإشكال لأن‏

البحث في تنزيل الشك منزلة اليقين أو تنزيل المتيقن منزلة المشكوك يكون‏

فرع جريان الاستصحاب و حيث لا يجري لا أثر للقول بتنزيل الشك منزلة

اليقين أيضا.

فتحصل من جميع ما تقدم تمامية كلام السيد و هو قوله بالتمسك باليد في صورة

احتمال طرو المجوز لبيع الوقف و انتقاله إلى الغير و هو صاحب اليد هذا كله على فرض‏

أمارية اليد.

و اما على فرض كونها حجة شرعية و من الأصول فأصالة صحة القبض و

الإقباض‏1من متولي الوقف تثبت ان الانتقال كان بواسطة مجوز شرعي أو يقال‏

بان اليد و لو كانت أصلا و لكن تكون متقدمة على الاستصحاب لعدم بقاء المورد لها لو لم‏

تقدم عليه فاليد سواء كانت أصلا أو أمارة تكون حجة على الملكية في المقام فافهموه‏

و اغتنموه.

1أقول أصالة صحة القبض و الإقباض لا تفيد وجود مجوز شرعي للنقل بعنوان‏

غير الوقف بل يمكن ان يكون لمجوز شرعي آخر لنقل الوقف بعنوان انه وقف إلى الغير

لحفظه.


223
المسألة الثالثة

في أن اليد التي تكون أمارة للملكية هل هي المتصرفة بتصرف ملكي أو

تشمل مطلق التصرف أعم من كونه من التصرفات الملكية أو التصرفات الغير الملكية

أيضا فيه خلاف.

فربما يقال لا اختصاص في أماريتها على الملكية بالتصرفات المالكية لإطلاق‏

الدليل و ظهوره في ان نفس اليد حجة شرعية كما ترى في ظاهر رواية حفص بن غياث‏

و ما ورد من رواية يونس في التزويج من قوله من استولى على شي‏ء فهو له فان جواز الشهادة

على الملك في رواية حفص يكون من آثار نفس اليد و كذلك الاستيلاء في رواية

التزويج عن يونس بن يعقوب و رواية مسعدة بن صدقة و ان كان موردها التصرف‏

الملكي كلبس الثوب و لكن لا خصوصية للمورد بل يؤخذ بنفس اليد فلا اختصاص‏

لها باليد المتصرفة التصرف المالكي.

و فيه ان الدليل ان كان هو إلحاق الشي‏ء بالأعم الأغلب حسب ما استفاده الشيخ‏

الأعظم من الروايات بعد كونها إمضاء لما في العرف فهي لا تكون في صورة كون‏

التصرف تصرفا غير مالكي بل هي في اليد المتصرفة التصرف المالكي و العجب طرد

مورد رواية مسعدة بن صدقة مع كونها في مورد هذا النحو من التصرف و يكون موردها

هو الغالب.

و اما لو كان السند الإجماع فالمتيقن منه هو هذا النحو من اليد.

و اما ان كان بناء العقلاء فانهم لا يتفحصون عن ذلك و يرتبون أثر اليد مطلقا فعلى‏

هذا فاليد أمارة الملك مطلقا.


224
المسألة الرابعة

في ان اليد إذا كان لها المعارض مثل البينة على ان المال لغير صاحب اليد

هل تكون حجة أو تتقدم البينة فيه خلاف.

فقد يظهر من كلام الشيخ الأعظم قده تقديم البينة و استدل على ذلك على ما

في الرسائل بقوله و اما تقديم البينة على اليد و عدم ملاحظة التعارض بينهما أصلا

فلا يكشف عن كونها من الأصول لأن اليد انما جعلت أمارة على الملك عند الجهل‏

بسببها و البينة مبينة بسببها و السر في ذلك ان مستند الكشف في اليد هو الغلبة و

الغلبة انما توجب إلحاق المشكوك بالأعم الأغلب فإذا كانت في مورد الشك أمارة

معتبرة تزيل الشك فلا يبقى مورد للإلحاق و لذا كان جميع الأمارات في نفسها

مقدمة على الغلبة و حال اليد مع البينة حال أصالة الحقيقة في الاستعمال على مذهب‏

السيد مع أمارات المجاز بل حال مطلق الظاهر و النص فافهم انتهى.

و لكن يرد عليه ان اليد ان كان مما أخذ في موضوعها الشك فيكون من‏

الأصول لا من الأمارات لأن الأمارات موردها الشك لا موضوعها مع انه لم يرد في لسان دليل‏

شرعي أخذ الشك في موضوع اليد بل يكون هذا من حكم العقل و هو في مورد الشك فإذا

كان كذلك فلا وجه لتقديم أمارة على أخرى الا بمرجح و ليس لنا هنا مرجح لتقديم‏

البينة على اليد الا ان يدعى أقوائية دليل البينة و أظهريتها على دليل اليد كما

ادعاه المحقق الخراسانيّ قده و لا وجه لحكومتها على اليد لعدم النّظر المعتبر في‏

الحكومة في المقام.

و كيف كان فتقديم البينة على اليد في صورة التنافي في مدلوليهما مسلم‏

مثل ان يدعى صاحب اليد ان المال له في هذا الحال و قامت البينة على ان المال لغيره‏

في هذا الحال لأظهريتها و هذا مما لا كلام فيه.

و انما الكلام في صورة عدم التنافي بين مدلوليهما كما إذا قامت البينة على‏


225
كون المال لزيد في يوم الجمعة و صاحب اليد يدعى ملكيته في يوم الاثنين بحيث‏

نحتمل الانتقال إليه فهل تقدم البينة أو اليد فيه خلاف من جهة تقديم البينة مطلقا و

عدمه مطلقا و التفصيل بين كون سند الملكية السابقة إقرار صاحب اليد فيقدم‏

المعارض لها و بين كون السند البينة أو علم الحاكم بكونه سابقا ملكا لغير صاحب اليد

فلا يقدم إلا قول صاحب اليد.

ثم هنا مطالب في باب القضاء و يكون مسلما عند الفقهاء و لا يتم حسب‏

القواعد فنقول تبعا لهم ان السند لمدعى الملك في مقابل صاحب اليد اما ان‏

يكون علم الحاكم بكونه ملكا له قبلا مثل ما إذا كان الحاكم يعلم ان المال‏

كان لزيد يوم الجمعة و يكون في يد زيد يوم الاثنين فيريد المدعى إحقاق‏

الحق بعلم الحاكم و اما ان يكون قيام البينة على كون المال سابقا لغير صاحب‏

اليد و باستصحاب الحالة السابقة يكون المدعى مدعيا للملكية و اما ان يكون‏

السند إقرار صاحب اليد بكونه ملكا له في السابق مع ادعائه انه انتقل إليه بناقل‏

شرعي.

فعلى فرض كون السند علم الحاكم فالمشهور عدم صحة انتزاع المال عن‏

يد صاحب اليد لأن علم الحاكم ليس الا كعلم غيره و من المعلوم ان اليد مقدمة على‏

استصحاب بقاء الملكية و لا تنافي بين الدليلين لاختلاف الزمان.

و اما إذا كان سند المدعى قيام البينة في السابق ففيه اختلاف في المشهور فقيل‏

بتقديم اليد لتقدمها على الاستصحاب أي استصحاب أي استصحاب بقاء الملك لأن المدلول الالتزامي‏

في اليد هو الانتقال إلى صاحبها بناقل شرعي و لا يكون المدلول الالتزامي في الاستصحاب‏

حجة لأنه أصل لا يثبت لوازمه و البينة ساكتة عن حكم ما بعد الزمان الأول لأن‏

لسانها ملكية ذيها في السابق لا الآن.

نعم مع كون اليد أيضا أصلا أو كون المدلول الالتزامي في الاستصحاب أيضا

حجة و هو إنكار مدلول اليد فيحصل التعارض بين الدليلين.


226
و اما ان كان السند إقرار صاحب اليد على كونه ملكا لغيره قبل الآن فيصير

المدعى منكرا و المنكر مدعيا لأن المنكر و هو صاحب اليد يدعى الانتقال إليه بناقل‏

و من كان مدعيا ينكر ذلك و معنى المدعى هو انه ان ترك ترك الدعوى و المقام‏

كذلك و المنكر من كان قوله موافق الأصل و هنا كذلك لأصالة عدم انتقال‏

المال عن ملك صاحبه فالمشهور على ان اليد ليست هنا حجة و المحقق الخراسانيّ‏

قال بحجيتها و الحاصل انهم فرقوا بين الإقرار و غيره من جهة انقلاب الدعوى‏

فيه دون غيره.

و لكن التحقيق هو ان اليد حجة في المقام أيضا و لا يحتاج صاحبها إلى إقامة

بينة على مدعاه فان الدعوى لا تنقلب بل المدعى يكون مدعيا بعد الإقرار أيضا و

المنكر منكر كما كان و على فرض التسليم لا فرق بين الإقرار و البينة في انقلاب‏

الدعوى فلنا هنا دعويان الدعوى الأولى حجية اليد و إنكار الانقلاب و الثانية وجود

الانقلاب في غير الإقرار أيضا على فرض تسليم أصله.

اما بيان الدعوى الأولى فهو ان اليد بعد فرض أماريتها يكون لازمها حجة كلازم‏

البينة و المدلول الالتزامي فيها هو الانتقال و هو يثبت بها و لا يقاوم هذا المدلول استصحاب‏

عدم الانتقال و لا ينافيها قيام البينة على ان المال كان لزيد في الزمان الماضي و لا إقرار

صاحب اليد على ان المال كان لزيد قبل ذلك.

فاليد حجة و لا يؤخذ المال منها بصرف قيام البينة على كون المال لغير صاحب‏

اليد أو إقراره بكونه له.

و لا يقال ان اليد حيث كانت حجة يكون مدلولها الالتزامي أيضا حجة و اما

على فرض عدم الحجية فلا يكون لهذا الكلام وجه و لا حجية هنا لأنها متوقفة على‏

عدم انقلاب الدعوى و المفروض على فرض الانقلاب صيرورة صاحب اليد مدعيا

و لا يكون يد المدعى حجة فتصل النوبة إلى أصالة عدم الانتقال فيؤخذ المال‏

من يده.


227
لأنا نقول ان الانقلاب ممنوع من جهة ان صاحب اليد بصرف إقراره على ان‏

المال كان لزيد مثلا قبل ذلك لا يصير مدعيا بل هو في مقام الدفاع عن حقه لا يكذب‏

و يقول هذا المال كان له و قد انقلب و انتقل و لا سبيل له الا بهذا النحو من البيان‏

لإحقاق حقه و لا يكون احداث الدعوى منه حتى يكون مدعيا بل المدعى بالمعنى‏

الّذي مر من انه لو ترك ترك الدعوى هو من يدعى هذا المال في مقابل صاحب اليد و لا وجه‏

لسقوط اليد عن الحجية.

ثم لشيخنا الحائري قده في المقام كلام لطيف و هو ان ما هو المعروف من ان‏

المنكر هو من كان قوله موافقا للأصل غير تام في جميع الموارد بل في أغلب‏

الموارد يكون الأمر كذلك ففي المقام تقوية منكرية المنكر بان قوله موافق‏

لأصالة عدم الانتقال غير تامة و اليد أمارة و لازمها و هو الانتقال أيضا حجة و لكن انتصر

للمشهور بان الروايات حيث لم يبين فيها معنى المدعى و المنكر بعد ورود مثل قوله‏

عليه السّلام البينة على المدعي و اليمين على من أنكر فنحن نرجع إلى العرف في هذا

المعنى بعد عدم البيان من الشرع.

و نحن إذا لاحظنا العرف نرى ان من أحدث الدعوى هو المدعى و طرفه هو المنكر

عندهم و بالفارسية مدعى كسى را گويند كه شالوده دعوى را بريزد و منكر كسى است كه‏

إنكار مدعى كند.

و في المقام حيث ان المقر بواسطة إقراره بلسانه أحدث الدعوى بحيث لو سكت‏

و لم يقرّ لترك الدعوى يكون هو المدعى و لا كاشفية عرفا لليد في المقام فيؤخذ المال‏

من يده.

و فيه ان كلامه بتمامه صحيح الا ما قال بان الإقرار هو الّذي صار سببا لإحداث‏

الدعوى لأنا بيّنا ان الإقرار هنا في مقام الدفاع عن الحق و بالفارسية شالوده ريز

دفاع از حق اوست نه شالوده ريز دعوى فيكون المدعى غيره و هو المنكر فعلى المدعى‏

البينة الا ان يمنع عن هذا الكلام إجماع في المقام و هو ممنوع و على فرض وجوده‏


228
فسنده معلوم أو يحتمل الاستناد إلى ما ذكر.

فتحصل انه لا انقلاب في صورة الإقرار

و اما الدعوى الثانية و هو ان قيام البينة أيضا مثل الإقرار في انقلاب الدعوى‏

لو سلم الانقلاب فلان المدلول الالتزامي في اليد بعد قيام البينة على كون المال‏

لغير صاحب اليد هو الانتقال إليه فيصير صاحب اليد مدعيا للانتقال و صاحب البينة منكرا

فينقلب الدعوى بصيرورة المدعى منكرا و المنكر مدعيا و لازمه إسقاط المدلول‏

الالتزامي في اليد و هو الانتقال إليه بل يلزم عليه إقامة البينة لذلك كما عن المحقق‏

الخراسانيّ قده.

و اما أخذ المال منه و إعطاؤه لصاحب البينة فلا يثبت بصرف سقوط المدلول‏

الالتزامي عن الحجية لأن اليد أمارة على الملكية و لو لم يثبت الانتقال كما ان البينة

أمارة للملكية لصاحبها.

و قد أشكل شيخنا العراقي قده على هذا بان أخذ المال منه يكون لازما بحكم‏

استصحاب بقاء الملكية لصاحب البينة و حيث يكون في العنوان يكون مقدما على‏

اليد لذهاب موضوعها بها.

و يمكن الإشكال عليه قده بأن اليد ساقطة من جهة و باقية من جهة فهي من‏

جهة الانتقال الّذي هو مدلولها الالتزامي ساقطة و اما من جهة أماريتها على أصل‏

الملكية فهي مقدمة على الاستصحاب لأنه أصل و هذه أمارة فيفكك بين المدلول المطابقي‏

و الالتزامي في الحجية.

فتحصل انه لا وجه للقول بانقلاب الدعوى في الإقرار و لو سلم يكون الانقلاب في مورد

البينة أيضا.

ثم على فرض تسليم الانقلاب مطلقا أو في خصوص الإقرار فهل هذا يختص‏

بصورة كون الإقرار للمدعى أو يشمل حتى صورة كون الإقرار للموصى له أو للمورث‏

بالنسبة إلى الوارث فيه كلام.


229
و الحق عدم الانقلاب هنا لأن دليله لو كان الإجماع فهو دليل لبي لا يشمل‏

غير المتيقن و هو المدعى فقط و لو كان عرفية إطلاق المدعى على المقر فائضا

لا يشمل المقام لعدم صدق المنكر على الموصى و المورث أو على من يدعى الإرث‏

أو الوصية لنفسه.

بقي في المقام كلام في قضية الفدك‏

و هو ان مولانا و مولى الموحدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أرواحنا

و أرواح العالمين له الفداء و عليه السّلام قد احتج على الأول بعد أخذه الفدك عن بنت‏

رسول اللّه فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها بأنها سلام اللّه عليها كانت صاحبة اليد فلا

يجوز الأخذ منها كما مر الرواية فيما سبق مع انها عليها السّلام قد أقرت انه كان لأبيها

و قد انتقل إليها بالهبة أو الصلح لليد عليه بعد تسليم الخبر المجعول عند العامة من‏

قوله صلّى اللّه عليه و آله نحن معاشر الأنبياء لا نورث درهما و لا دينارا إلخ فعلى ما مر من انقلاب‏

الدعوى يلزم ان تكون الزهراء سلام اللّه عليها مدعية و ان تكون عليها إقامة البينة

و يكون أخذ الأول المال خلافة عن المسلمين بمقتضى الاستصحاب أي استصحاب بقاء

الملك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و انتقاله بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى المسلمين‏

بمقتضى الخبر المجعول.

و اما دفع هذا الإشكال فمن وجوه:

الأول إنكار أصل الانقلاب كما مر منا فالاستدلال باليد عن مولانا أمير-

المؤمنين عليه السّلام في محله.

و الثاني انه على فرض تسليم الانقلاب يكون الانقلاب في صورة الإقرار للمدعى‏

لا لشخص آخر و من المعلوم انها عليها السّلام أقرت بأن المال لأبيها لا للمدعى الّذي هو

الأول نيابة عن المسلمين فلا يكون هذا المورد داخلا في محل بحث الانقلاب ليلزم‏

الإشكال،


230
و قد أجيب بأن الإشكال يكون على الأول من جهة أخذه المال عنها عليه السلام

قبل المحاكمة فانه خالف موازين القضاء في الإسلام فلذا أشكل عليه مولانا أمير

المؤمنين صلوات اللّه عليه.

و فيه ان مخالفته لموازين القضاء في الإسلام غير مربوط ببقاء الملك لها

صلوات اللّه عليها فان مورد البحث هو بقاء ملكها لكون يدها عليه السلام عليه فلا يتم هذا

الدفع.

و الثالث ما عن المحقق الهمدانيّ قده من ان المشهور في باب القضاء هو ان‏

يكون المدعى مدعيا جزما و من هو شاك في دعواه لا يصغى إليه و الأول شاك في دعواه‏

لأن الزهراء سلام اللّه عليها تدعى ملكيتها لفدك لصلح أبيها أو هبته إياها و الأول‏

يدعى الشك في ذلك فعلى هذا فحيث كان المال في يدها يحكم لها به و أخذه منها

خلاف حكم اللّه تعالى فلهذا احتج الأمير عليه السّلام باليد.

و الرابع ما عن شيخنا النائيني قده على مسلكه في باب المعاملات و تبادل‏

الأموال و حاصله ان التبديل في مثل البيع يكون في المملوك مع بقاء الإضافة

فإذا باع الدار بدرهم تتعلق إضافة صاحب الدار بالدرهم و إضافة صاحب الدرهم‏

بالدار فلا تبديل الا في ما تعلق به البيع و الشراء و اما التبديل في باب الإرث فهو يكون‏

في المالك مع بقاء الإضافة أيضا فتعلق إضافة المال إلى زيد الوارث القائم مقام أبيه‏

فيكون التبديل في طرف الإضافة و تارة ينعدم الإضافة و يوجد إضافة أخرى مباينة لما

كان و هذا مثل الوصية بشي‏ء للموصى له فان الإضافة عن المالك تسلب و تحدث إضافة

أخرى و مقامنا هذا من هذا القبيل بل أسوأ حالا لأن الخليفة ادعى صرف المال في مصالح‏

المسلمين لا من باب الإرث و لا من باب البيع و أمثاله بل نظير الهبة.

فعلى هذا لا يكون الإقرار بكون المال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إقرارا بكونه‏

للمسلمين حتى ينقلب الدعوى و لا يمكن التمسك باليد بل لمن يدعى ملكه للمسلمين‏

إثبات الإضافة لهم بدليل و حيث لا دليل له الا كون المال لرسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله قبلا


231
لا يكون له أخذ فدك منها عليها السّلام هذا حاصل ما أفاده قده.

و لكن يرد على مبناه في تبادل الأموال بأن الإضافة مما هو قائم بالطرفين‏

و من المعاني الحرفية فكيف يمكن بقاء الإضافة مع التبديل في طرفها الّذي هو

المالك أو المال حتى ينتج في المقام ما قال قده و كيف كان فلا تصل النوبة إلى هذا

الجواب مع ما مر من إنكار أصل الانقلاب في جميع المقامات و عدم كون الإقرار

للمدعى هنا و ساير ما ذكرناه و الحاصل من الجميع عدم ورود هذا الإشكال على‏

احتجاج أمير المؤمنين عليه السّلام‏

بقي في المقام أمر

و هو ان اليد هل هي حجة في صورة كون الشاك في الملكية غير صاحبها

أو تشمل حتى صورة كون الشاك نفس صاحب اليد فيه خلاف فإذا كان شكه من‏

حيث كون ما في داره أو صندوقه له أو لغيره يتمسك بيده على الملكية على فرض‏

التعميم و لا يتمسك بها على فرض كونها حجة في خصوص غير صاحب اليد.

فنقول اما ان يكون السند لحجية اليد الاخبار أو بناء العقلاء أو الإجماع و على‏

التقادير اما ان تكون حجة من باب الأمارية أو حجة من باب الأصلية.

فعلى فرض كونه الاخبار فلا بد من النّظر إليها و تقريب الاستدلال ليتضح‏

المرام.

فمنها موثقة يونس بن يعقوب و قد مرت عند ذكر الاخبار و في ذيلها من استولى‏

على شي‏ء منه فهو له و تقريب الاستدلال بإطلاق الاستيلاء فانه يشمل يد الشخص‏

نفسه و يده بالنسبة إلى غيره.

و الجواب عنه ان الخبر يكون في حكم الزوجين و كون يد كل واحد منهما

حجة على الآخر الّذي ادعى المال لا حجة على نفسه.

و قد أجيب عن الإشكال بان الرواية وردت في خصوص الزوجين و أنتم لا تعتنون‏


232
بالمورد و تدعون بدلالتها على حجية اليد مطلقا فإذا كان كذلك فلا إشكال في‏

سعة الإطلاق أزيد من ذلك بان يقال لا فرق في الحجية بين يده و يد غيره لأن العلة

في الرواية هي الاستيلاء و هو يكون اليدين و لا يختص بيد الغير فقط و هذا الكلام‏

مما يمكن الاعتماد عليه على ما هو التحقيق عندنا.

و منها رواية مسعدة بن صدقة و تقريبها بأنها وردت في صورة كون الشك في‏

يد نفسه فان احتمال كون الثوب عليه سرقة يكون من جهة شكه في ان ما في يده‏

ماله واقعا أو لا فجعلت اليد حجة في المورد فدلالتها على عمومية اليد تامة و الجواب‏

عنه ان المقام يكون في صورة الشك في السبب المنقل إليه فلا يدرى انه سبب‏

صحيح لكون البائع مثلا بائعا لماله أو لمال غيره و(ح)يكون له أصالة الصحة في‏

البيع و الشراء و مع جريانها لا يبقى الشك فلا يكون الاستناد إلى اليد حتى يستدل‏

بعمومها ليد الشخص نفسه و الحاصل ان اليد تكون حجة في مجهول السبب‏

لا في معلومه.

و منها رواية جميل بن صالح‏ (1) قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام رجل وجد في‏

منزله دينارا قال يدخل منزله غيره؟قلت نعم كثير قال هذا لقطة قلت فرجل وجد

في صندوقه دينارا قال يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئا؟قلت لا

قال فهو له.

و تقريبها ان الشاك في كون ما في صندوقه يكون شاكا في ان ما في يده هل‏

يكون له أم لا فحكم عليه السّلام بأنه لعدم دخالة غيره في صندوقه.

لا يقال ان الصدر و الذيل في الرواية يكون فيه الإشكال لأن كثرة دخول‏

الجماعة في الدار لا توجب خروج ما في الدار عن تحت اليد فكيف حكم عليه السّلام بأنه‏

1)أقول باقي الروايات مر مصدرها و هذه الرواية في باب 3 من أبواب اللقطة ح 1

في ج 17 من الوسائل.


233
لقطة مع كثرة الجمعية فأسقط عليه السّلام حكم اليد و كون ما في الصندوق له يكون من‏

باب القطع العادي بأنه له لا من باب اليد فهي في نفسها ساقطة لأنا نقول ان حجية

اليد تكون من باب الكشف العادي عن الملك فإذا كانت الدار محل مراودة الجمعية

تسقط اليد عن الكاشفية لا من باب عدم اليد على ما في الدار بل من باب سقوط

حجيتها فهي ساقطة عن الاعتبار لعدم الغلبة في صورة كون الدار كالمسجد في‏

مراودة الجمعية في كون المال ملكا لصاحبها و اما الحكم بان ما في الصندوق له‏

فهو يكون من باب اليد لا من باب القطع لأن ما في الصندوق يحتمل ان يكون أمانة

أو عارية أو غير ذلك من الوجوه المحتملة في حق هذا الشخص فصرف كونه في‏

صندوقه لا يوجب قطعه بأنه ملكه.

و منها رواية حفص بن غياث و تقريبها بان الملاك في حجية اليد هو عدم قيام‏

سوق للمسلمين و هو موجود في المقام أيضا لأن اليد لو لم تكن حجة بالنسبة إلى ما

فيها في الدار و غيره اختل نظام الاجتماع.

و قد أشكل عليه بان ما في يد الغير و ان كان الشك فيه و لكن الغالب عدم‏

معرفة السبب الناقل في هذه اليد و اما السبب في يد الشخص نفسه فمعلوم غالبا

فلا يختل النظام.

و الجواب عنه ان مطلق الشك كاف في حجية اليد و لو كان السبب معلوما

فتحصل ان الروايات لو لم يتم بعضها في شمول يد الشخص لنفسه يمكن استفادة

التعميم من بعضها الاخر.

و اما الرواية الدالة على الاختصاص أي اختصاص حجية اليد بيد الغير فهي‏

رواية إسحاق بن عمار (1) قال سئلت أبا إبراهيم عليه السّلام عن رجل نزل في بعض بيوت‏

مكة فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل مع و لم يذكرها حتى‏

1)في باب 5 من أبواب اللقطة في الوسائل ج 17 ح 3

234
قدم الكوفة كيف يصنع قال يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها قلت فان لم‏

يعرفوها قال يتصدق بها.

و تقريب الاستدلال بها هو انها دلت على ان صاحب المنزل ان عرف ان الدراهم‏

له فهي له و ان لم يعرفها فلا تكون له مع ان اليد لو كانت حجة في حق أهل المنزل‏

لم يكن المدار على العلم و الجهل بل كان مقتضى كونها تحت أيديهم كونها لهم‏

فلا تكون اليد حجة في ظرف الجهل.

و قد أشكل على هذا التقريب باب المدفون لا يكون تحت اليد فعدم التعرض‏

لحكم اليد يكون من باب عدمها في المقام مضافا بان العلم هنا لا يكون في مقابل‏

الجهل بل في مقابل الإنكار بمعنى انهم لو عرفوها و قالوا بأنها لهم تكون الدراهم‏

لهم بمقتضى يدهم و اما إذا أنكروها فلا تكون لهم لعدم حجية أيديهم في ظرف إنكارهم‏

للملكية فعلى هذا في صورة شكهم و جهلهم يمكن ان تكون الدراهم لهم.

و الجواب عنه ان صرف المدفونية لا يوجب خروج المدفون عن تحت يد صاحب‏

الدار فاليد هنا ثابتة و حمل العرفان على ما هو مقابل الإنكار خلاف الظاهر مضافا بان‏

الحكم هنا لعله خاص في مورد الكنز.

و لكن الإنصاف ان يقال ان الظاهر من الرواية ان الدار كانت دارا زوارية

و المدفون في أمثالها لا يكون تحت يد صاحبها فعدم حجية اليد من باب عدم الموضوع‏

لها ليس ببعيد فالحق ان اليد حجة مطلقا.

ثم ان البحث كان إلى الآن على طريقية اليد و أماريتها و اما على فرض‏

الحجية فقط فشمولها ليد الشخص نفسه أوضح لعدم الاحتياج إلى إثبات كشفها عن‏

الملكية بل صرف وجودها كاف لترتب الأثر هذا على فرض كون السند للحجية

الاخبار و اما على فرض كون سندها بناء العقلاء فهو عام عند الجميع و لا اختصاص‏

بيد غير الشخص.

و لا يقال ان الرواية في الاختصاص اما رادعة أو محتمل الرادعية و على أي‏


235
حال تمنع من التمسك ببنائهم كما ان ما هو محتمل القرينية يمنع عن التمسك‏

بظهور الكلام.

لأنا نقول لا يتمسك بالظهور في صورة وجود ما يحتمل قرينيته لعدم انعقاده‏

في الكلام كذلك و اما محتمل الرادعية في المقام يكون كالمخصص المنفصل المجمل‏

فان من المحرر في محله ان إجمال المخصص لا يسرى إلى العام فكذلك في المقام فان‏

بناء العقلاء عام و لا رادع له.

و اما لو كان السند لحجية اليد الإجماع فيرد عليه انه مدركي على فرض‏

وجوده نعم لو فرض وجوده لكان المتيقن منه غير يد الشخص نفسه.

فتحصل انه لا شبهة في عمومية اليد بالروايات أو ببناء العقلاء هذا كله في‏

البحث عن اليد الدالة على الملكية في المقام الأول و قد بقي فروع اخر فيه لعلنا

نتعرض لها في ضمن ما سيجي‏ء.

المقام الثاني‏1

في اليد الدالة على غير الملك‏

مثل الدالة على تذكية ما تحتها إذا كانت‏

يد المسلم أو الطهارة و النجاسة إذا عمل ما هو لازمهما.

و لا يخفى ان البحث في اليد الدالة على الملكية كان في اليد أعم من كونها

يد مسلم أو يد كافر و في المقام يكون البحث عن يد المسلم لأن يد الكافر لا تكون‏

أمارة على التذكية و الطهارة ثم في نحو حجيتها خلاف فربما قيل بان يد المسلم‏

1هذا البحث يوجد في المستمسك تأليف العلامة السيد محسن الحكيم الّذي قارب‏

عصرنا قده في ج 1 الطبع الثالث ص 305 في شرح المسألة السادسة من نجاسة الميتة من‏

كتاب عروة الوثقى فارجع إليه و قد نقل الأستاذ مد ظله عن كتاب القواعد الفقهية للعلامة

البجنوردي قده و لا يحضرني الآن.


236
لا شبهة في كونها أمارة التذكية و الطهارة و انما الكلام في يد الكافر و ربما قيل‏

بان يد المسلم مطلقا أمارة لها و ربما قيل بان اليد مع الاستعمال فيما يشترط فيه‏

التذكية و الطهارة كالأكل و الصلاة في الجلد دالة عليها لا مطلق كون الشي‏ء

تحت اليد.

فنقول ان العناوين في الروايات مختلفة من حيث التعبير بأرض المسلمين‏

و أرض الإسلام و يد المسلمين و سوق المسلمين في ترتيب أثر التذكية على ما في‏

أيديهم فعلى الأمارية لا بد من إثبات جهة كاشفية لسوق المسلمين و أرضهم و يدهم‏

حتى يكون الاخبار إمضاء لذلك بجهة كشفه.

فنقول يمكن ان يكون الظن حاصلا بواسطة غلبة ما يوجد في سوق المسلمين‏

و أرضهم و يدهم من كونه مذكى لا غيره و الإمضاء يكون متوجها إلى هذا النحو من‏

الكاشفية.

ثم ان هنا إشكالا و هو ان اليد على الأمارية يكون مثبتها حجة فعلى هذا إذا

كان شي‏ء في يد المسلم و حكمنا بالملكية بسببها فلا بد ان نحكم بالتذكية أيضا لأن‏

المسلم لا يملك غير المذكى‏1فالحكم بالملكية يكون من لوازمه الحكم‏

بالتذكية و لا يكون الشك في قابلية الحيوان للتذكية و عدمها حتى لا تكون اليد

حجة بالنسبة إليها بل البحث بعد فرض القابلية من جهة الشبهة الموضوعية.

فنقول ان كل ما من شأن الملكية يثبت باليد و منه الذبح الشرعي و لكن هذا

1هذا على فرض مسلمية عدم ملك المسلم للميتة و ما في حكمها و اما على فرض‏

القول بملكيته لها بغير البيع على فرض كون بيعها حراما فلا يأتي هذا الإشكال ثم ما ذكره‏

مد ظله في الجواب بأن هذا لا يثبت الطهارة لا نفهمه لأن الشك في الطهارة ان كان من جهة

الطهارة من ناحية التذكية فهي تثبت بالملازمة و ان كان الشك في النجاسة و الطهارة العرضية

فهذه لا كلام فيها لعدم كونها من لوازم التذكية.


237
لا يلزم منه الحكم بترتيب جميع ما هو مشكوك مثل الشك في الطهارة و النجاسة

للصلاة فلا تصح الصلاة مع إثبات الملكية بل لا بد من البحث في ان اليد هل هي أمارة على‏

الطهارة أم لا فأمارية اليد في الملكية لا توجب الغناء عن هذا البحث على ان أماريتها

غير ثابتة عندنا كما مر.

فنرجع إلى البحث عن الروايات في المقام.

فمنها صحيح الحلبي قال‏ (1) سألت أبا عبد اللّه عن الخفاف التي تباع في السوق‏

فقال عليه السّلام اشتر وصل فيها حتى تعلم انه ميتة بعينه.

فهذه الرواية تدل على ترتيب جميع الآثار حتى الصلاة فيما يؤخذ من سوق‏

المسلمين و لكن لا بعنوان السوق وحده و لا اليد وحدها بل السوق مع البيع و اليد

لأن المفروض انه لم يكن الشراء الا من اليد و قيد البيع يمنع عن القول بأمارية

السوق فقط أو اليد لأن هذا يكون من باب ظهور حال المسلم و هو حجة مع قطع‏

النّظر عن غيره فان المسلم لا يبيع غير المذكى فالمتيقن من دلالة الرواية على‏

التذكية هو صورة كون الشي‏ء في معرض البيع و في السوق مع كونه في اليد و لا

تدل على حجية اليد وحدها.

و منها صحيح البزنطي‏ (2) قال سألته عن الرّجل يأتي السوق فيشتري جبة

فراء فلا يدرى أ ذكية هي أم غير ذكية أ يصلى فيها قال عليه السّلام نعم ليس عليكم المسألة

ان أبا جعفر عليه السّلام كان يقول ان الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم ان الدين‏

أوسع من ذلك و نحوه صحيحة الاخر و صحيح سليمان بن جعفر الجعفري و خبر

الحسن بن الجهم‏ (3) و في مصحح إسحاق بن عمار عن العبد الصالح عليه السّلام لا بأس‏

بالصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام قلت فان كان فيها غير أهل‏

1)في الوسائل باب 50 من أبواب النجاسات ح 2-3

2)في الوسائل باب 50 من أبواب النجاسات ح 2-3

3)و الكل في باب 50 من أبواب النجاسات في الوسائل ح 6 و ملحق ح 3 و ح 9

238
الإسلام قال عليه السّلام إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس‏ (1) و إضافة هذه الرواية

على ما سبق هي قيد كونه مما صنع في أرض الإسلام مع غلبة المسلمين إذا كان فيها غيرهم‏

و المجموع يدل على ان ما يكون في سوق المسلمين و من المصنوع في أرض الإسلام‏

فهو محكوم بالتذكية و لا شبهة في ان الاشتراء يكون عن اليد لا عن السوق و الأرض‏

فاليد حجة مع قيد كونها في أرض الإسلام و في سوق المسلمين فلو فرضت في غير

السوق و في غير أرض الإسلام لا تدل هذه الروايات على حجيتها.

و منها خبر إسماعيل بن عيسى قال سئلت أبا الحسن عليه السّلام عن جلود الفراء

يشتريها الرّجل في سوق من أسواق الجبل أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما

غير عارف قال عليه السّلام عليكم أنتم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك و

إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه‏ (2) .

و هذه الرواية تدل على ان اليد حجة إذا كانت مع ما يكون ظاهرا في ترتيب‏

أثر التذكية و الطهارة كالصلاة في الجلد و المراد بغير العارف اما ان يكون من‏

هو غير عارف بالحكم أو يكون المراد منه العامي في مقابل الشيعة و الثاني هو مصطلح‏

الروايات في التعبير عن العامة.

و منها خبر محمد بن الحسين الأشعري كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر

الثاني عليه السلام ما تقول في الفرو يشترى من السوق فقال عليه السّلام إذا كان مضمونا فلا بأس‏

(3) و المراد بالمضمونية هنا هو كونه في اليد بتناسب الحكم و الموضوع و هذه‏

الرواية أيضا تدل على صحة الشراء من السوق و من اليد و الحاصل من جميع ما تقدم‏

هو ان المورد في الروايات هو التصرف الّذي يكون أمارة على التذكية و الطهارة

1)في الوسائل باب 50 من النجاسات ح 5

2)في الوسائل باب 50 من النجاسات ح 7

3)في الوسائل باب 50 من أبواب النجاسات ح 10

239
كالبيع و الصلاة و هو من ظهور حال المسلم فلا تدل على حجية السوق هذا ما قيل.

و لكن يمكن ان يقال ان ظهور الحال ليس من الحجج و ان كان السند أصالة

الصحة فهي مستندة إلى بناء العقلاء فلا يمكن إثبات حجية السوق المحض من‏

هذه الروايات.

و اما إثبات أمارية اليد فائضا كذلك و ان قال بعض الفقهاء انه لا إشكال في‏

أمارية اليد على التذكية و الطهارة بالنص و الفتوى مع انه لا نصّ فيها و لا إجماع الا

اشعار في رواية إسماعيل بن عيسى من جهة ان السوق في الغالب لا يكون الا

موجبا لحصول الظن بالتذكية بالنسبة إلى ما في اليد و عليها بناء العقلاء و لا ردع‏

عنه فانهم يجعلون اليد أمارة للتذكية و عليه يمكن ان يكون اليد حجة حتى في‏

غير السوق في ساير الأمكنة و على فرض عدم الخصوصية للسوق فالروايات تشمل‏

حجية اليد و هذا أحسن من بناء العقلاء و عدم الردع عنه في إثبات حجيتها.

و اما ما يوجد في أرض المسلمين فصرف كونه في الأرض لا يدل على التذكية

و لا سند لها الا رواية السكوني‏ (1) و هي ضعيفة سندا و دلالة و هي في السفرة المطروحة

في الطريق كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين فقال أمير المؤمنين عليه السّلام‏

يقوّم ما فيها ثم يؤكل لأنه يفسد و ليس له بقاء فإذا جاء صاحبها غرموا له الثمن قيل‏

له يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو مجوسي فقال هم في سعة حتى يعلموا.

و تقريب الاستدلال بان يفرض الأرض أرض الإسلام مع مرور المجوسي عليها

مع عدم أمره عليه السّلام بالفحص بل جعلهم في السعة حتى يعلموا فتكون أرض الإسلام‏

أمارة التذكية.

و فيه ان الأرض لا يعلم كونها أرض الإسلام و لا اشعار للرواية في ذلك و على‏

1)في باب 50 من أبواب النجاسات في الوسائل ح 11

240
فرض كونها أرض الإسلام يمكن ان يقال يحتمل كون الشبهة في السفرة من جهة

النجاسة العرضية من ملاقاة الكافر لا من جهة عدم التذكية فلا دلالة لها على أمارية

الأرض للتذكية.

فتحصل ان الأرض و السوق للمسلمين لا يكون لهما الأمارية للتذكية بدون‏

اليد هذا كله في أمارية يد المسلمين على التذكية.

البحث في أمارية يد الكافر

على عدم التذكية و عدمها

ثم ان الخلاف قد وقع بين الاعلام في أمارية يد الكافر على عدم التذكية و كذا

سوقه و أرضه فمن صاحب الجواهر قده‏1تبعا لأستاذه كاشف الغطاء أمارية يد

الكافر على عدم التذكية و عن جملة عدم أماريتها لها و الحكم بعدم التذكية لما في‏

يد الكافر و ان كان مسلما و لكن يكون سنده أصالة عدم التذكية لا من باب أمارية

يد الكافر على عدمها و استدل الأول برواية صحيحة عن إسحاق بن عمار و قد مرت‏

في البحث السابق بقوله عليه السّلام إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس.

و تقريب الاستدلال بوجهين.

الأول بمفهوم الوصف و هو غالبية المسلمين فان الغلبة ان كانت للمسلمين‏

فلا بأس و مفهومها ان الغلبة ان كانت من غير المسلمين ففيه بأس فعدم البأس يكون للإسلام‏

و البأس يكون للكفر فالكفر علة منحصرة للحكم بعدم التذكية كما ان الإسلام علة

منحصرة في الحكم بها و توهم ان البأس في صورة عدم الإسلام يكون من باب أصالة عدم التذكية

1هذا البحث في الجواهر في كتاب الطهارة في ج 6 في صفحة 364 و ما بعدها

موجود بالاختصار و في كتاب الصلاة في لباس المصلى في شرطية عدم كونه من الميتة في ج 8

في صفحة 52 و ما بعدها يوجد بالتفصيل فارجع إليه.


241
لا من باب الأمارية و اما في الحكم بالتذكية لا سبيل الا إلى اليد مندفع لأنه خلاف‏

ظاهر كون الكفر علة منحصرة في مقابل الإسلام.

و الثاني بتنقيح المناط و هو ان الحكم بالتذكية في صورة كون الغالب المسلمين‏

ليس الا من باب الغلبة فغلبة الكفر أيضا أمارة لعدم التذكية و لا خصوصية للغلبة بالنسبة إلى‏

الإسلام فقط و الشاهد على ذلك هو ان الإمام عليه السّلام يكون في صدد بيان تمام الجهات‏

في هذه الرواية فلو كان الغلبة في المسلمين موجبة للحكم بالتذكية و لم يكن الغلبة

في الكفار موجبة للحكم بعدمها يجب ان يبين فمن ذلك نفهم عدم الفرق و الا يلزم‏

الإهمال بالنسبة إلى هذه الجهة و هو خلاف دأبه عليه السّلام هذا.

و الجواب عن التقريب الأول هو ان المشهور بين الأصوليين عدم الاعتبار

لمفهوم الوصف الا ان تكون قرينة على الاعتبار من جهة إحراز علية العنوان للحكم و لكن في‏

المقام تكون القرينة على خلاف ذلك و هو مفهوم الشرط و هو قوله عليه السلام إذا كان الغالب فيها

المسلمين فلا بأس‏1فان مقتضى مفهوم الشرط هو ان المسلمين إذا لم يكونوا غالبين ففيه‏

بأس لكن لا من باب أمارية يد الكافر على عدم التذكية بل لوجود المندوحة و هي‏

أصالة عدم التذكية فإذا أمكن حمل الحكم على هذا الأصل لا يبقى للوصف مفهوم‏

فمعنى العبارة عدم أمارية يد المسلم إذا لم تكن غالبة و اما أمارية يد الكفر فمحتاجة

إلى دليل آخر.

و اما الجواب عن التقريب الثاني أولا فهو ان الغلبة في نفسها لا حجية لها بدون‏

ضميمة التصرف الّذي هو كاشف عن التذكية و التصرف الّذي هو كاشف عن التذكية

هو تصرف المسلم لجريان أصالة الصحة في عمله و اما الكافر فلا وقع لتصرفه و ان‏

كان التصرف تصرفا يكون لازمه التذكية لعدم جريان أصالة الصحة في عمله‏

1أقول مع وجود مفهوم الشرط في المقام لا يبقى مجال لمفهوم الوصف أصلا و ما

مر من تقريب مفهوم الوصف منه مد ظله أيضا يكون روحه الاستفادة من مفهوم شرط.


242
مضافا بأنه قياس محض و لا علم لنا بالملاك لنقول غلبة الكفار مثل غلبة المسلمين‏

في الدلالة على عدم التذكية.

و اما الشاهد لذلك فائضا ممنوع لأن ارتكاز المسلمين يكون على الاجتناب‏

عما في يد الكافر و لذا ترى ان السائل يسأل في الرواية بقوله فان كان فيها غير

أهل الإسلام فان السؤال يكون من جهة هذا الارتكاز فلو لم يبين عليه السّلام مع وجود

أصالة عدم التذكية بالنسبة إلى الكافر لا يلزم الإهمال.

و اما رواية ابن عيسى فهي بخلاف مقصود من قال بأمارية يد الكافر أدل لأن‏

قوله عليه السلام عليكم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك يكون‏

معناه وجوب الفحص ليظهر الحال لا الاعتماد على أمارية يد المشرك على عدم‏

التذكية.

الا ان يقال ان الفحص في المقام يكون مقدمة للعلم بحال اليد و شاهده هو

عدم وجوب الفحص في الموضوعات في غير المقام فلا يكون الفحص واجبا لنفسه.

و لكنا نقول عدم وجود الفحص مسلم و هو غير واجب بالنسبة إلى يد الكافر و

المسلم و لكن هذا لا يكشف عن أمارية يد الكافر كما ان عدم وجوبه لا يكشف عن‏

أمارية يد المسلم أيضا و لكن القول بالأمارية في يد المسلم يكون من جهة عدم سبيل‏

لحجية يده الا ذلك و اما في يد الكافر فأصالة عدم التذكية موجودة فيكون المعتمد

الأصل بخلاف يد المسلم فانه لا يكون أصالة التذكية بالنسبة إليه.

فتحصل انه لا سبيل لنا إلى إثبات أمارية يد الكافر على عدم التذكية.

ثم انه قد يدعى الأمارية ليد الكافر على عدم التذكية بلازم بعض الفروع الفقهية

من باب الإجماع على الحكم بعدم التذكية لما في يد الكافر من اللحم و الجلد في‏

سوق المسلمين أو سوق الكفار فلا بد من أمارية يده على عدم التذكية:

و لكن لا يتم لأن القول بأمارية يد المسلم يكون من جهة الغلبة مع الشك في التذكية

و اما في صورة القطع بكون اليد يد الكافر فلا غلبة في عدم التذكية إذا كان في‏


243
سوق المسلمين لعدم كون الغالب كذلك فلا أمارية ليده على العدم فلا اعتناء بيده‏

لرفع الشك بل في مورد الشك يكون الأصل هو عدم التذكية.

ثم لا يخفى ان المحقق الهمدانيّ جعل‏ (1) أرض المسلمين و سوقهم أمارة على‏

الأمارة و هي اليد فإذا كان شي‏ء في يد المسلم و عليه آثار يده يحكم بتذكيته و اما

يد الكافر فليست أمارة على عدم التذكية و ان كان الشي‏ء في سوقهم لعدم تحفظ

الكافر على كون الحيوان غير المذكى نعم لا يعتنى بالتذكية و عدمها و لكنا

نقول ان الروايات تكون في خصوص السوق و الأرض و لا اشعار فيها لليد الا في‏

رواية ابن عيسى‏1و نحن بتناسب الحكم و الموضوع قلنا بان اليد أيضا.

لازمة في حجية السوق من جهة تعرض الإمام عليه السّلام لما يكون لازمه اليد كالبيع‏

و كونه مصنوعا للمسلم فالحصة التوأمة من السوق و الأرض حجة لا اليد فقط عليه‏

فحيث لا يكون في عمل الكافر شهادة على التذكية لعدم أصالة الصحة في عمله‏

و ان رتب آثار التذكية لا يكون يده أمارة التذكية و حيث لا يكون في قيد عدم‏

التذكية أيضا لا يكون يده أمارة على العدم و عليه فلا بد في مقام الشك من جريان‏

أصالة عدم التذكية.

1أقول الإشعار فيها ليس الا كالإشعار في ساير الروايات لأن قوله عليه السلام إذا كان البائع‏

مسلما و قوله عليه السلام إذا رأيتم يصلون فيه يكون مثل قوله عليه السلام في صحيح الحلبي تباع في السوق‏

و مثل قوله عليه السلام في صحيح البزنطي فيشتري جبة فراء فان اليد تكون من لوازم البيع‏

و الشراء و كذلك الصلاة في الثوب تكون اليد من لوازمها.

1)في كتاب طهارته في أواخره في ص 655 عند بيان أحكام الأواني.

244
في ثمرة أمارية يد الكافر على عدم التذكية

ثم ثمرات أمارية يد الكافر على عدم التذكية في مقابل كون السند لعدمها

الأصل كثيرة ذكرها في جواهر الكلام في الفقه.

منها ما إذا كان في سوق الكفار مسلم و في يده شي‏ء من اللحم أو الجلد

فان قلنا بأمارية سوق الكفار لعدم التذكية فيد المسلم أمارة التذكية و سوق الكافر

أمارة عدمها فتتعارضان و تتساقطان و اما على فرض عدم أمارية يد الكافر فيد المسلم‏

أمارة مقدمة على أصالة عدم التذكية ضرورة تقدم الأمارة على الأصل.

و لكن لا يتم هذه الثمرة عندنا لأن المورد ليس مورد أمارية يد المسلم و لا

سوق الكافر لأن السند للأمارية هو الغلبة و لا غلبة للتذكية في يد لا تكون في سوق‏

المسلمين و لا في سوق الكفار إذا كان الشي‏ء في يد المسلم على فرض تسليم أمارية

سوق الكفار فالأصل هنا حاكم بعدم التذكية.

هذا إذا كان المسلم عارفا و اما إذا كان المسلم غير عارف فلا بد من‏

الفحص كما في رواية ابن عيسى و بإطلاقها تشمل حتى صورة كون المسلم في سوق‏

الكفار.

و من الثمرات صورة كون اليد مشتركة بين المسلم و الكافر كالشركة

بين المسلم و الكافر في بيع الجلود و اللحوم كما هو الدارج اليوم و ان كان لكل‏

واحد منهما ميزان مستقل فيشتري المسلمون من المسلم و الكفار من الكافر فقيل‏

هنا أيضا على ان أمارية يد الكافر تتعارض مع يد المسلم و على فرض عدم أمارية

يد الكافر فالأمارية ليد المسلم و أصالة عدم التذكية محكومة للأمارة فيصح البيع‏

و الشراء و ترتيب آثار التذكية.

و قال صاحب الجواهر قده ان يد المسلم مقدمة على يد الكافر و لو على الأمارية

لأن كثرة أدلة يد المسلم توجب ترجيحها على يد الكافر لقلة أدلتها.


245
و قد أشكل عليه بعض الأعيان بان التعارض هنا يكون في هذا المورد من‏

اليد لا في دليل اليدين لنلاحظ الترجيح هذا أولا و ثانيا لا سند لأمارية يد الكافر

الا رواية ابن عيسى و هي مشتركة بين دليليتها ليد المسلم و يد الكافر و الدليل‏

الواحد لا معنى للتعارض فيه و ساير الروايات يكون في سوق المسلمين و أرضهم لا في‏

اليد لنحاسب الترجيح.

و الجواب عنه ان التعارض في المورد يسرى إلى التعارض في الأدلة فكيف‏1

يقول هذا العين بان التعارض في المورد لا في الدليل و اما بقية الروايات غير رواية

ابن عيسى فهي حجة على اليد لما مر من التقريب بان سوق المسلمين و أرضهم‏

لا يخلو من اليد في الأغلب و قلما مورد يكون السوق بدون اليد مثل أخذ المتاع‏

من دكة في السوق و وضع الثمن في ذاك المكان بدون حضور البائع فالقول بان‏

دليل اليد هو رواية ابن عيسى فقط غير تام.

و الحاصل ان السوق جدار و الأرض صحراء لا أمارية لهما بل ماله الأمارية

هو اليد اما من جهة كون الأرض و السوق أمارة على الأمارة و هي اليد أو من جهة

ان الحصة من اليد التي تكون في سوق المسلمين أو أرضهم هي الحجة لا غيرها

كما هو المختار في فهم الروايات فأصل دلالة الروايات على أمارية يد المسلم‏

لا إشكال فيه و اما أمارية يد الكافر فلا تفهم منها.

فتحصل انه لا أمارية ليد الكافر مطلقا و في المقام بالخصوص لأن السر في الأمارية

هو الغلبة و هي مفقودة في اليد المشتركة مع المسلم و اما أمارية يد المسلم هنا على التذكية

أيضا غير ثابتة لعدم إطلاق للدليل الدال عليها لهذه الصورة في مقام الإثبات لو سلمنا

1أقول النسبة بين الدليلين هي العموم من وجه و يشكل شمول أدلة الترجيح له‏

حتى نقول بتقدم ما هو المشهور رواية على غيره لأن لازمه التبعيض في السند في غير مورد

المعارضة و لعل هذا هو مراد القائل في المقام.


246
الثبوت يعنى غلبة التذكية هنا أيضا و لكن قد عرفت عدم الثبوت أيضا فالمرجع أصالة عدم‏

التذكية في صورة اشتراك يد الكافر و المسلم في صورة الشك.

و من الثمرات لأمارية يد الكافر على عدم التذكية هو صورة كون الشي‏ء

في يد المسلم أو سوقه مع العلم بسبق يد الكافر كالأمتعة التي نعلم بأنها تجلب من‏

بلاد الكفار إلى سوق المسلمين أو بالعكس كأن يكون الشي‏ء مسبوقا بيد المسلم في‏

سوق الكفار مثل الجلود التي تكون في الممالك الوسيعة و نعلم أنهم يجلبونها من‏

بلاد المسلمين فعلى أمارية يد الكافر تتعارض مع يد المسلم في الصورتين و على عدمها

فالتقديم مع يد المسلم لتقدم الأمارة على أصالة عدم التذكية،

و لا يخفى ان البحث في صورة سبق يد المسلم بيد الكافر يكون من جهة

احتمال التذكية في يد الكافر مثل احتمال جلبه من بلاد المسلمين و اما مع القطع‏

بعدم سبق يد المسلم على يده فهو خارج عن البحث و ان احتمله الفقيه.

ففي صورة الاحتمال قال صاحب الجواهر تبعا لأستاذه كاشف الغطاء ان‏

يد المسلم مع القطع بسبق يد الكافر أمارة على التذكية لأن كلما يوجد في سوق‏

المسلم مما لم يعلم حاله يحكم بتذكيته سواء علمنا بسبق يد الكافر بيد المسلم قبل‏

ذلك أم لا.

و لكني أقول يشكل المساعدة على ما ذكراه(قدهما)في مقام الثبوت و الإثبات‏

اما الثبوت فلعدم الغلبة في التذكية في هذا المورد خصوصا إذا كان المسلم ممن‏

لا يتفحص مع علمه بسبق يد الكافر و أمارية اليد تكون من جهة الغلبة و اما الروايات‏

في مقام الإثبات فائضا لا إطلاق لها لتشمل المقام فان قوله عليه السّلام في رواية ابن عيسى‏

عليكم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك و إذا رأيتم يصلون فيه فلا

تسألوا عنه لا يدل على ان السوق حجة و ان كان يد المسلم مسبوقا بيد الكافر

و بالعكس يعنى إذا كان يد الكافر في سوق المسلمين فتقريب الاخبار بعدم بيان‏

الاستفصال لحجية اليد في السوق كذلك و إثبات الإطلاق غير وجيه.


247
لا يقال ان ترك الاستفصال يفيد في صورة إثبات كون السوق في زمن صدور

الروايات كذلك أي كان الكافر في سوق المسلمين و بالعكس و اما مع عدم إحرازه‏

فلا معنى له ليكون شاهدا للإطلاق.

لأنا نقول لا يرد الإشكال من هذه الجهة لأن الدليل لا يكون منحصرا بالمطلقات‏

بل العمومات‏1دلالتها عليه بالوضع لا من جهة ترك الاستفصال.

مضافا بأنه يمكن ادعاء ان صدر الإسلام أيضا كان سوق المسلمين فيه الكفار

و بالعكس فلا يرد الإشكال على الإطلاق من هذه الجهة بل من جهة ان الغلبة حيث‏

لا تكون في أمثال هذه الأيادي لا أمارية للسوق لأنه جدار بدونها.

نعم لو كان الملاك لحجية اليد في السوق هو التسهيل و حفظ النظام كما يشهد

له ما ورد من عدم قيام سوق للمسلمين لو لا ذلك فيمكن القول بحجية اليد و لو لم‏

تكن الغلبة و لكن قد عرفت ان المستفاد من الروايات هو حجية اليد من باب‏

الغلبة كما في قوله عليه السّلام في صحيح إسحاق بن عمار إذا كان الغالب عليها(أي على‏

الأرض)المسلمين فلا بأس و لا يكون للسوق و الأرض حجية بدونها فلنا شي‏ء واحد

هو الحجة و هو اليد التي تكون في سوق المسلمين من المسلمين بل مع استعمال‏

المسلم أيضا للجلود فيما يشترط فيه الطهارة كما في رواية ابن عيسى إذا رأيتم‏

يصلون فيه فلا تسألوا عنه.

و على هذا يشكل الحكم بطهارة النعال و غيرها من الجلود التي هي‏

في سوق المسلمين مع العلم بسبق يد الكفار بالجلب من أسواق الممالك الغير

الإسلامية.

1أقول لا يخفى عدم وجود عموم في الروايات يدل على حجية كل سوق و الا لما بقي‏

له مد ظله إشكال آخر أيضا من جهة عدم الغلبة في المقام و كتبنا ما ذكره حفظا لكلامه في‏

الدرس.


248
و لكن الّذي يسهل الخطب عندنا هو ان احتمال سبق يد الكفار بيد المسلم كاف‏

للأمارية خصوصا مع كثرة التبادل في الأسواق بالنسبة إلى الأشياء في هذا الزمان‏

و لا يجب الفحص عن الموضوعات فما وجدناه في سوق المسلمين مع هذا الاحتمال‏

نحكم بتذكيته و نرتب آثارها عليه.

فنحن مع عدم القول بمقالة صاحب الجواهر قده و غيره من حجية اليد و ان‏

كانت مسبوقة بيد الكافر تكون في سعة من حيث العمل من هذه الجهة.

ثم هنا مسألة أخرى لا بأس في التعرض لها لكثرة الابتلاء و يبقى سائر الفروع‏

و لكن لا نتعرض له خوفا للإطالة و هي ان المسلم الّذي يكون يده حجة هل‏

هو المسلم الّذي لا يرى مطهرية جلد الميتة بالدبغ و لا يرى طهارة مذبوح الكتابي‏

أو يكون أعم منه فيشمل الدليل يد من يرى طهارة ذبائح أهل الكتاب و مطهرية

الدبغ للميتة فيه خلاف.

و قد نسب إلى المشهور الأخذ بالعمومات و الإطلاقات حتى في صورة كون‏

المسلم ممن يعتقد بطهارة ما ذكر و خالف العلامة و الشيخ في النهاية و المحقق الثاني‏

و جعلوا الحجية مختصة بالمسلم الخاصّ.

فنقول ان كان الملاك للحجية التسهيل للعباد يمكن التعميم و اما ان كان الغلبة

أو ظهور حال المسلم الّذي يتحصل بتصرف دال على الطهارة فلا لعدم الغلبة و عدم ظهور

الحال في يد غير المسلم الخاصّ.

لكن الإنصاف ان الّذي يمنع عن مخالفة المشهور هو وجود السيرة القطعية

على ترتيب آثار التذكية على اليد مطلقا و عدم الاعتناء بوجود القائل بحصول‏

الطهارة بالدبغ أو بذبح أهل الكتاب لقلتهم و عدم الاعتناء بشأنهم عند المسلمين‏

العامة و الخاصة و حيث نحاسب نسبتهم مع ساير الفرق من المسلمين نراهم نادرين‏

بالنسبة إلى الجمع الكثير فالغلبة أيضا متحققة.


249
مضافا بان القول بحجية يد المسلم الخاصّ يوجب عدم قيام سوق للمسلمين‏1

و العمومات أيضا شاملة للمقام و مخالفة العلامة و الشيخ الطوسي(قدهما)غير

معلوم الوجه.

و اما ما ذكر من الردع عن هذه السيرة من الروايات فهو ضعيف سندا و

قاصر دلالة مع قطع النّظر عن السند فمنها رواية أبي بصير (1) قال سئلت أبا عبد اللّه‏

عليه السلام عن الصلاة في الفراء فقال كان علي بن الحسين رجلا صردا2

لا يدفئه فراء الحجاز لأن دباغها بالقرظ3فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما

قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الّذي يليه فكان‏

يسأل عن ذلك فقال ان أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة و يزعمون ان‏

دباغه ذكاته.

و منها خبر عبد الرحمن بن الحجاج قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام انى ادخل سوق‏

المسلمين أعني هذا الخلق الّذي يدعون الإسلام فأشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها:

أ ليس هي ذكية فيقول بلى فهل يصلح لي ان أبيعها على انها ذكية فقال عليه السلام لا و لكن‏

لا بأس ان تبيعها و تقول قد شرط لي الّذي اشتريتها منه انها ذكية قلت و ما أفسد

ذلك قال عليه السلام استحلال أهل العراق للميتة و زعموا ان دباغ جلد الميتة

1لا يخفى ان القول بندرة المسلمين القائلين بمطهرية الدبغ و ذبائح أهل الكتاب‏

فيما سبق يمنع عن القول بعدم قيام سوق للمسلمين لأن الاجتناب عما في أيديهم في صورة

كون اليد يدهم لا يوجب عدم قيام سوق للمسلمين نعم لو كان السوق سوقهم أجمع فيلزم ذلك‏

لكن امره سهل لهم لجريهم على مذهبهم و لغيرهم قواعد اخر.

2الصرد بفتح الصاد وراء الرّجل كان قويا على احتمال البرد أو كان ضعيفا عليه و هو من‏

لغات الضد.

3القرظ بالفارسية چيدن قرظ الأديم دبغه بالقرظ.

1)في باب 61 من أبواب لباس المصلى في الوسائل ح 2

250
ذكاته.. (1) ..

اما ضعف دلالة الرواية الأولى عن أبي بصير فهو ان الشبهة لا تكون في المصداق بل‏

في الحكم من حيث السؤال عن الصلاة في الفراء لا ان ما في السوق طاهر أم لا.

مضافا بأن لبس جلد الميتة غير جائز فكيف يلبسه الإمام عليه السّلام فيمكن ان‏

يكون من باب عدم كون اللباس من المحكوم بالميتة بل كان يكره الصلاة فيه كما

يشير إليه مصحح الحلبي تكره الصلاة في الفراء الا ما صنع في أرض الحجاز أو علمت‏

منه ذكاة (2) .

و اما رواية عبد الرحمن بن الحجاج فتكون أيضا من البيان في الشبهة الحكمية

لا الموضوعية من جهة اليد في السوق فحاصل دلالتها هو عدم جواز الاخبار بالتذكية

و جواز الاخبار باب البائع باع على انها ذكية و مما دل على عدم المحكومية بحكم‏

الميتة هو تضمن الروايتين للبيع و الشراء مع ان الميتة لا يجوز بيعها و شرائها فلا يفهم‏

منهما الا الكراهة في اللبس.

و الحاصل مع وجود السيرة القطعية على جواز بيع الجلود و اللحوم من أسواق‏

المسلمين من دون الفحص عن حال البائع مما لا محيص عنه فما يؤخذ من أيديهم‏

محكوم بالتذكية وفاقا للمشهور و قد تم البحث عما أردنا إيراده من مباحث قاعدة

اليد الحاكمة على الاستصحاب و الحمد لله أولا و آخرا.

1)في الوسائل باب 61 من النجاسات ح 4

2)الوسائل باب 61 من أبواب لباس المصلى ح 1


251
فصل في قاعدة التجاوز و الفراغ‏

ثم من الأمارات التي هي متقدمة على الاستصحاب ما يسمى بقاعدة الفراغ و التجاوز

و المعروف بين النجفيين هو تعدد القاعدتين و المعروف بين أهل سامراء من القوم من‏

اتباع الميرزا الشيرازي قده هو وحدة القاعدتين.

و البحث هنا في جهات.

الجهة الأولى‏
في انه لا شبهة في تقديم القاعدة على الاستصحاب و انما الكلام‏

في وجه التقديم من جهة انه بالحكومة أو من باب تخصيص دليل الاستصحاب في‏

موردها أو من باب عدم وجود المورد لها لو لم تقدم عليه لأن في جل موارد القاعدة

يكون استصحاب عدم الإتيان جاريا فلو فرض تقديمه عليها يلزم عدم وجود المورد

لها و سقوط الروايات الدالة عليها فيكون التقديم من باب تقديم أصل محرز على‏

أصل محرز آخر بملاك عدم المورد للقاعدة.

فقال شيخنا العراقي قده بأن القاعدة أمارة من جهة ان الغريزة عند الإتيان‏

بمركب ذي اجزاء على الإتيان حسب الترتيب المقرر بوضع كل جزء في محله‏

و على حسب ترتيبه و عدم المضي عنه بإسقاط بعض الاجزاء كما اني رأيت حجارا

في الطهران يحفر جملة بسم اللّه الرحمن الرحيم و غيرها على الحجر في حال النوم‏

و اليقظة حسب ما هو المرتكز في ذهنه من هذا النقش فان العين و ان كانت غير رائية

لكن النّفس مجبولة على الترتيب المرتكز في الذهن و في المقام أيضا كذلك و الإمضاء

يكون من جهة الكشف الّذي ذكرناه بقوله عليه السّلام هو حين العمل أذكر.

و يرد عليه أولا ان الترتيب الّذي يلاحظ بالنسبة إلى المركبات التكوينية

غير الترتيب الّذي يلاحظ بالنسبة إلى المركبات الاعتبارية أو المرتبات أيضا

كذلك فان قاعدة التجاوز تجري بالنسبة إلى صلاة الظهر إذا كان الشك في إتيانه‏

في حين الاشتغال بالعصر مع عدم العناية إلى الترتيب بينهما كما في المركبات‏


252
التكوينية و هكذا قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الوضوء أو مطلق الطهارات جارية في‏

حين الشروع في الصلاة إذا شك في وجوده مع انه لا يكون الترتيب بينهما مثل‏

الترتيب بين اجزاء المركب حتى يقال ان الارتكاز على وضع كل شي‏ء في محله‏

حتى نقول بان الإمضاء في الشرع يكون بهذا اللحاظ.

و ثانيا ان الأمارة تكون حجة بالنسبة إلى لوازمها العقلية و ليس كذلك في‏

الشك في تحصيل الطهارة في صلاة الظهر مثلا لأن المفروض عندهم وجوب تحصيل الطهارة

للعصر بعد الفراغ عن الظهر مع ان الوضوء لو كان محكوما بوجوده يلزم ان يكون كافيا

للعصر أيضا فمن هذا نفهم حجية القاعدة لا أماريتها.

و ثالثا ان الروايات غير ما يكون شاهدا للأمارية بقوله عليه السّلام هو حين العمل‏

اذكر لا تكون الأمارية مستفادة من لسانها بل الموضوع فيها هو الشك كما في رواية

إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال ان شك في الركوع بعد ما سجد

فليمض إلخ.

و هكذا غيرها و الفرق بين الأمارة و الأصل هو ان الأولى موضوعها ليس هو

الشك بل موردها كذلك و الثاني يكون موضوعه الشك ففي المقام لا مجال للقول‏

بالأمارية حسب هذه الروايات فيمكن ان يكون التقديم على الاستصحاب من باب‏

تقديم أصل محرز على أصل آخر من باب الحكومة أو التخصيص و الظاهر انه على‏

وجه الحكومة لأن الاستصحاب يكون على فرض الشك و بقائه و لسان هذه الروايات‏

طرد نفس الشك كما في صحيح زرارة فشكك ليس بشي‏ء فيكون النّظر إلى الاستصحاب‏

في مورد القاعدة فكأنه شارح لدليله و هذا هو مناط الحكومة.

و اما التخصيص فيكون في الحكم و هو خلاف الظاهر هنا و على فرضه فيكون‏

التقديم من جهة عدم بقاء المورد للقاعدة لو لم تقدم على الاستصحاب بوجود استصحاب‏

عدم الإتيان مطلقا أو على الوجه الصحيح في جميع الموارد فتحصل عدم طريق لنا

للقول بالأمارية.


253
الجهة الثانية

في البحث عن وحدة قاعدة الفراغ و التجاوز و تعددها حسب الكبرى المجعولة

في المقام و تحريره يكون في مقامين مقام الثبوت و مقام الإثبات.

و البحث في المقام الأول لازم من جهة ان ما لا ثبوت له لعدم إمكانه لا إثبات‏

له و لو كان للدليل ظهور في الإثبات فيما لا ثبوت له فيجب تأويله أو طرحه فان ما

لا يمكن وقوعه لا يقع فنقول لو كان للقاعدتين جامع مقولي يمكن القول بوحدتهما

و الا فلا.

و ربما ينكر الجامع في المقام بوجوه من الأشكال.

الأول ان قاعدة التجاوز تكون جارية في صورة الشك في أصل الوجود كما

إذا شك في السجود في أصل إتيان الركوع و قاعدة الفراغ تكون في صورة الشك‏

في صحة الموجود كما إذا شك في ان القراءة هل وقعت على الوجه الصحيح أم لا

بعد الدخول في الركوع أو الفراغ من الصلاة و هذان متغايران و لا يمكن لحاظهما

بلحاظ واحد و لا جامع بين الشك في أصل الوجود و الشك في صحته الا بنحو فوق‏

المقولة مثل كونهما تحت عنوان الشي‏ء و الأمر و نحوهما.

و قد أجاب الشيخ الأعظم الأنصاري قده بأن الشك في الصحة أيضا يكون من‏

الشك في الوجود الصحيح و هو نحو آخر من كان التامة لأن الشك في الوجود و

الشك في الوجود الصحيح كليهما شك في الوجود و هو الجامع بينهما واقعا.

و قد أجاب عنه شيخنا النائيني قده بجواب يرجع إلى الإشكال من جهة مسألة

فقهية و لا يكون إشكالا عقليا على مقالته قده و حاصله ان إثبات صحة الموجود1

1أقول بعد كون الوجود الصحيح هو الموجود بوصف الصحة لا يبقى للإشكال‏


254
بجريان قاعدة الفراغ في الوجود الصحيح يكون من الأصل المثبت لأن ذلك من‏

اللوازم العقلية.

فان قلت لا نحتاج إلى إثبات صحة الموجود بل يكفى الحكم بالوجود الصحيح‏

و لو لم ينتزع منه صحة الموجود بحيث لو فرض محالا الاكتفاء بما لم يحرز صحته لكان‏

هذا العمل كافيا.

قلت هذا في التكاليف الشرعية كذلك لأن الوجود الصحيح كاف في إسقاط

التكليف و اما في الوضعيات فلا لأن الأثر فيها مترتب على صحة الموجود فان العقد

الّذي أحرز صحته يكون منشأ للآثار لا غيره.

و فيه ان هذه الدعوى في التكليفيات و الوضعيات لا شاهد لها فان الأثر مترتب‏

على الوجود الصحيح فيهما و بعبارة أخرى الصحيح هو الكامل و التام و له فردان‏

فرد كامل في الجزء و فرد كامل في الكل فالجزء الكامل كامل و الكل الكامل‏

كامل أيضا فتطبيق كبرى واحدة عليهما لا إشكال فيه.

و بعبارة أخرى بعد إحراز الوجود الصحيح بتطبيق الكبرى يكون الصحة

أيضا في الموجود من لوازمه و الأصل المثبت غير حجة الا إذا كانت الواسطة

خفية و في المقام ندعي خفائها فلا إشكال.

الإشكال الثاني في وحدة القاعدة هو ان التجاوز في قاعدته يكون عن محل‏

الشي‏ء فإذا كان الشك في الركوع في حال السجدة فيكون التجاوز عن المحل‏

وجه من هذه الجهة و اما أصل ان الأثر يكون على صحة الموجود فكلام مجمل فان‏

الصحيح في كل شي‏ء بحسبه و لا فرق بين التكليفيات و الوضعيات من هذه الجهة و ما فهمنا

وجهه فان كلامه في التقريرات(الفوائد)مجمل و هكذا في تقريره مد ظله و لذا أجاب‏

مد ظله بما أجاب.

و لا يخفى ان الإشكال يكون من جهة كون القاعدة من الأصول و الا فعلى فرض الأمارية

كما لا يبعد فمثبتها حجة و مبنى العلامة النائيني الأمارية فإشكاله خلاف مبناه.


255
الّذي هو ما بين القراءة و السجدة و اما في قاعدة الفراغ فيكون التجاوز عن نفس‏

الشي‏ء فإذا فرغ من الصلاة و شك في صحة القراءة أو جزء آخر منها يكون الشك‏

بعد التجاوز عن نفس الشي‏ء المحرز وجوده و الشك في الشي‏ء غير الشك في محله‏

فلا يمكن تكفل كبرى واحدة لهما.

و قد أجاب شيخنا النائيني قده بأن التجاوز عن الشي‏ء نفسه أيضا يكون‏

باعتبار محله فالمحل مقدر فيه أيضا كما في قاعدة التجاوز.

و فيه ان التقدير خلاف الظاهر و الأصل فان الشك في صحة الصلاة بعد الفراغ‏

عنها يكون شكا في نفس الشي‏ء و ان كان الزماني لا بد ان يكون في الزمان و المكاني‏

في المكان.

و الحق ان يقال التجاوز في كلتا القاعدتين يكون عن الشي‏ء نفسه غاية الأمر

في قاعدة الفراغ بدون العناية و في قاعدة التجاوز مع العناية و هي أن من جاوز

عن محل الشي‏ء فقد جاوزه أيضا.

و الإشكال الثالث هو ان متعلق الشك في قاعدة التجاوز يكون نفس الجزء

بحيال ذاته و اما في قاعدة الفراغ فكون المتعلق نفس المركب بماله من الوحدة

الاعتبارية و لفظ الشي‏ء في قوله عليه السّلام انما الشك في شي‏ء لم تجزه لا يمكن ان يعم‏

الجزء و الكل لأن الكل و ان كان فيه الجزء أيضا.

و لكن لا يكون الجزء ملاحظا بحيال ذاته و اما في لحاظ الجزئية فلا بد ان ينظر

إليه بنظر استقلالي فعند لحاظ الكل لا بد ان يكون لحاظه تبعيا لا استقلاليا فاللازم‏

التعدد في الكبرى المبينة لحدودهما و في هذه الرواية اما ان يراد الجزء فتختص‏

بقاعدة التجاوز أو يراد الكل فتختص بقاعدة الفراغ و قال المشكيني قده باختلافهما

من هذه الجهة مفهوما و مورد أو دليلا أي اختلاف القاعدتين في الثلاثة.

و هذا الإشكال كأنه كان عويصا عند شيخنا النائيني قده فأجاب بوجه لطيف‏

غير تام عندنا و هو انه قده قال بان قاعدة الفراغ تعم جميع أبواب الفقه من الصلاة


256
و الحج و الطهارة و قاعدة التجاوز تختص بباب الصلاة فقط و الروايات الواردة في‏

المقام تكون في مقام بيان حكم كلي في صورة الشك في الشي‏ء سواء كان ذلك‏

الشي‏ء هو الكل أو الجزء ففي مقام التطبيق يمكن ان يقال ان الجزء بحيال ذاته كل في نفسه‏

قبل التركيب و الجزئية تنتزع عما بعد التركيب فالجزء أيضا كل في مقام التنزيل كما انه‏

في باب الحكومة بالنسبة إلى توسعة الموضوع يكون التعبد بدخول فرد ليس من افراد العام‏

واقعا مثل ما إذا قيل أكرم العلماء ثم قيل زيد من العلماء بعد عدم كونه منهم واقعا و سر

التنزيل شمول الحكم له ففي المقام الجزء أيضا فرد للكل تعبدا و تنزيلا بعد ما رأينا

شمول الدليل له بعنوان الشي‏ء مع اختصاص الشك فيه بباب الصلاة فهو قده من الجمع‏

بين الاخبار استقر رأيه على هذا التنزيل.

و فيه أولا ان التنزيل لا يوجب وحدة القاعدتين بل لكل حكمه على حدة.

و ثانيا اعتبار الجزء كلا غير ممكن مضافا بان جمعهما في لحاظ واحد غير

ممكن و الشي‏ء جامع لكن يكون فوق المقولة و نحن نحتاج في الوحدة إلى جامع‏

تحت المقولة و هو مفقود.

و التحقيق هو عدم ورود الإشكال رأسا لأنا لا نحتاج إلى لحاظ الجزء بعد لحاظ

الكل بل يكون اللحاظ بالعنوان الجامع بدون لزوم استعمال لفظ واحد في معاني‏

متعددة و هو ان الصحيح هو التام و الكامل فالشك إذا كان في أصل الوجود أو في‏

الوجود الصحيح يكون الشك بعنوان جامع و هو الشك في التمامية1.

الإشكال الرابع ان اللازم من وحدة القاعدتين التضاد في المدلول في مثل‏

قوله عليه السّلام انما الشك في شي‏ء لم تجزه لو كان الشك يعم الشك في الجزء و الكل فانه‏

1أقول الصحيح و التام أيضا مما هو فوق المقولة فلو لم تكن الوحدة بجامع لفظة الشي‏ء

لا يصح بهذا العنوان و لكن الحق كفاية كون الجامع هو الشي‏ء بان يكون عنوانا عاما صادقا على الكل‏

و الجزء كما فعله المحقق النائيني قده.


257
لو شك المصلى في الحمد و هو في الركوع فباعتبار الشك في الحمد قد جاوز محله‏

فلا يجب عليه العود و باعتبار الشك في صحة الصلاة لم يتجاوز عنها لأنه بعد في‏

الأثناء فيجب عليه العود.

و هذا الإشكال على ما اخترناه من ان المراد بالتجاوز هو التجاوز عن نفس‏

الشي‏ء بدون اعتبار المحل في القاعدتين لا يرد لأن التجاوز هنا صادق و لا يكون باعتبار

الصلاة شيئا آخر فان التجاوز عن القراءة صادق سواء تجاوز عن الصلاة أو لم‏

يتجاوز و الشاهد عدم ذكر المحل في الروايات و التجاوز عنه الا انه في الكل‏

يكون التجاوز بلا عناية و في الجزء مع العناية إلى المحل.

و الإشكال الخامس هو ان متعلق الشك في قاعدة التجاوز هو نفس الجزء و في‏

قاعدة الفراغ ليس المتعلق هو الكل بل هو ظرف للشك فلا يمكن ان يجمعهما كبرى‏

واحدة و مما ذكرنا ظهر الجواب عنه أيضا لأن المدار يكون على الجزء الّذي‏

جاوزه في الكل و الجزء.

و الشك في الكل دائما يكون مسببا عن الشك في إتيان جزء أو شرط و ليس‏

الكل ظرفا للشك.

فتحصل انه على فرض عدم إمكان تصوير وحدة القاعدتين كما عن شيخنا

العراقي قده لا بد من حمل الروايات في مقام الإثبات على القاعدتين لا قاعدة واحدة

لأن إثبات الوحدة فرع ثبوتها و اما على فرض إمكان الوحدة ثبوتا فللبحث في‏

مقام الإثبات عن الوحدة و التعدد مجال.

فلا بد لنا من ذكر الروايات و استظهار مدلولها و هي على طائفتين ما يستفاد

منها قاعدة التجاوز و ما يستفاد منها قاعدة الفراغ.

اما الطائفة الأولى فمنها صحيحة زرارة قال‏ (1) قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام رجل‏

1)في الوسائل باب 13 من أبواب الركوع ح 4

258
شك في الأذان و قد دخل في الإقامة قال عليه السّلام يمضى عليه قلت رجل شك في التكبير

و قد قرأ قال يمضى قلت شك في الركوع و قد سجد قال يمضى في صلاته ثم قال عليه السّلام‏

يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء.

و تقريب الاستدلال بها هو ان مقوم قاعدة التجاوز الفراغ عن الشي‏ء و الدخول‏

في غيره المرتب عليه و هذه الرواية تكون في مقام بيان هذا المورد.

و منها رواية إسماعيل بن جابر (1) قال:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام ان شك في‏

الركوع بعد ما سجد فليمض و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شي‏ء شك‏

فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه.

و منها موثقة أبي يعفور (2) إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في‏

غيره فشكك ليس بشي‏ء انما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه.

و التقريب في الجميع بنحو التقريب في رواية زرارة.

و لا يقال بان الشك في قاعدة الفراغ أيضا يكون مسببا عن الشك في الجزء

فصرف كون الشك في الجزء لا يكون موجبا للتطبيق على قاعدة التجاوز بل يمكن‏

ان تشملهما الروايات المذكورة.

لأنا نقول بعد كون التطبيق في الجزء في موارد السؤال في الروايات و عدم‏

كون المورد الشك في الكل من جهة الشك في الجزء نفهم ان المورد يكون‏

مورد قاعدة التجاوز لا الفراغ.

و اما الطائفة الثانية فمنها موثقة ابن مسلم قوله عليه السّلام كلما شككت فيه مما

قد مضى فامضه كما هو (3) .

1)في الوسائل باب 13 من أبواب الركوع ج 4 ح 4

2)في الوسائل باب 42 من أبواب الوضوء ح 2

3)يوجد في الفرائد في هذا المقام‏

259
و منها قوله عليه السّلام‏ (1) كلما مضى من صلواتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه‏

و لا إعادة عليك:

و تقريب الاستدلال ان الشي‏ء الّذي شك فيه و قد مضى يكون ماضيا لا يعتبر

الشك فيه غاية الأمر الرواية الثانية تكون في الصلاة و الطهور و الرواية الأولى عامة

شاملة لجميع المركبات و حيث لم يكن فيها الذّكر عن الدخول في شي‏ء آخر

يفهم منه انه يكون في مقام قاعدة الفراغ لا التجاوز و الشي‏ء و ان كان من الممكن‏

على ما نحن عليه في القاعدتين ان يكون أعم من المضي عنه أو عن محله و لكن المضي‏

عن المحل حيث يحتاج إلى عناية تقدير المحل فحمل الرواية عليه خلاف الظاهر

مضافا بان قوله عليه السّلام فامضه كما هو لا ينطبق عليه لأن ما يكون الشك في وجوده‏

لا يرجع ضمير فامضه إليه فلا داعي لنا لإرادة التعميم للقاعدتين في هذه الروايات بل‏

هي في قاعدة الفراغ و الطائفة الأولى في قاعدة التجاوز.

و لا وجه لحمل بعضها على بعض آخر و إرجاع الشك في الشي‏ء إلى الشك في‏

الوجود الصحيح ليشمل القاعدتين بادعاء وحدة السياق كما فعله الشيخ الأعظم الأنصاري‏

(قده)لعدم وحدة السياق في رواية واحدة و لا داعي لضم بعضها إلى بعض لتحصيل‏

الوحدة كذلك.

فتحصل ان الجامع لو أمكن أخذه في مقام الثبوت للقاعدتين لا يمكن الالتزام‏

به في مقام الإثبات من جهة مخالفته لظاهر الروايات و لو لم يمكن أخذه كما عن‏

شيخنا العراقي فلا بد من الحمل على القاعدتين.

1)في الوسائل باب 42 من أبواب الوضوء ح 6.

260
الجهة الثالثة

في ان الثمرة في البحث عن وحدتهما أو تعددهما ربما قيل تظهر في صورة

العلم بفوت سجدة واحدة في الصلاة أو التشهد كذلك مع الشك في صحة الصلاة من‏

ناحية الترتيب أو الموالاة.

فانه على فرض تعدد القاعدتين تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الترتيب و

الموالاة فتصير صحيحة بذلك ثم يأتي بقضاء السجدة أو التشهد لأن القضاء يكون‏

بعد فرض صحة الصلاة من ناحية الشروط و الاجزاء الاخر و اما على فرض وحدة

القاعدتين فحيث ان الترتيب و الموالاة لا يكونان من الاجزاء فلا يصدق عليهما

الشي‏ء لتنطبق عليهما القاعدة بهذا العنوان فلا سبيل‏1إلى صحة الصلاة لنقول بوجوب‏

قضاء السجدة و التشهد لأنهما من آثار صحة الصلاة.

1أقول مرجع الشك في الترتيب و الموالاة إلى الشك في إتيان الجزء صحيحا فان‏

الركوع الصحيح هو الّذي وقع قبل السجدة و بعد القراءة و لم يكن فصل بينه و بين ما يترتب‏

عليه بحيث يضر بالموالاة فمن كان مشغولا بالسجود و شك في الترتيب أو الموالاة فقد

جاوز محل الجزء الّذي يكون الشك من جهته فتجري قاعدة التجاوز في الصلاة و بعدها على‏

فرض وحدة القاعدتين أيضا هذا أولا.

و ثانيا ان الموالاة و الترتيب أيضا مما يصدق عليهما الشي‏ء فكيف لا يكون التجاوز عنه التجاوز

عن الشي‏ء فلا احتياج إلى إتعاب النّفس بجعل مرجعهما الشك في الجزء مضافا إلى فساد

المبنى فان الظاهر من الأدلة هو جعل قاعدتين لا قاعدة واحدة و ان أمكن الوحدة بجامع‏

فوق المقولة مثل الشي‏ء.


261
البحث في تنبيهات قاعدة التجاوز و الفراغ‏

ثم ينبغي التنبيه على أمور

الأول‏
ان المشهور بل المجمع عليه هو عدم جريان‏

قاعدة التجاوز في الوضوء و يلحق به الغسل و التيمم بخلاف قاعدة الفراغ فانها

جارية فيه.

و يدل عليه قبل الإجماع صحيحة زرارة (1) إذا كنت قاعدا في وضوئك فلم تدر

أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه‏

ما سمى اللّه تعالى ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و صرت في‏

حالة أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمي اللّه تعالى مما أوجب اللّه عليك‏

لا شي‏ء عليك الحديث.

و تقريب هذه الرواية واضحة لكونها ناصة في عدم جريان قاعدة التجاوز

في اجزاء الوضوء و جريان قاعدة الفراغ فيه.

و لكن يعارضها موثقة ابن أبي يعفور إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و دخلت في‏

غيره فشكك ليس بشي‏ء انما الشك في شي‏ء لم تجزه.

و تقريب المعارضة بان يكون الضمير في لفظة غيره راجعا إلى الشي‏ء

لا راجعا إلى الوضوء لأنه ان رجع إليه يكون المعنى ان الدخول في عمل آخر

غير الوضوء موجب لعدم الاعتناء بالشك و هذا مصداق قاعدة الفراغ لا التجاوز و

الصدر فيها يكون توطئة للذيل و هو قوله عليه السّلام انما الشك في شي‏ء لم تجزه فان‏

معناه هو ان الشي‏ء الّذي هو الوضوء إذا كان التجاوز عنه لا اعتناء بشكه و عليه‏

العلامة الهمدانيّ قده لأن قرب الضمير إلى الوضوء يوجب إرجاعه إليه فلا دلالة لهذه الرواية

بهذا التقريب على جريان قاعدة التجاوز في الوضوء لتعارض مع الصحيحة بل هي‏

موافقة معها.

1)في الوسائل باب 42 من أبواب الوضوء ح 1

262
و قد أشكل على هذا التقريب يعني التقريب للرواية بحيث توافق مع الصحيحة

بحملها على قاعدة الفراغ شيخنا العراقي قده و حاصله هو ان الصدر و الذيل في الموثقة

ظاهر ان في بيان حكم الشك في الشي‏ء بمفاد كان التامة لا الناقصة فان ظهور الشك‏

في الشي‏ء في عموم الذيل كظهور الصدر في الشك في أصل وجود الشي‏ء و قوله‏

عليه السّلام من الوضوء يكون ظاهرا في كون لفظة من فيه تبعيضية و انه بنفسه يكون‏

صغرى للكبرى المجعولة في الذيل فالشي‏ء الّذي يكون الشك فيه أي في اجزائه‏

هو الوضوء و لا اعتناء بالشك بعد التجاوز عنه و الضمير يرجع إلى الشي‏ء لا إلى الوضوء

و لو رجع إلى الوضوء يلزم ان يكون لفظة من بيانية و هو خلاف الظاهر أيضا لأن‏

الظاهر هو التبعيض.

مضافا بأنه يلزم من هذا التقريب المعارضة بين منطوق هذه الموثقة مع مفهومها

في صورة الشك في فعل من افعال الوضوء و ما يلحق به من الغسل و التيمم بعد

الدخول في غيره كالشك في صحة غسل اليد باعتبار جزء من اجزائه فانه يتصور

التجاوز عن الشي‏ء باعتبار كونه ذا اجزاء فكأنه عمل واحد مثل أصل الوضوء

فباعتبار كونه عملا واحدا له اجزاء يلزم جريان قاعدة الفراغ فيه و باعتبار كونه‏

من اجزاء الوضوء يلزم عدم جريان القاعدة الا ان يقال ان قاعدة الفراغ تكون‏

مختصة بصورة كون العمل له وحدة عرفية أيضا فان الوضوء عمل واحد فلا يكون‏

الجزء الواحد باعتبار اجزائه مصداقا لقاعدة التجاوز و باعتبار جمعه مصداقا لقاعدة

الفراغ.

و يرد عليه ان قرب الضمير إلى الوضوء بالذهن العرفي في فهم الظهور يوجب‏

القول بكون الموثقة في مقام بيان قاعدة الفراغ لا من باب توطئة الصدر للذيل‏

و لا تهافت بين الصدر و الذيل و لا تضاد بين الفراغ و التجاوز في الاجزاء بعد كونها

مختصة بقاعدة الفراغ فقط و كون الوضوء بتمامه امرا واحدا عرفا فالحق مع المحقق‏

الهمدانيّ قده.


263
و قد أجاب الشيخ الأعظم قده عن أصل الإشكال بالتعارض بأن الوضوء مما

لا يجري قاعدة التجاوز فيه لعدم مجالها فيه لأنه امر واحد لا يتبعض شرعا بلحاظ

اثره البسيط الّذي هو الطهارة كما في بعض الاخبار من ان الوضوء لا يتبعض.

فعلى هذا لا بد من إرجاع الضمير في لفظة غيره إلى الوضوء فالموثقة تكون‏

في مقام بيان جريان قاعدة الفراغ في الوضوء لا التجاوز فلا تعارض مع الصحيحة

الدالة على جريان قاعدة الفراغ فيه.

و قد أجاب المحقق الخراسانيّ قده‏ (1) و تبعه شيخنا العراقي قده أيضا بأن‏

الأثر الواجد لو كان كذلك فللصلاة و ساير العبادات أيضا أثر واحد ككونها

معراج المؤمن أو كون الصوم جنة من النار و هكذا فيلزم عدم جريان قاعدة التجاوز

فيها و هو كما ترى لعدم الإشكال في جريانها فيها عن أحد من العلماء و اما ادعائه‏

قده من ان ما ورد من عدم التبعيض يكون في الوضوء خاصة لا في غيره فغير تام‏

من جهة ان التبعيض ليس في اجزاء الفعل الواحد بمعنى وجوب اتصال أفعاله‏

لا بمعنى عدم وجود التبعيض فيه حتى بالنسبة إلى قاعدة التجاوز.

ثم لا يخفى ان المحقق الهمدانيّ قده من القائلين بتعدد القائلين بتعدد القاعدتين و مع ذلك‏

لا يرى التهافت بين الصحيحة و الموثقة و يحكم بتخصيص العمومات في قاعدة التجاوز

في الوضوء و اما الشيخ الأعظم القائل بوحدة القاعدتين من جهة كون الشك في‏

الوجود الصحيح هو موضوعهما فيرى ان الموثقة يكون الشك فيها في الوجود

الصحيح أيضا و لكن يرجع الضمير إلى الوضوء من باب عدم قابليته لانطباق قاعدة

التجاوز فهما(قدهما)يقولان بعدم التعارض و كل على مسلكه يقول بهذه‏

المقالة.

فللشيخ قده ان يقول بان الصدر لا يكون توطئة للذيل حتى يقال انه خلاف‏

1)في حاشية الرسائل المسماة بالفوائد ص 232

264
الظاهر بل التجاوز عنده أعم من التجاوز عن جميع العمل أو جزئه فقوله عليه السّلام انما

الشك في شي‏ء لم تجزه يشمل الجزء و الكل.

و لكن في المقام يكون الوضوء مما لا يكون له جزء شرعا لعدم التبعيض‏

في اجزائه بل التجاوز فيه ليس الا التجاوز عن تمامه نظير تصديق العادل في الموضوعات‏

فان تصديقه يكون مع ضم عادل آخر ليعتنى بخبره فهنا لا يقول بعدم جريان‏

القاعدة الواحدة في الوضوء بل يقول بجريانها في خصوص صورة التجاوز عن تمامه‏

فالروايات العامة دالة على جريان قاعدة التجاوز و الفراغ بنحو العموم و للوضوء

خصوصية في تطبيق القاعدة عليه فلا يكون تخصيصا في العمومات بل هو فرد من‏

افراد العموم مع شرط مستفاد من الشرع.

فلا يشكل عليه قده بان العمومات الكثيرة كيف تخصص بالصحيحة في‏

خصوص الوضوء لأنه يقول لا تخصيص في البين كما انه لا تخصيص في أدلة

حجية خبر العادل بواسطة شرطية ضم عادل آخر في الموضوعات ليصير العادلان‏

بينة شرعية.

و لا يشكل عليه قده أيضا بالتهافت بين القاعدتين في الموثقة لأنه يرى الموثقة

في خصوص قاعدة الفراغ فهذه الموثقة في قاعدة الفراغ في الوضوء و العمومات‏

شاملة لقاعدة التجاوز و الفراغ و الصحيحة مفصلة و شارحة للعمومات و الموثقة

بجريان القاعدة في الوضوء إذا كان الشك في تمامه و بعدم جريانها فيه إذا كان‏

الشك في جزئه فلا تخالف الموثقة الإجماع على تخصيص الطهارات الثلاث أيضا مع‏

انه لو فرض استقرار التعارض فالمقدم هو الصحيحة لا الموثقة لإعراض المشهور

عنها.


265
الأمر الثاني‏

قد عرفت مما مر ان قاعدة التجاوز تكون في صورة الشك في أصل الوجود

و قاعدة الفراغ تكون في صورة الشك في صحة الموجود على فرض تعدد القاعدتين‏

كما هو المختار لاختلاف موردهما و اختلاف لسان الروايات الدالة على القاعدتين.

فعلى هذا نقول كل أثر يكون على أصل وجود الشي‏ء يترتب على قاعدة التجاوز

و كل أثر يكون على الشي‏ء بوصف الصحة لا يترتب عليها فلو شك‏1بين الثلاث‏

1أقول الشك في الركعات لا يكون مورد قاعدة التجاوز لعدم العلم بالتجاوز

عن الركعة الثالثة مثلا بعد الدخول في الرابعة و ملاك التجاوز هو إحراز التجاوز عن‏

السابقة.

مضافا بأنه لو سلم ذلك فإثبات الرابعة يكفى لإثبات الرابعية و الشك في الوصف في‏

قاعدة الفراغ يكون من الشك في وصف الصحة لا مطلق الوصف خصوصا في الأوصاف‏

الانتزاعية عن ذات الشي‏ء فان من تجاوز عن الركوع فقد تجاوز عن الركوعية أيضا و لا

يكون الثابت بقاعدة التجاوز الركعة أعم من كونها ثانية أو ثالثة أو رابعة بل المشكوك في‏

المثال هو وجود الركعة الرابعة فلو جرت القاعدة فتثبتها.

هذا هو الإشكال في هذا المثال و اما مع قطع النّظر عنه فإذا شك في وجود شي‏ء ثم‏

شك في صحته على فرض وجوده فقاعدة التجاوز تثبت أصل وجوده و قاعدة الفراغ على فرض‏

جريانها في وسط العمل تثبت صحته إذا كان في وسط العمل و على فرض عدم جريانها في‏

الوسط فلا.

فهذا التنبيه مما لا يرجع إلى محصل بهذا النحو من البيان و اما الاستصحاب في‏

باب الركعات فهو يكون بالنسبة إلى عدم الإتيان و هو ساقط بالإجماع و الا فيمكن ادعاه ثبوت‏

الوصف بواسطة جريان الأصل فأصالة عدم إتيان الرابع من الركعات تثبت ان الموجود

هو الثالث على فرض القول بخفاء الواسطة كما لا يبعد.


266
و الأربع فلا يمكن إثبات رابعية الموجود بواسطة جريان قاعدة التجاوز لأن التشهد

و السلام يكون بعد الركعة الرابعة بوصف انها رابعة و قاعدة التجاوز تثبت أصل وجود

الركعة لا رابعيتها فلا يترتب عليها هذا الأثر مع قطع النّظر عن وجوب البناء على‏

الأكثر في المثال بخصوصه فلو كان الشك بين الاثنين و الثلاث قبل تمام السجدتين‏

لا يمكن التمسك بقاعدة التجاوز فعدم جريان الاستصحاب في الشك في الركعات في‏

غير الموارد المنصوصة أيضا يكون على القاعدة من باب عدم إثبات الوصف به لا من‏

باب إسقاطه رأسا.

ثم ان الدخول في الغير قد ذكر في روايات قاعدة التجاوز فالمراد به اما ان‏

يكون هو التعبد بذلك أو يكون من باب أن المقوم لصدق التجاوز هو ذلك و الظاهر

هو الثاني لأن الدخول في الغير ما لم يحصل لم يحصل التجاوز عن المحل فإذا دخل في‏

السجود بعد الركوع يكون متجاوزا عن محال الركوع و بدونه لا يصدق التجاوز.

فعلى هذا لا يبقى الفرق بين المطلق و المقيد من الروايات في تلك القاعدة

و المقيد من الروايات ما مر من حديث إسماعيل بن جابر قوله عليه السّلام كل شي‏ء شك فيه و قد

دخل في غيره فليمض عليه و هكذا حديث زرارة و موثقة ابن أبي يعفور و المطلق‏

مثل ما ورد من ان كل شي‏ء شك فيه مما قد مضى فامضه كما هو و لا يخفى ان من‏

يكون رأيه تعدد القاعدتين لا مجال له للبحث عن المطلق و المقيد لأن المطلقات‏

تكون في قاعدة الفراغ و المقيد ليس الا في قاعدة التجاوز فرواياتها مقيدة و لكن‏

القيد مقوم لا من باب التعبد.

فالعجب عن شيخنا العراقي قده حيث يقول بتعدد القاعدتين و مع ذلك تكلم‏

في المطلق و المقيد من الروايات في باب التجاوز مع عدم احتياجه إليه نعم الشيخ‏

الأعظم قده القائل بوحدة القاعدتين يكون مبتلى بهذا البحث نعم يكون التجاوز

عن المحل الّذي هو يكون مقوم القاعدة بواسطة التجاوز عن الشي‏ء و هو لا كلام‏

فيه على أي تقدير و عليه فلا مجال للقول بالإطلاق لأن ما هو من المقومات العقلية


267
للتجاوز لا يكاد يمكن ان تكون القاعدة مطلقة بالنسبة إليه و اما لو كان القيد

قيدا تعبديا فيمكن تصوير الإطلاق في كلام الشارع هذا كله في قاعدة التجاوز.

و اما قاعدة الفراغ فرواياتها على ثلاث طوائف.

الطائفة الأولى العمومات مثل قوله عليه السلام كل شي‏ء شك فيه مما

قد مضى فامضه كما هو و الثانية ما ورد في الصلاة و الطهور بقوله عليه السّلام كلما مضي‏

من صلاتك و طهورك فامضه كما هو و الثالثة ما ورد في خصوص موثقة ابن أبي‏

يعفور على بعض الاحتمالات و هو احتمال كون لفظة من في قوله عليه السّلام إذا شككت‏

في شي‏ء من الوضوء و دخلت في غيره بيانية لا تبعيضية و على فرض كونها تبعيضية و دالة على‏

قاعدة التجاوز فالإجماع على عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء و هكذا ما ورد في من شك‏

في الوضوء بعد ما فرغ هو حين يتوضأ اذكر و لا قيد في هذه الروايات في قاعدة الفراغ‏

الا رواية ابن أبي يعفور على فرض كونها في مقام بيان قاعدة الفراغ لأن الدخول‏

في الغير يكون مذكورا فيها فتعارض مع المطلقات و لا يقولون بحمل المطلق على‏

المقيد في المقام كما قالوا في ساير المقامات.

فربما يقال بان القيد محمول على الغالب فلا يكون احترازيا فإذا لم يكن‏

القيد احترازيا فنأخذ بالمطلقات.

و ربما يقال ان الإطلاق ساقط من جهة الحمل على الغالب من جهة ان الدخول‏

في الغير بعد الفراغ عن العمل غالبا.

و قد أشكل عليه كما عن شيخنا النائيني قده على ما في التقرير من ان الغلبة

لا توجب صرف إطلاق الكلام عن إطلاقه و لا صرف القيد عن ظهوره في كونه احترازيا

الا ان توجب انصراف الكلام عن إطلاقه أو قيده فيمكن ان يقال بان القيد احترازي ما لم يقم‏

حجة على خلافه و ما ذكرنا يكون على فرض وحدة القاعدتين أيضا و لكن الجامع بين التجاوز

و الفراغ تارة يقيد فلا بد من تقييد الافراد أيضا ضرورة ان مورد التجاوز و الفراغ من أصناف‏


268
الجامع و افراده فلو كان القيد قيدا للجامع فلا بد من القول به في قاعدة التجاوز

و الفراغ كلتيهما.

نعم لو كان القيد قيد الفرد يمكن ان يقال ان الطبيعي مطلق بحاله و المقيد انما

هو بعض الافراد مثل الوضوء فان الدخول في غيره شرط في جريان قاعدة

الفراغ بمقتضى رواية ابن أبي يعفور و اما في غيره فلا دليل على شرطية الدخول‏

في الغير.

و لكن قد عرفت ان وحدة القاعدتين خلاف التحقيق و لا دليل على شرطية

الدخول في الغير في غير الوضوء في قاعدة الفراغ و في قاعدة التجاوز يكون الدخول‏

في الغير من مقوماته و لا يكون قيدا شرعيا تعبديا و لا مجال لإطلاق القاعدة بعد

اعتبار هذا القيد العقلي لأن ما لا بد منه لا يمكن أخذ الإطلاق بالنسبة إليه بل لا بد

من التقييد.

الأمر الثالث‏

في ان الدخول في الغير إذا كان شرطا هل يكون الشرط في هذا الغير

كونه مما رتب شرعا مثل الترتيب بين الركوع و السجود أو يكفي مطلق الغير.

قال الشيخ الأعظم قده في الفرائد في الموضع الثالث ان الظاهر من الغير في‏

صحيحة إسماعيل بن جابر ان شك في الركوع بعد ما سجد و ان شك في السجود

بعد ما قام فليمض بملاحظة التحديد و مقام التوطئة للقاعدة المقررة بقوله بعد ذلك‏

كل شي‏ء شك فيه و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه.

فالدخول في الغير الّذي بينه الشارع شرط لا الدخول في كل ما كان مترتبا

من الأفعال و المؤيد هو انه لو كان الدخول في مطلق الغير كافيا لكان الأقرب إلى‏

الركوع هو الهوى إلى السجود فحيث لم يعتن الشارع به و جعل المدار على الدخول‏

في السجود نفهم ان الترتب هكذا هو الشرط في الدخول في الغير و هكذا النهوض‏


269
للقيام كان كافيا في الشك في السجود مع ان المشهور هو الاعتناء بالشك فيه إذا

كان في حال النهوض قبل الاستواء قائما فيكشف من هذا ان مقدمات افعال الصلاة

مثل النهوض للقيام لا يكون داخلا في عموم الغير و هكذا الهوى للسجود مع كونه‏

من الأفعال الغير الأصلية في الصلاة فضلا عن الفراغ المجرد عن كونه فعلا

من الأفعال.

و فيه ان قوله قده من كون الأمثلة توطئة للكبرى لا كلام فيه و لكن التحديد

المحض غير وجيه لأن الغير الّذي يكون الدخول فيه في قاعدة التجاوز لا يختص‏

بما ذكر فهو أمثلة من جهة و تحديد من جهة أخرى و هي جهة كون الغير مما هو

مرتب شرعا.

و اما ذكر السجود بعد الركوع لا الهوى إليه فيكون من باب ان الشك في‏

الركوع عادة لا يستقر الا بعد السجود مضافا بان الهوى إلى السجود أيضا مما ذكر في‏

رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال قلت رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أ ركع أم لم‏

يركع قال عليه السّلام قد ركع الا ان يقال بضعف سندها و معارضتها بما ورد من ان قاعدة

التجاوز لا تجري في صورة الشك في السجود بعد النهوض إلى القيام فان الشك إذا كان‏

في حال القيام تجري القاعدة لا قبله.

فان قلت ان النهوض غير الهوى فإذا ورد رواية فيه لا تعارض مع الرواية في‏

الهوى و لذا أفتى صاحب المدارك بمقتضى مفاد الروايتين و قال بالاعتناء إلى الشك‏

في صورة النهوض و عدم الاعتناء به في صورة الهوى.

قلت ان الكبرى المجعولة في المقام و هو مقام التجاوز عن محل الشي‏ء ان‏

أخذنا بها فلا بد من القول بها في النهوض و الهوى و ان لم نأخذ بها فلا بد ان يكون‏

كذلك فيهما نعم لو قال بتخصيص الكبرى في خصوص النهوض يكون موجها و لكن‏

الحق مع الشيخ قده لأن الخبر في الهوى ضعيف و مع الشك فالمتيقن هو اعتبار

الترتب الشرعي.


270
الأمر الرابع‏

في ان الغير الّذي يشترط الدخول فيه فهل هو الجزء المستقل أو يشمل حتى‏

جزء الجزء مثل الشروع في السورة التي تكون جزء من القراءة في الصلاة.

فربما يقال بان اللازم هو التجاوز عما يكون له عنوان مستقل مثل القراءة المركبة

من الحمد و السورة و الدخول في غيره لأن الروايات في هذا الباب و ان كان العناوين‏

المذكورة فيها من باب المثال و لكن لا يرفع اليد عنها من جهة ظهورها في العناوين المستقلة

كالركوع و السجود فلا يكفى التجاوز عن جزء من العمل الواحد بالعنوان في‏

جريان قاعدة التجاوز فيه فضلا عن القول بأن الدخول في كلمة بعد الخروج عن‏

كلمة أخرى كاف فانه لا يكفى الدخول في الحمد للّه رب العالمين في جريان‏

قاعدة التجاوز عند الشك في الإتيان بكلمة بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا حاصل‏

استدلالهم.

و لكن يرد عليه ان الّذي يقتضيه التدبر هو ان التجاوز إذا كان صادقا لا يكون دخل‏

لكون العنوان مستقلا فان الكبريات المذكورة في الروايات شاملة لكل مورد يصدق‏

التجاوز و العناوين المذكورة في الروايات تكون من باب المثال.

نعم لو أمكن ادعاء انصراف الكبرى عن بعض الموارد فلا كلام في عدم‏

الشمول كما يمكن ادعائه في مثل التجاوز عن حرف من كلمة واحدة و الدخول في‏

آخر فان الشك في باء بسم اللّه بعد الدخول في السين منه لا يكون مورد قاعدة التجاوز

بالانصراف.

ثم لو شك في شمول الكبرى للمقام فالاحتياط مشكل إذا قلنا بأن القاعدة

جعلت من باب العزيمة لا من باب الرخصة فان كانت من باب الرخصة يمكن الاحتياط

بتكرار ما جاوز عنه.


271
الأمر الخامس‏

في ان القاعدة لا تختص بالاجزاء الواجبة بل تشمل الاجزاء المستحبة و لو لم‏

تكن جزء من العمل مثل التعقيب عقيب الصلاة فانه و ان لم يكن من الصلاة و لكن‏

يكون مما رتب عليها شرعا و كذلك الأذان و الإقامة مما هو مقدم على الصلاة بالنسبة

إليها و بالنسبة إلى أنفسهما كما ورد في صحيحة زرارة رجل شك في الأذان و قد دخل‏

في الإقامة قال عليه السّلام يمضى.

فان الحكم بالتجاوز في ما هو خارج عن الصلاة يدل على الحكم به فيها

بالأولوية فمن شك في القراءة و هو في القنوت يحكم له بالتجاوز.

و مراد شيخنا العلامة النائيني قده هو إثبات الوحدة السنخية بين الأذان و الإقامة

و الصلاة المترتبة عليهما من جهة الحكم لا خصوص الحكم في المستحبات فما هو

مركب من الاجزاء الواجبة و المستحبة تجري قاعدة التجاوز فيه إذا دخل في واجب‏

بعد إتيان مستحب أو بالعكس و ان كان التقرير عن المقرر قاصرا حيث بين حكم‏

التجاوز في الاجزاء المستحبة.

فتحصل ان الحق هو ان التجاوز إذا كان صادقا تشمله الكبرى و ان كان الجزء

مستحبا.

الأمر السادس‏

في ان التجاوز هل يجب ان يكون إلى جزء ملاصق لما شك فيه أو يشمل‏

حتى الجزء الغير الملاصق فعلى الأول لا تجري القاعدة في من شك في الركوع و

هو في التشهد لفصل الشك في السجدة بينهما و على الثاني فهي جارية.

و الأقوى هو التعميم لصدق التجاوز و عدم انصراف الكبرى عن صورة الفصل.


272
ثم ان شيخنا العراقي قده ذكر الثمرة بين‏1القولين في المثال و هو الشك‏

في الركوع و السجود بعد الدخول في التشهد و لا يخفى ان الشك كذلك تارة

يكون بنحو التوأمية مثل ان يكون الشك في الركوع ملازما للشك في السجود

بحيث انه لو لم يأت بالركوع لم يأت بالسجود و لو لم يأت بالسجود لم يأت بالركوع‏

و تارة يكون كل واحد منهما متعلقا للشك من دون التوقف بمعنى انه ان أتى بالركوع‏

في الواقع أو لم يأت يكون شاكا في السجود و بالعكس.

فعلى الثاني ان قلنا بان ملاصقة ما نريد ان نجري فيه قاعدة التجاوز بما

بعده غير شرط فيكون التشهد من الحالات التي قد جاوزنا عن الركوع و السجود

فنجري القاعدة.

و اما على فرض شرطية الملاصقة فلا لعدم كون الركوع ملاصقا بالتشهد

و ملاصقة السجود به أيضا لا يفيد في جريان القاعدة بالنسبة إلى السجود نفسه لأن‏

إحراز السجود بدون الركوع لا فائدة فيه لعدم صحة الصلاة بدون الركوع.

فان قلت انا نجري قاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجود لأن شرطه حاصل‏

1أقول لو كان الشرط ملاصقة المشكوك فيه مع الجزء الّذي قد جاوز إليه فيكفى‏

في عنوان البحث ان يكون فاصلة السجود بين المشكوك و هذا الجزء و ان كان محرزا فمن‏

شك في الركوع بعد العلم بإتيان السجود و هو في التشهد يلزم ان يقال لا تجري قاعدة التجاوز

بالنسبة إليه لفصل السجود و هذا البحث الّذي ذكره قده في الثمرة يصير تطويلا في غير محله‏

و اما ان كان المراد تمام الاجزاء الّذي يتوقف عليه صحة العمل يجب إحرازه قبل الجزء

المشكوك فيه الملاصق للجزء الّذي قد جاوز إليه فينبغي ان ينعقد هذا التنبيه بهذا النحو

و ح فمع الشك في السجود حيث لم يحرز الركوع يأتي الكلام في وجود الأثر للقاعدة

بالنسبة إلى الجزء الأخير و عدمه.

و الحق هو عدم اشتراط إحراز الدخول في الجزء المرتب المتصل كالسجود بالنسبة

إلى الركوع بل التشهد أيضا كاف لجريان القاعدة في الركوع و السجود معا و مع اشتراطه‏

يكون اشكاله مد ظله على أستاذه قده في الثمرة في محله.


273
و هو الاتصال فإذا أحرزنا السجود بالتعبد يكون إحرازه كذلك مثل إحرازه بالوجدان‏

فحينئذ فتكون القاعدة جارية في الركوع لاتصاله بالسجود المحرز بالتعبد الّذي‏

يكون الدخول فيه دخولا في الغير الّذي هو متصل بالركوع فلا ثمرة بين‏

القولين.

قلت ان القاعدة تثبت أصل السجود لا عنوان الدخول في الغير الّذي هو من‏

لوازم إثباته لأن الأصل المثبت غير حجة هذا أولا و ثانيا ان التعبد بوجود السجود

بواسطة تطبيق القاعدة لا بد ان يكون له أثر شرعي و من المعلوم ان الأثر الشرعي‏

لا يكون لإثبات السجدة لصلاة ما ثبت وجود الركوع فيها لبطلانها بدونه.

و يلزم الدور لو أردنا إثبات الركوع بجريانها في السجود لأن جريانها في السجود

و جريانها في الركوع متوقف على جريانها في السجود لأن الغير الّذي هو شرط لجريان‏

القاعدة في الركوع لا يثبت الا بجريانها في السجود و بطلانه واضح هذا كلامه رفع‏

مقامه.

و يمكن الإشكال عليه بان التعبد و ان احتاج إلى أثر شرعي و لكن يكفى‏

رجوعه بالاخرة إلى هذا الأثر كالاخبار مع الواسطة فان التعبد بقول الصدوق(ره)

و الوسائط بينه و بين قول زرارة الناقل عن الإمام عليه السلام لا يثبت الا الموضوع لما هو أثر

شرعي و هو حكمه عليه السّلام ضرورة ان الأثر الشرعي هو حكمه عليه السّلام فتصديق الصدوق‏

و غيره يثبت قول زرارة و هو ليس بحكم شرعي و تصديق قول زرارة تصديق لقوله عليه السلام و هو أثر شرعي فالتعبد بتصديق العادل يصح بالنسبة إلى هذا الأثر مع الواسطة.

فعلى هذا نقول في المقام ان جريان القاعدة في السجود و ان لم يكن له أثر

شرعي و لكن يوجب إثبات ما هو موضوع لأثر شرعي و هو ذات السجود التي إذا أحرزت‏

يصح جريان قاعدة التجاوز في الركوع الّذي تصح الصلاة بوجوده و لا يلزم الدور

لأن جريان القاعدة في الركوع و ان توقف على جريانها في السجود و لكن جريانها


274
في السجود لا يتوقف على جريانها في الركوع ليلزم الدور.

مضافا بأن المبنى فاسد فان الملاصقة غير شرط أصلا و منه يظهر حكم صورة

كون الشك في الركوع و السجود بنحو التوأمية فان القائل باشتراط الملاصقة يقول بعدم‏

جريان القاعدة لعدم إمكان الجريان في السجود و عدم الأثر و لكن الحق هو الجريان لعدم‏

اشتراط ذلك.

الأمر السابع‏

في ان القاعدة هل تجري في صورة الشك في الجزء الأخير من العمل كالتسليم‏

في الصلاة و مسح الرّجل اليسرى في الوضوء و غسل الطرف الأيسر في الغسل أم لا فيه‏

أقوال الجريان مطلقا و عدمه مطلقا و التفصيل بين الفراغ و التجاوز بجريانها في‏

الأول دون الثاني.

ثم ان الشك في التسليم اما ان يكون حين التعقيب المستحب بعد الصلاة و

اما ان يكون حين السكوت الطويل الماحي لصورة الصلاة أو القصير الغير الماحي‏

لصورتها و اما ان يكون في حال إتيان المبطل العمدي كالتكلم أو المبطل الأعم‏

من العمد و السهو كاستدبار القبلة.

فإذا كان في التعقيب تجري قاعدة التجاوز و الفراغ لأنه مما رتب شرعا على‏

الفراغ من الصلاة و قد استفدنا من الروايات في الباب ان الغير الّذي يلزم الدخول‏

فيه يجب ان يكون مترتبا شرعا كالسجود بعد الركوع و ان حملنا خصوص الأمثلة

في الروايات على المثال و عدم تحديد جريان القاعدة بخصوص ما يكون التجاوز فيه‏

مذكورا فيها فلا شبهة في جريان قاعدة التجاوز فيه كما ان الأذان و الإقامة مما رتب‏

عليه الصلاة شرعا و يصح جريانها فيهما إذا كان الشك في إتيانهما في الصلاة و لا يضر

كونهما من المستحبات و اما غير التعقيب مما ذكر فحيث لا يكون له المحل‏

الشرعي بعد الصلاة فلا تجري فيه القاعدة لعدم صدق التجاوز.


275
و ما قيل من ان جواز إتيان المبطل بعد التسليم المستكشف من كونه محللا

كاشف عن ان المحل الشرعي لإتيان المبطل يكون بعد الصلاة و هذا النحو من‏

الترتب كاف في جريانها.

غير وجيه لأنا لا نفهم من جواز إتيان المبطل العمدي أو الأعم منه و من السهوي ان الشارع‏

جعل له المحل و الفرق بين الجواز و وجود المحل واضح فان الجواز لا يلازم وجود المحل‏

و مع الشك في وجود المحل له لا تجري القاعدة لكون المورد من موارد الشبهة المصداقية

لها هذا في الصلاة و كذلك نقول في الغسل و الوضوء إذا كان الشك في الجزء الأخير

و هكذا كل مركب يكون كذلك لعدم إحراز التجاوز بالدخول فيما يكون‏

مرتبا شرعا.

فان قلت ان الملاك في الخروج عن الجزء السابق هو جفاف ما تقدم من أعضاء

الوضوء فإذا كان الشك في الجزء الأخير بعد جفاف الأعضاء فيكون من الشك في‏

الشي‏ء بعد التجاوز عن محله و هذا كاف في الترتب الشرعي.

قلت أولا ان الجفاف لا يكون من الاجزاء المترتبة بالترتيب الشرعي حتى‏

يكون الدخول فيه دخولا في الجزء المرتب فتجري القاعدة عنده بل هو من كواشف‏

عدم تحقق الموالاة المعتبرة في الوضوء.

و ثانيا ان اشتراط عدمه يكون من باب الإرشاد إلى عدم بقاء رطوبة في‏

العضو الماسح للمسح لا من باب التعبد.

فتحصل ان قاعدة التجاوز لا تجري في الجزء الأخير.

و قد يفصل بين كون إعادة جزء الأخير موجبة لإعادة جميع العمل و بين‏

عدم كونه كذلك فعلى الأول يشكل عدم جريان القاعدة و على الثاني فلا و هذا

بحث فقهي و تفصيله في محله.

و اما ادعاء كفاية التجاوز بواسطة الدخول في ما هو مترتب على هذا العمل‏

عادة مثل ان يكون من عادة الشخص حفظ القرآن بعد وضوئه أو غسله أو بعد صلاته‏


276
فلا وجه له لأن التجاوز عن الشي‏ء يكون عنائيا بواسطة عدم صدقه الا بالتجاوز

عن محله و بيان محل الشي‏ء و كون هذا قبل ذاك يكون بيد الشارع و حيث ما بين‏

محلا للجزء الأخير من كونه قبل أي شي‏ء لا تكفي العادة لذلك.

هذا كله في قاعدة التجاوز و اما قاعدة الفراغ فربما يقال بجريانها إذا كان‏

الشك في الجزء الأخير لصدق المضي بواسطة الإتيان بمعظم الاجزاء فيكون مرجعه‏

إلى الشك في صحة الصلاة أو الغسل أو الوضوء من جهة إتيان الجزء الأخير و عدمه‏

و لكن قاعدة التجاوز لا تجري من جهة عدم التجاوز إلى الجزء المرتب شرعا.

و قد أشكل عليه شيخنا العراقي قده بما حاصله ان محقق العنوان غير محقق‏

الفراغ فيمكن ان يكون عنوان الصلاة أو الوضوء أو الغسل صادقا بإتيان معظم الاجزاء

و لكن لا يكون الفراغ صادقا للشك في الجزء الأخير فان الشك كذلك يوجب‏

احتمال كونه في وسط الصلاة و غيرها فتكون الشبهة من الشبهات المصداقية للقاعدة

و من المعلوم عدم التمسك بعمومات الباب في الشبهة المصداقية كما حرر في محله.

فالتحقيق عدم جريان القاعدة مطلقا يعنى سواء كانت قاعدة الفراغ أو

التجاوز في جميع الصور مما لم يكن الدخول في ما هو مرتب شرعا على العمل.

الأمر الثامن‏1

في ان من شرط جريان قاعدة التجاوز في الجزء المشكوك فيه هو عدم بطلان‏

العمل من ناحية أخرى فمن علم إجمالا في حال القيام بأنه اما ترك الركوع في‏

1أقول قد تعرض العلامة السيد محسن الحكيم قده في المستمسك في شرح العروة

الوثقى في فروع الشك في الصلاة في الفرع الخامس عشر ما يفيد لفهم هذا الأمر لتعرض‏

المتن لنظير ما ذكر من الفرع هنا و قد استفدنا منه في شرح كلام الأستاذ مد ظله فان شئت فارجع‏

إليه في المجلد السابع الطبع الثالث ص 621.


277
الركعة السابقة أو التشهد لا يكون له إجراء القاعدة في التشهد من جهة صدق التجاوز

عنه إلى القيام لأن تطبيق القاعدة عليه يلازم مع العلم ببطلان الصلاة من ناحية

ترك الركوع.

و بعبارة واضحة انه في حال القيام يكون له شكان تفصيليان مع علم إجمالي‏

اما الشكان التفصيليان فأحدهما الشك في إتيان الركوع و الاخر الشك في إتيان‏

التشهد و علمه بترك أحدهما إجمالا يكون لازمه هو انه لو بنى على الإتيان بأحدهما

لا يكون الاخر مأتيا به فحينئذ ان بنى على إتيان التشهد بحكم القاعدة فلازمه عدم‏

الإتيان بالركوع للعلم الإجمالي و الصلاة التي لا ركوع فيها باطلة فلا فائدة في‏

تطبيق القاعدة في التشهد.

و اما جريانها في الركوع فربما يقال انه لا إشكال فيه من جهة ان البناء

على إتيان الركن لا يضره عدم الإتيان بالتشهد فانه اما ان يكون محله باقيا فيأتي به و

اما ان لا يكون باقيا فيقضي بعد الصلاة هذا.

و ربما يقال ان مقتضى العلم الإجمالي هو إتيان التشهد أو قضاؤه ثم إعادة

الصلاة و اما القاعدتان في الركوع و التشهد فتسقطان بالتعارض.

و اما القول بجريانها في الركوع دون التشهد ففيه إشكالان.

الأول ان العلم الإجمالي بعدم إتيان الركوع أو التشهد كيف يوجب انحلال‏

هذا العلم و يعدم نفسه كما هو لازم هذا القول و بيانه هو ان المدعي يدعي بان العلم‏

التفصيلي ببطلان التشهد حاصل من جهة العلم بأنه اما ان لا يكون مأتيا به أصلا أو

كان و لم يكن صحيحا لعدم إتيان الركوع الّذي هو شرط صحة الإتيان بالتشهد

فينحل العلم الإجمالي بعلم تفصيلي و هو عدم صحة التشهد و شك بدوي في إتيان‏

الركوع فتجري قاعدة التجاوز فيه فقط فصار هذا العمل موجبا لانحلاله مع ان‏

هذا العلم التفصيلي متولد من هذا العلم الإجمالي.

و الثاني ان العلم الإجمالي على فرض كونه علة تامة لتنجيز التكليف لا يمكن‏


278
ان يجري الأصل النافي بلا معارض في أحد أطرافه بل يجب الاحتياط فيه بخلاف‏

كونه مقتضيا فان الأصل النافي بلا معارض يجري في أحد أطرافه و في المقام قد ارتكب‏

القائل بجريان قاعدة الفراغ في الركوع فقط جريان الأصل النافي في أحد أطراف‏

العلم الإجمالي لأن مفاد قاعدة التجاوز هو عدم وجوب إتيان الركوع و نفيه فكما

لا يمكن إجراء أصالة عدم وجوبه فكذلك لا يمكن جريان القاعدة التي يكون‏

مفادها النفي فلا تجري القاعدة في الركوع أيضا.

فان قلت ان اللازم منه إثبات وجوب التشهد فهو أصل مثبت للتكليف و موافق‏

للعلم الإجمالي فليس أصلا نافيا بهذا اللحاظ قلت‏1هذا يلزم منه الدور المحال‏

ضرورة ترتب الإثبات على النفي في الواقع ضرورة انه ما لم يجر الأصل باللحاظ الأول لا يجري‏

باللحاظ الثاني فجريان الأصل باللحاظ الثاني و هو الإثبات متوقف على جريانه باللحاظ

1أقول لا نحتاج إلى هذا التطويل في الجواب بل الّذي يجي‏ء في النّظر هو ان‏

وجوب التشهد ثابت بواسطة نفس العلم الإجمالي لا بواسطة نفى الركوع فنفيه نفى لأحد

أطراف العلم بدون الشبهة.

و من هنا تعرف عدم تمامية جواب الأستاذ مد ظله و غيره بجريان الأصل بالنسبة إلى‏

الوجود و النفي معا و لو كانا طوليين في الواقع لعدم كون الوجود يعنى الإثبات أثر الأصل‏

أصلا فالذي يمكن ان يقال هو ان قاعدة التجاوز على فرض القول بأماريتها متقدمة على العلم‏

الإجمالي لانحلاله بها.

و ان قلنا بان الأمارة التي يكون لسانها هو ان المعلوم بالإجمال هذا أو غير هذا توجب‏

انحلال و اما الأمارة في أحد الأطراف بدون تعيين ما هو المعلوم إجمالا فلا توجب الانحلال‏

فلا يبقى وجه لتقديمها و ان كانت القاعدة أصلا فكذلك فالعمدة في الانحلال هو العلم‏

التفصيلي ببطلان التشهد و ما ذكر من جريان الأصل النافي و عدمه متوقف على عدم انحلال‏

العلم بذلك و هو كما ترى فتدبر فيما ذكرناه فانه دقيق.


279
الأول و هو النفي و جريانه باللحاظ الأول متوقف على الانحلال الّذي هو متوقف على‏

جريانه باللحاظ الثاني بجريان قاعدة التجاوز و هذا دور فلا تجري قاعدة التجاوز

لهذا الإشكال.

و اما الجواب عن الإشكال الأول فهو ان انحلال العلم الإجمالي بواسطة

العلم التفصيلي مما هو مطابق للوجدان و لا برهان على خلافه فإذا حصل الانحلال‏

يترتب عليه آثاره فالقاعدة تجري في الركوع بعد الانحلال.

و اما عن الإشكال الثاني فلان طويلة النفي و الإثبات بلحاظ الواقع لا توجب‏

طولية حكم قاعدة التجاوز في مقام الظاهر فمن الممكن عرضية الحكم بلحاظ

الظاهر ففي رتبة واحدة تثبت النفي و الإثبات فلا يلزم الدور لعدم التوقف من الطرفين‏

فإذا جرت القاعدة تثبت وجوب التشهد و عدم وجوب الركوع.

فتحصل ان وجوب التشهد أداء أو قضاء يكون نتيجة العلم التفصيلي ببطلانه‏

و جريان قاعدة التجاوز في الركوع من جهة عدم المانع منه.

ثم لا يتوهم ان هذا مقتضى أصالة عدم إتيان التشهد أو مقتضى قاعدة الاشتغال‏

لأن ذلك من الأحكام الظاهرية التي جعلت في ظرف صحة الصلاة من غير هذه‏

الجهة و من المعلوم ان صحتها متوقفة على جريان القاعدة في الركوع المتوقف على البناء

على عدم إتيان التشهد بالأصل أو بالقاعدة و البناء على ذلك متوقف على صحة الصلاة

و هذا دور و لا يخفى ان لهذا البحث ثمرات كثيرة خصوصا في الفروع الفقهية التي‏

تعرض لها صاحب العروة الوثقى السيد محمد كاظم اليزدي قده في فروع الشك‏

في الصلاة.


280
الأمر التاسع‏

في عمومية القاعدتين لجميع العبادات و المعاملات‏

و البحث فيه في موضعين الموضع الأول في قاعدة التجاوز و الموضع الثاني في‏

قاعدة الفراغ.

اما الموضع الأول ففيه جهات ثلاث.

الجهة الأولى في ان القاعدة هل تختص بباب الصلاة و الطهارة أو تعم جميع‏

أبواب المعاملات و العبادات حتى انه لو أجرى صيغة النكاح و دخل في غيره ثم شك‏

فيها تشمله قاعدة التجاوز؟

الثانية في انها هل تجري في الجزء المعنون المستقل بخصوصه أو تشمل‏

حتى جزء الجزء.

الثالثة في انها هل تجري في المركب الّذي قد جاوز عنه إلى مركب آخر

مثل صلاة العصر بالنسبة إلى الظهر أو تختص باجزاء المركب الواحد مع عدم‏

الإشكال في جريان قاعدة الفراغ في صورة الشك في الظهر مع الدخول في صلاة

العصر المرتبة عليه.

فنقول اما الجهة الأولى فلا شبهة في ان القاعدة عامة لجميع أبواب المعاملات‏

خصوصا على فرض كون المبنى وحدة قاعدتي الفراغ و التجاوز كما عن الشيخ الأعظم‏

قده لأن الروايات في المقام عامة شاملة لجميع الأبواب و الجامع بين القاعدتين‏

لا يكون مقيدا بالصلاة و الطهارة فقط و من المعلوم ان الجامع إذا لم يكن مقيدا

لم يكن الافراد مقيدا لأن الطبيعي ان كان فيه القيد يسرى إلى الافراد فالمضي‏

عن أي شي‏ء كان و التجاوز عنه يوجب عدم الاعتناء بالشك.

نعم يمكن ان يكون بعض الافراد له خصوصية فردية مثل الوضوء فان‏

القاعدة جارية فيه إذا كان الشك بعد الفراغ منه و لا تجري فيه القاعدة في الشك‏


281
في وسطه كما استفدنا من خصوص الرواية الواردة فيه و اما مع تعدد القاعدتين فائضا

يمكن ادعاء التعميم من بعض الروايات كما في ذيل رواية إسماعيل بن جابر كل‏

شي‏ء شك فيه و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه فان الصدر و ان كان في حكم‏

الصلاة و اجزائها و لكن الذيل عام لكل ما يصدق على الشي‏ء.

و لا يكون دليلنا فقط صحيحة زرارة إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره‏

فشكك ليس بشي‏ء انما الشك في شي‏ء لم تجزه حتى يقال بأنها لو لم تكن ظاهرة في‏

خصوص اجزاء الصلاة لا تكون ظاهرة في العموم.

فان قلت ان الكبرى في رواية إسماعيل بن جابر تكون دالة على العموم‏

إذا كان المبنى في لفظة كل توسعة ما ينطبق عليه المدخول و اما إذا كان لتوسعة

ما يراد من المدخول كما عن المحقق الخراسانيّ قده و شيخنا النائيني قده‏

فكلمة الشي‏ء المدخولة للفظة كل يجب جريان مقدمات الإطلاق فيها حتى‏

يظهر أن المراد منها العموم و حيث يكون في المقام ما يحتمل القرينية و هو ذكر

اجزاء الصلاة في الرواية فلا يمكن جريان مقدمات الإطلاق فلا يظهر عمومية الشي‏ء

فكيف يقال بالعموم.

قلت ان هذا المبنى فاسد جدا فان لفظة كل وضعت للدلالة على العموم في‏

ما ينطبق عليه المدخول و لا نحتاج إلى مقدمات الإطلاق و خصوصية المورد لا تضر

بالعموم فلا شبهة في شمول قاعدة التجاوز لجميع موارد الفقه من الصلاة و الحج و

البيع و غيره.

و اما الجهة الثانية فلا شبهة في جريان قاعدة التجاوز في كل مورد سواء كان‏

الشك في جزء الجزء أو في الجزء المستقل الا في مورد يكون الدليل منصرفا عنه.

فما قيل من ان التجاوز عن الشي‏ء يكون بالتجاوز عن محله و التجاوز عن‏

المحل يكون في كل شي‏ء بين الشارع المحل له و هذا يكون بأمره على جزء مثل‏

تكبيرة الإحرام في الصلاة ثم امره بجزء آخر مثل القراءة و هكذا لنعلم ان محل‏


282
القراءة بعد التكبيرة و حيث ان هذا المعنى مفقود فيما يكون تحت امر واحد فلا

يصدق التجاوز عنه فمن شك في لفظة اللَّه بعد الدخول في لفظة أكبر لم يكن‏

متجاوزا عن محل التكبيرة.

غير وجيه عندنا لأن الأمر بشي‏ء يكون له الاجزاء ينحل إلى اجزائه فلفظة

اللَّه متقدمة على لفظة أكبر في المحل لكون انحلال الأمر عليها بالترتيب و الا فلما ذا

لا يقدم لفظة الأكبر على لفظة اللّه و هذا القدر من بيان المحل كاف في تعيين المحل‏

الشرعي للشي‏ء.

نعم إذا كان الجزء بحيث لم يصدق التجاوز عنه في العرف و كان الدليل منصرفا

عنه لا تجري القاعدة فيه كما إذا شك في السين من بسم اللّه بعد الدخول في ميمه‏

فالدليل لو كان الانصراف نقبله و اما ما استدل به هذا القائل فقد ظهر جوابه‏

بما عرفت.

و اما الجهة الثالثة و هي البحث في ان القاعدة هل تختص باجزاء المركب‏

الواحد أو تعم التجاوز عن مركب مثل صلاة الظهر و الدخول في غيره مثل صلاة

العصر فالظاهر عموم الكبرى فيها أيضا خصوصا بملاحظة كون التجاوز في الوضوء

على بعض الاحتمالات في موثقة ابن أبي يعفور بقوله عليه السّلام إذا شككت في شي‏ء من‏

الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء انما الشك في شي‏ء لم تجزه و هو

احتمال كون التجاوز في الوضوء هو الدخول في غيره من المركبات بعد عدم‏

مجي‏ء قاعدة التجاوز في اجزائه و اما على احتمال كون الجاري فيه هو قاعدة الفراغ‏

فقط لا التجاوز فلا دلالة له لما نحن فيه و كيف كان فالعمومات كافية للقول بجريانها

في المركب المرتب على مركب آخر1هذا كله البحث في قاعدة التجاوز في‏

1أقول و أضف إليه أيضا ان ما مر من الرواية في الأذان و الإقامة في صورة

الشك في الأذان بعد الدخول في الإقامة شاهد للعموم فان الأذان مركب و الإقامة مركب آخر.


283
الموضوع الأول.

و اما البحث في الموضوع الثاني.

و هو البحث في قاعدة الفراغ فأيضا فيه الجهات الثلاث الماضية و الحق هو عموميتها

لجميع المركبات من الصلاة و الصوم و الحج و المعاملات و جريانها في الاجزاء أيضا

كما انه يجري في المركب فإذا شك في صحة الحمد بعد الدخول في السورة لا إشكال‏

في جريان قاعدة الفراغ كما تجري قاعدة التجاوز.

و ربما قيل جريان التجاوز مع كونه في الشك في الوجود يدل بالأولوية

على جريان الفراغ لأنه يكون في الشك في الصحة بعد إحراز أصل الوجود و لكن‏

لا نحتاج إلى هذه الإطالة بل نقول دليلنا العمومات الشاملة لذلك أيضا بقوله عليه السّلام‏

كلما مضى من صلاتك و طهورك فامضه كما هو فان المضي في الجزء أيضا صادق‏

و اما جريانها في المركب بعد الدخول في مركب آخر فهو غني عن البيان لأن‏

المورد المتيقن منها هو هذه الصورة فتحصل ان العمومات في القاعدتين شاملة لجميع‏

الجهات الثلاث التي ذكرناها و لو فرض ان الدليل عليهما بناء العقلاء أيضا

فلا شبهة في عموميته لجميع ما ذكر.

الأمر العاشر

في ان اللازم في متعلق القاعدة هو ان يكون له أثر شرعي عملي.

و عليه فلا تجري في العناوين الإجمالية بل إحراز العنوان شرط في جريانها

و عليه فلو صلى من كان جاهلا بجهة القبلة أربع صلوات إلى أربع جهات حسب الوظيفة

المقررة له‏1ثم علم ببطلان إحدى الصلوات و لكن لا يدرى انها هي التي إلى‏

1أقول انه لا يخفى ان هذا الفرع غير مترتب على هذه الكبرى و لو وجد فرع آخر

في ذكر الثمرة يجب التدبر فيه حسب مورده و ذلك لأن المراد بالأثر الشرعي العملي هو


284
جهة القبلة أو غيرها فلا يجوز له جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى ما شك فيه فانه‏

و ان كان شاكا في صحة ما كان وظيفته في الواقع و لكن حيث لا يكون معلوما تفصيلا

لا تجري قاعدة الفراغ لأن الأثر لا يترتب على هذا العنوان الإجمالي.

كما ان الرضاع المحرم لا يحصل بواسطة ما حصل في الخارج و لا يدرى‏

انه ثلاث عشرة رضعة أو خمسة عشر لأن المحرم هو الرضعات الخارجية لا العنوان‏

الإجمالي الّذي يكون مصداقا للرضاع فكما انه يجب إحراز از عدد الرضعات في‏

الخارج كما عليه القوم كذلك إحراز العنوان الّذي يراد جريان قاعدة الفراغ فيه‏

و هو في المثال غير محرز.

و قال شيخنا العراقي قده و لو صح الجريان في هذا المورد لصح فيما إذا علمنا

تفصيلا ببطلان الصلاة إلى الجهة المعينة من الجهات مع عدم العلم بكونها جهة

القبلة لأن الشك في الصلاة التي هي وظيفته و هي التي تكون إلى جهة القبلة واقعا يكون‏

في هذا الفرض أيضا مع انه لم يقل به أحد و هذا شاهد عدم جريان القاعدة في‏

الّذي يكون من ثمرات جريان القاعدة و لا يخفى ان القاعدة لو جرت هنا في العنوان‏

الإجمالي أيضا يكفى لترتب الأثر و هو عدم الإعادة كما في صورة جريانها في كل واحد من‏

الأطراف تفصيلا.

و لكن المشكل في المقام هو ان من يجب عليه الصلاة إلى أربع جهات يكون وظيفته‏

إحراز إتيانها إلى الأربع و مع العلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلوات كيف يمكن جريان‏

قاعدة الفراغ فان العلم الإجمالي بالبطلان يوجب إحراز عدم إتيان الوظيفة و القاعدة

تجري في صورة الشك في إتيان ما هو الوظيفة لا في صورة العلم بعدم إتيانها.

فلا يتم ما قيل في هذا الفرع و أمثاله فتدبر فيه فان إحراز بطلان إحدى الصلوات المعينة

إلى بعض الجهات المعينة كما يوجب القول بالبطلان و إعادته كذلك العلم الإجمالي بعدم‏

إتيان البعض موجب لإعادة الجميع.


285
العنوان الإجمالي.

و فيه ان صورة العلم ببطلان صلاة جهة معينة خارجة عن البحث لأنه يعلم‏

عدم إتيانه بما هو وظيفته من الصلاة إلى أربع جهات فان بطلان صلاة هذه الجهة

يلحقه بعدم الإتيان أصلا بخلاف ما نحن فيه فانه لا يكون العلم بالبطلان كذلك‏

فالنكتة في عدم جريان القاعدة هو عدم تطبيق الكبرى على العنوان الإجمالي في‏

الخارج لا ما ذكره قده من الشاهد.

ثم لو جرت القاعدة في كل صلاة من الصلوات بعنوانها التفصيلي للشك في‏

صحتها فلا بأس به و بعد جريانها في جميع الجهات يحصل له العلم بمخالفة إحدى‏

القواعد الأربع للواقع لعلمه ببطلان إحدى الصلوات و هذا لا يضر لاحتمال كون الباطلة

هي التي وقعت إلى غير جهة القبلة و هذا بخلاف صورة العلم التفصيلي ببطلان ما وقع‏

إلى جهة معينة لأن القاعدة فيها لا تجري و في غيرها لا تفيد بعد عدم الجريان في الجهة

المعينة فتحصل ان إحراز منطبق كبرى القاعدة تفصيلا شرط في جريانها ليترتب‏

الأثر الشرعي العملي.

الأمر الحادي عشر

في انه لا شبهة و لا ريب في جريان قاعدة التجاوز و الفراغ في الاجزاء و اما

الشرائط ففيها تفصيل.

و هي على أنحاء أربع في الصلاة الأول ان يكون شرطا عقليا في تحقق عنوان‏

المأمور به من الصلاتية و الظهرية و العصرية فان هذه العناوين من العنوانات القصدية

التي لا تحقق لها الا بالقصد فان الصلاة بدون قصد الظهرية و العصرية صلاة و ليست‏

مصداقا لصلاة الظهر و العصر فنيّة هذه العناوين شرط عقلي موجب لتحققها.

الثاني ما يكون شرطا شرعيا لصحة المأمور به مع الفراغ عن أصل تحقق‏

العنوان كالطهور.


286
الثالث ما يكون شرطا عقليا لنفس الجزء بمعنى كونه مما يتوقف عليه‏

وجود الجزء بعنوان الجزئية للمركب كالموالاة ضرورة ان الاجزاء بدونها

متشتتات لا مركبات.

الرابع ما يكون شرطا شرعيا للجزء كالجهر و الإخفات بناء على كونهما

شرطا للجزء لا للصلاة.

ثم ما يكون من الشروط الشرعية اما ان يكون في خصوص حال إتيان الاجزاء

أو يكون شرطا مطلقا يعنى حتى في السكونات المتخللة كالستر و الاستقبال إلى‏

القبلة و الطهارة عن الحدث فانها من الشروط المعتبرة في جميع الحالات.

و على أي تقدير اما ان يكون هذا النحو من الشرط مما له المحل الشرعي‏

مثل كون محل صلاة الظهر قبل العصر و المغرب قبل العشاء فان تقدم إحداهما

على الأخرى شرط لصحة الثانية على ما يقتضيه أدلة الترتيب و اما ان لا يكون له محل‏

شرعي كالستر و الاستقبال إلى القبلة.

و لا يخفى ان هذا البحث بحث فقهي ذكروه في الأصول.

ثم ان صاحب المدارك و كاشف اللثام(قدهما)قالا بان القاعدة لا تجري‏

في الشك في الشرط و فيما يكون الشك فيه من جهة الشك في الشرط تجاوزا

كانت أو فراغا.

فنقول اما النحو الأول من الشرط و هو المحقق للعنوان كنية الظهرية فلأنه‏

من الشروط العقلية فلا بد منها و لا يجري التعبد فيها لأنه يكون في الأمور الشرعية.

مضافا بأنه مع الشك فيها يكون الشك في أصل العنوان الّذي لا بد من‏

إحرازه ليجري فيه القاعدة ضرورة انها تحكم بصحة صلاة الظهر أو العصر مثلا فما

لم يحرز الظهرية و العصرية لا يكون المجال لجريانها لعدم إحراز المحل لها من غير

فرق بين التجاوز و الفراغ سواء قلنا بجريان قاعدة الفراغ في وسط العمل كقاعدة

التجاوز أو لم نقل.


287
مضافا بعدم المحل الشرعي المعتبر في صدق التجاوز و الفراغ للنية كذلك‏

هذا كله في النية التي هي محققة للعنوان.

اما النية التي هي شرط في كل عمل تعبدي بمعنى إتيان ذلك العمل بداعي‏

الأمر المتوجه إليه كالصلاة و الصوم و الحج و غيره ففيه بحث.

فعن المحقق الهمدانيّ قده عدم جريان القاعدة فيها أيضا و بيانه هو ان قصد

الأمر اما ان لا يكون مما يمكن أخذه في الأمر بإتيان العمل العبادي لأن قصد الأمر

متأخر عن الأمر و المتأخر عن الشي‏ء لا يمكن ان يكون في رتبة موضوعه فيكون‏

الحاكم بوجوبه العقل و اما ان يكون مما يمكن أخذه فيه بنحو نتيجة التقييد بان‏

يكون للمولى إرادتان إرادة على نفس العمل و إرادة على إتيانه بداعي هذه الإرادة

في طولها ثم يبرز الإرادة الثانية بدال آخر.

فعلى الأول لا تكون النية من الأمور الشرعية التي هي قابلة للتعبد و على‏

الثاني فليس لها محل شرعي لتجري القاعدة بالعناية إلى التجاوز عن ذاك العمل لكون‏

النية شرطا في جميع اجزاء الصلاة نعم يمكن ان يقال بان وجوب كونها في أول‏

افعال الصلاة يوجب القول بان محله الشرعي هو أول الصلاة قبل تكبيرة الإحرام‏

فإذا حصل التجاوز عنه تجري قاعدة الفراغ و التجاوز بالنسبة إليها.

فتحصل ان النية المحققة للعنوان لا تجري فيها القاعدة و النية التي هي شرط

شرعي للعبادة يمكن جريانها فيها على بعض الوجوه.

و اما النحو الثاني من الشرط و هو الشرط الشرعي للمأمور به و هو الّذي تعرض‏

له الشيخ الأعظم في فرائده في الموضع السادس فجريان القاعدة بالنسبة إليه منوط

بوجود المحل الشرعي له فان كان الشرط هو الطهارة التي هي النور الحاصل بالوضوء

و الغسل فهي لا محل لها لجريانها في جميع اجزاء الصلاة و ان كان الشرط هو الوضوء

و هو الغسلتان و المسحتان فالمحل الشرعي له يكون قبل الدخول في الصلاة فجريان‏

القاعدة فيه لا إشكال فيه كما ان الغسل أيضا كذلك.


288
و اما النحو الثالث من الشرط و هو الشرط المقوم للمركب كالموالاة بين اجزاء

كلمة واحدة1فالشك ان كان في نفسها فلا تجري القاعدة فيها لعدم المحل‏

الشرعي لها و اما ان كان الشك في إتيان الجزء السابق قبل هذا الجزء فلا شبهة

في جريان القاعدة لصدق التجاوز لأن الشك فيها يرجع إلى الشك في وجود الكلمة

لأنها من مقوماتها و مع الشك فيها يكون الشك في وجودها الا إذا كان موردا

لانصراف الدليل عنه كالشك في سين بسم اللّه بعد ميمه فان قاعدة التجاوز منصرفة

عنه لكونه في المحل عرفا لا بعد التجاوز عنه.

و اما النحو الرابع و هو ما يكون شرطا للجزء مثل الجهر و الإخفات فحيث ان‏

إحراز تركهما سهوا بعد التجاوز أو الفراغ لا يوجب الإعادة فلا ثمرة في البحث عن‏

الشك فيهما بعدهما و جريان القاعدتين و عدمه.

ثم ان الشروط التي لا محل لها شرعا و تكون شرطا لجميع أكوان الصلاة

مثل الستر و الاستقبال إلى القبلة و الطهارة على فرض عدم المحل الشرعي لها

باعتبار وجوبها قبل الصلاة كما مر فقاعدة التجاوز لا تجري فيها لعدم‏

المحل الشرعي الّذي هو مقوم صدق التجاوز و اما قاعدة الفراغ فحيث ان المحل‏

لا يكون شرطا فيها فجريانها بعد الفراغ من الصلاة لا إشكال فيه و هكذا في وسط

1أقول لا فرق في الموالاة التي هي مقومة للكلمة و التي هي شرط في المركب فانه‏

كما يرجع الشك فيها في المقومة إلى الشك في أصل الوجود كذلك في صورة الشك في‏

الموالاة بين الركوع و القراءة مثلا يرجع إلى الشك في الوجود الصحيح فكما ان الأول‏

مجرى قاعدة التجاوز فكذلك الثاني مجرى قاعدة الفراغ و للموالاة محل بحسب اجزاء

المركب.

فمن شك في ما بعد الركوع في موالاته مع القراءة فقد جاوز عن محلها و مضى فيشمله‏

العمومات فلا فرق بين الموالاة في الكلمة و غيرها في جريان القاعدة كما في الكلمات.


289
الصلاة على ما هو التحقيق من جريانها في وسط العمل أيضا و لكن تثبت حصول الشرط

إلى وقت الشك و اما تحصيله لما بعد ذلك فهو لازم فيجب إحراز حصول الساتر و

التوجه إلى القبلة لما بعد ذلك و هكذا تحصيل الطهارة من الوضوء أو التيمم إذا لم‏

يكن من العمل الكثير في الصلاة بواسطة وجود وسائلها من الماء و التراب قريبا

عنده فيتوضأ أو يتمم في وسطها و هذا لا يضر بها لأن ما ورد من انه لا عمل في الصلاة

لا يكون شاملا لمطلق العمل و لو لم يكن كثيرا و الا فيلزم بطلانها باللعب باللحية

أيضا و لم يقل به أحد.

و لكن لا يخفى ان القاعدة في القبلة تجري في صورة عدم انحفاظ صورة

العمل مثل ما إذا شك فيها من جهة الظلمة و عدم علمه بأنه هل صلى إلى هذه الجهة

أو تلك الجهة و اما مع علمه بأنه صلى إلى الجهة الفلانية و لا يعلم انها القبلة أم لا فلا تجري قاعدة

الفراغ لوجوب إحراز الجهة حينئذ.

و اما ماله المحل الشرعي من الشرط فكشرطية كون العصر بعد الظهر و

شرطية كون العشاء بعد المغرب و شرطية كون الوضوء و الغسل قبل الصلاة فان محل‏

كل واحد مما ذكر معلوم و الإشكال في وجود المحل الشرعي فمن يكون في العصر و

شك في إتيان الظهر فقد جاوز عن محل الظهر و دخل في العصر و هكذا من دخل‏

في الصلاة فقد جاوز عن المحل الشرعي للوضوء فلو شك فيه عندها فقد جاوز عن محله‏

فلا إشكال في جريان قاعدة التجاوز و هكذا قاعدة الفراغ.

و قد أشكل على أمثال هذه الشروط التي تكون من تقديم مركب مستقل على‏

مركب مستقل آخر و لها وجوب مستقل وراء وجوبها من ناحية المشروط بعدم‏

تطبيق ما هو الملاك في جريان القاعدتين ضرورة ان ما ورد من قوله عليه السّلام هو حين‏

العمل اذكر يكون في صورة كون العامل في صدد ترتيب مركب واحد من حيث‏

الشرائط و الاجزاء و هذا لا يكون في المركبات المستقلة لأن المتوضئ مثلا لا يكون‏

داعية إتيان شرط الصلاة في جميع الموارد بل ربما يتوضأ لاستحبابه في نفسه‏


290
أو لغاية أخرى غير الصلاة و هكذا من يصلى الظهر يكون في صدد امتثال امره‏

لا في صدد تحصيل شرط العصر فحيث لا يكون في صدد تحصيل الشرط لا يقال انه حين‏

العمل اذكر.

و لعل هذا هو مراد المدارك و غيره ممن لا يجري القاعدة في الشروط فتكون‏

كبرى التجاوز و الفراغ منصرفة عن هذا المورد هذا حاصل الإشكال.

و اما الجواب عنه فهو ان الشرط لصلاة العصر ليس الا نفس إتيان الظهر لا بقصد

تحصيل شرط العصر و هكذا الوضوء يكون نفسه الشرط للصلاة لا بعنوان كونه شرطا لها

و الفرض في صورة غفلة المكلف لا في صورة عمده بترك الشرط.

فعلى هذا نقول من دخل في الصلاة مع عدم تعمده بترك شروطها و بنائه على‏

إتيان المركب تاما إذا شك في تحصيل الشرائط فيكون هو حين العمل اذكر من‏

حين الشك.

و قال شيخنا النائيني قده ان قاعدة الفراغ لا إشكال في جريانها و تأمل في جريان‏

قاعدة التجاوز و ليته لم يتأمل في جريانها أيضا لعدم الإشكال فيها أيضا.

ثم انه على فرض جريان القاعدة فهل يترتب عليها جميع آثارها و لوازمها

بالنسبة إلى غير العمل المشروط الّذي بيد المكلف أو يختص الأثر بخصوص المشروط

فعلى الثاني جريان قاعدة التجاوز أو الفراغ في صلاة العصر يثبت صحة صلاة العصر

لا إتيان الظهر و هكذا جريانها بالنسبة إلى الطهارة لا يثبت طهارة المصلى حتى يصح‏

إتيان ما شرطه الطهارة بهذا الحال فإعادة الظهر بعد العصر لازمة و كذا تجديد الوضوء

لسائر الصلوات و على الأول لا يكون كذلك أي لا إعادة للظهر و لا تجديد

في الوضوء؟

فيه وجهان بل قولان اما وجه ترتيب جميع الآثار فلان القاعدة اما ان تكون‏

من الأمارات أو من الأصول فعلى فرض كونها من الأمارات لا شبهة في كون مثبتها

حجة كما إذا قامت البينة على ذلك و اما على فرض كونها من الأصول فيكون من‏


291
الأصول المحرزة كالاستصحاب فكما ان استصحاب بقاء الوضوء يترتب عليه جميع‏

الآثار كذلك ما ثبت بالقاعدة يترتب عليه جميع الآثار.

هذا وجه حجية لوازمها و اما وجه عدمها فهو ان القاعدة بمناسبة ملاكها و

هو الأذكرية حين العمل لا يكون لها لسان فوق تصحيح نفس المركب الّذي بيد المكلف‏

للملازمة العادية بين إتيان العمل و إتيان شرائطه و اما غير ما هو مربوط بالمركب فلا

يكون من الأول في وسع القاعدة.

و ربما يقال بان مفاد القاعدة ان كان وجود ما هو المشكوك أو صحته يترتب‏

عليه جميع الآثار و ان كان المفاد البناء على تحقق المشكوك من حيث الوظيفة

العملية فلا يترتب عليها أثر غير تصحيح نفس المركب الّذي بيد المكلف و لكن الحق‏

هو الثاني عندنا و على فرض الشك في ذلك فيكون من الشبهة المصداقية للقاعدة

بالنسبة إلى هذا الأثر فلا يترتب عليها أيضا لعدم جريانها بالنسبة إليه.

الأمر الثاني عشر

في ان قاعدة التجاوز و الفراغ يكون جريانهما مختصا بصورة كون الشك‏

في انطباق المأتي به للمأمور به من جهة احتمال حصول غفلة في التطبيق بحيث لو لم‏

يكن العمل لم يكن الشك في شي‏ء من المأمور به من جهة الحكم أو الموضوع.

فمن لا يكون عالما بالاجزاء و الشرائط حسب ما هو وظيفته من الاجتهاد أو

التقليد و يدخل في العمل باحتمال انطباق عمله مع ما هو وظيفته في الواقع ثم يشك‏

في الانطباق في الواقع لا يكون موردا لجريان القاعدة فمحلها الشك الطاري بعد

العمل لا الشك الّذي كون حين العمل أيضا لانصراف القاعدة عنه بمقتضى ملاكها

فان الأذكرية حين العمل يكون بالنسبة إلى ما يعلمه المكلف لا بالنسبة إلى‏

ما لا يعلم أيضا.

و لا يقال ان العلم الإجمالي بوجود الحكم لازمه الاحتياط في العمل الا فيما


292
قامت الحجة على خلافه و قاعدة الفراغ و التجاوز حجة على عدم وجوب الاحتياط.

لأنا نقول لا يكون لسان القاعدتين جعل الحكم نظير الاستصحاب و البراءة في‏

الأحكام بل لسانهما بيان حكم الشك في الامتثال فلا يكون في وسعهما رفع جزئية

ما يكون جزء في الواقع أو شرطية ما يكون شرطا في الواقع ضرورة ان جريانهما

مع الشك في كون السورة جزء للصلاة أو لا يرجع إلى عدم كون السورة جزء

كما إذا جرى أصل البراءة عن الجزئية في صورة الشك فيها.

ثم لا فرق في ذلك بين انحفاظ صورة العمل و عدمه بعد كون العمل مشكوكا

فيه من جهة الشبهة الحكمية.

فما توهم كما عن شيخنا النائيني قده من ان الشك في صورة عدم انحفاظ

صورة العمل يرجع إلى الشك في الانطباق و في غير هذه الصورة لا يرجع إليه‏

غير وجيه.

فمن صلى مع الشك في كون السورة جزء أولا بدون السورة كالجاهل المقصر

الّذي يصلى كذلك بدون اجتهاد أو تقليد لا تشمله القاعدة سواء كانت صورة العمل‏

منحفظة بان يعلم انه صلى إلى هذه الجهة المعينة أو غير منحفظة بان لا يعلم انه‏

صلى إلى هذه الجهة أو تلك الجهة للشبهة الحكمية.

و عدم العلم بصورة العمل لا يوجب كون الشك في مقام الامتثال.

ثم لا ريب في عدم عموم الروايات لصورة كون الشك بعد العمل لا قبله لأن‏

القاعدة وظيفة قررت للشاك في انطباق المأتي به مع المأمور به لا للشاك قبل العمل‏

فليس لأحد الدخول في العمل برجاء ان تشمله القاعدة فمن شك في كونه طاهرا

من الخبث أو الحدث لا يكون له الدخول في الصلاة برجاء ان يكون الشك بعد ذلك‏

في تطبيق المأتي به مع المأمور به فلا تشمله القاعدة.

ثم ان هنا صورا من الشك في الشك الطاري بعد العمل لا بأس بالإشارة إليها

لكثرة الابتلاء بها.


293
الأولى ان يكون الشك في الانطباق من جهة احتمال سهوه شيئا من المأمور به‏

حين العمل و هذه الصورة هي مورد جريانها يقينا ضرورة ان ترك شي‏ء من المأمور به‏

سهوا و غفلة لو لم تشمله القاعدة لا يبقى لها مورد آخر.

الصورة الثانية ان يكون الشك في التطبيق بعد العلم بجميع الشرائط و الموانع‏

حكما و لكن مع احتمال ان يكون تركه للعمل من العمد لا السهو و النسيان و هذه‏

الصورة فيها قولان.

قول بعدم جريان القاعدة كما عن شيخنا النائيني قده لانصراف الدليل و عدم‏

انطباق الملاك الّذي ذكر في الروايات و هو الأذكرية حين العمل في المقام لأن‏

هذا الملاك ينطبق على من كان في صدد إتيان المركب صحيحا مع الترتيب الصحيح‏

و من يحتمل كونه متعمدا في ترك الجزء أو الشرط و لو كان متذكرا لا تشمله‏

القاعدة بهذا الملاك.

و قول بالجريان كما هو التحقيق لمنع الانصراف و عدم الوجه له في المقام‏

و اما الأذكرية فهي بالنسبة إلى هذا الشخص أقوى من حيث الانطباق لأنه لا يعلم‏

الترك العمدي بل يحتمل و هذا الاحتمال يطرد بأن مريد العمل على الوجه الصحيح‏

و طبق ما جعله الشارع كيف يمكن ان يترك ما هو الجزء أو الشرط للعمل عمدا

فان الغالب هو إتيانه على الوجه الصحيح الا ان يكون لاعبا بالأمر و قانون الأذكرية

محمول على الغالب.

و من هنا ظهر انه لا وجه للتفصيل بين كون الأذكرية علة أو حكمة و القول‏

بالجريان على فرض كونها حكمة لعدم الأذكرية في المقام و القول بعدم الجريان‏

على فرض كونها علة لعدم العلة في المقام وجه الظهور هو تطبيقها في المقام و مع‏

التطبيق لا فرق بينهما.

الصورة الثالثة ان يكون الشك بعد العمل مع عدم التفات المكلف حال‏

الشروع إلى ما ينبغي وقوع العمل عليه بل عمل عملا و يحتمل مصادفته للواقع‏


294
و يكون حاله بحيث لو التفت أيضا لكان شاكا مثل من توضأ و كان في يده خاتم‏

يحتمل كونه مانعا عن وصول الماء إلى ما تحته و هذا تارة يكون مع انحفاظ صورة

العمل مثل انه يعلم ان الخاتم كان في يده و حركة و مع ذلك يكون شاكا في وصول‏

الماء تحته و تارة لا تكون صورة العمل منحفظة مثل انه لا يعلم انه حركه أم لا أو

التفت إلى الخاتم أم لا.

و الأقوال في جريان القاعدة و عدمه هنا ثلاثة.

الأول عدمه مطلقا و الثاني جريانه مطلقا كما هو التحقيق و الثالث التفصيل بين‏

صورة انحفاظ صورة العمل فتجري القاعدة و بين عدم انحفاظ صورة العمل فلا تجري‏

كما عن شيخنا النائيني قده.

اما الدليل على القول الأول فهو ان ما ورد في روايات الوضوء هو حين‏

العمل اذكر منه حين يشك يكون في صورة التفات المكلف إلى عمله و من لا يكون‏

كذلك كيف يقال انه حين العمل اذكر فمن علم عدم التفاته إلى خاتمه حين الوضوء

كيف يمكن ان يقال انه غسل ما تحته لكونه في العمل و حينه.

و الدليل للقول الثاني هو ان المكلف بعد ما غفل و دخل في الصلاة كذلك‏

بعد الوضوء بهذا النحو يحتمل مصادفة هذا العمل مع الواقع و هذا هو الملاك في‏

جريان القاعدة و المفروض انه لم يدخل عمدا مع هذا النقص نعم لو كان ملتفتا

إليه يجب عليه الفحص و إيصال الماء إلى ما تحت الخاتم يقينا و لكنه لم يلتفت.

و قال المحقق الهمدانيّ ان السيرة من الفقهاء الجريان في هذه الصورة و معها

لا وقع للإشكال بعدم صدق كبرى هو حين العمل إذا كر إلخ و لا للإشكال بوجوب‏

الفحص لو التفت كما ان مستصحب الحدث إذا لم يلتفت و دخل في الصلاة ثم حصل‏

الفراغ عنها و احتمل الانطباق يجوز له إجراء قاعدة الفراغ كما سيأتي في الفرع‏

الآتي و ان لم يجز له الدخول في الصلاة لو التفت إلى استصحاب الحدث و يجب عليه‏

الوضوء قبلها.


295
و اما دليل المفصل فهو انه مع انحفاظ صورة العمل يمكن القول بأنه حين‏

العمل اذكر لالتفاته إليه بخلاف من لا يكون ملتفتا إليه و فيه ان هذا لا يصير فارقا مع‏

صدق كون الشك في الانطباق في المقامين الّذي هو ملاك تطبيق القاعدة و ليس هذا

مثل صورة الشك في الحكم مع عدم انحفاظ صورة العمل كما احتمله شيخنا النائيني‏

لعدم جريان القاعدة كما مر في الشبهة التي تكون من جهة الحكم لعدم كون الشك‏

(ح)من الشك في التطبيق بخلاف المقام.

الصورة الرابعة ان يكون الشك بعد الفراغ و لكن يكون له استصحاب الحدث‏

قبل الدخول في الصلاة لو التفت و لكن لم يلتفت إلى حاله و دخل في الصلاة غافلا ثم التفت بعد

الفراغ.

و هذا على وجهين الأول ان يكون محتملا لتحصيل الطهارة بعد الحدث و الثاني‏

ان لا يكون محتملا لذلك فيكون احتمال تطبيق عمله مع الواقع من جهة صرف‏

احتمال الطهارة حين الدخول في الصلاة و ان كان حكمه الشرعي لو التفت إليه‏

هو الحدث بحكم الاستصحاب.

و كيف كان فالأقوال هنا ثلاثة الأول عدم جريان قاعدة الفراغ مطلقا كما

عن شيخنا العراقي قده و الثاني جريانها مطلقا كما هو التحقيق و الثالث التفصيل‏

بين صورة كونه محتملا لتحصيل الطهارة بعد الحدث فتجري القاعدة و عدم كونه‏

محتملا لذلك فلا تجري كما عن شيخنا النائيني قده.

و استدل للقول الأول بأن المنساق و المنصرف من دليل القاعدة هو كون الشك‏

الّذي هو موردها أو موضوعها غير مسبوق بشك آخر من سنخه أو غير سنخه و في‏

المقام حيث يكون مسبوقا بالشك في الطهارة فلا تجري القاعدة في الشك في الصحة

من جهة الصلاة.

و استدل المفصل بان جريان القاعدة في صورة احتمال تحصيل الطهارة قبل الصلاة

لا إشكال فيه مع وجود استصحاب الحدث لو التفت لأنه على فرض العلم بالحدث فضلا عن الشك‏


296
فيه إذا احتمل تحصيل الطهارة تجري القاعدة و لا يزيد الشك الّذي يكون مجرى‏

استصحاب الحدث عن العلم.

و الاستصحاب بعد العمل محكوم لقاعدة الفراغ لأنه يلزم ان يكون من باب‏

استصحاب المستصحب يعنى استصحاب الحدث الّذي كان مستصحبا قبل الصلاة

و لا أثر له بعد الفراغ لأن اثره قبل الصلاة هو عدم جواز الدخول فيها و اما بعدها

فلا موضوع له لحصول الدخول قبله غفلة.

و اما في صورة عدم احتمال طرو المطهر بعد الحدث فيكون مثل من دخل‏

في الصلاة عالما بالحدث فكما انه لا تشمله القاعدة كذلك من كان الاستصحاب‏

جاريا في حقه هذا.

و لكن الجواب عن القول الأول فهو ان ادعائه قده انصراف القاعدة إلى صورة عدم‏

السبق بالشك فممنوع لعدم الانصراف كذلك لعدم الوجه له.

و اما عن الثاني فلان الاستصحاب يجري في صورة كون الشك فعليا و اما في‏

صورة كونه تقديريا فلا ضرورة ان كل عنوان يكون عليه الحكم يكون الظاهر منه‏

إرادة فعليته و الاستصحاب حكم للشك و المكلف و ان كان حاله بحيث لو التفت‏

يجري في حقه و لكن بعد الفراغ لا يجري لعدم فعلية الشك مع عدم الأثر له لأن‏

اثره قبل الدخول في الصلاة كان هو منع الدخول فيه و بعد الفراغ عنها

لا موضوع للدخول.

و من هنا ظهر وجه القول بالجريان مطلقا كما هو التحقيق و حاصله عموم الكبرى‏

للمقام لعدم الوجه للانصراف إلى غير هذه الصورة و عدم جريان استصحاب المستصحب‏

في الحدث لعدم الأثر له.

الصورة الخامسة ان يكون الشك بعد الفراغ من جهة قيام أمارة قبل الدخول‏

في الصلاة على حصول الشرط مثل كون هذه الجهة قبلة أو كون هذا الماء الّذي‏

استعمله في الطهارة عن الحدث طاهرا أو من جهة قيام أصل محرز كاستصحاب‏


297
الطهارة عن الحدث ثم ظهر خلاف ذلك من باب إحراز فسق البينة أو الشك في عدالتها

أو بطلان الأصل فيكون الشك هنا ساريا إلى أول الأمر.

و الفرق بين هذه الصورة و الصورة الرابعة هو قيام الحجة على جواز الدخول‏

ثم ظهر الخلاف هنا و عدم إحراز الحجة على الدخول في الصلاة هناك و يكون المجوز

للدخول صرف الغفلة.

و في جريان القاعدة و عدمه هنا أيضا خلاف فربما قيل هنا بعدم الجريان من‏

باب انحفاظ صورة العمل و كشف الخلاف كما عن شيخنا النائيني قده و عن جملة

من الاعلام و الحقّ عندنا هو جريانها لأن انحفاظ صورة العمل و عدم انحفاظها لا تأثير له‏

في كون الشك من جهة تطبيق المأمور به مع المأتي به كما هو الملاك في‏

جريان القاعدة.

و جريانها في المقام أولى من جريانها في الصورة السابقة لإحراز جواز

الدخول بواسطة الأمارة أو الأصل المحرز كاستصحاب الطهارة و ان ظهر الخلاف‏

بخلاف الصورة السابقة و حصول العلم بالخلاف له تأثير في احتمال التطبيق الّذي‏

هو موضوع القاعدة و لا يكون ما ذكرناه مخالفا للإجماع فلا إشكال في جريان القاعدة

في هذه الصورة أيضا.

الأمر الثالث عشر

في ان إجراء القاعدة في كل مورد تنطبق هل يكون على وجه العزيمة

أو الرخصة فان المكلف لا يكون له الإعادة لما شك فيه بعد ما فرغ منه أو تجاوز عنه‏

لو كان على وجه العزيمة و يكون له الإعادة لو كان على وجه الرخصة و فيه‏

أيضا خلاف.

فقال شيخنا العراقي قده انه يكون على وجه العزيمة و ادعى في مجلس‏

الدرس الاتفاق عليه مع ظهور قوله عليه السّلام بقوله بلى قد ركعت في ان المكلف لا يكون‏


298
له البناء على عدم الإتيان ثم الإتيان بما شك فيه و لو رجاء لأنه يرجع إلى الزيادة العمدية التي‏

توجب البطلان هذا.

و لكن يرد عليه و كنا نورد عليه و لا يقبله ان حسن الاحتياط مما لا شبهة فيه‏

في العبادات و لو قامت الأمارة على عدم وجوبه و عليه سيرة العلماء و لذا كانوا

يعيدون عبادة سنين من عمرهم و الإعادة في وسط العمل للاجزاء و ان كانت‏

موجبة للزيادة و لكن لا تشملها أدلة من زاد في صلاته فعليه الإعادة فيكون‏

مثل إعادة كلمة من الكلمات لاحتمال وقوع خلل فيها احتياطا و لا يعد هذا زيادة

عندهم و ليس لسان روايات الباب أيضا العزيمة بل يكون مثل ساير الأمارات و الأصول‏

المجعولة عند الشرع فتحصل ان الحق عندنا كون مفاد الأدلة الرخصة لا العزيمة.

في أصالة الصحة في فعل الغير

و البحث فيها في ضمن أمور

الأمر الأول‏
في الدليل الدال عليها و هو الأدلة الأربعة في الجملة من الكتاب‏

و السنة و الإجماع و العقل‏ (1) .

اما الكتاب فمن آياته قوله تعالى و قولوا للناس حسنا بناء على‏

تفسيره في الكافي من قوله عليه السلام أي لا تقولوا إلا خيرا حتى تعلموا ما هو و منه‏

قوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن إثم و من المعلوم ان الظن‏

السوء إثم.

و اما السنة فمنها ما في الكافي عن أمير المؤمنين ضع امر أخيك على أحسنه‏

حتى يأتيك ما يقلبك عنه و لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء و أنت تجد لها في‏

الخير سبيلا و غيرها من الروايات التي ذكروها في كتب الأصول و غيره.

1)في الفرائد في هذا الفصل بيان أبسط في بعض جهات البحث فان شئت فارجع إليه‏

299
و حاصل تقريبها هو ان البناء على أحسن ما يمكن ان يكون فعل الأخ المسلم‏

يكون من جهة ترتيب الأثر العملي الفقهي على ما يفعله من العبادات و المعاملات‏

و ترك ذلك قبيح ليحصل به نظام الاجتماع.

فان قلت يمكن ان يكون الاخبار من باب بيان الوظيفة الأخلاقية لا من‏

باب ترتيب الأثر الفقهي الا ترى ما ورد في رواية محمد بن الفضيل من تكذيب‏

خمسين قسامة أعني البينة العادلة و تصديق الأخ المؤمن فان تصديق الخمسين أولى‏

من تصديق الواحد فكيف حكم عليه السّلام بذلك فلا بد من الحمل على ان فعل المسلم‏

ليس على ما هو ظاهر عند البينة لا على ترتيب الأثر لقول الواحد و عدم الترتيب لقول‏

الخمسين كما عن الشيخ الأعظم الأنصاري قده.

قلت ان الظاهر من كل كلام صدر عن الشارع هو كونه في صدد بيان الحكم‏

الفقهي و الحمل على الوظيفة الأخلاقية لبقاء نظام أخلاقي في المجتمع يحتاج إلى‏

قرينة و في المقام حيث يكون المراد بالحمل على الصحيح هو الصحيح عند العامل‏

لا عند الحامل يمكن ان تكون رواية الفضيل و أمثالها من هذا الباب.

و اما الإجماع فالقولي منه مدركي و العملي منه و هو السيرة و بناء العقلاء

على حمل فعل الغير على الصحة فيمكن الاعتماد عليه و كشف رأى المعصوم‏

منه قطعا.

و اما العقل فتقريب الاستدلال به هو انه لو لا حمل فعل الغير على الصحة لم‏

يقم حجر على حجر و حصل اختلال النظام الاجتماعي و لزم العسر و الحرج.

و فيه ان اختلال النظام يمكن ان يلزم في بعض الموارد و اما في جميعها فلا

و القائل بأصالة الصحة يقول بجريانها في جميع الأبواب من المعاملات و العبادات‏

و هذا يكون دليلا في بعض الموارد فلا يتم.

و اما العسر و الحرج فاما ان يكونا ملاكين لجعل الحكم و المراد بهما العسر

و الحرج النوعيان مثل طهارة الحديد بهذا الملاك و هذا النحو في المقام يحتاج‏


300
إلى دليل كما يكون الدليل الخاصّ في طهارة الحديد.

و اما ان يكونا من باب الحرج الشخصي و العسر كذلك و من المعلوم ان الحكم‏

في مورده مخصوص بمورده و لا يمكن الحكم العام لجميع الموارد و المفروض في‏

المقام هو القول بأصالة الصحة في جميع الموارد فالحق عدم تمامية هذا الدليل أيضا

فتحصل ان بناء العقلاء مع إمضاء الشرع تام في الدلالة على حجية أصالة الصحة.

الأمر الثاني‏

في ان هذا الأصل هل يجري بالنسبة إلى عمل الغير فقط أو يجري بالنسبة إلى‏

عمل نفس الشاك في صحة عمله.

فربما يقال بان الدليل الدال على أصالة الصحة ان كان بناء العقلاء و السيرة

فلا يختص بعمل الغير.

و ربما يقال ان قاعدة التجاوز و الفراغ ان كانت مختصة بباب الصلاة و الطهارة

كما ورد في النص فلا بد في غيرها من جريان هذا الأصل و اما على فرض التعميم‏

لجميع أبواب الفقه من العبادات و المعاملات فلا احتياج إلى جريانه بل يلزم من‏

جعله مع جعل قاعدة التجاوز و الفراغ تعدد الجعل مع كون المجعول واحدا و

هو البناء على صحة ما شك فيه.

و التحقيق عدم اختصاص القاعدتين بباب دون باب فلا نحتاج إلى إثبات حجية

أصالة الصحة بالنسبة إلى عمل نفس الشاك نعم لو فرض وجودها أيضا لا يلزم ما ذكر

من تعدد الجعل لمجعول واحد بل المجعول الواحد يكون له دليلان من الشرع‏

و هما القاعدة و هذا الأصل و لا إشكال.


301
الأمر الثالث‏

في ان المراد بالصحّة التي يحمل عليها فعل المسلم هل هي الصحة عند العامل‏

أو الصحة عند الحامل أو الصحة الواقعية فان الصحة قابلة للتقسيم كذلك.

و الحق ان هذا يختلف حسب اختلاف الأدلة لحجية أصالة الصحة فان كان‏

الدليل هو لزوم العسر و الحرج و اختلال النظام يكون المدار على الصحة في الواقع‏1

و اما الصحة بنظر الحامل أو العامل فلا يوجب الحمل عليها إصلاح النظام و رفع العسر و

الحرج و ان كان الدليل الروايات و الآيات فالمراد بها الصحة عند العامل لأن هذا

هو الظاهر من قوله عليه السّلام ضع امر أخيك على أحسنه ضرورة ان المسلم يأتي بالعمل‏

بالنحو الصحيح عنده لا عند غيره.

ثم انه هل يكون الشرط في جريانها في حق العامل هو ان يكون عالما

بالحكم و الموضوع بمعنى إحرازه لشرائط العمل الّذي يأتي به أو يكفى صرف إتيانه‏

العمل و لو لم يكن عالما بالاحكام و الموضوعات فيه خلاف.

و اما علمه بالموضوع فمثاله ما إذا علم الغاسل نجاسة الثوب في مقابل الجاهل‏

بها فعلى فرض عدم لزوم العلم تجري أصالة الصحة في الغسل و لازمها الحكم بطهارة

الثوب.

فربما يقال ان الدليل ان كان غير العسر و الحرج و اختلال النظام فلا بأس‏

بعدم علم العامل بالاحكام كما كان كذلك في صدر الإسلام فان في سوق المسلمين‏

لم يكن الا الإعراب الذين لم يعلموا من أحكام المعاملات الا قليلا و في مسألة حجية

1أقول لا فرق بين الأدلة فانه في صورة كون الدليل العسر و الحرج و اختلال النظام‏

أيضا يمكن ادعاء ان إصلاح النظام يكون بواسطة حمل فعل الناس على الصحة عندهم‏

و كذا رفع العسر و الحرج فاختلاف الأدلة غير فارق هنا.


302
اليد علل حجيتها بعدم قيام سوق للمسلمين لو لا حجيتها فصرف احتمال‏

مطابقة العمل اتفاقا على ما هو الواقع يكفي في جريان هذا الأصل و اما ان كان‏

الدليل هو العسر و الحرج و اختلال النظام فلا بد من العلم بالاحكام لئلا يحصل‏

ما ذكر1.

هذا كله إذا لم يكن الحامل عالما بفساد عمل العامل بنظره و اما إذا كان‏

عالما بذلك مثل ان يكون العامل ممن لا يعتقد وجوب السورة في الصلاة و يكون‏

اما ما للجماعة و يعلم المقتدي انه لا يقرأ السورة التي هي واجبة عنده اجتهادا أو

تقليدا فالحق في هذه الصورة عدم جريان الأصل و ان قال الشيخ الأعظم قده في بعض‏

الموارد ان الحكم الظاهري للإمام واقعي للمقتدي فيكون له الاقتداء و ان اعتقد

فساد صلاة الإمام:

هذا في صورة العلم بعدم إتيانه السورة و اما مع احتمال إتيانه بها احتياطا

و استحبابا فيمكن ان يقال بجريان أصالة الصحة بصرف احتمال المطابقة مع الواقع‏

كما عن شيخنا النائيني قده و من هذا الباب كون أحد المتعاقدين في عقد واحد

معتقدا بصحته بالفارسية و الاخر معتقدا فساده كذلك بل العربية فيه هو المتعين عنده‏

فعلى فرض كفاية كون كون الحكم الظاهري للغير واقعيا للطرف المقابل يكفى هنا

الفارسية و لو بالنسبة إلى من يعتقد وجوب العربية فيمكن ان يكون عقد واحد مركبا

من الإيجاب الفارسي و القبول العربي و بالعكس و قد قال الشيخ قده بصحته كذلك‏

في مكاسبه.

1أقول مر عدم الفرق بين الأدلة في ذلك لأنه يمكن إصلاح النظام و رفع العسر و الحرج‏

و لو في صورة الجهل بالحكم لا الجهل الكلي بل الجهل في الجملة ببعض ما هو شرط الصحة

عند الشرع.


303
الأمر الرابع‏

في ان إحراز عنوان العمل الّذي يراد إجراء أصالة الصحة فيه لازم أم لا

فمن يريد إجراء أصالة الصحة في وضوء الغير هل يجب عليه ان يحرز ان الغسل‏

يكون للوضوء أو تجري و لو احتمل الغسل بعنوان التبريد فان العناوين القصدية

يكون تحققها بالقصد فان الغسل و المسح يصيران وضوء بقصد العامل و ان كان‏

أصل الغسل و المسح مما لا يحتاج إلى القصد في صدق أصل العنوان.

و عمدة الكلام يكون في القسم الأول الّذي لا بد له من القصد و ان إحرازه‏

لازم أم لا.

فنقول البحث يكون في مقامين المقام الأول في وجه الاحتياج إلى إحراز

العنوان و المقام الثاني فيما يحرز به العنوان من مشاهدة العمل فيما يمكن‏

المشاهدة فيه و اخبار المخبر فيما لا يمكن الشهود فيه لأنه لا يعلم الأمن قبل العامل‏

اما المقام الأول فربما يقال في وجهه بما حاصله ان الصحة لا شبهة في كونها

من الأوصاف و الصفة فرع الموصوف فإحراز الموصوف لازم فمن أراد إجراء أصالة

الصحة في الصلاة أو الوضوء يجب عليه إحراز ان الغسل يكون غسلا وضوئيا و ان‏

الحركة حركة صلاتية لأن صرف الغسل لا يكون هو الوضوء و كذلك صرف‏

الانحناء و القيام لا يكون هو الصلاة.

و فيه ان المراد بالعنوان ان كان هو العنوان الّذي يكون مصب الأثر الشرعي‏

فلا زال لا يمكن إجراء أصالة الصحة فيه للشك في اجتماع الشرائط و لذا نحتاج إلى‏

إجراء الأصل فلا يحرز العنوان بهذا المعنى أبدا و اما ان كان غيره فلا نحتاج إلى‏

إحرازه أزيد مما يصدق عليه العنوان عرفا فالعبادات في ذلك مثل المعاملات فكما

ان الموضوع لوجوب الوفاء هو العقد العرفي و الموضوع للحلية هو البيع كذلك‏

فكذلك الصلاة و الوضوء هكذا قيل.


304
و لكن لا يكون للعرف الدخل في الموضوعات الشرعية و لا يقاس بباب‏

المعاملات التي تكون بيد العرف فصدق الصلاة و الوضوء بنظر العرف غير مفيد لإحراز

الموضوع الشرعي و لذا قيل ان إحراز الموضوع الواقعي غير لازم و يكفى إحراز

كون المكلف بصدد إتيان الوضوء و الصلاة و أمثالهما و الّذي يسهل الخطب ان إحراز

العنوان غير لازم بل صرف إحراز العمل كاف في ذلك.

و يدل عليه عمومية بناء العقلاء و السيرة و لذا ترى عدم فحصهم عن حال العوام‏

الذين في السوق يتجرون من دون العلم بحدود الموضوع الشرعي نعم ان كان‏

السند لهذا الأصل حمل فعل المسلم على الصلاة بمقتضى الروايات فإحراز الحدود

و القيود لازم فضلا عن إحراز الموضوع و كون المكلف في صدد إتيان العمل الفلاني.

فعلى هذا نقول إذا غسل الغاسل الثوب و لم يعلم النجاسة و كان الثوب نجسا

يمكن ترتيب أثر الطهارة بصرف إحراز عنوان الغسل.

و من العجب هو ان شيخنا النائيني قده يقول بأن إحراز العنوان لازم و هكذا

إحراز كون المكلف في صدد إتيان العمل بالعنوان الخاصّ مع عموم السيرة و بناء

العقلاء حتى في صورة عدم إحراز العنوان و الصددية فتحصل ان الملاك كون المكلف‏

في نقش العمل لا في إحراز عنوانه.

اما المقام الثاني و هو ما يحرز به العنوان فتارة يكون في عمل الشخص نفسه‏

لنفسه و تارة في عمل الشخص لغيره فعلى الأول صرف مشاهدة العمل كاف في إحراز كون‏

المكلف في صدد نقش العمل(و بالفارسية در صدد نقش بردأرى بودن مكلف كافى‏

است)أو قيام البينة على إتيان العمل كذلك.

و اما على الثاني فصرف إتيان العمل لا يكفى فيه لأن ظاهر حال كل عامل هو ان‏

يكون العمل لنفسه فلا بد من إثبات كون العمل عمل المنوب عنه في النيابة أو عمل الموكل‏

في الوكالة بإحراز كون المكلف بصدد و هذه الصددية كافية في إجراء الأصل‏

لو شك في صحة العمل من جهة الاجزاء و الشرائط.


305
و لكن حيث ان الصددية مما لا يمكن إثباتها الا من قبل العامل فلا بد من قبول‏

اخباره في ذلك للكبرى العامة في أن كل ما لا يعلم الا من قبل الشخص نفسه يقبل‏

قوله فيه كما يكون أحد موارده اخبار المرأة بالحمل أو بالحيض لنفسه و على هذا

لا يشترط عدالته و لا الوثوق به في ذلك فكل مخبر يكون خبره عن نفسها يقبل قوله.

و الظاهر ان هذه الكبرى في مقابل كبرى البينة التي لا بد فيها من الوثوق أو

العدالة و يمكن ان يستدل لذلك بان من ملك شيئا ملك الإقرار به و الشخص مالك‏

لعمل نفسه فمالك للإقرار به و لكن هذا الوجه ضعيف لأن الإقرار يصح في صورة كونه‏

على النّفس لا لها فان إقرار العقلاء على أنفسهم جائز لا لأنفسهم‏

و من هنا ظهر ما في الأمر الرابع من كتاب الفرائد من إشكال القوم في الفرق‏

بين الصلاة عن الميت و الصلاة على الميت من جهة كفاية إحراز نفس العمل في‏

الصلاة على الميت و عدم كفايته في الصلاة عنه بل يلزم إحراز العنوان في الصلاة

عنه بالبينة العادلة فانهم قالوا لا فرق بينهما في ذلك وجه الظهور هو ان الصلاة

على الميت إذا شك في صحتها يكون من الشك في عمل الشخص من حيث كونه عمل‏

نفسه فيكفى إحراز نقش العمل و اما في الصلاة عن الميت فلا بد من إحراز كونه‏

في صدد ما هو نائب فيه و الا فالصلاة و غيرها من الأعمال يكون ظهورها الأولى في‏

وقوعه عن قبل نفسه كما ان الزيارة تحصل بحضور الزائر عند المزور و لا يحتاج إلى‏

شي‏ء آخر مثل ان ينوي الزيارة عن قبل نفسه و اما إذا كان نائبا عن الغير فلا بد ان‏

يقصد ذلك الغير ليتحقق النيابة.

و اما الشيخ الأعظم قده في مقام الذنب عن هذا الإشكال فقد تصدى لطريق‏

صعب و هو ان لفعل النائب جهتين جهة كون الفعل الخارجي من الصلاة و الصوم‏

عن الغير موجبا لاستحقاق النائب للأجرة و جهة كونه مبرأ لذمة المنوب عنه فمن‏

الجهة الأولى يكون مثل إتيان الشخص لعمل نفسه فصرف إحراز العمل كاف و اما

بالنسبة إلى الجهة الثانية فلا بد من إحراز كونه في صدد ذلك فالصلاة على الميت‏


306
مثل الصلاة عن الميت بلحاظ الجهة الأولى لا بلحاظ الجهة الثانية و لذا يجب إحراز

عنوانها بالبينة العادلة بلحاظ الجهة الثانية دون الجهة الأولى.

فتحصل انه قده قائل بعدم لزوم إحراز العنوان في الصلاة عن الميت في‏

الجهة التي تكون منوطة بفعل المكلف من حيث اثره لنفسه و قائل بلزومه من جهة

كونه سببا لبراءة ذمة المنوب عنه.

و قد أشكل عليه تلامذته جملتهم بان الجهتين طوليتان ضرورة توقف براءة

الذّمّة على صحة العمل و استحقاق الأجرة فمن يستحق الأجرة مع صحته كيف لا يكون‏

عمله كذلك موجبا لبراءة ذمة الميت.

و لكن مراده قده هو كون الجهتين عرضيتين و هما أثر لفعل واحد و يترتب‏

أحدهما لعدم الاحتياج إلى أزيد من نقش العمل و لا يترتب الاخر للاحتياج إلى‏

إحراز عنوان العمل‏1

و من هنا ظهر صحة التفصيل بين كون الشخص أجيرا للوضوء أو أجيرا للتوضي‏

للعاجز عن الوضوء فانه لا يحتاج إلى إحراز العنوان في الوضوء لأنه عمله و يحتاج‏

إلى ذلك في التوضي لأنه عمل تسبيبي و لا بد من إحراز كون النائب في صدد إتيان‏

العمل للمنوب عنه كما عن المحقق الهمدانيّ.

الأمر الخامس‏

في انه لا شبهة في تقدم أصالة الصحة على أصالة الفساد في المعاملات كما انه‏

لا شبهة في تقدمها عليها أيضا في العبادات و لكن البحث في انه هل جريانها في‏

المعاملات يكون في خصوص الشك من ناحية شرائط السبب و هو العقد أو يعم شرائط

1أقول ما يستفاد من كلامه قده في الفرائد هو اشتراط العدالة أيضا في المخبر و قد

أنكرها مد ظله آنفا.


307
العوضين و المتعاقدين و شرائط المسبب أيضا؟و هذا امر مهم له نتائج مهمة في أبواب‏

المعاملات و توضيحه ان الشك في الصحة و الفساد اما ان يكون من ناحية السبب‏

و هو العقد كالشك في الصحة من جهة وقوع العقد بالفارسية أو العربية التي هي‏

شرطه على بعض الأقوال أو كالشك في الموالاة بين الإيجاب و القبول التي هي شرط

عرفي و شرعي.

و اما ان يكون من ناحية المتعاقدين كالشك في البلوغ الّذي هو شرط العاقد

و اما ان يكون من ناحية العوضين مثل كونهما مما يملك و اما ان يكون من ناحية

المسبب كالشك في كون البيع ربويا أو غيره.

و البحث في ذلك كله يكون في الشك من جهة الشبهة الموضوعية لا الحكمية

مضافا بان الشك في الشروط يلزم ان يكون من جهة الشرائط الشرعية و اما الشرائط

العرفية فهي مما به قيام الموضوع و الحكم لا يمكن ان يكون محققا لموضوعه فان‏

العمومات مثل قوله تعالى أحل اللّه البيع و قوله تعالى أوفوا بالعقود تشمل كل ما

كان بيعا أو عقدا عرفا و ما ليس كذلك يكون خارجا عنها بالتخصص لأن المعاملات‏

طرا من الأمور العرفية و ان تصرف الشارع فيها من جهة عدم إمضاء ما هو مخل بنظام‏

الاجتماع مثل البيع الربوي.

و عليه فكل مورد يكون الشك من جهة اجتماع الشرائط و الاجزاء عند العرف‏

فلا بد من إحرازها و لا يتمسك بأصالة الصحة بل يتمسك بأصالة الفساد فوزان أصالة

الصحة وزان عمومات حل البيع و التجارة عن تراض و وجوب الوفاء بالعقد و هذا مما

استقر عليه رأى العلمين الأستاذين النائيني و العراقي(قدهما).

فأقول ان السند إذا كان العمومات‏1فالامر كما ذكروا ما إذا كان الأصل‏

1أقول العمومات أيضا شاملة لما يصدق عليه العقد و لو بالتسامح كما هو نظره مد ظله‏

فيما سيجي‏ء من كفاية إحراز الموضوع و لو بالتسامح فلا فرق بينها و بين أصالة الصحة


308
فهو أوسع من ذلك.

لأن عمدة الدليل على جريانه السيرة و بناء العقلاء و نحن نرى بالوجدان‏

التعميم في الأسواق ضرورة انه لا يسأل عن صحة معاملة السودان و غيرهم ممن هو

جاهل غالبا بالاحكام و بالشرائط العرفية أو لا يراعيها و لو كان الشك من جهة شرط

عرفي يحتمل فقده في المعاملة الخاصة و اما إذا كان السند العمومات فهي مختصة

بصورة إحراز الشرائط العرفية.

ثم القائل باختصاص الأصل بالشرعية في العقد فقط كشيخنا النائيني قده‏

يستدل بان الدليل على صحة هذا الأصل الإجماع و المتيقن منه هذه الصورة لا صورة

كون الشك في شرائط المتعاقدين كالبلوغ أو في شرائط العوضين كعدم كونهما

خمرا أو خنزيرا و صحة العقد من ناحية السبب لا تنافي فساده من جهة ساير الأركان‏

و هذا لا يكون من جهة كون أصالة الصحة أصلا لا أمارة ليقال مثبتات الأصول‏

غير حجة و مثبتات الأمارات حجة و هذه ليست أمارة بل من جهة ان صحة كل شي‏ء

بحسبه و صحة العقد من حيث الإيجاب و القبول غير منوط بصحته من ناحية العوضين‏

أو المتعاقدين و النقص من هذه الناحية ليس نقصا بالنسبة إلى العقد فالشك في البيع‏

الموجب للنقل غير الشك في سببه.

و هذا القول يكون أخذا من المحقق الثاني قده حيث قال ان الأصل في العقود

الصحة بعد استكمال أركانها إلخ ما نقله عنه في الفرائد.

مضافا بأنه فرق بين الشروط الدخيلة في المالية مثل عدم كون العوضين‏

خمرا أو خنزيرا فلا تجري فيه و بين ما كان غير دخيل مثل العلم بالعوضين‏

فتجري فيه.

و لكن الحق عندنا هو التعميم لجميع صور الشك و ليس دليلنا الإجماع فقط

بل دليلنا السيرة و بناء العقلاء و هما شاملان لجميع الصور و لجميع أقسام الشروط سواء

كان الشك في الشرائط العرفية و الشرعية نعم إحراز العنوان العرفي بالنحو المسامحي لازم‏


309
لا بالدقة فإذا أحرز البيع يعنى صورته يكفينا لجريان أصالة الصحة.

و قد صرح الشيخ الأعظم قده بذلك على فرض كون الدليل السيرة و بناء العقلاء

لاختلال النظام لو لا جريانها.

فتحصل ان قولنا و قول شيخنا الأستاذ قده في جهة الإفراط و التفريط لقولنا

بالجريان مطلقا و قوله بعدم الجريان الا في الشرائط الشرعية للسبب و لا أجد موافقا

له ظاهرا الا المحقق الثاني و القول الوسط هو ان يقال ان الشرائط العرفية مطلقا

إحرازها لازم و الشرائط الشرعية مطلقا يجري فيها الأصل.

نعم لا يترتب على جريانه الا اثره فقط و هو صحة العقد و لا يثبت لوازمه فلو كان‏

الشك في البلوغ و جرى الأصل لا يثبت البلوغ بحيث لو كان له أثر غير صحة العقد

يترتب عليه كما انه إذا كان الشك من جهة احتمال إكراه المتعاقدين و قد جرى‏

الأصل لا يثبت عدم الإكراه فلو فرض وجود أثر على عدمه كالنذر و شبهه لا يثبت‏

العدم به.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الإشكال على شيخنا النائيني قده من وجوه.

الأول ان الدليل ليس هو الإجماع فقط حتى يقول ان المتيقن منه صورة

كون الشك في السبب فقط لا غير.

و الثاني من جهة انه لأي دليل يجب إحراز شرائط المتعاقدين و العوضين‏

و المسبب و لا يجب إحراز شرائط السبب حتى تجري أصالة الصحة فيه دون غيره نعم‏

لو كان المراد هو ان الشك في غير السبب يرجع إلى الشك في الشروط العرفية

بخلاف غيره و الشروط العرفية في المعاملة يجب إحرازها يكون له وجه على مبنى‏

من يقول بالاختصاص بالشرائط الشرعية و لكن لا يقول بذلك لأن ظاهر كلامه هو

التعميم من جهة الرجوع إلى العرفية و عدمه.

و الثالث انه على فرض رجوع شرائط غير السبب إلى الشرائط العرفية فلأي‏

دليل يقول لا تجري أصالة الصحة في الشرائط العرفية بعد إحراز نفس العمل و صورته‏


310
و لو بالتسامح.

و الرابع انه يقول ان الشرط ان كان مما لا دخل له في مالية العوضين تجري‏

أصالة الصحة فيه مثل علم المتبايعين بالعوضين فان العلم بهما لا دخل له في المالية

فلو فرض جهلهما بهما أيضا تكون المالية بحالها و اما ان كان له دخل في المالية مثل‏

عدم كونهما خمرا أو خنزيرا فلا تجري أصالة الصحة فيه ان شك فيه و هذا الا دليل‏

عليه بل ادعاء محض و الحق انه لا فرق بينهما و تجري أصالة الصحة في جميع الصور

من أنحاء الشك في المعاملات.

الأمر السادس‏

يظهر من الشيخ الأعظم في الفرائد في الأمر الثالث على حسب ترتيبه اختصاص‏

جريان أصالة الصحة بصورة كون الأمر دائرا بين الصحة و الفساد لا صورة دوران‏

الأمر بين الصحة الفعلية و الصحة التأهلية فان أصالة الصحة لا تجري و لا تثبت الصحة

الفعلية.

فإذا شك في تحقق القبول بعد العلم بحصول الإيجاب من البائع فلا تقضى أصالة

الصحة في الإيجاب بوجود القبول لأن القبول معتبر في العقد لا في الإيجاب و كذا لو شك في‏

تحقق القبض في الهبة أو في الصرف أو السلم بعد العلم بتحقق الإيجاب و القبول لم يحكم بتحققه‏

من حيث هذا الأصل و كذا لو شك في إجازة المالك لبيع الفضولي لم يصح إحرازها

بأصالة الصحة.

و أولى بعدم الجريان ما لو كان العقد في نفسه لو خلى و طبعه مبنيا على الفساد

بحيث يكون المصحح طارئا عليه كما لو ادعى بائع الوقف وجود المصحح لبيعه‏

لأنه لو خلى و طبعه لا يجوز بيعه إلا بطرو مجوز و كذا الراهن إذا باع عين المرهونة

و شك في إجازة المرتهن أو اذنه لذلك فان أصالة الصحة لا تثبت الاذن.

و لا يخفى ان مراده قده ليس عدم حجية هذا الأصل بالنسبة إلى ما ذكر من‏


311
جهة عدم حجية الأصل المثبت المعروف عندهم بل من جهة ان مجراها لا يكون‏

الا في صورة الشك في الصحة و الفساد لا في الصحة التأهلية و الفعلية هذا.

و لكن التحقيق ان ادعاء ذلك لا دليل عليه من جهة الكبرى و الصغرى اما الكبرى‏

فلان عموم الدليل و هو بناء العقلاء و السيرة شامل لهذه الصورة أيضا يعنى الشك في‏

الصحة التأهلية و الفعلية الا ترى انهم لا يتوقفون في ترتيب الأثر على بيع كان‏

الشك في وجود القبول فيه بعد إحراز الإيجاب و هكذا غيره و اما الصغرى فلان الأمر

في ما ذكر من الأمثلة و أمثالها يدور بين الصحة و الفساد بالنسبة إلى المعاملة و ان‏

لم يكن الشك في الإيجاب كذلك فتجري أصالة الصحة في كل ما ذكر.

نعم ان قلنا ان القبض في الصرف و السلم يكون من متممات العقد فحيث‏

يكون الشك في موضوع أصالة الصحة و هو العقد بدونه فلا تجري من هذا الباب‏

و اما الشك في صحة عقد الفضول للشك في لحوق الإجازة فهو أيضا غير منطبق على‏

المقام لأن صحة العقد بالنسبة إلى الفضول لا أثر لها و بالنسبة إلى غيره فلا إحراز للإجازة

ليترتب عليه اثره.

نعم على فرض كون الإجازة في الفضولي كاشفة بالكشف الحقيقي أو بالكشف‏

الانقلابي فيمكن ان يكون الشك في الصحة و الفساد بالنسبة إلى العقد الصادر عن‏

الفضول و لكن الّذي يسهل الخطب هو جريان الأصل بالنسبة إلى المعاملة لا بالنسبة

إلى العقد الّذي هو السبب لها فإذا شك في معاملة فضولية وقعت على شي‏ء من جهة

لحوق الإجازة و عدمه فنجري الأصل في المعاملة و نصلي مثلا على فرش يكون في دار

زيد مع هذا الشك و لا نتفحص عن الصحة و الفساد و دليلنا السيرة و بناء العقلاء.

و اما بيع الوقف مع الشك في المجوز فكذلك من جهة الشك في أصل‏

المعاملة.

و العجب عن شيخنا النائيني قده حيث قال ان إحراز المجوز في بيع الوقف‏

لازم من جهة ان طبع الوقف عدم جواز النقل و الانتقال فيه و لا يكفى أصالة الصحة


312
لترتيب الأثر مضافا بان الأصل الموضوعي هو عدم حصول المجوز للنقل و الانتقال‏

فيكون الشك في قابلية المعقود عليه لذلك و الأصل عدمها.

و وجه التعجب هو انه لو لم يكن للأصل هنا مجرى لقصور دليله عن شمول‏

المقام لا يكون تمسكه بالأصل الموضوعي موجها لبطلان المعاملة من جهة عدم‏

جريان أصالة الصحة و ان كان لها مجرى فهي متقدمة على الاستصحاب فان مثبتها حجة

بالنسبة إليه و لو لم يكن كذلك بالنسبة إلى غيره.

ثم انه(قده)قد تعرض لفرع يكون من فروع عدم جريان أصالة الصحة عنده‏

لأن الشك ليس في الصحة و الفساد بل في الصحة الفعلية و التأهلية و هو ان الراهن‏

و المرتهن لو اختلفا في وقوع البيع قبل اذن المرتهن أو بعده بعد كون وقوع الاذن‏

مسلما بان يدعى المرتهن رجوعه عن اذنه قبل وقوع البيع و يدعى الراهن وقوعه‏

بعده فلا يمكن ان يقال كما قيل ان أصالة صحة الاذن تقضى بوقوع البيع صحيحا

و لا أصالة صحة الرجوع تقضى بكون البيع فاسدا لأن المفروض صحتهما بعد صدورهما

عمن له أهلية لذلك لأن البيع لو وقع بعد الاذن يكون صحيحا و لو وقع بعد

الرجوع يكون فاسدا و فساده لا يضر بصحة الاذن أو الرجوع.

و الحق عدم جريان الأصل هنا لا في البيع و لا في الاذن و لا في الرجوع.

اما في البيع فلان الشك انما وقع في رضاء من له الحق و هو المرتهن و قد

تقدم ان صحة الإيجاب و القبول لا تقضى بتحقق الرضاء ممن يعتبر رضاه سواء كان‏

مالكا كما في بيع الفضولي أم كان له حق في البيع كما في المرتهن فان العين‏

المرهونة تكون متعلقة لحقه و ليست ملكه،

و اما في الاذن فلان صحته تقضى بصحة البيع إذا فرض وقوعه عقيبه لا بوقوعه‏

عقيبه كما ان صحة الرجوع تقضى بفساد ما فرض وقوعه بعده لا ان البيع وقع بعده‏

ثم تأمل(قده)في المسألة انتهى كلامه.

و الجواب عنه ما مرّ من ان أصالة الصحة لا اختصاص لها بالشك في الصحة


313
و الفساد فقط و مع التسليم للكبرى فالمقام أيضا يكون من الشك في الصحة و الفساد

بالنسبة إلى أصل المعاملة و اما تعيين كون الحق مع أيهما فهو مربوط بقوانين باب‏

القضاء و لا يكون في وسع الأصل إثباته فالأثر المترتب على نفس صحة البيع‏

لا إشكال في ترتبه و دليلنا عموم دليل أصالة الصحة و هو السيرة و بناء العقلاء

كما مر.

فان قلت لنا في المقام استصحاب بقاء الاذن إلى حين العقد فيصح العقد بعد

التعبد ببقاء الاذن.

قلت لو كان المعتبر في باب العقود نشوء العقد عن الرضا المتقدم لا يثبت هذا

الاستصحاب تقدمه و على قرض كفاية الرضا و لو لم يكن متقدما فيمكن القول به‏

لكون الموضوع مركبا من جزءين جزء بالوجدان و هو العقد و جزء بالأصل و هو

الاذن و هو قده حيث يرى شرطية كون العقد ناشئا عن الرضا لم يعتن بهذا

الاستصحاب‏1.

1أقول هذا مثل ساير الاستصحابات في الشك في تقدم أحد الحادثين و تأخره‏

فنقول استصحابه هذا معارض باستصحاب عدم وقوع العقد إلى حين الرجوع فان الرجوع‏

بالوجدان و الشك يكون في تقدم العقد عليه.

و لا يقال لا أثر له لأنا نقول اثره القول بالبطلان فان العقد بدون اذن المرتهن باطل‏

فان قلت ان هذا لا يثبت وقوع العقد بعد الرجوع قلت هذا الإشكال مشترك الورود لعدم‏

إثبات كون العقد بعد الاذن باستصحاب الاذن أيضا.


314
الأمر السابع‏

في عدم حجية مثبتات أصالة الصحة

و فيه خلاف فربما يقال بعدم الحجية مطلقا في اللازم سواء كانت أصلا أو

أمارة و ربما يقال بعدم الحجية على فرض كونها أصلا لعدم حجية مثبتات الأصول‏

و اما على فرض كونها أمارة فمثبتاتها حجة كما حرر في محله.

و الحق عندنا عدم الفرق بين كون الدليل أمارة أو أصلا بل يختلف حجية

اللوازم و عدمها حسب اختلاف الموارد فليس مثبت كل أمارة حجة و لا مثبت كل‏

أصل ليس بحجة فمن الممكن ان يكون المثبت في الأصل أيضا حجة و ان لا يكون‏

مثبت الأمارة حجة.

و الحق في أصل الأمر هنا هو عدم كون أصالة الصحة أمارة لأن الأمارة تحتاج‏

إلى جهة كشف و نحن حيث نجريها حتى في صورة جهل العامل بالاجزاء و

الشرائط باحتمال التصادف مع الواقع فلا نقول بأماريتها لعدمها في صورة الجهل.

و كيف كان ان المستدل بعدم حجية مثبتها يحتج بأن الدليل على حجية أصالة

الصحة نفسها هو الإجماع أو بناء العقلاء و هو لبي و المتيقن منه إثبات مورد الشك في‏

الصحة لا إثبات لوازمها فلو شك في صحة عقد من حيث الشك في بلوغ العاقد نجري‏

أصالة الصحة في العقد و لا نقول بلازم جريانها و هو الحكم ببلوغ العاقد حتى يترتب‏

عليه آثاره التي غير هذا الأثر أيضا و لا فرق بين كونها أصلا أو أمارة اما على الأول‏

فواضح و اما على الثاني فلما مر من ان المتيقن من الأمارة هنا هو إثبات ما شك‏

فيه من الاجزاء و الشرائط بالنسبة إلى هذا العمل الخاصّ لا بالنسبة إلى غيره.

ثم ان غاية ما قيل في تقريب الأمارية هو ان أصالة الصحة في عمل الغير

تكون مثل قاعدة الفراغ في عمل نفسه و قد مر ان السر فيها هو الأذكرية حين العمل‏

فان كل عامل بمركب مرتب الاجزاء يأتي به على وفق ترتيبه و لا يتجاوز عنه بدونه‏


315
فيكون هذا جهة كشف في هذه القاعدة فأمضاها الشارع.

و في المقام أيضا كذلك فأصالة الصحة أمارة من جهة ان العامل لا يتخطى‏

عن الاجزاء و الشرائط المعتبرة في العمل الّذي يكون في صدد إتيانه.

و يرد عليه بان الأذكرية تفيد بالنسبة إلى العامل إذا شك في صحة عمله و

اما الحامل كما في أصالة الصحة في عمل الغير فلا تفيده و لو سلم فيكون الإثبات‏

للوجود الحيثي لا للوجود المطلق يعنى تثبت أصالة الصحة مثلا وجود صلاة الظهر المشكوك‏

من حيث ترتب العصر عليه لا من حيث وجوده المطلق حتى لا نحتاج إلى إعادته فليست‏

مثل الخبر الواحد في الأحكام و البينة في الموضوعات حتى نرتب عليها جميع آثار

الوجود المطلق.

كل ذلك على فرض عدم جريانها في صورة الجهل بالحكم و اما إذا كان‏

العامل جاهلا به و قلنا بالجريان فلا وجه لأماريتها لعدم وجه للكشف على‏

هذا الفرض.

هذا كله في صورة احتمال غفلة العامل عن إتيان جزء أو شرط و اما في صورة

احتمال الترك عمدا فيكون الدليل على صحة العمل من حيث ظهور حال العاقل‏

المسلم على إتيان المركب على حسب وضعه ضرورة ان العاقل المسلم يأتي بالعمل‏

على وفق الوضع و لا ينقص منه شيئا و هذا النحو من ظهور الحال و ان كان له نحو

طريقية و كاشفية للواقع و لكن إثبات إمضاء الشرع من هذه الجهة مشكل و المقوم‏

للأمارية وجود الكشف و الإمضاء بهذه الجهة فلا تكون أصالة الصحة في هذه‏

الصورة أمارة.

و اما على فرض احتمال الترك جهلا بالحكم أو الموضوع فقد مر عدم وجه‏

للكاشفية حتى يقال انها أمارة بل انها أصل و مثبت الأصل غير حجة.

فتحصل من جميع ما تقدم عدم حجية مثبتات أصالة الصحة أصلا كانت أو

أمارة خلافا للقدماء في الجملة.


316
فروع الشيخ قده في مثبتات أصالة الصحة

ثم ان هنا فروعا قد تعرض لها الشيخ الأعظم في الفرائد في الأمر الخامس عنده اثنان منها

عن العلامة قده و واحد أسسه قده و نتعرض لما أسسه رعاية للاختصار و هو انه لو شك في ان‏

الشراء الصادر من الغير كان بعين من أعيان ماله مما يملك أو كان بعين من الأعيان الغير

المملوكة شرعا كالخمر و الخنزير فان أصالة الصحة بالنسبة إلى المعاملة و الحكم بصحة

التصرف في المبيع بعد هذا الشك لا يلزمها القول بان البيع وقع في مقابل العين المملوكة

فلو مات المشتري لا نحكم بخروج العين المملوكة عن تركته و ان كان هذا من‏

لوازم الحكم بصحة المعاملة و ذلك لما مر من عدم حجية لوازم أصالة الصحة فالأصل‏

عدم خروج العين عن ملك المورث.

و قد أشكل عليه شيخنا النائيني قده في الأمر الخامس في تقريره مع تنقيح‏

منا أولا من حيث المبنى و هو عدم جريان أصالة الصحة عنده إذا كان الشك في ما

هو دخيل في مالية العوضين و من المعلوم ان الشك في خمرية الثمن أو خليته‏

يكون من الشك في مالية أحد العوضين.

و ثانيا لا بد من القول بخروج شي‏ء عن ملك المشتري في مقابل ما أخذه من‏

المثمن فكيف يقال بصحة البيع و خروج المبيع عن كيس البائع من دون دخول شي‏ء

في كيسه.

و ثالثا ان المشتري نفسه و ورثته يبتلى بعدم جواز التصرف في أمواله للعلم‏

الإجمالي بأن عينا من الأعيان خرجت عن ملكه و لا يدرى عينها.

و لكن لا يرد اشكاله قده مبناء لأن الثمن سواء كان مما يملك أو مما لا يملك‏

يكون ما لا عند العرف و الملاك في مالية العوضين هو نظر العرف لا نظر الشرع فإذا

تحققت المالية بنظره يتحقق العقد الّذي هو موضوع جريان الأصل عرفا فحينئذ نقول‏

بجريان أصالة الصحة حتى مع الشك في الشرائط الراجعة إلى مالية العوضين شرعا


317
و اما ما ذكره من ان العلم الإجمالي مانع من التصرف في أموال المورث‏

فهو لا يتم لعدم التأثير للعلم الإجمالي الّذي لا يوجب التكليف في جميع أطرافه فان‏

الثمن لو كان في الواقع هو الخمر لا يوجب الاحتراز عن ساير الأموال لعدم خروجه‏

عن ملكه فلا يجب الاحتياط.

و اما العلم بخروج شي‏ء عن كيس المشتري فلازمه المصالحة مع البائع في ما

يكون حقه في الواقع‏1فلا محذور في القول بعدم ثبوت اللازم لأصالة الصحة

لو جرت و لا إشكال في أصل جريانها أيضا.

الأمر الثامن‏

في بيان ورود هذا الأصل أو حكومته على الاستصحاب‏

و البحث في مقامين المقام الأول في تقديم أصالة الصحة على الأصل الحكمي‏

كما في أصالة عدم الانتقال عند الشك في صحة المعاملة و فسادها و التقديم لا يكون‏

بالورود كما في تعبير الشيخ الأعظم قده بل بالحكومة أو التخصيص و التعبير بالورود

لعله يكون من اشتباه الناسخ.

و المقام الثاني في تقديمها على الأصل الموضوعي مثل الشك في البلوغ‏

الّذي هو شرط العقد فان أصالة عدم البلوغ أصل موضوعي في مقابل أصالة الصحة

فنقول.

1أقول و هنا علم إجمالي بان الثمن لا يكون خارجا عما في البين فان كان الثمن‏

هو ما يملك فيكون في الأعيان و ان كان مما لا يملك أيضا يكون من الأعيان فنعلم إجمالا اما

بطلان العقد شرعا أو صحته شرعا.

و الحكم بالصحّة و جعل الثمن من غير الأعيان امر مشكل جدا فاما ان نقول بان أصالة

الصحة تثبت هذا اللازم و هو كون العوض مما يملك و نحكم بخفاء الواسطة و ان كانت أصلا

أو نقول بعدم جريان أصالة الصحة و القول بالصحّة و جعل الثمن خارجا عما في الخارج بعيد.


318
اما المقام الأول فقال الشيخ الأعظم قده فيه بتقديم أصالة الصحة على الأصل‏

الحكمي من جهة ان الشك في الانتقال مثلا مسبب عن الشك في تحقق الأثر فإذا

حكمنا بتحقق الأثر بحكم أصالة الصحة لا يكون للشك في الانتقال مجال فان قلنا

ان مفاد أصالة الصحة هو الحكم باستجماع العقد للشرائط المعتبرة فيه تعبدا يكون‏

التقديم بالحكومة و ان قلنا ان مفادها هو الحكم بترتيب أثر الصحيح فلا محالة

يحصل التعارض بينها و بين الاستصحاب لأن مفاده أيضا ترتيب أثر عدم الانتقال و لكن‏

بعد التعارض لا يحكم بالتساقط بل يقدم أصالة الصحة و يخصص دليل الاستصحاب‏

لأنا لم نجد موردا لم يكن في مقابل أصالة الصحة استصحاب عدم الانتقال فيلزم‏

عدم المورد لدليلها فلا بد من تقديمها على الأصل الحكمي اما بملاك الحكومة

أو التخصيص.

و اما المقام الثاني و هو صورة المعارضة مع الأصل الموضوعي فللشيخ الأعظم قده‏

كلام في المقام.

و لأجل تلامذته الميرزا محمد تقي الشيرازي كلام آخر في الحاشية و في بعض‏

النسخ كلامه في المتن و كلام شيخه في الحاشية و قد حصل الخلط بينهما في كلام‏

بعض كما عن شيخنا النائيني قده و قد وقع الخلط في نسخ الفرائد و نحن وجدنا كلام‏

كل واحد منهما من النسخة المصححة من الفرائد مستقلا و لذا ننقل كلام كل واحد

منهما مستقلا ثم نحكم بين الكلامين.

اما حاصل كلام الشيخ قده ان العقد حاصل بالوجدان و البلوغ مشكوك فيه فيستصحب‏

عدمه فيكون هنا عقد و عدم الصدور عن البالغ فيكون فاقدا للشرط و يعارضه أصالة

الصحة الحاكمة بان العقد صحيح من ناحية الشرط ثم أجاب عنه بان الأثر مترتب‏

على عدم صدور العقد عن البالغ لا على الصدور عن غير البالغ و لا يثبت بأصالة عدم البلوغ عدم‏

صدور العقد عن البالغ الأعلى المثبت و الأصول المثبتة غير حجة فتقدم أصالة الصحة بعد

عدم تأثير الاستصحاب في الفساد.


319
هذا إذا كان مفاد أصالة الصحة ترتيب الأثر فقط و اما إذا كان مفادها استجماع‏

العقد للشرائط المعتبرة في العقد فهي متقدمة على الاستصحاب لأن مفاده عدم اقتضاء

العقد الصادر عن غير البالغ لترتيب الأثر و هي تقتضي ترتيب أثر الصحيح و لا معارضة

بين المقتضى و اللا اقتضاء فيكون الأصل الحكمي مقدما على الأصل الموضوعي عنده‏

قده خلافا لجملة من الفقهاء.

و هذا كله بناء على كون أصالة الصحة أصلا من الأصول العملية و اما على فرض‏

أماريتها فلا إشكال في تقديمها على الأصول الموضوعية لحجية مثبت الأمارة فيثبت‏

البلوغ المشكوك فيه بجريانها.

و يرد على هذا الكلام بشقه الأول و هو عدم الأثر لأصالة عدم البلوغ لأن الأثر لعدم‏

صدور العقد عن البالغ لا لصدوره عن غير البالغ بان عدم المعلول كما يكون بعدم العلة و عدم‏

المقتضى كذلك يكون من لوازم عدم شرط العلة و المقتضى فإذا صدر عقد و لم نحرز

شرطه و هو البلوغ يكفى لعدم الأثر لهذا العقد فمقتضى أصالة عدم البلوغ بطلان العقد

و مقتضى أصالة الصحة صحته فيتعارضان.

و يرد عليه بشقه الثاني بان الاستصحاب بعد كونه من الأصول المحرزة يحرز

الفساد كما ان مقتضى أصالة الصحة الصحة فيتعارضان و لا يكون من مقابلة المقتضى مع‏

اللااقتضاء فتصل النوبة إلى أصالة عدم الانتقال هذا حاصل كلام الشيخ قده مع‏

ما يرد عليه.

و اما كلام السيد محمد تقي الشيرازي فيكون حاصله هو ان الاستصحاب‏

يوجب عدم الشرط و أصالة الصحة توجب وجوده فيتعارضان و حيث ان الاستصحاب‏

يكون من الأصول المحرزة دونها فيقدم الأصل المحرز على غيره فينتج فساد العقد

إذا كان مفاد أصالة الصحة ترتيب أثر الصحيح و اما إذا كان مفادها استجماع العقد

للشرائط المعتبرة فيتعارضان لكونهما في رتبة واحدة و استجود شيخنا النائيني قده‏

كلامه قده ثم أشكل عليه بما حاصله عدم تمامية القول بالتعارض على جميع التقادير


320
و التحقيق في المقام هو ان هذا الاختلاف يكون ناشئا عن الاختلاف بين‏

المباني في الاستصحاب و ملاحظة أصالة الصحة معها و ليس الاختلاف على مبنى واحد

فان المباني في الاستصحاب ثلاثة الأول جعل مماثل الحكم الواقعي في مورده كما

عن المحقق الخراسانيّ قده و الثاني تنزيل الشك منزلة اليقين كما عن شيخنا

العراقي قده و الثالث تنزيل المشكوك منزلة المتيقن كما عن الشيخ الأعظم قده.

ثم ان أصالة الصحة اما ان تكون أمارة أو أصلا فعلى الأمارية اما ان نقول‏

بحجية مثبت كل أمارة أيّ أثر كان و اما ان لا نقول بذلك مطلقا بل يختلف حجية

مثبتها حسب اختلاف الموارد و على فرض كونها أصلا فاما ان تكون من الأصول‏

المحرزة و اما لا تكون كذلك.

فعلى فرض كونها أمارة و كون مثبتها حجة مطلقا فلا شبهة في التقديم على‏

الاستصحاب على جميع المباني فيه و لعل هذا هو المراد من كلام السيد قده بشقه‏

الثاني من جهة كون اللازم من أصالة الصحة هو استجماع العقد للشرائط لا ترتيب‏

الأثر فقط و اما على فرض عدم حجية مثبتها و ان كانت أمارة أو كانت أصلا محرزا

لموردها و كان المبنى في الاستصحاب تنزيل الشك منزلة اليقين فيتعارضان لإحراز

الفساد بالاستصحاب و إحراز الصحة بأصالة الصحة و المرجع أصالة عدم النقل.

و اما لو كانت أصلا و مفادها ترتيب الأثر فقط لا استجماع الشرائط فاستصحاب‏

عدم البلوغ حاكم عليه.

و الحاصل لا فرق في المسالك إذا كان المبنى حجية مثبتها و المعارضة أو تقديم‏

الاستصحاب تكون بعد فرض عدم حجية المثبت و حيث كان مبنى الشيخ قده عدم‏

حجية المثبت قال بالمعارضة في بعض كلامه.

و اما على فرض كونها أمارة و مثبتها غير حجة فائضا تكون المعارضة بين‏

مفادها و مفاد الاستصحاب.

و اما على فرض كون المبنى في الاستصحاب جعل المماثل أو تنزيل المشكوك‏


321
منزلة المتيقن بمعنى ترتيب أثر الواقع فيمكن ان يقال تكون أصالة الصحة من الأصول‏

المحرزة على فرض أصليتها و تقدم على الاستصحاب.

ثم انه ربما يتمسك لتقديمها1على الاستصحاب بلزوم اللغوية لدليلها لعدم‏

المورد لها لوجود الاستصحاب في كل مورد من الموارد.

و لكن يرد عليه بأن موارد وجود الأصل الموضوعي و إحراز الحالة السابقة

للموضوع لا يكون دائميا فرب مورد لا يكون الأصل الموضوعي فتجري فيه أصالة

الصحة نعم بالنسبة إلى الأصل الحكمي و هو أصالة عدم الانتقال يلزم اللغوية و عدم المورد

لها لو قدم عليها.

و ربما يتوهم ان الأصل الموضوعي لتقدمه متقدم في الجريان على أصالة

الصحة و فيه ان أصالة الصحة على فرض أماريتها تقدم على ساير الأصول إذا قلنا بحجية

مثبتها و على فرض عدم حجية مثبتها مع انحفاظ الأمارية فتتعارض مع ساير الأصول‏

لمكان الأمارية و على الأصلية بمعنى استجماع العقد للشرائط تعبدا فائضا تحصل‏

المعارضة و على فرض ترتيب الأثر فقط فالاستصحاب مقدم لأن كل أصل في السبب‏

و لو كان ضعيفا مثل البراءة مقدم على الأصل في المسبب.

و الحاصل ان كل أصل موضوعي لا يكون مقدما بل يختلف حسب اختلاف‏

المباني في أصالة الصحة.

1أقول و هذا الوجه غير بعيد بعد ان الشك في البلوغ و غيره يكون من الشك في الموضوع‏

و لا نجد موردا لم يرجع الشك إلى الموضوع و لم يكن لما شك في وجوده حالة سابقة على‏

العدم بل الكل مسبوق بالعدم.


322
الأمر التاسع‏

في جريان أصالة الصحة في الأقوال و الاعتقادات‏

اما البحث عن جريانها في الأقوال فقد تعرض له الشيخ الأعظم قده و حاصله‏

ان القول الّذي يصدر عن قائل تارة يلاحظ بلحاظ انه فعل من افعال المتكلم‏

و تارة يلاحظ باعتبار كاشفية هذا الكلام و هذه الجهة يكون البحث فيها من‏

جهات ثلاثة.

الشك في الإرادة الاستعمالية بعد إحراز الاستعمال لاحتمال كون المتكلم‏

لاغيا في التكلم و عدم إرادته معنى اللفظ.

و الشك في الإرادة الجدية بعد إحراز كون المتكلم قاصدا لمدلول اللفظ في‏

الاستعمال.

و الشك في ان هذا الكلام هل يكون مطابقا للواقع و نفس الأمر أم لا يكون‏

كذلك و صدر عن المتكلم عن اشتباه و خيال لا واقع له.

اما الشك فيه من حيث انه فعل من الأفعال فلا شبهة عنده قده في جريان أصالة

الصحة فيه فإذا صدر كلام من متكلم لا نعلم انه غيبة لمؤمن حتى يكون حراما

و موجبا للفسق أو مدح له حتى يكون مستحبا أو كان مباحا لكونه في امر من الأمور

المباحة فتجري أصالة الصحة و نثبت عدالة المتكلم و لا نشك في عدالته بعد جريانها

حتى نحتاج إلى الاستصحاب.

و يرد عليه ان البحث في أصالة الصحة يكون في صورة دوران الأمر بين‏

الصحيح و الفاسد و من المعلوم انه ليس الشك هنا في الصحة و الفساد و بناء العقلاء

ليس على ان ما صدر من الكلام ليس من الحرام و حمل فعل المسلم على الصحيح‏

بمقتضى ما ورد من الروايات مثل قوله عليه السلام ضع امر أخيك على أحسنه‏


323
كما مر1.

يكون في مقام بيان حكم أخلاقي و لا يترتب عليه أثر فقهي و لا جامع بين‏

الحرام و الحلال الا نفس القول الّذي هو جامع فوق المقولة بخلاف العقد الصحيح‏

و الفاسد فان له فرد فاسد و هو الفاقد للشرط مثلا و فرد صحيح و هو الجامع له فجريان‏

أصالة الصحة في القول بما هو فعل من الأفعال ممنوع.

و اما الشك في وجود الإرادة الاستعمالية حقيقة و احتمال اللغو في الكلام‏

و عدمه فائضا يقول قده بأنه لا ريب في جريان أصالة الصحة لإثبات كون المراد هو

معنى اللفظ.

و فيه ان أصالة كون المراد هو معنى اللفظ و الأخذ بظاهر معناه يكون من‏

الأصول العقلائية التي لا ربط لها بأصالة الصحة.

و اما الشك في مطابقة الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية فكذلك يقول‏

قده بأن أصالة الصحة جارية.

1أقول الصحة بمعنى التمامية و هي في كل شي‏ء بحسبه و لا داعي إلى ان يكون في‏

مقابلها الفساد فان اللاغي في الكلام ليس كلامه فاسدا من حيث كونه لفظا من الألفاظ

و لكن في نظر العقلاء يكون فاسدا من جهة عدم ترتيب الأثر المناسب لتكلم العقلاء بعضهم‏

مع بعض.

و لعل مراد الشيخ قده هو ذلك و له ان يدعى ان الأصول العقلائية في الألفاظ تكون‏

أيضا من باب أصالة الصحة و ان قلنا بأماريتها في باب الألفاظ و لم نقل بها في غيرها.

و روايات وضع امر أخ المؤمن على أحسنه ان حملت على الأخلاق في بعض‏

الموارد مثل خمسين قسامة لا تحمل في جميع الموارد فلو فرض أثر شرعي لجريان الأصل‏

لا غرو في ترتبه بهذه الروايات مثل جواز الاقتداء بمن جرت أصالة الصحة في كلامه من حيث‏

عدم كونه غيبة مؤمن.

و الحاصل يمكن حمل كلام الشيخ قده على معنى يليق به قده مع علو شأنه.


324
و لكن يرد عليه ما يرد على ما قبله لجريان الأصل اللفظي و هو مطابقة الإرادة

الاستعمالية مع الإرادة الجدية و عدم قبول العقلاء عذر عاقل يقول ما أردت الجد

في كلامي و هذا غير مربوط بأصالة الصحة في مقابل احتمال الفساد بل الفساد هنا

غير مستقيم لأن الكلام لا يكون فاسدا و لو لم تكن الإرادة الجدية مع الإرادة الاستعمالية

كما انه قد يتفق لبعض الدواعي كالأمر الامتحاني.

و اما إذا شك في مطابقة الخبر للواقع فهو قده أيضا قائل بعدم جريان أصالة

الصحة و هو كذلك لأن الواقع يكون بيد اللّه تعالى و لا يكون بيد من لا يكون ملازما

للواقع و يقع الخطاء منه من غير شعور أو مع الالتفات.

و البحث في حجية الخبر الواحد لا يكون من جهة مطابقة الخبر للواقع بل‏

من جهة تنجيز الحكم للمكلف ان أصاب الواقع و كونه معذورا عند الخطاء و لا أثر

للواقع و عدمه في هذه الجهة شرعا حتى نحتاج إلى جريان أصالة الصحة.

فتحصل ان أصالة الصحة في الأقوال غير جارية مطلقا و كلام الشيخ الأعظم قده‏

و من تبعه مثل شيخنا النائيني قده غير تام.

و اما جريانها في الاعتقادات فهو الحق مثل ان الفقيه إذا أخبر بأن العصير العنبي‏

مثلا حرام و نجس و لا ندري انه هل يكون مطابقا لاعتقاده من باب الفحص التام عن‏

الدليل بحيث صار هذا رأيا له واقعا أو لا يكون مطابقا لاعتقاده فتجري أصالة الصحة

في تحصيل مقدمات صحيحة لتحصيل هذا الرّأي و يحكم بأنه مطابق لاعتقاده‏

و هكذا إذا عدّل الرجالي رجلا من الرّواة أو جرحه و لا نعلم ان الجرح و

التعديل هل يكونان عن مقدمات صحيحة أو فاسدة فنحكم بالصحّة من هذا الباب.


325
البحث في القرعة

و ملاحظتها مع الاستصحاب و غيره‏1

في القرعة جهات من البحث‏
الأولى‏
في الدليل الدال عليها و هو الروايات‏

الواردة في باب 12 و 13 من أبواب كيفية الحكم في ج 18 من الوسائل و في المستدرك‏

في باب 11 من أبواب كيفية الحكم.

و هي على طائفتين الاخبار العامة و الخاصة في الموارد الخاصة.

فاما الطائفة الأولى فمنها ح 11 باب 13 عن محمد بن حكيم(حكم)قال‏

سئلت أبا الحسن عن شي‏ء فقال لي:كل مجهول ففيه القرعة قلت له ان القرعة تخطئ‏

و تصيب قال كلما حكم اللّه به فليس بمخطئ.

و منها ح 13 باب 13 قال الصادق عليه السّلام ما تنازع قوم ففوضوا أمرهم إلى اللّه‏

عز و جل إلا خرج سهم المحق و قال و أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى اللّه‏

أ ليس اللّه يقول(فساهم فكان من المدحضين).

و اما الطائفة الثانية فمنها ح 14 في باب 13 عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه‏

عليه السّلام قال إذا وطئ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادّعوه جميعا أقرع‏

الوالي بينهم فمن قرع كان الولد ولده و يرد قيمة الولد على صاحب الجارية الحديث‏

و مثله ح 5 و 6 و 7 في الباب.

و هذه الروايات اما ان تكون فيما له واقع مجهول و اما في المبهمات و المراد

بها ما لا واقع لها و نريد إثباته بالقرعة مثل ان يقول أحد عبيدي أو ثلثهم حرفي‏

وجه اللّه أو يقول إحدى زوجاتي طالق فان عنوان الأحد مبهم لا واقع له خارجا و

1لا يخفى ان المحقق الخراسانيّ تعرض لهذا البحث في آخر الاستصحاب في‏

الكفاية و لم يتعرض له هنا فالحري حسب ترتيبها التعرض له عند كلامه قده و الأمر سهل.


326
هي ما في باب 13 من أبواب كيفية الحكم في الوسائل ح 2 و 3 و 10 و 15 و 16 ففي‏

ح 2 عن حريز عن محمد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في الرّجل يكون له المملوكون فيوصي‏

بعتق ثلثهم قال كان على يسهم بينهم.

فان عنوان الثلث لا واقع له في الخارج و القرعة يكون لإثبات الواقع في ظرف‏

الخارج و من هذا الباب ما ورد في قضية يونس النبي على نبينا و آله و عليه السلام حيث‏

ان الإلقاء في البحر لم يكن له واقع في حق أحدهم فثبت بالقرعة ان يونس يكون من‏

المدحضين و هذه الروايات تدل على حجية القرعة في الجملة و لكن في أي مورد

من الموارد فسيجي‏ء البحث عنه فان بعض القوم قال باختصاصها بالموارد الخاصة التي‏

وردت فيها الرواية و ليست قاعدة كلية.

الجهة الثانية
في انها هل تكون من الأمارات أو من الأصول المحرزة أو من‏

الأصول الغير المحرزة فان الكل محتمل‏1.

اما الأمارية فهي ان يجعل الشارع للقرعة إصابة نوعية ثم يمضى كشفها النوعيّ‏

كما في ساير الأمارات و لا يخفى عدم كون أماريتها مثل ساير الأمارات لأن ملاك‏

الأمارية في غيرها هو ان يكون للأمارة كشف نوعي عن الواقع يكون موجبا للظن‏

ثم إمضاء الشارع إياها بجهة كشفها و ليس للقرعة كشف نوعي كذلك بل لا بد من‏

ان يكون كشفها أيضا باعتبار ما جعل له من قبل الشارع.

و اما كونها أصلا محرزا فهو أيضا لا بد ان يكون بهذا النحو يعنى جعل الكشف‏

1أقول لم يختر مد ظله في الدرس وجها من الوجوه و لكن الّذي يجي‏ء في الذهن‏

حسب ظهور الروايات و طرد احتمال الخطاء في بعض الروايات و تحكيم امر القرعة في‏

الإصابة إلى الواقع و انها مجعولة لهذه الجهة مما يرشد إلى أماريتها و لكن حجية مثبتها التي هي‏

ثمرة الأمارية غير معلومة و عليه فمن المسلم كونها من الأصول المحرزة و ان فهمنا إحرازها

من العالم بالغيب.


327
لها من قبله غاية الأمر لم يكن إمضائه بجهة الكشف الكذائي كما في ساير

الأصول المحرزة.

و اما كونها أصلا غير محرز مثل البراءة فيكون في صورة عدم وجود الكشف‏

لها أصلا لا ذاتا و لا بجعل الشارع كما يمكن ادعاء هذا النحو من الجعل في جعل‏

القرعة في المبهمات كما في قضية يونس النبي على نبينا و آله و عليه السلام و كما في‏

صورة طلاق إحدى الزوجات أو عتق أحد العبيد فان القرعة تكون في أمثال ذلك‏

مما لا واقع مفروض لها في الخارج لرفع التحير.

فان قلت جعل البراءة يكون لرفع التحير فقط و اما القرعة فيكون لها

طريقية إلى الواقع فبينهما فرق من هذه الجهة و لا يمكن إنكار نحو إصابة إلى الواقع‏

فيها بخلاف البراءة.

قلت كون جعلها بلحاظ إصابة الواقع هو أول الكلام فمن الممكن ان تكون‏

المصلحة العامة في اختيار القرعة لرفع التحير كمصلحة التسهيل في جعل البراءة

في الشبهات الحكمية و الموضوعية و لا سبيل لنا إلى إثبات الكشف لها.

فتحصل من جميع ما تقدم ان المسلم أصل الجعل و اما الأمارية و الأصلية محرزة

كانت أو غيرها فلا يكون لنا تعيينها فان الكل محتمل.

الجهة الثالثة
في شرح العناوين الواردة في الروايات لجعل القرعة فان العناوين‏

الواردة أربعة الأول القرعة لكل امر مجهول كما مر في ما نقلنا من الروايات عن‏

الوسائل الثاني القرعة لكل امر مشتبه‏1و الثالث ما ورد من قوله عليه السلام في المستدرك‏

1أقول لم أجد هذا التعبير فيما بين يدي من كتب الرواية و غيره و نسب في كتب‏

الأصول إلى الرواية و لعل هذا التعبير يكون من نقل المعنى عن مثل عنوان الملتبس الّذي‏

ورد به الرواية و لا يكون في عنوان بحث الأصوليين حتى ان ان النراقي قده في العوائد

الّذي ألفه في القواعد الفقهية و الأصولية و هو كتاب جيد مع ذكره كثيرا من الروايات لم‏


328
ج 3 باب 11 من أبواب كيفية الحكم ح 1 عن دعائم الإسلام انهم أوجبوا الحكم‏

بالقرعة فيما أشكل و الرابع ما ورد في ح 2 من الباب أي حكم في الملتبس أثبت‏

من القرعة.

فالقرعة مجعولة في المجهول و المشتبه و المشكل و الملتبس.

ثم انه بعد ما عرفت من العناوين ربما يقال بأن مرجع الجميع إلى امر واحد

و هو جعل الوظيفة للمتحير و المشكل و المشتبه و الملتبس و المجهول يكون المراد

منه كل امر لا يكون واقعه معلوما فعلى هذا يكون موضوعها عدم البيان لموردها فان‏

وجدنا البيان عن الشارع لا نحتاج إليها فكل مورد يكون لنا جعل و بيان من الشارع‏

لا تجري القرعة فيه.

و عليه فلا يبقى لها مورد في أكثر الموارد لأن الشبهات البدوية الحكمية و

الموضوعية تكون مجرى البراءة إذا لم تكن لنا حالة سابقة و الا فمجرى الاستصحاب‏

و في موارد العلم الإجمالي فالمجعول هو الاحتياط في صورة إمكانه و مع دوران‏

الأمر بين المحذورين فان قلنا أيضا بالتبعيض في الاحتياط فهو أيضا لا تأتى فيه‏

القرعة و اما على فرض كون الاحتياط عسريا أو قلنا بعدم التبعيض في الاحتياط في‏

المتباينين فيكون الحاكم هو القرعة.

و الحاصل ان نسبة الأصول إلى القرعة نسبة الاستصحاب إلى البراءة فان موضوعها

عدم البيان و الاستصحاب بيان فانه و ان كان أصلا و لكنه مقدم على البراءة و القرعة

أيضا كذلك فانها يكون فيما لا بيان بالنسبة إليه و لا فرق بين كونها أصلا و بين‏

كونها أمارة لأن المعارضة تكون بين دليل الأصل و دليل القرعة و هما أمارتان‏

و دليلان على جعل الحكم الظاهري لا الحكم الواقعي.

يأت برواية يكون فيها هذا العنوان و عنوان الملتبس و عند البحث و البيان تعرض قده له‏

فعليك بالفحص و الأمر سهل.


329
و على هذا الفرض من كون المرجع لجميع العناوين هو العنوان الواحد فلا

تعارض بين دليل القرعة و دليل الأصول بل لا موضوع لها و يكون خروج الموارد

بالتخصص لا بالتخصيص بخلاف ما يأتي من القول الثاني من اختلاف مواردهما فانه‏

لا بد من ملاحظة المطلق و المقيد.

ثم انه ربما يقال بان عنوان المشكل غير عنوان المجهول و المشتبه فان‏

المشكل يكون فيما لا واقع له مثل المبهمات و المشتبه و المجهول يكون فيما له‏

الواقع كالخمر المردد بين الكأسين فان له واقع لا نعلمه بعينه ففي المشكل‏

لا مجرى للأصول و يكون المورد مورد القرعة بلا مزاحمة و اما في المجهول و المشتبه‏

و ان كان ظاهر الدليل الشمول لموارد الأصول من البراءة و الاحتياط فيما

يكون بهذا العنوان و لكن يخصص بدليل الأصل دليل القرعة كما عن المحقق‏

الخراسانيّ قده،

أو يقولون بان المجهول في باب القرعة هو ما يكون ذاته مجهولة و هكذا

المشتبه و اما المجهول في باب أصالة البراءة يكون بلحاظ الوصف بحال المتعلق يعنى‏

المجهول حكمه و اما الشبهات الحكمية و ان كان المجهول فيها نفس الحكم و لكن‏

دليل القرعة منصرف عنها و ليس لنا أنس في الدين بالقرعة في صورة الاشتباه في‏

الحكم أو من باب ان واقع التكاليف معين عند اللّه تعالى و ليس مثل ما لا واقع له من‏

المبهمات.

فمورد القرعة هو صورة وجود العلم الإجمالي مع كون الشبهة موضوعية

و عدم جريان أصالة الاحتياط كدوران الأمر بين المحذورين و في غير المورد من‏

موارد العلم الإجمالي فيجب الاحتياط الا إذا كانت القرعة أمارة على تعيين أحد

الأطراف و قلنا بانحلال العلم الإجمالي أو كونها جاعلة للبدل للواقع فتقدم و لكن‏

مع عدم القول بالانحلال إذا كان العلم التفصيلي بعد العلم الإجمالي فلا نقول في‏

المقام على فرض قيام الأمارة.


330
فلو علمنا بنجاسة أحد الكأسين ثم علمنا بان الأبيض نجس فلا ينحل العلم‏

فصرف قيام الأمارة لا يوجب الانحلال.

و اما جعل البدل بان يكون ما قامت الأمارة عليه بدلا عن الواقع و لو لم يكن‏

الواقع ما قامت الأمارة عليه فالقرعة على فرض الأمارية و ان كانت معينة لما هو

المجهول و لكن الحق عدم أماريتها و عدم حجية مثبتها فالعلم الإجمالي بحاله و يجب‏

الاحتياط في أطرافه هذا في صورة الإمكان و اما في صورة عدم الإمكان مثل صورة

وطي ثلاثة أمة واحدة و عدم العلم بان الولد لأيّهم فلا بد من القرعة.

اما في الموارد الخاصة التي وردت فيها الرواية مثل القرعة في قطيع غنم اشتبهت‏

الموطوءة فيه فيعمل بها على فرض عدم المعارضة مع قاعدة العدل و الإنصاف على‏

فرض تسليم تلك القاعدة و عدم القول باختصاص الروايات التي يستفاد منها تلك‏

القاعدة بخصوص موردها كما ورد في خصوص الدرهمين الذين يكون النزاع في‏

أحدهما بين المدعيين.

ثم ان الشيخ الأعظم في الفرائد بعد اختيار تقديم الاستصحاب على القرعة لعمومية

موردها لغير مورد الاستصحاب قال نعم القرعة واردة على أصالة التخيير و أصالتي‏

الاحتياط و الإباحة إذا كان مدركهما العقل‏1و ان كان مدركهما تعبد الشارع‏

فيهما في مواردهما فدليل القرعة حاكم عليهما كما لا يخفى لكن ذكر في محله‏

ان أدلة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل الأصحاب أو جماعة منهم.

و قال المحقق الخراسانيّ قده في حاشيته عليه ان الاستصحاب و أصالتي التخيير

و الاحتياط و أصالة الإباحة سواء في المعارضة مع القرعة و لا يختص الاستصحاب بالتقديم‏

دون غيره.

1أقول وجه الورود هو ان موضوع حكم العقل عدم البيان و القرعة بيان لأن لسان‏

أدلتها هو الإصابة إلى الواقع و وجه الحكومة نظر دليلها إلى أدلة الأصول.


331
و نحن نرى في بعض نسخ الفرائد في صدر كلامه انه لم يفرق بين الأصول‏

المذكورة في تقديمها على القرعة و هذا و ان كان مرجعه إلى التهافت في الكلام‏

و لكن نفهم ان مراده في تقديم القرعة على أصالة الاحتياط يكون في مقابل الاخباري‏

القائل بالاحتياط في الشبهات البدوية لا في مقابل الأصولي القائل بأصالة البراءة.

و كيف كان فبعد التعارض لا بد من تخصيص دليل القرعة بدليل الأصول و اللازم من هذا

تخصيص أكثر موارد القرعة فانه إذا خرج موارد الأصول عن موردها لا يبقى تحت‏

دليلها بعنوان المجهول و المشتبه الا موارد نادرة و تخصيص الأكثر مستهجن.

و المحقق الخراسانيّ قده حيث رأى ذلك قال بأن المعارضة بين الدليلين‏

مستقرة و لا يمكن التخصيص للاستهجان و لكن يقدم أدلة الأصول للأظهرية في‏

موردها من أدلة القرعة و اما تقديم القرعة في الموارد الخاصة أيضا فلا يمكن الا إذا

كان عمل الأصحاب منجبرا لضعف القرعة بعد وهنها بواسطة كثرة التخصيص.

فان قلت كثرة التخصيص ان كانت موجبة للوهن فعمل الأصحاب لا يفيد

جبر وهنها بل لا بد من حمل المورد الخاصّ على وجه لا يلزم منه التخصيص مثل حمل‏

القرعة على الموارد الّذي يكون خروجه عن موارد الأصول خروجا موضوعيا فيكون‏

الخروج بالتخصص لا بالتخصيص و ان لم يكن التخصيص موجبا للوهن فدليل القرعة

بحاله و لا يحتاج إلى جبره بعمل الأصحاب.

قلت ان تخصيص الأكثر في المقام و ان لم يكن بعد يوجب وهن العام و سقوطه‏

رأسا و لكن حيث لا نعلم المورد الباقي تحته مع العلم الإجمالي بوجود مورد له‏

فلا بد من تعيين المورد بعمل الأصحاب و لا يكون لنا التمسك به بدون جبره كذلك‏

الجهة الرابعة
في ان القرعة حق عام لجميع المكلفين أو تكون من مناصب‏

الإمام عليه السّلام و بعده من مناصب الفقهاء فيه خلاف.

فربما يظهر من بعض الروايات الاختصاص بالإمام عليه السّلام كما في ح 9 باب‏

13 من أبواب كيفية الحكم ج 18 من الوسائل عن حماد عمن ذكره عن‏


332
أحدهما عليهما السّلام قال القرعة لا تكون الا للإمام.

و كذلك يستفاد من رواية الكافي فيما حكاه النراقي قده في العوائد ص 226

عن يونس في رجل كان له عدة مماليك فقال أيكم علمني آية من كتاب اللّه فهو حر

فعلمه واحد منهم ثم مات المولى و لم يدر أيّهم الّذي علمه الآية هل يستخرج بالقرعة

قال نعم و لا يجوز ان يستخرجه أحد الا الإمام فان له كلاما وقت القرعة و دعاء لا يعلمه‏

سواه و لا يقدر عليه غيره.

و لكن الّذي يقتضيه الجمع بين الروايات هو عدم اختصاصها بالإمام عليه السّلام‏

لما مر من الروايات الدالة على أمرهم عليهم السّلام بالقرعة الظاهر في جوازه للناس أيضا

و عدم جريانها بيد كل أحد من آحاد الناس بل يكون هذه منصبا له عليه السلام و للفقهاء و لمن‏

يكون مجازا عن قبلهم لعدم معرفة الناس بموارد القرعة فلا بد في إجرائها من‏

نظر الحاكم الشرعي.

الجهة الخامسة
في ان القرعة هل تكون من باب العزيمة أو تكون من باب‏

الرخصة لرفع النزاع فيمكن الرجوع عنها إلى غيرها؟

فنقول القرعة اما ان تكون في الموارد الخاصة مثل غنم الموطوءة في قطيع من‏

الغنم أو تكون في كل الموارد بالأدلة العامة الدالة بان القرعة لكل امر مجهول و هي‏

اما في ماله الواقع المجهول أو في المبهمات اما الموارد الخاصة فان كان لقيام الدليل‏

الخاصّ موضوعية فلا بد من الأخذ به و عدم التخطي عنه فتكون القرعة عزيمة و مع‏

قطع النّظر عن هذا فاحتمال وجود مصلحة خاصة التي لا يجوز التعدي عنها بعيد جدا بل يكون‏

من باب الطريق إلى الواقع بعد العلم الإجمالي و ضررية الاحتياط بالاجتناب عن‏

مثل قطيع غنم فيكون جريانها من باب عدم طريق للاحتياط الا هذا فمن تحمل‏

الضرر و اجتنب عن الجميع لا يكون تارك واجب بعد عدم كشف الواقع الواقعي بها

و ان كان لها نحو كشف حسب لسان بعض الروايات.

و اما الروايات العامة فيما له الواقع المجهول فان انحصر طريق الامتثال أيضا


333
بها فقط فلا ريب في كونها عزيمة لأن مقدمة الواجب واجبة و العقل و ان كان حاكما

بالتخيير و لكنه محكوم للروايات الدالة على إصابة الواقع.

و اما المبهمات فحيث لا واقع لها فليس لنا واقع يحصل الوصول إليه بالقرعة

فالتقديم على التخيير العقلي غير مسلم.

و الحق عدم كونها عزيمة في المبهمات.

الجهة السادسة
في ان القرعة مثل حكم الحاكم بعد جريانها بحيث لا يمكن‏

الرجوع عنها إلى غيرها أولا؟فنقول في صورة إجرائها فيما له الواقع يمكن ان‏

يقال لا سبيل للرجوع عنها لأن لسان الروايات الوصول إلى الواقع بها فكما انه إذا

وجد الواقع وجدانا لا يجوز الرجوع عنه كذلك إذا تحقق بالقرعة.

و اما ما لا واقع له مثل المبهمات فلا تكون الا لرفع الاختلاف و الإبهام و لم نجد

الواقع لعدم وجوده فتكون مثل الاستخارة و بيان الروايات في إصابة الواقع يكون‏

من جهة عدم حصول الترديد للعامل بها لا لأنها موصلة إلى الواقع فيكون مثل نهيه‏

عن التسرول قائما الّذي حكمته انخراق السروال في هذا الحال فيكون حكمة القرعة

أيضا رفع التحير لا الإصابة إلى الواقع و قد تم بحمد اللّه ما أردنا من مباحث القرعة هنا

البحث في ملاحظة الاستصحاب مع غير القرعة

من الأصول غير الاستصحاب‏

قد اشتهر تقديم الاستصحاب على جميع الأصول العقلية بالورود و على الأصول‏

الشرعية بالحكومة و هكذا القواعد الغير المحرزة فهو مقدم على البراءة و الاحتياط

و التخيير و قاعدة الطهارة و قاعدة الحلية و لم يكن في كلماتهم بيان المباني فيه من‏

جهة كونه من باب جعل المماثل كما عن المحقق الخراسانيّ قده أو من باب تنزيل المشكوك‏

منزلة المتيقن كما عن الشيخ الأعظم قده أو من باب تنزيل الشك منزلة اليقين كما

هو الحق عندنا.


334
اما وجه التقديم على الأصول العقلية فواضح من جهة ان موضوع حكم العقل عدم‏

البيان من الشرع كما في البراءة العقلية و الاستصحاب بيان من الشرع بعدم نقض‏

اليقين السابق بالشك اللاحق.

و اما وجه التقديم على الأصول الشرعية و القواعد كذلك فمن جهة ان الغاية

لتلك الأصول هو العلم كما هو لسان مثل قوله عليه السّلام كل شي‏ء لك حلال حتى‏

تعلم انه حرام و رفع ما لا يعلمون و الظاهر من العلم و ان كان العلم الوجداني بالواقع‏

الواقعي و لكن الاستصحاب يكون فردا من العلم بالتعبد من الشرع فكأنه يحكم‏

بحصول الغاية بلسان عدم نقض اليقين.

و هذا اللسان حاكم لا بمعنى كون العلم المأخوذ في الغاية مشروحا بمثل‏

كلمة أي و أعني و لا بمعنى حكومة الأدلة الثانوية على الأدلة الأولية بل بمعنى نظر

دليل الاستصحاب إلى دليل ساير الأصول و هو المناط في الحكومة كما حققناه‏

في محله عند بيان الحكومة و الورود.

فان قلت ان قاعدة الحلية و قاعدة الطهارة أيضا من الأصول المحرزة فكيف‏

يقدم الاستصحاب عليهما و دليل كونها محرزة هو ان من صلى في ثوب جرت فيه قاعدة

الطهارة أو قاعدة الحلية ثم ظهر الخلاف تجب الإعادة مع ان الشرط الواقعي يجب‏

إحرازها ثم الدخول في الصلاة.

فمن اتفاقهم على جواز الدخول فيها مع القاعدة ثم حكمهم بعد كشف الخلاف‏

بالإعادة نفهم انها محرزة و الا فمن أين يصح الدخول فيها و من أين تجب الإعادة

لو لم يكن المدار على الواقع.

و هذا الإشكال يأتي في صورة كون المبنى في الاستصحاب تنزيل اليقين‏

لأنه على هذا المبنى أيضا ليس الا محرزا للواقع كما في القاعدتين.

قلت غاية الاستصحاب غير حاصلة بواسطة القواعد المحرزة لأن غاية ما يدل‏

عليه القواعد هي ترتيب أثر المتيقن لا أثر اليقين بخلاف الاستصحاب على ما هو التحقيق‏


335
من كونه من باب تنزيل الشك منزلة اليقين لأن التنزيل كذلك يوجب وجود

فرد من العلم التعبدي و غاية القواعد هي العلم بالخلاف و لو تعبدا.

و من هنا ظهر ما في كلام شيخنا الأستاذ الحائري قده في الدرر و هو ان تقديم‏

الاستصحاب على القواعد المحرزة بعد كون الموضوع فيهما الشك و تساويهما في جهة

الإحراز لا وجه له لأن هذا الإشكال منه(قده)على مبنى تنزيل الشك منزلة اليقين‏

في باب الاستصحاب غير وارد لما مر من حصول العلم تعبدا و اما على مبنى جعل المماثل‏

و تنزيل المشكوك منزلة المتيقن فله وجه لأن كل واحد من الدليلين يحكم بترتيب‏

الأثر على المشكوك و لا ترجيح.

ثم ان له قده هنا تفصيل و هو ان الموضوع في باب الأصول و هو الشك ان كان‏

المراد به الترديد فيكون الاستصحاب حاكما عليها لأن الشك و ان كان معه بحاله‏

و لكن يكون التقديم من باب الحكومة و اما ان كان المراد به عدم وجود الطريق‏

إلى الواقع فيكون التقديم من باب الورود لأن الاستصحاب طريق إلى الواقع.

ثم قال:فان قلت ان الاستصحاب و ساير الأصول مؤمن و طريق مجعول شرعا

فلما ذا يقدم الاستصحاب قلت ان الاستصحاب للكشف الّذي يكون في ذاته يكون‏

غاية لسائر الأصول فغايته حاصلة قبل غاية الاستصحاب من هذه الجهة لأن البراءة

مثلا حجة و هو حجة قبلها.

و هذا الكلام منه قده لا نفهمه‏1لأن الفرق بينهما و ان كان بجهة الكشف‏

فيه دون ساير الأصول و لكن الحجية عرضية فكيف يصير أحدهما غاية قبل الاخر

فالطريق ما ذكرناه.

1أقول يمكن ان يكون نظره قده إلى ان الاستصحاب يكون بيانا و موضوع البراءة

و غيرها من أمثالها عدم البيان فلذا لا موضوع لها معه و مع حجيته لا تصل النوبة إلى غيره‏

فعبر عن هذا المعنى بتقديم حجيته عليها.


336
ثم ان المحقق الخراسانيّ قده قال في خاتمة الكفاية لا بأس ببيان النسبة بين‏

الاستصحاب و سائر الأصول العملية و بيان التعارض بين الاستصحابين اما الأول فالنسبة

بينه و بينها هي بعينها النسبة بين الأمارة و بينه فيقدم عليها و لا مورد معه لها إلخ‏

و مراده قده من هذا الكلام ورود الاستصحاب على ساير الأصول كورود الأمارة على‏

الاستصحاب فيكون المراد باليقين في غاية الاستصحاب العلم و لو ببعض الجهات‏

و موضوع الأصول هو الجهل بالحكم من جميع الجهات فإذا لم يكن الحاصل من‏

دليل الأصل الا بيان الوظيفة للمتحير من دون كشف عن الواقع فلا يمكن ان يكون غاية

للاستصحاب الّذي يشترط ان يكون غايته اليقين و لو ببعض الجهات فان الأمارات‏

حيث أنها علم ببعض الجهات يمكن ان تكون غاية في الاستصحاب لأن مفادها العلم‏

بالواقع و لذا يمكن ان تكون الأمارة مقام العلم الجزء الموضوعي.

و اما الأصول فحيث انها لا يكون لها وجه كشف عن الواقع فلا تصير غاية

له و هذا بخلافه فان الاستصحاب يكون له وجه كشف عن الواقع و موضوع الأصول‏

الجهل به من جميع الجهات فلو كان لنا الكشف ببعض الجهات فلا موضوع لها

فيكون تقديم الاستصحاب على الأصول بالورود.

و اما التقديم بالحكومة فلا يتم و هذا على ما بينه في حاشية الفرائد المسماة

بفوائد الأصول من جهة ان الملاك في الحكومة هو كون الحاكم بمدلوله اللفظي‏

شارحا للمحكوم و من المعلوم عدم كون دليل الاستصحاب شارحا كذلك لعدم‏

كونه متضمنا للشرح بمثل لفظة أي و أعني.

و يرد عليه ان الحكومة لا تنحصر بهذا النحو بل في كل مورد فهمنا نظر

أحد الدليلين إلى الاخر بالتوسعة و التضييق في الموضوع تتحقق الحكومة فان كان‏

مفاد الاستصحاب تنزيل الطهارة المشكوكة منزلة الطهارة المتيقنة يكون هذا

تضييقا لموضوع دليل الأصل و هو الجهل بالواقع فيكون الواقع المعلوم بالتعبد


337
خارجا عن موضوع ساير الأصول.

و لكن هذا يكون على ما ذهبنا إليه من تنزيل الشك منزلة اليقين فانه فرد

من العلم في مقابل الجهل بالواقع الّذي هو موضوع ساير الأصول و اما على مبناه‏

من جعل المماثل في الاستصحاب فغايته ترتيب أثر المستصحب و لا حكومة له عليها

لعدم الفرق بين مدلول الدليلين في ترتيب الأثر فلا وجه للحكومة و هو قده على مسلكه‏

لقد أجاد في إنكارها1

إشكال و دفع في تتمة معارضة الاستصحاب مع غيره‏

اما الإشكال فهو في بعض اخبار البراءة مثل قوله عليه السّلام في الموثقة كل شي‏ء

حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب عليك و

أمله سرقة و المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه أو قهر فبيع أو امرأة تحتك و هي‏

أختك أو رضيعتك و الأشياء كلها على هذا حتى تستبين لك غيره أو تقوم به البينة.

فان جمعا من القوم كما ذكره الشيخ الأعظم قده فهموا من تلك الرواية

أصالة إباحة كل شي‏ء مشكوك الحلية مع ان ما ذكر من الأمثلة يكون فيه استصحاب‏

العدم مثل استصحاب عدم جواز التصرف في المال و في العبد و عدم نفوذ العقد في‏

النكاح و ان أريد بالحلية الحلية المستندة إلى اليد في الثوب و العبد و أصالة الصحة في‏

فعل المسلم في النكاح فمن الواضح عدم استفادة قاعدة الحلية منها بل الحكم بذلك يكون‏

من جهة أمارية اليد و أصالة الصحة و هذا خلاف ما فهموه.

1أقول على مسلكه أيضا في الذهن شي‏ء و هو ان لسان الدليل إذا كان التعبد بمثل‏

الواقع في مقابل موضوع الأصول الّذي يكون التعبد فيه بترتيب الأثر فقط فيكون أحد الدليلين‏

ناظرا إلى الاخر و هذا بخلاف تنزيل المشكوك منزلة المتيقن الّذي لا يستفاد منه الا ترتيب‏

الأثر و ان كان هذا اللسان أيضا مما فيه شائبة الحكومة.


338
و اما الدفع فهو ان يقال كما عن شيخنا العراقي قده ان ما ذكر من الأمثلة

اخبار عن الحلية فيما ذكر باليد أو بأصالة الصحة و ليس من باب تطبيق الكبرى‏

على المصداق فالصدر يستفاد منه الحلية بقوله عليه السلام كل شي‏ء حلال و ما ذكر اخبار

بموارد فيها الحلية بالدليل المخصوص به‏1و يشهد له ما ذكره عليه السلام في الذيل‏

من ان الأشياء كلها على هذا يعنى يكون للمشكوك منها طريق مجعول في مقام الظاهر

أي طريق كان فيكون هذا بيان للطريق و لكن قاعدة الحلية لكل شي‏ء تستفاد من‏

الصدر أو يقال ان ما ذكر من الموارد تنظير بأن الحلية بغير القاعدة أيضا مجعولة

فعلى هذا تقديم أصالة الصحة و اليد على الاستصحاب مما لا شبهة فيه فلا يرد إشكال‏

على الرواية من جهة معارضة قاعدة الحلية مع الاستصحاب الّذي هو مقدم على ساير الأصول‏

في تعارض الاستصحابين‏

تعارض الاستصحابين اما ان يكون من جهة حصول التضاد بينهما في زمان‏

الاستصحاب من دون العلم بانتقاض الحالة السابقة مثل استصحاب وجوبين لا يمكن‏

العمل بهما في زمان واحد و هو خارج عن البحث في المقام لأنه داخل في باب‏

التزاحم بين الواجبين و اما ان يكون من جهة العلم بانتقاض الحالة السابقة في‏

أحدهما و هذا يكون محل البحث و عبر الشيخ الأعظم قده عن هذا البحث بأنه من‏

المباحث المهمة.

ثم انه تارة يكون أحد الشكين الذين هما موضوعان للاستصحابين مسببا عن‏

الاخر و تارة يكون الشك فيهما مسببا عن ثالث و اما كون الشك في كل واحد منهما

1أقول هذا الوجه لا يناسب قوله عليه السلام و ذلك مثل إلخ لأن الإخبارات المتعددة

لا ربط لأحدها بالاخر و اما التنظير بأن قاعدة الحلية أيضا مثل قاعدة اليد و غيرها فهو يناسب‏

قوله عليه السلام و ذلك إلخ كما في الوجه الثاني من دفع الإشكال.


339
مسببا عن الشك في الاخر فلا يتصور من جهة واحدة و مثال الأول هو المثال المعروف‏

بينهم من ان الثوب النجس إذا غسل بماء مشكوك الطهارة و النجاسة فان الشك‏

في نجاسة الثوب بعد الغسل يكون مسببا عن الشك في طهارة الماء بحيث انه لو زال‏

الشك عن السبب للطهارة و هو الماء لا يكون شك في طهارة الثوب.

و المشهور بل المتفق عليه هو تقديم الأصل السببي على المسببي‏
و لم يخالفه‏

الا الشاذ.

و لكن بشرط ان يكون الترتب بين الشكين شرعيا كما في المثال فان‏

الشارع رتب طهارة الثوب على طهارة الماء فان شرط المطهر ان يكون نفسه طاهرا

فلا يكون التقديم في صورة كون الترتب عقليا مثل ترتب الطبيعي على وجود

الفرد فان استصحاب وجود زيد في الدار يترتب عليه وجود الإنسان و هو الطبيعي‏

في الدار و لكن من جهة حكم العقل بذلك.

و له شرط آخر و هو ان يكون الأثر أيضا شرعيا فاستصحاب الاجتهاد لترتيب‏

أثر هو جواز التقليد أيضا غير جار لأن الترتب و ان كان شرعيا من حيث جعله‏

جواز التقليد لمن هو مجتهد و لكن الأثر عقلي لأن العقل بعد إحراز

الاجتهاد يكون حاكما بجواز التقليد لا الشرع و كيف كان فاصل التقديم مما

لا شبهة فيه.

و لا يخفى عدم الفرق بين كون الأصل المسببي من الأصول المحرزة

كالاستصحاب أو غيرها كقاعدة الطهارة و لا وجه لتوهم ان الأصل السببي في غير الاستصحابين‏

مقدم لأن الاستصحاب الواحد إذا تعارض مع القاعدة يكون دليلهما متعددا فيمكن‏

تصوير التقديم و اما فيهما فحيث ان النهي عن النقض واحد فلا يتصور تقديم دليل واحد

على نفسه.

لأن الدليل الواحد أيضا انحلالي على الموارد فيمكن تقديم بعض افراده‏

على الاخر فالنهي عن النقض ينحل إلى مورد الشك السببي و إلى مورد الشك المسببي‏


340
و كيف كان فالبحث في ان التقديم هل هو بالحكومة كما عن الشيخ الأعظم‏

أو بالورود كما عن المحقق الخراسانيّ قده؟بيان الثاني هو ان اليقين في الاستصحاب‏

يكون أعم من اليقين بالحكم الواقعي الوجداني أو بالحكم الظاهري فإذا جرى‏

الاستصحاب في السبب يكون اليقين بطهارة الماء مثلا في مثال الثوب المغسول‏

بمشكوك الطهارة حاصلا فغاية الاستصحاب في المسبب حاصلة لأن النهي يكون عن‏

نقض اليقين بالشك لا عن نقضه باليقين و فرضنا ان اليقين بطهارة الماء قد حصل و يكون‏

لازمه طهارة الثوب المغسول به فلا وجه لاستصحاب نجاسته.

و لا عكس لأن استصحاب نجاسة الثوب لا يكون من لوازمه إثبات نجاسة

الماء لأن الماء اما كان طاهرا فالثوب صار طاهرا به و اما كان نجسا و المتنجس‏

لا يتنجس ثانيا فنقض اليقين بطهارة الماء لا بد ان يكون على وجه التخصيص أي-

تخصيص لا تنقض بدون وجه مخصص فيكون الاستصحاب في السبب مقدما على استصحاب‏

المسبب بهذا الوجه.

و قد أجاب شيخنا العراقي قده عن هذا الاستدلال بان اليقين منصرف إلى اليقين‏

الوجداني بالواقع الواقعي لا بالواقع التعبدي كما ان الشك أيضا يكون في الواقع‏

الواقعي فكأنه قده أذعن بالورود على فرض كون اليقين هو الأعم من اليقين بالواقع‏

الواقعي و الظاهري.

و لكنا نقول‏1ان اليقين يكون معناه هو اليقين بالواقع الواقعي بالمدلول‏

1أقول بعد أنسنا في الشرع باعتبار الظن في الاخبار الآحاد و ساير الظنون المعتبرة

و قلة العلم الوجداني في الأحكام الشرعية لا إشكال في القول بأعمية اليقين و حصول غاية

الاستصحاب بالأمارات و بالاستصحاب الجاري في السبب لو لا ساير الإشكالات على مسلك‏

الخراسانيّ قده مضافا إلى ان مسلكه جعل المماثل لا تنزيل الشك منزلة اليقين ليكون غاية

للاستصحاب.


341
المطابقي برهانا لا من باب الانصراف و اليقين الحاصل بنفس الاستصحاب لا يمكن‏

ان يكون غاية له.

و لا يتم الورود على فرض تسليم أعمية اليقين أيضا لأن استصحاب نجاسة الثوب‏

و ان لم يكن من آثاره نجاسة الماء كما أذعن به قده و لكن نجاسة نفس الثوب‏

تكون من المدلول المطابقي للاستصحاب و هذا يعارض مع المدلول الالتزامي في‏

السبب الّذي هو طهارة الثوب و لا دليل لنا على تقديم استصحاب السبب ليوجب الحكم‏

بطهارة الثوب الّذي هو من آثاره لرفع الموضوع و هو الشك في نجاسته في المسبب‏

فلا أساس للورود بهذا البيان.

و اما وجه الحكومة عن الشيخ الأعظم قده فحاصله بوجهين على ما يظهر من‏

كلامه في الفرائد في الوجه الثاني من وجوه الدليل على تقديم الأصل السببي‏

على المسببي.

الأول هو ان أثر استصحاب السبب طهارة الثوب و ليس أثر استصحاب المسبب‏

نجاسة الماء بالبيان السابق عن الخراسانيّ قده مع كون أحد الدليلين ناظرا إلى‏

الدليل الاخر و كون المبنى في الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقن لا تنزيل‏

الشك منزلة اليقين ليحصل الورود بالبيان المتقدم عن قائله قده و ان لم يتم.

و الجواب عنه هو الجواب عن القائل بالورود فان التعبد بترتيب أثر الطهارة

في الماء يعارض مع استصحاب نجاسة الثوب و ان لم يكن من آثاره نجاسة الماء

و لا تقديم لاستصحاب السبب و لا وجه لجريانه قبل جريانه في المسبب.

و الوجه الثاني لتقريب الحكومة هو ان الحكم بطهارة الثوب الّذي هو مستفاد

من استصحاب طهارة الماء في رتبة الموضوع لاستصحاب نجاسة الثوب الّذي هو الشك‏

فموضوع المسبب في طول موضوع السبب فإذا جرى الأصل في السبب لا يبقى موضوع‏

للمسبب لذهابه بالحكم في السبب و هو الحكم بطهارة الثوب بواسطة الحكومة.

و الجواب عنه ان طولية الموضوع كذلك لا تنافي عرضية تطبيق دليل‏


342
الاستصحاب لأن قوله لا تنقض اليقين بالشك له افراد بالانحلال و يكون التطبيق‏

دفعة واحدة فيتعارضان في الأثر.

و اما بيان الحكومة على فرض كون المبنى في الاستصحاب تنزيل الشك‏

منزلة اليقين فهو ان الغاية لاستصحاب المسبب و هي اليقين حاصلة بجريانه في السبب‏

و لا عكس لعدم حصول اليقين بنجاسة الماء من استصحاب نجاسة الثوب.

و الجواب عنه ان استصحاب طهارة الماء على هذا الفرض يوجب اليقين‏

بطهارته لا اليقين بطهارة الثوب بل طهارته يكون من آثار اليقين بطهارة الماء

فلا تكون غاية نجاسته و هي اليقين بالطهارة حاصلة بالمدلول المطابقي هذا أولا.

و ثانيا يكون التعارض بين الاستصحابين في الأثر كما مر و لا وجه لتقديم‏

استصحاب السبب في التطبيق.

بيان العراقي قده في حكومة استصحاب السبب‏

و لشيخنا العراقي قده وجه أبدعه في تقريب الحكومة و هو انها لا تختص بالتوسعة

و التضييق في موضوع دليل المحكوم بل تحصل بالتصرف في الحكم أيضا كما في‏

الأدلة الثانوية الحاكمة على الأدلة الأولية مثل قاعدة لا ضرر بالنسبة إلى الأحكام‏

الأولية مثل الوضوء و الغسل فان نفى الضرر يتوجه إلى حكم الوضوء في صورة

الضرر أي ان الحكم منفي عن الوضوء الضرري و الغسل كذلك.

ففي المقام يقول ان استصحاب السبب يوجب رفع حكم المسبب بحيث إذا

لاحظنا استصحاب السبب يكون له توجه إلى نفى حكم استصحاب المسبب و هو

نجاسة الثوب فالحكم بالنجاسة مرفوع بواسطة الحكم بالطهارة من ناحية السبب‏

و لا عكس.

و لكن كنا نورد عليه و ان لم يقبل بان هذا الكلام على فرض التسليم يكون‏

في الأصول المحرزة و ليس البحث فيها فقط بل الأصل في السبب مقدم و لو كان‏


343
من أردأ الأصول الغير المحرزة كالبراءة و من المعلوم عدم نظر للبراءة إلى حكم‏

استصحاب المسبب هذا أولا.

و ثانيا الحكومة تحتاج إلى النّظر و لا نظر لأحد الاستصحابين بالنسبة إلى‏

الآخر بل كل يثبت اثره و لو سلم يكون عدم نظر استصحاب المسبب إلى حكم‏

السبب في المقام لمانع و هو كونه مثبتا بالنسبة إلى نجاسة الماء و الأصول المثبتة

غير حجة فلو لا المانع لكان لحكم المسبب أيضا نظر إلى حكم السبب فيتعارضان‏

و مع هذا المانع أيضا يكون استصحاب المسبب بالنسبة إلى المدلول المطابقي و هو

نجاسة الثوب حجة و ان لم يكن له المدلول الالتزامي و هو نجاسة الماء فيعارض‏

مع المدلول الالتزامي لطهارة الماء و هو طهارة الثوب.

و عن شيخنا الأستاذ الحائري قده مؤسس الحوزة العلمية كلام في وجه الحكومة

و حاصله هو ان الشك في المسبب حيث يكون مسببا عن الشك في السبب و معلولا له‏

يكون تطبيق الدليل على ما هو المقدم في الرتبة مقدما فينطبق دليل الاستصحاب‏

على الشك في السبب و بعد جريانه فيه لا تصل النوبة إلى التطبيق في المسبب لذهاب‏

موضوعه بواسطة الحكم بالطهارة بحكم الاستصحاب المتقدم في السبب.

و هذا نظير من كان له قدرة للقيام اما في الركعة الأولى من الصلاة أو الثانية

فكما انه بصرف القدرة في الركعة الأولى لا يبقى موضوع لوجوبه في الثانية فكذلك‏

في المقام و الجواب عنه أولا ان الشك في المسبب لا يكون معلولا1للشك في‏

السبب بل معلولا لعلله التكوينية سلمنا و لكن التمانع بين الشكين في الموضوعية

1الشك و ان كان معلولا لعلله في التكوين كما في شك السبب و لكن الشك في‏

المسبب يكون علته التكوينية الشك في السبب و يدور مداره و أن المفروض القطع بنجاسة

الثوب قبل الغسل و الشك فيها بعده فعلته الشك في طهارة الماء و ان كان مد ظله مصرا على‏

هذا الكلام في المقام في الرد على أستاذه قده‏


344
للاستصحاب لا يكون في مقام الجعل و في عنوان الشكين لأن موضوعية أحدهما

لا تمنع عن موضوعية الاخر فكما يمكن ان يقال إذا شككت في طهارة الماء لا تنقض‏

اليقين بالشك فكذلك يمكن ان يقال ان شككت في نجاسة الثوب لا تنقض اليقين‏

بالشك و انما التمانع حصل من حيث الوجود الخارجي و عدم جمع أثر الاستصحابين‏

في موضوع واحد و هو الثوب من حيث الحكم بالطهارة و النجاسة.

فعلى هذا لا توجب الطولية في الوجود الخارجي الطولية في العنوان من حيث‏

العنوان ليلزم تقدم أحدهما على الآخر بل هما عرضيان من حيث تطبيق الحكم‏

و ان قلنا بالطولية في العنوان أيضا لأن التقدم في العلة و المعلول بالرتبة لا بالزمان‏

فتطبيق الحكم يكون في آن واحد و ما يفيدنا هو التقدم في الزمان لا في الرتبة كما

نقول بذلك في تطبيق الحكم في ملاقى الشبهة المحصورة.

هذا كله مضافا إلى ان هذا الكلام يكون في صورة التمانع في الأثر و القوم‏

يقولون بالتقديم و لو في صورة توافق الأثر و ان توهم بعض اختصاصه بصورة التمانع‏

فاستصحاب الطهارة في السبب مقدم على استصحابها في المسبب لو فرض كذلك‏

في مقام من المقامات فلا تتم الحكومة بهذا الوجه أيضا.

توجيه العلامة النائيني لحكومة الأصل السببي‏

و قد وجه الحكومة شيخنا النائيني قده على ما في التقرير ببيان طويل و حاصله انه‏

لو لا الحكومة للأصل السببي على الأصل المسببي يلزم اما التخصيص بلا وجه أو الدور

أو تقدم الشي‏ء على النّفس الّذي هو ملاك الدور اما التخصيص بلا وجه فلما مر من ان‏

جريان الأصل في المسبب لا يوجب إعدام موضوع الأصل السببي و إخراجه عن شمول‏

دليل الاستصحاب فالقول بعدم جريانه فيه مع بقاء الموضوع لا بد ان يكون من باب‏

تخصيص دليله مع عدم وجود المخصص.

و اما جريان الأصل في السبب فحيث يكون موجبا لإعدام موضوع الأصل‏


345
في المسبب فلا محذور فيه و عدم جريانه في المسبب يكون من باب الخروج‏

عن دليله تخصصا فيقدم ما لازمه التخصص على ما لازمه التخصيص بلا وجه و هو

الأصل السببي.

و اما تقريب الدور فهو ان الحكم في المسبب لا شبهة في احتياجه إلى موضوعه‏

فالحكم بعدم نقض اليقين بالشك يكون على فرض وجود الشك الّذي هو الموضوع‏

و وجوده يتوقف على عدم جريان الأصل في السبب لأنه لو جرى لا يبقى للاستصحاب‏

في المسبب موضوع لرفعه بجريانه في السبب و عدم جريانه متوقف على الجريان‏

في المسبب لأنه لو جرى فيه لا يجري في السبب فجريانه متوقف على عدم جريانه‏

في السبب و عدم جريانه فيه متوقف على جريانه في المسبب.

و هذا دور و تقدم للشي‏ء على نفسه‏1و حيث لا يلزم الدور في العكس‏

1أقول من الواضح لمن تدبر عدم لزوم الدور لعدم التوقف بمعنى العلية و المعلولية

بين وجود الأصل في المسبب و عدمه في السبب و بالعكس و من المعلوم ان عدم الضد ليس علة

لوجود الضد الاخر و وجود الضد ليس علة لعدم الضد الاخر بل كل معلول لعلته.

ففي المقام و ان كان مفاد الأصلين في الحكم بطهارة الثوب و نجاسته متضادا و لكن لا دور

و التقريب الّذي ذكره يأتي في السبب أيضا لأن جريان الأصل فيه متوقف على عدم‏

جريانه في المسبب و عدم جريانه في المسبب متوقف على جريانه في السبب بمعنى المضادة

بين مفاد الأصلين و تقريب الدور يكون هكذا بنظره مد ظله.

و اما شيخه النائيني قده فلم يصرح بالدور و لا بتقدم الشي‏ء على نفسه على ما في تقريره‏

بل يكون مراده من هذا الكلام هو عدم بقاء الموضوع للأصل المسببي مع جريان الأصل‏

في السبب لتقدمه في الرتبة و لو أراد الدور لا يتم بما ذكرناه مضافا إلى ان الدور يكون‏

بين التوقف في الوجودين لا بين وجود و عدم و جوابه مد ظله عنه يرجع إلى ما ذكرناه بوجه‏

من التعمل من جهة إنكاره التوقف و ان كان مصرا على تثبيت الدور.


346
يعنى على فرض جريان الأصل في المسبب لعدم التوقف على استصحاب المسبب‏

فهو مقدم.

و الجواب عنه قده أولا هو عدم العلية بين الشكين كما مر لعدم كون الشك‏

في المسبب علة للشك في السبب بل معلول لعلله تكوينا.

و ثانيا لا طولية بين العنوانين في صقع الجعل فان موضوع استصحاب النجاسة

و الطهارة هو الشك و انما الطولية من جهة الوجود الخارجي بعد غسل الثوب بالماء

فكلا الدليلين منطبقان و طولية الموضوع لا توجب طولية الحكم كما ان الاجتناب‏

في ملاقى الشبهة المحصورة لازم عندنا مع طولية الموضوع و شمول الحكم بالاجتناب‏

على جميع الافراد بنحو العرضية فلا ملازمة لطولية الموضوع مع طولية الحكم.

ثم وجود الأصل في السبب لا يوجب إعدام الموضوع للأصل في المسبب حتى‏

يتوقف وجود الموضوع له على عدم جريانه في السبب لبقاء الشك مع جريانه أيضا

فلا وجه لتقريب الحكومة بهذا النحو أيضا لبقاء المعارضة بين الأصلين فتحصل من‏

جميع ما تقدم عدم صحة الحكومة و ان اشتهرت.

في وجه تقديم الأصل السببي على المسببي عندنا

و التحقيق هنا1هو ان نتمسك بذيل العرف في ذلك فنقول لا يذهب الذهن‏

1أقول حكم العرف أيضا لا يكون جزافا بل سره ما ذكره الاعلام من ان جريان‏

الأصل في السبب يوجب إعدام الموضوع في المسبب بعد جعل الشارع سببية الماء لطهارة

الثوب و يرى تطبيق دليل الاستصحاب في الفرد السببي مقدما على المسببي.

و كيف كان فالامر سهل بعد عدم الخلاف في التقديم للأصل السببي على المسببي.

نعم ان كان المراد بالفطرة هو سيرة المتشرعة أو بناء العقلاء فهو دليل مستقل على‏

التقديم كما تعرض له الشيخ قده في وجوه التقديم بناء على حجية الاستصحاب من باب الظن‏

لا من باب الاخبار.


347
إلى جريان الاستصحاب في المسبب و تكون الفطرة على إحراز حكم الماء في‏

المثال في المقام فكما انه لو كان عالما بطهارة الماء لم يكن له شك في طهارة الثوب كذلك‏

إذا أحرز طهارته بالاستصحاب.

و الشاهد لما ذكرناه ما ورد في رواية زرارة و قد مرت في أوائل الاستصحاب عند

بيان الاخبار من قوله عليه السّلام فان ظننته انه قد اصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر

شيئا فصليت فرأيت فيه قال تغسله و لا تعيد الصلاة إلخ:

فان زرارة قده لم يذهب ذهنه إلى استصحاب عدم صحة الصلاة و لم يتكلم عليه السّلام‏

عنه مع انه كما كان متيقنا بالطهارة كان متيقنا بعدم الصلاة الصحيحة و كما انه كان‏

شاكا فيها كان شاكا في الصلاة أيضا فعدم الاعتناء بالشك و اليقين في الصلاة شاهد على عدم‏

الاعتناء بالشك في المسبب مع الشك في السبب.

و يمكن ان يقال أيضا ان الأمر حيث يدور بين التخصيص بلا وجه و التخصص‏

مع قلة المورد على ما عليه الشيخ الأعظم قده لاستصحاب السبب لو قدمنا المسبب‏

يكون تقديم الأصل السببي هو المختار.

هذا كله مضافا إلى الإجماع على تقديمه.

في حكم الأصول في أطراف العلم الإجمالي‏

هذا كله في مقام التعارض بين الشك السببي و المسببي و اما إذا لم يكن بينهما سببية

كما إذا كان التعارض من باب العلم الإجمالي بنقض الحالة السابقة في أحد

الأطراف كما إذا علمنا بطهارة الكأسين ثم علمنا إجمالا بنقض الحالة السابقة في‏

أحدهما بواسطة وقوع النجس فيه‏

ففيه صور:

الصورة الأولى‏
ان يكون جريان الأصل في الأطراف موجبا للمخالفة

القطعية للمعلوم بالإجمال فان استصحاب الطهارة في الكأسين بعد العلم الإجمالي بوجود

نجاسة في أحدهما يلزم منه المخالفة العملية القطعية للعلم باستعمالها في الشرب أو

ما يشترط بالطهارة.


348
و لا يخفى ان البحث عن مقتضى العلم الإجمالي قد مر في الشك في المكلف به‏

في بحث البراءة و في القطع الإجمالي مفصلا و هنا لا بد من الإشارة إلى بعض‏

المباحث إجمالا.

فنقول ان العلم الإجمالي اما ان يكون علة تامة لتنجيز التكليف بمعلومه على‏

المكلف كما هو المختار و اما ان يكون مقتضيا بمعنى انه لو تعارض الأصول في‏

أطرافه يكون منجزا للتكليف و لو وجد أصل بلا معارض في أطرافه لا يوجب التنجيز

كما عن الشيخ الأعظم و شيخنا النائيني قده.

و لكن وجود الأصل بدون المعارض في أطرافه يكون محل الكلام فربما يقال‏

ليس لنا مورد كذلك فلا زال يكون الأصول متعارضة فالعلم يؤثر اثره.

و اما المثال للأصل بلا معارض فهو في صورة كون أحد الكأسين الذين يكون‏

النجس بينهما إجمالا مما له حالة سابقة معلومة و هي الطهارة و الاخر لا يكون له‏

حالة سابقة كذلك فحينئذ يعارض الاستصحاب فيما له الحالة السابقة مع قاعدة الطهارة

فيما لا حالة سابقة له كذلك و تبقى قاعدة الطهارة فيما له حالة سابقة بلا معارض‏

فلا يؤثر العلم الإجمالي بالنسبة إليه.

و قد أشكل عليه بأن جعل الاستصحاب و قاعدة الطهارة في شي‏ء واحد ممنوع‏

فالقاعدة و الاستصحاب لا تكون في طرف و القاعدة في طرف آخر بل الاستصحاب فقط في‏

طرف و القاعدة في طرف آخر فيتعارضان.

و لكن يرد عليه انه لا إشكال في تطبيق الجعلين على شي‏ء واحد بحيث‏

لو قطع اليد عن أحدهما كان الاخر مؤثرا فالاستصحاب و ان كان أصلا حاكما

على قاعدة الطهارة و لكن بعد سقوطه عن الاعتبار بواسطة المعارضة تصل النوبة إلى‏

الأصل المحكوم و هو القاعدة و لكن الكلام في أصل المبنى.

ثم ان حاصل دليلنا على العلية التامة مطلقا بالنسبة إلى وجوب الموافقة

القطعية و ترك المخالفة القطعية هو ان الشارع كما انه ليس له الترخيص في مقطوع‏


349
المعصية للتناقض في الأمر بالشي‏ء و الترخيص في تركه إذا كان الأمر إلزاميا و

هكذا النهي فكذلك ما احتمل كونه معصية.

فكما انه إذا نهى عن شرب الخمر و علمنا بان المشروب الفلاني خمر لا يكون‏

له الترخيص في شربه لأنه مناقض للنهي فكذلك إذا كان الخمر مرددا بين الكأسين‏

فلا يمكن ترخيصه في ارتكاب أحدهما لأنه ترخيص فيما يحتمل كونه‏

معصية و العقل حاكم بالمناقضة و عدم جواز الترخيص فكما ان ارتكاب كليهما

ممنوع كذلك ارتكاب كل واحد منها ممنوع.

فعلى هذا لا يمكن جريان الأصل و ان كان بلا معارض في أحد الأطراف لأنه‏

ترخيص في محتمل المعصية و عليه فلا يتم مبنى القائل بذلك و هو من رأي العلم‏

الإجمالي مقتضيا بالنسبة إلى المخالفة الاحتمالية و علة تامة بالنسبة إلى ترك‏

المخالفة القطعية.

ثم ان هنا بحث في ان أدلة1التعادل و الترجيح الّذي تنطبق على الروايات‏

هل تنطبق على الأصول أيضا أم لا.

1أقول ان أدلة التعادل و الترجيح في الخبرين يكون من جهة تعارضهما

في الصدور و اما إذا كان التعارض من حيث المورد كما في المقام فلا مجال للبحث‏

عنه ضرورة عدم التعارض في فردين من عام لا تنقض اليقين و عدم الكلام في الصدور.

كما ان العامين من وجه أيضا في مورد التعارض لا يرجع فيه إلى أدلة التعادل و الترجيح‏

فلا بد من التوقف.

و العلامة النائيني قده و ان كان مبناه اقتضاء العلم الإجمالي في التنجيز و لكن اثره‏

في صورة وجود الأصل بلا معارض لا في صورة التعارض ليقال عليه ان لازم ذلك هو التخيير

و ان لم يسلك قده في البيان ما ذكرناه في عدم شمول أدلة التعادل في المقام كما يفهم من‏

مطاوي كلام الشيخ في الفرائد.


350
فان شيخنا النائيني قده قال بعدم الانطباق في الأصول و لذا يحكم بأن الأصول‏

في أطراف العلم الإجمالي متعارضة متساقطة فلا تصل النوبة إلى التخيير أو الترجيح‏

بمرجح خارجي.

و حاصل كلامه قده هو ان الأمارات اما ان تكون حجة من باب الطريقية إلى‏

الواقع فيكون التخيير بعد عدم الترجيح أو تعيين أحد الأطراف بعد ترجيحه لدرك‏

الواقع و اما ان تكون حجة من باب السببية بمعنى كون المصلحة في سلوكها فيكون‏

التخيير من باب اختيار أحد افراد المتزاحمين الذين لا أهمية لأحدهما على الاخر

و في صورة الأهمية لا بد من تقديم الأهم على ما حرر في محله.

و من المعلوم ان الأصول وظيفة قررت للشاك و لا يكون جعلها من باب الطريقية

و لا السببية فلا بد من القول بالتساقط لا غير.

و فيه أولا انه قده حيث يقول بالترخيص في أحد الأطراف في صورة وجود

الأصل بلا معارض يلزم ان يقول بان إطلاق دليل لا تنقض مثلا يشمل حتى صورة وجود

المعارض و حيث لا يمكن الجمع لا بد من التخيير.

و الأصول و ان لم تكن حجة من باب الطريقية و لا السببية و لكن يكون امرها

امرا بينهما فلا يمكن الإسقاط من أصله بعد التعارض.

ثم ان الشيخ الأعظم قده قال بان دليل الاستصحاب في المقام قاصر الشمول‏

فيكون العلم علة تامة للتنجيز بعد كونه مقتضيا في ذاته.

وجه قصور دليل الاستصحاب هو انا لو قلنا بجريان الأصل في أحد الأطراف‏

تناقض الصدر و الذيل في دليله لأن ظاهر الصدر بقوله عليه السّلام لا تنقض اليقين بالشك هو عدم‏

جواز النقض بالشك سواء كان الشك الناقض مقرونا بالعلم الإجمالي أو لم يكن فلو

حملنا الذيل بقوله عليه السّلام بل انقضه بيقين آخر على اليقين الإجمالي يلزم منه‏

نقض اليقين بالشك المقرون بالعلم الإجمالي و هذا هو التناقض في المدلول‏

بمقتضى الصدر و الذيل.


351
فلا ينطبق دليله على الشك المقرون بالعلم الإجمالي فالعلم الإجمالي علة تامة لوجوب‏

الاجتناب عن الأطراف.

و الجواب عنه أولا بأن رواياته لا تختص بماله الذيل بل يكون لنا روايات لا ذيل‏

لها فيمكن الأخذ بإطلاق الشك ليكون الشك المقرون بالعلم الإجمالي أيضا ناقضا

كما قال بذلك المحقق الخراسانيّ قده في الكفاية.

و ثانيا على فرض تقييد ما لا ذيل له بما له الذيل فنقول ان النهي عن النقض في الصدر

يكون تعبديا لأن اليقين قد نوقض في التكوين و النهي عن نقضه يكون تعبدا فيمكن‏

أخذ الإطلاق منه و القول بعدم جواز النقض في مورد العلم الإجمالي أيضا.

و اما الذيل فاما ان يكون تأكيدا للصدر أو تحديدا له من جهة ان حد عدم النقض‏

هو صورة عدم وجود يقين آخر مثله أو من باب قضاء الفطرة بذلك و هو ان اليقين‏

مما له دوام و ثبات و لا وجه لنقضه بالفطرة الا بيقين آخر.

و على التقديرين الأولين يكون نقض اليقين باليقين هو النقض في التكوين‏

و هو صورة كون اليقين هو اليقين التفصيلي و اما الإجمالي فلا يكون ناقضا.

و على التقدير الأخير و هو الفطرة فالقول بشمول اليقين لليقين الإجمالي‏

أيضا لا بد له من أخذ الجامع بين الإجمالي و التفصيلي و هو ركيك فالأصول في‏

الأطراف جارية و متعارضة فتصل النوبة إلى العمل على طبق الاحتياط بمقتضى‏

العلم الإجمالي.

و ثالثا لو كان السر في عدم الجريان وجود الذيل في الرواية فلا فرق بين‏

صورة لزوم المخالفة القطعية العملية أو عدم لزومها كما فيما سيأتي فلا اختصاص‏

له بالأول فقط.

ثم انه قده تمم بيانه بأن التخيير في جريان أحد الأصلين أيضا ساقط لعدم‏

كونه فردا للعام فان افراد العام هو ما في الخارج و لا ثالث ينطبق عليه النهي و ان لم‏

يكن المناقضة بين الصدر و الذيل.


352
فان قلت على ما ذكرت من ان الذيل يكون المراد منه النقض باليقين التفصيلي‏

لا الإجمالي و هو خلاف ما عليه القوم في صورة اليقين بطهارة الكأسين إذا حصل اليقين‏

بنجاسة أحدهما مع انهم يقولون بالاجتناب و رفع اليد عن اليقين السابق فقد نقض‏

اليقين الإجمالي اليقين التفصيلي و هذا خلاف فرضك و هكذا لو علمنا بخمرية الكأسين‏

ثم علمنا بصيرورة أحدهما خلا.

قلت اليقين بالواحد هو تفصيلي‏1و انما الإجمال في الخارج من حيث‏

1أقول لو كان هذا ملاك الإجمال و التفصيل فليس لنا علم إجمالي أصلا و لكن‏

ليس كذلك بل في جميع الموارد يكون المراد بالإجمال الإجمال في المنطبق لا في العلم فهذا الجواب‏

غير تام و الإشكال وارد.

فكما ان العلم التفصيلي ينطبق عليه عنوان اليقين كذلك الإجمالي في صدر دليل‏

الاستصحاب و ذيله.

و الشك في لسان الدليل ينطبق على الشك السازج لا المقرون بالعلم الإجمالي ليحصل‏

التنافي بين الصدر و الذيل.

و ما في كلام الأستاذ مد ظله من ان العلم لا يسرى إلى الخارج و لا يجامع الشك في‏

الأطراف تفصيلا مما لا نفهمه.

فان العلم الإجمالي يكون له الأثر بلحاظ المنطبق في الخارج لا في صقع المفهوم‏

فان وجود الخمر في الخارج بين الكأسين موجب للقول بالاجتناب عنهما في الخارج.

و هذا الاجتناب من بركات العلم الإجمالي في نشأة الخارج و الا فالشك التفصيلي‏

في الطرفين على ما اعترف به موجب لجريان الأصل.

و اما ما ذكره الشيخ الأعظم قده من عدم القول بالتخيير في الأصلين من باب عدم‏

وجود ثالث في البين ليتعلق به خطاب النهي لعله يكون منشأ لكلامه مد ظله و الجواب‏


353
المنطبق عليه فنعلم نقض الحالة السابقة يقينا لانقلاب العلم بطهارتهما إلى العلم‏

بعدم طهارتهما و ان كان الواحد في الواقع بحاله.

الصورة الثانية في الأصل في أطراف العلم الإجمالي‏

هو صورة عدم لزوم مخالفة عملية بجريان الأصلين كما في متمم الكر فان‏

الماء القليل إذا كان نجسا ثم صب عليه الماء الطاهر حتى صار بقدر الكر يكون محل‏

النزاع من جهة شمول دليل الكر له فمع الشك استصحاب طهارة ما هو الطاهر و

نجاسة ما هو النجس لا يلزم منه مخالفة عملية الا ان الإجماع قام على عدم الحكمين‏

للماء الواحد فلولاه أمكن القول بجريان الاستصحابين.

فالمانع لا يكون الا الإجماع و اللازم منه العلم ببطلان أحد الأصلين.

و للعلامة الهمدانيّ قده هنا كلام غير تام و هو ان المقام يكون نظير استصحاب‏

السببي و المسببي لأن استصحاب نجاسة الماء يكون لازمه نجاسة ما ألقى عليه أيضا

بالملاقاة فالشك في الطهارة يكون ناشئا عن الشك في النجاسة فإذا أحرزت النجاسة

لا شك في نجاسة المتمم و الأصل السببي مقدم على الأصل المسببي.

و لكن يرد عليه ان المتمم ان لم يصر نجسا بواسطة الملاقاة و حصول الكرية

لا شك في نجاسة غيره فان استصحاب طهارته أيضا رافع للشك عن النجاسة و لذا تأمل‏

قده في قوله.

مضافا بأن عدم القول بالتخيير على ما هو المختار لعدم الدليل على التخيير في المقام‏

كما مر لا لعدم إمكانه فان أدلة التعادل و الترجيح لا تشمل الأصول فتدبر.


354
الصورة الثالثة

ان لا يكون جريان الاستصحابين موجبا للمخالفة العملية أصلا كما إذا توضأ

بمائع مردد بين البول و الماء فان استصحاب طهارة البدن و استصحاب بقاء الحدث‏

يكونان جاريين.

و لا إجماع على وحدة الحكمين و ان كانت الملازمة العقلية بين الحكمين‏

ثابتة لأن بقاء الحدث لازمه نجاسة البدن لأنه لو كان ماء يلزم ان يكون مطهرا

عن الحدث و طهارة البدن لازمها الطهارة عن الحدث لأن الماء إذا كان طاهرا

يرفع الحدث و لكن الاستصحاب لا يثبت لازم بولية المائع أو مائيته.

ثم حاصل دليل الأنصاري قده في المقام على عدم لزوم المخالفة العملية هو

ان الواحد المردد بين الحدث و الطهارة لا أثر له شرعا حتى يكون ترتيبه مانعا عن‏

العمل بالاستصحابين و لا يلزم من الحكم بوجوب الوضوء و عدم غسل الأعضاء مخالفة

عملية لحكم شرعي أيضا.

و لكن الجواب عنه قده هو ان العلم الإجمالي حيث يكون مقتضيا عنده لا فرق‏

بين هذه الصورة و الصورة الأولى من جهة الترديد.

فلو لم يكن للواحد المردد بين الطهارة و الحدث أثر مع العلم بمخالفة أحدهما

للواقع لم يكن للواحد المردد من الكأسين الّذي هو نجس أيضا أثر و كما ان نقض‏

اليقين باليقين الإجمالي في ذاك المقام كان لازمه تناقض الصدر و الذيل في دليل‏

الاستصحاب فكذلك في المقام فلا فرق بينهما.

فالمخالفة العملية ان لم تلزم في المقام يكون إشكال التناقض بين الصدر

و الذيل في المقامين.

و قد نقل عن مجلس بحثه قده بأن المراد باليقين في الذيل هو اليقين المنجز

و المردد لا يكون منجزا فيما لا مخالفة عملية فيه.


355
و لكن يرد عليه أيضا بان اليقين بنجاسة أحد الكأسين بعد العلم بطهارتهما

أيضا غير منجز فان لم يكن لغير المنجز أثر فلا بد من جريان الاستصحابين في الصورة

الأولى أيضا مع انه قده لم يفرق بين كون الحالة السابقة في الكأسين الطهارة أو النجاسة

في الصورة الأولى فارجع إلى عبارته في الفرائد.

و لذا لا نفرق في حكم الشبهة المحصورة بين كون الحالة السابقة في المشتبهين‏

هي الطهارة أو النجاسة و بين عدم حالة سابقة معلومة.

فان مقتضى الاحتياط فيهما و فيما تقدم من مسألة الماء النجس المتمم كرا

الرجوع إلى قاعدة الطهارة إلخ و الحاصل ان كلامه قده غير تام و لا يخلو عن‏

التشويش.

و اما شيخنا النائيني قده القائل بان التنزيل في الاستصحاب في الطرفين‏

مخالف للواقع في البين في الصورة الأولى فلا يقول بهذه المقالة في هذه الصورة.

و حاصل كلامه قده هنا هو ان التعبد في مقام الظاهر بخلاف ما نعلمه إجمالا

لا إشكال فيه مع وجود الملازمة بين طهارة البدن و زوال الحدث و بين نجاسته‏

و بقاء الحدث واقعا و لكنها لا تضر بجريان الأصلين في مقام الظاهر.

و الجواب عنه هو عدم تمامية المبنى فان التعبد على خلاف الواقع لا إشكال‏

فيه على ما مر فان الفرق بين الواقع و كان الواقع واضح و موطن العلم هو الذهن و لا يسرى إلى‏

الخارج فان الشك في الطرفين موجود و اما عدم تمامية البناء فقد مر آنفا من‏

عدم الفرق بين هذه الصورة و الصورة الأولى في وجود الواقع المردد الّذي يخالفه‏

الاستصحابان.

هذا كله مضافا إلى انه قده قائل بجريان الأصول الغير المحرزة مثل أصالة

البراءة و الإباحة في أطراف العلم الإجمالي مع عدم الفرق من حيث المخالفة مع‏

الواقع و لا دخل لكون الأصل محرزا أو غير محرز في دفع الإشكال.


356
الصورة الرابعة

فيما إذا لم يكن لأحد الاستصحابين أثر عملي فلا إشكال في جريانهما و قال‏

الشيخ الأعظم قده و هذه الصورة في الحقيقة خارجة عن تعارض الاستصحابين لعدم‏

التعبد بما لا أثر له شرعا كما إذا علم إجمالا بطرو الجنابة عليه أو على غيره و أمثلة

هذه كثيرة.

فمنها ما إذا علم إجمالا بحصول التوكيل من الموكل الا ان الوكيل يدعى‏

وكالته في شي‏ء خاص و الموكل ينكر توكيله في ذلك الشي‏ء فانه لا خلاف في‏

تقديم قول الموكل لأصالة عدم توكيله فيما يدعيه الوكيل و لم يعارضه أحد بان‏

الأصل عدم توكيله فيما يدعيه الموكل مثل ان يدعى الوكيل وكالته في شراء العبد

و الموكل يدعى توكيله في شراء الجارية.

و منها ما إذا حصل النزاع بين الزوج و الزوجة من جهة كون النكاح دائما

أو منقطعا فان أصالة عدم كونه دائما حيث يكون لها الأثر و هو عدم وجوب النفقة

و عدم الإرث و القسم جارية و لا أثر لعدم كون النكاح منقطعا.

أقول هذا الكلام من الشيخ الأعظم قده في هذا المثال يكون في صورة كون‏

الشك من جهة كون الصيغة الخاصة بالمتعة مثل لفظة متعت أو المشترك بين الدائم‏

و المنقطع مثل زوجت و أنكحت و اما إذا علمنا ان اللفظ الصادر كان مشتركا و لكن‏

لا نعلم ان المدة ذكرت في الصيغة ليصير منقطعا أو غير مذكورة ليصير دائما فالأصل‏

عدم ذكر المدة و لازمه دوام النكاح.

فتحصل ان الأصل الاخر لا يجري في صورة عدم وجود الأثر له فلا تعارض‏

بين الأصلين.

ثم انه قده قال و لك ان تقول بتساقط الأصلين في هذه المقامات و الرجوع إلى‏

الأصول الاخر الجارية في لوازم المشتبهين الا ان ذلك انما يتمشى في الأمور الخارجية

و اما مثل أصالة الطهارة في كل من واجدي المني فانه لا وجه للتساقط هنا انتهى.


357
و لعل وجهه هو ان الاستصحاب يجري‏1مع استقرار موضوعه و هو الشك‏

و اما مع عدم الاستقرار فلا وجه له و في المقام حيث يكون العلم الإجمالي في البين‏

يمنع عن استقرار الشك في كل طرف من الأطراف و كل شك كان مع العلم‏

الإجمالي لا يجري الأصل فيه فلا بد من المراجعة إلى الأصول الاخر في خصوص‏

المسألة.

ففي مثال الوكالة إذا ادعى الوكيل وكالته على شي‏ء خاص مثل بيع الجارية

و أنكره الموكل و ادعى وكالته في شي‏ء آخر مثل بيع العبد فأصالة عدم انتقال‏

1أقول تعبيره قده بتساقط الأصلين كاشف عن التعارض بواسطة الجريان و من المعلوم‏

ان الجريان يكون في صورة عدم الإشكال في الموضوع فلو عبر بسقوط الأصلين لكان لما

ذكره مد ظله وجه.

و لكنه بعيد للشك المستقر في كل طرف من الأطراف بالوجدان و ليس المقام مثل‏

صورة احتياج رفع الشك بواسطة رفع اللحاف عن الرّأس لرؤية الصبح.

و العلم الإجمالي لو كان علة تامة أيضا على مبناه مد ظله لا يوجب رفع الشك عن النجاسة

بل يوجب رفع الشك عن وجوب الاجتناب و هو خلاف مبنى الشيخ الأعظم قده فلا يتم هذا

التوجيه.

فلعل نظره قده هو ان ادعاء عدم الأثر في طرف آخر كلام غير تام لأن أصالة عدم‏

التوكيل على بيع العبد أثرها الوكالة على بيع الجارية بمقتضى العلم الإجمالي.

فالأصلان متعارضان متساقطان فلا بد من الرجوع إلى ساير الأصول بعدم عدم الأثر

للوكالة الإجمالية في المقام و هكذا الصيغة المرددة بين النكاح الدائم و المنقطع.

و اما فرقه قده بين المقام و بين واجد المني في الثوب المشترك فلان اللازم في العلم‏

الإجمالي هو إيجاد التكليف بأي طرف وقع و ليس كذلك فيه لأنه لو كان المني من غيره‏

لا يوجب التكليف لهذا الشخص فمع عدم الأثر للعلم لا وجه لملاحظة جريان الأصلين بل‏

كل يجري الأصل بدون المعارض فتدبر.


358
الجارية و أصالة عدم كون الثمن في عهدة المشتري و أصالة عدم وجوب تسليم المبيع‏

جارية و الا فلا وجه لكلامه قده بعد عدم جريان الأصل في ما لا أثر له.

فالنكتة عدم استقرار الشك و على هذا الا فرق بين الأمور الخارجية و الداخلية

فان واجد المني في الثوب المشترك كيف لا يكون له جريان أصالة عدم الجنابة

لو لا جهة عدم استقرار الشك كما في صورة عدم الأثر فالقول بتساقط الأصول في‏

الأمور الخارجية و لو فيما لا أثر له لازمه القول بتساقطه في الأمور الداخلية كواجد

المني في الثوب المشترك.

و كيف كان فقوله قده بالرجوع إلى الأصل في كل مورد من الفروع هو الصحيح‏

و ان لم يكن فرقه قده بين الأمور تاما عندنا.

تذييل‏

و هو انه لا شبهة في عدم وجوب الفحص عن الشبهات الموضوعية البدوية فهل‏

يجب هنا الفحص عن أن مورد العلم من أي صورة من الصور التي تصورناها في العلم‏

الإجمالي في المقام ليتضح مورد جريان الأصول و عدمه أولا.

و يستنتج الشيخ قده من هذا البحث جواز إجراء الأصل ان فرض عدم وجوب‏

الفحص و عدم جوازه الا للمجتهد على فرض وجوبه لأنه العارف بموارد الحاكم‏

و المحكوم.

ثم اختار قده ما حاصله ان تشخيص المورد من الحاكم و المحكوم من الأصول‏

السببية و المسببية و غيرها لا بد ان يكون المقلد خبيرا فيه و ليس شأن كل مقلد و الا

فيجب أخذ المورد من المجتهد.

أقول ان البحث في المقام يكون من البحث عن دليلية الدليل فان البحث عن‏

الحاكم و المحكوم يكون من متممات أصل الدليل مثل الاستصحاب و لا ربط له بالمقلد

لنقول إذا لم يكن الفحص واجبا يكون للمقلد إجراء الأصول و ليس البحث عن‏


359
الموضوعات ليقال ان المقام هل يجب الفحص فيه بخصوصه مع عدم وجوبه في‏

الشبهات الموضوعية في غير المقام فليس هذا شأن المقلد لعدم كونه من الموضوعات.

و اما ما فرض كونه من الموضوعات الخارجية مثل الخمر و الخل فعلى فرض‏

وجوب الفحص فيها فلا نقول ان المجتهد أقدم من المقلد فان العوام ربما يكونون‏

أبصر بمعرفة الخمر و الخل كما لا يخفى.

فليس كل موضوع محتاج إلى الفحص وظيفة المجتهد و كل موضوع غير

محتاج إليه وظيفة المقلد بل الفحص في الأحكام وظيفة المجتهد و التطبيق يمكن‏

البحث فيه من جهة انه وظيفة المجتهد أو يعمه و المقلد.

و الفحص في الموضوعات على فرض الوجوب ينوط بنظر من هو أخبر فيهما

و هذا الكلام منه قده خلاف شأنه في المقام أعلى اللّه درجته في الجنان.

و قد تم الفراغ عن بحث الاستصحاب بعون اللّه الملك الوهاب و الحمد للّه‏

أولا و آخرا و صلى اللّه على محمد و آله الأبرار الأطهار.

في تاريخ الخامس من شهر ربيع الثاني سنة 1396 من الهجريّ القمري.


360
المقصد الثامن‏في التعادل و التراجيح‏

و هذا البحث في الأصول بحث شريف جدا و له فوائد كثيرة في الفقه حتى‏

عبر عنه بعضهم بأنه الفقه الأكبر.

و البحث ابتداء في أمور:

الأمر الأول‏
في معنى التعارض لغة و اصطلاحا اما في اللغة فربما قيل انه بمعنى‏

العرض و الإظهار لأن كل واحد من المتعارضين يظهر في مقابل غيره.

و قيل من العرض في مقابل الطول و معناه ان الأمارة في طول الأصول فلا زالت‏

متقدمة على الأصول و ليست في عرضها و اما الأمارة مع الأمارة فهما دليلان في عرض‏

واحد فإذا كان الدليلان في مورد واحد متنافيين يقال انهما متعارضان.

و اما بحسب الاصطلاح فقد اختلف فيه فيظهر عن الشيخ الأعظم قده ان التعارض‏

هو تنافي الدليلين لتنافي المدلولين‏1سواء كان التنافي بالذات مثل ثمن العذرة سحت‏

1أقول تعريفه قده امتن من تعريف المحقق الخراسانيّ قده لأن المراد بالمدلول‏

هو الحكم و تنافي الحكمين هو الّذي يوجب تنافي الدليلين و تكذيب أحدهما الاخر و الا

فالدليلان من أين حصل التنافي بينهما.

و المراد بالحجة أيضا هو الدليل الدال على الحكم من الوجوب و الحرمة و هو

الكاشف عن الحكم أيضا فمن فهم من كلام المحقق الخراسانيّ قده التنافي في الكاشف‏

لا يكون فهمه خلاف الحق.

و تعبيره مد ظله بأن مراده التنافي في الحجتين لا ينافى قول هذا القائل بعد كون‏

المراد من الحجة هو الدليل الكاشف عن الحكم.

و يظهر من كلامه مد ظله ان المراد من المدلول هو الملاك الّذي دل عليه الحكم و لذا

يقول لا ربط للتنافي بين الملاكين بتنافي الدليلين و ان كان التنافي في الحكم يرجع إلى‏


361
و لا بأس بثمن العذرة أو بالعرض كما إذا قام الإجماع على عدم وجوب صلاتين في‏

ظهر يوم الجمعة على المكلف فيتعارض دليل وجوب الجمعة و دليل وجوب الظهر

من جهة مانع خارجي و هو الإجماع و الا فلا مانع في الجمع بينهما.

و هذا بخلاف المثال المتقدم فان سحتية ثمن العذرة و عدمها لا تجتمعان أصلا

فالتنافي في ذاتهما لا من الخارج و المدلولان حيث لا يجتمعان ضرورة عدم اجتماع‏

السحتية و اللاسحتية لا يجتمع الدليلان.

ثم عدل المحقق الخراسانيّ قده عن هذا التعريف فقال بان التعارض هو تنافي‏

الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة في مقام الإثبات على وجه التناقض أو التضاد و قد توهم‏

المحشين من هذا الكلام هو ان مراده قده منه هو التنافي في الكاشف في مقابل شيخه‏

القائل بالتنافي في المنكشف و هو المدلول.

و لكن ليس مراده قده هذا المعنى بل مراده هو تنافي الحجتين و تكذيب‏

التنافي في الملاك أيضا على ما هو الحق.

فالتعارض هو تنافي الدليلين لتنافي المدلولين الذين هما الحكمان المتنافيان و لذا

لا ترى التنافي بين وجوب صلاة الظهر و صلاة الجمعة يوم الجمعة ابتداعا لعدم تنافيهما ذاتا

فلو دل إجماع على عدم وجوب الجمع يكون هذا موجبا للتنافي و منشأ لضدية أحد

الوجوبين مع الاخر كضدية الوجوب و الحرمة و يفهم التنافي في المدلول الالتزامي‏

لكونهما ضدين.

فما أضاف المشهور إلى تعريفه من ان التعارض تنافي الدليلين على وجه التناقض‏

أو التضاد في محله.

و ما ذكره مد ظله من عدم الاحتياج إلى إضافة التضاد و اكتفائه بالتنافي الالتزامية

يكون اعترافا بمنشإ الالتزام و هو الضدية.

ضرورة ان الضدين امران وجوديان لا يجتمعان و الوجوب و الحرمة و وجوب صلاة

الظهر مع وجوب صلاة الجمعة على فرض عدم وجوب غير الواحدة منهما كذلك.


362
إحداهما الأخرى بمدلولها الالتزامي و هذا لا ربط له بالمدلول ابتداء.

و التنافي بين الملاكين للبعث و الزجر غير مفيد لما نحن بصدده من القول‏

بالتساقط حسب الأصل الأولى و بالتخيير أو الترجيح بالأصل الثانوي و هو ما دل من‏

الاخبار هذا في البعث و الزجر.

و اما التنافي بين البعثين كما في صلاة الجمعة و الظهر فيكون من باب قيام‏

الدليل من الخارج على كذب أحدهما فالعلم الإجمالي هو الموجب لتنافي الحجتين‏

ثم الثمرة بين مسلك العلمين(قدهما)هو انه على مبني الشيخ قده يكون‏

الحاكم و المحكوم و الوارد و المورود و العام و الخاصّ و المطلق و المقيد داخلا في‏

بحث التعارض و يكون خروج الموارد عن حكمه من باب التخصيص في الحكم من‏

باب انصراف الدليل عنها.

و اما على مبنى المحقق الخراسانيّ قده يكون الخروج خروجا موضوعيا

لعدم تكذيب إحدى الحجتين الأخرى بعد التدبر.

ثم ان المشهور تعرضوا للتنافي على وجه التضاد في تعريفهم ليدخل مورد العلم‏

الإجمالي بكذب أحد البعثين في الضابطة و الحق عدم الاحتياج إلى هذا القيد لأن‏

التعارض فيهما أيضا من جهة المدلول الالتزامي في كل بعث بعد العلم الإجمالي‏

بكذب أحدهما كما انه كذلك في مثل يجب الصلاة و يحرم الصلاة في الجمعة فان‏

التنافي في المدلول الالتزامي.

ثم لا يخفى ان البحث في التعارض يكون في صورة إحراز حجية كلا الدليلين‏

لو لا التعارض و اما مع عدم إحرازها من جهة الإشكال في الصدور أو الجهة في أحد

الخبرين فهو خارج عن البحث لأنه من موارد اشتباه الحجة و اللاحجة.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الضابطة في التعريف هو تنافي الدليلين من‏

حيث الدليليّة خلافا للشيخ قده و لا احتياج إلى إضافة قيد التضاد خلافا للخراساني قده‏


363
الأمر الثاني في بيان ضابطة التعارض و التزاحم‏

و لا يخفى ان البحث في ما نحن بصدده في التعادل و الترجيح يكون في التعارض‏

و لا يكون البحث في التزاحم و لكن نحتاج في البحث عن التزاحم أيضا ليتضح‏

موضوع التعارض للرجوع إلى المرجحات في هذا الباب و لا يشتبه أحدهما بالاخر

لأن مرجحات باب التزاحم غير مرجحات باب التعارض فان المناط فيه أقوائية

الملاك بإحراز أهمية أحد المتزاحمين على الاخر أو احتمال أهميته و في المقام‏

أقوائية السند.

فلا بد من إحراز الموضوع ببيانه و البحث هنا في جهات.

الجهة الأولى البحث في مقام الثبوت‏
فنقول ملاك التزاحم عندنا هو ان يكون‏

الحكم على العنوانين المتمايزين‏1مع التمانع في مرحلة الامتثال لعدم القدرة

على أحدهما و هكذا التمانع في مرحلة الإنشاء و الإرادة و المصلحة مثل وجوب‏

إنقاذ أحد الغريقين لعدم القدرة على إنقاذهما.

و اما التعارض فهو ان يكون الحكم على العنوان الواحد في مقام الجعل و

الامتثال مع العلم بكذب أحد الحكمين على العنوان الواحد.

فملاك التزاحم هو عدم قدرة العبد على الجمع بين التكليفين و ملاك التعارض‏

هو وحدة العنوان المأمور به و المنهي عنه و التكاذب بين الخطابين يكون في جميع‏

المراتب في مقام الجعل مثل صل الجمعة و لا تصلها أو بتعبير آخر تجب صلاة الجمعة

و لا تجب أو تجب و تحرم.

1أقول و أضف إليه أو يكون الحكم على الفردين أو الافراد من عنوان واحد

فأن الإنقاذ عنوان واحد و يتصور التزاحم فيه بلحاظ تزاحم الافراد كما لا يخفى.


364
في ضابطة التزاحم و التعارض عند النائيني قده‏

ثم العمدة في المقام التعرض لكلام شيخنا النائيني قده في ضابطة التزاحم‏

و التعارض و حاصله هو ان ملاك التعارض هو عدم وجود الخطاب و الملاك الا للواحد

ففي مقام الامتثال اما ان يكون الملاك لوجوب الصلاة في الجمعة مع عدم الملاك‏

للظهر أو الملاك لتركها فيها مثلا و وجود الملاك لصلاة الظهر فيها فقط و في مقام‏

الإرادة و الحب و الإنشاء أيضا كذلك فالمراد و المحبوب و المنشأ واحد فقط اما

الفعل أو الترك.

و اما الملاك في باب التزاحم فهو عدم قدرة العبد على الامتثال بالنسبة إلى‏

المتزاحمين في مقام الامتثال فقط و اما في مقام الجعل الإنشائي و الإرادة و الحب و الملاك‏

فلا إشكال في الحكمين و لا تزاحم.

فيمكن إنشاء الخطابين على إنقاذ هذا الغريق و ذلك و لو لم يقدر المكلف‏

الأعلى امتثال أحد الخطابين في مقام الامتثال ففي هذا المقام يقيد إطلاق الخطاب في‏

أحدهما بعدم الإتيان بالاخر و هذا هو الفارق بين التزاحم و التعارض.

و الحاصل يكون التمانع في التعارض في جميع مراتب التكليف و في التزاحم‏

في مرتبة الامتثال فقط لعدم القدرة على الجمع عقلا أو لقيام الدليل من الخارج على‏

عدم وجوب الجمع بينهما كما في بعض فروع زكاة المواشي كما لو كان المكلف‏

مالكا لخمس و عشرين من الإبل في ستة أشهر ثم ملك واحدا آخر من الإبل و صارت‏

ستة و عشرين فمقتضى أدلة الزكاة هو وجوب خمس شياة عند انقضاء حول الخمس‏

و العشرين و وجوب بنت مخاض عند انقضاء حول الستة و العشرين.

و لكن قام الدليل على ان المال لا يزكى في عام واحد مرتين فيقع التزاحم بين‏

الحكمين لأنه لا بد من سقوط ستة أشهر اما من حول الخمس و العشرين و اما من حول‏

الستة و العشرين فانه لو لا السقوط و بقاء كل حول منهما على حاله يلزم تزكية المال‏


365
في ظرف ستة أشهر مرتين و لكن الغالب هو صورة عدم القدرة على الامتثال في آن‏

واحد لكليهما.

ثم بين للتزاحم أقساما خمسة.

الأول في صورة كون ذلك من باب اتحاد متعلقي الخطابين من باب الاتفاق‏

كما في موارد اجتماع الأمر و النهي في الصلاة في الدار المغصوبة فان‏

متعلق النهي هو الغصب و متعلق الأمر هو الصلاة و لهما مورد افتراق و قد اتفق الاجتماع‏

هذا على فرض كون التركيب بين الصلاة و الغصب انضماميا مثل المادة و

الصورة فانهما متحدتين في الوجود متمايزتين في الذات و اما على فرض القول باتحادهما

كالجنس و الفصل من حيث الذات فهو من باب التعارض لعدم إمكان تعلق الأمر و

النهي بوجود واحد.

القسم الثاني من موارد التزاحم هو صورة اتفاق الملازمة بين متعلقي الحكمين‏

مثل صورة لزوم استدبار القبر المطهر للإمام عليه السلام من إتيان الصلاة إلى القبلة فان هذا من موارد

الاتفاق و ليس دائما كذلك فيكون من باب التزاحم.

اما في صورة كون الملازمة دائمية فيكون من صغريات باب التعارض و هذا مثل‏

حرمة استدبار الجدي و وجوب الصلاة إلى القبلة ففي البلاد التي تكون مواجهة

القبلة دائما ملازمة مع استدبار الجدي كالعراق فلا يكون من باب التزاحم لامتناع‏

جعل الحكمين الذين يلزم من امتثال أحدهما مخالفة الآخر دائما.

القسم الثالث هو صورة اتفاق كون متعلق أحد الحكمين مقدمة لامتثال الحكم‏

الاخر كما في صورة لزوم الدخول في الدار المغصوبة لإنقاذ الغريق فان التصرف‏

فيها حرام و إنقاذ الغريق واجب مع عدم السبيل إلى النجاة الا بهذا النحو فهذا من‏

موارد المتزاحمين الذين لا بد من ملاحظة الأهمية في تقديم أحد الحكمين و إذا كان‏

هذا دائميا يكون من باب التعارض لما مر.

القسم الرابع هو ان يكون المضادة بين متعلقي الحكمين من باب الاتفاق‏


366
أيضا لا دائما مثل اتفاق نجاسة المسجد وقت ضيق وقت الصلاة.

و القسم الخامس هو ان يكون أحد المتعلقين مترتبا في الوجود و الامتثال على‏

الاخر مثل وجوب القيام في ركعات الصلاة مع عدم قدرة المكلف الا للقيام في ركعة

واحدة اما الأولى أو الثانية فان التزاحم بين الخطابين من باب عدم القدرة الا على‏

امتثال أحد الخطابين فهذه الخمسة جملة أقسام التزاحم.

ثم الثمرة في جعل الخطابين في باب التزاحم في مقام الإنشاء هو عدم احتياج‏

المولى إلى إنشاء جديد بعد حصول القدرة على الامتثال بواسطة الجهل بالحكم‏

الاخر هذا كلامه رفع مقامه.

و يرد عليه أولا بان البحث في التزاحم و التعارض يكون من جهة الرجوع‏

إلى مرجحات كل باب في مقام الدوران فان الملاك في تقديم أحد الأطراف في باب‏

التزاحم هو أقوائية الملاك في أحد الأطراف عند العقل و في باب التعارض هو أقوائية

السند في أحدهما عند الشرع و الجعل في مقام الإنشاء و عدم الجعل في ذاك المقام غير

مربوط بما نحن في صدده فان الحاكم في التزاحم هو العقل و هو يرى المصادمة في‏

الملاك و لا ينظر إلى إمكان الجعلين و عدمه في مقام الجعل،

و ثانيا ان المولى في مقام‏1الإنشاء كيف ينشئ الحكم على غير القادر مع‏

1أقول ان كان المراد بالإنشاء هو الاخبار بمطلوبية كلا المتزاحمين فهو غير مربوط

بعالم الامتثال فمن الممكن ان يكتب المولى في دفتر قانونه ان المطلوب و المحبوب لي هو

إنقاذ الغريقين و لو من زيد و لكن في مقام الخطاب لا يبعث الا بواحد و ان كان ينتف لحيته‏

في مقام الجعل من جهة عدم قدرة العبد على الامتثال بالوجدان.

و معناه انه لو فرض انقلاب حاله من عدم القدرة إلى القدرة لكان التكليف فعليا

بالنسبة إلى الجميع.

و لا تنحصر الثمرة بصورة الجهل بأحد المتزاحمين بل في صورة العلم مع انقلاب حاله‏


367
ان القدرة شرط عقلي لكل تكليف فاما ان يكون الإنشاء بنحو الإهمال و هو ممنوع‏

و اما بنحو الإطلاق و هو أيضا ممنوع لعدم القدرة.

فلا بد ان يكون مقيدا بصورة عدم إتيان الاخر فلا يمكن الإنشاء في مقامه‏

أيضا كما لا يمكن فعلية التكليف بالنسبة إلى الطرفين في مقام الامتثال فالفرد الغير

المقدور لا إنشاء بالنسبة إليه.

و لا ثمرة لذلك أيضا فان التكليف بنفس انحلاله يشمل في صورة الجهل بأحد

المتزاحمين للفرد الاخر المعلوم و لا نحتاج إلى الإنشاء كذلك.

إلى القدرة لا يحتاج إلى تكليف على حدة.

مضافا بأنه قده يكون في مقام بيان المائز ثبوتا و لو لم يترتب عليه الثمرة كما يقول‏

مد ظله ان التكليف بانحلاله على الافراد يغنى عن جعله كذلك.

و ان كان هذا في خصوص مثل الأمر بالإنقاذ بلحاظ الفردين و اما مثل الأمر بالصلاة

و بالإزالة عن المسجد فلا ينحل امر الصلاة على الإزالة كما لا يخفى.

و من هنا ظهر ان ما قاله مد ظله من الإشكال الأول عليه لا يتم من جهة ان المائز

الثبوتي إذا كان كذلك يفيد في مقام الرجوع إلى المرجحات و التزاحم و ان كان في‏

الملاك و لكن الحكم يجعل التكليفين إنشاء معناه ثبوت الملاكين بل ثبوت الجعل‏

في طولهما أيضا.

و اما قوله مد ظله بالتزاحم على فرض كون التركيب بين الصلاة و الغصب اتحاديا في‏

اشكاله الثالث فائضا لا يتم لأنه بعد عدم إمكان الانفكاك في أي وقت كيف يمكن الإنشاءان‏

فان الملاك في التزاحم هو عدم القدرة على الامتثال الّذي يمكن انقلابه إلى القدرة

و اما عدم القدرة الدائمية فهي مانعة عن الجعلين،

و من هنا ظهر الإشكال في الإشكال الرابع فان دوام التنافي مانع عن الجعل.

و المولى الحكيم لا يكون لاغيا في جعل التكليفين في صورة التفات المكلف و في‏

صورة الجهل بأحد العنوانين لا يكون الجعل من أول الأمر الا واحدا.


368
و ثالثا ما قال من ان التزاحم في القسم الأول يكون في صورة كون التركيب‏

بين الصلاة و الغصب انضماميا لا اتحاديا لا يتم لأنه على فرض الاتحاد أيضا يمكن‏

تعلق الأمر و النهي في مقام الإنشاء بالجهة لأنه على فرض الاتحاد أيضا لا إشكال‏

في تعدد الجهة.

و ثمرته هو بقاء أحد الإنشاءين في مقام الفعلية أيضا عند الجهل بأحد العنوانين‏

فان الصلاة صحيحة عند الجهل بعنوان الغصب.

و رابعا لا وجه لما كرره قده من ان الملازمة الدائمية توجب كون المورد من‏

صغريات باب التعارض لأنه إذا أحرزنا الملاك لكل جهة من الجهات لا بد من تقديم أقوى‏

الملاكين لا تقديم أقوى السندين الّذي هو ملاك الترجيح في باب التعارض.

و ذلك لما ذكرنا من ان البحث في عنوان التزاحم و التعارض يكون لفهم الرجوع‏

إلى مرجحات هذا الباب أو ذاك و لا أدري كيف منع الملازمة الدائمية عن القول بجعل‏

الإنشاءين الّذي هو مسلكه قده في باب التزاحم فان قلت كيف يبقى الملاك لهما مع‏

العلم بسقوط أحد الخطابين قلت سيجي‏ء الجواب عن هذا بما حاصله هو بقاء الملاك‏

بعد سقوط الخطاب أيضا.

و خامسا ان‏1التكاذب في الجعل مطلقا لا يكون ملاك التعارض‏

فربما يكون التكاذب في الجعل و يكون من باب التزاحم كما في العامين من‏

1أقول قد مر منا في الجزء الأول من الكتاب ان مورد الاجتماع في العامين من‏

وجه لا يرجع فيه إلى مرجحات باب التزاحم و لا التعارض لأنه يلزم منه التبعيض في السند

على فرض الرجوع إلى المرجحات في باب التعارض.

و الخطاب ساكت عن مورد الاجتماع فان العالم الفاسق موضوع على حدة فلا بد من‏

بيان حكمه بدليل آخر غير خطاب أكرم العالم و لا تكرم الفاسق فلا يرجع فيه إلى مرجحات‏

باب التزاحم أيضا بل يرجع إلى الأصل العملي لو لم يوجد دليل اجتهادي لبيان حكمه.


369
وجه فان التكاذب يكون من جهة فعلية التكليف و انحلاله و لا يكون التكاذب في‏

مقام الإنشاء.

فتحصل ان كلامه قده لا يمكن التزامه بوجه.

و الحق عندنا كما مر في صدر البحث هو ان الملاك في باب التزاحم هو تعدد

العنوان مع عدم القدرة على الامتثال بالنسبة إلى كليهما و ملاك التعارض وحدة

العنوان.

و مع تعدد العنوان لا فرق بين الحكمين إذا كانا من سنخ واحد كالوجوب في‏

مثل صل و أزل النجاسة عن المسجد أو كانا من سنخين كالواجب و الحرام في مثل صل‏

و لا تغصب و في الصلاة و الغصب لا فرق بين ان يكون التركيب في مورد الاجتماع انضماميا

كما هو رأى بعض أو اتحاديا كما عن آخر فان عنوان الصلاة غير عنوان الغصب فيكون من‏

باب التزاحم لا التعارض.

فما عن شيخنا النائيني قده من الفرق بين التركيب الاتحادي و الانضمامي في‏

الصلاة في الدار المغصوبة من قوله بالتعارض على الاتحادي و بالتزاحم على الانضمامي‏

غير وجيه بعد تعدد العنوان هذا كله في البحث في مقام الثبوت.

الجهة الثانية

في إثبات التزاحم و التعارض من الخطاب‏

و لا بد في هذا المقام من إثبات وجود الملاكين مع عدم القدرة على الاجتماع‏

ليحصل التزاحم بينهما فيرجع إلى مرجحات هذا الباب و العمدة هنا التوجه إلى ان‏

أحد الخطابين إذا سقط عن الحجية فمن أين يثبت الملاك بعد سقوط الخطاب ضرورة ان‏

كشفه كان بالخطاب لعدم الطريق إلى المصالح و المفاسد عند الشرع الا بالكاشف الّذي‏

هو الخطاب.

و لهم في إثبات الملاك بعد سقوط الخطاب طريقان الأول و هو المشهور من‏


370
من التمسك بإطلاق المادة بعد سقوط إطلاق الهيئة عن مورد الابتلاء بالمزاحم فان‏

إنقاذ هذا الغريق واجب في صورة عدم وجوب إنقاذ ذاك مع عدم قدرة العبد على الجمع و

بالعكس و لكن ما سقط يكون هو الأمر.

و اما إطلاق مصلحة الإنقاذ حتى لصورة عدم القدرة فلا مانع منه فنفس الإنقاذ

فيه المصلحة و لو كان في الفرد مزاحما بالفرد الاخر من جهة عدم القدرة على‏

الامتثال و هذا العدم تقيد المصلحة و الملاك بالقدرة في لسان الشرع و انما هي شرط

عقلي في مقام الامتثال.

فإطلاق المادة يثبت الملاك حتى في صورة عدم القدرة على الامتثال و لذا في‏

صورة الشك في القدرة لا بد من الإقدام على العمل حتى يظهر عدمها فلو كانت‏

شرطا شرعيا للتكليف لم يكن وجه لوجوب الإقدام بدون إحرازه فهذا الوجه دليل‏

على ثبوت الملاك بعد سقوط الخطاب.

و يرد عليه ان التمسك بإطلاق المادة يكون صحيحا في صورة عدم وجود

ما يحتمل القرينية في المقام و في المقام نحتمل ان يكون الملاك مختصا بصورة وجود

الخطاب فبسقوطه نحتمل سقوط الملاك و عدم بيان المولى قيد القدرة يمكن ان يكون‏

اتكالا على سقوط الخطاب فان سقوطه يحتمل ان يكون بيانا لسقوط الملاك بعدم القدرة

فهذا الطريق غير تام عندنا.

و الحاصل لا بد من تقييد الخطاب في أحد المتزاحمين بعدمه على الاخر لعدم‏

القدرة و لا يمكن القول بإطلاق كون المادة ذات مصلحة و لو بدون الخطاب بصرف‏

عدم ذكر القيد لاحتمال سقوطها بسقوطه.

الطريق الثاني و هو المختار هو ان سقوط الخطاب عن الحجية لا يوجب سقوط

الملاك و ان الملاك في حدوثه و ان كان متوقفا على الخطاب و اما في بقائه يمكن ان‏

لا يكون متوقفا عليه.

لأن للخطاب مدلول مطابقي و مداليل التزامية فان المدلول المطابقي هو


371
البعث بالوجود و في طوله المداليل الالتزامية و هي كون المكلف به تحت إرادة

الآمر و كونه محبوبا له و كونه عن ملاك ضرورة ان ملاحظة الملاك مما يوجب‏

محبوبية الشي‏ء مما يوجب الإرادة و الجزم و العزم على طلبه و هذه الظهورات للخطاب‏

مما لا ينكر.

و كل في طول الاخر من جهة التكوين و لكن لا إشكال في اعتبار المعتبر

حجية الجميع عرضا لا طولا فإذا سقط الخطاب عن الحجية لا يسقط الظهور في‏

الملاك و المحبوبية و ان سقطت الإرادة الفعلية التي لازمها البعث نحو العمل‏

فأحد الخطابين و ان سقط عن الفعلية في المتزاحمين و لكن الملاك باق بحاله‏

فيتزاحمان.

فان قلت الإشكال السابق الّذي توجه إلى القائلين بإطلاق المادة من احتمال‏

قرينية الخطاب لكون المادة مقيدة بصورة القدرة على الامتثال يكون متوجها عليكم‏

أيضا لاحتمال دخل القدرة في الملاك و عدم ذكر الدخل لعله من جهة اتكال المولى‏

على ان المكلف يلتفت إليه بواسطة سقوط الخطاب فكيف يمكن إحراز الملاك‏

بعد سقوطه.

قلت ليس كل ما يحتمل قرينيته موجبا لصرف الإطلاق فان القرائن العقلية

على قسمين قسم محفوف بالكلام و قسم لا بد فيه من التدبر و التعقل في مرتبة ما دون‏

الخطاب و المقام يكون من هذا القبيل.

و لذا ترى مثل شيخنا النائيني قده يقول بإمكان التكليف في مقام الإنشاء

بالنسبة إلى المتزاحمين دون المتعارضين فلا يكون صرف الخطاب مثل صل و أزل‏

النجاسة عن المسجد بحيث يحكم العقل بسقوط أحد الخطابين واحد الملاكين‏

ابتداء.

و هكذا ترى بعضهم يقول بجواز اجتماع الأمر و النهي في الواحد ذي الجهتين‏


372
كالصلاة في الدار المغصوبة1.

و الحاصل لا يمكن الاتكال على سقوط الخطاب في تقييد الملاك بالقدرة.

و من الشواهد لنا على بقاء الملاك بعد سقوط الخطاب هو قولهم بالتزاحم‏

في الملاكين فلو لا بقائهما كيف يمكن القول بالتزاحم.

و من الشواهد قولهم بالترتب فانه لو لا بقاء ملاك الأقوى و الأضعف كيف‏

يمكن القول بالخطاب بالنسبة إلى المهم بعد سقوط خطاب الأهم بالعصيان فلا بد

من القول ببقاء الملاك بعد سقوط الخطاب فتحصل ان إثبات التزاحم يكون‏

بواسطة إثبات الملاكين و لو لم تكن القدرة الا لامتثال أحدهما هذا ملاك إثبات‏

التزاحم.

و اما التعارض فهو ان وحدة العنوان بنفسها شاهدة على عدم إمكان البعث و الزجر

بشي‏ء واحد فان الصلاة في يوم الجمعة كيف يمكن ان تكون مأمورة بها و منهية

1أقول القدرة شرط عقلي لكل خطاب قبل ملاحظة المزاحمة و سقوط الخطاب‏

لعدمها و من القرائن الحافة فكما نحتمل سقوط إطلاق المادة بسقوطه كذلك نحتمل‏

سقوط المداليل الالتزامية بواسطة سقوط الخطاب.

و صرف احتمال اعتبار حجية المداليل الالتزامية في عرض المطابقية لا يكفى لإثباته‏

بعد عدم الدليل من الشرع عليه مع ان العلة للحدوث هو الخطاب و هو الكاشف فقط فإذا

كان انحلال الخطاب على الأحمد مثلا محالا لعدم القدرة فلا يكفى وجود الملاك لوجود

الخطاب على المحمود.

و الحاصل مع عدم استعداد زيد لتأثير مصلحة الصلاة في وجوده في هذا الوقت الخاصّ‏

يكون القول بوجود المصلحة الفعلية له في هذا الوقت من المحال.

و لذا لا نقول بوجود الملاكات الفعلية في التزاحم كما في التعارض غاية الأمر العلم‏

الإجمالي بوجود خطاب واحد في البين هو الموجب للقول بوجوب امتثال واحد مع كونه‏

من الدوران بين المحذورين.


373
عنها و ثمن العذرة كيف يمكن ان يكون سحتا و غير سحت فان كل واحد من‏

الخطابين يكذب الخطاب الاخر.

و بتقريب آخر ان الأمر كاشف عن المصلحة في المأمور به و النهي كاشف‏

عن المفسدة في المنهي عنه و العقل يحكم بأنه اما يلزم طرد المصلحة بالمفسدة أو

طرد المفسدة للمصلحة لعدم إمكان الاجتماع و لا فرق في هذه الجهة بين كون المضادة

و المناقضة بنحو يجب و لا يجب أو يجب و يحرم و بين العام و الخاصّ مثل صل و لا تصل في‏

الحمام أو بنحو العامين من وجه مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق فان العالم‏

الفاسق الّذي هو متعلق متعلق التكليف و هو الإكرام لا يمكن اجتماع أكرم و لا-

تكرم عليه.

فتحصل ان التنافي الحكمين الذين لا يمكن اجتماعهما بوجه في عنوان واحد

هو ملاك التعارض.

غاية الأمر الحاكم في المتزاحمين هو العقل و هو حيث يرى المانع لفعليتهما

قصور المكلف يحكم بأن الضرورات تتقدر بقدرها فلذا يحكم بتعيين الأهم أو محتمل الأهمية و

بالتخيير مع التساوي و لا شك للعقل في حكمه.

و اما في المتعارضين فحيث يكون المانع من جهة بيان الشرع فيلاحظ بيانه في‏

المرجحات و هكذا في صورة عصيانه امر الأهم لا يرى المولى مرفوع اليد عن المهم فيثبت‏

امره بالترتب.

حتى ان اخبار المولى بوجود الملاكين لا بد ان يكون على فرض حصول القدرة

لا مطلقا فالحق في المقام مع من ينكر بقاء الملاك بسقوط الخطاب كما عن الجواهر و

المحقق و البهائي(قدس سرهم)


374
الجهة الثالثة في مرجحات باب التزاحم‏

فنقول بعد تمام الكلام في ضابطة التعارض و التزاحم فلا بد لنا من البحث‏

في مرجحات باب التزاحم(و اما مرجحات باب التعارض فسيأتي مفصلا لئلا تتداخل‏

المرجحات)و هي أمور كما ذكره شيخنا النائيني قده.

الأول تقديم المضيق على الموسع مثل وجوب أداء الدين بالنسبة إلى الصلاة

إذا كانت موسعة الوقت فان أداء الدين مقدم و إتيان الصلاة مؤخر.

و استدل له بأن المقتضى للأداء في هذا الوقت تام و اما الصلاة بالنسبة إلى هذا

الوقت تكون لا اقتضاء لوسعة وقتها و المقتضى مقدم على اللااقتضاء.

و فيه ان أصل المدعى صحيح من جهة تقدم أداء الدين على أداء الصلاة لكونه‏

أهم و اما الاستدلال فغير تام لأن وجوب الصلاة بانحلال الأمر على الطبيعي يكون‏

أيضا مقتضيا في ظرف أداء الدين‏1فيكون من باب تزاحم المقتضيين.

الثاني تقديم ماله البدل على ما لا بدل له و مثاله ما إذا كان للمكلف الماء الّذي‏

لا يفي الا بإزالة الخبث عن الثوب و البدن أو بتحصيل الطهارة عن الحدث فهنا قيل ان‏

الطهارة عن الحدث لها بدل و هو التيمم و اما إزالة الخبث فحيث لا بدل لها فهي‏

متقدمة.

و استدل شيخنا النائيني قده للتقديم بهذا الوجه بتقريبين الأول ان الخطاب‏

فيما له البدل لا اقتضاء له بالنسبة إلى ما لا بدل له و لذا يجوز إهراق الماء قبل الوقت‏

1أقول لعل مراد القائل بالاقتضاء في المضيق هو انه يحكم بان الوقت يكون لي‏

لا لغيري و اما الأمر الصلاتي مثلا فلا يحكم بأن الوقت لها هو هذا لا غير بل يحكم بوجوبها

في هذا الوقت أو غيره.

و انحلال الأمر لا يضاد هذا المعنى فانه من مقومات القول بالتزاحم ضرورة عدمه بدونه.


375
اختيارا ليصير موضوعا لحكم البدل و هو دليل التيمم كما ان المسافر له ان يجعل‏

نفسه حاضرا ليشمله تكليف الصلاة تماما و بعكسه الحاضر.

و فيه ان البدل لو أحرزنا وفائه بتمام مصلحة المبدل يكون لما ذكره وجه‏

و لكن ليس كذلك في جميع الموارد فان الملاك احتمال الأهمية نعم لو كان لنا دليل‏

في خصوص تقديم إزالة الخبث بالماء و تبديل الطهارة المائية بالطهارة الترابية فلا غرو في‏

التقديم.

التقريب الثاني له قده هو ان الأمر إذا دار بين المقيد بالقيد الشرعي و بين‏

المقيد بالقيد العقلي فالمقدم هو المقيد بالقيد العقلي ففي باب التيمم انا إذا لاحظنا

قوله تعالى فان لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا يكون قيد الطهارة المائية هو الوجدان‏

بقرينة المقابلة فيرجع إلى قولنا ان وجدتم الماء فتوضئوا و ان لم تجدوا فتيمموا

فعليه إذا صرف الماء في إزالة الخبث لا يكون واجدا للماء الّذي هو قيد الطهارة

عن الحدث.

و فيه ان البدل في الآية مقيد بعدم الوجدان و لا يصير المبدل مقيدا بالوجدان‏

شرعا بل الوجدان فيه قيد عقلي فلا تقديم لإزالة الخبث عليه و لا يكون أدب العرب‏

مقتضيا لصرف الكلام إلى هذا النحو من القيد و المقيد1.

الثالث تقديم المقيد بالقدرة العقلية على المقيد بالقدرة الشرعية و مثاله‏

المعروف في الفقه هو انه إذا نذر زيارة قبر الحسين سيد الشهداء عليه السلام و روحي له الفداء في وقت مخصوص مثل يوم عرفة فحصلت القدرة و الاستطاعة له‏

في السنة بحيث يمكنه الحج أو الزيارة له عليه السّلام أو يمكنه الجمع بينهما لو لا وحدة

1أقول و على فرض التسليم فيكون الكلام في تقديم المقيد بالقيد العقلي على المقيد

بالقيد الشرعي و انه لا وجه لصرف القدرة في المقيد بالقيد العقلي ليذهب موضوع الحكم‏

المقيد بالقيد الشرعي كما سيأتي منه في الوجه الثالث بعد هذا الوجه.


376
الموسم فقيل ان وفاء النذر مقدم على الحج فيأتي به و يترك الحج في هذه السنة فإذا

صرف القدرة في النذر لا يبقى موضوع للحج لعدم وجود الملاك له بواسطة عدم‏

القدرة التي هي دخيلة فيه.

و فيه أولا ان القدرة في النذر أيضا شرعية لا عقلية كما ان صاحب الجواهر

قده في النذر قال بهذا القول استفادة من أدلته.

و ثانيا يمكن ان يقال بأن القدرة عقلية فيهما و لا ترجيح لصرفها في النذر

حتى لا يبقى موضوع للحج فلا بد من ملاحظة أهمية كل واحد منهما من الأدلة في‏

الحج و زيارة مولانا الحسين عليه السّلام‏

و اما وجه تقديم ما تكون القدرة شرطا عقليا فيه على ما كانت القدرة شرطا

شرعيا فقال شيخنا العراقي انه هو دخل القدرة الشرعية في الملاك فحيث فقد الشرط

فقد المشروط و هذا بخلاف القدرة العقلية فان الملاك في متعلق التكليف محرز

من أول الأمر.

و قد أجاب شيخنا الحائري قده على ما سمعنا منه في الدرس بأن كل‏

قيد أخذ في لسان الدليل دخيل في الملاك الا القدرة فان أخذها فيه لا يحرز كونها

دخيلة في الملاك لاحتمال كونه من باب الإرشاد إلى ما حكم به العقل ضرورة ان‏

القدرة شرط امتثال كل التكاليف ففي المقام لا ترجيح للحج على الوفاء بالنذر بصرف‏

كون القدرة مأخوذة في الخطاب بقوله تعالى للّه على الناس حج البيت من استطاع‏

إليه سبيلا.

الرابع من موارد التقديم في المتزاحمين هو كون المتعلق للتكليف متدرجا

في الوجود من حيث الامتثال كما إذا كان الشخص قادرا على القيام اما في الركعة

الأولى أو الثانية.

فعن شيخنا النائيني قده هو تقديم القيام في الركعة الأولى و هو على حسب‏

مبناه تام لأن مبناه في الواجب هو ان فعلية الحكم تكون بفعلية الموضوع و الموضوع‏


377
للقيام في الركعة الأولى و هو القراءة مقدم على الموضوع في الركعة الثانية.

و اما على ما هو التحقيق من فعلية الحكم قبل فعلية الموضوع فلا بد من القول بالتخيير

الا إذا احتمل الأهمية في الركعة الأولى‏1لعدم الترجيح بعد كون الحكم بالنسبة

إليهما متساويا.

و ما قيل من ان الوجوب في الركعة الأولى مطلق و في الركعة الثانية معلق‏

على مجي‏ء وقتها فالحكم في الأولى منجز و في الثانية معلق فيقدم المنجز على المعلق‏

فلا وجه له عندنا لأن الحكم في الواجب المعلق أيضا فعلى قبل الوقت.

فتحصل ان ما ذكر ملاكا للتقديم في باب التزاحم لا يتم و الملاك هو إحراز

الأهمية أو احتمالها ففي أي صورة كان فيكون هو الملاك للتقديم كما انه كذلك‏

في صورة الدوران بين الموسع و المضيق.

ثم القول بالتخيير في باب التزاحم يكون من جهة حكم العقل و في باب‏

التعارض من جهة حكم الشرع بعد كون الأصل الأولى التساقط و ثمرة التخيير العقلي‏

و الشرعي‏2قد مر في الجزء الأول عند بيان اجتماع الأمر و النهي فلا نعيد

رعاية للاختصار.

1أقول و كفى في احتمال الأهمية هو ان الارتكاز العرفي في أمثال المقام على‏

لزوم صرف القدرة في الركعة الأولى و إرجاع الأمر فيما بعده إلى اللّه تعالى فلعل اللّه يحدث‏

بعد ذلك امرا و عليه بناء العقلاء.

2أقول بل و عمدة مباحث ضابط التزاحم و التعارض أيضا قد مر فيه كما ترى في‏

الجزء الأول من هذا الكتاب.


378
الجهة الرابعة

في ان التعارض بين الدليلين لا بد ان يكون في مورد واحد

بحيث لا يمكن‏

الجمع الدلالي سواء كان التعارض هو تنافي الدالين كما عن المحقق الخراسانيّ‏

قده أو تنافي الحجتين كما نحن نقول به و أرجعنا إليه كلامه أو تنافي الدليلين‏

كما عن الشيخ الأعظم قده و لذا قد خرج عن حكم المتعارضين موارد كالدليل‏

الحاكم بالنسبة إلى الدليل المحكوم و الوارد بالنسبة إلى المورود و العام و الخاصّ‏

و المطلق و المقيد و الظاهر و الأظهر فان الجميع مشترك في وجود الجمع العرفي‏

و عدم المعارضة بعد التعمق و التدبر.

و لكن لا بد من بيان خصوصية الموارد الخارجة عن حكم المتعارضين فلا يقال‏

أي فرق بين الموارد بعد وجود الجمع العرفي بعد التدبر و وجود التنافي في بدو الأمر

لأنا نقول البحث في خصوصية كل واحد منها من جهة الثمرة المترتبة عليه فان الثمرة

بين كون أحد الدليلين مقدما على الآخر بالحكومة توسعة أو تضييقا في الموضوع‏

و بين كونه مقدما بالتخصيص هي ان الحاكم مقدم على المحكوم و ان كان أضعف‏

ظهورا منه بخلاف العام و الخاصّ فان تقديم الخاصّ على العام يكون من باب تقديم‏

أقوى الظهورين على الاخر فربما يكون ظهور العام في العموم أقوى من ظهور الخاصّ‏

لإباء العام عن التخصيص و ربما يكون بالعكس و هذه ثمرة مهمة بينهما.

فنقول قال الشيخ الأعظم في ضابطة الحكومة ان الحاكم لا بد ان يكون‏

بمدلوله اللفظي شارحا للمحكوم و ناظرا إليه و لذا لا بد ان يكون المحكوم مقدما

عليه ليكون الحاكم ناظرا إليه و الا فلا يكون الموضوع لها متحققا و مثاله ما إذا أورد

لا شك لكثير الشك بعد ما ورد من شك بين الثلاث و الأربع بني على الأربع فموضوع‏

دليل البناء على الأربع هو الشك و الحاكم ينفى الموضوع من جهة نفيه الشك‏

فيكون شارحا لدليل البناء على الأربع و ناظرا إليه بالتصرف في موضوعه لا من جهة


379
التخصيص في الحكم فقط فما لم يكن الحكم السابق في البناء على الأربع أو غيره‏

في الشكوك لا يبقى معنى لقول القائل لا شك لكثير الشك.

كما ان الأدلة الثانوية من اللاحرج و اللاضرر تكون ناظرة إلى الأدلة الأولية

في الأحكام مثل الوضوء الضرري و الحرجي.

و قد أشكل عليه المحقق الخراسانيّ قده في الفوائد أولا بما حاصله هو ان‏

الحاكم لا يلزم ان يكون شارحا للفظ ليرجع الكلام إلى كون الحاكم شارحا له‏

بأي التفسيرية أو أعني بل المهم هو نظر الحاكم إلى المحكوم و رفع التنافي بأي‏

طور كان بنحو التوسعة في الموضوع مثل فرض غير العالم عالما بعد قوله أكرم‏

العلماء أو فرض الموضوع كالعدم تضييقا مثل لا شك لكثير الشك.

و الجواب عنه قده ان مراد أستاذه قده هو ان يكون الشارح من الأدلة

اللفظية سواء رجع إلى التفسير بأي و أعني أم لا و ذكر اللفظين يكون من باب المثال‏

في مقابل الأدلة العقلية فان قوله عليه السّلام لا شك لكثير الشك دليل لفظي شارح للموضوع‏

في أدلة الشكوك في الصلاة.

و قد أشكل ثانيا بأن تقديم المحكوم غير لازم في الحكومة لأن الحاكم دليل‏

مستقل غير محتاج إلى المحكوم فأن الأمارات متقدمة على الأصول بنفس دليلها

و لا شك لكثير الشك له معنى مستقل و كذلك اللاحرج و اللاضرر فلا نحتاج إلى تقديم‏

المحكوم شرعا.

و الجواب عنه ان الحاكم و المحكوم متضايفان فانه كيف يمكن الانفكاك بينهما

فان الأبوة لا تنتزع من شخص لا ابن له و بالعكس فكيف يكون الحاكم حاكما مع‏

عدم المحكوم له فالحاكم الفعلي محتاج إلى محكوم فعلى فالحق مع الشيخ الأعظم‏

في بيانه.

ثم ان هذا التعريف في الحاكم في موارد تطبيقه على المصداق لا يخلو عن‏

مناقشة فمن الموارد تقديم الأمارات على الأصول بالحكومة و لا يخفى ان المراد


380
تقديم دليل حجية الأمارة على الأصل لا المصداق الّذي يكون التنافي فيه كتقديم‏

الأصل السببي على المسببي بالحكومة أو المورد الّذي يكون مصداقا للأمارة و الأصل‏

فان التنافي بينهما واضح.

و وجه المناقشة في الحكومة هو ان الأمارات على مسلكه قده حجة من باب‏

تنزيل مؤداها منزلة الواقع لا من باب تتميم الكشف الّذي يكون هو الحق عندنا فإذا

كان موضوع الأصل هو الشك و مورد الأمارة أيضا كان الشك فيكون التنافي بينهما

في المورد و الأصل و ان لم يكن المدلول الالتزامي له حجة و لكن يكون حجة

في مدلوله المطابقي فيحكم الأمارة بترتيب أثر الواقع و يحكم الأصل بترتيب أثر

المشكوك و غاية الشك هو العلم و هو غير حاصل بتنزيل المؤدى فقط فإذا قال عليه السّلام‏

كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام يكون غايته حاصلة عندنا بعد وجدان‏

الأمارة على الحرمة لأنها علم تعبدي و لا تكون الغاية حاصلة على مبناه لعدم إفادة

التعبد الا ترتيب الأثر.

الا ان نقول انتصارا له ان المراد بالعلم الّذي هو الغاية أعم من العلم بالواقع‏

الواقعي أو العلم بالواقع التعبدي فعليه من قامت عنده الأمارة يكون له العلم الواقع‏

التعبدي للزوم ترتيب أثر الواقع على ما أدت إليه الأمارة و ان لم يقل به قده.

و لكن مع هذا يكون الفرق بين ما نقول من تتميم الكشف و بين هذا القول‏

متحققا فان الغاية حاصلة على الثاني و الموضوع أيضا باق و هو الشك و اما على الأول‏

فالموضوع أيضا منتف لرجوعه إلى قولنا أيها الشاك قد انقلبت عالما بقيام الأمارة

عليك و رجوع البيان الثاني إلى قولنا أيها الشاك يكون الواقع عندك بقيام‏

الأمارة.

و هكذا تكون المناقشة في الحكومة على مبنى المحقق الخراسانيّ قده لأنه‏

قائل بجعل الحجية في الأمارات فغاية الأصل و هي العلم غير حاصلة على هذا المبنى‏

أيضا لأن من له الحجة لا يكون عالما و لذا يعترف قده بان الحكومة لا أصل لها و تقديم‏


381
الأمارة على الأصل يكون بالجمع العرفي و لكن مبناه غير تام عندنا لأنه خلاف‏

ظاهر أدلة حجية الأمارات و ظاهر تتميم الكشف بإلقاء احتمال الخلاف.

فتحصل ان الحاكم هو الشارح لموضوع المحكوم توسعة و تضييقا و حكومة

الأمارات على الأصول لا إشكال فيها عندنا و فرقها مع التخصيص هو ان الحاكم هو شارح‏

اللفظ و التخصيص يكون في الحكم بحكم العقل و عليه فحكومة الأدلة الثانوية مثل‏

اللاضرر و اللاحرج على الأدلة الأولية واضحة عندنا و على مبنى المحقق الخراسانيّ‏

قده أيضا لأنه يقول الموضوع الضرري مثلا منفي بلحاظ حكمه فالوضوء الضرري‏

عنده خارج موضوعا عن الوجوب و نحن نقول بنظر الأدلة الثانوية إلى الأدلة

الأولية نظر الشارحية للموضوع فالوضوء الواجب لا يكون هو الوضوء الضرري.

و اما على مبنى الشيخ الأعظم قده من ان المنفي هو الحكم يعنى الوضوء

الضرري لا يكون له حكم الوجوب فيكون من باب التخصيص في الحكم هذا حال‏

الحكومة.

اما الورود الّذي هو خارج عن بحث التعارض فهو يكون من جهة عدم الموضوع‏

للمورود واقعا ببركة التعبد لا بالوجدان ففي المثال موضوع دليل البراءة هو

عدم البيان و الأمارات بيان فلا موضوع للأصل واقعا ببركة التعبد بمفاد الأمارة.

في التفصيل في مائز الحكومة و التخصيص‏

ثم لا بأس بذكر مائز الحكومة و التخصيص و الجمع العرفي الّذي عليه المحقق‏

الخراسانيّ قده هنا بعد الإشارة إليه فيما سبق فنقول المائز أمور.

الأول ما عرفت من ان الحكومة هي التوسعة و التضييق في الموضوع‏

و التخصيص هو الخروج عن العموم في الحكم فقط.

الثاني تقديم الحاكم على المحكوم و لو كان أضعف ظهورا من المحكوم‏

بخلاف التخصيص فان تقديم الخاصّ على العام يكون بملاك أقوائية الظهور للخاص‏


382
لأنه نصّ فلو فرض العام أقوى في الظهور لإبائه عن التخصيص مثلا فهو المقدم و سره‏

عدم المعارضة بين الحاكم و المحكوم أصلا لأن وزانهما و زان القرينة و ذي القرينة

مثل قول القائل رأيت أسداً يرمي.

و ليس و زان التخصيص كذلك بل العقل عند الجمع بين الخطابين يحكم‏

بخروج الخاصّ عن حكم العام فليس و زان لا تكرم زيدا من العلماء بالنسبة إلى‏

أكرم العلماء و زان القرينة للمراد من العام بخلاف مثل لا شك لكثير الشك في طول‏

بيان حكم الشاك بين الثلاث و الأربع.

الثالث ان العام بواسطة كثرة التخصيص المستهجن يسقط عن الظهور رأسا

بخلاف المحكوم فان ظهوره بحاله و ان كانت الحكومة موجبا لخروج أكثر

الافراد عن تحته و سره ان الحاكم بمنزلة القرينة و ان لم يكن مثلها و يكون موجبا

لتقليل افراد الموضوع للمحكوم فكما ان العام إذا كان من أول الأمر قليل الافراد

لا تضر القلة بعمومه و لا يستهجن فكذلك الحاكم بخلاف التخصيص فانه يكون‏

في الحكم.

الرابع ان الإجمال المفهومي في الحاكم المنفصل يسري إلى المحكوم و لكن‏

إجمال الخاصّ المنفصل لا يسرى إلى العام و سره ان الحاكم يكون شارحا للمحكوم‏

فإذا كان مجملا يصير المراد من المحكوم مجملا فإذا كان الحاكم لا شك لكثير

الشك فشك في ان هذا الحكم يكون في الركعات فقط أو يشمل الشك في الاجزاء

أيضا فيكون موجبا للإجمال في أدلة بيان حكم الشكوك كما ان الإجمال في الخاصّ‏

المتصل يسرى إلى العام مثل أكرم العلماء الا الفساق منهم فانه إذا شك في ان مرتكب‏

الكبيرة فقط فاسق أو يصدق عنوان الفسق و لو مع إتيان الصغيرة ففي مرتكب الصغيرة

يكون العام مجملا لا يمكن التمسك بعمومه و مثله الحاكم و المحكوم فانه إذا كانت‏

الشبهة في مصداق الحاكم تكون في مصداق المحكوم أيضا.

و اما الخاصّ المنفصل فلا يسرى إجماله إلى العام لأن ظهور العام ينعقد قبل‏


383
مجي‏ء الخاصّ و لا يكون الخاصّ قرينة عليه و لا فرق في الحاكم بين كونه بأمثال‏

أي و أعني أو بالنظر فقط و هذا مسلك شيخنا العراقي قده خلافا للمحقق الخراسانيّ‏

قده فانه يقول بما حاصله على ما في الفوائد ان الحاكم في صورة كونه ناظرا إلى‏

المحكوم فقط يكون ناظرا إليه بمقدار دلالته لا بالمقدار المشكوك فإذا دار الأمر

بين الأقل و الأكثر فالخارج عن موضوع المحكوم هو الأقل لا الأكثر فلا يسري‏

إجماله إلى المحكوم و اما إذا كان بلسان أي و أعني شارحا للفظ المحكوم فيسري‏

إجماله إلى لأنه كالقرينة بالنسبة إلى المحكوم و قيل في جوابه ان الحاكم بماله‏

من المعنى الواقعي ناظر إلى المحكوم لا بالمقدار المتيقن منه فهو مطلقا موجب‏

لإجمال المحكوم إذا كان مجملا.

المائز الخامس بين الحكومة و التخصيص هو انه على فرض جواز التمسك بالعامّ‏

في الشبهة المصداقية للمخصص كما عن القدماء لا يجوز التمسك بالمحكوم في‏

الشبهة المصداقية في الحاكم لأنه شارح للمحكوم و يكون مثل الشبهة المصداقية

في القرينة كما إذا قيل رأيت أسداً يرمي و يكون الشك في ان الرمي كان بما يناسب‏

الإنسان حتى يكون المراد بالأسد الرّجل الشجاع أو بما يناسب الأسد كالرمي‏

بالحجر حتى يكون المراد به المعنى الحقيقي منه.

و الحق عندنا عدم التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية مطلقا لأن الحكم‏

لا يكون في وسعه إيجاد الموضوع لنفسه فلا فرق بين التخصيص و الحكومة من‏

هذه الجهة.


384
تذييل في تقديم بعض الأصول اللفظية على بعض‏

ثم ان البحث حيث كان في تقديم الأمارات على الأصول العملية في هذه الجهة

لا بأس بالبحث عن تقديم الأصول اللفظية بعضها على بعض ليتضح وجه الجمع بين‏

العام و الخاصّ و الحاصل ان الخارج عن مورد التعارض و أدلة الترجيح لا بد من بيان‏

وجه الجمع فيه.

و قد تعرض لهذا البحث الشيخ الأعظم قده و قد فصله شيخنا النائيني قده على‏

على ما في التقرير و قبل الورود في وجه تقديم الخاصّ على العام لا بد من تمهيد

مقدمة و هي ان اللفظ له ظهورات ثلاثة.

الأول الظهور التصوري و هو الّذي يخطر بالبال من اللفظ بعد العلم بوضعه‏

للمعنى كما ان لفظ الأسد وضع للحيوان المفترس فبمجرد سماعه أو رؤيته في الكتاب‏

يأتي هذا المعنى في الذهن.

الثاني الظهور التصديقي للفظ في الجمل بمعنى ما يحصل من التفاهم العرفي‏

عند المحاورة و هو الّذي يفهم العرف من الكلام فيقول قال زيد كذا و كذا و هذا

الظهور قد يوافق الظهور التصوري لمفردات الكلام و هو في صورة عدم احتفاف‏

الكلام بقرينة المجاز و قد يخالفه و هو صورة احتفافه بما هو قرينة المجاز فالقرينة

المتصلة في الكلام توجب صرف اللفظ عن معناه الوضعي إلى المعنى المجازي.

و الثالث الظهور التصديقي بمعنى تطابق اللفظ المستعمل الظاهر في المعنى‏

مع الإرادة الجدية بأن يقال ان المتكلم أراد بهذه الجملة هذا المعنى الّذي هو

ظاهره فان كل ما قال المتكلم لا يكون موافقا لإرادته بل ربما يكون لكلامه ظهور

لا يريده و يكون في صدد بيان إرادته بدال آخر كما إذا كان في صدد بيان مراده بقرينة

منفصلة أو علمنا من عادة المتكلم بيان مطلبه بذكر القرائن المنفصلة كما هو كذلك‏

على ما عرفنا من دأب الأئمة المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين فان بيانهم‏


385
يكون بالدليل المنفصل لمصالح لا نعرفها.

بل يأتي العام في كلام معصوم عليهم السّلام و يأتي الخاصّ في كلام معصوم آخر عليه السلام

فعلى هذا لا يمكن الأخذ بالظهورات التصديقية بهذا المعنى الا بعد الفحص عن القرينة

فلو لم توجد يؤخذ بالظهور و يحكم بأن الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجدية

ثم ان حجية ظهور العام اما ان تكون من باب أصالة عدم القرينة بعد ما كان‏

العام ظاهرا في العموم و نشك في وجود القرينة الصارفة عن ظاهره و اما من باب الظن‏

النوعيّ عند العقلاء فان اللفظ العام بدون ذكر القرينة يفيد الظن عندهم بان المراد

منه ما هو ظاهره.

و تظهر الثمرة في صورة الشك في وجود المانع أو الشك في مانعية الموجود

فعلى فرض عدم جريان الأصل في صورة الشك في مانعية الموجود يفيد الظن النوعيّ‏

للتمسك بالظهور و لو لم يجر أصالة عدم مانعية الموجود و اما على فرض القول بجريان‏

أصالة عدم المانع مطلقا فلا ثمرة1للنزاع في ان الحجية من باب الظن أو من‏

باب الأصل لعدم مورد افتراق بينهما.

1أقول في صورة عدم حصول الظن في مورد و ان قلنا بجريان أصالة عدم مانعية

الموجود أو أصالة عدم قرينية الموجود تظهر الثمرة بين المسلكين أيضا فان كان المدار

على الظن النوعيّ فحيث لا يكون لا يفيد الكلام الظهور.

و على فرض كون المدار على الأصل فيحصل الظهور بجريانه كما ان الخاتم في الإصبع‏

إذا كان له وسعة فيحصل الظن بوصول الماء إلى البشرة في الوضوء و اما إذا كان بمكان‏

من الضيق فربما يشك العقلاء و لا يحصل لهم الظن بالوصول فان جرى الأصل فهو و الا فلا

ظهور.

فلا تختص الثمرة بالتفصيل بل مع القول بجريان الأصل مطلقا أيضا يفيد البحث عن‏

وجه حجية الظهورات.


386
و الحاصل ان أصالة عدم القرينة تكون مثل أصالة عدم المانعية ففي مثل‏

الوضوء إذا شك في وجود المانع عن وصول الماء إلى البشرة تجري أصالة عدم‏

المانعية و في صورة وجود ما يحتمل كون الموجود مانعا مثل الخاتم الّذي في اليد

فلا نعلم انه مانع أم لا ففي جريانها اختلاف فعلى فرض كفاية الظن النوعيّ من‏

العقلاء بوصول الماء تحته فلا إشكال سواء قلنا بأصالة عدم المانعية أم لا و على فرض عدم القول‏

بكفايته فيكون صحة العمل متوقفا على جريان الأصل في صورة احتمال مانعية الموجود

و الا فلا بد من إحراز عدم المانع.

ففيما نحن فيه إذا كان في الكلام ما يحتمل قرينيته فان كان السند هو الأصل‏

فمن قال بجريانه في هذه الصورة فلا فرق بينه و بين القائل بالحجية من باب الظن‏

النوعيّ و ان كان ممن لا يقول بجريان أصالة العدم فيها فان كان مبناه الحجية من‏

باب الظن النوعيّ فربما يكون الظن و لا يعتنى بالاحتمال و ان لم يكن مبناه ذلك‏

فلا بد من إحراز عدم القرينة.

و حيث ان الحق عندنا الفرق بين الشك في مانعية الموجود و كذا قرينيته و

بين الشك في أصل المانع و أصل القرينة فتكون للقول بحجية الظهور من باب الظن‏

النوعيّ أو أصالة عدم القرينة ثمرة فقهية و لذا ترى في كلام الشيخ الأعظم الفرق‏

بين المسلكين.

ثم ان شيخنا النائيني قده بعد بيان ان حجية الظهورات اما ان تكون من باب‏

الظن النوعيّ في كاشفية اللفظ عن المراد و اما ان تكون من باب أصالة عدم القرينة

لا من باب التعبد لعدم التعبد عند العقلاء في أمورهم قال بما حاصله‏1التفصيل في‏

1أقول يمكن ان يكون المدار على الكاشفية النوعية للفظ في صورة عدم الشك كما

انه ترى دلالة لفظ الأسد على الحيوان المفترس بمجرد إلقاء الكلام عند العقلاء.

و على أصالة عدم القرينة في صورة الشك ففي الواقع يكون سندهم الظن و الأصل حسب‏

اختلاف الموارد.


387
اختيار كون السند للظهور هذا أو تلك.

و بيانه هو ان التمسك بالظهور اما ان يكون لإثبات الإرادة النّفس الأمرية

للمتكلم و اما ان يكون للاحتجاج عليه بظاهر كلامه في البعث و الزجر فان‏

كان المراد الأول فلا بد من إحراز عدم القرينة الصارفة عن ظاهر الكلام و لو

ببركة جريان أصالة العدم و لا يكتفى بحصول الظن من نوع هذا اللفظ بالمراد و ان‏

كان المراد الثاني فيكفى الظن النوعيّ الحاصل من ظاهر الكلام و العبد ملزم به‏

و ليس له الاعتذار بأني احتملت قرينة منفصلة على خلاف الظاهر هذا كلامه‏

رفع مقامه.

فأقول لا أدري كيف صار الأصل محرزا للإرادة الواقعية النّفس الأمرية مع‏

انه ليس الا ظاهرا من الظهورات فان الواقع النّفس الأمري لا يحرز بواسطة جريان‏

أصالة عدم القرينة فالتفصيل بهذا الوجه غير وجيه.

هذا مضافا إلى انه قد مر ان الحجية من باب الظن النوعيّ تكون لها الثمرة

على فرض عدم جريان أصالة عدم القرينة في صورة احتمال قرينية الموجود و الا

فلا فرق بين الحجية من هذا الباب أو ذاك فتدبر.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول ان الخاصّ الّذي يلاحظ ظهوره بالنسبة إلى‏

العام يكون له صور أربعة لأنه اما ان يكون قطعي السند و الدلالة كالنص المتواتر

أو المحفوف بالقرائن القطعية و اما ان يكون ظني السند و الدلالة كالخبر الواحد

الظاهر في المؤدى و اما ان يكون قطعي السند و ظني الدلالة كالمتواتر الظاهر في‏

المؤدى و اما ان يكون ظني السند و قطعي الدلالة كالنص من الخبر الواحد هذه‏

هي الصور الأربعة المتصورة.

فاما الصورة الأولى فلا إشكال و لا ريب في تقديم الخاصّ على العام فيها بتقديم‏

ظهوره عليه لا من باب الورود أو الحكومة بل يكون خارجا عن مورد العام بالتخصص‏

لحصول العلم الوجداني من جهة قطعية الدلالة و السند بخلاف ظاهر العام و ليس‏


388
حجيته من باب التعبد حتى يقال انه وارد عليه فان الموارد يوجب ذهاب موضوع‏

المورود واقعا لكن بالتعبد و هنا يكون العلم بالخاص وجدانيا لا تعبديا فليس مثل‏

ورود الأمارات على الأصول العقلية التي موضوعها عدم البيان.

فما يظهر عن الشيخ قده من القول بالورود غير تام‏1كما عن شيخنا

النائيني قده.

و اما الصورة الثانية و الثالثة و هي كون السند و الدلالة ظنيين أو الدلالة فقط ظنية مع‏

قطعية السند سواء كان العام كذلك أو لا فالشيخ الأعظم قده قال بتقديم الخاصّ على العام‏

فيها من باب أقوائية ظهوره فرب عام يأبى عن التخصيص فهو مقدم على الخاصّ بالأقوائية

فلا يكون الخاصّ مقدما مطلقا و عن جمع منهم شيخنا النائيني قده تقديم الخاصّ‏

مطلقا و لو كان أضعف ظهورا من العام.

و حاصل استدلاله قده هو ان الخاصّ يكون بمنزلة القرينة للعام و أصالة ظهوره‏

متقدمة على أصالة ظهور العام كتقديم أصالة الظهور في القرينة على ذيها و الشاهد هو ان‏

المتكلم إذا كان مشغولا بالكلام في مجلس واحد و ذكر العام ثم بعد دقائق ذكر الخاصّ‏

لا يشك أحد في تقديمه على العام و عدم أخذ المتكلم الا لظاهر كلامه الّذي يكون‏

العام فيه مخصّصا و لو كان الخاصّ أضعف ظهورا منه.

كما انك ترى تقدم أصالة الظهور في القرينة مثل يرمى على أصالة الظهور في‏

الأسد إذا قال القائل ايت أسداً يرمي و احتمل كون الرمي بما يناسب الأسد لا بما يناسب‏

الإنسان كالرمي بالنبل فان دلالة الأسد على الحيوان المفترس و ان كان بالوضع و دلالة

الرمي على الرمي بالنبل بمقدمات الإطلاق و لكن يقدم ظهوره عليه و ان كانت الدلالة

بالوضع أقوى من الدلالة لمقدمات الإطلاق فانه لا يشك أحد في ان المراد بالأسد هو

1أقول لا تصريح في كلامه قده في الرسائل بقطعية السند و الدلالة حتى يرد عليه‏

ما قاله مد ظله فيمكن ان يكون مراده صورة قطعية الدلالة لا السند.


389
الرّجل الشجاع لا الحيوان المفترس فكذلك لا يشك في تقديم الخاصّ على العام و لو كان‏

أضعف ظهورا منه.

و لا يخفى الثمرة في هذا البحث في الفقه فان تقديم الخاصّ يفيد نتيجة و تقديم‏

العام يفيد نتيجة أخرى و هكذا دأب الفقهاء و الشيخ الأعظم قده على التقديم في‏

المسائل الفقهية و لم يتفق مورد يعامل معهما معاملة التعارض.

و الجواب عنه ان القرينة شارحة لذيها كالحاكم بالنسبة إلى المحكوم و لكن‏

الخاصّ ليس شارحا للعام كما اعترف به قده في الفرق بين الحكومة و التخصيص‏

و سر تقديم القرينة على ذيها ليس الا لشرحها له نعم يلحق الخاصّ بالقرينة لأن‏

الغالب تقديمه على العام بعد كونهما متعارضين.

و اما تقديم ظهور الأسد في الرّجل الشجاع فهو يكون من باب انصراف هذا

المعنى في الذهن لا غيره و لا يكون ملاكا لتقديم القرينة و لو كان ظهورها بمقدمات‏

الإطلاق على ذيها و لو كان ظهوره بالوضع و اما عدم معاملة التعارض مع العام و الخاصّ‏

فهو من باب الغلبة لا من باب تقديم الخاصّ على العام مطلقا.

فان قلت انه قده كيف قال بشارحية الخاصّ للعام مع انه قده جعل هذه فارقة

بين التخصيص و الحكومة قلت انه قده قد أجاب عن هذا الإشكال بان الحكومة تارة

تكون بين المدلولين كحكومة لا شك لكثير الشك على أدلة بيان حكم الشك و تارة

تكون في الدليلين لا في المدلولين كما في المقام فان أصالة ظهور الخاصّ متقدمة

على أصالة ظهور العام بالحكومة و لكن لا يتم هذا الجواب لأن المدلولين إذا لم يكن‏

بينهما الحكومة كيف يمكن تصويرها في الدليلين.

فان قال ان المراد بذلك هو ان أصالة الظهور في العام عند العقلاء مقيدة

بصورة عدم المزاحم له و الخاصّ مزاحم فنقول الأمر في الخاصّ أيضا كذلك و بناء

العقلاء على تقييد أصالة الظهور بظهور أقوى سواء كان الأقوى هو الخاصّ أو العام هذا مضافا

إلى ان الأمر لو كان كذلك فلا بد من التقديم بالورود لا بالحكومة فان أصالة ظهور


390
العام إذا كانت مقيدة بعدم وجود الخاصّ أو بعدم وجود الخاصّ الحجة فبعد وجدان‏

الخاصّ بالوجدان أو وجدانه بدليل حجيته لا يبقى موضوع لأصالة الظهور في العام‏

واقعا و لو ببركة التعبد بوجود الخاصّ.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الحق مع الشيخ الأعظم قده في الصورتين و لا يرد

عليه كلام الأستاذ قده.

الصورة الرابعة ان يكون الخاصّ قطعي الدلالة و ظني السند سواء كان العام‏

ظني السند أو قطعي السند و المشهور بين المتأخرين تقديم الخاصّ و ان كان القدماء

قالوا بتقديم العام إذا كان قطعي السند مثل عموم الكتاب و التقديم لا كلام فيه‏

عند المتأخرين الا ان الاختلاف هنا في انه بالورود أو بالحكومة و لا ثمرة لبحثه الا

الثمرة العلمية.

فربما يفصل بين كون دليل الاعتبار للظهورات الظن الحاصل من العقلاء

من اللفظ بالنسبة إلى المعنى فيكون التقديم بالورود و بين كون الدليل أصالة عدم‏

القرينة فيكون التقديم بالحكومة كما عن الشيخ قده و وجه الورود هو ان دليل‏

حجية ظهور العام يكون مقيدا بعدم وجود ظن معتبر على خلافه و دليل حجية الخاصّ‏

يكون موجبا لذهاب موضوع أصالة الظهور في العام فيكون نظير ورود الأمارات‏

على الأصل العقلي الّذي موضوعه عدم البيان فالظن في العام إذا كان حجة في صورة

عدم الظن بالخلاف يرتفع بواسطة وجود الظن بالخاص.

و اما وجه الحكومة فهو ان أصالة الظهور في العام بعد الشك في عمومه حجة

من جهة عدم التعبد بشي‏ء آخر و اما على فرض التعبد بظهور الخاصّ فلا وجه لتقديم‏

أصالة الظهور فيه عليه فهو مانع عن حجية الخاصّ بالتعبد.

ثم استشهد قده لما ذكره من الورود بقوله و يكشف عما ذكرنا انا لم نجد

و لا نجد من أنفسنا موردا يقدم فيه العام من حيث هو على الخاصّ و ان فرض كونه‏

أضعف الظنون المعتبرة فلو كان حجية ظهور العام غير معلقة على عدم الظن المعتبر


391
على خلافه لوجد مورد نفرض فيه أضعفية مرتبة ظن الخاصّ من ظن العام حتى‏

يقدم أو مكافئته له حتى يتوقف مع انا لم نسمع موردا يتوقف في مقابلة العام من‏

حيث هو فضلا عن ان يرجح عليه انتهى.

و قد أجاب شيخنا النائيني قده عن احتمال الورود في صورة كون السند لحجية

العام و الخاصّ أصالة الظهور بما حاصله هو ان احتمال الورود يكون في صورة كون‏

أصالة الظهور في العام مقيدة بعدم وجود الخاصّ فقيام الخبر على هذا الفرض بما

هو خبر خاص رافع لموضوع أصالة الظهور في العام و اما إذا كان الخبر الخاصّ‏

مقدما على العام بواسطة إثباته لمؤداه فليس كذلك لأن المفروض في المقام هو

ظنية سند الخاصّ و ان كانت دلالته قطعية فإثباته لمؤداه يكون بواسطة التعبد بسند

الخاصّ و التعبد بالسند يوجب إثبات المؤدى تعبدا لا واقعا فلو لم يكن دليل على‏

التعبد بسنده كان وجوده كعدمه فلا يكون رافعا لموضوع العام بالوجدان.

فقرينية الخاصّ تتم بمقدمتين التعبد بسنده و إثباته للمؤدى و ملاك الورود

هو ان يكون أحد الدليلين رافعا لموضوع الاخر بنفس التعبد و لو مع عدم‏

إثبات المؤدى.

و قال شيخنا العراقي قده في المقام بما حاصله هو ان أصالة الظهور سواء

كانت من باب الظن النوعيّ أو من باب أصالة عدم القرينة في العام ان كانت مقيدة

بعدم وجود الحجة على خلافها فلا شبهة في ورود الخاصّ الظني من جهة السند

على العام لأنه حجة على أي تقدير وجدناها بالوجدان.

فان حجية الحجة بالوجدان و ان كان إثباتها بالتعبد و اما إذا كانت مقيدة

بعدم وجود الخاصّ أو عدم العلم به فحيث ان التعبد بوجود الخاصّ لا يوجب وجوده‏

واقعا و لا يوجب العلم به وجدانا فهو حاكم على العام لأن إثبات المؤدى يكون‏

بالتعبد فلا وجه للتفصيل بين كون الدليل لأصالة الظهور في العام أصالة عدم القرينة

أو الظن النوعيّ هذا.


392
أقول و التحقيق في المقام عدم تمامية1كلام الاعلام الثلاث قدس اللّه‏

أسرارهم اما النّظر في كلام الشيخ الأعظم فمن وجوه الأول انه قده جعل الورود

مناط تقديم الخاصّ على العام و لو كان أضعف ظهورا منه مع ان التقديم بهذا الوجه‏

مشترك بين الورود و الحكومة فان الحاكم أيضا مقدم على المحكوم و لو كان أضعف‏

ظهورا منه.

و الثاني ان الإناطة و تقييد ظهور العام بعدم الخاصّ لا يكون في وجداننا أصلا

بل كل حجة من غير النّظر إلى الإناطة فوجداننا خلاف وجدانه قده.

و الثالث ان المفروض ظنية السند في الخاصّ في هذه الصورة فإذا كان سند

العام قطعيا كيف لا يقال التعبد بسند الخاصّ مقيد بعدم القطع بسند العام حتى يكون‏

العام القطعي مقدما على الخاصّ الظني فلا يتم بيانه قده للورود.

ثم ان لشيخنا الحائري قده في المقام بيان لطيف لا بأس بالإشارة إليه و هو

ان سند العام و دلالة الخاصّ في المقام قطعي لا كلام فيه و دلالة العام و سند الخاصّ‏

ظنيان فيتعارضان و أصالة العموم في العام منوطة بعدم التعبد بسند الخاصّ فمع‏

التعبد به لا بد من تخصيص ظهور العام في العموم به كما إذا كان بالوجدان و لا عكس‏

يعنى لا يكون التعبد بسند الخاصّ منوطا بعدم الظهور للعام فيكون مرجعه إلى تخصيص‏

سند العام في صورة التعبد بالخاص.

و ببيان آخر للكلام أصول ثلاثة أصالة الصدور و أصالة الجهة و أصالة الدلالة

و هذه الظهورات الثلاثة على مبناه قده يكون كل واحد منها في طول الاخر يعنى‏

لا بحث في جهة الصدور من كونها تقية أو غيرها ما لم يكن أصل الصدور محرزا و لا

1أقول لا يخفى ان عمدة اشكاله مد ظله في الرد عليهم هو إنكار إناطة ظهور العام‏

بعدم الخاصّ في الحجية و كلام الشيخ قده بظاهره يرد عليه الإشكال.

نعم لو كان حجية الظهور من باب أصالة الظهور و قلنا بأنها مثل البراءة العقلية

من باب كون موضوعها عدم البيان على الخلاف يمكن ان يكون الخاصّ واردا بدليل حجيته‏

لأنه بيان واصل الإناطة يكون في نظر العقل و العقلاء.


393
بحث في الدلالة ما لم يكن الصدور عن جهة غير التقية محرزا فإذا سقطت دلالة العام‏

في العموم التي في المرتبة الثالثة من المراتب الطولية بواسطة التعبد بسند الخاصّ‏

في فرض المقام فلا تصل النوبة إلى ملاحظة سند العام مع سند الخاصّ لأن التعبد

بسند الخاصّ مقدم على التعبد بدلالة العام.

و الجواب عنه‏1انه لا وجه للقول بالإناطة أصلا لا في طرف العام و لا في‏

طرف الخاصّ كما مر في جواب الشيخ قده و على فرض الإناطة تكون الإناطة في السند

أيضا فان أصالة السند في الخاصّ منوطة بعدم القطع بسند العام و اما ما ذكر من‏

طولية الظهورات الثلاثة فلا نسلمها بل هي عرضية و الإناطة تكون بحكم العقل فقط

فانه حاكم بأنه لا معنى للتعبد بالدلالة مع عدم إثبات الصدور و جهته.

و اما الجواب عن شيخنا النائيني في أصل كلامه فهو ان الحكومة التي تصورها

كانت متوقفة على فرض إناطة دلالة العام بعدم الخاصّ أو بعدم الحجة على خلافه‏

و قد عرفت انها لا وجه لها فلا إناطة بين العام و الخاصّ و لا يكون الخاصّ قرينة على‏

العام كما ان أهل الفن أيضا لا يسلمون القرينية ليكون دلالة القرينة مقدمة على دلالة

ذيها مطلقا يعنى و لو كانت القرينة أضعف فيكون الخاصّ مقدما على العام‏

مطلقا.

و اما فهمه لكلام الشيخ قده أيضا فغير وجيه عندنا لعدم الإناطة التي هي‏

ملاك الحكومة أو الورود فما ذكره وجها لقول الشيخ قده بالورود من ان التعبد

بظهور الخاصّ يوجب عدم الموضوع واقعا لأصالة الظهور في العام غير وجيه لعدم‏

ذهاب موضوعها بالتعبد بالخاص لعدم الإناطة فهو قده لم يأت بشي‏ء مع انه ادعى انه‏

1أقول و أضف إلى جوابه هو ان الطولية في الصدور و الجهة و الدلالة لو سلمت‏

تكون بالنسبة إلى دليل واحد لا بالنسبة إلى الدليلين بان يلاحظ السند في أحدهما و الدلالة

في الاخر فانه لا طولية في سند هذا و دلالة ذاك و لا وجه لها.


394
خفي مراد الشيخ قده على كثير من طلاب العلم.

و اما ما يرد على شيخنا العراقي قده فهو ان الإناطة لا تكون على عدم الخاصّ‏

فلا يكون أصالة الظهور في العام مقيدا حتى نقول بالحكومة إذا كان القيد هو وجود

الخاصّ أو العلم به فالخاص حاكم لعدم إثباته بالوجدان و إذا كان عدم الحجة فهو

وارد لأن الخاصّ حجة على خلاف العام بالوجدان‏

ثم انه قده بين بيانا لوجه الورود و حاصله هو ان العام و الخاصّ و الظاهر

و الأظهر من جهة الكاشفية عن الملاك يرجع أمرهما إلى دوران الأمر بين المهم‏

و الأهم فيكون تقديم الأهم من باب التزاحم‏1و عدم القدرة على الجمع بينهما

و لكن هذا إذا كان سند الأظهر أو الخاصّ ظنيا فحيث لم نحرز الأهم وجدانا يكون‏

لنا الشك فيه فالعام القطعي السند و الدلالة له كاشفية عن المهم فلا ندري ان الخاصّ‏

أو الأظهر هل يكون محققا في الواقع حتى لا يكون لنا القدرة لإتيان المهم‏

من باب التزاحم أو لا يكون كذلك حتى يكون القدرة على إتيان المهم.

فيكون المقام من باب الشك في القدرة على الامتثال بالنسبة إلى ما هو ظاهر

العام حكم العقل هو الإقدام على ما شك في وجود القدرة عليه و لكن إذا لم يكن لنا

1أقول ان الفرض هو كون الباب باب التعارض لا التزاحم و دليل الخاصّ لا يكشف‏

عن أهميته و أقوائية ملاكه بل لا ملاك في صورة إحرازه بالوجدان للعام بالنسبة إلى مورد

الخاصّ.

و في صورة عدم إحرازه بالوجدان فيدور الأمر بين تقديم هذا أو ذاك و لا يرجع هذا

الكلام الا إلى قولنا بان أصالة الظهور في العام مقيدة بعدم الحجة على خلافها و الخاصّ‏

حجة و بيان فهو وارد كما احتملناه في كلام الشيخ الأعظم.

و الحاصل لا يكون الباب باب التزاحم بل باب التعارض فلا يلاحظ أقوائية ملاك الخاصّ‏

بل لا بد من ملاحظة أقوائية الظهور فيه و المزاحمة تكون في مقام الجعل لا مقام الامتثال فقط


395
حجة على خلافه فحكم العقل بالإقدام يكون من باب عدم البيان فإذا فرض حجية

الخاصّ بالدليل الدال عليه و كذلك الأظهر فيكون واردا على حكم العقل فقد

ذهب موضوع حكمه واقعا ببركة التعبد بظهور الخاصّ أو الأظهر.

هذا دليله على الورود و فرقه مع غيره هو ان الإناطة على هذا البيان تكون‏

في حكم العقل بوجوب الإقدام على المهم و في كلام القوم تكون الإناطة بين‏

دليل العام و دليل الخاصّ لا بين حكم العقل و دليل الخاصّ فتقديم الخاصّ يكون‏

عنده من باب أقوى الحجتين و اما عندهم فيكون التقديم من باب سقوط ظهور

العام رأسا و هو قده لا يقول بسقوط الظهور بل الظهور بحاله و التقديم من باب‏

الأقوائية.

و الجواب عنه هو ان الإناطة في الظهور حيث لم تكن على مذهبك لا تكون‏

في حكم العقل أيضا.

نعم العقل يحكم بوجوب امتثال القوى إذا لم يكن دليل على الأقوى و اما مع‏

الدليل عليه فلا امتثال بالنسبة إليه من جهة عدم القدرة على الجمع من جهة المزاحمة

في الامتثال فتحصل من جميع ما تقدم ان تقديم الخاصّ و الأظهر يكون من باب‏

أقوى الحجتين فان فرض أقوائية العام أو الظاهر في مورد فالتقديم لهما نعم الغالب‏

هو أقوائية الخاصّ و الأظهر و هو غير منكر.


396
الجهة الخامسة في ملاك أقوائية الظهور1

لا ضابطة غالبا لفهم أقوائية الظهور من الظهور الاخر بل يدور مدار الموارد

و يظهر بواسطة الفحص التام في الأدلة من المجتهد و لكن ذكر ضوابط نوعية

في المقام.

منها تقديم العام الأصولي على المطلق الشمولي مثل أكرم العلماء و لا تكرم‏

الفاسق و وجه التقديم هو ان دلالة العام على الافراد تكون بالوضع و دلالة المطلق‏

عليه بمقدمات الإطلاق التي تسمى بمقدمات الحكمة و من شرائط جريان المقدمات‏

هو كون المولى في مقام البيان مع عدم بيانه للقيد و العام يحتمل ان يكون بيانا

فلا يتمسك بالإطلاق في مورده.

و ببيان آخر دلالة العام على شمول الحكم للافراد تكون تنجيزية لعدم التعليق‏

على شي‏ء و دلالة المطلق معلقة على جريان مقدمات الإطلاق و العام بوجوده يمنع‏

عن جريانها فتقديم العام يكون لعدم تمامية مقتضى الإطلاق.

فان قلت دلالة المطلق معلقة على عدم البيان المتصل إلى الكلام لا على البيان‏

المنفصل فان أبناء المحاورة لا يتوقفون في دلالة المطلق باحتمال مجي‏ء البيان‏

فظهور العام و المطلق متعارضان في صورة كون العام منفصلا قلت من الممكن ان‏

يكون من دأب المولى إتيان بيان كلامه منفصلا أيضا كما هو دأب أئمتنا المعصومين‏

1أقول ان الأستاذ مد ظله و ان كان بنائه على البحث على ترتيب الكفاية و لكن‏

ربما يقدم و ربما يؤخر في العناوين و يكون بحثه حسب تقرير بحث التحرير النائيني في‏

كتاب فوائد الأصول أو تقرير بحث العلامة العراقي في نهاية الأفكار كما في المقام.

و هذا البحث حسب ترتيب الكفاية يكون بعد البحث عن المرجحات في ص 403

و في الفرائد للشيخ الأعظم أيضا كذلك في ص 439 في نسخة الخادم فان شئت فارجع.


397
صلوات اللّه عليهم أجمعين.

هذا ما قيل فأقول ان مثل المحقق الخراسانيّ قده و من تبعه في ان أداة

العموم مثل الكل موضوعة لتوسعة ما يراد من المدخول لا لتوسعة المدخول لا يكون‏

له القول بتقديم العام على المطلق من هذه الجهة و ان لم يقل به من جهة ان البيان المنفصل‏

غير كاف في سقوط الإطلاق كما في الكفاية لأن الكل إذا كان لتوسعة ما يراد من‏

المدخول فلا بد في إثبات إطلاق الإرادة على المدخول بإطلاقه من إجراء مقدمات الإطلاق‏

من جهة عدم بيان قيد له‏

و من المحتمل ان يكون الإطلاق مزاحما لها فكما ان العقل حاكم في صورة

عدم وجود أداة العموم بتوسعة الحكم على الافراد في المطلق كذلك الكل يحكم‏

بالتوسعة في صورة إثبات إطلاق المدخول من القيد و لا فارق بين الكل و العقل حينئذ

فكيف يقدم العام على المطلق مع ان دلالتهما معلقة على عدم البيان على هذا المبنى نعم على‏

ما هو التحقيق من ان الكل لتوسعة المدخول يكون العام مقدما لو قلنا بان البيان المنفصل‏

أيضا مانع عن تحقق الإطلاق.

ثم ان المراد بالبيان الّذي هو المانع عن أخذ الإطلاق هو البيان المتصل‏

على ما نرى في السوق و عرف أهل اللسان فان العقلاء لا يتوقفون في الإطلاق باحتمال‏

إتيان المتكلم بالقيد ببيان منفصل في غير زمان التكلم فعلى هذا لا يكون العام المنفصل‏

مضرا بظهور المطلق بل لا بد من ملاحظة أقوى الظهورين و اما على فرض كون المراد

بالبيان هو الأعم من المنفصل و المتصل فهو مضر بالإطلاق و الشيخ الأعظم و شيخنا النائيني‏

(قدهما)على الاختصاص بالمتصل و اما مقرونية واقع الإرادة بالقيد و لو لم يبين‏

لبعض الدواعي فلا تضر بالإطلاق لأن البيان بيان إذا وصل إلى العبد فالحجة تامة

عند أهل المحاورة.

نعم دأب الأئمة عليهم السلام على إتيان البيان منفصلا فهذا القانون منقوض‏

في حقهم و لذا قال المحقق الخراسانيّ قده في بعض فوائده ان الروايات لا بد

من جمعها ثم ملاحظة العام و الخاصّ و المطلق و المقيد مع انه قائل بعدم بيانية


398
المنفصل.

فعلى هذا يمكننا الجمع بين كلام من قال بان المنفصل ليس بيانا و من قال بأنه بيان‏

بان الأول يكون على ما هو دأب أهل المحاورة و الثاني يكون على حسب دأب رؤساء

الشرع فلا نزاع فعلى هذا العام الأصولي في كلامهم عليهم السلام مقدم على المطلق الشمولي‏

و لا يلاحظ النسبة من جهة أقوائية الظهور حسب الموارد.

و منها ما إذا أدار الأمر بين تقييد الإطلاق البدلي مثل أكرم عالما و العام الأصولي‏

مثل لا تكرم الفساق فان تقييد البدلي مقدم لما ذكر في دوران الأمر بين العام الأصولي‏

و المطلق الشمولي من ان دلالة المطلق على الإطلاق تكون بمقدمات الحكمة و هي‏

غير تامة مع وجود العام لأنه يحتمل لأن يكون بيانا.

مضافا بأن المقام محتاج إلى مقدمات الإطلاق من جهة تساوي افراد المطلق‏

فانه إذا كان إكرام عالم بنحو صرف الوجود لازما فتطبيق هذا الفرد على العالم‏

الفاسق لا بد ان يكون من جهة تساوى الافراد من حيث الفسق و عدمه بالنسبة إلى‏

المطلق.

و وجود العام و هو قولنا لا تكرم الفساق يمنع عن التساوي لاحتمال كونه‏

قرينة على عدم تساوى الافراد و في المقام أيضا قيل بان العام المنفصل لا يضر بإطلاق‏

المطلق بل ما هو متصل في كلام واحد و الكلام فيه الكلام في سابقة.

فانه على مقتضى دأب أهل المحاورة و ان كان كذلك و لكن ليس في دأب‏

الشرع كذلك فان دأبه بيانية المنفصل أيضا و لكن الّذي يسهل الخطب هو ان التعارض‏

لا يكون في المقام أصلا لأن اللازم هنا تطبيق المطلق على الفرد الّذي لا مزاحمة

له مع العام و هو في المثال العالم العادل لا الفاسق الا ان ينحصر العالم بالفاسق فقط

فيحصل التعارض و الحاكم هو العقل.

و منها تقديم تقييد المطلق البدلي على المطلق الشمولي و بيانه ان الدليل‏

و ان كان إطلاق المطلق فيها الا ان جريان مقدمات الإطلاق في البدلي من جهة إثبات‏


399
تساوى الإقدام في الافراد يمنعه وجود المطلق الشمولي لإثبات عدم تساوى اقدام‏

الافراد.

و فيه نظر لأن مقدمات الإطلاق على التحقيق لا تكون الا موجبة لرفض القيود

لا لجمعها فمفادها ان اللفظ موضوع للطبيعي من دون قيد السريان و صرف الوجود فإذا

لم يثبت قيد السريان بها في العام الشمولي بالنسبة إلى الافراد لا يثبت تساوي اقدام‏

الافراد المطلق بحسب الأحوال كما في المطلق البدلي و لا يمكن منع تساويه بواسطة

إثبات الشمول فشمول الافراد في الشمولي مثل شمول الأحوال في البدلي.

و اما الطبيعي فحيث لا يمكن ان يكون بنحو المهملة فيحكم بالشمول أو البدلية

بحكم العقل فلا بد من ملاحظة أقوى الظهورين هذا مضافا إلى عدم المعارضة أصلا

في هذه الصورة كما مر في المطلق البدلي و العام الأصولي.

و منها تقديم الغاية على الشرط إذا دار الأمر بين الغاية و مفهوم الشرط كقول‏

القائل يجب الإمساك إلى الليل و ان جاءك زيد فلا يجب الإمساك في الليل بادعاء

ان دلالة الغاية على تحديد الحكم بالوضع و دلالة مفهوم الشرط عليه بمقدمات‏

الإطلاق فعدم وجوب الصوم في الليل مقدم على وجوبه من جهة عدم حصول الشرط

و هو مجي‏ء زيد.

و هكذا إذا دار الأمر بين مفهوم الشرط و الوصف فان مفهوم الشرط مقدم لأظهريته‏

على فرض وجود المفهوم للوصف و لكن ليس ما ذكر ضابطة كلية بل يدور الأمر مدار

أقوائية الظهور فلو فرض أقوائية مفهوم الشرط على الغاية أو أقوائية مفهوم الوصف‏

على الشرط فالتقديم يكون للأقوى.

و منها تقديم التخصيص على النسخ فيما إذا دار الأمر بينهما لندرة النسخ و كثرة

التخصيص و قبل الورود في المطلب ينبغي تحرير محل النزاع في المقام فانه ربما

قيل بان البحث يكون في صورة واحدة من الصور المتصورة في ذلك و نحن نقول‏

بان جميع الصور قابل لنزاع دوران الأمر بين النسخ و التخصيص.


400
اما الصور فهي ان العام و الخاصّ المتخالفين اما ان يكونا مقترنين أو متعاقبين‏

و على الثاني فاما ان يكون المقدم هو العام أو يكون المقدم هو الخاصّ و على‏

التقديرين فاما ان يكون ورود العام أو الخاصّ بعد وقت العمل بالاخر أو قبله‏

و المشهور في ثمرة الدوران بين النسخ و التخصيص هو صورة كون الخاصّ‏

مقدما و العام مؤخرا و جاء بعد وقت العمل بالخاص و اما باقي الصور فلا ثمرة في كون‏

العنوان هو النسخ أو التخصيص بعد العلم بخروج الخاصّ هذا إذا كان بعد وقت العمل‏

اما قبل وقته فلا وجه لاحتمال النسخ أصلا.

و لكلامهم هذا مقدمتان الأولى قبح تأخير البيان عن وقت العمل و الثانية ان‏

فعلية الحكم تكون بفعلية موضوعه و هاتان المقدمتان تنطبقتان في صورة كون‏

الخاصّ المقدم قد حضر وقت العمل به ثم جاء بعده العام و هكذا في صورة تقدم‏

العام أو تقارنه إذا كان الفرض بعد وقت العمل و اما قبل ذلك فلا بدّ من القول‏

بالتخصيص‏

و بعبارة أخرى لا يجي‏ء احتمال النسخ قبل وقت العمل و لا يجي‏ء احتمال‏

التخصيص بعده.

و لكن لا تتم المقدمتان اما الأولى فلان تأخير البيان عن وقت الحاجة اما

ان يكون قبيحا بالنسبة إلى المولى لأن اللازم منه نقض الغرض فندعي انه لا ينقض‏

غرضه فإذا أبرز العموم و لو لم يكن الحكم بالنسبة إلى بعض الافراد واقعا فتكون‏

المصلحة في إبراز العموم فلذا أبرزه كذلك.

و اما بالنسبة إلى العبد فلا قبح أيضا لعدم تفويت المصلحة بالنسبة إليه أيضا

فإذا قال أكرم العلماء ثم بعد مدة قال لا تكرم زيدا مع كونه عالما فيمكن ان‏

تكون المصلحة في إبراز العموم لا في إكرام زيد واقعا إلى وقت مجي‏ء الخاصّ و

مصلحة النهي عن إكرام زيد تعالج بمصلحة إبراز العموم فإكرام زيد غير واجب‏

واقعا من جهة عدم وجود الملاك الّذي كان في ساير الافراد.


401
و لكنه واجب لملاك آخر و هو المصلحة في إبراز العموم و هذا نظير الأحكام‏

الظاهرية بالنسبة إلى الأحكام الواقعية فان مورد أصل البراءة يمكن ان يكون‏

الحكم في الواقع هو الحرمة و لكن مصلحة التسهيل على العباد اقتضت الحكم بالحلية

كما حرر في محله في جواب شبهة ابن قبة في الأحكام الظاهرية.

و اما ما قيل من ان الحكم اما ان يكون واقعا على الافراد غير الخاصّ‏

و اما ان يكون على الخاصّ أيضا فعلى الأول ينتهى أمد الحكم عند وجدان الخاصّ‏

و على الثاني فلا يمكن رفعه لأن النسخ في الشرع يكون مثل البداء في التكوين‏

فكما ان البداء بالنسبة إلى العالم بجميع شئون التكوين محال كذلك النسخ بالنسبة

إلى الأحكام بالنسبة إلى العالم بعواقب الأمور محال.

نعم من كان جاهلا بالمصالح كعموم الناس فيمكن ان يضع الحكم ثم يرفعه‏

بواسطة علمه بالمصالح بعد جهله بها فلا وجه له لأن الحكم يمكن ان يكون على الفرد

الخاصّ في أمد الزمان لمصلحة في إبراز العموم لا من باب وجود المصلحة في نفس‏

الخاصّ كالمصلحة التي اقتضت الحكم على ساير الافراد فليس تأخير البيان عن وقت‏

الحاجة بهذا المعنى قبيحا لعدم الحاجة إلى البيان بل الحاجة في إبراز العموم فليس في تأخير

البيان عن وقت إبراز العموم نقض غرض للمولى و لا تفويت مصلحة للعبد.

و اما المقدمة الثانية فهي أيضا ممنوعة من جهة ان الحق عندنا هو ان فعلية

الحكم ليست بفعلية موضوعه بل الأحكام كلها فعلية بصرف إبراز الإرادة فالواجب‏

المطلق و المشروط و المعلق فعلى غاية الأمر في غير المطلق يكون فعلية الحكم على‏

فرض وجود شرط و فرضه حاصل حين الإبراز فان قال المولى ان رزقت ولدا فاختنه‏

يكون الحكم بختان الولد فعليا و لا حالة منتظرة له.

غاية الأمر ظرف امتثاله يكون ظرف رزق الولد كما حرر في الأصول في‏

بحث تقسيمات الواجب فعلى هذا نسخ الحكم بعد إبراز الإرادة صادق و لو لم يأت‏

وقت العمل و في العرف أيضا يصدق النسخ فإذا نذر شخص ان يعطى دراهم إلى هاشمي‏


402
أو غيره ان حصل له الأمر الفلاني ثم قبل حصول الأمر ندم عما ذكر و رفع اليد عنه‏

يقال انه نسخ ما حكم به.

و الحاصل ان النسخ لا يحتاج إلى فعلية الموضوع بل يصدق مع عدمها أيضا

فيمكن صدق التخصيص بعد وقت العمل و النسخ قبل وقته لكون المصلحة في‏

الإبراز مع كون الفرد خارجا واقعا من أول صدور العام و لكون النسخ صادقا

بصرف رفع الحكم المبرز فتدبر.

فإذا عرفت ما ذكر ففي صورة دوران الأمر بين النسخ و التخصيص قيل بتقديم‏

التخصيص بوجوه.

الأول غلبة التخصيص على النسخ بحيث قيل ما من عام الا و قد خص فكأن‏

الغلبة من القرائن الحافة بالكلام تمنع عن القول بالنسخ.

الثاني للمائز الماهوي بينهما من جهة ان النسخ هو التخصيص في الأزمان‏

و هو تخصيص في الافراد و التخصيص بالافراد مقدم على التخصيص في الأزمان من‏

جهة استمرار شرع محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ندرة النسخ في الأحكام الإلهية.

الثالث ان النسخ في التشريع كالبداء في التكوين فكما ان البداء في‏

التكوينيات محال فالنسخ في التشريعيات محال عن الحكيم العالم بعواقب الأمور

هذا ما قيل في وجه تقديم النسخ على التخصيص.

و التحقيق عدم تماميته اما الأول فلان الكلام في المخصصات المنفصلة و لا

نسلم أغلبية التخصيص عن النسخ فيها بل في عرف العقلاء لا يكون التخصيص بعد

وقت العمل فانهم يضمون مخصصات كلامهم إليه و قد مر ان التخصيص بالمنفصل‏

يكون من دأب الشرع الأنور لمصالح انتظامية و مع ذلك لا نسلم كون التخصيص بعد

وقت العمل أغلب من النسخ.

هذا مضافا إلى انه لو سلم الغلبة لا نسلم قرينيتها على تقدمه على النسخ بل‏

على الأظهرية و هي تختلف حسب اختلاف الموارد و اما الوجه الثاني فلمنع تقديم‏


403
التخصيص بالافراد على التخصيص بالأزمان لأن تخصيص الافراد أيضا لازمه التخصيص‏

في الأزمان بالنسبة إلى الفرد الخارج عن تحت العموم و لا يكون أغلب أيضا كما

مر و لو سلم الغلبة لا قرينية لها.

مع ان إبراز العموم لمصلحة خارجة من نفس المكلف به يكون مثل صدور

الحكم تقية في ساير الموارد فكما ان أصالة الجهة مثل أصالة الظهور و أصالة الظهور

في جريانها في عرض واحد في غير المقام في صورة الشك في كون الصدور عن تقية

أولا فكذلك في المقام.

فانه يكون من دوران الأمر بين رفع اليد عن أصالة ظهور العام في العموم‏

ليكون الخاصّ بعد العمل به مخصصا و بين ان يكون رفع اليد عن أصالة الجهة ليكون‏

الخاصّ ناسخا لأن حفظ أصالة الجهة لازمه القول بالنسخ لأنه إذا كانت المصلحة في‏

العموم لا في إبرازه ثم جاء وقت العمل و عمل بالعموم ثم جي‏ء بالمخصص يكون‏

الخاصّ لا محالة ناسخا و لا أولوية لرفع اليد عن أصالة الظهور في العموم بعد الدوران‏

بين رفع اليد عن أحد الأصلين للعلم الإجمالي بسقوط أحدهما.

و اما الوجه الثالث و هو كون النسخ محالا كالبداء في التكوين فلا يتم أيضا لأن البداء

في التكوين معناه انتهاء أمد المصلحة و كذلك النسخ و هذا لا يرجع إلى جهل المشرع‏

و المكون بل هو لعلمه بعاقبة الأمور يعلم ان المريض يموت بالمرض الفلاني و يعلم‏

انه لو تصدق مثلا يدفع الموت عنه فإخباره بالتكوين كذلك لا يلزم منه الجهل‏

و اخباره بالنسخ أيضا يكون اخبارا بانتهاء عامد الحكم.

و بعبارة أخرى لا يكون النسخ في الواقع بل المولى الحكيم يقطع بعد الحكم‏

في الزمان الفلاني فيظن من لا يعلم الأشياء الا من سم الخياط انه ندم و نسخ فهو مثل‏

من يرى قطار الإبل من سم الخياط واحدا بعد واحد و المولى الحكيم مثل من يعلم‏

بذلك من مكان مرتفع يحيط بجميع الصف من أوله إلى آخره.

فتحصل ان القول بتقديم التخصيص على النسخ بما ذكر لا وجه له بل المدار على‏


404
الأظهرية حسب الموارد.

ثم ان شيخنا الأستاذ النائيني قده في مقام الدوران بين النسخ و التخصيص‏

بين وجه التقديم للتخصيص و للنسخ و حاصله ان وجه تقديم التخصيص هو انه أكثر و

أغلب من النسخ و أورد عليه بما ذكرنا من عدم كون الغلبة بحيث يمكن ان تكون‏

قرينة على التقديم.

و اما وجه تقديم النسخ فتوضيحه هو ان العام له دلالة وضعية بالنسبة إلى‏

الافراد و دلالة مستفادة من مقدمات الإطلاق في الاستمرار فدلالة العام على الفرد

الخاصّ بالوضع و دلالته على الاستمرار بمقدمات الإطلاق فإذا دار الأمر بين تخصيص‏

العام ليسقط الدلالة الوضعيّة في الفرد الخاصّ و بين النسخ الّذي هو موجب لسقوط

الدلالة الإطلاقية في الفرد الخاصّ على الاستمرار يقدم تقييد الإطلاق على تخصيص‏

العام نظير ما تقدم من تقديم تقييد الإطلاق الشمولي على تخصيص العام الأصولي.

ثم أجاب قده عن هذا الوجه و اختار تقديم التخصيص على النسخ و حاصل‏

الجواب هو ان النسخ يتوقف على ثبوت الحكم للعام على الخاصّ أيضا و هو أول الكلام لأن‏

أصالة ظهور الخاصّ متقدمة على أصالة الظهور في العام بالحكومة و مع تقديمها

لا يبقى موضوع للنسخ أصلا حتى يقال انه مقدم على التخصيص هذا أولا.

و ثانيا ان ما ذكر من ان الاستمرار في الأزمان يكون مستفادا من مقدمات‏

الإطلاق خلط في المقام لأن استمرار الأحكام مستفاد مما ورد من قوله عليه السّلام حلال‏

محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة لا من جهة

مقدمات الإطلاق فيدور الأمر بين تخصيص هذا العام و بين تخصيص العام‏

المتكفل لبيان الحكم الواقعي فلا يكون النسخ من تقييد الإطلاق حتى يقدم على‏

تخصيص العام فالأقوى هو تقديم التخصيص على النسخ لأن الخاصّ أقوى هذا كلامه‏

رفع مقامه.

فأقول ان النسخ و التخصيص كما مر لا وجه لتقديم أحدهما على الاخر الا


405
بملاحظة الأظهرية في المورد لأن العلم التفصيلي‏1بخروج الخاصّ عن تحت العام‏

1العلم التفصيلي يكون في صورة كون الخاصّ مؤخرا عن العام و اما في صورة

تقديمه فيدور الأمر بين كون العام ناسخا للخاص أو الخاصّ مخصصا للعام فلا يكون العلم‏

التفصيلي بخروجه على أي تقدير.

و اما الدوران بين الجهة و الظهور فهو أيضا يكون في صورة تقديم الخاصّ على العام‏

و اما صورة تأخيره عنه فيدور الأمر بين حفظ أصالة الجهة في العام ليكون الخاصّ ناسخا

و بين عدمه ليكون مخصصا مع حفظ أصالة الظهور للعام على كلا التقديرين و حفظ جهة الخاصّ‏

و نصوصيته.

فلا يدور الأمر بين حفظ الظهور أو الجهة بل يدور الأمر بين حفظ الجهة و عدمه‏

و لا ترجيح لأحدهما على الاخر.

ثم ان مراد شيخنا مد ظله من هذا الكلام هو ان النسخ ليس تخصيصا في الأزمان بل‏

صرف أصالة الجهة يحكم بدوام الحكم إلى حين صدور الخاصّ إذا كان العام مقدما و إلى‏

حين صدور العام إذا كان الخاصّ مقدما خلافا للقدماء.

فهو يقول إذا حفظنا جهة الصدور إلى وقت صدور المنافي فلا بد من رفع الحكم‏

بالنسخ.

و في هذا الكلام تأمل لأن معنى أصالة الجهة هو كون الإرادة الاستعمالية موافقة

للإرادة الجدية و معناها في المقام هو عدم صدور العموم مثلا للتقية أو لمصلحة أخرى في الإبراز

بل المصلحة في نفس المكلف به و هذا لا يستفاد منه ان الحكم يكون دائما و مستمرا في كل‏

زمان بل ساكت عن هذه الجهة.

فلذا في بحث المرة و التكرار في الأوامر يقول ان الأمر يكون للبعث إلى صرف الطبيعة

من دون إثبات أحدهما و من هذه الجهة تمسك بعضهم بقوله عليه السلام حلال محمد صلى اللَّه عليه و آله حلال‏

إلى يوم القيامة و هذا و ان لم يتم و لكنه شاهد عدم كون الاستمرار في نفس الحكم من جهة

الإرادة الجدية.

نعم مع الفراغ عن جهة الاستمرار من دليل آخر يفيد الإرادة الجدية فتحصل انه‏

مع حفظ أصالة الجهة لا يتم النسخ فيمكن حفظها و القول بالتخصيص أيضا.


406
حاصل لنا و هو متولد من العلم الإجمالي بان أصالة الظهور الساقطة اما هي من‏

جهة الصدور أو من جهة الظهور الدلالي لأن الخاصّ لو كان ناسخا يكون من باب‏

كون إبراز العموم من جهة التقية أو لمصالح أخرى التي ترجع إلى سقوط جهة

الصدور و اما لو كان مخصصا فيوجب ان يكون الساقط هو أصالة ظهور العام في‏

العموم من حيث الدلالة فإذا دار الأمر بين سقوط جهة الصدور أو الدلالة فلا ترجيح‏

لأحد الظهورين على الاخر.

و اما الإشكال في كلامه قده أولا هو ان تقديم الخاصّ على العام و تخصيص‏

العام به ليس بالدلالة الوضعيّة هنا حتى يقال الوضع مقدم على الإطلاق بالحكومة

بل يكون بالدلالة الإطلاقية المستفادة من مقدمات الإطلاق فان استمرار حكم‏

الخاصّ في جميع الأزمنة لا يكون بالوضع فكما ان استمرار حكم العام بالنسبة

إلى الأزمان يكون بالمقدمات للإطلاق كذلك استمرار حكم الخاصّ فكيف يقدم‏

الخاصّ على العام من باب التخصيص لا النسخ بالأقوائية.

و ثانيا ان ما ذكره قده من ان استمرار حكم العام يكون بالدلالة الوضعيّة

و هي قوله عليه السّلام حلال محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم حلال إلى يوم القيامة إلخ‏

فائضا لا يتم لأن هذا الدليل يكون دليلا على ان شرع محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا ينسخ بشرع‏

آخر و يكون أحكامه غير قابل للتغيير من قبل غيره صلّى اللّه عليه و آله و سلم و اما التغيير من قبله‏

فلا دلالة له عليه و الحاصل لا يدل على استمرار الأحكام الواقعية في كل مورد فهو

أجنبي عما نحن بصدده و هو استمرار نفس الحكم الشخصي فعلى هذا ليس الاستمرار

بالوضع حتى يقاوم مع أصالة العموم في العام هذا كله مضافا إلى ان كلامه قده‏

لا ينطبق على صورة كون الخاصّ مؤخرا عن العام لخروجه على أي حال عن تحته‏

سواء كان تخصيصا أو نسخا:

ثم انه ربما قيل بأن استمرار الحكم لا يمكن ان يستفاد من نفس الخطاب‏

لأن استمرار الحكم فرع ثبوته فما يتفرع على الخطاب كيف يمكن ان يستفاد


407
من قبله فإذا قال قائل تجب الصلاة لا يمكن استمرار حكم الوجوب بنفس هذا

الخطاب.

فلا بد من إثبات الاستمرار في الأحكام الشخصية أيضا من قوله حلال محمد

صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حلال إلى يوم القيامة إلخ فيكون الاستمرار بالوضع من هذه الجهة و لكن‏

لا يتم هذا الكلام فانه من الممكن ان يجعل الدوام قيد الموضوع بان يقال تجب‏

الصلاة في جميع الأزمنة أو تجب الصلاة ممتدة و أمثال تلك العبارة فلا محذور في‏

بيان الاستمرار بغير ما ورد من الحديث(حلال محمد إلخ).

و قد يقال بتقديم التخصيص على النسخ من جهة ان أصالة السند في الخاصّ‏

محفوظة في جميع الأزمنة إذا كان الخاصّ مخصصا للعام مع حفظ أصالة الظهور

و السند في العام أيضا و اما إذا كان العام ناسخا له فأصالة سنده غير محفوظة من حين‏

صدور العام لأن المفروض نسخه بالعامّ فإذا دار الأمر بين حفظ السندين أو حفظ

سند واحد فالجمع بينهما أولى من الطرح لأحدهما و ان كان في القول بالنسخ حفظ

أصالة السند و الجهة في العام.

و لكن حفظ الأصل في السندين أولى من حفظ الجهة لأن أصالة الظهور في‏

طول أصالة الجهة و لا تصل النوبة إليها بدون ملاحظة أصالة الظهور قبلها فعلى هذا يقدم‏

التخصيص على النسخ.

و الجواب عنه ان هذا الكلام لو تم يكون في صورة تقدم الخاصّ على العام‏

و اما في صورة تأخره عنه فلا لأن الخاصّ ناسخا كان أو مخصصا يكون خارجا عن‏

تحت العام و يكون أصالة سندهما محفوظة و لكن لا يتم من أصله لأن العام ينحل‏

إلى الافراد فإذا خصص بالخاص المقدم يكون لازمه إسقاط سند العام في خصوص‏

الفرد المخصص فلا ترجيح للتخصيص على النسخ.

و ما ذكر من تقديم أصالة الصدور على أصالة الجهة و تقديم أصالة الجهة على‏

أصالة الدلالة كما في الكلمات عن القوم و عن شيخنا الحائري قده فغير وجيه من أصله لعدم‏


408
الطولية بين الظهورات الثلاثة في الحجية بل الكل في عرض واحد و الكل مركب‏

يوجب تمامية كلام المتكلم ضرورة احتياج الكلام إلى حفظ الجهات الثلاثة ليصح‏

الاعتماد عليه.

مضافا بان الطولية لو تمت تكون في الدليل الواحد لا الدليلين فان صدور

كلام لا تقدم له على جهة كلام آخر و لا وجه له فتحصل انه لا وجه لتقديم التخصيص‏

على النسخ و لا لتقديم النسخ عليه.

ثم على فرض الشك في النسخ و التخصيص ففي الخاصّ المتقدم ربما يقال ان‏

مقتضى الأصل العملي هو استصحاب حكمه حتى بعد ورود العام.

و فيه انه مع احتمال ناسخية العام له لا علم لنا بالحالة السابقة على أي تقدير بل على‏

تقدير عدم النسخ يكون باقيا و على تقديره فيكون فانيا هذا في الخاصّ المتقدم.

و اما الخاصّ المتأخر فحيث لا ثمرة لاستصحاب حكم العام إلى حين ورود الخاصّ‏

فلا أثر للاستصحاب فيه كما لا ثمرة في بحث النسخ و التخصيص فيه بعد العلم بخروج‏

الخاصّ عن تحت العموم و لو فرض في المقام ثمرة تكون هي وجوب‏1الفحص عن‏

1أقول لا وجه لهذه الثمرة لأن الفحص عن مخصص العام أو ناسخه لازم على أي‏

تقدير لعدم حجية العام بعد احتمال ذلك احتمالا عقلائيا.

مضافا إلى ما ذكره من كون النسخ أيضا كثيرا و لكن لا يكون البحث بدون الثمرة

على ما حققناه و هي ان الخاصّ إذا كان ناسخا للعام لا بد من ترتيب الأثر على مورده الّذي كان‏

إلى حين ورود الخاصّ فانه لو كان مما له قضاء يترتب عليه و هذا بخلاف كون الخاصّ مخصصا

و هذا بعينه هو الثمرة التي كانت في الخاصّ المقدم و العام المؤخر و قد ذكره مد ظله‏

فيما سبق فكيف يقول القوم لا ثمرة له فان كان المراد عدم وجدان الثمرة كذلك في الفقه فهو

يكون في جميع الصور و لا اختصاص له بصورة دون صورة و الحاصل تصوير الثمرة مما لا إشكال‏

فيه في الصور.

و اما وقوعها فالكلام و ان كان فيه و لكن لا يختص بصورة دون صورة أيضا.


409
المخصص لو كان الخاصّ مخصصا و عدم وجوبه لكونه ناسخا و النسخ نادر فلا يجب‏

الفحص عنه.

و لكن هذا أيضا لا يتم لأن كل خاص إذا فرض كونه ناسخا لا يكون نادرا

حتى لا يجب الفحص عنه فانه حينئذ يرجع كل تخصيص إلى النسخ فتحصل انه‏

لا ثمرة من بين الصور الا في صورة كون الخاصّ مقدما و كون العام مؤخرا و احتملنا

التخصيص للعام به أو نسخ العام لحكمه.

ثم انه قد ظهر من جميع ما تقدم حكم ما ورد من الروايات النبوية و ما ورد من‏

المخصصات العسكرية فانه من الممكن ان تكون المصلحة في إبراز العموم عنه‏

صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثم صارت المصلحة في الإبراز بعد زمان و من الممكن ان يكون من باب‏

التخصيص أيضا و يكون ما ورد من الروايات العامية الصادرة في المخصصات شاهدا على‏

ان المخصص قد خفي بدس الدساسين.

و اما أصل النسخ فقد مر انه في زمان الأئمة عليهم السّلام ممكن لعلمهم بانتهاء أمد

الحكم و لا يكون الخاصّ المتأخر موجبا لتأخير البيان عن وقت الحاجة و اما في‏

مقام الإثبات فقد اختار الشيخ الأعظم تقديم التخصيص على النسخ و نحن لا مرجح‏

لنا لأحدهما فانهما متساويان بحسب الدليل.

الجهة السادسة

في التعارض بين الأكثر من الدليلين‏

مثل ان تكون الأدلة المتعارضة ثلاثة أو أزيد مع اختلاف النسبة بين العام‏

و الخاصّ و الخاصّ و الخاصّ من كونها عموما و خصوصا مطلقا أو عموما من وجه و تكون النسبة

التباين فينبغي توضيح المقام ببيان كل صورة مع حكمها.

الصورة الأولى ان يكون لنا عام و خاصان مثل ما إذا قام دليل على وجوب‏

إكرام النحويين و دليل آخر على عدم وجوب إكرام الكوفيين منهم و دليل آخر


410
على عدم وجوب إكرام البصريين منهم فان النسبة بين العام و كل خاص هو العموم‏

و الخصوص المطلق و النسبة بين الخاصّين هو التباين من حيث الموضوع فان الكوفيين‏

غير البصريين و بالعكس.

ففي هذه الصورة ان لم يلزم محذور من تخصيص العام بهما مثل عدم لزوم‏

تخصيص الأكثر المستهجن يخصص بهما و اما إذا لزم محذور تخصيص الأكثر أو كون‏

العام بلا مورد فيدور الأمر بين تقديم العام أو تقديم الخاصّين لوجود التعارض بينهما

و بين العام ضرورة انه لا تعارض بين العام و كل واحد من الخاصّين لأن تخصيصه‏

بأحدهما لا يلزم منه محذور فلا بد من الرجوع إلى المرجحات السندية.

و لكن النراقي قده يحكم بتخصيص العام بأحد الخاصّين أولا ثم يلاحظ النسبة

بينه و بين الخاصّ الاخر و قال الشيخ الأعظم قده و لا أظن انه يلتزم به في الخاصّين‏

الذين يكون دليلهما اللفظ بل يكون التوهم في صورة كون أحد الخاصّين دليلا

عقليا أو إجماعا ليكون ذلك مثل الدليل المتصل الّذي يكون كالقرينة لتقطيع‏

حجية العام في العموم.

و كيف كان فقد تنقلب النسبة بعد التخصيص المذكور إلى العام و الخاصّ من‏

وجه مثاله أكرم العلماء و لا تكرم الفساق منهم و لا تكرم النحويين فإذا خصص العام‏

بلا تكرم الفساق منهم تكون النسبة بينه و بين لا تكرم النحويين العموم من وجه‏

فمورد الاجتماع النحوي الفاسق و مورد افتراق أكرم العلماء العالم العادل غير النحوي و

مورد افتراق لا تكرم النحويين النحوي الغير العالم و هو قده ينكره لعدم الفرق بين‏

كون الدليل المنفصل لفظيا أو غير لفظي.

فان قيل إذا كان المحذور في تخصيص العام بالخاصين فلا بد من تقديم تخصيص‏

ما هو المقطوع من المخصصين و بعده تنقلب النسبة كما قال النراقي قده فأي إشكال‏

عليه في هذا الفرض.

قلنا ان مراد الشيخ قده هو تساوى الظني و القطعي في كونهما مخصصين بعد فرض‏


411
حجية الظني أيضا و لا وجه لانقلاب النسبة بل المدار على الأظهرية في الدلالة و مع‏

التساوي فلا بد من التخيير بين العمل بالخاصين أو العام و لا وجه لتقديم التخصيص في‏

أحد المخصصين على الاخر و هو الحق عندنا،

الصورة الثانية ان يكون عام و خاصان مع كون النسبة بين الخاصّين أيضا

هو العموم و الخصوص المطلق مثل ان يقال أكرم العلماء و لا تكرم النحويين منهم‏

و لا تكرم الكوفيين من النحويين.

فقال الشيخ النائيني قده ان تخصيص العام بالخاصين هنا أيضا مثل الصورة

السابقة فان لم يلزم محذور من جهة كون العام بلا مورد معه أو صيرورته مستهجنا به‏

يخصص بهما و الا فيدور الأمر بين ترجيح العام و بين ترجيح الخاصّين،

و لكن يرد عليه قده بوجوه من الفرق بين الصورتين الأول ان الترجيح في‏

المقام يمكن تصويره بان يكون أحد الخاصّين و هو الأخص مخصصا دون‏

الاخر لأنه مقطوع الخروج بخلافه في الصورة السابقة فان كل واحد من الخاصّين‏

كان متساوي النسبة في تخصيص العام مع عدم إمكان تخصيصه بهما من جهة لزوم‏

تخصيص الأكثر أو صيرورة العام بلا مورد.

و هذا واضح من جهة الإثبات أيضا فانه ان أحرزنا وحدة المطلوب في الخاصّين‏

فلا شبهة في تخصيص العام بالأخص لأن المطلوب به و بالخاص امر واحد و على فرض‏

تعدد المطلوب أيضا يمكن الفرق من جهة شدة الملاك في الأخص و ضعفه في الخاصّ.

بخلاف الخاصّين المتساويين فانه لا وجه لتقديم أحدهما على الاخر بوجه‏

و لا فرق بينهما في ذاتهما.

الوجه الثاني من الفرق هو إمكان البحث عن انقلاب النسبة في المقام بخلاف‏

الصورة السابقة ضرورة ان العام إذا خصص بأخص الخاصّين الّذي هو خارج قطعا

تنقلب النسبة بين العام و بين الخاصّ الاخر عموما من وجه بعد كونها قبل ذلك‏

عموما مطلقا.


412
فإذا خصص في المثال أكرم العلماء بلا تكرم النحويين من الكوفيين يكون‏

مورد الاجتماع بين العام و الخاصّ الاخر هو العالم النحوي غير الكوفي لأن النحوي‏

يعم الكوفي و غيره و العالم الغير الكوفي يعم النحوي و غيره و هذا لا يكون الا من‏

جهة إمكان ترجيح تخصيص العام بأخص الخاصّين و الترجيح هنا ذاتي و لو فرض‏

في السابقة لكان بدليل خارجي.

الوجه الثالث من الفرق هو إمكان تخصيص العام بالأخص هنا ثم تخصيصه‏

بمقدار من الخاصّ الاخر لئلا يلزم محذور تخصيص الأكثر أو كون العام بلا مورد و

لا يمكن ذلك في السابقة من جهة عدم المرجح لأحدهما بوجه بل الدوران كان‏

بين سقوطهما أو سقوط العام.

و العجب عن الأستاذ قده حيث يقول بان المخصص المنفصل أيضا هادم للظهور

و مع ذلك فرق بين المخصص المنفصل و المتصل و قال بإمكان انقلاب النسبة على فرض‏

كونه متصلا و بعدم انقلابها مع كونه منفصلا مع انه على مسلكه لا فرق بين المتصل‏

و المنفصل في هدم الظهور و تعنون العام بعنوان ضد الخاصّ.

الصورة الثالثة ما إذا ورد عام و خاصان و كانت النسبة بين الخاصّين العموم‏

من وجه مثل ما إذا قيل أكرم العلماء و لا تكرم النحويين و لا تكرم الصرفيين فلا شبهة

في تخصيص العام بهما.

و مورد اجتماع العنوانين و هو العالم الصرفي النحوي ينطبق كلا الخطابين‏

و لا محذور في ذلك و لو كان في البين محذور تخصيص الأكثر أو بلا موردي للعام‏

فالكلام هو الكلام في الصورة الأولى من حيث ملاحظة الترجيح في سند العام‏

أو الخاصّين،

الصورة الرابعة ما إذا ورد عامان من وجه و خاص فان كان مفاد الخاصّ إخراج‏

مورد افتراق أحد العامين تنقلب النسبة إلى العام و الخاصّ المطلق.

و حيث ان الأمثلة المذكور في كتب الأصول لا ثمرة فقهية فيها و يكون المقام‏


413
من مقامات البحث عن انقلاب النسبة فنحن نذكر شرح الانقلاب ثم نكتفي بالمثال‏

الشرعي الفقهي و ما تعرضوا له من أدلة ضمان العارية و عدم ضمان الدرهم و الدينار و

عدم ضمان الذهب و الفضة.

فنقول اما انقلاب النسبة فهو خلاف التحقيق عندنا تبعا للمحقق الخراسانيّ قده‏

و خلافا للشيخ الأعظم قده و من تبعه مثل شيخنا النائيني،

و حاصل كلامهم في تصويره هو ان للفظ ظهور تصوري و ظهور تصديقي‏

و ظهور في مطابقة الإرادة الاستعمالية للإرادة الجدية و الثالث هو الّذي يتوقف على‏

عدم وجود قرينة صارفة عنه فإذا وجدت قرينة على عدم كشف اللفظ عن الإرادة

الجدية في تمام المراد أو بعضه يسقط هذا الظهور و الدليل المنفصل مثل الخاصّ‏

بالنسبة إلى العام يوجب ضيق دائرة كشفه.

و ميزان انقلاب النسبة هو ذلك فإذا لوحظ العام مع الخاصّ تنقلب النسبة

مع المعارض الاخر بعد كونها عموما من وجه إلى العموم و الخصوص المطلق.

أو يقال ان الخاصّ لأقوائية ظهوره يقدم على العام فتنقلب النسبة أو يقال‏

انه قرينة فيسقط ظهور العام به و هذا يكون في صورة وجود خاص واحد في مقابل‏

عامين من وجه فانه يخصص أحد العامين و لا يكون مثل خاصين في مقابل عام واحد

حتى يقال لا مرجح لترجيح أحد الخاصّين في التخصيص.

فالخاص الواحد يلاحظ مع العام الّذي كون مخالفا له فيخصص به و لا يلاحظ

مع العام الموافق لعدم الوجه لتخصيص أحد المثبتين بالاخر الا إذا أحرز وحدة

المطلوب‏1.

1أقول لو سلم جميع ما ذكره العلامة النائيني قده لا نسلم تقديم ملاحظة نسبة الخاصّ‏

مع أحد العامين ثم ملاحظة النسبة مع العام الاخر بل لا بد من ملاحظة جميع المتعارضات‏

دفعة واحدة.


414
و حاصل الجواب عن هذه المقالة هو ان تقديم الخاصّ على العام لا يكون‏

من جهة كونه قرينة بل من جهة كونه أقوى ظهورا منه و ليس شارحا للعام ليكون‏

قرينة عليه;

و اما الظهور التصوري و التصديقي للفظ فمن المعلوم عدم توقفه على شي‏ء

لأن الظهور التصوري تابع للعلم بالوضع و التصديقي بمعنى استعمال اللفظ في الدلالة

و لكن الّذي يجب التدبر فيه و ما رأيت التعرض له الا في كلام العلامة الأنصاري قده‏

في الفرائد هو ان القول بالانقلاب ربما لا بد منه لأنه يدور الأمر بين طرح النص أو الظاهر

بدون دليل.

فعليك بعبارته قده في هذا المقام فانه قال و ان كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة

فان كان فيها ما يقدم على بعض آخر منها اما لأجل الدلالة كما في النص و الظاهر أو الظاهر

و الأظهر و اما لأجل مرجح آخر قدم ما حقه التقديم ثم لوحظ النسبة مع باقي المتعارضات‏

فقد تنقلب النسبة و قد يحدث الترجيح.

كما إذا ورد أكرم العلماء و لا تكرم فساقهم و يستحب إكرام العدول فانه إذا خص‏

العلماء بعدولهم يصيرا خص مطلقا من العدول فيخصص العدول بغير علمائهم.

و السر في ذلك واضح إذ لو لا الترتيب في العلاج لزم إلغاء النص أو طرح الظاهر

المنافي له رأسا و كلاهما باطل و قد لا تنقلب النسبة فيحدث الترجيح إلخ انتهى موضع الحاجة

من عبارته.

فنقول في توضيح قوله و السر في ذلك واضح لأنا إذا لم نقل بانقلاب النسبة و لم نخصص‏

استحباب إكرام العدول بغير العلماء تكون النسبة بين أكرم العلماء و يستحب إكرام العدول‏

العموم من وجه.

فمورد الافتراق في الأول العلماء الفساق و مورد الافتراق في الثاني العدول من‏

المؤمنين و مورد الاجتماع العلماء العدول.


415
التصديقية لا ينقلب عما هو عليه لأن مقومه الاستعمال و قد وجد و الظهور في الإرادة

الجدية كفى فيه كاشفية اللفظ نوعا عن المراد و المدار عليه لا على الكشف الفعلي فعليه‏

لا ينبغي القول بانقلاب النسبة لأن الكشف النوعيّ مع القرينة المنفصلة بحاله،

و الا فلو كان على الكشف الفعلي فلا معنى للتعارض لأن اللفظ لا يعارضه في‏

كشفه الفعلي شي‏ء و الكشف النوعيّ يكون بحاله مع المعارض لعدم توقف ذلك على‏

الظن الشخصي بل الظن النوعيّ كاف و لو كان الظن الشخصي بخلافه أو لم يكن‏

على وفقه،

و لذا ترى عدم إجمال العام بعد التخصيص بالخاص في بقية الافراد فان ظهوره‏

بحاله و انما قدم الخاصّ في مورده للأقوائية،

ثم ان العام بعد التخصيص لا يعنون بعنوان ضد الخاصّ فإذا قيل أكرم العلماء

ثم خصص بلا تكرم الفساق لا يعنون العام بعنوان ضد الخاصّ و هو العدالة ليرجع العام إلى‏

قولنا أكرم العلماء العدول ليلاحظ مع هذا العنوان مع العام الاخر مثل لا تكرم‏

النحويين مثلا.

فتحصل انه لا وجه للقول بانقلاب النسبة و الخاصّ المنفصل انما يوجب سقوط

الحجية بالنسبة إلى العام لا سقوط الظهور.

فإذا تعارضا تساقطا فيلزم سقوط وجوب إكرام العلماء العدول بالتعارض ثم مع الملاحظة

لقوله لا تكرم فساقهم يخرج الفساق عن تحت العام الّذي كان مورد الافتراق فلا يبقى للعام‏

مورد أصلا.

و ان لم نخرج فساقهم يلزم طرح النص و هو النهي عن إكرام فساقهم و هذا لا يلزم‏

في صورة تخصيص إكرام العلماء بغير الفساق لتصير النسبة العموم و الخصوص المطلق بعد ما

كانت عموما من وجه.

فلا بد من القول بانقلاب النسبة في بعض الموارد و عليه الخراسانيّ قده في الفوائد

فلاحظ و تدبر.


416
مثال انقلاب النسبة في العارية

اما المثال الفقهي في هذا البحث ففي العارية و فيه يظهر ثمرة القول بانقلاب النسبة

و عدمه فنقول على ما في الكتب ان الروايات الواردة في العارية من حيث الضمان و عدمه‏

على طوائف أربع بالنسبة إلى البحث المناسب للمقام و ان كانت في نفسها أزيد من ذلك.

و هي ما ورد في الوسائل ج 13 في باب 1 و 2 و 3 من أبواب العارية.

فمدلول الطائفة الأولى عدم الضمان في العارية مطلقا سواء كانت ذهبا أو فضة

أو درهما و دينارا الا في صورة اشتراط الضمان.

كرواية مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عليهما السّلام قال سمعته يقول لا غرم على‏

مستعير عارية إذا هلكت أو سرقت أو ضاعت إذا كان المستعير مأمونا.

و مدلول الطائفة الثانية عدم الضمان الا في الدرهم كرواية عبد الملك عن أبي عبد اللّه‏

عليه السّلام قال ليس على صاحب العارية ضمان الا ان يشترط صاحبها الا الدراهم فانها

مضمونة شرط صاحبها أو لم يشترط.

و مدلول الطائفة الثالثة عدم الضمان الا في الدينار كرواية عبد اللّه بن سنان قال‏

قال أبو عبد اللّه عليه السّلام لا تضمن العارية الا ان يكون قد اشترط فيها الضمان الا الدنانير

فانها مضمونة و ان لم يشترط فيها ضمانا.

و مدلول الطائفة الرابعة عدم الضمان الا في الذهب و الفضة كرواية إسحاق بن‏

عمار عنه عليه السلام ليس على مستعيرها ضمان الا ما كان ذهب أو فضة فانهما مضمونان‏

اشترطا أو لم يشترطا.

ففي مقام الجمع نقول لا شبهة في تخصيص عموم عدم الضمان في العارية بأخص‏

الخاصتين و هو عارية الدرهم و الدينار لأنهما خارجان سواء كان الذهب و الفضة أيضا

خارجين أم لا و لا شبهة في ان المدلول المطابقي في رواية الدرهم و الدينار يكون أظهر

من المدلول الالتزامي فيهما فيؤخذ بهما في المدلول المطابقي و يخصص به العام.


417
فما قيل من ان المدلول الالتزامي في رواية الدرهم بقاء كل ما كان غيره‏

تحت العموم حتى الدينار و المدلول الالتزامي في رواية الدينار يكون هو الضمان‏

في كل شي‏ء حتى الدرهم فيتنافيان فغير وجيه بعد الأخذ بالمدلول المطابقي فيهما

و إلقاء المدلول الالتزامي.

ثم ان المهم ملاحظة العموم بعد التخصيص بالدرهم و الدينار مع رواية

الذهب و الفضة فان هذا المورد هو المورد للبحث عن انقلاب النسبة الّذي يكون‏

محل الكلام.

فان النسبة بين عموم عدم الضمان في العارية و الضمان في عارية الذهب و الفضة

العموم و الخصوص المطلق قبل تخصيص العموم بالدرهم و الدينار و اما بعد التخصيص‏

فتنقلب النسبة إلى العموم من وجه لأن مفاد العموم بعد التخصيص هو عدم الضمان في‏

العارية الا ان يكون درهما أو دينارا.

و مفاد رواية الذهب و الفضة هو الضمان فيهما سواء كانا مسكوكين كالدرهم‏

و الدينار أو غير مسكوكين كالذهب و الفضة الغير المسكوكين،

فمورد الاجتماع هو الذهب و الفضة المسكوكين فان العموم ينفى الضمان‏

و الخصوص يثبته و اما مورد الافتراق في العام فهو عارية غير الذهب و الفضة مثل الثوب‏

فانه لا ضمان فيه‏1و لا يعارضه الرواية فيهما و مورد الافتراق في الرواية فيهما

هو الذهب و الفضة المسكوكين كالدرهم و الدينار فان الضمان يكون فيهما.

1أقول ما تراه من بيان مورد الافتراق و الاجتماع لكلامه مد ظله بحيث يصح العموم‏

من وجه حقيقة يكون مما ادى إليه فكري و قد أشار إليه العلامة الأنصاري قده‏

و مورد الافتراق في خصوص الثوب لم يتعرض له مد ظله و كان يقول ان المقام ليس‏

من العامين وجه حسب الاصطلاح بل واقعة العموم و الخصوص المطلق و المراد به العامان‏

من وجه الموردي تبعا لأستاذه قده ذكر هذا تحفظا لكلامه في الدرس.


418
و لا يعارض العام فيهما لأن المفروض انه خصص قبلا بهما فمن قال بصحة انقلاب‏

النسبة يقول في المقام بالتعارض في مورد الاجتماع و لا بد له من مرجح أو مرجع،

فربما يتوهم ان المرجع هو العموم الفوق و لكنه ليس لنا عموم بعد التخصيص‏

بالمنفصل لا ان العموم في روايتي الدرهم و الدينار قد خصص بهما بنحو الاتصال و العام‏

الّذي لا يتصل به الاستثناء أيضا يخصص بهما،

فما بقي شي‏ء يكون مرجعا و لا مرجح أيضا فلا بد من القول بأصالة

البراءة عن الضمان و اما من لم يقل بانقلاب النسبة مثل صاحب المسالك‏

فيخصص العام بكلا المخصصين فليس في العارية ضمان الا الذهب و الفضة

و الدرهم و الدينار.

و قال شيخنا النائيني قده بان الإنصاف هو تخصيص العموم الدال على عدم‏

الضمان بمطلق الذهب و الفضة وفاقا للمشهور لأن تخصيصهما بالدرهم و الدينار يوجب‏

الحمل على الفرد النادر لأن عارية الدرهم و الدينار نادرة جدا و ما هو الشائع من‏

عارية الذهب و الفضة هو الحلي فتخصيص عموم عدم الضمان هنا أولى من تقييد الذهب‏

و الفضة و لو قلنا بان تقييد الإطلاق في غير المقام مقدم على تخصيص العام في صورة

الدوران بينهما،

و هذا الكلام منه قده يكون بعد تصويره العامين من وجه بنحو لا يخلو من تأمل‏

و يرد عليه ان عارية الدرهم و الدينار ليست نادرة لأنهما ربما يجعلان حليا مضافا بان‏

الحمل على الفرد النادر يكون في صورة عدم تكفل نفس الدليل للصورة النادرة فإذا

كان نفس الدليل حاكمة بالضمان في خصوص الدرهم و الدينار فلا يضر قلة افراد

هذا الدليل فلا إشكال من جهة الحمل على الفرد النادر بل لعدم تمامية انقلاب النسبة

و لعدم دليل على حمل الخاصّ على الأخص فيخصص العام بهما،


419
الجهة السابعة

في مقتضى الأصل الأولى في المتعارضين‏

و انه هل يكون مقتضاه التساقط أو التخيير أو التوقف و قبل الورود

في البحث عنه ينبغي تقديم مقدمة في أمور الأمر الأول في ان المرجحات‏

التي تستفاد من اخبار العلاج تكون من باب التعبد المحض أو هي مرجحات عرفية

أيضا كالمرجحات الدلالية؟

و الحق عندنا هو الثاني لأن العرف كما يجمع بين النص و الظاهر و الأظهر و

الظاهر بتقديم أحدهما على الاخر كذلك في مقام العلاج يرى ما هو أوثق من جهة

كون راويه أعدل أو أفقه اقرب إلى الواقع فيكون ما صدر من الروايات في المرجحات‏

إرشاد إلى ما يحكم به العقل و العقلاء فيكون ملاحظتها في رتبة الجمع الدلالي و اما

على فرض كونها من باب التعبد المحض فتكون من المرجحات التي تلاحظ في طول‏

الجمع الدلالي،

الأمر الثاني في ان مورد النزاع هو تكاذب الخبرين اما بالذات مثل ان‏

يكون العنوان الواحد مورد الترخيص و التحريم مثل ما يقال ثمن العذرة سحت‏

و لا بأس بثمن العذرة و اما بالعرض مثل كون المدلول الالتزامي في أحد الدليلين‏

معارضا للمدلول كذلك في الدليل الآخر مثل ما إذا ورد وجوب صلاة الجمعة

و وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة.

فان التعارض بينهما لا يكون بالذات لا مكان الجمع بينهما و لكن حيث نعلم‏

من الخارج عدم وجوب إحداهما يكون المدلول المطابقي هو وجوب إحداهما

و مدلوله الالتزامي عدم وجوب الأخرى فيتعارضان و هذا بخلاف الأمر و النهي في‏

عنوان واحد فانه لا يمكن اجتماعهما بالذات‏


420
لا يقال‏1ان التعارض مع العلم بكذب أحدهما غير متصور لأن الأمر يدور

بين الحجة و اللاحجة و ما دار امره بينهما لا يكون حجة أصلا و لا يمكن التعبد بهما

مع العلم بكذب أحدهما كما عن القدماء فهذا المورد خارج عن بحث التعارض‏

للعلم الإجمالي بالكذب المانع من التعبد بهما ليحصل التعارض.

لأنا نقول الفرض في المتعارضين بالعرض هو عدم وحدة العنوان ليضر العلم‏

1أقول ان كان الإشكال هو العلم بكذب أحدهما من باب الإجماع مثلا على عدم‏

وجوب صلاتين في ظهر الجمعة فيكون العلم بالكذب في الواقع في صورة التعارض بالذات‏

لعدم إمكان صدور البعث و الزجر بالنسبة إلى شي‏ء واحد عن المولى الحكيم.

و لا فرق بين وحدة العنوان و تعدده في ذلك فالإشكال مشترك.

و اما الجواب منه مد ظله بعدم سريان العلم إلى الخارج فلا يتم لأن العلم لا شبهة في‏

كونه مرآة عن الخارج و بلحاظه و هو لا يجتمع مع الشك بل الشك في الانطباق على المعين‏

مع العلم بأن المنطبق في الخارج بينهما.

مضافا بالنقض في مورد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الكأسين فكيف صار العلم‏

الإجمالي باعثا للاجتناب عما في الخارج،

و الحاصل لو لم يكن للعلم الإجمالي شأن في الخارج فلم يقول انه علة تامة للتنجيز

و كون العلم و التمني و الترجي من الصور القائمة بالنفس غير مضر بالتأثير الخارجي.

و اما الجواب عن أصل الإشكال فهو ان يقال ان التعارض في المتعارضين بالذات‏

و بالعرض يكون معناه حجية كل واحد من المتعارضين لو لا الاخر لا حجيته مطلقا ليضر العلم‏

الإجمالي.

و لا يصير من الدوران بين الحجة و اللاحجة من باب ان الفرض تمامية أبزار

الحجية اللولائية و الدوران كذلك يكون في صورة العلم بكذب أحد الخبرين من حيث أبزار

الحجية فتحصل دخول الخبرين المتعارضين بالعرض أيضا في محل النزاع.


421
الإجمالي بالكذب بل مع تعدد العنوان كما مثلناه بالظهر و الجمعة و مع ذلك لا يضر

العلم الإجمالي بكذب أحدهما لأن العلم و التمني و الترجي صور ذهنية لا تنطبق على‏

الخارج فلذا ترى اجتماع العلم الإجمالي مع الشك التفصيلي في كل واحد من‏

الأطراف فان كان الخارج ظرف وجوده لا يمكن ان يجتمع مع الشك و هذا هو

الشاهد لما نقول دقة فالعلم بكذب أحدهما غير مضر بحجيتهما و التعارض بينهما.

الأمر الثالث في بيان ما هو المعروف بينهم من ان الجمع مهما أمكن أولى‏

من الطرح و قد أنكره بعضهم و فرق الشيخ الأعظم قده بين كون الدليلين مقطوعي‏

الصدور أو غيره فقال بلا بدية الجمع في المقطوعين دون المظنونين لأن مقطوعية

الصدور عنده قده شاهد ارتكاب خلاف الظاهر فيهما و اما عند أساتيذنا فهو

ساقط مطلقا.

فنقول موارد تطبيق هذه الكبرى ثلاثة الأولى الجمع بين النص و الظاهر

كحمل العام الظاهر في العموم على الخاصّ الناص في الخصوص مثل أكرم العلماء

و لا تكرم زيدا العالم.

الثاني الجمع بين الظاهر و النص الإضافي مثل تعارض ما دل على النهي عن‏

عمل مّا و ما دل على جواز فعله فان النهي نصّ في الهزازة و ظاهر في التحريم‏

و الجواز نصّ في الترخيص ظاهر في عدم الهزازة فالجمع بينهما برفع اليد عن ظاهر

كل واحد منهما بنص الاخر فينتج القول بالكراهة.

و الثالث ان الجمع بتقدم تقييد المطلق الشمولي على تخصيص العام الأصولي‏

و تقديم اقرب المجازات كحمل الأمر على الاستصحاب على غيره و غير ذلك مما ذكر

في الضوابط النوعية و قد مرت فيما سبق و قلنا لا وجه لهذه الضوابط و المدار على‏

نظر الفقيه في إحراز الظاهر و الأظهر.

و الحاصل الجمع بين الدليلين بما ذكر يكون من الجمع العرفي الّذي لا كلام‏


422
فيه و اما الجمع بالتصرف في ظاهر كلا الدليلين و الأخذ ببعض مدلول كل واحد

منهما تحفظا لسندهما فلا وجه له أصلا.

فإذا عرفت هذه الأمور في المقدمة فنقول البحث في مقتضى الأصل الأولى‏

اما ان يكون على طريقية الأمارات أو على سببيتها فعلى الطريقية فربما قيل بأن‏

الأصل الأولى يقتضى تساقط الخبرين لأن شمول دليل حجية الخبر للواحد الّذي‏

يكون مطابقا للواقع أو لأحدهما الغير المعين أو لأحدهما المعين بالتخيير

لا أثر له.

فان التعبد بالواحد في الواقع و معناه بالفارسية پذيرفتن آنيكه در واقع‏

مطابق است لا أثر له في الخارج لأن معنى التعبد هو الجري العملي على طبق المتعبد

به و هو غير ممكن مع عدم التعيين و أسوأ حالا منه كون أحدهما المبهم هو المتعبد

به لأن الأحد بهذا العنوان غير موجود في أي صقع فرض‏

و هذا بخلاف الأول فان الواحد في الواقع له الواقع الموجود و لكن لا أثر له‏

و اما التخيير بان يكون أحدهما حجة بالاخذ فهو لا دليل عليه لعدم الترجيح فلا بد

من القول بالتساقط.

مضافا بان ما يكون امره دائرا بين الفعل و الترك لا محالة لا معنى لتعبد الشارع‏

به لأن المكلف بدونه أيضا فاعل أو تارك فالتعبد به لغو1.

نعم الالتزام بما في الواقع و ان كان نافيا للثالث لانحصار الحكم في مفادهما

و لكن هذا لا يختص بمسلك التخيير فقط بل على جميع المسالك من التساقط و التخيير

و غيرهما يكون اللازم هو نفى الثالث.

فان قلت ان كل واحد من المتعارضين يكون مشمولا لإطلاق دليل تصديق‏

العادل غاية الأمر حيث لا يمكن الجمع بينهما يقيد إطلاق دليله بعدم السبق إلى‏

1لا يخفى اختصاص هذا الإشكال بصورة وحدة العنوان و اما مثل الظهر و الجمعة

فيمكن تركهما معا في تعبد بأحدهما.


423
أحدهما فيكون اللازم هو الأخذ بأحدهما المخير و لا يتساقطان.

قلت الكلام كله في ان عنوان أحدهما غير قابل لتعلق الحكم به لعدم تقرره‏

و ما في الواقع أيضا لا يترتب على التعبد به أثر.

ثم انه نقل شيخنا قده عن المحقق الخراسانيّ قده تقريبا عن درسه و هو ان‏

إطلاق دليل تصديق العادل يشمل كلا الخبرين لتمامية أبزار الحجية فيهما و انما المانع‏

عن الجمع بينهما من حيث العمل فيؤخذ بأحدهما فان قلت نعلم بكذب أحدهما

قلت ليس‏1العلم بالكذب بل نعلم عدم مطابقة أحدهما مع الواقع و هذا لا يضر

بحجية الخبر و الا فاللازم منه هو القول بعدم حجيته و لو لم يكن له معارض لاحتمال‏

عدم المطابقة للواقع فان الخبر لا يلازم مع الواقع دائما.

فان قلت لنا في المقام العلم الإجمالي بعدم مطابقة أحدهما مع الواقع و هذا

بخلاف صورة احتمال خلاف الواقع بدوا قلت العلم الإجمالي لا يسرى إلى الخارج‏

كما مر منا أيضا فان التمني و الترجي و العلم صقعه الذهن لا الخارج و لذا يجتمع مع‏

الشك التفصيلي في كل واحد من الأطراف فلا إشكال في التعبد بكلا الخبرين فما

أخذه المكلف يصير حجة عليه بالاخذ هذا حاصل ما نسب إليه بتنقيح منا.

و قد أجيب عنه بان اللازم من التعبد بالخبرين هو التعبد بالمتناقضين‏

لأن المدلول الالتزامي في كل خبر ينفى المدلول المطابقي في الخبر

الاخر في المتعارضين بالعرض و المدلول المطابقي في كل واحد منهما ينفى‏

المدلول المطابقي في الاخر في المتعارضين بالذات مثل صل و لا تصل و محالية الأمر

بالمتناقضين ضرورية.

1أقول العلم بالكذب غير احتمال عدم المطابقة مع الواقع لحصول الخطاء من‏

الراوي أو غيره و الجواب بعدم سريان العلم الإجمالي إلى الخارج مر ما فيه آنفا فان أثر العلم‏

في الخارج لا انه في الخارج و الأمر بالمتناقضين الّذي أجابوا به في غير ما له عنوان واحد

يكون من ثمرات العلم الإجمالي لا غير.


424
فان قلت في الواجبات التخييرية كيف يحكم بالتخيير فكذلك في المقام‏

فان إطلاق دليل كل واحد منهما يقيد بعدم امتثال الاخر مثل خصال الكفارات من‏

الصوم و الإطعام و العتق.

قلت الفرق بين المقامين واضح فان العنوان في الواجبات التخييرية متعدد

فان الصوم غير العتق فلذا يمكن توجه الأمر بهما و التخيير في مقام الامتثال و لكن‏

في مقامنا هذا كيف يمكن ان يكون العنوان الواحد مثل الصلاة متعلقا للأمر و

النهي‏1هذا ما قيل على ما هو المشهور.

و لكن التحقيق عندنا هو ان الخبرين المتعارضين يكون عند العقلاء لهما وجه‏

علاج كما يعالجون الدلالة بحمل الظاهر على الأظهر أو على النص مثل حمل‏

العام على الخاصّ و غيره و الروايات الواردة في الشرع من التعبد بماله المرجح و

التخيير عند تساوى الخبرين ليس تعبدا محضا بل إرشاد إلى ما عليه بناء العقلاء فانهم‏

يلاحظون الخبرين فان كان أحدهما مشهورا أو كان راويه أعدل فيقدمونه و ان‏

لم يجدوا وجه مزية لأحدهما يحكمون بالتخيير بعد كونهم لا بدين من العمل بأحدهما.

فالأصل الأولى هو الترجيح مع المرجح و التخيير مع عدمه و لذا لا نفرق بين‏

الخبرين في ذلك أو فتوى المجتهدين و اما القائلين بأن الأصل الأولي هو التساقط

فيرد عليهم النقض بفتوى المجتهدين من جهة انهم يقولون بالتخيير مع ان لازم‏

1هذا الجواب تام في مثل صل و لا تصل أو يجب الصلاة و تحرم لوحدة العنوان‏

و اما في مثل صل الجمعة و صل الظهر مع العلم بعدم وجوب أحدهما مع تعدد العنوان فلا يتم‏

لتعدد العنوان.

فلا بد ان يقال في دفعه في هذه الصورة أيضا بأن كل واحد من افراد التخيير في‏

الواجبات التخيير له مصلحة في الواقع و قابل لأن يكون مجعولا بخلاف المقام فان أحدهما لا مصلحة

فيه أصلا لعلمنا بكذبه فكيف يمكن التخيير بين ما لا مصلحة فيه و ما فيه المصلحة.


425
مذهبهم هو القول بالتساقط فللشارع ان يسقط المدلول الالتزامي في كل واحد من‏

المتعارضين بالعرض و يقول بأخذ المدلول المطابقي فيهما على التخيير و كذلك في‏

المتعارضين بالذات يمكنه الحكم بالتخيير.

فان قلت التخيير بين الفعل و الترك في مثل صل و لا تصل تكويني كما مر

و هو حاصل لا محالة فكيف يحكم الشرع به قلت بعد كون الحكم بالتخيير

في الروايات إرشادا لا يضر التخيير التكويني بالأمر به و الإشكال يكون في صورة كون‏

الأمر بالتخيير تعبدا محضا.

فتحصل ان الأصل الأولى أيضا عندنا التخيير كما في الروايات العلاجية مع‏

عدم الترجيح.

ثم انه على القول بالتساقط بمقتضى الأصل الأولى فيكون لسان كل واحد

من المتعارضين نفى الثالث و انما الكلام في انه يكون بهما أو بأحدهما و في انه هل‏

يكون الفرق بين كون العنوان واحدا فيكون مقتضاه نفى الثالث أو متعددا فلا

يكون نافيا له.

فنقول يلزم التوجه قبل الكلام في أصل المطلب إلى انه على الفرض و هو

فرض التساقط لا شبهة في سقوط المدلول المطابقي في كلا المتعارضين عن الحجية

و لا بد من نفى الثالث بالمدلول الالتزامي.

فقال شيخنا النائيني قده ان المدلول الالتزامي تابع للمطابقي في الوجود

لا في الحجية فإذا سقطت المطابقية عن الحجية يكون حجية المدلول الالتزامي‏

بحالها و هذا الكلام و ان كان صحيحا في نفسه‏1من جهة عدم التبعية في الحجية.

1أقول قد مر الإشكال في ذلك لتبعية المدلول الالتزامي مع المطابقي في الحجية

أيضا و لكن في المقام يكون الحق هو التخيير على ما اختاره مد ظله فينفى الثالث بالمدلول‏

المطابقي في إحداهما.


426
و لكن يلزم في المقام إثبات شي‏ء آخر و هو ان أهل المحاورة مع عدم التفاهم‏

في كلماتهم إلى المداليل الالتزامية كيف يصير المدلول مدلولا لكلامهم مع عدم‏

إرادتهم له.

ففي مقام دفع هذا الإشكال يمكن ان يقال ان عمدة البحث في رواياتنا

الصادرة عن المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين و هم عين الالتفات إلى جميع المداليل‏

و اما بالنسبة إلى غيرهم أيضا فيمكن ان يقال ان التفات النوع إليه كاف و لا يلزم‏

التفات الشخص إليه فان الظهورات محمولة على النوع في السوق.

ان قلنا ان المعصومين عليهم السّلام في محاوراتهم يكونون على طبق محاورات‏

العقلاء و لا يكونون في صدد إعمالهم علمهم بالموجودات فنقول بذلك يعنى التفات‏

النوع إلى المداليل الالتزامية فلا إشكال في طرد الثالث بهما على ما ذكر من بقاء

الدلالة الالتزامية فيهما بعد سقوط المطابقية و لا يخفى ان طرد الثالث على القول‏

بالتخيير يكون بمقتضى المدلول المطابقي في أحدهما المخير.

ثم ان معنى الحجية لطرد الثالث هو عمل العرف على ذلك في الخارج و نحن‏

لا نجد أهل السوق و المحاورة كذلك فانهم لا يعملون بالمداليل الالتزامية من غير

فرق بين ان يكون قريبا أو بعيدا نعم في المداليل التي لا تنفك عن المطابقية يكون‏

العمل على طبق المدلول الالتزامي كما في المقام فان الأمر بالصلاة و النهي عنها

اللازم منهما الوجوب و الحرمة ينفى الثالث و هو الإباحة أو الاستحباب أو الكراهة.

فإذا عرفت ذلك فنقول قد اتضح منه وجه القول بأن النفي بهما بمقتضى‏

المدلول الالتزامي فيهما على التساقط لأن وجوب الصلاة لازمه عدم حكم آخر لها

و حرمتها كذلك فيدور الأمر بين الحرمة و الوجوب و لا ثالث و اما على التخيير

فيكون النفي بأحدهما فإذا اخترنا الوجوب ينفى جميع ما عداه و كذلك إذا

اخترنا الحرمة.

ثم ان المحقق الخراسانيّ قده ممن يظهر منه ان النفي يكون بأحدهما


427
لا بهما فانه قد ظهر من كلامه السابق ان العلم بكذب أحدهما لازمه التسليم لما

هو صادق في الواقع لأن غيره غير حجة و ضم الحجة باللاحجة لا يوجب تأثير اللاحجة

شيئا فلا أثر لما ليس بحجة و هو قده لم يجعل الإشكال هو لزوم الأمر بالمتناقضين‏

بواسطة الالتزام بهما فعلى مبناه قده يكون كلامه في نفى الثالث بأحدهما أيضا تاما

مع قطع النّظر عن الإشكال المبنائي.

و قال في الكفاية بأن نفى الثالث يكون بأحدهما لا بعينه فان كان المراد

بالأحد هو الأحد الواقعي فله وجه و ان كان المراد الأحد المفهومي فهو لا وجود

له لأن المردد بما هو مردد لا يكون موجودا لا في الذهن و لا في الخارج و كيف كان‏

فكلامه على مبناه متين.

و اما ما يتوهم من الفرق بين المتعارضين بالذات و بين المتعارضين بالعرض‏

بأن اللازم نفى الثالث في الأول دون الثاني فلا وجه له.

بيانه ان القائل بهذا و هو شيخنا النائيني قده يقول إذا كان الدليل على‏

وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و على حرمته فلا مجال للقول بالكراهة و الاستحباب‏

و الإباحة و اما إذا دل الدليل على عدم وجوب إحدى الصلاتين من الظهر و الجمعة

فليس مفاده عدم وجوب صلاة أخرى بل وجوب إحداهما.

و لو فرض العلم بوجود فريضة في الجمعة و يكون الشك في التطبيق على الظهر

أو الجمعة لا يمكن إجراء أصالة البراءة فان العلم بها ينفى الثالث و هو البراءة و لكن‏

ليس مفروض الكلام هذا بل الكلام في الشك في وجوب خصوص كل واحد من‏

الصلاتين‏

و الجواب عنه ان المدلول المطابقي في الدعاء عند رؤية الهلال أيضا لا يكون‏

الا وجوبه أو حرمته و بالمدلول الالتزامي ينفى الثالث ففي المقام أيضا يكون وجوب‏

الظهر أو الجمعة نافيا لحرمتهما و إباحتهما و استحبابهما فما رآه من الفرق غير فارق عندنا

ثم لا بأس بالإشارة إلى كلام بعض الفضلاء فانه أورد نقصا على نفى الثالث‏


428
بأنه لو وقع قطرة دم في أحد الكأسين بشهادة البينة ثم ظهر فساد البينة فعلى القول‏

ببقاء المدلول الالتزامي لا بد من القول ببقاء النجاسة لأنها لازمة للدم و ان سقط

المدلول المطابقي و لم يقل به أحد فكيف يقال بنفي الثالث في المقام.

ثم بعده أشكل عليه حلا بان الإباحة من ناحية الوجوب أو من ناحية الحرمة و ان‏

لم تكن في صورة دلالة الخبرين عليهما و لكن الإباحة من جهة أخرى فلم يثبت نفيها.

و الجواب عنه ان الثابت النجاسة من ناحية الدم لا من وجه آخر فلذا لا تبقى‏

بعد سقوط المدلول المطابقي فيه و امّا الوجوب و الحرمة فمن باب المصلحة الملزمة

في الترك أو الفعل ينفى الإباحة من أي جهة كانت أي فيهما اقتضاء عدم الإباحة

فلا وجه لهذا الإشكال نقضا و حلا.

هذا كله إذا كان حجية الأمارات من باب الطريقية كما هو الحق‏

عندنا.

و اما على السببية فالأصل يقتضى التخيير لأن الباب على هذا يصير باب‏

التزاحم.

و لا يخفى ان السببية لها معان ثلاثة لا بد من النّظر إليها ليتضح المقام من‏

حيث ان المتزاحمين لا بد ان يكون الملاك فيهما فعليا و يكون المانع من جهة

الامتثال فقط مثل عدم إمكان إنقاذ الغريقين في آن واحد فان إحراز الملاك على‏

بعض المعاني مشكل.

الأول ان يكون قيام الأمارة موجبا لحدوث مصلحة واقعية في المؤدى فان‏

كان مؤدى الأمارة الوجوب بالنسبة إلى الشي‏ء الفلاني فهو واجب و ان كان مؤداها

الحرمة فهو حرام و هذا تصويب محال عقلا لأنه يلزم منه ان يكون الشارع‏

تابعا في الإرادة لإرادة الناقلين و الكاذبين و هو كما ترى.

الثاني السببية التي نسبت إلى المعتزلة و هي ان تحدث في مؤدى الأمارة

مصلحة غالبة على مصلحة الواقع فالحكم في الواقع و ان كان شيئا آخر و لكن قيام‏


429
الأمارة توجب ان يكون المؤدى هو الحكم فيكون الحكم في الواقع هو حكم‏

الشارع و لكن بعد قيام الأمارة تحصل المصلحة الملزمة لأن يكون في طول الواقع‏

حكم آخر.

و هذا و ان لم يكن فيه إشكال عقلا و لكنه خلاف الإجماع عند الإمامية و نظير

ذلك هو ان المستحب في ذاته بواسطة عنوان النذر يصير واجبا و هكذا بواسطة

عنوان الإجارة فصلاة الليل بعنوان انها منذورة واجبة و الوجوب كذلك لا ينافى‏

استحبابه لأنه في طوله لا في عرضه.

و الثالث السببية بمعنى وجود مصلحة في التسلك بالأمارة و هي التي لا إشكال‏

فيها عقلا و لا إجماع على خلافها لأن حكم الواقع بحاله و يكون الادعاء هو وجود

مصلحة في نفس تصديق العادل.

و هذا هو المصلحة السلوكية التي عليها الشيخ الأعظم قده و يقول بالتزاحم‏

في المقام من جهة ان إطلاق كل دليل يقيد بعدم وجود الاخر لعدم إمكان الجمع‏

فكما ان وجوب إنقاذ هذا الغريق يكون في ظرف عدم إنقاذ الغريق الاخر فكذلك‏

في المقام التسلك بهذه الأمارة مقيد بعدم التسلك بالأخرى قبلها.

و لكن يرد عليه ان المكلف لا بد ان يكون فاعلا أو تاركا في الخارج و هو

كذلك و لو لم يكن الأمر بالتخيير و التسلك يكون بنفس العمل لا بشي‏ء آخر فهو

حاصل به فلا أثر للتعبد1.

و لا دليل على وجوب الالتزام في الأحكام ليكون التعبد بالنسبة إليه فان‏

1أقول لا يخفى اختصاص الإشكال بصورة كون التعارض ذاتيا و اما صورة كونه‏

بالعرض مثل المعارضة بين الظهر و الجمعة فلا إشكال في صحة التعبد و المكلف قادر على‏

تركهما لو لا التعبد بالتخيير.


430
ذلك يكون في ما هو محتاج إلى القصد و المفروض عدم وجوب القصد على العمل‏

على طبق تلك الأمارة لا غيرها في مقام التخيير فالحق في المقام هو القول بان‏

الروايات في التخيير لا تكون الا إرشادا إلى الفعل أو الترك الّذي هو حاصل.

و قد أشكل شيخنا النائيني قده عليه بأن المصلحة السلوكية تكون في أمارة

لم تسقط طريقيتها عن الاعتبار و اما فيما هو كذلك كما في المقام من جهة العلم‏

يكذب إحداهما فليس كذلك و الحاصل سلوك ما ليس طريقا لا مصلحة فيه.

و الجواب عنه ان الطريقية الفعلية تكون حاصلة بنفس قيام الأمارة فذات‏

كل خبر كاشفة عن الواقع لو لا الآخر و مطابقة الواقع غير معتبرة في الطريق‏

و الا يلزم مثله في صورة عدم المعارضة أيضا لأنه ربما لا طريقية له للواقع في الواقع‏

لاحتمال خطاء العادل في الخبر.

فتحصل ان الإشكال فقط يكون من جهة عدم إمكان التعبد لأن المكلف‏

اما فاعل في الواقع أو تارك هذا في السببية الصحيحة عندنا و اما الباطلة فلا ثمرة

للكلام فيها لبطلانها من أصلها.

ثم ان القول بالتخيير على الطريقية لا بد من تصويره ليمكن التعبد به فنقول‏

ان معنى حجية الأمارات في جميع الموارد هو الوصول إلى الواقع على فرض الإصابة

و المعذرية على فرض عدمها فان أصابت فهي الحجة و الا فهي المعذر.

و في مقامنا هذا أيضا كذلك لكن يكون التوسعة في معنى المعذرية لأنه مع‏

العلم بعدم إصابة الواقع في أحدهم لا بد من ان يكون ما أخذنا معذرا ان لم يصب‏

الواقع و لو اتفق في الواقع كون الكاذب في البين هو ما أخذناه فالشارع خير المكلف‏

لمصلحة التسهيل أو غيرها بين الأخذ بهذا أو ذاك فبالأخذ يصير حجة و هذا التخيير مثل‏

ساير التخييرات الّذي يكون مهاره بيد الشرع فله ان يخير العبد و ان لا يخيره كما في‏

التخيير بين الصلاة و الإزالة و هو تخيير أصولي.

لا يقال ان هذا لا يتم في المتعارضين بالذات مثل صل و لا تصل لأن المكلف اما


431
فاعل أو تارك لأنا نقول حيث ان الشارع له ان لا يجعل الحكم بالاخذ في أحدهما

و له ان يجعل فجعل التخيير يكون التخير فيهما أيضا أصوليا.

و السر في ذلك هو ان المكلف من حيث العمل اما ان يكون فاعلا أو تاركا و اما

من حيث البناء على العمل بأحدهما فيمكن ان لا يكون بانيا على العمل بهذا أو ذاك‏

فيتعبده الشارع بأنه يجب الأخذ بأحدهما.

نعم لنا ان نقول ان جعل الأخذ حيث يكون طريقا إلى الواقع و الواقع لا يكون‏

الا أحدهما فيتكاذب الجعلان كالتكاذب في المدلول و يتساقطان و المكلف حيث‏

يكون فاعلا أو تاركا يكون الروايات إرشادا إلى ذلك و لا تعبد فيها كما مر.

فتحصل ان التخيير يكون من باب التوسعة في المعذرية مع عدم الإصابة بالواقع‏

كما ان الأمارات طرا تكون عذرا عند الخطاء أو من باب التخيير في الأخذ الّذي به‏

يصير الحجة حجة لما ورد من انه بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك.

هذا كله مقتضى الأصل الأولى في المقام.

الجهة الثامنة

في الأصل الثانوي في المتعارضين‏

بحسب الروايات الواردة في هذا الباب و هي اما واردة في المتساويين‏

من حيث المرجح أي المتعادلين و اما واردة في ماله الترجيح ففي صورة التعادل يكون‏

الأقوال في التخيير أو التوقف أو الأخذ بأحوطهما أو الفرق بين زمن الحضور فالتوقف‏

و زمن الغيبة فالتخيير مختلفة حسب اختلاف الاستفادة من الروايات فالمهم البحث عن‏

دلالتها و هي على طوائف.

الطائفة الأولى ما يدل على التخيير مطلقا كرواية حسن بن جهم عن الرضا عليه السلام‏

(في باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 40 في ج 18 من الوسائل)ففي ذيلها قلت‏

يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين و لا نعلم أيهما الحق فإذا لم تعلم فموسع‏


432
عليك بأيهما أخذت.

و دلالتها على التخيير المطلق أي سواء كان في زمن الحضور أم لا واضحة و

المراد التخيير في الأخذ لا في العمل لقوله عليه السّلام فموسع عليك بأيهما أخذت و

هكذا ح 39 مكاتبة عبد اللّه بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان و هكذا ح 44 في‏

الباب عن علي بن مهزيار1.

و الطائفة الثانية ما دل على التخيير في خصوص زمن الحضور و هي ما عن الحارث بن‏

المغيرة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام(في الباب السابق من أبواب صفات القاضي ح 41)

قال إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم عليه السّلام‏

فترد إليه.

فان هذا الحديث صريح في كون الحكم بالتخيير في زمن الحضور لقوله عليه السّلام‏

حتى ترى القائم عليه السّلام و المراد بالحديث هو الأعم من الواحد بدون المعارض أو الحديث‏

الّذي له المعارض مع الاشتراك في احتمال عدم الموافقة مع الواقع في الواحد و

المتعارض فيكون معناه التوسعة في الجعل من حيث المعذرية و لو كان المكلف فاعلا

أو تاركا في المتعارضين بالذات فان اللازم وجوب الأخذ.

و الطائفة الثالثة ما تدل على التوقف في زمن الحضور فمنها ذيل مقبولة عمر بن‏

حنظلة(في باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قوله قلت‏

فان وافق حكامهم الخبرين جميعا؟قال إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك‏

الحديث.

فان المراد بالإرجاء إلى ملاقاة الإمام عليه السّلام هو الإرجاء في صورة إمكان‏

1أقول هذه الرواية تكون في التخيير الواقعي لأن الإمام عليه السلام هو الّذي يقول ان‏

في ذلك روايتين فمراده عليه السلام هو ان الحكم الواقعي كذلك لا انه عليه السلام لا يعلم الواقع‏

فلا تفيد للمقام فارجع إليها.


433
الوصول إليه عليه السّلام لا صورة عدم إمكانه فمع التساوي يلزم التوقف ثم قد ادعى طائفة أخرى‏

دالة على التوقف مطلقا و لم نجدها.

و حاصل الجمع بين الطوائف هو ان المطلق و المقيد حيث يكونان مثبتين‏

و لم نحرز وحدة المطلوب فيهما لا تعارض بينهما فلا تعارض بين ما دل على التخيير المطلق‏

و ما دل عليه في زمن الحضور و هكذا لا تعارض بين ما دل على التوقف المطلق‏

و ما دل عليه في زمن الحضور و انما التعارض بين ما دل على التخيير المطلق‏

و بين ما دل على التوقف المطلق فيحمل‏1ما دل على التخيير على صورة عدم‏

1أقول و باللَّه الاستعانة هذا النحو من الجمع الّذي أخذناه منه في مجلس الدرس‏

و بعده لا يوافق ما ادعاه مد ظله و ان كان المدعى حقا من وجه آخر.

و ذلك لأن تخصيص ما دل على التخيير مطلقا بما دل على التوقف في زمن إمكان‏

الوصول إلى الإمام عليه السلام و ان كان صحيحا يوافق المشهور و الارتكاز و لكن تخصيص ما دل‏

على التوقف مطلقا بما دل على التخيير في زمن إمكان الوصول و هو زمان الحضور بتعبير

القوم خلاف المشهور و الارتكاز.

لأنه على التوقف في صورة إمكان الوصول و معه و إمكان السؤال كيف يمكن القول‏

بالتخيير فهذا الوجه في الجمع غير تام.

و اما ما ذكره العلامة النائيني قده أيضا فلا يتم أولا من جهة عدم كون النسبة بين‏

المطلقين العموم من وجه بل النسبة التباين على ما بلغ إليه النّظر و فهمنا ان الأستاذ

مد ظله أيضا كان اشكاله عليه بهذا أيضا و ان لم يذكره في الدرس و قال بعده ان ما في‏

تقريره غلط من الناسخ.

و لقد أجاد في قوله انه على فرض انقلاب النسبة أيضا كيف لاحظ نسبة أحد الخاصّين‏

و لم يلاحظ نسبة الخاصّ الاخر فما ذكراه لا يفيد في الجمع.

نعم يمكن توجيه ملاحظة النائيني الخاصّ الدال على التوقف في زمن الحضور مع‏


434
إمكان الوصول إلى الإمام عليه السلام و ما دل على التوقف على صورة إمكانه كما هو المطابق‏

مع الاعتبار العرفي و هذا يكون بتقييد مطلقات التخيير بما دل على التوقف في زمن‏

الحضور و بتقييد مطلقات التوقف بما دل على التخيير في زمن الحضور فانه مع إمكانه‏

لا وجه للتخيير هذا:

و قد جمع شيخنا النائيني قده بين الروايات بوجه يرجع إلى القول بانقلاب‏

النسبة بين الطوائف في الجمع و أثبت مقالة المشهور من ان التوقف يكون في زمن‏

الحضور و التخيير في زمن الغيبة و لكن المبنى عندنا باطل فانه لا وجه للقول بانقلاب‏

النسبة،

و حاصل بيانه قده هو ان التعارض لا يكون بين المطلق و المقيد لأنهما مثبتان‏

كما مر و لم نحرز وحدة المطلوب و انما التعارض بين ما يدل على التخيير مطلقا و

على التوقف مطلقا و النسبة بينهما عموم من وجه و النسبة بين ما يدل على التخيير

في زمن الحضور و التوقف فيه بالتباين و لكن لا يهمنا البحث عن رفع التعارض بين‏

المتباينين.

مضافا بأنه لم يعلم العمل بما دل على التخيير في زمن الحضور فالحري رفع‏

مطلقات التخيير من جهة ان هذا هو الموافق للارتكاز ثم لاحظ المطلق في التوقف و لكن‏

هذا بنفسه لا يتم المطلوب به.

فنقول لا بد من إسقاط ما دل على التخيير في زمن الحضور أي زمن إمكان الوصول‏

لإعراض المشهور و عدم كونه موافقا للارتكاز فان الارتكاز على السؤال مع إمكانه فمطلقات‏

التخيير يقيدها ما دل على التوقف في زمن الحضور و مطلقات التوقف تحمل على التوقف في‏

زمن الحضور لإحراز وحدة المطلوب بالارتكاز.

هذا على فرض وجود طائفة من الروايات في التوقف المطلق و مع عدمها فلا نحتاج‏

إلى ذلك أي إثبات وحدة المطلوب فتدبر جيدا فانه دقيق.


435
التعارض من مطلقات التخيير و مطلقات التوقف فنقول نسبة ما دل على التخيير مطلقا

مع ما دل على التوقف في زمن الحضور بالعموم و الخصوص المطلق فلا بد من تقيد

الإطلاق بغير زمن الحضور فينتج ان التخيير في زمن الغيبة لا الحضور فتنقلب‏

النسبة بين مطلقات التخيير بعد التقييد بغير زمان الحضور و بين مطلقات التوقف‏

إلى العموم و الخصوص المطلق بعد ما كان قبل ذلك من العموم من وجه‏

فمطلقات التوقف تقيد بصورة عدم كون التعارض في زمان الغيبة فينتج التخيير في‏

زمن الغيبة و عدم إمكان الوصول إلى الإمام و التوقف عند إمكان الوصول إليه و هو

في زمن الحضور و هو المشهور و هذا مقتضى الجمع بحسب صناعة الإطلاق و التقييد

ففي زمان الغيبة لا وجه للقول بالاحتياط بعد التوقف في الفتوى و لا للأخذ0 بما هو

موافق للاحتياط لخبر الغوالي من قوله عليه السّلام اذن فخذ بالحائطة لدينك لأن الخبر

ضعيف غير معمول به هذا حاصل كلامه رفع مقامه.

و حاصل الإشكال عليه أو لا بفساد المبنى لأنا لا نقول بانقلاب النسبة في‏

المتعارضات مضافا بان النسبة لا تكون عموما من وجه بل النسبة بين مطلقات التوقف‏

و التخيير هي التباين و ثانيا كما انه قيد مطلقات التخيير بغير زمان الحضور فانقلبت‏

النسبة لنا ان نقيد مطلقات التوقف بما دل على التخيير في زمن الحضور فيكون مفادها

بعد التقيد هو التخيير في زمن الحضور و التوقف في زمن الغيبة عكس النتيجة

سابقة فلما ذا يقدم تقييد أحد المطلقين على الاخر لينتج موافقة المشهور.

و من المعلوم ان التخير في زمن الحضور يوافق التخير المطلق فما أفاده قده‏

من الجمع غير وجيه و ان كان ادعائه و هو موافقة المشهور حقا لا محيص عنه ثم ان‏

ما ذكره من عدم العمل في زمن الحضور و عدم الفائدة فيه فلا يهم البحث عنه أيضا

ممنوع من جهة ان التخيير في زمن الحضور أيضا ربما يكون مما لا بد منه لعدم‏

وصول الناس كلهم إليه عليه السّلام و لا موضوعية للحضور و الغيبة بل المدار على إمكان‏


436
الوصول إليه و عدمه و نظير جمعه جمع شيخنا العراقي قده و يرد عليه ما قلنا من إنكار انقلاب‏

النسبة و عدم تمامية البناء عليه أيضا.

و ينبغي التنبيه على أمور

الأول‏
في ان القول بالتخيير هل يختص بالخبرين المتعارضين أو يشمل‏

كل ما كان دليلا مثل ما إذا تعارض أقوال أهل الرّجال في مدح رجل و ذمه أو تعارض‏

أقوال أهل اللغة في معنى كلمة في الرواية فان هذا و أمثاله مما ينتهى إلى الأثر الشرعي‏

العملي يمكن البحث عنه.

و الحق عندنا هو شمول أمثال ذلك أيضا و شاهدنا انهم قالوا بان اختلاف‏

تلامذة محمد بن يعقوب الكليني في نقل رواية ملحق بتعارض الروايتين و كذلك‏

إذا اختلف نسخ التهذيب في نقل رواية أيضا يكون من هذا الباب و لكن مقتضى الجمود

على ظاهر النقل بقوله يأتي عنكم الخبران هو ان المدار على صدق تعارض الخبرين‏

لا غيره و لذا أنكر بعضهم إلحاق مثل اختلاف النسخ بهما و هكذا غيره من الأدلة

المتعارضة و على هذا يشكل عليهم قوله بالتخيير في العمل بفتوى المجتهدين إذا تعارضتا

و لا إشكال على من يعمم الحكم بتمام صور التعارض.

الثاني‏
في ان التخيير في المقام تخيير أصولي أو فقهي و المراد بالتخيير الأصولي هو ما

يكون الحجية لأحد الخبرين بواسطة الأخذ و المراد بالتخيير الفقهي هو التخيير في العمل‏

مثل مواطن التخيير بين القصر و الإتمام فان المكلف من حيث العمل يكون مخيرا

بينهما ففي المقام ربما قيل بان التخيير أصولي لأن ما ورد من قوله عليه السّلام بأيهما

أخذت من باب التسليم وسعك معناه التخيير من جهة الأخذ فبالأخذ يصير حجة ثم‏

يجب العمل على طبقه.


437
و ربما يقال بأن التخيير فقهي لما ورد في رواية ابن مهزيار من‏1قوله‏

1أقول مر ان هذه المكاتبة تكون في التخيير الواقعي لأن الإمام عليه السلام لم يكن‏

جاهلا بالواقع حيث قال ان في ذلك روايتين فانظر إليها.

و الحقيق في المقام هو اختيار كون التخيير أصوليا أو فقهيا و لم يختر مد ظله شيئا

و لا يخفى ان أصل الحكم بالتخيير في الروايتين المتعادلتين مسألة أصولية يجب تنقيحها في الأصول‏

لتكون كبرى للصغريات في الفقه.

و اما الموارد فهو من المسألة الفقهية فلمجتهد الفتوى بالتخيير و الفتوى بالتعيين‏

مشكلة فإذا كان خبران هذا يدل على الوجوب و الاخر يدل على الاستحباب أو الحرمة

فالفتوى بالاستحباب أو غيره تعيينا خلاف ما يكون واصلا إلى المجتهد من الحكم.

و اما ما قالوا بأنه بالاخذ يصير حجة فلا نفهمه لأن ما هو الحجة يجب الأخذ به و لا

موضوعية للأخذ0 ليصير ما ليس بحجة به بل العلم الإجمالي بوجود الحجة مع الأمر

بالتخيير يقتضى تطبيق العمل على طبق أحد الخبرين.

و من هنا يظهر ان ترتيب الثمرة على كون التخيير أصوليا أو فقهيا بجواز الفتوى على‏

التعيين و عدمه على الثاني غير وجيه لأن المجتهد كما انه نائب عن المقلد في الأحكام‏

الفرعية نائب عنه في الأحكام الأصولية فما استفاد من الأدلة يلزم ان يجعله في اختيار

المقلد و أخذه بأحد الخبرين يكون من حيث العمل لا من حيث الاعتقاد.

و أصل استنباط التخيير في المسألة الأصولية في المتعادلين يكون مثل استنباط الحكم‏

الفرعي من الروايات و عدم قدرة المكلف على استنباط الأصولية لا يكون دليلا على ان التخيير

أصولي فان المكلف ربما لا يقدر على استنباط الحكم الفرعي فما عنه مد ظله في تحقيقه‏

غير تام.

و اما ما ذكر من ان التخيير لو كان خطابه متوجها إلى المقلد فرب شي‏ء يكون‏

مرجحا في نظر المقلد غير مرجح في نظر المجتهد كما في كلام الشيخ الأعظم فهو غير وجيه‏


438
عليه السّلام فموسع عليك بأية عملت فان التخيير يكون من جهة العمل.

و لا يخفى ان الثمرة بين كون التخيير أصوليا أو فقهيا متحققة فمنها انه على‏

القول بالأول لا بد للفقيه من الأخذ بأحد الخبرين و الفتوى بمضمونه ليعمل المقلد

عليه لأنه بالاخذ يصير حجة له و لمقلديه و لا يكون للمقلّد التخيير في الأخذ

بأيهما شاء.

و اما على الثاني و هو فرض كون التخيير فقهيا فلا يجب الفتوى بالتعيين بل‏

المجتهد كما انه مخير في العمل كذلك له الفتوى بالتخيير ليختار المقلد في‏

مقام العمل أيهما شاء فربما يختلف نظرهما في الأخذ بأحدهما من باب وجود

مرجح في نظر المقلد مع عدم كونه مرجّحا في نظر المجتهد و ربما يكون‏

الأمر بالعكس.

فان قلت كما انه يحتمل ان يكون أخذ أحدهما من باب الطريقية للواقع‏

كذلك يحتمل ان يكون الأخذ له الموضوعية فلا فرق بين الأخذ بهذا أو ذاك كما

في التخيير الواقعي.

قلت و ان كان هذا معقولا في مقام الثبوت و لكن في مقام الإثبات لا نسلمه‏

من جهة ان حجية الأمارات من باب الطريقية لا من باب الموضوعية و لا فرق بين‏

صورة كون الخبر معارضا بغيره أو لا فالتخيير في المقام لا يكون كالتخيير بين‏

القصر و الإتمام من باب موضوعية الأخذ فهو وسيلة لصيرورة أحدهما حجة.

لأن الفرض يكون في المقلد لا من بلغ و لو في مسألة درجة الاجتهاد و النّظر في‏

المرجحات.

فان الفتوى بالتخيير الأصولي بمعنى التخيير في كل خبرين متعادلين في مورد انطباق‏

الكلي على الفرد يكون فقها و يحتاج إلى الاجتهاد و هو شأن المجتهد و لا نصيب للمقلد فيه‏

فليس ما ذكر ثمرة للنزاع تاما فتدبر.


439
ثم في المقام كلام و هو المجتهد و المقلد إذا كانا مشتركين في التكاليف‏

الطريقية كالتكاليف النفسيّة في الخطاب فلا وجه للقول بان المجتهد يجب ان‏

يفتى بأحدهما معينا الّذي صار حجة بالاخذ بل له الفتوى بالتخيير أيضا لأن خطاب‏

التخيير متوجه إلى المقلد كما انه متوجه إلى المجتهد فعليه لا بد للمقلد من‏

النّظر في موضوع التخيير و هو تساوي الخبرين من حيث المرجح فربما يخالف‏

نظره نظر مجتهده.

و اما قصوره عن الفحص فهو لا يضر لأنه في الأحكام النفسيّة أيضا قاصر فيكون‏

المجتهد نائبا عنه فمع اشتراكهما في الخطاب لا فرق بين الفتوى بالتعيين أو بالتخيير

نعم على فرض اختصاص خطاب التكاليف الطريقية بالمجتهد و عدم الحظ للمقلد

فيه فلا يكون له الفتوى بالتخيير لأن الخطاب متوجه إليه لا إلى المقلد و كان شيخنا

الحائري قده مصرا باشتراك المقلد و المجتهد في التخيير الأصولي.

فان قلت ليس المقلد أهلا لا مثال هذه الخطابات فكيف يتوجه إليه قلت ربما

لا يفهم المقلد الخطابات النفسيّة أيضا مع انه مكلف بها و المجتهد نائب عنه فيما هو

قاصر عنه فيهما هذا.

و لكن التحقيق هو الفرق بينهما و ما ذكر و ان كان معقولا ثبوتا و لكن من‏

حيث الإثبات فلا فان المكلف الّذي لا شأن له في إثبات الحجج و الطرق و لا يجي‏ء في‏

ذهنه الخبران المتعارضان لا يصح ان يكون مكلفا بالتخيير من باب اختيار الحجة

فالامر هنا متوجه إلى المجتهد فله اختيار أحد الخبرين و الفتوى عليه و لا يكون‏

للمقلد ذلك فالتخيير أصولي في المقام.

و من الثمرات هي انه على فرض كون التخيير أصوليا لا بد من ان يكون‏

بدويا فإذا أخذ المكلف بأحد الخبرين لا يكون له الأخذ بالآخر في زمان‏

آخر لأنه صار ذا حجة و اما على فرض كون التخيير فقهيا فيكون التخيير

استمراريّا لأنه يكون مثل ساير موارد التخيير في الفقه كما في التخيير بين‏


440
القصر و الإتمام.

و سره ان موضوع التخيير الأصولي هو من لا حجة له و قد صار ذا حجة بالاخذ

و اما التخيير الفقهي فالمصلحة في جعل الحكم كذلك و هو لا يختص بزمان دون‏

آخر ففي المقام إذا كان التخيير فقهيا بمعنى العمل بإحدى الروايتين فلا مجال‏

للبحث عن كونه بدويا أو استمراريا بل هو استمراري و هذا عن شيخنا العراقي‏

قده في بيان الثمرة بين كون التخيير في المسألة أصوليا أو فقهيّا.

و يرد عليه ان ما ذكر من الدليل على كون التخيير بدويا على فرض كونه‏

أصوليا ينطبق على فرض كونه فقهيا أيضا لأن أحد استدلالاتهم هو ان الأمر

بالتخيير يكون بنحو صرف الوجود لا بنحو الطبيعة السارية و صرف الشي‏ء لا يتكرر

فمن تخير لا يكون له التخيير ثانيا و هذا يكون في المسألة الفرعية أيضا فانه‏

إذا تخيّر أحد الأطراف فقد تحقق صرف الوجود من التخيير فلا موضوع له ثانيا

هذا أولا.

و ثانيا ان قول المشهور في الحكم الفرعي بالتخيير الاستمراري يكون من‏

جهة بقاء المصلحة ففي المقام يمكن ادعاء ان التخيير يكون في الأخذ و مصلحته‏

باقية فأخذ هذا أو ذاك يكون له الملاك دائما و لا يكون مصلحة التخيير في صيرورة

الشخص ذا حجة فقط لئلا يبقى الملاك.

مضافا بأن الأخذ في المسألة الفرعية أيضا يكون متحققا فلو كان الأخذ في‏

المسألة الأصولية هو الملاك للقول بالتخيير البدوي ففي الفرعية أيضا كذلك.

و قال شيخنا النائيني بان التخيير في المقام بدوي لأنه في المسألة

الأصولية و المكلف بالاخذ صار ذا حجة و لا مجال للأخذ0 ثانيا و على فرض الشك‏

في كونه استمراريا أو بدويا لا مجال للأخذ0 بحكم التخيير بالاستصحاب لأنه على‏

فرض كون التخيير في المسألة الأصولية يكون الحكم مرتفعا قطعا و على فرض‏

كونه في المسألة الفرعية فهو باق قطعا و من المعلوم عدم جريان الاستصحاب في‏


441
الفرد المردد فلا يكون حكم التخيير باقيا.

و إذا كان الشك في كون المسألة أصولية أو فقهية فيدور الأمر بين التعيين‏

و التخيير في الحجة فانا نعلم بان الأخذ بالخبر الأول الّذي اختاره أولا حجة قطعا

و اما الأخذ بغيره فيكون الشك في حجيته و من المعلوم ان اللازم هو الأخذ بالمعين‏

للشك في حجية غيره و الشك في الحجية يساوي القطع بعدم الحجية فلا بد من القول‏

بعدم التخيير استمرارا على مقتضى القاعدة.

و قال الشيخ الأعظم الأنصاري قده بان المنساق من الأدلة هو ان التخيير في‏

الأخذ يكون لرفع التحير فإذا أخذ أحد الخبرين لا تحير له ثانيا ليشمله الحكم‏

و مع الشك فلا مجال للاستصحاب لعدم بقاء موضوعه و هو المتحير.

و قد أشكل عليه شيخنا العراقي قده أولا بأن المنساق من الروايات ليس هو

التخير البدوي فانها مطلقة تشمل الاستمراري أيضا و ثانيا ليس التحير في لسان‏

الدليل حتى يقال ان الموضوع قد ذهب بواسطة الأخذ و رفع التحير و لا نضايق كون‏

التحير ملاكا لتشريع الحكم.

و فيه انه قده لم يدع ان الموضوع في لسان الدليل هو التحير بل يقول ان‏

المنساق من الروايات هو التخيير البدوي و الحق معه بعد اختيار شيخنا قده ان التخيير

في المقام في المسألة الأصولية و المسألة الفرعية خارجة عن البحث لأن الروايات‏

في مقام بيان العلاج تحكم بالتخيير فيكشف انا ان الحكم يكون لرفع التحير فإذا

رفع بالاخذ فلا مجال للإطلاق ثانيا و لو قلنا بالإطلاق فهو يكون مثل التخيير في الحكم‏

الفرعي و هو يخالف كون المسألة أصولية مع اعترافه بها.

و لذلك يقال ان العدول عن تقليد مجتهد إلى غيره غير جائز لأن المقلد بعد

أخذه بفتواه لا تحير له و له الحجة فلا موضوع لرجوعه إلى مجتهد آخر و على فرض‏

إنكاره لذلك و عدم كون المستفاد هو التخيير البدوي فالقول بإطلاق الروايات أيضا

يحتاج إلى دليل.


442
و بعبارة أخرى ان شيخنا قده يقول ان الأمر بالاخذ في الروايات إرشادي و

ليس بمولوي فان معناه الأخذ ليصير ذا حجة و من هذا يستكشف حجية إحدى الروايتين‏

فيكون هذا حكم العقل و حكم العقل بحجية إحداهما باق بعد الأخذ أيضا و ما يدل‏

على صرف الوجود هو الخطاب المولوي و حكم العقل يكون على نحو الطبيعة السارية.

و نحن نقول ان ما ذكر من ان حكم العقل بلازم كل امر مستند إلى الشرع‏

ظاهر في الطبيعة السارية لا بنحو صرف الوجود متين و لكن إذا كان هذا مستفادا من‏

دليل لفظي و اما في المقام فلم يكن الحكم بحجية أحد الخبرين الا من جهة استكشاف‏

المكلف لا من جهة دليل لفظي فلا يمكن ان يقال ان الحجية مستمرة بل هي مهملة

فنشك في ان الحجة هي ما أخذ ابتداء أو تعم غيره أيضا فيدور الأمر بين التعيين و

التخيير في الحجة و المتعين فيه الأخذ بما هو المعين.

و استصحاب التخيير غير مفيد لأنه من الفرد المردد فانه على فرض كون التكليف‏

بصرف وجود التخيير في الواقع لا حجية لأخذ غير الأول قطعا و على فرض كونه بنحو

الطبيعة السارية فهو باق قطعا.

فتحصل ان التخيير بدوي حسب القاعدة الثانوية و ليس باستمراري هذا كله‏

في حكم الخبرين المتعارضين المتعادلين.

الجهة التاسعة

في المرجحات الخارجية و الداخلية

اعلم ان ما له الترجيح فاما ان يكون مرجحه خارجيا كالكتاب و السنة فان‏

موافقتهما ليست من مرجحات السند أو الدلالة في نفس الرواية و اما ان يكون داخليا

مثل ان يكون الراوي في أحدهما أعدل أو أفقه أو كان متن أحدهما فصيحا أو أفصح‏

دون الاخر.

ثم انه يجب التوجه من باب المقدمة إلى ان الأصوليين لم يتفوهوا بإشكال فيما له‏


443
المرجح الداخليّ مع الإشكال في الترجيح فيما له المرجح الخارجي و هذا يكون من‏

جهة عدم التحير فيما له المرجح الداخليّ كما انه لا تحير فيما له الجمع الدلالي كالنص‏

و الظاهر أو الأظهر و الظاهر بخلاف المرجح الخارجي.

ثم قبل ذكر المرجحات ينبغي البحث عن حكم الأصل عند الشك في كون الحجة

هي ما له المرجح أو غيره فربما قيل كما عن الشيخ الأعظم ان مقتضى الأصل هو الأخذ

بذي المزية لدوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحجة و لا بد من أخذ المعين‏

حينئذ و ان لم نقل بالتعيين في غير المقام لأن الشك في حجية ما لا مرجح له مساو

للقطع بعدم حجيته لأن مشكوك الحجية كالمقطوع في عدم حجيته في الأثر سواء

كان في المسألة الفقهية أو المسألة الأصولية لأنه في الثانية أيضا بعد الأخذ يكون‏

الشك في حصول الحجية مع وجود ذي المزية.

و قال شيخنا العراقي قده بما حاصله هو ان الباب ليس من باب التعيين و

التخيير المصطلح لأن ذلك الباب معناه هو ان الأخذ بالمعين يكون مبرأ للذمة

قطعا و غيره مشكوك فيه فلذا يؤخذ بالمعين و اما في المقام فليس كذلك لأن المكلف‏

ان أخذ بالمعين أيضا فيكون الشك في حجيته لأنه بالاخذ يصير حجة و لا يكون‏

حجة واقعية لئلا يبقى الشك بعده في الواقع فإذا أخذ بذي المرجح لا يكون القطع‏

بالحجية كما إذا أخذ بغير ذي المرجح فليس الباب باب التعيين و التخيير.

و من زعم ذلك يكون من جهة زعمه ان روايات الترجيح أيضا يكون الأخذ

بالمعين من مقومات حجيته كروايات التخيير مع انها مطلقة من قيد الأخذ حتى‏

يقال الأخذ بالمعين معين و الأخذ بغيره مشكوك.

فأقول ان كلامه قده متين الا ان التعيين هنا بملاك آخر و هو العلم الإجمالي‏

بالتكليف مع الشك في الخروج عن عهدته الا بأخذ المعين و لعله قده أراد بكلامه‏

هذا لأنه لا ينكر ترجيح ذي المزية من وجه آخر بل أنكره من باب التعيين و التخيير

المصطلح.


444
ثم لا بد من ملاحظة روايات الترجيح مع ما ورد في التخيير لتوضيح المرام فان المشهور

تقديم روايات الترجيح على التخيير فإذا كان المرجح لأحد الخبرين فيجب ان يؤخذ

به و يكون التخيير في صورة تساوى الخبرين و قد حكى ترجيح روايات التخيير على روايات‏

الترجيح و حمل الثانية على الاستحباب لادعاء أن تقييد التخيير بما له الترجيح يوجب الحمل‏

على الفرد النادر في اخبار التخيير لندرة تساوى الخبرين من جميع الجهات المذكورة

في الروايات فيكون من التخصيص المستهجن.

الا على فرض القول بأن الخروج يكون بالتخصص لا بالتخصيص لأن موضوع روايات‏

الترجيح صورة وجود المرجح لأحد الخبرين و موضوع روايات التخيير صورة التساوي‏

من جميع الجهات فليس من التخصيص في الحكم.

و كيف كان فلو استقر التعارض بين اخبار الترجيح و التخيير ليس لنا رواية في‏

تقديم أحدهما على الاخر لأن إثبات ترجيح اخبار الترجيح بنفسه دور و هكذا إثبات التخيير

باخبار التخيير فان تقدم كل واحد منهما بما هو مفاده تقدم للشي‏ء على نفسه مضافا بأنها

في خصوص الأحكام لا في أحوال الرّواة.

و كيف كان فينبغي هنا ذكر اخبار الباب و هي على طوائف‏ (1) الطائفة الأولى‏1

1كما في ح 9 عن الكليني خذوا بالأحدث و في ح 7 عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال‏

أ رأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بأيهما كنت تأخذه قال‏

كنت آخذ بالأخير فقال لي رحمك اللّه.

و هكذا يفهم من ح 8 و ح 17 و الكل في باب 9 من أبواب صفات القاضي في الوسائل‏

و هذه الروايات يمكن ان يكون الترجيح فيها من جهة ما ورد من ان الحديث ينسخ كما

ينسخ القرآن.

كما في ح 4 عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال قلت له ما بال أقوام يروون‏

1)و هي واردة في باب 9 من أبواب صفات القاضي في ج 18 من الوسائل‏

445
ما دل على الترجيح بأحدثية الرواية أو كونها مؤخرة في النقل و لكن لم يتمسك بها

القوم في مقام الترجيح لعدم تبدل رأى الإمام عليه السّلام و ان كان هذا في المحاورات العرفية

و المرجحات.

و يستفاد من بعضها ان السر في ذلك هو الصدور بنحو التقية كما في ح 17 في‏

الباب فإذا لم يكن التقية ثابتة في خصوص مورد من الموارد لا يكون المقدم هو

الأحدث مضافا بان إثبات ذلك في زمان الغيبة مع تطاول الأزمنة مشكل جدا فانا

لا نعلم المقدم من المؤخر.

الطائفة الثانية ما دل على التقديم و الترجيح بصفات الراوي كالأعدلية و

الأوثقية.

فمنها مرفوعة زرارة و هي في فرائد الشيخ الأعظم عن كتاب غوالي اللئالي‏

عن أبي جمهور الأحسائي قال سئلت أبا جعفر عليه السّلام فقلت جعلت فداك يأتي عنكم‏

الخبر ان و الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ فقال يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك‏

و دع الشاذ النادر فقلت يا سيدي انهما معا مشهوران مأثوران عنكم فقال خذ بما يقول‏

عن فلان و فلان عن رسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله لا يتهمون بالكذب فيجي‏ء منكم خلافه؟قال ان الحديث‏

ينسخ كما ينسخ القرآن.

و معنى النسخ في أحاديثهم هو اخبارهم عليهم السلام عن انتهاء أمد الحكم فان لم يكن احتمال‏

التقية و لا غيرها يمكن ان يكون الأحدثية مرجحة و عدم ذكر الأصحاب لهذا المرجح لا يكون‏

دليلا على إعراضهم عنها فيمكن الاعتماد عليها بعد كونها منصوصة بالتعدي عن المنصوصة

إلى غيرها كما سيجي‏ء البحث فيه.

و لا شبهة في مرجحية هذه أيضا و مع الشك أيضا يكون المقدم هذه للشك في حجية

غيرها فلا ينحصر الوجه في الأحدثية في تبدل الرّأي حتى نقول لا يتصور في حق الأئمة عليهم السلام

بل احتمال النسخ بمكان من الإمكان و هكذا لا ينحصر الوجه في التقية مع انها ربما تكون‏

في الحديث الأول أيضا.


446
أعدلهما عنك و أوثقهما في نفسك فقلت انهما معا عدلان مرضيان موثقان فقال انظر ما

وافق منهما العامة فاتركه و خذ بما خالف.

فان الحق فيما خالفهم فقلت ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف اصنع‏

قال عليه السّلام اذن فخذ بما فيه الاحتياط لدينك و اترك الاخر فقلت انهما معا موافقان‏

للاحتياط أو مخالفان له فكيف اصنع فقال اذن فتخير أحدهما فتأخذ به و دع الاخر

و تقريب الاستدلال على التقديم بالصفات هو الأخذ بالأعدل على ما هو صريح الرواية

و لكن يرد عليه وجوه من الضعف الأول الضعف من حيث السند لكونها مرفوعة و منقولة

عن كتاب غوالي اللئالي و هو ضعيف و قد نسب وجودها في بعض كتب العلامة قده‏

و لكن لم توجد في المطبوع منها فلعلها فيما لم يطبع من كتبه فانه قده صاحب‏

مؤلفات كثيرة لم تطبع بعد.

الثاني الضعف من حيث الدلالة و هو على وجوه أيضا الأول من حيث المعارضة

مع مقبولة عمر بن حنظلة في ترتيب المرجح فانه في هذه الرواية يكون ملاحظة

الصفات بعد ملاحظة الشهرة و في المقبولة تكون قبلها:

الثاني من جهة ان الراوي يفرض موافقة كلا الخبرين للاحتياط و موافقة

المتعارضين كليهما للاحتياط لا تتصور.

الثالث ان الأخذ بالاحتياط في ما هو موافق له الّذي في هذا الخبر لا يقول به‏

أحد في مقام الترجيح.

الرابع ان التقديم بمخالفة العامة لأحد الخبرين يكون في طول الترجيح‏

بالصفة مع ان الخبر الموافق لهم كلما ازداد صحة ازداد ضعفا لأشدية احتمال التقية

فكيف يقدم خبر الأعدل و لو كان موافقا لهم.

الخامس ان المراد بترجيح الصفات في الرّواة لا يختص براو واحد بل لا بد

من ملاحظته مع جميع طبقاتهم و هو امر متعذر لأنا من أي دليل يحصل لنا الاطمئنان‏

بأعدلية جميع الوسائط في خبر بالنسبة إلى خبر آخر مع عدم القدرة على إثبات‏


447
ذلك بالنسبة إلى من كان في عصرنا فضلا عن الماضين بنقل أهل الرّجال.

السادس ان الأعدلية في مقبولة عمر بن حنظلة تكون بالنسبة إلى الحكمين‏

فنحتمل كونها هنا أيضا كذلك فلا ربط له بالخبرين لاحتمال الخصيصة في الحكومة

ثم انه لا يمكن انجبار ضعف الخبر بعمل المشهور بالنسبة إلى بعض الفقرات‏

الاخر لأن عملهم غير ثابت مع وجود ما ذكر في ساير الاخبار الصحيحة و كفى في‏

شدة ضعف هذه الرواية ما حكى ان صاحب الحدائق الّذي لا يكون دأبه الطعن في‏

سند الرواية طعن في سند هذه.

و لا وجه لما ذكره الشيخ الأعظم من الجمع بين مقبولة عمر بن حنظلة و هذه‏

من جهة التعارض في تقديم الشهرة في هذه و تأخيرها بقوله عليه السلام فان المجمع عليه‏

لا ريب فيه بأن المقبولة أول المرجحات الخبرية في باب التعارض فيها هو الشهرة

و ما قبلها من الصفات يكون في شأن الحكمين فلا تعارض بينهما من هذه الجهة و

هذا لأن الرواية بعد كونها بهذا الوجه من الضعف في الدلالة و السند لا يبقى لها شأن‏

لنكون في صدد جمعها مع غيرها و رفع معارضتها.

و منه يظهر ان ما ذكره العلامة الأستاذ النائيني قده من كونها مؤيدة للمقبولة

غير وجيه لتعارضها معها في تقديم الشهرة فيهما و تقديم الصفات في المقبولة مع‏

الضعف الّذي ذكره فهذه المقبولة ساقطة عن درجة الاعتبار.

و من الروايات الدالة على الترجيح بالصفات المقيدة لإطلاقات التخيير على‏

فرض وجودها مقبولة عمر بن حنظلة(في باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1 في‏

ج 18 من الوسائل)قال سئلت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة

في دين أو ميراث فتحا كما إلى ان قال فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا

فرضيا ان يكونا الناظرين في حقهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم‏

(حديثنا)فقال الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما

و لا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر قال فقلت فانهما عدلان مرضيان عند


448
أصحابنا لا يفضل(ليس يتفاضل)واحد منهما على صاحبه؟قال فقال ينظر إلى‏

ما كان من روايتهما عنا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ

به من حكمنا و يترك الشاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك فان المجمع عليه‏

لا ريب فيه.

إلى ان قال فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك‏

ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة.

قلت جعلت فداك ان رأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة

و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الاخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ فقال ما

خالف العامة ففيه الرشاد.

فقلت جعلت فداك فان وافقهما الخبران جميعا؟قال ينظر إلى ما هم إليه‏

أميل حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالاخر قلت فان وافق حكامهم الخبرين جميعا

قال إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك فان الوقوف عند الشبهات خير من‏

الاقتحام في الهلكات.

و تقريب الاستدلال في هذه الرواية من جهة الصفات و ان كان واضحا مع‏

كونها مقبولة من حيث السند و لكن لا يتم مطلوبنا بها لأن المطلوب إثبات الترجيح‏

بالصفات في الخبرين المتعارضين لا في الحكمين و هي كما ترى تكون في الحكومة في‏

منازعة الرجلين.

فان قلت الراوي و الحاكم في صدر الإسلام كان واحدا قلت هذا ادعاء

محض فان الحاكم في صدر الإسلام أيضا لم يكن كل راو للخبر فانه لا بد ان يكون‏

مجتهدا ليمكنه حمل العام على الخاصّ و حمل المطلق على المقيد و علاج الروايات‏

المتعارضة التي تصل إليه مع عدم حضور الإمام عليه السّلام عنده و لو كان حاضرا في بلد

آخر و هذا لا يكون شأن كل راو للحديث.

فإذا كانت المقبولة في الحكمين و احتملنا دخل الحكومة في ذلك فلا يتم‏


449
الاستدلال لكل خبرين متعارضين مع الفرق بين الخبر و الحكم فان الحكم له الموضوعية فله‏

اثره حتى بعد كشف الخلاف و الخبر يكون له طريقية محضة.

ثم هنا خلط عن شيخنا الأستاذ النائيني قده و لعله من اشتباه المقرر و هو ان‏

الخبرين المتعارضين إذا كان أخذ أحدهما هو الموجب لحجيته فلا فرق في ذلك‏

بين كون الحاكم هو الآخذ أو يكون الآخذ غيره و وجه الخلط هو انه ليس الكلام‏

في سند حكم الحاكم من الخبرين بل في الرجوع إليه ابتداء ليحكم في المنازعة

و هو غير مربوط بالتخيير الأصولي الّذي يكون مداره الأخذ بأحد الخبرين.

فان قلت صدر الرواية يكون في مقام بيان حكم الحاكم و اما ذيلها و هو

قوله عليه السّلام ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا إلخ في مقام بيان حكم الخبر.

قلت ان هذا مشكل في نفسه لأن المتنازعين ربما لا يكونان ممن هو قابل‏

لأن يلاحظ صفات الراوي و يفهم سند الخبر و مع الغمض عنه فلا يعمل بهذه الرواية

من جهة الترجيح بالصفات و لا قائل بتقديم الأعدل على العادل فهي ساقطة من حيث‏

الترجيح بصفات الراوي.

ثم ان بعض الأعيان تبعا للشيخ الأعظم قال بان الكليني قده في ديباجة

الكافي لم يذكر الترجيح بالصفات مع انه ذكر الترجيح بالشهرة فلو كان ذلك‏

أيضا في صدر الإسلام لذكره فان قلت لوضوح الترجيح بها لم يذكره قلت الترجيح‏

بالشهرة أيضا كذلك فان الفطرة حاكمة بتقديم ما هو المشهور فعدم الذّكر يكون‏

من جهة عدم الاعتبار.

و فيه عدم ذكره لا يكون دليلا على عدم الاعتبار عنده فلعلّه لم يكن في مقام‏

بيان كل المرجحات.

ثم انه على فرض تمامية الدلالة فقيل بان العمل بالترجيح يوجب حمل‏

مطلقات التخيير على الفرد النادر لأن موارد عدم الترجيح من أي جهة في الروايات‏

نادرة جدا الا ان يقال بأن خروج موارد الترجيح عن إطلاقات التخيير يكون‏


450
بالتخصص لا بالتخصيص و قلة المورد للمطلق أو العام في نفسه غير مربوطة بالتخصيص‏

المستهجن.

و مع فرض استقرار التعارض بين روايات التخيير و الترجيح و تساقطهما

فالأصل يقتضى تقديم ما له المرجح لدوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحجة و لا

شبهة في تقديم ما له المرجح ح.

ثم لا يقال ان روايات التخيير يكون في مقام البيان فلو كان للمزايا دخل في‏

الحكم بالتخيير لزم ان يبين فيها فلا بد من الأخذ بإطلاقها و حمل روايات الترجيح‏

على الاستحباب.

لأنا نقول مطلقات الترجيح أيضا تكون في مقام البيان و لم يذكر فيها الحكم‏

بالتخيير بل بعضها آبية عن التقييد فان التعليل في بعضها بان الرشد في خلافهم أي‏

خلاف العامة يأبى عن القول بالتخيير مع وجود هذا المرجح.

لا يقال ان روايات الترجيح في نفسها متعارضة في مقام بيان المرجحات فان‏

ما دل على الأخذ بما وافق الكتاب أو السنة يكون مطلقا من جهة كون الموافق لهما

مخالفا للعامة أم لا و هكذا ما دل على الأخذ بما خالف العامة مطلق من جهة كونه‏

موافقا للكتاب و السنة أم لا فلا يمكن الجمع بينهما،

لأنا نقول يكون الاخبار في مقام بيان ما هو المرجح و عدّه و من المعلوم ان‏

ما دل على الترجيح بموافقة الكتاب و السنة مثبت لهذا المرجح و ما دل على الترجيح بمخالفة

العامة مثبت لهذا و هكذا سواء كان عدّ المرجحات في رواية واحدة أو روايات‏

متعددة.

لا يقال ان الروايات الدالة على الترجيح بمخالفة العامة لا تكون في مقام بيان الحجة

عن غيرها ففي الواقع تكون في مقام بيان ما هو حجة و ترجيح حجة على أخرى بل في مقام بيان‏

تعيين ما ليس بحجة و هذا غير مربوط بالتعارض فقط بل الخبر الّذي لا معارض له أيضا يلاحظ


451
فيه موافقة العامة و مخالفتهم في مقام إثبات حجيتها ففي الواقع ما وافق العامة لا مقتضى‏

له في الحجية لا انه حجة في مقابل ما خالفهم.

لأنا نقول هذا الكلام فيما يكون التعارض بين الموافق و المخالف بالتباين‏

له وجه.

و اما ما كان على نحو العموم و الخصوص من وجه فلا و ذلك لأن العامين من‏

وجه يكون التعارض فيهما في مورد الاجتماع و اما في مورد الافتراق فيكون العمل‏

بكل واحد منهما فلا يكون من دوران الأمر بين الحجة و اللاحجة بل من دورانه‏

بين الحجتين.

فتحصل من جميع ما تقدم ان المرجح ان كان صفات الراوي فالمقدم إطلاقات‏

التخيير و ان كان غيرها يؤخذ بماله المرجح هذا كله على فرض وجود إطلاق في‏

التخيير كما زعمه القائل بمرجعية روايات التخيير مثل المحقق الخراسانيّ قده:

و لكن التحقيق عندنا عدم وجود رواية مطلقة في التخيير بل بيانه يكون‏

في ذيل ما دل على الترجيح و ما ذكره قده في الكفاية من الروايات المطلقة في‏

التخيير فلا يتم.

اما خبر الحسن بن جهم فلأنه قده ذكر ذيله لا صدره و هو في مقام بيان ذكر

المرجح(فانه في الوسائل باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 40)فقال ما جاءك عنا فقس على‏

كتاب اللّه عز و جل و أحاديثنا فان كان يشبههما فهو منا و ان لم يكن يشبههما فليس‏

منا هذا صدره.

و اما ذيله فهو ما ذكره قده-قلت يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين‏

مختلفين و لا نعلم أيهما الحق قال فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت.

و انك ترى الصدر في مقام بيان الترجيح بالكتاب و السنة.

و اما رواية حارث بن المغيرة(في الوسائل في الباب السابق ح 41)فلا تدل‏

على التخيير بل على التوقف لقوله عليه السّلام فموسع عليك حتى ترى القائم فترد إليه و


452
و قال شيخنا الحائري معناه التوسعة في الواقع لا الأخذ بأحد الخبرين.

و اما مكاتبة عبد اللّه بن محمد إلى أبي الحسن عليه السّلام في الباب ح 44 و تكون‏

في خصوص المستحب و هو ركعتي الفجر في المحل أو على الأرض و لا يستفاد منها حكم‏

الواجبات و هكذا مكاتبة محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري إلى الحجة عليه السلام في الباب‏

ح 39 فانها أيضا في خصوص التكبيرات المستحبة1.

فتحصل عدم وجود رواية مطلقة في التخيير ليمكن الاعتماد عليها و جعلها مرجعا

عند الشك بعد تعارض المرجحات.

نعم نحن نقول بتقديم ذي المرجح من باب ان الدوران إذا كان بين التعيين و التخيير

فلا بد من القول بالتعيين.

ثم انه بعد عدم القول بالترجيح بالمرجحات كما عن المحقق الخراسانيّ‏

قده ذكر الإجماع على ترجيح ما له المرجح من باب الأخذ بأقوى الدليلين و فيه‏

مع كونه سنديا و سنده الاخبار انه مخدوش لذهاب مثل الكليني قده إلى التخيير

مع كونه في عهد الغيبة الصغرى و يخالط النوّاب و السفراء قال في ديباجة الكافي‏

و لا نجد شيئا أوسع و لا أحوط من التخيير.

1أقول مضافا بان هذه المكاتبة كما مر تكون في مقام بيان التخيير الواقعي فان‏

الإمام عليه السلام إذا قال في ذلك روايتان يكون معناه الاخبار عن الواقع لا الجهل بالحكم مع‏

احتمال كذب إحداهما.


453
الجهة العاشرة

في التعدي عن المرجحات المنصوصة إلى غيرها

فان فيه الخلاف بينهم فالشيخ الأعظم الأنصاري قده اختار التعدي و لا يخفى‏

ان هذا البحث ينتج و يثمر على مسلك من يقول بوجود مطلقات التخيير بعد عدم‏

المرجح و اما على ما مر من عدم وجود مطلق في التخيير فان الأصل يقتضى تقديم‏

ما يحتمل ترجيحه سواء كان المرجح منصوصا أم لا و ذلك لدوران الأمر بين التعيين‏

و التخيير و المعين مقدم كما مر.

ثم استدل الشيخ قده على التعدي بأدلة ثلاثة و تبعه غيره فيها.

الأول ان روايات الترجيح تكون في خصوص الصفات بعنوان الأصدقية و

الأوثقية فمن هذا العنوان نفهم ان كل ما هو أصدق و أوثق و يكون له الطريقية

إلى الواقع بنحو أقوى يكون هو المقدم.

و فيه ان هذا العنوان كان في المقبولة عن عمر بن حنظلة و في المرفوعة عن‏

زرارة و قد مر عدم تمامية الأولى دلالة في خصوص الصفات و عدم تمامية الثانية سندا

و دلالة كما مر فان الترجيح بالصفات ساقط من أصله هذا أولا.

و ثانيا ما يكون له الطريقية في نظر الشرع و أمضى طريقيته يكون هو الملاك‏

لا كل ما يوجب الظن و لذا ترى ان الظن الحاصل من الخبر الواحد يكون هو الحجة

لا مطلق الظن من أي طريق كان مثل الحاصل بالقياس و الاستحسان و الظن الانسدادي‏

فليست الأصدقية و الأوثقية علة للحكم بالترجيح بل تكون حكمة في جعل الحكم‏

في خصوص المورد.

و ثالثا ان الوثوق المعتبر اما ان يكون هو الوثوق الخبري و لو لم يكن الوثوق‏

بالمخبر و اما ان يكون المراد به هو الوثوق المخبري و ان كان الغالب التلازم‏

بينهما فالتعدي من المرجح المنصوص يتم على فرض كون الملاك هو الوثوق الخبري‏


454
لا المخبري و ظاهر روايات الترجيح هو ان الوثوق المخبري هو الملاك لا الوثوق‏

الخبري لأن السؤال و الجواب يكون في حال المخبر و عليه فلا يمكن الأخذ بكل‏

ما يوجب الوثوق بالخبر بل لا بدّ من أخذ ما هو المنصوص من الوثوق بالمخبر فلا

يتم هذا الوجه من البيان في تقديم ذي المزية مطلقا.

الدليل الثاني للتعدي قوله عليه السلام في تقديم ما خالف العامة فان‏

الرشد في خلافهم فالملاك هو الرشد و هو يكون في الظن الأقوى أقدم من‏

الظن القوى.

و قد أجاب عنه المحقق الخراسانيّ قده بأن الرشد في نفس المخالفة لا في‏

مطابقة ما خالفهم للواقع حتى يكون كل ما يوجب الظن القوى بالواقع مثل‏

مخالفة العامة في كونه مرجحا هذا أولا و ثانيا ان البحث يكون في المتعارضين‏

الذين هما حجتان لو لا المعارضة و قد مر ان ما وافق العامة ليس بحجة و الحجة

فقط هي ما خالفهم فيكون من باب دوران الأمر بين الحجة و اللاحجة و بعبارة أخرى‏

لا بد من كون أصالة الصدور و أصالة الجهة و أصالة الظهور في رواية تامة حتى يعمل‏

بها و موافقة العامة توجب سقوط جهة صدورها فليست بحجة و ان تم سائر الظهورات‏

و مخالفتهم توجب سلامة جهة صدورها و هي عدم صدورها عن تقية.

و الجواب عنه قده هو ان الرشد في نفس المخالفة لا ربط له بالخبر و مطابقته‏

للواقع و عدمه مع ان هذه الفقرة تكون في الاخبار في مقام بيان المرجح لما هو

المطابق للواقع و ليس لنا رواية مستقلة بهذه العبارة و ما ذكره في ديباجة الكافي‏

لعله صار سببا لزعمه قده ان الرشد في نفس المخالفة فظن ان نقل هذه الفقرة منه‏

رواية مستقلة و ليس كذلك.

و لا غرو في كون مخالفة العامة من أبزار الحجية عند عدم التعارض لوجود

قرينة على التقية و من أبزار الترجيح معه لعدم إحراز مخالفة ما هو الموافق للعامة

مع الواقع لأن الأحكام الموافقة للعامة و للواقع كثيرة في مذهبنا فليس كل موافق‏


455
لهم خلاف الواقع.

الدليل الثالث للتعدي هو ما في المقبولة من قوله عليه السّلام فان المجمع عليه‏

لا ريب فيه و من المعلوم ان المراد بعدم الريب ليس هو القطع بالحكم بل المراد

به الظن القوى بالنسبة إلى ما ليس بمجمع عليه فعدم الريب إضافي لا حقيقي فكل‏

ما يوجب قلة الريب في خبر يؤخذ به هكذا قيل و لكن المراد بعدم الريب في‏

الرواية هو الوثوق بالصدور لا القطع و من المعلوم ان المشهور لا ريب في الوثوق‏

الحاصل منه.

و لكن لا يفيد التعدي لأن المحتمل هو اعتبار الوثوق الحاصل من صفات‏

الراوي و ما نصّ به في الروايات لا كل وثوق و ظن جاء من أي وجه كان.

فتحصل ان التعدي عن المرجحات المنصوصة لا يجوز و لكن حيث لا يكون‏

لنا مطلق في التخيير يكون مقتضى الأصل تقديم كل ما فيه المزية و لو لم تكن‏

منصوصة من باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحجة.

ثم ان المحقق الخراسانيّ قده بعد اختياره عدم التعدي عن المرجحات‏

المنصوصة قال بما حاصله هو انا لو قلنا بالتعدي لا بد من القول به في كل ما يكون‏

مزية سواء كانت مما له الطريقية إلى الواقع أولا و ذلك لأن الروايات متضمنة

لما لا طريقية له إلى الواقع كالأورعية و الأفقهية فان كون الراوي ورعا أو فقيها

أو أفقه لا ربط له بالكاشفية عن الواقع.

و فيه ما لا يخفى لأن من له الورع في ساير الجهات يكون له الورع من جهة

نقل الخبر أيضا فالأورع يكون قوله أوثق من غيره و من كان فقيها أو أفقه يكون‏

حفظه لكلام المعصوم عليه السّلام أضبط من غيره خصوصا في صورة نقل المعنى الّذي هو

دأب الرّواة فان الفقيه إذا نقل معنى الرواية يكون الوثوق بفهمه أزيد من الوثوق‏

بنقل الراوي الّذي ليس بفقيه.

فما ذكر قده من المنصوص الّذي يكون بنظره من المرجحات التعبدية لا وجه‏


456
له هذا مضافا إلى ان القائل بالتعدي يقول به لملاك فهمه من المنصوص كما مرّ

من جهة كونه رشدا أو لا ريب فيه أو اقرب إلى الواقع للأصدقية فلو فرض عدم الملاك‏

لعدم فهمه ذلك لا يبقى وجه للتعدي عنه.

الجهة الحادية عشر

في تقديم الجمع على العلاج‏

اعلم انه لا شبهة في تقديم الجمع العرفي على العلاج فإذا كان عام و خاص و مطلق‏

و مقيد و ظاهر أو أظهر لا يتوقف العرف في الجمع بينهما بحمل العام و المطلق على‏

الخاصّ بحمل الظاهر على الأظهر فإذا كان التعارض بالتباين بحيث لا يمكن الجمع تصل‏

النوبة إلى روايات العلاج.

و قد خالف هذا الأساس‏1المحقق الخراسانيّ قده و حاصله ان من قال بتقديم‏

الجمع العرفي قال به من جهة ان مورد روايات العلاج هو التحير و أبناء المحاورة لا يتحيرون‏

في ماله الجمع العرفي بعد التعمق و هذا غير تام لأن التحير الابتدائي كاف في شمول‏

روايات التخيير في المتعارضين الذين يكون تعارضهما في بدو النّظر أيضا فلو كان‏

للعرف النّظر في الجمع بعد التدقيق يمكن ان تكون هذه الروايات رادعة عن نظرهم‏

الا ان يستند بسيرة المتشرعة بالجمع بين روايات الأئمة عليهم السّلام في الموارد المذكورة

من الصدر الأول فلا يمكن ردع هذه الروايات عنها.

أقول ان ما ذكره قده خلاف التحقيق اما على مبنى مثل شيخنا النائيني قده‏

1أقول و يظهر منه قده في الكفاية ان نظره هو الجمع العرفي و ان كان البحث‏

العلمي في كلامه ابتداء كذلك و السند هو سيرة المتشرعة على الجمع في الروايات إذا كان‏

المعارضة في مثل العام و الخاصّ كما ذكره مد ظله عنه فليس هو قده مخالفا في الرّأي فارجع‏

إلى الكفاية في ج 2 ص 402 لتمام بيانه قده.


457
القائل بسقوط عموم العام عن الظهور حتى في المخصص المنفصل و هكذا المطلق‏

و الظاهر فلا تعارض أصلا لتصل النوبة إلى روايات العلاج.

و اما على ما هو التحقيق من سقوط الحجية لا الظهور فالتعارض و ان كان محققا

و لكن لا يمكن ان تكون الروايات رادعة عن الجمع لأن الجمع يكون في مقام الدلالة و روايات‏

العلاج يكون نظرها إلى الجهة و الصدور فكيف يمكن ان تكون رادعة في غير

موردها مضافا بان التبعيض في دلالة الروايات بكونها إمضاء لبناء أهل المحاورة في‏

مورد و ردعا في مورد آخر بعيد عن مساقها مستهجن فانها اما رادعة أو تكون في‏

صدد الإمضاء:

و ثالثا ان الجمع العرفي بين العام و الخاصّ لا بد ان يكون في خصوص العام‏

و الخاصّ في الكتاب و اما الروايات فعلى هذا الفرض لا بد ان لا يكون الجمع بين‏

عامها و خاصها و إدخال مواردها في أدلة العلاج و هو مستهجن لا يقول به فقيه فتحصل‏

ان مورد العلاج هو التحير المستقر لا الابتدائي و هو يكون بعد عدم إمكان‏

الجمع العرفي.

لا يقال ان لنا في بعض موارد العام و الخاصّ الأمر بالتخيير في روايات التخيير

فكيف يقال بحمل العام على الخاصّ و لو كان التكليف هو ذلك فلا بد من بيانه في‏

المورد فعدم بيانه و بيان التخيير دليل على ان المراد بالتحير هو الابتدائي الّذي يكون‏

في العام و الخاصّ و المطلق و المقيد و الظاهر و الأظهر.

فمنها ما في الوسائل(باب 9 من أبواب صفات القاضي في ج 18-ح 5)عن سماعة

بن مهران عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في امر

كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه و الاخر ينهاه عنه كيف يصنع؟قال:يرجئه حتى‏

يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه.

و تقريب الاستدلال هو ان الجمع بين الأمر و النهي بالكراهة ممكن بأن‏

نرفع اليد عن ظهور كل خبر بنص الخبر الاخر فان النهي نصّ في الهزارة ظاهر في‏


458
الحرمة و الأمر نصّ في الجواز ظاهر في الوجوب و الجمع بينهما بالكراهة فكيف‏

يجعل عليه السّلام الحكم بحمل الظاهر على النص مع وجود هذا الطريق للجمع في المورد

لم و جعل المدار على التخيير بقوله عليه السلام فهو في سعة.

و منها مكاتبة عبد اللّه بن محمد(في الباب ح 44)إلى أبي الحسن عليه السّلام‏

اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد اللّه عليه السلام في ركعتي الفجر في السفر فروى بعضهم‏

صلها في المحمل و روى بعضهم لا تصلها الا على الأرض فوقع عليه السّلام موسع عليك بأية عملت.

و منها مكاتبة محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري(في الباب ح 39)إلى‏

صاحب الزمان عليه السّلام إلى ان قال عليه السلام في الجواب عن ذلك حديثان اما أحدهما فإذا

انتقل من حالة إلى أخرى فعليه التكبير و اما الاخر فانه روى انه إذا رفع رأسه من‏

السجدة الثانية و كبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و كذلك‏

التشهد الأول يجري هذا المجرى و بأيهما أخذت من باب التسليم كان صوابا.

فان الجمع بين الأمر بالصلاة في المحمل و عدم الصلاة الا على الأرض بحمل‏

الصلاة في المحمل على الجواز مع الكراهة في المكاتبة الأولى و الجمع بين العام‏

و الخاصّ بحمل العام و هو التكبير في كل انتقال علي الخاصّ و هو عدم وجوب التكبير في‏

القيام بعد القعود فيخصص العموم به و مع ذلك جعل المدار على التخيير فيكون هذا

و أمثاله شاهد عدم الاعتناء بالجمع العرفي و لزوم التخيير عند التعارض الابتدائي.

لأنا نقول اما الرواية الأولى فلا تدل على التخيير لأن قوله عليه السلام فهو في سعة حتى‏

يلقاه معناه البراءة عن التكليف‏1بأحد الأطراف لا وجوب الأخذ به مضافا بان‏

1أقول لا يكون السعة معناها البراءة عن التكليف لأن المتعارضين باعترافه مد ظله‏

ينفيان الثالث و الحكم بها خلاف ما يستفاد من المتعارضين.

و ما قال بان الجمع بين الأمر و النهي يكون في الأمر و النهي بالصيغة لا بالمادة لا أظن‏

ان يلتزم به في باب الأمر و النهي لأن استعمال الأمر و النهي بالمادة في غير الواجب‏


459
الأمر و النهي بالمادة غير الأمر و النهي بصيغة افعل و لا تفعل فان قول القائل آمرك‏

بكذا و قوله أنهاك عن كذا غير قابلين للجمع بالكراهة و هو مختص بالأمر و النهي‏

بالصيغة.

و اما المكاتبة الأولى و الثانية فهما لا يستفاد منهما التخيير فان التوسعة في العمل غير

الحكم بالتخيير فانها تناسب البراءة فلا يكون الحكم بالتخيير مع إمكان الجمع.

و ما قيل في المكاتبة الثانية بأنها تكون فيها النقل بالمعنى في كلامه عليه السلام‏

و الجمع بين العام و الخاصّ يكون في صورة النقل باللفظ لا وجه له لأن الإمام عليه السلام‏

قادر على النقل باللفظ و لا داعي لنا في الحمل على ذلك مضافا بعدم اختصاص حمل الظاهر

على الأظهر و العام على الخاصّ بصورة النقل باللفظ فلا يتم القول بالتحير الابتدائي في‏

الحكم بالتخيير بما ذكر من الروايات كما زعمه هذا القائل فالمراد به هو التحير

المستقر الّذي يكون بعد عدم إمكان الجمع العرفي.

-و الحرام كثير في كلماتهم عليهم السلام كما في نواهي النبي صلى اللَّه عليه و آله في الخصال و في الفقيه‏

و لا يكونان نصا في الوجوب و الحرمة.

فلا بد من حمل هذه الرواية على صورة عدم إمكان الجمع مثل ثمن العذرة سحت‏

و لا بأس بثمن العذرة خصوصا إذا قلنا بان التعارض لا يكون الا في هذه الصورة.

و اما المكاتبتان فليستا في مقام التخيير بين الروايات المتعارضة بالتخيير الظاهري‏

بل المراد هو التخيير الواقعي ضرورة عدم جهل الإمام عليه السلام بالواقع فجوابه عليه السلام يكون‏

اخبارا عن الواقع مضافا بكونهما في المستحبات و البناء فيها على التسهيل.

و ليس المراد فيهما التوسعة من جهة الحكم بالبراءة بل التخيير لقوله عليه السلام بأية

عملت و قوله عليه السلام فبأيهما أخذت من باب التسليم إلخ فان هذه العبارة ظاهرة في التخيير

فتدبر.


460
و ينبغي التنبيه على أمور

الأمر الأول‏
في ان اخبار العلاج هل تشمل المتعارضين الذين يكون تعارضهما

بالعموم من وجه أم لا فيه خلاف الشمول مطلقا و عدمه مطلقا و التفصيل بين السند و الجهة

بشمولها له في الجهة و عدم شمولها له في السند كما عن شيخنا النائيني قده‏

(في التنبيه الخامس من كتاب فوائد الأصول).

و حاصل كلامه قده ان المعارضة في العامين من وجه تكون في مادة الاجتماع‏

و في مادتي الافتراق و لا وجه لإسقاط أحد الخبرين في صورة عدم المعارضة و في صورة

المعارضة أيضا لا وجه لاختيار أحد الخبرين من حيث المرجح في الصدور لأن لازمه‏

التبعيض في السند و ذلك للأخذ0 بهذا الخبر المرجوح في مورد عدم المعارضة و

هو مورد الافتراق و الطرح لسنده في مورد الاجتماع لتقديم الراجح عليه و هو غير

ممكن.

فان قلت ان الأحكام تكون بنحو القضايا الحقيقية فالخبر الواحد بواسطة

موارد مضمونه ينحل إلى خبرين أو أزيد فلا إشكال في تصديق المخبر في مورد لا مزاحم‏

له و عدم تصديقه في المورد الّذي يكون له المزاحم.

قلت كون الأحكام بهذا النحو من القضايا لا يوجب ان يكون الخبر الواحد

اخبارا متعددة بل المراد هو انحلال الحكم الّذي استفدنا من الدليل على الموضوع الّذي‏

ينحل إلى الافراد الموجود فعلا و المقدر وجوده فإذا قيل أكرم العلماء يكون الموضوع‏

الموجودين من العلماء و من قدر وجوده فلا إشكال في عدم جواز التبعيض في السند.

و اما الرجوع إلى المرجحات الجهتية و مع عدمها الرجوع إلى المرجحات‏

المضمونية فلا يكون فيه هذا الإشكال لانحفاظ السند في الرواية مع فرض كون‏

مورد الاجتماع عن تقية و كيف كان فبعد عدم المرجح من حيث الجهة و المضمون‏

فالقاعدة تقتضي التخيير و لكن المانع هو تسالم الأصحاب على التساقط في مورد الاجتماع‏


461
من العامين من وجه و عدم القول بالتخيير هذا كلامه رفع مقامه.

و لكن يرد عليه بان ما ذكره من عدم إمكان التبعيض في السند يكون بحسب‏

الواقع و التكوين لأن الكلام اما صدر بتمامه أو لم يصدر و لكن في مقام الظاهر

و التعبد فلا إشكال في التعبد بقول العادل في مورد الافتراق و عدم التعبد به في مورد

الاجتماع و هذا مثل استصحاب عدالة زيد مع الشك في حياته فان العدالة من الأوصاف‏

و لا يمكن في التكوين انفكاكها عن الحياة و اما في مقام التعبد فلا إشكال في‏

التعبد بها لترتيب أثرها1.

1أقول هذا على مبنى من يجري الاستصحاب في الحكم مع الشك في الموضوع مثل‏

المحقق الخراسانيّ قده و اما على مبنى من يقول بان دليل الاستصحاب يكون التعبد فيه‏

بما هو ممكن تكوينا فلا يتم.

و العدالة و ان لم تكن حكما و لكن تكون مثله في احتياجها إلى الموضوع لأنها وصف.

و اما عدم التبعيض في الجهة فهو أيضا غير تام لأن القائل إذا قال أكرم العلماء و لا

تكرم الفساق فيمكن ان يكون عموم الحكم تقية و لكن خصوصه غير تقية فإكرام العلماء

العدول لا تقية في إبرازه بالعموم و إكرام الفساق منهم يمكن ان يكون إبرازه بالعموم‏

فيه التقية و لا محذور في ذلك.

ففي مورد الاجتماع و هو العالم الفاسق يمكن تقديم عموم لا تكرم الفساق و اما ادعاء انصراف‏

الاخبار عن المتعارضين بالعموم من وجه فله وجه لكن لا من جهة عدم صدق الخبرين‏

المتعارضين للعامين من وجه بل من جهة الانصراف.

و يمكن ان يقال ان الخبرين المتعارضين بهذا النحو لا لسان لهما في مورد الاجتماع‏

فلا بد من ملاحظة أصول اخر في المسألة.

و اما ادعاء التعبد بالتبعيض في السند فهو و ان أمكن و احتمله الأنصاري قده في المقام‏

الرابع من مقامات بحثه في الفرائد و لكن لا دليل لنا عليه و هذا غير قبول بعض فقرات‏


462
هذا مضافا إلى ان التبعيض في الجهة أيضا غير ممكن في الواقع لأن الكلام‏

الواحد اما صدر بتمامه عن تقية أو صدر عن غير تقية فالقول بكون بعض مدلوله صدر

تقية و بعضه لم يصدر تقية أيضا غير معقول.

و اما ما ذكره قده من ان القاعدة بعد التساوي من حيث الجهة و المضمون تقتضي‏

التخيير فغير وجيه لأن اخبار العلاج منصرفة عن مورد العامين من وجه لعدم صدق‏

الخبرين المتعارضين في المقام كما عن شيخنا العراقي قده و ان كان التعارض حاصلا من‏

فانهما متساقطان في مورد الاجتماع.

و الفرق بين القول بشمول اخبار العلاج و القول بالتساقط بعد التساوي و بين‏

هذا القول هو ان التعارض و التساقط على هذا يكون بحكم العقل و اما على الأول‏

فيكون بواسطة التعبد بعد شمول اخبار العلاج للمورد الا ان يقال بمنع الانصراف و

إمكان الأخذ بموردي الافتراق و مورد الاجتماع و لا إشكال في التبعيض كما

انه يلتزم بالتبعيض في بعض فقرات رواية واحدة دون بعضها لوجود ضعف فيه‏

خلافا للعلمين.

و الّذي يسهل الخطب هو عدم وجود مطلق في التخيير كما مر حتى ينطبق في‏

المقام بحسب القاعدة الأولية و التعدي عن قول المشهور القائلين بالتساقط مشكل‏

جدا فنأخذ بقولهم.

رواية واحدة فان فقرة من الرواية يمكن ادعاء صدورها و فقرة أخرى منها يمكن‏

ادعاء عدم صدورها.

و هذا بخلاف مثل أكرم العلماء العام للفاسق و العادل فان هذا الكلام الواحد لا يمكن‏

ان يقال بان عمومه لم يصدر و خصوصه صدر.


463
الأمر الثاني‏ (1)

في ان المرجحات المذكورة في الروايات هل تكون مترتبة في مقام تعارض‏

مرجح مع الاخر مثل كون أحد الخبرين مخالفا للعامة و الاخر موافقا للشهرة

و فيه خلاف و ذكروا ثمرة لهذا البحث سيجي‏ء.

فنقول لا شبهة و لا ريب في ان الخبر الّذي يكون بأيدينا لا بد ان يثبت له‏

ظهورات ثلاثة ليثبت حجيته ظهور الصدور و الجهة و الدلالة و لا شبهة أيضا في ان‏

الخبر الّذي لا معارض له يكون ملاك جهة صدوره غير ملاك جهة جهته و غير ملاك‏

جهة دلالته و هذا مسلم عندهم.

ثم عند التعارض حصل الاختلاف في ان المرجحات الجهتية و الدلالية ترجع‏

إلى مرجح الصدور أو لا ترجع إلى المرجحات هل تكون في عرض واحد أو يكون‏

رتبة بعض متقدمة على الآخر كما قد يقال في تقديم المرجح بالجهة على المرجح‏

بالصفات فعن المحقق الخراسانيّ قده و من تبعه هو ان الكل يرجع إلى الصدور

خلافا للشيخ الأعظم قده و من تبعه.

و حاصل التقريب للقول الأول بوجهين الأول ان كل تعبد من الشرع لا بد

ان ينتهى إلى أثر عملي و الا فهو لغو ففي الخبرين المتعارضين(بعد الخروج عن الأصل الأولى‏

الّذي يفيد التساقط بواسطة القول بالتخيير بمقتضى اخبار العلاج)التعبد بالصدور

في الخبر يكون معناه الحكم الفعلي على الجري العملي على طبقه و معني ذلك‏

هو عدم الاعتناء بشي‏ء آخر من جهة فعلية الحكم و عدم شأنيته فإذا كان راوي خبر

أعدل من راوي خبر آخر فلا بد من التعبد به بمقتضى هذا المرجح و الا فلو احتجنا إلى محاسبة

1)أقول هذا الأمر في كلام الشيخ الأعظم في الفرائد هو الأمر الخامس على حسب‏

ترتيبه و في الكفاية ج 2 ص 410 عند قوله فصل فان شئت فارجع.


464
هذا المرجح مع غيره كالمرجح الجهتي فلا يكون الحكم فعليا و لا ينتهى إلى‏

العمل‏1.

فان قلت ان كان الإشكال هو عدم انتهائه إلى العمل فيكون علاجه بان‏

1أقول و الّذي يأتي في النّظر هو ان التعبد و ان كان في صورة وجود الأثر العملي و لكن‏

لا يلزم ان يكون العمل الواحد في الخارج مستندا إلى تعبد واحد.

الا ترى ان قاعدة التجاوز في اجزاء الصلاة مثلا لها أثر عملي و هو التعبد بوجود الجزء

بحيث لو انضم إليه ساير الاجزاء لا تحتاج الصلاة إلى الإعادة فلا بد ان يكون الحكم فعليا

بالنسبة إلى الأثر المناسب له.

و لعل هذا هو مراد بعض تلامذة المحقق الخراسانيّ قده حيث رد عليه و ذكر مد ظله‏

و أشكل عليه و المركب الواحد يمكن ان يكون التعبد باجزائه غاية الأمر مراعاة الأثر

العملي في كل جزء بحسبه فان الخبر يكون الأثر العملي فيه و هو الجري على طبقه في‏

الخارج معلول التعبد بصدوره و جهته و دلالته.

فالتعبد بالصدور يكون بالنسبة إلى الأثر الّذي لهذا التعبد كما يكون التعبد بقاعدة

التجاوز في اجزاء الصلاة و للجزء الأثر لو لا فساد الصلاة من ناحية جزء آخر.

غاية الأمر في المقام وجوب التعبد بجهة الخبر الاخر لا يلازم سقوط سند هذا

و التعبد بسند هذا لا يلازم سقوط التعبد بجهة الخبر الاخر.

و المانع من التعبد بهما هو العلم الإجمالي بفساد أحد التعبدين فيتعارضان بعد

عدم دليل للترتيب بين المرجحات.

و لا أدري كيف فرقوا على ما ادعاه مد ظله بين الخبر بلا معارض بملاحظة الملاك الخاصّ‏

في كل جهة من الثلاث و بين الخبر مع المعارض فانه لا فرق أصلا بينهما من هذا الوجه‏

فتحصل انه لو لم نقل بان الجهة و الدلالة ترجع إلى الصدور أيضا يكون التعارض‏

بين المرجحات و لا بد من ملاحظة أقوائية ما هو الأقوى و هذا المدعى تام لكن بهذا البيان‏

و طولية جهات الثلاث غير تامة.


465
يقال ان الأخذ باخبار الترجيح في المورد أيضا عمل فيمكن التعبد بالنسبة إليه.

قلت ان العمل و ان كان الأعم مما يكون في المسألة الفقهية و الأصولية و لكن‏

في المقام لا يكون لازمه الا الحكم بالصدور فقط و الحكم بالصدور لا يكون عملا

من المكلف على طبق الخبر بدون التعبد بالجهة و الدلالة فليس صرف الاعتقاد

بالصدور من جهة أعدلية الراوي عملا باخبار العلاج بل العمل على طبق خبر أولا أقل‏

ان الفتوى على وفقه هو العمل و هو مفقود في المقام.

الوجه الثاني في التقريب هو حاصل ما ذكره المحقق الخراسانيّ قده و هو

ان جهة الصدور لو لم ترجع إلى أصله يلزم التناقض لأن لازم المرجح الصدوري‏

هو الأخذ بالرواية و لازم المرجح الجهتي في الخبر المعارض هو عدم الأخذ به‏

و الأخذ بما خالف العامة فيلزم الحكم الفعلي بوجوب الأخذ و عدمه بالنسبة إلى خبر

واحد و هو تناقض محال.

و قد أجاب عنه بعض تلامذته بان التعبد بالصدور لا ينافى التعبد بجهة المخالف‏

له و هي جهة الجهة و يكون الحكم فعليا من حيث الصدور لا من جميع الجوانب كما

انه كذلك في الخبر الّذي لا معارض له فان التعبد بالصدور يكون من جهة الصدور

و ان لم يتم جهة الجهة اللازم منه عدم التعبد به من هذه الجهة و هكذا من جهة

الدلالة إذا كان فيها الضعف لا ينافى التعبد بالصدور و الجهة فلا ملازمة بين الحكم‏

الفعلي في كل واحد منهما كذلك فنتعبد بخبر من جهة الصدور و نسقطه لكونه‏

موافقا للعامة.

و الجواب عنه ان هذا خلاف مبنى أستاذه لأنه يقول يكون الحكم فعليا من‏

جميع الجهات و هذا يكون معناه فعليته من جهة الصدور لا من جميع الجهات حتى الجهة

فتحصل ان القول بان جميع المرجحات يرجع إلى الصدور قول تام عندنا.

و اما سند من قال بالترتيب بين المرجحات كالعلامة شيخنا النائيني قده‏

فحاصله هو ان الخبر ما لم يصدر لا يكون البحث عن جهته لأن الكلام بعد صدوره‏


466
عن المتكلم يبحث عن انه هل يكون الإرادة الاستعمالية فيه مطابقة للواقع أم لا و لا

وجه للبحث عن المطابقة قبل الصدور.

و هكذا الدلالة تكون في طول الصدور و الجهة كما ان الأمر كذلك في‏

الخبر الّذي لا معارض له فما له المعارض لا فرق له مع غيره.

و أجاب قده عن إشكال التناقض في كلام المحقق الخراسانيّ قده و غيره‏

بأن هذا غير لازم و حاصله ان سقوط أصالة الجهة تارة يكون لوجود قرينة على التقية

و تارة لا يكون كذلك بل عند التعارض يكون صرف موافقة العامة سببا لترجيح‏

غير الموافق عليه ففي الأول سقوط أصالة الجهة يناقض التعبد بصدوره و في الثاني‏

لا يكون مناقضا فمن الممكن تمامية الجهة في الموافق و عدم صدوره تقية.

و سره ان كل موافق للعامة لا يكون فيه التقية فكم من حكم من أحكامنا يكون‏

موافقا لهم فيكون الثاني مرجحا للصدور في مقام المعارضة و الأول مسقطا

لحجية غيره.

ففي المقام يمكن التعبد بصدور الخبر و التعبد بجهة الخبر الاخر و لا يسقط

جهة ما أخذنا بسنده و ان كان الترجيح للخبر الّذي يكون مخالفا للعامة إذا

كان التساوي بينهما من حيث قوة السند و اما إذا كان قوة السند في رواية و أصالة

الجهة في المعارض فلا يتساويان و لا ترجع الجهة إلى الصدور بل يقدم الصدور و معه‏

لا تصل النوبة إلى الجهة في الخبر الاخر.

فالثمرة بين مسلك القائل بان المرجحات طرا ترجع إلى السند و بين من‏

لا يقول بذلك تظهر في صورة تعارض المرجحات فعلى الأول يرجع قوة الجهة

فيما خالف العامة إلى سنده فيصير سنده قويا في مقابل ماله المرجح السندي‏

و يتعارضان فيؤخذ بأقوى المرجحين.

و على الثاني فيقدم سند ماله المرجح السندي و يؤخذ به و لا تصل النوبة

إلى مرجح الجهتي في الخبر الآخر لأنه في طول هذا المرجح و لا يخفى ان هذه‏


467
الثمرة تكون على فرض كون الملاك في المرجحات إلى الأقربية إلى الواقع بالتعبدي‏

عن المرجحات المنصوصة.

و اما إذا كان الملاك بما هو المنصوص فلا بد من تقديم ما قدم في النص ان‏

ثبت التقديم فيها و قلنا بالترتيب في الواقع كما رتبت في مقبولة عمر بن حنظلة من‏

الترجيح بالصفات ثم بالشهرة و هكذا و الا فلا ترجيح هذا.

و الجواب عن شيخنا النائيني قده أولا بان الحكم بالصدور الّذي لا بد ان‏

ينتهى إلى العمل يكون في صورة الأخذ بالرواية من جهة الجهة أيضا و الأخذ

بالجهة أيضا لا بد ان يكون مع الأخذ بالصدور و الا فلا معنى للأخذ0 بجهة رواية لا صدور

لها فيتعارضان و كيف يمكن التعبد بجهة رواية مع كونها موافقة للعامة و هي من‏

مسقطات الجهة عند المعارضة و انها سبب للسقوط فلا يمكن ان يقال جهة الصدور

فيما هو أقوى سندا لا تسقط.

و ثانيا ان الطولية بين الجهات الثلاث لو سلمت تكون في خبر واحد فان أصالة

صدوره متقدمة على جهته و أصالة جهته متقدمة على دلالته و اما في الخبرين فلا ملاك‏

لتقديم صدور هذا الخبر على جهة ذاك فان هذا لا سند له الا علي مذهب فاسد و هو ان‏

يكون ما مع المقدم مقدما فيقال سند ما تم جهته يكون مع ما هو المقدم يعنى الصدور في‏

الخبر الأقوى سندا فحيث ان سنده مقدم على جهته فيكون مقدما على جهة هذا الخبر

و هذا باطل لعدم الترتب واقعا.

و ثالثا ان الترتب بين الجهات الثلاثة ممنوع لأن كل خبر لا بد ان يتم سنده و

جهته و دلالته و كل له دخل في التعبد فكما ان ما لا سند له لا بحث عن جهته و لا تعبد به‏

كذلك ما لا جهة له لا بحث عن سنده و هكذا الدلالة فلا رتبة بينها.

و رابعا لا بد ان يكون الترتيب بين المرجحات و إثبات الترتيب بين ما هو

المرجح بفتح الجيم و هو الخبر بهذا البيان غير مفيد لإثبات تقديم صفات الراوي‏

على جهة رواية أخرى.


468
فان قلت نفهم تقديم الصفات على الشهرة و هكذا التقديم على الجهة فالصدور مقدم‏

على الجهة من روايات العلاج قلت هذا لا يفيد ما نحن بصدده لأنا نريد إثبات ان الصدور

في رتبة الجهة فلو كانت الجهة في رتبة متقدمة على الصدور لكان لهذا البحث يعنى بحث‏

كون الجهة أيضا في رتبة الصدور أم لا في محله.

لا يقال ان الصدور في رواية إذا حصل التعبد به يكون معناه ان غيري المعارض‏

غير صادر و هذا بخلاف الجهة فان التعبد بها لا ينفى صدور الغير بل ينفى جهته فإذا

نفى هذا صدور الغير لا يبقى موضوع له حتى يلاحظ جهته لينفي جهة ما حصل‏

التعبد بصدوره.

و بعبارة أخرى صدور هذا ينفي صدور غيره و لكن جهة غيره لا تنفي الا وصفا

من أوصاف ما هو الصادر و لا ينفى موضوعه و هذا سر ترجيح الشيخ الأعظم قده الصدور

على الجهة.

لأنا نقول ان التعبد بصدور هذا لا يكون معناه عدم صدور غيره بل صدور نفسه‏

و التعبد بجهة غيره يقوى صدوره فيتعارضان في الصدور و لا بد من ملاحظة

الأقوائية لتكاذبهما بالعلم الإجمالي بكذب أحدهما فلا يكون الصدور حاكما

على الجهة.

فتحصل انه لا يتم كلام الشيخ الأعظم قده مع تتميم شيخنا العراقي قده لبيانه‏

بل الحق مع المحقق الخراسانيّ قده في إرجاعه مرجح الجهة إلى الصدور و من هنا

ظهر ما في تقديم الوحيد البهبهاني الجهة على الصدور خلافا للشيخ مستدلا بعدم‏

فائدة في صدور رواية لا جهة لها و الجهة في مقام بيان الواقع و الصدور يكون في‏

مقام الظاهر و الواقع مقدم على الظاهر.

وجه الظهور هو عدم الترتيب بين المرجحات لا من جهة الصدور و لا من جهة

الجهة و الدلالة بل إحراز كل الظهورات الثلاثة لازم للتعبد بالخبر و العمل على‏

وفقه فلا بد من ملاحظة أقوائية المرجح في التقديم و مع التساوي لا بد من ملاحظة المرجحات‏

الخارجية و الا فالتخيير.


469
الأمر الثالث‏

انه لا شبهة و لا ريب في ان موافقة الكتاب من المرجحات كما مر في الروايات‏

و مخالفته موجبة لسقوط المخالف عن الحجية و المخالفة و الموافقة تارة تكون في‏

مقام ترجيح بعض الروايات على البعض في مقام التعارض و تارة في مقام أصل إثبات‏

الحجية من جهة ان المخالف مما هو زخرف عندهم عليهم السّلام و لم يقولوا به و ان نسب‏

إليهم عليهم السلام كذبا.

فإذا عرفت ذلك فهنا يجي‏ء إشكال و هو ان الرواية التي خالفت الكتاب لا تكون‏

حجة من رأسها لأنها مخالفة فلا تصل النوبة إلى المعارضة ثم ملاحظة الترجيح لأن‏

ما لم يكن حجة لا يقاوم مع ما هو الحجة و البحث في الترجيح فرع حجية الروايتين‏

و الا فلا معارضة بين الحجة و اللاحجة فكيف جعلت الموافقة للكتاب أمارة الراجحية

و المخالفة أمارة المرجوحية.

و الجواب عن هذا الإشكال هو ان الروايات في باب موافقة الكتاب و مخالفته‏

على طائفتين الأولى ما دل على ان ما خالفه‏ (1) زخرف أو باطل أو لم يقولوه أو اضربه على‏

الجدار و نحو ذلك مما ورد في مقام طرح الخبر المخالف و الثانية الاخبار

الواردة في خصوص مقام التعارض بين الروايات كما مر و العمل بما وافق الكتاب‏

و عدم العمل بما خالفه و قد اضطربت الكلمات في الجمع بين الطائفتين و لذا

جعلت الموافقة للكتاب أول المرجحات كما ان الإشكال بعينه يكون بالنسبة

إلى موافقة العامة و مخالفتهم فان الخبر الّذي لم يكن سليم الجهة و كان عن تقية

لا حجية له من أصله و لا يعارض مع ما هو الحجة فقيل فيها أيضا بأنها أول المرجحات‏

من هذا الباب.

1)قد مر مصدر الروايات عند التعرض لاخبار العلاج و هي في الوسائل ج 18 باب 9

من أبواب صفات القاضي و غيره.


470
و التحقيق في الجمع بين الطائفتين هو ان نقول ان الرواية التي خالفت الكتاب‏

تكون مخالفتها على أنحاء ثلاثة الأول المخالفة بالتباين و الثاني المخالفة بالعموم‏

من وجه و الثالث المخالفة بالعموم و الخصوص المطلق:

فعلى هذا يحمل ما دل على ان المخالف زخرف و باطل على صورة كون‏

المخالفة معه بالتباين و هو المناسب لأمثال هذه التعابير فان الخاصّ بالنسبة إلى‏

العام و ما يكون نسبته العموم من وجه لا يناسب ان يقال انه زخرف و اما ما دل على‏

الترجيح بموافقة الكتاب فيحمل على المخالفة بالعموم من وجه أو بالعموم و الخصوص‏

المطلق.

و الشاهد لهذا الجمع هو العلم الإجمالي بتخصيص الكتاب بعدة من الروايات‏

و القول بأن المراد بالمخالف هو الأعم منه و من المباين و غيره لا يناسب هذا

العلم الإجمالي فليس كل مخالف زخرفا مضافا بان المخالفة الواقعية هي المخالفة

بالتباين:

فان قلت انها تصدق في غير مورد التباين أيضا قلت لا غر و في الحمل بواسطة

ما ذكرنا من الشاهد و لو لا هذا الجمع لم يبق لروايات الترجيح بالكتاب محل:

ثم ان شيخنا العراقي قده في المقام قال بان المخالفة مع الكتاب بالعموم‏

و الخصوص المطلق ليس مورد روايات الترجيح لوجود الجمع العرفي بين‏

العام و الخاصّ بل لا مخالفة في الواقع بل موردها صورة كون النسبة بين الرواية

و الكتاب العموم من وجه و يرد عليه ان المخالفة بالعموم من وجه حيث تكون‏

نادرة يكون الحمل من الحمل على الفرد النادر و الحق دخول العموم و الخصوص‏

المطلق أيضا في مورد روايات الترجيح بالكتاب و هذا كما إذا ورد روايتان متعارضتان‏

إحداهما مخالفة للكتاب بالعموم و الخصوص و الأخرى موافقة للكتاب مع كونها خاصة

بالنسبة إليه أيضا فهنا يقدم ما هو الموافق للكتاب على المخالف إذا لم يكن الترجيح‏


471
من ساير الجهات فما يقول قده من خروج العام و الخاصّ عن بحث اخبار الترجيح‏

بموافقة الكتاب غير وجيه:

هذا كله الجواب عن إشكال موافقة الكتاب و مخالفته و اما الجواب عن الإشكال‏

في موافقة العامة و مخالفتهم فعن شيخنا النائيني قده في الفوائد فانه قده قال ان الخبر

إذا كان فيه أمارة التقية يكون ساقط الجهة و لا تصل النوبة إلى ملاحظة الترجيح‏

بالنسبة إلى ساير المرجحات و اما اخبار الترجيح بمخالفتهم فهي في صورة عدم‏

وجود قرينة على صدور الرواية تقية فان صرف موافقتهم لا يكون أمارة التقية

لأن الأحكام المشتركة بيننا و بينهم كثيرة و هذا الجواب منه قده متين جدا و لم‏

أجد أحسن منه.

و لكن لتوضيح المقام نقول الاحتمالات في تقديم ما خالف العامة أربعة كما

ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري قده الأول ان يكون لمجرد التعبد كما هو ظاهر

كثير من اخباره و هو بعيد جدا و الثاني ان يكون لمخالفتهم موضوعية لمصلحة في‏

نفس المخالفة لنظام خاص في الشيعة يقتضى ترتيب أحكام المسلم من الطهارة و

غيرها عليهم و مخالفتهم في آرائهم.

و الشاهد له ما في مرسلة داود بن الحصين ان من وافقنا خالف عدونا و من‏

وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا و لا نحن منه و مثله رواية الحسين بن خالد

شيعتنا المسلمون لأمرنا الآخذون بقولنا المخالفون لأعدائنا فمن لم يكن كذلك‏

فليس منا فيكون حالهم حال اليهود الوارد فيهم قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم خالفوهم ما استطعتم‏

و فيه ان المخالفة هنا ليست بمعنى المخالفة في الفروع بل في أصول العقائد

مع قطع النّظر عن السند.

الثالث ان يكون الأمر بمخالفتهم للإرشاد بأن الرشد في خلافهم و الحق‏

يوجد بذلك كما في رواية علي بن أسباط ائت فقيه البلد و استفته في أمرك فإذا

أفتاك بشي‏ء فخذ بخلافه فان الحق فيه و خبر أبي إسحاق الأرجائي و فيه قول أبي‏


472
عبد اللّه عليه السّلام أ تدري لم أمرتم بالاخذ بخلاف ما يقوله العامة فقلت لا أدري فقال ان‏

عليا صلوات اللّه عليه لم يكن يدين اللّه بشي‏ء الا خالف عليه العامة إرادة لإبطال امره‏

إلخ فان الظاهر منه هو ان المخالفة تكون من جهة وجود الحق في الخلاف.

و فيه ان هذا الوجه في مقام المعارضة و ترجيح بعض الروايات على البعض‏

يفيد و اما في غير موردها فلا يمكن الالتزام به لكثرة الأحكام الموافقة لهم.

الرابع ان يكون المراد الحكم بصدور ما يوافقهم تقية و صدور المخالف عن‏

غير تقية و يدل عليه قوله عليه السّلام ما سمعته منى يشبه قول الناس ففيه التقية و ما سمعته‏

منى لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه و فيه ان ذات الموافقة في أي خبر كانت و لو

بدون المعارض لا توجب سقوط الرواية بل في مورد المعارضة فقط.

فإذا عرفت ذلك فنقول الاحتمال الأول و الثاني و هو التعبد و الموضوعية لا سبيل‏

إلى كونه من مرجحات الرواية و الاحتمال الثالث مر انه مختص بصورة معارضة

الخبر مع غيره و الاحتمال الرابع هو الّذي صار سببا لزعم شيخنا قده بان الأمر

بمخالفتهم يكون من جهة احتمال الصدور تقية و لا يثبت الصدور تقية ليسقط جهة

الرواية و لا قرينية له على الصدور كذلك بل الاحتمال موجب لترجيح المخالف‏

و مرجوحية الموافق،

فلا إشكال على المقبولة التي فيها بيان المرجحات من صفات الراوي ثم الشهرة

ثم موافقة الكتاب ثم مخالفة العامة بوجه.

الأمر الرابع في البحث عن الشهرة

اعلم ان الشهرة في الجملة قد اشتهرت بأنها جابرة لضعف الرواية التي‏

لا معارض لها و كاسرة لقوتها إذا كانت الصحيحة مخالفة للمشهور و هكذا الشهرة في‏

الجملة من المرجحات.

و التوضيح لذلك يقتضى بيان أقسام الشهرة الأول الشهرة الروائيّة و الثاني‏


473
الشهرة العملية الاستنادية و الثالث الشهرة الفتوائية التوافقية يعنى الفتوى توافق‏

مع مضمون رواية ضعيفة من دون إحراز الاستناد.

فاما الروائيّة و المراد منها هو ان يكون نقل الرواية في الكتب المتقدمة

المعتبرة كالكافي و التهذيب و الاستبصار و من لا يحضره الفقيه كثيرا أو أكثر من غيرها

و لا اعتبار بكثرة1النقل في الكتب المتأخرة يعنى الوسائل و البحار و المستدرك‏

و الوافي.

فإذا كان كذلك فالمشهور هو ان هذا النحو من الاشتهار الروائي يوجب‏

جبر ضعف رواية واحدة و يوجب ترجيح الخبر المتعارض مع غيره و لكن فيه بحث‏

و هو ان اعتبار الرواية إذا كان من جهة حصول الوثوق و الاطمئنان أو مطلق الظن‏

بالصدور فلا شبهة في حصوله بهذا النحو من الشهرة و اما ان كان المدار على كون‏

الخبر عن العادل كما نسب إلى الأردبيلي فكثرة النقل لا توجب حصول هذا الشرط،

و هكذا لو كان المدار على الظن الحاصل من خبر العادل لا على مطلق الظن‏

فان الظن بالصدور و ان كان حاصلا و لكن ليس هذا من خبر العادل و لكن التحقيق‏

هو ان المدار في الخبر هو الوثوق بالصدور من أي طريق حصل و الشهرة توجيه،

و اما الشهرة العملية الاستنادية فلا شبهة عندهم في انها جابرة لضعف رواية

واحدة و موجبة للترجيح في التعارض لأن جمعا كثيرا من العلماء في صدر الإسلام‏

إذا استندوا إلى رواية يكون في سندها الضعف نفهم وجود قرينة عندهم على صحة

1أقول المراد بالشهرة الروائيّة هو ان يكون نقل الرواية عن المعصوم عليه‏

السلام بطرق متعددة و نقل رواية بطريق واحد و ان كان في الف كتاب لا يفيد شهرتها لأنه‏

تكرار في النقل.

و لا فرق من هذه الجهة بين كون النقل في كتب القدماء أو المتأخرين فانهم أيضا

لا ينقلون الا عن كتب القدماء كما لا يخفى.


474
الرواية لأنهم مهرة الفن و عدول لا شبهة في عدم الإفتاء على طبق ما لا يكون تاما عندهم‏

و هكذا انهم إذا لم يفتوا على طبق رواية صحيحة بل أفتوا بخلافها نعلم عدم تمامية

الرواية و وجود خلل في جهتها لا نعلمه.

هذا في الشهرة الاستنادية عند القدماء و اما الشهرة كذلك عند المتأخرين فقد

أشكل فيها من حيث كونها كاسرة الرواية صحيحة و لكن لا يكون فيها الإشكال‏

أيضا من جهة ان الرواية الصحيحة إذا كانت و لم يفتوا على طبقها نعلم وجود خلل‏

فيها و الإشكال بأنه من الممكن عدم رؤيتهم لتلك الرواية غير وجيه لأنهم أيضا كانوا

أهل الفحص و من البعيد جدا ان لا يجد بعضهم الرواية،

فما عن بعض المعاصرين من الاعلام من عدم جبر الشهرة لوهن الرواية و عدم‏

كسر الصحيحة بها ان كان المراد به هذا النحو من الشهرة غير وجيه جدا نعم إذا

كان حكم من الأحكام مشهورا عند القدماء و خالفه المتأخرون من جهة وهن الدلالة

عندهم فهذا يمكن الالتزام به كما في مسألة نجاسة البئر فان القدماء إلى زمن العلامة

قده كانوا يحكمون بالنجاسة لعدم تمامية دلالة الرواية عندهم لا سندها و العلامة خالفهم في‏

الدلالة من جهة استظهاره من الرواية ان ماله المادة لا ينجس و البئر منه و بحثنا ليس‏

في هذا بل في الرواية من جهة السند.

ثم ان النسبة بين الشهرة الفتوائية و الروائيّة العموم من وجه لأنه من الممكن‏

شهرة الرواية من جهة النقل و عدم شهرتها من جهة الفتوى و من الممكن أيضا

شهرة الرواية من جهة الفتوى دون النقل و ربما يكون المشهور رواية مشهورا من‏

حيث الفتوى.

و اما الشهرة الفتوائية المحضة فان كانت عن القدماء فالمشهور انها كاسرة

لرواية صحيحة مخالفة لأنهم لقرب عهدهم بالأئمة عليهم السّلام كانوا اعلم بجهة الروايات و

من البعيد عدم رؤيتهم لصحيحة مخالفة لهم مع مهارتهم في الفن و احتمال كون‏

سندهم قاعدة مغروسة في أذهانهم لا ضعف الرواية من حيث الجهة بعيد أيضا بعد عدم‏


475
ذكرها في كلامهم مع انه أي قاعدة تقاوم الصحيحة؟!

و اما جابرية هذا النحو من الشهرة لرواية ضعيفة في المقام مع عدم استنادهم‏

بها فليست بهذا النحو من الوضوح و لكن يمكن ان يقال بعد عدم ذكرهم سند حكمهم‏

مع وجود هذه الرواية الضعيفة لا يبعد كونها سند الهم و احتمال وجود صحيحة

بمرآهم لم نجدها بعيد:

لا يقال مقتضى عدالتهم عدم فتواهم بلا سند و اما كون السند الرواية الضعيفة

فلا لأنا نقول بعد عدم ذكرهم للسند مع كون دأبهم ذكر أدلتهم يبعد وجود رواية غيرها

لم يذكروها:

و الإنصاف هو الفرق بين وجود قاعدة مغروسة يمكن ان تكون سندا لفتواهم‏

و عدمها فعلى الأول لا تكون الشهرة جابرة لرواية ضعيفة يحتمل ان تكون هي‏

سندهم بعد وجود القاعدة و احتمال كونها هي السند لا الرواية و على الثاني فحيث‏

لا يكون لهم فتوى بلا سند و لا نجد سندا غير الرواية الضعيفة فينجبر الضعف بها.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الشهرة جابرة و كاسرة روائية أو استنادية

أو تطابقية و لكن في الثالثة تفصيل في خصوص كونها جابرة و هو عدم جبرها مع‏

وجود قاعدة مغروسة و جبرها مع عدمها.

هذا كله في البحث عن الشهرة بالنسبة إلى رواية لا معارض لها و اما الرواية

التي لها المعارض فلا بد من البحث في انها هل توجب الترجيح أم لا،

و حاصل الكلام هو ان الشهرة الروائيّة تكون من المرجحات لقوله عليه السّلام‏

خذ بما اشتهر بين أصحابك و الظاهر منها الشهرة الروائيّة فقط و اما الشهرة الفتوائية

سواء كانت استنادية أو تطابقية فصيرورتها مرجحة متوقفة على التعدي عن المرجحات‏

المنصوصة إلى غيرها و على التعميم من جهة كون المرجح داخليا أو خارجيا لأن‏

الشهرة كذلك تكون من المرجحات الغير المنصوصة الخارجية،

فمن قال بالتعدي و التعميم فله ان يقول بترجيح الرواية بالشهرة كذلك و


476
من لا يتعدى عن المنصوص كالمحقق الخراسانيّ قده أولا يقول بالتعميم فليست‏

الشهرة كذلك من المرجحات عنده،

و الشيخ الأعظم قده يقول بان الشهرة على طبق رواية لا توجب الضعف في‏

المعارض لها و لكن يرد عليه ان المدار لو كان على قوة الظن فتوجب الشهرة

الترجيح لقوته في الموافق معها نعم على فرض عدم كون المدار على الظن في الرواية

و كون المدار على العدالة أو الظن الّذي يكون من خبر العادل لا تفيد الشهرة شيئا.

و لكن حيث ان التحقيق هو كون المدار على الظن و الوثوق و التعدي من‏

المرجحات المنصوصة إلى مطلق المرجح فلا إشكال في تقديم ما هو المشهور.

الأمر الخامس‏

و هو الختام في ان الأصل مثل الاستصحاب و البراءة ليس من المرجحات و

العجب عن المتوهم لذلك و ان الموافقة مع ذلك أيضا توجب قوة الظن فهو المرجح‏

لأن المدار في الروايات ليس على مطلق الظن بل على الظن المعتبر و من المعلوم‏

عدم اعتبار للأصل بعد وجود الأمارة فلا اعتبار بالموافقة معه لأنه ظن غير معتبر،في‏

صورة وجود الأمارة.

نعم هو المرجع بعد سقوط الخبرين بالتعارض و المرجعية غير المرجحية

و من هنا ظهر انه لا وجه للكلام عن الظنون الغير المعتبرة عند الشرع من جهة كونها

مرجحة و لو لم تكن حجة في ذاتها كالظن الحاصل من القياس لأنه بعد عدم اعتباره‏

في عرض الأمارة لا اعتبار به مع الردع عنه مسلما فلا وجه لإطالة الكلام فيه و ان تعرض‏

له الشيخ قده و أطال الكلام فيه.

فتحصل ان الأصل و الظنون الغير المعتبرة لا يوجب الترجيح لرواية على أخرى هذا تمام‏


477
الكلام فيما أردناه في البحث عن الاستصحاب و التعادل و الترجيح و قد

وقع الفراغ عن تقرير بحث الأستاذ مد ظله و عن تذييلاته و تعليقاته بيد مؤلفه‏

العبد أقل خدمة العلم محمد علي الإسماعيل پور الأصفهاني(الشهرضائي)

القمي ابن المرحوم نصر اللّه بن عباس عفى اللّه تعالى عن جرائمهما

و الحمد للّه أولا و آخرا و صلى اللّه على النبي الخاتم محمد

و آله الأبرار الأخيار روحي لهم الفداء و عليهم‏

السلام في سنة 1396 من الهجرة النبوية على‏

هاجرها آلاف التحية و الثناء في‏

الحوزة المنورة العلمية ببلدة

قم صانها اللّه عن كل ما

يحذر و يخاف‏