فهرست عناوين
مجمع الافكارومطرح الانظار ج 5

1

3
فهرست عناوين
     الجزء الخامس‏3
     خاتمة في الاجتهاد و التقليد و البحث فيه في فصول‏4
     الفصل الأول في معنى الاجتهاد4
     الفصل الثاني في الإطلاق و التجزي في الاجتهاد6
     و لكل منهما جهات من البحث‏6
     في جهات البحث في المطلق‏6
     الجهة الأولى‏6
     الجهة الثانية7
     الجهة الثالثة في ان المجتهد الانسدادي يجوز تقليده أم لا؟18
     الجهة الرابعة12
     في جهات البحث في المتجزي‏14
     الجهة الأولى في إمكانه‏14
     الجهة الثانية في ان المتجزي هل له ان يعمل برأيه أم يجب عليه التقليد15
     الجهة الثالثة16
     الجهة الرابعة17
     فصل في مبادئ الاجتهاد18
     فصل في التخطئة و التصويب‏20
     فصل في تبدل رأي المجتهد26
     و اما إذا علم التبدل فالبحث فيه في جهات‏28
     الجهة الأولى‏28
     الجهة الثانية29
     الجهة الثالثة31
     في مقتضى القاعدة الثانوية في تبدل الرّأي‏31
     في التفصيل في حكم تبدل الرّأي‏33
     في وجوب إعلام المجتهد اضمحلال رأيه لمقلده‏35
     فصل في مباحث التقليد37
     تذييل‏42
     مسألة43
     مسألة في تقليد الأعلم‏44
     المرحلة الثانية في الدليل الاجتهادي‏ على الرجوع إلى الأعلم‏50
     و ينبغي التنبيه على أمور56
     الأمر الأول في حكم صورة عدم العلم بالاختلاف تفصيلا56
     الأمر الثاني في ان المجتهدين إذا كانوا متفقين في الفتوى مع فرض التفاضل‏62
     الأمر الثالث إذا لم يكن التفاضل بين المجتهدين من حيث العلم‏63
     الأمر الرابع فيما إذا دار الأمر بين الأعلم و الأورع‏64
     الأمر الخامس في ان الأعلم هل له إرجاع مقلده إلى غير الأعلم أم لا65
     الأمر السادس المعروف انه يشترط في المفتي أمور أخر67
     مسألة في العدول من الحي إلى الحي‏72
     و ينبغي التنبيه على أمور78
     الأول هل يجوز التبعيض في التقليد في مسألة واحدة78
     الأمر الثاني ان الحصص من الطبيعي يجوز التبعيض فيها79
     الأمر الثالث في ان العدول عن الاحتياط هل هو عدول غير جائز80
     الأمر الرابع‏82
     فيه جهات من البحث.82
     الجهة الأولى في وجوب الفحص‏82
     الجهة الثانية82
     الجهة الثالثة83
     الأمر الخامس‏84
     الأمر السادس‏85
     الأمر السابع في حكم عمل العامي بلا احتياط و لا تقليد86
     فصل في اشتراط الحياة في المفتي‏88
     البحث في جواز البقاء على تقليد الميت و عدمه‏95
     فنقول و ينبغي التنبيه على أمور99
     الأول‏99
     الأمر الثاني‏102
     الأمر الثالث‏104
     الأمر الرابع‏105
     الأمر الخامس‏107
     الأمر السادس‏108
     الأمر السابع‏108
     الأمر الثامن‏111
     الأمر التاسع‏112
     الأمر العاشر113
     بقي في المقام تتمة115
     فصل فيما يتعلق بالاحتياط116
     مسألة116
     مسألة في تقليد الأجير و الوكيل و الوصي‏118
     الكلام في قاعدة اللاضرر و لا ضرار في الإسلام‏121
     الجهة الأولى البحث في الروايات‏ التي تكون سند هذه القاعدة121
     الجهة الثانية في البحث عن أن هذه الرواية هل تكون مذيلة126
     الجهة الثالثة في بيان فقه الأحاديث‏127
     ثم ينبغي التنبيه على أمور137
     الأول‏137
     الأمر الثاني‏138
     الأمر الثالث‏140
     الأمر الرابع‏148
     الأمر الخامس‏151
     الأمر السادس‏152
     الأمر السابع‏154
الجزء الخامس‏
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين‏

الطاهرين و اللعن على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

اما بعد فيقول العبد الفاني محمد علي الإسماعيل پور الأصفهاني القمشه‏إي‏

القمي ابن نصر اللّه غفر اللّه تعالى ذنوبهما ان ما بين يديك من الكتاب هو المجلد

الخامس من كتاب مجمع الأفكار و مطرح الأنظار تقريرات بحث شيخنا العلامة

المحقق المدقق آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي النجفي أدام اللّه تعالى‏

ظله الشريف مرجعا و ملاذا للعلم و أهله و للإسلام و المسلمين مع تنظيم و تنقيح منّي‏

بعد بيان ما ادى إليه النّظر في تذييلاته بقدر المجال.

و فيه يبحث عن قاعدة نفى الضرر و الضرار في الإسلام و عن الاجتهاد

و التقليد و هذان البحثان من المباحث المهمة المفيدة سواء كانا من مباحث علم‏

الفقه أو من مباحث علم الأصول و قد دون ذلك بعض الأعاظم مثل المحقق الخراسانيّ‏

في الأصول في كتابه المسمى بالكفاية في حد من الاختصار خصوصا في قاعدة

اللاضرر.

و لا بد من الدقة فيهما فان قاعدة نفى الضرر قاعدة ربما تزل القدم في تطبيقها

على الموارد و ملاحظة نسبتها مع غيرها من الأدلة الأولية أو الثانوية فإذا فرض‏


4
كون الفقر مثلا ضرريا لا ينفى بها و لا يتبع ما يتوهم انه لازمه و هو أخذ المال عينا

أو منفعة من الغنى لأن مفادها النفي لا الإثبات و لأنها قاعدة امتنانية للنوع لا للشخص‏

فقط كما ان قاعدة نفى الحرج أيضا كذلك و لم يعهد في هذا الباب من الإسلام‏

الا جعل حق للفقراء بجميع شئون فقرهم في مسكنهم و ملبسهم و مأكلهم من الخمس‏

و الزكاة و الكفارات و أمثال ذلك و غاية أمرهم بيد ولى المسلمين كما ان بحث‏

الاجتهاد و التقليد فيه مسائل دقيقة لطيفة كما لا يخفى عن أهل الفن و لا يكون البحث‏

في الأصول عنه الا في كلياته و كيف كان فلنشرع في أصل المطلب.

خاتمة في الاجتهاد و التقليد

و البحث فيه في فصول‏

الفصل الأول في معنى الاجتهاد
فقد اختلف التعابير في معناه فقيل انه في اللغة

عبارة عن تحمل المشقة و اصطلاحا هو استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم‏

الشرعي و قيل انه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي و أساتيذنا

قالوا انه استفراغ الوسع لتحصيل الحجة الشرعية.

و أقول انه لا يخفى عليكم ان المراد بالمجتهد في اصطلاح الفقهاء و الأصوليين‏

ليس من يصدق عليه في اللغة انه اجتهد و سعى فهو مجتهد و الا لزم ان يشمل عنوان‏

المجتهد لمن هو كذلك في مبادئ استنباط الأحكام مثل من اجتهد في علم النحو

فقط أو الصرف أو المنطق و صار صاحب رأى و نظر.

بل المراد بالمجتهد هو من عرف الحلال و الحرام عن الأدلة الشرعية و هو

الموضوع لجواز تقليده كما يكون التعبير كذلك في الروايات بأنه من عرف حلالنا

و حرامنا فليرضوا به حكما و هذا المعنى الّذي هو موضوع جميع الآثار لا ينطبق عليه‏

التعاريف المتقدمة في الاصطلاح.


5
لأن من يكون و أصلا إلى درجة الاجتهاد و حصل له القوة أو الملكة و لم‏

يستنبط الأحكام بمقدار معتنى به لا يصدق عليه العارف بالاحكام لأن صرف القوة

لا يكفى لكونه من أهل الذّكر الّذي يكون الأمر بالرجوع إليه و هكذا من استفرغ‏

الوسع في بعض غير معتنى به لا يصدق عليه العارف كذلك فالتعبير بأنه استفراغ‏

الوسع لتحصيل الظن أو لتحصيل الحجة غير تام لأن تحصيل الوظيفة أيضا يكون كافيا

فمن كان له ملكة الاجتهاد و استنبط مقدارا معتنى به من الأحكام بحيث يصدق‏

عليه انه عارف بالحلال و الحرام عن الأدلة التفصيلية فهو المجتهد الّذي يكون له‏

الفتوى و الحكم بين الناس و الكلام في ان العرفان بجميع الأحكام هل يحصل‏

لشخص أم لا سيأتي في البحث عن الاجتهاد المطلق و التجزّي.

و على ما ذكرناه لا فرق بين ان يكون السند له الآية أو الرواية أو أصل من‏

الأصول المحرزة كالاستصحاب أو أصل غير محرز كالبراءة فانه و ان لم يكن له‏

علم بالحكم في صورة إجرائه البراءة لكنه عارف بالحكم و الوظيفة من هذا الوجه‏

و لا يخفى ان النزاع بين الأخباريّ الّذي يقول لا معنى للاجتهاد و السند هو

الرواية و الأصولي الّذي يقول لا بد من الاجتهاد لا يرجع إلى محصل لأن فهم الحكم‏

من الاخبار أيضا اجتهاد و تحصيل لعرفان الحلال و الحرام و تحصيل للوظيفة

المقررة في الشرع الأنور فلا بدّ من تحصيل الوظيفة من الاخبار و من الأصول‏

العملية.

و في هذا الطريق ربما يوافق نظر بعض الأصوليين مع الاخباري كما ان‏

بعض الأصوليين لا يقول بجريان البراءة في الشبهات الحكمية استنباطا من الدليل‏

وفاقا للأخباري فتحصيل الحجة من أي طريق شرعي كان يوجب العرفان بالحلال‏

و الحرام حتى إذا كان سند المجتهد حجية الظن المطلق لكونه انسداديا على الحكومة

في باب الانسداد فانه حينئذ يكون حاكما بالحكم على طبق الانسداد من سبيل‏

العقل فقط و هو انه إذا رأى عدم كون الإنسان كالبهائم و انه مكلف بتكاليف من الشرع‏


6
و لا بد له اتباعه فيحكم بحجية الظن بعد كون الاحتياط عسريا.

فحكم العقل أيضا من هذا الباب أو من باب آخر متبع عن المجتهد و انه‏

الرسول الباطني و اما الانسداد على الكشف فهو ينتج كشف حكم الشرع بدليله‏

و ليس من الحكم العقلي المحض.

و الحاصل سواء كان الدليل العقل أو الشرع يكون رأي المجتهد حجة

لنفسه و لمقلديه و هو خبرة الدين فلا بدّ من الرجوع إليه من حيث هو الخبرة

و لا يسأل المقلد عن دليله تفصيلا كما ان ساير الخبراء أيضا كذلك.

الفصل الثاني في الإطلاق و التجزي في الاجتهاد

و لكل منهما جهات من البحث‏
في جهات البحث في المطلق‏
الجهة الأولى‏
في البحث عن إمكان حصول‏

الاجتهاد المطلق و عدمه فانه ربما قيل ان الاجتهاد المطلق لا يمكن تحصيله لكثرة

الأحكام الشرعية في جميع أبواب الفقه مضافا بأنه ربما يتوقف على علوم لا يعلمه‏

المجتهد كمعرفة أول الشهر في الصوم مثلا و معرفة القبلة في الصلاة فان المجتهد

محتاج إلى الهيئة و النجوم و ليس عارفا بذلك.

و لكن يمكن ان يقال في الجواب عنه ان المراد بالمجتهد ليس من استنبط

جميع الأحكام بالفعل حتى يقال لم يتفق ذلك لأحد لكثرة الفروع بحيث‏

لا تحصى بل المراد به من استنبط مقدارا معتنى به مع وجود القوة على استنباط حكم‏

كل مسألة احتاج إلى استنباطه و اما عدم علم بعض المجتهدين بالهيئة و النجوم فلا يضر

بإطلاق الاجتهاد لأن المجتهد في رد الفروع على الأصول يرجع إلى الخبرة في‏

تطبيق الحكم على الموضوع فهو يستنبط ان القبلة حسب الدليل الشرعي في مكان‏

كذا يكون كذا مثل كون الجدي خلف المنكب في بعض الأمكنة و عدمه في بعض‏

آخر أو يجب الصلاة بعد الزوال أو يجب الصوم في أول شهر رمضان إلى آخره و في‏

تعيين القبلة الزوال و أول الشهر و آخره يرجع إلى الخبرة في ذلك في مقام التطبيق‏


7
و الحاصل ان الفقيه يكون شأنه بيان الأحكام و كل علم يكون دخيلا في‏

فهم الحكم كعلم الأصول و غيره لا بد من الاجتهاد فيه و اما ما لا دخل له فيه مثل‏

الهيئة و النجوم فيرجع إلى الخبرة في هذا الفن كما يرجع في فهم ان العصير بعد

الغليان هل حصل التثليث فيه ليصير حلالا أم لا ليكون حراما إلى الخبرة في هذا

الفن و هكذا غيره من الموضوعات.

مضافا بأن بعض العلماء مثل العلامة و الشهيدين و البهائي و المحقق من العلماء

بالهيئة أيضا فأمثالهم لا يكون الإشكال في إطلاق اجتهادهم نعم من كان قاصرا في‏

مقدمات الاستنباط مثل عدم كون المجتهد خبرة في المسائل الأصولية الدقيقة فهو

امر آخر فان بعضهم يفتى بجواز البقاء على تقليد الميت و لكن لا يمس ذهنه إلى‏

ان تنجيز رأي المجتهد لمقلديه جهة تعليلية أو تقييدية و يأتي الكلام في جواز تقليده‏

و عدمه مع عدم علمه بما هو من مقدمات استنباطه.

و اما ما يرجع إلى التطبيقات فيرجع إلى الخبراء كما في ساير الموارد فتحصل‏

من جميع ما تقدم ان الإطلاق في الاجتهاد ممكن و لا إشكال فيه.

الجهة الثانية
في ان المجتهد المطلق هل يجوز له تقليد غيره بأن لا يستنبط

الأحكام أو يجب عليه الاستنباط فيه خلاف و الحق عندنا هو انه إذا كان مقدمات‏

الاجتهاد من الكتب الموضوعة لهذا الفن في يده و لا يكون له اشتغال بما هو أهم‏

يجب عليه الاستنباط لأن دليل جواز التقليد سواء كان الفطرة العقلائية أو العقل‏

أو الروايات يكون موضوعه الجاهل بالحكم و من لا يكون جاهلا و له طريق العلم‏

لا يكون موضوعا لهذا الدليل و الأصل يقتضى عدم حجية رأى أحد على أحد.

لا يقال هذا في المجتهد الّذي يكون رأيه انفتاح باب العلم أو العلمي يصح‏

و اما المجتهد الانسدادي فهو مثل الجاهل لأن عقيدته عدم طريق له للعلم بالاحكام‏

فلا إشكال في رجوعه إلى من يكون انفتاحيا.

لأنا نقول ان المجتهد إذا كان انسداديا أيضا يكون عالما بالوظيفة مثل‏


8
الانفتاحي الّذي لا سند له الا أصالة البراءة من الأصول الغير المحرزة فكما انه عالم‏

بالوظيفة و ان كان جاهلا بالحكم كذلك الانسدادي في المقام مضافا بان الانسدادي‏

يرى الانفتاحي جاهلا فكيف يرجع إليه و العلم بالواقع ربما لا يحصل لمن قامت‏

عنده الأمارة لخطاء الراوي في الواقع في روايته.

و لذا نقول انه لا يكون للمجتهد الّذي أفتى بالاحتياط ان يرجع مقلديه إلى غيره‏

لأنه بعقيدته رأى وجوب الاحتياط من باب العلم الإجمالي و يرى رأى غيره و فتواه‏

في ذلك مخدوشا و ان أفتى جزما فكيف يمكن ان يرجع مقلده إلى من هو جاهل‏

عنده و هذا الكلام يعنى إرجاع الاحتياط إلى الغير و ان كان مشهورا عند الفقهاء

و لكن لا أصل له بهذا الدليل.

نعم إذا كان احتياط المجتهد الأعلم من باب عدم استنباطه الحكم لكثرة

اشتغاله أو لوجوه أخر فله ان يرجع مقلده إلى من حصل العلم في ذلك فالانسدادي‏

و الاحتياطي يلزمه العمل برأيه لا رأى غيره.

الجهة الثالثة في ان المجتهد الانسدادي يجوز تقليده أم لا؟1

1أقول ان الّذي يلزم التوجه إليه في المقام هو ان المجتهد الانسدادي‏

يكون نظره بعد العلم الإجمالي بالاحكام و عدم إمكان كوننا كالبهائم و عدم الاحتياط

لكونه عسريا إلى ان ما بأيدينا من الآيات و الروايات متواترة كانت أو آحادا

و موارد الإجماعات لا يفي لانحلال العلم الإجمالي فما لم يصل فيه دليل خاص يكون‏

الظن المطلق حجة فيه على فرض كون نتيجة مقدمات الانسداد الحكومة لا الكشف.

و لكن الانفتاحي يقول ان ما بأيدينا مما ذكر واف لانحلال العلم الإجمالي و

فيما لم يصل إلينا فيه دليل خاص فالأصل يقتضى البراءة فالفرق بين الانسدادي‏

و الانفتاحي يحصل بان سند أحدهما البراءة و سند أحدهما الظن و الانسدادي عارف‏

بكل ما علمه الانفتاحي فكيف يقول المحقق الخراسانيّ قده و غيره ان الانسدادي‏

جاهل و لا رجوع إلى الجاهل و يقول بالرجوع إلى البراءتي مع انه أيضا جاهل‏

بهذا المعنى فكما ان البراءتي يخطأ الانسدادي في رأيه فكذلك الانسدادي يخطئ‏


9
قال المحقق الخراسانيّ قده بما حاصله هو عدم جواز تقليد الانسدادي لأن‏

دليل جواز التقليد هو ان الجاهل يرجع إلى العالم بحكم العقل و العقلاء و الروايات‏

و الانسدادي حيث يكون جاهلا يكون رجوع الغير إليه من رجوع الجاهل إلى الجاهل.

بل كان سيدنا الأستاذ الأصفهاني قده يقول لا يرجع إلى المجتهد الّذي‏

سنده البراءة لأنه أيضا جاهل و مقدمات الانسداد توجب حجية الظن لنفس الانسدادي‏

و لا توجب تعيين وظيفة البشر.

مضافا بان الانسدادي يكون باب العلم منسدا عنده و لكن المقلد لا يكون‏

كذلك مع وجود الانفتاحي فانه يرجع إليه و ربما1لا يحصل له العلم الإجمالي‏

بالاحكام و التحير الّذي يكون من مقدمات الانسداد.

قال قده فان قلت رجوعه إلى المجتهد الّذي يكون سنده الأصل أيضا يكون‏

من رجوع الجاهل إلى الجاهل قلت حيث لا يمكن للمقلد ان يفهم عدم الدليل الا

الأصل و هو عاجز عنه يبين المجتهد مورد جريان الأصل فيكون هذا من رجوع‏

الجاهل إلى العالم في هذا القدر من العلم هذا كلامه فقها و أصولا فأقول ان التحقيق‏

خلاف ما ذكره و بيانه هو ان الموضوع لجواز التقليد كما مر يكون المجتهد

الّذي يكون عارفا بالاحكام و العارف بالحكم يصدق بالنسبة إلى من استنبطه من‏

الروايات لما ورد من قولهم عليهم السلام أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا2و قوله‏

البراءتي في رأيه.

فكل ما قيل في الرجوع إلى البراءتي يقال في الرجوع إلى الانسدادي فلا

يكون في الرجوع إلى الثاني كثير إشكال و لا في تقليده غرابة و امتناع فاحفظ هذا

فانه مفيد للمقام في دفع الإشكال.

1أقول مع الغمض عن ساير الإشكالات لا يرد هذا الإشكال لأن العلم الإجمالي‏

للمقلد لا يلزم ان يحصل فلو قلنا بجواز تقليده يجب عليه العمل بفتوى الانسدادي‏

و لو لم يحصل له علم إجمالي و سيجي‏ء الجواب عن ساير الإشكالات منه مد ظله.

2في الوسائل ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 27


10
في رواية عبد الأعلى مولى آل سام يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه بعد قوله عليه السلام امسح على المرارة (1)

و تقريب الاستدلال هو ان عرفان معاني كلماتهم يوجب الأفقهية و العلم يحصل‏

بملاحظة كتاب اللّه تعالى و من المعلوم ان الاخبار عنهم عليهم السلام الا ما شذ

كالمتواتر يكون ظني السند و الدلالة و هكذا الكتاب قطعي السند كالمتواتر

و لكنه ظني الدلالة فلا يوجب أحدهما القطع و العلم الوجداني الا قليلا.

و بعبارة أخرى ان حجية الأمارات اما ان تكون من باب تتميم الكشف كما

هو التحقيق أو من باب تنزيل مؤداها منزلة الواقع كما هو رأى الشيخ الأعظم‏

أو من باب جعل الحجية كما عن المحقق الخراسانيّ قده و على أي تقدير

لا توجب العلم الوجداني بل لنا العلم بوجود الحكم الطريقي إلى الواقع و انه ربما

يوصل إلى الواقع و ربما لا يوصل إليه.

فإذا عرفت ذلك فنقول العلم بالحجة و الوظيفة أيضا علم لأن العرفان إذا

صدق على ما لا يكون عرفانا في الواقع فنقول بتوسعة صدقه على غيره فعلى هذا

المجتهد الانسدادي و الّذي يكون سنده البراءة يكون عالما و ليس الرجوع إليه من‏

رجوع الجاهل إلى الجاهل بل من رجوع الجاهل إلى العالم و ما فهمه الانسدادي‏

يكون وظيفته و وظيفة البشر فمع كونه اعلم لا بد من الرجوع إليه لا إلى غيره‏

و ليس لأحد ان يقول لا يرجع إلى المجتهد الأعلم.

فعلى هذا يكون باب العلم منسدا للمقلد أيضا لأنه لا بد من الرجوع إلى‏

الانسدادي نعم إذا كان الانفتاحي و الانسدادي متساويين فيكون له الرجوع إلى‏

الانفتاحي فما ذكره المحقق الخراسانيّ قده من ان ما ادى إليه حجته يكون وظيفة

لنفسه لا للبشر لا يخلو عن الإشكال.

ثم من هذا الوجه قال قده بما حاصله هو انه ان أشكل على هذا و قيل بأن‏

1)في الوسائل ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء ح 5

11
من كان سنده الأصل أيضا يكون جاهلا مثل الانسدادي قلنا بأن المجتهد مبين‏

لموارد جريان الأصول و عارف بعدم الدليل في المقام و المقلد عاجز عن ذلك‏

فيكون من رجوع الجاهل إلى العالم.

و أقول نحن كما مر نقول ان العرفان في الروايات الدالة على ان الرجوع إلى‏

من عرف حلالهم و حرامهم جائز يكون أعم من العرفان بالحكم بواسطة القطع‏

أو الظن المعتبر أو الوظيفة و موارد الأصول المحرزة و غيرها عرفان لحكم اللّه تعالى‏

في المورد.

و لذلك ترى ان الأصول المحرزة مثل الاستصحاب يكون مقدما على الأصل‏

غير المحرز مثل البراءة و السر في ذلك صدق العرفان الّذي هو غاية في لسان‏

دليل البراءة مثل قوله عليه السلام كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه فالعرفان‏

يكون أعم من العرفان الوجداني بالواقع الواقعي أو الواقع التعبدي أو العلم التعبدي‏

بالواقع الواقعي كما ان التحقيق في الاستصحاب هو ان لسان الدليل يفهم منه تنزيل‏

الشك منزلة العلم فكأنه يقال أيها الشاك أنت عالم.

كما ان مبنى الشيخ الأعظم هو العكس بتنزيل المشكوك منزلة المتيقن‏

فالعلم الوجداني يكون عنده حاصلا بالواقع التعبدي كما ان رأيه كذلك في باب‏

الأمارات في قوله بتنزيل مؤداها منزلة الواقع خلافا لما نقول من تتميم الكشف‏

و هذا شأن كل دليل أوّلي مع الدليل الثانوي فان الاقتداء بمن هو عادل واقعا

هو الظاهر من الدليل و لكن لسان دليل الاستصحاب يوسع الواقع فان جوازه‏

يكون بالنسبة إلى مستصحب العدالة أيضا فتحصل من جميع ما تقدم ان الأمارات‏

و الأصول المحرزة تكون نازلة منزلة العلم على ما فهمنا من الأدلة.

و الأصول الغير المحرزة أيضا حيث يوجب بيان وظيفة المتحير يمكن ان‏

يكون العارف به عارفا بالحجة و الوظيفة و يكون مصداق من عرف حلالهم و حرامهم‏

فلا إشكال في الرجوع إلى المجتهد الانسدادي و من يكون سنده البراءة خلافا


12
لسيدنا الأستاذ الأصفهاني قده في خصوص الرجوع إلى المجتهد الّذي سنده البراءة

أو الّذي يكون انسداديا.

بقي في المقام إشكال و هو ان المقلد الّذي يريد الرجوع إلى الأصل الّذي‏

نقّحه المجتهد و هو البراءة لا يكون شاكا في بعض الأوقات لغفلته فكيف يصير

الحكم شاملا له و الجواب عنه بالنقض و الحل اما النقض فهو ان المقلد في باب‏

الأمارات أيضا لا يكون شاكا مع كون موردها الشك فكيف تشمله و اما حلا فنقول‏

في الموضوعات يكون الشك الفعلي هو اللازم للمقلد في كونه مصداق الحكم و اما

في الأحكام فالشك التقديري كاف بمعنى كفاية انه لو التفت لشك فيها.

و المجتهد وكيل عن قبل المقلد بمقتضى ما دل على الرجوع إلى العارف‏

بالاحكام و قبول قوله من دون فحص فالمجتهد المطلق مرجع في الفتوى مطلقا.

الجهة الرابعة
في نفوذ حكم المجتهد المطلق و قضائه فنقول لا شبهة و لا ريب‏

في عدم نفوذ حكم المقلد بين الناس لأن منصب القضاوة حسب الروايات يكون‏

لمن هو منصوب من قبلهم عليهم السلام و يكون عارفا بأحكامهم و اما المجتهد المطلق‏

فلا شبهة في جواز حكمه كجواز تقليده إذا كان ممن يرى انفتاح باب العلم و اما إذا

كان انسداديا ففيه الكلام.

و الدليل عليه ما ورد من الروايات كرواية أبي خديجة1و المجتهد المطلق‏

هو الّذي يصدق عليه انه ممن روى حديثهم عليهم السلام و نظر في حلالهم و حرامهم عليهم السّلام‏

و عرف أحكامهم عرفا.

و كمقبولة عمر بن حنظلة ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر

1في الوسائل ج 18 في باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 6 عن‏

أبي خديجة قال:بعثني أبو عبد اللّه عليه السلام إلى أصحابنا فقال:قل لهم إياكم إذا

وقعت بينكم خصومة أو تدارؤ في شي‏ء من الأخذ و العطاء ان تحاكموا إلى أحد

من هؤلاء الفساق اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا فانى قد جعلته‏

عليكم قاضيا و إياكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر.


13
في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما

فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم اللّه و علينا رد و الراد علينا الراد

على اللّه و هو على حد الشرك باللَّه الحديث‏ (1)

فان قلت ان الفقرة في هذه الرواية و هي قوله عليه السلام فإذا حكم بحكمنا كيف تصدق‏

مع كون القضية فيها فتوى المجتهد و الفتوى ليست من حكمهم عليهم السّلام قلت‏

حيث يكون غالب موارد قضاء الفقيه في الموضوعات الخارجية مثل الحكم بان‏

الدار لزيد دون عمرو و الفرس لبكر دون خالد و لم يكن مما ورد فيه النص نفهم‏

ان المراد ان المنصوب من قبلهم يكون فتواه في حكم أيضا حكمهم عليهم السّلام.

هذا في الانفتاحي و اما المجتهد الانسدادي فيكون فيه الإشكال كما كان في‏

حجية فتواه عن محقق الخراسانيّ قده و غيره من جهة انه جاهل و لا رجوع إلى‏

الجاهل و جوابنا ما مر من انه أيضا عالم بالوظيفة و على فرض كونه انفتاحيا في‏

باب القضاء فيقولون ليس لنا القول بالفصل إذا كان انسداديا في ساير الأبواب.

و حيث يكون الحق هو جواز قضائه و فتواه على فرض الانسداد فلا إشكال‏

أصلا عندنا.

ثم ان الاجتهاد في خصوص القضاء هل يكفى لقضائه أم يجب الاجتهاد في‏

جميع الأحكام فيه خلاف و حيث ان الحق هو ان الاجتهاد عندنا ليس الا وجود

الملكة للاستنباط مع الاستنباط لمقدار معتد به من الأحكام فيكفى استنباطه لجملة

من الأحكام و لو لم يكن الاستنباط بالنسبة إلى الجميع لعدم إمكانه.

فتحصل ان المجتهد أعم من كونه انسداديا أو انفتاحيا يجوز قضائه و يصدق‏

عليهما العارف بالاحكام و ان كان صدقه من جهة ما عرفه الانسدادي من موارد

الإجماعات و المتواترات و الضروريات‏1

1أقول قد مر ان المجتهد الانسدادي لا ينقص عن القائل بأصالة البراءة

في موارد الشبهات من جهة علمه بما ورد من الاخبار الآحاد و الحجج الخاصة

1)في ج 18 من الوسائل باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 1.

14
في جهات البحث في المتجزي‏

الجهة الأولى في إمكانه‏
و الحق عندنا إمكانه لأن المسائل بعضها مبتن على‏

مبادئ صعبة و بعضها على مبادئ سهلة فربما يكون الشخص مجتهدا في مسألة أو مسائل‏

يكون سندها الروايات الظاهرة دلالة و ظاهرة الجمع على فرض التعارض و ربما

لا يكون مجتهدا في مسائل مبتنية على البحث في التعبدي و التوصلي في الأصول‏

و كذلك المبتنية على البحث عن الأقل و الأكثر و التعيين و التخيير و المتباينين‏

و تحقيق الفرق بين الثلاث فأن أمثال هذه الموارد صعب جدا لا بد من التحقيق‏

البليغ فيه فلا يكون الشخص مجتهدا في المسألة التي يكون مبناها ما ذكر و ليس‏

الاجتهاد الا الفحص عن دليل الحكم تفصيلا ففي أي مورد حصل العلم بالدليل‏

يكون الشخص مجتهدا فيه.

مضافا بأنه لو لم يكن التجزي متحققا يلزم الطفرة في الاجتهاد المطلق ضرورة

انه تدريجي الحصول فبواسطة الاجتهاد في هذه المسألة و تلك بنحو التجزي يحصل‏

الاجتهاد المطلق و لا يمكن تحصيله دفعة.

و قد أشكل في المقام بأن الاجتهاد عبارة عن الملكة و هي امر بسيط و البسيط

لا يتجزى فكيف يحصل التجزي و الجواب عنه ان غاية ما يقال في المقام هي ان العلم‏

من الوجود و مساوق معه و لكن لا شبهة في وجود المراتب للوجود أيضا و هكذا

الاشتداد و التضعف فالمجتهد المطلق يكون قويا في هذه القوة و المتجزي يكون‏

ضعيفا فيها و لا إشكال في ان يكون القوة للنفس ذات مراتب شديدة و ضعيفة و ان‏

كان مجردة و بسيطة من حيث ذاتها.

فيكون صدق العرفان عليه أيضا مثله.

و انما الفارق عدم كفاية ما بأيدينا لبيان الأحكام و عدم إيجابه انحلال العلم‏

الإجمالي بها في نظر الانسدادي فيقول بحجية الظن المطلق و الانفتاحي يقول بكفايته‏

للانحلال و في موارد الشبهة الأصل هو البراءة عنده.


15
و أجاب الاعلام عن هذه الشبهة بجواب عرفي و هو ان عدم قبول القوة للتجزية

من جهة البساطة لا يمنع عن حصولها بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعض فما حصل‏

منها بسيطة.

و قد أشكل ثانيا بأن أبواب الفقه مرتبطة بعضها ببعض من حيث الدليل فان‏

الخلوة مع الأجنبية دليل حرمتها روايتان إحداهما في الإجارة و الأخرى في الطلاق‏

فلا يحصل التجزي للمجتهد مع عدم الإحاطة بجميع أبواب الفقه لإمكان وجود

الدليل بخلاف ما فهمه في زاوية من زوايا الكتب المدونة لم يعثر عليه.

و الجواب عنه هو ان الأمر و ان كان كذلك في مقام الثبوت و لكن في مقام‏

الإثبات حيث ان أبواب الفقه صارت منضبطة في القرون المتأخرة و جعل الفقهاء

و المحدثون للفقه و الاخبار أبوابا يذكر فيها جميع ما يتعلق بالمسألة المناسبة لذلك‏

الباب غالبا فإذا تفحص المجتهد و لم يجد شيئا يطمئن بعدم وجود شي‏ء آخر و الا

لذكروه و احتمال وجود رواية أو دليل آخر يصير بعيدا.

فلو لا جهد الماضين من العلماء رضوان اللّه عليهم لكان للإشكال وجه‏

لكنهم شكر اللّه مساعيهم جعلوا طريق الاستنباط واضحا.

فان قلت ان المبادي التي هي دخيلة في حصول قوة الاستنباط كثيرا ما

لا تكون بيد المتجزي فكيف يمكنه الاستنباط بدون الإحاطة بعلم الأصول و ساير

العلوم الّذي يتوقف عليه ذلك.

قلت بعض المبادي الّذي يصعب الاجتهاد فيه مثل مسألة ان الأمر بالشي‏ء هل‏

يقتضى النهي عن الضد أم لا أو أن إطلاق الأمر هل يقتضى التعبدية أو التوصلية أم لا

ربما لا يحتاج إليه في مسألة من المسائل فإذا كان طريق المسألة سهل التناول فلا إشكال‏

في حصول العلم بالحكم من الدليل التفصيلي و اما ما يتوقف على ما ذكر فلا يحصل‏

الاجتهاد فيه لعدم ما هو من مباديه و كيف كان فلا إشكال في إمكان التجزي في‏

الاجتهاد.

الجهة الثانية في ان المتجزي هل له ان يعمل برأيه أم يجب عليه التقليد
حتى‏
16
يصير مجتهدا مطلقا فيه بحث و الحق هو ان له ان يعمل برأيه لأنه صار عالما بفحصه‏

و دليل التقليد و هو رجوع الجاهل إلى العالم لا يشمله لأنه عالم بالنسبة إلى ما علمه‏

فلا إشكال في عمله برأي نفسه.

ثم انه ربما يقال بأن المتجزي لو كان انسداديا لا يكون له العمل برأيه لأن‏

الانسدادي جاهل فلا بد له الا ان يرجع إلى العالم.

و الجواب عنه ان المتجزي ربما لا يحصل له الظن حسب مقدمات الانسداد

حتى يكون حجة عليه مثل من رأي خلاف مثل العلامة الحلي قده و سائر الاعلام‏

من الفقهاء و لا يحصل له من مقدماته الظن فهذا خارج عن محل الكلام لأن البحث‏

في صورة حصول الظن الّذي هو حجة على فرض كون نتيجة مقدمات الانسداد

حجية الظن على الحكومة.

و ربما يحصل له الظن من جهة تمامية مقدماته فان حصل الظن فلا شبهة في‏

حجيته لنفسه حسب ما ادى إليه اجتهاده فله العمل على وفق ما علمه و ليس له الرجوع‏

إلى غيره فتحصل ان المتجزي مطلقا له ان يعمل على طبق رأيه.

الجهة الثالثة
في ان المتجزي هل يجوز تقليده فيما استنبطه أم لا و لنفرض‏

كونه اعلم فيما تجزى فيه مثل من كان أعلميته في خصوص باب المعاملات أو في‏

خصوص العبادات كما نسب إلى بعض الاعلام من الفقهاء انه كان أعلم في باب‏

المعاملات في مقابل من كان أعلم في باب العبادات و فيه خلاف.

فقال المحقق الخراسانيّ قده جواز تقليده مشكل للإشكال في صدق العارف‏

بأحكامهم عليهم السّلام بالنسبة إليه فان العارف هو المجتهد المطلق الّذي استنبط جملة

من الأحكام.

و الحق ان يقال ان السند لجواز التقليد ان كانت الفطرة و السيرة العقلائية

من رجوع الجاهل إلى العالم و هكذا العلم الإجمالي بالاحكام مع عدم الطريق‏

إليها فلا فرق بين المتجزي و المطلق في جواز الرجوع لأن المتجزي إذا كان عندهم‏

اعلم بالمسألة الفلانية فلا شبهة لهم في وجوب الرجوع إليه لا إلى غيره.


17
و اما إذا كان الدليل الرواية مثل رواية أبي خديجة و مقبولة عمر بن حنظلة

التي مرت آنفا فحيث ان العارف بالاحكام و الحلال و الحرام لا يصدق بالنسبة

إلى المتجزي فيشكل جواز تقليده فعمله برأيه امر و تقليد غيره إياه امر آخر فهو

عالم فلا يرجع إلى غيره و يعمل برأيه و لا يصدق عليه العارف بالاحكام فلا يجوز

تقليد غيره إياه و كذلك لا يجوز حكمه و قضاؤه لأن دليل الحكم و التقليد واحد و هو

الروايات.

فلا يقال عمله بفتواه لأنه عالم لازمه جواز تقليده لأنه عالم فيرجع إليه الجاهل‏

لأنا نقول ان له الحجة لنفسه و لا يصدق عليه العارف بالاحكام ليكون له هذا المنصب‏

و لا يقال أيضا ان الاجتهاد ملكة و هي تحصل بكثرة الاستنباط و ليس للمتجزي‏

كثرة الاستنباط لأنا نقول هذا الإشكال يكون في أصل اجتهاده و قد أجبنا عنه في‏

الجهة الأولى في مقام تصوير إمكانه بأن مبادئ الحكم تختلف صعوبة و سهولة و ربما

يحصل العلم به لسهولة مبدئه.

الجهة الرابعة
في جواز حكمه و قضائه بين الناس و عدمه فان المحقق‏

الخراسانيّ قده قال بأنه أشكل من جواز تقليده و لم يبين سره و الظاهر ان سره‏

هو ان دليل التقليد يمكن ان يكون الفطرة و السيرة العقلائية من رجوع الجاهل إلى‏

العالم و هو منطبق في حقه و اما منصب القضاوة فهو جعلي و لم يكن للفطرة فيه دخل‏1

فلا بد من أخذه من الروايات و هي يكون الحكم فيها بنفوذ حكمه في صورة

كونه عارفا بالحلال و الحرام و هو غير صادق في حق المتجزي فلا ينفذ حكمه.

فان قلت ان السند ليس المقبولة عن عمر بن حنظلة فقط بل مشهورة

1أقول ليس الرجوع إلى الحكام أيضا خارجا عن الفطرة فان الناس في‏

عيشتهم الاجتماعية يرون بفطرتهم احتياجهم إلى من يرفع النزاع عنهم و لذا تراهم‏

ينقادون في بعض الأوقات لرأي بعض مشايخهم أو من يقضى بينهم لأنه أهل لحل‏

النزاع عندهم فضلا عن الرجوع إلى رئيس الاجتماع في فصل الخصومة و الشرع‏

أمضى هذه الفطرة مع التحديد بحدود عنده فهذا الوجه للإشكلية غير تام.


18
أبي خديجة تكون في المقام و هي دالة على ان عرفان شي‏ء من القضاء أو قضاياهم كاف‏

في الرجوع إليه فلا نحتاج إلى صدق كون المجتهد عارفا بجملة معتدة بها من‏

الأحكام فانه قال:قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليه السلام إياكم ان يحاكم بعضكم‏

بعضا إلى أهل الجور و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا(و في طريق‏

من قضائنا)فاجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه‏ (1) .و لا تعارض‏

بين المقبولة و المشهورة و لا يحمل إحداهما على الأخرى لأنهما مثبتتين.

قلت الظاهر من قوله عليه السلام يعلم شيئا من قضائنا أو قضايانا أيضا هو العلم‏

بجملة معتدة بها من الأحكام و لا يكون صادقا في حق من فهم مسألة من المسائل عن‏

دليلها فانه غير عالم بقضائهم أو قضاياهم من غير فرق بين كون لفظة من في قوله عليه السلام من قضايانا بيانية أو تبعيضية فان البعض أيضا يكون المراد به البعض المعتد به.

فتحصل ان المتجزي لا يكون مرجعا في القضاء بين الناس.

فصل في مبادئ الاجتهاد

لا شبهة في ان الاستنباط للحكم الفقهي يحتاج إلى العلوم التي هي من مباديه‏

و هي النحو و الصرف و المعاني و البيان و اللغة و التفسير و علم أصول الفقه و هو العمدة

و المنطق و علم الرّجال و لا بد من الاجتهاد في جميع ما ذكر و لا يصدق العارف على‏

المقلد للغير في تلك العلوم فصرف قول صرفي أو نحوي أو لغوي أو أصولي‏

أو منطقي أو مفسر أو رجالي لا يكفى في إحراز ما نحن بصدده في كل باب من الأبواب‏

و من هنا يجي‏ء في الذهن شي‏ء و هو ان المجتهد في الفقه لا يكون مجتهدا

في بعض ما ذكر من العلوم فكيف يفتى و لكن الّذي يوجب رفع الإشكال هو ان‏

علم الأصول الّذي يكون دارجا بنحو أضبط من غيره في زماننا هذا يكون متكفلا

للبحث عن جملة من العلوم و تنقيح الكبريات فيها كما ان بحث المشتق يكون‏

1)في الوسائل ج 18 من باب 1 من أبواب صفات القاضي ح 5.

19
متكفلا لفهم تركيبات الجملة بنحو لا يجي‏ء في ذهن كبراء النحويين بتحليل‏

المشتق إلى مادة و هيئة مثل البحث في مادة هيئة فاعل أعم من كونها في مثل‏

الضارب أو الناصر أو غيره.

و كما ان البحث في العام و الخاصّ من مباحث الألفاظ يكون بنحو

لا يجي‏ء في ذهن العالم بالمعاني و البيان من الحقيقة و المجاز و الاستعارة و الكناية

و بعض ما ذكر من العلوم يبحث عنه في الفقه بنحو أضبط من الكتب المدونة لذلك‏

فان آيات الأحكام يفسر في الفقه بنحو لا يجي‏ء في ذهن المفسر الا ترى بحثهم‏

في آية التيمم في الطهارة فهل ترى من مفسر هذا النحو من الإطالة و الرد و الإيراد

و مثلها ساير الآيات في الأحكام و اما آيات غير الأحكام فهي غير منوطة

بالفقه و هكذا اللغة كلما احتاج إليها الفقيه يبحث عنها بنحو لا يجي‏ء في ذهن اللغوي‏

و اما علم الرّجال فان قلنا بان الوثوق بالخبر كاف فكثيرا ما يحصل الوثوق بواسطة

موافقته مع الشهرة و على فرض عدم قبول بعض أقسام الشهرة مثل الشهرة الفتوائية

لحصول ذلك فنحتاج إلى علم الرّجال.

و معه أيضا يكون امر الاجتهاد فيه سهل لأن بعض الرّجال لا نحتاج في‏

شأنهم إلى الفحص مثل زرارة و محمد بن مسلم و أمثالهما ممن هو كالشمس في‏

رابعة النهار من علو الشأن و من تكون محتاجا إلى الفحص عن حاله أيضا رجال‏

معدودون لأن لكل امام عليه السلام رواة و رجال فنتفحص عن حالهم بحيث يحصل الوثوق‏

هذا مضافا إلى ان الفقهاء رضوان اللّه عليهم في كل مورد كان الكلام في‏

الراوي يبحثون عنه بحيث يحصل الوثوق بمدحه أو قدحه.

فتحصل ان مالا محيص عنه من العلوم هو علم الأصول الّذي لا بد منه في‏

الفقه بحيث إذا لم يكن لم يحصل الاجتهاد من وجه آخر.

و من العجب عن بعض الأخباريين حيث قالوا بان الأصول بهذا النحو بدعة

فان أرادوا بكونه بدعة هو ان ترتيب الأبواب و المباحث لم يكن بهذا النحو في‏


20
زمن الأئمة عليهم السلام فنقول ان التفسير و كثير من العلوم لم يكن بهذا النحو

الّذي هو دارج في الكتب في زمانهم عليهم السلام فكما ان هذا ليس من البدعة في شي‏ء

فكذلك علم الأصول فان سند الأصولي أيضا روايات الأئمة عليهم السّلام و الاخباري‏

أيضا يبحث عنه.

فانه يقول يكون حديث الرفع منصرفا عن الشبهات الحكمية و الأصولي يقول‏

يشمل الشبهة الحكمية و الموضوعية مضافا بان بعض المسائل مما لا بد من الأصول‏

في فهمها مثل كون الخمس مثلا تعبديا أو توصليا فانه لا يتضح الا بواسطة البحث‏

في التعبدي و التوصلي من مباحث الألفاظ و فهم ان إطلاق الخطاب هل يقتضى‏

التعبدية أو التوصلية و كيف كان فلا شبهة في لزوم علم الأصول و دخالته في الاستنباط

أشد الدخل.

فصل في التخطئة و التصويب‏

هذا البحث كلامي ذكر في الأصول استطرادا اعلم ان الاجتهاد اما ان‏

يكون في الأحكام العقلية و اما ان يكون في الأحكام الشرعية فقيل بان نظر المجتهد

في العقليات ربما لا يكون مصيبا إلى الواقع فهو خطاء و اما في الشرعيات فقد نسب‏

إلى العامة التصويب فيها خلافا للخاصة فانهم قائلون بالتخطئة لأن الرّأي فيها أيضا

ربما لا يوافق الواقع.

و لكن ليس الأمر في العقليات كما ذكر من القول بالتخطئة فيها مطلقا بل‏

هي على قسمين قسم يكون حكم العقل طريقا فيه إلى الواقع الّذي يكون في الخارج‏

ففيه يمكن القول بالتخطئة لأنه ربما يوافق الواقع و ربما يخالفه و قسم لا يكون‏1

1أقول هذا حاصل ما استفدناه منه مد ظله في الدرس و في بحث على حدة و لكن‏

بعد في الذهن شي‏ء يرد عليه و هو ان الكلام في التخطئة و التصويب يكون في ما

يكون له خارج وراء ما أدركه العقل حتى يقاس الدرك إليه فمع الموافقة يكون‏

الرأي صوابا و الا فهو خطاء و اما ما لا واقع له الا نفس الدرك و لا يلاحظ بالنسبة إلى‏


21
له واقع في الخارج بل واقعه هو درك العقل مثل درك الحسن و القبح و الملائم‏

و المنافر فان العقل مما يدرك الحسن بالنسبة إلى شي‏ء و القبح بالنسبة إلى شي‏ء آخر كما

ان بعض الأشياء يكون في طبع شخص قبيحا أو حسنا و لو لم يكن في الخارج كذلك‏

فليس في الخارج شي‏ء حتى يقال ان حكم العقل لم يوافقه أو وافقه فلا يتصور التخطئة

في هذا القسم من العقليات فلا يتم القول بالتخطئة مطلقا في العقليات فما قال‏

الأصولي بأنه اتفقت الكلمة على التخطئة فيها غير وجيه.

ثم ان التصويب الّذي نسب إلى العامة في الشرعيات قد يستند بطلانه إلى‏

الإجماع و قد يستند إلى حكم العقل.

فإذا عرفت ذلك فنقول التصويب على ثلاثة معان الأول ان يكون المراد

هو ان ما ادى إليه ظن المجتهد هو حكم اللّه الواقعي فيكون حكمه تعالى تابعا

لآراء المجتهدين و هذا على معنيين الأول ان يكون مراد العامة ان اللّه ليس له‏

حكم أصلا.

و هذا مع قطع النّظر عن الدور مما لا يعقل فانه لو لم يكن الحكم للّه تعالى‏

الخارج فلا بحث فيه أصلا.

فان الظلم في ذائقة بعض الافراد الخارجة عن طبع الإنسان حسن و إكرام اليتيم‏

في ذائقة بعضهم قبيح و بعض الافراد يحب اللحم و بعضهم يبغضه و هكذا و هذا مما لا ينكر

انه في نفسه هو هو و لا تخطئة بحسب هذا اللحاظ و انما التخطئة بلحاظ الخارج.

و بعبارة أخرى مع فرض عدم ملاحظة الخارج فبعض الأشياء يكون في‏

عالم الذهن و الفرض مما لا خطاء فيه و هو ما في قوة الخيال من تصور أعلام ياقوت‏

نشرن على رماح من زبرجد فان هذا الفرض من دون ملاحظة الخارج لا تخطئة

فيه مما هو مخلوق النفس مخلوق لها و لا كلام فيه أصلا.

و اما بالنسبة إلى الخارج فالأحكام العقلية و الخيالية ربما تكون موافقة مع‏

الواقع فالحكم صواب و ربما تكون مخالفة معه فهو خطاء و حيث لا أثر عملي للحكم‏

العقلي حتى يجي‏ء فيه بحث الاجزاء في الامتثال قالوا بالتخطئة مطلقا يعنى لا وجه‏

لحكمه من حيث هو في مقابل ما توهم في الشرعيات.


22
فلأيّ وجه يتفحص المجتهد فهل يكون طالبا للمعدوم فمن له أدنى مهجة يفهم بطلان‏

هذا و لا يقول به و من نسب إليه القول يكون له هذا القدر من العقل لئلا يقول بأمثال‏

هذا النحو من الكلام.

الثاني ان يكون المراد هو ان الحكم يكون للّه تعالى و لكن من مقتضيات‏

جعله يكون ظن المجتهد ففي المثل يظن ان النار مما يوجب اضمحلال المضرات‏

في ماء العنب فيظن انه لا ينجس بالغليان و يرى ان حكم اللّه تعالى أيضا موافق لهذا

الظن الفاسد كما يرى ان كشف المرأة وجهها مما هو مقوّ للنظام الاجتماعي فيظن‏

انه جائز أو يرى ان المقعد يطهر بزوال العين فيظن ان كل نجس زالت عينه يطهر

فيحكم بطهارته بزوالها.

و يرى ان الشارع يحكم بذلك حسب الاستحسانات العقلية عنده كما ان بعض‏

القاصرين من غير العامة يظن ان المصلحة تقتضي ان يكون ذبح عيد الأضحى في‏

البلاد لينتفع الناس باللحوم لا ان يضيع بمنى فيظن ان اللّه يحكم بذلك لأنه حصل‏

له الظن كما انه يكون نظير ذلك ما إذا جعل الشارع القطع جزء الموضوع لحكمه‏

مثل ان يقول إذا علمت بنجاسة شي‏ء فالصلاة فيه باطلة فحكم الشرع يكون بعد علم‏

المكلف فعلمه جزء من مقتضيات الحكم.

و هذا يكون له وجه و ان كان هذا الزعم فاسدا في نفسه فما قيل‏1من انه‏

1أقول ان الكلام في التصويب غير الكلام في بطلان القياس و الاستحسان‏

الّذي هو لازم مقالته مد ظله على الظاهر بل الظاهر من العامة هو ان المجتهد إذا

اجتهد في امر يكون معذورا و هذا و ان كان قول الخاصة أيضا و لكنهم جرّوه في‏

حق مثل خالد بن وليد الّذي فعل ما هو خلاف النص و الكتاب و هذا امر ينكره‏

الشيعة مع ما يرد على أصل اجتهاد مثل خالد و أمرائه.فالشيعة بعد الفحص التام‏

يقول بمعذورية المجتهد إذا أخطأ و العامة بعضهم تمسكوا بعنوان الاجتهاد في كل‏

ما فعله المجتهد

فان شئت توضيحا للحال فارجع إلى كتاب الغدير ج 7 تأليف العلامة المجاهد


23
يلزم من القول بالتصويب في هذا القسم الدور يلزم ان يكون في هذه الصورة.

و لكن لا يتم الإشكال بالدور فيه أيضا لأن تقريب الدور هو ان يقال ان حكم‏

اللّه تابع لرأي المجتهد و رأيه تابع لحكم اللّه تعالى و هو دور و وجه الرد هو ان ظن‏

المجتهد لا يتوقف على الحكم الواقعي بل يدور مدار مقدماته التي توجب الظن من‏

صقع نفسه كما ان زعم وجود الحية يوجب الفرار عما تصوره حية و لو لم يكن‏

في الخارج الا حبل ممدود فلا يلزم من هذا النحو من التصويب الدور المحال‏

فلا إشكال عقلا فيه.

و لكن لا دليل على حجية هذا الظن فان الظن لا يغنى من الحق شيئا الا الظنون‏

الخاصة التي قام الدليل على حجيتها كالظن الحاصل من الأمارات فانه إذا أخذ

بنحو جزء الموضوع مثل العلم الّذي يكون جزء الموضوع في قولنا إذا علمت‏

بغصبية شي‏ء فهو حرام لا دليل عليه كما مر و ان أخذ بنحو الطريقية إلى الواقع فهذا

مع انه لا دليل عليه ربما يصيب في الواقع إلى الواقع و ربما لا يصيب و هذا هو

معنى التخطئة.

القسم الثاني من التصويب هو ان يكون المراد منه الالتزام بإنشاء أحكام في‏

الواقع بعدد آراء المجتهدين فيكون ما ادى إليه الاجتهاد في الظاهر هو الحكم‏

في الواقع بمعنى إيجاد مصلحة لحكم الشارع على طبق المظنون حين ظن المجتهد

فيكون بنحو القضية الحينية و من توارد الحكمين على موضوع واحد الواقعي‏

و الظاهري و هذا لا يلزم منه الدور على فرض تسليمه في القسم الأول ان الواقع‏

لا يتوقف على هذا الحكم و لا يتوقف هذا على الواقع و ان كان الحق عدم لزوم الدور

في هذا الطريق الأميني قده في شرح حال خالد و غيره.

و اما الإشكال على الدور فيكون من الخروج عن الفرض لأن الفرض عدم‏

وجود واقع الا هذا الظن فكيف يمكن ان يكون الظن و المظنون و العلة و المعلول‏

واحدا و ما ينفك عنه الظن و لا يلزم الدور منه هو الواقع النّفس الأمري فتدبر فيه‏

فان التذييل لا يناسب أزيد من هذا البيان.


24
في القسمين كما مر.

و اما إشكال الفحص عن المعدوم فائضا غير وارد لأن المتفحص يكون فحصه‏

عن مقتضيات الحكم الظاهري الّذي يلزم منه حكم الشرع واقعا.

و لكن الإشكال فيه هو كونه خلاف الإجماع لعدم الدليل على ان الحكم‏

الواقعي في مقام حكم المجتهد هو ما حكم به فان الظن بالحكم ببعض الملاكات‏

لا يلزم منه وجود حكم اللّه في الواقع.

و القسم الثالث من التصويب هو ما ذكره المحقق الخراسانيّ قده و تبعه بعض‏

تلامذته و هو انه قده يكون مبناه في جعل الأحكام هو وجود المراتب له:مرتبة

المصلحة و مرتبة الإنشاء و مرتبة الفعلية و مرتبة التنجيز فعلى هذا القول الحكم الّذي‏

يشترك فيه العالم و الجاهل هو الإنشائي و اما في مقام الفعلية فليس الحكم الا ما ادى‏

إليه رأي المجتهد ففي هذا المقام يكون التصويب و ليس الحكم الا هذا و في مقام‏

الإنشاء ربما يحصل الخطاء للمجتهد فلا يطابق رأيه مع الواقع.

و هذا مما لا محذور فيه بل على فرض حجية الأمارات من باب السببية

و الموضوعية لا بد من الالتزام به فهذا في الواقع يكون القول بالفصل و هو التخطئة

من جهة و التصويب من جهة،التخطئة في الإنشاء و التصويب في الفعلية هذا حاصل‏

كلامه رفع مقامه.

و لكن يرد عليه ان المبنى في جعل الأحكام فاسد بل للحكم مرتبة واحدة

و هي مرتبة الفعلية كما حررناه في محله و اما حجية الأمارات فتكون من باب‏

الطريقية أيضا كما حرر في محله فان أصابت الواقع فهو و الا فالمكلف معذور

لسلوكه ما جعله الشارع طريقا إلى الواقع و لم يصل إليه.

و اما ما صار سببا لمقالته قده من ان للحكم مراتب فهو امران الأول هو ان فعلية

الحكم بفعلية الموضوع في الخارج كما عليه شيخنا النائيني أيضا و الثاني ان الحكم‏

الفعلي هو الّذي يوجب البعث و التحريك فما لا بعث فيه لا يكون حكما فعليا و من الشواهد


25
على وجود الأحكام الإنشائية في الشرع الأنور هو انه جعل البراءة بالنسبة إلى من‏

لا يعلم الحكم فلو كان للحكم مرتبة واحدة فلا بد ان يكون المجعول هو الاحتياط

فمن جعل البراءة نفهم ان وجود الحكم في مرتبة الإنشاء و الجعل غير وجوده في‏

مرتبة الفعلية و هي مرتبة وصوله بالطرق المجعولة إلى المكلف الّذي يكون في‏

الخارج و لا يكون الحكم فعليا الا بصيرورته مكلفا و خروجه عن حالة الصباوة إلى‏

حالة البلوغ.

فان قلت عليه ان هذا لا يوجب القول بالتصويب لأن ظن المجتهد بالاخرة

يكون طريقا إلى الحكم الإنشائي من الشرع قلت له قده ان يقول ان ظن المجتهد

يكون تمام الموضوع لفعلية الحكم و ان كان طريقا بحيث لو لم يحصل هذا الظن‏

بالحكم الإنشائي لا تحصل الفعلية هذا حاصل مرامه قده.

و لكن يمكن الجواب عنه بان فعلية الحكم ليس بفعلية الموضوع بل الحكم‏

فعلى من أول الأمر بالنسبة إلى الموضوع على فرض وجوده مثل ما إذا قال المولى‏

ان رزقت ولدا فاختنه فان الختان محبوب عنده على فرض وجود الولد و لا حالة

منتظرة له و اما جعل البراءة فليس كاشفا عن إنشائية الحكم بل الشارع بمقدار حبه‏

لحفظ واقعه يحفظه.

فربما لا يكون حبه إليه الا بان يبينه بواسطة إنزال الكتب و إرسال الرسل‏

و على فرض عدم المشافهة بواسطة جعل الحكم لقبول خبر العادل و ان كان الدسّ في‏

الاخبار أيضا ربما يوجب عدم وصوله واقعا إلى المكلف و على فرض عدم الوصول‏

بأي طريق كان يجعل البراءة بقوله رفع ما لا يعلمون و ليس له عشق بالنسبة إلى‏

المطلوب أزيد من هذا المقدار.

و ربما يكون حبه إلى الواقع بمقدار لا يحب فوته بأيّ وجه كان فيجعل‏

الاحتياط إذا لم يصل الحكم بالطرق المجعولة كما في جعله في باب الفروج و الدماء

فليست البراءة كاشفة عن وجود الحكم الإنشائي و اما التحريك و البعث فهو لا يكون‏


26
لازم الحكم بحيث لا ينفك عنه بل الحكم مع العلم به و تهية مقدمات امتثاله يوجب‏

التحريك.

الا ترى ان الصلاة بعد دخول الوقت يكون فعليا على مبناه قده أيضا و لا يحصل‏

التحريك الا بعد تحصيل الطهارة عن الحدث و الخبث و غيرها من المقدمات‏

فالتحريك خارج عن حاق فعلية الحكم و من المقدمات هو العلم بالحكم فانه لو لم‏

يحصل العلم لا يحصل التحريك.

ثم على فرض تسليم جميع ما ذكر لا يكون لازم هذا القول الحكم بالتصويب‏

لعدم كون حكم اللّه تابعا لرأي المجتهد و الا يلزم ان لا يحتاج العمل إلى الإعادة بعد

ظهور الخلاف في الأمارات هذا كله على مسلك الطريقية في الأمارات.

و اما على الموضوعية فلا بد من ملاحظة أنحاء الموضوعية في الأمارات‏

ليلاحظ مع المقام فان الموضوعية على أنحاء ثلاثة الأول ما عليه الأشاعرة من انه‏

لا مصلحة للواقع أصلا و لكن عند قيام الأمارة يحصل مصلحة في مؤداها فيجب‏

العمل بها و هذا هو التصويب المحال في المقام الا انه مختص بباب الأمارات.

الثاني هو ان يكون للواقع مصلحة أيضا في مقابل مؤدى الأمارة و لكن تكون‏

مصلحة العمل بالأمارة غالبة و هذا لا يلزم منه محذور الدور كما في القسم الأول‏

على ما قيل لعدم كون الواقع دائرا مدار قيام هذه الأمارة و لكن يكون خلاف ظاهر

دليل حجية الأمارة لأن الظاهر منه هو حجيتها من باب الطريقية.

الثالث ان تكون المصلحة في التسلك بالأمارة بدون حصول مصلحة في‏

مؤداها أصلا ففي تصديق قول العادل مصلحة لا في مؤدى قوله و هذا القسم لا محذور

فيه أصلا لا عقلا و لا نقلا و لا يكون هو قول المتكلم بل يكون قول بعض علمائنا في‏

باب الأمارات.

فصل في تبدل رأي المجتهد

أقول تبدل رأي المجتهد اما ان يكون بصرف احتمال تبدله و اما ان يكون‏


27
بواسطة القطع بالخطإ أو وجدان أمارة مخالفة لاجتهاده السابق كوجدان الخاصّ‏

بعد العام و المقيد بعد المطلق.

فعلى الأول فيكون البحث في انه هل يجوز البقاء على الاجتهاد السابق أم‏

لا بد من الاجتهاد ثانيا فان من اجتهد في أيام شبابه ثم صار كلامه في القواعد

الممهدة في الفقه و الأصول ثم احتمل انه ان اجتهد في المسائل الماضية يتبدل رأيه‏

فهل يجب عليه أم لا؟فربما نسب إلى الشيخ الأعظم الأنصاري قده انه لا بد في‏

كل مسألة من استحضار الدليل و هذا امر صعب جدا و تكون السيرة على خلافه.

ثم على فرض الشك في صحة العمل بالرأي و عدمها فهل له استصحاب الرّأي‏

السابق كما ان المقلد إذا شك في بقاء رأي مجتهده يستصحبه أم لا؟فيه خلاف‏

و الحق عندنا عدم جريان الاستصحاب‏1لا في صورة شك المقلد في بقاء رأي‏

مجتهده و لا في صورة شك المجتهد في بقاء رأيه بل لا بد من الفحص.

و السر في ذلك هو ان الاستصحاب لا بد له من أثر شرعي ليصح التعبد به‏

1لا يبعد صحة الاستصحاب في المقام لأن وجوب اتباع الرّأي ممن له الرأي‏

مما قد تصرف فيه الشارع في الجملة و ليس حكما عقليا عقلائيا محضا و لذا يشترط العدالة

في المجتهد الّذي يجوز تقليده و هكذا الذكورة و غيرها من الشروط.

كما ان استصحاب اجتهاد المجتهد أيضا كذلك فان الشارع قد تصرف فيه‏

بحيث يكون قابلا لأن يكون الحكم بجواز الرجوع من الأحكام الشرعية فيكون‏

رأي المجتهد و اجتهاده من الموضوعات التي يكون حكمها الشرعي هو جواز الرجوع‏

إليه كما ان استصحاب العدالة يترتب عليه جواز الاقتداء فللشارع ان يتعبد ببقاء الرأي‏

و الاجتهاد لترتيب هذا الأثر و ان كان هذا الحكم منه موافقا لما هو دأب العقلاء و الحاصل‏

لو لم يكن بيان الشرع من أين يصل عقل العرف بان تقليد المجتهد واجب بل بعد حكم‏

الشرع ربما يعصى و لا يرجع و ليس امر الدين عنده مثل ما يعقله من امر الدنيا و الرجوع‏

إلى الخبراء فيما هو صلاح هذا العالم الجسماني الّذي يدرك نواقصه حسب طبعه‏

الحيواني.


28
و ترتب جواز التقليد لمن له الرّأي يكون من الآثار العقلية لوجوده و كذا العمل‏

بما فهمه المجتهد و استنبطه من الدليل و صار رأيا له يكون من الآثار العقلية لوجوده‏

فان العالم بالحكم لا يرجع إلى الجاهل عقلا فلا يصح التعبد بما يحكم العقل به‏

بعد جواز العمل بالرأي و بعد جواز تقليد من له الرّأي حسب أدلة التقليد بعد كونها

إرشادا إلى ما حكم به العقل و العقلاء هذا في استصحاب الرّأي.

و اما استصحاب الحكم مثل وجوب شي‏ء و حرمة آخر فانه أيضا غير جار

على فرض كون وجود الرّأي جهة تقييدية لجواز العمل به أو لجواز التقليد أي يكون‏

جوازهما في الحكم الفلاني مقيدا بوجود الرّأي فعلا فحيث لا يكون الرّأي‏

محرزا لا يكون الحكم المقيد بالرأي محرزا بعد عدم إحراز جزئه الآخر.

نعم على فرض كون الرّأي طريقا لنفوذ الحكم إذا نشأ عنه و جهة تعليلية لا تقييدية

يمكن استصحاب الحكم و لو لم يحرز الرّأي فعلا فان علة نفوذ الحكم هي كونه‏

عن رأي مجتهد و لو لم يحرز فعلا و الحاصل حيث نحتمل ان يكون الواقع منجزا من‏

قبل الرأي و كونه قيد اله فيكون من الشبهة المصداقية لقوله عليه السلام لا تنقض اليقين بالشك‏

بل انقضه بيقين آخر و على هذا فالبقاء على تقليد الميت مشكل لعدم فعلية رأيه.

و لا بد من القول بالتساقط على فرض التعارض بين رأيي المجتهدين إذا كان‏

كالأمارة طريقا إلى تنجيز الواقع مع عدم قولهم به فانهم يقولون بالتخيير بين‏

العمل بأحدهما و كيف كان فالحكم بعدم وجوب الاجتهاد ثانيا مشكل و لكن السيرة

على خلافه و ما نسب إلى الشيخ الأعظم من وجوب تجديد الاستنباط يكون من باب‏

الاحتياط هذا حكم احتمال التبدل.

و اما إذا علم التبدل فالبحث فيه في جهات‏
الجهة الأولى‏
فيما إذا كان ظهور

الخلاف بالعلم الوجداني و حصول القطع به و عليه لا شبهة في وجوب إعادة العمل‏

السابق بمقتضى القاعدة الأولية و سيجي‏ء البحث عن القاعدة الثانوية لأن المأمور

به لم يؤت به على وجهه فلا يجزى و على فرض الشك في الاجزاء فاستصحاب‏

التكليف جار بلا كلام.


29
و هكذا قاعدة الاشتغال حاكمة بذلك من غير فرق بين كون المستصحب هو الحكم‏

الفعلي أو الحكم الإنشائي فان قلت الحكم الإنشائي في السابق لم يكن له الأثر على فرض‏

تسليمه فكيف يؤثر في الحين قلت الاستصحاب جار بلحاظ الأثر بقاء فانه و ان لم يكن‏

له أثر بالنسبة إلى السابق و لكن بالنسبة إلى القضاء أو الإعادة يكون له الأثر.

و الحاصل بعد كشف الملاك بواسطة الخطاب و عدم الخروج عن عهدته‏

يلزم الخروج عنها بالقضاء أو الإعادة هذا بالنسبة إلى الأعمال السابقة و اما الأعمال‏

اللاحقة فلا كلام في وجوب كونها على طبق الدليل اللاحق.

الجهة الثانية
فيما إذا كان كشف الخلاف بواسطة وجدان أمارة على خلاف‏

ما وجده من الأمارة السابقة و هو اما ان يكون بتبدل الظهور مثل تبدل رأى من‏

لا يرى البئر من العواصم إلى كونه عاصما بواسطة ملاحظته رواية إسماعيل بن بزيع‏

من قوله عليه السلام ماء البئر واسع لا يفسده شي‏ء لأن له المادة بعد عدم استظهاره كذلك‏

قبله لما رأى من استظهار العلامة ذلك من الرواية خلافا لمن سبقه و اما ان يكون‏

بوجدان الخاصّ بعد العام و اما ان يكون بوجدان معارض أقوى و الحق عدم الاجزاء

و وجوب إعادة العمل أو قضائه مطلقا.

اما في انقلاب الظهور فلان المتبع عند العقلاء هو الظهور الفعلي للكلام‏

و عدم حجية ما سقط عن الظهور عندهم فعليه تكون الذّمّة مشغولة بما هو الواقع‏

و هكذا الجمع بين العام و الخاصّ و المطلق و المقيد و تقديم ما هو الأقوى عند

التعارض فان ذلك كله يكون هو المتفاهم العرفي من الكلمات فالعمل على غير

هذا الوجه عن جهل و اشتباه لا يوجب الاجزاء لعدم مطابقة المأتي به مع المأمور به‏

فالاشتغال بالتكليف السابق حاكم بعد كشف الخلاف.

فان قلت الأمارة التي كانت حجة و قد ظهر خلافها لا تخلو اما ان يكون‏

المبنى فيها الطريقية أو الموضوعية أو يقال بالمصلحة السلوكية فعلى فرض الطريقية

فمصلحة التسهيل كانت مانعة عن جعل الشارع الاحتياط في ظرفها و على الموضوعية


30
فتكون المصلحة في نفس المؤدى و على المصلحة السلوكية تكون المصلحة في‏

السلوك.

فعلى جميع التقادير نحتمل تكافؤ تلك المصلحة مع مصلحة الواقع الّذي‏

ظهر خلافه فكيف يحكم بالاشتغال بعد ظهور الخلاف قلت المصلحة على الطريقية

لا تكون في المؤدى لظهور خلافه على ما هو المفروض و مصلحة التسهيل يكون‏

الأصل هو عدم تكافئها مع الواقع و اما المصلحة على الموضوعية أو على نحو

السلوكية فيمكن الالتزام بها ما دام عدم سقوط الأمارة و اما مع سقوطها عن الحجية

فمن أين يثبت مكافئتها مع مصلحة الواقع و الحاصل كل تلك المصالح لا يكافئ‏

مصلحة الواقع فلا بد من القول بعدم الاجزاء.

فان قلت ان كشف الخلاف بالأمارة لا يوجب القطع بمخالفة الأمارة السابقة

مع الواقع و هكذا الأمارة المخالفة مع السابقة لا تكون موافقتها مع الواقع محرزة

فلا فرق بين الأمارتين في الحجية و ترتيب الأثر فأثر الأمارة السابقة اجزاء العمل‏

السابق و أثر هذه الأمارة اجزاء موافقة العمل معها فعلا.

قلت بناء العقلاء على اتباع الظهورات مع كون الأمارة كاشفة عن الواقع‏

فإذا ثبت سقوط أصالة الصدور أو الجهة أو الدلالة في الأمارة السابقة لا حجية

لظهورها و لا كاشفية لها عن الواقع و الأمارة المخالفة معها اللاحقة تكون واجبة

الاتباع فعلا و كاشفة عن الواقع فإذا كان كذلك فلا فرق عندهم في ذلك بين هذا

الزمان و الزمان السابق فهي فعلا تحكم بعدم مطابقة المأتي به مع المأمور به فيجب‏

القضاء أو الإعادة.

فان قلت إطلاق حجية الأمارة هو كونها حجة بالنسبة إلى صورة ظهور

الخلاف أيضا و ليست حجيتها مختصة بزمان دون زمان فالعمل على طبقها مجز اما

بملاك تفويت مصلحة الواقع على فرض كون الموافق معه الثانية أو بملاك الوفاء

بمصلحة الواقع إذا لم يكن كذلك واقعا فلا إعادة و لا قضاء.


31
قلت ان الأمارة مفادها حجية ما أدت إليه و ليس مفادها عدم حجية غيرها من‏

الأمارات فمع كون الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم و الجاهل و ظهور خلاف‏

الأمارة السابقة و حجية هذه الأمارة فعلا لا وجه للقول بإطلاق حجية السابقة لعدم‏

نفيها مفاد ما هو الحجية فعلا حتى بالنسبة إلى السابق و تنجيز مفاد السابقة قبل كشف‏

الخلاف لا ينافى القول بوجوب القضاء أو الإعادة.

الجهة الثالثة
في كشف خلاف الحكم الموافق للأصل المحرز كالاستصحاب‏

أو غيره كالبراءة بواسطة وجدان أمارة مخالفة معه و الحق هو وجوب القضاء أو

الإعادة أيضا لأن الأصل وظيفة قررت للشاك و العمل على طبقه لا ينافى وجوب‏

الإتيان ثانيا بعد كون التكليف مشتركا بين العالم و الجاهل و عدم إتيان المأمور به‏

على نحو ما أدت إليه الأمارة.

هذا حاصل ما اقتضته القاعدة الأولية في كشف خلاف الاجتهاد السابق و هو

وجوب القضاء أو الإعادة.

في مقتضى القاعدة الثانوية في تبدل الرّأي‏

ثم ان بعض الأحكام مثل الصلاة يكون له قاعدة ثانوية لعدم وجوب الإعادة

كما ورد من قوله عليه السلام لا تعاد الصلاة الا من خمسة (1) الحديث و الخمس المستثنى مما

لا خلاف فيه و اما غيره فيكون مشمولا للحديث الشريف بعد ظهور الخلاف فان‏

الحديث يشمل الجاهل بالموضوع و الناسي للحكم و الموضوع و الجاهل البسيط

بالحكم إذا كان جهله مع السند كما في المقام فان الشروع في الصلاة مع إحراز

الاجزاء و الشرائط تعبدا بالطرق المعتبرة لازمه عدم وجوب الإعادة و ان كان‏

المكلف جاهلا في الواقع ببعض الاجزاء و اما الجاهل بالجهل البسيط إذا لم يكن‏

عمله على طبق الطرق المعتبرة فيكون الحديث منصرفا عنه و كيف كان فلا إشكال‏

في شمول الحديث للمقام.

و قد ادعى الإجماع على الاجزاء في العبادات مطلقا و قد يتمسك بالبراءة في‏

1)في الوسائل باب 10 من أبواب الركوع ح 5.

32
مورد عدم جريان استصحاب التكليف فانها حاكمة على الاشتغال و ان كانت‏

محكومة للاستصحاب.

و قد يستدل على عدم وجوب الإعادة بنفي الحرج و العسر في الشريعة المقدسة

فإعادة المجتهد عمل نفسه حرج عليه و الفتوى بها أيضا حرج على المقلدين و فيه‏

أولا ان القضاء و الإعادة ربما لا يلزم منهما الحرج و العسر لأن الأمارة السابقة أو غيرها

ربما كان مفادها في السابق جزئية شي‏ء أو شرطيته و يكون مفاد ما وجدناه من‏

الدليل عدمها فلا يوجب وجدان المخالف القضاء أو الإعادة كما انه إذا كان الرّأي‏

المسابق عدم كفاية العقد بالفارسية و رأيه الجديد هو الكفاية فان هذا النحو من‏

كشف الخلاف لا يوجبهما فيما هو كذلك أو كان رأيه السابق وجوب الاحتياط

و رأيه اللاحق عدم وجوبه و هكذا.

و ثانيا ان موارد الابتلاء بالإعادة أو القضاء قليلة فان جميع الأحكام المستنبطة

لا يكون مورد الابتلاء في العمل ليلزم العسر و الحرج بها.

و ثالثا ان الحرج الشخصي ربما يكون بالنسبة إلى شخص و لا يكون بالنسبة

إلى شخص آخر فيدور مدار مورده و لا يمكن ان يقال بعدم وجوب الإعادة لكل مكلف و في‏

كل مورد من الموارد فان إعادة مقدار من الصلاة ربما لا يكون حرجا بالنسبة إلى‏

بعض الأشخاص و ربما يكون حرجا بالنسبة إلى البعض الاخر.

نعم في بعض الموارد يكون الحرج النوعيّ ملاكا لرفع الحكم في نظر

الشرع مثل حكمه بطهارة الحديد من باب لزوم العسر و الحرج للنوع من الحكم‏

بنجاسته.

و رابعا ان تبدل رأي المجتهد في مثل الصلاة في الوقت نادر جدا فبالنسبة

إلى الإعادة لا يلزم العسر و الحرج و اما القضاء فيمكن ان يقال مقتضى الدليل الدال‏

عليه و هو ما ورد من قوله عليه السلام فاقضه كما هو أو الدليل الاصطيادي اقض ما فات‏

كما فات فيمكن ادعاء عدم شموله لمثل صورة وجود الدليل للمكلف و تطبيق العمل‏


33
على وفقه لعدم صدق الفوت فلا يجب القضاء خارج الوقت.

في التفصيل في حكم تبدل الرّأي‏

ثم هنا تفصيلات منها ما هو الشهور من الفرق بين كون السند في الاجتهاد السابق‏

الأمارة على الموضوعية أو هي على الطريقية فعلى الموضوعية يجزى العمل السابق‏

و لا إعادة و لا قضاء و على الطريقية فيجب القضاء و الإعادة و هذا من جهة زعم ان‏

المصلحة في الأمارة على الموضوعية تكافي مصلحة الواقع و اما على الطريقية

فلا مصلحة الا في الواقع و حيث لم تصب الأمارة معه فلا يجزى.

و لكنه مر ما فيه من عدم إحراز التكافؤ في المصلحة و على فرض الشك‏

في ذلك فالأصل هو بقاء التكليف و الاشتغال به.

و منها ما عن المحقق الخراسانيّ قده و هو مؤسسه من ان السند للاجتهاد

السابق ان كان الأمارة فحيث ظهر خلافها فلا يجزى العمل على طبقها و اما ان كان‏

السند هو الأصل مثل الاستصحاب أو البراءة فيجزي العمل السابق و لا إعادة و لذا

يقول بعدم وجوب إعادة الصلاة التي ورد فيها تمسكا بقاعدة الطهارة أو استصحابها

بعد ظهور خلافها خلافا للقوم.

و السر في ذلك هو ان الاستصحاب عنده يكون معناه جعل حكم مماثل‏

للواقع في ظرفه فكأنّ فردا من الطهارة مجعول في ظرف استصحابها و هذا لا كشف‏

خلاف له لأن الواقع كشف خلافه و اما الفرد الجعلي الّذي هو مثله فلا كشف‏

خلاف له أصلا فكما ان أمد الحكم بالتيمم ينتهى بواسطة رفع العذر كذلك ينتهى‏

أمد هذه الطهارة بوجدان ما يخالفها.

و اما القاعدة و البراءة الشرعية فهي وظيفة قررت للشاك و الوظيفة لا كشف‏

خلاف لها بل ينتهى أمدها بواسطة وجدان الحاكم عليها و اما البراءة العقلية فليس‏

حكمها ذلك من جهة عدم كون العقل مشرعا و ما حكم به من جهة قبح العقاب بلا بيان‏


34
قد ظهر خلافه بالبيان من الشرع على الفرض و لما ذكرنا يكون المجوز لدخول‏

الصلاة هو استصحاب الطهارة أو البراءة في الشبهات البدوية مثل الشبهة في طهارة

البدن أو اللباس أو نجاسته فلو لم تكن الطهارة المماثلة للواقع أو ما هو الوظيفة

حاصلة فلما ذا يدخل في الصلاة:هذا حاصل كلامه في التفصيل.

و يرد عليه أولا ان المبنى في الاستصحاب باطل لأن جعل المماثل لا معنى له‏

بل الحق هو تنزيل الشك فيه منزلة اليقين فالشاك في الواقع يكون كالمتيقن و يكون‏

المدار على الواقع فهو مثل العلم فربما يكشف خلافه و ربما يقوم مقام العلم الجزء

الموضوعي من جهة كونه علما تعبديا و الا فلما ذا يقدم على البراءة.

فانه ان كان في مقام بيان الوظيفة فقط يلزم ان لا يقدم عليها لأنهما وظيفتان قررتا

للشاك على فرضه قده و هكذا البراءة ليس معناها جعل حكم في مقابل الواقع بل هي‏

حكم الشاك فان وافقت الواقع فهو و الا فلا بد من إتيان الواقع قضاء أو إعادة.

و لا يتوهم ان رفع الجزء أو الشرط بواسطة شمول حديث الرفع يكون معناه‏

وجوب البقية لا هذا الجزء أو الشرط بواسطة شمول الرفع له بل معنى البراءة هو

ان هذا الجزء أو الشرط غير واجب ظاهرا و اما البقية فهي واجبة بنفس التكليف‏

المنبسط على الاجزاء و الشرائط فإذا ظهر ان الواقع لم يكن كذلك فلا بد من إتيان‏

ما لم يوافقه فيكون معنى الرفع هو ان غير المرفوع واجب كما إذا قال المسافر

للحمال احمل غير هذا الصندوق،يعنى هذا لا يجب رفعه و حمله و غيره واجب بنفس‏

هذا الأمر.

و مثلها قاعدة الطهارة و الحلية فان الخلاف إذا كشف يجب القضاء أو الإعادة

إذا كان الدخول في الصلاة بواسطة جريانهما في الثوب و البدن.

فان قلت انهما ليستا محرزتين بل هما وظيفتا الشاك قلت ليس كذلك بل هما

أيضا جعلتا لحفظ الواقع و لهما أيضا نحو طريقية لحفظه فتحصل انه لا وجه لتفصيل‏

المحقق الخراسانيّ قده بين ما كان سند الرّأي السابق أصلا أو أمارة.


35
و من التفاصيل تفصيل صاحب الفصول قده بين الموضوعات و الأحكام‏

بقوله بالاجزاء في الأولى دون الثانية بتوهم ان الموضوع الواحد لا يتحمل اجتهادين‏

فمن رأي حرمة العصير العنبي و نجاسته إذا غلى بالنار ثم تبدل رأيه إلى ان مطلق‏

الغليان بالنار أو بالهواء أو بالشمس موجب لذلك يجب عليه العمل على طبق الرّأي‏

الثاني.

و من بنى على طهارة العرق من الجنب بالحرام ثم تبدل رأيه فرأى نجاسته‏

فان هذا و أمثاله من الموضوعات التي قد تبدل رأيه في حكمها و اما الأحكام فيمكن‏

تعدد الحكم بلحاظ الحالتين.

و لكن يرد عليه بان الحق واحد فيهما فإذا اشتبه في طريق الوصول إليه فلا بد

من القول بعدم الاجزاء.

في وجوب إعلام المجتهد اضمحلال رأيه لمقلده‏

ثم ان المجتهد إذا اضمحل رأيه بالنسيان فهل يجب عليه إعلام مقلديه أو

يكفى عمل المقلد على طبق الرّأي السابق له ما لم يظهر خلافه فيه خلاف فربما يقال‏

انه مثل البقاء على تقليد الميت فكما انه جائز فكذلك هذا فان موت المجتهد يكون‏

مثل اضمحلال رأيه.

و لكن يرد عليه ان البقاء على فرض جواز تقليد الميت يكون من باب ان‏

الاجتهاد و الرّأي قائمان بنفس المجتهد و هي لا تفنى بفناء البدن بل هي باقية و رأيها

كذلك.

و اما اضمحلال الرّأي فليس كذلك فالمجتهد الحي الناسي لما علمه أسوأ

حالا من الميت من هذه الجهة و لذا نسب إلى بعض الاعلام من المجتهدين انه ارجع‏

مقلديه إلى غيره لعروض النسيان له في أواخر عمره.

و التحقيق في المقام هو ان وجوب الاعلام و عدمه يدور مدار كون المقام من‏


36
الشبهات‏1الموضوعية فلا يجب الاعلام كما لا يجب الفحص فيها أو من الشبهات‏

الحكمية فيجب الاعلام كما يجب الفحص فيها.

و وجه كون الشبهة موضوعية هو ان المقلد إذا كان مقلدا لمجتهد يرى جواز

استصحاب بقاء الرّأي لمقلده إذا شك في بقائه ففي المقام كلما شك المقلد في بقائه‏

يستصحبه و حيث ان الاستصحاب حجة في حقه و يكون عمله مطابقا له و لا يكون عمله‏

باطلا في نظره و ان كان باطلا بنظر المجتهد فلا يجب عليه إعلامه كما ان مستصحب‏

الطهارة إذا كان مشغولا بالصلاة مع علمنا بنجاسة ثوبه أو عدم صحة وضوئه لا يجب‏

علينا الاعلام لأن عمله صحيح عنده و عدم كونه صحيحا عندنا لا يضر به و المقام‏

كذلك فلا يجب على المجتهد الاعلام.

و اما وجه كون الشبهة حكمية فهو ان المقلد إذا كان رأي مجتهده عدم جواز

استصحاب الرّأي لما مر من شبهة كونه من الأصل المثبت فلا يكون له الاستصحاب‏

فيكون المقلد جاهلا بالحكم فيجب على مجتهده إعلامه لأنه حينئذ لا حجة له بنظر

المجتهد و حيث ان استصحاب بقاء الرأي لا يجري عندنا لما مر فيجب على المجتهد الاعلام.

ثم انه لا فرق بين المجتهد و المقلد من جهة الحكم بالإعادة أو القضاء

و عدمه إذا تبدل رأي المجتهد و سره واضح لأن المجتهد كما ظهر له عدم صحة

فتواه لنفسه و لمقلده يظهر للمقلد أيضا عدم السند لعلمه و عدم مطابقته للحكم في‏

1أقول ان استصحاب الرّأي سواء جرى في حق المقلد كما هو الحق أو لم‏

يجر لا يكون هذا الحكم دائرا مداره لأن المقلد جاهل بالحكم في نظر المجتهد

لأنه لا يعلم الحكم في الواقع و قد توهم وجود الحكم في حقه و هذا التوهم فاسد

بنظر مجتهده.

فكما ان المقلد عند الشك في شي‏ء لا يكون جريان البراءة في حقه و يجب‏

على المجتهد إعلامه بالحكم من باب وجوب بيان الأحكام فكذلك في المقام‏

يجب عليه بيان الحكم و نظيره ما يقال بوجوب إعلام من نقل المسألة اشتباها للعامي‏

لرفع الاشتباه.


37
الواقع نعم التفصيل الّذي أبدعه المحقق الخراسانيّ قده من ان سند الحكم ان كان‏

أصلا من الأصول فلا تجب الإعادة و القضاء و ان كان أمارة من الأمارات فتجب‏

يأتي بالنسبة إلى المقلد أيضا على فرض صحته لأن وظيفته لم تتغير إذا كان سنده الأصل‏

و ما يكون له الخلاف على هذا التفصيل هو الأمارة.

و لا وجه لما قيل من ان رأي المجتهد أمارة دائما لمقلده لأن الرّأي طريق‏

تارة إلى ما أدت إليه الأمارة و تارة إلى ما ادى إليه الأصل الّذي هو وظيفة للشاك‏

هذا تمام الكلام في مباحث الاجتهاد.

فصل في مباحث التقليد

و البحث فيه في فصول:الفصل الأول في معناه لغة و اصطلاحا اما في اللغة فهو

جعل القلادة على العنق و المقلد حيث يجعل قلادة إطاعة المجتهد على عنقه يسمى‏

بالمقلد.

و لا يخفى ان البحث عن معناه لغة و اصطلاحا يكون لما ورد في بعض‏

الروايات من التعبير به كما ورد من قوله عليه السلام اما من كان من الفقهاء صائنا

لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه‏ (1) :فالبحث‏

يكون عن هذا المعنى و هكذا نحتاج إلى إحراز معناه في مثل البقاء على تقليد الميت‏

و العدول عن الحي إلى الحي بعد تحقق تقليد الأول و هكذا ساير الموارد و اما معناه‏

اصطلاحا و هو العمدة ففيه خلاف ففي الكفاية قال المحقق الخراسانيّ قده انه‏

أخذ قول الغير و رأيه للعمل به في الفرعيات أو للالتزام به في الاعتقاديات بلا

مطالبة دليل على رأيه.

و قال سيدنا الأستاذ الأصفهاني في الوسيلة انه الالتزام بالعمل بفتوى مجتهد

معين و يتحقق بأخذ المسائل منه للعمل بها و ان لم يعمل بعد بها في غير مسألة جواز

1)في الوسائل ج 18 باب 10 من أبواب صفات القاضي ح 20

38
البقاء على تقليد الميت و مسألة عدم جواز العدول من الحي إلى الحي فان العمل شرط

فيهما و هكذا يقول الشيخ الأعظم في رسالته بأنه التزام بالعمل على رأي مجتهد معين‏

و عليه السيد قده في العروة الوثقى فانه اكتفى بأخذ رسالته للعمل و ان لم يعمل.

و لكن الحق عندنا هو ان التقليد لا يكون الا العمل المستند إلى فتوى المجتهد

و لا يكفى الالتزام بدون العمل و لا أخذ الرسالة و ليس مثل الاجتهاد الّذي هو سابق‏

على العمل فان الشخص يقلد مجتهده لا انه يقلده ثم يعمل على طبق التقليد كما في‏

ذهن الاعلام.

و لتوضيح المرام لا بد من الكلام في مقتضى الأدلة الواردة في وجوب‏

التقليد ليتضح من جهة الحكم ان الموضوع له ما هو إذا لم يتضح من الخارج فان‏

تناسب الحكم و الموضوع يوجب زيادة الوضوح إذا لم يكن الموضوع محرزا من‏

لسان الدليل كما في الأدلة اللبية التي لا لسان لها.

فنقول قال المحقق الخراسانيّ قده ان جواز التقليد و رجوع الجاهل إلى‏

العالم يكون بديهيا جبليا فطريا و هو قده كما ترى ضم الجميع كدليل واحد و لكن‏

الحق ان كل واحدة من الفطرة و الجبلة و العقل و بناء العقلاء و السيرة يكون دليلا

على حدة فنبحث عنه بالتفصيل فنقول ان كان الدليل عليه الفطرة فربما قيل ان فطرة

الناس تقتضي بواسطة عشق ذاتي لهم ان يصيروا عالمين بما هم جهال بالنسبة إليه‏

فيكون رجوعهم إلى العالم لتحصيل العلم و هو غير مربوط بالعمل بقول المجتهد

تعبدا.

و لكن يرد عليه ان مرادهم من الفطرة هنا ليس هو العشق الغريزي في طلب‏

العلم بل المراد هو الانسداد الصغير الّذي يكون مقدماته تامة عند المقلد فانه إذا

رأى ان الشارع جعل له أحكاما و لا بد له اما من الاجتهاد فيها أو الاحتياط فيما

لا يكون من الضروريات و لا يكون في وسعه الاجتهاد و يكون الاحتياط عسريا فيرى‏

بالفطرة ان حكمه الرجوع إلى من يتبع رأيه و معنى الاتباع هو العمل على طبقه مستندا


39
إليه و لا يكون معناه تعلم الأحكام و الالتزام به فقط فالعلم مقدمة هنا للعمل.

كما ان وجوب تصديق العادل في الأوامر الطرقية يكون معناه الجري العملي‏

على طبق ما ادى إليه قول العادل و ليس معناه الالتزام بقول العادل فانه لا ثمرة فيه‏

مع قطع النّظر عن العمل فتصديق المجتهد في رأيه يكون مثل تصديق العادل في‏

خبره و ليس التقليد بحسب هذا الدليل الا العمل.

و اما ان كان السند السيرة و بناء العقلاء فهو يقتضى أيضا ان يكون التقليد

هو العمل لأن العقلاء و المتشرعين في أمور معاشهم يرجعون إلى الخبراء في الأمور

التي هي خبروية بتطبيق عملهم على طبق رأى الخبرة كما نرى في رجوعهم إلى‏

الطبيب و البنّاء و في الأمور الخبري يعتمدون على اخبار المخبر في التطبيق العملي‏

أيضا و لا وقع عندهم في الالتزام فقط و الفقهاء خبرة فن الأحكام و يكون رجوع‏

الناس إليهم في امر معادهم.

و اما ان كان السند العقل أو الغريزة فكذلك لأن العقل بعد ما رأى الاشتغال‏

اليقينيّ بالاحكام و لا بديته من الفراغ اليقينيّ منها و لا طريق له لتحصيل الفراغ‏

الا الاحتياط إذا أمكنه فهم مورده و لم يكن عسريا أو التقليد بعد عدم إمكان الاجتهاد

على المفروض فيختار رأي المجتهد للعمل و يأخذه حجة بينه و بين اللّه في إتيان العمل‏

و معنى أخذه هو العمل على طبق رأيه لا الالتزام فقط و هو الّذي يوجب الفراغ‏

لا أخذ الرسالة أو الالتزام.

فالتحقيق عندنا هو ان التقليد ليس الا العمل المستند هذا كله في صورة

كون المجتهد واحدا و اما إذا كان متعددا مع التساوي في العلم فعلى فرض اتحادهم‏

في الرّأي فلا شبهة في كون التقليد هو العمل مستندا إلى رأى أحدهما و اما إذا

كان الاختلاف في الآراء ففيه بحث.

و هو انه على فرض كون رأيي المجتهدين مثل الخبرين المتعارضين فالقاعدة

الأولية تقتضي التساقط و لكن القاعدة الثانوية تقتضي التخيير فحينئذ يكون المقلد


40
مخيرا في أخذ الرّأي من أيهما أراد و لكن لا بد له من الأخذ بأحدهما ثم العمل‏

على طبقه فان الأخذ هنا مقدمة الحجية كما قلنا في الخبرين في باب التعادل‏

و الترجيح و ليس التقليد هنا صرف العمل بل هو العمل بعد الأخذ و الالتزام‏1

هذا كله في الدليل الغير النقليّ.

اما الدليل النقليّ لوجوب التقليد فمنها آية النفر و هي قوله تعالى فلو لا نفر

من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم‏

يحذرون(التوبة 122)و منها آية السؤال و هي قوله تعالى فاسئلوا أهل الذّكر ان كنتم‏

لا تعلمون(النحل 43)و من السنة ما ورد من قوله عليه السلام اما من كان من الفقهاء صائنا

لنفسه إلى قوله فللعوام ان يقلدوه و ما ورد من قوله عليه السلام بالنسبة إلى بعض الرّواة

بقوله عليه السلام خذ معالم دينك منه و غير ذلك مما يجده المفتحص‏ (1) .

و لا يخفى قبل تقريب الاستدلال ان العامي لا يمكنه الاستدلال بما ذكر بل من‏

له درجة من الاجتهاد و لو في هذه المسألة يجتهد فيها و لكن ليس البحث بلا فائدة

بل العامي بحسب الفطرة إذا شك في جواز التقليد و عدمه يرجع إلى المجتهد

كما انه يرجع إليه إذا شك في حلية العصير العنبي و حرمته بالنش فهو يفتى بوجوب‏

التقليد و يبين حدوده و قيوده من وجوب تقليد الأعلم أو جواز تقليد غيره و من وجوب‏

1أقول مر منا فيما سبق ان الأخذ لا تأثير له في الحجية بل بعد العلم‏

الإجمالي بحجية أحد الخبرين يؤخذ به لأنه حجة لا انه ليس بحجة و بالاخذ

يصير حجة.

و لذا لا يكون في وسع المكلف عدم الأخذ به لئلا يصير حجة و فتوى المجتهدين‏

أيضا كذلك على فرض شمول أدلة التخيير لغير الخبرين أو من باب الإجماع‏

على عدم كون المكلف مهملا و فارغا عن الرجوع إلى أحدهما و عليه فإذا كان‏

التقليد هو العمل المستند يكون في المقام أيضا كذلك و لا احتياج إلى الأخذ

و على فرض كون المدار على الالتزام فهو لازم قبل العمل.

1)الروايات في الوسائل ج 18 في أبواب صفات القاضي في باب 10 و 11

41
تقليد الحي أو جواز البقاء على تقليد الميت فلا يكون البحث عن الأدلة النقليّة

بدون الثمرة.

فرجوع العامي إلى المجتهد في أصل التقليد بالفطرة و في شئونه لا بد له‏

من تقليده حتى بالنسبة إلى نفس وجوب التقليد أو جوازه في الأحكام و اما أصل‏

وجوب التقليد فلا يكاد يمكن ان يكون بالتقليد لأنه يلزم منه الدور أو التسلسل‏

ثم تقريب الاستدلال بآية النفر هو ان الحذر بقبول قول الفقيه واجب سواء

حصل القطع أم لا فيجب على العامي قبول قوله تعبدا و لا يكون له إجراء البراءة

عما لا يعلمه مستندا إلى قبح العقاب بلا بيان فان هذا الدليل حاكم عليها

و المراد بالتفقه هو الرّأي و النّظر فإذا بلغ المتفقه إلى هذه الدرجة يجب قبول‏

قوله و لكن عن بعض الأعيان(الشيخ العلامة محمد حسين الأصفهاني)في رسالته‏

المؤلفة في الاجتهاد و التقليد ص 13 خلاف ذلك فانه يقول و من الواضح صدق‏

التفقه في الصدر الأول بتحصيل العلم بالاحكام بالسماع من النبي صلّى اللّه عليه و آله أو الإمام‏

عليه السلام فلا دلالة لها حينئذ الأعلى حجية الخبر فقط و الإنذار بحكاية ما سمعوه من‏

المعصوم من ترتب العقاب على شي‏ء فعلا أو تركا لا ينبغي الريب فيه‏

بل الإفتاء و القضاء أيضا كان في الصدر الأول بنقل الخبر فتدبر انتهى‏

و حاصل مراده قده كما ترى هو عدم دلالة الآية على وجوب الرجوع إلى المجتهد بل‏

دالة على حجية خبر الواحد

و لكن يرد عليه ان الناقل للخبر في صدر الإسلام أيضا لم يكن بحيث لا يفهم‏

معناه بل كان يفهم ما أراد النبي صلّى اللّه عليه و آله أو الإمام عليه السلام فيخبر و لم يكن صرف النقل فقط

على ان مثل زرارة و محمد بن مسلم و أبان أيضا كانوا في صدر الإسلام من الرّواة

و من الفقهاء و لا يمكن ان يقال ان المجرى للأحكام يكون الناقل للخبر فقط بل من‏

فهم الخبر مع تعمل و نظر و رأى‏

فدلالة الآية على وجوب التقليد تامة و اما آية السؤال فمعناها ان السؤال‏


42
يجب العمل بجوابه إذا كان عن أهل الخبرة و ليس معناها هو السؤال لحصول العلم‏

فقط و المراد بأهل الذّكر هو الفقيه لا العرب الّذي لا يفهم معنى الرواية و قد سمعها

من المعصوم عليه السلام و ينقلها

و هكذا معنى التقليد في رواية التقليد هو العمل برأيه لا التعلم منه و المراد بأخذ

معالم الدين ليس التعلم فقط بل العمل فتحصل ان الأدلة النقليّة لوجوب التقليد

أيضا تامة.

تذييل‏

في ان وجوب التقليد على أي تقدير هل يكون مقدميا أو نفسيا أو طريقيا أو

شرطيا شرعيا نظير وجوب الوضوء للصلاة و المنسوب إلى الشيخ الأنصاري قده‏

هو الأول لأنه مقدمة للامتثال الظاهري للأحكام الواقعية و لا ينوط الواقع به ان كان‏

حصوله بالاحتياط ممكنا فيكون مقدميته للامتثال فقط بحيث يسقط التكليف لا بحيث‏

يحصل الواقع و يؤيد هذا الوجه ما هو المعروف من بطلان عمل تاركي طريق‏

الاجتهاد و التقليد بعد كون التقليد هو العمل لعدم حصول الامتثال ما لم يكن العمل‏

مستندا إلى المجتهد

و لكن يرد عليه بان العمل صحيح و لو لم يكن مستندا إلى الفتوى إذا طابق‏

الواقع أو رأى من يجب عليه تقليده في الواقع إذا جاء له قصد القربة مثل ما أتى به‏

رجاء للوصول إلى الواقع‏

و وجه كون الوجوب نفسيا لا مقدميا فهو ان التقليد بعد كونه هو العمل مثل‏

الصلاة و الصوم فيكون ملاكه هو ملاك نفس العمل لأن الأمارات على الطريقية

لا تكون الا لحفظ الواقع و هو تارة يحفظ بالعلم الوجداني به و العمل على طبقه‏

و تارة يحفظ بالأمارة و التقليد يكون لحفظ الواقع و هو أمارة عليه‏

فوجوب التقليد يكون معناه وجوب الصلاة و وجوب الركوع و وجوب‏

السجود و الصلاة تقليد بعنوان و صلاة بعنوان خاص و هو الصلاتية فكما ان وجوب‏


43
الصلاة نفسي فكذلك وجوب التقليد.

و لكن يرد عليه ان وجوب تصديق العادل و وجوب التقليد الّذي هو مثله‏

يكون للمصلحة الطريقية إلى الواقع فان أصاب فهو و الا فهو معذور و يشترك مع‏

الوجوب النفسيّ من جهة كون المصلحة و الملاك لحفظ الواقع و لكن المصلحة

في إتيان الصلاة تكون لذاتها محضا و مصلحة تصديق العادل أو تقليد المجتهد

يكون لحفظ الواقع في الدرجة الثانية.

و من هنا ظهر عدم كون الوجوب في التقليد نفسيا و لا مقدميا بل وجوبه‏

وجوب طريقي لحفظ الواقع و اما الوجوب الشرطي الشرعي مثل وجوب الوضوء

للصلاة فلم يثبت من دليل.

نعم الفرق بين الفتوى و بين الأمارة مثل الخبر هو ان الأمارة تكون طريقا

للواقع بنفسه و لكن الفتوى تكون طريقا إلى الطريق الّذي هو رأي المجتهد فان‏

رأيه طريق الواقع لا فتواه و لذا يكون رأيه حجة و لو لم يكن له الفتوى فمن علم‏

من دأب مجتهد ان مسلكه ان الأمر بالشي‏ء يقتضى النهي عن ضده خلافا لمن‏

يقول بان الأمر بالشي‏ء لا يقتضى النهي عن ضده فمر بمسألة تتوقف على هذا المبنى‏

يمكنه العمل على طبق هذا المبنى لأنه أحرز رأيه و ان لم يفت في المسألة الفلانية1

مسألة

هل يجوز لمن له قوة الاستنباط و الاجتهاد التقليد أو يجب عليه الاستنباط

فيما هو مبتلى به من الأحكام فيه خلاف و المشهور هو وجوب الاستنباط و عدم جواز

1أقول هذا مشكل جدا لأنه من المحتمل هو كون فتواه في خصوص المسألة

مستندا إلى دليل آخر لا يعلمه منه فلا بد من أخذ فتواه و لو فرض انه يعلم انه لا دليل له‏

الا المبنى في الباب الفلاني فهو علم بفتواه من هذا الطريق و لا بحث فيه و اما كشف‏

رأيه بالطرق الغير المعتبرة شرعا نظير الرمل فخارج عن محل الكلام.


44
التقليد و خالفهم السيد في المناهل على ما نسب إليه لعدم فعلية الحكم عليه قبل‏

الاستنباط.

و لكن الحق مع المشهور كما مرت الإشارة إليه فيما سبق فان مقتضى‏

دليل التقليد هو ان الجاهل و من ليس له الحجة يرجع إلى العالم و من له الحجة

و من له قوة الاستنباط لا يكون جاهلا و له الحجة إذا رجع إليها و ليس المراد هو

الجهل بالفعل كذلك حتى يقال يصدق بالنسبة إليه الجاهل فعلا لأن العقل بعد

تحيره في الحكم يحكم بالرجوع إلى الغير و من له القوة لا يكون متحيرا.

و هكذا الأدلة اللفظية فان من هو متفقه في الدين و يكون من أهل الذّكر

لا يكون مشمولا لدليل الرجوع إلى الفقيه و أهل الذّكر لأن هذا الدليل يكون لمن‏

لا يعلم و لا يتفقه لا لمن يكون فقيها و عالما فيجب الاستنباط لمن له القوة فيما هو

مبتلى به.

مسألة في تقليد الأعلم‏

و فيها صور:الصورة الأولى تقليد الأعلم مع العلم بالأعلمية و مع اختلاف‏

فتواه مع فتوى غيره و المتعين هو وجوبه و هو المشهور بل المجمع عليه و عليه القدماء

و عن بعض متأخري المتأخرين جواز تقليد المفضول أيضا.

و كيف كان فلا بد لنا من البحث في مرحلتين المرحلة الأولى في مقتضى الأصل‏

و المرحلة الثانية في مقتضى الدليل الاجتهادي:و الأصل يكون البحث فيه في مقامين‏

المقام الأول في حكمه بالنسبة إلى العامي الّذي ليس له دليل الا الفطرة و الثاني‏

في حكمه بالنسبة إلى المجتهد الّذي يريد استنباط هذا الحكم من الأصل.

فنقول اما المقام الأول فالحق فيه هو أن العامي إذا رجع إلى فطرته يرى‏

بالفطرة أن الأمر يدور بين التعيين و التخيير لأن العمل بفتوى الأعلم يكون هو

الواقع إن أصاب و عذر عند الخطأ قطعا و أما غيره فلا يكون كذلك قطعا للشك‏

في حجية فتواه و إن كان احتمال التخيير فيه أيضا و لكن الاحتمال لا يفيد كما أن‏


45
المريض يرجع إلى الطبيب الّذي يرى فيه اجتماع جميع الصفات التي لها دخل‏

في علاج المرض و هكذا غيره من أصناف الخبراء و أنواعهم إذا أمكنه ذلك.

فان قلت ان وجوب تقليد الأعلم بواسطة الحكم بالتعيين في المقام مرفوع‏

بالأصل لأن التعيين كلفة زائدة فهو مخير في الرجوع إلى الأفضل و المفضول‏

سيما في صورة العسر في الرجوع إلى الأفضل قلت القول بالتعيين لا يكون من‏

جهة كون الأفضل له الموضوعية حتى ينفى بالأصل بل من باب ان المكلف اشتغال‏

ذمته بالتكليف في البين مسلم و لا بد له من تحصيل البراءة عن الواقع الّذي هو

مكلف بإتيانه و امتثاله.

و هو لا يمكن الا في صورة الرجوع إلى الأعلم لأنه ان تبع غير الأعلم و لم‏

يصب فتواه إلى الواقع يكون مذموما عند العقلاء بخلاف متابعة الأفضل فانه معذور

و ان لم يصب فتواه إلى الواقع.

و بعبارة أخرى يطلب الشارع من المكلف الواقع ان علم به و على فرض‏

عدم العلم به يتنزل بإتيانه على طبق رأي المجتهد الأعلم فما في ذمته هو الواقع‏

و لا يكون مجرى للبراءة بعد اشتغال ذمته به و ليس الرجوع إلى الأفضل من باب‏

الموضوعية حتى يكون وجوبه مشكوكا فيه ابتداء لتجري البراءة العقلية بالنسبة

إلى العامي.

فتحصل ان العامي دليله على أصل التقليد و على الرجوع إلى الأعلم هو

الفطرة ثم الظاهر ان الفطرة حاكمة بالرجوع إلى الأعلم في جميع الفروع لا في أصل‏

التقليد و ان كان من الممكن بعد رجوعه إليه إرجاعه في غير هذه المسألة إلى المفضول‏

أيضا هذا كله في حكم الأصل للعامي.

المقام الثاني في مقتضى الأصل عند المجتهد حسب الأدلة الشرعية و ثمرة

البحث في هذا الأصل بعد كون الأصل عند العامي الرجوع إلى الأعلم هي تنقيح‏

الحكم للمقلد الّذي يرجع إلى الأعلم و الفتوى بوجوب تقليده فقط أو كفاية تقليد

المفضول أيضا.


46
فنقول يختلف الحكم حسب اختلاف المباني في رأي المجتهد فان رأيه اما

ان يكون طريقا محضا للواقع و جهة تعليلية فقط بمعنى كونه عذرا عند الخطاء

و هو حجة لكونه طريقا إلى الواقع فلا موضوعية له.

و اما ان يكون حجة من باب جعل مماثل الواقع في ظرفه بحيث يكون‏

وجوده موجد مصلحة فيه تقتضي العمل على طبقه و لذلك يقال بالتخيير عند التعارض‏

و الا فالأصل هو التساقط حينئذ كما ان الأصل الأولى في الاخبار عند التعارض هو

التساقط و اما ان تكون الحجية من باب الطريقي الجزء الموضوعي و معناه هو ان‏

الواقع منجز عليه لكونه مطابقا لرأي المجتهد بحيث ان الطريق لا بد ان يكون‏

هذا لا غيره.

و لتوضيحه نقول ان أخبر مخبر في السوق بان دهن الزيت يفيد لمن هو

مبتلى بمرض الكلية و يضره الدهن الحيواني و أخبر الطبيب أيضا بذلك و لكن لا من‏

باب الاخبار فقط بل بعنوان الدستور العلاجي و الرّأي بالعمل على طبقه فنرى أن‏

رأي الطبيب يكون له موضوعية عند العقلاء للعمل على طبقه و لو كان طريقا إلى‏

الواقع الكذائي و لا يكون كذلك عندهم اخبار المخبر مع انه طريق إلى الواقع‏

أيضا1فإذا عرفت ذلك فندعي مثله في رأي المجتهد و نقول ان الطريق الّذي‏

هو هكذا يكون حجة لا غيره فتحصل ان حجية الرّأي على ثلاثة أنحاء الطريقية

المحضة و الموضوعية المحضة و الطريقي الجزء الموضوعي.

فإذا عرفت المباني فنقول على مبنى الطريقية فيدور الأمر بين التعيين التخيير

1أقول عدم اعتماد هم على اخبار المخبر يكون من باب عدم خبرويته فان‏

الخبروية تكون في تطبيق الكبرى على المصداق بحسب حال كل مريض فرأيه‏

يكون طريقا إلى الواقع و لا مصلحة في رأيه أيضا لو لم يصبه فرأي الطبيب يكون‏

في الواقع اخبارا عن خاصية الدواء و عن كونه مفيدا بحال هذا المريض الخاصّ‏

و لا موضوعية له.


47
في المقام لأن المدار على الواقع و الأخذ برأي الأعلم في كونه مصابا أو عذرا

لا إشكال فيه عند العقلاء بالنسبة إلى الواقع المنجز في البين بخلاف رأي‏

المفضول فالعقل حاكم بالتعيين و ان لم نقل في دوران الأمر بين التعيين و التخيير

في الفروع الفقهية بوجوب الأخذ بالمعين و قلنا بأنه كلفة زائدة تجري البراءة

بالنسبة إليها لأن المقام من الدوران بين التعيين و التخيير في مسألة أصولية فان‏

الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها لأن الحجة هي التي يمكن ان يحتج بها

و ما هو مشكوك لا يمكن الاحتجاج به فلا بد من الأخذ بفتوى الأعلم لذلك‏

فان قلت على فرض إطلاق الأدلة اللفظية في التقليد يصير هذا الأصل‏

محكوما قلت ليس لنا دليل لفظي ليمكن أخذ الإطلاق منه كما سيجي‏ء في البحث‏

عن الدليل الاجتهادي لوجوب تقليد الأعلم.

و اما على مبنى الموضوعية فحيث يكون الرّأي له الملاك في نفسه و يكون‏

ذلك في رأي الأفضل و المفضول ففي دوران الأمر بين كونه من باب التعيين‏

و التخيير أو من باب المتزاحمين أو الدوران بين المحذورين في بعض الأحيان كما إذا

كان اختلاف الفتوى من جهة وجوب شي‏ء و حرمته وجوه و أقوال على ما ذكره‏

بعض الأعيان في حاشيته على الكفاية المسماة بنهاية الدراية في هذا المقام في ص 211

و اختار الثاني أي كونه من باب التزاحم من جهة ان احتمال التعيين و التخيير

غير وجيه لكونه في صورة العلم بوجود المصلحة في أحدهما و احتمالها في الاخر

و المفروض على الموضوعية هو العلم بوجودها فيهما فلا بد من ملاحظة ما هو أقوى‏

ملاكا للتزاحم‏1و هو الأهم مع عدم لزوم الجمع بينهما إذا كانا متضادين مثل‏

1أقول و لا يخفى ان الملاك في باب التزاحم هو ان يكون المانع في‏

ناحية الامتثال من جهة عدم قدرة العبد عليه كما في إنقاذ الغريقين اما في صورة

عدم التكليف بهما فيكون من باب التعارض للعلم الإجمالي بحجية أحد الرأيين‏

و وجوب العمل على وفقه فيدور الأمر بين تعيين العمل بهذا أو التخيير بينه و بين غيره‏


48
كون رأي أحدهما وجوب هذا و رأي الاخر وجوب غيره و مع عدم احتمال‏

الأهمية فلا بد من القول بالتخيير برأي من شاء منهما.

و أقول ان المبنى فاسد و على فرض صحته فلا بد من القول بالتخيير للتضاد

أو لعدم إمكان الجمع كما في دوران الأمر بين المحذورين.

و اما على الطريقي الجزء الموضوعي فيكون من دوران الأمر بين التعيين‏

و التخيير لأن إتيان الواقع على هذا الفرض أيضا هو الملاك و الاشتغال يكون به‏

كما في الطريقية المحضة فلا بد من الأخذ برأي الأعلم ليحصل الفراغ اليقينيّ‏

فتحصل ان الأعلم هو المعين على الطريقية المحضة و على الطريقي الجزء الموضوعي‏

و يكون الحكم هو التخيير على الموضوعية المحضة.

فالحق ان المقلد يجب ان يقلد الأعلم بعد عدم الأساس للموضوعية في‏

الرّأي و الإنصاف ان حجية رأيه يكون من القسم الثالث و هو الطريقي الجزء

الموضوعي فالواقع بقيد كونه عن رأي المجتهد الأعلم هو المكلف به كما مر.

فتحصل ان مقتضى الأصل عند المقلد و المجتهد هو الرجوع إلى الأعلم‏

لا غير و لكن يجب التنبيه في المقام على ان الحق عندنا هو التعيين لا من جهة دوران‏

الأمر بين التعيين و التخيير على ما هو ظاهر ما مر من كلماتهم و ظاهر بياننا لها لأن‏

هذا الكلام يكون في المسألة الفرعية و اما مقامنا هذا فلا يكون من دوران الأمر

بينهما بل فتوى الأعلم بالاخذ تصير حجة كما في الخبرين المتعارضين و لا حجية

لفتوى غيره من بدو الأمر فلا يكون الباب من دوران الأمر بين التعيين و التخيير

في الحجة كما توهم لأن الفتويين المتعارضتين كالخبرين المتعارضين في كون‏

فيكون من باب التعيين و التخيير في باب الحجة فلا بد من القول بالتعيين‏

فيه.و وجود المصلحة في الرّأي لا يرفع هذه الغائلة لأن الكلام ليس في وجود

المصلحة و عدمها بل في تعيين أحدهما على المكلف فالأعلم هو المتعين على‏

جميع المباني و على فرض هذا الباب باب التزاحم أيضا لأنه أهم أو محتمل الأهمية.


49
مقتضى الأصل الأولى هو التساقط فيها لتكذيب كل واحد منهما الآخر بمدلوله‏

الالتزامي و التعيين و التخيير المصطلح يكون في صورة إحراز إطلاق أحد الدليلين‏

دون الآخر بعد إحراز حجيتهما و في المقام لا حجية لأحدهما قبل الأخذ و لكن‏

يكون حكم العقل المستقل بأخذ رأي الأعلم و عدم الأخذ بما هو مشكوك الحجية

و هو رأي المفضول فان كان في كلامنا ما يظهر منه كون تعيين الأعلم من باب‏

دوران الأمر بين الحجة و اللاحجة أو بين التعيين و التخيير فهو ليس بمراد لنا

بل يكون مشيا على طبق ما مشى إليه القائل بكون المقام من هذا الباب و الحاصل‏

دليلنا ان الاشتغال اليقينيّ لا بد فيه من الفراغ يقينا و هو لا يحصل الا بما ذكر هذا

كله بيان الأصل في الرجوع إلى الأعلم‏1

1أقول اما على فرض القول بان الأخذ لا تأثير له في الحجية بل ما هو

الحجة بطبعه يؤخذ به لأنه حجة فيكون المقام من دوران الأمر بين التعيين و

التخيير في الحجة و لا يرد الإشكال بان ما لا حجية له لا نأخذ به ليصير حجة على هذا

المعنى و على فرض دخل الأخذ في الحجية أيضا لا بد من دليل على وجوب الأخذ

بالأعلم.

فلا بد من القول بان العلم الإجمالي بحجية أحد الرأيين مع العلم باشتغال‏

الذّمّة بأحد التكليفين يكون لازمه الأخذ بما يحصل العلم بالفراغ منه و هو فتوى‏

الأعلم و هذا روحه يرجع إلى ان الأخذ لا دخل له في الحجية.

و الظاهر من الدليل في الخبرين المتعارضين هو ان الأخذ بأحدهما على‏

التخيير يكون من باب الأخذ بما هو حجة لو لا غيره فما أفاده مد ظله لا يخلو عن‏

النّظر فإدخال المقام في دوران الأمر بين التعيين و التخيير أو بين الحجة و اللاحجة كما

يكون في طي مباحثه أوفق بالقبول.


50
المرحلة الثانية في الدليل الاجتهادي‏

على الرجوع إلى الأعلم‏

فنقول قد استدل لوجوب تقليد الأعلم بوجهين الأول الأقربية إلى الواقع‏

و الثاني الروايات اما تقريب الوجه الأول فهو ان الأعلم لكونه أعرف و أبصر

بكيفية الاستنباط يكون رأيه اقرب إلى الواقع و العقل مستقل بوجوب الأخذ

بما هو الأقرب و قد أشكل على هذا بان الصغرى و الكبرى لا تتمان اما الصغرى‏

فلمنع كون رأيه اقرب إلى الواقع فربما يكون رأي المفضول موافقا لرأي الاعلام‏

ممن سبق كالشيخ الطوسي و المفيد و الأنصاري رضوان اللّه تعالى عليهم فانهم مهرة

الفن فإذا كان رأي المفضول موافقا معهم يحصل الظن القوى بالواقع كما حصل‏

الظن من فتوى الأعلم فالأقربية غير مسلمة أو يكون رأيه موافقا لرأي جملة من المجتهدين‏

غير الأعلم فهذا أيضا يوجب القرب إلى الواقع.

و فيه ان هذا غير تام لأن المدار على الظن النوعيّ الحاصل من نفس الأمارة

لا على الظن الحاصل من الخارج‏1و ما ذكر يكون من الظن الحاصل من الخارج‏

1أقول هذا مما لا شاهد له بل يمكن الشاهد على خلافه لأن الخبرين‏

المتعارضين يكون من مرجحات أحدهما الشهرة التي هي من المرجحات الخارجية

التي توجب الظن كما هو المحرر في باب التعادل و الترجيح لقوله عليه السلام خذ بما

اشتهر بين أصحابك.

و الواقع بعد عدم كونه معلوما بالوجدان يكون الأقربية إليه بجميع ما يوجب‏

قوة الظن كما أشار إليه المحقق الخراسانيّ قده في الكفاية بل السيرة بين الفقهاء هي‏

استناد ما أفتوا به إلى علم من الاعلام مثل المفيد و الطوسي و الأنصاري تقوية لحجية

فتواهم و قربهم إلى الواقع و هذا مما لا ينكر حتى انه مد ظله يكون كذلك عملا و عدم‏

حجية فتوى الميت للحي لا ربط له بتقوية الحجة به فانهم حيث كانوا مهرة الفن‏

يوجب رأيهم قوة الظن بالواقع.


51
مضافا بان المجتهد الأعلم الميت لو فرض كذلك و جوزنا تقليد الميت‏

ابتداء يجب الرجوع إليه لا إلى الحي و على فرض عدم الجواز فليس حجة و ضم‏

غير الحجة بفتوى المفضول لا يوجب تقوية فتواه و صيرورته اقرب إلى الواقع‏

و هكذا إذا كان فتواه موافقا لرأي المجتهدين الذين هم في رتبته فان ضم الضعيف‏

بالضعيف لا يوجب القوة في مقابل الأعلم الّذي يكون فتواه اقرب إلى الواقع بالنسبة

أي كل واحد منهم فلا وجه للإشكال الصغروي.

و اما الكبرى فقد أشكل فيها من جهة ان الرجوع إلى الأعلم لا يتم من جهة

الأقربية إلى الواقع بل يمكن ان يكون لجهة أخرى لأن غير الأعلم اما ان يكون في‏

الاستدلال مثله بان يجيب عن كل كلام يكون لغيره من الإشكال على رأيه و اما ان‏

يتوقف بإشكالات الأعلم عليه فعلى الثاني ليس رأيه حجة أصلا فيكون من دوران‏

الأمر بين الحجة و اللاحجة فيؤخذ برأي الأعلم لأنه حجة و لا يؤخذ برأي غيره لأنه‏

ليس بحجة لا من باب عدم كونه اعلم.

و اما غير قوة الاستدلال في الحكم من العناوين الطارية على المجتهد الأعلم‏

مثل كبر السن فيكون كالحجر بجنب الإنسان و لا ربط له بالواقع و كون الفتوى‏

اقرب إليه ففي الواقع يدور الأمر بين الرجوع إلى الجاهل و هو المفضول على‏

فرض عدم تمامية دليله و العالم و هو الأعلم الّذي يتم دليله و ليس مثل البصر في‏

القاضي الّذي لا دخل له في القضاء و ان كان البصير أعرف بوجوه الموضوع دون‏

الأعمي.

و يمكن الجواب عنه بان المراد بالأعلم هو الّذي يكون له مهارة تامة في‏

استنباط الحكم و غيره هو من لم يكن كذلك و دخل الأعلمية يكون من جهة التقليد

لا من جهة حجية رأيه لنفسه كما ان الأعلم‏1في ساير الأصناف من البناء و النجار

1أقول هذا يفيد على فرض كون المدار على الأعلمية من حيث المجموع‏

لا في كل مسألة فان إثبات ذلك مشكل جدا لأن الأعلم في مجموع المسائل من حيث‏

المجموع يكون معلوما في الجملة و لكن إثباته في كل فرد من المسائل فهو غير ثابت‏


52
و الحدّاد و الخطّاط معلوم عند العرف فمن له شدة قوة الاجتهاد هو الأعلم و غيره ليس‏

بأعلم لا ان فتواه ليس بحجة

نعم يختلف الأعلمية في المجتهدين في بعض الأوقات فان بعض المجتهدين‏

يكون اعلم في تنقيح الكبريات كما نسب ذلك إلى المحقق الخراسانيّ(قده)و

بعضهم في تطبيقها على الفروع كما نسب إلى السيد صاحب العروة الوثقى(قده)و ربما

يحصل الأعلمية بكثرة استنباط الفروع لحصول العرفان بما هو دخيل في حكم هذه‏

المسألة من استنباط ساير المسائل كما ان سيدنا الأستاذ الأصفهاني قده كان كذلك‏

فانه أجاب باعترافه خمسة ملايين من الاستفتاءات‏

نعم كثرة الاستنباط مع قصور الباع في الكبريات بحيث يسقط فروع كثيرة

من استنباطاته بإشكال من هو أعلم فيها لا تفيد فتحصل ان الإشكال كبرويا أيضا

غير وارد فان رأي الأعلم اقرب إلى الواقع و العقل مستقل بوجوب متابعته‏

الوجه الثاني من الدليل الاجتهادي و هو الروايات فمنها مقبولة عمر بن‏

حنظلة (1) و فيها الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما في الحديث و أورعهما و ما عن‏

داود بن الحصين و فيه ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و ما عن موسى بن أكيل و فيه‏

ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه فيمضى حكمه‏

و هذه الروايات و ان كانت في صورة المنازعة في الحكم و القضاء و لكن‏

القدماء بتنقيح المناط قد استدلوا بها لوجوب الأعلمية في بيان الأحكام و لا تختص‏

بالموضوعات لأن السر في الرجوع إلى الأعلم في ذلك الباب هو كون نظره‏

اقرب إلى الواقع لأنه أفقه خصوصا بملاحظة الإرجاع إلى سنده في الرواية كما

ترى تفصيله في مقبولة ابن حنظلة فان الإرجاع إلى سند الحاكم يكون من جهة

دخل الأفقهية فلا فرق بين الفتوى و الحكم في ذلك.

1)أقول ان الروايات الثلاثة في باب 9 من أبواب صفات القاضي في الوسائل‏

ج 18 ح 1 و 20 و 45.


53
و قد أشكل عليه المتأخرون أولا بان ما ذكر من الروايات يكون في مقام‏

بيان حكم صورة بروز المخالفة بين المترافعين و يكون الإرجاع إلى الأعلم من‏

جهة رفع غائلة الترافع و لذا يكون حكم القاضي نافذا في حق غيره من المجتهدين‏

و المفضول في المقام لا يبرز الاختلاف مع الأفضل فلا اختلاف ليشمله الحكم‏

و ثانيا ان حملة الاخبار في صدر الإسلام كانوا هم الفقهاء بنقل الاخبار

و لم يكن الفقيه في الصدر الأول ما هو المصطلح في هذا الزمان من صدقه على‏

من له نظر و رأي كالشيخ الأنصاري قده فلا يشمل الأفقه في الرواية الأفقه بهذا

المعنى.

و الجواب اما عن الإشكال الأول فهو ان الحكم كما ذكر يكون في مورد بروز

الاختلاف و لكن بروزه لا يختص بالاختلاف بين الشخصين في امر دنيوي بل العامي‏

إذا رأى اختلاف فتاوى المجتهدين في مسألة أيضا يريد رفع الاختلاف بالنسبة إلى‏

دينه فان قطع النّظر عن المال سهل بخلاف قطع النّظر عن الدين فلا بد له من رفع‏

هذا الاختلاف بالرجوع إلى الأعلم.

و ما توهم من كون رفع الغائلة في المترافعين في الموضوع يختص بالرجوع‏

إلى الأعلم لعدم رضائهما الا به لا في الحكم لأنه يؤخذ من أحد المجتهدين بلا تفاوت‏

بين الفاضل و المفضول مندفع بعدم الفرق فان العامي في الحكم أيضا يسكن نفسه‏

برجوعه إلى اعلم الزمان و لا ترفع غائلته بغير الأعلمية من العناوين الطارية على‏

المجتهدين.

و اما ما ذكر من الفقاهة في صدر الإسلام فقد مر ما فيه فان الفقهاء في الصدر

أيضا كانوا صاحب رأي و نظر في فهم الروايات فان مثل زرارة و حمران و محمد

ابن مسلم لم يكونوا راو الخبر فقط و لم يكن إرجاعهم عليهم السلام إلى من يتلفظ بالخبر

و ان كان أعرابيا لا يفهم المعنى.

ثم يمكن ان يقال ان الروايات شاملة للمقام بالأولوية لأن رفع النزاع في‏


54
الموضوع ربما يكون بالرجوع إلى شيخ القوم و لو لم يكن فقيها و مع ذلك يكون‏

الإرجاع إلى الأفقه فكيف لا يقال به في رفع الاختلاف في الحكم الّذي لا بد من‏

رفعه بالأفقهية فتحصل ان المترافعين في الشبهة الحكمية أيضا داخلان في الروايات‏

فيجب تقليد الأعلم بمقتضاها.

و قد استدل للتخيير بين الأخذ بفتوى الأعلم و غيره بالروايات المطلقة مثل‏

قوله فانهم حجتي عليكم و قوله عليه السلام اصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبنا و كل‏

كثير القدم في أمرنا و قوله عليه السلام ينظر ان من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في‏

حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا (1) و قوله عليه السلام من كان من الفقهاء صائنا لنفسه‏

إلى قوله عليه السلام فللعوام ان يقلدوه‏ (2) و غير ذلك من الاخبار.

و تقريب الاستدلال هو انه مع بعد تساوى جميع رواة الأحاديث و أهل الفتوى‏

و مع بعد اتفاقهم في النّظر و الرواية يكون الأمر بالرجوع إليهم مطلقا و لا يكون‏

فيها قيد الأعلمية بل لا بد ان تكون شاملة بإطلاقها للخبرين المتعارضين و الا فلا دليل‏

على حجية المتعارضين فلو لا الإطلاق لا وجه للأمر بالتخيير بقوله عليه السلام اذن فتخير

و الأمر بالتخيير بعد كون مقتضى المدلول الالتزامي في كل واحد من المتعارضين‏

تكذيب الاخر يكشف منه حجية المدلول المطابقي و سقوط الالتزامي في نظر

الشرع عن الاعتبار فالدليل على أصل حجية المتعارضين هذه الإطلاقات و الدليل‏

على التخيير أمرهم عليهم السلام به في مقبولة عمر بن حنظلة.

و لو لا هذا الأمر كان مقتضى الأصل الأولى التكاذب و التساقط و لكن التكاذب‏

ينشأ من إطلاق الدليلين لا ذاتهما فلذا يمكن الأمر بالتخيير و الا فما يحكم بمنعه‏

1)أقول إن الروايات الثلاثة في الوسائل ج 18 باب 11 من أبواب صفات‏

القاضي ح 9 و ح 45 و ح 1.

2)هذه الرواية في باب 10 من أبواب صفات القاضي عن أبي محمد

العسكري عليه السلام ح 20 و الروايات الأخرى أيضا توجد في البابين فارجع إليهما.


55
العقل من التساقط على فرض كون التكاذب في الذات لا يمكن التعبد من الشرع‏

بالتخيير فيه فمن امره بالتخيير نفهم عدم التكاذب في الذات و الرّأي مثل الرواية

في صورة التكاذب و لا بد لنا من دليل خارج على التخيير بعد أصل الحجية بمقتضى‏

هذه الإطلاقات غاية الأمر لا دليل لنا على التخيير في الفتوى لو لم يشمل الأمر

بالتخيير في الروايتين بتنقيح المناط للفتويين.

و لذا قال به القائل من جهة الإجماع على عدم إهمال المكلف في صورة

اختلاف المجتهدين فلا بد له من الأخذ بأحدهما من هذا الوجه و لكن الإجماع‏

المحصل هنا ممنوع الا ان يقال ان حجية الرّأي تكون من باب الموضوعية و ان‏

كانت حجية الرواية من باب الطريقية فعليه يكون العقل حاكما بالتخيير لأن‏

التكاذب يكون بالنسبة إلى الواقع لا بالنسبة إلى المصلحة في أصل الرّأي فيمكن‏

القول بالتخيير عقلا.

و على الموضوعية قيل بعدم جواز البقاء على تقليد الميت لعدم الرّأي له‏

فالإشكال يكون من جهة الطريقية و نحن حيث اخترنا ان الرّأي له جهة موضوعية

و ان لم تكن حجيته من باب الموضوعية المحضة بل له الطريقية من وجه و الموضوعية

من وجه آخر فيكون لنا القول بالتخيير عقلا و لكن حيث يكون البحث في التخيير

في المسألة الأصولية لا الفرعية و تكون الحجية فيها بالأخذ و لا حجية قبله فيؤخذ

برأي الأعلم لاحتمال تعيينه فهو حجة لا غيره.

و نمنع إطلاق الروايات من هذه الجهة لأن إطلاقها يشمل الحجية في كل‏

واحد من الرأيين بالطبع لا في صورة انضمام جهة أخرى توجب تعيين الأعلم‏

و لو سلم الإطلاق فالروايات السابقة الدالة على وجوب تقليد الأعلم مقيدة لها

و اما ما عن بعض الأعيان من عدم شمول هذه الروايات للرأي بل مصداقها نقل‏

الروايات في الصدر الأول فممنوع كما مر لأن الرّأي بهذا النحو أيضا كان في‏

ذلك الزمان لمثل زرارة و محمد بن مسلم و أبان بن تغلب و غيرهم فلا وجه لمنع‏

الإطلاق من هذا الوجه.


56
ثم قد يستدل لجواز الرجوع إلى غير الأعلم بالسيرة من المتشرعين و عدم‏

توقفهم في سؤال مسائلهم عن غيره و فيه ان الفطرة بعد ما تقضى من العامي بالرجوع‏

إلى الأعلم يتفحص عنه و لا نجد سيرته على خلاف ذلك و المجتهد لا يكون مقلدا

ليلاحظ السيرة بالنسبة إليه فهذا الدليل سخيف جدا في صورة العلم بالمخالفة بين‏

الرأيين و اما عدم الفحص في بعض الموارد فيكون من باب عدم العلم بالمخالفة بين‏

الفتويين هذا كله في صورة العلم بالاختلاف مع العلم التفصيلي بالأعلم‏

و ينبغي التنبيه على أمور

الأمر الأول في حكم صورة عدم العلم بالاختلاف تفصيلا
و لها صور

الصورة الأولى ان يكون مورد العلم الإجمالي بالاختلاف مع العلم الإجمالي‏

بوجود الأعلم في ما بين العشرة من المجتهدين أو يكون الاختلاف فقط مورد العلم‏

الإجمالي مع العلم بشخص الأعلم ففي هذه الصورة لا بد من القول بالتعيين أيضا

بمقتضى الفطرة لأنه يدور الأمر بين الحجة و اللاحجة فلا بد من الأخذ بفتوى الأعلم‏

لأن فتوى غيره مشكوك الحجية و الاشتغال اليقينيّ بالتكليف لا بد له من البراءة اليقينية

و هكذا يكون مقتضى الدليل الاجتهادي من دوران الأمر بين التعيين و التخيير و لزوم‏

الأخذ بالمعين و عليه فيجب الفحص عن الأعلم و عن فتواه ليظهر الحال من باب‏

المقدمة العلمية و بعد اليأس عن وجدانه فلا بد من الأخذ بأحوط القولين.

و لا يقال انه من الممكن هنا التخيير بين الأخذ بأحوط القولين أو الفحص‏

لوجدان الأعلم و فتواه لأنا نقول الأخذ بالأحوط يكون في صورة عدم إمكان‏

وجدان ما هو التكليف في الواقع و اما مع إمكانه فلا بد منه لأن الحجة هي رأي الأعلم‏

و الظن الخاصّ الّذي يحصل بالواقع من جهة رأيه هو الملاك لا أصل الظن و ان كان‏

من باب أحوط القولين.

ثم إذا تفحص و لم يجد الأعلم فهل هو مخير في الأخذ بأيهما شاء أو يجب‏

الأخذ بالأحوط فيه خلاف و الحق هو الأخذ بالأحوط لأنه متيقن الحجية و غيره‏


57
ليس كذلك و لا يوجب براءة الذّمّة فتحصل ان الأخذ بفتوى الأعلم و الفحص عنه‏

واجب و لا تحصل البراءة بالعمل بفتوى غيره.

الصورة الثانية إذا شك في الاختلاف مع العلم بشخص الأعلم فقيل بالتخيير

بين الأخذ بفتوى الأعلم و بين الأخذ بغيره و نحن تارة نبحث عن الدليل عند

العامي و تارة عن الدليل عند المجتهد فنقول ان العامي بالفطرة في هذه الصورة

أيضا يحكم بوجوب الأخذ بالأعلم لأن رأي غيره مشكوك الحجية عنده و كذلك‏

الانسداد الصغير الّذي هو في ارتكازه من عدم كونه مهملا و لا بد له من الأخذ بأحدهما

لوجوب البراءة اليقينية عما اشتغلت به ذمته و هي لا تحصل الا بالاخذ بفتوى‏

الأعلم.

و قد قال الشيخ الأعظم الأنصاري قده بالتخيير في رسالته في الاجتهاد

و التقليد و أظن انه لا يريد به التخيير بحكم الفطرة بل التخيير حسب الدليل‏

الاجتهادي.

و اما الأصل عند المجتهد فربما يقال انه التخيير في هذه الصورة و الاستدلال‏

عليه بوجوه الأول ان الدليل الدال على وجوب الرجوع إلى المجتهدين بإطلاقه‏

يشمل الأعلم و غيره غاية الأمر انه خصص بصورة العلم بالمخالفة عقلا لا قربية فتواه‏

إلى الواقع و لدوران الأمر بين الحجة و اللاحجة و يكون الباقي تحت الإطلاق‏

غيره و هو صورة العلم بالموافقة و الشك في المخالفة.

فان قلت ان المقام يكون من الشبهة المصداقية للعام لأنه خصص بالمخالفة

و في صورة الشك لا نعلم المخالفة فيكون الشك في مصداقه و لا يجوز التمسك به‏

في الشبهة المصداقية قلت انه يقول ان المخصص هنا لبي لأن العقل حكم بالتخصيص‏

من باب الشك في حجية فتوى غيره في صورة العلم بالمخالفة و التمسك بالعامّ في‏

الشبهة المصداقية للمخصص اللبي لا إشكال فيه لأنه بنفسه متكفل لدفع الشك عن‏

مورد الشك في المصداق لأنه دليل لفظي و مثبته حجة فنستكشف منه عدم المخالفة


58
و قد احتمل جملة من الاعلام منهم صاحب الحدائق و الجواهر بان دليل‏

الحجية حيث يشمل بإطلاقه فتوى الأعلم و غيره يكون القول بحجية فتوى الأعلم‏

فقط في صورة الشك في المخالفة موجبا لإسقاط حجية قول غير الأعلم بدون الدليل‏

و هو ممنوع‏

و الجواب عن هذه المقالة هو ان الفطرة بعد قضائها بوجوب الرجوع إلى ما

هو المتيقن الحجية في صورة العلم بالمخالفة و هكذا في صورة الشك فيها لا يكون‏

لنا الحكم بالتخيير الا بعد إحراز عدم المخالفة فما لم يحرز فلا بد من الأخذ بفتوى‏

الأعلم الا ان يتمسك في الإحراز بأصالة عدم المخالفة فيدور الأمر في المقام بين‏

إنكار إطلاق أدلة حجية فتوى المجتهد و ان كان هو المفضول و بين إحراز ان التخصيص‏

في صورة العلم بالمخالفة لا غير و جريان أصالة عدم المخالفة في صورة الشك كما

سيجي‏ء.

و للشيخ الأعظم قده في المقام بيان لعدم وجوب الفحص من جهة عدم تعيين‏

الرجوع إلى الأعلم بوجوه الأول ان الرجوع إليه إذا كان دليله أقربية فتواه إلى‏

الواقع فهو يكون في صورة إحراز المخالفة ليمكن تصوير الأقرب و القريب فمع عدم‏

إحرازها لا معنى للأقربية لأن الواحد الّذي ليس له ثان لا يصير وصفا في مقابل غيره‏

و قد أجاب عنه بعض الأعيان قده بان المدار على الأقربية الواقعية ذاتا فلو

فرض المخالفة في الواقع يكون فتوى الأعلم اقرب إليه‏

و فيه ان هذا الكلام غير تام بهذا الوجه لأن الأقرب كما ذكره الشيخ لا بد له‏

من قريب مخالف له و لكن ما يرد عليه هو ان العامي في نفسه إذا تدبر يرى انسداد باب‏

العلم بالنسبة إليه في المسألة و لا يكون عليه العمل بالاحتياط فيرى العمل على طبق‏

فتوى الأعلم حجة عند الإصابة و عذرا عند الخطاء فيعمل على طبقه لأنه لو عمل بفتوى‏

غيره و ظهر الخلاف في الواقع لا يكون معذورا لقصوره في الامتثال‏

الوجه الثاني ان المطلقات في الرجوع إلى العارف بأحكامهم تكون شاملة


59
للمقام و هكذا بناء العقلاء و قد خصص عن ذلك صورة العلم بمخالفة غير الأعلم معه‏

في الفتوى لا صورة الشك فيه فهو مخير في الأخذ بأحدهم‏

و فيه ان المدار يكون على واقع المخالفة لا المخالفة المعلومة فإذا خصص‏

المطلق بمخصص و هو في المقام صورة المخالفة و لا نعلم انها متحققة ليكون المصداق‏

مصداق المخصص أو غير متحققة ليكون المصداق مصداق المطلق أو العام فيكون‏

من الشبهة المصداقية و لا يمكن التمسك بالعامّ أو المطلق فيها فيتمسك بأصالة عدم‏

جواز الرجوع إلى غير الأعلم فيجب الفحص عنه و عن فتواه على فرض تسليم‏

الإطلاق و الا فعدم التخيير واضح.

الوجه الثالث له قده هو ان الفحص يكون في صورة معرضية الدليل للمعارضة

كالخبرين المتعارضين و اما صورة عدم المعرضية كما في الفتويين فلا يجب‏

و فيه ان الفتوى إذا كانت كالرواية في الطريقية إلى الواقع فتكون في معرض‏

المعارضة فلا بد من الفحص ليؤخذ بما هو المعين كما يؤخذ بالرواية التي لها

المرجح فان كان المراد ان العلم بالمخالفة هنا شرط وجوب الفحص فنقول قد مر

الجواب عنه آنفا بان المدار على واقعها لا على العلم بها الا ان يكون الدليل لوجوب‏

الرجوع إلى الأعلم هو الإجماع فالمتيقن منه صورة العلم بالمخالفة لا صورة

الجهل بها.

الوجه الرابع هو ان بناء العقلاء على عدم الفحص في صورة الشك في المخالفة

بين أهل الخبرة و الوجه الخامس هو ان السيرة في المتشرعين أيضا عدم الفحص في‏

هذه الصورة.

و يرد على الوجهين ان العقلاء و المتشرعين نراهم بالوجدان يتفحصون عن‏

الأعلم من الخبراء إذا كان احتمال اختلاف النّظر بين آرائهم الا ترى انهم في‏

المراجعة إلى الطبيب كيف يتفحصون مع احتمال عقلائي لاختلاف النّظر في تشخيص‏

المرض الكذائي فلا يتم أدلته قده و لا بد من الفحص و مع اليأس يجب الأخذ بأحوط

الأقوال.


60
الصورة الثالثة و هي مورد العلم بالاختلاف مع الشك في التفاضل و الحق هنا

أيضا وجوب الفحص لإحراز الأعلم و القول بالتخيير هنا شاذ حتى ان الشيخ الأعظم القائل‏

به في الفرع السابق لا يقول به هنا و استدل القائل بالتخيير في الأخذ بأحد الفتاوى أولا

بالبراءة للشك في وجوب الفحص و ثانيا بان مقتضى الجمع بين روايات الرجوع‏

إلى العارف بأحكامهم عليهم السلام و ما دل على وجوب تقليد الأعلم هو القول بوجوبه في‏

صورة العلم بالأعلمية لا صورة الشك فيها

و اما في صورة الشك فيؤخذ بإطلاقات التخيير و لا وجه لطرحها للعلم الإجمالي‏

بحجية إحدى الفتاوى و لا سبيل إلى القول بتعيين الرجوع إلى المعين فلا بد من القول‏

بالتخيير حفظا لإطلاق الدليل بعد عدم الوجه للتعيين.

و فيه ان الرجوع إلى المفضول يكون فيه الخطر و لا بد من إتيان الواقع بقدر

الإمكان فيجب الفحص لأن فتوى الأعلم اقرب إلى الواقع ان أصاب و يكون عذرا

عند الخطاء بخلاف فتوى غيره و هذا الحكم من المستقلات العقلية و الحكم من‏

الشرع في جميع موارد المقام يكون إرشادا إلى حكم العقل ففي المقام يجب الفحص‏

حتى يظهر الأعلم و مع عدم ظهوره فلا بد من الأخذ بأحوط الأقوال‏

و لا يقاس المقام بالخبرين المتعارضين من جهة الحكم بالتخيير فيهما لأن‏

الحكم بالتخيير ابتداء فيهما يكون في صورة كون الحجية من باب الموضوعية و اما

على الطريقية فالأصل الأولى فيهما التساقط و الأصل الثانوي هو التخيير بعد

عدم المرجح لأحدهما لما ورد في الرواية في ذاك الباب الأمر بالتخيير بعد التساوي و اما

في المقام فليس لنا دليل على التخيير الا الإجماع و المتيقن منه صورة عدم العلم‏

بالاختلاف في الفتوى لا صورة العلم به كما هو المفروض في هذه الصورة

و قال الشيخ الأعظم بما حاصله هو ان القول بالتعيين هنا يدل عليه الأدلة الأربعة

و المراد بها كما هو مذكور في كلامه هو الإجماع و الأصل و الروايات من المقبولة

و نحوها و بناء العقلاء و يمكن الجواب عنه بان المتيقن من الإجماع على تعيين الأعلم‏


61
هو صورة العلم به لا صورة الشك فيه الا ان السر في الإجماع هو اختلاف الفتوى‏

و الا فلا وجه لتعيين الأعلم و هو هنا موجود فيجب الفحص و هو لا يتم لأنه مدركي‏

و مدركه الروايات و بناء العقلاء و السيرة

و اما الأصل و هو التعيين في المقام لدوران الأمر بينه و بين التخيير فلا يتم لعدم‏

العلم بحجية إحدى الفتاوى قطعا مع الشك في الأخرى لعدم إحراز الأعلمية و اما

إطلاق مقبولة عمر بن حنظلة الدالة على الرجوع إلى الأفقه فيمكن ان يمنع بأنه‏

يكون في صورة العلم بالأعلم لا صورة الشك فيه لو لم نقل انها مخصوصة بباب‏

الحكومة لا الفتوى و اما بناء العقلاء فيمكن ان يقال ما أحرزناه في هذه الصورة و هكذا

سيرة المتشرعة

فالدليل الوحيد هو حكم العقل بوجوب الفحص في هذه الصورة و ساير

الصور لعدم حصول البراءة اليقينية مع عدم الفحص و الرجوع إلى الأعلم بعده‏

فلا يتم الأدلة الأربعة عنه قده‏

الصورة الرابعة و هي مورد الشك في الاختلاف و التفاضل كليهما و الصورة

الخامسة و هي مورد عدم احتمال وجود مجتهد آخر غير ما عرفه العامي فمن قال‏

بعدم وجوب الفحص في الصور المتقدمة من الشك ففي المقام في الصورتين يجب‏

ان يقول به بالأولوية لأنه في الصور السابقة اما كان عالما بالاختلاف و اما كان‏

عالما بالتفاضل و في المقام لا علم له بأحدهما خصوصا في صورة عدم احتمال العامي‏

وجود مجتهد آخر لأن السيرة على عدم الرجوع إلى غيره لعدم احتماله كما ترى‏

عدم الفحص عن طبيب آخر إذا لم يحتمل الشخص طبيبا غير من في هذا المحل‏

الخاصّ.

و نحن أيضا يمكننا ان ندعي سيرة على عدم الفحص فيهما و ان قلنا بوجوبه‏

فيما سبق و لكن الإنصاف هو القول بالتعيين هنا أيضا لقضاء الفطرة بذلك و عدم‏

طريق لاحتجاج العبد إذا أخذ فتوى أحدهما المخير أو من باب القول باستقلال‏


62
العقل بوجوب الرجوع إليه و لو لم يكن من باب التعيين و التخيير المصطلح كما

اخترناه و حيث يحتمل وجود الأعلم يحتمل عدم حجية فتوى المخير فلا بد له من‏

الفحص.

و لا يتم ما عن بعض حواشي العروة الوثقى من القول بالتخيير هنا و دعوى‏

السيرة هنا ممنوعة لأن العامي ان لم يحتمل مجتهدا آخر أصلا لا كلام لنا فيه و اما

إذا احتمل فيحكم فطرته بالرجوع إليه بعد الفحص و لا سيرة على تركه و أنسه‏

بمجتهد محله لا يمنع عن هذه الفطرة.

الأمر الثاني في ان المجتهدين إذا كانوا متفقين في الفتوى مع فرض التفاضل‏

في العلم و عدمه فهل يجب تعيين من يستند إلى فتواه بالخصوص أو له الاستناد إلى‏

الجميع أو إلى الجنس أولا يجب التعيين بوجه من الوجوه فيكفي مطابقة العمل‏

لفتاواهم فيه وجوه.

و المفروض حجية الفتوى هنا قبل الأخذ فليس المقام مثل صورة الاختلاف‏

التي لا بد فيها من الأخذ بفتوى الأعلم لتصير حجة فربما يظهر من بعض الكلمات‏

الفرق بين كون الحجية من باب الموضوعية و بين كونها من باب الطريقية فعلى‏

الأول يجب استناد العمل إلى فتوى أحدهم لاحتمال دخل ذلك في المصلحة التي‏

تحدث بمجرد رأي المجتهد على موضوع من الموضوعات و اما على الثاني فحيث‏

يكون المدار على الواقع و لا يكون للاستناد دخل فيه فلا يجب بل الواجب هو

مطابقة العمل فيكون الفتوى مثل الخبر فكما انه لا يجب العمل به بعنوان انه أخبر

به فكذلك لا يجب العمل على طبق الفتوى بعنوان انها صدرت عن مجتهد خاص.

و لكن يمكن ان يقال ان اللازم هو تطبيق العمل حتى على الموضوعية كما

يظهر عن كلام الشيخ الأعظم و غيره لأن متعلق الفتوى بصرف كونه مفتى به يمكن‏

ان يكون ذا مصلحة و لا دخل للاستناد في وجود هذه المصلحة ضرورة ان المتعلق‏

يكون مفتى به على أي تقدير.


63
ثم على فرض القول بوجوب الاستناد فلا بد من تعيين المجتهد الّذي يستند

إليه و لا يكفي قصد أحدهم بعنوان صدق المجتهد عليه بنحو الجنس لعدم المصداق‏

لهذا العنوان المردد لأن المردد بما هو مردد لا واقع له ماهية و وجودا كما حرر في‏

محله و لا يمكن قصد المجموع من حيث المجموع أيضا لأن المفروض ان فتوى‏

كل واحد منهم حجة على حدة و القصد كذلك يوجب خلف الفرض لأن لازمه ان‏

يكون فتوى كل واحد منهم جزء الحجة.

و العمل و ان كان صحيحا إذا طابق الواقع و لكن على فرض دخل الاستناد

فصحته غير إمكان الاحتجاج به عند المولى فلا بد من تعيين المفتي ليمكن‏

الاحتجاج في تطبيق العمل على فتواه فتحصل انه لا يجب التعيين على الموضوعية

و الطريقية و على فرضه فلا بد من الاستناد إلى شخص خاص لا الواحد المردد و لا

المجموع من حيث المجموع.

الأمر الثالث إذا لم يكن التفاضل بين المجتهدين من حيث العلم‏
و لكن كان‏

أحدهم أورع فهل يجب تقليد الأورع أم لا فيه خلاف فربما يقال بوجوب تقليد

الأورع كما عن السيد و هو المشهور لأن الأمر يدور بين التعيين و التخيير و العقل يحكم‏

بوجوب الأخذ بالأورع و لأن الاشتغال اليقينيّ لا يحصل البراءة منه الا بهذا النحو.

و قد أجيب عنه بان ما هو دخيل في الحجية هو العلم لا التقوي لأن أقربية

الفتوى إلى الواقع تحصل بواسطة الأعلمية بطريق الاستنباط و لا ربط للتقوى بها

و بعبارة أخرى بعد شرطية العدالة في المجتهد و عدم حجية فتوى غير العادل لا دخل‏

للأعدلية في كونه صاحب هذا المنصب فان أصل العدالة شرط خارج عن أقربية

الدليل إلى الواقع و لكن يكون شرطيتها من جهة عدم لياقة غيره للفتوى و اما الأعدلية

فهي امر زائد عن شرائط الفتوى و عن شرائط الأقربية إلى الواقع.

فان قلت ان الأورع ربما يتفحص أزيد من غيره لأن مقتضى أورعيته ملاحظة

حكم اللَّه تعالى بنحو أضبط و أحسن قلت الكلام يكون في صورة إحراز ان غيره‏


64
أيضا تفحص عن الأدلة بالمقدار اللازم الّذي لا بد منه و ان لم يتفحص بهذا المقدار

فهو ليس بعادل و لا يكون فتواه حجة فلا يكون هذا دليلا على أقربية فتواه إلى‏

الواقع بل الدليل الوحيد هو احتمال تعيين الأورع و عدم كفاية فتوى غيره أو من‏

باب عدم العلم بالبراءة عما اشتغلت به ذمته الا بهذا النحو.

و ما عن بعض الاعلام من ان بناء العقلاء على التعيين في صورة الاختلاف‏

في الفتوى و ان كان التخيير في صورة الاتفاق فيها مندفع لأن المراد بالبناء ان كان‏

هو السيرة عن المتشرعين فهي غير بنائهم و ان كان المراد بنائهم الّذي هو غير

سيرتهم فهو غير ثابت لنا و لم نحرزه في الأمور الدينية الا ان يقال انهم في مهام‏

أمورهم يرجعون إلى أوثق الناس عندهم و حيث ان المؤمن ليس له أهم من دينه‏

فلا بد له من الرجوع إلى الأورع لأنه أوثق لحفظ دينه.

فيدل البناء كذلك على وجوب الرجوع إلى الأورع لو لم نقل بان إطلاق‏

مقبولة عمر بن حنظلة و نحوها من الرجوع إلى الأفقه يشمل حتى صورة كون‏

غيره أورع و أعدل أيضا و الا فلا وجه للتمسك بهذا البناء لأنه حجة ما لم يثبت الردع‏

عنه و الإطلاق لو ثبت يكون ردعا عنه‏1هذا كله على طريقية رأي المجتهد و اما

على الموضوعية فيمكن ان يقال ان جمع الصفات من الأعلمية و الأورعية دخيل‏

في المصلحة فلا بد من الرجوع إلى الأورع.

الأمر الرابع فيما إذا دار الأمر بين الأعلم و الأورع‏
يكون الاتفاق على وجوب‏

تقليد الأعلم مع كونهم فيما سبق من الفرع مختلفين في الرجوع إلى الأورع و غيره‏

1أقول و الّذي يسهل الخطب هو تعرض المقبولة للأعدل و الأورع بقوله‏

عليه السلام الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت‏

إلى ما يحكم به الاخر(في الوسائل ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1)

و هكذا في الباب ح 45 ينظر إلى أعدلهما و أفقههما و في الباب ح 20 فينظر

إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه فوجوب الرجوع إلى الأورع‏

يكون مقتضى النص إذا كان أعلم أيضا.


65
و السر فيه هو ان الدوران إذا كان بين الأعلم الأورع و بين الأعلم يمكن ان يقال‏

بتقديم الأورع بعد كونه مساويا في العلم مع الأعلم الغير الأورع بخلاف صورة

كون الأورع غير الأعلم فان ما هو دخيل في الحجية و الأقربية إلى الواقع هو مهارة

المجتهد في استنباط الحكم الشرعي لا ورعه.

فما يتوهم من التهافت بين القول بالرجوع إلى الأورع في الفرع السابق‏

و عدم الرجوع إليه في هذا الفرع لا وجه له لما ذكرنا من عدم دخل الورع في الحجية

و الأقربية بخلاف الأعلمية فانها دخيلة فيها و غير فتواه ليس بحجة أصلا فلا يمكن‏

تعارض فتوى الورع الغير الأعلم مع الأعلم فلذا يتعين الرجوع إلى الأعلم في‏

هذا الفرع و لا يجوز الرجوع إلى الورع الغير الأعلم.

الأمر الخامس في ان الأعلم هل له إرجاع مقلده إلى غير الأعلم أم لا
فقد

نقل الشيخ الأعظم قده في رسالته عن بعض معاصريه عدم جواز الإرجاع و دفعه‏

بان الكلام ان كان في جواز إفتاء الأعلم بهذه الفتوى بعد اجتهاده فيها فلا وجه لمنعه‏

لأنه يفتى على حسب ما ادى إليه نظره بحسب الدليل الشرعي و ان كان الكلام في‏

صحة عمل المقلد فهي أيضا لا إشكال فيها بعد جواز التقليد و علم المقلد بجوازه‏

في هذه المسألة بعد الرجوع إلى الأعلم و استند قده في صحة التقليد إلى عموم أدلة

جوازه و في علم المقلد إلى كون التقليد مركوزا في ذهنه من حيث رجوع الجاهل‏

إلى العالم.

و قد أشكل عليه بعض الأعيان كما في رسالته ثم أجاب عنه اما اشكاله فهو ان‏

المجتهد و ان كان له الفتوى بجواز الرجوع حسب ما يقتضيه الأدلة عنده و لكن‏

ليس كل ما استنبطه قابلا للتقليد فان جواز التقليد أيضا يكون مما استنبطه و لا يجوز

التقليد فيه للزوم الدور أو التسلسل كما مر و قلنا ان ما يوجب رجوعه إلى المجتهد

هو حكم فطرته بان الجاهل لا بد ان يرجع إلى العالم و في المقام أيضا لا فرق بين‏

تقليد الأعلم في ابتداء الأمر بحكم الفطرة و بين رجوعه إليه في حكم صومه و صلاته‏


66
فانه بالفطرة لا بد ان يرجع إلى الأعلم و ليس للمجتهد إرجاعه إلى غيره.

مضافا بأنه يلزم منه الخلف لأن فطرته قاضية بالرجوع إلى الأعلم فانه إذا

جاز تقليد الأعلم في جواز تقليد غير الأعلم لزم من وجوب تقليده معينا عدم وجوبه‏

معينا و من حجية فتواه بالخصوص عدم حجيتها بالخصوص لأنه إذا أفتى بجواز

الرجوع إلى غير الأعلم فقد أفتى بعدم وجوب الرجوع إليه نفسه و هو خلف فكما

ان أصل التقليد لا بد ان يكون من الأعلم فكذلك خصوصياته.

فتحصل ان الإشكال يكون بوجهين مخالفة الإرجاع إلى غيره مع فطرة

المقلد و لزوم الخلف من هذا الحكم و اما جوابه عن الإشكال بتنقيح منا فهو ان‏

وجوب تقليد الأعلم ليس مثل أصل التقليد في قضاء الفطرة به جزما بل يكون‏

من باب الاحتياط ضرورة ان المكلف جازم بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم‏

و لا شك له في ذلك و اما قضاء فطرته بالرجوع إلى الأعلم فيكون من باب ان الواقع‏

الّذي هو في ذمته لا يحصل الجزم به الا بهذا الطريق فيرى نفسه بين التعيين و التخيير

و حيث لا سبيل له إلى الجزم بأحد الأطراف جزما يحكم بوجوب الرجوع إلى‏

من يوجب العمل على طبق فتواه براءة الذّمّة.

فإذا ارجع إلى الأعلم و هو أفتى بعدم وجوب الرجوع إلى الأعلم يحصل‏

له العلم بعدم لزوم هذا الاحتياط حسب الأدلة التي لا علم له بها فلا يلزم من ذلك‏

مناقضة الفطرة و لا الخلف في لزوم تقليد الأعلم كما ان أصول الدين لا يكون تقليديا

و لكن إذا ثبت بالبرهان التوحيد و العدل فيمكن التعبد في غير ذلك من النبوة

و الإمامة و المعاد ثم قال قده نعم ان استقل عقل المقلد بتعين الأعلم بحيث يرى‏

التسوية بينه و بين غيره تسوية بين العالم و الجاهل كما قربناه سابقا فلا محالة لا مجال‏

له لتقليد الأعلم في هذه المسألة.

و التحقيق عندنا هو ان حكم العقل و الفطرة يكون من باب الاحتياط لا من‏

باب الجزم و ليس مثل أصل التقليد من جهة الجزم بوجوب رجوع الجاهل إلى‏


67
العالم فلا يرد هذا الإشكال نعم الإشكال من جهة أخرى و هو ان المجتهد لا يكون‏

له إرجاع احتياطاته إلى المفضول فضلا عن إرجاعه فيما يكون له الفتوى فيه لأنه‏

يرى المفضول جاهلا فيما خالفه.

فان العلم الإجمالي ربما لا يكون منجزا عند المفضول و يكون منجزا عند

الأفضل فيجب الاحتياط عنده فكيف يمكن ان يرجع إلى من هو جاهل عنده أو

لا يرى الأعلم تطبيق العام في الشبهة المصداقية و يراه المفضول و هو جاهل بنظره‏

في ذلك فتحصل انه لا يجوز إرجاع العامي إلى المفضول من هذا الباب لا من باب‏

الخلف و مضادته مع الفطرة.

الأمر السادس المعروف انه يشترط في المفتي أمور أخر

منها الذكورة و البلوغ و طهارة المولد و العقل و الإسلام و الإيمان و العدالة

و الحق هو هذا لأن المقلد كلما شك في التعيين و التخيير لا بد له من اختيار مجمع‏

الصفات و لا وجه لمناقشة بعض الظرفاء من أهل الفن في ذلك.

نعم ان قلنا في المسألة السابقة بجواز إرجاع الأعلم إلى غيره فاذن لا مجال‏

لهذا البحث لأن المقلد يرجع إلى نظره و اما ان قلنا بعدم جواز إرجاعه إلى غير

الأعلم فهو بالفطرة يرجع إلى مجمع الصفات و هكذا يكون مقتضى الدليل‏

الاجتهادي للمجتهد لأن الأمر يدور بين التعيين و التخيير و لا بد من اختيار المعين‏

أو بتعبيرنا من ان الاشتغال اليقينيّ بالتكليف لا يحصل الفراغ منه الا بالرجوع‏

إلى من كان جامعا للشرائط.

و اما بعض الظرفاء فقال بما حاصله هو ان التسالم على جميع ما ذكر من‏

الشرائط لو لم يكن عند الكل لا مكن المناقشة في الكل و الحق عندنا عدم‏

المناقشة أصلا في الكل بل مضافا إلى الإجماع يكون لكل واحد من الصفات‏

المذكورة دليل على حدة و قبل بيان ذلك لا بد من التوجه إلى مقدمة و هي ان بناء

العقلاء لا حجية له في امر من الأمور الشرعية لأنهم بما هم عقلاء لا ربط لهم بالأمور


68
الشرعية و بما انهم متشرعون لا بحث فيه لأنه يكون سيرة شرعية و عليه ففي كل مورد

من الأمور المذكورة شك في الدخل في جواز التقليد لا يمكن التمسك به عندنا لأنه‏

من الأمور الشرعية لا من الأمور العرفية العقلائية فقط.

و اما من كان مبناه حجية بنائهم حتى في التقليد من باب انه رجوع إلى الخبرة

فيمكنه التمسك به فإذا عرفت ذلك فنقول قد ناقش المناقش في الذكورة من جهة

ان العقلاء في رجوعهم إلى الخبرة لا يفرقون بين الرّجل و المرأة بل يكون المدار عندهم‏

على الخبروية و اما ما ورد في باب القضاء و الاقتداء من شرطية كون القاضي و امام‏

الجماعة رجلا فالحكمة فيهما ظاهر و هل حال الفتوى الا كحال الرواية في عدم لزوم‏

كون الراوي رجلا و لذا يستدل على حجية الفتوى بأدلة حجية الخبر مع عدم‏

الريب في جواز عمل المرأة برأيها و الكلام في مجرد العمل بفتواها لا في تصديها

لسائر منصب المجتهد.

و يرد عليه أولا ان بناء العقلاء لا حجية له لأن من شرط الحجية هو دارجية

ما يكون الكلام فيه بين العقلاء مع كونه بمرأى و منظر من صاحب الشرع و عدم‏

ردعه منه ليكشف من ذلك حجيته و لا أدري كيف يتمسك القائل به مع عدم دارجية

إفتاء المرأة في عصر من الأعصار من أول الإسلام إلى الآن.

و لا يكون دارجا بين المتشرعين ليقال ان السيرة دالة على الجواز و قد مر ان‏

بناء العقلاء بما هم عقلاء لا حجية له في مثل التقليد الّذي هو من الأمور الشرعية و عدم‏

فرقهم في ساير أمورهم بين الرّجل و المرأة لا ربط له بالمقام.

و ثانيا ان دخل الذكورة في امام الجماعة و القاضي كيف لا يستفاد منه الدخل‏

في مقام الإفتاء مع انه أهم في النّظر و النساء ناقصات العقول و عدم دخل الذكورة

في أقربية الفتوى إلى الواقع يكون مثل عدم دخل الأورعية فيها فكيف قالوا

بوجوب تقديم الأورع هناك و لا يقولون بتقديم المذكر هنا1

1أقول مع قطع النّظر عن ساير الإشكالات فلقائل ان يقول الفارق هو


69
و من العجب عدم الفرق بين ناقل الرواية و منصب الإفتاء و نشأ هذا الزعم‏

عن خيال ان المفتي هو الّذي ينقل الأحكام و يبين الواجب و الحرام فقط و عدم‏

التوجه إلى ان هذا المنصب منصب مجعول من قبل اللَّه تعالى للفقيه حق الفقيه بولاية كلية

إلهية خلافة عن الإمام عليه السلام الّذي يكون له الولاية الكلية في الواقع و يكون المفتي‏

هو المتصرف في أمور الاجتماع من سياستهم و اقتصادهم و ساير ما يكون في عهدة

و إلى الأمر في إدارة عيشة المجتمع الدنيوية و الأخروية.

فكيف يمكن ان يكون هذا المنصب مع علوه في عهدة ناقصات العقول‏

و على فرض الشك أيضا فالأصل كما مر يقتضى التعيين لعدم حجية بناء العقلاء عندنا فيه.

و اما البلوغ فقال المناقش انه أيضا لا دليل عليه بالخصوص لأن عمدة دليل‏

حجية الخبر بناء العقلاء كما ان عمدة أدلة حجية الفتوى الفطرة و السيرة العقلائية

و الكل على قبول خبر الثقة و رجوع الجاهل إلى العالم بالغا كان أو غيره و اما قوله‏

عليه السلام انظروا إلى رجل منكم إلخ في روايات أبواب صفات القاضي في الوسائل‏

فيكون واردا مورد الغالب يعنى ان الرّجال حيث كان في عهدتهم منصب القضاء

غالبا قال عليه السلام انظروا إلى رجل منكم و لا خصيصة للرجولية في مقابل الغلام.

و من المعلوم ان منصب الإفتاء ليس بأعظم و أعلى من منصب الإمامة

مع وجود امام في الأئمة عليهم السلام الّذي لم يكن بالغا بالسن المتعارف كالإمام الجواد

عليه السلام فليس لنا دليل على عدم جواز تقليد الصبي المميز لو كان جامعا لسائر شرائط

الإفتاء.

و الجواب عنه ان السند ليس بناء العقلاء كما مر بل يكون السند دوران الأمر

بين التعيين و التخيير و حكم العقل من جهة الاشتغال اليقينيّ بالتكليف و عدم‏

النص و ان لم يتمسكوا به فيما سبق أيضا و قد مر منا في التذييلات السابقة التصريح‏

بالأورعية في مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها و دليلهم كان دوران الأمر بين التعيين‏

و التخيير فلذا يرد عليهم هذا الإشكال منه مد ظله أيضا.


70
حصول البراءة منه الا بالرجوع إلى مجمع الصفات و على فرض الشك فالأصل‏

عندنا التعيين لا الرجوع إلى بناء العقلاء كما مر هذا من جهة فقه المسألة.

و اما فلسفته قده لها فلا تتم أيضا لأن النّفس هل ترضى ان يكون ولى المسلمين‏

صبيا مميزا له سبع سنين مثلا و هل للمسلمين عرض هذا المفتي إلى العالم‏1

مع ان العقلاء في أمورهم يكون لهم رئيس و لا يرضون بتقديم صبي لإمارتهم و اما

قياسه بالإمام عليه السلام فهو سخيف أيضا لأن الإمام عليه السلام له نفس كلية إلهية محيطة بالعالم‏

و لا دخل لسنين عالم الناسوت فيها و لا يقاس الصغر و الكبر بالنسبة إليها و ليس‏

علمهم من الطريق العادي لغيرهم فكيف يقاس غيرهم إليهم عليهم السلام.

و اما مناقشة المناقش في طهارة المولد فمن باب عدم وجود دليل بالخصوص‏

فيها لا في المقام و لا في باب القضاء و وردت الروايات في عدم جواز إمامة ولد الزنا

و عدم قبول شهادته فعلى فرض تنقيح المناط فيمكن القول بها هنا و الا فلا لأن الملاك‏

هو رجوع الجاهل إلى العالم و لا فرق بين العالم الّذي ليس بولد الزنا أو من كان‏

كذلك كما ان ملاك قبول خبره هو كونه ثقة و لا يشترط فيه طهارة المولد.

و فيه ان هذا الكلام أيضا عجيب عن هذا القائل العظيم لأن لنا روايات في‏

كفر ولد الزنا في الباطن و ان لم يكن نجسا في الظاهر و لا يترتب عليه أحكام الكافر

و لا شبهة في قصور في نفسه لذلك و كيف يسع القائل ان يقول بان مفتي الشيعة يكون‏

من هو حاله كذلك و كيف لا يفهم المناط القطعي للمقام من عدم قبول شهادته و

1لو كان لنا دليل على كفاية إفتائه يمكن ان يقال لو وجد الصبي الّذي‏

يكون اعلم في كل مسألة من المسائل السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و غيرها من‏

كبراء العلماء و شيوخهم و ثبت ذلك بالتجربة أيضا لكان افتخار ذاك المجتمع‏

بذاك الصبي كما يكون افتخارنا بمثل الإمام الجواد عليه السلام و لكن لم يوجد إلى الآن‏

صبي كذلك غير المعصوم عليه السلام و يكون البحث فيه من البحث في مسألة فرضية

لا يوجد لها خارج عادة.


71
و إمامته في الجماعة و على فرض الشك أيضا فالأصل يقتضى التعيين و لا وجه لبناء

العقلاء.

و من العجب عن بعض أعاظم من قارب عصرنا بعد مناقشته فيما سبق هو

عدم ترديده في اشتراط العقل فانه قال و اما اعتبار العقل فأمره ظاهر عند العقلاء

فضلا عن المتشرعة فقد قيل انه مما أجمع عليه الخلف و السلف نعم المجنون‏

الأدواري في حال إفاقته لا مانع عند العقلاء من الرجوع إليه و حكى القول عن بعض‏

متأخري المتأخرين كصاحبي المفاتيح و الإشارات و لا بأس به ان لم ينعقد الإجماع‏

على خلافه لعموم الأدلة أيضا.

و وجه التعجب هو ان المجتهد الّذي استنبط الأحكام و قد أفتى و كتب ما

أفتى به ثم صار مجنونا لكثرة تدبره في الأحكام أو غيرها ليس أسوأ حالا من‏

الميت مع قولهم بجواز البقاء على تقليده فكيف قال بشرطية العقل بدون المناقشة

مع مناقشة فيما سبق و اما فرقه بين الأدواري و غيره فهو أيضا يمكن ان يناقش فيه‏

بان شرط الفتوى لا يكون هو الشعور الفعلي حتى يكون الفرق بين حال جنونه‏

و حال إفاقته نعم تقليده الابتدائي لا يجوز كما نقول في الميت و اما البقاء على تقليده‏

فيمكن البحث فيه.

و اما ما ذكره قده من عموم الأدلة فلم يذكر مراده من الأدلة فان كان مراده‏

بناء العقلاء فلا يمكن إثباته فانهم لا يرجعون إلى المجنون الأدواري أيضا فهل ترى‏

الناس يرجعون إلى الطبيب الّذي يكون مجنونا في بعض الساعات من الليل و النهار

و هل يعتمدون على رأيه؟!حتى يكون مثله في المقام و الحاصل ان المراد النقض‏

عليه و الا فاشتراط العقل مسلم.

و أسوأ من ذلك كله المناقشة في اشتراط الإيمان و العدالة في المجتهد

و القول بكفاية الوثوق بكون الرأي عن مقدمات صحيحة غير القياس و الاستحسان‏

و الإشكال في الرواية المنسوبة إلى العسكري عليه السلام بقوله اما من كان من الفقهاء صائنا


72
لنفسه إلى آخر قوله عليه السلام فللعوام ان يقلدوه و في آية النبأ بقوله تعالى ان جاءكم فاسق‏

بنبإ فتبينوا بان المراد من الحديث و الآية حصول الاطمئنان بفتواه لا موضوعية

العدالة و الإيمان.

و أنت بعد التفحص في الروايات في شأن العامة و الفساق ترى ضعف هذه‏

المقالة غايته فلا نطيل الكلام فيه.

ثم إذا دار الأمر بين الأعلم بالحكم و بين الأورع في العمل فالحق كما مرّ

هو تقديم الأعلم لأن ما هو الدخيل في الوصول إلى الواقع هو الأعلمية لا الأورعية

و يمكن الإشكال في المقام علينا بناء على ما سبق منا آنفا من عدم جواز تقليد الصبي‏

إذا كان هو أعلم من هذا الوجه.

و بيانه هو ان يقال مع كون الأعلمية دخيلة في الوصول إلى الواقع دون‏

البلوغ فكيف قلتم بتقديم البالغ على الصبي و لو لم يكن أعلم فيكون الأورعية كذلك‏

و يمكن الجواب عنه في هذا الفرض بان الإجماع يكون على عدم جواز تقليد

الصبي أو من باب عدم لياقته لهذا المنصب كما عن شيخنا النائيني قده فلا يقاس‏

هذا الفرع به.

مسألة في العدول من الحي إلى الحي‏

إذا قلد العامي عن أحد المتساويين في العلم فهل يكون له الرجوع إلى غيره‏

أم لا فيه خلاف من عدم الجواز مطلقا و الجواز مطلقا و التفصيل بين الرجوع في واقعة

واحدة و بين الوقائع المتعددة فلا يجوز في الأولى و يجوز في الثانية و عليه فإذا قلد

مجتهدا يقول بوجوب السورة في الصلاة ثم يريد تقليد من يقول بعدم وجوبها فلا يجوز

و السر في ذلك هو ان التقليد لا يمكن تكراره لأن طبيعي وجوب السورة لا يتحمل‏

تقليدين فإذا قلد من يقول بوجوبها لا يكون هذا الطبيعي قابلا للتقليد ثانيا و اما في‏

الوقائع المتعددة فليس الأمر كذلك فيمكن التبعيض في التقليد فيها.

ثم انه قد نسب الشيخ الأعظم قده عدم جواز العدول مطلقا إلى المشهور


73
و لا يخفى ان البحث يكون في صورة تحقق التقليد بالعمل على طبق فتوى الأول‏

و كيف كان فقد استدل على عدم جواز العدول بوجوه.

الأول باستصحاب تنجيز الرّأي للسابق بعد الشك فيه لأنه إذا قلد ابتداء من‏

يقول بوجوب السورة في صلاة الاحتياط ثم أراد العدول إلى من يقول بعدم وجوبها

فيها يكون له الشك في بقاء الحكم السابق بعد تنجيزه لأنه لا يعلم انه هل يجوز له‏

الرجوع إلى غيره أو يكون حكمه السابق باقيا.

و قد أجاب الشيخ الأعظم قده عنه بان استصحاب التخيير الابتدائي‏

حاكم على هذا لعدم بقاء الشك معه في جواز العدول كما كان جائزا في بدو الأمر

و نحن نقول ان الواقع بعد كون الرّأي طريقا إليه لا يفرق فيه بين كونه عن رأي‏

هذا المجتهد أو ذاك و لا وجه للاستصحاب بالنسبة إليه فكما أن رأي الأول طريق‏

فكذلك رأي الثاني و لا يوجب مصلحة في ذات الواقع.

و على فرض الموضوعية بالنسبة إلى الرّأي فيكون الرأيان من باب المتزاحمين‏

في المصلحة فيكون مخيرا بينهما فلا وجه لدخل الأخذ في تغيير الواقع عما هو عليه‏

و الحاصل كلا الرأيين متساويان بالنسبة إلى تنجيز الواقع و لا مرجّح للأول‏

منهما لعدم توليد مصلحة في الواقع من جهته نعم ان قيل بان نفس العمل صارت‏

من مرجحات العمل برأي الأول فللقول باستصحابه وجه و لكنه غير ثابت.

و قد يشكل على استصحاب التخيير بتعدد الموضوع‏1لأن التساوي بين‏

الرأيين كان قبل الأخذ بأحدهما و من المعلوم ان الرّأي بعد الأخذ غير الرّأي قبله‏

1أقول و قد عبر عنه بعض الأعيان بأنه من استصحاب الكلي في الفرد

المردد لأن الأخذ ان لم يؤثر شيئا فالتخيير باق قطعا و ان أثر فهو لا يكون باقيا

قطعا و عنوان التخيير الكلي لا أثر له.

و لكن يمكن ان يقال ان الأخذ لا أثر له في المصلحة و ليس الأصل مثبتا

لأن التخيير حكم تعبدي طريقي(لقوله عليه السلام اذن فتخير)فإذا كان المستصحب نفسه‏

الحكم لا نحتاج إلى الأثر الشرعي غيره فجريانه لا إشكال فيه.


74
فيكون الموضوع متعددا فلا وجه لاستصحاب التخيير ليكون حاكما على استصحاب‏

الرّأي الأول.

و قد ظهر الجواب عنه مما سبق آنفا من جهة ان الأخذ لا يوجب توليد مصلحة

في الواقع ليستصحب بعد الشك ما أخذ به ابتداء فتحصل ان استصحاب الحكم الأول‏

إذا لم يكن جاريا يكون استصحاب الموضوع و هو التخيير جاريا و لا منع منه و لكن‏

الّذي يوجب الإشكال فيه هو ان المراد باستصحابه هو جواز تقليد الثاني و هو ليس‏

من الآثار الشرعية بل من الآثار العقلية لبقاء التخيير فالأصل مثبت و عدم كونه من‏

الآثار الشرعية واضح من جهة عدم الترتب في لسان الشرع بينهما.

الوجه الثاني لعدم جواز العدول هو ان لازمه المخالفة القطعية مع الواقع فانه‏

إذا فرض تقليد مجتهد يقول بالقصر إذا كان المسير أربعة فراسخ ذاهبا و جائيا فقصر

صلاة الظهر مثلا ثم عدل عنه إلى من يقول بالتمام فيما دون ثمانية فراسخ فصلى‏

العصر تماما فانه يحصل له العلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلاتين.

فلذا على فرض صحة الاستدلال يقول العلامة الأنصاري قده بان الاحتياط التام‏

لازم و معناه ان يأتي بالظهر تماما و بالعصر قصرا في الفرض في المقام و لكنه قده يقول‏

يلزم عليه إتيان صلاة واحدة و هو قده يعلم انه ليس باحتياط تام و لكن يكون مراده‏

الخروج عن المخالفة القطعية للعلم الإجمالي فانه يحصل بواسطة إتيانها وحدها.

و قد أجاب قده عن الاستدلال بان الثابت من التكليف هو الواقع المنجز

لا الواقع الواقعي و عليه فإذا عمل المكلف على طبق فتوى الأول فقد أتى بما نجّز

عليه و إذا عمل بفتوى الثاني فقد أتى بما نجّز عليه أيضا فالعمل على طبق الرأيين‏

مجز و لا عقاب على المكلف فانه ان ترك العمل رأسا يكون معاقبا و اما مع إتيانه بهما

فقد أدى وظيفته على ما هو عليه من التكليف و العلم الإجمالي يكون بالنسبة إلى‏

الواقع الّذي لم يكن منجزا عليه و لا تكليف له بالنسبة إليه بعد حجية رأي المجتهد

فيما أفتى به.


75
و الشاهد لما ذكرناه هو انه ان قلّد مجتهدا فقصر الظهر ثم مات ذلك المجتهد

فقلد من يقول بالتمام فأتى بالصلاة تماما لم يقل أحد بوجوب إعادتها فليس المدار

على الواقع.

فان قلت في خصوص المثال يمكن ان يقال ببطلانها من جهة شرطية الترتيب‏

بين الظهرين فمن أتى بالعصر تماما و بالظهر قصرا لا يحصل له العلم بكون العصر

بعد الظهر واقعا لأنه من المحتمل ان يكون وظيفته إتمام الظهر و مع قصره يكون‏

شاكا في الترتيب لا محرزا إياه فيكون بطلان عمله من هذا الوجه أيضا.

قلت إذا قلنا بجواز العدول فيكون عمله على طبق فتوى الأول موجبا لسقوط

تكليف الظهر مثل ما إذا أتى به واقعا فيكون الترتيب حاصلا فالإشكال ان كان فيكون‏

من ناحية العلم الإجمالي و قد مر دفعه فلا يتم هذا الاستدلال لعدم جواز العدول.

الوجه الثالث لعدم جواز العدول من الحي إلى الحي هو لزوم خلاف‏

الإجماع منه مثل ما إذا أفتى أحدهما بوجوب السورة في صلاة الاحتياط و أفتى‏

الاخر بعدم وجوبها فان إطلاق فتوى الثاني يحكم ببطلان الصلاة مع السورة

و لازمه وجوب قضائها بعد العدول و هو خلاف الإجماع و ان قلنا بان عدم الوجوب‏

يكون من حين العدول لا قبله فيكون من التبعيض في رأي واحد و هو لا دليل عليه‏

كما عن الشيخ الأعظم قده فعلى هذا لا يصح القول بجواز العدول.

و الجواب عنه هو ان التقليد اما ان يكون هو العمل في واقعة شخصية و اما ان‏

يكون هو العمل على طبق عنوان كلي أو يكون هو الالتزام فعلى الأول فهو يقلد الثاني في‏

هذه الواقعة الشخصية كصلاة الاحتياط لخصوص الشك بين الثلاث و الأربع في‏

هذه الصلاة الواقعة في يوم كذا و لا ربط له بالواقعة الشخصية السابقة و لا يسرى الحكم‏

من الآن إليها.

نعم ان كان التقليد هو الالتزام فيمكن الالتزام بكلى وجوب السورة أو عدم‏

وجوبها فإذا كان فتوى الثاني عدم وجوبها بهذا العنوان الكلي فإطلاقها و ان كان‏


76
شاملا للصلاة السابقة أيضا و لكن نختار التبعيض و نقول لا يشمل الحكم للواقعة

السابقة بل يكون الالتزام بها من الآن و ما ذكر من عدم الدليل على التبعيض نقول‏

لا يتم لأن الأدلة العامة للتقليد تشمل المقام و لا يكون لنا مانع من شمولها لهذا

الفرض أيضا فان الجاهل فعلا يرجع إلى العالم فعلا لترتيب الأثر من حين التقليد

فعلى فرض كون التقليد هو الالتزام أيضا لا يرد الإشكال.

و اما على فرض كونه هو العمل على طبق العنوان الكلي مثل التقليد في كلي‏

عدم وجوب السورة فإطلاق الفتوى و ان كان لازمه وجوب قضاء ما سبق و لكن‏

المانع منه الإجماع و هو دليل عدم وجوب القضاء لا دليل عدم جواز العدول فلولاه‏

لقلنا بجوازه و وجوب القضاء فلا يتم هذا الاستدلال.

ثم يمكن ان يكون مراد العلامة الأنصاري قده من عدم جواز العدول هو ان‏

التقليد حيث يكون في العنوان الكلي مثل السورة لا في الواقعة الشخصية و هو

بنحو صرف الوجود لا ثاني له فلا يمكن التقليد ثانيا فيما قلد أولا لعدم مجي‏ء

التقليد فيما حصل التقليد فيه و هو طبيعي الرّأي المأخوذ به و التطبيق في الموارد

الشخصية يكون من لوازمه فإذا قلد المجتهد في عنوان عدم وجوب السورة في‏

صلاة الاحتياط ينطبق هذا العنوان فيها في الشك بين الثلاث و الأربع و بين الاثنتين‏

و الأربع و هكذا في جميع الافراد الخارجية.

و لذا يقول قده بعدم جواز التبعيض في صورة ملاقاة ماءين لما اختلف في‏

نجاسته و طهارته بالحكم بالنجاسة في أحدهما على طبق فتوى من يراه نجسا

و الحكم بالطهارة على طبق فتوى من يراه طاهرا فإذا قلد من يقول بالنجاسة

لا يكون له التقليد عمن يقول بالطهارة و بالعكس لعدم جواز التقليد فيما حصل‏

التقليد فيه.

الوجه الرابع لعدم جواز العدول من الحي إلى الحي هو ان الأمر يدور بين‏

التعيين و التخيير للعلم ببراءة الذّمّة بواسطة العمل بالفتوى المأخوذة أولا و الشك‏


77
في حصول البراءة بالعمل على طبق الفتوى الثانية.

و قد يرد عليه بان الإطلاقات في الأدلة اللفظية حاكمة على أصالة التعيين و هكذا

الملاك في الأدلة العقلية الّذي هو الجهل بالواقع حاكم عليها و كذلك الفطرة فهي‏

قاضية بعدم الفرق بينهما في رجوع الجاهل إليهما مع بقاء الجهل حتى بعد الأخذ

بالفتوى الأولى و الجاهل يرجع إلى العالم في كل واقعة و هكذا السيرة العقلائية

حاكمة بان من لم يتمكن من الاجتهاد يجب عليه الرجوع إلى المجتهد لأنه خبرة و المقلد

في كل واقعة لا يتمكن منه فله الرجوع إلى من هو المجتهد نعم ان كان السيرة

بالرجوع إلى من له الحجة فيمن ليس له الحجة فالمقلد بتقليده الأول صار ذا حجة

فليس ملاك رجوعه إلى الثاني باقيا.

و هكذا الدليل اللفظي في التخيير بقوله عليه السلام اذن فتخير في باب تعادل‏

للروايتين على فرض تعميمه للمقام مطلق من جهة اختياره أحدهما أم لا و هكذا آية

السؤال و ساير الآيات و الروايات الدالة على جواز التقليد فلا وجه لأصالة التعيين.

و قد أجابوا عن الإطلاق و الأدلة العقلية بان السيرة على رجوع من ليس‏

له الحجة إلى من له الحجة فلا موضوع لها بعد الأخذ بأحدهما و ليس المراد

منها ان من لم يتمكن من الاجتهاد يرجع إلى المجتهد ليكون الموضوع باقيا

و هكذا الفطرة على رجوع من لم يكن نازلا منزلة العالم إليه و المقلد بعد صيرورته‏

بمنزلة العالم بالرجوع إلى الأول ليس له الرجوع إلى الثاني.

و اما الأدلة اللفظية فليست مربوطة بالتقليد و على فرضها كذلك فلا إطلاق‏

لها لعدم كونها في صدد بيان خصوصياته بل في صدد بيان أصله فالدليل الوحيد

هو ان الأمر حيث يدور بين التعيين و التخيير لا بد من عدم الرجوع إلى الثاني لاحتمال‏

تعيين الأول بالاخذ.

ثم انه لو أخذ بقول المجتهد و لم يعمل به فهل يجب البقاء عليه و لا يجوز

العدول إلى غيره أم يختص عدم الجواز بصورة العمل فيه خلاف فربما يتوهم‏


78
ابتناء البحث على كون التقليد هو العمل فلا يجب البقاء لعدمه أو كونه الالتزام فيجب‏

من جهة تحققه.

و لكن يرد عليه ان عنوان التقليد لا يكون مأخوذا في شي‏ء من أدلة عدم جواز

البقاء حتى نكون بصدد إحرازه و ابتناء البحث عليه.

فنقول بعض أدلة المنع مثل لزوم المخالفة العملية أو كون التقليد غير قابل للتكرار

لا يأتي هنا لعدم العمل حتى يلزم ما ذكر و الإجماع يكون المتيقن منه صورة العمل‏

و استصحاب بقاء الحكم الأول المأخوذ به على فرض الجريان هناك يأتي هنا أيضا

لأن الموضوع فيه هو الشك و هو حاصل حتى مع عدم العمل و هكذا قاعدة الاشتغال‏

حاكمة لدوران الأمر بين التعيين و التخيير و احتمال التعيين بصرف الالتزام فهو

المتعين فتحصل عدم جواز العدول على فرض الالتزام و عدم العمل أيضا.

و ينبغي التنبيه على أمور

الأول هل يجوز التبعيض في التقليد في مسألة واحدة
فيه خلاف الجواز

مطلقا و عدمه مطلقا و التفصيل بين صورة لزوم المخالفة القطعية فلا يجوز و بين‏

عدمه فيجوز و أحسن ما يمثل به ما عن الشيخ الأعظم و هو ما إذا كان عنده ماءان‏

ملاقيان لما اختلف في نجاسته و طهارته كعرق الجنب من الحرام و الأخذ بفتوى من يقول‏

بطهارته في أحدهما و الأخذ بفتوى القائل بالنجاسة في الاخر فيصير أحدهما كالماء

المنحصر.

فإذا كان ثوبه نجسا فاحتاج إلى إزالة الخبث و الحدث للصلاة فغسل ثوبه‏

فقط يحصل له العلم بفساد صلاته اما من جهة بقاء الحدث أو من جهة بقاء الخبث‏

لأن الماء ان كان طاهرا يكون صلاته باطلة من جهة وجوب إزالة الحدث أيضا

بالكأس الاخر و ان كان نجسا فتكون باطلة لبقاء الخبث فقيل في خصوص المثال‏

لا يجوز التبعيض للزوم المخالفة العملية.

و يظهر عن الشيخ الأعظم عدم جواز التبعيض لأن رأي المجتهد يكون كليا


79
و لا يكون في الواقعة الشخصية حتى يكون التقليد في هذه الواقعة دون غيرها و على‏

فرض الشك في جوازه فالأصل عدم مشروعية تقليد الثاني.

لا يقال‏1لا فرق بين العدول و التبعيض لأن التبعيض أيضا عدول لأنا نقول‏

العدول يكون في الرّأي الكلي و هنا يكون باعتبار الشخص فان قلت التقليد على‏

فرض كونه هو العمل يكون بالنسبة إلى الشخص أيضا و الكلي لا تقليد فيه قلت هما

مشتركان في العمل و لكن العمل في العدول يكون بلحاظ الكلي و في التبعيض بلحاظ

الشخص.

الأمر الثاني ان الحصص من الطبيعي يجوز التبعيض فيها
خلافا للشيخ‏

1أقول ان هذا القدر من البيان لا يتم للفرق بين التبعيض و العدول فان التقليد

هنا أيضا يكون في عنوان كلي و هو نجاسة عرق الجنب من الحرام و طهارته كما

مر في عنوان وجوب السورة و عدمه في مثال العدول و التطبيق في الفرد هنا يكون‏

مثل التطبيق هناك فبالعمل تصير الواقعة شخصية في المقامين و قد مر ان النزاع في‏

العدول يكون في الواقعة الشخصية لا الوقائع المتعددة فما يمكن ان يقال في الفرق‏

هو ان التبعيض يكون من لوازم العدول كما مر منه و من غيره من ان هذا أحد أدلة عدم‏

جواز العدول و قد مر منه شمول الإطلاقات للتبعيض أيضا و لا دليل على عدم جوازه‏

فان لم يجز العدول فهو و ان جاز فلا إشكال في التبعيض.

و اما لزوم المخالفة القطعية في المثال في المقام فهو من جهة ملاحظة ان‏

الماءين اما طاهران أو نجسان في الواقع فعلى فرض الطهارة لا بد من تحصيل الطهارة

المائية في الحدث لعدم انحصار الماء بكأس واحد ليكون المقدم إزالة الخبث و على‏

فرض النجاسة فقد بقي الخبث.

فالصلاة هذه اما فاقدة للطهارة المائية أو فاقدة للشرط الّذي هو إزالة الخبث‏

و لكن هذا يكون بلحاظ الواقع و اما بلحاظ تنجيز رأي المجتهد فلا يحصل العلم‏

كذلك لأنه عمل بما هو وظيفته على فرض جواز العدول فالملاك كله في جوازه‏

و عدمه.


80
الأعظم قده لأن الرّأي في كل حصة كلي و ليس بشخص مثاله ما إذا أفتى أحد

المجتهدين بنجاسة الكافر بهذا العنوان الشامل لليهودي و النصراني و المجوسي‏

فقلده ثم أراد تقليد من يقول بطهارة النصراني مثلا فان الطبيعي يكون هو عنوان‏

الكافر و اليهود و غيرهم من حصصه و في هذا المثال و أمثاله يكون التقليد بالنسبة

إلى الحصص بنحو الكلي.

فللمقلد تقليد أحد المتساويين في أحد العناوين من الحصص و تقليد آخر

في عنوان آخر و ليس مثل واقعة واحدة شخصية كوجوب السورة في صلاة

الاحتياط و عدمه و المخالف زعم ان التقليد في عنوان الكافر تقليد في حصصه فيقول‏

بعدم جواز العدول و هو خلاف التحقيق.

الأمر الثالث في ان العدول عن الاحتياط هل هو عدول غير جائز
مثل العدول‏

عن الفتوى أم لا فيه خلاف و قبل توضيح المرام اعلم ان الاحتياط على ثلاثة أقسام‏

الأول ان يكون العمل به لا من تقليد بل اتفق كون هذا الاحتياط مفتى به عند بعض‏

الاعلام من المجتهدين الثاني ان يقلد من أفتى به الثالث ان يعمل به استحبابا.

اما الأول فيظهر عن الشيخ الأعظم قده جواز تقليد من له الفتوى من باب‏

عدم التقليد في هذا العنوان من أحد حتى يصدق عنوان العدول فله العمل‏

بالفتوى لا الاحتياط و لكن يمكن ان يقال ان عنوان التقليد لا يكون في لسان الأدلة

حتى نكون في صدد إحرازه و العدول عنه فإذا عمل عملا و وافق في الواقع رأي‏

من يتبع رأيه‏1لا يجوز العدول منه إلى غيره لصدق عنوان العدول في الواقع‏

فلا بد من ملاحظة أدلة عدم جوازه فان كان الدليل هو لزوم المخالفة القطعية كما في‏

1التقليد عنده مد ظله هو العمل المستند و عنوانه على فرض عدم كفاية

كونه في مثل قوله عليه السلام فللعوام ان يقلدوه و لكن صدق عنوان العدول يحتاج إلى‏

الاستناد و لا يكون صادقا بدونه نعم ان قال لا نحتاج إلى صدق هذا العنوان أيضا

بل المدار هو الشك في حجية الفتوى بعد العمل بالاحتياط و هو حاصل فله وجه.


81
صلاة الظهر و العصر إذا كان الاختلاف في رأيي المجتهدين من حيث القصر و الإتمام‏

كما مر فلا يأتي هنا لأن الفرض انه احتاط بالجمع بين القصر و الإتمام.

و هكذا ان كان الدليل لزوم قضاء ما سبق مع الإجماع على خلافه لأن الفرض‏

احتياطه فيه فان كان فتوى الثاني قصرا فقد قصر و ان كانت تماما فقدتم بالجمع‏

بينهما و هكذا ان كان الدليل الاشتغال اليقينيّ الّذي لا يحصل الفراغ منه الا بالبقاء

لأنه احتاط فقد حصل الفراغ يقينا1

و اما استصحاب التخيير فلا يجري من جهة عدم تكرر صرف وجود التقليد

كما مر و عمومات جواز التقليد لا تشمل هذه الصورة التي حصل التقليد في الواقع‏

فلا يجوز العدول لذلك.

و ان كان المشهور جوازه و اما العدول في القسم الثاني من الاحتياط فهو صادق‏

و يدور مدار جوازه و عدمه و أدلة عدم جوازه غير التعيين و التخيير و كون التقليد بنحو

صرف الوجود فلا يتكرر لا يأتي هنا لكونه عاملا بالاحتياط و اما العدول في القسم‏

الثالث فلا فرق بين الواجب و المستحب في جوازه و عدمه إذا كان الاحتياط الاستحبابي‏

مطابقا لرأي من يتبع رأيه أو من باب الاستناد إلى فتوى من يقول باستحبابه.

ثم ان القول بالتفصيل بين الاحتياط العقلي و بين الشرعي في جواز العدول‏

في الأول و عدم الجواز في الثاني فغير وجيه اما بيان التفصيل فلان الاحتياط العقلي‏

كموارد العلم الإجمالي يكون حكم الفقيه فيه إرشادا إلى حكم العقل و فتواه بمنزلة

اخباره بوجود حكم العقل فلا تقليد فيه لئلا يجوز العدول بخلاف الاحتياط الشرعي‏

كما في باب الفروج و الدماء فلا يجوز من جهة انه فتواه و ليس نائبا عن المقلد

1لا يكون الكلام في عمله السابق بل الكلام في عمله اللاحق و هو الأخذ

بالفتوى في مقابل الاحتياط و الكلام يكون في اشتغاله بالنسبة إليه فلو تم الدليل‏

و كان المقام من مصاديق العدول فلا يجوز لعدم قطعه بالفراغ بعمله بالفتوى كما

هو واضح كالقسم الثاني من الاحتياط على ما سيجي‏ء منه.


82
في بيان مورده فقط لعدم حكم لعقله فيه.

و اما بيان الرد فلان المشهور القائلين بجواز الرجوع في الاحتياط لا يفرقون‏

بين الشرعي و العقلي هذا أولا و ثانيا لا فرق في نيابة المجتهد عن المقلد فيهما لأنه‏

نائب عنه في الشرعي أيضا لأن الخطابات الطرقية مثل تصديق العادل أيضا شاملة

للمقلد و لكنه حيث لا قدرة له على الاستنباط يكون المجتهد نائبا عنه.

و ثالثا ان الرجوع غير جائز من باب ان الأعلم إذا أفتى بالاحتياط حسب‏

ما ادى إليه نظره لا يكون له الإرجاع إلى المفضول الّذي هو الأعلم بعده لعدم تمامية

فتواه عنده لعدم تمامية دليله عنده و اما الرجوع إلى المساوي فهو من مصاديق العدول‏

فان جاز فهو و الا فلا فتحصل ان الاحتياط مثل الفتوى في جواز العدول و عدمه فيه.

الأمر الرابع‏
في ان المقلد إذا نسي فتوى المجتهد الّذي قلده و لم يكن‏

السؤال عنه لموته أو غير ذلك فهل يجب عليه الفحص أو لا فإذا تفحص و لم يجدها

قطعا بل وجدها ظنا فهل يعمل بالظن أم لا و إذا لم يجدها قطعا أو ظنا ثم رجع إلى‏

الثاني ثم وجدها فهل يجب العود إلى فتوى الأول أم لا

فيه جهات من البحث.

الجهة الأولى في وجوب الفحص‏
و هو مختار الشيخ الأعظم قده لأن البقاء

على التقليد إذا كان واجبا فمقدمته واجبة نظير الأمارة إذا وجدها ثم نسي موضعها

في الكتب المعتبرة فمن رأي خبرا في الموضوع الفلاني و نسيه فعلا يجب عليه‏

الفحص و حجية الفتوى تكون مثل حجية الأمارة.

فان قلت ليس لنا دليل لفظي على وجوب البقاء حتى يكون إطلاقه موجبا

لتحصيل مقدماته فالمتيقن هو البقاء في صورة عدم النسيان و لا دليل على وجوب‏

تحصيل المقدمات قلت مراده قده من ذلك هو ان الواقع المنجز يكون طريقه‏

موجودا فيجب الأخذ به من باب وجوب الأخذ بفتوى المجتهد الّذي قلده و ليس‏

مراده وجوب البقاء حتى يقال لا دليل لفظي عليه فالفحص واجب لا إشكال فيه.

الجهة الثانية
في انه إذا لم يجد الفتوى بعد الفحص و لكن حصل له الظن‏
83
به فاحتمل قده فيها وجهين جواز العدول و عدمه و قوى الأول و استدل عليه بان‏

الظن لا دليل على اعتباره بعد إمكان الأخذ بالحجة الأخرى و التخيير إذا تعذر أحد

أطرافه يتعين الطرف الاخر و هنا يكون كذلك مضافا بان دليل وجوب البقاء

هو الإجماع و هو دليل لبي و المتيقن منه صورة حصول القطع بالفتوى السابقة

لا الظن بها.

و قد أشكل عليه بان الاحتياط إذا لم يكن عسريا يكون هو المتعين فانه يلاحظ

الفتاوى و يأخذ بأحوطها للعلم الإجمالي بوجود رأي السابق بين الآراء في المسألة

كالآراء في العصير العنبي فانها منحصرة في عدد يسير و فيه ان مقوم الحجة هو

الوصول فلا حجية له قبله و حيث ان العلم الإجمالي لا يكفى لذلك يأخذ بما هو حجة

فعلا و ليس مثل العلم الإجمالي بوجود تكليف في البين كالاجتناب عن النجس في‏

الكأسين الذين يكون أحدهما نجسا فالحق معه قده.

و قد أشكل عليه بان المتفحص إذا حصل له الظن يكون امره دائرا بين الأخذ

بمظنون الحجية و بين الأخذ بمشكوكها و هو فتوى الثاني و المظنون مقدم على‏

المشكوك و فيه ان الظن غير معتبر فيتعين الأخذ بالفتوى الثانية بعد تعذر غيرها.

الجهة الثالثة
في ان المقلد إذا رجع إلى الثاني ثم وجد فتوى الأول فهل يجب‏

عليه العود أم لا فيه خلاف و قد نسب قده إلى بعض معاصريه و لعله صاحب المقابيس‏

وجوب العود إلى الأول لأن الواقع بالنسيان لا يتغير عما هو عليه و قد أشكل قده عليه‏

بان نسيان الحكم و ان لم يوجب تغيره لاشتراك العالم و الجاهل فيه و لكن نسيان‏

الموضوع ليس كذلك فان المقلد بنسيانه التقليد قد عجز عن الامتثال للفتوى الأولى‏

و صار موضوعا للتكليف بالاخذ بالثانية فإذا ارتفع النسيان يكون القول بجواز عوده‏

إلى الأولى محتاجا إلى الدليل و مع الشك في جوازه فيكون من دوران الأمر بين‏

التعيين و التخيير و المتعين أخذه بالثانية.

و قد أجيب عنها بان وجوب العمل بالفتوى و هو الحكم و ان لم يكن منسيا


84
كما ذكره قده و لكن متعلق هذا الحكم أيضا يكون هو الحكم فان كان التقليد هو

العمل على طبق الفتوى فيكون المنسي هو الحكم الخاصّ مثل وجوب الصلاة

فالحكم الخاصّ و هو وجوبها مثلا منسي و هذا الحكم يشترك فيه العالم و الجاهل‏

فهذا الحكم الخاصّ موضوع لحكم الجري على طبقه و ان كان لا يتحقق التقليد

الا بالالتزام أو الاستناد إلى الفتوى فللنسيان مساس بمتعلق الحكم أيضا و بعبارة

واضحة انه نسي الفتوى التي هي متعلقة بوجوب الصلاة مثلا و الحق عندي هو

ان نسيان الفتوى يكون من نسيان الحكم و القول بعدم العود يكون معناه اختصاص‏

الحكم بالعالم به و هو يلزم منه دور العلامة مع انه خلاف الإجماع.

الأمر الخامس‏
في انه على فرض عدم جواز العدول إلى المساوي فهل يجوز

العدول إلى الأعلم الّذي صار اعلم بعد تقليد الأول أم لا:المشهور هو الأول و ان‏

كان مقتضى كون التقليد بنحو صرف الوجود غير قابل للتكرار على ما مرّ هو

الثاني و سندهم إطلاق أدلة الرجوع إلى الأعلم من جهة السبق بتقليد غيره و عدمه‏

فنقول ان الدليل على وجوب الرجوع إلى الأعلم ان كان فطرة العامي فهي‏

لا محالة تحكم بوجوب الرجوع إليه لا إلى غيره و فتوى السابق بعد جواز رجوعه‏

إليه لا يصغى إليه من جهة كونه مفضولا نعم ان أفتى الأعلم بالبقاء على تقليده يجوز

و لكن في الواقع يكون هذا أيضا تقليدا للأعلم لا للمفضول.

و اما من جهة الدليل الاجتهادي مع قطع النّظر عن فطرة العامي فنقول ان‏

كان الدليل على عدم جواز العدول الإجماع فالمتيقن منه صورة عدم أعلمية الثاني‏

و ان كان عدمه من باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير و القول بالتعيين فهو معارض‏

بمثله لأن القول بالتعيين يكون من باب الاحتياط من جهة احتمال دخالة الأخذ

بالأول و في المقام نحتمل تعيين الأعلم من جهة كونه كذلك و ان كان الدليل ان‏

صرف وجود التقليد لا تكرار فيه فلا بد من الأخذ بأحوط القولين فيما لم يعمل‏

و البقاء عليه فيما عمل به.


85
و لكن الإنصاف تقديم الأعلم و عدم الشك في الرجوع إليه و احتمال كون‏

الاحتياط في البقاء موهون جدا:لأنه يرجع إلى القول بتساوي العالم و الجاهل‏

و الواجد و الفاقد و هو خلاف الغريزة فالحق جواز العدول بلا إشكال‏1

الأمر السادس‏
في انه إذا علم تقليده في العمل السابق و لكن لا يعلم انه كان صحيحا

أو فاسدا فهل يجوز عليه البقاء و الحكم بصحة عمله السابق و اللاحق و هكذا تقليده‏

كذلك أم لا فيه بحث فإذا كان شكه منشأ للشك في صحة عمله السابق فهو على‏

نحوين الأول ان يكون التشكيك في تقليده من باب التشكيك في عدم كون المجتهد

جامعا لشرائط الإفتاء و الثاني ان يكون من باب عدم كونه على المباني الشرعية في تعيينه‏

للتقليد مثل عدم كونه عن شهادة البينة العادلة و على أي تقدير تكون أصالة الصحة

أو قاعدة الفراغ جارية بالنسبة إلى العمل السابق و بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة

فاستصحاب بقاء الأهلية جار كاستصحاب العدالة لو شك فيها فيترتب عليه صحة

الأعمال اللاحقة.

و اما مع عدم الحالة السابقة فلا بد من الفحص ليظهر الحال و اما إذا كان‏

الشك في صحة التقليد فعلى فرض كونه عملا من الأعمال فأصالة الصحة فيه أيضا

جارية مثل غيره و اما على فرض كونه التزاما فلا تجري لعدم كونه عملا2فأصالة

1أقول و هذا كاشف قابلية التقليد للتكرار و انه يتكرر بتكرر الأعمال‏

و ليس بنحو صرف الوجود و لو في عنوان واحد كوجوب السورة كما مر و الا

فالحكم العقلي بمحالية شي‏ء كيف انقلب عما هو عليه و تعلق الوجوب بطبيعي‏

الرّأي يكون بلحاظ الافراد الخارجية كما في غيره.

2أقول ملاك جريان قاعدة الفراغ و أصالة الصحة في عمل النّفس هو

الأذكرية حين العمل و لا يبعد القول بان الالتزام و البناء على تقليد مجتهد خاص‏

أيضا عمل من الأعمال النفسيّة خصوصا بعد ترتيب اثره في الخارج عليه فيمكن‏

ان يقال هو حين هذا العمل أيضا اذكر منه حين يشك و الفرض بقاء الشك و عدم‏

إحراز عدم لياقة المجتهد للتقليد لا صورة كشف الخلاف.


86
الصحة في أعماله السابقة جارية.

و اما في الأعمال اللاحقة فلا بد من الفحص الا إذا كان الشك في صحة التقليد

من باب الشك في عدالة البينة القائمة على الاجتهاد و الأعلمية فاستصحابها يحكم‏

بصحة العمل على طبق رأي المجتهد فيما سيأتي أيضا و حيث ان المختار هو كون‏

التقليد هو العمل المستند فأصالة الصحة جارية بالنسبة إلى الأعمال السابقة و منها

التقليد و يترتب عليه جميع الآثار له و للعمل فعلى هذا لا يجوز العدول إلى غيره الا ان‏

يكون اعلم لأن جواز العدول و عدمه يكون من آثار صحة التقليد و عدمها.

الأمر السابع في حكم عمل العامي بلا احتياط و لا تقليد
و الحق كما قيل‏

بطلان عمله إذا لم يطابق الواقع و لا رأى من يجب عليه اتباعه اما إذا كان مطابقا

للواقع و لرأي من يتبع رأيه و حصل منه قصد القربة فهو صحيح و على هذا يحمل‏

كلام من قال عمل العامي بلا اجتهاد و لا تقليد باطل هذا إذا كان العامي غافلا و اما

إذا كان ملتفتا بأنه يجب عليه التقليد أو الاحتياط و لم يحتط و أتى بالعمل بدون التقليد

فربما يقال بعدم صحة عمله لأنه لا بد في إتيانه من كونه عن قصد امر جزمي بداعي‏

القربة و هو لا يحصل الا بإتيانه بالاحتياط ليحصل الجزم يكون عمله عن امر في البين‏

فحيث لم يحتط لم يكن داعيه امر اللّه تعالى.

و يرد عليه بان داعيه بإتيان أحد الأطراف أيضا يكون هو الأمر من الشارع‏

و عدم إتيانه بالفرد الاخر المحقق للاحتياط ربما يكون لمشقته عليه و هذا لا يضر

بكون عمله عن امر الشارع كما انه في موارد العلم الإجمالي يأتي بكل فرد من‏

الافراد بالأمر الاحتمالي عنه و لا جزم له به في خصوصه فإذا طابق هذا العمل مع‏

الواقع أو رأى من يتبع رأيه فلا دليل لنا على البطلان و قصد الأمر الجزمي غير

دخيل في القربة و لو شك تجري البراءة بالنسبة إلى الخصوصية الخاصة كما ان الحق‏

عندنا أصالة البراءة عن التعبدية لو شك فيها في عمل من الأعمال.

نعم من يقول بان الجزم بالأمر دخيل في حصول القربة يشكل عليه الأمر


87
ثم إذا انكشف كون الواقع على خلاف ما أتى به أو رأي من يتبع رأيه فلا إشكال‏

في البطلان و هذا واضح.

و انما الكلام في صورة عدم حصول العلم بمطابقة الواقع مع كون المدار

على رأي من يتبع رأيه فهل المدار عليه حين العمل أو حين التقليد فانه ربما يطابق‏

عمله مع رأي من مات و لا يكون مطابقا لرأي المجتهد الحي فان كان المدار على‏

وقت العمل فقد صح عمله و ان كان المدار على وقت التقليد فلا تصح فإذا كان الثاني‏

اعلم فعلا و لم يكن وقت العمل كذلك أو لم يكن مجتهدا أصلا فربما يقال باتباع‏

رأيه فعلا و ترتيب الأثر عليه.

و حاصل الدليل على اتباع الرّأي حين التقليد هو ان ما يمكن ان يحتج به عند

المولى على فرض عدم مصادفة العمل مع الواقع في الواقع هو الحجة الواصلة و لا حجية

لما لم يصل لأن مقومها الوصول و رأي المجتهد وقت العمل لم يصل إليه فلا يكون له‏

الاحتجاج به و ما وصل هو رأي الثاني وقت التقليد.

و لا يقال ان الوصول يوجب التنجيز و اما المدار في صحة العمل و فساده فهو

القانون الموضوع عن الشرع و هو في وقت العمل كان رأي المجتهد السابق و ان‏

قصر المقلد في تحصيله فكيف لا يصح عمله لأنا نقول ان المدار في الحجة على‏

الوصول و العمل يلزم اما ان يطابق مع الواقع و اما مع الحجة و لا حجة مع عدم‏

الوصول‏1و بهذا يفرق بين العدول و المقام فان المقلد إذا عمل برأي من يجب عليه‏

1و بعد في الذهن شي‏ء و هو ان المكلف في مقام الاحتجاج مع مولاه يمكنه‏

ان يقول في وقت العمل هل كان على تكليف أم لا فان كان فلا بد ان يكون رأي من‏

يتبع رأيه في ذاك الزمان لا من لم يكن مجتهدا أو كان و لم يتبع رأيه و ان لم يكن‏

تكليف فلا عقاب بالنسبة إليه و المفروض عدم وصوله إلى الواقع بالطريق العادي‏

و منه رأي المجتهد لأنه أيضا ظهر خلافه فلا يمكن ان يحتج بكون الواقع هو تكليفه‏

هذا مضافا إلى ان رأي المجتهد من جهة الحجية يكون مثل وجود رواية

لم تصل إليه فلم تتنجز مع انها حجة في الواقع و ان لم يصل إليها المكلف فإذا


88
لم تقليده ثم صار غيره اعلم و أفتى بخلافه فقد أخذ بالحجة ابتداء و وافق عمله معها و اما

في المقام فليس كذلك‏

و ان قلنا فيما مر ان إطلاق فتوى الثاني لازمه عدم صحة العمل السابق و لكن‏

الإجماع دل على عدم الإعادة أو قاعدة لا تعاد دلت على عدمها في خصوص الصلاة

و لكن الإجماع دليل لبي لا يشمل صورة عدم كون العمل عن الأخذ بالحجة

و قاعدة لا تعاد منصرفة عن العمل بدون الاستناد إليها أيضا فتحصل ان الحجة هي‏

رأي المجتهد حين التنبه فيجب العمل على طبقه أو الأخذ بأحوط القولين.

فصل في اشتراط الحياة في المفتي‏

و هذا البحث يكون في الكفاية و لكن أكثر ما سبق لم يكن فيها فنقول‏

اختلفوا في اشتراط الحياة في المفتي فالمعروف بين الأصحاب الاشتراط مطلقا

و المعروف بين العامة و هو خيرة الأخباريين و بعض المجتهدين من أصحابنا عدم‏

اشتراطها مطلقا و التفصيل بين التقليد ابتداء فتشترط و بينه بقاء فلا تشترط و تفصيل‏

آخر بين ما إذا كان الميت أعلم من الحي فيجوز تقليده مطلقا و الا فلا يجوز

مطلقا.

ثم البحث هنا أيضا مثل ما مر في تقليد الأعلم في مقامين الأول ملاحظة

حال العامي بحسب فطرته و الثاني في الدليل الاجتهادي الّذي يتمسك به الفقيه ليفتي‏

بجواز تقليد الميت و عدمه.اما المقام الأول فلا شبهة في ان العامي بحسب الفطرة

و ما في ذهنه من انسداد باب الأحكام عليه الا بالرجوع إلى الخبرة يرجع إلى‏

الحي لا إلى الميت كما ان الرجوع إلى ساير أرباب الصنائع يكون في حال‏

حياتهم فهو إذا لاحظ فطرته يرى الاحتياط في أخذ الحي الّذي يحتمل تعيينه‏

تتنجز لتقصيره عليه يكون للمولى الاحتجاج عليه بها و لو كان الواقع على خلافها

فيكون رأي المجتهد كذلك الا ان يقال يكون الأخذ له الموضوعية لا الطريقية و هو

كما ترى،


89
و ان لم يلتفت تفصيلا إلى ان هذا الباب من دوران الأمر بين التعيين و التخيير و اما

المقام الثاني ففيه أيضا يرى المجتهد دوران الأمر بين التعيين و التخيير و لا بد له‏

من الفتوى بالتعيين للشك في حجية فتوى الميت.

فان قلت ان الأصل يكون معارضا بمثله في صورة كون الميت أعلم من‏

الحي فان رأيه اقرب إلى الواقع فيحتمل ان يكون هو المتعين بل فطرة العوام‏

أيضا على احتمال التعيين فكما ان الأعلمية متقدمة على الأورعية في فرض الدوران‏

كذلك فكذلك في المقام يكون الحياة مثل الأورعية و المتيقن من الإجماع‏

الدال على عدم جواز الرجوع إلى الميت هو صورة عدم كونه اعلم لأنه دليل لبّي‏

و لا إطلاق له.

و ربما يعتذر عن ذلك بان شرطية الحياة ليست من باب الأقربية إلى الواقع‏

و الإجماع على اشتراطها يكون لسرّ آخر فلا تقاس مع الأعلمية و فيه ان الإجماع‏

في صورة كون الميت أعلم من الحي لا لسان له فالمتيقن منه اشتراطها في غير هذه‏

الصورة.

قلت في المقام يكون الكلام في أصل جواز تقليد الميت لما سيجي‏ء من التشكيك‏

في وجود الرّأي له الّذي لا يمكن التقليد بدونه فان جاز تقليده يكون للأعلمية دخل‏

و الا فلا.

ثم انه قد يستدل لجواز تقليد الميت بوجوه لو تمت تكون حاكمة على أصالة

التعيين لأنها أصل عقلي و كل دليل أو أصل شرعي مقدم عليه الأول استصحاب جواز

التقليد السابق يعنى زمان حياته و الموت من الحالات الطارية الموجبة للشك.

و قد أشكل عليه بان التقليد يكون قوامه برأي المجتهد فيلزم إثباته بعد الموت‏

أيضا و بقائه محل الخلاف فعن وحيد البهبهاني قده ما حاصله ان الرّأي يزول‏

بواسطة الغفلة و النسيان فكيف بالموت الّذي يصير معه الذهن جمادا لا حس فيه‏

فموضوع التقليد و هو الرّأي منهدم قطعا فلا مجال لاستصحاب الجواز


90
و قد أجيب عنه‏1بان النّفس المجردات كما ثبت في محله و المجرد

لا موت له و الرّأي قائم بها لا بالبدن الّذي عرض له الموت و زواله حين الموت‏

بالوحشة لا يوجب زوال النّفس فهي باقية مع رأيها فلا وجه لكلام هذا القائل من‏

ادعاء القطع بزواله و على فرض الشك فيه فيستصحب بقائه أو يقال بجريان استصحاب‏

الحكم مع الشك في الموضوع أيضا فيستصحب جواز التقليد مع الشك في الرّأي‏

الّذي هو الموضوع.

و الجواب عنه ان هذا يتوقف على كون آراء المجتهد كليات قائمة بنحو

الكلية بالنفس و الا فان كانت من الأوهام و الخيالات و المدركات بالحس فان سنده‏

الرواية المروية عن زرارة و أمثاله فتزول بواسطة الموت‏2مضافا بان بقاء

النّفس لا يلزمه بقاء الرّأي فمن الممكن ان يزول مع بقائها مع عدم إثبات التجرد

لغيرها من الوهم و الخيال و الحس عند الجميع بل هو اختلافي عندهم و اما الواقعيات‏

المنكشفة له بعد الموت لا حجية لها لعدم الدليل عليها كالواقعيات التي يكون‏

كشفها برياضات المرتاضين مع عدم ثبوت كشف الحقائق لكل أحد بعد الموت‏

و مع قطع النّظر عن ذلك فأكثر الأحكام الظاهرية يكون موردها الشك‏

كما في الأمارات أو موضوعها الشك كما في الأصول و ليس لنا العلم ببقاء الشك‏

حتى بعد الموت لو لم نقل بأنه يزول بعده فلم يثبت بما ذكر بقاء الرّأي قطعا و اما

استصحابه مع الشك فيه فائضا لا يجري لعدم الأثر الشرعي له ضرورة ان جواز

1أقول ان ظاهر كلامه قده كما يظهر من التمثيل بالغفلة و النسيان هو ادعاء

الزوال لحصول الوحشة لا لانعدام النّفس حتى يشكل عليه بان النّفس باقية فعلى‏

المدعى إثباته و إثبات عدم زواله بالموت.

2مع قطع النّظر عن ساير الإشكالات فالظاهر عدم تمامية هذا لأن مقدمات‏

الرّأي إذا حصلت من الحس بالسماع عن زرارة غير ذلك لا تضر بكليته فان رأيه‏

في حرمة العصير العنبي و نجاسته إذا غلى كلي لا ربط له بالموضوعات الشخصية

و بكليته ينطبق على المصاديق كما لا يخفى.


91
التقليد مع بقاء الرّأي امر تكويني لحكم العقل أو الفطرة أو العقلاء به و على فرض‏

كونه شرعيا فليس الترتب شرعيا فان الحكم بطهارة الثوب بواسطة جريان استصحاب‏

الطهارة يكون من جهة ترتب هذا الأثر في الدليل الشرعي على طهارة الماء.

و مع قطع النّظر عن جميع ذلك فبقاء الموضوع عرفا شرط في جريانه‏

لا دقة و الميت غير الحي عندهم فليس للاستصحاب وجه و لا يقال ان كان الأمر كما

ذكرت فلما ذا يستصحب جواز نظر الزوج إلى بدن زوجته بعد موتها و بالعكس‏

لأنا نقول يتفاوت نظر هم بالنسبة إلى الآثار فانهم يرون موضوع جواز النّظر هو البدن‏

و هو باق بعده و يرون جواز التقليد من آثار الحياة و هي معدومة فتحصل من جميع‏

ما تقدم على جريان استصحاب جواز التقليد ليكون حاكما على أصالة التعيين.

و قد استدل بالاستصحاب التعليقي في جواز تقليد الميت و بيانه ان المجتهد

حين حياته ان قلده المقلد كان رأيه حجة عليه فإذا مات و صار المقلد مكلفا يكون‏

كذلك لأن الموت يكون من الحالات الطارية كما يجري استصحاب الحرمة

و النجاسة الثابتة بالغليان بالنسبة إلى العنب إذا صار زبيبا فانه حين كونه عنبا كان له‏

هذا الحكم على فرض الغليان فهكذا بعد صيرورته زبيبا.

و الإشكال عليه أولا بان هذا القسم من الاستصحاب غير جار عند الجميع‏

في جميع الموارد فان الاختلاف في جريانه و عدمه مشهور و ثانيا ان التعليق لو كان‏

في لسان الشارع كما في العنب إذا غلى يصح الاستصحاب و في المقام ليس كذلك‏

بل قيد الحياة يكون مستفادا من العقل أو الفطرة أو انصراف الخطاب عن الميت‏

فكيف يقال انه حين كان حيا كان جائز التقليد فهكذا بعده و ثالثا بقاء الرّأي بعد

الموت يكون مشكوكا و قد مر الكلام فيه فلو ثبت وجود الرّأي بعده يمكن الكلام‏

في استصحاب الحكم و الا فلا فهذا النحو من الاستصحاب أيضا غير جار.

و بتقريب آخر ان المستصحب اما ان يكون هو الحجية الثابتة حين الحياة

أو الحكم الواقعي الّذي كان على ما أفتى به المجتهد مثل وجوب السورة في صلاة


92
الاحتياط و اما ان يكون هو الحكم الظاهري اما استصحاب الحجية فقد أشكل عليه بان‏

المحرر في محله هو وجوب كون المستصحب اما حكما أو موضوعا ذا حكم و الحجية

ليست حكما لعدم كونها مجعولة و ان قلنا بمجعولية غيرها من الوضعيات كالملكية

و ليست الا الأمر بمعاملة اليقين مع ما ادى إليه الأمارة أو ترتيب أثر الواقع فمن هذا

الأمر ينتزع الحجية و مثلها الوجوب و الحرمة فانهما أيضا منتزعان من الإرادة الجازمة

البعثية و الكراهة الجازمة الزجرية و المدار عليهما لا على هذين العنوانين فلو كشف‏

المكلف الإرادة و الكراهة كذلك لا بد من الجري على طبقهما و لو بدون إبراز

المولى بجعل الوجوب و الحرمة و الحجية مثلهما في انتزاعها عن امر عامل معاملة

اليقين أو معاملة الواقع و اما عدم كونها موضوعا ذا حكم شرعي فلان مؤدى‏

الأمارة اما ان يكون هو الواقع فهو منجز و اما ان يخطئ فهو معذر و المنجزية

و المعذرية امران عقليان.

و الجواب عنه ان المستصحب لا يلزم ان يكون حكما أو موضوعا ذا حكم‏

شرعي بل يكفى كون امر وضعه و رفعه بيد الشرع و من المعلوم ان الحجية كذلك‏

و لو بمنشإ انتزاعها و هو الأمر بمعاملة اليقين أو الواقع مع مؤدى الأمارة فللشارع‏

عدم جعلها و لكنه جعلها كذلك و قد أشكل عليه ثانيا بان ما هو الحجة هو رأي المجتهد

و حدوثه لا يكفى للبقاء و هو مشكوك بعد الموت فليس لنا استصحاب ما هو مشكوك‏

من أصله و غير ثابت لا بالوجدان و لا بالتعبد.

و اما استصحاب الرّأي فهو مثبت كما مر لأن جواز التقليد يكون من الآثار

التي يكون ترتبه عليه عقليا1و ان كان نفسه شرعيا و لا بد من الأثر الشرعي و كون‏

1أقول انه هنا نقول بما قاله مد ظله آنفا من كفاية كون امر المستصحب‏

بيد الشرع و من المعلوم ان للشارع التعبد ببقاء الرّأي و جواز التقليد ليس عقليا

محضا بل الشارع أيضا امر به و لو كان إرشادا و يكفى هذا للتعبد و لكن الإشكال‏

في ان الموضوع غير منحفظ في نظر العرف فان الحي غير الميت.


93
الترتب أيضا شرعيا و اما استصحابه بنحو التعليق فقد مر آنفا ما فيه من الإشكال.

و اما استصحاب الحكم الواقعي فتقريبه ان يقال ان مؤدى الأمارة مما به‏

اليقين التنزيلي و لو لم يكن متيقنا بالوجدان فيستصحب و فتوى المجتهد بمنزلة

الأمارة على الحكم فهو ثابت بها فيستصحب كما ان ما قامت البينة على طهارتها

فشك فيها يستصحب مؤدى قول البينة فيه و هو الطهارة.

و الجواب عنه ان اليقين بالوجدان لم يكن له حالة سابقة على حسب الفرض‏

و ما ثبت بالتعبد لم يكن بعد الموت لأن قوامه بالرأي و هو مشكوك البقاء فالحكم‏

المستند إليه لا يمكن استصحابه و الشك في الحجية بالنسبة إليه مساوق للقطع بعدمها

و اما استصحاب الحكم الظاهري فغاية ما يقال في تقريبه ان المقلد حين الحياة

كان عالما بان وظيفته هذا النحو من العمل و بعده يشك في بقائها و موت المفتي يكون‏

منشأ للشك و لا يوجب سقوط الوظيفة عما كانت عليه كما انه إذا قام الخبر على حكم‏

فشك في بقاء ذاك الحكم لبعض الطواري و هذا آخر فكر شيخنا العراقي قده في‏

حكمه بجواز البقاء على تقليد الميت.

و الجواب عنه ان هذا خلاف مسلكه في باب الأمارات لأنه على فرض كون‏

المبنى فيها جعل المماثل للواقع في مقام الظاهر بعد قيام الأمارة كان للقول‏

باستصحاب هذا الحكم الظاهري وجه و اما على ما هو الحق عنده من تتميم الكشف‏

أو تنزيل المؤدى منزلة الواقع كما هو رأى الشيخ الأعظم قده فلا وجه له لأن الحكم‏

لو كان لكان واقعيا و قد مر ما فيه.

فان قلت الحكم الواقعي الطريقي يستصحب و المراد جواز البقاء على تقليد الميت‏

بأي وجه كان قلت معنى بقاء الحكم الطريقي مثل وجوب تصديق العادل في الاخبار

لا يكون في المقام له الانطباق لأن معنى تصديق المجتهد يكون العمل برأيه‏

و هو مشكوك بعد الموت كما إذا شك في خبر العادل لاحتمال وجود خلل في السند

فان قلت الأمارة جهة تعليلية لوجود الحكم و الرّأي يكون كذلك فصرف الحدوث‏

إذا ثبت يتمم في البقاء بالاستصحاب فإطلاق دليله و دليل الأمارة شامل للمورد.


94
قلت كل حكم أنيط بموضوع يكون له البقاء يكون دائرا مداره حدوثا و بقاء

فجواز التقليد يكون بعد وجود الرّأي و بدونه لا موضوع له مثل ان العدالة تكون‏

موضوعا لجواز الاقتداء و عدمها يوجب عدم جوازه و الفرق بين الرّأي و الخبر هو عدم‏

دخل الحكاية في حجية مفاده بخلافه فان له نحو موضوعية فهو جهة تقييدية و الا فلما ذا

لا يجوز البقاء مع تبدل رأيه و ما قاله من الإجماع على العدول فيه دونه في المقام‏

غير ثابت بل السند له معلوم.

فان قلت كل الإشكال في احتمال زوال الرّأي و هو مندفع لأن زوال العلم‏

الّذي حصله المجتهد مع زحمات كثيرة في سنين عمره يكون خلاف لطف اللّه تعالى‏

بعباده فانه رءوف بالعباد.

قلت ما ندعي زوال علمه بالموت بل نحتمل علمه بخطاء سنده لا رتقاء درجته‏

و كشف ما لم ينكشف له حين الحياة فتحصل انه لا سند لنا من الأصل على جواز

البقاء على تقليد الميت و اما شيخنا القائل بالجواز فلا يفرق بين ما عمل به من الفتاوى‏

و ما لم يعمل لحصول العلم بالوظيفة بصرف التماس مع المجتهد.

و قد يستدل بإطلاق الخطابات الواردة في الرجوع إلى المجتهد مثل آية

السؤال عن أهل الذّكر بقوله تعالى فاسئلوا أهل الذّكر ان كنتم لا تعلمون‏ (1) و مثل‏

الرواية الآمرة بالرجوع في الحوادث الواقعة إلى رواة أحاديثهم عليهم السلام‏ (2) و غيرها

و تقريب الإطلاق واضح من جهة عدم ذكر قيد الحياة فيها.

و الجواب عنه أولا عدم كون الدليل على التقليد ما ذكر بل الدليل اما العقل‏

أو بناء العقلاء في رجوع من ليس له الحجة إلى من له الحجة و ثانيا إطلاقها

منصرف إلى الحي لأن الرجوع في جميع الصناعات يكون إلى الحي من أهل‏

الخبرة لا الميت سيما في مثل القضاء الّذي لا يمكن الرجوع فيه إليه و لا بد من‏

1)في سورة النحل الآية 45

2)في الوسائل ج 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9


95
حكم الحي فيه فتحصل انه لا سند لجواز تقليد الميت ابتداء مضافا إلى الإجماع‏

على عدم جوازه هذا كله في الكلام في تقليده ابتداء.

البحث في جواز البقاء على تقليد الميت و عدمه‏

و اما البقاء على تقليد الميت فانه محل اختلاف شديد فمن عدة عدم‏

الجواز و عن عدة الجواز اما الدليل على عدمه فما مر من أصالة التعيين مع الشك في‏

حجية رأى الميت و على فرض القول بالجواز فلا بد من القول بوجوب البقاء إذا

كان الميت أعلم من الحي و لا نفهم معنى لاستحباب البقاء كما عن بعض و الإجماع‏

على عدم الجواز أيضا لا يختص بالابتداء.

و استصحاب الحكم الحاكم على ما ذكر من الأصل العقلي و هو أصالة

التعيين مر ما فيه.

و استدل المجوز بوجوه الأول استصحاب الأحكام بنحو التنجيز أي‏

استصحاب الأحكام على موضوعاتها مثل وجوب السورة فان هذا الوجوب كان‏

في حال حياة المجتهد فإذا شك في زواله يستصحب و يكون الموت من الحالات‏

الطارية التي توجب الشك و يرد عليه ان المبنى في مؤدى الأمارات اما ان يكون‏

المعذرية عند الخطاء و التنجيز مع الإصابة فلا يكون الحكم ثابتا في الواقع حتى‏

يجري استصحابه و اما على فرض جعل المماثل بمعنى وجود فرد من الحكم مماثل‏

للحكم الواقعي فهو و ان كان ثابتا بهذا المعنى و لكن لا مجال لاستصحابه الا على‏

فرض كون الرّأي جهة تعليلية و يكون حدوثه في زمان الحياة كافيا للبقاء و اما

على فرض كونه جهة تقييدية بمعنى كون الحكم المماثل للواقع الّذي يكون مع‏

الرّأي حجة فحيث لا رأى فعلا عن الميت فلا مجال لاستصحابه هذا مضافا إلى‏

فساد المبنى فان جعل المماثل لا معنى له.

و اما على فرض كون المبنى في حجية الأمارات هو كونها حجة فقط

من دون إثبات حكم من الأحكام فلا مجال لاستصحابه الا على ما ذهب إليه المحقق‏


96
الخراسانيّ قده و تكلفه بان مفاد الاستصحاب هو جعل الملازمة بين الحدوث‏

و البقاء بمعنى انه على فرض وجود الحكم في الواقع يكون باقيا و لا نحتاج إلى إحراز

إثباته و لكن لا يتم ما ذهب قده إليه فان الاستصحاب ليس الا الجري العملي على طبق‏

الحالة السابقة و ليس مفاد دليله جعل الملازمة.

فتحصل انه على فرض تسليم جعل المماثل في مؤدى الأمارات و تسليم كون‏

الاستصحاب هو جعل الملازمة بين الحدوث و البقاء لا مجال لجريان استصحاب‏

الأحكام الثابتة بالتقليد سواء كان الدليل عليه الفطرة أو بناء العقلاء أم الأدلة اللفظية

من جهة احتمال دخل الرّأي في بقاء الحكم كحدوثه و ليس لنا إثباته بعد الموت‏

بل قال الخراسانيّ قده الرّأي الّذي يزول بواسطة المرض و الهرم إذا لم يجز

البقاء عليه لا يجوز البقاء عليه بعد الموت بالأولوية.

و ما عن بعض الأعيان من ان الموت يوجب رفع الحجاب عن النّفس‏

و قدرتها بنحو أشد على رد الفروع إلى الأصول لا نفهمه لأن النّفس بعد اشتغالها

بما بعد الموت من الشواغل لا يكون لنا طريق إلى إثبات انها أقدر لرد الفروع إلى‏

الأصول فاصل بقاء الرّأي غير واضح لنا فلا يتم هذا الوجه لجواز البقاء على تقليد

الميت.

الوجه الثاني إطلاقات الأدلة الدالة على جواز التقليد فانها بإطلاقها تشمل‏

حالة الموت أيضا و قد خرج منها التقليد الابتدائي بالإجماع و بقي الباقي تحتها.

و الجواب عنها على فرض تسليمها و عدم كونها مختصة بالرجوع إلى رواة

الحديث الذين كانوا في صدر الإسلام و شمولها للرأي و النّظر الحاصل بالاجتهاد

لا يتم في المقام لأن المفروض في البحث هو صورة مخالفة فتوى الحي مع الميت‏

و اما صورة الموافقة مع التساوي فلا أثر لهذا البحث و على هذا الفرض فيحصل‏

التعارض بين الرأيين و الأصل الأولى يقتضى التساقط كما حرر في التعادل و الترجيح‏

فيحصل التساقط لا تعيين البقاء على رأي الميت أو جوازه و على فرض شمول اخبار


97
العلاج للفتويين كالخبرين فلازمه القول بالتخيير و لكن لا يشمل اخبار العلاج للفتويين‏

مضافا بانصراف الإطلاقات إلى الحي فان الجاهل يرجع إلى العالم لرفع جهله‏

و آية السؤال تدل على الرجوع لحصول العلم و الميت غير قابل للسؤال عنه‏

و الرجوع إليه.

فان قلت المخاطبة تكون مع الاحياء و لكن لا يستفاد منها قيدية الحياة

في المسئول عنه فانه يمكن الرجوع إلى كتابه لفهم رأيه.

قلت إذا كان في الكلام ما يحتمل قرينيته يوجب سقوط الإطلاق عن الحجية

و هنا نحتمل ان يكون كذلك فلعل الاتكال على ذلك صار سببا لعدم ذكر قيدية

الحياة و لو سلم فيكون التقليد على فرض بقاء الرّأي و الميت لم يحرز رأيه فلا يجوز

تقليده.

الوجه الثالث بناء العقلاء على عدم الفرق بين الحي و الميت إذا كان خبرة

و لا يرون الفرق بين البقاء على رأي الميت أو العدول إلى الحي المساوي له‏

في العلم.

و فيه ان القول بعدم الفرق مع الاختلاف في النّظر مشكل جدا كما ترى‏

ان اختلاف الرّأي في طبيبين من الأطباء أحدهما ميت و الاخر حي يوجب رجوعهم‏

إلى الحي و لا يعتنون غالبا بالميت مضافا بان الاختلاف في الرّأي على فرض عدم‏

الرجوع إلى الحي أيضا يوجب سقوط كليهما عن الحجية بالتعارض و على فرض‏

مجي‏ء اخبار العلاج في المقام أيضا فينتج التخيير و لكن المهم هو ان الخبروية

شرط في الرجوع إلى الخبرة و الميت لا خبروية له أو نحتمل زوال خبرويته.

الوجه الرابع السيرة الشرعية على البقاء على رأي من يتبع رأيه من زمن‏

المعصومين إلى زماننا هذا و لو بعد الموت و يمكن كشف كون رأيه بحدوثه حجة

بعد الموت من هذه السيرة.

و فيه ان حدوث الرّأي لا يكفى للبقاء عليه إجماعا و لذا يجب العدول عمن زال‏


98
رأيه بهرم أو مرض مضافا إلى ان عدم العدول يكون في خصوص الروايات الصادرة

عنهم عليهم السلام و المخبر بعد اخباره لا موضوعية له بخلاف الرّأي.

فان قلت أي فرق بينهما في ذلك قلت الفرق هو ان رأى من له الرّأي له‏

نحو موضوعية عند العقلاء و لا بد من إحرازه و هو بعد الموت غير محرز و ان كان‏

رأيه أيضا كاشفا عن الواقع و اما نقل الرواية فهو لا دخل لوجود الحاكي فيه و الحكاية

ليست لها الموضوعية هذا مضافا إلى ان الخبر أيضا إذا احتمل خلل في سنده يسقط

عن الحجية و نحن في المقام نحتمل وجود خلل في الرّأي بالموت و هذا الاحتمال‏

مفقود غالبا في الاخبار بأصول الحافظة لبقاء الحجية فيها.

فان قلت في المقام أيضا يكون الأصل هو بقاء الرّأي بعده إذا شك فيه قلت‏

مرّ انه لا أثر شرعي له لأن جواز التقليد بعد وجوده من الأحكام العقلية.

فتحصل انه لا وجه للتمسك بالسيرة مع عدم ثبوتها في الفتوى.

نعم في ذهني إشكال و قد مر و هو ان التقليد حيث يكون في الرّأي و هو كلي‏

و يكون انطباقه في الخارج بصرف الوجود و لا ثاني بعده كما ان الصلاة و الصوم‏

تتحقق صرفهما بالوجود الأول فإذا قلد العامي المجتهد في مسألة لا يمكن العدول عنه‏

لعدم الثاني له و لازمه عدم جواز الرجوع إلى الأعلم أيضا و لكن يمكن الجواب عنه‏

بان الرّأي و ان كان كليا و لكن التقليد في مقام الامتثال يكون بعض حصصه‏1

1أقول ان هذا معنى كون الحكم على الطبيعي بلحاظ افراده في الخارج‏

كما في الصلاة و الصوم فإذا دل الدليل على تكرار الطبيعي في ضمن الافراد

فلا إشكال أصلا فليس الحكم الا بلحاظ افراده كما مر و هو مد ظله كان ينكر هذا

المعنى فيما سبق و هنا دفع الإشكال بالحصص.

و لكن صرف وجود الحصة للطبيعي لا يدفع إشكال عدم تكرر صرف الوجود

بل الدليل على التكرار بلحاظ الافراد هو الرافع له خصوصا على فرض كون التقليد

هو العمل لأنه يكون عين إتيان الصلاة و الصوم فكما ان تكرارهما يكون بالدليل‏


99
لا تمامه فيجوز العدول و على فرض جواز البقاء لا نقول بوجوبه من جهة إشكال ان‏

صرف الشي‏ء لا يتكرر:

فتحصل من جميع ما تقدم عدم تمامية الأدلة الاجتهادية للبقاء على تقليد

الميت و هكذا الأصل كما مر فلا يجوز البقاء على تقليده و ان قال به جمع لدوران‏

الأمر بين التعيين و التخيير و المتعين الرجوع إلى الحي للعلم ببراءة الذّمّة بالعمل‏

برأيه بخلاف العمل برأي الميت نعم لعل البحث في تنبيهات المسألة يفيد الجواز

كما سيأتي في البحث عن كون الميت أعلم من الحي.

فنقول و ينبغي التنبيه على أمور

الأول‏
في ان الاستصحاب إذا كان جاريا فهل يكون لازمه جواز البقاء على تقليد

الميت أو وجوبه فيه قولان وجه القول بوجوبه هو انه على فرض القول بجواز البقاء

يلزم ان يكون العدول من الميت إلى الحي جائزا مع ان لازم جريانه هو ان الميت‏

حي عند ربه و لا فرق بين الحي في هذه النشأة و الحي في غيرها مضافا بأنه يلزم منه‏

ان يكون المكلف مخيرا في الحكمين المختلفين في صورة كون فتوى أحدهما

وجوب القصر عند أربعة فراسخ و فتوى الاخر وجوب التمام مع ان لازم الاستصحاب‏

هو تعيين الحكم المستصحب.

و قد أجاب الشيخ الأعظم قده عنه بان عدم جواز العدول من الميت إلى‏

الحي لا دليل عليه بل الإجماع على عدم الجواز يكون في خصوص الرجوع من‏

الحي إلى الحي فبالرجوع إلى الحي يتغير حكمه لا من باب التخيير في الحكم‏

ابتداء بين القصر و الإتمام بل من باب تبدل الموضوع كما ان الحاضر إذا صار

مسافرا يكون حكمه القصر و هو إذا صار حاضرا يكون حكمه الإتمام و ليس هذا معنى‏

الدال عليه كذلك مصداقية كونهما كغيرهما للتقليد بدليل وجوب التكرار و هو احتياج‏

كل عمل إلى استناده إلى رأى من يتبع رأيه.


100
التخيير في الحكم في بدو الأمر مع عدم الدليل عليه.

أقول ان الّذي يسهل الخطب هو عدم اقتضاء التعيين في دليل جواز تقليد

الميت بل ما يثبت به جواز تقليده لا وجوب البقاء عليه و التخيير بين الرجوع إليه‏

أو إلى الحي غير التخيير في القصر و الإتمام من جهة الحكم فيكون نظير التخيير

في الأخذ بأحد الخبرين المتعارضين المتساويين فبأيهما أخذ يكون المتبع مفاده‏

فلا نحتاج إلى ما أتعب قده نفسه من ان المقام يكون مثل تبدل الموضوع.

و اما الإجماع على عدم جواز العدول فلا يتم كما ذكره قده من جهة ان‏

المجمعين في العدول عن الحي إلى الحي اختلفوا هنا في الجواز و عدمه و اما

احتمال التعيين في ذاك المقام بعد الدوران بينه و بين الرجوع إلى غيره فمعارض‏

باحتمال دخل الحياة في المفتي فيتعارض الاحتمالان في التعيين فينتج الاحتياط

في العمل الا ان يثبت الإجماع في المقام أيضا على البقاء ليكون طاردا لاحتمال دخل‏

الحياة و قد عرفت ما فيه.

فتحصل ان عدم جواز العدول مختص بالعدول عن الحي إلى الحي لا عن‏

الميت إلى الحي.

ثم ان الاحتمالات في المقام ثلاثة الأول ان يكون الحي و الميت متساويين‏

في العلم الثاني ان يكون الميت هو الأعلم و الثالث ان يكون الحي هو الأعلم فان‏

كان الميت هو الأعلم فيدور الأمر بين تعيينه لأنه اعلم و على تعيين الحي لأنه حي‏

فإذا تعارض الاحتمالان فالمدار على الأعلمية في الغريزة لأن المدار في الوصول‏

إلى الواقع هو العلم لا الحياة.

و اما لو كان الحي اعلم فهو المقدم فيجب الرجوع إليه الا إذا كان سند

الرجوع إلى الأعلم‏1هو احتمال التعيين و سند جواز تقليد الميت الاستصحاب‏

1أقول غاية ما يستفاد من الأصل أو الدليل هو جواز تقليد الميت كجواز

تقليد الحي و اما الأعلمية فلا يعارضها ذلك كما إذا قلد الحي و صار غيره اعلم فان‏

جواز تقليده مع قطع النّظر عن الأعلمية لا ينافى القول بوجوب تقليد الأعلم‏


101
و الأدلة الاجتهادية فانه لا يرجح الأعلم عليه بهذا السند لأن أصالة التعيين أصل عقلي‏

احتياطي و الاستصحاب و الأدلة الاجتهادية أصل و دليل شرعي و كلما دار الأمر

بين الأصل العقلي و الشرعي فالمقدم هو الأصل الشرعي و هكذا المقدم هو الدليل‏

الاجتهادي عند وجوده لأنه بيان و لا حكم للعقل عنده.

نعم ان كان الدليل على وجوب البقاء على تقليد الميت احتمال التعيين‏

فيكون معارضا باحتمال التعيين في الحي الأعلم لأنه اعلم فالاحتياط يقتضى الجمع‏

بين الفتويين في العمل و لكن لا دليل لنا على جواز البقاء على تقييد الميت و لا بد

من الرجوع إلى الحي الأعلم.

ثم انه يظهر عن الشيخ الأعظم بان البحث عن جواز البقاء على تقليد الميت‏

و عدمه إذا كان الحي اعلم خروج عن الفرض لأن مسألة البقاء و عدمه لا بد من‏

أخذه من فتوى الحي و هو اما ان يفتى بوجوب البقاء على تقليد الميت المفضول‏

أو بحرمته فعلى الأول يجب البقاء و يكون هذا تقليدا عن الأعلم لأن تقليده في‏

هذه المسألة يكفى لكون العمل برأي المفضول في سائر المسائل تقليدا لهذا الأعلم و على‏

الثاني يجب العدول عنه إليه ففي أي فرض يبحث عن ان المدار هل على البقاء على‏

تقليد الميت أو يجب الرجوع إلى الحي الأعلم مع كون البقاء على رأيه أيضا

تقليدا للأعلم و هكذا لو أفتى الحي بحرمة العدول إلى الأعلم الحي و هذا الكلام‏

متين من هذا الوجه.

لعدم حصول براءة الذّمّة عن التكليف بدونه.

هذا على فرض عدم الدليل لذلك الا أصالة التعيين و اما على فرض وجود

الدليل الشرعي على ما مر من مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها فالامر أوضح هذا

كله على فرض جواز البقاء على تقليد الميت و لا دليل لنا على جوازه بل يجب‏

الرجوع إلى الحي و لا يخفى عدم فائدة في أعلمية الميت من الحي بعد عدم إثبات‏

الرّأي له لأن من له الرّأي و كان أعلم يجب تقليده و من لا رأى له لا يجوزه تقليده.


102
الأمر الثاني‏

إذا قلد المقلد عن مجتهد ثم مات فقلد من يقول بوجوب العدول عن تقليد

الميت ثم مات الثاني أيضا فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت فالكلام يقع‏

تارة في شمول فتوى الثالث بالنسبة إلى فتوى الثاني لخصوص مسألة وجوب العدول‏

و تارة في شمولها لبقية المسائل غير هذه المسألة فعن الشيخ الأعظم في رسالته عدم‏

شمول فتوى الثالث لخصوص فتوى الثاني في وجوب العدول إلى الحي لأنه يلزم‏

منه المناقضة لأن البقاء على هذه الفتوى لازمه وجوب الرجوع إلى الحي و هو ينافى مع‏

وجوب البقاء على فتوى الميت فلا بد من عدم شمول فتوى الثالث لهذه المسألة.

و اما بالنسبة إلى ساير المسائل فائضا يلزم التعارض بين الفتويين لأن فتوى‏

الأول إذا كانت وجوب صلاة الجمعة و فتوى الثاني الّذي عدل إليه حرمتها تكون‏

متعارضة مع ان التقليد في كليهما وقع صحيحا فهل البقاء يكون على فتوى الأول‏

أو الثاني و السر في ذلك هو عدم تحمل واقعة واحدة لتقليدين لأن التقليد يكون في‏

الرّأي الكلي و هو قد تحقق بنحو صرف الوجود و كان نظره قده إلى ان حل‏

المناقضة في خصوص مسألة العدول لا يكفى لرفع هذا الإشكال.

فنقول اما خصوص المسألة فلا يجي‏ء1المناقضة فيه أصلا لعدم إطلاق‏

1أقول ليس الإشكال في شمول فتوى الثاني لما بعد حياته بل الكلام في شمول‏

فتوى الحي لهذه المسألة على ما هو المفروض في المعارضة و قد ذكرها العلامة

المدقق الشيخ محمد حسين الأصفهاني في رسالته و ان دفعها بعد شمول التقليد

لنفسه و تبعه مد ظله في ذلك و هذا لا يتم في الجواب عن مثل الشيخ الأعظم فالمناقصة

تتحقق من شمول فتوى الثالث لمسألة وجوب العدول الّذي يناقض مع الفتوى بوجوب‏

البقاء فقال قده بعدم شمول فتوى الحي له بل تشمل ساير المسائل و قد دفع الأصفهاني‏

قده هذا الإشكال بان شمولها لهذه أيضا لا إشكال فيه لأن معناه ان العدول الّذي‏

تحقق بواسطة الرجوع عن الأول يجب البقاء عليه يعنى متابعة فتوى الثاني واجبة


103
لفتوى الثاني بوجوب العدول حتى بعد موته ليناقض فتوى الثالث لأن الميت‏

لا يكون له الرّأي بوجوب تقليده حتى بعد موته فكما ان أصل التقليد ليس بتقليدي‏

للزوم الدور أو التسلسل كذلك قول الميت بوجوب العدول غير متبع بعد موته‏

فلا مناقضة أصلا.

و اما إشكال ساير المسائل فمندفع من جهة ان الرّأي و ان كان كليا و لكن‏

لا إشكال في ان ما وقع على طبق رأى الأول يكون حصة من التقليد فهو صحيح‏

في محله و ما وقع على طبق رأى الثاني أيضا صحيح و المدار يكون على رأي الحي‏

و هو هنا الثالث من المجتهدين و مثل هذا الفرع صورة كون فتوى الثاني جواز

البقاء على تقليد الميت و فتوى الثالث على وجوبه غاية الأمر لا مناقضة لاتحادهما

في أصل البقاء.

كما ان متابعة فتواه في ساير المسائل واجبة.

و لكن هذا غير تام في دفع الإشكال لأن الثالث بفتواه بوجوب البقاء يحكم‏

بخطاء المقلد برجوعه إلى الثاني فينتقض آثار التقليد كما سيجي‏ء منه مد ظله في‏

الأمر التالي لهذا الأمر تبعا للشيخ الأعظم مضافا بان معنى وجوب العدول و البقاء

عليه هو عدوله عن فتواه بعد موته أيضا كالعدول بعد موت المجتهد الأول لا ما

ذكره قده فلا محيص الا ان يقال بعدم شمول فتوى الثالث لخصوص مسألة وجوب‏

العدول و اما التناقض في ساير المسائل فليس المراد منه التناقض في الفتوى كما في‏

مسألة العدول و البقاء بل هما ضدان في صورة التخالف.

و لا يكون في تعبيره قده على ما حكى و على ما في تقريره التناقض بل اشكاله‏

في كون فتوى الأول و الثاني إذا كانتا متخالفتين مع كون العمل عن تقليد صحيح‏

فلا رجحان للأخذ0 بفتوى الثاني و ان كان هذا مخالفا لما نسب إليه في الأمر التالي‏

لهذا الأمر من ان إطلاق فتوى من يرجع إليه يحكم ببطلان العمل السابق الا إذا دل‏

دليل على عدم لزوم الإعادة.


104
الأمر الثالث‏

قد مر ان المجتهد إذا تبدل رأيه فلا بد من تطبيق العمل على رأيه الثاني‏

و نقض الآثار التي ترتبت على الرّأي الأول إذا كان موضوعه باقيا كالعقد الّذي وقع‏

بالفارسية و يكون المعقود عليه باقيا بعد الرّأي الثاني بوجوب كونه عربيا الا في‏

موارد يكون الدليل الخاصّ على عدم وجوب إعادته فهل العدول عن مجتهد إلى‏

آخر يكون له هذا الأثر أم لا؟

و بعبارة أخرى هل اللازم من النقض في صورة التبدل هو القول بالنقض‏

في المقام أيضا أم لا فيه خلاف فربما يقال بالتلازم و عدم الفرق بين المقامين لأن‏

الرّأي كلي يشمل بإطلاقه الوقائع السابقة فان أحد المجتهدين إذا أفتى بحرمة

عصير العنبي و نجاسته بعد الغليان و قال الآخر بالحرمة فقط يكون إطلاق فتوى القائل‏

بالنجاسة شاملا لمورد الأثر من فتوى الاخر القائل بالطهارة و بطلان العمل الّذي‏

أتى به إذا كان شرطه الطهارة الا ان يدل دليل على عدم وجوب الإعادة كما في‏

الصلاة.

و اما وجه القول بعدم التلازم فيكون من باب ان لياقة المحل شرط في شمول‏

إطلاق الرّأي لما وقع قبل ذلك و ان كان كليا و من المعلوم ان متعلق الرّأي قد مضى‏

وقته فلا تأثير لفتوى هذا المجتهد فيه بل يكون أثر كلامه في حيطة نفوذ رأيه و هو

يكون من حين الرجوع إليه و لا يشمل قبله كما عن بعض الأعيان و لكن الحق عدم‏

الفرق بين المقامين و ما ذكره هذا القائل غير تام لأن المراد بالتأثير هو التأثير

بالنسبة إلى الإعادة و القضاء لا بالنسبة إلى أصل العمل و قد مضى فمحل التأثير يكون‏

من هذا الوجه باقيا1

1أقول ان القائل بهذا القول ذكر في كلامه ما يمكن ان يكون فارقا بين‏

المسألتين و هو ان المرجع الفعلي إذا كان مفضولا و السابق اعلم و أفضل و فرض‏

عروض الجنون أو السهو عليه بحيث لا يجوز تقليده لا مجال لأن يقال رأى هذا يكون له‏


105
و توضيحه ان تبدل رأي المجتهد يكون من جهة كشف خلاف الواقع أو

كشف خلاف ما هو حجة عنده مثل ما إذا وجد الخاصّ بعد العام و القيد بعد الإطلاق‏

و هكذا فانه إذا لم يكن له الواقع و لا الحجة في مقام الظاهر فلا بد من نقض ما ترتب‏

على فتواه و في المقام أيضا كذلك فان المجتهد الّذي رجع إليه يكون رأيه بطلان‏

رأى من سبقه من باب عدم المطابقة مع الواقع أو من باب كشف ظهور خلاف‏

الظهور السابق مثل ما إذا وجد الخاصّ مع زعم من سبقه عدم وجوده فأفتى بالعامّ‏

و لا فرق بينهما أصلا.

فان قلت في صورة التبدل يفتى الفقيه ببطلان ما سبق فيجب نقضه و اما رأي‏

المجتهدين فليس كذلك لأنه حجة و يكون معارضا لرأي الاخر فإذا كانت الوظيفة

الرجوع إلى الثاني فقد انتهى أمد الأول و يكون من الآن أمد رأى الثاني و بعبارة

أخرى انهما كانا نائبين عن المقلد فكان أحدهما نائبا إلى الآن و الاخر نائبا من الآن‏

و ليس للرأي الطريقية حتى نقول قد ظهر خلاف الواقع أو الظاهر الّذي هو حجة.

قلت ليس للرأي الموضوعية المحضة حتى يمكن الالتزام بما ذكر بل له‏

الطريقية و ان كان له موضوعية من وجه و ليس كالخبر و اما تقديم رأى الثاني فلأنه‏

هو المرجع الفعلي فيكون المتبع لوازم رأيه لا رأى من سبقه.

الأمر الرابع‏

لو قلد المقلد مجتهدا في حال صغره و قلنا بصحة تقليده لصحة عبادات الصبي‏

ثم مات ذلك المجتهد قبل بلوغه فقلد الحي الّذي يحكم بوجوب البقاء على رأي‏

الميت فهل يجب عليه البقاء على رأي من قلده في حال صغره أو يكون مختارا في‏

الأثر بالنسبة إلى العمل السابق فانه لم يكن فتواه حجة حينما حصل العمل و اما قوله‏

مد ظله بالطريقية و انه كشف خلافه واقعا أو تعبدا يكون على فرض الطريقية المحضة

و هو يرى نحو موضوعية للرأي مع كونه طريقيا و هو يكفى للفرق و كيف كان فالقول‏

بوحدة المسألتين من حيث الحكم مشكل.


106
البقاء و في العدول إلى الحي‏1وجهان بل قولان اما وجه وجوب البقاء فلعموم‏

وجوب البقاء الشامل له أيضا فعلا مع كون تقليده صحيحا في السابق و اما وجه عدمه‏

فهو ان حرمة العدول لم تثبت في حق الصغير فاستصحاب التخيير جار في حقه.

فنقول ان سند وجوب البقاء ان كان استصحاب الأحكام التقليدية التي كان‏

في السابقة كوجوب هذا و حرمة ذاك فهو لا فرق بينه و بين البالغ في مشروعيته في حقه‏

فان الحكم حكم للمميز و للبالغ بعد صحة توجه الخطاب إليه مثله و اما ان كان السند

حرمة العدول عن الميت فانه و ان لم يكن عليه هذا الحكم حين كونه غير بالغ‏

و لكن يكون من جهة قصور في نفسه لا في ملاك الخطاب فإذا زال المانع يكون الحكم‏

الإلزامي متعينا عليه فما عن الشيخ الأعظم من وجوب البقاء و عدم جواز العدول في‏

محله لا محيص عنه و اما استصحاب عدم الحرمة بنحو التعليق بان يقال انه قبل البلوغ‏

لم يحرم عليه العدول فكذلك بعده لا وجه له لأنه قبل البلوغ و بعد موت مجتهده السابق‏

1أقول لا بد من التوجه إلى محتملات النزاع في المقام فانه غير منقح فان‏

كان المراد من شمول حكم البقاء على تقليد الميت قبل صيرورة الصبي بالغا.

فنقول اما ان يريد إتيان الأعمال الشرعية و اما ان لا يريد فان أراد فلا بد ان‏

يكون على وجه شرعي فلا بد له من اتباع حكم المجتهد الحي لصيرورة أعماله‏

شرعيا فإذا أفتى بوجوب البقاء لا بد له من البقاء و ليس له العمل بمقتضى هوى نفسه‏

بواسطة عدم كون التكليف إلزاميا في حقه فكما ان صلاته إن شاء إتيانها لا بد من إتيانها

على النهج الشرعي و ليس له ان لا يأتي بالحمد أو السورة لعدم كون التكليف‏

إلزاميا و ان أراد ترك العمل من رأس فهو لا كلام معه فلا بد له من البقاء على رأي‏

الميت و اما ان كان الكلام بعد بلوغه فهو مكلف بوجوب البقاء كما انه مكلف‏

بسائر التكاليف و المفروض انه عمل عملا شرعيا و قلد تقليدا صحيحا في سابق‏

الزمان فبعد مشروعية التقليد في حقه لا وجه للقول بعدم كونه مكلفا بالبقاء.

نعم في صورة كون الكلام قبل البلوغ لا نقول بحرمة العدول بالنسبة إليه‏

فان عدل لا يصح إعماله و إن شاء صحتها فلا بد له من البقاء.


107
كان المانع في إلزامه قصور نفسه و عدم بلوغه و هو مرتفع بعده و بعبارة أخرى ملاك‏

الخطاب تام و المانع من جهة المكلف و قد ارتفع و لو أغمض عن ذلك فاستصحاب‏

التخيير أيضا لا وجه له لأن المانع ان كان هو عدم وجود حكم إلزاميّ فالحكم بالتخيير

أيضا إلزاميّ فكيف لا يكون عليه الإلزام بحرمة العدول و يكون بالنسبة إلى التخيير

فان كان الإلزام غير ممكن ففي المقامين و الا فلا مانع أصلا من القول بحرمته بقاء و ان‏

لم يكن الإلزام عليه حدوثا فانه يكون نظير وجود الأثر للمستصحب بقاء و ان لم يكن له أثر

قبل هذا الزمان فانه لو كان بالغا حدوثا كان العدول عليه حراما فهكذا بعد البلوغ‏

الأمر الخامس‏

إذا قلد من يفتى بجواز العدول عن الميت ثم مات فقلد من يفتى بحرمة

العدول و وجوب البقاء فهل يكون له العدول عنه لأن معنى وجوب البقاء على هذه‏

المسألة هو جواز العدول أم لا؟قال الشيخ الأعظم يحتمل قويا عدم الشمول للمناقضة

بين الفتويين و قال بعض الأعيان ان العجب من قوله قده هو انه جزم بعدم الشمول لهذه‏

المسألة فيما مر من صورة كون فتوى الثاني وجوب العدول و فتوى الثالث وجوب‏

البقاء و في المقام لم يجزم به مع كون المسألتين من واد واحد مسلكا و دليلا

و مختاره قده فيما سبق و في المقام هو ان الفتوى بوجوب البقاء شاملة لهذه المسألة

و معناه ان العدول عن الأول إلى الثاني يجب البقاء عليه و لا يجوز العدول إلى‏

الثالث‏1.

1أقول قد مر منا ان معنى العمل بهذه المسألة الكلية هو انه إذا تحقق موضوع‏

الحكم فهو يكون مترتبا عليه فإذا مات المجتهد الثاني يكون الموضوع لجواز

العدول محققا لا انه يختص بالعدول عن الأول إلى الثاني و اما احتمال الشيخ قده‏

قويا هنا فلكونه أسهل في المناقضة فان الجواز و ان ناقض وجوب البقاء و لكن‏

ليس كمناقضة حرمة العدول معه و الحق معه في عدم الشمول في المسألتين.


108
الأمر السادس‏

المعروف ان حكم صيرورة المجتهد فاسقا أو كافرا أو مجنونا أو عاميا حكم‏

موته في وجوب العدول عنه و السر في ذلك هو ان الميت إذا لم يجز البقاء عليه يكون‏

لاحتمال سقوط رأيه و الا فالموت لا يوجب النقص في نفسه و من ذكر يكون رأيه‏

ساقطا لعدم اجتماع الشرائط فيه فيجب العدول عنه لو قلنا به في الميت و يجوز البقاء

عليه لو قلنا به فيه و لكن الّذي يقتضيه التدبر هو ان الشرائط على قسمين قسم منها لا دخل له‏

في سقوط الرّأي مثل الفسق و كونه رجلا لا مرأة لأنه من الممكن ان يكون الفاسق‏

في الرّأي أقوى من غيره فضلا عن ظهور الخلل فيه بل اشتراط ذلك لوجود دليل شرعي‏

عليه فيكون الفاقد لأمثال هذه الشروط أحسن حالا من الميت فلو قلنا بعدم جواز

تقليده لاحتمال سقوط رأيه لا يأتي هذا الاحتمال في الفاقد لذلك و لكن العقل مستقل بعدم‏

جواز كون هذا المسند يعنى مسند الإفتاء للكافر و الفاسق و المخالف مضافا إلى‏

الدليل الشرعي فان اشتراط ذلك في القاضي يفهم منه بالأولوية في مقام الإفتاء لأن هذا

المقام يكون فوق مقام القضاوة الّذي هو مقام تطبيق الحكم على الموضوع و المصداق‏

و اما القسم الّذي يكون له الدخل في الرّأي فمثل عروض الجنون و النسيان‏

بواسطة كبر السن جدا فيكون الفاقد له أسوأ حالا من الميت لا انه مثله لأن الميت‏

يكون الشك في بقاء رأيه بعد موته و هذا يكون القطع بعدم الرّأي له و لا دليل لنا على‏

كفاية مجرد حدوث الرّأي لصحة التقليد بقاء لا في الميت و لا في المقام.

فتحصل ان الفاقد لشرائط الإفتاء يكون أسوأ حالا من الميت في ما هو دخيل في‏

الرّأي و أحسن حالا منه فيما ليس له دخل فيه و ان كان الواجب العدول عنه كالميت‏

على فرض القول بوجوب العدول عنه.

الأمر السابع‏

إذا اختلف الحي الّذي يجب الرجوع إليه مع الميت الّذي يجب أو يجوز


109
البقاء على رأيه في حقيقة التقليد من جهة انه هل هو نفس الالتزام أو انه العمل‏

المستند فهل المدار على رأي الميت فإذا كان رأيه ان التقليد هو الالتزام فقط

و رأى الحي انه العمل فعلى فرض كون المدار عليه فيجب أو يجوز البقاء على‏

ما التزم به و لم يعمل بعد و على فرض كون المدار على رأي الحي فلا تقليد له‏

بالنسبة إلى ما يعمل ليجب أو يجوز البقاء عليه؟فيه و جهان بل قولان كما عن‏

الشيخ الأعظم في الرسالة.

وجه كون المدار على رأي الأول هو ان تقليده يكون مثل ساير أعماله‏

صحيحا فيكون الواجب البقاء حتى في هذه المسألة و وجه كون المدار على رأي‏

الحي هو ان التقليد يكون موضوع حكمه بالبقاء فيكون المدار على نظره في‏

موضوع حكمه.

و لا يخفى ان هذه المسألة اجتهادية و لا بد للرجوع فيها إلى مجتهد الميت‏

أو الحي أو الثالث و المفروض ان المرجع الفعلي هو المجتهد الحي لا الثالث‏

فيجب عليه بيان الحكم لمقلده و العامي ابتداء و ان لم يلتفت للمسألة و لكن بعد

تنبيهه عليها يفهم انه لا بد من التقليد فيها كسائر المسائل و كيف كان فلا إشكال في‏

وجوب الرجوع إلى الحي في تلك المسألة فإذا كان رأيه في التقليد كونه هو

العمل لا الالتزام فيمكن ان يقال بان الالتزام أيضا عمل جوانحي كما ان الصلاة

و الصوم عمل جوارحي فمن التزم بفتوى المجتهد السابق فقد عمل بما هو التقليد

في مسألة هذه فمن يقول بوجوب البقاء لا بد ان يقول بوجوب البقاء على هذا

العمل الكذائي أيضا فلا بد له من البقاء على كل مسألة التزم بفتوى الميت فيها

ليعمل على طبقها و لا يخالف هذا فتوى الحي في حقيقة التقليد.

هذا إذا كان الدليل لوجوب البقاء على التقليد الميت عمومات الجواز أو

استصحاب حرمة العدول الّذي كان حين حياته حراما لأن الالتزام عمل بالمعنى‏

الّذي عرفت و اما إذا كان دليل وجوب البقاء استصحاب الأحكام التي كانت على‏


110
الموضوعات كوجوب هذا العمل و حرمة ذاك فهو غير مربوط بحقيقة التقليد فان‏

الأحكام على موضوعاتها فعلية للمكلف سواء كان التقليد هو العمل أو الالتزام‏

الا ان يقال ان وزان الفتوى ليس كوزان الخبر في بيان الحكم لئلا يختلف حال‏

الحياة و الممات بل يكون لها نحو موضوعية فالحكم بالوجوب أو الحرمة حكم‏

للمكلف و هو صار فعليا في حقه بالتقليد فلا بد من إحراز ان التقليد هو العمل أو

الالتزام لترتيب الثمرة في البقاء عليه.

و الحاصل من جميع‏1ما تقدم هو ان التقليد إذا كان التزاما أيضا و فرض‏

كونه عمل جوانحي فلا بد من القول بالبقاء على هذا العمل بنظر الميت بفتوى‏

الحي بالبقاء و ليس فيه الوجهان عن الشيخ قده.

1أقول ان كون الالتزام عمل جوانحي غير متنازع فيه بل النزاع في ان هذا

النحو من العمل غير كاف في حقيقة التقليد عند من يراه عملا كالأستاذ نفسه فيما

مرّ فانه كغيره يقول ليس للتقليد عنوان مستقل ليكون موضوع حكم بل الصلاة

و الصوم اللذان هما في الخارج لهما عنوان أولى و هو كونهما صلاة و صوما و عنوان‏

ثانوي و هو التقليد و ليس الالتزام تقليدا فلينظر من يرى التقليد هو العمل بهذا النحو

لم يقلد المقلد عن الميت فيما لم يعمل به كذلك فلا يتم القول بان الالتزام عمل‏

جوانحي و هو يكفى كما عنه مد ظله تبعا لبعض الأعيان قده.

و لا فرق في الدليل بين كونه عمومات جواز تقليد الميت أو حرمة العدول‏

عما قلده فيه في ذلك لعدم كونه موضوعا مستقلا فعلى هذا لا بد من الرجوع إلى‏

المجتهد الحي فيما لم يعمل به لأنه تقليد ابتدائي و لا وجه للقول بان المدار على‏

رأي الميت في ذلك فان مسألة التقليد ليست كسائر المسائل الخلافية بينهما إذا قلنا

ان المدار على رأي الحي في مسألة التقليد.

و الا فلو كان الالتزام أيضا عمل فكيف لم يقل به مد ظله فيما سبق ليرفع‏

النزاع عن كون الالتزام غير العمل و لو رفع فلا فرق بين كونه عملا أو التزاما

فنزاع القوم يكون في أي شي‏ء؟.


111
الأمر الثامن‏

لو لم يكن تقليد الحي ممكنا اما لعدم وجوده أو عدم الوصول إليه فهل يتعين‏

عليه العمل بالاحتياط أو يجب عليه الأخذ ببعض الظنون المعتبرة عند البعض‏

كالشهرة و الإجماع المنقول أو يجب عليه تقليد الميت وجوه ثم ان الكلام يكون‏

في طولية ما ذكر بعد فقد الحي في الأخذ بتقديم الاحتياط ثم العمل بالمشهورات‏

ثم أخذ قول الميت ثم الكلام في ان هذا البحث تارة يلاحظ بالنسبة إلى العامي‏

و مقتضى الدليل عنده بحكم الفطرة و تارة يلاحظ بالنسبة إلى المجتهد الّذي يريد

بيان حكم هذه الواقعة.

فان الشيخ الأعظم قده قال بان هذا البحث بالنسبة إلى العامي غير مفيد لأنه‏

لا يميز أقوائية بعض الأمارات على البعض الاخر فيبقى متحيرا و كيف كان فربما

يقال بان عدم جواز تقليد الميت ان كان دليله الإجماع فهو يكون في صورة إمكان‏

الوصول إلى الحي.

و اما مع عدمه فلا أثر له لأنه دليل لبي و المتيقن منه غير هذه الصورة

فإطلاقات التقليد شاملة للمقام فيجب الرجوع إلى الميت لسقوط قيد الحياة سواء

أمكن الاحتياط أم لا هذا على فرض وجود إطلاق لفظي في المقام في أصل التقليد

و اما إذا كان الدليل هو ان من لا حجّة له يجب عليه الرجوع إلى من له الحجة

و المفروض حجية فتوى الحي فيجوز الرجوع إليه و اما غيره فيكون الشك في‏

حجية فتواه و الاحتياط حجة فلا بد من الأخذ به.

و اما مع عدم إمكانه و كونه عسريا فلا بد من الرجوع إلى المشهورات في‏

كتاب فقهي مثل اللمعة الدمشقية فانه كتاب جيد في ضبط ما هو المشهور بين الفقهاء

و لا يكون له الرجوع إلى الميت.

و اما العامي الّذي ليس في وسعه فهم ما ذكر فهو يرجع إلى العالم الّذي‏


112
يكون في محلّه لوصول يده إليه فان علم فتوى مجتهده الّذي لا يصل يده إليه‏

فهو يبين له و يخرج من التحير و ان لم يعلم فهو يرشده إلى الاحتياط أو الأخذ

بالمشهورات أو الرجوع إلى الميت و اما مع عدم علمه بذلك أيضا ففطرة العامي تحكم‏

بالاحتياط في كل مورد علم طريقه و الا فيرجع إلى المشهور و ان لم يعلمه فيرجع‏

إلى الميت.

فان قلت فطرته على التقليد من الحي و لا حياة للمشهور أيضا فهو كالميت‏

قلت انه إذا لاحظ ذلك يفهم ان المشهور مقدم على الميت الواحد إذا تعذر ملاحظة

قيد الحياة و اما إذا لم يمكنه الأخذ به فلا محالة يرجع إلى الميت.

فتحصل ان الاحتياط على فرض الإمكان واجب و مع عدم إمكانه فالرجوع‏

إلى المشهور و مع عدم إمكانه فالرجوع إلى الميت.

الا ان يقال ان دليل وجوب تقليد الحي هو الإجماع و المتيقن منه صورة

إمكان الوصول إليه و مع عدم إمكانه فإطلاقات أدلة التقليد شاملة للمورد فيجب‏

تقليد الميت و لا يجب الاحتياط و اما على فرض انصراف نفس إطلاقات التقليد إلى‏

الحي فلا بد من الاحتياط أو الأخذ بالمشهور بعد عدم إمكانه و هذا البرهان يفيد

العامي لما ذكر من رجوعه إلى العارف بذلك و للمجتهد ليفتي بحكم المقلد عند

اضطراره من وصوله إليه.

الأمر التاسع‏

في انه لو تعذر المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء فهل يجوز الرجوع إلى‏

الفاقد أم لا و على تقدير الجواز فهل فرق بين الشروط من جهة تقديم الفاقد لبعض‏

على الفاقد لآخر فهل يقدم الفاقد للبلوغ على الفاقد للحياة أو على الفاقد للعدالة

أو الإيمان؟

ثم على فرض عدم جواز تقليد الفاقد فلا بد اما من الرجوع إلى الاحتياط

أو إلى المشهورات أو إلى الميت كما في الأمر السابق و كيف كان فربما يفرق بين‏


113
الأدلة الدالة على اعتبار الشرائط فان كان الدليل مثل الإجماع على اعتبار الحياة

و العدالة فالمتيقن منه صورة عدم الاضطرار و التعذر و اما ان كان الدليل هو الإطلاق‏

المستفاد من دليل لفظي فيكون اعتباره على أي حال فإذا فرض دليل الحياة و العدالة

لفظيا شاملا لصورتي التعذر و غيره فيدور الأمر بين تقدم الفاقد للبعض على الاخر

نعم بعض الأدلة مما لا يجي‏ء فيه التخصيص بصورة دون صورة كما ورد

في شرطية كون المفتي شيعة من قوله عليه السلام لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا (1) فان‏

الظاهر منه هو ان المخالف لا يكون له مقام الإفتاء فيكون المقدم هو الشيعة و لو كان‏

فاقدا لبعض الشرائط الاخر الّذي يكون المخالف واجدا له.

و التحقيق هو ان الفاقد للشرائط لا يجوز تقليده اما الفاسق فلأنه خارج عن‏

نظام الاجتماع و لا اعتناء به بحكم العقل المستقل و يكون شرطية العدالة أيضا بحكمه‏

لا بحكم الإجماع حتى يقال المتيقن منه صورة عدم التعذر فان الحكم العقلي‏

لا يختص بحال دون حال فالفاسق كالمعدوم و أسوأ حالا منه الكافر كما هو واضح‏

و اما الإيمان فهو شرط لما مر من النص على عدم جواز كون المخالف مرجعا

للشيعة و اما البلوغ فهو أيضا شرط بحكم العقل المستقل حتى في حال التعذر فان‏

الصبي ليس قابلا لهذا المنصب الخطير و لا يكفى كونه ظاهر الصلاح و السداد.

فتحصل ان الفاقد للشرائط يكون كالمعدوم فالمرجع اما الاحتياط أو المشهور

أو الميت على التفصيل الّذي مر في السابق و على فرض قبول كون الفاقد قابلا

للإفتاء فمن المعلوم ان الفاقد للبلوغ الجامع لبقية الشرائط مقدم على الفاقد للعدالة

و غيرها و لكن عرفت عدم تمامية المبنى.

الأمر العاشر

في انه هل يجوز لمن لا يرى نفسه أهلا للإفتاء الفتوى أم لا؟الحق المتسالم‏

1)في الوسائل باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 43

114
عليه عدم الجواز و المراد به هنا هو النقص من جهة شرائطه لا من جهة أصل اجتهاده‏

مثل كونه فاسقا و قال في المسالك ان عدم الجواز إجماعي و لا يخفى ان البحث‏

السابق كان في عدم حجية رأى الفاقد للشرائط و هذا البحث يكون في مقام بيان‏

الحكم التكليفي لنفس المجتهد و لو فرض اعتقاد غيره انه واجد للشرائط.

و الدليل على عدم الجواز أولا ان الإفتاء منصب مختص بالمعصوم و بعده‏

لمن هو واجد للشرائط و الفاقد ليس له التصرف في هذا المنصب لأنه يكون‏

كالتصرف في الأموال و النفوس بلا مجوز شرعي.

و قد أشكل عليه بان الفقدان للشرط ان كان لعدم وصوله درجة الاجتهاد فعدم‏

جوازه مسلم لأنه كذب على اللّه تعالى فيما أفتى به و اما إذا كان مجتهدا غير اعلم‏

فغاية ما يستفاد من أدلة الشرطية عدم حجية فتواه لا عدم جواز إفتائه أقول ان الظاهر

من بعض الأدلة هو الحرمة التكليفية مثل ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام من قوله عليه السلام لشريح«يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه الا نبي أو وصى نبي أو شقي‏ (1) فان‏

من ليس له أهلية يكون شقيا و ظاهره ان عمله حرام.

و استدل ثانيا بأنه إغواء و إضلال للمكلف لأن تكليفه الواقعي لزوم العمل‏

بفتوى غيره و هو يغريه على العمل بفتواه و الإضلال حرام.

و قد أجيب عنه بان المجتهد الّذي بلغ رتبة الاجتهاد و هو أعلم يكون مخبرا

عن الواقع فيكون خبره مثل خبر من يعتقد في نفسه انه غير ثقة مع اعتقاد كون‏

خبره موافقا للواقع.

و فيه ان الإغراء بالجهل و الإضلال يكون من جهة انه يظهر ان هذه الفتوى‏

حجة على المقلد مضافا بان الرّأي يحتمل ان يكون له معارض فيكون حجيته بالاخذ

لا بكونه مطابقا للواقع أو رأى من يتبع رأيه فليس له الفتوى بأمر لا يكون حجة في‏

نفسه و ما ورد من ان القاضي لا يجوز له القضاء إذا كان فاقدا للشرائط يفهم منه‏

1)في الوسائل ج 18 في باب 3 من أبواب صفات القاضي ح 2.

115
عدم جواز الإفتاء له بالأولوية لأن القضاء شأن من شئون الإفتاء فتحصل ان الإضلال‏

يكون لا ظهاره‏1ان فتواه حجة لا من جهة كذبه في الحكم ليقال انه لا يكذب‏

فلا يجوز له ذلك.

بقي في المقام تتمة

و هو ان تصرفات المجتهد هل تمضي بعد موته مطلقا أو لا مطلقا أو يفصل بين‏

الوكالة و النيابة عنه فيبطل و بين جعل القيم فلا يبطل وجوه:فظاهر العلامة الأنصاري‏

قده في الرسالة التفصيل بين حكمه و قضائه و ما يرجع إلى فعله تعالى فيمضى بعده‏

و بين ما يرجع إلى فعله كتوكيله و استنابته و قيمومته و توليته فلا يمضى بعده.

و أقول ان البحث هنا اما كبروي أو صغروي فمن حيث الكبرى فلا شبهة في‏

ان الأمور الإذنية لا بد لها من الاذن كالوكالة و النيابة و من المعلوم زوال الاذن بالموت‏

و ما لا يكون كذلك و يكون المجتهد واسطة فقط كجعل المتولي للأوقاف فهو باق‏

بعد موته لأنه فعل ذلك من قبل اللَّه تعالى و هو حي لا يموت أبدا و كذلك بيع الوقف‏

و إجارته فانه مأمور من قبله تعالى ان يجعل المتولي لذلك لئلا يبطل الوقف و لا ينهدم‏

المصالح فلا موضوعية لحياة المجتهد في ذلك.

و اما البحث الصغروي فهو ان الشيخ الأعظم كما مر جعل نصب القيم من‏

الأمور الراجعة إلى المجتهد و قال بعدم إمضائه بعد الموت و هو ممنوع لأن هذا

الفعل يكون فعل اللّه تعالى من وجه و فعل المجتهد من وجه آخر و كونه فعلا له‏

يكون بإذنه تعالى فهو يجعل القيم من قبله تعالى لا من قبل نفسه فلا وجه لعدم إمضائه‏

بعد موته فانه كان واسطة فقط و من العجب القول بان إعطاءه منصب القضاء لغيره‏

يكون من قبله مع انه أيضا من قبل اللّه تعالى فانه يفعل ذلك بامره و يكون واسطة فقط

1أقول بقي الكلام في صورة إعلامه ان هذا الرّأي ليس حجة للمقلد

بان يخبره ان الواجب لك تقليد غيري و نفس إظهار الفتوى كذلك ليس حراما

لأنه يخبر عما ادى إليه اجتهاده و لا مضرة فيه.


116
فتحصل ان الأمور الإذنية لا تمضي بعد موت المجتهد و غيرها ممضى لأنه‏

واسطة في ذلك.

فصل فيما يتعلق بالاحتياط

مسألة في ان العمل بالاحتياط هل هو تقليدي أم لا فربما يقال انه مسألة خلافية

فلا بد من الرجوع فيه إلى المجتهد و لكن صرف كونها اختلافية لا يصحح جواز

التقليد فيه كأصل التقليد و لكن الوجه في جواز التقليد فيه هو انه له حيثيتان حيثية

نفسه من جهة كونه معروضا للوجوب الشرعي الحقيقي أو الطريقي أو معروضا

للحرمة بملاحظة عنوان مبغوض عليه و حيثية حكم الشرع في مورده من جهة تعيين‏

أحد الأطراف و عدمه عنده.

فهو على الثانية تقليدي مثل وجوب الاحتياط في باب الفروج و الدماء فان‏

العقل و ان كان يحكم بالبراءة عقلا فيما هو المشتبه كذلك مثل امرأة لا يدرى انها

أخته لئلا يجوز تزويجها أو غيرها ليجوز فانه لا بد من ترك تزويجها رعاية للاحتياط

و مثل الشبهة في ان وجوب قتل تارك الصوم بعد الإفطار عمدا بعد الدفعة الثانية أو

الثالثة فان الاحتياط في تركه بعد الثانية لأن الحدود تدرأ بالشبهات.

و لكن الشرع حكم بوجوبه و هذا حكم تقليدي لا يكون للمقلد سبيل إليه‏

لأن الفقيه هو الّذي يعلم ان للشارع الحكم في الواقعة الفلانية بأحد الأطراف أو

الحكم بالاحتياط و اما على الحيثية الأولى فلا بد من الرجوع إلى الفقيه ليبين حكم‏

الوجوب أو الحرمة بالنسبة إليه.

فتحصل ان الاحتياط أيضا تقليدي بأي نحو فرض لعدم وصول عقل العامي‏

إلى موارده.

مسألة

في انه هل للمكلف العمل بالاحتياط في إحراز الواقع أو لا بد فيه من الاجتهاد


117
أو التقليد حتى يتمكن من الامتثال التفصيلي فيه خلاف فعن شيخنا النائيني قده‏

وجوب الامتثال التفصيلي إذا أمكن و بعده يكون الامتثال الإجمالي مقدما على الاحتمالي‏

حسب المراتب الثلاثة فيه و عن سيدنا الأستاذ الأصفهاني قده ان الاحتياط أحسن من‏

الامتثال التفصيلي في مقام إظهار العبودية.

و كيف كان فاستدل لوجوب التفصيلي بوجوه:الأول الإجماع المدعى على‏

بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها خصوصا إذا استلزم التكرار فعن الشيخ الأعظم‏

قده عدم الخلاف في عدم صحتها بل المعلوم من طريق الشرع عدم مشروعيتها.

و فيه ان الإجماع كذلك لا محصل له بعد كونه سنديا الا ان يكون في مورد

عسر الاحتياط.

الثاني انه مخل بقصد الوجه في العبادات و هو قصد امرها الجزمي فانه‏

يحتمل دخله في مقام الفراغ و إطلاق الأمر لا يمكن ان يدفع به هذا القيد لأن قصد

الأمر مما لا يمكن ان يؤخذ في الخطاب لأنه متأخر عنه فان المولى يجب ان يأمر

بالصلاة ثم يقول ائتها بداعي هذا الأمر و لا يمكنه ان يقول بذلك قبل امره كما هو

محرر في باب التعبدي و التوصلي و هكذا البراءة لا تجري من هذا الباب فيرجع‏

الامتثال بدون قصد الوجه موجبا لنقص في ذات العمل لا في نحو الامتثال.

و فيه أولا انه لا دليل على دخله شرعا و لا عقلا في المأمور به و على فرض الشك‏

فيه فالقول بعدم طرد الشك بالإطلاق ممنوع من جهة ان للشارع ان يظهر مراده‏

بدالّين مثل ان يريد الصلاة و يريد إتيانها بقصد امرها ثم يقول صل بداعي امرها و حيث‏

لم يأت مثلا بدال آخر مع كون القيد من القيود المغفولة التي لا يمكن التمسك على فهم‏

المكلف في تلقى الخطاب و لا بد من بيانه فالإطلاق يحكم بعدم دخله فاما ان يطرد القيد

بالإطلاق اللفظي أو بإطلاق المقامي الّذي هو في مورد كون القيد من القيود المغفولة.

و ثانيا ان الاحتياط لا ينافيه لأنه يقصد الأمر الّذي في البين عند احتياطه بالقصر

و الإتمام في الصلاة مثلا و دخل أزيد من ذلك لا دليل عليه و قصد وجوب ما يأتي‏


118
في الخارج من العمل مع الجزء الّذي يكون المفروض عدم كونه مضرا بالمركب‏

لا إشكال فيه فان الصلاة مثلا طبيعة يكون كلما أضيف إليها و لم يكن مضرا بها يصير

منها و اما ماله عنوان مستقل مثل الصلاة قصرا أو هي تماما فلا يكون فيه إضافة شي‏ء

فيقصد وجوبها لأن امتثال الأمر يحصل بها فمن هذا الوجه لا إشكال في الاحتياط

الوجه الثالث لزوم اللعب بأمر المولى فانه إذا أمكن إتيان عمل واحد و تسليمه‏

إلى الآمر فإتيان إعمال عديدة بأنحاء مختلفة بحيث يكون فيها المأمور به قطعا

ليس الا لعبا و هو قبيح عقلا و من المعلوم ان طريق الامتثال يكون بنظر العرف بعد

عدم بيان عن الشارع بالنسبة إليه.

و فيه ان الامتثال كذلك لا إشكال فيه أصلا إذا لم يخرج عن طور الامتثال‏

العرفي بل هو أحسن من تركه.

فتحصل انه لا إشكال في جواز الامتثال الإجمالي مع إمكان التفصيلي أيضا

مسألة في تقليد الأجير و الوكيل و الوصي‏

و هي في العروة الوثقى مسألة 54 في التقليد قال قده:الوكيل في عمل عن الغير

كإجراء عقد أو إيقاع أو إعطاء خمس أو زكاة أو كفارة أو نحو ذلك يجب ان يعمل‏

بمقتضى تقليد الموكل لا تقليد نفسه إذا كانا مختلفين.و كذا الوصي في مثل ما لو كان‏

وصيا في استئجار الصلاة عنه يجب ان يكون على وفق فتوى مجتهد الميت.

أقول لا يخفى ان البحث يكون في الأعم من التعبدي و التوصلي من الأعمال‏

و الحق ان كلام السيد قده في الوكالة متين فان الوكيل يكون مقام الموكل و لا بد

ان يعمل على طبق وظيفة الموكل ليقع العمل عنه.

و قال بعض الاعلام من المعاصرين ان إطلاق الوكالة يقتضى ان يكون العمل‏

صحيحا و لو بنظر الوكيل لأنه وكيل لإتيان عمل صحيح و خصوصياته مع إطلاق‏

الوكالة تكون بنظره.

هذا في الوكيل المفوّض و اما الوكيل في إتيان عمل على نحو خاص فلا بد من‏


119
ملاحظة الخصوصيات المعينة بنظر الموكل و لو كان ما عينه باطلا عند الوكيل لأنه‏

من الممكن ان يكون له نظر عقلائي في إتيان هذا العمل و لو كان باطلا بالنظر إلى بعض‏

الآثار فان الموكل ربما يكون نظره إلى ان يصير اللغة العبرية دارجة بين الناس فيوكّل‏

على إتيان الصيغة بهذه اللغة و لو كانت باطلة من حيث الأثر العقدي و هو إيجاد العلقة

بين الزوجين أو حصول الملكية.

و فيه أن صورة عدم ملاحظة ما هو الأثر للعمل عادة و التوجه إلى صدور كلام‏

أو فعل آخر من الوكيل لبعض الأغراض يكون خارجا عن محل الكلام لأنه يكون‏

في صورة وجود أثر للعمل يكون صحيحا حسب نظر هذا اجتهادا أو تقليدا و غير صحيح‏

بنظر ذاك كذلك و من المعلوم ان المقصود من الوكالة هو ان يكون عمل الوكيل عمل‏

الموكل بتنزيل بدني أو عملي عن الوكيل و هذا لا يتم في الفعل الّذي يكون باطلا

عند الموكل و لو كان صحيحا عند الوكيل الا على فرض كون الحكم الظاهري له‏

حكما واقعيا للموكل و هكذا بالنسبة إلى النائب و المتبرع.

و ما يتوهم من ان المتبرع يريد إهداء شي‏ء إلى آخر و يكون هذا العمل منه بدون‏

امر إلزاميّ فهو يهدي ما يكون صحيحا بنظره و لا حاجة إلى إحراز الصحة بنظر

المهدي إليه.

مندفع لأن الإهداء أيضا يكون في صورة قابلية العمل عند المهدي إليه لرفع‏

نقص أو علو درجة لا نفس العمل بأي صورة وقعت و هكذا نقول بالنسبة إلى الأجير

فانه يؤجر نفسه لإتيان ما هو وظيفة الميت في مثل الصلاة و الصوم فلا بد له من إتيان‏

عمل يكون مبرأ لذمة الميت فالمدار على مراعاة تكليفه لا تكليف نفسه.

و ما يقال من ان الأمر الإجاري توصلي و الأمر العبادي كان متوجها إلى‏

الميت و قد سقط بموته فلا مصحح لعبادية العمل الا ان يأتي الأجير بداعي القربة

ثم يهدي ثوابه إلى الميت فيكون عمله مثل عمل المتبرع في عدم لزوم مراعاة

تكليف الميت كما في الإهداء الابتدائي.


120
مندفع بان القياس بالإهداء ابتداء على فرض تسليم هذا الإشكال في العبادات‏

الاستجارية لا معنى له لأن الإهداء يلاحظ بالنسبة إلى الميت و تحصيل فراغ ذمته به‏

بواسطة الإجارة فلا بد من ملاحظة ما في ذمته و تحصيل الفراغ عنه كما كان.

فان قلت إطلاق دليل صحة الإيجار للعبادات و ترك الاستفصال فيه من جهة

كون العمل على نحو وظيفة الميت أو الأجير مع أوله إلى الإهداء للإشكال في العبادية

بدون هذا الوجه ينتج عدم لزوم مراعاة ما هو وظيفة الميت.

قلت الإطلاق يتمسك به على فرض كونه في صدد البيان و من المعلوم ان‏

أدلة صحة العبادات الاستئجارية لا تكون في مقام بيان كيفية العمل عن الأجير

فلا بد من ملاحظة تكليف الميت و على فرض الشك أيضا فيكون من باب الشك‏

في حصول الفراغ فلا بد من الجمع بين تكليف نفسه و تكليف الميت من باب‏

الاحتياط إذا لم يحرز عنده تعيين كون الوظيفة وظيفة نفسه أو وظيفة الميت.

ثم ان الحق هو ان الأمر في باب العبادة الاستئجارية لا يصل إلى القول‏

بالإهداء بل عبادية العمل اما ان تصحح باندكاك الأمر الإجاري في الأمر العبادي‏

كما عن شيخنا النائيني أو ما نقول بان الصلاة عبادة في ذاتها لأن الركوع‏

و السجود مما هو عبادة ذاتا و الأجير ينسب هذا العمل إلى الميت بواسطة تنزيل‏

بدني أو عملي خصوصا إذا كان الخطاب إلى الميت بالنسبة إلى هذا العمل الّذي‏

يكون في ذمته صحيحا مع كون فراغه بالاستيجار عنه و نقول فيما ليس عبادة ذاتا

ان نفس التنزيل يكفى في العبادية و كون امر الميت امره و إطاعته إطاعة الميت‏

و توضيح البحث في محله في باب التعبدي و التوصلي‏ (1) .

و مما ذكرنا ظهر ان الوصي أيضا لا شأن له ليلاحظ ما هو الصحيح عنده بل‏

لا بد له من استئجار من يأتي بالعمل الّذي هو مفرغ ذمة الميت.

فتحصل ان مقتضى القاعدة هو ان يكون المتعين ملاحظة وظيفة الموكل‏

1)و قد فصلناه في ج 1 من الكتاب فارجع إليه.

121
في الوكالة و وظيفة المنوب عنه في النيابة و وظيفة الميت في الإجارة و من العجب‏

عن شيخنا العراقي قده من انه لو عين كون العمل على طبق وظيفة الأجير تكون‏

الإجارة صحيحة و لكن لا يحصل فراغ الذّمّة به فان الكلام يكون فيما هو الدارج‏

من الإجارة لتحصيل فراغ الذّمّة في العبادات الاستئجارية و الجواد قد يكبوا.

و قد تم بهذا ما أردناه من مباحث الاجتهاد و التقليد.

الكلام في قاعدة اللاضرر و لا ضرار في الإسلام‏

و البحث‏1عنها في مقامات،الأول البحث في سند القاعدة و الثاني‏

البحث عن قياسها مع ساير القواعد و الأصول و الأمارات و الثالث البحث في‏

تنبيهاتها.

و البحث في المقام الأول يكون في جهات‏

الجهة الأولى البحث في الروايات‏

التي تكون سند هذه القاعدة

و هي على طوائف:منها ما ورد في حكاية سمرة

و منها ما ورد في حكايات غيرها مذيلة:بها و منها ما ورد بنحو الكبرى بدون الذيل‏

بقوله عليه السلام لا ضرر و لا ضرار.

ثم لا يخفى أن التمسك بالقاعدة في موارد الفقه يكون قليل الفائدة لأنه ثبت‏

1أقول ان في هذه القاعدة رسالة مختصرة لا تبلغ صحائفها الا خمسة

و أربعين بصفحات صغيرة عن شريعة الأصفهاني قده و قد اعتنى الأستاذ مد ظله إليه‏

في بيان هذه القاعدة و هي حاوية لبعض المطالب.

و من الرسائل التي يكون فيها بيان قاعدة اللاضرر بنحو منقح و مضبوط

ما كتبه الشيخ موسى الخوانساري في آخر تقريرات الحاشية على المتاجر للشيخ‏

الأعظم الأنصاري قده عن النائيني قده و يسمى بكتاب منية الطالب و هي قاعدة

نفيسة جزى اللّه المؤلف عن الإسلام خير الجزاء فارجع إليها لو وجدت الكتاب.

كما أن القاعدة منقحة مستقلة في آخر المكاسب أيضا و نبهناك عليها لتكون‏

على زيادة بصيرة في المطالعة و عن ساير الاعلام أيضا رسائل اخر و الباحث يجدها.


122
لنا فيه بحسب الاستقراء أن كل مورد يكون تمسكهم بقاعدة لا ضرر يكون له دليل‏

خاص فمن الموارد خيار الغبن و دليله ليس القاعدة بل الشرط الضمني بأن الثمن‏

و المثمن يجب أن يكونا متساويين عند العرف و في رمد العين و له رواية خاصّة و لكن‏

بحثنا هنا يكون تبعا للقوم و لا يخلو عن فائدة.

ثم ما ورد في حكاية سمرة موثقة رواها زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أن‏

سمرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الأنصار و كان منزل الأنصاري‏

بباب البستان و كان سمرة يمر إلى نخلته و لا يستأذن فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء

فأبى سمرة فجاء الأنصاري إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فشكا إليه و أخبره بالخبر فأرسل رسول اللَّه‏

صلّى اللّه عليه و آله و أخبره بقول الأنصاري و ما شكاه فقال إذا أردت الدخول فاستأذن فأبى فلما

أبى ساومه حتى بلغ من الثمن ما شاء اللّه فأبى أن يبيعه فقال لك بها عذق في الجنة

فأبى أن يفعل فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للأنصاري اذهب فاقلعها و ارم بها إليه فأنه لا ضرر

و لا ضرار (1) .

و قد نقل هذه الرواية بطريق الحذاء (2) عن أبي جعفر عليه السلام الا أنه بعد الآباء

قال ما أراك يا سمرة الا رجلا مضارا اذهب يا فلان فاقلعها و ارم بها وجهه.

و قد أشكل عليها بالضعف من حيث السند بعمل الأصحاب مثل الشيخ قده‏

في الخلاف في خيار الغبن و ابن زهرة في خيار العيب.

و من الروايات المذيلة ما ورد في أبواب الشفعة عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال‏

قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن و قال لا ضرر

و لا ضرار و قال إذا أرفت الأرف و حدت الحدود فلا شفعة (3) .

و منها ما عن عقبة بن خالد قال قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بين أهل المدينة في‏

1)في الوسائل ج 17 باب 12 من أبواب إحياء الموات ح 3.

2)في الباب المتقدم ح 1.

3)في الوسائل ج 17 باب 5 من أبواب الشفعة ح 1

123
مشارب النخل أنه لا يمنع نفع الشي‏ء و قضى بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع‏

فضل كلأ فقال لا ضرر و لا ضرار (1) .

و اما ما ورد بنحو الكبرى ففي المستدرك(باب 2 من أبواب إحياء الموات‏

ح 2)و روينا عن أبي عبد اللّه عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام أن‏

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لا ضرر و لا ضرار.

و منها أيضا رواية دعائم الإسلام(في المستدرك ج 3 ص 150 باب 9 من‏

أبواب إحياء الموات ح 1)1

ثم ان الاستدلال اما يكون بالكبرى في غير مقام التطبيق بعد جبر ضعف‏

السند فيما ورد بنحو الكبرى أو بالتطبيق على الموارد فان صح لنا اتخاذ الكبرى‏

مما ذكر فهو و الا فلا تصير هذه قاعدة في جميع الموارد.

و قد أشكل على الكبرى في رواية سمرة بان الضرر و ان كان متوجها إلى‏

الأنصاري بواسطة مزاحمة سمرة لأهله و ينطبق الكبرى و لكن القلع لا معنى له فانه‏

من الممكن رفع الضرر بغير هذا الطريق.

و اما في روايتي الشفعة و منع الماء فلا تطبيق لها أصلا لأن حق الشفعة للشريك‏

و ان كان مصلحة له و عدم وجود المزاحم له و لكن لا يكون في كل الموارد هكذا

بل ربما يكون البيع مع مشتر يكون أصلح من الشريك السابق لهذا فيكون مورده‏

النّفع فلا يكون السر في جعل حق الشفعة في أكثر الموارد هو الضرر.

و اما في قضية منع الماء و الكلاء فيكون من باب تصرف الناس في أموالهم‏

و التصرف في المال يكون لازمه عدم إيصال النّفع إلى الغير و لا يجب علينا أن‏

1أقول و في الوسائل أيضا في ج 17 باب 12 من أبواب إحياء الموات‏

ح 5 عن أبي عبد اللّه عليه السلام في حديث قال لا ضرر و لا ضرار.

ثم اعلم ان الأحاديث في غير أبواب الشفعة و إحياء الموات توجد في باب‏

17 من أبواب الخيار في ج 12 من الوسائل ح 3 و 4 و 5 أيضا فان شئت فارجع.

1)في الوسائل ج 17 باب 7 من أبواب إحياء الموات ح 2

124
لا نتصرف في أموالنا ليصل النّفع إلى الغير فان الناس مسلطون على أموالهم‏

فيمكن أن يكون التطبيق من اشتباه الراوي لتوهمه الضرر أو وجه آخر.

و قد أشكل ثانيا بأن القاعدة على فرض ثبوتها تكون من الأحكام الثانوية

الحاكمة على الأحكام الأولية و اللازم من الأخذ بها في قضية منع الماء الّذي‏

يكون نهيه تنزيهيا من باب الكراهة هو عدم الحكومة لأن النهي التنزيهي ليس‏

بإلزامي حتى يكون القاعدة حاكمة لأن ورودها يكون في الأحكام الإلزامية فيكون‏

التطبيق في قضية سمرة و الشفعة غير مشكل من هذا الباب و لكن يكون الإشكال‏

في قضية منع الماء.

و لكن يمكن الجواب عن هذا الإشكال بأنه لا فرق بين الحكم الإلزامي‏

و التنزيهي فان بقاء الكراهة أيضا كلفة على العباد فكما هي مرفوعة بالبراءة كذلك‏

بالقاعدة.

و قد أشكل ثالثا بأن الرواية في الشفعة لا يكون لازمها الا فقها جديدا لأن‏

أصل البيع لا يكون ضرريا للشريك بل يلزم منه الضرر على الغير فعليه يجب أن‏

يكون كل ما هو من مقدمات الضرر على الغير مرفوعا بالقاعدة و هو كما ترى لأن‏

لازمه هو أن يكون بيع القصاب للحم و الخباز للخبز أيضا ضرريا بمعنى معدّيته‏

للغيبة و الزنا و كل فعل محرم كان منشأه القوة بواسطة هذا البيع و لم يقل به أحد.

و ثانيا ان البيع يكون صحيحا في الشفعة و للشريك الرجوع إلى المشتري‏

بالثمن الّذي اشتراه فيكون الأثر الوضعي مترتبا و المراد بنفي الضرر نفى الأثر

الوضعي فكيف يقال ان بيع الشفعة من موارد الضرر الّذي تنطبق عليه القاعدة.

و قد أجيب عن هذا الإشكال بوجهين الأول ان الضرر في القاعدة لا يكون‏

علة للحكم حتى يجب وجوده في كل مورد بل يكون حكمة ففي صورة عدمه أيضا

كما في الموارد التي تراها من عدم التطبيق يكون الحكم و ان لم يكن الضرر

موجودا فقد دفع الإشكال بهذا المقال و يكون مثل حكمة جعل العدد لعدم اختلاط

المياه.


125
لا يقال إذا كان الحكم على شي‏ء و يكون معلقا على شي‏ء آخر يكون‏

الظاهر عند الدوران بين العلة و الحكمة الحمل على العلة لا الحكمة مثل ما يقال الخمر

حرام لسكره فان العلة هي الإسكار فالحمل على الحكمة خلاف الظاهر فلا بد من‏

كون الضرر علة و لا تطبيق هنا.

لأنا نقول ان هذا مسلم على فرض عدم القرينة على خلافه و في مقامنا هذا

لا طريق إلى القول بالحمل على الحكمة من باب عدم الانطباق.

و اما الجواب عن الإشكال بعدم الجامع بين النهي التنزيهي و الإلزامي فهو

أن الجامع هو الضرر و الخصوصيات تفهم بدال آخر ففي المقام يكون التنزيه‏

مستفادا من القرينة في المورد مضافا بان الضرر له مراتب فمنه ما يكون حكمة و منه‏

ما يكون علة.

الثاني هو الّذي قالوا به و يكون المختار أيضا كذلك و هو ان القاعدة في‏

الروايات منطبقة و يكون الضرر فيه موجودا.

و اما الرواية التي تكون في الشفعة فبيان الضرر فيها ان نقول بان الضرر

لا يكون علة للحكم و لا حكمة له‏1بل يكون غاية له فان البيع إذا كان فيه حق‏

الشفعة يكون ناقصا و غير صالح لترتيب الآثار المترتبة على البيع الكامل فحكم‏

الشارع بكمال هذا البيع يكون غايته الضرر على الشريك فرفع هذا الحكم الضرري‏

لذلك فيكون رفعه بهذا اللحاظ فلا يكون البيع ضرريا من أصله بل لزومه ضرري‏

فرفع ما هو ضرري وحده.

و توهم ان البيع إذا كان صحيحا فالمشتري يكون له التصرف و الناس‏

مسلطون على أموالهم و كذا البائع فقاعدة التسلط تمنع عن المنع عن التصرفات‏

و النقص.

1لا يخفى ان الضرر في المقام أيضا حكمة أو علة و لكنه لعدم جعل الناقص‏

من البيع تاما و عدم عليته لأصل البيع الضرري لا يكون الا من جهة عدم المعلول.


126
مندفع‏1بان قاعدة الناس مسلطون إلخ تكون قاصرة الشمول للمقام فانها

تكون في صورة عدم الإضرار بالغير و اما عند لزومه فلا و كذلك بالنسبة إلى المشتري‏

فان القاعدة لا توجب عدم الشفعة للشريك لأن المعاملة أحدثت ملكا ناقصا.

و اما تطبيق القاعدة على مورد الماء فائضا مما لا إشكال فيه لأن الناس لهم حق‏

بالنسبة إلى المياه الجارية الكثيرة فان الوضوء و الشرب و كذلك ساير المنافع من‏

المياه بحيث لا يزاحم المالك في التصرف يكون حقا للناس في أموال الغير و الدليل‏

عليه السيرة فانه لا يسأل أحد عن حكم شرب الماء من نهر و من انه هل يكون لرضاء

مالكه دخل أم لا و ما وصل ردع عن عملهم إلينا فيكون هذا حقهم فحكم عليه السلام‏

بان المالك لا يكون له منع الناس عن حقهم لأنه ضرر عليهم بمقتضى قاعدة

اللاضرر.

و الحاصل من جميع ما تقدم أن هذه الكبرى مسلمة سندا و دلالة و ما ورد بلسان‏

الكبرى كرواية دعائم الإسلام التي مرت في عداد الروايات و ان كان ضعيفا و لكن‏

ضعفه منجبر بعمل الأصحاب على هذه القاعدة بنحو الكبرى.

الجهة الثانية في البحث عن أن هذه الرواية هل تكون مذيلة
بكلمة في الإسلام‏

أو في الإيمان فيكون التعبير لا ضرر و لا ضرار في الإسلام أو الإيمان أم لا فيه خلاف‏

و لكن لا يكون في إثباته كثير فائدة.

و ربما يتخيل ان المناسب لمبنى الشيخ الأنصاري هو وجود كلمة في الإسلام‏

لأن مراده بنفي الضرر هو عدم الوجود التشريعي و لكن لا وجه لهذه المناسبة في‏

خصوص مبناه قده بل على مبنى غيره أيضا لا يكون النفي الا بلحاظ عدمه في الإسلام‏

و عالم التشريع لا التكوين لأن الضرر فيه موجود لا محالة و في صورة الشك و ان‏

كان أصالة عدم الزيادة في ساير الموارد مقدمة على أصالة عدم النقيصة لأن الزيادة

1قصور القاعدة ان كان من حكومة قاعدة لا ضرر عليها فسيجي‏ء منه مد ظله‏

عدم حكومتها عليها لأن كلتيهما دليلان امتنانيان.


127
تحتاج إلى زيادة عناية بخلاف النقيصة فانها يكون السهو بالنسبة إليها موافق الطبع‏

و لكن في المقام لا يمكننا ان نقول بالتقدم لأن زيادة هذه الكلمة موافقة لطبع‏1

راوي الحديث لأنه يبين أحكام الإسلام.

الجهة الثالثة في بيان فقه الأحاديث‏

فنقول اما كلمة الضرر و الضرار فقد اختلف كلمات اللغويين و الأصوليين‏

فيها و قد نقل الشيخ الأعظم قده جملة من كلمات أهل اللغة في الرسائل في مقام بيان‏

هذه القاعدة مثل كلام الصحاح و ابن أثير و صاحب القاموس و ربما يفهم منها وحدة

معنى الضرر و الضرار و ربما يفهم من بعضها ان الضرر هو النقص و هو الفعل‏

الواحد و الضرار هو فعل الاثنين لأنه من باب المفاعلة و قال الخراسانيّ قده انهما

بمعنى واحد.

و لكن الّذي يجب التدبر فيه هو أن كلام اللغوي لا يكون حجة من حيث‏

كونه لغويا بل من حيث بيان موارد الاستعمالات فربما نجد الاستعمال خلاف ذلك‏

فان الضرار في قوله تعالى الذين يتخذون مسجدا ضرارا و كفرا و تفريقا بين‏

المؤمنين الآية لا يكون معناه المفاعلة في الضرر و كذلك في قضية سمرة مع الأنصاري‏

لا يكون أحدهما ضارا بالاخر و بالعكس حتى يصدق المفاعلة بل الضرر من ناحية سمرة

بالنسبة إلى الأنصاري فقط مع أنه صلّى اللّه عليه و آله قال انك رجل مضار فلا يستفاد الاثنينية في هذا الكلام‏

و لكن يمكن أن يقال ان الفرق بين المصدر و اسمه يكون في المقام(كما

في الفارسية يقال گفتن مصدر است و گفتار اسم مصدر)فنقول في المقام الضرر هو

اسم المصدر و الضرار هو المصدر و معنى الأول هو النقص و معنى الثاني‏ (1)

1أقول هذا الوجه أيضا مما لا يكون موجبا للقول بعدم جريان أصالة عدم‏

الزيادة لأن الراوي مقتضى عدالته هو عدم زيادة ما لم يكن في قول الإمام عليه السلام من نفسه‏

و الّذي يسهل الخطب عدم الدخل في إثباتها و عدمها في الفقه.

1)و فيما مر من الرواية الواردة في المستدرك ج 3 ص 150 باب 9 و هو.


128
التصدي للنقص و فعله.

و ما عن بعض أهل اللغة من أن الضرر يكون صدقه على المال إذا نقص‏

و الضرار يكون صدقه في نقص العرض مثل عرض الأنصاري في القضية فائضا

لا وجه له لأن الضرر في العرف يكون صادقا على المعنى الأعم من ضرر العرض‏

و المال و النّفس و لا وجه للقول بأن الضرار هو المجازات على الضرر و الضرر

هو النقص.

كما احتمله الشيخ الأنصاري قده‏1و قال انه مأخوذ من احتمال كون‏

الضرار هو فعل الاثنين أيضا لما مر فلا يكون المعنى واحدا بالوحدة التامة كما عن‏

الخراسانيّ قده و لا متضادا بهذا الاحتمال بل النقص و التصدي له لا يكون في‏

الإسلام مجعولا.

ثم ان التقابل بين النّفع و الضرر ربما يقال انه التضاد لكن ليس هذا هو

التضاد المشهور من عدم اجتماع الأمرين الوجوديين في موضوع واحد لأن الضرر

هو النقص و عدم الكمال فيكون التقابل تقابل السلب و الإيجاب كالوجود و العدم‏

و ربما يكون التقابل من باب العدم و الملكة كما يصدق الضرر فيما من شأنه‏

أن يكون فيه النّفع إذا منع من اقتضائه مانع مثل أن يمنع شخص عن إشراق‏

الشمس على زراعة زيد فلم تصل إلى حد الكمال فعدم ما من شأنه هو الزيادة

و الكمال يصدق عليه الضرر و يقال حصل الضرر و من هنا يظهر أن عدم النّفع في‏

باب عدم جواز الإضرار بالمسلم في ذيل ح 1 في نسخة لا ضرر و لا إضرار بعد نقل‏

لا ضرر و لا ضرار و تلك النسخة توافق هذا المعنى.

1و لا يبعد هذا الاحتمال من جهة ان المجازات على الضرر أيضا غير

مجعولة في الإسلام كما انه في من كسر كوز الغير لا يقال اكسر كوزه و التبديل‏

بالمثل أو القيمة كلام آخر نعم في بعض الموارد مثل باب القصاص يكون الحكم‏

كذلك و لكنه خارج عن مورد البحث بالتخصيص.


129
جميع الموارد لا يصدق عليه الضرر فان زيدا إذا لم يكن له مال ليتجر به فلا يقال ان‏

زيدا وقع عليه الضرر بل لم ينفع من باب عدم المقتضى له.

و الحاصل هنا ثلاث معان:الأول هو النقص عن مرتبة كمال الشي‏ء بعد حصوله‏

و هو يصدق عليه الضرر قطعا و الثاني هو منع اقتضاء ماله اقتضاء النّفع و هو أيضا

يمكن أن يقال أنه ضرر و ربما يختلف صدقه و عدمه حسب اختلاف الموارد

و الثالث هو عدم حصول النّفع في مورد لا يكون له اقتضاء أيضا و هذا لا يصدق عليه‏

الضرر قطعا فعدم النّفع ربما يصدق عليه الضرر و ربما لا يصدق.

هذا كله في البحث عن معنى الضرر و الضرار و اما النفي المتوجه إليه بقوله‏

عليه السلام لا ضرر و لا ضرار فقد احتمل فيه احتمالات خمسة.

الأول‏1ما عن الشيخ الأنصاري قده من أن المراد بالنفي هو نفي الضرر

حقيقة أي لا ضرر في الوجود حقيقة لا مجازا و لا ادعاء و لكن حيث يكون وجود

الضرر التكويني في عالم الناسوت حقيقة كما في وجود سمرة قيل انه منفي حقيقة

في عالم التشريع و سيجي‏ء البحث فيه و هو الحق عندنا.

الثاني ما هو المختار للمحقق الخراسانيّ في الكفاية و حاشية الرسائل و حاشية

المكاسب و هو أن الضرر حيث لا يمكن أن يكون معدوما حقيقة يكون معنى النفي‏

هو عدم الضرر ادعاء حقيقة كما يستفاد من الآيات و الروايات و بلحاظ نفيه ادعاء

ينتفي آثاره و هو الحكم عليه فلا يجب تحمله لأنه منفي و الحاصل لا يكون الحكم‏

على موضوع ضرري من دون تقدير الحكم بأن يقال لا حكم ضرري أو لا حكم ضرري‏

غير متدارك مع اختلاف التعبير في الكتب و سيجي‏ء زيادة التوضيح.

1أقول عبارة الشيخ في الرسائل يكون فيها خلاف هذا التعبير فانه قال في ص‏

296 فاعلم ان المعنى بعد تعذر إرادة الحقيقة عدم تشريع الضرر بمعنى أن الشارع‏

لم يشرع حكما يلزم منه الضرر على أحد تكليفيا كان أو وضعيا و سيجي‏ء منه مد ظله‏

أن مراده قده ليس على ما يفهم من هذه العبارة.


130
الثالث هو ان يكون المرفوع هو الضرر حقيقة و لكن النوع الخاصّ منه‏

و هو الضرر الناشئ من حكم الشرع فانه لا حكم ضرري في الشرع فلا يكون الضرر

في عالم التشريع حقيقة.

و الرابع هو أن يكون المرفوع هو الضرر حقيقة و لكن الضرر الّذي لم يكن‏

متداركا لا يكون فغصب المال من دون الحكم بردّه أو ردّ عوضه ضرر على المالك‏

و لكن معه لا يكون ضررا واقعا.

الخامس هو أن يكون المراد بالنفي النهي يعنى لا تضرر كما عن شريعة

الأصفهاني قده و أمثاله في الشرع كثيرا كما يقال يعيد الصلاة لمن ترك السورة

أي يجب الإعادة أو يقال فلا رفث و لا جدال و لا فسوق في الحج مع أن الجدال‏

و غيره يصدر من الناس أو يقال المؤمنون عند شروطهم مع أنهم يخالفون الشرط

فمعنى جميع ما ذكر هو النهي عن ذلك و لا ضرر أيضا كذلك و هذا هو الاخبار

في مقام الإنشاء و لتمامية وجود المقتضى يخبر بوجود المقتضى.

ثم انه بعد نقل الأقوال ينبغي البحث في الإشكالات التي ترد على ساير

المقامات غير مقالة الشيخ التي تكون موافقة للتحقيق.

اما مقالة الخراسانيّ فيرد عليها بأن المراد بهذه الجملة اما هو الاخبار بعدم‏

الضرر أو الإنشاء و هو النهي عنه اما على الأول كما هو مختاره قده فان المراد بالنفي‏

اما هو نفي البسيط بمعنى تعلقه بهذا العنوان الخاصّ و هو الضرر أو المركب بان يقال‏

لا موضوع ضرري و على كلا المعنيين لا وجه للقول بأن النفي يكون ادعاء لا حقيقة.

اما على الأول و هو النفي البسيط فلان المراد بالنفي نفي الآثار عن الضرر

و هو غير ممكن لأن الضرر يكون منشئا لأثره و لا يمكن أن يكون ما هو علة الضرر

غير علة له فان آثار الشي‏ء مترتبة عليه لا محالة.

و اما على الثاني فلان تقدير الموضوع خلاف الأصل و خلاف الظاهر لأنه‏

يحتاج إلى قرينة مفقودة في المقام و ليس معنى لا ضرر أي لا وضوء ضرري و لا غسل‏


131
ضرري و هكذا مع إمكان أن يكون المنفي هو نفس الضرر.

مضافا بأن الوضوء الضرري‏1لا يكون عليه حكم حتى يكون نفي هذا

الموضوع موجبا لنفي اثره و هو الحكم ضرورة أن الشارع يكون حكمه على الوضوء

الغير الضرري لا على الوضوء الضرري.

و قد صار بعض تلامذته قده بصدد ذب الإشكال عنه فقال ان الوضوء

الضرري من غير ناحية الضرر يكون عليه الحكم فالحصة التي يكون عليها الحكم‏

لو لا الضرر يكون الحكم مرفوعا عنها بعلة الضرر.

و فيه أولا أنه لا وجه لجعل النفي مرآتا عن الخارج ليرى الموضوع الضرري‏

فيه مع خلعه عن الضرر و فرض الحكم له بعد إمكان كونه مرآتا عن الحكم بأن‏

يقال ليس الحكم الّذي هو الضرر في الإسلام كما سيجي‏ء.

و ثانيا2ان هذا الحكم لا يكون إطلاقه صحيحا من باب انه يكون في‏

الإسلام أحكام على الموضوعات الضررية حتى مع الضرر كما أن الحج يكون‏

ضرريا و يكون عليه الحكم حتى مع فرض الضرر.

و ثالثا أن نفي الموضوع لا يلزم أن يكون في جميع الموارد بلحاظ نفي الحكم حتى‏

يكون النفي الادعائي للموضوع نفيا للحكم بل الموضوعات المجعولة من ناحية الشرع‏

أيضا قابلا للرفع و النفي ابتداء فان‏3المعاملة الغبنية من الموضوعات التي قابلة للنفي‏

1و أقول ان عدم الحكم على الوضوء الضرري ان كان بدليل آخر غير اللا ضرر

فلا كلام فيه و ان كان من جهته و بسببه فاقتضاؤه للحكم كاف كما يقال مثله في رفع‏

ما لا يعلمون فان الامتنان صار سببا لرفع الحكم عما فيه اقتضائه.

2سيجي‏ء أن القاعدة لا تشمل الأحكام المجعولة على الموضوع الضرري‏

كالحج و الجهاد و مراده قده أيضا ليس الإطلاق بل النفي بعد فرض الاقتضاء كما مر.

3أقول نفي الموضوع الشرعي أيضا يكون بلحاظ نفي أثره فان المعاملة

و الصلاة بعد وقوعها في الخارج لا معنى لنفيها حقيقة الا الحكم بعدم الصحة

و عدم وجوب الوفاء فلا معنى لنفي الموضوع كذلك حقيقة.


132
شرعا حقيقة لا بلحاظ الحكم كما يقال لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد أو لا صلاة

الا بفاتحة الكتاب.

هذا كله إذا كان المراد بالنفي الاخبار و اما الإنشاء فهو يرجع إلى مقالة

الشريعة الأصفهاني قده و لا يقول به مع كونه غير تام أيضا كما سيجي‏ء فكلامه قده‏1لا يتم‏

في معنى اللا ضرر.

و اما القول بأن المراد من النفي هو نفي نوع خاص من الضرر و هو الحكم به‏

1أقول نحن ننقل العبارة عن الرسائل و عن حاشية الخراسانيّ عليها و عن‏

الكفاية ليسهل القضاوة عليك اما عبارة الرسائل فهي ان النفي بمعنى أن الشارع‏

لم يشرع حكما يلزم منه ضرر على أحد وضعيا كان أو تكليفيا.

فقال في الحاشية ص 159 أو بمعنى أن الشارع لم يشرع جواز الإضرار

بالغير أو وجوب تحمل الضرر عنه و لا فرق بين العبارتين في بدو النّظر على ما هو

الظاهر الا أن كلام الشيخ قده أعم لأنه يشمل الأحكام الوضعيّة و التكليفية.

و عبارة الخراسانيّ ظاهرة في الأحكام الوضعيّة فلا يفهم منها نفي الحكم‏

بلسان نفي الموضوع حتى يشكل عليه بما أشكل مد ظله لأن جواز الإضرار حكم‏

و عدم الوجوب أيضا حكم.

و اما عبارته في الكفاية فهي ان الظاهر أن يكون لا لنفي الحقيقة كما هو الأصل‏

في هذا التركيب حقيقة أو ادعاء كناية عن نفي الآثار انتهى و انك ترى أنه لم يعين‏

الادّعاء حتى يشكل عليه بما أشكل بل جعل الحقيقة أيضا عدله و لم يكن نفي‏

الحكم بلسان نفي الموضوع.

و لعله قده حيث نظر إلى أن الحكم الضرري بنفسه ضرر رأى إمكان النفي‏

حقيقة و حيث رأى أن الحكم بالفارسية فرمان است و ضرريته من ناحية الموضوع‏

فجعل عدل الحقيقة الادعاء.

فهو قده لم يقل بما يكون صريحا في المخالفة مع مقالة الشيخ قده بل بهذا

التعبير بينه بأضبط بيان و لم يكن عبارته في الكفاية مخالفة لما في حاشيته على‏

الرسائل فتدبر فيه و مثاله ببعض الموضوعات أيضا كان لهذه النكتة.


133
حتى يكون المرفوع هو الحكم الضرري و ان توهم أن هذا هو مراد الشيخ قده‏

و لكن ليس كذلك و أن كان عبارته في الرسائل موهمة لذلك لأنه خلاف ظاهر

العبارة فان قوله عليه السلام لا ضرر لا يكون فيه إضافة نوع خاص بأن يقال لا ضرر في‏

الإسلام الضرر الّذي هو الحكم لا غيره.

و نحن نثبت في آخر الكلام أن المراد هو النفي في التكوين حقيقة و قال‏

الخراسانيّ قده ذكر الضرر و إرادة الحكم كلام مستشبع و مر أن كلامه أيضا كذلك‏

من جهة قوله بالنفي ادعاء.

و أما القول بان المراد بالضرر هو الضرر الغير المتدارك فهو أيضا غير وجيه‏

لأن لازمه أما خلاف أصالة الحقيقة لأن القيد لازمه هو عدم استعمال الضرر في معناه‏

الحقيقي بل المعنى المجازي و هو غير المتدارك و مع صدق الضرر عليه يكون‏

النفي مجازا و اما خلاف أصالة الإطلاق بعد عدم الدليل على هذا القيد فان الضرر

مطلق فكيف يقيد بهذا القيد.

مضافا بأن الشيخ قده يقول في المكاسب ان أكثر الضرر غير متدارك و الحكم‏

بالتدارك غير التدارك فان الناس يأكل بعضهم أموال البعض ظلما و لا يتدارك.

و لكن يمكن دفع هذا الإشكال بأن معنى التدارك هو انتقال العوض إلى ذمة

المتلف فان كان مثليا مثله و ان كان قيميا قيمته و لا معنى للتدارك الا هذا لا التدارك‏

الخارجي و هو وصول العوض إلى صاحب المال فما جاء في العهدة هو التدارك.

و قد أشكل على هذه المقالة شيخنا النائيني قده بأن لازم القول بأن المراد

بالضرر هو الضرر الغير المتدارك هو أن يكون الماهية مع إشراب الوجود مصب‏

الحكم و المفروض ان الحكم يكون على الطبيعة و هي الضرر فالمنفي هو الضرر

لا الضرر الّذي يكون متداركا في الخارج.

و فيه ان هذا لا يتم لأن المراد هنا أيضا هو الطبيعة على فرض الوجود و النفي‏

تعلق بالضرر الغير المتدارك لوجود حقيقة في الخارج فلا يكون المسلوب هو الضرر


134
الموجود بل ما هو مفروض الوجود و هذا لا إشكال فيه.

فتحصل أن الإشكال هو أن هذا القيد مما لا دليل عليه في العبارة و مخالف‏

اما لأصالة الإطلاق أو لأصالة الحقيقة على فرض تسليم وجوده فلا يتم هذا المعنى‏

أيضا.

و اما القول الخامس و هو ما عن شريعة الأصفهاني قده و هو أن المراد

بالنفي هو النهي فقوله عليه السلام لا ضرر يكون مثل قوله تعالى و لا رفث و لا فسوق‏

و لا جدال في الحج أو قوله عليه السلام فيمن ترك السورة يعيد الصلاة بمعنى الأمر بالإعادة

و مرجعه إلى حرمة الإضرار.

فهو أيضا لا يتم لأن مدخول لا إذا كان الفعل يمكن أن يكون نهيا و أما إذا

كان اسما كما في المقام فلا وجه للقول به و اما الاستشهاد بما مر و كون المراد

بالنفي النهي كناية فهو أيضا غير وجيه عندنا بحسب المبنى فان استعمال الجملة

الاخبارية في الإنشاء غير صحيح.

لأن الاخبار يجب أن يكون اخبارا عما سيقع أو ما وقع و في المقام لا يمكن‏

ان يكون كلمة يعيد اخبارا عن الحكم بالإعادة لأن الاخبار يتوقف على وجود

الحكم قبله و وجوده يتوقف‏1على هذا الاخبار فيدور لأن الحكم متوقف على‏

الاخبار و هو عليه و هذا دور واضح و لا وصول للحكم بغير هذه العبارة.

سلمنا و لكن في المقام تكون القرينة على العدم موجودة و هي إمكان حمل‏

النفي على معناه الحقيقي.

و ربما أشكل عليه بأن القاعدة امتنانية و ربما يكون النهي عن الإضرار ضررا

1أقول ان وجوده متوقف على علله و الكلام في أن الجملة الاخبارية كاشفة

أم لا و تكون شبهة في كشف الجملة الاخبارية عن الحكم كما في قوله يعيد الصلاة أو لا يعيد

و مثل قوله المؤمنون عند شروطهم و هذا دارج عند العرف أيضا و الا فلا يبقى معنى‏

لهذه الجملات و قد عرضت عليه مد ظله في ما سبق هذا الإشكال في ساير الموارد

المناسب و لم يأتني بمقنع بل مال إليه فلا إشكال من هذه الجهة عندنا.


135
على المخاطب فكيف يمكن أن يتوجه الحكم إليه مع لزوم الضرر.

و فيه ان الامتنانية مسلمة و لكن الامتنان على الأمة و لا ضير في النهي المتوجه إلى‏

الشخص إذا كان ضررا عليه و امتنانا على الأمة.

ثم أن الشيخ قده قال و لو فرض كونه نهيا يكون من النواهي التي يستفاد منها

الوضع و هو ضمان العوض بالمثل أو القيمة و هذا كان مراعاة لمسلكه الّذي هو

استفادة الأحكام الوضعيّة من الأحكام التكليفية.

و فيه ان المبنى لو كان صحيحا لا يلزم أن يكون كل نهى منشأ لاستفادة الوضع‏

فمن الممكن أن يكون النهي لصرف الحرمة التكليفية كما في النهي عن البيع‏

وقت النداء فاستفادة الوضع تحتاج إلى قرينة فالحرمة لا تكشف عن الفساد.

إذا عرفت ما ذكرنا في هذه الأقوال.فنقول ان الحق كما مر هو القول الأول‏

عن الشيخ الأنصاري قده و الناظرين بعبارته في الرسائل و ان توهموا أنه هو القول‏

بأن المنفي هو النوع الخاصّ من الضرر و هو الضرر الناشئ من الحكم و لكن‏

ليس كلامه قده على ما فهمنا من أساتيذنا (1) هكذا بل مراده هو النفي المطلق في‏

التكوين لا التشريع.

و توضيحه ان المنفي عند الشرع يجب أن يكون مهار وضعه بيد الشرع‏

تكوينا حتى يرفعه كذلك فانه إذا ورد رفع ما لا يعلمون يجب أن يكون مهار الوضع‏

و الرفع بيد الشارع ليصح القول بأنه مرفوع و في المقام قوله عليه السلام لا ضرر معناه‏

ان الحكم‏1الّذي يكون هو عين الضرر في التكوين يكون مرفوعا في التكوين‏

1أقول انه قد مرّ أن ضررية الحكم بضررية الموضوع و الا فليس هو

الا ما يعبر عنه بالفارسية فرمان و ليس هو مصداق الضرر فالموضوع الضرري‏

حكمه مرفوع و حيث أن الحكم على موضوع ضرري يحسب من علله عند العرف‏

فيقال الحكم ضرري أي من مناشئ الضرر الفعلي.

و حيث أن الإسلام ليس الا القوانين الموضوعة فمعنى لا ضرر نفي الحكم‏

1)كما في قاعدة لا ضرر في منية الطالب للشيخ موسى الخوانساري.

136
و منفيا فيه فأن الوجود التكويني للحكم عين الوجود التشريعي فتكوينه هو تشريعه‏

فلا نحتاج إلى تقدير الموضوع كما عن بعض عبارات الخراسانيّ قده و لا تقدير الحكم‏

كما هو القول بالنوع الخاصّ و لا كون المراد بالنفي هو النهي و لا تقدير صفة

التدارك بل الضرر منفي حقيقة.

فلا ضرر معناه لا حكم يكون مصداق الضرر و لا يخفى أن هذا لا يكون معناه‏

أن المراد بالضرر هو النوع الخاصّ منه الّذي هو الحكم كما توهم في بعض‏

الاحتمال بل الضيق في المنفي بذاته فان الحكم الّذي هو الضرر لا يكاد يمكن أن يكون‏

غيره فلا يكون من جهة تقدير الحكم بأن يقال لا حكم ضرري في الإسلام حتى يقال‏

انه خلاف الظاهر بل هذا النحو من الحكم لا يقبل الإطلاق حتى يقيد بالقيد و لا يكون‏

المراد بالضرر على هذا هو سبب من أسبابه يعنى الحكم ليقول الخراسانيّ قده يكون‏

هذا ركيكا في الاستعمالات.

ثم ان شيخنا النائيني قده‏1قال قال بأن نفي الحكم الضرري ثم نفي الحكم‏

بلسان نفي الموضوع ثم كون المراد من النفي النهي ثم كون المراد من الضرر

هو غير المتدارك كل واحد من الأربع يكون في طول الاخر بالترتيب بحيث‏

يكون الاستظهار للثاني بعد عدم إمكان استظهار الأول و هكذا مع الغمض عما ذكرنا

في بيان مقالة الشيخ قده فانه هو المتعين عنده.

ثم ان نفي الحكم بلسان نفي الموضوع الّذي يكون مختار الخراسانيّ قده و ضيّف‏

مقالة من قال بأن النفي متعلق بالحكم الضرري كما هو المحتمل بعض الاحتمال‏

الّذي يكون من اجزاء وقوع الضرر خارجا على الناس فما هو المنفي هو وجهة

توجهه إلى الشارع و أما تكوينه فهو غير قابل للجعل و الرفع فمن توضأ بوضوء

ضرري يتوجه عليه الضرر لكن لا من قبل الحكم بل من سوء اختياره.

و الحاصل بهذه العناية ينفي الضرر و يصدق أنه ضرر و الا فهو العلة في‏

الواقع لو فرض ثبوته فتدبر.

1أقول انه في قاعدة اللا ضرر في منية الطالب ص 205.


137
في كلام الشيخ قده أيضا مثل نفي الحكم الضرري فان كان خلاف الظاهر تقدير

الحكم كذلك يكون تقدير الموضوع أيضا خلاف الظاهر مع أن الشيخ قده كما مر

لا يكون مراده نفي الضرر بلسان نفي سببه و هو الحكم.

لا يقال ان الضرر يكون من الأمور التوليدية و هو يكون توليده عن الموضوع‏

مثل الوضوء للمريض و الغبن في المعاملة الغبنية و اما الأحكام فلا يكون الضرر

متولدا منه لدخل إرادة المكلف أيضا في الامتثال فلا يتولد من الحكم ضرر بدون‏

إرادة العبد حتى يكون النفي سببا لنفي المعلول و هو الضرر.

لأنا نقول هذا ادعاء محض فان الأحكام الوضعيّة مثل ما ورد في باب المعاملات‏

كلها توليدية فان الحكم بلزوم المعاملة الغبنية يكون ضررا على العبد و كذلك‏

الحكم بعدم ضمان من أتلف مال الغير و في التكليفيات و ان كان لإرادة العبد دخل‏

و لكن العبد المطيع بعنوان أنه مؤمن لخطابه بيا أيها اللذين آمنوا يكون إرادته محكومة

لإرادة مولاه فكأن الضرر يكون متولدا من حكم المولى بوجوب الوضوء الضرري‏

و الحاصل أن التوليدية العرفية صادقة بالنسبة إليها أيضا.

ثم ينبغي التنبيه على أمور

الأول‏
هو الإشكال بما في ذيل الحديث الشريف من امره صلّى اللّه عليه و آله بقلع شجرة

الأنصاري و رميها وجهه فان اللا ضرر ينفي ما هو الضرر و هو هنا يكون دخول الأجنبي‏

و هو سمرة على دار الأنصاري بدون اذن و اما القطع فهو حكم خارج عن مفاده‏

فما لا يشمل مورده كيف يمكن الاستدلال به في ساير الموارد و الحاصل انه ينفي‏

الحكم و لا يثبت حكما آخر.

و قد أجيب عنه بأن المنفي هو الدخول بلا أذن لا غير و لكن حيث أن سمرة

لا ينتهي بنهي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا يرضى حتى يكون له عذق في الجنة أو في الدنيا

بأضعاف كان امره صلّى اللّه عليه و آله من باب الولاية على الأموال و الأنفس فان النبي صلّى اللّه عليه و آله أولى‏

بالمؤمنين من أنفسهم.


138
لا يقال ان الحديث يكون في مقام بيان حكم امتناني على الناس و قاعدة

الناس مسلطون على أموالهم أيضا قاعدة امتنانية فقطع يد سمرة عن شجرته يخالف‏

الامتنان.

لأنا نقول قاعدة الناس امتنانية و لكن محكومة لقاعدة لا ضرر فان الناس‏

مسلطون على أموالهم في صورة عدم الإضرار بالناس من حيث العرض أو المال‏

أو النّفس فليس لمن يكون عصاه ماله أن يحركه بحيث يوجب عماء بصر الغير.

و قد أجيب عن أصل الإشكال بأن المقام مقام التعارض بين سلطنة سمرة

على ماله و سلطنة الأنصاري على عرضه فحيث يكون العرض مقدما على المال امر

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بقطع عذقه لعدم إمكان الجمع بين الحقين مع لجاجة سمرة و لم يكن‏

في الزمن السابق أبواب الدور أو خصوص دار الأنصاري بحيث يمكن غلقه و منع‏

سمرة عنه فلذا امر صلّى اللّه عليه و آله بالقطع ليقلع أصل السلطنة على الشجرة.

الأمر الثاني‏
الإشكال على الرواية و ساير الروايات من جهة الدلالة على‏

أصل القاعدة بكثرة التخصيص فان كل عام يبتلى بكثرة التخصيص يستهجن‏

و يسقط عن الاعتبار كما تعرض له في الرسائل فان الغرامات و التكليفات التي تكون‏

على الموضوع الضرري مثل الحج و الزكاة و الصوم و الجهاد تكون خارجة عن‏

العموم و ما بقي تحته الا قليل فلا بد من القول بإجمال ما دل على هذه القاعدة.

و قد أجيب عن الإشكال كما أجابوا في قاعدة الميسور و أمثالها بأن الخارج‏

عن تحت العموم إذا كان عناوين متعددة و خرج بعض العناوين فحيث أن العنوان‏

الواحد إذا بقي يكفى لوجود افراد كثيرة تحت العنوان الواحد مثل ما إذا خصص‏

عام أكرم العلماء بالفاسق و النحوي و اللغوي فان الباقي في ضمن الفقهاء أيضا

افراد كثيرة لا يضر بالعموم.

و قد أشكل الخراسانيّ قده على هذه المقالة في المقام و في ساير المقامات‏

بأن الحكم إذا كان على الأشخاص فخروج العناوين الكثيرة التي تكون تحتها افراد


139
كثيرة مثل الألف و الآلاف من الافراد يوجب استهجان العام و لا ينظر إلى أن العنوان‏

ثلاث أو أربع و في المقام يكون نفى الضرر في مورد كل شخص يكون الضرر عليه‏

فإذا خرج عن مورد القاعدة مثل الغرامات و التكاليف التي موضوعاتها ضررية

بطبعها و بعض الموارد الخاصة الأخرى مثل وجوب الغسل بالنسبة إلى من أجنب‏

نفسه عمدا يكون الاستهجان بحاله فهذا الجواب غير تام.

أقول ان الّذي يقتضيه التدبر هو أن الموارد التي توهم كونها تخصيصات‏

تكون من الخروج التخصصي و الإشكال مندفع من أصله اما موارد الغرامات فلان‏

العرف لا يرى إعطاء كل ذي حق حقه من الضرر فان من أتلف مال الغير فيعطي‏

عوضه يكون هذا مثل يعطي نفقة من يجب عليه نفقته مثل الزوجة و الأولاد فان هذا

لا يحسب ضررا في نظر العرف.

و اما التكليفيات التي يكون الحكم على الموضوع الّذي يكون ضرريا بالطبع‏

مثل الزكاة و الحج و الجهاد و الخمس و أمثال ذلك فعند التدبر يظهر أنه لا يكون‏

ضررا أيضا لأن الناس إذا توجهوا إلى مصلحة النظام في الاجتماع يرون أن المال‏

الزكوي من أصله لا يكون قدر الزكاة فيه الا للفقراء و كذلك في الخمس.

و في الجهاد يرى أن النظام أيضا لا يصلح الا به و نظامه يكون منطبقا عليه‏

و على أولاده فلا يكون هذا ضررا.

و أما الوضعيات فسيجي‏ء البحث فيه و أما وجوب الغسل لمن أجنب نفسه‏

متعمدا و لو كان مضرا بحاله فمع تسليم هذا الحكم و عدم الخدشة فيه فائضا ليس‏

ضررا بالدقة فان النّظر إلى قوله تحت كل شعرة جنابة يوجب الاعتراف بأن دفع‏

سم هذا الحدث لازم و لو كان مضرا من جهات أخرى ألا ترى أن المسلول الّذي‏

يسرى مرضه إلى غيره إذا ابتلي شخص بالمصافحة معه و يحتمل أن يصير مسلولا

يعطى المال الكثير لدفع الميكرب و حصول النظافة و لا يرى إعطاء المال و لا زحمة

المعالجة ضررا و قس عليه اشتراء الماء و لو كان بأضعاف قيمته لدرك مصلحة الوضوء فان‏


140
هذا و أمثاله بالنظر البدوي الأولى و ان كان ضررا بالنظر الثانوي و في نظام الكل‏

يكون منافع للناس.

و من موارد توهم التخصص أزيد مما ذكر صورة دوران الأمر بين ترك‏

الواجب أو إعطاء مال كثير أو بين فعل حرام مثل شرب الخمر أو إعطاء مال كذلك‏

فان إعطاء المال ضرر في العرف و لكن عند التأمل يظهر ان منفعة الآخرة و رقاء النّفس‏

مما لا يقاس به هذا الضرر فهو ليس بضرر واقعا و لو كان متوقفا على نقص المال.

فتحصل أن القاعدة ما ورد عليها كثرة التخصيص.

و أما ما يتوهم عن الشيخ قده من أن عمل الأصحاب يوجب انجبار الاستهجان‏

ففيه ما لا يخفى لأن العمل لا يوجب انجبار الدلالة بل انجبار ضعف السند يكون‏

بعملهم على اختلاف فيه و الانجبار بالنسبة إلى السند هو الحق عندنا فتحصل أنه‏

لا كثرة تخصيص في المقام لنحتاج إلى الجواب عنه.

الأمر الثالث‏

في ملاحظة النسبة بين قاعدة لا ضرر و ساير الأدلة الواردة في الأحكام الضررية

و هي على وجوه:الأول أن يكون الحكم على عنوان الضرر بخصوصه‏

مثل ما إذا قيل من أضر بطريق المسلمين فهو ضامن فان علة الضمان هي الضرر الّذي‏

يكون متوجها إلى طريق المسلمين فيكون الحكم به على فرض وجود الموضوع‏

و هو الضرر.

الثاني أن يكون الحكم على موضوع ملازم للضرر مثل وجوب الحج فانه‏

يلازم صرف المال و كذلك كل ما كان لازمه الضرر المالي مثل الزكاة و الخمس‏

و الجهاد فان الضرر لازم ذات ما ذكر.

الثالث أن يكون الضرر في إطلاق الحكم لا في جميع افراده مثل وجوب‏

الوضوء فان بعض افراده لا يكون ضرريا و بعضه ضرري بالنسبة إلى النّفس أو المال.


141
ثم أنه يجب البحث في كل واحد مما ذكر ليتضح النسبة بينه و بين ساير

الأحكام.

اما في صورة كون‏1الحكم على عنوان الضرر فلا شبهة في عدم شمول‏

قاعدة لا ضرر كما قال المحقق الخراسانيّ قده لأن الشي‏ء الواحد و هو الضرر

لا يمكن ان يكون علة لنفي الحكم و إثباته فلا يمكن نفى الحكم بالقاعدة عن الموضوع‏

الّذي يكون حكمه على فرض وجوده سواء كان المراد بالنفي نفى الحكم‏

الضرري كما هو مسلك الشيخ قده أو نفى الحكم بلسان نفى الموضوع كما هو

رأى الخراسانيّ قده لأن الحكم يكون على فرض و الموضوع أيضا عليه الحكم‏

على هذا الفرض.

و ما توهم من‏2المعارضة على رأي الخراسانيّ قده من جهة ان الموضوع‏

1أقول انّه في صورة كون الحكم مثل من أضر بطريق المسلمين فهو ضامن‏

لا منافاة بينه و بين لا ضرر لنحتاج إلى إطالة الكلام فانه يكون مفاده مفاد لا ضرر.

فان الضمان للمسلمين معناه عدم جعل الضرر عليهم و حيث أنها قاعدة

امتنانية للنوع لا للشخص فلا يشمل الضارّ و لو كان هذا فيه الإشكال يلزم أن لا تنطبق‏

القاعدة في موارد الغرامات أصلا.

مضافا بأن جبر الضرر ليس بضرر نعم لو وجدنا حكما على الضرر بأن يقال من‏

أضر ليس بضامن فلو كان في مورد خاص يحصل المعارضة و يخصص القاعدة و ان‏

كان عاما يحصل التباين و ليس لنا في الإسلام حكم كذلك.

2أقول ان هذا الكلام مجمل لا نفهمه و المتوهم هو الشيخ محمد حسين‏

الأصفهاني قده في ص 322 في الجلد الثاني من نهاية الدراية فارجع إليه فان له‏

بيانا دقيقا و لم يبينه مد ظله في الدرس الا بما ترى.

و لكن فرقه قده أيضا غير فارق فان المعارضة في كلتا الصورتين متحققة

ضرورة أن الحكم لا يمكن ان تكون علة وجوده و عدمه هو الضرر و الموضوع الواحد

أيضا لا يمكن أن يكون بعنوان الضرر مرفوع الحكم و بعنوانه له الحكم فلا بد


142
الضرري كيف ينفى حكمه و يثبت فان هذا من التنافي في مورد واحد بخلاف‏

كون المنفي هو الحكم فانه ليس علته و علة عدمه الضرر لا وجه له لأن مراده قده‏

لا يكون هو الأحكام التي تكون على موضوع ضرري في بعض الأوقات غير

ضرري في البعض كالوضوء فان مراده في ذلك نفى الحكم بلسان نفى الموضوع.

لا يقال في مثل المقام يكون الحكم بالضمان على من أضر بطريق المسلمين‏

أيضا ضرريا فكما أن ضرر المسلمين منفي كذلك ينفى ضرر هذا الشخص فتنافى‏

الحكمان.

لأنا نقول هذه القاعدة امتنانية على الأمة و جبر ضرر الغير لا يسمى ضررا فان‏

إعطاء المسلمين حقهم لا يكون من الضرر هذا أولا و ثانيا ان الحاكم هو الحكم في‏

المورد لا القاعدة لأن الحكم الّذي يكون على مورد الضرر لا ينفى بها.

و اما إذا كان الموضوع مما يكون ذاته ضررية كما مثلنا بالخمس و الزكاة

و غيره فالنسبة بينه و بين القاعدة ربما يقال انها العموم و الخصوص المطلق و ربما

يقال بالحكومة و ربما يقال بالانصراف يعنى انصراف القاعدة عن مورد يكون الحكم‏

على موضوع ذاته ضررية.

و وجه الأخير هو أنه لو قلنا بتقديم القاعدة يلزم صيرورة هذه الأحكام بدون‏

المورد لعدم انفكاكها عن الضرر و ربما يقال بخروج الموارد عن القاعدة بالتخصص‏

لعدم كونها ضررية بالنسبة إلى مصلحة النظام.

اما وجه القول بالتخصيص فهو أن القاعدة بإطلاقها شاملة لصورة كون الضرر

ذاتيا كما في المقام أو عرضيا كما في الوضوء فيقال بأنها تخصص بالأدلة الدالة

على الضرر في خصوص ما كان الضرر ذاتيا ففيه لا تنطبق القاعدة و في العرضي‏

تنطبق.

من القول بوجه التقديم و هو عدم بقاء المورد للحكم الّذي موضوعه الضرر

فيخصص به القاعدة.


143
و اما وجه التخصص فهو ما مر من أن الخمس و الزكاة يكون من باب إعطاء

صاحب الحق حقه كما في صورة إعطاء الشريك حقه من المال المشترك و هذا

لا يعد ضررا في العرف و هكذا الحج بالنسبة إلى مصلحة النظام و شعائر الإسلام يكون‏

من المنافع للناس لا الضرر لشدة إخوة المسلمين و به حفظ اجتماعهم.

لا يقال جعل الحكم من الشرع ضرري فان الحكم بإعطاء السادة و الفقراء

ما كسبه الشخص و جعل السهم لهم هو الضرر لا الأداء حتى يقال ان أداء حق صاحب‏

الحق ليس ضررا لأنا نقول الملكية الناقصة يكون هذا من لوازمها فان هذا الشخص‏

لم يصر مالكا من الأول لا أنه ملكه و أوجب الشرع الأداء1.

و اما وجه الحكومة فحاصل ما قاله شيخنا النائيني قده فيه هو أن العرف إذا

ضم دليل وجوب الحج و الزكاة و أمثاله إلى قاعدة لا ضرر لا يرى التخصيص و لا

التخصص بل يرى أن النفي ناظر إلى الأحكام المجعولة في الشرع لأنه لا معنى‏

لمثل لا ضرر في الإسلام و لا حرج في الدين الا بعد توهم وجود الضرر في الإسلام‏

يعنى في أحكامه و معناه أن الحكم الضرري لم يكن في الإسلام فان الحكومة اما ان‏

تكون من باب التصرف في ناحية المحمول و هو الحكم و اما أن تكون في ناحية

الموضوع مثل لا شك لكثير الشك فان نفى الشك يكون من جهة إخراج الموضوع‏

عن تحت حكم البناء على الأكثر في الشك في الركعات و مقامنا هذا يكون من‏

التصرف في الحكم.

و معنى لا ضرر هو أن وجوب الحج أو الزكاة ليس من الوجوب الضار

و لا يكون من تخصيص القاعدة في الحكم فما هو الضرر في نظر العرف بالنظر

1أقول أضف إليه فان قلت لم صارت الملكية ناقصة فانها ضرر قلت من‏

البديهي عدم ضررية هذا الحكم لأن الاجتماع الّذي لا يكون في أموالهم سهم‏

لضعفائهم لا يستقيم سواء كان أهل الملة أم لا و هذا هو الجواب الّذي يحسم به مادة

الإشكال.


144
إلى الحكم ليس ضررا بنظر الشرع لحكومة القاعدة و حيث لا يبقى مورد على هذا الدليل‏

للحكم الأولى لا يتصور الحكومة في المقام.

و بعبارة أخرى الحكومة لا تتصور الا في صورة كون المورد في هذا الدليل‏

غير المورد في ذاك الدليل و المعارضة بالعموم و الخصوص تكون في صورة اجتماع‏

الدليلين في مورد واحد و الافتراق في مورد آخر و في المقام حيث لا يكون الحج‏

و غيره مما هو مثله له حالة أخرى غير ضررية فلا يتصور فيه الحكومة1.

1أقول هكذا قررت بحثه لأني رجعت إليه بعد الدرس و وجدته يكون‏

هذا صريح مراده بيانا لكلام شيخه النائيني قده و حاصله كما ترى أنه لا وجه للقول‏

بحكومة لا ضرر في المقام.

و لكن لا محصل لهذا الكلام في هذا المقام الّذي يكون البحث في الأحكام‏

الّذي يكون الضرر ذاتيا له لأنه لا شبهة في تقديم دليله على القاعدة و أنما الكلام‏

في وجهه.

و أنه هل يكون بالتخصيص أو التخصص أو لزوم اللغوية لعدم بقاء المورد

له أو الحكومة يعنى حكومته على القاعدة فان الحاكم مقدم و لم يدع أحد أن‏

قاعدة لا ضرر مقدمة على هذه الأدلة في الأحكام حتى يقول النائيني قده لا يتصور

الحكومة و ما وجدنا في كلامه هذا البيان و لا يليق بشأنه.

و أما الجواب عنه بأن الحكومة متصورة في مثل الأحكام الّذي يكون له‏

الإطلاق مثل الوضوء أيضا فخارج عن الفرض لأن البحث يكون في غيره و سيجي‏ء

وجه تقديم لا ضرر على ماله الإطلاق مثل الوضوء و يكون المقدم فيه لا ضرر و الكلام‏

في وجهه و هنا يكون المقدم هذه الأحكام لا القاعدة.

نعم لنا أن نختار التخصيص بأن يقال لا ضرر مطلق للضرر الذاتي و العرضي‏

و هذه في الذاتي أو التخصص الّذي قاله مد ظله أو صيرورته بلا مورد.

و لا وجه للقول بحكومة هذه الأحكام على القاعدة لأن ملاكها هو نظر الحاكم‏

إلى المحكوم و هو هنا مفقود و لعله كان هذا مراد شيخه قده فصار البيان منقلبا.


145
و الجواب عنه ان في بعض الموارد يكون لدليل الحكم حالتان حالة الضرر

و حالة غيره مثل الوضوء فانه يكون لا ضرر حينئذ مخصصا و لا يكون وجه التقديم‏

منحصرا في الحكومة حتى يقول أنها غير ممكنة،و في مثل الحج يكون كما

ذكره فما هو الأساس له من أنه لا وجه للقول بالحكومة لعدم وجود الحالتين‏

غير وجيه.

ثم ان لبعض الأعيان قده تفصيل في المقام و هو أنه ان كان المراد بنفي الضرر

هو نفى الحكم الّذي هو مختار الشيخ قده تحصل المعارضة في المقام لأن الحكم‏

بالزكاة و الخمس و الحج ضرري و لا ضرر يحكم بعدم الحكم الضرري فتحصل‏

المعارضة و لا بد من القول بتخصيص القاعدة لأن الضرر فيها أعم من الذاتي‏

و العرضي هو المنفي و هذا الحكم يكون في خصوص الضرر الذاتي فهو غير منفي‏

و العرضي منفي.

و اما على مبنى الخراسانيّ قده فحيث يكون الموضوع الضرري حكمه‏

مرفوعا بمقتضى القاعدة فلا تحصل المعارضة لأن لا ضرر يحكم بنفي الضرر في‏

الموضوع الّذي هو الضرر و الحج و الخمس و الزكاة و أمثاله لا يكون الموضوع‏

فيه هو الضرر بل ملازم له و ليس الموضوع هو اللازم حتى يكون حكمه منفيا

بحكم لا ضرر بل الموضوع هو الحج و الخمس و الزكاة فملاك نفى الحكم غير

ملاك وجوده.

و أما وجه تقديمه على القاعدة مع عدم المعارضة فهو أنه لو لم يقدم يصير

بلا مورد فللخروج عن اللغوية يقدم دليله على القاعدة مضافا بأن القاعدة وردت‏

للامتنان‏1و في المقام لا ينطبق الملاك من جهة صيرورة غيره بلا مورد بخلاف‏

1أقول انه لا ربط لامتنانية القاعدة بوجود الحكم فان الامتنان لو خلى و طبعه‏

من دون النّظر إلى ملاكات النظام يقتضى نفى الحكم التكليفي مطلقا و الحاصل‏

لا يقتضى الامتنان أن لا يصير الحكم بلا مورد بل مقتضى لغوية الخطاب هو وجود

المورد للحكم و طرد غيره.


146
مثل الوضوء فان تقديم القاعدة في الوضوء الضرري لا يلزم منه هذا المحذور.

و بعبارة أخرى إذا كان الضرر عرضيا صح رفع الحكم لأجله أحيانا امتنانا

بخلاف ما إذا كان ذاتيا و لازما لذات الموضوع فان رفع الحكم لأجله إبطاله و إلقائه‏

بالكلية.

و فيه انه على فرض كون المسلك مسلك الشيخ قده أيضا لا يبقى لدليل الحكم‏

مورد لو قدم القاعدة لأن علة النفي و الإثبات إذا لم يمكن اجتماعهما فلا بد من التقديم‏

في الجهة التي لا يلزم منها محذور.

و ثانيا لا يكون التقديم بالحكومة بل من جهة صيرورته بلا مورد فالحق في‏

المقام هو تقديم الدليل اما بالتخصيص أو بالتخصص أو بلزوم اللغوية أو بما مر

من عدم إمكان تقديم لا ضرر عليه عن النائيني قده من باب الحكومة لو لم تسلم‏

ما ذكرناه.

أما صورة كون إطلاق الحكم مما يلزم منه الضرر كما في باب الوضوء فان‏

بعض افراده ضرري و بعضه غير ضرري فلا شبهة في تقديم القاعدة على دليله ففي‏

صورة كون الوضوء ضرريا ينفى الوجوب بقاعدة لا ضرر.

انما الكلام في وجه التقديم هنا كما أنه لم يكن كلام في تقديم الأحكام‏

التي يكون الضرر مقتضى ذاته كالحج و كان البحث في وجه التقديم و أنه هل‏

يكون من باب الحكومة أو التخصيص أو التخصص أو صيرورة القاعدة هنا

بلا مورد.

و الحق عدم ضررية هذه الأحكام يعنى الحج و غيره و في المقام يكون الحق‏

هو التخصيص‏1لأن إطلاق دليل الحكم فيما كان الضرر بالعرض يقيد بالقاعدة

1أقول انه لا يخفى عدم وجه لاعتبار التخصص بالبيان السابق منه فان الضرر

هنا متحقق في الوضوء الضرري و ينفى بالقاعدة و الحاصل هنا يكون الكلام في‏

مخصصية القاعدة للأحكام الأولية في الصورتين السابقتين في تخصيص مورد الضرر

عن عموم القاعدة.


147
و قد يظهر من كلام الشيخ قده تقديم القاعدة في المقام من باب الحكومة

و ضابط نظره هو أن كل مورد يكون الحكم ثانويا يكون حاكما على الأحكام‏

الأولية و من المعلوم أن قاعدة لا ضرر و لا حرج تكون من الأحكام التي لا معنى‏

لتشريعها الا بعد وجود الحكم الّذي يتوهم الضرر فيه و الحرج كذلك فتكون‏

ناظرة إلى الأحكام الأولية.

و الّذي يكون هو الفارق بين الحكومة و التخصيص هو وجود النّظر في دليل‏

الحاكم و عدمه في المخصص و يكون الحاكم مقدما و لو كان أضعف ظهورا من‏

المحكوم و يلاحظ الأظهرية في المخصص في صورة التقديم و قد فهم بعضهم من‏

كلامه قده أن الحاكم هو الّذي يكون مصدرا بأي و أعنى و لكن لا يكون مراده قده‏

الانحصار بهذا بل مراده منه كل شي‏ء يفهم منه النّظر فلا وجه لإيرادهم عليه قده‏

بأن لا ضرر لا يكون شارحا للأحكام بنحو التفسير لأنه لا يكون ضابط الحكومة فقط

بل يكون أعم منه.

لا يقال أن القائل إذا قال أكرم العلماء ثم قال لا تكرم الفساق منهم أن الثاني‏

حكم ثانوي بعد عموم الحكم الأولى و معه يقال أنه مخصص لا حاكم.

لأنا نقول كلا الحكمان يكونان أوليين فان الفسق موضوع لحكم و العلم‏

موضوع لحكم آخر فيكون الفسق مثل صورة كون الحكم على عنوان الضرر

فكما أنه لا يقال ان اللا ضرر حاكم عليه كذلك لا يقال في المقام بأن المخصص‏

حاكم.

فتحصل أن قاعدة لا ضرر حاكمة بهذا البيان على مسلك الشيخ قده من أن‏

المراد بالنفي نفى الحكم و كذلك على مسلك الخراسانيّ قده القائل بأن الحكم منفي‏

بلسان نفى الموضوع لأنه بالمآل يرجع قوله إلى نفى الحكم و هذا لا يضر و لكنه‏

قده ينكر الضابط في الحكومة في الأحكام الثانوية بل يقول تحتاج إلى النّظر

و هو مفقود في الأحكام الثانوية فلو ثبت النّظر لا يكون الفرق بين المسلكين في‏


148
هذا الباب و يمكن القول بالحكومة بعد القول بالتخصيص و قد اختار قده في المقام‏

الجمع بين الدليلين بالتوفيق العرفي و هو وجه التقديم عنده بعد عدم قبول كلام‏

الأنصاري قده.

و لكن لم يكن وجهه واضحا و لم يصرح بأنه هل يكون من باب التخصيص‏

أو غيره.

فلو كان مراده الجمع بين المقتضى و المانع بأن يقال ان الوضوء مقتض للحكم‏

حتى في مورد الضرر و نفى الضرر مانع.

ففيه أولا ان هذا متوقف على تصديق المراتب من الاقتضاء و الإنشاء و الفعلية

و التنجيز ليصح له ان يقول للوضوء اقتضاء الحكم و لا ضرر مانع و هي عندنا سخيفة

لأن للحكم مرتبة واحدة و هي انه الإرادة المبرزة.

و ثانيا ان الوجوب في الوضوء بمرتبة الفعلة لا الاقتضاء.

و ثالثا لو سلم كون الحكم اقتضائيا يلزم التوقف فيه في كل مورد احتمل المانع‏

لا خصوص الضرر و توهم الفرق بين الضرر و غيره بكونه مانعا دونه بارد جدا فلو تسلم‏

الحكومة فالحق هو التخصيص عندنا.

و قد يستدل للتقديم بصيرورة اللا ضرر بلا مورد فان الأحكام كلها إذا لو حظت‏

كذلك و لم يقدم عليه القاعدة تبقى بلا مورد.

و فيه‏1أن المدار على الحكم في كل مورد مورد لا جميع الأحكام.

الأمر الرابع‏

في البحث عن أن القاعدة لا تختص بصورة العلم بالضرر و هذا يكون واضحا

1أقول ان الإشكال هنا غير مفهوم لنا لأن الأحكام الّذي موضوعه الضرر

و ما ذاته ضرري قد خرج عن تحت القاعدة فلو لم تقدم في المقام أيضا لا يبقى‏

لنا مورد لتطبيق اللا ضرر و لا يكون الفرق بين جميع ما هو كذلك أو بين البعض.


149
من جهة أن كل خطاب يكون ظاهرا في العنوان الواقعي فإذا نفى الضرر يكون‏

ظاهره أن المنفي هو واقع الضرر لا الضرر المعلوم أو المجهول.

و لذا يقال إذا كان حفر البئر مضرا بالجار يكون الضرر منفيا و لو لم يعلم‏

أحدهما و لا فرق بين ان يقال بشمول قاعدة الناس مسلطون على الحافر ثم بالمعارضة

بين القاعدتين يقدم اللاضرر أو يقال بان قاعدة الناس قاصرة في ذاتها كما عليه‏

الخراسانيّ قده لأنه غير فارق.

انما الكلام في تخصيص بعض الموارد بصورة العلم مثل الوضوء في باب‏

العبادات فقيل بأنه يكون صحيحا على فرض الجهل بكونه مضرا و يفسد في صورة

العلم به و كذلك الصوم و قد دفع هذا الإشكال جملة من الاعلام بأنها قاعدة امتنانية

و حيث أن القول بوجوب الوضوء الضرري مع عدم العلم به إعادة خلاف الامتنان‏

فلا تنطبق في الوضوء و الصوم و غيرهما في صورة الجهل به و ثانيا فيما يكون علة

الضرر هي الحكم يكون منفيا لأن الحكم الضرري غير مجعول و هنا لا يكون الحكم‏

هو العلّة للضرر بل جهل المكلف صار علة له فلا يكون منفيا بخلاف صورة العلم‏

به فان العلة هي الحكم و نفيه يكون موافقا للامتنان.

و الجواب عن الوجه الأول هو أنه لأي دليل يقال بوجوب الإعادة حتى يكون‏

نفى الضرر خلاف الامتنان فان وجود المصلحة كاف لعبادية العبادة و صحتها الا أن‏

نحتاج إلى الأمر و قلنا بعدم كفاية الملاك كما قال به صاحب الجواهر قده‏1

و أما عن الثاني فلان المحرك هو الحكم بوجوب الوضوء سواء كان العلم‏

بوجود الضرر أو لم يكن فلا وجه للقول بأن الحكم لا يكون علة تامة للوقوع‏

في الضرر.

1و هو المختار عندنا أيضا لأن الكاشف للملاك هو الأمر و حيث لم يكن‏

لنا أمر فلا علم لنا بالمصلحة كما مر مرارا في بحث اجتماع الأمر و النهي منا و غيره‏

ثم لا إشكال في تخصيص القاعدة لو فرض إجماع على الصحة و لم يكن ما قيل في‏

وجهها تاما.


150
و اما في باب المعاملات فقالوا بأن الضرر منفي في صورة الجهل به فان المعاملة

الغبنية ينفى ضررها إذا لم يكن المتعامل عالما بالغبن و وجهه على ما قيل هو أن الّذي‏

يكون ضرريا هو لزوم المعاملة لا صحتها و من كان عالما يكون مقدما و لا امتنان‏

بالنسبة إلى من هو مقدم على الضرر لأن القاعدة امتنانية1.

و قد نوقض قولهم هذا بان قولهم ببطلان غسل من أجنب نفسه متعمدا إذا

كان ضرريا ينافى ما ذكر لأن المجنب عمدا يكون هو المقدم على الضرر فكيف‏

ينفى حكم وجوب الغسل بالنسبة إليه و قد أجاب الخراسانيّ قده بأن الإقدام في‏

باب الجنب لا يصدق الا على وجه دوري لأن الإقدام على الضرر يكون متوقفا على‏

حكم الشرع بوجوب الغسل بعد الجنابة و حكمه بوجوبه متوقف على كونه مقدما

لأن أصل الإجناب لا يكون إقداما على الضرر فان الضرر هو حكم الشرع بعد ذلك‏

بوجوب الغسل فلا اقدام في المقام فلا نقض على القاعدة.

أقول‏2انه لو كان الأمر كما ذكره قده يكون الدور في صورة الإقدام في‏

1أقول ان هذا متوقف على مسلك القائل بأن القواعد الامتنانية مختصة بصورة

كون جعل الحكم و وضعه خلاف الامتنان.

و أما لو قلنا بأنه يكفى الامتنان في رفعه فلا يصح لأن الامتنان بالنسبة إلى من‏

هو مقدم أيضا في أن يرفع الحكم عنه بل فيه غاية الامتنان.

2أقول ان هذا حاصل ما استفدنا منه في الدرس و بعده بالبحث الخصوصيّ‏

و لكن لا يخفى ما فيه فان الإقدام على الضرر صادق مع قطع النّظر عن الشرع في‏

العرف و العقلاء و يكون القاعدة في غير صورة الإقدام على الفرض.

بخلاف باب الغسل فأنه لا يصدق الإقدام على الضرر عرفا بل ربما يكون‏

مفيدا بحاله عندهم كما في الشّاب و اما ما قال من تقديم وجوب الغسل فهو خروج عن‏

الفرض لأن النقض يكون على فرض تسليم عدم الوجوب مع الإقدام و هو الإجناب‏

و قال في الغبن أيضا يكون المقدم هو دليل اللزوم لاشتراك إشكال الدور عنده بملاك‏

تقديم المنجز على المعلق.

مع ان الفرض تقديم دليل اللزوم من جهة صدق الإقدام لا الشك فيه مضافا بأنك‏

ترى انه جعل تطبيق القاعدة في بيع الغبن في ذيل الكلام دليلا أيضا


151
المعاملات في المعاملة الغبنية أيضا لأن القاعدة لا تنفي الضرر حدوثا فان الغبن‏

في أصل المعاملة مما قد حصل و انما النفي بالنسبة إلى بقائه و حينئذ يكون الإقدام‏

متوقفا على الحكم باللزوم لأنه لولاه لم يكن الإقدام صادقا و الحكم باللزوم متوقف‏

على الإقدام.

و اما القول بوجوب الغسل في صورة الإجناب فيكون من باب تقديم الحكم‏

التنجيزي على التعليقي فان دليله مقدم على القاعدة حيث أن الحكم بوجوب الغسل‏

لا يكون معلقا على كونه مقدما بخلاف اللاضرر فانه يكون معلقا على عدم الإقدام‏

و هكذا في خيار الغبن فيكون هذا من باب الجمع العرفي لا من جهة لزوم الدور.

ثم لا نطيل الكلام بذكر ساير الموارد للنقض بل بحثه موكول إلى الفقه‏

ثم لا يخفى عليكم أن الدليل لعدم لزوم المعاملة الغبنية ليست القاعدة فقط بل الشرط

الضمني و هو تساوى العوضين من حيث القيمة و هكذا كل مورد تمسكوا بالقاعدة

فلا تكون هي دليلا مستقلا.

الأمر الخامس‏

في أن المراد بالضرر المنفي هل هو الضرر الشخصي أو النوعيّ لا شبهة

و لا ريب في أن المدار على الأول فان شخص العاملة الغبنية لا لزوم له و لو فرض أن‏

كل الموارد في نوع المعاملة الفلانية غبني أيضا ينحل إلى الأشخاص و لا معنى‏

ثم أن المنجر يقدم على المعلق في صورة الشك في حصول شرط المعلق‏

و اما في صورة حصوله فلا و في المقام ان اللاضرر على فرض الإقدام غير منطبق‏

و اما على فرض عدمه فهو منطبق.

و مراد الخراسانيّ قده هو أن الإقدام غير صادق لأن صدقه يلزم منه الدور

و وجوب الغسل يكون في صورة عدم تخصيص دليله باللاضرر لو قلنا بالوجوب‏

في صورة الإجناب عمدا و قد مر أن الفرض هو عدم الوجوب في صورة الضرر

وفاقا لما ذكرناه.


152
لرفع النوع لأن العلة للنفي هي الضرر فيدور مداره.

و توهم نفى الضرر النوعيّ يكون من باب اشتباه ما هو ملاك الحكم بما

هو علة بأن يكون الغبن في نوع المعاملة موجبا لنفي اللزوم و لو لم يكن بعض افراده‏

ضرريا كما يقال ان الحرج صار علة للقول بعدم نجاسة الحديد و لو لم يكن في‏

بعض الأشخاص حرجيا و هو غير وجيه في المعاملة الغبنية لأن الغبن هو النقص‏

في السوق من جهة القيمة و هو غير منفك عن الضرر.

الأمر السادس‏

في ملاحظة القاعدة مع غيرها من القواعد مثل اللاحرج و يكون البحث في‏

أنه هل يكون الباب باب التزاحم ليلاحظ أقوائية الملاك أو باب التعارض ليلاحظ

الأقوائية في السند مثل ما إذا كان حفر البئر في الدار موجبا للضرر على الجار

و موجبا للحرج على نفسه لأن تركه يوجب ضيق سلطنته و هو حرج عليه و ان لم يكن‏

تركه ضررا.

فعلى فرض المزاحم يلزم ملاحظة أقوائية ملاك أحدهما على الاخر و على‏

فرض التعارض يكون المقدم قاعدة الحرج لأن سندها الآية و سند اللاضرر هو

الرواية و لو فرض التساوي في السند فان كان الباب مثل باب الروايتين المتعارضتين‏

فيكون التخيير في الأخذ و ان لم يكن من ذلك الباب فتتساقطان حسب القاعدة الأولية

و يرجع إلى أصل آخر.

ثم انه قيل ان ظهور العناوين الثانوية هو الدخل في الملاك و من لوازمه‏

وجود الملاك لهما و يكون المورد من باب التزاحم.

و فيه ان التزاحم يكون فرع إطلاق الدليلين و شمولهما لمورد واحد و هو

في المقام مفقود لأن القاعدتين امتنانيتان و لا امتنان في صورة لزوم الضرر باعمال‏

قاعدة الحرج و بالعكس.

مضافا بأن أقوائية الملاك تكون بالنسبة إلى شخص واحد ملاكا للترجيح‏


153
و اما بالنسبة إلى الشخصين فلا:ففي مثل أنقذ الغريق الدائر بين كونه اما متعلقا بالنبي‏

أو المؤمن يلاحظ أقوائية ملاك إنقاذ النبي و اما في المقام فلا.

الا أن يقال أن المراد1بالامتنان هو الامتنان على الأمة و ان لم يكن بالنسبة

إلى الشخص امتنانا فيمكن التقديم و الخراسانيّ قده منكر للتقديم مطلقا و لم أر من‏

يصرح بالتقديم من هذا الباب.

و لو شك في أن المقام من باب التعارض أو التزاحم يكون مندرجا في باب‏

التعارض لعدم إثبات الملاك للتزاحم.

و ثالثا ان التزاحم أو التعارض يكون في صورة كون أحدهما مثبتا و الاخر

نافيا و لسان اللاضرر و اللاحرج هو النفي فهما متوافقان لا متزاحمان و لا متعارضان‏

الا ان يقال ان مفاد أحدهما بالملازمة نفى النفي و هو يفيد الإثبات أي اللاحرج‏

ينفى اللاضرر و لازمه تحمل الضرر و اللاضرر ينفى اللاحرج و لازمه عدم سلطنة

المالك على ملكه.

و الحاصل الضيق في السلطنة امر وجودي و السعة فيها أيضا امر وجودي‏

و اللاحرج يقتضى الثاني و اللاضرر يقتضى الأول فهما متصادمان اما من باب‏

التعارض أو التزاحم.

ثم انه ربما يقال بان المقدّم على فرض المصادمة هو اللاحرج لحكومته و نظره‏

إلى اللاضرر كما يوجد هذا في تقديمه في صورة كون شرب الخمر ضرريا و تركه‏

حرجيا و هذا في مورد واحد بالنسبة إلى شخص واحد و في المقام أيضا و لو كان‏

في الشخصين و لكن مقتضى النّظر هو التقديم و كلما نتفكر لا نفهم النّظر هنا.

1على هذا الفرض أيضا في مورد التعارض لا يتم التقديم لأن كل واحد من‏

الطرفين من الأمة و العموم يشملهما.


154
الأمر السابع‏

في أنه لا شبهة في حكومة اللاضرر على الأحكام الوضعيّة و التكليفية سواء

كان الوضعي مثل وجوب الوفاء بالعقد أو مثل قاعدة سلطنة الناس على أموالهم انما

الكلام في أنه هل يكون التقديم على قاعدة السلطنة مطلقا أو في صورة عدم لزوم‏

ضرر على المالك على فرض تقديم اللاضرر فان لزم منه ضرر يكون المرجع هو

قاعدة السلطنة بعد تعارض الضررين أو يكون مندرجا في باب تعارض الضررين‏

و يلاحظ ما هو أعظم ضررا.

و ينبغي التوجه إلى امرين في المقام مقدمة:الأول انه قد اختلف بين الشيخ و

الخراسانيّ قدهما في أن قاعدة الناس مسلطون على أموالهم هل تكون شاملة لصورة

لزوم الضرر على الغير أو تكون قاصرة من أصلها في مورد الضرر فاختار الأول‏

الشمول و الثاني عدم الشمول مستدلا بأن الشخص لا يكون سلطانا على عصاه بأن‏

يتصرف فيه حتى لوازم منه عماء عين الغير ففي مورد الضرر التكويني مع قطع‏

النّظر عن نفى الشرع أيضا لا يكون السلطنة على المال و عليه فلا تصل النوبة

إلى حكومة اللاضرر عليها بل هي في نفسها ساقطة.

و اما على فرض عدم القصور في نفسها فهي و ان كانت محكومة و لكن في‏

صورة سقوط الحاكم عن الحكومة يحصل الحياة للمحكوم و يؤثر اثره و هذا

هو الثمرة بين المسلكين و يفيد في مقامنا هذا إذا تعارض الضرران فانه على قول‏

الخراسانيّ لا يبقى لنا المرجع و على قول الشيخ قده يكون القاعدة هي المرجع‏

بعد التساقط بالتعارض على فرض عدم كون قاعدة الناس و اللاضرر في صف واحد

بالنسبة إلى اللاضرر المعارض.

الثاني أنه من المسلم أن تحمل الضرر عن الغير غير لازم و لا يرفع بواسطة

اللاضرر لأنه قاعدة امتنانية و لا وجه لصيرورتها موجبة لضرر الغير و هكذا رفع‏

الضرر عنه غير لازم و لكن إرجاع الضرر إلى الغير أيضا لا يجوز.


155
فالسيل المتوجه إلى دار شخص لا يجوز له أن يوجهه إلى دار جاره بل له‏

منعه عن داره و هذا ليس من تزاحم الضررين و ان كان في كلام النائيني قده لأن‏

السيل متوجه ابتداء إلى نفسه فلا يقال ان خراب دار الجار ضرر عليه و خراب دار

نفسه أيضا ضرر عليه فيتزاحم الضرران.

ثم تعرض قده في ذيل كلامه لمسألة الإكراه للولاية عن قبل الجائر نقلا عن الشيخ‏

قده فان ترك الولاية ضرر على الوالي و فعله ضرر على الناس في مورد كون الولاية

ضررا كالضرب و النهب و جعل هذا من باب توجه الضرر ابتداء على الغير و حيث‏

لا يجب التحمل عنه فالولاية جائزة لأن تحمل ضرر الغير غير لازم علينا و لا يكون‏

من باب تعارض الضررين.

و في خصوص المثال إشكال و هو أن الضرر ابتداء1متوجه إلى الوالي‏

و بواسطته على الناس فلا يكون الضرر متوجها على الناس ابتداء بل على نفسه فيكون‏

من باب تحميل الضرر على الغير لا من باب تحمل الضرر عنه و التمسك بحديث‏

الرفع في فقرة الإكراه يكون بالنسبة إلى الأحكام التكليفية لا الوضعيّة مثل الأضرار

على الغير.

ثم إذا عرفت الأمرين نرجع إلى أصل البحث و هو يكون في صور الصورة

الأولى هي ان يكون تصرف الشخص في ملكه ضررا على جاره و تركه يكون‏

ضررا على نفسه و لا يكون هذا مثل الضرر المتوجه خارجا اما على ملك هذا أو ذاك‏

مثل ما إذا وقع رأس البقر في الكوز و لا يمكن إخراجه الا بكسر الكوز أو بقطع‏

1أقول ان هذا في فرض الدوران واقعا و ان كان كذلك و لكن يدخل في‏

باب التقية و هي واجبة ما لم تبلغ الدم.

و اما في صورة عدم الدوران واقعا و هو ان يكون الضرر متوجها إلى الغير

سواء تصدى هذا للولاية أم لا و لكن تركه الولاية يكون ضررا عليه ففيه التأمل‏

بل يمكن أن يقال انه يشمله اللاضرر.


156
الرّأس إذا أريد حفظ الكوز فان المقام ينشأ الضرر من نفس تطبيق اللاضرر على‏

أحد الشخصين.

فقال الشيخ قده بتعارض الضررين في المقام و يكون المرجع هو قاعدة

الناس و نظره قده إلى أن اللاضرر حاكم على قاعدة الناس بوجوده التشريعي‏

لا التكويني فانه قال في الرسائل بعد ان مثل لمورد تعارض الضررين بالتولي من‏

قبل الجائر المستلزم تركه ضررا على نفسه و فعله ضررا على الغير و مثله ما إذا كان‏

تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره و تركه موجبا لتضرر نفسه فانه يرجع‏

إلى عموم قاعدة الناس و قال و يمكن الرجوع إلى قاعدة نفى الحرج اما لحكومتها ابتداء

عليه أو للرجوع إلى الأصول بعد التساقط أيضا و الخراسانيّ قده يخالفه لقصور قاعدة

الناس في ذاتها في مورد الضرر.

و قد أشكل النائيني قده في هذا الكلام صغرى و كبرى أي في كلام الشيخ‏

قده اما إنكار الصغرى فلعدم صدق الحرج على المقام و عدم شمول قاعدة اللاضرر

للضرر الّذي يكون متولدا من تطبيقه ليحصل التعارض الّذي هو الموضوع للرجوع‏

إلى كبرى الناس و اما إنكار الكبرى فهو منع كون المرجع بعد السقوط بالتعارض‏

هو عموم الناس.

اما توضيح ذلك فلان اللاضرر إذا انطبق على من يريد حفر البئر فمن هذا

الانطباق ينشأ الضرر على الغير و الفرد الناشئ من تطبيق الحكم على الموضوع‏

لا يمكن أن يكون معارضا له لأنه متولد منه.

و الحاصل ان الفرد من الحكم لا يعارض الطبيعي فلا يكون المقام داخلا في‏

المتعارضين و لا يكون مثل الضرر الّذي يتوجه من الخارج اما إلى الكوز أو إلى رأس‏

البقر.

و لا وجه للقول بانصراف اللاضرر إلى غير الفرد المتولد منه لأنه بدوي‏

فانه ينشأ عن قلة الوجود لهذا الفرد خارجا و كثرة غيره من الضرر الغير المتولد

منه نفس تطبيق القاعدة.


157
و الجواب عنه هو أن كلما يقال في الأخبار مع الواسطة يقال في المقام‏

أيضا فانه كما حرر في محله يكون الإشكال فيها هو أن ما له الأثر هو قول الإمام عليه السلام و وجوب تصديق العادل يحتاج إلى أثر شرعي فإذا نقل المفيد عن الكليني و هو

عن غيره و غيره عن الإمام عليه السلام يكون مقول قول المفيد قول الكليني و هو الأثر له‏

لأن قوله ليس حجة و مقول قول من نقل عن الإمام عليه السلام و ان كان قوله عليه السلام و لكن‏

لم يثبت لنا بالوجدان فما له الأثر غير موجود و ما هو الموجود لا أثر له.

فأجابوا بأن تصديق الواسطة يوجب حصول فرد يكون موضوعا لفرد آخر

من وجوب تصديق العادل فان الموضوع قبل تطبيق التصديق و ان لم يكن و لكن‏

بعد وجوده و لو بواسطة نفس التصديق لا إشكال فيه فيتولد فرد من‏1الطبيعي‏

لقابليته للانحلال على جميع الافراد طوليا أو عرضيا.

فهنا أيضا يشمل اللاضرر للفرد الّذي يتولد منه في طوله أي بعد تطبيقه على‏

مورد من الموارد غاية الأمر يكون في المقام مضادا لهذا الفرد المنطبق عليه ابتداء

و في الاخبار مع الواسطة يكون حكم التصديق في جميع الوسائط متوافقا و هو

لا يضر بل صرف استبعاد فقط.

لا يقال كما قال شيخنا النائيني قده في رد هذا الوجه لدفع الإشكال ان الحاكم‏

يكون من شأنه النّظر إلى المحكوم و هو يجب أن يكون مقدما عليه و لا يمكن أن‏

يكون الحاكم متقدما على المحكوم و في المقام قد عرفت أن اللاضرر يكون حاكما

على الأحكام الأولية و في المقام لا يمكن أن يكون حاكما على الضرر المتولد لأنه‏

متأخر عنه في الرتبة فلا يشمله و لا يحصل التعارض.

1أقول انه لا يخفى أن هذا القدر من البيان لا يكفى الا لإيجاد الموضوع‏

للتصديق طوليا و اما إشكال عدم الأثر الشرعي فهو شي‏ء آخر لم يتعرض لجوابه‏

و بحثه في محله فاما أن يقال بكفاية ما يؤل إلى الأثر الشرعي بالاخرة لبناء العقلاء

أو بغير ذلك.


158
لأنا نقول لا يكون المدعى في المقام حكومة اللاضرر على اللاضرر الاخر ليشكل‏

بأنه متأخر بل الحكومة في الواقع تكون على الناس مسلطون على أموالهم و لكن يتولد

من حكومته عليه ضرر على المالك الاخر و هو الجار مثلا و الناس لصاحب الدار محكوم‏

باللاضرر للجار فالفرد و ان كان طوليا و لكن إمضائه من الشرع يكون عرضيا يعنى‏

تطبيق الطبيعي على الافراد1كما أن الدلالة الالتزامية في طول الدلالة المطابقية و لكن‏

الإمضاء الشرعي و حجيته في عرض واحد فالتعارض في المقام مسلم.

و أما إنكار الكبرى عنه قده و هو أن المرجع بعد سقوط القاعدتين على فرض‏

التعارض و التساقط عموم الناس أو قاعدة الحرج فلان مرجعية العام يكون في صورة

تعارض المخصص له مع ما هو في عرضه و اما لو خصص عموم بالحكومة و تولد

فرد آخر من سنخ الحاكم من هذه الحكومة فتعارض هذين الفردين من افراد

الحاكم لا يوجب أن يكون المرجع هو المحكوم.

و بعبارة أخرى مرجعية العام تكون في صورة تعارض الدليلين الذين أحدهما

1أقول توضيحا للمقام ان المراد بمحكومية الناس لا يكون الناس لصاحب‏

الدار الّذي يريد حفر البئر بل هو موافق للاضرر فيكون المراد حكومة اللاضرر

للجار على الناس لصاحب الدار و من المعلوم أن الناس لصاحب الدار مقدم في‏

الواقع على اللاضرر للجار.

و لا يقاس حكومة اللاضرر للجار على اللاضرر لصاحب الدار حتى يقال أن‏

الفردين من الضرر طوليان و الإمضاء عرضي بل المحكوم شي‏ء و هو الناس و الحاكم‏

شي‏ء و هو اللاضرر و حيث أن ترك تصرف صاحب الدار في ملكه ضرر عليه في‏

عرض تصرفه يعارض مع اللاضرر للجار و ما مع المتقدم ليس متقدما يعنى اللاضرر

الّذي يكون مع المتقدم الّذي هو الناس ليس متقدما.

و لا يقاس الحكومة بالنسبة إليه فلا يلاحظ طولية الافراد في الضرر في الإمضاء

الشرعي أصلا فإذا كان الضرر متولدا من الناس و هو محكوم فلا يلزم محكومية اللاضرر

لأنه غير متولد بل موضوعه هو المتولد


159
مخصص له و اما في صورة تعارض فردين من المخصص القطعي فلا:فالقول بمرجعية

عموم الناس في المقام غير وجيه لعدم بناء العرف على أمثال ما ذكر.

و الجواب عنه قده هو أن إمضاء كل واحد من الخاصّين الطوليين حيث انه‏

في عرض واحد كما مر فلا يضر طولية الموضوع بالتعارض فيصير العام مرجعا الا

أن الحق مع الخراسانيّ قده حيث يقول بقصور الناس في نفسه فلا يكون مرجعا

في المقام.

ثم على فرض الخراسانيّ قده من ان قاعدة الناس لا تشمل المقام يعنى صورة

لزوم الضرر على الغير فيكون العام ساقطا من رأسه فعلى فرض التساقط بالتعارض‏

و عدم مرجعيته يجب الرجوع إلى أصل آخر و هو أصالة البراءة عن حرمة التصرف‏

في المال و لكنهم لا يقولون بها في صورة كون الشبهة مصداقية للمال مثل ما يوجد

في دار الإنسان و لا يعلم أنه ماله أو مال غيره.

و هنا يكون الشبهة في الحكم فان قلنا بأنها مثل الشبهة في المصداق فلا يجري‏

الأصل و ان قلنا بالفرق ففي المقام يجري الأصل فانه مال يكون الشك في حكمه.

ثم اعلم انه على مسلك الشيخ من التعارض لا فرق بين أقوائية الضرر في أحد

الطرفين و عدمها فانها لا تصير مرجحة لتقديم اللاضرر في أحد الجانبين لكونه في‏

الشخصين و عدم اندراجه في باب التزاحم.

ثم ان شيخنا النائيني حيث رأى ان مسلك الشيخ موافق للمشهور و لا يمكنه‏

التعدي عنه تصدى لتوجيه في المقام و هو أن الضرر ابتداء لا يكون متوجها إلى صاحب‏

الدار بل إلى الجار لضعف بنيانه و عدم تشييد مبانيه فللمالك التصرف في ماله‏

و للجار تحكيم داره فلا نحتاج إلى القول بالتعارض و التساقط ثم الرجوع إلى أصالة

جواز التصرف.

و فيه ان الدار لا يكون الضرر متوجها إليها مع قطع النّظر عن تصرف الجار

فان كل أحد يبنى داره بحسب وسعه و هنا لو فرضنا عدمه بحيث لو خلى و طبعه‏


160
و وجوده بتصرف الجار يكون توجه الضرر إليه من ناحية الجار لا ابتداء

هذا كله في البحث عن مرجعية عموم الناس في التعارض و اما مرجعية

اللاحرج فهي تكون في صورة كون ترك تصرف صاحب الدار في داره حرجا

عليه مع الضرر و ضررا على الجار فقط فعلى رأى الشيخ قده يكون التعارض بين‏

اللاضررين و يبقى اللاحرج بلا مزاحم أو يقال بأن اللاحرج لصاحب الدار حاكم‏

على اللاضرر للجار لنظره إليه فيكون موافقا مع قاعدة الناس مسلطون على أموالهم‏

و هي غير محكومة بعد تعارض الضررين.

و فيه ان الحكومة للاحرج ممنوعة لعدم النّظر و عدم كونه في طول اللاضرر

بل هما قاعدتان تنفيان جعل الحكم فيعارضه اللاضرر للجار و على فرض تسليم‏

الحكومة فلصاحب الدار ثلاث قواعد الناس و اللاحرج و اللاضرر لعدم معارضة

لا ضرر الجار أيضا بعد محكوميته مع اللاضرر لصاحب الدار و هكذا على فرض‏

عدم الحكومة يكون الثلاث في صف واحد اللاحرج و اللاضرر في صف المعارضة

مع اللاضرر للجار و الناس لا يكون مرجعا لقصوره في نفسه و له قده أن يقول بأنه‏

مرجع بعد التعارض.

و لكن التحقيق هنا أيضا الرجوع إلى الأصل لعدم مرجعية الناس و عدم‏

حكومة اللاحرج و هو اما ان يكون أصالة الإباحة في الأموال أو أصالة الحظر على‏

اختلاف فيه في باب البراءة و الحق هو الاحتياط في باب الأموال.

ثم انه على فرض القول بجواز تصرف المالك في ماله فهل يجب عليه جبران‏

الضرر المتوجه إلى الجار أم لا فيه خلاف و ربما يقال انه يكون كالأكل في‏

المخمصة فان جوازه لا يلزم منه عدم الضمان بالنسبة إلى مال الغير فهكذا في المقام‏

انه ضامن و يجوز له التصرف.

و ربما يقال لا يشمله أدلة الضمان بوجه لعدم صدق إتلاف مال الغير و لا من‏

باب شمول قاعدة اليد لأنه لا يد له عليه و صدق السبب على هذا العمل أيضا مشكل‏


161
فان من كان نقاشا ماهرا و يكون الحسود في ضرر من جهة حسده عليه إذا أتى بالنقش‏

الجيد لا يقال ان النقاش بفعله مضر بهذا الشخص فان كل ما يلازم شيئا لا يسمى‏

مسببا عنه في باب الضمان أو يكون في صدقه الإشكال.

الصورة الثانية هي صورة توجه الضرر في الخارج إلى أحد المالين مثل‏

وقوع رأس البقر في الكوز أو غرس الشجر في أرض الغير فانه من كسر الكوز أو

قطع رأس البقر يلزم الضرر على أحدهما و هكذا قلع الشجر يكون ضررا على‏

صاحبه و بقائه يكون ضررا على صاحب الأرض و هذا اما ان يكون في الابتداء غصبا

مثل وقوع رأس البقر بتحريك من صاحبه في الكوز أو بدون ذلك و اما مع‏

الإجازة.

فعلى فرض عدم الغصب و عدم الإجازة لكل واحد منهما يكون الناس مسلطون‏

على أموالهم فان صاحب البقر و الشجر مسلطان على مالهما لئلا يكون للغير التصرف‏

فيه و هكذا للغير فلكل واحد منهما المنع عن التصرف في ماله لأن كسر الكوز غير

جائز لصاحب البقر و قطع الرّأس غير جائز لصاحب الكوز فلا مرجعية لقاعدة الناس‏

بعد تعارض الضررين لوجودها لكل واحد منهما.

ثم ان الإفراغ أيضا هنا واجب على كل واحد منهما فلا نتصور التعارض في‏

اللاضرر و معه فلا نتصور مرجعية الناس لتعارضه أيضا في نفسه فالإشكال في هذه‏

الصورة أقوى من الصورة السابقة.

و قيل بأنه يجب في مسألة غرس الشجر قطع الأصول منه و طمّ موضع الحفر

و اما في صورة الغصب ففيه بحث آخر و هو ان الغاصب يؤخذ بأشد الأحوال‏

و تفصيل الكلام موكول إلى الفقه فلا نطيل في المقام أزيد مما ذكر.

و الصورة الثالثة هي عدم حصول الضرر في مسألة التصرف في الدار لصاحبه‏

بل للجار و لكن يكون منع صاحب الدار عن الحفر منعه عن النّفع.

و الصورة الرابعة هي ان يكون لاغيا بالحفر و لا يضره تركه و لا ينفعه فعله‏


162
مع الضرر على الجار و الكلام في ذلك أيضا لا مجال‏1فيه و يظهر بعضه مما مر في‏

الصور السابقة.

و الحمد للّه أولا و آخرا

ثم انه قد تم بحمد اللّه بهذا دورة كاملة من الأصول الراقية في خمس مجلدات‏

بحسب تجزئتنا في هذا النحو من البحث الّذي تراه تقريرا و تذييلا ليصير مطرحا

للأنظار كما هو شأن أمثال هذه المباحث الفنية كما انه صار كذلك في مباحثي‏

بنحو آخر.

و أنا العبد المحتاج إلى عفو ربه الغفور محمد علي الإسماعيل پور الأصفهاني‏

القمشه‏إي(الشهرضائي)القمي و أرجو من اللّه تعالى ان يجعله ذخرا ليوم المعاد

و أرجو من مولاي و مولى الكونين الإمام الثاني عشر الحجة بن الحسن العسكري‏

عليه السلام و عجل اللّه له الفرج و سائر المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين ان يقبلوا

منى هذا القليل فان الأصل قبول اللّه تعالى و قبولهم واسطة بيننا و بينه تعالى و أرجو

من إخواني الكرام ان لا ينسوني من الدعاء و طلب المغفرة و العفو عما زل فيه القدم‏

أو طغا فيه القلم أحيانا و لا حول و لا قوة الا باللَّه العلي العظيم.

تم التأليف في سنة 1397 من الهجرة القمرية و الطبع في سنة 1405 منها.

و السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين و رحمة اللّه و بركاته.

ثم حق الطبع في المجلدات الخمسة للمؤلف‏

1فارجع إلى منية الطالب للشيخ موسى الخوانساري فيهما و يكون البحث‏

عن الصورتين أيضا فيها إجمالا.