فهرست عناوين فهرست آيات +فهرست اشعار
مجمع الفرائدفى الاصول

5 مجمع الفرائد في الأصول‏ 1 مجمع الفرائد في الأصول

نام:

مجمع الفرائد في الأصول‏

مؤلف:

الكاشاني، الشيخ علي‏


1
فهرست عناوين
      كلمة الساعي لنشر هذا الكتاب‏1
     أما زهده و أخلاقه و كيفية تعيشه‏1
     أما علمه‏1
     أما تأليفاته‏1
     أما كيفية وفاته‏1
     المقصد الثاني في‏النواهي و فيه فصول‏2
     الفصل الأول‏2
     الفصل الثاني في جواز اجتماع الأمر و النهي و عدم‏جوازه‏2
     و تحقيق الكلام فيه يستدعي رسم مقدمات تزيد بصيرة في المقصود2
     (إحداها)أنه لا ينبغي التأمل في أن المسألة أصولية3
     (الثانية)أنه لا ريب في عدم‏جريان النزاع فيما إذا كان متعلقا الحكمين متباينين‏3
     (الثالثة)لا يخفى أن النزاع‏في جواز الاجتماع و عدمه مبني على القول بتعلق الأحكام بالطبائع‏4
     (الرابعة)لا ينبغي الريب في أن البعث أو الزجر إنما يتعلق بالطبائع‏5
     (الخامسة)أنه بعد ما تبين أن متعلق البعث و الزجر إنما هو الطبيعة لوجودها السعي‏في قبال الوجود الخاص‏5
     (السادسة)أنه يفترق العنوان المتكرر في ألسنتنا عن الماهية5
     (السابعة)أنه بعدما عرفت أن ما يوجده المكلف في الخارج و يصدر منه هو وجود واحد لاتعدد فيه أصلا7
     (الثامنة)لا يخفى أن المرجع بعد القول بعدم جواز الاجتماع في المسألةهو المرجحات في باب التزاحم‏9
     (و أما ما استدل)به المجوزون‏14
     منها)أنه لو لم‏يجز الاجتماع لما وقع في الشرع و قد وقع كثيرا و ذلك كما في العبادات المكروهة14
     إن العبادات المكروهة(على ثلاثة أقسام)14
     أماالقسم الأول‏14
     و من هنا انقدح الجواب عن القسم‏الثاني أيضا16
     (و أماالقسم الثالث)17
     و ينبغي التنبيه على أمرين‏18
     الأول إذا توسط المكلف أرضا مغصوبة18
     (الثاني)23
     الفصل الثالث في النهي عن العبادات و المعاملات‏25
     و قبل البحث فيهما و تحقيق الحق في كل منهما(يقدم أمور26
     الأول‏26
     (الثاني)27
     (الثالث)أن النهي في عنوان البحث لا يمكن أن يعم النهي التنزيهي‏27
     (الرابع)أن الصحة الواقعةفي مقابل الفساد تتصف بها الأمور الخارجية تارة و الأمور الشرعية أخرى‏28
     (الخامس)30
     (السادس)31
     (إذا عرفت هذه‏الأمور فيقع الكلام في المقام الأول)31
     (المقام‏الثاني)في أن الحرمة في العبادات أو المعاملات هل هي مستلزمة لفسادمتعلقها أم لا33
     المقصد الثالث في المفاهيم‏36
     فصل:اختلفوا في أن‏القضية الشرطية هل هي ذات مفهوم‏36
     (ينبغي التنبيه‏على أمور39
     الأول‏39
     (الثاني)40
     (الثالث)41
     (الرابع)إذاتعدد الشرط و اتحد الجزاء43
     «فصل في مفهوم الوصف»44
     و قبل‏الخوض في البحث فيه يذكر(أمران)44
     الأول‏44
     «الثاني»44
     (فصل)في مفهوم الغاية و فيه بحثان‏45
     الأول في دخول‏الغاية في المعنى‏45
     الثاني أنها هل تدل على انتفاء الحكم عما بعدها أو لا46
     المقصدالرابع في العموم و الخصوص‏47
     و قبل بيان الفصول التي لا بدمن البحث فيها يقدم أمور47
     الأول لا يخفى أن الدوال على العموم على أقسام‏47
     (الأمر الثاني)49
     الأمر الثالث‏49
     (فصل)الحق حجية العام المخصص فيما بقي في تحته من الأفراد50
     فصل إذا كان المخصص مجملا بحسب المفهوم فهل يسري إجماله‏إلى العام أم لا54
     ثم إن هنا أمورا يجب التنبه إليها56
     (الأمرالأول)إذا شك في فرد أنه هل هو من أفراد المخصص فيكون خارجا عن تحت‏العام أو ليس منها فيكون داخلا فيه‏56
     (الأمرالثاني)أنه إذا اتضح عدم صحة التمسك بالعام في الشبهات المصداقية58
     (الأمر الثالث)60
     (الأمر الرابع)إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصص‏62
     فصل التحقيق عدم جواز العمل بعمومات الكتاب و السنة قبل‏الفحص عن المخصص‏62
     (تنبيه)65
     فصل هل الخطابات الشفاهية65
     (و قبل بيان التحقيق)في ذلك لا بد من بيان‏محل النزاع‏66
     (إذا عرفت ذلك)فالكلام يقع في كل من الجهتين فنقول‏66
     (أما الجهة الأولى)66
     و(قد اتضح بما ذكرنا الكلام)في الجهة الثانية66
     فصل تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده هل يوجب تخصيصه‏به أو لا68
     فصل هل الاستثناء الواقع عقيب الجمل المتعددة يكون ظاهرافي رجوعه إلى الأخيرة منها أو إلى الجميع أو لا يكون له ظهور في أحدهما69
     فصل إذا دار الأمر بين الأخذ بالعموم و الأخذ بالمفهوم‏70
     فصل الحق جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد الثابت حجيته‏72
     فصل إذا ورد العام و الخاص المتخالفان في السلب و الإيجاب‏73
      و قبل بيان ذلك‏ينبغي ذكر مقدمتين‏73
     (الأولى)73
     (الثانية)74
     المقصد الرابع في المطلق و المقيد76
     فصل قد اختلفوا في أن‏الإطلاق هل هو مدلول اللفظ أو مقتضى القرينة العامة76
     و التحقيق في ذلك يتم ببيان أمور76
     (الأمر الأول)76
     الأمر الثاني‏77
     الأمر الثالث‏78
     ثم(إن هنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما83
     (الأول)83
     (الثاني)84
     فصل هل تقييد المطلق يستلزم كونه مجازا أم لا84
     فصل إذا ورد مطلق و مقيد متنافيان‏85
     و قبل بيان ذلك ينبغي ذكر مقدمة85
     في المباحث العقلية90
     في بيان مجاري الأصول‏91
      فالمقصد الأول في القطع‏و فيه فصول‏92
     فصل‏92
     فصل في استحقاق التجري للعقاب و عدمه‏94
     فصل في أقسام القطع‏98
     فصل الحق أن العلم الإجمالي مثل العلم التفصيلي في إيجابه العمل‏على وفقه‏104
     المقصدالثاني في الظن و فيه مباحث‏111
     المبحث الأول في إمكان التعبد بالأمارات‏111
     المبحث الثاني في تنقيح أن مقتضى الأصل هل هو حجية الظن‏أو عدم حجيته‏123
     المبحث الثالث في بيان ما خرج عن تحت هذا الأصل موضوعا أويقال بخروجه عنه‏125
     (الفصل الأول في حجية الظواهر)125
     (الفصل الثاني)129
     الفصل الثالث في حجية الشهرة الفتوائية و مما قيل بحجيته‏بالخصوص هو شهرة الفتوى بين الأصحاب‏134
     الفصل الرابع في حجية الخبر الواحد136
     قد استدل النافون‏137
     من الآيات بالآيات الناهيةعن العمل بالظن‏137
     (و من العقل)138
     (و أما الإجماع)139
     (و أما المثبتون)فقد استدلوا بالأدلة الأربعة139
     فمن الكتاب‏آيات‏139
     منها آية النبأ139
     (و تقريب الاستدلال)بها من وجوه‏139
     أحدها من جهة مفهوم الشرط139
     (ثانيها)من جهة مفهوم‏الوصف‏140
     (ثالثها)من جهة استفادة العلية من الآية141
     (أما مايختص)بالاستدلال بهذه الآية من الإشكالات(فمهمها أمران‏142
     الأول‏142
     (الثاني)144
     آية النفر148
     «و لا يخفى أن»الاستدلال‏بها على حجية خبر الواحد يتوقف على«أمور148
     الأول»أن يكون المراد من‏النفر فيها النفر للتفقه‏148
     «الثاني»أن لا يكون المراد بالإنذار فيها ما هو ظاهر لفظه من إنشاءالتخويف‏149
     «الثالث»149
     آية الكتمان‏151
     «و من‏الآيات أيضا»آية السؤال و آية الإذن‏151
     و«أما السنة فطوائف من الأخبار»152
     منها ما ورد في مقام علاج الخبرين المتعارضين‏152
     و منها الروايات‏الكثيرة المستفيضة الواردة في مقام إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحابهم‏152
     و منها ما ورد في الرجوع إلى الرواةو الثقات بنحو العموم‏153
     و منهاالأخبار التي أمر فيها الإمام عليه السلام واحدا من أصحابه بتبليغ حكم إلى غيره‏153
     ومنها الروايات الكثيرة الواردة في مقام الرد على بعض فقهاء العامة153
     و منها الأخبار الحاكية عن عمل الراوي بخبر غيره‏153
     و منها الأخبارالمستفيضة الواردة في مقامات مختلفة154
     (و أما الإجماع)فقد يقرر بوجوه أربعة154
     أحدها الإجماع‏القولي على الحجية في مقابل السيد154
     الثاني‏155
     ثالثها دعوى استقرار سيرة المسلمين‏على استفادة الأحكام من أخبار الثقات‏157
     الوجه الرابع من وجوه تقرير الإجماع في المسألة158
     (و أما العقل)فقدذكر في دلالته أيضا وجوه‏158
     الأول‏158
     الثاني‏160
     (الثالث)ما نسب إلى صاحب الوافية161
     (المبحث الرابع)في ما استدل‏به من الوجوه لإثبات حجية مطلق الظن أو الظن في الجملة و هي أربعة162
     الأول‏162
     (الثاني)165
     (الثالث ما حكي عن السيد محمدالطباطبائي قدس سره)165
     الرابع دليل الانسداد166
     و هو مؤلف من خمس مقدمات‏166
     (أما المقدمة الأولى‏168
     (و أما المقدمة الثانية)168
     «و أما المقدمة الثالثة»168
     أما المقدمة الرابعة و هي عدم جواز الرجوع إلى الطرق المقررةللجاهل من تقليد الغير171
     (و ينبغي التنبيه على أمور191
     الأول‏191
     «الأمر الثاني‏200
     الأمر الثالث‏212
     الأمر الرابع‏215

كلمة الساعي لنشر هذا الكتاب‏

باسمه تعالى‏بعد الحمد و الصلاة..لما تصدى لنشر هذا الكتاب جناب خير الحاج‏الحاج محمد حسين الأصفهاني زيد توفيقه بدا للحقير أن أشير إلى تاريخ‏حياة مؤلفه المرحوم و ترجمة بعض أحواله في أول كتابه مع مراعاة الإيجازو الاختصار فنقول إن شيخنا العلامة المرحوم فخر الأفاضل و مجمع الفضائل‏ذو الفكرة السليمة و الطريقة المستقيمة التقي النقي حجة الإسلام مولاناالشيخ علي فريدة الإسلام الكاشاني ابن الآغا محمد حسين رضوان اللّه تعالى‏عليه ولد بكاشان و كان ولادته في سنة 1349 و قد انقضى أيام صبابته‏في مولده الشريف ثم هاجر منه إلى الأصفهان لتحصيل مراتب العلم و الكمال‏سنة 1362 فحضر عند الأفاضل و الأعاظم و قرأ عليهم الكتب الأدبية و بعض الكتب‏من السطوح و تكملت أولياته هناك إلى أن تشرف إلى المشهد المقدس الرضوي‏على ساكنه أفضل صلوات الملك القوي فحضر بحث الأستاذ بجامعة العلميةالمشهد حضرت الشيخ الهاشم القزويني دام بقاؤه مدة تقرب من أربع سنين‏إلى أن هاجر منه إلى قم المقدسة تكميلا لتحصيله و طلبا لمرامه و اختار فيه‏من بين أبحاث الأساتذة بحث سيدنا الأستاذ العلامة الطباطبائي آية اللّه العظمى‏البروجردي مد ظله العالي فقها و أصولا و كان ملازما لبحثه حتى ترك‏سيدنا العلامة المفخم بحث أصوله فحينئذ حضر بحث أستاذنا العلامة الخميني‏دام بقاؤه أصولا و كان محبا للعلم مجدا في تحصيله و قد صرف عمره الشريف في‏تحصيل القواعد الفرعية و إتقان المسائل الأصولية إلى أن صار بين الأعلام!-ب-من الأعيان بحيث يشار إليه بالبنان و كان مستقلا في المشهد المقدس و قم المشرفةبتدريس السطوح فقها و أصولا و كان يجتمع حوله جملة من أهل العلم و التحصيل‏مستفيدا منه و كاتب السطور كان أيضا ممن يستفيد من محضره الشريف قريبامن ثلاث سنين و قرأ عليه أكثر كتب السطوح و استفاد منه زائدا على قراءةتلك الكتب بما لا مجال هنا لبيانه بحيث لا غرو أن يقال بأن أكثر مما علمه اللّه‏تعالى بفضله و لطفه كان بواسطته و بلسانه جزاه اللّه عنه خير ما جزى معلما عن متعلمه‏

أما زهده و أخلاقه و كيفية تعيشه‏

فهو بغير شك كان من أولياء اللّه بين عباده الذين عظم الخالق في أنفسهم‏فصغر ما دونه في أعينهم و قد عاشرته زمنا طويلا فلم أر منه زلة و لا هفوة وأشهد اللّه على أني لا أقول ما أقول غلطا و لا شططا كان ذاكرا للّه تعالى في‏سائر حالاته و كان مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه محزون القلب مأمون الشرعفيف النفس فطوبى له و للصالحين أمثاله إذ صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحةطويلة قد اتجروا تجارة مربحة يسرها لهم ربهم و كان يمزج العلم بالحلم و القول‏بالعمل لم يكن قائلا بما لا يعمل به و لا مرشدا إلى طريق حق لم يسلكه فكم‏له عندي من الأخبار و المشاهدات الحاكية عن علو مرتبته و جلالة قدره‏و طول يده في مخالفة الهوى و إن من أعظم ما كان عليه من الخصائص الحميدةهو كثرة حبه لأهل بيت العصمة و النبوة صلوات اللّه عليهم أجمعين و كان شديدافي الحب لهم و البراءة من أعدائهم فطوبى له و هنيئا هنيئا له نعم ربه‏

أما علمه‏

فكان بالغا مرتبة الاستنباط و الغناء عن الاستشهاد باعتراف جملة من‏الفقهاء الذين قد خالطهم و ناهيك دليلا على ذلك ما بين عينيك من المطالب‏المندرجة في هذا الكتاب إذ يعترف كل من نظر إليه بعين الإنصاف على طول!-ج-باعه و كثرة اطلاعه إذ هو محتو لما هو الأهم عند أولي الألباب لدى البحث‏و تبويب الأبواب و قد شاهدت عند ما بلغت إلى هذا المقام أشعارا في شأنه قدس سره‏في بعض إجازاته الفقهية و لا بأس بذكرها هنا

هو العالم القمقام للّه دره‏
و نادرة الأيام جلت مناقبه‏
محامده مشهورة و محاسنه
مواهبه منشورة و رغائبه‏
له فكرة موصوفة بإصابة
كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه‏
هو البحر فاطلب فيه كل عجيبة
غرائبه لا تنقضي و عجائبه‏

أما تأليفاته‏

فقد برز منها منظومة في النحو طبعت في المشهد المقدس الرضوي‏على ساكنه أفضل صلوات الملك القوي و منظومة في الأصول و أخرى‏في الكلام و لكن بقيت كلتاهما ناقصتين و تعليقة على فرائد الشيخ الأعظم‏الأنصاري قدس سره من أول البراءة إلى الاشتغال و رسالة منفردة في لباس المشكوك‏تقريرا لبحث سيدنا الأستاذ آية اللّه البروجردي مد ظله العالي مع ما علق‏عليها و له تأليفات أخر في بعض المباحث الفقهية و الأصولية إلا أن جميعهابقيت ناقصة لم يوفق لإتمامها و أعظم ما ألفه قدس سره هو هذا الكتاب و مايتلوه من الجزء الآتي إن شاء اللّه تعالى و هذا الجزء يشتمل على مبحث النواهي‏إلى آخر الانسداد و الجزء الآتي على مبحث البراءة إلى خاتمة الاستصحاب‏و لما بلغ إلى خاتمة الاستصحاب جف قلمه الشريف لجريان قضاء اللّه تعالى وقدره على ارتحاله إلى جوار رحمته و قد وجدت في شأن كتابه هذا أشعارافي تلك الإجازة المتقدمة و هي هذه ‏

هذا كتاب في أصول رائق‏
و سواه في حل الغوامض فائق‏
لا غرو أن يسبق سواه فكم ترى‏
من لاحق هو في الحقيقة سابق‏
سجمت من التدقيق فيه غمائم‏
و نمت من التحقيق فيه حدائق‏
و من اللطائف حازما لم يدره‏
إلا بإمعان الروية لائق‏
قد نمقته يد الذي بوجوده‏
في الأرض من على العباد الخالق‏

أما كيفية وفاته‏

فلم يكن به داء و لا مرض و لم يمض من عمره الشريف أيضا إلا خمس‏و عشرون سنة إلا أن كل نفس لا محالة ذائقة الموت و كل شي‏ء هالك إلا وجهه‏و لا مفر من الموت لأحد كيف و قد قال اللّه تعالى(أينما تكونوا يدرككم الموت‏و لو كنتم في بروج مشيدة)و بالجملة بدا له قدس سره في محرم سنة 1374 أن يسافرإلى رودسر من بلاد جيلان للتفرج و بقي هناك أياما حتى اختار اللّه‏تعالى له دار أوليائه في ليلة أربع عشر من شهر محرم الحرام سنة 1374بعد أداء فريضة العشاء و جرى عليه قضاء اللّه هناك بارتحاله إلى جوار رحمته‏بسكتة القلب و نقلت جنازته من هناك إلى قم المشرفة و دفنت فيه و هو قدس سره‏بلا شك كان من الشهداء الصالحين كيف لا و قد خاطبه الإمام صاحب الأمر وولي الزمان أرواحنا و أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء في المنام إجابةلتسليمه بقوله عليه السلام و عليك السلام يا شيخ الشهداء و ختاما أسأل اللّه تعالى أن‏يعظم أجر أعقابه و يحسن لهم الجزاء سيما أبيه و عمه جناب الآغا محمد حسين‏و الآغا غلام رضا أطال اللّه تعالى عمرهما(و لا يخفى عليك أنه قدس سره قد أحال بيان‏بعض المطالب إلى مبحث الأوامر إلا أنه لما لم يوفق لتصحيح ذلك المبحث لم‏يتيسر لنا نشره)(13 رجب المرجب سنة 1374)أقل تلاميذه-علما و عملاالسيد عبد الكريم الهاشمي البهشهري‏


2

بِسْمِ اللّهِ الرحمنِ الرَّحيم‏الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على نبينا محمد و آله الطاهرين‏و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

المقصد الثاني في‏النواهي و فيه فصول‏

الفصل الأول‏

لا يخفى أن النهي مختلف مع الأمر سنخا و متغايرمعه مفهوما فإن(الأمر)هو حمل الغير على المطلوب بإنشاء البعث(و النهي)هو ردعه و منعه عنه بإنشاء الزجر فالأول من قبيل تحريك الغير في الخارج‏و الثاني من قبيل وقفه و حبسه عن الفعل و على ذلك فتفسير النهي بأنه طلب‏الترك كما هو المشتهر بين الأعلام قدس اللّه أرواحهم مما لا وجه له كما لاوجه للنزاع في أن متعلق الطلب المستفاد من النهي هل هو الترك أو الكف‏كما هو واضح(نعم يجري فيه)النزاعان الجاريان في الأمر(أحدهما)في‏دلالته على الحرمة بمادته و صيغته و عدم دلالته و الحق في هذا المقام هوأن النهي بمادته يدل على الحرمة بالدلالة اللفظية و بالصيغة يدل عليها بالدلالةالمقامية لا اللفظية و يظهر وجهه مما ذكرناه في الأوامر فلا حاجة إلى الإعادة(و الثاني)في دلالة صيغة النهي بلفظها على الدوام أو على خلافه و عدم دلالتهاو قد ظهر التحقيق في ذلك أيضا مما سطرناه في الأوامر فراجع‏

الفصل الثاني في جواز اجتماع الأمر و النهي و عدم‏جوازه‏

و تحقيق الكلام فيه يستدعي رسم مقدمات تزيد بصيرة في المقصود


3

(إحداها)أنه لا ينبغي التأمل في أن المسألة أصولية

فإن نتيجتها صالحةلوقوعها في طريق استفادة الأحكام و كبرى لقياس استثنائي فإنه يترتب على‏القول بالجواز صحة الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة و اللباس المغصوب‏و غيرهما لو قلنا بصحة التقرب بمجمع العنوانين و كذا يترتب عليه استفادةالوجوب الشرعي لمجمع العنوانين سواء كان من المعاملات أو العبادات ويكفي في كون المسألة أصولية ترتب ثمرة فقهية على أحد طرفيها من السلب‏أو الإيجاب و لو لم يترتب حكم فرعي على الطرف الآخر فلا يضر بكون هذه‏المسألة من الأصول عدم ترتب فساد العبادة على القول بالامتناع على‏تقدير القول بترجيح جانب النهي كما هو ظاهر

(الثانية)أنه لا ريب في عدم‏جريان النزاع فيما إذا كان متعلقا الحكمين متباينين‏

لا يجتمعان وجودا أوكانا متساويين لا يتخلف أحدهما عن الآخر كذلك أما في الأول فواضح وأما في الثاني فلأنه يلزم أن يكون شي‏ء واحد محكوما بحكمين متضادين‏من دون أن يكون موجها بوجهين و فردا لعنوانين مثل أن يقال صل في الدارالمغصوبة و لا تصل فيها فإن الصلاة المتخصصة بخصوصية وقوعها في الدارالمغصوبة تكون حينئذ متعلقة لحكمين مختلفين من دون وجود تعدد عنوان‏في البين و أما إذا كان النسبة بينهما عموما و خصوصا مطلقا فلجريان النزاع‏فيه وجه و إن اختار عدم الجريان جماعة من مقاربي عصرنا تبعا للمحقق‏القمي(قدس سره)و هو أن الفعل الخاص و إن كان بما هو متخصص بما له من الخصوصيةمبغوضا إلا أنه لا ينافي ذلك محبوبية نفس الفعل كما أن مبغوضية شرب الماء من الإناءالمتخذ من الذهب أو الفضة مثلا لا تنافي محبوبية نفس الشرب و مطلوبيته و إن كنت‏في ريب من ذلك فانظر إلى نفسك إذا كنت عطشان فإن شرب الماء من الإناءالمكسور مثلا و إن كنت تستقبحه و تبغضه و لكن نفس شرب الماء مع ذلك‏يكون مطلوبا لك فالصلاة و إن كانت بما هي مضافة إلى الدار المغصوبة


4

مبغوضة إلا أنها بذاتها محبوبة فالفعل الموجود بوجود واحد بما أنه فردللصلاة تكون محبوبة و مصداقا للأمر بالصلاة و بما أنه فرد للصلاة الواقعةفي الدار المغصوبة و مصداق لقوله لا تصل في الدار المغصوبة يكون مبغوضافلو قيل بكفاية تعدد الوجه في رفع غائلة الاجتماع لكان يجدي هنا أيضاو إلا فلا يجدي مطلقا(فالتحقيق)أنه يجري البحث فيما كان النسبة بين‏متعلقي الحكمين العموم و الخصوص مطلقا كما كان يجري فيما إذاكان النسبة بينهما العموم من وجه و لا فرق بينهما فيما نحن بصدده‏من لزوم التكليف المحال و عدمه و إن كان يفترق الأول عن الثاني‏من جهة لزوم التكليف بالمحال فيه فإن الأمر بالصلاة مطلقا و لو في الدارالمغصوبة مع النهي عن خصوص ما يقع منها في الدار المغصوبة مما لا يمكن‏امتثاله فالإشكال في مقام الامتثال يكون بحاله و أما لزوم الإشكال في مقام‏الجعل فهو يتفرع على القول بالامتناع في المسألة

(الثالثة)لا يخفى أن النزاع‏في جواز الاجتماع و عدمه مبني على القول بتعلق الأحكام بالطبائع‏

و أما على‏القول بتعلقها بالأفراد فلا مجال للبحث أصلا بداهة أنه عليه يكون الفردالمجمع للعنوانين متعلقا للأمر بنحو التخيير بينه و بين سائر الأفراد كمايكون متعلقا للنهي أيضا تعيينا فيكون بذاتياته و تشخصاته مبعوثا إليه ومزجورا عنه في زمان واحد و يكون التكليف محالا و لا يغني في رفع الإشكال‏القول بأنه اثنان حقيقة و فردان موجودان بوجود واحد لبا كما في الكفايةفإن ذلك إنما يصح في مقام الامتثال حيث يكون المجمع المأتي به فرداللمأمور به من جهة و للمنهي عنه من جهة أخرى و أما في مقام الجعل الذي‏هو محل الكلام هنا فيكون ذاك الفرد بنفسه طرف الإضافة للبعث و الزجركليهما و متعلقا لهما معا و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأن متعلق الأوامر و النواهي‏


5

هو الطبائع فإنه عليه مضافا إلى أن المجمع يكون اثنين حقيقة في مقام‏الامتثال يكون متعلق أحدهما في مقام الجعل أيضا غير متعلق الآخر فلا تغفل‏و تدبر

(الرابعة)لا ينبغي الريب في أن البعث أو الزجر إنما يتعلق بالطبائع‏

بوجودها السعي و أن التشخصات الفردية لا دخل لها في مطلوب الآمر و الناهي‏إذا كان مراده أو مكروهه صرف وجود تلك الطبائع بل يكون دخل التشخصات‏في متعلق البعث أو الزجر مع عدم دخالة لها في غرضه المتقوم بإيجاد صرف‏الطبيعة أو إعدامه صرف الجزاف و قد تبين ذلك في موضعه مشروحا

(الخامسة)أنه بعد ما تبين أن متعلق البعث و الزجر إنما هو الطبيعة لوجودها السعي‏في قبال الوجود الخاص‏

و أنه هو العنوان المأخوذ مشيرا إلى أفراده و وجهالجزئياته فلا ريب في أنه قد يتصادق عنوانان في موجود واحد و يكون الموجودفردا لهما معا و مصداقا لكليهما و يكون هذان العنوانان مع أنهما موضوعان‏لحكمين مختلفين و قد أخذ كل منهما بما أنه مشيرا إلى أفراده موضوعا لحكم‏مستقل صادقين على فرد خاص بحيث يكون وجوده وجوده وجودا لكلا العنوانين و تحصله‏تحصلا لكلتا الطبيعتين‏

(السادسة)أنه يفترق العنوان المتكرر في ألسنتنا عن الماهية

الواقعة جوابا عن السؤال بما هو في أن الماهية إنما تنتزع عن الفرد بلحاظحقيقته و لذلك تقع جوابا عن السؤال عن الحقيقة المركبة من المادةالمشتركة المعبر عنها بالجنس و المادة المفترقة المعبر عنها بالفصل بخلاف‏العنوان فإنه انتزع عن الأفراد بما هي أفراد لها و مصاديق من دون دخالةلحقيقتها في انتزاعه و على ذلك فلا تضر وحدة الماهية بصدق العنوانين‏المأخوذين كل منهما موضوعا لحكم على حدة مثلا يتصادق موضوع قضيةأكرم العالم و لا تكرم الفاسق على رجل واحد على وحدة وجوده و ماهيته وكذلك يتصادق عنوان الصلاة و الغصب على فعل خاص مع وحدته وجودا و ماهية


6

فالبحث عن تعدد الماهية هنا و وحدتها كما عن المحقق النائيني(قدس سره)و أن‏القول بالجواز في المسألة مبني على التعدد و القول بالمنع مبني على وحدتهامما لا وجه له بل الموجود الواحد على وحدة ماهيته يكون مصداقا لعنوانين‏و فردا لموضوعين ترتب على كل منهما حكم خاص فلو قيل بتعدي أحدالحكمين في مورد التصادق عن متعلقه إلى متعلق الحكم الآخر فلا محالةلا بد معه من القول بالامتناع كما أنه لو لم نقل بذلك بل قلنا بأن اجتماع‏العنوانين لا يوجب سراية أحد الحكمين إلى متعلق الآخر فلا مناص عن‏اختيار الجواز في المسألة من دون أن نحتاج إلى تكلف إثبات اختلاف موضوع‏أحد الحكمين مع موضوع الآخر في المقولة بتقريب أن الغصب من مقولةالأين و هو لا تكاد تتحد مع شي‏ء من أفعال الصلاة من القيام و الركوع و السجودلكونها من مقولة الوضع الذي هو الهيئة الحاصلة للمكلف من ملاحظةبعض أعضائه مع بعض نعم الهوي إلى الركوع و السجود و النهوض منهماإلى القيام يتحدان مع الغصب وجودا و لكنهما من مقدمات الأفعال لا من‏نفسها و أما الأقوال و الأذكار فلا إشكال في أنها ليس من الغصب و التصرف في‏المكان المغصوب في شي‏ء و لا يخفى عليك عدم تمامية هذا التقريب فإنا لا نسلم‏أن الهوي و النهوض من مقدمات الأفعال فإن الواجب على المكلف في الركوع‏و السجود ليس هو الهيئة الحاصلة للأعضاء المعبر عنها بالوضع بل الواجب‏هو الفعل الاختياري الصادر من المكلف حين إرادة الركوع و السجود و لاإشكال في اتحاده مع الغصب وجودا و كذا الكلام في النهوض فإنه هو الواجب‏على المكلف لا صرف الهيئة الغير الاختيارية الحاصلة بعد النهوض عن‏الاختيار و بالجملة فالصلاة هيئة تركيبية توجد بوجود هو مصداق‏الغصب قطعا إذ الصلاة ليست إلا هذه الهيئة التركيبية المفروض تحققها


7

بتحقق الغصب و هذه الهيئة واحدة وجودا و ماهية بلا إشكال و لكنها بنفسهاغير متعلقة للبعث أو الزجر أصلا فإن الطبائع ليست متعلقة للأمر و النهي‏بما هي موجودة و إلا لكان طلبها طلبا للحاصل و إنما تكون موجودة بعد ماتعلق البعث بها لتوجد و الحاصل أن البحث عن وحدة الوجود و تعدده أووحدة الماهية و تعددها مما لا يفيد بنظري القاصر أصلا فإنه لا إشكال في وحدةالوجود و معه لا مجال لتعدد الجنس و الفصل في المقام أصلا لكن قد ذكرناإن الأمر غير متعلق للوجود و إلا لكان طلبا للحاصل و لا للماهية المركبةمن جنسه و فصله كما هو واضح بل الأمر هو متعلق بالعنوان المأخوذ مرآةلصرف الوجود و الوجود السعي كما سيتضح إن شاء اللّه تعالى و قد انقدح مماذكرنا ما في كثير من كلمات المحقق النائيني(قدس سره)هنا من الإشكال بنظري‏القاصر و فكري الفاتر فراجع إليها و تأمل فيها حق التأمل‏

(السابعة)أنه بعدما عرفت أن ما يوجده المكلف في الخارج و يصدر منه هو وجود واحد لاتعدد فيه أصلا

عرفت أنه لا يصح الإتيان بالمجمع إذا كان عباديا و لا يجري في‏مقام الامتثال مطلقا و لو قلنا بالجواز في المسألة و ذلك لأن العبادات مجعولةلتقرب العبد بها إلى اللّه تعالى و تذللهم في مقابله و خضوعهم لديه و المفروض‏أن الفعل صدر من المكلف طغيانا على اللّه تعالى و عصيانا و تجريا عليه فلايمكن أن يتقرب المكلف إليه بهذا الوجود و كيف يمكن أن يقصد امتثاله‏و إطاعته بما هو عصيان له و هتك لحرمة مولويته و قضية تعدد الجهة و العنوان‏لا تكاد تجدي هنا فإن التقرب إنما يقع بالوجود الخاص الخارجي الذي‏يصدر من المكلف و يوجده لا بالوجود السعي الذي هو متعلق للأمر حقيقتاو لا بعنوانه المتعلق له مرآة و آلة للحاظ نعم إذا كان العبد جاهلا بالموضوع‏أو الحكم قصورا و قلنا بجواز الاجتماع فلا إشكال في صحته و وقوعه عبادة


8

إذ المفروض تعلق الأمر بالطبيعة مطلقا و ليس في البين ما يمنع عن قصدالتقرب به بعد فرض جهله بالحكم أو الموضوع قصورا فإن الفعل يصدرمنه حينئذ إطاعة و امتثالا لا طغيانا و تجريا كيف و هو معذور عقلا و نقلا و يحكم‏العقل بقبح مؤاخذته استقلالا فالتفصيل بين الملتفت و الجاهل تقصيرا وبين القاصر على القول بالجواز في كمال الوضوح و أما على القول بالامتناع‏في المسألة فإن قيل بترجيح جانب الأمر و تقديمه فلا إشكال في صحة العبادةمطلقا و لو مع الالتفات و أما إن قيل بتقديم جانب النهي فقد يقال بالصحةبالنسبة إلى القاصر و عليه ينزل فتاوى القدماء من أصحابنا رضوان اللّه تعالى‏عليهم الظاهرة أو الصريحة في التفصيل بين الملتفت و من بحكمه و بين القاصرنظرا إلى كفاية مطلق المصلحة و المحبوبية في الإتيان بالفعل العبادي و لو لم يكن‏مأمورا به تارة و إلى كفاية الأمر بالطبيعة في الإتيان بفرد لا يشمله الطبيعة بما هي‏مأمور بها أخرى و في كلتا الدعويين من الإشكال ما لا يخفى أما في الأولى فلأن مجرداشتمال الفعل على مصلحة لا يوجب تعلق الإرادة المولوية به لجواز اشتماله‏على مفسدة مساوية أو أرجح منها بحيث لا يتعلق به إرادة و لا كراهة أو يتعلق‏به الكراهة فقط دون الإرادة و حينئذ فلا يبقى مجال للإتيان به متقربا إلى المولى‏ثم لو فرضنا عدم اشتماله على مفسدة فلا وجه لعدم تعلق الإرادة المولويةبه بل و يكون الفعل حينئذ مأمورا به حقيقة و مطلوبا واقعا و لو لم يتمكن المولى‏من إبراز إرادته و طلبه إن شاء كما إذا كان أصم و لا يقدر على التكلم و من المعلوم‏أن القول بترجيح جانب النهي هنا ليس إلا من جهة اشتمال الفعل على مفسدةأقوى و معه لا يمكن التقرب به كما لا يخفى و أما في الثانية فلأن العقل إنمايحكم بكفاية إتيان كل ما يشمله الطبيعة المأمور بها بوجودها السعي من‏الأفراد في مقام الامتثال إذا لم تكن تلك الأفراد مشتملة على مفسدة أقوى‏توجب صرف نظر المولى عن المصلحة الموجودة فيها و أما مع وجود تلك‏


9

المفسدة فيها فلا يحكم بكفاية إتيانها في حصول الامتثال و كيف يمكن‏حصول الامتثال بالإتيان بفرد ينهى عنه المولى و يزجره بنهي أكيد و زجرشديد و لا فرق في ذلك بين الملتفت و من بحكمه و بين القاصر إلا في‏استحقاق العقاب و عدمه فانقدح أن التفصيل المشتهر بين أصحابنا قدس‏أسرارهم مما لا وجه له إلا على القول بالجواز في المسألة بتقريب قدمناه‏

(الثامنة)لا يخفى أن المرجع بعد القول بعدم جواز الاجتماع في المسألةهو المرجحات في باب التزاحم‏

و لا مجال للرجوع إلى باب التعارض و ذلك‏لأن البحث في هذه المسألة إنما هو فيما إذا أحرز وجود المناطين كليهما في‏مورد الاجتماع و علم بأنه مورد لكلا الحكمين لا ما إذا علم بعدم وجود أحدالمناطين في مورد الاجتماع و عدم شمول أحد الحكمين له كما هو موردالتعارض و الرجوع إلى القواعد المذكورة فيه فإن تلك القواعد إنما تعمل‏لتشخيص الوظيفة و إن أيا من الطريقين مشتمل على ما هو مراد المولى بحيث‏نعلم بعدم تعلق الإرادة المولوية بما يتضمنه أحد الطريقين و يدل عليه و لوبدلالة الظهور و البحث هنا إنما هو بعد العلم بتعلق الإرادة بما يتضمنه كل‏من الطريقين بحيث لو أمكن اجتماعهما في مورد الاجتماع و لم يكن مانع‏عقلي له كما يقول به المجوز لقلنا بأن كلا منهما متعلق للإرادة مطلقا حتى‏في مورد الاجتماع فلا بد للقائل بالامتناع من البحث بأن المناط في أيهمايكون أقوى في نظر المولى و أن امتثال أي من الحكمين أهم في نظره و أن‏المكلف المتصرف في الدار المغصوبة مثلا الذي لا يتمكن من الجمع بين‏امتثال كل من التكليفين هل عليه أن يصلي و يمتثل أمر المولى بالصلاة و لووقع بالتصرف في الدار المغصوبة أم عليه ترك التصرف فيها و لو كان بترك‏الصلاة و من المعلوم أنه لا يجدي لبيان ذلك البحث في باب التعارض أصلا


10

و لا ارتباط له بما نحن فيه كما لا يخفى و قد انقدح بذلك ضعف ما أفاده المحقق‏النائيني قدس سره من أن المرجع للقائل بالامتناع في المسألة هو باب التعارض‏فتأمل جيدا إذا عرفت هذه المقدمات فالتحقيق هو جواز الاجتماع و عدم‏وجود مانع عنه عقلا و بيانه يحتاج إلى ذكر مقدمة و هي أن الوجوب و الحرمةو غيرهما من الأحكام لا تكون أوصافا لفعل المكلف و عوارض له كما تخيله‏بعض المانعين حتى يحتاج القائل بالجواز إلى إثبات تعدد الموضوع في‏مورد الاجتماع و اثنينية معروض الحكم كما تصدى لإثباته بعض الأعلام قدس سره‏بل تكون تلك الأحكام منتزعة عن تعلق الطلب بشي‏ء أو تعلق الزجر به وعلى ذلك فالإيجاب و التحريم مثل البعث و الزجر من أفعال المكلف و يكون‏لهما الإضافة إلى متعلق التكليف إذا كان طرف الإضافة لكل منهما غيرالآخر و لا مضادة بينهما في ذاتهما فإن المتضاد بين الأحكام إنما هو فيما إذاكان طرف الإضافة و متعلق الجميع واحدا لا مطلقا و لو مع اختلاف‏المتعلق و لذا ينقدح لشخص واحد في زمان واحد إرادات و كراهات‏متعددة تعلق كل منهما بفعل غير ما تعلق به الآخر فانظر إلى نفسك‏تريد في زمان واحد أمورا و تكره أمورا آخر و تبغضها فالإيجاب وو التحريم صادران من المكلف و قائمان به قياما صدوريا و لكل منهما إضافةإلى فعل المكلف و لا إشكال في اجتماعهما إذا كان متعلقاهما متغايرين غيرمرتبط أحدهما بالآخر(إذا عرفت ذلك)تعلم أنه لا إشكال في تعلق الأمرلطبيعة بوجودها السعي و النهي بطبيعة أخرى كذلك فإن تضاد الواقع بين‏الأحكام لا يمنع عن ذلك بعد تغاير المتعلقين فإن المتعلق في أحدهما الصلاةو في الآخر الغصب و هو أمران متغايران يختلفان وجودا تارة و يتحدان‏بسوء اختيار المكلف أخرى(فإن قلت)نعم و لكن مورد اجتماع العنوانين‏


11

يكون مبعوثا إليه من جهة و مزجورا عنه من جهة أخرى فالبعث و الزجر و إن‏كانا مختلفين من حيث المتعلق في مورد الافتراق إلا أنهما يتحدان من هذاالحيث بالنسبة إلى المجمع و تكون غائلة استحالة اجتماع الحكمين موجودةفيه(قلت)لا يكاد يكون المجمع مبعوثا إليه و مزجورا عنه بوجه فإن البعث‏إنما يتعلق بالعنوان المنتزع من الحقيقة الخارجية الجامعة لجميع الوجودات‏الصادقة على كل من الوجودات الخاصة فإن العقل بعد ملاحظة تلك الوجودات‏يرى جامعا لها في الخارج و حقيقة موجودة في جميعها و تكون تلك الحقيقةمتعلقة للبعث و الزجر و لا يكون الوجود الخاص بمتعلق للبعث و الزجربحال و تحقق الامتثال به إنما هو بملاحظة وجود الحقيقة الجامعة الخارجيةفيه لا بملاحظة كونه متعلقا للأمر(و إن كنت)في ريب من ذلك فلاحظ نفسك‏إذا كنت عطشان هل يكون شرب الماء الخاص المتحقق من زيد مثلا محبوبالك أم يكون المحبوب مطلق شرب الماء الصادق على جميع الوجودات لا مجال‏لإنكار أن المحبوب لك لا يكون وجودا خاصا لا يصدق على وجود خاص‏آخر و كيف يمكن الأمر بالإتيان بالماء الذي شربه الشخص الفلاني مثلابل المحبوب و المأمور به هو حقيقة الفعل الصادقة على جميع الوجودات‏و العنوان المأمور به في ظاهر الخطاب يكون منتزعا عن تلك الحقيقة فتكون‏هي متعلقة للبعث أو الزجر لبا و على ذلك فعنوان الصلاة المنتزع‏عن الحقيقة الجامعة الخارجة الصادقة على الوجودات المخصوصة يكون‏مأمورا به أولا و يسري الأمر منه إلى نفس الحقيقة ثانيا لا إلى وجود خاص‏و فرد مخصوص منها و كذا عنوان الغصب المنتزع عن حقيقة التصرف في مال‏الغير منهي عنه أولا و تكون الحقيقة الجامعة منهيا عنها ثانيا من غير تعلق‏للبعث و الزجر بالمجمع أصلا و الحقيقة و إن كانت عين الوجود الخاص إذا


12

كانا ملحوظين بالنظر الإجمالي إلا أنهما متغايران إذا لوحظا تفصيلا و معلوم‏أن جعل الحقيقة موضوعا للحكم يقع باللحاظ الثاني كما أن الإنسان يقع‏موضوعا لحمل الجنس و الفصل عليه هناك للحاظ مع أنه عين الفرد باللحاظالإجمالي و بالجملة فاتحاد الحقيقة الخارجية مع الفرد الخاص باللحاظالإجمالي لا يوجب سراية الحكم منها إليه بعد وضوح أنها موضوع للحكم‏باللحاظ التفصيلي الذي هي في ذاك اللحاظ تكون متغاير الفرد كما هو واضح‏فلا يكاد يكون المجمع طرف الإضافة للبعث و الزجر أصلا و كيف يكون‏كذلك و قد بينا في بعض المقدمات أن الطبائع لا تكون متعلقة للخطاب‏بما هي موجودة بل المتعلق له هو الطبيعة المنتزعة عن صرف الوجود الجامع‏لجميع الموجودات لا بمعنى أخذ وصف الجامع فيه كي يقال بأن الحقيقة الجامعةبما هي كذلك لا موطن لها إلا في الذهن و الحاصل أن المأمور به حقيقة هوصرف الوجود في الخارج و العنوان قد أخذ مشيرا إليه و كذا المنهي عنه‏هو حقيقة التصرف في مال الغير و قد انتزع عنها عنوان الغصب كما ينتزع عنوان‏الإنسان عن الحقيقة الخارجية المشتملة على الهيولى و الصورة و لا ينتزع عن‏فرد خاص بخصوصية كما ينتزع عنوان الضارب عن حقيقة الإنسان المتصف بحقيقةالضرب لا عن مصداق خاص منها فلا يكاد يسري النهي عن متعلقه إلى متعلق الأمربحال بل المتعلقان حقيقتان خاصتان خارجيتان و يصدق كل منهما على فرد خاص بحسن‏اختيار المكلف تارة و لصدق كلاهما على فرد واحد بسوء اختياره أخرى فاجتماعهمابحسب الوجود إنما هو في مقام الامتثال و ذلك لا يوجب إشكالا في مقام الجعل‏أصلا فانقدح من جميع ما حققنا أنه لا إشكال في الأمر بحقيقة مطلقا و النهي‏عن حقيقة أخرى كذلك حتى في مورد تصادقهما على وجود خاص بل و لايعقل تعلق الأمر بها مشروطا بعدم كون مورده مورد النهي و ذلك لأن دخالةشي‏ء لا يكون له دخالة في مطلوبية المأمورية في التكليف و المأمور به جزاف‏


13

صرف فإن ترك الغصب إن كان مما له دخالة في مطلوبية الصلاة فلا بد من‏الأمر بها مشروطا و يكون خارجا عن محل البحث هنا و إلا فلا بد من الأمربها مطلقا و لا إشكال فيه أصلا كما بينا و التصادق في الوجود لا يوجب تحقق‏غائلة اجتماع الضدين في محل واحد بعد ما اتضح من تعدد المتعلق و إن‏كنت تطلب مثالا خارجيا يوضح ذلك فافرض أنك تعلم بوجود فرد في الدارمثلا و تجهل خصوصياته و تشخصاته فإن العلم و الجهل متضادان و متعلقاهماموجودان بوجود واحد و لا إشكال فيه أصلا و الأمثلة لذلك كثيرة لا نحتاج‏إلى ذكرها بعد وضوح الحال و بيان الاستدلال بحيث يظهر منه الجواب عن‏جميع ما ذكره المانعون من الإشكال و العمدة منه هي ما أفاده(المحقق‏الخراساني)قدس سره و هو مركب من أربع مقدمات(أولاها)تضاد الأحكام و أنهالا تجتمع في محل واحد في مقام فعليتها و إن كانت تجتمع قبل الوصول إلى‏تلك المرتبة(ثانيتها)أن متعلق التكليف هو فعل المكلف و ما هو موجوده‏و فاعله للعنوان المنتزع عنه الذي لا تحقق له خارجا(ثالثتها)أن تعددالوجه و العنوان لا يوجب تعدد ذي الوجه و المعنون الذي هو متعلق الحكم‏في الحقيقة(رابعتها)أن وحدة الوجود مستلزم لوحدة الماهية و لا يمكن تعددالماهية مع وحدته فينتج من جميع هذه المقدمات أن الفعل الواحد و الموجودالفارد لا يمكن أن يكون محكوما بحكمين مختلفين بمجرد تعدد عنوانه‏و وجهه لما عرفت من أن تعدد الوجه لا يستلزم تعدد ذيه(و أنت)خبير بأنه‏لا يجدي هذه المقدمات لإثبات المنع بعد ما عرفت من أن متعلق كل من الحكمين‏حقيقة خارجية جامعة لوجوداته الخاصة و صادقة عليها و لا يكون الموجودبمتعلق للحكم أصلا كما أن نفس العنوان و الوجه يكون كذلك‏فتأمل في المقدمات حق التأمل تعرف ما فيها إن شاء اللّه تعالى و لا يهمنا ذكره‏


14

بعد ما أشرنا إليه في طي الاستدلال على ما اخترناه‏

(و أما ما استدل)به المجوزون‏

من متأخري أصحابنا رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين(فأمور

منها)أنه لو لم‏يجز الاجتماع لما وقع في الشرع و قد وقع كثيرا و ذلك كما في العبادات المكروهة

و بعض من المستحبات فإن الأحكام متضادة بأسرها و قد اجتمع في الشرع‏الوجوب أو الاستحباب مع الكراهة كما في الصلاة في الحمام و في مواضع التهمةفريضة و نافلة و كما في بعض النوافل المبتدئة و في الصوم يوم عاشوراء و كذلك‏اجتمع الوجوب أو الاستحباب مع الاستحباب أو الإباحة كالصلاة في المسجدأو الدار فريضة أو نافلة و لازم ذلك جواز اجتماع الوجوب مع الحرمة أيضا إذ لافرق بين الأحكام في ذلك بعد عموم دليل المنع الذي هو تضاد الأحكام و تنافيهاو لكن التحقيق أنه لا ارتباط لهذه الموارد بمسألة الاجتماع أصلا و بيان ذلك‏يحتاج إلى تحقيق الحال في العبادات المكروهة فنقول و به تعالى التكلان‏

إن العبادات المكروهة(على ثلاثة أقسام)

القسم الأول ما تعلق المنع‏التنزيهي بما تعلق به الأمر و البعث الغير الإلزامي كما في بعض النوافل و في الصوم‏يوم عاشوراء (الثاني)ما تعلق النهي فيه بفرد مما تعلق به الأمر كالصلاةفي الحمام(الثالث)ما تعلق النهي فيه بعنوان قد يتحد وجودا مع العنوان‏المأمور به و يكون النسبة بينهما عموما من وجه كما في الصلاة في مواضع‏التهمة بناء على أن يكون متعلق النهي هو مطلق الكون في مواضع التهمة

أماالقسم الأول‏

فقد أجيب عنه تارة بأن الترك فيه من جهة انطباق عنوان راجح‏عليه مستحب أقوى و أهم و لكن مع ذلك يكون الفعل باقيا على ما كان‏عليه من الرجحان و المطلوبية من دون تحقق حزازة فيه و مفسدة فلا مانع‏من الإتيان به بقصد التقرب كما يجوز الإتيان بمستحب زاحمه مستحب‏أهم منه و على ذلك فمتعلق أحد الأمرين هو الفعل و متعلق الآخر هو العنوان‏


15

المتحقق في ضمن الترك و يكون النهي إرشادا إلى أهمية الترك لذلك فليس‏هنا من اجتماع الحكمين في محل واحد في شي‏ء و لا تكون مفسدة في الفعل‏كي تمنع عن قصد التقرب به و قد اختار هذا الجواب العلامة الأنصاري و السيدالمحقق الأصفهاني(قدس سرهما)و تبعهما في ذلك بعض أعاظم عصرنا دام ظله(و أخرى)بأن العنوان المطلوب ملزوم للترك فلا يتحقق إلا بتحقق الترك ففي مثال الصوم‏في يوم عاشوراء يكون الترك أهم من جهة تحقق عنوان ذي مصلحة راجحةبتحققه كعنوان مخالفة بني أمية لعنهم اللّه و عذبهم عذابا أليما و النهي عن الفعل‏إنما هو للإرشاد إلى ما في تركه من هذه المصلحة الراجحة كما في التقريب الأول‏و قد أجاب(بهذا العنوان)المحقق الحائري قدس سره و ذكر كليهما المحقق‏صاحب الكفاية و لكن لا يخفى ما في كل منهما من الإشكال(أما في الأول)فلأن انطباق عنوان وجودي على الترك الذي هو في الحقيقة أمر عدمي و يكون‏في كمال المنافاة مع الأمر الوجودي مما لا يمكننا تعقله هذا مضافا إلى مافي إرادة الطلب و البعث إلى عنوان من النهي عن الفعل الظاهر في المنع‏و الزجر عنه من البعد الواضح و قد عرفت من هنا ما في الجواب الثاني أيضابل الأمر فيه أشنع إذ عليه يكون المراد من النهي هو البعث إلى ملزوم الترك‏و ما يتحقق بتحققه و هو كما ترى و في كلا التقريبين إشكال آخر مشترك‏الورود و هو أن الفعل إن كان مأمورا به و متعلقا للبعث أيضا فيلزم البعث‏إلى النقيضين و هو محال فلا بد للآمر حينئذ أن يأمر بما هو أتم مصلحة من الفعل‏و الترك و أهم في نظره إن كان و إلا فالتخيير و لا مجال للأمر و البعث إلى‏كل من الفعل و الترك بخصوصه و إن كان المراد كفاية صرف وجود المصلحةفي عباديته و إمكان قصد التقرب به من دون الاحتياج إلى تعلق الأمر به فهومما لا نعقله بعد وضوح أنه لا مجال لاستنباط وجود


16

المصلحة فيه إلا من قبل الأمر به(و التحقيق الذي يقتضيه)النظر الدقيق‏في العبادات المكروهة هو أن النهي تعلق بها مولويا بعد كونها فعلا عبادياو مأمورا به فإن متعلق الأمر هو ذات العمل و متعلق النهي هو العمل العبادي‏و المأمور به و لا إشكال في ذلك أصلا و توضيح ذلك بالمثال أن الأمر تعلق‏أولا بالإتيان بركعتين من النافلة مثلا في كل وقت يسع لذلك و بالإمساك‏بقصد الصوم في كل يوم من أيام السنة و لازم ذلك أن يكون الإتيان بالنافلةعند طلوع الشمس و عند غروبها مأمورا به و مبعوثا إليه ببعث غير إلزامي من‏جهة الأمر الأول و أن يكون الصوم في يوم عاشوراء كذلك بالأمر الثاني فيصح‏الإتيان بكل منهما بسبب الأمر المتعلق به و بقصد امتثاله و يكون كل‏منهما عباديا يؤتى به متقربا به إلى المولى و لكن المولى حيث رأى في كل‏منهما حزازة و جهة يكون الترك بها أولى عنده من إتيانه نهى عن كل منهمابوصف عباديته و تعلق الأمر به فمتعلق النهي في الحقيقة هو التعبد به و الإتيان‏به بقصد امتثال أمره و حيث إن النهي يكون تنزيهيا يرخص المكلف في التعبدبه يكون المعنى أن الأولى عدم التعبد به و عدم الإتيان متقربا به و إن كان‏يصح ذلك و يقع على ما هو عليه من امتثال الأمر الاستحبابي به و إطاعته وعلى ذلك فالمأمور به هو ذات العمل و فيه مصلحة خالصة بلا حزازة و المنهي‏عنه هو التعبد به و لا إشكال في ذلك أصلا

و من هنا انقدح الجواب عن القسم‏الثاني أيضا

فإن متعلق النهي في الصلاة في الحمام هو الطبيعة الواجبة المأمور بهاالمتخصصة بخصوصية وقوعها في الحمام و متعلق الأمر هو نفس الطبيعة من‏دون لحاظ تشخصاتها و إطلاق الطبيعة المأمور بها يقتضي جواز الإتيان بهافي ضمن أي خصوصية كانت و لو بوقوعها في الحمام و النهي يقتضي المنع‏عن إيجاد الطبيعة المأمور بها بوصف كونها مأمورا بها في خصوص هذا الفرد


17

و هذا الوجود و لكن حيث إن النهي تنزيهي يشتمل على ترخيص العبدفي ذلك يكون الإتيان في خصوص هذا الفرد المنهي عنه صحيحا و يقع‏على ما هو عليه من تحقق الامتثال الإلزامي به و من جميع ذلك‏عرفت الحال في بعض العبادات المستحبة و أن متعلق الاستحباب‏و البعث الغير الإلزامي هو الإتيان بالعبادة المأمور بها بوصف‏عباديتها في المسجد كما أن متعلق الحكم الإباحي هو الإتيان بالعبادة بذاك‏الوصف في الدار و مجمل الجواب أن الأمر الثاني ناظر إلى مقام الامتثال‏و كيفية الإطاعة و تحصيل الفراغ كما أن النهي في العبادات المكروهة يكون‏كذلك بخلاف الأمر الأول فإنه ناظر إلى ذات العمل و نفس الفعل‏

(و أماالقسم الثالث)

أعني ما إذا كانت النسبة بين المأمور به و المنهي عنه بالنهي‏التنزيهي عموما من وجه مثل النسبة بين صل و بين لا تكن في مواضع التهمةفقد يتخيل أن اللازم عدم صحة الصلاة في مواضع التهمة إلا على القول بالجوازفي المسألة و إلا فلا بد من القول ببطلانها فيها لسراية النهي على القول‏بالامتناع من متعلقه إلى متعلق الأمر مع أن الإجماع قائم على صحتها و لكن التحقيق‏أن صحة الصلاة في هذا القسم من العبادات المكروهة أيضا لا تنافي القول‏بالامتناع فإن غاية ما يلزم من القول بالامتناع تعلق النهي التنزيهي ببعض‏الأفراد من طبيعة الصلاة المأمور بها و هو خصوص الواقعة منها في مواضع‏التهمة و ذلك لا ينافي صحة العبادة المأتي بها في ضمن هذا الفرد المنهي‏عنه فإن العقل بعد ملاحظة إطلاق الطبيعة المأمور بها و عدم تقيدها بقيديحكم جزما بجواز تطبيق الطبيعة على أي فرد أراد المكلف و إمكان امتثال‏الأمر بها في ضمن أي فرد أتى به و لا يمنع عن هذا الحكم العقلي النهي‏التنزيهي أصلا فإنه حيث يشتمل على ترخيص الإتيان بما تعلق به يكون مما


18

يلائم حكم العقل و يقويه لا مما يعانده و ينافيه فالنهي بنفسه يجوز امتثال‏الأمر المتعلق بصرف الوجود بالفرد المنهي عنه و قد ذكرنا أن متعلق النهي‏في العبادات المكروهة هو الفعل العبادي بعد ثبوت عباديته و إنه لكان كوناتنزيهيا يرخص في التعبد به فالنهي عن الكون في مواضع التهمة يشتمل‏بإطلاقه الكون الحاصل في ضمن الصلاة فيها و لمكان اشتماله على الترخيص‏يجوز الإتيان بالصلاة فيها و يقع به امتثال الأمر المتعلق بها و بالجملة فالأمرمتعلق بصرف الوجود و بالطبيعة بوجودها السعي و النهي يتعلق بخصوص‏وجود من وجوداتها و فرد من أفرادها على القول بالامتناع و سراية النهي من‏متعلقه العام إلى كل فرد من أفراده و لكن ذلك لا ينافي صحة العبادة المأتي‏بها في ضمن هذا الفرد الخاص كما ذكرنا فانقدح من جميع ذلك عدم صحةالاستشهاد على الجواز في المسألة بصحة العبادات المكروهة و أن صحتها يتم‏على القول بالامتناع أيضا و اعلم أن للمجوزين أدلة أخر مذكورة في تقريرات‏بعض الأعلام و لما لم يكن فيها كثير فائدة يهمنا ذكرها بما فيها من الكلام‏و النقض و الإبرام كان الأولى لنا الإعراض عن نقلها في المقام و من شاء فليطلبهامنها

و ينبغي التنبيه على أمرين‏

الأول إذا توسط المكلف أرضا مغصوبة

فهل‏الخروج منها يقع مأمورا و منهيا عنه أو مأمورا به مع جريان حكم المعصيةعليه أو بدون ذلك أو منهيا عنه أو محرما بالنهي السابق الساقط فيه أقوال‏(فالأول)منسوب إلى أبي هاشم و اختاره المحقق القمي(قدس سره)ناسبا له إلى‏أكثر المتأخرين و ظاهر الفقهاء القائلين بوجوب الحج على المستطيع و لوفات استطاعته(و الثاني)مختار المحقق صاحب الفصول(قدس سره)(و الثالث)مختارالعلامة الأنصاري(قدس سره)و إليه ذهب المحقق النائيني على ما قرره بعض أفاضل‏مجلس درسه و اختار القول الرابع(المحقق)صاحب الكفاية و تبعه بعض‏


19

الأعاظم من علماء عصرنا(دام ظله)و هو الحق في نظري القاصر و قبل بيان‏الاستدلال عليه تقدم الكلام في سائر الأقوال فنقول أما القول الأول فهو مبتن على‏مقدمتين(أولاهما)جواز الاجتماع في الفعل الموجه بوجهين(ثانيتهما)أن التكليف‏بما لا يطاق جائز إذا كان عن سوء اختيار المكلف و أن الامتناع بالاختيار لاينافي الاختيار خطابا و عقابا و المقدمة الأولى و إن كانت مختارة لنا كماتقدم إلا أن المقدمة الثانية غير صحيحة فإن الامتناع بالاختيار ينافي الاختيارخطابا و لا يصح من المولى التكليف بما لا يطاق الذي هو قبيح نفسه بسوءاختيار العبد كما هو واضح(و أما)ثاني الأقوال ففيه أولا أنه لا وجه لكون‏الحركات الغصبية مأمورا بها و غاية ما يقال وجها لذلك(وجهان)الأول‏أنه مقدمة سببية للتخلص عن الحرام و لا ريب في وجوبها و فيه أن التخلص‏عن الحرام و تركه غير واجب شرعا فالغصب منهي عنه و مزجور عنه شرعاو تركه واجب بحكم العقل إرشادا إلى ما في فعله من الحرمة و المبغوضيةو ليس بمبعوث إليه شرعا إلا على القول بأن الزجر عن شي‏ء يقتضي البعث‏إلى تركه و هو باطل فإن البعث و الزجر فعلان من الأمر يحصل الأول منه تارةو الآخر أخرى باختياره و إرادته و لا معنى لتعلق أحدهما قهرا بتعلق الآخراختيارا و قد ذكر ذلك في مبحث الضد(الثاني)أن الخروج محقق للتخليةالواجبة شرعا من باب وجوب رد المال إلى مالكه فإن الرد في غير المنقولات‏يكون بالتخلية و لا يتحقق هي إلا بالخروج(و أنت خبير)بأن الحركات الواقعةفي سبيل الخروج إشغال في الأرض و تصرف فيها و كيف يمكن أن يكون الإشغال‏مصداقا للتخلية الذي هو عنوان مقابل له و مضاد معه إلا إذا أريد من الخروج‏الكون في خارج الدار لا الحركات المحققة له و حينئذ و إن كانت الحركات‏تجب من باب مقدميتها للكون في الخارج على فرض وجوبه إلا أن الكون‏


20

في الخارج يلازمه التخلية و ليس بمصداق لها(و بالجملة)فالتخلية هي‏بمعنى جعل المكان خاليا من التصرف و تصيره ذا خلاء منه و من الواضح الجلي‏أن ذلك غير الكون في الخارج و إن كان يلازمه فبالكون في الخارج يوجدالتخلية و يصير المكان خاليا من التصرف و ليس هذا الكون عين التخليةو مصداقا لها فالحركات الخروجية التي يتحقق بها الغصب و الإشغال لا تجب‏بوجه نعم تجب بحكم العقل إذ بها يتحقق التخلص عن غضب المولى و سخطه‏و بها يحصل الفرار من مزيد عقوبته و من هنا ظهر الجواب عما يقال من أن‏الخروج فرار من الظلم و نجاة من التجري و التعدي على الغير فيكون واجبافإن هذه العناوين و إن كانت واجبة بحكم العقل إلا أنها لا توجب الوجوب‏الشرعي لنفس الحركات المبحوث عنها في المقام كما هو ظاهر و ثانيا أن‏الأمر بما هو يكون مبغوضا للأمر و يعاقب عليه قبيح بحكم العقل فإن المفروض‏أن الحركات الخروجية مبغوضة للمولى و يعاقب عليها و هي بحيث لو لم يكن‏الزجر الفعلي عنها قبيحا لكان منهيا عنها فكيف يصح منه الأمر بها و هل‏هو إلا كالأمر بما هو منهي عنه فعلا(فانقدح ما فيما أفاده المحقق)الحائري‏(قدس سره)في وجه ذلك عن عدم المنافاة بين مكروهية شي‏ء في حد ذاته و بين الأمربه لما فيها من مصلحة أقوى كما أنك تحب إنقاذ الأجنبي ابنتك الغريقة إذالم تتمكن من إنقاذها مع أن مس الأجنبي إياها مكروه لك و مبغوض(و ذلك)لأن المفروض حرمة الحركات في ما نحن فيه و أنها معاقب عليها و هذا كماترى غير مرتبط بالمثال كما هو واضح الحال و من جميع ما ذكرنا ظهرالكلام في ثالث الأقوال و ما ذكر له من الاستدلال فإن الأمر بهذه الحركات‏الواقعة في سبيل الخروج بعد ما نرى بالعيان من صحة العقاب عليها و أنهامبغوض للمولى بمكان واضح من القبح(فبقي القول)بالوجه الرابع من‏


21

أنها غير مأمور بها شرعا و لا منهي عنها فعلا و لكنها منهي عنها حكما(فلنادعويان أما الدعوى)الأول فقد ظهر وجهها مشروحا و لا نعيد و أما الدعوى‏الثانية فوجهها مما يظهر بمراجعة الوجهان فإنا نرى بالعيان أن المولى إذانهى عبده عن التصرف في شي‏ء يصح له العقاب على وضع ذاك الشي‏ء و رفعه وكذلك إذا نهى عن التصرف في دار يصح له العقاب على الحركات الواقعة فيهادخولا و بقاء و خروجا و هل ترى من نفسك عدم صحة العقاب على الحركات‏الموضوعة في الدار عند الخروج بعد ما كان الدخول فيها باختيار العبد و إرادته‏الطغيان على المولى و التعدي عليه حاشاك عن ذلك و لا يزعم ذلك بك و هذامعنى ما يقال من أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فالوجوه التي أفاده‏المحقق النائيني(قدس سره)لإخراج المقام عن تحت تلك القاعدة مع عدم تماميتهافي نفسها لا يغني شيئا فإن القاعدة ليست بقاعدة منصوصة حتى نبحث فيها وفي عمومها و خصوصها بل هي مما يحكم به العقل فيدخل فيها كل أمر اضطراري‏نشأ من الاختيار و كان يصح العقاب عليه عند العقل و يخرج عنها ما لم يكن‏كذلك عنده و قد ذكرنا صحة العقاب على الحركات الخروجية هنا بحكم‏العقل و السر فيه أن مجموع الدخول في مكان و البقاء فيه لتحصيل المقصدو الخروج عنه يعد عند العرف أمرا واحدا إذ أجزاء تدريجية يوجد الجزءالتالي منها بعد حصول الجزء الأول و انعدامه كالنقاط التي يقدم إليها المسافرفليس الجزء الثاني مقدورا إلا بواسطة مقدوريته الإتيان بالجزء الأول و ذلك‏لا يخرجه عن المقدورية فكما أن عدم مقدورية الجزء التالي من السفر الواقع‏في نقطة خاصة من الطريق و عدم إمكان صدوره إلا بالإتيان بالجزء المقدم‏منه و البلوغ إلى محل الثاني لا يخرجه عن المقدورية المعتبرة في صحة التكليف‏به فكذلك الجزء التالي هنا من غير فرق في ذلك بين البقاء و بين الخروج‏


22

فانقدح أن الإشكال بعدم صحة النهي عن الخروج و قبح تعلق التكليف به‏لعدم مقدوريته مما لا وجه له(و بالجملة)فبما أن كل جزء من الأجزاء الواقعةفي الأرض المغصوبة تصرف فيها يكون محرما و مبغوضا بلا إشكال و لعمري‏ذلك واضح ليس الكلام فيه مجال و يكفي المراجعة إلى الوجدان لمن أرادحقيقة الحال هذا(و لكن قد تحتلج في نظري الفرق بين الخارج بالتوبة)و بين غيره فإن محرك التائب إلى الحركات الخروجية هو الاضطرار بحيث‏لولاه و كان يمكنه التفصي من الحرام بوجه آخر لفعل و ليس يدعوه إلى‏هذه الحركات إلا اضطراره و يبعثه إلى الخروج بأسرع الوقت الفرار عن التجري‏على اللّه تعالى و الخروج عن رسم عبوديته فالحركات الخروجية تصدر منه‏في طاعة اللّه و الإتيان بما يقتضيه عبوديته فهي مثاب عليها و مأجور بها لا معاقب‏عليها و مأخوذ بها و هذا بخلاف غيره فإن محركه هو طغيانه و خروجه عن‏مقتضى عبوديته بحيث لو لا اضطراره أيضا لكان ارتكب و إن شئت وضوح‏ذلك فراجع إلى نفسك حيث ترى فرقا بين السارق الذي سرق بعض أموالك‏و يخرج بحسب عادته و بين من دخل بيتك فتأمل في نفسه و ندم فخرج سريعابلا سرقة فإن الثاني يثاب بحركاته الخروجية بخلاف الأول فإنه يعاقب بها وعلى هذا البيان فصلاة النافلة التي لم توجب تصرفا زائدا على القدر المضطرإليه أو الفريضة في ضيق الوقت بحيث تكون يصح إتيانها في حال الحركةتقع صحيحة من الثاني دون الأول(و يظهر من المحقق الحائري قدس سره)الحكم‏بصحة الصلاة من غير تفصيل نظرا إلى أن إتيان العبد بما هو محبوب لمولاه‏لا ينافي كونه عاصيا و في حال الطغيان من جهة أخرى فإنا نعلم بالضرورة أن‏العبد إذا دخل في دار لم يمكنه الخروج منها أبدا و كان المولى قد نهاه عن‏دخوله فيها فأتى في تلك الدار بما هو مطلوب لمولاه مثل أن يخيط ثوبه‏


23

فإنه يثاب بفعله و لا مجال لأن يقال إن خياطة الثوب تقع حينئذ مبغوضة من جهةوقوعها في تلك الدار بل هي محبوبة صرفة يحصل بها العبد قربا إلى مولاه‏و يفترق بها عمن بقي في الدار بدون الإتيان بذلك فيها فإن الأول يكون‏له قرب ليس للثاني مع اشتراكهما في إتيانهما بما هو مبغوض لمولاهما و ذلك‏واضح لا مجال لإنكاره و(أنت خبير بعدم ارتباط)المثال بما نحن فيه أصلافإن الحركات الحاصلة من الخياطة في المثال من إدخال الإبرة في الثوب وإخراجها عنه لا تكون بمبغوضة بل تكون مقربة للعبد إلى المولى و هذا بخلاف‏الحركات الصلاتية هنا فإن المفروض حرمتها و مبغوضيتها بحيث يستحق‏العبد بها العقاب و الزجر و العتاب فكيف يمكن أن يقصد بها التقرب و يأتي‏بها بعنوان العبودية و الامتثال و بالجملة فالحركات التي تصدر من المكلف‏في الصلاة بما أنها خروج عن رسم العبودية لا يؤتى بها بعنوان العبودية كماهو ظاهر نعم يمكن القول بصحة الفريضة الواقعة فيها في ضيق الوقت إما من‏جهة ارتفاع القبح الفاعلي الذي هو المانع من التقرب في هذا الحال و إمالعدم مانعيته إذا كانت مانعيته موجبة لترك الصلاة رأسا كما في المقام فيستنبطمن الأدلة الدالة على أن الصلاة لا تسقط بحال صحة الفريضة في هذا الحال‏و يلتزم بأحد هذين الوجهين في رفع الإشكال‏

(الثاني)

أنه قد يتراءى من‏ظاهر تقريرات بعض الأعلام بعد الفراغ عن إثبات الجواز العقلي في المسألةالبحث عن مقام الفعلية و أنه هل يجوز توجيه الأمر المطلق لطبيعة موجودةتارة بوجود يكون مصداقا لما نهى عنه و أخرى بغير هذا الوجود أم لا و يفرع‏هذا النزاع على البحث في أن الحكم بلزوم مقدورية متعلق الأمر هل هو من‏جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز كي يقال بالجواز فعلا حيث إن متعلق‏الأمر يكون هو الطبيعة المقدورة شرعا و عقلا لعدم كونها منهيا عنها بوجه‏


24

أو من جهة أن الطلب و البعث إلى شي‏ء يستلزم بنفسه مقدورية المبعوث إليه‏فإنه على ذلك لا يكون الفرد المنهي عنه الغير المقدور شرعا مما يسعه الطبيعةبما هي مأمور بها بل الحصة المقدورة منها تكون متعلقة للبعث فقط و أما الحصةالمنهي عنها فلمكان عدم مقدوريتها شرعا لا يكاد يتعلق به البعث(و بالجملة)فمتعلق الأمر الفعلي لا يشمل الفرد المجمع كي يمكن أن يؤتى به بداعي‏الأمر و القربة فالصلاة الواقعة في الأرض المغصوبة لا تقع صحيحة و لو قلنابالجواز في المسألة الأولى المبحوث فيها عن الجواز عقلا(هذا لب كلامه)على ما استفدت مما قرره بعض أفاضل تلامذته(دام بقاؤه)(و ليت شعري)و كيف يبقى مجال بهذا البحث بعد القول بالجواز في المسألة الأولى فإن‏معنى الجواز في تلك المسألة هو ارتفاع غائلة اجتماع الحكمين المتضادين‏في شي‏ء واحد و أنه لا يسري النهي من متعلقه إلى متعلق الأمر أصلا حتى‏يلزم تخصيص الأمر به و أنه لا يكون شي‏ء من متعلق الأمر بمتعلق للنهي إما من‏جهة أن متعلق كل منهما حقيقة جامعة صادقة على جميع الموجودات و ليس الوجودبنفسه بمتعلق لواحد منهما و أن الوجود علة غائلة و نتيجة للبعث فلا يكون‏بمتعلق له على ما اخترناه و إما من جهة تعدد الوجود علة غائية و نتيجة للبعث‏و أن متعلق الأمر من مقولة غير مقولة متعلق النهي كما ذكره هذا المحقق قدس سره‏و على أي تقدير فلا يسري النهي إلى فرد و حصة من متعلق الأمر كي تكون‏تلك الحصة منه ممتنعة شرعا فلا يسعها متعلق الأمر الفعلي و على فرض‏التعدي و السراية لا بد من القول بعدم الجواز في أصل مسألة الاجتماع كماهو واضح(تتمة مفيدة)قد ذكرنا في بعض المقدمات أن المسألة غير مرتبطةبباب التعارض أصلا بل لا بد للقائل بالامتناع من الرجوع إلى مرجحات‏باب التزاحم إن كانت و إلا فعليه الرجوع إلى مقتضى الأصول العملية و قد


25

ذكر لترجيح جانب النهي(هنا وجوه منها)أن إطلاق النهي شمولي و إطلاق‏الأمر بدلي و لا بد من تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي كما قدم إطلاق‏مثل لا تكرم فاسقا على إطلاق مثل أكرم عالما على ما قرر في باب التعارض‏(و فيه مع)أن ذلك من مرجحات الدلالة المربوطة بباب التعارض فلا مجال‏للتمسك به في المقام على ما قررناه في بحث التعارض مشروحا من أن مجرد كون‏إطلاق أحد الدليلين شموليا أو كون عمومه استغراقيا لا يوجب تقديم أحدهماعلى الآخر ما لم يكن في الظهور بمثابة يكون قرينة على الآخر بحيث لا يبقى‏تعارض بينهما حقيقة بين العقلاء و لا يكونان عندهم من الخبرين المختلفين‏و الحديثين المتعارضين و من المعلوم أنه ليس المطلق الشمولي مع المطلق‏البدلي كذلك بل يكون بينهما تناف عند العقلاء و يتحيرون إذا عرض عليهم‏في رفع التنافي و كيف لا تنافي بين البعث إلى طبيعة مطلقا و الزجر إلى طبيعةأخرى كذلك فلاحظ الأمر بين مثل صل و لا تغصب و هل يوجب مجردكون أحدهما زجرا و الآخر بعثا تقديم أحدهما على الآخر لا يظن بك توهم‏ذلك بعد التأمل فيما ذكرناه و التعمق فيه(و منها)أولوية دفع المفسدة من‏جلب المنفعة(و فيه مع)عدم كليتها بل و عدم تماميتها فإنها مجرد دعوى بلادليل أن ذلك إنما يتمسك به في مقام دوران الأمر بين الواجب و الحرام في‏مقام الامتثال لا في مقام جعل الحكم كما في المقام(و منها)الاستقراء و أنه يقتضي‏تقديم جانب النهي و فيه ما فيه من أن الناقص فيه للحجية غير قابل و التام المحصل‏للقطع غير حاصل(و ليكن هنا ختم)الكلام في المسألة و الحمد للّه الذي‏هو لما يشاء فاعل و لغيره أيا من كان جاعل....

الفصل الثالث في النهي عن العبادات و المعاملات‏

و فيه بحثان لاينبغي خلط أحدهما بالآخر كما فعله القوم«أحدهما»في أن النهي عن العبادة


26

أو المعاملة هل هو لبيان حرمة متعلقه شرعا و جعله من المحرمات الذاتيةأم هو إرشاد لفساده و مسوق لبيان عدم وقوعه صحيحا(ثانيهما)أنه بعدالفراغ عن دلالته على الحرمة الشرعية و القول بها فهل الحرمة في العبادات‏و المعاملات تستلزم الفساد و البطلان أم لا تستلزمه و لا بد لنا من البحث عن‏كلتا الجهتين و في كلا المقامين و لا ينبغي الاقتصار على البحث في المقام‏الثاني كما يشاهد من القوم‏

و قبل البحث فيهما و تحقيق الحق في كل منهما(يقدم أمور

الأول‏

)أن محل البحث إنما هو في ما إذا كان مناط الصحة وملاكها موجودا في متعلق النهي بحيث لو لم يكن ينه عنه لكان يحكم بصحته‏فالبحث في العبادات إنما هو فيما إذا نهى عن حصة خاصة من طبيعة الفعل‏المأمور به بحيث كان النهي عن تلك الحصة لخصوصية موجودة فيها و لولاهالكان يصح الإتيان بالطبيعة في ضمن تلك الحصة المنهي عنهاو ذلك كالنهي عن الصلاة في أيام الحيض الناشئ من خصوصيةوقوعها في تلك الأيام و كالنهي عن الصلاة في غير المأكول و في‏لباس الحرير و أما إذا كان المنهي عنه ليس فيه مناط للصحة و يكون مبغوضابذاته و محرما بنفسه فلا معنى للصحة و الفساد فيه كي يأتي فيه بحث فإن‏الصحة في العبادات إنما تنتزع من موافقة الفعل مع المأمور به و انطباق‏المأمور به عليه و في المعاملات تنتزع من انطباق المعاملة بجميع ما اعتبرفيها على العمل الخارجي و على أي تقدير فهي منتزعة في الأمور الشرعيةمن الانطباق و بما أن الفساد هو عدم الصحة بما كان لها من المعنى فهو يكون‏منتزعا في العمل من عدم انطباق المأمور به عليه و انتفاء شي‏ء مما اعتبر في الصحةفيه و لذا يكون التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة فالبحث إنما يكون فيماإذا تعلق النهي بحصة خاصة من طبيعة الفعل لأجل خصوصية تكون فيها و لذلك‏


27

فرق المحقق القمي(ره)بين هذه المسألة و بين المسألة المتقدمة بأن النسبةبين المأمور به و بين المنهي عنه هناك عموم من وجه و هنا عموم و خصوص‏مطلقا و إن كان يرد عليه ما ذكرنا في بعض المقدمات من تلك المسألة من‏جريان البحث فيما كان النسبة بينهما عموما و خصوصا مطلقا أيضا و أنه لايعتبر في جريان النزاع وجود المندوحة في مقام الامتثال هذا مع أن الفارق‏بين المسألتين إنما هو اختلاف جهة البحث و الجهة المبحوث عنها في إحداهماغير المبحوث عنها في الأخرى كما لا يخفى‏

(الثاني)

لا يخفى أن صيغة لا تفعل‏بنفسها لا تدل على الفساد بوجه و إنما تدل عليه عند القائل بها بملاحظة أنهانهى و تدل على الحرمة فالبحث يقع في الحقيقة في استلزام النهي بمادته التي‏هي بمعنى التحريم لفساد متعلقه و عدم استلزامه لا في دلالة نفس الصيغة عليه‏كيف و لا يلتزم بها أحد و فسادها أجل من أن يحد فإن نفس الصيغة تدل على‏الزجر عن متعلقها و دلالتها على الفساد لو قيل بها إنما هي بملاحظة هذه‏الدلالة أي كون متعلقها مزجورا عنه مستلزم لفساده و بالجملة فجعل البحث‏في المسألة في مقام الدلالة و الإثبات لا في مقام الثبوت و الملازمة مما لا أفهمه‏

(الثالث)أن النهي في عنوان البحث لا يمكن أن يعم النهي التنزيهي‏

فإن متعلق‏النهي كما ذكرنا في الأمر الأول لا بد و أن يكون حصة من متعلق الأمر في العبادات‏بحيث لو لا خصوصية المبغوضية التي يرشد إليها النهي لكان يشملها المأموربه و يصح تطبيق الطبيعة في مقام الامتثال عليها و الإتيان بها في ضمنها و من المعلوم‏أن النهي التنزيهي عن فرد مثل النهي عن الصلاة في الحمام يرخص بمفهومه‏المشتمل على المنع عن الفعل مع الإذن فيه في ذلك التطبيق و يأذن في امتثال‏الأمر بالطبيعة بالإتيان بهذه الصحة فالنهي التنزيهي يلائم الصحة و يجتمع‏معها و لا يخالفها أصلا هذا في العبادات و أما في غيرها فالأمر أوضح بحيث‏


28

اعترف به فيه المنكر له فيها(و أما النهي المولوي الغيري)أصليا كان أم‏تبعيا على القول بالحرمة التبعية في مقدمة الحرام التي لا يبقى معها الاختيارفي تركه فيدخل في محل النزاع قطعا لدلالته على الحرمة التي وقع البحث‏في استلزامها للفساد و عدمه(و قد أنكر جريان النزاع)فيه بعض الأعلام‏(قدس سره)على ما في تقريرات دروسه من جهة الخلط بين النهي المولوي الغيري‏الذي هو محل الكلام هنا في جريان النزاع فيه و عدمه و بين النهي الغيري‏الإرشادي المسوق لبيان المانعية مثل لا تصل في غير المأكول فتخيل أن‏النزاع في الثاني و قال بأن دلالته على الفساد مما لا يخفى رحمه اللّه تعالى‏و أسكنه في بحبوحة جنته و نور مضجعه الشريف‏

(الرابع)أن الصحة الواقعةفي مقابل الفساد تتصف بها الأمور الخارجية تارة و الأمور الشرعية أخرى‏

و الأمور الشرعية المتصفة بها إما تكون من قبيل العبادات و إما تكون من قبيل‏العقود و الإيقاعات و ثالثة تكون من غيرهما مما يشمله المعاملة بالمعنى‏الأعم مثل التطهير و التذكية و الذي يتصف بالصحة في جميع هذه الأقسام‏إنما هو الموجود الخارجي و الحصة المأتي بها من طبيعة الفعل المجعولة تأسيساأو إمضاء لا نفس تلك الطبيعة بداهة أن إطلاق الصحة إنما هو بملاحظة انطباق‏الطبيعة المجعولة بنحو التأسيس في العبادات و بنحو الإمضاء في غيرها على‏ما يوجده المكلف و يأتي به في الخارج و أما نفس الطبيعة المتعلقة للجعل‏التأسيسي كالصلاة أو الإمضائي كطبيعة البيع فهي لا تتصف بها أصلا و لايترتب الأثر المطلوب المترقب من وجودها عليها فانقدح أن المصلحة إنماتطلق على الوجود بلحاظ انطباق الطبيعة عليه و بلحاظ ترتب الآثار المرغوبةمنها عليه و لا فرق في ذلك بين العبادات و بين غيرها من المعاملات بالمعنى‏الأعم«نعم قد يفرق»بينهما من جهة أخرى و هي أن الصحة في المعاملات‏


29

مجعولة بخلاف العبادات فإن الصحة فيها تختلف في ذلك فبالنسبة إلى المأموربه الواقعي تكون منتزعة و بالنسبة إلى المأمور به الاضطراري و الظاهري‏تكون مجعولة مثل المعاملات هكذا فرق بينهما المحقق صاحب الكفاية«قدس سره»و أنكر هذا الفرق المحقق النائيني«قدس سره»على ما في تقريرات بعض‏أفاضل مقرري بحثه«حفظه اللّه تعالى»فذهب إلى انتزاعية الصحة في المعاملات‏أيضا ببيان سيأتي و وافق القول بمجعوليتها في المأمور به الظاهري فقطدون الاضطراري نظرا إلى أن الأجزاء في الأوامر الظاهرية على القول به‏به مما جعله الشارع منة و تسهيلا على العباد مع أنه كان يصح منه عدم جعله‏و الحكم بما يقتضيه العقل من الاشتغال و هذا بخلاف الأوامر الاضطراريةفإنها أحكام واقعية جعلها الشارع في مرتبة فقدان القيد المعتبر في الأحكام‏الواقعية الأولية و حيث إن الأمر بالفاقد للقيد مع بقاء اعتبار تقيد المأمور به‏به قبيح يستكشف من أمر الشارع بالفاقد عدم اعتبار التقيد في الواقع ويكون الأجزاء في هذه الأحكام مثل الأجزاء في الأحكام الواقعية الأولية من الأمورالشرعية و(لكن التحقيق انتزاعية)الصحة و الفساد و عدم صحة تعلق الجعل‏بهما مطلقا من غير فرق في ذلك بين المعاملات و بين العبادات و من غير فرق‏في العبادات بين أقسامها و إن كان الفرق في مجعولية الأجزاء و عدم مجعوليته‏بين الأوامر الظاهرية و بين الأوامر الاضطرارية كما عن هذا المحقق وجيهاغايته و متينا نهايته«و بيان ذلك»أن الصحة كما ذكرنا تنتزع من انطباق‏الطبيعة المجعولة على الفرد الخاص و الوجود المخصوص و مطابقة ذاك‏الفرد و الوجود معها و من المعلوم أن الانطباق و المطابقة من الأمور الغيرالقابلة لتعلق الجعل بها بل يكون أمرا قهريا يحصل تارة و لا يحصل أخرى‏فإنه إن كانت الطبيعة المجعولة صادقة على ذاك الفرد الخاص و موجودة


30

فيه ينتزع له الصحة و إلا فينتزع له الفساد(و ليت شعري)و هل يكون صدق‏الماهية على وجودها و الطبيعة على فردها أمرا مجعولا و كيف يصح تعلق الجعل‏بالهوهوية الموجودة بينهما أم كيف يمكن أن يكون صدق الأمر الانتزاعي‏مثل الماهية على منشأ انتزاعه مجعولا فإن المعاملة الكلية مثل البيع إذاتعلق بها الإمضاء بشرائط معتبرة في أسبابها فبمطابقية العمل الواقع في الخارج‏و انطباق الطبيعة الممضاة عليه ينتزع الصحة و بعدم المطابقة معها ينتزع‏الفساد و هكذا الأمر في العبادات سواء تعلق بها الأمر الأولي أو الأمر الثانوي‏فإن الصحة تطلق على الفرد الخارجي منها بملاحظة موافقته مع الطبيعةالمأمور بها بشرائطها و أجزائها و انطباق تلك الطبيعة عليه و أما الأوامرالظاهرية فالصحة فيها أيضا تطلق على المأتي به بلحاظ مطابقته مع الطبيعةالمأمور بها بالأمر الظاهري التي هي المجزية عن المأمور به الواقعي فإن‏الإجزاء فيها و إن كان مجعولا إلا أن متعلقه هو الطبيعة المأمور به بالأمرالظاهري لا الفرد المأتي به في الخارج منها الذي هو المتصف بالصحة دون‏الطبيعة المنطبقة عليه و بالجملة فبمجعولية الأجزاء فيها لا يكون الصحة فيهامجعولة و قد ذكرنا عدم صحة تعلق الجعل بالانطباق فلاحظ

(الخامس)

أنه قد يقال بشمول مورد البحث لما إذا لم يكن لمتعلق النهي مناط الصحةأصلا و لم يتعلق به حكم من الأحكام سوى الحرمة و لكنك بعد ما عرفت من‏أن المتصف بالصحة و الفساد إنما هو الفرد المأتي به من المأمور به بملاحظةانطباق المأمور به عليه و عدمه تعرف أنه لا مجال لهذا المقال بوجه فإن المنهي‏عنه حينئذ محرم صرف كسائر المحرمات و لا معنى للبحث عن صحته و فساده و أي‏معنى يكون لصحته مع عدم وجود شي‏ء هناك كان مأمورا به كي يؤتى بذاك‏الفرد المحرم في مقام امتثاله و من هنا يعلم أن صوم الوصال الذي يتحقق‏


31

بنية الإمساك في يومين أو أكثر و يكون في كمال البينونة عن الصوم المأموربه خارج عن محل النزاع قطعا فإن البحث عن صحته و فساده في قوة البحث‏عن تحقق امتثال الصوم المأمور به بالإتيان به و عدم تحقق امتثاله فإن المرادبصحة فرد هو تحقق الامتثال به و المراد بعدم صحتها عدم تحققه به و من‏المعلوم فساد ذلك البحث بمثابة لا يكاد يخفى‏

(السادس)

أنه لا أصل هنايعول عليه في المسألة الأصولية بداهة أن دلالة النهي على الفساد و عدم دلالته‏أو استلزام الحرمة للفساد و عدم استلزامها مما لا يمكن بتنقيحه بأصل يكون‏عليه بناء العقلاء في محاوراتهم كما هو ظاهر نعم يجري الأصل‏في المسألة الفرعية و مقتضاه في العبادات هو الفساد فإن شمول متعلق‏الأمر للفرد المنهي عنه ما لا يمكن عقلا حتى يصح امتثاله بإتيانه‏بل الظاهر أنه لو قيل بكفاية مجرد المحبوبية في الإتيان بالفعل العبادي لكان‏الحكم فيه الفساد أيضا إذ لا يستكشف وجود مصلحة الفعل في الفرد المنهي‏عنه بعد عدم شمول الأمر بذاك الفعل له(و أما في المعاملات)فمقتضاه الصحةلو كان في البين عموم أو إطلاق يؤخذ به و إلا فالفساد أيضا

(إذا عرفت هذه‏الأمور فيقع الكلام في المقام الأول)

من المقامين و هو أن النهي عن العبادةأو المعاملة هو إرشاد إلى فساد متعلقه أم مسوق لإفادة الحرمة الذاتية و(الحق أن النهي)عن ذات العبادة أو أجزائها أو شرطها أو وصفها الملازم لهايكون إرشادا إلى فساد متعلقه فإن المولى إذا أمر بعبادة تكون ذا حصص وأفراد فنفس الطبيعة الموجودة في الحصص تكون مطلوبة لا محالة و مبغوضيةبعض الحصص بذاته تنافي مطلوبية صرف وجود الطبيعة فإذا نهى المولى‏عن حصة منها فلا محالة لا يمكن أن يدل النهي على مبغوضية بعض الأفرادمن الطبيعة لما قلنا من تنافيها مع محبوبية الطبيعة بل يكون ذلك لأجل‏


32

خصوصية موجودة فيها تمنع من الإتيان بما هو محبوب المولى و مراده في‏ضمنها مثلا إذا نهى المولى عن الصلاة في أيام الحيض أو في لباس الحريرفلا يمكن دعوى مبغوضية هذه الحصة من حيث إنها صلاة و لا دعوى مبغوضيةنفس الخصوصية لأن المفروض عدم مبغوضية هيئة الصلاة الواقعة في هذه‏الأيام بل النهي يكون إرشادا إلى مانعية الخصوصية من الإتيان بالمحبوب‏في ضمنها أو يكون بيانا لأن المراد لا يكاد يحصل مع تلك الخصوصيةو بزعمي أن من راجع إلى وجدانه يجد ما ادعيناه حقا لا ريب فيه فإن المولى‏إذا أمر عبده بالخضوع في مقابله و نهاه عن الخضوع راكبا فلا يكاد يفهم أحدمن أهل العرف مبغوضية الخضوع في حال الركوب بالمبغوضية الذاتية بل‏الظاهر عندهم عدم حصول الخضوع المأمور به في تلك الحال و أن المأموربه هو غير المتخصص بتلك الخصوصية(هذا حال النهي عن ذات العبادة و أماالنهي عن جزئها أو شرطها)أو وصفها اللازم فيظهر الكلام فيه بالمقايسةفإن الظاهر من النهي عن قراءة سورة خاصة مثل العزائم في الصلاة بعد الأمربماهية الصلاة المركبة من السورة و من غيرها من الأجزاء هو أن بعض الأمرالمتعلق بذاك الجزء لا يكاد تمثل بقراءة هذه السور و أن الإتيان بها يكون‏مفسدا للمأمور به(و بالجملة)فيكون المراد أن الأمر المتعلق بالصلاةلا يمثل بالصلاة المأتي بها بتلك السور لا أن هذا الفرد من الصلاة أو السورةمبغوض ذاتا و قس على ذلك النهي عن حصة من الطبيعة المأخوذة شرطاللصلاة مثل النهي عن الوضوء بماء الغير أو عن الوصف اللازم لها الذي كان‏النهي عنه راجعا في الحقيقة إلى النهي عن نفس الجزء كالنهي عن الجهربالقراءة الراجع إلى النهي عن نفس القراءة(و أما)الوصف الملازم الذي لايكون كذلك بل يكون موجودا بوجود مستقل فهو خارج عن البحث في‏


33

كلا المقامين كما لا يخفى هذا كله في العبادات و أما(في المعاملات)فلا يبعددعوى إرشادية النهي عن خصوص العقود و الإيقاعات إلى الفساد حيث إن‏الظاهر من النهي عن فرد من المعاملة يكون متخصصا بخصوصية بعد إمضاءطبيعتها هو الإرشاد إلى فساد ذاك الفرد و أنه غير متعلق للإمضاء المتعلق بتلك‏الطبيعة و أما في غير العقود و الإيقاعات مما يشمله المعاملة بالمعنى الأعم فهذه‏الدعوى فيها على نحو الكلية مشكلة فلا بد من ملاحظة كل مقام بخصوصه‏ثم الحكم على طبق مقتضاه هذا جميع ما يتعلق بالمقام الأول من الكلام‏

(المقام‏الثاني)في أن الحرمة في العبادات أو المعاملات هل هي مستلزمة لفسادمتعلقها أم لا

فنقول قد تقدم أن النهي عن حصة من العبادة لا يكاد يجتمع مع‏حصول الأمر لها و لا مع اشتمال المنهي عنها على مصلحة تامة غالبة على المفسدةالموجودة فيها بل تكون المصلحة الموجودة في الفعل حينئذ مغلوبة بالمفسدةالكامنة فيها الناشئة من خصوصيته المبغوضة هذا مع أنه قد تقدم أيضا أن الفعل‏الصادر من العبد طغيانا على مولاه لا يصلح لأن يتقرب به إليه و ليجعل عبادةله فعلى هذين الوجهين تكون فساد العبادة المنهي عنها غنيا عن البيان و لايحتاج إلى إقامة برهان هذا(في النهي عن ذات)العبادة و حرمتها(و أما جزءالعبادة)فيمكن أن يقال إن النهي عن بعض أفراد الجزء حيث إنه يستلزم تخصيص‏بعض الأمر المتعلق به بما عدا المنهي عنه فلا محالة يكون مصداق العنوان‏المأمور به عند الشارع هو الهيئة الغير المشتملة على الجزء المنهي عنه فإنه‏إذا أمر المولى بطبيعة و عين الأجزاء التي لا بد من الإتيان بها في انطباقها على‏المأتي به ثم نهى عن بعض أفراد واحد من تلك الأجزاء فلا يشك العقل و الوجدان‏في أن المصداق الذي لا بد من الإتيان به هو ما لا يشتمل على الجزء المنهي‏عنه إذ المفروض أن الإتيان بذاك الجزء في مصداق المأمور به مبغوض للمولى‏


34

فكيف يكون ذاك المصداق المشتمل عليه محبوبه و متعلقا لأمره و إن كنت‏شاكا في ذلك فراجع إلى العرف فإن المولى إذا أمر عبده بنسج ثوب مثلاو نهاه عن إعمال الصوف أو وبر الحيوان في منسوجه فهل يمكن أن يكون‏الثوب المشتمل عليه محبوبا و متعلقا لأمره و هل فرق بين هذا المثال و بين‏ما إذا أمر المولى بالصلاة المشتملة على أجزاء منها السورة و نهى عن قراءةسور العزائم في الصلاة التي يؤتى بها في مقام الامتثال فكيف يمكن أن يكون الصلاةالمشتملة على واحدة من هذه السور مصداقا لما أمر به و لعمري ذلك واضح‏لا مجال فيه للإشكال كما ربما يظهر من بعض أعاظم عصرنا دام بقاؤه(و لوأغمض عن ذاك الوجه قلنا)وجه آخر في بيان ذلك و هو أن الهيئة الاتصاليةالتي يؤتى بها بعنوان العبادة لا بد و أن يكون من أول أجزائها إلى آخرهاصالحة للتقرب بها و بما أن وجود الطبيعة هنا بهيئته مشتمل على عصيان المولى‏لا يصلح لأن يتقرب به فإن كل جزء من الأجزاء التي يؤتى بها قبل الجزء المنهي‏عنه و بعده و إن كان يصلح لذلك إلا أن التقرب لا يقع بكل جزء بحيال ذاته وبملاحظة نفسه بل المتقرب به هو وجود الطبيعة من أوله إلى آخره و هو غيرصالح لذلك كما عرفت فافهم و من جميع ما ذكرنا(انقدح حال الكلام في‏الشرط)و أن دليل اعتباره في المأمور به أيا ما كان من الدليل المستقل الدال‏على اعتباره فيه كما اختاره جماعة و من بعض الأمر المتعلق بالتقيد به كمااختار آخرون يخصص بالنهي المتعلق ببعض أفراده إذ لا يمكن أن يكون‏وجود الشرط بإطلاقه مأمورا به و معتبرا في المأمور به النفسي مع كون‏بعض أفراده مبغوضا و منهيا عنه و حينئذ فإذا أتى المكلف بالفرد المبغوض عنه‏يكون المأمور به فاسدا لأجل عدم الإتيان بشرطه المعتبر فيه المأخوذ قيداله من غير فرق بين ما إذا كان الشرط عبادة أو غير عبادة(كما انقدح أيضا)


35

حال النهي عن الوصف و حرمة الراجعة في الحقيقة إلى النهي عن بعض أجزاءالمأمور به فإن الجاهر بالقراءة في المثال المتقدم يكون كمن لم يأت بالقراءةأصلا و يخصص الأمر الدال على اعتبار القراءة بالنهي المتعلق ببعض أفرادهاكما بينا نعم(إذا لم)يكن الوصف بمثابة يكون النهي عنه نهيا عن العبادة ويكون له وجود غير وجود نفس العمل فحرمة الوصف لا تستلزم فساده أصلامثل الوصف المفارق و وجهه ظاهر هذا كله في العبادات(و أما المعاملات‏فالحق فيه عدم استلزام)حرمتها لفسادها مطلقا(و أما فيما إذا كان)متعلقهاالسبب سواء وقع النهي عنه بما أنه فعل من أفعال أو بما أنه إنشاء للمعاملة ومبرز لها فذلك واضح فإن مبغوضية إنشاء المعاملة و إبرازها لا تنافي إمضاءترتب الأثر و الاعتبار القائم بالمتعاملين عليها على فرض إنشائها فمبغوضيةإنشاء المعاملة وقت النداء تجتمع مع إمضاء الشارع ترتب الأثر عليه و أن‏يكون عنده كغيره في ذلك مع اختصاصه بمبغوضية إنشائه لما فيه من المفسدةالكامنة فيه فإن ترتب الأثر على شي‏ء يجتمع مع اشتماله على المفسدة كيف‏و لا تعلق للأمر باشتمال الفعل على المصلحة أو المفسدة(و أما فيما إذا كان)متعلقها الاعتبار القائم بالمتعاملين فلأنه من الواضح عدم وجود تناف بين‏مبغوضية ذاك الاعتبار و بين حصوله بعد حصول إنشائه و أي مانع من أن‏يقول المولى لعبده إذا أنشأت المعاملة الفلانية و أبرزتها بسببها فالمسبب‏و إن كان يترتب عليه في نظري كما يترتب عليه في سائر الأنظار إلا أن حصوله‏مبغوض فلما توجد سببه كي لا يوجد ذاك المسبب و أي منافاة بين قوله إذاعاملت بالمعاملة الفلانية فأنت في نظري مالك ينتقل إليك المال و بين قوله‏لا تجعل نفسك أو طرفك مالكا للشي‏ء الفلاني و بزعمي أن عدم المنافاةبينهما في غاية الظهور فانقدح أنه لا وجه للتفصيل بين القسمين و القول‏


36

باستلزام الحرمة للفساد في هذا القسم دون القسم الأول كما يظهر من المحقق‏النائيني(قدس سره)و اللّه تعالى عالم ببواطن الأمور

المقصد الثالث في المفاهيم‏

فصل:اختلفوا في أن‏القضية الشرطية هل هي ذات مفهوم‏

فتدل على الانتفاء عند الانتفاء كما تدل‏على الثبوت عند الثبوت أم لا و بيان الحال على وجه يظهر الكلام فيما قيل أويقال من وجوه الاستدلال في مقام الإثبات أو النفي يحتاج إلى مقدمة فنقول‏و على اللّه الاتكال إن القضية الشرطية تستعمل في مقامين(أحدهما في مقام)إفادة التعليق و بيان أن وجود الجزاء معلق على وجود الشرط و أن وجودالشرط علة و مؤثر في وجود الجزاء مثل أن يقول المولى لعبده إن جاءك‏زيد فأكرمه في مقام بيان أن الإكرام معلق على مجيئه(و ثانيهما)في مقام التوقيت‏و بيان أن الفعل يؤتى به في زمان وجود الشرط من دون أن يكون الشرطعلة و مؤثرا له سواء كانت الجملة إخبارية كما يقال إن ضربت ضربت لبيان‏أن الضرب يتحقق من المتكلم في زمان تحقق من المخاطب و أن تحققه منه‏يستلزم تحققه من المتكلم أو كانت إنشائية كما يقال إن دخل الظهر فصل‏و الفرق بين المقامين مما لا يكاد يخفى فإن الأول مقام التعليق و بيان العليةو الثاني مقام التوقيت و بيان صرف الملازمة إذا عرفت(هذه المقدمة فالحق)في نظري القاصر الفرق بين هذين القسمين و التفصيل بينهما بثبوت المفهوم‏في الأول دون الثاني و الوجه(في الدعوى الأولى هو أن)المفروض فيها عليةالشرط للجزاء و تأثيره فيه و أن الجزاء جعل معلقا على وجود الشرط فلامحالة يكون المؤثر و المعلق عليه هو الشرط المذكور في القضية وحده‏لا هو منضما مع غيره و لا هو مرددا بينه و بين غيره و إلا لكان المعلق عليه‏إما مجموع الأمرين من المذكور في القضية و من غيره و إما أحدهما لا بعينه‏


37

كما ذكر في الواجب التخييري و كل منهما مناف لظاهر القضية إذ من المعلوم‏أن الظاهر من القضية فيما إذا كان المولى في مقام بيان كل ما له دخل في الحكم‏و كان مؤثرا فيه و علة له هو علية خصوص المذكور في القضية و أنه هو المعلق‏عليه للحكم المذكور فيها فلو كان المعلق عليه المؤثر هو المجموع لكان‏يجب على المولى بيانه بمثل العطف بالواو و لو كان هو أحدهما ليجب عليه‏بيانه بالعطف بأو كما انقدح ذلك في مقام دوران الأمر بين التعييني و التخييري‏من أقسام الواجب فكما يقال هناك بأنه لو كان متعلق الطلب هو أحد الأمرين‏لكان يلزم بيانه فكذلك هنا فدعوى الفرق بين ذاك المقام فيما إذا كان الشرطعلة و مؤثرا في الجزاء و بين ذلك المقام كما عن المحقق صاحب الكفاية(قدس سره)لا وجه لها و عهدة إثباتها على مدعيها كما أن دعوى عدم دلالة القضيةالشرطية على المفهوم في هذا المقام و أنها غير دالة على أن الشرط علة منحصرةمع تسليم كونه علة و مؤثرا كما عن هذا المحقق أيضا مما لا يمكنني إثباته‏نعم(دعوى أن)القضية قد لا يكون في مقام بيان أزيد من اللزوم و بيان أن‏الجزاء لا بد و أن يوجد في طرف وجود الشرط من دون معلوليته له لها مجال‏واسع كما ذكرنا و حينئذ فعدم دلالته على المفهوم واضح إذ على ذلك لا يكون‏المتكلم في مقام بيان مؤثرية وجود الشرط في وجود الجزاء لعدم تصديه‏لبيان كل ما له دخل في حكمه و يكون الحكم معلقا عليه بل غرضه صرف‏لزوم الإتيان بالجزاء في ظرف وجود الشرط و أنه واجب في وقت وجوده‏فليس في مقام بيان علة حكمه كي يؤخذ بإطلاقه و يحكم بأن المذكور علةله فقط لا المركب منه و من غيره و لا المردد بينه و بين غيره و لعمري ذلك‏ظاهر(و مما ذكرنا ظهر أن-ما أفاده سيد)أساتيذنا دام بقاؤه في المقام و في‏مفهوم الوصف من أن كل قيد أتى به المتكلم و كان دخيلا في الحكم يستفاد


38

منه المفهوم و يجعل الجملة ظاهرة فيه سواء كان شرطا للموضوع أو وصفاله إنما يصح في القسم الأول و هو في ما إذا كان المتكلم في مقام ليس المتكلم‏إلا بصدد بيان ثبوت الحكم حين تحقق الشرط من غير أن يكون بصددالتعرض لقيود الحكم و ما يكون مؤثرا فيه كما يمكن أن يدعى ذلك في كثيرمن القضايا الشرطية مثل إذا دخل الوقت فصل و إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه‏شي‏ء و إن جاءك زيد فأكرمه و غير ذلك من الموارد فانقدح عدم صحة دعوى‏ظهور القضية الشرطية في المفهوم بنحو الإطلاق و في كل مورد لم يدل على‏خلافه دليل و كيف ذلك و لازمه وقوع المنافاة بينه و بين قضية أخرى وقع‏فيها التصريح بلزوم الجواز في زمان وجود شرط آخر فتكون قضية مثل‏إن أكرمك زيد فأكرمه مثلا متنافية مع قضية إن جاءك زيد فأكرمه فإن‏القائل بالمفهوم يدعي ظهور الجملة الثانية في عدم وجوب الإكرام عند عدم‏المجي‏ء و ذلك مناف لظهور الجملة الأولى فلا بد و أن يكون المرجع حينئذإلى قواعد تعارض الظهورين مع أن فساد ذلك بمثابة لا يكاد يخفى و لا ريب‏في أن أهل العرف يحكمون عند صدور القضيتين من المتكلم بلزوم الإتيان‏بالفعل في كل من الموردين و أن المتكلم كان بصدد بيان لزومه عند تحقق‏من الشرطين و لم يكن بصدد بيان ما يكون الحكم معلقا عليه و يكون‏هو مؤثرا و دخيلا فيه و بزعمي أن من راجع إلى العرف يجد ما ذكرنا من عدم‏ظهور القضية الشرطية في المفهوم ما لم يحرز تصدي المتكلم لبيان كل ما له‏دخل في حكمه صدقا لا ينبغي التأمل فيه(و مما ذكرنا ظهر)ما في القول‏بدلالتها على المفهوم بالوضع من الوهن الجلي كيف و يلزم المجاز و رعايةالعلاقة في كل مورد قام القرينة على عدم دلالتها عليه مع أن المعلوم من حال‏أهل المحاورة و العرف أنهم يستعملون جميع القضايا الشرطية على وجه‏


39

واحد و نحو فارد و ذلك واضح لا ملزم لإطالة الكلام فيه نعم‏

(ينبغي التنبيه‏على أمور

الأول‏

)لا يخفى أن المراد من الحكم المنتفي بانتفاء شرطه على‏القول بالمفهوم إنما هو سنخ الحكم المذكور في القضية اللفظية إذا هو القابل‏للجعل و الرفع و الإثبات و النفي لا شخصه بداهة انتفائه عقلا بمجرد انتفاءموضوعه و لو ببعض قيوده نحو انتفاء العرض بانتفاء معروضه و لا معنى‏للبحث في ذلك(لا يقال)فعلى هذا لا يبقى مجال للبحث عن المفهوم أصلافإن المعلق على الشرط هو شخص الحكم المذكور في القضية و قد ذكرتم‏أن انتفاءه عقلي صرف و لا يمكن ثبوته بعد انتفاء قيد من قيود موضوعه لكي‏يبحث عن دلالة القضية على انتفائه و عدمها و أما سنخ الحكم فهو و إن كان‏للبحث عنه مجال إلا أنه غير معلق على الشرط كي يكون لتعليقه عليه دلالةعلى انتفائه بانتفائه و بالجملة فما هو قابل للبقاء و الانتفاء غير معلق على الشرطو المعلق عليه غير قابل لذلك فإنه(يقال)كلا بل المعلق عليه هو سنخ الحكم‏و لو كان الحكم مستفادا من الهيئة البعثية بذاته إن الهيئة البعثية موضوعةلجعل الفعل على عهدة الغير و حمل الغير إليه و يكون حكم الوجوب منتزعامن ذلك المعنى الكلي فالموضوع له للهيئة البعثية هو سنخ الحكم و تشخصه‏إنما يأتي من قيل الاستعمال و لا دخل له بالمستعمل فيه و ذلك واضح لا يعتريه‏ريب و كيف يمكن أن يقال إن المعلق على الشرط في مثل إن جاءك زيد فأكرمه‏هو شخص الوجوب الحاصل بنفس هذه الهيئة الشخصية مع أنه ليس إلا من‏قبيل استعمال اللفظ فيما يتوقف حصوله على نفس استعماله و هو كما ترى‏دوره واضح(ثم إنه ظهر)مما ذكرنا أن انتفاءه مثل الأوقاف و الوصايا و النذورو غيرها عن غير ما هو المتعلق لها من الأشخاص المأخوذة في صيغها بعنوان‏الشرط أو الوصف أو اللقب ليس من باب المفهوم أصلا حيث إن هذه المعاني‏


40

غير قابلة للجعل ثانيا لموضوع آخر غير ما جعلت له أولا و على ذلك فيكون‏انتقاؤها عن ذاك الموضوع بحكم العقل لا من جهة ظهورها في المفهوم كما ذكرنا

(الثاني)

أن القيود المأخوذة في المنطوق سواء كان في الشرط أو الجزاء يؤخذبها في المفهوم أيضا على القول به فيكون مفهوم إن جاءك زيد العالم يوم الجمعةفأكرمه يوم السبت مثلا إن لم يجئك زيد العالم يوم الجمعة فلا تكرمه يوم‏السبت فلا ينافي ذلك وجوب إكرامه في يوم الأحد أو غيره من الأيام‏غير يوم السبت و على هذا فلو كان الحكم مأخوذا في المنطوق على نحو الكل‏المجموعي لكان الحكم كذلك مأخوذا في المفهوم أيضا و كذلك لو كان عامااستغراقيا فمفهوم إن جاءك زيد فأكرم جميع العلماء بنحو الكل المجموعي‏هو إن لم يجئك فلا تكرم جميع العلماء على نحو الكل المجموعي و مفهوم‏إن جاءك زيد فأكرم كل واحد واحد من العلماء هو إن لم يجئك فلا تكرم كل‏واحد واحد منهم لما ذكرنا و كل ذلك مما لا إشكال فيه و إنما الإشكال في بعض‏صغريات هذه القاعدة كما وقع الخلاف و الإشكال بين إمامي التحقيق الشيخ‏محمد تقي و الشيخ مرتضى الأنصاري قدس سرهما في حديث إذا بلغ الماءقدر كر لا ينجسه شي‏ء في أن مفهومه هل هو إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‏ءبنحو الموجبة الجزئية أو ينجسه كل شي‏ء بنحو الموجبة الكلية فاختار الأول‏الأول و الثاني الثاني و تبعه المحقق النائيني(قدس سره)كما تبع الأول المحقق‏الحائري(قدس سره)و بعض أعاظم عصرنا دام بقاؤه(و هو القوي جدا فإن)دلالةالقضية الشرطية على المفهوم على القول بها ليست إلا بمعنى دلالتها على عدم‏وجود الحكم المذكور في المنطوق عند عدم وجود الشرط لا بمعنى دلالتهاعلى عدم وجود حكم استغراقي آخر في طرف المفهوم فليس مفهوم الحديث إلاعدم وجود حكم عدم تنجيس الماء بشي‏ء الذي هو الحكم في المنطوق عند


41

عدم بلوغه قدر كر و أما تنجسه بكل شي‏ء فهو محتاج إلى دليل يثبته غير ظهورالحديث و انحلال الحكم المذكور في المنطوق إلى أحكام تفصيلية بعددموضوعه متعلق كل واحد منها على وجود الشرط غير مسلم هنا و لو قلنا بالانحلال‏في موقعه فإن الاستغراق في حكم المنطوق إنما يكون بقرينة وقوع النكرةفي سياق النفي من غير احتياج إلى القول بالانحلال بل ليس هنا من باب‏الانحلال في شي‏ء كما يظهر بأدنى التفات فوجود الاستغراق في حكم المفهوم‏أيضا محتاج إلى دليل عليه من وضع أو قرينة و من المعلوم عدمه و بالجملةفلا ينبغي الريب في أن أهل العرف لا يحكمون بكلية الحكم في طرف المفهوم‏و لا يستظهرون ذلك من المنطوق أصلا و هل يكون المستفاد من مثل إذا كان‏معك فلان فلا تخف أحدا وجود الخوف من كل شخص عند عدم وجود الفلاني‏لا سبيل إلى دعوى ذلك قطعا و بزعمي من تأمل في ذلك يقطع بما ذكرنا و لوقيل بالانحلال كيف و قد استشكلنا عليه في محله مشروحا

(الثالث)

إذاتعدد الشرط و اتحد الجزاء فعلى القول بظهور الجملة الشرطية في المفهوم لا بدمن ارتكاب أحد أمور إما تقيد الشرط في كل من القضيتين بوجود الآخر بنحوالعطف بالواو ليكون الشرط في الحقيقة مجموع الأمرين فينتفي الحكم‏بانتفاء أحدهما أو تخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر و الالتزام بأن‏الشرط و المؤثر في الحقيقة هو الجامع الموجود في كل من الشرطين أو تقييدمنطوق كل منهما بإثبات العدل له بنحو العطف بأو فيكون الشرط في المفهوم‏عدم أحدهما كما كان الشرط في المنطوق وجود أحدهما أو رفع اليد عن‏كلا المفهومين رأسا(و لا يخفى ما في الوجه)الثاني من الإشكال من جهة أن‏المفهوم يتبع ظهور المنطوق فهو في الإطلاق و التقييد و العموم و الخصوص‏يكون ملحوظا تبعا فلا يمكن التصرف في نفسه استقلالا و مع عدم التصرف‏


42

فيه يرجع إلى الوجه الرابع كما لا يخفى و كذا الوجه الخامس لما فيه من‏رفع اليد عن كلا الظهورين بلا وجه يوجبه(و أما الوجه الثالث)فمع عدم‏صحته في نفسه من عدم مساعدة نظر العرف له و بعد حمل الروايات على مثل‏ذلك من الدقائق الفلسفية لا يتم فيما إذا لم يكن جامع بين الشرطين و على‏ذلك فالباقي من الوجوه هو الوجه الأول و الرابع و لكن يرد على الوجه‏الرابع بنظري القاصر إشكال و هو أن اثنينية القضية الشرطية الظاهرة في‏التعليق على القول بأنها ذات مفهوم لا تكون إلا مع تعدد المعلق عليه و اثنينيته لوضوح‏أن تعدد التعليق لا يجتمع مع وحدة المعلق عليه و من المعلوم أن الشرط إذاكان متقيدا بالتردد بينه و بين عدله بنحو العطف بأو لا يكون المعلق عليه‏بنظر العرف و العقل إلا أحد الأمرين لا كل منهما كما هو لازم تعدد القضيةالشرطية و اثنينية التعليق و بالجملة فكون المعلق عليه هو أحدهما لا يصح‏إلا مع وحدة القضية الشرطية لا تعددها كما هو المفروض في محل البحث‏و ليت شعري و هل يحكم العرف فيما إذا تعدد التعليق المنكشف تعدده‏بتعدد الكاشف الذي هو نفس القضية الشرطية بأن المعلق عليه هو أحد الأمرين‏المذكورين في القضيتين فلاحظ ما إذا علق المولى إكرام زيد في قضيةبمجيئه و علقه في أخرى بشي‏ء آخر مثل إكرامه العبد فهل يحكم العرف‏بوجوب الإكرام عند تحقق أحد الأمرين و لو كان المعلق عليه هو ذلك فتعددالتعليق لما ذا هل لا يشك أحد في أن الشرط إنما هو كل منهما و لذا لو كان الحكم‏المستفاد من قضية مختلفا مع الحكم المستفاد من أخرى يحكم بتعدد الشرطبلا إشكال نعم حيث كان كلتا القضيتين بصدد بيان حكم واحد كما هو المفروض‏في المقام فيما إن تعلقه على آخر و لا يمكن أن يكون الحكم الواحد معلقاعلى أمرين مختلفين يحكم العرف بأن المعلق عليه إنما هو مجموع الأمرين‏


43

و ملخص الكلام أن المعلق عليه إذا كان هو أحد الأمرين فلا محالة ينافيه‏ظهور كل من القضيتين بخلاف ما إذا كان مجموعهما فإنه لا ينافيه‏إلا إطلاقه و هو إنما يكون مع تمامية مقدماته التي منها عدم وجودالقرينة على الخلاف و هي هنا موجودة حيث إن كلا من القضيتين قرينةعلى أن المعلق عليه في الآخر إنما هو الشرط المذكور فيه مقيدا باجتماعه‏مع صاحبه و بالجملة فلا ينبغي الريب في أن مقتضى الجمع بين القضيتين‏الواردتين في مقام التعليق بنظر العرف هو ذلك فلا يحكمون بوجود الجزاءإلا مع اجتماع كلا الشرطين و تحققهما نعم إذا كانت القضية واردة في مقام‏بيان صرف الملازمة فبتعددها يحكمون بوجود الجزاء عند تحقق كل‏من الشرطين من غير وجود تناف بين القضيتين كما تقدم الكلام في ذلك‏آنفا لكنه غير ما هو محل الكلام هنا ثم«لو أغمض عن جميع»ما ذكرنا فلاأقل من احتمال أن يكون الجمع بينهما بهذا النحو و حيث لا وجه لتقدم الجمع‏بينهما بنحو الوجه الرابع على هذا الوجه و ليس للجملة ظهور في الوجه الرابع‏بنظر العرف و لا بد من الاحتياط بالحكم بترتب الجزاء عند إحراز تحقق كلاالشرطين فيكون في النتيجة مثل الوجه الأول فلا تغفل و تأمل‏

(الرابع)إذاتعدد الشرط و اتحد الجزاء

و قلنا بأن كل شرط مستقل في ترتب الجزاء عليه‏أو ثبت من دليل خارجي ذلك فهل القاعدة تقتضي تداخل الشروط في التأثيرفيكون أثرها واحدا أو تقتضي تأثير كل منها أثرا مستقلا و إن شئت عبر عن‏ذلك بتداخل الأسباب و عدمه ثم بعد الفراغ عن هذا النزاع و القول بعدم‏تداخل الشروط يبقى في البين نزاع آخر و هو أن القاعدة هل تقتضي جوازامتثال جميع التكاليف التي كل منها أثر لشرط مستقل بفعل واحد أو لا يجوزذلك بل لا بد من امتثال كل تكليف بفعل غير ما يمتثل به تكليف شرط غيره‏


44

و قد عبر عن ذلك بتداخل المسببات و عدمه فهنا مقامان(أما المقام)الأول‏فالتحقيق فيه يقتضي القول بالتداخل‏1

«فصل في مفهوم الوصف»

و قبل‏الخوض في البحث فيه يذكر(أمران)

الأول‏

أن النزاع إنما هوفي الوصف المعتمد على الموصوف و أما الوصف الغير المعتمدفلا وجه لدلالته على المفهوم نظير اللقب فإن إثبات حكم الموضوع‏لا يدل على نفيه عن غيره سواء كان الموضوع جامدا أو مشتقا و لا فرق بينهماإلا في جعلية المبدإ في الأول دون الثاني و من المعلوم أن مجرد الجامديةو الاشتقاق لا يوجب الفرق فيما هو المهم هنا

«الثاني»

لا ريب في جريان‏النزاع فيما إذا كان الوصف أخص من موصوفه أو كان أعم منه من وجه و كان‏الافتراق من جانب الموصوف و أما إذا كان الافتراق من جانب الوصف أو من‏جانبيهما معا فلا وجه للنزاع فيه أصلا فإن النزاع في الدلالة على المفهوم‏و عدمهما إنما يصح فيما إذا كان موضوع الحكم باقيا مع انعدام وصفه و قيده‏فيقال إن الحكم حيث إن ثبوته لموضوعه مقيدا بالوصف هل يدل على انتفائه‏عند انتفاء قيده أو لا و أما إذا كان الموضوع متعديا كما في هذين الموردين‏فلا إشكال في انعدامه بداهة انعدام الحكم بانعدام موضوعه فمثل قوله عليه السلام‏في الغنم السائمة زكاة لا يدل على عدم وجوبها في الإبل السائمة و لا عليه‏في الإبل المعلوفة بلا إشكال إلا إذا استفيد من الخارج عليه السوم لوجوب‏الزكاة مطلقا و أن الحكم يدور مداره و لكن ذلك ليس من دلالة مفهوم‏الوصف في شي‏ء كما لا يخفى و مما ذكرنا انقدح جريان النزاع فيما كان الوصف‏أعم من الموصوف أو مساويا معه أيضا(إذا عرفت هذين الأمرين فالحق عدم‏دلالة)تقييد الموضوع بالوصف على المفهوم أصلا لا وضعا و لا من جهة قرينة عامةأما عدم دلالته عليه وضعا فواضح إذ لو دل عليه للزم المجازية فيما لم يكن له‏1لا يخفى عليك أني لم أجد في جزواته تفصيل المقام الأول و الثاني و سألحقه في‏آخر الكتاب إن شاء اللّه‏


45

مفهوم و من المعلوم ضرورة خلافه و أما عدم دلالته إطلاقا فلأجل أن الدلالةعلى المفهوم كذلك إنما يكون فيما إذا كان القيد راجعا إلى الحكم و كان الحكم‏مقيدا به فيقال لو لا انتفاء الحكم بانتفائه لما صح تقييده به فإن تقيد شي‏ء بشي‏ء يستدعي‏انعدامه بانعدامه و أما إذا لم يكن الحكم مقيدا و كان القيد راجعا إلى موضوع‏الحكم أو متعلقه فهو لا يقتضي أزيد من تضييق موضوع شخص الحكم مثل‏أن يعبر عن هذا الضيق بلفظ مفرد فكما أن المستفاد من قضية جئني بعالم‏ليس إلا تخصص موضوع الحكم بخصوصية العالمية من غير أن يكون في البين‏حكم سلبي يكون موضوعه غير العالم من الرجال فكذلك قضية جئني برجل‏عالم فإن ثبوت حكم لموضوع خاص مضيق لا يستلزم نفيه عن غيره فلاحظالعرف فهل يفهمون من جملة أكرم الرجل العالم أن سنخ وجوب الإكرام‏لم يجعل لغيره من الرجال المتصفين بصفات أخر مثل الزاهد و المتقي وغيرهما لا أظنك أن تتخيل ذلك كما لا يتخيل دلالة اللقب و اللفظ المفردعليه نعم غاية ما يستفاد من هذه الجملة اختصاص ما تتضمنه من الطلب و البعث‏الفعليين بالعالم و عدم شموله لغيره من الرجال و بزعمي ذلك واضح ثم‏إن هنا إشكالات قد ذكرها القائلون بالمفهوم و منشأ جميعها الخلط بين‏شخص الحكم و سنخه المبحوث عنه في المقام فلا مجال لذكرها بعد وضوح‏ما فيها من الإشكال و الكلام‏

(فصل)في مفهوم الغاية و فيه بحثان‏

الأول في دخول‏الغاية في المعنى‏

و خروجها عنه و الحق في ذلك خروجها فإن الظاهر من جعل‏شي‏ء غاية هو أن أول وجودها نهاية للمعنى أو حد له فينتفي المحدود ببلوغه ولو كانت داخلة فيه لما كانت غاية و نهاية له بل تكون لا محالة من أجزائه ويكون الحد و الغاية ما يقع بعدها و بالجملة فجعل شي‏ء غاية لشي‏ء مع دخوله‏فيه خلاف الظاهر و بزعمي أنه يتضح ذلك بالمراجعة إلى الاستعمالات‏


46

العرفية

الثاني أنها هل تدل على انتفاء الحكم عما بعدها أو لا

«و التحقيق»فيه‏أن الغاية قد تكون غاية للمطلوب أو لموضوعه فيكون المطلوب أو موضوعه‏ممتدا من زمان إلى زمان فالغاية حينئذ تكون مثل الوصف مشخصة لمغياه سواءكان المعنى معلقا للحكم أو موضوعا فبانتفائها ينتفي موضوع الحكم الموجب‏انتفاؤه لانتفاء شخص الحكم و قد عرفت أن انتفاء شخص الحكم ليس من‏باب المفهوم في شي‏ء ففي مثل صم إلى الليل إذا كانت الغاية للمتعلق إنمايؤتى بالغاية لأجل تشخص الإمساك المطلوب و لبيان أن متعلق البعث الفعلي‏هو الإمساك الممتد إلى الليل لا طبيعة الإمساك كيف ما اتفقت و قد تكون غايةللحكم و البعث في هذا القسم يكون ممتدا إلى زمان تحقق الغاية لا محالة ففي‏المثال المزبور إذا كانت الغاية غاية للحكم يكون الطلب ممتدا إلى الليل‏و يكون المطلوب هو طبيعة الإمساك بما هي هي و حينئذ فينتفي الطلب ببلوغ غايته‏و يدل بالمفهوم على انتفاء الطلب عما بعدها و إلا يلزم أن لا يكون الغاية غايةكما هو واضح إلى النهاية هذا بحسب الثبوت و أما بحسب الإثبات فالإنصاف عدم‏وجود ضابط في البين ليتمزنه كل من القسمين بل لا بد من ملاحظة كل موردبخصوصه ثم الحكم بما يقتضيه«و ما يقال»من أن الطلب إن كان مستفادا من‏الهيئة فالغاية تكون غاية للمتعلق و إن كان مستفادا من‏المادة فمع ذكر المتعلق يكون كذلك و إلا فهي غاية للحكم أو الموضوع‏فمنقوض بمثل قوله تعالى و لا تقربوهن حتى يطهرن و قوله فكلوا و اشربوا حتى يتبين‏لكم الخيط الأبيض فإنه لا يصح فيهما أن يكون الغاية غاية للمتعلق‏إذ لا معنى لحرمة المقاربة الممتدة إلى الطهر و إباحة الأكل‏و الشرب المنتهين إلى التبين بل لا بد فيهما من إرجاع الغاية إلى الحكم كماأن مع ذكر المتعلق أيضا قد تكون راجعا إليه لا إلى المتعلق كما يقال‏يجب الفعل الكذائي إلى زمان مجي‏ء زيد مثلا و بالجملة فتعيين الضابط


47

في المقام مما لا يمكننا تتمة و مما يدل على المفهوم دلالة واضحة كلمة إلا الاستثنائيةفإنها موضوعة لربط المستثنى بالجملة الواقعة قبلها و لأجل ذلك يحصل‏للكلام خصوصية تستتبع اتصاف المستثنى بنقيض حكم المستثنى منه و وجه‏دلالته عليه التبادر القطعي الحاصل عند من له أدنى اطلاع بالقواعد العربيةفضلا عمن هو من أهل اللسان«فانقدح»أنه لا حاجة إلى تكلف الاستدلال‏بأن كلمة لا إله إلا اللّه موضوعة للتوحيد و لو لا دلالتها على المفهوم لما كانت‏دالة عليه و إن كان أصل الاستدلال بذلك متينا جدا و دعوى أن دلالته عليه‏لعلها كان بالقرينة كدعوى كونها من باب التعبد باطلة قطعا و بعيدة لايعتنى بها و الإشكال على دلالة لفظها عليه بأن الخبر المقدر إما موجودو إما ممكن و على أي تقدير فلا يدل على التوحيد سخيف جدا فإن إمكان‏وجود الواجب يستلزم وجوده كما أن عدم إمكانه يستدعي امتناعه هذا مع‏أن تقدير الموجود و نفي وجود وجود الآلهة سواه تبارك و تعالى يكفي في كون‏الكلمة للتوحيد و نفي الشرك فافهم ثم لا يخفى أن دلالة مثل كلمة إنما على‏الحصر ليس من باب المفهوم كما يتراءى من بعض الكلمات بل هي بالوضع وتكون من الدلالات المنطوقية كما يظهر ذلك بأدنى تأمل‏

المقصدالرابع في العموم و الخصوص‏

و قبل بيان الفصول التي لا بدمن البحث فيها يقدم أمور

الأول لا يخفى أن الدوال على العموم على أقسام‏

فمنها ما يدل عليه بالوضع كلفظة كل و ما يرادفه في سائر اللغات مثل همه وتمام و هو في اللغة الفارسية و كلفظة جميع و أجمع و أكتع و توابعها و مهماو حيثما فإن هذه الألفاظ تدل بالوضع على عموم مدخولها و استغراقه سواءكان المدخول مطلقا أو مقيدا بقيد واحد أو بقيود كثيرة(و الحق القوي‏في هذا القسم)عدم احتياجه إلى قرينة الحكمة في إفادته العموم فإن لفظة


48

كل مثلا وضع لبيان استغراق مدخوله و بيان أنه مأخوذ لا بشرط من غير دخل‏لشي‏ء من خصوصيات أفراده فيه فإذا قيل كل رجل كذا فلفظ كل يدل على أن‏موضوع الحكم هو هذه الطبيعة من دون دخل لخصوصية من خصوصيات‏أفراده فيه فإذا قيل كل رجل كذا فلفظ كل يدل على أن موضوع‏الحكم هو هذه الطبيعة من دون دخل لشي‏ء من خصوصيات‏أنواعها فيه من العدالة و التقوى و الفقاهة و العلم و الغنى و الفقر و غيرها فإذادخل لفظة كل على طبيعة فهي تدل بالوضع على عدم اعتبار قيد في تلك‏الطبيعة المدخولة زائدا عما ذكر معها من القيود و على ذلك فهي بنفسها دليل‏على عدم اعتبار القيد و بيان له و دلالة قرينة الحكمة إنما هي من جهة عدم‏البيان و عدم وجود دليل يدل على اعتبار القيد فيها فكم من المرحلة بين‏دلالة المقام و دلالة قرينة الحكمة هذا و قد بينا في محله أن دليل الإطلاق‏إنما هو فعل المتكلم و قضيته أنه لم يبين قيدا في موضوع حكمه مع كونه‏في مقام البيان و هذا بخلاف ظهور مثل كل رجل فإن ظهوره في عدم اعتبارقيد في موضوع الحكم قولي و لذا يحتج العبد على مولاه هناك بظهور الفعل‏و عدم البيان و هنا بظهور القول و بيان العدم و بالجملة فهذه الألفاظ الموضوعةللعموم إذا دخل واحدة منها على طبيعة سواء كانت تلك الطبيعة مطلقة أوكانت مقيدة و لو بقيود كثيرة فقضية دلالتها الوضعية عدم اعتبار قيد في مدخولهاسوى ما جي‏ء به في اللفظ و لا نحتاج في إفادة ذلك إلى قرينة الحكمة أصلا و(منها)ما يدل على العموم بحكم العقل لا بدلالته اللفظية و ذلك مثل النكرةالواقعة في سياق النفي و النهي بل مطلق الطبائع المتعلقة لأحدهما فإن‏العقل يحكم بعدم انعدام الطبيعة إلا بانعدام جميع أفرادها إذ مع وجودفرد منها لا تكون الطبيعة معدومة لا محالة بل تكون متحققة بتحقق ذاك الفردكما هو واضح و الحق احتياج هذا القسم في إفادة العموم إلى قرينة الحكمةحيث إنه لا يدل على العموم بالوضع كي لا يحتاج فيه إلى القرينة فإن دلالته‏


49

بالوضع إنما هي على صرف النفي أو الزجر و النهي و أما انتفاء الطبيعة رأساو عدم تحقق فرد من أفرادها في الخارج فهو بحكم العقل و معلوم أن حكم‏العقل بذلك لا يكون إلا بعد إحراز موضوعية نفس الطبيعة للحكم من غيراعتبار شي‏ء من خصوصيات أفرادها فيها و طريق إحراز ذلك ينحصر في مقدمات‏الإطلاق كما هو واضح(و منها)ما لا يكون له الدلالة على العموم أصلا إلا في‏مقام تمت فيه مقدمات الإطلاق و ذلك كالجمع و المفرد المحليين باللام بداهةأن اللام إنما يؤتى به للتزيين و لا يكون نفس الجمع و المفرد إلا موضوعالما يدل عليه الخالي عن اللام و قد بينا في محله أنه لا وضع للمركبات زائداعلى وضع المفردات و قد انقدح من ذلك الحال في سائر ما ادعي دلالته على‏العموم كالجمع و المصدر المضافين‏

(الأمر الثاني)

أنه ينقسم العام باعتبارموضوعيته للحكم إلى استغراقي و مجموعي و بدلي فإن العام قد يكون كل‏واحد من أفراده موضوعا مستقلا للحكم من غير دخل لموضوعيته الآخرفيه كما قد يكون مجموع أفراده أو واحدا منها منتشرا فيها كذلك(فالأول)استغراقي و الثاني مجموعي و الثالث بدلي و ما يقال من أن القسم الثالث‏ليس من العام في شي‏ء بل هو من المطلق البدلي حيث إن موضوع الحكم‏في هذا القسم هو الفرد الواحد المنتشر و لا عموم لها أصلا و إن كان نفس‏البدلية لها عموم فمندفع بأن العموم و البدلية في هذا القسم مستفاد من لفظخاص يكون موضوعا لإفادتهما و هذا بخلاف المطلق البدلي فإن العموم فيه‏يحتاج إلى قرينة الحكمة فلاحظ الفرق بين مثل أكرم أي عالم شئت و مثل‏أكرم عالما و الفرق واضح لا يكاد يخفى‏

الأمر الثالث‏

القضية و إن كان‏لها أقسام كثيرة لا يهمنا التعرض لها إلا أنه لا بأس بذكر بعض ما ينفع‏في المقام من الأقسام(فمنها)القضية الطبيعية و هي ما يكون الموضوع فيها


50

نفس الطبيعة المأخوذة بالنسبة إلى الوجود الخارجي بشرط لا مثل القضيةالإنسان نوع و الموضوع في هذا القسم لا يكاد يتصف بالعموم أصلا و منهاالقضية الحقيقية و هي ما يكون الموضوع فيها هو الطبيعة السارية إلى الأفرادبحيث لو فرض وجود شي‏ء في الخارج يكون مصداقا لموضوع القضية لكان يتعدى‏إليه الحكم و لكان محكوما بالحكم الوارد فيها و ذلك لأن الطبيعة مأخوذةفي هذا القسم فانية في جميع أفرادها المحققة و المقدرة و مرآة لها فلا محالةيكون الأفراد محكومة بحكمها مثل قضية الخمر حرام(و منها)القضيةالخارجية و هي ما يكون الموضوع فيها نفس الأفراد الخارجية من دون وساطةأخذ الطبيعة مشيرة إليها أصلا سواء كان هناك جامع بين الأفراد مثل قتل‏من في العسكر أو لم يكن مثل أكرم هؤلاء و لا يخفى أن فرض العموم إنمايتصور في هذين القسمين و لكن مصب العموم في القسم الأول منهما هو الطبيعةو في الثاني نفس الأفراد و لذلك يكون التخصيص في الأول غالبا عنوانيابل لم يوجد التخصيص الأفرادي فيها إلا في قضية واحدة و هي رفع الحد عن المقر عندأمير المؤمنين عليه السلام باللواط و هذا بخلاف الثاني فإن التخصيص فيه غالباأفرادي‏

(فصل)الحق حجية العام المخصص فيما بقي في تحته من الأفراد

و ذلك لأن‏العام لا يخرج بالتخصيص عن كونه مستقلا في معناه الموضوع له كي يقال بصيرورته‏مجملا و وجه ذلك في التخصيص بالمتصل ظاهر فإن دائرة العام يكون فيه من أول‏الأمر ضيقا إذ لم يستعمل لفظ العموم فيه ابتداء إلا في شمول ما بقي تحته‏من المقدار بعد التخصيص و لم يكن مستعملا في شمول جميع الأفراد كي‏يصير استعماله في المقدار الباقي بعد التخصيص مجازا فلفظة كل في مثل‏كل عالم عادل كذا لم تستعمل إلا فيما استعملت فيه في مثل كل عالم بدون التقيدضرورة أنها موضوعة لشمول أفراد مدخولها سواء كان المدخول مطلقا


51

أو مقيدا و من المعلوم أنها في المثال الأول أيضا تكون مستعملة في هذا المعنى‏و مجرد كون المدخول ضيقا أو وسيعا لا يوجب الفرق فيما يستعمل فيه هذه‏اللفظة فالمستعمل فيه لها في كل من المثالين يكون هو الموضوع له أولابلا تفاوت و أما نفس المدخول فلا ينبغي الريب في عدم لزوم المجازية فيه أصلافإن لفظ العالم في المثال الأول لم يستعمل إلا فيما يستعمل فيه في المثال الثاني‏و التقييد بالعدالة إنما يفهم من لفظ آخر يكون موضوعا لإفادته كما لا يخفى‏و قد تبين في محله أنه لا وضع للمركبات زائدا على وضع المفردات(هذا كله‏فيما إذا كان المخصص)من قبيل الأوصاف و القيود(و أما إذا كان)من قبيل‏الاستثناء فبيان ذلك فيه يظهر بالبيان في المخصص المنفصل(و ملخصه أن‏الألفاظ)كلها وضعت بداعي تفهيم معانيها التي وضعت تلك الألفاظ لإفادتها ولا ريب في أن تقوم الاستعمال إنما هو بالإرادة الصورية الإنشائية التي يتحقق‏بمطابقة المراد بتلك الإرادة مع الموضوع له و عدم مطابقته معه الحقيقةو المجاز فاللفظ إن كان استعماله بداعي تفهيم معناها الموضوع له للمخاطب‏و كان إلقاء اللفظ إلى المخاطب بذاك الغرض فلا محالة يكون استعماله بنحوالحقيقة سواء كان المعنى مرادا بالإرادة الجدية أو لم يكن نعم بناء العقلاءيكون على مطابقة الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية فيما إذا كان المتكلم‏بصدد البيان على نحو طريق أهل المحاورة و لم يكن خارجا عن طريقهم‏و بالجملة فالحقيقة و المجاز إنما يدوران على تطابق المراد بالإرادة الاستعماليةمع الموضوع له و عدم تطابقه لا على تطابق المراد بالإرادة الجدية معه كما هو ظاهر(ثم إذا اتضح ذلك فنقول لا يخفى على من راجع)وجدانه أنه لا يستعمل العام في‏العمومات المخصصة بالمخصص المنفصل إلا في معناه الموضوع له الذي هو بيان‏عموم جميع أفراد مدخوله و لا يراد منه بالإرادة الاستعمالية إلا هذا المعنى و


52

ذكر الخاص بعده إنما هو لتخصيص المراد الجدي و لبيان أن العموم لم يكن‏مرادا فيه إلا بالإرادة الصورية التفهيمية و لا ريب في أن هذا طريق جميع أبناءالمحاورة في استعمالاتهم سيما من كان منهم بصدد جعل القاعدة و القانون‏فإن واضع قانون الاستخدام مثلا إنما يحكم أولا بنحو الكلية و العموم و إن‏كان بعض أفراد العام خارجا عن تحت مراده الجدي فالذي يستعمل فيه لفظالعام أولا إنما هو العموم الكلية و لو سئل عنه بأن هذا اللفظ هل جي‏ء به‏لتفهيم العموم و الشمول ليجيبن بأنه و هل يجاء به إلا لتفهيم ذلك المعنى و بيانه‏بل يمكن أن يقال إنه لا مناص للمتكلم في بعض الموارد عن اختيار هذا الطريق‏لإفادة مطلوبه مثل ما لو فرض ترتب مفسدة على ذكر الخاص حين التكلم‏بالعام أو ترتب مصلحة على بيان مراده بنحو العموم فإنه لا بد للمتكلم حينئذ من‏ذكر مطلوبه بصيغة العموم بمراد جدي و بالجملة فلفظ كل و أخواتها مما هوموضوع للعموم إنما يؤتى به لتفهيم معناه الموضوع له و يكون هذا المعنى‏مرادا منه بالإرادة التفهيمية الإنشائية و لو لم يكن مرادا بالإرادة الجدية ولا يكون ذكر الخاص منفصلا إلا لبيان ما هو مراد بالإرادة الجدية من غير أن‏يوجب ذلك تجوزا في لفظ العام أصلا كما لا يخفى و قد انقدح بذلك حال ماإذا كان المخصص المتصل من قبيل الاستثناء فتدبر جيدا(و من جميع ماذكرنا ظهر الوجه)فيما اخترناه من حجية العام في ما بقي تحته من الأفرادفإنه بعد ما اتضح من عدم استلزام تخصيصه لمجازيته يكون ظاهرا في معناه‏الحقيقي الذي هو العموم و شمول جميع الأفراد و لا ريب في أن بناء العقلاء على‏الأخذ بظهور الكلام لكاشفيته عندهم عن المراد الواقعي ما لم تقم على خلافه‏حجة أقوى منه و المفروض انتفاؤه بالنسبة إلى الباقي فيكون الظهور حجةبالنسبة إليه و متبعا عندهم هذا في المنفصل(و أما في المتصل فالأمر)واضح‏


53

إذ الظهور فيه منعقد بالنسبة إلى الباقي من أول الأمر و يكون حجة في جميع‏أفراد موضوعه بلا كلام ثم(لا يخفى أنه لو أغمضنا)عن هذا الوجه و قلنا بلزوم‏المجازية في تخصيص العام بالمنفصل فلا محالة يخرج العام عن الحجيةفي الباقي لصيرورته بالتخصيص مجازا فيكون مجملا بين الباقي و بين سائرالمراتب مما جاز انتهاء التخصيص إليه و يمكن استعمال العام فيه مجازا و لاقرينة في البين تعين الباقي منها و المخصص ليس إلا قرينة صارفة جي‏ء بهاللدلالة على خروج بعض أفراده منه حكما لا للدلالة على تعيين الباقي من‏بين المراتب(كما لا يخفى و لا يجدي في دفع)هذا الإشكال ما أفاده الشيخ‏العلامة الأنصاري(قدس سره)من أن المجاز اللازم هنا على القول به غير المجاز في‏مثل رأيت أسدا إذا أريد منه الرجل الشجاع فإن المجازية هنا إنما هي من‏جهة خروج بعض أفراد العام من تحته لا من جهة استعماله في معنى يباين‏ما وضع له أولا كما هي كذلك في المثال فاحتياج الاستعمال المجازي في‏المثال إلى قرينة معينة للمعنى المستعمل فيه لا يوجب احتياجه هنا أيضا إليهابل يكفي هنا في استعمال العام مجازا في الباقي بعد التخصيص عدم إناطةدلالته على شمول الحكم لبعض الأفراد بدلالته على شمول الحكم لفرد غيرمنوطة بدلالته على شموله لفرد آخر فبخروج بعض الأفراد من تحته لا يخرج‏الباقي عنه و لا يحتاج استعماله فيه إلى قرينة أخرى لعدم كونه مباينا مع ماوضع له أولا بل يكون فيه قيام القرينة على خروج ما عداه عن تحته(و ذلك)لأن آلات الضمنية التي لا يكون بعضها منوطا ببعض آخر إنما تحصل بعداستعمال لفظ العموم فيما وضع له أولا الذي هو استغراق جميع أفراد مدخوله‏فتنحل حينئذ الدلالة الواحدة الأصلية إلى دلالات كثيرة ضمنية و أما بدونه فلاشمول في البين كي يكون هو لبعض الأفراد غير منوط به لبعض آخر و المفروض‏


54

هنا عدم استعمال اللفظ في معناه الموضوع له و عدم دلالته عليه بدلالة واحدةكي تنحل هذه الدلالة إلى دلالات متكثرة و أن اللفظ مستعمل في مفهوم‏آخر فهذا المفهوم المستعمل فيه اللفظ إن كان هو البعض فلا ريب في أنه‏متباين مع الموضوع له مع أن مفهوم البعض مشترك في جميع المراتب فتعين‏الباقي من بينها ترجيح بلا مرجح و إن كان هو العموم و الشمول بشرط خروج‏البعض و قد كان الموضوع له هو الشمول بشرط عدم الخروج فمن الواضح‏مباينة المعنيين نحو مباينة المقيدين بقيدين مختلفين هذا مضافا إلى انحفاظمفهوم الشمول في جميع المراتب كما قلنا في مفهوم البعض هذا إذا كان قيدالشرطية مأخوذا في الموضوع له لا في نفس الوضع و إلا فهو خلاف المفروض‏لعدم صيرورة الاستعمال حينئذ مجازا أصلا كما لا يخفى(و قد اتضح)بذلك مافي كلمات المحقق النائيني(قدس سره)هنا في مقام تأييد ما أفاده الشيخ‏الأنصاري فراجع‏

فصل إذا كان المخصص مجملا بحسب المفهوم فهل يسري إجماله‏إلى العام أم لا

و الحق أن يقال نعم من غير فرق بين أن يكون المخصص متصلاأو منفصلا و سواء كان الإجمال من جهة تردده بين المتباينين أو من جهة تردده‏بين الأقل و الأكثر خلافا لكثير من الأعلام قدس أسرارهم في الأخير مما إذاكان المخصص منفصلا و وجه ما اخترناه في غير هذا القسم واضح فإن المخصص‏المتصل إذا كان مجملا فهو و إن كان لا يضر بالدلالة التصورية للعام الحاصلةقهرا عند سماع اللفظ لمن كان عالما بالاصطلاح إلا أن الدلالة التصديقيةعلى ما أراده المتكلم في نفسه الحاصلة من مجموع الكلام بعد ضم بعض‏أجزائه إلى بعض لا تحصل مع فرض إجمال ما هو قرينة في الكلام و لا ينعقدللكلام ظهور حينئذ من أول الأمر(و كذا إذا كان المخصص المنفصل دائرا)


55

بين المتباينين فإن موضوع حكم العام و إن كان في مرتبة ظهوره التي هي مرتبةملاحظة العام في نفسه ظاهرا في العموم بلا إشكال إلا أنه في مرتبة حجية العام‏حيث يكون معنونا بعنوان غيريته لموضوع الخاص المفروض إجماله يكون‏في مقام الدلالة التصديقية مجملا من جهة إجمال عنوانه الحاصل إجماله‏من جهة إجمال موضوع الخاص على ما هو المفروض و أما القسم الأخير الذي‏هو فرض تردد موضوع المخصص المنفصل بين الأقل و الأكثر فوجه ما اخترناه‏من إجمال العام فيه أيضا هو أن المتكلم إذا كان ممن من عادته الاعتماد على‏القرينة المنفصلة مثل المقننين و الجاعلين للأحكام على طبق مقتضياتها فلامحالة لا يكون موضوع العام في مرتبة الظهور عند العقلاء مأخوذا به و حجةإلا بعد مجي‏ء القرينة المنفصلة و ملاحظة ما يقتضيه جمعها مع العام و ضمهاإليه مثل القرينة المتصلة و قد بينا أن موضوع العام بعد جمعه مع موضوع‏حكم الخاص و ما هو محكوم في نظر المولى بخلاف حكم العام يكون معنونابعنوان الغيرية مع موضوع حكم الخاص فبما أن موضوع حكم الخاص يكون‏مجملا في نظر العقلاء يكون عنوان موضوع حكم العام عندهم كذلك و مايقال من أن حجية الخاص إنما هو بالنسبة إلى الأقل فلا يعارض مع حجيةالعام فيما هو ظاهر فيه من العموم بالنسبة إلى الزائد على مقدار الأقل فهوجملة يقال بها في مقام الجمع بين الحجتين المختلفتين لا في مثل العام و قرينتيه‏اللذين هما بنظر أهل العرف حجة واحدة فإنهم إذا سئلوا عن موضوع حكم‏العام و ما يكون محمولا عليه بخطاب أكرم مثلا في نظر المولى بعد عرض‏القرينة المجملة عليهم ليحكمن جدا بإجماله و عدم وضوح المراد منه و ليس‏للعام في لحاظ ذاته حجية ثابتة لا ترفع اليد عنها إلا بحجة فعلية أقوى منهاكي يكون مجال بهذا المقال بل تنقلب حجيته بعد مجي‏ء الخاص عما كانت‏


56

عليه من العموم فانظر إلى العقلاء هل يحكمون في مقدار الأكثر المردد بين‏أن يكون مقطوع الدخول في موضوع حكم العام و بين أن يكون مقطوع‏الدخول في موضوع حكم الخاص بأنه داخل في حكم الخاص و مشمول له‏و يحتجون على المولى بذلك أم يكون للمولى حجة على عبده بعد جعل الفردالمشكوك مثل متيقن الدخول في الحكم و لعمري ما ذكرناه واضح إلى‏الغاية و يكون للمتأمل غنى و كفاية

ثم إن هنا أمورا يجب التنبه إليها

(الأمرالأول)إذا شك في فرد أنه هل هو من أفراد المخصص فيكون خارجا عن تحت‏العام أو ليس منها فيكون داخلا فيه‏

و محكوما بحكمه فهل يمكن التمسك‏بأصالة العموم في الحكم بأنه بحكم العام محكوم أو لا يمكن لا خلاف في‏عدم جوازه إذا كان المخصص متصلا فإن ظهور العام فيه من أول الأمر منعقدبالنسبة إلى المعنون بعنوان خاص غير ما هو عنوان المخصص و من الواضح‏أنه لا يمكن إجراء الحكم على فرد لم يحرز انطباق موضوعه عليه(و أما إذا كان)منفصلا ففي الجواز و عدمه خلاف و ربما نسب القول بالجواز إلى المشهورو سيأتي ما فيه إن شاء اللّه تعالى و التحقيق عدم جوازه فإن ظهور العام و إن كان‏منعقدا بالنسبة إلى العموم و جميع الأفراد لتمامية دلالته التصديقية و كشفه‏عن المراد في حد ذاته إلا أن مجي‏ء الخاص بعده يوجب تقيد موضوع العام‏بعنوان غير عنوان الخاص فيكون في مرتبة حجيته و أخذ العقلاء به و كاشفيته‏عما أراده المتكلم واقعا مخصصا بهذا العنوان و يكون غير المعنون به خارجاتحت العام مثلا إذا قال المولى لا تكرم فساق العلماء فذلك يوجب أن يكون‏موضوع قضية أكرم العلماء هو العلماء غير الفساق و يكون مثل ما إذا كان‏الموضوع من أول الأمر و في مرتبة نفس الظهور مقيدا بغير الفساق و حينئذ فإذاشك في فسق فرد بعد إحراز علمه لا يمكن التمسك بالحجة التي لم يعلم بتحقق‏


57

موضوعها فيه فإن عموم كل دليل يتبع عموم موضوعه و مع فرض الشك في‏تحقق موضوعه يكون لا محالة سريان الحكم إليه و جريانه فيه مشكوكاو كما لا يمكن التمسك بالعام الظاهر في وجوب إكرام كل عالم لإثبات وجوب‏إكرام من شك في علمه فكذلك لا يمكن التمسك بالعام في المقام لإثبات‏وجوب إكرام العالم المحتمل فسقه بعد فرض تقيد المراد الواقعي بغيرالفساق لعدم العلم بانطباق تمام الموضوع عليه و ليس من شأن العام إحرازتحقق موضوعه في الخارج بل هو متكفل لإجراء الحكم على مصداق انطبق‏الموضوع عليه و مع الشك في ذلك يكون محكوميته بحكم العام مشكوكةكما هو ظاهر(و قد انقدح)مما ذكرنا من أن موضوع العام يصير بعد ورودالتخصيص عليه مقيدا بعنوان غير ما هو موضوع الخاص الجواب عما قيل من أن‏ظهور العام حجة في جميع الأفراد و الخاص ليس حجة إلا فيما أحرز تحقق‏عنوانه فيه و أما الفرد المشكوك فالعام حجة فيه بلا معارض(كما انقدح)ما في‏التمسك بقاعدة المقتضي و المانع هنا من الإشكال فإن العام بعد صيرورته‏مقيدا بعنوان غير عنوان الخاص لا يكون ظهوره في العموم مقتضيا لوجودالحكم في جميع أفراده إذ لا إرادة على طبقه إلا في أفراده المقيد فليس المقتضي‏للحكم فيما عداها موجودا كي يصح التمسك بهذه القاعدة بعد ما لو أغمضناعما في نفس القاعدة من عدم تماميتها على ما بيناه في محلها(فالإنصاف)أن‏القول بصحة التمسك بعموم العام في إجراء حكمه على الفرد المشتبه مما لادليل عليه و لا يمكن مساعدته(و أما)نسبته إلى المشهور بين الأصحاب قدس‏اللّه تعالى أسرارهم فلا تخلو عن إشكال فإن المسألة هذه ليست معنونة في‏كلماتهم و لا محررة في كتبهم كي يعلم بها ما اختاروه فيها و ساعده أنظارهم‏و إنما تخيل ذلك من جهة فتواهم بالضمان فيما إذا دار أمر اليد بين كونها يد


58

عادية أو غيرها فزعم أن ذلك من جهة تمسكهم فيه بعمومات الضمان مثل‏على اليد ما أخذت حتى تؤدي مع أن ذلك ليس إلا تخرص بالغيب و تظنن‏به و إلا فمن الواضح أن هذه الرواية و نظائرها ظاهرة في اليد العادية من جهةظهور الأخذ في الاستيلاء على نحو الغصب و العدوان فلا تعم غير العادية من‏أول الأمر كي يتمسك بها في المشتبه خروجه و عدمه كما لا يخفى و أما مستندهذا الفتوى فبيانه موكول إلى محله الموضوع له في الفقه رزقني اللّه تعالى‏استنباط جميع مسائله إن شاء اللّه و العمل به بحق محمد و آله الطاهرين صلواته‏الدائمة عليهم أجمعين و اللعنة المتواترة على أعدائهم أعداء الدين‏

(الأمرالثاني)أنه إذا اتضح عدم صحة التمسك بالعام في الشبهات المصداقية

فهل‏يمكن إحراز دخول الفرد المشتبه في حكم العام بإجراء الأصل في العدم‏الأزلي ليحرز به عدم دخول ذاك الفرد في عنوان الخاص أو لا فيه خلاف بين‏محققي مقاربي عصرنا فذهب المحقق صاحب الكفاية(قدس سره)إلى الأول و تبعه‏بعض أعلام عصرنا(دام ظله)و اختار القول الثاني شيخ المحققين العلامة الأنصاري‏(قدس سره)و تبعه المحقق النائيني و منشأ الخلاف بينهم هو الخلاف في أن العدم‏المأخوذ في العام بعد إخراج عنوان الخاص عن تحته بالتخصيص هل هومأخوذ فيه على نحو العدم المحمولي و السالبة المحصلة ليكون القيد المأخوذفي موضوع العام بعد التخصيص هو عدم اتصافه بعنوان الخاص على نحو ليس‏التامة أو مأخوذ فيه على نحو العدم النعتي و الموجبة المعدولة في طرف‏المحمول ليكون القيد المعتبر فيه هو اتصافه بعدم كونه معنونا بعنوان الخاص‏و كونه معنونا بأنه غيره و منعوتا بنعت الغيرية مع عنوان الخاص على نحو كان‏الناقصة فمن ذهب إلى الأول اختار الأول من القولين إذ القيد عليه يكون هوعدم اتصاف موضوع حكم العام بعنوان الخاص فإذا شك في حكم فرد من‏


59

جهة الشك في اتصافه بعنوان الخاص كي يكون خارجا عن العام و عدم اتصافه‏به كي يكون داخلا فيه فبما أن اتصاف الموضوع به كان معدوما في الأزل‏و لو من جهة عدم موضوعه يمكن إحراز بقاء عدمه بعد وجود موضوعه‏بالأصل فإذا شك في فرد من العلماء أنه فاسق أو ليس به و كذا في امرأة أنهاقرشية أو غيرها فبما أن الباقي تحت العام في أكرم العلماء مثلا لم يكن معنونابعنوان خاص و لو كان ذاك العنوان هو غيريته مع عنوان الخاص و في مثل‏المرأة تحيض إلى خمسين إلا القرشية لا يكون معنونا بعنوان غير القرشيةبل الباقي في المثال الأول هو العلماء بشرط اتصافهم بالفسق و في المثال الثاني‏هو المرأة الغير المتصفة بكونها قرشية يكون إحراز دخول كل من الفردين‏في المثالين في تحت العام بمكان من الإمكان و لا ملزم لإثبات اتصافه بالغيريةمع عنوان الخاص كي يقال بأن الأصل في نفس ذاك الاتصاف لا يجري لعدم‏كونه مسبوقا بالحالة السابقة و في عدم اتصافه بعنوان الخاص و إن كان يجري‏إلا أنه لا يمكن إحراز اتصافه بعنوان أنه غيره به إلا على القول بالأصل المثبت‏و قد اتضح أن القائل بالقول الثاني ناظر إلى الوجه الثاني و تقريبه أن موضوع‏حكم العام حيث إنه ينقسم في الخارج بالنسبة إلى كل عنوان خاص يكون في‏تحته فينقسم العالم مثلا إلى العادل و غيره و المرأة إلى القرشية و غيرها فلامحالة إما يؤخذ العام مطلقا بالنسبة إلى عنوانه الخاص أو مقيدا بوجوده أومقيدا بكونه غيره و الأولان مستلزمان للتهافت و التناقض و الثالث هوالمطلوب و حينئذ فيكون الباقي تحت العام مقيدا بكونه غير عنوان الخاص فلايكون فرد محكوما بحكمه إلا بعد إثبات تعنونه و اتصافه بذاك القيد و لا يكفي‏في ذلك إحراز عدم اتصافه بعنوان الخاص فقط ما لم يحرز اتصافه بأنه غيره‏و لا يحرز ذلك بالأصل كما ذكرنا(و لكنك خبير بأن)العقلاء بعد إحراز عدم‏


60

اتصاف العام بنفس عنوانه الخاص و لو كان ذلك بالتعبد من جانب الشرع‏لا يتوقفون في إجراء حكم العام عليه إلى أن يحرز و اتصافه بغيره بل يرون‏الالتزام بذلك بلا ملزم ففي المثالين المتقدمين إذا قيل لهم إن الشرع جعلنامتعبدين بعدم كون هذا الفرد من العلماء فاسقا و بعدم كون هذه المرأة قرشيةلا يتأملون في إجراء حكم العام عليه أصلا و يحكمون بعدم كونه محكومابحكم الخاص و من الظاهر الواضح أن حكم المتصف بوصف أو المقيد بقيدينتفي بمجرد انتفاء اتصافه به من دون لزوم اتصافه بأنه غيره و بالجملة فالإنصاف‏كله أن الوجه الأول متين جدا و(لكن الأقوى مع ذلك)هو القول الثاني‏مع عدم صحة وجهه الذي تمسك به القائلون به و ذلك لأن استصحاب العدم‏الأزلي فاسد من أصله فإنه(يمكن الإشكال)أولا في قضية السالبة لسلب‏الموضوع بأن سلب شي‏ء عن شي‏ء إنما يكون إذا كان المسلوب عنه موجوداو إلا لما كان من باب سلب شي‏ء عنه في شي‏ء إذ هو بنفسه معدوم و لا يصح‏سلب شي‏ء عن المعدوم إلا بعد فرض وجوده(و ثانيا)بعدم صحته في خصوص‏ما نحن فيه لبداهة أنه لا معنى لأن يقال هذا العالم لم يكن فاسقا من قبل وجوده‏أو أن هذه المرأة لم يكن منتسبة إلى قريش فإن الشي‏ء قبل وجوده لا عنوان‏له كي يشار إليه بعنوان هذا أو غيره من العناوين(و ثالثا)بأن العقل و لو ساعدهذا الاستصحاب بالنظر الدقي إلا أن نظر العرف المعتبر في باب الاستصحاب‏لا يساعده و ليس هذا الموردين مصاديق أخبار الاستصحاب بنظر العرف‏أصلا لعدم كون القضية المشكوكة فيه عين المتيقنة بل يكون اثنينيتهما عندهم‏في كمال الوضوح كما لا يخفى على المتأمل و قد تعرضنا لذلك في رسالتناالمتعلقة بلباس المشكوك مشروحا

(الأمر الثالث)

أنه قد يظهر الفرق عن‏بعض المحققين قدس أسرارهم بين المخصص اللفظي و المخصص اللبي و أنه‏


61

يمكن التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية مما كان المخصص فيه‏دليلا لبيا بخلافه فيما إذا كان لفظيا كما شرحناه و هذا الكلام بكليته ممالا يمكنا تصديقه فإن المخصص اللبي إن كان في البداهة و الظهور بحيث‏يمكن أن يعتمد عليه المتكلم لقرينة كلامه فهو مثل المخصص المتصل الموجب‏لعدم انعقاد الظهور من أول الأمر إلا في الخاص و إن لم يكن في الوضوح‏بهذه المثابة فكان نظريا دل عليه العقل أو الإجماع أو غيرهما من الأدلةاللبية فهو كالمخصص المنفصل و لا يمكن التمسك بالعموم في الشبهات‏المصداقية منه إذ بعد ما علم بخروج المتصف بوصف كذائي عن تحت العام‏فلا محالة يعلم بأن موضوع العام في مرتبة حجيته هو غير المتصف بذاك الوصف‏ما لم يحرز انطباق ذلك الموضوع على فرد لا يمكن إسراء الحكم إليه و إجراؤه‏فيه كما بينا(هذا فيما إذا كان التخصيص)اللبي من جهة العلم بخروج بعض‏أقسام موضوع العام عن تحت حكمه و أما إذا كان التخصيص من جهة عدم‏وجود ملاك حكم العام المنكشف بالدليل اللبي في المتصف ببعض العناوين‏التي ينقسم إليها موضوعه كما إذا قال المولى أكرم العلماء ثم علم بعدم وجودملاك الحكم في الفساق أو النحويين منهم فلا ينبغي الريب في أنه يكون‏العنوان المعلوم عدم وجود مناط الحكم فيه مثل موضوع المخصص المنفصل‏في جميع الفروع التي ذكرناها(فإن كان مجملا)بحسب المفهوم فلا محالةيكون موضوع حكم العام أيضا مجملا على المشهور فيما إذا كان دائرا بين‏المتباينين و على الأقوى في الدائر بين الأقل و الأكثر كما أنه إذا كان مجملابحسب المصداق فلا يمكن التمسك بالعموم في مصاديقه المشتبهة ثم(إن‏هذا إنما يتم)فيما إذا علم بعدم وجود الملاك في عنوان من العناوين التي ينقسم‏إليها موضوع الحكم كما يتفق ذلك غالبا في القضايا الحقيقية و أما إذا علم‏


62

يعدم‏

(الأمر الرابع)إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصص‏

فتارة يعلم بخروج‏فرد عن حكم العام و يكون الشك في أنه هل هو مما ينطبق موضوع‏حكمه كي يكون خروجه بعنوان التخصيص أو ليس كذلك كي يكون‏بعنوان التخصص و أخرى يكون الدوران بينهما من جهة تردد موضوع حكم‏الخاص بين فردين يكون أحدهما مما ينطبق عليه موضوع العام و الآخرمما هو خارج عنه(فالأول)مثل ما إذا علم بحرمة إكرام زيد و شك في أنه‏عالم كي يكون خروجه عن مثل دليل أكرم العلماء بعنوان التخصيص أو ليس‏به فيكون من باب التخصص و لا ينبغي الريب في أنه لا يمكن التمسك بأصالةالعموم في مثله لإحراز أن يكون خروجه بعنوان التخصص فإن بناء العقلاءعلى التمسك بالعموم فيما إذا لم يعلم المراد من العام و شك في الخروج الحكمي‏لا فيما إذا علم المراد و كان الشك في الخروج الموضوعي كما في المقام‏(و الثاني)مثل ما إذا تردد زيد المعلوم حرمة إكرامه بين زيد العالم و بين‏غيره و الظاهر في هذا المقام أيضا أنه لا بناء للعقلاء على حمله على زيد الجاهل‏إذا كان المتكلم ممن يكون من دأبه الاعتماد على القرائن المنفصلة بل‏يوجبون على العبد الفحص عما أراد به نعم إنما يكون بناؤهم على الحمل‏على التخصص فيما إذا كان المتكلم ممن يكون احتمال اعتماده على القرائن‏المنفصلة ضعيفا بحيث يكون الظهور عندهم كاشفا عن إرادة العموم من العام‏و قد اتضح بذلك فساد ما عن بعض الأعلام هنا من إطلاق دعوى جواز التمسك‏بالعموم في هذا القسم فتدبر جيدا

فصل التحقيق عدم جواز العمل بعمومات الكتاب و السنة قبل‏الفحص عن المخصص‏

و الدليل عليه من وجوه أحدها ظهور سيرة العقلاءو بنائهم عليه في مثل عمومات الكتاب و السنة مما يكون العام فيه معرضا


63

للتخصيص من جهة كون المتكلم به ممن من ديدنه الاعتماد على القرائن‏المنفصلة لبيان مراده الواقعي كما هو الحال في الشارع و غيره من المقننين‏فإن العام حينئذ يكون بحيث لو تفحص العبد عن مخصصه و مبين مراده‏لظفر به و من الواضح استقرار سيرة العقلاء في مثله على عدم العمل به بدونه‏نعم إذا كان العام لا كذلك فلم يكن معرضا للتخصيص و كان كاشفا عما أرادمنه المتكلم عند العقلاء كما هو الحال في أغلب عمومات أهل المحاورة فالظاهرمن سيرتهم العمل به بلا فحص و بحث ثانيها صحة مؤاخذة العبد من المولى‏على تركه الموجب لعدم العمل بمراده الواقعي و تكليفه النفس الأمري المبين‏بالقرينة المنفصلة التي لو تفحص عنها العبد لظفر بها فإن العقل بعد تماميةالحجة من جانب المولى بإيصاله التكليف إلى العبد بحيث يصل إليه لو تفحص‏كما هو المراد بالبيان اللازم على المولى الذي يستقل العقل بعدم صحةالمؤاخذة بدونه يحكم بوجوب الفحص عنه على العبد و صحة مؤاخذته على‏تركه المفضي إلى عدم الإتيان بمقتضى التكليف الواصل إليه بالطرق العاديةكما يحكم بذلك في العمل بمقتضى الأصول العملية قبل الفحص عن التكاليف‏الواصلة(و بالجملة)فكما يستقل العقل هناك بصحة مؤاخذة العبد التارك‏للفحص على ترك امتثال التكاليف الواقعية بمقدارها الواصل بالطرق‏العادية فكذلك هنا(ثالثها)العلم الإجمالي بوجود مخصصات في مجامع‏الروايات التي بأيدينا للعمومات الواردة في الكتاب و السنة و مقتضاه‏وجوب الفحص عن المخصص في كل عام ورد فيها و يحتمل أن يكون في الروايات‏ما هو مخصص لعمومه و مبين للمراد منه كما يقتضي وجوب الفحص عن‏الأدلة في جريان الأصول العملية العلم الإجمالي بوجود تكاليف شرعيةفي الروايات المنحل إليه العلم الإجمالي الكبير المتعلق بوجود تكاليف في‏


64

أصل الشرع و إلى الشك البدوي في وجودها في غيرها مما ليس بأيدينا(لا يقال)مقتضى العلم الإجمالي في المقام هو وجوب الفحص عن المخصصات‏إلى أن يظفر بها بمقدار ما علم بوجودها فيها إجمالا و أما بعد الظفر بذلك‏المقدار فلا يقتضي العلم الإجمالي وجوبه أصلا لانحلاله إلى العلم التفصيلي‏بوجود هذا المقدار و الشك في وجود الزائد عليه كما قلت بانحلال العلم‏الإجمالي بوجود تكاليف في أصل الشرع هناك إلى العلم الإجمالي بوجودالقدر المتيقن منها في المجامع التي بأيدينا و الشك البدوي بالنسبة إلى‏غيرها و بالجملة فكما قيل بانحلال العلم الإجمالي الكبير في ذلك المقام‏فكذا لا بد من القول بالانحلال في هذا المقام و عليه فلا يلزم الفحص عن‏المخصص بعد الظفر بالمقدار المتيقن من المعلوم الإجمالي و هو خلاف مايقول به القائلون بوجوب الفحص(لأنا نقول)بين المقامين فرق و بيانه أن‏العلم الإجمالي بوجود تكاليف في الشرع هناك لا يقتضي تنجزها بكميتهاو عددها الواقع بعد انحلاله إلى العلم بالقدر المتيقن الواصل و الشك في وجودالزائد الذي لم يصل إلينا و العقل حينئذ يستقل بعدم تنجز المحتمل على فرض وجوده‏واقعا و هذا بخلاف العلم الإجمالي هنا فإنه يقتضي تنجز المخصصات الموجودةفي المجامع بكميتها و عددها في الواقع و العقل لا يمنع عن مقتضاه بعدوصول جميع المخصصات إلينا و انحلاله لأجل الظفر بالمقدار المتيقن بعدتنجزه على ما له من المقدار في الواقع لا يفيد أصلا حيث إن الزائد المحتمل‏يكون منجزا على فرض وجوده و لازمه وجوب الفحص عنه أيضا و الحاصل‏أن العقل هناك بعد ملاحظة وصول المقدار المتيقن و عدم وصول الزائد المشكوك‏يحكم بعدم تنجز المقدار الزائد و أن التنجز هو خصوص القدر المتيقن الواصل‏و هو هنا بعد ملاحظة وصول جميع ما علم به إجمالا يحكم بتنجزه على ما هو


65

عليه من المقدار واقعا و الانحلال الطاري بعد حكمه بتنجزه لا يمنع عنه‏أصلا بل يكون المحتمل أيضا متنجزا على فرض وجوده كما بينا و نظير(ذلك الفرق)الفرق بين ما إذا علم شخص إجمالا باشتغال ذمته بمقدار من الدين‏و كان المقدار المتيقن منه مكتوبا في ديوانه و الزائد عليه مشكوكا و بين ماإذا علم إجمالا باشتغال ذمته بجميع ما كتب في الديوان ثم ظفر بعد المراجعةإليه بمقدار متيقن عنه فإن العقل يحكم في المثال الأول بالبراءة عن الزائدو يحكم في الثاني بلزوم الفحص و المراجعة إلى ما بقي منه و لعمري الفرق‏بين المقامين كما في المثالين واضح لا شبهة فيه و لا مين و قد ذكر هذاالفرق بتفاوت ما المحقق النائيني قدس سره و(أورد عليه بعض)أعاظم عصرنادام ظله في حاشيته على كلماته(قدس سره)بما لم يتضح لي وجهه فراجع لعلك تطلع‏على حقيقة الأمر إن شاء اللّه تعالى ثم إنه ظهر مما ذكرنا ما هو المقدار اللازم‏من الفحص و هو المقدار الحاصل معه الاطمئنان بعدم وجود المخصص وما يخرج به العام عن كونه معرضا للتخصيص و يكون ظهوره كاشفا عن العقلاءعما أراده المتكلم واقعا

(تنبيه)

لا يخفى أنه يفترق الفحص اللازم هنا عن‏الفحص اللازم في باب جريان الأصول العملية بأن الفحص هنا إنما يكون‏عما يمنع من الأخذ بالدليل بعد تحقق المقتضي له لأجل انعقاد ظهور الكلام‏في العموم من جهة عدم وجود القرينة المتصلة معه و هناك عن تحقق المقتضي‏إذ لا مقتضي للرجوع إلى الأصول بعد وجود الحجة الشرعية فإن أدلة اعتبارهالا يقتضي إلا اعتبارها فيما لم يكن هناك دليل معتبر و مع وجوده لا موردلواحد منها أصلا سيما على القول بوروده عليها كما قويناه في محله‏

فصل هل الخطابات الشفاهية

و ما وضع لمشافهة الخطاب مثل ياأيها الناس و مثل و افعلوا الخير تختص بالحاضرين بمجلس التخاطب أو تعم‏


66

الغائبين بل المعدومين فيه خلاف‏

(و قبل بيان التحقيق)في ذلك لا بد من بيان‏محل النزاع‏

فنقول ليس النزاع في كلمات القوم في إمكان تكليف المعدوم‏و استحالته فإن إنشاء التكليف بلا بعث و طلب حقيقي لا ريب في إمكانه بل‏وقوعه كما يشاهد من المقننين و الموالي الآمرين عن بعد بالكتابة و نحوهاكما أنه مع البعث و الطلب لا إشكال في امتناعه و حينئذ فهل النزاع في إمكان‏المخاطبة مع المعدوم و استحالته أو في عموم وضع أدوات النداء و عدمه‏الظاهر أنه وقع النزاع في كلمات القوم من كلتا الجهتين كما يستفاد من‏تمثيلهم بكلا المثالين اللذين ذكرناهما في عنوان البحث و كما يستظهرمن كلماتهم فراجع‏

(إذا عرفت ذلك)فالكلام يقع في كل من الجهتين فنقول‏

(أما الجهة الأولى)

و هي جهة إمكان مخاطبة المعدوم و استحالته فالملخص‏من البحث فيها هو أنه لا ينبغي التأمل في أن حقيقة المخاطبة و المكالمةغير متقومة بالتفهيم و الانفهام و لذا قد يجعل الجماد لغرض يترتب على مخاطبته‏كما أنها غير متقومة بحضور المخاطب و لذا يجعل النبي صلى الله عليه و آله و غيره من المعصومين‏عليهم السلام مخاطبين مع أنهم يسمعون الخطاب في حال عدم حضورهم‏في المجلس بل الظاهر أنها حقيقة يترتب عليها دواع مختلفة فالتفهيم و الإسماع‏تارة و غيرهما من الدواعي و الأغراض أخرى و لا مضايقة في تسمية ما إذاكان الداعي فيه هو التفهيم و استماع المخاطب بالخطاب الحقيقي و تسميةغيره بالخطاب الإنشائي و على ذلك فجعل المعدوم فضلا عن الغائب مخاطبابملاحظة ظرف وجوده و صيرورته قابلا للمخاطبة و تفهيمه ذاك الخطاب بمايحكى عنه و يبقى إلى زمان وجوده مما لا إشكال فيه فينشئ الخطاب و يجعل‏في الكتابة مثلا ليلتفت إليه المخاطب إذا وجد

و(قد اتضح بما ذكرنا الكلام)في الجهة الثانية

و هي البحث عن عموم وضع الأدوات و عدمه فإن أدوات‏النداء موضوعة لإنشاء النداء و إيجاده بها سواء كان المخاطب ملتفتا أو لم‏


67

يكن و سواء كان الداعي هو التفهيم بنفس الخطاب أو بما يحكى عنه أو كان‏غيره من الدواعي مثل إظهار الحزن و التأسف به و هي تستعمل في جميع‏تلك الموارد على نحو واحد و سبك فارد من دون أن يكون للعلاقة رعايةكما هو ظاهر إلى النهاية و قد ظهر من(ما ذكرناه)في جهتي البحث هنا حال‏الكتاب العزيز و أن حاله حال غيره من الكتب المرسلة من الموالي إلى رعاياهم‏فكما أن كيش القوم إذا أرسل إليهم كتابا مبينا بوظائفهم لا تجد من نفسك‏الرخصة في أن تقول إن المخاطب بخطاباته ينحصر في من كان حاضرا في مجلس‏المبلغ و لو كانوا في غاية القلة بل تقول إن المخاطب هم و كل من يقرأ الكتاب أويسمع منهم فكذلك الكتاب العزيز المرسل لتبليغ الناس و بيان وظائفهم‏و انتفاعهم به إلى يوم القيامة و هل يمكن أن يكون كتاب هذا شأنه مبينالوظائف طائفة خاصة كانوا حاضرين في المسجد ليكون غيرهم من الغائبين‏و المعدومين محتاجين إلى التمسك بذيل دليل الاشتراك و قد تبين أن إنشاءالخطاب بداعي التفهيم سواء وقع التفهيم بنفس الخطاب أو بقراءة من أرسل‏إليه كما وقع تفهيم الحاضرين في المسجد بلسان النبي صلى اللَّه عليه و آله الحاكي عماأوحى اللّه تعالى إليه أو بشي‏ء آخر يحكى عنه كالكتابة أو بغير التفهيم‏من الدواعي لا يوجب تجوزا فيه أصلا كما هو أوضح من أن يخفى ثم إنه قدقيل بظهور ثمرة هذا البحث في شمول الأحكام للغائبين و المعدومين بنفس‏الخطاب بناء على التعميم و عدمه بناء على الاختصاص فيحتاج غير الحاضرين‏في تسرية الحكم إليهم إلى التمسك بذيل قاعدة الاشتراك و هي لا تفيد إلا مع‏اتحاد الصنف و أما إذا احتمل دخالة قيد في الحكم كان خصوص الحاضرين‏واجدين كالحضور في زمان النبي صلى اللَّه عليه و آله أو درك صحبته فلا يمكننا التمسك‏بإطلاق الخطاب أصلا و فيه أنه لا شي‏ء هنا يحتمل دخله في الحكم و كان جميع‏


68

الحاضرين واجدين له إلى آخر عمرهم و ليس الحضور في زمانه صلى اللَّه عليه و آله كذلك‏بداهة أن كثيرا منهم كانوا باقين بعده صلى اللَّه عليه و آله إلى حين و احتمال دخالة درك‏صحبته و لو بساعة فيه بعيد جدا و على ذلك فلا يترتب على هذا البحث ثمرة مهمة

فصل تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده هل يوجب تخصيصه‏به أو لا

و قد مثل لذلك بقوله تعالى‏ و المطلقات يتربصن إلى قوله‏ و بعولتهن‏أحق بردهن حيث إن الضمير في بعولتهن راجع إلى الرجعيات منها لاختصاص‏حكم جواز الرجوع بعد الطلاق بها و لكن الظاهر أن الآية الشريفة ليست‏من مصاديق هذا البحث فإن الضمير فيها راجع إلى العام بعمومه إذ استفادةاختصاص الحكم بجواز الرجوع بعد الطلاق بالرجعيات من دليل خارجي دل‏عليه لا يوجب أن يكون المشار إليه للضمير في مقام استعماله بعض الأقسام‏من العام بل يكون حاله حال المخصص المنفصل في أنه لا يوجب تجوزا في‏ناحية العام أصلا كما مر فيه الكلام فالمشار إليه للضمير في مقام الإرادةالاستعمالية باق على عمومه و إن كان المراد بالإرادة الجدية هو بعض الأقسام‏من العام و ببيان أوجه فكما أن موضوع وجوب التربص هو كل مطلقة من دون‏ملاحظة كون طلاقها رجعيا أو بائنا فكذلك موضوع جواز الرجوع هوكل مطلقة مع قطع النظر عن كيفية طلاقها و غاية الأمر استفادة اشتراطه‏بكون طلاقها رجعيا من دليل خارجي و كون موضوع الحكم الثاني مشروطادون الحكم الأول لا يوجب تفاوتا في جانب نفس الموضوع فيكون معنى‏ظاهر الآية المباركة بعد انضمام الدليل الخارجي إليها و اللّه تعالى عالم‏ببواطنها و المطلقات يجب عليهن التربص مطلقا و يجوز لبعولتهن الرجوع‏إليهن إذا كن مطلقات بطلاق رجعي و بزعمي أنه يمكن إجراء هذا البيان في‏كل ما فرض مصداقا لهذا البحث فمعنى مثل أكرم كل عالم و اقتد بهم أن كل‏


69

عالم موضوع لحكمين من الإكرام و الاقتداء و إن كان موضوع خصوص وجوب‏الاقتداء مشروطا بالعدالة و على ذلك فلا يبقى مصداق لهذا البحث أصلا وإلا فلا أدري أي معنى يفرض لذكر العام و إرجاع الضمير إلى بعض أفراده و هل‏ذلك إلا مثل أن يقال أكرم العلماء و جئني به و يعني بالضمير زيد العالم وهل هذا إلا من باب ذكر الضمير بلا مرجع و إني كلما أتفكر في كيفية تحقق‏موضوع هذا البحث لا يزيدني التفكر إلا إشكالا فيه فإن إرجاع الضمير إلى‏بعض أفراد العام حقيقة ليس إلا من ذكر الضمير بلا مرجع إلا أن يكون‏الأمر كما ذكرنا فيكون المرجع نفس العام و قد دل الدليل من الخارج على‏كونه مقيدا فتدبر جيدا ثم لو أغمض النظر عن جميع ما ذكرنا و فرض موردلهذا النزاع فبما أن الاستخدام الذي هو في المقام بمعنى إرجاع الضمير إلى‏معنى لم يستعمل اللفظ في القضية الأولى فيه يكون من الأمور التي لا يعقلهاأهل العرف و يكون ظهور الكلام في اتحاد ما يراد بالضمير مع ما يستعمل فيه‏مرجعه قويا عندهم بل لا يفهمون سواه من الكلام يكون التمسك بأصالة الظهورفي العام مشكلا جدا بل لا بد من تقديم أصالة عدم الاستخدام عليها قطعا فيحتاج‏إرادة العموم من العام مع إرجاع الضمير إلى بعض الأفراد إلى القرينة المبينةو نفس ظهوره لا يجدي فيها شيئا كيف و لا يكون له ظهور فيه و الحال هذه‏كما عرفت‏

فصل هل الاستثناء الواقع عقيب الجمل المتعددة يكون ظاهرافي رجوعه إلى الأخيرة منها أو إلى الجميع أو لا يكون له ظهور في أحدهما

فيه تفصيل و بيانه أن له خمس صور فتارة يكون تعدد الجمل من ناحية تعددالموضوع مع عدم تكرر عقد الحمل فيها مثل أكرم العلماء و الأشراف و الطلاب‏إلا الفساق منهم و لا ينبغي الريب في رجوع الاستثناء في هذه الصورة إلى‏


70

الجميع فإن الاستثناء إنما هو إخراج عن الموضوع بلحاظ الحكم و بما أن‏الحكم المذكور فيها واحد في لسان الدليل و لو كان منحلا في الواقع لا بدمن أن يرجع الاستثناء إلى جميع ما ذكر فيها من الموضوعات فهذه الصورةفي حكم أن يقال أكرم هؤلاء الطوائف إلا الفساق منهم و أخرى يكون تعددهابتعدد الموضوع مع وقوع التكرار في عقد الحمل أيضا مثل أكرم العلماءو الأتقياء و الأشراف و أكرم الطلاب إلا الفساق منهم و لا مجال في هذا القسم‏للإشكال في رجوعه إلى ما بعد عقل الحمل الآخر بظهور تكراره في قطع ماوقع بعده عما قبله و إلا لكان اللازم على المتكلم إما اختيار ذكر عقد الحمل‏مطلقا أو اختيار تركه كذلك و ثالثة يكون التعدد من جهة تعددعقد الحمل مع عدم تكرر عقد الوضع فيها مثل أكرم العلماء و أطعمهم و أضفهم‏إلا فساقهم و من المعلوم رجوعه في هذه الصورة أيضا إلى الجميع مثل الصورةالأولى لما ذكرنا من أن الاستثناء إخراج عن الموضوع بلحاظ الحكم و من‏المعلوم وحدة الموضوع في هذه الصورة و رابعة كالثالثة مع تكرر عقد الوضع‏فيها مثل أكرم العلماء و أضفهم و أطعمهم و جالس الأشراف إلا فساقهم و الظاهرفي هذا القسم رجوعه إلى الأخيرة فقط و يظهر وجهه مما ذكر في الصورةالثانية و خامسة يكون التعدد من جانب تعدد عقد الوضع و عقد الحمل كليهمامثل أكرم العلماء و أطعم الطلاب و جالس الأشراف إلا الفساق منهم‏و الظاهر في هذه الصورة أنه لا ظهور للكلام في رجوعه إلى واحد منهما إلا بالقرينة

فصل إذا دار الأمر بين الأخذ بالعموم و الأخذ بالمفهوم‏

فتارةيقع الكلام في المفهوم الموافق و أخرى في المفهوم المخالف أما المفهوم‏الموافق سواء كان بنحو الأولوية أو بنحو المساواة فحيث إنه لازم للمنطوق‏و تابع لا ينفك عنه فيكون في التقدم على العموم و عدمه تابعا لمنطوقه فإن‏كان منطوقه أخص من العام مطلقا فلا محالة يتقدم مفهومه عليه أيضا و إن‏


71

كان النسبة بين العموم و نفس المفهوم عموما من وجه مثل أكرم فساق خدام‏العلماء فإن مفهومه الموافق و هو أكرم العلماء يتقدم على لا تكرم الفساق وإن كانت النسبة بين العموم و المفهوم عموما من وجه لما ذكر من تبعية المفهوم‏الموافق لمنطوقه فيقدم عليه بتقدمه عليه و أما إن كان المنطوق أعم من العام‏من وجه مثل أن يكون المنطوق أكرم خدام العلماء فلا يمكن الأخذ بالمفهوم‏إلا في جانب افتراقه عن العموم لا في مورد اجتماعهما كما هو معلوم و أما المفهوم‏المخالف فإن كان أخص من العام و كان العام ظاهرا في العموم فالحق تخصيصه‏به فإن أصالة الظهور و إن كانت تأتي حينئذ في العام إلا أنها تكون محكومةبأصالة الظهور الجاري في جانب المفهوم لحكومة الأصل الجاري في القرينةعلى الأصل الجاري في ذيها فإن بناء العقلاء على ظهور المنطوق في المفهوم‏و الحال أن المفهوم يكون نصا في مدلوله يكون بناء منهم في الحقيقة على‏وجود القرينة المبينة لما أريد من العام و ليس ظهور المنطوق يتعارض بظهورالعام كي يكون الأصل الجاري في كل منهما معارضا بالأصل الجاري في‏الآخر بل الأصل يجري في طرف المنطوق من دون أن يعارضه الأصل في العام‏نعم إنما يقع المخالفة البدوية بينه و بين المفهوم بعد جريان الأصل في المنطوق‏و من الوضح أن العقلاء في هذا الظرف أعني به ظرف معارضة العام مع نفس‏المفهوم لا يتمسكون بأصالة الظهور في العام أصلا بعد ملاحظة وجودالقرينة التي تكون نصا في مدلولها و إن كان أصل الدلالة على وجودتلك القرينة بالظهور لا بالنص(و من هنا ظهر أن التفصيل)المحكي عن‏العلامة الأنصاري(قدس سره)في المقام أعني بين ما إذا كان العام آبيا عن التخصيص‏و بين غير الآبي عنه و القول بتقدم المفهوم عليه في الثاني دون الأول ليس‏بتفصيل في محل البحث بل هو اختيار لما اخترناه فإن العام إذا كان آبيا عن‏


72

التخصيص لا يكون المفهوم قرينة للتصرف فيه بل يكون معارضا معه بالمعارضةالحقيقية و حينئذ فلا بد من رفع اليد عن المفهوم بلا إشكال لأن عموم العام حينئذ يكون‏قرينة على عدم استتباع الخصوصية الموجودة في المنطوق للمفهوم و أن‏حكم العام مراد للمتكلم بشموله و عمومه فتأمل جيدا(هذا كله فيما إذا)كانت النسبة بينهما هي العموم و الخصوص مطلقا و أما إذا(كانت النسبة)هي العموم من وجه فلا بد في تقديم أحدهما على الآخر من ملاحظة مرجح‏خارجي كما في كل ما كان من باب العامين من وجه و لا يكفي في تقديم العام‏على المفهوم ما قدمناه من أن دلالة العام على العموم بالوضع و الدلالة على‏المفهوم على القول بها بالإطلاق و مقدمات الحكمة ما لم يكن عموم نفس‏المفهوم بالإطلاق(و إلا)فلو كان عمومه بالوضع كما إذا كان اللفظ الدال‏على العموم في المفهوم كلمة كل و نظائرها فلا محالة يقع التعارض بينهمالأجل دلالة كل منهما على العموم بالوضع و لو كان أصل الدلالة على المفهوم‏بالإطلاق‏

فصل الحق جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد الثابت حجيته‏

فإن الخبر بعد وثاقة رجال سنده يوجب الاطمئنان بصدوره و اليقين العرفي‏بصحته و حينئذ فبما أنه نص في مفاده يكون قرينة للتصرف في ظهور عام الكتاب‏و التصرف في دلالته الظنية و قطعية سند العام أو ظنيته لا يوجب تفاوتا في‏ذلك بعد ثبوت حجية الخبر الواحد و أخذ العقلاء به فإن معنى حجية طريقيته‏لبيان المراد و كشفه عن الواقع و لازم ذلك جواز كونه قرينة للعام و مبيناو كاشفا عما أريد و من الواضح أنه بعد صلوحه لذلك لا يوجب قطعية صدورالعام أو ظنيته ذرة فرق في ذلك أصلا فإنه إن كان صالحا لذلك فهو كذلك‏مطلقا و إلا فلا مطلقا(و الأخبار الآمرة برد)الخبر المخالف للقرآن و أنه‏


73

باطل و زخرف منصرفة عن هذه المخالفة فإنها ليست بمخالفة عند العرف‏سيما إذا كانت في كلام المقننين اللذين من دأبهم الاتكال على القرائن المنفصلةو إلا فصدور المخالف للكتاب بهذه المخالفة عنهم عليهم السلام كثيرا ممالا إشكال فيه و الظاهر أن المسألة إجماعية لاستقرار سيرة الأصحاب خلفاعن سلف على العمل بالأخبار الآحاد في مقابل عمومات الكتاب بلا خلاف‏من أحد و لا ارتياب‏

فصل إذا ورد العام و الخاص المتخالفان في السلب و الإيجاب‏

فإماأن يعلم تاريخ صدورهما أو لا يعلم ذلك و على تقدير العلم به إما يكون صدوركل منهما قبل وقت الحاجة و زمان الامتثال أو يختلفان في ذلك فيكون الخاص‏واردا قبل وقت الحاجة و زمان الامتثال أو يختلفان في ذلك فيكون الخاص‏واردا قبل وقت الحاجة و العام بعده أو بالعكس و(الحق في جميع الصورالأربعة)هو حمل الخاص على القرينية للعام و تخصيصه به‏

و قبل بيان ذلك‏ينبغي ذكر مقدمتين‏

(الأولى)

أنه قد يتراءى في كلمات بعض الأصحاب هناقاعدة بني عليها مختارهم في المقام و هي قبح تأخير البيان عن وقت الحاجةو قد علل ذلك باستلزامه إيقاع المكلف في الاشتباه و الإقدام إلى ما هو خلاف‏المراد فذهب المحقق صاحب الكفاية(قدس سره)تبعا للتقريرات لأجل هذه القاعدةفي الصورة الرابعة من الصور المذكورة و هي ما إذا أورد الخاص متأخرا عن‏وقت العمل بالعام إلى أن الخاص ناسخ للعام إذا كان العام واردا لبيان الحكم‏الواقعي و أن تخصيصه به يتوقف على كون العام واردا لبيان الحكم الظاهري‏فقط كي لا يلزم تأخير بيان الحكم الواقعي عن وقت الحاجة المفروض قبحه‏(و لكن التحقيق عدم تمامية)البناء و لا المبنى(أما)البناء فلأن العام مع‏عدم كشفه عن المراد الواقعي و ظهوره فيه فلا يمكن الأخذ بعمومه فيخرج‏عما هو المفروض من تعارض ظهور العام مع الخاص ففرض ورود العام لبيان‏


74

الحكم الظاهري فقط مما لا معنى له في محل البحث هذا إذا كان المراد من‏ذلك الفرض عدم دلالة العام على العموم و عدم كشفه عنه الذي هو مستلزم لعدم‏انعقاد الظهور(و أما إن كان المراد)منه عدم تعرضه لكون الحكم في كل‏فرد ناشئا عن مصلحة تقتضيه و كان المراد من الفرض الأول تعرضه لذلك‏كما أفاده المحقق الأصفهاني قدس سره في الحاشية(ففيه أنه أيضا)خروج عما هومحل البحث من تعارض الخاص مع ظهور العام بحيث يصلح الخاص لكونه‏قرينة للمراد من العام إذ مع تعرضه لذلك يكون العام نصا في العموم و يكون‏الخاص منافيا معه بلا بحث و لا كلام و على أي تقدير فالتفصيل المذكور لامحل له أصلا(أما المبنى)فلأن تأخير البيان عن وقت الحاجة و إن كان قبيحاإلا أن قبحه ليس بذاتي على حذو الظلم بل هو قبيح ما لم يترتب عليه ما يوجب‏حسنه و مع وجود الجهة المقتضية له لا قبح فيه أصلا فقد يكون في البين مصلحةتقتضي عدم بيان تمام المراد و اتباع حكم العام إلى زمان تماميته و لا إشكال‏حينئذ في لزوم التأخير لو كانت المصلحة لزومية فضلا عن حسنه(و من ذلك‏يندفع الإشكال)في المخصصات الواردة عن المعصومين عليهم السلام للعمومات‏الكتابية أو النبوية أو غيرهما مما ورد قبل زمان المخصصات فالالتزام بالنسخ‏فيها دون التخصيص بلا ملزم(و كيف يمكن)الالتزام به في جميع الروايات‏الخاصة المروية عنهم عليهم السلام بكثرتها مع أنه مستلزم لوقوع النسخ‏في غالب أحكام الشرع و ذلك كما ترى في غاية الوهن و يكون مما يقطع‏بخلافه‏

(الثانية)

قد يتوهم أن نسخ الحكم قبل زمان العمل به غير معقول‏إذ مع وجود مصلحة في متعلقه لا معنى لرفعه و مع عدمها لا يصح البعث إليه وعلى ذلك بني لزوم كون الخاص المتقدم مخصصا للعام المتأخر الوارد قبل‏حضور وقت العمل بالخاص(و التحقيق أن الحكم إن كان)هو الحكم البعثي‏


75

المنشأ بداعي البعث و التحريك إلى متعلقه فلا يصح نسخه قبل وقت العمل‏به من الحكيم الملتفت(و أما إن كان)منشؤه بداع آخر غير داعي جعل الداعي‏مثل الامتحان فجواز نسخه مما لا يخفى فيستكشف من نسخه عدم وجودمصلحة فيه من أول الأمر و أنه لم يكن منشأ بداعي البعث و التحريك فتدبرجيدا(إذا عرفت هاتين المقدمتين فالعمدة من الصور الأربعة)و التي يردفيها الإشكال هي صورة تأخر الخاص عن العام بعد حضور وقت العمل(به فقديقال فيها)بنسخ حكم العام بالخاص من جهة أن بناء العقلاء إنما هو على ذكرقرينة الكلام قبل حضور وقت الحاجة إليه و احتمال وجود مصلحة في التأخيرمما لا يعتنون به في محاوراتهم و يكون التكلم بهذا النحو أعني تأخير القرينةعن وقت العمل مع إرادة خلاف ظاهر الكلام خارجا عن طريقة المتكلمين‏و سيرة المقننين(لكنك بعد)ما عرفت من أن الالتزام بالنسخ في جميع‏الروايات الخاصة المروية عنهم عليهم السلام في غاية الإشكال و أن تأخيرذكر قرينة التخصيص عن وقت العمل بالعام المتقدم مما لا إشكال فيه إذا كان‏في البين مصلحة تقتضيه كما يتفق ذلك كثيرا في عمومات الأحكام الشرعيةكما يظهر ذلك بعد ملاحظة حال الإسلام و المسلمين و أئمتهم عليهم السلام في صدرظهور شريعة خاتم النبيين صلى اللَّه عليه و آله و سلم تعرف أن حمل الروايات الخاصةفي كلمات المعصومين عليهم السلام على التخصيص مما لا مناص عنه(هذا مع)أن الظاهر من كلماتهم عليهم السلام أنهم كانوا بصدد تبليغ الأحكام السابقةالنبوية التي لم يعلم بها الناس و كانت مختفية عليهم لموجبات اقتضت ذلك وإنهم لم يكونوا في مقام تأسيس حكم أصل بل كانوا مبلغين عن النبي صلى اللَّه عليه و آله‏فقط و كلما قالوا به فإنما عنه قالوا و على ذلك فلا مجال لاحتمال النسخ في‏كلماتهم أصلا من غير فرق بين الصور الأربع المذكورة كما لا يخفى‏


76

المقصد الرابع في المطلق و المقيد

فصل قد اختلفوا في أن‏الإطلاق هل هو مدلول اللفظ أو مقتضى القرينة العامة

و هي مقدمات الحكمةفذهب سلطان العلماء و من تأخر عنه إلى الثاني و محكي المشهور من قبله إلى‏الأول‏

و التحقيق في ذلك يتم ببيان أمور

(الأمر الأول)

(لا يخفى أن الإطلاق‏(و التقييد)حالتان تعرضان على موضوع الحكم باعتبار موضوعيته للحكم وترتب الحكم عليه فقد يكون الحكم ساريا إلى جميع أفراده و مصاديقه من‏جهة عدم تقيد الموضوع بقيد يصنفه أو ينوعه و حينئذ يكون الموضوع بالنسبةإلى هذا الحكم المترتب عليه مطلقا و إن كان بالنسبة إلى حكم آخر يترتب‏عليه لا كذلك مقيدا فصدق كل من المطلق و المقيد عليه يكون مراعى وناشئا من كيفية موضوعيته للحكم و لذا يختلف صدقهما باختلاف الأحكام‏كما يمكن اختلافه باختلاف الأزمنة فيصح أن يكون الموضوع بملاحظةحكم من الأحكام مطلقا في زمان و مقيدا في زمان آخر(و على ذلك)فلا يصح‏أن يقال بأن هذا الموضوع مطلق بملاحظة ذاته مع قطع النظر عما يترتب‏عليه من الحكم و ذاك مقيد كذلك و كيف ذلك و ليس معنى الإطلاق إلا عدم‏محدودية الحكم في سريانه إلى أفراد موضوعه باعتبار عدم تقيده بواحد من‏القيود المتصفة أو المفردة له كما أن معنى التقييد محدوديته في سريانه وجريانه و لو كان للموضوع بلحاظ ذاته إطلاق أو تقييد لما كان يختلف الموضوع‏فيهما باختلاف الموارد و الأحكام مع أن اختلافه باختلافهما واضح بلا كلام‏(فإن الرقبة)مثلا في مسألة كفارة اليمين مطلقة و في مسألة كفارة القتل‏عن خطاء مقيدة فلو كانت في حد ذاتها مطلقة لما كانت في بعض المواردمقيدة و كذلك يكون غيرها من موضوعات الأحكام كما يلاحظ ذلك في‏غير مقام(ثم إنك إذا عرفت هذه النكتة الدقيقة تعرف)أنه لا موقع لبعض‏


77

المباحث الواقعة في كلمات القوم على ما يلاحظ من كتبهم(فمنها الكلام)في تعريف المطلق بأنه ما دل على شائع في جنسه فإن الإطلاق على ما بينا ليس‏وصفا للكلمة المفردة الدالة على المعنى الساري في جنسه بل هو وصف‏للموضوع بلحاظ سريان الحكم إلى جميع أفراده و جريانه في تمام مصاديق‏فلا وقع لهذا التعريف أصلا(و منها)البحث عن حال معنى لبعض الألفاظ الذي‏تخيل صدق المطلق عليه مثل النكرة و اسم الجنس و علمه(و منها)غير ذلك‏مما يعلم بالمراجعة إلى كلمات بعض الأعلام فراجع إليها و تأمل فيها بماذكرناه من التحقيق‏

الأمر الثاني‏

لا ريب في أن التقابل بين الإطلاق و التقييد بناءعلى ما حكي عن المشهور من أن الإطلاق مأخوذ في نفس ما وضع له اللفظالمطلق إنما هو تقابل التضاد لكون كل منهما أمرا وجوديا ينافي الآخر و يعانده‏و أما على مختار سلطان العلماء و من تبعه قدس أسرارهم من خروج الإطلاق‏من الموضوع له و أنه عبارة عن عدم التقييد فهل يكون التقابل بينهما من‏باب السلب و الإيجاب أو من باب تقابل العدم و الملكة(و الحق هو الثاني)فإن تقابل السلب و الإيجاب إنما يكون بين الوجود و العدم المطلق اللذين‏لا يخلو ماهيته عن حمل أحدهما عليها و لا يمكن ارتفاعهما عنها(و أما إذا كان العدم)مأخوذا بنحو العدم الخاص و كان قابلية موضوعه للإنصاف بالوجود المتقابل‏معه معتبرة في صدقه فلا محالة يكون تقابله مع الوجود من تقابل العدم و الملكةمثل تقابل البصر مع العمى فإن العمى يحمل على الحيوان الذي لا يبصر مع‏قابليته للبصارة و لا يحمل على غيره ممن ليس له شأن ذلك و لذلك يمكن‏ارتفاعهما عن محل واحد(و من الواضح أن التقابل)بين الإطلاق و التقييدمن هذا القبيل فإن الإطلاق كما ذكرنا في الأمر الأول عبارة عن عدم تقييد


78

موضوع الحكم ببعض القيود المصنفة التي يمنع تقييد الموضوع بها عن‏سريان الحكم إلى جميع أفراده و لو لم يكن الموضوع قابلا للتقييد لما كان‏يستفاد من عدم تقييده ذلك السريان و الشياع لإمكان أن يكون عدم تقييده‏لعدم إمكانه لا لشياع الحكم لجميع أفراده و سريانه‏

الأمر الثالث‏

أن لحاظ الموضوع عند ترتيب الحكم عليه لا يخلومن وجوه أربعة فإنه قد يلاحظ الموضوع بنفسه من غير أن يتعدى عنه اللحاظإلى غيره و يكون النظر في مقام موضوعيته و ترتب الحكم عليه مقصوراعليه و مقطوعا عن غير ذاته و حينئذ فيترتب الحكم على نفس ذاته فيقال زيدعالم و هذا نائم و الإنسان حيوان ناطق(و قد يكون النظر)متعديا إلى حالة من‏حالاته الحاصلة من نسبته إلى شي‏ء غيره و متجاوزا إلى كون من أكوانه‏الناشئة من إضافته إلى سواه و حينئذ فتارة يلاحظ في موضوعيته و ترتب الحكم‏عليه كونه على تلك الحالة و ذلك الكون(و ثانية)يعتبر فيها عدم كونه عليها(و ثالثة)يلاحظ فيها عدم ملحوظية كونه عليها في ترتب الحكم عليه و لا عدم‏كونه عليها فيكون الموضوع في الأول مأخوذا بشرط شي‏ء و في الثاني بشرطلا و في الثالث لا بشرط مثلا إذا كان موضوع الحكم ماهية من الماهيات فهي‏قد تلاحظ في مقام ذاتها مع قصر النظر عليها فلا يلاحظ معها خصوصية من‏خصوصيات أفرادها و كون من أكوان أصنافها فيقال الإنسان حيوان و قديكون النظر متجاوزا عنها إلى واحدة من الخصوصيات الأفرادية و الأكوان‏الشخصية و في هذا القسم يكون لحاظه بالنسبة إلى تلك الخصوصية(على‏ثلاثة أنحاء فطورا)يكون الملحوظ و المعتبر تخصصها بها و اقترانها معهافيقال مثلا الإنسان العالم خير من الجاهل و آخر يلاحظ فيه تجردها عنهافهي تكون بالنسبة إلى تلك الخصوصية بشرط لا و ثالثا يكون الملحوظ عدم‏


79

اعتبار واحد من هذين القيدين فيه(و لا مضايقة في)تسمية الماهية في‏الأول مخلوطة و في الثاني مجردة و في الثالث مطلقة و لكن ليعلم أن التقسيم‏المذكور ليس تقسيما للماهية بل هو تقسيم للحاظ و الاعتبار فالماهية الواحدةيمكن لحاظها و اعتبارها على أربعة أطوار بل قد ذكرنا أن اعتبار كل موضوع‏في ترتيب الحكم عليه لا يخلو من هذه الأنحاء(فاتضح من ذلك)أن البحث‏عن الكلي الطبيعي و أنه هل هو إلا لا بشرط القسمي من الماهية أو المقسمي ممالا مجال له بل الماهية المهملة مع قطع النظر عن لحاظها هي الكلي الطبيعي‏فهذه اللحاظات المتقدمة كما تعرض الماهية في مقام الحكم عليها فكذلك‏تعرض الكلي الطبيعي فهو أيضا في مقام ترتيب الحكم عليه يلاحظ على نحومن هذه الأنحاء(كما اتضح أن)لحاظ الماهية في نفسها و مع قصر النظر عليهاليس من اللابشرط المقسمي في شي‏ء بل هو قسم للحاظ في مقابل ما إذا تعدى‏النظر عنها إلى ملاحظة خصوصية من الخصوصيات الخارجية و ذاك المقابل‏بالفتح مقسم للأقسام الثلاثة و لا وجود له إلا في واحد منها كما في كل مقسم بالنسبةإلى أقسامه فملاحظة المقسم بخصوصه و تصويره في مقابل أقسامه مما لا معنى‏له(فاستنتج من جميع ما ذكرنا)أن الماهية مع قطع النظر عن اللحاظ الطاري‏عليها هي الكلي الطبيعي و هي ليست بمقسم للأقسام الثلاثة كي يقال إن الكلي‏الطبيعي هو اللابشرط المقسمي كيف و يستحيل أن يكون الكلي الطبيعي‏الذي هو الجامع بين الأفراد الخارجية و الممكن الصدق عليها مقسماللابشرط القسمي الصادق على الأفراد الخارجية أيضا و للماهية بشرط لا الممتنع‏صدقها عليها فالكلي الطبيعي قسيم للماهية بشرط لا و قسيم الشي‏ء لا يكون‏مقسما له فما أفاده المحقق السبزواري و تبعه المحقق صاحب التقريرات‏و المحقق صاحب الكفاية قدس أسرارهم من أن الكلي الطبيعي هو المقسم‏


80

لتلك الأقسام مما لا يمكن مساعدته كما لا يمكن مساعدة القول بأنه هواللابشرط القسمي فإن اللابشرط القسمي ملحوظ بلحاظ يوجب فناءه في‏جميع الأفراد الخارجية و صدقه بالفعل عليها و الكلي الطبيعي ما هو قابل‏للصدق عليها من غير أن يكون ملحوظا فانيا فيها فتعين القول بأنه هو الماهيةالمهملة التي يمكن لحاظها بأنحاء لا الملحوظة خاص فعلا كما بينا(إذا عرفت‏هذه الأمور فالحق ما ذهب إليه)سلطان العلماء و من تبعه من المحققين‏المتأخرين من خروج الإطلاق عن الموضوع له و احتياجه في إفادته إلى‏القرينة العامة و وجهه في غاية الوضوح بعد ما ذكرنا في الأمر الأول من أن‏الإطلاق ليس إلا عدم تقييد موضوع الحكم بقيد يمنع من سريان الحكم‏إلى جميع أفراده فهو و التقييد حالتان يتصف بإحداهما الموضوع تارة وبالأخرى أخرى(و لو صرف النظر عن ذلك)و قيل بأن اللفظ يتصف في‏حد ذاته به و لو لم يكن في البين حكم أصلا و أن النكرة إذا كان معناها الحصةالشائعة لا الفرد المعلوم في الواقع المجهول عند المخاطب أو المتكلم تتصف‏به نفسها و كذلك أسماء الأجناس(فما ذكرنا)في الأمر الثالث من أن الماهيةلا تقسيم لها أصلا و أن الأقسام المذكورة ترجع إلى اللحاظ يكفينا في إثبات‏ما قويناه إذ عليه لا يكون الماهية الملحوظ فيها الإطلاق و عدم اعتبار قيد فيهاعلى نحو اللابشرط القسمي قسما على حدة كي يكون أسماء الأجناس موضوعةله و يكون الإطلاق داخلا في نفس معانيها(ثم على تقدير الإغماض)عن ذلك‏أيضا(فلا ريب)في أن وجدان كل متأمل يساعد وضع كل من أسماء الأجناس‏للطبيعة الصرفة التي هي اللابشرط المقسمي في نظر المغمض عما ذكرنالا للطبيعة الملحوظة فيها الشياع و الإطلاق التي هي اللابشرط القسمي فتدبرجيدا و احفظ جميع ما ذكرنا ثم راجع إلى تقريرات دروس بعض الأعلام(قدس سره)


81

هنا تطلع على الخلل الواقعة فيها إن شاء اللّه تعالى علمنا اللّه ما لم نعلم و جعلنامن مؤيدي دينه إن شاء اللّه ثم(إنه بعد ما تحقق خروج الإطلاق)عن الموضوع‏له و أنه لا بد لإفادته من قرينة تقتضيه(يقع الكلام في القرينة)المقتضية له وحيث إن القرينة المخصوصة بمورد خاص لا ضابط لها فلا بد من صرف الكلام‏إلى البحث عن القرينة العامة التي يستفاد منها الإطلاق في المحاورات العرفيةو هي تتوقف على وجود مقدمات ثلاث«و هي المقدمات»المعروفة«بمقدمات‏الحكمة الأولى»أن يكون ما نريد أن نتمسك بإطلاقه من موضوع الحكم‏أو متعلقه قابلا للتقييد ليكون تركه عن الاختيار فيكشف ذلك عن عدم‏دخالة القيد المحتمل دخله فيه واقعا و إلا لأمكن أن يكون ترك التقييد من‏جهة عدم إمكانه«الثانية»أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده من الجهةالتي نريد أن نتمسك بالإطلاق من تلك الجهة ليستكشف من ذلك أن ما هوظاهر كلامه من الإطلاق و عدم دخالة القيد في المطلوب مراد له واقعا لا أن‏يكون في مقام بيان مطلوبه في الجملة على نحو الإهمال و الإجمال و إلا لما كان‏الإطلاق في مقام الإثبات كاشفا عن الإطلاق في مقام الثبوت و الواقع و لا أن‏يكون في مقام بيان تمام مطلوبه من غير تلك الجهة التي يتمسك بالإطلاق عنها و إلافليس كون المتكلم في مقام البيان من جهة كاشفا عن الإطلاق في عالم الثبوت‏من جهة أخرى كما لا يخفى«نعم»لا ينبغي الريب في أن بناء العقلاء على الأخذبالإطلاق في موارد الشك في كون المتكلم في مقام بيان تمام مطلوبه فإن‏الظاهر من الأمر بالطبيعة مثل اضرب و أعتق رقبة هو مطلوبية نفس الطبيعةمن دون دخل قيد فيها يكون هو جزء المطلوب و لا تأمل في أن بناء العقلاءعلى أن ما يكون كلام المتكلم ظاهرا فيه من المعنى مراد و مطلوب له في‏الواقع فإذا شك في أن المتكلم في مقام بيان تمام مراده أو في مقام صرف التشريع‏


82

على الإهمال و الإجمال أو شك في أنه في مقام بيان المطلوب من جميع الجهات‏أو من بعضها دون بعض فبما أن الظاهر من كلامه هو أن صرف الطبيعة المأموربها تمام المطلوب من دون دخل قيد فيها من واحدة من الجهات التي لم يقيدالمطلوب بالنسبة إليها في مقام الإثبات فعند العقلاء يكون هذا الظاهر مراداللمتكلم الذي هو من أهل المحاورة ما لم يأت بقيد في كلامه أو علم بعدم‏كونه في مقام بيان تمام مراده من جهة واحدة أو من جميع الجهات«و بالجملة»ففي جميع موارد الشك يحمل الكلام على كونه في مقام البيان من جميع‏الجهات لما ذكرنا من بناء العقلاء على الأخذ بظاهر الكلام لاستكشاف ما هوالمطلوب و المرام فالفرق بين ما إذا وقع الشك في أنه في مقام البيان أوالإهمال و بين ما إذا شك في كونه في مقام البيان من جهة واحدة أو أكثر كمايظهر من المحقق النائيني(قدس سره)ما لم يتضح لي وجهه(و قد اتضح مما ذكرنا أنه)لا يستكشف من تقييد المطلق من جهة سواء وقع ذلك بالمقيد المتصل أوالمنفصل عدم جواز الأخذ بالإطلاق من سائر الجهات إذا كان للمطلق‏جهات عديدة فتقييد الرقبة مثل أعتق الرقبة بالإيمان لا يستلزم عدم جوازالأخذ بالإطلاق في إثبات عدم اعتبار البلوغ و العلم في الرقبة فإن غاية ما يستفادمن التقييد الخارجي هو اقتضاء المصلحة لتأخير بيان هذا الجزء من المطلوب‏دون غيره من الأجزاء المعتبرة فيه كيف و قد اقتضى الإطلاق عدم اعتبار قيدفيه أصلا و قد خرج هذا الجزء بالدليل و أما غيره من القيود المحتمل دخلهافيه فالإطلاق يدفعه فالعثور على مقيد واحد للدليل المطلق أو أكثر لا توجب‏عدم جواز التمسك بإطلاقه مطلقاالثالثة عدم وجود ما يصلح لاعتماد المتكلم عليه في بيان التقييدسواء كان ذلك قرينة لفظية متصلة لكلامه أو منفصلة عنه أو غيرها من القرائن‏


83

مثل الشهرة كما إذا كان استعمال ما يتصف بالإطلاق في الأقل مشهورا بحيث‏يصح اعتماد المتكلم في بيان قرينة التقييد على شهرته و تكون تلك الشهرةموجبة لتردد اللفظ بينه و بين ما وضع له أولا الذي هو الأكثر(و أما وجود)ما لا يصلح للقرينية فغير ضائر للتمسك بالإطلاق إذ لا يرتفع به قبح إخلال‏المتكلم بالبيان إذا كان مراده في عالم الثبوت هو المقيد فإن المتكلم لا بد له‏أن يلقي كلامه في عالم الظهور على طبق مرامه في عالم الواقع فإن كان مطلقافمطلقا و إلا فمقيدا فإذا كان مراده الواقعي هو القسم الخاص من المطلق‏لزم عليه أن يأتي في كلامه بقرينة تدل عليه إذا لم يكن في البين ما يصح‏الاتكال عليه لبيانه و أما وجود ما لا يصلح للقرينية فلا يكفي أصلا و لا يرتفع‏معه الإخلال بالبيان كما لا يخفى(ثم إذا تمت هذه المقدمات الثلاث)يكون‏الإطلاق في مقام الإثبات كاشفا عن كون المراد في مقام الثبوت هو المطلق‏بنحو كشف المعلول عن علته كما في سائر الدلالات الآتية(و أما ما جعله المحقق‏صاحب الكفاية قدس سره)من المقدمات و هو عدم وجود القدر المتيقن في مقام‏التخاطب فالحق أنه ليس من المقدمات و قد اتضح وجهه مما ذكرنا فإن‏وجود القدر المتيقن سواء كان في الخارج أو في مقام التخاطب لا يصحح‏إخلال المتكلم بالبيان و لا يخرج الكلام عن كونه مخالفا لما هو الغرض و المرام‏و لو صح ما أفاده(قدس سره)لما كان يصح التمسك بإطلاق أكثر ما ورد في الشرع‏من المطلقات لورودها في مورد خاص يكون هو القدر المتيقن في مقام‏التخاطب اللهم إلا أن يكون مراده(قدس سره)من ذلك مثل الشهرة التي تصلح‏للقرينية في المجاز المشهور كما عن بعض محشي الكفاية(قدس سره)و حينئذ فمرجع‏هذه المقدمة إلى ما جعلناه مقدمة ثالثة و جعله(قدس سره)مقدمة ثانية بتفاوت‏ما كما هو واضح

ثم(إن هنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما

(الأول)

قد تبين سابقا


84

أن الإطلاق عبارة عن عدم التقييد و ليس بأمر وجودي في مقابله و عليه فالدليل‏عليه هو سكوت المتكلم و عدم إتيانه بقيد و بذلك يفترق الشمول المستفادمنه عن الشمول المستفاد من ألفاظ العموم فإن الدال عليه هنا هو السكوت‏و هناك الألفاظ الموضوعة له و لذلك يتقدم العام على المطلق الشمولي بلا إشكال‏بل يكون واردا عليه و بيانا له كما في كل دليل التقييد بالنسبة إلى الدليل‏المطلق حيث إن الظفر بالمقيد يوجب أن لا يكون للتمسك بالإطلاق مجال‏مثل غيره من القرائن المانعة عن الأخذ بالظواهر

(الثاني)

أن انصراف المطلق‏إلى بعض الأقسام و إن كان في المنقول عن بعض المحققين منقسما إلى ما ربمايزيد على عشرة(أقسام إلا أن المهم منه قسمان)فإن منه ما يكون بدويا يزول‏بأدنى تأمل مثل الانصراف الناشئ من غلبة الوجود في الخارج و هذا القسم‏لا يمنع من الأخذ بالإطلاق بلا كلام و القسم الآخر منه ما يكون موجبا لظهوراللفظ في المنصرف إليه بحيث يكون استفادة الشمول من اللفظ محتاجاإلى مئونة زائدة و إقامة قرينة مبينة و اللفظ في هذا القسم يكون من قبيل الكلام‏المحفوف بالقرينة فلا إطلاق له من أول الأمر أصلا كما بينا

فصل هل تقييد المطلق يستلزم كونه مجازا أم لا

فيه أقوال ثلاثة ثالثهاالتفصيل بين التقييد بالمتصل و التقييد بالمنفصل و لا يخفى أن محل الكلام‏إنما هو غير الأعلام الشخصية حيث إن الإطلاق فيها لا يعقل أن يكون داخلافي الموضوع له كي يكون تقييدها موجبا لمجازيتها(و أنت بعد)ما عرفت‏سابقا من خروج الإطلاق عن الموضوع له في غيرها أيضا(يظهر لك أن الحق)هو عدم استلزامه لكون المطلق مجازا في محل الخلاف أيضا من غير فرق‏بين نحوي التقييد فإن الألفاظ تستعمل في حالتي الإطلاق أو التقييد في معنى‏واحد و يكون كل من الإطلاق و التقييد خارجا عن مفاد اللفظ و لا بد في‏


85

استفادة كل منهما من دليل يدل عليه فاستفادة الإطلاق مثل استفادة التقييدمحتاجة إلى وجود قرينة تدل عليه و هذه القرينة هي عدم وجود قرينة التقييدو سكوت المتكلم في مقام البيان عن ذكر القيد(نعم لو بنينا)على أخذ الإطلاق‏في الموضوع له بحيث كان مفهوم لفظ رقبة مثلا مساوقا مع مفهوم أي رقبةلكان اللازم هو الالتزام بصيرورة المطلق بالتقييد مجازا و لو كان المقيد متصلاحيث إن التقييد ينافي الإطلاق و الشياع و السريان فلا بد عند تقييده من‏تجريده عن الإطلاق المأخوذ فيه فيكون مجازا(و قد انقدح)من ذلك أن‏التفصيل في المقام بين التقييد بالمتصل و التقييد بالمنفصل لا يتم على كلا القولين‏

فصل إذا ورد مطلق و مقيد متنافيان‏

سواء كانا متخالفين في السلب‏و الإيجاب أو كانا متوافقين فهل القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد أم لا

و قبل بيان ذلك ينبغي ذكر مقدمة

و هي أن الحمل المذكور إنما يكون‏بين الدليلين إذا كان بينهما التنافي المتوقف على إحراز وحدة الحكم‏المستفاد منهما فما لم يحرز وحدة الحكم الموجود بينهما و أنه‏ليس في البين إلا حكم واحد كشف عنه الدليلان لا يمكن المصيرإلى هذا الحمل لعدم ثبوت تناف بينهما بل يعامل مع كل معاملةنفسه(و تلك الوحدة)اللازمة قد تحرز بدليل خارجي من إجماع و نحوه‏و لا كلام فيه(و قد تحرز)من ظاهر نفس الخطابين و هو يتوقف على ثلاثةأمور الأمر«الأول»أن يكون الحكم في كل من المطلق و المقيد مرسلا مثل‏ما إذا أورد أعتق رقبة و أعتق رقبة مؤمنة أو يكون معلقا و مشروطا بشي‏ءواحد مثل إن ظاهرت فأعتق رقبة و إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة بداهة أنه‏إذا لم يكونا كذلك كما إذا كان أحدهما مرسلا و الآخر معلقا أو كان كلاهمامعلقين و لكن أحدهما بشي‏ء و الآخر بآخر لا يمكن المصير إلى الحمل‏


86

المزبور لعدم إحراز وحدة الحكم في الأول و إحراز التعدد و الاثنينيةفي الثاني كما هو واضح(الأمر الثاني)أن يكون الأمر بالمقيد إلزاميا إذلو لم يكن إلزاميا لما كان له مخالفة و منافاة مع الأمر بالمطلق فإن ترخيصه‏في ترك الإتيان بالمقيد يوجب عدم تنافيه مع مطلوبية متعلق الحكم الآخربإطلاقه المستدعية لجواز الإتيان بذلك المتعلق في أي فرد أراده المكلف‏و لا يخفى وضوح ذلك فيما إذا كان الأمر بالمطلق لزوميا لعدم إمكان وحدةالحكمين في هذا الحال كي يحمل مطلقهما على المقيد و أما إذا كان الأمربالمطلق أيضا غير إلزامي فبما أنه يمكن وحدة الحكم المستفاد منهما بأن‏لا يكون في البين أمر استحبابي إلا بالمقيد يشكل في عدم حمل المطلق حينئذعلى المقيد و على ذلك فتوجيه«ما ذهب إليه»المشهور من عدم حمل مطلقات‏المستحبات على مقيداتها بهذا الوجه و تعليله بعدم كون حكم المقيد إلزامياكما عن بعض الأساطين«قدس سره»ليس كما ينبغي فإن هذا الوجه إنما يتم الاستنادإليه فيما إذا كان حكم المطلق إلزاميا كي يستحيل وحدة الحكمين التي هي‏اللازمة في ذلك لا فيما إذا كان هو أيضا غير إلزامي كما في باب المستحبات وسيجي‏ء التحقيق في توجيهه إن شاء اللّه تعالى«فانقدح»توقف الحمل المزبورعلى أن يكون حكم المقيد إلزاميا و أما«توقفه على كون حكم»المطلق‏أيضا كذلك كما عن المحقق النائيني«قدس سره»فهو مما خلافه واضح بداهةجواز ذلك الحمل بل لزومه فيما إذا كان الأمر بالمقيد إلزاميا مع كون الأمربالمطلق غير إلزامي لامتناع كون الواجب من مصاديق المستحب بالضرورةفيلزم تقيد متعلق الأمر الاستحبابي بعنوان غير عنوان الواجب‏الأمر الثالث أن يكون متعلق كل من الخطابين صرف الوجودفيكون صرف وجود الطبيعة المطلقة متعلقا لحكم المطلق و صرف وجودالمقيد متعلقا للحكم في المقيد فلو كان متعلق خطاب المطلق هو الإتيان‏


87

بالطبيعة في ضمن فرد لا يتحقق فيه متعلق حكم المقيد و لا يكون مصداقا له‏لما كان بين الخطابين منافاة و لاستحال وحدة الحكم الموجود في البين لأجل‏مباينة كل من المتعلقين مع الآخر ثم(إذا تحقق هذه الأمور)فالمستكشف‏من نفس الخطابين هو وحدة الحكم و التكليف في الواقع إذ لو كان خطاب‏المطلق مشتملا على تكليف مستقل غير تكليف المقيد لكان من جهة استقلال‏ملاك متعلقه و مصلحة التامة الداعية إلى الأمر به لا محالة و حينئذ فهذا الملاك‏الموجب للأمر لو كان في ضمن صرف وجود طبيعة المتعلق لكان الإتيان‏بالمقيد وافيا به لتحقق صرف الطبيعة فيه فلا معنى للأمر التعييني بمتعلق‏المطلق لإمكان تحققه بمجرد الإتيان بالمقيد بل لا بد من التخيير بين‏الإتيان بالمقيد فقط و بين الإتيان بمتعلق المطلق في ضمن فرد لا يكون‏مصداقا للمقيد ثم الإتيان بالمقيد بعده و حينئذ فاستقلال كل من الأمرين لا وجه له‏«و لو كان الملاك في ضمن»الأفراد التي لا تكون مصاديق للمقيد لما كان في‏الأمر بصرف الوجود وجه و لخرج الأمر عما يكون محل الكلام في المقام‏كما هو ظاهرثم«إذا تمهدت لك هذه المقدمة»فاعلم أن الضابط المراعى في‏حمل المطلق على المقيد إنما هو أظهرية المقيد في التقييد من المطلق في‏الإطلاق فما لم يكن المقيد ظهوره في التقييد أقوى لا مجال لحمل المطلق‏عليه و في كلمات بعض الأعاظم(قدس سره)هنا ضابط آخر غير ما ذكرنا كلما أتأمل‏فيه يزدني التأمل إشكالا«و هو أن»الظهور إذا كان في القرينة فلا بد من تقديمه‏على ظهور ذيها و لو كان ظهوره في نفسه أقوى من ظهورها من جهة أن الشك‏في ما أريد بذي القرينة مسبب عن الشك في ما أريد بها فالأخذ بظاهرها يوجب‏رفع الشك في ما أريد به و هذا بخلاف الأخذ بظهوره فإنه لا يوجب رفع اليدعن ظاهر القرينة إلا بالملازمة العقلية فيقدم الأخذ بظاهرها على الأخذ


88

بظاهره من غير ملاحظة أقوائية ظهور أحدهما من ظهور الآخر ثم ذكر«قدس سره»بعد ذلك ظابطا آخر لتشخيص القرينة عن ذي القرينة و«ملخصه»أن ما هوالفضلة في الكلام كالوصف و نحوه قرينة لما هو العمدة فيه كالفاعل و المفعول‏من جهة أن الفضلة في الكلام إنما يؤتى بها لإفادة تمام المراد فلا محالة تكون‏هي القرينة المبينة له هذا(و لكنك خبير بما في كلا الكلامين)فإن القرينةللكلام إنما هي ما يؤتى به لأجل كونه موضحا للمراد بنفسه و مبينا للمقصودلشدة ظهوره فيه لا ما يؤتى به بقصد الإيضاح و لو كان أخفى من نفس‏الكلام في بيان المراد فلا يكون شي‏ء قرينة مبينة لشي‏ء إلا بعد أقوائية ظهوره‏في المراد من ذي القرينة فلو كان ما يؤتى به للبيان غير ظاهر في المراد و غيرمبين له فعلا و لم يكن في الظهور بمثابة يصلح للإيضاح و لاعتماد المتكلم‏عليه لما كان قرينة بل يكون مما تخيل قرينيته فيستحيل أن يكون ذو القرينةأقوى ظهورا منها كيف و لا يكون القرينة قرينة إلا بإيضاحها المراد و تنبيهاللمقصود كما ذكرنا«و من ذلك ظهر الإشكال»في كلامه الثاني فإن الفضلة لا تكون‏قرينة للعمدة دائما بل ربما يكون العمدة قرينة للفضلة إذا كان ظهور ماهو العمدة أقوى بحيث يفهم منه المراد مما هو الفضلة في الكلام فلا تغفل‏«إذا عرفت الضابط في حمل المطلق»على المقيد و عدمه فاعلم أن المطلق‏قد يكون بدليا و قد يكون شموليا و المقيد في كل من الصورتين قد يكون‏مخالفا مع المطلق في السلب و الإيجاب و قد يكون موافقا له في ذلك«فالصورأربعة»«الصورة الأولى»ما إذا كان المطلق بدليا مع مخالفته مع المقيدفي السلب و الإيجاب مثل أعتق رقبة و لا تعتق رقبة كافرة و بما أن ظهور النهي في‏الحرمة في هذه الصورة أقوى من ظهور المطلق في الإطلاق يكون النهي‏قرينة للتصرف في المطلق بحمله على المقيد كما ذكرنا«و الصورة الثانية»


89

ما إذا كان المطلق بدليا مع موافقته مع المقيد في السلب و الإيجاب مثل أعتق رقبةو أعتق رقبة مؤمنة و بما أن الظاهر من الخطابين وحدة الحكم كما تقدم في المقدمةيدور الأمر بين الأخذ بالإطلاق و حمل الأمر في المقيد على الاستحباب و بين‏حمل المطلق على المقيد بقرينة ظهور الأمر في الوجوب و حيث إن ظهورالمطلق في الإطلاق فعلي ناش من سكوت المتكلم عن التقييد فبوجودما بظاهره و معناه العرفي يصلح لكونه قرينة يرتفع موضوع الأخذ بالإطلاق‏«و لا ريب»أن احتمال كون الأمر للاستحباب أبعد من ظاهر الأمر من احتمال‏التقييد بالنسبة إلى ظهور المطلق فظهور الأمر في الوجوب أقوى من ظهوره‏بلا إشكال«و الصورة الثالثة»ما إذا كان المطلق شموليا مع مخالفته مع‏المقيد في السلب و الإيجاب مثل أكرم العالم و لا تكرم العالم شموليا مع مخالفته مع‏المقيد في السلب و الإيجاب مثل أكرم العالم و لا تكرم العالم الفاسق و لا إشكال‏في تقييد المطلق في هذه الصورة أيضا و يظهر وجهه مما ذكرنا في الصورةالأولى«و الصورة الرابعة»ما إذا كان المطلق شموليا مع عدم مخالفته مع‏المقيد بهذه المخالفة مثل أكرم العالم و أكرم العالم العادل و الظاهر في هذه‏الصورة عدم الحمل فإن الحمل كما ذكرنا إنما يكون بين الدليلين المتنافين‏الظاهرين في وحدة الحكم و من المعلوم عدم وجود التنافي بين الدليلين‏في هذه الصورة فإن ترتب الحكم على ما كان مصداقا للطبيعة الصرفة لاينافي ترتبه على ما كان مصداقا للطبيعة الخاصة المتصفة بوصف مخصوص‏إلا بناء على القول بدلالة التقييد بالوصف على انتفاء الحكم عند انتفائه و قدتقدم في محله ضعفه‏قد تم الجزء الثاني من الكتاب بعون الملك الوهاب‏


90

في المباحث العقلية


91

في بيان مجاري الأصول‏

بِسْمِ اللّهِ الرحمنِ الرَّحيم‏الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد وآله الطاهرين و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين اعلم أن المكلف‏الذي وضع عليه قلم التكليف و يكون مخاطبا بالبعث و الزجر و لو لم يكن‏بمكلف فعلا بالنسبة إلى تكليف خاص مثل الحكم الواقعي في مورد جريان‏البراءة الشرعية بناء على القول بشأنيته في مورده إذا التفت إلى حكم شرعي‏واقعي فإما يحصل له القطع به أو الظن به أو الشك فيه و في صورة حصول‏الشك إما يلاحظ الحالة السابقة أو لا و على الثاني إما أن يعلم بوجود تكليف‏في البين و لو بجنسه أو لا يعلم أصلا و على الأول فإما يمكن فيه الاحتياط و إمالا يمكن فالأول من هذه الأقسام الأربعة لصورة حصول الشك مجرى الاستصحاب‏و الثاني مجرى البراءة و الثالث مجرى الاحتياط و الرابع مجرى التخييرفمجموع المباحث الواقعة في الكتاب يرجع إلى ستة مباحث أربعة منهاترجع إلى صورة الشك و اثنان منها لبيان صورتي القطع و الظن بالحكم وقد انقدح من ذلك أنه لا مناص من تثليث الصور و الأقسام فإن هذا التقسيم‏إنما هو لبيان فهرست المباحث الواقعة في الكتاب و تبويب الأبواب فالإشكال‏بأن الظن إن كان معتبرا فهو ملحق بالعلم و إلا فبالشك لأن الظن الغيرالمعتبر أيضا مورد لجريان الأصل و الشك قد يكون موردا للتعبد بالأمارة


92

كما إذا لم تفد الأمارة ظنا بمؤداها بالنسبة إلى شخص في غير محله فإنه‏لا بد أولا من عقد بحث للظن كي يتميز فيه المعتبر عن غيره و يعلم حكم كل‏منهما كما أنه لا بد من عقد بحث للقطع كي يتبين فيه حجيته فيما إذا كان‏متعلقه حكما فعليا و عدمها فيما إذا كان شأنيا و قد اتضح من هنا أن تقييد الحكم‏في أول التقسيم بالفعلي مما لا وجه له كما أن تعميمه للواقعي و الظاهري أيضاكذلك(ثم إن المراد بالمكلف)هو خصوص المجتهد و لا يعم المقلد أصلا حيث‏إن المراد بالالتفات هو الالتفات التفصيلي الحاصل للفقيه بحسب علمه‏بمدارك الأحكام و إلا فالمقلد لا يحصل له علم و لا ظن بالواقع و لا ملاحظةالحالة السابقة و عدمها و لو حصل له شي‏ء من ذلك فلا عبرة به و ليس شكه‏موردا لجريان أصل أصلا و القول بأن أدلة اعتبار الطرق و الأصول تشمله و غايةما في الباب أنه حيث لا يتمكن من تشخيص مواردها ينوب عنه المجتهد في‏ذلك لا يغني شيئا بعد وضوح أن المراد بالملتفت في التقسيم هو المطلع على‏مدارك الأحكام كما ذكرنا(ثم إن إشباع الكلام)في المباحث الستة الراجعةأربعة منها إلى صورة الشك في الحكم يقع في مقاصد ثلاثة

فالمقصد الأول في القطع‏و فيه فصول‏

فصل‏

لا يخفى أن القطع عبارة عن نفس انكشاف الشي‏ء لدى الذهن‏و ظهوره فيه بحيث لا يحتمل خلافه فهو النتيجة الحاصلة من قيام المحرز و الكاشف‏و التعبير عنه بعنوان الكاشف أو المحرز أو المرآة للواقع أو الحجة عليه أوغير ذلك مما يشاهد في كلمات علمائنا قدس أسرارهم لا يخلو عن مسامحة ظاهرةبعد وضوح أنه هو نفس رؤية الشي‏ء و انكشافه و نوريته لا شي‏ء يحصل به ذلك‏كما هو قضية إطلاق هذه العناوين عليه نعم إطلاق الحجة بمعنى المنجز عليه‏بلا إشكال فإن انكشاف الحكم هو الموجب في الحقيقة لصحة العقوبة


93

على مخالفته و عدم معذورية العبد في عصيانه و إنما يطلق الحجة بهذا المعنى على‏غيره من الكواشف مثل الطرق و الأمارات باعتبار حصول هذا الانكشاف منه‏و لو تنزيلا و تعبدا(و أما إطلاقها)عليه بمعنى الحد الوسط في الإثبات على‏ما هو المصطلح عليه بين المنطقيين أو بمعنى الدليل و المثبت كما هو المرادمنها في ألسنة الأصوليين فعدم صحته بعد ملاحظة ما ذكرنا في غاية الوضوح‏بلا احتياج إلى مزيد بيان و إقامة دليل و برهان(ثم إنه قد انقدح مما ذكرنا)في بيان حقيقة القطع و ماهيته أنه غير قابل لتعلق الجعل به مطلقا لا الجعل‏البسيط و لا الجعل التأليفي(أما الأول)فلأن الانكشاف و الرواية إنما يحصل‏قهرا بمجرد خلقة النفس و جعلها بحيث ينكشف لديها الأشياء من غير احتياجه‏إلى جعل تكويني آخر وراء ذلك كما أن رؤية العين و بصارته أيضا كذلك‏(و أما الثاني)فلاحتياجه إلى طرفين يقع التأليف بينهما و ليس هنا شي‏ء آخروراءه كي يؤلف بينه و بين ذاك الشي‏ء كما هو ظاهر هذا في الجعل التكويني‏و أما الجعل التشريعي بمعنى التصرف في الحكم فهو أيضا غيرمعقول فإن الحكم المجعول ثانيا لا يمكن اجتماعه مع الحكم‏الأول في نظر القاطع سواء كان مثله أو ضده أو نقيضه لاستحالة اجتماع المثلين‏و الضدين و النقيضين و لو كان ذلك في نظر القاطع فقط لكفاية ذلك في المحذوريةهنا إذ لا يمكنه حينئذ التصديق بهما فجعل الحكم الشأني بداعي جعل الداعي‏لا معنى له بعد عدم إمكان داعويته له أصلا ثم إنك تعرف مما يتبين لك هناما في كلمات بعض القوم هنا من انحلال الخلل الظاهرة مثل استدلالهم على عدم‏تعلق الجعل التأليفي بالقطع بأنه لا يمكن التأليف بين الملزوم الذي هو القطع‏و بين لازمه الذي هو الكاشفية و المحرزية أو الحجية و وجوب العمل به‏على اختلاف تعابيرهم فإنه يرد على التعبير الأول ما ذكرنا من أن القطع هو


94

نفس الرؤية و الانكشاف فلا يكون بكاشف و لا محرز فكيف بكونه ملزوماللكاشفية و المحرزية فلو تنزلنا عما ذكرنا و قلنا بأنه هو الكاشف و المحرزلما صح ذلك الكلام أيضا و على التعبير الثاني أن العقل بعد انكشاف الحكم‏للقاطع لا يحكم بأزيد من لزوم إطاعة المولى و وجوبه و ليس القطع دليلاعلى الحكم كي يحكم بوجوب العمل به و المصير إليه‏

فصل في استحقاق التجري للعقاب و عدمه‏

و لا يخفى أن النزاع في‏ذلك يمكن أن يحرز على وجوه ثلاثة و يكون النزاع على بعضها أصوليا وعلى بعضها كلاميا(فالوجه الأول)أن يكون النزاع في أن الخطابات الشرعيةهل تعم المتجري و من لم يصادف قطعه الواقع مثل العاصي و من صادف قطعه‏الواقع فلا فرق في شمول الخطاب بين صورتي المصادفة و المخالفة أو لا تعم‏و غاية ما يقال في تقريب تعميم الخطابات هو أن مصادفة القطع للواقع حيث‏إنه أمر خارج عن تحت قدرة المكلف لا يمكن أن يكون مناطا لتعلق التكليف‏و الذي هو بيد العبد و مقدور له هو انبعاثه نحو موضوع الحكم و إرادته له‏مثلا لا يكون شرب الخمر الواقعي مقدورا للمكلف أصلا لا فعلا و لا تركا بل المقدورله و الصادر منه بعد علمه ببعث المولى أو زجره هو انبعاثه نحو الفعل و اختياره‏له و عدم انبعاثه و اختياره فلا بد أن يكون متعلق التكليف هو ذلك الأمر المقدورالصادر منه بعد علمه بالبعث نحوه ثم إن التكليف حيث لا يكفي صرف وجوده‏واقعا بدون العلم به و إحرازه في انبعاث المكلف و اختياره بل العلم به يكون‏موضوعا في حصول الانبعاث و من المعلوم أن العلم به لا يحصل إلا بعد العلم‏بوجود الموضوع فلا محالة يكون العلم بالموضوع و إحرازه موضوعا بالنسبةإلى الانبعاث و الاختيار و إن كان طريقا بالنسبة إلى أصل الموضوع فيكون‏المراد من لا تشرب الخمر مثلا بعد ضم هاتين المقدمتين إليه لا تختر شرب‏


95

ما أحرز أنه خمر و شمول هذا الخطاب الذي رجع إليه الخطاب الأول للعاصي‏و المتجري يكون على نحو واحد و بالنتيجة يكون المتجري مثل العاصي‏مخالفا للخطاب و مستحقا للعتاب و العقاب كما هو ظاهر و(لكنك)خبيربما في كلتا المقدمتين من الإشكال بحيث لا ينبغي التفوه بهذا الوجه فضلا عن‏اختياره أما المقدمة الأولى فلأن انطباق موضوع الحكم كالخمر في المثال‏على مصداق خارجي و عدم انطباقه و إن كان خارجا عن تحت قدرة المكلف‏إلا أنه غير مرتبط بما هو متعلق للتكليف و يكون مقدور المكلف و فعلا صادرامنه باختياره كالشرب في المثال و كيف يوجب خروج الانطباق و المصادفةعن تحت القدرة عدم تعلق التكليف بذلك الفعل المقدور و هل هو إلا مغالطةواضحة(و أما المقدمة الثانية)فلأن الموجب لحصول الانبعاث و الاختيارهو نفس التكليف و لا ربط للعلم في حصوله أصلا بل العلم به مأخوذ على نحوالطريقية كما أن العلم لا ربط له بموضوع التكليف إلا كذلك فما يختاره المكلف‏و ينبعث إليه هو نفس الموضوع نعم لا يحصل ذلك الاختيار و الانبعاث إلا بعدالعلم بانطباقه على المصداق الخارجي و من المعلوم أن دخل العلم في الانطباق‏و عدمه على نحو الطريقية و الكاشفية لا يوجب دخله في أصل موضوع التكليف‏على نحو الصفتية أصلا و ليس هذه الدعوى إلا مجازفة صرفة كما لا يخفى‏الوجه الثاني أن يكون النزاع في حرمة التجري بخطاب يخصه و الحق عدم‏حرمته بهذا الوجه أيضا كالوجه السابق فإن العناوين التي تنطبق على فعل‏المتجري في مثل ما إذا شرب مائعا قطع بخمريته مثل عنوان شرب الماء و شرب المائع‏و شرب مقطوع الحرمة و شرب مقطوع الخمرية و إن كان كلها اختيارية يصح تعلق‏التكليف بها فإن القول بعدم اختياريتها لعدم كونها مقصودة و متوجها إليها للقاطع‏فما قصده و هو شرب الخمر لم يصدر منه و ما صدر منه لم يكن باختياره و إرادته‏


96

كما يظهر من المحقق صاحب الكفاية قدس سره مما لا محصل له حيث إن الفعل‏الاختياري ما يكون بيد المكلف فعلا و تركا و يكون حصوله بالإرادة و الاختيارلا بالطبع و لا بقسر القاسر و جبر الجابر و من المعلوم أن الشرب صدر منه كذلك‏فإن الحركة لا تخلو من هذه الوجوه الثلاثة و عدم كون الشرب متحققا بالجهةالثانية و الثالثة واضح فتعين كونه بالإرادة و الاختيار غاية ما في الباب خطاؤه‏في التطبيق و عدم كون المائع الشخصي المشروب من مصاديق موضوع ترقب‏منه نتيجة خاصة و ذلك لا يخرج شرب هذا المائع المشار إليه بالإشارة الحسيةعن كونه صادرا بالإرادة و الاختيار و إن كان لم يترتب عليه النتيجة المقصودةإلا أن هذه العناوين الأربعة بين ما هو غير محترم قطعا كالعنوانين الأولين وبين ما لا يمكن تعلق التكليف به أصلا كما في الأخيرين فإن العنوان الثالث‏مما لا يمكن تعلق الخطاب الشرعي المولوي به و لو تعلق به خطاب من ناحية الشرع‏لكان إرشاديا إلى حكم العقل كما في نظائره من موضوعات باب الإطاعةو العصيان و أما العنوان الأخير و هو عنوان مقطوع الخمرية فمضافا إلى أنه‏لو كان تعلق به الخطاب لكان خارجا عما هو محل النزاع في هذا الوجه من وجودخطاب يخص المتجري و لا يعم العاصي أصلا و يشمل هذا الخطاب المفروض‏العاصي أيضا كما هو واضح لا يمكن أن يكون موضوعا للحكم و متعلقا للخطاب‏بوجه لا لأن القطع لا يكون ملتفتا إليه للقاطع غالبا و لا بد أن يكون الجهةالمأخوذة في الموضوع ملتفتا إليها و أن يكون الموضوع بتمام جهاته اختيارياو متوجها إليه كما قيل فإن التفات الفاعل القاطع إلى انكشاف الموضوع‏لديه من أوضح الالتفاتات و كيف يعقل أن يكون الانكشاف لدى من انكشف‏عنده الشي‏ء مغفولا عنه و هل يمكن أن يكون الرائي غافلا عن كون الشي‏ء مرئياعنده بل للزوم اجتماع المثلين في نظر القاطع دائما و قد ذكرنا سابقا أن‏


97

القاطع ينبعث بعد قطعه بنفس الخطاب المتعلق بالواقع فلا يعقل جعل الخطاب‏الثاني بداع التحريك و جعل الداعي أصلا لعدم انبعاث المكلف به أبدا كمالا يخفى(الوجه الثالث)أن يكون النزاع في أن التجري هل يوجب استحقاق‏العقوبة كما يوجبه العصيان أو لا و التحقيق في هذا الوجه من النزاع هو القول‏بإيجابه استحقاقها على نفس الفعل المتحقق في ضمنه التجري و أن المتجري‏يستحق بتجريه العقاب بعين ملاك يستحقه به العاصي على عصيانه و بيان ذلك‏أن حكم العقل باستحقاق العقوبة على المعصية الحقيقية ليس من جهة نفس مخالفةالأمر و النهي و لا من جهة ارتكاب ما يكرهه المولى و يبغضه و لا من جهة عدم‏تحصيل مقصده أو مطلبه لوجود جميع ذلك في الجاهل أيضا مع عدم استحقاقه‏العقاب على مخالفته بوجه بل إنما هو من جهة أن العاصي بمخالفته قصداو عمدا يخرج عن رسم العبودية و ذي الرقية و يكون فعله مصداقا للظلم‏على المولى و هتك حرمته و ناشئا من عدم الاعتناء بمولويته و سلطنته و من الواضح‏أن جميع ذلك موجود في المتجري أيضا فإن نفس حركاته الخارجية الحاصلةمن تحريك النفس عضلاته في مقام الطغيان على المولى و المتجري عليه مصداق‏لهتك الحرمة و مناف لرسم العبودية و ذي الرقية و ناش من عدم الحذر و التخوف‏من سخطه و مقام ربوبيته(و قد اتضح من ذلك)أن استحقاق العقاب إنما هوعلى نفس الفعل المعنون بهذه العناوين القبيحة لا على قصده كما زعمه صاحب‏الكفاية قدس سره فإن قصد المعصية و الظلم ليس بظلم و لا ينطبق عليه عنوان‏هتك الحرمة أصلا إذ الهتك أمر قصدي و انطباقه على نفس القصد يوجب إماعدم كونه كذلك أو كون القصد قصديا و بطلان كل منهما واضح نعم تكميل‏النفس في العبودية و إيصالها إلى مرتبة كاملة من الرقية مما ينافيه قصد المعصيةبل و تخيلها أيضا و لكن ذلك غير مرتبط بما نحن لصدد البحث عنه‏


98

(و قد ذكرنا)في الوجه الثاني أن الفعل المتحقق في ضمنه التجري اختياري يصح‏المؤاخذة عليه كيف هو معلول من سلطنة النفس على العضلات و تحريكها إياهاكما تقرر في موضعه و اختيارية ذلك و كونه بيد المكلف فعلا و تركا بمثابةمن الوضوح لا يكاد يخفى و انتهاؤها بالأخرة إلى الذاتيات و إلى ما ليس بالاختيارمثل سوء السريرة و خبث الطينة لا ينافي صحة العقوبة عليه كما لا ينافي ذلك‏صحة المؤاخذة على أفعال العبد بالنسبة إلى مواليهم العرفية فكما لا إشكال‏بنظر العرف في حسن المؤاخذة على أفعالهم بالنسبة إلى هؤلاء الموالي‏فكذلك بالنسبة إلى رب الأرباب تعالى شأنه العزيز(و من هنا انقدح)أنه لاإشكال من هذه الجهة في صحة المؤاخذة على الإرادة و القصد أيضا لو قلنابصدق الظلم و الهتك عليه فإن الإرادة اختيارية بنفسها لا تحتاج في اختياريتهاإلى إرادة أخرى كي يقال بلزوم التسلسل و ليت شعري كيف يلزم التسلسل‏المحال مع أنه لو أغمضنا عن ذلك و قلنا باحتياجها في اختياريتها و صحة المؤاخذةعليها إلى إرادة أخرى مثلها لا يوجب لنقل الكلام إلى الإرادة الثانية كي‏تحتاج هي أيضا إلى إرادة ثالثة إذ بعد اختيارية الإرادة الأولى بإرادة ثانيةيصح المؤاخذة عليها و لا تحتاج إلى جعل الإرادة الثانية أيضا اختيارية ثم‏(إنك قد عرفت)مما ذكرنا أنه لا وجه لنقل الكلام هنا إلى البحث في الذاتيات‏مع أن الكلام هنا إنما في استحقاق العقاب لا في فعليته و من المعلوم أنه لا بدو أن يكون الاستحقاق و عدمه على أمر اختياري فرجوع أصل العذاب إلى البعدمنه تعالى و كونه من تبعاته و إن كان صحيحا في محله غير مربوط بما هومحل البحث هنا

فصل في أقسام القطع‏

لا يخفى أن القطع قد لا يكون له دخل‏في ترتب الحكم على موضوعه بأن يكون الحكم مترتبا على نفس العنوان‏


99

الموضوع بوجوده الواقعي من دون دخل للقطع به في ذلك و قد يكون له‏دخل فيه بأن لا يدور الحكم مدار ذات الموضوع بل يكون للقطع بالموضوع‏دخل في ترتب الحكم عليه ثم القطع على هذا التقدير تارة يكون تمام الموضوع‏للحكم بأن لا يكون للواقع المنكشف به دخل في ترتبه أصلا و أخرى جزءالموضوع و يكون الجزء الآخر منه هو الواقع و يدور وجود الحكم مدار كلاجزئي الموضوع القطع و الواقع و في كل من القسمين طورا يؤخذ القطع‏بما هو صفة و معلوم بالذات و نور في نفسه و آخر بما هو كاشف عن متعلقه‏الذي هو المعلوم بالعرض و منور لغيره و ما يقال من أن أخذه تمام الموضوع‏ينافي أخذه بما هو كاشف إذ المراد بأخذه تمام الموضوع هو تعلق اللحاظبنفس القطع و الصورة استقلالا و المراد بأخذه بنحو الكاشفية تعلق اللحاظالاستقلالي بمتعلق القطع و ذي الصورة فاجتماعهما بلحاظ واحد غير معقول‏و حينئذ فالأقسام الممكنة ثلاثة ففيه أن كاشفية القطع و إن كانت بمعنى كونه‏آلة لملاحظة الغير إلا أن ذلك لا ينافي تعلق اللحاظ الاستقلالي به و أي‏إشكال في ملاحظة ما هو كاشف و آلة للحاظ الغير بنحو الاستقلال و جعله موضوعاللحكم فإن ما هو آلة للحاظ الغير يمكن أن يلاحظ استقلالا و يناط بوجوده‏وجود الحكم و بعدمه عدمه فالإشكال على تربيع الأقسام بمن هذه الجهةغير صحيح نعم يمكن الإشكال عليه من جهة أخرى و هي أن القطع كما ذكرناعبارة عن نفس انكشاف الشي‏ء لا ما به يحصل الانكشاف و عليه فأخذه في الموضوع‏بما هو صفة و نور في نفسه مع قطع النظر عن كشفه مما لا معنى له و ليس ذلك‏إلا كأخذ الشي‏ء مع قطع النظر عن ذاته و حقيقته و كأخذ الانكشاف مع قطع‏النظر عن انكشاف الشي‏ء به بل لا معنى لذلك و لو مع الغض عما ذكرنا وتصديق ما زعمه القوم و بيان ذلك أن للقطع جهات عديدة يكون كل جهة منها


100

فصلا له عن غيره فمنها أنه عرض و لا ريب في أنه لو أخذ في الموضوع بما هوكذلك لكان يشاركه غيره من الأعراض و منها أنه من مقولة الكيف و في هذه‏الجهة يشاركه كل ما كان من تلك المقولة و منها أنه كيف نفساني و في‏هذه الجهة يشاركه جميع الكيفيات القائمة بالنفس و منها أنه ذا إضافة إشراقيةإلى متعلقه و في هذه الجهة يشاركه الظن و الاحتمال و منها أنه كاشف و يشاركه‏في هذه الجهة الظن فقط و منها أنه طريق تام لا يبقى معه احتمال الخلاف أصلاو هذه الجهة هي الجهة التي بها يكون القطع قطعا و يمتاز عن جميع ما يغايره‏و حينئذ فأخذ القطع في الموضوع مع حفظ قطعيته لا بد و أن يكون بهذه الجهةالأخيرة و لا يعقل أخذه بما هو صفة خاصة مع قطع النظر عن هذه الجهة التي‏بها يكون القطع و هل هو إلا كأخذ الكاشف مع قطع النظر عن كاشفيته و أخذالإنسان مع قطع النظر عن كونه إنسانا و ما يقال من أن العلم نور لنفسه و نورلغيره فليس معناه أن له جهتين إحداهما غير الأخرى بل المراد أن نوريته‏بذاته و أن ذاته عين النور كما يقال الإرادة إرادة بنفسها و الموجود موجودبذاته أي عين الإرادة و هو عين الوجود و من الواضح أن كون الشي‏ء نوراهو عين ظهور الغير به و كونه نورا لغيره فإحدى الجهتين عين الأخرى‏فكونه صفة خاصة ممتازة عن غيرها هو عين كونه كاشفا تاما و طريقا ينكشف‏به الشي‏ء فلا يمكن أخذ القطع موضوعا أو جزء الموضوع مع حفظ كونه‏قطعا إلا بأخذه كاشفا تاما(و قد ظهر من ذلك بطلان ما أفاده المحقق الحائري‏قدس سره)في المقام أيضا من أن المراد بأخذه بما هو صفة هو أخذه بما هو كاشف‏تام كما ذكرنا و بأخذه بنحو الكشف أخذه بما هو طريق معتبر كسائر الطرق‏و ذلك لأن المراد بأخذ القطع في الموضوع هو أخذ القطع بحيثياته الذاتيةالتي يكون القطع معها باقيا على كونه قطعا و من المعلوم أن أخذه بما هو


101

طريق معتبر ليس من أخذ القطع بما هو قطع في شي‏ء بل المأخوذ في الموضوع حينئذنفس الطريق المعتبر و يكون وزان القطع وزان غيره من الطرق في كونه من مصاديق‏ما أخذ فيه فانقدح أن ما هو الصحيح من الأقسام الأربعة قسمان و هما أخذ القطع بماهو كاشف تام تمام الموضوع أو جزأه مضافا إلى ما هو طريق صرف غير مأخوذ في‏الموضوع بوجه ثم إنه لا ريب في قيام الأمارات و الأصول المحرز مقام ما هو طريق‏محض غير المأخوذ في الموضوع أصلا كما لا يمكن الريب في عدم قيامها مقام‏ما كان مأخوذا فيه بوجه تماما أو جزءا و هذا بناء على ما ذكرنا من عدم انقسام‏المأخوذ في الموضوع بقسمين واضح و أما على انقسامه بهما كما زعمه القوم‏فإن كان المراد من أخذه بنحو الكشف أخذه بما هو مصداق للطريق و المحرزمن غير دخل بخصوصية القطع فيه كما عن المحقق الحائري قدس سره و لا يبعداستفادته من كلمات شيخنا العلامة الأنصاري(ره)في رسالته كما يظهر للمتأمل‏فيها فكذلك إذ بعد ما كان المأخوذ في الموضوع هو الطريق بلا دخالة بخصوصيةالقطع فيه يكون حال غير القطع مما جعل طريقا و محرزا تأسيسا أو إمضاءحاله فيقوم مقامه بلا إشكال نعم إن كان المراد من أخذه كاشفا ما قلناه عن‏القوم و استشكلنا عليه فالإنصاف عدم قيامها مقامه لأخذ خصوص طريقيةالقطع في الموضوع فلا يقوم غيره من الطريق مقامه(و أدلة اعتبار الأمارات)لا تدل على أزيد من كون الأمارة محرزة و كاشفة للواقع مثل القطع ففيماإذا كان الحكم مترتبا على الواقع المنكشف بخصوص كشف القطع أو على‏المنكشف به أنه هو الواقع و إن لم يكن كذلك في الواقع فلا تدل تلك الأدلةعلى قيامها مقامه أصلا بل لا بد من التماس دليل آخر على تنزيل ذلك الحرزمنزلة ذاك و أنه يجري الحكم المترتب على إحراز الواقع بذاك الإحرازفيما إذا أحرز الواقع بذلك أيضا و مجرد دليل الاعتبار الدال على محرزية


102

الأمارة أو كاشفيتها للواقع و أن الحكم المترتب على الواقع كما يكون متنجزابالقطع به و بانكشافه بهذا الإحراز كذلك يكون متنجزا بقيام الأمارات‏عليه و بانكشافه بها لا يكفي في تنزيل أحد الإحرازين منزلة الآخر«و بالجملة»فالدليل على تنجز الحكم و ثبوته بأحد الإحرازين مثل الإحراز الآخر التام‏لا يمكن أن يجعل نفس ذلك الإحراز مثل ذاك في موضوعيته و ترتب الحكم‏على نفسه لا على ما يحرزه و يكشفه أو ليس هو إلا الجمع بين اللحاظين لحاظالآلية و لحاظ الاستقلالية كما أفاده المحقق الخراساني(قدس سره)و كان‏مشتهرا بين أهل العلم من زمان الشيخ الأنصاري«قدس سره»على ما ذكره بعض‏الأعاظم(و أما إفادة هذا المحقق)في حاشيته على الفرائد وجها لقيام الأمارات‏مقام القطع الطريقي بل الصفتي أيضا بنحو لا يرد عليه هذا الإشكال من أن‏أدلة الاعتبار إنما توجب تنزيل المؤدى منزلة الواقع فيكون المؤدى بحكم‏تلك الأدلة واقعا تعبديا و حيث إن بين تنزيل المؤدى منزلة الواقع و بين‏تنزيل العلم بالمؤدى منزلة العلم بالواقع ملازمة عرفية فالعرف بعد ملاحظةدلالة الأدلة على أن المؤدى مثل الواقع في نظر الشارع يحكم بأن العلم‏بالمؤدى مثل العلم بالواقع في نظره أيضا فإذا ورد مثلا إذا علمت بحرمةالخمر يجب عليك كذا ثم قام الطريق على حرمة الخمر فبحكم أدلة الاعتباريكون الحرمة التعبدية مثل الحرمة الواقعية و بحكم الملازمة العرفيةيكون العلم بالحرمة التعبدية مثل العلم بالحرمة الواقعية فلو كان موضوع‏الوجوب مركبا من الواقع و العلم به لكان ثبوت الحكم في مورد الأمارةمن جهة ثبوت أحد جزئي موضوعه بالطريق و الآخر بالملازمة و لو كان‏موضوعه هو العلم بالواقع فقط مع قطع النظر عن حال الواقع لكان ثبوته‏من جهة ثبوت تمام موضوعه بالملازمة(فيرد عليه ما أورده قدس سره في)الكفاية


103

من أن ذلك مستلزم للدور المحال حيث إن دليل الاعتبار إنما يوجب تنزيل‏المؤدى منزلة الواقع بلحاظ أثره الشرعي المترتب عليه(و المفروض)أن‏الأثر هنا مترتب على العلم بالواقع فقط أو هو مع الواقع فليس للواقع في‏حد نفسه أثر يضع بلحاظه التنزيل فتنزيل المؤدى منزلة الواقع يتوقف على‏تنزيل العلم بالمؤدى منزلة العلم به لكون الأثر مترتبا عليه و المفروض أن‏تنزيل العلم إنما يكون بعد تنزيل المؤدى بالملازمة«هذا مع»أن هذا الوجه‏إنما هو مبني على القول بجعل المؤدى في الطرق و الأمارات و أما على القول‏بأنها موجبة لتنجز الواقع عند المصادفة و معذرة للمكلف عند المخالفة كماهو الحق فليس فيها تعبد و لا تنزيل و لا جعل للمؤدى أصلا كي يبقى لهذا الوجه‏مجال(فتحصل من جميع ما حققنا)أن الطريق و الأمارات و الأصول المحرزةإنما تقوم مقام القطع الطريقي المحض و لا تقوم مقام ما أخذ في الموضوع مع‏حفظه على ما هو عليه أصلا(ثم لا يخفى أن)أخذ القطع في الموضوع إنمايمكن فيما إذا كان الموضوع موضوعا لحكم آخر يخالف حكم متعلق القطع‏و لا يضاده و لا يماثله و أما أخذه في موضوع حكم يضاد حكم متعلق‏القطع أو يماثله أو في موضوع نفس متعلقه إذا كان حكما فلا يمكن أصلاللزوم اجتماع الضدين أو المثلين أو الدور الباطل كما أن أخذ الظن في‏موضوع الحكم المضاد أو نفس متعلقه سواء كان أخذه بنحو الكشف أوالصفة و سواء كان تمام الموضوع أو جزأه و سواء كان مأخوذا بما هو حجةشرعية و طريق معتبر أو لا كذلك للزوم اجتماع الضدين في مورد مصادفةالظن للواقع في الأول فلا ينبعث المكلف بالحكم المجعول ثانيا أصلا إلابعد رفع حكم الواقع و للزوم الدور المحال في الثاني كما قلنا في أخذ القطع‏«نعم»لا بأس بأخذ الظن مع عدم اعتباره و حجيته في موضوع الحكم المماثل‏و ذلك لأن اجتماع المثلين المحال إنما هو فيما إذا كان الحكمان واردين‏


104

على موضوع واحد بعنوان واحد(و أما إذا كان)أحدهما متعلقا بنفس الموضوع‏مع قطع النظر عن طرو بعض الطواري عليه و الآخر متعلقا بالموضوع باعتبارطرو بعض الطواري فهذا ليس من اجتماع المثلين المستحيل في شي‏ء و غايةالأمر أنه يتأكد الحكم في صورة اجتماع الموضوعين و يتولد من الحكمين‏حكم آكد و من الواضح أن تعلق الظن بالموضوع مع عدم كونه محرزا وطريقا شرعا من الطواري الطارية على الموضوع فيصح جعل حكم آخر له‏بملاحظته غير ما كان لنفس الموضوع من الحكم«نعم»إذا كان الظن محرزاو كاشفا عن متعلقه شرعا يستحيل أخذه موضوعا للحكم المماثل إذ بعدانكشاف الحكم الواقعي بما هو حجة شرعا و طريق إليه كذلك ينبعث‏المكلف بمجرد ذلك الحكم فلا يصح جعل حكم آخر في ذلك‏المورد بداعي البعث و التحريك و الظن بالموضوع مع اعتباره‏طريقا لا يكون من الطواري العارضة على الموضوع كي يصح جعل حكم آخرله باعتبار طروه عليه و إلا فيلزم أن يكون إحراز الحكم موجبا لتعلق حكم‏آخر بالموضوع غير ما كان محكوما به أولا و هو كما ترى«و ليعلم»أن أخذالظن بنحو الطريقية في الموضوع لا يمكن إلا بعد كونه حجة و محرزا شرعاإذ مع عدم كونه كذلك لا معنى لأخذه طريقا إذ ليس لطريقيته إلا بمعنى محرزيته‏و كاشفيته فهو بخلاف القطع و لا يأتي الوجهان الآتيان فيه إن قيل فيه بهمامطلقا بل لا يمكن أخذه مع عدم حجيته إلا صفة فلا تغفل‏

فصل الحق أن العلم الإجمالي مثل العلم التفصيلي في إيجابه العمل‏على وفقه‏

و الجري على طبقه بنحو العلية التامة لا الاقتضاء لا بالنسبة إلى الموافقةالقطعية فقط كما اختاره شيخنا العلامة المرتضى(قدس سره)و لا مطلقا كما ادعاه‏المحقق الخراساني«و ذلك لأن»ثبوت الأحكام لموضوعاتها الواقعية كما


105

لا يتوقف على العلم بنفس الأحكام لاستلزامه الدور المستحيل فكذلك لايتوقف على العلم بموضوعاتها لعدم مدخلية العلم لا في وضع ألفاظها بداهةو لا في موضوعيتها للأحكام المترتب عليها و إلا لكان العلم موضوعيا و هو خلاف‏الفرض و حينئذ(فإذا علم المكلف مثلا)بوجود الخمر في عدة من الأطراف فلامحالة يعلم بتعلق التكليف الزجري المشتمل على الكراهة الأكيدة المولويةبه و أنه مخاطب بذلك الخطاب الزجري فيحكم العقل حكما جديدا بلزوم‏الانزجار عنه و بصحة العقاب على مخالفة التكليف المتعلق به و لو حصلت المخالفةبارتكاب واحد من الأطراف و لا معنى لجعل الترخيص من ناحية الشرع أصلابعد ما كان الأمر بهذه المثابة و كان التكليف الزجري المشتمل على الكراهةالأكيدة الشديدة متعلقا بارتكاب ما هو الخمر في الواقع و في نفس الأمر و في‏أي طرف من الأطراف كان موجودا من غير فرق بين تحققه في ضمن هذا الطرف‏أو ذاك أو ذلك فإن الترخيص إن كان متعلقا بارتكاب جميع الأطراف يكون‏متضادا لذلك التكليف المعلوم و موجبا لرفع اليد عنه و إن كان متعلقابارتكاب بعض منها مع الاجتناب عن البعض الآخر يستلزم إقدام المولى في‏مخالفة تكليفه و إيقاعه المكلف في عصيانه و هو قبيح لا يمكن نسبته إلى المولى‏الحكيم(و أما جعل البدل)في مقام الظاهر فهو من باب القناعة في الامتثال‏و غير مرتبط بمرحلة إثبات التكليف و تنجزه و إن شئت توضيح ذلك(فنقول إن‏هنا مرحلتين)لا ينبغي خلط إحداهما بالأخرى(فالأولى)في إثبات الحكم‏الواقعي و تنجزه و هذه المرحلة تتحقق بمجرد علم المكلف بالحكم و لوإجمالا فإن الحكم كما ينكشف في العلم التفصيلي بحيث لا وجه لجعل الترخيص‏في مخالفته بوجه فكذا في العلم الإجمالي و لا فرق بينهما إلا في وقوع الإجمال‏في متعلق الحكم المنكشف بهذا العلم دون ذاك مع كون العلم في كل منهما


106

تفصيلا كما أن الحكم في كلا المقامين معلوم كذلك(و المرحلة الثانية)في إسقاط التكليف و امتثاله و إطاعته و لا إشكال في جعل البدل في هذه المرحلةبمعنى القناعة به في مقام الامتثال عن الواقع و في هذه المرحلة أيضا لا فرق‏بين العلم الإجمالي و التفصيلي فكما أن الشارع قد يكتفي بالإطاعة الاحتماليةعن الإطاعة الحتمية في صورة العلم التفصيلي بالمأمور به كما إذا شك في‏الإتيان بالصلاة بعد انقضاء وقتها أو شك في صحة المأتي به بعد الفراغ عنه‏فكذلك في صورة العلم الإجمالي و لكن ذلك إنما هو مع قطع النظر عن‏حكم العقل و إلا فالعقل حاكم في كلتا الصورتين بلزوم الاحتياط و كما أن‏حكم الشرع في الصورة الأولى بالاكتفاء بالإطاعة الاحتمالية و تنزيله إياهامنزلة الإطاعة القطعية لا ينافي تنجز الحكم بنحو العلية التامة بل يقويه و يعاضده‏فكذلك حكمه بالاكتفاء بها في الصورة الثانية«و من هنا تعرف»أن التفصيل‏بين الموافقة للتكليف و المخالفة له و أن العلم الإجمالي منجز بنحو الاقتضاءبالنسبة إلى الأول و بنحو العلية بالنسبة إلى الثاني كما عن الشيخ قدس سره غيرجيد فإن الموافقة و المخالفة من تبعات الحكم المنجز و واقعتان في رتبةامتثاله و ليس لهما دخل في أصل التنجز بل الحكم إما يكون منجزا بنحوالعلية أو لا كذلك و بعد صيرورة الحكم منجزا لا بد من موافقته بنحو القطع‏أو التنزيل و الترخيص في ارتكاب بعض الأطراف إن كان بنحو جعل البدل‏عن الواقع فهو راجع إلى الموافقة التنزيلية و إلا فهو قبيح لاستلزامه الإقدام‏في المخالفة و العصيان كما ذكرنا(ثم إن لسيدنا الأستاذ)(دام ظله)هنابيانا آخر لما اختاره و اخترناه من استحالة جعل الترخيص بالنسبة إلى أطراف‏العلم مطلقا كلا و بعضا و ملخصه على ما هو ببالي أن محل البحث في المقام‏إنما هو إذا ما علم بانقداح الإرادة أو الكراهة الحتمية الأكيدة في النفوس‏


107

العالية بالنسبة إلى الواقع الموجود في البين مطلقا و لو مع الجهل بمصداقه‏و ما هو متحقق فيه و علم بجعل العقاب على مخالفته سواء كان موجودا في‏ضمن هذا الطرف أو ذاك و من الواضح أنه مع علم المكلف بالتكليف كذلك‏لا يبقى إلى جعل البدل سبيل و على صحة اعتذاره في ارتكاب بعض الأطراف‏دليل فإن جعل البدل في مرتبة الواقع يستلزم طلب الضدين و عدم مطلوبيةالواقع في البين و في الظاهر خلاف ما هو المفروض من علم المكلف بتعلق‏الإرادة و الكراهة الحتمية بالواقع مطلقا«نعم»قد لا يعلم المكلف بكيفيةتعلق الإرادة أو الكراهة بالواقع فيحتمل تعلقها به على فرض وجوده في‏ضمن بعض الأطراف دون بعضها الآخر و حينئذ فيكون الحجة إجمالية و لا إشكال‏في جعل الترخيص بالنسبة إلى بعض الأطراف و جعل بعضها الآخر بدلا عن‏الواقع فلا عقاب على الواقع إلا على تقدير تحققه في ضمن ما جعل بدلا عنه‏لا مطلقا«و الحاصل»أنه وقع الخلط هنا من الشيخ الأنصاري قدس سره و من يحذوحذوه بين العلم الإجمالي المبحوث عنه في المقام و بين الحجة الإجماليةالتي لا ينافيها الترخيص في بعض الأطراف المبحوث عنها في باب الاشتغال‏«قلت و فيه»أن محل الكلام بين الأعلام في بحث العلم الإجمالي إنما هو ماإذا علم بوجود حكم فعلي في البين و كان متعلقه و موضوعه مرددا بين أطراف‏و مسألة كيفية تعلق الإرادة و الكراهة بمتعلق الحكم غير مرتبطة بهذا البحث‏بل هي متقدمة عليه رتبة فإن الإرادة أو الكراهة تتعلق بالواقع في ظرف‏تعلق الحكم به بل لا معنى لتعلق الحكم به إلا تعلق أحدهما به و هذا التعلق‏متقدم رتبة على الخطاب الكاشف عنه المتقدم رتبة على العلم به المتقدم رتبةعلى تردد متعلق الحكم المعلوم أو موضوعه بين أطراف محصورة على ماهو محل الكلام هنا فكم بين المسألتين من البون البعيد و الفصل المديد


108

فلا معنى للقول الواقع في صورة تردده بين أمور قد يكون مرادا أو مكروهامطلقا و قد يكون كذلك على فرض تحققه في ضمن بعض من تلك الأموردون بعضها الآخر فإن تردده بينها من الأحوال الطارية عليه بعد تعلق الإرادةأو الكراهة به بمراتب شتى فلا يمكن دخله في مرتبة تعلقهما و القول بأنه‏يختلف أنحاء التعلق في هذه المرتبة المتأخرة عن تلك المرتبة و كيف ذلك‏و الواقع لا يكاد يمكن أن يختلف في المطلوبية أو المكروهية بين تحققه في‏ضمن بعض الأطراف و بين تحققه في ضمن بعضها الآخر فإنه إن كان مطلوبا أومكروها يكون كذلك مطلقا فإن الصدق و الانطباق ليس من حالاته الملحوظةمعه حين تعلق الإرادة و الترخيص بالنسبة إلى بعض الأطراف في المواردالتي يكون على اصطلاحه دام ظله من الحجة الإجمالية لا يكشف عن ذلك‏لما ذكرنا من أنه راجع إلى جعل البدل في مقام الامتثال و لا ينافي تنجز الحكم‏بنحو العلية أصلا(ثم إنه وقع الخلاف)في جواز الامتثال بالعلم الإجمالي مع‏التمكن من الامتثال التفصيلي و عدمه و قبل تحقيق الحق في ذلك(يذكرأمران الأول)ذهب مشهور المتكلمين و بعض الفقهاء من أصحابنا إلى اعتبارقصد الوجه و معرفته في العبادة و عليه بني عدم جواز الاحتياط و الامتثال الإجمالي‏فيما إذا استلزم تكرار جملة العمل(و لكن الظاهر)عدم اعتباره ضرورةتحقق العبادة و الإطاعة بدونه فإن الإطاعة على ما ذكرناه في محله تتحقق بالإتيان‏بالفعل على نحو يوجب القرب و بداع ينقدح طبعا في نفس العابد بعد خلوه‏عن الضمائم الشيطانية مثل الرياء أعاذنا اللّه تعالى منه و لا تعتبر في تحققها عندالعرف معرفة كون الأمر إلزاميا أو غير إلزامي(هذا مع أنه لو)كان ذلك‏معتبرا فيها لوردت فيه روايات مستفيضة و لنقلت إلينا لتوفر الدواعي على‏ضبطها فإن المسألة من المسائل التي تعم بها البلوى و يكثر إليها الاحتياج مع‏


109

أنه ليست فيما بأيدينا من الجوامع رواية واحدة تشعر إليها(فالإنصاف)أن‏القول بعدم اعتبار قصد الوجه في العبادة و الحال هذه قوي جدا هذا كله في‏اعتباره في جملة العمل(و أما اعتباره في الأجزاء)المأتي بها فيه فمقطوع عدمه‏لا لعدم وجود الدليل عليه و أن عدم الدليل دليل العدم كما تمسك به المحقق‏الخراساني(قدس سره)بل لوجود الدليل على عدمه و هو ما يستفاد من الروايات‏الواردة في بيان كيفية الصلاة و أجزائها لتعليم الراوي الجاهل بحقيقتها مثل‏رواية حماد بن عيسى عن الصادق عليه السلام من أنه لو كان معتبرا في الأجزاء لكان اللازم‏على الإمام عليه السلام التفريق بين الواجب و المندوب منها في هذا المقام و الميز بينهماللجاهل الذي يريد عليه السلام تعليمه«و قد اتضح»بما ذكرنا في عدم اعتبار قصدالوجه في جملة العمل عدم اعتبار قصد التميز فيه أيضا فلا حاجة إلى الإعادة(الثاني)لا يخفى أن مراتب الامتثال أربع«الأولى»الامتثال التفصيلي و نعني‏به ما كان تحقق الامتثال به محرزا إما بالوجدان و العلم و ما يقوم مقامه من‏الأمارات المعتبرة و الأصول المحرزة بل الظن الانسدادي على القول باعتباره‏من باب الكشف و أنه طريق مجعول شرعي عند الانسداد كما يقول به المحقق‏القمي«قدس سره»و لذا قال ببطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد و الأخذبالاحتياط لقوله بتقدم الامتثال التفصيلي على العلمي الإجمالي«الثانية»الامتثال العلمي الإجمالي المعبر عنه بالاحتياط و مورده الشبهات المقرونةبالعلم الإجمالي«الثالثة»الامتثال الظني سواء كان من الظنون الغير المعتبرةأو الظن الانسدادي على القول باعتباره من باب الحكومة و أنه مع وجودالطريق الشرعي يتعين الإتيان بالمظنون على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى‏«الرابعة»الامتثال الاحتمالي و مورده الشبهات البدوية أو المقرونة مع العلم‏الإجمالي مع تعذر الاحتياط و عدم كون بعض الأطراف مظنونا و لا إشكال في‏


110

أنه لا تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي إلا مع تعذر الامتثال الظني و لا إليه‏إلا مع تعذر الامتثال الإجمالي و إنما الإشكال فيه و أنه هو في عرض الامتثال‏التفصيلي أو في طوله فعلى الأول يجوز الامتثال الإجمالي و لو مع فرض التمكن‏من الامتثال التفصيلي و على الثاني لا يجوز إلا مع عدم التمكن و قد يفصل بين‏ما إذا كان الامتثال الإجمالي مستلزما للتكرار و بين ما إذا لم يكن كذلك‏فيجوز في الثاني دون الأول(و الحق هو الجواز)مطلقا أما مع عدم استلزامه‏التكرار فواضح بعد ما عرفت في الأمر الأول من عدم اعتبار قصد الوجه في‏أجزاء العمل قطعا و لو قيل باعتباره في أصل العمل و أما مع استلزامه له فلعدم‏إخلاله بشي‏ء مما يعتبر في العبادة و لو لم يكن اعتباره من جهة دخله في متعلق‏الأمر مثل قصد الامتثال و قصد الوجه لو قيل باعتباره فإن الإطاعة على ما قررفي محلها هي الانبعاث نحو الفعل بإرادة منبعثة من الأمر و التحرك إليه بداعي‏تحقق الامتثال و من المعلوم حصول هذا المعنى في تكرار العمل على وجه‏الاحتياط أيضا لوضوح أن إرادة الإتيان بكل من العمل إنما نشأت من الأمرالمحتمل تعلقه بكل واحد منهما و يكون هو الداعي و المتحرك إلى التكراربرجاء تحقق الواقع و حصوله و كون تعلق الأمر بكل واحد و انطباقه على‏الواقع المأمور به محتملا لا يستلزم كون الداعي هو احتمال الأمر لا الأمرنفسه و إلا فليكن الداعي في الامتثال التفصيلي أيضا هو القطع أو الظن بالأمرلا نفسه و إذا لا يكون للقطع أو الظن بالانطباق دخل في الداعي و المحرك‏هناك فلا يكون للاحتمال دخل فيه هنا و ليس الفرق بينهما إلا صرف المجازفةو من هنا تبين وجه الاحتياط في الشبهات الحكمية أيضا و لا أدري كيف يصحح‏الاحتياط فيها من يقول بكون الداعي هو احتمال الأمر هنا«و قد اتضح»من‏ذلك أن الامتثال الإجمالي لا يوجب الإخلال بقصد الوجه أيضا لإمكان أن‏


111

يؤتى بالواجب الواقعي الموجود في أطرافه بداعي وجوبه«نعم»إنما يخل‏بالتميز و تطبيق ما هو الواجب على المأتي به و قد عرفت مما ذكرناه في الأمرالأول أن دعوى القطع بعدم اعتباره في العبادات قريبة جدا و الحمد للّه أولا وآخرا و صلى اللّه على سيد أنبيائه محمد صلى اللَّه عليه و آله ظاهرا و باطنا

المقصدالثاني في الظن و فيه مباحث‏

المبحث الأول في إمكان التعبد بالأمارات‏

و الطرق الغير العلمية بمعنى عدم لزوم الإشكال منه و ترتب تال فاسد عليه‏في قبال دعوى استحالته للزومه كما حكي عن ابن قبة(فانقدح أن المرادبالإمكان)المبحوث عنه في المقام هو الإمكان الوقوعي التشريعي لا الإمكان‏الذاتي الذي هو بمعنى سلب الضرورة عن الطرف المخالف أو عنه و عن الموافق‏أيضا و لا الإمكان الاستعدادي على ما هو المصطلح عليه بين الحكماء كما قال‏الحكيم السبزواري«قدس سره»قد يوصف الإمكان باستعدادي و هو بعرفهم سوى‏استعداد و لا ما يراد منه الاحتمال كما هو المراد منه في كلام الشيخ الرئيس‏كلما وقع سمعك فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان لوضوع‏بطلان إرادة الكل كما يظهر وجهه بأدنى تأمل و قد يتراءى في كلمات بعض‏أهل المعقول قسم آخر للإمكان يسمونه بالإمكان الاستقبالي نظرا إلى أن‏الشي‏ء لا يمكن أن يكون ممكنا ذاتا في الحال إذ هو مع وجود علته فيه واجب‏و مع عدمه ممتنع و فيه أن اتصاف الشي‏ء بالإمكان إنما هو بلحاظ أصل ذاته‏في مقابل ما يتصف بالوجوب أو الامتناع بهذا اللحاظ لا بلحاظ وجوده في وعاءالزمان إذ معه يكون في الاستقبال أيضا كذلك من غير فرق بينه و بين الحال‏في ذلك«ثم إنه لا فائدة مهمة»في إثبات الإمكان بما ذكر له من المعنى المقصودبه هنا إذ مع وجود الدليل القطعي على وقوع التعبد بالأمارات الغير القطعيةيثبت لا محالة إمكانه و مع عدمه لا يجدي إثبات إمكانه و إن كان إثباته بالقطع‏


112

بعدم ترتب تال فاسد عليه قريبا جدا لإحاطة العقل بجميع ما يترتب عليه من‏التوالي و الجهات المحسنة و المقبحة و كيف لا يحصل القطع من أن حصوله‏في بعض المشكلات الحكمية و المعضلات الفلسفية ليس بأهون من حصوله‏في المقام لو لم يكن بأقوى كما لا يخفى«و كيف كان»فما قيل أو يمكن أن‏يقال فيما يترتب على إمكان التعبد من المحال أو الإشكال و لو لم يكن بمحال‏وجوه«أحدها»أنه لو جاز التعبد في الإخبار عن النبي صلى اللَّه عليه و آله مثلا لجاز الإخبارعن اللّه تعالى و التالي باطل بالإجماع فالمقدم مثله(أقول)و لا يخفى ما فيه‏فإنه لو كان المراد أنه لو جاز التعبد بما أخبره النبي صلى الله عليه و آله لجاز بما أخبره المتنبي‏أيضا من غير احتياج إلى إتيانه بالآية و إقامته البينة كما أفاده ظاهرا سيدناالأستاذ دام ظله على ما هو موجود في بعض جزوات دروسه«ففيه منع الملازمة»بل منع العلاقة بينهما فإن التالي غير جائز تكوينا و بناء العقلاء فيه على طلب الآيةو الاستناد إلى بينة و لولاه للزم الهرج و المرج شديدا كما لا يخفى و لا يحتاج‏بطلانه إلى التمسك بالإجماع أصلا بل لا يصح ذلك في مثل هذا المقام مماقامت عليه الضرورة و يستقل به العقل و لو أريد منه أنه لو جاز التعبد بما أخبربه سلمان مثلا عن النبي صلى اللَّه عليه و آله لجاز التعبد بما أخبر به هو عن اللّه تعالى و أنه‏لو جاز الأمر من الشرع بقبول خبره عنه لجاز الأمر بقبول خبره عنه تعالى كمافهمه المحقق الخراساني(قدس سره)من كلامه ففيه منع بطلان التالي و الإجماع‏لو سلم فإنما هو على عدم الوقوع لا على عدم الإمكان«ثانيها»لزوم تفويت‏المصلحة الأكيدة و الإلقاء في المفسدة الملزمة الشديدة و ذلك كما فيما إذاأدت الأمارة إلى حرمة ما يكون واجبا واقعا أو وجوب ما يكون حراماكذلك و لعل إلى ذلك ينظر الاستدلال المحكي عن ابن قبة من أنه يلزم‏تحريم الحلال و تحليل الحرام«و لا يخفى»أن الإشكال إنما يلزم في زمان‏


113

انفتاح باب العلم و أما في زمان الانسداد فعدم لزوم الإشكال في غاية الوضوح‏إذ بعد ما كانت الخطابات الواقعية و الإنشاءات النفس الأمرية لأجل الجهل‏بها قاصرة عن الوفاء بالغرض الملحوظ منها الذي هو بعث المكلف إلى العمل‏على طبقها و الجري على وفقها و لم يكن مبنى الشرع على الاحتياط التام الموجب‏لاختلال النظام فلا محالة يلزم على الشارع من جعل طريق تأسيسا أو إمضاءو يلزم علينا التعبد به بحكم العقل كيلا يلزم تفويت جميع المصالح و الإلقاءفي تمام المفاسد فببركة التعبد به يصل إلينا كثير من الأحكام الواقعية و لولاه‏لما وصل إلينا واحد منها و لفات هذا المقدور الجائي من قبله أيضا فالمحذورالذي فر منه المستدل إنما يلزم في صورة الانسداد من ناحية عدم التعبد به‏بنحو آكد و أقوى لا من جهة التعبد به الموجب لاستيفاء الخير الكثير كمالا يخفى(و أما في صورة الانفتاح)فمضافا إلى أنها مجرد صورة فرضية لا واقعيةلها حتى بالنسبة إلى عصر الحجة من نبي أو وصي نبي فإن الناس في ذلك‏العصر أيضا لم يكونوا كلهم متمكنين من التشرف إلى الحجة و أخذ الأحكام‏منه بل كان يتعذر بل كان يتعذر ذلك لكثير منهم فكانوا يأخذون بما يؤخذبه في هذه الأعصار من الطرق الموجودة بين العرف مثل الظواهر و المفاهيم‏و قول الثقة و غيرها و يعملون بمقتضى تفقه بعض الفقهاء من الأصحاب فإن أهل‏بلدة قم كانوا يأخذون الأحكام من زكريا بن آدم رضوان اللّه تعالى عليه و لم‏يكن باب العلم بالأحكام بمعنى رؤيتها على ما هي عليه منفتحا لهم و لا لغيرهم‏من الشيعة و لا لسائر الفرق من المسلمين(يمكن أن يقال)بعد إرادة القطع‏الشامل للمخالف مع الواقع أيضا من العلم لا خصوص المصادف منه كي‏يكون انفتاح بابه مما لا يقع في زمان من الأزمنة و يكون مجرد فرض أن‏التعبد بالطريق حينئذ إنما هو لأجل عدم أكثرية الخطاء الواقع فيها من الخطاء


114

الواقع في العلم بهذا المعنى إذ الطرق المبحوث عنها في المقام كلها طرق‏عرفية يأخذ بها العقلاء في محاوراتهم و عليها يدور رحى أمورهم و معاشهم‏و ليس فيها على التحقيق ما يكون مخترعا من جانب الشارع و يكون هو مؤسساله و إلا لنقل إلينا مستفيضا بل متواترا مع أنه ليس من الدلالة عليه في الأخبارعين و لا أثر و لا ريب في أن العقلاء يأخذون بها في مقام يلزم فيه العلم و يتمسكون‏بها في كل ما يتمسك به فيه رأيا منهم أنها في الإتقان و الاستحكام و قلة الخطاءبمثابة لا يعتني بخطائها مثله و الشارع مضى على ذلك و لم يعترض عليه بل كان‏يعمل بها مثلهم و هذا دليل على أنها عنده في الإتقان مثل العلم كما هي كذلك‏عند العرف و العقلاء سواء منهم من كان دانى بدين و من لم يدان بدين(و بالجملةفالإنصاف)أنه لا وقع للإشكال في التعبد بالطرق من جهة لزوم تفويت المصلحةو الإلقاء في المفسدة أصلا بلا فرق بين ما إذا كان باب العلم منسدا و بين ما إذالم يكن كذلك و لا ملزم للالتزام بالسببية كي تتدارك المصلحة الفائتة بالمصلحةالحادثة من الطريق هذا مع أنه لا يمكن القول بها إلا على التصويب المجمع‏على بطلانه و إن كان شيخنا العلامة المرتضى«قدس سره»أتعب نفسه المقدسة في‏بيان وجه الالتزام بها مع حفظ أصول التخطئة بما ملخصه أن المصلحة ليس‏في نفس المؤديات أصلا لا بحيث تكون تستتبع جعل الحكم على طبقها و يكون‏المؤدى بسببها حكما واقعيا في حق من قام عنده الطريق مختلفا باختلاف‏آراء المجتهدين كما يقول به الأشعري و لا بأن تستتبع فعلية الحكم لغلبتهاعلى مصلحة الواقع و يصير الواقع بالنسبة إلى من عنده الطريق اقتضائيامحضا و خاليا عن المصلحة الملزمة التي يدور مدارها الحكم الواقعي كماهو مذهب المعتزلي المشارك مع مذهب الأشعري في التزامه خلو الواقع‏عن حكم يشترك فيه العالم و الجاهل و يكون بالنسبة إليهما على حد


115

سواء بل المصلحة تكون في سلوك الطريق و تطرقه و تطبيق العمل على المؤدى‏على أنه هو الواقع بترتيب آثار الواقع عليه و هذا لا يستلزم التصويب الباطل‏أصلا لبقاء الواقع و المؤدى كليهما على ما هما عليه من المصلحة و المفسدة«و لا يخفى»ما فيه أما أولا فلأنه مجرد الفرض و الاعتبار و لا دليل عليه في واحدمن الأخبار و الآثار كيف و الطرق كلها كما عرفت طرق عقلائية مضى عليهاالشارع و لم يعتبر فيها زائدا عما يعتبر فيها العقلاء و لا ريب في أنهم لا يرون‏في سلوكها سوى مصلحة إدراك الواقع شيئا«و أما ثانيا»فلأن تطبيق العمل‏على المؤدى إنما هو عنوان ينتزع من الإتيان بالمؤدى و العمل به فإذا قام الطريق‏على وجوب صلاة الجمعة مثلا فتطبيق العمل على مؤداه ليس إلا الإتيان‏بصلاة الجمعة و هو المنشأ لانتزاع عنوان سلوك الأمارة و معلوم أن العنوان‏بنفسه لا مصلحة فيه و لا مفسدة بل المتعلق لهما هو المعنون به و ما يشار إليه‏بالعنوان و«على ذلك»فالمتعلق للمصلحة فيما نحن فيه هو نفس العمل في الحقيقةو ذلك مستلزم للتصويب المعتزلي المشارك مع التصويب الأشعري في البطلان‏«و يمكن أن يوجه»بأن المراد بالسلوك المشتمل على المصلحة بحسب الفرض‏هو الالتزام القلبي بأن المؤدى هو الواقع و البناء على ذلك في النفس لا العمل‏على طبق المؤدى و الإتيان بما هو قضيته كي يستلزم التصويب«و لكن يردعليه أولا»أن مطلوبية البناء القلبي في غير ما يلزم فيه التعبد محل منع(و ثانيا)أن قضية اشتمال شي‏ء على المصلحة هي البعث نحو هذا الشي‏ء لا إلى شي‏ء آخريضاده فلا يكاد يستتبع المصلحة المفروضة هنا إلا البعث إلى نفس الالتزام‏المتحقق في القلب لا إلى العمل بالمؤدى و الإتيان على طبقه في الخارج كماهو مبنى القول بالسببية ثم«إن هذا كله»بناء على أن يكون المصلحة المتوهمةفي نفس السلوك و تطبيق العمل على المؤدى كما هو مقتضى نسخ الفرائد


116

«و إن كانت هي»في الأمر به كما في جملة أخرى من النسخ و بخاطري أن‏سيدنا الأستاذ دام ظله ذكر أنها هي التي رجع إليها الشيخ(قدس سره)ثانيا بعد ماأورد على ما يقتضيه النسخ الأولة من الإشكال و لا يخفى أن الفساد فيها أوضح‏أما«أولا»فلأن المصلحة حينئذ تصير مستوفاة من نفس الأمر و لا يبقى مجال بعده‏لانبعاث المكلف بالحكم الظاهري و أما«ثانيا»فلأن الأمر آلة إنشائية لحصول‏الفعل في قبال الآلات التكوينية الخارجية و يستحيل تعلقه من المولى‏الحكيم بما ليس في مصلحة توجبه و أما ثالثا فلأن هذه المصلحة لا تجدي إلافي خروج فعل المولى عن كونه عبثا و لا يكاد يتدارك بها المصلحة الفائتةمن المكلف(ثالثها)لزوم اجتماع الحكمين المتضادين أو المتناقضين أوالمتماثلين مثلا إذا كان حكم صلاة الجمعة في الواقع هو الوجوب فلو أدت الأمارةإلى الوجوب أيضا يلزم اجتماع الحكمين المتماثلين و لو أدت إلى عدم الوجوب‏يلزم اجتماع المتضادين و لو أدت إلى حرمته يلزم اجتماع المتناقضين و استحالةكل منها واضحة و هذا هو المحذور الخطابي الذي هو أهم الإشكالات في المقام‏و لا يخفى جريانه في الأصول أيضا و قد تفصى كل من الأعلام عن هذا الإشكال بوجه وعمدة ما ذكر من الأجوبة وجوه أحدها أن المجعول في باب الطرق و الأمارات ليس‏حكما تكليفيا كي يكون له المضادة أو المماثلة مع الحكم الواقعي بل‏المجعول تأسيسا أو إمضاء هو نفس الطريقية«فإنها»على ما هو المحقق في‏محله من الأمور المتأصلة في الجعل و مما تناله يد الجعل بنفسه لا بتبع الحكم‏التكليفي كما اختاره الشيخ الأنصاري قدس سره الباري فإن الطرق المبحوث‏عنها في المقام كلها طرق عقلائية و حجج عرفية يعتمد عليها العقلاء في محاوراتهم‏و تفهيم مقاصدهم و ليس بين العقلاء بما هم عقلاء حكم تعبدي كي يكون‏الطريقية منتزعة منه إذ لا تعبد و لا تشريع بينهم في أمر من الأمور بل لها


117

بنفسها نحو اعتبار عندهم لا تحتاج في تحصلها إلى حكم تكليفي و حيث إن‏الشارع مضى هذه الطرق ساكتا بل كان يعتمد عليها و يرشد الناس إلى ذلك‏فيكشف من ذلك طريقيتها و أنها عنده يكون على ما هي عليه عندهم و على‏هذا فليس شأنها إلا كشأن العلم في أنه منجز للواقع عند المصادفة و موجب‏لصحة الاعتذار عنه عند المخالفة فهي تساوقه فيما له من الآثار كما تساوقه‏في الإتقان و الاستحكام عند العرف و لا يقتضي الإمضاء أزيد من أنها حالها عندالعرف حالها عند الشارع فأين الحكم الظاهري حتى يلاحظ نسبته مع‏الحكم الواقعي فيلزم المحذور«ثانيها»حمل الأحكام الظاهرية على الطريقيةالمحضة للأحكام الواقعية فليس الأمر بمتابعة الطرق و الأمارات لأجل‏مصلحة كانت في مؤدياتها كي يلزم اجتماع الحكمين النفسيين بل المصلحةفي نفس الأمر و الإنشاء و هي ليست إلا وصول المكلف إلى الأحكام الواقعيةو لا ثمرة لهذا الأمر إلا تنجز الواقع إن أصاب الطريق و صحة الاعتذار عنه‏إن تخلف(ثالثها)أن يكون الأحكام الظاهرية أحكاما صورية غير ناشئةمن مصالح أو مفاسد تكون في متعلقاتها و لا من إرادة أو كراهة متعلقة بتلك‏المتعلقات لا أحكام حقيقية كي يلزم أحد المحاذير الثلاثة المتقدمة(و فيه)أن جعل تلك الأحكام مع عدم وجود ملاك لا في متعلقاتها و لا في نفس إنشائهاكما هو المفروض غير معقول«مضافا»إلى أنه يوجب ترخيص المكلف في‏ترك الواجبات و الإتيان بالمحرمات الواقعية إلا أن يقال بأن المصلحة في نفس‏الإنشاء هي طريقية تلك الأحكام للواقع فيرجع هذا الجواب إلى الجواب‏المتقدم و تكون المؤديات أحكاما طريقية لا صورية نفسية كما هو المفروض‏(رابعها ما أفاده المحقق)الحائري نقلا عن أستاذه السيد الفشاركي قدس سره‏و حكي اختياره«عن العلامة الميرزا محمد تقي الشيرازي»و هو الجمع بين‏


118

الحكمين بنحو الترتب و«تقريبه»أن الأحكام الواقعية إنما تعرض الموضوعات‏إطلاقا أو تقييدا بلحاظ حالاته التي يمكن لحاظها معها و تكون مترتبة عليهابذواتها و أما الحالات المترتبة عليها بلحاظ أحكامها علما أو جهلا فلا يعقل‏دخلها في موضوعيتها لتلك الأحكام أصلا لا إطلاقا و لا تقييدا لوضوح أن‏هذه الحالات إنما تطرأ على الموضوع بلحاظ الحكم المترتب عليه فلا يمكن‏لحاظها في مرتبة موضوعيته المتقدمة على مرتبة ترتب الحكم و أما الأحكام‏الظاهرية فهي مترتبة على ذوات الموضوعات بلحاظ الشك في الأحكام‏الواقعية المترتبة عليها و على ذلك فالحكم الظاهري متأخرة عن الشك في‏الحكم الواقعي المتأخر رتبة عن نفس الحكم فيكون الحكم الظاهري‏متأخرا عن الحكم الواقعي بمرتبتين و لا يكاد يسري أحد الحكمين عن‏مرتبته إلى مرتبة الحكم الآخر كي يحصل اجتماعهما في مرتبة واحدة أماعدم سراية الحكم الظاهري إلى مرتبة الحكم الواقعي فواضح و أما عدم‏سراية هذا إلى مرتبة ذاك فلعدم انعقاد الإطلاق للحكم الواقعي بالنسبة إلى‏الحالات المتأخرة عنه لعدم إمكان لحاظها مع موضوعه كما ذكرنا و قد اتضح‏من هذا التقريب أن الإشكال عليه بأن محذور الاجتماع و إن لا يلزم حينئذ في‏مرتبة الحكم الواقعي إلا أنه يلزم في مرتبة الحكم الظاهري كما عن المحقق‏الخراساني(قدس سره)غير وارد عليه(و لكن يرد)عليه أن الحكم الواقعي و إن‏كان لا يشمل حالة الشك فيه بالإطلاق اللحاظي كما لا يشمل حالة العلم به‏أيضا بهذا الإطلاق إلا أنه يشملها بنتيجة الإطلاق إذ لو كان مقيدا بحالة العلم‏به و لو بنتيجة التقييد يرجع هذا الوجه إلى التصويب الباطل(و بالجملة)فالحكم الواقعي و إن كان بالنسبة إلى الحالات المتأخرة و الانقسامات اللاحقةلا يكون مطلقا بالإطلاق اللحاظي إلا أنه مطلق بنتيجة الإطلاق و إلا يلزم‏


119

التصويب فإن إهماله بالنسبة إلى تلك الحالات غير معقول بل هو إما يكون‏محفوظا في جميعها و إما لا يكون كذلك فعلى الأول يعود المحذور و على‏الثاني يلزم التصويب(خامسها)الجمع بنحو الشأنية و الفعلية بأن يكون‏الحكم الواقعي شأنيا و الحكم الظاهري فعليا و هو مختار المحقق الخراساني‏(قدس سره)في حاشيته و لا يخفى أن المراد بشأنية الحكم الواقعي إن كان هو مجردوجود الملاك و ما يقتضي ترتب الحكم عليه شأنا في الواقع فهذا قول بالتصويب‏إذ عليه يكون الواقعة خالية عن حكم مشترك بين العالم و الجاهل و مجردوجود الملاك لا يغني في دفعه و إن كان هو الحكم الإنشائي الغير الواصل‏إلى مرتبة الفعلية فمن الواضح أن فعلية الحكم المنشأ إنما هي يتحقق موضوعه‏بجميع ما اعتبر قيدا فيه و شرطا له و المفروض في المقام تمامية الحكم من‏هذه الجهة و لذا لو علم به المكلف لكان منجزا عليه و غاية ما في المقام جهل‏المكلف به قيام الأمارة على خلافه و كل منهما لا يمنع عن الفعلية إلا أن يكون‏العلم به و عدم قيام الأمارة على خلافه من قيوده و عليه فلا يكون في المقام‏حكم في الواقع أصلا و لو إنشائيا لعدم تحقق قيده المعتبر فيه فهذا أيضا يرجع‏إلى التصويب«و بالجملة»فلا يكاد يمكن أن يكون قيام الأمارة على الخلاف‏مانعا عن فعلية الحكم إلا إذا كان عدمه قيدا لموضوعه و هو أيضا لا يكاد يمكن‏إلا على التصويب و حينئذ فلا مناص من القول بفعلية الحكم الواقعي بالنسبةإلى الجاهل به أيضا و لا يبقى فرق بينه و بين العالم إلا في التنجز و عدمه(و قداتضح من هنا)أن القول بفعليته التعليقية كما ربما يظهر من هذا المحقق‏قدس سره في الكفاية أيضا لا معنى له(سادسها ما حكي عن المحقق الرشتي قدس سره)من أن التضاد بين الأحكام إنما هو في مرحلة التنجز فقط و ذلك لأن التضادبينهما ليس على حذو التضاد بين الأعراض العارضة على الأجسام فإن التنافي‏


120

و المطاردة بين الأعراض ذاتي بحيث يمنع نفس عروض أحدها عن عروض‏غيره و هذا بخلاف الأحكام فإن التنافي بينها ليس ذاتيا و لذا لا تنافي بينها في‏مرحلة الإنشاء بل التنافي بينها إنما هو من جهة التنافي في مقام انبعاث المكلف‏و تحركه نحو المراد و ترتيب ما لكل من تلك الأحكام من الأثر ففي هذه‏المرحلة التي هي مرحلة التنجز يلزم التناقض و التكليف بالمحال و السفه‏و العبث و غيرها مما لا يصدر عن العاقل فضلا عن المولى الحكيم و أما قبل‏هذه المرحلة فلا يلزم شي‏ء من ذلك من اجتماعها«و أنت خبير»بأن محذورلزوم التناقض يأتي في مرحلة الفعلية و تعلق الإرادة و الكراهة أيضا فإن‏التحريك على وجه اللزوم نحو شي‏ء ينافي الزجر و الردع على هذا الوجه‏أو على وجه الكراهة عنه و تعلق الإرادة اللزومية به يناقض عدم تلك الإرادةبه فضلا عن تعلق الكراهة اللزومية أو غير اللزومية به«و ليت شعري فهل»ينقدح الإرادة و الكراهة معا بالنسبة إلى شي‏ء واحد في نفس العاقل فضلاعن الحكيم و أ ليس من التناقض الجمع بين الزجر نحو شي‏ء و بين البعث إليه‏و لعمري ذلك واضح لا يكاد يخفى على من كان له أدنى تأمل فهذا الوجه يتلوالوجوه الثلاثة المتقدمة في الضعف و ما هو الصحيح من هذه الوجوه الستةهو الوجه الأول إن قيل بتأصل الحجية و الطريقية في الجعل كما هو الحق‏المحقق في محله و إلا فالوجه الثاني(هذا كله في باب)الأمارات و الطرق‏(و أما الأصول فتارة يقع)الكلام في المحرز منها مثل الاستصحاب و قاعدةالتجاوز و أخرى في غيره من أصالة البراءة و الاحتياط و أصالة الحل و الطهارةو غيرها(و أما الكلام في)الطائفة الأولى فيظهر مما اخترناه في باب الطرق‏و الأمارات فإن المجعول فيها أيضا ليس حكما تكليفيا يكون مضادا أو مناقضامع الحكم الواقعي كي يلزم الإشكال بل هو الجري العملي على أحد طرفي‏


121

الشك على أنه هو الواقع فالمجعول في الاستصحاب هو الحكم ببقاء الحالةالسابقة في الواقع و الأخذ بالمتقين السابق بقاء كما كان يؤخذ به حدوثا وفي القاعدة التجاوز هو البناء على تحقق الجزء المشكوك في موطنه و أنه أتى‏به في نفس الأمر و على ذلك فليس في البين حكم سوى الحكم الواقعي و البناءإن كان موافقا مع الواقع فهو و إلا يكون تخيلا و اعتقادا باطلا و واقعا في غيرمحله و على أي حال فلا مورد فيه للمحذور الخطابي(و أما الأصول الغير)التنزيلية فحيث إنه ليس فيها إلا مجرد البناء العملي على أحد طرفي الشك‏مع حفظ وجوده و عدم إلقاء الطرف الآخر و جعله كالعدم يمكن أن يقال‏بلزوم الإشكال فيه فإن البناء على الحلية في مشتبه الحلية و الحرمة و ترخيص‏المكلف فيه يضاد حرمة الواقعية على تقدير كونه حراما في الواقع و البناءعلى الحرمة و جعلها في مورد أصالة الاحتياط يضاد الحلية المجعولة واقعاو كذلك جواز الفعل و الترك في مورد جريان البراءة الشرعية مع كونه‏واجبا أو حراما في نفس الأمر«و الجواب عنه»بأن هذه الأحكام و إن كانت‏مجعولة إلا أنها في طول الأحكام الواقعية لا في عرضها لكونها مجعولة في‏مقام الحيرة فيها و عدم الوصول إليها(لا يكاد يجدي)أصلا فإن الأحكام الواقعيةإن كانت موجودة في مرتبتها و لو بنتيجة الإطلاق يعود المحذور و إلا يلزم‏التصويب الباطل كما شرحناه(و التحقيق في الجواب)أن المجعول فيها أيضاليس حكما تكليفيا من الجواز و الحرمة و الحلية و غيرها كما ذكرنا في‏الأمارات و الطرق و الأصول المحرزة بل المجعول هو المعذورية عن الواقعيات‏بمعنى عدم كونها في عهدة المكلف فعلا بحيث يعاقب على مخالفتها فمعنى‏قوله صلى اللَّه عليه و آله رفع ما لا يعلمون هو رفع الحكم الواقعي بآثاره عن عهدة المكلف‏بمعنى جعله كالعدم في مقام ترتيب آثاره و ينتزع من ذلك جواز فعله إذا


122

شك في حرمته و جواز تركه إذا شك في وجوبه و هذا لا ينافي بقاء الحكم الواقعي‏على ما هو عليه عن فعليته و كونه ذا بعث أو زجر بحيث لو علم به المكلف‏لتنجز عليه فليس شأن البراءة الشرعية إلا كشأن البراءة العقلية فكما أن‏جريان البراءة العقلية و قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا يوجب جعل حكم في‏قبال الحكم الواقعي و غاية ما يقتضيه عدم تنجزه على فرض وجوده و صحةالاعتذار عنه لو كان فكذلك البراءة الشرعية و الفرق بينهما إنما هو في أن‏مفاد البراءة الشرعية هو رفع الحكم في مرتبة تنجزه و عدم كونه على عهدةالمكلف فعلا أولا و عدم استتباعه العقوبة على مخالفته ثانيا و مفاد البراءةالعقلية عكس ذلك و على أي حال فهما مشتركان في عدم استتباع جريانهمالحكم شرعي في مقابل الحكم الواقعي كي يحصل المضادة بينهما و من هناظهر الكلام في مقتضى أصالة الحلية أيضا بأنها لا تستتبع جعل الحلية الشرعيةفي موردها كي يقع التضاد بينهما و بين الحرمة الواقعية لو كانت بل الموردباق على ما كان عليه من الحكم و ليس يستدعي جريانها إلا ترتيب الآثار الحليةفي مقام الظاهر الذي هو مقام الحيرة في حكم الواقعي و عدم الوصول إليه‏و أن المكلف الشاك لا يؤاخذ بالحكم الواقعي لو كان هو الحرمة و معلوم أن‏عدم المؤاخذة بالحكم و عدم كونه منجزا و مرتبا عليه آثاره لا ينافي وجودأصل الحكم بل يلائمه و يعاضده كمال المعاضدة و إنما ينافي تنجزه و ترتب‏آثاره عليه(ثم إنك قد عرفت)مما ذكرنا أن الأمر في أصالة الاحتياط بعكس‏هذه الأصول المفيدة للعذر عن الواقع فإن مفادها بتنجز الواقع و عدم صحةالاعتذار عن مخالفته عن غير فرق بين ما إذا كان الحاكم به العقل كما في‏الشبهات المحصورة أو الشرع كما في موارد الشبهة في الأموال و الأعراض‏و الدماء فمفادها أيضا لا يخالف الحكم الواقعي و لا ينافيه بل يلائمه غاية


123

الملائمة و يقويه فانقدح أن المجعول في هذه الموارد ليس بحكم شرعي‏أصلا كي يلزم محذور اجتماعه مع الحكم الواقعي(و لو أبيت عن ذلك)فلا مناص لك عن المحذور أصلا و قد ذكرنا أن القول بأن مؤديات هذه الأصول‏في طول الواقع بعد تسليم كونها أحكاما شرعية لا يفيد في الجواب فإن إذن‏الشارع و ترخيصه في مخالفة الأحكام الواقعية لا يصح إلا بعد رفع‏يده عنها و أن لا يكون له فيها بالنسبة إلى المتحير إرادة و لا كراهة إذ لا معنى‏لإذن الكاره أو المريد في الفعل أو الترك بالنسبة إلى الواقعة الخاصة المكروهةأو المرادة و مع رفع يده عنها و عدم انقداح إرادة أو كراهة في نفسه بالنسبةإليها يلزم خلو الواقعة عن الحكم المشترك بين العالم و الجاهل و الوقوع في‏محذور التصويب الأهم من ذاك المحذور و مجرد الطولية و العرضية لا يجدي‏بعد كون الفعل أو الترك المأذون فيه الصادر من المتحير في حال تحيره‏مشمولا للإرادة أو الكراهة المتقدمة في نفس المولى أزال اللّه تعالى بفضله‏و كرمه عني الغفلة و الاشتباه‏

المبحث الثاني في تنقيح أن مقتضى الأصل هل هو حجية الظن‏أو عدم حجيته‏

كي يكون هو المرجع عند الشك فيها فنقول لا ريب في أن التعبدبما لا يعلم اعتباره من الأمارات الظنية بالخصوص افتراء و تشريع يحكم‏بقبحه العقل بالاستقلال و بحرمته من باب الملازمة الشرع من غير فرق بين‏ما علم بعدم اعتباره أو لم يعلم به أيضا كما لا يعلم باعتباره فإن التعبد بالأمارةو إسناد مؤداها على الشارع إنما يجوز فيما علم بأنه منه وجدانا أو تعبدا و بدون‏إحراز ذلك يصدق التشريع و الافتراء لا محالة لأنه إتيان بما لا يعلم أنه منه بقصد أنه‏منه و تصرف في سلطانه و خروج عما يقتضيه رسم عبوديته و يستدعيه ذي الرقيةفلا إشكال في حرمته و إن كان في دلالة بعض ما استدل به عليهما مثل آية الافتراء


124

و الإجماع المحكي عن الوحيد البهبهاني قدس سره و الرواية الواردة في شأن‏القضاة نظر واضح لاحتمال رجوع جميع ذلك إلى دلالة العقل عليهما كما هوغير بعيد و بالجملة فلا إشكال في حرمة التعبد بما لم يعلم اعتباره من الأمارات‏بالخصوص و حينئذ فيستكشف أن مقتضى الأصل عدم حجية ما شك في حجيتها واعتبارها أيضا لوضوح الملازمة بين الحجية و جواز التعبد بمؤداها فإن‏معنى حجية الأمارة هو كونها مثبتا لمؤداها و كاشفا عنه شرعا و أنها كالعلم‏في إحراز متعلقه فكما لا يعقل عدم صحة التعبد بمتعلق العلم بعد كونه كاشفاقطعيا له فكذلك بما هو في قوته و مثله في الإحراز شرعا و ما يحتج به في‏كلمات بعض المحققين هو المحقق صاحب الكفاية قدس سره على منع الملازمة من‏أن الظن في حال الانسداد حجة عقلا على تقدير الحكومة مع عدم صحةالتعبد بمؤداها و عدم جواز إسناده إلى الشارع بداهة(فضعيف جدا)فإن‏معنى حكم العقل باعتبار الظن هناك هو الاكتفاء بالإطاعة الظنية و القناعةبالاحتياط في المظنونات عند دوران الأمر بينها و بين المشكوكات و الموهومات‏لا حجية الظن و كونه مثبتا لمتعلقه إذ ليس من شأن العقل التشريع و جعل‏الظن طريقا محرزا و كيف يكون معناه ذلك مع أن الحجية هنا مثبت للتكليف‏و الظن هناك مسقط فهي في مرحلة الإثبات و هو في مرحلة الإسقاط و البون‏بينهما بعيد ثم مع غمض النظر عن جميع ما ذكرناه تقريرا لأصل فلاينبغي الريب في أن قضية الشك في الحجية بالنظرة الأولى القطع بعدم الحجيةبالنظرة الثانية فلا يكاد يترتب آثار الحجية على ما شك في حجيته و طريقيته‏من الأمارات فلا يصح المؤاخذة على الواقع مع فرض إصابته له و لا يكون‏عذرا في مخالفة الواقع مع مخالفته و لا يكون مخالفته مستتبعة للعقوبة مطلقاعلى القول باستحقاق المتجري لها كما هو المحقق في مورده ضرورة عدم‏


125

ترتب تلك الآثار على الأمارة إلا بعد إحراز جعل الحجية لها و مع عدم إحرازذلك يقطع بعدم ترتبها عليها و إن شئت قلت إن حجيتها الإنشائيةو إن كانت مشكوكة إلا أن حجيتها الفعلية مقطوع العدم ثم إنه انقدح من‏جميع ما حققناه لك أن تقرير الأصل هنا باستصحاب عدم الحجية من جهةأن حجية الأمارة من الأمور الحادثة المسبوقة بالعدم فيمكن استصحابه‏لا يتم أصلا إذ لا بد في جريان الاستصحاب ترتب أثر عملي على المستصحب‏كي يقع التعبد بالبقاء بلحاظه و ليس هنا لإحراز عدم الحجية للأمارة أثر عملي‏إلا حرمة التعبد بمؤداها و قد عرفت ترتب هذا الأثر على مجرد الشك في الحجيةمن غير احتياج إلى إحراز عدمها كي يبقى مجال لاستصحابه(و ما يظهر من‏المحقق الخراساني قدس سره)في الحاشية من أن الحجية حيث إنها بنفسها من الأحكام‏التي يقبل الجعل و يتطرق إليها يد التعبد فلا محالة يصح التعبد ببقائها بلحاظنفسها نظير الوجوب و الحرمة و غيرهما من الأحكام و لا يحتاج إلى ترتب أثرآخر عليهما فلا يكاد يجدي أصلا و ذلك لأن الأحكام المجعولة إنما يصح‏التعبد فيها بلحاظ أنفسها إذا كانت تقتضي الجري العملي على وفقهما و الانبعاث‏على طبقهما كما في مثل الوجوب و الحرمة و أما إذا كان الجري العملي لا يترتب‏عليها إلا بلحاظ ترتب أثر آخر عليهما كما في المقام فلا يمكن دخالة يد التعبدفيها إلا بلحاظ ذلك الأثر و المفروض عدم ترتبه على المستصحب المتعبد فيه‏كما عرفت‏

المبحث الثالث في بيان ما خرج عن تحت هذا الأصل موضوعا أويقال بخروجه عنه‏

و هذا البحث كما لا يخفى من أهم المباحث الأصولية التي‏نحن بصدد تنقيحها و إيداع محصلها في هذا المختصر و تمام الكلام فيه يقع‏في ضمن فصول‏

(الفصل الأول في حجية الظواهر)

لا ريب في أن مقاصد كل‏شخص و مراداته المتقدمة في ضميره كما لا يمكن إبرازها غالبا إلابالألفاظ الكاشفة عنها فكذلك لا يمكن العلم بها و استكشافها كذلك إلا بالأخذ


126

بظهورات تلك الألفاظ و لولاه لما أمكن معاشرة أحد من الناس مع غيره‏و لما قام نظام بينهم فالأخذ بالظهورات في الجملة مما عليه بناء جميع العقلاءبل جميع الناس و لو لم يكونوا بعقلاء و من المعلوم أن الشارع مضافا إلى أنه‏لم يردع عنه كان عليه بناؤه في محاوراته فكان يتكلم كسائر الناس و يأخذبظهورات الألفاظ مثلهم فحجيتها في الجملة مما لا يعتريه الريب من كل شخص‏نعم حكي عن المحقق القمي قدس سره التفصيل بين من قصد إفهامه من الكلام وبين من لم يقصد إفهامه و أن ظهور الكلام حجة في الأول دون الثاني إلا إذالم يكن المقصود بالإفهام شخصا مخصوصا كما هو الشأن في الكتب المصنفةو السجلات و الأسناد الموضوعة لرجوع الناس في وقت الحاجة إليها و علمهم‏بمضامينها(و وجه التفصيل)أن الاحتمالات المانعة عن الأخذ بالظهور بالنسبةإلى خصوص المخاطب بالكلام منحصرة في احتمال غفلة المتكلم عن نصب‏قرينة الخلاف و احتمال اعتماده إلى قرينة خفية لا يلتفت إليها المخاطب أوغير ذلك من الاحتمالات التي لا يعتني بها العقلاء و تكون مرجوحة في نظرهم‏و أما بالنسبة إلى غير المخاطب فهي غير منحصرة في مثل هذه الاحتمالات‏المرجوحة بل في البين احتمال آخر غير مرجوح و هو احتمال اعتماده على‏قرينة حالية أو مقالية لفهمها خصوص المخاطب الذي قصد إفهامه دون غيره‏خصوصا فيما إذا كان المتكلم ممن دأبه الاعتماد على القرائن المنفصلة مثل‏الشارع و على ذلك بنى قدس سره عدم حجية ظواهر الروايات بالخصوص بالنسبةإلى غير المخاطبين بها(و لكنك خبير بأن العقلاء)كما لا يعتنون باحتمال‏غفلة المتكلم عن نصب القرينة و غيره من الاحتمالات الضعيفة فكذلك لا يعتنون‏باحتمال وجود قرينة صارفة للكلام عن ظاهره لا يلتفت إليها غير المخاطب‏إذا كان الكلام صادرا على طريق المحاورة ألا ترى أنهم لا يتأملون في استكشاف‏


127

المرادات من الخطابات و الكتابات المتوجهة إلى شخص خاص و يجرون‏بمضامينها إذا سئلوا عنها و يجعلونها أسنادا لشهاداتهم في المخاصمات و ليس‏ذلك إلا لعدم التفاوت في نظرهم بين هذا الاحتمال و بين غيره من الاحتمالات‏الضعيفة المرجوحة نعم احتمال الاعتماد على القرائن المنفصلة فيما إذا كان‏من دأب المتكلم ذلك من الاحتمالات المعتنى بها عند العرف و العقلاء و لكن‏قضية ذلك الفحص عنها في مواردها و مظانه لا إسقاط الظهور عن الحجيةرأسا هذا كله مضافا إلى أن شأن الروايات الواردة عن الأئمة عليهم السلام‏بالنسبة إلينا ليس إلا كشأن الكتب المنصفة بالنسبة إلى من يراجع إليها كمايظهر من ملاحظة اهتمامهم عليهم السلام بحفظ ما يصدر عنهم من الروايات و ضبطه‏و نقله و المراجعة إلى ما ورد في مقام التحريص و الترغيب إلى ذلك كقوله‏عليه السلام اعرفوا منازل الرجال بقدر روايتهم عنا و حينئذ فلو كان ما صدر عنهم عليهم السلام‏محفوظا بقرينة حالية أو مقالية لكان الرواة ينقلون تلك القرينة و لكانت‏هي مودعة في الجوامع التي تكون بأيدينا فالإنصاف عدم تمامية هذا التفصيل‏المحكي عن المحقق المزبور قدس سره كالتفصيل المنسوب إلى بعض الأخباريين‏من أصحابنا من عدم حجية الظواهر في خصوص الكتاب العزيز نظرا إلى العلم‏الإجمالي بطرو التخصيصات و التقييدات الكثيرة لعموماته و مطلقاته و أنه‏يمنع عن جريان الأصول اللفظية التي هي مبنى الظهورات فيها أو إلى بعض‏الروايات التي يتوهم دلالتها على المنع من الأخذ بظواهره أو إلى شمول‏المتشابه الممنوع عن اتباعه لها و ذلك لعدم تمامية واحد من هذه الوجوه و لاغيرها مما تمسك به من الوجوه فإن العلم الإجمالي بطرو التخصيصات و التقييدات‏ينحل بالعلم الإجمالي بصدور المخصصات و المقيدات‏الكثيرة منهم عليهم السلام فيما بأيدينا من الروايات و الشك البدوي بالنسبة إلى ماعداها فلا أثر للعلم الإجمالي الكبير بل اللازم المراجعة إلى الروايات التي‏


128

بأيدينا ثم الأخذ بمقتضاها و أما الروايات التي استدل بها على المنع فهي بين‏ما يدل على المنع من تفسير الكتاب بالرأي و بمقتضى الاستحسانات الظنية التي‏لا اعتبار بها و بين ما يدل على المنع من الاستقلال في الرجوع إليه من دون‏المراجعة إلى معادن علمه و حفظة سره عليهم الصلاة و السلام و كلاهما أجنبي‏عن مراد المستدل و من هنا ظهر الكلام في الوجه الثالث بل و في سائر الوجوه‏ثم هذا كله مضافا إلى الروايات الكثيرة المتواترة معنى الواردة في الإرجاع‏إلى الكتاب مثل ما ورود في عرض المتعارضين عليه ورد الشرط المتخالفةإليه و عدم قبول ما كان مخالفا أو لم يكن مخالفا أو لم يكن موافقا معه و غيرذلك من المقامات المختلفة على ما يظهر بالمراجعة هذا كله في حجية الظواهرو قد عرفت أنها حجة مطلقا سواء كانت من الكتاب المجيد أو لم تكن و سواءقصد إفهام المخاطب بها أو لم يقصد و أما تشخيص الظواهر فهو في الجمل‏التركيبة يحصل من ملاحظة ألفاظها المفردة و ما فيها من الهيئات الخاصة إن‏كانت دلالتها التصديقية مطابقة لما يقتضيه جمع مفرداتها و من ملاحظة القرائن‏الخاصة أو العامة إن لم تكن و أما في الألفاظ المفردة فقد يكون الظهور فيهاناشئا من ملاحظة المناسبات التي تكون في المورد و هذا الكلام فيه و قد يكون‏من جهة القول اللغوي بأن اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني فيحمل اللفظعلى ذاك المعنى لأجل عدم احتفافه بقرينة المجاز و هذا مع حصول القطع من‏قول اللغوي لا إشكال فيه و مع عدمه ففي حجية الظن الحاصل منه إشكال و غاية مايستدل به على الحجية وجهان الأول أن اللغوي من أهل الخبرة في ذلك و بناءالعقلاء و العرف على الأخذ بقول من كان من أهل الخبرة في فن و كان بارزافيه فيما كان راجعا إلى فنه من دون ملاحظة العدالة و لا تعدده فإن العدالةو التعدد إنما يعتبران في باب الشهادة التي هي الأخبار عن الحسن من دون‏


129

دخل للرأي و النظر فيه بعكس ما هو الحال في باب أخبار أهل الخبرة(و بالجملةفبناء العقلاء على الرجوع)في كل فن إلى البارعين المتخصصين فيه من دون‏اشتراطه بشي‏ء نعم يعتبر فيه حصول الوثوق و الاطمئنان من قولهم إذ لا بناءللعقلاء على الأخذ بقولهم تعبدا و بدون حصول ذلك و من هنا يمكن الإشكال‏في هذه الوجه من جهة عدم حصول الوثوق من قول لغوي واحد و لو كان‏اللغوي من أهل الخبرة بالمعاني الحقيقية للألفاظ و تشخيصها عن المعاني‏المجازية فكيف و الحال أن اللغوي ليس من أهل الخبرة في ذلك و ليس فنه‏إلا بيان موارد الاستعمالات فقط الثاني أنه لو لم يكن الظن الحاصل من قوله‏حجة للزم انسداد باب الاستنباط في غالب الأحكام لانسداد باب العلم بمعاني‏الألفاظ المستعملة في الكتاب و السنة غالبا و فيه أن ذلك مجرد دعوى لا شاهدعليهما بل الوجدان يكذبها حيث إن غالب الألفاظ و اللغات المستعملة في‏الأدلة الشرعية مما يحصل الوثوق و الاطمئنان و العلم العرفي بمعانيه و ذلك‏إما من جهة مسلمية المعنى بين أهل الاصطلاح و أهل اللغة بحيث لا يبقى‏موجب للرجوع إلى قول لغوي واحد و الأخذ به أو من جهة دلالة مناسبات‏المورد عليه أو من جهة تبادره عند عرف العرب أو غير ذلك من الجهات فلا حاجةإلى الأخذ بالظنون الحاصلة من أقوالهم إلا في أقل قليل من موارد الفقه وهذا المقدار من الاحتياج لا يوجب حجية تلك الظنون بالخصوص مع وجودالقدر المتيقن من المعنى في ذلك المقدار أيضا و يكون الزائد عليه مجرى‏للأصول العملية فالإنصاف أن الاحتياج إلى قول اللغوي ليس يقرب إلى مثابةيوجب حجيته بالخصوص فكيف و أن يكون بهذه المثابة نعم لو قيل بانسدادباب العلم و العلمي في الأحكام لكان الظن الحاصل من قوله حجة لكونه‏من أفراد مطلق الظن و لو قيل بانفتاح باب العلم في معظم اللغات‏

(الفصل الثاني)


130

في حجية الإجماع المنقول حكي عن كثير من أصحابنا القول بحجيةالإجماع المنقول زعما منهم شمول أدلة حجية الخبر الواحد له و ذهب جملةمن المحققين من متأخري أصحابنا إلى عدم حجيته و عليه اتفقت كلمات المقاربين‏لعصرنا و هو الذي يساعده إمعان النظر و تعميق الفكر و تلخيص الكلام فيه‏يقع بذكر أمور(الأمر الأول أنه يعتبر في حجية الخبر الواحد)أن يكون المنجزبه من الأمور المحسوسة كما اعتبر ذلك في باب الشهادة فإن بناء العقلاء الذي‏هو المرجع لجميع الأدلة المستدل بها على حجية الخبر إنما هو على عدم‏الاعتناء باحتمال تعمد المخبر الثقة في الكذب الذي ينحصر فيه المانع عن‏قبول قوله في الحسيات التي يبعد الخطاء فيها بنظرهم و أما احتمال خطائه‏في حدسه فيما إذا كان المخبر به من الأمور الحدسية فهو احتمال عقلائي يعتنون‏به العقلاء و هو يمنع عن قبول قوله في الحدسيات و إن كان احتمال تعمده‏في الكذب لا يصلح للمنع لكونه موهونا بنظرهم و بالجملة فبناء العقلاء إنماهو على عدم الاعتناء باحتمال تعمد الكذب لا باحتمال الخطاء في الحدس‏و معلوم أن نظر الشارع في إمضائه إلى ما استقر عليه بناؤهم لا مطلقا و إن لم‏يستقر عليه بناؤهم الأمر الثاني الإجماع قد تطلق و يراد به اتفاق جميع العلماءمن أمة محمد صلى الله عليه و آله في عصر واحد و هذا هو الأصل في الإجماع و هو المصلح‏عليه بين العامة و القدماء من الخاصة على ما يشاهد في كتبهم و يلاحظمن تعاريفهم و قد يطلق و يراد به اتفاق جميع أهل الفن من جميع الأعصارفي مسألة من مسائل ذلك الفن و هذا هو المراد من الإجماعات المدعاة في‏كلمات بعض المتأخرين من أصحابنا مثل الفاضلين و الشهيدين قدس أسرارهم‏و جملة ممن تأخر عنهم و المبحوث عنه في المقام هو الإجماع بالمعنى الأول‏و أما الإجماع بالمعنى الثاني فلا مجال للبحث عنه أصلا في محصله و لا في‏


131

منقوله أما محصله فلأنه إن كان في المسائل الفرعية المستخرجة من الأصول‏المأثورة عن أئمتنا عليهم السلام بالنظر و الاجتهاد فلا يكاد يكون حجةعلينا فإن الأفهام و إن كثرت لا دليل على حجيتها بالنسبة إلى الغير و إن كان‏في المسائل الأصولية المأثورة عنهم عليهم السلام فمع غض البصر عن بعد حصوله‏بحيث يمكن دعوى القطع بعدمه إلا في أمهات تلك المسائل التي هي في الوضوح‏بمثابة لا تحتاج إلى إقامة برهان و دليل عليها و كادت أن تكون من الضروريات‏لا إشكال في حجيته لاستحالة تخلفه عادة عن رضى المعصوم عليه السلام و عما هوو الفتوى عنده و أما منقوله فلأنه في المسائل الفرعية لا يزيد على محصله و قدذكر عدم حجيته و في المسائل الأصولية حجة لو لم يكن نقله موهونا و قدذكر أنه موهون جدا بحيث نقطع بعدم حصوله لناقله و ليس نقله من بعض‏المتأخرين إلا لعثورهم في مورده على أصل أو قاعدة لا بد من العمل بها في ذلك‏المورد بحسب نظرهم و اجتهادهم أو لعثورهم فيه على كلمات المعروفين بالفتوى‏أو لغير ذلك من المحامل و على أي حال فلا مجال للبحث على الإجماع بهذا المعنى‏بل البحث إنما هو في الإجماع بالمعنى الأول الذي هو اتفاق جميع علماء الأمة في عصرواحد على حكم من الأحكام و أصل البحث في ذلك من العامة الذين نسب‏إليهم تربيع الأدلة فجعلوا الإجماع بهذا المعنى منها مستدلين بآيات منهاقوله تعالى‏ و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل‏المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيرا و الرواية المروية عن النبي‏بإسنادهم أنه صلى اللَّه عليه و آله قال أمتي لا تجتمع على خطاء أو على الضلالة و حيث لم يكن‏بنظر أصحابنا رضوان اللّه عليهم دلالة الآيات تامة و سند الرواية صحيحا اختارواعدم حجيته بنفسه و أنه إنما يكون حجة من جهة اشتمال أقوال المجمعين‏على قول المعصوم عليه السلام الذي يكون قوله عليه السلام بنفسه حجة و لا يخلو كل عصرمنه فالإجماع عندهم حجة لا من حيث إنه إجماع كما عليه العامة بل من حيث‏


132

إنه حاك عن الحجية ثم اختلف أصحابنا في وجه حكايته عن قول المعصوم عليه السلام‏و كشفه عنه محكي عن السيد رحمه الله القول بأن ذلك من جهة العلم بدخول شخص‏المعصوم عليه السلام في المجمعين بأن يكون فيهم من لا يعرف أصله و نسبه و يكون‏موافقا معهم في الرأي و عن الشيخ قدس سره أنه من جهة اقتضاء قاعدة اللطف وأن الواجب على المعصوم عليه السلام في صورة مخالفته معهم في الرأي إلغاء الخلاف‏بينهم فبتحقق الإجماع يكشف موافقته معهم فيه و أن المجمع عليه هو حكم‏اللّه الموجود عنده في الواقعة و عن بعض المتأخرين أنه من جهة الحدس برأيه‏و رضاه بما أجمع عليه لاستحالة تخلف ذلك عن قيام الإجماع عليه عادة و قد يتفق لبعض‏الأوحديين وجه آخر لاستكشاف رأيه غير هذه الوجوه و هو بالتشرف إلي خدمته‏و أخذ الحكم من حضرته لكن هذا في الحقيقة من طرق الوصول إلى قوله‏لا من الوجوه التي بها يكون الإجماع كاشفا عنه و لكن الإنصاف عدم تماميةهذه الوجوه و عدم صلوحها للتمسك بها أما وجه الدخول فلأن العلم بدخوله‏عليه السلام في المجمعين مما لا سبيل إليه في زمان الغيبة بحيث يقطع بعدم حصوله‏لواحد ممن يدعي الإجماع من أصحابنا و أما وجه اللطف فلأن الواجب على‏الإمام عليه السلام بيان الأحكام بالطرق المتعارفة و ليس عليه إيصالها إلى جميع‏المكلفين و رفع اختفائها إذا اختفت لبعض العوارض التي نشأت من أنفسنا كماكان قد يتفق ذلك في زمان الحضور أيضا و بالجملة فليس على الإمام رفع الخطاءمن الفقهاء و إيصالهم إلى الأحكام الواقعية و إزالة الاشتباه عن أنظارهم واجتهاداتهم كي يكون لإجراء قاعدة اللطف مجال و أما وجه الملازمةفلوضوح أن حصول الاتفاق بين المجمعين على أمر اتفاقا و من جهة أداء أنظارهم واجتهاداتهم إليه بدون تواطؤ منهم و تبان عليه لا يستلزم رضاء المعصوم به‏


133

و موافقته معهم لا عقلا و لا عادة و بدون الاستلزام لا وجه للحدس برأيه فهذه‏الوجوه لا تفيد في حجية الإجماع شيئا كما أن القول بحجيته من جهة كشفه‏عن وجود دليل معتبر بين المجمعين فيما لم يكن هناك أصل أو قاعدة تصلح‏لاستنادهم عليها غير صحيح فإن المجمعين إن كانوا من المتأخرين فمن الواضح‏أنه لم يكن بأيديهم من الأدلة أزيد مما يكون اليوم بأيدينا و المفروض انتفاءوجود دليل معتبر فيه و إن كانوا من المتقدمين الذين هم بيننا و بين أصحاب‏الأئمة عليهم السلام بمنزلة الوسائط فالموجود بأيديهم من الأدلة و إن كان‏أزيد مما بأيدينا إلا أن مجرد ذلك لا يفيد شيئا ما لم يكن هناك تصريح أو إشارةفي كتبهم التي بأيدينا إليه هذا مع أنه من الممكن أن يكون الدليل لووصل علينا لدل عندنا على غير ما دل عليه عندهم فلا يصح الأخذ به بمجرداعتمادهم عليه و استنادهم إليه فتأمل فالإنصاف أن الإجماع بالمصطلح الأول‏لا دليل على حجية محصله فما ظنك بمنقوله(الأمر الثالث)أن ناقل الإجماع‏إن كان من قدماء الأصحاب الذين ينقلون الإجماع بمجرد كون مورده بنظرهم‏مشمولا لأصل أو دليل يكون حجيتها مسلمة عند الأصحاب و مفروغاعنها فلا إشكال في عدم اعتبار نقله و إن كان من متأخريهم الذين لا يدعون‏الإجماع إلا بعد اطلاعهم على نفس الفتاوى فهو في المقدار المتيقن الذين‏يستفاد من لفظه و يكون حكاية مستندة إلى حسه يكون نقله على الإجمال‏مثل المحصل المعلوم بالتفصيل فإن كان ذلك المقدار من الفتاوى بنظر المنقول‏إليه أيضا سببا تاما كاشفا قطعيا عن قول المعصوم فهو و إلا احتاج في اعتباره‏إلى ضم أمارات أخر إليه بحيث يكون المجموع كاشفا قطعيا عنه هذا كله في‏نقله من حيث السبب و أما نقله من حيث المسبب فإن كان من طريق الوجه الثاني‏أو الثالث فلا اعتبار به لكونه إخبارا عن الأمور الحدسية و إن كان من‏


134

طريق الوجه الأول الذي هو وجه الدخول فهو و إن كان راجعا إلى الإخبارعن الحس إلا أنك قد عرفت أن العلم بالدخول مما لا يحصل لواحد من مدعي‏الإجماع كي يمكن له نقله‏

الفصل الثالث في حجية الشهرة الفتوائية و مما قيل بحجيته‏بالخصوص هو شهرة الفتوى بين الأصحاب‏

و عمدة ما استدل به عليها ما وردفي مقبولة عمر بن حنظلة بعد فرض السائل تساوي الراويين في جهات الفضل‏من الفقه و العدالة و الوثاقة قال ينظر إلى ما كان روايتهم عنا في ذلك الذي‏حكما به مجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به و يترك الشاذ الذي ليس بمشهورعند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه و في مرفوعة زرارة بعد قوله جعلت‏فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فبأيهما نعمل قال عليه السلام خذبما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر و مورد الاستدلال في الرواية الأولى‏عموم التعليل في قوله عليه السلام فإن المجمع عليه لا ريب فيه بعد وضوح كون المرادمن الإجماع ما يمكن صدقه على الشهرة و هو المعروفية و الوضوح بين الأصحاب‏و إلا لما كان تعليلا لما علل به من الأخذ بالمشهور و ترك الشاذ و في الرواية الثانيةأمره بالأخذ بالمشتهر بين الأصحاب بناء على عموم الموصول لمثل الفتوى‏و أورد عليه الشيخ العلامة الأنصاري قدس سره و جملة ممن تأخر عنه بأن المرادبالمجمع عليه في الرواية الأولى و بالموصول في الروايةالثانية هو خصوص ما اشتهر من الروايتين تدوينا و ما كان منهمابحيث يعرفه مشهور الأصحاب في نقلهم فلا يعم لمثل الفتوى المشهور بينهم‏و هذا الإيراد و إن كان في محله من جهة أن موضوع الحكم بالأخذ هو الروايةالمشهورة فلا يوجب حجية الفتوى المشتهر بين الأصحاب من دون وجودرواية في البين تطابقه على ما هو محل البحث هنا إلا أن القول بأن المراد


135

باشتهار الرواية في الروايتين اشتهارها تدوينا و نقلا لا فتوى و عملا كما هوالمشهور بين(الأعاظم من زمان الشيخ)إلى زماننا هنا كما يظهر من تسالمهم‏على أن المرجح للرواية في باب التعارض هو الشهرة الروايتية دون الفتوائيةو العملية في غير محله على ما ذكرناه مشروحا في باب التعارض(و حاصله أن‏مجرد)اشتهار الرواية في النقل و التدوين مع قطع النظر عن كونها معمولابها بين الأصحاب و مفتى بها لديهم لا يوجب كون الرواية مما لا ريب فيه و لابين الرشد على ما في ذيل المقبولة و لا يجعل ما يعارضها مما في الريب بل‏الرواية المشهورة غير المفتى بها بين الأصحاب فيها الريب كله و غيرها المفتى‏به بينهم هو الذي لا ريب فيه و من المعلوم أن نقل الرواية في أعصار الأئمةعليهم السلام لم يكن أمرا غير العمل و الفتوى بمضمونها كما هو الحال في‏هذه الأعصار حيث إنه ربما يكون الرواية مذكورة في المجامع مع إعراض‏أربابها عنها و عدم إفتائهم على طبقها بل كان النقلة في تلك الأعصار مفتين‏بمضمون نقلهم بل كان فتواهم بلسان النقل و كانوا لا ينقلون ما كان موهونابنظرهم من الأحاديث و كانوا مقصرين في النقل على ما يعملون بوجود جهةوهن فيه و إذا كان هذا هو الحال في تلك الأعصار فلا يكاد يستظهر السائل من‏قوله عليه السلام خذ بما اشتهر بين أصحابك جوابا لقوله فبأيهما نعمل إلا الأمربالأخذ بما هو المفتى به بين مشهور الأصحاب و يكون يفتون به بلسان النقل‏و الرواية و إلا فمن الواضح عدم جواز العمل على رواية يحكم ناقلها بوجودوهن فيها مثل صدورها على وجه التقية(لا يقال)و على هذا فلا يبقى مجال‏لفرض كون كلا الخبرين مشهورين كما فرضه السائل بعد ذلك في المقبولةبقوله قلت فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم إلى‏آخر الرواية فإنه(يقال)ليس الشهرة بمعنى إفتاء أكثر الأصحاب به على‏


136

ما هو المراد بها في اصطلاحنا بل المراد بها الوضوح و المعروفية و عدم كون‏الفتوى به شاذا فإذا أمر الإمام عليه السلام بالرجوع إلى ما هو الواضح المعروف‏بين الأصحاب من الروايتين و ترك ما لا يعرفه و لا يعمل به إلا الشاذ منهم سأل‏السائل عن فرض ما إذا لم يكونا في الشهرة و الشذوذ بهذه المثابة التي فرضهاالإمام عليه السلام بل كان كل منهما معروفا عند جماعة كثيرة و معمولا بها بينهم‏فأجاب عليه السلام بالرجوع إلى ما يخالف ما عليه عمل العامة دون ما يوافقه و هذاالجواب أيضا يناسب ما ذكرناه للسؤال من المعنى إذ لو لم يكن الخبران مفتى‏بها بين الأصحاب و كان المراد شهرتهما من حيث النقل لكان اللازم عليه عليه السلام الأمر بالأخذ بما عليه عملهم و ترك ما لا يعملون على طبقه و يرونه صادرالا لبيان الحكم الواقعي و لا مجال للإرجاع إلى ما يخالف فتوى العامة كماهو ظاهر«فالإنصاف»أن دعوى القطع بكون المراد من الاشتهار هو الاشتهارفتوى و عملا لا رواية و نقلا غير مجازفة لكن ذلك لا يوجب حجية الشهرةالفتوائية بنفسها كما ذكرنا

الفصل الرابع في حجية الخبر الواحد

و لا يخفى أن هذه المسألةمن أهم المباحث الأصولية إذ عليها يدور رحى باب الاستنباط و لو لا أخبار الآحادالتي هي اليوم بأيدينا لما بقي لنا فقه و قد أسمعناك غير مرة أن الميزان في كون‏المسألة أصولية صحة وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط و كونها كبرى‏للقياس الفقهي المستنتج منه حكم كلي إلهي و من أوضح المسائل التي‏تكون كذلك هذه المسألة و عليه فلا مجال لتكليف إرجاعها إلى البحث‏عن أحوال السنة من الأدلة الأربعة بدعوى أن البحث عن ثبوتها و عدمه بحث‏عنها بمفاد كان التامة لا عن عوارضها بمفاد كان الناقصة و إن كان يمكن‏الجواب عنه بأن المراد بثبوت السنة هو انكشافها بالخبر الواحد و انطباقها


137

على مؤداه لا مجرد ثبوتها واقعا(نعم)يرد عليه أن السنة إنما هي موضوع‏في هذا المعنى الملازم لما هو عنوان البحث في المسألة لا في نفس ذلك العنوان‏فإن الموضوع فيه هو الخبر الحاكي لها كما لا يخفى(ثم لا خلاف بين الأصحاب)و لا إشكال في حجية الأخبار المودعة في الكتب التي بأيدينا و وجوب الأخذبمؤدياتها لكن ذلك ليس عن الإجماعات التي يمكن الاتكال عليها و ينكشف‏منها قول المعصوم عليه السلام في مواردها و ذلك لاختلاف مشارب المجمعين في مدرك‏حجيتها فإنها قطعية الصدور عند طائفة و من أفراد المطلق الظن الانسدادي‏عند أخرى و حجة بالخصوص من باب اعتبار خبر الثقة أو العدل عند ثالثة وما هذا شأنه من الإجماع يكون كاشفا عن رأي المعصوم عليه السلام و لا يجوز الاعتمادعليه و لا يعد دليلا في المسألة«نعم لو كان»فتوى الجميع مستندة إلى اعتبارخبر الثقة عندهم فقط لكان للاستدلال به مجال و حيث ليس ذلك كذلك ويكون مدرك الطائفة الأولى بالنسبة إلى هذا الزمان في غاية الوهن سيما مع‏مشاهدة الاختلاف الفاحش في الروايات التي بأيدينا لا بد لنا من إقامة الدليل‏على اعتبار خبر الواحد بالخصوص فإن أمكن ذلك و تمت دلالة الدليل عليه‏و إلا فيقع الاحتياج إلى ترتيب مقدمات الانسداد لإثبات حجية مطلق الظن‏و قبل التعرض لذكر أدلة المثبتين للحجية لنقدم الكلام في أدلة النافين‏و ما فيها(فنقول)و من اللّه التوفيق‏

قد استدل النافون‏

من الآيات بالآيات الناهيةعن العمل بالظن‏

مثل قوله تعالى‏ إن الظن لا يغني من الحق شيئا و من الروايات‏بما ورد من إرجاع الأخبار إلى الكتاب و الأخذ بما وافقه أو يكون عليه شاهدمنه و طرح ما خالفه أو لم يوافقه أو لم يكن عليه شاهد منه على اختلاف التعابيرالواردة منهم عليهم الصلاة و السلام و هذه الأخبار و إن لم تكن متفقة على‏لفظ أو معنى إلا أنها متواترة إجمالا بحيث يقطع بصدور واحد منها و من‏


138

المعلوم إباء مضامينها للتخصيص فإن مثل قوله عليه السلام ما خالف قول ربنا لم‏نقله أو هو زخرف أو باطل مما لا يمكن تخصيصه«و من الإجماع»بما حكي‏عن المرتضى(قدس سره)من أن العمل بالخبر الواحد متروك بين الإمامية كالقياس‏

(و من العقل)

بما حكي عن ابن قبة من لزوم تحليل الحرام و تحريم الحلال‏و قد مر منا تقريبه و ما هو مقتضى التحقيق في جوابه فراجع(و الجواب)أماعن الآيات فبأن المراد من العمل بالظن فيها إنما هو العمل بالخرص و التخمين‏من دون دليل يكون في البين كما كان عليه عمل المشركين الذين نزلت‏تلك الآيات في شأنهم و مقابل ذلك هو العمل و القول بما يكون عليه الدليل‏الذي هو بمنزلة العلم عند العرف و العقلاء كما يشهد بذلك قوله تعالى‏ قل هل‏لكم به من علم فتخرجوه لنا و قوله‏ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن و عليه‏فيكون العمل بالخبر الذي هو بمنزلة العلم عند العقلاء من قبيل العمل بالعلم‏المقابل للعمل بالظن في تلك الآيات هذا مع أن موردها الأصول الاعتقاديةو لا تعم مثل ما نحن فيه و أما عن الأخبار فبأنها في مقام الرد على المعاندين‏الذين كانوا يدسون في الأخبار و ينسبون إلى أهل البيت عليهم السلام ما لا ينبغي ويفترون عليهم الكذب فتدل على عدم قبول أخبار هؤلاء و ما ينقلونه منهم‏عليهم السلام افتراء عليهم و هو على الظاهر كان منحصرا في الأصول الاعتقاديةأو الفروع العملية التي تكون مخالفتها مع الكتاب ظاهرة و يكون الافتراءعليهم فيها محصلا لأغراضهم الفاسدة مثل تباعد الناس عنهم و عدم رجوعهم‏إليهم و على أي تقدير فلا تعم مثل أخبار ثقات الأصحاب و الذين كانوا مأمونين‏من الكذب و الافتراء في نظرهم عليهم السلام هذا مع إمكان أن يقال إن المراد بالمخالفةأو عدم الموافقة مع الكتاب في تلك الأخبار هي المخالفة بنحو التباين لاالمخالفة بنحو التخصيص أو التقييد التي هي ليست بنظر العرف من المخالفة


139

في شي‏ء سيما إذا كان المتكلم من المقننين و كان كلامه صادرا على ما عليه‏سيرة الجاعلين للأحكام و إلا فمثل هذه المخالفة مع الكتاب صادرة عنهم‏قطعا و تكون في غاية الكثرة في كلماتهم و قد عرفت أن مضامين تلك الأخبارتكون بمثابة لا يتطرق إليها التخصيص أصلا و لا تكاد توصل المعاندين هذه‏المخالفة إلى أغراضهم أصلا

(و أما الإجماع)

المحكي عن السيد رحمه الله فبما سيجي‏ءإن شاء اللّه من وجه الجمع بينه و بين ما حكي عن غيره على الحجية هذا كله‏في أدلة النافين‏

(و أما المثبتون)فقد استدلوا بالأدلة الأربعة

فمن الكتاب‏آيات‏

منها آية النبأ

قال اللّه تعالى‏ إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبواقوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين

(و تقريب الاستدلال)بها من وجوه‏

أحدها من جهة مفهوم الشرط

بأن يقال إنه تعالى علق وجوب التبين و الفحص‏عن الخبر بما إذا كان الجائي به فاسقا فإذا انتفى الشرط و كان الجائي به عادلاينتفي ذلك الحكم و حيث إن وجوب التبين الذي هو بمعنى التفتيش عن حال‏الخبر و الفحص عن صدقه و كذبه وجوب مقدمي بمعنى لا بديته في مقام العمل‏و مقدمة لترتيب الآثار عليه كما يشهد به التعليل بإصابة القوم بجهالة الموجبةللإصباح على الندم في ذيلها يكون المفهوم عدم وجوب التبين عن الخبر في‏مقام العمل به و ترتب الآثار عليه إذا لم يكن الجائي به فاسقا و من ذلك‏يظهر لك عدم الاحتياج في تقريب الاستدلال عليها إلى مقدمة ذكرها الشيخ‏(قدس سره)في المقام و هي أنه إذا لم يجب التبين عن خبر العادل كما هو قضية الشرطفإما أن يقبل بدونه و هو المطلوب و إما أن يرد رأسا فيلزم أن يكون العادل‏أسوأ حالا من الفاسق هذا و لكن يرد عليه أن القضية الشرطية في الآية مسوقةلبيان الموضوع و فرض وجوده و إذا كانت القضية الشرطية كذلك فوجودالجزاء عقلا يكون متوقفا على الشرط المذكور فيها و بانتفائه ينتفي الجزاء


140

قهرا و يكون القضية سالبة بانتفاء موضوعها و لا تكون حينئذ ذات مفهوم أصلافإن كون القضية ذات مفهوم على القول به إنما هو إذا لم يكن الشرط فيهامحققا للمشروط و كان بحيث يمكن فرض انتفائه بدون انتفاء مشروطه‏كما في مثل زيد إن جاءك فأكرمه فإن إمكان تحقق الإكرام مع فرض انتفاءمجي‏ء زيد في غاية الوضوح و هذا بخلاف مثل قوله إن زرقت ولدا فاختنه و إن‏قرأت الدرس فاحفظه و إن أمرك فلان بشي‏ء فاقبل منه و إن زرت السيد فقبل‏يده فإن المشروط في تلك القضايا لا يمكن تحققه عقلا بدون شرطه كي تصل‏النوبة إلى دلالة القضية على انتفائه حينئذ و عدمها و القضية الشرطية في الآيةالشريفة من هذا القبيل فإن انتفاء الشرط المذكور فيها يستلزم انتفاء الجزاءقهرا فإذا لم يجئ الفاسق بنبإ ينتفي التبين عن النبإ قهرا لعدم وجود مايتبين عنه و النبأ الذي جاء به العادل موضوع آخر لم يذكر في الآية كي‏تكون دالة على عدم وجوب التبين عنه ففرض مجي‏ء العادل بالنبإ فرض‏أجنبي عن ما ذكر في منطوق الآية نعم لو كان الموضوع فيها هو مطلق النبإالشامل لما جاء به العادل و كانت الآية الشريفة هكذا النبأ إن جاءكم الفاسق‏فتبينوا لكان للقول بثبوت المفهوم لها مجال و بدون ذلك التصرف الخالي عن‏الشاهد فيها لا وجه لاستكشاف المفهوم عنها أصلا

(ثانيها)من جهة مفهوم‏الوصف‏

و تقريبه أن الخبر الذي جاء به الفاسق قد اجتمع فيه وصفان وصف‏ذاتي و هو كونه خبرا واحدا و وصف عرضي و هو كونه من المخبر الفاسق‏و معلوم الموجب للتبين عنه لو كان هو الوصف الذاتي لكان هو المتعين‏بالذكر لتقدمه رتبة على الوصف العرضي فإنه لو ذكر الوصف العرضي و الحال‏هذه لكان الكلام خارجا عن طريق المحاورة فلو قال المتكلم أكرم عالمايستفاد من كلامه لا محالة أن الموجب و العلة للإكرام هو العالمية لا مجرد


141

الإنسانية و إلا لكان يقول أكرم إنسانا و حيث إن الوصف المذكور في الآيةالشريفة هو كون المخبر و الجائي بالنبإ فاسقا لا كون خبره خبرا واحدافلا محالة يستفاد منها أن العلة لوجوب التبين فسق المخبر لا كونه جائيا بالخبرالواحد فلو جاء به و كان عادلا لم يجب التبين عن نبئه لانتفاء الوصف الموجب‏له(و لا يخفى ما في هذا التقريب أيضا من الفساد)فإنه قد ذكرنا في مبحث المفاهيم‏عدم كون القضية الوصفية ذات مفهوم خصوصا إذا لم يكن الوصف معتمداعلى الموصوف و إلا لكان القضية المشتملة على اللقب أيضا كذلك إذا كان‏اللقب مشتقا بل و إن لم يكن كذلك إذ لا يوجب مجرد الجامدية و الاشتقاق‏بنظر العرف تفاوتا في ذلك و من الممكن أن يكون ذكر الوصف في القضيةلإفادة غرض آخر غير عليته للحكم مثل أن يكون ذكر وصف الفاسقية في الآيةالشريفة للتنبيه على فسق الوليد الذي هو المخبر في مورد نزول الآية لكون‏فسقه مغفولا عنه عند الصحابة و إلا لما كانوا يركنون إلى إخباره بارتداد بني‏المصطلق و كذلك ذكر وصف العالمية في المثال يمكن أن يكون لأجل أهميةالعالم في نظر المتكلم من سائر أفراد الإنسان و إن كان المنشأ لإكرامه أيضاإنسانيته«و بالجملة فليس»حال القضية الشرطية المذكورة في الآية إلا كحال‏قولك إن شهد عندك عالم بشي‏ء فصدقه فكما لا وجه لاستكشاف المفهوم‏من هذه القضية بأحد من الوجهين فكذلك تلك و ليس الفرق بينهما إلا من‏غير فارق‏

(ثالثها)من جهة استفادة العلية من الآية

و تقريبها أنها نزلت في مقام‏ردع الصحابة عن مثل ما تصدوا له من العمل من تجهيز الجيش لقتال بني المصطلق‏بمجرد إخبار الوليد بامتناعهم من إعطاء الصدقة و ارتدادهم و من المعلوم‏أن بناء الصحابة كسائر العقلاء إنما كان على قبول خبر العادل و من تطمئن‏بقوله النفس لا على قبول خبر كل من أخبر بشي‏ء و لو كان فاسقا و أما عملهم‏


142

بخبر مثل الوليد فهو ما كان لأجل عدم علمهم بفسقه لشهادة ظاهر حاله على‏خلافه و لأجل غفلتهم عنه و عدم التفاتهم إليه و مع ذلك فلم تردع الآية الشريفةعما كان عليه أصل بنائهم و إنما ردعتهم عن مثل هذا الاشتباه الذي صدر منهم‏فيستفاد من ذلك أن العلة لوجوب التبين عن الخبر في نظر الشارع ليس إلافسق المخبر به فإذا انتفت هذه العلة و كان المخبر به عادلا لم يجب التبين‏عنه بمقتضى ظاهر الآية و أنت خبير بما في هذا الوجه أيضا من الوهن فإنه إن‏كان استفادة علية الفسق للتبين من جهة تقيد موضوع شخص الحكم في الآيةبوصف الفاسقية و اختصاص الردع الفعلي المستفاد منها بما صدر عن الصحابةغفلة و اشتباها فقد عرفت أنه يمكن أن يكون ذكر الوصف و تقييد موضوع‏الحكم به بجهة أخرى غير ذلك فلا يدل على أزيد من انتفاء شخص هذا الحكم‏في غير الموصوف به و إن كان من جهة عدم ردع الشارع عما كان عليه سيرةالعقلاء و بناؤهم و دلالة ذلك على إمضائه له فذلك يرجع إلى الاستدلال ببناءالعقلاء في المقام و ليس من باب التمسك بظهور الآية بشي‏ء ثم إن هذه إشكالات أخرربما تورد في المقام بعضها مختص بالاستدلال بهذه الآية الشريفة و بعضها لا يختص‏به بل يعم الاستدلال بغيرها مما سيتلى عليك إن شاء اللّه تعالى من الأدلة

(أما مايختص)بالاستدلال بهذه الآية من الإشكالات(فمهمها أمران‏

الأول‏

)أنه لو تم‏و سلم كون الآية ذات مفهوم و أغمض عما ذكرنا لكان مفهومها معارضا مع‏عموم التعليل في ذيلها و هو قوله أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على مافعلتم نادمين فإن المراد بالجهالة فيه عدم العلم بصدق الخبر و كذبه و عليه‏فالتعليل يشمل خبر العادل أيضا و يكون التبين عن خبره واجبا مثل خبرالفاسق فظهور الجملة التعليلية في العموم متعارض مع ظهور صدرها في‏المفهوم و معلوم أن الترجيح بجانب عموم التعليل فإن ظهور الجملة التعليلية يكون‏مانعا عن انعقاد الظهور للجملة المعللة و دليلا على أن ذكر الخصوصية المقتضية


143

للمفهوم فيها إنما هو لأجل أمر آخر غير تخصيص الحكم للمتخصص بها فإذاقيل أكرم العالم لكونه عالما أو لا تشرب مائعا كان خمرا لكونه مسكرا كان‏عموم التعليل لا محالة مانعا عن الأخذ بمقتضى التقييد بالوصف في ذلك بل‏هو في الحقيقة قرينة على اقتضائه شيئا و على ذلك فيكون الجملة التعليليةفي الآية قرينة على عدم انعقاد ظهور الجملة المعللة فيها رأسا كما هو الحال‏في كل قرينة بالنسبة إلى ذيها و يكون المتعين الأخذ بمقتضى عموم التعليل‏فيها من غير أن يبقى مجال لملاحظة حال النسبة بينه و بين المفهوم كي يقال‏بأن مقتضى القاعدة حينئذ تخصيص عمومه به لكونه شاملا لخبر الفاسق أيضابخلاف المفهوم هذا كله مع إباء عموم التعليل في الآية عن طرو التخصيص‏عليه كما هو واضح«و يمكن الجواب عن أصل الإشكال»فإن الظاهر أن الجهالةفي الآية بمعنى عدم العلم كي يكون التعليل مشتركا بين خبر العادل و خبرالفاسق بل هي بمعنى السفاهة و فعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل و الاعتمادعلى ما ليس الاعتماد عليه من طريقة العقلاء و كما في نظائر هذه الآية من‏الآيات القرآنية مثل قوله تعالى‏ للذين يعملون السوء بجهالة و قوله‏ إني أعظك أن تكون من الجاهلين و معلوم أن هذا المعنى مختص بالاعتمادعلى خبر الفاسق و لا يكاد يشمل الاعتماد على خبر العادل الذي يكون الاعتمادعليه من طريقة العقلاء و ديدنهم في أمورهم و قد ذكرنا أن عمل الصحابة بخبرالوليد إنما كان لأجل عدم معرفتهم بحالة و اغترارهم بمقتضى ظاهر إسلامه‏لا مع علمه بفسقه و عدم وقوفهم بقوله كما زعمه الشيخ«قدس سره»كي يكون‏منافيا مع ما ذكرنا و(بالجملة)فليس الاعتماد على خبر العادل و من يوثق‏بقوله من السفاهة و فعل ما لا ينبغي صدوره و لو أغمض عن حجيته و كونه‏طريقا محرزا شرعا(فانقدح)أنه لا وجه للإشكال على هذا الجواب بما ربما


144

يظهر من بعض المحققين«في حاشيته على الكفاية»من أن خروج خبر العادل‏عن عموم التعليل موضوعا بهذا الوجه يوجب حجيته مع قطع النظر عن هذه‏الآية و كون الآية كاشفة عنها الاثنينية لها كما هو غرض من يتمسك بها و قد يجاب‏عن أصل الإشكال بجواب آخر و حاصله على ما في تقريرات بعض مقرري‏مجلس بحث المجيب أن الجهالة و إن كانت بمعنى عدم العلم بمطابقة الخبرللواقع إلا أن المفهوم متقدم على عموم التعليل لحكومته عليه إذ هو يوجب‏كون خبر العادل محرزا و كاشفا عن الواقع و خارجا عن عدم العلم إلى العلم‏تنزيلا و حينئذ فلا يشمله موضوع عموم التعليل أصلا لتضييقه بمقتضى حكومةلسان المفهوم عليه(و فيه)أن ذلك إنما يتم فيما إذا كان العموم من جملة أخرى‏غير متصلة بمنطوق الجملة الشرطية مثل عمومات الأدلة الناهية عن اتباع‏غير العلم لا في مثل المقام مما يكون العموم فيه مانعا لأصل انعقاد ظهور الجملةفي المفهوم و قرينة على عدم كونها دالة عليه فإنه حينئذ لا يكون حاكما على‏العموم إلا على وجه دائر كما هو واضح‏

(الثاني)

أنه لو كان للآية الشريفةمفهوم للزم خروج المورد عن تحت عمومه فإن مورد الآية هو الإخبار بالارتدادالذي هو من الموضوعات التي لا تثبت إلا بقيام البينة عليه و حجة الخبرالواحد مخصوصة بالأحكام و لا تعم المورد أصلا و(فيه أن)غاية ما يلزم هي‏تقييد العمل بخبر العدل في المورد بانضمامه مع مثله من غير أن يجب التبين‏عن واحد منهما و قبح ذلك غير معلوم بل و عدم قبحه معلوم هذا إذا جعل‏أصل المورد الخبر بالارتداد و(أما لو جعل إخبار الوليد)الفاسق به فلا يكون‏واردا في مورد أصلا و كون منشإ استفادته هو الخصوصية الموجودة في المنطوق‏لا يوجب أن يكون واردا مورده كما لا يخفى و هذا كله فيما يختص بالآية من الإشكالات‏و أما ما يعم غيرها فأمور(منها أنه)لو دل الدليل على حجية خبر العادل لدل‏


145

على حجية مثل(خبر السيد في دعواه الإجماع)على عدم حجية خبر الواحدغير السيد في خصوص هذه الدعوى(و فيه مضافا)إلى ما مر من عدم شمول أدلةحجية الخبر الواحد لنقل الإجماع و إلى ما سيجي‏ء من وجه الجمع بينه و بين‏(الإجماع المدعى من الشيخ أن عموم)الكلام لا يكاد يشمل ما لو شمله لكان‏لغوا و يسقط عن الاعتبار و الحجية فإذا قال المتكلم كل ما أمرك به العدل فاعمل‏به ثم أمر عدل بعدم العمل بكل ما أخبر به العدل فلا ريب من العقلاء في عدم‏شمول عموم الكلام لمثل هذا الأمر و إلا للزم لغويته و خروجه عن الاعتبار«هذا مع أن دخول مثل»هذا الفرد تحت عمومه يستلزم خروجه عنه حيث‏إنه بلفظه أو بمناطه يشمل نفسه أيضا و ما يستلزم وجوده عدمه محال(و قديجاب عنه ثالثا بأن)الأمر دائر هنا بعد قيام الإجماع على أن ما كان حجةللأولين فهو حجة للآخرين أيضا و أنه لا تفاوت في الحجية و عدمها بين الأزمنةبين خروج خير السيد عن تحت العموم مع بقاء سائر الأفراد من الأخبار الصادرةمن العدول في كل عصر و بين العكس و لا ريب أن المتعين هو الأول و إلا يلزم‏أن يكون الكلام الملقى على وجه يدل على عموم حجية خبر الواحد لبيان‏عدم حجيته و ذلك فضيح إلى الغاية و قبيح إلى النهاية و لا يخفى أنه على هذاالتقرير لا يرد عليه أنه يمكن أن يكون المراد من الأدلة حجية خبر العادل‏مطلقا إلى زمان خبر السيد و أن بشمولها له ينتهي الحكم رأسا«نعم»مرجع‏هذا الجواب هو إلى الجواب الأول فليس بجواب ثالث لهذا الإشكال«و منها»وقوع التعارض بين أدلة الحجية و بين الآيات الناهية عن العمل بالظن و بماأن النسبة بينهما هي العموم من وجه حيث إن مفاد الآيات عام من جهة شموله‏لغير الخبر من أفراد الظنون و خاص من جهة اختصاص النهي بمورد التمكن‏من العلم و عدم شموله لمورد عدم التمكن و مفاد الأدلة عكس ذلك يكون‏


146

المرجع أصالة عدم الحجية(و فيه ما عرفت)في أول هذا المبحث من أن موردالآيات أجنبي عن الظنون المبحوث عنها في المقام بالمرة و المراد بالظن فيهابحسب الظاهر و اللّه العالم هو التخمين و الخرص بما لا دليل عليه و عليه فالخبرالواحد خارج عن تحتها بالتخصيص(و لو أغمض النظر عن ذلك و قيل)بأن‏المراد منه ما عدا العلم أيا ما كان فلا إشكال في انصرافها عن الظن الخبري‏الذي هو مثل العلم عرفا«و منها»أن الأدلة لا تشمل الأخبار الحاكية لقول‏الإمام عليه السلام بواسطة أو وسائط كما هي الحال في الأخبار التي بأيدينا مثل‏إخبار الشيخ عن المفيد عن الصدوق عن الصفار عن العسكري عليه السلام «و يمكن‏تقريب هذا الإشكال بوجهين الأول»أن دليل الحجة لا يكاد يشمل خبرا إلافيما كان هناك أثر شرعي يقع التعبد بلحاظه و إلا لخرجت الحجية من الجعل‏التشريعي إلى الجعل التكويني و حينئذ فإذا كان الخبر بلا واسطة كما إذا أخبرزرارة عن الصادق عليه السلام بوجوب شي‏ء أو حرمته فحيث إن المخبر به حكم‏شرعي يكون التعبد بالخبر بلحاظه ممكنا و أما إذا كان مع واسطة أو وسائطفلا محالة يكون المخبر به للوسائط من الموضوعات و يحتاج التعبد بالإخباربه إلى ترتب أثر شرعي عليه يكون هو المصحح للتعبد إذ لا يصح التعبد بالأمارةالقائمة على موضوع من الموضوعات إلا مع ترتب الأثر الشرعي عليه و حيث‏إن المخبر به لكل من الوسائط ليس إلا قول سابقه و إخباره فإن المخبر به‏بخبر الشيخ هو إخبار المفيد و المخبر به له هو إخبار الصدوق و هكذا إلى‏أن ينتهي إلى أول السلسلة فليس في البين أثر شرعي مصحح للتعبد إلا وجوب‏التصديق و هو غير معقول لاستلزامه اتحاد الحكم و الموضوع بمعنى الأثرفإن أثر الحكم يوجب تصديق كل من الوسائط في إخباره ليس حينئذ إلا نفس‏هذا الحكم هذا مضافا إلى أن نفس وجوب التصديق لا يصلح لكونه أثرا شرعيا


147

بكون الحكم بوجوب التصديق بلحاظه إذ بعد القطع بعدم إرادة وجوب‏التصديق الجناني الذي هو المطلوب بالذات في باب الاعتقاديات منه لا معنى‏له إلا وجوب ترتيب الآثار الشرعية على إخباره و هذا و إن كان حكما إلا أنه‏حكم أصولي طريقي لا حكم فرعي عملي كي يمكن أن يكون مصححا للتعبد«و بالجملة»فالمراد بالأثر المصحح له هو الحكم الشرعي المتعلق بالعمل‏بلا واسطة و وجوب التصديق حكم بترتيب مثل هذا الأثر و لا يكاد يكون‏نفسه«فانقدح»من ذلك أن انحلال قضية صدق العادل هنا إلى أحكام متعددةحسب تعدد الأخبار في السلسلة لا يكاد يفيد في التفصي عن هذا الإشكال‏شيئا كما أن«ما أفاده المحقق صاحب الكفاية قدس سره في مقام»الجواب عنه من‏أن الملحوظ في هذه القضية يعني قضية صدق العادل هو طبيعة الأثر لا أفراده‏كي لا يمكن شموله لنفس هذا الحكم أو أن الأثر الملحوظ فيها و إن لم يشمل‏نفس الحكم بلفظه إلا أنه يشمله بتنقيح المناط أو بعدم الفصل بينه و بين‏سائر الآثار كذلك فإن الإشكال غير منحصر بلزوم اتحاد الحكم الموضوع‏كي يندفع بهذه الوجوه بل في البين إشكال آخر غير مندفع بها أصلا(و لكن‏لا يخفى أن أصل الإشكال)إنما يبتني وروده على القول بأن المجعول في باب‏الطرق و الأمارات هو منشأ انتزاع الحجية و أما بناء على ما قربناه من كون‏المجعول فيها هو نفس الطريقية و الكاشفية فلا يبقى مجال للإيراد به أصلافإنه على هذا جعل لكل واحد من أخبار السلسلة الكشف و الطريقية إلى‏قول سابقه فقول الشيخ طريق إلى قول المفيد و هو طريق إلى قول الصدوق‏و هكذا و لا يحتاج جعل الطريقية لكل منها إلى ترتب أثر شرعي على نفس‏مؤداها بل يكفي انتهاؤها إلى الحكم الشرعي و لو بوسائط كثيرة فإن إثبات‏حكم الإمام عليه السلام حينئذ يتوقف على أن يكون قول كل واحد من الوسائط طريقا


148

إلى قول سابقه كما يتوقف إثبات أمر عرفي كذلك على أن يكون كل واحدمنها طريقا إلى الآخر عرفا(الثاني)أنه يلزم في الوسائط إثبات الموضوع‏بالحكم حيث إن إخبار المفيد للشيخ و إخبار الصدوق للمفيد و إخبارالصفار للصدوق ليس محرزا بالوجدان بل المحرز بالوجدان هو إخبارالشيخ فقط و إنما يراد إحراز إخبار من سواه من الوسائط بالحكم بوجوب‏تصديق العادل فهذا الحكم هو محرز إخبار كل من الوسائط مع إن إخبار كل‏منها موضوع لنفس هذا الحكم و ليس هذا إلا دورا واضح«و لا يخفى أن»هذاالإشكال لا يرتفع بالالتزام بجعل نفس الطريقية و الكاشفية مثل الإشكال السابق‏فإنه عليه أيضا يكون الحكم بالطريقية مثبتا لأخبار الوسائط الذي هوموضوع لنفس هذا الحكم(نعم يرتفع الإشكال)بأن يقال إن المحال إنما هوإثبات الحكم موضوع شخصه و أما إثبات حكم مترتب على موضوع موضوعاآخر يترتب عليه حكم آخر كما في المقام فهو بمكان من الإمكان«و الحاصل»أن هنا أحكام متعددة حسب تعدد الأخبار في السلسة و يكون بعض تلك‏الأحكام مثبتا لموضوع بعض آخر منها و لا إشكال في ذلك أصلا«هذا تمام‏الكلام فيما يتعلق»بآية النبإ من بيان وجه الاستدلال بها و ما يتوجه عليه من‏الإشكالات‏

آية النفر

و من جملة الآيات المستدل بها في المقام قوله تعالى‏ و ما كان‏المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين‏و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون

«و لا يخفى أن»الاستدلال‏بها على حجية خبر الواحد يتوقف على«أمور

الأول»أن يكون المراد من‏النفر فيها النفر للتفقه‏

و أخذ المسائل الشرعية بأن يكون العلة الغائية لوجوبه‏ذلك فلو كان المراد منه النفر إلى الجهاد و كان معنى التفقه في الدين مشاهدةآيات اللّه تعالى فيه من ظهور غلبة المسلمين مع قلة عددهم على أعداء اللّه في‏


149

كثرتهم و غير ذلك و كان ترتبه على النفر بواسطة اللام من باب ترتب مطلق‏الفائدة على ذيها لا من باب ترتب خصوص ما هو العلة الغائية له عليه كما تم‏الاستدلال بالآية و لكن الظاهر تمامية هذا الأمر فإن النفر من الأفعال التي‏تحتاج إلى المفعول بواسطة اللام لعدم كونه مطلوبا نفسيا فلو لم يكن‏المفعول المتعلق به هو التفقه بل كان هو الجهاد للزم أن يكون في الآية حذف‏و تقدير

«الثاني»أن لا يكون المراد بالإنذار فيها ما هو ظاهر لفظه من إنشاءالتخويف‏

بحسب الفهم بحيث يكون لاجتهاد المنذر و إعمال نظره دخل فيه‏فإنه على هذا المعنى لا يكاد يعم نقل الخبر أصلا سواء كان متعلقا بالعذاب‏صراحة أو بالحكم كذلك و بالعذاب ضمنا و لا يخفى أن الظاهر من الآية أن‏يكون المراد بالإنذار ذلك فإن الإنذار إنما حكم بوجوبه فيها من حيث إنه‏إنذار لا من حيث إنه حكاية لقول الإمام عليه السلام و نقل له كما أن الظاهر أن التحذرأيضا إنما يجب بما هو هو لا بما هو تصديق و على ذلك فليس المراد بالإنذارإلا هو من شئون من لا يكتفي بصرف النقل مثل بعض أصحاب الأئمة عليهم‏السلام كمحمد بن مسلم و فضيل بن يسار و زكريا بن آدم و غيرهم حيث‏كانوا يرجعون إلى بلادهم بعد تحصيل الوسع فيحثون الناس إلى الطاعات‏و يبثون الأحكام بينهم بحسب ما كان لهم من الاجتهادات و أما شموله لمثل‏نقل صفوان الجمال و من شابهه فغير معلوم«فانقدح أنه لا مجال»حينئذ لما ذكره‏بعض الأعاظم قدس سره من وجود الإنذار في جميع الأخبار و لو ضمنا كما لا مجال‏للقول بشموله لغير ما نقل فيه العذاب صراحة من الإخبار بعدم الفصل فإن‏كل ذلك فرع صدق الإنذار على نقل العذاب صرفا من دون دخالة لفهم الناقل‏فيه و قد عرفت الإشكال في ذلك‏

«الثالث»

كون المراد من قوله تعالى‏ لعلهم‏يحذرون حصول الحذر من المتخلفين بمجرد إنذار النافرين لهم تعبدا


150

لقولهم و تصديقا لهم فإنه حينئذ يتم الاستدلال و يقال إن ظاهر الآية هو كون ذلك‏علة غائية لوجوب الإنذار إذ ليس الإنذار بنفسه واجبا من دون ملاحظةترتب أمر آخر عليه و غائيته له تستلزم وجوبه و لا يحتاج تتميمه إلى تجشم‏القول بأن كلمة لعل موضوعة للترجي الإيقاعي الإنشائي و يكون داعيه في‏حقه تعالى مجرد المحبوبية التي لا تنفك هنا عن الوجوب إذ لا معنى لندبيةالتعبد بقول المنذر بل هو إما يجب أو يحرم مع إمكان أن يقال إن وضع كلمةلعل للترجي غير معلوم فإنه لو كان كذلك للزم تخلفها عن استعمالها فيه في‏كثير من الموارد مثل قوله تعالى‏ لعلك باخع نفسك على آثارهم و قوله‏ لعلك‏تارك بعض ما يوحى إليك و قوله‏ لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمراً و قوله عليه السلام‏لعلك وجدتني في مقام الكاذبين و قوله أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين‏و قولك لعل زيدا يموت أو لعله عدوك و غير ذلك من الموارد الكثيرة التي‏يكون مدخول كلمة لعل فيها مكروها للنفس و لا يعقل إنشاء الترجي بالنسبةإليه بل الظاهر أنها موضوعة لإبداء الاحتمال و جعل مدخولها واقعا موقعه‏و يرادفها في الفارسية كلمة شايد(و لقد وافقنا في ذلك ما من الصحاح من)أن لعل كلمة الشك و لعل ما أوقع مخالفينا في الاشتباه مطلوبية مدخولها في‏كثير من الموارد و محبوبية وقوعه للنفس و الغفلة عن أن ذلك لا يوجب‏وضع كلمة لعل لإفادته و إظهاره و إلا فمن الواضح استعمالها في إبداءالاحتمال للمدخول و رفع الاستبعاد عن وقوعه في جملة من الموارد التي‏يكون المدخول فيها محبوبا للنفس أيضا مثل قولك لا تدري لعل اللّه يرحمك‏أو لعله يجيب دعوتك أو لعل زيدا يحبك و غير ذلك مما تقع كلمة لعل بعد كلمةلا تدري و ما بمعناها مثل لا تعلم«هذا و لكن لا يخفى»أن صحة الاستدلال‏بالآية و تماميته لا تتوقف على شي‏ء من ذلك بعد ما كان المراد من قوله لعلهم‏


151

يحذرون حصول الحذر منهم تعبدا و تصديقا للنافرين لما ذكرنا من دلالةسياق الآية على أن ذلك هو الغرض و العلة الغائية لوجوب الإنذار فيكون‏واجبا و لو كانت كلمة لعل موضوعة لإفادة احتمال ترتبه على الإنذار و أمالو كان المراد منه تحقق الحذر منهم بحسب طبعهم بعد تأثير الإنذار لهم‏و كان الغرض من لفظة لعل جعل هذا المعنى واردا مورد الاحتمال كما هوالظاهر منه و من نظائره في الآيات مثل قوله تعالى لعلهم يتذكرون أو لعلهم‏بآيات ربهم يؤمنون أو لعلهم يتقون و غير ذلك فلا مجال للاستدلال بالآيةأصلا فإن الطبع إنما يقتضي العمل بقول المنذر بعد تبين صدقه من جهة التواترأو وجود القرائن لا تعبدا و لو احتمل كذبه في دعواه«و مما يدل على إرادةهذا المعنى استشهاد الإمام عليه السلام بالآية على وجوب معرفة الإمام على الناس‏في كثير من الروايات الواردة في تفسير الآية مع أن الإمامة مما لا يثبت إلابالعلم‏

آية الكتمان‏

«و من جملة الآيات»قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات‏و الهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه و يلعنهم اللاعنون‏و تقريب الاستدلال بها واضح بعد استلزام حرمة الكتمان لوجوب القبول‏و لا يخفى أن ظاهر الكتمان فيها بقرينة قوله من بعد ما بيناه للناس في الكتاب‏هو إخفاء الواضح و تستيره لا عدم الإظهار و عدم رفع الستر عن الأمر الخفي‏و مقابل الكتمان إبقاء الواضح على حاله لا إظهار الأمر الخفي و رفع السترو النقاب عن وجهه و عليه فالآية أجنبية عن مقام الاستدلال بها بالمرة

«و من‏الآيات أيضا»آية السؤال و آية الإذن‏

و لا يخفى على المتأمل ما في الاستدلال‏لكل منهما من الفساد فإن الأمر في الآية الأولى إرشادي مسوق بحسب الظاهرلبيان طريق التعلم و أنه يحصل بالرجوع إلى أهل الذكر و ليست في مقام‏إيجاب التعبد بقولهم أصلا هذا مع أن الظاهر منها هو السؤال عمن لعلمه‏


152

و فقهه دخل في جوابه و يكون جوابه مستندا إلى تأمله و تفقهه فلا تكاد تشمل‏مثل جواب الراوي الذي لا يكون لعلمه دخل فيه بنحو و لو كان الراوي من‏أهل الذكر و العلم بملاحظة نفسه و مع قطع النظر عن جوابه فتتميم الاستدلال‏بها لعدم الفصل بين الرواة من أهل الذكر منهم و غيرهم كما في الكفايةلا مجال له«و أما الآية الثانية»فالمراد بتصديقه صلى الله عليه و آله للمؤمنين هو ترتيب‏خصوص ما ينفعهم و لا يضر غيرهم من الآثار لا جعل المخبر به واقعا و ترتيب‏جميع ما له من الآثار عليه و ذلك بقرينة كونه صلى الله عليه و آله أذن خير للمؤمنين‏كما عن الصادق عليه السلام قال يصدق المؤمنين لأنه صلى الله عليه و آله كان رءوفا رحيما بالمؤمنين‏لا من جهة تعدية الإيمان باللام الدال على معنى النفع أحيانا و ذلك لأن الإيمان‏بمقتضى طبعه يتعدى دائما بالباء بالإضافة إلى متعلقه و باللام بالإضافة إلى من يدعوإليه قال تعالى‏ لن نؤمن لك و ما أنت بمؤمن لنا و آمنتم له و آمن له لوط و أ نؤمن‏لبشرين مثلنا ففي جميع هذه الموارد و في غيرها من الآيات يكون الإيمان‏متعديا باللام بالنسبة إلى غيره تعالى دائما هذا كله في الآيات التي استدلوابها على حجية أخبار الآحاد و قد عرفت عدم تمامية الاستدلال بواحد منها

و«أما السنة فطوائف من الأخبار»

منها ما ورد في مقام علاج الخبرين المتعارضين‏

من الرجوع إلى المرجحات أو التخيير حيث يدل على حجية الخبر الموثوق‏به في الجملة لو لا التعارض إذ لو لا حجيته بنفسه لما كان لعلاج تعارضه وجه‏و فرض كون كلا الخبرين قطعيين ينافي ما في بعض تلك الأخبار من الترجيح‏بالأوثقية و الأعدلية مع وضوح وحدة المورد في جميعها

و منها الروايات‏الكثيرة المستفيضة الواردة في مقام إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحابهم‏

و الظاهر من جملة منها أن الرجوع إلى الثقة و قبول قوله كان أمرا مفروغاعنه عند الرواة و كان غرضهم إحراز الصغرى و السؤال عن وثاقة شخص معين‏


153

لتطبيق الكبرى الكلية عليه و قد ذكر كثيرا من أخبار هذه الطائفة شيخ‏المشايخ الأنصاري قدس سره في رسالته فراجع‏

و منها ما ورد في الرجوع إلى الرواةو الثقات بنحو العموم‏

مثل قول الحجة عجل اللّه تعالى فرجه الشريف لإسحاق بن‏يعقوب على ما في بعض الكتب و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواةأحاديثنا فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّه عليهم و قوله على ما حكي عن الكشي‏في التوقيع على القاسم بن علاء الآذربايجاني لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك‏فيما يرويه عنا ثقاتنا و غير ذلك من الروايات المذكورة كثيرة منها أيضافي الرسالة التي منها ما ورد في شأن كتب بني فضال و الرجوع إليها

و منهاالأخبار التي أمر فيها الإمام عليه السلام واحدا من أصحابه بتبليغ حكم إلى غيره‏

مثل ما ورود من أمره عليه السلام محمد بن مسلم بتبليغ جواب مسألة زرارة عن وقت‏الظهر و العصر إليه بقوله إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر و إذا كان ظلك مثليك‏فصل العصر و هذه الطائفة من الأخبار و إن كانت كثيرة إلا أن جمعها يحتاج‏إلى التتبع التام في الروايات الواردة في دورة الفقه و المجال غير واسع به‏

ومنها الروايات الكثيرة الواردة في مقام الرد على بعض فقهاء العامة

مثل أبي حنيفةو قتادة و ابن أبي ليلى و في مقام الجواب عن قولهم نعمل أو نفتي بكتاب اللّه وسنة نبيه حيث اقتصر الإمام عليه السلام فيها بأخذهم في عملهم بالكتاب من دون الرجوع‏فيه إلى معادن علمه و خزان معانيه و لم يأخذهم في علمهم بالسنة المحكيةبأخبار الآحاد

و منها الأخبار الحاكية عن عمل الراوي بخبر غيره‏

مثل خبرعلي بن حديد في مواضع التخيير من السفر قال سألت الرضا عليه السلام فقلت إن أصحابنااختلفوا في الحرمين فبعضهم يقصر و بعضهم يتم و أنا ممن يتم على رواية أصحابنافي التمام و ذكرت عبد اللّه بن جندب أنه كان يتم فقال رحم اللّه ابن جندب ثم قال‏لي لا يكون الإتمام إلا أن تجمع على إقامة عشرة أيام و غير ذلك من الأخبار


154

الكثيرة التي يطلع عليها المتتبع في روايات أبواب الفقه‏

و منها الأخبارالمستفيضة الواردة في مقامات مختلفة

غير داخلة تحت ضابط معين و قد ذكرجملة منها الشيخ قدس سره في رسالته في طائفة مستقلة فراجع و الإنصاف أن الأخبارالدالة على حجية أخبار الآحاد بطوائفها السبع ربما تبلغ إلى ضعفي حد التواتربل أضعافه و الحمد للّه‏

(و أما الإجماع)فقد يقرر بوجوه أربعة

أحدها الإجماع‏القولي على الحجية في مقابل السيد

و أتباعه و طريق تحصيله إما بتتبع الآراءو الفتاوى من زماننا إلى زمان الشيخين و إما بتتبع الإجماعات المنقولة في ذلك‏مثل ما نقله الشيخ قدس سره في العدة و العلامة في النهاية و المجلسي في بعض رسائله‏و السيد رضي الدين بن طاوس في جملة كلام له يطعن فيها على السيد قدس سره‏على ما حكى جميع ذلك الشيخ قدس سره في الرسالة فيضم تلك الدعاوي منهم إلى‏كلمات علماء الرجال في ترجمة بعض الرواة و أصحاب السند مع ما يستظهرمن كلمات بعض أصحابنا في جملة من المقامات من أن العمل بالأخبار الموثوق‏بصدورها كان معروفا بين الأصحاب من غير أن ينكره أحد منهم على غيره‏فيحصل بذلك القطع برضاء الإمام عليه السلام به و لا يعتنى بخلاف السيد و أتباعه لكونهم‏معلومي النسب أو لعدم اعتبار اتفاق الكل في الإجماع على ما سلكه المتأخرون‏في وجه حجيته من ابتنائه على الحدس أو لغير ذلك من الجهات هذا و لكن لايخفى عدم تمامية هذا الوجه بوجه فإنه كيف يمكن استكشاف رأي الإمام‏في المسألة مع ذهاب جملة من أصحابنا إلى عدم الحجية بل نقل البهائي قدس سره‏أن ذلك مختار أكثر قدماء أصحابنا حيث قال في الوجيزة ما هذه عبارته‏الصدق في المتواتر مقطوع و المنازع مكابر و في الآحاد الصحاح مظنون وقد عمل بها المتأخرون و ردها المرتضى و ابن زهرة و ابن البراج و ابن إدريس‏و أكثر قدمائنا و مضمار البحث من الجانبين وسيع و لعل كلام المتأخرين‏


155

عند التأمل أقرب انتهى فإذا كانت هذه حال المسألة فدعوى الإجماع القولي‏فيها على الحجية تكون في غاية الوهن و أما ما نقله هؤلاء الأعلام فليس‏من الإجماع القولي في شي‏ء بل الظاهر من محكي عباراتهم في الرسالة هودعوى استقراء عمل الأصحاب عليه فإن محكي عبارة الشيخ قدس سره في العدةهكذا و الذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة فإني وجدتها مجتمعةعلى العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصنيفاتهم و دونوها في أصولهم لا يتناكرون‏ذلك و لا يتدافعون حتى واحدا منهم إذا أفتى بشي‏ء لا يعرفونه سألوه من أين‏قلت هذا فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور و كان رواية ثقةلا ينكر حديثه سكتوا و سلموا الأمر و قبلوا قوله هذه عادتهم و سجيتهم من‏عهد النبي صلى اللَّه عليه و آله و من بعده من الأئمة صلوات اللّه عليهم إلى زمان جعفر بن محمدالذي انتشر عنه العلم و كثرت الرواية من جهته انتهى المقصود من عبارته بل‏ظاهر محكي عبارة السيد ابن طاوس قدس سره إرادة الإجماع العملي من الشيعةبل المسلمين عليه حيث قال و من اطلع على التواريخ و الأخبار و شاهد ذوي‏الاعتبار وجد المسلمين و المرتضى و علماء الشيعة الماضين عالمين بأخبارالآحاد فالإنصاف أن دعوى الإجماع من الفتاوى و الأقوال في المسألة موهونةجدا ثانيهما دعوى الإجماع العملي منهم على الأخذ بالأخبار و يمكن تقريب‏هذه الدعوى بوجهين الأول أن يقال إن عمل جميع علماء الإمامية في استنباطأحكام الشرع إنما هو على الرجوع إلى الأخبار المودعة في أصول الشيعة و كتبهم‏الموجودة فيما بأيدينا من الكتب مثل الكتب الأربعة التي يدور عليها اليوم‏رحى الاستنباط و الاجتهاد

الثاني‏

أن يقال إن الإجماع وقع من جميع العلماءفي جميع الأعصار على العمل بالخبر الموثوق بصدوره المطمئن به النفس‏و لم يعهد من أحد منهم رده حتى من السيد و أتباعه فإنه يمكن أن يكون‏


156

المراد باحتفاف الخبر بالقرينة العلمية عندهم هو كونه بمثابة يوجب وثوق‏النفس و اطمئنانها بصدوره و قد حكي عن السيد قدس سره تفسير العلم بأنه مااقتضى سكون النفس كما حكي عن بعض الأخباريين أنه ادعى أن مرادنا بالعلم‏بصدور الأخبار هو هذا المعنى اليقيني الذي لا يقبل الاحتمال رأسا و بذلك‏ربما يحصل وجه الجمع بين دعوى السيد إجماع الطائفة على عدم الحجية وبين دعوى الشيخ تلميذه المطلع على كلماته ببواطنها إجماعهم على الحجيةفإن الظاهر من محكي العدة أن القرائن التي أنكر الشيخ احتفاف جميع الأخباربها هي خصوص موافقة الكتاب و السنة المتواترة و الإجماع لا مطلق ما يوجب‏الوثوق و الاطمئنان بصدور الخبر من الأمور التي لا تدخل تحت الإحصاء فمراده‏من الخبر الواحد الذي قام إجماع الفرقة على الأخذ به هو الخبر المطمئن بصدوره‏الذي هو بالنظر العرفي المسامحي من أفراد العلم لا مطلق الخبر و لو لم يكن‏بهذه المثابة من القوة إذ لا دليل على حجيته كذلك و لم يقم بناء من العقلاءو العلماء على الأخذ به بدون ذلك بل الخبر الذي تطابقت الأدلة على حجيته‏إنما خصوص ما يعد من أفراد العلم عرفا و يكون الظن منصرفا عنه كذلك‏و لا يظن بالسيد و أتباعه رد مثله بل لو ظهر من واحد منهم الفتوى بعدم حجيته‏لكان عمله مخالفا مع فتواه جدا و ليس مراد السيد من الأخبار التي ادعى‏كون الأخذ بها مثل القياس في أنه متروك بين الشيعة ما كان كذلك من الأخبارقطعا بل الظاهر منه إرادة أخبار المخالفين التي ربما يكون عدم صدور أكثرهاموثوقا به للنفس و إلا فلا يظن به و لا بغيره من أصحابنا إذا عرض عليهم‏الخبر الواصل بطرقنا الموثوق بصدورها من المعصوم إلا التسلم له و الأخذبه هذا و لكن ليعلم أن الظاهر أن إجماعهم على ذلك ليس بما أنهم فقهاء أهل‏


157

البيت عليهم السلام و مطلعون على أحكامهم كي يكون من الإجماعات الكاشفةعن رأيهم و فتواهم عليهم السلام في الواقعة بل بما أنهم عقلاء كغيرهم من الناس إذ من الواضح‏أن عملهم لم يكن لأجل تعبد يكون في البين بل كان لأجل وثوقهم بصدوره‏و كونه محرزا و كاشفا عن الواقع فكانوا على ما كان عليه الناس قبل الشرع‏و كان عليه أصحاب النبي صلى اللَّه عليه و آله في زمانه فإن الظاهر من الروايات التي استشهدنابها في مقام الاستشهاد بالسنة بطوائفها أن أصحاب الأئمة عليهم السلام كانوايعملون بأخبار الثقات بحسب طبعهم من دون أن يكونوا يحتملون وجودتعبد عليه في البين فكذلك كان حال الأصحاب الذين كانوا من بعدهم مثل‏الصدوقين و الشيخين و السيدين و غيرهم و على هذا فدعوى إجماعهم على العمل‏بها بما أنهم فقهاء الفرقة و رؤساؤهم بعيدة جدا هذا كله في دعوى الإجماع‏العملي بالتقريب الثاني و أما دعواه بالتقريب الأول ففسادها غني عن البيان‏بعد ما عرفت في أول المسألة أن أصحابنا العالمين بالأخبار المودعة في أصولنابين من يعمل بها لكونه قطعية الصدور و بين من يعمل بها من جهة كونها من‏أفراد مطلق الظن و بين من يقول باعتبارها من جهة اعتبار خبر الثقة و حجيته‏عنده فموضوع الحكم بالحجية و الاعتبار عند كل غير ما هو موضوعه عند الآخرو ليس في البين موضوع يكون الحكم مترتبا عليه عند نظر الجميع‏كي يكون الإجماع دليلا عليه‏

ثالثها دعوى استقرار سيرة المسلمين‏على استفادة الأحكام من أخبار الثقات‏

فإذا أخبرهم الثقةعن قول الإمام عليه السلام أو رأي المجتهد يترتبون عليه آثار الواقع ولا يتوقفون حتى يثبت حجية الخبر الواحد و لا يخفى أن السيرة و إن استقرت‏على ذلك إلا أن ذلك ليس من جهة التزامهم بالإسلام و تعبدهم بدين خاص‏بل من جهة حصول الوثوق لهم بمؤداه و كونه طريقا عقلائيا يسلكه جميع‏


158

العقلاء في محاوراتهم بل ربما يدور عليه رحى نظام أمورهم و على ذلك‏فيكون مرجع هذا الوجه إلى‏

الوجه الرابع من وجوه تقرير الإجماع في المسألة

الذي هو دعوى استقرار سيرة العقلاء و بنائهم في أمورهم عليه و لا يخفى أن‏ذلك عمدة الأدلة في المسألة بل قد عرفت رجوع سائر الأدلة إليه فيقال إن‏هذه السيرة من العقلاء حيث كانت بمرأى و منظر من الشارع و كانت مورداتباع جميع الناس من المتدينين و غيرهم و مع ذلك فقد وكلهم إلى حالهم‏و لم يردعهم عنها يعلم قطعا برضائه بها و موافقته معهم فيها و أنه ليس له في‏تبليغ أحكامه إلى الناس طريق مخترع من عنده بل الطريق عنده هو الطريق‏عندهم و أما توهم كفاية الآيات الناهية عن العمل بالظن في الردع عنها ففي‏غاية الوهن و الفساد و قد ظهر لك وجهه فيما تقدم فلا نعيد

(و أما العقل)فقدذكر في دلالته أيضا وجوه‏

الأول‏

ما اعتمد عليه الشيخ قدس سره سابقا و هو ترتيب‏مقدمات الانسداد الصغير في الأخبار المودعة في الكتب التي بأيدينا بأن يقال‏إنا نعلم إجمالا بصدور كثير منها بل أكثرها عن أئمتنا عليهم السلام و إنكارذلك بعد ملاحظة حال الرواة و سابقي علمائنا في كيفية أخذ الأخبار و ضبطهاو التزامهم بتحصيل الحديث المطمئن بصدوره مكابرة و لا ريب في أنا مكلفون‏بما يتضمنها تلك الأخبار المعلوم صدورها إجمالا و أنه لا يجوز لنا إهمالهاو لا الرجوع إلى الأصول الجارية في مواردها فلا بد إما من الاحتياط بالأخذبجميع الأخبار و الأخذ بمظنون الصدور منها فقط حسب ما يأتي إن شاء اللّه بيانه‏مشروحا في ذكر مقدمات الانسداد الكبير و لكن يرد عليه أولا أن أطراف‏العلم الإجمالي بوجود الأحكام ليست هي خصوص الأخبار التي بأيدينا بل‏تعم سائر الأمارات الظنية من الشهرة الفتوائية و الإجماع المنقول و الأولويةالظنية أيضا و توضيح ذلك أن للعلم الإجمالي هنا ثلاث مراتب الأولى العلم‏


159

الإجمالي بوجود الأحكام في جميع الوقائع المشتبهة الثانية العلم الإجمالي‏بوجودها في ما بين الأخبار و سائر الأمارات الظنية الثالثة العلم الإجمالي‏بوجودها في الأخبار الموجودة في أيدينا و لكل من هذه المراتب أثر من الاحتياطيخصها و لكن العلم الإجمالي بالمرتبة الأولى ينحل بالعلم الإجمالي بالمرتبةالثانية فإن الأحكام المعلومة إجمالا في جميع الوقائع المشتبهة ليست بأزيدعددا من الأحكام المعلومة في جميع الأمارات و لذا لو عزلنا الأمارات بقدر المعلوم‏بالإجمال من الأحكام فيها بحيث لا يكون الباقي منها موردا للعلم الإجمالي‏ثم ضممنا إليه الوقائع المشتبهة الخالية عن وجود الأمارة فيها لما كان هناعلم إجمالي أصلا كما هو واضح بأدنى تأمل و أما العلم الإجمالي بالمرتبةالثانية فلا يكاد ينحل بالعلم الإجمالي بالمرتبة الثالثة فإن المقدار المعلوم‏إجمالا من الأحكام في جميع الأمارات الظنية يزيد عددا على المقدار المعلوم‏منها في خصوص الأخبار و لذا لو عزلنا عن الأخبار بمقدار المعلوم بالإجمال‏فيها ثم ضممنا إلى الباقي سائر الأمارات يكون العلم الإجمالي باقيا على حاله ودعوى استقلال ما سوى الأخبار من الأمارات بنفسها بعلم إجمالي غير بعيدةبل قريبة جدا فإن دعوى عدم العلم بمطابقة بعض الشهرات الفتوائية و الإجماعات‏المنقولة للواقع خلاف الإنصاف نعم يمكن أن يقال إن مجرد العلم بمطابقةبعض الشهرات و الإجماعات المنقولة للواقع لا يجدي في إثبات لزوم الاحتياطفيها زائدا على الاحتياط اللازم في الأخبار لاحتمال انطباق المعلوم بالإجمال‏فيها مع القدر الموافق منها لبعض الأخبار فيكون صرف الاحتياط في الأخباركافيا للأخذ بقدر المعلوم بالإجمال في الشهرات و الإجماعات المنقولة و ليس‏المقدار الغير الموافق منها لمضامين بعض الأخبار بنفسه متعلقا لعلم إجمالي‏كي يجب الاحتياط فيه أيضا و بالجملة فما لم يعلم بوجود تكليف زائد على التكاليف‏


160

التي تتضمنها الأخبار في نفس الشهرات و الإجماعات لا يكاد يحب الاحتياطفيها و العلم بذلك مشكل بعد ملاحظة مطابقة كثير منها لما في جملة من الأخبارفراجع إلى الفقه تطلع على ذلك و ثانيا أن العمل بالأخبار من باب الاحتياطلا يوجب حجيتها بحيث تنهض للورود أو الحكومة على الأصول اللفظية و العمليةفلا تخصص بها العمومات و لا تقيد بها المطلقات و لا يعمل بالنافي منها لو كان‏في مورده أصل مثبت للتكليف بل و لو لم يكن في مورده ذلك فإن دفع احتمال‏التكليف حينئذ إنما هو من جهة عدم وصوله و قبح العقاب على مخالفته بدون‏بيانه لا من جهة وجود الحجة و البيان على عدمه كما هو واضح‏

الثاني‏

ما حكي‏عن بعض أئمة الفن و حاصله أنه قام الإجماع و الضرورة على وجوب الرجوع‏بالكتاب و السنة و حيث لا يمكن الرجوع إليهما على نحو العلم و الظن المعتبروجب الرجوع إلى ما ظن أنه منهما و منه الخبر المظنون الصدور فيجب الأخذبه(و فيه)أنه إن كان المراد من السنة ما هو المصطلح عليه منها من قول‏المعصوم أو فعله أو تقريره كان اللازم عند عدم إمكان الرجوع إلى الكتاب‏و السنة بهذا المعنى علما أو ظنا معتبرا الأخذ بما يظن أنه مدلول الكتاب‏أو الحكم الموجود عند المعصوم عليه السلام و لو كان الظن بذلك ناشئا من الإجماع‏المنقول أو الشهرة أو غيرهما من الأمارات الظنية فلا يكون هذا الوجه وجهابحجية الأخبار بل هو عبارة أخرى عن دليل الانسداد المستدل به على حجيةمطلق الظن بحذف بعض مقدماته و إن كان المراد من السنة الأخبار الحاكيةلها على خلاف ما هو الاصطلاح فيها فيرجع هذا الوجه إلى الوجه الأول‏و يرد عليه ما أورد عليه أولا من أن العلم بوجود التكليف لا ينحصر أطرافه‏في الأخبار بل يكون غيرها من الأمارات أيضا من أطرافه إلا أن يقال بالانحلال‏كما شرحناه في الوجه الأول و ثانيا من أن الرجوع إلى مظنون الصدور


161

الأخبار من باب التبعيض في الاحتياط لا يوجب حجيتها بحيث تنهض لتخصيص‏العمومات و تقييد المطلقات هذا إذا كان مراد القائل وجوب الرجوع إلى‏الأخبار من جهة تضمنها للأحكام الواقعية و أما إن كان المرادوجوب الرجوع إليها لكون مؤدياتها أحكاما ظاهرية في مقابل الأحكام الواقعيةففيه مضافا إلى أنه ليس لنا أحكام في مقابل الأحكام الواقعية تسمى أحكاما ظاهريةو الوجه في الرجوع إلى الأخبار إنما هو كشفها و حكايتها عن الواقع بحيث‏لو لم تصل إلى الأحكام الواقعية لما كان في مؤدياتها إلا العذر عنها و إلى أن‏الأمارة إنما يكون مؤداها حكما ظاهريا بمعنى كونه منجزا للواقع لو كان‏هو الواقع و عذرا عنه لو كان غيره إذا كان الأمارة محرزة و معلومة للمكلف‏تفصيلا فلا يوجب مجرد العلم بصدور الجملة من الأخبار إجمالا أن يكون‏مؤديات تلك الجملة أحكاما ظاهرية بمعنى ترتب الأثر المزبور عليها أنه‏بعد تسليم ذلك أي وجوب الرجوع إلى تلك الأخبار الصادرة من جهة أنفسهالا من جهة طريقتها للأحكام الواقعية لا بد حينئذ من الأخذ بجميع الأخبار احتياطاو مقدمة لامتثال ما يجب امتثاله فإن طريق تحصيل اليقين بالبراءة موجودهنا و لو إجمالا و لا مجال للأخذ بخصوص مظنون الصدور أصلا فإن الأخذبالظن إنما هو إذا كان المكلف به هو الواقع و لم يكن تحصيله بنحو العلم أو الظن‏المعتبر و أما إذا لم يكن العبرة إلا بمؤديات جملة من الأخبار و لم يكن تميز تلك الطائفةمن بينها فلا مجال حينئذ إلا للأخذ بالقدر المتيقن فإن وفى بالعدد المعلوم من الأحكام‏الواقعية فهو و إلا فيضاف إليه مما هو متيقن الاعتبار بالنسبة و إلا فالاحتياط

(الثالث)ما نسب إلى صاحب الوافية

في مقام الاستدلال على حجية خصوص‏الأخبار المودعة في الكتب الأربعة المعمول بها عند جماعة من الأصحاب وحاصله أنا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة سيما بالضروريات كالصلاة و الصوم‏و الزكاة و الحج و الخمس و غيرها من ماهيات العبادات أو المعاملات مع‏


162

أن غالب أجزائها و شرائطها إنما يثبت بغير العلمي من الأخبار بحيث لو لم‏يعمل به لما استحق هذه الأمور لإطلاق تلك الأسامي عليها و لا يخفى أنه يرد عليه‏أولا أنه لا خصوصية لتلك الأخبار التي ذكرها بعد ما كان العلم الإجمالي حاصلا في‏جميع الأخبار و كفاية هذه الطائفة الخاصة لمعظم الفقه في مورد الإشكال‏و ثانيا ما أورد على الوجهين المتقدمين من أن العمل بمطلق الأخبار أو بخصوص‏هذه الطائفة من باب الاحتياط لا يوجب حجيتها بحيث يعمل بالنافي منها وتنهض لتخصيص العمومات و تقييد المطلقات‏

(المبحث الرابع)في ما استدل‏به من الوجوه لإثبات حجية مطلق الظن أو الظن في الجملة و هي أربعة

الأول‏

أن ظن المجتهد بحكم تحريمي أو إيجابي لموضوع يلازم ظنه بوجود الضررفي فعله أو تركه و دفع الضرر المظنون واجب عقلا فيكون العمل بالظن واجباأما الكبرى و هي وجوب دفع الضرر المظنون فهي في الجملة مسلمة فإن العقل‏مستقل بلزوم التحرز عما لا يأمن من وقوع الضرر فيه و طبع كل عاقل متحرزعنه بحسب اقتضاء نفسه نعم قد يكون الضرر موهونا عند العقل غير معتنى به‏عند العقلاء بحيث لا يتحرز العقل عن مقطوعه فضلا عن مظنونه فضلا عن مشكوكه‏و موهومه كما أنه قد يكون بمثابة من الأهمية بحكم العقل بلزوم التحرزعن موهومه فضلا عن مشكوكه أو مظنونه و ذلك كما إذا كان الضرر من سنخ‏العقاب الأخروي أو كان موجبا لهلاكة النفس في الدنيا فإن طبع كل عاقل‏يقتضي الحذر عن سلوك طريق أو أكل شي‏ء يحتمل أن يكون موجبا لهلاك‏النفس و لو باحتمال ضعيف و لا يقتضي الحذر عما فيه ضرر غير معتنى به عندالعقلاء متعلق بالمال أو بغيره و لو كان الضرر مقطوعا و من هنا يعرف اختلاف‏طبائع الأشخاص في ذلك فقد يكون الضرر موهونا عند شخص و له أهميةعند آخر كما أن الضرر المهم عند قوم ضعيف عند آخرين من غير فرق بين‏


163

الضرر الدنيوي أو الأخروي في ذلك فقد يكون قوم في الرذالة و الخباثة بحيث‏يعدون الضرر الدنيوي مهما و العقاب في الآخرة ضعيفا و موهونا أو الجامع‏في ذلك هو أن طبع كل عاقل يقتضي التحرز عما لا يؤمن من الوقوع في الضررالذي له أهمية عنده في الجملة و أما الصغرى و هي أن الظن بالحكم يلازم الظن‏بالوقوع في الضرر عند مخالفته فمجال المنع عنها واسع جدا فإنه إن أريد بالضررالعقاب في الآخرة فهو مقطوع العدم إذ العقاب على مخالفة التكليف إنماهو فرع تنجزه و إلا لما كانت المخالفة ظلما و عدوانا على المولى و هتكالحرمته و هو فرع قيام الحجة على التكليف و الحجة هي الطريق الثابت المحقق‏طريقيته فحيث ليس الظن هنا طريقا ذاتا و لم يقم دليل على طريقيته لا يكون‏بحجة للتكليف قطعا و حينئذ فيقطع بعدم العقاب فما يقال من أن العقاب و لو لم‏يكن بمظنون إلا أنه محتمل لاحتمال حجية الظن في الواقع فغير صحيح فإن‏العقاب إما يقطع بوجوده لقيام الحجة الفعلية على التكليف أو يقطع بعدمه‏لعدم قيامها عليه و لا معنى لاحتماله و إن أريد به غير العقاب من المصالح و المفاسدالكامنة في المتعلقات بناء على ما ذهب إليه مشهور العدلية من أنه لا بد من‏اشتمال متعلقات الأحكام على المصالح و المفاسد الراجعة إلى العباد و لا معنى‏لاشتمال نفس التكاليف عليها إذ المصلحة لو كانت في نفس الأمر لما بقي مجال‏لامتثال المأمور به بعد ما استوفيت المصلحة بنفس الأمر به هذا مع أن الأمرليس شأنه إلا كشأن سائر الآلات التي يتوصل بها للوصول إلى المقاصد فلوكانت المصلحة في نفسه لما كانت آلة للمقصود بل كانت هي نفس المقصودففيه أولا منع كون المفسدة دائما من الضرر المتعلق بالنفس أو الطرف أوالمال بل ربما تكون بمعنى النقيصة الراجعة إلى نظام الحياة فإن تمامية النظام‏ربما تكون مستدعية إلى جعل أحكام من الواجب و الحرام بحيث لولاها لما


164

كان تم النظام و قام و حينئذ فلا تكون في مخالفتها ضرر راجع إلى المكلفين‏كي تكون موردا لقاعدة دفع الضرر و ثانيا منع كونها راجعة إلى آحاد المكلفين‏لو سلم كونها ضررا بل الظاهر أن منافع الأحكام إنما هي منافع للنوع و مضارهامضار له فإن غرض الشارع في جعل أحكامه و شرعه حفظ النوع و بقاء الجامعةو ملحوظه المصالح الراجعة إلى ذلك و لذا ترى كثيرا من الأحكام شرعت‏و هي مضرة لبعض آحاد المكلفين و أشخاصهم مثل الإنفاق بالمال و الجهاد به وبالنفس و غير ذلك فلا يكون ملحوظ الشارع في أحكامه المنافع و المضار العائدةإلى الآحاد و القول بأن مصالح الواجبات العبادية و غالب المحرمات ترجع إلى‏الآحاد و أن مصالح الأحكام الكفائية هي الراجعة إلى النوع خرص بالغيب‏و تظنن بما هو خلاف الواقع كيف و ديدن الشارع في شرعه مراعاة مصالح‏النوع و النظام و جعل منافع الآحاد فداء لها فالإنصاف أن الظن بالحكم لايكون ملازما للظن الراجع إلى شخص الظان أصلا و لو فرض احتمال ذلك‏فمن الواضح أن العقلاء لا يتحرزون عن هذا الضرر الاحتمالي ما دام لم يحرزه‏و لم يدركوا مقدار أهميته و كونه مهما عند الشارع على فرض وجوده لا يوجب‏تحرز العقلاء عنه بحسب طبائعهم كي يكون موردا لوجوب دفع الضررالمحتمل بل العقلاء إذا لم يجدوا دليلا على حجية هذا الظن و لم يكونوا يحتملون‏ترتب العقاب على مخالفته لا يعتنون بما فيه من احتمال الضرر الدنيوي و لايتحرزون عنه بحسب أنفسهم كي يستكشف من باب الملازمة بين حكم العقل‏و الشرع وجوب التحرز عنه شرعا أيضا فيثبت حجية الظن(و الحاصل)أن‏العقل لا يستقل بوجوب التحرز عن هذا الضرر الاحتمالي أو الموهوم كي‏يكون مورد الحكم الشرع أيضا فيتم الدعوى«ثم إن الشيخ قدس سره تخلص عن‏إشكال المفسدة»بعد تسليم كونها ضررا يستقل العقل بدفعه بوجه آخر


165

و هو أنه لو لم يقم دليل قطعي على اعتبار أصل البراءة و الاستصحاب في‏صورة وجود الظن الغير المعتبر بالخلاف فلا أقل من قيام بعض الأدلة الظنيةعلى اعتبارهما فيها و حيث إن ترخيص الشارع للإقدام على ما فيه ظن الضررلا يصح إلا لمصلحة يتدارك بها ذلك الضرر فلا محالة يقطع حينئذ أو يظن بتدارك‏الضرر بها و لا يكون الظن متعلقا بالضرر الغير المتدارك كي يجب دفعه هذاحاصل ما أفاده(و لا يخفى ما فيه)فإنه إذا كانت المفسدة ضررا شخصيا و استقل‏العقل بلزوم دفعها فلا محالة يستكشف من ذلك حكم الشرع أيضا بذلك‏فكما أن العقل يحكم بوجوب التحرز عما لا يؤمن من الوقوع في ضرره‏فكذلك يحكم به الشرع أيضا و من المعلوم أن هذا الحكم المستكشف‏الشرعي وارد على أصل البراءة و الاستصحاب لما حقق في محله من ورودالأمارات على أدلة الأصول و حينئذ فلا يكون هنا مورد لجريانها كي يستكشف‏منه تدارك الضرر الذي يقع فيه المكلف من ناحية الترخيص بالمصلحة

(الثاني)

أنه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح و فيه أنه إنمايلزم هذا التالي الفاسد إذا كان الأخذ بأحدهما أي الطرف الراجح و الطرف‏المرجوح لازما و لم يمكن الجمع بينهما و لا يكاد يكون ذلك لازما إلا بعدضم سائر مقدمات الانسداد إليه و معه لا يكون هذا وجها على حدة لإثبات حجيةالظن بل يرجع إلى الانسداد الآتي إن شاء اللّه‏

(الثالث ما حكي عن السيد محمدالطباطبائي قدس سره)

من أنا نعلم بوجود واجبات و محرمات بين الشبهات و مقتضى‏القاعدة فيه و إن كان هو الاحتياط بالأخذ بالمظنونات و المشكوكات و الموهومات‏إلا أنه حيث يلزم منه العسر و الحرج المنفي في الشريعة لا بد من الاحتياط في‏المظنونات فقط دون المشكوكات و الموهومات و فيه أيضا أن ذلك بعض‏مقدمات الانسداد الآتية و لا يكاد ينتج إلا مع ضم الباقي إليه مثل انسداد باب‏


166

العلم و العلمي و عدم جواز إهمال ما في المشتبهات من الأحكام و غير ذلك‏

الرابع دليل الانسداد

و هو مؤلف من خمس مقدمات‏

الأولى‏العلم الإجمالي بثبوت تكاليف كثيرة في مجموع المشتبهات من المظنونات‏و المشكوكات و الموهومات(الثانية)انسداد باب العلم و العلمي إلى معظمها(الثالثة)عدم جواز إهمال تلك التكاليف و ترك التعرض لامتثالها بإجراءالبراءة في جميعها(الرابعة)بطلان الرجوع فيها إلى الطرق المقررة للجاهل‏من الأخذ بالاحتياط في جميع موارد الشبهة و الرجوع في كل مسألة إلى الأصل‏الجاري من الاستصحاب و البراءة و التخيير و الاحتياط أو إلى فتوى العالم‏بحكمها«الخامسة»عدم جواز الأخذ بالموهومات و المشكوكات و ترك‏المظنونات لقبح ترجيح المرجوح على الراجح و قد جعل الشيخ قدس سره المقدمات‏أربعا بإسقاط المقدمة الأولى و تبعه فيه بعض الأعاظم على ما حكي عنه في‏تقريرات دروسه(و لكن الأولى ما اخترناه من جعل المقدمات)خمسا وذلك لأن النظر في المقدمة الأولى ليس إلى صرف بيان ثبوت الشريعة كي‏يقال بأن هذا أمر مفروغ عنه لا ربط بمسألة الانسداد كالعلم بأصل وجودالشارع و لا إلى بيان فعلية الأحكام الواقعية كي يكون راجعا إلى ما جعلناه‏مقدمة ثالثة و لا إلى تنجز العلم بثبوت الأحكام لأطراف الشبهة كي يكون‏من وجوه إثبات المقدمة الثالثة بل إلى بيان اشتمال مجموع المشتبهات على‏أحكام كثيرة توطئة و تمهيدا لذكر سائر المقدمات إذ بدون ذلك لا مجال‏لذكر انسداد باب العلم و العلمي إليها و لا لعدم جواز إهمال الوقائع المشتبهةو لا لغير ذلك من المقدمات و مجرد الوضوح لا يوجب سقوطه عن المقدميةبعد ما كان استنتاج النتيجة و هي حجية الظن و وجوب الأخذ بالمظنونات‏دون غيرها من أطراف الشبهة متوقفا عليه و إلا لكان اللازم إسقاط بعض‏


167

المقدمات الأخر مما لا يقصر في الوضوح عن هذه المقدمة مثل عدم جوازإهمال جميع الوقائع(و بالجملة)فإن كان الغرض ترتيب المقدمات التي هي‏مورد الشبهة و يكون للبحث عنها مجال فلا بد من إسقاط بعض المقدمات الأخرأيضا و إن كان الغرض ذكر ما يكون الاستنتاج متوقفا عليه بلا واسطة مطلقاكما هو الظاهر فلا وجه لإسقاط هذه المقدمة كما لا وجه لإسقاط غيرها من‏المقدمات الواضحة التي يترتب عليها النتيجة بلا واسطة و أما مثل وجود الشارع‏و ثبوت الشرع فليس من مقدمات مسألة حجية الظن بلا واسطة كي يكون‏لذكره مجال«فالإنصاف أنه لا وجه»لجعل المقدمات أربعا من جهة إسقاطالمقدمة الأولى لأجل وضوحها كما أنه لا وجه له من جهة درج المقدمةالثانية في الرابعة كما يظهر من بعض الأجلة من مقاربي عصرنا«بتقريب أن»يقال لا يجب الامتثال العلمي مطلقا(أما التفصيلي)فلعدم إمكانه من جهةانسداد باب العلم و العلمي(و أما الإجمالي)فللزوم اختلال النظام أو العسرو الحرج و ذلك لأن مجرد وجود الجامع بين المقدمتين لا يوجب وحدتهماو اندراجهما في مقدمة واحدة بعد ما كانت الجهة التي يتفرع بها النتيجة على‏كل منهما متفاوتة فإن جهة الاحتياج إلى المقدمة الثانية هي عدم وجود طريق‏يمكن الوصول به إلى الأحكام الواقعية و هذه بخلاف جهة الاحتياج إلى‏المقدمة الرابعة التي هي عدم وجوب الاحتياط و الامتثال الإجمالي و هاتان‏الجهتان كما تراهما لا يمكن جمعهما في مقدمة واحدة و أما عدم وجوب‏الامتثال العلمي التفصيلي فهو من باب السالبة بانتفاء الموضوع و مرجعه إلى‏انتفاء الطريق العلمي ليتمكن من الامتثال التفصيلي و ليس جهة ملحوظةبنفسها كي تكون راجعة إلى الجهة في المقدمة الرابعة و بالجملة فإمكان‏جعل المقدمتين واحدة بتعمل و تأويل لا يوجب وحدتهما بعد اختلاف جهةاحتياج النتيجة في كل منهما كما لا يخفى«ثم إنك»إذا عرفت تلك المقدمات‏


168

فلا بد لنا من التكلم في كل منها بخصوصها ليتضح تمامية النتيجة المطلوبةالتي هي حجية الظن مطلقا أو في الجملة على ما سيأتي إن شاء اللّه تفصيله أوعدم تماميتها فنقول بعونه تعالى‏

(أما المقدمة الأولى‏

فهي)و إن كانت كماعرفت واضحة بديهية إلا أن الظاهر كما قدمناه انحلال العلم الإجمالي بمافي مجموع الأخبار و الروايات من الأحكام بقدر المعلوم بالإجمال في جميع‏المشتبهات و حينئذ فلا مقتضي للاحتياط في جميع أطراف الشبهة كي تصل النوبةإلى سائر المقدمات ليستنتج منها حجية الظن فيها بل اللازم الاحتياط في‏خصوص الأخبار التي بأيدينا فقط

(و أما المقدمة الثانية)

فهي أيضا بالنسبةإلى العلم الوجداني واضحة فإن الموجب للقطع بالحكم من النص المتواترو الخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للقطع بصدوره و ظهوره في غاية القلة و لايفي بمقدار معتنى به من الفقه فضلا عن معظمه و أما بالنسبة إلى العلم فهي‏ممنوعة جدا لما تقدم من الأدلة الدالة على حجية خبر يوثق بصدقه سواءحصل الوثاقة به من ملاحظة حال الرواة أو من أمارات آخر مفيدة للوثوق‏بالصدور كما إذا كان المضمون غالبا لا يناسب صدوره إلا عن المعصوم عليه السلام‏و مثل هذا في الأخبار التي بأيدينا كثير جدا بحمد اللّه تعالى بمعظم الأحكام‏خصوصا إذا ضم إلى غيره مما قام الدليل على حجيته بالخصوص من الأمارات‏و إلى الأدلة القطعية التي بأيدينا بحيث لا يترتب محذور على العمل في‏المورد الخالي من واحد منها بالأصل الجاري فيها من الاستصحاب و البراءةو غيرهما«و لا يخفى أن هذه»المقدمة هي عمدة مقدمات الانسداد بحيث حكي‏عن بعض المتقدمين الاقتصار بها في استنتاج حجية الظن بعد تقرير المقدمةالأولى التي عرفت أنه لا بد منها في ذكر سائر المقدمات فإذا فسدت هذه‏المقدمة بمقتضى ما ذكرنا يكون دليل الانسداد فاسدا من أصله‏

«و أما المقدمة الثالثة»


169

فقد استدل لإثباتها بأمور«الأول»الإجماع التقديري من أصحابناعلى عدم جواز إهمال الأحكام و الرجوع فيها إلى أصالة العدم و المرادبالإجماع التقديري تسالمهم عليه على تقدير تعرض الجميع للمسألة و أن‏المسألة و إن لم تكن معنونة في كلمات العلماء أجمع إلا أنه من المعلوم عدم‏إفتائهم على فرض تعرضهم لها إلا بذلك فإن القول بجواز الرجوع في غالب‏أحكام الشرع إلى البراءة مما لا يمكن نسبته إلى أصاغر الطلبة فضلا عن أصحاب‏الفتوى«الثاني لزوم»الخروج من الدين و كون المكلف كأنه غير ملتزم‏بشريعة سيد المرسلين صلى اللَّه عليه و آله فإن من كان بناؤه على الرجوع إلى أصالة العدم‏و البراءة من التكليف في كل واقعة لم يكن فيها دليل قطعي على التكليف يلزمه‏ترك جميع أحكام الشرع سوى النادر منها و لا يكاد يعد من الملتزمين‏بالشريعة المقدسة مع ما هو عليه من المخالفات الكثيرة غاية الكثرة لأحكامها«الثالث»أنه يلزم المخالفة القطعية للعلم الإجمالي بوجود الأحكام في‏الوقائع المشتبهة المنجز بجميع أطرافه و قد ذكرنا في مبحث العلم الإجمالي‏عدم الفرق بينه و بين العلم التفصيلي في وجوب الموافقة و حرمة المخالفة بل‏اخترنا أن التنجز في كليهما إنما يكون بنحو العلية لا الاقتضاء لا مطلقا كماأفاده«المحقق الخراساني قدس سره»و لا بالنسبة إلى جانب الموافقة فقط كما اختاره‏الشيخ المرتضى(قدس سره)و الحاصل أن الرجوع إلى البراءة في جميع الوقائع‏المشتبهة مخالف لما يقتضيه العلم الإجمالي من تنجز الأحكام الموجودةفيها(و لا يخفى ما في الاستدلال)بالأمر الأول من هذه الأمور من الفساد البين‏فإن استكشاف إجماع الأصحاب على فرض التعرض إنما هو فرع قيام الدليل‏القطعي على متعلقه و لو كان هو الضرورة و الوضوح و بدونه لا مجال لاستكشافه‏و حينئذ فلا يكاد يمكن جعله دليلا عليه بنفسه و في عرض سائر الأدلة لوضوح‏


170

ترتبه عليها و وقوعه في طولها هذا مضافا إلى أن هذا الإجماع لا يكاد يكون كاشفاعن قول المعصوم عليه السلام و رأيه فإن الإجماع الكاشف إنما هو ما إذا حصل لا من‏جهة دلالة دليل موجود فيما بأيدينا عليه و لو كان هو الوضوح و الضرورةبل كان من جهة تباينهم و تواطئهم عليه من دون علم لنا بما يصلح لاستنادهم‏إليه و اعتمادهم عليه و ليس الإجماع المدعى في المقام كذلك كما هو ظاهرثم إن من المعلوم أن أحكام الشريعة المقدسة الإسلامية ليست مختصة بأبواب‏العبادات و متكفلة لصرف بيان ما فيها من الواجبات و المندوبات من دون‏أن يكون لها نظر إلى الأحكام المتعلقة بباب إعاشة الناس و دنياهم و كيفيةتعيشهم مع غيرهم و لو كانت كذلك لكان طريق الإعاشة مخصوصا باختيارالرهبانية«و لما كان للمتمدنين إلى التدين»بها سبيل بل تمتاز الشريعةالإسلامية من بين الشرائع بتكفلها للأحكام المتعلقة بجميع الأبواب من‏المعاملات و العقود و الإيقاعات و الحدود و الديات و السياسات و الرئاسات‏و فصل الخصومات و قطع المنازعات و غيرها فلكل فرد بالنسبة إلى غيره أحكام‏و لكل طائفة بالنسبة إلى غيرها من الطوائف وظائف بحيث لو روعيت تلك‏الأحكام و الوظائف لانتظم جميع أمور الناس و شئونهم و لما وقع بينهم‏تجاوز و ظلم(اللهم عجل لوليك الفرج و النصر عبادك المؤمنين بظهوره‏و اجعلنا من المستشهدين بين يديه في نصرة دينك و أوليائك)و معلوم أن جميع‏تلك الأحكام إلا ما شذ منها ثابت بأخبار الآحاد المروية في الكتب التي‏بأيدينا و ينحصر الطريق إليه فيها و في غيرها من الأمارات الغير العلمية و حينئذفلو أهمل تلك الأحكام و روجع فيها إلى البراءة للزم اختلال النظام و لماكان للإسلام و لا للمسلمين قوام بل كان الناس في الهرج و المرج الشديد وما قام بينهم عدل أصلا فانقدح من ذلك أن إثبات هذه المقدمة من مقدمات‏


171

الانسداد لا يحتاج إلى تجشم الاستدلال بشي‏ء من الأمور الثلاثة المتقدمةو إن كان الاستدلال بالأمر الثاني متينا(و أما الأمر الثالث)فيتضح فسادالاستدلال به أيضا مما ذكرنا هنا فإن تنجز الحكم و استحقاق العقوبة على‏مخالفته بتعلق العلم الإجمالي به إنما هو إذا أمكن امتثاله بالإجمال و بنحوالاحتياط(و أما إذا كان الحكم من الأحكام التي)لا يمكن امتثالها إلا على‏نحو التفصيل كما هو الشأن في بعض أحكام الشريعة المقدسة مثل الأحكام‏المتعلقة بأبواب السياسات و القضاوات و الحدود و الديات و غيرها من‏الأحكام التي ينحصر الطريق إليها في الطريق التفصيلي فلا يكاد يكون‏منجزا بالعلم الإجمالي أصلا لعدم كونه طريقا إليه و بيانا له كما لا يخفى‏

أما المقدمة الرابعة و هي عدم جواز الرجوع إلى الطرق المقررةللجاهل من تقليد الغير

و اتباع قوله في المسائل و الرجوع في كل مسألة إلى‏الأصل الجاري فيها من الأصول الأربعة و الاحتياط التام في جميع الوقائع‏و المشتبهات و الظاهر تماميتها أيضا في الجملة و تفصيل ذلك يحتاج إلى بسطمن الكلام في كل من الطرق الثلاثة(فنقول أما التقليد)فلا ريب في عدم جوازه‏فإنه يشترط في التقليد أن لا يكون الجاهل معتقدا بفساد مدرك علم العالم‏و إلا لكان من باب رجوع العالم إلى الجاهل و هو قبيح عند العقلاء فضلا عن أن‏يستقر عليه بناؤهم و القائل بانسداد باب العلم و العلمي هنا يعتقد عدم حجيةخبر الواحد بدليل خاص و أنها مما لم يقم عليه دليل فهو يحسب القائل بحجيته‏جاهلا بالمسألة و سالك طريق الخطاء و الاشتباه و مع ذلك فكيف يجوز له‏تقليده(و أما الرجوع إلى الأصول المقررة)فقد نفى عنه المنع المحقق صاحب‏الكفاية قدس سره(و أما المثبتة منها)فبدعوى أنه و إن قلنا بعدم جريان الأصول‏في أطراف العلم الإجمالي من جهة أنه لو شمل أدلته لأطرافه للزم التناقض‏


172

في مدلول بعضها حيث يدل قوله عليه السلام في صدر بعض أخبار الاستصحاب و لاتنقض اليقين بالشك على عدم نقض اليقين بالحالة السابقة في كل طرف بالشك‏الطاري فيه في نفسه و يدل قوله عليه السلام في ذيل بعض تلك الأخبار و لكن تنقضه‏بيقين مثله على وجوب رفع اليد عنه في واحد من الأطراف لا بعينه و من المعلوم‏التناقض بين عدم نقض اليقين في كل طرف و نقضه في واحد غير معين«منهاإلا أنه لا بأس بجريانها هنا حيث»إن دليل المنع يختص بما إذا كان اليقين‏بالحدوث و الشك في البقاء في جميع الأطراف فعليا كي تكون الأطراف كلهامجرى للاستصحاب دفعة ليلزم المناقضة بين تلك الاستصحابات و بين ما نعلم‏إجمالا بانتقاض الحالة السابقة في واحد منها و أما إذا كان اليقين و الشك‏في خصوص بعض الأطراف فعليا و كان بعضها الآخر غير ملتفت إليه أصلا أو في‏زمان الالتفات إلى ذلك البعض لكان جريان الأصل في خصوص ما كان ملتفتاإليه بلا محذور إذ لا علم بانتفاض الحالة السابقة في خصوصه(نعم إنما يعلم‏بانتفاض الحالة السابقة في مجموع الأطراف و المفروض عدم الالتفات إلاإلى خصوص بعضها و معلوم أن المشتبهات التي يجري فيها الأصل فيما نحن فيه‏من هذا القبيل فإن الاستنباط في المسائل إنما يحصل للفقيه تدريجا و ليس‏بدفعي الحصول و لا يكون الفقيه من أول الأمر بملتفت إلى جميع الأطراف‏تفصيلا يكون له يقين و شك فيها فعلا بل يحصل له الالتفات إلى واحد منهابعد واحد فإذا التفت إلى بعض الأطراف و حصل له الشك في بقاء الحكم‏السابق فبما أنه ليس له علم بانتقاض الحالة السابقة في خصوص هذا البعض‏يجري فيه الاستصحاب بلا مزاحم(ثم إذا التفت إلى البعض الآخر فهو و إن كان)يحصل له العلم بالانتقاض فيه أو في ذاك البعض الجاري فيه الاستصحاب قديماإلا أنه حيث خرج البعض المتقدم عن محل الابتلاء و ليس بمورد له إلا البعض‏


173

الحديث كان جريان الاستصحاب فيه أيضا بلا إشكال و مجرد علم الفقيه بانتقاض‏الحالة السابقة فيما يعمل فيه الأصل من المسائل تدريجا لا يمنع عن إجراءالأصل فيما بعد ما كان الأمر كما ذكرنا و إلا فمن المعلوم بديهة أن كل فقيه‏يعلم قبل الشروع في الاستنباط بانتقاض الحالة السابقة إجمالا في واحد ممايعمل فيه الأصل من الموارد الخالية عن الحجية المعتبرة«و من هنا انقدح فساد»ما أورده المحقق النائيني«قدس سره»هنا من أن علم الفقيه قبل الشروع في‏الاستنباط بانتقاض الحالة السابقة في واحد من المشتبهات إجمالا يمنع‏عن إعمال الأصل في تلك المشتبهات(و ليت شعري لو كان)الأمر كماذكره فلم لا يمنع هذا العلم عن جريانه في الشبهات الموضوعية و لو لم يكن‏خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء مجديا في دفع المحذور هنا فماوجه إجدائه فيه هناك على أنه لو كان كذلك فلم يغفل عن ذلك في الفقه ويفتى فيه بخلافه كثيرا فإن المسافر إذا خرج عن وطنه و بلغ إلى موضع يشك‏في كونه بالغالي حد الترخص يكون حكمه التمام«ثم إذا رجع»عن سفره‏و بلغ إلى ذاك الموضع يقصر بلا إشكال مع علمه ببطلان إحدى صلاته وبانتقاض الحالة السابقة في أحد الاستصحابين و نظائر ذلك في الفقه كثيرةجدا يجدها في محالها المتتبع و لا أظن بالمحقق المزبور أن يلتزم في هذه‏المواضع من الفقه بخلاف ما التزم به فيها الفقهاء و أن يفتى بخلاف فتاواهم‏بل المعلوم من حاله قدس سره أنه لا يمشي على طبق هذا المبنى في الفقه و لو كان‏مشيه عليه لكان اللازم عدم إعماله الأصل فيه أصلا لعلمه بانتقاض الحالةالسابقة فيما يعمل فيه الأصل إجمالا هذا كله في أصول المثبتة«و أما الأصول‏النافية فوجه»نفي المنع عنها«دعوى انحلال العلم الإجمالي»بوجود تكاليف‏كثيرة في المشتبهات بالأحكام الظاهرية الحاصلة من إعمال الأصول المثبتة


174

منضمة إلى ما علم منها من الأدلة القطعية فإنه حينئذ لا علم بوجود تكاليف سوى‏هذا المقدار لكن يمنع عن إعمال الأصول النافية في الموارد الخالية عن‏دليل مثبت للحكم«و لا يخفى عليك أن الموارد»التي تجري فيها الأصول‏المثبتة مما كان من أطراف العلم الإجمالي الشخصي أو كان مسبوقا بالحالةالسابقة لثبوت الحكم أقل قليل لا يكاد يفي بمعظم الأحكام بل الغالب‏أن يكون مسبوقا بالحالة السابقة لعدمه فإن المعاملات مسبوقة غالبا بعدم‏الإمضاء و العبادات مسبوقة بعدم الجعل و حينئذ فإعمال الأصل النافي فيما لم‏يكن من موارد الأصول المثبتة مستلزم لنفي كثير من الأحكام فتحصل من ذلك‏أن الحق في هذا المقام هو التفصيل و أنه لا مانع من الأحكام فتحصل من ذلك‏أن الحق في هذا المقام هو التفصيل و أنه لا مانع من إعمال الأصول المثبتة دون‏النافية«و أما الاحتياط»فقد استدل على عدم وجوبه«بوجهين أحدهما»الإجماع التقديري المتقدم نظيره في المقدمة الثالثة«و حاصله دعوى القطع»باتفاق الأصحاب على عدم وجوب الاحتياط في المقام أعني مقام انسداد باب‏العلم و العلمي في معظم الأحكام على تقدير تعرضهم للمسألة و ورودهم فيهابمثل ورود نافيها و أن الجمع بين المحتملات بإتيان كل ما يحتمل وجوبه‏و ترك كل ما يحتمل حرمته أمر يرغب عنه كل فقيه و قد يتراءى في تقريرات‏بعض الأعلام تقريره بوجه آخر أيضا و هو دعوى الإجماع على أن بناء الشريعةالمطهرة ليس على امتثال التكليف بعنوان الاحتمال و بداعي رجاء المطلوبيةعلى ما هو الشأن في الإتيان بالمحتملات عند الاحتياط بل بنائها على الإتيان‏بمتعلقات التكاليف بعناوينها المحرزة و وجوهها المعلومة التي هي عليهامن الوجوب و الحرمة و الإباحة(هذا و لكن قد عرفت)مما تلوناه عليك في‏المقدمة الثالثة فساد الإجماع التقديري من أصله و أنه ليس من الإجماعات‏الحاكية عن قول المعصوم عليه السلام بما أنها إجماع و اتفاق من الأصحاب بل مرجعه‏


175

إلى دعوى العلم في المسألة و هي و إن كانت بالنسبة إلى التقرير الأول غيربعيدة فإن امتثال التكاليف الشرعية على سبيل الاحتياط و بنحو الجمع بين‏المحتملات مما يرغب عنه الشارع و ليس بناؤه على إلزام المكلفين به في حال‏من الحالات و لو عند انسداد باب العلم و العلمي بالنسبة إلى معظم الأحكام‏إلا أن هذا الدعوى بالنسبة إلى التقرير الثاني مما لا يمكننا الالتزام به فإنه إن‏أريد بكون الإتيان بمتعلق التكليف بعنوان الاحتمال و بداعي الرجاءمرغوبا عنه من الشارع عدم كفايته في مقام الامتثال نظرا إلى أن الداعي‏للعمل لا بد و أن يكون هو نفس الأمر به لا احتمال تعلقه كما هو المحقق في‏الامتثال الإجمالي على ما هو صريح كلام هذا المحقق قدس سره في مبحث العلم‏الإجمالي فقد عرفت فساده هناك و نزيد لك بيانا هنا بأن الداعي في الامتثال‏الإجمالي أيضا هو نفس الأمر المقطوع فإن كلا من المحتملات إنما يؤتى‏به بداعي تحقق امتثال الأمر المقطوع على تقدير تعلقه به فكونه متعلقا للأمرو إن كان محتملا إلا أن المحرك نحوه على تقدير كونه كذلك هو الأمر المقطوع‏به إجمالا و صرف كونه متعلقا للأمر على نحو الاحتمال لا يوجب أن يكون‏هو الداعي بعد وضوح المكلف إنما يأتي به لاحتمال انطباق العنوان الذي‏هو المأمور به قطعا عليه و إن أريد من رغبة الشارع عنه معنى آخر لا ينافي‏كفاية ذلك أيضا في مقام الامتثال فهذا لا يثبت حجية الظن شرعا و نحوالكشف على ما أفاده قدس سره بل يمكن أن تكون النتيجة هي الاحتياط أو حجيته‏بنحو الحكومة«ثانيهما»لزوم العسر الشديد و الحرج الأكيد المنفيين‏في الشريعة لكثرة ما يحتمل وجوبه في الفقه سيما في أبواب الطهارة و الصلاةفإن المسائل فيها كثيرة و الاحتمالات فيها شتى لا يكاد يخطر بالبال بعضهافكم من مسائل تتعلق بالوضوء مما يرجع إلى بيان كيفية الصب و الغسل‏


176

و المسح و ذكر محالها و ما يجب غسله و مسحه من الوجه و اليدين و القدمين‏و أي وضوء يكون بجميع أحكامه مطابقا لما أجمع عليه الأصحاب أو قام عليه‏خبر متواتر و كم من فروع تتعلق بأجزاء الصلاة من التكبير و القراءة والركوع و غيرها و بشرائطها من الوقت و القبلة و النية و بجزئياتها و أقسامهامما يؤتى به سفرا و حضرا و جماعة و في حال المرض و في غير ذلك من الأحوال‏و أي صلاة تكون بجميع مسائلها الكثيرة و فروعها المختلفة و احتمالاتهاالوافرة التي لا يكاد يخطر كثير منها بالذهن مطابقة لما أجمع عليه الفقهاءو ضبط في اللوح المحفوظ عند اللّه عز و جل و بالجملة فدعوى عدم استلزام‏الاحتياط في جميع أبواب الفقه للعسر و الحرج المنفيين في الشرع فضلاعما يوجب اختلال النظام مساوقة لإنكار أوضح ما قام عليه الضرورة من العقل‏(نعم الشأن في دلالة)نفي العسر و الحرج على نفي مثل هذا الحكم الذي‏يحكم به العقل استقلالا كحكمه بالاحتياط في غير هذا المورد من أطراف‏العلم الإجمالي و منشأ الإشكال في ذلك هو أن مفاد أدلة نفي العسر و الحرج‏و إن كان هو نفي الحكم الذي ينشأ من قبله العسر و يتصف بكونه عسريالا نفي الحكم بلسان نفي الموضوع«كما أفاده المحقق الخراساني قدس سره»في تلك الأدلة نفي الضرر و كان منشأ تقديم تلك الأدلة على أدلة الأحكام‏حكومتها عليها لا التوفيق العرفي بينهما كما أفاده هو أيضا«أما الأول»فلأن‏نفي الحكم بلسان نفي الموضوع إنما هو فيما إذا كان مدخول النفي موضوعاذا حكم كي يكون جعله بلحاظ جعل ذاك الحكم و نفيه أيضا بلحاظ نفيه‏كما في مثل قوله صلى اللَّه عليه و آله لا رهبانية في الإسلام و لا صرورة في الإسلام و قوله عليه السلام‏لا شك لكثير الشك و لا سهو في السهو و قولك لا علم لزيد بعد ما كان العلم‏عندك موضوعا لحكم لا في مثل قوله تعالى‏ ما جعل عليكم في الدين من‏


177

حرج قوله صلى اللَّه عليه و آله لا ضرر و لا ضرار فإن الحرج لا حكم له في الشرع كي يكون‏عدم جعله بلحاظ عدم جعل ذلك الحكم و كذا الضرر لا حكم له إلا الحرمةفلو كان نفيه بلحاظ نفيها يلزم عدم حرمة الضرر في الشرع بعكس ما هوالمقصود منه فلا بد من أن يكون نفي العسر و الحرج و الضرر في تلك الأدلةبلحاظ نفي الحكم الذي يكون في امتثاله العسر و الحرج و الضرر و يتصف‏بكونه عسريا و حرجيا أو ضرريا«و أما الثاني فلأنه لا يعتبر»في الحكومةأن يكون أحد الدليلين شارحا و مفسرا لما أريد من الآخر و يكون بالنسبةإليه بمنزلة أي التفسيرية و إلا لما تحققت الحكومة فيما بأيدينا من أدلةالفقه إلا في أقل قليل بل الضابط فيها على ما حققناه في محله هو أن يكون‏أحد الدليلين متعرضا لبيان ما لا يتعرض لبيانه الدليل الآخر و كان استفادته‏منه محتاجة إلى التمسك بالأصول اللفظية كما في مثل قولك زيد ليس بعالم‏أو الإكرام ليس هو تقبيل اليد بعد قولك أكرم العلماء و على ذلك فيكون‏من أوضح أفراد الحكومة حكومة أدلة العسر و الحرج فيما نحن فيه فإن‏تلك الأدلة متعرضة لنفي الأحكام المترتبة على موضوعاتها الواقعية في حال‏لزوم العسر و الحرج منها(و معلوم أن أدلة الأحكام ليست)متكفلة لإثبات‏الحكم و لا لنفيه في هذا الحال و إن كان يستفاد ثبوته فيه من إطلاقها فما هوالضابط في حكومة الدليل في سائر الموارد موجود في تلك الأدلة بلا تفاوت‏و هذا هو السر في تقديمها على أدلة الأحكام من دون ملاحظة النسبة بينهماو لو لا ذلك لما كان وجه لذلك أصلا فإن التوفيق العرفي إنما هو فيما إذا كان‏الدليلان متعارضين و كان أحدهما نصا أو أقوى ظهورا من الآخر كما في‏تعارض المطلق مع المقيد و العام مع الخاص و هذا الملاك كما ترى غير متحقق‏فيما نحن فيه فإن النسبة بين تلك الأدلة و بين أدلة الأحكام هي العموم من‏


178

وجه فلو كانتا في رتبة واحدة كما هو الشأن في المتعارضين لما بقي وجه‏لتقديم إحداهما على الأخرى(ثم لا يخفى)أن ما ذكرنا من كون الوجه‏في تقديم تلك الأدلة هو الحكومة لا يبتني على ما اخترناه في مفادها بل لوقلنا فيه بمقالة المحقق الخراساني«قدس سره»أيضا لكان الوجه في التقديم هوذلك فإن من أحد أقسام الحكومة نفي الحكم عن مورد بلسان نفي الموضوع‏عنه كما في قوله عليه السلام لا شك لكثير الشك و لا سهو في السهو و قولك لا علم‏لزيد فما ربما ينسب إلى هذا المحقق قدس سره من ابتناء كون الوجه في التقديم‏هو الحكومة على أن نقول في مفاد تلك الأدلة بمقالة الشيخ«قدس سره»دون مقالةلا وجه له و إن كان في أصل نسبة هذا الكلام إليه نظر ظاهر لمن راجع إلى‏كلماته قدس سره فراجع و المقصود من جميع ما ذكرنا أن مفاد أدلة نفي العسرو إن كان هو نفي الحكم العسري الذي لا يتحمل امتثاله عادة لا نفي الحكم‏بلسان نفي الموضوع و كان الوجه في تقديمها على أدلة الأحكام هو حكومتهاعليها لا التوفيق العرفي بينهما إلا أن حكومة تلك الأدلة«إنما هي فيما إذاكان الحكم»المجعول من الشارع عسريا ليصح نفيه بنفي العسر الناشئ منه‏و أما إذا كان الحكم المجعول من الشارع غير عسري بل كان امتثاله سهلا إلى‏الغاية و لكن كان الجهل بذاك الحكم موضوعا لحكم عقلي يكون عسرياكما في مثل المقام حيث إن الحكم الذي جعله بيد الشارع لا يكون عسريابوجه و إلا لما وجبت امتثاله مع العلم به تفصيلا أيضا و ليس بموضوع لحكم‏عسري فإن حكم العقل بالاحتياط إنما يترتب على الجهل بالحكم الشرعي لاعليه نفسه فحكومة تلك الأدلة على مثل هذا الحكم في غاية الإشكال فإن‏ما هو عسر غير مجعول من الشارع و ما هو مجعول منه ليس بعسر(و بعبارة أخرى)العسر إنما يكون موجبا لرفع الحكم إذا كان حاصلا من الحالات التي يمكن‏


179

أن يلاحظ الموضوع مطلقا بالنسبة إليها أو مقيدا(و أما إذا كان حاصلا من)جهة الجهل بالحكم الذي هو من الحالات المتأخرة رتبة عن مقام الجعل‏و الانقسامات اللاحقة للموضوع بعد ترتيب الحكم عليه فكونه رافعا للحكم‏و الانقسامات اللاحقة للموضوع بعد ترتيب الحكم عليه فكونه رافعا للحكم‏من جهة دلالة تلك الأدلة الناظرة إلى العسر الحاصل من الحالات الطاريةعلى الموضوع مع قطع النظر عن حكمه مشكل جدا إذ لا نظر لتلك الأدلة إلى‏مثل هذا العسر«إن قلت الحكم الشرعي»المترتب على موضوعه الواقعي‏و إن كان لا يمكن رفعه بمثل تلك الأدلة كما ذكرت إلا أن الحكم الشرعي‏المترتب على نفس الاحتياط المستكشف من الحكم العقلي بالملازمة لا يمنع‏فيه ذلك(قلت)حكم العقل بوجوب الاحتياط حيث إنه من الأحكام العقليةالواقعة في سلسلة معلولات الأحكام الشرعية لا يستتبع حكما شرعيا مولويا(فإن حكم العقل بوجوب)الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي إنما هو بمعنى‏تنجز الواقع الموجود في الأطراف و انجعال العقاب على مخالفته و هذا المعنى‏لا يستتبع حكما شرعيا كي يصح رفعه بمثل تلك الأدلة كما هو واضح هذاكله فيما يتعلق بالمقدمة الرابعة من الكلام و أما المقدمة الخامسة و هي قبح‏ترجيح المرجوح على الراجح فهي و إن كانت أيضا مسلمة لا مجال للارتياب‏فيها فإن الامتثال الظني حيث إنه أقرب إلى الواقع من الامتثال الشكي أو الوهمي‏يقدم عليهما لا محالة عند دوران الأمر بينه و بين أحدهما و لا يجوز التنزل بعدعدم التمكن من الإطاعة العلمية الإجمالية التي هي المرتبة الثانية من المراتب‏الأربع للامتثال أو عدم وجوبها إلا الإطاعة الظنية إلا أن الإشكال في وصول‏النوبة إلى هذه المقدمة فإنه لو قلنا بأن الوجه في المقدمة الثالثة و هي عدم‏جواز إهمال جميع الوقائع المشتبهة هو تنجز العلم الإجمالي بما فيها من الأحكام‏لأطرافه لكان اللازم مع فرض عدم وجوب الاحتياط في الجميع التبعيض فيه‏


180

إذ لا معنى لتنجز الواقع إلا انجعال العقاب على مخالفته و وصوله إلى آخرما للحكم من المراتب الذي هو رتبة المؤاخذة عليه و حينئذ(فإذا كان الواقع في‏طرف من أطراف)العلم الإجمالي مظنونا يكون العقاب على ارتكاب هذاالطرف مظنونا لا محالة و إذا كان وجوده فيه مشكوكا يكون ترتب العقاب‏على ارتكابه أيضا مشكوكا و إذا كان موهوما يكون هو أيضا موهوما و على‏ذلك فالعقاب في المظنونات من الوقائع مظنون و في المشكوكات محتمل‏احتمالا مساويا و في الموهومات محتمل احتمالا مرجوحا و من المعلوم أن‏العقل يحكم حينئذ بالحكم الأولى بلزوم الاجتناب عن جميع الوقائع المشتبهةو كل عاقل يفر عن كل واحدة من الأطراف بحسب طبعه ثم إذا دل دليل من الشرع‏على عدم وجوب الاحتياط هكذا و جواز الاقتحام في بعض الأطراف يكون‏العقاب على ارتكاب ذلك البعض المرخص فيه مأمونا لحكم العقل باستحالةترخيص الشارع فيما يعاقب عليه و أما ارتكاب غيره من الأطراف التي لم يرخص‏فيها فيبقى على مقتضى حكومة العقل فيه من ترتب العقوبة عليه على فرض‏مصادفته لارتكاب الواقع و ما هو متعلق التكليف الواقعي أو موضوعه بداهةأنه لا يكون المؤمن من ترتب العقوبة على ارتكاب بعض الأطراف على فرض‏مصادفته للواقع مؤمنا من ترتبها على ارتكاب غيره من الأطراف على ذلك‏الفرض فما أفاده المحقق صاحب الكفاية قدس سره من أنه بعد رفع اليد عن الاحتياطفي تمام الأطراف لا وجه لدعوى استقلال العقل بوجوب الاحتياط في بعضهامما لا يمكن المصير إليه بعد وضوح أن الترخيص في بعض أطراف العلم‏الإجمالي لا يقتضي إلا الأمن من العقوبة على ارتكاب خصوص هذا الطرف‏مع بقاء الطرف الآخر على ما يقتضيه العلم الإجمالي من ترتب العقوبة عليه‏على فرض كون الواقع فيه فلو اضطر المكلف إلى بعض الأطراف سواء كان‏


181

الاضطرار على البعض المعين أو غير المعين لا يجوز له التعدي إلى غير مايدفع به الاضطرار بل يجب عليه الاقتصار على خصوص ما اضطر إليه إن كان‏المضطر إليه معينا و على ما اختار من الأطراف إن كان غير معين و لقد بسطناالكلام في ذلك في تنبيهات الاشتغال بما لا مزيد عليه فراجع فما ربما يتراءى‏من كلمات بعض المحققين مثل المحقق العراقي قدس سره من دعوى الملازمة بين‏وجوب الموافقة القطعية و حرمة مخالفة القطعية و أنه إذا لم تجب الموافقةالقطعية لأجل الترخيص في ارتكاب بعض الأطراف لم تحرم المخالفة القطعيةأيضا فضعيف جدا و قد ذكرنا وجه الضعف في مبحث العلم الإجمالي و حاصله‏أن اقتناع الشارع بالإطاعة الاحتمالية و اكتفاؤه بها في مقام الامتثال و الفراغ‏عن التكليف غير مرتبط بما يقتضيه العلم الإجمالي في مقام الامتثال و لا ينافي‏عن التكليف غير مرتبط بما يقتضيه العلم الإجمالي في مقام الامتثال و لا ينافي‏الاكتفاء بالإطاعة الاحتمالية في تلك المرتبة تنجز التكليف بنحو العلية في‏هذا المقام كيف و قد يكتفي الشارع بها في العلم التفصيلي أيضا كما هو نتيجةالأصول الجارية في مقام الفراغ عن التكليف و الحاصل أن الترخيص في‏ارتكاب بعض الوقائع المشتبهة لا يوجب رفع اليد عن الاحتياط فيها رأسابل لا بد للمكلف من الاقتصار على ما دل الدليل على الرخصة في ارتكابه‏سواء كان الدليل هو الإجماع الراجع إلى العلم بمرغوبية الاحتياط التام‏عند الشارع كما اخترناه أو كان هو أدلة نفي العسر و الحرج كما اختاره‏بعض الأعاظم و على أي تقدير فلا يجوز له التعدي إلى غير ما رخص في ارتكابه‏من الوقائع و لكن لا يخفى أن المكلف ليس بالخيار في ترك الاحتياط في أي‏واقعة شاء من المظنونات و المشكوكات و الموهومات فإن الاضطرار إلى غيرالمعين من الأطراف إنما يوجب كون المكلف بالخيار في أي طرف شاء إذاكانت الأطراف متساوية الإقدام بالنسبة إلى التكليف الموجود بينها و أما إذا


182

كانت لبعض الأطراف مزية توجب أقوائية تعلق التكليف به كان المتعين دفع‏الاضطرار بما يكون احتمال التكليف فيه أضعف فإن الترخيص في ارتكاب‏بعض الأطراف لا يكون من جهة رفع اليد عن الواقع و عدم إرادة امتثاله من المكلف‏أصلا بل من جهة تسهيل أمر الامتثال عليه و عدم إيقاعه في الاضطرار الناشئ‏منه فبأي مقدار كمن حفظ الواقع و رعايته و لو بقوة الاحتمال كان متعيناففي المقام حيث إن احتمال ثبوت التكليف في المظنونات أقوى من احتمال‏ثبوته في المشكوكات و احتمال ثبوته في المشكوكات أقوى من احتمال ثبوته‏في الموهومات لا بد للمكلف من رعاية الاحتياط في المظنونات و المشكوكات‏و تركه في خصوص الموهومات لما فيها من بعد احتمال ثبوت التكليف فيهاإلا إذا علم بمرغوبية الاحتياط في المشكوكات أيضا عند الشارع كما في‏الموهومات أو كان الاحتياط في المظنونات و المشكوكات أيضا موجبا للعسرو الحرج بناء على القول بحكومة أدلة نفي العسر و الحرج على الاحتياط في‏المقام فإنه حينئذ يقتصر على الاحتياط في خصوص المظنونات و جاز الاقتحام في‏غيرها من المشكوكات و الموهومات و أما إذا لم يعلم بمرغوبية الاحتياطفي المشكوكات عند الشارع و لم يكن الاحتياط فيها موجبا للعسر و الحرج‏لقلتها فالمتعين هو ضم المشكوكات إلى المظنونات و رعاية الاحتياط في‏كلتا الطائفتين اللهم إلا أن يدعى قيام الإجماع على جواز الرجوع في المشكوكات‏إلى الأصول النافية فإنه حينئذ أيضا يقتصر على الأخذ بالمظنونات و لكن لو تم‏هذه الدعوى لكان الأخذ بالمظنونات حينئذ من باب حجية الظن شرعا و لا يكون‏مرتبطا بباب التبعيض في الاحتياط أصلا فإن جريان الأصول النافية في المشكوكات‏يكشف لا محالة عن جعل الشارع طريقا كافيا إلى أحكامه لينحل ببركة العلم‏الإجمالي ليكون المورد الخالي عنه مجرى للأصل النافي إذ لو لا ذلك‏


183

لكان قضية العلم الإجمالي تنجز التكليف في المشكوكات و لما كان يرفع اليدعن الاحتياط فيها و ذلك الطريق المجعول منحصر بحسب حكم العقل في الظن‏إذ لا طريق واصل إلى المكلف غيره و ما لم يصل لا يصح جعله حجة على التكليف‏كما هو واضح و بالجملة فعلى فرض تمامية هذه الدعوى تكون النتيجةالكشف و على فرض عدم التمامية كما هو الظاهر تكون النتيجة التبعيض‏في الاحتياط و لا تصل النوبة إلى المقدمة الخامسة التي هي مقام الدوران بين‏الامتثال الظني و بين غيره من الامتثال الشكي أو الوهمي كي يقدم الامتثال‏الظني عليهما من باب الكشف أو الحكومة هذا كله فيما يقتضيه التحقيق‏في النتيجة على فرض الاستدلال في المقدمة الثالثة بالعلم الإجمالي و أما إن‏استدل عليها بالإجماع أو لزوم الخروج من الدين فالظاهر من بعض الأعاظم‏على ما في تقريرات دروسه أن النتيجة في هذا الفرض أيضا هي التبعيض في الاحتياطكما في الفرض المتقدم و الفرق بينهما إنما هو في أن التبعيض كان هناك بحكم‏العقل و هنا يكون بجعل شرعي و حاصل ما أفاد قدس سره في تقريبه أن مرجع‏قيام الإجماع و محذور لزوم الخروج من الدين على عدم جواز إهمال الوقائع‏المشتبهة و الرجوع فيها إلى الأصول العدمية إلى أن الشارع أراد من العبادالتعرض لامتثال التكاليف الثابتة فيها و لم يأذن لهم في إهمالها و من المعلوم أن ذلك‏يحتاج إلى طريق يتمكن المكلف من امتثال التكاليف به و لا يمكن إيكال‏تعيين ذلك الطريق إلى العقل فإن العقل لا حكم له في غير أطراف العلم الإجمالي‏و لا يحكم بتنجز التكليف إلا مع فرض كون العلم الإجمالي منجزا و المفروض‏هنا قطع النظر عن ثبوت العلم الإجمالي و فرض الوقائع المشتبهة مثل الشبهات‏البدوية و هو كما ترى فلا بد للشارع حينئذ من نصب طريق للعباد ليتمكنوامن امتثال التكاليف به و ليتنجز به الأحكام الثابتة في الوقائع المشتبهة و


184

هذا الطريق إما يكون واصلا بنفسه إلى المكلف و إما يكون واصلا بطريقه‏و الطريق الواصل إلى المكلف بنفسه ينحصر في حال انسداد باب العلم‏و العلمي في الاحتياط إذ ليس بيد المكلف طريق للامتثال و لدرك الواقع في‏هذا الحال سواه و لازم ذلك أن يكون الاحتياط في جميع الوقائع هو الطريق‏الذي توصل به الشارع لدرك أحكامه و لكن الإجماع القائم على عدم وجوب‏الجمع بين جميع المحتملات أبطل ذلك و حكم بعدم طريقية الاحتياطلدى الشارع في التوصل إلى أحكامه و حينئذ فالأمر يدور بين طريقية الظن وو بين طريقية التبعيض في الاحتياط و حيث إن الاحتياط هو الطريق الواصل‏إلى المكلف بنفسه من غير حاجة إلى طريق يعينه و كان طريقية الظن محتاجةإلى جعل لم يثبت يكون التبعيض في الاحتياط هو الطريق المجعول‏لامتثال التكاليف شرعا هذا كله بناء على أن يكون المستند في بطلان‏الاحتياط في جميع الوقائع هو الإجماع و أما إن كان المستند فيه‏لزوم العسر و الحرج فذكر قدس سره أنه تارة يكون العسر فيه بمثابة يوجب اختلال‏النظام و أخرى لا يكون بهذه المثابة بل يكون مما ينافي الشريعة السهلةالسمحة فعلى الأول تكون النتيجة أيضا هي التبعيض في الاحتياط و يكون‏هذا هو الطريق المجعول شرعا إذ العقل يستقل بقبح جعل الشارع الاحتياطالتام المخل بالنظام طريقا إلى امتثال أحكامه فيدور الأمر أيضا بين طريقيةالظن و بين وجوب التبعيض في الاحتياط و قد تقدم وجه تقدم الاحتياط و على‏الثاني تكون النتيجة وجوب الاحتياط شرعا في جميع الوقائع من دون أن‏يصل النوبة إلى التبعيض في الاحتياط أو إلى حجية الظن ثم شرع قدس سره في بيان‏وجه ذلك بما حاصله أن أدلة نفي العسر و الحرج إنما تكون حاكمة على الأدلةالمتكفلة لبيان الأحكام الواقعية التي تكون أعم من تلك الأدلة بوجه بحيث‏


185

يكون لموضوعات تلك الأحكام حالتان حالة يلزم منها العسر و الحرج وو حالة لا يلزم منها ذلك و يكون نتيجة حكومة أدلة نفي العسر و الحرج‏على هذه الأدلة اختصاص تلك الأحكام بالحالة التي لا يلزم منها العسر و الحرج‏و أما لو كان الدليل المتكفل لبيان الحكم الواقعي أخص من أدلة نفي العسرو الحرج و كان الحكم المجعول الشرعي مترتبا من أول الأمر على موضوع‏يلزم منه العسر و الحرج بحيث كان الحكم من الأول حكما حرجيا فلا يكاديكون أدلة نفي العسر و الحرج بحيث كان الحكم من الأول حكما حرجيافلا يكاد يكون أدلة نفي العسر و الحرج حاكمة على مثل هذا الدليل و رافعةلحكمه عن موضوعه فإن العسر و الحرج يستدعيان حينئذ ثبوت الحكم استدعاءالموضوع لثبوت حكمه فلا يكونان رافعين له و معلوم أن الاحتياط في المقام‏من هذا القبيل إذ ليس له حالة لا يلزم منه العسر و الحرج فإذا أوجبه الشارع‏و جعله طريقا إلى امتثال أحكامه كما هو مقتضى دليلي الإجماع و لزوم الخروج‏من الدين لا يمكن أن يكون أدلة نفي العسر و الحرج موجبة لنفي وجوبه ثم‏قال قدس سره و توهم أن من أدلة نفيهما يستكشف عدم إيجاب الشارع الاحتياطو نصبه طريقا فاسد و ذكر في وجه الفساد ما محصله أن تلك الأدلة إنما هي‏لنفي الحكم و رفعه بعد ثبوته لا للمنع عن جعله ابتداء هذا حاصل ما أفاده‏قدس سره في بيان مختاره بأدنى تفاوت منا مع ما في تقريرات دروسه العاليةالقيمة و لكن لا يخفى ما في مواضع منه من المناقشة أما ما أفاده أولامن أنه بعد فرض عدم كون العلم منجزا لا بد للشارع من نصب‏طريق يتمكن به المكلف من امتثال التكاليف الثابتة في الواقع ففيه أنه مبني‏على انحصار البيان المنجز للتكليف المخرج له عن تحت قاعدة قبح العقاب‏بلا بيان في العلم الأعم من الحقيقي و من الجعلي الحاصل بإلغاء احتمال الخلاف‏


186

و في الأمر الطريقي المسوق لإيصال المكلف إلى الواقع فإنه على ذلك المبنى‏يتم ما ذكره إذ بعد عدم كون العلم منجزا يدور أمر الشارع بين إيجاب الاحتياطالطريقي و بين جعل الظن حجة و أما لو قلنا بأن البيان المنجز للتكليف لاينحصر في ذلك بل هو ما يصح أن يحتج به المولى على عبده في مقام المؤاخذةمن غير انحصاره في شي‏ء كما هو مقتضى التحقيق و مختار النظر الدقيق ويشهد عليه صحة المؤاخذة على الواقع في موارد الأصول المثبتة مثل الاستصحاب‏و قاعدة الاعتناء بالشك قبل تجاوز المحل و في الشبهات البدوية قبل الفحص‏و اليأس و وجوب النظر في الآيات و البينات التي يأتي بها مدعي النبوة أوالولاية فيمكن أن يكون نفس العلم باهتمام الشارع بأحكامه المستكشف‏من الدليل القائم على عدم جواز إهمال جميع الوقائع المشتبهة منجز للتكاليف‏الواقعية فإن وجدان كل عاقل يحكم بالضرورة بأن المكلف إذا علم من الدليل‏أن المولى لم يرفع اليد عن أحكامه و لا يرضى بترك التعرض لامتثالها بالمرةلا يجوز له إهمال جميع الوقائع المشتبهة من رأسها و عدم التعرض لامتثال‏الأحكام بنحو من أنحائه و لو فعل ذلك فعوقب عليه كان عقابه عقابا مع البيان‏و مؤاخذة بعد إتمام الحجة و البرهان و ليت شعري إذا كان العلم بالاهتمام‏صالحا للكشف عن إيجاب الاحتياط الطريقي و كان بيانا و منجزا لهذا الحكم‏فلم لا يصلح لتنجيز الواقع و لكونه بيانا له و هل ذلك إلا تهافت بين و مجازفةصرفة و أما ما أفاده ثانيا من أنه إذا لم يكن الاحتياط في جميع الوقائع طريقامجعولا شرعا من جهة الإجماع القائم على عدم وجوب الجمع بين جميع‏المحتملات تصل النوبة إلى التبعيض في الاحتياط من جهة أنه هو الطريق‏الواصل بنفسه دون الظن ففيه أن التبعيض في الاحتياط ليس بنفسه طريقا إلى‏درك الأحكام و امتثالها كي يكون واجبا بعد عدم وجوب الاحتياط التام بل‏


187

هو في الحقيقة تبعيض في العمل بالطرق و أخذ بالاحتياط في بعض الوقائع‏فيكون وجوبه فرع طريقة الاحتياط و فرع وجوب الأخذ به في جميع الوقائع‏فإذا قام الدليل على عدم وجوب الاحتياط و أنه ليس طريقا إلى امتثال الأحكام‏بنظر الشارع لا معنى لوجوب التبعيض فيه و هل هو إلا كوجوب أبعاض العمل‏مع عدم وجوب العمل نفسه و ما رأيت من وجوب التبعيض في الفرض المتقدم‏و هو فرض منجزية العلم الإجمالي الثابت في الوقائع المشتبهة فالوجه فيه‏أن العقل كان يحكم هناك بوجوب الاحتياط في جميع تلك الوقائع بحيث لوخلينا و هذا الحكم و لم يكن يرد من الشرع ترخيص في ارتكاب بعض الأطراف‏لكان اللازم علينا الاحتياط في جميعها و قد قدمناك أن هذا الترخيص و الإذن‏من الشارع لا ينافي منجزية العلم الإجمالي و وجوب الاحتياط في جميع الوقائع‏بنظر العقل حيث إنه راجع في الحقيقة إلى الاقتناع بالإطاعة الاحتمالية في‏مقام الامتثال و عدم وجوب الإطاعة العلمية و بالجملة فلم يكن التبعيض هناك بدلالةدليل آخر سوى حكم العقل بوجوب الاحتياط في جميع الوقائع بل كان‏هذا الحكم ترشحا من ذاك على ما هو الشأن في جميع أبعاض العمل بالنسبةإلى نفس العمل و هذا بخلاف التبعيض فيما نحن فيه فإن المفروض أن الدليل‏قام على عدم وجوب الاحتياط في جميع الوقائع و أن الشارع أغمض عن‏هذا الطريق في امتثال أحكامه و عليه فلا يبقى مجال لوجوب التبعيض شرعاو ليس هو إلا كوجوب أبعاض العمل بعنوان أنها أبعاض له بعد قيام الدليل‏على عدم وجوب نفس العمل و كوجوب سلوك بعض الطريق بعنوان أنه بعضه‏مع عدم كون الطريق طريقا و الحاصل أنه إذا دار أمر الشارع بين إيجاب‏الاحتياط الطريقي و بين حجية الظن و قام الدليل على عدم وجوب الاحتياطو عدم كونه طريقا إلى امتثال التكاليف لا يبقى مجال إلا لحجية الظن‏


188

شرعا و لا أساس للقول بوجوب التبعيض في الاحتياط شرعا أصلا و أما ماأفاده أخيرا من أن أدلة نفي العسر و الحرج لا تصلح لنفي وجوب الاحتياط وشرعا من جهة أخصية دليله عن تلك الأدلة ففيه أن وجوب نصب الطريق لامتثال‏التكاليف على الشارع لا يستدعي جعل خصوص الاحتياط كي يقال بأن موضوع‏الحكم من أول الأمر عسري فلا يصلح لنفي حكمه أدلة نفي العسر و الحرج‏بل أقصى ما يستدعيه هو جعل الطريقية لأحد أمرين من الاحتياط و الظن فإذاكان جعل أحدهما من جعل العسر الذي ينافي الشريعة السهلة السمحة يتعين جعل‏الآخر و القول بأن أدلة نفي العسر و الحرج إنما هي لنفي الحكم بعد ثبوته‏لا للمنع عن جعله ابتداء مما لا دليل عليه بل الدليل قائم على خلافه فإن‏مثل قوله تعالى‏ ما جعل عليكم في الدين من حرج يقتضي عدم كون الحكم العسري‏مجعولا من الشرع أصلا فلو شك في جعل حكم يكون جعله مستلزما للعسرمجعولا من الشرع أصلا فلو شك في جعل حكم يكون جعله مستلزما للعسرو الحرج لأمكن الاستدلال بمثل هذه الآية على عدم مجعوليته حيث يرى‏جعله منافيا لعدم جعل الحرج في الدين ثم إنه انقدح من جميع ما ذكرناأن مقتضى التحقيق في المقام بعد فرض عدم منجزية العلم الإجمالي حجيةالظن على الحكومة فإن العقل بعد استكشاف اهتمام الشارع بما في الواقع‏من الأحكام من الدليل الدال على عدم جواز إهمال جميع الوقائع المشتبهةيحكم لا محالة بوجوب التعرض لامتثال تلك الأحكام الثابتة في الوقائع بنحومن الأنحاء فإن أمكن الامتثال العلمي الإجمالي و تحصيل الواقع بطريق‏يعلم معه بالفراغ و وجب ذلك فهو و إلا تصل النوبة إلى الامتثال الظني بمعنى‏الإتيان بما يظن معه بالفراغ لكونه أقرب إلى درك الواقع من‏الامتثال الشكي أو الوهمي و ليس حكم العقل بذلك مستتبعا لحكم شرعي‏مولوي من باب الملازمة كي يتم القول بالكشف إذ هو من الأحكام الواقعة


189

في سلسلة معلولات الأحكام و ليس معناه إلا قبح مؤاخذة الشارع بترك‏امتثال الواقع بطريق العلم و صحتها بالاقتصار على الإتيان به بطريق الشك‏أو الوهم و مؤاخذة الشارع حيث إنها من أفعاله غير قابلة لتعلق حكمه بهاكما هو واضح هذا كله في ذكر مقدمات الانسداد على ما رتبها القوم و ما هوقضية التحقيق في نتيجتها و لكنك قد عرفت عند تعرضنا للمقدمة الثالثة أن‏أحكام الشريعة المقدسة الإسلامية غير منحصرة بباب العبادات كي نكون‏لدفع الاحتمالات الآتية في المسألة و إبطالها في الاحتياج إلى ترتيب هذه المقدمات‏فتحتاج لإبطال احتمال جواز إهمال الأحكام مثلا إلى مقدمة و لإبطال الأخذبالاحتياط فيها أو الرجوع في كل مسألة إلى الأصل الجاري فيها في نفسهاإلى مقدمة أخرى بل تمتاز الشريعة المقدسة الإسلامية من بين الشرائع بتكفلهالبيان الأحكام المربوطة بجميع الأبواب التي يحتاج إليها الناس في إعاشتهم‏و انتظام أمورهم من المعاملات و العقود و الإيقاعات و الحدود و الديات و السياسات‏و الرئاسات و فصل الخصومات و قطع المنازعات و غير ذلك من الأبواب المختلفةبحيث لو روعيت تلك الأحكام لقام بينهم العدل الكامل و لو أهملت لوقعوافي الهرج و المرج الشديد كما ترى في عصرنا الحاضر حفظنا اللّه تعالى من‏شروره و أدخلنا في حصنه الحصين عند تهاجم فتنه إنه بعباده رءوف رحيم وحينئذ فلا مجال لاحتمال جواز إهمال هذه الأحكام و لا للرجوع فيها إلى الأصول‏العملية و لا معنى للاحتياط فيها بل لا بد على الشارع من جعل طريق لنا يوصله‏إلى أحكامه و ذاك الطريق منحصر بالدوران العقلي في الظن و على ذلك فتكون‏نتيجة مقدمات الانسداد حجية الظن شرعا و من باب الكشف و لا مجال فيها للحكومةو تقديم الامتثال الظني على الامتثال الشكي و الوهمي كما هو واضح و لكن يمكن‏أن يقال إن مقدمات الانسداد على ذلك تكشف عن حجية خصوص خبر الواحدو طريقيته لا مطلق الظن و لو كان حاصلا من الاستحسان و ملاحظة بعض‏المصالح فإنه لا ريب لكل عاقل في أن خبر الثقة و لو كان لم يقم على حجيته‏


190

بالخصوص دليل معتبر بحيث يكون حجة في عرض العلم إلا أنه ليس في‏عرض سائر الظنون الاجتهادية المبينة على الحدس و التخمين فإذا كان للمولى‏أحكام لم يمكن الوصول إليها بالعلم و العلمي و كان اللازم عليه نصب طريق‏لعبده إليها ثم دار الأمر بين كون ذاك الطريق هو خصوص أخبار الثقات الذين‏هم وسائط بين المولى و بين عبده أو مطلق الظن و لو كان حاصلا من النوم‏مثلا فلا شك في أن العقلاء يكشفون عن ذلك طريقية أخبار الثقات و يحكمون‏بأنها هي المنصوب من قبل المولى و لا يرخصون العبد في طرحها و الأخذبغيرها من الظنون الحاصلة من الحدس و التخمين بل لو كان المخبر ممن‏لا يوثق بتحرزه عن الكذب فالظاهر تقديم خبره أيضا على مثل هذه الظنون‏و بالجملة فأخبار الثقات التي هي اليوم بأيدينا لو منع عن حجيتها مع قطع‏النظر عن دليل الانسداد فلا ريب في أن تتميم مقدمات الانسداد بالطريق‏الذي سلكناه يكشف عن حجيته شرعا و لا تصل النوبة إلى غيره من الظنون‏أصلا بل التحقيق أنه لو سلكنا في ترتيب مقدمات الانسداد مسلك القوم‏أيضا لكانت النتيجة حجية خصوص خبر الواحد في مقام الامتثال و لكان‏اللازم الأخذ بمؤداه دون سائر الظنون لما عرفت من أنه ليس خبر الثقةفي عرض سائر الظنون الاجتهادية عند العقل فكما يحكم العقل بتقدم الامتثال‏الظني على الامتثال الشكي أو الوهمي فكذلك يحكم بتقدم الامتثال على‏طبق خبر الواسطة الثقة و على الامتثال على طبق غيره من الظنون و كما أن‏درك الواقع بطريق الظن أولى من دركه بطريق الشك أو الاحتمال فكذلك‏دركه بالظن الخبري و بنحو يظن من الخبر بإتيانه أولى من دركه بموافقةسائر الظنون و هل ترى من العاقل ترك العمل بخبر الواسطة و طرحه و الأخذبالظن الحاصل من الاستحسان و أشباهه حاشاه عن ذلك ثم حاشاه‏


191

(و حاصل الكلام)أن نتيجة مقدمات الانسداد ليست هي حجية الظن المطلق‏أصلا سواء سلك في ترتيب المقدمات مسلك الحق أو سلك مسلك القوم بل‏النتيجة حجية الخبر الواحد شرعا على الأول و حجيته عقلا و من باب الأخذ به‏في مقام الامتثال على الثاني هذا إذا لم يكن العلم الإجمالي بالأحكام في الوقائع‏المشتبهة منجزا و إلا فالنتيجة على الثاني أي على مسلك القوم هي التبعيض‏في الاحتياط كما عرفت و لعمري قد جئناك في المقام بالحق و أحسن تفصيلاو ذلك من فضل ربي ليبلوني أ أشكر أم أكفر جعلني اللّه تعالى من الشاكرين‏

(و ينبغي التنبيه على أمور

الأول‏

)أنه هل النتيجة التي يقتضيها دليل الانسدادهي حجية الظن في خصوص المسألة الفرعية الفقهية و هي كون الشي‏ء واجباأو حراما أو في خصوص المسألة الأصولية و هي كون الشي‏ء طريقا للحكم‏الواقعي أو النتيجة هي حجيته في كلتا المسألتين و اعتباره مطلقا سواء تعلق‏بطريقيته شي‏ء أو بالحكم الفرعي فالأول مختار جماعة من المشايخ و منهم‏المحقق الشريف المازندراني قدس سره و الثاني مختار صاحب الفصول تبعا لأخيه‏المحقق صاحب الحاشية و الثالث مختار كثير من أصحابنا المقاربين لعصرناتبعا للشيخ الإمام الأنصاري قدس سره و هو الأقوى و ليعلم أن النزاع في ذلك إنماهو بعد غض البصر عما ذكرنا آنفا من أن النتيجة ليست هي حجية مطلق الظن‏بل حجية خصوص خبر الواحد و إلا فعليه لا يبقى مجال لهذا النزاع أصلا كماهو ظاهر«و ما يمكن»أن يقال في تقريب الوجه الأول أعني اختصاص الحجيةبما إذا تعلق الظن بالحكم الفرعي هو أن مقدمات الانسداد إنما تجري في‏المسائل الفرعية دون المسائل الأصولية فإن انسداد باب العلم و العلمي الذي‏هو عمدة المقدمات إنما يكون في الأحكام الفرعية و كذلك غيره من المقدمات‏و حيث إن النتيجة تابعة للمقدمات يكون الحجية المستنتجة منها مختصة


192

بالمسائل الفرعية الفقهية لا محالة(و أجيب)عن ذلك بأن المقدمات و إن‏كانت تجري في خصوص المسائل الفرعية إلا أن جريانها فيها ينتج حجيةالظن في المسائل الأصولية أيضا حيث إن المهم للمكلف عند نظر العقل في‏مقام امتثال التكليف ليس إلا تحصيل الأمن من تبعته و الخروج عن عهدته إما علمامع الإمكان و إما ظنا مع عدمه فإذا فرض عدم التمكن من تحصيل هذا المهم‏بنحو العلم لانسداد باب العلم و العلمي إلى معظم الأحكام يتنزل لا محالةإلى تحصيله بنحو الظن و من المعلوم أن الخروج عن عهدة التكليف كما يحصل‏بالإتيان بما هو المكلف به في الواقع كذلك يحصل بالإتيان بمؤدى الطريق‏المجعول شرعا و حينئذ فإن فرض وجوب تحصيل الخروج عن عهدته بنحو العلم‏كما في حال الانفتاح كانت الوظيفة إما الإتيان بالواقع على سبيل القطع و إماالعمل بمقتضى الطريق المحرز علما طريقيته و إذا كان المفروض وجوب‏تحصيله على وجه الظن كما هو موضوع البحث في المقام ترجع الوظيفة إلى‏الإتيان إما بالواقع المظنون أو بمؤدى ما ظن طريقيته لحصول ما هو المؤمن‏في هذا الحال من كل منهما أعني الفراغ عن عهدة التكليف ظنا و الخروج‏عن تحت تبعته كذلك و قد ظهر من ذلك وجه الاستدلال للقول الثالث أيضا وهو خيرة الشيخ و من تبعه من المحققين(و لا يخفى)أن هذا البيان إنما يتم‏لو كانت مبرئية الطريق و مخرجيته للذمة عن عهدة التكليف من آثار ثبوته‏واقعا و لو لم يعلم به المكلف فإنه على ذلك إذا كان الطريق مظنونا يكون‏مبرئيته أيضا مظنونة(و لكن ذلك بمراحل عن الواقع)فإن الطريق ما لم يكن‏محرز عند المكلف علما لا يكون بحجة فعلا و لا يترتب عليه آثار الحجية من‏كونه منجزا للواقع في صورة المصادفة و معذرا للمكلف و مبرئا لذمته في‏صورة المخالفة و على ذلك فالظن بالطريقية لا يستلزم الظن بالإبراء أصلا


193

(لا يقال)طريقية الطريق و إن لم تكن محرزة حينئذ علما إلا أنها محرزة بقيام‏الحجة عليها إذ المفروض في المقام حجية مطلق الظن(فإنه يقال)لا يكاديمكن أن يكون الطريق محرزا من جهة الظن القائم به فإن حجية هذا الظن‏يتوقف على كونه متعلقا بالمبرئ فلو كانت المبرئية أيضا متوقفة على حجيته‏للزم الدور«و بالجملة»فالظن بالإبراء لا يحصل إلا بالظن بالحكم الفرعي وأما الظن بالطريق فلا يكون ظنا بالإبراء أصلا كي يكون حجة«نعم»لو كان‏نصب الطريق معلوما من الشرع إجمالا كما سنحققه لكان الظن بالطريق‏أيضا مستلزما للظن بالإبراء إذ طريقيته حينئذ تكون محرزة بالعلم الإجمالي‏فإنه بعد ما علم بنصب طريق من الشرع إجمالا يعلم بمبرئية هذا الطريق أينماوصل إلينا لا محالة و حينئذ فإن علم بكون الواصل إلينا ذاك الطريق المنصوب‏يعلم ببراءة الذمة بامتثاله و إن ظن به يظن بها بل لو وصل إلينا ذاك الطريق‏بنحو الاحتمال لكانت مبرئيته أيضا محتملة(و الحاصل)أن مبرئية الطريق‏حينئذ تدور مدار وجوده واقعا و لا تتوقف على إحرازه علما كما لا يخفى«و قدانقدح لك»من ذلك تقريب الوجه الثالث أيضا و هو ما قويناه من عموم النتيجةو حجية كل من الظن بالطريق و الظن بالحكم الفرعي(و أما الوجه الثاني)الذي هو خيرة صاحب الفصول و المحقق أخيه(قدس سرهما)أعني كون النتيجةحجية خصوص الظن بالطريق فقد استدل له بوجهين(أحدهما)ما أفاده‏في الفصول و حاصله أنا نعلم أن الشارع قد جعل لنا إلى أحكامه طرقا مخصوصةو أمرنا بالرجوع إليها و بالعمل على طبق مؤدياتها و إذا ضم هذا العلم إلى ماعلمناه بالضرورة من أننا مكلفون تكليفا فعليا بأحكام كثيرة قد انسد باب‏العلم و العلمي إليها يكون النتيجة وجوب العمل بمؤديات تلك الطرق المخصوصةو حيث لا سبيل لنا إلى تعيينها بدليل قطعي كما هو المفروض وجب التنزل إلى‏


194

تحصيل الظن بها و الظاهر أن مراده قدس سره عن جعل الطرق ليس هو اختراع‏الشارع و تأسيسه طرقا مخصوصة غير ما بأيدي العقلاء من الطرق كي يردعليه ما ذكره الشيخ قدس سره بقوله و فيه أولا إمكان منع نصب الشارع طرقا خاصةإلخ بل مراده من الجعل ما يعم مثل إمضاء ما بأيدي العقلاء من الطرق‏و عدم الردع عنها و إلا فالجعل بنحو الاختراع و التأسيس مما يقطع‏بعدم صدوره من الشرع كيف و لو صدر لتواتر نقله إلينا و ليس الاستدلال‏متوقفا على الجعل بهذا المعنى بل يتم و لو كان معناه إمضاء ما بأيدي العقلاءو تقريب الاستدلال حينئذ أنه يعلم من الشرع إجمالا إمضاء بعض الطرق العقلائيةو لكن قد اختفى علينا ما أمضاه و لا يمكننا تميزه من غيره إلا بالظن و كذاالظاهر أن مراده من كون مرجع العلمين إلى وجوب العمل بمؤديات الطرق‏و كون ذلك نتيجة انضمامها هو انحلال العلم الإجمالي المتعلق بالأحكام‏الشرعية بقيام الطريق على بعض أطرافه فإنه قد حقق في محله أن قيام الطريق‏الشرعي على بعض أطراف العلم الإجمالي يوجب انحلاله و كون الشك في‏سائر الأطراف بدويا فإذا علم إجمالا بتعلق تكليف شرعي بواحد من الأطراف‏ثم قام الأمارة على كون متعلق التكليف هو هذا الطرف المعين لكان الواجب‏الأخذ بخصوص مؤداها و لجرى الأصل في غيره من الأطراف بلا معارض وبالجملة ففرضه قدس سره من إرجاع العلمين إلى العلم بوجوب العمل بالمؤديات‏هو ذلك لا ما ربما يتراءى في بدو النظر من كلامه من صرف الأحكام الثابتةفي الواقع إلى مؤديات الطرق بنحو الاضمحلال أو بنحو تقييدها بها كي‏يقال بأن ذلك من التصويب الباطل المخالف لمذهب المخطئة القائم على‏خلافه الأخبار المتواترة و أنه مناف لما ترى بالوجدان من كفاية امتثال ماقطع به من التكاليف في هذا الحال في حال انسداد باب العلم بالواقع و الطريق‏


195

كما في حال انفتاح باب العلم بهما هذا و لكن يرد عليه أولا أن اللازم وقتئذ(حينئذ نسخة)أعني وقت عدم إمكان تمييز الطريق الممضى عن غيره من الطرق بالعلم هوالأخذ بما هو المتيقن مما بأيدينا من الطرق من أقسام الخبر و الإجماع المنقول‏و الشهرة و الاستقراء و الأولوية الظنية و لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى الظن‏أصلا و دعوى عدم وجود قدر المتيقن الوافي بمعظم الأحكام من بينها واضحةالفساد فإن خبر الثقة المعروف عند أرباب كتب الحديث و الفتوى الموجب‏لوثوق النفس بصدوره عن المعصوم عليه السلام واف بمعظم الأحكام و هو القدرالمتيقن من الطرق التي بأيدينا و لا يكاد يصل إلى مرتبة اعتباره غيره من‏سائر الطرق كما لا يخفى على المنصف«و ثانيا»بعد تسليم عدم وجود القدرالمتيقن الوافي أن قضية ذلك وجوب الاحتياط في الطرق التي بأيدينا لا التنزل‏إلى تعيين المعتبر منها بالظن و ليس الاحتياط في الطرق موجبا للعسر و الحرج‏المنفيين في الشريعة و لا مما علم بكونه مرغوبا عنه عند الشارع فإن كثيرا من‏أصحابنا قدس اللّه تعالى أسرارهم كانوا قائلين بحجية غالب هذه الطرق مثل‏الخبر الموثوق به و الإجماع المنقول و الشهرة بل كان بناء بعضهم على الأخذبجميعها في الفقه حتى الاستقراء و الأولوية الظنية و مع ذلك فلم يلزم من‏عملهم بها عسر و لا حرج و لا معنى لكون الأخذ من باب الاحتياط مختلفا مع‏الأخذ من باب الحجية في لزوم العسر و الحرج و عدم اللزوم و معارضة الطرق‏أحيانا بعضها مع بعض ليست بحيث لا يتمكن معها من الاحتياط نعم يتفق‏ذلك عند دوران الأمر بين المحذورين و لا إشكال في الرجوع فيه إلى مقتضى‏الأصل كما حقق في موضعه لعدم وجود حجة فعلية على خلافه تمنع عن‏جريانه(و ثالثا)بعد تسليم وجوب الرجوع إلى الظن أنه لا وجه لاختصاص الحجيةبالظن بالطريق بعد اشتراكه مع الظن بالواقع في الأثر المطلوب منه و هو


196

حصول الظن ببراءة الذمة عن التكليف و خروجها عن عهدته بل قد عرفت‏أنه مع قطع النظر عن العلم الإجمالي بنصب الطريق لا يكون الظن بالطريق‏محصلا لذلك الأثر أصلا و أما معه فغاية ما يستنتج منه جواز الرجوع إليه مثل‏الظن بالواقع و انحلال العلم الإجمالي بقيام الطريق على بعض أطرافه إنماهو فيما إذا كان الطريق محرزا تفصيلا و أما إحرازه إجمالا فليس مقتضاه‏بأزيد مما يقتضيه العلم الإجمالي من وجود التكليف في بعض غير معين من‏الأطراف فإن انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي و الشك البدوي إنماهو من تبعة إحراز التكليف تعبدا في بعض معين من أطرافه فإنه حينئذ ينقلب‏التكليف المعلوم بالإجمال في الظاهر إلى ما في هذا الطرف المعين من التكليف‏المحرز تعبدا و من المعلوم أن هذا الإحراز التفصيلي لا يحصل إلا بعد العلم‏بالطريق و بالمؤدى تفصيلا و المفروض انتفاؤه هنا نعم يمكن أن يقال إن في‏المقام انحلال آخر و هو انحلال العلم الإجمالي المتعلق بالأحكام الشرعيةفي جميع الوقائع بالعلم الإجمالي بما في خصوص الطرق المنصوبة المشتبهةفي الطرق التي بأيدينا من الأحكام و لكن أثر هذا الانحلال ليس إلا إمكان‏جريان البراءة في خصوص الوقائع التي ليس على وفقها طريق و أما انقلاب‏التكليف المعلوم إجمالا إلى المؤدى في الظاهر و رجوع الوظيفة إلى الأخذبخصوص المؤدى و دون غيره فلا يكاد يترتب على هذا الانحلال أصلا بل‏الوظيفة في هذا الحال هي الوظيفة فيما إذا لم يكن هناك انحلال من الأخذإما بالواقع أو بالمؤدى علما مع الانفتاح و ظنا مع عدمه«و بالجملة»فالانحلال‏الموجب لصرف التكليف في الظاهر إلى المؤدى يتوقف على وصول الطريق تفصيلا و لا يفيد فيه‏الوصول الإجمالي كي يتم به دعوى صاحب الفصول«الوجه الثاني»ما أفاده‏


197

المحقق صاحب الحاشية قدس سره و حاصله أن الواجب علينا أولا تحصيل العلم‏بتفريغ الذمة في حكم الشارع بأن يقطع معه بحكمه بفراغ ذمتنا عما كلفنابه سواء حصل معه العلم بأداء الواقع أو لم يحصل حسب ما مر تفصيل القول فيه‏و أشار قدس سره بكلامه هذا إلى ما اختاره في المقدمة الرابعة من مقدمات هذاالمطلب من أن المناط في وجوب الإطاعة و امتثال الأحكام ليس هو تحصيل‏اليقين بإتيان الأحكام الواقعية الأولية إلا مع قيام الدليل على اكتفاء الشارع‏بغيرها بل المناط و الواجب علينا أولا هو تحصيل العلم بأداء الأعمال على‏وجه إرادة الشارع منا في الظاهر و بحسب الطرق المقررة للوصول إليها سواءحصل العلم بمطابقتها للواقع أو الظن أو لم يحصل أحد منهما و حيث كان الواجب‏علينا تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم الشارع فإن أمكن لنا ذلك على‏وجه العلم فهو الواجب و إن انسد علينا سبيل العلم به كان الواجب علينا تحصيل‏الظن بالفراغ في حكمه و كان إليه التنزل بعد انسداد باب العلم لا إلى الظن‏بالواقع لعدم استلزامه الظن بالبراءة في حكمه لإمكان عدم اكتفاء الشارع‏بالظن بالواقع عن الواقع سيما بعد نهيه عن اتباع الظن انتهى حاصل مرامه‏من كلامه زيد في علو درجته و مقامه(و لا يخفى)أن مراده قدس سره بوجوب تحصيل‏العلم بتفريغ الذمة في حكم الشارع ليس ما ربما يتحصل في بادي النظر من‏كلامه مع وجوب تحصيل العلم بأن الشارع قد جعل الفراغ للذمة و حكم‏بنحو الإنشاء ببراءتها كي يورد عليه بأن الامتثال و فراغ الذمة غير قابل‏للجعل الشرعي و ليس مما تناله يد الإنشاء من الشرع بل الحاكم به استقلالاهو العقل و حكمه به يدور مدار الإتيان بمتعلقات الأوامر و ترك متعلقات‏النواهي و ليس شأن الشارع الدخل في هذا الوادي على وجه المولوية بل‏مراده قدس سره من ذلك أنه يجب علينا تحصيل العلم بتفريغ الذمة بحسب الطرق‏


198

المعينة من ناحية الشرع و أنه لا يحصل الامتثال إلا بتحصيل العلم و اليقين‏بإتيان ما أراد الشارع منا في الظاهر و حكم بتفريغ الذمة به بملاحظة الطرق‏التي جعلها يعني أن حكمه بتفريغ الذمة به كفايته عن الواقع يستكشف من‏ملاحظة ما نصبه من الطرق و الذي يشهد على إرادته لهذا المعنى أنه بنى كلامه‏هذا و حكمه بوجوب تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم الشارع على ما مرمنه سابقا في مقدمات هذا المطلب مع أنه لم يمر منه ما ينفع لذلك إلا ما اختاره‏في المقدمة الرابعة من أن الواجب علينا في الإطاعة ليس هو تحصيل اليقين‏بإتيان الواقعيات بل الواجب علينا أداء الأعمال على وجه إرادة الشارع منا في‏الظاهر و بحسب الطرق المقررة من جانبه من غير فرق بين حال الانفتاح‏و بين حال الانسداد و أنت إذا ضممت كلامه هذا في بيان مختاره إلى كلامه‏هنا تعرف أن مراده من وجوب تحصيل اليقين بتفريغ الذمة في حكم الشارع‏هو أن المناط في الإطاعة سواء كانت في حال الانفتاح أو الانسداد إتيان المرادات‏الظاهرية التي تؤدي إليها الطرق سواء حصل منه العلم بإتيان الواقع أو الظن‏أو لم يحصل شي‏ء منهما نعم حيث إنه لا سبيل لنا في حال الانسداد إلى تحصيل‏العلم بالمرادات الظاهرية يجب علينا التنزل إلى تحصيل الظن بها و يشهدأيضا على ما ذكرناه من التفسير لكلامه ما عقب به كلامه هذا في بيان الوجه‏لما ذكر من عدم حصول الظن بالبراءة في حكم الشارع من الظن بالواقع‏من أنه لم يقم الظن على اكتفاء الشارع عن الواقع بالظن به سيما بعد نهيه عن‏اتباع الظن فإن هذا الاستدلال كما ترى يناسب كون المراد من الظن بالبراءةفي حكم الشارع الظن بالبراءة بحسب الطريق المجعول منه فيقال حينئذ بأنه‏لم يقم الظن على طريقية ذاك الظن المتعلق بالواقع عند الشارع أو اكتفاءالشارع به عن الواقع سيما مع نهيه عن اتباع الظن(و بالجملة)فمن راجع‏


199

إلى عين عبارة هذا المحقق قدس سره هنا يجد فيها شواهد شتى على أن مراده في‏المقام ليس إلا حصر الوظيفة في الإتيان بمؤديات الطرق الشرعية علما مع‏الانفتاح و ظنا مع عدمه و على ذلك فالإيراد عليه بأن الحاكم بالبراءة هوالعقل بالاستقلال و لا سبيل للشارع إلى جعلها في غير محله«كما أن»الإيرادعليه ثانيا بأن الظن بالفراغ في حكم الشارع على تقدير تسليم لزومه لا ينحصرطريق تحصيله في الإتيان بمؤدى الطريق الذي ظن كونه طريقا بل الظن‏بالواقع أيضا ملازم للظن بالفراغ في حكمه لا موقع له فإنه بعد ما كان‏المراد من الظن بالفراغ في حكم الشارع الظن بالفراغ بحسب الطريق‏المقرر منه لا يتوجه عليه هذا الإيراد إذ لا ريب في أن الظن بالواقع لا يلازم‏الظن بالفراغ في حكم الشارع بهذا المعنى فإنه كما قال قدس سره فيما نقلناه من‏آخر كلامه لم يقم الظن على طريقية ذاك الظن عند الشارع كي يكون العمل‏به عملا بمؤدى الطريق الذي ظن كونه طريقا و ملازما للظن بالفراغ بحسبه‏«نعم»يرد عليه فساد ما ابتنى عليه كلامه هنا من أن المناط في الإطاعة و الامتثال‏هو الإتيان بالمرادات الظاهرية المؤدية إليها الطرق سواء كان في حال‏الانفتاح أو في حال الانسداد فإن ذلك ينافيه حفظ أصول الفرقة المحقة المخطئةبل المناط في الإطاعة على حسب مذهبهم هو التكاليف الواقعية إلا أن يقوم‏دليل على اكتفاء الشارع بغيرها و ليس لنا تكاليف أخر في مقابلها يدورمدارها الإطاعة و الامتثال و ما ترى من حصول الامتثال بفعل مؤديات الطرق‏فليس من جهة اشتمال المؤديات على تكاليف أخر سوى ما في الواقع بل إنماهو من جهة كونها هي الواقع تعبدا و بجعل الشارع فإن الطريق على ما تقدم‏منا لا يحكي إلا عن الواقع و لا يعمل به إلا لأجل إحراز كون مؤداه هو الواقع‏و إجزاء العمل به إنما هو بهذا الاعتبار لا باعتبار نفسه فكيف بأن يكون هو


200

المناط في تحصيل اليقين و الظن بالإطاعة دون الواقع«فالتحقيق»أن الظن‏بالبراءة و الفراغ كما يلازمه الظن بالطريق فكذلك يلازمه الظن بالواقع‏من دون فرق بينهما في ذلك أصلا

«الأمر الثاني‏

أن النتيجة التي»يقتضيها دليل‏الانسداد هل هي كلية سببا و مرتبة و موردا بمعنى أن النتيجة هي اعتبارالظن مطلقا من أي سبب حصل و في أي مرتبة كان و بأي حكم من الأحكام‏تعلق أو مهملة من جميع هذه الجهات أو كلية من بعضها و مهملة من بعض آخرعلى ما سنبين المراد منه إن شاء اللّه تعالى«و لا يخفى أن»النزاع هنا تارة يقع‏فيما يقتضيه نفس ترتيب مقدمات الانسداد من عموم النتيجة أو إهمالهامن غير أن ينضم إليها مقدمة أخرى خارجية يكون الاستنتاج متوقفا عليها و إن‏كانت تلك المقدمة من الأمور الواضحة التي لا تحتاج إلى تكلف الاستدلال‏عليها مثل قبح ترجيح مرجوح على الراجح الذي يبتني عليه ما حققناه آنفامن كون نتيجة الانسداد هي حجية خصوص الظن الخبري دون سائر الظنون‏و أخرى فيما تقتضيه هذه المقدمات منضمة إلى غيرها من المقدمات الخارجيةالتي يتمسك بها في المقام لتعميم النتيجة أو تخصيصها و بعبارة أخرى(الكلام‏يقع أولا)في أن نتيجة الانسداد هل هي واصلة بنفسها و معينة من دون‏الاحتياج إلى معين آخر وراء مقدماتها أو هي مهملة من تلك الجهة(و ثانيا)في أنه بعد فرض إهمال النتيجة هل في البين معين آخر يقتضي تعينها عموماأو خصوصا ليكون الطريق واصلا إلينا و لو بطريقه أو لا(أما الكلام)في الموردالأول(فحاصله أن النزاع فيه)ناش من الخلاف في أن ما ذكرناه في المقدمةالثالثة و الرابعة من عدم جواز الرجوع إلى البراءة و بطلان الرجوع إلى‏الاحتياط بل هو في كل مسألة من مسائل الفقه مع قطع النظر عن‏غيرها من المسائل أو هو في مجموعها بحيث لا يكون محذور للرجوع إلى‏


201

البراءة أو الاحتياط في كل مسألة على حدة و بخصوصها«فلو قيل بعدم»جوازالرجوع إليهما في كل مسألة على حدة لكانت النتيجة كلية من جميع الجهات‏الثلاث سببا و مرتبة و موردا أما موردا فواضح فإنه لو لم يكن الظن في‏بعض الموارد حجة فلا يخلو ذاك المورد إما من الرجوع إلى البراءة أو الرجوع‏إلى الاحتياط و المفروض بطلان كل منهما فلا محيص حينئذ عن الرجوع فيه إلى‏الظن و أما سببا و مرتبة فلأن التخصيص من حيث السبب و المرتبة يستلزم‏التخصيص من حيث المورد إذ في المورد الخالي عن الظن من ذلك السبب‏الخاص و بتلك المرتبة الخاصة لو لم يرجع إلى سائر الظنون لمست الحاجةأيضا إلى الرجوع فيه إلى البراءة أو الاحتياط(و أما لو قيل بأن)المحذورإنما هو في الرجوع إلى البراءة و الاحتياط في مجموع المسائل‏دون كل مسألة مسألة(فالنتيجة مهملة)من جميع تلك الجهات و لا بد في‏تعيينها عموما أو خصوصا من طلب دليل آخر غير مقدمات الانسداد و قد(ذهب المحقق القمي قدس سره)إلى كلية النتيجة من جميع الجهات لما اختاره من‏عدم جريان البراءة و الاحتياط في كل واحدة واحدة من المسائل و استشكل عليه‏الشيخ قدس سره بأنه لا دليل على منع جريان البراءة و الاحتياط في كل واحدة من‏المسائل بخصوصها فإن المانع من جريان البراءة في الوقائع المشتبهة هولزوم المخالفة القطعية الكثيرة و المانع من جريان الاحتياط لزوم العسرو الحرج المنفيين في الشريعة منه و كل من هذين المحذورين إنما يمنع عن‏الجريان في مجموع الوقائع لا في كل واقعة بخصوصها و ناقش في ذلك المحقق‏النائيني(قدس سره)على ما في تقريرات دروسه العالية بأن المانع عن جريان البراءةفي الشبهات لا ينحصر في لزوم المخالفة القطعية الكثيرة كي يقال بأن ذلك‏إنما يلزم من إجرائه البراءة في مجموع الشبهات و لا يلزم من إجرائها في كل‏


202

شبهة بخصوصها بل المانع عن جريان البراءة في الشبهات كما ذكرنا ثلاثةأمور أحدها الإجماع التقديري(و ثانيها لزوم)المخالفة القطعية الكثيرةالمعبر عنها بالخروج عن الدين(و ثالثها العلم الإجمالي)بوجود الأحكام في‏مجموع الوقائع المشتبهة(و الأمر الثاني)و إن كان لا يمنع عن جريان البراءة في كل‏واقعة بخصوصها إلا أن الأمر الثالث يمنع عن ذلك فإن الأصول النافية للتكليف‏لا تجري في أطراف العلم الإجمالي و حيث إن كل واقعة بخصوصها من أطراف‏العلم الإجمالي بوجود التكاليف فلا تجري فيها أصالة البراءة بل يمكن‏تقريب الأمر الأول و هو الإجماع أيضا على وجه يقتضي ذلك بأن يقال بأن‏انعقاد الإجماع على عدم جواز إهمال جميع الوقائع المشتبهة لم يكن لأجل‏قيام دليل تعبدي على ذلك عند المجمعين بل كان لأجل قبح التمسك بالبراءةقبل الفحص و اليأس عن الدليل عند العقل فإن العقل يحكم بالاستقلال‏بوجوب الفحص عن الأحكام على المكلف و باستحقاقه المؤاخذة على مخالفتهابدونه و أنه لا يجوز له التمسك بالبراءة ما لم ييأس عن الظفر بالدليل إلا أن‏يقال بأن حكم العقل بذلك إنما هو مع فرض انفتاح باب العلم و العلمي وإمكان الوصول بالدليل و الظفر عليه بالفحص لا مع فرض الانسداد و عدم‏إمكان الظفر بالدليل و لو مع الفحص كما هو موضوع الكلام في المقام وعلى ذلك فلا مانع في المقام من جريان البراءة في كل واقعة بخصوصها من هذه‏الجهة بل المانع عنه ينحصر في العلم الإجمالي و على أي تقدير فمقتضى العلم‏الإجمالي عدم جريان البراءة في كل واقعة واقعة من الوقائع المشتبهة لا في‏مجموعها و أما بطلان الاحتياط فهو أيضا لا ينحصر وجهه في لزوم العسرو الحرج منه حتى يقال باختصاص هذا المحذور بصورة جريان الاحتياطفي مجموع الوقائع و أما جريانه في كل واقعة بخصوصها فلا يكاد يلزم منه‏


203

ذلك بل العمدة في وجهه قيام الإجماع على أن بناء الشريعة ليس على امتثال‏التكاليف على وجه الاحتمال و بنحو الإتيان بجميع محتملاتها و أنه لا بدمن امتثال كل تكليف بعنوانه الخاص من الوجوب و الحرمة و غيرهما و من‏المعلوم أن مقتضى هذا الوجه هو بطلان الاحتياط و لو في مسألة واحدة من‏المسائل لاقتضاء كل تكليف في كل واقعة لامتثاله بنفس عنوانه لا بعنوان‏الاحتمال و بداعي رجاء المطلوبية هذا ملخص ما أفاده قدس سره هنا من المناقشةفي كلام الشيخ و لا يخفى ما فيه فإنه يكفي لإثبات ما ادعاه الشيخ قدس سره من‏إهمال النتيجة و عدم كليتها أحد الأمرين من جواز الرجوع إلى البراءة في‏كل شبهة بخصوصها و من عدم بطلان الاحتياط في كل واقعة واقعة من الوقائع‏المشتبهة فللقائل لكل من هذين الأمرين يجوز أن يقول بإهمال النتيجة إذبعد جواز الرجوع في كل واقعة بخصوصها إما إلى البراءة أو إلى الاحتياطلا مجال لدعوى حجية الظن فيها بل لا بد من الرجوع إلى ما هو المرجع‏منهما من دون أن تصل النوبة إلى الأخذ بالظن أصلا و الأمر الأول و إن كان‏يمنع عند العلم الإجمالي الذي هو ثالث الوجوه التي استدل بها على عدم‏جواز إهمال الأحكام إلا أن الأمر الثاني و هو عدم بطلان الاحتياط في كل‏واقعة على حدة و مع قطع النظر عن انضمام سائر الوقائع إليها مما لا دليل على‏المنع عنه فإن الإجماع التقديري على أن المرجع في الشريعة بعد انسدادباب العلم و العلمي في معظم الأحكام ليس هو الاحتياط إنما يمنع عن جريان‏الاحتياط في معظم الأحكام المنسد فيه باب العلم و العلمي على ماهو مورد انعقاده و دليل لزوم العسر و الحرج أجنبي عن ما إذا لم يلزم من الاحتياطعسر و لا حرج كما في المقام و أما الإجماع الذي ادعاه هذا المحقق قدس سره الراجع‏إلى دعوى العلم بأن بناء الشريعة ليس على الامتثال الاحتمالي فهو و إن كان‏على تقدير تسليمه يمنع عن جريان الاحتياط و لو في واقعة واحدة إلا أن أصل‏


204

دعواه لا يخلو عن الجزاف فإن بناء الشارع من أول الأمر الذي هو مقام جعل‏الأحكام و تشريعها أو إن كان على امتثال التكاليف بعناوينها الخاصة لا بنحوالاحتمال و بداعي الرجاء إلا أن ذلك لا يقتضي إلا جعل طريق للمكلفين يوصلهم‏إلى أحكامه ليتمكنوا من امتثال كل تكليف بعنوانه و ليس مقتضى ذلك‏بطلان الاحتياط في حال انسداد باب العلم و العلمي و عدم إمكان الوصول‏بالطريق المجعول و دعوى أن بناء الشارع يكون على ذلك في جميع الأحوال‏حتى في حال الانسداد و عدم إمكان معرفة الطريق المؤدى إلى عناوين‏الأحكام عرية عن الدليل و عهدة إثباتها على مدعيها نعم لو كان الموجب لاختفاءالطريق هو نفس الشارع لكان مقتضى بنائه على امتثال كل تكليف بعنوانه‏بطلان الاحتياط و جعل طريق ثانوي للمكلف ليتمكن به من هذا النحومن الامتثال و هذا بخلاف ما إذا كان منشأ اختفاء الطريق أمورا آخر لا ربطلها بالشارع فإن هذا البناء منه لا يكاد يجدي حينئذ في منع المكلف عن الرجوع‏إلى الاحتياط أصلا و بالجملة فدليل بطلان الاحتياط في الشبهات ينحصرفي الوجهين المتقدمين و قد عرفت أنهما لا يدلان على بطلان الاحتياط في‏كل واقعة واقعة من الوقائع لتكون النتيجة كليته بل مفادهما ليس إلا بطلان‏الاحتياط في مجموع الوقائع و عليه فلا تكون نتيجة مقدمات الانسداد بنفسهاو مع قطع النظر عن معين آخر وراءها إلا مهملة كما ادعاه الشيخ قدس سره‏هذا كله في الكلام في المورد الأول و أما الكلام في المورد الثاني و هو ما يقتضيه‏المعينات الأخر وراء مقدمات الانسداد من التعميم و التخصيص فتارة يقع‏على القول بالحكومة و أخرى يقع على القول بالكشف أما على القول بالحكومةفالظاهر كما عرفت سابقا اختصاص الحجية بمعنى وجوب الأخذ في مقام‏الامتثال من حيث السبب بالظن الحاصل من الخبر الموثوق بصدوره لما


205

عرفت من أن العقل لا يرى للمكلف جواز ترك الأخذ بالظن الخبري‏و طرحه و الرجوع إلى غيره من الظنون الاجتهادية و لا يكاد يحكم بكون‏هذه الظنون في رتبة الظن الخبري و في عرضه بل يحكم جدا بوجوب الرجوع‏إلى خصوص الظنون الحاصلة من الأخبار و حيث إنها وافية بمعظم الأحكام‏فلا إشكال في الرجوع في الموارد الخالية عنها إلى البراءة(لا يقال)هذا إذالم نقل بعدم جواز الرجوع إلى البراءة في كل واقعة واقعة من المشتبهات‏و أما على القول به فلا مجال إلا للرجوع إلى الاحتياط أو إلى سائر الظنون و لايبقى مجال للرجوع إلى البراءة أصلا و الاحتياط و إن لم نقل ببطلانه في كل‏واقعة واقعة على ما هو لازم الانتقال إلى الكلام في المورد الثاني إذ لو قيل‏ببطلانه كذلك أيضا يكون النتيجة كلية بلا كلام كما ذكرنا إلا أنه لا إشكال‏في بطلانه في المقام فإن الاحتياط في جميع الموارد الخالية عن الظن الخبري‏مما يعلم بكونه مرغوبا عنه شرعا و لا يكاد يلزم الشارع به المكلف في حال‏من الأحوال فينحصر المرجع حينئذ في سائر الظنون(لأنا نقول)قد عرفت أن دليل‏عدم جواز الرجوع إلى البراءة في كل واقعة واقعة ينحصر في العلم الإجمالي‏و مع فرض الاستدلال به يخرج مقدمات الانسداد عن كونها واصلة إلى النتيجةو لا مجال معه إلا للتبعيض في الاحتياط فلا بد في وصول المقدمات إلى النتيجةمن غمض النظر عن العلم الإجمالي و الاستدلال على عدم جواز إهمال الأحكام‏بسائر الأدلة و حينئذ فلا مانع للرجوع في الموارد الخالية عن الظن الخبري‏إلى البراءة و حاصل الكلام أن نتيجة الانسداد على القول بالحكومة هي‏وجوب الرجوع في مقام الامتثال إلى خصوص الظنون الحاصلة بسبب الأخبارمن دون أن تصل النوبة إلى الأخذ بسائر الظنون من الأسباب الأخر أصلاهذا كله في التعيين بحسب السبب و أما بحسب المرتبة فلا إشكال في أن‏


206

الظن الاطمئناني مقدم على غيره من أفراد الظنون و أنه لا يجوز التنزل إلى‏سائر الظنون إلا مع عدم التمكن من تحصيل الظن الاطمئناني و لكان كثرةالأخبار المفيدة للوثوق و الاطمئنان في الكتب التي بأيدينا بحيث تكون‏تلك الأخبار وافية بمعظم الأحكام لا يبقى حاجة إلى التنزل إلى غيره من مراتب‏الظنون بل يرجع في المورد الخالي عنه إلى البراءة كما عرفت في الكلام‏بحسب السبب و أما التعيين بحسب المورد فقد يقال بأن العقل لا يستقل‏بكفاية الامتثال الظني إلا في الموارد التي لم يعلم من الشارع كثرة الاهتمام‏برعاية الواقع و دركه كما علم ذلك منه في باب الفروج و الدماء و الأموال ففي‏مثل هذه الموارد التي علم من الشرع ذلك يستقل العقل بلزوم الاحتياط و عدم‏كفاية الامتثال الظني و لكن الإنصاف أنه لا وجه لذلك القول فإن تفاوت الوقائع‏المشتبهة بعضها مع بعض في الملاكات و المصالح الواقعية و أن الملاك في بعضهايكون بمثابة يلزم رعايتها كيفما اتفق و في بعضها لا يكون بهذه المثابة ليس‏من الأمور التي يدركها العقل من دون الاحتياج إلى دلالة من الشرع عليهابل لا طريق إلى تشخيص الملاكات و مقدار اهتمام الشرع بها إلا من السمع‏فإن دل دليل من الشرع على وجوب الاحتياط في بعض الموارد فهو و إلا فيكون‏ذلك المورد كسائر الموارد المشتبهة في الحكم و يكون الطريق إليه ماهو الطريق إلى سائر الموارد و الوظيفة العملية فيه ما هو الوظيفة العمليةفي غيره و بالجملة فما لم يكن دليل من الشرع على اختلاف الموارد المشتبهةبعضها مع بعض لا يكاد يدركه العقل أصلا سواء كان الاختلاف في طريقيةشي‏ء إليها و عدم طريقيته أو في كفاية الامتثال الظني لها عند انسداد باب العلم‏و العلمي إليها و عدم كفايته أو في جريان البراءة عند الشك البدوي فيها وعدمه فكل من هذه الأنحاء من الاختلاف لا بد لها من دلالة من الشرع عليها


207

و لا سبيل للعقل إليها هذا كله على القول بالحكومة و أما على القول بالكشف‏فلا إشكال في عموم النتيجة و كليتها بحسب المورد كما قلناه على القول‏بالحكومة فإن الظاهر أن الظن المطلق على القول بالكشف‏يكون طريقا إلى ما كان الظن الخاص طريقا إليه عند عدم الانسداد فكماأن الظن الخاص لا يفرق في حجيته بين أبواب الفقه و مسائله فكذلك الظن‏المطلق في حال الانسداد لا يفرق في اعتباره بين موارد الشبهة و أطرافها و قديستدل على عموم النتيجة هنا بالإجماع و فيه أنه لا مجال في مثل‏هذه المسائل المستحدثة التي لم تكن معنونة في كلمات القدماء من‏أصحابنا بل و لا في كلمات كثير من متأخريهم و أما إرجاعه إلى الإجماع التقديري‏فقد عرفت الحال فيه مما مر عند التعرض للمقدمة الثالثة و الرابعة من مقدمات‏الانسداد و أما بحسب الأسباب فقد ذكر للتعميم بحسبها وجوه الأول أنه لو لم‏يكن النتيجة كلية بحسب الأسباب و كان الظن الحاصل من بعضها بخصوصه‏حجة دون غيره لزم الترجيح بلا مرجح لتساوي الأسباب و عدم رجحان بعضهاعلى بعض و فيها أنا لا نسلم تساوي الأسباب بل يكون لبعضها رجحان على‏غيره و هو كونه متيقن الاعتبار بالإضافة إلى ما سواه بحيث إنه يعلم أنه لوكان شي‏ء حجة في حال الانسداد لكان هو الحجة و لا ينبغي الريب في أن الخبرالموثوق بصدوره في الأمارات التي بأيدينا كذلك فإنا نعلم بالوجدان أنه‏لو كان ثلاثة من الأمارات الموجودة بأيدينا حجة بنظر الشارع في حال الانسدادلكان منهما الخبر الموثوق به و لو كان واحد منها حجة دون غيره لكان‏هو خصوص الخبر الموثوق به فالخبر الموثوق به يكون متيقن الاعتباربالإضافة إلى سائر الأمارات و حيث إنه بحمد اللّه تعالى يفي بمعظم الأحكام لايبقى مجال للتعدي إلى غيره و لا موجب للحكم بعموم النتيجة و كليتها و من‏هنا عرفت أن تخصيص القدر المتيقن بقسم خاص من الأخبار يسمونه بالخبرالصحيح الأعلائي و هو الخبر الذي زكي جميع رواته بعدلين و لم يعمل في‏


208

تصحيح رجاله و لا في تمييز مشتركاته في سلسلة السند بظن يكون أضعف‏نوعا من سائر الأمارات و لم يكن موهونا بمعارضته شي‏ء من الأمارات و كان‏معمولا به عند الأصحاب و معتمدا عليه لديهم و كان مفيدا للظن الاطمئناني‏كما عن الشيخ قدس سره لا وجه له حتى يقال بأن هذا القسم من الأخبار في غاية الندرةو ليس منه في الأخبار التي بأيدينا إلا أقل قليل لا يفي بمعظم الأحكام وليس فيما سواه من الأخبار ما يكون متيقن الاعتبار بالإضافة إلى غيره فإن مايكون واجدا لبعض هذه الأوصاف و فاقدا لبعضها الآخر ليس بأولى مما يكون‏واجدا لما فقده و فاقدا لما وجده لوضوح أن الخبر المزكى رواته بعدل‏واحد الواجد بسائر الأوصاف ليس بأولى من الخبر المزكى بعدلين المعمول‏في تصحيح رجاله و تمييز مشتركاته بظن أضعف نوعا من سائر الأمارات‏و الإنصاف أنه لا مجال لهذه الكلمات بعد ما نشاهد أن الخبر الموثوق بصدوره‏بجميع أقسامه يكون متيقن الاعتبار بالإضافة إلى سائر الأمارات التي بأيدينابحيث لا يحتمل أن يكون غيره حجة دونه و قد عرفت أنه بحمد اللّه في الكثرةبمثابة يفي بمعظم الأحكام بلا إشكال و قد يذكر لترجيح بعض الأسباب‏على بعض وجهان آخران الأول أن الظن الحاصل من بعضها أقوى من الظن‏الحاصل من بعضها الآخر فتعيين الأخذ بما كان ظنه أقوى للزوم الاقتصار في‏مخالفة الاحتياط اللازم يحكم العقل عند الانسداد على القدر المتيقن و فيه‏أن أسباب الظن تختلف بحسب الموارد في قوة الظن الحاصل منها و ضعفه‏فقد يكون الظن الحاصل من هذا السبب أقوى من الظن الحاصل من ذاك و قديكون الظن الحاصل من ذاك أقوى منه فليس في البين سبب يكون الظن‏الحاصل منه بمرتبة خاصة مضبوطة تكون أقوى من ظنون سائر الأسباب دائما


209

كي يكون ذلك موجبا لرجحانه هذا مضافا إلى أن أقوائية الظن إن كانت‏بحيث توجب كون سببه متيقن الاعتبار بالإضافة إلى غيره فيرجع هذا الوجه‏إلى الوجه المتقدم الذي ذكرناه و لا يكون وجها على حدة و إن لم تكن موجبةلذلك فلا تكاد تنفع لقيام احتمال أن يكون غيره الأضعف حجة بنظر الشارع‏دون الأقوى(الثاني)أن بعض الأسباب يكون مظنون الحجية و الاعتبار فالظن‏الحاصل منه يكون أولى من غيره و وجه الأولوية أن مظنون الاعتبار على‏تقدير تخلفه عن الواقع مظنون الوصول للمصلحة السلوكية و لما هو بدل‏عن الواقع و يكون احتمال عدم وصوله لا إلى الواقع و لا إلى بدله موهومافي موهوم و هذا بخلاف غيره مما لم يظن باعتباره و حجيته فإنه ليس فيه إلا ظن‏الوصول إلى الواقع و لا يكون إدراك بدل الواقع على تقدير تخلفه عن الواقع‏فيه مظنونا و لا ريب في أنه لو دار الأمر بين العمل بأمارة يظن فيها على تقديرالتخلف بإدراك بدل الواقع و بين العمل بأمارة لا يظن فيها بذلك‏يكون العمل بالأمارة التي يظن فيها بإدراك بدل الواقع متعينا و لا يتعدى عنهاعنها إلى غيرها هذا و لكن يرد عليه(أولا)أن هذا الوجه إنما يتم على القول‏بالسببية في الأمارات و أما على ما هو المختار فيها من الطريقية المحضة فلا وجه‏له أصلا فإنه عليه على تقدير تخلف الأمارة عن الواقع لا شي‏ء في المؤدى ليكون‏مظنون التدارك بل إنما تكون الأمارة حينئذ مبرئة لذمة المكلف عن الواقع‏عذرا له منه(لا يقال)وجه أولوية مظنون الاعتبار من غيره لا ينحصر في الظن‏بتدارك المصلحة السلوكية ليتوقف صحته على القول بالسببية بل على القول‏بالطريقية أيضا نقول إن مظنون الاعتبار حيث إنه مظنون المبرئية و المعذريةعن الواقع على تقدير تخلفه عنه يكون أولى من غيره و بعبارة أخرى ففي مظنون‏الاعتبار على القول بالطريقية يظن ببراءة الذمة عن الواقع عند التخلف و لايظن بذلك على تقدير التخلف في غيره(لأنا نقول)قد تقدم منا في المبحث المتقدم‏


210

في بيان حجية الظن بالواقع أو بالطريق أن مجرد وجود الطريق واقعا لا يجدي‏في براءة ذمة المكلف عن الواقع على تقدير المخالفة حتى يكون الظن بالطريق‏ملازما للظن ببراءة الذمة عند المخالفة بل مبرئية الطريق إنما هي من‏آثار حجيته فعلا المتوقفة على وصوله إلى المكلف علما فما لم يصل الطريق‏إلى المكلف على وجه العلم لا يكون مبرئ للذمة عند المخالفة كما لا يكون‏منجزا للواقع على تقدير المصادفة و كون الطريق معلوما بالإجمال و إن كان‏مستلزما لكون الظن به ظنا بالإبراء كما شرحناه لك هناك إلا أن المفروض‏في المقام غمض العين عن العلم الإجمالي بوجود الطريق و إلا لما كان مجال‏القول بالكشف بل كان اللازم إما الاحتياط في الطرق التي بأيدينا أو الأخذبالقدر المتيقن منها و لو سلم عدم وجوب الاحتياط و عدم وجود القدر المتيقن الكافي‏بينها كان اللازم الانتقال إلى ما ظن بطريقيته كما عرفت جميع ذلك و على أي تقديرفلا يبقى موقع لاستكشاف وجود حجة شرعية أخرى كي يبحث عن عمومهاو خصوصها(و بالجملة)فمقدمات الانسداد على القول بالكشف تكون مقدمات‏لاستكشاف وجود الحجة الشرعية و مع العلم الإجمالي بوجود الحجة في الطرق‏التي بأيدينا لا يبقى مجال لجريانها كما هو ظاهر(و ثانيا)بعد تسليم تمامية ماذكر من الوجه لرجحان مظنون الاعتبار على غيره أنه لا يكفي في تعيين‏النتيجة و رفع إهمالها هذه المزية التي لم يثبت اعتبارها و حجيتها لا شرعا ولا عقلا إذ كما يحتمل أن يكون الطريق المنصوب هو خصوص الظن الواجدلهذه المزية و ما كان ظن باعتباره فكذلك يحمل أن يكون الطريق المنصوب‏غيره مما يكون فاقدا لهذه المزية و واجدا لمزية أخرى لا نعلمها و ليس مظنون‏الاعتبار بمتيقن الاعتبار بالإضافة إلى ما عداه كي يكون ذلك موجبا صرف النتيجة


211

المهملة إليه«و بالجملة»فصرف وجود المرجح الاحتمالي لا يجدي في تعيين‏النتيجة و تخصيصها ما لم يقم دليل على الترجيح به بحيث يكون مورده متيقن‏الاعتبار بالإضافة إلى ما عداه و لا يحتمل أن يكون غيره حجة دونه بنظر الشارع‏بل يحكم العقل بعد عدم وجود معين قطعي بعموم النتيجة و كليتها إذ لو بقيت‏النتيجة على إهمالها يلزم أن لا يكون الطريق المنصوب من قبل الشارع واصلاإلى المكلف بوجه لا بنفسه و لا بطريقه و من المعلوم ضرورة قبح ذلك عندالعقل فإنه لا معنى بجعل طريق لا سبيل للمكلف إليه أصلا و لا يكاد يمكن له‏الوصول إليه«و توهم أنه يكفي»في كون الطريق واصلا إمكان إحرازه بترتيب‏مقدمات انسداد أخر لتكون النتيجة تعيين الأخذ بمظنون الاعتبار بأن‏يقال إنا نعلم بوجود حجة شرعية قد انسد لنا باب العلم بها و لا يجوز لنا إهمالهالاستلزام إهمالها إهمال الأحكام و لا يجب علينا الاحتياط فيها بالأخذ بجميع‏ما يحتمل حجيته وهما و شكا و ظنا و حيث إن الأخذ بمشكوك الحجية وموهومها دون مظنونها قبيح لكونه من ترجيح المرجوح على الراجح يكون‏العكس و هو الأخذ بخصوص المظنون دون المشكوك و الموهوم متعيناو لو فرض تردد مظنون الاعتبار أيضا بين أمور مختلفة تجري مقدمات‏انسداد ثالث و تكون نتيجتها الأخذ بخصوص مظنون الاعتبارمن بين تلك الأمور(فاسد)فإن العقل يحكم بعموم النتيجة قبل وصول‏النوبة إلى جريان مقدمات الانسداد و ذلك لأن من جملة المقدمات‏انسداد باب العلم و العلمي و العقل في رتبة هذه المقدمة حيث لا يجوز على‏الشارع جعل طريق ينسد باب العلم إليه و لا يمكن للمكلف الوصول إليه يحكم‏بعد عدم وجود معين قطعي بعموم النتيجة و كون الطريق المنصوب هو مطلق‏


212

الظن لا خصوص بعض أفراده و لا يتوقف العقل في حكمه إلى أن تجري مقدمات‏الانسداد حتى تكون النتيجة حجية خصوص مظنون الاعتبار بل يحكم‏بمجرد استكشاف حجية الظن شرعا من مقدمات الانسداد الأول بحجيةخصوص متيقن الاعتبار بالإضافة إن كان في البين و كان وافيا بما علم إجمالامن الأحكام و إلا فيحكم بجزئية النتيجة إن كان لبعض الأفراد معين قطعي وبعمومها و كليتها إن لم يكن«الثاني من وجوه»التعميم ما نسبه الشيخ قدس سره‏إلى غير واحد من معاصريه و حاصله أن مقتضى القاعدة بعد إهمال النتيجة و إن‏كان هو الأخذ بخصوص مظنون الاعتبار و كان وافيا بالأحكام إلا أنه حيث يعلم‏بوجود المخصصات و المقيدات لمظنون الاعتبار في مشكوك الاعتبار و موهومه‏كان الواجب العمل بالجميع«و فيه مضافا إلى»منع وجود العلم الإجمالي‏أن مقتضى ذلك وجوب العمل بخصوص ما كان من مشكوك الاعتبار أو موهومه‏مخصصا أو مقيدا لمظنون الاعتبار و لا يوجب ذلك تعميم النتيجة إلى جميع‏أفراد مشكوك الاعتبار أو موهومه و دعوى الإجماع على عدم الفرق في مثل هذه‏المسألة العقلية المستحدثة كما ترى(الثالث ما نسبه الشيخ قدس سره)إلى بعض‏المشايخ من أن مقتضى القاعدة الاشتغال بعد ما ثبت من دليل الانسداد وجوب‏العمل بالظن في الجملة العمل بجميع أفراد الظنون إذ كل فرد منها يحتمل‏حجيته فيجب العمل به تحصيلا للفراغ اليقيني و فيه ما عرفت سابقا من أن‏الخبر الموثوق به هو القدر المتيقن من بين الأسباب و هو بحمد اللّه تعالى‏واف بمعظم الأحكام فلا موجب للتعدي إلى غيره‏

الأمر الثالث‏

قد يشكل في خروج الظن القياسي عن تحت عموم‏حجية الظن المستنتجة من دليل الانسداد بناء على تقريره بنحو الحكومة(و حاصل تقريب الإشكال)أنه كيف يمكن أن يكون المدار في حصول‏


213

براءة الذمة عن التكليف و فراغها عنه في حال الانسداد على الامتثال الظني‏كما يكون المدار في حصول البراءة في حال الانفتاح على الامتثال‏اليقيني الحقيقي أو الجعلي و مع ذلك ينهى الشارع عن الامتثال الظني الحاصل‏من العمل بالقياس فإن عدم ترتب البراءة و الفراغ عن التكليف على العمل به‏مع حصول الامتثال الظني منه يستلزم انفكاك المعلول عن علته التامة و هو محال‏عقلا(و لا يخفى)أن هذا الإشكال مضافا إلى عدم وروده على ما اخترناه‏من أن نتيجة الانسداد على القول بالحكومة أيضا جزئية كما على القول بالكشف‏لا وقع له أصلا فإن حكم العقل بكفاية الامتثال الظني و أن به يحصل فراغ‏الذمة عن التكليف عند الانسداد ليس على حذو حكمه بقبح الظلم و حسن‏العدل بحيث لا يمكن أن يتصرف فيه يد الشرع أصلا بل مورد حكمه بذلك‏إنما هو ما إذا لم يصل من الشرع حكم بخلافه فلو وصل من الشرع ما يدل على خلاف‏حكمه لما كان لحكمه مورد و لكان حكمه منتفيا بموضوعه فإن العقل كماأنه يحكم بوجوب التنزل من الإطاعة التفصيلية عند انسداد باب العلم و العلمي‏و عدم التمكن منها إلى الإطاعة العلمية الإجمالية و مع ذلك فلا ينافي حكمه‏بذلك حكم الشرع بعدم وجوب الاحتياط أو عدم جوازه فكذلك يحكم‏بوجوب التنزل من الإطاعة العلمية الإجمالية عند عدم مطلوبيتها لدى الشارع‏إلى الإطاعة الظنية و لا ينافي حكمه بذلك حكم الشرع بعدم جواز الإطاعةالظنية مطلقا أو في بعض الموارد و ليس ذلك إلا لأن حكمه في كلا المقامين‏ليس على نحو التنجيز بل إنما هو على تقدير عدم وصول بيان من الشارع على‏على خلافه(و بالجملة)فالعقل و إن كان لو خلي و نفسه يحكم بعد عدم مطلوبيةالاحتياط بلزوم الإطاعة الظنية كما كان يحكم بمقتضى نفسه بلزوم الاحتياطعند الانسداد و عند عدم التمكن من الإطاعة التفصيلية إلا أنه بعد وصول بيان‏


214

من الشارع على عدم جواز الإطاعة الظنية مطلقا أو في الجملة و في بعض‏الموارد لا يبقى لحكمه موضوع و يرتفع مورد حكمه من رأسه«هذا مضافاإلى أن العقل»إذا التفت إلى ما كشف عند الشارع في الظن القياسي من كثرةخطائه و مخالفته مع الواقع و أن ما يفسده أكثر مما يصلحه و أن السنة إذاقيست محق الدين لا يكاد يعتمد عليه لو خلي و نفسه أيضا سيما بعد ملاحظةأن مناطات الأحكام ليس مما يدركه العقل و أن بناء الشرع في أحكامه على تفريق‏المجتمعات و جمع المتفرقات فإن حكم العقل بلزوم التنزل إلى الامتثال‏الظني إنما هو من جهة إدراك الواقعيات و رعايتها بقدر الإمكان فإذا التفت إلى‏غلبة مخالفة الامتثال الظني الحاصل من القياس مع الواقع و ندرة موافقته‏معه لا يعتمد عليه و لا يستقل بكفايته ثم لا يخفى أن هذا الإشكال كما يمكن‏الإيراد به على القول بالحكومة كذلك يمكن أن يورد به على القول بالكشف‏و القول بالتبعيض في الاحتياط لكن الظاهر خروج الظن القياسي عليهما أيضا(أما على القول بالكشف)فلأن الدليل الدال على عدم جواز العمل بالظن‏القياسي يمنع عن شمول مطلق الظن المستنتج حجيته من دليل الانسدادله و يستكشف منه خروج الظن القياسي عن تحته من أول الأمر هذا على‏القول بعموم النتيجة على الكشف«و أما على القول بإهمالها»أو جزئيتها فالأمرأوضح لا يكاد يخفى و أما على القول بالتبعيض في الاحتياط فلما ذكرناه آنفامن أن تعلق الترخيص بخصوص الموهومات من أطراف العلم الإجمالي مع‏أن مقتضى دليل نفي العسر و الحرج أو دليل الإجماع هو الترخيص في بعض‏غير معين من الأطراف بمقدار يرفع به العسر و الحرج إنما هو من جهة بعدالموهومات عن الواقع و ضعف احتمال موافقتها معه و قد ذكرنا هناك أن حفظالواقع و رعايته بأي مقدار أمكن و لو بقوة احتمال المصادفة معه يكون‏


215

متعينا و على ذلك فإذا كشف الشارع عن حال قسم من الموهومات مثل الموهوم‏بقيام الظن القياسي على خلافه و علمنا بقوة احتمال وجود الواقع في ذاك القسم‏و كثرة موافقته معه يستقل العقل بوجوب الاحتياط فيه و خروجه عن حكم‏سائر الموهومات كما يستقل بخروج مظنونه عن تحت دائرة سائر المظنونات‏فلا يحكم بوجوب الاحتياط فيه لبعد احتمال مصادفته مع الواقع و مطابقته له‏و قد انقدح لك من ذلك ضعف ما أفاده المحقق العراقي قدس سره في المقام من أن‏حكم العقل بوجوب الاحتياط في المظنونات و عدم وجوبه في غيرها على‏القول بكون النتيجة هي التبعيض في الاحتياط حكم تنجيزي و لا يخرج عن‏تحته الظن الحاصل من القياس‏

الأمر الرابع‏

إذا قام فرد من أفراد الظن المطلق المستنتج اعتباره‏من دليل الانسداد على عدم حجية فرد آخر منه فهل يؤخذ بالظن المانع أوالظن الممنوع أو يحكم بالتخيير بينهما إن لم يكن أحدهما أقوى أو التساقطوجوه و أقوال و لا يخفى أن هذا النزاع إنما يجري على القول بالكشف في‏النتيجة حتى يكون الظن حجة إثباتا و نفيا و يكون عليه المدار سواء قام‏على وجود الحكم أو على عدمه و أما على القول بالحكومة أو التبعيض في‏الاحتياط فلا مجال لهذا النزاع أصلا بل يؤخذ بالظن الممنوع بلا إشكال‏أما على القول بالتبعيض فلما ذكرناه سابقا من أن مقتضى العلم الإجمالي بوجودالأحكام في الوقائع المشتبهة هو تنجز جميع الأطراف و لكن حيث قام الدليل‏على جواز ارتكاب بعض الأطراف و كان الموهومات منها أبعد إلى الواقع‏من المظنونات و المشكوكات قلنا بجواز الاقتحام و عدم وجوب الاحتياطفي خصوص الموهومات دون غيرها من المظنونات و المشكوكات و على ذلك‏فالأخذ بالمظنونات إنما هو من جهة تنجيز العلم الإجمالي لا من جهة اعتبار


216

الظنون و حجيتها لكي يمنع عنه الظن بعدم الحجية و الاعتبار و ليس مجرد الظن‏بذلك موجبا لصيرورة احتمال وجود الواقع بعيدا في المظنون و قريبا في‏الطرف المقابل له الذي هو الموهوم كما قلناه في الظن القياسي ليلزم من‏ذلك عدم وجوب الاحتياط في المظنون و وجوبه في الموهوم بل المظنون‏يكون باقيا على ما كان عليه من القرب بالواقع ما لم يعلم بعدم اعتبار ظنه شرعاالكاشف عن مخالفته مع الواقع نوعا و كذا الموهوم يكون باقيا على ما كان عليه‏من الواقع ما لم يعلم بمصادفته مع الواقع نوعا المستكشف من العلم بعدم اعتبارظنه شرعا و أما على القول بالحكومة فلأن اللازم على المكلف على هذا القول‏تحصيل الظن بالفراغ و براءة الذمة عن الواقع و لا إشكال في حصول هذاالمعنى من الظن الممنوع فإن كلا من الظن بالواقع و الظن بالطريق يلازم الظن‏بالبراءة كما عرفت سابقا و لا يكاد ينفك ذلك عنه إلا مع العلم بعدم اعتباره‏شرعا و بالجملة فالنزاع في حجية الظن المانع و الممنوع لا يجري‏إلا على القول بالكشف و الأقوى من الأقوال حينئذ هو حجية الظن المانع دون‏الظن الممنوع و ذلك لأن المقتضي لشمول دليل الحجية للظن المانع موجودو ليس في البين ما يمكن أن يكون مانعا عنه و مزاحما له إلا الظن الممنوع وهو لا يصلح للمانعية إلا على الوجه الدائر فإن مانعيته فرع حجيته و هي متوقفةعلى عدم حجية الظن المانع إذ بمجرد حجيته و شمول دليل الانسداد له لا يبقى‏مجال لحجية الظن الممنوع بل يكون مما قام الدليل القطعي على عدم‏حجيته إذ لا معنى لحجية الظن المانع إلا عدم حجية الظن الممنوع فإن مفادالحجية هو وجوب الأخذ بالمؤدى و المفروض أن مؤدى الظن المانع ينحصرفي عدم حجية الظن الممنوع و بالجملة ففرض شمول دليل الانسداد للظن‏المانع هو عين فرض عدم شموله للظن الممنوع فلا يكاد الظن الممنوع حجةإلا بعد عدم شمول الدليل للظن المانع فلو كان عدم شموله له مستندا إلى مانعية


217

الظن الممنوع لزم الدور و على هذا فعدم حجية الظن المانع و عدم شمول دليل‏الحجية له مع اقتضائه لها لا يكون إلا بلا وجه أو وجه دائر و هذا بخلاف الظن‏الممنوع فإنه بعد حجية الظن المانع لا يكون له اقتضاء للحجية أصلا فإن الظن‏إنما يمكن أن يكون حجة بدليل الانسداد و يكون له اقتضاء لذلك إذا لم يقم‏دليل على عدم حجيته شرعا و قد عرفت أن فرض قيام الدليل على حجية الظن‏المانع هو بعينه فرض لقيام الدليل على عدم حجية الظن الممنوع و أن الدليل عليه‏دليل عليه فبمجرد دخول الظن المانع تحت دليل الحجية يخرج الظن الممنوع عن‏تحته موضوعا و لا يبقى له اقتضاء لشموله له لا أن يكون له الاقتضاء لذلك ويكون عدم حجيته من جهة مانعية الظن المانع و مزاحمته له كي يرد إشكال‏الدور هنا أيضا و الحاصل أن حجية الظن المانع يوجب خروج الظن الممنوع‏عن تحت الدليل موضوعا بخلاف الظن الممنوع فإن مفاد حجيته ليس إلاالأخذ بمؤداه كوجوب صلاة الجمعة مثلا و ليس الدليل على حجيته بمفاده‏دليلا على عدم حجية الظن المانع حتى يمنع عن أصل اقتضائه لها نعم هو مانع‏عن حجية الفعلية و مزاحم لها كمزاحمة وجود كل من المتنافيين لوجود الآخرهذا آخر ما أردنا بيانه من المباحث الراجعة إلى هذا المقصد و الحمد للّه حمدادائما على حسن توفيقه و المرجو من فضله الواسع العميم أن يوفقني لذكرسائر المباحث عاجلا إلهنا بفضلك آمين‏العبد الجاني على المدعو بفريدة الإسلام الكاشاني‏

فهرست آيات
و المطلقات يتربصن 68
و بعولتهن‏أحق بردهن 68
و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل‏المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيرا 131
إن الظن لا يغني من الحق شيئا 137
قل هل‏لكم به من علم 138
ما لهم به من علم إلا اتباع الظن 138
إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبواقوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين 139
للذين يعملون السوء بجهالة 143
إني أعظك أن تكون من الجاهلين 143
و ما كان‏المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين‏و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون 148
لعلهم‏يحذرون 149
لعلك باخع نفسك على آثارهم 150
لعلك‏تارك بعض ما يوحى إليك 150
لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمراً 150
لن نؤمن لك 152
ما أنت بمؤمن لنا 152
آمنتم له 152
آمن له لوط 152
أ نؤمن‏لبشرين مثلنا 152
ما جعل عليكم في الدين من‏ حرج 176
ما جعل عليكم في الدين من حرج 188
+فهرست اشعار
هو العالم القمقام للّه دره‏   =   و نادرة الأيام جلت مناقبه‏1
محامده مشهورة و محاسنه   =   مواهبه منشورة و رغائبه‏1
له فكرة موصوفة بإصابة   =   كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه‏1
هو البحر فاطلب فيه كل عجيبة   =   غرائبه لا تنقضي و عجائبه‏1
هذا كتاب في أصول رائق‏   =   و سواه في حل الغوامض فائق‏1
لا غرو أن يسبق سواه فكم ترى‏   =   من لاحق هو في الحقيقة سابق‏1
سجمت من التدقيق فيه غمائم‏   =   و نمت من التحقيق فيه حدائق‏1
و من اللطائف حازما لم يدره‏   =   إلا بإمعان الروية لائق‏1
قد نمقته يد الذي بوجوده‏   =   في الأرض من على العباد الخالق‏1