فهرست عناوين
مجموعه رسائل فقهي و اصولي

1

تأليف

الشيخ الاعظم الانصارى السيد المجدد الشيرازى

الشيخ الشهيد النورى الشيخ الكلانتر الطهرانى

تحقيق الشيخ عباس الحاجيانى الطبعة المحققه الاولى 1404


2

الكتاب : مجموعة رسائل فقهية و أصولية

المؤمنون : جمع من الفقهاء العظام

الناشر : مكتبة المفيد

تاريخ الطبع : صفر 1404 ه -

طبع من هذا الكتاب 2000 نسخة

فى مطبعة سيد الشهداء ( ع ) - قم

فهرست عناوين
فهرس الكتاب‏
مقدمة الكتاب‏3
رسالة فى التسامح فى ادلة السنن و المكروهات‏9
معنى التسامح فى ادلة السنن و نقل الاقوال‏11
ادلة القائلين بالتسامح‏12
الاول و الثانى الاجماعات المنقولة و حسن الاحتياط12
نقل المصنف الاعتراضين على المستدلين‏12
ايراد المصنف على المستدلين‏13-12
الثالث الاخبارالاعتراض على المستدلين بالاخبار15
جواب جماعة عن المعترض‏16
مناقشة المصنف فى جواب المجيب‏20-16
قاعدة التسامح مسألة اصولية21
من جملة ما اورد على الاستدلال بالاخبار21
الجواب عن الايراد المذكور22
و من جملة ما اورد على الاخبار و جوابه‏26-22
التنبيه على امور الاول‏26
التنبيه الثانى و الثالث و الرابع‏28
التنبيه الخامس‏29
التنبيه السادس‏30
التنبيه السابع‏31
التنبيه الثامن‏32
التنبيه التاسع و العاشر38-36
التنبيه الحاديعشر و الثانى عشر35
التنبيه الثالث عشر34-33
التنبيه الرابع عشر38
التنبيه الخامس عشر39
التنبيه السادس عشر و السابع عشر40
التنبيه الثامن عشر41
رسالة فى الاجتهاد و التقليد43
معنى التقليد لغة45
معنى التقليد فى الاصطلاح‏47-46
احكام التقليد53-48
الكلام فى المقلد بالكسر53
الكلام فى المقلد بالفتح‏57
يعتبر فى المقلد بالفتح امور البلوغ و العقل و الايمان‏57
و من جملة الشرائط حياة المجتهد58
ادلة من لم يشترط الحياة فى المقلد بالفتح‏62-60
البقاء على تقليد الميت‏62
تقليد الحى فى مسألة وجوب الرجوع‏66
حكم ما اذا رجع عن الميت الى الحى المخالف له‏66
حكم ما اذا قلد من يرى ان التقليد هو العمل فاخذو لم يعمل‏67
حكم ما اذا قلد مجتهدا فى صغره ثم مات‏67
لو قلنا بحرمة العدول عن الميت فهل يصح ما اذا كان الحى افضل‏67
جواز البقاء فى الواجبات المضيقة68
حكم صيرورة المجتهد فاسقا أو كافرا او مجنونا67
حكم تقليد الميت اذا لم يتمكن من تقليد الحى‏69
تقليد فاقد بعض الشرائط69
دوران الامر بين الصغير و الفاسق و الميت‏70
هل تمضى تصرفات المجتهد مما يتعلق بالمنصب بعد الموت‏70
حكم ما اذا تساوا المجتهدين فى الفتوى‏82-70
اذا قلد الاعلم جازله افتائه بالرجوع الى غير الاعلم و جاز للمقلد العمل به‏82
المراد بالاعلم اقوى ملكة لا الازيد معلوما82
تقديم الاورع‏83
القول فى المقلد فيه‏83
نوع المقلد فيه‏83
صنف المقلد فيه‏86
شخص المقلد فيه‏86
التنبيه على أمور96-91
رسالة فى تحقيق مسألة المشتق‏97
الكلام فى مفهوم المشتق‏102-99
التلبس بالمبدأ شرط فى صدق المشتق أم لا108-102
حكم اسماء الزمان و المكان و الالة108
خاتمة فى ثمر النزاع‏109
رسالة فى المشتق من تقريرات الميرزا الشيرازى‏113
تعريف المشتق‏115
اقسام الاشتقاق وحد كل واحد116
لاخلاف فى صدق المشتق مع اتفاق المورد بمبدأ الاشتقاق فعلا117
الكلام فى صدق المشتق بعد الانقضاء117
تحرير محل الخلاف‏118
خروج الافعال من المصادر المزيدة عن مورد الخلاف‏118
خروج اسماء المعانى عن محل النزاع‏118
جريان الخلاف فى غير اسم الفاعل‏120
دعوى اختصاص النزاع بما اذا لم يطرء على المحل ضد وجودى‏122
دعوى اختصاص النزاع بما اذا كان المشتق محكوما به لا محكوماعليه‏122
خروج الزمان عن مدلول المشتق‏125-123
عدم اعتبار الزمان فى مدلول المشتق مطلقا125
بحث المشتق بحث لفظى‏127
رسالة فى المشتق للكلانتر131
تعريف المشتق‏133
المقصود بالبحث فى المشتق‏133
النزاع فى المقام فى مطلق المشتقات‏134
عموم الخلاف لاسماء الفاعل و المفعول‏134
المراد بالحال فى عنوان الكلام‏136
عدم دلالة المشتق على واحد من الازمنة139
القول المختار فى المشتق و اقامة الدليل عليه‏148
دليل مدعى الاشتراك‏177
ثمرة النزاع‏195
جريان الخلاف فى الجوامد200-199
فهرس الكتاب‏201

3

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين , و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين الهنا بك نستعين .

بين أيدينا مجموعة علمية تبحث عن مسائل فقهية و اصولية , و هى[ ( خمس رسائل]( اشترك فى تأليفها و انجازها أربعة فطاحل , و قد طبعت سنة ( 1305 ) طبعة حجرية , قام بها - كما جاء فى نهايتها - كل من : الفاضل الكامل الشيخ موسى النورى , و عالى الجاه الميرزا حسين الكجورى .

و توجد فى عدة مواضع من المطبوعة[ ( بلاغات المقابلة]( مما يدل على الاهتمام بها حين الطبع , و صحة ما كتب فى آخرها من[ ( كمال المواظبة و نهاية الدقة فى التصحيح]( جزى الله اولئك خيرا عن العلم و أهله .

أما الرسائل الخمس , فهى على التوالى :

الاولى : رسالة[ ( التسامح فى أدلة السنن]( للشيخ الاعظم الانصارى رحمه الله , و هى تبحث عن عدم اعتبار ما ذكروه من الشروط للعمل بأخبار الاحاد


4
- من الاسلام و العدالة و الضبط - فى الروايات الدالة على السنن , فعلا أو تركا ]( ( 1 ) .

و الموجود من هذه الرسالة مبتور الاخر ينتهى بقوله فى التنبيه التاسع عشر : [( الا أن الاستاذ الشريف قدس سره فصل , و منع التسامح فى الاولى و الذى بالبال ما ذكره لسانا فى وجه التفصيل هو أن]( . . .

و كتب بعده فى أكثر النسخ مانصه[ : ( الى هنا جف قلمه الشريف]( .

و قد أورد هذه الرسالة المحقق الاصولى الشيخ الميرزا موسى التبريزى فى كتابه[ ( أوثق الوسائل فى شرح الرسائل]( من ( ص 299 ) الى ( ص 307 ) و قد ادعى انه لاحظ نسخة المؤلف بخطه , و انه استنسخ نسخته من نسخة منقولة عن الاصل ( 2 ) , و نسخته ناقصة أيضا .

و قد رأيت نسخة من هذه الرسالة مطلبوعة بالنهد , و هى أيضا ناقصة .

الثانية : رسالة فى[ ( التقليد]( للشيخ الانصارى أيضا , قال فى المطبوعة انها بقلم الشيخ الانصارى نفسه , و هى تبدأ ببيان معنى التقليد , لغة , و تعريفه اصطلاحا , و بيان موضوعه ثم تبحث عن : حكم التقليد , و المقلد - بالكسر - و المقلد - بالفتح - , و المقلد فيه .

و يستعرض الاقوال فى التقليد من الجواز و الحرمة , و يذكر أدلة الجواز من الادلة الاربعة .

و فى كل مقام يتعرض لاهم المسائل و المباحث ضمن تنبيهات متعددة .

فهذا كتاب مستقل عن[ ( التقليد]( جامع لمسائله و مهماته , و هو غير ما ذكره شيخنا العلامة الطهرانى بعنوان[ ( تقليد الميت و الاعلم]( ( 3 ) قائلا انه من تقرير

( 1 ) لاحظ هذه المجموعة ص .

( 2 ) أوثق الوسائل ص 307 .

( 3 ) الذريعة ج 4 ص 393 .


5
بعض تلاميذه , و مشيرا الى انه مطبوع ملحقا بكتاب[ ( مطارح الانظار]( .

الثالثة : رسالة فى المشتق , للشيخ الانصارى أيضا , و قد ذكرها العلامة الطهرانى مشيرا الى الطبعة الحجرية ( 1 ) .

الرابعة : رسالة فى المشتق , من تقريرات بحث السيد الميرزا محمد حسن الشيرازى , و المقرر هو الشهيد الشيخ فضل الله النورى الطهرانى و قد ذكرها شيخنا العلامة الطهرانى , مشيرا الى الطبعة الحجرية ( 2 ) .

الخامسة : رسالة فى المشتق , للشيخ الميرزا أبوالقاسم الكلانتر النورى و قد أشار اليها الشيخ الطهرانى ( 3 ) .

أما المؤلفون , فهم :

الشيخ الانصارى ( 1214 - 1281 ) .

الشيخ مرتضى بن محمد أمين التسترى النجفى الانصارى ( ينتهى نسبه الى الصحابى جابر بن عبدالله الانصارى ) .

هو المحقق الاعظم المقدم فى الفقه و الاصول , انتهت اليه الرئاسة العلمية و الدينية فى عصره لما كان يتمتع به من المزايا و الكمالات فى العلم و العمل و الورع و التقى و الزهد , و أصبحت مؤلفاته مدار البحث و محور التدريس و خاصة كتاباه العظيمان الموسومان ب[ ( المكاسب]( فى الفقه و الرسائل فى الاصول .

و له مؤلفات عديدة غيرهما , توفى فى النجف و دفن بغرفة بباب القبلة على يسار الداخل الى الصحن العلوى الشريف , و قد فصل الحديث عن شيخصيته

( 1 ) الذريعة ج 21 ص 42 .

( 2 ) الذريعة ج 21 ص 41 .

( 3 ) الذريعة ج 21 ص 40 .


6
أحد أحفاده فى كتاب[ ( شخصيت شيخ أنصارى]( باللغة الفارسية , كما استوعبت ترجمته فيما كتبه ناشر كتاب المكاسب بطبعته الحديثة فى النجف الاشرف فى عدة أجزاء .

السيد الشيرازى ( 1230 - 1312 ) .

السيد محمد حسن بن محمود الحسينى النجفى الشيرازى , ولد بشيراز و أخذ المقدمات من علمائها , و هاجر الى اصفهان و أخذ فيها من الشيخ محمد تقى صاحب الحاشية على المعالم الموسومة بهداية المسترشدين و هاجر سنة ( 1259 ) الى العراق و لازم فى النجف درس الشيخ الانصارى و بعد وفاته سنة ( 1281 ) اتفق الاعلام على الرجوع اليه فى التقليد فأبى , و قد حكى السيد حسن الصدر فى [( تكملة أمل الامل]( انه[ ( قبل ذلك و دموعه تجرى على خديه]( ( 1 ) .

و هاجر فى سنة ( 1291 ) الى سامراء فأسس بها حوزة علمية كبيرة بمن هاجر معه من زملائه و تلازمذته .

كان حجة الزمن فى العلم و العمل و الخلق و التدبير و سياسة شئون الامة اجتمع به شمل المؤمنين و توحدت به كلمة المسلمين , و جابه الاستعمار الكافر بفتواه الخالدة بتحريم[ ( التبغ]( فقصم ظهر الكفار و عملائهم من المنافقين الاشرار لما استولوا على امتياز[ ( التبغ]( من الحكام الخونة فى عصره , فكان بحق مجدد الاسلام على رأس القرن الرابع عشر .

توفى رحمه الله فى سامراء و نقل الى النجف و دفن فى المدرسة المتصلة بباب الطوسى على يسار الداخل الى الصحن العلوى الشريف .

و قد ألف سماحة شيخنا العلامة المولى الطهرانى رحمه الله رسالة خاصة

( 1 ) الفوائد الرضوية ص 484 .


7
بحياته سماها[ ( هدية الرازى الى المجدد الشيرازى]( , طبعت للاسف طبعة محرفة من قبل بعض الجهلة , و قد كان الشيخ الطهرانى ساخطا على فعلهم .

الشيخ الشهيد النورى ( 1258 - 1327 ) .

ولد بطهران سنة ( 1258 ) و هاجر الى النجف و قرأ على الفقيه الشيخ راضى آل خضر ثم يمم سامراء سنة ( 1292 ) و حضر بحث استاده المجدد الشيرازى سنين و كتب تقرير درسه , و بعد الثلاثمائة : رجع الى طهران و لم يبرح بها - كما قال الشيخ الامينى - اماما و قائدا روحيا زعيما دينيا يعظم شعائر الله و ينشر ماثر دينه و يرفع أعلام الحق , فأصبح شيخ الاسلام و المسلمين و علم العلم و الدين و أكبر زعيم روحى فى العاصمة طهران ( 1 ) .

كان من القادة الكبار فى الحركة العظيمة المعروفة بالثورة الدستورية , التى قادها المراجع الكبار , و العلماء العظام , و قد تصدى الشهيد بحزم لمن أرادوا أرادوا تحريف الثورة عن الاسلام , فأصر على أن تكون الحركة اسلامية ,

و طالب بكون دستورها اسلاميا , لكن الاستعمار و عملائه تمكنوا بأساليبهم الماكرة من احتواء الحركة و الانقضاض على قادتها بالاعتقال و الاغتيال و الاعدام و دس السم , و ممن اعتقلوا هو الشهيد النورى فصلبوه فى ( 13 رجب 1327 ) و صار فداءا لدينه وضحية لاهدافه الاسلامية , و دفن فى الصحن الجديد للسيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها فى مدينة قم .

له من التأليفات ( الصحيفة القائمية ) جميع فيها ماورد عن الامام المنتظر عليه السلام من الادعية , كما ان له تقريرات استاده المجدد و منها هذه الرسالة .

الشيخ الكلانترى ( 1236 - 1292 ) .

المولى أبوالقاسم بن محمد على النورى الطهرانى قال القمى : عالم

( 1 ) شهداء الفضيلة ص 457 .


8
فاضل محقق مدقق فقيه اصولى صاحب التقريرات فى الاصول ( المعروفة باسم مطارح الانظار ) .

كان من تلامذة صاحب الضوابط و من مشاهير تلامذة شيخ الطائفة العلامة الانصارى .

توفى بطهران و دفن فى مقام السيد الجليل عبد العظيم الحسنى سلام الله عليه .

و الحمد لله على نواله و نسأله الرضا عنا باحسانه , و العفو عنا بفضله و جلاله وصلى الله على محمد و آله .

مكتبة المفيد محمد محلاتى


9
رسالة فى التسامح فى أدلة السنن و المكروهات

10

11

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين و لعنة الله على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين .

المشهور بين اصحابنا و العامة : التسامح فى ادلة السنن بمعنى عدم اعتبار ما ذكروه من الشروط للعمل باخبار الاحاد من الاسلام , و العدالة , و الضبط فى الروايات الدالة على السنن فعلا و تركا .

و عن الذكرى[ : ( ان اخبار الفضايل يتسامح فيها عند اهل العلم]( .

و فى عدة الداعى بعد نقل الروايات الاتية قال : فصار هذا المعنى مجمعا عليه بين الفريقين , و عن الاربعين لشيخنا البهائى نسبة الى فقهائنا .

و عن الوسائل نسبته الى الاصحاب مصرحا بشمول المسئلة لادلة المكروهات ايضا و عن بعض الاجلة نسبته الى العلماء المحققين .

خلافا للمحكى عن موضعين من المنتهى و صاحب المدارك فى اول كتابه قال بعد ذكر جملة من الوضؤات المستحبه و ذكر ضعف مستندها مالفظه[ ( و ما يقال من ان ادلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح فى غيرها , فمنظور فيه لان الاستحباب حكم شرعى يتوقف على دليل شرعى انتهى]( .


12

و حاصل هذا يرجع الى التمسك باصالة العدم الى ان يثبت الدليل المعتبر شرعا , و يؤكدها مادل على حرمة العمل بماورا العلم و انت خبير بانه يخرج عن الاصل و العمومات بادلة القول الاول و هى وجوه :

الاول : الاجماعات المنقولة المتقدمة المعتضدة بالشهرة العظمية بل الاتفاق المحقق فان الظاهر من صاحب المدارك فى باب الصلوة الرجوع عما ذكره فى اول الطهارة و هو المحكى ايضا عن ظاهر العلامة اعلى الله مقامه .

الثانى : ما ذكره جماعة تبعا للوحيد البهبهانى من حسن الاحتياط الثابت بالنسبة و الاجماع و العقل .

و الاعتراض عليه بمنع صدق الاحتياط فى المقام بناء على اختصاصه بالتجنب

عن محتمل الضرر مدفوع او لابان حسن الاحتياط بناء على ما فسروه بانه الاخذ بالاوثق و ثانيا بان الاقدام على محتمل المنفعة و مأمون المضره عنوان لاريب فى حسنه و لافرق عند العقل بينه و بين الاحتراز عن محتمل الضرر فلا يتوقف حسنه على صدق الاحتياط عليه .

و اضعف من هذا الاعتراض بانه مستلزم للتشريع المحرم و ان ترك السنة أولى من فعل البدعة توضيح الضعف - مع وضوحه - ان التشريع هو ان ينسب الى الشرع شيئا علم انه ليس منه أولم يعلم كونه منه , لا ان يفعل شيئا لاحتمال ان يكون فعله مطلوبا فى الشرع , أو يتركه لاحتمال أن يكون تركه كذلك فانه امر مطلوب يشهد به العقل و النقل مع ان التشريع حرام بالادلة الاربعة و قد يوجب الكفر .

نعم يرد على هذا الوجه ان الاقدام على الوجه المذكور انما يحسنه العقل اذا كان الداعى عليه احتمال المحبوبية , و قصد المكلف احراز محبوبات المولى اخلاصا أورجاء طمعا , ولا كلام لاحد فى ذلك فانه


13
مما يستقل به العقل ضرورة انما الكلام فى استحباب نفس الفعل المذكور على حد سائر المستحبات حتى يكون الداعى للمكلف على فعليه هو هذا الامر القطعى الذى ثبت من ادلة التسامح فالقائل بالتسامح يقول ان الادلة ضعيفة فى استحباب وضوء الحائض مثلا فلها ان يتوضأ بقصد القربة المجزوم بها الا ان لها ان يتوضأ لاحتمال كون الوضوء مقربا فى حقها و مطلوبا منها .

و لا يخفى ان نية القربة على وجه الجزم يتوقف على تحقق الامر و المفروض عدم تحققه .

و اما الامر القطعى لحسن الاحتياط , و حكمه باستحقاق فاعله الثواب , و ان لم يصادف فعله المحبوبية بل التسوية فى الثواب بينه و بين من صادف بناء على ان الفرق بينهما مخالف لقواعد العدلية فهو انما يرد على موضوع الاحتياط الذى لا يتحقق الا بعد كون الداعى على الاقدام هو احتمال المحبوبية و الثواب لا مجرد فعل محتمل المحبوبية فلا يمكن أن يكون نفس هذا الامر العقلى القطعى داعيا على الاقدام المذكور .

و منه يظهر انه لو فرض ورود الامر الشرعى على هذا الفعل مطابقا لحكم العقل و مؤكدا له فلا يعقل ان يصير داعيا للفاعل الى الاحتياط ولا منشأ لاستحقاق الثواب .

و السر فيه ان الاحتياط فى الحقيقة راجع الى ضرب من الاطاعة فهى اطاعة احتمالية فكما ان الاطاعة العلمية المتحققة باتيان الشىء لانه مأمور به هى بنفسها حسنة موجبة لاستحقاق الثواب من غير التفات , و احتياج الى قول الشارع اطعنى فى اوامرى و لو فرض انه قال كذلك فالثواب ليس بازاء هذا الامر و من جهته فكل الاطاعة الاحتمالية المتحققة باتيان الشىء لاحتمال كونه


14
مامورا به هى بنفسها موجبة لاستحقاق الثواب و لا يحتاج الى ورود الامر من الشارع و لو ورد فليس الثواب من هذا الامر .

نعم لو فرض ورود امر شرعى لا على الموضوع الذى حسنة العقل , و حكم باستحقاق الثواب عليه , و هو الاحتياط من حيث هو احتياط بل على مجرد فعل ما يحتمل استحبابه مطلقا أو من جهة بلوغه اليه بخبر محتمل الصدق بحيث يكون ادراك المطلوبات الواقعية و احرازها داعيا للامر الى امره لا للمأمور الى فعله , فهو المثبت لمارأوه من التسامح و هذا المعنى مستفاد من بعض الاخبار الاتية مع احتمال كون مساق جميعها مساق الاحتياط فحاصل الفرق بين قاعدة التسامح و قاعدة الاحتياط : ان ادراك المطلوب الواقعى و الوصول اليه فى الاولى داع للامر الى امره و فى الثانية داع للمأمور الى فعله .

و أيضا فالموجب للثواب فى الاولى هو الامر القطعى الوارد بالتسامح بخلاف الثانية فان الموجب للثواب هو نفس الاحتياط دون الامر الوارد به .

و ايضأ فاحتمال الحرمة يمنع جريان القاعدة الثانية لعدم تحقق عنوان الاحتياط معه بخلاف الاولى و سياتى ثمرات اخر للقاعدتين فى فروع المسألة انشاء الله تعالى .

الثالث الاخبار المستفيضة التى لا يبعد دعوى تواترها معنى .

فمنها مصححة هشام بن سالم عن ابى عبدالله عليه السلام قال من بلغه عن النبى صلى الله عليه و اله شىء من الثواب فعمله كان اجر ذلك له و ان كان رسول الله صلى الله عليه و اله لم يقله ( 1 ) .

و منها حسنة اخرى كالصحيحة له عن ابى عبدالله عليه السلام ايضا قال من سمع

( 1 ) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات الحديث : 3 .


15
شيئا من الثواب على شىء فضعه كان له اجره و ان لم يكن كما بلغه ( 1 ) .

و منها المروى عن صفوان عن ابى عبدالله عليه السلام قال من بلغه شىء من الثواب على شىء من الخير فعمل به كان له اجر ذلك و ان كان رسول الله صلى الله عليه و اله لم يقله ( 2 ) .

و منها خبر محمد بن مروان عن ابى عبدالله عليه السلام قال من بلغه عن النبى صلى الله عليه و اله شىء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبى صلى الله عليه و اله كان له ذلك و ان كان النبى صلى الله عليه و اله لم يقله ( 3 ) .

و منها خبر اخر لمحمد بن مروان قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول من بلغه ثواب من الله على عمل ففعله التماس ذلك الثواب اوتيه و ان يكن الحديث كما بلغه ( 4 ) .

و من طريق العامة ما عن عبد الرحمن الحلوانى انه رفع الى جابر بن عبدالله الانصارى قال قال رسول الله صلى الله عليه و اله من بلغه من الله فضيلة فأخذ بها ايمانا بالله و رجاء ثوابه اعطاه الله ذلك و ان لم يكن كذلك ( 5 ) و هذه الاخبار مع صحة بعضها غنية عن ملاحظة سندها لتعاضدها و تلقيها بالقبول بين الفحول .

نعم ربما اعترض عليها من غير جهة السند بوجوه : منها ان هذه الاخبار لا يخرج عن خبر الاحاد فلا تكون حجة فى المسئلة و الجواب عنه تارة بمنع كونها احادا بل هى اما متواترة أو محفوفة بالقرينة لما عرفت

( 1 ) نفس المصدر الحديث : 6 و فيه على بدل كما .

( 2 ) نفس المصدر الحديث : 1 .

( 3 ) نفس المصدر الحديث : 4 .

( 4 ) نفس المصدر الحديث : 7 و فيه فعمل ذلك العمل بدل قوله : فعلمه .

( 5 ) جامع أحاديث الشيعة الباب 9 من ابواب المقدمات الحديث : 8 .


16
من تحقق الاتفاق و استفاضة نقلها على مضمونها .

و اخرى بمنع عدم جواز العمل بالاحاد فى الاصول العملية .

و انما هى ممنوعة العمل فى اصول الدين .

و قد اجاب عنه جماعة من مشايخنا المعاصرين قدس سرهم بمنع كون المسئلة اصولية لان الكلام ليس فى حجية الخبر الضعيف فى المستحبات بل هو غير حجة و غير مفتى به مطلقا و لا يجوز الركون اليه فى حكم من الاحكام و انما الكلام فى مسئلة فرعية و هى استحباب كل فعل بلغ الثواب عليه فالخبر الضعيف ليس دليلا على الحكم و انما هو محقق لموضوعه نظير يد المسلم و احتمال طهارة مجهول النجاسة فكما ان الدليل فى ملكية كل ما فى يد المسلم و طهارة مجهول النجاسة نفس ادلة اليد و اصالة الطهارة فكذلك الدليل فيما نحن فيه على استحباب الفعل هذه الاخبار الصحيحة لا الخبر الضعيف فيكون هذه الاخبار ادلة حجية الخبر الضعيف .

اقول و هذا الكلام لا يخلو عن مناقشة بل منع .

أما أولا : فلانه مخالف لعنوان المسئلة فى معقد الشهرة و الاجماعات المحكية بقولهم يتسامح فى أدلة السنن , فان الظاهر منه العمل بالخبر الضعيف فى السنن , و هكذا قولهم يستحب فى الفقه كذا للرواية الفلانية , فيريدون الاستحباب الواقعى الذى هو مدلول الرواية الضعيفة و قد تريهم يجمعون بين مستحبات كثيرة كالوضوءات و الاغسال المستحبة مع ان استحبابها ثابت بالرواية الضعيفة .

و الحاصل ان التأمل فى كلماتهم فى الاصول و الفقه يوجب القطع بارادة حجية الخبر الضعيف فى المستحبات .

و أما ثانيا فلان ما ذكر من التعبير عن المسئلة باستحباب كل فعل دل على


17
استحبابه خبر ضعيف عبارة اخرى عن حجية خبر الضعيف فى المستحبات , و يجوز مثل هذا التعبير فى حجية الخبر الصحيح بأن يقال : الكلام فيه فى وجوب كل فعل دل الخبر الصحيح على وجوبه , و استحباب كلما دل الخبر على استحبابه , و كذا الحرمة و الكراهة و الاباحة , و كذا الاحكام الوضعية بناءا على كونها أحكاما مستقلة كما استدلوا على حجية الخبر الواحد بأن فى ترك فعل أخبر بوجوبه مظنة للضرر , و يجب دفع الضرر المظنون و حاصل هذا يرجع الى انه يجب عقلا كل فعل أخبر بوجوبه و يحرم كلما أخبر بحرمته بل اذا تأملت فى سائر أدلة وجوب العمل بالخبر لا تجدها الا دالة على أنشاء الاحكام الظاهرية المطابقة لمدلول الخبر لموضوعاتها , ولا محصل لجعل الخبر حجة و متبعا الا هذا فان المراد من تصديق العادل فيما يخبره و العمل بخبره ليس عقد القلب على صدقه , و كونه متبعا بل تطبيق المكلف عمله أعنى حركاته و سكناته على مدلول الخبر .

و هذا المعنى بعينه مجعول فى الخبر الضعيف بالنسبة الى الاستحباب اترى ان المانع عن التمسك بالاحاد فى المسئلة الاصولية يتمسك بالخبر الواحد على انه يجب كل فعل ذهب المشهور الى وجوبه و يستحب كل ما ذهبوا الى استحبابه و يحرم كل ما ذهبوا الى تحريمه و يكره كذلك و يباح كذلك ؟ أو يقول انه تمسك بالخبر الواحد فى مسئلة الشهرة هذا مع انك اذا تأملت لا تكاد تجد ثمرة فى فرع من فروع المسئلة بين التعبيرين المذكورين فتأمل .

و أما ثالثا فلانا لو سملنا ان الكلام ليس فى حجية الخبر الضعيف بناء على ان الحجة من الامور الغير العلمية عبارة عن ما أمر الشارع بأتباعه , و تصديقه و البناء على مطابقة مضمونه للواقع و اخبار التسامح لم يستفد منها ثبوت هذا الاعتناء للخبر الضعيف بل استفيد منها استحباب فعل قام على استحبابه خبر ضعيف نظير أدلة


18
وجوب الاحتياط على القول بوجوبه مطلقا , أو فى الجملة حيث انها تدل على وجوب كل فعل قام فيه احتمال الحرمة , أو احتمال كونه هو المكلف , و أدلة الاستصحاب حيث انها تدل على ثبوت الحكم السابق لكل موضوع احتمل فيه بقاء ذلك الحكم فنظير الخبر الضعيف نظير مجرد الاحتمال فى مسئلتى الاحتياط و الاستصحاب , و قد صرح المحقق فى المعارج فى جواب من استدل على وجوب الاحتياط بقوله صلى الله عليه و اله : دع ما يريبك الى مالا يريبك ( 1 ) بكون مسئلة الاحتياط اصولية لا يثبت بالخبر الواحد و كذا صرح المحقق الخوانسارى - بخط الشريف السبزوارى - بكون مسئلة الاستصحاب اصولية لا يجوز التمسك فيها بالاحاد أترى ان هذين المحققين لم يميزا بين المسئلة الاصولية و الفرعية ؟

نعم خلط بينهما من قاس مسئلتنا بمسئلة اعتبار اليد , و اصالة الطهارة فى الاعيان المشكوكة .

فالتحقيق فى الفرق بينهما هو : ان المسئلة الاصولية عبارة عن كل قاعدة تبنى عليها الفقه أعنى معرفة الاحكام الكلية الصادرة من الشارع و مهدت لذلك فيه بعد اتقانها و فهمها عموما , أو خصوصا مرجع للفقيه فى الاحكام الفرعية الكلية سواء بحث فيها عن حجية شىء أم لا و كل قاعدة متعلقة بالعمل ليست كذلك فهى فرعية سواء بحث فيها عن حجية شىء ام لا .

و من خواص المسئلة الاصولية انها لا تنفع فى العمل ما لم تنضم اليه صرف قوة الاجتهاد و استعمال ملكته فلا تقيد المقلد بخلاف المسائل الفروعية فانها اذا أتقنها المجتهد على الوجه الذى استنبطها من الادلة جاز القائها الى المقلد ليعمل بها .

و حينئذ , فالبحث عن حجية الخبر الواحد , وجوب الاحتياط ,

( 1 ) جامع أحاديث الشيعة الباب 8 من أبواب المقدمات الحديث : 27 .


19
و الاستحصاب فى الاحكام الصادرة عن الشارع مسائل اصولية لان المجتهد بعدما أتقنها عموما أو خصوصا يرجع اليها فى المسائل الفرعية , و لا تنفع المقلد لان العمل بها موقوف على ملكة الاجتهاد فكيف يمكن للمقلد أن يعمل بالخبر الواحد حيثما وجده مع عدم قوة له تقدر بها على فهم مدلول الخبر , و الفحص عن معارضه , و كيفية علاج المعارضة بعد العثور على المعارض , و كيف يمكن للمقلد ايجاب الاحتياط على نفسه أو الاخذ بالبرائة فى المسائل المشكوكة أو الالتزام بالحالة السابقة ؟ مع ان جميع ذلك موقوف على صرف ملكة الاجتهاد و استعمال القوة القدسية فى الفحص عن الادلة , و فهم ما يمكن منها ان يرد على الاصول المذكورة و رفع اليد به عنها و ذلك واضح .

و الحاصل انه لا فرق بين الاصول و العمومات اللفظية التى هى الادلة للاحكام فى انه لا يعمل بهما الا بعد الفحص .

و أما البحث عن اعتبار اليد , و اصالة الطهارة فى الاعيان المشكوكة , و حجية قول الشاهدين , فهى مسائل فرعية لانها بعد اتقانها لا يرجع اليها عند الشك فى الاحكام الكلية اذا الثابت بهذه القواعد الاحكام الجزئية الثابتة للجزئيات الحقيقية التى ليس وظيفة الفقيه البحث عنها بل هو و المقلد فيها سواء , فهى ليست متعلقة للاجتهاد ولا التقليد .

و أما ما يرى من رجوع الفقهاء فى الموارد الى القواعد مثل قاعدة اللزوم و قاعدة الصحة , و نحوه , فلا يعنون بها الاحكام الفرعية المرادة من هذه العمومات التى هى القابلة المرجوع اليها عند الشك .

و أما المدلول هذه العمومات و المستنبطة منها بعد الاجتهاد و النظر فى تلك العمومات , أو معارضها و ما يصلح أن يخصصها و نحو ذلك , فهى قاعدة لا تنفع الا فى العمل و ينبغى أن تلقى الى المقلد و تكتب فى رسائل التقليد مثلا اذا


20
لاحظ الفقيه قوله قوله تعالى أوفوا بالعقود ( 1 ) و استنبط قاعدة وجوب الوفاء بكل العقود , أو ببعضها على حسب ما يكشف له بعد ملاحظة المعارضات , و المخصصات انه مراد الله سبحانه من هذا العموم , فلا ريب ان هذه القاعدة قاعدة عملية تلقى الى المقلد و لا يصح أن يكون مرجعا فى مسئلة , و انما المرجع فى المسئلة المشكوك فيها هو العموم الدال على هذه القاعدة و هذا بخلاف الرجوع الى قاعدة اليقين و الاحتياط فى مقام الشك و التمسك بالخبر الواحد فان شيئا من ذلك ليس رجوعا الى عموم قوله عليه السلام لا تنقض ( 2 ) و لا الى عموم قوله عليه السلام احتط لدينك ( 3 ) و لا الى عموم أدلة حجية الخبر الواحد اذ لم يقع شك فى تخصيص هذه العمومات حتى يرجع الى عمومها فتبين ان حال قوله عليه السلام لا تنقض اليقين مثلا حال أدلة حجية الخبر الواحد فى ان بعد فهم المجتهد مراد الله سبحانه عموما أو خصوصا فيصير المراد منها مرجعا للاحكام الشرعية عند الشك بخلاف أوفوا بالعقود فان المرجع فى الحقيقة اصالة الحقيقة و عدم التخصيص الثابتة فى نفس الاية لافى المعنى المراد منها .

و ان أبيت الا عن ان المرجع فى موارد الاستصحاب ليس الا نفس قوله عليه السلام لا تنقض اليقين فهو نفس المرجع لادليله منعنا على هذا الوجه كون المرجع فى اثبات حكم العقد المشكوك وجوب الوفاء به هى الاية لان الشك فى وجوب الوفاء بهذا العقد الخاص راجع الى الشك فى شمول الاية فالدليل فى الحقيقة على وجوب الوفاء بما شك فى شمول الاية , هو ما دل على وجوب الحكم بالشمول فى العمومات اللفظية عند الشك فى خروج بعض

( 1 ) المائدة 1 .

( 2 ) وسائل الشيعة الباب الاول من أبواب نواقض الوضوء الحديث : 1

( 3 ) جامع أحاديث الشيعة الباب 8 من أبواب المقدمات الحديث : 30 .


21
الافراد و هذا غير جائز فى الرجوع الى لا تنقض فى موارد الاستصحاب .

فالحاصل أن لا تنقض اليقين أبدا فى مرتبة فوق مرتبة أوفوا بالعقود فان اعتبرت الاية مرجعا كان لاتنقض دليل المرجع , و ان كان لا تنقض مرجعا كان دليل اعتبار ظاهر الاية مرجعا فى مقام الشك لانفسها .

و السر فى ذلك : ان الشك الموجب للرجوع الى لاتنقض غير الشك الموجب للرجوع الى عموم الاية فافهم و اغتنم .

اذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك ان قاعدة التسامح مسئلة اصولية لانها بعد اتقانها , و استنباط ما هو مراد الشارع منها فى غالب الاخبار المتقدمة , فهو شىء يرجع اليه المجتهد فى استحباب الافعال , و ليس ما ينفع المقلد فى شىء لان العمل بها يحتاج الى أعمال ملكة الاجتهاد , و صرف القوة القدسية فى استنباط مدلول الخبر و الفحص عن معارضة الراجح عليه , أو المساوى له , و نحو ذلك مما يحتاج اليه العمل بالخبر الصحيح , فهو نظير مسئلة حجية الخبر الواحد , و مسئلتى الاستصحاب و البرائة و الاحتياط فى انهما لا يرجع اليهما المجتهد , ولا ينفع المقلد و ان كانت نفس القاعدة قطعية المراد , من حيث العموم أو الخصوص .

و مما ذكرنا ظهر ان اطلاق الرخصة للمقلدين فى قاعدة التسامح غير جائز كيف ؟ و دلالة الاخبار الضعيفة غير ضرورية , فقد يظهر منها ما يجب طرحها لمنافاته لدليل معتبر عقلى أو نقلى , و قد يعارض الاستحباب احتمال الحرمة الذى لا يتفطن له المقلد و قد يخطأ فى وهم كيفية العمل الى غير ذلك من الاختلال نعم يمكن أن يرخص له ذلك على وجه خاص يؤمن معه الخطأ كترخيص ادعية كتاب زاد المعاد مثلا للعامى الذى لا يقطع باستحبابها , و هو فى الحقيقة افناء باستحبابها لا افتاء بالتسامح .

و من جملة ما اورد على تلك الاخبار ما حكى عن جماعة من ان مفاد تلك


22
الروايات انه اذا ورد فى ان فى العمل الفلانى ثواب كذا فهى دالة على ان مقدار الثواب الذى اخبر به فى العمل الثابت استحبابه كزيارة عاشورا مثلا يعطى العامل , و ان لم يكن ثواب هذا العمل على ذلك المروى فهى ساكتة عن ثبوت الثواب على الفعل الذى اخبر باصل الثواب عليه .

و يجاب عن ذلك باطلاق الاخبار نعم قوله عليه السلام فى رواية صفوان المتقدمة من بلغه شىء من الثواب على شىء من الخير فعمل الخ ( 1 ) ظاهر فيما ذكره المورد بل لا يبعد استظهار ذلك من بعض اخر مثل الرواية الثانية لمحمد بن مروان عن ابيجعفر عليه السلام كما لا يخفى لكنه ظهور ضعيف مع ان فى اطلاق البواقى كفاية و المقيد هنا لا يعارض المطلق حتى يحمل المطلق عليه مع ان صريح بعظها الاختصاص بمورد الرواية فى اصل الرجحان و الخيرية مثل قوله عليه السلام فى رواية الاقبال المتقدمة من بلغه شىء من الخبر فعمل به ( 2 ) و قوله عليه السلامفى الرواية الاولى لهشام من بلغة شىء من الثواب فعمله ( 3 ) فان الظاهر من شىء من الثواب بقرينة فعله هو نفس الفعل المستحب , و كذا الرواية الاولى لمحمد بن مروان ( 4 ) و البنوى العامى ( 5 )

و منها ما قيل من ان الروايات مختصة بما ورد فيه الثواب فلا يشتمل مادل على اصل الرجحان ولو استلزم الثواب .

و اجيب عنه بان الرجحان يستلزم الثواب , فقد ورد الثواب ولو بدلالة

( 1 ) راجع ص : 7 .

( 2 ) راجع ص : 7 .

( 3 ) راجع ص 8 .

( 4 ) راجع ص 6 .

( 5 ) راجع ص 7 .

( 6 ) راجع ص 7 .


23
ماورد عليه التراما .

و فيه ان المخبر بان الله تعالى قال افعلوا كذا ليس مخبر بان الله يثبت عليه اذ الامر لايدل على ترتب الثواب على الفعل المأمور به باحدى الدلالات نعم العقل يحكم باستحقاق الثواب عليه الا ان يقال ان الاخبار بالطلب يستلزم عرفا الاخبار بالثواب .

و الاحسن فى الجواب ان كثيرا من الاخبار المتقدمة خال عن اعتبار بلوغ الثواب على العمل مثل رواية ابن طاوس ( 1 ) و النبوى ( 2 ) و قد عرفت ان المراد بالثواب فى اولى رواية هشام و ابن مروان ( 3 ) كالمراد بالفضيلة فى النبوى هو نفس العمل بعلاقة السببية كما فى قوله تعالى و سارعوا الى مغفرة من ربكم ( 4 ) .

و منها ان هذه الاخبار معارضة بمادل على لزوم طرح خبر الفاسق و جعل احتمال صدقه كالعدم .

و اجيب عنه بانه لا تعارض نظرا الى ان هذه الاخبار لاتدل على جواز الركون الى خبر الفاسق , و تصديقه و انما تدل على استحباب ماروى الفاسق استحبابه .

و فيه ان هذا و ان لم يكن تصديقا له الا ان معنى طرح خبر الفاسق جعل احتمال صدقه كالعدم , و ظاهر هذه الاخبار الاعتناء باحتمال صدقه , و عدم جعله كالعدم و لهذا لو وقع نظير هذا فى خبر الفاسق الدال على الوجوب لكانت ادلة طرح خبر الفاسق معارضة له قطعا بل قد عرفت مما ذكرا ان هذا فى الحقيقة

( 1 ) راجع ص 7 .

( 2 ) راجع ص 7 .

( 3 ) راجع ص 7 .

( 4 ) آل عمران 133 .


24
عمل بخبر الفاسق .

و ربما يجاب ايضا بان النسبة بينهما عموم من وجه و الترجيح مع هذه الاخبار .

و التحقيق فى الجواب : ان دليل طرح خبر الفاسق انكان هو الاجماع فهو فى المقام غير ثابت و ان كان آية البناء فهى مختصة بشهادة تعليلها بالوجوب و التحريم فلابد فى التعدى عنهما من دليل مفقود فى المقام .

و منها ان الاخبار بترتب الثواب على العمل المذكور لا يستلزم الاستحباب

و أجيب بأن الثواب لا يكون الافيما يرجع فعله على تركه و ليس المستحب الا ما كان كذلك و جاز تركه .

و فيه ان الثواب قد يكون على اتيان الشىء لاحتمال كونه مطلوبا راجحا و هذا لا يحتاج فى ترتب الثواب الى رجحان آخر غير الرجحان المحتمل .

و قد ذكرنا سابقا ان هناك شيئين :

أحدهما : فعل محتمل المطلوبية لداعى احتمال كونه مطلوبا و هو معنى الاحتياط و هذا لايحتاج فى ترتب الثواب عليه الى صدور طلبه من الشارع , بل يكفى احتمال كون الفعل مطلوبا مع كون داعى الفعل هو هذا الاحتمال .

و الثانى مجرد اتيان محتمل المطلوبية من دون ملاحظة كون الداعى هو الاحتمال و هذا لا يترتب الثواب عليه الا اذا ورد الامر به شرعا لان ترتب الثواب لا يكون فى الفعل الا اذا كان الداعى عليه طلبا محققا أو محتملا و احتمال الامر موجود لكنه لم يعتبر داعيا بالفرض فاذا كان الامر المحقق غير موجود فلا ثواب .

فحاصل الايراد انه كما يمكن أن تكون الاخبار محمولة على الوجه الثانى بان يكون الشارع قد طلب بهذه الاخبار مجرد فعل محتمل المطلوبية


25
فيكون أخباره بالثواب عليه كاشفا عن أمره به ليكون هذا الثواب المخبر به بازاء موافقة الاستحباب الذى كشف عنه بيان الثواب , كما يحتمل أن يكون اخبار هذا بالثواب على الوجه الاول , و يكون بيانا لما يحكم به العقل من استحقاق العامل لداعى احتمال المطلوبية الثواب المرجو ولو على فرض مخالفة الواقع , فيكون الاخبار مختصة بما اذا فعل الفعل لداعى احتمال المطلوبية بل ربما يدعى ان هذا هو الظن من هذه الاخبار مع تفاوتها فى مراتب الظهور فان قوله عليه السلام فى غير واحد منها ففعله رجاء ذلك الثواب , كالصريح فى ذلك و ما خلى عن هذا القيد فانما يستفاد منه كون الداعى الى الفعل احتمال المحبوبية من جهة تفريغ اتيان الفعل على البلوغ بالفاء الذى هو ظن فى الترتيب فان العمل لا يترتب على البلوغ و لا تأثير للبلوغ فيه على وجه سوى كون مايورثه البلوغ من القطع أو الظن أو الاحتمال داعيا الى العمل .

اللهم الا أن يمنع من دلالة الفاء على ما ذكر من السببية و التأثير بل هى عاطفة على نحو قوله من سمع الا ذان فبادر الى المسجد كان له كذا فالاخبار الخالية عن تعليل الفعل برجاء الثواب غير ظاهرة فى مضمون الاخبار المشتملة على التعليل بل هى ظاهرة فى ترتب الثواب على نفس الفعل و اللازم من ذلك كونها مسوقة لبيان استحبابه لما عرفت من ان اتيان محتمل المطلوبية بما هو هو لا يوجب الثواب , فالاخبار بثبوت الثواب عليه بيان لاستحبابه و مؤيد ما ذكرنا فهم الاصحاب القائلين بالتسامح .

و منها ان هذه الاخبار لو نهضت للدلالة على استحباب الشىء بمجرد ورود الرواية الضعيفة لنهضت للدلالة على وجوب الشىء بذلك لان الرواية اذا دلت على الوجوب فيؤخذ بها , و يحكم بكون الفعل طاعة و المفروض ان


26
المستفاد من الرواية كون طلبه على وجه بمنع من نقيضه فيثبت الوجوب .

و قد يجاب بانا لانعمل بالرواية الضعيفة حتى يلزمنا الاخذ بمضمونها و هو الطلب البالغ حد الالزام و المنع من النقيض و اذا عملنا بالاخبار الدالة على استحباب ماورد الرواية بان فيه الثواب و هذا منه , فيستحب و ان كان واجبا على تقدير صدق الرواية فى الواقع و لا تنافى بين وجوب الشىء واقعا و استحبابه ظاهرا .

و الاولى فى الجواب هو انا قلنا ايضا بحجية الخبر الضعيف بهذه الاخبار فانما نقول بحجيته فى أصل رجحان الفعل دون خصوصية من الندب أو الوجوب فان الواجب فيها التوقف و الرجوع الى الاصول العملية كالصالة البرائة و كم من حجة شرعية يبعض فى مضمونها من حيث الاخذ و الطرح , و هناك أيضا بعض الاحتمالات التى ذكروها فى معنى هذه الاخبار لم نتعرض لها لبعدها و عدم فائدة مهمة فى ردها .

و ينبغى التنبيه على امور :

الاول انه اذا احتمل الفعل المذكور التحريم احتمالا مستندا الى رواية أو فتوى فقيه .

فان قلنا بالتسامح من باب الاحتياط فهو غير متحقق لان احتمال الحرمة أولى بالمراعاة ولا أقل من مساواته مع احتمال الرجحان فى الفعل .

اللهم الا ان يقال الذى لا يتأتى مع احتمال الحرمة هو الاحتياط بمعنى الاخذ بالاوثق , و اما قاعدة جلب المنفعة المحتملة فتوقفها على عدم احتمال الحرمة محل نظر اذ الفرض قد يتعلق بخصوص المنفعة المحتملة فى الفعل .

الا ان يقال أن الكلام فى الحسن العقلى و حكم العقل باستحقاق من اتى بتحمل المطلوبية رجاء محبوبية الثواب و العقل هنا غير حاكم , نعم لو فرض


27
كون المحبوبية المحتملة على تقدير ثبوتها واقعا أقوى من محبوبية الترك المحتمل , فالظاهر ترجيح الفعل و من هنا ربما يحكم برجحان فعل ما احتمل وجوبه و كراهته و ترك ما احتمل حرمته و استحبابه هذا من حيث قوة المحبوبية , و اما من حيث أن دفع الضرر أولى من جلب النفع , فلا اشكال فى ترجيح احتمال الفعلأو الترك .

و اما بناء على أخبار التسامح فالظاهر اطلاقها و عدم تقييدها بعدم احتمال الحرمة , نعم ما اشتمل منها على التعليل برجاء الثواب ظاهر فى صورة عدم احتمال الحرمة .

لكنت قد عرفت ان المعتمد فى الاستدلال هو اطلاق غيرها و المطلق هنا لا يحمل على المقيد كما لا يخفى .

اللهم الا ان يدعى انصراف تلك الاطلاقات أيضا الى غير صورة احتمال التحريم و على الاطلاق ففى صورة احتمال الحرمة فيما وردت الرواية الضعيفة باستحبابه يتعارض استحباب الفعل لاجل الاخبار و استحباب الترك لاجل قاعدة الاحتياط .

و الظاهر عدم التعارض بل نحكم بكون كل من الفعل و الترك مستحبا ولا ضير فى ذلك كما اذا دل على استحباب شىء دليل معتبر و دل على تحريمه امارة غير معتبرة كالشهرة مثلا فان فعله من حيث هو مستحب و تركه لداعى احتمال مبغوضيته للمولى أيضا محبوب فلم يتوجه الاستحبابان الى الفعل المطلق و الترك المطلق .

ثم لم فرض حكم العقل بان دفع مضرة التحريم المحتملة أولى من جلب منفعة الاستحباب المقطوع به حكم الشارع بطلب محتمل التحريم فى هذا المقام اصلا فتأمل و استحبابه فلابد من تقييد الاخبار بماعدا صورة احتمال


28
التحريم .

الثانى هل يعتبر فى الرواية الضعيفة ان تفيد الظن أو يكفى فيها ان لا تكون موهونة أو لا يعتبر ذلك أيضا ؟ , وجوه منشأها اطلاقات النصوص و الفتاوى و ان كان دعوى انصراف النصوص التى هى مستند الفتاوى الى صورة عدم كون مضمون الرواية موهوما , أو الى صورة كونه مظنونا و الاحتمال الاوسط أوسط .

الثالث هل يعتبر فيها أن تكون مدونة فى كتب الخاصة أم لا ؟ الاقوى هو الثانى لاطلاق الاخبار , و قد حكى عن بعض منكرى التسامح الزام القائلين به بانه يلزمهم ان يعملوا بذلك مع ماورد من النهى عن الرجوع اليهم و الى كتبهم .

و فيه انه ليس رجوعا اليهم , و مجرد الرجوع الى كتبهم لاخذ روايات الاداب و الاخلاق و السنن مما لم يثبت تحريمه .

الرابع حكى عن الشهيد الثانى ( قده ) فى الدراية انه قال[ : ( جوز الاكثر العمل بالخبر الضعيف فى نحو القصص و المواعظ و فضايل الاعمال لا فى صفات الله تعالى و احكام الحلال و الحرام و هو حس حيث لم يبلغ الضعيف حد الوضع و الاختلاف انتهى .

أقول : المراد بالخبر الضعيف فى القصص و المواعظ هو نقلها و استماعها و ضبطها فى القلب و ترتيب الاثار عليها عدا ما يتعلق بالواجب و الحرام .

و الحاصل ان العمل بكل شىء على حسب ذلك الشىء و هذا امر وجدانى لاينكر و يدخل حكاية فضايل أهل البيت عليهم السلام و مصائبهم و يدخل فى العمل الاخبار بوقوعها من دون نسبة الى الحكاية على حد الاجتهاد بالامور الواردة بالطرق المعتمدة كان يقول كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول كذا و يفعل كذا و يبكى


29
كذا و نزل على مولانا سيداالشهداء عليه السلام كذا و كذا و لا يجوز ذلك فى الاخبار الكاذبة و ان كانا يجوز حكايتها فان حكاية الخبر الكاذب ليس كذبا مع انه لا يبعد عدم الجواز الا مع بيان كونها كاذبة .

ثم ان الدليل على جواز ما ذكرنا من طريق العقل حسن العمل بهذه مع امن المضرة فيها على تقدير الكذب .

و اما من طريق النقل فرواية ابن طاوس ( ره ) و النبوى ( 1 ) مضافا الى اجماع ذكرى المعتضد بحكاية ذلك عن الاكثر .

و ربما يؤيد جواز نقل هذه الاخبار بمادل على رجحان الاعانة على البر و التقوى و مادل على رجحان الابكاء على سيد الشهداء عليه السلام ما دامت الغبرى و السماء و ان من ابكى وجبت له الجنة .

و فيه ان الاعانة و الابكاء قد قيد رجحانهما بالاجماع بالسبب المباح فلابد من ثبوت اباحة السبب من الخارج حتى يثبت له الاستحباب بواسطة دخوله فى أحد العنوانين فلايمكن اثبات اباحة شىء و عدم تحريمه بانه يصير مما يعان به على البر و لو كان لكان كذلك لادلة الاعانة و الابكاء قوة المعارضة لما دل على تحريم بعض الاشياء كالغناء فى المراثى و العمل بالملاهى لاجابة المؤمن و نحو ذلك .

الخامس انه هل يلحق بالرواية فى صيرورته منشأ التسامح فتوى الفقيه برجحان عمل أم لا ؟ لا اشكال فى الالحاق بناء على الاستناد الى قاعدة الاحتياط و اما على الاستناد الى الاخبار .

فالتحقيق ان يقال : ان كان يحتمل استناده فى ذلك الى صدور ذلك من الشارع , أخذ به لصدق البلوغ باخباره .

( 1 ) راجع ص 7 .


30

و اما ان علم خطاها فى المستند بان اطلعنا انه استند فى ذلك الى رواية لا دلالة فيها , فلا يؤخذ به , و ان احتمل مطابقته للواقع لان مجرد احتمال الثواب غير كاف بمقتضى الاخبار بل لابد من صدق البلوغ من الله تعالى أو النبى صلى الله عليه و اله و أقل ذلك احتمال صدقه فى حكايته و المفروض انا نعلم بان هذا الرجل مخطىء فى حكايته فهو نظير ما اذا قال الرجل : سمعت عن النبى صلى الله عليه و اله ان فى كذا ثواب كذا مع انا لم نشك فى انه سمع رجلا اشتبه برسول الله , صلى الله عليه و آله .

و اما الاكتفاء بمجرد احتمال ان يكون رسول الله صلى الله عليه و اله قال كذا فهو اكتفاء بمجرد الاحتمال و لا يحتاج الى قيد البلوغ و كذا لو علمنا انه استند فى ذلك الى قاعدة عقلية فان البلوغ منصرف الى غير ذلك .

و من ذلك يظهر ان ما حكى من حكم الغزالى باستحقاق الثواب على فعل مقدمة الواجب , لايصير منشأ للتسامح لان الظن عدم استناده فى ذلك الى قاعدة عقلية مثل تحسين العقل للاقدام على تهية مقدمات الواجب و نحو ذلك .

و منه يظهر فيما ذكره المحقق القمى ( قده ) فى القوانين من امكان كون ذلك منشأ للتسامح , و أضعف من ذلك ما ذكر فى حاشيته منه على هذا الكلام من ان القول بالاستحباب فى مثل المقام يستلزم تسديس الاحكام .

السادس ان المشهور الحاق الكراهة بالاستحباب فى التسامح فى دليله ولا اشكال فيه بناء على الاستناد الى قاعدة الاحتياط و اما بناء على الاستناد الى الاخبار فلابد من تنقيح المناط بين الاستحباب و الكراهة , و الا فموارد الاخبار ظاهر الاختصاص بالفعل المستحب فلا يشمل ترك المكروه الا أن يدعى عموم لفظ الفضايل فى النبوى بل عموم لفظ الشىء فى غيره للفعل


31
و الترك فتأمل مضافا الى ظاهر اجماع ذكرى .

السابع قيل ان المستفاد من الاخبار هو اعطاء الثواب لمن بلغه الراية فيلزم الاقتصار على مدلولها فافتاء المجتهد باستحبابه مطلقا مشكل نعم للمجتهد ان يروى الحديث ثم يفتى بان من عمل بمقتضاه كان الاجر له انتهى محصوله .

و فيه أولا ما عرفت من ان الاخبار المتقدمة انما دلت على جواز العمل بالاخبار الضعيفة فى السنن , فالاخبار الضعيفة فى مقام الاستحباب بمنزلة الصحاح و حينئذ فلا بأس بنقل المجتهد بمضمونها و هو الاستحباب المطلق فيكون بلوغ الرواية الى المجتهد عثورا على مدرك الحكم لاقيد الموضوعه .

و ثانيا انه لو سلمنا عدم دلالة تلك الاخبار على استحباب الفعل فى حق من بلغه لا على حجية ما بلغ لمن بلغ لكن نقول : قد عرفت ان امثال هذه المسائل مسائل اصولية و مرجع المجتهد فى الاحكام الشرعية دون المقلد فالقيود المأخوذة فى موضوعها انما يعتبر اتصاف المجتهد بها دون المقلد الا ترى ان المعتبر فى استصحاب الحكم الشرعى كون المجتهد شاكا فى بقاء الحكم و ارتفاعه و المعتبر فى الاحتياط كون المجتهد شاكا فى المكلف به و كذا الكلام فى البرائة و التخيير و السر فى ذلك ان هذه القيود يتوقف تحققها اثباتا و نفيا على مراجعة الادلة و بذل الجهد و استفراغ الوسع فيها و كل ذلك وظيفة المجتهد فكانه يفعل ذلك من طرف المقلد و يسقط الاجتهاد عنه بفعله و هذا بخلاف القواعد الفرعية الظاهرية فان القيود الماخوذة فى موضوعاتها نظير القيود المأخوذة فى الاحكام الواقعية كالسفر و الحضر و الصحة و المرض يشترك فيها المجتهد و المقلد فمن دخل فى الموضوع ثبت له الحكم و من خرج فلا كالاستصحاب و البرائة و الاحتياط و التخيير فى الشبهة الموضوعية فى الامور الخارجية و قد


32
عرفت سابقا و ستعرف ان اثبات بلوغ الثواب على وجه لا يعارضه بلوغ العقاب و ثبوته ليس من وظيفة المقلد .

و اما ثالثا فلانا لو سلمنا كون بلوغ الثواب قيد الموضوع الحكم الفرعى بان يناط الاستحباب به وجود أو عدما بالنسبة الى المجتهد و المقلد لكن نقول ان افتاء المجتهد بالاستحباب و ان كان افتاء بما لم يدل عليه دليل الاستحباب لان الفرض اختصاصه بمن بلغه الثواب الا ان هذا مما لا يترتب عليه مفسدة عملية ولا يوجب وقوع المقلد فى خلاف الواقع اذ المقلد حين العمل يعتمد على فتوى المجتهد , فهذه الفتوى محققة لموضوع حكم العقل و النقل فيه باستحقاق الثواب حيث ان المقلد انما يأتى بالفعل رجاء للثواب و فى هذا الجواب نظر لا يخفى .

الثامن هل يجوز للمقلدان يعمل بقاعدة التسامح اذا أخذها تقليدا عن المجتهد أو حكم عقله بها ؟ بناء على الاستناد فيه الى الاحتياط ام لا ؟ الظاهر من بعض هو الاول , و التحقيق ان قاعدة التسامح كما عرفت سابقا مسئلة اصولية يرجع اليها المجتهد فى اثبات الاستحباب , و دعوى جواز رجوع المقلد اليها اذا امكنه تشخيص الموضوع بان يفهم دلالة الرواية الضعيفة و سلامتها عن المعارضة ببلوغ الحرمة أو ثبوتها بدليل معتبر و يفهم على تقدير المعارضة بترجيح مدلول احدهما على الاخر من حيث قوة الدلالة أو وجود الجابر الى غير ذلك معارضة بجواز ذلك فى ساير القواعد الاصولية مثل العمل بالاصول فى الاحكام الشرعية بل العمل بالادلة الشرعية مثل الكتاب بان يفهم دلالتهما و سلامتهما عن المعارض كما لا يخفى .

فالاقوى عدم جواز رجوع المقلد اليها الا فى طائفة من الموارد التى يعلم المجتهد بعدم ثبوت الحرمة فيها . و ثبوت الاخبار الضعيفة الواضحة الدلالة


33
بحيث يأمن المجتهد وقوع المقلد فى خلاف الواقع لكن العمل بالقاعدة حينئذ ايضا جائز بعد تقليد المجتهد فى تحقيق شروطها و انتفاء موانعها .

التاسع : اذا وردت رواية ضعيفة بالوجوب أو الحرمة , فقد عرفت فى أصل المسئلة جواب الحكم بالاستحباب و الكراهة للاخبار .

و ان قلنا بدلالتها على العمل بالروايات الضعيفة فى السنن لان التبعيض فى مدلولات الحجج الظاهرية أخذا و طرحا ليس ببعيد فيحكم فى الفعل المذكور بأن فيه أو فى تركه الثواب للاخبار و لا يحكم بثبوت العقاب على خلافه لاصالة البرائة و عدم حجية الضعاف فى الوجوب و الحرمة , و كان هذا مقصود الفقهاء و ان أبت عنه عباراتهم حيث يقولون بعد ذكر الرواية الضعيفة الدالة على الوجوب ان الرواية ضعيفة فتحمل على الاستحباب .

و أنت خبير بأن هذا الشىء غير معقول لا يصدر عن عاقل فضلا عن الفحول فمرادهم كما هو صريح شارح الدروس هو ان الحكم بالنسبة اليها الاستحباب و أما معنى حمل الرواية على الاستحباب , فهو أن يؤخذ بمضمونها من حيث الثواب دون العقاب فكان قد الغيت دلالتها على اللزوم و عدم جواز الترك تنزيلا لغير المعتبر منزلة المعدوم .

العاشر : اذا وردت رواية ضعيفة بالاستحباب وورد دليل معتبر على عدم استحبابه ففى جواز الحكم بالاستحباب من جهة الرواية الضعيفة و جهان بل قولان صرح بعض مشايخنا بالثانى لان الدليل المعتبر بمنزلة القطعى فلابد من التزام عدم استحبابه و ترتيب آثار عدم الاستحباب عليه كما لو قطع بعدم الاستحباب .

و فيه ان الالتزام بعدم استحبابه ليس الا من جهة مادل على حجية ذلك الدليل المعتبر و هو معارض بالاخبار المتقدمة و ان سلمنا انها لا تثبت حجية


34
الخبر الضعيف بل مجرد استحباب فعل ما بلغ عليه الثواب اذ لا مدخل لهذا التعبير فى المعارضة فان معنى حجية الخبر الصحيح تنزيله منزلة الواقع ولا معنى لذلك الا جعل مضمونه أعنى عدم الاستحباب حكما للمكلف فى مرحلة الظاهر و مضمون تلك الاخبار جعل الاستحباب حكما له فى الظاهر و اما تنزيل هذا الدليل المعتبر بمنزلة القطع فى عدم جواز العمل بتلك الاخبار فى مقابلة فهو ضعيف جدا لان الاخبار المتقدمة من جهة اختصاصها , كالفتاوى بغير صورة القطع لا تجرى فى صورة القطع فكان الشارع قال ان من بلغه الثواب على عمل ولا يقطع بكذبه , فيستحب له ذلك العمل و الدليل المعتبر انما هو بمنزلة القطع بالنسبة الى الاحكام المترتبة على صفة القطع كيف ؟ و لو كان كذلك لا يحسن الاحتياط مع وجود الدليل المعتبر لانه بمنزلة القطع الذى لا احتياط معه , و كذا لو نذر أحد أن يصوم مادام قاطعا بحياة زيد , فزال قطعه بها مع دلالة الدليل المعتبر كالاستصحاب أو البينة عليها فانه لا ينبغى التأمل فى عدم وجوب الصوم .

و السر فى ذلك كله ان الشارح نزل المظنون بالادلة المعتبرة منزلة الواقع المقطوع به فيترتب عليه آثار الواقع و ينزل المحتمل المقابل للمظنون بمنزلة غير الواقع المقطوع بعدمه لا انه نزل صفة الظن منزلة صفة القطع و نزل نفس الاحتمال المرجوع منزلة القطع بالعدم , فالتنزيلات الشرعية فى الادلة الغير العملية بالنسبة الى المدرك لا الادراك فالتسامح و الاحتياط , و عدم وجوب الصوم فى الامثلة المذكورة تابعة لنفس الاحتمال و عدم القطع لا يرتفع بمادل على اعتبار الادلة الظنية و لذا لا ينكر الاحتياط مع قيام الادلة المعتبرة .

و العجب ممن أنكر التسامح فى المقام مع انه تمسك لاثباته بقاعدة الاحتياط .


35

و التحقيق انه لا اشكال فى التسامح فى المقام من باب الاحتياط بل هو اجماعى ظاهرا .

و أما من باب الاخبار فمقتضى اطلاقها ذلك أيضا ( لا أن يدعى انصرافها الى غير ذلك و لا شاهد عليه , فيقع التعارض بين هذه الاخبار و أدلة حجيته ذلك الدليل المعتبر لانفسه لاختلاف الموضوع و مقتضى القاعدة و ان كان هو التساقط , الا ان الامر لما دار بين الاستحباب و غيره و صدق بلوغ الثواب حكم بالاستحباب تسامحا .

فان قلت أخبار بلوغ الثواب لا تعم نفسها قلنا نعم هو غير معقول الا ان المناط منقح فلا يقدح عدم العموم اللفظى لعدم تعقله فافهم فالقول بالتسامح قوى جدا !

الحادى عشر : لو ورد رواية ضعيفة بالاستحباب و اخرى بعدمه فلا اشكال فى التسامح لان الخبر الضعيف ليس حجة فى عدم الاستحباب فوجوده كعدمه و منه يعلم انه لو كان الدال على عدم الاستحباب أخص ظاهرا من الدال على الاستحباب فلا يحمل هنا المطلق على المقيد , ولا العام على الخاص لان الدلالة الخبر الضعيف على عدم الاستحباب مطابق و فى بعض الافراد كالعدم .

الثانى عشر : لو ورد رواية ضعيفة بالوجوب , أو بالاستحباب و اخرى بالحرمة , أو الكراهة فلا اشكال فى عدم جريان التسامح من باب الاحتياط كما لايخفى الا اذا بنينا على ترجيح احتمال الخطر كراهية , أو تحريما على احتمال المحبوبية وجوبا , أو استحبابا و تقديم احتمال اللزوم فعلا أو تركا على غيره .

و أما من جهة الاخبار فالظاهر أيضا عدم التسامح لان كلامن الفعل و الترك


36
قد بلغ الثواب عليهما و ظاهر الروايات استحباب كل من الفعل و الترك و هو غير ممكن لان طلب الفعل و الترك قبيح لعدم القدرة على الامتثال , و صرف الاخبار الى استحباب أحدهما على وجه التخيير , موجب لاستعمال الكلام فى الاستحباب العينى و التخييرى مع ان التخيير بين الفعل و الترك فى الاستحباب لا محصل له , فتعين خروج هذا الفرض عن عموم الاخبار مضافا الى انصرافها بشهادة العرف الى غير هذه الصورة .

الثالث عشر : لو علم استحباب شىء و تردد بين شيئين فلا اشكال فى استحباب المتيقن اذا كان بينهما قدر متيقن ولا فيما اذا جمع بينهما اذا كانا متباينين و لم يكن قدر متيقن و انما الكلام فى استحباب غير المتيقن اذا ورد رواية ضعيفة أو فتوى فقيه و فى استحباب أحد المتباينين مثال الاول : ما ورد رواية أو فتوى باستحباب الزيارة الجامعة و لو مع عدم الغسل , و باستحباب النافلة , و لو الى غير القبلة و زيارة عاشوراء مع فقد بعض الخصوصيات و مثال الثانى ما اذا تردد المسح المستحب بثلث أصابع بين أن يكون طولا و أن يكون عرضا و كان على كل منهما رواية أو فتوى فهل فى الاقتصار على أحدهما ثواب من باب التسامح .

و الكلام قد يقع من باب الاحتياط , و قد يقع من باب الاخبار .

أما من باب الاحتياط فالظاهر ان الاتيان بالفرد المشكوك فى الاول و باحد المتباينين فى الثانى لاحتمال مصادفته لرضاء المولى لايخرج عن رجحان , و ان كان دون رجحان الاتيان بالمتيقن فى الاول , و الجمع بين المحتملين فى الثانى لاستقلال العقل بالفرق بين من لم يتعرض للامتثال رأسا و بين من تعرض له باتيان المحتمل كما ان الاقدام على محتمل المبغوضية لا يخلو عن مرجوحيته , و ان لم يجمع بين محتملاته نعم لا يسمى هذا احتياطا لان الاحتياط


37
لغة و عرفا هو احراز المقصود الواقعى سواء كان دفع ضرر أو جلب نفع و يعبرعنه بالاخذ بالاوثق , و هو لا يتحقق الا اذا انحصر المحتمل فى المأتى به بأن لا يكون فى الواقع محتمل سواه كما فى محتمل المطلوبية , أو المبغوضية مع عدم العلم الاجمالى و يسمى بالشك فى التكليف , و اذا جمع بين المحتملات كما فى الشك فى المكلف به مع العلم بالتكليف و هذان القسمان مشتركان فى استحقاق الفاعل ثواب الامتثال القطعى .

أما الثانى فلانه حصل القطع بالامتثال , و أما الاول فلانه أيضا حصل القطع به على فرض ثبوته واقعا و أما دعوى كون الاقتصار فى القسم الثانى على أحد المحتملات كاشفا عن عدم كون الداعى له هو تحصيل رضاء المولى اذ لو كان دعوى كون هو الداعى ادعاه الى تحصيل اليقين بالجمع بين المحتملات مكابرة للوجدان الحاكم بحسن التعرض لامتثال عكس التعرض للمخالفة .

و أما الكلام فى استحباب هذا المحتمل من جهة الاخبار , فالتحقيق فيه التفصيل بين ما كان من القسم الاول و هو الفرد المشكوك و بين ما كان من الثانى أعنى المتباينين فيشمل الاخبار الاول دون الثانى لانه اذا وردت رواية بأن مطلق الزيارة الجامعة فيها كذا فيصدق بلوغ الثواب على هذا المطلق و مجرد رواية اخرى على التقييد لا يمنع استحباب المطلق لما عرفت فى الامر الحادى عشر من ان المطلق فى الاخبار الضعيفة لا يحمل على المقيد فيها لعدم حجية الخبر الضعيف فى الاستحباب بل لو فرض رواية معتبرة على التقييد المستلزم للدلالة على عدم استحباب ما عدا محل القيد فقد عرفت فى الامر العاشر قوة جريان التسامح فيه أيضا و أما أحد محتملى المتباينين , و هو و ان صدق عليه بعد ورود رواية باستحبابه انه مما بلغ عليه الثواب , الا ان المحتمل الاخر أيضا كذلك فان حكم بثبوت استحبابهما معا فهو خلاف الاجماع و ان حكم باستحباب


38
أحدهما دون الاخر فهو ترجيح بلامرجح و التخيير مما لا يدل عليه الكلام هذا مع وضوح ان الاخبار منصرفة بشهادة فهم العرف الى المشبهة الابتدائية دون الناشئة من العلم الاجمالى و اما فى القسم الاول فالمعلوم الاجمالى حيث دار بين المطلق و المقيد , فيكون استحباب المقيد قطعيا و يشك فى استحباب المطلق بما هو فيتسامح فيما ورد فى استحبابه فتأمل .

بقى هنا شىء و هو انا انما حكمنا فى القسم الاول بمجرد استحباب الفرد المشكوك و اما اثبات كونه امتثالا للكلى المامور به و المردد بين المطلق و المقيد بحيث يترتب عليه احكام ذلك الكل , فلا مثلا اذا ورد الامر بنوافل الظهر أو صلوة جعفر فشككنا فى انه يشترط فيهما القبلة ام لا وورد رواية ضعيفة , أو فتوى فقيه فى عدم اشتراطهما بالقبلة فالفرد المأتى بها على خلاف القبلة لا يحكم عليها بأنها صلوة جعفر و لا ان الذمة برئت من نوافل الظهر بل ولا من الاوامر القطعية المتعلقة بمطلق الصلوة فان استحباب مطلق فعل تلك الاجزاء ولو على خلاف القبلة لا يستلزم الخروج عن عمومات الصلوة أو خصوصياتها .

و به يظهر ان نية امتثال تلك الاوامر القطعية بهذا الفرد المشكوك تشريع محرم و هذا هو السر فى انهم لا يتسامحون فى شروط الماهيات المستحبة و اجزائها بل يلتزمون فيها بالمتيقن متمسكين بأن العبادات توقيفية كما ذكروا ذلك فى جواز النافلة الى غير القبلة و فى جواز النافلة مضطجعا و مستلقيا فى حال الاختيار و نحو ذلك , فحاصل معنى التسامح الذى ذكرناه فى هذا المقام انه اذا ورد استحباب مطلق وورد استحباب مقيد بحيث يلزم منه نفى استحباب المطلق فيحكم باستحباب المطلق و لو فى ضمن خبر المقيد لكن لا يحكم بكونه امتثالا لامر قطعى ثبت فى المقام مرددا بين المطلق و المقيد فافهم و اغتنم .

الرابع عشر قد يجرى فى لسان بعض المعاصرين من التسامح فى الدلالة


39
نظير التسامح فى السند بان يكون فى الدليل المعتبر من حيث السند دلالة ضعيفة فيثبت بها الاستحباب تسامحا .

و فيه نظر فان الاخبار مختصة بصورة بلوغ الثواب و سماعه فلابد ان يكون البلوغ و السماع و مع ضعف الدلالة لا بلوغ و لا سماع نعم قاعدة الاحتياط جارية لكنها لا تختص بالدلالة الضعيفة بل تجرى فى صورة اجمال الدليل و احتماله للمطلوبية .

الخامس عشر اذا ثبت استحباب شىء بهذه الاخبار , فيصير مستحبا كالمستحبات الواقعية يترتب عليه ما يترتب عليها من الاحكام التكليفية و الوضعية و المحكى عن الذخيرة انه - بعد ذكر انه يمكن ان يتسامح فى ادلة السنن بالاخبار المذكورة - قال لكن لا يخفى ان هذا الوجه انما يفيد مجرد ترتب الثواب على ذلك الفعل لا انه امر شرعى يترتب عليه الاحكام الوضعية المترتبة على الاحكام الواقعية انتهى كلامه .

أقول و كانه حمل الاخبار على عنوان الاحتياط حتى لا يكون الفعل المحتمل فى ذاته محبوبا بل المحبوب هو الفعل مع كون الداعى عليه هو احتمال المحبوبية لا الاستحباب القطعى الحاصل من تلك الاخبار , و حينئذ فالحق ما ذكر لان الفعل مع قطع النظر عن كون الداعى عليه هو رجاء الثواب و ادراك مطلوب المولى ليس مستحبا لا عقلا و لا شرعا و مع القيد المذكور لم يتعلق به طلب شرعى يكون اتيانه امتثالا لذلك الطلب الشرعى لما عرفت مفصلا من ان الفعل بهذا القيد بذاته موجب لاستحقاق الثواب لا باعتبار صدور امر فيه فحينئذ فالاحكام الوضعية المترتبة فى المستحبات لا يترتب عليها لكن قد عرفت ان الاخبار فى مقام اثبات الاستحباب الشرعى لمحتمل المحبوبية من حيث هو هو و حينئذ فهو كاحد استحباب الواقعية .


40

السادس عشر يجوز العمل بالروايات الضعيفة فى أفضلية مستحب من مستحب آخر اما على قاعدة الاحتياط فواضح لان طلب المزية المحتملة فى أحدهما محبوب عقلا , و اما على الاخبار فلان مرجع افضلية أحدهما الى استحباب تقديم الفاضل على المفضول فى الاختيار عند التعارض , فيشمله الاخبار مضافا الى عموم ما تقدم من ذكرى ان اخبار الفضايل يتسامح فيها عند أهل العلم .

و من هنا يظهر وجه المسامحة فى كراهة العبادات بمعنى قلة الثواب و اما لو حملنا الكراهة فيها على مجرد المرجوحية من دون نقص الثواب بناء على ان المكروه من العبادات كالمعيوب الذى لا ينقص قيمته عن الصحيح كما حكى عن بعض ففيه اشكال .

و لو حملنا الكراهة على المعنى الاصطلاحى فلا اشكال أيضا فى التسامح .

السابع عشر هل يجوز التسامح فى الرواية الغير المعتبرة الدالة على تشخيص مصداق المستحب أو فتوى الفقيه بذلك ؟ فاذا ذكر بعض الاصحاب ان هودا أو صالحا عليهماالسلام مدفونان فى هذا المقام المتعارف الان فى وادى السلام فهل يحكم باستحباب اتيان ذلك المقام لزيارتهما و الحضور عندهما أم لا ؟ و كذا لو ورد رواية بدفن رأس مولانا سيد الشهداء عليه السلام عند أمير المؤمنين صلوات الله و سلامه عليه فهل يستحب زيارته بالخصوص أم لا ؟ و كذا لو اخبر عدل واحد بكون هذا المكان مسجدا أو مدفنا لنبى أو ولى .

التحقيق ان يقال بعد عدم الاشكال فى الاستحباب العقلى من باب الاحتياط و جلب المنفعة المحتلمة أن الاخبار , و ان كانت ظاهرة فى الشبهة الحكمية .

اعنى ما اذا كانت الرواية مثبتة نفس الاستحباب لا لموضوعه الا ان الظن


41
جريان الحكم فى محل الكلام بتنقيح المناط , اذ من المعلوم ان لافرق بين ان يعتمد على خبر الشخص فى استحباب العمل الفلانى فى هذا المكان كبعض اماكن مسجد الكوفة و بين ان يعتمد عليه فى ان هذا المكان هو المكان الفلانى الذى علم انه يستحب فيه العمل الفلانى مضافا الى امكان ان يقال ان الاخبار بالموضوع مستلزم للاخبار بالحكم بل قد يكون الغرض منه هو الاخبار بثبوت الحكم فى هذا الموضوع الخاص .

و الحاصل ان التسامح اقوى نعم لو ترتب على الخبر المذكور حكم آخر غير الاستحباب فلا يترتب عليه لما عرفت فلو ثبت كيفية خاصة للزيارة من القريب بحيث لا يجوز من البعيد فلا يجوز لان الثابت من الرواية استحباب حضور هذا المكان لا كون الشخص مدفونا فيه , و كذا يستحب الصلوة فى المكان الذى يقال له المسجد و لا يجب ازالة النجاسة عنه و لا يجوز الاعتكاف فيه الى غير ذلك مما هو واضح من المطالب المتقدمة .

الثامن عشر قد عرفت ان حرمة التشريع لا يزاحم هذا الاستحباب سواء قلنا به من باب الاحتياط ام قلنا به من باب الاخبار لان موضوع التشريع منتف على التقديرين لكن هذا فى التشريع العام .

و اما التشريع الخاص بان يحكم الشارع بعدم مشروعية عنوان بالخصوص كان ينفى الصوم فى السفر بقوله عليه السلام لا صيام فى السفر ( 1 ) و قوله عليه السلام ليس من البر الصيام فى السفر ( 2 ) و نحو مادل على نفى الوتر فى النوافل بمعنى صلوة ركعة واحدة و قوله عليه السلام لا تطوع فى وقت فريضة ( 3 ) أولا صلوة لمن

]( 1 )] وسائل الشيعة الباب 11 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث : 1 .

]( 2 )] وسائل الشيعة الباب 1 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 10

]( 3 )] راجع جامع احاديث الشيعة الباب 46 من المواقيت ولكن الموجود فيه ليس عين هذا اللفظ


42
عليه صلوة ( 1 ) و قوله عليه السلام لاصلاة الا الى القبلة ( 2 ) فالظاهر عدم جريان التسامح فيها , لا لورود الدليل المعتبر على عدم استحباب الفعل لما عرفت من ان هذا لا يمنع التسامح سيما على قاعدة الاحتياط و جلب المنفعة المحتملة بل لان المستفاد من هذه الادلة الخاصة , هو ان امتثال مطلقات اوامر هذه العبادات لا يتحقق بدون ذلك , أو مع ذلك المانع لما عرفت من ان الاخبار الضعيفة لا تبين الماهيات التوقيفية فالصائم فى السفر لا يجوز له ان ينوى الصوم لداعى امتثال أوامره , و كذا النافلة فى وقت الفريضة أو ممن عليه القضاء .

التاسع عشر ظاهر الاصحاب عدم التفصيل فى مسئلة التسامح أن يكون الفعل من ماهيات العبادات المركبة المخترعة و بين أن يكون من غيرها الا ان الاستاذ الشريف ( قده ) فصل و منع التسامح فى الاولى و الذى بالبال ما ذكره لسانا فى وجه التفصيل هو ان الى هنا جف قلمه الشريف .

]( 1 )] جامع احاديث الشيعة الباب 47 من المواقيت الحديث : 7

]( 2 )] لم نقف على هذا التعبير فى كتب الحديث راجع ابواب القبلة


43
رسالة فى الاجتهاد و التقليد للشيخ الاعظم الانصارى

44

45

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة والسلام على محمد و آله الطاهرين و اللعنة على أعدائهم اجمعين الى يوم الدين .

التقليد لغة جعل الغير ذاقلاده , و منه تقليد الهدى , و فى الاصطلاح - كما عن الفخر : قبول قول الغير فى الاحكام الشرعية من غير دليل على خصوصية ذلك الحكم و احسن منه ما عن جامع المقاصد قبول قول الغير المستند الى الاجتهاد , و عن النهاية و الاحكام و المعالم و شرح المختصر : انه العمل بقول الغير من غير حجة , و مثلوا له بأخذ كل من العامى و المجتهد بقول مثله و ذكروا ان الرجوع الىقول النبى صلى الله عليه و اله و رجوع العامى الى المفتى ليس تقليد القيام الحجة فى الاول بالمعجزة و فى الثانى بالاجماع عليه و فيما ذكروه من عدم دخول رجوع العامى المفتى فى تعريف التقليد نظر , لان المراد بقيد كونه من غير عدم الحجة على خصوص القول لا عدم الحجة على وجوب الاخذ لان تلك الحجة حجة على حكم التقليد أعنى الوجوب و الانفس الرجوع هو الاخذ بقول المجتهد من غير حجة .

ثم الرجوع الى قول النبى صلى الله عليه و اله ليس اخذا من غير حجة بل بعد ثبوت


46
صدقه بالمعجزة يكون حجيته معه نعم يدخل فى التعريف المذكور العمل بقول البينة و المترجم من اهل الخبرة و احسن الحدود ما تقدم عن جامع المقاصد .

ثم اعلم ان بعضهم عرفوا التقليد : العمل بقول الغير كما عرفت , بل نسبه بعضهم الى علماء الاصول و عرفه اخرون بقبول قول الغير .

و ثالث الاخذ بقول الغير

و رابع بمتابعة قول الغير و هل ذلك كله اختلاف فى التعبير و مرجعها الى واحد ؟ و هو تطبيق العمل اعنى الحركات و السكنات على قول الغير بارجاع الكل الى ظاهر لفظ العمل فيكون المراد من الاخذ و القبول فى مقام العمل و المراد الالتزام و التعبد بمقتضاه كما هو ظاهر لفظى الاخذ و القبول , و لذا نسبه البعض الى علماء الاصول , او انه اختلاف فى المعنى و ان المراد من الاخذ بقول الغير و قبوله هو الانقياد له وجعله حكما فى حق نفسه و التوطين على العمل به عند الحاجة .

و الحاصل ان التقليد فى اصطلاحهم هو مجرد الانقياد و الاستناد و الالتزام القلبى و العمل الجارى على طبق قوله ام يكون معناه مختلفا بينهم و جهان .

و كيف كان فالمهم تعرض معناه فان الظاهر من كلام كل من عرفه بالعمل كما عرفت هو الثانى و صريح جماعة من متاخرى المتأخرين هو الاول حيث صرحوا بتحقق التقليد بأخذ الفتوى لاجل العمل عند الحاجة , و ان لم يعمل بعد .

و فرعوا على هذا بعض ما سيجىء من احكام التقليد , و البقاء على التقليد بعد موت المجتهد .

و يشهد للقول الاول ان الظاهر عدم الخلاف فى معنى التقليد فى الاصطلاح نعم كلامهم بين صريح فى كونه العمل و بين ما لا ينافى الحمل عليه بل ربما


47
عبر الشخص الواحد تارة بالعمل , و اخرى بغيره و لذا لم ينبه احد على وقوع الخلاف بينهم فى ذلك بل عرفت نسبة بعض تفسيره بالعمل الى علماء الاصول .

و يؤيده استدلالهم على حرمة التقليد بمادل على المنع عن العمل بغير العلم .

و يشهد للثانى كونه اوفق بالمعنى اللغوى و اظهر فى عرف المتشرعة و لذا يقال : ان العمل الفلانى وقع عن تقليد الا ان يراد انه وقع على جهة التقليد و قد يقال انه لو كان التقليد هو العمل امتنع ان يقع العمل على جهة الوجوب او الندب اذا كان مما اختلف فيه المجتهدون - كغسل الجمعة - بل امتنع ان يقع مشروعا اذا كان مما اختلف فى مشروعيته - كصلوة الجمعة فى زمان الغيبة و صلوة القصر فى اربع فراسخ - فان وقوع العمل على صفة الوجوب بل المشروعية لا يتحقق الا بالتقليد فلو توقف تحقق التقليد على العمل لزوم الدور و تسليم توقفه على الاخذ بالفتوى و منع صدق التقليد كما ترى .

و يمكن دفعه بان مشروعية العمل أو وجوبه يتوقف على وقوعه على جهة التقليد لاعلى سبق التقليد فاذا فرضنا ان هنا مجتهدين .

احدهما يرى وجوب الجمعة .

و الاخر يرى وجوب الظهر فالمكلف يتخير بين ايقاع الجمعة وجوبا على جهة التقليد للاول , و بين ايقاع الظهر كذلك على جهة التقليد للثانى , و كذا الكلام فى غسل الجمعة فانه يتخير بين ايقاعه وجوبا على جهة التقليد لموجبه و بين ايقاعه ندبا على جهة التقليد لنادبه فلا يتوقف العمل على سبق صفة الوجوب له بل يكفى ان يكون للمكلف ان يأتيه على وجه الوجوب فافهم .

اذا عرفت موضوع التقليد فالكلام يقع تارة فى حكمه , و اخرى فى القلد بالكسر , و ثالثة فى المقلد بالفتح , و رابعة فى المقلد فيه .


48

اما حكم التقليد فالمعروف بين اصحابنا جوازه بالمعنى الاعم و ينسب الى بعض اصحابنا القول بالتحريم و يحكى عن بعض العامة .

و الحق هو الاول للادلة الاربعة آيتا النفر و السؤال ( 1 ) و السنة المتواترة الواردة فى الاذن فى الافتاء و الاستفتاء عموما و خصوصا منطوقا و مفهوما ( 2 ) و الاجماع القولى و العملى عليه و حكم العقل بانه بعد بقاء التكليف و انسداد باب العلم , و عدم وجوب الاحتياط للزوم العسر اذا دار الامر بين العمل على الاجتهاد الناقص الذى يتمكن منه العامى , و العمل على التمام الذى يتمكن منه المجتهد , كان الثانى ارجح لكونه اقرب الى الواقع لكن العمدة من هذه الدلالة الاجماع و السنة .

ثم ان التحقيق ان التقليد انما يجب مقدمة للامتثال الظاهرى للاحكام الواقعية لان هذا هو المستفاد من جميع ادلته , و ليس له وجوب نفسى و لا شرطى للعمل شرطا شرعيا و يترتب على ذلك امور :

منها انه لو لم يتنجز على المكلف الاحكام الواقعية لغفلته عنها رأسا و عدم علمه الاجمالى هنا فلا وجوب للمقدمة لعدم وجوب ذيها .

و منها انه لو احتاط العامى و احرز الواقع فى عمله صح عمله و يترتب عليه اثره سواء كان فى المعاملات و العبادات .

اما الحكم فى المعاملات فهو اجماعى لان المقصود فيها ترتب الاثار على اسبابها الواقعية و المفروض احرازها بالاحتياط فمن اوقع بالعقد العربى محترزا عن الخلاف فى اعتبار العربية فيها فلاوجه لعدم ترتب الاثر الواقعى عليه .

و اما العبادات فالاقوى فيها ذلك أيضا و انكان ربما ينسب الى المشهور

( 1 ) التوبة 122 و الانبياء 7

( 2 ) راجع كتاب القضاء و الشهادات من وسائل الشيعة


49
خلافه بل المحكى عن السيد الرضى ره فى مسئلة الجاهل بحكم القصر الاجماع على ان من صلى صلوة لا يعلم احكامها باطلة .

و عن اخيه السيد المرتضى رض تقريره على هذه الدعوى لكن الاقوى خلافه و عدم ثبوت هذا الاجماع , بل فى شمول معقده لما نحن فيه تأمل .

و وجه المختار ان المقصود منها ايتان المأمور به بقصد القربة .

و هذا حاصل مع الاحتياط فيسقط وجوب التقليد فيها , و دعوى لزوم التقليد فيها على العامى انكان من جهة اشتراطه فيها شرعا , فلا دليل عليه بل الدليل على خلافه من اطلاقات الاوامر و اطلاق ادلة الاطاعة و القضية المشهورة من ان الناس صنفان مجتهد و مقلد , ان اريد وجوب انتهاء العمل الى احدهما فهو مسلم لان الاكتفاء بالاحتياط فى خصوص المسائل لابد ان يكون من تقليد , او اجتهاد , و ان اريد منها وجوب الاجتهاد او التقليد فى كل مسئلة على الخصوص فهو من المشهورات التى لا اصل لها , و انكان من جهة لزوم نية الوجه فى العبادات و هى موقوفة فى حق العامى على تميزها بالتقليد .

ففيه انه لا دليل على اعتبار نية الوجه بل الدليل على خلافة من اطلاقات الاوامر و بناء العقلاء على الاكتفاء بها فى الاطاعة .

توضيح الامر فى ذلك : ان نية الوجه و هى الوجوب او الندب لا يعقل ان يكون مأخوذا ملحوظا فى ذات المأمور به المتصفة بالوجوب او الندب لان نية الوجه مما يلحق المأمور به بعد تعلق الامر به فلا يعقل اخذه فى موضوعه فتعين ان يكون على تقدير اخذه فى العبادة مأخوذا و ملحوظا فى غرض الامر و داعيه على الامر كما ان اعتبار نية القربة فى العبادات على هذا الوجه بمعنى ان داعى الامر على الامر و غرضه هو ايقاع المأمور به بعد الامر بقصد التقرب و امتثال الامر لا ان الامر تعلق بايتان الفعل بقصد التقرب .


50

ثم ان الاصل فى الامر بالشىء ان يكون الغرض منه نفس حصول المأمور به لانه المتبادر منه لغة و عرفا و لهذا لو شك فى اعتبار نية الوجه كان مقتضى الاصل عدمه .

ثم اذا ثبت وجوب نية التقرب و كون العمل من العبادات ثم شك فى اعتبار نية الوجه فى الداعى بمعنى ان الداعى هو مجرد اتيان المأمور به على وجه التقرب المطلق , و هو مع قصد التقرب به على الوجه الثابت له من الوجوب او الندب , كان اللازم الرجوع الى اطلاقات ادلة الاطاعة المتحققة فى عرف العقلاء باتيان الفعل بمجرد كونه مقربا الى الله تعالى من غير تعرض للوجه الثابت و قصد ذلك الوجه .

نعم لو ثبت من الخارج دليل من اجماع او غيره على عدم كفاية الاحتياط كما هو الظاهر فيما اذا كان الاحتياط يحصل من تكرار العمل الواحد مرة او مرات متعددة كشف ذلك عن ان الداعى على الامر بذلك العمل هو الايتان به مقرونا بقصد وجهه .

و الحاصل ان الاحتياط قد يحصل باتيان الفعل مستجمعا لما يحتمل مدخليته فيه , و قد لا يحصل الا بالاتيان بامرين يعلم بكون احدهما هو الواجب و الامر ان قد يكونان جهتين متغايرتين - كالظهر و الجمعة و القصر و الاتمام - و قد يكونان فردين لمهية واحدة نحو الصلوة تارة مع الجهر بالبسملة , و تارة اخرى مع اخفاتها بناء على احتمال الوجوب و التحريم فى الجهر بالبسملة و الاحتياط فى الاول لاضيرفيه على المختار و لم يقم على بطلانه دليل بل الشهرة غير محققة على خلافه فضلا عن الاجماع المتقدم عن السيدين ( رض ) و الاحتياط على الوجه الثالث الظاهر ان المشهور عدم صحته بل لا يبعد دعوى عدم الخلاف فيه بل قد يدل على بطلانه لزم تكراره مرات متعددة بحيث يعلم من طريقة الشرع عدم مشروعيتها .


51

و اما الاحتياط على النحو الثانى فالظاهر عدم انعقاد اجماع على بطلانه خصوصا اذا علم ان المفتى ايضا يفتى ان الاحتياط يقتضى ان يأتى بعد الفعل المفتى بوجوبه بالفعل الاخر بنية القربة فالحاقه بالاول فى الاكتفاء به عن التقليد لا يخلو عن قوة لكن الاحوط فى الجميع عدم الاكتفاء بالاحتياط خروجا عن الخلاف .

و منها انه لو لم يبن على احراز الواقع بالاحتياط مع ترك التقليد لكنه اتفق مطابقة عمله للواقع صح العمل , و يترتب عليه الاثر اما فى المعاملات فظاهر , و اما فى العبادات فمع فرض تأتى نية التقرب منه حين الشروع من غير تفرقة بين القاصر و المقصر فى ذلك ولا فى سقوط العقاب نعم الفرق بينهما على مخالفة العمل للواقع فان المقصر يستحق العقاب مطلقا مع وجوب الاعادة و القضاء عليه عند انكشاف المخالفة و القاصر لا يستحق العقاب و ان وجب عليه الفعل ثانيا مع انكشاف الخلاف .

ثم الحكم هنا بالصحة اولى من الاحتياط لان المحتاط لا يتمكن من نية الوجه بل غاية ما يحصل منه نية القربة و الافقد لا يحصل منه قصد التقرب منه بالعمل الخاص , بل يقصد حصول التقرب من فعل هذا و فعل الاخر كما فى الاحتياط بتعدد العمل أو تكراره بخلاف ما نحن فيه , فان من تعلم الصلوة من ابويه و يفعلها بنية الوجوب , ثم صادف الواقع فقد احرز الواجب مع قصد الوجه نعم قد يدعى ان هذا لا يتأتى من المقصر اذ مع تفطنه بوجوب التقليد و احتمال كون فتوى من يجب الاخذ منه مخالفا لما يعلم من ابويه كيف يتاتى منه نية القربة ؟ لكن الانصاف امكان فرضه فان كثيرا من المقصرين يعتقدون ان ما يفعلونه من التقصير ايضا مقرب بل قد ينهون عن شىء فى العبادة كالغصب فى مكان الصلوة او فى ماء الطهارة لكنهم يأنون به اعتقادا منهم انه مقرب , و ان فعله خير من تركه


52
و ان فيه ثوابا لكن دون الثواب الفرد المباح و كذا من لا يحسن قرائة الفاتحة و السورة فانه يصلى فى سعة الوقت و ان نبه على عدم جوازه .

و الحاصل انا نجد منهم نية القربة مع تنبههم لعدم كون هذا الفعل مقربا و لعله من تسويل النفس لكن الظاهر كفايته اذا طابق المأتى به الواقع .

ثم المخالف فى العبادات هو المشهور و فى المعاملات بعض المعاصرين حيث زعم خلافا للمشهور بل الاجماع ان المعاملة الواقعة لاعن تقليد ولا عن اجتهاد لا يترتب عليه اثرها الوضعى اذا كان ترتب الاثر من المسائل الخلافية بين المجتهدين مع اعترافه بان المعاملة التى يترتب عليه الاثر من دون خلاف لا يعتبر فى صحتها احد الامرين و فرق بين المقسمين بأن المعاملة الاجماعية تكون صحتها واقعية غير تابعة لاجتهاد مجتهد بخلاف المعاملة المختلف صحتها فان الصحة الواقعية غير معتبرة بالنسبة الى الجاهل لعدم تكليفه فى الواقع , فهى ملغاة بالنسبة الى المكلف عند عدم السبيل اليها لو فرض ثبوتها واقعا , و اما الصحة الظاهرية فتحققها تابعة لفعلية الاجتهاد أو التقليد فحيث لا تقليد ولا اجتهاد , فلا صحة و عدم الصحة تكفى فى الفساد , فلا يقال أن الفساد أيضا كالصحة فى أن الواقعى منه ملغى فى الظاهرى تابع لفعلية الاجتهاد أو التقليد و المفروض الانتفاء لان مجرد عدم ثبوت الاثر للمعاملة كاف فى الفساد , و ليس الفساد بحكم نفس الجاهل حتى يقال ان الصحة كما يحتاج الى الاجتهاد و التقليد , فكذلك الفساد بل المراد أن هذه المعاملة الخالية من التقليد اذا عرضت على المجتهد فحيث لا يجدها مؤثرة الوقوع به لما فرض من تبعية تاثيرها لفعلية الاجتهاد أو التقليد يحكم بكونها غير مؤثرة , و هو معنى الفساد , لكن هذا القول غير خفى فساده لمنع ما ذكره من الغاء الواقع بالنسبة الى الجاهل لان الجاهل تفصيلا العالم اجمالا بوجود واجبات و محرمات يجب عليه امتثال تلك الاحكام فعلا و تركا


53
خصوصا مثل اكل مال الغير الذى يعلم تفصيلا بحرمته فاذا وقع معاملة و لم يقصر فى معرفة حكمها تقليدا أو اجتهاد احل له أكل كل ما ينتقل اليه بتلك المعاملة و أن كان فى الواقع مال الغير , و اما اذا وقع معاملة من دون اجتهاد أو تقليد , فاتفق مخالفته للواقع فلا وجه لعقابه لما عرفت من عدم وجوب التقليد الا مقدمة , فيسقط وجوبها عند تحقق ذى المقدمة بدونها ثم اذا رجع الفاعل الى المجتهد افتاه بصحة تلك المعاملة و كونه سببا واقعيا حل له ترتب الاثر عليها بعد ذلك , و ان لم يكن كذلك فى الواقع نعم على تقدير مخالفة الفتوى للواقع يعاقب على اعماله السابقة الواقعة عن تقصير و قد زعم المعاصر المتقدم أن فتوى المجتهد بصحة تلك المعاملة نظير الاجازة فى الفضولى فقال أن كونه مثلها يحتاج الى دليل و منشأ هذا التوهم مازعمه من نفى الصحة عنها حين الوقوع لخلوها عن الاقتران بالتقليد أو الاجتهاد و أن كان فى الواقع صحيحا , و قد عرفت فساده و أن الاجتهاد و التقليد طريقان مجعولان شرعا لاحراز الواقع فكلما ثبت صحة وقوع عمل طبق الواقع باحد الطرفين يترتب عليه آثاره من حين الوقوع كما لو ثبت صحته بالطريق الغير الجعلى و هو العلم بالواقع , و أما الكلام فى المقلد بالكسر فاعلم أنه لا اشكال فى أنه يجوز التقليد للعامى الصرف و كذا العالم الغير البالغ رتبة الاجتهاد و هو موضع وفاق منا و هل يجوز لمن له ملكة الاجتهاد , التقليد فيما لم يجتهد فيه فعلا ام يتعين عليه الاجتهاد ؟ قولان المعروف عندنا العدم بل لم ينقل الجواز عن أحد منا و أنما حكى عن مخالفينا على اختلاف منهم فى الاطلاق و التفصيلات المختلفة نعم اختار الجواز بعض سادة مشايخنا فى مناهله و عمدة ادلة القائلين بالمنع الاصل بتقريرات و عموم الادلة الدالة على وجوب الرجوع الى الكتاب و السنة فى الاحكام خرج
54
منها القاصر عن ذلك و عمدة ادلة الجواز استصحاب جواز التقليد و عموم ادلة السؤال عن أهل الذكر و لايرد عليها أقتضائهما الوجوب المنفى فى حقه اذ جواز الاجتهاد لا ينافى وجوب التقليد مالم يجتهد لدخوله فى عنوان الجاهل , و ربما ايد لذلك - بل أستدله عليه - باستمرار السيرة من زمن الائمة عليهم السلام الى ما بعده على الرجوع الى فتاوى الغير مع التمكن من الاجتهاد لرفع الحرج على المجتهد لو التزام بوجوب تحصيل جميع مسائل اعماله بمجرد وجود الملكة فيه .

و يرد على الاستصحاب ان صحة التقليد انما كان لموضوع القاصر عن الاستنباط ولا أقل من الشك فى ذلك و قد بينا ان فى مثل هذه المواضع لا يجرى الاستصحاب عندنا نعم ظاهر المشهور اجرائه فى أمثال المقام , و الجواب عنه حينئذ ان عمومات وجوب الرجوع الى الكتاب و السنة الحاكمة على الاستصحاب .

فان قيل ان العمومات تحكم على الاستصحاب اذا كان خروج العامى عنها من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز اذ حينئذ يبقى غيره أما لو خرج بالشرع , ولا نعلم ان حكم المخصص عليه باق الى أن يصير عالما بالفعل , أو الى أن يصير عالما بالقوة فمقتضى استصحاب حكم المخصص بقائه و ليس هذا من قبيل استصحاب حكم المخصص فى زمن الشك فى بقائه كما قرر فى محله .

قلت هذا حسن لو كان الشك فى الحكم من جهة الزمان أو من جهة شمول العام للعنوان المسبوق بعنوان المخصص فنقول فى المقامين الاصل بقاء حكم المخصص أما لو كان الشك فى شمول العام لعنوان مقابل لعنوان المخرج الا انه قد يكون مسبوقا به فان المرجع هنا اصالة العموم , فان العالم المتمكن من الاجتهاد الفعلى هنا عنوان مقابل العامى قد يكون مسبوقا به و قد لا يكون


55
كما فيمن بلغ الحلم عالما متمكنا من الاجتهاد فان مرجع الشك هنا الى وحدة المخرج , و تعدده لا الى بقاء الحكم فى الزمان اللاحق للمخرج و عدمه فافهم و اغتنم , و أما عدم وجوب السؤال و وجوب قبول انذار المنذرين فان المأمور بسؤال أهل الذكر غير أهل الذكر و المراد به على تقدير كونه أهل العلم هم المتمكنون من تحصيل العلم بمجرد المراجعة الى الكتاب و السنة لا العلماء بالفعل , و حينئذ فالمأمور بالسؤال من لم يتمكن من تحصيل العلم بمراجعة الادلة فيختص بالعاجز عن الاجتهاد و قوله تعالى ان كنتم لا تعلمون ( 1 ) لا تدل على ارادة أهل العلم الفعلى مضافا الى تفسير أهل الذكر بالائمة عليهم السلام ( 2 ) فدلت على وجوب رجوع كل أحد الى الائمة عليهم السلام و أقوالهم خرج منه العاجز عن ذلك و هو العامى فالاية من أدلة المنع لا الجواز و أما آية النفر فان قلنا ( 3 ) بدلالتها على وجوب قبول خبر الواحد , فهى أيضا من أدلة المنع لا الجواز كما لا يخفى , و ان قلنا بعمومها للخبر و الفتوى فنقول ليس فى الاية تعرض لتفصيل من يجب انذاره بالافتاء و من يجب انذاره بالاخبار و اطلاقها مسوق لبيان حكم آخر و هو وجوب الانذار عليهم و وجوب الحذر على المنذرين و أما وظيفة المنذرين فى الحذر و ان حذر بعضهم بالاخبار و بعضهم بالفتاوى فليست الاية مسوقة له , و ان قلنا باختصاصها بالفتوى , فنقول ان الظاهر من جعل الانذار بالفتوى غاية للتفقه أو النفر عجز المنذرين عن التفقه و لو بالرجوع الى أخبار المنذرين فيختص بالعاجز عن الاجتهاد اللهم الا أن يقول حصول الغاية بالافتاء مبنى على عجز أغلب القوم عن الاجتهاد ولكن لا يجوز أن يختص

( 1 ) الانبياء 7 .

( 2 ) لاحظ اصول الكافى ج 1 ص 12 الى 212 .

( 3 ) التوبة 122 .


56
القوم بالعاجزين لاجل هذه الغلبة لان العام الاصولى لا يحمل على بعض أفراده بمجرد الغلبة مع ما تقدم منا فى مسئلة حجية خبر الواحد من عدم دلالة الاية على حجية الانذار الذى لا يفيد العلم للمنذرين سواء كان بطريق الاخبار أم بطريق الافتاء و ذلك للاخبار المعتبرة المستفيضة التى وقع الاستشهاد فيها بالاية على وجوب تحصيل المعرفة بامام الزمان عليه السلام لمن بعد عن بلد الامام فراجع ما ذكرنا هناك ( 1 ) أو باب ما يجب على الناس عند مضى الامام من اصول الكافى ( 2 ) .

و أما قوله عجل الله فرجه و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتى عليكم ( 3 ) , فالجواب انا نقول ان المجتهد من الرواة فهو مأمور بالرجوع لا بالرجوع الى غيره هذا اذا قلنا ان المرجع الى فتاويهم و ان اريد الرجوع الى روايتهم كان دليلا على المنع لا الجواز و يجب على كل أحد حينئذ العمل بالروايات خرج العاجز عن ذلك .

و أما ما ذكره من الاستدلال بالسيرة , و ان العلماء لايزالون يتركون الاجتهاد فيما يحتاجون الى المسائل و لذا يختارون الاسفار المباحة الراجحة مع العلم بعدم اجتهادهم فعلا فيما يحتاجون اليه .

فالجواب عن ذلك منع ذلك الامع سلوك طريق الاحتياط و أما لزوم الحرج عليهم بالتزامهم بالاجتهاد أو الاحتياط , فهو ممنوع لان الواجب الاجتهاد فى المسائل المحتاج اليها غالبا تدريجا الاهم فالاهم نظير ما يجب على المقلد التقليد فيه .

( 1 ) لاحظ الرسائل مبحث حجية خبر الواحد .

( 2 ) ج 1 ص 378 الى 380 .

( 3 ) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضى الحديث : 9


57

و أما المسائل التى يتفق أحيانا فأما أن يحتاط فيه و ان قام دليل على عدم وجوب الاحتياط قلد فيه اذا لم يتيسر له الاجتهاد لاشتغاله بالاجتهاد فى الاهم منه , أو بشغل آخر أهم منه و كذلك اذا لم يتمكن من الاجتهاد فى المسئلة لعدم الاسباب أو لوجود مانع .

ثم ان المجتهد فعلا لا يجوز له التقليد اجماعا ولا فرق ظاهرا بين من استنبط الحكم الواقعى بالعلم أو الظن و بين من توقف فى المسئلة لتعارض الادلة أو عدمها فان وظيفته الرجوع الى الاصول لا التقليد لعدم جريان أدلة التقليد لان ظاهرها الجاهل الغير المتمكن من الرجوع الى الدلالة لا من يراجع و لم يجد دليلا و اعتقد عدمه بخطأ من يدعى الدليل و مثله القول فى الرجوع الى الشاهد و أهل الخبرة فانه لا يرجع اليهما مع العلم بخطائهما فى توهم ما لا يصلح الاستناد اليه , لكن هذا يتم لو أطلع على خطاء ذلك المجتهد دون من احتمل استناده الى مستند صحيح لم يطلع هذا المتوقف عليه فالاحسن الرجوع الى الاجماع و سيرة المجتهدين .

و أما الكلام فى المقلد بالفتح , فنقول انه يعتبر فيه أى : فى تحقيق عنوانه بعد تحقيق عنوان المجتهد فيه ضرورة تأخر عنوانه عن عنوان المجتهد امور : البلوغ , و العقل , و الايمان , و لا اشكال فى اعتبار هذه الثلاثة و الظاهر ان الاجتهاد فى حال الصغر , أو عدم الايمان , و كذا الافتاء حالهما لا يضر اذا كان فى زمان العمل بالغا مؤمنا ولا اشكال أيضا فى كون العدالة شرطا و انما الاشكال فى ان المشروط بها هى قبول أخباره بفتواه أو جواز العمل بفتواه , و تظهر الثمرة فيما لو علم صدقه بأخباره بفتواه , و أخبر بها حال عدالته , و علم فتواه من غير جهة أخباره و ظاهر تمسك بعضهم فى اعتبارها بوجوب التثبت بخبر الفاسق و بعدم كونه أمينا و بعدم قبول شهادته المستلزم لقبوله بطريق اولى , هو الاول لكن


58
ظاهر معاقد اجماعاتهم فى عدم جواز استفتاء المجتهد الغير الورع هى المنع عن العمل بقوله و ان علم بفتواه من خبره , أو الخارج و يؤيده عطف الورع على الاجتهاد فى قولهم لابد فى صحة استفتاء العالم من اجتهاده و ورعه .

و يدل عليه مضافا الى ظاهر الاجماعات المنقولة ما تقدم فى التوقيع من قوله عجل الله فرجه فانهم حجيت عليكم ( 1 ) فان الحجية المطلقة فى الفتوى و الرواية لا تكون الا مع العدالة فالمراد بالرواة عدولهم فينحصر الحجية فى العدول لان أمره عليه السلام بالرجوع الى العدول فى مقام السؤال عن المرجع يدل على الحصر كما لا يخفى الا أن يقال لا نسلم وجود الدليل على تقييد الرواة بالعدول فى الرواية اذ يحتمل أن يكتفى بالظن بالصدق مع كونه اماميا , فيكون الحجة قول الامامى المظنون الصدق فى الرواية و الفتوى فلا يدل على اعتبار العدالة فضلا عن كونها معتبرة فى العمل .

و ربما يستدل على اعتبار العدالة فى العمل بقوله عليه السلام و أما من كان من الفقهاء حافظا لنفسه صائنا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه ( 2 ) لكن بملاحظة صدر الخبر و ذيله يعلم ان المراد اعتبار العدالة من جهة الامن من الكذب فى الرواية و الافتاء بغير ما أنزل الله تعمدا .

و من جملة الشرائط حياة المجتهد فلايجوز تقليد الميت على المعروف بين أصحابنا بل فى كلام جماعة دعوى الاتفاق أو الاجماع عليه , ففى القواعد الملية فى شرح الجعفرية حكاية الاجماع عن المحقق الثانى و غيره على ذلك بعد أن استظهر بنفسه الاتفاق على ذلك أيضا و عن مسالك دعوى تصريح الاصحاب باشتراط الحياة فى العمل بقول المجتهد و عن الرسالة التى صنفها فى هذه

( 1 ) راجع ص 56 .

( 2 ) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب صفات القاضى الحديث : 20 .


59
المسئلة دعوى قطع الاصحاب على انه لا يجوز النقل عن الميت و ان قوله يبطل بموته .

و عن الوحيد البهبهانى قده فى بعض كلامه[ ( انه أجمع الفقهاء على ان المجتهد اذا مات لاحجية فى قوله]( , و فى المعالم العمل بفتاوى الموتى مخالف لما يظهر من اتفاق أصحابنا على المنع من الرجوع الى فتوى الميت مع وجود الحى]( , و فى رسالة ابن أبى جمهور الاحسائى ما يظهر منه دعوى اجماع الامامية على انه لا قول للميت , و فى كلام بعض مشايخنا المعاصرين دعوى تحقق الاجماع على ذلك الى غير ذلك مما ربما يطلع عليه المتتبع .

و قد بلغ اشتهار هذا القول الى ان شاع بين العوام ان قول الميت كالميت و هذه الاتفاقات المنقولة كافية فى المطلب بعد اعتضادها بالشهرة العظيمة بين الاصحاب حتى أن الشهيد أنكر من ادعى وجود القائل به , فقال : ان بيد أهل العصر فتوى مدونة على حواشى كتبهم ينسبونها الى بعض المتأخرين يقتضى جواز ذلك ثم أخذ فى تزييف ذلك بعد القدح فيها بمخالفتها لفتوى المعروفين من أرباب الكتب و التصانيف من الامامية بوجوه :

منها انها غير مصححة السند ولا متصلة بالنسبة الى من نمى اليه .

و منها انها مشتملة على جواز الحكم و القضاء للقاصر عن درجة الاجتهاد مع ان الاجماع واقع على بطلان ذلك , ذلك منقول و مصرح , فيكفى بها عارا و منقصة انتهى موضوع الحاجة .

و يدل على المنع مضافا الى ما ذكر اصالة عدم الحجية لعدم شمول ما دل على جواز التقليد و الرجوع الى العلماء لما نحن فيه أما الاجماع فواضح الاختصاص و نحوه آية السؤال و النفر ( 1 ) فان الموجود فيهما الامر بالرجوع

( 1 ) الانبياء 7 و التوبة 122 .


60
الى العلماء عموما و خصوصا .

و أما العقل فهو لا يدل على جواز التقليد الا بعد ثبوت انسداد باب العلم و الظن الخاص للمقلد و المفروض قيام الادلة الثلثة على اعتبار قول المجتهد الحى فلا يجوز التعدى منه الى ما لم يعم عليه دليل الا بعد عدم كفاية الظن الخاص و المفروض تمكن المقلد من الحى .

و ربما يتمسك للمنع بوجوه اخر ضعيفة لاتنهض للدلالة عليه مطلقا أو مالم يرجع الى الاصل المتقدم مثل ان المناط فى العمل ظن المجتهد الذى ينعدم بموته و مثل انالميت لاعبرة بمخالفته بتحقق الاجماع .

ثم ان بعض المتأخرين من المحدثين مال الى تقوية خلاف ما عليه المشهور من جواز تقليد الميت و بما يستظهر من كلام الصدوق رض فى ديباجة الفقية بل و من الكلينى قده فى ديباجة الكافى و من العلامة فى بعض كلماته على ما حكاه ولده عنه و كل ذلك ضعيف دلالة و سندا .

و ربما استدل عليه بعض من انتصره بوجوه أقواها وجوه :

أحدها الاستصحاب لان المجتهد فى حال حياته كان جائز التقليد ولا دليل على ارتفاع الجواز بالموت فيستصحب .

الثانى ان عمدة أدلة التقليد دليل الانسداد حيث ان باب العلم بالواقع منسد و ليس للمقلد أقرب الى الواقع أمارة أقرب من قول المجتهد و من المعلوم ان لا فرق فى القرب الى الواقع بين الحى و الميت و لافرق فى مقتضاها بين قول الحى و الميت .

و توهم وجوب الانتصار فى مقتضى دليل الانسداد على القدر المتيقن و هو قول الحى , مدفوع فى محله بأن دليل الانسداد ليس كاشفا عن حكم الشرع بالعمل بالظن النوعى للمقلد حتى تكون الفضية مهملة يجب الاقتصار فيها


61
على المتيقن و انما هو حاكم و منشأ للحكم بتعين الاطاعة الظنية بعد عدم وجوب الاطاعة العملية للتعذر أو التعسر ولا اهمال ولا اجمال فى حكم العقل حتى يؤخذ المتيقن و يترك المشكوك و تمام الكلام فى محله .

الثالث اطلاق بعض الاخبار مثل قوله عليه السلام فى التوقيع المروى فى الاحتجاج و الغيبة و اكمال الدين من قوله عجل الله فرجه و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا فانهم حجتى عليكم و انا حجة الله ( 1 ) فان صدره و ان كان ظاهرا بل صريحا فى كون المرجع حيا الا ان التعليل بكونهم حجة على الناس يقتضى عدم الفرق بين حالتى حيوتهم و موتهم .

و يرد على الاستصحاب مامر مرارا من عدم جريانه فيما يحتمل مدخلية وصف فى عنوان الحكم كالحيوة فيما نحن فيه مع انه يجب رفع اليد عنه على تقدير الجريان للحكايات المتقدمة للاجماع و الاتفاق المعتضدة بالشهرة العظيمة حتى انه لم يوجد مخالف معروف الى زمان بعض المتأخرين .

و على دليل الانسداد انه لا يجرى فيما اذا لم يكن لمكانته طريق خاص منصوص من الشارع , و التقليد طريق خاص ورد التعبدبه بالاجماع , و سيرة المسلمين , و الاخبار المتواترة الدالة على جواز الافناء و الاستفتاء فى الجملة و حينئذ فلما لم يعلم ان الطريق الخاص تقليد المجتهد مطلقا أو خصوص الحى وجب الاخذ بالمتيقن و هو الحى .

و نظير هذا اذا قام الدليل الخاص على حجية خبر الواحد بالخصوص فى الجملة و كان هناك قدر متيقن كاف فى معظم الاخبار عنه وجب الاخذ به و لم يصر الى حجية مطلق الظن , و على الروايات ان الظاهر من موردها على تقدير دلالتها على التقليد هو الرجوع الى الحى و ان لم تدل على اعتبار

( 1 ) راجع ص 58 .


62
الحيوة بل يمكن ان يستدل من الحصر المستفاد من مقام تحديد المرجع على عدم جواز الرجوع الى غير الحى فافهم .

و ينبغى التنبه على أمرين :

الاول : انه لافرق فى ظاهر كلمات الاكثر و معاقد اجماعاتهم و موارد استدلالاتهم على عدم جواز تقليد الميت بين تقليده ابتداء و البقاء على تقليده لان لفظ التقليد سواء جعلناه بمعنى العمل بقول الغير أو الاخذ و الالتزام به ليس من الامور التى ينعدم بمجرد حدوثه كالمتكلم مثلا بل قابل للاستمرار فلفظه يصدق على وجوده الاولى المعبر عنه بالحدوث و الثانوى المعبر عنه بالبقاء هذا ما كان من فتاويهم و موارد اتفاقهم مشتملا على لفظ التقليد .

و منه يظهر وجه الاطلاق فيما اشتمل منها على لفظ العمل بقول الميت أو الاخذ به , و أما باقى موارد اتفاقاتهم و استدلالاتهم فدلالته على الشمول للبقاء أوضح مثل استدلالهم على المنع بان مناط المقلد هو ظن المجتهد و هو يزول بزواله فان هذا الاستدلال و ان فرض فساده الا انه يكشف عن عموم المنع فى موارد الاستدلال للبقاء أيضا و نحوه استدلالهم بانعقاد الاجماع على ان بعد موته لا يعبأ به .

و مثل ما تقدم من الوحيد البهبهانى ( قده ) من دعوى اجماع الفقهاء على ان المجتهد اذا مات فلا حجة فى قوله و حكاية بعض المعاصرين عن شيخه الاحسائى اجماع الامامية على انه لا قول للميت و كذا ما اشتهر بين الخواص و العوام من ان قول الميت كالميت و تأويل كل ذلك بما يرجع الى ابتداء التقليد من دون دليل عارف يوجب فتح باب التأويل ورد الاستدلال بالظاهر فى كل كلام .

و مما ذكرنا يظهر انه لا وجه للتمسك للجواز بالاستصحاب مع انك قد


63
عرفت الكلام على مثله فى التقليد الابتدائى مع ان الاستصحاب يوجب جواز الابتداء أيضا و دعوى خروجه بالاجماع , شطط لان الاجماع ان استفيد من الفتاوى فقد عرفت ظاهر كلماتهم فى فتاويهم و موارد اجماعاتهم و استدلالاتهم و ان اخذ من غير ذلك فلا يعبأ بدعوى من يدعى الاجماع مع مخالفته لظواهر ما ذكرنا من الاصحاب , و ربما يتمسك بالسيرة المستمرة من زمان أصحاب الائمة عليهم السلام فانا لم نسمع بمن اعتبر أمر الناس بالعدول بعد موت قائلة ولا أحد أعدل كذلك مع توفر دواعى نقله .

و فيه ان فتاوى أصحاب الائمة عليهم السلام على ضروب أحدهما ما يعلم كونه مأخوذا من الرواية المعتبرة المنقولة فيؤخذ كما يؤخذ الرواية و يصنع كما يصنع كما حكى غير واحد مثل ذلك فى فتاوى على ابن بابويه ( ره ) و كذلك فى فتاوى الشيخ ( قده ) حيث ذكروا ان من تأخر عنه من العلماء مقلدون له فان المراد بالتقليد فى ذلك نظير قوله عليه السلام فللعوام ان يقلدوه ( 1 ) مع انه فى مقام تجويز أخذ الخبر و الحكاية عن العلماء .

و منها ما كان من قبيل الرواية المنقولة بالمعنى مع اطمينان السامع بعدم وجود المعارض له و عدم صدوره تقية لحسن ظنه بمن اخذ منه فيحصل الاجتهاد من نفس ذلك الخبر من غير حاجة الى شىء آخر و كأن من اوجب الاجتهاد عينا لاحظ ذلك و لاحظ سهولة تحصيل الاجماع فى الاجماعيات .

و منها ما يفيد القطع للسامع خصوصا اذا كان ممن لا يلتفت الى الاحتمالات كالعوام و النسوان .

و منها ما يكون بطريق محض التقليد مع عدم القطع بل الظن أيضا بمطابقته للواقع .

( 1 ) راجع ص 58 .


64

ولا يخفى ان دعوى السيرة فى الثلثة الاولى لاتنفع و فى الرابع ممنوعة جدا و أما دعوى حكم العادة بانه لو لم يجز البقاء لوصل المنع مع توفر الدواعى , فيردها ان ما وصل من المنع عن تقليد الميت من الاجماعات و الفتاوى الكاشفة عن وجود مستند شرعى كاف فى المنع عن البقاء .

و ربما يستدل على البقاء بما يفهم من امثال قوله عليه السلام و اما الحوادث الواقعة فيها فارجعوا الى رواة احاديثنا فانهم حجتى عليكم و انا حجة الله عليكم ( 1 ) حيث ان ظاهر الرجوع فى الوقايع كفايته لجميع افراد تلك الواقعة حتى المتجددة منها بعد موت المرجع .

و فيه بعد الاغضاء عن دعوى اختصاص الخبر باخذ الروايات ليستدل بها على الوقايع على ما هو شان صاحب التوقيع و هو اسحاق بن يعقوب عن دعوى ظهوره فى المرافعات لانها التى ترجع فيها بعينها الى العلماء دون الحوادث الواقعة التى هى فرد من المسائل الكلية فيكون الرجوع فى عنوانها دون شخصها و يشهد لما ذكرنا ان وجوب رجوع العامى المفتى و رجوع العالم الى روايتهم عليهم السلام ليس مما يشكل على مثل اسحق بن يعقوب الذى يروى عنه مثل الكلينى ( رض ) فانه ذكر انى ( 2 ) سئلت العمرى ان يوصل الى كتابا فيه مسائل قد اشكلت على على ان الحجة فى كلام الامام عليه السلام انما وقع محمولا على شخص الراوى للحديث الذى هو عبارة عن انسان و بقاء حجيته بعد موته لا يكون الا بالاستصحاب الذى قد عرفت حاله نعم لو حمل الحجة على قول الرواى لم يحتج بقائها بعد الموت الى الاستصحاب لكن لو بنى على تقدير القول كان تقدير الرواية انسب .

( 1 ) راجع ص 56 .

( 2 ) وسائل الشيعة الباب 11 من ابواب صفات القاضى الحديث : 9


65

ثم ان القائلين بالجواز بين مانع عن العدول عنه الى الحى مستندا الى وجوب البقاء بناء على حرمة العدول عن التقليد كما سيجىء و بين مجوز له و لعل وجهه دعوى الاجماع على عدم وجوب البقاء لكنه ظاهر المنافاة لتمسك هذا القائل فى اثبات الجواز بالاستصحاب لان المستصحب وجوب البقاء فى حال الحيوة . و هو مفروض الانتفاء حال الموت , و بقاء اصل الجواز فى ضمن الوجوب العينى بعد ارتفاعه , غير معقول اللهم الا ان يقول ان الموجود فى السابق شيئان .

احدهما وجوب العمل عينا بفتوى من قلده مالم يختر غيره .

الثانى : انه لا يصح له اختيار الغير بمعنى عدم ترتب اثر عليه و كونه لغوا غيره مفيد لجواز العمل على طبق المعدول اليه و الامر الاول ثابت سواء قلنا بجواز العدول ام لا فيستصحب .

و الثانى : مبنى على جواز العدول عن الميت الى الحى و المفروض جوازه و توضيحه انا نفرض زيدا و عمروا مجتهدين و جاز لبكر تقليد كل واحد منهما فاذا قلد احدهما تعين عليه العمل على طبقة مادام باقيا على تقليد المختار و هذا وجوب عينى و ان قلنا بجواز العدول كما ان تعين الصلوة التام مادام حاضرا لا ينافى جواز السفر ثم ان مقتضى الاستصحاب جواز العدول عنه و اختيار غيره لان ذلك كان له قيل اختيار ما اختاره لكن دل الدليل على عدم جواز العدول عن الحى الى الحى و على جواز الرجوع عن الميت فاستصحاب الوجوب العينى الثابت مادام باقيا لا ينافيه جواز العدول .

نعم لو فرض ان المستصحب وجوب البقاء على تقليد هذا الذى مات لم يعقل الجمع بين هذا الاستصحاب و بالاجماع على جواز العدول و عدم وجوب البقاء نظير ذلك ما اذا ثبت افادة عقد لانتقال العوضين الى المتعاقدين و ثبت


66
وجوب البقاء على هذا و عدم جواز فسخه ثم ثبت الاجماع جواز الفسخ و شك فى بقاء تاثير الانتقال منه فنستصحبه نعم لو كان الدليل على الصحة هو مادل على اللزوم لم يمكن معنى لارتفاع الملزوم و بقاء ما استكشف عنه .

و ينبغى التبينه على امور :

الاول : لو قلد المجتهد الحى فى مسئلة وجوب الرجوع فمات فرجع الى من يفتيه بوجب البقاء لم تشمل فتواه تلك المسئلة للزوم التناقض و اما لو رجع فى المسائل عن مجتهده الذى مات بفتوى الحى ثم مات ذلك المفتى فيرجع الى ثالث افتاه بوجوب البقاء على كل ما قلد فيه فهل يبقى على الاول او على الثانى ؟ و جهان اقويهما الثانى لان تقليد الثانى و رجوعه عن الاول بالنسبة الى المسائل , التى رجع فيها فى حال الحيوة الثانى وقع صحيحا و ان لم يخبر له البقاء على مسئلة الرجوع بالنسبة الى ما بعد موته فلا ينافى ما ذكرناه من عدم شمول حكم الحى بالبقاء لمسئلة وجوب الرجوع التى قلد فيها من مات و ربما قيل بالاول و لعله لان التقليد الثانى فى المسائل المعدول عنها انما هو تقليد فى وجوب الرجوع فاذا كان الافتاء بالبقاء لا يشتمل ما يترتب عليه و المسئلة محل اشكال .

الثانى لو قلنا فى صورة رجوع المجتهد عن فتوبه بانه يجب عليه و على مقلديه رفع اليد عن اثار المعاملات التى وقعت على طبق الحكم المرجوع عنه كرفع اليد عن الزوجية و الملك اللذين اخذهما بالعقد السابق , فهل يجب عليه ذلك ايضا فيما رجع وجوبا او جوازا عن الميت الى الحى المخالف له فى صحة تلك المعاملة الواقعة و جهان فلو قلنا بوجوب رفع اليد عن اثار ما وقع عليه بالتقليد السابق قوى فى الفرع السابق وجوب رفع اليد عن التقليد الثانى المترتب على فتوى الثانى بوجوب الرجوع فافهم .

الثالث : لو قلد فى جواز الرجوع عن مجتهد الى اخر ثم مات فرجع


67
الى من اوجب البقاء فهل يجوز الرجوع عن الميت بناء على تقليده فى مسئلة الرجوع ام لا ؟ صرح بعض بالاول و يحتمل قويا الثانى لان معنى الفتوى بوجوب البقاء حرمة العدول فلا يشمل جواز العدول كما ذكرناه فى مسئلة الرجوع .

الرابع لو قلد من يرى ان التقليد هو العمل لا مجرد الاخذ لاجله فاخذ و لم يعمل و عمل فى مسئلة الاخذ كان عدل عن بعض ما اخذه و لم يعمل بحكم مجتهده بانه ليس تقليدا ثم مات مجتهده فيرجع الى من يرى وجوب البقاء على التقليد بمعنى الاخذ للعمل و ان لم يعمل فهل يجب بقائه على ما اخذ و لم يعمل لانه تقليد عند هذا الحى فيجب البقاء عليه ام لا ؟ لانه قلد تقليدا صحيحا اتفاقيا فى ان هذا ليس بتقليد يجب البقاء عليه و جهان و كذا الوجهان لو انعكس الامر بان قلد من يرى ان التقليد هو الاخذ لاجل العمل و عمل ذلك به معنى انه اتفق له العدول عن بعض مأخوذاته فاستفتى المجتهد فى ذلك فافتاه بحرمة العدول فرجع الى من عدل عنه فمات فرجع الى من يوجب البقاء على التقليد مع كون التقليد عنده هو العمل لامجرد الاخذ .

الخامس لو قلد مجتهدا فى صغره و قلنا بصحة تقليده لصحة عباداته ثم مات المجتهد قبل بلوغه فبلغ فهل يجب البقاء على القول بوجوب البقاء ؟ و جهان بل قولان من عموم وجوب البقاء على التقليد الصحيح و من ان حرمة العدول لم يثبت فى تقليد الصغير فاستصحاب التخيير فى حقه باق .

السادس لو قلنا بوجوب البقاء و حرمة العدول عن تقليد الميت فهل يعم ذلك ما اذا كان الحى المرجوع اليه افضل من الميت ام لا ؟ قيل بالاول و هو حسن لو قلد فى جواز تقليد غير الاعلم مجتهد اعلم فى حال حيوة مجتهده او بعد مماته او قلد فى عدم جواز العدول و لو من غير الاعلم اما لو قلد فى وجوب تقليد الاعلم و لو بالعدول عن غيره اليه لكن فى حال الحيوة لم يكن اعلم ممن


68
قلده ثم حدث بعد موته و هو اعلم منه و لم يكن وجه لوجوب البقاء على تقليد الميت المفضول .

السابع لو قلنا بجواز العدول و كان الرجوع الى مجتهد آخر و اخذ و اجباته المضيقة عنه متعذرا او متعسرا فهل يجوز البقاء حينئذ او حكمه حكم من تعذر عليه التقليد ؟ و جهان و الاحتياط لا يخفى .

الثامن ان حكم صيرورة المجتهد فاسقا او كافرا او مجنونا او عاميا حكم موته فى وجوب العدول عنه كما صرح به المحقق الثانى قده فى حاشية الشرائع حيث قال : و لو عرض للفقيه و العياذ بالله فسق و جنون او طعن فى السن كثيرا بحيث اختل فهمه امتنع تقليده لوجود المانع و لو كان قد قلده مقلد قبل ذلك يبطل حكم تقليده لان العمل بقوله فى مستقبل الزمان يقتضى الاستناد اليه حينئذ و قد خرج عن الاهلية لذلك فكان تقليده باطلا بالنسبة الى مستقبل الزمان انتهى .

و يمكن الاستدلال له باطلاق معاقد الاجماعات فى اعتبار العلم و العدالة عند العمل من غير فرق بين الابتداء و الاستدامة و المحكى عن غير واحد من المعاصرين البقاء فى ذلك كله .

و يدل عليه مضافا الى ذلك و الى ظهور الاجماع المركب بل البسيط ماروى عن عبدالله الكوفى خادم الشيخ ابى قاسم بن روح انه سئل عن كتب ابن ابى الغذافر بعد ما خرجت اللعنة فى حقه فقال الشيخ اقول فيها ما قاله العسكرى عليه السلام حيث سئل عن كتب بنى فضال فقيل له ما نصنع بكتبه و بيوتنا منها ملافقال عليه السلام خذوا مارووا و ذروا مارأوا ( 1 ) فان امر الشيخ ( رض ) بترك راى ابن ابى الغذافر يشمل الفتوى الماخوذة منه المعمولة عليها حال استقامته و حجية قول الشيخ المشار اليه يعلم بالتتبع فى احواله و فيما ورد فى حقه .

( 1 ) معجم رجال الحديث ج 17 ص 54 - 55


69

التاسع : لو لم يتمكن من تقليد مجتهد حى فهل يجوز له تقليد الميت أو يجب عليه الاحتياط أو يجب عليه الاخذ بالظنون المعتمد بها لو تمكن منها مثل العمل على فتوى المشهور و ما ادعى فيه الاجماع و ما ادعى فيه الاجماع و ما أشبه ذلك ؟ وجوه من اطلاق بعض أدلة التقليد كمعاقد الاجماعات المجوزة له فيقصر فى تقييدها بالحى على صورة التمكن التى هى معقد الادلة المتقدمة .

و من ان الرجوع الى الظن الذى لم يقم عليه دليل بالخصوص انما يصار اليه بعد بطلان الاحتياط و هو فى حق غيره ثابت خصوصا اذا كانت المسئلة من المسائل التى فرض الحاجة اليها مع عدم التمكن من المسائل التى فرض الحاجة اليها مع عدم التمكن من الرجوع الى الحى فيها مما لا يلزم من الاحتياط فيها حرج , و من ان وجوب الاحتياط و تقديمه على العمل بالظنون المطلقة غير معروف و لذا اتفقوا ظاهرا على ان المرجع بعد فقد الظنون الخاصة هو الظن المطلق كما تقدم فى مسئلة حجية الظن و فتاوى المسئلة بعد محل اشكال و الاحتياط غير خفى بل هو قوى مع قلة موارده و كون المورد مورد وجوب الاحتياط .

العاشر : لو قلنا بوجوب الرجوع الى المجتهد الفاقد للشرائط بعد تعذر المجتهد الجامع لها ودار الامر بين فاقدى بعض الشرائط كغير البالغ مع المخالف و الفاسق أو الميت ففى تقديم بعضهم على بعض اشكال , و ينبغى الجزم بتقديم غير المخالف عليه لاطلاق مادل على المنع من الرجوع اليهم مثل قوله عليه السلام لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا ( 1 ) .

و ما تقدم من قول العسكرى عليه السلام فى بنى فضال فقال و ذروا ما رأوا ( 2 ) الى غير ذلك .

( 1 ) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضى الحديث 42 .

( 2 ) راجع ص 68 .


70

و أما ماورد من الامر بمخالفة العامة فى الفتاوى و الروايات فهى مسوقة لبيان كون فتاويهم و رواياتهم مخالفا للحق و ليس الكلام فى ذلك اذ الكلام فيمن علم موافقة فتواه و اجتهاده لفتاوى الخاصة و اجتهاداتهم لكونه منهم حين الاستنباط ثم رجع عن الحق .

بقى الكلام فى دوران الامر بين الصغير و الفاسق و الميت و لا يبعد ترجيح غير الفاسق عليه لا لعدم الامن من كذبه لما عرفت من اعتبار العدالة فى العمل و ان فرض القطع بصدقه فى فتواه بل لعلو منصب الافتاء و عدم كون الفاسق لائفا به و لان العمل بقوله كون الى الظالم منهى عنه و فى ترجيح غير البالغ على الميت و من صار عاصيا و العكس و جهان ولا يبعد الاول بناء على ما استدلوا به من ان مناط التقليد هو الظن القائم بنفس المجتهد الذى ينتفى بالموت لكن المنتفى فى الصغير هو وصفه , و هو كون الظن قائما ببالغ فالامر حينئذ يدور بين فوات الموصوف و الصفة و ارتكاب الثانى أولى .

ثم هل تمضى تصرفات المجتهد مما يتعلق بالمنصب كالحكومات و غيرها بعد الموت مطلقا أو لا مطلقا أو يفصل بين ما كان من قبيل الوكالة كوكيله فى بيع مال الصغير فتبطل و غيره فلاوجوه ؟ أوجهها الاخير فيما يرجع من تصرفاته الى فعل الله تعالى كحكمه و سائر تصرفاته المنصبية يمضى .

و أما ما الى فعله كوكالته و استنابته و قيمومته و توليته فلا بمعنى عدم بقاء النيابة بعد الموت لاعدم مضى ما مضى من تصرفات النواب لرجوعه الى تصرفات الراجع الى فعله أيضا شروط المقلد بالفتح فلو كان متحدا فهو غير المتعين و ان كان متعدد فان تساووا و اتفقوا فى الفتوى جاز العمل بجنس الجميع و بكل واحد .


71

معين لا بواحد لا بعينه ولا بالمجموع بحيث يلاحظ فى كل واحد انضمام الاخر فان قلد على أحد الوجهين لزمه ذلك ما دام أحدهم على صفة صحة التقليد له فى تلك الفتوى ولا يبعد ذلك فيما لو قلد المجموع .

و بالجملة فالظاهر ان حال الفتوائين المتفقين حال الامارتين المتعاضدين و الاحوط تعيين المجتهد فى جميع الصور , و ان اختلفوا فى الفتوى كان مخيرا بينهما و ان كان أحدهما أعلم , فان اختلفوا فى الفتوى تعين العمل بقول الاعلم على المشهور بل لم يحكى الخلاف فيه عن معروف و ان تأمل فيه أو فى دليله بعض المعاصرين و قد اعترف الشهيد الثانى قده فى منية المريد بأنه لا يعلم فى ذلك خلافا و نحوه و غيره بل صرح المحقق الثانى قده فى مسئلة تقليد الميت بالاجماع على تعين تقليد الاعلم و مثله المعتضد بالشهرة المحققة ينبغى أن يكون هو الحجة بعد الاصل على ما سيأتى توضيحه .

و يدل عليه مقبولة عمر بن حنظلة ( 1 ) و رواية داود بن الحصين ( 2 ) و رواية موسى بن أكيل ( 3 ) مضافا الى بناء العقلاء على ترجيح الاعلم من أهل الخبرة فى كل مقام من المقامات الشرعية و العرفية فلاحظ .

و قد يورد على الاصل بأنه ان اريد اصالة عدم برائة الذمة و بقاء الاشتغال بدون تقليد الاعلم , ففيه مع انه معارض بما سيجىء من تمسك المخالف بالاستصحاب منع جريانه بناءا على ان المرجع فى أمثال ذلك الى اصالة البرائة , و ان اريد اصالة عدم حجية قول غير الاعلم فى مقابل الاعلم .

( 1 ) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضى الحديث : 1 .

( 2 ) نفس المصدر الباب 9 الحديث : 20 .

( 3 ) نفس المصدر الحديث : 45 .


72

ففيه ان حجية قول غير الاعلم ثابتة بما ثبت من حجية قول المجتهد لو خلى و طبعه انما الكلام هنا فى ترجيح معارضته عليه , و هو فتوى الاعلم فمدعى حجية الاعلمية يحتاج الى البينة لان المرجعية كالحجية توقيفية يحتاج الى دلالة عقلية أو نقلية .

و على الشهرة و الاجماع المحكى ان الاطلاع على فساد مدرك المشهور توجب الوهن فيها و سقوطها عن الحجية مع ان مدعى الاجماع قدادعاه على تقليد الاعلم و الاورع , و الظاهر عدم الاجماع فى الاورع , و على المقبولة و أخواتها باختصاص موردها بالحكم فتعديتها الى الفتوى تحتاج الى تنقيح المناط , او اجماع مركب و هما مفقودان مع ان المرجحات المذكورة فيها غير معمولة فى تعارض الفتوى اجماعا .

و أما بناء العقلاء فهو مسلم فيما اذا كان من قبيل الامارات التى يؤخذ فيها عند التعارض باقويها و حيث كان التقليد عندهم من هذا القبيل كان عملهم فيه على الترجيح بالقوة و كونه كذلك عند الشك ممنوع بل الظاهر ان الرجوع الى أهل الخبرة عند العرف من قبيل الامارات حيث يرجعون فيه عند التعارض الى الاعلم و عند الشارع من قبيل البينة التى هى من الاسباب ولا ترجع فيه عند التعارض الى الاقوى , و حينئذ فالتقليد و ان كان عند العقلاء من باب الامارات لانه من قبيل الرجوع الى أهل الخبرة الا انه لا يبعد أن يكون عند المشهور من باب البينة كالرجوع الى أهل الخبرة فى الموضوعات .

و الجواب أما عن الاصل الاول فبان المقام ليس مما اختلف فيه فى الحكم بالتخيير عملا بالبرائة أو بالتعيين عملا بالاحتياط لان مرجع الشك فى جواز العمل بفتوى المفضول الى الشك فى انه تتحقق العبادة المطلوبية يقينا اذا أخذ


73
فيها بقول المفضول نظير ما اذا علمنا يقينا بوجوب عبادة مجملة ودار الامر فى تعيينها بين الرجوع الى خصوص زيد و بين التخيير فى الرجوع الى زيد أو عمرو , لا الى الشك فى مقدار ما اشتغلت الذمة به من العبادة المطلوبة فى الجملة نظير ما اذا علمنا بوجوب شىء فى الجملة و دار الوجوب بين شىء مخصوص و بين أحد الشيئين منه و من الاخر و المختلف فيه من حيث الحكم بالتخيير أو اليقين هو ما كان من قبل الثانى دون الاول هذا كله لو أردنا اجراء الاصل من حيث الحكم التكليفى المتعلق بالتقليد من حيث كونه من باب المقدمة العلمية لامتثال الواجبات الواقعية و الا فالشك فى طريقية فتوى المفضول لاثبات الاحكام الشرعية مع مخالفتها لفتوى الفاضل و مجرد ثبوت حجيتها فى نفسها لو خلت عن معارضة فتوى الفاضل لا يجدى لان الحجية بذلك المعنى , و هو تعين العمل به قد ارتفعت قطعا بسبب المعارضة و بقاء الجواز بعد ارتفاع الوجوب غير معقول فلا يثبت جواز العمل الا بدليل جديد من النقل و العقل و المفروض انتفاء الاول و الثانى غير حاكم بالتخيير الا بعد القطع بعدم المرجح و احتماله فى كلا المتعارضين و هذا مفقود فيما نحن فالمرجع الى أدلة عدم جواز العمل بما لا ينتهى الى العلم و تعين العمل بفتوى الفاضل لان جوازه يقينى .

فان قلت قد ثبت ان كون الشىء مرجحا ككونه حجة توقيفى يحتاج الى توقيف و مع عدمه فيعامل معه معاملة عدم المرجعية فاذا ثبت ان كلا من فتوى المفضول و الفاضل حجة و المفروض عدم العلم بكون الاعلمية مرجحة , فمقتضى القاعدة بل اصالة العدم عدم كونها مرجحة فيثبت التخيير لان تعارض الحجتين مع عدم المرجح موجب للتخيير .

قلت ثبوت التخيير عند تعارض الحجتين مع عدم المرجح حكم يستقل به العقل و معلوم ان العقل لا يستقل به بمجرد اصالة عدم المرجح لان من جملة


74
مقدمات ذلك الحكم العقلى استقلال العقل بعدم المرجح , او احتمال المرجح فى كل منهما على السواء و اصالة عدم مرجحية الاعملية لا يوجب استقلال العقل به و ليس حكم العقل بالتخيير من الاحكام المجعولة للمشهور حتى يترتب على حكم المشهور باصالة عدم المرجح , و أما حكم الشارع بالتخيير فهو لو ترتب على عدم المرجح فهو من جهة تقرير حكم العقل فهو تابع له و المفروض انتفاء المتبوع .

و بالجملة فقد تقرر فى محله ان الاصول لا يترتب على مجاريها الا أحكامها الشرعية الثابتة بثبوتها الواقعى لا الاحكام الشرعية التابعة لاحكام واقعية عقلية أو عادية ثابتة بثبوتها الواقعى .

و أما الجواب عما أورد على المقبولة و اخواتها فبان التأمل فيها و فى القواعد الشرعية يشهد بكون الترجيح لحكم الاعلم منها من جهة ترجيح فتواه و ان مورد ترجيح السؤال هو تعارض النصوص لا الحكمين فان المرجحات المذكورة فى تلك الروايات .

و منها ما يرجع الى الترجيح بقوة الاستنباط كالترجيح بالاعملية .

و منها ما يرجع الى ترجيح الرواية التى استند اليها أحدهما على ما استند اليه الاخر و معلوم ان الترجيح بهما انما يوجب الترجيح فى الفتوى أولا ثم فى الحكم الناشى عن ذلك الفتوى .

و بالجملة فما ذكرنا من ان الترجيح للحكم فى تلك الروايات انما هو من جهة رجحان فى أصل الفتوى امر ظاهر للمتأمل و لعله لذا ادعى الشهيد الثانى ( قده ) ان المقبولة نص فى المطلوب و أما ما ذكر فى الايراد أخيرا من ان المرجحات المذكورة فى تلك الروايات لا يعمل بها فى تعارض الفتوائين اجماعا فهو اشكال مشترك بين جعلها واردة فى تعارض الحكمين أو الفتوائين


75
و يمكن دفعه بالتزام وجوب اعمال تلك المرجحات فى تعارض الفتويين فى ذلك الزمان بالنسبة الى الجاهل بالحكم الشرعى القادر على الاستنباط اذا وصل اليه الروايات أو الفتوى النازلة منزلة الروايات فان فتاوى المفتيين فى أزمنة صدور هذه الروايات كانت بمنزلة الروايات يعمل بها العامى و غيره عند سلامته عن المعارض و عند معارضتها مع فتوى اخرى التى هى أيضا بمنزلة الروايات كان وظيفة المستفتى القادر على أعمال الترجيح العمل بها أجمع و وظيفة العامى العاجزعن ذلك الاقتصار على المرجح الذى يقدر على معرفته اعنى أعلمية أحد المفتين أو اورعيته دون مالا يقدر على معرفته من ذلك على ما ينبغى و معرفة ما يوهنه , و يعارضه اذ المرجح مثل الدليل فى وجوب الفحص عن معارضه الى أن يتحقق المجتهد المعجز عن نفسه فوظيفة العامى الترجيح بالاعملية لا غير فيتخير مع التساوى فى العلم فتخييره حينئذ نظير تخيير المجتهد اذا تساوت الفتويان عنده من جميع الجهات .

و بالجملة فالمقبولة و اخواتها محمولة على تعارض الفتويين المستندتين الى الروايات بالنسبة الى القادر على أعمال التراجيح المذكورة فالتراجيح المذكورة فيها مقيدة بالقدرة عليها , و أما العاجز و هو العامى فيقتصر على ما هو فى وسعه من المرجح الذى يقدر على معرفته و هى الاعلمية دون غيرها فتامل .

فان قلت قد تقرر فى باب التعارض و الترجيح ان الاقتصار على المرجحات المذكورة فى المقبولة و نحوها و الجمود على الترتيب المذكور فيها خلاف ما أجمع عليه العلماء عملا , فيحمل على بيان ارادة تلك المذكورات على أرائة الطريق لطريق الترجيح بالقوة و الضعف و حينئذ يجب على المقلد الترجيح بين الفتويين المستندين الى الروايات بجميع ما يقدر على معرفته من


76
المرجحات مثل اعتضاد أحدهما بفتوى المشهور , أو بفتوى أعلم الاموات و نحو ذلك لا الاقتصار على الترجيح بالاعلمية أو بها و الاورعية .

قلت بعد تسليم ما ذكر من العمل بالمقبولة و أخواتها يدفع الرجوع الى غير الاعملية من المرجحات بالاجماع و لولاه لقلنا به فتأمل و سيجىء تتمة الكلام فى ذلك .

و أما الجواب عما أورد على بناء العقلاء فبان الظاهر من أدلة التقليد من الكتاب و السنة و الاجماع و الفعل كونه من باب الامارات .

أما الكتاب فلان أمر المقلدين بالسؤال و الحذر و أمر المجتهدين بالتفقه و الانذار يدل على ان المقصود وصول المقلد و ايصاله الى الواقع من أوامر الله و نواهيه .

أما الاخبار فظاهرها وجوب أخذ معالم الدين فيكون المقصود أيضا الوصول اليها .

و أما الاجماع فالعمدة منه هو العملى الثابت باستقرار السيرة و استمرارها على ذلك من زمان الائمة صلوات الله عليهم الى زماننا هذا و معلوم ان رجوع الناس من جهة قصد الوصول الى الواقع .

و أما العقل فدلالته على كونه من باب الامارة الكاشفة عن الواقع أوضح من الكل فالمستفاد من أدلة التقليد بأسرها انه مطلوب لمجرد التوصل به الى الواقع لكونه أقرب الطرق بعد العلم و مثل هذا يصار عند تعارض فردين منه الى الاقوى باتفاق العقلاء و اجماع العلماء على ما يظهر منهم فى تعارض الامارات عند المجتهد هذا مع انه لو شك فى كون التقليد من باب امارات المجتهد أو من باب البينة وجب المعاملة معه معاملة الامارات أخذا بالقدر المتيقن بل الاصل فى تعارض ما كان من قبيل الاسباب العمل بما يحتمل كونه راجحا فى نظر الشارع


77
و عدم أعمال الترجيح بقوة الظن فى تعارض البينتين لو ثبت , فانما هو بالاجماع و هذا و ان كان راجعا الى الاستناد الى الاصل لا دليل مستقل آخر الا انه يكفى فى المقام و لو لم يكن ما عداه لعدم ما يتمسك به للتخيير بين الاعلم و غيره الذى قواه بعض متأخرى المتأخرين عدا استصحاب التخيير الثابت للمقلد فى بعض الفروض المتعدى منه الى غيره بالاجماع المركب و اطلاقات الرجوع الى المجتهد مثل آيتى السؤال و النفر ( 1 ) و مثل قوله عجل الله فرجه فى توقيع اسحق ابن يعقوب فى مقام تعليل الرجوع الى رواة الحديث فانه حجتى عليكم ( 2 ) فانه دل على ان كل واحد منهم حجة و مثل قوله عليه السلام و أما من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه ( 3 ) و مثل قوله عليه السلام فى مكاتبته لمن سئله عمن يعتمد عليه فى امور الدين فاصمدا فى دينكما على كل مسن فى حبنا و كل كثير القدم فى أمرنا ( 4 ) و مثل مشهورة أبى خديجة انظروا الى رجل يعلم شيئا من قضايا فاجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا ( 5 ) الدالة على اعتبار الاعملية فى المفتى بالاجماع المركب بل الاولوية و مادل على ان العلماء امناء الرسل ( 6 ) و خلفاء رسول الله صلى الله عليه و اله ( 7 ) و انهم كأنبياء بنى اسرائيل ( 8 ) و ما دل على الامر بأخذ معالم الدين من أشخاص خاصة كمحمد بن

( 1 ) التوبة 122 و الانبياء 7 .

( 2 ) الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضى الحديث : 9 .

( 3 ) لم أقف على مستند هذه الرواية .

( 4 ) الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضى الحديث : 45 .

( 5 ) الوسائل الباب 1 من أبواب صفات القاضى الحديث : 5 .

( 6 ) مستدرك الوسائل ج 3 ص 187 باب 11 من أبواب صفات القاضى .

( 7 ) الوسائل الباب 8 من أبواب صفات القاضى الحديث : 50 - 53 .

( 8 ) مستدرك الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضى .


78
مسلم و الاسدى و يونس بن عبدالرحمن و أبان بن تغلب و زكريا بن آدم ( 1 ) مع عدم التقييد بتعذر الرجوع الى الاعلم منهم الى غير ذلك من الاخبار المؤيد باستمرار سيرة العوام من زمان الائمة عليهم السلام الى زماننا هذا من الرجوع الى كل مجتهد من دون تفحص عن مجتهد آخر أعلم منه و بلزوم الحرج فى الاقتصار على تقليد الاعلم لتعسر تشخيص الاعلم مفهوما و مصداقا و تعسر تحصيل فتاويه .

لكن الذى يقتضيه الانصاف ان شيئا منها لا ينهض للورد على الاصل فضلا عن معارضة ما تقدم من الادلة الاخر أما الاستصحاب فلما مر مرارا من ان من شروطه القطع ببقاء موضوع الحكم الذى تعلق به الحكم السابق , و لم يعلم ان التخيير فى الزمان السابق , كان متعلقا بالمجتهدين من حيث هما مجتهدان , فانه علين المدعى بل القابل بتقليد الاعلم يدعى ان التخيير كان متعلقا بهما من حيث انهما متساويان فى العلم و قد يعارض هذا الاستصحاب استصحاب تعين الاعلم اذا كان المجتهد منحصرا فيه ثم حدث مجتهد آخر دون الاول فى العلم .

و فيه نظر , و أما الاطلاقات المذكورة , ففيها بعد الغض عن النظر فى دلالة كثير منها على حجية الفتوى و لذا لم يعول بعض الاصحاب فى ذلك الاعلى الاجماع و قضاء الضرورة ان اطلاقها موهون بوجهين :

أحدهما عدم أفادتها الا لحجية قول المفتى فى نفسه لو خلى و طبعه كما هو الشأن فى دليل حجية كل امارة و أما حكم صورة التعارض فلابد فيه من الرجوع الى العقل أو النقل .

الثانى : انها بأسرها خطابات شفاهية مختصة بالمشافهين و اطلاق الحكم

( 1 ) جامع أحاديث الشيعة الباب 5 من أبواب المقدمات .


79
بالرجوع فى حقهم خصوصا المخاطبين بأيتى النفر و السؤال ( 1 ) , محمول على ما هو الغالب فى أحوالهم من حصول العلم أو الاطمئنان لهم بالرجوع مع عدم التفات العوام منهم الى الاختلاف بين المتيقن فى ذلك الزمان لوضوح المدارك عندهم لكثرة الاخبار المتواترة و ان وجدت فى الكتب مودعة بطريق الاحاد مع تمكنهم مع رفع الاختلاف اذا اتفق الرجوع الى الائمة عليهم السلام كما اتفق فى مسائل مختلفة حيث رجعوا فيها اليهم صلوات الله عليهم .

و مما ذكرنا يعلم الجواب عن السيرة , المدعاة , فانها محمولة على صورة عدم العلم بالاختلاف بل اعتقاد الاتفاق و لذا لو منعت الناس عن الرجوع الى غير الاعلم بل عن الرجوع الى غير المجتهد اعتذروا بأن الشرع واحد و حكم الله لا يختلف و لذا يرجع العوام الى غير المجتهدين معتذرين بأن حكم الله واحد .

و بالجملة فاستمرار السيرة على تقليد المفضول مع مخالفته للافضل ممنوع كما فى النهاية و العميدى بل ذكر فى المسالك ان استفتاء الصحابة مع تفاوتهم فى الفضيلة لا يجرى على اصول أصحابنا انتهى .

و أما الحرج فان المدعى كان من جهة تشخيص مفهوم الاعلم , فهو فاسد بالبديهة لوضوح معناه العرفى و ليس له معنى شرعى و لو فرض كونه مختلفا فيه بين العلماء تعين الرجوع فيها الى فتوى من يحتمل أعلميته فان تساويا فى احتمال الاعلمية كان حكم المقلد التخيير فى الرجوع , لانه فى هذه المسئلة غير قادر على تحصيل فتوى الاعلم .

و أما مصداقه فان حصل العلم فهو و ان حصل الظن وجب اتباعه و لو من

( 1 ) التوبة 122 و الانبياء 7 .


80
جهة عدم العلم بجواز تقليد غيره من ظن أعلميته , و اصالة عدم الاعلمية على تقدير جريانه , غير مجد فى اثبات التخيير العقلى و كذا لو حصل احتمال الاعلمية فى أحدهما و لو حصل فى كل منهما تعين التخيير فلا , حرج فى تشخيص الاعلم لا مفهوما و لا مصداقا .

و أما تحصيل فتاويه فان لم يتعسر تعين و ان تعسر على وجه ينفيه أدلة نفى العسر لم يجب بل هو خارج عن محل النزاع .

فقد تحصل مما ذكرنا انه لا دليل على جواز العمل بقول غير الاعلم بحيث يسكن اليه النفس فى مقابل اصالة وجوب الاقتصار على المتيقن من الرجوع الى قول الغير من دون حجة على صدقه و صوابه .

هذا كله مع العلم بالاختلاف و ان لم يعلم مخالفة الاعلم لغيره , فالاصح جواز تقليد غيره و ان كان ظاهر كلام جماعة تعين الاعلم فى هذه الصورة أيضا لكن استدلال كثير منهم على ذلك بقوة الظن فى جانب الاعلم يدل على اختصاصه بصورة المخالفة و الظاهر اختصاص الاجماع المدعى بهذه الصورة و أوضح من ذلك كله اختصاص المقبولة و أخواتها بذلك بل ظاهر جواز الرجوع الى مطلق العالم بالاحكام كمشهورة أبى خديجة .

و بالجملة فالظاهر ان فتوى الفقيه حجة بالنسبة الى المقلد فان عارضتها حجة اخرى يلزم أعمال المرجح و ان لم يعلم له مرجح جاز العمل به لقيام المقتضى و عدم ثبوت المانع و الفحص عن المعارض غير لازم كما يلزم على المجتهد فى العمل بالروايات للعلم الاجمالى فيها بغلبة المعارض بل قلما يوجد خبر سليم عن معارض من خبر أو غيره عام أو خاص أو مساو فيلزم من عدم الفحص عن المخصص الهرج و المرج ولا يلزم مثله فى فتاوى المجتهدين لتوافق المجتهدين الموجودين فى عصر فى أغلب المسائل و ان كان الخلاف أيضا


81
كثيرا لكن لا اعتبار به مالم يصير به من قبيل الشبهة المحصورة بالنسبة الى المقلد الواحد فيما يريد تقليد المجتهد فيها من المسائل و الا فمجرد العلم الاجمالى بتخالف المجتهدين فى بعض المسائل لا يقدح فى الرجوع الى اصالة عدم المعارض ولا يوجب الفحص عن المعارض على المقلد نعم ربما يدعى انه لا دليل على ان قول المجتهد فى نفسه حجة مطلقا ليكون اللازم التعارض فى فتوى الاعلم و غيره لم لا يكون الحجة هى فتوى أعلم الناس فى كل زمان من دون أن يكون فتوى غيره حجة و حينئذ فيجب الفحص عن فتوى الاعلم التى هى الحجة لاغير لكن الظاهر انه خلاف الظاهر المستفاد من الادلة .

ثم انه يمكن أن يتفرع على ما ذكرنا من كون قول كل مجتهد حجة الاان يعلم له معارض كون جواز الترافع فى زمان الغيبة الى المفضول فى المسائل المتفق عليه بين العلماء مثل ان البينة على المدعى و اليمين على من أنكر نعم فيما اذا كان منشأ الحكم مسئلة خلافية بين الاعلم و غيره تعين الترافع الى الاعلم بلاخلاف ممن عين تقليد الاعلم فى الفتوى و كذا القول فى سائر مناصب الحاكم كالتصرف فى زمان الامام عليه السلام و تولى أمر الايتام و الغيب و نحو ذلك فان الاعلمية لا يكون مرجحا فى مقام المنصب و انما هو مع الاختلاف فى الفتوى فافهم و اغتنم

ثم ان ما ذكرنا كله لو علم بالاعلمية و شك فى الاختلاف و لو انعكس الامر بأن علم الاختلاف و شك فى أعلمية أحدهما فالظاهر وجوب الفحص عن الاعلمية لان الفحص عن المرجح مع العلم بوجود المعارض لازم و يدل عليه جميع ما ذكرنا من الادلة الاربعة لتعيين الاعلم فى صورة العلم و أوضح من ذلك فى لزوم الفحص مالو علم بأعلمية أحدهما , و على ذكرنا فلو تفحص و لم يحصل له تميز الاعلم أو اعتقد باعلمية أحدهما بعد الفحص أو بدونه فقلد على طبق معتقده ثم تبين خطاؤه فهل يبطل تقليده السابق و وجب الرجوع الى الاعلم


82
و ان قلنا بانه لو قلد غير الاعلم لعدم التمكن من الاعلم لم يجز الرجوع الى الاعلم أم يصح و يبنى الرجوع على مسئلة الرجوع عن غير الاعلم ؟ اليه و جهان .

ثم انه اذا قلد الاعلم جاز للاعلم افتائه بالرجوع الى غير الاعلم و جاز للمقلد العمل به أيضا و قد سمعنا بعض المعاصرين يمنع من ذلك ولا أذكر الا انه لم يذكر وجها معتنى به , فان الكلام ان كان فى جواز افتاء الاعلم بهذه الفتوى بعد اجتهاده فيها , فلا وجه لمنعه , و ان كان فى صحة عمل المقلد فلا اشكال فى الصحة بعد جواز التقليد فيها واقعا و بعد علم المقلد بأن هذه المسئلة يجوز فيها التقليد و هذا الشرط لا يختص بهذه المسئلة بل يجرى فى كل مسئلة يريد المقلد الرجوع فيها الى المجتهد أما جواز التقليد فيها واقعا فالظاهر انه لا اشكال فيه و عدم وجوب الرجوع , لا ينفى جوازه لعموم أدلة التقليد و أما علم المقلدين لذلك فيكفى فيه ما هو مركوز فى أذهانهم من رجوع الجاهل الى العالم وجوبا أو جواز فى كل مسئلة الا أن يردعهم رادع عن ذلك فى بعض المسائل و المفروض ان جزمهم مطابق للواقع بالنسبة الى هذه المسئلة .

ثم الظاهر ان المراد بالاعلم اقوى ملكة لا الازيد معلوما كما يستعمل فيه هذا اللفظ أحيانا , لان الاول هو الاظهر عرفا مع انه المناسب لذكر الافقه فى بعض اخبار المسئلة ( 1 ) و قد ورد[ ( انتم افقه الناس اذا عرفتم معانى كلامنا]( ( 2 ) و هو مقتضى بناء العقلاء و ما ذكروه من الاستدلال بقوة الظن , و لو فرض قوة ملكة احدهما فى بعض المسائل كالعبادات و قوة الاخر فى الاخر , فالاقرب

( 1 ) كمقبولة عمر بن حنظلة الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضى الحديث 1 ورواية داود بن الحصين نفس الباب الحديث 20 .

( 2 ) نفس الباب الحديث : 27 .


83
التبعيض و التخيير بعيد ولو دار الامر بين الظن بقول الاعلم و القطع بقول غيره فان كان الظن مما قام عليه دليل من اجماع او سيرة او غيرهما تعين الاخذ بفتوى و ان لم يكن له مستند خاص تعين تقليد غيره و يثبت الاعلمية بما يثبت به الاجتهاد و الاحوط هنا العمل بكل ظن لعدم استقلال العقل بالتخيير مع الظن ولو كان قول غير الاعلم مفيدا للظن بالواقع و قول الاعلم غير مفيد له ففى التعيين و التخيير وجوه ولو تساوى المجتهدان بالعلم و اختلفا فى الورع .

فالظاهر ان المشهور تقديم الاورع بل حكى عليه المحقق الثانى قده الاجماع فى مسئلة تقليد الميت وقوفه بالاعلم فى دعوى الاجماع و هو الظاهر من المقبولة و يؤيده ماورد فى انه لا يحل الفتيا الا لمن كان اتبع اهل زمانه برسول الله هذا كله مضافا الى الاصل السليم عن معارضة الاطلاقات كما عرفت فى تقليد الاعلم فالقول به لا يخلو عن قوة ولو دار الامر بين الاعلم و الاورع ففى ترجيح ايهما و التخيير اقوال و تقديم الاعلم لا يخلو عن قوة و كأنه المشهور بل لم نجد القول بالاورع لعلمائنا نعم عن المنية انه حكاه عن قوم ولا ينافى ما ذكرنا تقديم الاورع فى تعارض الروايات لان المعيار هناك برجحان الصدق و هنا برجحان الاستنباط .

القول فى المقلد فيه

و اما الكلام فى المقلد فيه فالكلام تارة من حيث نوعه و اخرى من حيث وصفه و ثالثة من حيث شخصه .

اما الكلام من جهة نوعه , فمخلصه انه لا اشكال فى صحة التقليد فى المسائل الفرعية حتى المسائل الكلية كمسائل التقليد كما لا اشكال فى عدم صحته فى الموضوعات الخارجية بناء على ان العمل بقول الغير فيها من البينة و نحوها


84
ليس تقليدا مصطلحا و كذا مسائل اصول الفقه .

و اما الموضوعات الاستنباطية , فالتقليد فيها جائز من حيث ترتب الاحكام الفرعية عليها دون الاصولية , فيجوز التقليد فى معنى الفاسق الواقع فى آية النبأ ( 1 ) من حيث انه يترتب عليه حكم خبر الفاسق و العادل فى الوقت و القبلة ولا يجوز من حيث ترتب حكم الخبر الواحد فى الاحكام لان العمل بالخبر فى القبلة و الوقت مسئلة فرعية فالعمل بالخبر الواحد فى الاحكام مسئلة اصولية

و كيف كان فلا اشكال فى شىء من ذلك و انما الخلاف و الاشكال فى جواز التقليد فى اصول الدين فقيل بصحته و الاكتفاء به و قيل بالمنع منه و وجوب النظر .

و اما القول بحرمة النظر , فليس قولا بوجوب التقليد كما انه لايراد منه حرمة النظر حتى بالنسبة الى من اعتقد خلاف الحق أو تردد فيه بل الظاهر ان المراد منه كل من حصل الاعتقادات الحقة بطريق من الطرق تقليدا كان او بالنظر او بالفطرة او بما فرض كونه طريقا يحرم عليه الخوض فى ملاحظة صحتها و سقمها بالاستدلالات و البراهين .

احتج الموجبون للنظر بالايات الدالة على ذم الكفار على التقليد و قولهم انا وجدنا آبائنا على امة و انا على اثارهم مقتدون ( 2 ) و بمادل على ايجاب العلم المتوقف على النظر مثل قوله تعالى فاعلم انه لا اله الا الله ( 3 ) و ليس من خواصه صلى الله عليه و اله لو لم يكن من قبيل اياك اعنى و اسمعى يا جارة بل هو منه و بالاخبار الدالة على ان الايمان هو ما استقر فى القلوب ( 4 ) و مادل على ان المؤمن و

( 1 ) الحجرات 6 .

( 2 ) الزخرف 22

( 3 ) محمد ( ص ) 18

( 4 ) الاصول من الكافى ج 1 ص 417 - 418


85
الكافر يجيبان فى القبر عن مسئلة الرب جل ذكره و النبى صلى الله عليه و اله و الدين و الامام ثم يقال للمؤمن من أين علمت ذلك فيقول أمر همدانى الله تعالى اليه و ثبتنى عليه فيقال نم نومة العروس فيفتح له باب من الجنة فيتصل اليه روحها و ريحانها و يقال للكافر من اين علمت ذلك يقول سمعت الناس يقولون فيضربانه بمرزبانة لو اجتمع عليه الثقلان لا يطيقونها فيذوب كما يذوب الرصاص ( 1 ) و بالاجماع على وجوب المعرفة بالعقايد و لا تحصل بالتقليد لانه لايفيد العلم و باستقلال العقل بدفع الضرر المحتمل و ازالة الخوف من حيث احتمال زوال الاعتقاد برجوع الغير عن ذلك الاعتقاد أو رجوع المقلد عن الوثوق به أو نهى الشارع عن الوثوق و فى جميع ذلك الوجوه انظار لا يخفى .

و الذى ينبغى أن يقال ان التقليد اما ان لايفيد اعتقادا أصلا , و اما ان يفيد الظن و اما ان يفيد الجزم , فان لم يفد اعتقادا فلا اشكال بل لا خلاف فى عدم الاكتفاء به لامن حيث تحقق الاسلام الموجب للحكم بالطهارة ولا فى اداء التكليف بتحصيل العقايد اذ الشاك كافر ووجوب تحصيل المعارف معناه الاعتقاد بها .

و ربما يتوهم ان معنى صحة التقليد حينئذ وجوب العمل بالمسائل الفرعية المترتبة على هذا الاعتقاد .

و فيه ان هذا ليس تقليدا فى اصول الدين و ان أفاد الظن فالظاهر انه لا فرق بين هذا الظن و الظن الحاصل من النظر و الاستدلال فان اقتصر فى العقايد على الظن فلا فرق بيهما و الا فكذلك و حيث ان الاقوى عدم اعتبار الظن فى اصول الدين لعدم الدليل على الاقتصار به فيما يمكن فيه تحصيل العلم و عدم

( 1 ) الفروع من الكافى كتاب الجنائز باب المسألة فى القبر و من يسأل و من لا يسأل .


86
الدليل على ثبوت التكليف بتحصيل الاعتقاد فيما انسد فيه طريق العلم فاللازم عدم كفاية التقليد المفيد للظن و ان أفاد الجزم فان وصل على الحق فالظاهر عدم وجوب النظر فى حقه لعدم الدليل على ذلك لان خوف زوال الجزم بزوال منشائه مشترك بين الحاصل من التقليد و الحاصل من كثير من الانظار و هذا من حيث نوع المسئلة المقلد فيها .

و أما من حيث صنفها , فيعتبر فيها ان يكون غير معلومة للمكلف باى طريق من الطرق فان علم بحقيقة قول المجتهد فلا تقليد , و ان علم ببطلانه فكذلك , و ان علم بخطائه فى دليله ففى صحة تقليده اشكال اقربه المنع .

و مما ذكرنا يعلم ان كثيرا من المسائل ليست تقليدية كأصل مسئلة جواز التقليد و تعين المقلد بالفتح من بين الاصولى و الاخبارى و وجوب تقليد الحى الاعلم و مسئلة جواز عمل المتجزى بظنه الحاصل له من حيث علمه بحجيته و أشباه ذلك .

و اما من حيث شخص المسئلة فملخصه انهم اتفقوا على ان المسئلة التى عمل فيها على طبق تقليد صحيح لا يجوز أن يقلد فيها مجتهد آخر فى تلك المسئلة بالنسبة الى نفس العمل المتحقق سابقا .

و مثل له بان يقلد مجتهدا فى جواز الوضوء بالمضاف , فتوضأ وصلى به ثم رجع فى حكم تلك الصلوة الى مجتهد اخر و كذلك لو أوقع معاملة أو عقدا او ايقاعا و أما الاعمال المستقبلة ففى جواز العدول عن ذلك التقليد بالنسبة اليها قولان : صريح المحقق و الشهيد الثانيين قدس سرهما فى الجعفرية و المقاصد العلية تبعا للمحكى عن النهاية الجواز و ظاهر المحكى عن تهذيب و شرحه و ذكرى العدم و هو الاظهر لعدم دليل على حجية قول المجتهد الثانى فى المسئلة التى قلد فيها عدا ما يتوهم من اطلاقات ادلة التقليد و استصحاب جواز التقليد


87
المجتهد الثانى و كل ذلك لا يصلح مستندا للجواز لعدم الطلاق فى ادلة التقليد يشمل من قلد و استغنى عن الرجوع الى المجتهد .

أما الادلة اللفظية منها كالايات و الروايات فهى على فرض دلالتها على أصل التقليد مسوقة لبيان حكم الجاهل المتحير المحتاج الذى لم يرجع الى أحد كالامر بالرجوع الى الطبيب , بل ربما يدعى ان فى بعضها دلالة على عدم جواز العدول الى غير من أخذ أولا بقوله لانه رد لقوله ( 1 ) و لذا استدل به على عدم جواز نقض الحكم بفتوى غير الحاكم أو حكمه فتأمل .

و أما الدلالة الغير اللفظية كالاجماع القولى و العملى و العقل من جهة حاجة المكلف لانسداد باب العلم و كون فتوى المجتهد أقرب الامارات فاختصاصها بغير محل الكلام فى غاية الوضوح .

و أما استصحاب التخيير فقد تقدم الكلام فى مثله مرارا و ان الموضوع لحكم التخيير غير معلوم البقاء لاحتمال كون التخيير ثابتا فى حق من لم يأخذ بعد بشيىء منها .

و قد يستدل على المنع بوجوه .

أحدها استصحاب الحكم المأخوذ من المجتهد الاول للشك فى تأثير العدول و الاخذ بالثانى فى زواله .

و فيه انه ان بنينا على استصحاب الحكم الشرعى الكلى اذا شك فى مدخلية وصف فى الحكم كما هو المشهور بين القائلين باعتبار الاستصحاب فى الحكم الشرعى الكلى كان اللازم فى المقام الاخذ باستصحاب التخيير السابق لانه حاكم على هذا الاستصحاب .

و دعوى رجحانه عليه من جهة اعتضاده بالشهرة أو بقاعدة الاخذ بالمتيقن .

( 1 ) لعل نظره فيما ذكر الى مقبولة عمر بن حنظلة فلاحظ .


88
مدفوعة بمنع تحقق الشهرة و منع نهوضها لترجيح أحد الاستصحابين خصوصا المحكوم على الاخر الحاكم عليه و أضعف منه ترجيحه عليه بقاعدة الاخذ بالمتيقن كما تقرر منع ذلك فى باب تعارض الاستصحابين .

الثانى قاعدة الاشتغال , فان تكليف المقلد فى الواقعة الثانية مردد بين تعلقه بالتقليد السابق و بين تعلقه باحد الامرين منه و من تقليد المجتهد الثانى و من المقرر وجوب الاحتياط عند دوران الامر بين التخيير و التعيين .

و فيه ان اصالة الاشتغال على تقدير تسليمها فى هذا المقام لا تنهض فى مقابل استصحاب التخيير نعم لو كان هذا المستدل ممن يوافق فى عدم جريان استصحاب التخيير كان الاستدلال باصالة الاشتغال حسنا فى خصوص هذا المقام و ان لم نقل بها فى مطلق دوران التكليف بين التعيين و التخيير .

الثالث الاجماع المنقول فقد حكى المحقق القمى ( قده ) ادعائه عن المخالف و المؤالف .

و فيه ان هذا الدعوى لا اصل لها بعد ما عرفت من مخالفة المحقق و الشهيد الثانى و العلامة فى احد قوليه بل حكى عن المحقق الاول ايضا .

الرابع لزوم المخالفة القطعية , فانا لو فرضنا انه قلد فى صلوة الظهر مثلا من يقول بتعيين القصر فى أربعة فراسخ و فى صلاة العصر من قال بتعيين التمام فيقطع بعد الصلوتين بانه مطلوب فى الواقع باحدى الصلوتين فيجب عليه اما فعلهما احتياطا و اما فعل واحدة منها مرددة .

و فيه انه ان اريد بذلك لزوم المخالفة القطعية فيما اذا بنى المقلد من اول الامر على تقليد احد المجتهدين فى الظهر و تقليد الاخر فى العصر , فتسليم عدم جواز التبعيض بين الوقايع فى المسئلة للزوم الاقدام على المخالفة القطعية ,


89
لا يوجب عدم جواز العدول عن التقليد فى المسئلة الكلية التى هى محل النزاع .

و ان اريد لزومها فى مسئلة العدول حيث بنى من اول الامر على المجتهد الاول فى كلى المسئلة فى جميع وقايعها ثم بداله و عدل عنه فى كلى المسئلة ايضا فاوقع الواقعة الثانية على طبقه , فلا دليل على تحريمها حيث انه لم يبن عليها من اول الامر بل قد يجب فيما اذا تعين عليه رفع اليد عن تقليده السابق لموت مجتهده او رجوعه او التمكن من الاعلم منه او نحو ذلك مما يوجب عدم جواز بقاء المقلد على تقليده .

الخامس ان التقليد انما يتعلق بالمسئلة الواحدة الكلية لان لها حكم واحد شرعى ولا دليل على صحة التقليد فى التبعيض بين افراد المسئلة الواحدة كما اذا قلده فى اول الامر فى هذه الواقعة الخاصة من المسئلة الكلية كان يقلده فى الوضوء بهذا الماء المضاف الخاص لان الثابت مشروعية التقليد فى حكم الماء الكلى فى المسئلة الكلية و حينئذ فاذا عدل المقلد عن تقليده بعد العمل فى واقعة واحدة من المسئلة الكلية فاما ان يقلد المجتهد الثانى فى كلى المسئلة أو فى الوقايع الباقية لا دليل على الثانى لما عرفت , ولا الى الاول لان تقليده فى كلى المسئلة يوجب نقض اثار السابقة .

و فيه اولا انه لا دليل على عدم تبعيض التقليد فان الجاهل كلما شك فى واقعة لم يجب عليه الا الرجوع الى المجتهد فى خصوص تلك الواقعة فيتعين عليه الرجوع فيها الى المجتهد من دون اعتبار انه يقلده فى الواقعة الاخرى .

اولا يقلده بل الواقعة قبل ابتلاء المكلف بها و تعين العمل فيها على وجه خاص لا دليل على تاثير التقليد فيه ولا على شرعيته لان المشروعية فرع الامر


90
و المفروض ان التقليد من باب المقدمة للعمل فلا امر به قبل الامر بالعمل فتأمل .

و ثانيا ان سلمنا انه لا يصح التبعيض فى التقليد ولكن رفع اليد عن التقليد الاول و الالتزام بتقليد المجتهد الثانى لا توجب نقض اثار الواقعة السابقة و انكان لاجل التعبد شرعا بتخطئة الحكم السابق كما فى صورة رجوع المجتهد عن اجتهاده على القول بان رجوعه لا يوجب نقض آثار الحكماء .

و اما لانعقاد الاجماع على عدم تأثير التقليد الثانى فى المسئلة الكلية بالنسبة الى بعض افرادها و هى الوقايع الماضية و هذا هو الاظهر فى رفع الملازمة المتوهمة و حاصله ان المجوز هو الرجوع الى المجتهد الثانى فى المسئلة الكلية لكن الشارع لم يعتبر هذا التقليد الا بالنسبة الى الوقايع المتجددة و اعتبار التقليد فى المسئلة الكلية فى بعض الوقائع دون بعض غير ممتنع و منه يعلم ان الرجوع فى موارد وجوبه كصورة موت المجتهد او وجود الاعلم من الاول لا يوجب نقض اثار الوقايع السابقة بل منه يظهر ان المجتهد اذا رجع عن فتواه و وجب على المقلد لاجل ذلك رفع اليد عن تلك الفتوى و الرجوع الى المجتهد الاول فى فتواه اللاحقة اوالى مجتهد اخر لم ينتقض بذلك اثار الوقايع السابقة لان حجية قول المجتهد الثانى انما هو بالنسبة الى الوقايع المتجددة دون السابقة فتأمل فان التبعيض فى اعتبار قول المفتى اذا كان امر ممكنا غير ممتنع و كان التبعيض هو المتيقن من اعتبار التقليد عند الشك فى كون اعتباره كلية او بالنسبة الى الوقايع المتجددة جرى مثل ذلك فى المجتهد اذا رجع عن فتواه فيقال ان ظنه اللاحق انما هو حجة بالنسبة الى الوقايع المتجددة فلا ينقض اثار الوقايع الماضية

و بالجملة فامكان التفكيك فى حجية فتوى المجتهد بين الوقايع بالنسبة الى المقلد يوجب ذلك بالنسبة الى ظن المجتهد بخطأ حكم الاول فلابد اما


91
من التزام عدم جواز التبعيض فى المسئلة الكلية مطلقا و اما من جوازه كذلك فالقول بان رجوع المجتهد عن الفتوى يوجب نقض اثار الاعمال السابقة بخلاف عدول المقلد عن تقليده مما لا يجد له وجه ظاهر فتأمل .

و التحقيق ان حكم الرجوع فى جميع موارده واحد الا ان يقوم اجماع فى بعض الموارد على النقض او عدمه .

ثم ان هذا كله مع العمل بقول المجتهد و اما لو اخذ بقوله و لم يعمل به فهل يجب عليه البقاء او لم يجب او يبنى المسئلة على ان التقليد هو الاخذ او العمل ؟ وجوه , من الاصل الجارى بعد العمل أعنى عدم حجية قول المجتهد الثانى , و من الاعتماد على استصحاب التخيير خرج ما بعد العمل بناء على الاجماع المدعى فى كلام بعض , و من ان الاجماع المدعى على وجوب البقاء انما هو من حيث وجوب البقاء على التقليد فان اكتفينا فيه بالاخذ حرم الرجوع بعده و الا فلا و الاقوى هو الاول .

و ينبغى التنبيه على امور .

الاول قد عرفت ان المختلف فيه و هو ما اذا قلد مجتهدا فى مسئلة ثم رجع فيها الى غيره و المتفق عليه هو تقليد مجتهد فيها و تقليد غيره فى غيرها فهل يجوز التبعيض فى مسئلة واحدة فى زمان واحد بان يقلد مجتهدين فى واقعتين من مسئلة واحدة كان يكون عنده ماء ان ملاقيان لما اختلف فى طهارته و نجاسته و احتاج الى تطهير ثوبه من الخبث و التطهر من الحدث فيقلد القائل بالنجاسة فى احد الانائين فيصير كالمعدوم و يقلد القائل بالطهارة فى الاخر فيصير كالمنحصر فيصرفه فى ازالة الخبث ثم يتيمم و يصلى ام لا يجوز مطلقا فيجب عليه فى الفرض السابق .

اما التقليد فى طهارتهما فيطهر و يتطهر بهما او يقلد القائل بالنجاسة


92
فيجتنبهما ام يفصل بين ما اذا لزم المخالفة القطعية مطلقا و فى خصوص واقعة كالمثال المذكور حيث انه يعلم بعد التقليدين بفساد صلوته لبقاء حدثه او خبثه و بين ما اذا لم يلزم ؟ وجوه اقواهما عدم الجواز مطلقا لعدم الدليل على مشروعية مثل هذا التقليد اذ الثابت من الادلة هو التقليد فى المسئلة الكلية التى يتعلق بها فتوى المفتى و اجتهاد المجتهد لا الجزئيات فلو قلد فى الواقعة الجزئية غير ملتفت الى الكلى كان ذلك تقليدا فى الكلى و لو قصد الجزئى بالخصوص فالاقوى لغويته .

ثم ان الفرق واضح بين مسئلة التبعيض و مسئلة الرجوع لان موضوع الاول تقليد احد المجتهدين فى خصوص جزئى من جزئيات المسئلة و تقليد اخر فى اخر منها دفعة او على التعاقب و ليس هذا من الرجوع عن مجتهد الى اخر و موضوع الثانية تقليد احدهما فى كلى المسئلة مع العمل به فى فرد منها مع عدمه ثم الرجوع عنه الى الاخر فى المسئلة الكلية ايضا , فيمكن القول بعدم جواز الاول لاصالة عدم المشروعية و جواز الثانى لاستصحاب التخيير و يمكن العكس للاجماع على عدم جواز الرجوع و اطلاق الادلة فى جواز التبعيض و المختار المنع فى المقامين .

الثانى لو اخذ الفتوى بعنوان عام للاحذبه فى خاص منه كان اخذ مسئلة نجاسة الكافر للعمل فى خصوص اليهودى مثلا فهل يجوز تقليد المجتهد الاخر فى فرد اخر منه كالنصرانى ام لا يجوز ام يفصل بين ما اذا وجد قول بالفصل بينهما او لم يوجد قول به لبعض العلماء ام يفصل بين ما اذا كان الحكم فى الادلة منوطا على عنوان يجامع الجميع بحيث يكون المناط فيه هو القدر المشترك كالكفر فى المثال المذكور و بين ما اذا كان معلقا على الخصوصيات فعبر المجتهد عن الموضوعات المتعددة لمسائل متعددة بموضوع جامع بينهما


93
من غير ان يكون الحكم منوطا به كان ورد فى دليل نجاسة اليهودى و فى اخر نجاسة النصرانى و فى ثالث نجاسة المجوس فيتحمل ان يكون المناط فى كل منها مخالفا للمناط فى الاخر الا ان المجتهد عبر عن الكل بعنوان جامع الكل للاختصار ؟ الاقوى هو الاخير و عليه فلو شك فى ان تعبير المجتهد على طبق الدليل ام لا فالاقوى عدم التبعيض للاصل و ظهور عبارة المفتى فى ذلك و هو حجة فى حق المقلد كالدليل فى حق المجتهد .

الثالث : حكم المسئلتين المرتبطتين بحكم المسئلة الواحدة أم لا و الارتباط على أقسام .

منها : أن يكون محقق أحديهما مقومة للاخرى كمسئلة استحباب صلوة الوتيرة و مسئلة عدم جواز غير الرواتب فى وقت الفريضة فلا يجوز تقليد مجتهد فى أصل مشروعيته و تقليد من لا يجوز فعل النافلة وقت الفريضة فيصليها بعد العشاء لان المفتى باستحبابها يفتى باستحبابها قبل العشاء فالوقت مقوم لها عنده فلا يجوز التفكيك .

و منها ان لا يكون أحديهما مقومة للاخرى كما اذا قلد من يقول بجواز التنقل مضطجعا اختيارا مع عدم جواز ذلك عند من قلده فى أصل مشروعية الوتيرة و نحوها ما لو قلد فى أصل مشروعية صلوة الجمعة و قلد القائل بعدم وجوب جلسة الاستراحة مع فرض عدم وجوبها عند القائل بمشروعية الجمعة .

و الحق عدم جواز التبعيض فى القسم الاول و جوازه فى الثانى و الفرق ان المفتى بمشروعية صلوة الوتيرة انما يفتى بمشروعيتها على هذا النحو بحيث لو قدر عدم مشروعية الخصوصية أعنى فعلهما ما بين العشائين لا لتزم بعدم مشروعية الوتيرة بخلاف المفتى لوجوب صلوة الجمعة , فانه لو قدر عدم وجوب السورة لم يلتزم بعدم وجوب صلوة الجمعة بل التزم بوجوب الصلوة


94
الخالية عن السورة و كذا المفتى بمشروعية الوتيرة مع جواز الاضطجاع فى النافلة اختيارا فانه لو قدر جوازه لم يلتزم بعدم مشروعيتها نعم لو فرض انه قال بمشروعية صلوة خاصة على وجه الجلوس أو خصوص القيام فلا يجوز أن يأتى بها بتقليد من يجوز النافلة مضطجعا مع عدم فتواه بمشروعية أصل النافلة .

و من القسم الاول مالو قلد المفتى فى تحريم الغناء و قلد فى موضوع الغناء مجتهدا آخر لا يقول بتحريم الغناء فانه غير جائز لان القائل بتحريم الغناء انما قال بهذا الموضوع بحيث لو فرضنا ان الغناء كان عنده شيئا آخر أمكن أن لا يقول بتحريمه فاذا اجتنب عما هو الموضوع باعتقاد غير المحرم اجتنب عما لم يفت أحد بتحريمه .

و الحاصل ان المفتى انما أفتى بتحريم ذلك المعنى الخارجى لاكل ما قرر انه مفهوم اللفظ فى متن الواقع مع انه لو فرض تعلق فتواه بمفهوم اللفظ لكن تعيين المفهوم ليس بنفسه مما يجوز فيه التقليد حتى يقلد مجتهد آخر غير من أفتىبحكمه بل التقليد فى مفهوم اللفظ راجع الى التقليد فى الحكم المتعلق به فلو قلد الغير فى الموضوع لكان قلد فى حكمه و المفروض انه قلد فى الحكم مجتهد آخر فيلزم تقليد مجتهدين فى حكم .

الا ان يقال فى مسئلة صلوة الجمعة كان يفتى القائل وجوبها بوجوب موضوع خارجى و هو المركب من السورة و الطمأنينة و غيرهما فالفاقد لهما غير واجب عنده ولا عند غيره القائل بحرمة صلوة الجمعة و أيضا فالتقليد فى مفهوم الصلوة أو فى جزئية السورة و الطمأنينة لمهية الصلوة راجع الى التقليد فى الحكم و هو وجوب المهية المشتملة على السورة فلو قلد فى عدم جزئية السورة غير من أفتى بوجوب صلوة الجمعة لكان قد قلده فى استحباب


95
صلوة الجمعة الخالية عن السورة لان المفروض انه قائل بعدم الوجوب فلا فرق بينه و بين مسئلة الغناء فتأمل .

الرابع لو عمل بقول مجتهد فانكان عمله من باب الاحتياط لم يكن تقليدا و جاز تقليد غيره ولو مرجوحا و ان كان من باب الالتزام فان كان قوله حكما ولو ناشيا عن الاحتياط اللازم فلا اشكال فى انه تقليد و اما اذا ذكر انه أحوط و لم يعلم كونه لازما عنده أو مستحبا و لم يفهم من اللفظ أحدهما حكم عليه بأحسن الامرين لعدم ثبوت كونه تقليدا ليترتب عليه اثره من عدم جواز الرجوع .

الخامس لو اعتقد المقلد خصوص موضوع التقليد مع عمومه فى الواقع كأن كان فتواه بنجاسة مطلق الكافر و اعتقد المقلد بنجاسة خصوص اليهودى مثلا فقلده فيه ثم تبين ان فتواه على عموم نجاسة كل كافر فهل هو تقليد فى العام فلا يجوز تقليد غير فى حكم غير اليهودى أو ليس له تقليدا لما تقدم من عدم مشروعية التقليد فى خصوص فتوى لموضوع عام فيحوز له الرجوع ؟ و جهان اما لو انعكس بان أفتى بالخاص و اعتقد المقلد العام فالظاهر انه تقليد فى الخاص .

السادس لونسى فتوى مجتهد وجب عليه الفحص و السؤال حتى يعلمها لان وجوب البقاء عليها مطلق فيجب تحصيل مقدماته و لو يئس عن تذكرها على وجه القطع فهل يكتفى عنه بالظن فى الاكتفاء به ؟ و جهان اقواهما العدم لان تلك الفتوى انما امر بالعمل بها لكونها طريقا لامتثال الواقع فاذا تعذر الامتثال عن ذلك الطريق تعين الرجوع الى طريق آخر مجعول من الشارع عند عدم القدرة على الاول مع ان مدرك عدم جواز الرجوع قاعدة الاشتغال ولا يجرى هنا .

و كذا لو كان المدرك الاجماع و كيف كان فاذا يئس عن المنسى و رجع


96
الى غيرها ثم ذكرها فهل يرجع الى الاول او يبقى على الثانى ؟ و جهان اختار الاول بعض المعاصرين و لعله لان النسيان لا يغير حكمه الثابت و انما يرخص له الرجوع للعذر فاذا ارتفع عاد الحكم .

و فيه ان النسيان الذى لا يغير الحكم هو نسيان نفس الحكم و اما نسيان الموضوع الموجب لعدم التمكن من امتثال الحكم فهو من العجز الواقع للتكليف الواقعى فعوده يحتاج الى دليل نعم لو غفل عن انه قلد مجتهدا فرجع الى اخر ثم ذكر بعد ذلك فلا يبعد وجوب الرجوع لان الغفلة عن الحكم لا يرفعه اللهم الا ان يقال ان الثابت المتيقن فى حق المقلد عند نسيان الفتوى هو الاخذ بفتوى الغير الى ان يتذكر الفتوى الاول لا مطلقا و حينئذ لا دليل على وجوب البقاء على فتوى الثانى عدا الاستصحاب المفروض عدم اعتمادنا عليه , فوجوب البقاء , حسن على مذهب المشهور من جريان الاستصحاب فى مثله و كيف كان فمثل النسيان بل اوضح منه فى عدم الوجوب الرجوع , ما لو بنى على تقليد ما فى كتاب مجتهد بناء على كون ذلك تقليدا ملزما ثم تعذر عليه مسائل تلك الكتاب كلا او بعضا فانه يرجع الى الغير و لا يعود الى الاول بعد زوال العذر ولو اعتقد موت مجتهده او طرو غيره من الموانع فرجع ثم تبين فساد اعتقاده فلا اشكال فى الرجوع الى الاول .

السابع هل يجوز الرجوع الى الاعلم او الاورع ؟ قولان من اطلاق الاجماع المدعى على المنع عن الرجوع و استصحاب الحكم المختار بناء على الاستدلال به لاصل المنع و اصالة عدم حجية فتوى الثانى و انكان اعلم و من اطلاق ادلة وجوب تقليد الاعلم عند الاختلاف .


97
رسالة فى تحقيق مسألة المشتق للشيخ الاعظم الانصارى قدس سره

98

99

بسم الله الرحمن الرحيم و به ثقتى

الكلام فى المشتق و هو فى مقامين المقام الاول فى مفهومه و هو - على ما ذهب اليه المحققون - عنوان من عناوين الذات يتحد معه فى الوجود الخارجى و ليس الذات ماخوذا فيه بحسب الوضع و لما كان بحسب الوجود الخارجى غير منفك عن الذات , اذ كلما يتحقق فهو يتحقق مع ذات و محمولا عليه و متحدا معه فى الوجود , فلذا يتوهم كونه ماخوذا فيها و من المعلوم ان كون شىء عنوانا لشىء لا يقتضى كون المعنون داخلا فى مفهوم العنوان و الا للزم كون المعنون دائما اما جزء للعنوان أو عينه مع أنه صرح جميع ارباب المعقول من المنطقين و الحكماء .

مضافا الى وضوحه بان العنوان قد يكون عين الذات و قد يكون جزئه و قد يكون امرا خارجا عنه , كما ان الكاتب عنوان لزيد و هو خارج عنه و كل عدم انفكاك امر عن امر فى الوجود الخارجى لا يستلزم كون ذلك الامر ماخوذا فى مفهوم الامر الاول كما ان قابلية الكتابة امر لا ينفك عنه الانسان مع أنه خارج عن مفهومه و كل حمل شىء بشىء لا يقتضى كون الموضوع ماخوذا فى


100
مفهوم المحمول ولا العكس كما هو واضح , و ان المشتقات الا كالجوامد , فكما ان الحجر و الحيوان من عناوين الذات فكذلك الضارب و نحوه فان الذات الموجود فى الخارج قد يراد بلفظ يدل على نفس الذات كما فى الاعلام و قد يراد بما هو موضوع لعنوان من عناويه فان زيداله عناوين متعدده مثلا كونه رجلا و انسانا و جسما و جوهرا و ضاحكا و كاتبا فان جميعها مما يعبربه عن زيد و ليس ذاته ماخوذا فى شىء منها اذ يكفى فى صحة التعبير بها عن زيد كونها متحدا معه فى الوجود الخارجى و ليس يلزم ان يكون المعبر عنه داخلا فى مفهوم ما يعبر عنه .

فالمشتق وضع لهما هو من احدى تعبيرات الذات و كون المراد من الضارب متى اطلق زيد الا يستلزم كون الذات ماخوذا فى مفهومه اذ يكفى فى كونه مرادا منه كونه متحدا معه فى الوجود الخارجى ولا يتوقف ارادته منه على كون الذات ماخوذا فى مفهومه فلا فرق بين الجوامد و المشتقات فى عدم ماخوذية الذات فى مفهومها .

نعم بينهما فرق من جهة ان المبدء فى المشتقات امر موجود فى الخارج قد اخذ المشتق منه بخلاف الجامد فانه ليس له مبدء موجود , بل العقل ينتزع منها مبدء جعليا كالحجية المنتزعة من الحجر و الشجرية المنتزعة من الشجر و غيرهما فالمبدء فى الجوامد بعكس المبدء فى المشتقات من حيث ان المشتقات قد اخذت من مباديها بخلاف مبادى الجوامد كالشجرية فانها ماخوذة من الشجر كذا ذكره شيخنا الاستاد .

الا انه لا نحلو عن مناقشه لان ما هو فى قبال الشجرية هو الضاربية لاالضرب و الضاربية ماخوذة من الضارب كما ان الشجرية ماخوذة من الشجر كذا خطر ببالى فتأمل .


101

و مما يوضح ما ذكرنا من عدم ماخوذية الذات فى المشتقات حمل قائم على زيد فى قولك زيد قائم فان الذى يعبر عنه فى تفسيره بالفارسية[ ( زيد ايستاده است ]( ولا يقولون[ : ( زيد ذات ايستاده است]( فمعنى قائم ايستاده اذ لا يتفاوت معناه حين كونه محمولا معه فى غيره و كذلك معنى ضارب بالفارسية[ ( زننده]( لا ذات[ ( زننده]( و لذا لو قيل ان هذا الذات بارد مثلا لا يفهم منه تكرار الذات ولا يقول العرف ان معناه هذا الذات ذات ثبت له البرودة .

و أيضا لو كان الذات مأخوذا فى وضعها لكانت مفاهيمها عبارة عن الموصوف و الصفة معا فيكون دلالتها على كل منهما تضمنية بل و على الاتصاف أيضا يكون كذلك فيكون مفادها مفاد المركب التام أو الناقص و من البين خلافها اذ لا يستفاد منهما الا معنى واحد و هو عنوان للذات المتصفة بالمبدء فانه اذا قام الضرب بزيد مثلا اتصف زيد بمعنى الضاربية و هو معنى بسيط لا تركيب فيه و كلما يعبر عنه بالمعانى المركبة مثل قول النجاة ان معنى ضارب ذات ثبت له الضرب فهو للتفهم و التفهيم لا انه حقيقة معناه و هو من قبيل التعبير عن الشىء بلوازمه و آثاره و ليس شىء من تلك التعبيرات بحقيقة ضارب بل هى معرفات له ذكرت للانتقال اليه .

ولا فرق فيما ذكر بين شىء من المشتقات من اسم الفاعل و المفعول و الزمان و المكان .

و ان كان ربما يتوهم كون الزمان و المكان جزءا من مفهوم أسماء الزمان و أسماء المكان نظرا الى انه قد ذكروا فى تفسيرهما ما يدل على كون الزمان و المكان مأخوذا فى مفهومهما فتراهم يقولون ان معنى مضرب هو محل الضرب أو مكانه أو زمانه الى غيرها من التعبيرات ولكنه يتضح و من ملاحظة ما ذكرنا عدم مأخوذية ذات الزمان و المكان فى معناها فان ذاك الزمان و المكان


102
فيها كالذات فى اسم الفاعل فان شيئا من هذه الامور المذكورة و غيرها ليست عين حقيقة أسماء الزمان و المكان لانها مركبات و لفظ مضرب معناه بسيط ولا يكون البسيط عن حقيقة المركب .

مضافا الى ان ذات الزمان و المكان ليس مأخوذا فى مفهوم هذه التعبيرات أيضا فان قولك محل الضرب أو مكانه أو زمانه لم يؤخذ فى شىء منهما ذات الزمان و المكان بل هى من عناوين ذات الزمان و المكان فان مفهوم الزمان و المكان من الجوامد و ليس الذات مأخوذا فيها بالاتفاق و اذا لم يكن ذات الزمان مأخوذا فى مفهوم الزمان , فعدم مأخوذيته فى مفهوم أسماء الزمان كلفظ مضرب و نحوه أولى , فلا فرق بين أسماء الزمان و المكان و غيرهما من المشتقات الا فى ان الذات فيهما هو الزمان و المكان و فى غيرهما .

مضافا الى ان بعض المحققين قد أقام البرهان على عدم مأخوذية الذات فى شىء من المشتقات حيث استدل له بأن الذات المأخوذ فيها اما أن يكون مفهومه أو مصداقه فان كان الاول لزم كون العرض العام مأخوذا فى الفصل و جزء من المهية ضرورة كون مفهوم الذات عرضيا لمصاديقه و من مصاديقه الفصول كالناطق و نحوه و اذا فرض كون مفهوم الذات جزء منها لزم ما ذكرنا من كون العرض العام جزءا للمهية و ان كان الثانى لزم انقلاب الممكنة العامة الى الضرورية كما فى قولك زيد كاتب بالامكان العام فان ثبوت زيد الكاتب لزيد ضرورى لاممكن عام فتأمل .

المقام الثانى

فى بيان ان التلبس بالمبدء شرط فى صدق المشتق أولا ؟ و الظاهر انه لا اشكال فى ان المتبادر من لفظ المشتق اذا كان مفردا غير واقع فى التركيب هو كون التلبس متحققا فى زمان النسبة سواء كان حال النطق ام ماضيه ام مستقبله .


103

ولا فرق فيما ذكرنا بين المشتقات التى مباديها تتعدى الى الغير كالضارب و القاتل و بين غيرها كالقائم و القاعد فان المتبادر من لفظ القاتل هو من قام به القتل فى الزمان الذى ينسب اليه القاتل الا ترى انه لو اطلق بعض المشتقات على من يعلم انه ليس بمتلبس بالمبدء فى زمان نسبتها الى الذات كقوله تعالى السارق و السارقة فاقطعوا ايديهما ( 1 ) فان السارق فى الاية لم يرد منه من كان متصفا بالسرقة بل اريد منه من صدر عنه السرقة و انقضت عنه فاطلق السارق فعلا على من ليس بمتصف بالسرقة فعلا و كذلك قولك جائنى قاتل زيد أوضار به و نحوهما من الموارد التى علم بالقرينة انه اسند المشتق فيها الى الذات الغير المتصفه بالمبدء فعلا المتصفة بها قبل زمان النسبة فان امثال هذه الموارد التى اطلق المشتق فيها على من انقضى عنه المبدء و علم ذلك منها من الخارج صار سببا لان ادعى بعضهم كون المشتق حقيقة فيما انقضى عنه المبدء ايضا .

ولا يخفى ان المشتقات الوارده فيها يتبادر من لفظها اذا وقعت مفردة خالية عن التركيب يتصف بالمبدء فى زمان النسبة ولكنها اذا وقعت فى التراكيب فاطلاقها فعلا على من انقضى عنه المبدء من جهة ان ارادة المتصف بالمبدء فعلا منها غير ممكن فانه لا يمكن ان يراد من قولك قاتل زيد هو من يتصف فعلا بالقتل لانه مادام مشغولا بالقتل فلم يصدر عنه قتل بعد فكيف يقال انه قاتل ؟ بمعنى كون المبدء قائما به و بعد صدور القتل عنه قد انقضى عنه فامثال قولك قاتل زيد مما لا يمكن ارادة المتلبس بالمبدء فيها و نحوه السارق و الزانى و بعد ماعلم عدم امكان ارادة حال التلبس فيها و تعين اطلاق المشتق فعلا فيها على من انقضى عنه المبدء حيث انه يقال على زيد انه قاتل عمرو فعلا على ان يكون قوله فعلا ظرفا لنسبة قاتل الى زيد مع عدم قيام القتل به فعلا فهل هذا

( 1 ) المائدة 42


104

من جهة ان اطلاق المشتق على من انقضى عنه المبدء ايضا حقيقة ؟ او ليس لهذه الجهة نظرا الى عدم كونه حقيقة فيما انقضى بل له جهة اخرى .

و نحن لما راجعنا الى وجداننا ما رأينا مشتقا الا و يتبادر منه المتلبس بالمبدء مع قطع النظر عن الخصوصيات التى تعرض المشتقات بواسطة التراكيب فان المشتق كالجامد فكما ان الحجر و الشجر و نحوهما لا يصدقان الاعلى ما هو حجر و شجر فعلا و لا يصدقان على من انقضت الشجرية و الحجرية عنه فكذلك المشتقات .

مضافا الى صحة سلب المشتق عما ليس بمتلبس فان من ليس بمتلبس بالقتل يصح ان يقال انه ليس بقاتل فلو كان المشتق حقيقة فيما انقضى عنه المبدء ايضا لما صح سلبه عمن كان متلبسا به مع انه يصح و انكان متلبسا سابقا مع عدم تلبسه فى زمان النسبة .

و على هذا فعلينا ان نذكر الجهة التى لا جلها اطلق القاتل فعلا لاجلها على زيد مع انه ليس القتل قائما به فعلا .

و حاصل السؤال انه اى وجه لحمل القاتل على زيد فعلا مع انه ليس المبدء قائما به فعلا و انتم تشترطون فى صدق المشتق قيام المبدء ؟ فكيف يصح هذا الاطلاق على مذهبكم ؟

و الجواب عن ذلك السؤال انه قد قيد المشتق اولا بالزمان الذى كان التلبس متحققا فيه ثم نسب هذا المشتق المقيد الى الذات فعلا فالمحكوم به فى قولنا هذا قاتل زيد هو القاتل المقيد بالزمان الذى وقع فيه القتل فانه بمنزلة قولك زيد ضرب عمروا فان قولك ضرب عمروا قد حمل فعلا على زيد مع ان زيدا ليس بضارب فعلا فقيد الضرب اولا بالزمان الماضى ثم حمل الضرب الواقع فى الزمان الماضى على زيد فعلا فان اتصاف زيد بالضرب فى الزمان الماضى اوجب حصول علقة بين زيد و بين الضرب باعتبارها فانسب الضرب


105
المقيد بالزمان الماضى اليه فعلا فقولك هذا قاتل زيد بمنزلة قولك هذا قاتل زيد بالامس على ان يكون قولك بالامس قيدا لقولك قاتل لا النسبة فكانت قلت هذا الذى قتل زيد أمس فنسبة المشتق الى الذات فعلا مع انه ليس بمتصف بالمبدء انما هو من جهة ان قيامه به فى الزمان الماضى صار سببا لحصول علقة و رابطة بينه و بين الذات باعتبار ما صح اسناد المشتق فعلا اليه قكأنه قال القاتل لزيد بالامس هذا .

فان قلت لم لا يلاحظ هذه الرابطة فى المشتق بالنسبة الى المبدء الذى لم يتلبس الذات به بعد فيطلق على مالم يتلبس به بعد مع العلم بصيرورته متلبسا به بعد كما لو حظت فى الفعل المضارع فى نحو قولك زيد سيقوم ؟

و بالجملة فماوجه أباء العرف عن اطلاق المشتق على مالم يتلبس بالمبدء بعد بالعلقة التى يحصل بينه و بين الذات ؟ فانا نرى انهم يابون عن ان يقولون لو يعلمون انه يضرب زيدا فيما بعد : انه ضارب زيد .

قلت اولا انه لايحتاج الى وجه فان امثال هذه الروابط بيد العرف فقد تريهم يلاحظونها فى موضع و قد لا يلاحظونها فى مكان آخر مع امكان ملاحظته فيه .

و ثانيا انه يمكن أن يكون الوجه كون الاتصاف و التلبس الذى هو منشأ العلقة حاصلا فى الماضى دون المستقبل كما هو واضح .

ولكن لا يخفى ان اطلاق المشتق على من لم يتلبس بالمبدأ و ان لم يكن كثيرا الا انه وقع نادرا فى كلامهم كما فى المشروطة و العرفية الخاصتين فان مضمون اللادوام فيهما سلب الحكم عن الموضوع حال عدم اتصافه بالوصف العنوانى المأخوذة فى الاصل و هو عام يشمل لما كان متلبسا و انقضى عنه التلبس و لما لم يتلبس بعد كما لا يخفى فافهم .


106

ثم انه لا وجه للتحاشى عن اطلاق المشتق على ما انقضى عنه المبدء بالعلقة التى ذكرناها لانا نرى ان أهل العرف يطلقون المشتق على الذات الذى ليس متلبسا بالمبدء , و له علاقة بالمبدء أقل من العلاقة التى ذكرناها كما انك ترى انهم يقولون ان فلانا لابن أو تامر و نحوهما مع عدم كون المبدء قائما به لوضوح عدم قيام هذا اللبن و التمر به و عدم كونه متصفا بهما .

ولا يخفى ان اطلاق التاجر عليه من جهة العلقة التى حصلت له من بيع التمر و كل لابن فانك ترى انه لا يقال للرجل انه تامر و انكان له تمر كثير ما لم يكن بايعا له و كان ذلك حرفة له و امثال هذه النسب حكمها بيد العرف لا يصح اطلاقها الا فى مورد يساعد العرف اياه , فلم يرد من لفظ تامر من قام به التمر , بل اريد من له علقة خاصة بالتمر و أخذ بيعه حرفة و حينئذ فليس المراد من لفظ التمر الموجود فى ضمن تامر , معناه الحقيقى لعدم قيامه بالذات بل المراد منه العلقة الحاصلة بين الذات و التمر مستعملا فى المعنى المجازى لانه المراد منه كما عرفت النسبة المتحققة بالتمر لانها القائمة بالذات لانفس التمر .

و لكنه يجب أن يعلم ان استعمال المبدء الموجود فى ضمن المشتق فى معناه المجازى على قسمين :

فقسم منه ما يصح استعمال المبدء فيه و انكان غير موجود فى ضمن المشتق كما لو قلت قاتل و أردت منه الضارب الشديد الضرب فان استعمال القتل فى الضرب الشديد صحيح و ان لم يوجد فى ضمن قاتل .

و قسم منه ما لا يصح استعمال المبدء فيه مجازا اذا لم يوجد فى ضمن المشتق , كما فى لابن و تامر فان استعمال التمر فى نسبة التمر ليس بصحيح و انما يصح بعد وجوده فى ضمن تامر , فلا يضر عدم صحة التمر اذا كان مستقلا


107
غير موجود فى ضمن تامر فى النسبة التى ذكرناها لما قلنا من ان الاستعمال المذكور انما يصح بعد وجوده فى ضمن تامر كذا ذكره شيخنا الاستاد .

و عندى انه يحتمل ان لا يكون لفظ تامر و لابن من اسم الفاعل بل يكون من صيغ النسب كما صرح به النجاة و الصرفيون فمعنى تامر ذو تمرو على هذا فيحتمل ان يكون لهيئة فاعل معينين يكون مشتركا بينهما لفظا أحدهما اسم الفاعل و الثانى النسبة فتأمل .

و بالجملة بعد ما عرفت من صحة نسبة لابن و تامر الى الذات بمجرد مناسبة متحققة بين الذات و التمر مثلا مع عدم قيام التمر بالذات يظهر صحة ما قلنا من انه يصح ان يقال جائنى قاتل زيد مريدا به عمروا مع عدم كون القتل قائما به حين المجىء فاطلق عليه القاتل حين المجىء مع عدم قيامه به حينه اذ بعد كفاية النسبة التى تحقق بين الانسان و التمر فى اطلاق التامر عليه فكفاية النسبة التى ذكرناها فى القاتل فى اطلاق القاتل على من انقضى أولى لانها اقوى من النسبة التى بين الانسان و التمر بمراتب , فيصح أن يطلق على عمرو مع انقضاء القتل عنه الا انه مجاز لانه لم يرد من الفعل الموجود فى ضمن قاتل معناه الحقيقى لعدم قيامه به , بل اريد منه النسبة الحاصلة بينه و بين عمرو بالتلبس السابق كما بينا و ان هذا التجوز انما يصح فى القتل الموجود فى ضمن القاتل ولا يصح ان يراد ذلك من لفظ القتل كما بيناه فى تامر .

و الدليل على المجازية ما ذكرنا آنفا من ان المتبادر من لفظ المشتق اذا لم يكن واقعا فى التركيب من كان متلبسا بالمبدء و ان غير المتلبس يصح سلب المبدء عنه , فمن يقول بكونه حقيقة فى المشتقات الواقعة فى التراكيب و ان كانت من المصادر المتعدية الى الغير , فلابد من ان يقول بكونه مما يحصل له وضع جديد فى التراكيب و فساده اوضح من أن يبين .


108

مضافا الى انه لو يبنى فى التراكيب أيضا على الدقة فسلب المبدء صحته معلوم فيها أيضا و هذا يكشف عن ان اطلاقه على غير المتلبس انما هو للمناسبة التى ذكرناها .

هذا حكم اسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة .

و اما اسماء الزمان و المكان و الالة , فالظاهر انها أيضا حقيقة فى المتلبس , فان اسم المكان كالمجلس وضع لما هو مجلس بالتلبس الا ان تلبسه بالمجلسية معناه أن يكون المكان مما يتعارف فيه الجلوس سواء تحقق فيه الجلوس أم لا أو يكون مما تحقق فيه الجلوس فعلا سواء كان معدا له أو لا فهو وضع للاعم مما هو معد للجلوس و مما يكون الجلوس متحققا فيه .

و الدليل عليه اطلاق المجلس على مكان اعد للجلوس و ان لم يكن الجلوس متحققا فيه فعلا و على مكان تحقق فيه الجلوس و ان لم يكن معدا له .

ولا يخفى ان اطلاق المجلس على المكان المعد للجلوس الغير المتحقق فيه الجلوس حال اطلاق الجلوس ليس من جهة كون المجلس اسما لملكة المجلسية و ما فيه شأنيتها بل من جهة ان فعلية المجلسية تتحقق بمعدية المكان للجلوس و ان لم يتحقق فيه الجلوس فعلا فان كون الشىء مجلسا فعلا امر و مكانا تحقق فيه الجلوس امر آخر , و الاول لا يستلزم الثانى , اذ يكفى فى كون الشىء مجلسا فعلا كونه معدا للجلوس و ان لم يتحقق فيه الجلوس حين اطلاق المجلس عليه فافهم .

و نحوه اسم الزمان فانه ايضا وضع للاعم مما يكون وقوع الفعل فيه متعارفا و ان لم يكن الفعل متحققا فيه و مما يقع فيه الفعل فان المذبح مطلق على يوم عيد الاضحى , و ان فرض عدم تحقق ذبح فيه و على كل يوم تحقق فيه الذبح و ان لم يكن وقوعه فيه متعارفا و كذلك اطلاقه عليها و على كل ما هو


109
متلبس بالفرض و ان لم يكن معدا له فانه أيضا نظير اسم المكان يجرى فيه جميع ما ذكرنا .
خاتمة :

فى ثمرة النزاع و هى كثيرة فى الاوقاف و النذور و غيرها فلو وقف على سكنة البلد الفلانى أو على المشتغلين أو على الطلبة و هكذا فان قلنا بكون الشىء المشتق حقيقة فيما هو متلبس بالمبدء عند اطلاق اللفظ دون من انقضى عنه المبدء لا يجرى احكام الموقوف عليه على من كان متلبسا بهذه الامور و انقضى عنه و ان قلنا بوضعه للاعم منهما فيحكم باجرائها عليه .

ثم انهم ذكروا جريان ثمرة النزاع فى كراهة البول تحت الشجرة المثمرة و كراهة الوضوء بالماء المسخن بالشمس .

أما الاول فان قلنا بكون المثمر حقيقة فى المتلبس بالاثمار فقط فلا يكره البول تحت ما ليس بمثمر و ان كانت متلبسة بالاثمار سابقا و ان قلنا بكونه حقيقة فيما كان متلبسا به أيضا فيكره اذا كانت الشجرة مما انقضى عنه التلبس .

أقول لا يخفى عليك ان المثمر كما يطلق على ما هو مثمر فعلا كذلك يطلق على ماله ملكة للاثمار .

و على الثانى فقد يطلق على ماله ملكة للاثمار جنسا كما يقال ان النخل مثمر فى مقابل عدم مثمرية الخلاف و معناه ان جنس النخل مثمر و ان لم يكن لبعض أنواعه ملكة الاثمار كما فى فحل النخل فانه ليس بمثمر و قد يطلق على ماله ملكة الاثمار نوعا كما يقال ان انثى النخل مثمر فى مقابل عدم أثمار فحله و قد يطلق على ماله ملكة الاثمار صنفا كما يقال ان الكبير من النخل للانثى مثمر فى مقابل عدم مثمرية صغيرها فاذا ورد حكم على المثمر , قليلا حظ فان


110
ثبت لما هو مثمر فعلا فليلاحظ التلبس الحالى و عدمه بالنسبة اليه و ان ثبت لما هو مثمر ملكة بأى من الملكات المذكورة كانت , فليلاحظ التلبس الحالى و عدمه بالنسبة الى التلبس بالملكة و عدمه , فعلى القول بكون المشتق حقيقة فى المتلبس فقط فيحكم عدم جريان الحكم على من انقضى عنه الاثمار بالمعنى الذى أخذ المتلبس به اما بالاثمار الفعلى أو بالاثمار ملكة بواحدة من الملكات المذكورة و على القول بكونه حقيقة فيما انقضى أيضا فيحكم بجريان الحكم .

و لكن ما ذكرنا انما يوجب تحقق الثمرة فى غير مسئلة كراهة البول تحت الشجرة المثمرة ان ثبت حكم للمثمر و اما فيها فلا يثمر لما حكى عن الاستاد ان المراد من الشجرة المثمرة التى تكره البول تحتها هو ما كان فيه ثمر فعلا حتى لا يوجب القذارة كما هو مقتضى بعض تعليلات الروايات ( 1 ) و لانه ليس فى الاخبار لفظ المثمر فكيف يجعل ثمرة فى المسئلة .

و أما الثانى فعلى القول بكون المشتق حقيقة فلا انقضى عنه المبدء أيضا فيكره الوضوء بالماء المسخن الذى زالت سخونته و على القول بعدم كونه حقيقة فيه فلا يكره كذا نسب الى بعضهم .

ولكن الاقوى عندنا انه أيضا ليس بثمرة لنزاعنا لانا نعلم جزما انه ليس المراد من المسخن المتلبس بالتسخين فعلا اذ ليست الكراهة ثابتة فى حال التسخين قبل تحقق السخونة بل هى متحققة بعده اذا كانت السخونة باقية , فهى مما يعلم ان المراد منه ما انقضى عنه المبدء لمعلومية عدم كون المراد الكراهة حين التسخين بل وان المسخن من المشتقات التى لم يرد منه حال التلبس بمعنى انه لا يمكن ارادة حال التلبس منه لان الماء حين الاشتغال بتسخينها لم يتحقق كونها مسخنة و بعد تحقق التسخين قد زال التلبس و قد نبهنا عليه فى المقام الثانى .

( 1 ) لاحظ الوسائل الباب 15 من ابواب احكام الخلوة .


111

فلا ريب ان كراهة الوضوء بالماء المسخن ليست فى حال التسخين بل الراد ما بعده من الزمان الذى فيه السخونة متحققة نعم يمكن اجراء الثمرة لو كانت الروايات بلفظ السخن بصيغة الصفة المشبهة لكنه ليس فى الروايات لفظ السخن بل ولا السخن أيضا فلا يصح جعل كراهة الماء المسخن ثمرة للنزاع على فرض عدم معلومية كون المراد من المسخن ما انقضى عنه المبدء أيضا لعدم وجود لفظ المسخن فيها و انما الوارد فيها لفظ أسخنته الشمس فليس الحكم فيها منوطا بعنوان المسخن حتى يجعل ثمرة للنزاع فى المشتق فافهم .

و الحمد لله رب العالمين .


112

113
رسالة فى المشتق من تقريرات بحث الميرزا الشيرازى ( قدس سره ) كتبها الشيخ فضل الله النورى ( قدس سره )

114

115

بسم الله الرحمن الرحيم

القول فى المشتق و هو اسم مفعول من الاشتقاق و هو افتعال من الشق بالكسر و هو نصف الشىء كما صرح به فى الصحاح فالاشتقاق اخذ شق الشىء و هو نصفه و حينئذ فالمشتق هو الماخوذ من الشىء نصفا مثلا و من هنا يجرى اعتبار الاصل و الفرع بجعل المأخوذ منه اصلا و المأخوذ فرعا .

و قد جرى اصطلاح القوم على تسمية اللفظ المأخوذ من لفظ اخر مشتقا فكان الواضع لاحظ فى وضعه مادة قابلة لان يرد عليها صور مختلفة و انكانت لتلك مادة فى نفسها أيضا صورة فعلية كالمصدر فان القابل لورود الصورة عليها هو مادة المصدر لا صورتها فكل واحدة من تلك الصور المصورة المأخوذة فى المشتقات غير الصورة المصدرية واردة على مادة المصدر بناء على انه الاصل و غيره فرع عليه كما يقضى به الذوق السليم فان مداليل المشتقات من مراتب مدلول المصدر و موارد ظهوره فيكون اولى بان تعتبر اصلا لغيره و كان من


116
جعله فرعا انما لاحظ كون مدلوله جزء من مداليل غيره من المشتقات فيكون اللايق بالمعنى اللغوى جعله فرعا لان الكل هو الشىء و جزئه شق منه فاللفظ الدال على ذلك الجزء مشتق من اللفظ الدال على الكل الا ان الاول اولى كما لا يخفى .

و كيف كان فقد ذكر جماعة ان اقسام الاشتقاق ثلثة , لان الفرع اما ان يشتمل على اصول حروف الاصل و ترتيبه أو يشتمل على الاول دون الثانى , اولا يشتمل على شىء منهما بعد وجود مناسبة فى الجملة فى اللفظ و المعنى على وجه يصح معه اعتبار احدهما اصلا و الاخر فرعا .

فالاول هو المشتق بالاشتقاق الصغير و قد يقال له الاصغر أيضا كقولك ضارب المأخوذ من الضرب المشتمل على حروف الاصل و ترتيبه .

و الثانى هو المشتق بالاشتقاق الكبير و قد يقال له الصغير أيضا كقولك ضارب المأخوذ من الضرب المشتمل على حروف الاصل و ترتيبه .

و الثانى هو المشتق بالاشتقاق الكبير و قد يقال له الصغير كجذب المأخوذ من الجبذ أو حبذ المأخوذ من الجذب مثلا .

و الثالث هو المشتق بالاشتقاق الاكبر و قد يقال له الكبير أيضا كثلم و ثلب .

و عرف المشتق بالاشتقاق الاصغر بانه لفظ وافق اصلا باصول حروفه و لو حكما مع مناسبة المعنى و موافقة الترتيب .

و اشكل على الحد بلزوم الدور فان معرفة الاصل موقوفة على معرفة الاشتقاق مع توقف معرفة المشتق عليه .

و اجيب عنه بوجوه جلها بل كلها لا يخلو عن نظر .

و الاولى فى الدافع انه يكفى فى معرفة الاصل ما عرفت فى معناه اللغوى فان المراد به ما يجعل امرا اخر شقا منه سواء كانا لفظيين او غيرهما و هو بهذا المعنى لا يتوقف على معرفة الاشتقاق الذى هو اخذ اللفظ من مادة لفظ اخر كما هو المراد فى المقام فانه من موارده ولا يتوقف تصور العام على تصور


117
الخاص و ان امكن جعل العام مرآتا لتصور الخاص باضافة الامور المخصصة اللاحقة له كما هو ظاهر .

ثم ان الوجه فى اعتبار القيود المأخوذة فى التعريف ظاهر كما ان المغايرة الاعتبارية لازمة و كافيه فى صدق الاشتقاق بالزيادة و النقصان حركة و حرفا مفردا و مركبا ثنائيا او ثلاثيا او رباعيا و قد قالوا بارتقاء الاقسام الى خمسة عشر و ذكروا امثله كل واحد من الاقسام و طونيا عن ذكرها روما للاختصار و اشتغالا بما هو الاهم .

فنقول ان تنقيح البحث فى المشتق فى طى هدايات .

هداية

لا خلاف ظاهرا فى صدق المشتق مع اتصاف المورد فعلا بمبدء الاشتقاق و الوجه فيه ظاهر فانه القدر المتيقن فى موارد الاستعمال كما لا خلاف أيضا فى عدم الصدق الا على وجه المسامحة و المجاز كما ستعرف وجه ذلك انشاء الله بالنسبة الى مورد لم يتصف بعد و انما يتصف فى الزمان المستقبل و قد يحكى من بعضهم صدقه فى المستقبل أيضا .

و فى صدقه على المورد بعد انقضاء المبدء و ارتفاعه عن المورد خلاف , فالمنسوب الى اصحابنا الامامية رضوان الله تعالى عليهم انه صادق مع عدم اتصاف المورد بالمبدء فعلا و انه يكفى فيه الاتصاف قبل زمان الاطلاق و اختاره بعض العامة أيضا .

و المحكى عن جماعة من العامة انه لا يكفى فيه و انما الشرط فى الصدق بقاء المبدء فعلا و اختاره جماعة من اصحابنا المتأخرين و هو الذى يساعد عليه النظر و فى المقام اقوال مستحدثة و مفصلة بين الموارد ستقف عليه انشاء الله .


118

و قبل الخوض فى الاستدلال لابد من رسم امور يتضح معها المقصود :

الاول فى تحرير محل الخلاف و هو من وجوه :

احدها : قد عرفت تقسيم المشتق الى الاصغر و الصغير و الكبير , و الظاهر عدم الفرق فى جريان النزاع فى الاقسام الثلثة اذ لا نجد ما يوجب ذلك و ان كان ظاهر العنوان و الامثلة اختصاصه بالاصغر فانه المتبادر من العنوان الا ان التأمل فى المقام يوجب القطع بوجود المناط فى الخلاف فى الجميع .

قال بعض الاجله[ ( و حيث يطلق المشتق هنا فالمراد منه قسم الاول]( فان اراد ان اغلب موارد الاطلاق هو ذلك فله وجه الا انه لاوجه لاختصاصه بالمقام و ان اراد اختصاص محل الخلاف بذلك فلا نعرف وجهه .

و ثانيها : الظاهر خروج الافعال فى المصادر المزيدة على القول بانها مشتقة من المصادر و المجردة عن مورد الخلاف , اما الاخير فلان مجرد الاشتقاق من المصدر لا يوجب جريان النزاع المذكور فان تلك المصادر بمنزلة نفس المصادر المجردة فى الدلالة على الحدث ولا يتوهم صدقها الا فى موارد وجود المعنى الحدثى و ذلك بخلاف الاوصاف فان ارتفاع الصفة لايوجب ارتفاع الموصوف فيمكن توهم صدق الصفة ولو بعد ارتفاعها حيث كانت عنوانا للذات كما لا يخفى .

و من هنا يظهران خروج اسماء المعانى عن محل النزاع اولى عن خروج الجوامد التى يمكن ورود الصور المختلفة عليها من انقلاب الماء هواء ثم انقلابه نارا مثلا .

وجه الاولوية ان الباقى فى الحالتين الواردتين انما يمكن جعله بمنزلة مورد الاتصاف فى المشتق و جعل الصورتين بمنزلة الاوصاف الواردة على ذلك المورد , فيتوهم فيه جريان النزاع المذكور و ذلك بخلاف اسماء المعانى


119
فان هذا التفكيك فيها غير معقول .

و اما الاول فلان المطلوب بالنزاع هو بيان ان العنوان المفروض اتحاده مع شىء اخر فى زمان الاتصاف هل يوجب زوال ذلك العنوان عدم اتصاف المورد و عدم صدقه عليه اولا ؟ و هذا لا يجرى فى الفعل لعدم اتحاده مع الغير

اما الاول فلان الكلام فى صدق المشتق على ذلك المورد المفروض زوال الوصف عنه بعد فرض الاتصاف و هو بعينه معنى الاتحاد الذى يوجب الحمل .

لا يقال لا نسلم اعتبار الجمل فى النزاع فان الكلام فى تعيين مدلول المشتق مع قطع النظر عن وقوعه فى تركيب فضلا عن كونه محمولا .

لانا نقول لا ينبغى الارتياب فى ان النزاع فى الصدق الموصوف على اعتبار الجمل كما نشاهد فى عنوان جماعة من اهل الفن حيث عنونوا هل يشترط فى صدق المشتق بقاء المبدء ام لا ولا ينافى ذلك اعتبار كون النزاع فى تعيين مدلول المشتق أيضا كما لا يخفى .

و اما الثانى فلان الفعل فى مرتبة كونه فعلا لا يعقل اتحاده مع شىء لان مدلول الفعل مركب من الحدث و النسبة الى فاعل ما الواقعة فى زمان خاص و هو المدلول المركب فيمتنع اتحاده مع شىء نعم يمكن انتزاع معنى اخر بسيط من ذلك المركب و جعله محمولا على الفاعل و هو عين مدلول المشتق مثلا كمالا يخفى .

فان قلت : لا ريب فى ان الفعل انما يقع مسندا و هو مع الفاعل ضميرا أو ظاهرا معدود فى القضايا و الجمل الخبرية فى الماضى و المضارع مثلا و هو فى معنى الحمل .

قلت : لا ريب فى ان الاسناد مغاير للحمل فان الاول عبارة عن تعيين


120
الفاعل المبهم المأخوذ من مدلول الفعل الذى نسب اليه صدور الفعل اما بالمخاطبة كما فى الامر و اما بذكر الفاعل ظاهرا او مضمرا فى الماضى و المضارع و هو الوجه فى الجمل الخبرية و مناط الحمل هو بيان ان احد الامرين عين الاخر فى الوجود الخارجى و هذا المعنى ملازم لجعل كل واحد من المتحدين فى الوجود موضوعا و الاخر محمولا فى الجملة ولا شك فى انتفاء ذلك فى الفعل والا لصح جعله مبتداء أيضا مع انه باطل اجماعا من القوم فضلا عن عدم مساعدة الوجدان على الحمل .

و مما يشعر بمغايرة الاسناد و الحمل هو وجود الاسناد فى الجمل الانشائية دون الحمل كما هو ظاهر .

و ان ابيت عن ذلك فنقول : ان الزمان الخاص ماخوذ فى مفهوم الفعل و حينئذ فان كان ذلك زمان الماضى فلابد من انقضائه حتى يصح اسناد الفعل الى الفاعل فى ذلك الزمان و ان كان زمان الحال فلابد من صدور الفعل فى ذلك الزمان حتى يسند اليه الفعل و ان كان زمان المستقبل , فلابد من عدم صدوره حتى يسند اليه الفعل فى ذلك الزمان فلا يعقل فيه النزاع المذكور كما هو ظاهر ولا ينبغى قياس ساير المشتقات بالفعل لما ستعرف من عدم اعتبار الزمان فى مدلولها لاقيد اولا جزء و على تقدير التنزل فالفرق بيع اعتبار الزمان فى الفعل و فيها فى غاية الوضوح .

و ثالثها : الظاهر جريان الخلاف فى غير اسم الفاعل من المشتقات كاسم المفعول و الصفة المشبهة و صيغة المبالغة و اسماء المكان و الزمان و الادلة لعموم الادلة و العناوين مع عدم ظهور فرق بين الموارد و هو المصرح به فى كلام جماعة من ارباب الفن .

ولا وجه لما قد يحكى عن بعضهم من اختصاصه باسم الفاعل لان , الامثلة


121
الواردة فى كلام القوم لايتجاوز منه , لقوة احتمال ان يكون ذلك فى كلامهم من حيث انه مثال للمطلوب فلا يفيد الاختصاص .

و لو فرضنا ظهورها فى الاختصاص فنقول : انه لا وجه له بعد صحة جريان النزاع فى غيره ايضا لوجود المناط بعينه فى غيره ايضا .

و ما ربما يتوهم من الفرق بان الغالب فى اسم المفعول هو الصدق بعد الانقضاء و فى الصفة المشبهة هو عدم الصدق بخلاف اسم الفاعل فان موارده مختلفة , مدفوع بمنع الفرق المذكور و انما الوجه فى ذلك هو ملاحظة الصدق باعتبار زمان التلبس فى الجميع كما لا يخفى .

و مما ذكرنا يظهر النظر فيما صنعه بعض الاجله من ذكر مداليل ساير المشتقات قبل الدخول فى المسئلة مع اعتقاد اختلاف المداليل فيها ايضا فان الظاهر عدم الفرق فى الجميع .

و مما يدل على عموم النزاع لاسم المفعول ما ذكره جماعة فى ثمرات المسئلة من بناء الكراهة فى استعمال الماء الشمس و المسخن فانهما من اسم المفعول كما هو الظاهر .

و ابعد من ذلك ما يحكى عن التفتازانى من تخصيص النزاع باسم الفاعل بمعنى الحدوث دون مثل المؤمن و الكافر و الابيض و الحروا لعبد فانه لا وجه له ابدا .

و اما دعوى الاجماع على عدم تسمية المؤمن اللاحق كافرا , فان اراد الاجماع على عدم ترتيب الاثار فهو مسلم , ولا يجدى فى نفى الموضوع و ان أراد الاجماع على عدم التسمية فهو ممنوع لوجود الخلاف قطعيا فى التسمية و ان لم يترتب عليه الاحكام كما هو ظاهر .

نعم يمكن دعوى اتفاق العرف على السلب و هو صحيح و دليل على اشتراط


122
التلبس فى الصدق كما ستعرف .

و رابعها : انه يحكى عن جماعة منهم الشهيد الثانى قدس سره باختصاص النزاع بما اذا لم يطرء على المحل ضد وجودى فانه معه لا يصدق اتفاقا .

و لعل الوجه فيه انه مع طريان الضد أو صدق الاخر يلزم اجتماع الضدين و لو صح ذلك فارتفاع نفس الوصف و ان لم يطرء عليه الضد أولى بأن لا يكون محلا للخلاف لان التنافى بين الوجود و العدم أشد من التنافى بين الوجوديين و ان استند نفى منع التنافى على تقدير الصدق لاختصاص التنافى بما اذا لم يتصف المورد بالمرة بذلك الوصف بناء على شمول المشتق لما انقضى عنه المبدء فيلتزم به فى المتضادين أيضا الا ان ذلك فيهما على خلاف التحقيق لان بناء الفرق و الاستعمال على الفعلية كما ستعرف .

و خامسها : انه قد يحكى عن بعضهم اختصاص النزاع بما اذا كان المشتق محكوما به و أما اذا كان محكوما عليه فلا خلاف فى عدم اشتراط بقاء المبدء لعدم الخلاف فى ان الزانى و السارق فى آية الجلد و القطع ( 1 ) لا يعتبر فيهما الاتصاف .

و فيه ان الاجماع على كفاية وجود العنوان فى الزمان الماضى فى وجوب اجراء الحد عليهما هو لا يدل على صدق العنوان لغة عليهما بعد الانقضاء .

مع انه لم يعهد اختلاف مدلول اللفظ بجعله موضوعا أو محمولا بحسب الاوضاع اللغوية كما هو ظاهر و قد تبين وجه الخروج بانه اتفق المسلمون على ان قوله تعالى الزانى و الزانية الخ و السارق و السارقة الخ ( 1 ) و فاقتلوا

( 1 ) النور 3 و المائدة 42


123
المشركين ( 1 ) و نحو ذلك يتناول من لم يتصف بهذه المبادى حال النزول .

و فيه أولا ان آية القتل لا ربط لها بالمقام لان المشركين فى الاية لا يكون محكوما عليه .

و ثانيا ان عدم الاتصاف حال النزول مما لا ربط له بالمقام لان الكلام فى الصدق بالنسبة الى ما انقضى عنه المبدء لا بالنسبة الى من لم يتصف بعد كما هو ظاهر و كيف كان فالوجه فى الاستعمال المذكور فى الايات هو ملاحظة حال المتلبس كما لا يخفى فلا ينبغى جعل ذلك منشأ للخروج عن الخلاف .

الثانى : قد صرح جماعة من أهل التحقيق ان الزمان خارج عن مدلول المشتق المقصود بالبحث عنه فى المقام و هو الذى يقتضيه التأمل فى مدلوله فى موارد الاستعمالات العرفية سيما بناء على ما ستعرفه من بساطة مداليل المشتقات فانها عنوانات حينئذ للذوات التى يفرض اتحادها معها فى الخارج فيكون تلك الاسماء تعبيرات عن بعض مراتب وجود الذوات الخارجية فكما ان زيدا لا دلالة فيه على الزمان فكذا العالم و افتقار وجود هذا المفهوم الواقع فى الزمان ليس الا كافتقار وجود الحوادث الزمانية الى الزمان و ذلك لا يدل على أخذ الزمان فى مدلوله .

و مما يوضح ذلك ملاحظة افتقار الجسم الى الحيز فانه لم يذهب و هم الى أخذ المكان فى مدلول الجسم كما هو ظاهر و ليس افتقار العنوان المذكور الى استلزام ذلك الزمان بأشد من افتقار نفس المعنى الحدثى اليه , مع انه لا كلام فى عدم دلالة المصدر على الزمان .

و مما يرشد على ذلك اتفاق علماء العربية ظاهرا كما حكاه جماعة أيضا على عدم أخذ الزمان فى مداليل الاسماء التى منها المشتق المبحوث عنه هنا

( 1 ) التوبة 5


124
كما يدل عليه الحدود الواردة عنهم للاسماء كما هو ظاهر و مع ذلك كله فقد يقرأ أى من بعضهم ان الزمان معتبر فى مدلول المشتق بل ولم يرض بذلك حتى ادعى اتفاق الاصوليين على ذلك حيث انهم حكموا بكونه حقيقة فى الحال و انما اختلفوا فى كونه حقيقة فى الماضى اما على وجه الاشتراك اللفظى أو القدر المشترك بين الزمانين مثلا ثم حاول الجمع بين الاجماعين بحمل اجماع أهل العربية على عدم الدلالة مطابقة و حمل اجماع الاصوليين على الدلالة التزاما .

و قال بعض الاجلة[ ( ان مفهوم الزمان خارج عن مدلول المشتق و قيد لحدثه باعتبار الصدق و الاطلاق فالفاعل مثلا انما وضع ليطلق على الذات المتصفة بمبدئه الخاص اعنى المبدء المأخوذ باعتبار زمن الاتصاف أو الاعم منه و مما بعده]( .

قلت الظاهر سقوط كل واحد منهما :

أما الاول فلان معنى اتفاق الاصوليين على كونه حقيقة فى الحال هو الاتفاق على صدقه على تقدير وجود المبدء فى المورد و اتحاده معه و الخلاف فى كونه حقيقة فى الماضى هو ان الاتصاف الفعلى هل هو شرط فى الصدق أو يكفى فيه الاتصاف قبل زمان الصدق أيضا فى الجملة ؟ و هذا المعنى مما لا يتوهم معه دخول الزمان فى مدلول المشتق كما يرشد الى ذلك ملاحظة حال الجوامد و امكان جريان هذا النزاع فيه و ان كان التحقيق عدم وقوعه فيها للاتفاق على توقف الصدق على الفعلية فلاوجه لحمل الماء على الهواء المنقلب منه كما هو ظاهر فكما ان الاتفاق على ذلك لا يوجب توهم دخول زمان الحال فى الجوامد فكذا فى المقام .

و أما الثانى فلان الظاهر من كلامه حيث فرض خروج الزمان وضعا عن


125
مدلول المشتق و اعتبره قيدا للحدث انه معتبر فى وضع المبدء و المعنى الحدثى و هو فى غاية السقوط كما تقدم , و ان أراد نفى كونه جزء و انما هو شرط خارج على أن يكون التقييد داخلا و القيد خارجا كما هو أبعد الاحتمالين فى كلامه فهو أيضا مما لا وجه له , فانه مما لا يقتضى به شىء و مناف لكلمات جل القوم بل كلهم بعدما عرفت من معنى الخلاف و الوفاق المذكورين .

مع ان قوله مفهوم الزمان خارج فاسد قطعا لانه لو كان داخلا على وجه الشرطية أو الشرطية فليس ذلك الداخل هو مفهوم الزمان والا كان قولك الضرب الواقع فى الزمان تفسيرا للضارب و هو ظاهر البطلان .

الثالث : قد عرفت عدم اعتبار الزمان لا جزءا ولا قيدا فى مدلول المشتق .

ثم انه لا فرق فى ذلك بين أن يكون الازمنة لمذكورة مقيسة الى حال النطق أو حال التلبس لان ما تقدم من الوجوه التى يستكشف منها خروج الزمان عنه لا فرق فيها بين الوجهين و المراد بحال التلبس المذكور فى جملة من عبارات أصحاب التحقيق ليس الحال المقابل للماضى و المستقبل ليكون قسما من أقسام الزمان حتى يقاس تارة بالنسبة الى حال النطق و اخرى بالنسبة الى حال التلبس , بل المراد به هو تحقق اتصاف المورد واقعا بالعنوان و مفهوم المشتق كما هو ظاهر و المراد بالماضى هو عدم اتصاف المورد به بعد الاتصاف واقعا و لما كان تصور هذا المعنى موقوفا على تصوير قبلتيه و بعديته فقد يوهم ذلك اعتبار الزمان المقيس الى زمان التلبس معتبرا فيه و ليس كذلك بل المقصود واقعا بيان الاتصاف الفعلى و عدم الاتصاف الفعلى بعد ان كان متصفا من دون أن يكون للزمان المذكور مدخلا و لعل ذلك أمر واضح بعد ملاحظة الاطراف .


126

و مع ذلك فكلمات جماعة فى المقام غير خالية عن شوب الابهام الى خلاف المقصود , حيث انهم فى مقام بيان ان المراد بالحال هو حال التلبس دون حال النطق يذكرون ان المراد بالحال فى المقام هو حال التلبس يعنى الحال الذى يطلق عليه اللفظ بحسبه سواء كان ماضيا بالنسبة الى حال النطق أو حالا أو مستقبلا فلو قلت زيد كان ضاربا أو سيكون ضاربا كان حقيقة لاطلاقه على الذات المتصفة بالمبدء بالنظر الى حال اتصافه و تلبسه به و ان كان ذلك التلبس فى الماضى أو المستقبل و اما اذا اريد به الاتصاف فى حال النطق فهو أيضا حقيقة الا انه لا قائل باعتبارها بالخصوص فى صدق المشتقات حتى يكون اطلاقها على من تلبس فى ماضى النطق أو مستقبله مجازا مطلقا - انتهى .

ولا يخفى ان قوله يعنى الحال الذى يطلق عليه اللفظ بحسبه ظاهر فى انه قسم من أقسام الزمان غاية الامر ان المضى و الاستقبال فيه انما يلاحظ بالنسبة الى زمان التلبس لا بالنسبة الى زمان النطق مع انه خلاف المقصود كما لا يخفى .

و بالجملة فليس حال المشتقات فى ذلك بأخفى من حال الجوامد فكما انه لا ينبغى أن يتوهم ذلك فيها فكذلك فى المقام لكن ذلك لا ينبغى أن يجعل منهم خلافا فى المقام فان الانصاف انهم فى مقام بيان ان الحال ليس حال النطق و التكلم و ان أوهم انه من أقسام الزمان كما يشعر بذلك تصريحهم بأن الزمان خارج عن مدلول المشتق فى مقام آخر .

نعم يظهر من بعضهم ان المراد بالحال هو حال النطق و يؤمى اليه احتجاجهم بقول بعض النجاة على صحة قولنا ضارب أمس على كونه حقيقة فى الماضى فانه لو كان المراد به حال التلبس فهو غير محتاج الى الاحتجاج فالمراد به ماضى التكلم كما ربما يرشد اليه ما ذكره جماعة من ان قولنا


127
ضارب غدا مجاز بل عن العضدى دعوى الاتفاق على ذلك و هو لا يتم الا على تقدير ارادة حال النطق فانه لو اريد به حال التلبس فيصير ذلك بمنزلة قولنا سيكون ضاربا و على هذا لا ينبغى القول بكونه مجازا فكيف بالاتفاق على ذلك كما هو واضح جدا .

قلت قد عرفت خروج الزمان عن مدلول المشتق أولا فلا وجه لارادة حال التكلم أو غيره من الحال فانه مناف لما ذكره المحققون من ان المراد به حال التلبس و ما عرفت من المراد من حال التلبس و الاحتجاج بقول بعض النجاة وارد على خلاف التحقيق .

و أما دعوى اتفاق العضدى على مجازية قولنا ضارب غدا , فبعد انه مخالف لصريح الوجدان من انتفاء وجه المجاز فى ذلك فانا لانجد فرقا بين قولنا سيكون ضاربا أو ضارب غدا الا من حيث تعيين الزمان فى الثانى دون الاول فكما انه لا ينبغى أن يذهب الوهم الى مجازية الاول فكذا الثانى كما هو واضح فلابد من توجيه بما لا ينافى ما تقدم , كأن يقال ان المراد بالمجازية فى التركيب المذكور هو ارادة خصوص الزمان المستقبل من قولك ضارب و ذكر الغد قرينة على ذلك كما زعمه جماعة فى مدلول المطلق و المقيد حيث انهم لا يرون ان الاطلاق و التقييد من باب تعدد الدوال و المداليل بل يقولون ان المراد من قولك اعتق رقبة هو خصوص المؤمنة و قولك مؤمنة قرينة عليه لان التركيب أفاد ذلك و هذا التوهم بعيد فى قولك سيكون ضاربا فلا ينافى القول بالمجازية فى ضارب غدا و القول بخلافه فى سيكون ضاربا .

الرابع : الظاهر ان هذا النزاع من الابحاث اللفظية المتعلقة بتعيين مدلول المشتق لفظا كما يظهر من ملاحظة كلماتهم و أمثلتهم و استدلالات الطرفين بالتبادر و صحة السلب و نحوها , فلا تنافى بين الذهاب على ان المشتق ظاهر


128
فى الفعلية بالمعنى المتقدم و بين ما هو المعروف من علماء الميزان من ان وصف العنوانى فى الموضوع فى القضايا المتعارفة فى المحاورات هل يكفى فيه مجرد امكان اتصاف ذات الموضوع به -- كما هو المنسوب الى الفارابى -- أو يجب فيه تحقق النسبة فى أحد الازمنة الثلثة التى يعبر عنه بالفعلية التى يؤخذ جهة فى قبال الامكان و الضرورة و الدوام -- كما هو المنسوب الى الشيخ ؟ - حيث ان القول بالامكان فى تلك المسئلة ينافى اعتبار الفعلية بالمعنى المذكور هناك فكيف بالمعنى المردد فى المقام .

ووجه عدم التنافى ان الظاهر ان ذلك النزاع فى صحة الحكم و القضية بحسب المعنى و العقل اذ لا يعقل الحكم على ما لا يمكن اتصافه بعنوان الانسانية فى قولك الانسان كاتب أو ضاحك ولا يجرى المحاورة على شىء يمتنع اتصافه بوصف الانسانية مثلا فالامكان هو القدر المتيقن فلاحاجة الى فرض تحقق النسبة فى زمان فى صحة الحكم و القضية كما أفاده الشيخ و ذلك لا ينافى أن يكون العبارة الدالة على ثبوت عنوان الموضوع أو المحمول ظاهرا فى الفعلية أو فى غيرها كما هو المطلوب بالنزاع فى المقام كما هو ظاهر على المتأمل .

و الحق فى المقام ان النزاع المذكور أيضا من الابحاث اللفظية المتعلقة بتعيين مدلول لفظ الواقع موضوعا فى القضية كما يظهر مما أورده شارح المطالع فى بيان الخلاف الواقع بين الشيخ و الفارابى و ما اختاره الشيخ فى تلك المسئلة هو بعينه ما اختاره المحققون فى المقام من توقف الصدق على التلبس الفعلى و ان فرض ذلك قبل زمان التلبس أو بعده لكن الاطلاق باعتبار زمان التلبس قال بعدما بين المراد من الامكان .

ثم ان الفارابى اقتصر على هذا الامكان و حيث وجدوا الشيخ مخالفا للعرف زاد قيد الفعل لافعل الوجود فى الاعيان بل ما يعم الفرض الذهنى


129
و الوجود الخارجى فالذات الخالية عن العنوان يدخل فى الموضوع اذا فرضه العقل موصوفا به بالفعل مثلا اذا قلنا كل أسود كذا فيدخل فى الاسود ما هو أسود فى الخارج أو مالم يكن أسود و يمكن أن يكون أسود اذا فرضه العقل أسودا انتهى]( .

و هو بعينه هذا النزاع اللفظى والا فلاوجه لقوله[ ( وعده الشيخ مخالفا للعرف ]( فان الاستدلال بالعرف على ذلك ولا يراد بالفعلية تحقق النسبة فى أحد الازمنة الثلاثة و ان لم يفرض معه التلبس فى زمان الحكم كما لا يخفى .

و حينئذ فقول الفارابى مخالف للعرف جدا حيث انه اكتفى فى الصدق بمجرد الامكان و هو بعيد جدا و لو يحك فى المسئلة قولا لاحد من أصحاب النظر فلعل نظره الى ما تقدم من صحة الحكم ولو فى القضية المعقولة و قد عرفت على تقديره ان المتجه ما أفاده ولا يحتاج الى الفعلية الا انه لا تنافى قول الشيخ بتوقف الصحة فى القضية الملفوظة على الفعلية بالمعنى المتقدم فمورد النفى و الاثبات فى كلامهما غير متحد .

اذا تمهد هذه الامور فنقول الظاهر المستفاد من موارد استعمال المشتقات بأسرها هو كونها موضوعات للمفاهيم التى يتحد مع الذوات الصادقة عليها باعتبارات مختلفة من صدور الفعل منها و وقوعها عليها و كونها محلالها و كونها آلة لايجادها أو مكانا أو زمانا لذلك و هذه العلقة أوجب صدق تلك المفاهيم و حملها عليها فيدور ذلك مدار الاتحاد واقعا و عند الانقضاء و التبدل سواء كان بمجرد الارتفاع أو بورود و ضد آخر عليه لايصدق تلك المفاهيم عليها فلاوجه لدعوى الصدق .

و القول بأن مجرد الاتصاف فى زمان قبل فرض الحمل و الاتحاد يوجب الصدق كما قد يتمسك فى ذلك ببعض الموارد المشتبه , مدفوع بعدم مساعدة


130
العرف على ذلك من دون قرينة و أغلب مواضع الاشتباه انما يكون الاطلاق باعتبار حال التلبس على الوجه المتقدم فيكون ذلك على خلاف مطلوبهم أدل .

و عند التحقيق يكون ما ذكر استنادا الى التبادر و صحة السلب عن مورد لا يكون الذات متحدة مع المفاهيم المذكورة و لو بحسب الفرض و الاعتبار و الوجدان الصحيح الخالى عن شوائب الاوهام الحاصل لنا فى أربعين سنة بعد تتبع موارد الاستعمالات فى جميع اللغات أعدل شاهد على ذلك من غير فرق بين المبادى على اختلافها من الافعال و الكيفيات الراشحة و غيرها .

الى هنا جف قلمه الشريف طيب الله نفسه و روح الله رمسه بمحمد و آله صلوات الله عليهم أجمعين .


131
رسالة فى المشتق للشيخ الميرزا أبوالقاسم الكلانتر النورى

132

133

بسم الله الرحمن الرحيم

القول فى المشتق و هو - كما ذكره جماعة - اللفظ المأخوذ من لفظ و يسمى الاول أصلا و الثانى فرعا و لابد بينهما من مناسبة فى المعنى ليصح الاخذ و الاشتقاق و فى الزبدة[ : ( انه فرع وافق الاصل باصول حروفه]( الى غير ذلك من التعاريف لكنها مع عدم سلامة كلها أو جلها عن المناقشات غير محتاج اليها فى المقام لان الغرض من تحديد الشىء , هو التوصل الى معرفة حال جزئياته و جعله مرآة فى تميزها عن غيرها بواسطة انطباق الحد عليها و اقسام المشتق من الاسماء و الافعال مما لم يقع الخلاف فيها من أحد فلا حاجة الى التعريف و النقض و الابرام فينبغى صرف الهمة الى ما هو الغرض الاصلى فى المقام فنقول :

ان تحقيق المرام يتوقف على تقديم امور :

الاول : المقصود بالبحث فى المقام ليس تحقيق معانى مبادىء المشتقات و موادها فان الكامل له انما هو كتب اللغة ولا معرفة كيفية اشتقاقها فان المرجع فيها انما هو فن الصرف بل الغرض انما هو معرفة معانيها من حيث أوضاعها


134
النوعية و هى معانى همياتها الكلية الطارية على موادها الجزئية الموضوعة لمعانيها بالاوضاع الشخصية .

الثانى : النزاع فى المقام ليس فى مطلق المشتقات بل فى غير الافعال أما هى فلا خلاف فى ان الماضى منها لقيام المبدء بفاعله فى الماضى و ان اطلاقه على غيره انما هو بتجويز أو تأويل كاطلاقه على المستقبل تنزيلا له منزلة الماضى لتحقق وقوعه و ان المضارع منها لقيامه فى الحال أو الاستقبال على سبيل الاشتراك , و أما الامر و النهى فتحقيق الحال فيهما محول الى مباحثهما المتفردة لهما .

الثالث : الظاهر عموم الخلاف لاسمى الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و اسم الفعل و الاوصاف المشتقة كالاصفر و الابيض و الاحمر و نحوهما و المشتقات من أسماء الاعيان كلابن و تامر و عطار و حائض بناءا على كونه مشتقا من الحيض بمعنى الدم لا بمعنى السيلان و الالدخل فى اسم الفاعل المشتق من الاحداث و اسم المكان و الالة و صيغ المبالغة و أما اسم الزمان فهو خارج عن محل النزاع قطعا فلنا هنا دعويان :

الاولى عموم النزاع لغير الاخير , و الثانية خروج الاخير عنه .

لنا على الاولى عموم اطلاق الادلة و العنوانات لاقتضاء أدلتهم عموم الدعوى و عدم تقييدهم للعناوين ببعض من الاقسام هذا مضافا الى تصريح جماعة منهم بذلك التعميم و ربما يقال بخروج اسم المفعول و الصفة المشبهة و اسم الفعل عن محل البحث لظهور الوضع للاعم فى الاول و خصوص الحال فى الاخيرين و يدفعه المحكى عن بعض الافاضل من ابتناء كراهة الوضوء بالماء المسخن بالشمس بعد زوال السخونة على النزاع فى المسئلة مع انه من اسم المفعول و ذهب التفتازانى الى اختصاص النزاع باسم الفاعل الذى بمعنى الحدوث


135
و أما الذى بمعنى الثبوت كالمؤمن و الكافر و النائم و اليقظان و الحلو و الحامض و الحر و العبد و نحوها فهو خارج عنه لاعتبار الاتصاف بالمبدء فيه فى الحال فى بعض الموارد جدا كالاولين و الاخيرين من امثلته و اعتبار الاتصاف به فى البعض الاخر مع عدم طرو المنافى على المحل كالبواقى من أمثلته و عن ثانى الشهيدين و جماعة من المتأخرين اختصاصه بما اذا لم يطرء على المحل ضد وجودى للموصف الزائل .

و أما مع طريانه , فلا كلام فى عدم صدق المشتق عليه حقيقة و عن السبزوارى فى المحصول دعوى الاتفاق على المجازية حينئذ و حكى ارتضائه عن بعض فاضل المتأخرين المقارب عصره بعصرنا و عن ثانى الشهيدين أيضا و الغزالى و الاشنوى اختصاصه بما اذا كان المشتق محكوما به و أما اذا كان محكوما عليه فلا كلام فى صدقه مع الزوال هذا و قد عرفت ان هذا كله خلاف التحقيق مع ان الاستدلال بعموم آيتى الزنا و السرقة ( 1 ) على عدم اشتراط للمبدء صريح فى عموم النزاع للاخير .

و على الثانية ان الذات المعتبر تلبسها بالمبدء فى صدق المشتق حقيقة فى اسم الزمان و نفس الزمان المعلوم عدم قابلية البقاء حتى يقع النزاع فى صدق الاسم عليه حقيقة بعد انقضائه حسبما هو الشأن فى سائر المشتقات و حينئذ فان اريد اطلاق اسم الزمان على زمان وقع فيه الفعل فهو حقيقة دائما و لو بعد انقضائه و ان اريد اطلاقه على الزمان الاخر فلاشبهة فى مغائرته لتلك الزمان فلا معنى لاحتمال كون الاطلاق على وجه الحقيقة و هذا ظاهر الى ما لامزيد عليه .

و كيف كان فتعميم محل النزاع من هذه الحيثية ليس بمهم لنا انما المهم

( 1 ) النور 3 و المائدة 42 .


136
تحقيق الحال فى المقام فى كل من الحالات و الاقسام حسبما اقتضاه الدليل و سيأتى التعرض لكل منها عن قريب انشاء الله .

الرابع : المراد بالحال فى عنوان كلامهم الاتى فى تقابل الماضى و الاستقبال ولا يخفى انه لمقابلته امر اضافى فهو كلام المطلقين يحتمل وجهين :

احدهما حال النطق اعنى زمان التكلم كما هو الظاهر منه عند الاطلاق فمفهوم المشتق على القول بكونه حقيقة فى خصوص ذلك هو المتلبس بالمبدء حال الاطلاق بمعنى اتصافه به حينئذ على الوجه الاتى .

ثانيهما زمان اتصاف الذات بالمبدء على وجه كان مصححا للاشتقاق و موجبا لزوال الاطلاق فى ساير الصيغ المشتقة منه كالماضى و المضارع حقيقة أو مجازا فمفهوم المشتق على القول بكونه حقيقة فى ذلك هو المتلبس بالمبدء فى الجملة مع قطع النظر عن حصوله فى احد الازمنة و بهذا الاعتبار يصح تقييده بكل واحد منها فيقال زيد ضارب فى الحال او الامس او الغد لان النسبة بين الحال بهذا المعنى و بين كل واحد من الحال و الماضى و الاستقبال بالمعنى الاول كنسبة كل من مقابليه مع كل واحد من تلك هى العموم من وجه .

فمعنى القول بكون المشتق حقيقة فى خصوص الحال بهذا المعنى ان اطلاقه انما يكون حقيقة اذا اريد به صدقه على المتصفة بالمبدء باعتبار الحال الذى يطلق عليه اللفظ بحسبه سواء كان ذلك الحال ماضيا او حالا او مستقبلا بالمعنى الاول فمدار الحقيقة على هذا انما هو على اتحاد حال قيام المبدء بما يطلق عليه المشتق مع حال ارادة صدقه عليه فقولك زيد ضارب امس او سيصير ضاربا حقيقة اذا كان زيد متصفا بالضرب فى الامس او بعد زمان النطق و مجازا ان لم يتصف به فى المثال الاول بعد او انقضى عنه قبل الامس و كذا ان لم


137
يتصف به بعد زمان النطق فى الثانى سواء اتصف به فى زمان النطق او قبله او لا .

و كيف كان فالمحكى عن ظاهر اكثر العبارات و عن صريح بعض مضافا الى ظهور لفظ الحال كما مر ان المراد هو حال النطق و ربما يشعر به ما يأتى به من الاحتجاج بقول بعض النجاة بصحة قولنا ضارب امس على كون المشتق حقيقة فى الماضى و ما حكى عن جماعة من كون ضارب فى قولنا ضارب غدا مجازا , بل المحكى عن العضدى حكاية الاتفاق عليه فان هذا كله لا يتم الا على ارادة حال النطق اذ الاحتجاج المذكور و كذا حكمهم بالمجازية لا ينطبقان الا عليه اذ اطلاق الضارب فى المثالين ليس الا باعتبار حال التلبس , فلا يصح جعله من اطلاق المشتق على الماضى بالنسبة الى حال التلبس فى المثال الاول ولا يجتمع الحكم بمجازيته فى الثانى مع ارادة حال التلبس من لفظ الحال المذكور فى عنوان المسئلة لما سيأتى من الاتفاق على كون اطلاق المشتق حقيقة فى الحال مع امكان دفع الثانى باحتمال كون المراد ارادة الزمان من نفس اللفظ و جعل لفظ الغير قرينة عليه لما سيجىء من الاتفاق على المجازية حينئذ او باحتمال كون المراد المجازية فيه من حيث وضعه التركيبى لا الافرادى نظرا الى ان القضية الحملية المجردة عن الرابط الزمانى ظاهر فى ثبوت المحمول للموضوع او نفيه عنه فى حال النطق فارادة ثبوته له فى المستقبل فى قولنا زيد ضارب غدا مجاز بالنسبة الى وضع الكلام و ان كان المفرد مستعملا فى معناه الحقيقى و الاول اقرب للتوجيه فان الحكم بمجازية ضارب فى المثال و دعوى الاتفاق عليها كالصريح بل صريح فى مجازيته بالنظر الى الوضع الافرادى اذ المجازية من جهة التراكيب انما هى بالنسبة الى المركب من الطرفين فلذا لاتسرى الى احد من الطرفين هذا .


138

و التحقيق ان المراد انما هو حال التلبس اعنى زمان اتصاف الذات بالمبدء و فاقا لجمع من المحققين من متأخرى المتأخرين و المحكى عن جماعة من السابقين لنا على ذلك بعد تصريح جماعة به عدم الخلاف ظاهرا فى كون المشتق حقيقة فى حال التلبس اعم من ان يكون فى حال النطق بل المحكى عن جماعة من الاصوليين دعوى الاتفاق عليه فيكون هذا قرينة على ما قلنا اذ لا ريب ان اطلاق المشتق فى غير الحال محل الخلاف كما سنتلو عليك و حمله على خصوص حال النطق لايكاد يجتمع مع عدم ظهور الخلاف فى كون المشتق حقيقة فى المتلبس فى غيره ايضا فكيف بالاتفاق عليه و قول جماعة منهم بأن اطلاق المشتق باعتبار الاستقبال مجاز و انكان يوهمه خلاف ما ذكرنا الا انه بعد التامل فى كلماتهم بملاحظة ما قلنا يظهر ان مرادهم غير ما يتوهم .

و كيف كان فلابد حينئذ من حمل ما صدر عن بعضهم مما يوهم ذلك على مالا ينافى ما قلنا .

و مما يمكن حمل القول المذكور عليه هو صورة ارادة الزمان من نفس اللفظ و منه حمله على المجازية فى الهيئة التركيبية لكن يبعد الاول انه لا يختص مجازيته حينئذ بالاستقبال بل حال النطق ايضا كذلك اذ لا شبهة فى ان اطلاق المشتق على المتلبس فى حال النطق مع ارادة الزمان من نفس اللفظ مجاز و اما الثانى و انكان محتملا الا انه ضعيف فى نفسه جدا لان الهيئة موضوعة لمجرد نسبة المحمول الى الموضوع و ظهور ثبوت الاول للثانى فى حال النطق من الهيئة انما هو لظهور الحمل فى ذلك اذا خلت القضية عن الرابط الزمانى لا لظهور القضية و هى الهيئة المركبة .

و لو سلمنا ذلك فنقول ان المجازية فى الهيئة فى قولنا زيد ضارب غدا انما هى فيما اذا جعل غدا قيدا للنسبة الحكمية و اما اذا كان قيدا للمحمول اى


139
المادة العارضة عليها الهيئة بان يلاحظ الربط بعد القيد فلا اشكال فى كون الاطلاق حقيقة على تقدير وضع الهيئة بازاء المتلبس بالمبدء فى حال النطق فافهم جيدا .

و مما حققنا ظهر أيضا ان محمل الاحتجاج المتقدم الدال على كون المراد الحال هو حال النطق انما هو اشتباه الامر على المستدل نظر الى ظهور لفظ الحال و ظهور بعض العبارات مع الغفلة عما ذكرنا من القرينة الصارفة عنه المعينة للمراد فيما قلناه .

الخامس لا اشكال فى عدم دلالة الاسم المشتق على واحد من الازمنة والا لانتقض حد الاسم و الفعل طردا و عكسا كما هو ظاهر .

مضافا الى اتفاق اهل العربية و علماء الاصول عليه و انكان ربما يتوهم من قولهم المشتق حقيقة فى حال النطق أو الماضى وقوع الخلاف فيه من علماء الاصول لكنه فاسد لان مورد الخلاف غير صورة ارادة الزمان من نفس اللفظ كما حكى التصريح به عن جمع من المحققين .

نعم قد يشكل بما يظهر من عبارات النجاة من ان اسمى الفاعل و المفعول يعملان اذا كانا بمعنى الحال و الاستقبال ولا يعملان اذا كانا بمعنى الماضى و ربما يدفع بوجوه مخدوشه كلها .

و الاولى فى دفعه ايضا مامر من الحمل على غير ارادة الزمان من نفس اللفظ .

و كيف كان فحال اسم المشتق بالنسبة الى الزمان كحاله بالنسبة الى المكان فى عدم الدلالة عليه , فيكون الحال فيه نظير الحال فى الاسماء الجوامد فكما انها لاندل الاعلى الذوات المتصفة باوصافها العنوانية باعتبار حال ارادة صدقها على تلك الذوات من غير دلالة على الزمان كعدم دلالتها على المكان فكذلك هذا فانه كما سيأتى لا يدل الاعلى الذات المتصفة بالمبدء باعتبار الحال المذكور


140
فبذلك تبين عدم وقوع الخلاف فى المشتق المتنازع فيه من جهة اعتبار الزمان فى مفهومه و عدمه .

السادس لا خلاف فى المشتق المتنازع فيه فى المقام من جهة كونه حقيقة فى قيام المبدء بنفس الذات أو الاعلم فان هذا النزاع لا يختص بخصوص المقام بل انما هو فى مطلق المشتقات بحيث يدخل فيه الافعال أيضا و مرجع هذا الخلاف الى انه هل يعتبر فى اطلاق المشتق مطلقا حقيقة قيام المبدء حقيقة بالذات المحكوم عليها بالمشتق اولا ؟ بل يكفى قيامه بها تسامحا بمعنى ان يكون المورد مما يتسامح فيه عرفا فى الحكم بقيام المبدء بها او يجوز ان يتسامح فيه كذلك فيكون قولنا زيد احرق الخشب او يحرقه أو محرقة مجازا على الاول لقيام المبدء الذى هو الاحراق بالنار حقيقة و حقيقة على الثانى لصحة الحكم بقيامه بالذات المحكوم عليها تسامحا فى المثال و الاشاعرة لما بنوا على القول الاول فالتزموا بالكلام النفسى لله تبارك و تعالى حيث ان كلامه اللفظى ليس قائما بذاته المقدسة بل حاصل فى غيره كالشجرة و امثالها مع اطلاق الصيغ المشتقة منه عليه تعالى فى القرآن و غيره من الادعية المأثورة و الاخبار المتواترة كقوله تعالى و كلم الله تكليما ( 1 ) و كلفظ التكلم فى الادعية و مقتضى اصالة الحقيقة فى تلك الاطلاقات كون المراد بالكلام غير اللفظى و هو ما قام بذاته المقدسة فيثبت الكلام النفسى .

و تحقيق الكلام فى هذا النزاع و ان كان له مقام اخر الا ان الحق هو القول الثانى لعدم صحة السلب فى المثال المتقدم و كفى بها حجة و دليلا و اما بطلان الكلام النفسى فموضع تحقيقه انما هو علم الكلام فراجع مع انه بديهى البطلان بين الامامية مضاف الى اتفاق المعتزلة من العامة عليه ايضا فحينئذ لو بنينا على القول

( 1 ) النساء 163


141
الاول فى الخلاف المذكور فيكون هذا قرينة على التجوز فى الاطلاقات المذكورة .

و كيف كان فتارة يلاحظه الحقيقية و المجازية فى المشتق باعتبار اعتبار التلبس المأخوذة فى مفهومه وضعا و اخرى من جهة اعتبار حصول هذا التلبس و فعليته كما يطلق عليه باعتبار حال ارادة صدقه عليه كذلك و مرجع الخلاف المذكور انما هو الى الاول و حاصله ان المعتبر فى المشتق وضعا هل هو تلبس الذات المحكوم عليها بالمبدء بالدقة العقلية بأن يكون عبارة عن قيامه بنفسها أو الاعم من ذلك كما مر .

و الذى نحن بصدده فى المقام هو الثانى اذ الكلام فى الاول لا يختص بخصوص الاسم المشتق بل فى مطلق المشتقات بخلاف الثانى لعدم الخلاف فى اعتبار التلبس فى الافعال باعتبار حال ارادة صدق النسبة الحكمية فاطلاقها فى غير صورة اتحاد حال صدق النسبة مع حال ارادة ذلك الصدق لا يكون لا بتجوز أو تأويل .

و كيف كان فلما كانت الحيثيات المذكورتين مختلفتين فتحقق كل واحد من صفتى الحقيقة و المجازية من احديهما لا يستلزم تحقق مثل هذه الصفة أوضدها من الاخرى فيجوز تحقق احديهما من كلتيهما أو تحقق أحدهما من احديهما و اخرى من الاخرى فالمجازية فى الاسم المشتق من الاولى لا يستلزمها من الثانية التى هى محط النظر فى المقام فافهم .

ايقاظ كما يعتبر تلبس الذات المحكوم عليها بالاسم المشتق بالمبدء باعتبار حال ارادة صدقه عليها على الاقوى كما يأتى تحقيقه كذلك يعتبر اتصافها به حال ارادة صدق النسبة الحكمية فى الافعال بلا خلاف كما مرت الاشارة اليه .

ثم ان الزمان المأخوذ فى الافعال من الماضى و الحال و الاستقبال هل هو


142
بالنظر الى حال النطق أو الى الاعم منه الشامل لغيره من الحالات ؟ و جهان بل قولان : أولهما : لبعض على ما حكى عنه بعض المحققين من المتأخرين , و ثانيهما : على ما علم لهذا المحقق و لبعض آخر منهم .

و الذى يمكن الاحتجاج به للاول ظهور هذه الافعال فى الماضى أو الحال أو الاستقبال من حيث حال النطق و تبادرها منها كذلك عند اطلاقها و تجردها عن القرينة .

و الذى يمكن أن يقال للثانى دعوى تبادر القدر المشترك منها مع قطع النظر عن الخصوصيات اللاحقة لها و منع كون التبادر المذكور وضعيا بل يدعى كونه اطلاقيا مسببا عن اطلاقها و تجريدها عن القيد كما ادعاه المحقق المذكور و غيره ممن تبعه و الاظهر الاول فان التبادر المذكور موجود كما اعترف به المحقق المذكور و من تبعه أيضا و الظاهر كونه مستندا الى جوهر اللفظ لا الى شىء آخر فيكشف عن الوضع لخصوص أحد الازمنة باعتبار حال النطق و دعوى تبادر القدر المشترك منها كدعوى كون التبادر المذكور اطلاقيا فى غاية السقوط .

أما الاول : فواضح و أما الثانى : فلان منشأ الانصراف أما غلبة الاستعمال أو الوجود أو الكمال على ضعف فى الاخير فتأمل فى الثانى .

و أما مجرد تجريد اللفظ عن القيد لا معنى لدعوى الثانى و الثالث و أما الاول فلم يعلم بلوغه الى هذه المثابة مع امكان منع أصله و أما الاخير , فهو انما يكون منشأ الانصراف اللفظ الى بعض الافراد اذا كان فصل ذلك البعض و مميزه عما عداه من الافراد أمرا عدميا بخلاف الفرد الاخر بأن يكون مميزه امرا وجوديا زائد على ما كان عليه الفرد الاول و أما اذا كان المميز فى كل منهما أمرا وجوديا مضادا لما كان فى الاخر فلا معنى لانصراف المطلق الى أحدهما


143
خاصة لعدم انطباقه حينئذ على أحدهما بتمام قيوده المعتبرة فيه حتى ينصرف اليه لذلك .

و كيف كان فالمتبادر من تلك الافعال عند اطلاقها و تجريدها عن كافة القرائن هو ما ذكرنا و أما اذا قيدت بمالا يمكن معه ارادة الزمان بملاحظة حال النطق كقولنا جاء زيد و هو يتكلم أو سيجىء عمرو و قد أكرم اياك فينقلب ظهورها فى حال النطق الى الظهور فى حال آخر غيره كما يظهر من المثال الاول ان المراد بقوله يتكلم انما هو حال المجىء و بقوله قد أكرم الماضى بالنسبة الى مجىء عمرو الذى لم يتحقق بعد و هذا الظهور انما هو مستند الى القرينة و هو قوله جاء فى الاول و قوله سيجىء فى الثانى هذا .

لكن هذا النزاع لا أرى له من ثمرة فان ظهورها فى الزمان الملحوظ حال النطق عند تجردها مسلم على القولين , الا انا ندعى استناده الى وضع اللفظ و هو يدعون استناده الى القرينة و كذا ظهورها فى غير حال النطق مع التقليد كما فى المثالين الا أن نقول ان القيد المذكور من قبيل قرينة المجاز و هم يقولون انه من قرينة تعين الفرد للمعنى الحقيقى الاعم .

السابع : لاخلاف فى المقام من جهة اعتبار قيام المبدء بمعناه الحقيقى بالذات أو كفاية قيامه و لو بمعناه المجازى و على فرضه فهو كسابقه ليس مقصورا و مختصا بالاسم المشتق بل جاز فى مطلق المشتقات بحيث يدخل فيه الافعال .

و حاصله انه هل يكفى فى صحة الاشتقاق اشتمال المشتق على مبدئه لمطلق معناه و لو مجازيا ليكون هذا المقدار من المناسبة بين الاصل و الفرع مصححا للاشتقاق أو يعتبر اشتماله عليه بمعناها الحقيقى فقط فلو اريد به غيره لم يصح ؟

و كيف كان فالكلام فى المقام بعد الفراغ عنه و عن سابقه أو بعد الغض عنهما فانا نتكلم فى ان مفاد هيئة المشتق المتنازع فيه ماذا من حيث حصول


144
التلبس و فعليته و لو مع غلطية استعماله أو المجازية فيه من حيث التلبس لكن الاستعمال على وجه الغلط لما لم يكن محلا للغرض فلابد من فرضه صحيحا .

و الحاصل ان تعمد فرض استعمال المشتق على قانون الاشتقاق بأن يكون المراد بالمبدء فيه معنى مناسبا لمعنى المبدء مجردا و لو مجازيا بالنسبة اليه على القول بكفايته أو خصوص معناه الحقيقى على القول باعتباره و بعد فرض تلبس الذات المحكوم عليها بالمشتق و لو مع توسع فى التلبس اذ غايته لزوم المجازية من تلك الجهة لامن جهة ما نحن فيه .

نتكلم فى انه هل يشترط بقاء المبدء فى الذات المطلق عليها المشتق بالنسبة الى حال ارادة صدقه عليها أن تلبسها به حينئذ بمعناه الذى أعتبر ثبوته للذات فى الافعال و بالتلبس الذى اعتبر هناك و الى هذا أشرنا فيما تقدم على وجه كان مصححا للاشتقاق و موجبا لجواز الاطلاق فى سائر الصيغ .

ثم ان تحقيق الحال فى الخلاف المذكور على طريقة فرضه أيضا و ان كان له مقام آخر الا ان الحق كفاية قيام المبدء بالذات بمعناه المجازى فى صحة الاشتقاق لان أدل الدليل على جواز الشىء وقوعه و قد وقع ذلك فى موارد لا يحصى مضافا الى عدم ظهور الخلاف فيه من أحد .

منها الاوصاف الموضوعة للحرفة و الصنايع كالخياط و النساج و الصايغ و غيرهما اذ لا يثبت ان أصل المبدء فيها موضوع لفعل النسج و الخياطة مع ان المراد به فى ضمن تلك الصيغ صفتها .

و منها الاوصاف الموضوعة للملكات كالفقيه و المتكلم و نحوهما فان المبدء فيهما لنفس العلم الفعلى أو التكلم كذلك مع ان المراد به فى ضمنها هو ملكتها لا غير .

هذا تمام الكلام فى تحرير محل النزاع فى المقام .


145

فاذا عرفت ذلك , فاعلم : انهم اختلفوا فى كون المشتقات من الصفات حقيقة فى خصوص الحال أو فى الاعم منه الشامل للماضى أيضا على أقوال يأتى تفصيلها بعد اتفاقهم - ظاهرا - على مجازيته فى الاستقبال عدا ما حكى عن ظاهر الكوكب الدرى من احتمال كونها حقيقة فى الاستقبال أيضا لذكره - على ما حكى عنه - ان اطلاق النجاة يقتضى انه اطلاق حقيقى ولا ريب فى ضعفه بعد صدق هذه النسبة اليه لانه ان أرادان حكمهم بمجىء المشتق للاشتقاق كبقيتهم بمجيئه للماضى و الحال ظاهرا فى كونه حقيقة فيه ففيه :

أولا : ان بنائهم على بيان موارد الاطلاقات لا الموضوع له كما يشهد به تتبع كلماتهم فى بيان معانى غير المشتق المتنازع فيه من الافعال و الاسماء و الحروف لوضوح ان بعض هذه المعانى ليس مما وضع له اللفظ فلاظهور فى حكمهم بما ذكر .

و ثانيا : انه يحتمل أن يكون المراد اطلاقه على المتلبس فى الاستقبال باعتبار تلبسه فيه بأن يكون المراد بالاستقبال هو بالنظر الى حال النطق اذ قد عرفت انه لا منافاة بينه و بين الحال بالمعنى المتنازع فيه , فيدخل حينئذ فى المورد المتفق عليه من كون المشتق حقيقة فيه و ان أراد الاستناد الى اطلاقهم اسم الفاعل على ضارب غدا كما قد يحكى عنه ففيه ان هذا الاطلاق يتصور على وجوه .

الاول : ان يراد به كون الذات المحكوم عليها بضارب كونه كذلك فى الغد باعتبار حصول هذا العنوان له بعد الغد أما لعلاقة الاول او بعنوان مجاز المشارفة .

الثانى : ان يراد به كونه كذلك فى الغد باعتبار حصول هذا العنوان له فى الغد .

الثالث : ان يراد به كونه كذلك حال النطق لكن يحتمل الغد قيدا للمحمول لا ظرفا للنسبة , فيكون المراد زيد الان هو الضارب فى الغد .

الرابع : ان يراد به كونه كذلك حال النطق باعتبار حصول العنوان له فى


146
الغد و جعل الغد قرينة على تعيين زمان صدق النسبة له لا قيدا للمحمول ولا ظرفا للنسبة الحكمية , فنقول حينئذ ان اطلاقهم بعد تسليم كونه حجة انما ينهض دليلا له لو علم ان اطلاقهم المذكور مبنى على الوجه الاول او الاخير و اما الثانى و الثالث , فلا ريب فى كونهما حقيقيين لدخولهما فى مورد الاتفاق حيث ان الاطلاق فيهما انما هو بالنظر الى حال التلبس اما الثانى فواضح و اما الثالث فلانه لاريب ان الضارب فى الغد يقينا يصدق عليه الان حقيقة انه الضارب فى الغد لكونه متلبسا الان بهذا العنوان المقيد و سيأتى لذلك مزيد تحقيق انشاء الله .

و كيف كان فمخالفته على فرض صدقها لا تضرنا فى المقام لشذوذه فيكفى اتفاق الباقين للكشف عن مجازية المشتق فى الاستقبال بالنظر الى حال التلبس لغة مضافا الى ما سنقيمها من الادلة المحكمة عليه فانتظر .

و بالجملة فاعتبار التلبس فى الجملة فى المقام المردد بين خصوص حال ارادة صدق المشتق و بين الاعم منه الشامل للماضى بالنسبة الى هذا الحال متفق عليه بين الاقوام و انما اختلفوا فى المعتبر منه هل هو حصوله فى خصوص حال ارادة صدق المشتق بحيث لا يكفى حصوله قبله مع انقضائه حينئذ أو حصوله فى الجملة من غير خصوصية للحال المذكور بحيث يكفى حصوله بالنسبة الى الماضى بالنسبة اليه مع انقضائه حينئذ ؟ فمن يقول بكون المشتق حقيقة فى خصوص الحال يعتبر الاول و من يقول بكونه حقيقة فى الماضى ايضا يكتفى بالثانى .

و كيف كان فهم بعد اتفاقهم على اعتبار التلبس بالمبدء فى الجملة و كون الاطلاق على المستقبل بالنظر الى حال ارادة الصدق مجازا باتفاقهم على كون اطلاقه حقيقة فى الحال اى اطلاقه على من تلبس بالمبدء باعتبار حال ارادة


147
الصدق اختلفوا فى كونه حقيقة فى خصوص الحال بمعنى اعتبار تلبس الذات المطلق عليه المشتق بالمبدء باعتبار حال ارادة الصدق من دون كفاية حصوله له قبله او فى الاعم منه و من الماضى بالاشتراك المعنوى بمعنى كفاية حصوله لها فى قطعة من الزمان اخره حال ارادة صدق المشتق عليهما على اقوال :

ثالثها كونه حقيقة فى الماضى ايضا انكان المبدء فيه مما لا يمكن بقائه كالمصادر السيالة الغير القاره والا فجاز حكى عن جماعة حكايته و عن العلامة فى النهاية نسبتة الى القوم الا انه قال على ما حكى عنه فى اثناء احتجاجه ان الفرق بين ممكن الثبوت و غيره منفى بالاجماع و هو يؤمى الى حدوث هذا القول .

رابعها انه حقيقة فيه ان كان الاتصاف أكثريا بحيث يكون عدم الاتصاف فى جنب الاتصاف مضمحلا و لم يكن الذات معترضة عن المبدء و راغبا عنه سواء كان المشتق محكوما عليه أو به و سواء طرء الضد الوجودى على المحل أولا اختاره الفاضل التونى فى محكى الوافية .

خامسها التفصيل بين المشتقات المأخوذة على سبيل التعدية و لو بواسطة الحروف و المأخوذة على سبيل الملزوم فالاولى للاعم و الثانية لخصوص الحال نسب الى غير واحد و حكى القول به أيضا عن بعض الافاضل فى تعليقاته على المعالم .

و سادسها ايكال الحال فى كل لفظ من ألفاظ المشتقات اعنى جزئياتها المتشخصة بالمواد المختلفة الى العرف فلا ضابطة حينئذ فى تميز ما هو حقيقة فى الاعم عن غيره بل كل لفظ حقيقة فيما يتبادر منه عرفا فان تبادر منه الاعم فهو له أو خصوص الحال فهو له خاصة فيقال فى نحو القاتل و الضارب و الاكل و الشارب و البايع و المشترى انها حقيقة فى الاعم و فى نحو النائم و المستيقظ و القائم و القاعد و الحاضر و المسافر انها حقيقة فى خصوص الحال حكى هذا


148
عن بعض مع عدم التصريح باسمه و عن الحاجبى و الاعدمى التوقف فى المسئلة و حكى أيضا بعض الاقوال فى المقام غير ما تقدم من غير تعيين لكيفية القول ولا لقائله ولا فائدة فى التفتيش عن حاله .

و كيف كان فالمعروف بين الاصوليين هما القولان الاولان :

أحدهما عدم اشتراط بقاء المبدء فى صدق المشتق و وضعه للقدر المشترك بين الحال و الماضى مطلقا و هو المعروف بين الاصوليين و قد حكى نص جماعة عليه من المحققين منهم العلامة فى عدة من كتبه و عن شرح الوافية للسيد صدر الدين انه المشهور بين المعتزلة و الامامية و عن المبادىء انه مذهب أكثر المحققين بل حكى عن ظاهر السيد العميدى و غيره دعوى الاجماع حكى قده انه قال فى شرح كلام المصنف[ ( هذه المسئلة من المسائل الا ربع و هى انه لا يشترط فى صدق لفظ المشتق بقاء المعنى المشتق منه و هو مذهب أصحابنا و المعتزلة و ابى على سينا خلافا لجمهور الاشاعرة]( .

و ثانيهما اشتراط البقاء و مجازيته اطلاق المشتق على الماضى مطلقا و عزى هذا عن البرازى و البيضاوى و الحنيفة و جمهور الاشاعرة و اليه ذهب أكثر افاضل من تأخر هذا .

و الظاهر انحصار القول بين المتقدمين فى هذين و ان الاقوال الاخر محدثة ممن تأخر عنهم من الجأ كل واحد من الطرفين فى مقام العجز عن رد شبهة خصمه و سيأتى توضيح فساده مفصلا .

و كيف كان فالذى ينبغى اختياره و يساعد عليه الدليل انما هو القول الثانى من الاولين اعنى حصول بقاء المبدء و مجازية المشتق فيما انقضى عنه المبدء مطلقا .

لنا تبادر التلبس بالمبدء من هيات المشتقات مع قطع النظر عن خصوصيات


149
المواد المعروضة لها بمعنى انه متى لو حظت تلك الهيئات فى حد انفسها و لو ضمن مادة لا نعلم معناها يتبادر منها المتلبس بتلك المادة نجد ذلك من أنفسنا بعد تخلية الاذهان و من العرف العارفين باللسان فانه اذا أطلق نحو ضارب و قائم و عالم مع قطع النظر عن الامور الخارجية يتبادر عندهم منها جميعا ما يعبر عنه بالفارسية[ ( بزننده و ايستاده و دانا]( .

و لا ريب ان هذه العناوين لا يصدق حقيقة الا على المتلبس بموادها و مباديها حال ارادة صدقها عليه اذ الصدق حقيقة لا يتحقق الا بكون ما تحمل هى عليه من أفرادها حقيقة و مندرجا فى تحتها ولا ريب ان من انقضى عنه المبدء بالنسبة الى حال النسبة و ارادة صدقها عليه ليس من أفرادها حينئذ حقيقة فان مفاهيمها هى المتلبس بالمبدء فمن انقضى عنه المبدء لا يكون متلبسا به حال النسبة لارتفاع الوصف العنوانى عنه حينئذ فليس من افراد المتلبس به حينئذ .

و بالجملة الحال فى الاسماء المشتقة كالحال فى الاسماء الجوامد من حيث وضع كل واحدة منهما للمتصف بالوصف العنوانى الا ان الوصف العنوانى فى الاولى هو المبادى و المصادر المأخوذة منها هذه و فى الثانية هى وجوه الذوات الموضوعة لها تلك باعتبار ذلك الوجود كالانسانية لذات الانسان و الكلبية لذات الكلب و الفرسية لذات الفرس .

و هكذا فانها لم توضع لنفس تلك الذوات لا بشرط بل باعتبار اتصافها بهذه الاوصاف فلذا ينتفى الاسماء عند انتفائها مع نقاء جوهر الذوات كالكلب المستحيل ملحا أو ترابا و هذا هو السر فى تبادر المتلبس و المتصف بالمبدء من الاولى فحينئذ لا يصح اطلاقها حقيقة الا باعتبار حال التلبس ليكون ما اطلقت هى عليه داخلا و مندرجا فى مفاهيمها كمالا يصح اطلاق الجوامد حقيقة


150
أيضا الا باعتبار حال متلبس الذوات بالاوصاف العنوانية .

و كيف كان فلا فرق بينهما من الحيثية المذكورة فانه كما لا يتبادر من الكلب و الفرس و البقر الا[ ( سك و اسب و كاو]( و ليست هى الا عبارة عن المتصف بالوصف العنوانى فلا يجوز اطلاقها على ما انقضى عنه هذا الوصف حقيقة فكذلك لا يتبادر من الضارب و العالم و القائم الا[ ( زننده و دانا و ايستاده]( و هى لا يكون الا عبارة عن المتصف بالضرب أو العلم أو القيام فلا يصح اطلاقها حقيقة على المنقضى عنه المبدء اذ نحن اد عينا التبادر المذكور من الهيئات المذكورة مع قطع النظر عن الخصوصيات الخارجة اللاحقة لبعض الموارد فلا يرد النقض علينا بتبادر الاعم فى بعض الامثلة كماورد على من ادعاه فى خصوص امثلة خاصة و سيجيىء دفع تبادر الاعم فى بعض الامثلة أيضا من نفس الهيئة بل بواسطة خصوصية لا حقة للمادة أو لمورد خاص من موارد استعمالها .

و كيف كان فبعد حصول التبادر المذكور من نفس الهيئة ثبت وضعها لخصوص الحال فى جميع الموارد و فى جميع حالاتها لاتفاقهم ظاهرا على اتحاد الوضع فيها كما ادعاه شيخنا الاستاذ و سيدنا الاستاذ دام ظلهما فيكون المسئلة من دوران الامر بين الحقيقة و المجاز و بين الاشتراك و مع التنزل عنه فلا ريب فى اتفاقهم على اتحاد جهة الوضع فى جميع الموارد على ما يظهر من كلماتهم فراجع و هو يكفينا فيما نطلبه نعم ربما يتوهم تعدد جهة الوضع من التفاضيل المتقدمة بالنظر الى الالفاظ و الحالات لكنه مدفوع .

أولا بما أشرنا اليه من انها محدثة من المتأخرين عن الجاء كل واحد من الطرفين فى مقام العجز عن رد شبهة خصمه .

و ثانيا بانحصار القول بين المتقدمين بين اثنين كل منهما نقيض الاخر مطلقا .


151

و ثالثا بحصول التبادر المذكور منها فى جميع الموارد على نحو سواء مع قطع النظر عن الخصوصيات الخارجة اللاحقة للمورد .

و رابعا بان تعدد جهة الوضع بالنسبة الى الموارد المختلفة لا يعقل مع اتحاد نفس الوضع و قد عرفت الاتفاق على اتحاده هذا .

و ثانيا صحة سلب تلك الاوصاف عمن انقضى عنه المبدء بالنسبة الى زمان انقضائها عنه فانه يصح ان يقال لمن كان ضاربا امس انه ليس بضارب الان بمعنى سلب مطلق هذا الوصف عنه فى الان بجعل الان ظرفا للنفى لا قيدا للمنفى حتى يقال ان سلب المقيد لا يستلزم سلب المطلق والا امكن التعكيس فيما اذا كان ضاربا الان مع عدم اتصافه به قبل فيقال انه يصح ان يقال انه ليس الان ضاربا بضرب الامس و هو مقيد فانه يستلزم نفى المطلق فهو ليس الان ضاربا الان بقول مطلق مع انه صدق الضارب عليه باعتبار الامس حقيقة اجماعا لكونه مطلقا عليه باعتبار حالالتلبس .

و قد يورد على ما قلنا من صدق السلب المذكور مع جعل الان فى المثال ظرفا للنسبة اعنى سلب المحمول لاقيدا للمحمول بمنع الصدق و انه اول الدعوى اذ القائل بعدم اشتراط بقاء المبدء يقول بصدق الضارب عليه الان مع تلبسه فى الماضى و فيه مالا يخفى من الركاكة فان القائل بعدم اشتراط المبدء يلزمه ذلك حيث ان الموضوع له عنده هو القدر المشترك بين المتلبس بالمبدء و بين من انقضى عنه المبدء و هو من برز عنه المبدء فى قطعة من الزمان اخرها حال التلبس به و نحن لما علمنا من وجداننا و من العرف ايضا جواز سلب الضارب عمن انقضى عنه الضرب بعد انقضائه عنه تخطىء هذا القائل لعملنا حينئذ باشتباه الامر عليه و ان لم نقدر على الزامه بما وجدنا حيث انه يدعى انى وجدت عدم جواز السلب المذكور .


152

و كيف كان فلا يليق ان يتفوه بهذا الايراد فانا لم ندع الاتفاق على صدق هذا السلب حتى من هذا القائل حتى يقال ذلك .

و قد يجاب أيضا بعد تسليم صدق النفى على الوجه المذكور بان قضية ذلك صدق السلب فى الوقت الخاص و اقصى ما يلزم من ذلك صدق السلب على سبيل الاطلاق العام و هو غير مناف لصدق الايجاب كذلك ضرورة عدم تناقض المطلقين المختلفين فى الكيف و انما يناقض المطلقة العام الدائمة المطلقة المخالفة لها فى الكيف .

و يدفعه ان المطلقتين لا يتنافضان فى حكم العقل و لا فى حكم العرف ضرورة وجدان التناقض بين قولك زيد ضارب و زيد ليس بضارب و هو الحكم فى المقام .

أقول المطلقتان العامتان لا تناقض بينهما عقلا اذا لم تقيد كلتاهما بوقت خاص بان يكون كل واحدة منهما مقيدة و موقتة بعين ما وقت به الاخرى و لم تكن الجهة فيهما ايضا واحدة و اما اذا وقتتا بوقت و كانت الجهة و الحيثية فيهما واحدة مع اتحاد الموضوع و المحمول فيهما كما فى قولك زيد ضارب الان و ليس بضارب الان و يكون وجه السلب وجهته هى كون زيد مصداقا للمعنى الحقيقى للضارب بأن يكون المراد انه فرد من المعنى الحقيقى للضارب و ليس بفرد منه فلا ريب فى تناقظهما حينئذ فى نظر العقل اذ ليس نقيض الشىء الارفعه .

ولا ريب ان كل واحدة من القضيتين فى المثال على الوجه المذكور دافعة للاخرى قطعا و قول اهل الميزان ان نقيض المطلقة العامة هى الدائمة المطلقة لا تنافى ما ذكرنا فان غرضهم بيان نقيضها بالقضية المتعارفة عندهم لاانحصار النقيض فيها فانهم كثيرا ما اعرضوا عن ذكر بعض القضايا فى مباحث القضايا و العكوس و الاقيسة لعدم كون ذلك البعض من القضايا المعروفة المنضبطة فى تلك


153

المباحث عندهم و الحاصل انه لما كان المتناقض للمطلقة العامة من القضايا المعروفة المنضبطة عندهم فى المبحث التناقض هى المطلقة الدائمة لا غير فذكروا ان نقيضها هذه اى نقيضيها من بين تلك القضايا المعروفة .

فان قيل ان حاصل ما ذكرت مناقضة المطلقة العامة لمثلها و اعترفت ان اهل الميزان بنائهم على ذكر القضايا المعتبرة المتعارفة فلم لم يذكروا ان نقيض المطلقة العامة قد يكون مثلها مع انها من القضايا المعروفة .

قلت ان هذه مغالطة ظاهرة فان مرادنا ان بنائهم فى كل مبحث ذكر ما هو المتعارف المنضبط فى هذا المبحث و المطلقة العامة من القضايا المعروفة فى مبحث تعدد القضايا .

و أما فى مبحث التناقض فهى ليست من النقايض المنضبطة لمثلها فان مناقضتها لمثلها فى بعض الصور بخلاف الدائمة المطلقة لكونها مناقضة لها دائما فلذا تركوا هذه و ذكروا تلك فاذا ثبت ذلك فقد ظهر فساد الجواب المذكور فانا قد وجدنا صحة نفى قولك زيد ليس بضارب الان مع جعل الان ظرفا للنسبة اذا اردت النفى من جهة كونه من مصاديق ما وضع له هذا اللفظ فيمتنع حينئذ عقلا صدق قولك زيد ضارب الان على الوجه المذكور هذا .

ثم انه قد يذكر بعض الوجوه الاخر للقول المختار اعرضنا عنه حذرا من اطالة الكلام مع عدم الحاجة اليه فى المقام لكفاية مامر فى اثبات المرام من الوجهين و بأولهما ظهر ايضا كون المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدء بعد حال النطق او تلبس به قبله اذا كان اطلاقه عليه باعتبار حال التلبس مضافا الى قيام الاجماع ظاهرا على كونه حقيقة فى حال التلبس الشامل لهما و الى عدم صحة سلبه عنه فى مثل زيد كان ضاربا امس او انه ضارب غدا اذا اريد به اطلاقه عليه بالنسبة الى حال التلبس بأن يكون هو الغد و الامس .


154

و ربما يقال حينئذ ان اللازم عدم صحة سلب المطلق لا المقيد و الذى هنا هو الثانى و هو لا يدل على المدعى الا ترى انه لا يصح السلب عن المعنى المجازى مع اقتران اللفظ بالقرينة كما فى اسد يرمى حيث انه لا يصح سلبه عن الرجل الشجاع و هو , مدفوع بنحو مامر فى الجواب عن الايراد على التمسك بصحة السلب عمن ينقضى عنه المبدء .

و توضيحه ان ما ذكر مسلم اذا كان الغد و الامس فى المثال قيدا للمسلوب كما فى المنقوض به و هو قوله اسد يرمى و اما اذا كانا قيدين للسلب كما هو المراد فلايتم المطلوب لاطلاق المسلوب فبهذا كله ظهر ضعف توهم كون المشتق حقيقة فى حال النطق بتوهم ان معقد الاجماع على كونه حقيقة فى الحال ذلك كظهور ضعف توهم كونه حقيقة فى المستقبل بالنسبة الى حال التلبس كما مر .

و كيف كان فمدار حقيقة الاطلاق و مجازيته على ما حققنا على ملاحظة حال التلبس و عدمها سواء وافق حال النطق او خالفه فربما يكون الاطلاق مجازيا بالنسبة الى حال النطق كما اذا اطلق باعتباره مع انقضاء المبدء او قبل حصوله كما يختلف الحال أيضا فى الماضى و المستقبل بالنسبة اليه و ان شئت توضيح ذلك فنقول اطلاق المشتق باعتبار حال النطق يتصور على وجوه :

احدها ان يطلق و يراد به المتلبس بالمبدء فى حال النطق على وجه يكون الزمان مأخوذا فى مفهوم اللفظ على وجه الشرطية او الشطرية و هذا لا شبهة فى مجازيته فانه و ان اطلق باعتبار حال التلبس اذ المفروض اتحاده مع حال النطق الا انك عرفت خروج الزمان عن مفهوم المشتق فاعتباره فى مفهوم اللفظ موجب لمجازيته .

ثانيها ان يطلق و يراد به المتلبس به فى حال النطق مع اتحاده مع حال


155
التلبس من غير ان يؤخذ الزمان قيدا فى مفهوم اللفظ بأحد الوجهين المذكورين و الفرق بين حال التلبس بقول مطلق و هذا الاطلاق واضح اذ المعتبر فى الاول مجرد المتلبس و فى الثانى التلبس المخصوص الحاصل فى حال السلب ولا ملازمة بين هذا و أخذ الزمان فى مفهوم اللفظ فان المدلول هو التلبس الحاصل فى حال النطق مع قطع النظر عن حصوله فيه نظير اسم الجنس المنكر حيث انه موضوع للمهينة الحاصل فى الذهن مع قطع النظر عن حضورها فيه بخلاف علم الجنس فانه موضوع لها بلحاظ حضورها فيه .

و كيف كان فهذا الاطلاق لا شبهة فى كونه حقيقة لكونه اطلاقا فى حال التلبس .

ثالثها ان يراد به المتلبس بالمبدء فى حال النطق على وجه يراد بالمشتق مجرد المتلبس بالمبدء و اريد خصوص الحال من الخارج على حسب اطلاق الكلى على الفرد ولا شبهة فى كون ذلك ايضا حقيقة لكنه حقيقة خارج عن اطلاق المشتق على حال النطق .

و كيف كان فبهذا التشقيق و التفصيل ظهر ان حال النطق لم يقع مورد للوفاق حيثما عرفت ان مدار الحقيقة فى بعض هذه الاقسام و هو الثانى و الثالث على كون الاطلاق واقعا على حال التلبس و ظهر ضعف ما ذكره بعض المحققين فى تعليقاته على المعالم من ان اطلاق المشتق باعتبار حال النطق حقيقة فى الجملة فانه اما نفس الموضوع له أو مندرج فيه و اما اطلاق المشتق باعتبار الماضى بالنسبة الى حال النطق فهو أيضا يتصور على وجوه .

أحدها ان يطلق و يراد به المتلبس بالمبدء فى الماضى المنقضى فى الحال على ان يكون الزمان مأخوذا فى مفهوم اللفظ بأحد الوجهين المتقدمين ولا اشكال فى مجازيته لما مر من خروج الزمان عن مفهوم المشتق باعتباره فيه


156
مستلزم للمجازية ولكن فى محكى شرح الوافية وقوع الخلاف فيه ولا ينبغى ان يصغى اليه .

ثانيها ان يطلق و يراد به المتلبس بالمبدء فى الماضى مع انقضائه عنه فى الحال بعلاقة ما كان ولا ريب فى كونه مجازا على جميع الاقوال الا على القول بكون المشتق حقيقة فى خصوص الماضى لاغير لو ثبت كما يظهر احتماله من كلمات بعض و ينبغى ان يقطع بعدمه و يمكن اعتبار الاطلاق على وجه لا يكون مجازا فى اللغة بادعاء بقاء المبدء و اندراج ما ينقضى عنه المبدء فى المتلبس به فى الحال فيكون التجوز عقليا .

ثالثها ان يطلق و يراد به المتلبس به فى الماضى بملاحظة تلبسه به فيه من غير ان يؤخذ الزمان قيدا فى مفهومه نظير الوجه الثانى من وجوه الحال ولا ريب فى كونه حقيقة حيث انه باعتبار حال التلبس .

رابعهما ان يطلق و يراد به المتلبس بالمبدء مع تقييد المبدء بالماضى كقولك زيد ضارب فى الامس بجعل فى الامس قيدا للضرب المأخوذ فى الضارب ولا خلاف فى كونه حقيقة اذ التصرف وقع فى المادة لا الهيئة لكن هذا يخرج عن صورة اطلاق المشتق على الماضى بل هو اطلاق له باعتبار الحال اذ يصير ضارب فى الامس بمنزلة محمول مفرد فيكون مفادا لقضية اتصاف الموضوع بهذا المحمول المقيد الان لخولها عن الرابطة الزمانية لان الامس حينئذ قيد للمحمول لاظرف للنسبة .

و اما اطلاقه بالنسبة الى الاستقبال بالنسبة الى حال النطق فيتصور ايضا على وجوه اربعة كما فى الماضى مع تبديل علاقة ما كان هناك بعلاقة الاول هنا ولا كلام ظاهرا فى مجازيته غير الاخير عن الوجوه و اطلاق نقل الاجماع فى المستقبل يعم الجميع و اما الاخير فلا ينبغى الشك فى كونه حقيقة و هنا قسم


157
اخر من الاطلاق مختص به و هو اطلاقه على المتلبس فى المستقبل بعلاقة المشارفة ولا ريب فى مجازيته ايضا و الفرق بينه و بين الاطلاق على المتلبس فى المستقبل باعتبار اتصافه فيه واضح .

ثم انا و ان مثلنا فى الوجهين المتقدمين اعنى التبادر و صحة السلب بامثلة هى من اسماء الفاعلين لكنها انما هى من باب مجرد التمثيل والا فهما جاريان فى جميع ما هو المتنازع فيه فى المقام كاسمى الادلة و المكان و الصفات المشبهة و الصيغ المبالغة لتبادر المتلبس بالمبدء فيها ايضا جدا و صحة سلبها عمن انقضى عنه المبدء كصحته عما لم يتلبس به بعد الا ان الاتصاف فيها مختلف فانه فى الاول بعنوان الظرفية كالمنام و المامن و الملجأ و المسكن و المسجد فان معاينها المتبادرة منها ما يعبر عنه بالفارسية[ ( خوابكاه و آسودكاه و پناه كاه و نشيمنكاه و سجده كاه]( و فى الثانى بعنوان الالية كالميزان و المقراض و المنشار و غير ذلك من الامثلة الموازنة لها او المخالفة لها فى الزنة لمجيىء اسم الالة على غير وزن مفعال كمثقب على زنة مفعل فان معانيها المتبادرة منها هى ما يقع بها هذه الافعال .

فان قيل : ان هذا التعبير يوهم أخذ الذات فى مفاهيمها و سيجىء بطلانه .

قلنا لنا عبارة اخرى مؤدية للمقصود على ما هو عليه لافى لغة العرب ولا الفرس اذ التعبير منها بتراز واره ليس عن المقصود بوجهه فانهما فى الفارسية من الاسماء الجامدة لا الاوصاف لكن بحسب اللب يظهر للمشهور انها بسيطة جدا و ان شئت عبرت عنها بالفارسية آلة[ ( كشش]( و آلة[ ( پراكنده]( و آلة[ ( جدائى]( فانها أيضا أوصاف و عنوانات بسيطة يعبر عن الذوات بها لا تحادها معها فى الوجود و فى الثالثة بحاظ قيام المبدء بالذات كما فى أسماء الفاعلين فان معانيها المتبادرة منها هكذا كما فى الحسن و الشجاع و القبيح فان المتبادر


158
منها هو ما يعبر عنها بالفارسية[ ( بخوب و دلير و بد]( فأنها أوصاف و عناوين للذات منتزعة عن قيام المبدء بالذات على نحو الثبوت كما ان مفاهيم أسماء الفاعلين وجوه منتزعة من قيام المبدء بالذات على وجه الصدور مقابل مفاهيم أسماء المفعولين فانها وجوه منتزعة عن قيام المبدء بالذات على وجه الوقوع .

و أما الرابعة : فالمعتبر فيها انما هو كثرة الاتصاف بالمبادىء على نحو قيامها بالذات صدورا أو ثبوتا فانها تبنى من الافعال اللازمة و المتعدية كليتهما و انما لم نكتف فيها بمجرد التلبس بل جعلنا المدار على كثرته لان معنى القتال و الضراب ما يعبر عنه بالفارسية[ ( بزياد كشنده و زياد زننده]( لا الاتصاف بنفس المبادىء حال النسبة فانه ربما يتحقق التلبس بها حينئذ من كون الاطلاق مجازيا و هذا فيما سلب صفة كثرة الاتصاف عما اطلقت عليه حينئذ و انقضت عنه أو لم يتحقق فيه هذه الصفة بعد .

و كيف كان فالمدار فى حقيقة اطلاقها و مجازيته انما هو على تحقق الصفة المذكورة حال النسبة و ان كان يلزمها الاتصاف بالمبدء حينئذ أيضا فان المعنى الاضافى لا يتحقق بدون تحقق ما اضيفت اليه .

ثم ان المعتبر فى أسماء التفضيل انما هو أكثرية الاتصاف بالمبدء بالنسبة الى اتصاف الغير به حال النسبة و لازم ذلك أيضا كصيغ المبالغة الاتصاف بنفس المبدء أيضا بتقريب ما مر .

توضيحه ان أفضلية شىء من شىء وصف يلزمه تحقق ذلك الوصف فى المفضل و المفصل عليه حال النسبة والا لم يبق موضوع للافضلية و عدم كفاية مجرد تحقق المبدء فى الحال المذكور فى صدقها حقيقة .

و أما المعتبر فى أسماء الالة فهو اتصاف الذات بالمبدء بعنوان كونها آلة لايجاده بالنسبة الى حال النسبة .


159

و خلاصة الكلام فى المرام ان مدار حقيقة اطلاق المشتق اذا كان من أسماء الفاعلين و المفعولين و الصفات المشبهة على تلبس ما أطلق عليه بنفس المبدء حال النسبة سواء حصلت له كثرة الاتصاف به أولا واذا كان من صيغ المبالغة فالمدار على اتصاف الذات بكثرة الاتصاف بالمبدء بالنسبة الى الحال المذكور و ان خلى من المبدء و اذا كان من أسماء المكان كما اذا كان من أسماء الزمان فالمدار على الاشتغال بالمبدء حال النسبة فلا يكفى حصوله قبله مع انقضائه أو بعده و اذا كان من أسماء الالة فالمدار على ما عرفت .

حجة القول بعدم اشتراط بقاء المبدء مطلقا وجوه :

الاول : ثبوت الاستعمال فى كل من الماضى و الاستقبال و الاصل فيه بعد بطلان احتمال الاشتراك اللفظى أما لانه خلاف الاصل او للاتفاق على عدمه فى المقام و دوران الامر بين المعنوى و الحقيقة و المجاز هو وضعها أى المشتقات للقدر المشترك بينهما .

و فيه ان الاصل المتصور لهذا القول فى المقام ليس الا اصالة عدم ملاحظة الواضع للخصوصية و هى معارضة باصالة عدم ملاحظة العموم و اصالة عدم سراية الوضع الى غير المتلبس .

و الانصاف ان الاصل غير مساعد لشىء من القولين فلا يتوهم أيضا ان مقتضاه ثبوت الوضع لخصوص المتلبس بتوهم ان احد الاصلين المذكورين يعارض ما تمسك به للقول الاخير و يبقى الاخر سليما فينهض على اثبات القول المختار فان عدم سراية الوضع لغير المتلبس لازم لعدم ملاحظة العموم و من المعلوم ان اللازم و الملزوم لا يكون كلاهما مجرين للاصل بل هو جار فى الملزوم فقط و المفروض تساقطه فى المقام لمعارضته باصالة عدم ملاحظة الخصوصية و تخيل انه بعد منع مانع من جريان الاصل فى الملزوم , فهو يجرى فى اللازم


160
فيتم المطلوب لسلامته عن المعارض , مدفوع بان ذلك فى الاصول المبنية على التعبد و أما فى التى يكون اعتبارها من باب الظن كما فى المقام فلا اذ لا يعقل الشك فى الملزوم مع الظن باللازم مع انه تابعه فتأمل .

و التحقيق ان التعويل على هذه الاصول على فرض سلامتها فى غاية الضعف و السقوط .

أما أولا فلمنع كونها مفيدة للظن الذى هو مناط اعتبارها و لو نوعا .

و أما ثانيا فلمنع قيام دليل على اعتبارها مع تسليم افادتها للظن فان الدليل عليه ليس الابناء العقلاء فيما بينهم ولا ريب ان القدر المتيقن منه انما هو فى اصالة عدم النقل ولا يبعد كون اصالة عدم الاشتراك أيضا كذلك أما غيرهما فلا بل المظنون تركهم العمل عليها .

هذا اذا اريد بالاصل استصحاب العدم و انكان المراد به القاعدة المستفادة من الامارات كما يقال او قيل ان مقتضاها كون الوضع للاعم و هى غلبة الوضع للاعم فيما اذا ثبت الاستعمال فى كل من المعينين بينهما جامع قريب او بعيد مع ثبوت الاستعمال فى نفس الجامع او بدونه ايضا على اختلاف الاراء كما اشتهرت فى السنة متأخرى المتأخرين ففيه .

اولا منع اصل الغلبة و ثانيا منع نهوض دليل على اعتبارها فى المقام .

ثم انه قد حكى عن بعض الافاضل التمسك بالقاعدة المذكورة على اثبات الوضع للمتلبس قال - فى مقام الاستدلال على ما صار اليه - بوجوه الاول ان الاصل فيما اذا اطلق اللفظ على امرين او امور كان بينهما جامع قريب قد استعمل فيه موضوع اللفظ بازاء القدر الجامع دفعا للمجاز و الاشتراك الى ان قال : و من الواضح اطلاق المشتق باعتبار الماضى و الحال و الاستقبال فيجب وضعه للمفهوم العرضى البسيط انتهى مراده بالمفهوم البسيط هو مفهوم المتلبس


161
و انت خبير باشتباه الامر عليه لان مقتضى دليله ثبوت الوضع للاعم من المتلبس فى الحال الشامل له بالنسبة الى الماضى و الاستقبال اللهم الا ان يقال باشتباه الحاكى بان كلام المستدل فى مقام الاستدلال على نفى اخذ شىء من الازمنة فى مفهوم المشتق و ان مراده بقوله و هو المفهوم البسيط هو البسيط من هذه الحيثية فيتم كونه قدرا مشتركا بين الثلثة لكن مع ملاحظة الماضى و الحال و الاستقبال بالنسبة الى حال النطق بقرينة قوله هو المتلبس اذ لا ريب ان مصداق المتلبس منحصر فى الحال بالنسبة الى التلبس و الصدق فيكون حاصل مراده انه بعد الفراغ عن اثبات كون المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدء باعتبار حال التلبس ماضيا كان او حالا او مستقبلا بالنسبة الى حال النطق استدل على خروج الزمان و عدم اخذ شىء من الازمنة فى مفهومه ولا يبعد ذلك .

لكن يرد عليه منع الدليل المذكور صغرى و كبرى كما مر .

ثم انه قد يقال او قيل بان مقتضى القاعدة المذكورة اعنى الغلبة وضع المشتق لخصوص حال النطق لغلبة الوجود و المجاز على الاشتراك المعنوى عند الدوران و فيه أيضا مامر صغرى و كبرى .

هذا ما عرفت من حال الاصول الاجتهادية المبنية على الظن و اما الاصول التعبدية فلا موافقة لها كلية فى مقام العمل لاحد من القولين و ان امكن دعوى غلبة موافقتها للمذهب المختار .

الثانى تبادر الاعم .

الثالث عدم صحة سلب المشتق عمن انقضى عنه المبدء و قد سبق ما يغنى عن الجواب عنهما .

الرابع : انه لو كانت فى الحال خاصة لكان اطلاق المؤمن على النائم و الغافل مجازا و من المعلوم خلافه بالاجماع و ضرورة العرف .


162

و فيه ان الايمان هو التصديق بالجنان و هو لا يزول بالنوم و نحوه لبقائه فى الخزانة قطعا غاية الامر عدم الالتفات اليه و هذا واضح .

و قد اجيب عنه ببعض الوجوه أيضا لاطائل تحته فى ذكره .

الخامس انه لو لم يكن موضوعا للاعم لما صح الاستدلال بايتى السرقة و الزنا ( 1 ) على وجوب الحد على الزانى و السارق و ان انقضى عنهما المبدء و الملازمة ظاهرة و بطلان التالى أظهر .

و فيه ان غاية ما ذكره انما هو ملزوم ارادة الاعم بل خصوص ارادة من انقضى عنه المبدء و هو لا يقتضى ثبوت الوضع للاعم و سيجىء ما يتضح به الجواب عن الدليل مستقصى فانتظر .

حجة مشترطى البقاء فيما اذا كان المبدء مما يمكن بقائه دون غيره انه لو اعتبر البقاء مطلقا لما كان للمتكلم و المخبر و الماشى و المتحرك و نحوها حقيقة و التالى باطل بالضرورة فكذا المقدم .

بيان الملازمة ان مبادئها مركبة من أجزاء يمتنع اجتماعها فى الوجود .

و فيه ان البقاء يختلف باختلاف الموارد فانه فى مبادىء الملكة البقاء عبارة عن بقاء نفس المبدء بالدقة العقلية و فى غيرها يصدق حقيقة عند العرف على مجردالتشاغل بالمبدء مع عدم الفرغ منه و كيف كان فالتلبس المعتبر فى الاسماء المشتقة هو المعتبر فى الافعال فالتلبس فى كل اسم مشتق انما بنحو ما اعتبر فى الفعل المتحد معه فى المادة فكما أن يضرب زيد لا يصدق حقيقة الا فيما اذا كان مشتغلا و متلبسا بالضرب حقيقة لا تسامحا فكذلك زيد ضارب و كما أن يتكلم أو يمشى يصدقان حقيقة على من لم يفرغ و لم يعرض عن التكلم و المشى

( 1 ) المائدة 42 و النور 3 .


163
فكذلك متكلم و ماش .

حجة القول بأنه حقيقة فى الماضى اذا كان الاتصاف أكثريا و يعتبر البقاء فى غيره انهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من غير قرينة كما فى لفظ الكاتب و الخياط و القارىء و المتعلم و غيرها .

و فيه ان الملحوظ فى الامثلة المذكور و أمثالها انما هو التلبس بملكات مبادئها لانفس المبادىء حتى يدفع بما ذكر ولا ريب انها لا تصدق على من انقضى عنه ذلك الملكات جدا .

و كيف كان فالتصرف فى تلك الامثلة وقع فى المادة لا الهئية و محل البحث هو الثانية هذا .

مع ان دليله يقتضى نقيض مدعاه اذ لا ريب انه على تقدير الوضع للقدر المشترك لابد من نصب قرينة مفهمة لارادة خصوص من انقضى عنه المبدء كما فرض التجرد عن القرينة فى تلك الحال فعدم نصب القرينة حينئذ على ما قرره يقتضى الوضع لخصوص الماضى و هو كما ترى .

حجة القول باعتبار البقاء فى المشتقات المأخوذة على سبيل اللزوم دون غيرها التبادر الحاصل بملاحظة استقراء موارد استعمالات المجازية بين العرف فان المتبادر من مثل الحسن و القبيح و الابيض و الاسود و أمثالها كالنائم و المستقيظ هو المتلبس بتلك المبادىء فى حال النسبة فيكون اطلاقها على غيره مجازا بخلاف مثل القاتل و الضارب و المضروب و المهدى اليه و الممدود به و أمثال تلك فان المتبادر منها الاعم الشامل للماضى أيضا فهذان التبادر ان يكشفان عن ان هذه الهيئات لها وضعان نوعيان بالنسبة الى تينك الطائفتين من الموارد و ان كانت الصفة واحدة و الموضوع له فى أحدهما هو الاول و فى الثانى هو الثانى .


164

و جوابه قد علم مما حققنا سابقا من تبادر المتلبس بالمبدء حال النسبة مطلقا مع قطع النظر عن الخصوصيات الخارجة و صحة سلب المشتق عمن انقضى عنه المبدء كذلك و لعل منشأ اشتباه الامر على المستدل انه كثيرا يطلقون المشتقات على الذوات فى الحال بمعنى ان ظرف النسبة حال النطق مع مضى المبدء عنه حينئذ كما فى موارد النداء بتكل العناوين كأن تدعوا زيدا بقولك يا ضارب عمرو و يا مضروب بشر و يا قاتل بكر و منه قولك فى مقام السؤال عن أحد المعصومين عليهم السلام كنداء على عليه السلام بقولك يا قالع الباب و يا هازم الاحزاب و يا بائتا على فراش رسول الله صلى الله عليه و اله و منه قولك فى مقام نداء الحسين عليه السلام تندبا يا قتيلا بكربلاء و يا مسلوب العمامة و الرداء و هكذا و سيجىء دفع هذا التوهم و بيان ان المستعمل فيه اللفظ فى كافة تلك الامثلة انما هو الذات باعتبار حال التلبس .

و أما القول السادس : أعنى ايكال كل لفظ من الالفاظ الى فهم العرف و المتبادر منه عندهم فلم ينقل فيما رأيت حجته و لازمه التزام شخصية أوضاع المشتقات بأن يكون كل هيئة من هيأتها مع كل مادة لها وضع مستقل والا لم يعقل ايكال كل لفظ و لعله قائل بهذا و قد عرفت ظهور الاتفاق بل الاتفاق على عدمه .

تنبيهات

الاول : قد حققنا وضع المشتق للمتلبس بالمبدء و ان اطلاقه انما يكون حقيقة اذا كان باعتبار حال التلبس به فيكون اطلاقه على من انقضى عنه المبدء كاطلاقه على من يتلبس بعد مجازا .

لكن ربما يستشكل باطلاقه على من انقضى عنه المبدء كثيرا غاية الكثرة بحيث يبعد كون تلك الاطلاقات بأسرها مجازية كما فى موارد النداء أى موارد وقوع المشتق منادى و فى موارد وقوعه معرفا للذات كقولك هذا قاتل عمرو أو


165
ضارب زيد و أنت معطى المال و أمثال ذلك و فى موارد الاستفهام كقولك أنت ضارب زيد أو معطى عمرو درهما و نحوهما اذ لا يخفى ان حال النسبة فى تلك الامثلة انما هو حال النطق مع ان حال التلبس قبل ذلك لانقضاء المبدء عن الذوات المطلق عليها المشتق فى تلك الموارد غالبا لم يطلق الا على المتلبس لان المنقضى عنه المبدء أما فى موارد النداء فلا يخفى ان المقصود بالنداء هو الشخص المتلبس بالمبدء لا المجرد عنه و ان اللفظ قد اطلق عليه باعتبار حال التلبس الا انه لما علم من الخارج اتحاد هذا الشخص المجرد الان عن المبدء للمتلبس به من قبل الذى هو المقصود بالنداء فيصير هذا منشأ لتوهم اطلاقه على هذا الشخص الموجود الان فيقال انه أطلق على من انقضى عنه المبدء مثلا قولنا يا قالع الباب و يا هازم الاحزاب مريدين به أمير المؤمنين عليه السلام بمنزلة قولك أدعوك أيها الذى هو قالع الباب فى ذلك الزمان و هازم الاحزاب كذلك جعل الزمان المذكور ظرفا للنسبة , فيكون من قبيل ضارب أمس فان الاوصاف الواقعة منادات تنحل الى مفاد موصول صلته هذا الوصف و يكون ذلك محمولا على العائد لا الموصول .

نعم لما كان المعتبر حضور المنادى اذ النداء من مقولة الخطاب مع الحاضر فلابد فى تلك الموارد من التصرف بوجه آخر ليصح وقوع ذلك الشخص المتلبس بالمبدء من قبل المتحد للموجود الان منادى بأن يفرض حاضر المعنى بتنزيل فى وقت التلبس بمنزلة حال النطق فيلزمه حضور المتلبس حينئذ حكما أو أن يفرض المنادى بالكسر نفسه حاضرا فى ذلك الزمان و من هنا يكون اطلاقه فى موارد النداء مع عدم تلبس الذات بالمبدء بعد حقيقة أيضا فيما اذا تلبسها به كان بعد مقطوعا به كقولنا يا قائما بالقسط و يا حاكما بين العباد و يا شديد العقاب و أمثال ذلك مريدين منها الله تعالى مع انه تعالى ليس


166
الان متلبسا بتلك المبادىء مع ان اطلاقه على من لم يتلبس به بعد مجاز اتفاقا فان الوجه فى ذلك أيضا ان نفرض سبحانه تعالى باعتبار اتصافه بتلك الاوصاف فى يوم القيامة مغايرا له سبحانه تعالى باعتبار عدم اتصافه بها بعد فندعوه تعالى بالاعتبار الاول فيكون المقصود بالنداء و المراد من اللفظ هو القائم بالقسط فى ذلك الزمان لا الان فيكون اطلاقه باعتبار حال التلبس ولا جل ذلك يطلق الاسماء الجوامد فى موارد النداء و غيرها مع ان الشخص لا يصدق عليه الان هذا الاسم حقيقة كقولك هذه زوجة زيدا أو زوجة عمرو بعد طلاقها مع ان الاسماء الجوامد لا خلاف فيها ظاهرا فى اعتبار حصول الوصف العنوانى لما تطلق عليه بالنسبة الى حال النطق ظاهر النسبة .

و أما فى موارد وقوعه معرفا فالامر فيها أوضح فانه باعتبار قيامه بالذات الحاضرة بالنسبة الى الماضى جعل معرفا لها الان باعتبار اتحاد هذه الذات الان لها فى الماضى فقولك هذا ضارب زيدا بمنزلة هذا ضارب زيد أمس بجعل أمس ظرفا للنسبة فأنت فرضت هذه الذات المشار اليها ذاتين مغايرتين بالاعتبار احديهما محمولة على الاخرى فان المحمول هى الذات المتلبسة بالمبدء أمس و الموضوع هى الحاضرة حملت الاولى على الثانية لاتحادها معها فصارت معرفة لها لذلك فيكون معنى المثال المذكور بالفارسية[ ( اين آنست كه زننده زيد بود]( و أما فى موارد الاستفهام فالامر أجلى من سابقه فان السائل بعد ما فرض شخصا متلبسا بالمبدء فى الزمان الماضى يسئل عن اتحاد هذه الذات الحاضرة مع تلك فقولك أنت ضارب زيد معناه بالفارسية[ ( آياتو آن كسيكه زننده زيد بود پيش ]( .

و كيف كان فالمشتق فى موارد التعريف و الاستفهام مع انقضاء المبدء حال الاطلاق لم يطلق الا على المتلبس الا انه جعل المتلبس معرفا للمجرد عن


167
المبدء فى الاولى و مسئولا عن اتحاده معه فى الثانية فلذا قد يقع معرفا له أو مسئولا عن الاتحاد معه فيما اذا لم يتلبس به بعد اذا كان تلبس هذا الذات بعد مقطوعا به فى الاول و تلبس ذات مرددة بين هذه الذات و غيرها فى الثانية مع ان اطلاقه على من يتلبس بعد مجاز اتفاقا كما عرفت و سمعت مرارا .

و أما فى موارد النداء فالغالب اطلاقه على المتلبس على الوجه الذى قررناه ولا ضير فى اطلاقه فى بعض الموارد على غير المتلبس بعلاقة ما كان فيما اذا كان قد انقضى عنه المبدء أو بعلاقة الاول و المشارفة فيما اذا لم يتلبس بعد لقلة مورده فلا يلزم منه الاستبعاد المذكور .

مع انه يمكن أيضا تصوير اطلاقه على غير المتلبس على وجه الحقيقة بنحو اخر بحيث لا يلزم المجازية فى اللغة و هو ان يدعى كون المنقضى عنه المبدء أو الذى يتلبس به بعد متلبسا به الان فيطلق عليه المشتق بعد هذا التصرف فيكون التجوز حينئذ عقليا و هذا هو معنى المجازية فى التلبس فقط و بالجملة نحن لا ندعى كون الاطلاق على الوجوه المذكورة موافقا للظاهر بل نسلم كونه مخالفا له من الوجوه الاخر فان فرض ذات واحدة اثنتين و ادعاء فردية ما ليس بفرد مخالف للظاهر يقينا و ان لم يكن مخالفا لظاهر المشتق الا ان القرنية قائمة فى الموارد المذكورة فى بعضها غالبا كما فى موارد النداء و فى بعضها دائما كما فى الاخيرتين على ارتكاب نوع من وجوه خلاف الظاهر موجب لحقيقة اطلاق المشتق بعده فافهم .

الثانى بعدما ثبت كون المشتق حقيقة فى المتلبس بالمبدء حال تلبسه به بالتقريب الذى تقدم فلابد من حمله عليه فى كل مورد لم يقم قرنية لفظية أو عقلية على خلافه كما فى الحكم بوجوب قتل القاتل أو اقامة الحد على السارق و الزانى و نحوهما مما لا يمكن ترتب الحكم عليه حال قيام المبدء


168
بالذات من جهة عدم استقرار المبدء بها بقدر فعل القتل أو الحد قطعا فان القاتل قبل تحقق القتل منه و لو كان مشتغلا بالجزء الاخير من مقدماته لا يكون قاتلا قطعا و بعد تحقق الجزء الاخير فلا ريب فى تحققه معه ولا ريب فى انقضائه حينئذ بمجرد تحققه فلا يبقى لموضوع الحد أو القتل لو علقا على قيام المبدء بالقاتل و السارق وجود فلايمكن امتثال هذا الحكم فحينئذ فالعقل حاكم بكون المراد خلاف الظاهر يقينا والا لغى الحكم و لذا يتمسكون بايتى السرقة و الزنا ( 1 ) على وجوب الحد على من انقضى عنه السرقة و الزنا .

و كيف كان فهذا مما لا اشكال فيه و انما الكلام فى كيفية الاستعمال و انه هل وقع التصرف فى هذه الموارد فى المادة أو فى الهيئة و هذا و ان لم يكن فيه فائدة مهمة الا انه لابأس به و التعرض له فى الجملة فنقول :

قد قيل أو يقال ان التصرف فيها فى المادة لا الهيئة بمعنى انها عارضة عليها بعد تقييدها بالزمان الماضى فيقال ان المراد بالقاتل مثلا اذا أطلق على من انقضى عنه المبدء كما فى الاية هو المتلبس الان بالقتل الواقع امس فلا يلزم مجاز فى الهيئة .

لكن فيه مالا يخفى من الركاكة كما أشرنا اليه آنفا .

و يمكن أن يقال ان ارادة المعنى من اللفظ شىء و الحكم على هذا شىء آخر فيمكن ان يراد من الزانى و القاتل مثلا معناهما الحقيقى و هو الموصوف بهما و يحكم عليه بوجوب الحد أو القتل مع تقييد ظرف الامتثال بحال انقضاء المبدء , لكن فيه انه مستلزم للتكليف بغير المقدور و موجبا لاعادة المحذور ضرورة عدم امكان هذا المعنى بعد انقضاء المبدء اذ المفروض قوامه بقيام المبدء فكيف يعقل بقائه بعد انقضائه .

( 1 ) المائدة 42 و النور 3 .


169

و الذى يقتضيه التحقيق ان يوجه اطلاق المشتق فى المفروض بحيث لا يستلزم المحذور المذكور بانه مستعمل فى المتلبس بالمبدء حال تلبسه به لكن الحكم لم يتعلق بالذات المطلق هو عليها بهذا العنوان حتى يكون الموضوع حقيقة هو هذا العنوان فيعود المحذور بل علق على الذات بشرط حصول الاتصاف بها بالعنوان المذكور مع عدم بقاء الاتصاف , فيكون موضوع الحكم هو الذات لا العنوان و هى مقيدة به و يكون النكتة فى تعليق الحكم على العنوان المذكور فى الظاهر مع ان موضوعه هى الذات واقعا تعريف الذات التى هى موضوع لهذا الحكم بهذا العنوان مع التنبية على مدخلية هذا العنوان فى ثبوت الحكم المذكور و لو بنحو السببية فى الوجود فان تعليق الحكم على الوصف مشعر بسببية هذا الوصف وجود الامحالة و انما الخلاف فى انه يفيد السببية فى جانب العدم بان يفيد انتفاء هذا الحكم بانتفاء الوصف اولا و ايراد ما هو شرط للحكم واقعا بصورة موضوع الحكم و عنوانه شايع كشيوع عكسه و هو ايراد ما هو موضوع و عنوان للحكم واقعا بصورة الشرط و هذا هو الشرط الذى يقال انه لتحقق الموضوع فيحكمون بعدم المفهوم له لذلك فعلى هذا فيصير معنى قوله الزانية و الزانى فاجلدوا ( 1 ) الخ و الله أعلم ان زنت امرئة او ان زنى رجل فاجلدوهما ولا ريب ان هذين الموضوعين اعنى الرجل و المرئة باقيان بعد انقضاء المبدء عنهما هذا .

لكن لا يخفى ان هذا التوجيه كسابقيه انما يوجب اطلاق المشتق على الحقيقة و عدم خلاف الظاهر فى الهيئة لكن لابد من التزام خلاف الظاهر بوجه آخر فان ظاهر تعليق الحكم على شىء كون ذلك الشىء هو الموضوع لهذا الحكم على ما هو عليه من الاطلاق و التقييد فارادة تعليقه على غيره واقعا كما

( 1 ) النور 3 .


170
فى التوجيه الاخير أو تقييده واقعا مع انه مطلق فى الظاهر كما فى الاول أو تقييد الحكم فى الواقع مع انه مطلق فى الظاهر كلها خلاف الظاهر فلذا نفينا الفائدة من التعرض له .

ثم انه ربما يتصرف فى الموارد المذكورة فى الهيئة كما فى مجاز المشارفة فيقال زيد غريق مع انه بعد لم يغرق فيستعمل اللفظ و يراد به غير المتلبس لا شرافه على التلبس و كما فى صورة استعماله فيمن لم يتلبس بعد بالمبدء بعلاقة الاول مع التلبس و الفرق بينهما ان العلاقة فى الثانى انما هو بحسب قرب الزمان و فى الاول بملاحظة الذات نفسها بمعنى أن يلاحظ الذات اثنتين باعتبار حالتين فيستعمل اللفظ فى احديهما لمشابهتها بالاخرى كما فى قوله تعالى انى أرانى اعصر خمرا ( 1 ) كما اذا استعمل فى غير المتلبس بعلاقة ما كان و العلاقة فيه أيضا انما هو بملاحظة الذات على نحوما عرفت هذا كله اذا لم يكن على وجه الادعاء و التنزيل والا فلا يكون مجازا فى الكلمة كما لا يخفى .

و الظاهر ان اكثر الاستعمالات العرفية الغير المنطبقة على المشتقات من حيث اوضاعها النوعية فى الظاهر اما لانقضاء المبدء عما اطلقت عليه و عدم تلبسه بعد بالنسبة الى حال النسبة عليه اما على وجه حمل المشتق معرفا لهذه الذات المجردة عن المبدء باعتبار ثبوته لها من قبل او بعد ذلك مع تيقن ثبوته لها مع اطلاقه على الذات المتلبسة حال النسبة و حمله لا تحادها مع هذه الذات معرفا لتلك و هذا على قسمين بحسب الموارد :

احدهما ان يراد به تعريف الذات من حيث هى من غير اعتبار كونها محكوما عليها بحكم كما مر امثلته فى التنبيه السابق كقولك هذا ضارب زيدا و هو قاتل عمرو .

( 1 ) يوسف 37 .


171

و ثانيهما ان يراد به تعريف الذات باعتبار كونها محكوما عليها بحكم كما تقول جائنى ضارب زيد مريدا به المتلبس بالضرب قبل المتحد لهذا الجائى من حيث الذات فتجعله بذلك الاعتبار معرفا لهذه الذات المحكوم عليها بالمجىء او تقول اضرب قاتل عمرو قاصدا ضرب الذات الموجودة الان المنقضى عنها الضرب لكن اطلقت الحكم على هذا العنوان فى الظاهر مريدا المتلبس به حال تلبسه به لنكتة التعريف اى تعريف الذات المحكوم عليها الان بالضرب او لنكتة الاشعار بمدخلية هذا العنوان لوجوب الضرب ايضا اذا كان سبب امرك بضربه كونه قاتلا لعمرو و كما وجهنا الاية المتقدمة به كما عرفت ( 1 ) و مثل ذلك يجرى فى المنادى ايضا سيما فى موارد التندب كقوله يا معطى الفقراء مريدا به حقيقة هذا الشخص المنقضى عنه الاعطاء حال النداء و انما ناديته بهذا العنوان تبينها على انه هو الذى كان يعطى الفقراء و الان صار فقيرا مثلا مع ارادة الذات المتلبس بالاعطاء فى ذلك الزمان من هذا الوصف و جعله بهذا الاعتبار معرفا لمن تدعوه لاتحاده مع تلك الذات المتلبس بما ذكر فى ذلك الزمان اما على التنزيل و الادعاء و اما على تصرف فى المادة كما فى موارد استعمالها فى ملكات مباديها كالكاتب و الفقيه و الشاعر و أمثالها مما يراد بها التلبس بملكة المبدء لابنفسه او فيمن اخذ مباديها حرفة و صنعة كالبناء و النساج و الكاتب و أمثالها اذا اطلقت على هذا الوجه و كذا فى استعمال البقال و التمار و أمثالهما من المشتقات المأخوذة من اسماء الذوات فى مزاولة بيع البقل و التمر الى غير ذلك مما يعرف وجوه التصرف فيها حسب موارد استعمالاتها فان اسماء الالة اذا اطلقت و لم يرد بها المتلبس بالالية حال النسبة كالمقراض لغير المتلبس بالية القرض حال النسبة فلابد ان يكون التصرف فيها بنحو آخر

( 1 ) لاحظ ما أفاده فى ص 169 .


172
كأن يقال انها مستعملة فيما له شأنية الالية مع اعداده لذلك او بدونه .

و قد جعل بعض المتأخرين للمدار فى صدق اسماء الالة حقيقة على شانية الالية مع الاعداد لها بمعنى انه جعل معناها المتلبس بشانية كونه آلة لايجاد المبدء مع كونه معدا للالية فيعتبر فى صدقها حقيقة على ما اطلقت عليه من تحقق هذين الشانية و الاعداد فيه حال النسبة و على هذا فاطلاقها على هذا الوجه ليس من وجوه التصرف فيها و انما يكون من ذلك بناء على ما اخترنا من ان المعتبر فيها التلبس بالالية فعلا .

لكن هذا القول ليس بجيد كما لا يخفى اذ ليس المتبادر من نفس تلك الهيئات عرفا مع قطع النظر عن خصوص بعض الموارد الا المتلبس بالية ايجاد المبدء حال النسبة , فيكشف ذلك ان المعتبر فى وضعها لغة ذلك فحينئذ لو كان مفاد تلك الهيئات فى بعض الموارد غير منطبق على ذلك , فهو أما لاجل قرينة متحققة فى خصوص الموارد و أما لاجل حدوث نقل و وضع طار بسبب غلبة استعمال العرف لها فى المورد الخاص فى المعنى المخالف لما ذكرنا كما هو ليس ببعيد فيها بالنسبة الى حالة الوزن و الثقل و الثقب و النشر كالميزان و المثقال و المثقب و المنشار فان المتبادر منها عرفا هو ما يصلح لالية ايجاد هذه المبادىء مع كونه معدا لذلك و ان لم يتلبس بالالية فعلا و الكاشف عن كون هذا التبادر من نفس اللفظ عدم صحة سلب تلك الالفاظ عما له شأنية الالية مع عدم اعداده لها و ان لم يكن متلبسابها حال النسبة و صحة سلبها عما له شأنية ذلك مع عدم اعداده له بل الظاهر منها كما يظهر للمتامل هى الذوات المعدة لما ذكر من دون التفات الى عنوان كونها آلات فان المتبادر منها ما يعبر عنه بالفارسية[ ( بتراز و مته واره]( فمن على هذا كالاسماء الجوامد الموضوعة للذوات فيخرج عن كونها أوصافا بالمرة فان الدال حينئذ هو أمر واحد و هذا


173
المركب من الهيئة و المادة المخصوصة فيكون وضعها حينئذ شخصيا و لعل منشأ تخيل البعض ملاحظة بعض الامثلة الخاصة المقرونة بالقرائن المفيدة لما زعم أو المنقولة اليه .

و كيف كان فقد عرفت وجه التصرف فى أسماء الالة بناءا على مذهب المختار فيها .

و يقرب منه وجه التصرف فى أسماء المكان فانه أيضا اطلاقها على غير المتلبس بظرفية المبدء حال النسبة باعتبار صلاحية الظرفية لذلك .

و كيف ما كان فان شئت توضيح الكلام فيما ذكرنا فنقول :

لا ريب ان مبادىء المشتقات مختلفة فقد يكون المبدء فيها وصفا كالابيض و الاسود و نحوهما و قد يكون قولا كالمتكلم و المخبر و قد يكون فعلا صدوريا متعديا الى الغير كالضارب و الناصر و القاتل و نحوها و قد يكون ثبوتيا غير متعد الى الغير كالقائم و القاعد و المضطجع و المستقلى و نحوها و يعبر عن الجميع بالحال و قد يكون ملكة كالعادل و المجتهد و نحوها اذا اريد التلبس بملكة الاقتدار على مباديها و قد يكون حرفة و صنعة على انحاء خاصة كالبناء و الكاتب و النساج و نحوها من المشتقات المأخوذة من المصادر من اسماء الفاعلين و صيغ المبالغة اذا اريد بالاولى التلبس بمباديها بعنوان اخذها حرفة و الثانية التلبس بمباديها بعنوان كثرة اخذها حرفة لا مجرد التلبس بأخذها حرفة لا بشرط والا فيلزم التصرف فى الهيئة المفيدة لكثرة التلبس لكونها حينئذ لمجرد الوصف كما هو الغالب فى استعمال اسماء الحرف التى على هذا الوزن عرفا سواء كانت مأخوذة من المصادر كالنساج و البناء حيث ان الغالب استعمالها فيمن تلبس بأخذ مباديها حرفة من دون اعتبار الكثرة او من اسماء الذوات كالبقال و العطار و التراب و الزبال حيث ان الغالب عرفا فى استعمالها ايضا


174
ارادة التلبس بأخذ بيع تلك الذوات او نقلها حرفة بل الظاهر هجر تلك الهيئة اعنى زنة فعال عرفا عن معناها الاصلى و نقلها الى مجرد المعنى الوصفى المجرد عن الكثرة فيما اذا اريد بالمبدء الحرفة مصدرا كان او اسم ذات كما لايبعد دعوى طريان الوضع عليها عرفا بواسطة غلبة الاستعمال للمتلبس بأخذ المبدء حرفة فيما اذا كان المبدء من اسماء الذوات بحيث يكون استعمالها حينئذ فى التلبس على وجه الحال , بأن يراد التلبس ببيع هذه الذوات مجازا محتاجا فى الانفهام الى القرينة الصارفة ولا يبعد دعوى كون ذلك ايضا فى بعض امثلتها المأخوذة من المصادر كالنساج و البناء و الخراط و الغسال .

و كيف كان فكلامنا الان مع الغض عن ذلك كله فتأمل , او من اسماء الذوات للابن و التامر و نحوهما من اسماء الفاعلين المأخوذة منها و كالبقال و العطار و نحوهما مما مر من صيغ المبالغة المأخوذة منها اذا اريد بها كلها التلبس بأخذ بيع تلك الاعيان حرفة .

و قد عرفت ما فى الثانية , و أما الاولى اعنى اسماء الفاعلين المأخوذة من اسماء الذوات فلاتصرف من العرف فى هيئتها اصلا و الغالب استعمالها فى التلبس الحالى اعنى ارادة مجرد التلبس ببيع تلك الاعيان و هذا هو الظاهر المتبادر منها عرفا , فيكون اخذ مباديها حرفة خلاف الظاهر المحتاج الى القرينة الصارفة عما ذكر لكنه لا يوجب التصرف فى الهيئة فانها لمجرد التلبس بالمبدء بمعناه و لو مجازيا و هذا باق على جميع التقادير .

و قد يجتمع فى المبدء الواحد الوجوه الثلثة اعنى الحال و الملكة و الحرفة بمعنى انه يصلح لارادة التلبس بكل واحد من تلك الوجوه كما فى الكاتب و القارى و المدرس و أمثالها او الاثنان منها كما فى الفقيه و العالم و المجتهد و نحوها لصلاحيتها لارادة التلبس الحالى و التلبس بملكة الاقتدار على مباديها


175
و من المعلوم عدم التصرف فى الهيئة من جهة احد الوجوه الثلثة فى جميع الصور اما فى صورة ارادة التلبس الحالى فواضح اذا كان المبدء من المصادر و أما اذا كان المبدء من اسماء الذوات فالتصرف انما وقع فى المبدء من حيث اخراجه عن معناه الاصلى و هو الذات الى غيره و هو الفعل المتعلق بالذات المناسب لتعلقه بها كالبيع بل يمكن عدم التزام التصرف فى المادة ايضا بتقريب ما يقال فى مثل قوله تعالى حرمت عليكم امهاتكم ( 1 ) فان الام فيها فى معناه الاصلى و كذا الحرمتة الا انه تجوز فى امر عقلى و هو نسبة الحرمة الى الام التى هى من الذوات فلا مجاز فى الكلمة اصلا و اما تفهيم المقصود الواقعى و هو حرمة و طى الامهات فالتعويل فيها على القرينة العقلية الدالة على امتناع ارادة حرمة الذوات نفسها بضميمة ظهور الوطى من بين الافعال المتعلقة بها و يكون الاولى صارفة و الثانية معينة فاريد من كل واحد من الطرفين معناه الاصلى و اريد الدلالة على المقصود بالقرينة فعلى هذا يقال فيما نحن فيه ايضا ان الهيئة لافادة التلبس بمعروضها و اريد بها هذا المعنى و المبدء للذات و اريد به هذه لكن التعويل فى تفهيم المقصود و هو التلبس بالفعل المتعلق بالذات على العقل حيث انه لا يصح الاتصاف بنفس الذات بمعنى انه مستحيل عقلا فيكشف ذلك عن التجوز فى النسبة الضمنية بين الهيئة و المادة و ان المراد غير ارادة التلبس بنفس الذات , فيكون هذا بضمينة ظهور البيع لكونه متعلقا لمفاد الهيئة بالنسبة الى ساير الافعال والا على المراد فلا مجاز لغة فى شىء من المادة و الهيئة اصلا بل هو عقلى فحسب كما فى الاية ( 2 ) الا ان الفرق بينهما ان التجوز ثمة انما وقع فى النسبة التامة بين الموضوع و المحمول و هنا وقع فى النسبة الناقصة الضمينية الحاصلة بين الهيئة و المادة هذا كله اذا اريد بالمشتق

( 1 و 2 ) النساء 28 .


176

المتلبس الحالى و اما اذا اريد به التلبس بالمبدء باعتبار الملكة او الحرفة ولا يلزم ايضا فى الهيئة تصرف اصلا و ان كان فهو فى المادة فانه ان اريد بها الملكة فالهيئة لافادة التلبس بها او الحرفة بها فكذلك فلم تخرج عما يقتضيه وضعها الاصلى .

ثم ان المبدء اذا اريد به الحال فقد عرفت انه لا مجازية حينئذ فيه مطلقا من حيث اللغة و ان كان يلزم التجوز العقلى فى بعض الموارد و هو ما اذا كان مناسماء الذوات و أما اذا كان للملكة او الحرفة فلا اشكال فى مجازيته لغة بالنظر الى معناه الاصلى لكنه قد يدعى طريان الوضع من العرف عليه بواسطة غلبة الاستعمالات بالنسبة الى الحرفة ايضا مع بقاء معناه الاصلى فيكون فى العرف مشتركا لفظيا بينهما بل قد يدعى هجره عن المعنى الاصلى الى خصوص الحرفة فى اسماء الحرف التى على وزن فعال كنساج و تمار و بقال و غيرها .

و الحق عدم عروض الوضع الجديد له مطلقا فيما اذا كان المبدء فى ضمن غير فعال من هيئات المشتق نعم لا يبعد فى الامثلة دعوى اجماله حينئذ عرفا لغلبة استعماله فى غير الحال الموجبة للتوقف و الاجمال فيكون مجازا مشهورا و أما اذا كان فى ضمن هيئة فعال فالظاهر هجره عرفا عن المعنى الاصلى الى الحرفة بحيث يظهر منه هذه عند الاطلاق و يحتاج انفهام معناه الاصلى و هو الحال الى القرينة الصارفة عن ذلك مطلقا بالنسبة الى المصادر و أسماء الذوات لكن لا مطلقا بل فيما يطلق على الحرفة غالبا كالنساج و البناء و البقال و العطار لا مثل القتال و الاكال و السيار و نحوها لعدم غلبة استعمالها فيما ذكر بل الغالب ارادة المعنى الحالى و من المعلوم ايضا عدم تصرف فى هيئة فعال الموضوعة للمبالغة فى تلك الامثلة و كما فى الصيغ المبالغة المأخوذة من اسماء الذوات مطلقا فان الغالب ارادة الحرفة منها مع ما عرفت بالنسبة الى الهيئة فيها ايضا , و الدليل على ذلك التبادر من تلك الموارد عند الاطلاق و صحة سلب تلك


177
الصيغ حينئذ عمن تلبس بالمبدء بالمعنى الحالى فانه يصح ان يقال لمن تلبس بفعل النسج مثلا او بيع التمر من دون اخذهما حرفة انه ليس بنساج او تمار ولا يصح ان يقال انه ليس بناسج و تامر .

و اما عدم ثبوت طريان الوضع عرفا لغير ما ذكر بالنسبة الى غير الحال من الملكة و الحرفة فلانه لو ثبت فهو اما بطريق الهجر و النقل و اما بطريق الاشتراك اللفظى كما قيل و الاول مفقود فى المقام فانه لازمه تبادر غير الحال بحيث يتوقف انفهام الحال الى القرينة و ليس كذلك فى المقام فانه اما مجمل بالنسبة الى الحال و غيره كما هو كذلك فى كتير من الامثلة و اما ظاهر فى الحال كما فى بعض امثلة الاخرى فانتفاء اللازم يكشف عن انتفاء الملزوم و التالى باطل فى نفسه لما حققنا فى محل فى مسئلة المجاز المشهور انه يمكن الاشتراك بواسطة غلبة الاستعمال فان اللفظ ما لم يهجر عن معناه الاصلى بغلبة الاستعمال لا يعقل اختصاصه بالمعنى الثانى ايضا فراجع .

هذا مضافا الى تبادر الحال فى بعض الامثلة نعم لا يبعد دعوى النقل فى مثل العادل و المجتهد فى عرف المتشرعة الى الملكة لكن الكلام فى ثبوته بالنظر الى العرف العام .

احتج مدعى الاشتراك بانه اذا قيل رأيت كاتبا و لقيت قاريا يتوقف العرف فى المراد و ينظرون القرنية لتعيين المراد من الحال و الحرفة فيكشف ذلك عن اشتراك المبدء فيهما و فى امثالهما عرفا بين الحال و الحرفة .

و فيه مضافا الى ما عرفت ان التوقف و الاجمال لا يصح لان يكون علامة الاشتراك لكونه اعم منه لوجوده فى المجاز المشهور ايضا و العلامة لابد ان تكون مساوية للمدلول و الاخص فلذا لم يعده احد من علائم الاشتراك نعم لو استدل بتبادر كل من المعينين من اللفظ تصورهما من نفس اللفظ عند الاطلاق مع التوقف فى ان ايهما المراد حيث انه يجوز ارادة اكثر من معنى لاتجه الاستدلال


178
لكن الواقع ليس كذلك هذا .

ثم ان الظاهر انه لم يقع الخلاف من احد فى مجازية المبدء الصالح لارادة الملكة فيها فى العرف ايضا و انما اختلفوا فى ثبوت الوضع بالنسبة الى الحرفة فيما يصلح لارادتها و عدمه اشتراكا أو نقلا فيكون اطلاق المبدء على الملكة فى نحو الكاتب و القارى مجازا قطعا اذا اريدت الملكة من نفس اللفظ لعدم ثبوت الوضع لها بوجه مضافا الى تبادر الغير , لكن الظاهر بناء الاطلاق فى صورة حصول الملكة دون الحال على تنزيل من له ملكة التلبس بالمبدء منزيل المتلبس به فعلا و ارادة الحال من المبدء بهذا الاعتبار فيلزم التجوز بحسب العقل دون اللغة .

و كيف كان فالنسبة بين الحال و بين كل من الملكة و الحرفة كالنسبة بين الاخيرتين هى العموم من وجه و الامر واضح بالنسبة الى الحال و غيرها و اما الاخيرتان فمحل الافتراق فيهما من جانب الملكة الاجتهاد و العدالة و من جانب الحرفة ما لا يحتاج فى حصوله الى تحصيل ملكة مثل التمر و الخبز و نحوهما و مورد الاجتماع فيهما الحرفة التى يحتاج تحصيلها الى صرف العمر فى مدة طويلة لتحصيل قوة يقدر بها على الفعل كالخياطة و الحياكة و الصياغة و نحوها .

ثم ان مورد الخلاف فى المسئلة يعم جميع الاقسام كما اشرنا اليه فى تحرير النزاع كما صرح به غير واحد منهم لاطلاق العنوانات و عموم الادلة و تمثيلهم بالالفاظ الموضوعة بازاء الملكات و الحرف كما عرفت سابقا و بيان الثمرة على حسب اختلاف المبادى كما ستعرف فما ذكره بعض الاعلام من اختصاص النزاع بما يكون المبدء فيه حالا استنادا الى حصرهم الخلاف فيما تلبس بالمبدء و انقضى عنه ذلك نظرا الى عدم تحقق الزوال الافى الحال لعدم


179
زوال الملكة و الحرفة , ليس بجيد و يرد مستنده بانه لا ريب فى امكان زوال كل من الملكة و الحرفة بعد حصولهما اذ الاولى قد تزول بالنسيان الحاصل من ترك الاشتغال بالفعل فى مدة طويلة كما تزول الثانية ايضا بالاعراض و ترك الاشتغال مع عدم قصد العود و الاشتغال بما يضادها من الحرف و الصنايع بل بدونه ايضا مع قصد الاعراض و ترك الاشتغال فان زوال كلشىء بحسبه فالنزاع يعم الجميع الا ان التلبس بالمبدء يختلف باختلاف المبادى ولا كلام لنا باعتبار ذلك فافهم و اغتنم .

الثالثة الذوات الخارجية اعنى الجزئيات الحقيقية التى تكون موضوعة للمبادى فى الخارج غير داخلة فى مفهوم المشتق بلا خلاف اجده ولابد من خروجها والا لزم ان يكون المشتقات موضوعة للخصوصيات على سبيل عموم الوضع و خصوص الموضوع له ولا قائل به , بل الظاهر اتفاقهم على كون المفهوم فيها كليا و لذا وقعت موضوعات للقضايا المعتبرة فى المحاورات الدالة على ثبوت المحمولات لكل فرد من افراد الموضوع و لولاه للزم استعمالها فى اكثر فى معنى واحد حيث يراد بها جميع الخصوصيات و هذا باطل و ايضا لو ثبت ذلك لزم حمل الذات على الذات و توصيفها بها فى قولك زيد ضارب و زيد العالم ولا ريب فى فساده و حمل المشتق فى المثالين على المجرد عن الذات بقرينة الحمل و التوصيف مستلزم للتجوز فى الاستعمالات الغير المتناهية الشايعة فى المحاورات ولا يلتزم به احد جدا هذا مضافا الى كفاية الادلة الاتية فى مورد الخلاف عن التكلم هنا .

و كيف كان فكما لا ينبغى الريب فى عدم اخذ الذوات الخارجية فى مفاهيم المشتقات كذلك لا ينبغى فى عدم دلالتها على شىء من خصوصيات الذوات مثل كون المعروض جسما فى نحو الابيض و الاسود و انسانا فى نحو


180
الضاحك و الكاتب و هكذا لعدم حصول الانتقال الى نحو ذلك من خصوص الالفاظ المشتقة قطعا و الالزم ان لا يصح قولك الجسم الاسود و الابيض لكونه حينئذ من باب توصيف الاعم بالاخص كقولك الحيوان الانسان ولا ريب فى بطلان التالى ضرورة صحة التوصيف فى المثال و نحوه مع ان المعتبر فى المفهوم انكان هو العنوان الخاص من حيث وجوده فى الخارج فيلزم حمل الذات على الذات و توصيفها بها على حسب مامر بيناه فى رد دخول الجزئيات الحقيقية فى مفهوم المشتق و ان اعتبر لا بشرط فلا يصح لان المبادى غير جارية على تلك العنوانات فى الذهن بل هو من عوارض الماهيات الخارجية فيكف يعتبر فى المشتق تلبسها بالمبدء اذ على هذا يصير قولك الاسود معناه مفهوم الجسم المتصور فى الذهن المتلبس بالسواد و هذا مما يضحك به الثكلى ضرورة عدم امكان عروض المبدء الذى هو السواد بالمفهوم الذهنى و انما هو عارض لجزئيات الحقيقة المتحققة فى الخارج و هكذا فى ساير امثلة المشتقات .

و كيف كان فهذا بديهى لا حاجة فيه الى تجسم الاستدلال فلناخذ بالكلام فيما هو محل للخلاف فى المقام .

فنقول انهم بعد اتفاقهم ظاهرا على خروج الذوات الخارجية عن مفهوم المشتقات كما عرفت اختلفوا فى اعتبار الذات المبهمة المفسرة بالشىء فى بعض العبارات فى مفهوم المشتقات على اقوال :

احدها : الدخول مطلقا و هو المحكى عن العلامة قده فى التهذيب و ابن الحاجب فى المختصر و العضدى فى شرحيه .

ثانيها : الخروج مطلقا و هو المحكى عن جماعة من المحققين و عن المحقق السيد الشريف و العلامة الدوانى و اختاره بعض المحققين من المتأخرين ايضا فى تعليقاته على المعالم .


181

ثالثها : التفصيل بين الاسماء الالات و غيرها فقيل بالاول فى الاولى و بالثانى فى الثانية و خير الثلثة اوسطها وفاقا لشيخنا الاستاد و لسيدنا الاستاد دام ظلهما أيضا .

لنا على ذلك وجوه :

اولها : التبادر فان المتبادر من نفس الالفاظ المشتقه هى العنوانات العرضية الجارية على الذوات على انحاء الجريان بحسب اختلاف المشتقات لاذات ما مع تلك العنوانات فانالانفهم من الضارب و القاتل و الراكب و الكاتب مثلا الا ما يعبر عنه بالفارسية[ ( بزننده و كشنده و سواره و نويسنده]( كما مر ولا ريب ان هذه المعانى مفاهيم عرفية تجرى على الذوات على سبيل الحمل و التوصيف لكونها من وجوه الذوات الصادقة عليها و من مزاياها الحاكية عنها فان لكل شىء عنوانات ووجوها صادقة عليه يعبر عنه بكل واحد من تلك الوجوه لاتحادة معه فى الوجود كما يعبر عن زيد تارة بكاتب و اخرى بقارى و ثالثة بضارب و رابعة بعالم و خامسة بانه ابن فلان او ابوه أو صاحبه أو عد وه و سادسه بانسان أو حيوان أو ضاحك الى غير ذلك من الوجوه الصادقة عليه من الوجوه العرضية كما هو مفاد المشتقات و مفاد بعض الجوامد كالابن و الاب و الزوج و الزوجة و أمثالها أو الذاتية كما هو مفاد الغالب منها كما فى الحيوان و الانسان و الحجر و الشجر و الماء و التراب و غير ذلك مما لا يكون الموضوع له فيها هو نفس الذات بما هى بحيث لا يختلف باختلاف بعض الوجوه الصادقة عليها المتحققة لها فى حال و تبدلها الى وجه آخر بل باعتبار وجه خاص من تلك الوجوه بمعنى ان الموضوع له فى هذا القسم أيضا هو نفس الوجه الخاص الصادق على الذات لاهى معه أو بشرطه فتكون الحال فيها من هذه الجهة هو ما اخترنا فى المشتقات من خروج نفس الذوات عن حقيقة اللفظ و انما الموضوع له


182
اللفظ هو الوجه لاغير الا ان الوجه المعتبر فى المشتقات من الامور العرضية نظير بعض الجوامد كما مر فى هذه من الامور الذاتية فانها هى الصور النوعية التى يختلف الشىء باختلافها فيتبعه الاختلاف فى صدق الاسم و لذا لا يصدق الكلب مثلا على المستحيل منه ملحا و ترابا و كذا فى أمثالها .

و بالجملة فالحال فى الجوامد بكلا قسميه اذا لم يكن من الاعلام الشخصية هو ما حققنا فى المشتق من جهة كون الموضوع له هو الوجه .

و أما الاعلام فالظاهر ان الغالب اعتبار عنوان خاص فيها أيضا ووضع الاسم لذلك العنوان المتحد مع ذات الشخص .

نعم يمكن أن يضع أحد لفظ زيد مثلا لذات ابنه الذى سيولد من غير ملاحظة عنوان شطرا أو شرطا أو وضع اللفظ لنفس هذا العنوان فيدل اللفظ حينئذ على الذات اصالة كما انها دال عليها فى المشتقات و أمثالها من الجوامد مما يكون الموضوع فيها هو نفس الوجه تبعا من باب الالتزام نظرا الى عدم امكان انفكاك تلك الوجوه عن ذات ما و اتحادها معها كما عرفت .

و كيف كان فلما كانت الذات معروضة لتلك الوجوه العرضية المستفادة من المشتقات ككونها معروضة لغير تلك الوجوه فى غير المشتقات و الارتباط التام حاصل بين العارض و المعروض فيحصل الانتقال الى ذات ما من الانتقال الى المفهوم العرضى على سبيل الالتزام كما فى غيره من لوازم المعانى و هذا هو المنشأ لتوهم الدخول و تعبير بعضهم عن معنى اسم الفاعل بمن قام به المبدء و عن اسم المفعول بمن وقع عليه انما هو لتسهيل البيان و تفهيم المعنى و تعريفه على الوجه الاوضح لضيق مجال البيان بالنسبة الى نفس المعنى لا انه تفسير لمعنى اللفظ و يكفى فى مقام التعريف انطباق المعرف بالكسر على المعرف و صدقه عليه و ان كانا متغايرين فى الحقيقة فان الصدق يحصل بمجرد اتحاد كلا الامرين


183
فى الوجود و ان كانا فى الواقع موجودين بوجود واحد فلذا يجوز تعريف الضاحك بأنه الانسان أو حيوان الناطق مثلا و يجوز العكس أيضا فيقال الانسان هو الضاحك , فنقول فيما نحن فيه انه لما كان تحقق الوجوه المذكورة مستلزما لتحقق الذات معها لكونها من عوارضها و المفروض انهما موجودان بوجود واحد فكلما صدقت هى الذات فيصح تعريف المصداق الخارج بكل منهما لكونه متحدا مع كل أحد منهما فعلى هذا فلا يكشف تعريف شىء بأمر عن اعتبار جميع ما ينحل اليه هذا الامر فى المعرف بل هو أعم .

هذا مع ان انحلال معنى الى أجزاء بالدقائق الحكمية لا يوجب اعتبار تركيب المعنى المذكور من تلك الاجزاء عند الواضع ليكون كل جزء جزء من الموضوع له من حيث انه الموضوع له بل ربما يضع الواضع لفظ لمعنى لا يدرى حقيقته ماذا و انما يلاحظ هذا المعنى بوجه من وجوهه لكونه معنى اللفظ الفلانى فى اللغة الفلانية كان يضع لفظ الذئب مثلا لما يعبر عنه بالفارسية[ ( بگرك]( مع ملاحظته بهذه الوجه أى ما يعبر عنه[ ( بگرك]( بل الغالب فى الاوضاع البشرية ذلك فانهم كثيرا ما يضعون لفظا لمعنى لا يعرفون حقيقته و انما يعرفها الحكيم و العرف أيضا لا يفهمون تلك المعانى الا على وجه لاحظه الواضع .

و كيف كان فالمدار فى بساطة معنى اللفظ و تركيبه على ملاحظة الواضع لا على أنحلال المعنى فى نظر العقل فلذا لم يقل أحد بكون دلالة الانسان على الحيوان أو على الناطق تضمنيا مع ان معناه فى نظر العقل ينحل اليهما .

و على فرض تسليم ان المدار فيما ذكر على التركيب للبساطة فى نظر العقل مع انه لم يقل به أحد فلا رد علينا فى المقام بشىء لما قد عرفت من خروج الذات عن حقيقة معانى تلك الالفاظ و انما هى معروضة لما لا ينفك عنها .


184

ثانيها : ان الذات لو دخلت فى مفهوم المشتقات فالدال عليها أما المادة أو الهيئة أو هما معا و الكل باطل .

أما الاول : فلان المادة لو دلت عليها بالوضع للزم أن تكون داخلة فى مفهوم المصادر أيضا لان معانى المواد فى ضمن المشتقات عين معانى المصادر بالاتفاق كيف و قد ذهب جماعة الى ان المواد فى ضمنها غير موضوعة بوضع عليحدة ؟

بل وضعها وضع المصادر ولا يعقل معه المغايرة فى المفهوم باعتبار اختلاف الهيئة و اللازم باطل بالاتفاق على عدم دخول الذات فى مفهوم المصادر بأنها لو دلت عليها لدلت على النسبة أيضا فلم يكن فرق بينها و بين المشتقات .

و أما الثانى : فللاتفاق على ان الهيئة فى المشتقات لا تفيد أريد من الربط بين الحدث و الذات .

مضافا الى قضاء التتبع فى سائر الهيئات الموضوعة بعدم وضع هيئة بازاء معنى مستقل و قد صرحوا بان معان الهيئات معانى حرفية فتأمل .

و أما الثالث : فلان مدلول المشتقات مورخ عن الهيئة و المادة فمدلول المادة هو الحدث و مدلول الهيئة الربط و النسبة و التفكيك بهذا النحو ثابت بضرورة اللغة سواء قلنا بان وضع المواد فى ضمن المشتقات وضع المصادر او انها موضوعة بوضع اخر .

ثالثها : ان مفهوم المشتق على هذا التقدير أما الذات المبهمة من حيث اتصافها بالمبدء بان يكون التقييد بالاتصاف داخلا و القيد خارجا أو مجموع ذات ما و المبدء و النسبة فيكون مركبا من الامور الثلثة و كلاهما باطل .

اما الاول : فلاستلزام خروج المبدء عن مفهوم المشتق و هو باطل بالضرورة و الاتفاق .

و اما الثانى : فلان قضيته فى مقام الحمل فى نحو قولك زيد ضارب ان

( 1 ) هكذا فى النسخة و الظاهر أن اللفظ فى الاصل : مركب او ممزوج .


185
يلاحظه اطلاق كل جزء من الاجزاء الثلثة على امر من الامور الخارجية فيطلق ذات ما فى المثال على خصوص زيد و المبدء الكلى على المبدء الخاص اللاحق به و النسبة الكلية على الربط الحاصل بين المبدء و الذات لان قضية الحمل اتحاد المحمول مع الموضوع فى الوجود الخارجى و من البين ان هذا المفهوم المركب غير متحد مع ذات زيد التى هى موضوع القضية بل كل جزء منه متحد مع شىء فى الخارج على حسبما ذكر .

لا يقال ان هذا اللازم على القول بعدم الدخول أيضا بالنسبة الى المبدء و الربط فان المفهوم حينئذ امر بسيط منتزع من الامر الخارجى بملاحظة اتصافه بالمبدء و اتحاده مع الموضوع بالاعتبار لعدم وجود متاصل لهذا المعنى العرضى فى الخارج على حسب الذاتيات حتى يعتبر اتحاده على سبيل الحقيقة ولا يندفع بذلك ما يلزم من المحذور على فرض تركيب المفهوم لانه لازم للاطلاق الدال على الاتحاد فى الجملة و مع فرض بساطة المفهوم لا يكون الاباعتبار واحد بخلاف صورة التركيب فان الاطلاق حينئذ بالاعتبارات الثلثة .

الرابع : استفدنا عن السيد الشريف فى حاشية على شرح المطالع على قول الشارح فى شرح كلام المصنف فى تعريف النظر[ ( بانه ترتيب امور حاصلة فى الذهن يتوسل بها الى تحصيل غير الحاصل .

قال الشارح : و انما قال امور لان الترتيب لا يتصور فى امر واحد و المراد بها ما فوق الواحد ثم قال : و الاشكال الذى استصعبه قوم بانه لا يتناول التعريف بالفصل وحده ولا بالخاصة وحدها مع انه التعريف باحدهما على رأى المتأخرين حتى عبر و التعريف الى تحصيل امر او ترتيب امور فليس من تلك الصعوبة فى شىء .

اما اولا : فلان التعريف بالمفردات انما يكون بالمشتقات كالناطق و الضاحك


186
و المشتق و ان كان فى اللفظ مفردا الا ان معناه شىء له المشتق فيكون من حيث المعنى مركبا فاورد السيد على هذا الجواب بان مفهوم الشىء لا يعتبر فى معنى الناطق والا لكان العرض العام داخلا فى الفصل ولو اعتبر فى المشتق ما صدق عليه الشىء انقلب مادة الامكان الخاص ضرورية فان الشىء الذى له الضحك هو الانسان و ثبوت الشىء لنفسه ضرورى انتهى .

و حاصل الوجه المستفاد من كلام السيد انه لو اعتبر الشىء و الذات فى مفهوم المشتق فهو اما مفهوم احدهما او مصداقة الخارجى و كلاهما باطل .

اما الاول : فلان من المشتقات الناطق و لازمه اخذ مفهوم احد الامرين فى مفهوم الناطق ولا ريب ان مفهوم الشىء او الذات من الاعراض العامة فيلزم دخول العرض العام فى الفصل و هو الناطق للاتفاق على كونه فصلا للانسان و اللازم باطل بالاتفاق و بديهة العقل اذا فصل كلشىء هو المقوم لذلك الشىء و يستحيل كون الامر العرضى مقوما لمحله .

و ما يقال من ان المراد بالناطق الذى يعد ذاتيا هو النطق , ليس بشىء فان الذاتى تحمل على ما تحته من غير تاويل ولا يصح حمل النطق كذلك .

و ربما قيل بان المصطلح عند اهل الميزان فى نحو الناطق ما تجرد عن الذات و هذا هو الذى حكموا بكونه ذاتيا لما تحته .

و فيه مالا يخفى ضرورة بقاء الناطق على المعنى الاصلى فى السنتهم و عدم ثبوت اصطلاح جديد فيه منهم بوجه و انما يقولون بكونه فصلا بمعناه اللغوى .

و اما الثانى : فلانه مستلزم لانقلاب كل قضيته ممكنة بالامكان الخاص الى الضرورة كما فى قولك زيد ضارب او كاتب او ضاحك فان الشىء و الذات الذى له الضحك على هذا هو عين زيد و نفسه و ثبوت الشىء لنفسه ضرورى و اللازم باطل بالاتفاق .


187

على ان ثبوت تلك المحمولات لتلك الموضوعات ممكن بالامكان الخاص بمعنى ان شيئا من وجوده و عدمه ليس بضرورى فتأمل .

الخامس : ان الذات المبهمة لو كانت داخلة فى مفهوم المشتقات للزم توصيف الاعم بالاخص فى نحو قولك ذات اسود او شىء ابيض فيلزم ان لا يصح لعدم صحة التوصيف على الوجه المذكور كما فى قولك الحيوان الانسان و اللازم باطل لصحة التوضيف فى نحو المثالين بالاتفاق بل الضرورة لا يقال ان توصيف الاعم بالاخص شايع فى المحاورات كما فى قولك حيوان ناطق فكيف يقال بعدم جوازه لانا نقول الممنوع منه هو الاعم و الاخص بحسب المفهوم لا المصداق كما فى قولك الحيوان الانسان حيث ان مفهوم الحيوان جزء لمفهوم الانسان بخلاف حيوان الناطق فان مفهوم الحيوان يباين مفهوم الناطق بمعنى انه ليس احدهما جزء للاخر و انما يتصادقان فى امر واحد و هو الانسان فلا نقض .

السادس : انه لو كانت الذات داخلة فى مفهوم المشتق لزم تكرار الذات فى حمل المشتق فى قولك زيد ضارب مثلا و لازمه حمل الذات على الذات مع ان القائم بزيد ليس الا الوصف لاستحالة قيام الذوات به كما هو واضح او تجريد المشتق عن الذات فيكون مجازا و هو ضرورى البطلان و هذا بخلاف ما لو قلنا بخروج الذات و عدم اعتبارها شطرا حتى تكون دلالة اللفظ عليها بالتضمن او شرطا فيدل عليها بالالتزام البين و هذا واضح .

هذه جملة وجوه القول المختار ملتقى بعضها من الاعلام الاخيار لكن المعتمد على الاول و كفى به حجة و دليلا و ينبغى الاعتماد على الثالث أيضا و بعده على الخامس أيضا ثم السادس و أما الثانى و الرابع و ان كانا لابأس بهما فى مقام المخامصة و الالزام على الخصم الا ان الانصاف يأباهما .

أما الاول منهما : فلان المتبادر من هيئات المشتقات ليس الا المفاهيم


188
المنتزعة من قيام المبدء بالذات على أنحاء القيام باختلاف الهيئات و المبادىء لاربط المبادىء الى الذوات فيكون معانيها حرفية فان المتبادر من هيئة اسم الفاعل مطلقا من المجرد و المزيد فيه و كذا هيئات الصفات المشبهة هو كلى المفهوم المنتزع من قيام المبدء نفسه بالذات على نحو الصدور فى الاولى و على نحو الثبوت فى الثانية و هو المتلبس على أحد الوجهين بالمبدء المطلق الشامل لجميع المبادىء و يكون كل واحد من المبادىء قرينة معنية للفرد الذى اطلقت عليها تلك الهيئات من باب اطلاق الكلى على المفرد و تعيين الفرد بدال آخر و هو المبدء الخاص فيكون استفادة الفرد من خصوص الامثلة من دالين فالهيئة فى الضارب و هكذا فى سائر الامثلة و المتبادر من هيئة اسم المفعول من المجرد و المزيد فيه أيضا انما هو المفهوم الكلى المنتزع من قيام المبدء بالذات على نحو الوقوع و هو المتلبس بالمبدء المطلق على هذا النحو و يفهم خصوصية الافراد من خصوص المواد كما ذكر و المتبادر من الصيغ المبالغة هو كلى المفهوم المنتزع من قيام الذات بالمبدء على نحو الكثرة و هكذا الى آخر الهيئات .

و بعبارة أوضح ان الذوات الخارجية قد تتلبس بمبدء الضرب على نحو الصدور و قد تتصف بمبدء القتل كذلك و قد تتصف بمبدء الاكل كذلك و هكذا الى آخر المبادىء و أنت اذا لاحظت تلبسها بواحد من تلك المبادىء الخاصة على الوجه المذكور تنتزع من قيام هذا المبدء الخاص بها على النحو المذكور عنوانا بسيطا عاما مصادقا على ذات اخرى غير هذه اذا تلبست بهذا المبدء على هذا النحو و هو ما يعبر عنه بالفارسية[ ( بزننده]( اذا تلبست الذات بالضرب على النحو المذكور[ ( و بكشنده]( اذا تلبست بالقتل على النحو المذكور


189
و هكذا فتنتزع بملاحظة تلك التلبسات عناوين خاصة ثم اذا لاحظت تلك العناوين ترى بينهما قدرا جامعا جدا ولو طالبتنا بالتعبير عنه فالعذر ضيق مجال التعبير و الحوالة على الوجدان .

فنقول ان هيئات أسماء الفاعلين و الصفات المشبهة موضوعة لهذا القدر الجامع بين العنوانات المذكورة المنتزعة من قيام المبادىء الخاصة بالذوات و قس عليه الحال فى مفهوم الصفات المشبهة فانها أيضا منتزع من قيام المبدء بالذوات على نحو الثبوت فيجرى فيها الكلام الى آخره .

ثم ان الذوات قد تتلبس بمبدء الضرب على نحو الوقوع و قد تتلبس بمبدء القتل على نحو الوقوع و قد تتلبس بمبدء الجرح على هذا النحو و هكذا الى آخر المبادىء المجرد و أنت بعد ما لا حظت قيام الضرب بها على النحو المذكور تنتزع منه عنوانا بسيطا صادقا على غير تلك الذات اذا تلبست به على هذا النحوو هو ما يعبر عنه بالفارسية[ ( بنزده شده]( أو قيام الضرب بها على النحو المذكور فتنتزع عنوانا كذلك يعبر عنه بالفارسية[ ( بكشته شده]( أو قيام الجرح بها فتنتزع عنوانا يعبر عنه بالفارسية[ ( بزخم خورده]( و هكذا الى آخر المبادىء المجردة و أنت ترى عنوانا جامعا بين تلك العناوين بالوجدان فنقول ان هيئة مفعول موضوعة لهذا العنوان الجامع و قس على الحال هيئة اسم المفعول من المزيد فيه و أنت بعد هذا البيان تعرف الحال بمقايسة ما ذكرنا فى الصيغ المبالغة و أسماء المكان و التفضيل و الالة فلا نطيل الكلام .

فخلاصة الكلام ان كل واحد من هيئات المشتقات موضوعة للقدر الجامع بين تلك العنوانات المنتزعة الخاصة بالنسبة الى هذا القدر الجامع و العامة بالنسبة الى ما تحتها قطعا لقضاء التبادر و معه لا يصغى الى دعوى عدم وضع الهيئات مطلقا لمعنى مستقل و تصريح جماعة بذلك أما محمول على


190
هيئات الافعال فقط أو على خلاف التحقيق هذا .

و أما الوجه الثانى من الوجهين الذى هو رابع الوجوه المتقدمة فوجه الضعف فيه ان الضرورى انما هو ثبوت نفس الذات لنفسها .

و أما ثبوتها مقيدة بوصف فهو ممكن بالامكان الخاص هذا مع انه على تسليمه يرد على من اعتبر خصوصية ذات من الذوات الخارجة و المدعى للاعتبار لايدعيها بل الذى يدعيه انما هو اعتبار ذات مبهمة مرددة بين الذوات الخارجية نظير المذكورة لا مفهوم الذات ليرد شق الاول من الدليل ولا خصوصية من خصوصيات الذوات ليرد شق الاخير اذ لا ريب ان الذات المبهمة الى هذا القول فى ضارب فى قولك زيد ضارب ليست ضرورية الثبوت لزيد بمعنى أن يكون اتحادها معه ضروريا بل يمكن الاتحاد و عدمه بالامكان الخاص فيكف يوصف هذه الذات المبهمة فافهم .

فكيف كان فالتبادر يغنينا عن تكلف بعض الوجوه مضافا الى كفاية غيره من الوجوه المتقدمة غير ذلك الوجهين فحينئذ فلا ينبغى الارتياب عن خروج الذات عن مفهوم المشتقات .

لا يقال فعلى هذا ما الفرق بين المصادر و المشتقات اذا المتصور فى المقام انما هو الحدث و الذات فاذا خرجت الثانية عن مفهومها فلا يبقى فرق بينها و بين المصادر فما الفارق حينئذ فى صحة اطلاقها على الذوات الخارجية و حملها عليها دون المصادر ؟ فان كان مناط صحة الاطلاق و الحمل فيها هو عدم انفكاكها عن الذات و هو موجود فى المصادر أيضا و ان كان غيره فبينه .

لانا نقول الفارق ان مفاهيمها معا كما عرفت هى الاوصاف الجارية على الذوات القائمة فيها قيام الحال بالمحل بخلاف المصادر فانها موضوعة لنفس الحدث المغاير فى الوجود مع الذات و ان كان له قيام بالذات الا انه لم يلاحظ


191
فى وضعها مضافا الى ان هذا القيام يغاير قيام الحال بالمحل الذى هو المعتبر فى المشتق فانه من قيام الاثر بذى الاثر و من هنا لا يصح حمل المصادر على الذات الا بطريق المبالغة فيكون حمل هو هو و يصح حمل المشتقات عليها بالحمل المتعارف دائما .

و الحاصل ان مفهوم المشتقات عبارة عن الوصف على مصطلح النحويين و مفهوم المصادر هو الوصف المقابل للذات و الاول لما كان من وجوه الذات و عناوينه فالمصحح لحمل المشتقات على الذوات هذا بخلاف المصادر حيث ان معناها الحدث المغاير للذات فى الوجود و خارج عنها غير منطبق عليها بوجه و لذا لا يصح حملها عليها ضرورة ان قضية الحمل الاتحاد فى الوجود و قيام المحمول بالموضوع بنحو من القيام و ان اعتبر التغاير بينهما حقيقة و اعتبارا بحسب المفهوم حتى يصح الحمل .

و كيف كان فالمراد بصحة الحمل فى المقام انما هو صحته بالحمل المتعارف المعبر عنه بحمل ذو هو المقابل لحمل هو هو لا ما سبق الا بعض الاوهام من ان حمل ذو هو هو ان يقدر ذو فى طرف المحمول بان يكون ماخوذا فى مفهومه حتى يكون معنى ضارب ذو ضرب والا لعاد المحذور من اخذ الذات فى مفهوم المشتق المانع من الحمل فبهذا كله تصح الفرق و الفارق و مناط صحة الحمل فى المشتقات دون المصادر و هذا الذى ذكرنا يجرى فى الافعال ايضا فان الذات خارجة عنها و لذا يصح حملها على الذوات بل يجرى فى غير الاسماء الموضوعة للذات الخارجية و هى الاعلام الشخصية أيضا كما مرت الاشارة اليه آنفا كالحيوان و الانسان و الرجل و المرئة و نحوها فان الموضوع فى جميعها نفس عنوانات الذوات الخارجية وجوهها لاهى من حيث هى ولا باعتبار العنوان شرطا او شطر او من هنا يكون حملها على الذوات من الحمل المتعارف .


192

و توضيح ذلك ان الامر فى وضع غير المصادر من الاسماء لا يخلو عن امرين :

احدهما ان يلاحظ الواضع نفس الذات و يوضع اللفظ لها من حيث هى هى مجردة عن جميع العنوانات و هذا لا يكون الا فى الاعلام الشخصية كزيد و عمرو مثلا و أما الزيدية و العمروية فليستا مما تقبلان اعتبارهما فى الوضع فانهما و صفان منتزعان بعد التسمية و الوضع .

ثانيهما ان يلاحظ وجها من وجوه الذات و عنوانا من عناوينه المتكثرة الصادقة عليها و يوضع اللفظ له لرفع الحاجة عند ارادة تعريف الذات و الاشارة اليها بوجهها كما فى غير الاعلام من الاسماء المشتقات و غيرها و ان كان بينهما فرق من جهة اخرى و هى ان المبدء فى المشتقات امر متاصل متقدم على المشتق و تعتبر المشتق بعد ملاحظة انتسابه الى الذات و لذا سميت المشتقات بها و فى الجوامد امر منتزع من نفس العنوان الذى وضع له اللفظ كالانسانية فى الانسان و الحيوانية فى الحيوان و هكذا فلامر فيها بعكس المشتقات فلا يكون لها مبدء حقيقة و لذا سميت جوامد و حكم بكون الاشتقاق فى مثل الرجولية و الانسانية و نحوه جعليها هذا بالنسبة الى غير اوصاف فيقال الله تعالى قادر او عالم و نحو ذلك من اوصاف الذات و انما لم يعبروا بقول الله علم او قدرة حفظا على القاعدة النحوية بحسب الصورة حيث ان بنائهم على عدم صحة حمل زنة المصدر على الذات .

ثم ان بما حققنا ظهر مزيد توضيح لاندفاع ما يقال من ان المشتق مشتمل على نسبة ناقصة تقييدية كما ظهر ضعف ما قيل من ان المشتق و انكان بسيطا الا انه فى ظرف التحليل مركب من الذات و الصفة ضرورة عدم قضاء تحليل المعنى


193
بخروجه عما عليه مع ما عرفت من خروجها حقيقة فى ظرف التحليل و انها معروضة لتلك العنوانات متحدة معها لا ماخوذة فى مفهوم المشتقات او فى حقايقها فافهم و اغتنم .

احتج القائلون بالدخول أيضا بوجوه :

الاول للتبادر فان المتبادر من لفظ المشتق عند الاطلاق هو ذات ثبت له المبدء .

و جوابه ان ذاتا ما تفهم من نفس مفهوم المشتق من جهة كونها معروضة له لامن حاق اللفظ فالدلالة التزامية لاتنمنية .

الثانى اجماع النجاة حيث فسروا اسم الفاعل بمن قام به المبدء و اسم الفعول بمن وقع عليه المبدء .

و جوابه علم سابقا .

و توضيحه ان التعبير بذلك لتسهيل البيان و الا فظاهر قولهم المذكور كون المدلول فى الاسمين هو ذات مامن حيث قيام المبدء به او وقوعه عليه على وجه يكون التقييد داخلا و القيد خارجا ولا يقول به احد من الفرقين .

هذا مع ان اجماعهم لا يعبأبه بعد قيام الادلة القاطعة على خلافه الثالث انه لو لم يكن الذات داخلة فى مفهوم المشتق للزم كونه مجازا فى نحو قولك جائنى العالم او الابيض او الاسود او نحو ذلك مما يراد به الذات قطعا و التالى باطل اتفاق فكذا المقدم .

و فيه ان المشتق فى الامثلة المذكورة و امثالها انما يراد به المفهوم المجرد عن الذات و يطلق على الذات الخارجية من باب اطلاق الكلى على الفرد كما عرفت .

الرابع انه لما كان مفهوم المشتق هو المفهوم العرضى المجرد عن الذات


194
لما صح تعلق الاحكام به لعدم مقدوريته .

و فيه انه اذا اريد بالمشتق الحكم عليه بشىء يطلق على الذوات الخارجية من باب اطلاق الكلى على الفرد و يكون المتعلق للحكم هى تلك الذوات لا المفهوم كما فى الجوامد الموضوعة للمعانى الكلية مع ان عدم صحة الحكم بنفس تلك المفاهيم مسلم اذا كان بشرط عدم الذوات الخارجية و أما لا بشرط فلا شبهة فى مقدوريته بامتثال ذات من الذوات التى هى من أفرادها والا لجرى ذلك فى غير المشتقات من الاسماء الموضوعة للمفاهيم الكلية .

الخامس انه لو لم يؤخذ ذات ما فى مفهومها للزم أن لا يصح استعمالها بدون ذكر المتعلقات من الذوات و مفهوم المشتق حينئذ هو مجرد المبدء و الربط و من البين ان الربط بين الشيئين امر اضافى لا يمكن تعلقه بدون تعقل الشيئين فكان بمثابة المعانى الحرفية و الثانى باطل قطعا اذ كثيرا ما يستعمل المشتق فى المحاورات بدون ذكر الذات كما فى قولك جائنى العالم أو الابيض أو الاسود و رأيت الابيض و مررت بالاحمر و هكذا .

و جوابه قد مر فى طى أدلة المختار من ان مفهوم المشتق أمر بسيط عرضى ينتزع من قيام المبدء بالذات فى الخارج ليعبر عنه بالفارسية فى لفظ ضارب مثلا[ ( بزننده]( .

و هذا المعنى امر مستقل بالمفهومية كسائر معانى الاسماء ولا يتوقف تعقله على تعقل الغير حتى يكون من المعانى الحرفية بل انما يتوقف تحققه فى الخارج على وجود غيره كما فى مطلق الاعراض فعدم الاستقلال باعتبار الوجود الخارج لاباعتبار المفهومية و ليس ما شأنه من المعانى الحرفية و الا لدخل كل اسم لا يتحصل معناه فى الخارج الا بتحصل الغير كالاضافيات و الاسماء الموضوعة للاعراض فى الحروف و هى باطلة نعم يلزم ذلك لو كان مفهوم المشتق مجرد


195
النسبة و الربط كما لو كان هو المبدء من حيث قيامه بالذات يلزم تضمنه للمعانى الحرفية كالمبهمات ولا نقول نحن بشىء منهما الظهور المغايرة بين هذين و بين ما اخترناه فان مرجع المفهوم على ما ذكرنا الى المبدء بملاحظة قيام المبدء بالذات لامن حيث كونه كذلك و بينهما فرق بين لاعتبار الحيثية فى الوضع على الوجه الثانى دون الاول نظير الحضور الذهنى بالنسبة الى الجنس المنكر و المعرف فافهم .

حجة التفصيل على الدلالة بالنسبة الى أسماء الالات تبادر الذات المبهمة منها و على عدمها فى غيرها ببعض ما مر من الادلة المختار .

و فيه ما مر ان تبادر الذات انما هو لشدة الارتباط بين العارض و المعروض لامن نفس اللفظ مضافا الى كثرة الاطلاق على الذات و ندرة ارادة المفهوم العرضىاللا بشرط فيها أى الاسماء الالات فانه أيضا قد يوجب التبادر و يحتمل القول بحصول النقل عرفا من جهة شيوع الاطلاق فى خصوص أسماء الالات فتدبر .

تذنيبان

الاول : قد فرع على المسئلة أعنى اشتراط بقاء المبدء فيما اطلق عليه المشتق حقيقة و عدمه كراهة الوضوء بالماء المسخن بالشمس بعد الزوال السخونة عنه على القول بعدم اشتراط البقاء و زوالها على القول بالاشتراط و كذا كراهة التخلى تحت الاشجار المثمرة بعد ارتفاع الثمرة و كراهة سؤر آكل الجيف بعد ترك الاكل و كذا الحال فى الموقوف و الوصايا و النذور المتعلقة بالعناوين المشتقة على ما ذكره بعض المتأخرين من مقاربى عصرنا كالطلبة و المشتغل و العالم و المدرس و غير ذلك من المشتقات لكن التأمل التام يقضى بظهور الثمرة على بعض الوجوه لا مطلقا .


196

و تحقيقه ان الوصف العنوانى الذى هو مدلول المشتقات و يجرى على الذوات و يعبر عنها بها و تعلق الحكم عليه أما أن يعلم بعدم مدخليته للحكم بل يكون عنوانا وقع لمجرد تعريف الذات التى هى الموضوع حقيقة كما فى قول القائل اقتل جالس الدار اذا كان الجالس فيها من أعدائه و أما ان يعلم بمدخليته فى الجملة و على الثانى أما أن يكون العنوان علة لثبوت الحكم حدوثا أو بقاءا أيضا فيكون واسطة فى الثبوت كما فى السارق و الزانى فى الايتين ( 1 ) و غيرهما أو لم يكن علة بل انما هو أخذ قيدا لموضوع الحكم فيكون واسطة للعروض كما فى قولنا العادل مقبول الشهادة و المجتهد ينفذ حكمه و أما ان يشتبه الحال بحيث لا يعلم بمدخليته فى الحكم على أحد الوجهين و عدمها فيقع فيه الاشكال .

أما الصورة الاولى فالحكم فيها باق بعد زوال العنوان على جميع الاقوال اذ متعلقه هى الذات و هى لا تختلف ببقاء العنوان و زواله فلا تظهر فيها فائدة الخلاف .

و أما الثانية و هى أن يعلم بكونه علة لثبوت الحكم و ان الموضوع نفس الذات فان علم فيها بكونه علة لثبوت فقط دون البقاء فالحكم ما ذكر فى الصورة الاولى و ان علم انه علة للحدوث و البقاء كليهما كالتغيير الموجب لنجاسة الماء الراكد الكر حيث ان بقاء النجاسة يدور مدار بقائه على الاظهر فلا اشكال فى زوال الحكم بعد زواله على جميع الاقوال أيضا و ان اشتبه الحال فى كونه علة للبقاء أيضا فالحكم ببقاء الحكم حينئذ يدور مدار ما اختاره الفقيه فى مسئلة الاستصحاب فان يرى اعتباره فى مثل المقام يحكم بالبقاء و الا فلا سواء كان من القائلين باشتراط بقاء المبدء أم من غيرهم فلا ثمرة هنا أيضا بين القولين .

و أما الثالثة : و هو أن يعلم بكونه قيدا للموضوع فقط فهذه هى

( 1 ) المائد 42 و النور 3


197
مورد ظهور الثمرة فعلى القول بوضع المشتق لخصوص حال النطق يلزم اختصاص الحكم بمن كان متلبسا بالمبدء فى هذا الحال و على القول المختار من وضعه لحال التلبس يعم الخطاب لمن تلبس به فى الماضى أو الحال أو الاستقبال مع اختصاص الحكم بحال التلبس لا مطلقا و يتفرع على هذين القولين زوال الحكم بزوال المبدء لانتفاء موضوعه حينئذ و على القول بوضعه للقدر المشترك بين الماضى و الحال يلزم بقاء الحكم لصدق العنوان حقيقة بعد زوال المبدء فالموضوع باق .

و أما الرابعة و هى ان لا يعلم بمدخليته العنوان فى الحكم ولا فى الموضوع فتظهر الفائدة فيه أيضا اذا اللازم على القول باشتراط بقاء المبدء حينئذ زوال الحكم بعد زوال العنوان للشك فى بقاء الموضوع ولا يمكن استصحابه لاشتراط بقاء الموضوع فيه على الاقوى و هو غير معلوم لتردده بين الذات المطلقة و المقيدة فافهم .

اللهم الا ان يكون لايعتبر ذلك لكن الكلام فى الثمرة بين القول مع قطع النظر عن الادلة الخارجية ولا ريب فى ظهوره كما عرفت مع قطع النظر عن الاستصحاب و على القول بعدم اشتراط البقاء كان الحكم باقيا لبقاء الموضوع على التقديرين على حسب مامر فبهذا كله عرفت ان تفريع الحكم بتلك العناوين على المسئلة بقول مطلق ليس بجيد .

ثم انه لا يخفى عليك تطرق الاشكال فيما فرعوا على المسئلة من بقاء كراهة الوضوء بالماء المسخن بالشمس بعد زوال سخونته و بقاء كراهة البول تحت الشجرة المثمرة المرتفعة عنها الثمرة .

اما الاول فلان المبدء فى المشتق المذكور ليس قابلا للبقاء قطعا بل هو نظير القتل قبل وجوده لا وجود له و بمجرد وجوده منعدم نعم الاثر الحاصل


198
من التسخين و التسخن قابل للبقاء لكنه ليس من محل النزاع فى شىء نعم لو دل دليل على كراهة الوضوء بالماء المسخن السخين جرى النزاع فيه و يظهر الثمرة فيه و بالجملة التسخين و التسخن و السخونة نظير التمليك و التملك و الملكية فهل ترى احدا يقول بقابلية بقاء الاولين و المفروض ان المسخن من التسخين الذى هو فعل الشمس فى محل الكلام المنعدم بمجرد وجوده فلو دل دليل على كراهة الوضوء بالماء المسخن علم ان المراد ما انقضى عنه المبدء بحكم العقل فلا يمكن جعله من ثمرات النزاع فى المسئلة مع انه لم يرد فى شىء من الاخبار كراهة الوضوء بالماء المسخن .

و اما اختلاف العلماء فهو مبنى على اختلافهم فى فهم الاخبار ولا يستلزم ذلك كونه من هذه الجهة .

و اما الثانى فلان الظاهر من تعلق الكراهة بالبول تحت الشجرة المثمرة هى التى تكون مثمرة حال البول .

توضيح ذلك ان الشجرة المثمرة .

قد تطلق على ما تكون مثمرة بحسب جنسه أى ما يكون لها شأنية الاثمار فى مقابل مالا يقبل جنسها لذلك كالتاجر مثلا .

و قد تطلق على ما تكون شجرة بحسب نوعه فى مقابل مالا يقبل نوعه لذلك كالنخل الفحل مثلا .

و قد تطلق على ما تكون مثمرة بحسب صنفه على حسب اختلاف الاصناف فى القرب و البعد .

و قد تطلق على ما تكون مثمرة فعلا .

و الاخبار الواردة فى كراهة البول تحت الشجرة المثمرة على ضربين :

احدهما ما يمنع من البول تحت الشجرة المثمرة .


199

و ثانيهما مادل على كراهة البول تحت الشجرة التى عليها ثمرة و حمل المطلق على المقيد و ان لم يكن ثابتا فى المكروهات و المندوبات و المباحات الا ان الظاهر بعد التأمل فى الاخبار كون النهى عن البول تحت الشجرة المثمرة من جهة تنفر الطباع عن اخذ الثمرة فعلى القولين فى المشتق لا كراهة اذا لم تكن عليها ثمرة فلا معنى لجعل الفرع المذكور من ثمرات الخلاف فى المسئلة و الله العالم .

الثانى حكى بعض الاعلام عن بعض جريان الخلاف المتقدم فى المشتقات فى الجوامد أيضا و لعل نظره فى ذلك الى الذوات التى تتصف ببعض الاوصاف فى بعض الاحوال و يختلف التسمية باعتباره مثل كون هند زوجة زيد باعتبار حصول علقة النكاح بينهما و كون المايع خمرا باعتبار اسكاره و نحو ذلك .

و اما غير ذلك من الذوات فلا يتصور فيها زوال الوصف مع بقاء الذات بوجه اللهم الا ان يريد بذلك تغير صورها النوعية كما اذا وقع الكلب فى الملحة فصار ملحا او صارت العذرة ترابا أو دودا و نحو ذلك ولكنه حينئذ فى غايه السقوط ضرررة عدم صدق الكلب و العذرة مع انتفاء الصورة النوعية اذ التسمية تدور مدارها وجودا و عدما .

نعم ربما يتوهم ذلك فى نحو الزوجة و الخمر مما تكون التسمية فيه دائرة مدار ثبوت حالة او وصف لكنه ليس بشىء ايضا اذ الظاهر عدم الخلاف فى كون الجوامد حقيقة فى حال التلبس لا حال النطق و كذا لزم كون الاطلاق فى نحو قولك هذا كان خمرا فى الامس و يكون خلا فى الحال و هند كانت زوجة زيدا و الان مطلقة مجاز او هو باطل بضرورة اللغة و العرف .

و اما احتمال كونها حقيقة باعتبار التلبس فى الماضى بالنسبة الى حال النسبة فبعيد جدا غاية البعد .

مضافا الى قضاء التبادر عرفا بخلافه و لذا خصوا النزاع فى كلماتهم


200
بالمشتقات و ما قد يرى من نحو قولهم هند زوجة زيد بعد طلاقها باثنا بل بعد تزويجها بغير زيد و نحو ذلك مبنى على ما ذكرنا فى طى التنبيه الاول و الثانى من ان المراد تعريف هذه الذوات الموجودة .

لان باعتبار اتحادها لما كانت معروضة للوصف العنوانى قبل ذلك فلفظ زوجة زيد قد اطلق على تلك الذات التى كانت لها هذه الصفة فى ذلك الزمان فجعلت تلك باعتبار اتحادها لهذه الذات معرفة لها كما فى قولك هذا ضارب عمرو فى المشتق و فى الجوامد نحو قولك هذه حديقة عمرو او دار زيد او كتابه بعد خروجها عن ملكه الى ملك الغير فليس لهذا الاطلاق دلالة على كون الجوامد حقيقة باعتبار التلبس فى الماضى بالنسبة الى حال النسبة .

و الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام على محمد و آله الطاهرين و لعنة الله على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين آمين آمين يارب العالمين .

قد تم بحمد الله و حسن توفيقه فى سلخ شعبان المعظم من شهور سنة خمس و ثلثمائة بعد الالف من الهجرة النبوية فى دار الخلافة الباهرة الناصرية بحسن الاهتمام من الجناب المستطاب الفاضل الكامل الموفق بتوفيقات الله الشيخ موسى النورى دام فضله و العالى الجاه الميرزا حسن الكجورى .

زيد عزه مع كمال المواظبة و نهاية الدقة فى التصحيح و الطبع و المرجو من الناظرين ان وجدوا فيه سهوا او نسيانا ان يغمضوا بكرمهم العميم فان الانسان يساوق السهو و النسيان و حرر ذلك سنة 1305 .

و قد تمت الطبعة الثانية المحققة فى 17 من شهر ربيع الاول سنة 1404 من الهجرة النبوية على صاحبها آلاف التحية و الثناء و الحمدلله أولا و آخرا .


201
فهرس الكتاب

مقدمة الكتاب 3

رسالة فى التسامح فى ادلة السنن و المكروهات 9

معنى التسامح فى ادلة السنن و نقل الاقوال 11

ادلة القائلين بالتسامح 12

الاول و الثانى الاجماعات المنقولة و حسن الاحتياط 12

نقل المصنف الاعتراضين على المستدلين 12

ايراد المصنف على المستدلين 12 - 13

الثالث الاخبار

الاعتراض على المستدلين بالاخبار 15

جواب جماعة عن المعترض 16

مناقشة المصنف فى جواب المجيب 16 - 20

قاعدة التسامح مسألة اصولية 21

من جملة ما اورد على الاستدلال بالاخبار 21


202

الجواب عن الايراد المذكور 22

و من جملة ما اورد على الاخبار و جوابه 22 - 26

التنبيه على امور الاول 26

التنبيه الثانى و الثالث و الرابع 28

التنبيه الخامس 29

التنبيه السادس 30

التنبيه السابع 31

التنبيه الثامن 32

التنبيه التاسع و العاشر 36 - 38

التنبيه الحاديعشر و الثانى عشر 35

التنبيه الثالث عشر 33 - 34

التنبيه الرابع عشر 38

التنبيه الخامس عشر 39

التنبيه السادس عشر و السابع عشر 40

التنبيه الثامن عشر 41

رسالة فى الاجتهاد و التقليد 43

معنى التقليد لغة 45

معنى التقليد فى الاصطلاح 46 - 47

احكام التقليد 48 - 53

الكلام فى المقلد بالكسر 53

الكلام فى المقلد بالفتح 57

يعتبر فى المقلد بالفتح امور البلوغ و العقل و الايمان 57


203

و من جملة الشرائط حياة المجتهد 58

ادلة من لم يشترط الحياة فى المقلد بالفتح 60 - 62

البقاء على تقليد الميت 62

تقليد الحى فى مسألة وجوب الرجوع 66

حكم ما اذا رجع عن الميت الى الحى المخالف له 66

حكم ما اذا قلد من يرى ان التقليد هو العمل فاخذو لم يعمل 67

حكم ما اذا قلد مجتهدا فى صغره ثم مات 67

لو قلنا بحرمة العدول عن الميت فهل يصح ما اذا كان الحى افضل 67

جواز البقاء فى الواجبات المضيقة 68

حكم صيرورة المجتهد فاسقا أو كافرا او مجنونا 67

حكم تقليد الميت اذا لم يتمكن من تقليد الحى 69

تقليد فاقد بعض الشرائط 69

دوران الامر بين الصغير و الفاسق و الميت 70

هل تمضى تصرفات المجتهد مما يتعلق بالمنصب بعد الموت 70

حكم ما اذا تساوا المجتهدين فى الفتوى 70 - 82

اذا قلد الاعلم جازله افتائه بالرجوع الى غير الاعلم و جاز

للمقلد العمل به 82

المراد بالاعلم اقوى ملكة لا الازيد معلوما 82

تقديم الاورع 83

القول فى المقلد فيه 83

نوع المقلد فيه 83

صنف المقلد فيه 86


204

شخص المقلد فيه 86

التنبيه على أمور 91 - 96

رسالة فى تحقيق مسألة المشتق 97

الكلام فى مفهوم المشتق 99 - 102

التلبس بالمبدأ شرط فى صدق المشتق أم لا 102 - 108

حكم اسماء الزمان و المكان و الالة 108

خاتمة فى ثمر النزاع 109

رسالة فى المشتق من تقريرات الميرزا الشيرازى 113

تعريف المشتق 115

اقسام الاشتقاق وحد كل واحد 116

لاخلاف فى صدق المشتق مع اتفاق المورد بمبدأ الاشتقاق فعلا 117

الكلام فى صدق المشتق بعد الانقضاء 117

تحرير محل الخلاف 118

خروج الافعال من المصادر المزيدة عن مورد الخلاف 118

خروج اسماء المعانى عن محل النزاع 118

جريان الخلاف فى غير اسم الفاعل 120

دعوى اختصاص النزاع بما اذا لم يطرء على المحل ضد وجودى 122

دعوى اختصاص النزاع بما اذا كان المشتق محكوما به لا محكوما عليه 122

خروج الزمان عن مدلول المشتق 123 - 125

عدم اعتبار الزمان فى مدلول المشتق مطلقا 125

بحث المشتق بحث لفظى 127


205

رسالة فى المشتق للكلانتر 131

تعريف المشتق 133

المقصود بالبحث فى المشتق 133

النزاع فى المقام فى مطلق المشتقات 134

عموم الخلاف لاسماء الفاعل و المفعول 134

المراد بالحال فى عنوان الكلام 136

عدم دلالة المشتق على واحد من الازمنة 139

القول المختار فى المشتق و اقامة الدليل عليه 148

دليل مدعى الاشتراك 177

ثمرة النزاع 195

جريان الخلاف فى الجوامد 199 - 200

فهرس الكتاب 201