فهرست عناوين فهرست آيات
مساحة للحوار

من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة

تأليف

المحامي أحمد حسين يعقوب

فهرست عناوين
     كلمة المركز 5
قصة تأليف الكتاب 7
     شكوى صديق 7
     الرغبة في المعرفة 7
     خطة الحوار 8
     الحوار في كتاب 8
الباب الأول مفهوم الشيعة والتشيع11
     الطائفة الأولى من الأسئلة 12
     طلب المهلة والموافقة 12
الفصل الأول معنى كلمة شيعة13
     المعنى اللغوي 13
     المعنى في القرآن الكريم 13
     هل الشيع هي الأحزاب في القرآن الكريم؟ 17
     الشيعة المؤمنة في القرآن الكريم 17
     كلمة شيعة في السنة النبوية 19
الفصل الثاني معنى كلمة شيعة في السياق التاريخي21
     شيعة وتشيع: لغة واصطلاحاً 23
     ظاهرة الشيع وتعددها في كل مجتمع 24
     الشيع في المجتمع الإسلامي 25
     عودة الشيع العربية، ولكن بعمائم الإسلام 26
الفصل الثالث تدبير النبي وتدبير الشيع العربية31
     علم النبي اليقيني بما تدبره الشيع العربية 31
     النبي يكشف مؤامرة الشيع ويفضح أهدافها وقياداتها 31
     الخطة الإلهية لإفشال مؤامرة الشيع 33
     التمسك بالثقلين 33
     من صيغ حديث الثقلين 33
     الربط المحكم بين ولاية النبي وبين التمسك بالقرآن والتمسك بأهل بيت النبوة 34
     تجذير حديث الثقلين 35
     الثقل الشخصي من بعد الرسول: اثنا عشر إماماً 36
     الإجماع على صحة عدد الأئمة 37
     أهل بيت النبوة هم الثقل الأصغر 39
الفصل الرابع شيعة أهل بيت النبوة: تكون وفرق41
     الدعوة الإلهية إلى التشيع 41
     كلمة شيعة تأخذ معنى خاصاً 42
     التشيع للأشخاص والأفكار من سنن المجتمعات البشرية 44
     الثقافة المناقضة للثقافة القرآنية 45
     صفوة المجتمع 49
     فرق الشيعة 49
     فرق الشيعة في عهد الرسول 50
     التشيع في عهد الخلفاء الثلاثة 53
     إلغاء النهج العام للتشيع وتجميده 54
     عودة النهج العام للتشيع 55
     الاختلاف ونشوء الفرق 55
     التشيع، من منظور السلطان، جريمة تفوق جريمة الكفر 57
     المذبحة الكبرى 58
     نهج التشيع النهائي، والفرقة الناجية 60
     فرق محسوبة على الشيعة 62
     إدعاء التشيع 65
     الجامع المشترك بين فرق الضلالة 66
     الشيعة الإمامية والفرق الضالة 67
     ادعاء التشيع والسعي إلى الجاه والسلطان 67
الباب الثاني الإمامة بعد وفاة النبي69
     طائفة جديدة من الأسئلة 70
الفصل الأول التنكر لنصوص الإمامة73
     أسباب استبعاد هذه النصوص 74
     بين النص والاجتهادات الشخصية 75
     1394 عاماً مقابل 23 عاماً 77
     من التنكر للنصوص إلى إنكارها 77
     نقطتا الخلاف والاختلاف 78
     رأي الشيع الإسلامية في نقطتي الخلاف الرئيستين 80
     النقطة الأولى: النبي لم يستخلف أحداً 80
     مناقشة هذه الحجج 82
     الخلاف الجوهري 85
     نقطة الخلاف الرئيسية الثانية: صفات الإمام من بعد النبي ومؤهلاته 86
الفصل الثاني النصوص الشرعية الدالة على خلافة علي وإمامته91
     نصوص الخلافة 91
     نصوص الولاية 92
     نصوص الإمامة وقيادة المسلمين 93
     التأدية عن الرسول 94
     الطاعة والفراق 94
     إعلان الولاية وآية الإكمال 94
     الفهم وتقديم التهاني 95
     الأئمة من بعد علي 96
     بروز الأئمة واشتهارهم 97
     طريقة الإعلان والتعيين 97
     حكم الأسرة الواحدة 99
     تحالف الأسر 100
     عودة نظام الأسرة الواحدة 100
     دور الأمة 101
     الغلبة والقهر 102
الباب الثالث عقيدة كل من الشيعة والسنة في جمع103
     السؤال الثالث 104
الفصل الأول عقيدة أهل بيت النبوة وشيعتهم في جمع القرآن الكريم105
     العقيدة الثنائية 105
     نظرية الخلفاء وشيع أهل السنة في جمع القرآن 105
     التغلب على المشكلات وجمع القرآن 106
     وسيلة إبطال جمع القرآن بإثبات القرآن 107
     نظرية أهل بيت النبوة وشيعتهم في جمع القرآن 109
     أقوال العلماء من شيعة أهل بيت النبوة 112
     السؤال الرابع 114
الفصل الثاني عقيدة أهل بيت النبوة وشيعتهم115
     شواهد من عقيدة شيع أهل السنة في ذات الرسول الأعظم 117
     السؤال الخامس 121
     مصادر التشريع عند أهل بيت النبوة وشيعتهم 121
     المصدران الوحيدان: 121
     السؤال السادس 124
الباب الرابع نظرية عدالة الصحابة127
الفصل الأول نظرية عدالة الصحابة عند الخلفاء وشيعتهم129
     عوامل نشأة النظرية ووظيفتها 129
     مصطلح صحابة وصحابي 129
     المنافقون والمرتزقة من الأعراب قوة كبرى 132
     الحلف العملي وبقاء أصحاب محمد قلة 133
     ارتباط مصطلح (أصحاب محمد) بالمواجهة 133
     هزيمة البطون القريشية 134
     الجرح الراعف والحقد الدفين 135
     إعادة تقويم الموقف والاعتراف بالمعطيات الجديدة 136
     أساليب أبناء بطون قريش لتحقيق غاياتهم تحت مظلة الإسلام 137
     النبي وأهل بيته وأصحابه قلة من جديد 141
     النجاح الساحق 141
     مؤامرة بطون قريش وانقلابها 142
     البحث عن عقائد جديدة 144
     1 - قرابة النبي: 145
     2 - مقولة الشورى: 145
     3 - التخلية، أو ترك الأمة بدون راع: 145
     4 - مقولة (حسبنا كتاب الله): 146
     الخلفاء المقدسون 147
     نظرية عدالة جميع الصحابة 149
     أ - الأسباب الموجبة لاختلافها: 149
     ب - أهداف اختلاقها: 150
     ج - معاوية بن أبي سفيان يضفي على النظرية طابعاً دينياً 153
     د - نظرية عدالة جميع الصحابة عقيدة الدولة 158
     ه‍ - مفهوم معاوية ل‍ (الصحابة) 160
     و - امتيازات الصحابة في مفهوم معاوية وأوليائه 162
     ز - جزاء من يشكك بهذه النظرية 163
     محاولات لتعديل هذه النظرية 163
الفصل الثاني الصحابة والصحبة في مفهوم أهل بيت النبوة وشيعتهم167
     مفهوم الصحبة والصحابة 167
     جوهر الاختلاف بين المفهومين 167
     برهان أهل بيت النبوة وشيعتهم 168
     فئات الشعب في دولة النبي 168
     الصحابة العدول في مفهوم أهل بيت النبوة وشيعتهم 172
     المنافقون والضالون.. ليسوا عدولاً 172
     جلسة الحوار السابعة 173
الباب الخامس التقية والمتعة175
الفصل الأول التقية177
     معناها لغة واصطلاحاً 177
     التقية مسلك فطري يقدره العقل بالضرورة 177
     التقية مبدأ إسلامي أصيل 178
     الشيعة تستعمل حقها المشروع في التقية 179
     التقية التي شرعها الله وبينها رسوله، صارت جريمة! 182
     جلسة الحوار الثامنة 183
الفصل الثاني المتعة في الإسلام وعند شيعة185
     لكي نفهم القواعد الشرعية الإسلامية 185
     المتعة من شرع الله 185
     الخليفة الثاني ألغى هذا الشرع 187
     الخليفة الثاني جرئ ومؤهل لإلغاء النصوص الشرعية 188
     موقف الجموع المسلمة من هذه الأعمال 190
     خطة تسوغ فعل الخليفة الثاني 191
     الادعاء بنسخ تشريع نكاح المتعة 191
     من أحكام نكاح المتعة 193
     1 - ما هو نكاح المتعة؟ 193
     2 - الموانع الشرعية 193
     3 - صيغة عقد المتعة 193
     4 - آثار العقد 194
     5 - نكاح المتعة رخصة شرعية وليست إلزاماً 195
     جلسة الحوار التاسعة 196
الباب السادس الاختلافات الفقهية بين شيعة أهل بيت النبوة،197
الفصل الأول الوضع الأمثل وبذور الاختلاف199
     الوضع الأمثل 199
     أسباب الخلاف والاختلاف 201
     1 - البذرة الأولى: 201
     2 - البذرة الثانية: 201
     3 - البذرة الثالثة: 202
     4 - البذرة الرابعة: 203
     5 - البذرة الخامسة: 203
     لا يصلح العطار ما أفسد الدهر 204
الفصل الثاني محاولة لتقديم الإسلام207
     فيض من الزيف والمشكلات 207
     طريق الرشاد 209
     كي لا يضيع المسلمون إن أبوا! 211
     سعي دولة البطون إلى إجهاض جهود الأئمة 211
     رد أئمة أهل بيت النبوة 212
     في هذا المناخ تم الاختلاف الفقهي 214
الفصل الثالث نماذج من الخلاف والاختلاف بين المسلمين219
     1 - الاختلاف السياسي 219
     معنى الولي 219
     وشهدوا على أنفسهم 220
     الشيعة يصدقون أهل بيت محمد 221
     2 - الاختلاف في العبادات 222
     الرجوع إلى الشرع مجدداً 223
     ظاهر القرآن وقراءاته 223
     لماذا هزم بيان أهل بيت النبوة وانتصر بيان الخلفاء؟ 224
     3 - الاختلاف في الاقتصاد السياسي 225
     4 - الاختلاف في الميراث النبوي 228
     الائتلاف بالرغم من الخلاف 229
     جلسة الحوار العاشرة 231
الباب السابع الدعوة إلى وحدة المسلمين233
الفصل الأول أسباب الخلاف والاختلاف235
     الخلاف الأول 235
     نقاش مقولة موت الرسول من دون أن يستخلف! 236
     انتصار الفريق الأول 236
     طلب التوقف عن خلط الأوراق 237
     1 - فصل الدين عن التاريخ: 237
     2 - فصل الفهم عن النص: 238
     3 - الاعتراف بالقيادة والمرجعية الإلهية: 239
     4 - لم الإعراض عن قيادة أهل بيت النبوة؟ 240
الفصل الثاني منهاج دولة البطون التربوي والتعليمي243
     أسس المنهاج المخترع 243
     الحكم والمعارضة 245
     موقف خلفاء البطون من المعارضة 247
     الحكم والمعارضة في الأنظمة الرأسمالية 249
     السؤال المطروح على شيعة الخلفاء 249
     نقطتا الارتكاز: القانون والقيادة 250
     السبب الحقيقي لرفض شيعة الخلفاء قيادة أهل بيت النبوة! 251
     من القدوة والمثل الأعلى؟ 251
     الاعتقاد بمرجعية جميع الصحابة 252
     عدالة الصحابة وقداستهم وطهارة أهل بيت النبوة 253
     موالاة الخلفاء وموالاة أهل بيت النبوة 253
     من الثقة عند الخلفاء؟ 255
     الطريقان الأيسر والأصعب واختيار الأصعب! 256
الفصل الثالث من هم المراجع بعد الصحابة وسقوط دولة البطون؟257
     عودة الحق أمر طبيعي 257
     القيادة التي يقبلها شيعة الخلفاء 260
     مطاردة أهل بيت النبوة وشيعتهم حتى على الصعيد الفقهي 261
     المذاهب التي اعتمدتها دولة الخلفاء 263
     أهل بيت النبوة وأصحاب المذاهب الأربعة 264
     مذهب أهل بيت النبوة 265
     علم النبوة والبيان النبوي الأمثل 265
     شرعية التحزب والتشيع 267
     النجاح المنقطع النظير 269
     أسباب هذا النجاح المنقطع النظير 270
     القدرة العجيبة لإعلام دولة البطون 272
     حصانة الخلفاء وحصانة منهاجهم التربوي والتعليمي 275
     تسمية الأمور بأسمائها هي الطريق الأوحد لوحدة المسلمين 277
     جلسة الحوار الحادية عشرة والأخيرة 282

سلسلة الرحلة الى الثقلين (20)

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية


5

كلمة المركز

في مساحة تتسع للأنا وللآخر المتعدد، يسعى الباحث أحمد حسين يعقوب إلى الحوار، وإن كان محاوره يقول: (وبالرغم من سعة صدري وتسامحي إلا أن مجرد ذكر كلمة (شيعة) كاف لإثارة حنقي ونفوري حتى لكأنني مسكون في لا شعوري بكراهية الشيعة والتشيع...).

يسعى الباحث إلى الحوار ممتلكاً عدة من سعة الإطلاع وحسن استيعاب الفكر السياسي: قديمه وحديثه، ورغبة في معرفة الحقيقة وجعلها بديلاً من الكره الكامن في اللاشعور وطريق هداية إلى الصواب في عالم معقد اختلطت فيه الأمور وضاع الهدى.

يتفق أحمد حسين يعقوب ومحاوره: صديقه المثقف السني أن يعقدا عدة جلسات يجريان فيها الحوار الفكري، فيقدم المحاور، في الجلسة الأولى سلسلة متماسكة من الأسئلة حول موضوع معين، فيحمل هذه الأسئلة، ليضع في مدة كافية إجابات موثقة عنها، ثم يقدم هذه الإجابات إلى محاوره، يقرأها هذا، ويعود ليقدم طائفة جديدة من الأسئلة، وهكذا دواليك إلى أن يتم الوفاق على أحد أمرين: إما أن يبقى الصديق أسيراً لما سماه (السكن اللاشعوري) أو تتغير نظرته ومشاعره فيجد في التشيع طريق الهدى.

وهذا ما كان، فتم الحوار...

صاغ الصديق أسئلة تتعلق بسبع قضايا أساسية هي:

1 - مفهوم الشيعة والتشيع ومسار تكونه التاريخي، وانتشاره.

2 - الإمامة بعد وفاة النبي، وطبيعة الخلاف الذي حدث في هذا الصدد جعل المسلمين فرقاً، وحجج كل فريق النصية والاجتهادية.

3 - مصادر التشريع، وما يتصل بها من جمع القرآن الكريم وذات رسول الله (ص) والأئمة (ع).


6

4 - نظرية عدالة الصحابة.

5 - التقية والمتعة في الإسلام، وعند شيعة أهل بيت النبوة.

6 - الاختلافات الفقهية بين شيعة أهل بيت النبوة وشيعة الخلفاء (أهل السنة).

7 - الدعوة إلى وحدة المسلمين.

وقد أجاب الباحث عن هذه الأسئلة إجابات موثقة، وجرى حوار معمق بشأنها أدى إلى وفاق على أمر نترك للقارئ أن يتوصل إليه من خلال المشاركة في هذا الحوار الموضوعي المعمق الهادف إلى تحقيق وحدة أساسها المعرفة، فعسى أن يهدينا الله إلى ذلك، وهو نعم المولى ونعم النصير.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية

بيروت


7

قصة تأليف الكتاب

شكوى صديق

قال صديقي: إنك تعلم أنني رجل من أهل السنة، وقد ورثت هذا التصنيف وراثة. وتعلم، أيضاً، أنني رجل منفتح الذهن والعقل، وقد اطلعت على الخطوط العريضة للفكرين: الرأسمالي التحرري والاشتراكي الشيوعي، وأحطت بنظرية الحكم في الإسلام حسب رأي أهل السنة. وتعلم كذلك أنني متسامح وديمقراطي أؤمن بالرأي والرأي المعارض، ويتسع صدري لتعدد الآراء، وتعدد الرسالات، فيمكنني التعايش مع المسلمين واليهود والنصارى والمجوس وأتباع الأحزاب الدينية والقومية وحتى الشيوعية. ولا أشعر بالغرابة لهذا التعدد الهائل في المجتمع نفسه، ولا ينتابني أي إحساس بالتعصب.

وبالرغم من سعة صدري وديمقراطيتي وتسامحي إلا أن مجرد ذكر كلمة (شيعة) كاف لإثارة استغرابي وحنقي ونفوري، حتى لكأنني مسكون في (لا شعوري) بكراهية الشيعة والتشيع!

الرغبة في المعرفة

ومضى صديقي يقول لي: وعند ما قرأت كتابكم القيم (نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام)، وكتابكم الآخر (النظام السياسي في الإسلام)، تكونت عندي رغبة جامحة في معرفة حقيقة الشيعة والتشيع، وأحسست بتأنيب الضمير، وتمنيت لو يرشدني الله تعالى إلى رجل خبير ب‍ (التسنن والتشيع) ليريح ضميري، ويشبع رغبتي في معرفة الحقائق. وعندما قرأت كتابكم (مرتكزات الفكر السياسي)، وتتبعت مقارناتك الموضوعية والفذة التي أجريتها بين الإسلام والرأسمالية والماركسية الشيوعية، وثقت بسعة اطلاعك وحسن استيعابك للفكر السياسي: قديمه وحديثه، فقدرت في ذهني أنك الأردني الوحيد القادر على إشباع


8

رغبتي الجامحة في معرفة حقيقة الشيعة والتشيع، وتذكرت ما بيننا من الصداقة وأنك لن تحول بيني وبين الوقوف على الحقيقة المجردة ل‍ (الشيعة والتشيع)، لأن الوقوف على هذه الحقيقة مكسب ديني ودنيوي معاً، ومن الممكن أن يكون طريقه هداية وإرشاد إلى الصواب في عالم معقد ضاع فيه الهدى والصواب، واختلطت فيه الأوراق.

خطة الحوار

واتفقت مع صديقي المثقف السني على أن نقعد عدة جلسات نجري فيها الحوار الفكري البحث، فيقدم لي، في الجلسة الأولى، سلسلة متماسكة من الأسئلة حول موضوع معين فأحمل هذه الأسئلة وأنقطع عنه مدة كافية للإجابة عنها وتوثيق هذه الإجابة، حتى إذا ما فعلت ذلك اجتمعنا، فيقرأ إجاباتي عن أسئلته وتساؤلاته، ثم يسلمني طائفة جديدة من أسئلته لأتولى الإجابة عنها، وتقديمها له في جلسة لا حقة وهكذا دواليك حتى ينتهي صاحبنا من تساؤلاته!

واحتفظ صاحبي لنفسه بحق التعقيب على الأجوبة إن لم يكن مقتنعاً، وقدر أنه، من خلال الأسئلة والأجوبة سيقف في نهاية المطاف على حقيقة (التشيع) و (الشيعة) وماهية كل منهما، فيبقي أسيراً لما سماه (السكن اللاشعوري) أو ستتغير نظرته ومشاعره، فيجد في التشيع طريق الهدى.

وقد اقتصر دوري علي الإجابة عن أسئلة صديقي المركزة على موضوع الحوار.

الحوار في كتاب

واقترح صديقي، بعد انتهاء جلسات الحوار، أن تجمع تساؤلاته كما هي، وأجوبتي عنها من دون زيادة ولا نقصان، وتطبع في كتاب، اقترح أن نسميه: (ثم وقفت على حقيقة الشيعة) مع الإشارة إلى أن الكتاب كان ثمرة حوار بين صديقين أحدهما سني والآخر شيعي. وافقت على هذا الاقتراح. وبعد قرابة سنة، جاء صديقي السني وطلب جميع أوراق أسئلته فأعطيتها له، فوضع أجوبة كل طائفة من


9

التساؤلات خلفها في مدة لا تزيد على ساعة من الزمن، ثم تناول ورقة بيضاء وكتب العنوان الذي اقترحه، وطلب مني أن أسلم هذا الكتاب لإحدى دور الطباعة والنشر. ثم تناول يدي وشد عليها وعيناه تفيضان بالدمع، وقال لي بصوت تخنقه العبرات: ليشهد الله وملائكته وأشهد على أنني مع أهل بيت النبوة، ومع بني هاشم. لقد اقتنعت بعدالة قضيتهم، وعرفت حجم الظلم الذي لحق بهم! وأتمنى لو كنت معهم في جميع المشاهد لأفدينهم بدمي وروحي. فقلت لصاحبي: لقد اهتديت حقاً، ومن دون إعداد جرى على لساني قوله تعالى: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى [ مريم / 76 ].

هذه هي القصة الكاملة لتأليف هذا الكتاب ومن خلال الأسئلة والأجوبة يمكنك حقاً أن تقف على حقيقة التشيع والشيعة.

وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على رسوله الأمين محمد وعلى آله الذين اصطفى من عباده.

المحامي

أحمد حسين يعقوب

جرش الأردن 15 رمضان 1417 هـ

24 / كانون الأول / 1997 م


10


11

الباب الأول

مفهوم الشيعة والتشيع


12

الطائفة الأولى من الأسئلة

قال صديقي السني: هل تبين معنى (الشيعة) و (التشيع) في اللغة وفي القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة ; وتطلعني على المفهوم التاريخي لمصطلح (الشيعة)، ثم تبين لي حقيقته وكيف انتشرت ظاهرة التشيع في المجتمعات البشرية بعامة والمجتمع الإسلامي بخاصة؟ وأريد أن تجذر لي هذا المصطلح في الواقع التاريخي. وهل لديك علم عن حكم النبي في هذا التجذير؟ وهل أخذت كلمة الشيعة معنى خاصاً ومتى؟ وما هو سبب النفور العام، لدى الأغلبية الساحقة من المسلمين، من كلمة شيعة؟ وهل للشيعة فرق كثيرة وما هي؟

طلب المهلة والموافقة

تسلمت ورقة الأسئلة من صاحبي، وطلبت منه أن يمهلني بضعة أشهر للإجابة عنها. ووعدته بتقديم الإجابات على شكل بحث فوافق. وبعد ثلاثة أشهر وضعت الأجوبة التالية بين يديه، وطلبت منه أن يقرأها وأن يعقب عليها إذا أراد، أو يقدم طائفة جديدة من تساؤلاته.


13

الفصل الأول

معنى كلمة شيعة

المعنى اللغوي

كلمة شيعة، لغة، وعلى العموم، تعني: الفرقة، أو الجماعة من الناس (1)، التي يجتمع أبناؤها على أمر واحد، ويتبع بعضهم رأي بعض (2)، وهم متشابهون في آرائهم وأمورهم وموالاتهم (3).

وإذا أضيفت كلمة (شيعة) لرجل كقولك: شيعة فلان، أو لرأي كقولك:

شيعة هذا الرأي فإنها تعني: الأصحاب أو الأتباع أو الأعوان أو الأنصار أو المؤيدين (4).

فالشيعة، لغة: جماعة، أو فئة، من الناس متجانسة، ومتميزة عن غيرها، من جماعات المجتمع وفئاته بقيادتها وفكرها ورأيها وأسلوب عملها. وهي بمثابة الحزب الواحد، له هدف يسعى لتحقيقه وفكر يسعى إلى نشره وتعميمه.

المعنى في القرآن الكريم

نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين. وعند نزوله، كانت اللغة العربية هي اللغة السائدة في قاعدة الإسلام الأولى، وكانت معانيها قد استقرت. فاستعمل القرآن الكريم كلمات هذه اللغة لإيصال ما أراد إيصاله من المعاني والأفكار للناس. وكان رسول الله، بالضرورة والواقع، أفصح العرب، وأقدر من تكلم العربية، وقد تولى بنفسه قراءة القرآن الكريم وبيانه للناس. ولأن كلمة شيعة كانت

(1) راجع: المنجد في اللغة والمعجم الوسيط: مادة شيع.

(2) راجع: لسان العرب لابن منظور، مادة شيع.

(3) راجع: مختار الصحاح للرازي والمنجد، مادة شيع.

(4) راجع: المعجم الوسيط. وتمعن في المراجع السابقة، وراجع كتابنا: (النظام السياسي في الإسلام)، ص 298 وما بعدها.


14

مستقرة المعنى، فقد أرسلها القرآن الكريم إرسال المسلمات، وهكذا فعل الرسول لأنها في مرتبة من الوضوح لا تحتاج إلى توقف خاص وإيضاح.

وورد لفظ (شيعة) في القرآن الكريم مرة واحدة، ولفظ (شيعته) ثلاث مرات، ولفظ (شيع)، جمع شيعة، خمس مرات، ولفظ (أشياعكم) مرة واحدة، ولفظ (بأشياعهم) مرة واحدة. فيكون القرآن قد استعمل كلمة شيعة واشتقاقاتها المذكورة إحدى عشرة ومن خلال هذه الاستعمالات أبرز العناصر الأساسية لمعنى الكلمة لغة واصطلاحاً. وجاءت استعمالات القرآن الكريم لها بالمعنى الذي أراد تأكيداً على استقراره، وعلى الوحدة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي.

قال تعالى:

1 -... ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً [ مريم / 69 ].

وقد أجمع المفسرون على أن كلمة شيعة، الواردة في هذه الآية، تعني فئة، أو جماعة، أو حزباً أو فرقة أو طائفة من الناس شاع أمرها وتميزت من غيرها.

2 - ﴿... فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من (شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته...) [ القصص / 15 ] كان المجتمع المصري، في عهد فرعون، مجتمعاً واحداً شكلياً، ولكنه كان، واقعياً، منقسماً إلى مجموعة كبيرة من الفرق أو الجماعات أو الطوائف أو الأحزاب أو الشيع، بدليل قوله تعالى عن فرعون ﴿وجعل أهلها شيعاً [ القصص / 4 ] فاستعمل القرآن الكريم كلمة (شيعته) للتعبير عن حالة بني إسرائيل في مصر، فقد كانوا شيعة أو فرقة متميزة من الفرق أو الشيع أو الجماعات أو الأحزاب الأخرى التي تكون المجتمع المصري. فأمر الإسرائيليين واحد، ورأيهم واحد ويتبع بعضهم بعضاً، ويوالي بعضهم بعضاً ولهم قيادة أو وجاهة واحدة ويواجهون معاً محنة واحدة. فعبر القرآن الكريم عن هذه الجماعة الإسرائيلية بكلمة (شيعة).

3 - بعد أن استعرض القرآن الكريم ملامح المواجهة بين نوح وقومه وبين نهايتها. وربطاً للماضي بالحاضر قال تعالى: ﴿... وإن من شيعته لإبراهيم


15

[ الصافات / 83 ] ومن معاني هذه الآية أن نوحاً عليه السلام، كان يقود فرقة أو جماعة أو حزباً أو شيعة (الشيعة المؤمنة) متميزة بفكرها وقيادتها وأمرها ورأيها من غيرها من فرق المجتمع الذي عايشه نوح وجماعته وأحزابه. ويعني أن إبراهيم آمن بفكر هذه الجماعة المؤمنة ورأيها، وسار في خطها ما جعله امتداداً لنوح، وجعل الجماعة أو الشيعة الإسرائيلية امتداداً لشيعته. لذلك فإن نوحاً ومن اتبعه وإبراهيم ومن اتبعه يشكلون، معاً، شيعة أو فرقة أو جماعة متميزة عن غيرها من فرق وجماعات أي مجتمع من المجتمعات، فطوال التاريخ البشري وجدت جماعة أو فرقة أو شيعة مؤمنة لها أمرها الإيماني المميز، يقودها بالتتابع رجال مميزون قاموا بأمر الله تعالى.

4 - ﴿... ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون [ الحجر / 10 و 11 ].

لقد بين الله تعالى موقف المجتمعات البشرية من رسلها، ووصف تلك المجتمعات ب‍ (الشيع): جمع شيعة، لأن كل مجتمع من تلك المجتمعات كان في حقيقته منقسماً على ذاته، ومقسماً إلى مجموعة كبيرة من الفرق أو الجماعات أو الطوائف أو الأحزاب المتنافسة. وبالرغم من حالة التمزق والإختلاف التي ألقت أجرانها في كل مجتمع إلا أن (شيعة) قد أجمعت على تكذيب الرسل والاستهزاء بهم، لأن الرسل يملكون الحقيقة، والجواب اليقيني لكل سؤال، فإذا سطعت الحقيقة وعرفها الجميع، فستذوب تبعاً لذلك كيانات الشيع، وتخسر مكاسبها الناتجة عن التمزق والإختلاف، وهذا هو السر في وحدة طوائف (شيع) كل مجتمع من رسله.

5 - ﴿... أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض [ الأنعام / 65 ].

بين القرآن الكريم أن انقسام المجمتع الواحد إلى شيع متعددة تحت شعار البحث الزائف عن الحقيقة وبدافع خفي لتحقيق مصالح فردية أو فئوية، والإصرار على تجاهل الشيعة المؤمنة، وقيادتها الشرعية المميزة التي تملك الحقيقة، كل ذلك يشكل مظهراً من مظاهر الدمار، ونذير عذاب سيحل بالمجتمع عاجلاً أم


16

آجلاً. وقد تهلك شيع المجتمع بعضها بعضاً، عند ما يتوافر واقع (التلبيس) وبهلاك هذه الشيع تتم عملية التبديل الاجتماعي التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله:

﴿يستبدل قوماً غيركم [ التوبة / 39 ].

6 - ﴿... إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ [ الأنعام / 159 ] إن انقسام المجتمع إلى شيع أو فرق أو جماعات أو أحزاب غير مقبول، إطلاقاً في الموازين الإلهية، لأنه يتناقض مع الأمر الإلهي، ومع الغاية من الاجتماع البشري ; والمنخرطون في صفوف الشيع، وقادتهم لا يلتقون مع الرسول أي رسول تحت أي شعار لأن نهجهم وخطهم مختلفان بالكامل عن منهج الرسول وخطه.

7 - ﴿... إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً [ القصص / 4 ] سلمت البشرية بسوء نمط حكم فرعون وبشاعة أساليبه، وأبرزها رعيته إلى مجموعة من الشيع أو الفرق أو الجماعات أو الأحزاب وتسليطه شيعة، أو مجموعة من الشيع، على شيعة أو مجموعة أخرى من الشيع، وأخذ يدير الصراع على طريقته.

8 - ﴿... ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون [ الروم / 31 و 32 ] تقسيم المجتمع إلى شيع أو جماعات، أو أحزاب متنافرة صفة بارزة من صفات المشركين، ونمط بارز من أنماط إدارتهم للمجتمع.

9 - ﴿ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر [ القمر / 51 ] الخطاب موجه إلى شيع مكة ومن حولهم من شيع القرى الذين أجمعوا على تكذيب رسول الله، تماماً كما فعلت شيع الجمتمعات البشرية السابقة مع رسلها.

10 - ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل... [ سبأ / 54 ] وشيع مكة، ومن حولها من شيع القرى، هم المعنيون بالخطاب، (كما فعل بأشياعهم)، أي بأمثالهم وأشباههم من شيع المجتمعات السابقة التي كذبت الرسل.


17

هل الشيع هي الأحزاب في القرآن الكريم؟

1 - نلاحظ أن ألفاظ (شيعه وشيعته وشيع وأشياعكم وبأشياعهم) قد وردت، في القرآن الكريم، إحدى عشرة مرة، وأن لفظ (الأحزاب) قد تكرر، في القرآن الكريم، إحدى عشرة مرة أيضاً. ومن المؤكد أن هذا التطابق العددي ليس مصادفة بل له دلالة.

2 - ونلاحظ، أيضاً، أن الله، تعالى، قد عرف المجتمعات التي كذبت الرسل واستهزأت بهم ب‍ (الشيع) بقوله: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين [ الحجر / 10 ] وعرف هذه الشيع بأنها أحزاب وأبرز وحدة العلة بقوله: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب [ ص / 12 و 13 و 14 ].

3 - وقال تعالى، مخاطباً، شيع مكة ومن حولها من شيع العرب ﴿ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر [ القمر / 51 ] فشيع العرب الذين كذبوا الرسول هم على شاكلة شيع الأولين، وعند ما وحدت الشيع العربية نفسها، وجيشت أكبر جيش لها، وغزت الرسول في غزوة الخندق، فوصفها الله تعالى بأنها أحزاب فقال: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب... [ الأحزاب / 22 ] ﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب... [ الأحزاب / 20 ].

4 - ثم إن الشيع العربية كانت من جملة المشركين الذين عناهم تعالى بقوله:

﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون [ الروم / 31 - 32 ] وهذا يعني أن كل شيعة من هذه الشيع المتفرقة هي بمثابة حزب حقيقي له قناعاته وذاتيته التي تميزه عن غيره من الشيع أو الأحزاب ومن يتمعن في الآيات التي وردت فيها كلمة شيعة ومشتقاتها، وفي الآيات التي وردت فيها كلمة أحزاب يجد أن الفوارق بين مصطلحي الشيع والأحزاب تكاد تكون معدومة.

الشيعة المؤمنة في القرآن الكريم

أشار القرآن الكريم، بصراحة تامة، إلى وجود شيعة مؤمنة قادها نوح عليه السلام، ونص على أن إبراهيم الخليل كان من شيعة نوح. وباستقراء القرآن


18

الكريم تجد أن الشيعة المؤمنة كانت موجودة طوال التاريخ البشري، فلم يخل مجتمع بشري قط من شيعة مؤمنة بغض النظر عن القلة أو الكثرة. فقد كانت الشيعة المؤمنة، بالضرورة، متميزة، في كل مجتمع، بقيادتها وبفكرها الذي يمثل الأمر الإلهي. وكانت الشيعة المؤمنة، دائماً، هي الفرقة الناجية من العذاب الإلهي، والوارثة والقائمة بأمر الله تعالى، لقد جهر كل داع بدعوته في مجتمع منقسم على نفسه ومقسم إلى مجموعة من الفرق أو الجماعات أو الأحزاب أو الشيع لتتنافس في ما بينها. وبالرغم مما بين هذه الشيع من تناقضات، إلا أنها كانت تتخذ من رسولها موقفاً موحداً فتجمع على تكذيبه، باعتباره خطراً يهدد نظام المجتمع كله. ويغري موقف الشيع الموحد هذا أغلبية أفراد المجتمع فيؤيدونه، ويشاركون الشيع بتكذيب الرسول، ويتنافسون في إظهار العداوة له.

هذا شأن الأكثرية الساحقة من أبناء المجتمع. وتتبع الرسول أقلية قليلة من أبناء ذلك المجتمع فيؤمنون به كرسول وكولي لهم، ويتمسكون بالتعاليم الإلهية التي بشر بها، وهكذا يكون الرسول ومن اتبعه عملياً شيعة مؤمنة لها قيادتها وأمرها وفكرها وتتميز من غيرها لأن شيع المجتمع جميعها الأغلبية الساحقة من أفراده قد أجمعوا على تكذيب الرسول ومحاصرته، وأصروا على إجهاض دعوته وإفشالها.

لذلك وجدوا أن أتباع هذه الأقلية للرسول يشكل تحدياً لإرادة المجتمع وخروجاً صارخاً على نظامه ونواميسه، لذلك صب المجتمع جام غضبه على هذه الأقلية المؤمنة، وسخر وسائل إعلامه لتشويه سمعتها والتشنيع عليها، واختلاق الأكاذيب والتهم ضدها. وقد تتمادى قيادة المجتمع فتعذب أفراد الشيعة المؤمنة، أو تتخذ من الإجراءات ما يجعل حياة أفرادها في منتهى العسر والضيق. وهكذا يتمكن المجتمع، بقوته ونفوذه ووسائل إعلامه، من عزل الشيعة المؤمنة وقيادتها وتهميش دورها، وتجريدها من جميع الحقوق السياسية التي تتمتع بها بقية الشيع.

وينجح المجتمع في خلق رأي عام نافر من كل ما يتعلق بالشيعة المؤمنة، وتنفلق جميع قنوات الاتصال الاجتماعي والفكري معها، وينظر إلى أبنائها بوصفهم مجموعة من الأراذل الذين لا وزن لهم ولا قيمة. هذا هو وضع الشيعة المؤمنة في جميع المجتمعات التي كذبت الرسل


19

كلمة شيعة في السنة النبوية

استعمل الرسول الأعظم كلمة شيعة، في حديثه، لتدل على المعنى الذي حددت معالمه اللغة وأبرزه القرآن الكريم فقد نقل السيوطي عن ابن عساكر أن الرسول قال لأصحابه يوماً: (والذي نفسي بيده إن هذا - يعني علياً بن أبي طالب - وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة) (1) ونقل السيوطي، في درره، عن ابن مردويه أن رسول الله فسر لعلي بن أبي طالب آية ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية [ البينة / 7 ] بقوله لعلي: (هم وأنت وشيعتك). وأخبر رسول الله علياً أمام الصحابة: (بأنه سيقدم على الله وشيعته راضيين مرضيين) (2). وذكر ابن حجر في الصواعق: - 1 - أن رسول الله فسر آية (أولئك هم خير البرية) بعلي وشيعته (3).

2 - وقد استعمل الرسول كلمة (شيع) (جمع شيعة) فبعد أن بين لأصحابه بأن أمته ستقتل من بعده ابنه الإمام الحسين في كربلاء، حذرهم قائلاً: (والذي نفسي بيده لا تقتلوه بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلط عليهم شرارهم وألبسهم شيعاً) (4).

ونلاحظ أن الرسول الكريم قد بين لأصحابه بأنه ستكون لعلي بن أبي طالب شيعة خاصة به، وأن علياً وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ومع أنه صادق إلا أنه قد أقسم على صحة قوله ليكون اليقين في قلوب سامعيه. وفي موقف آخر، بين الرسول لأصحابه أن علياً بن أبي طالب وشيعته هم قطعاً ممن عناهم الله تعالى

(1) الدر المنثور، 6 / 379.

(2) راجع: نور الأبصار للشبلنجي، ص 80.

(3) وحول هذه المعاني نفسها وتكرر ورود كلمة شيعة في حديث الرسول راجع: شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني الحنفي، 2 / 356 - 366، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي، ص 244 - 246، والمناقب للخوارزمي الحنفي، ص 62 و 187، والفصول لمهمة لابن الصباغ المالكي، ص 107، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 18، وفتح القدير للشوكاني، 5 / 477.

(4) رواه الطبراني، راجع: معالم الفتن، 2 / 407.


20

بقوله ﴿أولئك هم خير البرية [ البينة / 7 ]. وفي موقف ثالث أكد الرسول لعلي بن أبي طالب بأنه سيقدم على الله وشيعته راضين مرضيين. وقد تلفظ الرسول بذلك قبل وقوع تلك الأحداث، وقبل أن يزداد أعداء علي بن أبي طالب.

وقد روى هذه الأحاديث رجال كثيرون من كبار علماء أهل السنة وليسوا من شيعة الإمام، في وقت كانت فيه محبة الإمام أو رواية أي فضيلة من فضائله أو فضائل أهل بيت النبوة تعد من جرائم الخيانة العظمى في نظر الدولة التاريخية التي كانت تحكم المسلمين باسم الإسلام. وقد اقتنع الرواة بصحة صدور هذه الأحاديث عن الرسول، وإلا لما تجشموا عناء روايتها.

وما يعنينا هو أن الرسول الأعظم قصد بشيعة علي أعوانه ومؤيديه والقائلين بولايته، وعدهم بمثابة فرقة أو جماعة من الناس متميزة من غيرها من الفرق والجماعات. وهذا المعنى اللغوي والاصطلاحي عينه الذي أبرزه القرآن الكريم.

وفي المثال الثاني المتعلق بالحسين استعمل رسول الله كلمة (شيع) لتدل على المعنى عينه الذي أبرزه القرآن الكريم عند استعماله لكلمة (شيع) وهو الحالة التي ينقسم المجتمع فيها على نفسه وينقسم إلى مجموعة من الأحزاب أو الجماعات أو الفئات المتناقضة والمتصارعة.


21

الفصل الثاني

معنى كلمة شيعة في السياق التاريخي

1 - أقدم نص عثرت عليه، في التاريخ السياسي الإسلامي، تضمن كلمة (شيعة) ينسب للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فمن المعروف أن هذا الخليفة عارض بشدة صلح الحديبية الذي ارتضاه الله للمسلمين ووقعه رسوله. وكان يرى أن هذا الصلح (دنية في الدين)، حاول جهده لإلغاء تلك المعاهدة حتى لا يعطي (الدنية في دينه)، ولكن محاولاته لم تنجح. وفي ما بعد عبر عن ذلك بقوله: (لو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة بالقضية لخرجت) (1) وفي رواية ثانية ذكرها ابن أبي الحديد: (أن عمر قد قام مغضباً وقال: لو أجد أعواناً ما أعطيت الدنية أبداً) (2) وما يعنينا أن عمر بن الخطاب استعمل كلمة (شيعة) وقصد بها جماعة ترى رأيه وتسعى معه لتحقيق هدف مشترك. وبعبارة أخرى إن عمر قد عنى بكلمة (الشيعة) معناها اللغوي المستقر لغة والمتفق مع خطاب القرآن وخطاب الرسول.

2 - واستعملت كلمة (شيعة) في صك التحكيم الذي كتب بين الإمام علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان. وقد وردت لتدل دلالة كاملة على المعنى اللغوي المستقر في اللغة والمعبر عنه في القرآن والحديث. وجاء في هذا الصك:

(هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب... ومن كان معه من شيعته قاض معاوية بن أبي سفيان... ومن كان معه من شيعته) كما قال نصر بن مزاحم برواية محمد بن علي بن الحسين والشعبي، وروى جابر عن زيد بن الحسين رواية أخرى، ولكنها تتفق مع الأولى بذكر (ومن كان معه من شيعته عند ذكرها للإمام علي، وعند ذكرها لمعاوية (3).

(1) راجع: المغازي للواقدي، 2 / 607.

(2) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق حسن تميم، 3 / 790.

(3) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق حسن تميم 1 / 437.


22

3 - قال الإمام علي في إحدى خطبه (1) (... حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة). وقال عن أهل البصرة (... وأفسدوا علي جماعتي ووثبوا على شيعتي) (2).

4 - زار معاوية بعد أن استبد بالحكم، بيت عثمان بن عفان، ولما رأته عائشة ابنة عثمان صاحت وندبت أباها، كأنها تقول لمعاوية: (إن معاقبة قتلة عثمان كان هو الشعار الذي رفعته للخروج على الإمام علي بن أبي طالب، وها أنت قد قبضت على مقاليد الأمور فما الذي يمنعك من معاقبة قتلة أبي! (وفهم معاوية المغزى، فقال لها: (يا بنت أخي إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد..). إلى أن قال: (ومع كل إنسان منهم شيعة، فإن نكثناهم نكثوا بنا..) (3).

فمعاوية يعبر عن واقع الحال المتمثل بانقسام المجتمع إلى شيع، ويستعمل كلمة شيعة لتدل على معناها اللغوي والاصطلاحي والتاريخي. كما جاء في القرآن الكريم.

5 - وبعد انتصار معاوية ومبايعته ليكون خليفة، أو ملكاً، على المسلمين استهل عهده بسلسلة من المراسيم الملكية التي وجهها لعماله، وجاء في بعضها:

(لا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة وجاء في آخر: (أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته) (4).

6 - قال معاوية للحسين بن علي عليه السلام يوماً: (يا أبا عبد الله، أعلمت أنا قتلنا شيعة أبيك فحنطناهم وكفناهم وصلينا عليهم ودفناهم؟ فقال الحسين: لكنا والله إن قتلنا شيعتك ما كفناهم ولا حنطناهم ولا صلينا عليهم ولا دفناهم) (5).

(1) راجع نهج البلاغة خطبة 139.

(2) راجع: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، دار الأضواء بيروت ص 767.

(3) راجع البداية والنهاية لابن الأثير، 8 / 133 نقلاً عن معالم الفتن، 2 / 188.

(4) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد، 3 / 595، كما نقلها عن المدائني في كتابة الأحداث.

(5) راجع الكامل لابن الأثير، 2 / 231.


23

7 - كتب معاوية إلى واليه على الكوفة، المغيرة بن شعبة، يوصيه بشتم علي بن أبي طالب وذمه والعيب على أصحابه، وإقصائهم وعدم الاستماع إليهم إلى أن قال: (وبإطراء شيعة عثمان...) (1).

8 - كتب يزيد بن معاوية إلى واليه عبيد الله بن زياد: (أما بعد فقد كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل يجمع الجموع..) (2).

9 - وقال اليعقوبي في تاريخه: (فقام جماعة من شيعة مروان فقالوا: لتقومن إلى المنبر أو لنضربن عنقك) (3).

10 - أحضر زياد ابن أبيه قوماً (بلغه أنهم شيعة لعلي ليدعوهم إلى لعن علي) (4).

11 - وصف الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام ملخص ما أصاب أهل بيت النبوة إلى أن قال: (وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام، فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكل من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله، أو هدمت داره..) إلى أن قال: (حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة على...) (5).

شيعة وتشيع: لغة واصطلاحاً

الفقرات التي أوردناها في مقدمة الفصل الثاني نماذج مختارة من الاستعمالات التاريخية لكملة شيعة، فإذا أضيفت إلى ما سقناه من النصوص الشرعية الواردة في القرآن والسنة التي اشتملت على كلمة شيعة وشيع، وتبينا

(1) راجع تاريخ الطبري، 4 / 188، حوادث سنة 51 ه‍.

(2) المصدر نفسه.

(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 258.

(4) راجع الكامل لابن الأثير، 3 / 477 - 478.

(5) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 595 تحقيق حسن تميم.


24

المعنى ; لا يبقى لدينا أدنى شك في أن كلمة شيعة تعني، لغة واصطلاحاً، فرقة أو جماعة من الناس متجانسة ومتميزة عن غيرها من الفرق والجماعات، بأساليبها ورأيها وفكرها الخاص بها الذي تسعى إلى تعميمه، وبهدفها الذي تسعى إلى تحقيقه. وتلتف، بالضرورة حول، قائد مميز بفكره أو برأيه أو بقدرته أو بموقعه أو بما يرتجى منه حسب مقاييس أفراد تلك الفرقة أو الجماعة، وقائد هذه الجماعة مع فكرها يشكلان نقطة جذب واستقطاب وتجمع، ومن الطبيعي أن يتناصر أفراد هذه الجماعة وأن يوالي بعضهم بعضاً، ويتبع بعضهم بعضاً وأن يكون لهم موقف موحد وأمر واحد ما دامت هذه الفرقة أو الجماعة قائمة. والفرقة التي تتصف بهذه الصفات تعرف باسم (شيعة)، ويسمى التفافها حول فكرها وقيادتها وموالاتها لهما التفاف أفراد هذه الشيعة التشيع لغة واصطلاحاً. وسنرى كيف استقر معنى كلمة (شيعة) ليدل على فئة أو جماعة أو فرقة أو شيعة معينة من دون غيرها من الفرق أو الجماعات أو الشيع، وهي شيعة أهل النبوة.

ظاهرة الشيع وتعددها في كل مجتمع

نشوء الشيع (جمع شيعة)، أي الفرق أو الجماعات أو الأحزاب، وتعددها ظاهرة بشرية عامة وشاملة لم يخل منها مجتمع بشري قط، قديماً وحديثاً. وقد تزامن قيام الشيع وتعددها مع نشوء ظاهرة السلطة بمعناها الواسع وقيامها، فوجدت الظاهرتان معاً، وصارتا من الصفات المميزة لأي مجتمع بشري. والسبب في ذلك أن الوصول إلى السلطة عزيرة المنال، ويستحيل إدراكها بالجهد الفردي، ولا يمكن أن تنال إلا عن طريق الغلبة والتغلب، سواء بالقهر والقوة (نحن مع من غلب) أو عن طريق الانتخاب. وتظهر الشيع بوصفها وسائل رئيسية موثرة لتحقيق الغلبة والتغلب بشقيها آنفي الذكر. أما تعدد الشيع فيعود إلى تضارب مصالح الأفراد والجماعات، واختلاف الآراء والأفكار والوسائل والتفاوت في الثقافات واليقين، وما في النفس من نوازع الحسد والرغبة بالتسلط، وممارسة الشر، ومن تقديم العاجلة على الآجلة، ومن الإصرار على تجاهل الأمر الإلهي، وإرغام أنف الشيعة المؤمنة


25

القائمة عليه، ومن نفور الشيع من فكرة الجزم واليقين التي تنادي بها قيادة الشيعة المؤمنة، وارتياحها لفكرة الظن والتخمين المنبع الوحيد لتصوراتها وعقائدها.

ويمكن القول، وبكل ارتياح، إن ظاهرة الشيع وتعددها تعطي معنى ظاهرة الحزبية لتشابه التركيبة والأهداف والبنى. وقد لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن التاريخ السياسي البشري ما هو إلا ثمرة الصراع بين الشيع، وكل الشيع تطمع في الاستيلاء على السلطة وحيازتها لهم هذا الصراع لصالحها، ولم ينته هذا الصراع طوال التاريخ ولم يبرح المجتمع مكانه، فكأنه يدور في حلقة مفرغة لا تشهد إلا نشوء الشيع وقيامها وتبعثرها وتعاقبها على السلطة. وإصرارها على استبعاد الشيعة المؤمنة التي تمثل الخط الإلهي، والتي لم يخل منها مجتمع قط عبر التاريخ بغض النظر عن القلة والكثرة.

الشيع في المجتمع الإسلامي

نشأ المجتمع الإسلامي وأخذ صورته النهائية عندما نجح الرسول في توحيد العرب سياسياً لأول مرة في التاريخ، ونقلهم من دوائر الشرك وأديانه إلى دائرة التوحيد ودينها الإسلام، وقيادتهم.

والمجتمع الإسلامي لم يكن أبداً بمنجاة من ظاهرة الشيع وإن كان جميع أفراد المجتمع الإسلامي قد ادعوا أنهم شيعة الرسول فإن الواقع يتناقض مع شمول هذا الادعاء.

لقد واجه الرسول مجتمعاً جاهلياً يتكون من عدد لا حصر له من الشيع أو الجماعات. ففي مكة، على سبيل المثال، كانت تسكن عدة قبائل، منها قبيلة قريش الكبيرة، وكانت قريش تتكون من 25 بطناً، وكل بطن من هذه البطون يشكل شيعة حقيقة متميزة عن غيرها. وعملاً بالنهج التاريخي لشيع المجتمعات البشرية فقد تحالفت شيع بطون قريش ال‍ 23 ووقفت وقفة رجل واحد ضد النبي وضد البطنين الهاشمي والمطلبي اللذان اختارا بأن يكونا شيعة للنبي. ووقفت مع شيع قريش الأكثرية الساحقة من شيع العرب طوال الثلاث عشرة سنة التي أمضاها النبي في مكة قبل الهجرة. وبعد الهجرة جيشت شيع البطون الجيوش، بمساعدة شيع


26

العرب، ودخلت مع النبي وشيعته في حرب مسلحة ضروس استمرت زهاء ثماني سنين. ثم هزمت شيع البطون، وفوجئت قيادة هذه الشيع بجيش النبي يدخل عاصمتها دخول الفاتحين، فاستسلمت، وعندما رأت جميع الأبواب مغلقة في وجهها أسلمت كارهة. وباستسلامها وإسلامها استسلمت وأسلمت شيع العرب المتحالفة معها ولم ينقب النبي الكريم عن ما في القلوب وإنما اكتفى بالظواهر، ولم يعاقب شيع العرب عامة وشيع البطون خاصة على جرائمهم السابقة وإنما عفا عنهم قائلاً: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، ووسعهم بحلمه وقلبه الكبير وسماحته، ولاح لغير المتبصر أن شيع العرب قد تفككت وتبعثرت وانتهت بالفصل، ولم يتصور العامة أن شيع العرب في حالة الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأن شيع العرب سرعان ما تعود إلى ممارسة الدور التاريخي الذي مارسته شيع الأمم السابقة!

عودة الشيع العربية، ولكن بعمائم الإسلام

قبيل وفاة النبي الكريم بأشهر، كان المجتمع الإسلامي مجتمعاً واحداً في الظاهر. يوالي النبي، ويعلن التزامه بأحكام الدين، ولكن بذور مجموعة هائلة من الأخطار والكوارث كانت قد نبتت وترعرعت واشتد ساعدها بعيداً عن الأنظار وتحت السطح تماماً:

1 - فالمنافقون الذين مردوا على النفاق يجوبون العاصمة، وقد أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والحقد على محمد وآله.

2 - وقسم كبير من الأعراب، من حول المدينة، منافقون لم تتوقف اتصالاتهم قط مع مردة النفاق في المدينة.

3 - يليهم مرتزقة من الأعراب لا يعرفون من الدين إلا اسمه ولا مطمع لهم إلا الكسب والغنيمة، وهم على استعداد للتحالف مع من يدفع لهم حتى ولو كان الشيطان نفسه.

ولا تتوقف هذه الفئات عن التلفظ بالشهادتين والقيام بمظاهر الدين، ولا يعرف الفوارق بينهم وبين غيرهم من المسلمين إلا من عمر الله قلبه بالإيمان.


27

4 - وبعد أن جاء نصر الله والفتح، ودانت بلاد العرب بالولاء والطاعة لقيادة الرسول، التأم شمل قبيلة قريش وتألق نجمها لأنها عشيرة النبي.

وتكاتف مهاجرو هذه العشيرة وطلقاؤها، وتوطدت أواصر العلاقة من جديد بين شيع البطون ال‍ 23، وصار لها موقف موحد من الأمور العامة، يمكنها أن تجهر به حتى أمام الرسول نفسه. والدليل القاطع على ذلك أنه عند ما مرض الرسول مرضه الذي مات منه أراد أن يلخص الموقف لأمته وأن يكتب لها توجيهاته النهائية، وضرب النبي موعداً لكتابتها، وأحست شيع البطون أن هذه التوجيهات تمس مصالحها وتوجهاتها، وفي الوقت المحدد وما أن قال الرسول: (قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) حتى قال قائل شيع البطون: (إن الرسول قد اشتد به الوجع وهو يهجر، ولا حاجة لنا بكتابه ولا بوصيته لأن القرآن عندنا وهو يكفينا) (1). وما أن أتم قائل البطون كلامه حتى قالت البطون بصوت واحد: (القول ما قاله فلان إن النبي يهجر، ولا حاجة لنا بكتاب النبي لأن القرآن وحده يكفينا)، واحتج الحاضرون من غير أبناء البطون، وتشاد الطرفان واختصما، وكان واضحاً أن أفراد شيع البطون هم الأكثرية، فصرف النبي النظر عن كتابة ما أراد، لأنه لو أصر على الكتابة لأصرت البطون على هجره مع ما يستتبع ذلك من آثار مدمرة على الدين كله) (2).

5 - وقد طورت الشيع القريشية ال‍ 23 المتحالفة مفهوماً جديداً للقيادة من بعد النبي، فرأت أنه ليس من الإنصاف أن يكون النبي من بني هاشم وأن

(1) راجع: تذكرة الخواص لابن الجوزي ص 62، وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي، ص 21.

(2) راجع، على سبيل المثال: صحيح البخاري، 7 / 9، وصحيح مسلم، 5 / 75. وصحيح مسلم بشرح النووي، 11 / 95. ومسند الإمام أحمد، 4 / 356. وكتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 287. وما بعدها لتقف على تفاصيل مواجهة شيع البطون مع النبي نفسه، ولتتأكد من حجم تأثيرها على الأحداث


28

يكون الخليفة من بني هاشم وأن (العدل والصواب والتوفيق) يكمن في أن تكون النبوة لبني هاشم والخلافة لبطون قريش ال‍ 23 تتداولها في ما بينها. وجاء هذا التطور بعد إعلانات الرسول عن استخلافه لعلي بن أبي طالب، وإعطاء أهل بيت النبوة دوراً مميزاً في قيادة الأمة من بعد النبي، بخاصة بعد إعلانه الشهير في غدير خم، وليسهل على شيع البطون الإلتفاف على أوامر النبي وتوجيهاته قالوا: (إن الرسول بشر يتكلم في الغضب والرضى). ما يعني أنه لا ينبغي أنه يحمل جميع كلام النبي على محمل الجد، ولا ينبغي أن ينفذ كله، وحتى تتأكد من تطوير شيع البطون لمفهوم القيادة من بعد النبي وتخصيص النبوة للهاشميين والخلافة للبطون (1).

6 - إن شيع بطون قريش ال‍ 23 التي أحيت تحالفها والتي أسلم أفرادها جميعاً، في ما بعد، جميعها موتورة، فما من بطن من البطون إلا وقتل آل محمد وبخاصة علي بن أبي طالب منه قتلى خلال المعارك التي جرت بين الكفر والإيمان، وفكرة الثأر عميقة الجذور في النفس البشرية، بعامة وفي نفوس العرب بخاصة، والتلفظ بالشهادتين غير قادر على اقتلاع هذا الأثر.

7 - والأخطر أن بطون قريش ال‍ 23 تمسكت بنبوة النبي، ربما لاقتناعها بصدقة، أو لأنها وجدت في النبوة طريق ملكها وسيادتها على العرب، وصار من مصلحة الجميع التمسك بهذه النبوة. وانسياقاً مع هذا التوجه، برأت شيع البطون رسول الله من الدماء التي سفكها أثناء حربه المسلحة مع البطون وحصرتها في آل محمد بعامة وبعلي بن أبي طالب وذريته بخاصة.

(1) راجع: سنن الدارمي، 1 / 125 وسنن أبي داود، 2 / 126، ومسند أحمد، 2 / 162 و 207 و 216، ومستدرك الحاكم، 1 / 105 و 106. وجامع بيان العلم لابن عبد البر، 1 / 185، والكامل لابن الأثير 3 / 24، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 107.


29

8 - لقد صار مصطلح (مسلم) هوية لكل أفراد المجتمع الإسلامي والأخطر أن الجميع تقريباً صاروا صحابة، وأحيطوا عملياً بالهالة نفسها من التقديس والاحترام من دون فرق يذكر بين مهاجر وطليق ومؤمن ومنافق، وبين من قاتل مع النبي أو قاتل ضده، فقد أسلم الجميع بالنتيجة!! وصحبوا النبي وعفا الله عما مضى.

9 - في هذا المناخ استذكر المجمتع مواقف شخصيات بارزة، من حول الرسول، فصار لكل واحد منها شيعة خاصة به، فنشأت شيعة لأبي بكر وأخرى لعمر، ثالثة لعثمان، ورابعة لطلحة... الخ. وكل شيعة تنادي بتميز صاحبها، وتفتحت أشداق المطامع وتهيأ المناخ لعودة الشيع الجاهلية ولكن معممة بعمامة الإسلام.

10 - والأخطر أن شيعة النبي المخلصة التي قامت الدولة على أكتافها أصبحت كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود.

وكان واضحاً أن كفة تحالف شيع البطون هي الراجحة، وهي المرشحة القوية لقيادة عصر ما بعد النبوة، فأقبل المنافقون وطلاب الدين والراغبون في السلامة على هذا التحالف. وتشابكت أيدي الشيع، فتشكل واقعياً بدون إعلان، أكبر تحالف للشيع في التاريخ الإسلامي كله، وأخذت الشيع تتربص وتنتظر موت الرسول الأعظم لتقتسم الغنيمة!


30


31

الفصل الثالث

تدبير النبي وتدبير الشيع العربية

علم النبي اليقيني بما تدبره الشيع العربية

كان النبي الكريم على علم يقيني بكليات ما يجري في الخفاء وتفاصيله وبتوجهات الحركة العامة للأحداث. فقد وضع الله تعالى أمام نبيه صورة متكاملة للماضي والحاضر والمستقبل، وقد حوت هذه الصورة أدق التفاصيل. كان النبي يعلم أن الشيع وفتنتها المظلمة تنتظر موته لتبطش بطشتها الكبرى، فتعيد ترتيب كل شئ حسب سيرته الجاهلية الأولى، ولكن بلباس الإسلام. وكان يعلم أن النوايا الجرمية قد تشكلت بالفعل، وأخذت صورتها النهائية في قلوب قادة الشيع وضمائرهم، وهو يعلم حجم تأثيرها على سير الأحداث، لأن هذه الشيع شكلت الأكثرية الساحقة من أفراد المجتمع الإسلامي. ومما زاد الأمر تعقيداً أن هذه الأكثرية تتلفظ بالشهادتين، وتقوم ظاهرياً بكل ما يطلبه الإسلام منها، وتظهر الرضي بقيادة النبي وولايته وقبولهما، وتتظاهر بالالتزام التام بكل أوامره وتوجيهاته في الوقت الذي تخفي فيه نواياها الجرمية، وتخفي فيه الحقد على محمد وآل محمد، والكفر بكل ما جاء به وما يرمز إليه. ولكن هذا العلم اليقيني الدقيق لم يتأت للنبي نتيجة تحليله الشخصي الدقيق للموقف فحسب، وإنما هو علم إلهي سابق لوقوع الأحداث اختص الله به تعالى نبيه، ما يجعل استعمال القوة - على فرض وجودها - غير مسوغ وفق قواعد العدل الإلهي، فكيف يعاقب النبي على نوايا جرمية!؟ صحيح أن هذه النوايا قد أخذت صورتها النهائية، ولكنها ما زالت مخفية في قلوب أصحابها! وكيف يعاقب النبي الشيع على أفعال لم تدخل حيز التنفيذ ولم تقع بعد!؟ وهذا أمر لا يتفق مع طبيعة العدل الإلهي، ولا مع طبيعة شخصية الرسول، وطبيعة الدولة التي يقودها.

النبي يكشف مؤامرة الشيع ويفضح أهدافها وقياداتها

كشف الرسول لأمته وجود مؤامرة على الشرعية الإلهية، وأن المتآمرين ينتظرون موته لينقضوا الإسلام عروة عروة بدءاً من نظام الحكم وانتهاء بالصلاة.


32

كما روى ذلك ابن حنبل وابن حيان في صحيحه والحاكم (1). والأهم من ذلك أن رسول الله كشف الانقلابيين وسمى قادة الفتن من بعد وفاته وحتى قيام الساعة، كما روى حذيفة برواية ابن أبي شيبة وأبي نعيم (2). وأعلن النبي أنه في حالة نجاح المؤامرة فإن النفاق سيظهر، وترتفع الأمانة وتقبض الرحمة، ويتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين (3). وسيبتلى المؤمنون حتى أن المؤمن لا يستطيع أن يصلي إلا سراً (4).

ومع هذا فإذا صلى المؤمن وحده يصلي وهو خائف (5) وأن الإسلام سيعود غريباً (6).

وسيكون هنا لك كفر بعد إيمان (7). وإذا نجحت المؤامرة فإن قيادة الأمة ستؤول إلى أشد الناس بغضاً لمحمد وآل محمد (8) وأنهم سيفتكون بآل محمد فتكاً ذريعاً.

وبالإيجاز، فإن الرسول الله لم يترك أمراً سيفعله المتآمرون، إن نجحوا في مؤامرتهم، إلا وبينة وكشفه للأمة. لقد استبق رسول الله الأفعال قبل وقوعها وحذر الأمة منها، لقد تركهم على المحجة البيضاء، وهذا أقصى ما يستطيع الوالد أن يفعله لأولاده والولي لمواليه والقائد لأتباعه. إنه يكشف لهم بدقة المناطق الملغومة، ويقسم لهم بأغلظ الأيمان أنه قد حدد المنطقة الملغومة وشاهد بأم عينيه كافة الألغام، وأنه مشفق وحريص ومحب لذلك كله حذرهم، ولكن ليس بوسعه إجبارهم على تجنب المنطقة الملغومة أو على الابتعاد عن تلك الألغام. لأنه لا يستطيع ذلك، فضلاً عن أنه لن يكون موجوداً معهم. ولأن الأحداث لم تقع، كان عسيراً على الناس أن يستوعبوا تحذيرات الرسول. وعلى أي حال، لقد بين الرسول أن نجاح المتآمرون سيكون بمثابة طوفان حقيقي يجتاح المجتمع

(1) راجع: كنز العمال، 1 / 238.

(2) راجع كنز العمال، 11 / 216 ومعالم الفتن، 1 / 406.

(3) رواه الحاكم والطبراني والبيهقي، راجع كنز العمال، 11 / 127 - 128، ومعالم الفتن، 1 / 408.

(4) راجع: صحيح مسلم، 2 / 279.

(5) راجع: صحيح البخاري، 2 / 180.

(6) رواه مسلم وابن ماجة والطبراني، راجع: كنز العمال، 2 / 177، ومعالم الفتن 1 / 470.

(7) راجع: صحيح البخاري، 4 / 230.

(8) رواه الحاكم، وأبو نعيم، راجع: كنز العمال، 11 / 169.


33

الإسلامي، ويعمل فيه يد التبديل والتعديل والتحريف في كل ما هو إسلامي وسيؤدي إلى فتنة عمياء مظلمة إذا أخرج المؤمن يده فيها لم يكد يراها.

الخطة الإلهية لإفشال مؤامرة الشيع

التمسك بالثقلين

بعد أن كشف النبي مؤامرة الشيع وفضح قياداتها وبين حقيقة أهدافها أكد، للمؤمنين بخاصة وللمسلمين بعامة، أن الخطة الإلهية لمنع حدوث انقلاب الشيع وإفشاله إفشال غيره إذا وقع. ولتمييز المؤمن من سواه، ولإدراك الهدى وتجنب الضلالة، وضمان قيادة الشيعة المؤمنة للمجتمع تتمثل في التمسك بالثقلين، وهما:

كتاب الله وعترة النبي أهل بيته. ثم بين الرسول هذين الثقلين لن يفترقا إلى يوم القيامة.

من صيغ حديث الثقلين

1 - (كأني قد دعيت فأجبت، وإني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي) (1).

2 - (يا أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي) (2).

3 - (إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله... وعترتي أهل بيتي) (3).

4 - (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي) (4).

5 - (يا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله.. وأهل بيتي) (5).

(6) - (ألا وإني تارك فيكم الثقلين: أحدهما كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي) (6).

(1) راجع: الخصائص للنسائي، ص 21 و 93.

(2) راجع: صحيح الترمذي، 5 / 328.

(3) راجع: الدر المنثور للسيوطي، 2 / 60.

(4) راجع: المناقب للخوارزمي الحنفي، ص 23.

(5) راجع: صحيح مسلم، 2 / 362 و 15 / 179 - 180 بشرح النووي.

(6) راجع: صحيح مسلم، 2 / 362 و 15 / 181 بشرح النووي.


34

وقوم ابن حجر حديث الثقلين فقال (1): (ثم اعلم أن لحديث التمسك بالثقلين طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً) (2).

وحديث الثقلين هو مقطع من خطبة الرسول التي ألقاها في غدير خم أمام مئة ألف مسلم على الأقل بعد عودته من حجة الوداع. وقد ورد في هذا المقطع بعد قرار تنصيب الإمام علي بن أبي طالب أميراً للمؤمنين وولياً للمسلمين من بعد النبي.

الربط المحكم بين ولاية النبي وبين التمسك بالقرآن والتمسك بأهل بيت النبوة

في غدير خم، سأل رسول الله الجمع الحاشد الذي ضم أكثرية المسلمين:

1 - (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قال المسلمون: بلى).

2 - قال: (ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قال المسلمون: بلى).

3 - قال: (أيها الناس إني وليكم. قال المسلمون: صدقت).

4 -: (أيها الناس، من وليكم؟ قال المسلمون، ثلاثاً: الله ورسوله).

بعد هذا كله أخذ الرسول بيد علي بن أبي طالب ثم قال:

1 - (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).

2 - (هذا وليي وأنا موال من والاه ومعاد من عاداه).

3 - (من كان الله ورسوله وليه فهذا علي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).

4 - (أيها الناس، إن الله مولاي وأنا ولي المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (3).

بعد إعلان تنصيب الإمام علي مباشرة جاء مقطع حديث الثقلين، وتلاحظ

(1) الصواعق المحرقة، ص 148.

(2) راجع: ينابيع المودة للقندوزي، ص 296.

(3) راجع: بالترتيب، وعلى سبيل المثال: الرياض النضرة للطبري، 2 / 23، وخصائص أمير المؤمنين للنسائي، ص 21 و 93، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 24، والحاوي للفتاوي للسيوطي، 1 / 22، والبداية والنهاية لابن الأثير، 5 / 212، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي، ص 37.


35

أن الرسول الله ربط ولاية علي بولايته، وربط ولايته بولاية الله فمن يوالي علياً بعد وفاة النبي فقد والى النبي، ومن والى النبي فقد والى الله. ومن رفض ولاية علي، فقد رفض ولاية رسول الله، من رفض ولاية رسول الله فهو كافر كائناً من كان.

كذلك ربط الولاء للثقلين معاً، فالقرآن ثقل وأهل بيت النبوة ثقل آخر، فالتمسك بالقرآن وحده لا يكفي، فالقرآن له وجوه متعددة، وأئمة أهل بيت النبوة هم وحدهم الذي يعلمون علم اليقين الوجه المطلوب. ومن جهة ثانية، فإن القرآن شريعة وأهل البيت قيادة وعلم ونقطة تجمع للشيعة المؤمنة، والقيادة لا تغني عن الشريعة، والشريعة لا تغني عن القيادة، فأحدهما يكمل الآخر.

تجذير حديث الثقلين

دين الإسلام كله يقوم على ثقلين: الأول رسول الله والثاني كتاب الله.

فليس مسلماً من يؤمن بالرسول ولا يؤمن بالقرآن، وليس مسلماً من يؤمن بالقرآن ولا يؤمن بالرسول فحتى يستقيم إسلام أي شخص مسلم وإيمانه يتوجب عليه أن يؤمن بالاثنين معاً، أي بالقرآن الكريم شريعة أو قانوناً نافذاً، وبمحمد رسولاً ومبلغاً لهذه الشريعة وإماماً وولياً وقائداً له ولجميع المسلمين، فإن لم يؤمن بذلك فإنه ليس مسلماً. فلو قال أحد المسلمين إنه مؤمن بالقرآن، ولكنه لا يؤمن بمحمد فهو كافر، ولو قال أنه مؤمن بمحمد ولكنه لا يؤمن بأن القرآن من عند الله فهو كافر بلا خلاف ولو قال إنه مؤمن بالقرآن، ومؤمن بمحمد رسولاً، ولكنه لا يقبل أن يكون محمد أمامه وقائده ووليه، وهو يفضل ولاية أبي بكر أو عمر أو عثمان أو أبي سفيان على ولاية الرسول فهو كافر أيضاً. فالإسلام الحقيقي يقوم على ركنين:

الركن الشخصي المتمثل بالقيادة أو الإمامة أو الولاية، ويمثلها الرسول حال حياته والقائم الشرعي مقامه بعد وفاته. ومبدأ الثقلين مبدأ عام يشكل امتداداً لمبدأ الرسالة. فكل رسول من الرسل كان في زمانه ثقلاً، وشكلت التعليمات الإلهية الثقل الآخر، وأتباعه المخلصون هم الشيعة المؤمنة. وقد اكتسبوا صفة الشيعة المؤمنة لأنهم آمنوا بالثقلين (أي رسول ذلك الزمان والتعليمات الإلهية) والإسلام الذي جاء به رسول الله محمد يقوم على ثقلين أيضاً: الثقل الشخصي المتمثل برسول الله والثقل التشريعي المتمثل بالتعليمات الإلهية أي القرآن الكريم. وفي كل


36

زمان يوجد الثقلان معاً، ولا غنى لأحدهما عن الآخر فهما متكاملان. فلا بد من وجود شخص يقوم مقام النبي لإمامة الشيعة المؤمنة - التي لم يخل مجتمع منها قط - وقيادتها وولايتها بغض النظر عن القلة أو الكثرة، فيكون هذا الشخص بمثابة علم للهدى ونقطة تجمع واستقطاب لمعتنقيه وطلابه، ورمز لطاعة الله فتكون طاعته كطاعة الله، ومعصية كمعصية ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله [ النساء / 80 ] ويكون هو القائم بأمر الله، وقائد الدعوة إليه، والإمام أو الولي أو رئيس الدولة إن تمخضت الدعوة عن دولة. والأهم من ذلك أن هذا الشخص (الرسول أو القائم الشرعي مقامه) هو وحده الذي يفهم التعليمات الإلهية فهماً قائماً على الجزم واليقين، وهو المؤتمن على هذه التعليمات ودقة فهمها وتبليغها، وسياسية الشيعة المؤمنة وفق أحكامها. وبالضرورة فإن هذا الشخص أو (الثقل) (أي الرسول أو القائم الشرعي مقامه) يجب أن يكون الأعلم بالتعليمات الإلهية، في زمانه، والأقرب إلى الله، وأصلح الموجودين وأفضلهم في ذلك الزمان، ليكون جديراً بالإمامة والقيادة ومؤتمناً على الأمر الإلهي. وبتعبير أدق (يجب أن يكون معداً ومؤهلاً إلهياً) للقيام بما هو منوط به. وهذه المؤهلات توافرت في جميع الرسل السابقين وتوافرت في أوصيائهم. وهي متوافرة، بالضرورة، في رسول الله خاتم الرسل وفي وصيه علي بن أبي طالب، والأوصياء الأحد عشر (الأئمة من بعده).

هذا هو الثقل الشخصي في دين الإسلام عبر تاريخه الطويل من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا. أما الثقل الآخر وهو التشريعي المتمثل بالتعليمات الإلهية ﴿يهدون بأمرنا [ الأنبياء / 73 ] فقد استقر بصورة نهائية في القرآن الكريم.

الثقل الشخصي من بعد الرسول: اثنا عشر إماماً

لقد رأينا أن رسول الله قد أعلن، في غدير خم وأمام جمع من المسلمين لا يقل عن مئة ألف مسلم، أن علياً بن أبي طالب هو الولي من بعد النبي، لأن الله سبحانه وتعالى قد اختاره وأهله وأعده ليكون ولي المؤمنين وأميرهم وإمامهم وقائدهم وسيدهم والمبين لما اختلفوا فيه من بعد النبي، وبالتالي فإنه لن يؤدي عن النبي إلا النبي أو علي كما سنثبت ذلك. ولأن رسول الله آخر الرسل ورسالته آخر


37

الرسالات، ولأنه لا ينبغي أن تخلو الأرض من قائم بأمر الله، وقائد للشيعة المؤمنة فقد بين رسول الله أن الأئمة من بعده اثنا عشر إماماً، أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم محمد بن الحسن المهدي المنتظر، وجميعهم من ذرية النبي ومن صلب علي وقد اختارهم الله، تعالى، وأعدهم وأهلهم للإمامة والولاية، بحيث يكون كل واحد منهم هو الأوحد في زمانه (أي الأعلم والأفهم والأتقى والأقرب لله ولرسوله وأفضل أهل زمانه). وأمر الله رسوله أن يبين للمسلمين أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن علياً بن أبي طالب بعد وفاة الرسول هو الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن الحسن من بعد وفاة علي، هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن الحسين من بعد وفاة الحسن هو الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن كل واهد من التسعة الآخرين هو الأولى بالمؤمنين من أنفسهم وأن كل واحد منهم هو أحد الثقلين في زمانه، فلا تدرك الهدى إلا به وبالقرآن معاً، ولا تتجنب الضلالة إلا به وبالقرآن معاً، وإن التمسك بالاثنين معاً فرض عين على كل مؤمن ومؤمنة. ولا يلزم بموالاتهم إلا المؤمنون، فموالاتهم هي مقياس الإيمان والدليل عليه، وأتباعهم هم الشيعة المؤمنة حقاً ومعاداتهم هي مقياس الفسوق والعصيان، وأعداؤهم امتداد لشيع الأولين.

الإجماع على صحة عدد الأئمة

لقد أجمع أهل الملة على أن عدد الأئمة من بعد النبي هو اثنا عشر إماماً ولا خلاف عند شيعة أهل بيت النبوة في صحة هذا العدد وصحة صدوره عن رسول الله، فالشيعة ترسله إرسال المسلمات، كذلك فإن الشيع أو أهل السنة يؤكدون صحة هذا العدد، ويؤكدون صدور الحديث عن رسول الله (1).

لم ينجح أهل السنة في ترويض هذا النص أو تطبيقه على الواقع التاريخي.

أما شيعة أهل بيت النبوة فقد جزموا بأن الأئمة الاثنى عشر الذين عناهم رسول الله هم:

(1) راجع: صحيح البخاري، 6 / 264 ح 2769، وصحيح الترمذي، 4 / 424، وسنن أبي داود، 4 / 106 ح 4279، وكنز العمال، 12 / 24 ح 23861.


38

1 - علي بن أبي طالب.

2 - ابنه الحسن.

3 - وابنه الحسين.

4 - وابنه علي.

5 - وابنه محمد.

6 - وابنه جعفر.

7 - وابنه موسى.

8 - وابنه علي.

9 - وابنه محمد.

10 - وابنه علي.

11 - وابنه الحسن.

12 - وابنه محمد بن الحسن المهدي عليهم السلام. وهم يرون أن كل إمام قد تعين بنص ممن سبقه حسب توجيه رسول الله وأوامره، وأن كل واحد منهم هو الثقل الأصغر في زمانه ولكل واحد منهم قد انتهى علم النبوة.

لقد روى عبد الله بن عباس وأسامة بن زيد وعبد الله بن جعفر أن رسول الله قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأخي علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم ابني الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركهم يا علي، ثم ابني محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا حسين) (1).

ولا خلاف عند شيعة أهل بيت النبوة من صحة حديث ابن عباس التالي:

(سمعت رسول الله يقول: (أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين

(1) راجع: إثبات الوصية للمسعودي، ص 190، وأعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي ص 27، وسيرة الرسول وأهل بيته لمؤسسة البلاغ، 2 / 191.


39

مطهرون معصومون) (1). قال جابر بن عبد الله الأنصاري: ﴿لما أنزل الله على نبيه (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم [ النساء / 59 ] قلت: يا رسول الله، عرفنا الله ورسوله فمن هم أولي الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال الرسول: هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم محمد بن الحسن المهدي) (2).

أهل بيت النبوة هم الثقل الأصغر

أولئك هم ذرية النبي من صلب علي والنبي أبوهم (3)، وهم أولاد النبي (4)، وهم سادة أهل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، كما هو ثابت في آية التطهير [ الأحزاب / 33 ]، وهم أبناء النبي وأحفاده الذين عناهم تعالى في آية المباهلة [ آل عمران / 61 ]، وهم ذووا القربى الذين عناهم الله في آية المودة [ الشورى / 23 ] وآية الأنفال [ الأنفال / 41 ]. وهم الذين أمر الله عباده بأن لا يتقدموهم فيهلكوا ولا يتأخروا عنه فيهلكوا (5). وهم في الأمة كسفينة نوح في قومه (6). وهم

(1) راجع: ينابيع المودة للقندوزي الحنفي، 2 / 445، وكفاية الأثر للرازي ص 19، وعيون الأخبار ص 38، وسيرة الرسول وأهل بيته، 2 / 189.

(2) راجع كفاية الأثر للقمي الرازي ص 7، وسيرة الرسول وأهل بيته (لمؤسسة البلاغ) 2 / 190 - 191، وأعلام الوري بإعلام الهدى للطبري ص 27، وكتابنا الوجيز في الإمامة والولاية، ص 214.

(3) راجع كنز العمال، 1 / 152، ح 5210 (أخرجه الطبراني)، والصواعق المحرقة لابن حجر، ص 112، والمستدرك للحاكم، 3 / 164.

(4) راجع المناقب للخوارزمي الحنفي.

(5) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر، 148 و 226، ومجمع الزوائد، 9 / 163، والدر المنثور للسيوطي 2 / 60، وكنز العمال، 1 / 168.

(6) راجع تلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك والصواعق المحرقة لابن حجر ص 184 و 234، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، والمعجم الصغير للطبراني، 2 / 22، وحلية الأولياء لأبي ‌


40

من وصفهم رسول الله بأنهم أمان للأمة من الاختلاف. ومن يخالفهم يصبح آلياً من حزب إبليس (1)، وهم الذين اختارهم الله للفضل والشرف والرئاسة (2). وقد بين الرسول أن مكانهم في الأمة مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين (3). وقد جعل الله الصلاة عليهم جزءاً لا يتجزأ من الصلاة المفروضة على العباد، فحتى تتم الصلاة يتوجب على المصلي أن يصلي على محمد وعلى آل. فإن لم يكن الأئمة الأطهار من آل محمد فمن يكون إذاً!

‌ نعيم 4 / 306، ومقتل الحسين للخوارزمي ص 104.

(1) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 91، وينابيع المودة للقندوزي ص 298.

(2) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 147، وينابيع المودة ص 169 و 307.

(3) راجع الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 8، ومجمع الزوائد للهيثمي، 9 / 172.


41

الفصل الرابع

شيعة أهل بيت النبوة: تكون وفرق

الدعوة الإلهية إلى التشيع

أعطى القرآن الكريم أهل بيت النبوة مكانة متميزة لم يعطها لأهل بيت قط، فهم المعنيون بآيات التطهير والمباهلة والمودة في القربى حتى أن الله تعالى حرم عليهم الصدقة، وخصص لهم جزءاً من الأفعال. وهم المبشرون بالجنة ﴿وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً [ الإنسان / 12 ] قبل أن يبشر بها أحد. ومن الطبيعي أن فاطمة وعلي والحسن والحسين هم سادة أهل بيت النبوة بلا خلاف. فهم أقرب الناس للنبي، وهم أول المعنيين بالآيات التي أشرنا إليها. ثم إن النبي ركز تركيزاً مكثفاً على أهل بيت النبوة بعامة وعلى علي بن أبي طالب والحسن والحسين بخاصة.

وأبرز علياً بن أبي طالب، فقال إنه خليفته وإنه الولي من بعده بل وولي كل مؤمن ومؤمنة، وأنه الإمام، وأنه المبين، وأنه الهادي، ولا أحد يؤدي عن النبي إلا النبي نفسه أو علي، وأن علي من بعد النبي هو أولى بكل مؤمن من نفسه، ومن بعد علي الحسن، ومن بعد الحسن الحسين إلى أن يتم العدد اثنى عشر إماماً بالمهدي المنتظر. والأهم من ذلك أن رسول الله عد القرآن الكريم ثقلاً، واعتبر هؤلاء الأطهار ثقلاً آخر، وجزم رسول الله بأن الهدي لا يدرك إلا بالتمسك بهذين الثقلين معاً، وأن الضلالة لا يمكن تجنبهما إلا بالتمسك بهما معاً. ما يجعل التشيع لأهل بيت النبوة، في هذا المفهوم والتمسك بهم، معادلاً للتشيع للقرآن الكريم والتمسك به لأنهما خلاصة الدين وعنوانه وضمان وجوده واستمراره. والتشيع، في هذا المفهوم، عمل تعبدي من جميع الوجوه خاصة وأن رسول الله لم يأمر بذلك من تلقاء نفسه ولا بمبادرة شخصية منه، بل كان يبين القرآن ويتبع بدقة متناهية ما يوحى إليه ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي [ الأنعام / 50 ]. ومن جهة ثانية، فإن علياً بن أبي طالب لم يكن شخصاً مغموراً، فأبوه عبد مناف بن عبد المطلب (أبو طالب) شيخ البطاح، تعرفه جميع العرب. ثم إن النبي قد ربي علياً، وأتبعه علي


42

أتباع الفصل لأثر أمة، فما رؤي النبي إلا ومعه علي، ثم إنه ابن عم النبي الشقيق وزوج ابنته البتول فاطمة، ووالد سبطيه الحسن والحسين ولا عقب للنبي غير هما، ثم إن علياً هو فارس العرب أجمعين الذي قتل سادات البطون يوم بدر، وقتل حملة ألويتها يوم أحد، وبارز عمرو بن ود يوم الخندق وقتله أمام العرب جميعهم، وهو الذي هزم اليهود في خيبر، ثم إن علياً باب الحكمة والعلم اللدني، لقد اجتمعت له من أسباب المجد والشهرة ما لم تجتمع لأحد من بعد النبي قط فمن الطبيعي جداً أن يحب المؤمنون، الصادقون في حب رسول الله، هذا الرجل العظيم وأن يتشيعوا له لأهل بيته، وأن يعدوا الآيات القرآنية والسنة النبوية الواردة فيهم بمثابة دعوة إلهية لموالاة أهل بيت النبوة والتشيع لهم. وأن التشيع لهم بمثابة تشيع للنبي نفسه، وللدين الذي جاء به، وإلا فما هو المقصود من حديث الثقلين!؟ وليعتبروا التشيع طريق الفوز والعلو والجنة وإلا فكيف يفسرون قول النبي (إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة)، أو بيان النبي لآية ﴿أولئك هم خير البرية [ البينة / 6 ] (بأنهم علي وشيعته) وقد وثقنا ذلك في الصفحات السابقة!

كلمة شيعة تأخذ معنى خاصاً

رأينا أن كلمة شيعة عنت، لغة واصطلاحاً، وفي القرآن الكريم والسنة والاستعمالات التاريخية فئة أو جماعة، أو طائفة أو أتباع حزب أو شخص ومؤيديه. ولما تكونت شيعة أهل بيت النبوة وشاع أمرها وظهرت حجتها، ونتيجة تضافر الحكام وشيع المجتمع الإسلامي عليها، تكون رأي عام إسلامي مشبع بالنفور والاستياء من شيعة أهل بيت النبوة، وخلصوا إلى نتيجة مفادها أن هؤلاء خطر مشترك يهدد الجميع، فاتحدت الشيع الإسلامية في مواجهة شيعة أهل بيت النبوة، تماماً كما اتحدت شيع المجتمعات السابقة للإسلام في مواجهة الأنبياء وشيعتهم المؤمنة، وضمن سلسلة من الإجراءات الطويلة أقلع الحكام وشيع المجتمع الإسلامي نهائياً عن استعمال كلمة شيعة وتشيع، وتم تخصيص هذه الكلمة لتدل بإطلاقها على شيعة علي وأهل بيت النبوة مثلما تدل بتخصيصها بعدما تكون رأي إسلامي عام صار معه التشيع في هذا المفهوم جريمة وصارت تهمة


43

الكفر والزندقة أخف وطأة على الأسماع والقلوب من تهمة التشيع لأهل بيت النبوة. وما يعنينا أن معنى كلمة شيعة قد تخصص نهائياً بشيعة أهل بيت النبوة، ومن النصوص التي تنير ذلك نقرأ:

قال ابن منظور: (وقد غلب هذا الاسم على من يتوالى علياً وأهل بيته، رضوان الله عليهم أجمعين، حتى صار لهم اسماً خاصاً، فإذا قيل: فلان من الشيعة عرف أنه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم، وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة) (1).

قال الأزهري: (والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويوالونهم) (2).

قال الشيخ أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، في كتابه الفرق والمقالات: (الشيعة هم فرقة علي بن أبي طالب المسمون بشيعة علي في زمن النبي وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته من بعد الرسول).

وقال أبو حاتم السجستاني (3): (إن لفظ الشيعة كان على عهد الرسول) (4).

وباختصار، فإن كلمة الشيعة، إطلاقاً، أو شيعة أهل بيت النبوة، إضافة، صارت تطلق على أولئك الذين يقولون بوجود نص شرعي على خلافة علي بن أبي طالب بالذات والأئمة من ولده من بعد النبي، ويقولون بإمامتهم وولايتهم ويتبعونهم ويقتدون بهم ولا يقتدون بغيرهم، ولا يقرون لأحد غيرهم بالإمامة والولاية.

ومن الغريب والمدهش حقاً أن كافة الفرق والجماعات الإسلامية سلمت لشيعة أهل بيت النبوة ب‍ (مصطلح شيعة) ورضيت بتخصيصه لهم، وتوقفت عن إطلاق لفظ شيعة على غير هم من الفرق والجماعات!

وحتى نبقى ضمن إطار البحث، وبغض النظر عن صحة مقولات شيعة أهل

(1) لسان العرب، مادة (شيع).

(2) المصدر نفسه.

(3) في ج 3، من كتابه الزينة.

(4) راجع: معالم الفلسفة محمد جواد مغنية ص 64، والتشيع والتصوف لهاشم معروف الحسني ص 975، وكتابنا النظام السياسي في الإسلام ص 299 - 300.


44

بيت النبوة أو عدم صحتها، فإن لهذه الشيعة أمرها الواحد، وقيادتها الواحدة، وفكرها الخاص بها الذي تسعى لنشره وتعميمه، وهدفها الوحيد الذي تسعى إلى تحقيقه، ولها ثقافتها وآلياتها الثقافية الخاصة بها. كل هذا يجعلها جماعة أو فئة أو حزباً متميزاً بالكامل من غيره من الأحزاب والفرق والجماعات الإسلامية. وبالرغم من هذا التخصيص (العرفي) لكلمة شيعة فإننا نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام المعنى اللغوي والاصطلاحي المستقر في اللغة والقرآن والسنة والتاريخ، وإن تخصص (عرفياً).

التشيع للأشخاص والأفكار من سنن المجتمعات البشرية

التشيع وقيام الشيع، وفق مفهومها اللغوي والاصطلاحي، كان الصفات البارزة التي ميزت المجتمعات البشرية طوال التاريخ. ووجود الشيع الكثيرة مظهر من المظاهر الدائمة لكل مجتمع. والمجتمع الإسلامي لم يشذ عن هذه القاعدة، فقد تكونت للرسول نفسه شيعة أخذت تنمو وتكبر حتى انضم لها أفراد المجتمع كله، فقد تشيع الجميع لرسول الله أو تظاهروا بذلك، وآمنوا بما جاء به، حتى بدا المجتمع الإسلامي شيعة واحدة متميزاً باعتقاداته وقيادته عن غيره من المجتمعات المعاصرة له. وبعد انتقال الرسول إلى جوار ربه تشيع فريق من المسلمين لأبي بكر وفريق آخر لعمر، وثالث لعثمان، ورابع لطلحة وخامس للزبير.. وسادس لمعاوية، وسابع لمروان بن الحكم، وثامن ليزيد بن معاوية... الخ. وكان لكل واحد من أولئك الشخصيات شيعته الخاصة به التي ترى رأيه، ولم يقل أحد من الناس أن التشيع لهذه الشخصية البارزة أو تلك جريمة، ولم تحاصر شيع المجتمع الإسلامي شيع أولئك الشخصيات البارزة بل كان الناس يعدون التشيع لهم أمراً عادياً جداً مألوفاً.

فمعاوية، مثلاً، وأبوه قادا الأحزاب وحاربا رسول الله بجميع وسائل الحرب، وقاوما بجميع فنون المقاومة، ولم يدخلا الإسلام إلا بعد ثلاثة وعشرين عاماً من العناد، وبعد أن أحيط بهم، ومع هذا فلم تر جموع المسلمين غضاضة ولا حرجاً من وجود شيعة لمعاوية، ومن التشيع له مع أنه طليق ومن المؤلفة قلوبهم.

ويزيد بن معاوية، مثال ثان، قتل ابن الرسول في كربلاء وسبعة عشر رجلاً


45

من أهل بيت النبوة، وساق بنات الرسول سبايا من كربلاء في العراق إلى دمشق من دون مسوغ لهذا كله. وهدم الكعبة وهي قبلة المسلمين، واستباح مدينة الرسول، وقتل عشرة آلاف مسلم في يوم واحد وهو يوم الحرة، وحبل جيشة ألف عذراء من بنات مدينة الرسول بالقوة. ومع هذا لم تر جموع المسلمين غضاضة ولا حرجاً في أن تكون له شيعة.

ومثال ثالث، مروان بن الحكم لعنه رسول الله، ولعن أباه، ونفاه من المدينة، وحرم عليه أن يساكنه فيها، وكان من المعروفين بعداوتهم لرسول الله.

ومع هذا كانت له شيعة ترى رأيه ولم تتعجب جموع المسلمين من وجود شيعة له ولم تتعجب لأنه صار خليفة بل ووالد جميع خلفاء بني أمية المروانيين وجدهم.

وليس لدى الجموع المسلة ما يمنع من أن تكون للأمويين شيعة وقد كانت بالفعل، أو لبني تيم أو لبني عدي أو لأي بطن من بطون قريش أو من بطون قبائل العرب، وقد كانت بالفعل، فليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب وما يخرج عن المألوف! ولكن ما يثير دهشة الجموع المسلمة وحنقها واستغرابها هو وجود شيعة لأهل بيت النبوة أو وجود من يتشيع لهم. هذا ما يقيم الدنيا ولا يقعدها! قد تتقبل الجموع المسلمة فكرة وجود جماعة شيوعية ينكرون وجود الله! وتتقبل وجود يهود ونصارى ولكنها لا تتقبل وجود شيعة أو حزب يؤيد أهل بيت النبوة! فما هو السبب في هذا النفور العجيب؟ وما هو سر هذه العقيدة؟ إنها ثقافة التاريخ ورواسب الماضي المناقضة تماماً للثقافة القرآنية.

الثقافة المناقضة للثقافة القرآنية

الشيع تنفض وتتبعثر عادة بموت قادتها، أو إفلاس فكرها، أو فشل تجربتها، لتقوم على أنقاضها شيع جديدة بقيادات جديدة وفكر جديد أو معدل تعديلاً جذرياً. هذه قاعدة عامة لم تشذ عنها إلا شيعة أهل بيت النبوة. فقد بقيت هذه الشيعة ثابتة ولم تنقرض، وبقي فكرها كما هو لم يتزعزع ولم يتبدل. فمنذ وفاة النبي وحتى الآن وشيعة أهل بيت النبوة ترى أن ولاية الأمة وإمامتها وقيادتها من بعد النبي وحتى قيام الساعة هي حق شرعي ثابت لعلي بن أبي طالب ولأبنائه


46

وأحفاده الأئمة من بعده، وأنهم قد غصبوا هذا الحق ظلماً. ثم إن هذه الشيعة تزيد ولا تنقص. لقد شعر الحكام بخطورة هذه الحركة على نظم حكمهم وعلى الصيغة الجديدة التي طرحوها للإسلام. وشعرت الشيع الإسلامية جميعها بهذه الخطورة واستاء العامة فالشيعة يخطئون صراحة، أو ضمناً أعداداً كبيرة من الصحابة، ويقولون بكل صراحة إن علياً بن أبي طالب كان أولى بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان، لهؤلاء الثلاثة في نفوس المسلمين مرتبة من القداسة والتقديس تفوق التصور. فشعرت العامة أن شيعة أهل بيت النبوة تهز عقيدتهم بقداسة هؤلاء الثلاثة، ما أثار سخطها وشعورها البالغ بالاستياء، لأن هؤلاء الثلاثة فوق الشبهات فهم أعمدة الحكم التاريخي من بعد النبي، وعصورهم هي العصور الذهبية في الإسلام. والتشكيك بنزاهتهم تشكيك بالدين نفسه، وهدم العصور الذهبية! ومن جهة ثانية، فإن هؤلاء الثلاثة، كما ترى الشيع، أجل وأرفع من أن يعرفوا حق علي والأئمة من أهل بيت النبوة بالإمامة والولاية ثم يغصبوه منهم. ورسخ هذه العقيدة وزاد من خطورتها أن الأمويين الذين طبعوا الدولة الإسلامية التاريخية بطابع المؤسسية والاستقرار التنظيمي وبخاصة معاوية بن أبي سفيان موتورون وحاقدون على آل محمد بعامة وعلى علي بن أبي طالب وذريته بخاصة، فقد قتل علي حنظلة شقيق معاوية واشترك مع الحمزة في مقتل عتبة جد معاوية، والوليد ابن خاله وشيبة شقيق جده وتسعة من شيوخ بني أمية، ومعاوية والأمويون بشر، وتلفظهم بالشهادتين لا يخرج الحقد من قلوبهم وعندما ملك معاوية زمام الأمور، ودانت له البلاد الإسلامية بالطاعة رغبة أو رهبة استغل خليفة العامة وسخر جميع موارد دولته وإعلامها لتثبيت قواعد الملك الأموي، وتقليم أظافر أهل بيت النبوة والتنكيل بهم وبشيعتهم، ليكونوا مجرد رعايا منبوذين لا معين لهم ولا ناصر، فيقضي على أية مخاطر محتملة منهم على ملكه بخاصة وعلى ملك الأمويين بعامة. فما أن استقر عرش معاوية حتى أصدر سلسة من (المراسيم الملكية)، وطلب من جميع عماله في أرجاء الدولة أن ينفذوها بدقة بالغة، وأن يأخذوا الناس بها. ومن أهم هذه (المراسيم).

1 - (برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل البيت).


47

وعملاً، بهذا (المرسوم) فمن يروي حديث الثقلين، أو حديث (من كنت مولاه فهذا علي مولاه ووليه) أو أي حديث آخر مهدور الدم ويمكن لأي شخص أن يتولي إعدامه في الشارع العام ومن دون محاكمة!

2 - طلب معاوية جميع عماله (أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة شهادة) وبناء على هذا (المرسوم) لو حضر الحسين ابن رسول الله عقداً من العقود لما جاز له أن يشهد على هذا العقد، ولا يجوز لأي من موالي أهل بيت النبوة شهادة أيضاً. فهم رسمياً محرومون من كافة الحقوق المدينة والسياسية حسب قوانين دولة معاوية (ومراسيمها) التشريعية.

3 - قال معاوية لعماله: (انظروا من قامت عليه البينة أنه يجب علياً بن أبي طالب وأهل البيت فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه) ونتصور خطورة هذا القرار إذا عرفنا أن العطاء كان هو المصدر الوحيد لرزق أكثرية رعايا الدولة الإسلامية آنذاك.

4 - وقال معاوية لعماله: (من اتهمتموه بموالاة علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة فنكلوا به واهدموا داره) فصار بإمكان الوالي، في أي بلد أو كورة، أن يهدم دار أي مسلم بجرم موالاة علي بن أبي طالب أو أهل بيت النبوة.

5 - أمر معاوية عماله: (لا تتركوا خبراً رواه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر إلى عيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته)!

وبناء على هذا (المرسوم) يتولى عمال معاوية، إذا شاع قول الرسول لعلي:

(أنت ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعدي)، على سبيل المثال، إيجاد المحدثين الذين يتولون اختلاق حديث عن رسول الله ينفي الحديث السابق، ويعطي مزاياه لصحابي آخر.

فقرأت كتب معاوية (ومراسيمه) على الناس في كل كورة فقام الخطباء، وعلى كل منبر، يلعنون علياً بن أبي طالب ويقعون فيه وفي أهل بيت النبوة (1).

(1) راجع: شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد، 3 / 595، تحقيق حسن ‌


48

ومع ضغط الدولة، ووسائل إعلامها تكون رأي عام يرى أن الزندقة والكفر أخف جرماً من التشيع لأهل بيت النبوة أو من موالاتهم. وبالفعل، فإن الزنادقة والكفار والمنافقين لم يتعرضوا لعشر معشار ما تعرض له أهل بيت النبوة وشيعتهم. قال المدائني: (ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين، وولي عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي، فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي أنهم من أعدائه) (1).

لم تتوقف الدولة الأموية عن التنقيب المستمر لإيجاد شخصيات إسلامية تأخذ الفضل من علي، أو تسبقه في هذا الفضل، وعن إيجاد جماعات إسلامية تقف على قدم المساواة مع أهل بيت النبوة وتسبقهم، فاخترع الأمويون وأشياعهم " (نظرية عدالة الصحابة) بثوبها الفضفاض، ونسبوا للصحابة جميعاً من الفضائل ما لم يخطر على البال لا حباً بالصحابة، ولكن إرغاماً لأنوف أهل بيت النبوة ومواليهم!

قال ابن عرفة، المعروف بنفطويه، وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم، في تاريخه: (إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم) (2).

واستغل العباسيون حالة التعاطف مع قضية أهل بيت النبوة، وشكلا شيعة خاصة بهم، وغلب العباسيون بني أمية فحكموا، وكان المفترض أن تخف الوطأة عن أهل بيت النبوة وشيعتهم بسقوط الحكم الأموي وقيام حكم بني العباس أبناء عمومة الإمام علي، ولكن حكم بني العباس لم يقل وطأه على أهل البيت وشيعتهم من الحكم الأموي. وغلب العثمانيون بني العباس وأقاموا دولتهم الجديدة على أنقاض الدولة العباسية. وبقيت شيعة أهل بيت النبوة هاجس الدولة التاريخية، وبقي الحصار مفروضاً عليها. ومع أن دولة الخلافة التاريخية قد سقطت رسمياً

‌ تميم كما نقله عن المدائني في كتابه الأحداث.

(1) المصدر نفسه: 3 / 595 - 596.

(2) المصدر السابق: 3 / 597.


49

بسقوط آخر سلاطين بني عثمان ; إلا أن الثقافة التي زرعتها في نفوس العامة عن الشيعة والتشيع، بمعناه (العرفي) الجديد، لم تسقط بعد، بل ما زالت ضاربة الجذور في نفوس العامة عموماً والحركة الوهابية خصوصاً، وبقيت هذه الثقافة، جزءاً لا يتجزأ من معتقدات العامة. وهذا يتعارض مع توجه الأمة لتوحيد كلمتها وجهدها في مواجهة أعدائها!

إنه لمن المدهش حقاً أن يتمكن أهل بيت النبوة من المحافظة على تواصل بقائهم في هذا المناخ العاصف.

ومن المثير للدهشة، أيضاً، أن يبقي لأهل بيت النبوة شيعة تتبنى قضيتهم وتقول بحقهم بالإمامة والولاية والقيادة أمام هذه الأمواج العاتية من العداء في الوقت الذي تتبعثر فيه كل الشيع ويتحول فكرها وقادتها إلى مجرد كلمات مختصرة في صفحات التاريخ.

صفوة المجتمع

والخلاصة أن التشيع يعني موالاة القيادة الإلهية، أي الصفوة، وأن الشيعة هم قمة الوعي وهم الصفوة والنماذج الإسلامية المتحركة، وبهذا وصفهم الإمام محمد الباقر عليه السلام بقوله: (ما شيعتنا إلا من أتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، وتعهد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء) (1).

فرق الشيعة

استقر معنى كلمة (الشيعة) للدلالة على كل أولئك الذين يؤمنون بحق أهل بيت النبوة بالإمامة أو القيادة أو الولاية أو المرجعية من بعد النبي، بغض النظر عن درجات هذا الإيمان ودوافعه. والشيعة متفاوتون في هذا الإيمان. وهذا التفاوت

(1) راجع: تحف العقول للحراني، حكم ومواعظ للإمام الباقر عليه السلام ص 215.


50

ينجم عن قربهم من الأئمة أو بعدهم عنهم، ومعرفتهم أو جهلهم بالمنظومة الشرعية الإلهية التي عالجت حق أهل بيت النبوة بالإمامة أو القيادة أو الولاية أو المرجعية من بعد النبي.

فرق الشيعة في عهد الرسول

لقد بذر الرسول أول بذور التشيع لأهل بيت النبوة بأمر من ربه وتظافرت السنة النبوية مع القرآن الكريم لرسم إطار التشيع وتحديد الغاية منه، فالقرآن الكريم يعلن طهارة أهل بيت النبوة، ويسأل المؤمنين عن المودة في القربى، ويؤكد أن أهل بيت النبوة هم أبناء النبي وبناته، وهم كنفسه. والقرآن الكريم يخصص جزءاً من واردات الدولة الإسلامية: الخمس من الأنفال لأهل بيت النبوة، ليضمن لهم مورداً كريماً ودائماً في جمع الأزمان ليستعينوا به على الحياة وفي تأليف القلوب من حولهم، وجاءت السنة النبوية لتجعل من علي وفاطمة والحسن والحسين الرموز الحية لعائلة أهل بيت النبوة أو مؤسستهم، ولتبين أن هؤلاء الأربعة هم أول المقصودين من اصطلاح أهل بيت النبوة، ومنعاً للالتباس، قدم رسول الله علياً بن أبي طالب ليكون وزيره الأول، وخليفته من بعده، وأعلن هذا النبأ في اليوم نفسه الذي أعلن فيه أبناء النبوة والرسالة والكتاب، ولم تحمل البطون نبأ ولاية علي من بعد النبي وخلافته له على محمل الجد، لأنها استبعدت أن ينجح محمد وأن يكون له ملك، وخليفة له على هذا الملك، لذلك تجاهلت نبأ الولاية من بعد النبي.

وتابع النبي دعوته ونجح في تكوين دولته في الوقت الذي كان يتصدى فيه لعدوان بطون قريش. وخلال هذه الآونة لم يتوقف النبي عن تقديم علي بن أبي طالب للأمة، فسماه الإمام، وسماه الهادي، وسماه القائد، وسماه الولي، وسماه الخليفة. وفي غدير خم، أعلن أمام المسلمين أن علياً بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة، وهو ولي ومولى كل من كان النبي وليه ومولاه، وسأل الله أن يوالي من يوالي علياً وأن يعادي من عاداه، فبايعت جموع المسلمين علياً بن أبي طالب ولياً وأميراً وإماماً وخليفة من بعد النبي. وكان أول المبايعين أبو بكر وعمر وعثمان وبقية التسعة الذين انتشر خبر تبشيرهم بالجنة. بعد ذلك وفي المقام نفسه أعلن


51

النبي أن الإسلام كله من بعد النبي يتألف من ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو بمثابة القانون النافذ للدولة، وثانيهما عترة النبي أهل بيته. وأقسم للحاضرين بأن الهدى لا يمكن أن يدرك إلا بالثقلين معاً، وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إطلاقاً إلا بالثقلين معاً. وزيادة في الإيضاح أكد النبي أن علياً بن أبي طالب وشيعته هم الذين عناهم الله بقوله ﴿أولئك هم خير البرية [ البينة / 6 ] وأن علياً وشيعته سيدخلون الجنة غراً محجلين، وأنه لا مكان في الجنة لمن لا يوالون علياً وأهل بيت النبي! وهكذا قاد الرسول بنفسه الدعوة للتشيع إلى علي وأهل بيت النبوة لأنه أراد أن تكون الأمة المؤمنة حزباً واحداً (شيعة) تقف من وراء علي وأهل بيت النبوة طوعاً ومن دون إكراه، وأراد أن يمزج التدين بالتشيع، وأن يربط القرآن بأهل البيت، وأهل البيت بالقرآن وأن يجعل من هذه الوحدة الطريق الفرد للهدى، والواقي المنيع من الضلالة، ومن الطبيعي أن الرسول قد فعل ذلك كله بأمر من ربه.

أثبت الإمام علي بن أبي طالب، خلال مرحلتي الدعوة والدولة، تميزه وأهليته بجميع المراتب التي اختصه الله تعالى بها وأعلنها نبيه للمسلمين، فكان واضحاً للقاصي والداني، للعدو والصديق أن علياً هو الأقرب للنبي فهو ابن عمه الشقيق، وقد حضنه النبي ورباه في حجره كابنه، وهو زوج ابنته البتول، ووالد سبطيه وابن عمه أبو طالب الذي احتضن النبي صغيراً ورباه ثم حماه بنفوذه عندما أعلن نبوته، وهو ابن المرأة الفاضلة التي احتضنته وعاملته كأم وأحبته أكثر من أولادها. ثم إنه الأعلم بالدين والأفهم والأتقى، والأشجع والأفضل لقد كان فارس الإسلام، وأوحد زمانه، لذلك كان خليقاً بكل المراتب التي أعلنها النبي، وكفاه فخراً أن الله تعالى قد اختاره لذلك وأهله وأعده.

ومن هنا كان التشيع للإمام علي بن أبي طالب ولأهل بيت النبوة منهجاً رسمياً للدولة النبوية باعتباره إعداداً لمرحلة ما بعد النبوة.

فكان التشيع لعلي بن أبي طالب جزءاً لا يتجزأ من الدين، فمن والاه وأطاعه فقد والى النبي وأطاعه، ومن رفض ولايته وعصاه فقد رفض ولاية النبي وعصاه، ومن سبه أو آذاه فقد سب النبي وآذاه. لقد صار الإمام علماً للهدى فلا يحبه


52

إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق. ومن هنا فقد قبلت الأمة الإسلامية ذلك، فأظهرت أو تظاهرت بالتشيع لعلي وأهل بيت النبوة، لأنه بغير هذا لن يكتمل الإيمان.

يقول معاوية بن أبي سفيان، وهو عدو الإمام اللدود، في رسالة وجهها لمحمد بن أبي بكر بالحرف: (وقد كنا، وأبوك معنا، في حياة من نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرزاً علينا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده.. فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه على ذلك اتفقا واتسقا...) (1).

تدل هذ الرسالة على أن الجميع كانوا يتشيعون للإمام علي أو يتظاهرون بذلك. إذا كانت هذه حقيقة نظر معاوية للإمام علي الذي قتل أخاه، وجده وشقيق جده وخاله وابن خاله وتسعة من أبناء عمومته فمن باب أولى أن تكون الرعية كلها مثله. لقد قبل المسلمون إمامة الإمام علي واعتبروه قدراً مقدوراً، كالنبوة وقبلوا قيادة أهل بيت النبوة المستمرة للمجتمع الإسلامي، ولولا الانقلاب الذي قادة قادة بطون قريش، لأسباب بعضها قبلي ; لما اختلف على التشيع للإمام ولأهل بيته اثنان، ولسارت أمور الأمة سجحاً إلى القيامة.

والذي يعنينا هنا أن التشيع لعلي بن أبي طالب والقول بإمامته وبحق أهل بيت النبوة بالإمامة والولاية والقيادة من بعد النبي كان خطا عاما مسلما من الجميع، أو هكذا تظاهر الجميع من دون إكراه. ومن هنا كان الناس جميعهم شيعة، وكانت الشيعة فرقة واحدة، واندمجت فكرة التشيع مع الدين، وصارت وجها من وجوهه، وامتازت عقيدة التشيع في تلك المرحلة بالبساطة والوضوح، وتلخصت في أمرين:

1 - قانون نافذ يتكون من القرآن الكريم وبيان النبي لهذا القرآن.

2 - قيادة سياسية منحصرة بعمادة أهل بيت النبوة، وأول العمداء علي بن أبي طالب.

(1) راجع مروج الذهب للمسعودي، 3 / 11، ووقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 118 - 119، وكتابنا المواجهة ص 472.


53

التشيع في عهد الخلفاء الثلاثة

لما أراد النبي أن يكتب توجيهاته النهائية، وهو على فراش الموت وجد نفسه وجهاً لوجه أمام بطون قريش: مهاجرها وطليقها، ومن خلف البطون المنافقون والمرتزقة من الأعراب! وجد نفسه أمام حزب منظم وقوي يقوده صهره عمر بن الخطاب، فما أن قال النبي: قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، حتى قال عمر بن الخطاب: إن النبي يهجر، حسبنا كتاب الله! وعلى الفور رددت البطون وحلفاؤها: القول ما قال عمر! إن النبي يهجر! ونجحوا في الحيلولة بين النبي وبين كتابة ما أراد. لقد تيقن النبي والقلة المؤمنة التي اصطفاها لتشهد كتابة توجيهاته النهائية. إنهم أمام الفتنة بعينها، وإن بطون قريش التي هزمها النبي، وهي على الشرك، جاءت لتهزم النبي تحت مظلة الإسلام! وإنها تهدف إلى هدم كافة الترتيبات الإلهية المتعلقة بالإمامة والقيادة والولاية من بعد النبي، وإنها تستعد لغصب حق أهل بيت النبوة الشرعي في القيادة، والاستيلاء عليها بالقوة والتغلب والقهر، وتقديم الدين على طريقة البطون. لقد قدرت البطون ودبرت فأحكمت التدبير، فلو أصر النبي علي كتابة توجيهاته لأصرت البطون وحلفاؤها على هجر النبي ; وفي ذلك هدم للدين وإبقائه طريقاً لملك البطون، وقدر النبي أن عهوده ومواثيقه اللفظية وتأكيداته التي تكررت تكفي المؤمنين ليحموا الشرعية الإلهية بسواعدهم، فإن تخاذلوا عن حمايتها فسيذلوا ويحرموا نعمة هذه الشرعية الإلهية، وسيتفرقوا. وإن تفرقوا لن يجتمعوا إلا بالعودة إلى هذه الشرعية بعد أن يمسهم الشيطان بنصب وعذاب. وخرجت البطون من بيت النبي منتصرة، واغتنمت فرصة انشغال أهل بيته بتجهيزه وتكفينه، ونصبت خليفة، وبايعته بطون قريش، وبايعه المنافقون والمرتزقة من الأعراب، وأصحاب المصالح من الأنصار، وعزل أهل بيت النبوة وبنو هاشم والقلة المؤمنة وصاروا أقلة كما كان وضعهم في مكة قبل الهجرة.

وواجه الإمام علي وأهل البيت والفئة المؤمنة واقعاً سياسياً لا طاقة لهم بمواجهته (1).

(1) راجع كتابينا: نظرية عدالة الصحابة، ص 286 وما بعدها، والمواجهة مع رسول الله وآله، ص 360 فتجد التفصيل ومئات المراجع المعتمدة عند أهل السنة.


54

إلغاء النهج العام للتشيع وتجميده

عند ما نجحت بطون قريش في انقلابها الذي قاده صهرا النبي، واستولت بالقوة والتغلب والقهر على منصب الخلافة اتخذت سلسة من التدابير والقرارات المؤلمة، نجحت، من خلالها، بإلغاء النهج العام الذي رسمه النبي للتشيع لعلي بن أبي طالب بخاصة وأهل بيت النبوة بعامة، فبدلت رسمياً واجب الولاء لأهل بيت النبوة بالولاء لقريش، وجعلت الولاء لخليفة البطون بديلاً من الولاء لعلي بن أبي طالب، وجمدت التشيع تجميداً كاملاً من عدة طرق هي:

1 - منع رواية الأحاديث النبوية المتعلقة بالتشيع لأهل بيت النبوة بعامة ولعلي بخاصة وكتابتها، وحرق المكتوب منها.

2 - تحطيم الرموز التي ينبغي شرعاً على الناس أن يوالوها. فقد جر الخليفة الإمام علي بن أبي طالب جراً، وهدد بالقتل إن لم يبايع، وشرع جيش الخليفة في حرق بيت فاطمة بنت الرسول محمد على من فيه، وفيه فاطمة والحسن والحسين سبطا الرسول.

3 - حرمان أهل بيت النبوة من حقهم في ميراث النبي، ومصادرة المنح التي أعطاها لهم النبي حال حياته! وحرمانهم من حقهم في الخمس الوارد في آية محكمة.

4 - حرمان أهل بيت النبوة من تولي الوظائف العامة وأوضحت البطون لهم بأنه إذا ما أرادوا العيش فإن عليهم أن يقفوا أذلة أمام بيت الخليفة ليأخذوا حاجتهم من المأكل والمشرب! واستعملت سلطات الدولة ونفوذها لصد الناس عن موالاة علي وأهل بيت النبوة ونجحت في ذلك.

ومن خلال هذه التدابير المؤلمة استطاعت دولة البطون أن تعزل علياً وأهل بيت النبوة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وأن تذلهم إذلالاً بالغاً، وأن تظهرهم في مظهر الذين لا حول لهم ولا قوة. وما يعنينا أن دولة البطون ألفت، رسمياً وعملياً، النهج العام للتشيع الذي رسمه النبي، وجمدت التشيع تجميداً تاماً، والقلة التي اختارت الوفاء بعهد الله رسوله، والبقاء على ولائها وتشيعها لعلي خاصة وأهل


55

بيت النبوة عامة كتمت ولاءها وتشيعها، وتظاهرت بتقبل ما حدث حفظاً لحياتها ومصالحها، وبقيت عقيدتها بالتشيع على بساطتها التي كانت سائدة في زمن الرسول، فهي تؤمن بالقرآن وبيان النبي لهذا القرآن قانوناً أبدياً للأمة، وتؤمن بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيت النبوة قيادة أبدية للأمة من بعد النبي، ولكنها اضطرت لإخفاء هذا الإيمان. بمعنى أنه لم يكن للشيعة فرق في هذا العهد إنما كانوا فرقة واحدة.

عودة النهج العام للتشيع

بعد مقتل خليفة بطون قريش الثالث عثمان، وتسلم الإمام علي منصب الخلافة، رفع جميع القيود التي وضعها الخلفاء الثلاثة، وأخذ يكشف النقاب ويذكر الأمة بالنصوص الشرعية التي عالجت منصب القيادة من بعد النبي. ولم تمض آونة بسيطة على حكمه حتى أدركت الأكثرية الساحقة من المسلمين، أن المياه قد عادت إلى مجاريها، وأن الحق قد عاد إلى صاحبه، وشعرت كأنها استفاقت من حلم، وأعلنت الفئة المؤمنة حقيقة إيمانها وفتح الإمام بعض مغاليق علمه بالقدر الذي تتحمله العامة، وعادت سيرة البطل لتشق طريقها إلى الأسماع من دون قيود، وبهر الجميع بمسلك الإمام الشخصي وعدله وجلال قدره، فالتفت حوله قلوب المخلصين فتشيعوا له ولأهل بيته، وتشيعت البقية أو تظاهرت بالتشيع. وصار التشيع لأهل بيت النبوة النهج العام للمجتمع، بعد القضاء على حزب عائشة وطلحة والزبير، ودانت البلاد الإسلامية لحكم الإمام وقيادته ولم تبق إلا ولاية الشام التي أعلنت عصيانها له بقيادة معاوية بن أبي سفيان. خلال هذه الحقبة كانت الشيعة فرقة واحدة ولعقيدتها البساطة التي كانت سائدة في عهد النبي و تقوم هذه العقيدة على حديث الثقلين الذي يؤكد أن قيادة الأمة حق خالص لأئمة أهل بيت النبوة.

الاختلاف ونشوء الفرق

وقف الصحابة المخلصون جميعهم مع الإمام علي في سلمه وحربه ومعهم عامة المسلمين، ووقفت بطون قريش ومعها المنافقون والمرتزقة من الأعراب


56

وأهل الشام مع معاوية، الذي استعد لهذه المواجهة طوال مدة حكمه لولايته الشام التي امتدت قرابة عشرين عاماً. كانت مواجهة بين القوة والشرعية، لقد أنهكت الحرب معسكر الإمام وحدثت معركة صفين، ورجحت كفة الإمام ومعسكره، ولا حت بوادر هزيمة معاوية وجيشه فاخترع معاوية وابن العاص خدعة رفع المصاحف على الرماح، وشعار (هذا كتاب الله بينا وبينكم)، ودب الخلاف في معسكر الإمام، فمنهم من يقول: هذا كتاب الله، ومنهم من يقول: تلك خدعة من رجلين لا يعرفان كتاب الله. وتوقف القتال، واشتد الخلاف في معسكر الإمام، وصار الإمام نفسه مأموراً بعد أن كان آمراً، ووجدت الأكثرية فرصة للقعود والدعة، وتهيأ المناخ لنشوء الفرق والأحزاب، الفئة المؤمنة، وهي قلة بقيت على ولائها للحق لم تتزعزع، والأكثرية الساحقة فتحت آذانها لما يقال وهو كثير، وفتحت قلوبها للهوى الذي انفلت من حواجزه، وتبعثرت وتشرذمت الكثرة طرائق بدداً. كان هم الإمام أن يعيد الكثرة إلى خط القلة المؤمنة، وكانت المهمة عسيرة إن لم تكن مستحيلة، فقد ألقى الخلاف أجرانه في معسكر الإمام وأفلتت أزمة الأمور من يده، وعبر عن واقع الحال بقوله: (لا رأي لمن لا يطاع). وأخيراً صمم الإمام أن يدعو على أولئك الذين رفضوا طاعته، وأن يخرج وأهل بيته والقلة المؤمنة التي أطاعته إلى حرب معاوية. في قمة هذا التصميم، وبينما كان الإمام يستعد لأداء الصلاة في صبيحة أحد أيام شهر رمضان كان السيف الغدر، بيد أشقاها ابن ملجم، وما أن دلف الإمام إلى المسجد حتى هوى السيف على رأس أتقاها، ومات أفضل المسلمين بعد النبي، وبايعت القلة المؤمنة الحسن، وتبعهم الذين بايعوا أباه. وجهز الإمام علي الفور جيشاً لمقاتلة معاوية، وسار الجيش بقيادة عبيد الله بن العباس، ومن دون علم الإمام جرت مفاوضات بين معاوية وبين عبيد الله أسفرت عن حصول الأخير على رشوة كبيرة من معاوية فالتحق ومعه ثلث الجيش بمعاوية. لم يستسلم الإمام إنما خرج ومعه فئة من المؤمنين لينضموا إلى ما تبقى من الجيش، وليقاتلوا معاوية، وفجع قلب الإمام الشريف عندما اكتشف أن فرقة ممن تبقى من جيشه كانت تخطط للقبض عليه وتسليمه حياً لمعاوية مقابل مبلغ من النقود، وأن هذه الفرقة قد شرعت في ذلك وطعنته وهجمت على فسطاطه ونهبته!


57

عندئذ تيقن الإمام أن الاستمرار في مواجهة معاوية عسكرياً في هذه الظروف انتحار حقيقي سيؤدي حتماً إلى إبادة الفئة المؤمنة إبادة تامة، وخلو الساحة من المؤمنين، وهذا ما يتمناه معاوية وبطون قريش، وبالنتيجة سينتصر معاوية. لذلك، وحرصاً من الإمام علي ما تبقى من الفئة المؤمنة ومن أهل بيت النبوة، قرر أن يتنازل لمعاوية عن الخلافة بشروط، حتى لا يضطر يوماً إلى التنازل عنها من دون شروط، وجرت مفاوضات، وقبل معاوية بشروط الإمام، ووقع على التزامه بها، وتنازل الإمام رسمياً، وصار معاوية بالقوة والقهر خليفة جميع المسلمين. وبعد أن تم له ما أراد، لم يف بعهد الله، ولم يحترم توقيعه على شروط الحسن. وظهر معاوية على حقيقة ملكاً لا مطمع له إلا الملك، وما كانت الشعارات التي رفعها سوى ستار يخفي تحته أطماعه. وبعد أن استهل معاوية عهده الجديد، أخذ الناس يقارنون بين عهده وعهد علي، وسيرته وسيرة علي، وعدله وعدل علي، وعلمه وعلم علي، وأصله وأصل علي، فندموا وتباكوا على الإمام وعلى كل ما كان يرمز له (ولات حين مندم) واضطروا إلى مواجهة عسف الملك الذي أقاموا ملكه بأيديهم وأعمالهم!

الفئة التي تشيعت لله ولرسوله ولأهل بيته بقيت على عهد الله لم تتغير، ولم تهتز قناعاتها بأن القيادة والمرجعية حق خالص لأهل بيت النبوة، ولكنها اضطرت أن تخفي هذه القناعات تماماً كما أخفتها في عهد الخلفاء الثلاثة حرصاً منها على حياتها ومصالحها الهزيلة. وهؤلاء الباقون على عهد الله هم الشيعة.

والفئات التي تباكت من ظلم معاوية وولاته وفقدت عدل الإمام وسيرته، بدأت من الصفر وأخذت تكون لنفسها قناعات مختلطة تتضمن نوعاً من الموالاة لأهل بيت النبوة، ولكنها ليست الموالاة الشرعية إنما هي تعبير عن المعاناة، أولئك ليسوا شيعة.

التشيع، من منظور السلطان، جريمة تفوق جريمة الكفر

بعد أن استقام الأمر لمعاوية ولبطون قريش، وأنشبوا أظفارهم في أعناق المسلمين وقلوبهم لم يكتفوا بإلغاء النهج العام للتشيع الذي كان سائداً زمن النبي،


58

وزمن علي، ولم يكتفوا بطمس النصوص الشرعية التي تبرز علياً وأهل بيت النبوة وتؤكد حقهم في القيادة والمرجعية، بل سخروا كل إمكانيات الدولة وطاقاتها الهائلة للتشكيك في هذه النصوص الشرعية، ولاختلاق فضائل ونصوص نبوية لمعاوية وقادة البطون ما أنزل الله بها من سلطان، وفرض هذه الفضائل والنصوص المختلفة على الناس وجعلها منهاجاً تربوياً وتعليمياً لرعايا دولة معاوية. وأبعد من ذلك فإن معاوية وقادة البطون صوروا علياً بن أبي طالب في صورة الشيطان (حاشاه) وفرضوا على الرعية لعنه وسبه والتبرؤ منه ومن أهل بيت النبوة. وأصدر معاوية، بوصفه سلطان المسلمين، سلسلة من (المراسيم الملكية) عممت على كافة ولاته، وفي كل أقاليم دولته، أمرهم فيها بأن يمحوا من ديوان العطاء كل من يشتبهوا بموالاته لعلي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة، وألا يقبلوا له شهادة، وإن ظنوا بأن أحداً من المسلمين يحب علياً وأهل بيت النبوة فعليهم أن يهدموا داره وأن يقتلوه على الفور. فصارت كلمتا الكفر والزندقة أخف بمليون مرة من كلمة التشيع، وصار الكفرة والزنادقة ملوكاً إذا ما قيسوا بالشيعة، وصارت الانتماء إلى الشيعة من الجرائم الكبرى التي تعرض مرتكبها للقتل من دون محاكمة، وعلى الشبهة!

وصارت هذه (المراسيم) جزءاً من المنهاج التربوي والتعليمي للدولة يتناقلها الناس، جيلاً بعد جيل. وما يعنينا أن الفئة المؤمنة بحق أهل بيت النبوة بقيادة الأمة بقيت على إيمانها، ولكنها أخفت هذا الإيمان في حرز منيع، وكان هم الشيعة منصباً بالدرجة الأولى والأخيرة على المحافظة على الحياة. فلم يعد بوسع أحد منهم أن يقول لخادمه بأنه من الشيعة. كم كان الواحد منهم يتستر على إيمانه تماماً كتستر مؤمن آل فرعون بل وأشد تستراً، لأن البديل الآخر هو الموت. وتركت الساحة لمعاوية ولبطون قريش لينجحوا في تحريف الحقائق بقوة الدولة وسلطانها!

لذلك تشبثت الشيعة بالحياة لا حرصاً عليها، ولكن طمعاً بنقل الحقيقة من جيل إلى جيل وبيانها للناس، وفاء بما أخذه الله على العلماء.

المذبحة الكبرى

لما شعر معاوية بدنو أجله، وليتم بالصالحات أعماله، أخذ يعد العدة ليستخلف ابنه يزيد من بعده، وشجعه على ذلك تأييد البطون والمنافقين والمرتزقة


59

وجند الشام المجندة تحت أمرته، وخيراتها المكنوزة لحاجاته الشخصية. ويزيد هذا شاب سكير مشهور بخلاعته وقلة دينه ومجونه وتفاهته. ولكن، وكما فرض نفسه على الأمة بالتغلب والقهر، أراد أن يورثها لابنه باعتبارها جزءاً من ممتلكاته الخاصة، وقدر معاوية أن أهل المدينة الذين يعرفون يزيداً لن يقبلوه، وبالتالي فستكون الفرصة ذهبية للقضاء التام على ما تبقى من المؤمنين. وبعد أن استخلف يزيد وعهد إليه ; أوصاه بأن يرسل مسلم بن عقبة إلى المدينة إذا ثار أهلها، ويبدو واضحاً أن معاوية قد تفاهم مع مسلم بن عقبة على ما ينبغي فعله بأهل المدينة.

مات معاوية، وجرت (مراسيم) بيعة الخليفة الجديد يزيد مع مراسيم العزاء بموت الخليفة القديم معاوية، وطلب من الحسين بن علي بن أبي طالب سبط النبي، وابن علي، أن يبايع يزيد ليكون حاكمه وإمامه وقائده! وأهل المدينة يتفرجون لا يدفعون هذا الحرج عن سبط النبي لا بيد ولا بلسان، فوعد الإمام أن ينظر في الطلب، ولما أرخى الليل سدوله ودع الحسين جده، وخرج بأهله ومن اتبعه من ذرية أخية وأبناء عمومته خائفاً، وتوجه إلى مكة. وأحيط أهل مكة علماً بقدوم الحسين وأهله، وبإصرار ولاة يزيد على أخذ البيعة منه فلم يحركوا ساكناً، بل نظروا إليه كزائر من زوار بيت الله الحرام، وأمضى الحسين أياماً في مكة ثم توجه إلى العراق. وفي كربلاء كان جيش يزيد بانتظاره هو وأهل بيته، كان جيش (الخلافة) قد تلقى أمراً حاسماً بالحيلولة بين الحسين وأهل بيته ومن معه وبين الماء حتى يموتوا جميعاً عطشاً تماماً وولاة العراق، وقادة جيش الخلافة الذي نهد ليذبح سبط النبي وأهل بيت النبوة أقل وأذل من أن يصدروا أمراً بهذه الخطورة وأن ينفذوه على مسؤوليتهم، بمعنى أن الخليفة الجديد ضالع من المؤامرة والمذبحة مثلها كان أبوه ضالعاً بها وشارك فيها الذين كتبوا للحسين!

وما يدل ذلك أنه لم تكن هنا لك ضرورة عسكرية للقتال، فيمكن لجيش قوامه عشرون ألف مقاتل، أو أربعة آلاف مقاتل، أن يأسر، وبكل سهولة، رجلاً ومعه اثنان وسبعون شخصاً من أهل بيته وشيعته. لكن الوالي والجيش والخليفة الجديد والقديم ضالعون بالمذبحة، وقد اتخذوا قرارها، وهم ينفذونها فصلاً فصلاً. وبعد حصار طويل وبعد أن أشرف الحسين وأهل بيت النبوة وأطفال


60

النبي وبنانه على الموت عطشاً، شن عمر بن سعد بن أبي وقاص هجوماً شاملاً وانجلى الهجوم عن قتل الحسين وأهل بيت النبوة وأسر بنات النبي وأطفاله. ولم يكتف ابن سعد بذلك بل أمر كوكبة من خيالته بأن يطأوا بخيولهم جثة الحسين وجثث أهل بيت النبوة ومن معهم، وأن يقطعوا رؤوس القتلى ويحملوها على الرماح حتى يرى والي العراق والخليفة أفعال عمر بن سعد وبلاءه المجيد في سبيل عرش معاوية وابنه! ورفعت الرؤوس، وسيقت بنات النبي، ولم تقع المذبحة إلا بعد أن أقام الحسين الحجة على القوم وبان لكل ذي عقل أن القوم أسفل من الكفرة، وأنها أحقاد على محمد وعلي وبني هاشم وعملية ثأر لقتلى الأمويين في معركة بدر، ولكن تحت خيمة الإسلام. وصدم العالم الإسلامي من هول ما جرى في كربلاء، وانزعج أهل المدينة، وتمردوا على يزيد. وعملا بوصية معاوية، جهز الخليفة جيشاً من أهل الشام وسلم قيادته لمسلم بن عقبة، وصل مسلم إلى المدينة، وفي يوم واحد، هو (يوم الحرة) قتل عشرة آلاف مسلم وأباح المدينة ثلاثة أيام لجيشه وربط خيوله في مسجد النبي، وختم أعناق الصحابة، وأخذ البيعة ممن تبقى من أهل المدينة على أنهم قول لأمير المؤمنين يزيد يتصرف بهم كما يتصرف السيد بعبيده، إن شاء باعهم، وإن شاء استخدمهم وإن شاء قتلهم، يفعل بهم ما يشاء! استسلمت الأمة لآل أبي سفيان بخاصة ولبني أمية بعامة، وذاقت وبال أمرها بمعصيتها لنبيها وخذلانها أهل بيته الذين أمرها الله بتقديمهم فذبح الطغاة ساداتها، ثم ذبحوا عامتها. ودخل حفيد أبي سفيان المدينة رداً على دخول محمد لمكة، ولكن تحت مظلة الإسلام!

نهج التشيع النهائي، والفرقة الناجية

بعد المحن التي تعرض لها أهل بيت النبوة، والتي جاوزت المدى في مذبحة كربلاء، انسحب الإمام علي بن الحسين زين العابدين من الحياة السياسية وشكا بثه وحزنه لله تعالى بأدعية تهز مشاعر النفس البشرية، وركز في الحياة العامة على العلم وتعليم الناس وإيصالهم إلى نبع علم النبوة الحقيقي. لقد تيقن الإمام أن وصول أهل بيت النبوة إلى منصب القيادة لا يحل مشاكل المسلمين الناجمة عن


61

تغيير دولة البطون لكافة الترتيبات الإلهية المتعلقة بالقيادة، والحل الوحيد لمشاكل الأمة تتمثل في تحصين الأمة ضد الإنحراف وإعادة بنائها من جديد فرداً فرداً، وعلى هذا اتفق أئمة أهل بيت النبوة واتسقوا، فانصب جهدهم على نشر علم النبوة النقي في جميع أوساط المسلمين، واتخاذ التدابير التي تؤدي إلى بقاء الفئة المؤمنة التي التزمت بموالاتهم (الشيعة) وتنظيم هذه الفئة تنظيماً يضمن استمرار وجودها، وتثقيفها تثقيفاً معمقاً بثقافة أهل بيت النبوة التي تمثل الثقافة الإسلامية في أنقى صورها وأروعها، بما في ذلك إيجاد النظام التكافلي الاقتصادي الذي يغني أفرادها عن الحاجة إلى دولة البطون.

ومضمون التشيع في نهجه الجديد لا يختلف عن مضمونه في عهد النبوة، فالمطلوب من الشيعي أن يلتزم بمبدأين: أولهما القرآن الكريم وبيان النبي لهذا القرآن، وثانيهما الإيمان بأن قيادة الأمة ومرجعيتها حق خالص لأهل بيت النبوة، وبالتحديد لأئمة أهل بيت النبوة الإثنى عشر الذين سماهم رسول الله، أولهم علي وثانيهم الحسن وثالثهم الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين آخرهم المهدي المنتظر محمد بن الحسن، فمن آمن بذلك فهو شيعي، ومن الفرقة الناجية، ومن لم يؤمن بذلك فأمره متروك لله. فالمضمون ثابت لم يتغير والذي تغير هو (التكتيك) والتنظيم، وإعاة الترتيب لمواجهة الواقع السياسي وثمرات النهج التربوي والتعليمي التي أوجدتها دولة البطون، وهذه الفرقة من الشيعة هي الإمامية الاثني عشرية، وهي الفرقة الناجية، إذ لا خلاف بين المسلمين على أن الأئمة الشرعيين من بعد النبي هم اثنا عشر إماماً، وقد أخفقت دولة البطون على الرغم من إمكانياتها الضخمة طوال التاريخ في بيان أولئك الأئمة الاثني عشر ما يجعل إجماع أهل بيت النبوة علي أسمائهم وترتيب أزمانهم الحجة الوحيدة المؤهلة للبقاء. والمنتمون إلى هذه الفرقة يشكلون الأكثرية الساحقة من المؤمنين الموسومين بالتشيع، وقد التزمت هذه الفرقة بالخط العرفاني السلمي، فلم تلجأ للعنف، ولم تشترك عملياً في الثورات، لأن الأئمة كانوا يعرفون سلفاً نتائج هذه الثورات إنما كان جهدها منصباً بالدرجة الأولى على معرفة الحقائق الشرعية وتوسيع قاعدتها الشعبية (إعادة بناء الأمة) وتحصين هذه القاعدة من الإنحراف، وصار لها مذهب معروف يسمى


62

بالمذهب الجعفري نسبة إلى الإمام جعفر (الصادق) بن محمد (الباقر) بن علي (زين العابدين) بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وسمي المذهب باسم جعفر لأنه عاصر إصرار دولة البطون على حصر المذاهب الإسلامية بأربعة: الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي نسبة إلى أسماء مؤسسي هذه المذاهب، فسمي مذهب أهل البيت بالمذهب الجعفري، وأصحاب المذاهب الأربعة كانوا تلاميذ الإمام جعفر الصادق، فهو أستاذهم باعترافهم. أما سبب عدم انتشار هذا المذهب في أوساط العامة فيعود إلى حساسية دولة البطون من أئمة أهل البيت النبوة ومن إصرار هذه الدولة على طمس وجودهم وأوليائهم، ومن مناهجها التعليمية والتربوية التي غرست في أذهان العامة مع التكرار والوراثة، وصورت أهل بيت النبوة في الشواذ المبتدعة كما يقول ابن خلدون. وصورت أولياءهم في صورة الخارجين على الجماعة الشاقين لعصا الطاعة. وجاءت الأجيال المسلمة اللاحقة فصدقت تلك المقولات واستبعدت أن يكذب السلف الصالح الذي فتح بدينه مشارق الأرض ومغاربها، فحتى الكثير من علماء أهل السنة لا يعرفون جعفر الصادق ولا يدركون فضله ويعتقدون أن أتباعه كفار! وما ذلك إلا من ثمرات المناهج التربوية والتعليمية التي أشاعها معاوية بخاصة وخلفاء البطون بعامة.

فرق محسوبة على الشيعة

1 - الزيدية: هم أصحاب زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأصحاب زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومنهم تفرعت صنوف الزيدية، ساقوا الإمامة بعد هذين في أولاد فاطمة شورى بين أولادهما، فمن خرج منهم مستحقاً للإمامة فهو الإمام. ولذلك تبع بعضهم زيداً بن علي وبعضهم زيداً بن الحسن، وقالت الزيدية بإمامة المفضول مع وجود الأفضل (1).

ويلاحظ أن الزيدين قد خرجا على خليفة دولة البطون وكلاهما بطل، ولم يقل أحد منهما بأنه إمام شرعي معين من الله ورسوله، ولم يدع أحد منهما أن له فقه

(1) راجع: أصل الشيعة وأصولها للإمام محمد حسين آل كاشف الغطاء، ص 135 - 136.


63

خاص به ومستقل عن فقه أهل بيت النبوة، ولم يدع أحد منهما أنه أعلم من الإمام الشرعي الذي كان معروفاً في زمانه كل ما في الأمر أن الرجلين كرها ظلم خليفة البطون وظلم دولته، وتعجلا الشهادة فنالاها، ولأنهما من أهل بيت النبوة، ولأنهما اعتبرا رمزاً للشجاعة والتضحية في زمانهما قال أتباعهما بإمامتهما بعد موتهما، وأن كلمة إمام صارت تطلق على من هو أقل من الرجلين الشريفين شأناً فسمي أصحاب المذاهب الأربعة بالأئمة، وسمي أصحاب الصحاح الستة بالأئمة، وسمي كبار المفسرين بالأئمة، وقد شجعت دولة البطون هذا التوجه لتسحب تمييز إمام أهل البيت النبوة وتعممه على أكبر عدد ممكن، وصولاً إلى إبطال مفاعيله تماماً كما عممت فكرة العدالة على جمع الصحابة، وصولاً إلى إبطال مرجعية أهل بيت النبوة وطهارتهم، فقيل عن كل من الزيدين إمام مع أنة لم يقل هذا عن نفسه.

وليس من المستعبد أن تكون دولة البطون قد شجعت هذا التوجه لتظهر أهل بيت النبوة في مظهر المختلفين اللاهثين وراء الإمامة بمعناها الشرعي واللغوي.

ويبدو أن أنصار الإمامين (الزيديين) في أكثريتهم من أهل السنة الذين كرهوا الظلم وأحبوا البطولة، وليس أدل على ذلك من قولهم بإمامة المفضول مع وجود الأفضل، ليجوزوا إمامة أبي بكر وعمر وعثمان مع وجود علي، وهو الأفضل برأيهم. والدليل الثاني أن أحكامهم السياسية توفيقية، بمعنى أنها لا تريد إثارة العامة، وتضحي بالنص طلباً للسلامة والوفاق الوطني! ثم إنه ليس للزيديين فقه خاص بهم ما جعلهم عالة على الفقه الحنفي لأن أبا حنيفة كان يتعاطف مع زيد بن علي ويقول بشرعية ثورته. ويلوح لي أن أكثر أتباعه أصناف قد التزموا بالفقه الحنفي وإن خلعوا عليه رداء أهل بيت النبوة وعباءتهم للتبرك!

2 - الإسماعيلية: وهم أصحاب إسماعيل بن جعفر الصادق الذين أنكروا موته في حياة أبيه، وزعموا أنه لا يموت حتى يملك الأرض، فيقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة (1).

(1) راجع: أصل الشيعة وأصولها للإمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، ص 136.


64

من المؤكد أن الإسماعيلية يقولون بإمامة علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق، ويبدو أنهم فقدوا الاتصال بحلقة الأئمة فظنوا أن الإمام من بعد جعفر الصادق هو ابنه الكبير إسماعيل، وعندما قيل لهم:

إن إسماعيل قد مات حال حياة والده أنكروا ذلك. وقد صوروا إسماعيل في صورة المهدي المنتظر، فالإسماعيلية كانت منقطعة عن المصدر اليقيني للمعلومات وهو الإمام، وربما كان الدعاة بعيدين عنه، ولم يجالسوه، لأن مجالسة الإمام وبحث هكذا أمور في غاية العسر والشدة، فعيون دولة البطون تجوب دوماً حول الإمام وتحصي عليه حركاته وسكناته، وحركات الذين يتصلون وسكناتهم لتتأكد من طبيعة هذه الإتصالات كل ذلك يدفعنا إلى الاعتقاد أن إمامة إسماعيل اجتهادية كان القصد منها إقامة علم لأتباع أهل البيت والمتعاطفين معهم في منطقة معينة، وإضفاء الشرعية على سادة هذه الحركة وقادتها.

ومن المؤكد، أيضاً، أن (التكتيك) قد اختلط عندهم بالأصول وأن كثيراً من معارفهم وتوجهاتهم لا تمت لأهل البيت بصلة، بمعنى أنهم لم يعلموها لأعضاء الفرقة الإسماعيلية إنما هي من قبيل الافتراض، أو من اجتهاد قادة هذه الحركة.

وليس من المستبعد أن تكون عواطفهم صادقة نحو أهل بيت النبوة، ولكنها كانت بحاجة إلى التوجيه المباشر من الأئمة، وهذا ما افتقرت إليه الحركة الإسماعيلية، بمعنى أن أمرها لم يكن بيد الأئمة، وأنها فقدت الاتصال بهم وعوض القائمون عليها عن ذلك بالافتراض أو الاجتهاد.

3 - الواقفية: تطلق هذه التسمية على غير فرقة من فرق الشيعة، وتتمثل في من قال بإمامة أحد الأئمة ووقف بعد موته، وقال: إنه القائم المنتظر. فالإسماعيلية من الواقفية وبعض أتباع موسى بن جعفر من الواقفية، وتعزى ظاهرة الواقفية إلى فقدان الصلة بين الأتباع وبين إمام زمانهم، وعدم القدرة على الاختلاط به والاستماع إليه ومعرفة حقيقة الحال، ووراء هذه الظاهرة أحياناً استبداد القائمين على هذه الجماعة أو تلك ورغبتهم الجامحة في الاستيلاء على ما في أيديهم من أموال جمعت باسم الإمام.


65

إدعاء التشيع

كانت طريقة اتصالات الأئمة مع شيعتهم تحير دولة البطون وتربكها، لذلك دست عيونها وجواسيسها من حول الإمام، فادعوا التشيع، وهم ليسوا شيعة، وغايتهم منصبة على معرفة تحركات إمام الزمان وأعوانه، وعلى تحريف ما يسمعونه منه وتشويهه ونشره بين الناس ليكرهوا المسلمين بأئمة أهل بيت النبوة وبأهل البيت، وليوحوا لهم بأن الأئمة وأولياءهم أعداء للإسلام، وأن الخليفة وبطانته هم حماة الإسلام الحقيقي، ومن هذا الفرق اللعينة التي كانت تتلقى دعماً من دولة البطون لتظهر التشيع والموالاة ولتتقول على الأئمة وتشوه سمعتهم وأولياءهم الفرق التالية:

1 - الفرقة الخطابية وتضم أصحاب أبي الخطاب، محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي. وقد كشف الإمام جعفر أمر هذا الرجل فلعنه وتبرأ منه، وحذر الشيعة من شروره. فأعلن أبو الخطاب كذبه علناً، وادعى أن جعفر بن محمد جعله وصياً وقيماً له، ثم ادعى النبوة والرسالة. وهذه الفرقة تقول بالرجعة والتناسخ (1).

والدليل على أن هذه الفرقة مجموعة من عيون دولة البطون امتهنت الظهور بالتشيع والتقول على الأئمة أن أبا الخطاب وأعوانه كانوا يمارسون نشاطاتهم علناً.

2 - الفرقة الغرابية: وتضم مجموعة من عيون دولة البطون وجواسيسها ادعت التشيع لتشويه معناه وتنفير الناس منه ومن أهل البيت وأئمتهم، فقالت هذه الفرقة: أن الله قد أرسل جبريل إلى علي، فأخطأ وذهب إلى النبي لأنه كان يشبهه، وقالوا أنه كان أشبه من الغراب بالغراب والذباب بالذباب (2). وكانت هذه الفرقة تمارس نشاطها بعلم دولة البطون ومن دون أن تتعرض لأية معادلة. وهذا يؤكد أن أفرادها موظفون في دولة البطون غايتهم تنفير الناس من التشيع ومن موالاة أهل بيت النبوة.

(1) راجع: فرق الشيعة للنوبختي ص 39 و 42.

(2) راجع: أصل الشيعة وأصولها للإمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ص 110.


66

3 - الفرقة العلباوية: وتضم أصحاب العلباء بن ذراع الدوسي الذي ادعى التشيع، وخرج بتقليعة جديدة مفادها أن علياً أفضل من النبي، وأن علياً بعث محمداً ليدعو إليه فدعا لنفسه، وجماعة من هذه الفرقة قالوا بألوهية أشخاص أصحاب الكساء وقالوا: خمسة في شئ واحد!

الجامع المشترك بين فرق الضلالة

لا أحد في الدنيا ينكر أن معاوية وأركان دولة البطون عدوا التشيع من جرائم الخيانة العظمى التي يعاقب صاحبها بالموت من دون سؤال أو محاكمة، وعدوا التشيع عملياً جريمة أشد خطورة من جريمة الكفر والزندقة. وقد ذكرنا أن معاوية أصدر لولاته سلسلة من (المراسيم) طلب فيها منهم أن يمحوا من ديوان العطاء والأرزاق كل من يشتبهون بموالاته لعلي وأهل بيت النبوة وأن لا يجيزوا لأحد منهم شهادة، وأن يهدموا بيت من يشتبهون بحبه لعلي وأهل بيته ثم يقتلوه.

والسؤال هو: كيف استطاعت هذه الفرق أن تدعي التشيع علناً في هذه الظروف؟ ولماذا لم تطبق عليها (المراسيم) معاوية، بل أعطيت كل الحرية لنشر أكاذيبها؟ واختلافاتها؟ والأهم أن أسماءها لم تمح من ديوان عطاء الخليفة بل زادت أرزاقها!

كل هذا يؤكد أن قادة هذه الفرق وأعضاءها ما هم إلا عيون دولة البطون أو جواسيسها ومهمتهم التجسس على الأئمة وشيعتهم واختلاق الأكاذيب والأخبار الشاذة لتغيير الناس من أئمة أهل بيت النبوة وشيعتهم، ومن التشيع باعتبار أن حركة التشيع وقيادتها هما الخطر الحقيقي الذي يهدد مستقبل دولة البطون.

ولغايات إجهاض الحركة العلمية الدينية التي قادها الأئمة لتقديم الإسلام للأمة بصورته النقية التي تلقوها من جدهم رسول الله، لقد كانت هذه الفرق مجرد دوائر حكومية تتقاضى راتبها من دولة البطون للغاية المحددة التي وجدت من أجلها.

ثم إن معاوية قد أصدر (مرسوماً) لكافة ولاته في جميع أقاليم مملكته أمرهم


67

فيه ألا يدعو فضيلة لأبي تراب إلا وجاءوا بمناقض لها في الصحابة، فهذه الأخبار التي اختلقتها الفرق الضالة تصب في مصب (مرسوم) معاوية. لقد فشلت جهود معاوية وأوليائه في طمس البيان النبوي المتعلق بفضل علي وأهل بيت النبوة، ففرعوا من مخططهم شعبة لهذه الاختلاقات.

الشيعة الإمامية والفرق الضالة

إن الشيعة الإمامية هي الفرقة الناجية لأنها والت الأئمة الاثني عشر، وتتلمذت عليهم، وبالتالي تلقت الإسلام من أنقى مصادره، ترى أن مقولات الفرق الضالة وأشباهها تناقض الإسلام مناقضة تامة. لذلك لعن الأئمة الكرام هذه الفرق وتبرأوا منها وكشفوا حقيقتها وضلالتها للناس، وعزلوها عزلاً علمياً تاماً.

وبفضل الله ومنته، فإن هذه الفرق قد اندثرت مع سقوط دولة البطون وانهيار دوائر تلك الدولة وانقطاع عطائها عن دعاتها ولم يبق من هذه الفرق نافخ نار وقيل:

بعداً للقوم الظالمين. 95 % من الشيعة الآن إمامية.

ادعاء التشيع والسعي إلى الجاه والسلطان

هزت المحن التي تعرض لها أهل بيت النبوة وجدان الأمة هزاً عنيفاً، وأدركت الأمة أن لأهل بيت النبوة قضية عادلة، فتعاطفت قلبياً معهم، والفظائع التي ارتكبها خلفاء البطون أثارت استياء الأمة جلياً. ولكن الأمة كانت معقدة تماماً لا ترى لنفسها حولاً ولا قوة، فالثروة قد تكدست عند فئة قليلة، والأغلبية الساحقة تعاني الجوع والحرمان وتعتمد في حياتها على الرزق أو العطاء الشهري الذي يقدمه الخليفة وأعوانه، وليس من مصلحة أحد من هذه الأغلبية أن يغامر بعطائه ورزقه، وأن يدخل في معركة فاشلة مع الخليفة وأعوانه! لذلك استمرأت الأمة القعود وسوغت ذلها وعجزها عن مواجهة الطغاة، فعند ما حدثت مذبحة كربلاء بكت عيون الأمة حسيناً بدموع من دم، وأدركت أن الساحة قد خلت نهائياً من فارسها المرتجى، وأدركت أكثرية الأمة أو هكذا أقنعت نفسها بأنها لا تملك إلا البكاء بصوت منخفض حتى لا يسمعها خليفة البطون وأعوانه فيغضبون ويقطعون


68

الرزق والعطاء فلا أحد يثق بأحد، ولا أحد ينجد أحداً، وكل واحد مرتبط بنفسه.

لقد ماتت الأحاسيس تماماً.

ولكن الأمة لم تخل من أبطال، لقد هال زيد بن الحسن الظلم فخرج، وقتل وصار بطلاً، تقر بذلك العيون والقلوب والعقول، ولكن الأصابع لم تكن تقوى على الإرشاد إليه، فكيف بالسيوف؟ وخرج الحسين بن علي ثائراً على الظلم، واستشهد هو وأصحابه، وتعدد الخارجون على الظلم وتتابعت قوافل الشهادة وهذا الطراز لم يكن له مطمع إلا تحدي الظالمين والشهادة والدعوة لمن يرتضيه الناس من آل محمد.

وهنا لك رجال مغامرون أدركوا أن الخليفة قد وصل إلى منصب الخلافة بالقوة والتغلب والقهر وجمع الأتباع، وها هو الخليفة ورجاله يتنعمون بما لذ لهم وطاب، ويرقصون فوق الجماجم والأشلاء، في الوقت الذي تشقى فيه الغالية من الناس، فما الذي يمنع أولئك المغامرين من أن يجمعوا الأتباع كما جمع الخلفاء ويعدوا القوة كما أعد الخلفاء، ويغصبوا منصب الخلافة كما غصبه الخلفاء، ثم يتنعمون بخيرات الدنيا كما تنعم الخلفاء!؟

من أجل هذا رفعوا شعار التشيع لأهل بيت النبوة لغايات استقطاب الناس حولهم، ورفعوا شعار مقاومة الظالمين وشرعية الخروج عليهم، مع أنهم لا يعرفون التشيع، ولا يؤمنون به، ولا يدرون تفاصيل قضية أهل بيت النبوة، ولا مطمع لهم إلا الملك بغض النظر عن الوسيلة التي يلجؤونها للوصول إليه، حتى إذا قبضوا على الخلافة صاروا أشد على أهل بيت النبوة من أسلافهم الذين سبقوهم إلى النار. أولئك مغامرون وجائعو سلطة، أرادوا المناجرة بكل ما يثير عطف الأمة، ويستقطبها من حولهم، وهم على استعداد لرفع أي شعار يحقق لهم هذا المطلب، سواء أكان التشيع لعلي أم التشيع لخليفة البطون.


69

الباب الثاني

الإمامة بعد وفاة النبي


70

طائفة جديدة من الأسئلة

بعد ثلاثة أشهر هاتفني صديقي السني، وحددنا موعداً لجلستنا الثانية، أقبل الرجل بوجه طلق بشوش، فعانقني بحرارة بالغة، مبدياً أصدق العواطف، ثم جلسنا فقال صديقي:

لقد قرأت بتمعن ومرتين أجوبتكم عن كافة تساؤلاتي، وتفهمت الآن وبعمق مفهوم الشيعة والتشيع وأشهد أن أجوبتكم التي جاءت تحت عنوان (مفهوم الشيعة والتشيع) تصلح أن تكون بحثاً مستقلاً وقائماً بذاته، لقد استوعبت هذا المفهوم تماماً، وأصبحت مهيأً لهجر الأفكار الخاطئة والخرافات التي كانت عالقة بذهني عن الشيعة والتشيع وقد جئت طبقاً لاتفاقنا بطائفة جديدة من الأسئلة آمل أن تتلطفوا بالإجابة عنها. وناولني ورقة كتب عليها الطائفة الثانية من أسئلته وهي:

يبدو واضحاً أن منصب الإمامة أو الولاية أو القيادة أو الرئاسة العامة للمسلمين، من بعد النبي، كان السبب في حدوث أول خلاف بين المسلمين وأهمه. وربما كان السبب في تفريق الأمة إلى فرق شتى أهمها السنة والشيعة. فهل تتفضل فتبين لي كيف عالجت الشريعة الإسلامية قضية تولي هذا المنصب بعد وفاة النبي؟، وهل هنا لك نصوص تبين من يتولاه وكيفية انتقاله من شخص إلى آخر، وهل استبعدت هذه النصوص، ولماذا؟ وكيف أمكن التغطية على استبعاد نصوص شرعية عممت على المسلمين؟ وكيف أجمعت الأمة على إنكار هذه النصوص، ثم التنكر لها؟ وما هي أهم نقاط الخلاف والاختلاف بين شيعة أهل بيت النبوة وغيرهم من الشيع الإسلامية؟ راجياً أن توضح هذه النقاط - إن وجدت - توضيحاً كاملاً، مبيناً أدلة كل فريق من الفريقين، وهل هنالك تشابه بين نظام الخلفاء التاريخي، ونظام الأئمة الشرعي، وأرجو أن تكون الأجوبة موثقة بما أمكن من الإيجاز، ويمكنك عند الاقتضاء الإشارة إلى مرجع يتضمن هذه النصوص، وسأتولى بنفسي الرجوع إليه. وبتعبير جامع، ما هي عقيدة الشيعة في الإمامة أو القيادة أو الولاية بعد وفاة النبي، مستذكراً ما ورد تحت عنوان مفهوم الشيعة والتشيع؟


71

قلت لصديقي السني: سأجيب، إن شاء الله، عن كل تساؤلاتك، ولكن ليس وفق الترتيب الذي ذكرته، لأنه ترتيب نظري يتجاهل مجريات الواقع التاريخي، وستكون إجاباتي تحت عنوان (الإمامة أو الولاية، أو القيادة من بعد النبي) من دون الإشارة إلى تساؤلاتكم، حتى إذا تسلمت أجوبتني تأكدت ساعتها بأنني قد أجبت عنها جميعها، تاركاً الحكم لك على الأجوبة. ويهمني جداً أن أسمع رأيك، أو أقف على الأثر الذي ستتركه تلك الأجوبة عليك.


72


73

الفصل الأول

التنكر لنصوص الإمامة

نجح تحالف شيع بطون قريش الذي أسفر عن ولادة الدولة التاريخية الإسلامية في استبعاد كافة النصوص النبوية التي بينت الأئمة من بعد النبي وطريقة تنصيبهم، مثلما نجحت في زحزحة أول أولئك الأئمة علي بن أبي طالب عن حقه في الإمامة بعد وفاة النبي، وتم رسمياً إلغاء الدور الشرعي المميز لأهل بيت النبوة باعتبارهم أحد الثقلين، لأن شيع البطون قد اجتهدت في دينها، ورأت أن من مصلحة المسلمين ووحدتهم استبعاد الرجل الذي وتر بطون قريش في أبنائها، واستبعاد ذريته ووضع حد للتميز الهاشمي. ورأت شيع البطون أنه ليس من العدالة والإنصاف أن يكون النبي من بني هاشم وأن يكون الإمام أو الولي من بعد النبي منهم، وأن تحرم بطون قريش ال‍ 23 من هذين الشرفين معاً، والصواب والتوفيق يكمنان في أن يكون النبي من بني هاشم، وأن تكون الخلافة من بعده لبطون قريش تتداولها في ما بينها (1).

وهكذا قدم الاجتهاد على النص الشرعي لمصلحة رأتها شيع بطون قريش، وعطلت عملياً كافة النصوص الشرعية النبوية المتعلقة بتحديد الأئمة وبيان شخصياتهم ووسيلة تنصيبهم، وتم استبدال هذا النمط الشرعي الذي يغطي بالكامل وبالوضوح التام ظاهرة تعيين الإمام وتنصيبه في إطار قواعد شرعية محكمة، بنمط اجتهادي مرن يحقق الغاية من إيجاده. ومع ولادة النمط الإجتهادي بذرت عملياً بذرة الخلاف والإختلاف بين المسلمين، واهتزت، ومن القواعد،

(1) راجع: الكامل لابن الأثير 3 / 124، آخر سيرة عمر حوادث سنة 23، وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد 3 / 97 و 107، كما نقلها عن تاريخ بغداد لأبي الفضل أحمد بن أبي الطاهر.


74

مؤسسة الإمامة أو الولاية أو القيادة في الإسلام، ونمت تلك البذرة في ما بعد فتمسك فريق من المسلمين بالنص وهم (الشيعة) وتمسك الأكثرية بالاجتهاد أو الشورى أو الاختيار أو التخلية، وهم أهل السنة، ولأنهم هم الذين حكموا الدولة التاريخية الإسلامية، فقد سخروا مواردها ونفوذها وإعلامها الهائل لدعم نظرية الاجتهاد (الشورى، أو الاختيار، أو التخلية) وإثبات شرعيتها وسدادها وصوابها، فعلا شأن هذه النظرية وألقت في الأرض أجرانها وأصبحت العمود الفقري لعقائد الأكثرية الساحقة من المسلمين، بل وقدموها للعالم بوصفها قاعدة النظام السياسي الإسلامي، وعودي دعاة النص، واعتبروا شذاذاً ومبتدعة وخارجين على الجماعة الإسلامية!

أسباب استبعاد هذه النصوص

يعود استبعاد هذه النصوص إلى أسباب كثيرة منها:

النصوص الشرعية النبوية منصبة بالكامل على حصر منصب الإمام بعد وفاة النبي في شخصيات مؤهلة من أهل بيت النبوة وهذه النصوص منصبة على إعطاء دور مميز لأهل بيت النبوة بقيادة الأمة من بعد النبي ما يعني أن لا حظ لشيع البطون في هذه (المكاسب جميعها) فاعتقدت أن هذه النصوص ما هي إلا ثمرة (اجتهادات) شخصية من الرسول الذي اختص ذريته بهذا الفضل كله، ولا علاقة للوحي بهذه (الاجتهادات النبوية)! ثم إن الرسول يتكلم بالغضب والرضى فهو بشر، ولا ينبغي أن يحمل كلامه كله على محمل الجد! ولا ينبغي أن ينفذ (1).

وعلى هذا الأساس لم تر شيع بطون قريش حرجاً ولا غضاضة من ترك كلام النبي وحديثه والاجتهاد في ما يهمها من أمور سبق للنبي الكريم وعالجها وبينها، ثم إنه لا علم لشيع بطون قريش، كما تزعم، بأن القرآن الكريم قد تطرق لمثل هذه الأمور، وإلا لما كان بالإمكان الاجتهاد في مورد النص القرآني!

(1) راجع: سنن الدارمي 1 / 125، وسنن أبي داود 2 / 126، ومسند أحمد 2 / 162 و 207 و 216، ومستدرك الحاكم 1 / 105 و 106.


75

بين النص والاجتهادات الشخصية

ولتضفي شيع البطون الشرعية الدينية على اجتهاداتها وقناعاتها رفعت شعار (حسبنا كتاب الله) أي أن كتاب الله يغني عن حديث النبي، ويغني عن وصيته، ويغني عن النبي نفسه عند الاقتضاء. فطالما أن كتاب الله موجود فهو يكفي، ولا حاجة لسواه. وقد رفعت شيع البطون هذا الشعار في مواجهة النبي نفسه، فعندما أراد الرسول في أثناء مرضه أن يكتب توجيهاته النهائية للأمة، قال قائل البطون:

(إن النبي يهجر، حسبنا كتاب الله) (1). وما أن أتم قائل شيع البطون قوله حتى قال من حضر من الشيع: (القول ما قال فلان، إن النبي يهجر حسبنا كتاب الله) (2).

وهكذا صدمت شيع البطون خاطر النبي الشريف فصرف النظر عن كتابة توجيهاته النهائية، لأن الكتابة في ذلك الجو صارت بمثابة باب من أبواب الفتنة.

ولما تسلم أبو بكر الخلافة جمع الناس وخطبهم قائلاً: (إنكم تحدثون أحاديثاً تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن الرسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله) (3)، وليسد أبو بكر باب الاختلاف الذي ينتج عن أحاديث رسول الله نهائياً، وليضمن وحدة الأمة خلف قرآنها بات يتقلب ليلة كما تروي ابنته السيدة عائشة. وعندما أصبح الصباح، قام أبو بكر بحرق الأحاديث التي سمعها شخصياً من رسول الله، وقام بكتابتها بنفسه.

وهكذا ينقطع دابر الخلاف والاختلاف ويصبح كتاب الله وحده هو الحاكم والحكم!

وعند ما آلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب كان أول مشاريعه أن طلب من الناس وناشدهم ليأتوه بأحاديث الرسول التي كتبوها، وظن الناس أن عمر يريد أن

(1) راجع: تذكرة الخواص لابن الجوزي ص 62، وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي ص 21.

(2) راجع صحيح البخاري 1 / 37 و 2 / 132، و 4 / 31 و 7 / 9، وصحيح مسلم 2 / 16 و 5 / 75، وصحيح مسلم بشرح النووي 11 / 94 - 95، وتاريخ الطبري 2 / 192، والكامل لابن الأثير 2 / 320، ومسند الإمام أحمد 1 / 2 و 3 / 286.

(3) راجع تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 2 - 3.


76

يجمع أحاديث رسول الله فأتوه بها، فلما وضعت بين يديه أمر بتحريقها جميعاً.

وحرقت بالفعل (1).

جاء في كنز العمال (2) ومنتخب الكنز: (3) (أنه ما مات عمر حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق: عبد الله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر وقال لهم: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله؟. وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ (4) في ترجمة أبي بكر أن عمر حبس ثلاثة بتهمة أنهم أكثروا الحديث عن الرسول الله، ولقد نهى عمر جيوشه عن التحديث عن رسول الله حتى لا يصد الناس عن القرآن (5). ويجدر بالذكر أن عمر بن الخطاب كان أول من رفع شعار: (حسبنا كتاب الله). وقد رفع هذا الشعار أمام الرسول نفسه.

وتولى عثمان الخلافة، من بعد عمر، وكان أول مشاريعه إصدار أمر بعدم جواز رواية أي حديث لم يسمع به في عهدي أبي بكر وعمر (6). ولما قبض معاوية على مقاليد الأمور أعلن بصراحة تامة: (أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب أو أهل البيت) (7). وهكذا أحكم الطوق ولم يتسرب رسمياً أي نص من النصوص المتعلقة بالإمامة أو الولاية أو القيادة من بعد النبي. وقد جاء في تعليل ذلك بأنه لا ينبغي أن يكون هنا لك مع كتاب الله، أو حتى لا يختلط الحديث مع القرآن، أو حتى لا يكون حديث الرسول سبباً في اختلاف الأمة، وتفرق كلمتها بعد الاجتماع.

(1) راجع الطبقات لابن سعد 5 / 140.

(2) 5 / 239، حديث رقم 4865.

(3) 4 / 61.

(4) 1 / 2 - 3.

(5) راجع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2 / 147، وتذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 4 - 5.

(6) راجع منتخب الكنز بهامش مسند الإمام أحمد 4 / 64.

(7) راجع شرح النهج، 3 / 595 - 597، تحقيق حسن تميم.


77

1394 عاماً مقابل 23 عاماً

كانت حياة النبي، بعد البعثة، 23 عاماً في أرجح الأقوال، منها 15 عاماً قبل الهجرة وثمانية أعوام بعد الهجرة بمعنى أن الرسول قد قاد الدعوة 15 سنة، وقاد الدعوة والدولة ثماني سنين فيكون مجموع مدة عهده المبارك 23 عاماً، بينما استمر حكم الدولة التاريخية الإسلامية وأشياعها 1394 عاماً حتى الآن، وطوال عهود الدولة التاريخية الإسلامية، وهي تتنكر بكل نفوذها ووسائل إعلامها لأي نص نبوي يقول: إن الإمامة أو القيادة أو الولاية من بعد النبي هي حق خالص لشخصيات معينة من ذرية النبي أو لعلي وأولاد علي بخاصة، وأن صوتها هو المدوي والمعلن والمعمم بكل وسائل التعميم والنشر، وصوت معارضيها غير مسموع إلا نطاق ضيق، ومحاصر ومحاط به تماماً.

من التنكر للنصوص إلى إنكارها

اجتهدت شيع البطون وتنكرت بالكامل لجميع النصوص النبوية التي نصت على إمامة علي بن أبي طالب وأحد عشر إماماً من بعد النبي، وفرضت حصاراً رهيباً على أحاديث النبي جميعها وصولاً إلى منع تداول الأحاديث التي عالجت الإمامة والقيادة من بعد النبي وبينتها بياناً يرفع الخلاف والإختلاف.

وقدرت شيع البطون أن مصلحة المسلمين ووحدتهم تقتضي بذلك للأسباب التي ذكرناها آنفاً. ثم وجدت نفسها في الحكم بجميع مزاياه وامتيازاته، فمضت في تنكرها قدماً، فالاعتراف يعني سحب بساط الشرعية من تحت أقدامها، وخسارتها للتميز والامتيازات. ومع الأيام واقتناع العامة، صار التنكر إنكاراً، وجهر القائمون على الأمر بإنكارهم فأعلنوا، بكل صراحة، أن النبي الكريم قد أغفل هذه الناحية تماماً، وأنه قد ترك أمته ولا راعي لها، أو بتعبيرهم قد (خلى على الناس أمرهم) ولم يستخلف أحداً قط، ولم يبين من هو الإمام أو الولي أو القائد من بعده ولا بين أسلوب تنصيبه. والقرآن الكريم لم يتطرق لهاتين الناحيتين تفصيلاً. وفي هذه الحالة وجدت الأمة نفسها مضطرة لاختيار خليفة للنبي، ولإيجاد أسلوب أو أساليب تعيين وتنصيب هذا الخليفة وآلية انتقال منصب


78

الخلافة، مستعينة بالمبادئ العامة الواردة في القرآن والسنة كمبدأ الشورى، ومبدأ حرية الاختيار، ومبدأ القوي الأمين.. إلخ، بالإضافة إلى مبادئ اخترعتها بنفسها لجلب المصالح، كتقديم المفضول على الأفضل! ولم يقل أحد بأن الأمة كلها قد قامت بذلك إنما قامت به جماعة، ورضيت أكثرية الأمة، بما فعلت تلك الجماعة.

ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا أهل بيت النبوة وحفنة من الناس تشيعت لهم! حيث تمسكوا بوجود النصوص الشرعية التي بينت من هم الأئمة، وبينت أسلوب تنصيبهم، وطريقة انتقال منصب الإمامة من إمام إلى إمام، وقدرت الفئة المتغلبة أن معارضة أهل بيت النبوة ومن تشيع لهم لا تخدش إجماع الأمة، واعتبرت أهل بيت النبوة وشيعتهم خارجة من الجماعة الإسلامية وشذاذاً ومبتدعة على حد تعبير ابن خلدون في مقدمته الشهيرة ; حيث قال بالحرف (وشذ أهل بيت النبوة بمذاهب (ابتدعوها) وفقه تفردوا به... وهي كلها أصول واهية) وتابع ابن خلدون قوله:

(وشذ بمثل ذلك الخوارج) (1).

نقطتا الخلاف والاختلاف

1 - النقطة الرئيسية الأولى: شيعة أهل بيت النبوة يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن الله تعالى قد اختار علياً بن أبي طالب ليكون أول إمام وولي وقائد للأمة من بعد النبي، وأنه تعالى قد اختار من ذرية النبي وأولاد علي أحد عشر إماماً ليقودوا الأمة بالتتابع والتعاقب يعين كل واحد منهم بنص ممن سبقه، وقد أمر الله رسوله أن يعلن هذا الاختيار ويبينه للناس، فصدع رسول الله بما أمر فأعلن ذلك مراراً وتكراراً، وسمى رسول الله الأئمة بأسمائهم، وكان تسعة منهم لم يولدوا بعد، وأعلن أن كل واحد من الأئمة الاثني عشر في زمانه هو الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن ولاية هذا الإمام كولاية الرسول، وولاية الرسول كولاية الله، وطاعة هذا الإمام كطاعة الرسول وطاعة الرسول كطاعة الله، ومعصية هذا الإمام كمعصية الرسول ومعصية الرسول هي معصية الله، وأن الأمة لن تهتدي إطلاقاً إلا إذا تمسكت بالثقلين، فالقرآن ثقل وأهل البيت وعلى رأسهم إمام الزمان الثقل الآخر، ويستحيل على

(1) راجع النص والاجتهاد، ص 539 للإمام السيد عبد الحسين شرف الدين.


79

الأمة أن تتجنب الضلالة إلا إذا تمسكت بالثقلين معاً، وكان آخر الإعلانات العامة في (غدير خم). وأحيط الجميع علماً بذلك وفهم الناس ذلك كله، حتى الطلقاء، وقدم الجميع التهاني لأمير المؤمنين، وكان من جملة المهنئين عمر بن الخطاب وأبو بكر، وما أن نزل الرسول من مكانه الذي أعلن منه النبأ، حتى نزل قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [ المائدة / 3 ] وعلى هذا كله أجمع أهل بيت النبوة بلا خلاف، وأجمعت شيعتهم تبعاً لإجماعهم بلا خلاف. وإجماع أهل بيت النبوة حجة، لأنهم أحد الثقلين، ويكفيهم شرفاً أن الصلاة عليهم ركن من أركان الصلوات المفروضة على العباد.

2 - النقطة الرئيسة الثانية: تؤمن شيعة أهل بيت النبوة إيماناً مطلقاً بأن كل واحد من الأئمة الاثني عشر معد ومؤهل تأهيلاً إلهياً بحيث يكون في زمانه هو الأعلم والأفهم بالدين، والأتقى والأقرب لله ولرسوله، والأصلح وأفضل الموجودين على الإطلاق بمعنى أنه أوحد زمانه، وهو المؤتمن على تبليغ الدين وبيان القرآن بياناً قائماً على الجزم واليقين، ولا يخطئ في ذلك لأن الله تعالى قد عصمه عن الوقوع في الزلل تماماً، كما عصم الرسول عن الوقوع بالزلل عند تبليغ الدين وبيان القرآن، فالدعوة الإسلامية مستمرة إلى يوم الدين وبيان القرآن لا ينبغي أن يتوقف، والإمام هو القائم مقام النبي في هذا وغيره، وهو مرجع الأمة الموثوق الذي يقدم الجواب اليقيني عن كل سؤال. وهذا لا يتأتى إلا بفضل من الله وملكة خاصة تكون بمثابة الثمرة الطبيعية للإعداد والتأهيل الإلهي.

وبالفعل فقد انتهى علم النبوة إلى كل واحد من الأئمة الاثني عشر، فعلي تتلمذ على يد رسول الله قبل البعثة بسنين وبعد البعثة كان يسكن وإياه في بيت واحد حتى انتقل رسول الله إلى جوار ربه، خلال هذه الآونة زقه رسول الله بالعلم زقاً، حتى ورث علم النبوة كله. والإمامان: الحسن والحسين عاشا في كنف رسول الله وكنف أبيهما ونهلا علم النبوة حتى صار كل واحد منهم الأوحد في زمانه علماً وتقوى وفضلاً وقرباً. وعلي بن الحسين عاش في كنف أبيه الحسين وانتهى إليه علم النبوة، وكذلك كل واحد من الأئمة الثمانية آل إليه علم النبوة عن أبيه.


80

رأي الشيع الإسلامية في نقطتي الخلاف الرئيستين

أهل السنة شيع إسلامية مختلفة، تتنازع الهيمنة على معتقداتهم عدة مذاهب، ومجموعة كبيرة من التوجهات والاتجاهات ومع ذلك فلهم رأي موحد في نقطتي الخلاف القائمتين بينهم وبين شيعة أهل بيت النبوة.

النقطة الأولى: النبي لم يستخلف أحداً

تنكرت الدولة التاريخية إسلامية، في البداية، لجميع أحاديث الرسول المتعلقة بالإمامة والولاية والقيادة من بعد النبي. ثم وفي مرحلة لا حقة أنكرت إنكاراً مطلقاً استخلاف الرسول لأي كان من بعده، أي أنها نفت وجود النص نفياً قاطعاً، وأوجدت بممارساتها ثقافة تاريخية نما فيها هذا النفي حتى صار قناعة مطلقة لأغلبية عامة المسلمين، وهم أهل السنة. فقالوا: (إن الرسول قد خلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم) ، وأنه لم يبين طريقة اختيار خليفته، ولا آلية انتقال منصب الخلافة من خليفة إلى آخر. وهذه أمور أغفلها رسول الله، ولم يحسمها القرآن الكريم، وترك للناس الحرية بأن يتصرفوا كما يريدون على ضوء المبادئ العامة في القرآن والسنة، أي من دون سند شرعي أي من دون نص شرعي محدد في القرآن أو السنة. عندئذ نهضت فئة من فئات الأمة بالواجب ونصبت خليفة اختارته، فبايعته الأمة، ورضيت به ولم يشذ عن ذلك غير أهل بيت النبوة وشيعتهم. وهذا لا يخدش إجماع أكثرية الأمة! ومن هنا صار الإجماع بهذا المعنى سابقة دستورية، وهو أول سند شرعي للخلافة التاريخية! وبعد أن تولى أبو بكر الخلافة، وعهد بها من بعده لعمر، وعهد بها عمر لعثمان عملياً وللستة نظرياً، وجدت أنماط جديدة لانتقال منصب الخلافة من خليفة إلى آخر، وصارت أفعال الخلفاء الثلاثة في هذا المجال بمثابة سنن شرعية واجبة الاتباع! بل وقدمت هذه السنن على الإجماع نفسه، إذ لم يعد هذا الإجماع بمعناه الآنف شرطاً لعقد الخلافة (1) وجاء، في الأحكام السلطانية للماوردي، وفي الأحكام السلطانية لأبي

(1) راجع الإرشاد في الكلام لإمام الحرمين الجويني ص 424، وشرح سنن الترمذي ‌


81

يعلى الفراء: (إن الخلافة تثبت بالقهر والقوة ولا تفتقر إلى العقد، فمن غلب بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً كان أو فاجراً فهو أميرً المؤمنين) والسند الشرعي لهذا هو قول عبد الله بن عمر يوم الحرة: نحن مع من غلب. وأنت تلاحظ أن هذه القواعد في تعيين الإمام وانتقال الخلافة من شخص إلى آخر لم ترد في القرآن، ولم ترد في السنة، وإنما هي إنتاج إبداع الذين اخترعوها، ولم تستند لنص شرعي قريب المنال بل أسندت لواضعيها صراحة، ودعمت بتأويل النصوص تأويلاً بعيداً. وجاء الفقهاء الذين لمعوا وتألقوا لتبني الدولة التاريخية لهم، ولتبنيهم لمواقف الدولة التاريخية فقاموا بوصف ما حدث وتكييفه ومحاولة إلباسه اللباس الشرعي بتأويل النصوص الشرعية ومقاصدها، لقد قاموا بوظيفة الفكر السياسي.

دليل أهل السنة: استكمالاً لبحث نقطة الخلاف الأولى، بين شيعة أهل بيت النبوة وشيع أهل السنة نطرح هذا السؤال: ما دليل أهل السنة على أن رسول الله لم يستخلف أحداً من بعده؟.

لقد أجمع خلفاء الدولة التاريخية الإسلامية وأشياعهم ورعاياهم، طوال التاريخ، بأن الرسول لم يستخلف، وهم يشكلون الأكثرية الساحقة من الأمة، وإجماعهم حجة لأنهم الأكثر عدداً.

1 - وهم أصحاب الحول والقوة والطول، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا أهل بيت النبوة وحفنة من الناس تشيعوا لهم، وهذه القلة لا يعتد برأيها، لأنها قلة.

2 - قال أبو بكر، عند ما حاول جذب العباس إلى صفة: (... حتى اختار الله لرسوله ما عنده فخلى على الناس أمرهم..) (1) فإذا صدقت هذه الرواية فإن أبا بكر يشهد بأن الرسول لم يستخلف.

3 - جاء في تاريخ الطبري (2) أن أبا بكر قال في مرضه الذي توفي منه

‌ 13 / 229، لا بن العربي، وأحكام القرآن للقرطبي 1 / 269 - 272.

(1) راجع الإمامة والسياسية لابن قتيبة 1 / 15.

(2) 2 / 245.


82

(.... ووددت أني سألت رسول الله لمن هذا الأمر من بعده فلا ينازعه أحد...) وهذا يؤكد الرواية الأولى بأن رسول الله لم يستخلف أحداً من بعده.

4 - وجاء، في حلية الأولياء لأبي نعيم (1) أن عمر قال في أثناء مرضه (إن لم أستخلف فإن رسول الله لم يستخلف).

5 - وروى المسعودي في مروج الذهب (2) أن عمر قال في مرضه: (إن أدع فقد ودع من هو خير مني (يعني الرسول) وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني (يعني أبا بكر).

6 - ومن الثابت أن أبا بكر قال للأنصار في سقيفة بني ساعدة: (هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا) وقد أجابه الاثنان: (والله لا نتولى هذا الأمر عليك) (3).

وهذا ينفي استخلاف الرسول لأي واحد من هؤلاء الثلاثة، فلو استخلف الرسول أحدهم لما كان جائزاً له أن يتنازل عن حقه لآخر.

وهذه الأمور الستة إذا ما جمعت وإذا اعتبرناها صحيحة فإنها تؤكد أن الرسول لم يستخلف. وهذه هي عقيدة شيع أهل السنة في النقطة الرئيسية الأولى.

مناقشة هذه الحجج

1 - قالت عائشة، أم المؤمنين، لعبد الله بن عمر، عند ما جاءها بأمر من أبيه ليستأذنها بأن يدفن بجانب الرسول: (يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملاً فإني أخشى عليهم الفتنة) (4) فالسيدة عائشة، وهي امرأة، أدركت أن ترك الأمة من دون راع لها من بعد راعيها عمل غير حكيم ويفضي إلى الفتنة!

(1) 1 / 44، وصحيح مسلم والبخاري والبيهقي في سننه وابن الجوزي في سيرة عمر.

(2) 2 / 253.

(3) راجع تاريخ الطبري 3 / 207 وما بعدها، والإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 4 وما بعدها، وتاريخ اليعقوبي 2 / 100.

(4) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 24.


83

2 - قال عبد الله بن عمر لأبيه، وهو يحضه على استخلاف خليفة له: (ماذا تقول لله عز وجل إذا لقيته ولم تستخلف على عباده، فلو كان لك راعي إبل أو راعي غنم وترك رعيته، رأيت أنه قد فرط) (1).

3 - قال المسعودي أن عبد الله بن عمر قال لأبيه: (لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه، ولا راعي لها للمته وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة، فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد) (2)!

ومع أن عبد الله بن عمر شخص عادي وليس نبياً إلا أنه أدرك أن ترك الأمة دون راع عمل يوجب اللوم، وهو تفريط وتضييع للأمانة!

فهل يعقل ألا يتمكن رسول الله من إدراك ما أدركته امرأة كعائشة، أو رجل عادي كعبد الله بن عمر!

4 - عملياً، لم يصدف، وعلى الإطلاق، أن مات خليفة من دون أن يعهد بالخلافة لآخر، فأبو بكر عهد لعمر قبل وفاته (3). وعند ما مات عمر عهد بالخلافة لعثمان عملياً. أخرج ابن زرعة في كتاب العدل عن عبد الله بن عمر أنه لما طعن قلت: يا أمير المؤمنين لو أجهدت نفسك وأمرت عليهم رجلاً... فقال عمر:

(والذي نفسي بيده لأردنها للذي دفعها إلي أول مرة) يعني عثمان، فعثمان هو الذي دفعها لعمر عند ما كتب عهد أبي بكر، وكان يعرف بالرديف فبعد وفاة أبي عبيدة وقع اختيار أبي بكر وعمر على عثمان ليكون الخليفة الثالث. وعلي بن أبي طالب عهد بالخلافة من بعده لابنه الحسن، ومعاوية عهد بالخلافة ليزيد ومروان عهد بالخلافة لا بنه عبد الملك، ولم يمت ملك من ملوك بني أمية، أو بني العباس، أو بني عثمان، إلا وكان قد استخلف من بعده خليفة له، لإدراك كل حاكم أن موته

(1) راجع حلية الأولياء لأبي نعيم 1 / 44، وذكرها البيهقي في سننه 8 / 149، وابن الجوزي في سيرة عمر.

(2) راجع مروج الذهب للمسعودي 2 / 153.

(3) راجع على سبيل المثال تاريخ الطبري 4 / 52، وتاريخ ابن خلدون 2 / 85، وسيرة عمر لابن الجوزي وتيسير الوصول لابن الديبع 2 / 48


84

من دون تحديد من يتولى المسؤولية من بعده هو بمثابة كارثة حقيقة تجعل الأمة كالغنم التي لا راعي لها، وقد يؤدي ذلك إلى الفتنة والاختلاف والقتال. وتمزيق وحدة الأمة.

5 - ويرى علماء الدولة التاريخية الإسلامية أن تنصيب الخليفة لمن يأتي بعده حق من حقوقه. (إن الإمام - الخليفة - ينظر للناس حال حياته وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته ويقيم لهم من يتولى أمورهم) (1) وعلى هذا أطبق علماء الدولة التاريخية واتفقوا بعد أن يتيقنوا من خطورة موت الإمام من أن يعين من يخلفه، لأنه يؤدي حتماً إلى الفتنة، وتفريق الملة، وسفك الدماء على حد تعبير معاوية ابن أبي سفيان (2).

6 - لم يصدف، في تاريخ البشرية على الإطلاق، أن مات رئيس دولة - أي دولة - أوقائد جماعة - أي جماعة - من دون أن يبين هذا الرئيس أو القائد من يتولى المسؤولية من بعده! للأسباب نفسها التي أدركها المسلمون، حتى أن هذا البيان صار أمراً طبيعياً ومن أبجديات السياسة حتى على مستوى شيخ القبيلة أو رب الأسرة! لست أدري كيف يدرك العالم كله أهمية هذا الموضوع ولا يدركه رسول الله وهو سيد ولد آدم! إنها لكارثة حقيقية أن يلصق المسلمون هذه التهمة برسول الله.

7 - ثم إن المسلمين قاطبة يسلمون بأن سنة الرسول تعني (القول والفعل والتقرير) فإذا كان صحيحاً أن رسول الله قد انتقل إلى جوار ربه، وترك أمته ولا راعي لها من بعده فإن هذا يعني أن فعل الرسول هذا سنة عملية أو فعلية ومن واجب المسلمين أن يتبعوها فهل تدلني الشيع الإسلامية، مجتمعة ومنفردة، مشكورة، على خليفة أو ملك من ملوك المسلمين قد اتبع هذه السنة؟

8 - ثم إن القول بكمال الدين وتمام النعمة من مستلزمات الإيمان، والقول بأن القرآن الكريم قد جاء بياناً لكل شئ، وأن مهمة الرسول الأولى هي أن يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم يشكل حجر الزاوية في العقيدة الإسلامية، فإذا كان

(1) أنظر إلى قول ابن خلدون ص 177.

(2) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 167 و 171.


85

الدين لم يبين من هو القائم مقام رسول الله بعد وفاته ولا بين طريقة تنصيبه واختياره، ولا أسلوب انتقال الإمامة من إمام إلى آخر، فإن هذا لا يتفق مع كمال الدين ولا مع تمام النعمة! ولو جارينا القوم فقلنا بوجود إجماع، ومبدأ الإجماع مبدأ إسلامي، وقد تولى الإجماع بيان الإمام وبيان طريقة تنصيبه واختياره، وأسلوب انتقال الإمامة من إمام إلى آخر ووضع القواعد اللازمة لذلك كله. وهذا يعني أن الإسلام كان خالياً من هذه القواعد ومفتقراً إليها فجاء الإجماع ليضع قواعد دينية لم تكن موجودة أو لسيد نقصاً! مع أن الدين كامل قبل الإجماع، والنعمة تامة وجاهزة ليتمتع المسلمون بها.

9 - ثم إن الإسلام قد بين الأمور الأقل أهمية، فبين للناس كيف يتبولون، وكيف يتغوطون، وكيف يساكنون أزواجهم وكيف يطرحون السلام، فهل يعقل أن يبين الإسلام ونبي الإسلام غير المهم أو المهم ويترك الأهم!؟ خاصة وأن جميع الفتن والحروب بين المسلمين ناتجة عن الاختلاف على من يتولى الرئاسة من بعد النبي.

وهذا كله يعني أن نظرية (أن رسول الله قد ترك أمته ولا راعي لها من بعده، وأنه لم يبين الإمام من بعده، ولا بين طريقة تعيينه، ولا أسلوب انتقال منصب الإمام من إمام لآخر) ساقطة في جميع الموازين العلمية والعقلية والمنطقية، وليت شيع أهل السنة قالت بأن الرسول قد أوصى بالخلافة لأبي بكر، أو لمعاوية أو لأي رجل آخر، لكان أخف وطأة على النفس من قولهم إن رسول الله ترك أمته ولا راعي لها من بعده وأنه لم يبين الأئمة، أو لم يحدد طريقة اختيارهم، ولا أسلوب انتقال الإمامة من إمام لآخر.

الخلاف الجوهري

قلنا إن الخلاف الجوهري، بين خلفاء الدولة التاريخية الإسلامية، وشيعهم، أهل السنة من جهة، وبين أهل بيت النبوة وشيعتهم من جهة أخرى، ينحصر في نقطتين: أولاهما أن خلفاء الدولة التاريخية وأشياعهم يصرون على القول أن رسول الله قد انتقل إلى جوار ربه، ولم يعين من يخلفه، ولا حدد الخلفاء من بعده، ولا بين طريقة تعيينهم وانتخابهم ولا بين الأسلوب الذي تنتقل فيه


86

الخلافة أو الإمامة من خليفة أو إمام إلى آخر. بينما يؤمن أهل بيت النبوة وشيعتهم بأن رسول الله قد أعلن بأمر من ربه أن الإمام من بعده هو علي بن أبي طالب، ومن بعده ابنه الإمام الحسن، ومن بعده ابنه الآخر الإمام الحسين، ومن بعد الحسين علي بن الحسين، ومن بعده ابنه محمد بن علي، ومن بعده جعفر بن محمد، ومن بعده موسى بن جعفر، ومن بعده علي بن موسى، ومن بعده محمد بن علي، ومن بعده علي بن محمد، ومن بعده الحسن بن علي، ومن بعده محمد بن الحسن (المهدي) هؤلاء اثنا عشر إماماً سماهم رسول الله بأسمائهم قبل أن يولد تسعة منهم، وبين الرسول أن كل واحد منهم في زمانه هو الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن كل إمام منهم يعلن عنه ويعين بنص ممن سبقه، وعلى هذا أجمع أهل بيت النبوة وأجمعت شيعتهم المعتبرة على ذلك، وبعد أن يعلن الإمام الجديد، ويموت الإمام السابق تبادر الأمة إلى بيعة الإمام الجديد الذي اختاره الله ورسوله وأعلنه الإمام السابق.

نقطة الخلاف الرئيسية الثانية: صفات الإمام من بعد النبي ومؤهلاته

يؤمن أهل بيت النبوة وشيعتهم المعتبرة بأن الإمامة وظيفة من وظائف النبوة، فرسول الله كان إماماً أو ولياً أو قائداً للأمة، ولا خلاف بين أحد من المسلمين بأن رسول الله كان الأعلم والأفهم بالدين، والأتقى والأقرب لله تعالى وأنه كان أفضل المسلمين وأصلحهم عند ما كان حياً، بل وأفضل أبناء الجنس البشري، وهو المرجع الموثوق للأمة وللناس أجمعين فهو لا ينطق عن الهوى على الأقل في ما يتعلق بتبليغ أحكام الدين وبيان القرآن الكريم، وبما أن التبليغ والبيان مستمران إلى يوم الدين، فإن هذه الأمة تكون منوطة بالإمام القائم مقام النبي بعد وفاته وبالتالي يتوجب أن يكون هذا الإمام بالضرورة هو الأعلم والأفهم بالدين، والأقرب لله ولرسوله والأتقى، والأفضل والأصلح في زمانه، والمرجع والموثوق والمؤتمن على تبليغ الدين وبيان القرآن، وبتعبير آخر يجب أن يكون أوحد زمانه في جميع هذه الأمور. أو إن شئت فقل أنه معد ومؤهل إلهياً، أو مصان عن الوقوع بالزلل ومعصوم من هذا الزلل تماماً كما كان الرسول معصوماً في هذه الناحية المتعلقة بالتبليغ والبيان على الأقل!


87

وهذه مؤهلات لا بد من توافرها في الإمام القائم مقام النبي حتى يكون أهلاً لهذا المقام، وجديراً بالطاعة، لأن طاعته كطاعة الرسول، وولايته كولاية الرسول، وطاعة الرسول وولايته كولاية الله وطاعته، وكيف يكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم إذا لم يتصف بهذه الصفات أو تكون له هذه المؤهلات.

أما خلفاء الدولة التاريخية وشيعهم أهل السنة فيرون أن هذه الصفات والمؤهلات مثالية، وليتها تتوافر في الخليفة أو الإمام من بعد النبي، ولكن إن توافرت في شخص معين، واقتضت المصلحة أن يتقدم عليه من هو أقل منه علماً وفضلاً، فيقدم في هذه الحالة المفضول على الأفضل! ابتغاء لتحقيق المصلحة الشرعية! ولكنهم لا يبينون لنا من هو هذا الذي يحدد المصلحة الشرعية! ومن الذي يقرر تقديم المفضول على الأفضل. نظرياً الأمة هي التي تفعل ذلك برأيهم، وعملياً لم يرو لنا راو قط أن الأمة قد اجتمعت عن بكرة أبيها على صعيد واحد في أي يوم من الأيام، وقالت: إن هذا مفضول وذلك أفضل، وأن المصلحة الفلانية تقتضي أن يقدم هذا المفضول على ذلك الأفضل.

وعملياً، فإن الخليفة المتغلب هو وحده الذي يقرر من يتولى الخلافة من بعده، بغض النظر عن الصفات أو المؤهلات، وله أن يقدم أو يؤخر من دون تعليل أو بتعليل.

لقد حاول فقهاء الدولة التاريخية أن يضعوا مؤهلات الخليفة القائم مقام الرسول وصفاته، وانتهت محاولاتهم إلى وضع شروط فضفاضة تنطبق على كل من تلفظ بالشهادتين، فقالوا أنه يتوجب أن يكون الخليفة مسلماً وذكراً وبالغاً وعاقلاً... الخ مع العلم بأنه لا توجد مؤسسة أو هيئة أو شخص مخول بالتأكد من توافر هذه الصفات في هذا الشخص أو ذاك، والخليفة المتغلب القابض على مقاليد الأمور هو وحده الذي يقوم بهذا الدور!

وقد توالت على منصب الخلافة تاريخياً تشكيلة عجيبة من الأشخاص من أهل التقوى والصلاح ومن أهل الفجور والفساد، فمن الفئة الأخيرة من لعن أهل بيت النبوة واستباح دماء الناس وأموالهم وهدم الكعبة، وختم أعناق الصحابة،


88

وعطل الحدود وضيع الحقوق وقتل أولاد النبي، وسبى بناته ولكن هذه الجرائم وغيرها مما هو أكبر، لم تمنعه من القول بأنه خليفة النبي والقائم مقامه، ولم تمنع الشيع الإسلامية من الاعتراف له بذلك ومن أداء جميع الحقوق التي رتبها الشرع لخليفة النبي الشرعي القائم مقامه.

فلا ترى الأكثرية الساحقة من شيع أهل السنة عجباً ولا تستغرب أن يكون الخليفة، القائم مقام الرسول في أمور الدنيا والآخرة، ظالماً، أو فاسقاً، أو معطلاً للحدود، أو مضيعاً للحقوق، أو غاصباً للأموال، أو ضارباً للأبشار، أو متناولاً للنفوس المحرمة أو ممارساً لأي رذيلة! فهذه أمور طبيعية ومن مقتضيات الملك لا توجب خلع الخليفة لأنه قائم مقام الرسول، ولا توجب عدم طاعته أو الخروج عليه، ويجب وعظه وتخويفه. وهكذا تنقلب الآية وتتحول الرعية إلى واعظة لإمامها بعد أن كانت (موعوضة).

قال النووي، في شرحه بيان لزوم طاعة الأمراء: (قال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه وتخويفه، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين...) وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق (1).

قال القاضي أبو بكر الباقلاني: قال الجمهور، من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: (لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه فالأخبار متضافرة عن النبي وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمة) (2).

فالعبرة أن يغلب الرجل ويصبح خليفة، فإذا غلبت بالقوة والقهر أو بأي طريقة من الطرق وصار خليفة، فهو مؤهل للخلافة، وصفاتها متوفرة فيه ضمناً،

(1) راجع: صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 229، وسنن البيهقي 8 / 158 - 159.

(2) راجع كتاب التمهيد لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني باب ذكر ما يوجب خلع الإمام.


89

بغض النظر عما سيكون عليه سلوكه وعمله المستقبلي، فقد يحسن وقد يسيئ، فإحسانه وإساءته ليستا موضعاً للمسألة عملياً! وله على الأمة من الطاعة ما لرسول الله وخلفائه الأئمة الشرعيين. فإذا دنت منية هذا الرجل يختار رجلاً ليخلفه، وعلى الأمة أن تبايع هذا الرجل الذي اختاره الخليفة القوي المتغلب.

وهذا المنهج يختلف اختلافاً جذرياً عن المنهج الذي يقول به أهل بيت النبوة وشيعتهم تماماً، فالإمام عندهم اختاره الله ورسوله وأهله، وأعده للإمامة وجعله الأتقى والأعلم والأفهم والأفضل والأرحم. وبعد أن أودع فيه هذه الصفات أعطاه الله سبحانه وتعالى صلاحيات واسعة لقيادة الدعوة والدولة وجعل الناس في مأمن من أية شرور أو بوائق تأتي منه. أما الإمام عند شيع أهل السنة فمؤهله الوحيد أنه الغالب القاهر أو المعين من خليفة متغلب وقاهر، ويجد نفسه ومعه الصلاحيات الهائلة التي كان يتمتع بها النبي نفسه من دون أدنى احتياط لإساءته باستعمال هذه السلطات الهائلة!


90


91

الفصل الثاني

النصوص الشرعية الدالة على خلافة علي وإمامته

ومر حين من الدهر كانت فيه علي بن أبي طالب واجباً رسمياً على كل واحد من رعايا الدولة الإسلامية، وقد أبيح رسمياً دم أي مسلم يروي أي خبر عن فضله وفضل أهل بيت النبوة، ولم تقبل شهادة أي مسلم يواليه هو وأهل بيته، ومن ثبت ولاؤه له ولأهل بيت النبوة كان يمحى اسمه من ديوان الغطاء، وتهدم داره ويقتل فوراً (1). وبتناقل علماء أهل السنة المنصفين بعض النصوص الشرعية التي تثبت حق علي بن أبي طالب وبنيه الأئمة بالإمامة والقيادة والولاية من بعد النبي، وسترد نماذج منها بما أمكن من الإيجاز، مركزين تركيزاً خاصاً على التوثيق ومتجنبين بالكامل نقل أية نصوص من أي مرجع أو كتاب من مراجع المسلمين الشعية وكتبها، بمعنى أننا قد حصرنا الموضوع في النصوص الواردة من كتب أهل السنة.

نصوص الخلافة

يوم أعلن رسول الله نبأ النبوة والرسالة أمام رهطه الأقربين قال عن علي بن أبي طالب في الاجتماع نفسه: (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا). وهذا الحديث صحيح وقد صححه أبو جعفر الإسكافي وابن جرير الطبري، كما ذكر ذلك السيوطي (2)، ورجاله جميعهم ثقات. وفي الجلسة نفسها ضرب النبي بيده على يد علي كناية عن المبايعة (3).

(1) وقد نقل ذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3 / 595 - 597، عن المدائني في كتابه الأحداث.

(2) جامع الجوامع 6 / 396.

(3) راجع ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 1 / 101 ح 138، وتاريخ الخلفاء، ومقتل الخوارزمي 1 / 42، والاستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة 3 / 38، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 219، وقد روى الطبري في تاريخه وتفسيره ووقائع هذا الاجتماع.


92

نصوص الولاية

1 - ومن هذه النصوص آية الولاية [ المائدة / 54 - 55 ] نزلت في علي ابن أبي طالب كما يجمع على ذلك أهل بيت النبوة وشيعتهم، وتفصيل ذلك أن رسول الله دعا ربه بالدعاء الذي دعا به موسى ربه على أثر تصدق الإمام علي بخاتمه، وهو راكع، وما إن أتم الرسول دعاءه حتى نزل جبريل ومعه آية الولاية. أي ولاية علي من بعد النبي، وقد أشار إلى ذلك الطبري في تفسيره (1) والزمخشري في كشافة (2)، وابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير، والقرطبي (3).

2 - قال الرسول لعلي بن أبي طالب، يوماً، أمام الصحابة: (أنت وليي في الدنيا والآخرة) (4). وهذا النص من العموم والشمول بحيث يتسع بولاية علي لأمر المسلمين، ويلقي ضوءاً على بيان النبي لآية الولاية، ولو ورد هذا النص في أي خليفة من الخلفاء لطارت شيع أهل السنة به كل مطار ولقطعت به ظهر كل مخالف!

3 - وقال الرسول، يوماً لعلي أمام الصحابة: (أنت ولي كل مؤمن بعدي) (5).

4 - في إحدى المرات بعث رسول الله سرية واستعمل على هذه السرية علياً بن أبي طالب، فاصطفى لنفسه من الخمس جارية فأنكر عليه ذلك أفراد تلك السرية وشكوه لرسول الله، وكانت مناسبة لاستقطاب الصحابة ليسمعوا حكم

(1) 1 / 288 - 289.

(2) 1 / 649.

(3) 2 / 219، وأنساب الأشراف 2 / 150. وراجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 230 تجد عشرات المراجع من مراجع أهل السنة.

(4) أورده الذهبي في تلخيص المستدرك وصححه وذكره ابن حجر في الصواعق المحرقة باب 12 ص 16 وأخرجه مسلم في صحيحه 2 / 24 و 33، والحاكم في مستدركه ص 109 وقال إن الإمام أحمد أخرجه وصححه، وراجع صحيح البخاري 2 / 58، ومسند أحمد 2 / 109، وذكره الطبراني والبزار في مسنده والترمذي في صحيحه كما قال المتقي الهندي في كنز العمال 6 / حديث 2504 وأورده بن عبد البر في أحوال علي.

(5) راجع مسند الإمام أحمد 5 / 25 بسند صحيح، والإستعياب لابن عبد البر بهامش الإصابة 3 / 28، والإصابة لابن حجر 2 / 509، وينابيع المودة للقندوزي ص 55 و 182، والخصائص للنسائي ص 64 والمستدرك للحاكم 3 / 34 وتلخيص الذهبي بذيل المستدرك.


93

الرسول على فعل علي هذا، فقال الرسول للشاكين أمام الصحابة: (إن لعلي أكثر من الجارية التي أخذ، إنه وليكم من بعدي) (1).

5 - قال الرسول، يوماً، لأصحابه: (علي مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي (2).

6 - وقال الرسول لرجل وقع في علي أمامه، وأمام الصحابة: (لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي) (3).

نصوص الإمامة وقيادة المسلمين

1 - قال الرسول، يوماً، لأصحابه: (لما عرج بي إلى السماء انتهى بي إلى قصر من لؤلؤ فيه فراش من ذهب يتلألأ، فأوحي إلي أو أمر بي - كذا - في علي بثلاث خصال: إنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين) (4).

ووردت نصوص أخرى مشابهة لهذا النص مع اختلاف يسير (5).

2 - (عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أسكب إلي ماء - أو وضوءاً - فتوضأ ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أنس أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين وسيد المؤمنين علي) (6). تلك والله آية

(1) راجع صحيح الترمذي 5 / 296 ح 3796 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 97، والمناقب للخوارزمي ص 92، والإصابة لابن حجر 2 / 509، وحلية الأولياء لأبي نعيم 6 / 294، وكنز العمال 5 / 124.

(2) راجع مسند الإمام أحمد 2 / 453 و 5 / 110 و 347 و 356 و، الصواعق المحرقة ص 103 ، وكنز العمال 6 / 298 (3) راجع كنز العمال 6 / 397، ح 2575.

(4) راجع على سبيل المثال: المعجم الصغير للطبراني 2 / 88، والمناقب للخوارزمي ص 235، وأسد الغابة لابن الأثير 1 / 296، وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 2 / 285، ح 781، وكنز العمال 15 / 157، وكتابنا المواجهة مع رسول الله وآله (القصة الكاملة) ص 383.

(5) يمكنك الإطلاع عليها ومعرفة مراجعها في كتابينا: (نظرية عدالة الصحابة والمواجهة مع رسول الله وآله ص 382 - 385).

(6) راجع شرح نهج البلاغة 9 / 169، وحلية الأولياء 1 / 13، وترجمة الإمام علي من تاريخ ‌


94

ودليل قاطع على أن الرسول لا يلقي الكلام على عواهنه كما يزعمون بل يتبع ما يوحى إليه.

التأدية عن الرسول

إقامة للحجة وقياماً بواجب البيان وتوضيحاً للحكم الشرعي أعلن الرسول، أمام أصحابه، قائلا: (علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي) (1).

الطاعة والفراق

قال الرسول لأصحابه: (من أطاعني أطاع الله، ومن عصاني عصي الله، ومن أطاع علياً أطاعني، ومن عصا علياً عصاني) (2).

وقال الرسول، يوماً، لعلي أمام الصحابة: (يا علي، من فارقني فقد فارق الله ومن فارقك فقد فارقني) (3).

إعلان الولاية وآية الإكمال

في حجة الوداع، وفي غدير خم، جمع رسول الله المسلمين، وأعلن أمامهم أنه سيمرض بعد عودته إلى المدينة، وسيموت من مرضه، وأنه أحب أن يلقي إليهم القول معذرة إليهم. فسأل الرسول الناس: من وليكم؟ فقالوا بصوت واحد: الله ورسوله. ثم قال لهم: إني وليكم، فقال المسلمون: صدقت. ثم سألهم: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قال المسلمون: نعم. ثم

‌ دمشق لابن عساكر 2 / 259 ح 783، 487 ح 1014، والميزان للذهبي 5 / 64، والمناقب للخوارزمي ص 42.

(1) راجع سنن ابن ماجه 1 / 44، وصحيح الترمذي 5 / 300 ح 3803، وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 20 و 33، وتذكرة الخواص لابن الجوزي ص 336.

(2) راجع المستدرك 3 / 121 و 128، وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 2 / 268 ح 795، والرياض النضرة للطبري 2 / 220.

(3) راجع المستدرك 3 / 146، والرياض النضرة للطبري 2 / 220، والميزان للذهبي 2 / 18 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 2 / 268 - 270 ح 796.


95

سألهم: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ فقالوا: نعم. عندئذ قال:

(من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)، وأخذ بيد علي بن أبي طالب، وقال (هذا وليي وأنا موال لمن والاه ومعاد لمن عاداه). ثم قال: (من كان الله ورسوله وليه فهذا علي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (1). وبعد أن أتم الرسول إعلانه الخطير، هذا نزلت آية الإكمال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم... [ المائدة / 3 ] (2).

الفهم وتقديم التهاني

فهم المسلمون ما قصده الرسول تماماً، وعرفوا الولي والإمام والقائد والخليفة من بعده هو علي بن أبي طالب، فتقدمه وقدموا التهاني للإمام علي، وكان من جملة المهنئين أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وعبر بعضهم عن تهانيه بجمل مختصرة ذهبت مثلاً، مثل تهنئة عمر بن الخطاب الذي قال لعلي: (بخ بخ لك، يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم) (3).

وكقول عمر بن الخطاب الذي ذهب مثلاً: (هنيئاً لك، يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة) (4).

(1) وقد وثقنا ذلك في الفصل السابق، فارجع إليه، وانظر أيضاً كتابنا: المواجهة تجد التوضيح الكامل.

(2) راجع تاريخ بغداد ص 290، والدر المنثور للسيوطي 2 / 259، وتذكرة الخواص لابن الجوزي ص 30، وتفسير ابن كثير 2 / 14، ومقتل الحسين للخوارزمي ص 115، وكتاب الولاية لابن جرير الطبري، وكتاب الولاية لأبي سعيد السجستاني وتاريخ ابن كثير 5 / 210، والبداية والنهاية لابن الأثير 5 / 213.

(3) راجع ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 2 / 75 ح 577 ومناقب علي لابن المغازلي الشافعي ص 18 و 24 والمناقب للخوارزمي الحنفي ص 94، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي 8 / 290، وشواهد التنزيل للحسكاني الحنفي 1 / 158، وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي ص 21، وكتابنا المواجهة مع رسول الله وآله (القصة الكاملة) ص 428.

(4) راجع مسند الإمام أحمد 4 / 281، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 24 والحاوي للفتاوي للسيوطي 1 / 122، ودخائر العقبى للطبري ص 67 وفضائل الخمسة للفيروز آبادي 1 / 350، وتاريخ الإسلام للذهبي 2 / 197، وتفسير الفخر الرازي 3 / 63، وتذكرة الخواص ‌


96

وهذا غيض من فيض من الأحاديث والنصوص الشرعية التي رواها أكابر علماء أهل السنة، وهي وحدها تكفي أن توفر الحياد، والتجرد والموضوعية للقول بإمامة علي بن أبي طالب وولايته وخلافته للرسول.

الأئمة من بعد علي

1 - روى عبد الله بن عباس وأسامة بن زيد وعبد الله بن جعفر أن رسول الله قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأخي علي هذا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم ابني الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا علي، ثم ابني محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا حسين (1). ولا خلاف عند أهل بيت النبوة وشيعتهم على ذلك. ولا خلاف عندهم في وصية الإمام علي للحسن.

2 - حين حضرت الوفاة أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب كانت وصيته للحسن كما يلي: (يا بني، إنه أمرني رسول الله أن أوصي إليك وادفع إليك كتبي وسلامي، كما أوصى إلي كتبه وسلاحه. وأمرني رسول الله أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثم أقبل على علي بن الحسين فقال: وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي، فاقرئه من رسول الله ومني السلام).

3 - ولا خلاف، عند أهل بيت النبوة، وشيعتهم في قول رسول الله للحسين: (قال الحسين بن علي دخلت على جدي رسول الله فأجلسني على فخذه وقال لي: (إن الله اختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم وكلهم في الفضل سواء) (2).

‌ لا بن الجوزي ص 29، وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 2 / 50 ح 550 و 551 و 552.

(1) راجع إثبات الوصية للمسعودي ص 190، وإعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي وسيرة الرسول وأهل بيته لمؤسسة البلاغ 2 / 191.

(2) راجع: ينابيع المودة للقندوزي الحنفي 2 / 445، وكمال الدين للصدوق ص 157، وسيرة الرسول وأهل بيته 2 / 189.


97

4 - وعن ابن عباس قال (سمعت رسول الله يقول: (أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون) (1).

5 - قال جابر بن عبد الله الأنصاري: لما أنزل الله تعالى على نبيه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [ النساء / 59 ] قلت: يا رسول الله، عرفنا الله ورسوله فمن هم أولو الأمر اللذين قرن الله طاعتهم بطاعته؟

فقال الرسول: هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم محمد بن الحسن المهدي) (2).

بروز الأئمة واشتهارهم

عند ما تلفظ الرسول الكريم بهذه الأحاديث لم يكن موجوداً إلا علي والحسن والحسين، ثم ولد بقية الأئمة. طوال عهود الدولة التاريخية الإسلامية، وهي تفرض حالة من التعتيم الإعلامي على أئمة أهل بيت النبوة بخاصة، وعلى أهل البيت بعامة، ومع هذا فقد اشتهر هؤلاء الأئمة وعرفتهم الخاصة والعامة، وكان كل واحد منهم في زمانه بمثابة البدر الطالع في الليلة الظلماء لا يخفى نوره وبهاؤه على أحد، ولم يكن بوسع كل من المسلمين بعامة أو من الخلفاء بخاصة أن يدعي بأن هنالك من هو أعلم وأفهم بالدين منه أو أقرب لله ولرسوله منه، ولا يدعي ذلك إلا من سفه نفسه.

طريقة الإعلان والتعيين

تشبه طريقة الإعلان عن الإمام الشرعي الجديد وتعيينه، من حيث الظاهر والشكل، طريقة الإعلان عن الخليفة الجديد في الدولة التاريخية الإسلامية.

(1) راجع ينابيع المودة للقندوزي الحنفي 2 / 445، وكفاية الأثر للقمي الرازي ص 19، وكمال الدين للصدوق ص 163، وعيون الأخبار ص 38، وسيرة الرسول وأهل بيته 2 / 189.

(2) راجع كفاية الأثر للقمي الرازي ص 7، وسيرة الرسول وأهل بيته 2 / 190 - 191، وإعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي ص 27.


98

أ - الأئمة الشرعيون: فكل إمام من الأئمة الشرعين الاثني عشر أعلن عنه وعين إماماً بنص ممن سبقه. فرسول الله، وهو نقطة البداية والارتكاز، قد اختاره الله رسولاً ونبياً، وإماماً وولياً وقائداً للدعوة والدولة، وقبل أن ينتقل إلى جوار ربه أعلن بأمر من الله تعالى أن الإمام والولي والقائد من بعده هو علي بن أبي طالب يليه بالتوالي والتتابع أحد عشر إماماً من ذرية النبي ومن صلب علي. وسماهم الرسول بأسمائهم. وعلى الرغم من أنه قد حيل بين الأئمة الشرعين وبين حقهم في ولاية الأمة وقيادتها وإمامتها إلا أن إمامتهم لم تنقطع طوال التاريخ، فكان كل إمام يعلن عنه ويعين بنص ممن سبقه.

ب - خلفاء الدولة التاريخية: كذلك خلفاء الدولة التاريخية، فكان الخليفة القائم بالخلافة هو الذي يعلن عن الخليفة الذي يليه ويعينه عملياً حتى تصور بعض علماء الدولة التاريخية أن هذا الإجراء حق مطلق للخليفة: (ينظر للناس حال حياته، وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته ويقيم لهم من يتولى أمورهم) (1). وقد شهد تاريخ دولة الخلافة التاريخية الإسلامية عدة دورات، وفي كل الدورات سادت هذه القاعدة: (كل خليفة يعين بنص ممن سبقه).

1 - ففي الدورة التاريخية الأولى، كان الخليفة أبو بكر هو نقطة البداية والارتكاز للخلفاء، ولما دنت منيته أعلن بأن الخليفة من بعده هو عمر بن الخطاب، ولما طعن عمر أعلن، عملياً، أن الخليفة من بعده هو عثمان بن عفان، والشورى لم تكن سوى إخراج شكلي لأمر مقرر سلفاً.

2 - ومن الدورة الثانية، التي بدأت عند ما استولى معاوية على منصب الخلافة بالقوة والغلبة والقهر سادت هذه القاعدة أيضاً، فلما شعر معاوية بأن نهايته تقترب ; أعلن أن الخليفة من بعده هو يزيد ابنه، ولما أوشك يزيد أن يهلك عين ابنه معاوية الثاني خليفة من بعده. ثم غلب مروان بن الحكم الأموي، وقبل أن يموت مروان استخلف ابنه عبد الملك، وطوال العهد الأموي وكل خليفة يعين بنص ممن سبقه.

(1) راجع مقدمة ابن خلدون ص 177.


99

3 - ولما غلب العباسيون، وسقطت الدولة الأموية وقامت على أنقاضها المملكة العباسية وطوال العهد العباسي، كان كل خليفة يعلن عنه ويعين بنص ممن سبقه.

4 - وغلب العثمانيون، وتداعت الدولة العباسية وقامت على أنقاضها المملكة العثمانية، وطوال العهد العثماني كان الخليفة يعلن عن ويعين خليفة بنص ممن سبقه.

وبسقوط آخر سلاطين بني عثمان، سقطت دولة الخلافة التاريخية الإسلامية، وبسقوط هذه الدولة سقطت صيغة الخلافة التاريخية بشكلها المطبق تاريخياً.

بمعنى أن كل إمام شرعي عين وأعلن عنه إماماً بنص ممن سبقه، كذلك كل خليفة عين، أيضاً، وأعلن عنه بنص ممن سبقه، وهذا هو وجه التشابه في الظاهر والشكل بين الأئمة الشرعيين والخلفاء التاريخيين.

حكم الأسرة الواحدة

لا خلاف بين أحد من المسلمين في أن رسول الله هو حفيد إسماعيل، وفي أن إسماعيل هو ابن إبراهيم الخليل وأن الله تعالى قد آتى إبراهيم وذريته الصالحة النبوة والإمامة والكتاب، وأن هذا الصلاح قد تسلسل حتى استقر في رسول الله، وشاءت حكمة الله ألا تكون لرسوله ذرية وأن يجعل ذريته من صلب علي بن أبي طالب، وأن يجعل الرسول (عقبه وآله أولاد علي من فاطمة) (1)، واقتضت حكمة الله أن يختار علياً للإمامة من بعد النبي، وأن يختار من ذرية النبي ومن صلب علي أحد عشر إماماً ليقودوا الأمة عبر تاريخها الطويل. ما يعني أن النبي والأئمة كانوا جميعاً من الأسرة الهاشمية، أو بتعبير أدق، من أسرة النبي ومن أهل بيته بالتحديد،

(1) راجع كنز العمال 1 / 152 ح 5210 وقد أخرجه الطبراني وهو الحديث 22 من أحاديث ابن حجر في الفصل الثاني من الصواعق المحرقة ص 112، وراجع المستدرك للحاكم 3 / 164 والمناقب للخوارزمي.


100

وأن النبي هو أحد الفروع الصالحة لأسرة إبراهيم. فعلي بن أبي طالب هو أبو الأئمة وفاطمة بنت رسول الله هي أم الأئمة، والأئمة ذرية محمد ولا ذرية له من سواهم.

تحالف الأسر

لم يرق هذا الترتيب الإلهي لأسر بطون قريش، لقد عز عليها أن يكون النبي من بني هاشم، وأن يكون الأئمة من بني هاشم أيضاً، وأن تجمع الأسرة الهاشمية الشرفين معاً، وأن تحرم بقية الأسر القريشية. واعتقدت أن هذه القسمة ظالمة، ومن المحال أن يأمر بها الله تعالى، وأن الأفضل والأوفق والأصوب أن تكون النبوة للأسرة الهاشمية وحدها لا يشاركهم فيها أحد، وأن تكون الخلافة لأسر قريش تتداولها في ما بينها ولا يشاركها هاشمي قط! (1). وهكذا كان، إذ اتحدت أسر بطون قريش، والنبي على فراش الموت، وقررت أن تصرف الإمامة والولاية عن أسرة النبي وأن تحل الأسر القريشية مجتمعة محلها، فاتحدت هذه الأسر وولت أبا بكر الخلافة، فأخذت أسرة بني تيم نصيبها، ثم ولت عمر الخلافة من بعده فأخذت أسرة بني عدي نصيبها، ثم ولت هذه الأسر عثمان فأخذت الأسرة الأموية نصيبها، وكان من المفترض أن تنتقل الخلافة إلى أسرة قريشية رابعة ولكن الأمويين قرروا إنهاء تحالف الأسر القريشية وإقامة نظام الأسرة الواحدة.

عودة نظام الأسرة الواحدة

قام التحالف بين الأسر القريشية للقضاء على نظام الأسرة الواحدة لأن نظام تحالف الأسر أوفق وأصوب كما رأى سادة التحالف! ولكن لما اشتد ساعد بني أمية قرروا أن يجعلوا الخلافة في الأسرة الأموية وحدها. وهكذا كان، فقد استولت الأسرة الأموية على منصب الخلافة بالقوة والغلبة والقهر، وحصرت هذا المنصب في الأمويين وحدهم وبالترتيب المعروف تاريخياً، وساد نظامهم حتى

(1) راجع: الكامل لابن الأثير 3 / 24، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 107 و 12 / 53 - 54، تحقيق أبي الفضل نقلاً عن تاريخ بغداد.


101

غلبوا. فنهض العباسيون، أبناء عم الرسول، واستغلوا تعاطف المسلمين مع أسرة أهل بيت النبوة، وتمكنوا من هزيمة الأمويين ومن إقامة نظام يحصر الخلافة في الأسرة العباسية، ساد نظامهم حتى غلبوا.

وفي مرحلة من مراحل ضعف الدولة العباسية ظهرت أسرة بني عثمان، وهي أسرة غير عربية، وهيأت أسباب الغلبة والقهر وانقضت على الدولة العباسية، فأنهت وجودها وأقامت على أنقاضها مملكة جديدة ونظاماً جديداً حصر منصب الخلافة في أسرة بني عثمان فحكموا حتى سقط آخر سلاطينهم في عام (1343 ه‍ / 1924 م).

وأبعد من ذلك، فعند ما كان يستقوي أحد الولاة على إحدى الولايات الإسلامية كان يحصر منصب الولاية في أفراد أسرته.

وليس في ذلك غرابة، ولا ما يثير الدهشة، ولكن المدهش في، نظر البعض حقاً، أن تنحصر الولاية والإمامة والقيادة في أسرة النبي الأعظم!

هذا وجه آخر من وجوه التشابه بين الأئمة الشرعين وخلفاء الدولة التاريخية، فالأئمة الشرعيون من أسرة واحدة وكل مجموعة من الخلفاء من أسرة واحدة.

دور الأمة

الأمة بايعت رسول الله، وقبلت به إماماً وولياً وقائداً لها بالرضى ومن دون إكراه. الأمة تبحث عن الأعلم والأفهم بالدين والأتقى والأقرب لله، والأفضل والأصلح، فدلها الله تعالى على هذا الرجل الذي تتوافر فيه هذه الصفات فقبلت به وبايعته على هذا الأساس، ولا خلاف بأن هذه المؤهلات متوافرة في الرسول الأعظم، وقد أجمع أهل بيت النبوة وشيعتهم والمنصفون من شيع أهل السنة على أن هذه المؤهلات قد توافرت، أيضاً، في كل إمام من الأئمة الشرعيين الاثني عشر من بعد النبي. فدور الأمة منحصر بقبول الاختيار الإلهي، وهذا القبول ليس فرضاً إنما هو ثمرة قبول الرسول ومضامين الرسالة. فتبايع الأمة من شهد له الله ورسوله بتوافر تلك المؤهلات فيه، ومهمتها الأساسية هي المبايعة، أي القبول بولاية هذا


102

الذي اختاره الله ورسوله وقيادته وإمامته وهو من توافرت فيه المؤهلات التي لا يعلمها علم الجزم واليقين إلا الله ورسوله.

الغلبة والقهر

بالقوة والغلبة والقهر يتمكن رجل من الاستيلاء على منصب الإمامة ويحول بين الإمام الشرعي وبين حقه فيه، واعتباطاً يطلب هذا المتغلب من الأمة أن تبايعه وأن تقبل بولايته وقيادته وإمامته تماماً كما قبلت بإمامة الرسول أو الإمام الشرعي وولايتهما وقيادتهما، لا لأنه قد توفرت فيه الشروط الشرعية، ولكن لأنه غالب وقاهر ومستول بالقوة والقهر على خلافة الرسول. وهكذا تبايع الأمة من يغلبها وفق الشكل نفسه الذي بايعت فيه الرسول، أو كان من المفترض أن تبايع به الأئمة الشرعيين الاثني عشر من بعد الرسول.

هذا وجه آخر من وجه التشابه بين الإمامة الشرعية والخلافة التاريخية!


103

الباب الثالث

عقيدة كل من الشيعة والسنة في جمع

القرآن الكريم، وذات رسول الله والأئمة

من بعده، ومصادر التشريع


104

السؤال الثالث

قابلت صديقي السني، فأخبرني أنه قد درس بإمعان كافة أجوبتي عن أسئلته المتعلقة بالإمامة والولاية، وأبدى قناعته التامة بها. وكان واضحاً أن بذرة المحبة لأهل بيت النبوة قد اسقرت نهائياً في قلب الرجل، وأن دوري مقتصر على رعاية هذه البذرة لتنمو نمواً طبيعياً. وأخبرني الرجل أنه قرأ، خلال تلك المدة، كتابنا (المواجهة بين رسول الله وآله) وأعجب به. ثم أخرج من جيبه ورقة كتب عليها السؤال الثالث، وقرأه:

يتقول المتقولون حول عقيدة الشيعة في جمع القرآن الكريم، فهل تتفضل باطلاعي، وبمنتهى الإيجاز، على عقيدة كل من أهل السنة وأهل الشيعة في جمع القرآن الكريم، وبيان رأي كبار علماء الشيعة ببعض الروايات التي ساقها غير عالم من علماء أهل السنة في موضوع الزيادة أو النقص في القرآن الكريم؟

واتفقت معه على أن أسلمه الأجوبة خلال أسابيع، وقد فعلت.


105

الفصل الأول

عقيدة أهل بيت النبوة وشيعتهم في جمع القرآن الكريم

العقيدة الثنائية

أجمع الخلفاء وشيع أهل السنة على أمرين رئيسيين: أولهما سياسي، وهو موت الرسول من دون أن يستخلف أحداً من بعده. وثانيهما حقوقي أو قانوني، وهو موت الرسول من دون أن يجمع القرآن الكريم. وأجمع أهل بيت النبوة وشيعتهم على نقيض هذين الأمرين تماماً. فأعلنوا إيمانهم المطلق بأن الرسول قد استخلف علياً بن أبي طالب وأحد عشر إماماً من ذرية النبي ومن صلب علي ليقودوا الأمة عبر تاريخها. وبعد أن بدأت عقيدة ترك الرسول للقرآن في دون جمع تشيع في أوساط المجتمع الإسلامي أعلن أهل بيت النبوة وشيعتهم إيمانهم المطلق بأن رسول الله جمع القرآن الكريم حال حياته، ولم ينتقل إلى جوار ربه إلا بعد ما كان القرآن مجموعاً ومتداولاً بين الناس بصورته المتداولة بين أيدي المسلمين الآن. والفارق الوحيد يكمن في كمية النسخ ونوع المادة المكتوب عليها القرآن الكريم و أسلوب نسخه أو شكله.

نظرية الخلفاء وشيع أهل السنة في جمع القرآن

لا يمكن للباحث أن يلم بنظرية أهل بيت النبوة وشيعتهم في جمع القرآن الكريم إلا إذا وقف على تفاصيل نظرية الخلفاء وشيع أهل السنة في هذا الموضوع، لأن الإعلان عن نظرية أهل بيت النبوة وشيعتهم كان بمثابة رد فعل، أو تصحيح للنظرية الرسمية التي تبناها الخلفاء وشيعهم وأشاعوها لأسباب سياسية.

وإليك موجز هذه النظرية:

عند ما اكتشف أبو بكر وعمر أن رسول الله قد ترك القرآن الكريم من دون جمع أدركا بثاقب بصيرتهما أن القرآن، إن ترك من دون جمع، فسيضيع حتماً، وإذا ضاع القرآن يضيع الإسلام! لذلك شمر الصديق والفاروق وذو النورين عن


106

سواعدهم وبدأت المشاورات لإنجاز مشروع جمع القرآن، ولولا جهودهم المباركة المتكاملة لضاع القرآن ولما وصلنا، ولفقد قانون الدولة الإسلامية كما فقد رئيسها العظيم من قبل، وقاموا بهذا العمل الجليل، واقتسموا هذا الشرف العظيم في ما بينهم.

التغلب على المشكلات وجمع القرآن

1 - نقل المتقي الهندي (1) أن عمر راجع زيداً بن ثابت ليجمع القرآن، وأن أبا بكر راجعه أيضاً، فقال زيد لكل واحد منهما: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله!؟ فأجابه كل واحد منهما: (والله إنه خير) ولم يزل كل واحد منهما يراجع زيداً حتى شرح الله صدر زيد لما شرح له صدر أبي بكر وعمر، وهكذا سقطت العقبة القائمة أمام إنجاز أمر لم يفعله الرسول!

2 - عندئذ بدأ زيد بتتبع القرآن يجمعه، من الرقاع واللحاف والأكتاف وصدور الرجال، حتى وجد آخر سورة براءة مع خزيمة ولم يجدها مع غيره من المسلمين. وصار هذا القرآن المجموع عند أبي بكر حال حياته، ثم عند عمر حال حياته حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر. ولما تولى عثمان الخلافة أرسل إليها لتدفعه إليه فأبت حتى عاهدها عثمان ليردنه إليها!!

3 - عندئذ بعثت حفصة بصحائف هذا القرآن، فنسخ عثمان هذه الصحف ثم ردها، فلم تزل عندها حتى توفيت. ولما رجعوا من دفنها أرسل مروان إلى عبد الله بن عمر ليرسل إليه صحف القرآن التي كانت بحوزة حفصة، ولما وضعت بين يدي مروان تم تمزيقها حتى لا يشك الناس في مصحف عثمان (2).

4 - تعطي الروايات بطولة جمع القرآن للخلفاء الثلاثة ولزيد بن ثابت الذي

(1) في كنز العمال 2 / 571 - 572 ح 4751 عن ابن حيان في صحيحه، وعن الدار قطني في سننه، وعن أحمد بن حنبل في مسنده، وعن البخاري ومسلم في صحيحهما وعن الترمذي في سننه.

(2) راجع كنز العمال 2 / 573 - 574، وصحيح البخاري 6 / 48 باب جمع القرآن ح 4751.


107

لعب دوراً مميزاً بالجمع، ولسعيد بن العاص لأنه أعرب الناس ولمالك بن أنس، وأبي بن كعب ولأبي هريرة الذي بارك جمع القرآن، وروى لعثمان حديثاً عن رسول الله يبارك طريقة عثمان بالجمع، فأعجب عثمان بالحديث وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف درهم (1).

وسيلة إبطال جمع القرآن بإثبات القرآن

1 - عند ما كلف زيد بن ثابت بجمع القرآن، قال: (فتتبعت القرآن أجمعه، من الرقاع واللحاف والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ولم أجدها مع غيره) (2).

2 - خاف الصديق أن يضيع القرآن فقال للفاروق ولزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه! (3).

3 - قام عمر بن الخطاب، في الناس، خطيباً فقال: (من تلقى من رسول الله شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان (4)!

4 - خطب عثمان، فقال: (من كان عنده من كتاب الله شئ فليأتنا به. وكان لا يقبل من ذلك حتى يشهد عليه شاهدان، فجاء خزيمة ومعه آيتان فشهد معه عثمان) (5).

(1) راجع كنز العمال 2 / 578 (ح 4767) و 581 (ح 4775) و 582 - 583 (ح 4776) و 587 (ح 4789) و 589 (ح 4796) - مؤسسة الرسالة بيروت 1413 ه‍ - 1993 م، وراجع أيضاً (اعتمده صاحب كنز العمال) صحيح البخاري 6 / 226 - باب جمع القرآن - وجامع الأصول 2 / 503 رقم 975، والترمذي - كتاب التفسير رقم (3103)، وابن الأنباري في المصاحف.

(2) راجع كنز العمال 2 / 571 - 572 ح 4751 كما نقله عن صحيح البخاري 6 / 225 - باب جمع القرآن - والترمذي - كتاب التفسير رقم 3102، وجامع الأصول 2 / 501.

(3) راجع كنز العمال 2 / 573 ح 4751 كما نقله عن ابن داود، وروى مثل هذه الرواية عن ابن سعد والحاكم راجع الحديث 4756.

(4) راجع كنز العمال 2 / 574 - 575 ح 4759.

(5) راجع المصدر السابق، وكتابنا الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية ص 54.


108

5 - قال خزيمة: جئت بآية (لقد جاءكم رسول من أنفسكم...) فقال زيد بن ثابت: من يشهد معك؟ قلت: والله لا أدري، فقال عمر. أنا أشهد معه على ذلك (1)!

6 - كان عمر لا يقبل آية من كتاب الله حتى يشهد عليها شاهدان فجاء رجل من الأنصار بآيتين، فقال عمر: لا أسألك عليهما شاهداً غيرك (2).

7 - تسمية القرآن: ولما تم لهذا الفريق ما أرد، وجمع القرآن بهذه الكيفية ولم يبق عليهم إلا التسمية احتار، فقد روى الزركشي، السيوطي (3) وغيرهما:

(لما جمع أبو بكر القرآن قال بعضهم سموه إنجيلاً، فكرهوه، وقال بعضهم سموه (السفر) فكرهوه من يهود. عندئذ قال ابن مسعود (رأيت للحبشة كتاباً يدعونه المصحف فسموه مصحفا).

وهكذا جمع القرآن الكريم واختصت مجموعة بفضل جمعه من البداية إلى النهاية، ولولا هؤلاء الأبطال لذهب القرآن ولضاع تماماً بعد قتل حفظته، ولما قامت للدين قائمة، ولما أنجزوا هذا المشروع، لم يبق عليهم إلا تسمية هذا القرآن المجموع وأعملوا مبدأ الشورى واستقر رأيهم بعد الشورى على تسميته بالمصحف لأن للحبشة كتاباً يدعونه بالمصحف، ووضع إنجازهم بين أيدي المسلمين!

8 - العجب العجاب: وما يدعو للعجب العجاب حقاً ألا يكون علي بن أبي طالب لا مع الأبطال ولا مع الفرسان، وهو القائل على روؤس الأشهاد: (سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار وفي سهل أم جبل..) (4) والعجب أيضاً ألا يكون بين أفراد هذه الجموع شخص من أهل بيت النبوة، مع أن القرآن قد نزل في البيت الذي كانوا يسكنون فيه مع رسول الله (5)!

(1) راجع كنز العمال 2 / 576 - 577 ح 4764، ط مؤسسة الرسالة بيروت.

(2) راجع كنز العمال 2 / 578 ح 4766.

(3) الاتقان ص 63.

(4) أخرجه ابن سعد، راجع تاريخ الخلفاء ص 185، على سبيل المثال.

(5) راجع كتابنا الخطط السياسية ص 55، وما بعدها.


109

نظرية أهل بيت النبوة وشيعتهم في جمع القرآن

أجمع أهل بيت النبوة وشيعتهم على أن رسول الله كان أول من كتب القرآن الكريم وجمعه، فمن المتفق عليه أن هذا القرآن قد نزل على رسول الله منجماً ومتفرقاً خلال حقبة زمينة امتدت 23 عاماً. ومن المتفق عليه أن تقسيم القرآن إلى سور وتقسيم السور إلى آيات هو ترتيب إلهي وجزء من الوحي، فكلما نزل الوحي بكوكبة من القرآن كان الوحي يقوم بتلاوتها على رسول الله، ومن ثم يبين له في أي سورة يضع هذه الآيات، أو في أي سورة يضع كل آية منها، وقد ينزل الوحي بسورة كاملة ومعها اسمها.

وكان الرسول يأمر علياً بن أبي طالب، في العهد المكي، بكتابة القرآن حسب توجيهات الوحي وبالكيفية التي أمر الله بها رسوله. وبعد أن تتم عملية الكتابة والتوثيق كان رسول الله يطلع الناس على ما أوحي إليه، وكان المسلمون والمشركون على السواء يتابعون ما أنزل على الرسول، ويعرفون أسماء السور، ومن أي سورة هذه الآية أو تلك كل لأسبابه الخاصة به. وقد حفظ بعضهم كل ما أنزل على النبي، في مكة، وساعدهم على ذلك أن هذا الجزء من القرآن المنزل في مكة قد نزل في أوقات متفرقة خلال مدة 13 سنة أو 15 سنة، وهي مدة كافية ليحفظ الأذكياء وغير الأذكياء ما أنزل من القرآن. لذلك تجد القرآن الكريم يرسل التحدي للمشركين إرسال المسلمات فيقول ﴿فأتوا بسورة من مثله [ البقرة / 23 ] (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) [ هود / 13 ] فهم على علم بالسورة، وبالعشر سور، وبكل ما أنزل.

ومن غير المستبعد أن يكون بعض المشركين قد جمع ما أنزل من القرآن في مكة وكتبه حتى لا ينسى، وليفتشوا عن مثالب ومعايب فيه! ومن المؤكد أن ما أنزل من القرآن في مكة كان مجموعاً ومؤلفاً ومكتوباً عند رسول الله، وكانت لعلي بن أبي طالب نسخة خاصة به مكتوبة بخطة، فهو يقيم مع الرسول في بيت واحد، وهو أبرز من تكلم اللغة العربية. ومن الطبيعي جداً أن يكتب الكثير ممن آمنوا في مكة كل ما أنزل على رسول الله ليحفظوه، وليتدارسوا أحكامه. والكتابة عنصر أساسي من عناصر الحفظ والفهم والتدارس.


110

ولما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة، حمل معه كل ما كتاب، وهكذا فعل علي بن أبي طالب، وجميع المسلمين الذين كتبوا القرآن. وما كتب في هذه المرحلة سمي بالمكي. وما كتب بعد الهجرة سمي بالمدني، وقد تحتوي السورة الواحدة علي آيات مكية وأكثرية مدينة أو العكس، فكيف أمكن معرفة ذلك إن لم يك مكتوباً؟.

وبعد آونة وجيزة من استقرار النبي في المدينة، أصبح رسول الله رئيس الدولة أو إمامها ووليها وقائدها، صار له كتاب وحي، وعنده قادة، وصار القرآن الكريم قانون الدولة الجديدة، واستمر الوحي بالنزول على رسول الله وتابع رسول الله كتابة القرآن وجمعه، وتابع سكان المدينة المنورة ما أنزل من القرآن، وقام منافقو المدينة بعمل مشركي مكة، فكانوا يتابعون ما ينزل من القرآن، وقد يكتبونه بحثاً عن مثالب ومطاعن ليسربوها سراً من خلال شائعاتهم. وتابع المسلمون الصادقون ما أنزل من القرآن فكتبه من يحسن القراءة والكتاب منهم لغايات الحفظ والفهم والدراسة والأجر معاً.

وعندما أعلن اكتمال نزول القرآن، كان القرآن كله مكتوباً عند رسول الله ومجموعاً ومؤلفاً، ومكتوباً ومجموعاً ومؤلفاً عند علي بن أبي طالب، وعند الكثير من الصحابة، وقد كتب علي بن أبي طالب على نسخته الكثير من الحواشي التي أملاها رسول الله عليه وهي بمثابة تفسير.

ولا خلاف عند أحد من المسلمين على أن القرآن هو كلام المعجز، وأن العرب هم أهل الفصاحة، وكانوا يعشقونها، لقد كتب العرب ما هو أقل أهمية من القرآن، فقد كتبوا المعلقات السبع وعلقوها داخل الكعبة بعد أن حفظوه خلال مدة 23 عاماً!؟ وهم الذين كتبوا وحفظوا مئات القصائد الشعرية وفق ترتيب الشعراء لهذه القصائد! فكيف لا يحفظون ولا يكتبون القرآن، وهو قانون الدولة النافذ وطريق الصعود والهبوط!؟

وفي جحة الوداع أعلن: (أني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي...)،


111

فلو كان كتاب الله غير مجموع ولا مكتوب لما ذكره رسول الله بهذه الصيغة! ثم إن القرآن الكريم هو معجزة الرسول الكبرى الدالة على نبوية ورسالته، فهل يعقل أن يتركها دون كتابة؟ وبخاصة أنها ركن الدين الأعظم وقانون ومرجع المسلمين في كل زمان!؟

ثم إن السبب المعلن الذي دعا الخلفاء الثلاثة لجمع القرآن الكريم هو خشيتهم من أن يقتل حفظة القرآن، وبالتالي يضيع القرآن، وبضياعه يضيع الدين!

كيف يحتاط الخلفاء الثلاثة لحفظ القرآن ويخشون ضياعه إن لم يكتب ولا يحتاط النبي ولا يخشى ضياعه وهو الأعلم والأبعد نظراً منهم!؟ فهل هم أحرص على القرآن وعلى الدين من النبي!؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب فتلك والله كارثة، وإن كان غير ذلك فالرسول أولى بهذا الفضل من الخلفاء الثلاثة ومن غيرهم.

والخلاصة أن أهل بيت النبوة وشيعتهم يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن رسول الله قد كتب القرآن كله وجمعه وألفه في كتاب بالكيفية التي أمر الله بها رسوله، وأنه كانت عند علي بن أبي طالب نسخة مكتوبة من هذا القرآن، وأن المئات من الصحابة كانت لديهم نسخ مكتوبة ومجموعة من القرآن الكريم. وكل ما في الأمر أنه لما بدأت الفتوحات صارت شعوب البلدان المفتوحة تسأل عن هذا القرآن فكتب قادة الجيوش لأبي بكر بوصفه الخليفة، فتبني أبو بكر بمساعدة أركان دولته عملية استنساخ عدد من نسخ القرآن المكتوبة والمجموعة وأرسلها إلى قادة جيشه، وتكررت العملية مع عمر عندما تولى الخلافة، وتكررت مع عثمان عندما آلت إليه الخلافة. ولا خلاف في أن عثمان بن عفان قد منع قراءات القرآن المعتمدة وحصرها في قراءة واحدة ارتضاها شخصياً وصارت هي القراءة الرسمية المعتمدة من دولة الخلافة، بمعنى أن كل واحد من الخلفاء الثلاثة ينسخ، عدداً من نسخ القرآن الكريم المكتوبة سابقاً من قبل رسول الله وذلك تلبية لحاجات الدولة والفرق أن نسخة رسول الله كانت تتضمن القراءات السبع بينما قصرها عثمان على قراءة واحدة!

هذه هي القصة الحقيقة لجمع القرآن الكريم، وما عداها تزلف من شيع


112

أهل السنة وتقول قد لا يقبله الخلفاء الثلاثة أنفسهم فهم أعلنوا بالعشي والإبكار أن الرسول خير منهم وأبعد نظراً ومعرفة بعواقب الأمور، وأحرص على القرآن والدين.

وبالرغم من أن نظرية شيع أهل السنة في جمع القرآن الكريم صارت هي النظرية الرسمية لدولة الخلافة التاريخية إلا أن هنالك روايات متعددة رواها أصحاب الصحاح وجميعها تفيد بأن القرآن كان مكتوباً ومجموعاً في كتاب مؤلف في عهد رسول الله. فقد روى الطبراني وابن عساكر عن الشعبي أنه قال: (جمع القرآن على عهد رسول الله ستة من الأنصار...) (1) وأخرج النسائي عن عبد الله بن عمر قوله: (جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة) فبلغ النبي فقال: (اقرأه في شهر) وروى الحاكم في مستدركه عن زيد بن ثابت أنه قال: (كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع) قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) (2) فكيف نترك هذه الروايات التي تتفق مع نظرية أهل بيت النبوة وشيعتهم في جمع القرآن، ونرجح، وبغير مرجح، روايات شيع أهل السنة الأخرى التي تقول أن الرسول ترك القرآن من دون كتابه ولا جمع، فجاء الخلفاء الثلاثة وسدوا هذ الثغرة. ولولا هم لضاع القرآن، فأي الطائفتين أولى بالترجيح وأليق بمقام النبوة!؟

ومع أن نظرية شيع أهل السنة في جمع القرآن ساقطة علمياً وعقلياً كشجرة اجتثت من فوق الأرض إلا أنها فتحت أبواب الشائعات بنقص سور (3).

أقوال العلماء من شيعة أهل بيت النبوة

1 - قال الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي: (كان القرآن مجموعاً أيام النبي على ما هو عليه الآن، من الترتيب والتنسيق، في آياته وسوره

(1) راجع منتخب الكنز 2 / 52. حتى البخاري روى في صحيحة 2 / 202 أن أنس بن ما لك:

قال جمع القرآن على عهد رسول الله أربعة، كلهم من الأنصار.

(2) راجع المستدرك للحاكم 2 / 211.

(3) راجع صحيح مسلم 3 / 100 باب لو كان لابن آدم واديين، كتاب الزكاة، واقرأ الحديث الذي يروونه عن أبي موسى الأشعري، وراجع الدر المنثور للسيوطي 1 / 105 و 6 / 378 والاتقان في علوم القرآن 2 / 25، وكتابنا الخطط السياسية ص 72، البيان في تفسير القرآن للإمام الخوئي ص 239 - 259.


113

وسائر كلماته وحروفه بلا زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير، وكان القرآن زمن النبي يطلق عليه الكتاب. قال تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين [ البقرة / 2 ]. وهذا يشعر بأنه كان مجموعاً ومكتوباً، لأن ألفاظ القرآن إذا كان محفوظة ولم تكن مكتوبة لا تسمى كتاباً وإنما تسمى بذلك بعد الكتابة كما لا يخفى) (1).

2 - قال الشيخ الصدوق في كتابه الاعتقاد: (إن القرآن الذي أنزله الله على سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، ومبلغ سورة 114 سورة) (2).

3 - قال الشريف المرتضى: (إن القرآن على عهد رسول الله كان مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن، وكان يحفظ ويدرس جميعه في ذلك الزمان، وأنه كان يعرض على النبي) (3).

4 - قال الشيخ الطوسي: (والعلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة.

أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به).

5 - قال الفيض الكاشاني: قال تعالى ﴿وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [ فصلت / 41 - 42 ] وقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ الحجر / 9 ] فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير؟.

6 - قال العلامة جعفر النجفي: (لا زيادة فيه من سورة ولا آية من بسملة وغيرها ولا كلمة ولا حرف وجميع ما في الدفتين مما يتلى كلام الله بالضرورة).

7 - قال الشريف شرف الدين: (والقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنما هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، لا يزيد حرفاً ولا

(1) راجع آراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي ص 150 - 314.

(2) راجع كتاب الاعتقاد ص 63.

(3) راجع آراء علماء المسلمين للسيد الرضوي ص 161 - 162.


114

ينقص حرفاً ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا حرف بحرف وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواتراً قطعياً إلى عهد الوحي والنبوة. وقد كان مجموعاً على ذلك العهد الأقدس مؤلفاً على ما هو عليه الآن، وكان جبريل يعرض على رسول بالقرآن في كل عام وقد عارضه عام وفاته مرتين، وكان الصحابة يعرضونه ويتلونه على النبي حتى ختموه عليه مراراً عديدة. وهذا كله من الأمور المعلومة الضرورية لدى المحققين) (1).

السؤال الرابع

في الجلسة الرابعة قال صاحبنا: أنه سعيد لاطلاعه على نظرية شيعة أهل بيت النبوة في جمع القرآن، وهي نظرية متماسكة تليق بتلك المعجزة العظمى.

وأضاف إنه مندهش إلى أبعد الحدود من ركون أهل السنة إلى نظريتهم في جمع القرآن! وتمنى عليهم لو أعادوا النظر فيها واتبعوا الحق فهو أحق يتبع، وأخرج من جيبه ورقة مكتوب عليها السؤال الرابع، ومفاده:

ما هي عقيدة أهل الشيعة في ذات الرسول وفي الأئمة الشرعيين من بعده؟

وما هي عقيدة أهل السنة في ذات الرسول، وهل يمكنكم سوق شواهد على ذلك؟

فوعدت صاحبي بتسليمه الأجوبة في أقرب وقت ممكن، وهكذا فعلت.

(1) راجع الفصول المهمة في تأليف الأمة للعاملي ص 163 وآراء علماء المسلمين للسيد الرضوي ص 169 وكتابنا الخطط السياسية ص 86 وما بعدها


115

الفصل الثاني

عقيدة أهل بيت النبوة وشيعتهم

في رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بعده

يؤمن أهل بيت النبوة وشيعتهم بأن رسول الله سيد ولد آدم وأفضلهم على الإطلاق، اختاره الله تعالى ليكون رسوله وخاتم النبيين، وأعده لهذه المهمة وأهلها لها، فجعله الأفهم والأعلم في دين الإسلام بمفهومه الشامل، وهداه ليكون الأقرب لله، وأعلى منزلته ليكون أفضل وأصلح أبناء الجنس البشري، ثم عصمه عصمة كاملة فلم يعص الله عز وجل منذ خلقه الله إلى أن قبضه، ولا تعمد له خلافاً، ولا أذنب ذنباً على التعمد ولا النسيان، وبذلك نطق القرآن ﴿والنجم إذا هوى*ما ضل صاحبكم وما غوى*وما ينطق عن الهوى [ النجم / 1 - 3 ] إذ نفى بذلك عنه كل معصية ونسيان وعلى ذلك تواتر الخبر عن آل محمد، وهذا مذهب الإمامية (1). (الأنبياء والأئمة من بعدهم معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر كلها والصغائر) (2) (ونقطع بكمالهم عليهم السلام في العلم والعصمة في أحوال النبوة والإمامة، ونقطع على أن العصمة لازمة منذ أن أكمل الله عقولهم إلى أن قبضهم عليهم السلام) (3) بمعنى أن الرسول الأعظم هو النموذج الأمثل للإنسان الكامل الذي يبلغ أمر الله بالدقة المتناهية من دون زيادة ولا نقصان، وهو المرجع الموثوق المعد والمؤهل للإجابة عن كل سؤال يتعلق بأي أمر من أمور الدنيا جواباً شرعياً دقيقاً قائماً على الجزم واليقين، فهو لا ينطق عن الهوى، بل يتبع ما يوحى إليه تماماً، إنه (مطعم) ضد الخطأ والنسيان، فلا ينطق ولا يعمل إلا صواباً، لأنه المبلغ عن الله أمره، وأمر الله يعالج أمور الدين والدنيا، وهو القائد الشرعي للبشرية ومرجعها الأوثق، همزة الوصل بين المكلفين المأمورين وبين الله تعالى الآمر

(1) راجع أوائل المقالات في المذاهب المختارات للشيخ المفيد ص 68.

(2) راجع شرح عقائد الصدوق ص 236.

(3) المصدر نفسه، ص 237.


116

المكلف. فإن لم يكن النبي معصوماً لما حدث اليقين بعصمة الأوامر والتكاليف.

وباضطراب اليقين تضطرب العقيدة، ويختل أسس الحياة، ويضيع الأفراد والجماعات في متاهات الظن والتخمين، ولأن أمر الله دائم بعد انتقال الرسول إلى جوار ربه، ولأن دين الإسلام الذي جاء به محمد آخر الأديان السماوية فلا دين بعده، ولأن الدعوة إلى الله مستمرة إلى يوم القيامة، فقد زود الله الأئمة الشرعيين من بعد النبي بهذا التفضل واللطف الإلهي فعصمهم (وطعمهم) ضد الخطأ والنسيان، وجعل كل واحد منهم هو الأعلم والأفهم بالدين والأقرب إلى الله ورسوله وأفضل أهل زمانه وأصلحهم. ليكون بحق المرجع الموثوق للجنس البشري القادر على الإجابة عن كل سؤال جواباً شرعياً قائماً على الجزم واليقين، والفرق أنه ليس نبي ولا رسول إنما هو قائم مقام الرسول وخاتم النبيين، ولم يترك الله تعالى خلقه سدى، إنما بين لهم أن محمداً بشر، وأنه ميت لا محالة، وأن الأئمة الشرعيين من بعده اثنا عشر إماماً أولهم علي وآخرهم المهدي، وسمى كل واحد من الاثني عشر باسمه وبين أن كل واحد منهم يعين بنص ممن سبقه، وأن كل واحد منهم في زمانه هو الأولى بكل مؤمن من نفسه، وأن الله تعالى قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وهم الأبناء والأنفس كما هو ثابت في آية المباهلة، وأنهم أحد الثقلين، فلا يدرك الهدي إلا بالتمسك بالقرآن والأئمة، ولا يمكن تجنب الضلالة إلا بالتمسك بالاثنين معاً، كما هو ثابت من حديث الثقلين، وهم في العالم عامة وفي الأمة خاصة كسفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق كائناً من كان، كما هو ثابت من حديث السفينة. وهم نجوم الهدى، فكل واحد منهم في زمانه هو النجم الذي به الناس يهتدون، وهم مقياس الولاء والطاعة لله ولرسوله، ومعيار الإلتزام بالشرعية الإلهية، فمن والاهم وأطاعهم وانقاد لهم فقد والى الله ورسوله وأطاعهما وانقاد لهما، ومن لم يفعل ذلك فقد خلع ولاية الله ورسوله، وطاعة الله ورسوله والانقياد لله ولرسوله، ولم لا فهم القائمون مقام النبي، والإسلام ارتكز دائماً على ثقلين: كتاب الله وهو بمثابة القانون الإلهي النافذ ورسول الله وهو بمثابة القيادة السياسية الشرعية، ولا غنى للفرد ولا للمجتمع عن القانون والقيادة، فكل واحد منهما مكمل للآخر، وبانتقال


117

الرسول إلى جوار ربه آلت القيادة الشرعية من بعده إلى الأئمة الذين اختارهم الله وأعلن عنهم رسوله. وبين أن ولايتهم ولايته. تلك هي عقيدة أهل بيت النبوة في الرسول والأئمة من بعده، وما عداها تحميل أو تحامل.

شواهد من عقيدة شيع أهل السنة في ذات الرسول الأعظم

الخاصة والعامة من شيع أهل السنة يوقنون أن صحيحي البخاري ومسلم من أصح الآثار، وأنهما يأتيان من حيث الصحة بعد القرآن الكريم مباشرة. من أجل هذا اخترنا نماذج من الأحاديث الواردة في هذين الصحيحين والمتعلقة بذات الرسول، لنسهل على الباحث الحكم على معتقدات الشيع الإسلامية وقربها أو بعدها عن روح الإسلام ومعدنه النقي:

1 - روى البخاري، في كتاب: (الذبائح باب ما ذبح على النصب والأصنام) (1) أن الرسول الله قبل أن ينزل عليه الوحي قدم سفرة من الطعام إلى زيد بن عمرو بن نفيل فيها لحم، فأبي زيد أن يأكل منها قائلاً للرسول: (أني لا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه!) فهذه الرواية تبين أن زيداً كان في الجاهلية أفضل من رسول الله وأحوط، فقد كان يتجنب من أمرها المخالف للشرع الإلهي ما لا يتجنبه الرسول نفسه!

2 - روي البخاري، في كتاب (الدعوات، باب قول النبي من آذيته)، وروى مسلم في كتاب (البر والصلة باب من لعنة النبي وليس له أهلاً) أن رسول الله كان يغضب فيلعن ويسبه ويؤذيه من لا يستحق! ودعا الله أن يجعله لمن بدرت منه إليه زكاة وطهوراً!

فهذه الرواية تصور في صورة الرجل الذي يفقد السيطرة على أعصابه عند الغضب، فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحق اللعن والسب والإيذاء! ورحمة بضحايا غضب النبي، وكحل دائم للآثار المترتبة على عادته بلعن الناس وسبهم

(1) 3 / 207.


118

وإيذائهم من دون وجه حق ; دعا الله أن يجعل اللعن والسب والإيذاء زكاة لضحاياه وطهراً!

ومن المؤكد أن الإنسان العادي يترفع عن سب الناس ولعنهم وإيذائهم دون سبب، فمن باب أولى أن يترفع عنه سيد ولد آدم ورسول البشرية كلها وخاتم النبيين، ومن شهد الله تعالى بعظمة خلقه في آية محكمة ﴿وإنك لعلى خلق عظيم [ القلم / 4 ] ولا يخفى على كل مطلع أن هذا الجانب من شخصية الرسول من مبتدعات السياسية وتفصيل ذلك أن الذين أسسوا الدولة الأموية كانوا من أعداء الله ورسوله ومن الذين حاربوا رسول الله طوال 23 عاماً فلعنهم الله ورسوله، ثم أسلموا في ما بعد وقبضوا على مقاليد الأمور الإسلامية بالتغلب والقهر. ولإبطال مفاعيل اللعن الإلهي والنبوي لهم في نظر العامة اخترعوا هذا الجانب من شخصية الرسول، فبينوا أنهم كانوا ضحايا الغضب النبوي، وجزاهم الله بما صبروا الزكاة والطهور. وهكذا امتازوا عن أصحاب الحق الشرعي - أهل بيت النبوة - فأهل البيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، والذين لعنهم رسول الله زكاهم ربهم بدعاء النبي، وطهرهم تطهيراً أيضاً. وجاء فقهاء السلطة وأذكياؤها فأكدوا أن النبي جدير بهذا الخلق، فهو بشر ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي.. [ الكهف / 110 ] وفعلت العادات ووسائل إعلام الدولة التاريخية الإسلامية فعلها، ونجحوا في تثبيت هذا الجانب المخترع من شخصية الرسول وإظهاره بمظهر الحقائق مع أنه ظلم واختلاف!

3 - روى البخاري، في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، وكتاب الطب، باب هل يستخرج السحر؟ وكتاب الأدب، باب إن الله يأمر بالعدل، وكتاب الدعوات باب تكرير الدعاء، وروى مسلم في صحيحة باب السحر ما يلي:

(إن بعض اليهود سحر رسول الله حتى يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما فعله)!

لم تقع هذه الحادثة قبل البعثة! إنما وقعت والرسول يبلغ رسالات ربه!

وأثناء الدعم الإلهي المطلق له، وبعد نزول قوله تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى*وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى [ النجم / 2 - 4 ] ومع هذا تستطيع حفنة من اليهود أن تسحر النبي، وأن تعوقه عن تبليغ رسالات ربه! وأن


119

تشكك بعقله ووعيه وتتحكم بإرادته وسلوكه! ويجدر بالذكر أن المشركين قد أشاعوا، في مكة، أن رسول الله رجل مسحور لذلك قال قائلهم: ﴿إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً [ الإسراء / 47 ] ﴿وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً [ الفرقان / 8 ] ولم يرو راو قط أن المشركين قد تشبثوا بهذه الشائعة بعد الهجرة. ومع هذا يؤكد البخاري ومسلم في صحيحيهما صحة واقعة سحر اليهود للرسول بعد الهجرة، وتأثير هذا السحر به لدرجة أنه كان يخيل إليه أنه قد فعل الشئ، مع أنه لم يفعله في الحق والحقيقة ولا تستغرب شيع أهل السنة ذلك، تحت شعار أن محمداً بشر!

4 - وروى البخاري، في صحيحه، باب قول الله (وصل عليهم)، وكتاب الشهادات باب شهادة الأعمى ونكاحه، وروى مسلم في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب الأمر بتعهد القرآن عن عائشة ما يلي:

(أن النبي سمع رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: رحمة الله أذكرني كذا وكذا، آية أسقطتها من سورة كذا...)!

وأنت ترى أن الرسول، حسب هذه الرواية، قد أسقط آية من سورة ولولا هذا الصحابي الذي ذكره بها لبقي الإسقاط المزعوم قائماً!

وهذا يتفق مع نزعة تقديس الصحابة، وتحجيم مكانة رسول الله خير البشر وسيدهم. وصولاً إلى إبطال الإلهية المتعلقة بنظام الحكم الذي بلغه رسول الله!

5 - روى مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره من معايش الناس... وسنن ابن ماجه باب تلقيح النخل ما يلي:

(أن رسول الله مر بقوم يلقحون النخل فقال: لو لم تلقحوها لصلح، فتركوا تلقيحها فخرج شيصاً فقال الرسول: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم).

فأنت تلاحظ أن هذه الرواية تخرج رسول الله بالكامل عن التأثير عن مسيرة الأحداث الدنيوية، وتؤكد أن الناس أعرف بشؤون الدنيا من رسول الله! بل وتلقي ظلالاً على طبيعة شخصية الرسول كما أرادوها، فقد أفتى بشؤون الدنيا التي لا يعرفها، ونتيجة فتواه خرج النخل شيصاً وتدمر أكبر مورد من موارد الرزق في


120

البلاد التي كان يحكمها الرسول، ومن الطبيعي أن شخصاً عادياً لا يمكن أن يقع في هذا (المطب)! فكيف بنبي ورسول مرتبط بالله وبالوحي! ولكن هذه النزعة تتفق تماماً مع توجه الخلفاء وأعوانهم الرامي إلى إبطال مفاعيل الأحكام التي أعلنها الرسول والمتعلقة بشؤون الحكم وإدارة حياة المحكومين.

6 - جاء في بعض كتب الأحاديث (1) أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب كل ما كان يسمعه من رسول الله، فذكر ذلك لبعض الصحابة فقالوا له:

تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله مع أن الرسول بشر يتكلم في الغضب والرضى!؟... الخ فأنت ترى أن هذا الفريق من الصحابة يؤمن بأنه ليس كل ما يقوله رسول الله صحيحاً! وكيف يكون صحيحاً والرسول بشر يتكلم في الغضب والرضي! وبالرغم من أن الرسول قد أقسم لهم بأنه لا يخرج من فمه إلا الحق إلا أن عقيدتهم في هذه الناحية لم تهتز (2)! لذلك طلب أول الخلفاء رسمياً من الناس ألا يحدثوا عن رسول الله. وحتى الأحاديث التي كتبها بنفسه عن رسول الله قام بإحراقها احتياطاً لدينه واعتماداً على القرآن لأن القرآن وحده يكفي (3)، وهكذا فعل الخليفة الثاني، والثالث (4) والأهم من ذلك أنهم قالوا للرسول وجهاً لوجه: أن القرآن وحده يكفينا ولا حاجة لنا بوصاياك وكتبك (5) وهكذا تم إبطال كافة أقوال الرسول التي يرى الخليفة أنها غير مناسبة، أو التي تتعارض مع الواقع المفروض!!

وفي أحسن الأحوال صار الرسول مجتهداً وصار الخليفة مجتهداً (6). كل ذلك تحت شعار أن الرسول بشر، فلا ينبغي أن يعطي أكبر من حجمه الذي رسموه له!

(1) في سنن أبي داود 2 / 126، وسنن الدارمي 1 / 125، مسند أحمد 2 / 162 و 207 و 216، ومستدرك الحاكم 1 / 105 و 106، وجامع بيان العلم لابن عبد البر 1 / 85.

(2) المصدر نفسه.

(3) راجع تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 2 - 3.

(4) راجع كتابنا المواجهة مع رسول الله وآله (القصة الكاملة)، وكتابنا الإمامة والولاية.

(5) راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة.

(6) وثقنا ذلك في كتابينا المواجهة مع رسول الله وآله (القصة الكاملة)، والوجيز في الإمامة والولاية


121

تلك شواهد من عقيدة شيع أهل السنة في ذات الرسول، وهي كما تلاحظ تناقض تماماً عقيدة أهل بيت النبوة وشيعتهم في هذا المجال!

السؤال الخامس

قال صاحبنا: لقد قرأت أجوبتكم عن تساؤلاتي حول ذات النبي والأئمة الشرعيين من بعده، ووقفت على عقيدة الفريقين فأرجو من الأخ الكريم أن يبين، وباختصار شديد، مصادر التشريع عند كل من أهل السنة وأهل الشيعة، وسأعود بعد أسبوعين لآخذ الجواب وأوجه لك أخطر الأسئلة.

وعلى ذلك اتفقنا.

مصادر التشريع عند أهل بيت النبوة وشيعتهم

المصدران الوحيدان:

يؤمن أئمة أهل بيت النبوة وشيعتهم إيماناً كاملاً بأن القرآن الكريم. والسنة النبوية بفروعها الثلاثة: القول والفعل والتقرير هما المصدران الوحيدان للتشريع.

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: (إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شئ، حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن؟ إلا وقد أنزله الله فيه) (1). وروي عن الإمام محمد الباقر قوله:

(إن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه، وبينه لرسوله، وجعل لكل شئ حداً، وجعل عليه دليلاً يدل عليه، وجعل على من تعدى ذلك الحد حداً). وروي عن الإمام موسى بن جعفر قوله عند ما سأله أحد أصحابه: (أكل شئ في كتاب الله وسنة نبيه؟ أو تقولون فيه؟ قال: بل كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه) (2). لقد أجمع الأئمة الكرام على ذلك. وجاء القرآن الكريم فصدق الأئمة بما أجمعوا فقال تعالى مخاطباً نبيه: ﴿... ونزلنا عليك الكتاب

(1 راجع أصول الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني 1 / 59 ح 1.

(2) المصدر السابق 10 / 62.


122

تبياناً لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) [ النحل / 89 ]. ومن أبرز مهمات النبي الكريم أن يبين للناس ما أنزل إليه من الله، وقد فعل إذ نزل القرآن منجماً خلال مدة 23 عاماً، وخلال هذه المدة بينه النبي بالقول والفعل والتقرير، حتى لم يعد هنالك شئ على الإطلاق إلا وأنزله الله تعالى في كتابه وبينه رسوله الكريم.

ومن هنا يمكنك القول بكل ثقة إن للدين الإسلامي مصدرين: أولهما كتاب الله المنزل، وثانيهما نبي الله المرسل بذاته وقوله وفعله وتقريره. فالقرآن الكريم حسب تأكيده، وتأكيدات الرسول والأئمة الأطهار يشمل حكماً لكل شئ، ولكن لا أحد يعلم هذه الخاصية علم اليقين، أو يعلم موضع حكم كل شئ إلا الرسول، والأئمة الذين اختارهم الله تعالى لخلافة الرسول وأهلهم وأعدهم لهذا المنصب الجليل. فهم وحدهم الذين يفهمون هذه الخاصية في القرآن الكريم والقادرون على التأثير على حكم القرآن في كل شئ تأثيراً قائماً على الجزم واليقين. وهذا الترتيب الإلهي القائم على التكامل بين العبد والكتاب هو في مضمون يرسم دائرة الشرعية الإلهية في كل زمان ومكان، فالقرآن هو القرآن منبع كل الأحكام لا يتغير ولا يتبدل والعبد هو العبد رسول الله والأئمة الأطهار كل في زمانه. والخلاصة أن مصادر التشريع أو منابع الأحكام في كل زمان ومكان تأتي من مصدرين لا ثالث لهما، وهما كتاب الله وسنة رسوله، ولا توجد مشكلة عملية في زمن الرسول، فهو المرجع المؤهل إلهياً باستخراج الحكم الشرعي من موضعه في القرآن الكريم كذلك فإن كل إمام من الأئمة يمكنه بالتأهيل الإلهي أن يدل المكلفين على موضوع الحكم الشرعي في القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة، فلو حكم الأئمة الاثنا عشر الذين اختارهم الله وبينهم رسوله لما أحتاج العالم لأكثر من القرآن والسنة لاستخراج حكم الله في كل شئ ولكن، والرسول على فراش المرض، وبعد انتقاله إلى جوار ربه حدث انقلاب سياسي مدبر، تم فيه استبعاد الأئمة الشرعيين الذين اختارهم الله لقيادة الدعوة والدولة الإلهيتين، وحل محل الأئمة الشرعيين بالقوة والتغلب والقهر حكام ليسوا مؤهلين إلهياً للإمامة والمرجعية، ومؤهلهم الوحيد هو القوة والتغلب والقهر. والضرورات تفرض على هؤلاء المتغلبين أن يجدوا حكماً لما يعترضهم من أمور، وما يجد من مشكلات فإذا اعتقدوا أن هذا


123

الحكم أو ذاك موجود في القرآن أو السنة، وأن تطبيقهم له لا يتعارض مع سلطتهم أخذوا به، وإن لم يجدوه في القرآن أو السنة وغالباً ما يجدوه يبحثون عن طرق عقلية ويلبسونها ثوب الشرعية ثم يستخرجون منها حاجتهم من الأحكام. نعرف مصطلح الاجتهاد، ومصطلح القياس، ومصطلح العرف، ومصطلح الإجماع، ومصطلح المصالح المرسلة، ومصطلح سنة الصحابي.. الخ وكل هذه المصطلحات ساعدت على التغطية على عدم أهلية المتغلبين، وصارت غطاء لشرعية البحث عن الأحكام خارج إطار القرآن والسنة.

وعند ما انقطعت صلة المسلمين الشيعة بالأئمة الكرام، في الأعصر الأخيرة، وأمام ضرورات استخراج الأحكام الشرعية لمواجهة المشكلات الحادثة اعتمد المسلمون الشيعة على الكتاب والسنة النبوية المنقولة عن الثقات المتورعين مهما كان مذهبهم. فالكتاب والسنة هما المصدران الوحيدان عند أهل بيت النبوة وشيعتهم (1) ولا يعتمد أهل بيت النبوة القياس أو الاستحسان أو غيره من المصادر التي تعتمدها شيع أهل السنة. أما الإجماع فليس مصدراً إلى جانب الكتاب والسنة، ولا يعتمد عليه إلا من أجل كونه وسيلة إثبات، فهو يكشف عن الدليل أحياناً (2).

أما ما يتعلق بالأئمة الكرام، فأهل بيت النبوة وشيعتهم يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن الأئمة الكرام مؤهلون إلهياً للإمامة والمرجعية، فكل واحد منهم يعرف في زمانه معرفة قائمة على الجزم واليقين حكم كل شئ في القرآن الكريم، وكل واحد منهم محيط في زمانه بالسنة النبوية، وكل واحد منهم هو الأعلم والأفهم بالدين في زمانه، هو الأفضل والأوثق وهذا ما عبر عنه الإمام جعفر بن محمد الصادق بقوله:

(حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث رسول الله قول الله

(1) راجع الفتاوى الواضحة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ص 98، والتشيع لهاشم الموسوي ص 275 - 276.

(2) راجع التشيع لهاشم الموسوي ص 275 - 276.


124

عز وجل) (1) وقد ورث الأئمة ديناً كاملاً، ونعمة تامة، وعلم النبوة كله فما ثبت عن أي واحد من الأئمة هو جزء من الدين. لأن الإمام منهم لا ينطق إلا بالحق، لأنه مؤهل ومعد إلهياً لذلك.

السؤال السادس

قال صاحبي: إن أخطر التهم التي توجه لشيعة أهل بيت النبوة هي استخفافهم بالصحابة الكرام والطعن فيهم، وقد اطلعت على كتابكم القيم: (نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام) ورأيت أنه كاف لتوضيح وجهة نظر أهل بيت النبوة وشيعتهم في هذا المجال. لكني أريد أن تربط هذه النظرية، سياسياً وتاريخياً، بالواقع الذي ساد، وأن تبين لي، وبما أمكن من الإيجاز، مصطلح صحابة وصحابي، وهل يشمل المنافقين والمرتزقة من الأعراب، والذين في قلوبهم مرض؟ آمل أن توضح لي هذا المصطلح، وأن تربطه بحركة الأحداث، و بانقلاب البطون على الشرعية الإلهية، وبخطتها في تسويغ هذا الانقلاب، ثم كيف أخذت نظرية عدالة جميع الصحابة شكلها ومضمونها النهائيين؟ وما هي الأسباب الموجبة لاختراعها؟ وما هو دور الأمويين، وبالأخص معاوية، في إيجادها تجذيرها؟ وكيف أصبحت عقيدة لدولة البطون؟ ومن هم الصحابة حسب مقاييسها النهائية؟ وما هي امتيازاتهم حسب المفهوم الرسمي؟ وما هي العقوبة التي رتبها الخلفاء للمشككين بها؟ وهل جرت محاولات لتعديلها؟

وأخيراً، أرجو أن تبين مفهوم الصحابة والصحبة عند أهل بيت النبوة وشيعتهم، وما هي نقاط الخلاف والائتلاف بينهم وبين الخلفاء وشيعهم في هذا المجال؟ وأن تربط ذلك بالواقع التاريخي، وهل هنالك فئات ما زالت الشيعة تجرؤ على الإعلان عن عدم عدالتهم؟ إنني لواثق أنني أثقلت عليك، ولكن هذا ضروري لتوطيد ولائي ومحبتي لأهل بيت النبوة.

(1) راجع أعيان الشيعة، المجلد الأول ص 664.


125

قلت لصاحبي في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر سأجيبك عن كل ما سألته، وتسهيلاً لاستيعابك لهذا الأمر أرجو أن تعيد قراءة كتابنا (نظرية عدالة الصحابة) ومضت الأيام وسلمت صاحبنا إجاباتي عن أسئلته آنفة الذكر.


126


127

الباب الرابع

نظرية عدالة الصحابة


128


129

الفصل الأول

نظرية عدالة الصحابة عند الخلفاء وشيعتهم

عوامل نشأة النظرية ووظيفتها

نظرية عدالة الصحابة، في المعنى الذي استقر نهائياً في أذهان العامة والخاصة، من أهل السنة، نظرية غريبة عن الإسلام تماماً. وهي من اختراعات الخلفاء وأوليائهم عبر التاريخ، فقد سخر هؤلاء موارد دولة الخلافة التاريخية وإعلامها الضخم حتى حشوها في الأذهان، ثم ورثتها العامة كما ورثت بقية المعتقدات، وكذلك فعل الذين من بعدهم واعتبروها مسلمات، فوق مستوى العقل، وخارج نطاق عمله، لأنهم ورثوها أولئك العمالقة الذين فتحوا مشارق الدنيا ومغاربها، وإعمال العقل في تلك الموروثات يشكل - برأيهم - سوء ظن بأولئك العظماء، ومحاولة لاتباع سبل غير سبيلهم! ونظراً لتعمق هذه القناعة في نفوس العامة واختلاطها إلى درجة الالتحام مع الدين الحنيف بفعل التراكمات التاريخية، فإننا نحتاج إلى جهد هائل لتصحيحها. ومن هنا كان لزاماً علينا أن نربط نشأة هذه النظرية ربطاً محكماً بالوقائع التاريخية والسنة النبوية العملية، وبالروح العامة للدين الحنيف وبالصراعات السياسية التي عصفت بالمجتمعات العربية عند ظهور النبي، وخلال مرحلتي الدعوة والدولة النبويتين، والتي كشرت عن نابها واشتدت والنبي على فراش الموت، ثم هاجت وماجت، وألقت أجرانها بعد موت النبي، ثم فرض المنتصرون رؤاهم وبناهم الفكرية والعقيدية على المحكومين بنفوذ الدولة وقوتها وإعلامها، وسنعالج هذا الارتباط الوثيق من خلال البحوث التالية:

مصطلح صحابة وصحابي

الصحابة جمع صحابي، واللفظان من مشتقات الكلمة الأصلية (أصحب) وتعني، لغة، عاشر، أو رافق، أو جالس أو شايع (1) والقرآن الكريم، في

(1) راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 11 تجد التفصيل الموثق.


130

وجه من وجوهه هو المرجع اليقيني الأوثق للغة. وباستقراء الآيات القرآنية التي وردت فيها مشتقات الكلمة الأصلية (صحب أو صاحب) تجد أنها قد غطت بالكامل المعاني اللغوية التي أشرنا إليها، وقد تكررت هذه المشتقات في القرآن الكريم 97 مرة، وهي حصراً (تصاحبني، وصاحبهما، وصاحبته وأصحاب، وأصحابهم، وصاحبه...) ومن المثير للدهشة أن القرآن الكريم قد خلا من لفظي (صحابي وصحابة) (1).

وقد استعمل لفظ (أصحاب محمد) للدلالة على الذين سبقوا باعتناق الإسلام، أو تظاهروا بهذا الاعتناق، وكانوا يشكلون قلة وسط محيط عربي مجاهر بالشرك ومعارض لمحمد ولدينه. وهذه القلة هي التي سبقت الناس إلى الدخول في الإسلام والتي قامت دولة النبي بسواعدها، والتي تحملت أعباء المواجهة الأولى مع بطون قريش ومن والاها. لقد عرفت هذه القلة بأصحاب محمد أو بأصحاب الرسول أو بالأصحاب إطلاقاً، وبقيت تحمل هذا الوصف حتى بعد انتصار النبي وبعد أن دانت له العرب رغبة أو رهبة، ودخلوا جميعاً في دين الله أو تظاهروا بذلك. ومن هذه القلة فئة منافقة تظاهرت بالإسلام والإيمان عند قدوم النبي إلى المدينة المنورة، وفي الحقبة الزمنية التي بدأت فيها المواجهة المسلحة بين الرسول وأصحابه القلة وبين بطون قريش ومن والاها من العرب. ومع أن قلوب أولئك المنافقين كانت كافرة بالرسول، وبكل ما جاء به، إلا أنها كانت حريصة على إظهار الإسلام والإيمان، والقيام بجميع الواجبات المطلوبة ظاهرياً، وعندما كانت تتخلف عن ذلك أو تظهر بعض بوائقها، كانت تعتذر للرسول وتلح في الاعتذار حتى يعذرها. وكانت حريصة على التظاهر بموالاة الرسول في الوقت الذي كانت فيه قلوب أفرادها تقطر بالحقد عليه وعلى آله، وتتربص الفرص لنقض كلمة الإسلام من أصولها أو للانحراف بمساره عند الاقتضاء.

وقد قويت شوكة النفاق حتى صار ظاهرة من أخطر الظواهر التي هددت مجتمع الرسول. واحتل الهجوم عليها، وكشف وسائل المنافقين الخبيثة،

(1) المصدر نفسه.


131

وخطورة ظاهرة النفاق، وطبيعة نفسية المنافقين المريضة حيزاً كبيراً من القرآن الكريم، ومع هذا لم يكن هنالك تنزيل للمنافقين، فالجميع يقومون بالأعمال نفسها، ويرددون الألفاظ عينها، يضمهم مجتمع واحد هو مجتمع المدينة، ويدينون بالطاعة أو يتظاهرون بها لقائد واحد هو الرسول. وقد بلغ تغلغل المنافقين في مجتمع المدينة حداً يثير الذهول، فقد يكون الأب منافقاً والابن مؤمناً كحالة عبد الله بن أبي وابنة. لقد كانت المدينة المنورة عاصمة دولة النبي وفي الوقت نفسه المقر الرئيسي لمردة النفاق، وخارج نطاق دولة النبي ينظر للجميع على أساس أنهم أصحاب محمد، ويعرفون بهذا الوصف لأنهم سبقوا في دخول الإسلام، أو تظاهروا بهذا الدخول، ولأنهم كانوا جند النبي أثناء مرحلة المواجهة المسلحة الأولى أو تظاهروا بذلك.

وعند ما جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس جميعاً في دين الله أفواجاً، وصار المجتمع العربي مجتمعاً إسلامياً، وصار النبي سيد الجميع وحاكمهم، بقيت الفئة القلية التي سبقت إلى الإسلام أو تظاهرت به، والتي خاضت غمار المواجهة أو تظاهرت بخوضها بقيت فئة متميزة من غيرها من المسلمين تعرف بالوصف السابق نفسه: (أصحاب محمد) من دون البحث الدقيق عن حقيقة نفاق المنافقين أو عمق إيمان المؤمنين من هذه القلة!

والثابت أن الرسول قال عن زعيم المنافقين عبد الله بن أبي: (فلعمري لنحسن حجته ما دام بين أظهرنا) (1). ولما اقترح بعض المسلمين على رسول الله أجاب بما معناه: (كيف يقال إن محمداً يقتل أصحابه؟!). وعند ما اقترح أسيد بن حضير على الرسول أن يقتل المنافقين الذين تآمروا على قتله، في أثناء عودته من غزوة تبوك، أجابه الرسول قائلا: (إني أكراه أن يقول الناس أن محمداً لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه! فقال أسيد: يا رسول الله، فهؤلاء ليسوا أصحابا! قال الرسول: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله؟ قال:

بلى ولا شهادة لهم! قال: أليس يظهرون أني رسول الله؟ قال: بلى ولا شهادة لهم!

(1) راجع الطبقات لابن سعد 2 / 65.


132

قال النبي: فقد نهيت أن أقتل أولئك) (1) وبعيد انتقال النبي إلى جوار ربه بقيت هذه الفئة - مؤمنها ومنافقها - متميزة من غيرها من فئات المجتمع الإسلامي معروفة بالوصف نفسه: (أصحاب محمد) أو (أصحاب رسول الله).

المنافقون والمرتزقة من الأعراب قوة كبرى

بعد استسلام زعامة بطون قريش، وبعد فتح مكة وسقوط عاصمة الشرك بيد رسول الله، ويعد أن أغلقت جميع الأبواب في وجه المشركين وقيادتهم، ولم يبق إلا باب الإسلام، ولم يعد بإمكان أحد أن يجهر بشركه، ظهر النفاق في مكة وعلى نطاق واسع. ولما رأت القبائل العربية انهيار زعامة بطون قريش واستسلامها أدركت أن من الجنون استمرارها في عداوة محمد، وأدرك قسم من أفرادها أن محمداً صادق وأنه نبي، وتظاهر القسم الآخر بهذه القناعة. وهكذا فشت ظاهرة النفاق في مكة وفي الكثير من الجماعات السياسية التي كانت متحالفة مع زعامة بطون قريش على حرب النبي وعداوته، ولم يفتش النبي سرائر الناس وقبل منهم ظاهرهم. وبما أن المدينة المنورة قد أصبحت عاصمة الدولة، ومركز الجاه والنفوذ والثروة، فقد صارت نقطة تجمع لرعايا الدولة. واختلط منافقو مكة ومنافقو القبائل الجدد بمردة النفاق في المدينة، واكتشفوا أنهم قوة كبرى، وصمموا على التعاون والترابط لنقض كلمة الإسلام من أصولها إن استطاعوا أو تغيير مسارها الصحيح على أقل تقدير من خلال زعامة بطون قريش المعقدة من النبوة الهاشمية وفكرة الملك والخلافة الهاشمية. لقد فهم المنافقون أن علياً بن أبي طالب هو الولي الشرعي للأمة حسب ما أعلنه النبي وأن أحد عشر إماماً من ذرية النبي، ومن أولاد علي وأحفاده، سيتعاقبون على منصب الإمامة أو القيادة من بعد النبي وعلي.

وقد فهم المنافقون أن بطون قريش ال‍ 23 مستاءة من التميز الهاشمي، وأنها ترفض رفضاً قاطعاً الترتيبات الإلهية التي أعلنها النبي والمتعلقة بقيادة

(1) راجع المغازي للواقدي 3 / 1044 طبعة مؤسسة الأعلمي.


133

الأمة من بعده، وأن هذه البطون تنتظر موته وتعد العدة للقيام بانقلاب، وفي وقت، يطول أو يقصر، ستمد زعامة بطون قريش يدها للمنافقين، وتنشر ودهم ودعمهم. وعند ما لا يعمل بالنظام الإسلامي المتعلق بالقيادة ستبدأ المنظومة الحقوقية الإسلامية بالانهيار وسيتحول الإسلام إلى قشور، وهذا ما يتمناه المنافقون، لذلك أخذوا ينتظرون بفارغ الصبر موت النبي وإعلان البطون القريشية عن انقلابها الأسود! ليحققوا أهدافهم من خلالها. وإلى جانب المنافقين وقفت المرتزقة من الأعراب.

الحلف العملي وبقاء أصحاب محمد قلة

وهكذا تكون، عملياً وواقعياً، حلف مؤلف من:

1 - بطون قريش المصرة على إلغاء الترتيبات الإلهية.

2 - منافقي المدينة وما حولها ومكة وحلفائها السابقين.

3 - المرتزقة من الأعراب. وغاية الجميع واحدة، وهي إحداث التغيير الجوهري، في البنى السياسية التي أرساها النبي، على أن يكون التغيير تحت مظلة ثوب الإسلام وقشوره الخارجية.

ومن الناحيتين، العملية والواقعية، بقيت الفئة التي كانت تعرف ب‍ (أصحاب محمد (فئة قليلة تماماً كما كانت عندما بدأت المواجهة. والفرق أن أصحاب محمد كانوا يواجهون ويعيشون أقلية وسط محيط من المشركين يواجههم ويعاديهم ويحاربهم.

بينما كان (أصحاب محمد)، قبيل وفاة النبي، فئة قلية وسط المحيط الذي دخل الإسلام حديثاً أو تظاهر بالدخول. لقد صار (أصحاب محمد) كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود على حد تعبير معاوية بن أبي سفيان.

ارتباط مصطلح (أصحاب محمد) بالمواجهة

قلنا إن (أصحاب محمد) كانوا قلة وسط عالم عربي مشرك يناصبهم العداء، وبعد أن انتصر النبي صاروا قلة وسط عالم عربي حديث العهد بالإسلام. وقد ارتبط هذا المصطلح بحالة المواجهة التي جرت بين محمد وآله والقلة التي والته


134

من جهة وبين بطون قريش ومن والاها من جهة أخرى بمعنى أن العالم العربي المشرك قد انقسم عملياً إلى معسكرين. أحدهما محمد وبنو هاشم (وأصحاب محمد القلة) وثانيهما الأمويون بخاصة وبطون قريش بعامة ومن والاهم من العرب. وبطون قريش لم تواجه محمداً وبني هاشم لتعبر عن ولائها وحبها لدين الشرك، أو خوفاً من دين الإسلام وكراهية له إنما واجهتهم لأنها اعتبرت النبوة زعامة وقيادة، وهي ترفض رفضاً مطلقاً نبوة بني هاشم وزعامتهم وقيادتهم، وقد قدرت أن النبوة والدين الجديد ما هما إلا غطاء استعمله محمد والهاشميون لنسف الصيغة السياسية الجاهلية القائمة على اقتسام مناصب الشرف بين بطون قريش، وكيد كاده الهاشميون ليتفردوا بكل الشرف والفخر، وليحرموا بطون قريش منها!

لذلك هانت على بطون قريش معاداة محمد وبني هاشم ومعاداة أوليائهم (أصحاب محمد) فلم تواجه (أصحاب محمد) لأنهم تركوا دين الشرك، أو لأنهم دخلوا في الإسلام الذي جاء به محمد، إنما واجهتهم لأنهم تبرعوا من دون الناس بتأييد (المطامع الهاشمية والبغي الهاشمي المتمثل بمحاولة محمد والهاشميين التفرد بالقيادة والفخر والشرف وحرمان بطون قريش من هذا كله) هذا هو سر اندفاع بطون قريش في عداوة محمد والهاشميين، و (عداوة أصحاب محمد) الذين شكلوا مع النبي ومع الهاشميين طرف المواجهة الآخر، وتحملوا المشاق والمتاعب وكافة آثار تلك المواجهة الأليمة.

هزيمة البطون القريشية

واجهت بطون قريش محمداً وآله (وأصحاب محمد) بضراوة بالغة وجرعتهم أمر كؤوس العذاب، خلال مدة ال‍ 23 عاماً أو ال‍ 15 عاماً التي قضاها النبي في مكة قبل الهجرة، وتوجت البطون تلك المرحلة بمؤامرة جماعية استهدفت حياة النبي. لكن المؤامرة فشلت، ونجح النبي في هجرته. وبسرعة مذهلة، كون النبي جبهة إسلامية في يثرب تتألف: 1 - من مهاجري مكة، 2 - ومن مسلمي قبيلتي الأوس والخزرج ومن والاهم، 3 - ومن المتظاهرين منهم بالإسلام (المنافقون).


135

عرف هؤلاء جميعاً (بأصحاب محمد)، وبهم خاض النبي غمار المواجهة المسلحة مع بطون قريش وطواغيت الكفر والشرك في الجزيرة العربية، تلك المواجهة المسلحة التي استمرت ثماني سنين، نشبت خلالها بين الطرفين معارك دامية أبرزها بدر وأحد والخندق قتل فيها أشجع أبناء البطون، وطائفة من آل محمد ومن خيرة أصحابه. لقد استماتت بطون قريش للقضاء على التميز الهاشمي، وإطفاء نور الله، فلم تترك طريقاً من طرق الصد والمقاومة، ولا فناً من فنون الحرب إلا جربته. فاستعدت العرب والموالي واليهود. وتحالف معهم، ووضعت جميع مواردها وطاقاتها، وضحت بخيرة أبنائها لهدف محدد، وهو القضاء على محمد ودينه، لكنها فشلت وأفلست، وفوجئت صبيحة أحد الأيام بجيش محمد يحيط بمكة من كل جانب، واكتشفت أن جميع الأبواب قد أغلقت في وجهها، فاستسلمت عسكرياً، ثم أسلمت أو تظاهرت بالإسلام، وسقطت عاصمة الشرك نهائياً. وبانتصار النبي في حنين، وباستسلام الطائف ; أصبحت الجزيرة العربية كلها إقليماً لدولة النبي المترامية الأطراف، وأصبح سكان الجزيرة العربية رعايا الدولة. وأصبحت (أصحاب محمد) (القلة) الذين خاضوا معه غمار مواجهة أركان الدولة التي كان نبي الله على رأسها، وانتهت المواجهة رسمياً.

الجرح الراعف والحقد الدفين

صحيح أن بطون قريش قد استسلمت عسكرياً بعد صراع مع النبي دام 23 عاماً، وصحيح أيضاً أنها أسلمت أو تظاهرت بالإسلام، وتلفظت بالشهادتين بعيد استسلامها وهزيمتها. لكن ليس في الدنيا كلها عاقل واحد يمكن أن يصدق أن إسلام البطون، في هذه الظروف، أو تظاهرها بالإسلام قادر على إزالة شعورها بالاحباط والهزيمة، أو إعادة الحياة لأبنائها الذين قتلهم محمد وآله وأصحابه أثناء المعارك الدامية التي جرت بين الطرفين. فالبطون جميعها، وبخاصة البطنين:

الأموي والمخزومي، قد وترت بأبنائها، وفاضت قلوبها بالحقد على محمد وآله ومن والاهم موالاة صادقة. ساذج فقط هو الذي يصدق أن التلفظ بالشهادتين له القدرة على محو الآثار النفسية العميقة لصراع دموي ومرير إستمر 23 عاماً! والأهم


136

أن التلفظ بالشهادتين غير كاف لجعل بطون قريش تتخلى عن أهدافها وغاياتها من مواجهتها للنبي المتمثلة (برفضها المطلق للنبوة والزعامة الهاشمية) وكيف يقر لها قرار، محمد الهاشمي يتربع على قمة الهرم، ويعلن ليل نهار أن الإمام من بعده هو علي بن أبي طالب، الفارس العجيب الذي فجع البطون بأبنائها يليه في الإمامة أحد عشر إماماً من ذرية النبي ومن نسل علي جميعهم من بني هاشم! جميع هذه الحقائق والذكريات شكلت في قلب كل واحد من أبناء البطون جرحاً راعضاً، وربت حقداً دفيناً إلا من امتحن الله قلبه للإيمان منهم، وهم قليل، جد قليل.

إعادة تقويم الموقف والاعتراف بالمعطيات الجديدة

وضعت الحرب أوزارها باستسلام البطون، والتقى المهاجرون والطلقاء من أبنائها بعد أن اجتمع شمل الجميع تحت خيمة الإسلام الواسعة، وتذكروا الآباء والأبناء والأخوة والأعمام والأخوال الذين قتلهم محمد وآله وأصحابه! ولم تكن للبطون قدرة على الاعتراض، لأنها مهزومة، وقد تعلمت، خلال حقبة المواجهة، أن محمداً سينتصر دائماً، وأن أي مواجهة معه مصيرها الفشل الذريع.

ومن هنا صارت العافية مرهونة بالصمت وإخفاء حقيقة ما في النفوس. واستذكر أبناء البطون أن النبوة الهاشمية صارت قدراً لا مفر منه وأن لا محيص من اعترافهم بهذه النبوة، وأن الصيغة الجاهلية السياسية القائمة على اقتسام مناصب الشرف قد تمزقت نهائياً، وأن الهاشميين قد تفردوا بكل الفخر والشرف فالنبي منهم، ومحمد لا يتوقف عن الإعلان بأن الولي من بعدة هو علي بن أبي طالب ومن بعده أحد عشر إماماً جميعهم من ذرية النبي الهاشمي ومن نسل علي الهاشمي أيضاً. وكلما تذكروا ذلك وتذاكروا به اجتاحت قلوبهم موجات هائلة من المشاعر التي يختلط بها كل شئ: الحقد والحسد والوتر والإحباط والشعور بالهزيمة الماضي والحاضر، الإسلام والشرك والدنيا والآخرة. وأسفرت هذه المشاعر المتناقضة عن شعور بالمرارة، ورغبة هائلة بالتغيير، ولكن تحت مظلة الإسلام فمحمد وآله وأصحابه ما زالوا قلة، كانوا قلة وسط بحر من الشرك وصاروا بعد الانتصار قلة وسط بحر من حديثي الإسلام! فتحت مظلة الإسلام ستعود الأمور إلى مجاريها


137

الجاهلية، فتتأخر القلة، وتتقدم الأكثرية، ويعود التوازن الذي اختل لصالح البطن الهاشمي. هذا هو الهدف الكبير الذي التفت حوله بطون قريش: مهاجرها وطليقها بعد الاستسلام والهزيمة، بمعنى أن همها قد انحصر في إلغاء جميع الترتيبات الإلهية المتعلقة بمنصب الإمامة أو القيادة التي أعلنها النبي، وتجريد الهاشميين على المدي البعيد من جميع حقوقهم السياسية، والقضاء التام على مكانتهم المتميزة، وتحجيم (أصحاب محمد)، وبخاصة المعروفين بحبهم وبولائهم لآله، وإبعادهم كلياً عن مراكز التأثير وتسليط الأضواء على قلتهم، وعدم فاعليتهم، والحط العملي من قيمتهم تحت شعارات مختلفة لغاية في نفس يعقوب.

أساليب أبناء بطون قريش لتحقيق غاياتهم تحت مظلة الإسلام

1 - بعد انتصار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، صارت النبوة في نظر بطون قريش، وسيلة للملك وطريقاً لسيادتها على العرب. لذلك لم يعد في مصلحتها أن تنكر هذه النبوة. فاعترف أبناؤها بها وأعلنوا أنها لم تعد موضوعاً للنقاش، فهي حقيقة من حقائق الحياة السياسية العربية، فمحمد نبي ورسول وصاحب ملك.

2 - وحيث أن الهاشميين قد اختصوا بالنبوة وأخذوها، وهي شرف عظيم، واعترفت لهم جميع البطون بهذا الشرف خالصاً، فليس من العدل أن يأخذوا الملك (أن يكونوا خلفاء من بعد النبي) لأن معنى هذا أن يجمعوا النبوة والملك ويحرموا البطون من هذين الشرفين معاً. والأصوب والأبعد عن الإجحاف أن تكون النبوة لنبي هاشم خاصة لا يشاركهم فيها أحد من البطون، وأن تكون خلافة النبي (الملك) للبطون خاصة لا يشاركهم فيها أي هاشمي قط. وعلى هذا أجمعوا. وأبرز منظري هذا المبدأ اثنان هما: أبو بكر الخليفة الأول، وعمر بن الخطاب الخليفة الثاني (1).

أما النصوص النبوية المتواترة التي نصت على أن الإمام علياً بن أبي طالب وأحد عشر إماماً من ذرية النبي، ومن نسل علي، هم الأئمة الشرعيون للأمة من

(1) راجع الكامل لابن الأثير 3 / 24، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 107 و 12 / 53 - 54.


138

بعد النبي، فقد عدها أبناء البطون غير ملزمة، وغير معقولة لعدة أسباب منها: 1 - أن الرسول بشر يتكلم في الغضب والرضى ولا ينبغي أن يحمل كلامه كله على محمل الجد (1)! وعلى هذا الأساس أهملت بطون قريش جميع النصوص النبوية التي نظمت أمر الولاية من بعد النبي. ومن جهة ثانية فإنه لا علم للبطون بأن القرآن قد تطرق لهذه الناحية. والأمر الملزم للبطون هو القرآن وحده ولا حاجة لقول النبي ولا لوصاياه في أمور لم يعالجها القرآن. ولقد جهر عمر بن الخطاب بهذه القناعة أمام الرسول نفسه، وأيده أبناء البطون فحالوا بين الرسول وبين كتابة توجيهاته النهائية، بحجة أن القرآن وحده يكفي ولا حاجة لتوجيهات الرسول ولا لوصاياه لأنهم أدركوا أن هذه التوجيهات ستبطل كيدهم (2) وفي هذا السياق، وطمعاً بطمس جميع النصوص النبوية المتعلقة بخلافة النبي منع خلفاء البطون الرعية من أن تحدث عن رسول الله، وجمعوا الأحاديث التي كتبها الناس عنه وأمروا بتمزيقها (3)!

3 - إضفاء هالة من التقديس تفوق التصور والوصف على أبناء البطون البارزين، ومعاملتهم باحترام يفوق احترامهم للرسل والأنبياء، والتماس الأعذار لأخطائهم وهفواتهم وتقديمهم للأمة جنباً إلى جنب مع النبي لهم سنن واجبة الاتباع تماماً كسنة الرسول. وإذا تعارضت سننهم مع سنن الرسول ترجح سنن أبناء البطون، ويمكن للواحد من هؤلاء البارزين أن يقول للرسول وجهاً لوجه: (أنت تهجر ولا حاجة لنا بوصيتك) فتصفق جميع البطون لهذا القائل وتؤيده، وتقول أمام الرسول: (إن الرسول يهجر والقول ما قاله عمر)، كما حدث يوم الرزية والنبي على فراش الموت (4).

(1) راجع سنن الدارمي 1 / 125، وسنن أبي داود 2 / 126، ومسند أحمد 2 / 162 و 207 و 216، ومستدرك الحاكم 1 / 105 و 106.

(2) راجع صحيح البخاري 4 / 31 و 7 / 9، 1 / 37، و 2 / 132، وصحيح مسلم 2 / 16 و 5 / 75، وصحيح مسلم بشرح النووي 11 / 94 - 95، تاريخ الطبري 2 / 192.

(3) راجع التفصيل والمراجع في مبحث (الإمامة أو الولاية أو القيادة من بعد النبي) من هذا الكتاب.

(4) راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 286 وما بعدها تجد التفصيل والمراجع.


139

وعلى سبيل المثال، لا الحصر، كانت سنة الرسول جارية على تقسيم المال بين الناس بالسوية، ولما آلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب رأى أن سنة الرسول في هذا المجال ليست مناسبة وأن الأنسب إعطاء الناس من الأموال حسب منازلهم بمقاييس عمر. وهكذا فعل فصفقت له أبناء البطون وصفق الناس من خلفهم، وأشاد الجميع بعبقرية عمر وعدله وتركه لسنة رسول الله، وجاء القوشجي في (شرح التجريد) وابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) فوضعوا النقاط على الحروف وقالوا بكل صراحة: (إن الرسول مجتهد وعمر مجتهد!! ومن حق المجتهد أن يخالف مجتهداً آخر)!

وكانوا يشترطون على الخليفة الجديد أن يعمل بسنة الرسول وسنة الشيخين أبي بكر وعمر، فسنة الرسول وحدها غير كافية! ولو كانت كافية لما كان هنا لك داع لسنة الشيخين!

وفي هذا السياق، أنت ترى أن العشرة المبشرين بالجنة جميعهم من أبناء البطون، ولم تعترف البطون، رسمياً، بأي مبشر بالجنة غيرهم، وقد شاع هذا الخير وانتشر وأصبح من المسلمات مع أنه من أحاديث الآحاد!

وقد ترجح الشخصية البارزة، من أبناء البطون، على الرسول نفسه صراحة، فهذا زيد بن عمرو بن نفيل ابن عم الخليفة عمر يزور رسول الله قبل البعثة، فيقدم له الرسول مائدة فيها لحم، فيرفض زيد أن يأكل من مائدة الرسول، فيسأله الرسول عن سبب ذلك، فيقول زيد له: (إني لا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه) (1) فهم يصورون زيداً كأنه أحوط وأفضل من رسول الله! ولقد نجحت بطون قريش في تصدير هذه العقيدة وتعميمها حتى صارت من المسلمات. فإذا أراد العامة أن يرمزوا لفكرة العدل يقولون: (عدل عمر). ولا يقولون عدل محمد أو عدل الرسول! والأهم من ذلك أن حب أشخاص معينين من أبناء البطون صار جزءاً من العقيدة، فلو التزم مؤمن بالإيمان تماماً، ولكنه كان يرى أن علياً بن أبي طالب أو

(1) راجع صحيح بخاري في كتاب الذبائح باب ما ذبح على النصب والأصنام 3 / 207.


140

غيره أولى بالخلافة من أبي بكر أو عمر أو عثمان لكانت هذه كافية للتشكيك بكل إيمانه وحتى بدينه، ونعته بكل النعوت التي تطرده من الجماعة، وتسلط غضب العامة عليه، فيقال (أنه رافضي خبيث)، أو (شيعي مقيت)، أو (طاعن ملعون بالصحابة الكرام).

4 - الحشد وانتظار موت النبي بعد أن استسلمت بطون قريش وبعد التقاء المهاجرين والطلقاء على هدفهم الجديد، بدأ الحشد والإعداد لتحقيق الهدف.

وفي هذا السياق، صارت كلمة أبناء البطون واحدة فاتحدت مثل اتحادها عندما أعلن الرسول دعوته في مكة، ولكن هذه المرة تحت خيمة الإسلام، فإذا تكلمت شخصية بارزة من أبنائها تقف جميعها خلفه وتردد ما قالته، وموقف البطون وتأييدها لعمر بن الخطاب والنبي على فراش الموت وترديدها خلفه: (إن النبي يهجر، ولا حاجة لنا بوصيته، والقرآن وحده يكفينا) دليل قاطع على صحة ما ذكرناه.

وفي مجال الحشد، مدت البطون يدها للمنافقين، فلم يرو لنا التاريخ كله أن أحداً من المنافقين قد عارض أي خليفة من خلفاء البطون، لقد شكلوا مع البطون جبهة واحدة ولكن تحت خيمة الإسلام هذه المرة. كذلك استغلت البطون الخلاف العشائري بين الأوس والخزرج ووطدت علاقاتها بأسيد بن حضير وطائفة من قومه وشيعتهم بعقيدتها مما سهل وهون على أسيد أن يشترك في اليوم الثاني لوفاة الرسول بسرية غايتها إحراق بيت فاطمة بنت محمد على من فيه، وفيه علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين سبطا رسول الله!!

وفي هذا السياق، مدت البطون يدها للمرتزقة من الأعراب فوعدتهم ومنتهم وتحالفت معهم وانتظرت وإياهم موت الرسول بفارغ الصبر. أنظر إلى قول عمر:

(ما أن رأيت أسلم حتى أيقنت بالنصر) فهو يعلم أن قبيلة أسلم معه تؤيده وتؤيد حزبه.

وهكذا شكلت بطون قريش جبهة تضم أبناءها والمنافقين والمغرر بهم من الأنصار والمرتزقة من الأعراب، ولهذه الجبهة غاية واحدة هي إقصاء آل محمد وأهل بيت النبوة عن خلافة الرسول والاستيلاء على منصب الخلافة بالقوة والتغلب والقهر، واعتبار التغلب هو الطريق الأوحد لتولي هذا المنصب.


141

النبي وأهل بيته وأصحابه قلة من جديد

وفي الجانب الآخر، وجد النبي وأهل بيته وأصحابه المخلصين أنفسهم (قلة) من جديد، وعليهم أن يواجهوا واقعاً جديداً، فجميع بطون قريش والمنافقون والمغرر بهم من الأنصار والمرتزقة من الأعراب في صف واحد متحد ومتراص ولكن تحت خيمة الإسلام، ولهم هدف محدد واضح يتلخص بإلغاء الترتيبات الإلهية المتعلقة بمنصب القيادة أو الولاية أو الإمامة من بعد الرسول، وكان هذا التجمع من القوة بحيث أنه حال بين الرسول وبين كتابة ما أراد أثناء مرضه، وأن هذا التجمع قد واجه الرسول في بيته، وفرض رأيه فرضاً، وبهذا أخرجوا الرسول من دائرة التأثير على الأحداث، وعطلوا عملياً دوره كقائد للأمة. لقد أمر الرسول بتجهيز حملة أسند قيادتها إلى أسامة بن زيد وطلب من الحملة أن تتحرك فوراً وأن تغادر المدينة، ولكن أقطاب التجمع فطنوا لخطة النبي، فتثاقلوا وثبطوا الناس، ونجحوا في تأخير مسيرة الحملة، وتفويت الحكمة من وقت تسييرها، كل هذا يجري وتجمع البطون ومن والاها يكرر الشهادتين والاعتراف التام بالنبوة والرسالة، ولكن تحت شعار (حسبنا كتاب الله). هذا هو المناخ الذي أو جده تجمع البطون قبل استيلائه على منصب الإمامة بالقوة والتغلب والقهر.

النجاح الساحق

انتقل الرسول إلى جوار ربه، وانشغل الآل الكرام وأهل بيت النبوة الطاهرين بتجهيز جثمانه الطاهر لمواراته في ضريحه الأقدس. وخلال هذه المدة تجمع قادة التحالف، ونصبوا خليفة منهم متجاهلين بالكامل جميع النصوص النبوية التي عالجت منصب خلافة النبي، وصار التحالف جيشاً للخليفة، وصار قادته قادة لدولة الخليفة، وقبضوا سريعاً على المال والجاه والنفوذ ثم زحفوا إلى مسجد النبي، زافين الخليفة، زفاً ليواجهوا الولي الشرعي وأهل بيت النبوة ومن تبقى معهم من الصحابة الكرام بالأمر الواقع، وليحصلوا بالقوة على بيعة من لم يبايع، ومن لم يبايعهم مصيره الموت، حتى لو كان علياً بن أبي طالب، ومن يتكتل ضدهم سيحرقونه حياً حتى لو كانت فاطمة بنت محمد، أو الحسن والحسين سبطا


142

محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليثبتوا جديتهم بالفعل جمعوا الحطب وهموا بإشعال النار ببيت فاطمة بنت محمد، وكادوا يحرقونه على من فيه لو لا لطف الله تعالى، وفوجئ الناس بهذه القسوة البالغة التي لم يعهدوها في عهد الرسول ولا حتى في الجاهلية، فأقبلوا على البيعة حفظاً لحياتهم ومصالحهم.

وهكذا نجح قادة تحالف البطون نجاحاً ساحقاً بالاستيلاء على منصب الخلافة من بعد الرسول بالحشد والقوة والتغلب والقهر، ومواجهة كل من يقف في دربهم حتى ولو كان الرسول نفسه، واتحدت أغلبية الأمة وراءهم رغبة أو رهبة، ولم يتخلف عن بيعتهم إلا علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة وبنو هاشم كما يروي البخاري، أو بعض الشخصيات البارزة كسعد بن عبادة، وقد هم قادة التحالف بقتله عند امتناعه عن البيعة مباشرة، ولكنه خشوا عواقب ذلك، وفي ما بعد أصدر عمر بن الخطاب أمراً بقتله وقتل فعلاً. وقد صورت وسائل إعلام البطون المتخلفين عن البيعة بصورة الشاقين لعصا الطاعة، والمفارقين للجماعة!

ولو لا لطف الله لقتلوا علياً بن أبي طالب، ولأحرق أهل بيت النبوة وهم أحياء!

ولكن عقلاء البطون رأوا أن من الأنسب عزل أهل بيت النبوة اجتماعياً، وتجريدهم من كافة حقوقهم السياسية، وتركيعهم اقتصادياً! فهذا أجدى وأنفع من القتل في تلك المرحلة! وفي هذا السياق تم تجريد أهل بيت النبوة من جميع ممتلكاتهم، وتم حرمانهم من ميراث النبي، ومن كافة المنح التي أعطاها لهم الرسول حال حياته، وتم حرمانهم من الخمس المخصص له في آية محكمة، ولأسباب إنسانية وعد الخليفة الأول بتقديم المأكل والمشرب لهم (1).

مؤامرة بطون قريش وانقلابها

إن تجاهل بطون قريش للترتيبات الإلهية والنصوص الشرعية المتعلقة بمنصب الإمامة، أو القيادة أو الخلافة من بعد النبي، واستيلائها على هذا المنصب من طريق الحشد والقوة والتغلب والقهر، هو في حقيقة انقلاب حقيقي تمخض

(1) راجع كتابنا المواجهة مع رسول الله وآله (القصة الكاملة) تجد التفصيل الكامل الموثق.


143

عن إلغاء جميع الترتيبات والنصوص الشرعية المتعلقة بظاهرة السلطة، ولم يبق من هذه الترتيبات والنصوص إلا القشور أو تلك التي يمكن تأويلها لصالح خليفة البطون!

وترتب على إلغاء الترتيبات الإلهية والنصوص الشرعية وضع ترتيبات وضعية جديدة، واعتبار ما فعله الانقلابيون بمثابة سوابق شرعية، أو نصوص قانونية. ولم يكتف الانقلابيون بذلك إنما ألغوا المرجعية التي اختارها الله ورسوله، وعدوا أنفسهم - بالقوة والقهر - مرجعية بديلة!

لقد أكد الرسول أن الهدى لا يدرك إلا بالثقلين: كتاب الله وعترة النبي أهل بيته كما هو ثابت من حديث الثقلين وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بهذين الثقلين، لأن كل واحد منهما متكامل مع الآخر ومتمم له، ولا يستقيم الإسلام إلا بهما، وهما الثقل القانوني أو الحقوقي المتمثل بالقرآن وبيان النبي لهذا القرآن، والثقل الشخصي المتمثل بعترة النبي أهل بيته، فهم القيادة والمرجعية في كل زمان، وهم المعدون والمؤهلون إلهياً لفهم القرآن فهماً قائماً على الجزم واليقين، فما يقولون هو المقصود الإلهي من هذا النص، فضلاً عن ذلك فإن أئمة أهل بيت النبوة هم وحدهم الذين أحاطوا بالبيان النبوي لأنهم تلقوه مباشرة عن رسول الله.

وجاء الانقلابيون، أو قادة بطون قريش، وألغوا هذه المرجعية، وأعلنوا بكل صلف وصراحة، أن القرآن وحده يكفي ولا حاجة لأهل بيت النبوة، وتجاهلوا حديث الثقلين وأحاديث الإمامة والولاية والخلافة، تماماً كما فعلوا مع الرسول يوم أراد أن يكتب توجيهاته النهائية. إذ حضروا من دون دعوة، وما أن قال الرسول: قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً حتى تجاهلوا قوله، وقال عمر بن الخطاب للحاضرين، من بطون قريش: إن الرسول قد هجر، ولا حاجة لنا بكتابه حسبنا كتاب الله، وتصرف كأن الرسول غير موجود. عندئذ ردد رجالات البطون من خلفه: القول ما قاله عمر، إن الرسول يهجر حسبنا كتاب الله، وتصرفوا، أيضاً، كأن الرسول غير موجود، وكانوا هم الأكثرية فأثاروا لغطاً شديداً وخلافاً مما اضطر الرسول لأن يصرف الجميع.

وبعد موت الرسول، رتبت البطون أمرها وألغت مرجعية ربها وتجاهلت


144

وجودها تماماً، كما تجاهلت وجود النبي. ولم تكتف بذلك إنما حاصرت أهل بيت النبوة وجردتهم من ممتلكاتهم ومن كافة حقوقهم المدنية والسياسية وحاصرتهم اقتصادياً وعزلتهم اجتماعياً.

وترتب على نجاح الانقلابيين إبعاد الرسول عن التأثير على الأحداث، فقد منعوا الرعية من التحديث عنه، ومنعوا كتابة أحاديثه وأحرقوا المكتوب منها، وصارت كلمة خليفة البطون وأركان دولته هي الكلمة العليا، وهي القول الفصل، واقتصر دور الدين كله على تجميل هذا الواقع وتسويغه. وكل ذلك يجري تحت خيمة الإسلام، وباسمه.

البحث عن عقائد جديدة

صحيح أن بطون قريش ال‍ 23، مهاجرهم وطليقهم، صف واحد وجبهة متراصة واحدة. وصحيح، أيضاً، أنهم تحالفوا مع المنافقين ووقفوا جميعاً قلباً وقالباً إرغاماً لأنف النبي وأنوف آله، وصحيح أيضاً أن المرتزقة من الأعراب أيدوا بطون قريش لأنها المالكة للمال والنفوذ والجاه. وصحيح أيضاً أن البطون نجحت في استغلال الخلاف بين الأوس والخزرج وضمت إلى صفوفها قطاعاً واسعاً من الأنصار. وصحيح أيضاً أن البطون عزلت علياً وأهل بيت النبوة وبني هاشم ومواليهم اجتماعياً، فعادوا قلة مستضعفة. وصحيح أن خليفة البطون غدا في أوج قدرته، وأن دولته مستقرة وتبسط سلطانها على الجميع بالقوة. لكن أركان هذا التحالف أدركوا أن القوة وحدها ليست كافية لتضمن بقاء: دولة البطون ولتحقيق قناعة الرعية بشرعية هذه الدولة، وأن افتقار خليفة البطون إلى عقيدة تشكل نقطة ضعف. وفي وقت يطول أو يقصر سيستغل الهاشميون هذه النقطة لصالحهم، لذلك بدأ قادة البطون بالبحث عن عقائد يمكن لها أن تشكل نظرية تعمل جنباً إلى جنب مع بطون قريش ومع خليفتها وجيشها لتقوية دولتها ودوامها. وقد اخترع خلفاء البطون مجموعة كبيرة من النظريات السياسية، تصب في خانة إضفاء الشرعية على دولتهم من خلال وضع نظرية تنتظم مع القوة والتغلب والقهر لإيجاد حالة عامة من القناعة بشرعية دولة البطون أو إسلاميتها. ومن أسس هذه النظرية:


145

1 - قرابة النبي:

زعم قادة البطون وأولياؤهم في سقيفة بني ساعدة، أنهم أولى بالنبي لأنهم أهله وعشيرته، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم رجل من قريش، وبطون قريش أولى بملكه وسلطانه! وفي المفاجأة، وتخطيط البطون المسبق، وتحالفها مع المنافقين والمرتزقة من الأعراب، واستغلالها للخلاف بين الأوس والخزرج، وفي غياب أهل بيت النبوة، انطلت هذه المقولة إلى حين، ولم يكن لأحد من الحاضرين مصلحة في أن يقول للبطون: إذا كنتم أولى بالنبي حقاً، وأقاربه بالفعل فلم قاومتموه خمسة عشر عاماً في مكة قبل الهجرة؟ ولم حاصرتموه وبني هاشم وبني المطلب ثلاث سنين في شعاب أبي طالب وقاطعتموه؟ ولم تآمرتم على قتله، ثم جيشتم الجيوش واستعديتم عليه العرب واليهود وحاربتموه ثماني سنوات!؟

2 - مقولة الشورى:

وبعد أن قبضت البطون عملياً على مقاليد الأمور، وواجهت ولي الأمر وبني هاشم بأمر واقع لا قبل لهم بتغييره، ادعى قادة البطون أن الأمر أو الخلافة أو القيادة أو الإمامة من بعد النبي شورى واختيار، ومن حق المسلمين اختيار من شاءوا لهذا المنصب، وقد اختار المسلمون ابن البطون البار، وصاحب الرسول وصهره، أبا بكر الصديق، وقد اختاره الجميع ولم يعترض عليه إلا الولي وأهل بيت النبوة، وبنو هاشم وحفنة قليلة من أوليائهم! وقد قامت هذه النظرية عند ما انهارت نظرية قرابة النبي، بحجة أن أهل البيت هم الأولى بالنبي حياً وميتاً، وليس من مصلحة أحد أن يحرق نفسه ومستقبله فيقول للخليفة أو لقادة البطون: ما هي طبيعة هذه الشورى التي تجري في غياب علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة وبني هاشم وأكثرية الأنصار؟ وأكثرية المسلمين؟ وهل هذه شورى عندما تواجه هؤلاء جميعاً بأمر واقع وتقول لهم: إما أن تبايعوا أو تقتلوا أو تحرقوا، أو تحرموا من كافة حقوقكم! أهذه هي الشورى والاختيار بمفهومكم!؟

3 - التخلية، أو ترك الأمة بدون راع:

تجاهل قادة بطون قريش جميع الترتيبات الإلهية والنصوص الشرعية التي


146

بينت الولي أو القائد أو الإمام من بعد النبي، وكيفية انتقال منصب الإمامة من إمام إلى إمام، وزعموا أن رسول الله قد ترك الأمة دون أن يعين راعياً لها من بعده، أو خلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم من يرونه مناسباً! ومن هذا المنطق اختار المسلمون خليفة البطون الأول! وليس لأحد من المسلمين مصلحة في أن يقول لقادة البطون: طالما أن الرسول قد خلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم، فلماذا لا تعتدون به وتخلوا على الناس أمرهم كما خلي؟ لقد عهد أبو بكر بالخلافة لعمر، وعهد عمر بالخلافة عملياً لعثمان! وطوال تاريخ دولة البطون لم يمت خليفة قبل أن يعهد بالخلافة لمن يليه، وكل هذا يشكل نقيضاً ونقضاً لنظرية التخلية التي بذلت البطون جهوداً هائلة لتعميمها على العامة.

4 - مقولة (حسبنا كتاب الله):

تعد هذه المقولة من أخطر المقولات اخترعها خلفاء البطون وأولياؤهم لإخراج النبي بذاته وفعله وقوله من دائرة التأثير على الحدث السياسي، ولإبطال جميع النصوص الشرعية التي أعلنها والمتعلقة بالقيادة أو الإمامة من بعده. وأول من نادى بهذه المقولة هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فعند ما شعر هو وأركان بطون قريش أن الرسول يريد أن يكتب توجيهاته النهائية، قدروا أن مواجهة توثيق الرسول الخطي عملية صعبة، وبالتالي فإن هذا التوثيق قد يقلب كافة مخططاتهم، لذلك استماتوا ليحولوا بين الرسول وبين كتابة توجيهاته النهائية.

لكن هذا حشد عمر أركان البطون ودخلوا إلى بيت الرسول في الوقت المحدد لكتابة توجيهاته النهائية، وما أن قال الرسول لأوليائه (قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبدا) حتى قال عمر لأوليائه: إن الرسول يهجر ولا حاجة لنا بكتابه، حسبنا كتاب الله. وعلى الفور ردد أركان البطون من خلف عمر: القول ما قاله عمر إن الرسول يهجر حسبنا كتاب الله!! وخلق عمر وأركان البطون مناخاً من الفوضى والاختلاف صارت الكتابة فيه أمراً مستحيلاً (1) وعند ما قبض أركان البطون على

(1) وقد وثقنا ذلك راجع على سبيل المثال (كتابنا نظرية عدالة الصحابة) ص 286، وما بعدها.


147

السلطة منعوا رسمياً رواية أحاديث الرسول وكتابتها وأحرقوا المكتوب منها علناً.

وكان هدفهم واضحاً ومنصباً على طمس جميع النصوص التي تشير إلى الإمام من بعد النبي. وكان معاوية أكثر وضوحاً عند ما حصر المنع بالنصوص التي تذكر فضل (أبي تراب وأهل بيته)، على حد تعبيره.

الخلفاء المقدسون

نجحت البطون في تجاهل الترتيبات الإلهية المتعلقة بالقيادة، ونجحت بالاستيلاء على منصب الخلافة بالتغلب والقهر، وقبض خليفة البطون وأولياؤه على السلطة بيد من حديد، وحجموا كل من يعارضهم وعزلوه وحرموه ونكلوا بخصومهم، فقد هددوا علياً بن أبي طالب بالقتل، وهو ابن عم النبي وزوج ابنته البتول ووالد سبطيه، وشرعوا بإحراق بيت بنت الرسول فاطمة وهي سيدة نساء العالمين وفيه الحسن والحسين سبطا النبي، وهددوا بقتل سعد بن عبادة، ثم قتل بأمر الخليفة في ما بعد، مع أنه سيد الخزرج وحامل لواء النبي وموضع ثقته!

وقتلوا مالك بن نويرة، الصحابي الجليل الذي ولاه النبي أمور قومه، للاشتباه بعدم إخلاصه لخليفة البطون، وجردوا أهل بيت النبوة من جميع ممتلكاتهم ومن المنح التي أعطاها لهم الرسول حال حياته، وحرموهم من تركة النبي، ومن حقهم بالخمس، مع أنهم أحد الثقلين!

إذا كانت هذه معاملة البطون لعلية القوم وأشرافهم وأهل الدين والسابقة ممن يشتبهون بولائهم للخليفة فكيف تكون معاملتهم للمستضعفين وعامة الناس!؟

بهذه الأساليب الموغلة بالقسوة؟ وبالترغيب بالمال والجاه وبنصيب من السلطة، استقامت الأمور لدولة البطون وانقاد لهم الناس رغبة أو رهبة. لم تنتظر البطون طويلاً إنما جيشوا الجيوش لإشغال المسلمين بالحرب، وتوسيع رقعة الملك، ونشر الإسلام على طريقتهم. في هذا الوقت نفسه كانت شخصية النبي الفذة، وسمعته العطرة، وعدله العجيب، ومعاملته الفريدة لخصومه ومعارضيه، وتساويه بمستوى المعيشة نمط الحياة مع المملوكين، وسرعته المذهلة بتوحيد العرب ونقلهم من دين إلى دين، كانت قد شقت طريقها بين شعوب الدولتين الأعظم،


148

وسبقت جيوش خليفة البطون، وخلقت حالة من التعاطف العميق مع هذه الجيوش، على اعتبار أنها جيوش خليفة النبي والأمل بإنقاذ الشعوب المظلومة من جلاديها! لذلك لم تجد جيوش الخليفة مقاومة تذكر، فهزمت الدولتين الأعظم وبسطت سلطانها على الأقاليم، وتوالت الانتصارات، وأثرت جيوش الخليفة، فتعجب المسلمون من قدرة الخليفة وقدرة جيوشه المظفرة، وأعجبهم ما حدث، وحتى الذين كانوا يرونه غاصباً للسلطة غضوا النظر عن ذلك أمام هذه الانتصارات، وألقي في روع الناس أن الله مع الخليفة وأن الله قد أتاه الملك لأنه يستحقه، وزاد من افتتان المسلمين بالخليفة البطل، إنه لم يغير كثيراً من مستوى معيشته، بل ألزم نفسه بنمط معتدل منها، ما أذهل عامة المسلمين، وملأ قلوبهم حباً وإعجاباً للخليفتين الأول والثاني ولجيوشهما المظفرة التي دكت عروش الأكاسرة والقياصرة، وألحقت بهم أشنع الهزائم، وصار الخليفة شخصاً مقدساً، وفوق كل الشبهات، ووضعت الجموع المعجبة الرجلين عملياً على قدم المساواة مع النبي نفسه، بل ورجحت الرجلين على النبي فقد يخطئ النبي لأنه بشر، ولا تجد الجموع المعجبة غضاضة من وصف النبي بالخطأ، لكن لا أحد في الدنيا يجرؤ على القول: أن أحد الخليفتين أو كلاهما قد أخطأ، لأن العناية الإلهية تدعمها، وإذا اختلف أحد الخليفتين مع النبي شخصياً، كأن أصدر النبي أمراً، فأبدى أحدهما رأياً معارضاً لأمره وحكمه، فإن البطون آلياً تقف مع أحدهما ضده وترجح رأيه على حكم النبي! وأبرز مثال على ذلك ما حدث في بيت النبي أثناء مرضه.

وبعد أن انتقل النبي إلى جوار ربه لم تتغير الأمور، فإذا رأى أحد الخليفتين أن سنة من سنن الرسول ليست مناسبة برأيه، فإنه يلغيها ويحل رأيه محلها فتصفق له البطون وتؤيده وتبعاً لتأييد البطون تؤيده القوى المنافقة، والمرتزقة من الأعراب، فتتعرى القلة المؤمنة وتنكشف، فتؤيده تبعاً لتأييد الجميع حفظاً لحياتها. كان الرسول يوزع بين الناس بالسوية وكذلك فعل أبو بكر، فجاء عمر فألغى سنة المساواة وأعطى الناس حسب منازلهم عنده. هذا مثال على ما أسلفنا، ومثال آخر، صعد عمر بن الخطاب يوماً على المنبر وخطب الناس قائلاً: (متعتان


149

كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء).

ويأتي الأولياء والأنصار فيحشرون كل مواهبهم لتسويغ قرار الخليفة وإثبات عبقريته وحكمته. الناس اليوم إذا أرادوا أن يرمزوا للعدل قالوا: (عدل عمر)، ولا يقال عدل الرسول! مع أن رسول الله أعدل من مل ء الأرض من أمثال عمر. وما يعنينا أن هذه النظرية أسهمت في إرساء حكم البطون وإضفاء الشرعية على ما فعلت وكانت جزءاً من عقيدة متكاملة حاولت البطون وضعها لتسويغ ما فعلت.

نظرية عدالة جميع الصحابة

أ - الأسباب الموجبة لاختلافها:

اكتشفت البطون وهن نظرياتها، وعجزها عن تكوين عقيدة مقنعة، لها القدرة على دعم حكمها وتثبيته. لقد انهارت مقولة القرابة، فلم يعد بوسع عاقل في الدنيا أن يصدق أن بني تيم وبني عدي وبني أمية أقرب للنبي من بني هاشم!

مثلما انهارت نظرية الشورى، فالخليفة الغالب يعهد لمن يخلفه، ودور الأمة منحصر بمبايعته، وانهارت مقولة التخلية، لأن الخلفاء أنفسهم لم يعملوا بها، وعدوا موت الواحد منهم من دون تعيين من يخلفه كارثة! وانهارت مقولة حسبنا كتاب الله فكتاب الله لا يغني عن رسول الله فكلاهما متمم للآخر ومضى الخلفاء الراشدون ولم تبق إلا ذكرياتهم وحل محلهم خلفاء غير راشدين! لقد انهارت المفاصل الأساسية للنظرية التي بناها رواد البطون واقتصرت علاقة البطون - كطبقة حاكمة - بالمحكومين علي العطاء والسيف والمشاركة بالسلطة إنه حكم بلا عقيدة تذكر. وليس له أساس إلا ظواهر الشرعية لقد أدركت البطون أن نذر زوال حكمها قد أقبلت، وأن حكمها قائم على البطش والقوة، فإذا ولت القوة ولى حكمها، وآل إلى أعداء البطون الألداء: أهل بيت النبوة، وبخاصة أن (محمدا) قبل موته قد ربط أهل بيت النبوة بالدين ربطاً محكماً عبر شبكة من بيانه، حتى أن الصلاة لا تقبل من عبد مسلم إن لم يصل على محمد وآل محمد، والمسلمون جميعهم يعرفون حديث الثقلين الذي أعلنه النبي في غدير خم، فقد أكد النبي أن الهدى لن يدرك إلا بهذين الثقلين: كتاب الله وعترة النبي أهل بيته وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إلا


150

بالتمسك بالثقلين معاً، بالإضافة إلى مئات النصوص النبوية التي تبين التأهيل الإلهي لأئمة أهل البيت أو عمدائهم، وقد تحدث لقرآن في الكثير من الآيات عن خصوصية أهل بيت النبوة وأئمتهم، كآية التطهير وآية المباهلة وآية ذوي القربى إضافة إلى قرابتهم القريبة من النبي، ودورهم البارز في نصرة النبي.

وقد مات الخلفاء المقدسون الذين أوتوا المكانة والجرأة لمواجهة أهل بيت النبوة علناً، وهزيمتهم وإذلالهم، ولم يبق لبطون قريش غير قوة الدولة، وهذه القوة ستعجز عن الوقوف أمام تميز أهل بيت النبوة ومرجعيتهم ومكانتهم في الدين وقربهم من الرسول. لكل هذا وجدت البطون نفسها مضطرة لاختلاق نظرية جديدة لتحل محل النظريات السابقة، وتكون بمثابة عقيدة يستند إليها حكم البطون وفي الوقت نفسه تكون أسلوباً عملياً لتحجيم دور أهل بيت النبوة، وتقزيم مكانتهم فاهتدوا لاختلاق نظرية عدالة كل الصحابة، بالمعنى الذي فهمه الخلفاء وأولياؤهم!

ب - أهداف اختلاقها:

تنحصر أهداف بطون قريش من اختراع هذه النظرية بما يلي:

1 - إيجاد عقيدة دينية سياسية يستند إليها حكم البطون، فتكون هذه العقيدة، مع القوة، ضمانة لوجود الدولة واستمرارها ومسوغاً شرعياً ظاهرياً لإقصاء أهل بيت النبوة عن حقهم في قيادة الأمة.

2 - القضاء التام على مكانة أهل بيت النبوة ومرجعيتهم من خلال إيجاد مرجعية كبرى أو مرجعيات دينية تقف على قدم المساواة مع مرجعية أهل بيت النبوة، والقضاء التام على تميز أئمة أهل بيت النبوة وتفويت الحكمة الإلهية من إعدادهم وتأهيلهم إلهياً لقيادة الأمة، فبموجب هذه النظرية يصبح إمام أهل بيت النبوة مجرد صحابي من جملة تسعمائة ألف صحابي! فعلي بن أبي طالب صحابي، وأبو سفيان صحابي! والوليد بن عقبة صحابي! وما قيمة معارضة أهل بيت النبوة جميعهم، ولا يتجاوزون الثلاثين أمام إجماع تسعمائة ألف صحابي؟!

وما قيمة فتوى إمام أهل بيت النبوة أمام تسعمائة ألف فتوى؟! أو فتوى يجمع على صحتها تسعمائة ألف صحابي!؟

وفي هذه الحالة يصبح أهل بيت النبوة شذاذاً


151

ومبتدعة على حد تعبير ابن خلدون! فما قيمة إجماع أهل بيت النبوة الذين لم يتجاوز عددهم الثلاثين مع إجماع الصحابة الذين تجاوز عددهم التسعمائة ألف!؟

فأي عاقل في دنيا البطون يمكن أن يكذب تسعمائة ألف ويصدق ثلاثين!؟ أو يترك الكثرة والجاه والنفوذ والسلطة ويقف مع القلة الفقيرة المعدمة التي لا تملك إلا حقاً موضع شك واستنكار! ومن هنا كان اختراع نظرية عدالة الصحابة فيض عبقرية تفوق التصور والتصديق! وهي بحق أعظم النظريات التي اخترعها قادة البطون وأولياؤهم 3 - خلط الأوراق وتضييع الحقائق وتمييعها، وهذا الهدف من صميم مصلحة البطون، فالمعروف تاريخياً أن بطون قريش هي التي قاومت النبي طوال حقبة الدعوة في مكة بجميع وسائل المقاومة، وتآمرت على قتله وطاردته يوم هاجر إلى يثرب. ثم استعدت عليه العرب وجيشت الجيوش ودخلت معه في حرب مسلحة، ولم تتوقف عن حربه إلا بعد أحاط بها، فاستسلمت عسكرياً.

وبموجب نظرية عدالة الصحابة فإن أبناء البطون جميعهم يصبحون صحابة تماماً مثل الذين سبقوا إلى الإيمان، فالمهاجر كالطليق ومن قاتل النبي بجميع وسائل القتال طوال 23 عاماً تماماً مثل الذي قاتل مع النبي، لا فرق بينهما فهي سواسية كأسنان المشط. فالجميع صحابة، وفتوى الصحابي الجليل الذي رافق النبي طوال حياته تماماً كفتوى الصحابي الطليق الذي قاتل النبي حتى أحيط به وبقي يجهل أحكام الدين. والخليفة والفقيه حر في اتباع فتوى أي صحابي! كان للدين مرجع واحد خلال حياة النبي وهو النبي نفسه، وبعد وفاة النبي إمام أهل بيت النبوة، وباختراع نظرية عدالة الصحابة صار للدين عملياً تسعمئة مرجع، فاختلطت الأوراق وضاعت الحقائق، وتغيرت المواقع، فتقدم المتأخرون الذي قاوموا الإسلام وحاربوه خلال 21 عاماً من عهد النبوة، وتأخر المتقدمون الذين قامت دولة الإسلام على أكتافهم وتحملوا أعباء المواجهة، فصار معاوية بن أبي سفيان أميراً وهو الطليق ابن الطليق وأحد رؤوس الأحزاب، وابن قائد الأحزاب! وصار علياً بن أبي طالب مأموراً، وهو فارس الإسلام الأوحد في كل معاركه، وابن عم النبي وزوج ابنته البتول، ووالد سبطيه وولي الأمة وقائدها الشرعي، وفوق ذلك


152

ابن أبي طالب شيخ البطاح الذي ربي النبي، وحماه طوال مدة وجوده في مكة.

فمعاوية يتكلم وعلى علي بن أبي طالب أن يصغي! وصار مروان بن الحكم أميراً وخليفة للمسلمين، وهو اللعين بن اللعين في كتاب الله وعلى لسان رسوله، وصار عمار بن ياسر والمقداد بن عمرو مأمورين وعليهما أن يطيعا، ومن لا يطيع يرفسه مروان حتى يكسر أضلاعه ويترك في حالة بين الموت والحياة، كما فعل بعمار، ويخرج أبو ذر الصحابي الجليل مذموماً مدحوراً منفياً من مدينة الرسول من دون أن يقوى أحد على توديعه! لقد سوغت نظرية عدالة الصحابة جميع أفعال البطون التي تغضب وجه الله الكريم وجعلت عالي كل سافلة فحل الظن والتخمين محل الجزم واليقين، واختلطت الأمور اختلاطاً عجيباً، فصار الجاهل عادلاً تماماً كالعالم والمقتول عادلاً تماماً كالقاتل، وصار ولي الله كالفاسق تماماً، فالوليد بن عقبة فاسق بنص القرآن، وعلي بن أبي طالب مؤمن وولي لله بنص القرآن، ولكن بموجب نظرية عدالة الصحابة صار الوليد بن عقبة تماماً كعلي فكلاهما صحابي وكلاهما من العدول، ولأن الوليد بن عقبة معروف وأبوه بعداوتهما لرسول الله وأهل بيته، فقد تقدم الوليد وتأخر علي فكأن مفتاح التقدم هو عمق العداوة لرسول الله وأهل بيته، فكل الذين أبرزهم الخلفاء كانوا بارزين بعداوتهم لرسول الله.

4 - نظرية عدالة كل الصحابة تستفيد منها الأكثرية الساحقة من أبناء الأمة، فبموجب هذه النظرية التي اخترعها قادة البطون، صار كل الشعب صحابة: الرجال والنساء والأطفال، والعرب والموالي، الأعمى والبصير، وأعلنت عدالة هؤلاء جميعهم بمختلف وسائل الإعلام. فمن المعروف أن جميع سكان الجزيرة - ما عدا جزء من اليهود - قد أسلموا أو تظاهروا بالإسلام، ولم يمت الرسول وفي الجزيرة شخص واحد يجهر بشركه، فالكل قد أسلم على يد الرسول أو تظاهر بالإسلام والكل قد شاهد الرسول أو سمع منه أو رآه، وهذه هي المعايير التي وضعتها البطون للصحبة بمعنى أن كل الشعب كان مسلماً وكل الشعب كان صحابة (1)!

(1) راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 13 وما بعدها. تجد التفصيل والمراجع.


153

وهكذا أوجدت البطون الحوافر لتتمسك الأكثرية بهذه النظرية، ولتعدها نظرية شعبية، من ينتقص منها فإنما ينتقص من حقوق الشعب، ويصادر العفو الإلهي! فمن سرق في زمن النبي أو زنى، أو شرب الخمر، أو نافق صار بموجب هذه النظرية من الصحابة، وصار منزها وعادلاً ومن أهل الجنة! وصار من حق الخليفة أو الفقيه أي يأخذ برأي أي فرد من أفراد الشعب لأن أفراده الذين عاصروا النبي كلهم عدول! وعممت هذه النظرية بمختلف وسائل الإعلام حتى عدها أفراد الشعب حقوقاً شخصية تستحق الاحترام، وامتدت هذه الحقوق الشخصية إلى الأبناء والمعاشرين والأولياء!

ورضيت الأكثرية الساحقة من الشعب بهذا الاختراع وصارت لها مصلحة في حكم دولة البطون، وتعاونت منة عدالة كل الصحابة مع منن العطايا والصلات والمشاركة بالسلطة والنفوذ، وحققت لبطون قريش مرادها ومناها إذ صار لها عقيدة دينية يتبناها الشعب كله إلا شر ذمة قليلة! وتم عزل أعداء البطون (أهل بيت النبوة) عملياً، ونكلت بهم السلطة تنكيلاً من دون استنكار يتناسب مع حجم هذا العزل والتنكيل. وصار الولاء لدولة البطون مقياس الشرف ومفتاح الأمن والخير في الدنيا، وصار أهل بيت النبوة مجرد قلة قليلة أو عدد محدود جداً من الصحابة من شعب كله صحابة! وجميع أفراده عدول! ولم يتغير وضع أهل بيت النبوة بعد موت جميع الصحابة، فصار لأولاد أهل بيت النبوة المقام نفسه الذي كان لآبائهم في مجتمع الصحابة الذي صنعت البطون عقائده ورؤاه!

ج - معاوية بن أبي سفيان يضفي على النظرية طابعاً دينياً

معاوية من أكثر الناس حقداً على أهل بيت النبوة، فقد قتل علي بن أبي طالب وحمزة عم النبي أخاه وجده وخاله وابن خاله شقيق جده وتسعة من شيوخ بني أمية، لذلك كان قلبه وقلب أبيه وقلب أمه وأكثرية قلوب البيت الأموي طافحة بالحقد الأسود على محمد وعلى آل محمد وعلى البيت الهاشمي بعامة. فقاد أبوه مقاومة محمد. وعندما أحيط بهم، وسقطت عاصمة الشرك، وأغلقت كل الأبواب، ولم يبق إلا باب الإسلام، استسلم أبو سفيان وبنوه وأقاربه وأسلموا أو


154

تظاهروا بالإسلام، فعفا عنهم النبي، وسماهم بالطلقاء، وجعلهم من المؤلفة قلوبهم. ويلوح لي أن البطن الأموي، ومنه معاوية وأبوه، برأوا ساحة النبي من قتل (الأحبة) وعصموا دماءهم بعلي بن أبي طالب وذريته. ولما نجحت البطون بالاستيلاء على السلطة، ورغبة في عزل البيت الهاشمي والانفراد به عين الخليفة الأول يزيد بن أبي سفيان قائداً لجيوش الشام، ويزيد هذا كأخيه طليق وابن طليق ومن المؤلفة قلوبهم، وعندما مات يزيد حل محله معاوية، وفي وقت طال أم قصر صار معاوية والياً لبلاد الشام كلها، وهي درة ملك خلافة البطون، ومات الخليفة الأول ومعاوية على ولايته، وجاء الثاني وقتل، وهو على ولايته يجمع من الأموال ما يشاء، ويصرف منها ما يشاء من دون حسيب أو رقيب. وجاء الخليفة الثالث، وهو دنف بهوى الأمويين لأنه أموي، لذلك جعل الأمويين بطانة له، وسلمهم مقاليد أمور الدولة عملياً. خلال هذه الآونة الطويلة توطد أمر معاوية وتألق نجمه.

وفي عهد عثمان أصبح معاوية ملكاً حقيقياً على أعظم ولاية من ولايات دولة البطون الكبرى، ولكنه ملك غير معلن، ولما قتل الخليفة الثالث، وآلت الأمور إلى علي بن أبي طالب قاتل الأحبة جن جنون البطون، وأصحاب الامتيازات والمنافقين. فنهد معاوية وصمم على مواجهة الإمام علي وعلى قيادة الجموع الحاقدة على آل محمد وأهل بيته، ولكن تحت خيمة الإسلام فرفع شعار (معاقبة قتلة الخليفة عثمان) وكان قد أعد واستعد لهذه المواجهة، واختياره والياً لأعظم الولايات الإسلامية وإطلاق يده في ولايته هو من قبيل إعداد الخلفاء لهذا الرجل، وتجهيل معاوية لأهل الشام وجمعه الأموال الطائلة وتجنيده إياهم هو من قبيل الأعداد.

كان سكان ولاية بلاد الشام يجهلون الدين وتاريخه وبناته، ولا يعرفون من ذلك إلا القشور التي ألقاها لهم معاوية، وكانوا بمثابة جند مجندة له يأمرهم فيطيعوا ويمكن أن يصلي الجمعة فيهم يوم الأربعاء كما فعل! لقد كان معاوية موضع ثقة الخلفاء الثلاثة ورجلهم الذي أعدوه لمواجهة (طموحات وطمع أهل بيت النبوة بالرئاسة). وليس من المستبعد أنهم قد استفادوا من دهاء معاوية وذكائه


155

في جهدهم الحثيث لإيجاد نظرية تحجم أهل بيت النبوة وتضفي الشرعية على حكم خلفاء البطون. ولا شك في أن معاوية كغيره من قادة البطون قد استشعر وهن النظريات التي اخترعوها كنظرية القرابة، ونظرية التخلية ونظرية الشورى.. الخ فلم يعد في الأرض مجنون واحد يمكنه أن يصدق بأن بني تيم وبني عدي وبني أمية أقرب إلى النبي من بني هاشم، وأن الخلفاء الثلاثة أقرب إلى النبي من ابن عمه ووالد سبطيه وزوج ابنته علي بن أبي طالب، مما يجعل من نظرية القرابة استهتاراً بالعقل واستغفالاً للناس. وهكذا بقيت النظريات التي اخترعوها. ومن هنا صمم قادة البطون، بقيادة معاوية، على إيجاد عقيدة تدعم حكمهم وتدمر إلى الأبد تميز أهل بيت النبوة، وصمموا على فرضها ورعايتها بكل قوتهم وسلطانهم، وإضفاء الطابع الديني عليها وجعلها عقيدة عامة لكل رعايا دولة البطون، وهذا ما فعله معاوية ; إذ جند دولته وولاة أقاليمه، وكل سلطان ووسائل إعلامه لنشر نظرية عدالة جميع الصحابة وفرضها على العامة والخاصة، وقاد بنفسه حملة كبرى لوضع الأحاديث على رسول الله واختلاقها وإقناع الناس بأنها صحيحة، وأن محمداً قد قالها بالفعل وصولاً إلى خلط الأوراق، وتصوير نظرية عدالة الصحابة بأنها جزء لا يتجزأ من الحديث إن لم تكن الدين نفسه! وجعل من قتل عثمان ومن شعار المطالبة بثأره ومعاقبة قتلته المناسبة لنشر هذه العقيدة. فأصدر سلسلة من (المراسيم الملكية) لكافة عماله وأمرهم بتنفيذ عدة أمور منها:

1 - أن يقدموا العطايا والصلات ويمنحوا المنح والإقطاعات وأن يقربوا كل من يروي في فضائل عثمان والخلفاء، فتسابق الناس على الرواية في فضل الخلفاء وفضائل عثمان بخاصة وتكفلت وسائل إعلام دولته بنشر هذه المرويات وتصميمها على الناس حتى استوعبها الجميع: الخاصة والعامة، الرجال والنساء، السادة والعبيد، الكبار والصغار، ووضعت هذه المرويات الخلفاء بعامة وعثمان بخاصة في موضع لا يدانيه الملائكة المقربون، ولا الأنبياء المرسلون!

2 - لما وصلت تلك الروايات إلى حد الإشباع والاستيعاب، وفاقت حدود التصور والتصديق، أمر معاوية جميع عماله في مختلف الأقاليم، أن يوقفوا الرواية


156

في فضل عثمان، وليكتفوا بما تجمع من الروايات. وأمرهم بأن يقربوا مجلس الذين يروون في فضائل الصحابة مجتمعين ومنفردين ويغدقوا العطايا والصلات والمنح والإقطاعات عليهم وطمعاً في ثواب معاوية ورضاه وأمواله انشقت الأرض فجأة عن آلاف الرواة الذين جعلوا للصحابة فضائل لا تعد ولا تحصى، وجعلوا للصحابة مجتمعين فضائل تساوي فضائل الأنبياء والشهداء والصديقين أو تفوقها واستندت هذه الفضائل إلى أحاديث أسندها الرواة إلى رسول الله، فأصبح كل واحد من الصحابة مرجعاً قائماً بذاته، واختلقوا على الرسول قولاً مفاده:

(أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم!!) وهكذا صار للأمة تسعمئة ألف نجم، ويمكن للأمة أن تنقسم إلى تسعمئة ألف قسم، لتسير في تسعمئة ألف اتجاه. ومع هذا تكون مهتدية! ومرة أخرى، تكلفت وسائل إعلام الدولة بنشر هذه المرويات، وتعميمها على الناس حتى استوعبها الجميع وصارت عقيدة لكل أفراد الأمة، مع أن الأكثرية الساحقة من هذه الأحاديث مختلفة ولا أساس لها من الصحة إطلاقاً، ومعاوية وولاته يعلمون ذلك ويدعمونه! قال ابن عرفة، المعروف بنفطويه، وهو من أكابر المحدثين: (إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم) (1).

3 - واستكمالاً لبناء عقيدة دولة البطون، وتوضيحاً للهدف من اختلاق نظرية عدالة جميع الصحابة، وبعد أن تأكد معاوية وأركان دولته أن بحار الروايات الكاذبة في فضل عثمان والخلفاء والصحابة والتي اختلقوها على رسول الله قد غمرت المجتمع، وأروت الأرض، وأن الناس جميعاً حفظوها واستوعبوها، واقتنعوا بها أو تظاهروا بالاقتناع، أدرك معاوية أن نظرية عدالة جميع الصحابة صارت بالفعل عقيدة رسمية للأمة وأن الصحابة مجتمعين قد صاروا مرجعية بديلة من مرجعية أهل بيت النبوة، وصار كل واحد من الصحابة له القيمة نفسها التي أعطاها النبي لإمام أهل بيت النبوة! عندئذ أدرك معاوية أن الحلقة لن تكتمل إلا إذا مزق رداء الهيبة والقداسة الذي خلعه الشارع الحكيم على إمام الأمة علي بن

(1) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد 3 / 97 تحقيق حسن تميم.


157

أبي طالب، وشكك بشرعية مرجعية أهل بيت النبوة وبالأسس التي قامت عليها هذه الشرعية. وتحقيقاً لهذه الأهداف أصدر معاوية (المراسيم الملكية التالية وأمر كل عماله في كل أقاليم الدولة أن ينفذوها بدقة:

أ - (لا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب [ علي بن أبي طالب ] إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله). وأنت ترى أن معاوية وعماله يقودون حملة اختلاق واضحة هدفها إبطال مفاعيل النصوص الشرعية الواردة في علي، فانطلقت طواقم رواة الدولة تختلق على رسول الله، وتتقول عليه، فلم تترك نصاً قد ورد في علي بن أبي طالب إلا ووضعت نصاً ينقضه ويسلب هذه الفضيلة أو تلك من علي ويعطيها لأحد الخلفاء أو لأحد أبناء البطون أو الموالي عند اللزوم. والمهم ألا تبقى تلك الفضيلة لعلي أو لأحد من يواليه! وتفنن الرواة المؤهلون وفاض المجتمع الإسلامي برواياتهم الكاذبة، وقدمت وسائل إعلام الدولة هذه الروايات بوصفها الحقائق بعينها ودرستها الدولة مع بقية المرويات في كل كتابتها ومدارسها وجامعاتها وصار استيعابها طريق الرزق ب - أصدر معاوية (مرسوماً ملكياً) يقضي بلعن علي بن أبي طالب على كل منبر، ونفذ مرسوم معاوية، فلعنه الولاة والرواة والحواشي ثم لعنته الأمة كلها، وصار الشيطان في نظر الرأي العام أقرب إلى الله من علي بن أبي طالب. لقد أحلت قيادة البطون علياً محل الشيطان، فاستفتحت بلعنه كل شئ! مع أنه على الأقل صحابي، والصحابي حسب ظاهر عقيدة البطون مقدس!

ج - وتثبيتاً لهذه العقيدة التي اخترعتها البطون ألحق معاوية (مراسيمه) السابقة بسلسلة متكاملة من (المراسيم الملكية) طلب فيها من ولاته ما يلي:

1 - انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه. 2 - من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره) (1).

(1) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد: 3 / 596.


158

د - نظرية عدالة جميع الصحابة عقيدة الدولة

نجح معاوية وولاة أقاليم دولته في تكوين آلاف الطواقم من الرواة المؤهلين الذي يتقاضون رواتبهم وعطاءاتهم من تلك الدولة ويروون لها ما تريد. وقد نجحت هذه الطواقم في اختلاق عشرات الآلاف من الأخبار والأحاديث في فضل عثمان والخلفاء، ثم نجحت، في اختلاق عشرات الآلاف من الأخبار والأحاديث في فضل الصحابة مجتمعين، ونجحت، أيضاً، في اختلاق مئات الألوف من الأخبار والأحاديث في فضل أفراد الصحابة، وفي تخصيص المئات أو العشرات منها لكل صحابي منهم.

ونجح الرواة، كذلك في التشكيك بجميع النصوص الشرعية الواردة في فضل علي بن أبي طالب بخاصة وأهل بيت النبوة بعامة، واختلاق الأحاديث المناقضة لها، والأحاديث التي تعطي فضائل مشابهة لها للمئات من الصحابة.

لقد كان عمل الرواة مجزياً فبدو كأنهم يعملون في منجم ذهب! لقد بذل معاوية مئة ألف لمن يروي حديثاً بأن آية ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام [ البقرة / 204 ] قد نزلت في علي بن أبي طالب! وبذل أضعاف هذا المبلغ لاختلاق أحاديث تشيد بفضائل عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي! ولك أن تعرف حجم هذا الإغراء على أفراد أمة تعتمد حياتهم على عطاء الدولة ورزقها الشهري! فإذا أضفت إلى هذه كله إمكانيات دولة عظمى و عزمها المؤكد على سحق من يعارضها بلا رحمة، فلا توجد موانع ولا حواجز تحجز قوة الدولة عن البطش بمعارضيها، فحجر بن عدي الصحابي الجليل المشهور رفض أن يسب علياً بن أبي طالب هو ومجموعة من أصحابه، فسيرهم الوالي إلى معاوية بهذه التهمة، ومن دون أن يسمع منهم معاوية كلمة واحدة ومن دون محاكمة أمر بإعدامهم وأعدموا بالفعل!

ولنفترض أن مجموعة من المعارضين دخلوا الكعبة، وهي أقدس مقدسات المسلمين، وهي بيت الله من دخله كان آمناً، ومع هذا فإن الدولة لن تتورع عن هدم الكعبة نفسها على رؤوس المعارضين، وقد هدمت بالفعل في زمن الخليفة


159

يزيد والخليفة عبد الملك! فالولاء للدولة واتباع سياستها وكراهية أئمة أهل بيت النبوة بخاصة وأهل البيت بعامة واجب ديني على كل إنسان مقيم على أرض دولة البطون والدولة لا تهاون في أداء هذه الواجبات! وما عدا ذلك لا تثريب عليك حتى لو كنت كافراً أو كتابياً أو زنديقاً. وبتعبير أدق من يوالي الخليفة ودولته فهو مؤمن، ومن يعارضه فهو كافر (1) هذه هي الأجواء التي تجمعت فيها مئات الألوف من الأحاديث. والأخبار التي جمعتها طواقم رواة الدولة في فضائل عثمان والخلفاء والصحابة مجتمعين ومن والاهم من أفراد الصحابة. والأخبار والأحاديث التي شنعت بعلي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة وشوهت النصوص الشرعية الواردة بفضلهم.

وعند ما تجمعت جميع هذه الأحاديث والأخبار أمرت الدولة جميع الكتاتيب والمدارس والجامعات ورجال العلم بتعليمها لكافة الناس الخواص والعوام، العرب والموالي الرجال والنساء، الكبار منهم والصغار، حتى استوعبها الناس جميعاً، وصار بمثابة عقيدة سياسية أو منهاج تربوي وتعليمي كالمناهج التي تتبناها كل دولة من الدول المعاصرة، وتدرسها رسمياً في روضاتها ومدارسها ومعاهدها وجامعاتها. لقد صارت نمط تفكير، وطراز حياة ثقافية، وصارت جزءاً من القوانين النافذة يعمل بها الولاة والقضاء وأرباب الفتوى. وباتت جزءاً من وثائق الدولة، تبقى ملتصقة بها بوصفها مؤسسة حتى وإن تغيرت الحكومات، أو تبدل الخلفاء وظلت هذه العقيدة تتعمق في نفوس الجميع وتتوطد طوال ألف شهر يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل وبعد سقوط الدولة الأموية، لم يسقط المنهج التربوي والتعليمي الذي توطد خلال مدة الحكم الأموي، على أساس عقيدة نظرية عدالة جميع الصحابة ولم تحرق وثائق الدولة الأموية بسقوطها، بل آلت هذه الوثائق التي تشتمل على مضمون النظرية إلى الدولة العباسية.

خلال هذه المدة، تكونت عند الناس قناعة بأن هذه الأحاديث والأخبار صحيحة فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنها حق. ولو علمت الأجيال اللاحقة أنها

(1) راجع سنن أبي داود 4 / 209 ح 4641، ومعالم الفتن لسعيد أيوب 2 / 334.


160

باطلة لما روتها ولما تدينت بها، وظلت هذه التركة تنتقل من جيل إلى جيل حتى وصلتنا فتقبلناها بأنبائها ومن دون شك، لأنها استجابت لميولنا التي تحب البطولة والعظمة، والتي تفترض القداسة في أولئك العظماء الذين تجمعوا حول النبي وقهروا الدولتين الأعظم! ومن هنا صارت هذه النظرية جزءاً لا يتجزأ من الدين تقرأ معه! ويتعبد بها الناس على هذا الأساس المفروض أصلاً بقوة الدولة الغالبة!

ه‍ - مفهوم معاوية ل‍ (الصحابة)

نتيجة روايات طواقم رواة معاوية وولاته، ونتيجة دولة البطون لهذه المرويات، واعتبارها منهاجاً تربوياً وتعليمياً للدولة وجزءاً من قوانينها النافذة كما بينا، تكونت نظرية عدالة جميع الصحابة، وألقت أجرانها في الأرض، وصورها معاوية وأولياؤه كأنها جزء من الدين. ومع ضغط وسائل أعلام الدولة وسيطرتها التامة على مناهج التربية والتعليم، وسطوتها الاقتصادية، ونفوذها القوي ألقي في روع العامة أن هذه النظرية بالفعل جزء لا يتجزأ من الدين. وعلى فرض أن بعض الخاصة قد اكتشفت زيف هذا التصور، فهو غير قادر على الجهر باكتشافه لأنه في هذه الحالة سيدخل في مواجهة دولة لا قبل له بها، ثم إنه ليس بوسع معلم المدرسة إلا تدريس الكتاب الذي قررته الدولة! وليس بوسع القاضي إلا أن يطبق القانون الذي وضعته الدولة، وليس بوسع الوالي إلا أن يلتزم بتوجه الدولة. ووفق هذا التصور صار التعريف العام للصحابي كما يلي: (من لقي النبي مؤمناً به ومات على الإسلام) ويدخل في هذا التعريف: 1 - من طالت مجالسته للنبي أو قصرت، 2 - من روى عنه أو لم يرو، 3 - من غزا معه أو لم يغز، 4 - من رآه ولم يجالسه، 5 - من لم يره لعارض، 6 - الجن الذي سمعوا النبي صحابة أيضاً والمنافقون الذين قالوا: آمنا وهم لا يؤمنون وهم الذين تظاهروا بالإسلام وأبطنوا الكفر والعصيان هم صحابة أيضاً، لأن العبرة تكمن بالإسلام أو التظاهر به ومجالسة النبي أو سماعه، أو رؤيته. وإذا عرفت أن النبي لم ينتقل إلى جوار ربه، وفي الجزيرة إنسان واحد يجهر بشركه، لعلمت أن جميع أفراد الشعب كانوا، وفق هذا المفهوم، صحابة!

وهذا يشمل المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام والإيمان والمجرمين الذين أقام


161

الرسول عليهم الحدود، فالعبرة بمجالسة الرسول أو سماعة. فالصبيان الذين رأوا الرسول صحابة (1).

ولا يكفي هذا حتى تحصل على مزايا الصحبة بل يجب أن يكون موالياً لدولة البطون ومؤمناً بكل معقولاتها، وكارهاً لأعدائها فإذا كان هذا الصحابي أو ذاك أول من أسلم، وسكن طوال حياته مع الرسول في بيت واحد، ومتزوجاً من ابنة الرسول، ومن أعلم الناس بما جاء به، ولكنه لا يوالي دولة البطون، ولا يؤمن بمقولاتها ولا يكره أعدائها، فهو عملياً ليس صحابياً بل يعامل معاملة الشيطان فيلعن ويشتم من قبل الحكام والمحكومين على السواء، كما فعلوا بعلي بن أبي طالب، وبسبطي النبي: الحسن الحسين وهم جميعاً صحابة وفق معايير معاوية وأركان دولته!

و لنفترض أن أحداً من الصحابة امتنع عن لعن أعداء دولة البطون أو شتم أولئك الأعداء فلا يعد من الصحابة ولا فضائل ولا كرامة له ولا قيمة لحياته فيقتل فوراً ومن دون محاكمة كما فعلوا بحجر بن عدي وأصحابه، وبعمرو بن الحمق!

فالعبرة فوق الصحبة بمعاييرها السابقة الولاء لدولة البطون ومعاداة أعدائها، فالصحبة وحدها لا تقدم ولا تؤخر! ولنفترض أن أحداً من الصحابة بمفهوم معاوية لعنه الرسول ونفاه ومات الرسول وهو غاضب عليه، ولكنه موال لدولة البطون ومؤمن بمقولاتها وكاره لأعدائها فيصبح من المقربين وله الحق في أن يصبح خليفة النبي، وأن تتولى ذريته الخلافة من بعده، كما حدث لمروان بن الحكم بن العاص! وإذا كان هذا الصحابي فاسقاً بنص القرآن ويشرب الخمر علناً ويصلي بالناس وهو سكران، ولكنه موال لدولة البطون وكاره لأعدائها فهو أيضاً صحابي من العدول منزه تماماً عن الطعن، كما هي حال الوليد بن عقبة. بمعنى أن مجالسة الرسول أو رؤيته أو سماعه ليست كافية للحصول على صفة العدالة والنزاهة، وليست فضيلة تنزل صاحبه في المنزلة الرفيعة، بل يجب أن يقترن هذا كله بالولاء لدولة البطون والقول بمقولاتها، والتعبد بكراهية أعدائها!

فإذا ثبت أن أحداً من الصحابة يحب عدو دولة البطون علياً بن أبي طالب،

(1) راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 12 وما بعدها لتجد المراجع والتفصيل.


162

أو يحب أهل بيت النبوة، أعداء دولة البطون، فهو ليس صحابياً، ولا يعد مسلماً ولا يعامل معاملة المسلمين، ولا تقبل شهادته ويمحى اسمه من ديوان العطاء، ثم يهدم منزلة ثم يقتل كائناً من كان (1)!

و - امتيازات الصحابة في مفهوم معاوية وأوليائه

إذا ثبت أن هذا الشخص أو ذاك جالس الرسول، أو رآه، أو سمعه، وثبت أنه موال لدولة البطون، ومؤمن بمقولاتها وكاره لعلي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة فهو صحابي جليل، وهو عادل لا يجوز عليه الكذب والتزوير، ولا يجوز تجريحه مهما فعل وهو مرجع بحد ذاته عملاً بالحديث المكذوب على رسول الله (أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم) (2) وتصبح للصحابي، في هذا المفهوم، سنة، قال أبو حنيفة: (إذا لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله أخذت بقول أصحابه، فإذا اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة آخذ بقول من شئت، وادع من شئت، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم من التابعين). وجاء في أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: أن أصول الأحكام عند الإمام أحمد خمسة: 1 - النص، 2 - فتوى الصحابي، مذهب الأحناف والحنابلة إلى تخصيص عموم القرآن الكريم بعمل الصحابي، لأن الصحابي لا يترك العمل بعموم الكتاب إلا لدليل، فيكون عمله على خلاف عموم الكتاب دليلاً على التخصيص، وقول الصحابي بمنزلة عمله (3). ومن الطبيعي أن الروايات التي روتها (طواقم معاوية) والفضائل التي اختلقتها تلك الطواقم للصحابة تكمن وراء هذه المكانة المقدسة وهذا التعميم والخلط، فكلها ثمرات مرة استقرت في ضمائر العامة نتيجة طبيعية لنظرية عدالة جميع الصحابة التي أرسى قواعدها معاوية، لغاية محددة وواضحة تتلخص بالقضاء على مكانة أهل بيت النبوة الدينية والقيادة وجعلهم مجرد أفراد ضمن مجموعة كبرى تربو على تسعمئة ألف صحابي وصحابية!

(1) راجع شرح نهج البلاغة 3 / 595 - 597، تحقيق حسن تميم وادرس مراسيم معاوية الملكية.

(2) راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 20 تجد التفصيل والمراجع.

(3) راجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 55 وما بعدها.


163

والخلاصة أن الصحابة من أهل الجنة ولا يدخل أحد منهم النار!!.

ز - جزاء من يشكك بهذه النظرية

يقول أولياء معاوية: (إذا رأيت الرجل ينقص أحداً من أصحاب رسول الله، فاعلم أنه زنديق، والذين ينقضون أحداً من الصحابة على الإطلاق بالمعنى الذي وضحناه زنادقة، والجرح أولى بهم، ومن عابهم أو انتقص منهم، فلا تواكلوه، ولا تشاربوه، ولا تصلوا عليه) (1). ولكن أولياء معاوية لا يقولون لنا لماذا قتل معاوية خيار الصحابة، ولماذا جعل مسبة بعضهم واجباً رسمياً على كل أفراد رعيته!؟ فهل ينطبق هذا الحكم على معاوية؟ وعلى أوليائه؟ ثم إن القرآن الكريم نعت بعض الصحابة - بمفهوم معاوية وأوليائه - بالفاسقين كحال الوليد بن عقبة، ونعت بعضهم بالمنافقين كحال عبد الله بن أبي، ومردة النفاق في المدينة ومن حولها من الأعراب، واكتمل القرآن ومات الرسول ولم تنسخ هذه الأحكام فهل نترك الوصف الإلهي بنفاق هذه الفئات وفسقها ونتبع وصف معاوية وأوليائه!؟. ثم إن الرسول الكريم قد أخبرنا أن بعض الصحابة سيرتدون على أعقابهم القهقري، وسيبدلون ويغيرون فكيف توفق بين أحكام معاوية وأوليائه وبين أحكام الله و رسوله!؟ ثم إن روح الدين تركز تركيزاً مكثفاً على حسن الخاتمة، فإذا استقام صحابي وفي أواخر عمره انحرف ورجع عن دينه فما هي الفائدة من استقامته الأولى، لأن المدار يتمثل من خواتيم الأمور (2) ولو سألتهم من الذي وضع هذه العقوبات؟ ومن الذي أعطاه صلاحية وضعها؟ وهل يملك فرض مثل هذه العقوبات؟ لأبلسوا ولاتهموك بالزندقة!

محاولات لتعديل هذه النظرية

اكتشف عمر بن عبد العزيز أن نظرية عدالة جميع الصحابة، تشكل استهتاراً بالعقل البشري، ففي وقت يطول أو يقصر سيزول الحكم الأموي، وسيعلم المسلمون أن علياً بن أبي طالب هو ابن عم النبي وزوج ابنته البتول، ووالد سبطيه،

(1) راجع كتاب الكبائر للذهبي ص 238، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 21.

(2) راجع نظرية عدالة الصحابة ص 5 وما بعدها، واقرأ نقضنا العلمي لهذه النظرية.


164

وفارس الإسلام، وأعلم الناس بالدين، إضافة إلى أنه صحابي! ولعن من كانت هذه صفاته مهزلة مشينة يترفع عن السقوط فيها عقلاء الكفرة والمشركين. لذلك صمم على إلغاء سنة لعن علي بن أبي طالب، فقاومه أولياء دولة البطون، ولكن الخليفة الفاضل نجح وألغى سنة اللعن!

واستغرب الخليفة عمر بن عبد العزيز موجات الاندفاع للرواية بفضل عثمان والخلفاء، ثم بفضل الصحابة جميعاً، ثم بنقض فضائل علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوة، وقصر الرواية عن الرسول الله على هذه الأمور فقط، واكتشف الخليفة أن أبا بكر وعمر وعثمان قد منعوا رواية أحاديث الرسول وكتابتها لغاية في نفس يعقوب قضاها ثم أصبح هذا المنع سنة، وأدرك الخليفة أن سنة المنع إن بقيت سارية سيندثر العلم، وسيختفي البيان النبوي نهائياً، لذلك أصدر أوامره برواية أحاديث الرسول وكتابتها، فجن جنون أولياء دولة البطون وعلمائها وقالوا للخليفة بصراحة: كيف تلغى سنة أبي بكر وعمر وعثمان؟ أصر الخليفة على تنفيذ قراره فأصدر أمره لواليه على المدينة بالشروع في رواية أحاديث الرسول وتدوينها، ومرة ثانية، نجح الخليفة عمر بن عبد العزيز في إلغاء إحدى سنن خلفاء البطون المقدسين!

ولكن الخليفة الفاضل وقف عاجزاً أمام تلك السيول من فضائل الصحابة التي اجتاحت مجتمع الدولة ; إذ ليس بإمكانه أن يشكك بتلك الروايات التي صارت منهاجاً تربوياً وتعليماً للمجتمع والتي حفظها الجميع كما يحفظون القرآن وصارت حقوقاً مكتسبة للصحابة وللرواة معاً! فلو قال مثلاً: أن هذا الحديث الذي يضع فضائلاً لأبي بكر وعمر وعثمان غير صحيح أو كاذب أو مختلق على رسول الله لجن جنون علماء دولة البطون وعدوه كافراً. والخليفة، بذكائه وفطرته النقية، يعلم ذلك علم اليقين. لذلك تجاهل تلك السيول من الروايات، وانصب جهده على إدارة شؤون الدولة ورفع بعض المعاناة عن أهل بيت النبوة، وترويض مجتمع الدولة للتسامح ومعاملة أهل بيت النبوة كغيرهم من أبناء المجتمع!

وجرت محاولات لتضييق نطاق النظرية، وقال المارزي في شرح البرهان:

(لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول كل من رأى النبي يوماً أو رآه لماماً أو اجتمع به


165

لغرض وانصرف عن كثب، وإنما نعني الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون). واكتشف أولياء معاوية أن هذا القول يهدم نظرية عدالة جميع الصحابة التي بناها معاوية هدماً كاملاً، ويخرج الأكثرية الساحقة من أبناء البطون من الصحبة، لذلك قال الشيخ صلاح الملاني: هذا قول غريب، يخرج كثيراً من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، وقال ابن جرح:

قول المارزي اعترض عليه الفضلاء وهو غير صحيح، والأصوب هو ما وضحناه قبل قليل تحت عنوان (من هو الصحابي بنظر معاوية)!!

ورأى آخرون أن مسبة علي بن أبي طالب، وكراهية أهل بيت النبوة ليست شرطاً لصحبة الصحبة حسب مقاييس نظرية عدالة جميع الصحابة! وأبعد من ذلك فقد اعترفوا بأن علياً بن أبي طالب وأهل بيت النبوة الذين عاصروا النبي صحابة كغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومحبة أهل بيت النبوة واجبة على الجميع لأنهم صحابة كرام كغيرهم! وسنة مسبة أهل بيت النبوة وعزلهم والتشنيع عليهم ومحو أسماء أوليائهم من ديوان العطاء وقتلهم وهدم دورهم ليست موجهة لأهل بيت النبوة إنما هي موجهة لحزب أهل البيت أو شيعتهم! وهي من قبيل اجتهادات الصحابي معاوية وأولياؤه، والمجتهد مأمور!

لم تصدر من معاوية بن أبي سفيان هذه التوضيحات. وإنما اخترعها أولياؤه ليصححوا ما اعتقدوا أنه يجلب الانقاد له، وليثبتوا نظرية عدالة جمع الصحابة التي بدأت تهتز وتتهاوى.


166


167

الفصل الثاني

الصحابة والصحبة في مفهوم أهل بيت النبوة وشيعتهم

بعد أن ربطنا نظرية عدالة جميع الصحابة بالوقائع التاريخية والدينية والسياسية، وبعد أن استعرضنا مفهوم هذه النظرية عند حلفاء دولة البطون وأوليائهم (أهل السنة)، يبدو لزاماً علينا، استكمالاً للبحث وإغلاقاً لدائرته، أن نعالج مفهوم هذه النظرية عند أهل بيت النبوة وأوليائهم (شيعتهم).

مفهوم الصحبة والصحابة

بالاستقراء اللغوي الدقيق، تبين أن كلمة صاحب وصحبة لا تطلق إلا على من طالت مجالسته، ولكنها اصطلاحاً، وحتى في القرآن الكريم، من العموم والسعة والشمول بحيث أنها تشمل كل من صحب النبي طالت مجالسته له أم قصرت، وتشمل من رآه، أو سمع منه على اعتبار أن الرؤية والسماع نوع من الصحبة العابرة، ما يعني أن أصحاب النبي على العموم هم جميع أفراد الأمة الإسلامية، فما من فرد منهم إلا وقد أسلم على يديه أو تظاهر بالإسلام، وما من فرد إلا وقد رآه أو سمع منه. فإذا كان مناط الصحبة الإسلام، أو التظاهر به ورؤية النبي أو سماع صوته، فإن كل فرد شعب دولة النبي قد أسلموا أو تظاهروا بالإسلام وشاهدوا النبي أو سمعوا صوته، تلك حقيقة لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر، والخلاف على سعة نطاق الصحبة أو ضيقها غير مجد. فالصحبة، في هذا المفهوم الواسع، لا تقدم ولا تؤخر، إنما ينحصر الخلاف في الامتيازات أو في وصف العدالة والنزاهة إطلاقاً.

جوهر الاختلاف بين المفهومين

خلفاء دولة البطون وأولياؤهم (أهل السنة) يؤمنون بأن كل من أسلم أو تظاهر بالإسلام ورأى النبي أو سمع منه، أو جالسة، هو صحابي جليل منزه عن الكذب والتزوير، ومن العدول وهو من أهل الجنة، ولا يدخل النار، وبالتالي لا


168

يجوز جرحه، لأنه من العدول، فالله سبحانه وتعالى قد تولي تعديله، ومن المستحيل أن يتعمد الصحابي الخطأ، ففي كل أحواله مأجور لأنه بين مصيب للحق أو مجتهد فيه والمجتهد مأجور في الحالتين، والعلة في ذلك كله تكمن في صحبته للرسول بالمعنى المنوه به آنفاً!

بينما يؤمن أهل بيت النبوة، وشيعتهم تبعاً لهم، بعدم صواب اعتقاد خلفاء البطون وأولياؤهم، وعدم شرعية هذا الاعتقاد لأنه خاطئ من جميع الوجوه، ويتعارض مع القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بفروعها الثلاثة، ومناقض لتاريخ دعوة النبي و دولته، ومع الروح العامة للدين، ومع حسن الخاتمة بل ويتعارض مع أحكام العقل السليم والفطرة النقية!

برهان أهل بيت النبوة وشيعتهم

الصحابة في مفهوم الخلفاء وأوليائهم، هم جميع أفراد شعب دولة النبي بالمعنى الدستوري للشعب، باستثناء الطائفة اليهودية المحدودة التي تمسكت بدينها، ولم يكرهها الرسول على تركه. وبالرغم من حالة التجانس الظاهري لشعب دولة النبي إلا أنه في الحق والحقيقة يتكون من مجموعة من الفئات غير المتجانسة، بل والمتميز بعضها عن بعض الآخر تميزاً لا يخفى على من فهم حقيقة الأمور.

فئات الشعب في دولة النبي

1 - الفئة المؤمنة: وهي الفئة التي أسلمت عن قناعة لإيمانها الكامل بصدق النبي وصواب ما جاء به، لذلك التفت حوله وأطاعته، ووضعت نفسها تحت تصرفه، والتزمت التزاماً دقيقاً بأحكام دينه، وواجهت معه العرب. لم تستوحش لقلة ناصرية، ولم ترهب كثرة أعدائه ولم تخرج عن خطه حتى فارق الدنيا وهو راض عنهما. وبعد موته لم تعصياه إنما تمسكت بالثقلين وأطاعت من أمر بطاعته، وفارقت الدنيا وهي على هذا الخط لا تحيد.

أولئك هم المؤمنون حقاً، وأولئك هم الصحابة العدول الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وهم قمم أبناء الجنس البشري، فأهل بيت النبوة يحبون هذه الفئة


169

ويدعون لأفرادها في جميع صلواتهم وكذلك تفعل شيعتهم، فهؤلاء عدول لأن الله عدلهم، ولأن أعمالهم عدلتهم، ولأن خاتمتهم كانت الحسنى. وهذه الفئة كانت موجودة في عهد الرسول، وبقيت موجودة بعد انتقاله إلى جوار ربه، لكنها في الحالتين كانت قليلة، حقاً قليلة، ولا ينكر وجودها إلا جاهل أو مكابر أو مريض، وهذه الفئة تعد جزءاً لا يتجزأ من الشعب في دولة النبي، بل هي العمود الفقري لهذا الشعب.

2 - الفئة المنافقة: وتتألف من قسم كبير من أهل المدينة، وهم مردة النفاق، ومن الكثير ممن يسكنون حول المدينة، ومن الكثير من أهل مكة وبالتحديد من أبناء البطون القريشية التي قاومت النبي وحاربته 23 عاماً، ولما أحيط بها تظاهرت بالإسلام، ومن الكثير من أبناء القبائل العربية الذين مروا في ظروف مشابهة لظروف أبناء بطون قريش وقد عرفوا جميعاً بالمنافقين: أظهروا الإسلام، وقاموا بجميع الواجبات التي كلفهم بها الإسلام، فصلوا وصاموا وحجوا ونطقوا بالشهادتين واشتركوا في بعض غزوات النبي أو اعتذروا، وتظاهروا بطاعة النبي، وبقبول ولايته وبتصديقه، وجالسوه وسمعوه وهو يتكلم، لكن قلوبهم كافرة به وبدينه وبكل ما جاء به.

وهم يعتقدون أن النبي حاشاه كذاب، وطالب ملك، لكنهم لا يجرؤون على إظهار كفرهم لأسباب أوضحنا بعضها. هؤلاء صحابة في مفهوم الخلفاء وأوليائهم، فكل وأحد من المنافقين قد أسلم ونطق بالشهادتين، وقام من حيث الظاهر بكل الواجبات، وجالس النبي، وطالت مجالسته، وسمع من النبي وطال سماعه، ورأى النبي وتعددت هذه الرؤية فهو صحابي. ووفقاً لهذه القواعد التي وضعوها صار المنافق صحابياً! وقادة البطون وأولياؤهم أعقل من أن ينكروا وجود فئة كبيرة من الناس في عهد النبي، وأن هذه الفئة عرفت بالمنافقين، وتسترت على نفاقها، ومات النبي وهي على حالها من النفاق، ولا يمكن لعاقل أن ينكر وجود هذه الفئة والقرآن الكريم بمئات آياته يشهد على وجوده ويؤكده! وبموجب نظرية عدالة جميع الصحابة التي وضعت شروطاً شكلية للصحبة، صار جميع المنافقين، حسب هذه الشروط، صحابة منزهين عن الكذب والتزوير، وفوق الجرح


170

والتعديل، ومن أهل الجنة! ولا يدخل أحد منهم النار، ويستحيل أن يتعمدوا الخطأ وهم بين مصيب للحق ومجتهد فيه، والأجر محقق في الحالتين!

يجري كل هذا في الوقت نفسه الذي بين الله ورسوله فيه أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار! يتصايح أولياء الخلفاء وبصورة فوقية يقولون إنهم لم يعنوا المنافقين! فإذا سألتهم: أين ذهب المنافقون؟ فهل تبخروا بعد موت النبي أم ابتلعتهم الأرض. أم كانوا ينتظرون موت النبي حتى إذا مات أصلحوا أنفسهم قبل ارتداد الطرف!! وصاروا بقدرة قادر من أهل الجنة؟ وكيف نوفق بين المعطيات القرآنية التي شخصت أحوالهم وحسمت أمرهم بنفاق إلى يوم يلقونه والمعطيات التاريخية التي عرتهم وبين التصور المهزوز لنظرية عدالة جميع الصحابة الذي فرض بقوة السلاح وبالضغوط الاعلامية والاقتصادية والسلطوية لدولة البطون؟ فما من أحد من المنافقين إلا وتنطبق عليه جميع الشروط التي وضعوها للصحابي، فالمنافق متظاهر بالإسلام والإيمان، وجالس الرسول ورآه وسمع منه. ليكن صحابياً لا اعتراض لنا على ذلك، أما أن يقولوا إن هذا الصحابي المنافق أو ذاك منزه عن الكذب والتزوير، ومن المستحيل أن يتعمد الخطأ وهو مأجور في جميع أحواله وهو من أهل الجنة فهذا موضع الاعتراض والاستهجان والاستغراب،! لأن ما يقوله أولياء الخلفاء ينقض الأحكام الإلهية والنبوية والمعطيات التاريخية معاً!.

وهل يتفضل أولياء الخلفاء فيدلوننا على منافق واحد استثنوه من شروط الصحبة! ومن هو؟ فإن لم يفعلوا فأين ذهب المنافقون إذاً؟! ومن أعطاهم صلاحية إدخالهم الجنة وجعلهم عدولاً في الوقت نفسه الذي أعقبهم الله فيه نفاقاً إلى يوم يلقونه. اعتقدوا كما يحلوا لكم!! والوا الحجارة والحديد أو ما شئتم من أبناء البشر!! لكننا نرجوكم ألا تدخلوا في ديننا الحنيف ما ليس منه! ولا تتوسلوا بالقوة لفرض هذا الحشو الآثم علينا!

3 - فئات أخرى: ووجد في مجتمع النبي فئة من الناس في قلوبها مرض، وفئة عرفت بالمخلفين من الأعراب، وفئة فاسقة، وفئة والت أعداء الله، وفئة امتهنت الصد عن سبيل الله ورسوله، وتخصصت بمقاومته ومحاربته حتى أحيط


171

بها. وجميع هذه الفئات تظاهرت بالإسلام والإيمان، وجالست الرسول، ورأته وسمعته وهو يتكلم، وصدرت الأحكام الإلهية بحق أفرادها ومع هذا فهم صحابة حسب نظرية البطون وهم من أهل الجنة وعدول! فهل استثنى أولياء الخلفاء أحداً من هذه الفئات؟ ومن هو؟ الله تعالى يقول ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً [ البقرة / 10 ] وأولياء الخلفاء يؤكدون أنه من أهل الجنة وعادل لتوفر شروط الصحبة فيه! إن هذا لأمر عجاب! فعبد الله بن أبي سرح، كبير معاوني الخليفة الثالث، أسلم، ثم افترى على الله الكذب، واعتبر هو الأظلم، لأنه ادعى أنه سينزل مثل ما أنزل الله!!

ثم تظاهر بالإسلام يوم الفتح لينجو من قرار النبي بقتله، وتدخل عثمان، واضطر النبي آسفاً لعدم قتله! فعبد الله بن أبي سرح، وفق النص الشرعي مفتر على الله، وهو الأظلم وهو في النار! ومع هذا فهو من العدول ومن أهل الجنة حسب معطيات نظرية عدالة جميع الصحابة التي اخترعها معاوية وأولياؤه! إن هذا هو العجب العجاب.

4 - الفئة الضالة: يحدثنا القرآن الكريم عن أناس أسلموا ثم زاغوا ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين [ الصف / 5 ] ويحدثنا النبي الكريم عن أناس أسلموا ثم ارتدوا على أعقابهم، فالإسلام مهم، لكن الاستمرار في دربه حتى النهاية هو الأهم وهو ما يعبر عنه بحسن الخاتمة، فقد يسلم الإنسان ويسير على درب الإسلام والإيمان مدة طويلة من الزمن، وفجأة يزل ينحرف ويسقط في الهاوية. يجمع الرواة على أن أحد المسلمين قاتل مع النبي في إحدى حروبه، ثم أصيب بجرح بالغ، فاتكأ على سيفه فقتل نفسه فاستحق النار بالنص الشرعي، وقد ضل أفراد وانحرفت أمم كانت مسلمة!

5 - فئة مخطئة: لا ينكر أولياء الخلفاء أن الرسول الله أقام الكثير من الحدود على الكثير من رعايا دولته المسلمين، فمنهم من زنى، ومنهم من سرق ومنهم من أفسد في الأرض، ومنهم من رمى المحصنات الغافلات ومنهم من قذف، ومنهم من شرب الخمر، وهم جميعاً صحابة حسب شروط هذه النظرية والسؤال: كيف تجتمع (العدالة) مع السرقة والزنا والإفساد!؟ وأنت ترى أنهم جميعاً قد تعمدوا الخطأ، وانتهاك الحريات! فكيف نوفق بين هذه النظرية وبين هذا الواقع الذي لا تنكرون!!


172

الصحابة العدول في مفهوم أهل بيت النبوة وشيعتهم

الصحابة العدول، عند أهل بيت النبوة وشيعتهم، هم الذين ورد ذكرهم في دعاء الإمام علي بن الحسين زين العابدين: (.. اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحابة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكانفوه، وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء، في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته. فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه...) (1).

بهذا الدعاء يصف (الإمام زين العابدين) وصفاً دقيقاً أصحاب رسول الله العدول. هؤلاء هم الصحابة الذين يقر لهم أهل بيت النبوة وشيعتهم بالعدالة، ويدعون لهم في كل صلاة، ويحبونهم حباً عظيماً، ولا يقدمون عليهم أحداً من الناس.

المنافقون والضالون.. ليسوا عدولاً

1 - المنافقون والذين في قلوبهم مرض، والمخلفون من الأعراب والمرتزقة، جميعاً، ليسوا عدولاً. وهم من أهل النار، ولن تغني عنهم مجالستهم للنبي، أو رؤيته أو سماعه، أو اتصافهم بكامل الشروط الشكلية للصحبة التي اخترعها معاوية وأولياؤه.

2 - والذين صدوا عن سبيل الله وقاوموا النبي وحاربوه حتى أحيط بهم فأسلموا أو تظاهروا بالإسلام ليسوا عدولاً.

(1) راجع الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين زين العابدين، من دعائه في الصلاة على أتباع الرسل ومصدقيهم (الدعاء الرابع) وراجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 59 - 62.


173

3 - والذين هاجروا الدنيا يصيبونها، أو نساء ينكحونها ليسوا عدولاً.

4 - والذين سرقوا أو زنوا أو قذفوا أو انتهكوا الحرمات، وأقيمت عليهم الحدود أو لم تقم ليسوا عدولاً.

5 - والذين عناهم الإمام علي بأقواله: (رجعوا على الأعقاب، وغالتهم السبل، واتكأوا على الولائج، ووصلوا غيرهم الرحم وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن غير أسسه وبنوه في غير موضعه، وأصفوا بالأمر غير أهله وأوردوه غير مورده، وغصبوا سلطان محمد، وصيروا الأمر لغير أهله، وجعلوا أهل بيت النبوة سوقة، والذين استأثروا على أهل بيت النبوة ودفعوهم عن من كانوا هم الأولى به) أولئك جميعاً ليسوا عدولاً (1).

6 - والذين تركوا الثقل الأصغر، وحاربوا الإمام علي، وسموا الإمام الحسن بعد أن خذلوه، وقتلوا الإمام الحسين وأهل بيته في كربلاء، وأخروا أبناءه الأئمة وطاردوهم طوال التاريخ ليسوا عدولاً.

7 - والذين قبلت قلوبهم بإمامة أعداء الرسول فلعنهم الله ورسوله ليسوا عدولاً، ولن تغني عنهم شيئاً مجالستهم للنبي أو رؤيته أو سماعه، أو وصفهم بالصحابة!

لأن مناط العدالة ليس بالمجالسة والرؤية والسماع إنما بالمضمون، وهو الإلتزام التام بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

جلسة الحوار السابعة

قال صاحبنا: لقد سعدت بتوضيحاتكم لنظرية عدالة جميع الصحابة، فإذا ما أضيفت هذه الإيضاحات إلى المعلومات القيمة، والتحاليل الدقيقة الواردة في كتابكم القيم: (نظرية عدالة الصحابة)، فلن يبقى بعدها عذر لأي عاقل، وسيقتنع بصواب موقف المسلمين الشيعة، وعقلانيته وشرعيته ويرى أن كل ما يلصق بهم

(1) راجع كتابنا الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية ص 497، وما بعدها تجد المثالب التي ذكرها الإمام علي.


174

من تهم ما هو إلا من قبيل العصبيات، أو من آثار المنهاج التربوي والتعليمي لدولة البطون. وفي ما يتعلق بي، فقد اقتنعت أن للشيعة رأياً إسلامياً على الأقل إن لم يكن رأيها الذي تتبناه هو المقصود الشرعي عينه، ولكني ومن قبيل الاستزادة بالمعرفة، أو من قبيل تحصين قناعاتي أرجو منكم توضيح بعض الأمور، التي يعدها أعداء الشيعة مثالب، بينما يعدها الشيعة التزاماً بالأحكام الشرعية ومناقب مثل التقية، فهل لكم أن تقدموا صورة موجزة للتقية في الدين وعند الشيعة؟ وهل صحيح أنها اختراع الشيعة كما يزعم أعداؤهم أم أنها حكم شرعي مباح للمضطر؟

وكتبت الجواب التالي وسلمته لصاحبنا.


175

الباب الخامس

التقية والمتعة

في الإسلام وعند شيعة أهل بيت النبوة


176


177

الفصل الأول

التقية

معناها لغة واصطلاحاً

تعني التقية، لغة، حفظ الشئ وصيانته وحمايته من الأذى، ووقايته من الضرر. وبهذا المعنى وردت في القرآن الكريم، ففي الآية 28 من سورة آل عمران أمر الله المؤمنين ألا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ولكنه رخص لهم ذلك بقوله تعالى (إلا أن تتقوا منهم تقاة). وفي سورة غافر الآية 28 ساق القرآن الكريم صورة واقعية من صور التقية فقال تعالى: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ثم وضع القرآن الصورة وكملها، فقال: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. [ النحل / 106 ] فمن يكفر بعد الإيمان عليه غضب من الله، وله عذاب شديد إلا أن الله تعالى لا يغضب عليه ولا يعذبه إذا كان إعلانه للكفر ناتج عن الإكراه، شريطة أن يكون قلبه مطئمن بالإيمان.

وعلى صعيد السنة النبوية، فالمعلوم أن عمار بن ياسر قد أعطى المشركين ما أرادوا بلسانه، ولما قص على الرسول ما حدث قال له الرسول: كيف تجد قلبك؟ قال: مطئمن بالإيمان، فقال الرسول: (فإن عادوا فعد) وقد أرسى الرسول قواعد هذا المبدأ: رفع عن أمتي: - الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه..

فالتقية تعنى، لغة واصطلاحاً، (كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، ومصانعة القائمين على السلطة وأعوانهم وقاية للنفس أو الدين أو المال أو العرض من ضرر مؤكد، أو يقوي الظن باحتمال وقوعه، فالمعيار شخصي وموضوعي يختلف من فرد إلى فرد، لكن العبرة بوقوع الضرر أو قوة الظن بوقوعه، فهنا يجب التقية، فإذا كان الإنسان لا يعلم ضرراً بإظهار الحق، ولا قوي ظنه باحتمال وقوعه فلا تجب التقية، بل يجب الجهر بالحق وإعلان الاعتقاد به، وعدم مصانعة الظالمين وأعوانهم).

التقية مسلك فطري يقدره العقل بالضرورة

الإنسان، أي إنسان، مفطور على الحفاظ على حياته ومصالحه ومعتقداته والتستر عليها إن كان في الإعلان عنها خطر عليه وعليها، لأن التستر لا يلغيها،


178

إنما يخفيها ويحفظها من الخطر الذي يهدد وجودها، والعقل السليم يقر هذا التوجه الفطري الهادف إلى الحفاظ على الحياة أو المعتقد، أو المصلحة، لأن عدم إقراره قد يؤدي إلى زوال الحياة، وزوال المعتقد تبعاً لها، لأن إخفاء المعتقدات عملية آنية لمواجهة خطر آني يتهدد المعتقد وحياة صاحبه، فلا شئ يمنع صاحب المعتقد من إظهاره بعد زوال الخطر، أو بعد الاستعداد لمواجهته.

لقد أعلنت السلطة الطاغية قرارها بأنها ستقتل، وبغير رحمة، كل رجل متعاطف مع قيمة العدل، وانطلق أعوان السلطة يجوبون ويتعقبون أولئك الذين يتعاطفون مع قيمة العدل مثلاً، فوجدوا أحدهم وسألوه: هل تتعاطف مع قيمة العدل؟ فإذا قال لهم: نعم أتعاطف، فقد أذن لهم بقتله أو أعطاهم المسوغ لقتله، وإن أخفى معتقده وسايرهم نجا بحياته ومعتقده، ولا شئ يمنعه إذا عاود التفكير في الأمر من أن يتخذ موقفاً آخر عند ما يواجه أعوان الطاغية مرة أخرى. إن الظلم لم يتوقف طوال التاريخ وإن الظالمين لم يختفوا أبداً، ولم يخل منهم مجتمع إنساني قط، وفي المجتمعات الإنسانية أقوياء بيدهم الحول والطول والسلطة، وضعفاء لا حول ولا قوة، فجاءت الفطرة التي فطر الله الناس عليها وزودت المستضعفين بسلاح التقية لمواجهة الأقوياء الظالمين، لأن الأقوياء يتعاملون مع الظاهر، وهم أقل وأذل من أن يخترقوا حجب الخفاء، أو ما تخفي النفوس، وجاء العقل السليم بتحليلاته المرتبطة مع الفطرة ليقر بغير تحفظ مبدأ التقية باعتباره الوسيلة الدفاعية والأقل كلفة.

التقية مبدأ إسلامي أصيل

رأينا أن القرآن الكريم قد أوجد مبدأ التقية وأسسه (1). كذلك فإن السنة النبوية، بفروعها الثلاثة، قد أقرت هذا المبدأ وأثرته ببيانها. وقد أجمع أهل العلم على (أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بالكفر) (2). فمن يلجأ للتقية

(1) راجع سورة آل عمران آية 28، وسورة غافر آية 28، وسورة النحل آية 106.

(2) راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 119.


179

مكرها ومضطراً فلا إثم عليه وقد اشتهر بين المسلمين جميعاً حديث الرفع (رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه..).

لقد أجمع أهل بيت النبوة على جواز التقية ووجوبها أحياناً. وإجماع أهل بيت النبوة حجة شرعية، لأنهم أحد الثقلين وأعدال الكتاب، والهدى لا يدرك إلا بالتمسك بالثقلين.

وأجمع المفسرون، من أهل السنة على ذلك (1) حيث نقل عن الحسن قوله:

إن (التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة) أرجع إلى الآيات التي تناولت التقية، وارجع إلى تفسيرها في التفاسير التي ذكرناها على سبيل المثال ستخرج بقناعة تامة بأن هذا العدد الكبير من المفسرين قد أجمعوا على شرعية التقية، وأنها مبدأ إسلامي أصيل ولا يجادل في انتماء هذا المبدأ إلى دين الإسلام إلا جاهل. قال المراغي في تفسيره: (ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة وإلانة؟؟؟

الكلام لهم والتبسم في وجوههم وبذل المال لهم، لكف أذاهم وصيانة العرض منهم. ولا يعد هذا من الموالاة المنهي عنها بل هو مشروع فقد أخرج الطبراني قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة) (2).

الشيعة تستعمل حقها المشروع في التقية

في عهد الخلفاء الثلاثة الأول، جمد التشيع تجميداً كاملاً، وطمس الخلفاء وأولياؤهم جميع النصوص النبوية التي خصت علياً بن أبي طالب بالولاية والإمامة من بعد النبي، والنصوص التي خصت أهل بيت النبوة بالقيادة والتميز وجعلتهم أحد الثقلين. وأبعد من ذلك فإنهم قد منعوا رواية الأحاديث النبوية وكتابتها

(1) راجع تفسير الرازي 8 / 13، وتفسير الزمخشري / الكشاف 1 / 422، وتفسير غرائب القرآن للنيسابوري 3 / 178، بهامش تفسير الطبري، وتفسير الخازن 1 / 177، وتفسير النسفي بهامش تفسير الخازن 1 / 277، وتفسير السراج المنير 2 / 263، وروح البيان لإسماعيل حقي 5 / 84، وجامع البيان للطبري 3 / 153، وتفسير القرطبي 4 / 57، وتفسير المراغي 3 / 136، وتفسير القاسمي.

(2) راجع تفسير المراغي 3 / 136.


180

وأحرقوا المكتوب منها وصولاً لغايتهم! وحجموا الإمام علياً وأهل بيت النبوة، وعزلوهم عزلاً اجتماعياً كاملاً، ثم جردوهم من كافة ممتلكاتهم وجعلوهم عالة على الخليفة المتغلب الذي تهد لأسباب إنسانية بتقديم المأكل والمشرب لهم.

ثم حرموهم من جميع حقوقهم السياسية، وأصبح علي وأهل بيت النبوة في موقع لا قدرة لهم فيه على المعارضة، ومن باب أولى ألا تكون هنا لك قدرة لأوليائهم وشيعتهم على المعارضة، ومن الطبيعي أن تنظر دولة أولئك الخلفاء نظرة الريبة والحذر إلى علي وأهل بيت النبوة وأوليائهم، وأن تضيق عليهم لأسباب أمنية، فتصبح مدارة الخلفاء وأوليائهم ضرورة لا بد منها.

فلو أن أحداً من أولياء علي قد قال لأبي بكر أو لعمر أو لعثمان: إنك غاصب للخلافة مثلاً، أو أن الإمام علي أولى منك أو أنني لا أحبك لأنك أخذت حق أهل بيت النبوة فأهون ما يفعله هذا الخليفة أو ذاك هو أن يتخذ من هذا القائل موقفاً، ومن المؤكد أنه لن يوليه، ولن يتخذه عضداً له، وسيحذر أولياءه منه. وإذا قدر هذا الخليفة، أو ذاك، أن هذا القائل قد يشكل خطراً على دولته فقد يأمر بقتله كما فعلوا بسعد بن عبادة، وقد يجرده من حقوقه السياسية أو المالية كما فعلوا بعلي وأهل بيت النبوة، فمواجهة أي خليفة من الخلفاء الثلاثة، قد تؤدي حتماً إلى الأضرار البالغة، فلا يوجد بيت من بيوت المسلمين الخاصة له حرمة وقداسة كالبيت الذي يسكنه علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة بنت رسول الله وسبطا الرسول الحسن والحسين، ومع هذا عند ما شعر الخليفة الأول ومعاونوه، وبينهم من صار الخليفة الثاني أن سكان هذا البيت لا يوالونهم، شرعوا بإحراقه على من فيه، بمعنى أن عدم مصانعة الخلفاء ومجاملتهم فضلاً عن أنها غير منتجة فهي مضرة ضرراً بالغاً، لذلك أبيحت التقية لدفع هذا الضرر.

لما تمكن معاوية من هزيمة الشرعية ومن هزيمة الأمة كلها، وقبض على السلطة بكلتا يديه، أصدر سلسلة من المراسيم لجميع ولاته على جميع أقاليم مملكته أمرهم فيها بأن يمحو من ديوان العطاء من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيت النبوة، وأن يسقطوا عطاءه ورزقه وأمر أيضاً: (ومن اتهمتموه بموالاة


181

هؤلاء القوم فنكلوا به وأهدموا داره) (1). فلو سأل معاوية أحد موالي الإمام علي وأهل البيت: هل توالي علياً؟ فإذا أجاب المسؤول بالإيجاب وقال إنه يوالي علياً فمعنى ذلك أنه قد أقر بذنبه والإقرار سيد البينات، وفي هذه الحالة يتوجب حتماً مقضياً أن تهدم داره وأن يقتل! حسب شريعة معاوية! وفي هذه الحالة وأمثالها وسع الله على عباده بالتقية، فلا حرج على المسؤول لو أجاب معاوية أو أحد أوليائه بأنه لا يوالي علياً، ولا حرج عليه لو أخفى ولاءه للإمام علي دفعاً للقتل وهدم البيت، كذلك لو أن معاوية أو أحد أوليائه، سأل أحداً من محبي علي وأهل بيت النبوة: هل تحب علياً؟ وهل تحب أهل البيت؟ فإذا أجاب بالإيجاب يشطب اسمه من ديوان العطاء، ويتم إسقاط معاشه ورزقه، وبالتالي يجرد من الحقوق المدينة فلا تقبل له شهادة! وفي هذه الحالة وأمثالها أباح الله تعالى له أن يجيب بالنفي على سبيل التقية، فيقول: (أني لا أحب علياً، ولا أحب أهل بيت النبوة) وله أن يخفي هذا الحب دفعاً لضرر مؤكد.

فكتمان الموالاة والمحبة ليس حراماً بل هو واجب ديني، فالإعلان عن الموالاة يؤدي للموت! فجاءت التقية لتدفع الموت، والجهر بالمحبة يؤدي إلى شطب الاسم وإسقاط الرزق فجاءت التقية لتدفع هذا الضرر البالغ. فالتقية منهج إلهي يجد فيه الإنسان حاجته، فإن الإعلان عن الموالاة والجهر بالمحبة في مثل هذه الظروف لا يسقطان دولة الظلمة، ولا يزيلان ملك معاوية، ولا يضعان حداً للإرهاب والبطش، بمعنى أن الإعلان والجهر غير منتجين، ولا يحلان مشكلة الأمة بل يخدمان معاوية وأولياءه، ولهذا كانت التقية نهجاً يسلك إلى النجاة.

فغاية معاوية تتمثل في أن يعرف المؤمنين جميعهم ليتمكن من قتلهم وإبادتهم من الوجود إبادة تامة حتى يصفى الملك له ولبني أمية، فلا ينازعه فيه أحد من الناس. وقد أدرك هذه الحقيقة الإمام الحسن وعبر عنها بقوله: (إني خشيت أن يجتث المسلمون من الأرض، فأردت أن يكون للدين داعية) (2).

(1) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد تحقيق حسن تميم 3 / 596.

(2) راجع كتابنا المواجهة ص 633.


182

فإذا أباد معاوية المؤمنين الصادقين، تخلوا الساحة تماماً من الشهود، ويتمكن من محو آثار الجريمة، ومن خلال منهاجه التربوي والتعليمي الذي رسخه، والذي سيورثه للأجيال القادمة سيتمكن من تسويق مفهومه المصلحي للإسلام، وينجح المجرم بادعائه البراءة فهو يرتدي القفازات البيض، وتحت القفازات يد ملطخة بدماء الجريمة، ولكن العوام والسذج لا يرون إلا القفازات البيض.

إذاً ليلجأ المؤمنون إلى التقية بوصفها وسيلة شرعية لإنقاذ الأنفس والأموال، وليستروا على إيمانهم وولائهم وليبقوا وينتظروا الفرصة المناسبة لفضح الجرائم، ولتمزيق القفازات البيض حتى يرى الجميع ذات يوم اليد الملطخة بدماء أهل بيت النبوة وأتباع محمد المؤمنين الصادقين. وقد حققت التقية هذا الغرض، فلم يعد بإمكان أولياء معاوية وأمثاله في كل زمان أن يقولوا شيئاً من دون أن يجدوا من يقول الحق هكذا، وليس كما تقولون. وقد ساق القرآن الكريم نموذجاً حياً متحركاً لمؤمن يكتم إيمانه في مجتمع صار قائده رمزاً للبطش والطغيان والإرهاب، وهو مجتمع فرعون فليس صدفة أن يذكر الله تعالى مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه.

التقية التي شرعها الله وبينها رسوله، صارت جريمة!

أولياء معاوية غاضبون جداً من شيعة أهل بيت النبوة لأنهم أخذوا بالتقية التي شرعها الله تعالى وبينها رسوله الكريم، ولأنهم أخفوا ولاءهم لأهل بيت النبوة، ولم يجهروا بمحبتهم لأهل البيت عند ما سألهم معاوية. وأولياؤه يرون أن عمل شيعة أهل بيت النبوة هذا فن من فنون الكذب والنفاق، وقد لعن الله الكاذبين، وجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وعليه فإن المسلمين الشيعة كاذبون ومنافقون لأنهم لم يكشفوا عن أنفسهم حتى يقتلهم معاوية ويهدم دورهم! وفي الوقت نفسه يشيدون ببطولة معاوية وعمق إيمانه لأنه صحابي جليل شاهد النبي وسمع منه، ويحكمون بكذب الذين والوا أهل بيت النبوة ونفاقهم مع أنهم أيضاً صحابة أجلاء شاهدوا النبي وسمعوا منه بل وحاربوا معاوية وأباه دفاعاً عن النبي!


183

وهكذا، وبقدرة قادر، صار المجرم ضحية، وصارت الضحية مجرماً!

والجرم الذي ارتكبه شيعة أهل بيت النبوة هو موالاتهم وحبهم لمحمد ولأهل بيت محمد، ففي أي آية أو حديث أعتبرت محبة أهل بيت النبوة وموالاتهم جريمة توجب القتل وحداً من الحدود التي أوجب الله على معاوية إقامته!؟ أليس أهل بيت النبوة هم أحد الثقلين فلا يدرك الهدى إلا بهما، ولا تتجنب الضلالة إلا بهما! أليسوا هم ذوو القربى!؟ أليسوا هم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً!؟

إن النصارى من أتباع عيسى، واليهود من أتباع موسى، فهل يجوز لمعاوية وأوليائه، في شرع الله، أن يقتلوا اليهود والنصارى لأنهم يحبون موسى وعيسى!؟

الذين والوا أهل بيت النبوة وأحبوهم مسلمون ينطقون بالشهادتين، ويؤمنون بالله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويفهمون الدين أكثر مما يفهمه معاوية و أولياؤه، وأي شريعة تجيز لمعاوية وأوليائه قتلهم!؟ ولا ذنب لهم إلا أنهم يقولون: ربنا الله! ألا يستطيع معاوية وأولياؤه أن يعاملوا شيعة أهل بيت النبوة كما يعاملون اليهود والنصارى!؟

تلك هي قصة التقية التي عدها أولياء معاوية من مثالب شيعة أهل بيت النبوة، وتلك هي الظروف التي توضحت فيها معالم هذا المبدأ الإسلامي.

جلسة الحوار الثامنة

قال صاحبنا: لقد وقفت علي جوابكم المختصر حول التقية، وهو حقاً مقنع. وعملاً باتفاقنا، أريد منك جواباً مكثفاً ومختصراً عن المتعة، فقد أكثر خصوم المسلمين الشيعة قولهم أو تقولهم في هذه القضية. فمن الذي فرض المتعة؟ وهل عمل بها في عهد الرسول؟ وهل نسخت؟ ولم أوقف العمل بها عند الأكثرية الساحقة من المسلمين؟

وكتبت الجواب التالي لصاحبنا وسلمته له فوعد بدراسته.


184


185

الفصل الثاني

المتعة في الإسلام وعند شيعة

أهل بيت النبوة

لكي نفهم القواعد الشرعية الإسلامية

دين الإسلام آخر الأديان، وقواعده معدة للدين والدولة معاً، فالإسلام في صورة من صوره، يشكل مجموعة القوانين التي ينبغي أن تكون نافذة في مجتمع الدولة الإسلامية. وفي وقت يطول أو يقصر يفترض أن الدولة الإسلامية دولة عالمية، يصبح جميع أفراد الجنس البشري مواطنيها ورعاياها، لذلك وضعت قواعد الإسلام لتتعامل مع الجنس البشري كله، ولتحكم علاقات هذا الجنس.

وقد تولى الله، سبحانه وتعالى، بنفسه وضع جميع قواعد الشريعة الإسلامية لتلائم طبيعة الإنسان وفطرته، وحياته وآخرته، ولتشيع رغباته وميوله وتوجهاته وتنظمها، وتخدم الأهداف النبيلة التي يتوخاها الشارع الحكيم العليم، وقواعد الإسلام جميعها مبنية على اليسر ورفع الحرج، وتضييق دائرة المحرمات إلى أبعد حد ممكن، وإشباع الحاجات والرغبات الإنسانية ضمن دائرة الشرعية، وقدمت روح الشريعة العامة نماذج للسمو والكمال الإنسانيين وحثت المؤمنين على السعي لبلوغهما ولكنها لم تحمل المكلف فوق طاقته إنما راعت ظروفه وواقعه وتعاملت معه على هذا الأساس، من خلال نوافذ الرحمة والحكمة واللطف الإلهي.

المتعة من شرع الله

أجمع المسلمون جميعهم على أن الله تعالى شرع نكاح المتعة بقوله: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة.. [ النساء / 24 ] وكان جمع من الصحابة كأبي بن كعب وابن عباس يقرؤون هذه الآية على القراءة التالية: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن...) ذكر ذلك كبار المفسرين كالطبري والزمخشري والرازي عند تفسيرهم لهذه الآية، وقد وضح الرازي ذلك في تفسيره


186

قائلاً: (والأمة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة، فكان ذلك إجماعاً من الأمة على صحة هذه القراءة) (1).

ولأن مهمة الرسول الأولى أنه يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم فقد بين هذه الآية، وأكد أن نكاح المتعة من شرع الله، وحض المسلمين عليها، وذلك عند ما ذكرهم بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ المائدة / 87 ] وعلى ذلك جمع أهل بيت النبوة، وإجماع أهل بيت النبوة حجة، لأنهم: 1 - أحد الثقلين، 2 - وأعدال الكتاب، 3 - ولأن الهدى لا يدرك إلا بهما وبالقرآن معاً، 4 - والضلالة لا يمكن تجنبهما إلا بهما وبالقرآن معاً، 5 - ولأنهم عاشوا مع الرسول طوال حياته المباركة فكانوا يقيمون عنده ويسكنون وإياه في بيت واحد. وبالتالي هم أدرى وأعلم بشرع الله وسنة رسوله.

وعلى الرغم من أن الخلفاء كانوا يتبنون مواقف مختلفة عن مواقف أهل بيت النبوة إلا أنهم وأولياءهم قد أجمعوا على أن المتعة من شرع الله، ولهم ولعلمائهم عشرات الصحاح الصادرة عن النبي والتي توكد نكاح المتعة من شرع الله، وقد روى هذه الصحاح البخاري ومسلم في صحيحيهما، (كتاب النكاح)، وأحمد بن حنبل وغيرهم. وقد رووا هذه الأحاديث الصحيحة عن مجموعة من الصحابة يمتنع عقلاً اجتماعهم على الكذب، كسلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله، وأبي ذر الغفاري، وعمران بن حصين، وسبرة بن معد، وقبلهم كامل أئمة أهل بيت النبوة، ولا يوجد مسلم واحد عاقل يجرؤ على القول: إن نكاح المتعة لم يكن من شرع الله، فجميع المسلمين قد أجمعوا على أنها من شرع الله. وأن هذا النكاح مورس وعمل به بإذن رسول الله وعلمه وتشجيعه عليه، انسجاماً مع الأهداف التي ذكرناها في الفقرة الأولى من هذا البحث، وتوسيعاً على العباد، وتضييقاً لدائرة الحرام ورفعاً للحرج.

(1) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي (سورة النساء، الآية: 24) القائلون بإباحة المتعة - استدلال الحجة الأولى.


187

الخليفة الثاني ألغى هذا الشرع

مورست المتعة وعمل بها طوال عهد النبي، وطوال عهد الخليفة الأول وفي مدة من عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، إذ حملت امرأة في عهده من نكاح المتعة، فاستاء عمر، ورأى أن المتعة غير مناسبة، وأن الأفضل إلغاؤها، فقام بين الناس وقال: (إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، فأتموا الحج والعمرة، وأبنوا نكاح هذه النساء، فلئن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة) (1). وتعميماً لأمره، خطب في الناس مرة قائلاً: (إن القرآن هو القرآن، وأن رسول الله هو الرسول، وأنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء..) (2). قال القوشجي، إمام الأشاعرة في آخر شرح التجريد، مبحث الإمامة، أن عمر بن الخطاب قال على المنبر: (أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهن، وأحرمهن وأعاقب عليهن، متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل) قال القوشجي، معتذراً: (ما فعله عمر كان اجتهاداً). قال الإمام مالك في الموطأ، باب نكاح المتعة: أن ربيعة بن أمية بن خلف الثقفي قد استمتع في عهد عمر، فحملت المرأة التي استمتع بها، فعلم عمر وخرج يجر رداءه فقال: هذه المتعة، لو كنت تقدمت في تحريمها لرجمت... كما ذكر ذلك ابن عبد البر في ما نقله الزرقاني عنه في شرح الموطأ.

وما يؤكد أن عمر ألغى تشريع المتعة أن ابنه عبد الله عند ما سئل عن المتعة أجاب:

(والله ما كنا على عهد رسول الله زانين ولا مسافحين، والله لقد سمعت رسول الله يقول: (ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر) (3).

وسئل مرة عن متعة النساء، فقال: (هي حلال). فقيل له: إن أباك نهى عنها! فقال أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله أنترك السنة ونتبع قول أبي (4)!؟

ويؤكد إلغاء عمر لتشريع نكاح المتعة قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: (لولا

(1) راجع صحيح مسلم في باب المتعة بالحج.

(2) راجع مسند أحمد بن حنبل 1 / 52.

(3) راجع مسند الإمام أحمد 2 / 95.

(4) راجع صحيح الترمذي، كتاب النكاح.


188

أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي) (1) وقول ابن عباس: (ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد، ولولا نهية [ نهي عمر ] ما أحتاج إلى الزنى إلا شقي) أي القليل. جميع هذه الشواهد تثبت أن إلغاء تشريع نكاح المتعة، لم يكن من الله ولا من رسوله، إنما كان من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وسجل هذا الخليفة حافل في تقديم اجتهاداته وآرائه الشخصية على القرآن الكريم والسنة المطهرة!

الخليفة الثاني جرئ ومؤهل لإلغاء النصوص الشرعية

من يتعمق في دراسة شخصية الخليفة الثاني وتاريخه، لا تبقى لديه ذرة شك في أن تحريم نكاح المتعة الذي شرعه الله ورسوله إنما كان بقرار منه اتخذه بوصفه الخليفة أو رئيس الدولة، وجعله جزءاً من المنهاج التربوي والتعليمي الذي فرضته دولة الخلافة التاريخية، وسجل هذا الخليفة وتاريخه ينطقان بجرأته النادرة على الله ورسوله. وعلى سبيل المثال لا الحصر:

1 - في صلح الحديبية: وقع رسول الله الصلح بأمر من ربه، لأن هذا الصلح حقق له ما عجزت الحروب الدامية عن تحقيقه، ثم إن الوحي كان ملازماً لرسول الله في الساعات العصيبة التي سبقت التوقيع على الصلح، ومع هذا فإن عمر يعلن أمام الرسول وأمام الحاضرين أن (هذا الصلح دنية في الدين)، وقد بذل كل جهوده لاستقطاب الناس حوله طمعاً بتخريب الصلح الذي عقده الرسول بأمر من ربه لاعتقاده أن هذا الصلح (دنية في الدين). ولما فشل في استقطاب الناس ضد الصلح الذي وقعه الرسول قال كلمته المشهورة: (لو وجدت شيعة ما أعطيت الدنية في ديني) (2).

2 - كتابة توجيهات النبي: أراد النبي، قبيل وفاته، كتابة توجيهاته النهائية للأمة. ولما عرف عمر جمع أولياءه، ودخل إلى حجرة رسول الله، فما إن قال

(1) راجع تفسير آية المتعة في تفسيري الطبري والثعالبي.

(2) راجع على سبيل المثال المغازي للواقدي، صلح الحديبية، وراجع كتابنا المواجهة تجد العشرات من أمثال هذه المواقف التي تتسم بالجرأة على الله ورسوله.


189

الرسول: (قربوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) حتى تصدى له عمر وتجاهل وجوده، وقال لمن حوله من أوليائه: (إن الرسول قد غلبة الوجع وعندنا كتاب الله، حسبنا كتاب الله). هذا هو القول الملطف الذي يرويه البخاري ومسلم في صحيحيهما. أما الحقيقة التي رواها ابن الجوزي في كتابه (تذكرة الخواص)، وأبو حامد الغزالي في كتابه (سر العالمين وكشف ما في الدارين) فهي أن عمر قال لأوليائه: (إن الرسول يهجر حسبنا كتاب الله)، فردد أولياؤه: القول ما قاله عمر:

(إن الرسول يهجر حسبنا كتاب الله) (1) ومن يفعل ذلك في مواجهة الرسول وحياته، لن يعجز بعد وفاته عن إلغاء التشريع الذي بينه.

3 - قسمة المال بالسوية: كان الرسول يقسم المال بين الناس بالسوية، وهو لا ينطق عن الهوى ويتبع ما يوحى إليه، ولحكمة ظاهرة مفادها أن الحاجات الأساسية للبشر متشابهة، ولا تختلف من فرد إلى فرد، ومن جهة ثانية فإن الله ورسوله أراد أن يحررا الإنسان من سلطان الحاكم على هذه الأساسيات، وأن يذيبا الفوارق المالية بين الناس إرساء لمبدأ المساواة. والخلاصة أن القسمة بين الناس بالسوية صارت سنة، طبقت طوال عهد النبي الزاهر وطوال عهد الخليفة الأول أبي بكر.

ولما آلت الخلافة إلى عمر رأى أن هذه الطريقة بالقسمة التي أوصاها الله لرسوله، واتبع الرسول فيها ما أوحي إليه غير مناسبة وغير عادلة، والأفضل منها أن يعطي الناس حسب موازين ومعايير أوجدها بنفسه. وبكل بساطة ترك سنة الرسول، النابغة من الوحي الإلهي، واتبع رأيه واجتهاده الشخصي! وبعد تسع سنين، وبعد النتائج المدمرة التي نجمت عن إلغاء سنة المساواة النبوية، واتباع الرأي الشخصي، وبعد أن اختل حبل التوازن، ووجد نظام الطبقات، ووجد الغنى الفاحش والفقر المدقع جنباً إلى جنب، نتيجة فعل عمر هذا، عندئذ أدرك الخليفة أن سنة محمد أهدى وأصوب من رأيه، فعزم قائلاً: (لئن عشت العام القابل لأتبعن سنة رسول الله وصاحبه).

(1) وقد وثقنا هذه الحادثة العجيبة في كتابنا (نظرية عدالة الصحابة) ص 286 وما بعدها، وفي كتابنا المواجهة.


190

4 - آية الصدقات: ومثال أخير على جرأة الخليفة الثاني: أن آية الصدقات آية، محكمة تبين المستحقين لها، وقد جاء نصر الله والفتح وأعز الله الإسلام في زمن رسوله، والرسول يعطي طوال حياته للمستحقين في آية الصدقات: الفقراء والمساكين...

والمؤلفة قلوبهم وعند ما آلت الخلافة لعمر رأى أن يلغي التشريع الإلهي والسنة النبوية التي تعطي للمؤلفة قلوبهم سهماً من الصدقات، بحجة أن الله أعز الإسلام ولم يعد بحاجة للمؤلفة قلوبهم! وبالفعل ألغى هذا السهم، وما زال ملغياً إلى يومنا هذا، مع أنه مفروض في آية محكمة وفي تطبيق عملي طوال عهد الرسول!

موقف الجموع المسلمة من هذه الأعمال

أحب كثير من المسلمين الخليفة الثاني حباً ملك عليهم عقولهم ودينهم حقيقة. ومع أنهم لا يصرحون بأن الخليفة الثاني أفضل من الرسول، لكنهم عملياً، يتعاملون معه كأنه أفضل من الرسول! وكأنه أعقل من الرسول، فما من شئ يعمله عمر إلا لحكمة، وحكمة جليلة يراها. فعند ما ألغى سنة الرسول التي تساوي بيت الناس بالعطاء لم يحتج أصحاب المصلحة من الناس، إنما صفقوا للخليفة الملهم والجرئ! وعند ما أعلن، بعد تسع سنين أنه سيعود في العام المقبل للعمل بسنة الرسول صفقت له الجموع أيضاً! إن الجموع لا تلتفت قطعياً إلى قول عمر لرسول الله: (أنت تجهر ولا حاجة لنا بكتابك، حسبنا كتاب الله) بل تعد هذا القول فناً من فنون العبقرية العمرية! وليس أدل على قوة نفوذ الخليفة الثاني من سهم المؤلفة قلوبهم، فبالرغم من أن السهم محدد في آية محكمة، ومن أن السنة النبوية قد جرت عليه طوال عهد الرسول وجزء من عهد أبي بكر إلا أن الجموع المفتونة بحب الرجل عدت قول عمر عملياً كأنه ناسخ للقرآن والسنة! فلم يصدف على الإطلاق أن تجرأ خليفة لإعطاء سهم المؤلفة قلوبهم، خشية من أن تظن الجموع أنه خالف سنة عمر.

تلك هي طبيعة عمر، وطبيعة الجموع التي أحبته، فهل يستعبد على من كانت هذه طبيعته أن يلغي تشريع المتعة، ويجد آلاف المتبرعين المستعدين للكذب حتى على رسول الله حتى يسوغوا عمل الرجل!


191

خطة تسوغ فعل الخليفة الثاني

لو ترك أولياء الخليفة الثاني أمره نافذاً في موضوع نكاح المتعة لأطاعته الجموع طاعة تامة، تماماً كما أطاعته عند ما ألغى سهم المؤلفة قلوبهم المحدد في آية محكمة، والموثق بسنة نبوية، وتماماً عندما ألغى السنة النبوية التي ساوت بين الناس بالعطاء، واستبدلها برأيه الشخصي القائم على التمييز بين الناس على أساس معايير أوجدها بنفسه! ولكان سهلاً على أولياء الخليفة أن يقولوا إن الخليفة قد ألغى نكاح المتعة الذي شرعه الله ورسوله من قبيل الاجتهاد، ومن حق المجتهد (الخليفة) أن يخالف مجتهداً آخر (وهو الرسول) لأن المجتهد مأجور أصاب أم أخطأ، وهذا عين الاعتذار الذي اعتذر له كبار المفكرين ممن يتعاطفون مع الخليفة الثاني، كالقوشجي وابن أبي الحديد. فهذا أولى وأقل كلفة من مشقة وضع الأحاديث واختلاق الأخبار لإثبات أن نكاح المتعة قد نسخ من الله ورسوله.

والخليفة الثاني جاء ليحافظ على الحكم الناسخ، ويحول بين الناس وبين ممارسة حكم منسوخ! والله يشهد أن الخليفة الثاني لا علم له باختراع أوليائه هذا، ولو كان حياً لأوسعهم ضرباً بدرته، ولقال لهم: أنه لا داعي للاختلاق للتغطية على ما يؤمن به الخليفة، لأن لديه الجرأة أن يعلن قناعاته الشخصية أمام الله ورسوله، ومن يفعل ذلك لا ينبغي أن يخشى الناس!

الادعاء بنسخ تشريع نكاح المتعة

نثبت في ما يأتي النص الحرفي لرأي الإمام عبد الحسين شرف الدين العاملي في هذا الادعاء كما ورد في كتابه: (مسائل فقهية): (قال أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من فقهاء الجمهور بنسخ هذا النكاح وتحريمه، محتجين بأحاديث أخرجها الشيخان (بخاري ومسلم) وقد أمعنا فيها متجردين متحررين فوجدنا فيها من التعارض في وقت صدور النسخ لا يمكن معه الوثوق بها، فإن بعضها صريح بأن النسخ كان يوم خيبر، وبعضها أن النسخ كان يوم الفتح، وفي بعضها أن النسخ كان في غزوة تبوك، وفي بعضها إنه كان في حجة الوداع، وفي بعضها أنه كان في عمرة القضاء، وفي بعضها أنه كان في عام أوطاس)!


192

والأحاديث التي استندوا إليها بنسخ تشريع نكاح المتعة لأنها واردة في صحيحي بخاري ومسلم تناقضها أحاديث وردت في هذين الصحيحين تفيد بعدم النسخ. (1).

(ثم إن الخليفة نفسه لم يدع النسخ كما بينا، وإنما أسند التحريم إلى نفسه!

ويبدو أن المتأخرين عن زمن الصحابة قد وضعوا أحاديث النسخ تصحيحاً لرأي الخليفة).

(ومن غريب الأمور دعوى بعض المتأخرين أن نكاح المتعة منسوخ بقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون*إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين [ المؤمنون / 5 - 6 ].

والجواب أن الزوجة بالمتعة زوجة شرعية، فهي داخلة بالأزواج، ثم إن هذه الآية مكية نزلت قبل الهجرة بالاتفاق، فلا يمكن أن تكون ناسخة لإباحة المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة بالإجماع! ثم إذا كانت هذه الآية ناسخة لزواج المتعة فلماذا لم تنسخ نكاح الإماء إذاً؟ مع أنهن لسن بزوجات للناكح ولا ملك يمين)!

وجاء في صحيح البخاري: حدثنا أبو رجاء عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: (نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينزل قرآن بحرمتها، ولم ينه عنها رسول الله حتى مات). وإلى هذا أشار مسلم في صحيحه بسنده عن عطاء قال: (قدم جابر بن عبد الله الأنصاري معتمراً فجئناه بمنزلة فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا المتعة فقال جابر: استمتعنا على عهد رسول الله وعلى عهد أبي بكر وعمر، وفيه عن جابر أيضاً حيث يقول: كنا نتمتع بالقبضة من التمر والدقيق لأيام على عهد رسول الله وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث. وفيه عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين قال جابر: (فعلناهما مع رسول الله ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما) (2).

(1) راجع صحيح مسلم 1 / 467، و 4 / 131 (نكاح المتعة) ومسند أحمد بن حنبل 1 / 52، وراجع الأحاديث التي أوردناه مسبقاً تحت عنوان (الخليفة ألغى هذا الشرع).

(2) راجع صحيح مسلم باب نكاح المتعة 4 / 131، وما بعدها، وباب المتعة بالحج والعمرة ‌


193

وردت أحاديث متناقضة: بعضها يبيح المتعة، وهو مدعم بآية محكمة هي آية المتعة وبعضها ينهى عن المتعة، وهو مدعم بقرار الخليفة الثاني، فتم تجاهل النوع الأول وعمل بالنوع الثاني.

ثم قيل أن قرار الخليفة هو وحده الصائب والأنسب للأمة، وبناء على هذه المقولة أصبح نكاح المتعة محرماً مسنداً لقرار الخليفة والروايات التي دعمته.

أما الآية المحكمة، والروايات التي دعمتها فأصبحت عملياً معطلة أو غير نافذة

من أحكام نكاح المتعة

1 - ما هو نكاح المتعة؟

نكاح المتعة عقد يتم بين رجل مسلم بالغ عاقل وحر، وبين امرأة حرة وبالغة وعاقلة مسلمة، أو كتابية، لإنشاء علاقة زوجية لمدة محددة، مقابل مهر معين.

وعقد المتعة شأن جميع العقود عقد رضائي يقوم على الاتفاق والتراضي، ويجب أن يكون جامعاً لشرائط الصحة الشرعية وفاقداً لجميع الموانع الشرعية.

2 - الموانع الشرعية

الموانع الشرعية التي تحول دون إجراء عقد زواج المتعة هي عين الموانع الشرعية التي تحول دون عقد الزواج الدائم، كالنسب، أو الرضاع أو الإحصان، أو العدة، أو المعقود عليها لأحد الأبناء وإن كان قد طلقها أو مات عنها قبل الدخول بها، أو أخت الزوجة أو غير ذلك من الموانع الشرعية، فإذا وجد مانع من هذه الموانع، فإن عقد المتعة باطل ومعدوم بنظر الشرع ومحرم.

3 - صيغة عقد المتعة

بعد الاتفاق والتراضي تقول المرأة للرجل: زوجتك أو أنكحتك، أو متعتك نفسي بمهر قدره (تذكره) يوماً أو يومين أو شهراً أو ثلاثاً أو سنة أو عشر سنين (تذكر المدة بالضبط) فيجيبها الرجل، قبلت. عندئذ يتم العقد وتترتب عليه كل آثاره.

‌ وسنن البيهقي باب نكاح المتعة 7 / 206، ومسند الطيالسي 8 / 247.


194

4 - آثار العقد

إذا تم القبول والإيجاب يتم العقد وتترتب عليه جميع آثار الزواج. فتصبح المرأة زوجة ويصبح الرجل زوجاً لها إلى منتهى الأجل، فإذا انتهى الأجل تبين المرأة من غير طلاق، وللرجل فراقها قبل انتهاء المدة، وبانتهاء الأجل أو بالفراق يتوجب على المرأة أن تعتد بقرأين إذا كانت ممن تحيض أو بخمسة وأربعين يوماً كالأمة. فإذا توفي عنها زوجها فيجب أن تعتد بأبعد الأجلين، وهي وضع الحمل إن كانت حاملاً، ومضي المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام بعد علمها بموت الزوج، ولا نفقة لها.

وولد زواج المتعة: ذكراً كان أم أنثى يلحق بأبيه ولا يدعى إلا له كغيره من الأبناء والبنات، وله كافة الحقوق الشرعية من الإرث، ولا فرق بين الولد المولود من نكاح المتعة والمولود من النكاح الدائم، وتشمل الاثنين جميع العموميات الشرعية الواردة في الأبناء والآباء والأمهات، والأخوة والأخوات وأبناؤها والأعمام والعمات والأخوال والخالات، ولكن الزوجة بالمتعة لا ترث.

هذا هو نكاح المتعة كما تلقاه أهل بيت النبوة عن النبي الأعظم، وقد أباحه الله ورسوله ومورس وعمل به الراغبون طوال عهد النبوة الزاهر، وطوال عهد الخليفة لأول أبي بكر وجزء من عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ثم لاح للخليفة الثاني أن ينهى عنه ويحرمه. وحيث أنه لا يملك في الحق والحقيقة أن يحرم ما أحل الله، وإشفاقاً من أوليائه ومحبيه عليه، وتصحيحاً لتحريمه قالوا أو تقولوا بالنسخ، واخترعوا حججاً لا يعلمها حتى الخليفة الثاني نفسه ; وذلك تعبيراً عن ولائهم المطلق له ولسننه، وإرغاماً لأنوف أهل بيت النبوة وشيعتهم ; إذ جرت العادة أنه إذا اتخذ الخلفاء موقفاً، واتخذ أهل بيت النبوة موقفاً آخر فإن الأكثرية تقف مع الخلفاء، لأن المال والجاه والسلطة والنفوذ بأيديهم، وأهل بيت النبوة لا يملكون إلا الحكم الشرعي الإلهي القائم على الجزم واليقين، فلا مصلحة لطلاب الدنيا والعيش في أن يتركوا مرضاة الخليفة وماله ليقفوا مع خصومه في معركة معروفة النتائج سلفاً.


195

5 - نكاح المتعة رخصة شرعية وليست إلزاماً

ولا بد من الإشارة، أخيراً إلى أن نكاح المتعة ليس مفروضاً على المسلم أو المسلمة كالصلاة، أو الصيام، إنما هو رخصة شرعية إلهية أباحها الله لعباده الراغبين، وشجعهم عليها رسول الله باعتبارها من الطيبات التي أحلها الله للمؤمنين، فقد أخرج مسلم والبخاري في صحيحهما، كتاب النكاح (واللفظ للبخاري) عن عبد الله بن مسعود قال: (كنا نغزوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس لنا شئ فقلنا ألا نستخصي، فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثواب إلى أجل معين، ثم قرأ علينا ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ المائدة / 87 ] لقد أعطى الله سبحانه وتعالى هذه الرخصة لعباده المؤمنين، فإذا لم يحتجها المؤمن فلا أحد يجبره على ممارستها، وهي من قبيل التوسعة على المؤمنين وتضييق دائرة المحرمات، وسد السبل التي تؤدي إلى الحرام. وعملياً فإن المؤمنين بحاجة إلى هذه الرخصة، فقد يغزوا بعضهم في سبيل الله، ويتركون نساءهم مدة قد تصل إلى بضعة شهور أو سنة، والإنسان ثقيل عليه أن يصبر عن النساء هذه المدة فليس أمامه إلا معاناة الحرمان بما فيه من حرج أو الوقوع بالزنا، فأوجد الله تعالى تشريع نكاح المتعة رأفة ورحمته بالمؤمنين، وتيسيراً لهم ورفعاً للحرج عنهم. وقد يمن الله عليه بولد أو أولاد تكثر بهم الأمة، ويتباهى بعددهم رسول الله يوم القيامة أمام الأمم، ومثله إذا سافر المؤمن لطلب العلم أو ضرب في الأرض لطلب الرزق وطالت غيبته. وقد تحدث حروب فتحصد الرجال حصداً ويصبح 4 / 5 المجتمع نساء فإذا تزوج 1 / 5 الناس فإن 3 / 5 النساء تعيش حالات مذهلة من الحرمان والمعاناة فيأتي تشريع نكاح المتعة ليساعد في تخفيف هذه المعاناة، فقد ترزق المرأة التي تتزوج بنكاح المتعة بولد، فيحنو عليها في كبرها ويرعاها، وتتكرر هذه الحالة فتسهم في إيجاد حالة من التكامل والتضامن والتعاطف بين فئات من المجتمع. ففي أوروبا مثلاً أكثر من 4 / 5 المجتمعات نساء، والديانة المسيحة لا تسمح للرجل إلا بزوجة واحدة فتبقى 3 / 5 النساء في حالة من الضياع والحرمان ويتحولن مع الأيام إلى مصدر مدمر من مصادر فساد المجتمع وتآكله. والخلاصة أن نكاح المتعة رخصة لمن


196

يضطر لها، وهي رخصة شخصية، بمعنى أن الاضطرار يقرره الشخص الذي يرغب في ممارسة هذه الرخصة. هذه هي القصة الموضوعية الكاملة للمتعة التي يعدها بعض الناس، جهلاً بها، جريمة.

جلسة الحوار التاسعة

قال صاحبنا: لقد قرأت أجوبتكم المتعلقة بالمتعة، وهي مقنعة حقيقة، وأنا مدين لك إذ وضحت لي صورة الشيعة والتشيع على حقيقتها، ومن خلال أجوبتكم عن تساؤلاتي، ومن خلال توضيحاتكم تبين أن الأساس الذي قام عليه التشيع أساس شرعي ومنطقي، ويشكل نظرية متماسكة بالفعل، وأي عاقل ينظر للأمور نظرة حيادية سيصل إلى هذه النتيجة.

وأريد، الآن، أن أطرح عليك مجموعة متكاملة من التساؤلات وهي: لماذا هذا الاختلاف طالما أن للفريقين ديناً واحداً وكتاباً واحداً ونبياً واحداً، ويمارسون العبادات نفسها؟ وهل هنالك وضع أمثل لا اختلاف فيه، وكيف غرست بذور الاختلاف؟ وهل هنالك بذور للاختلاف فعلاً، وهل تأثرت حركة دخول الناس في دين الله بهذا الاختلاف؟ وما هي طريق الرشاد، وما هي الآثار المترتبة على تنكب هذا الطريق؟ وهل لأئمة أهل بيت النبوة من جهد لإرشاد المسلمين؟ وما قصة الخلاف الفقهي؟

وأرجو أن تسوق لي نماذج من هذه الخلافات، أليس بالإمكان الرجوع إلى الشرع مجدداً؟ لماذا هزم بيان أهل بيت النبوة وانتصر بيان الخلفاء، وهل هنالك إئتلاف بالرغم من مظاهر الخلاف، فأرجو أن تتلطف بالإجابة عن هذه الأسئلة بما أمكن من الاختصار.


197

الباب السادس

الاختلافات الفقهية بين شيعة أهل بيت النبوة،

وشيعة الخلفاء (أهل السنة)


198


199

الفصل الأول

الوضع الأمثل وبذور الاختلاف

الوضع الأمثل

بعد جهاد مرير نجحت دعوة الإسلام، وتمخضت تلك الدعوة عن دولة النبي. تلك الدولة التي وحدت العرب سياسياً لأول مرة في تاريخهم ونقلتهم من دين الشرك إلى دين الإسلام، واقتنع العرب أو تظاهروا بالاقتناع بأن محمداً نبي ورسول وإمام وقائد، وأنه المرجع الوحيد، وأنه على صلة مستمرة مع الله عن طريق الوحي.

فكان المسلمون يعرفون الحكم الشرعي من طريق النبي، والنبي لم يتوقف عن الإعلان بأنه على استعداد للإجابة عن كل سؤال جواباً يقينياً قائماً على الجزم واليقين، لأنه يتبع بالضبط ما يوحى إليه من ربه، وأن الله قد علمه بيان القرآن، وأن القرآن فيه تبيان لكل شئ وكان المسلمون يعملون عقولهم في ما خفي عليهم من الأحكام الشرعية، حتى إذا ما التقوا مع الرسول عرضوا عليه نتاج عقولهم فيحكم عليه وفق موازين الوحي الإلهي، فيعدل ويبدل ويقوم هذا النتاج حتى يتفق تماماً مع ما أوحي إليه.

كان بعض المسلمين يتشبث برأيه الشخصي في مقابلة الوحي، ولكنه كان يضطر دائماً لترك رأيه الشخصي والنزول عند حكم النبي، أو يضطر للتظاهر بذلك. وهكذا تبقى الأمة دائماً ضمن إطار الشرعية والمشروعية الإلهية، وتتبنى أحكاماً إلهية واحدة تتفق مع المقصود الإلهي بلا خلاف ولا اختلاف. فالكل مقتنع أو متظاهر بالاقتناع بأن محمداً هو الأعلم، وهو الأفهم بالدين، وهو الأقرب لله، والمتصل معه بالوحي، وهو الأصلح والأفضل، والأقدر على النطق بالصواب، وهو المؤهل إلهياً للإجابة عن كل سؤال جواباً صائباً، ولا أحد في المجتمع يجرؤ على القول بعكس ذلك. واعتراضات عمر بن الخطاب وأمثاله الناتجة عن الرأي، سرعان ما تتداعى أمام القناعات العامة بشخصية الرسول وأهليته


200

التي تشكل المرجع الأوحد للنطق بالصواب وإعلانه. لذلك لم يكن هنالك خلاف ولا اختلاف لأن الجميع كانوا يصدرون عن قول محمد المرجع والإمام والمؤهل الوحيد في زمانه للنطق بالصواب. فزمان النبي زمان الوفاق التام الذي لا خلاف فيه ولا اختلاف.

وقد نطق القرآن الكريم بأن النبي ميت لا محالة، وأن الدين الإسلامي هو دين الله الأوحد، وأن محمداً هو رسول الله خاتم النبيين. لذلك وبأمر من الله أوجد الرسول كوادر فنية ومنهاجاً تعليمياً لاثني عشر نقيباً من أهل بيت النبوة، وسمى الرسول هؤلاء النقباء (الأئمة) وأعلنهم بأمر من ربه أئمة من بعده، يتولى كل واحد منهم الإمامة بنص ممن سبقه، أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم محمد بن الحسين المهدي. وبين الرسول أن الله تعالى قد أهل الاثنى عشر إماماً للإمامة والمرجعية، ليكون كل واحد منهم في زمانه هو الأعلم وهو الأفهم بالدين، وهو الأقرب لله ولرسوله، وهو المؤهل للإجابة عن كل سؤال يطرحه أي شخص من مكان المعمورة جواباً يقينياً وصائباً ومتفقاً تماماً مع المقصود الشرعي الإلهي.

وحث الرسول الأمة على تنفيذ الأمر الإلهي، وتمكين الأئمة الاثني عشر من قيادة الدعوة والدولة معاً، لأن الله تعالى أهلهم لذلك، ولم يؤهل لهذا المنصب الخطير سواهم. وزيادة في التأكيد بين الرسول لأمته أن الهدى لن يدرك إلا بالقرآن وبأئمة أهل بيت النبوة، وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالاثنين معاً، فالأئمة الكرام قيادة ومرجعية ومستودع العلم الإلهي، ومستودع علم بيان النبي للقرآن، والقرآن بمثابة القانون الأبدي النافذ في مجتمع الأمة، والأئمة وحدهم هم الذين يعرفون جواب كل مسألة جواباً شرعياً يقينياً، لأن الله أعدهم وأهلهم لذلك، بمعنى أن هنالك واقعاً شرعياً من التكامل بين قيادة أهل بيت النبوة وبين القرآن الكريم، وأن أحدهما بعد النبي لا يغني عن الآخر. فإذا قبلت الأمة بالقرآن وبيانه قانوناً نافذاً، وبأهل بيت النبوة، قيادة ومرجعية، والتزمت بالاثنين معاً، فلن يكون هنالك هنالك خلاف ولا اختلاف ويصبح الوضع هو الأمثل وهو الأقوم حيث لا خلاف ولا اختلاف.


201

أسباب الخلاف والاختلاف

1 - البذرة الأولى:

لم يرق هذا الترتيب الإلهي لبطون قريش التي كرهت أن يجمع الهاشميون النبوة والملك، أو الخلافة من بعد النبي على حد تعبير عمر بن الخطاب، لذلك قررت أن تنسف هذا الترتيب الإلهي، خططت لاستبعاد أهل بيت النبوة عن قيادة الأمة، وتجميد جميع النصوص النبوية الشرعية التي أعلنها النبي بأمر من ربه، والتي أعطت أهل بيت النبوة الحق بقيادة الأمة وبالمرجعية معاً.

وقررت البطون القرشية، طالما أن النبوة لبني هاشم لا يشاركهم فيها أحد، أن تجعل القيادة أو خلافة النبي لها تتداولها في ما بينها ولا يشاركهما فيها أحد من بني هاشم، فذلك أوفق وأصوب وأهدى من الترتيب الإلهي وأمنع للإجحاف على حد تعبير عمر بن الخطاب، وعلى ذلك اتفق أبناء بطون قريش مهاجرهم وطليقهم إلا من هدى الله، وأخفوا هذا الاتفاق، وانتظروا موت النبي بفارغ الصبر حتى يضعوه موضع التطبيق.

كانت هذه الأفكار هي البذرة الأولى من بذور الخلاف والاختلاف بين المسلمين، والسبب الأول لدوام هذا الخلاف والاختلاف (1).

2 - البذرة الثانية:

كما زرعت بطون قريش بذرة الاختلاف الأولى بنقلها للقيادة عن أساسها الشرعي، زرعت أيضاً بذرة الخلاف والاختلاف عندما شككت بأحكام رسول الله، وفرقت بين الرسول المرسل والكتاب المنزل. ولضمان نجاح خطتها الانقلابية أشاعت أن محمداً نبي ورسول من الله بلا شك ولا ريب، لكنه ليس معصوماً، فهو بشر يتكلم في الغضب والرضى، ويخطئ ويصيب، ويذكر وينسى وله ميوله وأهدافه الشخصية، وله انجذابه الخاص نحو أهل بيته بخاصة ونحو

(1) وقد ثبتنا ذلك ووثقنا في كتابنا (المواجهة) ويمكن الرجوع إليه للوقوف على التفصيل والمراجع.


202

الهاشميين بعامة، ولا يمكن أن يكون كل ما يقوله من عند الله. وبالتالي فإن دوره قد انتهى باكتمال نزول القرآن، وطالما أن نزول القرآن قد اكتمل، فإن القرآن وحده يكفي ولا داعي لوجود النبي أو غيره، وبالرجوع لهذا القرآن فإن البطون لا تجد ذكراً لحديث الثقلين، ولا ذكراً للأئمة الاثني عشر، ولم يتطرق القرآن للولاية من بعد النبي، ولم يذكر القرآن أن علياً بن أبي طالب هو الولي من بعد النبي، ولا ذكر القرآن ذلك الدور المميز الذي يقول محمد إن الله قد اختص به أهل بيت النبوة!

هذه الشائعات مع شائعات أخرى إنما بثت للتشكيك بذات الرسول وقوله وفعله وعقله فشقت طريقها إلى أسماع المسلمين وعقولهم وقلوبهم، وجهدت البطون في نشر هذه الشائعات وصولاً إلى إبطال النصوص النبوية الشرعية التي بينت القرآن وعالجت ظاهرة السلطة والقيادة من بعد النبي.

وعند ما مرض النبي مرض الموت واستكملت قيادة البطون استعداداتها لمواجهته قررت أن تعلن شائعاتها علناً، وأن تتبنى رسمياً هذه الشائعات. لذلك، وعندما أراد الرسول أن يكتب توجيهاته النهائية للأمة، تصدى له عمر بن الخطاب وزعماء البطون وقالوا للرسول شخصياً أنه يهجر.

3 - البذرة الثالثة:

وعندما انتشرت شائعات البطون ونجح أبناؤها في إقامة تحالف مع المنافقين والمرتزقة من الأعراب، قررت أن تستولي على منصب الخلافة بالقوة والتغلب والقهر، وأن تفرض إشاعاتها وتخفي آثار جناياتها. وبيسر بالغ استولت على السلطة، وواجهت المسلمين بأمر واقع، فمن قبل بهذا الأمر نجا وحاز نصيباً من المغانم، ومن عارضه عوقب وطرد من رحمها، ومن مغانم دولتها، وقد يهدد بالقتل كما فعلوا بعلي بن أبي طالب، وقد يشرعوا بحرق بيته على ما فيه كما فعلوا ببيت فاطمة بنت رسول الله!! فإذا كان علي بن أبي طالب يهدد بالقتل إن لم يبايع، وبيت بنت الرسول يتعرض للتحريق، فما هي طبيعة الحرمة التي تبقى لغيرهما من معارضي دولة البطون؟!


203

4 - البذرة الرابعة:

عندما استولت البطون، بالقوة والتغلب والقهر، على الخلافة من بعد النبي كان أول شئ فعله خلفاؤها الأول أن منعوا رواية أحاديث رسول الله وكتابتها.

حتى لقد قام الخليفة الأول بإحراق خمسمئة حديث كتبها بنفسه عن رسول الله، وخطب الناس وحثهم على عدم التحديث عن الرسول لأن الأحاديث تسبب الخلاف والاختلاف بين المسلمين على حد تعبيره. وجاء الخليفة الثاني وعمق قرار منع رواية أحاديث الرسول وكتابتها وأضاف بأن طلب من الناس أن يأتوه بالأحاديث التي كتبوها عن رسول الله ولما جاؤوه بها أمر بتحريقها وحرقت فعلاً، وسار الخليفة الثالث على نهج صاحبيه، وصار منع رواية أحاديث الرسول وكتابتها سنة راشدة! وجد الخلفاء اللاحقون أنفسهم ملزمين باتباعها.

5 - البذرة الخامسة:

غلب معاوية الأمة، واستولى على منصب الخلافة بالتقتيل والتشريد والتنكيل والإرهاب، ومعاوية، بتاريخه وطبيعته، حاقد على البيت الهاشمي بعامة وعلى علي بن أبي طالب وذريته بخاصة، وإذا أضفنا إلى هذا تاريخ مقاومة الأمويين للنبي ولدعوته والحروب التي خاضوها ضده يصل الإنسان العادي إلى قناعة بأن الحقد الأموي على علي وأهل بيت النبوة وعلى الهاشميين لا دواء له.

وقد وضع معاوية يده في أيدي الخلفاء الأول وألف بين قلبه وقلوبهم، كراهية الجميع لقيادة أهل بيت النبوة بغض النظر عن الأسباب التي يستند إليها كل واحد منهم، ورفع الخلفاء من شأن معاوية وأعدوه ليحمي قناعاتهم من بعد موتهم وليتصدى لخصوم الجميع. وبعد أن أنشب معاوية أظافره الحديدية في كل عنق الخلافة لم ير ما يوجب التستر فقاد بنفسه حملة وضع الأحاديث على رسول الله وتحريفها واختلاقها وسخر إمكانيات دولة الخلافة ومواردها لتحقيق الغاية من حملته تلك المركزة على محو كل فضل لعلي ولأهل بيت النبوة وللتشكيك بمرجعيتهم وحقهم بالقيادة واختلاق آلاف المرجعيات التي تنافسهم. ولما تجمعت لمعاوية وولاته تلك المرويات الكاذبة، فرض على رعايا دولة الخلافة


204

حفظها وتصديقها، وجعلها منهاجاً تربوياً وتعليمياً لدولته، ومع الضغط والتكرار صدقها الناس، أو تظاهروا بتصديقها والإيمان بها حتى صار المسلم على يقين بأن مسبة علي بن أبي طالب وكره أهل بيت النبوة من الأمور التي تقربه من الله زلفى، وصارت محبة علي وأهل بيت النبوة وموالاتهم من جرائم الخيانة العظمى يعاقب مرتكبها بالموت وهدم الدار والتجريد من الحقوق المدنية والسياسية.

وهكذا هدم معاوية علناً كافة الأسس التي بناها رسول الله وأقام بدلاً منها أسساً ومبادئاً مناقضة لها تماماً، وانتصرت أحاديث الرسول على تلك المرويات الكاذبة التي رعى معاوية وولاته روايتها والتي تخدم أهدافه ومطامعه، وتجذر الخلاف والاختلاف بين المسلمين. أما النصوص النبوية الشرعية التي عالجت ظاهرة السلطة والقيادة من بعد النبي فقد اتبع معاوية سنة أسلافه بمنع روايتها وكتابتها وفرض حالة من التعمية عليها، وزاد عنهم بحملته الرهيبة الهادفة إلى محاربتها ونقضها والتشكيك بكل ما فيها وتجنيد كل طاقات دولة الخلافة لخلط الأوراق وتجذير الخلاف والاختلاف، وجاء الخلفاء من بعد معاوية ليجدوا منهاجاً، تربوياً وتعليمياً مستقراً فآمنوا به صدقوه، وساروا عليه وهم يعتقدون صوابه.

لا يصلح العطار ما أفسد الدهر

عند ما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز أدرك خطورة ما فعله الذين سبقوه من الخلفاء بفرضهم الخطر على رواية أحاديث الرسول وكتابتها في الوقت نفسه الذي أباحوا فيه رواية الأساطير والخرافات الإسرائيلية والشركية وكتابتها وتداولها.

وقدر عمر بن عبد العزير أنه إذا ما استمر حظر رواية أحاديث الرسول وكتابتها فإن سنة الرسول ستندرس لا محالة، لذلك أمر واليه على المدينة بأن يباشر على الفور بجمع ما تبقى من أحاديث رسول الله وكتابتها. واهتز مجتمع دولة الخلافة وهاجت الأمة وماجت وتساءلت: كيف يجرؤ عمر بن عبد العزيز على فعل ما يتعارض مع سنة أبي بكر وعمر؟ وتعاضد الملأ الرسمي وأجهضوا مشروع الخليفة، وظلت سنة أبي بكر وعمر سارية بفرض استمرار الحظر على رواية أحاديث الرسول وكتابتها


205

قرابة 95 عاماً. وعندما بدأت حركة العلوم في العهد العباسي بالاتساع لم تجد دولة الخلافة ما يسوغ استمرار الحظر على رواية أحاديث الرسول وكتابتها، ولكنها لم تأمر ولم تنه. وهكذا بدأ الاهتمام بكتابة أحاديث الرسول (1).

(1) راجع كتابينا الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية، والمواجهة مع رسول الله وآله (القصة الكاملة) تجد التفصيل والمراجع.


206


207

الفصل الثاني

محاولة لتقديم الإسلام

في جو الخلاف والاختلاف

فيض من الزيف والمشكلات

وجد المسلمون أنفسهم أمام مرويات معاوية وولاته التي تحولت بفصل نفوذ دولة البطون إلى منهاج تربوي وتعليمي يتوقف نجاح الفرد والجماعة على استيعابه والإيمان به، أو التظاهر بذلك. ووجد المسلمون أنفسهم سوقاً مفتوحاً لنتاج العقل البشري من ثقافة وعلم وأدب وقصة وخرافة وأساطير يشق طريقه إلى أسماعهم وقلوبهم بلا قيود ولا حواجز. وكان عليهم أن يتعاملوا مع هذا الفيض من النتاج، وأن يصبغوه بصبغتهم، أو يلبسوه زيهم وعباءتهم!.

ووجد المسلمون أنفسهم أمام حالة غريبة وفريدة من نوعها تتمثل في إباحة رواية كل شئ على الإطلاق وكتابته، باستثناء رواية أحاديث نبيهم الرسول الأعظم وكتابتها! ووجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام فيض من المشكلات والوقائع التي لم يعهدوا مثلها في حياة الرسول أو حياة الخلفاء الأوليين ولا وجود لنصوص شرعية قادرة على التعامل مع هذه المشكلات والوقائع! فصارت رواية أحاديث الرسول وكتابتها ضرورة ملحة كجزء من محاولة العثور على حلول شرعية أو قانونية لمواجهتها. ولم تكن هذه المهمة يسيرة فأحاديث الرسول كعقد من الحجارة الكريمة، قطعت خيوطه يد عابثة ونثرته في التيه والرمال. وبعد 95 عاماً اكتشف الذين جاءوا من بعدهم خطورة ما فعله الأولون ثم بدأ اللاحقون بالبحث عن هذه الحجارة الكريمة! واغتنم أعداء الإسلام الفرصة، فأخذوا يختلقون على الرسول الله أحاديثاً ما أنزل الله بها من سلطان لهدم الإسلام بأدواته، فاخترع علم الرواية والدراية، وعلم الجرح والتعديل،.. الخ من تلك العلوم التي تهدف إلى إثبات صدور هذا الحديث أو ذاك عن رسول الله، والتصدي لفيض الرواة الذين انكشفت الأرض عنهم فجأة. متسلحين بالآلية التي نفسها التي أوجدها الصادقون ببحثهم عن


208

أحاديث الرسول. وكانت دولة البطون على علم بهذا الجهد الذي قام به المخلصون للحصول على ما أمكن الحصول عليه من أحاديث الرسول، ولم تعترض هذا الجهد بل سهلته، ولم يكن لها تحفظ عليه، وانحصر تحفظها بعدم الرواية عن أهل بيت النبوة، وبتجاهل إمام أهل بيت النبوة ما أمكن وفي أحسن الأحوال اعتباره عالماً كمئات الألوف من العلماء الموجودين فوق إقليم دولة البطون وعدم تمييزه من غيره من العلماء! مع أن هذا الإمام هو مستودع العلم اللدني، وهو الجامع لبيان الرسول لكافة أحكام القرآن، وهو المؤهل للإجابة عن كل سؤال إطلاقاً جواباً قائماً على الجزم واليقين، والسؤال الذي يطرح نفسه هو:

هل كان العلماء يعرفون مؤهلات الإمام؟ ولماذا تجاوزوه إن عرفوها؟

لقد أدرك العلماء بالعقل لا بالنقل أهلية إمام أهل بيت النبوة، لقد حاوره العلماء في كل زمان، وسلم له العاقلون بالإمامة! ولكن إن أعلنوا تسليمهم له، وأشاعوا تميزه وتفرده بالعلوم الإلهية اليقينية. فإن الدولة القائمة ستعد هذا بمثابة تشيع لأهل بيت النبوة، وستقابله بالردع والمحاصرة، وستصب جام غضبها على جميع العلماء الذين يشيعون تفرده وتميزه. وبالتالي ستستعمل دولة البطون نفوذها وتفشل مشروع العلماء الصادقين الهادف إلى تقصي أحاديث الرسول الصحيحة وتدوينها، لذلك رأى العلماء الصادقون أن يتظاهروا بأن إمام أهل بيت النبوة ليس غير عالم من جملة مئات الألوف من العلماء! وقد تظاهروا بذلك بذلك مع إقرارهم له بالأستاذية فالإمام جعفر الصادق مثلاً هو أستاذ أبي حنيفة وأصحاب المذاهب الأربعة، وقد أقروا له بالتفوق والتفرد والتميز من غير ومع هذا نتيجة لنفوذ الدولة وضغوطها تقدم أبو حنيفة وبقية أصحاب المذاهب الأربعة في نظر العامة، وتأخر إمام أهل بيت النبوة وصار المذاهب الأربعة والتمذهب بمذهب الإمام جعفر نقيصة وموضع شبهات، وقد سمى رسول الله الإمام محمد بن علي بالباقر لأنه سيبقر العلوم، وأقر له علماء زمانه بأنه الباقر حقيقة لأنه بقر العلوم وعرف حقيقتها، ومع هذا فإن الإمام محمد الباقر من الناحية الرسمية ليس إلا عالم من جملة آلاف العلماء وإذا تعارض قول أي عالم مع قول الإمام محمد الباقر فإن الراجح هو قول العالم لا قول الباقر!


209

ومع تعمد دولة البطون وأعوانها تجاهل الثقل الأصغر والمرجعية التي أوجدها الله رسوله، وإصرار الدولة وأعوانها على صناعة آلاف المرجعيات الموازية للمرجعية الإلهية اختلطت الأوراق وضاعت الحقيقة، وصبغت الأحكام الدينية بصبغة الظن والتخمين، فلا تجد حكماً على الإطلاق إلا وتجد حكماً آخر على النقيض منه. وتدفع الحقيقة الشرعية دائماً الضريبة.

فالعلماء الصادقون يروون الحديث عن فلان، وهو مجهول، وعن فلان، عن زيد وعن عمرو وعن أبي هريرة مثلاً أنه رأى رسول الله يغسل رجليه في الوضوء!

ويروي العلماء أنفسهم أنهم قد سمعوا الإمام محمد بن علي الباقر يقول عن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه الحسين سيد شباب أهل الجنة، عن جده علي بن أبي طالب أننا عشنا مع الرسول طوال حياته المباركة تحت سقف واحد، وكان يتوضأ أمامنا كل يوم خمس مرات وفي كل مرة من هذه المرات كان يمسح على رجليه في الوضوء ولا يغسلها وكذا أمي فاطمة الزهراء بنت الرسول. ومع هذا يتجاهل العلماء هذا الإجماع من أهل بيت النبوة ويتركون روايتهم ويأخذون برواية أبي هريرة الذي لم يصحب الرسول أكثر من سنتين ونصف! لماذا؟ لأن أبا هريرة مع دولة البطون وهواه هواها! وليس لدولة البطون مصلحة بأن يأخذ الناس دينهم عن أهل بيت النبوة، متجاهلين دولة البطون ومؤسساتها على الحكم الشرعي الذي يبينه أهل بيت النبوة، فالحجاج يعلم أن الحكم الشرعي، في الوضوء هو مسح الرجلين، ولكنه يفرض على الناس أن يغسلوا أرجلهم بالوضوء ليخالفوا فعل علي بن أبي طالب العدو اللدود لدولة البطون. ومع اسمترار فرض الدول لغسل الرجلين بدلاً من مسحهما، واعتبار هذا الحكم جزءاً من المنهاج التربوي والتعليمي لدولة البطون تأتي الأجيال اللاحقة وتعتقد أن هذا الحكم هو الحكم الشرعي، وأن مقالة أهل بيت النبوة بالمسح شاذة وبدعة على حد تعبير ابن خلدون عنهم!

طريق الرشاد

كل إمام من أئمة أهل بيت النبوة نادى الأمة في زمانه قائلاً: (اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد)، فعلي ابن أبي طالب باب مدينة العلم اللدني، والحسن والحسين،


210

تتلمذا على يد الرسول ويد علي وورثا علم النبوة. وورث علمهم علي بن الحسين، وجاء من بعده محمد الباقر فاشتهرت تسمية الرسول له الباقر لبقرة العلوم وأقر له العلماء بذلك. وجاء من بعده جعفر الصادق فأعلن للباحثين عن الحقائق الشرعية المجردة قائلاً وبملء فيه: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث أبيه، وحديث أبيه حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول الله عز وجل) (1). وأكد الإمام جعفر الصادق للناس قائلاً: (ما من شئ إلا وفيه كتاب أو سنة) (2) وإمام أهل بيت النبوة يعرف الكتاب ومحيط بالسنة، وسئل الإمام موسى بن جعفر أكل شئ في كتاب الله وسنة رسوله أم تقولون فيه؟ فأجاب الإمام موسى: (بل كل شئ في كتاب الله وسنة ورسوله) (3) وروي عن الإمام موسى الكاظم قوله: (... فإنا إن حدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة إما عن الله وعن رسوله فحدث...).

بمعنى أن الفرصة كانت دائماً مهيأة أمام المسلمين ليأخذوا أحكام الدين الشرعية اليقينية من أئمة أهل بيت النبوة الذين أعدهم الله وأهلهم لهذه الغاية، ولكن دولة البطون وأولياءها قد أبوا ذلك لأنهم لو فعلوه لأذوا أنفسهم، ولأقروا بمرجعية أهل بيت النبوة ولانهار تاريخهم وتهاوت شرعية حكمهم، لذلك ضحوا بالدين الإسلامي ليخفوا آثار أفعالهم وليضمنوا لأنفسهم الاستمرار بقيادة الأمة وتوجيهها بالقوة وفق مناهجهم التربوية والتعليمية التي اخترعوها فسلكوا بالمسلمين الوعر والصعب من الطريق، وتركوا اليسر الإلهي، وكانت النتيجة أن اختفى الجزم واليقين من قاموس الأحكام الشرعية، وحل محلها الظن والتخمين فلا تجد حكماً فقهياً في مسألة إلا وتجد حكماً في المسألة نفسها يناقضه ويتعارض معه!

(1) راجع أعيان الشيعة 3 / 34.

(2) راجع أصول الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني 1 / 51.

(3) المصدر نفسه 1 / 62.


211

كي لا يضيع المسلمون إن أبوا!

أمام رفض دولة البطون الاعتراف بشرعية مرجعية أهل بيت النبوة وإصرارها وأوليائها على اختراع آلاف المرجعيات البديلة، وقرن مرجعية أهل بيت النبوة مع هذه المرجعيات ومساواتها بها وحرصاً على مصلحة الإسلام وإنقاذاً لما يمكن إنقاذه من دين الإسلام وضع أئمة أهل بيت النبوة وأولياؤهم سلسلة من القواعد التي ترشد ما أمكن إلى طريق الصواب منها:

1 - عرض الحديث على كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو حديث صحيح وما خالف كتاب الله فهو حديث كذب.

2 - إن كل حديث قد ورد في أي كتاب من كتب الحديث مهما تكن وثاقة أصحابها يجب أن يخضعه العلماء للتحقيق والإثبات للتأكيد من وثاقة الرواي وصدقة.

3 - لا ينبغي على العلماء أن يقبلوا الرواية إلا إذا رواها راو منصف، يتصف بالورع والصدق ومهما يكن مذهبه.

4 - ليس في منهج أهل بيت النبوة وشيعتهم ما يوجب تبني كتاب حديث صحيح بأكمله أو رفضه بأكمله، بل تخضع مفرداته للتحقيق والإثبات العلمي.

سعي دولة البطون إلى إجهاض جهود الأئمة

التميز والتفرد العلمي، وأهلية أئمة أهل بيت النبوة لتقديم الأحكام الشرعية للناس، كما بينها الرسول، لم تعد خافية على أحد من المسلمين. صحيح أن دولة البطون وأولياءها لا يعترفون بذلك ويقاومونه، ولكن هذه الأمور: التميز والتفرد والأهلية، صارت من قبيل الحقائق الواقعية التي يتعذر على الدولة عدم رؤيتها، ويتعذر عليها طمسها. لذلك اتخذت سلسلة من الإجراءات في محاولة مكشوفة منها لطمس الحقائق. ومن هذه الإجراءات:

1 - التعتيم المطلق، في كل زمان، على كل إمام من أئمة أهل بيت النبوة، واعتباره في أحسن الأحوال مجرد مسلم أو عالم لا يختلف أمره عن ملايين المسلمين وآلاف العلماء مع غمزه ولمزه والتنفير منه بوسائل الدولة الكثيرة.


212

2 - إظهار إمام أهل بيت النبوة بمظهر الرجل الذي يرمي إلى شق الطاعة وتفريق جماعة المسلمين، ودولة البطون من باب حرصها على وحدة المسلمين ورحمتها بهم، مضطرة إلى اتخاذ التدابير الاحترازية لتحجيمه وسد أبواب الشر التي يمكن أن تفتح عنده وعند أوليائه.

3 - دس عيون الدولة وجواسيسها من حول الإمام وتكليفهم بالظهور بمظهر شيعته وأوليائه ليحصوا عليه أنفاسه، ويعرفوا حركاته وأساليبه في الاتصال بشيعته وأوليائه. ويظهر هؤلاء العيون والجواسيس بمظهر شيعة الإمام وأوليائه، حتى إذا اشتهر ذلك بين الناس تولوا مهمة الكذب والتقول عليه واختلاق الأحاديث على لسانه ونسبة الآراء المتطرفة إليه، وذلك لتشكيك الناس به، وتنفيرهم من حولهم، و تكريههم به، طمعاً بتشويه سمعته وسمعة أوليائه، وتنفير الناس منهم للحيلولة بين إمام أهل بيت النبوة وبين هداية الناس إلى الطريق القويم، واطلاعهم على الحكم الشرعي في كل مسألة.

فقد يدعي الجواسيس والعيون أن الإمام يدعي أنه (إله) أو غير ذلك من الادعاءات الكاذبة التي لا هدف لها إلا تنفير المسلمين من أئمة أهل بيت النبوة.

ودعمت دولة البطون أكاذيب جواسيسها واختلاقاتهم بمختلف وسائل الإعلام، وألقت في روع العامة أن هؤلاء الجواسيس شيعة للإمام وهم ينقلون قوله، وبالتالي فإن كفر الإمام وشيعته لا يحتاج إلى إيضاح!

رد أئمة أهل بيت النبوة

لعن الأئمة الكرام أولئك الجواسيس والعيون الذين جندتهم دولة البطون وكلفتهم بأن يظهروا بمظهر شيعة أهل بيت النبوة لغايات الاختلاق والكذب. فقد لعن الإمام جعفر الصادق أبا الخطاب بن أبي زينب الأجدع وتبرأ منه ومن القائلين بأقواله وتقولاته الكاذبة، ولعن حمزة البربري، ولعن صائد النهدي، ولعن أبا الجارود ووصفه بأنه أعمى القلب وأعمى البصر، ولعن أبا منصور العجلي، ولعن يزيع بن موسى الحائك ولعن أتباعهم. وأعلن إمام أهل بيت النبوة، في كل زمان، أن أولئك الجواسيس والعيون ليسوا شيعة وليسوا أولياء لأهل بيت النبوة، إنما هم أعداء.


213

وكان الإمام يجمع شيعته سراً ويقول لهم: يا معشر شيعة آل محمد، (كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي. فقال له رجل: جعلت فداك ما الغالي؟ قال:

قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، فليس أولئك منا ولسنا منهم، ويلحق بكم التالي، فقال قائل: وما التالي؟ قال: المرتاد يريد الخير ويؤجر عليه).

ولما بلغ الإمام جعفر الصادق قول أبي الخطاب، أرسل دمعة، وهو يقول:

(يا رب برئت إليك مما ادعى في الأجدع، خشع لك شعري وبشري، عبد لك ابن عبد لك، خاضع ذليل أجل أجل عبد خاضع، خاشع ذليل لربه، صاغر، راغم من ربه، خائف وجل، لي والله رب أعبده، ولا أشرك به شيئا).. وقيل لأبي عبد الله:

إن قوماً يزعمون أنكم آلهة! فقال أبو عبد الله: (سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء وبرئ الله منهم، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي، والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلا وهو ساخط عليهم)..

وقال إمام أهل بيت النبوة (... والله ما معنا براءة وما بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجة، ولا يتقرب إلى الله إلا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعاً نفعته ولا يتنا، ومن كان منكم عاصياً لم تنفعه ولا يتنا).

ولمواجهة اختلاق الأحاديث، بين الإمام الحقيقة، وأوصى المسلمين قائلاً: (لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة). وقال الإمام علي بن موسى الرضا: (لا تقبلوا عني خلاف القرآن، فإنا إن حدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة، ما عند الله عند رسوله نحدث..).

وعلى الرغم من التعتيم الذي فرضته دولة البطون على أقوال الأئمة وتصريحاتهم إلا أنها وصلت إلى أسماع المسلمين، ولم يعد بوسع عاقل أن يصدق اختلاقات عيون دولة البطون وأكاذيب جواسيسها الذين ادعوا التشيع لغايات هدم التشيع وإطفاء نور أهل بيت النبوة.

ومع أن دولة البطون هي التي تولت قيادة موجة الافتراء على الأئمة وتنفير المسلمين منهم وتجذير الخلاف والاختلاف بين أتباعها من جهة، وبين أتباع الأئمة من جهة أخرى، ومع أنها تعرف أن الحق مع الأئمة إلا أنها سخرت


214

الاختلافات التي أشرفت على إيجادها، وجعلتها ذريعة لحصار الأئمة وحصار أتباعهم، وملاحقة أي عالم من علمائهم، والتحايل على إتلاف كل ما ينتجونه، حتى أن الإمام زين العابدين علي بن الحسين، اضطر لإخفاء أدعيته المشهورة بالصحيفة السجادية وهي مجرد أدعية، ومع هذا فإنها لو وقعت بيد دولة البطون وأعوانها لأتلفوها، لأن تلك الدولة كانت تعد كل ما يصدر عن أئمة أهل بيت النبوة وأعوانهم خطراً عليها، وقنابل موقوتة لا تدري متى تنفجر ولا بمن ستنفجر!

في هذا المناخ تم الاختلاف الفقهي

كان الأيسر لدولة البطون وأتباعها وللمسلمين، لو تم أخذ الأحكام الشرعية من مصدرها الصافي اليقيني، المتمثل بأهل بيت النبوة الذين أهلهم الله وأعدهم للأمور الآتية:

1 - قيادة الأمة.

2 - حفظ سنة الرسول بفروعها الثلاثة.

3 - بيان القرآن بياناً قائماً على الجزم واليقين في كل زمان. ولو فعلوا ذلك، كما أمرهم الله على لسان رسول، لما احتاجوا لأي شئ آخر، ولأخذوا حكم كل شئ من كتاب الله وسنة رسوله بشكل محدد وجازم.

لكن، لو فعلت دولة البطون وأعوانها ذلك لأقروا على أنفسهم بأنهم غاصبون للسلطة، وأن أهل بيت النبوة هم أصحاب الحق الشرعي، والشخص أي شخص يفر مما يدينه، لذلك اختارت الدولة وأولياؤها طريق العسر والحرج لها وللمسلمين. ولأن الدولة لا تعرف مواقع الحكم الشرعي في كتاب الله أو في سنة رسوله، اخترعت مصادر جديدة كالرأي، والقياس والاستحسان، والمصالح المرسلة، والإجماع. مع أن الحكم الشرعي موجود في القرآن والسنة، ولكنه خاف على الدولة وأعوانها، ولأنها بحاجة للأحكام لمعالجة ما استجد من وقائع لذلك لجأت إلى هذه المصادر لتلبية حاجاتها من الأحكام. وبعد أن حصلت على حاجاتها من الأحكام من تلك المصادر ألبستها ثوب الإسلام وادعت بأنها شرعية وإسلامية تماماً! مع أنه في الحق والحقيقة لا يوجد في الإسلام سوى مصدرين:


215

كتاب الله وسنة رسوله، والإمام الشرعي في زمانه هو المؤهل الوحيد والمعد لمعرفة مكان الحكم الشرعي في هذين المصدرين، وهذا هو سر قوته وشرعيته، وفي الجانب الآخر، أعلن أئمة أهل بيت النبوة وشيعتهم أنه لا يوجد في الإسلام سوى مصدرين للأحكام في: كتاب الله وسنة رسوله، وأن إمام أهل بيت النبوة على استعداد، في كل زمان، لإرشاد الأمة إلى موقع الحكم الشرعي في القرآن والسنة، لأن القرآن الكريم اشتمل على بيان كل شئ على الإطلاق، وقد تكررت أحاديث الرسول الأعظم بأنه قد ترك الناس على المحجة البيضاء، وشهد المسلمون قاطبة بأن الرسول قد أدى الأمانة كاملة، وبلغ الرسالة، وكفى بالله شهيداً: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [ المائدة / 3 ] ثم إن القوانين الوضعية المعاصرة، في كل دولة من دول العالم، قد اشتملت على بيان الحكم الوضعي في هذه الدولة أو تلك، لأي واقعة يمكن أن تقع في المجتمع، فهل يعقل أن يحيط المشرع الوضعي القاصر بالأمور أكثر من إحاطة الشارع الحكيم الذي وسع كل شئ علماً!

النقطة الأولى: وهكذا كان الخلاف في اعتماد المصادر التي ينبغي أن تؤخذ منها الأحكام، أول خلاف فقهي بين شيعة خلفاء دولة البطون بين شيعة أهل بيت النبوة فالأول يأخذون الحكم من أي مصدر من المصادر بينما الآخرون لا يأخذون إلا الحكم الشرعي ومن كتاب الله وسنة رسوله. والإجماع عند شيعة أهل البيت ليس منشئاً للحكم إنما هو كاشف له. ولا قيمة للإجماع المنشئ للحكم، لأن الحكم الشرعي سابق للحكم الذي أوجده الإجماع بمفهوم شيعة خلفاء البطون، ولأن الحكم الشرعي لم يرق لخلفاء البطون وشيعتهم فقد اخترعوا حكماً بديلاً، وحاولوا إضفاء الشرعية على الحكم البديل سنداً لإجماع غير شرعي، غايته المحددة إبطال الحكم الإلهي الشرعي!

والنقطة الثانية:

إن دولة البطون وشيعتها فرضوا حضراً على رواية أحاديث رسول الله وكتابتها طوال 95 عاماً، بين حضر كلي وحضر جزئي، وعندما جاء معاوية قاد بنفسه وولاته حملة وضع الأحاديث على رسول الله في النواحي


216

الشخصية والسياسية، واختلاف أحاديث للتشكيك بالنصوص النبوية الشرعية التي أعلنها الرسول. وجعل معاوية وأركان دولة البطون من هذه النصوص الموضوعة والمختلفة منهاجاً تربوياً وتعليمياً لرعية دولتهم، ثم تبنتها الأجيال اللاحقة معتقدة صحتها. ونتيجة هذا كله اختلطت الأوراق اختلاطاً عجيباً وضاعت الحقيقة بين الركام وصار الوصول إليها من أصعب الأمور وأكثرها تعقيداً!

وقد وضع أولياء دولة البطون مجموعة من القواعد والضوابط لمعرفة الحديث الصحيح من الحديث المكذوب، وقسموا الحديث نفسه إلى مراتب، وكل طائفة وضعت قواعدها وشروطها الخاصة وتولد عن ذلك الاختلاف في تقدير المرويات، فما يكون منها صحيحاً عند طائفة قد يكون غير صحيح عند الطائفة الأخرى، وقد يكون من الرواة موضع ثقة عند طائفة فقد لا يكون ثقة عند الطائفة الأخرى. وتعددت مراتب التقدير بتعدد الطوائف والمرجعيات، وزادت الأوراق اختلاطاً. وفي هذا المناخ جرى تخريج الأحكام من المصادر الصحيحة وغير الصحيحة وتم الاختلاف في المصادر مثلما تم الاختلاف في قبول الروايات.

ونشأت حالة من التعارض عجيبة، وحدث فيض بالأحكام مما مكن دولة البطون من ترجيح الأحكام التي تتلاءم مع ميولها وهواها.

ومحاولة منها للسيطرة على مقاليد الأمور اختارت أربعة من العلماء واعتبرتهم أصحاب مذاهبها الرسمية، وحرمت على أي مواطن من رعاياها أن يتمذهب بغير هذه المذاهب، حتى أنها لم تقبل رسمياً شهادة أي مسلم إن لم يكن متمذهباً بأحد المذاهب الأربعة. وقضت هذه الدولة بقرارها هذا على كافة أصحاب المذاهب والتوجهات الفقهية أو حجمتهم عملياً، وسمي كل مذهب من المذاهب التي اعتمدتها الدولة باسم صاحبه، فقيل مذهب الأحناف نسبة إلى أبي حنيفة ومذهب الشافعية نسبة إلى الشافعي.. الخ. لم تعر الدولة أي اهتمام لمذهب أهل بيت النبوة الذي سمي بالمذهب الجعفري نسبة إلى الإمام جعفر الصادق الذي عاصر هذه التحولات والتسميات، وكان من الممكن أن يتلاشى هذا المذهب كما تلاشت مئات المذاهب أمام قرار دولة البطون، ولكنه بقي ثابتاً.


217

صحيح أن الدولة نجحت في إثارة الشكوك حوله وتنفير العامة منه عملاً بخطها العام الرامي إلى استبعاد أهل بيت النبوة واستبعاد كل ما يصدر منهم، والحيلولة بينهم وبين المسلمين إلا أنها لم تنجح في القضاء عليه. ومع أن دولة البطون سقطت إلا أن الآثار المدمرة لمناهجها ما زالت تعمل حتى الآن. وما زال العامة يعتقدون أن تلك المناهج التي وصلتهم بالوراثة صحيحة!

وحديثاً، ومع تنور بعض العقول من أتباع خلفاء دولة البطون جرت محاولات جريئة للتشكيك بشرعية إجراءات دولة البطون فقد سئل شيخ الأزهر، المرحوم محمود شلتوت، إن كان واجباً على المسلم أن يقلد أحد المذاهب الأربعة، وإن كان حراماً تقليد مذهب الشيعة الإمامية (الجعفري) أو المذهب الزيدي (الشيعة الزيدية).

فأجاب شيع الأزهر: (إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه مذهباً معيناً بل نقول: إن لكل مسلم الحق في أن يقلد، بادئ ذي بدء، أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة. ولمن قلد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره، ولا حرج عليه في شئ من ذلك).

وأضاف شيخ الأزهر: (ومذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشر، مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنة فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب، أو مقصورة على مذهب فالكل مجتهدون، مقبولون عند الله، يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات).

وجاء شيخ الأزهر محمد محمد الفحام ونوه بفتوى شيخ الأزهر السابق محمود شلتوت، وعبر عن ذلك بقوله: (ورحم الله الشيخ شلتوت الذي التفت إلى هذا المعنى الكريم فخلد في فتواه الصريحة الشجاعة). وقد أصاب الغمام بقوله:

(فخلد في فتواه الشجاعة) لأنه لم يكن بإمكان أي مسلم أن يجرؤ على إعلان ما


218

أعلنه الشيخ شلتوت، لأن العامة تعتقد أن ما فعله الخلفاء وأولياؤهم هو عين ما فعله الرسول!

ومع خطورة هذه الفتوى وعقلانيتها وصدقها وقدرتها الخارقة على الوصول إلى القلوب عمد أولياء دولة البطون إلى التعتيم عليها والتعامل معها كأنها غير موجودة وغير صادرة عن شيخ الأزهر. وطالبوا بفتح باب الاجتهاد الذي لم يغلقه الله ولا رسوله إنما أغلقه خلفاء دولة البطون وأولياؤهم ولكنه اجتهاد على شاكلة الاجتهاد الذي سلكه الخلفاء وأولياؤهم والذي يخدم تاريخهم وغاياتهم من اختلاق مصطلح الاجتهاد.


219

الفصل الثالث

نماذج من الخلاف والاختلاف بين المسلمين

1 - الاختلاف السياسي

أجمع خلفاء دولة البطون وشيعتهم (أهل السنة) على أن رسول الله انتقل إلى جوار ربه، وترك أمته ولا راعي لها من بعده، فهو لم يستخلف، ولم يحدد من سيخلفه، ولم يصدر عنه أي نص لتحديد خليفته من بعده! وأنه صلى الله عليه وآله وسلم، قد خلى على الناس أمرهم!

وأجمع أهل بيت النبوة وشيعتهم والباحثون المحايدون من المسلمين على أن رسول الله استخلف علياً بن أبي طالب، وعينه بأمر من ربه إماماً وولياً وخليفة من بعده ومرجعاً للمسلمين، ولكن بطون قريش ال‍ 23 التي اتحدت ضد النبي وقاومته و أجبرته على الهجرة ثم حاربته حتى هزمها عادت واتحدت ضد أهل بيت النبوة. والهاشميين بعامة وضد علي بن أبي طالب وذريته بخاصة لتحول بينهم وبين حقهم في خلافة النبي (1)!!

معنى الولي

أجمع خلفاء دولة البطون وشيعتهم (أهل السنة) وأجمع أهل بيت النبوة وشيعتهم على أن رسول الله قد قال لعلي بن أبي طالب حال حياته (أنت وليي في الدنيا والآخرة، وأنت ولي كل مؤمن ومؤمنة، وأنت ولي المؤمنين من بعدي، ومن كنت وليه فهذا علي وليه، ومن كنت مولاه فهذا علي مولاه، وخاطب المسلمين قائلاً:

إنه وليكم من بعدي، ولكنهم اختلفوا من بعد هذا الإجماع في المراد من (الولي):

1 - قال خلفاء دولة البطون وشيعتهم (أهل السنة) إن الرسول لم يقصد من كلمة الولي الحاكم أو الإمام أو الخليفة أو المرجع، إنما قصد بهذه الكلمة المحب أو الناصر!

(1) وقد وثقنا ذلك في كتبنا وفصلناه: نظرية عدالة الصحابة والمواجهة، والخطط السياسية.


220

2 - أما أهل بيت النبوة وشيعتهم فيؤكدون أن الولاية تعني الإمامة والخلافة والمرجعية والقيادة من بعد النبي، ويفهم هذا من القرآن بأن الولي هو الأولى من غيره، ويفهم هذا بالعقل، فمن غير المعقول أن يجمع الرسول المسلمين في غدير خم في الرمضاء، ولأمر خطير ليعلن لهم أن علياً بن أبي طالب محب وناصر!

ويفهم هذا من النصوص الأخرى كقوله لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، وقوله: (إن هذا أخي وخليفتي ووصيي فيكم من بعدي)، وقوله: (هذا أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين).. الخ.

وقد أجمع أهل بيت النبوة وشيعتهم على صحة هذه الأحاديث، وأجمع على صحتها الباحثون المحايدون من شيعة الخلفاء، وروى الكثير منها أصحاب الصحاح. ومن استعراض التاريخ الجهادي لعلي بن أبي طالب ودوره البارز في مقاومة الشرك ومحاربته، ومن استعراض قدرات الإمام علي ومواهبه العلمية الخارقة لا يبقى أدنى شك بقصد الرسول من كلمة ولي (1).

وشهدوا على أنفسهم

إذا كان الرسول لم يستخلف، فلم استخلف خلفاء البطون؟ ولماذا لم يقتدوا بالرسول الأعظم؟ أليس فعل الرسول سنة؟ ومن يدلني على خليفة واحد قد مات من دون أن يعهد بالخلافة لمن يأتي بعده؟!

لقد وصف عبد الله بن عمر لأبيه عمر بن الخطاب موت الخليفة من دون تعيين من يخلفه بأنه تفريط وتضييع للإمامة! ووصفت السيدة عائشة هذه الحالة بأنها همالة، ووصفها معاوية بأنها كمن يترك نعاجه ولا راعي لها.

وأجمع الخلفاء على أن الحكمة من العهد تتمثل في تجنيب الأمة الخلاف والاختلاف، وهي رحمة بالمؤمنين وإضفاء الاستقرار على مؤسسة الخلافة! فهل يكون الخلفاء والنساء والعامة من الناس أبعد نظراً وأرحم بالأمة، وأقدر على

(1) وقد وثقنا ذلك في كتابينا المواجهة، ونظرية عدالة الصحابة.


221

استقراء الغيب من رسول الله؟ ﴿ما لكم كيف تحكمون*أم لكم كتاب فيه تدرسون*إن لكم فيه لما تخيرون [ القلم / 36 - 38 ]!

أليس التنازع على رئاسة المسلمين هو منبع كل خلاف واختلاف؟ وهل يعقل أن يبين الرسول للناس كيف يتبولون، ويبين لهم كل شئ، ويتركهم على المحجة البيضاء ويفغل أهم شئ وهو رئاسة المسلمين من بعده؟ لو سلم شيعة الخلفاء بذلك، لأقروا وشهدوا على أنفسهم بأن الخلفاء قد أخطأوا حتماً، وفعلوا ما لا ينبغي لهم فعله وعقول شيعة الخلفاء تستبعد عن الخلفاء كل خطأ ونقيصة.

والبديل الآخر هو الاستمرار بالتستر واختلاق الأعذار ولو على حساب الدين والحقيقة الشرعية والعقلية، ولسان حالهم يقول: (لينهدم الإسلام على رؤوس معتنقيه وليبقى الخلفاء معصومين بحرز الله، وماذا يبقى من الدين إذا كان فعل الخلفاء خطأ. تلك أمانيهم! ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون [ البقرة / 79 ].

الشيعة يصدقون أهل بيت محمد

وبقدرة قادر صار شيعة أهل بيت النبوة فئة مجرمة! لأنهم صدقوا أهل بيت محمد وآمنوا بوجود نص على من يخلف النبي بعد موته، ولأنهم آمنوا بأن أهل بيت النبوة هم الأولى بالنبي، ولأنهم أحبوا أهل بيت النبوة ووالوهم ولم يوالوا خليفة بطون قريش، ولأنهم فسروا مصطلح (الولي) بأنه يعني الإمام أو القائد، أو المرجع أو الخليفة من بعد النبي، ولأنهم الشيعة استوعبوا حجة أهل بين النبوة، ولم يستوعبوا حجة خليفة البطون.

لكل هذه الأسباب جن جنون خلفاء البطون وشيعتهم، واعتبروا هذا الموقف المناقض لموقفهم عملاً عدائياً موجهاً ضدهم، ومحاولة مكشوفة لتفريق كلمة المسلمين وإجماعهم الذي انعقد على خلفاء البطون، ونقضاً للأعراف والسوابق الدستورية التي اخترعها هؤلاء وشيعتهم، والتي استقرت بنفوذ الدولة، وشعر المسلمون أنها قدر لا مفر منه. لكل هذا عد شيعة أهل بيت النبوة فئة مجرمة


222

بحق الله، وبحق خليفة البطون، وبحق الأمة المسلمة! وسخرت موارد دولة الخلافة وإعلامها ونفوذها لإثبات إجرام شيعة أهل بيت النبوة وكفرهم، وتشويه سمعتهم، واختلاق الأكاذيب عليهم، وترويج الشائعات ضدهم. ومع الأيام صدقت رعية الخليفة كل ما هو مختلق، ضد الشيعة، وكذبت كل ما هو صحيح عنها!

وقد غالت شيعة خلفاء البطون مغالاة كبيرة، وتطرفت في معاملتها لأهل بيت النبوة وشيعتهم، فاستحلوا دماءهم لأتفه الأسباب وصادروا أموالهم، وجردوهم من حقوقهم المدنية والسياسية، وحرموا تزويجهم أو الزواج منهم، وحرموا إطعامهم أو أكل طعامهم، وعاملوهم بمنتهى الهمجية والقسوة، بشكل لا يجوز أن يعامل به الكفرة وهم يتلون كتاب الله، ويؤمنون بالله، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وبالآخرة هم موقنون. وقد فعلت شيعة الخلفاء كل ذلك بإخوانهم المسلمين من شيعة أهل بيت النبوة في الوقت الذي يفتح فيه الخلفاء وشيعتهم صدورهم وقصورهم وبيوتهم لليهود والنصارى والمجوس، تحت شعار أهل الذمة وسماحة الإسلام! مع أن الخلاف بين مسلمي شيعة الخلفاء (أهل السنة) ومسلمي شيعة أهل بيت النبوة (الشيعة) ليس في ظاهره وباطنه أكثر من خلاف في فهم الأحكام الشرعية! ولا يسوغ هذا الخلاف ذلك الحجم الهائل من الضغوط والمعاناة التي أو جدتها دولة البطون لأهل بيت النبوة وشيعتهم.

2 - الاختلاف في العبادات

1 - الوضوء: أجمع المسلمون على غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس، واختلفوا على الرجلين.

أ - شيعة الخلفاء (أهل السنة)، بما فيهم المذاهب الأربعة، يرون أن غسل الرجلين واجب مفروض على التعيين، وبعضهم كالحسن البصري وابن جرير الطبري يرى أن المكلف مخير بين الغسل والمسح.

ب - أما الشيعة الإمامية التي تمثل التشيع في أنقى صوره فهي ترى أن مسح الرجلين فرض معين.


223

والثابت عن الرسول الأعظم بأنه لا صلاة من دون وضوء والمجمع عليه أن غسل الرجلين أو مسحهما من فرائض الصلاة، وأن الوضوء من العبادات، التي ينبغي أن يأتي بها المكلف على الوجه الذي أمر به الشارع الحكيم. فإذا صح فهم شيعة الخلفاء بأن الفرض هو غسل الرجلين لا مسحهما فإن صلاة أهل بيت النبوة وشيعتهم باطلة ومعدومة لأنهم لا يغسلون أرجلهم بل يمسحون عليها!! كذلك وإن صح فهم أهل بيت النبوة وشيعتهم بأن الفرض هو مسح الرجلين لا غسلهما فإن صلاة الخلفاء وشيعتهم باطلة ومعدومة لأنهم لا يمسحون الرجلين كما أمرهم الله بل يغسلونهما!

الرجوع إلى الشرع مجدداً

أ - القرآن الكريم: قال تعالى، في سورة المائدة ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين.. [ المائدة / 6 ].

فالوجوه والأيدي منصوبة ولا خلاف على وجوب غسلها، و (الرؤوس) مجرورة ولا خلاف على مسحها. والخلاف ينحصر بالأرجل.

ظاهر القرآن وقراءاته

قال الرازي: قرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمر وعاصم (وأرجلكم) بالجر، فالأرجل معطوفة على الرؤوس حسب هذه القراءة. وقال أيضاً: وقرأ نافع وابن عامر وعاصم (وأرجلكم) بالنصب. فجر كلمة (وأرجلكم) قراءة معتمدة ونصب كلمة (أرجلكم) قراءة معتمدة أيضاً. وجر الأرجل عطفاً على الرؤوس أولى من عطفها على الوجوه والأيدي لأن بين الأرجل والوجوه والأيدي كلمة (برؤوسكم)، وهي حائلة ومانعة للعطف، ومن غير المعقول لغة ومنطقاً القفز عن الرؤوس المجرورة بالإجماع وعطف الأرجل على الوجوه والأيدي! إذ لو جاز ذلك لكانت الرؤوس أولى بالنصب لقربها من الأيدي والأرجل! فظاهر القرآن المسح على الرجلين لا غسلهما، سواء أقرئت على الجر أو على النصب.


224

ب - بيان النبي: من المهام الأساسية لرسول الله يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم وقد فعل، فبين الحكم للمسلمين قاطبة، وبينه لأهل بيت النبوة بخاصة.

ومن المسلم به أن الرسول كان يسكن في جانب من المسجد، ويسكن معه في منزله علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء والحسن والحسين عليهم السلام، وقد جرت العادة أن يتوضأ الرسول في بيته ويذهب إلى المسجد طاهراً وجاهزاً للصلاة وكان أهل البيت يتوضؤون معه ويصلون معه لأنه كان يوقظهم لأداء الصلاة. فمعنى ذلك أن أهل البيت النبوة كانوا يشاهدون النبي وهو يتوضأ خمس مرات في اليوم الواحد أو مرة واحدة على الأقل يومياً طوال حياتهم مع النبي وحتى انتقل إلى جوار ربه وهذه مدة كافية ليستوعب أناس في قمة الوعي الديني كعلي والحسن والحسين أحكام الوضوء! فأيهما أولى بالتصديق أهل بيت النبوة الذين سكنوا مع النبي طوال حياته وشاهدوه يومياً وهو يتوضأ أم أي شخص آخر رأى الرسول مرة أو مرتين أو ثلاثة وهو يتوضأ؟ ما لكم كيف تحكمون؟ فإذا أضفنا إلى هذا أن أهل بيت النبوة هم أحد الثقلين وأن الهدى لا يدرك إلا بهما، والضلالة لا يمكن تجنبهما إلا بالتمسك بهما معاً، وأنهم قد مضوا على المسح على الرجلين لا غسلهما، لن يبقى أدني شك في أن الحكم الشرعي هو مسح الرجلين لا غسلهما، ومثل هذا يقال في الصلاة وغيرها من أحكام العبادات. والأحاديث التي وردت بغسل الرجلين أحاديث لا يمكن الركون إلى تخصيص ظاهر القرآن بها.

لماذا هزم بيان أهل بيت النبوة وانتصر بيان الخلفاء؟

في الوضوء، في هيئة الصلاة، في صلاة الجنازة، في الأذان في غيرها من الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات، وجد الخلفاء أنفسهم أمام أهل بيت النبوة كمرجع يقيني لكافة الأحكام الشرعية، فإذا سلم خلفاء البطون بكل ما يقوله هؤلاء فإنهم يقرون ضمناً بمرجعيتهم، عندئذ يشهدون على أنفسهم ضمناً بأنهم قد غصبوهم حقهم، ويثبتون أنهم مراجع مثلهم وزيادة. وليرغموا أنوف أئمة أهل بيت النبوة وشيعتهم اخترعوا أو إن شئت فقل اجتهدوا، أحكاماً من عندهم وقدروا أن الرسول لو كان حياً لأقرها، وبعد أن أوجدوا هذه الاجتهادات فرضوها بسلطة


225

الدولة ونفوذها وألزموا الناس بها، فكان عسيراً على المسلم أن يمسح على رجليه في الوقت الذي يرى فيه الخليفة وأركان دولته يغسلون أرجلهم! فأول تهمة توجه إلى ذلك المسلم هي اقتداؤه بعلي وأهل بيت النبوة وموالاته لهم، وخروجه على الخليفة مع ما يستتبع هذه التهمة من آثار قد تؤدي إلى قتل هذا المسلم بسبب هذا الجرم، فصارت اجتهادات الخلفاء وشيعتهم منهاجاً، تربوياً وتعليمياً مفروضاً بقوة الدولة. وعند ما خفت وطأة حكم الخلفاء وبعد مئات السنين وجد الناس أنفسهم أمام روايتين. رواية رسمية عمل بها الخلفاء وأكثرية المسلمين مئات السنين، ورواية عن أهل بيت النبوة لم يعمل بها إلا أهل البيت وشيعتهم القلة فاعتقد الناس أن الحق مع الخليفة والأكثرية التي كانت تؤيده رغبة أو رهبة! تلك هي القصة بكل فصولها.

3 - الاختلاف في الاقتصاد السياسي

هنالك خلافات في الاقتصاد السياسي بين أهل بيت النبوة وشيعتهم من جهة وبين خلفاء البطون وشيعتهم (أهل السنة) من جهة أخرى نذكر منها، على سبيل المثال:

أ - التسوية والتمييز في العطاء المالي: الرسول لا ينطق عن الهوى، ويتبع ما يوحى إليه، وطوال حياته المباركة وهو يقسم المال بين الناس بالسوية لا فرق بين مولى وصريح، لأن الله تعالى أمره بذلك، ولأن التسوية بالعطاء هي الأصوب فحاجات الناس الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ونكاح متشابهة، ولأنها خطوة على طريق تذويب الفوارق الاقتصادية بين الناس، وتجنب نشوء الطبقات. وقد مضى الرسول على سنته طوال حياته، وجاء الخليفة الأول فاتبع سنة الرسول، وعند ما جاء الخليفة الثاني اتبع سنة الرسول آونة وجيزة من حكمه، ثم خطر له أن التسوية بالعطاء عمل غير مناسب، وغير عادل والأفضل حسب رأيه أن يعطى الناس حسب منازلهم، فمن غير العدل حسب رأيه أن يعطي رجلاً من قريش المبلغ نفسه الذي يعطيه لرجل من الموالي! ومن غير المعقول برأيه أن يعطي عثمان بن عفان أو طلحة أو الزبير المقدار نفسه الذي يعطيه لرجل من عامة


226

البطون!! ومن غير الإنصاف، حسب رأيه، أن يعطي عائشة زوجة الرسول، وابنة أبي بكر وحفصة زوجة الرسول وابنة عمر المقدار نفسه الذي يعطيه لكل واحدة من زوجات الرسول الأخريات، فأعطى كل واحدة من زوجات الرسول عشرة آلاف وأعطى كلاً من حفصة وعائشة اثنى عشر ألفاً مع أنهن كلهن زوجات للرسول!

ومضى الرجل في خطته وهو يعتقد أنها خير من خطة رسول الله! وصفقت له جموع المسلمين، أو هكذا تظاهرت، ولم تمض سنوات معدودة على تنفيذ هذه الخطة العجيبة حتى وجد النظام الطبقي في أبشع صورة، فطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من خاصة الخليفة صاروا من أصحاب الملايين!

والملايين من فقراء المسلمين لا يجدون حتى ثمن رغيف الخبز. وأدرك الخليفة النتائج المدمرة لخطته التي حسبها بالأمس أفضل من سنة رسول الله فقال: (لئن عشت مقبلاً لأتبعن سنة رسول الله وصاحبه) (1) ومات الرجل ولم يعش مقبلاً واندثرت سنة الرسول وعاش رأي الخليفة وأصبح السنة البديلة لسنة الرسول!

والخلاف ينحصر في ما يأتي:

1 - أهل بيت النبوة وشيعتهم يتمسكون بسنة الرسول التي تساوي بين الناس بالعطاء، ويؤمنون بأن الخليفة الثاني أخطأ يوم عطل سنة الرسول وأحل رأيه الشخصي محلها.

2 - والخلفاء وشيعتهم (أهل السنة) يأخذون على أهل البيت وشيعتهم فضاضتهم بالقول إن الخليفة قد أخطأ لأن الخليفة صحابي، وأمير المؤمنين، وهو أجل وأرفع من أن يتعمد الخطأ، وهو في الحقيقة مجتهد ومأجور على مخالفته لسنة رسول الله، ومن واجب الرعية المسلمة أن تبقى وفية لاجتهاده لأنه انتقل إلى جوار ربه ولم يلغ اجتهاده! وعلى هذا الأساس استمر خلفاء دولة البطون باتباع رأي الخليفة والتصرف بالمال العام حسب رأيهم وتقديراتهم الخاصة بأن الخليفة يعطيهم الحرية باستغلال المال العام لتأليف القلوب حولهم، واصطناع الأوفياء لدولتهم!

(1) وقد وثقنا ذلك كتابناً المواجهة وفصلناه.


227

هذه هي طبيعة الخلاف بين أهل بيت النبوة وشيعتهم وبين خلفاء البطون وشيعتهم (أهل السنة) (1).

ب - الخمس المخصص لذوي القربى: في آية محكمة جعل الله لأقرباء النبي نصيباً دائماً من الأنفال، وبين النبي هذا النصيب فأعطاه لذوي قرباه كما أمره الله طوال حياته المباركة كإمام رئيس للدولة النبوية الإيمانية. أما لماذا خصص الله هذا النصيب لذوي قربى نبيه فعلمه عند الله يفعل ما يشاء وما تقتضي حكمته، والجواب عن هذا السؤال هو الجواب نفسه عن السؤال التالي: لماذا اختار محمداً للنبوة والرسالة ولم يختر عمراً أو زيداً من الناس؟ وبالاستقراء نجد أنه تعالى قد حرم الصدقة على أهل بيت النبوة، فهذا حرام عليهم لا يجوز لهم أن يأخذوها، وعلى ذلك أجمعت الأمة، والصدقة حلال لكل أفراد الأمة بمن فيهم خلفاء البطون، ولأن أهل البيت ثقل والقرآن ثقل آخر ولتجذير التميز الشرعي لقيادة الأمة المتمثلة بأهل بيت النبوة وليكفيهم حاجاتهم الحياتية ويصونهم عن تحكم الفئة المتغلبة جعل الله لهم حقاً دينياً ومورداً ثابتاً يعتاشون منه طوال الحياة هم وذرياتهم. وعلى ذلك مضت سنة الرسول. ولما استولت البطون على منصب الخلافة من بعد وفاة النبي، ورأى أركان دولتها معارضة أهل بيت النبوة لخلافتها، وجهرهم بالقول بأنهم الأحق بالنبي حياً وميتاً، عندئذ أصدر الخليفة الأول بعد التشاور مع أركانه سلسلة من القرارات الاقتصادية، صادر بموجبها كافة المنح التي أعطاها رسول الله لأهل البيت حال حياته، وحرم أهل البيت من تركة الرسول، وفوق ذلك قرر عدم إعطاء أهل البيت حقهم بالخمس الوارد في آية محكمة.

والخلاف ينحصر في ما يأتي:

1 - أهل بيت النبوة وشيعتهم يؤمنون بأن حق أهل البيت بالخمس حق إلهي مخصص لهم في آية محكمة، وقد جرت سنة النبي على تثبيت هذا الحق وبيانه، ولا يملك أي إنسان على الإطلاق أن يصادره، ومصادرته بغي وعدوان وانتهاك لحرمة أهل بيت النبوة.

(1) وقد وثقت كل ذلك بشهادات علماء أهل السنة الأكابر في كتابنا المواجهة فارجع إليه إن شئت.


228

2 - خلفاء البطون وشيعتهم يرون أن كل بطون قريش هي قرابة للنبي، و الهاشميون وبنو المطلب الذين كانوا يأخذون الخمس زمن الرسول ما هما إلا بطنان من بطون قريش ال‍ 23، وقد ميزهما الرسول حال حياته وحرم بقية البطون مع أنهم من ذوي قرباه أيضاً وطالما أن الرسول قد مات فمن حق الخليفة أن يتمتع بصلاحيات الرسول المالية وأن يعيد التوازن بين البطون. والخليفة هنا مجتهد ومأجور لمخالفته للآية المحكمة ولسنة الرسول وبيانه لهذه الآية!

4 - الاختلاف في الميراث النبوي

أ - أهل بيت النبوة وشيعتهم يرون أن أهل البيت أحق بميراث النبي، لأن النبي إنسان مسلم على الأقل، له ورثة شرعيون وعندما يموت المسلم تنتقل تركته إلى ورثته وتقسم بينهم حسب الشرع المفصل في القرآن الكريم ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله [ الأنفال / 75 ] ولا تملك أية سلطة في الأرض حق مصادرة تركة النبي وممتلكاته الشخصية بعد وفاته لأنها حق خالص للورثة، خاصة وأن الميت والورثة على دين واحد!

ب - خلفاء البطون وشيعتهم (أهل السنة) يرون أن أبا بكر، الخليفة الأول، هو الأولى بتركة النبي وهو وارثه الوحيد، لأنه صديقه الشخصي، ونسيبه، فزوج الرسول عائشة هي ابنة أبي بكر ولأنه الخليفة من بعد النبي، ثم إنه من غير الممكن أن تسمح دولة البطون بأن تؤول أموال الرسول إلى ورثته لأنهم سيعملون على استغلال هذه الأموال في تأليف قلوب الناس حولهم، ويزعزعون استقرار دولة البطون، فمن باب سد الذرائع فلا حرج على الخليفة لو صادر تركة الرسول وحرم الورثة منها! خاصة وأن الخليفة قد أبدى استعداده ليقدم الطعام والملبس لأهل بيت النبوة!! ثم إن الخليفة مجتهد ومأجور لأنه صادر تركة الرسول وحرم الورثة منها!

لأن الخليفة أمير المؤمنين وله الحق - برأيهم - بالتصرف على الوجه الذي يراه مناسباً (1)!

(1) وقد وثقنا ذلك كله في كتابنا المواجهة فارجع إليه.


229

هذه نماذج من طبيعة الخلافات بين أهل بيت النبوة وشيعتهم (أهل الشيعة)، وبين خلفاء البطون وشيعتهم (أهل السنة).

فالخليفة يقرر قراراً، أي قرار، أو يجتهد اجتهاداً، أي اجتهاد، فيأتي أهل بيت النبوة ويقولون للخليفة، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن قبيل القيام بمسؤوليتهم الدينية: (إن الحكم الشرعي واضح وهو كذا، واجتهادك أيها الخليفة مناقض للشرع! فاتق الله والتزم بشرعه) فيجيب الخليفة. إن الشرع ما أمرت وقلت وليس ما ذكرتم، ويأمر بوضع قراره أو اجتهاده موضع التطبيق، ويصبح هذا القرار أو الاجتهاد نافذاً بقوة الدولة ونفوذها شاء الناس أم أبوا، وافق الشرع أم خالف فهو مدعوم بقوة الدولة. عندئذ، وبقوة الدولة ونفوذها، أو بحكم العادة والأرث، تقول شيعة الخلفاء: صدق الخليفة! وتسلط مختلف وسائل الإعلام التي تملكها الدولة لإبراز محاسن هذا القرار والتعتيم على بيان أهل بيت النبوة وتصديق شيعتهم لهم، أو تشويهه، وإظهاره بمظهر المحاولة المكشوفة لزعزعة استقرار الدولة وإثارة الفتنة، وتفريق كلمة المسلمين التي اتحدت في ظلال حكم الخليفة، وهدم الإسلام، إلى آخره من تلك التهم الخطيرة التي تشير العامة وتجندهم تحت إمرة الخليفة وأعوانه، وتغرس في قلوبهم الحقد والكراهية لشيعة أهل بيت النبوة، باعتبارها الفئة الموجهة لها تلك التهم الخطيرة!

ومع سقوط دولة الخلافة، ورثت العامة التهم، وبقدرة قادر حولت االعامة التهم إلى أحكام وعاملت الشيعة على أساس أنها محكومة بحكم مبرم.

الائتلاف بالرغم من الخلاف

نتيجة طبيعية لموقف البطون من أهل بيت النبوة وشيعتهم تكون عملياً قانون نافذ وغير معلن مفاده أن الخلفاء وشيعتهم يتبنون بالضرورة حكماً يناقض الحكم الذي تبناه أهل بيت النبوة وشيعتهم، لأن الخلفاء وأعوانهم رأوا في ذلك ما يرغم أنوف أهل البيت وأعوانهم ويعذلهم ويجتث من نفوسهم الطمع بقيادة الأمة! هذا الطمع الذي يعكر على الخلفاء صفو حكمهم ويهدد استمراره.


230

ومع عزوف أهل بيت النبوة عن العمل السياسي المعلن ويأسهم من استقامة مبكرة للأمة، خفت قبضة دولة البطون وتراخت حملاتها. وانطلق علماء شيعة الخلفاء في هذا المناخ يستنبطون الأحكام الشرعية بالوسائل التي اخترعوها من دون حساسية مسبقة، ولشد ما ذهلوا عند ما توصلت فرقهم أو بعض هذه الفرق إلى النتائج نفسها التي توصلت إليها شيعة أهل بيت النبوة! ومثال على ذلك:

1 - قالت الشافعية والحنابلة: (والشيعة الإمامية): من قدر على الاكتساب لا تحل له الزكاة، وقالت الحنفية، والمالكية: بل تحل له وتدفع!

2 - وفي المبيت بالمزدلفة، في أثناء أداء فريضة الحج، قالت الشيعة الإمامية وقال، المالكية: لا يجب المبيت ولكنه الأفضل. بينما قال الحنفية والشافعية والحنابلة بوجوب المبيت ومن تركه فعليه دم (ذبيحة)!

3 - وفي رمي الجمار (من مناسك الحج) قالت المالكية والحنفية والحنابلة والشيعة الإمامية: لا يجوز رمي الجمار قبل الفجر فإذا رماها من عذر وجب عليه إعادة الرمي. بينما رأت الشافعية أنه لا حرج من التقديم!

4 - وفي صلاة الجماعة، قالت الحنابلة إنها واجبة وجوباً عينياً على كل فرد مع القدرة، ولكن إذا تركها وصلى منفرداً أثم وصحت صلاته. بينما قالت الشيعة الإمامية والحنفية والمالكية وأكثر الشافعية: لا تجب عيناً ولا كفاية، وإنما تستحب استحباباً مؤكداً!

فأنت ترى أن الشافعية والحنابلة في المثال الأول، والمالكية في المثال الثاني، والمالكية والحنفية والحنابلة في المثال الثالث والحنفية والمالكية وأكثر الشافعية في المثال الرابع قد التقوا مع الشيعة وتبنوا الحكم نفسه التي تبنته شيعة أهل بيت النبوة، فقد اتفقوا على الحكم الشرعي في تلك المسائل، وائتلفوا بالرغم من الخلاف! ربما لأنها ليست مسائل سياسية! أو لأن دولة البطون تراخت قبضتها ورغبتها في إرغام أنوف أهل البيت وشيعتهم! وربما دولة البطون لا تدري عن ذلك شيئاً، أو لا تشعر بأهميته. وربما لأن فرق شيع الخلفاء التي التقت بالنتيجة الفقهية


231

مع شيعة أهل بيت النبوة قد استعملت الوسائل نفسها الخ. والخلاصة أن الائتلاف بعد الاختلاف المفروض والمصطنع ممكن، ولم يعد لأحد مصلحة في الخلاف والاختلاف.

جلسة الحوار العاشرة

قال صاحبنا: لقد قرأت، بكل التمعن والإهتمام، كامل أجوبتكم عن تساؤلاتي المتعلقة بالخلاف والاختلاف، وإنني أقدر عالياً كفاءتكم وقدرتكم على تشخيص الداء تشخيصاً شرعياً، وعلى وصف الدواء الشرعي، لقد كان اليوم الذي تعرفت عليك فيه يوماً مباركاً بالفعل.

وأريد أن أوجه لك، الآن، طائفة من التساؤلات المتعلقة بوحدة المسلمين:

فما هي أسباب الخلاف والاختلاف؟ وكيف نكف عن خلط الأوراق، فنفصل الدين عن التاريخ والفهم عن النص؟ وكيف نجعل المسلمين يعرفون القيادة والمرجعية الشرعية؟ وما هي قصة المنهاج التربوي والتعليمي لدولة البطون؟ أليس بالإمكان اعتبار الأكثرية حكماً والأقلية معارضة فيتحرك الجميع ضمن دائرة الاحترام المتبادل، بين الأكثرية المسلمة والأقلية المسلمة؟ ما هو موقف خلفاء البطون من المعارضة الإسلامية؟

وهل يمكنك إعطائي صورة موجزة عن الحكم والمعارضة في أنظمة أخرى؟ ومن الذي يمنع من تقليد هذه الأنظمة؟ ثم أليس للوحدة قواعد؟ وما هو السبب الحقيقي لاستمرار الخلاف والاختلاف؟ ما هي أسباب القدرة العجيبة لإعلام البطون؟


232


233

الباب السابع

الدعوة إلى وحدة المسلمين


234


235

الفصل الأول

أسباب الخلاف والاختلاف

الخلاف الأول

على ضوء ما ذكرنا، يتبين لنا بشكل جلي أن أول خلاف واختلاف بين المسلمين انصب، في جوهره وتفاصيله، على من ينبغي أن يتولى خلاف النبي، أو الرئاسة العامة للمسلمين بعد موت النبي، فبطون قريش ال‍ 23 ومن والاها من العرب والمرتزقة من الأعراب والمنافقين وقفوا صفاً واحداً، وجحدوا وجود نص من الشرع يحدد بشكل قاطع المسلم الذي ينبغي أن يتولى خلافة النبي أو الرئاسة العامة للمسلمين بعد موت النبي. وإن تعذر على هذا الفريق إنكار نص من النصوص فإن فقهاءه تأولوا هذا النص وأخرجوه عن معناه حتى تكونت قناعة عامة بانعدام وجوده.

وشكل هذا الفريق أكثرية ساحقة في المجتمع الإسلامي. وهو يرمي إلى أن رئيس المسلمين هو الذي يستقيم له الأمر وتقبل به الأكثرية كائناً من كان. وكان رأيهم الأول أن الرئاسة حق لبطون قريش لأنها عشيرة النبي، ولموقعها المتميز عند العرب. وفي ما بعد لم تر بطون قريش حرجاً في أن يتولى الرئاسة العامة أي رجل من هذا الفريق، حتى لو كان من الموالي، فمهندس هذه النظرية عمر بن الخطاب قال بملء فيه: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته واستخلفته). وسالم هذا من الموالي ولا يعرف له نسب في العرب!! وهذا هو المهندس نفسه الذي قال في سقيفة بني ساعدة: (من ينازعنا سلطان محمد ونحن أهله وعشيرته إلا مدل بباطل)! وفي ما بعد صارت الخلافة أو الرئاسة العامة حقاً خالصاً لمن غلب، مهما كان مستوى دينه أو خلقه أو علمه، فقد يكون طليقاً كمعاوية، أو ملعوناً كمروان بن الحكم أو فاجراً خليعاً مستهتراً كيزيد بن معاوية أو الوليد الذي فرق القرآن علناً!

أما الفريق الثاني من المسلمين فيتكون من أهل بيت النبوة خاصة، والهاشميين وبني المطلب والقلة التي والتهم عامة، وهو فريق قليل العدد، وقد


236

رأى أن رسول الله استخلف علياً بن أبي طالب ونص عليه إماماً وولياً وخليفة ومرجعاً وقائداً للمسلمين ورئيساً لهم من بعده وأن الخلافة منحصرة بالأئمة بذرية النبي من صلب علي، وأن الله تعالى قد أعد هؤلاء الأئمة وأهلهم ليكون كل واحد منهم هو الأعلم والأفهم والأتقى والأقرب وأفضل الموجودين في زمانه، بحيث يكون مؤهلاً للقيام بالوظائف التي كان يقوم بها النبي حال حياته، لأن منصب الرئاسة العامة منصب (إلهي) من جميع الوجوه، ولا يعلم بتوافر صفات الأعلم والأفهم والأتقى والأفضل إلا الله تعالى. ومن هنا أمر الله رسوله بأن يعلن للمسلمين اختياره تعالى للأئمة من بعد النبي.

نقاش مقولة موت الرسول من دون أن يستخلف!

أصر الفريق الأول (بطون قريش ومن والاها) على أن الرسول قد انتقل إلى جوار ربه ولم يستخلف. وعند ما قبض رجالات البطون على السلطة استخلفوا، فلم يمت خليفة من خلفائهم قط إلا واستخلف لأنهم قدروا - وهم على حق - أن موت الحاكم أو الرئيس العام من دون أن يحدد من سيخلفه تفريط وتضييع للأمانة على حد تعبير عبد الله بن عمر، وترك الأمة هملاً وعرضة للفتن على حد تعبير أم المؤمنين عائشة! وتلك شهادة منهم على أنفسهم وحجة للفريق الثاني، لأن الرسول أبعد نظراً وأعرف بعواقب الأمور منهم، ومن المستحيل ألا يدرك ما أدركوه! وكل هذا يعني أن الرسول قد استخلف بالفعل ولم يترك أمته من دون راع كما زعموا! ثم إن الرئاسة العامة للمسلمين من بعد وفاة النبي هي الأهم، لأنها الراعية والمرشدة لمسيرتي الدعوة والدولة الإسلامية وعدم بيان الرئيس العام للمسلمين من بعد وفاة النبي يناقض تماماً كمال الدين وتمام النعمة الثابت بالنص وبالروح العامة للشريعة وبمقتضيات الإيمان.

انتصار الفريق الأول

بالكثرة والقوة والتغلب والقهر فرض المنتصرون من بطون قريش وحلفائها اجتهادهم ورأيهم على الدين، وعلى أهل بيت النبوة، وعلى الأمة وصارت البطون هي الحاكمة والحكم في الوقت نفسه، وقامت دولتها لتخلف دولة النبي،


237

فسخرت جميع موارد الدولة لإقناع الناس بوجهة نظرها وصوابها، وإرغام أنوف أهل بيت النبوة ومن والاهم وعزلهم، وتنفير الناس منهم، والتشكيك بسلامة نواياهم وتوجهاتهم، ومعاملتهم كشاقين لعصا الطاعة، وخارجين على الجماعة المسلمة!

وإذا خفت حدة هجوم البطون على أهل بيت النبوة في حين من الدهر فإن هجومها على مواليهم طوال تاريخ الخلافة لم يعرف المهادنة أو التراجع! لأن قيادتها أدركت أنها قد غصبت أمر المسلمين ورئاستهم، وأنها بالذات لم تقنع بحججها! ولأن أهل البيت وشيعتهم هم شهود على هذا الغصب والاستيلاء بالقوة، ولأن وجود حزب مع أهل بيت النبوة وإن كان قليلاً سيكبر ذات يوم ويشكل خطراً على البطون وسلطتها! لذلك اعتبرت دولة البطون شيعة أهل بيت النبوة العدو الرئيسي وتعاملت معهم على هذا الأساس وسخرت كل موارد الدولة لإقناع الأكثرية الساحقة من رعيتها بأنهم العدو اللدود للمجتمع والدين! وجعلت هذا التوجه عنواناً لمناهجها التربوية والتعليمية التي فرضتها على الناس بالقوة.

وبعد سقوط دولة الخلافة، صارت هذه المناهج تركة، وجزءاً من عقيدة الأولين فتبتها الأكثرية الساحقة من المسلمين من دون تدقيق ولا تمحيص واستبعدوا أن يجمع الخلفاء وأولياؤهم على هذا الكيد العظيم.

طلب التوقف عن خلط الأوراق

1 - فصل الدين عن التاريخ:

تعني الخلافة التاريخية ذلك النظام الذي ساد بصور مختلفة وحكم الأمة الإسلامية بعيد وفاة النبي إلى اللحظة التي سقط فيها عرش آخر سلاطين بني عثمان، وبسقوطه سقط نظام الخلافة التاريخي. ووجه الخلط في هذا الموضوع أن شيعة الخلفاء يعدون نظام الخلافة التاريخي الموصوف آنفاً النظام السياسي الإسلامي الذي أنزله الله على عبده، وهم يطالبون بعودته بوصفه يمثل الإسلام السياسي مع أن النظام السياسي الذي أنزله الله على عبده وطبقه نبيه سابق بوجوده لنظام الخلافة التاريخي، ونظام الإسلام الذي طبقه النبي هو الأصل، بينما نظام


238

الخلافة هو الفرع. ولكن شيعة الخلفاء يأخذون بالفرع ويتركون الأصل ويتجاهلون عملياً عصر النبوة بالكامل ويقصرون دور هذا العصر ونظامه على إثبات شرعية الخلافة التاريخية ويصرون على تقديمها للناس على أساس أنها نظام الإسلام الأوحد لذلك تراهم يسوقون الدين والتاريخ معاً، فإما أن تقبل الاثنين معاً فتصبح مؤمناً أو ترفض الاثنين معاً فتصبح كافراً أو فاسقاً أو مذنباً. مع أن الدين من الله سبحانه وتعالى، بينما نظام الخلافة من الخلفاء وأركان دولتهم أو على الأقل من فهم الخلفاء وأركان دولتهم. والدين صراط الله المستقيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بينما نظام الخلافة هو طريق رسمه الخلفاء وأعوانهم، وهم بشر يصيبون وقد يخطئون.

والخلاصة أنه قد آن الأوان لفصل الدين عن التاريخ. فالدين نظام إلهي قائم بذاته وقواعده منزلة عند الله. والخلافة أو التاريخ واقع صنعه الخلفاء، فإذا سمينا الأمور بأسمائها سلكنا طريق الوحدة، وقمنا بالخطوة لتقديم الإسلام للعالم ليحل مشكلاته المستعصية بنور الإسلام وهداه.

2 - فصل الفهم عن النص:

كما مزجت شيعة الخلفاء الخلافة بالدين وسوقت الاثنين معاً ; كذلك مزجت هذه الشيعة النصوص الإلهية بفهمها لتلك النصوص وسوقت الاثنين معاً وعدتهما وجهين لعملة واحدة، فإما أن تقبلهما معاً فتصبح مؤمناً أو ترفضهما معاً فتصبح كافراً أو فاسقاً. وهكذا جعلوا من أنفسهم أوصياء على دين الله ورفعوا، بغير مسوغ شرعي، فهمهم للنص إلى مستوى النص. وبما أن شيعة الخلفاء هم الأكثرية الوارثة لتلك المفاهيم فإنهم يفرضون المساواة والخلط بين نصوص القواعد الشرعية وبين فهمهم لهذه النصوص. فمن قبل هذا الخلط وتلك المساواة بين ما أنزله الخالق وبين ما وضعه المخلوق فهو المؤمن العاقل، ومن رفضها حكمت عليه الأكثرية بالمروق والرفض والفسوق والكفر! إنه الإرهاب الفكري في أجلى معانيه، وقد طبق بصراحة متناهية طوال عهود الخلافة التاريخية.

والخطوة الثانية على طريق وحدة المسلمين تكون بفصل النص الذي أنزله


239

الله على عبده وتولى هذا العبد الكريم بيانه عن فهم الناس له. فالنص الإلهي ثابت ومقدس، وفهم الناس له يتبدل ويتغير ويختلف من فرد إلى فرد، وهو غير مقدس وخاضع للمناقشة. والإصرار على اعتبار فهم خلفاء التاريخ للنصوص جزءاً من النصوص، ووجهاً من وجوه الدين هو تكريس لفرقة المسلمين وعائق والعوائق التي تحول بين الجنس البشري وبين الاستفادة من هذا الدين الحنيف. ففهم شيعة الخلفاء للنصوص، وفهم غيرهم ليست غير محاولة لفهم المقصود الشرعي وقربها أو بعدها من هذا المقصود هو الذي يحدد قيمتها!

3 - الاعتراف بالقيادة والمرجعية الإلهية:

بناء على إجماع أهل بيت النبوة، وإجماعهم حجة، وبناء على ما توصل إليه الباحثون المنصفون من علماء شيعة الخلفاء، فإن الله، سبحانه وتعالى، لم يترك الناس سدى، إنما أكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمه وألزمهم بالثقلين من بعد النبي: كتاب الله وعترة النبي أهل بيته. وبين الرسول، بأمر من ربه، أن الهدي لن يدرك إلا بالتمسك بهذين الثقلين وأن الضلالة لا يمكن تجنبهما إلا بالتمسك بهذين الثقلين معاً. وهذا قمة الوضوح والإلزام، لقد اختار الله أهل بيت نبيه لهذه المنزلة المميزة فأهلهم وأعدهم لذلك وجعلهم أمناء على الدين والدنيا من بعد النبي، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فهم الأبناء والأنفس، الذين أشارت إليهم آية مباهلة، وفرض مودتهم على العباد فكانوا هم الآل الكرام الذين لا تصح صلاة أحد قط إن لم يصل عليهم، ووصفهم النبي بسفينة نوح، وبنجوم الهدى، وحدد مكانهم في الأمة بمكانة الرأس من الجسد والعينين من الرأس، ولم يخل زمان قط من أهل بيت النبوة ولا ينبغي أن تخلو الأرض منهم.

وشيعة الخلفاء يتعبدون بروايات رواها مجاهيل وخلفاء، وأناس عاشروا النبي وصاحبوه قليلاً بحجة أنهم صحابة، فلماذا ترفض هذه الشيعة روايات أهل بيت النبوة ومن والاهم، وتشك بها مع أنهم، على الأقل، صحابة. لقد صحب أهل بيت النبوة رسول الله وعاشوا معه، وهم أطفال، وتتلمذوا على يديه وسكنوا وإياه طوال حياته المباركة تحت سقف واحد، ونهلوا علم النبوة ودعوه فلماذا


240

تتعبدون بروايات غيرهم بحجة الصحبة وتقتدون به بحجة الصحبة، وتتركون أهل بيت النبوة وهم سادات الصحابة، وتاج القرابة، إن هذا لأمر عجاب!

4 - لم الإعراض عن قيادة أهل بيت النبوة؟

لقد رفضت بطون قريش قيادة أهل بيت النبوة حسداً للبطن الهاشمي، ولأن أهل بيت النبوة والهاشميين قتلوا سادات بطون قريش على الإسلام فهل تحسدون أنتم أيضاً أهل بين النبوة!؟ وهل قتلوا ساداتكم على الإسلام؟

كانت بطون قريش مستعدة لأن تبايع رجلاً من الأنصار أو من الموالي وتقبل بقيادته، ولكنها كانت مستعدة للقتال لتحول بين أهل بيت النبوة وبين حقهم بالقيادة! وأنتم تحذون الآن حذو بطون قريش! كانت بطون قريش تقدم كل متأخر على أهل بيت النبوة وتنفخ كل أجوف لتقدمه عليهم وأنتم الآن تفعلون الأمر نفسه، لماذا؟ اقتداء بخلفاء البطون!؟ الله ورسوله قدما أهل بيت النبوة وبطون قريش وخلفاؤها أخروهم، فبأي منطق تتركون الله ورسوله وتقتدون ببطون قريش وخلفائها؟ بئس للظالمين بدلاً! لو كان أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد ومروان بن الحكم وذريته التي لعنها الله ورسوله أحياء لما لمناكم لو تركتم أهل بيت النبوة واتبعتم أبناء البطون وقادتها. ولو كان أحفادهم أحياء لما لمناكم لو اتبعتم أحفاد قادة البطون وتركتم سادات أهل بيت النبوة وأبناء النبي وأحفاده! أنتم ترقصون لأي قائد يظهر على الساحة وتقتدون بهم وتديرون ظهوركم وتتجاهلون بالكامل قادة أهل بيت النبوة وعلماءهم!! وتعادون عداء صارخاً كل من يذكر أهل بيت النبوة بخير أو يواليهم! عجيبة هذه المشاعر! كيف تفلحون وأنتم تسيرون في الخط المعارض لله ولرسوله؟! فهل يمكنكم أن تتخلوا عن مشاعركم نحو أهل بيت النبوة وتقدموهم كما قدمهم الله ورسوله؟! خاصة وأن معاوية بن أبي سفيان قد مات وهو تراب الآن وليست هنالك خشية من أن يعاقبكم ولا يملك أن يمحوا اسم أي واحد منكم من ديوان العطاء، أو يجرده من حقوقه المدينة فلا يقبل شهادته أو يقتله ويهدم داره بجرم محبة أهل بيت النبوة وموالاتهم! أو يفرض عليكم لعن علي بن أبي طالب بالعشي والإبكار! لو كان معاوية حياً لما لمتكم!. ولكن قد هلك، فما


241

هو مسوغ مواقفكم السلبية من أهل بيت النبوة؟ لو كان يزيد بن معاوية حياً وقد أرسل الجيش الإسلامي لقتل ابن الرسول وأحفاد الرسول وأبناء عمومة الرسول في كربلاء وجندلهم كالضحايا وأنتم تتفرجون لما لمناكم، ولقلنا إن أمير المؤمنين يزيد على رأس الجيش الإسلامي العرموم ولا طاقة لكم به، ولا تثريب عليكم لو تفرجتم على يزيد وهو يذبح أولاد محمد رسول الله وبني عمومته كما يذبح الأضاحي! ولكن يزيد قد مات وهلك وهو تراب الآن! هل شبح الرعب والخوف مقيم في نفوسكم؟ أليست هنالك إمكانية لطرد هذه الأشباح من نفوسكم؟ فإذا أردتم وحدة المسلمين حقاً فقد آن الأوان لوضع أهل بيت النبوة في المكان الذي وضعهم الله به وتسليمهم القيادة وإعطائهم القيادة ليجمعوكم على الحق بعد طول فرقة، وليوصلوكم إلى شاطئ النجاة بعد أن ينقذوكم من الغرق. وقد آن الأوان لتتوقفوا عن الحقد على من والى أهل بيت النبوة وعن الموت والهلاك حباً لمن عاداهم، فإن فعلتم ذلك فقد اهتديتم، وإن أبيتم، فعليكم وزر الذين أظللتم عن ذكر الله الحقيقي.


242


243

الفصل الثاني

منهاج دولة البطون التربوي والتعليمي

أسس المنهاج المخترع

إخترعت دولة بطون قريش منهاجاً تربوياً وتعليمياً يقوم على إنكار كل فضيلة لأهل بيت النبوة، وتسويتهم بعامة الناس، وعزلهم عن الأمة وعزل الأمة عنهم، وتنفير الناس منهم، ومحاصرة من يواليهم ومطاردته، والإلقاء في روع العامة أنهم، ومن يواليهم، الخطر الحقيقي الذي يهدد وحدة الأمة ويزعزع دينها واستقرارها ويقوم هذا المنهاج على اختراع مرجعيات بديلة لتحل محل المرجعية الإلهية المتمثلة بأهل بيت النبوة.

وحشدت دولة البطون وخلفاؤها وأولياؤها آلاف الرواة، وأغدقت عليهم العطايا والهبات ليرووا لها روايات عن رسول الله تؤيد هذا المنهاج التربوي والتعليمي الذي اخترعته. ونتيجة هذا الجهد جمعت مئات الآلاف من هذه الروايات، فوثقتها وكتبتها في الوقت الذي كانت فيه رواية أحاديث الرسول وكتابتها محظورتين.

وجعلت دولة البطون من هذا التوجه ومن تلك الروايات، المختلفة في أكثرها، منهاجاً تربوياً وتعليمياً فرضته على الأمة، وألزمتها بحفظه واستيعابه والعمل به. وصار الإيمان به واتباعه مقياس الخطوة عند الخلفاء. وقد سخرت البطون ودولتها جميع موارد الدولة ونفوذها وإعلامها وطاقاتها لترسيخ هذا المنهاج وتثبيته. وخلال عشرات السنين عملت الأمة به، وتقدم المتقدمون بموجبه ثم ماتت الأجيال، وتوارثته الأجيال اللاحقة وألقي في روع الأجيال اللاحقة أنه ثمرة إجماع الأمة، فعضت عليه بالنواجذ وتمسكت به ظانة أنه الحق المبين! وعدته مقياساً لما يعرض عليها من فكر وعلم وثقافة، فما وافقه هو الحق، وما خالفه هو الباطل الصراح!

ومن أبرز معالم ذلك المنهاج اعتبار خلفاء دولة البطون وأولياءهم حائزين للحق والحقيقة وممثلين شرعيين للأمة المسلمة وما عداهم أهل ضلالة وبدعة.

وخلال الصراع الطويل بين الحق وبين هذا المنهاج انقسمت الأمة إلى قسمين:


244

1 - الخلفاء وأولياؤهم، وهم شيعة البطون أو أهل السنة.

2 - أهل بيت النبوة وأولياؤهم، وهم شيعة أهل البيت أو الشيعة إطلاقاً.

وحسب المنهاج التربوي والتعليمي الذي غذت دولة البطون عامة الأمة به، فإن الخلفاء وأولياءهم، ومن سار على دربهم، هم المهتدون، وهم الفئة الناجية، وهم أهل الوفاق والاتفاق، وهم أصحاب الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون!

أما أهل بيت النبوة ومن شايعهم (أهل الشيعة) فهم شذاذ ومذاهبهم مبتدعة لا أصل لها في الدين، ولا في العقل.

وفي الفصل الذي عقده ابن خلدون لعلم الفقه وتناول فيه المذاهب الإسلامية، عبر عن حقيقة هذا الاعتقاد بقوله حرفياً: (وشذ أهل بيت النبوة بمذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به، بنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمة ورفع الخلاف عن أقوالهم وهي كلها أصول واهية. وشذ بمثل ذلك الخوارج، ولم يحفل الجمهور بمذاهبهم، بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح) (1). فأهل بيت النبوة ومن شايعهم شواذ كالخوارج عند ابن خلدون وكل مذاهبهم مبتدعة، وكافة الأصول التي بنيت عليها تلك المذاهب واهية! هذا كلام ابن خلدون وتلك شهادته وهي تعبر عن حقيقة اعتقاد الخلفاء وشيعتهم بعقيدة أهل بيت النبوة وشيعتهم! وربما وصل ابن خلدون إلى مرتبة علمية عالية، وأحيطت مؤلفاته بعناية أعلام دولة البطون بسبب عقيدته تلك بأهل بيت النبوة ومن شايعهم! وإذا كانت هذه حقيقة نظرة كبار علماء شيعة دولة البطون فكيف تكون بربك حقيقة نظرة العامة منهم؟ وإنها بعض الآثار المدمرة للمنهاج التربوي والتعليمي الذي فرضته دولة الخلافة ورعته!

وبعد أن خفت قبضة دولة البطون، وترعرعت نباتات شوك برنامجها التربوي والتعليمي، وصارت عادة ومعتقداً لدى الرعية، وبعد أن كشف النقاب عن

(1) مقدمة ابن خلدون، بيروت الأعلمي، ص 446.


245

بعض فضائل أهل بيت النبوة، وعرفها العامة والخاصة، صار الدفاع عن معتقد شيعة الخلفاء في أهل بيت النبوة وشيعتهم من أصعب الأمور. لذلك فصل علماء شيعة الخلفاء أهل بيت النبوة عن شيعتهم، فقالوا بفضائلهم بألسنتهم، وبقيت عقيدتهم بشيعتهم كما هي، بمعنى أنهم أعلنوا احترامهم ومحبتهم لأهل البيت من دون تفصيل، وأبقوا حقدهم وكراهيتهم لشيعتهم ولكافة معتقداتها تلك أمر ثمرات المنهاج الذي ألقى أجرانه في النفوس عبر تاريخ تلك الدولة! وكخطوة على طريق وحدة المسلمين يتوجب على شيعة الخلفاء ومن دون إبطاء إعادة دراسة هذا المنهاج وتطهير النفوس من كراهية أهل بيت النبوة وشيعتهم، والاستفادة من علومهم ومن تجربة شيعتهم. ويتوجب الاقتناع بأن مذهبهم على الأقل مذهب إسلامي شأنه شأن مذهب أبي حنيفة والشافعي وغيره وأن شيعتهم فرقة مسلمة كغيرها من الفرق الإسلامية، وأن الاختلاف بالرأي والنظرة الفقهية لا يوجب إدخال الجحيم! فأي منصف وعاقل في الدنيا كلها يمكن أن يصدق ابن خلدون بأن أهل بيت النبوة شذاذ ومبتدعة، وأن مذهبهم مخترع وأصله واه. في الوقت الذي يؤكد فيه النبي بإجماع شيعة الخلفاء أن أهل بيت النبوة هم أحد الثقلين، وأن الهدى لا يدرك إلا بهما والضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالاثنين معاً، وأن أهل بيت النبوة في الأمة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وأنهم نجوم الهدى حزبهم حزب الله، وأعداؤهم حزب الشيطان! إن أي عاقل يرى أن ابن خلدون وشيعة الخلفاء باعتقادهم هذا يضعون أنفسهم في موضع المعارض والمعاند لله ولرسوله! نحن لا نطلب من شيعة الخلفاء أن يعتقدوا بتميز أهل بيت النبوة وصدق مواليهم، ولكننا نطالبهم بأن يعدوا أهل بيت النبوة وشيعتهم على الأقل من المسلمين الذين يخالفونهم في الاجتهاد. وهذا مطلب بسيط يعد خطوة أولى في طريق تحقيق وحدة المسلمين.

الحكم والمعارضة

عظمة نظام الحكم - أي حكم - تقاس بموقفه من المعارضة، فكلما اتسع صدر النظام لها سما قدره وتألق نجمه. وهذه القاعدة تنطبق على أنظمة الحكم


246

الإلهية والوضعية على السواء. فعندما تسلم رسول الله قيادة دولة الإيمان عاشت المعارضة أسعد أيامها. فعبد الله بن أبي، زعيم المنافقين، يعلن نواياه بكل حرية وصراحة، فيقول: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، وهو يقصد نفسه بكلمة الأعز، ويقصد رسول الله بكلمة الأذل! فماذا فعل به الرسول، وبماذا عاقبة؟ لقد اقتصر رد فعل الرسول على توبيخ ابن أبي ورهطه من دون الإشارة إليهم بأسمائهم حتى لا يحرجهم ولا يغلق أمامهم درب الرجوع إلى الصواب، إنما توعد المنافقين إن مضوا في غيهم، ووبختهم على سوء نواياها! هذا نموذج لتعامل نظام حكم النبوة مع المعارضة الموسومة إلهياً بالنفاق!

في صلح الحديبية، وبتوجيه إلهي، خطوة بعد خطوة، عقد النبي صلحاً مع بطون قريش بعد مقاومة وقطيعة وحرب دموية دامت 21 عاماً، وحقق الرسول بهذا الصلح كل ما حارب من أجله، وما كان يطمع بتحقيقه، وكان الصلح كما وصفه الله تعالى فتحاً مبيناً، إلا أن هذا الفتح المبين لم يرق لعمر بن الخطاب، واعتبره (دنية في الدين) واستعمل جميع الأساليب لتخريب الصلح وإلغاء المعاهدة ولكن جهوده باءت بالفشل، وأتم الله كلماته. ولما عجز عمر عن تحقيق ما أراد، صرح علناً وعلى مسمع من الرسول بأنه لو وجد شيعة تناصره لما (أعطى الدنية في دينه)!، ولألغى بالقوة الصلح الذي أمر الله رسوله بتوقيعه وإبرامه! وهذا عمر نفسه الذي كلفه الرسول بأن ينقل رسالة شفهية إلى بطون قريش، قبل الصلح، فاعتذر وقال للرسول: إني أخشى قريشاً على نفسي وليس لي فيها من يحميني! ماذا فعل الرسول للمعارض الذي توعد باستعمال القوة وبماذا عاقبة؟ لقد قال له الرسول:

(إني عبد الله ورسوله ولن يضيعني). ولما توالت حملاته الكلامية ذكره الرسول بفرار المسلمين يوم معركة أحد، ولم يقل له: أنت فررت في ذلك اليوم. علماً أنه فر وحاول أن يرتب الأمور مع عبد الله بن أبي ليتوسط له عند أبي سفيان حتى لا يقتله! هذا كل ما فعله الرسول مع المعارضة الموسومة بوسم الإسلام (1).

(1) راجع المغازي للواقدي - صلح الحديبية، وكتابنا المواجهة.


247

وماذا فعل الرسول بالمسلمين الذين تأمروا على قتله بعد عودته من غزوة تبوك؟ وماذا فعل ببطون قريش عندما دخل عاصمة الشرك فاتحاً؟ وماذا فعل لعمر بن الخطاب وزعماء بطون قريش عندما دخلوا عليه داره وحالوا بينه وبين كتابة ما يريد، وقالوا له: أنت تهجر ولا حاجة لنا بوصيتك، لأن القرآن يكفينا؟ هذه بعض مواقف نظام حكم النبي من المعارضة (1).

وماذا فعل الإمام علي بالخوارج؟ كانوا يشتمونه ويتهمونه بالكفر، ويتحرشون به. وكان أصحاب الإمام يتميزون غضباً من تصرفاتهم، ولكن الإمام اتسع بهم، وأمر أصحابه بأن يتركوهم ليقولوا ما يشاؤون، حتى إذا أفسدوا في الأرض أو قاتلوا تحرك الإمام ليوقف فسادهم، وليضع حداً لقتالهم. لهم يقاتلهم لأنهم يعارضونه، إنما قاتلهم لأنهم تجاوزوا منطق المعارضة إلى منطق الإفساد، لم يحاربهم انتقاماً إنما حاربهم استصلاحاً لهم. وماذا فعل الإمام علي بعائشة وطلحة والزبير؟ لقد أعاد عائشة معززة مكرمة وحتى لا يردعها أمر النساء بأن تلبس لباس العسكر وترافق أم المؤمنين الخارجة عليه إلى مقر إقامتها في المدينة، وأرسل معها أخاها محمداً بن أبي بكر! وماذا فعل الإمام علي للأمويين الذين انخرطوا في جيش عائشة وطلحة والزبير، ألم يكن مروان بن الحكم أحد قادة هذا الجيش؟ لقد تركه الإمام وعاش مروان حتى تسلم الخلافة وجعلها ملكاً له ولعقبه من بعده!

هذه مواقف من دولة الإيمان مع المعارضة، وصور تعامل الحكم الإسلامي معها.

موقف خلفاء البطون من المعارضة

بالقوة والتغلب والقهر قبضت بطون قريش وحلفاؤها على منصب الخلافة وكان النبي على فراش الموت، وطلبت من الناس أن يبايعوا الخليفة الذي اختارته البطون. لم يكن أمام الناس من خيار سوى المبايعة أو الموت! إما المبايعة أو غضب السلطة وجبروتها لما علم الإمام علي بما فعلت البطون احتج عليهم بالدين

(1) وقد وثقنا ذلك في كتابنا المواجهة.


248

والمنطق واللسان فقال: (نحن أولى بالنبي حياً وميتاً، لقد احتججتم على الأنصار بالقرابة من رسول الله وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار؟! فماذا كان جواب البطون؟ قالوا: بايع. فقال: إن لم أفعل فمه؟ قالوا: إذاً والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك؟ فدهش الإمام، وقال: تقتلون عبد الله وأخا رسوله؟

فكرروا تهديدهم. فالتحق الإمام بقبر النبي شاكياً بشكوى هارون: ﴿قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني [ الأعراف / 150 ]. والتحق الإمام علي ببيته، وبينما كان يجلس ومعه زوجته، ابنة النبي فاطمة الزهراء، وابناه، سبطا النبي الحسن والحسين، فوجئوا بسرية من جيش الخليفة تحيط بالبيت المبارك إحاطة السوار بالمعصم وتجمع الحطب لتحرقه على من فيه وهم أحياء! وفيه علي ولي الله بالنص! وفيه فاطمة سيد نساء العالمين بالنص! وفيه الحسن والحسين سبطا النبي والإمامان وسيدا شباب أهل الجنة بالنص!

وصاح عمر بن الخطاب: اخرجوا وبايعوا وإلا حرقنا عليكم داركم! إذا كانت هذه هي معاملة دولة البطون لابن عم النبي ولابنته ولسبطيه فكيف تكون معاملتها للأشخاص العاديين من المسلمين!؟ إذا كانت هذه هي معاملتها للمعارضة في العصر الذهبي فكيف تكون معاملتها للمعارضة في عصرها الحجري!؟ أين سعد بن عبادة؟ ومن قتله؟ أين مالك بن نويرة؟ ومن قتله؟ أليس سعد هو سيد الخزرج وحامل لواء الأنصار في كل زحف؟ أليس هو الصحابي الجليل الذي لم يخذل رسول الله قط؟ أليس مالك بن نويرة هو الأمير الذي عينه الرسول على قومه، ومات هو على إمارته وهو الصحابي الجليل؟ لماذا قتل سعد، ولماذا قتل مالك؟ قتلا لأنهما معارضة تلكأت عن بيعة خليفة البطون! وفي عهد معاوية فرض على رعيته مسبة علي بن أبي طالب وحكم بالموت وهدم دار من أحبه أو والاه، وفي عهد يزيد ابنه هدم الكعبة التي التجأت إليها المعارضة، وفي زمن المتوكل على الله حرم على الناس أن يعينوا أهل بيت محمد، وحرم على أهل بيت محمد أن يتسولوا. يريدهم أن يموتوا جوعاً لأنهم معارضة. وأعظم من ذلك فإن الخليفة المتوكل هدم ضريح الحسين لأنه معارضة!


249

الحكم والمعارضة في الأنظمة الرأسمالية

في النظام الرأسمالي تقف المعارضة على قدم المساواة مع الحكم. صحيح أن الأكثرية تحكم والأقلية تعارض، لكن حق المعارضة حق دستوري ثابت لا يملك الحكم مصادرته، بمعنى أن الأنظمة الرأسمالية والتحررية تحترم المعارضة، وتصغي لقولها، وتتقبل انتقاداتها، فمطلب الحكم هو الوقوف على الحقيقة، وقد تكون الحقيقة مع المعارضة، لذلك وجدت منابر للحكم، ومنابر للمعارضة وصحف للحكم وصحف للمعارضة، فالمعارضة واجب وطني يهدف إلى تسليط الضوء على عمل الحكم أو السلطة ليبقى هذا العمل في إطار الشرعية الوضعية والمشروعية بمعنى أن المعارضة ليست جرماً، والمعارضون ليسوا أشراراً، فكما يتسلح الحكم بالمشروعية الدستورية والقانون فإن المعارضة تتسلح بالسلاح نفسه، وكما يسمع الشعب أو الأمة رأي السلطة وصوتها يسمع رأي المعارضة وصوتها، وهذا حق للسلطة وللمعارضة وللشعب. وبعد أن يسمع الشعب هذه الآراء والأصوات يحكم عليها وفق مقاييس القانون السائد أو العقل أو المنطق ولا يملك أحد أن يتهم الآخر بالكفر أو الزندقة أو الخيانة... الخ لأن الأصل أن المعارضة والحكم يبحثان عن الأصوب والأقوم، ويخدمان أمة واحدة ويجتهدان في نصحها وخدمتها!

السؤال المطروح على شيعة الخلفاء

إذا كان عسيراً عليكم أن تقتدوا برسول الله، وتلتزموا بالأحكام الشرعية التي تنظم العلاقة بين الحكم والمعارضة وتعالج الاختلاف في الرأي بين أتباع الدين الواحد فهل يمكن أن تتعلموا بعض أخلاقيات الأنظمة الرأسمالية والديمقراطية المعاصرة والتي تسمونها أنظمة كفر؟ إن التزمتم الأحكام الشرعية أو تعلمتم تقاليد الأنظمة الديمقراطية يكن واجباً عليكم أن تعاملوا أهل بيت النبوة وشيعتهم معاملة أخوة لكم في الدين اختلفوا معكم بالرأي! فإذا أردتم وحدة المسلمين حقاً فلنعد نظام الخلافة التاريخي كان حكماً وسلطة وأن أهل بيت النبوة كانوا معارضة، وأن الحكم والمعارضة قد اختلفوا في الاجتهاد، فالاختلاف المعارضة مع حكم الخلفاء


250

لا يعني أن المعارضة رافضة كافرة أو فاسقة.. الخ. من تلك الأوصاف التي تلصقونها بهم في حالات غضبكم ورضاكم! كأنكم تفعلون ذلك ليرضى عنكم الخلفاء، ولتضمنوا استمرار الرزق والعطاء!

إن الخلفاء قد ماتوا جميعاً، وأن نظام الخلافة كله قد سقط وانتهى وأنتم في عصر جديد! نرجوكم، أيها السادة، استفيقوا على هذه الحقائق، ولكن إن سقط نظام الخلافة فإن الدين لم ولن يسقط بإذن الله لأنه دين الله، وليس مرتبطاً بأشخاص الخلفاء، ولا بنظام الخلافة فهو سابق للخلفاء، وسابق لنظامهم، وهو دين الله وصراطه المستقيم، ومهمة المسلمين أن يتحدوا ويوحدوا جهودهم ويعتصموا بالله، ويقدموا هذا الدين للعالم كحل أوحد لمشكلاته، بالحكمة والبرهان والموعظة الحسنة. وإذا نجحنا بأخوتنا في ظلال هذا الدين فإن العالم كله سيدخل في دين الله، ويتم الوعد الحق بالاستخلاف الإلهي في الأرض.

نقطتا الارتكاز: القانون والقيادة

في مسيرة المسلمين لتحقيق الوحدة، ولمحاكاة النموذج الأمثل: دولة النبوة، نحتاج إلى ثقلين متكاملين لا غنى لأحدهما عن الآخر، وحتى نبتعد عن الظن الذي أوردنا موارد الهلاك والردى، وندخل في دائرة الجزم واليقين لا بد من الأخذ بهذين الثقلين، وهما: كتاب الله وبيان النبي لهذا الكتاب، هذا هو الثقل الأول والأساس الأول للوحدة والتوفيق، وهو بمثابة القانون النافذ أو المنظومة الحقوقية للأمة. وثاني الثقلين هو عترة النبي، أهل بيته، وهم بمثابة القيادة السياسية والمرجعية المؤهلة لهذا المنصب. لقد بين الرسول أن الأمة لن تدرك الهدى، ولن تتجنب الضلالة إلا إذا تمسكت بالثقلين معاً وعلى هذا أجمعت الأمة!

وقد أجمعت الأمة واتفقت على الثقل الأول، كتاب الله وبيان النبي لهذا الكتاب، فالخلفاء وشيعتهم وأهل بيت النبوة وشيعتهم متفقون تماماً على الثقل الأول. واختلفت الأمة في صدد الثقل الثاني فالخلفاء وشيعتهم لا يسلمون بحق أهل بيت النبوة في قيادة الأمة، ويرون أن ذلك حق خالص لبطون قريش فهم يريدون رجلاً منها لعدة أسباب: 1 - قول الرسول: الأئمة من قريش. 2 - لأن


251

قريشاً عشيرة النبي. وحجة الخلفاء وشيعتهم منقوضة لأن بني هاشم وأهل بيت النبوة بالذات هم ذؤابة قريش في الجاهلية والإسلام وهم أقرب للنبي من البطون وأولى منها به.

السبب الحقيقي لرفض شيعة الخلفاء قيادة أهل بيت النبوة!

تعتقد شيعة الخلفاء أنها إذا سلمت الآن بحق أهل بيت النبوة بقيادة الأمة فإنها ضمناً تعيب على الخلفاء وتخطئهم، وإذا كان خلفاء البطون على الخطأ فمعنى ذلك عدم شرعية حكمهم، ومعناه أن التاريخ السياسي الإسلامي قد انهار تماماً، وانهياره يعني انهيار كافة البنى والمعتقدات السياسية لشيعة خلفاء البطون! وبانهيار هذه المعتقدات السياسية ينهار الإسلام الذي ربطوه بالتاريخ وحرصوا على تسويق الاثنين معاً لأنهما - حسب قناعاتهم - وجهان لعملة واحدة! ثم كيف يقبلون أمراً رفضه خلفاء البطون، وهم من قريش وأقرباء الرسول؟! هذا هو السبب الحقيقي الذي يدعو شيعة الخلفاء لمقاومة قيادة أهل بيت النبوة! ومن جهة ثانية، فإنهم يخافون على مكتسباتهم فقد تولوا توجيه الأكثرية الساحقة من المجتمع الإسلامي على هدى المعتقدات السابقة، فإذا تبنوا قيادة أهل بيت النبوة للأمة فإن عليهم ترك مركز توجيه المجتمع! ومن جهة ثالثة فإنهم يخشون من الإقرار بوقوع آبائهم وأجدادهم بهذا الخطأ الشنيع والحكم بإدانتهم، والإنسان بفطرته يكره ما يدينه ويحب البراءة!

من القدوة والمثل الأعلى؟

تعتقد شيعة الخلفاء أن أفضل المسلمين، على الإطلاق، بعد النبي هم الخلفاء، وبالتحديد الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان، ثم ألحقوا بهم علياً بن أبي طالب بعد أن شتموه وسبوه وفرضوا ذلك على الرعية قرابة ألف شهر، ولم يدرج علي في قائمة (أفضل المسلمين) لا لأنه من أهل بيت النبوة! ولا لأنه مولى وولي من كان النبي وليه! ولا لأنه فارس الإسلام ومستودع علم النبوة! ولا لأنه ابن عم النبي ومن تربي في حجره أو زوج ابنته ووالد سبطيه!! كل ذلك لم يكن وارداً.


252

لكن علياً ألحق بقائمة (أفضل المسلمين) صار خليفة بمواصفات الخلفاء الثلاثة الأول أغلقت دائرة الفضل العليا. لذلك سموا مرحلة حكم هؤلاء الخلفاء الأربعة بالخلافة الراشدة. ما يعني ضمناً أن خلافة الخلفاء اللاحقين لم تكن راشدة. هذه حقيقة ما وصلوا إليه، وإن لم يصرحوا بعدم رشد الخلافة اللاحقة.

والخلاصة أن تصرفات الخلفاء وبخاصة الأول والثاني صارت بمثابة سوابق دستورية أو أعراف واجبة الإتباع، أو سنن تقف على قدم المساواة مع سنة الرسول! فولاية العهد سنها أبو بكر، فصارت سنة لكل الخلفاء، واختيار أو ترشيح سنة سنها عمر، وتقسيم الأموال بين الناس حسب منازلهم عند الخليفة سنة سنها عمر، وهي مناقضة لسنة الرسول الذي كان يوزع المال بين الناس بالسوية، فماتت سنة الرسول وعاشت سنة عمر وقد قالت شيعة الخلفاء إن هذا من قبيل الاجتهاد، فالرسول مجتهد وعمر مجتهد، ومن حق المجتهد أن يخالف مجتهداً آخر، وصلاة التراويح سنة سنها عمر ولم يسنها رسول الله، ومع هذا فشيعة الخلفاء تلتزم بها بدقة.

الاعتقاد بمرجعية جميع الصحابة

يعتقد شيعة الخلفاء أن الصحابة جميعاً، وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة الأول، مراجع من بعد النبي! بمعنى أن مراجع المسلمين من بعد النبي بعدد أفراد الصحابة، فإذا كان الصحابة مليون صحابي فمعنى ذلك أن المسلمين من بعد النبي مليون مرجع، وبوسع المسلم أن يأخذ أحكام دينه من أي مرجع منهم!! وبالتالي فإن أهل بيت النبوة ليسوا المرجع الوحيد، فما هم وفي أحسن الأحوال إلا بضعة عشر صحابياً من جملة مليون صحابي!

قال أبو حنيفة: (إن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه، فإذا اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة آخذ بقول من شئت وأدع من شئت...) (1).

وجاء في أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: (أن أصول الأحكام عند

(1) راجع أبا حنيفة للشيخ أبي زهرة ص 304، والإمام زيد لأبي زهرة ص 418.


253

الإمام أحمد خمسة: الأول النص، والثاني فتوى الصحابة، وأن الأحناف قد ذهبوا إلى تخصيص كتاب الله بعمل الصحابي لأن عمل الصحابي كقوله) (1).

عدالة الصحابة وقداستهم وطهارة أهل بيت النبوة

تعتقد شيعة الخلفاء أن كل من شاهد الرسول أو سمع منه أو جالسه عادل وصادق، ومن المستحيل أن يكذب أو يعصي أو يخطئ. قال ابن حجر العسقلاني، في ترجمة مروان: (إذا ثبتت صحبته لم يؤثر الطعن فيه). فكل طعن بأي صحابي على الإطلاق مردود لأنه محصن إلهياً ضد الطعن، ومن يطعن بأي صحابي لا يجوز للمسلمين مؤاكلته أو مشاربته، ولا يجوز لهم أن يدفنوه في مقابر المسلمين (2)! ومع أن أهل بيت النبوة صحابة، بالمعنى الذي يقصده الخلفاء وشيعتهم، فإنه، من الناحية العملية، لم تكن لصحبتهم قيمة تذكر. ولم تكن لرواياتهم قيمة خاصة تصل إلى مستوى قيمة روايات بقية الصحابة! إلا إذا كانت هذه الروايات تدعم هذا الخليفة أو ذاك، أو تسوغ بعض أعماله! حتى أن بعض الخلفاء لم يجدوا حرجاً ولا غضاضة في أن يفرضوا على الرعية مسبة عميد أهل بيت النبوة علي بن أبي طالب وتكذيبه ولعنه مع أنه - على الأقل - صحابي! ورأت الأكثرية الساحقة من الرعية أن من واجبها تنفيذ أمر الخليفة، وبالفعل لعنت الإمام علي بالعشي والإبكار، وبقيت ملتزمة بذلك حتى أمر عمر بن عبد العزيز بوقف ذلك. فباركت الرعية هذا القرار وعدته في غاية الحكمة!

موالاة الخلفاء وموالاة أهل بيت النبوة

صارت موالاة الخلفاء وأعوانهم واجباً مفروضاً على كل مسلم بحكم الدين، وذلك لأن الخليفة هو ولي الأمر واقعياً، ولا ينبغي أن يعلو على صوته صوت، أو أن يعكر الولاء له معكر! فكل الولاءات يتوجب أن تصب بالولاء للخليفة وأعوانه، وأن تمر من خلاله! وهذه القاعدة حاكمة على كل القواعد! ومن

(1) راجع المدخل إلى علم أصول الفقه للدواليبي.

(2) وقد عالجنا ذلك بتوسع في كتابنا نظرية عدالة الصحابة فارجع إليه إن شئت.


254

هنا لم يكن مشروعاً تولي أهل بيت النبوة وموالاتهم، واعتبر بعض الخلفاء هذا التولي والموالاة جريمة من جرائم الخيانة العظمى يعاقب مرتكبها بالموت حتى ولو كان صحابياً، فهذا حجر بن عدي وجماعته من كبار الصحابة، وهذا عمرو بن الحمق من شيوخ الصحابة، ومع هذا قتلهم الخليفة معاوية بتهمة موالاة أهل بيت النبوة! حتى أن حب أهل بيت النبوة كان من جرائم الخيانة العظمى، يعاقب مرتكبها بالموت، وهدم الدار وشطب الاسم من ديوان العطاء والأرزاق، تجريده من حقوقه المدنية! بحيث لا تقبل شهادة أبداً (1). وذلك في الوقت الذي كان يتمتع فيه موالي الخليفة ومحبيه بكل أنواع الحرية والنعيم! ففكرة عدالة الصحابة كانت ستاراً لإكفاء إناء أهل بيت النبوة، وللقضاء على منزلتهم الدينية، ولتمييع مرجعيتهم، وتجييرها للخليفة الغالب ولتوطيد سلطانه. ألم تر أن علياً بن أبي طالب كان صحابياً، ومع هذا كانت لعنته واجباً دينياً فرضه الخليفة على كل أفراد رعيته وجماعاتها! ثم قتل الصحابي علي! ألم يكن حجر بن عدي صحابياً ومن أجلاء الصحابة؟! ألم يكن أصحابه كذلك؟! ألم يكن عمرو بن الحمق صحابياً؟

لقد كانوا، ولكنهم قتلوا بجرم عدم موالاة الخليفة وموالاة آل محمد!

فمن لا يوالي الخليفة الغالب - أياً كان - (ليس له بر يقيه ولا بحر) ومصيره الموت حتى لو التجأ إلى الكعبة! ألم يهدم الخليفة يزيد بن معاوية الكعبة على رؤوس معارضيه الذين احتموا بها؟! ألم يهدم عبد الملك بن مروان الكعبة، أيضاً، على رؤوس الذين عارضوه واستجاروا بها؟! ألم يربط مسلم بن عقبة خيله في مسجد الرسول نفسه!؟ ألم يستبح مدينة الرسول ثلاثاً، ويولد جيشه ألف عذراء من غير زواج؟! ألم يختم أعناق الصحابة، ويأخذ منهم البيعة على أنهم خول وعبيد لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية؟! وهذا معنى أن الولاء للخليفة وعدم الولاء لغيره - أهل البيت أو سواهم - يشكل القاعدة الحاكمة بجميع القواعد النافذة في مجتمع دولة الخلافة. وأي مكانة مقدسة لا تنجي أياً كان، فلا شئ يمنع من سم الحسن سبط الرسول ومن قتل الحسين سبط الرسول، ومن قتل أبناء الرسول وأحفاده،

(1) وقد وثقنا ذلك في كتابنا المواجهة.


255

ومن سبي بنات الرسول، إذا وجد الظن بعدم موالاتهم أو خطرهم على نظام الخليفة! تلك حقائق من الوضوح بحيث يتعذر إنكارها أو الإعتذار عنها.

من الثقة عند الخلفاء؟

حجر بن عدي وأصحابه صحابة، وعمرو بن الحمق من الصحابة، ومن المفترض حسب القواعد التي وضعها الخلفاء وأعوانهم أن يكونوا عدولاً وثقة!

وأن يروي الناس عنهم أحكام دينهم. وسعد بن عبادة سيد الخزرج وحامل لواء الأنصار، في كل المواقع من سادات الصحابة، ومالك بن نويرة صحابي جليل وأحد الأمراء الذي عينهم النبي ومات النبي وهو على ولايته ومع هذا لا أحد من شيعة الخلفاء يروي عن هؤلاء الصحابة الكرام. لقد قتلوا جميعاً بجرم الخيانة العظمى - عدم موالاة الخليفة - أو بتعبير أدق: موالاة أهل بيت النبوة، لم يقتصر هذا الأمر على عهد الصحابة، فالإمام الشافعي كان يحب أهل بيت النبوة، ويتستر على هذا الحب، وعندما اكتشف ذلك بعض أئمة الجرح والتعديل قالوا: إن الشافعي ليس بثقة! قال ابن عبد البر: روينا عن محمد بن وضاح قال: سألت يحيى بن معن عن الشافعي فقال: (ليس بثقة). ويحيى بن معين هذا من كبار رجال الجرح والتعديل الذي اعتبر قوله بالرجال حجة قاطعة. قال يحيى بن معين أن سعيد بن خالد البجلي ثقة! فقال له بعض أصحابه: إن خالداً هذا من موالي أهل بيت النبوة وشيعتهم! فدهش يحيي بن معين وقال مستغرباً: (وشيعي ثقة)! فعلم الرجال لم يكن يعلم أن رجلاً من شيعة أهل بيت النبوة يمكن أن يكون ثقة! فكل قناعاته منصبة على أن كافة موالي أهل بيت النبوة غير ثقة! أما إذا كان الرجل يوالي الخلفاء فهو ثقة، فالوليد بن عقبة ثقة مع أنه الفاسق بنص القرآن، ومع أنه شارب للخمر، وقد صلى وهو سكران بإجماع المؤرخين! ومروان بن الحكم ثقة مع أنه الملعون ابن الملعون كما ذكر رسول الله! وعمر بن سعد بن أبي وقاص ثقة مع أنه قتل الحسين وأحفاد الرسول في كربلاء. وباختصار هم يروون ويعتمدون جميع الروايات التي يرويها الذين يوالون الخلفاء أو يقال إنهم من موالي الخلفاء ويروون عمن لا يعرف له حال، وعمن لا يعرف له عين، ولكنهم لا يروون عن أهل بيت


256

النبوة، أو عن أناس يوالون أهل البيت إلا إذا كانت هذه الروايات تخدم منهاجهم التربوي والتعليمي!

الطريقان الأيسر والأصعب واختيار الأصعب!

كان الإمام جعفر الصادق (ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (يقول: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله). كان يقول ذلك علناً وعلى رؤوس الأشهاد، وقد سماه أهل زمانه بالصادق لأنه لم يكذب قط! فمن الذي منع الخلفاء وعلماءهم من أن يأخذوا دينهم عن هذا الرجل الإمام طالما أن طريقه هو الطريق الموثوق والسهل! لكن الخلفاء كرهوا طريق أهل بيت النبوة وسلكوا الطريق الصعب، فقالوا عن فلان من أهل البادية، عن علامة من أهل مكة، عن زيد من الطائف، عن عمرو من الحديبية عن فلان من أهل المدينة، عن كعب الأحبار يهودي قد أسلم ولم يصحب الرسول أنه قال، سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا وكذا... قولوا بربكم أي الطريقين أسلم وأوثق وأضمن، طريق الإمام جعفر الصادق أو الطريق التي اخترعها الخلفاء وأولياؤهم!؟


257

الفصل الثالث

من هم المراجع بعد الصحابة وسقوط دولة البطون؟

عودة الحق أمر طبيعي

على فرض إمكانية تعدد المراجع في الدين الإسلامي مع أن هذا الفرض ساقط، فلم يكن للمسلمين أثناء حياة الرسول إلا مرجع واحد وهو الرسول، إذ لو تعددت المراجع لاختلفت الآراء وتعددت، وادعى كل مرجع بصواب ما ذهب إليه، مع ما تجره هذه الادعاءات من اختلاف كلمة الأمة وتشتتها وانقسامها إلى شيع وأحزاب، تناصر كل شيعة من هذه الشيع مرجعاً من المراجع الموجودة على الساحة!! وعلى فرض أن هذه المرجعيات مشروعة، وأن كل واحد من الصحابة يشكل مرجعاً كما أشيع (وبأيهم اهتديتم اقتديتم)! فالسؤال الذي يطرح نفسه هو:

بعد موت الصحابة، من هو المرجع، أو من هم المراجع؟ وبتعبير أدق هل يسترد أهل بيت النبوة حقهم بالقيادة والمرجعية من بعد موت جميع الصحابة؟ أو بمعنى آخر: إذا كان ليس من حق أهل بيت النبوة أن يكونوا مرجعاً وقيادة للأمة مع وجود الصحابة أفليس من حقهم أن يتولوا المرجعية والقيادة بعد موت الصحابة؟

أهل بيت النبوة يرون أن طالما أن بطون قريش قد اتحدت، خلال حياة الصحابة الكرام، للحيلولة بينهم وبين حقهم بالقيادة والمرجعية، وطالما أنهم قد قبلوا بالواقع المفروض عليهم حرصاً منهم على مصلحة الإسلام، فمن الطبيعي أن يعود لهم حقهم بالقيادة والمرجعية بعد موت الصحابة لأنهم الجامع المشترك بين جميع المسلمين، وهم الرمز الشخصي لامتداد الوجود المحمدي، فضلاً عن مئات النصوص الصريحة الواردة في القرآن والسنة والتي أعطتهم مكانة مميزة وخاصة فضلاً عن الممارسات التعبدية لكل مسلم، فيومياً، وفي كل صلاة، يتوجب على المسلم أن يصلي على محمد وعلى آل محمد (أهل البيت)، وإن لم يفعل فصلاته غير جائزة! فلو صلى أبو بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو السلطان


258

عبد العزيز، أو أي مسلم على الإطلاق، وتعمد عدم الصلاة على محمد وآله فصلاته باطلة! وهذا قمة الإلزام، وانتزاع الاعتراف الفردي والجماعي بتميز أهل بيت النبوة! لذلك فإن عودة حق القيادة والمرجعية لأهل بيت النبوة بعد موت الصحابة أمر طبيعي جداً! ولا شئ يبقى أن يحول دون هذه العودة، أو على الأقل تجربة حالة الأمة بعد أن تعود إلى الطريق التي إليها أرشد الله ورسوله عباده!

أما خلفاء بطون قريش ومن والاهم، فيرون أن تجريد أهل بيت النبوة من حقهم بالقيادة والمرجعية نهائي ولا رجعة عنه، سواء أخلد الصحابة أم ماتوا جميعاً لأن الهاشميين، ومنهم أهل بيت النبوة، قد أخذوا النبوة واختصوا بها، فمحمد الهاشمي قد صار نبياً، وسلمت له بطون قريش والعرب والمسلمون بهذه النبوة، فليس من المعقول أن تكون النبوة والخلافة من بعد النبوة أو الملك لبني هاشم!!

فتجتمع لهم النبوة والخلافة، وتحرم بطون قريش، ويحرم العرب، ويحرم المسلمون من هذين الشرفين معاً! والأوفق والأصوب على حد تعبير عمر بن الخطاب أن تكون النبوة لبني هاشم خالصة لا يشاركهم فيها أي رجل من البطون أو العرب أو المسلمين وأن تكون الخلافة أو الملك من بعد النبي لبطون قريش لأنهم أقرباء النبي ثم للعرب، ثم للمسلمين عند الاقتضاء لا يشاركهم بهذه الخلافة أو الملك أي هاشمي قط من أهل البيت أو من غيرهم، وهذه هي القسمة المثلى التي تحصن الناس المسلمين ضد الإجحاف الهاشمي! على حد تعبير عمر بن الخطاب (1).

وهذا يعني أن قرار تجريد أهل بيت النبوة من حقهم الإلهي بالقيادة والمرجعية من بعد النبي، صار سنة من سنن خلفاء البطون، التي تولت دولة البطون خلال حكمها التاريخي جعلها منهاجاً تربوياً وتعليمياً، سخرت كل موارد دولة البطون وإمكانياتها لغرسه في نفوس الرعية الإسلامية، بحيث لا يمكن

(1) راجع الكامل لابن الأثير 3 / 24، سيرة عمر من حوادث سنة 23 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 97 و 105 و 107، كما نقلها عن الإمام أحمد بن حنبل أبي الطاهر في تاريخ بغداد بسنده المعتبر عن ابن عباس.


259

اقتلاعه إلا بعملية (جراحية)، بمعنى أن المنهاج التربوي والتعليمي الذي فرضته البطون بقوة دولتها ونفوذها كان بمثابة عملية (غسل دماغ) استمرت قرابة ألف عام. والقيام بعملية (غسل دماغ مضادة) تحتاج إلى جهد استثنائي، لا طاقة لأي فرد أو جماعة عليه!

ويمكنك القول إن إعادة حق القيادة والمرجعية لأهل بيت النبوة يعني مخالفة لسنة خلفاء الدولة التاريخية الإسلامية، تلك السنة التي دامت ألف عام على الأقل، وهي تعمل وتترسخ في النفوس، ومن جهة ثانية، فأن إعادة حق أهل بيت النبوة بالقيادة والمرجعية يتعارض مع أهواء الطامعين بهذه القيادة والمرجعية ويتعارض مع ميول أصحاب الثروة والطبقات المترفة التي تخشى العدل الإلهي المتمثل بقيادة أهل بيت النبوة ومرجعيتهم! فعلى سبيل المثال، كان خلفاء البطون يعطون الناس بنسب متفاوتة وحسب منازلهم عندهم، وحسب ولائهم لنظام الخلافة وتوجهاته، أي أنهم كانوا لا يساوون بين الناس بالعطاء كما قضت سنة النبي!

بل كانوا يعطون القرشي أكثر من غيره، ويعطون العربي أكثر من المولى، حتى زوجات الرجل الواحد كانوا لا يساوون بينهم في العطاء، فكان عمر يعطي كل واحدة من زوجات الرسول عشرة آلاف ويعطي كلا من عائشة وحفصة اثني عشر ألفاً.

وعند ما آلت الخلافة إلى علي بن أبي طالب، وفق النمط الذي اخترعه الخلفاء، أعاد سنة الرسول، فكان يعطي الناس بالسوية لا فرق بين عربي وعجمي. وكان يأخذ عطاءه مثل أي واحد من الناس! هذه السياسة العادلة التي اتبعها الإمام أكدت وساوس الطبقة المترفة وشكوكها، ووجاهة تحالفها مع قادة بطون قريش. وبينت أن قيادة أهل بيت النبوة ومرجعيتهم ليست لمصلحة التحالف الحاكم بل هي لمصلحة الأغلبية الساحقة من أفراد الأمة!

وبما أن خلفاء البطون وقادتها، وأبناء الطبقة الفنية المترفة كانوا يشكلون فريقاً واحداً يملك السلطة والمال والإعلام فقد كرسوا، بشكل نهائي، وبوسائل


260

ملتوية، استبعاد أهل بيت النبوة عن القيادة والمرجعية إلى الأبد، وذلك عبر المنهاج التربوي والتعليمي الذي غذت به دولة البطون العامة والخاصة من المسلمين، ونجا منه أهل بيت النبوة والقلة التي تشيعت لهم، وآمنت بحقهم بالقيادة والمرجعية! وهذه القلة تنمو لأنها مرتبطة بالدين والعقل والآخر بينما ترث الكثرة الساحقة من المسلمين قناعات المنهاج التربوي والتعليمي لدولة البطون كما ترث الممتلكات، وتتمسك بهذا المنهاج تمسكها بالذهب والفضة لأنه جزء من ممتلكاتها، وجزء من تركة الأباء والأجداد، فضلاً عن كونه يمثل سنن الخلفاء التي صارت، بقدرة قادر، سنناً شرعية إسلامية، في الوقت الذي عطلت فيه السنن الشرعية التي سنها الله ورسوله!

القيادة التي يقبلها شيعة الخلفاء

يقبل الخلفاء وشيعتهم قيادة أي رجل من بطون قريش لأنهم أقارب النبي، شريطة ألا يكون من أهل بيت النبوة، أو من بني هاشم أو بني المطلب! (لأن الهاشميين والمطلبيين هم الذين احتضنوا النبي ووقفوا معه أثناء صراعه مع بطون قريش)!

ويقبل الخلفاء وشيعتهم قيادة رجل من الأنصار، ولكنهم لا يقبلون قيادة أهل بيت النبوة! انظر إلى قول عمر، مع وجود علي بن أبي طالب: (لو كان معاذ بن جبل حياً لوليته واستخلفته)، بحجة أنه عالم! يقول هذا مع وجود عالم العلماء علي!

ويقبل الخلفاء وشيعتهم قيادة رجل من الموالي. أنظر إلى قول عمر، وهو على فراش الموت: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته واستخلفته). وسالم هذا من الموالي ولا يعرف له نسب في العرب، ومع هذا يقدمه على علي بن أبي طالب ابن سيد قريش وابن عم النبي، وزوج ابنته ووالد سبطيه، وفارس الإسلام وولي من كان النبي وليه بالنص!

ويقبل الخلفاء وشيعتهم قيادة رجل من الترك فقد قبلوا خلافة العثمانيين، واعتبروا الخلفاء العثمانيين خلفاء لرسول رب العالمين! مع وجود أهل البيت ويقبلون قيادة الشركس، وغيرهم ممن لا يعرفون لهم أصلاً، فقد قبلوا قيادة


261

المماليك. مع وجود أهل البيت! ويقبلون قيادة أي رجل متغلب كائناً من كان، إذا تمكن من هزيمة الطامعين بالقيادة والقبض على مقاليد الأمور بالقوة والقهر والغلبة! حتى صار هذا القبول مبدأً دستورياً إسلامياً وقاعدة شرعية دينية، تستند إلى قول أحد الصحابة: (نحن مع من غلب). وحيث أن هذا القول قد صدر عن صحابي ; فمعنى ذلك أن حكم المتغلبين والانقلابيين قد أصبح شرعياً من جميع الوجوه! ويجري كل هذا مع وجود أهل بيت النبوة، وبرضى الأكثرية الساحقة من الأمة التي تعتقد بشرعية ما يجري وإسلاميته لأنه ليس أكثر من سنة عملية من سنن خلفاء البطون. تلك السنن التي اندمجت عملياً بالسنن الدينية. وصارت تلك المجموعة المختلطة من السنن وجهين لعملة واحدة، فالدين الإسلامي السياسي هو تاريخ الخلفاء، وتاريخ الخلفاء هو الدين! وليست هنالك ضرورة - برأيهم - للفصل بين هذين المفهومين، ولا حاجة لإعادة دراسة الدين، أو إعادة قراءة التاريخ! مع أن الخلفاء وشيعتهم يقرون إقراراً قضائياً بأن الدين السياسي الإسلامي من عند الله، وأن التاريخ واقع صفة الخلفاء بكل أطره ومبانيه ومفاهيمه!

مطاردة أهل بيت النبوة وشيعتهم حتى على الصعيد الفقهي

الخلفاء وشيعتهم أحرار بما يفعلون، فقد يجتهدون ويعملون وفق هذه الاجتهادات، وقد يقلدون أي عالم من علماء الأمة أو صاحب رأي من أصحاب الرأي فيها، ويتبعون هذا التقليد ويأخذون بهذا الرأي في أمورهم الدينية والدنيوية على السواء! ولكن لا الخلفاء ولا شيعتهم، يقبلون بتقليد أهل بيت النبوة أو أي عالم من علماء شيعة أهل البيت! ولا يعتدون على الإطلاق بفهم أهل بيت النبوة أو برأيهم في أي أمر من الأمور الدينية أو الدنيوية. وزيادة في الاحتياط فإنهم لا يأخذون برأي أي عالم من علماء شيعة أهل بيت النبوة، إلا إذا كان رأيه يتفق مع ما علمه الخلفاء، أو ما أوجدوه من سنن. ففي هذه الحالة يتبعون رأي أهل بيت النبوة ضمناً، ولكن ليس لأنه شرعي أو غير شرعي بل لأنه متفق مع عمل الخلفاء وسننهم فسنده ليس أهل البيت بل عمل الخلفاء وسنتهم ويستدل بفهم أهل البيت وشيعتهم لإثبات شرعية عملهم وسنتهم! قد يقال إن خلفاء البطون كانوا يستشيرون


262

الإمام علي، ويأخذون برأيه وبعضهم كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من معضلة ليس فيها أبو حسن)، كما هو مشهور. لكنهم كانوا يستشيرونه في المعضلات النادرة التي لم تقو علومهم واجتهاداتهم على إيجاد حل لها، وبالصدفة. ومع هذا، فإن المسند الشرعي لقبول حلول الإمام علي لتلك المعضلات ليس هو فهمه أو رأيه وإنما تبني الخليفة له، فمن دون هذا التبني يصبح عديم الفائدة والجدوى!

وقد سار موكب الأمة بقيادة الخلفاء عبر التاريخ متجاهلاً بالكامل وجود أهل بيت النبوة، ووجود علمهم الخاص المميز، ووجود فقههم! ولم يستشهد بهذا العلم إلا لغاية محددة هي إثبات شرعية عمل الخلفاء وسننهم. خذ على سبيل المثال (القبض على اليدين) في الصلاة. الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل وأتباعهم يقبض كل واحد منهم على يديه أثناء الصلاة (أي يمسك رسغ اليسرى باليد اليمنى). بينما مالك وأهل البيت وشيعتهم يرسلون اليدين أثناء الصلاة! فشرعية عدم القبض على اليدين وإرسالهما لا تستمد من فعل أهل بيت النبوة بل من فعل مالك صاحب المذهب المشهور ومن فعل أتباعه! ويستدل الإمام مالك على صواب فعله بفعل أهل بيت النبوة ; فلو أن مسلماً من أتباع مالك صلى في مسجد من مساجد المسلمين، وهو مرسل يديه وغير قابض عليهما للفت أنظار الجميع، ولانهالوا عليه بالسؤال بعد انتهاء صلاته، فإذا قال إنه مالكي (من أتباع مالك) نجا، وصار فعله أمراً طبيعياً! أما إذا قال إنه من شيعة أهل بيت النبوة ومن أتباع مذهبهم يجن جنون الجميع ويستنكرون بشدة دخوله إلى المسجد وصلاته فيه! ومن الممكن أن يطردوه بحجة أنه من الروافض (الذين رفضوا قيادة الخلفاء ومرجعيتهم)، أو بحجة أنه من الملاحدة المشركين! مع أن هذا المسلم يتلو القرآن الذين يتلونه، ويؤدي العبادات نفسها كم يقرونها يفردونها؟؟؟. ومع أنه مسلم مثلهم، والفرق بينهم وبينه أنهم يتبعون أحد المذاهب الأربعة وهو يتبع مذهب أهل بيت النبوة! أو هم يقتدون بأصحاب المذاهب الأربعة التي اعتمدها متأخرو الخلفاء، وصاحبنا يقتدي بأهل بيت النبوة ; هذا هو الفارق الدقيق.

واستطراداً فقد رأت دولة الخلفاء أن ترك الباب مفتوحاً أمام تعدد المذاهب والمراجع أمر غير عملي، والأنسب أن تختار عدداً منها وتفرضه بالقوة على


263

الرعية، وتلغي ما عداه. هكذا كان، فاختارت دولة الخلافة أربعة مذاهب، وأمرت أفراد الرعية بالتمذهب بواحد منها. ولم تقبل شهادة أي إن لم يفعل ذلك كما ذكر المقريزي في خططه. ومع ضغط الدولة ونفوذها، تحولت هذه المذاهب الأربعة إلى مذهب رسمي لدولة البطون له أربعة وجوه، وتحول أصحاب هذه المذاهب إلى مراجع فقهية لدولة البطون ورعيتها وتلاشت المذاهب الأخرى التي كانت موجودة، أو احتفظت ببقائها بصعوبة وسراً، وعتمت وسائل أعلام دولة الخلافة على المراجع الفقهية الأخرى، فنسيهم الناس، أو تناسوهم ومن جملة هذه المذاهب التي نسيها الناس أو تناسوها مذهب أهل بيت النبوة، ومرجعية أهل البيت الفقهية! فقد صار هذا المذاهب محظوراً شأنه شأن غيره من المذاهب التي حظرت، وصارت مرجعية أهل البيت مغمورة شأنها شأن غيرها من المراجع التي غمرت.

المذاهب التي اعتمدتها دولة الخلفاء

اعتمدت دولة الخلافة أربعة مذاهب، وأقرت بمرجعية واضعيها وهي:

1 - المذهب الحنفي، وقد سمي باسم صاحبه أبو حنيفة، عتيك بن زوطي المعروف بالنعمان بن ثابت، المتوفى سنة 150 ه‍ / 767 م.

2 - المذاهب المالكي نسبة إلى مالك بن أنس، المتوفى سنة 179 ه‍ / 795 م.

3 - المذهب الشافعي نسبة إلى محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى سنة 204 ه‍ / 820 م.

4 - المذهب الحنبلي نسبة إلى أحمد بن حنبل، المتوفى سنة 241 ه‍ / 855 م.

وتفرعت عن الحنابلة فرقة تبعت أحمد بن عبد الحليم، المتوفى سنة 726 ه‍ / 1325 م، وهو المعروف بابن تيمية، وعرفت بالسلفية.

وتفرعت عن السلفية فرقة عرفت بالوهابية نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة 1206 ه‍ / 1791 م.

وصارت هذه المذاهب مذهباً رسمياً لدولة الخلافة، وصار أصحابها مرجعيات معتمدة من قبل هذه الدولة التي طلبت من الناس، رسمياً، أن يقلدوا


264

هؤلاء المراجع الأربعة وأن يعتمدوا فقههم في الأمور الدينية والدنيوية. ثم أغلق باب الاجتهاد رسمياً، وعلى العقل المسلم أن يبقى دائماً ضمن الدوائر الفقهية والعقلية التي رسمها أصحاب المذاهب الأربعة. ومع مرور الزمن دخل المسلمون في هذه المذاهب الأربعة زرافات ووحداناً، ولم يبق خارجها إلا أهل بيت النبوة وشيعتهم الذين بقوا على مذهب أهل بيت النبوة الذي تعلموه من أهل البيت، وهو الإسلام أو مذهب النبوة الذي ورثوه من رسول الله (1).

أهل بيت النبوة وأصحاب المذاهب الأربعة

أصحاب المذاهب الأربعة علماء أفاضل حقيقة، ولكنهم لا يقاسون بأهل بيت النبوة لا نسباً ولا شرفاً ولا علماً ولا ديناً، لأنهم باختصار شديد ليسوا أحد الثقلين، وليسوا ذوي القربى الذين فرض الله مودتهم في الكتاب، ولم يشهد الله لهم بالطهارة وذهاب الرجس عنهم، ثم إنهم ليسوا ورثة العلم والبيان النبوي، ولم ينتقل هذان إليهم بالطرق اليقينية الموثوقة التي انتقلا فيها إلى أهل بيت النبوة.

إضافة إلى ذلك، فإن أهل بيت النبوة أساتذة أصحاب المذاهب الأربعة، فقد انقطع أبو حنيفة إلى مجلس الإمام جعفر الصادق طوال عامين، وطالما ردد جملته المشهورة: (لو لا السنتان لهلك النعمان). يقول ابن طلحة الشافعي:

(واستفاد من الإمام جعفر الصادق جماعة من أعيان الأمة وأعلامها مثل مالك بن أنس وأبو حنيفة). وقال ابن حجر (2): وروى عن الإمام جعفر الصادق جماعة من الأئمة الكبار (كيحيى بن سعيد، وابن جريج ومالك، والسفياني وأبي حنيفة).

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشافعي من تلاميذ مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل من تلاميذ الشافعي فمعنى ذلك أن الإمام جعفر الصادق هو أستاذ أصحاب المذاهب الأربعة الذين اقتدى بهم أهل السنة أو شيعة الخلفاء.

وإذا جاز لنا أن نسأل دولة البطون: بأي مسوغ تقدمون التلاميذ على

(1) راجع كتابنا الخطط السياسية ص 170 - 171.

(2) في الصواعق المحرقة ص 30.


265

الأستاذ، وتقدمون العلماء العاديين على أئمة أهل بيت النبوة؟ لكان جوابهم جاهزاً:

تلك سنة سنها الخلفاء، في الأمور السياسية والفقهية، فلقد قدموا على أهل بيت النبوة من هم دونهم مرتبة وعلماً وشرفاً ونسباً، لمصلحة رأوها في هذا التقديم.

فإذا سألتهم: ما هي هذه المصلحة رعاكم الله؟ أغلقوا باب الحوار وظنوا بك الظنون!

مذهب أهل بيت النبوة

مذهب أهل بيت النبوة هو الإسلام اليقيني كما تلقوه عن جدهم رسول الله الذي عاشوا وإياه طوال حياته المباركة في بيت واحد وتحت سقف واحد. وقد سمي بالمذهب الجعفري نسبة إلى جعفر الصادق، الإمام الذي آل إليه علم أهل بيت النبوة، وتمشياً مع العرف الذي ساد آنذاك بنسبة المذهب إلى أستاذه ومرجعه المعاصر. ولم يتوقف الإمام جعفر الصادق يوماً عن القول: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله). كان يقول ذلك علناً على رؤوس الأشهاد! ومع هذا فإن دولة الخلافة حظرت هذا المذهب رسمياً مع علمها بأنه مذهب أهل بيت النبوة ومذهب النبي يقيناً، ومع علمها بأن جعفر الصادق هو أستاذ أصحاب المذاهب الأربعة التي اختارتها مذهباً رسمياً للدولة! وذلك تنفيذاً لسنة الخلفاء بتقديم المفضول على الأفضل ومراعاة لمصلحة المسلمين! وهكذا صار مذهب أهل بيت النبوة ممنوعاً، وصارت مرجعيتهم غير معتبرة، وصار الذين يتمذهبون بمذهبهم شذاذاً ومبتدعة على حد تعبير ابن خلدون!

علم النبوة والبيان النبوي الأمثل

لم تكتف دولة البطون بحصر المراجع بأربعة ولا بحصر المذاهب الفقهية بالمذاهب الأربعة، وحظر ما سواها وعدم اعتباره، بل زكت الأحاديث النبوية التي رواها ستة من العلماء وباركتها، وشهدت بأن الأحاديث الواردة في مؤلفات أولئك العلماء الستة هي الأحاديث الصحيحة والموثوقة، وهي قمة ما وصل إلينا من علم النبوة ومن البيان النبوي. ولا تخفى أهمية شهادة دولة الخلافة وعلمائها، في ثبيت كتب السنة الستة التي عرفت فيما بعد بالصحاح واعتبارها، وهي:


266

1 - صحيح البخاري لمؤلفه محمد بن إسماعيل، المتوفى سنة 256 ه‍ / 869 م.

2 - صحيح مسلم، لمؤلفه مسلم بن الحجاج النيسابوري، المتوفى سنة 261 ه‍ / 874 م.

3 - سنن ابن ماجه، لمؤلفه محمد بن يزيد القزويني، المتوفى سنة 273 ه‍ / 886 م.

4 - سنن أبي داود، لمؤلفه سليمان بن الأشعث السجستاني، المتوفى سنة 275 ه‍ / 888 م.

5 - سنن الترمذي، لمؤلفه محمد بن عيسى الترمذي، المتوفى سنة 279 ه‍ / 892 م.

6 - سنن النسائي، لمؤلفه أحمد بن شعيب النسائي، المتوفى سنة 203 ه‍ / 818 م. وبعضهم يقدم سنن الدارمي لمؤلفه عبد الله بن عبد الرحمن، المتوفى سنة 255 ه‍ / 868 م على سنن النسائي. وقام علماء شيعة الدولة بتقليد هؤلاء الستة في تقويم أحاديث الرسول، وأوصدوا باب البحث وإعمال العقل فيها.

وقد أثبتنا، في كتابنا: (الخطط السياسية)، أن دولة الخلافة، بعد وفاة النبي، وحتى من عمر بن عبد العزيز، قررت محاصرة أحاديث الرسول ومنع كتابتها وروايتها. وعملياً، وبعد 95 عاماً، من الشد والإرخاء، ومن الحصار، رفعت الحظر عن أحاديث الرسول بعد أن ثبتت منهاجها التربوي والتعليمي.

عندئذ، بدأ علماء الدولة يتسابقون على رواية ما كان متداولاً من أحاديث الرسول وكتابته. وقد جمعوها بطرقهم الخاصة، واعتبروا المؤلفات الستة السابقة بمثابة عنوان الكمال في علم النبوة وبيان النبي!

أما علم النبوة وبيان النبي المروي عن طريق أهل بيت النبوة وشيعتهم فلم يكن له اعتبار، وعتم عليه وأهمل إلا تندراً أو لغايات الاحتجاج به لإثبات شرعية الخلفاء وعلمهم وعملهم وسننهم أو سعة صدورهم. وبلغ حذر شيعة الخلفاء حداً أنهم كانوا يرفضون أي رواية إذا كان أحد رواتها من شيعة أهل بيت النبوة أو محبيهم على اعتبار أنه غير ثقة لأن التشيع لأهل بيت النبوة ومحبتهم ينفيان ثقة الرواي!


267

شرعية التحزب والتشيع

ليس على المسلم من حرج لو تشيع لأبي بكر أو لعمر أو لعثمان أو لمعاوية أو لمروان بن الحكم، أو حتى ليزيد بن معاوية، أو لسالم مولى أبي حذيفة، أو لأبي حنيفة أو الشافعي أو مالك أو ابن حنبل أو لأية شخصية بارزة، أو شخص عادي، فلا يلام المسلم على هذا التشيع أو التحزب. وقد أثبتنا في الفصول السابقة أنه كان لكل واحد ممن ذكرنا شيعة خاصة به، ترى فضله وتفوقه، وتعمل على دعمه لكن ليس مباحاً ولا مشروعاً لأي واحد من المسلمين أن يتشيع لعلي بن أبي طالب، أو ابنه الإمام الحسين أو ابنه الإمام علي، أو ابنه محمد الباقر، أو ابنه جعفر الصادق أو أية شخصية من شخصيات أهل بيت النبوة، لأن التشيع لأي إمام من أئمة أهل بيت النبوة يؤدي إلى تفريق المسلمين، وتشتيت جماعتهم! ويقع المحظور نفسه في حالة التشيع لأي عالم أو فقيه من شيعتهم.

وعلى مستوى الفئات والجماعات، يمكن للمسلم، وبكل احترام، أن يتشيع لبني تيم، أو لبني عدي، أو لبني أمية، أو لبني مخزوم أو لأي بطن من بطون قريش، أو لأية قبيلة من قبائل العرب أو العجم ولكن من غير الجائز، حسب شريعة دولة الخلافة، أن يتحزب المسلم أو يتشيع لأهل بيت النبوة، أو لبني هاشم، لأن هذا التحزب أو التشيع لهؤلاء، شق لعصا الطاعة، وتفريق للجمعة والجماعة! ولقد تكرست هذه المفاهيم في أذهان العامة والخاصة، وتوارثوها كما يتوارثون المتاع، ولعمري إن هذا الدليل قاطع على عبقرية كيد خلفاء البطون وعظمته، فهم الذين أسسوا قواعد منهاجهم التربوي والتعليمي!

ولم يختلف الأمر في العصر الحديث، فمن حق أي مسلم - أي مواطن - أن يتشيع لهذا الحاكم أو ذاك، لهذا العالم أو ذاك، لهذا المفكر أو ذاك. يمكن للمواطن أن يتشيع، أو يتحزب، لكارل ماركس، أو لميشيل عفلق، أو لأنطوان سعادة، أو لحسن البنا، أو لتقي الدين النبهاني، أو لابن تيمية، أو لمحمد عبد الوهاب، وأن ينشر أفكاره، فلا تثريب عليه، لأنه مواطن حر في بلد حر، ولأن الناس يعيشون حياة ديمقراطية، وينصحون بالحرية، ولكن محظور على أي مسلم


268

أو مواطن أن يتشيع لأهل بيت النبوة، أو لبني هاشم، ومحظور عليه أن ينشر فكرهم وآراءهم، كما تنشر أفكار الفئات والجماعات الأخرى وآراؤها! لماذا؟ لأن هذا النشر يعد إثارة للنعرات الطائفية، ما يعرض الوحدة الوطنية الداخلية للخطر!

وأتباع جميع المذاهب، والمتشيعون والمتحزبون لكل الرجالات والفئات، وأتباع كل الديانات، يمارسون جميع نشاطاتهم وشعائرهم، ويجهرون بمعتقداتهم بكل حرية من دون مضايقة من أحد، ومن دون استغراب أحد! الحزبي القومي، الحزبي الديني، المسيحي، اليهودي، البوذي جميعهم أحرار في ممارسة معتقداتهم والجهر بها، ولا تشكل ممارساتهم أو جهرهم أي خطر على الأمن الداخلي أو الخارجي للمجتمع، والمكبوت الوحيد والمضطهد الوحيد هو الذي يتشيع لأهل بيت النبوة، أو يسير على مذهبهم، أو يحاول أن يهجر بفكرهم! لأن هذا يثير الاستغراب، ويولد الحساسية والنفور!

والملفت للانتباه أن هذا الكبت والاضطهاد والحجر على حريات أتباع مذهب أهل بيت النبوة لم يكن نتيجة لعمل السلطة الحاكمة في أي بلد إسلامي، وإنما هو نتيجة تعصب وحساسية المتدينين من شيعة الخلفاء أو أهل السنة، فما زالت نفوسهم مسكونة بالمنهاج التربوي والتعليمي الذي أشربهم إياه الخلفاء، وهم يعتقدون حتى الآن في (عالم لا وعيهم) أن أهل بيت النبوة وشيعتهم يشكلون خطراً على خلفاء البطون! وهم في عالم (اللاوعي) ما زالوا يعتقدون أن نظام الخلافة ما زال قائماً! وهذا برهان قاطع على عمق استيعابهم للمنهاج التربوي والتعليمي الذي أو دعته دولة البطون كل عبقريتها وكيدها، وكل قدرتها على التخطيط، فأظهرت أصحاب الحق الشرعي (أهل بيت النبوة) بمظهر من ينازع الأمر أهله! وبمظهر الجائعين للسلطة والجاه! والساعين لشق عصا الله، وتفريق الجماعة، وخراب الدين! وأظهرت شيعة أهل بيت النبوة والمتعاطفين مع قضيتهم العادلة بمظهر أعداء الإسلام الذين لا هم لهم إلا هدمه متسترين بالتشيع والتحزب والتعاطف مع أهل بيت النبوة!


269

النجاح المنقطع النظير

نجحت دولة البطون نجاحاً منقطع النظير في جعل المنهاج التربوي والتعليمي الذي اخترعه خلفاؤها عقيدة خاصة للأكثرية الساحقة من أفراد الرعية الإسلامية، مثلما نجحت في إظهار أهل بيت النبوة وشيعتهم القلة بمظهر الشواذ المبتدعة، على حد تعبير ابن خلدون!

وصار هذا المنهاج مفتاح الدنيا والآخرة، فإذا أردت الدارين فعليك بمنهاج دولة البطون! ونجحت دولة البطون في مزج منهاجها التربوي والتعليمي بالدين الإسلامي، وألقت في روع المسلمين أنه المنهاج الديني الإسلامي، وأنه لا يوجد للإسلام سواه. ونجحت في إقناع الرعية والعالم بأنه دين الإسلام الذي جاء به محمد رسول الله وجهان لعملة واحدة! ونجحت في تسويق الاثنين معاً ; فإما أن تأخذ دين الإسلام ومنهاج دولة البطون معاً فتكون مسلماً ومن أهل الجنة، أو تترك الاثنين معاً فتكون مجرماً أو من أهل النار!

ونجحت دولة البطون في إقناع الأكثرية الساحقة من المسلمين بأن خلفاءها هم خلفاء رسول رب العالمين طاعتهم كطاعة الرسول، ومعصيتهم كمعصية الرسول! وأن الله قد اختارهم لقيادة الأمة وخلافة الرسول، فهم ثمرة الإرادة الإلهية والقضاء الإلهي، ولا راد لقضائه على حد تعبير معاوية! فما كان للخلفاء أن يخلفوا الرسول لولا إرادة الله وقضاؤه! ونجحت دولة البطون في إقناع الأكثرية الساحقة من الأمة بأن خلفاءها هم أقرباء النبي وأبناء عشيرته قريش، وأن الهاشميين ليسوا سوى بطن من بطون قريش ال‍ 25، ونصيبهم بمحمد ليس أكثر من نصيب أي بطن من بطون قريش وأن الخلاف مع الهاشميين قد حسمه الله تعالى لصالح البطون فأعطى البطون الملك وحرم الهاشميين!

ثم إنه تعالى قد خص الهاشميين بالنبوة، والنبوة شرف عظيم، وحرم بقية البطون من هذا الشرف، فهل من العدل أن يأخذ الهاشميون النبوة والخلافة معاً وأن يحرموا البطون من هذين الشرفين معاً، وهم أبناء عمومة؟

ونجحت دولة البطون في إقناع الأكثرية الساحقة من الأمة بأن أهل بيت


270

النبوة خطر مشترك على الجميع لأن همهم منصب على استرجاع منصب الخلافة من المسلمين، والاستحواذ عليه والتفرد به من دون الناس! لذلك يتوجب على الأمة الحذر الشديد من مطامعهم، والحذر كل الحذر من شيعتهم ; لأن أهل البيت من دون شيعة تلتف حولهم لن يشكلوا خطراً على الأمة الإسلامية، فمصدر الحظر هو الشيعة، لإن الأمر مستقر، والفتنة نائمة والشيعة يريدون أن يوقظوها من نومها العميق! وقد لعن رسول الله من أيقظ الفتنة وهي نائمة. إذاً فشيعة أهل البيت ملعونة! ومن واجب الرعية أن تقاومها وتلعنها حتى يرضى الله ورسوله عنها.

واستجابت الأكثرية الساحقة من الأمة فلعنت الشيعة وعدتها العدو اللدود للأمة بجرم التعاطف مع أهل بيت النبوة! وقد تسامح خلفاء البطون وأولياؤهم مع اليهود والنصارى وعاملوهم برفق ورحمة بدعوى أنهم أهل الكتاب، وعاملوا إخوانهم من المسلمين الذين تعاطفوا مع أهل بيت النبوة بمنتهى القسوة والفظاظة، فصار النصراني، أو اليهودي، أحب إلى قلوب العامة من رجل يتشيع لأهل بيت محمد!

أسباب هذا النجاح المنقطع النظير

دولة البطون، كأي دولة أخرى، لها رئيسها ووزراؤها، ولها حكام أقاليمها، بيدها المالية ومواردها ومختلف الإمكانيات، ولها جيشها الكبير الذي يتقاضى رواتبه من خزانتها، ويخضع تماماً لأوامر قيادتها فينفذها من دون إبطاء، ولها أيضاً مدارسها وجامعاتها ومعاهدها التي تتولى الإشراف الكامل عليها، ولها جهازها الإعلامي الخاص بها الذي يعمل تماماً وفق توجيهاتها.

وتتميز دولة البطون من رأي دولة أخرى بأنها كانت دولة عائلية أو قبلية من جميع الوجوه، فقائدها وكبار رجالاتها وولاتها من قريش، أو من أبناء قبائل أخرى أثبتوا ولاءهم لدولة البطون واقتناعهم بعقيدتها السياسية. فكانت دولة البطون منسجمة باللحمة القبلية ومسلحة بالدين، ما يجعل من طاعتها واجباً دينياً! ثم إنها كانت دولة فتية ومنظمة، فطرق جباية المال معروفة وطرق إنفاقه معروفة. وكان المال عصب الحياة عملياً، وكانت الأكثرية الساحقة من الرعية تأخذ أرزاقاً أو عطاء من الدولة، وكان هذا الرزق أو العطاء حقاً خالصاً للمسلم يأخذه من رسول الله من


271

دون أن يفتش الرسول عما في قلبه. ولما استولت البطون على منصب الخلافة تحول هذا المال إلى سلاح جبار بيدها فتوغلت إلى ضمائر الأفراد ونفوسهم فصار من واجب المسلم أن يثبت ولاءه لها وأن يثبت نفوره من أعدائها، وعلى رأسهم أهل بيت النبوة ومن يتشيع لهم أو يتعاطف مع قضيتهم، وأن يلتزم ببرنامجهما ومنها جهما التربوي والتعليمي، فإن فعل ذلك يأخذ رزقه وعطاءه ويأخذ نصيبه من المغانم والمكاسب. وإن لم يفعل ذلك فلا رزق له ولا عطاء ولا نصيب، ويوضع في قائمة المشبوهين الذين يريدون تفريق الجماعة وشق عصا الطاعة، ومن الطامعين بغصب الأمر من الأمة وإيقاظ الفتنة من نومتها، وجزاؤهم على المستوى الاقتصادي أن يموتوا جوعاً وحرماناً، وعلى المستوى الديني أن يموتوا ميتة جاهلية. وقد تعجل دولة البطون بمنية بعضهم فتقتله إذا أو جست منه خطراً كما قتلت سعد بن عبادة، والحسن بن علي وحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق وهم من أجلاء الصحابة وغيرهم!

في هذا المناخ، وبهذه الطرق، رعت دولة البطون منهاجها التربوي والتعليمي وغرسته في النفوس خلال مدة تزيد على مئة عام! وماتت الأجيال التي عرفت الحقيقة وشهدت عصر التحول الأعظم، وجاءت أجيال جديدة، فوجدت كل شئ جاهزاً ومكتوباً، ووجدت كامل المنهاج فتقبلتها بقبول حسن، واعتبرتها ثمرة إجماع الأكثرية الساحقة من الأمة، واعتبرتها عين الدين الذي جاء به محمد رسول الله! فصار تمسكها بالمنهاج التربوي والتعليمي لدولة البطون رمزاً لتمسكها بالدين! ولو عرفت بطلان هذا المنهاج، وظروف فرضه وأيلولته إليهم لما تمسكت به، ولكنها تجهل كل ذلك. ومن هنا تعاملت مع هذا المنهاج وثمراته تعاملها مع حقائق دينية لا تقبل التبديل أو التغيير أو المناقشة! أو على أنها عبادات لا تعلل!

وبمعنى آخر، إن دولة البطون فرضت منهاجها التربوي والتعليمي بقوة الدولة وإمكانياتها الهائلة، ووثقت هذا المنهاج بالأسلوب نفسه. وبعد موت الذين شهدوا حالة التحول الكبرى جاءت الأجيال اللاحقة واعتبرت هذا المنهاج ثمرة رضى الأغلبية الساحقة من الأمة وإجماعها فتمسكت بوصفه الحق المبين والدين الذي جاء به سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم. واقتصر دور أهل القرون اللاحقة على تمجيد


272

سنن القرن الأول وأعرافه وسوابقه وعلى إثبات شرعية تلك السنن والأعراف والسوابق، واختراع المسوغات لما اعتبره بعض معارضيهم أخطاء وهنات.

القدرة العجيبة لإعلام دولة البطون

برع إعلام دولة البطون أيما براعة، وكان من أقوى الأسباب التي رسخت مفاهيم المنهاج التربوي والتعليمي للدولة وأعظمها فجعل منه عقيدة دينية بكل ما للكلمة من معنى، وكانت له القدرة على تقديم الباطل وتصويره بصورة الحق وتقديم أعداء الله ورسوله وتصويرهم بصورة أولياء الله وملائكة الرحمة ورسل الهداية الربانية! مثلما كانت له القدرة على التنفير من أولياء الله ورسوله وتقديمهم للناس وإبرازهم بصورة مردة الشياطين! ونسوق مثلاً، على مستوى الأشخاص، علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فوالد علي بن أبي طالب هو عم النبي وهو الذي احتضن النبي ورباه حتى بلغ أشده، ولما أعلن النبي أنباء النبوة والرسالة جمع أبو طالب الهاشميين ووحدهم وأعلن حمايته للنبي، وأعلن أمام بطون قريش أنها إذا مست شعرة واحدة من محمد فسيقاتلهما ومعه الهاشميون حتى الفناء التام.

ولما مات أبو طالب قال الرسول: الآن نالت مني قريش، وسمي عام موته بعام الحزن. أما أبو سفيان، والد معاوية، فقد وحد البطون ضد محمد وبني هاشم وتآمر على قتل النبي، وصد عن سبيل الله 15 عاماً (الآونة التي قضاها النبي في مكة قبل الهجرة)، ولما تمت الهجرة جيش أبو سفيان الجيوش وقاد بطون قريش في حربها العدوانية على الرسول ثم جمع العرب في غزوة الأحزاب، وقادها بنفسه للقضاء على رسول الله، وظل يحارب بكل قواه حتى فوجئ بجيش الإسلام يدخل مكة فاضطر اضطراراً لإعلان إسلامه!

وبقدرة إعلام دولة البطون صار أبو سفيان صحابياً جليلاً ومن أهل الجنة دفعة واحدة! وصار أبو طالب مشركاً ومن أهل النار! ومن أجل عيون النبي سيجعل الله أبا طالب في جهنم وفي ضحضاح من النار حسب رواية المغيرة بن شعبة المعروف بحقده على آل محمد! هذه هي القناعة العامة للأكثرية الساحقة من المسلمين، وهم شيعة الخلفاء أو أهل السنة! وهذه القناعة جزء لا يتجزأ من


273

العقيدة الدينية لتلك الأكثرية، فأي شخص في الدنيا يصدق هذه النتائج التي توصل إليها إعلام البطون؟ وأي عدالة وضعية أو سماوية يمكن أن تتوصل إلى هذين الحكمين؟! فتعالى الله لا إله إلا هو رب العرش الكريم عما يصفون!

كذلك نسوق مثالاً آخر عن علي ومعاوية، فعلي هو ابن عم النبي، اصطفاه النبي وهو فطيم ورباه في حجره، واتبعه في حله وترحاله، فكان بمثابة ابن له، ولما أعلن الرسول النبوة كان علي أول من اتبعه، ثم زوجه بأمر من ربه ابنته الزهراء، وبقي معه في بيته طوال حياته المباركة وكان على فارس الإسلام وحامل لواء النبي في كل زحف وهو الذي قتل صناديد قريش على الإسلام، وممن قتل حنظلة شقيق معاوية وعتبة جده وشيبة خاله.. الخ. ثم أعلن الرسول بأمر من ربه أن علياً هو الإمام وهو الخليفة وهو الولي من بعد النبي للمسلمين عامة ولكل مؤمن ومؤمنة خاصة.. الخ.

أما معاوية فقد اشترك مع أبيه في مقاومة الرسول وفي التآمر عليه، واشترك مع أبيه في حرب الرسول وقيادة البطون والأحزاب، ولم يترك وسيلة من وسائل المقاومة، ولا فناً من فنون الحرب، إلا استعمله ضد الرسول حتى إذا تم فتح مكة، وأحيط بمعاوية اضطر لإعلان إسلامه مكرهاً، فصار كأبيه طليقاً، ومن المؤلفة قلوبهم وصحب الرسول سنة وهو على حاله! ومات الرسول وهو على حاله!

وبقدرة إعلام دولة البطون، وحسب تقديم خلفائها، صار معاوية المؤهل الوحيد لولاية بلاد الشام كلها، والوالي الوحيد الذي لا يسأل عما يفعل بولايته طوال عشرين عاماً، وصار الصحابي الجليل، وكاتب الوحي الأمين وأمير المؤمنين حبه دين، والخروج عليه فسوق وكفر، وموالاته إيمان وكرهه عصيان.

وصار علي بن أبي طالب، حاشا له، يستحق السب والشتم واللعن في العشي والإبكار، تنفيذاً لأمر معاوية وأركان دولة البطون! واقتنعت الأكثرية الساحقة من المسلمين بأن سب علي ولعنه وشتمه، تنفيذاً لأمر معاوية، أمور تقربها من الله زلفى فلعنته بالفعل في جميع الأوقات، وصار ذلك جزءاً من العقيدة


274

الدينية للأكثرية الساحقة من أبناء الأمة الإسلامية! فتعجب لا أراك الدهر عجباً، ولكن عجبك يزول إذا عرفت قدرة إعلام البطون، تلك القدرة القادرة على تحويل الأسود إلى أبيض فاقعاً والأبيض إلى أسود قاتماً!

وبقدرة قادر، صار الذي يحب معاوية ويتشيع له ثقة مؤتمناً على نقل أحاديث الرسول والمشاركة في إدارة دولة المسلمين، وصار عاشقاً لوحدة المسلمين ومشفقاً عليها! أما الذي يحب علياً بن أبي طالب ويتشيع له فهو ليس بثقة، ولا يؤتمن على نقل أحاديث الرسول، وينبغي أن يجرد من حقوقه المدنية فلا تقبل له شهادة. ومن باب سد الذرائع يجب أن يقتل كل أولئك الذين يوالون علياً وأهل بيت النبوة حتى لا يفرقوا الأمة بعد اجتماع كلمتها على أمير المؤمنين معاوية!

ليس في الدنيا كلها عاقل واحد يمكن أن يقبل هذا المنطق أو يستسيغه أو يرتاح ضميره إلى تلك الأحكام الجائرة! فتعالى الله عما يصفون.

وأخيراً، فإننا نسوق مثلاً لجماعتين لنرى قدرة إعلام دولة البطون على قلب الحقائق:

1 - الجماعة الأولى: الهاشميون هم بطن النبي الأدنون، وهم الذين احتضنوه وحموه من بطون قريش، ولولاهم لقتلته هذه البطون وهم الذين قاطعتهم جميع بطون قريش وحاصرتهم في شعب أبي طالب ثلاث سنين حتى اضطرتهم إلى أن يأكلوا ورق الشجرة من الجوع وأن يمصوا الرمال من العطش. وقادة الهاشميين كانوا قادة جيش النبي خلال حروب البطون العدوانية على رسول الله، ومن الهاشميين أهل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس، وأهل المودة الذين فرض الله مودتهم، وأحد الثقلين، والآل الكرام الذين لا تجوز صلاة مسلم إن لم يصل عليهم!

2 - الجماعة الثانية: بطون قريش ال‍ 23، وهي البطون التي كذبت النبي وقاومته 15 سنة قبل الهجرة، وتآمرت على قتله وحاصرته مع الهاشميين في شعب أبي طالب، ثم جيشت الجيوش وحاربته واستعدت عليه العرب، وصدته عن سبيل


275

الله 21 عاماً حتى أحيط بها ودخل الجيش الإسلامي مكة، فاستسلمت ثم أعلنت إسلامها مضطرة!

وجاء المنهاج التربوي والتعليمي للبطون، وجاء إعلامها الخارق، فأقنع الأكثرية الساحقة من المسلمين بأن أبناءها أقارب النبي، وهم أولى به من بني هاشم، وأن مصلحة الإسلام تقتضي أن يقدموا ويؤخر الهاشميون، وأن محبتهم واجب ديني على كل مسلم ومسلمة وتلزمه موالاتهم. أما موالاة أهل بيت النبوة ومحبتهم والقول بحقهم بقيادة الأمة فهي من جرائم الخيانة العظمى التي يستحق مرتكبوها القتل وهدم الدور! لماذا؟ لأنها تفرق الأمة بعدما اتحدت خلف أمير المؤمنين، وتشق عصا الطاعة لمن أوجب الرسول طاعته!

واقتضت الأكثرية الساحقة من الأمة، بالفعل، بإعلام دولة البطون، فوالت الأبعد، وحاربت الأقرب، وقدمت أعداء الله ورسوله وأخرت أولياء الله ورسوله، وأصبحت هذه القناعة جزءاً من دينها ومعتقدها، فتعالى الله الحق عما يصفون!

حصانة الخلفاء وحصانة منهاجهم التربوي والتعليمي

لأن شيعة خلفاء البطون آمنوا بأن الدين الإسلامي والمنهاج التربوي للبطون مظهران لشئ واحد، أو وجهان لعملة واحدة، فقد استماتوا حقاً بالدفاع عن الخلفاء والمنهاج الذي اخترعوه، وهم يعتقدون حقاً أن دفاعهم هذا هو دفاع عن الدين نفسه. ومع انتشار العلوم، واستعادة العقل البشري لدوره، وتخفيف قبضة الخلفاء وأوليائهم، واسترداد الناس لمزيد من الحريات، بدأ العقلاء يكتشفون عدم منطقية الكثير الكثير من مبادئ منهاج البطون، واستحالة الدفاع عنه وعن سلوك واضعيه، ويصفون أعمال الخلفاء بالصواب والخطأ، ويخصصون منهاجهم للدراسة العلمية بغية الاستفادة من تجارب الماضي لتجنب أخطائه وهناته. ولم يكن هنالك ما يمنع من ذلك عند شيعة الخلفاء إذا كان القصد من البحث والدراسة إضفاء صفة الكمال على المنهاج التربوي والتعليمي لدولة البطون وكيل المديح له!

ولكنها تفاجأ بمن يقول: لقد أخطأ الخليفة الأول بكذا وأخطأ الخليفة الثاني بكذا، وأخطأ الخليفة الثالث بكذا وكذا، وأخطأ معاوية بكذا وكذا وكذا، وأخطأ (أمير


276

المؤمنين) يزيد! عندما هدم الكعبة وقتل ابن الرسول وأحفاده في كربلاء.. الخ وأخطأ عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة بكيت وكيت.. وجن جنونها، فالقول بأن النبي الأعظم، حاشا له، قد أخطأ أخف وطأة على نفوسهم ومسامعهم من القول بأن الخليفة الأول أو الثاني أو الثالث قد أخطأ! ذلك فكروا وقدروا وخرجوا بحل مضمون يقضي بعقوبات صارمة بحق الباحثين، فصار الطعن في أي واحد من الخلفاء أو في أي واحد من الصحابة الكرام كفراً بواحاً! فمن طعن بأبي بكر أو بعمر أو بعثمان أو بمعاوية أو بمروان بن الحكم الذي لعنه الرسول أو بعمرو بن العاص أو بالمغيرة بن شعبة، أو بأي صحابي على الإطلاق، فهو كافر من جميع الوجوه لا يواكل ولا يشارب، ولا يعلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين! ولاح للقوم أنهم قد أضفوا الحصانة التامة على الخلفاء وعلى منهاجهم التربوي والتعليمي! وقال بعضهم بضرورة قتل الطاعن، وقال آخرون: يستتاب فإن لم يتب يقتل، وقال آخرون بعدم جواز لمسه إذا مات بل يدفع بخشبة ويوارى في حفرته (1).

وغني عن البيان أن هذه الحصانة التي أضيفت على الخلفاء وعلى أعوانهم وعلى منهاجهم التربوي والتعليمي، وتلك العقوبات التي اخترعت لمعاقبة منتهكي تلك الحصانة لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، إنما اخترعها علماء أو موالون الدولة البطون حسب عقلهم ومبلغهم من العلم، وهي خارجة تماماً عن إطار التشريع الإلهي! فعبد الله بن أبي يقول علناً: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، وهو يقصد بالأذل رسول الله، ومع هذا لم يقتله النبي، وقال للذي اقترح عليه قتله: (كيف يقال بأن محمداً يقتل أصحابه؟) وعند عودة النبي من غزوة تبوك، واكتشافه للمتآمرين على قتله، قال بعض أصحابه: لماذا لا تقتلهم يا رسول الله؟ فقال: إني أكره أن تقول العرب أن محمداً بعد أن انتهت حربه مع المشركين أخذ يقتل أصحابه! بل ماذا قال الرسول لعمر بن الخطاب يوم قال له عمر وجهاً لوجه: (أنت تهجر ولا حاجة لنا بوصيتك) فهل عدة الرسول كافراً؟ هل

(1) راجع الصارم المسلول لابن تيمية ص 575، نقلاً عن القاضي (أبو يعلى).


277

أمر بألا يدفن في مدافن المسلمين؟ أو أن لا يؤاكل ولا يشارب؟ ولكن لا تعجب، فمحمد يمثل الدين الحنيف بكل سماحة وروحه ومعانيه ; وشيعة البطون ومخترعو الحصانة والعقوبات يمثلون الميول الإنسانية والعواطف البشرية المتناقضة، وهم يريدون أن يجعلوا الإسلام العظيم في حجم عقولهم ومبلغهم من العلم وأن يمرروا هذا الدين من خلالها تماماً كمن يريد أن يدخل الجمل في سم الخياط، فتعالى الله عما يصفون!

إنها لكبيرة حقاً أن يخترع العالم أو المحب، أو الإنسان أحكاماً من عند الله ثم يلحقها بشرع الله، ويدعي أنها جزء من دين الله ليرغم أنوف الذين يختلفون معه في الرأي، وليخضع الجنس البشري لعقله وفهمه، وليجبرهم على التفكير بطريقته والوصول إلى ما وصل إليه! والسؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الحصانات جائزة حقاً؟ وهل يملك العلماء الذين اخترعوا هذه الحصانات والعقوبات سلطة فرضها وصلاحية ذلك؟ وعلى فرض أنهم ملكوا السلطة والصلاحية فهل يحق لهم ضم القوانين التي اخترعوها إلى القانون الإلهي؟ والإيجاد للناس بأن قوانينهم تلك قوانين إسلامية؟ فتعالى الله عما يصفون!

تسمية الأمور بأسمائها هي الطريق الأوحد لوحدة المسلمين

وحدة المسلمين فرض على جميع المسلمين، والعمل على تحقيقها واجب ديني على كل مسلم ومسلمة. وشيعة الخلفاء هم الأكثرية الساحقة من المسلمين، فإذا أرادوا حقاً العمل على أداء فريضة وحدة المسلمين، والقيام بهذا الواجب الديني، فعليهم أن يسموا الأمور بأسمائها الحقيقية ويتوجب عليهم أن يسلموا:

1 - بأن نظام دولة الخلافة التاريخية قد سقط نهائياً بسقوط آخر سلاطين بني عثمان، ومن المشكوك فيه تمكن هذا النظام من العودة إلى المسرح السياسي العالمي ثانية. والأهم أنه ليس لأحد من الخلفاء سلطان على معاش أي مسلم أو رزقه، ما يجعل الشعور بالخوف والرهبة من الخلفاء ضرباً من ضروب الأوهام الكامنة في اللاوعي!


278

2 - بأن النظام السياسي الإسلامي الذي أنزله الله على عبده وطبقه، خلال عهد دولة النبوة المبارك، ليس هو نظام الخلافة التاريخي، فالخلافة تعني خلافة النبي، فإذا كان نظام الخلافة هو النظام السياسي الإسلامي كما تزعم شيعة الخلفاء، فما هو النظام السياسي الذي طبقه النبي؟ وهل يجوز للمسلمين أن يتجاهلوا عصر دولة النبي، ومفاهيمها وبناها الدستورية، وأن يتمسكوا بمفاهيم دولة الخلافة وبناها؟ وهل يجوز لهم أن يقتدوا بالخلفاء ويتخذونهم قدوة لهم، ويتركوا رسول الله وقد أمروا بأن يجعلوه قدوتهم وأسوتهم الحسنة؟ فهذه مخالفات صريحة للنصوص الشرعية القاطعة! قد يقال إن الخلفاء قد اقتدوا برسول الله ونحن نقتدي بهم! والجواب إنه لو كان جميع الخلفاء قد اقتدوا حقاً برسول الله لما آلت الأمور الإسلامية إلى ما آلت إليه!! ثم إن الرسول والخلفاء قد انتقلوا إلى جوار ربهم، فبدلاً من تقليد الخلفاء والاقتداء بهم لماذا لا نقلد الرسول ونقتدي به أليس هو الأولي؟ أليس هو الأصل؟ نحن لا ندعو إلى تجاهل تجربة دولة الخلافة، لكن هذه التجربة لا ينبغي أن تغني عن (تجربة النبوة) أو تحل محلها! فليس هنالك ما يمنع من دراسة تجربة الخلفاء، والاستفادة مما كان صالحاً منها ونبذ ما كان طالحا على ضوء المعارف التي اتضحت، وبالمقاييس الشرعية المجردة ومن دون مواقف وأفكار وميول مسبقة! وفي هذا السياق فإننا نطلب من شيعة الخلفاء أن يفرقوا بين دولة النبوة ودولة الخلافة، وأن يتوقفوا عن تسويق الدولتين معاً، واعتبار هما وجهين لشئ واحد مع أن دولة النبوة شئ ودولة الخلافة شئ آخر!

3 - لم يعد مقبولاً قول شيعة الخلفاء: إن المنهاج التربوي والتعليمي الذي اخترعته دولة البطون، وسخرت جميع مواردها لجعله عقيدة للرعية هو نفسه دين الإسلام الذي أوحاه الله لعبده. ولم يعد مقبولاً لتسويق الاثنين معاً وإظهارهما بمظهر الوجهين للشئ نفسه، مع أن منهاج دولة البطون شئ ودين الله الحنيف شئ آخر.

4 - كذلك لم يعد مقبولاً قول شيعة الخلفاء: إن النصوص الشرعية التي أنزلها الله تعالى وأوحاها لعبده وتفسير الخلفاء وشيعتهم وفهمهم لهذه النصوص


279

شئ واحد، وأن لهما القداسة نفسها، أو أنهما وجهان لشئ واحد، فالنصوص الشرعية مقدسة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها لأنها من وحي الله تعالى، أما فهم الخلفاء وشيعتهم لهذه النصوص فشئ آخر يحتمل الصواب مثلما يحتمل الخطأ، وليس من حق الخلفاء ولا من شيعتهم أن يسوقوا النص الشرعي وفهمهم لهذا النص معاً. وليس من حقهم أن يكلفوا الآخرين بأن يتعاملوا مع النص الشرعي وفهم الخلفاء وشيعتهم لهذا النص بالقدر نفسه من التقديس والمساواة! وبتعبير أدق ليس من حق الخلفاء ولا من حق شيعتهم أن يدعوا امتلاك الحقيقة الشرعية، وأن يفرضوا فهمهم على الناس، أو أن يحولوا بين غيرهم وبين محاولة فهم الحقائق الشرعية.

5 - لم يعد مقبولاً التقول بمقولات منها مقولة إن الذين يوالون الخلفاء ويتشيعون لهم ثقة وأمناء على الدين، وإن الذين يوالون أهل بيت النبوة ويتشيعون لهم ليسوا بثقة ولا أمناء على الدين! هذا المقولة جزء لا يتجزأ من المنهاج التربوي والتعليمي لدولة البطون! هذا المنهاج الذي صار عقيدة للأكثرية الساحقة من المسلمين الذين تشيعوا للخلفاء، والذين تشيعوا لأهل بيت النبوة ينتمون إلى دين واحد هو الإسلام، ولهم كتاب واحد هو القرآن، ولهم نبي واحد هو محمد رسول الله، فكيف صارت هذه الفئة ثقة وأمينة على الدين، وتلك الفئة ليست بثقة ولا بأمينة على الدين؟ وأنكى من ذلك أن العامة وبعض المنحرفين من شيعة الخلفاء يزعمون أن شيعة أهل بيت النبوة ملاحدة، أو كفرة أو زنادقة، أو خارجون على الجماعة إلى آخره من أقوال ترددها أسطوانة تلك التهم الفارغة المختلفة. وإذا كان التقول بهذه التهم مفيداً لمن يتقولون به في عهد الخلفاء، طمعاً بمرضاة الخليفة أو استزادة لعطائه، أو لاستمرارية هذا العطاء، فليس له الآن من ضرورة بعد أن سقط نظام الخلافة، وفقدت مفاتيح بيوت الأموال!

وأقصى ما يقال إن شيعة الخلفاء تتلمذوا على أيدي الخلفاء أو تبنوا مواقفهم رغبة أو رهبة، وشيعة أهل بيت النبوة تتلمذوا على يدي أئمة أهل بيت النبوة، وتبنوا مواقفهم. ولنقل إن للخلفاء وشيعتهم رأياً، وأن لأهل بيت النبوة وشيعتهم


280

رأياً آخر ضمن إطار الإسلام العظيم، فللاختلاف في الرأي يسوغ هذا الكم المذهل من الحقد والعداء الذي تكنه شيعة الخلفاء لشيعة أهل بيت النبوة! فشيعة الخلفاء أغلقت قلوبها وأسماعها تماماً عن كل ما هو صادر عن شيعة أهل بيت النبوة بينما هذه القلوب والأسماع مفتوحة على مصراعيها لكل ما يصدر عن الملل والمعتقدات الأخرى!

وقد آن الأوان لشيعة الخلفاء لتسمع وجهة نظر شيعة أهل بيت النبوة، وبسعة صدر، على الأقل كما تسمع من أبناء الملل الأخرى، وآن لها أن تتوقف عن التقول بالتهم الجزافية الفارغة، وأن تتقي الله في ما تتقول على إخوان لها في الدين الإسلامي الحنيف.

6 - وأخيراً فقد آن الأوان لشيعة الخلفاء لتدرك مدى الظلم الذي ألحقته بأهل بيت النبوة، ولتدرك هزالة تأويلاتها للنصوص الشرعية التي خصت أهل بيت النبوة بمكانة خاصة ومميزة في الأمة وعدم منطقيتها. فإذا قيل لشيعة الخلفاء إن ما تواتر عن طريق علمائكم الصادقين هو قول الرسول لعلي: (أنت الولي من بعدي، أو أنت ولي المؤمنين من بعدي) عندئذ تقول شيعة الخلفاء على الفور وبمنتهى الحماس: إن الرسول قد قصد من كلمة (الولي)، وكلمة (ولي) معنى المحب والناصر ولم يقصد إطلاقاً الرئاسة العامة للمسلمين! وإذا قلت لهم: (إن أبا بكر قد ولي أمر المسلمين من بعد الرسول فكان نعم الولي، وأن عمر كان ولي المسلمين من بعد أبي بكر، وأن عثمان كان الولي من بعده، وأن يزيد بن معاوية صار ولياً للمسلمين من بعد أبيه معاوية! عندئذ تقول لك شيعة الخلفاء وبكل حماس:

صدقت، صدقت! فإذا قلت لهم: لماذا دلت كلمة ولي وولي المؤمنين، في المثال الأول، على معنى المحب والناصر، ودلت الكلمة نفسها على من يتولى الرئاسة العامة للمسلمين في المثال الثاني؟ عندئذ تجيبك شيعة الخلفاء وبالحماس نفسه: لو كان الرسول يقصد من كلمة الولي، وولي المؤمنين، الرئاسة العامة للمسلمين لما خالفه أبو بكر وعمر والصحابة الكرام! وهكذا صار فعل الخلفاء وأوليائهم قواعد شرعية تخصص العام والخاص مما أوحى الله لعبده! وإذا قلت


281

لشيعة الخلفاء إن الله جعل الصلاة على آل محمد ركناً من أركان الصلاة المفروضة على العباد، وهذا وحده برهان قاطع على مكانتهم المميزة في الدين والدنيا، عندئذ يجيبونك بحماس:

1 - إن العبادات ولا تعلل.

2 - إن هذه فضائل وليس أحكاماً!

وإذا قلت لهم، إن أهل بيت النبوة أحد الثقلين بالنص الشرعي، فلا يدرك الهدى إلا بالاثنين، ولا يمكن تجنب الضلالة إلا بهما معاً، فكيف تقطعون جميع أمور دينكم ودنياكم في غيابهم وتغييبهم ومن دون علمهم؟ عندئذ يجيبونك بتبرم وبفتور ظاهر: (إن الرسول بشر يتكلم في الغضب والرضى) فلا ينبغي أن يحمل كلامه كله على محمل الجد (1)! الخ. من تكل الحجج التي لا يقبلها عقل ولا منطق ولا دين.

وإذا التمسنا عذراً للمتقولين بتلك المقولات في عهد الخلفاء، فما هو عذرهم الآن بعد أن سقط نظام الخلافة، وفقد الخلفاء القدرة على التحكم بمعاشات الناس وأرزاقهم. فهل نتابع عملية تضليل المسلمين إكراماً لذكرى الخلفاء أو نتوقف ونعيد دراسة كل شئ للوقوف على الحقائق المجردة والمقاصد الشرعية من النصوص!؟ ويمكن لهذا الجهد المبارك أن ينجح نجاحاً ساحقاً إذا تضافر العقلاء من شيعة الخلفاء مع عقلاء شيعة أهل بيت النبوة، وإذا وعت آذان الطرفين نهج أهل بيت النبوة الذين أحاطوا بالبيان النبوي، وورثوا علم النبوة، وأهلوا للقيادة والمرجعية معاً.

7 - كل أفراد الأمة المتنورين يدركون أن الأمة الإسلامية، قد تفككت، وهي بحاجة ماسة للوحدة، وأنها سقطت ولا بد لها من النهوض، وظهرت على المسرح الإصلاحي والثوري أعداد لا حصر لها من الإصلاحيين والثوار على شكل

(1) راجع سنن الدارمي 1 / 125، وسنن أبي داود 2 / 126، ومسند الإمام أحمد 2 / 162 و 207 و 216، ومستدرك للحاكم 1 / 105 و 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1 / 85، وكتابنا المواجهة ص 253 - 254.


282

أحزاب أو شيع وكل شيعة من هذه الشيع تقدم برنامجها الخاص مع مزاعمها بأنه أكسيد الحياة، وهدف كل شيعة أن تستولي على السلطة وأن تتفرد بها ثم تفرض برنامجها (أكسيد الحياة) على المسلمين بالقوة والتغلب فظهرت الأحزاب الدينية العربية، وظهرت الأحزاب القومية، وقدم كل حزب من هذه الأحزاب مؤسس الحزب بوصفه المنقذ الوحيد للأمة، وما على الأمة إلا أن تلتف حوله ليصل إلى السلطة ويفرض بالقوة برنامجه الإنقاذي! والمثير للدهشة حقاً أنه لا يوجد من المنقذين رجل واحد من أهل بيت النبوة، أو من بني هاشم! فكأن القوى السياسية الشعبية ما زالت مسكونة بالعقلية نفسها التي سادت بعد وفاة النبي، والتي أجمعت على استبعاد أهل بيت النبوة وبني هاشم استبعاداً كاملاً عن قيادة الأمة! وقد تحققت وحدة الهدف، فبطون قريش ومن والاها كانت تريد القيادة لنفسها، والأحزاب الدينية والعربية القومية تريد القيادة لنفسها أيضاً، فالقيادة معشوقة الجميع وكافة شعارات الإنقاد والإصلاح ما هي إلا من قبيل الوسائل التي تقرب العاشقين من معشوقتهم السلطة أو القيادة! إنه برنامج دولة البطون الضاربة جذوره في أعماق نفوس الأكثرية الساحقة من المسلمين! واقتلاع هذه الجذور يحتاج إلى جهد جهيد وعون من الله كبير ومن دون اقتلاعها، ستراوح الأمة مكانها. فلا تدرك هدى ولا تتجنب ضلالة.

جلسة الحوار الحادية عشرة والأخيرة

قال صاحبنا: لقد قرأت أجوبتكم حول تساؤلاتي المتعلقة بوحدة المسلمين، ويمكنني القول، وبكل ارتياح: إنني الآن قد وقفت على حقيقة التشيع والشيعة من أوثق المصادر، ولا أشعر بأي حرج الآن لو أعلنت وعلى رؤوس الأشهاد،، وبكل وسائل الإعلان، إنني مع بني هاشم، ومع أهل بيت النبوة، وإنني من حزبهم أو من شيعتهم، لأن طريقهم هي الطريق الأصوب، ومنهاجهم هو منهاج النبوة.

ثم لماذا علي أن أشعر بهذا الحرج التقليدي؟ فلقد عرف التاريخ القديم الكثير من الناس الذين تشيعوا وتحزبوا لمن هم أقل مرتبة، وأدنى مقاماً من أهل


283

بيت النبوة وبني هاشم، فلقد تشيعت الأكثرية الساحقة من المسلمين وتحزبت لبني أمية وبني مخزوم وبني عدي وبني تيم ولرجالات هذه البطون ولم نشعر بالحرج، ولم يلمها أحد بل اعتبرت الأكثرية ذلك من فضائلها ومناقبها.

وفي العصر الحديث، وجدت أعداد كبيرة من المسلمين تتحزب وتتشيع لا بن تيمية، ولمحمد عبد الوهاب، ولحسن البنا، ولتقي الدين النبهاني، وحتى لميشيل عفلق وكارل ماركس، ولم تشعر بالحرج ولا لامها أحد لأنها تحزبت أو تشيعت لهذا الرجل أو ذاك، أو لهذا المعتقد أو ذاك تحت شعار عصر الحرية.

ولأن الحرية للجميع فإنني أعلن تشيعي وتحزبي لأهل بيت النبوة ولبني هاشم، أسأله تعالى أن يفتح على الأخ الكبير الذي بذل جهداً مميزاً وأنقذني من حيرتي..

فهرست آيات
ويزيد الله الذين اهتدوا هدى9
ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً14
... فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من (شيعته14
وجعل أهلها شيعاً14
... وإن من شيعته لإبراهيم14
... ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون15
... أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض15
يستبدل قوماً غيركم16
... إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ16
... إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً16
... ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون16
ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر16
وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل...16
ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين17
كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب17
ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر17
ولما رأى المؤمنون الأحزاب...17
يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب...17
ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون17
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية19
أولئك هم خير البرية20
من يطع الرسول فقد أطاع الله36
يهدون بأمرنا36
لما أنزل الله على نبيه (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم39
وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً41
إن أتبع إلا ما يوحى إلي41
أولئك هم خير البرية42
أولئك هم خير البرية51
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً79
اليوم أكملت لكم دينكم...95
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم97
فأتوا بسورة من مثله109
ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين113
وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد113
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون113
والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى115
وإنك لعلى خلق عظيم118
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي..118
ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى118
إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً119
وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً119
... ونزلنا عليك الكتاب $(1121
ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام158
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً171
فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين171
وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه177
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان..177
فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة..185
يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين186
والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين192
يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين195
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً215
ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون221
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون221
يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين..223
وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله228
قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني248