فهرست موضوعات
معتمد الأصول المجلّد الأول


5

مقدّمـة التحقيق

بسم اللّـه الرحمن الرحيم

الحمد للّـه ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آلـه الطيّبين الطاهرين، واللعن المؤبّد على أعدائهم أجمعين.

لم يعد خافياً على أحد ما لعلم الفقـه من أهمّيـة عظمى ودخا لـة مباشرة في الحياة العمليـة للفرد المسلم، وفي برمجـة مواقفـه الفرديـة والاجتماعيـة، فـ «ما من واقعـة إلاّ وللّـه سبحانـه فيها حكم» «ولم يدع شيئاً تحتاج إليـه الاُمّـة إلاّ أنزلـه في كتابـه وبيّنـه لرسولـه».

فلا غرو إن توسّع هذا العلم، وكثرت مطا لبـه، وتطوّرت أبحاثـه بنحو تنسجم ومعطيات الواقع المعاصر ; ذلك أنّ الاجتهاد لم يؤصد بابـه عند معاشر الإماميـة ـ كثّرهم اللّـه ـ ولم يبقَ حِكراً على طائفـة من الفقهاء المتقدّمين، فكم ترك الأوائل للأواخر ! ولهذا بلغ الفقـه الإمامي الذروة من حيث الدقّـة والتحقيق والسعـة والشموليـة.

ويبدو هذا واضحاً جلياً بمقايسـة علم الفقـه بسائر العلوم الإسلاميـة التي


6

ولدت معـه، كا لنحو والصرف وغيرهما، فبينما لزمت أمثال هذه العلوم سمـة الجمود والتحجّر، نجد علم الفقـه بديعاً في مسا لكـه، قشيباً في أدلّتـه، وما من يوم يمضي إلاّويزداد حداثـة وغضارة، وذلك بفتح باب الاجتهاد والاستنباط عندنا.

هذا، وترتكز عمليـة الاستنباط من الكتاب والسنّـة على مقدّمات عديدة وكثيرة، كعلم الاُصول والرجال والمنطق واللغـة... حيث يقوم كلّ منها بدوره في الاستنباط، إلاّ أنّ لعلم الاُصول عنصر الصدارة من بينها، بل لولاه لما تمكّن الفقيـه من الاستدلال، ولهذا أولاه علماؤنا عنايـة فائقـة من بين سائر المقدّمات الدخيلـة في الاستنباط، باذلين في تحقيقـه جهوداً خلاّقـة وأوقات شريفـة.

وقد تمخّضت هذه الجهود عن علم يفوق جميع العلوم العقليـة والنقليـة في شموليتـه واستيعابـه، وصلابتـه واستحكامـه، وعذوبتـه واسترسا لـه، وتوسّع توسّعاً كبيراً على يد المبتكرين والمفكّرين من علمائـه الذين أفردوا لـه دوائر عديدة وموسوعات كبيرة.

ومن جانب آخر فقد بعدت أفكاره عن المنال، وعزّت عرائس أفكاره على عقول الرجال ; نتيجةً لممارسة العباقرة لهذا العلم ومدارستهم لـه، فكان من الطبيعي أن يظهر على الجانب المعاكس تيّاران:

أحدهما: يهدف إلى تقليص هذا العلم وتلخيصـه، وحذف زوائده وفضولـه، ويعدّ المحقّق صاحب «ا لكفايـة» (رحمه الله) المؤسّس لهذا التيّار. إلاّ أنّـه ـ وللأسف ـ راح الوضوح والبيان ضحيةَ التلخيص، وتعقدّت «ا لكفاية» وصعب فهمها، ونشأ عن هذا الكثير من الشروح والحواشي التي لاتعبّر إلاّ عن رأي مؤلّفيها في غا لب الأحيان، والتي يقرنها أربابها بقولهم: «لعلّ مراده(قدس سره) كذا» أو «يحتمل كذا» ولو علم المحقّق الخراساني (رحمه الله) با لسلسلـة الطويلـة من الشروح التي أحدثتها


7

وتحدثها «كفايتـه» وعلم بما سيعانيـه دارسوها ومدرّسوها، لما اختصرها ولا اختزلها، ولكتبها موسّعـة مسهبـة، كاشفاً عن قناعها ; فإنّ طلسمـة كتاب دراسي أمر مرغوب عنـه عند مربّي الأجيال.

وثانيهما: التيّار الداعي إلى الحدّ من وضع المصطلحات الجديدة، وإ لى بيان جميع المقدّمات الدخيلـة في فهم المطا لب الاُصوليـة. وهذا لايعني الدعوة إلى الإطناب المملّ ولا الإيجاز المخلّ، كما هو واضح. وتعدّ مدرسـة المحقّق النائيني (رحمه الله) خير مثال لهذا التيّار البليغ ; حيث تظهر روح مطا لبها مجسّدة بقا لب من الألفاظ الفصيحـة البليغـة.

ومع كلّ المزايا التي تجلّت في مدرستي العلاّمتين الخراساني والنائيني(رحمهما الله)فقد انطوتا في بعض مواضعهما على الخلط بين التكوين والتشريع، والوحدة الحقيقيـة والوحدة الاعتباريـة، وعلى عدم الوصول إلى مغزى بعض المسائل الفلسفيـة التي جعلت أساساً للمسألـة الاُصوليـة، فجاء الدور لمدرسـة السيّد الإمام الخميني ـ أعلى اللّـه مقامـه الشريف ـ ليضع حدّاً فاصلا بين الحقيقـة والاعتبار في المسائل الاُصوليـة، ففيها ما يحكّم فيـه العرف الساذج وإن خا لف الدقّـة العقليـة والبراهين الفلسفيـة، وفيها ما يرجع فيـه إلى المباني الفلسفيـة والحكمـة المتعا ليـة، فالإفراط والتفريط في الاتكاء على علم المعقول، كلاهما على جانب كبير من الخطأ.

ونظراً لرسوخ الإمام العلاّمـة في الحكمـة وإحاطتـه ببواطن اُمورها وخفيّات مسائلها، لذا أبان الكثير منها عند مساس الحاجـة إليها، ففي مبحث تعلّق الأوامر با لطبائع أو الأفراد لم يوافق المحقّق الخراساني على التمسّك بقاعدة «ا لماهيـة من حيث هي ليست إلاّ هي» مشيراً إلى أنّ منظور الحكماء بهذه


8

ا لقضيـة هو الحمل الأوّلي الذاتي، لا الشائع الصناعي الذي هو مقصود الاُصولي.

كما لم يسلّم ما هو المعروف بين الفلاسفـة والاُصوليّين من اعتباريـة تقسيم الماهيـة والأجناس والفصول، ذاهباً إلى أنّ تقسيم الماهيـة إلى أقسامها الثلاثـة إنّما يكون بلحاظ الواقع ونفس الأمر ; إذ مجرّد اعتبار شيء لابشرط، لايوجب انقلاب الواقع وصيرورة الشيء قابلا للاتحاد والحمل، كما أنّ اعتباره بشرط لا، لايحدث المغايرة ولايمنع الحمل، وإلاّ لاختلف الواقع بحسب الاعتبار، ولصارت ماهيـة واحدة متحدة مع شيء وغير متحدة معـه بعينـه، وهو واضح البطلان، وعلى ضوء هذه الدقـة بحث عن المراد من المادّة والصورة والفرق بينهما وبين الجنس والفصل وأبدى الخلط الواقع في كلام الحكماء في المسألـة.

ومن المسائل التي برع في تحقيقها تحقيقاً حكمياً المسأ لـة المعروفـة التي شغلت بال الفلاسفـة والاُصوليين ; أعني مسألـة الطلب والإرادة، حيث أفرد لها رسا لـة مستقلّـة، وأفرغ فيها من ذوقـه المتألّـه ما يعجز عن نيلـه أكابر الفلاسفـة والحكماء و(ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) وقد قامت المؤسّسـة بتحقيقها، وسيتمّ طبعها في القريب العاجل إن شاء اللّـه تعا لى.

وهناك شواهد اُخرى كثيرة لم يسعنا استقصاؤها في هذه العجا لـة، يظهر منها أنّ الإمام الخا لد (رحمه الله) قد أرسى قواعد مدرستـه الاُصوليـة على ركائز من الحكمـة المتعا ليـة، فلئن عبثت يد الطاغوت بتراث الإمام الفلسفي، ولم ينجُ منها إلاّ النزر اليسير، ففي أبحاثـه الاُصوليـة معا لم لمدرستـه الفلسفيـة، وفيها ضالّـة الفيلسوف وبغيـة العارف.

هذا، والمدرسـة الخمينيـة شجرة طيّبـة ; آتت اُكلها كلّ حين بإذن ربّها، وتخرّج منها الكثير من العلماء والمحقّقين ومراجع الدين العاملين ـ أيّدهم اللّـه


9

تعا لى ـ نخصّ منهم با لذكر هنا: آيـة اللّـه العظمى المحقّق المجاهد الشيخ الفاضل اللنكراني ـ أدام اللّـه أيّام عوائده ـ حيث لازم الإمام الراحل ـ طاب ثراه ـ سنوات عديدة، ونهل من معينـه العذب فقهاً واُصولا، وكتب الكثير من الأبحاث الراقيـة التي أفاضها الإمام العظيم (رحمه الله) أثناء إقامتـه بمدينـة قم المشرّفـة، فجاءت تقريراتـه آيـة في وضوحها وسلاستها، ومثالا في تجرّدها من الزوائد والفضول، لذا آثرت مؤسّسـة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني(قدس سره) نشر ما التقطـه دام ظلّـه من لآلئ بحث اُستاذه (رحمه الله) في الاُصول، رغم عدم تماميتـه أوّلا وآخراً ; لما رأتـه من المزيـة التي تفرّد بها سماحـة العلاّمـة الحجّـة الفاضل حفظـه اللّـه سائلةً لجنابـه دوام الصحّة والعمر المديد ; إنّـه سميع مجيب.

مؤسّسـة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني(قدس سره)

فرع قم المقدّسـة


10

11

بسم اللّـه الرحمن الرحيم

الحمد للّـه ربّ العالمين،

والصلاة والسّلام على خير خلقـه محمّد وعلى آلـه الطيّبين الطاهرين،

ولعنـة اللّـه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين


12

13

المقصد الأوّل

في الأوامر

وفيـه فصول:


14

15

الفصل الرابع

في مقدّمـة الواجب

وا لبحث حول هذه المسأ لـة يستدعي تقديم اُمور:

الأمر الأوّل

في تحرير محل النزاع

وقبل الخوض في تحرير محلّ النزاع وإقامـة الدليل نمهِّد مقدّمةً، وهي: أ نّـه لا إشكال في أ نّـه إذا أراد الإنسان شيئاً لـه مقدّمـة أو مقدّمات فلا محا لـة تتعلّق إرادة اُخرى بإتيان المقدّمات، وهذه الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمات ليست مترشّحةً من الإرادة المتعلّقـة بإتيان ذي المقدّمـة بمعنى أ نّـه كما تكون الإرادة علّةً فاعليّة لتحقّق المراد في الخارج كذلك تكون موجدةً لإرادة اُخرى مثلها متعلّقـة بمقدّمات المراد الأوّلي، بل كما أنّ الإرادة المتعلّقـة با لغرض الأقصى والمطلوب الأوّلي ـ كلقاء الصديق مثلاً ـ مخلوقـة للنفس ومتحقّقـة بفعّا ليتها كذلك الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمات ـ كا لذهاب إلى داره مثلاً ـ موجدة بفاعليـة النفس، غايـة الأمر أنّ الاشتياق الحاصل با لمراد إنّما هو متعلّق بنفس المراد فيما


16

لو كان هو الغرض الأقصى والمطلوب الأصلي ومتعلّق بما يكون المراد من شرائط وجود شيء آخر فيما لم يكن المراد هو المنظور إليـه با لذات.

وبا لجملـة فا لفائدة المترتّبـة على المراد، التي هي من شرائط تحقّق الإرادة إنّما هي مترتّبـة على نفس المراد في الصورة الاُولى، ومترتّبـة على شيء آخر يكون المراد دخيلاً في تحقّقـه في الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمات.

هذا فيما لو كان الغرض الإتيان با لفعل بنفسـه، وأمّا لو كان المقصود إتيان العبد بـه بتوسيط الأمر فهنا شيئان: البعث والتحريك الصادر من المولى بسبب الأمر والإرادة المتعلّقـة بهذا البعث.

إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: لايخفى أنّ ما ذكره المحقّقين من الاُصوليّين من أنّ النزاع في باب المقدّمـة إنّما هو في الملازمـة لا في وجوبها لتكون المسأ لـة فقهيّةً(1) يحتمل أن يكون المراد بها الملازمة بين البعث الفعلي المتعلّق بذي ا لمقدّمـة وبين البعث الفعلي نحو المقدّمـة، وأن يكون المراد الملازمـة بينـه وبين البعث التقديري نحو المقدّمـة بمعنى أنّ المقدّمـة يتعلّق بها البعث في الاستقبال لامحا لـة وإن لم يتعلّق بها فعلاً، وأن يكون المراد الملازمـة بين الإرادة الحتميّـة الفعليّـة المتعلّقـة با لبعث إلى ذي المقدّمـة وبين الإرادة الفعليّـة المتعلّقـة با لبعث إلى المقدّمـة، وأن يكون المراد الملازمـة بينها وبين الإرادة التقديريـة المتعلّقـة با لبعث إلى المقدّمـة.

وكلٌّ من هذه الاحتمالات المتصوّرة ممّا لايمكن أن يكون محلاّ للنزاع ومورداً للنقض والإبرام.

1 ـ مطارح الأنظار: 37 / السطر 6، كفاية الاُصول: 114، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 216، نهاية الأفكار 1: 259.


17

أمّا الأوّل: فلأنّـه من الواضح عدم كون كثير من المقدّمات بل جميعها مبعوثاً إليها بمجرّد البعث إلى ذي المقدّمـة.

وأمّا الثاني: فلأنّـه لامعنى ـ بناءً عليـه ـ للقول با لملازمـة ; إذ لايعقل تحقّق الملازمـة الفعليّـة بين المتلازمين اللّذين أحدهما موجود با لفعل والآخر موجود با لتقدير بمعنى أ نّـه لم يوجد بعدُ وسيوجد في الاستقبال ; إذ الملازمـة من قبيل الاُبوّة والبنوّة، فكما أ نّـه لايعقل تحقّق الاُبوّة للشخص الذي يصير ذا ولد في الاستقبال للتضايف الحاصل بينها وبين البنوّة، ومن شأن المتضايفين عدم إمكان الانفكاك بينهما في الوجود الخارجي بل الوجود الذهني، كذلك تحقّق الملازمـة الفعليـة وثبوتها بين الشيئين متوقّف على تحقّقهما في الخارج وثبوتهما با لفعل، وهذا واضح جدّاً.

وأمّا الثالث: فلأنّـه كثيراً ما يكون جميع المقدّمات أو بعضها مغفولاً عنها، وحينئذ فلايمكن تعلّق الإرادة با لبعث إليها ; إذْ لايعقل أن يكون المراد مغفولاً عنـه.

وقد عرفت بما مهّدناه لك: أنّ الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمات إنّما تتحقّق بفعّا ليـة النفس، وليست مترشّحةً وموجدةً بالإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة، فراجع، وحينئذ فلايعقل أن يكون الشيء متّصفاً بأ نّـه مراد مع كونـه مغفولاً عنـه با لنسبـة إلى المريد، كيف ومن مقدّمات الإرادة تصوّر الشيء والتصديق بفائدتـه والاشتياق إليـه، ولايمكن اجتماع هذه مع الغفلـة أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

وأمّا الرابع: فلما ذكر في الاحتمال الثاني من أ نّـه يستحيل تحقّق الملازمـة بين الموجود با لفعل والموجود با لتقدير.

فانقدح بما ذكرنا: أنّ جعل النزاع في الملازمـة با لوجوه المذكورة ممّا لاوجـه لـه ; إذ لايمكن أن يكون ذلك محلّ النزاع، كما عرفت.


18

والتحقيق أن يقال: إنّ محلّ الكلام ومورد النقض والإبرام هي الملازمـة بين الإرادة الفعليـة المتعلّقـة بذي المقدّمـة وبين الإرادة الفعليـة المتعلّقـة بما يراه المريد مقدّمـة.

توضيح ذلك: أ نّـه لاشبهـة في أنّ الإرادة قد تتعلّق بما لايترتّب عليـه فائدة بل ربّما يرجع بسببـه ضرر إلى الفاعل المريد، وليس ذلك إلاّ لكون المريد معتقداً بترتّب فائدة عليـه، كما أ نّـه قد يأبى عن الإتيان بفعل بتخيّل أن المترتّب عليـه ضرر راجع إليـه مع كونـه في الواقع ذا نفع عائد إليـه.

وبا لجملـة فالإنسان ربّما يشتاق إلى فعل ; لتخيّلـه أ نّـه ذو نفع فيريده، وربّما ينزجر عن فعل آخر ; لتوهّمـه أ نّـه بلا نفع، فينصرف عنـه، مع أنّ الأمر في الواقع با لعكس، فليس تحقّق الإرادة متوقّفاً على النفع الواقعي، وعدمها على عدمـه.

هذا في الإرادة المتعلّقـة بنفس الفعل، وأمّا الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمات فهي أيضاً كذلك بمعنى أ نّـه قد يتخيّل المريد بأنّ مراده متوقّف على شيء فيريده مع أ نّـه لم يكن من شرائط وجوده في الواقع، كما أ نّـه ربّما لايريد المقدّمات الواقعيـة ; لتوهّمـه أ نّها لاتكون مقدّمات.

هذا في إرادة الفاعل، وأمّا الآمر: فإذا أمر بشيء لـه مقدّمات، فا لنزاع واقع في تحقّق الملازمـة بين الإرادة المتعلّقـة بذي المقدّمـة وبين الإرادة المتعلّقـة بما يراه مقدّمـة لا المقدّمات الواقعيـة.

نعم لو أخطأ في تشخيص المقدّمات، فيجب على العبد تحصيل المقدّمات الواقعيـة مع علمـه بخطأ المولى لا من باب تعلّق إرادة المولى با لمقدّمات الواقعيـة، كيف وهي غير متوجهـة إليها، فلايمكن أن تصير مرادةً، بل من باب وجوب تحصيل غرض المولى مع الاطّلاع عليـه وإن لم يتعلّق بـه أمر أصلاً.


19

هذا، وحيث إنّ العمدة في مورد البحث هي المقدّمات الشرعيـة، ومن المعلوم أنّ ما يراه الشارع مقدّمـة ليس متخلّفاً عن الواقع، فيصحّ النزاع في الملازمـة بين الإرادة المتعلّقـة بذي المقدّمـة وبين الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمات الواقعيـة.

هذا غايـة ما يمكن أن يقال في تحرير محلّ النزاع.

الأمر الثاني

هل مسألـة مقدّمـة الواجب من المسائل الاُصوليّـة؟

ثمّ إنّـه يقع الكلام بعد ذلك في أنّ المسأ لـة اُصوليـة أو من المبادئ الأحكاميـة أو فقهيّـة.

ولايخفى أ نّـه إن قلنا بأنّ المسائل الاُصوليـة هي ما يبحث فيها عن عوارض الحجّـة في الفقـه بناءً على أنّ الموضوع لعلم الاُصول هي الحجّـة في الفقـه(1)، فلايكون النزاع في باب المقدّمـة الراجع إلى النزاع في ثبوت الملازمـة وعدمها نزاعاً في المسأ لـة الاُصوليـة ; إذ لايبحث فيها عمّا يعرض الحجّـة في الفقـه، وهذا واضح.

وإن قلنا بأنّ مسائل علم الاُصول عبارة عن القواعد التي يمكن أن تقع كبرى لقياس الاستنباط أو التي ينتهي إليها في مقام العمل بعد عدم الدليل ـ كما هو المختار المحقَّق في موضعـه(2) ـ فمن الواضح أنّ المقام من المسائل الاُصوليـة، كما لايخفى.

1 ـ نهايـة الاُصول: 15.

2 ـ مناهج الوصول 1: 51 ـ 54.


20

هل المسألـة عقليـة أو لفظيـة؟

ثمّ إنّـه بعـد الفراغ عن كونها مسأ لـة اُصوليـة يقع الكلام في أ نّها اُصوليـة عقليـة أو لفظيـة ؟

وا لتحقيق أن يقال بابتناء ذلك على كون الدلالـة الالتزاميـة من الدلالات اللفظيـة، نظير المطابقـة والتضمّن، وعدمـه، كما هو الحقّ، فإن قلنا بالأوّل، تكون مسأ لةً اُصولية لفظية، ولعلّـه الوجـه في ذكر المسأ لة في مباحث الألفاظ.

وإن قلنا با لثاني، تكون عقليةً ويمكن أن يقال بكون المقام مسأ لة اُصولية عقليـة وإن قلنا بكون الدلالـة الالتزاميـة من الدلالات اللفظيـة.

توضيحـه: أنّ عدّ الدلالـة الالتزاميـة من الدلالات اللفظيـة إنّما هو فيما إذا كان الملزوم هو المدلول المطابقي للّفظ، فهو يدلّ أوّلاً عليـه، وبتوسيطـه يدلّ على المعنى اللازم لمدلولـه المطابقي، وهنا ليس كذلك ; لأنّ النزاع في ثبوت الملازمـة بين الإرادة المتعلّقـة با لبعث إلى ذي المقدّمـة وبين الإرادة المتعلّقـة با لبعث إلى المقدّمـة، فا لتلازم على فرض ثبوتـه إنّما هو بين الإرادتين، ومن المعلوم أ نّـه لاتكون إحداهما مدلولاً مطابقيّاً للّفظ حتى يدلّ اللّفظ بتوسيطـه على الآخر، بل مفاد اللّفظ هو البعث المتعلّق بذي المقدّمـة، وهو وإن كان كاشفاً عن ثبوت الإرادة القبليـة إلاّ أنّ ذلك ليس من باب الدلالـة اللفظيـة عليـه، بل من باب أنّ الفعل الاختياري كاشف عن ثبوت الإرادة المتعلّقـة بـه قبلـه.

وبالجملـة: فلم يكن أحد المتلازمين مدلولاً مطابقياً للّفظ أصلاً، بل كلاهما خارجان عن معناه الموضوع لـه، وحينئذ فليس إلى ادّعاء الدلالـة اللفظيـة في المقام سبيل أصلاً، كما هو واضح لايخفى.


21

الأمر الثالث

في تقسيمات المقدّمـة

ثمّ إنّـه ربّما تقسّم المقدّمـة بتقسيمات لابدّ من ذكرها وبيان أنّ أيّ قسم منها داخل في محلّ البحث ومورد النزاع.

تقسيم المقدّمـة إلى الخارجيّـة والداخليّـة

فنقول: من التقسيمات تقسيمها إلى الخارجيـة والداخليـة، والمراد بالأوّل هي الاُمور الخارجـة عن حقيقـة المأمور بـه التي لايكاد يمكن تحقّقـه بدون واحد منها، وبا لثاني هي الاُمور التي يتركّب منها المأمور بـه، ولها مدخليـة في حقيقتـه.

لا إشكال في كون المقدّمات الخارجيـة داخلـة في مورد البحث، وإنّما الكلام في المقدّمات الداخليـة، وأ نّها هل تكون داخلةً في محلّ النزاع أم لا ؟

قد يقال باختصاص البحث بخصوص المقدّمات الخارجيـة ; لأنّ الأجزاء لاتكون سابقةً على الكلّ ومقدّمةً عليـه ; لأنّ الكلّ ليس إلاّ نفس الأجزاء بالأسر(1).

وقد ذكر بعض الأعاظم في دفع الإشكال أنّ المقدّمـة عبارة عن نفس الأجزاء بالأسر، والمركّب عبارة عن تلك الأجزاء بشرط الانضمام والاجتماع، فتحصل المغايرة بينهما(2).

1 ـ اُنظر هداية المسترشدين: 216 / السطر 6.

2 ـ كفايـة الاُصول: 115.


22

هذا، ولايخفى أنّ هذا الكلام لايدفع بـه الإشكال ; لأنّ مجرّد المغايرة الاعتباريـة بينهما الراجعـة إلى أنّ في الواقع لايكون إلاّ أمر واحد وشيء فارد لايصحّح عنوان المقدّميـة المتوقّف على أن يكون هنا شيء متقدّم في الوجود على ذيها وسابق عليها ; إذ لايعقل أن يتقدّم شيء واحد على نفسـه، وهذا واضح.

وتحقيق المقام أن يقال: إنّ المركّبات على قسمين:

الأوّل: المركّبات الحقيقيـة.

الثاني: المركّبات غير الحقيقيـة.

وا لمراد بالأوّل هي المركّبات من الجنس والفصل والمادّة والصورة.

ولايخفى أنّ هذا القسم خارج عن محلّ البحث بالاتّفاق ; لأنّ الجنس والفصل من الأجزاء التحليليـة العقليـة ولا وجود لها في الخارج، والصورة والمادّة وإن كانتا موجودتين في الخارج إلاّ أ نّـه لا امتياز بينهما وبين المركّب منهما ليتوقّف عليهما، وهذا واضح.

وا لمراد با لقسم الثاني هو المركّب من الأشياء المتخا لفـة الحقائق والاُمور المتبائنـة، وهو على قسمين:

الأوّل: المركّبات الصناعيـة، وهي المركّب من الاُمور المتعدّدة بحيث يكون لذلك المركّب عنوان واحد من دون توقّف على أن تكون وحدتها معتبرةً باعتبار معتبر، وهذا كا لمسجد والدار والبيت والسرير وأمثا لها.

والثاني: المركّبات الاعتباريـة، وهي المركّب من الاُمور المتعدّدة الملحوظـة بنظر الوحدة لأجل مدخليتها بتمامها في حصول غرض واحد، وترتّب مصلحـة واحدة عليها، وهذا كأكثر المركّبات.

وهذان القسمان قد وقعا محلّ الخلاف في أ نّـه هل يكونان داخلين في مورد النزاع أم لا.


23

إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: إذا أراد الفاعل بناء مسجد مثلاً، فلا إشكال في أ نّـه يتصوّره وما يترتّب عليـه من الفوائد ثمّ يشتاق إليـه ثمّ يُريده، وربّما لايتوجّـه إلى أجزاء المسجد في مقام تعلّق الإرادة ببنائـه أصلاً، بل تكون كلّها مغفولاً عنها.

ثمّ إذا شرع في العمل ورأى أنّ تحقّق المسجد يتوقّف على اُمور متعدّدة، فلا محا لـة يريد كلّ واحد منها ; لتوقّف حصول الغرض الأقصى عليـه.

غايـة الأمر أنّ الإرادة المتعلّقـة بها ليست لأجل نفسها، بل لحصول غيرها، لا أن تكون تلك الإرادة مترشّحةً عن الإرادة المتعلّقة ببناء المسجد ومسبّبةً عنها، كما عرفت في صدر المبحث، وقد حقّق في محلّـه أنّ تعيّن الإرادة وتشخّصها إنّما هو با لمراد بمعنى أ نّـه لايمكن تحقّقها بدون المراد، كما يشهد بـه الوجدان، ويدلّ عليـه البرهان(1). وكذلك لايمكن تعلّق إرادة واحدة بمرادات متعدّدة، بل كلّ مراد يحتاج إلى إرادة مستقلّـة، وحينئذ فالإرادة المتعلّقـة ببناء المسجد ليست هي الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمات، وإلاّ لزم تعدّد المراد مع إرادة واحدة.

وبالجملـة: فا لمسجد عنوان واحد قد تتعلّق بـه الإرادة لما يترتّب عليـه من الفوائد، وفي هذه الإرادة لامدخليـة للأجزاء أصلاً بمعنى أ نّـه لو سُئل المريد عن الاشتياق با لمقدّمات لأجاب بنفيـه، وعدم كونها مرادةً أصلاً، ثمّ بعد علمـه بتوقّفـه عليها يريدها بالإرادة الغيريـة ; إذ من المعلوم أنّ كلّ واحد من المقدّمات يغاير المراد الأوّلي، فكما أنّ كلّ واحد من المقدّمات الخارجيـة يصير مرادةً بالإرادة الغيريـة فكذلك المقدّمات الداخليـة بلا فرق بينهما أصلاً.

1 ـ الحكمـة المتعاليـة 6: 323.


24

وما يظهر من بعض الكلمات من أنّ المقدّمـة هي الأجزاء بالأسر(1) إن اُريد با لمجموعيـة عموم الأجزاء با لعموم الاستغراقي الراجع إلى أنّ المقدّمـة هي كلّ واحد من الأجزاء مستقلاّ، فنحن لانمنعـه، ولكن هذا لايوجب الفرق بينها وبين المقدّمات الخارجيـة أصلاً، كما هو واضح.

وإن اُريد بها عموم الأجزاء با لعموم المجموعي الراجع إلى أنّ المجموع مقدّمـة، فيرد عليـه: أنّ الوجدان شاهد على خلافـه ; لعدم تحقّق ملاك المقدّميـة ـ وهو التوقّف ـ إلاّ في كلّ واحد من الأجزاء.

هذا، مضافاً إلى أنّ الأجزاء بالأسر هو المركّب لا المقدّمات.

ثمّ بما ذكرنا ظهر أمران:

الأوّل: تحقّق ملاك المقدّميـة في الأجزاء.

الثاني: كونها داخلةً في محلّ النزاع ; لعدم لزوم اجتماع المثلين بعد فرض أنّ متعلّق الإرادة النفسيـة هي عنوان المسجد مثلاً، ومتعلّق الإرادة الغيريـة هي كلّ واحد من الأجزاء.

ثمّ إنّا جعلنا المثال في إرادة الفاعل وفي القسم الأوّل من المركّبات، وعليك مقايسـة إرادة الآمر بإرادة الفاعل والقسم الثاني بالأوّل.

دفعُ وَهم: في أنحاء الوحدة الاعتباريّـة

ثمّ إنّـه ذكر المحقّق العراقي ـ على ما في التقريرات المنسوبـة إليـه ـ أنّ الوحدة الاعتباريـة يمكن أن تكون في الرتبـة السابقـة على الأمر بأن يعتبر عدّة اُمور متبائنـة شيئاً واحداً بلحاظ مدخليتها في حصول غرض واحد، ويمكن أن

1 ـ كفايـة الاُصول: 115.


25

تكون في الرتبـة المتأخّرة بحيث تنتزع من نفس الأمر بلحاظ تعلّقـه بعدّة اُمور، فيكون تعلّقـه بها منشأً لانتزاع الوحدة لها الملازمـة لاتّصافها بعنواني الكلّ والأجزاء.

ثمّ ذكر بعد ذلك أنّ الوحدة با لمعنى الثاني لايعقل أن تكون سبباً لترشّح الوجوب من الكلّ إلى الأجزاء بملاك المقدّميـة ; لأنّ الجزئيـة والكلّيـة الملزومـة لهذه الوحدة ناشئـة من الأمر على الفرض، فتكون المقدّميّـة في رتبـة متأخّرة عن تعلّق الأمر با لكلّ، ومعـه لايعقل ترشّحـه على الأجزاء ; لأنّ الأمر الغيري إنّما يتعلّق بما يكون مقدّمةً مع الغضّ عن تحقّق الأمر، ولايمكن تعلّقـه بما لايكون مقدّمةً في رتبة سابقة على الأمر، فا لنزاع في تعلّق الوجوب الغيري ينحصر با لقسم الأوّل(1). انتهى.

ولايخفى أنّ في كلامـه(قدس سره) خلطاً من وجهين:

الأوّل: أنّ جعل أشياء متعدّدة متعلّقةً لأمر واحد لايمكن إلاّ بعد كون المصلحـة قائمةً بهيئتـه الاجتماعية، وإلاّ فمع كون كلّ واحد منها ذا مصلحة مستقلّة موجبـة لتعلّق إرادة مستقلّـة بها لايمكن اجتماعها في متعلّق أمر واحد.

وبا لجملـة فتعلّق الأمر بالأشياء المتعدّدة متوقّف على تصوّرها با لنحو الذي يترتّب المصلحـة عليها، وذلك النحو ليس إلاّ اجتماع كلّ مع الآخر، فالاجتماع ملحوظ لامحا لـة قبل تعلّق الأمر ; إذ المصلحـة المنظورة إنّما يترتّب عليها مع هذا الوصف، ولا نعني با لوحدة إلاّ لحاظ الأشياء المتغائرة مجتمعةً كلّ واحد منها مع الآخر لامفهوم الوحدة كما لايخفى، فلا فرق بين القسمين في أنّ الوحدة في كليهما ملحوظـة قبل تعلّق الأمر أصلاً.

1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 315 ـ 316.


26

الثاني: أ نّـه لو سلّمنا أنّ انتزاع الوحدة الملازمـة لاتّصاف الأشياء بعنواني الكلّ والأجزاء إنّما هو بعد تعلّق الأمر بها، ولكن نقول: إنّ النزاع في باب المقدّمـة إنّما هو فيما يتوقّف عليـه المأمور بـه واقعاً، ولايكاد يمكن تحقّقـه بدونـه، لا في عنوان المقدّميـة ; ضرورة أ نّها لم تكن متوقّفاً عليها أصلاً، وحينئذ فمجرّد أنّ عنوان المقدّميـة يتوقّف اتّصاف الأجزاء بـه على تعلّق الأمر لايوجب خروج الأجزاء عن توقّف المأمور بـه عليها واقعاً.

مضافاً إلى أنّ عنوان المقدّميـة إنّما هو من العناوين الإضافيـة التي من شأنها أن يتحقّقا معاً من دون توقّف بينهما أصلاً، نظير العلّيّـة والمعلوليـة، فإنّ العلّـة منشأ لصدور المعلول بذاتها ومتقدّمـة عليـه بحقيقتها لابوصف العلّيّـة، فإنّها من الاُمور الإضافيـة، وعروضها للعلّـة إنّما هو في مرتبـة عروض وصف المعلوليـة للمعلول من دون تقدّم وتأخّر أصلاً. وهذا واضح جدّاً.

التفصيل بين العلّـة التامّـة وغيرها

ثمّ إنّـه قد يفصّل في المقدّمات الخارجيـة بين العلّـة التامّـة وغيرها بخروج الأوّل من مورد النزاع، وذلك ; لأنّ إرادة الأمر لابدّ أن تتعلّق بما يمكن أن تتعلّق بـه إرادة الفاعل، وهي لايمكن أن تتعلّق با لمعلول ; لأنّـه يكون خارجاً عن قدرة الفاعل، فمتعلّق القدرة هي العلّـة، فالأمر لابدّ أن يتعلّق بها دون المعلول.

وفيـه: أ نّـه على فرض صحّتـه لايكون تفصيلاً في محلّ النزاع ; لأنّ مرجعـه إلى أنّ الأمر المتعلّق با لمسبّب يجب أن ينصرف إلى علّتـه، والنزاع إنّما هو على تقدير تعلّق الأمر با لمسبّب، كما هو واضح.

هذا، مضافاً إلى بطلانـه من رأس ; فإنّ المسبّب وإن لم يكن من فعل الفاعل من دون وسط، إلاّ أ نّـه يصحّ انتسابـه إليـه ; لتعلّق القدرة بـه ولو بواسطـة، فيصحّ


27

تعلّق الأمر بالإحراق ; لصحّـة استناده إلى المكلّف وإن كان متحقّقاً بمقتضى طبيعـة النّار، إلاّ أ نّـه مقدور للمكلّف ; لقدرتـه على الإلقاء فيـه.

وهذا واضح جدّاً، وإلاّ لم يكن كثير من الأفعال مقدوراً للمكلّف ; لتوقّفها غا لباً على بعض المقدّمات. والإشكال لاينحصر با لعلّـة التامّـة ; إذ كلّ فعل فهو غير مقدور للمكلّف إلاّ مع مقدّمتـه، كما لايخفى.

ومن تقسيمات المقدّمـة: تقسيمها إلى الشرعيّـة والعقليّـة والعاديّـة.

ومن تقسيمات المقدّمـة: تقسيمها إلى مقدّمـة الصحـة ومقدّمـة العلم ومقدّمـة الوجود ومقدّمـة الوجوب.

وا لكلام فيها ما ذكره المحقّق الخراساني(قدس سره) في الكفايـة(1)، فلا نطيل با لتعرّض لما ذكره(قدس سره).

تقسيم المقدّمـة إلى المتقدّمـة والمقارنـة والمتأخرّة

ومن تقسيمات المقدّمـة: تقسيمها إلى المقدّمـة المتقدّمـة والمقارنـة والمتأخّرة بحسب الوجود با لنسبـة إلى ذي المقدّمـة.

وقد اُشكل في الأوّل والأخير بأ نّـه لاريب في أنّ المقدّمـة من أجزاء العلّـة التامّـة، ولابدّ من تقدّمها بجميع أجزائها على المعلول، فلايعقل تقدّم المقدّمـة وتأخّره(2)، ومع ذلك فقد ورد في الشرع ما بظاهره مخا لف لهذه القضيّـة العقليّـة ا لدالّـة على امتناع تأخّر العلّـة عن معلولها، وكذلك تقدّمها زماناً، وذلك كالإجازة في عقد الفضولي بناءً على الكشف الحقيقي، والأغسال الليليـة المعتبرة في

1 ـ كفايـة الاُصول: 116 ـ 117.

2 ـ بدائع الأفكار، المحقّق الرشتي: 301 / السطر 27 ـ 28.


28

صحّـة صوم المستحاضـة، والعقد في الوصيـة ونظائرها، بل كلّ عقد من حيث إنّ أجزاءه توجد متدرّجةً، فعند تماميتـه انعدمت أجزاؤه المتقدّمة وغيرها من الموارد.

ولايخفى أنّ الموارد التي تكون بظاهرها مخا لفاً للقاعدة العقليـة لايخلو إمّا أن يكون شرطاً للتكليف أو للوضع أو للمكلّف بـه.

ما أفاده المحقّق العراقي(قدس سره) في المقام

ومن المحقّقين من المعاصرين مَنْ جوّز وقوعـه في التكوينيّات أيضاً.

واستدلّ على الجواز في الجميع بما حاصلـه: أ نّـه لاشبهـة في أنّ المقتضي لتحقّق المعلول حصّـة خاصّـة من طبيعي المقتضي، لا أنّ نوعـه وطبيعتـه يقتضي ذلك ويؤثّر فيـه.

مثلاً: النار تقتضي وتؤثّر في وجود الإحراق لكن ليس المؤثّر في تحقّق الإحراق هي طبيعـة النار ونوعها، بل المؤثّر حصّـة خاصّـة من طبيعتها، وهي النار التي تماسّ الجسم المستعدّ با ليبوسـة لقبول الاحتراق، وأمّا الحصّـة التي لاتتحصّص بخصوصيـة المماسّـة والقرب من الجسم المستعدّ للاحتراق، فهي لاتعقل أن تؤثّر الأثر المترتّب على الحصّـة الاُولى، وتلك الخصوصيـة التي بها تحصّصت الحصّـة المقتضيـة للمعلول لابدّ لها من محصّل في الخارج، وما بـه تحصل تلك الخصوصيـة يسمّى شرطاً، وهذه الخصوصيـة عبارة عن إضافـة قائمـة بتلك الحصّـة المقتضيـة حاصلـة من إضافـة الحصّـة المزبورة إلى شيء مّا، وذلك الشيء المضاف إليـه هو الشرط، فا لمؤثّر في المعلول إنّما هو نفس تلك الحصّـة، والشرط محصّل لخصوصيتها، وهو طرف الإضافـة المزبورة، وما يكون


29

شأنـه كذلك جاز أن يتقدّم على ما يضاف إليـه أو يقترن بـه أو يتأخّر عنـه(1). انتهى خلاصـة كلامـه.

ولايخفى أ نّـه ـ بعد تسليم جميع ما ذكره من أنّ المؤثّر هي الحصّـة من معنى أو الشرط ـ يرد عليـه: أنّ الإضافـة من الاُمور القائمـة با لطرفين: المضاف والمضاف إليـه، فا لمضاف فيما نحن فيـه وصف للحصّـة المؤثّرة في المعلول، والمضاف إليـه وصف لما عبّر عنـه با لشرط، وحينئذ فنقول: لا إشكال في أنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت لـه في ظرف الاتّصاف، ولهذه القاعدة الفرعيـة قد ثبت أنّ القضايا يتوقّف صدقها ومطابقتها مع الواقع على ثبوت موضوعاتها ما عدا القضيّـة السا لبـة المحصّلـة ; فإنّـه لايشترط في صدقها وجود الموضوع، وأمّا غيرها من القضايا سواء كانت سا لبةً معدولة أو موجبةً محصّلة أو سا لبة المحمول فهي مشروطـة بوجود الموضوع ضرورة، وحينئذ فالإضافـة إلى الشرط إن كانت محقّقةً با لفعل، فلازمـه اتّصاف أحد الطرفين بأ نّـه مضاف والآخر بأ نّـه مضاف إليـه، ولايعقل أن يصير المعدوم متّصفاً بأ نّـه مضاف إليـه ; لما عرفت من القاعدة الفرعيـة، وإن لم تكن الإضافـة ثابتةً فعلاً، فتأثير الحصّة في المعلول غير معقول، كما اعترف بـه(قدس سره).

وممّا ذكرنا يظهر الجواب عمّا ربّما يقال: من أنّ الشرط هو التقدّم أو التأخّر أو التعقّب ونظائرها، وذلك لأنّ صدق عنوان التقدّم لايعقل إلاّ مع صدق عنوان التأخّر للمتأخّر، ومع كونـه معدوماً فعلاً يستحيل اتّصافـه بعنوان التأخّر، كما هو واضح.

فانقدح من جميع ما ذكرنا أنّ التوجيـه بما ذكر ليس إلاّ كرّاً على ما فرّ منـه

1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 320.


30

من مخا لفـة القاعدة العقليـة، كما عرفت.

والتحقيق أن يقال: أمّا شرائط التكليف: فلايخفى أنّ الشرط فيـه مقارن للتكليف ; لأنّ شرطـه ليس هي القدرة الواقعيـة في زمان الامتثال حتى يقال بأ نّـه كيف يمكن أن يؤثّر الأمر المتأخّر المعدوم فعلاً في الأمر الموجود كذلك، بل الشرط هو تشخيص كون المكلّف قادراً في ظرف الامتثال والتشخيص مقارن لصدور التكليف كما هو واضح.

وأمّا شرائط الوضع والمكلّف بـه: فا لمؤثّر ليس هو الأمر المتأخّر في الوجود الخارجي حتّى يلزم تأثير المعدوم في الموجود الممتنع با لبديهـة، بل المؤثّر هو الأمر المتقدّم لابوصف التقدّم بل بنفسـه المتقدّم با لذات.

توضيح ذلك: أنّ من الواضح تقدّم أجزاء الزمان بعضها على بعض با لذات بمعنى أنّ الزمان الماضي مثلاً متقدّم با لطبع على الزمان المستقبل ولو لم يكن عنوان التقدّم والتأخّر موجوداً في البين أصلاً، نعم اتّصاف الزمان الماضي بوصف التقدّم في مرتبـة اتّصاف الزمان المستقبل بعنوان التأخّر المستلزم لوجوده ; للقاعدة الفرعيـة المسلّمـة عند العقول بلا تقدّم وتأخّر بين الاتّصافين أصلاً ; لأنّ المفروض كونهما متضايفين، ومن شأنهما تحقّق الطرفين معاً من دون ترتّب بينهما.

ونظير الزمان الزمانيات الواقعـة في أجزاء الزمان ; فإنّ قيام زيد المتحقّق في الأمس متقدّم ذاتاً لكن بعرض وتبع الزمان على مجيء عمرو الذي سيوجد غداً وإن كان اتّصافـه بعنوان المتقدّم لايصحّ إلاّ مقارناً لاتّصاف مجيء عمرو بعنوان المتأخّر، ومن المعلوم توقّفـه على تحقّقـه ; لتلك القاعدة.

وبالجملـة: فلا منافاة بين كون شيء متقدّماً على شيء آخر با لذات ومع ذلك فلايصدق عليـه عنوان المتقدّم ; لكونـه من الاُمور الإضافيـة المتوقّفـة على تحقّق الطرفين، وهذا كا لعلّـة والمعلول، فإنّـه لا إشكال في تقدّمها عليـه ; لكونـه


31

صادراً عنها وناشئاً ومترشّحاً منها، ومع ذلك فاتّصافها بوصف التقدّم في مرتبـة اتّصافـه بوصف التأخّر من دون تقدّم وتأخّر بينهما أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

ونظير المتقابلين فإنّهم وإن جعلوا التقابل مقسماً للمتناقضين والمتضادّين والمتضايفين وغيرها(1) إلاّ أنّ عنوان المقسم ـ وهو التقابل ـ من أفراد أحد ا لأقسام، وهو التضايف، فإنّ المقابلـة والتقابل من الاُمور الإضافيـة المتوقّفـة على تحقّق أطراف الإضافـة، وهكذا عنوان التضادّ ; فإنّـه وإن جُعل قسيماً للتضايف إلاّ أنّ هذا العنوان من أفراد قسيمـه، أي التضايف، فا لتضادّ بين الشيئين القسيم لـه إنّما هو عبارة عن امتناع اجتماعهما با لذات، كما أنّ التقابل المجعول مقسماً إنّما هو حقيقتـه مع قطع النظر عن الاتّصاف بهذا الوصف.

إذا عرفت ما ذكرنا: فاعلم أنّ الموضوع للحكم با لصحّـة في العقد الفضولي إنّما هو العقد المتقدّم بحسب الذات على الإجازة من الما لك، وهذا إمّا أن يكون متحقّقاً بحسب الواقع ونفس الأمر حين العقد فيما كان ملحوقاً بالإجازة، وإمّا أن لايكون كذلك، وهو في غير صورة الإجازة، فا لعقد الواقع إمّا أن يكون صحيحاً مترتّباً عليـه الأثر من حين وقوعـه، وهو فيما إذا وجد مع شرطـه، وإمّا أن لايكون كذلك، وهو فيما إذا فقد شرطـه ; لعدم تحقّق الإجازة فيما بعد.

وهكذا يقال في صوم المستحاضـة ; فإنّ صحّتـه متوقّفـة على تقدّمـه بحسب الذات ولو عرضاً تبعاً للزمان على الأغسال الليليـة فإمّا أن يكون الموقوف عليـه موجوداً حينـه، فيصحّ من حين وقوعـه، وإمّا أن لايكون، فيبطل كذلك، ففي جميع الموارد يكون الشرط مقارناً، فيرتفع الإشكال بمخا لفتها للقاعدة العقليـة، كما عرفت.

1 ـ الحكمـة المتعاليـة 2: 100.


32

هذا كلّـه لو قلنا بأنّ الحكم في الشرعيات نظير العقليات من باب التأثير والتأثّر، وأمّا لو قلنا بخلافـه فا لمقام بعيد عن الإشكال بمراحل، كما لايخفى.

كلام المحقّق النائيني(قدس سره) في تحرير محلّ النزاع

ثمّ إنّ لبعض الأعاظم من المتأخّرين كلاماً في المقام في تحرير محلّ النزاع وبيان ما ذهب إليـه لابأس بذكره والتعرّض لـه على نحو الإجمال.

فنقول: قد ذكر في تحرير محلّ النزاع أوّلاً: أنّ شرط متعلّق التكليف خارج عن حريم النزاع ; لأنّ حال الشرط حال الجزء في توقّف الامتثال عليـه، فكما أ نّـه لا إشكال فيما إذا كان بعض أجزاء المركّب متأخّراً عن الآخر في الوجود ومنفصلاً عنـه في الزمان ـ كما إذا أمر بمركّب بعض أجزائـه في أوّل النهار والبعض الآخر في آخر النهار ـ كذلك لاينبغي الإشكال فيما إذا كان شرط الواجب متأخّراً في الوجود ; لأنّ ما يلزم على تقدير كون الشرط متأخّراً ـ وهو لزوم المناقضـة وتقدّم المعلول على علّتـه وتأثير المعدوم في الموجود ـ لايجري في شرط متعلّق التكليف، فأيّ محذور يلزم إذا كان غسل الليل المستقبل شرطاً في صحّـة صوم المستحاضـة ؟ فإنّ حقيقـة الاشتراط يرجع إلى أنّ الإضافـة الحاصلـة بين الصوم والغسل شرط في صحّـة الصوم بحيث لايكون الصوم صحيحاً إلاّ بحصول هذه الإضافـة.

نعم لو قلنا: إنّ غسل الليل الآتي موجب لرفع حدث الاستحاضـة عن الزمان الماضي، كان الإشكال في الشرط المتأخّر جارياً فيـه، ولكنّـه خارج عن مقتضى الدليل. وبا لجملـة فتسريـة إشكال الشرط المتأخّر إلى قيود متعلّق التكليف ممّا لا وجـه لـه.

وثانياً: أ نّـه لا إشكال في خروج العلل الغائيـة من حريم النزاع ; فإنّها غا لباً


33

متأخّرة في الوجود عمّا تترتّب عليـه، وليست هي بوجودها العيني علّةً للإرادة وحركـة العضلات حتّى يلزم تأثير المعدوم في الموجود، بل المؤثّر والمحرّك هو وجوده العلمي، وكذا الحال في علل التشريع ; فإنّـه لا فرق بينها وبين العلل الغائيـة إلاّ في مجرّد التعبير.

وثالثاً: أ نّـه ليس المراد من الشرط المتأخّر المبحوث عنـه في المقام باب الإضافات والعناوين الانتزاعيـة، كا لتقدّم والتأخّر والسبق واللّحوق وغير ذلك من الإضافات والاُمور الانتزاعيـة، فإنّ ذلك كلّـه ممّا لا إشكال فيـه ; لعدم لزوم محذور الشرط المتأخّر با لنسبـة إليها، وذلك لأنّ عنوان التقدّم ينتزع من ذات المتقدّم عند تأخّر شيء، ولايتوقّف على وجود المتأخّر في موطنـه، بل في بعض المقامات لايمكن ذلك، كتقدّم بعض أجزاء الزمان على البعض الآخر.

ورابعاً: أ نّـه لا إشكال في خروج العلل العقليـة عن حريم النزاع ; فإنّ امتناع الشرط المتأخّر فيها أوضح من أن يحتاج إلى بيان بعد تصوّر معنى العلّيّـة الراجعـة إلى إعطاء العلّـة وإفاضتها وجود المعلول، ومعنى المعلوليـة الراجعـة إلى ترشّحـه منها.

ثمّ قال: إذا عرفت هذه الاُمور، ظهر لك: أنّ محلّ النزاع في الشرط المتأخّر إنّما هو في الشرعيات في خصوص شروط الوضع والتكليف. وبعبارة اُخرى: محلّ الكلام إنّما هو في موضوعات الأحكام وضعيةً كانت أو تكليفيةً، فقيود متعلّق التكليف والعلل الغائيـة والاُمور الانتزاعيـة والعلل العقليـة خارجـة عن حريم النزاع.

ثمّ ذكر بعد ذلك أنّ امتناع الشرط المتأخّر في موضوعات الأحكام يتوقّف على بيان المراد من الموضوع، وهو يتوقّف على بيان الفرق بين القضايا الحقيقيّـة والقضايا الخارجيـة، وأنّ المجعولات الشرعيـة إنّما تكون على نهج القضايا


34

ا لحقيقيّـة لا القضايا الخارجيّـة.

ثمّ ذكر في بيان الفرق بينهما ما ملخّصـه: أنّ القضايا الخارجيـة عبارة عن قضايا جزئيـة شخصيـة خارجيـة، كقولـه: صَلّ يا عمرو، وصُمْ يا زيد، من القضايا التي تكون موضوعاتها آحاد الناس، وهذا بخلاف القضايا الحقيقيّـة ; فإنّ الملحوظ في موضوعاتها عنوان كلّيّ من غير أن يكون للآمر نظر إلى زيد، وعمرو، وبكر أصلاً، بل لو كان واحد منهم منطبقاً لعنوان الموضوع، فا لحكم يرتّب عليـه قهراً.

ومن هنا يحتاج في إثبات الحكم لموضوع خاص إلى تأ ليف قياس، ويجعل هذا الموضوع الخاصّ صغرى لـه، وتلك القضيـة كبرى، وهذا بخلاف القضايا الخارجيـة ; فإنّ المحمول فيها ثابت لموضوعها ابتداءً من دون توسّط قياس. والفرق بينهما من وجوه شتّى، والمهمّ منـه في المقام هو أنّ العلم إنّما يكون لـه دخل في القضيّـة الخارجيـة دون الحقيقيـة.

مثلاً: لو كان زيد عا لماً وكان الحكم مترتّباً على عنوان العا لم، فا لحكم يترتّب على زيد قهراً، سواء كان الآمر عا لماً بكون زيد عا لماً أو جاهلاً، وهذا بخلاف القضيـة الخارجيـة ; فإنّ علم الآمر بكون زيد عا لماً يوجب الأمر بإكرامـه، سواء كان في الواقع عا لماً أو جاهلاً، وهذا بمكان من الوضوح.

ثمّ ذكر بعد ذلك أ نّـه من الواضح أنّ المجعولات الشرعيـة إنّما هي على نهج القضايا الحقيقيـة دون الخارجيـة.

ومن هنا يظهر المراد من موضوعات الأحكام، وأ نّها عبارة عن العناوين الكليـة الملحوظـة مرآة لمصاديقها المقدّر وجودها في ترتّب المحمولات عليها، ويكون نسبـة ذلك الموضوع إلى المحمول نسبـة العلّـة إلى معلولها وإن لم يكن من ذلك الباب حقيقةً، بناءً على المختار من عدم جعل السببية إلاّ أ نّـه يكون نظير


35

ذلك من حيث التوقّف والترتّب، فحقيقـة النزاع في الشرط المتأخّر يرجع إلى تأخّر بعض ما فُرض دخيلاً في الموضوع على جهـة الجزئيـة أو الشرطيـة من الحكم التكليفي أو الوضعي بأن يتقدّم الحكم على بعض أجزاء موضوعـه.

ثمّ اعترض بعد ذلك على الكفايـة والفوائد بكلام طويل لا مجال لذكره.

ثمّ ذكر بعد ذلك أ نّـه ممّا ذكرنا يظهر أنّ امتناع الشرط المتأخّر من القضايا التي قياساتها معها من غير فرق بين أن نقول بجعل السببيـة أو لا نقول بذلك.

أمّا بناء على الأوّل: فواضح.

وأمّا بناء على الثاني: فلأنّ الموضوع وإن لم يكن علّةً للحكم إلاّ أ نّـه ملحق بها من حيث تقدّمـه على الحكم وترتّبـه عليـه، فلايعقل تقدّم الحكم عليـه بعد فرض أخذه موضوعاً ; للزوم الخلف وأنّ ما فرض موضوعاً لم يكن موضوعاً(1). انتهى موضع الحاجـة من كلامـه.

الجواب عن مختار المحقّق النائيني(قدس سره)

ولايخفى أنّ في كلامـه وجوهاً من النظر.

أمّا ما ذكره أوّلاً: من أنّ شرائط متعلّق التكليف خارجـة عن حريم النزاع.

ففيـه: المنع من ذلك، وتشبيهها بالأجزاء لايجدي ; لأنّ النزاع يجري فيها أيضاً ; فإنّـه إذا فرض أنّ صحّـة الجزء الأوّل متوقّفـة على الإتيان با لجزء الأخير الذي سيوجد بعداً، يلزم محذور الشرط المتأخّر بلا فرق بينهما أصلاً، كما لايخفى.

ومجرّد إرجاع الشرطيـة إلى الإضافـة الحاصلـة بين المشروط والشرط

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 271 ـ 280.


36

لايفيد بعدما عرفت منّا في الجواب عن المحقّق العراقي(قدس سره) من أنّ الإضافـة من الاُمور الإضافيـة التي من شأنها تحقّق أطرافها با لفعل، ومع انتفاء بعضها لايعقل تحقّقها، كما هو واضح لايخفى.

وأمّا ما ذكره ثالثاً: من أنّ النزاع ليس في الاُمور الاعتباريـة الانتزاعيـة.

ففيـه: أ نّـه لم يقل أحد بأنّ النزاع في هذه الاُمور، وإنّما ذكرها بعض في مقام التخلّص عن الإشكال(1). وقد عرفت سابقاً أ نّـه لايمكن الجواب بـه ; لأنّ صدق هذه العناوين متوقّف على تحقّق الأطراف، وقد ذكرنا ذلك بما لا مزيد عليـه، فلا نطيل بالإعادة.

وأمّا ما ذكره من الفرق بين القضايا الحقيقيـة والخارجيـة: من أنّ العلم لادخل لـه في الاُولى دون الثانيـة.

فيرد عليـه: المنع من مدخليـة العلم في جميع القضايا الخارجيـة، ألا ترى أ نّـه لو أنفذ المولى عقداً فضوليّاً خاصّاً، فهل يرضى أحد بكون المؤثّر هو علم المولى بتحقّق الإجازة فيما بعد دون نفس الإجازة من الما لك ؟ وهل هو إلاّ القول بعدم مدخليـة رضى الما لك في انتقال ملكـه إلى شخص آخر ؟ والضرورة قاضيـة بخلافـه، كما أنّ ما ذكره من أ نّـه لو كانت القضيـة بنحو القضايا الحقيقيـة كما هو كذلك في المجعولات الشرعيـة يكون الامتناع ضرورياً غير محتاج إلى إقامـة برهان، لايتمّ بناءً على ما ذكرنا في مقام الجواب من أنّ الموضوع في تلك القضايا التي توهّم انخرام القاعدة العقليـة بها هو ذات الموضوع المتقدّم بحسب الحقيقـة لا مع اتّصافـه بعنوان التقدّم المستلزم لاتّصاف الآخر بعنوان التأخّر المستلزم لوجوده في الخارج للقاعدة الفرعيـة، كما هو واضح.

1 ـ الفصول الغرويّـة: 80 / السطر 32.


37

الأمر الرابع

في الواجب المطلق والمشروط

ينقسم الواجب ببعض الاعتبارات إلى واجب مطلق ومشروط، ولايخفى أنّ الإطلاق والاشتراط وصفان إضافيّان لا حقيقيّان، فا لواجب با لنسبـة إلى كلّ قيد إمّا مشروط أو لا، فا لثاني غير مشروط با لنسبـة إلى ذلك القيد ولو فرض كونـه مشروطاً بالإضافـة إلى غيره.

ثمّ إنّـه ربّما ينسب إلى الشيخ ـ كما في التقريرات المنسوبـة إليـه ـ نفي الواجب المشروط، وأنّ الشرائط والقيود كلّها راجعـة إلى المادّة لا الهيئـة ; لامتناع تقييد الهيئـة(1)، كما سيجيء وجهـه.

ولابدّ من التكلّم في مقامين:

الأوّل: في أنّ القيود هل هي راجعـة في الواقع إلى الهيئـة أو إلى المادّة ؟ أو تكون على قسمين بعضها إلى الاُولى وبعضها إلى الثانيـة.

الثاني: في أنّ القيود بحسب اللّفظ هل يرجع إلى المادّة أو الهيئـة ؟

في مقام الثبوت وتصوير الواجب المشروط

أمّا المقام الأوّل، فنقول: إنّـه قد يتعلّق إرادة الإنسان بشيء من دون التقييد بشيء آخر لتماميّتـه في حصول الغرض الباعث على تعلّق الإرادة بها، مثل العطشان المريد لرفع عطشـه، فإنّـه لايريد إلاّ مجرّد ذلك من غير نظر إلى أن

1 ـ مطارح الأنظار: 46 / السطر 2.


38

يكون الماء واقعاً في ظرف كذا أو مع خصوصيـة كذا، ولا إشكال في كون الإرادة المتعلّقـة بمراده إرادةً مطلقـة، فلو أمر غلامـه بسقيـه، يكون السقي واجباً مطلقاً من حيث خصوصيّات الماء أو الظرف الواقع فيـه ونظائرهما.

وقد يتعلّق إرادة الإنسان بشيء مقيّد بأمر كذا بحيث لايحصل غرضـه إلاّ بحصول الشيء مقيّداً، كما إذا أراد السقي با لماء الخاصّ لترتّب الأثر المقصود عليـه مع الخصوصيـة، فيأمر با لسقي بذلك الماء، ولا إشكال أيضاً في كون الإرادة المتعلّقـة بما يحصل بـه غرضـه إرادةً مطلقـة غير مقيّدة بشيء ; إذ الإرادة لا تتعلّق إلاّ بما يؤثّر في حصول غرضـه، كيف ومن مقدّماتـه التصديق بفائدة الشيء المراد، والمفروض أنّ الفائدة مترتّبـة على الشيء المقيّد بوصف كذا.

وقد يتعلّق إرادة الإنسان بشيء من دون التقييد بوصف ولكن لايتمكّن من الأمر بـه مطلقاً ; لمانع فيـه أو في المأمور، كما إذا أشرف ولده على الغرق والهلاك، فالإرادة المتعلّقـة بنجاة ولده إرادة مطلقـة غير مقيّدة بشيء ولكن لايمكن لـه الأمر بذلك مطلقاً ; لأنّـه ربّما يكون العبد عاجزاً عن الإتيان با لمأمور بـه، وربّما يكون المانع من قِبَل نفسـه.

وقد يتعلّق إرادة الإنسان بشيء على فرض حصول شيء آخر ; لأنّ الغرض يترتّب عليـه على ذلك التقدير، كما إذا أراد ضيافـة صديقـه على فرض مجيئـه إلى منزلـه، فالإرادة المتعلّقـة با لضيافـة ليست إرادةً مطلقـة، بل مقيّدة بحصول ذلك الشيء.

ومن جميع ما ذكرنا ظهر: أنّ القيود بحسب الواقع واللبّ مع قطع النظر عن ظاهر الدليل على قسمين: قسم يتعلّق با لمادّة، وهو الذي لـه دخل في حصول الغرض المطلوب، كا لقسم الثاني من الأقسام المتقدّمـة، وقسم يتعلّق با لهيئـة التي مفادها البعث والتحريك، كا لقسمين الأخيرين.


39

في مقام الإثبات وإمكان رجوع القيد إلى الهيئـة

وأمّا المقام الثاني فقد يقال: ـ كما قيل ـ بامتناع رجوع القيود إلى الهيئـة وإن كان بحسب ظاهر اللّفظ راجعاً إليها.

إمّا لأنّ الهيئـة من المعاني الحرفيـة، وهي غير قابلـة للتقييد.

وإمّا لأنّ الوضع فيها على نحو الوضع العامّ والموضوع لـه الخاصّ، ومن المعلوم امتناع تقييد الجزئيّات.

وإمّا للزوم التناقض بعد كون المنشأ أوّلاً هو الوجوب مطلقاً، فتقييده بثبوتـه على تقدير وعدم ثبوتـه على تقدير اُخرى مناقض للمنشأ أوّلاً.

هذا، ولايخفى ما في هذه الوجوه من النظر بل المنع.

أمّا الوجـه الأوّل: فيرد عليـه أنّ التقييد أمر واقعي، غايـة الأمر أنّ المتكلّم لابدّ لـه أن يأتي بالألفاظ طبقاً لـه ; لوضوح أن كلّ لفظ لايحكي إلاّ عن معناه الموضوع لـه، وقد عرفت في وضع الحروف أنّ القضايا الخبريـة أكثرها يرجع إلى الإخبار عن المعاني الحرفيـة، فإنّ المعنّى بقول: «زيد قائم» ليس إلاّ الإخبار عن انتساب القيام إليـه، واتّحاد القائم معـه، وهذا المعنى لا إشكال في كونـه معنىً حرفيّاً، كما أنّ القيود الواقعـة في الكلام راجعـة إلى ذلك المعنى الحرفي، فقولـه: ضربت زيداً يوم الجمعـة، مثلاً يكون الظرف راجعاً إلى تحقّق الضرب عليـه الذي يكون من المعاني الحرفيـة.

وبا لجملـة فالإخبارات والتقييدات أكثرها مرتبطـة با لمعاني الحرفيـة وراجعـة إليـه، وقد عرفت أنّ التقييد أمر واقعي لا ارتباط لـه با للّفظ حتّى يحتاج تقييد المعاني الحرفيـة إلى لحاظها ثانياً بالاستقلال، فيلزم في الجملـة المشتملـة على تقييدات عديدة لحاظ تلك المعاني بقدر القيود، بل يكون في المثال تحقّق


40

ا لضرب في يوم الجمعـة واقعاً، والمتكلّم لابدّ أن يأتي بالألفاظ على طبق المعاني الواقعيـة، لا أن يكون لفظ الضرب المأتي بـه أوّلاً مطلقاً، فيلاحظ تقييده ثانياً، كما لايخفى.

وأمّا الوجـه الثاني: فلأنّ التحقيق في وضع الحروف وإن كان ما ذكر إلاّ أ نّـه لا امتناع في تقييد الجزئي أصلاً باعتبار الحالات والعوارض الطارئـة لـه أليس التقييد في قولـه: «أكرم زيداً إن جاءك» راجعاً إلى زيد الذي هو فرد جزئي بناء على ما ذكره من رجوع القيد إلى المادّة دون الهيئـة.

وأمّا الوجـه الثالث: فبطلانـه أظهر من أن يخفى.

فانقدح من جميع ما ذكرنا أوّلاً أنّ القيود بحسب الواقع على قسمين، وثانياً إمكان رجوعها إلى الهيئـة، فلا وجـه لرفع اليد عمّا هو ظاهر القضيّـة الشرطيـة من توقّف التا لي على المقدّم، كما لايخفى.

نقل وتحصيل: في ضابط قيود الهيئـة والمادة

ثمّ إنّـه ذكر بعض الأعاظم(قدس سره) في مقام بيان الفرق بين شروط الأمر والوجوب وبين شروط المأمور بـه والواجب أنّ القيود على نحوين:

أحدهما: ما يتوقّف اتّصاف الفعل بكونـه ذا مصلحـة على حصولـه في الخارج، كا لزوال والاستطاعـة با لنسبـة إلى الصلاة والحجّ، فإنّ الصلاة لاتكون ذات مصلحـة إلاّ بعد تحقّق الزوال، وكذلك الحج بالإضافـة إلى الاستطاعـة، وأمّا قبل تحقّق هذين القيدين فلايرى المولى مصلحـة في الصلاة والحجّ، ولهذا يأمر بهما معلّقاً أمره على تحقّق هذين القيدين في الخارج.

ثانيهما: القيود التي تتوقّف فعليـة المصلحـة وحصولها في الخارج على تحقّقها، فلا تكاد تحصل تلك المصلحـة في الخارج إلاّ إذا اقترن الفعل بتلك القيود


41

وا لشروط، كا لطهارة والستر والاستقبال ونحوها بالإضافـة إلى الصلاة.

ثمّ قال: وبلحاظ هذا الفرق بين النحوين من القيود صحّ أن يقال للنحو الأوّل: شروط الأمر والوجوب، وللنحو الثاني: شروط المأمور بـه والواجب.

ثمّ قال: ويمكن تقريب كلا النحوين من القيود الشرعيـة ببعض الاُمور الطبيعيّـة العرفيـة.

مثلاً: شرب المسهل قبل أن يعتري الإنسان مرض يستدعيـه لا مصلحـة فيـه تدعو الإنسان إليـه أو الطبيب إلى الأمر بـه مطلقاً. نعم يمكن أن يأمر بـه معلّقاً على الابتلاء با لمرض، فيقول للإنسان: إذا مرضت با لحمى مثلاً فاشرب المسهل، فا لمرض يكون شرطاً لتحقّق المصلحـة في شرب المسهل، وأمّا المنضج فهو شرط فعليـة أثر المسهل ومصلحتـه، ولهذا يترشّح عليـه أمر غيري من الأمر النفسي المتعلّق با لمسهل، فيقول الطبيب للمريض: اشرب المنضج أوّلاً ثمّ اشرب المسهل(1). انتهى كلامـه على ما في التقريرات المنسوبـة إليـه(قدس سره).

وأنت خبير بأنّ ما ذكره: من المناط في شرائط الوجوب وشرائط الواجب لايتمّ، بل مورد للنقض طرداً وعكساً، فإنّ ما يتوقّف عليـه اتّصاف الفعل بكونـه ذا مصلحـة يمكن أن لايكون قيداً للأمر، بل للمأمور بـه، فإنّـه يمكن أن يأمر المولى با لحج عقيب الاستطاعـة، لا أن يكون أمره مشروطاً بتحقّقها، غايـة الأمر أ نّـه يلزم أن يكون تحصيلها واجباً ; لأنّ المصلحـة متوقّفـة عليـه، ولا منافاة بين توقّف المصلحـة على شيء وعدم كون الأمر معلّقاً عليـه، كما أ نّـه يمكن أن لايكون للقيد دخل في حصول المصلحـة، ولكن كان الأمر معلّقاً على وجوده، كما فيما ذكرناه من المثال المتقدّم في القسم الأخير من الأقسام الأربعـة المتقدّمـة، فإنّ

1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 335 ـ 336.


42

ترتّب المصلحـة على ضيافـة زيد مثلاً قد لايتوقّف على نزولـه في منزل المضيف ولكن يمكن أن يكون أمره معلّقاً عليـه.

وبا لجملـة فجعل هذا هو الملاك في شرائط الوجوب منقوض طرداً وعكساً، كما عرفت، ومنـه يظهر بطلان ما ذكره ملاكاً لشرائط الواجب، كما لايخفى.

فالمناط فيهما هو ما ذكرناه: من أنّ شرائط الوجوب عبارة عن القيود التي لايكون لها دخل في تحقّق المراد بمعنى عدم مدخليّتـه في تعلّق الإرادة بـه، كما أنّ شرائط الواجب هي التي لها مدخليـة في حصول الغرض الباعث على تعلّق الإرادة.

في توقّف فعليّـة الوجوب على شرطـه

ثمّ إنّـه يقع الكلام بعد هذا في أ نّـه هل يكون الواجب المشروط متعلّقاً للإرادة عند حصول شرطـه بمعنى أ نّـه لا إرادة قبل تحقّقـه، أو أنّ الإرادة تتعلّق بـه فعلاً ولكن على تقدير حصول أمر خاص ؟ ويكون الفرق حينئذ بينـه وبين الواجب المعلّق هو أنّ الوجوب المطلق يتعلّق بأمر خاص في الواجب المعلّق، والوجوب الخاصّ يتعلّق بأمر مطلق في الواجب المشروط.

ربّما ينسب إلى المشهور الأوّل(1)، واختار بعض الأعاظم ـ على ما في ا لتقريرات المنسوبـة إليـه ـ الثاني(2).

1 ـ كفايـة الاُصول: 121، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 338 / السطر الأخير.

2 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 338 / السطر 19.


43

ولابدّ قبل الخوض في ذلك من بيان حقيقـة الحكم.

فنقول: هل الحكم عبارة عن نفس الإرادة التشريعيـة الكامنـة في نفس الحاكم مطلقاً أو بشرط أن يظهرها المريد بأحد المظهرات من القول أو الفعل أو أ نّـه منتزع من البعث أو الزجر اللَّذين هما مفاد هيئـة الأمر والنهي ؟ وجوه، والظاهر هو الثا لث ; لأنّ مجرّد تعلّق الإرادة التشريعيـة بشيء لايعدّ من باب تعلّق الحكم بـه وإن كانت ربّما يجب متابعتها، فإنّ وجوب المتابعـة ليس متفرّعاً على خصوص حكم المولى، بل لو اطّلع العبد على تعلّق إرادة المولى بإتيانـه شيئاً، فا للازم ـ كما يحكم بـه العقل والعقلاء ـ متابعـة إرادتـه، بل ربّما يجب تحصيل غرضـه وإن لم تنقدح إرادة متعلّقـة بـه في نفس المولى لغفلتـه أو نومـه أو غيرهما.

ألا ترى أ نّـه لو أشرف ولد المولى مثلاً على الغرق في البحر ولم يكن المولى مطّلعاً عليـه حتى يبعث العبد نحو خلاص ولده، يكون على العبد ذلك وأن ينجي ولده من الهلاك.

وبا لجملـة، فوجوب الإتيان عقلاً أعمّ من الحكم، والذي يطابقـه الوجدان هو أنّ منشأ انتزاع الحكم هو نفس البعث والزجر المتوجّهين إلى العبد، وحينئذ فلا إشكال في عدم تحقّق الحكم قبل حصول الشرط ; لعدم ثبوت البعث قبلـه، كما هو واضح.

إذا عرفت ما ذكرنا: فاعلم أنّ بعض الأعاظم بعد اختياره أنّ الحكم عبارة عن نفس الإرادة التشريعيّـة التي يظهرها المريد با لقول أو الفعل(1) ذهب إلى خلاف ما عليـه المشهور، وأنّ الإرادة في الواجب المشروط موجودة قبل تحقّق

1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 339 / السطر 2.


44

ا لشرط مدّعياً أنّ الوجدان دليل عليـه.

قال: فإنّا نجد من أنفسنا إرادة العمل الذي يكون فيـه مصلحـة لنا على تقدير خاص وإن لم يكن ذلك التقدير متحقّقاً با لفعل(1).

وأنت خبير بأ نّـه لو سلّم انتزاع الحكم عن نفس الإرادة المظهرة، فلا نسلّم انتزاعـه عن هذا النحو من الإرادة المتحقّقـة في الواجب المشروط، كما لايخفى.

في إشكالات الواجب المشروط على مسلك المشهور

ثمّ إنّـه ربّما يورد على مذهب المشهور بإيرادات شتّى:

منها: ما أورده عليـه ذلك البعض المتقدّم ـ على ما في التقريرات المنسوبـة إليـه ـ من أ نّـه لا إشكال في إنشاء الشارع للتكليف المشروط قبل تحقّق شرطـه، ولاريب في أنّ إنشاء التكليف من المقدّمات التي يتوصّل بها المولى إلى تحصيل المكلّف بـه في الخارج، والواجب المشروط على المشهور ليس بمراد للمولى قبل تحقّق شرطـه في الخارج، فكيف يتصوّر أن يتوصّل العاقل إلى تحصيل ما لايريده فعلاً ؟ ! فلابدّ أن يلتزم المشهور في دفع هذا الإشكال بوجود غرض نفسي في نفس إنشاء التكليف المشروط قبل تحقّق شرطـه، وهو كما ترى.

ولكن من التزم بما ذهبنا إليـه لايرد عليـه هذا الإشكال ; لفعليـة الإرادة قبل تحقّق الشرط، فا لمولى يتوصّل بإنشائـه إلى ما يريده فعلاً وإن كان على تقدير(2). انتهى.

وأنت خبير بأنّـه لم يكن للمشهور الالتزام بما ذكره أصلاً، فإنّ الإنشاءات

1 ـ نفس المصدر 1: 342 / السطر 3.

2 ـ نفس المصدر 1: 346 ـ 347.


45

وإن كانت للتوصّل إلى تحصيل المراد إلاّ أ نّـه حيث يكون المكلّفون مختلفين من حيث تحقّق الشرط با لنسبـة إليهم وعدمـه لابأس بإنشاء الوجوب على النحو المذكور وإن لم يكن الشرط حاصلاً با لنسبـة إلى بعض المكلّفين، كما أنّ الإنشاءات الواقعـة في الشريعـة إنّما هي على نحو القوانين الكلّيـة، فلايمكن أن تكون متوقّفةً على تحقّق شرائطها، كما هو واضح لايخفى.

هذا، مضافاً إلى أنّ هذا الإيراد لايدفع بما التزمـه في الواجب المشروط، فتدبّر.

منها: ـ وهي عمدتها ـ أ نّـه لو كانت الإرادة المتعلّقـة با لواجب المشروط حاصلةً عند تحقّق الشرط لا قبلـه، يلزم أن لا تكون المقدّمات الوجودية لتحقّق الواجب المشروط واجبةً با لوجوب الغيري قبل تحقّق الشرط ; لعدم كون ذي المقدّمـة واجباً قبلـه حتّى يسري الوجوب منها إلى مقدّمتـه، وهذا بخلاف ما لو قيل بتحقّق الإرادة قبل حصول الشرط، كما التزم بـه بعض الأعاظم(قدس سره) على ما عرفت، فإنّ تعلّق الإرادة الغيريـة با لمقدّمات لوجود الإرادة النفسيـة المتعلّقـة بذي المقدّمـة با لفعل.

والتحقيق في دفع الإيراد عن المشهور أن يقال: إنّ ما اشتهر في الألسن وتكرّر في أكثر الكلمات من أنّ الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمـة ناشئـة ومترشّحـة من الإرادة المتعلّقـة بذي المقدّمـة، وكذا الوجوب المتعلّق بالاُولى سار من الوجوب المتعلّق با لثانيـة ليس على ما ينبغي، بل محلّ نظر ومنع، كما عرفت في صدر مبحث المقدّمـة ; فإنّـه لا معنى لكون الإرادة علّةً موجدة لإرادة اُخرى، فإنّ كلّ إرادة فلها مباد ومقدّمات مخصوصـة، فكما أنّ الإرادة المتعلّقـة بذي المقدّمـة ناشئـة من المبادئ الخاصـة بها فكذلك الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمـة لها مقدّمات ومباد مخصوصـة بها، غايـة الأمر أنّ تعلّق الإرادة بها لحصول مطلوبـه الأوّلي


46

ا لذي تعلّقت بـه الإرادة الأوّليـة.

وبا لجملـة فلا إشكال في أنّ كلّ إرادة معلولـة للنفس وموجدة بفعّا ليتها، ولايعقل أن تكون علّتـه الإرادة المتعلّقـة بشيء آخر، كما حقّق في محلّـه، وهكذا الوجوب المتعلّق بشيء لايعقل أن يسري إلى شيء آخر أصلاً.

وحينئذ فنقول: إنّ الملازمـة بين الإرادة المتعلّقـة بذي المقدّمـة وبين الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمـة على تقدير ثبوتها إنّما هي لتوقّف حصول غرض المولى على تحقّقها في الخارج، لا لتحقّق الإرادة بذي المقدّمـة، فإن تعلّقها بها أيضاً للتوصّل إلى تحصيل غرضـه، فإذا فرض في مقام عدم تعلّق الإرادة الفعليـة بذي المقدّمـة ـ كما في المقام ـ فلايمنع عن تعلّق الإرادة الفعليـة با لمقدّمـة ; لبقاء ملاك تعلّق الإرادة بها، وهي توقّف حصول غرض المولى عليها على حا لها.

وبا لجملـة، فلو فرض في مقام اطّلاع العبد على أنّ المولى يريد شيئاً على تقدير خاص، وفرض العلم بتحقّق ذلك التقدير المستلزم للعلم بإرادتـه قطعاً، وفرض أيضاً توقّف حصول ذلك الشيء على أمر لايمكن تحصيلـه بعد تحقّق شرط الوجوب، فمن الواضح أنّ العقل يحكم بوجوب الإتيان بمقدّمـة ذلك الشيء وإن لم تكن الإرادة المتعلّقـة بذي المقدّمـة موجودةً با لفعل.

وا لحاصل أ نّـه حيث يكون الدائر على ألسنتهم أنّ الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمـة ناشئـة من الإرادة المتعلّقـة بذي المقدّمـة، ورأوا أنّ المشهور لايلتزمون بوجود الإرادة قبل تحقّق الشرط في الواجب المشروط، فلذا أوردوا على المشهور بأ نّـه لايبقى وجـه لوجوب المقدّمـة قبل تحقّق الشرط(1).

1 ـ هدايـة المسترشدين: 217 / السطر 1، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 346 / السطر 22.


47

وبما حقّقناه قد ظهر لك أ نّـه لا وجـه لهذا الإيراد أصلاً، كما عرفت.

ثمّ إنّـه لو قلنا بخلاف ما عليـه المشهور والتزمنا بما التزم بـه ذلك البعض من تحقّق الإرادة قبل تحقّق الشرط، فتعلّقها با لمقدّمـة أيضاً مورد منع ; فإنّـه لايعقل ترشّح الإرادة المطلقـة با لمقدّمـة من الإرادة التقديريـة المتعلّقـة بذي المقدّمـة بعد لزوم السنخيـة بين المعلول وعلّتـه، فإنّـه كيف يمكن أن تكون الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمـة مطلقةً بمعنى وجوب تحصيلها فعلاً، مع أنّ الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة تقديريـة كما هو واضح.

والمتحصّل من جميع ما ذكرنا في الواجب المشروط اُمور:

الأوّل: أنّ القيود بحسب الواقع على قسمين.

الثاني: أنّ القيود راجعـة إلى الهيئـة، كما هو ظاهر اللّفظ، ولا امتناع في رجوعها إليها، كما ينسب إلى الشيخ الأنصاري(قدس سره)(1).

الثالث: أنّ الحكم إنّما ينتزع من نفس البعث والزجر، والدليل عليـه أ نّـه يجعل مقسماً للحكم التكليفي والوضعي، ولا معنى للقول بأنّ الحكم في الأحكام الوضعيـة عبارة عن الإرادة مطلقـة أو مقيّدة بالإظهار، كما هو واضح.

الرابع: أنّ الوجوب في الواجب المشروط إنّما هو بعد تحقّق الشرط لا قبلـه.

الخامس: أ نّـه تكون المقدّمات واجبةً قبل تحقّق الشرط ولو لم تكن ذو المقدّمـة واجباً قبلـه، كما عرفت تحقيقـه.

1 ـ مطارح الأنظار: 46 / السطر 2.


48

الأمر الخامس

في الواجب المعلّق والمنجز

ربّما يقسّم الواجب أيضاً ببعض الاعتبارات إلى معلّق ومنَجّز، ويقال ـ كما في الفصول ـ: إنّ المراد با لمنجّز هو الذي يتعلّق وجوبـه با لمكلّف، ولايتوقّف حصولـه على أمر غير مقدور لـه، كا لمعرفـة وبا لمعلّق هو الذي يتعلّق وجوبـه با لمكلّف ويتوقّف حصولـه على أمر غير مقدور لـه كا لحجّ، فإنّ وجوبـه يتعلّق با لمكلّف من أوّل زمن الاستطاعـة أو خروج الرفقـة، ويتوقّف فعلـه على مجيء وقتـه، وهو غيرمقدورلـه.

وا لفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو: أنّ التوقّف هناك للوجوب وهنا للفعل(1).

ولايخفى: أنّ الالتزام با لواجب المعلّق إنّما هو للتخلّص عمّا أورد على المشهور في الواجب المشروط من أ نّـه بناء على عدم تحقّق الإرادة قبل حصول الشرط كما هو مذهبـه لم يبق وجـه لسرايـة الإرادة إلى المقدّمات قبل حصولـه فإنّـه حيث تعسّر عليهم رفع هذا الإيراد مع ما رأوا في بعض الموارد من دلالـة بعض الأخبار على وجوب المقدّمات في بعض الواجبات المشروطـة قبل تحقّق شرطها فلذا تمسّكوا بذيل الواجب المعلّق والتزموا بثبوت الوجوب فيـه قبل حصول شرط الواجب بخلاف المشروط.

1 ـ الفصول الغرويّـة: 79 / السطر 35.


49

ما أفاده بعض الأعلام في إنكار الواجب المعلّق

ثمّ إنّـه يظهر من بعضهم إنكار الواجب المعلّق مدّعياً استحا لـة كون الإرادة موجودة قبل المراد(1).

وأطال الكلام في النقض والإبرام في هذا المقام بعض المحقّقين في تعليقتـه على الكفايـة.

وخلاصـة ما ذكره هناك: أنّ النفس مع وحدتها ذات منازل ودرجات، ففي مرتبـة القوّة العاقلـة مثلاً تدرك في الفعل فائدة عائدة إليها، وفي مرتبـة القوّة الشوقيـة ينبعث لها شوق إلى ذلك الفعل، فإذا لم يجد مزاحماً ومانعاً، يخرج ذلك الشوق من حدّ النقصان إلى حدّ الكمال الذي يعبّر عنـه با لقصد والإرادة، فينبعث من هذا الشوق البا لغ حدّ نصاب الباعثيـة هيجان في مرتبـة القوّة العاملـة المنبثّـة في العضلات، ومن الواضح أنّ الشوق وإن أمكن تعلّقـه بأمر استقبا لي إلاّ أنّ الإرادة ليس نفس الشوق بأيّـة مرتبـة كان، بل الشوق البا لغ حدّ النصاب بحيث صارت القوّة الباعثـة باعثةً للفعل، وحينئذ فلايتخلّف عن انبعاث القوّة العاملة وهيجانها لتحريك العضلات غير ا لمنفكّ عن حركتها، ولذا قا لوا: إنّ الإرادة هو الجزء الأخير من العلّـة التامّـة لحركـة العضلات(2).

فمن يقول بإمكان تعلّقها بأمر استقبا لي إن أراد حصول الإرادة التي هي علّـة تامّـة لحركـة العضلات إلاّ أنّ معلولها حصول الحركـة في ظرف كذا، فهو عين انفكاك العلّـة عن المعلول.

1 ـ تشريح الاُصول: 191 / السطر 21.

2 ـ شرح المنظومـة، قسم الحكمـة: 294، الحكمـة المتعاليـة 6: 323، الهامش 1.


50

وإن أراد أنّ ذات العلّـة ـ وهي الإرادة ـ موجودة من قبل إلاّ أنّ شرط تأثيرها ـ وهو حضور وقت المراد ـ حيث لم يكن موجوداً ما أثّرت العلّـة في حركـة العضلات.

ففيـه: أنّ حضور الوقت إن كان شرطاً في بلوغ الشوق إلى حدّ الكمال المعبّر عنـه بالإرادة، فهو عين ما قلنا من أنّ حقيقـة الإرادة لا تنفكّ عن الانبعاث، وإن كان شرطاً في تأثير الشوق البا لغ حدّ الإرادة الموجود من أوّل الأمر، فهو غير معقول ; لأنّ عدم التأثير مع كون الشوق با لغاً إلى حدّ الباعثيـة لايعقل ; لعدم انفكاك البعث الفعلي عن الانبعاث، فاجتماع البعث وعدم تحقّق الانبعاث ليس إلاّ كاجتماع المتناقضين.

وأمّا ما ذكر في المتن: من لزوم تعلّق الإرادة بأمر استقبا لي إذا كان المراد ذا مقدّمات كثيرة، فإنّ إرادة مقدّماتـه منبعثـة عن إرادة ذيها قطعاً(1)، فتوضيح الحال فيـه أنّ الشوق إلى المقدّمـة لابدّ من انبعاثـه من الشوق إلى ذيها، لكن الشوق إلى ذيها لمّا لم يمكن وصولـه إلى حدّ الباعثيـة لتوقّف المراد على مقدّمات، فلا محا لـة يقف في مرتبتـه إلى أن يمكن الوصول، وهو بعد طيّ المقدّمات، فا لشوق با لمقدّمـة لا مانع من بلوغـه إلى حدّ الباعثيـة الفعليـة، بخلاف الشوق إلى ذيها، وما هو المسلّم في باب التبعيـة تبعيّـة الشوق للشوق لا تبعيـة الجزء الأخير من العلّـة، فإنّـه محال، وإلاّ لزم إمّا انفكاك العلّـة عن المعلول أو تقدّمـه عليها.

هذا كلّـه في الإرادة التكوينيـة.

وأمّا الإرادة التشريعيـة: فهي عبارة عن إرادة فعل الغير منـه اختياراً وحيث إنّ المشتاق إليـه فعل الغير الصادر باختياره، فلا محا لـة ليس بنفسـه تحت

1 ـ كفايـة الاُصول: 128 ـ 129.


51

اختياره، بل با لتسبيب إليـه بجعل الداعي إليـه، وهو البعث نحوه، فلا محا لـة ينبعث من الشوق إلى فعل الغير اختياراً الشوق إلى البعث نحوه، فا لشوق المتعلّق بفعل الغير إذا بلغ مبلغاً ينبعث منـه الشوق نحو البعث الفعلي، كان إرادةً تشريعيـة، وإلاّ فلا، ومعـه لايعقل البعث نحو أمر استقبا لي ; إذ لو فرض حصول جميع مقدّماتـه وانقياد المكلّف لأمر المولى، لما أمكن انبعاثـه نحوه بهذا البعث، فليس ما سمّيناه بعثاً في الحقيقـة بعثاً ولو إمكاناً.

ثمّ أورد على نفسـه ببعض الإيرادات مع الجواب عنها(1) لا مجال لنقلها.

ولايخفى أ نّـه يرد على ما ذكره في الإرادة التكوينيـة وجوه من الإيراد:

منها: أنّ ما ذكره من أنّ الإرادة هي المرتبـة الكاملـة من الشوق، محلّ نظر، بل منع ; فإنّ الشوق نظير المحبّـة والعشق من الاُمور الانفعا ليـة للنفس والإرادة بمنزلـة القوّة الفاعليـة لها، ولايعقل أن يبلغ ما يكون من الاُمور الانفعا ليـة إلى مرتبـة الاُمور الفاعليـة ولو بلغ من الكمال ما بلغ، فإنّ الكمال البا لغ إليـه إنّما هو الكمال في مرتبتـه، لا انقلاب حقيقتـه إلى حقيقـة اُخرى، وهذا من الاُمور الواضحـة المحقّقـة في محلّها(2).

منها ـ وهي العمدة ـ: أنّ ما ذكره ـ بل اشتهر في الألسن وتكرّر في الكلمات ـ من أنّ الإرادة هي الجزء الأخير من العلّـة التامّـة ليس مبرهناً عليـه، بل إنّما هو صرف ادّعاء لا دليل عليـه لو لم نقل بكون الوجدان شاهداً وقاضياً بخلافـه، فإنّـه من الواضح أنّ الإرادة المتعلّقـة با لمراد فيما لو كان غير نفس تحريك العضلات ليست بعينها هي الإرادة المتعلّقـة بتحريك العضلات لأجل

1 ـ نهايـة الدرايـة 2: 72 ـ 80.

2 ـ الحكمـة المتعاليـة 1: 436 ـ 437، الطلب والإرادة، الإمام الخميني(قدس سره): 109، أنوار الهدايـة 1: 63.


52

تحقّق ذلك المراد، فالإرادة المتعلّقـة بشرب الماء ليست هي نفس الإرادة المتعلّقـة بتحريك العضلات نحو الإناء الواقع فيـه الماء ; لما قد حقّق في محلّـه من عدم إمكان تعلّق إرادة واحدة بمرادين، وكذا لايجوز تعلّق إرادتين بمراد واحد ; ضرورة أنّ تشخّص الإرادة إنّما هو با لمراد، كما قرّر في محلّـه(1).

فإذا ثبتت تعدّد الإرادة، فنقول: إنّ الإرادة المتعلّقـة بتحريك العضلات هي التي تكون علّةً تامّة لحركتها، لا لكون الإرادة علّةً لحصول كلّ مراد، بل لأنّـه حيث تكون القوى مقهورةً للنفس محكومةً با لنسبة إليها، فلا محا لة لا تتعصّى عن إطاعتها، كما أ نّـه ربّما يعرض بعض تلك القوى ما يمنعـه عن الانقياد لها، فربّما تريد تحريكها ومعـه لا تتحرّك لثبوت المزاحم.

وبا لجملـة فالإرادة لا تكون علّةً تامّة با لنسبة إلى كلّ مراد، بل إنّما تكون كذلك فيما لو كان المراد تحريك قوى النفس مع كونها سليمةً عن الآفة وقابلةً للانقياد عنها ; لما عرفت من عدم التعصّي عنها، وحينئذ فلو فرض أنّ النفس أراد تحريكها في الاستقبال فهل الانقياد لها يقتضي التحرّك في الحال أو في الاستقبال ؟

والحاصل: أنّ منشأ الحكم بامتناع تعلّق الإرادة بأمر استقبا لي هو كون الإرادة علّةً تامّة، وبعدما عرفت من عدم كونها كذلك في جميع الموارد وفي موارد ثبوتها لاينافي كون المراد أمراً استقبا لياً كما عرفت، لم يبق وجـه لامتناع انفكاك الإرادة عن المراد بعد وضوح إمكان تعلّق الإرادة بما هو كذلك.

منها: أنّ ما ذكره في مقام الجواب عن المتن من أ نّـه إذا كان المراد ذا مقدّمات كثيرة تكون المقدّمات تابعةً لذيها با لنسبة إلى الشوق لا الإرادة، فيرد

1 ـ الحكمـة المتعاليـة 6: 423 ـ 424.


53

عليـه ـ مضافاً إلى ما ذكرنا في محلّـه من أنّ الشوق ليس من مقدّمات الإرادة(1) ; لأنّ الإنسان كثيراً ما يريد بعض الأشياء مع عدم الاشتياق إليـه أصلاً، بل ربّما ينزجر عنـه كمال الانزجار، كشرب الدواء مثلاً ـ أ نّـه لو سلّمنا ذلك، فلا نسلّم با لنسبـة إلى المقدّمات ; فإنّها لا تكون مشتاقاً إليها للمريد من حيث المقدّميـة أصلاً، فكيف تتبع ذيها في الشوق ؟ !

هذا، مضافاً إلى أ نّـه لو لم يكن الشوق في ذي المقدّمـة با لغاً إلى حدّ إرادتها ـ كما اعترف بـه ـ فكيف يمكن بلوغـه في المقدّمـة إلى حدّ الإرادة مع كونها مرادةً بوصف المقدّميـة ؟ ! كما لايخفى.

هذا با لنسبـة إلى ما ذكره في الإرادة التكوينيـة.

وأمّا ما ذكره في الإرادة التشريعيـة التي هي محلّ النزاع في المقام.

فيرد عليـه ـ مضافاً إلى أنّ البعث ليس لإيجاد الداعي للمكلّف إلى الفعل، بل لإيجاد موضوع الإطاعـة والعصيان ـ أنّ امتناع انفكاك الانبعاث عن البعث الفعلي وإن كان غير قابل للمنع أصلاً إلاّ أ نّـه لو فرض أنّ العبد مبعوث إلى أمر استقبا لي ـ كما في المقام ـ فامتناع تخلّف الانبعاث إنّما هو في وقت حضوره.

وبا لجملـة، فا لبعث إلى الأمر الفعلي يمتنع انفكاك الانبعاث الفعلي إليـه، وأمّا البعث إلى الأمر الاستقبا لي فالانبعاث با لنسبـة إليـه يلحظ في زمان حضور وقت ذلك الأمر، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه ذكر بعض الأعاظم ـ على ما في التقريرات المنسوبـة إليها ـ في مقام امتناع الواجب المعلّق ما ملخّصـه: أنّ امتناعـه ليس لأجل استحا لـة تعلّق التكليف بأمر مستقبل، كيف والواجبات الشرعيـة كلّها من هذا القبيل، ولا لعدم

1 ـ الطلب والإرادة، الإمام الخميني(قدس سره): 39، أنوار الهدايـة 1: 63.


54

إمكان تعلّق الإرادة بأمر مستقبل، فإنّ إمكانـه بمكان من الوضوح بحيث لا مجال لإنكاره، بل يستحيل أن لا تتعلّق الإرادة من الملتفت بـه إذا كان متعلّقاً لغرضـه، كما هو واضح، بل امتناعـه إنّما هو لكون الأحكام الشرعيـة إنّما هو على نهج القضايا الحقيقيـة، ومعنى كون القضيّـة حقيقيّةً هو أخذ العنوان الملحوظ مرآة لمصاديقـه المفروضة الوجود موضوعاً للحكم، فيكون كلّ حكم مشروطاً بوجود الموضوع بمالَـه من القيود من غير فرق بين أن يكون الحكم من الموقّتات أو غيرها، غايتـه أنّ في الموقّتات يكون للموضوع قيد آخر سوى القيود المعتبرة في موضوعات سائر الأحكام من العقل والبلوغ والقدرة وغير ذلك.

وحينئذ ينبغي أن يسئل ممّن قال با لواجب المعلّق أ نّـه أيّ خصوصيـة با لنسبـة إلى الوقت حيث قلت بتقدّم الوجوب عليـه دون سائر القيود ؟

وليت شعري ما الفرق بين الاستطاعـة في الحج والوقت في الصوم حيث كان وجوب الحج مشروطاً بها ولم يكن وجوب الصوم مشروطاً با لوقت، فإن كان الملاك في الأوّل هو كونها مأخوذاً قيداً للموضوع ومفروض الوجود، فا لوقت أيضاً كذلك، بل الأمر فيـه أوضح ; لأنّـه لايمكن إلاّ أخذه مفروض الوجود ; لأنّـه أمر غير اختياري، وكلّ ما هو كذلك لابدّ أن يؤخذ مفروض الوجود، ويقع فوق دائرة الطلب، ويكون التكليف با لنسبـة إليـه مشروطاً لا مطلقاً، وإلاّ يلزم تكليف العاجز.

والحاصل: أنّ القول بتقدّم التكليف عليـه ـ كما هو الشأن في سائر القيود التي يتقدّم التكليف عليها، كا لطهارة والساتر وغير ذلك ـ يستلزم محالاً في محال ; لأنّـه يلزم أوّلاً لزوم تحصيلـه، كما في تلك القيود، والمفروض عدم إمكان تحصيلـه، وثانياً تحصيل الحاصل ; لاستلزامـه تحصيل ما هو مفروض الوجود.

وبا لجملـة دعوى إمكان الواجب المعلّق في القضايا الشرعيـة التي تكون


55

على نهج القضايا الحقيقيـة في غايـة السقوط. هذه خلاصـة ما ذكره المحقّق النائيني على ما في التقريرات(1).

ويتوجّـه عليـه ما عرفت سابقاً: من أنّ القيود على قسمين:

فإنّـه قد تتعلّق إرادة المريد با لصلاة في المسجد مثلاً بمعنى كون مراده هو هذا الأمر المقيّد لأجل دخا لـة القيد في حصول غرضـه، فلا محا لـة يصير بصدد تحصيل مطلوبـه حتّى لو لم يكن المسجد موجوداً يريد بناءه حتّى يصلّي فيـه أو يأمر ببنائـه لذلك.

وقد تتعلّق إرادتـه با لصلاة على تقدير تحقّق المسجد بمعنى أ نّـه لايكون طا لباً لأصل الصلاة ومريداً لها لكن على تقدير وجود المسجد يرى نفسـه مجبوراً بالإتيان بها لبعض الجهات، فربّما يتوصّل بأسباب مختلفـة ووسائط متعدّدة لأجل عدم تحقّق المسجد لعدم كونـه مشتاقاً إلى الصلاة مريداً لها أصلاً ولكن على تقدير تحقّقـه يجبر نفسـه على الإتيان بها فيـه، ولهذا نظائر كثيرة، فإنّـه قد تتعلّق إرادة الإنسان بضيافـة صديقـه مطلقاً، فإنّـه لا محا لـة يصير بصدد تحصيل مقدّماتـه حتّى لو لم يكن في بلده يدعوه إليـه، وقد تتعلّق إرادتـه بضيافتـه على تقدير مسافرتـه إلى بلد المضيف ونزولـه في منزلـه وغير ذلك من الأمثلـة الكثيرة.

ففي الصورة الاُولى من المثا لين لايكون القيد مفروض الوجود حتّى يكون التكليف متأخّراً عنـه وثابتاً على تقدير وجوده، بل هو من القيود الواقعـة تحت دائرة الطلب لا فوقها لو كان أمراً مقدوراً للمكلّف، كما أ نّـه لو لم يكن مقدوراً يكون التكليف ثابتاً قبلـه وإن لم يكن متوجّهاً إليـه أصلاً، وهذا هو الفرق بين الاستطاعـة في الحجّ والوقت في الصوم.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 186 ـ 189.


56

وما ذكره من لزوم تحصيل الحاصل، ففيـه: أ نّـه لم يؤخذ مفروض الوجود حتّى يلزم ذلك، كما عرفت.

وبا لجملـة فإمكان الواجب المعلّق في الشرعيات وإن كانت الأحكام على نهج القضايا الحقيقيـة بمكان من الوضوح ; لما عرفت من عدم الاستحا لـة بشيء من الوجوه التي ذكروها.

هذا كلّـه فيما لو علم رجوع القيد الواقع في الكلام إلى الهيئـة أو المادّة.

حول ما تردّد القيد بين رجوعـه إلى المادّة أو الهيئـة

ولو شكّ في رجوع القيد ودار الأمر بين رجوعـه إلى الهيئـة أو المادّة ولم يكن في اللّفظ ما يقتضي الرجوع إلى أحدهما معيّناً، فقد قيل بترجيح تقييد المادّة وإبقاء إطلاق الهيئـة على حا لـه ; لأنّ الإطلاق في جانب الهيئـة يكون شمولياً، بخلاف جانب المادّة ; فإنّ إطلاقها يكون بدلياً، فإنّ قولك: أكرم زيداً إن جاءك، لو كان القيد فيـه راجعاً إلى المادّة يكون وجوب الإكرام ثابتاً على جميع التقادير التي يمكن أن يكون تقديراً لـه، كما أ نّـه لو رجع إلى الهيئـة يكون صرف وجود الإكرام واجباً، وهذا معنى الشمول والبدليـة.

وا لظاهر أ نّـه لو دار الأمر بين تقييد الإطلاق الشمولي والإطلاق البدلي، يكون الترجيح مع الثاني ; لأنّ الإطلاق البدلي لايشمل الفردين في حا لـة واحدة كما لايخفى(1).

أقول: ينبغي أن نتكلّم في مقامين:

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 215.


57

الأوّل: فيما ذكروه في باب المطلق والمقيّد من معنى الإطلاق الشمولي والبدلي.

الثاني: في جريان ذلك في المقام على تقدير صحّتـه وعدم جريانـه.

أمّا الكلام في المقام الأوّل: فملخّصـه أنّ معنى الإطلاق ـ كما حقّق في محلّـه ـ عدم كون الكلام مقيّداً بقيد، كما أنّ معنى المقيّد خلافـه(1)، وحينئذ فإذا تكلّم بكلام مع عدم التقييد بقيد، فيحمل على أنّ مراده هو المطلق ; لأنّ التكلّم من الأفعال الاختياريـة الصادرة عن المتكلّم كسائر أفعا لـه الاختياريـة، فمع عدم التقييد يحمل على الإطلاق ; لأنّـه لو كان مراده المقيّد، يلزم عليـه التقييد بعد كونـه فاعلاً مختاراً غير مكره، ومعنى الإطلاق كما عرفت هو عدم التقييد، فإذا قال: أعتق رقبـة، ولم يقيّدها با لمؤمنـة، فيحمل على أنّ مراده هو طبيعـة الرقبـة بمعنى أنّ مالَـه دخلٌ في تحقّق غرضـه هي هذه الطبيعـة المطلقـة المرسلـة غير المتقيّدة بقيد أصلاً، وحينئذ فما ذكروه من الإطلاق الشمولي(2) لم يعلم لـه وجـه ; لأنّـه ليس في الإطلاق بما ذكرناه من المعنى شمول أصلاً، فإنّ بين الشمول وبين كون الموضوع هي الطبيعـة مع عدم القيد بون بعيد فإنّـه فرق بين قولـه: أعتق كلّ رقبـة، وقولـه: أعتق رقبـة، فإنّ المطلوب في الأوّل هو ما يشمل جميع الأفراد، بخلاف الثاني ; فإنّ المطلوب فيـه ليس إلاّ نفس الطبيعـة المرسلـة المحمولـة على الإطلاق من حيث صدورها من الفاعل المختار غير متقيّدة بقيد لا من حيث دلالـة اللّفظ عليـه.

1 ـ مناهج الوصول 2: 313.

2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 562.


58

وبا لجملـة، فليس في الطبيعـة المحمولـة على الإطلاق شمول أصلاً ; فإنّ لفظ الإنسان لايحكي إلاّ عن نفس طبيعتـه، واتّحادها مع الأفراد في الخارج لايوجب كون اللّفظ موضوعاً بإزائها، فإنّ مسأ لـة الوضع غير مسأ لـة الاتحاد في التحقّق، فحمل لفظ الإنسان على إطلاقـه لايوجب إلاّ أن يكون المراد هي نفس طبيعتـه، لا الشمول لأفراده بعد عدم كون اللّفظ موضوعاً بإزائها.

هذا في الإطلاق الشمولي، وأمّا الإطلاق البدلي: فكذلك، غايـة الأمر أنّ البدليـة تستفاد من دالّ آخر، كا لتنوين في قولـه: أكرم عا لماً، فإنّ لفظ «ا لعا لم» لايدلّ إلاّ على طبيعتـه، والتنوين يدلّ على وحدتـه، وتفصيل الكلام في محلّـه.

وأمّا الكلام في المقام الثاني: فملخّصـه أ نّـه ولو سلّمنا الإطلاق الشمولي با لمعنى الذي ذكروه، فلا نسلّم جريانـه في المقام أصلاً ; فإنّ مرجع الإطلاق الشمولي إلى الاستغراق، ولايعقل تعلّق البعث التأسيسي بطبيعـة واحدة متكرّراً، كما أ نّـه لايعقل تعلّق إرادات متعدّدة بمراد واحد ; لأنّ تشخّص الإرادة إنّما هو با لمراد.

وبا لجملـة، فمرجع الإطلاق الشمولي في جانب البعث إلى الأبعاث المتعدّدة، ولايمكن أن يكون متعلّقها أمراً واحداً، كما هو المفروض في المقام.

ثمّ إنّـه لو سلّم جريان الإطلاق الشمولي فيما نحن فيـه، فما المرجّح لإبقائـه على حا لـه وتقييد الإطلاق البدلي ؟ بعدما عرفت من أنّ البدليّـة تستفاد من دالّ آخر، كا لتنوين في المثال المتقدّم فإنّ قولك: أكرم عا لماً، يحمل على الإطلاق ; لعدم كون القيد مذكوراً معـه بعد كون المتكلّم فاعلاً مختاراً، وهذا بعينـه موجود في الإطلاق الشمولي، غايـة الأمر أنّ التنوين يدلّ على البدليّـة في القسم الأوّل، فلا ترجيح لتقييد أحد الإطلاقين على تقييد الآخر أصلاً، كما لايخفى.


59

الأمر السادس

في الواجب النفسي والغيري

وا لكلام فيـه يقع في مقامين:

الأوّل: في الإرادة المتعلّقـة بالأفعال أعمّ من إرادة الفاعل، والأمر.

الثاني: في البعث الصادر منـه.

أمّا الكلام في المقام الأوّل: فملخّصـه أنّ إرادة الفاعل لا تتعلّق أوّلاً إلاّ بما هو محبوب لـه با لذات ومعشوق لـه بنفسـه، والإرادات المتعلّقـة بمقدّمات حصول ذلك المحبوب الأوّلي إنّما هي في طول تلك الإرادة المتعلّقـة بـه، ومتأخرة عنها ومترشّحـة منها، لابمعنى كونها علّةً موجدة لها، فإنّ ذلك لايعقل كما مرّ مراراً، بل بمعنى أنّ تعلّق الاشتياق بمراداتها إنّما هو لتحصيل الغرض الأقصى والمطلوب الأوّلي.

وبا لجملـة، فأكثر الإرادات المتعلّقـة بالأفعال الصادرة من البشر بل كلّها إنّما هو لتحصيل ما يكون مراداً با لذات ومشتاقاً إليـه بنفسـه، وهي اللّذة والاستراحـة، كما لايخفى، وكذا يقال في إرادة الآمر بلا فرق بينهما أصلاً.

وأمّا الكلام في المقام الثاني: الذي هو المقصود بالأصا لـة في هذا المقام، إذ التقسيم إنّما هو للواجب باعتبار الوجوب، وقد عرفت أ نّـه لايكون عبارةً عن مجرّد الإرادة المظهرة، بل إنّما هو عبارة عن البعث الصادر من الآمر، فملخّصـه: أنّ البعث إلى شيء إن كان للتوصّل إلى حصول ما يكون متعلّقاً للبعث الآخر، وبعبارة اُخرى: كان فوق هذا البعث بعث آخر يكون الغرض منـه التوصّل إلى حصول المبعوث إليـه با لبعث الأوّلي، فهو واجب غيري، وإن لم يكن الغرض


60

ا لباعث الداعي على البعث الوصول إلى مبعوث إليـه ببعث آخر، فا لواجب واجب نفسي.

مقتضى الأصل اللفظي في المقام

ثمّ إنّـه لو دار الأمر بينهما وتردّد بين أن يكون هو الواجب النفسي أو الغيري ولم يكن في البين ما يدلّ على أحدهما، فقد يقال بأنّ مقتضى الإطلاق هو الحمل على الواجب النفسي ; لأنّ غيره يحتاج إلى خصوصيـة زائدة، وهي كون المقصود منـه التوصّل إلى شيء آخر، وأمّا النفسيـة فلايزيد على أصل الوجوب، فالإطلاق يقتضي تعيينـه(1).

وفيـه ما لايخفى من الضعف ; فإنّـه لا إشكال في أنّ الواجب النفسي والغيري قسمان لطبيعـة الواجب، ولايعقل أن يكون أحد الأقسام عين المقسم، بل لابدّ أن يكون لها خصوصيـة زائدة على أصل المقسم وجوديةً كانت أو عدميةً.

والذي ينبغي أن يقال: إنّـه حيث كانت الحجّـة من قِبَل المولى تامّةً غير محتاجـة إلى شيء آخر، فهي قاطعـة للعذر با لنسبـة إلى العبد، ويصحّ للمولى الاحتجاج بها عليـه، فلا محا لـة تحتاج إلى الجواب، كما مرّ نظيره في مبحث دلالـة صيغـة الأمر على الوجوب، فلو قال: ائتني با لماء، وشك في أنّ المقصود هو مجرّد تمكّنـه من الماء أو استعما لـه في الوضوء فتوضّأ، فمجرّد احتمال أن يكون المقصود استعما لـه في الوضوء، فلم يبق لـه موضوع لفرض التوضّي بماء آخر لايصحّح الاحتجاج بـه على المولى بعد تماميـة الحجّـة من قِبَلـه، بل اللازم تحصيل الماء للمولى. نعم لايثبت بما ذكرنا كون الواجب واجباً نفسياً حتّى يترتّب

1 ـ مطارح الأنظار: 67 / السطر 10، كفايـة الاُصول: 136.


61

عليـه ما يترتّب على هذا العنوان، كما لايخفى.

ثمّ لايخفى أنّ التقسيم إلى النفسي والغيري ليس تقسيماً للواجب بمعنى كون الوجوب أمراً جامعاً بينهما، كيف وقد عرفت أنّ الحروف بتمامها يكون الوضع فيها عامّاً والموضوع لـه خاصّاً، فكيف يمكن أن يكون مدلول الهيئـة أمراً جامعاً بين القسمين ؟ ! بل التقسيم لأجل اختلاف الداعي، بمعنى أنّ الداعي إلى البعث إلى شيء قد يكون للتوصّل إلى شيء آخر وقد لايكون، وإلاّ فا لبعث أمر واحد لايختلف في القسمين أصلاً، كما هو الشأن في الوجوب والاستحباب، فإنّهما ليسا من أقسام الطلب والبعث بمعنى أن يكون البعث على نحوين، بل البعث الصادر عن إرادة حتميـة يقال لـه: الوجوب، كما أنّ البعث الصادر عن إرادة غير حتميـة يقال لـه: الاستحباب، فتأمّل جيّداً.

ثمّ إنّ بعض الأعاظم من المعاصرين ذكر فيما لو شكّ في واجب أ نّـه نفسي أو غيري ما ملخّصـه با لنسبـة إلى الأصل اللفظي أ نّـه لمّا كان الواجب الغيري وجوبـه مترشّحاً عن وجوب الغير، كان وجوبـه مشروطاً بوجوب الغير، كما أنّ نفس غير الواجب يكون وجوده مشروطاً بنفس الواجب الغيري، فيكون وجوب الغير من المقدّمات الوجوبيـة للواجب الغيري، ووجود الواجب الغيري من المقدّمات الوجوديـة لنفس ذلك الغير.

مثلاً: يكون وجوب الوضوء مشروطاً بوجوب الصلاة، وتكون نفس الصلاة مشروطةً بوجود الوضوء، وحينئذ يكون مرجع الشكّ في النفسية والغيرية إلى شكّين: أحدهما: الشكّ في تقييد وجوبـه بوجوب الغير، وثانيهما: الشك في تقييد مادّة الغير بـه.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ هناك إطلاقاً في كلا طرفي الغير والواجب الغيري، كما إذا كان دليل الصلاة مطلقاً لم يأخذ الوضوء قيداً لها، ودليل إيجاب


62

ا لوضوء كذلك لم يقيّد وجوبـه بوجوب الصلاة، فلا إشكال في صحّـة التمسّك بكلٍّ من الإطلاقين، وتكون النتيجـة هو الوجوب النفسي ولو كان لأحدهما فقط إطلاق يكفي في إثبات الوجوب النفسي أيضاً ; لأنّ مثبتات الاُصول اللفظيـة حجّـة(1). انتهى ملخّص ما في التقريرات المنسوبـة إليـه.

ولكن هذا الكلام مخدوش من وجوه:

الوجـه الأوّل: أ نّك عرفت فيما تقدّم أ نّـه لايعقل كون وجوب المقدّمـة مترشّحاً من وجوب ذيها بمعنى أن يكون الثاني علّةً موجدة للأوّل، كما هو معنى الترشّح، كما أ نّـه لايعقل ترشّح الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمـة من الإرادة المتعلّقـة بذيها، وهذا واضح جدّاً.

الوجـه الثاني: أنّ ما ذكره من أ نّـه حيث كان وجوب المقدّمـة مترشّحاً من وجوب ذيها، فلا محا لـة يكون مشروطاً بـه، محلّ نظر بل منع ; لأنّـه لو سلّم الترشّح والنشو، فلا نسلّم كونـه مشروطاً بـه، بل لايعقل ; لأنّ معنى الترشّح ـ كما عرفت ـ هو كون المترشّح معلولاً للمترشّح منـه، وحينئذ فاشتراط المعلول بوجود العلّـة إن كان في حال انتفاء المعلول، فبطلانـه أظهر من أن يخفى ; لأنّ الاشتراط وصف وجودي لايعقل عروضـه للمعدوم أصلاً، وإن كان في حال وجوده، فانتزاع المعلوليـة منـه إنّما هو في الرتبـة المتأخّرة عن الاشتراط، ومن المعلوم خلافـه.

الوجـه الثالث: أنّ ما ذكره من أ نّـه يكون وجود الغير مشروطاً بوجود الواجب الغيري بمعنى أنّ المقصود من الغير هو تحقّقـه مقيّداً بذلك الواجب الغيري، فلايتمّ على إطلاقـه وإن كان في المثال صحيحاً ; لأنّـه لو فرض أنّ المولى أمر بنصب السلّم وشكّ في أنّ وجوبـه هل يكون نفسياً أو غيرياً، فإنّـه ولو سلّم

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 220 ـ 222.


63

أ نّـه بناءً على الغيريـة يكون وجوبـه مترشّحاً من وجوب الكون على السطح مشروطاً بـه، ولكن لا نسلّم أنّ المقصود من الأمر با لكون على السطح هو الكون عليـه مقيّداً بنصب السلّم، كما كانت الصلاة مشروطةً با لطهارة.

الوجـه الرابع: أنّ ما ذكره من كون مثبتات الاُصول اللفظيـة حجّةً دون الاُصول العمليّـة، ليس مبرهناً عليـه، بل يكون محلّ شكّ وريبـة، وسيجيء إن شاء اللّـه تعا لى.

هذا كلّـه فيما يتعلّق بما ذكره البعض المتقدّم فيما يقتضيـه الاُصول اللفظيـة التي لا مجال معها للاُصول العمليـة أصلاً.

مقتضى الأصل العملي في المقام

وأمّا با لنسبـة إلى الاُصول العمليّـة، فذكر للمسأ لـة صوراً ثلاثـة:

الصورة الاُولى: ما إذا علم بوجوب كلٍّ من الغير والغيري من دون أن يكون وجوب الغير مشروطاً بشرط غير حاصل، كما إذا علم بعد الزوال بوجوب كلٍّ من الوضوء والصلاة وشكّ في وجوب الوضوء من حيث كونـه غيريّاً أو نفسيّاً، ففي هذه الصورة يرجع الشكّ إلى الشكّ في تقييد الصلاة با لوضوء، فيكون من باب الأقلّ والأكثر الارتباطي، وأصا لـة البراءة نافيـة للشرطيـة، فمن هذه الجهـة تكون النتيجةُ النفسيةَ، وأمّا من جهة تقييد وجوب الوضوء بوجوب الصلاة فلا أثر لها ; للعلم بوجوبـه على كلّ حال نفسيّاً كان أو غيريّاً. نعم ربّما يثمر في وحدة العقاب وتعدّده عند تركـه لكلٍّ من الوضوء والصلاة، وليس كلامنا الآن في العقاب.

الصورة الثانيـة: هي الصورة الاُولى ولكن كان وجوب الغير مشروطاً بشرط غير حاصل، كا لمثال المتقدّم فيما إذا علم قبل الزوال، فحينئذ يرجع الشكّ


64

في غيريّـة الوضوء ونفسيّتـه إلى الشكّ في اشتراطـه با لزوال وعدمـه ; إذ لو كان واجباً غيريّاً، يكون مشروطاً با لزوال، كا لصلاة، وحينئذ فمقتضى الأصل العملي هو الاشتراط ; للشكّ في وجوبـه قبل الزوال، كما أنّ أصا لـة البراءة تنفي تقييد الصلاة با لوضوء، ولا منافاة بين إجراء البراءة لنفي وجوبـه قبل الزوال وبين إجرائها لنفي قيديّتـه للصلاة، كما لايخفى.

الصورة الثالثـة: ما إذا علم بوجوب ما شكّ في غيريّتـه ولكن شكّ في وجوب الغير، كما إذا شكّ في وجوب الصلاة وعلم بوجوب الوضوء ولكن شكّ في كونـه غيريّاً حتّى لايجب ; لعدم وجوب الصلاة بمقتضى البراءة، أو نفسيّاً حتّى يجب، والأقوى في هذه الصورة وجوب الوضوء ; لأنّ المقام يكون من التوسّط في التنجيز الذي عليـه يبتني جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطي(1). انتهى ملخّصاً.

أقول: لايخفى أنّ ما ذكره في القسم الأوّل مناف لما ذهب إليـه في مبحث الأقلّ والأكثر الارتباطي(2).

توضيحـه: أ نّـه يظهر من الشيخ في الرسائل في ذلك المبحث جريان البراءة با لنسبـة إلى وجوب الأكثر ; لأنّ العلم الإجما لي بوجوب الأقلّ والأكثر ينحلّ إلى علم تفصيلي بوجوب الأقلّ وشكّ بدويّ في وجوب الأكثر ; لأنّ الأقلّ واجب على كلّ حال، سواء كان الأكثر واجباً أم لم يكن، غايـة الأمر أنّ وجوبـه في الأوّل غيريّ، وفي الثاني نفسي، فيكون وجوب الأكثر مورداً لجريان البراءة(3).

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 222 ـ 223.

2 ـ لاحظ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 156 ـ 157.

3 ـ فرائد الاُصول 2: 462 ـ 463.


65

واعترض عليـه المحقّق الخراساني في الكفايـة بما حاصلـه: أنّ وجوب الأقلّ على كلّ تقدير يتوقّف على تنجّز التكليف على كلّ تقدير، سواء كان متعلّقاً بالأقلّ أو بالأكثر، فإنّـه لو لم يتنجّز التكليف بالأكثر على تقدير تعلّقـه بـه، لم يجب الإتيان بالأقلّ أيضاً ; لأنّ وجوبـه إنّما يكون بتبع وجوب الأكثر، كما هو واضح، فلو لم يكن الأمر المتعلّق بـه منجّزاً، لم يلزم الإتيان بالأقلّ أيضاً، فوجوب الإتيان بـه على كلّ تقدير يتوقّف على وجوب الإتيان بالأكثر على كلّ تقدير، فيلزم من وجوب الأقلّ على كلّ تقدير عدم وجوبـه على كلّ تقدير، وما يلزم من وجوبـه عدمـه محال(1).

وأورد عليـه المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ بما حاصلـه: أنّ ذلك مبنيّ على أن يكون وجوب الأقلّ مقدّميّاً على تقدير تعلّق التكليف بالأكثر، فيستقيم حينئذ ما أفاده من عدم الانحلال.

ألا ترى أ نّـه لو علم إجمالاً بوجوب نصب السلّم أو الصعود على السطح وتردّد وجوب الأوّل بين كونـه نفسيّاً أو غيريّاً متولّداً من وجوب الثاني، فا لعلم التفصيلي بوجوب نصب السلّم لايوجب انحلال العلم الإجما لي بوجوب النصب أو الصعود، فإنّ العلم التفصيلي بوجوبـه يتوقّف على وجوب الصعود على السطح ; إذ مع عدم الوجوب ـ كما هو لازم الانحلال ـ لايعلم تفصيلاً بوجوب النصب ; لاحتمال أن يكون وجوبـه غيريّاً متولّداً من وجوب الصعود، وذلك كلّـه واضح، إلاّ أنّ المقام ليس من هذا القبيل ; لما عرفت من أنّ وجوب الأقلّ على تقدير تولّده من وجوب الأكثر لايكون غيريّاً، فإنّ الأجزاء إنّما تجب بعين وجوب الكلّ، ولايمكن أن يجتمع في الأجزاء كلٌّ من الوجوب النفسي والغيري، فحينئذ

1 ـ كفايـة الاُصول: 413.


66

لايكون وجوب الأقلّ على كلّ تقدير متوقّفاً على وجوب الأكثر على تقدير تعلّقـه بـه، فلايكون العلم بوجوبـه على كلّ تقدير متوقّفاً على شيء آخر، فهو واجب با لوجوب النفسي على كلّ تقدير، كما هو واضح(1). انتهى ملخّص ما أفاده من ا لإيراد الأوّل على الكفايـة.

وأنت خبير بأنّ لازم ما ذكره هناك من تسليم عدم الانحلال فيما لو كان وجوب الأقلّ غيريّاً، لا كالأجزاء: عدم جريان البراءة في الصورة الاُولى من المقام با لنسبـة إلى تقييد الصلاة با لوضوء ; لأنّـه يعلم إجمالاً بوجوبها إمّا مطلقاً أو مشروطاً با لوضوء، والمفروض عدم انحلال العلم الإجما لي هنا ; لأنّـه لاشكّ في أنّ وجوب الوضوء على تقدير كونـه قيداً للصلاة يكون غيريّاً، وليس كالأجزاء، فمقتضى ما ذكره في مبحث الأقلّ والأكثر عدم جريان البراءة با لنسبـة إلى تقييد الصلاة بـه كما اختاره هنا.

ثمّ إنّـه لو قلنا بجريان البراءة بالإضافـة إلى هذا التقييد، فلايكون الإتيان با لوضوء لازماً عند العقل ; لأنّ وجوبـه متردّد بين الوجوب الذي يستحقّ العقوبـة على تركـه وبين ا لوجوب الغيري الذي لايكون كذلك، والمفروض عدم حجّـة للمولى با لنسبـة إلى العقاب، فلايحكم العقل بلزوم إتيانـه أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

هذا كلّـه با لنسبـة إلى الصورة الاُولى.

وأمّا الصورة الثانيـة: فالأمر كما ذكره(قدس سره).

وأمّا الصورة الثالثـة: فيرد عليها أ نّـه كيف يمكن اجتماع العلم بوجوب الوضوء على كلّ تقدير مع الشكّ في وجوب الصلاة ؟ ! لما ذكره المحقّق

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 156 ـ 157.


67

ا لخراساني اعتراضاً على الشيخ، وقد عرفت أ نّـه(قدس سره) قد سلّم الاعتراض في أمثال المقام ممّا يكون الوجوب غيريّاً، لا كالأجزاء، فا لواجب في هذه الصورة ا لإتيان با لصلاة والوضوء معاً.

تنبيهات

التنبيـه الأوّل: في كيفيّـة الثواب والعقاب الاُخروي

بقي في المقام شيء، وهو: أ نّـه هل يترتّب العقاب والثواب على فعل الواجب الغيري وتركـه بعد الفراغ عن استحقاق الثواب والعقاب على فعل الواجب النفسي وتركـه ؟ وإلاّ فالأمرفيـه أيضاً مورد إشكال، وينبغي بيان ا لحال فيـه على نحوا لاختصار.

فنقول: لو كان الثواب عبارةً عن الصور البهيّـة التي تتمثّل الأعمال الحسنـة بتلك الصور، وتصير النفس بها مستعدّةً للكمالات، والعقاب عبارة عن الصور الموحشـة التي تتمثّل الأعمال القبيحـة بتلك الصور الملازمـة للنفس المبتلى بها ويكون لها مدخليـة في انحطاط النفس ونقصانها، كما يقول بـه الأعاظم من الفلاسفـة(1)، فلا إشكال في أ نّهما من لوازم العمل بحيث يمتنع ا لانفكاك عنـه ; لأنّهما من الآثار الوضعيـة للأعمال الحسنـة والقبيحـة، ولايعقل الانفكاك بينهما وبين تلك ا لصور، وحينئذ فلايصحّ التعبير بالاستحقاق بعدما عرفت من استحا لـة الانفكاك، كما لايخفى لو كان الثواب عبارة عمّا تدلّ عليـه ظواهر

1 ـ مجموعـة مصنّفات شيخ الإشراق 2: 229 ـ 235، الحكمـة المتعاليـة 9: 4 ـ 5

و293 ـ 296.


68

ا لآيات والأخبار، ولكن قلنا بكونـه جعلياً بمعنى أ نّـه قد جعل للعمل الفلاني مقدار مخصوص من الأجر والثواب، وللعمل الآخر مقدار كذلك من العقوبـة، فلا إشكال في صحّـة التعبير بالاستحقاق، ولكنّـه لايخفى أنّ ذلك إنّما هو با لمقدار الذي دلّ الدليل عليـه وقامت الحجّـة من قِبَل المولى على ذلك المقدار، كما لايخفى.

وأمّا لو لم نقل بجعليـة الثواب والعقاب، فلا وجـه للقول بالاستحقاق أصلاً، فإنّـه كيف يمكن أن يستحقّ العبد ـ الذي يكون مملوكاً لمولاه بجميع جهاتـه خصوصاً إذا أعطاه من النعم الظاهريـة والباطنيـة ما لايحصى ـ على مولاه شيئاً في مقابل عملـه القليل الذي لايقابل بعض تلك النعم فضلاً عن جميعها، كما هو واضح لايخفى.

هذا كلّـه في الواجبات النفسيـة.

في استحقاق الثواب على الواجب الغيري

وأمّا الواجبات الغيريـة: فإن قلنا بأنّ الثواب عبارة عمّا يظهر من بعض الفلاسفـة، فثبوتـه في الواجبات الغيريـة وعدمـه لايكون لـه كثير ارتباط بالاُصول ; لأنّـه من العلم بالأشياء وحقائقها ولوازمها، كما لايخفى، كما أ نّـه لو قلنا با لوجـه الثاني، فا للازم مراجعـة الأدلّـة حتّى يظهر أ نّـه هل يكون الثواب على فعلها مجعولاً ؟ كما ورد في بعض المقدّمات، مثل: ما ورد في الذهاب إلى زيارة قبر الحسين عليـه الصلاة والسلام من أ نّـه لكلّ قدم كذا وكذا من الثواب(1).

1 ـ ثواب الأعمال: 116 / 31، وسائل الشيعـة 14: 439، كتاب الحج، أبواب المزار وما يناسبـه، الباب 41، الحديث 1.


69

وأمّا بناءً على الوجـه الأخير: فلايخفى أ نّـه لو قلنا بثبوتـه في الواجبات النفسيـة ولكن لا نسلّم ترتّبـه على الواجبات الغيريـة ; لأنّـه لا إشكال في أنّ الثواب والعقاب إنّما يترتّبان على الإطاعـة والمعصيـة، والامتثال والمخا لفـة، والأمر الغيري بعيد منهما بمراحل ; لأنّـه لايصلح للتحريك والداعويـة أصلاً، فإنّ المكلّف إمّا أن يريد امتثال الأمر المتعلّق بذي المقدّمـة بمعنى أ نّـه صار داعياً لـه ومحرّكاً إلى الإتيان بها، وإمّا أن لايريد الامتثال أصلاً.

فعلى الأوّل يأتي با لمقدّمـة بعدما رأى توقّف الإتيان بذي المقدّمـة عليها، ولو لم يكن الأمر الغيري متعلّقاً بها أصلاً، فالإتيان با لمقدّمـة في هذه الصورة ليس لإطاعـة الأمر الغيري وتحريكـه المكلّف إلى متعلّقـه، بل الإتيان بـه لتوقّف المطلوب النفسي عليـه.

وعلى الثاني لايكون الأمر النفسي با لنسبـة إليـه داعياً فضلاً عن الأمر الغيري.

وبا لجملـة فوجود الأمر الغيري وعدمـه متساويان في الصورتين، فلايكون لـه إطاعـة حتّى يترتّب على فعلـه الثواب وعلى تركـه العقاب، كما هو واضح.

وتوهّم: وجود الفرق بنظر العقل بين العبد الذي يأتي بمقدّمات العمل ثمّ يعرضـه بعض الموانع عن الإتيان بذي المقدّمـة ـ كا لموت أو النسيان أو غيرهما من الموانع ـ وبين العبد الذي لايأتي بمقدّمـة أصلاً ثمّ يعرض لـه بعض تلك الموانع ويمنعـه عن الإتيان با لمقدّمـة وذيها معاً(1).

يدفعـه أنّ ثبوت الفرق وإن كان بديهيّاً إلاّ أ نّـه لايوجب الفرق في المقام، فإنّ كلامنا إنّما هو في استحقاق الثواب والعقاب على فعل الواجب الغيري وتركـه

1 ـ نهايـة الاُصول: 186.


70

بمعنى أ نّـه لو منعـه المولى من الثواب بعد الإتيان بـه، عدّ ظا لماً ومورداً لتقبيح العقلاء، كمن يمنع من أداء حقّ الغير إليـه، وهذا لا فرق فيـه بين الآتي با لواجب الغيري وتاركـه أصلاً، فإنّـه كيف يستحقّ العبد على مولاه شيئاً بعدما فرض أ نّـه لم يأت بمطلوبـه النفسي أصلاً، كما هو واضح.

نعم يكون بينهما فارق لا من حيث الاستحقاق الذي يكون مورد النزاع في المقام، بل من حيث الممدوحيـة والمذموميّـة عند العقلاء، فإنّ العبد الذي يأتي بمقدّمات الواجب يستحسنـه العقلاء لكونـه منقاداً للمولى مريداً للإتيان بمطلوباتـه وإطاعـة أوامره، كما لايخفى.

ومن هنا يظهر: أ نّـه لا فرق بين ما لو كان العمل متوقّفاً على مقدّمات كثيرة وبين ما لو لم يكن إلاّ متوقّفاً على بعض المقدّمات، كا لحج با لنسبـة إلى الساكنين في البلاد البعيدة والقريبـة من حيث استحقاق المثوبـة على فعل المقدّمات وعدم الاستحقاق أصلاً.

نعم يمكن أن يقال بازدياد الثواب على نفس العمل فيما لو كان متوقّفاً على مقدّمات كثيرة لا ثبوتـه با لنسبـة إلى المقدّمات، كما لايخفى.

التنبيـه الثاني: الإشكال في الطهارات الثلاث ودفعـه

ثمّ إنّـه ربّما يستشكل في الطهارات الثلاث بوجهين:

الأوّل: أ نّـه لاريب في ترتّب الثواب عليها، وفي كونها عبادةً مع أنّ الأمر الغيري لايكون إلاّ توصّليّاً ولايترتّب على امتثا لـه الثواب(1).

ويردّه: أ نّـه لو كان المراد بترتّب الثواب عليها استحقاق المكلّف لـه

1 ـ مطارح الأنظار: 70 / السطر 18.


71

با لمعنى المتقدّم المتنازع فيـه، فلا نسلّم ثبوتـه فيها بعدما عرفت من أنّ الأمر الغيري لايصلح للداعويّـة ولايكون لـه إطاعـة حتّى يترتّب عليـه الثواب ويستحقّ على تركـه العقاب.

وإن كان المراد بـه جعل الثواب على الطهارات الثلاث، فلا إشكال فيـه، ولا اختصاص لـه بها، بل [لها] نظائر في التوصّليات أيضاً، مثل ما جعل من الثواب على الذهاب إلى زيارة قبر الحسين(عليه السلام) لكلّ قدم كذا وكذا، مع أ نّـه لا إشكال في كونـه توصّليّاً.

الثاني ـ وهو العمدة ـ: أ نّـه لا إشكال في أنّ الطهارات الثلاث قد اعتبرت مقدّمةً للصلاة بنحو العبادية، وليس حا لها كحال سائر المقدّمات، كا لستر والاستقبال وغيرهما في أنّ مطلق وجودها في الخارج قد اعتبرت مقدّمـة لها، وحينئذ فعباديتها مأخوذة في الرتبـة السابقـة على تعلّق الأمر الغيري بها ; إذ لايكاد يتعلّق إلاّ بما يكون مقدّمةً با لحمل الشائع، والمفروض أنّ مقدّميّتها إنّما هو في حال كونها عبادةً، وحينئذ فنقول: إن كان المصحّح لعباديتها هو تعلّق الأمر الغيري بها، فيلزم الدور ; لأنّ تعلّقـه بها متوقّف على كونها مقدّمـة الراجعـة إلى كونها عبادةً، فلو كانت عباديتها متوقّفـة على تعلّق الأمر الغيري بها يلزم توقّف الشيء على نفسـه، كما هو واضح، وإن كان المصحّح لعباديتها هو تعلّق الأمر النفسي بذواتها، فهو فاسد ; لوجوه ثلاثـة:

الأوّل: أ نّـه لايتمّ في خصوص التيمّم ; لعدم تعلّق الأمر الاستحبابي النفسي بـه قطعاً.

الثاني: أ نّـه كيف يمكن اجتماع الأمر الغيري مع الأمر الاستحبابي النفسي على شيء واحد ؟ ! فمع ثبوت الأوّل ـ كما هو المفروض ـ لايبقى مجال للثاني، كما لايخفى.


72

الثالث: أ نّـه من الواضح أ نّـه يصحّ إتيان الطهارات الثلاث بقصد أمرها الغيري من دون التفات إلى رجحانها النفسي، بل يكون مغفولاً عنـه با لنسبـة إلى أغلب الناس، فكيف يكون هو المحقّق لعباديتها ؟ ! كما لايخفى.

وأجاب عن الإشكال بعض الأعاظم ـ كما في تقريراتـه ـ بما ملخّصـه أ نّـه كما تكون الطهارات الثلاث بوصف عباديتها مقدّمـة للصلاة فكذلك تكون ذواتها مقدّمةً لها أيضاً بمعنى أنّ لها الدخل في إيجاد الصلاة.

وبعبارة اُخرى: الأمر الغيري المتعلّق بها متقرّباً بها إلى اللّـه تعا لى ينبسط على أجزاء متعلّقـه كانبساط الأمر النفسي على أجزاء الواجب، فينحلّ إلى أوامر غيريـة ضمنيـة، وحينئذ فتكون ذوات الأفعال في الطهارات الثلاث مأموراً بها بالأمر الضمني من ذلك الأمر الغيري، وإذا أتى بها بداعي ذلك الأمر الضمني يتحقّق ما هو المقدّمـة، أعني الأفعال الخارجيـة المتقرّب بها، وبذلك يسقط الأمر الضمني المتوجّـه إلى القيد بعد فرض كونـه توصّليّاً ; لحصول متعلّقـه قهراً بامتثال الأمر الضمني المتعلّق بذات الفعل(1). انتهى ملخّصاً.

أقول: يرد عليـه: أ نّـه كيف يكون الأمر الغيري مصحّحاً للعباديـة ؟ ! بعدما عرفت من أ نّـه لايكون صا لحاً للداعويـة أصلاً، فإنّـه لايكون الغرض منـه إلاّ مجرّد التوصّل إلى حصول ذي المقدّمـة، فمتعلّقـه لايكون إلاّ واجباً توصّليّاً، وعلى تقدير كونـه داعياً فهو إنّما يدعو إلى متعلّقـه ; لحصول المأمور بـه بالأمر النفسي، ولايكفي ذلك في العباديّـة، فإشكال لزوم الدور وإن كان يرتفع بما ذكر إلاّ أنّ ما هي العمدة في المقام من الإيراد ـ وهو أ نّـه كيف يكون الأمر الغيري مصحّحاً لعباديـة متعلّقـه ؟ !ـ يبقى على حا لـه.

1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 379.


73

ومنـه يظهر بطلان ما ذكره المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات في مقام تصحيح عباديـة الطهارات الثلاث ـ من أنّ المصحّح لها ليس هو الأمر الغيري المتعلّق بها، ولا الأمر النفسي المتعلّق بذواتها، بل الأمر النفسي المتعلّق بذي المقدّمـة حيث إنّـه ينبسط على الأجزاء والشرائط، فا لمصحّح لعباديـة الوضوء، المشروطـة بـه الصلاة هو المحقّق لعباديـة الفاتحـة التي هي جزء لها(1).

وجـه البطلان: ما ظهر ممّا تقدّم، وهو أنّ الأمر الضمني المتعلّق با لجزء أو الشرط لايكفي في عباديتهما أصلاً لو سلّمنا ذلك بعدما كان المقصود منـه حصول المجموع أو المشروط، كما لايخفى.

التنبيـه الثالث: في منشأ عباديّـة الطهارات

وا لحقّ في المقام أن يقال: إنّ عباديـة الطهارات الثلاث ليست لأجل الأمر الغيري المتعلّق بها، بل إنّما هو من جهـة قابليتها وصلوحها للعبادة، كما هو المسلّم من الشرع مع الإتيان بها للّـه وبداعي التقرّب إليـه.

توضيحـه: أ نّـه لايشترط في عباديـة الأشياء تعلّق الأمر النفسي بها، ولا الأمر الغيري، بل يكفي في صيرورة شيء عبادةً كونـه صا لحاً لها مع الإتيان بها بداعي التقرّب، ومن هنا يقال بعدم الفرق بين التيمّم الذي لايكون مورداً لفتوى الأصحاب باستحبابـه النفسي وبين الوضوء والغسل المستحبّين، كما أفتوا بـه، فإنّ مجرّد كونـه منطبقاً عليـه بعض العناوين الحسنـة في حال الإتيان بـه مقدّمـة للصلاة يكفي في صلاحيتها للعبادة في ذلك الحال، ولايشترط تعلّق الأمر بـه أصلاً، وأمّا في غير ذلك الحال فعدم عباديتـه إمّا لأجل عدم انطباق تلك العناوين

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 228.


74

ا لحسنـة عليـه في غير ذلك الحال أو لمزاحمتها من بعض العناوين الغير الحسنـة المخرجـة لـه عن العباديـة، كما لايخفى.

وا لدليل عليـه ما هو المرتكز في أذهان المتشرّعـة عند الإتيان با لطهارات الثلاث، فإنّهم لايلتفتون إلى استحبابها النفسي أصلاً.

وما ذكره في الإشكال: من كفايـة الإتيان بها بداعي الأمر الغيري المتعلّق بها إن اُريد الإتيان بها كا لستر والاستقبال للصلاة بمعنى أ نّـه كما يكفي تحصيل الستر لأجل الصلاة كذلك يكفي مجرّد الإتيان با لوضوء لأجل الصلاة.

ففيـه: أ نّـه لايكون بينهما فرق حينئذ، فيكون الوضوء باطلاً، مضافاً إلى ما نراه من المتشرّعـة من اختلاف نحوي الإتيان با لوضوء وبا لستر عندهم، فإنّ في حال الإتيان بالأوّل لهم حا لـة اُخرى لا توجد عند الإتيان با لثاني.

فظهر أنّ عباديـة الطهارات الثلاث إنّما هو لكونها صا لحةً للعبادة مع الإتيان بها بداعي القربـة من دون توقّف على الأمر النفسي ولا الغيري أصلاً، ولذا نقول كما قا لوا: بعباديـة التيمّم في حال الإتيان بـه مقدّمـة للصلاة، مع أ نّـه لايكون متعلّقاً لأمر نفسي، كما ذهبوا إليـه، ولا لأمر غيري، كما سنحقّقـه من عدم وجوب المقدّمـة، فانتظر.

ثمّ إنّ بما ذكرناه في تحقيق عباديـة الطهارات الثلاث يرتفع جميع المحذورات المتقدّمـة والإيرادات السابقـة، فإنّـه لايبقى حينئذ مجال للإشكال في ترتّب الثواب عليها، فإنّ ترتّبـه عليها ليس لأجل تعلّق الأمر الغيري بها، بل لكونها مطلوبةً نفساً وعبادةً ذاتاً، والكلام إنّما هو بعد الفراغ عن ترتّب الثواب على الواجبات النفسيـة، فلا وجـه حينئذ للإشكال أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

وكذا يرتفع بـه محذور الدور، فإنّ الأمر الغيري وإن تعلّق بما تكون عبادةً، إلاّ أنّ عباديتها لا تتوقّف على الأمر الغيري أصلاً، كما ظهر بما حقّقناه لك.


75

وما ذكره العراقي(قدس سره) في دفع محذور الدور: من كلامـه المتقدّم(1) وإن كان يكفي في دفع ذلك المحذور إلاّ أ نّـه لايرتفع بـه ما هي العمدة في ا لمقام من الإشكال، وهو أ نّـه كيف يمكن أن يكون الأمر الغيري مصحّحاً لعباديـة متعلّقـه ؟ ! كما لايخفى، كما أ نّـه بما ذكرنا يرتفع سائر المحذورات، فإنّك قد عرفت أنّ عباديـة التيمّم ليس لأجل تعلّق الأمر النفسي الاستحبابي بـه حتّى يقال بأ نّهم لايقولون بـه، وكذلك لايبقى مجال للإشكال باستحا لـة اجتماع الأمر الغيري مع الأمر النفسي على شيء واحد، فإنّـه قد ظهر بما ذكرنا أنّ المأمور بـه بالأمر الأوّل هو ما يكون متعلّقاً للأمر الثاني بوصف كونـه كذلك، وبعبارة اُخرى: العبادة المستحبّـة جُعلت مقدّمةً ومتعلّقةً للأمر الغيري، نظير ما إذا نذر الإتيان بصلاة الليل مثلاً، فإنّ الوفاء با لنذر وإن كان واجباً إلاّ أ نّـه لاينافي استحباب صلاة الليل ولايخرجها عنـه إلى الوجوب، بل يجب عليـه الإتيان بها بما أ نّها مستحبّـة، كما لايخفى.

وأمّا كفايـة الإتيان با لطهارات بداعي الأمر الغيري المتعلّق بها فقد عرفت ما فيـه من أ نّـه لو كان المراد كفايـة الإتيان بها للصلاة، فلا نسلّم صحّتها وكون الإجماع منعقداً عليها ; لما عرفت من الفرق عند المتشرّعـة في مقام الإتيان بها أو بسائر المقدّمات غير العباديـة.

ثمّ إنّ ما يظهر من بعض: من تصحيح عباديـة الطهارات الثلاث مع قطع النظر عن تعلّق الأمر الغيري بها بأنّ الأمر المتعلّق با لصلاة، كما أ نّـه يدعو إلى متعلّقها كذلك لـه نحو داعويـة إلى مقدّماتها، فعباديـة الطهارات إنّما هو لاعتبار الإتيان بها بتلك الداعويـة، لا كما ذكره النائيني(قدس سره) من انبساط الأمر النفسي على

1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 379.


76

ا لمقدّمات أيضاً حتّى تكون عباديتها لأجل تعلّق الأمر النفسي الضمني بذواتها(1)، بل نقول: إنّ متعلّق الأمر النفسي هي نفس الصلاة، ولكن لايخلو من الداعويـة إلى المقدّمات أيضاً.

وا لفرق بين الطهارات وغيرها من المقدّمات أنّ المعتبر في صحّتها الإتيان بها بتلك الداعويـة، بخلاف سائر المقدّمات، فإنّـه لايعتبر في صحّتها هذا المعنى.

نعم لو أتى بها أيضاً بذلك الداعي تصير عبادةً، ويترتّب عليـه الثواب، كما هو الشأن في جميع الواجبات التوصّليّـة.

فجوابـه أظهر من أن يخفى، فإنّـه كيف يمكن أن يكون الأمر المتعلّق با لصلاة داعياً إلى مقدّماتها مع ما ثبت من أنّ الأمر لايدعو إلاّ إلى متعلّقـه، والمفروض عدم كون المقدّمات متعلّقةً للأمر المتعلّق بذيها، كما ذكره المحقّق النائيني(قدس سره) ودخول التقيّدات في متعلّق الأمر النفسي لايستلزم كون القيود أيضاً كذلك، وحينئذ فلا وجـه لكون الأمر بذي المقدّمـة داعياً إليها أصلاً، كما هو أظهر من أن يخفى.

فا لتحقيق في عباديـة الطهارات الثلاث ما ذكرناه لك، وعليـه فكلّما توضّأ مثلاً بداعي الأمر الاستحبابي المتعلّق بـه سواء كان متعلّقاً للأمر الغيري أيضاً ـ كما إذا توضّأ بعد دخول الوقت ـ أو لم يكن ـ كما إذا توضّأ قبل دخولـه يكون وضوؤه صحيحاً يجوز الإتيان بجميع الغايات المشروطـة بها، كما أ نّـه لو توضّأ بداعي الأمر الغيري فقط من دون التوجّـه إلى عباديتـه يكون فاسداً مطلقاً قبل الوقت وبعده.

ثمّ إنّـه قد اُجيب عن إشكال الطهارات الثلاث وأ نّها كيف تكون عبادةً مع

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 228.


77

كونها متعلّقةً للأمر الغيري بوجوه شتّى بعضها يرجع إلى ما ذكرناه بنحو من التصرّف والتأويل، وبعضها الآخر يظهر بطلانها ممّا ذكرنا في هذا المقام، وعليك با لتأمّل التامّ في كلمات الأعلام ليظهر لك الصحيح عن سقيم المرام، فإنّ المقام من مزالّ الأقدام، فتأمّل جيّداً.

الأمر السابع

ما هو الواجب في باب المقدّمـة؟

هل الواجب في باب المقدّمـة بناءً على ثبوت الملازمـة هو ذات المقدّمـة بلا مدخليـة شيء آخر، أو المقدّمـة بشرط إرادة المكلّف لذيها عند إتيانها، كما ربّما ينسب إلى صاحب المعا لم(قدس سره)(1)، أو بشرط قصد التوصّل بها إليـه لا مطلقاً، سواء ترتّب عليـه ذو المقدّمـة في الخارج أم لم يترتّب، كما ربّما نسب ذلك إلى الشيخ الأنصاري(قدس سره)(2)، أو بشرط إيصا لها إلى ذي المقدّمـة وترتّبـه عليها في ا لخارج بحيث إذا ترتّب عليها يكشف عن وقوعها على صفـة الوجوب، كما ذهب إليـه صاحب الفصول(3) ؟ وجوه وأقوال، ولابدّ من النظر في كلّ واحد منها ليظهر صحّتـه أو سقمـه.

حول ما نسب إلى صاحب المعالم

فنقول: ربّما يورد على صاحب المعا لم:

أوّلاً: بأنّ وجوب المقدّمـة تبع لوجوب ذيها من حيث الإطلاق أو

1 ـ مطارح الأنظار: 72 / السطر 1، كفايـة الاُصول: 142.

2 ـ كفايـة الاُصول: 143، مطارح الأنظار: 72 / السطر 9.

3 ـ الفصول الغرويّـة: 81 / السطر 4.


78

ا لاشتراط، فكيف يمكن أن يكون وجوب ذي المقدّمـة مطلقاً غير مشروط بإرادتـه ووجوب المقدّمـة مشروطاً بإرادتـه.

وثانياً: باستحا لـة أن يكون البعث المتعلّق بشيء مشروطاً بإرادة ذلك الشيء ; إذ مع تحقّق الإرادة يكون الإتيان با لفعل مسبّباً عنها لا عن البعث، ومع عدم تحقّقها يكون المفروض عدم ثبوتـه بعد كونـه مشروطاً بالإرادة.

ودعوى: أنّ البعث هنا مشروط بإرادة ذي المقدّمـة لابإرادة متعلّقـه الذي عبارة عنها.

مدفوعـة: باستحا لـة انفكاك إرادة ذي المقدّمـة عن الإرادة المتعلّقـة بها فمع كونـه مشروطاً بها يلزم اللغويـة أيضاً بعد عدم انفكاكها عنها، كما لايخفى(1).

هذا، ولكن لايخفى أنّ عبارة المعا لم(2) لا تفيد شرطيـة الإرادة أصلاً، بل مفادها هو ثبوت الوجوب في حال كون المكلّف مريداً للفعل المتوقّف عليها، فلايكون الوجوب مشروطاً بإرادتـه، بل إنّما هو ثابت في حا لها على نحو القضيّـة الحينيـة لا المشروطـة، فلايرد عليـه الإشكالان المذكوران.

هذا، مضافاً إلى أنّ الإيراد الثاني فاسد ولو قلنا بذلك ; لأنّ كون البعث مشروطاً بإرادة ما يترشّح منـه الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمـة بحيث تكون في مرتبـة متأخّرة عنها استحا لتـه غير واضح ; لأنّ البعث إنّما يقع في المرتبـة المتقدّمـة على إرادة متعلّقـه، وهذا غير معلوم الاستحا لـة.

مضافاً إلى أنّ هذا الإيراد لايختصّ بخصوص هذا القول، بل يرد على جميع القائلين بثبوت الملازمـة، كما لايخفى.

1 ـ مطارح الأنظار: 72 / السطر 5.

2 ـ معالم الدين: 74 / السطر 3.


79

تحقيق فيما نسب إلى الشيخ الأنصاري(قدس سره)

ثمّ إنّ ما نسب إلى الشيخ الأنصاري(قدس سره) من أنّ الملازمـة إنّما هي بين ذي المقدّمـة وبين المقدّمـة التي قصد بها التوصّل إليـه بحيث يكون هذا القول في عرض سائر الأقوال في باب المقدّمـة ليست النسبـة إليـه في محلّـه، فإنّ منشأ النسبـة إنّما هو ملاحظـة التقريرات المنسوبـة إليـه، ونحن بعد ملاحظـة هذا المقام منها صدراً وذيلاً لم نعرف وجهاً لهذه النسبـة أصلاً ; فإنّ المقرّر بعد حكايـة عبارة المعا لم والإشكال فيها با لوجهين المتقدّمين شرع في أ نّـه هل يعتبر في امتثال الأمر الغيري قصد التوصّل بها إلى ذيها أم لا، واختار الأوّل.

ثمّ ذكر في تحقيقـه أنّ الأمر الغيري لايستلزم امتثالاً أصلاً، بل المقصود منـه مجرّد التوصّل بـه إلى الغير، وقضيّـة ذلك هو قيام الواجب مقامـه وإن لم يكن المقصود منـه التوصّل بـه إلى الواجب، كما إذا أمر المولى عبده بشراء اللحم من السوق، الموقوف على تحصيل الثمن، ولكنّ العبد حصّل الثمن لا لأجل شراء اللحم، بل لغرض آخر، ثمّ بدا لـه الامتثال بأمر المولى، فيكفي لـه في مقام المقدّميـة الثمن المذكور من غير إشكال، إنّما الإشكال في المقدّمات العباديـة التي يجب وقوعها على قصد القربـة، فهل يصحّ في وقوعها على جهـة الوجوب أن لايكون الآتي بها قاصداً للإتيان بذيها أم يعتبر ؟

ثمّ فرّع عليـه بعض الفروعات، وذكر أ نّـه قد نسب إلى المشهور عدم الاعتبار.

ثمّ استند إلى ما يقرّب مرادهم، ثمّ استشكل عليـه بأنّ الإنصاف فساد ذلك الوجـه ; لأنّ النزاع إنّما هو فيما إذا اُريد الامتثال با لمقدّمـة، وذكر أ نّـه لا إشكال


80

في لزوم قصد عنوان الواجب إذا اُريد الامتثال بـه وإن لم يجب الامتثال(1)، إلى آخر ما ذكره، فإنّ الناظر إلى هذه العبارات يقطع بأنّ النزاع في اعتبار قصد التوصّل إلى ذي المقدّمـة وعدمـه إنّما هو فيما إذا اُريد الامتثال با لمقدّمـة، ومعنى الامتثال ـ كما صرّح بـه ـ أن يكون الداعي إلى إيجاد الفعل هو الأمر(2)، فلاربط لهذا النزاع با لمقام أصلاً، فإنّ الكلام هنا إنّما هو في الملازمـة وفي أنّ الأمر الغيري هل يتعلّق بذات المقدّمـة أو مع قيد آخر.

ولايخفى أنّ التأمّل في عبارة التقريرات يعطي أنّ الواجب هو ذات المقدّمـة، كيف وقد صرّح في جواب المعا لم بأنّ وجوب المقدّمـة إنّما يتبع في الإطلاق والاشتراط وجوب ذيها، وقد صرّح أيضاً بأنّ الحاكم با لوجوب الغيري ليس إلاّ العقل، وليس الملحوظ عنده في عنوان حكمـه با لوجوب إلاّ عنوان المقدّميـة والموقوف عليـه، وهنا بعض القرائن الاُخر يظهر للناظر المتأمّل.

وكيف كان فمع قطع النظر عن انتساب هذا القول إلى الشيخ(قدس سره) فلابدّ من النظر فيـه، وأ نّـه هل يمكن الذهاب إليـه أم لا ؟

فنقول: اعتبار قصد التوصّل في المقدّمـة يمكن على وجوه:

الأوّل: أن يكون الوجوب الناشئ من حكم العقل با لملازمـة مشروطاً بما إذا قصد التوصّل بها إليـه بمعنى أ نّـه في غير هذه الصورة لا تكون المقدّمـة واجبـة.

الثاني: أن يكون الوجوب ثابتاً لها في هذا الحين، والفرق بين الصورتين الفرق بين القضيّـة المشروطـة والحينيـة.

1 ـ مطارح الأنظار: 72 / السطر 9.

2 ـ نفس المصدر: السطر 24.


81

الثالث: أن يكون قصد التوصّل مأخوذاً في متعلّق الأمر الغيري بمعنى أن يكون قيداً للواجب لا للوجوب، كما في الصورتين المتقدّمتين.

إذا عرفت ذلك، فنقول: كلّ هذه الاحتمالات فاسدة، بل لايمكن اعتبار قصد التوصّل على غير وجـه الأخير من الصور المتقدّمـة.

أمّا الوجـه الأوّل: فيرد عليـه ـ مضافاً إلى ما عرفت من أنّ وجوب المقدّمـة يتبع في الإطلاق والاشتراط وجوب ذيها ـ أ نّـه لايعقل اشتراط الوجوب بخصوص قصد التوصّل الغير المنفكّ عن إرادة متعلّق الوجوب، فيرجع الأمر بالأخرة إلى اشتراط الوجوب بإرادة متعلّقـه، فيصير الوجوب مباحاً، كما عرفت فيما أجاب بـه التقريرات عن عبارة المعا لم، بل نقول بأنّ الاستحا لـة هنا أوضح ممّا يوهمـه عبارة المعا لم ; لأنّ الوجوب بناء على قولـه لايكون مشروطاً بإرادة متعلّقـه، بل بإرادة ذي المقدّمـة المتقدّمـة على إرادة المقدّمـة المتعلّقـة للوجوب الغيري، وأمّا بناء على هذا القول يكون الوجوب مشروطاً بإرادة متعلّقـه.

ثمّ إنّ هذا الجواب يجري على الوجـه الثاني أيضاً.

وأمّا الوجـه الثالث: الراجع إلى اعتبار قصد التوصّل قيداً للواجب بحيث يجب تحصيلـه كسائر القيود المعتبرة في الواجب فهو وإن كان ممكناً في مقام الثبوت إلاّ بناء على ما اعتقده صاحب الكفايـة من أنّ الإرادة لا تكون من الاُمور الاختياريـة(1)، فلايعقل أن تكون متعلّقةً للطلب أصلاً.

ولكن لايخفى فساد هذا الاعتقاد فإنّـه يمكن للإنسان أن يوجد القصد المتعلّق ببعض الأشياء، نظير أ نّـه إذا سافر الإنسان إلى بلد لايريد إقامـة عشرة أيّام فيـه ; لعدم كون الإقامـة فيها ذا مصلحـة لـه إلاّ أ نّـه يعرض لـه بعض الاُمور

1 ـ كفايـة الاُصول: 89.


82

ا لمتفرّعـة على قصدها، فيقصد، فإقامـة العشرة وإن لم تكن محبوبةً لـه با لذات إلاّ أ نّها تصير محبوبةً با لعرض لمحبوبية تلك الاُمور المتوقّفة على قصدها، مثل ما إذا كانت الصلاة غير المقصورة محبوبةً لـه دائماً، فيريد الإقامة لذلك.

وبا لجملـة، فكون الإرادة من الاُمور غير الاختياريـة ممّا لم يعلم لـه وجـه أصلاً، كيف والمعتبر في صحّـة العبادات أن يكون الداعي إلى اتيانها قصد التقرّب، فلو لم يكن القصد أمراً اختيارياً، لم يكن وجـه لاعتباره فيها، كما لايخفى فهذا الوجـه الراجع إلى أخذ قصد التوصّل قيداً للواجب وإن كان ممكناً في مقام الثبوت إلاّ أ نّـه لا دليل على إثباتـه، كما سيأتي وجهـه عند التكلّم في مقام الإثبات إن شاء اللّـه تعا لى، فانتظر.

هذا كلّـه فيما يتعلّق باعتبار قصد التوصّل في وجوب المقدّمـة.

القول في المقدّمـة الموصلـة

حول ما نسب إلى صاحب الفصول

وأمّا اعتبار الإيصال إليـه ـ كما يظهر من صاحب الفصول(1)ـ فإن كان هذا ا لقيد شرطاً للوجوب بمعنى أ نّـه لايجب المقدّمـة إلاّ مع الإيصال المتوقّف على تحقّق ذيها الراجع إلى أنّ وجوب المقدّمـة إنّما هو بعد الإتيان بذيها، المتوقّف عليها، فاستحا لتـه أظهر من أن يخفى، فإنّـه من قبيل تحصيل الحاصل.

وا لظاهر أ نّـه لايقول بـه صاحب الفصول(قدس سره) بل مراده(قدس سره) إنّما هو اعتبار هذا القيد في متعلّق الوجوب، لا أن يكون شرطاً للوجوب، بل قيداً للواجب بحيث

1 ـ الفصول الغرويّـة: 81 / السطر 4.


83

يجب تحصيلـه.

وقد اُورد عليـه بوجوه من الإيراد:

منها: أ نّـه يلزم الدور بناء عليـه، وتقريبـه: أ نّـه لا إشكال في توقّف ذي المقدّمـة عليها ; لأنّ المفروض كونها مقدّمةً لـه، فلو كان الإيصال مأخوذاً فيها، يلزم توقّف المقدّمـة عليها أيضاً ; لأنّ حصول القيد متوقّف عليها بلا إشكال، وهذا هو الدور محضاً(1).

وا لجواب أنّ ما يتوقّف ذوا لمقدّمـة عليـه هو ذات المقدّمـة ; لأنّـه لا مدخليـة للإيصال في مقدّميتها، بل إنّما هو مأخوذ في متعلّق الواجب، وما يتوقّف على ذي المقدّمـة هو الإيصال لا ذات المقدّمـة، فا لموقوف على ذي المقدّمـة لايتوقّف هو عليها، بل يتوقّف على ذاتها، كما هو أوضح من أن يخفى.

منها: لزوم التسلسل، وتقريبـه أن يقال: إنّ المقدّمـة حينئذ تكون مركّبةً من أمرين: أحدهما: الذات، والآخر: قيد التوصّل، فتكون الذات مقدّمـة لحصول المقدّمـة المركّبـة، كما هو الشأن في جميع أجزاء المركّب.

مثلاً: لو كان الوضوء الموصل إلى الصلاة مقدّمةً، والسير الموصل إلى الحج مقدّمـة، فذات الوضوء والسير يكون مقدّمةً للوضوء الموصل والسير الموصل، وحينئذ فيعتبر قيد الإيصال فيـه أيضاً، فيلزم التسلسل(2).

وا لجواب: أنّ مدخليـة قيد الإيصال إنّما هو في تعلّق الوجوب إلى المقدّمـة بمعنى أ نّـه لايتعلّق الوجوب بها إلاّ مع ذلك القيد لابدونـه، لا أن يكون القيد دخيلاً في مقدّميـة المقدّمـة وتوقّف ذيها عليها، وحينئذ فليس هنا إلاّ ذات

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 290.

2 ـ نفس المصدر.


84

ا لمقدّمـة وقيد الإيصال، والاُولى لايتعلّق بها الوجوب إلاّ مع انضمام الثاني إليـه، فمن أين يلزم التسلسل ؟ كما هو واضح.

منها: أ نّـه يلزم أن يكون ذو المقدّمـة متعلّقاً للوجوب النفسي وللوجوب الغيري، بل للوجوبات الغيريـة المتعدّدة حسب تعدّد المقدّمات.

أمّا تعلّق الوجوب النفسي إليـه: فلأنّـه المفروض.

وأمّا تعلّق الوجوب الغيري: فلأنّـه لا إشكال في أنّ تحقّق قيد الإيصال موقوف على ذي المقدّمـة، فيتعلّق بها الوجوب الغيري أيضاً(1).

وا لجواب: أنّ توقّف عنوان الإيصال على ذي المقدّمـة وإن كان مسلّماً إلاّ أنّ تعلّق الأمر الغيري إليها ممنوع بعد أ نّـه يعتبر عند القائل بهذا القول الإيصال إلى ذي المقدّمـة، ومن المعلوم امتناع أن يكون الشيء موصلاً إلى نفسـه، والإيصال إلى المقدّمـة الموصولـة لم يكن معتبراً عند القائل أصلاً.

وبا لجملـة، فلو كان المراد تعلّق الأمر الغيري بذي المقدّمـة من دون قيد، فهو ممنوع عند القائل بعد اعتباره في متعلّق الأمر الغيري قيد الإيصال، كما هو واضح.

وإن كان المراد تعلّقـه بـه مع هذا القيد، فالإيصال إلى المقدّمـة الموصلـة غير مقصود لـه، والإيصال إلى نفسها لايعقل، فكيف يلزم تعلّق الأمر الغيري بل الأوامر الغيريـة بذي المقدّمـة ؟ !

منها: ما اُورد عليـه في الكفايـة من أنّ القول با لمقدّمـة الموصلـة يستلزم إنكار وجوب المقدّمـة في غا لب الواجبات، والقول بوجوب خصوص العلّـة التامّـة في خصوص الواجبات التوليديـة.

1 ـ نهايـة الاُصول: 195.


85

أمّا الاختصاص بالاُولى: فلأنّـه لايعقل ترتّب الممكن على غير علّتـه التامّـة ووجوده بدونها.

وأمّا الاختصاص با لثانيـة ـ مع أنّ وجود كلّ ممكن بدون علّتـه التامّـة مستحيل ـ أنّ مبادئ اختيار الفعل الاختياري من أجزاء العلّـة التامّـة، وهي لا تكاد تتّصف با لوجوب ; لعدم كونها من الاُمور الاختياريـة، وإلاّ لتسلسل.

وبا لجملـة، فالإيصال إنّما هو في خصوص الواجبات التوليديـة، وأمّا في غيرها فمع اجتماع جميع الأجزاء يمكن أن لايقع لتوسّط الإرادة والاختيار، كما هو واضح(1).

وا لجواب: أنّ مراده(قدس سره) بالإيصال ليس ما يترتّب عليـه ذوا لمقدّمـة قهراً حتّى يورد عليـه بما ذكر، بل مراده منـه هو ترتّب الفعل عليـه ولو بواسطـة أو وسائط بمعنى أنّ مطلق المقدّمـة لايتعلّق بـه الوجوب، بل با لمقدّمـة التي يتعقّبها الإتيان بذي المقدّمـة، سواء كانت علّةً تامّة لحصولـه قهراً أم لم تكن.

هذا مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الإرادة من الاُمور الاختياريـة التي يمكن أن يتعلّق بها الطلب والبعث، كيف ولو قلنا باستحا لـة تعلّق الطلب بها، فلا تكون متعلّقةً للأمر الغيري حتّى بناء على وجوب مطلق المقدّمة، فمن أين يلزم الإرادة التي هي من أجزاء العلّـة التامّـة، كما هو واضح.

منها: ما اُورد عليـه في الكفايـة أيضاً، وحاصلـه أ نّـه لو كان معتبراً فيـه الترتّب، لما كان الطلب يسقط بمجرّد الإتيان بها من دون انتظار لترتّب الواجب عليها مع أنّ الطلب لايكاد يسقط إلاّ با لموافقـة أو با لمخا لفـة أو بارتفاع موضوع

1 ـ كفايـة الاُصول: 145 ـ 146.


86

ا لتكليف، ولايكون الإتيان با لمقدّمـة با لضرورة من هذه الاُمور غير الموافقـة(1).

وا لجواب: أ نّا نمنع السقوط بمجرّد الإتيان بذات المقدّمـة ; لأنّ القائل يقول بأنّ سقوطـه متوقّف على ضميمـة قيده إليـه، فلايسقط إلاّ بعد الإتيان بذي المقدّمـة، كما أنّ الأمر با لصلاة لايسقط إلاّ مع الإتيان بجزئـه الأخير أيضاً، وهذا واضح لا إشكال فيـه.

فانقدح من جميع ما ذُكر أ نّـه لايلزم محال من الأخذ بأحد الأقوال الثلاثـة الواقعـة في مقابل القول بوجوب مطلق المقدّمـة في مقام الثبوت بناء على أن يكون القيد الزائد دخيلاً في متعلّق الوجوب، لا أن يكون شرطاً لـه، كما عرفت.

ما أفاده المحقّق الحائري والعراقي في المقام

ثمّ إنّـه لو سلّمنا استلزام كلام الفصول للمحاذير المتقدّمـة، فلايدفعها ما ذكره بعض من الأعاظم في تقريب كلامـه وتوجيـه مرامـه بحيث لايورد عليـه بشيء حيث قال(قدس سره) في كتابـه المسمّى با لدّرر ما ملخّصـه: أنّ الطلب متعلّق با لمقدّمات في لحاظ الإيصال لا مقيداً بـه بمعنى أنّ الآمر بعد تصوّر المقدّمات بأجمعها يريدها بذواتها، لأنّها بتلك الملاحظـة لا تنفكّ عن المطلوب الأصلي، ولو لاحظ مقدّمـة منفكّـة عمّا عداها، لايريدها جزماً ; لأنّ مطلوبيتها إنّما هو في ظرف ملاحظـة باقي المقدّمات معها، فالإرادة لا تتعلّق بها بنحو الإطلاق حتّى تشمل حال انفكاكها عن باقي المقدّمات.

ثمّ قال: وهذا الذي ذكرنا مساوق للوجدان، ولايرد عليـه ما ورد على

1 ـ كفايـة الاُصول: 146.


87

ا لقول باعتبار الإيصال قيداً وإن اتّحد معـه في الأثر(1).

ونظير هذا ما يظهر من التقريرات المنسوبـة إلى العراقي(قدس سره) حيث قال المقرّر ما ملخّصـه: إنّ الواجب ليس مطلق المقدّمـة ولا خصوص المقدّمـة المقيّدة بالإيصال، بل الواجب هو المقدّمـة في ظرف الإيصال على نحو القضيـة الحينيـة، وبعبارة اُخرى: الواجب هي الحصّـة التوأمـة مع سائر المقدّمات الملازم لوجود ذيها.

وتوضيحـه أن يقال: حيث إنّ الغرض من وجوب المقدّمـة ليس إلاّ التوصّل إلى ذي المقدّمـة، ومن الواضح أنّ هذا إنّما يترتّب على مجموع المقدّمات، لا كلّ واحد على سبيل الاستقلال وإن كان كلّ واحد منها يتوقّف عليـه المطلوب الأصلي إلاّ أنّ المحبوبيـة إنّما يتعلّق بـه مع انضمامـه إلى سائر المقدّمات، ونتيجـة ذلك هو تعلّق أمر غيري واحد بمجموع المقدّمات بحيث ينبسط على كلّ واحد منها كانبساط الوجوب في الواجب النفسي على أجزائـه، وكما أنّ متعلّق الأمر النفسي الضمني في الواجبات النفسيـة إنّما هو كلّ واحد من الأجزاء لا مطلقاً ولا مقيّداً بانضمام سائر الأجزاء إليـه، بل الحصّـة المقارنـة لباقي الأجزاء، فكذلك الأمر هنا بلا تفاوت(2). انتهى ملخّص موضع الحاجـة من كلامـه.

ولكن لايخفى أنّ المحذورات المتقدّمـة لو سلّم لا تدفع بما ذكره المحقّقان المتقدّمان ; لأنّ لحاظ الإيصال إمّا أن يكون دخيلاً في المطلوب ويوجب تضييقاً با لنسبـة إليـه، فهذا بعينـه ما ذكره صاحب الفصول، وإمّا أن لايكون كذلك، فهذا

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 119.

2 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 389 / السطر 10.


88

بعينـه القول بوجوب مطلق المقدّمـة، وأخذه على نحو القضيـة الحينيـة لايزيد على أخذه مطلقاً ; لأنّ معناها هو أنّ ترتّب الحكم على الموضوع لايقيّد بوقت دون وقت، وذكر الحين إنّما هو لتعريف الموضوع والإشارة إليـه من دون مدخليـة لـه في ترتّب الحكم أصلاً، مثل أن يقال: كلّ من كان في الدار فهو عا لم مثلاً، فإنّ الكون في الدار إنّما اُخذ عنواناً مشيراً إلى الموضوع ومعرّفاً لـه لا لكونـه دخيلاً في ثبوت المحمول.

ومن هنا يظهر بطلان ما تقدّم من التقريرات، مضافاً إلى أ نّـه كيف يمكن الجمع بين أخذ الإيصال بنحو القضيـة الحينيـة التي عرفت عدم الفرق بينها وبين القضيّـة المطلقـة من حيث إطلاق الموضوع أصلاً وبين كون متعلّق الأمر الغيري هي الحصّـة المقارنـة لباقي المقدّمات الملازم لوجود ذيها مع أنّ الطبيعـة المطلقـة لا تصير حصّةً إلاّ بانضمام بعض القيودات إليها، كما هو أظهر من أن يخفى.

وغايـة ما يمكن أن يقال في تقريب كلام الفصول أن يقال: حيث إنّ الغرض من وجوب المقدّمـة وغايتـه ليس إلاّ التوصّل إلى المطلوب الأصلي ففي متعلّقـه نحو من التضيّق من ناحيـة علّتـه الغائيـة لا أن يكون مقيّداً بـه ولا أن يكون مطلقاً با لنسبـة إليـه، كما هو الشأن في سائر الأشياء با لنسبـة إلى العلل الغائيـة لها ولكن لايخفى أنّ هذا يرجع إلى التقييد لما سنذكره من أنّ جميع الحيثيات التعليليـة ترجع إلى الجهات التقييديـة، فانتظر.

وانقدح من جميع ما ذكرنا أ نّـه لو قلنا باستلزام كلام الفصول للمحذورات المتقدّمـة من الدور والتسلسل وغيرهما لما يجديـه التوجيـه بما ذكر أصلاً.

هذا، ولكن قد عرفت أنّ شيئاً من الإيرادات غير وارد عليـه أصلاً.

هذا كلّـه في مقام الثبوت.


89

في الدليل العقلي على المقدّمـة الموصلـة

وأمّا مقام الإثبات: فقد استدلّ صاحب الفصول بوجوه أسدّها وأمتنها هو الوجـه الأخير.

قال في بيانـه: حيث إنّ المطلوب با لمقدّمـة مجرّد التوصّل بها إلى الواجب وحصولـه، فلا جرم يكون التوصّل بها إليـه وحصولـه معتبراً في مطلوبيتها، فلا تكون مطلوبةً إذا انفكّت عنـه، وصريح الوجدان قاض بأنّ مَنْ يريد شيئاً لمجرّد حصول شيء آخر لايريده إذا وقع مجرّداً عنـه، ويلزم منـه أن يكون وقوعـه على وجـه المطلوب منوطاً بحصولـه(1).

وأجاب عنـه في الكفايـة أوّلاً: بمنع كون المطلوب با لمقدّمـة التوصّل بها إلى الواجب، بل مطلوبيتها لأجل عدم التمكّن من التوصّل بدونها، كيف ولايكون التوصّل من آثارها إلاّ في بعض المقدّمات.

وثانياً: بأ نّـه لو سلّم كون المطلوب با لمقدّمـة ذلك ولكن لا نسلّم مدخليّـة الغايـة في مطلوبيّـة ذيها ; لأنّ صريح الوجدان يقضي بأنّ ما اُريد لأجل غايـة وتجرّد عنها بسبب عدم حصول بعض ما لَـه دخل في تحقّقها يقع على ما هو عليـه من المطلوبيـة الغيريـة، كيف وإلاّ يلزم أن يكون وجودها من قيوده ومقدّمـة لوقوعـه على نحو تكون الملازمـة بين وجوبـه بذاك النحو ووجوبها.

وهو كما ترى، ضرورة أنّ الغايـة لا تكون قيداً لذي الغايـة بحيث كان تخلّفها موجباً لعدم وقوع ذي الغايـة على ما هو عليـه من المطلوبيـة الغيريـة، وإلاّ يلزم أن تكون مطلوبةً بطلبـه، كسائر قيوده، فلايكون وقوعـه على هذه الصفة

1 ـ الفصول الغرويّـة: 86 / السطر 22.


90

منوطاً بحصولها، كما أفاده.

ولعلّ منشأ توهّمـه الخلط بين الجهـة التقييديـة والتعليليـة(1). انتهى ملخّص موضع الحاجـة من كلامـه.

وفي كلٍّ من الجوابين نظر بل منع.

أمّا الأوّل: فلأنّ من الواضح البديهي أنّ مطلوبيـة المقدّمـة إنّما هو للتوصّل بها إلى ذيها ; لأنّ المفروض أ نّها مطلوبـة بتبع الغير ولأجلـه فتعلّق الطلب بها لاينشأ إلاّ لكونها يتوصّل بها إلى المطلوب الأصلي.

وا لدليل عليـه أ نّـه لاينقطع السؤال عن تعلّق الوجوب بها بـ «لِمَ» إلاّ بعد الجواب بأ نّها مطلوبـة للتوصّل إليـه، وإلاّ فمجرّد التوقّف مع قطع النظر عن ترتّب ذي المقدّمـة عليها لايكفي في انقطاع السؤال، كما يظهر بمراجعـة الوجدان السليم.

وما ذكره من أنّ التوصّل ليس من آثارها، فيدفعـه أ نّك عرفت فيما سبق أنّ المراد بكلمـة الموصل ليس خصوص العلّـة التامّـة، كما ربّما يوهمـه الجمود على ظاهرها، بل المراد بـه ترتّب ذي المقدّمـة عليها والإتيان بـه بعدها.

وأمّا الثاني: فلايخفى أنّ إرادة شيء لأجل غايـة ترجع إلى إرادتـه مقيّداً بها، كما هو واضح، ضرورة أنّ العقل لايحكم بحكم إلاّ مع تشخيص موضوعـه بجميع جهاتـه وحيثياتـه التي لها مدخليّـة في الحكم، وإذا حكم بحكم لموضوع من جهـة خاصّـة وحيثيـة مخصوصـة فيستحيل أن يصرف حكمـه عن تلك الجهـة والحيثيـة، ويسري إلى ذات الموضوع مع قطع النظر عن الحيثيـة التي تكون دخيلاً في ترتّب الحكم أو إلى بعض الجهات الاُخر المغايرة لهذه الجهـة،

1 ـ كفايـة الاُصول: 149 ـ 150.


91

فإذا سلّم أنّ مطلوبيـة المقدّمـة إنّما هو للتوصّل بها إلى ذيها، كما هو المفروض في الجواب الثاني، فلا محا لـة تكون المطلوبيـة واقعةً على المقدّمة بتلك الحيثية، وإلاّ فذاتها مطلقاً ولو مع بعض الحيثيات الاُخر لايتعلّق بها طلب أصلاً.

وما اشتهر في الألسن من الفرق بين الجهات التعليليـة والتقييديـة بكون الثانيـة دخيلاً في الموضوع وقيداً لـه دون الاُولى، ليس بصحيح، فإنّ جميع الجهات التعليليـة راجعـة إلى الجهات التقييديـة ; لما عرفت من استحا لـة أن يصرف العقل حكمـه الثابت لموضوع عنـه إلى غيره، وهذا بمكان من الوضوح.

وانقدح من جميع ما ذكرنا أ نّـه لو قلنا با لملازمـة، فا لواجب متابعـة صاحب الفصول(قدس سره) والأخذ بقولـه الراجع إلى ثبوت الملازمـة بين وجوب ذي المقدّمـة وبين الوجوب المتعلّق بخصوص المقدّمات الموصلـة، وقد عرفت أ نّـه لايرد عليـه شيء ممّا أوردها القوم عليـه.

وعلى تقدير تسليم الورود، فلايدفعـه التوجيـه بلحاظ الإيصال، كما عرفت من الدّرر، أو با لحصّـة التوأمـة كما عرفت من التقريرات، إلاّ أنّ الكلام في أصل ثبوت الملازمـة، وسيجيء ما هو الحقّ في بابها، فانتظر.

في ثمرة القول بالمقدّمـة الموصلـة

قد يقال ـ كما قيل ـ بأنّ ثمرة القول با لمقدّمـة الموصلـة هو تصحيح العبادة التي يتوقّف على تركها فعل واجب أهمّ، كا لصلاة التي يتوقّف على تركها فعل الإزا لـة التي هي واجبـة، وتكون أهمّ من فعل الصلاة بناءً على أن يكون ترك أحد الضدّين مقدّمةً لوجود الآخر، كما سيأتي تحقيقـه في مبحث الأمر با لشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أم لا ؟ فإنّـه بناءً على هذا القول لايكون الترك مطلقاً واجباً ليكون فعلها محرّماً، فتكون فاسدةً، بل الواجب هو الترك الموصل إلى فعل الضدّ


92

ا لواجب، والمحرّم إنّما هو نقيض هذا الترك الخاصّ الذي يقارن مع الفعل تارةً، ومع الترك المجرّد اُخرى، ومن المعلوم أ نّـه لايسري الحكم من أحد المتلازمين إلى الآخر فضلاً عن المتقارنين، وحينئذ فلايكون الفعل محرّماً حتّى يكون فاسداً(1).

مناقشـة الشيخ الأنصاري في الثمرة

وربّما اُورد على تفريع هذه الثمرة ـ كما في التقريرات المنسوبـة إلى الشيخ الأنصاري(قدس سره) ـ بما حاصلـه أنّ فعل الضدّ وإن لم يكن نقيضاً للترك الواجب مقدّمـة بناءً على المقدّمـة الموصلـة إلاّ أ نّـه لازم لما هو من أفراد النقيض حيث إنّ نقيض ذاك الترك الخاصّ، وهو أعمّ من الفعل والترك المجرّد، وهذا يكفي في إثبات الحرمـة، وإلاّ لم يكن الفعل محرّماً ولو بناء على القول بوجوب مطلق المقدّمـة ; لأنّ الفعل أيضاً ليس نقيضاً للترك، لأنّـه أمر وجودي، ونقيض الترك إنّما هو رفعـه، ورفع الترك الذي هو أمر عدمي لايمكن أن يتّحد مع الفعل الذي هو أمر وجودي، فكما أنّ مجرّد الملازمـة بين نقيض الترك والفعل يكفي في اتّصافـه با لحرمـة فكذلك تكفي في المقام، غايـة الأمر أنّ مصداق النقيض للترك إنّما ينحصر في الفعل فقط، وأمّا نقيض الترك الخاصّ فلـه مصداقان، وذلك لايوجب تفاوتاً بينهما فيما نحن بصدده، كما لايخفى(2).

وأجاب عن الإيراد المحقّقُ الخراساني(قدس سره) في الكفايـة حيث قال: وأنت خبير بما بينهما من الفرق، فإنّ الفعل في الأوّل لايكون إلاّ مقارناً لما هو النقيض

1 ـ الفصول الغرويّـة: 98 / السطر 6، كفايـة الاُصول: 150 ـ 151.

2 ـ مطارح الأنظار: 78 / السطر 26.


93

من رفع الترك المجامع معـه تارة ومع الترك المجرّد اُخرى، ولايكاد تسري حرمـة الشيء إلى ما يلازمـه فضلاً عمّا يقارنـه أحياناً.

نعم لابدّ أن لايكون الملازم محكوماً فعلاً بحكم آخر على خلاف حكمـه، لا أن يكون محكوماً بحكمـه، وهذا بخلاف الفعل في الثاني، فإنّـه بنفسـه يعاند الترك المطلق وينافيـه لا ملازم لمعانده ومنافيـه، فلو لم يكن عين ما يناقضـه بحسب الاصطلاح مفهوماً لكنّـه متّحد معـه عيناً وخارجاً، فإذا كان الترك واجباً فلا محا لـة يكون الفعل منهياً عنـه قطعاً، فتدبّر جيّداً(1). انتهى.

والتحقيق أن يقال: إنّـه لو قلنا بأنّ نقيض كلّ شيء رفعـه الذي هو أمر عدمي وقلنا بأنّ وجوب الشيء إنّما يقتضي حرمـة النقيض فقط، فلا إشكال في أنّ الفعل لايصير محرّماً حتّى بناء على القول بوجوب مطلق المقدّمـة ; لأنّ نقيض الترك المطلق رفعـه الذي هو عبارة عن ترك الترك، فا لحرمـة إنّما يتعلّق بهذا، ومن المعلوم عدم اتّحاده مع الفعل أصلاً ; لأنّـه يستحيل أن يتّحد الحيثيـة العدميـة مع الحيثيـة الثبوتيـة الراجعـة إلى حيثيـة طرد العدم، فيمتنع أن يكون النور عين عدم الظلمـة، وغير ذلك من الأمثلـة.

ومجرّد الملازمـة بينهما لايوجب سرايـة الحكم من النقيض إلى ما يلازم معـه، وهو الفعل، بل غايتـه أن لايكون الفعل محكوماً بحكم يخا لف حكم النقيض، لا أن يكون محكوماً بحكمـه.

ولو قلنا بأنّ نقيض كلّ شيء رفعـه، أو كون الشيء مرفوعاً بـه، فنقيض الأمر الوجودي رفعـه الذي عبارة عن الأمر العدمي، ونقيض الأمر العدمي الأمرُ الوجودي لارتفاعـه بـه، وقلنا بأنّ الحرمـة تتعلّق بنفس النقيض، فلا إشكال في

1 ـ كفايـة الاُصول: 151 ـ 152.


94

حرمـة الفعل بناء على أن يكون الواجب هو الترك المطلق ; لأنّ الفعل حينئذ يكون نقيضاً لـه، لا أن يكون ملازماً لما هو النقيض لارتفاع الترك بمجرّد الفعل، وأمّا بناء على القول با لمقدّمـة الموصلـة وأنّ الواجب هو الترك الموصل، فلايكون الفعل بنفسـه نقيضاً للترك الخاصّ، فلايتّصف با لحرمـة، لا لأنّ الفعل لايكون إلاّ مقارناً لما هو النقيض من رفع الترك الخاصّ المجامع معـه تارة ومع الترك المجرّد اُخرى، كما يظهر من الكفايـة في العبارة المتقدّمـة، وذلك لأنّ المقارنـة ممنوعـة، فإنّ معناها كما في سائر الموارد يرجع إلى إمكان الانفكاك، ومن المعلوم استحا لتـه في المقام، فإنّـه مع وجود الفعل لايمكن أن لايكون معـه رفع الترك الخاصّ، ومع عدمـه لايكون هنا شيء حتّى يقال بانفكاك النقيض عنـه، كما أنّ انطباق الإنسان على زيد وصدقـه عليـه يتوقّف على وجوده، وإلاّ فمع عدمـه لايصدق عليـه أصلاً، فمجرّد ذلك لايوجب أن يقال بأنّ الإنسان مقارن لزيد، كما هو واضح، بل لأجل أنّ المفروض عدم سرايـة الحكم من النقيض إلى شيء آخر.

ولو قلنا بأنّ مجرّد المعاندة والمنافرة يكفي في حرمـة الشيء لأنّ النقيض عبارة عمّا يعاند الشيء بحيث لايمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما، أو قلنا بأنّ مجرّد انطباق النقيض على شيء يكفي في اتصافـه با لحرمـة وإن لم يتّحد معـه، فلا إشكال في حرمـة الفعل على القولين، كما هو واضح لايخفى.

مناقشـة العلمين: الأصفهاني والعراقي

ثمّ إنّـه اعترض بعض المحقّقين في شرحـه على الكفايـة على تفريع الثمرة بما حاصلـه: أنّ المراد با لمقدّمـة الموصلـة إمّا العلّـة التامّـة أو المقدّمـة التي لا تنفكّ عن ذيها.


95

فالمقدّمـة الموصلـة على الأوّل: ترك الصلاة ووجود الإرادة، ومن الواضح أنّ نقيض المجموع من الأمرين مجموع النقيضين، وإلاّ فليس لهما بهذا الاعتبار نقيض، فنقيض الترك هو الفعل، ونقيض الإرادة عدمها، فإذا وجب مجموع الترك والإرادة بوجوب واحد، حرم مجموع الفعل وعدم الإرادة بحرمـة واحدة، ومن الواضح تحقّقهما عند إيجاد الصلاة، بداهـة عدم إمكان إرادة الإزا لـة مع فعل الصلاة.

وأمّا على الثاني: فا لمقدّمـة هو الترك الخاصّ، وحيث إنّ الخصوصيـة ثبوتيـة، فا لترك الخاصّ لا رفع لشيء ولا مرفوع بشيء، فلا نقيض لـه بما هو، بل نقيض الترك المرفوع بـه هو الفعل، ونقيض الخصوصيـة عدمها الرافع لها، فيكون الفعل محرّماً لوجوب نقيضـه، ومن الواضح اقتران الفعل بنقيض تلك الخصوصيـة المأخوذة في ظرف الترك، كما هو واضح، فافهم واغتنم(1). انتهى.

ونظير هذا يظهر من تقريرات بعض الأعاظم حيث قال ما ملخّصـه: الحقّ اندفاع ما اُورد على الشيخ(قدس سره) في المقام ; لأنّ المقدّمـة المتقيّدة بالإيصال تنحلّ إلى ذات وخصوصيـة، ووحدتها في عا لم الموضوعيـة ليست إلاّ أمراً اعتبارياً ناشئاً من وحدة الحكم ; لامتناع أن يكون مورد الحكم في مثل المقام واحداً حقيقيّاً مع اختلاف الذات والتقيّد في المقولـة، ونتيجـة الانحلال هو عروض الحكم على الاُمور المتكثّرة، ومن شأنها تكثّر نقيضها بلا حاجـة إلى تصـوّر جامع بينها كي يستشكل في المقام بعدم معقوليـة كون العدم جامعاً بين الوجود والعدم المحض، إلاّ أنّ لازم تعدّد نقيض الواجب هو مبغوضيـة أوّل نقيض يتحقّق في الخارج ; لأنّـه بوجوده يتحقّق عصيان الأمر، فيسقط، فلايبقى موضوع

1 ـ نهايـة الدرايـة 2: 150 ـ 151.


96

لمبغوضيـة غيره.

ففي المثال المعروف إذا كان الشخص الآتي با لصلاة مريداً للإزا لـة في فرض عدم إتيانـه با لصلاة، فأوّل نقيض لمتعلّق الوجوب الغيري هو فعل الصلاة، فتصير مبغوضةً، فتبطل.

وأمّا إذا كان الشخص الآتي با لصلاة غير مريد للإزا لـة على تقدير عدم الإتيان با لصلاة، فأوّل نقيض للواجب هو عدم إرادة الإزا لـة، فيكون هو المبغوض، ولا تصل النوبـة إلى مبغوضيـة الصلاة ; لسقوط الأمر الغيري بعصيانـه بترك إرادة الإزا لـة، فتبقى الصلاة مع محبوبيّتها، فلا وجـه لبطلانها(1). انتهى ملخّص ما في التقريرات.

هذا، ولكن لايخفى أنّ الانحلال والتعدّد إنّما هو في الواقع ومع قطع النظر عن كونهما موضوعاً لحكم واحد وإرادة واحدة، فإنّـه يصحّ أن يقال بأنّ نقيضهما مجموع النقيضين، بمعنى أ نّـه لايكون للمجموع نقيض واحد ; لأنّـه ليس إلاّ أمراً اعتبارياً، بل هما شيئان، ولهما نقيضان. وأمّا مع ملاحظـة تعلّق حكم واحد بهما ـ كما هو المفروض في المقام ـ فمن الواضح كونهما شيئاً واحداً بهذا الاعتبار ; إذ لايعقل أن يتعلّق الحكم الواحد والإرادة الواحدة با لشيئين بوصف كونهما كذلك من دون اعتبار الوحدة بينهما.

وما ذكره في التقريرات: من أن الوحدة ناشئـة عن وحدة الحكم.

ففيـه: أنّ الأمر با لعكس ; إذا الوحدة إنّما هو قبل تعلّق الحكم وبلحاظـه ; لما عرفت من أنّ تشخّص الإرادة با لمراد، ومع تعدّده لايعقل وحدتها، فا لحقّ في المقام ما ذكرنا من دوران الأمر مدار مفهوم النقيض ومعناه، أنّ نقيض الحكم هل

1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 395 ـ 396.


97

يتعلّق با لنقيض أو بالأعم ممّا ينطبق عليـه ؟ كما حقّقناه، فراجع.

الأمر الثامن

في الواجب الأصلي والتبعي

قال في الفصول: الأصلي ما فُهم وجوبـه بخطاب مستقلّ، أي غير لازم لخطاب آخر وإن كان وجوبـه تابعاً لوجوب غيره، والتبعي بخلافـه، وهو ما فُهم وجوبـه تبعاً لخطاب آخر وإن كان وجوبـه مستقلاّ، كما في المفاهيم، والمراد با لخطاب هنا ما دلّ على الحكم الشرعي فيعمّ اللفظي وغيره(1). انتهى.

وظاهره كما ترى أنّ هذا التقسيم إنّما هو بحسب مقام الدلالـة والإثبات، لابحسب مقام الثبوت، ولكن استظهر المحقّق الخراساني(قدس سره) في الكفايـة كون التقسيم بلحاظ الأصا لـة والتبعيّـة في الواقع ومقام الثبوت.

قال: حيث إنّـه يكون الشيء تارة متعلّقاً للإرادة والطلب مستقلاّ للالتفات إليـه بما هو عليـه ممّا يوجب طلبـه فيطلبـه، كان طلبـه نفسيّاً أو غيريّاً، واُخرى متعلّقاً للإرادة تبعاً لإرادة غيره لأجل كون إرادتـه لازمةً لإرادتـه من دون التفات إليـه بما يوجب إرادتـه(2).

هذا، ولكن يرد عليـه أنّ مقتضى التقسيم وجعل الأصلي با لمعنى المذكور أن يكون التبعي عبارةً عمّا لم تتعلّق بـه إرادة مستقلّـة لأجل عدم الالتفات إليـه تفصيلاً، سواء كانت إرادتـه تبعاً لإرادة غيره المراد نفساً والمطلوب كذلك أم لم يكن كذلك، فا لتخصيص بالاُولى يوجب خروج الثاني عن التقسيم، وعدم دخولـه

1 ـ الفصول الغرويّـة: 82 / السطر 7.

2 ـ كفايـة الاُصول: 152.


98

لا في الأصلي ولا في التبعي، كما لايخفى.

ويظهر من بعض المحقّقين في حاشيتـه على الكفايـة معنى آخر، وهو: أنّ للواجب وجوداً ووجوباً با لنسبـة إلى مقدّمتـه جهتان من العلّيـة إحداهما العلّيـة الغائيـة حيث إنّ المقدّمـة إنّما تراد لمراد آخر لا لنفسها، بخلاف ذيها، فإنّـه مراد لا لمراد آخر، والثانيـة العلّيـة الفاعليـة، وهي أنّ إرادة ذي المقدّمـة علّـة لإرادة مقدّمتـه، ومنها تنشأ وتترشّح عليها الإرادة.

وا لجهـة الاُولى مناط الغيريـة، والجهـة الثانيـة مناط التبعيّـة، ووجـه الانفكاك بين الجهتين أنّ ذات الواجب النفسي حيث إنّـه مترتّب على الواجب الغيري، فهي الغايـة الحقيقيّـة، لكنّـه ما لم يجب لا تجب المقدّمـة، فوجوب المقدّمـة معلول خارجاً، لوجوب ذيها، ومتأخّر عنـه رتبةً، إلاّ أنّ الغرض منـه ترتّب ذيها عليها(1). انتهى موضع الحاجـة.

ولكن لايخفى أنّ إرادة المقدّمـة لايعقل أن تكون معلولةً لإرادة ذيها، بمعنى صدورها عنها وترشّحها عنها كترشّح المعلول من العلّـة ; لأنّ الإرادة المتعلّقـة بذي المقدّمـة قد توجد مع عدم تعلّقها با لمقدّمـة لأجل عدم التوجّـه إلى المقدّمـة أو إلى مقدّميتها، ومن المعلوم أنّ الإرادة إنّما هو بعد التوجّـه ; لما حقّق في محلّـه من أنّ تصوّر المراد والتوجّـه إليـه من مبادئ الإرادة(2)، بل مقدّم على جميعها، فكيف يمكن أن تتعلّق بما لايكون متوجّهاً إليـه، وتعلّق الإرادة على فرض التوجّـه لا محا لـة لايفيد في تصحيح المعلوليـة مطلقاً.

وا لحقّ كما عرفت مراراً أنّ إرادة المقدّمـة كإرادة ذيها تحصل بفعّا ليـة

1 ـ نهايـة الدرايـة 2: 157 ـ 158.

2 ـ الحكمـة المتعاليـة 4: 114، و 6: 342.


99

ا لنفس وموجدة بفاعليتها، غايـة الأمر أنّ الفائدة المترتّبـة عليها ليست إلاّ حصول ما هو مطلوب با لذات، بخلاف المراد الأوّلي والمطلوب الأقصى، كما لايخفى.

وا لإنصاف أنّ هذا التقسيم إنّما هو بلحاظ الأصا ليـة والتبعيـة في مقام الإثبات، كما عرفت من صاحب الفصول(قدس سره)، لابحسب مقام الواقع والثبوت، كما لايخفى.

حول الأصل عند الشكّ في الأصليّـة والتبعيّـة

ثمّ إنّـه ذكر في الكفايـة أ نّـه إذا كان الواجب التبعي ما لم تتعلّق بـه إرادة مستقلّـة، فإذا شكّ في واجب أ نّـه أصلي أو تبعيّ، فبأصا لـة عدم تعلّق إرادة مستقلّـة بـه يثبت أ نّـه تبعيّ، ويترتّب عليـه آثاره إذا فرض لـه أثر شرعي، كسائر الموضوعات المتقوّمـة باُمور عدميـة.

نعم لو كان التبعي أمراً وجوديّاً خاصّاً غير متقوّم بعدمي وإن كان يلزمـه، لما كان يثبت بها إلاّ على القول بالأصل المثبت، كما هو واضح، فافهم(1).

وذكر المحقّق المحشّي: أ نّـه إن كان مناط التبعيّـة عدم تفصيليـة القصد والإرادة، فا لتبعيـة موافقـة للأصل ; للشك في أنّ الإرادة ملتفت إليها أم لا، والأصل عدمـه، وإن كان مناطها نشو الإرادة عن إرادة اُخرى وترشّحها منها، فالأصليـة موافقـة للأصل ; إذ المترشّح من إرادة اُخرى، ونشوها منها أمر وجودي مسبوق با لعدم، وليس الاستقلال في الإرادة على هذا أمراً وجوديّاً، بل هو عدم نشوها عن إرادة اُخرى، بخلاف الاستقلال من حيث توجّـه الالتفات إليها، فإنّـه

1 ـ كفايـة الاُصول: 153.


100

أمر وجودي، كما عرفت(1). انتهى.

ولكن لايخفى: أ نّـه لو قلنا بأنّ مناط التبعيّـة عدم تعلّق إرادة مستقلّـة بـه، كما ذهب إليـه صاحب الكفايـة، فلا تكون التبعيّـة موافقةً للأصل ; إذ ليست هي عبارة عن نفس عدم تعلّق إرادة مستقلّـة بـه على نحو السلب التحصيلي حتّى تكون مسبوقةً با لعدم، فإنّ السلب التحصيلي يصدق مع انتفاء الموضوع أيضاً، وهو لاينطبق على المقام أصلاً ; لأنّ الواجب التبعي هو ما كان متعلّقاً للإرادة، غايـة الأمر أ نّـه لا تكون إرادتـه تفصيليّةً ; فهو ـ أي السلب ـ إمّا مأخوذ فيـه على نحو السلب العدولي، أو الموجبـة سا لبـة المحمول، وعلى التقديرين لا تكون موافقـة للأصل، واستصحاب بقاء العدم المأخوذ صفـة لاينتج في إثبات ثبوتها لهذه الإرادة المتعلّقـة با لواجب، كما في استصحاب عدم القرشيـة الغير الجاري على التحقيق، كما أ نّـه لو قلنا بأنّ مناط التبعيـة هو نشو الإرادة من إرادة اُخرى وترشّحها منها، كما اختاره المحقّق المحشّي في عبارتـه المتقدّمـة، لا تكون الأصليـة موافقةً للأصل ; لأنّ عدم ترشّح الإرادة من إرادة اُخرى لايكون مأخوذاً فيها على نحو السلب التحصيلي الصادق مع انتفاء الموضوع بل العدولي، ولا تكون مع هذا موافقةً للأصل، بعين التقريب المتقدّم.

فالتحقيق: أ نّـه بناء عليهما لا تكون شيء من التبعيّـة والأصليـة موافقةً للأصل، فا لواجب الرجوع إلى الاُصول العمليّـة، كما لايخفى.

1 ـ نهايـة الدرايـة 2: 158.


101

الأمر التاسع

ثمرة مسألـة مقدّمـة الواجب

قد عرفت أنّ ثمرة المسأ لـة الاُصوليـة هو أن تكون نتيجتها صا لحةً للوقوع في طريق استنباط الحكم الفرعي، وهنا أيضاً كذلك ; فإنّ ثمرة القول با لملازمـة إنّما هو استكشاف وجوب المقدّمـة فيما قام الدليل على وجوب ذيها.

ولكنّـه قد اُورد على ذلك بأنّ هذا الحكم الفرعي ليس لـه أثر عملي ; لأنّ العقل حاكم بلابدّيـة الإتيان بـه بعد فرض كونـه مقدّمةً وإن لم نقل با لملازمة.

وأجاب عنـه في تقريرات بعض الأعاظم(قدس سره): بأنّ وجوب المقدّمـة وإن لم يكن بنفسـه ذا أثر عملي بعد حكم العقل بلابدّيـة الإتيان با لمقدّمـة، إلاّ أنّ تطبيق كبريات اُخر مستفادة من محالّها عليها تتحقّق الثمرة، فإنّـه بعد فرض وجوب المقدّمـة يمكن تحقّق التقرّب بقصد أمرها، فتتحقّق بذلك التوسعـة في باب التقرّب، وكذلك إذا أمر شخص شخصاً آخر أمراً معاملياً بفعل لـه مقدّمات، فأتى المأمور بتلك المقدّمات ولم يأت بذيها، يكون ضامناً للشخص المأمور اُجرة المقدّمات بعد فرض كون الأمر با لفعل أمراً بمقدّماتـه.

قال: وقد ظهر بذلك أنّ الثمرة العمليـة لمسأ لـة وجوب مقدّمـة الواجب إنّما تتحقّق بضمّ نتيجتها إلى كبريات اُخر منقّحـة في مواردها(1). انتهى ملخّص ما في ا لتقريرات.

ولكن لايخفى أنّ الأمر المقدّمي والواجب الغيري لايصلح للداعويـة حتّى يمكن التقرّب بـه، بل كما عرفت سابقاً أنّ الواجبات الغيريـة كلّها توصّليـة، كما

1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 397.


102

لايخفى.

وأمّا استحقاق اُجرة المقدّمات على تقدير كون الأمر بذيها أمراً بها فيرد عليـه ـ مضافاً إلى أ نّـه مناف لما اختاره من ثبوت الملازمـة با لنسبـة إلى خصوص المقدّمـة الموصلـة با لمعنى الذي نقلناه عنـه سابقاً لا مطلق المقدّمـة ـ أنّ استحقاق الاُجرة إنّما هو فيما إذا كان الباعث لـه على الإتيان با لمأمور بـه هو الأمر المتعلّق بها، لأغراضـه النفسانيـة الاُخر، وفي المقام ليس كذلك، فإنّ الإتيان با لمقدّمـة ليس مسبّباً عن إتيان وجوبها، كيف ولو لم نقل با لوجوب يأتي بها أيضاً، بل الداعي لـه هو الأمر المتعلّق بذيها، لا لأنّ أمره يدعو إلى غير ما تعلّق بـه أيضاً، بل لأنّ المقصود من إتيانها إنّما هو للتوصّل إلى ذيها، ومجرّد هذا لايصحّح استحقاق الاُجرة، كما لايخفى، فالإنصاف أ نّـه لا ثمرة مهمّـة مترتّبـة على وجوب المقدّمـة، كما يظهر على مَنْ تأمّل فيما جعلوه ثمرةً للمقام.

الأمر العاشر

في الأصل عند الشكّ في الملازمـة

لايخفى أ نّـه ليس في نفس محلّ البحث ـ وهي الملازمـة وعدمها ـ أصل يوافق أحد الطرفين، فإنّ الملازمـة وعدمها ليست لها حا لـة سابقـة ; لأنّ الملازمـة وعدمها أزليّـة.

نعم نفس وجوب المقدّمـة يكون مسبوقاً با لعدم حيث إنّـه حادث بحدوث وجوب ذيها، فالأصل عدم وجوبها إلاّ أ نّك عرفت أ نّـه لايترتّب على وجوب المقدّمـة ثمرة عمليـة أصلاً حتّى ترتفع بالأصل إلاّ أ نّـه قد أورد عليـه بوجـه آخر، وهو لزوم التفكيك بين الوجوبين.

وأجاب عنـه في الكفايـة بأ نّـه لاينافي الملازمـة بين الواقعين، وإنّما ينافي


103

ا لملازمـة بين الفعلين. نعم لو كانت الدعوى هي الملازمـة المطلقـة حتّى في المرتبـة الفعليـة، لما صحّ التمسّك بالأصل(1).

أقول: لايخفى أ نّـه لو قلنـا با لثاني ـ كما هو ظاهر القائلين با لملازمـة ـ لصحّ التمسّك بالأصل أيضاً، فإنّ جريان الأصل إنّما هو في مقام الشكّ في الملازمـة، ومجرّد احتما لها لاينافي جريان الأصل، بل المانع من جريانـه إحرازها، كما هو واضح.

القول في أدلّـة القائلين بالملازمـة

ذكر في الكفايـة ـ بعد الاعتراض على الأفاضل المتصدّين لإقامـة البرهان على الملازمـة بأ نّـه ما أتى منهم بواحد خال عن الخلل ـ أنّ الأولى إحا لـة ذلك إلى الوجدان حيث إنّـه أقوى شاهد على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً لـه مقدّمات أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها بحيث ربّما يجعلها في قا لب الطلب مثلـه، ويقول مولويّاً: ادخل السوق واشتر اللحم، مثلاً، بداهـة أنّ الطلب المنشأ بخطاب «ادخل» مثل المنشأ بخطاب «اشتر» في كونـه بعثاً مولويّاً، وأ نّـه حيث تعلّقت إرادتـه بإيجاد عبده الاشتراء ترشّحت منها إرادة اُخرى بدخول السوق بعد الالتفات إليـه، وأ نّـه يكون مقدّمـة لـه، كما لايخفى(2). انتهى موضع الحاجـة.

واستدلّ في التقريرات على الملازمـة بأنّ الإرادة التشريعيـة تابعـة للإرادة التكوينيّـة إمكاناً وامتناعاً ووجوداً وعدماً، فكلّ ما أمكن تعلّق الإرادة التكوينيـة

1 ـ كفايـة الاُصول: 156.

2 ـ نفس المصدر: 156 ـ 157.


104

بـه أمكن تعلّق التشريعيـة بـه، وكلّ ما استحال تعلّق الاُولى استحال أن يكون متعلّقاً للتشريعيـة، وهكذا كلّ ما يكون مورداً للإرادة التكوينيـة عند تحقّقـه من نفس المريد يكون مورداً للتشريعيـة عند صدوره من غير المريد، ومن الواضح أنّ المريد لفعل بإرادة تكوينيّـة تتعلّق إرادتـه أيضاً با لتبع بإيجاد مقدّماتـه وإن كان غافلاً عن مقدّميتها لذلك الفعل، ولازم ذلك بمقتضى التبعيّـة المتقدّمـة أن يكون تعلّق الإرادة التشريعيـة من الآمر بفعل مستلزماً لتعلّق الإرادة التشريعيّـة التبعيّـة بمقدّمات ذلك الفعل(1). انتهى موضع الحاجـة.

أقول: لايخفى أنّ قياس الإرادة التشريعيـة بالإرادة التكوينيـة في غير محلّـه، فإنّـه إذا أراد الشخص الإتيان بفعل بنفسـه، فلا محا لـة تتعلّق إرادة اُخرى بإتيان المقدّمات ; لأنّ المفروض استحا لـة الإتيان بـه بدونها، وهو إنّما يريد أن يأتي بـه بنفسـه ولا محا لـة يريد المقدّمات، لا نقول بأنّ إرادتـه للمقدّمات معلولـة لإرادة ذلك الفعل مترشّحـة عنها صادرة عنها قهراً، فإنّ ذلك باطل، كما مرّ مراراً، بل نقول: كما تتوقّف إرادة الفعل على مبادئها، كذلك تتوقّف إرادة مقدّماتـه على سنخ مبادئ إرادة الفعل، غايـة الأمر أنّ محبوبيّـة الفعل وتعلّق الاشتياق إليـه إنّما هو لنفسـه، ومحبوبيّـة المقدّمات إنّما هو للوصول إليـه.

هذا في الإرادة التكوينيـة.

وأمّا الإرادة التشريعيـة: فحيث إنّ المطلوب فيها صدور المراد من الغير، فلا استحا لـة في عدم تعلّق الإرادة با لمقدّمات، وامتناع تحقّقـه بدونها إنّما يوجب أن تتعلّق إرادة الأمر بها أيضاً، فلايلزم بل لا وجـه لـه أصلاً ; لأنّك عرفت عدم الفرق بين إرادة الفعل وإرادة المقدّمات في توقّف كلٍّ منهما على مبادئها، ومن

1 ـ بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 399 / السطر 13.


105

ا لمعلوم عدم تحقّق المبادئ با لنسبـة إلى المقدّمات في الإرادة التشريعيّـة، فإنّ من جملتها التصديق بفائدتها، والحال أ نّـه لا فائدة لها با لنسبـة إلى الأمر حتّى يريد صدورها من الغير، فإنّ المأمور إذا أراد الامتثال فلا محا لـة يأتي با لمقدّمات وإن لم تكن مورداً لإرادة الآمر، وإذا لم يكن قاصداً لامتثال الأمر با لفعل فتعلّق الإرادة با لمقدّمات لغو غير مؤثّر.

نعم لو قلنا بترشّح إرادتها من إرادتـه بحيث لا تتوقّف إرادة المقدّمات على مباد أصلاً، لكان لما ذكر وجـه ; لأنّ العلّـة يترتّب عليها المعلول قهراً إلاّ أ نّك عرفت أنّ هذا الكلام بمكان من البطلان، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه استدلّ أبو الحسن البصري(1) لثبوت الملازمـة بما يرد عليـه ـ مضافاً إلى النقض با لمتلازمين في الوجود إذا وجب أحدهما دون الآخر ـ ما أورد عليـه في الكفايـة(2)، فراجعها.

تذنيب: حول التفصيل بين السبب والشرط الشرعي وغيرهما

ثمّ إنّـه قد يفصّل بين السبب وغيره وتقدّم الكلام فيـه سابقاً، فراجع.

كما أ نّـه قد يفصّل بين الشرط الشرعي وغيره، ويقال با لوجوب في الأوّل دون غيره ; نظراً إلى أ نّـه لولا وجوبـه شرعاً لما كان شرطاً حيث إنّـه ليس ممّا لابدّ منـه عقلاً أو عادةً(3).

1 ـ المعتمد: 95، راجع مناهج الوصول 1: 413، الهامش 4.

2 ـ كفايـة الاُصول: 157 ـ 158.

3 ـ بدائع الأفكار، المحقّق الرشتي: 355 / السطر 1، كفايـة الاُصول: 159، شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 90 / السطر 21.


106

ومدّعاه في غير الشرط الشرعي حقّ، وأمّا الشرط الشرعي فيرد على الاستدلال لوجوبـه بما ذكر: أ نّـه إن كان المراد توقّف الشرطيـة على تعلّق الوجوب، ففيـه: أنّ من الواضح أنّ الوجوب لايتعلّق إلاّ بما هو شرط واقعاً، فا لحكم متأخّر عن الواقع، لا أنّ الواقع متوقّف عليـه.

وإن أراد أ نّـه بدون الوجوب لا نستكشف الشرطيـة ; لأنّ الشرط الشرعي ليس كا لشرائط العقليـة والعاديـة المعلومـة، بل هو محتاج إلى دلالـة الدليل عليـه، فا لوجوب كاشف عن شرطيتـه، ففيـه: أنّ الوجوب الغيري لايمكن أن يكون كاشفاً، فإنّ الملازمـة إن كانت بين إرادة الفعل وإرادة مقدّماتـه، فالإرادة التبعيـة با لمقدّمات متوقّفـة على إحراز مقدّميتها حتّى يحكم العقل بتعلّق الإرادة بها تبعاً لإرادة ذيها، وكذلك لو كانت الملازمـة العقليـة بين البعث المتعلّق با لفعل والبعث المتعلّق با لمقدّمات، فإنّ حكم العقل بتعلّق البعث بها تبعاً لبعث ذيها متوقّف على إحراز مقدّميتها، وبدونـه كيف يحكم بتعلّق البعث بها.

فظهر أنّ طريق إحراز الشرط منحصر بالأمر النفسي المتعلّق با لفعل المقيّد ببعض القيود كمثل قولـه: «صلِّ مع الطهارة» وأمّا الأمر الغيري الذي يكون الحاكم بـه العقل، ومن المعلوم توقّف حكمـه على إحراز موضوعـه، كما هو واضح، فلايمكن أن يكون كاشفاً، كما عرفت، فتأمّل جيّداً.

تتميم: في مقدّمـة المستحب والمكروه والحرام

لايخفى أنّ جميع ما ذكر في مقدّمـة الواجب يجري في مقدّمـة المستحبّ طابق النعل با لنعل، وحيث إنّك عرفت أنّ الأقوى في الاُولى عدم ثبوت الملازمـة كما حقّقناه، فا لحكم في الثانيـة أيضاً كذلك بلا تفاوت، كما هو واضح.

ثمّ إنّـه هل تكون مقدّمـة الحرام كمقدّمـة الواجب، فتكون محرّمةً مطلقاً،


107

أو لا تكون حراماً كذلك، أو يفصّل بين المقدّمات التي تكون من قبيل الأسباب التوليديّـة فتحرم، وبين غيره فلا تحرم، أو بين المقدّمـة الموصلـة وغيرها، أو بين ما قصد التوصّل بـه إلى الحرام وغيره ؟ وجوه يظهر ثا لثها من المحقّق الخراساني في الكفايـة.

وحاصل ما ذكر في وجهـه وجود الفرق بين مقدّمات الواجب وبين مقدّمات الحرام، فإنّـه حيث يكون المطلوب في الأوّل وجود المراد، وهو متوقّف عليها، فلا محا لـة تتعلّق بها الإرادة، وأمّا المطلوب في الثاني ترك الشيء، وهو لايتوقّف على ترك جميع المقدّمات بحيث لو أتى بواحد منها لما كان متمكّناً من الترك، فإنّـه يتمكّن منـه ولو أتى بجميع المقدّمات، لتوسط الإرادة بينها وبينـه، وهي لايمكن أن يتعلّق بها الطلب بعثاً أو زجراً، لعدم كونها من الاُمور الاختياريـة.

نعم لو كان الفعل بحيث لم يتمكّن من تركـه بعد الإتيان ببعض المقدّمات ; لعدم توسط الإرادة بينها وبينـه، تكون تلك المقدّمـة المترتّبـة عليها الفعل قهراً محرّمـة دون سائر المقدّمات(1). انتهى ملخّص ما أفاده في الكفايـة.

ولكن لايخفى أنّ هذا الكلام إنّما يتمّ لو وجد في الأفعال الخارجيـة شيء منها تكون الإرادة متوسطـة بينها وبين المقدّمات بحيث يكون الموجد للفعل والمؤثّر فيـه نفس الإرادة من دون توقّف على حصول شيء آخر بعدها مع أ نّا لم نظفر بمثل هذا الفعل، فإنّ جميع الأفعال الاختياريـة يكون الجزء الأخير لحصولها غير الإرادة بمعنى أ نّـه لايترتّب عليها الفعل بمجرّدها من دون توسيط بعض الأفعال الاُخر أيضاً، فإن تحقّق الشرب في الخارج يتوقّف ـ بعد تعلّق الإرادة بـه ـ على مثل تحريك العضلات، ونحو الإناء الموجود فيـه الماء مثلاً

1 ـ كفايـة الاُصول: 159 ـ 160.


108

وأخذه با ليد وجعلـه محاذياً للفم وإ لقائـه فيـه، وبعد تحقّق جميع هذه المقدّمات يتوقّف على إعمال الآلات المعدّة لبلعـه الذي عبارة عن الشرب.

وبالجملـة: فجميع الأفعال الاختياريـة إنّما يتوقّف بعد تعلّق الإرادة بها على بعض الاُمور الجزئيـة التي يؤثّر في حصولها، فلا فرق بينها وبين الأفعال التوليديـة أصلاً، فإنّ الإرادة لا مدخليـة لها في التأثير في حصول الفعل، كيف وهي من الاُمور التجرّديـة التي يمتنع أن تؤثّر في المادّيات بحيث كانت مفيضةً لها، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه ذكر في الدّرر أنّ العناوين المحرّمـة على ضربين:

أحدهما: أن يكون العنوان بما هو مبغوضاً من دون تقييده بالاختيار.

ثانيهما: أن يكون الفعل الصادر عن إرادة واختيار مبغوضاً بحيث لو صدر من غير اختياره لم يكن منافياً لغرض المولى، فعلى الأوّل علّـة الحرام هي المقدّمات الخارجيـة من دون مدخليـة الإرادة، بل هي علّـة لوجود علّـة الحرام، وعلى الثاني تكون الإرادة من أجزاء العلّـة التامّـة.

ثمّ ذكر أنّ المراجعـة إلى الوجدان تقضي بتحقّق الملازمـة بين كراهـة الشيء وكراهـة العلّـة التامّـة لـه، وفي القسم الثاني لمّا كانت العلّـة التامّـة مركّبـة من الأجزاء الخارجيـة ومن الإرادة، ولايصحّ استناد الترك إلاّ إلى عدم الإرادة ; لأنّـه أسبق رتبةً من سائر المقدّمات، فلايتّصف الأجزاء الخارجية با لحرمة أصلاً(1). انتهى موضع الحاجـة من ملخّص كلامـه.

وأنت خبير: بأ نّـه لو كان المبغوض عبارةً عن الفعل الصادر عن إرادة واختيار، فالإرادة لها مدخليـة في نفس الحرام، لا أن تكون من أجزاء العلّـة

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 130 ـ 132.


109

ا لتامّـة، فإنّ المحرّم هو الفعل الإراديّ بما أ نّـه إراديّ، فلابدّ من ملاحظـة مقدّمات هذا العنوان المقيّد، وليست الإرادة من جملتها، فلا فرق بين هذا القسم والقسم الأوّل أصلاً، فلابدّ أن تكون إحدى المقدّمات على سبيل التخيير محرّمةً إلاّ مع وجود باقي الأجزاء، وانحصار الاختيار في واحدة منها، فتحرم شخصاً كا لقسم الأوّل.

وا لتحقيق أ نّـه لو قلنا با لملازمـة في مقدّمـة الواجب، فا لتحريم ـ الذي عبارة عن الزجر عن المحرّم ـ إنّما يختصّ با لمقدّمـة الأخيرة التي يترتّب عليها ذوها من دون فصل في جميع الأفعال ; إذ قد عرفت أ نّـه لايوجد في الأفعال الخارجيـة فعل توسّطت الإرادة بينـه وبين مقدّماتـه بأن تكون هي المؤثّر في تحقّقـه.

هذا، مضافاً إلى ما عرفت فيما تقدّم من أنّ الإرادة أيضاً قابلـة لتعلّق التكليف بها ; لكونها من الاُمور الاختياريّـة، ولكن هذا كلّـه إنّما هو على تقدير القول با لملازمـة في مقدّمات الواجب، ولكن قد عرفت سابقاً أنّ مقتضى التحقيق خلافـه.

هذا تمام الكلام في مبحث المقدّمـة.


110

الفصل الخامس

في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه

وتنقيح البحث فيـه يستدعي تقديم اُمور:

الأمر الأوّل: هل هذه المسألـة اُصوليّـة أم لا؟

ذكر في التقريرات (ا لمحقّق النائيني) أ نّـه لا إشكال في كون المسأ لـة من المسائل الاُصوليّـة ; لأنّ نتيجتها تقع في طريق الاستنباط، وكذا في عدم كونها من المباحث اللفظيـة ; لوضوح أنّ المراد من الأمر في العنوان الأعمّ من اللفظي واللبّي المستكشف من الإجماع ونحوه، وذكر أيضاً أنّ المراد من الاقتضاء في العنوان الأعمّ من كونـه على نحو العينيّـة أو التضمّن أو الالتزام با لمعنى الأخصّ أو الأعمّ، لأنّ لكلٍّ وجهاً بل قائلاً(1).

أقول: أمّا كون المسأ لـة من المسائل الاُصوليّـة: فقد ذكرنا في مسأ لـة دلالـة الأمر على الوجوب أو الاستحباب أنّ نظائر هذه المسأ لـة من المسائل

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 301.


111

ا للغويـة، لأنّـه لا فرق بين النزاع في مدلول لفظ «ا لصعيد» الوارد في آيـة التيمّم(1) أ نّـه هل هو التراب الخا لص أو مطلق وجـه الأرض مثلاً، وبين النزاع في مدلول الأمر مثلاً من حيث دلالتـه على الوجوب، وكذا من حيث دلالتـه على النهي عن الضدّ، كما لايخفى.

بل نقول: إنّ كثيراً من المسائل اللغويـة تكون من المسائل الاُصوليـة، وذكر بعضها في الاُصول إنّما هو لشدّة الاحتياج بـه، كما لايخفى.

وأمّا كونها من المباحث العقليـة: فلايخفى أنّ الجمع بينها وبين تفسير الاقتضاء بما يعمّ العينيّـة والجزئيّـة اللّتين هما من الدلالات اللفظيـة عندهم وإن كان يمكن المناقشـة في الثاني كا لجمع بين المتضادّين.

الأمر الثاني: معنى الاقتضاء في عنوان المسألـة

ثمّ تفسير الاقتضاء ـ الذي هو عبارة عن التأثير والسببيـة ـ بما يعمّهما تفسير بارد، ولا مناسبـة بين معناه الحقيقي وبين هذا المعنى أصلاً.

فالأولى في التعبير عن عنوان النزاع ـ بعد إسقاط القول با لعينيـة وبا لجزئيـة لكونهما ممّا لا إشكال في بطلانهما ـ أن يقال: هل الأمر با لشيء يلازم النهي عن ضدّه أم لا ؟ غايـة الأمر أنّ عمدة النزاع في الملازمـة ينشأ من توقّف الشيء على ترك ضدّه بأن يكون ترك الضدّ مقدّمةً لفعل الضدّ الآخر، فتصير المسأ لة من صغريات مبحث المقدّمـة، كما لايخفى.

ثمّ إنّ المراد با لضدّ أعمّ من الضدّ الخاصّ، فيشمل الضدّ العامّ الذي بمعنى النقيض أيضاً.

1 ـ النساء (4): 43، المائدة (5): 6.


112

إذا عرفت ذلك، فنقول: هل الأمر با لشيء يستلزم النهي عن الضدّ مطلقاً، أو لايستلزم كذلك، أو يستلزم با لنسبـة إلى الضدّ العامّ دون الخاصّ ؟ وجوه بل أقوال.

الأمر الثالث: المهمّ من الأقوال في المسألـة

وحيث إنّ العمدة في استدلال القائلين بالاقتضاء في الضدّ الخاصّ إنّما هو إثبات المقدّميـة بين ترك الضدّ ووجود الضدّ الآخر، فلابأس بالإشارة إلى ما هو الحقّ في هذا الباب.

وليعلم أوّلاً أنّ إثبات الاقتضاء في الضدّ الخاصّ لايتوقّف على مجرّد إثبات المقدّميـة، بل بعد ثبوت ذلك يتوقّف على القول با لملازمـة في مقدّمـة الواجب وإثبات كونها واجبةً بعد وجوب ذيها، ثمّ بعد ذلك على إثبات أنّ وجوب الترك ملازم لحرمـة الفعل، وهذا يرجع إلى إثبات الاقتضاء با لنسبـة إلى الضدّ العامّ أيضاً.

الاستدلال على الاقتضاء في الضدّ الخاصّ من طريق المقدّميّـة

فتحصّل أنّ القول بالاقتضاء في الضدّ الخاصّ يتوقّف على اُمور:

الأوّل: كون ترك أحد الضدّين مقدّمةً لوجود الآخر.

الثاني: القول با لملازمـة.

الثالث: القول بالاقتضاء في الضدّ العامّ أيضاً.

ولايخفى أنّ هذه المقدّمات الثلاث كلّها محلّ منع، أمّا الثانيـة: فقد عرفت ما هو الحقّ فيها في مسأ لـة مقدّمـة الواجب، فراجع، وأمّا الأخير: فسيجيء، والعمدة هي الاُولى.


113

فنقول: حكي عن بعض: ثبوت المقدّميـة من الجانبين، وعن بعض آخر: ثبوت المقدّميـة با لنسبـة إلى ترك الضدّ، وعن ثا لث: عكس ذلك، وعن رابع: التفصيل بين الضدّ الموجود، فيتوقّف على رفعـه وجود الضدّ الآخر، وبين الضدّ المعدوم، فلايتوقّف عليـه وجود الضدّ الآخر، وعن خامس: إنكار المقدّميـة مطلقاً(1) !

إنكار المحقّق الخراساني المقدّميّـة مطلقاً

ثمّ إنّ من القائلين با لقول الخامس المنكرين للمقدّميـة: المحقّق الخراساني في الكفايـة، بل يظهر من بعض عباراتـه كون الشيء وترك ضدّه في رتبـة واحدة حيث قال في مقام الجواب عن توهّم المقدّميـة: إنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلاّ عدم اجتماعهما في التحقّق، وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديلـه بل بينهما كمال الملائمـة، كان أحد العينين مع ما هو نقيض الآخر وبديلـه في مرتبـة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر، كما لايخفى(2).

هذا، وأنت خبير بأنّ مجرّد أن يكون بينهما كمال الملائمـة لايقتضي ثبوت التقارن، كيف ومن الواضح أن يكون بين المعلول وعدم العلّـة كمال الملائمـة، مع أنّ فرض التقارن بينهما يقتضي كون المعلول مع العلّـة أيضاً كذلك ; لأنّ النقيضين في رتبـة واحدة بلا إشكال، كما صرّح بـه في الكفايـة بعد هذه العبارة.

ويمكن توجيـه هذا الكلام بأ نّـه كما يصدق على الضدّ ما يكون ذلك من

1 ـ اُنظر بدائع الأفكار، المحقّق الرشتي: 372 / السطر 17.

2 ـ كفايـة الاُصول: 161.


114

أفراده حقيقـة با لحمل الشائع الذاتي الذي مرجعـه إلى كون المصداق داخلاً في حقيقـة المحمول، كذلك يصدق عليـه عدم الضدّ الآخر با لحمل الشائع العرضي الذي يرجع إلى ثبوت المحمول لـه با لعرض، فا لشيء الواحد يكون مصداقاً لشيء با لذات ولشيء آخر با لعرض، فيستلزم ذلك كون المتصادقين في رتبـة واحدة ; لأنّ المفروض كون المصداق لهما شيئاً واحداً، كما هو واضح.

ولكن لايخفى أنّ حمل العدم على الوجود ليس حملاً حقيقيّاً راجعاً إلى كون ذلك الوجود واجداً لذلك العدم، ككونـه واجداً للصفات الوجوديـة، كيف ومعنى الواجديـة كون شيء مرتبطاً مع شيء آخر، مع أنّ العدم مطلقاً ليس بشيء حتّى يكون شيء آخر واجداً لـه.

وتقسيم القضايا إلى قضيّـة موجبـة وسا لبـة محصّلـة وموجبـة سا لبـة المحمول وسا لبـة معدولـة لايدلّ على إمكان حمل السلب والعدم على شيء ; لأنّ ذلك إنّما هو على سبيل المسامحـة، بل ما عدا الأوّل يرجع إلى نفي الربط بين الموضوع، وذلك الحكم المسلوب، لا إلى ثبوت الربط بينهما، كيف والعدم ليس بشيء حتّى تحقّقت الرابطـة بينـه وبين موجود آخر، وصدق القضايا السلبيـة ليس بمعنى مطابقتها للواقع حتّى يكون لها واقع يطابقـه، بل صدقـه بمعنى خلوّ الواقع عن الارتباط، وثبوت المحمول للموضوع، كما لايخفى، كما أنّ ما اشتهر من أنّ عدم العلّـة علّـة للعدم إنّما هو على نحو المسامحـة قياساً إلى الوجود وتشبيهاً بـه، والتعبير عمّا من شأنـه أن يكون لـه وجود بعدم الملكـة ليس المراد منـه أنّ العدم فيـه الشأنيـة لكذا، كيف وهي من الحيثيّات الثبوتيّـة الممتنعـة الاجتماع مع الحيثيّات السلبيـة.

وبا لجملـة، فكون العدم مقابلاً للوجود خارجاً عن حيطـة الشيئيـة ممّا لاينبغي الارتياب فيـه، فكلّ ما يوهم بظاهره الخلاف من ثبوتـه لشيء أو ثبوت


115

شيء لـه فيجب تأويلـه، كما هو واضح.

فانقدح من جميع ما ذكرنا: أنّ عدم الضدّ ليس بشيء حتّى يصدق على شيء آخر، كيف ولو قلنا بذلك لايرتفع الإشكال المتقدّم، فإنّ المعلول كما يصدق عليـه ماهيّتـه صدقاً حقيقيّاً كذلك يصدق عليـه عدم العلّـة صدقاً عرضياً، فيلزم أن يكون المعلول في رتبـة العلّـة لكونـه في رتبـة عدمها الذي هو في رتبـة وجودها، كما هو المفروض في النقيضين.

فتحصّل أنّ ما ذكره في الكفايـة لم ينهض حجّةً على اتّحاد رتبة الشيء وترك ضدّه، كما عرفت.

ثمّ إنّـه(قدس سره) ـ بعد العبارة المتقدّمـة التي كان غرضـه منها إثبات التقارن بينهما ـ صار بصدد تشبيـه الضدّين با لنقيضين، فقال: فكما أنّ قضيّـة المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر كذلك في المتضادّين(1).

ما أفاده المحقّق القوچاني في المقام

وا لمستفاد ممّا ذكره بعض الأعاظم من تلامذتـه (هو الشيخ علي القوچاني(قدس سره)) في حاشيتـه على الكفايـة في شرح مراد العبارة: أنّ مقصوده من هذه العبارة أيضاً إثبات كون الشيء وترك ضدّه في مرتبـة واحدة حيث قال ما ملخّصـه: إنّـه لا إشكال في أنّ بين كلّ متقابلين من أقسام التقابل اتّحاد وتكافؤ في المرتبـة، أمّا المتناقضين: فلأنّ النقيض للوجود هو العدم البدلي الكائن في رتبتـه لولاه الغير المجتمع معـه لا السابقي ولا اللاّحقي المجتمع معـه في دار التحقّق،

1 ـ كفايـة الاُصول: 161.


116

فا لنقيض لوجود زيد هو عدمـه في مدّة وجوده الكائن مقامـه لولاه، وإلاّ فا لعدم قبل وجوده أو بعد وجوده ليس نقيضاً لـه مع اجتماعـه مع وجوده في دار التحقّق.

وهكذا في السابق واللاّحق بحسب الرتبـة، فإنّ النقيض للمعلول هو عدمـه في رتبـة وجوده، لا العدم في رتبـة العلّـة المجامع معـه في التحقّق، وإلاّ لزم ارتفاع النقيضين في مرتبـة سلب أحدهما مقدّمـة للآخر، ولما كان الوجود عين الرفع لعدمـه النقيض، كما لايخفى، ولما كان متنافياً معـه في التحقّق ذاتاً.

وهكذا الكلام في المتضادّين، فإنّ المضادّة إنّما هو بين الوجودين في رتبـة واحدة، فا لضدّ للوجود هو الوجود البدلي الثابت في رتبتـه لولاه، فإذا ثبت ذلك في المتناقضين والمتضادّين يثبت اتّحاد الرتبـة في المقام، فإنّـه إذا كان نقيض أحد الضدّين في رتبـة وجوده الذي هو في رتبـة وجود الضدّ الآخر، فا للاّزم كونـه في رتبـة وجود الضدّ الآخر، وهو المطلوب(1). انتهى ملخّص كلامـه(قدس سره).

ولكن لايخفى بطلان جميع المقدّمات الثلاثـة.

أمّا ما ذكره في المتناقضين: فلأنّ النقيض للوجود في زمان مخصوص ليس عدمـه في ذلك الزمان بأن يكون الظرف قيداً للعدم والرفع حتّى يوجب ذلك كون العدم مقيّداً بذلك الوقت، فيكون في مرتبـة الوجود فيـه، بل نقيض الوجود في زمان مخصوص هو عدم هذا المقيّد على أن يكون القيد قيداً للمرفوع لا للرفع، كيف ومعنى تقييد العدم يرجع إلى الموجبـة المعدولـة، فتصير القضيـة كاذبةً، فإنّ قولنا: ليس الوجود المقيّد بهذا الزمان متحقّقاً، قضيّـة صادقـة، بخلاف قولنا: الوجود في هذا الزمان ليس في هذا الزمان، على أن يكون الظرف قيداً للسلب الراجع إلى حمل السلب المقيّد على الوجود كذلك، كما هو واضح، فلابدّ من أن

1 ـ حاشيـة كفايـة الاُصول، القوچاني: 112.


117

يكون على نحو السا لبـة المحصّلـة، ومعـه لايثبت اتّحاد الرتبـة أصلاً، كما لايخفى.

وأمّا ما ذكره في المتضادّين: فكون التضادّ بين الوجودين في زمان واحد في محلّ واحد مسلّم، ولكن لايثبت بذلك اتّحاد رتبتهما، كيف والحكم باتّحاد الرتبـة وعدمـه من الأحكام العقليـة المتوقّفـة على إحراز ملاك التقدّم وصاحبيـه، ومجرّد التقارن في الخارج لايقتضي اتّحاد رتبتهما بحسب العقل، كيف والمعلول مقارن لوجود العلّـة في الخارج مع اختلافهما بحسب الرتبـة، كما هو واضح.

وبا لجملـة، فا لتقدّم والتأخّر والتقارن بحسب الخارج لا ربط لشيء منها با لرتب العقليـة أصلاً.

ثمّ إنّـه لو سلّم اتّحاد رتبـة المتناقضين والمتضادّين فذلك لايستلزم اتّحاد رتبـة نقيض الشيء مع الضدّ بقياس المساواة، فإنّـه فيما إذا كان الملاك في الثا لث موجوداً، وقد عرفت أنّ حكم العقل باتّحاد الرتبـة متوقّف على إحراز ملاكـه، ككونهما معلولين لعلّـة واحدة مثلاً، أمّا مجرّد كون نقيض الشيء متّحداً معـه في الرتبـة وهو مع ضدّه أيضاً كذلك، فلايستلزم كون النقيض مع الضدّ الآخر متّحداً في الرتبـة مع عدم ملاك لـه، كما لايخفى.

فانقدح من جميع ما ذكرنا أ نّـه لم يقم دليل تامّ على اتّحاد رتبـة الضدّ مع نقيض ضدّه الآخر، ولنا أن نقول: بقيام الدليل على العدم ; لأنّ العدم ليس بشيء حتّى يحكم عليـه بحكم إيجابي، وهو اتّحاد رتبتـه مع الوجود، كما أ نّـه ليس في رتبـة متقدّمـة ولا متأخّرة، لأنّ كلّ ذلك من الأحكام الايجابيـة المبتنيـة على ثبوت الموضوع لقاعدة الفرعيـة المسلّمـة عند العقل والعقلاء، فعدم الضدّ لايكون متأخّراً عن الضدّ ولا متقدّماً عليـه ولا مقارناً معـه.


118

ولايخفى أنّ حكمنا بنفي التأخّر وقسيميـه إنّما هو على نحو السا لبـة المحصّلـة الصادقـة مع انتفاء الموضوع، كقولنا: شريك الباري ممتنع، ونظائره، وإ لى هذه ـ أي القضيـة السا لبـة المحصّلـة ـ يرجع كلّ ما ورد في الكتب العقليـة ممّا يوهم بظاهره أنّ العدم لـه تقرّر، ويكون من الاُمور النفس الأمريـة، مثل قولهم: عدم العلّـة علّـة للعدم، وكذا عدم المانع مصحّح لفاعليـة الفاعل، أو قابليـة القابل، وأشباههما، فإنّـه لاينبغي الاغترار بظاهر هذه الجملات بعد كون الأمر في محلّـه واضحاً ضروريّاً، فإنّ التعبير بأمثال هذه العبارات إنّما وقع على سبيل المسامحـة قياساً إلى الوجود وتشبيهاً بـه، والغرض منـه تسهيل الأمر على المتعلّمين اتّكالاً على ما أوضحوه في محلّـه، كما لايخفى.

وبا لجملـة، فا لعدم ليس لـه تقرّر وواقعيّـة حتّى يؤثّر في شيء أو يتأثّر من شيء، ومعـه فلايبقى مجال للنزاع في مقدّميـة عدم الضدّ لوجود الضدّ الآخر وعدمها أصلاً، كما لايخفى.

مقالـة المحقّق الأصفهاني في المقام

وممّا ذكرنا يظهر النظر فيما ذكره بعض المحقّقين من محشّي الكفايـة، فإنّـه(قدس سره) بعد ذكر التقدّم با لعلّيـة والتقدّم الطبعي وبيان الفرق بينهما وأنّ ما فيـه التقدّم في الثاني هو الوجود، وفي الأوّل وجوب الوجود، وذكر أنّ منشأ التقدّم الطبعي تارة كون المتقدّم من علل قوام المتأخّر، كا لجزء والكلّ، واُخرى كون المتقدّم مؤثّراً، فيتقوّم بوجوده الأثر، كا لمقتضي بالإضافـة إلى المقتضى، وثا لثـة كون المتقدّم مصحّحاً لفاعليّـة الفاعل، كا لوضع والمحاذاة با لنسبـة إلى إحراق النار، أو متمّماً لقابليـة القابل، كخلوّ المحلّ عن الرطوبـة وخلوّ الموضوع عن السواد عند عروض البياض، وبعد الاستشكال في الدور الذي ذكره في


119

ا لكفايـة(1) بأنّ عدم اتّصاف الجسم با لسواد لايحتاج إلى فاعل وقابل كي يحتاج إ لى مصحّح فاعليّـة الفاعل ومتمّم قابليـة القابل كي يتوهّم توقّف عدم الضدّ على وجود الضدّ أيضاً وبعد بيان أنّ الصلاة والإزا لـة لهما التأخّر والتقدّم با لطبع، فإنّـه لا وجود للإزا لـة إلاّ والصلاة غير موجودة، فكذا العكس.

قال: وأمّا ما يقال من أنّ العدم لا ذات لـه فكيف يعقل أن يكون شرطاً ; لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت لـه، فمدفوع بأنّ القابليات والاستعدادات والإضافات وأعدام الملكات كلّها لا مطابق لها في الخارج، بل شؤون وحيثيّات انتزاعيـة لاُمور موجودة، فعدم البياض في الموضوع الذي هو من أعدام الملكات كقابليـة الموضوع من الحيثيات الانتزاعيـة منـه، فكون الموضوع بحيث لابياض لـه هو بحيث يكون قابلاً لعروض السواد، فمتمّم القابليـة كنفس القابليـة حيثيّـة انتزاعيـة وثبوت شيء لشيء لايقتضي أزيد من ثبوت المثبت لـه بنحو يناسب ثبوت الثابت(2). انتهى موضع الحاجـة من كلامـه، زيد في علوّ مقامـه.

والعجب منـه(قدس سره) مع كونـه من مهرة الفنّ أ نّـه كيف يمكن تشبيـه أعدام الملكات با لقابليات والاستعدادات والإضافات، مع أ نّها من مراتب الوجـود وإن لم تكن بحيث يمكن الإشارة إليها والأعدام مطلقاً مقابل للوجود لا حظّ لها منـه أصلاً، كما هو واضح.

وقضيّـة كون الموضوع بحيث لابياض لـه قضيّـة سا لبـة محصّلـة لا موجبـة معدولـة حتّى تشابهت قضيّـة كون الموضوع قابلاً، كما هو واضح.

وبا لجملـة، فالأعدام مطلقاً خارجـة عن حمى الوجود وحيطـة الشيئيّـة،

1 ـ كفايـة الاُصول: 161.

2 ـ نهايـة الدرايـة 2: 180 ـ 183.


120

فلايترتّب عليها شيء من الآثار الوجوديـة من قبيل الشرطيـة واتّحاد الرتبـة ونظائرهما.

فتلخّص من جميع ذلك، بطلان المقدّمـة الاُولى من المقدّمات الثلاثـة المبتنيـة عليها القول بالاقتضاء في الضدّ الخاصّ.

وأمّا المقدّمـة الثانيـة ـ التي هي عبارة عن الملازمـة في مقدّمـة الواجب ـ فقد عرفت سابقاً بطلانها بما لا مزيد عليـه.

وأمّا المقدّمـة الثا لثـة الراجعـة إلى اقتضاء الأمر با لشيء للنهي عن الضدّ العامّ الذي بمعنى النقيض، فربّما قيل فيها بالاقتضاء بنحو العينيّـة، وإنّ الأمر با لصلاة مثلاً عين النهي عن تركها، فلا فرق بين أن يقول: صلّ، وبين أن يقول: لا تترك الصلاة، فإنّهما يكونان بمنزلـة الإنسان والبشر لفظين مترادفين(1).

هذا، ولكن لايخفى فساده، فإنّ هيئـة الأمر موضوعـة للبعث، وهيئـة النهي موضوعـة للزجر، ولا معنى لاتّحادهما مفهوماً وإن كان الثاني متعلّقاً إلى ترك المبعوث إليـه.

وبا لجملـة، فمعنى الاتّحاد المفهومي يرجع إلى اتّحاد المعنى الموضوع لـه، مع أنّ هيئـة الأمر موضوعـة للبعث، والنهي للزّجر، ومتعلّقـه في الأوّل هو الفعل، وفي الثاني هو الترك، ولا وضع لمجموع الهيئـة المتعلّقـة با لمادّة.

ودعوى أنّ المراد اتّحاد البعث عن الشيء والزجر عن تركـه معنىً ومفهوماً، يدفعـه وضوح فساده.

وممّا ذكرنا يظهر: بطلان القول با لجزئيـة ; فإنّ معنى الأمر هو البعث، وهو أمر بسيط لا تركّب فيـه أصلاً، وأمّا دعوى اللزوم با لمعنى الأخص فيظهر من

1 ـ مطارح الأنظار: 17 / السطر الأخير.


121

ا لتقريرات (ا لمحقّق النائيني(قدس سره)) أ نّـه لابأس بـه نظراً إلى أنّ نفس تصوّر الوجوب والحتم يوجب تصوّر المنع من الترك والانتقال إليـه(1)، وأنت خبير بأنّ مجرّد عدم انفكاك التصوّرين لايوجب ثبوت المنع الشرعي الذي هو المقصود في المقام، فإنّ النزاع إنّما هو في أنّ الآمر إذا أمر بشيء هل يكون أمره بـه موجباً لنهيـه عن ضدّه بمعنى أن يكون هنا شيئان: أحدهما: الأمر با لشيء، والآخر: النهي عن نقيضـه، وذلك لايثبت بمجرّد الانتقال من تصوّر الوجوب إلى تصوّر المنع من الترك، كما هو واضح.

وإن أراد الدلالـة على المنع با لدلالـة الالتزاميـة من دون افتقار إلى النهي الصادر من المولى بعد الأمر، فيرد عليـه: اقتضاء الدلالـة المذكورة لتعدّد الحكمين الموجب لتعدّد استحقاق المثوبـة والعقوبـة، وهو كما ترى منـه.

نعم ربّما يجعل الكلام في الإرادة لا في الأمر والنهي، ويقال بعدم انفكاك الإرادة المتعلّقـة با لشيء عن الإرادة المتعلّقـة بعدم تركـه، ولكن هذا يصحّ في الإرادات التكوينيّـة، وأمّا في الإرادات التشريعيّـة فلايتمّ بناءً على ما حقّقناه في بحث مقدّمـة الواجب من أنّ كلّ إرادة تحتاج إلى مبادئها من دون فرق بين الإرادة المتعلّقـة با لمقدّمـة وبين الإرادة المتعلّقـة بذيها.

نعم لو قلنا بترتّب الإرادة الثانيـة على الإرادة الاُولى قهراً من دون توقّفها على شيء من مبادئ الإرادة، فلـه وجـه كما لايخفى.

ثمّ لايذهب عليك أنّ ما ذكرنا: من ابتناء القول بالاقتضاء من طريق التوقّف والمقدّميـة على ثلاث مقدّمات إنّما هو على القول با لملازمـة مطلقاً، وأمّا لو قيل بوجوب خصوص المقدّمـة الموصلـة: فا لظاهر ابتناء ذلك القول على مقدّمـة

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 303.


122

رابعـة أيضاً، فإنّ الوجوب المقدّمي إنّما يتعلّق بترك الضدّ لا مطلقاً، بل بتركـه الموصل إلى الضدّ المتوقّف عليـه، واقتضاء هذا الوجوب للنهي عن الضدّ العامّ بمعنى النقيض لايفيد إلاّ حرمـة نقيض الترك الموصل، وهو ترك الترك الموصل، وهذا بمجرّده لايقتضي حرمـة الفعل إلاّ بناءً على توافق حكم المتلازمين، وإلاّ فقد عرفت سابقاً أنّ الفعل لايكون نقيضاً للترك الموصل، فسرايـة حكم النقيض إلى الفعل مبنيّ على لزوم توافق حكم المتلازمين، فإنّ الفعل لاينفكّ عن النقيض أصلاً وإن كان النقيض ربّما ينفكّ عن الفعل، كما إذا لم يأت في المثال المشهور لابالإزا لـة ولابا لصلاة، وحينئذ فعلى القول با لمقدّمـة الموصلـة يتوقّف إثبات الاقتضاء على المقدّمـة الرابعـة التي جعلوها دليلاً مستقلاّ في مقابل المقدّميـة، كما سيجيء، فلا تكون حينئذ دليلاً ثانياً، بل تصير من مقدّمات الدليل الأوّل، كما هو واضح.

هذا كلّـه فيما يتعلّق با لقول بالاقتضاء من جهـة التوقّف والمقدّميـة التي عرفت أ نّها هي العمدة في المقام.

الاستدلال على الاقتضاء في الضدّ الخاصّ من طريق التلازم

ويظهر من بعضهم الاستدلال لـه بلزوم توافق حكمي المتلازمين، وهذا أيضاً يبتني على ثلاث مقدّمات: الاُولى: ثبوت التلازم بين الشيء وترك ضدّه، الثانيـة: لزوم اتّحاد المتلازمين من حيث الحكم، الثا لثـة: اقتضاء الأمر با لشيء للنّهي عن ضدّه العامّ بمعنى النقيض.

أمّا المقدّمـة الاُولى: فلأنّ الشيء لايمكن أن يصدق عليـه ضدّه، وإلاّ يلزم اجتماع المتضادّين الممتنع با لبديهـة، فا لواجب أن يصدق عليـه نقيض الضدّ، وإلاّ يلزم ارتفاع النقيضين، فا لبياض مثلاً لايمكن أن يصدق عليـه السواد ; للزوم


123

اجتماع الضدّين، فيجب أن يصدق عليـه اللاّسواد، وإلاّ يلزم ارتفاع النقيضين.

وأمّا المقدّمـة الثانيـة: فلأنّـه لو كان أحد المتلازمين واجباً، فالآخر لابدّ إمّا أن يكون واجباً فهو المطلوب، وإمّا أن يكون جائزاً تركـه با لجواز با لمعنى الأعمّ من الأحكام الأربعـة الاُخر، فا للازم جواز تركـه المستلزم لجواز ترك الواجب لفرض التلازم، فيخرج الواجب عن كونـه واجباً، ومن المعلوم أيضاً أ نّـه يستحيل خلوّ الواقعـة عن حكم من الأحكام الخمسـة.

وأمّا المقدّمـة الثا لثـة: فقد عرفت إثباتها سابقاً، فراجع.

هذا، ولكن لايخفى بطلان جميع المقدّمات الثلاثـة.

أمّا بطلان الاُولى: فلأنّ نقيض صدق السواد على البياض الممتنع بديهـة ليس هو صدق اللاّسواد عليـه بل نقيضـه عدم صدق السواد عليـه على نحو السا لبـة المحصّلـة، وذلك لأنّـه لو كان نقيضـه هو صدق اللاّسواد عليـه على نحو الموجبـة المعدولـة، يلزم ارتفاع النقيضين ; لكذب القضيّتين معاً.

أمّا كذب قضيّـة: «ا لبياض سواد» فواضح.

وأمّا كذب قضيّـة: «ا لبياض لا سواد» فلما عرفت من أنّ العدم ليس بشيء حتّى يمكن أن يحمل على شيء أو يحمل عليـه شيء، وقد عرفت أنّ جميع القضايا التي يكون العدم فيها موضوعاً أو محمولاً لابدّ أن ترجع إلى السا لبـة المحصّلـة، كما هو واضح.

وأمّا بطلان الثانيـة: فلأنّ كون الترك والعدم واقعـة حتّى يستحيل خلوّه عن حكم من الأحكام الخمسـة، ممنوع ; فإنّـه ليس بشيء حتّى يكون فعلاً للمكلّف ويتعلّق الحكم بـه.

هذا، مضافاً إلى أنّ استحا لـة خلوّ الوقائع عن الحكم ممنوعـة ; فإنّ هذا لو


124

سلّم فإنّما هو بحسب الحكم الواقعي لا الفعلي، مع إمكان أن يقال بعدم استحا لـة خلوّها عن الحكم بحسب الواقع أيضاً ; فإنّ الإباحـة التي منشأها عدم تعلّق حكم شرعي بـه بمعنى أنّ جواز فعلـه لعدم تعلّق النهي التحريمي ولا التنزيهي بـه وجواز تركـه ; لعدم تعلّق الأمر الوجوبي ولا الاستحبابي بـه أيضاً في الحقيقـة ليست بحكم.

نعم الإباحـة التي منشأها خلوّ الفعل عن المصلحـة والمفسدة أو تساويهما الراجعـة إلى جعل الشارع إيّاها لذلك، حكم من الأحكام الخمسـة، بخلاف الإباحـة با لمعنى الأوّل، كما لايخفى.

وأمّا بطلان الثا لثـة: فقد عرفت تفصيلـه، وأنّ الأمر با لشيء لايقتضي النهي عن نقيضـه، لابنحو العينيـة، ولا على طريق الجزئيـة، ولا على سبيل اللزوم، فتأمّل جيّداً.

الأمر الرابع: في ثمرة المسألـة

اعلم أنّ المشهور ذكروا في ثمرة القول بالاقتضاء وعدمـه أنّ القول بالاقتضاء بضميمـة أنّ النهي في العبادات يوجب البطلان ينتج بطلان الضدّ لو كان عبادةً، بخلاف القول با لعدم.

هذا، ولكن لايخفى انتفاء الثمرة وصحّـة العبادة حتى على القول بالاقتضاء، فإنّك عرفت أنّ منشأ القول بالاقتضاء إمّا توهّم مقدّميـة ترك الضدّ لفعل الضدّ الآخر، وإمّا توهّم الملازمـة بينهما، وعلى التقديرين لايثبت بطلان العبادة.

أمّا على تقدير المقدّميـة: فلأنّ النهي الناشئ من جهتها نهي مقدّمي غيري، والنهي الذي يؤثّر في بطلان متعلّقـه إذا كان عبادةً هو النهي الذي كان عن ملاك


125

من المفسدة في المنهيّ عنـه.

وأمّا مجرّد تعلّق النهي بشيء لا لأجل اشتما لـه على مفسدة ملزمـة، بل لغرض التوصّل إلى شيء آخر، فلايكون مؤثّراً في البطلان، فإنّ الوجـه فيـه هو امتناع أن يكون ما هو المبغوض الذي يوجب البُعد عن المولى مقرّباً للعبد منـه، كما لايخفى ومن المعلوم أنّ هذا لايتحقّق في النهي الغيري، فإنّ المنهيّ عنـه بهذا النهي لايكون مبغوضاً للمولى أصلاً، وأداء فعلـه إلى ترك مطلوبـه لايوجب مبغوضيـة ذلك الفعل، بل المبغوض هو ترك المطلوب لا ما يؤدّي إليـه، كما هو واضح.

ومن هذا يظهر أ نّـه لو قلنا بالاقتضاء من جهـة الملازمـة فلايستلزم النهي الناشئ من جهـة الملازمـة بطلان المنهي عنـه أصلاً ; فإن تعلّق النهي بسبب الملازمـة لايوجب مبغوضيـة متعلّقـه في حدّ ذاتـه حتّى يمتنع أن يكون مقرّباً، كما هو واضح، فا لثمرة منتفيـة، والعبادة صحيحـة مطلقاً قلنا بالاقتضاء أم لا، وعلى الأوّل لا فرق بين أن يكون الاقتضاء مستنداً إلى المقدّميـة أو إلى الملازمـة.

هذا، وحكي عن البهائي وجماعـة أ نّهم أنكروا الثمرة وحكموا ببطلان العبادة مطلقاً(1) ; نظراً إلى أنّ صحّتها متوقّفـة على تعلّق الأمر الفعلي بها، وحينئذ فلو لم نقل بالاقتضاء وأنّ الضدّ يصير منهيّاً عنـه فلا أقلّ من عدم تعلّق الأمر الفعلي بـه ; لامتناع تعلّق الأمر با لمتضادّين، فبطلانـه لو كان عبادةً يستند على هذا إلى عدم تعلّق الأمر بـه، كما أنّ بطلانـه بناءً على الاقتضاء مسبّب عن تعلّق النهي بـه، فا لضدّ العبادي باطل على أيّ تقدير.

1 ـ زبدة الاُصول: 98 ـ 99، هدايـة المسترشدين: 244 / السطر 39 ـ 41.


126

واُجيب عنـه بوجهين:

أحدهما: ما ذكره في الكفايـة من منع كون صحّـة العبادة متوقّفةً على تعلّق الأمر الفعلي بها، بل يكفي مجرّد المحبوبيـة للمولى، والضدّ بناءً على عدم حرمتـه يكون كذلك، فإنّ المزاحمـة على هذا لايوجب إلاّ ارتفاع الأمر المتعلّق بـه فعلاً مع بقائـه على ما هو عليـه من ملاكـه ; لعدم حدوث ما يوجب مبغوضيتـه وخروجـه عن قابليـة التقرّب بـه كما حدث بناء على الاقتضاء(1).

ثانيهما: عن المحقّق الكركي وجماعـة ممّن تأخّر عنـه(2) من منع إطلاق مقا لـة البهائي، فإنّها تجري في خصوص المتزاحمين المضيّقين، وأمّا لو فرض وقوع التزاحم بين مضيّق وموسّع، كما لو فرض مزاحمـة الصلاة في بعض أوقات وجوبها لواجب آخر مضيّق، ففي مثل هذا يمكن القول بصحّـة الفرد المزاحم من الصلاة لذلك الواجب ولو قلنا بتوقّف صحّـة العبادة على الأمر.

جواب آخر على مسلك الترتّب

ثمّ إنّـه تصدّى جماعـة من الأفاضل لتصحيح الأمر با لضدّين بنحو الترتّب بأن يكون الأمر بالأهمّ مطلقاً غير مشروط والأمر با لمهمّ مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل بنحو الشرط المتأخّر، أو با لبناء على معصيتـه(3)، ولايخفى أنّ اشتراط ا لأمر با لمهمّ با لعصيان أو با لبناء عليـه لايكون اشتراطاً شرعيّاً.

وتوضيحـه يتوقّف على بيان مقدّمات:

1 ـ كفايـة الاُصول: 165 ـ 166.

2 ـ جامع المقاصد 5: 13، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 312.

3 ـ جامع المقاصد 5: 12 ـ 13، كشف الغطاء: 27، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 140.


127

الاُولى: أ نّـه لا إشكال في أنّ متعلّق الأوامر والنواهي هي الطبائع لا الأفراد، كما سيأتي تحقيقـه.

الثانيـة: المراد بالإطلاق هو أخذ الطبيعـة في مقام جعل الحكم عليـه مطلقـة غير مقيّدة بشيء من القيود بمعنى أنّ المتكلّم المختار إذا صار بصدد بيان بعض الأحكام ولم يأخذ في موضوعـه إلاّ الطبيعـة المعرّاة عن القيود، يستكشف من ذلك أنّ تمام الموضوع لذلك الحكم هي نفس الطبيعـة بلا مدخليـة لشيء في ترتّبـه أصلاً، فمعنى الإطلاق ليس هو لحاظ سرايـة الحكم إلى جميع أفراد الطبيعـة حتّى يتّحد مع العموم في النتيجـة، وهي ثبوت الحكم لجميع أفراد الطبيعـة ; لأنّـه ليس في الإطلاق لحاظ الأفراد، بل لايعقل أن تكون الطبيعـة مرآةً وكاشفةً لوجوداتها التي ستحقّق بعد انضمام سائر العوارض إليها فإنّ لفظ الإنسان مثلاً لم يوضع إلاّ لنفس ماهيـة الحيوان الناطق ولايعقل أن يحكي عن أفراد تلك الطبيعـة بعد عدم كونـه موضوعاً بإزائها، كما هو واضح.

وبا لجملـة، فليس معنى الإطلاق إلاّ مجرّد عدم مدخليّـة شيء من القيود بلا ملاحظـة الأفراد، كما هو واضح.

الثالثـة: أنّ المزاحمـة الحاصلـة بين الأمر بالأهمّ والأمر با لمهمّ كالأمر بإزا لـة النجاسـة عن المسجد والأمر با لصلاة ليست متحقّقةً في مرحلة تعلّق الأمر بهما ; إذ ليس الأمر لطبيعـة الصلاة مزاحماً للأمر لطبيعـة الإزا لـة أصلاً، كما لايخفى، وليسا كالأمر با لنقيضين، بل المزاحمـة بينهما إنّما تتحقّق بعد تعلّق الأمر وحصول الابتلاء بمعنى أ نّـه إذا ابتلى المكلّف بنجاسـة المسجد في زمان كونـه مأموراً بالأمر الصلاتي تحصل المزاحمـة بينهما، ومن المعلوم أنّ الترتّب والاشتراط الذي يقول بـه القائل با لترتّب إنّما هو بعد تحقّق المزاحمـة المتأخّرة عن مرحلـة الأمر، كما عرفت.

وحينئذ فنقول: إنّـه كيف يمكن أن يكون أحد الأمرين مشروطاً بسبب


128

ا لمزاحمـة التي تتحقّق بينهما بعداً ؟ ! بعدما عرفت من أنّ معنى الإطلاق هو أخذ الطبيعـة المرسلـة موضوعاً للحكم ومتعلّقاً للأمر بلا ملاحظـة الأفراد ولا الحالات التي من جملتها في المقام حال الابتلاء با لضدّ الواجب.

وبا لجملـة، فالآمر في مقام الأمر لم يلاحظ الحالات بخصوصها حتّى صار بصدد علاج المزاحمـة الحاصلـة في بعض الحالات المتأخّرة عن الأمر، كما هو واضح، وعلى تقدير تسليم عدم الامتناع عقلاً نقول: إنّ ذلك غير واقع ; إذ ليس في الأدلّـة الشرعيـة ما يظهر منـه تقييد الأمر با لمهمّ واشتراطـه كما يظهر با لمراجعـة.

فانقدح من جميع ذلك: أ نّـه لو كان المراد بالاشتراط اشتراطاً شرعياً، يرد عليـه امتناعـه، وعلى تقدير التسليم عدم وقوعـه فلايفيد أصلاً، كما لايخفى، فيجب أن يكون المراد بالاشتراط اشتراطاً عقليّاً.

تحقيق في الجواب على مسلك الخطابات القانونيّـة

وتنقيح الكلام في هذا المقام بحيث يظهر منـه صحّـة الاشتراط ولزومـه أو عدمهما يتوقّف على رسم مقدّمات:

الاُولى: أ نّـه ليس للحكم إلاّ مرتبتان: مرتبـة الإنشاء ومرتبـة الفعليـة، بل نقول: إنّهما ليستا مرتبتين للحكم بأن يكون كلّ حكم ثابتاً لـه هاتان المرتبتان، بل هما مقسمان لطبيعـة الحكم بمعنى أنّ الأحكام على قسمين: أحدهما: الأحكام الإنشائيـة، وثانيهما: الأحكام الفعليـة، والمراد بالاُولى هي الأحكام التي لم يكن فيها ما يقتضي إجراءها بعد جعلها بل اُوحي إليها إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأودعها(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الأئمّـة (عليهم السلام) حتّى يظهر قائمهم(عليه السلام)، فيجريها، كما أنّ المراد با لثانيـة هي القوانين والأحكام التي قد اُجريت بعد الوحي، وهي الأحكام


129

ا لمتداولـة بين الناس التي أظهرها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الأئمّـة من بعده.

وا لدليل على ما ذكرنا من أ نّـه ليس الفعليـة والإنشائيـة مرتبتين للحكم بأن يكون العا لم مثلاً حكمـه فعليّاً والجاهل إنشائياً: أنّ المراد با لحكم الذي يجعلون لـه المرتبتين بل المراتب الأربع ـ كما في الكفايـة(1)ـ إن كان هو العبارة ا لمكتوبـة في القرآن أو في كتب الحديث فمن الواضح البديهي أ نّـه لايعرض لـه التغيير بتغيّر حالات المكلّف من حيث العلم والجهل والقدرة والعجز ونظائرها، وإن كان المراد بـه هو حقيقـة الحكم الراجعـة إلى إرادة المبدأ الأعلى جلّ شأنـه، فمن الواضح أيضاً أ نّـه لايعرض لها التغيير باختلاف الحالات المذكورة ; لامتناع عروض التغيّر لـه تعا لى، كما لايخفى.

الثانيـة: لايذهب عليك ثبوت الفرق بين الخطاب بنحو العموم وبين الخطاب بنحو الخصوص في بعض الموارد، منها: مسأ لـة الابتلاء، فإنّـه يشترط في صحّـة توجيـه الخطاب الخاصّ وعدم استهجانـه أن يكون المخاطب مبتلى با لواقعـة المنهي عنها، كما أ نّـه يشترط في صحّـة توجيـه الخطاب الخاصّ المتضمّن للأمر أن لايكون للمخاطب داع إلى إتيان المأمور بـه مع قطع النظر عن تعلّق الأمر.

وا لسرّ في ذلك أنّ الأمر والنهي إنّما هو للبعث والزجر، ويقبح زجر المكلّف عمّا يكون متروكاً ; لعدم الابتلاء بـه، كما هو واضح، وهذا بخلاف الخطاب بنحو العموم، كما هو الشأن في جميع الخطابات الواردة في الشريعـة، فإنّـه لايشترط في صحّتـه أن يكون كلّ واحد من المخاطبين مبتلى با لواقعـة المنهيّ عنها ; لعدم انحلال ذلك الخطاب إلى خطابات عديدة حسب تعدّد المخاطبين حتّى يشترط

1 ـ كفايـة الاُصول: 321.


130

فيـه ذلك، بل يشترط فيـه أن لايكون جميعهم أو أكثرهم تاركين للمنهي عنـه ; لعدم الابتلاء، وأمّا لو كان بعضهم تاركاً لـه ولم يكن في البين ما يميّز كلّ واحد من الطائفتين عن الاُخرى، فلايضرّ بصحّـة الخطاب بنحو العموم أصلاً، فما اشتهر بينهم من أ نّـه إذا خرج بعض أطراف العلم الإجما لي عن مورد الابتلاء، لم يجب الاجتناب من الآخر أيضاً ليس في محلّـه، كما حقّقناه في موضعـه(1).

وا لوجـه في عدم الانحلال: أ نّـه لا إشكال في كون الكفّار والعصاة مكلّفين بالأحكام الشرعيـة مع أ نّـه لو قيل بالانحلال إلى خطابات متكثّرة، يلزم عدم كونهم مكلّفين ; لعدم صحّـة توجيـه الخطاب الخاصّ إليهم بعد عدم انبعاثهم إلى فعل المأمور بـه، وعدم انزجارهم عن فعل المنهي عنـه أصلاً، كما لايخفى، فمن كونهم مكلّفين يستكشف أ نّـه لايشترط في الخطاب بنحو العموم كون كلّ واحد من المخاطبين واجداً لشرائط صحّـة توجيـه الخطاب الخاصّ إليـه.

وا لدليل على عدم كون الخطابات الواردة في الشريعـة مقيّدة با لعلم والقدرة، مضافاً إلى ما نراه با لوجدان من عدم كونها مقيّدةً بنظائرهما: أ نّها لو كانت مقيّدةً با لقدرة بحيث لم يكن العاجز مشمولاً لها ومكلّفاً با لتكا ليف التي تتضمّنـه تلك الخطابات يلزم فيما لو شكّ في القدرة وعدمها إجراء البراءة ; لأنّ مرجع الشكّ فيها إلى الشكّ في التكليف ; لأنّ المفروض الشكّ في تحقّق قيده، وإجراء البراءة في موارد الشكّ في التكليف ممّا لا خلاف فيـه بينهم مع أ نّـه يظهر منهم القول بالاحتياط في مورد الشكّ في القدرة كما يظهر بمراجعـة فتاويهم.

وأيضاً لو كانت الخطابات مقيّدةً با لقدرة، يلزم جواز إخراج المكلّف نفسـه عن عنوان القادر، فلايشملـه التكليف، كما يجوز للحاضر أن يسافر، فلايشملـه

1 ـ أنوار الهدايـة 2: 213 وما بعدها.


131

تكليف الحاضر، وكما يجوز للمكلّف أن يعمل عملاً يمنعـه عن صدق عنوان المستطيع عليـه، وغيرهما من الموارد، مع أنّ ظاهرهم عدم الجواز في المقام، وليس ذلك كلّـه إلاّ لعدم اختصاص الخطاب با لقادرين، بل يعمّ الجميع غايـة الأمر كون العاجز معذوراً في مخا لفـة التكليف المتعلّق بـه بحكم العقل.

وتوهّم: أ نّـه كيف يمكن أن تتعلّق إرادة المولى بإتيان جميع الناس مطلوباتـه مع أنّ العقل يحكم بامتناع تعلّق الإرادة من الحكيم بإتيان العاجز.

مدفوع: بأ نّـه ليس في المقام إلاّ الإرادة التشريعيـة، ومعناها ليس إرادة المولى إتيان العبد، كيف ولازمـه استحا لـة الانفكاك با لنسبـة إلى اللّـه جلّ شأنـه ; لما قرّر في محلّـه من عدم إمكان تخلّف مراده تعا لى عن إرادتـه، بل معنى الإرادة التشريعيـة ليست إلاّ الإرادة المتعلّقـة بجعل القوانين المتضمّنـة للبعث والزجر، فمتعلّق الإرادة إنّما هو بعث الناس إلى محبوبـه وزجرهم عن مبغوضـه، لا انبعاثهم وانزجارهم حتّى يستحيل الانفكاك.

وبا لجملـة، فلايشترط في جعل القوانين العامّـة إلاّ كونها صا لحةً لانبعاث النوع وانزجار لسببـه كما يظهر بمراجعـة العقلاء المقنّين للقوانين العرفيـة، فتأمّل في المقام ; فإنّـه من مزالّ الأقدام.

الثالثـة: قد عرفت أنّ كلّ واحد من الأمر بالأهمّ والأمر با لمهمّ إنّما تعلّق با لطبيعـة معراة عن جميع القيود، وليس فيها لحاظ الأفراد ولا لحاظ الحالات التي يطرأ بعد تعلّق الأمر بها حتّى صار المولى بصدد بيان العلاج ودفع التزاحم بين الأمرين في حا لـة الاجتماع.

الرابعـة: أ نّـه ليس للعقل التصرّف في أوامر المولى بتقييدها ببعض القيود، بل لـه أحكام توجب معذوريـة المكلّف با لنسبـة إلى مخا لفـة تكا ليف المولى، فحكمـه بقبح العقاب في صورة الجهل أو العجز لايرجع إلى تقييد الأحكام بصورة


132

ا لعلم والقدرة حتّى لايكون الجاهل أو العاجز مكلّفاً، بل الظاهر ثبوت التكليف با لنسبـة إلى جميع الناس أعمّ من العا لم والجاهل والقادر والعاجز، غايـة الأمر كون الجاهل والعاجز معذوراً في المخا لفـة بحكم العقل. نعم قد يكون حكم العقل كاشفاً عن بعض الأحكام الشرعيـة، فحكمـه حينئذ طريق إليـه، كما لايخفى.

الخامسـة: قد عرفت أنّ الخطابات الواردة في الشريعـة إنّما تكون على نحو العموم، ولايشترط فيها أن يكون كلّ واحد من المخاطبين قادراً على إتيان متعلّقها، بل يعمّ القادر والعاجز، ومعذوريّـة العاجز إنّما هو لحكم العقل بقبح عقابـه على تقدير المخا لفـة، لا لعدم ثبوت التكليف في حقّـه، وحينئذ فا لعجز إمّا أن يكون متعلّقاً بالإتيان بمتعلّق التكليف الواحد، وحينئذ فلا إشكال في معذوريـة المكلّف في مخا لفتـه، وإمّا أن يكون متعلّقاً با لجمع بين الإتيان بمتعلّق التكليفين أو أزيد بأن لايكون عاجزاً عن الإتيان بمتعلّق هذا التكليف بخصوصـه ولايكون عاجزاً عن موافقـة ذلك التكليف بخصوصـه أيضاً، بل يكون عاجزاً عن الجمع بين موافقـة التكليفين ومتابعـة الأمرين.

إذا عرفت هذه المقدّمات، فنقول: إذا كان الأمران متعلّقين با لضدّين المساويين من حيث الأهمّيـة، فا لمكلّف حينئذ إمّا أن يشتغل بفعل واحد منهما أو بأمر آخر، وعلى الثاني إمّا أن يكون ذلك الأمر محرّماً وإمّا أن لايكون كذلك، فا لصور ثلاثـة:

أمّا الصورة الاُولى: فلا إشكال فيها في ثبوت الأمرين معاً ; لما عرفت في المقدّمات السابقـة، غايـة الأمر كونـه معذوراً في مخا لفـة واحد منهما لحكم العقل بمعذوريـة العاجز.


133

وأمّا الصورة الثانيـة: فا لمكلّف يستحقّ فيها ثلاث عقوبات، أمّا العقوبـة على ما اشتغل بـه من فعل المحرّم فواضح. وأمّا العقوبـة على مخا لفـة كلٍّ من الأمرين: فلكونـه قد خا لفهما من غير عذر ; لفرض كونـه قادراً على إتيان متعلّق كلّ واحد منهما، وعجزه إنّما هو عن الجمع بينهما، والجمع لايكون متعلّقاً للأمر حتّى يعذر في مخا لفتـه ; لتحقّق العجز.

وأمّا الصورة الثالثـة: فيظهر الحكم فيها ممّا ذكرنا في الصورة الثانيـة.

هذا، إذا كان الأمران متعلّقين بمساويين من حيث الأهمّيـة، وأمّا إذا كان أحد الضدّين أهمّ من الآخر، فا لعقل يحكم بوجوب ترجيحـه على المهمّ في مقام الإطاعـة والامتثال، وحينئذ فإذا امتثل الأمر بالأهمّ، فا لعقل يحكم بمعذوريّتـه في مخا لفـة الأمر با لمهمّ بعد كونـه غير مقدور عن إطاعتـه، وأمّا إذا امتثل الأمر با لمهمّ وصرف قدرتـه إلى طاعتـه دون الأمر بالأهمّ، فلا إشكال في استحقاق المثوبـة على امتثا لـه، وعدم كونـه معذوراً في مخا لفـة الأمر بالأهمّ بعدما عرفت من كونـه مشمولاً لكلا الخطابين، والعقل لايحكم بمعذوريتـه.

ومنـه يظهر أ نّـه لو خا لف الأمرين معاً، يستحقّ العقوبـة عليهما.

وا لمتحصّل من جميع ما ذكرنا أمران:

أحدهما: بطلان ما حكي عن البهائي من أ نّـه لو قيل بعدم الاقتضاء فلا أقلّ من عدم تعلّق الأمر با لضدّ، فإنّك قد عرفت أ نّـه لا منافاة بين الأمرين أصلاً، بل الظاهر ثبوتهما من دون أن يكون أحدهما مترتّباً على الآخر، بل يكونان في عرض واحد بلا ترتّب وطوليّـة.

ثانيهما: استحقاق العقابين على تقدير مخا لفـة كلا الأمرين، ولا إشكال فيـه، كما عرفت.


134

تحقيق في الترتّب

ثمّ إنّـه يظهر من المحقّق النائيني(قدس سره) القول با لترتّب، وقد أطال الكلام في ذلك بإقامـة مقدّمات كثيرة(1)، ونحن نقتصر على ما يرد عليها، فنقول:

أمّا المقدّمـة الاُولى: الراجعـة إلى إثبات أنّ ما أوقع المكلّف في مضيقـة، الجمع بين الضدّين وأوجبـه عليـه هل هو نفس الخطابين الفعليين أو إطلاقهما وشمولهما لحا لتي فعل الآخر وعدمـه، فهي وإن كانت بنفسها صحيحةً إلاّ أ نّـه لايترتّب عليـه النتيجـة، كما سيأتي، ويبقى فيها ما أورده على الشيخ من المناقضـة بين ما اختاره في هذا المقام من إنكار الترتّب غايـة الإنكار(2) وبين ما ذكره الشيخ في مبحث التعادل والترجيح من الفرائد حيث قال في الجواب عمّا قيل من أنّ الأصل في المتعارضين عدم حجّيـة أحدهما ما لفظـه: لكن لمّا كان امتثال التكليف با لعمل بكلٍّ منهما ـ كسائر التكا ليف الشرعيّـة والعرفيّـة ـ مشروطاً با لقدرة، والمفروض أنّ كلاّ منهما مقدور في حال ترك الآخر، وغير مقدور مع إيجاد الآخر، فكلٌّ منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركـه ويتعيّن فعلـه، ومع إيجاد الآخر يجوز تركـه، ولايعاقب عليـه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجـة أدلّـة وجوب الامتثال، والعمل بكلٍّ منهما بعد تقييد وجوب الامتثال با لقدرة، وهذا ممّا يحكم بـه بديهـة العقل، كما في كلّ واجبين اجتمعا على المكلّف، ولا مانع من تعيين كلٍّ منهما على المكلّف بمقتضى دليلـه إلاّ تعيين

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 336 ـ 352.

2 ـ مطارح الأنظار: 57 ـ 59.


135

ا لآخر عليـه كذلك(1). انتهى موضع الحاجـة.

ومحصّل الإيراد: أنّ هذا الكلام صريح في أنّ التخيير في الواجبين المتزاحمين إنّما هو من نتيجـة اشتراط كلٍّ منهما با لقدرة عليـه، وتحقّقها في حال ترك الآخر، فيجب كلٌّ منهما عند ترك الآخر، فيلزم الترتّب من الجانبين مع أ نّـه قد أنكره من جانب واحد، وليت شعري أن ضمّ ترتّب إلى ترتّب آخر كيف يوجب تصحيحـه ؟ !

أقول: من الواضح الذي لايعتريـه ريب أنّ كلامـه هناك لايدلّ على الترتّب من الطرفين أصلاً، كيف ومعنى الترتّب كون الأمر الثاني في طول الأمر الأوّل لاشتراطـه بما يتأخّر عنـه رتبةً، وحينئذ فكيف يمكن أن يكون كلٌّ من الأمرين في طول الآخر ومتأخّراً عنـه رتبةً ؟ ! لأنّ مقتضاه إمكان تقدّم الشيء على نفسـه المستحيل بداهـة، بل المراد من العبارة ما ذكرناه وحقّقناه في هذا المقام من أنّ الأمرين باقيان على إطلاقهما من دون أن يكون أحدهما مقيّداً بما يتأخّر عن الآخر أو بشيء آخر، غايـة الأمر أنّ وجوب الامتثال الذي هو حكم عقلي مشروط با لقدرة عليـه، وحيث إنّـه لا ترجيح بين الامتثا لين هناك، فا لعقل يحكم بتخيير المكلّف ومعذوريّتـه في مخا لفـة ترك الآخر لو لم يخا لف المجموع، فا لمقيّد با لقدرة ونظائرها إنّما هو حكم العقل بوجوب الامتثال، لا أصل الخطابين، وهذا هو ظاهر كلام الشيخ حيث ذكر أنّ المقيّد با لقدرة إنّما هو حكم العقل.

نعم يرد على الشيخ: سؤال الفرق بين المقامين حيث حكم باستحا لـة ثبوت الأمرين في المقام مع أ نّـه اختار ثبوتهما هناك، فإنّ الظاهر جريان هذا الوجـه بعينـه في المقام بلا فرق بينهما أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

1 ـ فرائد الاُصول 2: 761.


136

وأمّا المقدّمـة الثانيـة: الراجعـة إلى أنّ الواجب المشروط بعد تحقّق شرطـه حا لـه حا لـه قبل تحقّق شرطـه من حيث إنّـه بعدُ على صفـة الاشتراط، ولايتّصف بصفـة الإطلاق، وذلك لأنّ الشرط فيـه يرجع إلى قيود الموضوع، إلى آخر ما ذكرنا.

فيرد عليها ما تقدّم منّا في الواجب المطلق والمشروط من أنّ أخذ القيد بحسب الواقع ونفس الأمر على وجهين، فإنّـه قد يكون الشيء محبوباً للإنسان عند حصول شرط بحيث لايكون بدونـه مطلوباً وإن كان ربّما يمنع عن تحقّق القيد، وقد يكون الشيء المقيّد محبوباً لـه بحيث ربّما يتحمّل لأجل تحقّق مطلوبـه مشاقّاً كثيرة، فا لصلاة في المسجد قد تكون محبوبةً للإنسان لأجل ما يترتّب عليها، فلو لم يكن مسجد يصير بصدد بنائـه لأجل تحقّق مطلوبـه، وقد تكون الصلاة محبوبةً لـه على تقدير تحقّق المسجد بحيث يشتاق إلى عدم تحقّق المسجد لأجل انزجاره من الصلاة، ولكن على تقدير تحقّقـه يتعلّق حبّـه بها، وحينئذ فمع كون الأمر في الواقع على قسمين، فلا وجـه لإرجاع جميع القيود إلى قيود الموضوع مع ترتّب الثمرة بين الوجهين في مواضع كثيرة، منها: الاستصحاب، بل لايجوز ذلك أصلاً، كما لايخفى.

ثمّ على تقدير التسليم فإرجاع القيود إلى الموضوع إنّما هو في القيود التي أخذها المولى في مقام الحكم، وجعلـه مقيّداً بها دون ما يأتي من ناحيـة العقل، كما في المقام، حيث إنّـه يحكم بناء على الترتّب بكون الأمر با لمهم مقيّداً بما يتأخّر عن الأمر بالأهمّ، فا لتقييد تقييد عقلي لا ربط لـه با لخطابين، فإنّهما مطلقان، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه يظهر منـه أ نّـه لو لم يكن الشرط من قيود الموضوع فا للاّزم أن يكون من علل التشريع مع أنّ هنا أمراً ثا لثاً يرجع إليـه الواجب المشروط، وهو أن


137

يكون المجعول ـ وهو الحكم ـ مقيّداً بذلك الشرط، فإنّـه لا مجال لأن يقال بأنّ الشرط فيـه من علل التشريع، بل المشروع والمجعول مقيّداً بـه وثابت على تقدير تحقّقـه، كما لايخفى.

ثمّ لايخفى أنّ عدم انقلاب الواجب المشروط عن كونـه كذلك بعد تحقّق شرطـه لايتوقّف على كون الشرط من قيود الموضوع، بل الظاهر عدم الانقلاب بناءً على ما اخترناه وحقّقناه في الواجب المشروط أيضاً، فإنّ المراد با لحكم الذي يتوهّم انقلابـه عند تحقّق شرطـه هل هو الجزاء المترتّب على الشرط.

وبعبارة اُخرى: الجملـة المتضمّنـة للبعث، فمن الواضح عدم معقوليـة عروض الانقلاب لـه.

وإن كان المراد بـه هي الإرادة التشريعيـة، فقد عرفت أنّ معناها ليس إرادة إتيان العبد بـه، كيف ومن المستحيل انفكاك الإتيان عنها، بل معناها يرجع إلى إرادة الجعل والتشريع التي يعبّر عنها با لفارسيـة بـ (قانونگذارى) ومن المعلوم استحا لـة عروض التغيّر والانقلاب لها، بل لا معنى لانقلابها، كما لايخفى.

وأمّا المقدّمـة الثالثـة: فمقارنـة زمان الشرط والتكليف والامتثال وإن كانت مسلّمةً إلاّ أنّ ما أجاب بـه عن الإشكال الثاني الذي يرجع إلى أنّ الترتّب مستلزم لإيجاب الجمع لايتمّ، كما سيجيء في الجواب عن المقدّمـة الخامسـة.

وأمّا المقدّمـة الرابعـة: التي يبتنى عليها الترتّب والطوليـة، فيرد على التقسيم إلى الأقسام الثلاثـة أنّ الإطلاق ليس معناه إلاّ مجرّد أخذ الشيء موضوعاً للحكم مع عدم تقييده ببعض القيود، فمن أجل أ نّـه فاعل مختار يمكن لـه بيان ما لَـه دخلٌ في موضوع حكمـه، ومع ذلك فلم يأخذ شيئاً آخر، يستفاد أنّ ذلك الشيء تمام الموضوع، فالإطلاق اللحاظي با لمعنى الذي ذكره لا وجـه لـه أصلاً، بل لا معنى لـه، وحينئذ فنقول: إنّ الإطلاق با لمعنى الذي ذكرنا على


138

قسمين: قسم يمكن للعبد أن يحتجّ بـه على المولى، كما في القيود والتقادير المتصوّرة على القسمين الأوّلين، وقسم لايمكن للعبد ذلك، كما با لنسبـة إلى القيود التي يقتضيـه نفس الخطاب، وهو القسم الثا لث الذي ذكره.

وكيف كان فغايـة هذه المقدّمـة إثبات الترتّب والطوليـة، وهو لايستلزم الخروج عن إيجاب الجمع، كما سنبيّن فيما يتعلّق على المقدّمـة الخامسـة.

وأمّا المقدّمـة الخامسـة: التي سيقت لبيان أنّ الترتّب لايقتضي إيجاب الجمع، فينبغي أوّلاً الإشارة إلى وجـه تأخّر العصيان المشروط بـه خطاب المهمّ عن الأمر بالأهمّ، ثمّ النظر إلى أ نّـه على فرض الترتّب هل يجدي ذلك في إخراج المسأ لـة عن إيجاب الجمع بين الضدّين أو لا ؟

فنقول: قد يقال ـ كما قيل ـ: إنّ الوجـه في تأخّر عصيان الأمر بالأهمّ عنـه: أنّ العصيان نقيض للإطاعـة والامتثال ; إذ هو ترك المأمور بـه لا عن عذر، والإطاعـة متأخّر عن الأمر ; لأنّ الانبعاث متأخّر عن البعث ; إذ هو معلول لـه، والإتيان بمتعلّق الأمر وإن لم يكن متأخّراً عنـه إلاّ أنّ صدق الامتثال والإطاعـة عليـه يتوقّف على تحقّقـه والالتفات إليـه، وحينئذ فإذا ثبت تأخّر الإطاعـة عن الأمر فيظهر تأخّر العصيان عنـه أيضاً ; لأنّـه نقيض لها، والنقيضان متساويان في الرتبـة وما مع المتقدّم في الرتبـة يكون متقدّماً في الرتبـة أيضاً.

هذا، ولكن قد عرفت سابقاً منع اتّحاد النقيضين من حيث الرتبـة، ولو سلّم فما مع المتقدّم في الرتبـة لايكون متقدّماً في الرتبـة ; لما عرفت سابقاً من أنّ التقدّم والتأخّر بحسب العقل مستند إلى ملاكهما، ومع عدم الملاك لايحكم با لتقدّم أو التأخّر.

هذا، والعمدة في منع تأخّر العصيان عن الأمر ما عرفت من أنّ معنى العصيان هو ترك المأمور بـه لا عن عذر، وهو من الأعدام والأعدام لا تكون


139

متأخّرة عن شيء ولا متقدّمـة عليـه ; لأنّـه ليس بشيء حتّى يحكم عليـه بحكم وجودي.

ومن هنا يظهر: أ نّـه لايعقل أن يكون خطاب المهم مشروطاً بـه بعد كونـه من الأعدام، ولايعقل ثبوت التأثير لها أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

وكيف كان فعلى تقدير تسليم الترتّب والطوليـة بين الأمرين فنقول: إنّ ذلك لايجدي في رفع غائلـة استحا لـة طلب الضدّين، فإنّ شرط خطاب المهمّ إمّا أن يكون نفس العصيان بحسب وجوده الخارجي المتوقّف على مضيّ زمان لايمكن معـه الامتثال في الزمان الباقي، وهو الذي يترتّب عليـه سقوط الأمر بالأهم ; لأنّ بقاءه مستلزم لتعلّق الطلب بغير المقدور، كما هو المفروض، وإمّا أن يكون العنوان الذي ينتزع منـه بعد كونـه متحقّقاً في ظرفـه بحسب الواقع ونفس الأمر، وهو كون المكلّف ممّن يعصى أو تعقّب العصيان وتأخّره ونظائرهما، وإمّا أن يكون الشرط التلبّس با لعصيان والشروع فيـه، وإمّا أن يكون أحد العناوين الاُخر المنطبقـة على أحد الوجوه المتقدّمـة.

إذا عرفت ذلك، نقول: أمّا لو كان الشرط هو العصيان الخارجي الذي عرفت أ نّـه لايتحقّق إلاّ بعد مضيّ مقدار من الزمان لايمكن معـه الامتثال في الباقي، فمن الواضح أ نّـه بمجرّد تحقّقـه يسقط الأمر بالأهمّ، كما أنّ قبل تحقّقـه لايكون الأمر با لمهمّ موجوداً ; لعدم تحقّق شرطـه بعد فقبل تحقّق العصيان لايتحقّق الأمر با لمهمّ، وبعد تحقّقـه لايبقى الأمر بالأهمّ، فأين يلزم اجتماع الأمرين الذي عليـه يبتنى القول با لترتّب، وأمّا لو كان الشرط هو العنوان الذي ينتزع من العصيان المتأخّر، فمن الواضح لزوم طلب الجمع ; لأنّ بمجرّد تحقّق الزوال مثلاً الذي يتحقّق معـه شرط خطاب المهمّ يكون مأموراً بإتيان الأهمّ ويحرّكـه الأمر المتعلّق بـه نحوه، وبإتيان المهمّ أيضاً لتحقّق شرطـه، وهكذا لو كان الشرط هو التلبّس


140

با لعصيان لو كان لـه معنى معقول.

والحاصل: إمّا أن يكون الشرط أيّ شيء كان مؤثّراً في سقوط خطاب الأهمّ، فلايبقى مجال للترتّب، وإمّا أن لايكون كذلك، فيلزم طلب الجمع، كما هو واضح.

حول أمثلـة الترتّب

ثمّ لايخفى أنّ الفروع التي أوردها في التقريرات للإلزام بصحّـة الخطاب الترتّبي(1)، مضافاً إلى أنّ غايـة ما يدلّ عليها هو إمكان أن يكون بعض الخطابات مترتّباً على البعض الآخر وفي طولـه، وهو ممّا لاينكره أحد حتّى القائلين بامتناع الترتّب ; لوروده في الشرع كثيراً، نظير الأمر با لتوبـة، المترتّب على تحقّق العصيان والذنب، وغير ذلك من الموارد الكثيرة، بل الذي يقول بـه القائل بالامتناع هو عدم تأثير الترتّب في دفع غائلـة طلب الجمع بين الضدّين المستحيل با لبداهـة، ولايظهر من الفروع ذلك نقول: إنّ معنى النقض بشيء هو أن يكون المنقوض بـه مسلّماً بين المتخاصمين بحيث لا مجال لهما لإنكاره، وحينئذ فنقول: إنّ مسأ لـة الإقامـة التي أوردها فيها لا تكون مورداً للنقض ; لأنّ الذي ورد في الشرع هو وجوب الصوم والإتمام على تقدير قصد الإقامـة عشرة أيّام، لا معلّقاً على نفس الإقامـة، وحينئذ فلو كان ذلك القصد محرّماً، لتعلّق النذر أو العهد أو اليمين بعدمـه، فما دام لم يتحقّق لايكون وجوب الصوم والإتمام متحقّقاً، وبمجرّد تحقّقـه الذي يسقط بسببـه النهي المتعلّق بـه لحصول ا لعصيان بتحقّق الأمر بالإتمام ولكن بعد سقوط النهي كما عرفت.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 357 ـ 359.


141

هذا، ولو سلّم كون الشرط لوجوب القصر والإتمام هو نفس الإقامـة مثلاً، فمن المعلوم أنّ تحقّقـه موقوف على تحقّق الإقامـة عشرة أيّام، وحينئذ فإذا تحقّقت يجيء الأمر بالإتمام وبا لصوم، فقبل تحقّقها لايكون هنا إلاّ النهي، وبعد تحقّقها المستلزم لسقوط النهي با لعصيان لايكون هنا إلاّ الأمر با لصوم وبالإتمام، فأين يلزم الترتّب.

ثمّ لو سلّم الجميع، فا لكلام إنّما هو فيما لو كان الأمر الثاني مشروطاً بما يتأخّر عن الأمر الأوّل من عصيان ونحوه، مع أنّ مورد النقض يكون الأمر با لصوم أو الإتمام مترتّباً على نفس الإقامـة بناءً عليـه، ومن المعلوم أنّ الإقامـة لايكون متأخّراً عن النهي المتعلّق بها حتّى يلزم الترتّب، فا لمقام يكون طلباً للجمع حينئذ مع عدم الترتّب والطوليـة، كما لايخفى.

ولنختم بذلك الكلام في الترتّب، وقد عرفت في صدر المبحث ما هو مقتضى التحقيق، فتأمّل جيّداً.


142

الفصل السادس

في جواز الأمر مع العلم بانتفاء شرطـه

ربّما يحتمل في عنوان النزاع احتمالات:

أحدها: أن يكون المراد با لجواز الإمكان الوقوعي، والضمير في شرطـه راجعاً إلى نفس الأمر، فمرجع النزاع حينئذ إلى إمكان تحقّق المعلول من دون تماميـة علّتـه.

الثاني: أن يكون الضمير أيضاً راجعاً إلى نفس الأمر ولكن كان المراد با لجواز الإمكان الذاتي، فمرجع النزاع حينئذ إلى أنّ تحقّق الأمر مع عدم تحقّق علّتـه هل هو من الممكنات الذاتيـة التي لاينافي عروض الامتناع لها والوجوب من ناحيـة وجود العلّـة وعدمها.

الثالث: أن يكون الضمير راجعاً إلى المأمور بـه أو المأمور، فيرجع النزاع إلى جواز الأمر مع العلم بكون المكلّف غير قادر على إتيان المأمور بـه إمّا لفقد شرطـه أو لعلّـة فيـه.

هذا، ولكن النزاع على الوجهين الأوّلين ـ مضافاً إلى كونـه بعيداً عن محلّ الخلاف بين الأعلام ـ ينافي ظاهر العنوان من حيث أخذ العلم فيـه، فإنّـه لو كان


143

ا لنزاع في إمكان تحقّق المعلول بدون علّـة بالإمكان الوقوعي أو الذاتي، فلا مجال لكون العلم دخيلاً فيـه أصلاً، كما هو واضح، فينحصر أن يكون المراد هو الاحتمال الثا لث، ومرجعـه إلى النزاع بين العدليـة والأشاعرة، فإنّهم اختلفوا في جواز التكليف با لمحال، فذهب الطائفـة الاُولى إلى عدم الجواز خلافاً للطائفـة الثانيـة القائلين با لجواز، ولعلّ قولهم با لجواز مبني على ما ذكروه في مبحث الطلب والإرادة وكونهما مختلفين، وإلاّ فلايعقل أن تتحقّق الإرادة با لنسبـة إلى مَنْ يعلم عدم صدور الفعل منـه، كما هو واضح.

وكيف كان فا لذي يقتضيـه التحقيق في مورد النزاع هو أن يقال: إنّ الأوامر على قسمين:

أحدهما: الأوامر الشخصيـة الجزئيـة المتوجّهـة إلى أشخاص المأمورين.

ثانيهما: الأوامر الكليّـة المتوجّهـة إلى المكلّفين بنحو العموم.

أمّا ما يكون من قبيل الأوّل: فعدم إمكان تحقّقـه في صورة العلم بانتفاء شرط تحقّق المأمور بـه واضح ضروري، وذلك لأنّ غايـة البعث إنّما هو الانبعاث وحركـة المكلّف نحو المطلوب، فإذا فرض العلم بعدم إمكان تحقّق الانبعاث ـ كما في المقام ـ فيستحيل تحقّق البعث والتحريك من الآمر ; إذ مع العلم بعدم ترتّب الغايـة عليـه كيف يمكن أن ينقدح في نفسـه إرادة البعث مع أنّ من مبادئ الإرادة التصديق بفائدة المراد، ولعمري أنّ هذا واضح جدّاً.

وأمّا ما يكون من قبيل القسم الثاني الذي إليـه ترجع الخطابات الشرعيـة الواردة بنحو العموم المتوجّهـة إلى الناس كذلك أيضاً، فلايخفى أ نّـه لايضرّ بذلك كون بعض المكلّفين غير قادرين على الإتيان با لمأمور بـه، فإنّ توجيـه الأمر بهذا النحو لايشترط فيـه إلاّ كون الأمر صا لحاً لانبعاث المكلّفين بحسب النوع، وأمّا مجرّد العلم بعدم تحقّق الانبعاث با لنسبـة إلى بعض المكلّفين فلايضرّ بتوجيـه


144

ا لأمر بهذا النحو.

نعم لو كان المكلّفون بحسب النوع غير منبعثين، لاستحال تعلّق الأمر بهذا النحو أيضاً، وقد عرفت تفصيل الكلام في الفرق بين قسمي الأمر والخطاب في صدر مبحث الترتّب، فراجع.


145

الفصل السابع

في أنّ متعلّق الطلب هل هي الطبيعة أو الأفراد ؟

وقبل الخوض في تحقيق المقام لابدّ من تحرير محلّ النزاع، فنقول: ظاهر العنوان محتمل لاحتمالات:

أحدها: أن يكون المراد با لطبيعـة هي الماهيّـة وبالأفراد هو الوجود بحيث كان مرجع النزاع في هذا المقام إلى النزاع المعروف المشهور في الفلسفـة، وهو أنّ الأصيل هل هي الماهيّـة أو الوجود ؟ فا لقائلون بأصا لـة الماهيّـة يقولون بتعلّق الطلب بها لكونها أصيلاً، والقائلون بأصا لـة الوجود يقولون بتعلّق الطلب بـه لكونـه أصيلاً.

هذا، ولكن لايخفى أنّ النزاع على هذا الوجـه بعيد عن محلّ الكلام بين الاُصوليين.

ثانيها: أن يكون النزاع راجعاً ومبنيّاً على القول بأنّ الطبيعي هل يكون موجوداً في الخارج أو أنّ وجوده بمعنى وجود أفراده ؟ وكون النزاع على هذا


146

ا لوجـه وإن كان ربّما يظهر من بعض الاستدلالات كما نقلـه في الفصول(1) إلاّ أنّ ا لظاهر أ نّـه أيضاً بعيد عن محلّ الخلاف بين الاُصوليين، كما هو واضح.

ثالثها: أن يكون النزاع راجعاً إلى النزاع في موادّ المشتقّات، فا لقائلون بكونها موضوعةً لنفس الطبائع با لوضع العامّ والموضوع لـه العامّ يقولون بتعلّق الطلب با لطبيعـة ; لأنّها مدلولـة للمادّة، كما أنّ القائلين بكونها موضوعةً بنحو الوضع العامّ والموضوع لـه الخاصّ يقولون بتعلّق الطلب بالأفراد ; لأنّها موضوع لها للمادّة، والمفروض أنّ الهيئـة لا تدلّ إلاّ على البعث بما تتضمّنـه المادّة.

رابعها: أن يكون مرجع النزاع ـ بعد الاتّفاق على أنّ موادّ المشتقّات موضوعـة للماهيـة لابشرط كما نقلـه السكّاكي(2)ـ إلى أنّ المادّة بعد تعلّق الطلب بها هل تشرب معنى الوجود لأنّ الطلب إنّما يتعلّق بها من هذه الحيثيّـة، أو أنّ الطلب إنّما يتعلّق بنفس مدلولها الذي هي الماهيّـة لابشرط ؟

وا لنزاع على الوجهين الأخيرين يرجع إلى النزاع في الأمر اللغوي، كما أ نّـه على الوجهين الأوّلين يكون عقليّاً، وقد عرفت أ نّـه على الوجهين الأوّلين بعيد عن محلّ الخلاف بين الاُصوليّين، كما أ نّـه على الأخيرين يلزم اختصاص النزاع بما إذا كان الطلب بصيغـة الأمر با لنسبـة إلى مادّتها فقط، وأمّا لو كان الطلب بغير صيغـة الأمر أو كان الطلب بها ولكن كانت المادّة مقيّدةً بأمر آخر، كقولـه: صلّ مع الطهارة، فلايجري، بناءً عليهما، مع أنّ الظاهر دخول جميع الأقسام والصور في محلّ النزاع.

والتحقيق أن يقال: إنّ مورد النزاع إنّما هو أنّ متعلّق الطلب هل هي

1 ـ الفصول الغرويّـة: 125 / السطر 36 ـ 40.

2 ـ اُنظر قوانين الاُصول 1: 121 / السطر 23.


147

ا لماهيّـة من حيث هي هي، أو أ نّـه هي الماهيّـة بلحاظ وجودها في الخارج ؟ إذ لايعقل أن يتعلّق الطلب با لفرد ; للزوم تحصيل الحاصل.

وحينئذ فنقول: إنّ الظاهر هو الأوّل، وذلك لأنّـه بعد كون المصلحـة الباعثـة على الطلب قائمةً بنفس الماهيّة من دون مدخلية لشيء آخر أصلاً، كما هو المفروض، ومن المعلوم أنّ اللّفظ لايحكي إلاّ عن مدلولـه الذي هي نفس الماهيّـة في المقام، فسرايـة الطلب منها إلى غيرها مستلزم لكون بعض المطلوب ممّا ليس لـه دخل في حصول الغرض أصلاً، ولكون اللّفظ حاكياً عمّا ليس بموضوع لـه، واتّحاد الماهيّـة مع وجوداتها في الخارج لايستلزم أن يكون اللّفظ الموضوع بإزائها دالاّ عليها أيضاً، كيف وباب الألفاظ لا ربط لـه بباب الحقائق، كما هو واضح.

وتوهّم: أنّ الماهيّـة من حيث هي هي ليست إلاّ هي لا موجودة ولا معدومـة ولا مطلوبـة ولا غير مطلوبـة، فكيف يمكن أن يتعلّق الطلب بها من هذه الحيثيـة.

مدفوع: بأنّ معنى هذا الكلام عدم كون الموجوديـة والمعدوميـة ونظائرهما مأخوذةً في الماهيّـة بحيث كانت تمامَ ذاتها أو جزءَ ذاتها، وهذا لايستلزم استحا لـة تعلّق الطلب بها من حيث نفسها، كيف ولا ارتباط بين المقامين أصلاً، كما هو واضح.

وقد يتوهّم أيضاً: أنّ الماهيّـة من دون لحاظ وجودها في الخارج ليست منشأً لأثر ; إذ الآثار إنّما يترتّب على الوجود على ما هو مقتضى التحقيق، فكيف يجوز أن تجعل في حيّز الطلب.

ولكنّـه مدفوع أيضاً: بأنّ الماهيّـة من هذه الحيثيـة ـ أي مع لحاظ وجودها في الخارج ـ ظرف لسقوط الطلب، فا لمصحّح لتعلّقـه بها إنّما هو هذه الحيثيـة


148

ا لتي لا تكون الماهيّـة بها منشأً للأثر ; إذ لحاظ التحقّق في الخارج إنّما هو لحاظ السقوط وحصول المطلوب، كما هو واضح.

فالحقّ: أنّ الطلب إنّما تعلّق بنفس الماهيّـة، غايـة الأمر أنّ صدق عنوانها يتوقّف على التحقّق الخارجي، فالأمر بإكرام زيد مثلاً إنّما تعلّق بنفس طبيعـة الإكرام، غايـة الأمر أنّ صدق عنوان الإكرام وتحقّقـه يتوقّف على وجوده ; إذ ماهيّـة الإكرام لا تكون إكراماً، كما هو واضح.

ثمّ لايخفى أنّ في التقريرات المنسوبـة إلى المحقّق العراقي(قدس سره) قد عقد بعد هذا الفصل فصلاً آخر لسرايـة الطلب المتعلّق بصرف وجود الطبيعـة إلى حصصها أو الخصوصيات الفرديـة(1)، وكلامـه فيـه مبني على ما يقولـه الرجل الهمداني، وقد فصّل مع جوابـه في محلّـه، فراجع.

1 ـ نهايـة الأفكار 1: 384 ـ 389.


149

الفصل الثامن

في بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب

وا لكلام هنا تارة يقع في الإرادة الحتميـة التي ينشأ منها البعث، واُخرى في البعث والوجوب، وعلى التقديرين تارة يقع الكلام في إمكان بقاء الجواز بعد النسخ، واُخرى في بيان مقتضى الجمع بين الدليلين، وأ نّـه هل يقتضي الدليل ثبوتـه بعد الفراغ عن إمكان البقاء ثبوتاً، فا لبحث يتمّ في ضمن اُمور:

الأمر الأوّل: في إمكان بقاء الجواز

فنقول: أمّا الكلام في الإرادة الحتميـة فقد يقال بإمكان بقاء أصلها بعد نسخها بتلك المرتبـة القويّـة، نظراً إلى أنّ الإرادة وإن كانت من البسائط إلاّ أنّ صدقها على أفرادها إنّما هو على سبيل التشكيك، كما يظهر بمراجعـة الوجدان، فإنّ الإنسان قد يريد شيئاً بحيث لايمكن ردعـه عنها، وقد يريد شيئاً ولكنّـه يمكن أن ينصرف عنها لتحقّق بعض الموانع، وحينئذ فإذا نسخت بتلك المرتبـة القويّـة،


150

فلا مانع من بقائها ولو في ضمن المرتبـة الضعيفـة(1).

هذا، ولكن لايخفى أنّ معنى البساطـة هو عدم كون تلك الحقيقـة البسيطـة مركّبةً من شيء مشترك بين أفرادها بحيث كانت التفاوت الموجود بينها خارجاً عن الحقيقـة، بل كانت تفاوت أفراد الطبيعـة من حيث القوّة والضعف ونظائرهما بحيث يكون ما بـه الاختلاف عين ما بـه الاشتراك، وحينئذ فكيف يعقل ارتفاع بعض الأفراد وبقاء شيء منـه ؟ ! وهل يتوهّم أحد أ نّـه لو ارتفع الوجوب من الواجب الوجود يبقى أصل الوجود حتّى يمكن أن يصير ماديّاً ؟

وبا لجملـة، فمن الواضح عدم إمكان البقاء في مثل البسائط.

هذا في الإرادة، وأمّا الوجوب فكذلك أيضاً، فإنّـه مع بساطتـه ـ كما اعترف بـه القائل ـ كيف يمكن بقاء شيء منـه، كما هو واضح.

فا لتحقيق أ نّـه لايمكن البقاء ثبوتاً حتّى يبحث في مقام الإثبات.

الأمر الثاني: في مقتضى الأدلّـة إثباتاً بعد فرض إمكانـه

ثمّ إنّـه لو سلّمنا إمكان البقاء بحسب مقام الثبوت فهل يقتضي الدليل بقاء الجواز قد يقال: نعم ; لأنّ ذلك مقتضى الجمع بين دليلي الناسخ والمنسوخ، نظير ما إذا ورد دليل على وجوب شيء ودليل آخر على عدم وجوبـه، فإنّـه لا إشكال في أنّ مقتضى الجمع بينهما هو حمل الأوّل على الاستحباب، فليكن المقام كذلك أيضاً ; لأنّـه لا فرق بينهما أصلاً.

هذا، ولكن لايخفى أنّ قياس المقام بذلك المثال قياس مع الفارق ; لأنّ

1 ـ لاحظ نهايـة الدرايـة 2: 262 ـ 266، نهايـة الأفكار 1: 389 ـ 390.


151

ا لحمل على الاستحباب هناك لقيام الدليل على عدم كون البعث ناشئاً من الإرادة الحتميـة حتّى ينتزع منـه الوجوب بناءً على ما ذكرنا في معنى هيئـة «افعل» وأمّا بناء على ما ذكروه فقيام الدليل الآخر على عدم الوجوب قرينـة على إرادة معنى مجازي من الصيغـة الظاهرة في الوجوب عند التجرّد عن القرينـة.

وأمّا هنا فمن المعلوم أنّ دليل المنسوخ ظاهر في الوجوب، وليس لـه ظهورات متعدّدة حسب تعدّد مراتب الوجوب، بل ليس لـه إلاّ ظهور واحد في خصوص الوجوب، غايـة الأمر أ نّـه يكشف عن ثبوت الجواز والرجحان أيضاً، وحينئذ فمع قيام الدليل على ارتفاعـه الراجع إلى ارتفاع الكاشف لايبقى وجـه لثبوتهما بعد انعدام ما يكشف عنهما ; إذ قد عرفت أ نّـه ليس هنا ظهورات ثلاثـة حتّى يكون مقتضى دليل الناسخ ارتفاع أحدها بحيث لاينافي ثبوت الباقي، فا لحقّ أ نّـه لو قلنا بإمكان بقاء الجواز ثبوتاً، فلايكون هنا دليل على بقائـه.

الأمر الثالث: في استصحاب الجواز عند الشكّ في بقائـه

قد يتمسّك في ذلك بالاستصحاب.

ولكن يرد عليـه ـ مضافاً إلى أنّ جريانـه موقوف على جريان الاستصحاب في ا لقسم الثا لث من أقسام استصحاب الكلّي مع أ نّـه محلّ إشكال ـ أ نّـه لو قلنا با لجريان في هذا القسم فهو إنّما فيما إذا لم يختلّ بعض ممّا يعتبر في جريان الاستصحاب، وأمّا إذا اختلّ كما في ا لمقام لأنّ الجواز المستصحب لايكون موضوعاً لمجعول شرعي حتّى يترتّب عليـه بالاستصحاب الحكم الذي جعل موضوعاً لـه، ولايكون بنفسـه مجعولاً حتّى يثبت بالاستصحاب في الزمان اللاّحق فلا.


152

أمّا عدم كونـه موضوعاً لمجعول شرعي: فواضح.

وأمّا عدم كونـه مجعولاً: فلأنّ الجعل إنّما تعلّق با لوجوب لا بـه.

وتوهّم تعلّق الجعل بـه تبعاً، مدفوع: بأ نّـه لايكون الجواز جزء للوجوب حتّى يتعلّق الجعل بـه با لتبع ; لما عرفت من كونـه بسيطاً.


153

الفصل التاسع

في الواجب التعييني والتخييري

ربّما يقسّم الواجب إلى تعييني وتخييري باعتبار أ نّـه لو كان متعلّق الوجوب شيئاً واحداً، فهو واجب تعييني، ولو كان شيئين أو أزيد، فهو واجب تخييري.

وقد يقال بامتناع الثاني ; نظراً إلى أ نّـه لايعقل تعلّق الإرادة بأحد الشيئين أو الأشياء على نحو الترديد بأن يكون التعلّق بحسب الواقع ونفس الأمر مردّداً، وذلك لأنّ تشخّص الإرادة إنّما هو با لمراد، ومن المعلوم أنّ التشخّص الذي هو مساوق للوجود مناف للإبهام والتردّد ; إذ لايعقل عروض الوجود للشيء المردّد بين الأمرين أو اُمور بأن يكون المردّد من حيث هو مردّد موجوداً في الواقع، نعم لابأس بأن يكون الواقع المعيّن مردّداً عندنا ومجهولاً لنا، ولكنّـه لايعقل التردّد مع قطع النظر عن علمنا وجهلنا.

وبا لجملـة فالإرادة من الصفات الحقيقيـة للنفس كا لعلم ونظائره، ولها أيضاً إضافـة إلى المراد كإضافـة العلم إلى المعلوم، فكما أنّ تشخّص العلم إنّما هو


154

با لمعلوم، ولايعقل تعلّق العلم با لمردّد الواقعي كذلك تشخّص الإرادة وتعيّنها إنّما هو با لمراد، فلايعقل تعلّقها با لمردّد بحسب نفس الأمر أو بأزيد من شيء واحد، وهذا في إرادة الفاعل واضح، ومعلوم أ نّـه لا فرق بينها وبين إرادة الأمر، فلايمكن تعلّقها أيضاً با لمردّد الواقعي والمبهم النفسي الأمري، فظهر أ نّـه لايعقل الواجب التخييري، وحينئذ فيجب صرف ما ظاهره ذلك ممّا ورد في الشرعيات والعرفيات عن ظاهرها، ويقال بأحد الأقوال التي كلّها مبنيّـة على امتناع الواجب التخييري.

هذا غايـة ما يمكن أن يقال في امتناع الواجب التخييري، ولكنّـه لايخفى ما فيـه ; فإنّ قياس الإرادة التشريعيـة بالإرادة الفاعليـة قياس مع الفارق، فإنّ معنى الإرادة التشريعيـة ليس راجعاً إلى إرادة الآمر إتيان المأمور با لمأمور بـه، كيف ويستحيل تخلّفـه با لنسبـة إلى الواجب تعا لى، بل معناها ليس إلاّ إرادة التشريع والبعث والتحريك، وحينئذ فنقول: إنّ تعلّق الإرادة بأحد الشيئين أو الأشياء مردّداً ومبهماً وإن كان مستحيلاً، بداهـة إلاّ أ نّـه لايلزم في الواجب التخييري هذا المحذور أصلاً، فإنّ الآمر بعدما يتصوّر الشيئين مثلاً ويرى أنّ كل واحد منهما مؤثّر في حصول غرضـه الواحد أو كان هناك غرضان يترتّب أحدهما على أحد الشيئين والآخر على الآخر ولكن مع حصول أحد الغرضين لايمكن تحصيل الآخر أو لايكون تحصيلـه لازماً، فبعدما رأى ذلك يريد أن يبعث العبد نحوهما فيبعث، ولكن يفهم العبد ذلك، أي كون أحدهما غير واجب مع حصول الآخر بأن يخلّل بين البعثين كلمـة أو نحوها.

وبالجملـة: فليس هناك شيء متعلّق با لمردّد الواقعي لا تصوّر المولى ولا إرادتـه البعث ولا نفس البعث.

أمّا الأوّل: فمن الواضح أنّ البعث إلى الشيئين لايعقل بدون تصوّرهما،


155

وحيث إنّ المتصوّر متعدّد فلا محا لـة يكون التصوّر كذلك ; لما عرفت من أنّ تشخّصـه إنّما هو بتشخّصـه، فهناك تصوّران.

وأمّا إرادتـه البعث: فواضح تعدّدها بعدما يريد البعث إلى هذا والبعث إلى ذاك.

ومن هنا يظهر وجـه تعدّد البعثين.

فتوهّم: أنّ القول با لواجب التخييري مستلزم لكون متعلّق البعث الواحد مردّداً بين الشيئين أو الأشياء مع وضوح استحا لتـه ; لأنّـه وإن كان من الاُمور الاعتباريـة إلاّ أنّ تعلّقها با لمردّد مستحيل كتعلّق الاُمور الحقيقيـة بـه، وهل يعقل اعتبار ملكيـة المردّد بين الثوب والدار ونظائره ؟

مدفوع: بأنّ ذلك كلّـه مبني على أن يكون البعث واحداً والمبعوث إليـه متعدّداً، مع أ نّك عرفت تعدّد البعث حسب تعدّد المبعوث إليـه في الواجب التخييري.

فالتحقيق: أنّ الواجب التخييري ليس نحواً آخر من الوجوب وسنخاً آخر من البعث، بل لا فرق بينـه وبين التعييني من حيث الوجوب والبعث أصلاً، غايـة الأمر أ نّـه يعتبر التعيينيّـة والتخييريـة بعد ملاحظـة وحدة الواجب وتعدّده، فا لحقّ إمكان الواجب التخييري، ومعـه لا مجال لرفع اليد عمّا ظاهره ذلك من الأدلّـة الشرعيـة والأوامر العرفيـة كما أ نّـه لا تصل النوبـة إلى الأقوال الكثيرة التي عرفت أنّ كلّها مبنيّـة على امتناع الواجب التخييري.

ثمّ إنّ ما ذكره في الكفايـة: من أ نّـه لو كان هناك غرض واحد مترتّب على الشيئين أو الأشياء، فلا محا لـة يكون الواجب هو الجامع والقدر المشترك بينهما أو بينها ; لأنّـه لايمكن صدور الغرض الواحد من المتعدّد بما هو متعدّد، فحيث إنّ


156

ا لغرض يترتّب على الجامع، فلا محا لـة يكون الجامع واجباً(1)، ففيـه ـ مضافاً إلى منع ما ذكره من عدم إمكان صدور الشيء الواحد من المتعدّد فإنّ ذلك إنّما هو في موارد مخصوصـة، كما حقّق في محلّـه(2)ـ أ نّـه لو سلّم ترتّب الغرض على ا لجامع، فلا ارتباط لذلك با لمقام ; إذ ليس الكلام في أنّ المترتّب عليـه الغرض هل هو شيء واحد أو متعدّد، وليس التقسيم أيضاً ناظراً إلى الغرض، بل التقسيم إنّما هو للوجوب باعتبار الواجب، فا لحكم بكون الواجب في الغرض واجباً تعيينيّاً لكون الغرض واحداً، والمؤثّر في حصولـه أيضاً كذلك ممنوع جدّاً بعدما كان الواجب بحسب الظاهر شيئين أو أشياء، وكون التقسيم بملاحظتـه، ولا منافاة بين كون الغرض مترتّباً على الجامع والأمر متعلّقاً بما هو في ضمنـه كما لايخفى.

ثمّ لايذهب عليك أنّ البعث إلى أحد الأشياء ونظائره من العناوين الكليّـة الانتزاعيـة إنّما هو من قبيل الواجب التعييني ; لأنّ متعلّق الوجوب شيء واحد وإن كان كلّياً انتزاعيّاً، فتأمّل جيّداً.

تذنيب: التخيير بين الأقلّ والأكثر

هل يمكن التخيير عقلاً بين الأقلّ والأكثر أم لا ؟

وليعلم أنّ مورد النزاع ما إذا اُخذ الأقلّ لابشرط من حيث الزيادة، وأمّا إذا اُخذ بشرط لا، فهو مباين للأكثر، والتخيير بينـه وبين الأكثر حينئذ يكون من التخيير بين المتبائنين، ولا إشكال في جوازه.

1 ـ كفايـة الاُصول: 174.

2 ـ الحكمـة المتعاليـة 2: 210 ـ 212.


157

إذا عرفت ذلك، فنقول: للمسأ لـة صور ; فإنّ الأقلّ والأكثر قد يكونان من الاُمور التي تحصل تدريجاً، وقد يكونان من الاُمور التي تحصل دفعةً، وعلى التقديرين قد يكون هنا غرض واحد يترتّب على كلّ واحد منهما، وقد يكون هنا غرضان يترتّب أحدهما على الأقلّ والآخر على الأكثر ولكن لايمكن تحصيل أحدهما مع حصول الآخر، أو لايجب تحصيلـه وإن أمكن.


158

الفصل العاشر

في الواجب العيني والكفائي

ربّما يقسّم الواجب إلى عيني وكفائي، والمراد بالأوّل هو ما يعتبر في سقوط الوجوب وحصول الامتثال بالإتيان بـه مباشرةً، ولايسقط بفعل الغير، والمراد با لثاني هو ما لايعتبر فيـه ذلك، بل يسقط التكليف عن الجميع بفعل بعض المكلّفين، ويعاقب الجميع لو لم يمتثل، وهذا كوقوعـه في الشرع ممّا لا إشكال فيـه ولا كلام، وإنّما الكلام في الواجب الكفائي في كيفيّـة تعلّق الوجوب با لمكلّفين.

فنقول: هل الوجوب متعلّق بمجموع المكلّفين من حيث المجموع أو با لواحد لابعينـه أو با لواحد المردّد أو بكلّ واحد من المكلّفين ؟ وجوه واحتمالات.

وتفصيل الكلام: أ نّـه لايعقل كون الوجوب متعلّقاً با لمجموع من حيث المجموع ; لأنّـه لا وجود للمجموع من حيث هو سوى الوجودات والأفراد، كما أ نّـه لايعقل تعلّقـه با لواحد لابعينـه ; لأنّـه لا وجود لـه ; لأنّ الوجود مساوق للعينيـة، كما برهن في محلّـه.


159

وأمّا الواحد المردّد: فقد عرفت في مبحث الوجوب التخييري أ نّـه لايعقل تعلّق البعث با لشيء المردّد، ومن المعلوم أ نّـه لا فرق بين المبعوث والمبعوث إليـه من هذه الجهـة ; إذ كما أنّ البعث لـه إضافـة إلى المبعوث إليـه كذلك لـه إضافـة إلى المبعوث الذي هو المكلّف.

وما عن بعض الأعاظم من ثبوت الفرق بينهما(1) لا نعرف لـه وجهاً أصلاً، كما لايخفى.

وأمّا تعلّقـه بكلّ واحد من المكلّفين: فقد يقال ـ كما عن بعض أعاظم المعاصرين ـ بأ نّـه هي كيفيّـة تعلّق الوجوب في الواجب الكفائي، والفرق بينـه وبين الواجب العيني حينئذ مع اشتراكـه معـه في ذلك إنّما هو في الإطلاق والتقييد، بمعنى أنّ متعلّق الطلب في العيني إنّما هي الطبيعـة المتقيّدة بقيد المباشرة، بخلاف متعلّقـه في الواجب الكفائي فإنّـه هي الطبيعـة المطلقـة المعرّاة عن قيد المباشرة.

قال: والدليل على ذلك أ نّـه لو شك في الواجب أ نّـه عيني أو كفائي، يبنى على الثاني، وليس ذلك إلاّ لكون المطلوب فيـه مطلقاً بخلاف الأوّل(2).

وفي تقريرات المحقّق النائيني أنّ التحقيق في تصوير الواجب الكفائي أ نّـه عبارة عمّا كان الغرض منـه مترتّباً على صدور الفعل من صرف وجود المكلّف، بخلاف العيني الذي لايحصل الغرض إلاّ بصدوره من مطلق وجود المكلّف الساري في الجميع(3). انتهى.

1 ـ نهايـة الاُصول: 228.

2 ـ نفس المصدر: 229 ـ 230.

3 ـ أجود التقريرات 1: 187.


160

أقسام الواجب الكفائي

وا لتحقيق في المقام أن يقال: إنّ الواجب الكفائي على أقسام:

منها: ما لايكون للطبيعـة المأمور بها إلاّ فرد واحد بمعنى أ نّـه لايعقل تحقّقها بعد وجود فرد واحد منها، كقتل سابّ النبي ودفن الميّت وأمثا لهما.

ومنها: ما يكون لها أفراد متعدّدة ووجودات متكثّرة بمعنى أ نّـه يمكن أن تتحقّق الطبيعـة بعد تحقّق فرد واحد منها كا لصلاة على الميّت ونحوها.

وعلى التقدير الثاني قد يكون المأمور بـه هو الفرد الواحد منها، وقد يكون هو صرف وجودها الصادق على الأفراد المتعدّدة، وعلى التقديرين قد يكون الفرد الآخر أو صرف وجودها الآخر مبغوضاً للمولى، وقد يكون لا محبوباً ولا مبغوضاً، وعلى التقادير قد يكون المكلّف هو صرف وجوده وقد يكون هو الجميع.

إذا عرفت ذلك، فنقول: أمّا إذا لم يكن للطبيعـة المأمور بها إلاّ فرد واحد ووجود فارد، فلا معنى لأن يكون التكليف فيـه متعلّقاً بكلّ واحد من المكلّفين أو بصرف وجوده ; إذ من الواضح أنّ البعث إنّما هو لغرض الانبعاث، ولايعقل أن ينبعث المكلّفين إلى عمل لايمكن تحقّقـه إلاّ من واحد منهم، وهل يعقل أن يأمر المولى عبيده بشرب الماء الموجود في الإناء الذي لايمكن تحقّقـه إلاّ من واحد من عبيده ؟ هكذا لو كان التكليف متعلّقاً بصرف وجود المكلّف ; لأنّـه يصدق على الجميع أيضاً، فلابدّ إمّا أن يقال بكون الخطاب في أمثال المثال مشروطاً بعدم إتيان الآخر بـه، وإمّا أن يقال با لنحو الذي ذكرنا في الواجب التخييري، غايـة الأمر أنّ التخيير هاهنا با لنسبـة إلى المكلّف وهناك با لنسبـة إلى المكلّف بـه، وإمّا أن يقال بأنّ المكلّف إنّما هو واحد من الأناسي المنطبق على جميعهم.


161

ومن هنا يظهر: حال ما إذا كانت للطبيعـة أفراد متعدّدة، ولكن كان فرد واحد منها متعلّقاً للأمر، سواء كان الزائد عليـه مبغوضاً أو غير مبغوض، فإنّـه لايعقل أن يكون التكليف بـه متوجّهاً إلى جميع المكلّفين أو إلى صرف وجود المكلّف با لتقريب المتقدّم.

وأمّا إذا كان المأمور بـه هو صرف وجود الطبيعـة، فيمكن أن يكون التكليف متعلّقاً بصرف وجود المكلّف.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ ما في تقريرات المحقّق النائيني من كون التكليف متوجّهاً إلى صرف وجود المكلّف من دون التفريق بين الأقسام المذكورة لايتمّ أصلاً، كما لايخفى.


162

163

المقصد الثاني

في النواهي

وفيـه فصول:


164

165

الفصل الأوّل

في صيغـة النهي

اعلم أنّ هيئـة «لا تفعل» إنّما وُضعت في اللغـة للزجر عن وجود الطبيعـة التي تعرض لها تلك الهيئـة، كما أنّ هيئـة «افعل» موضوعـة للبعث إلى وجودها، فا لفرق بين الأمر والنهي بعد الاشتراك في تعلّقهما با لوجود إنّما هو في كون الأوّل موضوعاً ومفيداً للبعث، والثاني دالاّ على الزجر، وحينئذ فلايبقى للنزاع المعروف ـ وهو: أنّ المطلوب في باب النواهي هل هو الكفّ أو نفس أن لا تفعل ـ مجال أصلاً ; إذ ذلك النزاع متفرّع على اشتراكهما في الدلالـة على الطلب، غايـة الأمر ثبوت الاختلاف في باب النواهي في أنّ متعلّق الطلب هل هو الأمر الوجودي أي الكفّ أو الأمر العدمي، أي نفس أن لا تفعل، وقد عرفت أنّ النهي لايدلّ على الطلب حتّى ينازع في تعيين المطلوب وأ نّـه أمر وجودي أو عدمي، بل إنّما هو موضوع للزجر، ومتعلّقـه إنّما هو وجود الطبيعـة لا غير، كما هو واضح.

ثمّ على تقدير دلالـة النهي على الطلب فلا مجال لاحتمال كون المطلوب هو العدم، وذلك لأنّ العدم ليس بشيء حتّى يمكن تعلّق الطلب بـه، وهذا واضح جدّاً.


166

ومنـه انقدح فساد ما في الكفايـة من كون المطلوب في باب النواهي هو العدم لا الكفّ(1) ; إذ ليس وجـه استحا لـة تعلّق الطلب بـه كونـه خارجاً عن تحت القدرة والاختيار حتّى يرد بما ذكر فيها، بل الوجـه فيها أ نّـه ليس بشيء ولا حقيقـة لـه حتّى صار لسببها مطلوباً ومراداً.

في منشأ الفرق بين مُرادَي الأمر والنهي

ثمّ إنّـه لا إشكال عند العقلاء في ثبوت الفرق بين الأوامر والنواهي بكفايـة الإتيان بفرد من الطبيعـة المأمور بها في تحقّق امتثال الأمر المتعلّق بـه وسقوطـه ; لحصول الغرض، وهو تحقّقها بإيجاد فرد منها في الخارج، وأ نّـه لايحصل الغرض بتمامـه إلاّ بترك جميع أفراد الطبيعـة المنهي عنها في باب النواهي، إنّما الإشكال في وجـه الفرق، فقد يقال بأنّ الحاكم بـه إنّما هو العقل ; نظراً إلى أنّ وجود الطبيعـة إنّما هو بوجود فرد واحد، وعدمها لايكاد يتحقّق إلاّ بعد انعدام جميع الأفراد(2).

هذا، ولكن لايخفى: أنّ هذا الكلام بمعزل عن التحقيق ; فإنّ معنى تحقّق الطبيعـة بوجود فرد ما كون كلّ واحد من الأفراد هو تمام تلك الطبيعـة، ولاينقص عنها أصلاً ; إذ لو كانت الطبيعـة متحصّصـة بحصص عديدة حسب تعدّد الأفراد، لكان وجودها في الخارج متوقّفاً على وجود جميع الأفراد ; لكي يتحصّل جميع الحصص، فوجودها بوجود فرد واحد مساوق لكون كلّ فرد تمام طبيعتـه، فزيد تمام الإنسان، وكذا عمرو، وبكر، فإذا كان وجود زيد كافياً في وجود حقيقـة

1 ـ كفايـة الاُصول: 182.

2 ـ نفس المصدر: 182 ـ 183.


167

ا لإنسان فكيف يعقل أن لايكون عدمـه كافياً في عدمها، وهل هذا إلاّ المناقضـة في القول من غير التفات ؟

وتوهّم أنّ لازم ما ذكر كون طبيعـة واحدة موجودةً ومعدومةً معاً فيما إذا وجد زيد وعدم عمرو، مع أنّ ذلك غير معقول، يدفعـه أنّ الطبيعـة إنّما تتكثّر حسب تكثّر الأفراد، فزيد وعمرو إنسانان لا إنسان واحد، وحينئذ فلابأس باتّصافها با لوجود من ناحيـة وجود بعض الأفراد وبا لعدم من قِبَل انعدام بعضها الآخر، كما أ نّـه يتّصف با لبياض والسواد، وبا لطول والقصر، وبا لحركـة والسكون، وبا لقيام والقعود في آن واحد، وليس ذلك إلاّ لكونـه متكثّراً ومتعدّداً حسب تكثّر الوجودات وتعدّد الأفراد.

فالإنصاف: أ نّـه لا فرق بين وجود الطبيعـة وعدمها من هذه الحيثيـة في نظر العقل أصلاً، وكما أنّ وجود بعض الأفراد يكفي في تحصّل الطبيعـة فكذلك عدمـه كاف في انعدامها، فاستناد الفرق بين الأوامر والنواهي إلى حكم العقل ممّا لا مجال لـه أصلاً، كما لايخفى، كما أنّ دعوى كون ذلك مستنداً إلى فهم العرف من الألفاظ بحسب معانيها اللغويـة وحقائقها التي وُضعت تلك الألفاظ بإزائها ممّا لم يعرف لـه وجـه، كما هو واضح، فانحصر أن يكون منشأ ذلك حكم العقلاء بذلك من غير ارتباط لـه بباب الألفاظ.

ثمّ إنّ دلالـة النهي على الزجر بعد المخا لفـة أيضاً إنّما هو لكون مدلولـه هو الزجر عن الطبيعـة المتعلّقـة لـه، لا العدم حتّى يقال بأ نّـه متى تحقّقت المخا لفـة فقد انتقض إلى الوجود، ولا مجال لبقائـه بعد تحقّق عصيانـه، بل النهي لأجل كونـه دالاّ على الزجر عن جميع وجودات الطبيعـة، لا مجال لسقوطـه بمجرّد تحقّق بعض وجوداتـه، ولا دليل على كون المخا لفـة والعصيان مسقطاً.

نعم لو كان متعلّق النهي هو أوّل الطبيعـة، فبمجرّد تحقّقـه يسقط، لا لكون


168

ا لمخا لفـة من حيث هي مسقطاً، بل لأجل أ نّـه لايمكن امتثا لـه فيما بعد أصلاً ; لأنّ المفروض أنّ المبغوض إنّما هو أوّل وجود الطبيعـة، وقد حصل، وحينئذ فلو فرض عدم تقييده بذلك ـ كما في أكثر النواهي ـ إذ المتعلّق فيها الطبيعـة بجميع وجوداتها، فلاوجـه لسقوطـه بعد تحقّقها ببعض وجوداتها، فا لنهي مع أ نّـه تكليف واحد وحكم فارد لـه عصيانات متعدّدة وإطاعات متكثّرة، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه قد تصدّى بعض من المحقّقين لإثبات بقاء النهي بكون مدلولـه على نحو العموم الاستغراقي، كما في تقريرات المحقّق النائيني(1)، أو بكون المجعول هي الملازمـة بين طبيعي الطلب وطبيعي المتعلّق، كما في حاشيـة بعض المحقّقين في محشّي الكفايـة(2).

ولكن كلّ ذلك ممّا لا دليل عليـه، لو لم نقل بثبوت الدليل على خلافـه.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 395.

2 ـ نهايـة الدرايـة 2: 290 ـ 291.


169

الفصل الثاني

في اجتماع الأمر والنهي

وقبل الخوض في ذكر أدلّـة الطرفين وبيان أدلّـة المختار لابدّ من تقديم اُمور:

الأمر الأوّل: في عنوان المسألـة وتحرير مصبّ النزاع

قد يقال ـ كما قيل ـ بأنّ مورد النزاع في هذا الباب هو اجتماع الأمر والنهي في واحد، وأنّ المراد با لواحد ليس خصوص الواحد الشخصي بل كلّ ما يكون لـه جهتان ومندرجاً تحت عنوانين ولو كان واحداً جنسياً أو نوعياً، كا لحركـة الصلاتيـة الكلّيـة المتّحدة مع الحركـة الكلّيـة الغصبيـة.

هذا، ولكن لايخفى أنّ الواحد الشخصي لايعقل أن يتعلّق تكليف واحد بـه فضلاً عن تكليفين ; لأنّ الخارج ظرف لسقوط التكليف لا ثبوتـه، كما هو واضح.

وأمّا الواحد الجنسي أو النوعي: فما كان منـه مثل السجود للّـه والسجود للصنم، فلاينبغي الارتياب في جواز تعلّق الأمر والنهي بـه، وما كان منـه مثل الحركـة والسكون الكلّيتين المعنونين بعنوان الصلاتيـة والغصبيـة، فمع قطع


170

ا لنظر عن اتّحادهما في الخارج وتصادقهما على شيء فلاينبغي أيضاً الإشكال في جوازه لأنّ الحركـة ليست جنساً للصلاة أو الغصب، وأمّا مع ملاحظـة التصادق على وجود واحد والانطباق على الخارج فيرجع الكلام إلى الواحد الشخصي، كما لايخفى.

وممّا ذكرنا ظهر فساد ما في الكفايـة(1)، فراجع.

وا لأولى أن يعبّر عن محلّ النزاع بأ نّـه هل يجوز تعلّق الأمر والنهي با لعنوانين المتصادقين على واحد شخصي أو لا ; إذ ـ مضافاً إلى أ نّـه لايرد عليـه شيء ممّا تقدّم ـ يندفع بـه الإشكال المعروف، وهو أ نّـه يكون البحث في المقام صغرويّاً، ولازم التعبير بما عبّروه كونـه كبرويّاً، مع أ نّـه لا إشكال فيـه ولا نزاع ; إذ تضادّ الأحكام الخمسـة بأسرها ممّا لم يناقش فيـه أحد.

وجـه الاندفاع: أ نّـه بناء على هذا التعبير الذي ذكرنا لا إشكال في كون البحث كبرويّاً أصلاً، كما هو واضح.

الأمر الثاني: في الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي عن العبادة

ا لفرق بين هذه المسأ لـة ومسأ لـة النهي عن العبادة ـ التي سيجيء إن شاء اللّـه تعا لى ـ ذاتي لا خفاء فيـه أصلاً ; لعدم اتّحاد المسأ لتين لا في الموضوع ولا في المحمول، كما لايخفى.

وكذا لاينبغي الإشكال في كون المسأ لـة اُصوليـة ; إذ هي مندرجـة تحت ضابطـة مسائل علم الاُصول.

وما ذكره في الكفايـة من إمكان كونهما من مسائل علم الكلام أو من

1 ـ كفايـة الاُصول: 183 ـ 184.


171

غيره(1) فيتمّ لو تصرّف في عنوان النزاع، وإلاّ فظاهره يأبى عن ذلك.

نعم لابأس بجعلها من المبادئ الأحكاميـة، وكذا لا إشكال في كون المسأ لـة عقليةً محضة، ولا ارتباط لها بباب الألفاظ أصلاً، وكذا في ثبوت المناط في أقسام الوجوب والتحريم النفسي والتعييني والعيني والغيري والتخييري والكفائي.

الأمر الثالث: عدم اعتبار قيد المندوحـة

إنّـه ربّما يؤخذ في عنوان النزاع قيد المندوحـة ; نظراً إلى أنّ بدونها لا إشكال ولا خلاف في امتناع الاجتماع، ولكن الحقّ ما في الكفايـة من أنّ وجود المندوحـة وعدمها لايرتبط بما هو المهم في محل البحث والمقصود في مورد النزاع، فإنّ العمدة في المقام هو إمكان الاجتماع واستحا لتـه من هذه الحيثيّـة(2).

وبعبارة اُخرى: مورد النزاع إنّما هو استكشاف حال نفس التكليف من حيث الإمكان والاستحا لـة لاحال ا لمكلّف بـه من حيث ا لمقدوريـة وعدمها، وهذاواضح جدّاً.

الأمر الرابع: جريان النزاع حتّى مع تعلّق الأوامر والنواهي بالأفراد

ربّما يتوهّم ابتناء النزاع في هذه المسأ لـة على مسأ لـة كون متعلّق التكا ليف هل هي الطبائع أو الأفراد تارةً بمعنى أنّ النزاع إنّما يجري على خصوص القول الأوّل في تلك المسأ لـة، وأمّا بناء على القول الثاني فلابدّ من القول

1 ـ كفاية الاُصول ر: 185.

2 ـ نفس المصدر: 187


172

بالامتناع في مسأ لتنا هذه، واُخرى بمعنى أنّ القول با لجواز مبني على القول با لطبائع، والامتناع على القول بالأفراد.

هذا، ولكن تحقيق الكلام مبني على استكشاف مرادهم في تلك المسأ لـة من الفرد، فنقول: إن كان مرادهم من الفرد هو الموجود الشخصي الواحد، فهذا ممّا يستحيل تعلّق التكليف لـه ; للزوم تحصيل الحاصل، كما هو واضح.

وإن كان هو عنوان الفرد المعروض للكلّيـة بمعنى أنّ متعلّق الطلب هو عنوان فرد الطبيعـة، فلا إشكال في جريان النزاع في المقام على كلا القولين في تلك المسأ لـة ; لأنّ القائل بالاجتماع يقول بتعلّق الأمر والنهي بعنوان الفرد، كقولـه بتعلّقهما با لطبيـة بناءً على القول الآخر في تلك المسأ لـة، وكذا لو كان مرادهم من الفرد هو الوجود الخاصّ بنحو العموم والكلّيـة في مقابل الطبيعـة التي هي بمعنى الوجود السعي.

نعم لو كان مرادهم من الفرد هي الخصوصيات والمقارنات المتّحدة في الخارج مع وجود الطبيعـة بحيث كان مرجع قولهم إلى سرايـة الأمر من الطبيعـة إلى الخصوصيّات المقارنـة لـه في الوجود، وكذا النهي، فيصير المقام مبنيّاً على تلك المسأ لـة ; لأنّ خصوصيـة الغصبيـة حينئذ مثلاً تصير مورداً لتعلّق الأمر، وخصوصيـة الصلاتيّـة مورداً لتعلّق النهي، فكأ نّـه قال: صلّ في المكان المغصوب، ولا تغصب في الصلاة، ولكن يبعد أن يكون مرادهم من الفرد ذلك، فظهر عدم ابتناء النزاع على تلك المسأ لـة أصلاً، كما لايخفى.

الأمر الخامس: حول اعتبار وجود المناطين في المجتمع

ذكر في الكفايـة ما حاصلـه: أ نّـه لايكاد يكون من باب الاجتماع إلاّ إذا كان في كلّ واحد من متعلّقي الحكمين مناط حكمـه مطلقاً حتّى في مورد


173

ا لتصادق والاجتماع، وأمّا إذا لم يكن لهما مناط حكمـه كذلك، فلايكون من هذا الباب(1). انتهى موضع الحاجـة.

أقول: إن كان مراده من ذلك أنّ مورد النزاع في المقام هو ما كان متعلّقا الحكمين ذا مناط مطلقاً حتّى في مورد الاجتماع بحيث كان مرجعـه إلى تقييد في عنوان النزاع، فلايخفى أ نّـه لا ارتباط لذلك بما هو المهم في مقصود البحث ومورد النزاع ; لما عرفت في وجـه عدم تقييد النزاع بقيد المندوحـة من أنّ المهم في هذا المقام جواز الاجتماع واستحا لتـه من هذه الحيثيّـة أي حيثيـة الاجتماع.

ويؤيّد كون مراده ذلك اختلاف التعبير في هذا المقام وفي مسأ لـة المندوحـة حيث إنّـه عبّر هنا بأ نّـه لايكاد يكون من باب الاجتماع، فإنّ ظاهره تطبيق عنوان النزاع على الموارد الخارجيـة، كما لايخفى.

وإن كان مراده من ذلك بيان الفارق بين المقام الذي هو من قبيل التزاحم وبين باب التعارض، ودفع توهّم التناقض بين الكلمات حيث إنّهم ذكروا في باب التعارض أنّ من أقسامـه التعارض با لعموم والخصوص من وجـه ولم يذكروا في وجـه العلاج في ذلك المقام أنّ من جملـة وجوهـه الجمع بنحو يقولـه القائل بالاجتماع في ذلك المقام، بل ذكروا أنّ علاجـه الأخذ بالأظهر إن كان، وإلاّ التوقّف، أو الرجوع إلى المرجّحات السنديـة على الخلاف، وبيان الدفع على ما يظهر منـه أنّ مسأ لتنا هذه مبنيّ على إحراز المناط في مورد الاجتماع با لنسبـة إلى الحكمين، بخلاف باب التعارض، فإنّـه مبني على وحدة الملاك والمناط في الواقع، ولكن لايعلم أنّ الملاك الموجود هَل هو ملاك الأمر أو النهي، فإن كان مراده ـ أي صاحب الكفايـة ـ دفع هذا التوهّم، فيرد عليـه: منع كون باب

1 ـ كفايـة الاُصول: 189.


174

ا لتعارض مبنيّاً على إحراز وحدة الملاك والمناط، فإنّ التعارض والاختلاف موضوع عرفي وقع في الروايات الواردة في علاج المتعارضين المستدلّ بها في ذلك الباب، فكلّ ما صدق عليـه هذا العنوان بنظر العرف يترتّب عليـه أحكامـه المذكورة في تلك الروايات، سواء كان المناطان موجودين في مورد الاجتماع أم لا، فإنّـه لا ارتباط لـه بباب المناط أصلاً.

وبا لجملـة، فباب التعارض من الأبواب العرفيـة التي لا مجال للعقل ولا طريق لـه إليـه أصلاً، فكلّ مورد حكم العرف بصدق هذا الموضوع يترتّب عليـه أحكامـه، بخلاف مسأ لتنا هذه، فإنّها مسأ لـة عقليـة محضـة لا طريق للعرف إليها أصلاً.

نعم في تطبيق هذه المسأ لـة على الموارد الخارجيـة نحتاج إلى إحراز المناطين في مورد الاجتماع، بخلاف باب التعارض، فإنّـه غير مرتبط بباب المناط أصلاً، بل لابدّ من الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع.

وبا لجملـة، فا لفرق بين المقام وبين باب التعارض بهذا الوجـه الذي ذكره في الكفايـة(1) ممّا لم يعرف لـه وجـه أصلاً.

الأمر السادس: في ثمرة بحث الاجتماع

وفيـه جهات من البحث:

الجهـة الاُولى: ثمرة النزاع على القول بجواز الاجتماع

إنّهم ذكروا في ثمرة النزاع أ نّـه بناء على القول بجواز الاجتماع لا إشكال

1 ـ كفايـة الاُصول: 192.


175

في صحّـة الصلاة في الدار المغصوبـة وحصول الامتثال بها وإن كان معصيةً ; للنهي أيضاً.

لكنّ التحقيق يقتضي خلافـه، وأنّ القائل با لجواز لايمكن لـه القول با لصحّـة أصلاً.

وينبغي أوّلاً حكايـة ما ذكره المحقّق النائيني ـ على ما في تقريراتـه ـ في وجـه القول بجواز الاجتماع من المقدّمات التي لو تمّت يترتّب عليها صحّـة الصلاة في الدار المغصوبـة، ثمّ بيان ما يمكن أن يورد عليـه من الإيرادات، وهذه المقدّمات وإن كانت طويلةً ; لما عرفت من كونها مصنوعةً لإثبات القول با لجواز، إلاّ أ نّا نذكرها بطريق الاختصار، ونحيل التفصيل إلى مقامـه، فنقول:

منها: بساطـة المقولات، وأنّ ما بـه الاشتراك فيها عين ما بـه الامتياز.

ومنها: تغاير المقولات بحسب الحقيقـة والهويّـة واعتبارها بشرط لابا لنسبـة إلى أنفسها، فاجتماعها لايعقل أن يكون على نحو الاتّحاد بحيث يكون ما بحذاء أحدهما في الخارج عين ما بحذاء الآخر.

ومنها: كون الحركـة في كلّ مقولـة عين تلك المقولـة، ولا تكون الحركـة جنساً للمقولات حتّى يلزم التركيب فيها، ولا هي أيضاً من الأعراض المستقلّـة حتّى يلزم قيام عرض بعرض.

وبعد هذه المقدّمات يظهر: تعدّد متعلّق الأمر والنهي ; إذ الصلاة إنّما تكون من مقولـة الوضع سواء قلنا: إنّ المأمور بـه في مثل الركوع والسجود هو الهيئـة كما هو مختار الجواهر(1) أو الفعل كما هو المختار، فيكون الانحناء إلى الركوع أوضاعاً متلاصقـة متّصلـة، والغصب إنّما يكون من مقولـة الأين ; إذ ليس الغصب

1 ـ جواهر الكلام 10: 69 و 123 ـ 124.


176

إلاّ عبارة عن شاغليـة الشخص للمكان، فتوهّم اجتماع الصلاة والغصب في الحركـة مع وحدتها مندفع بأ نّـه إن كان المراد من وحدة الحركـة وحدتها با لعدد بحيث تعدّ حركـة واحدة، فهذا ممّا لاينفع، وإن كان المراد منها وحدة الحركـة الصلاتيـة والحركـة الغصبيـة با لهويـة والحقيقـة، فهذا ممّا لايعقل ; لاستدعاء ذلك اتّحاد المقولتين ; لما عرفت من أنّ الحركـة في كلّ مقولـة عين تلك المقولـة.

وبا لجملـة، الحركـة لايعقل أن تكون بمنزلـة الجنس للصلاة والغصب، وبحيث يشتركان فيها ويمتازان بأمر آخر ; للزوم التركيب في الأعراض، وليست عرضاً آخر غير المقولات ; للزوم قيام العرض با لعرض، وهو محال، فلابدّ من أن تكون الحركـة في كلّ مقولـة عين تلك المقولـة، وحينئذ يظهر أ نّـه كما أنّ الصلاة مغايرة با لحقيقـة للغصب، فكذا الحركـة الصلاتيـة مغايرة للحركـة الغصبيـة، ويكون في المجمع حركتان: حركـة صلاتيـة، وحركـة غصبيـة، وليس المراد من الحركـة رفع اليد ووضعـه وحركـة الرأس والرجل ووضعهما، فإنّ ذلك لا دخل لـه في المقام حتّى يبحث عن أ نّها واحدة أو متعدّدة، بل المراد من الحركـة: الحركـة الصلاتيـة والحركـة الغصبيـة، وهما متعدّدتان، فلا محا لـة، فأين يلزم تعلّق الأمر والنهي بعين ما تعلّق بـه الآخر.

هذا كلّـه، مضافاً إلى أنّ الإضافـة الحاصلـة بين المكان والمكين ونسبتـه إليـه لايعقل أن تختلف بين أن يكون المكين من مقولـة الجوهر أو من مقولـة الأعراض، وكما لايعقل التركيب الاتّحادي بين الجوهر والإضافـة في قولك: زيد في الدار، كذلك لايعقل التركيب الاتّحادي بين الضرب والإضافـة في قولك: ضرب زيد في الدار، أو الصلاة والإضافـة في قولك: صلاة زيد في الدار، وكما


177

لايكون زيد غصباً كذلك لا تكون الصلاة غصباً(1). انتهى كلامـه في غايـة ا لتلخيص.

وقد عرفت: أنّ هذا الكلام لو تمّ لترتّب عليـه صحّـة الصلاة في ا لدارا لمغصوبـة ; لأنّـه بعد كون الحركـة الصلاتيـة مغايرة للحركـة الغصبيـة لايكون المبغوض والمبعّد عن ساحـة المولى بعينـه محبوباً ومقرّباً للعبد نحو المولى حتّى يقال باستحا لـة كون المبعّد مقرّباً، فإنّ المبغوض هي الحركـة الغصبيـة، والمحبوب هي الحركـة الصلاتيـة.

وبا لجملـة، بعد فرض تعدّد الحركـة لايبقى مجال للإشكال في صحّـة الصلاة ; لعدم الارتباط بين الحركتين، فا لحركـة الصلاتيـة تؤثّر في القرب، والغصبيـة تؤثّر في البعد.

هذا، ولكن يرد على ما ذكره أوّلاً: أنّ الصلاة ليست بنفسها من المقولات ; لأنّها مركّب اعتباري، واجزاؤها عبارة عن الحقائق المختلفـة والهويّات المتشتّتـة، فلايعقل أن تكون بنفسها مندرجةً تحت مقولة واحدة، وكذا الغصب ليس مندرجاً تحت مقولـة أصلاً، فإنّـه عبارة عن الاستيلاء والتسلّط على مال الغير عدواناً، ومن المعلوم أنّ ذلك أمر اعتباري يعتبره العرف والعقلاء، وليس من الاُمور الواقعيـة والحقائق، نظير سلطـة الشخص على مال نفسـه.

هذا، مضافاً إلى أنّ ما يتّحد مع الصلاة في الدار المغصوبـة ليس هو الغصب ; لما عرفت من أ نّـه عبارة عن التسلّط على مال الغير عدواناً، وهذا المعنى ممّا لايرتبط با لصلاة أصلاً، بل الذي يتّحد معها هو التصرّف في مال الغير بغير إذنـه، الذي محرّم آخر غير الغصب، وبينهما عموم من وجـه، كما لايخفى.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 427 ـ 428.


178

ومن المعلوم أنّ التصرّف جامع انتزاعي للأفعال المرتبطـة إلى مال الغير من الكون فيـه وسائر التصرّفات، وليس التصرّف بنفسـه من المقولات أصلاً، بل المندرج تحتها إنّما هو مصاديق التصرّف.

فظهر أنّ ما يكون مندرجاً تحت مقولـة من المقولات من مصاديق التصرّف المتّحدة مع الصلاة إنّما هو الكون في المكان المغصوب، الذي هو من مقولـة الأين، وإلاّ فا لغصب وكذا التصرّف بعنوانـه ليسا من المقولـة أصلاً كما لايخفى.

وثانياً: أنّ الركوع ـ وهو الفعل الخاصّ الصادر من المكلّف كما هو الأقوى وفاقاً لـه ـ يمكن أن يكون من مقولـة الأين ; لما ذكره المستدلّ من أنّ الحركـة في كلّ مقولـة عين تلك المقولـة، فا لرأس المتحيّز في حيّز مخصوص إذا تحرّك منـه إلى مكان آخر، يكون ذلك حركـة في الأين، وإن كان بالإضافـة إلى حدوث حا لـة اُخرى وكيفيـة حادثـة با لنسبـة إلى أجزاء الإنسان بعضها مع بعض يكون حركةً في الوضع، وحينئذ فا لركوع الذي يكون حركـة واحدة أينيّـة صار متعلّقاً للحبّ والبغض ; لعدم كون المقولتين حينئذ متعدّداً حتّى يستحيل تركيب الاتّحادي بينهما، بل صار كلٌّ من الركوع والكون في مكان مغصوب، الذي هو مصداق للتصرّف في مال الغير مندرجاً تحت مقولـة الأين، فصارت الحركـة حركةً واحدة أينيّة.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من أنّ مصاديق التصرّف في مال الغير تكون مندرجةً تحت المقولات فإنّما هو مبني على المسامحـة، ضرورة أنّ المندرج تحتها إنّما هو مصداق ذات التصرّف، لا مقيّداً بكونـه في مال الغير، فا لكون في المكان إنّما يكون مندرجاً تحت مقولـة الأين، لا الكون في المكان المغصوب، فإنّ غصبيـة المكان خارج عن ذلك أصلاً.

وهذا أيضاً ممّا يورد بـه على المستدلّ، فإنّـه بعد العدول عن الغصب إلى


179

ا لتصرّف في مال الغير، وعنـه إلى مصاديقـه يبقى الإشكال في عدم كون مصاديق التصرّف في مال الغير بما هي مصاديق لـه مندرجاً تحت مقولـة ; لما عرفت من عدم مدخليـة مال الغير في ذلك أصلاً.

فظهر من جميع ذلك: أنّ المقرّب والمبعّد إنّما هو شيء واحد وأمر فارد، وهي الحركـة الأينيّـة، ومع فرض كونـه مبعّداً لايمكن أن يكون مقرّباً، فلايصلح أن يكون جزءاً للعمل العبادي أصلاً، فا لصلاة في الدار المغصوبـة باطلـة ولو على القول با لجواز.

هذا كلّـه فيما يتعلّق با لقول با لجواز.

الجهـة الثانيـة: ثمرة النزاع على القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر

وأمّا بناء على القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر فقد يقال بصحّـة الصلاة مطلقاً، مثل ما إذا قيل با لجواز، غايـة الأمر أ نّـه لا معصيـة بناء عليـه دونـه.

ولكن لايخفى أ نّـه لايتمّ ذلك بإطلاقـه، بل إنّما يتمّ فيما لو لم تكن لـه مندوحـة ولم يتمكّن من الامتثال في غير المكان الغصبي، وأمّا مع وجود المندوحـة والتمكّن من الامتثال في غير الدار المغصوبـة فظاهرٌ أ نّـه لو صلّى فيها لا تكون صلاتـه صحيحةً، ضرورة أنّ مزاحمة ملاك الصلاة لملاك الغصب وتقديم الاُولى للأهمّيـة لايقتضي أزيد من سقوط ملاك الثاني عن التأثير فيما لو دار الأمر بين إتيان الاُولى أو ارتكاب الثاني.

وبعبارة اُخرى: دار الأمر بين إتيان الاُولى أو ارتكاب الثاني. وبعبارة اُخرى: دار الأمر بين امتثال الأمر ومخا لفـة النهي وبين موافقـة النهي ومخا لفـة الأمر. وأمّا لو تمكّن من امتثال الأمر وموافقـة النهي معاً، فمن الواضح أ نّـه لا تسقط ملاك النهي عن التأثير أصلاً.


180

ونظير ذلك يتصوّر في الأمرين، فإنّ أهمّيـة إنقاذ الولد المأمور بـه با لنسبـة إلى إنقاذ الأخ المأمور بـه أيضاً لايقتضي إلاّ سقوط الأمر الثاني في خصوص ما إذا دار الأمر بين إنقاذ الولد والأخ بمعنى أ نّـه لم يمكن اجتماعهما، وأمّا فيما أمكن امتثال كلا الأمرين بانقاذ كلا الغريقين، فلايجدي الأهمّيـة شيئاً أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

هذا كلّـه بناء على تقديم جانب الأمر.

الجهـة الثالثـة: ثمرة النزاع على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي

وأمّا بناء على تقديم جانب النهي فلا إشكال في بطلان العبادة مع الالتفات إلى موضوع المحرّم وإ لى تحريمـه أو مع الجهل تقصيراً، ضرورة أنّ الفعل لايصلح مع ذلك لأن يتقرّب بـه مع أ نّـه لايكاد يتمشّى قصد التقرّب من الملتفت أصلاً، إنّما الإشكال في بطلانها مع الجهل قصوراً.

حكم العبادة مع الجهل عن قصور

ظاهر الكفايـة بل صريحها صحّـة العبادة معـه(1).

ولايخفى أنّ إثبات الصحـة موقوفـة على إثبات جهتين:

الجهـة الاُولى: كون المجمع مشتملاً على كلا مناطي الحكمين: مناط الوجوب ومناط التحريم.

الجهـة الثانيـة: كفايـة مناط الوجوب في الصحـة بعد سقوط مناط التحريم عن التأثير في الحكم الفعلي.

1 ـ كفايـة الاُصول: 212.


181

أمّا الكلام في الجهـة الاُولى فنقول: لا إشكال في ثبوت المضادّة والمنافرة بين مناطي الوجوب والتحريم كثبوت المضادّة بين أنفسهما، بل الأوّل أولى ; لإمكان المناقشـة في التضادّ بين الأحكام، كما سيجيء إن شاء اللّـه تعا لى.

ومن الواضح أنّ مناط الحكم وملاكـه إنّما يقوم با لموجود الخارجي، ضرورة أنّ شرب الخمر المتحقّق في الواقع يكون ذا مفسدة لا عنوان شرب الخمر، وحينئذ فيُسأل عن القائل بالامتناع ـ المستند في ذلك إلى ثبوت التضادّ بين الأحكام وأنّ متعلّق التكا ليف هو فعل المكلّف وما هو في الخارج يصدر عنـه وأنّ تعدّد العنوان لايوجب تعدّد المعنون وأنّ الموجود بوجود واحد لـه ماهيّـة واحدة ـ عن أ نّـه هل حامل المصلحـة والمفسدة في الوجود الخارجي هي الحيثيّـة الواقعيـة الواحدة أو الحيثيتين ؟ فإن قال بالأوّل، فيردّه وضوح التضادّ بين المناطين، وإن قال با لثاني ـ كما أ نّـه لابدّ من ذلك ـ فيرد عليـه سؤال الفرق بين المناط وبين نفس الحكم، فإذا جاز قيام المصلحـة بحيثيّـة وقيام المفسدة بحيثيـة اُخرى، فلِمَ لايجوز كون الأمر متعلّقاً با لحيثيـة الاُولى والنهي با لحيثيـة الثانيـة.

وبا لجملـة، فلايجتمع القول بالامتناع نظراً إلى أ نّـه تكليف محال مع القول بكون المجمع مشتملاً على كلا المناطين، فبعدما كان المفروض هو القول بالامتناع وتقديم جانب النهي لايبقى مجال للقول با لصحّـة أصلاً ولو قلنا بكفايـة الملاك في صحّـة العبادة وعدم احتياجها إلى تعلّق الأمر بها، ضرورة أ نّـه بناءً على ما ذكرنا لايكون المجمع إلاّ مشتملاً على مناط التحريم فقط.

وأمّا الكلام في الجهـة الثانيـة، فنقول: لو سلّم كون المجمع واجداً للمناطين بناءً على القول بالامتناع، فهل يكفي مناط الوجوب في صحّـة العبادة بعد فرض سقوط مناط التحريم عن التأثير ؟ وبعد فرض كفايـة المناط في صحّـة العبادة وعدم الافتقار إلى تعلّق الأمر بها أم لا ؟ قد يقال ـ كما في تقريرات المحقّق


182

النائيني ـ با لعدم ; نظراً إلى أنّ تصحيح العبادة با لملاك إنّما يكون بعد الفراغ عن ثبوت حكمها وتشريعـه مطلقاً، غايـة الأمر أ نّـه وقع التزاحم بين ذلك الحكم وبين حكم آخر في مقام الامتثال.

وخلاصـة كلامـه في هذا الباب: أنّ التزاحم قد يكون بين الحكمين، وقد يكون بين المقتضيين، مثل مورد الاجتماع، بناء على القول بالامتناع، وبينهما بون بعيد ; فإنّ تزاحم الحكمين إنّما يكون في مقام الفعليّـة وتحقّق الموضوع بعد الفراغ عن تشريعهما على طبق موضوعاتهما المقدّر وجودها، وفي هذا القسم من التزاحم يكون لعلم المكلّف وجهلـه دخلٌ حيث إنّ الحكم المجهول لايصلح أن يكون مزاحماً لغيره، فإنّـه لايكون شاغلاً لنفسـه، فبأن لايكون شاغلاً عن غيره أولى.

وأمّا تزاحم المقتضيين فإنّما يكون في مقام الجعل والتشريع حيث يتزاحم المقتضيان في نفس الآمر وإرادتـه، ويقع الكسر والانكسار بينهما في ذلك المقام، ويكون لعلم الآمر وجهلـه دخل في تزاحم المقتضيين حيث لو يعلم الآمر بثبوتهما لايعقل أن يقع التزاحم بينهما، وعلم المكلّف وجهلـه أجنبي عن ذلك ; فإنّ عا لم الجعل والتشريع إنّما يكون بيد الآمر، والمأمور أجنبي عنـه، كما أنّ عا لم الامتثال إنّما يكون بيد المكلّف، والآمر أجنبي عنـه.

وا لحاصل أ نّـه بناءً على الامتناع تندرج المسأ لـة في صغرى التعارض ; للزوم تعلّق الأمر حينئذ بعين ما تعلّق بـه النهي، واستلزامـه اجتماع الضدّين في واحد شخصي عدداً وهويّةً، وعليـه لابدّ من إعمال قواعد التعارض، ومع ترجيح جانب النهي لم يبق مجال للقول با لصحّـة أصلاً ; لما عرفت من أنّ في هذا الباب لا دخل لعلم المكلّف وجهلـه أصلاً.

وتوهّم أنّ الصحّـة عند الجهل إنّما هي لوجود الملاك والمقتضي، مدفوع:


183

بأنّ الملاك المغلوب بما هو أقوى منـه والمكسور بغيره في عا لم الجعل والتشريع لايصلح أن يكون موجباً للصحّـة، فإنّ الموجب لها هو الملاك التامّ الذي لايكون مكسوراً بما هو أقوى منـه في عا لم التشريع(1) انتهى ملخّص كلامـه.

ولكن لايخفى: أنّ المراد بوقوع الكسر والانكسار بين الملاكين ليس صيرورة الملاك المسكور والمغلوب معدوماً في مقابل الملاك الغا لب بحيث يكون الفعل مع تلك الغلبـة مشتملاً على ملاك الغا لب فقط، بل المراد كونـه جامعاً لكلا الملاكين، غايـة الأمر أنّ أقوائيـة ملاك الغا لب صار مانعاً من تشريع الحكم على طبق الملاك المغلوب، وحينئذ فيرد عليـه سؤال الفرق بين صورتي التزاحم، أي: التزاحم بين الحكمين والتزاحم بين المقتضيين، فإن قال في الجواب: بأنّ في الثاني يرجع التقييد إلى مقام الثبوت والواقع بمعنى أ نّـه يكون المأمور بـه مثلاً حينئذ في المقام بناءً على الامتناع وترجيح جانب النهي هي الصلاة المقيّدة بما عدا الفرد المجامع للغصب، بخلاف الأوّل ; فإنّ سقوط الأمر با لمهم مثلاً إنّما هو لعدم إمكان امتثا لهما بعد الفراغ عن تشريعهما مطلقاً، فيرد عليـه: أنّ السقوط لابدّ أن يرجع إلى التقييد، فإن قال: إنّ التقييد في تزاحم المقتضيين إنّما هو في مقام جعل الحكم الإنشائي، بخلاف تزاحم الحكمين، فإنّ التقييد إنّما هو في مقام فعليـة الحكم، فيقال عليـه: إنّـه لا نسلّم رجوع التقييد في تزاحم المقتضيين إلى مقام جعل الحكم الإنشائي.

ودعوى: أنّ إطلاق الحكم فيـه يستلزم اللغويـة، مدفوعـة: بمنع لزومها بعد ظهور ثمرتـه في صورة الجهل.

وكيف كان فبعد كون ملاك الأمر تامّاً بمعنى كونـه صا لحاً لتعلّق الأمر بـه لو

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 431 ـ 433.


184

لم يمنع عنـه مانع لايبقى مجال للإشكال في صحّـة الصلاة بناءً على هذا القول الفاسد لو قيل باشتما لها على الملاك وبكفايـة الملاك في صحّـة العبادة.

ولكنّك عرفت أنّ المقدّمـة الاُولى ممنوعـة.

ومن هنا انقدح: أ نّـه لايمكن أن يستكشف من مجرّد حكم المشهور با لصحّـة في موارد العذر أ نّهم قائلون با لجواز ; نظراً إلى أ نّـه بناء على الامتناع تكون الصلاة فاسدةً مطلقاً، فإنّك عرفت أنّ الحكم با لصحّـة لاينافي القول بالامتناع، فتأمّل جيّداً.

الأمرالسابع: شمول النزاع للعنوانين بينهما عموم وخصوص مطلقاً

لا إشكال في دخول العامّين من وجـه في الجملـة في مورد النزاع ومحلّ البحث، كما أ نّـه لا إشكال في خروج المتبائنين عنـه ; لعدم شمول ظاهر عنوان النزاع لـه، مضافاً إلى وضوح إمكان تعلّق الأمر بشيء والنهي بمبائنـه، وكذلك لا إشكال أيضاً في خروج المتساويين عن محلّ النزاع وإن كان ظاهر العنوان التعميم ; ضرورة استحا لـة تعلّق الأمر والنهي بهما، إنّما الإشكال والكلام في دخول العامّين مطلقاً، فقد يقال با لخروج، كما عن المحقّقين: القمّي والنائيني(1)وجماعـة اُخرى، وقد يقال با لدخول، كما عن صاحب الفصول(قدس سره)(2).

والتحقيق أن يقال: إنّ العامّين مطلقاً على قسمين: قسم لايكون عنوان العامّ مأخوذاً في عنوان الخاصّ ومفهومـه، بل مفهومهما متغايران، غايـة الأمر أنّ

1 ـ قوانين الاُصول 1: 153 ـ 154، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 410.

2 ـ الفصول الغرويّـة: 125 / السطر 8 ـ 10.


185

المفهومين متصادقان في الخارج تصادقاً كلّيّاً من جانب الخصوص وجزئيّاً من جانب العموم، وقسم يكون مفهوم العامّ مأخوذاً في عنوان الخاصّ، وهو الذي يعبّر عنـه با لمطلق والمقيّد، كا لصلاة المأخوذة في عنوان الصلاة في الدار الغصبيـة، وظاهر العبارة المحكيـة عن صاحب الفصول بل صريحها دخول القسم الأوّل فقط في مورد النزاع، والحقّ دخول القسمين معاً.

أمّا القسم الأوّل: فلأنّـه بعد فرض كون العنوانين متغايرين لايبقى فرق بينـه وبين العامّين من وجـه ; ضرورة أ نّـه لو كان مجرّد التصادق الموجود الخارجي مانعاً عن تعلّق الأمر والنهي با لمفهومين المتصادقين، فهذه العلّـة مشتركـة بينـه وبين العامّين من وجـه ولو لم يكن ذلك مانعاً باعتبار أنّ متعلّق الحكم إنّما هو نفس العناوين والمفاهيم، فبعد فرض ثبوت التغاير بين العنوانين في المقام لايبقى مجال لتوهّم الفرق أصلاً، كما هو واضح.

وأمّا القسم الثاني: فقد يقال بخروجـه عن محلّ البحث ; نظراً إلى سرايـة حكم المطلق إلى المقيّد ; فإنّ المطلق المأخوذ متعلّقاً للحكم ليس ما يكون قيد الإطلاق جزءاً لـه ومأخوذاً فيـه، بل المراد هي الطبيعـة المجرّدة اللاّبشرط، وحينئذ فيسري حكمها إلى المقيّد.

والحاصل: أنّ الحكم المتعلّق با لمقيّد وإن لم يكن سارياً من متعلّقـه إلى المطلق إلاّ أنّ حكم المطلق يسري إلى المقيّد ; إذ ليس المطلق منافياً لـه، والسرايـة من طرف واحد تكفي في ثبوت استحا لـة الاجتماع، كما لايخفى.

ولكن لايذهب عليك أنّ اتّحاد المطلق والمقيّد إنّما يكون بحسب الخارج، وأمّا بحسب المفهوم فهما متغايران، ضرورة تغاير مفهوم طبيعـة الصلاة مع مفهوم الصلاة في الدار الغصبيـة، وحينئذ فلايبقى مجال للإشكال في دخولـه في محلّ النزاع ; لأنّ الضابط فيـه هو كلّ عنوانين متغايرين المتصادقين على وجود


186

خارجي، وهذا المعنى متحقّق في ا لمطلق والمقيّد، فا لحق دخول كلاا لقسمين في مورد البحث.

وأمّا العامّان من وجـه فقد يقال: بأنّ دخولـه في محلّ النزاع ليس على الإطلاق، بل الظاهر اشتراطـه ببعض القيود، وهو أن تكون هذه النسبـة متحقّقةً بين نفس الفعلين الصادرين عن المكلّف بإرادة واختيار من دون واسطـة مع كون التركيب بينهما انضماميّاً لا اتّحاديّاً، وأمّا إذا كانت النسبـة ثابتةً بين الموضوعين، كما في العا لم والفاسق في مثل قولـه: أكرم العا لم، ولا تكرم الفاسق، فهو خارج عن محلّ البحث ; لأنّ التركيب في مثل ذلك يكون على جهـة الاتّحاد، ويكون متعلّق الأمر بعينـه هو متعلّق النهي، بل هو مندرج في باب التعارض، كما أ نّـه ليس من مسأ لـة الاجتماع ما إذا كانت النسبـة بين العناوين المتولّدة من الفعل الصادر عن المكلّف كما لو قام في المثال المتقدّم بقصد تعظيم العا لم والفاسق معاً، فإنّ القيام فعل واحد تولّد من إكرام العا لم المأمور بـه وإكرام الفاسق المنهي عنـه.

ووجـه خروجـه عن محلّ النزاع: أ نّـه لمّا كانت تلك العناوين من المسبّبات التوليديّـة التي لم تتعلّق إرادة المكلّف بها أوّلاً وبا لذات ; لكونها غير مقدورة لـه بلاواسطـة، فلا جرم يكون متعلّق التكليف هو السبب الذي يتولّد منـه ذلك، ومن المعلوم أ نّـه فعل واحد با لحقيقـة والهويّـة، فلايمكن أن يتعلّق بها الحكمان، بل نفس كون النسبـة بين الفعلين الصادرين من المكلّف العموم من وجـه لايكفي ما لم يكن التركيب انضماميّاً، فمثل قولـه: اشرب الماء ولا تغصب، فيما إذا شرب الماء المغصوب خارج عن مورد النزاع ; فإنّ شرب الماء بنفسـه يكون مصداقاً لكلٍّ من متعلّقي الأمر والنهي، ولابدّ في مثل ذلك من إعمال قواعد التعارض، وهذا بخلاف شرب الماء المباح في المكان المغصوب ; فإنّـه من مسأ لـة الاجتماع، كما لايخفى.


187

وا لسرّ في ذلك هو: أنّ كلاّ من الأمر والنهي تعلّق بموضوع خارجي ففيما إذا كان التركيب اتّحادياً يلزم أن يتعلّق كلٌّ منهما بعين ما تعلّق بـه الآخر، وهذا ممّا لاشكّ في استحا لتـه(1). انتهى ملخّص ما في تقريرات المحقّق النائيني.

وأنت خبير بعدم تماميّـة كلامـه.

أمّا اعتبار كون التركيب اتّحادياً: فلأنّ الوجـه فيـه ـ كما اعترف بـه(قدس سره)ـ هو: أنّ الأمر والنهي إنّما يتعلّق كلّ واحد منهما بموضوع خارجي، ونحن سنبيّن فساد ذلك مفصّلاً، فانتظر.

وأمّا كون متعلّق التكا ليف في العناوين التوليديـة هي السبب الذي يتولّد منـه: فقد عرفت سابقاً أ نّـه لا وجـه لصرف الأمر عن المسبّب بعد كونـه مقدوراً ولو مع الواسطـة ; إذ هذا المقدار من المقدوريـة كاف في تصحيح تعلّق التكليف بـه.

فانقدح من جميع ما ذكرنا: أنّ العامّين من وجـه مطلقاً وكذا العامّين مطلقاً بقسميـه داخل في محلّ النزاع.

التحقيق في جواز الاجتماع

إذا عرفت هذه الاُمور، فاعلم أنّ الأقوى في المسأ لـة هو القول با لجواز، وتحقيق ذلك يتمّ برسم مقدّمات:

المقدّمـة الاُولى: أنّ الحكم الوجوبي أو التحريمي المتعلّق إلى طبيعـة لايسري منها إلى مقارناتـه الوجوديـة وملازماتـه العينيـة، ضرورة أنّ تعلّق

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 410 ـ 412.


188

الحكم بها إنّما هو لأجل الملاك المتحقّق فيها ; إذ لايعقل أن يصدر من الحاكم حكم متعلّق بشيء من دون أن يكون ملاك ذلك الحكم متحقّقاً فيـه.

وهذا نظير الإرادة التكوينيـة المتعلّقـة بالأفعال الخارجيـة، فإنّـه كما لايعقل تعلّق الإرادة بشيء من دون حصول مبادئها من تصوّر ذلك الشيء والتصديق بفائدتـه وغيرهما فكذلك لايعقل البعث إليـه مثلاً من دون أن يكون فيـه خصوصيـة مقتضيـة لـه وحيثيـة موجبـة لتحقّقـه، وحينئذ فبعدما كان المفروض أنّ المقارنات الوجوديـة والملازمات العينيـة ممّا لا مدخليـة لها أصلاً في ثبوت الملاك المقتضي للبعث أو الزجر، ضرورة أ نّـه لو كان كذلك لكانت الطبيعـة متقيّدةً بها متعلّقـة للأمر أو النهي، والمفروض خلافـه، فلايبقى مجال لتوهّم سرايـة الحكم من الطبيعـة إليها أصلاً، كما هو أوضح من أن يخفى.

المقدّمـة الثانيـة: أنّ معنى الإطلاق ليس عبارة عن لحاظ سريان الحكم إلى جميع الخصوصيات والأفراد بحيث كان معنى قولـه: أعتق رقبـة، مثلاً راجعاً إلى قولـه: أعتق رقبـة سواء كانت مؤمنـة أو فاسقـة ; لأنّـه ـ مضافاً إلى أ نّـه لو كان معنى الإطلاق ذلك يلزم عدم الفرق بينـه وبين العموم كما لايخفى ـ يرد عليـه: أ نّـه لايعقل أن تكون الطبيعـة مرآةً للخصوصيّات وحاكيةً لها، ضرورة ثبوت المبائنة بينها وبين تلك الخصوصيات في عا لم المفهوم، فكيف يمكن أن يكون لفظ الإنسان مثلاً حاكياً عن الطول والقصر مثلاً مع أ نّهما مفهومان متغايران.

فا لتحقيق أنّ لفظ الإنسان لايحكي إلاّ عمّا جعل ذلك اللّفظ موضوعاً بإزائـه، وهو طبيعـة الإنسانيـة، بل الإطلاق عبارة عن عدم مدخليـة شيء من القيود في متعلّق الحكم، فإنّ المتكلّم المختار بعدما فرض كونـه بصدد بيان تمام متعلّق حكمـه ومع ذلك لم يأخذ شيئاً من الخصوصيات ليستكشف العقل أنّ هذا تمام موضوع حكمـه، ولا مدخليـة لشيء آخر فيـه أصلاً، ففي الحقيقـة لايكون


189

الإطلاق من الدلالات اللفظيـة، بل من الدلالات العقليـة، نظير حكم العقل بكون معنى اللّفظ الصادر من المتكلّم المختار مراداً لـه.

وبا لجملـة، فالإطلاق عبارة عن تماميـة ما جعل متعلّقاً للحكم من حيث كونـه متعلّقاً لـه بمعنى عدم مدخليـة شيء آخر فيـه، وأين هذا ممّا ذكر من أ نّـه عبارة عن ملاحظـة الشمول والسريان، وقد عرفت ما فيـه.

وما اشتهر بينهم من أنّ الطبيعـة اللا بشرط يجتمع مع ألف شرط ليس معناه اتّحادها مع الشروط في عا لم المفهوميـة بحيث تكون حاكيةً لها وكاشفةً عنها، بل معناه عدم إبائها عن اتّحاد بعض المفاهيم الاُخر معها في عا لم الوجود الذي هو جامع العناوين المختلفـة والمفاهيم المتشتّتـة، وإلاّ فكيف يمكن أن يكشف بعض المفاهيم عن البعض الآخر في عا لم المفهوميـة مع ثبوت الاختلاف بينهما، كما هو واضح.

المقدّمـة الثالثـة ـ التي هي العمدة في هذا الباب ـ: أنّ متعلّق التكا ليف والأحكام إنّما هي نفس الطبائع والعناوين، لا الطبيعـة الموجودة في العين ولا الماهيّـة المتحقّقـة في الذهن، فاتّصافها بكونها موجودةً في الذهن أو الخارج خارج عن مرحلـة تعلّق الأحكام بها، نظير سائر الأحكام الطارئـة على الطبائع من الكلّيـة والاشتراك ونحوهما، ضرورة أنّ الطبيعـة الموجودة في الخارج لايعقل أن تتّصف با لكلّيـة ; لإبائها عن الصدق على الكثيرين، وكذا الطبيعـة بوصف وجودها في الذهن، بداهـة أ نّها أيضاً تكون جزئيّاً غير قابل للصدق واتّصافها بوصف الكلّيـة والاشتراك ونحوهما وإن كان في الذهن إلاّ أ نّـه لاينافي ذلك كون المعروض لهما إنّما هي نفس الطبيعـة بلا ملاحظـة وجودها الذهني، ضرورة أ نّـه بمجرّد تصوّرها يحمل عليـه تلك الأحكام، ولو كان اتّصافها با لوجود الذهني دخيلاً في هذا الحمل، لاحتاج إلى تصوّر آخر متعلّقاً با لطبيعـة متقيّدة


190

بكونها متصوّرة با لتصوّر الأوّلي ; إذ التصوّر الأوّل إنّما تعلّق بنفس الطبيعـة فقط، ولايعقل أن يتعلّق بها مع وصف كونها متصوّرةً بهذا التصوّر، كما هو واضح.

وكيف كان فلا إشكال في كون المعروض لوصف الكلّيـة والاشتراك ونحوهما إنّما هي الطبيعـة المجرّدة عن الوجود العيني والذهني، وإنّما الإشكال في متعلّق الأحكام وأ نّـه هل متعلّقاتها هي نفس الطبائع مع قطع النظر عن الوجودين وإن كان ظرف التعلّق الذهن، نظير الكلّيـة المعروضـة لها في الذهن ولكن لم يكن ذلك مأخوذاً على نحو القضيـة الشرطيـة، بل على نحو القضيـة الحينيّـة، وإلاّ لما كان يعرض لها بمجرّد تصوّرها ووجودها في الذهن ; إذ لايمكن في هذا اللحاظ تصوّر تعلّق اللحاظ بها أيضاً، كما هو واضح، أو أنّ متعلّقات الأحكام هي الطبائع المتّصفـة با لوجود الذهني، أو أنّ متعلّقاتها هي الطبائع المنصبغـة بصبغـة الوجود الخارجي ؟ وجوه.

وا لتحقيق يقضي بأنّ معروض الأحكام هو بعينـه معروض الكلّيـة والاشتراك ونحوهما من لوازم نفس الماهيّات مع قطع النظر عن الوجودين، وذلك لأنّـه لو كانت الأحكام متعلّقةً با لطبائع مع اتّصافها بوجودها في الذهن، لكان امتثا لها ممتنعاً ; إذ لايعقل انطباق الموجود في الذهن بوصف كونـه موجوداً فيـه على الخارج ; لأنّـه أيضاً نظير الموجودات الخارجيـة يكون جزئيّاً ومتشخّصاً، ولازمـه الإباء عن الصدق، كما هو واضح.

ولو كانت الأحكام موضوعاتها هي الطبائع الموجودة في الخارج يلزم أن يكون تحقّقها متوقّفاً على وجودها في الخارج ; إذ لايعقل تقدّم الحكم على متعلّقـه، ومن الواضح أنّ الغرض من البعث مثلاً إنّما هو انبعاث المكلّف بعد العلم بـه وبما يترتّب على مخا لفتـه من استحقاق العقوبـة وعلى موافقتـه من استحقاق المثوبـة ويتحرّك عضلاتـه نحو المبعوث إليـه، فا لبعث متقدّم على الانبعاث


191

المتقدّم على تحقّق المبعوث إليـه، فكيف يمكن أن يكون متأخّراً عنـه مع استلزام ذلك للّغويـة ; لأنّـه بعد تحقّق المبعوث إليـه المشتمل على المصلحـة التي هي الباعثـة على تعلّق البعث بـه يكون طلبـه تحصيلاً للحاصل في الأوامر، وبعد تحقّق المزجور عنـه في النواهي يكون الزجر عنـه مستلزماً لطلب أعدام ما هو حاصل بنحو لم يحصل، وكلاهما مستحيل بداهـة، ولعمري أنّ سخافـة هذا الاحتمال الذي هو ظاهر بعض الأعلام(1) ممّا لا تكاد تخفى على عاقل فضلاً عن فاضل، فلم يبق في البين إلاّ الالتزام بكون موضوعات الأحكام هي نفس الطبائع مع قطع النظر عن الوجودين، والأغراض وإن كانت مترتّبةً على الوجودات الخارجية إلاّ أ نّـه يتوصّل المولى إلى تحصيلها بسبب البعث إلى نفس الطبيعـة ; إذ لايتحقّق الانبعاث منـه ولايحصل موافقتـه إلاّ بإيجاد المبعوث إليـه في الخارج، والتأمّل في الأوامر العرفيـة الصادرة من الموا لي با لنسبـة إلى عبيدهم يقضي بأنّ المولى في مقام إصدار الأمر لاينظر إلاّ إلى نفس الطبيعـة من دون توجّـه إلى الخصوصيّات المقارنـة لها في الوجود الغير المنفكّـة عنها، ويبعث العبد نحوها، غايـة الأمر أنّ تحصيل الموافقـة يتوقّف على إيجاد مطلوب المولى في الخارج وإخراجـه من كتم العدم إلى صفحـة الوجود.

وما اشتهر بينهم من التمسّك بقول أهل المعقول: الماهيّـة من حيث هي ليست إلاّ هي لا موجودة ولا معدومـة ولا مطلوبـة ولا غير مطلوبـة لإثبات أنّ نفس الماهيّـة مع قطع النظر عن الوجودين لايمكن أن يتعلّق بها الحكم ; لأنّها ليست إلاّ هي، كما أ نّها لا تكون كلّيـة ; لأنّها من حيث هي لا تكون كلّيةً ولا جزئيةً، ولذا التجأ بعض المجوّزين في المقام إلى أنّ متعلّق الأحكام إنّما هي

1 ـ الفصول الغرويّـة: 126 / السطر 7 ـ 10.


192

ا لماهيّـة المتّصفـة بوصف الوجود الكلّي(1)، غفلـة وذهول عن فهم مرادهم من هذا القول، فإنّ مرادهم منـه ـ كما هو صريح كلامهم ـ أنّ الماهيّـة في مرتبـة ذاتها لايكون الوجود محمولاً عليها با لحمل الأوّلي، وكذا العدم بمعنى أ نّهما لايكونان عين ذات الماهيّـة ولا جزءها، وهكذا المطلوبيّـة واللاّ مطلوبيـة، والكلّيـة والجزئيـة، والوحدة والكثرة، وجميع الصفات المتضادّة أو المتناقضـة، فإنّها بأجمعها منتفيـة عن مرتبـة ذات الماهيّـة، ولايكون شيء منها عين الماهيّـة ولا جزءها، وإلاّ فكيف يمكن أن يرتفع عنها المتناقضان وكذا الضدّان لا ثا لث لهما في مقام الحمل الشائع الصناعي، وحينئذ فلا منافاة بين أن لايكون وصف الكلّيـة مأخوذاً في ذاتيات الماهيّـة بحيث يكون عينها أو جزءها وبين أن يكون المعروض لـه هي نفس الماهيّـة مع قطع النظر عن الوجودين، كما هو مقتضى التحقيق ; ضرورة أ نّـه بمجرّد تصوّرها مجرّدةً عن كافّـة الوجودات ينتقل الذهن إلى أ نّها كلّيـة غير آبيـة عن الصدق.

وهكذا مسأ لـة تعلّق الأحكام بنفس الطبائع لا تنافي كونها خارجةً عن مرتبـة ذاتها، فالاستدلال لنفي تعلّقها بنفس الطبائع بهذه القاعدة الغير المرتبطـة بهذه المسأ لـة أصلاً في غير محلّـه.

وكيف كان فلا مناص إلاّ عن الالتزام بما ذكرنا من أنّ متعلّقات الأحكام هي نفس الطبائع، ضرورة أنّ البعث إنّما هو لغرض إيجاد ما لم يكن موجوداً بعدُ، ومن المعلوم أ نّـه ليس هنا شيء كان متّصفاً با لعدم قبل إيجاد المكلّف، فصار متّصفاً با لوجود بعد إيجاده، إلاّ الماهيّـة المحفوظـة في كلتا الحا لتين ; لأنّ الوجودين: العيني والذهني لاينقلبان عمّا هما عليـه، كما هو واضح.

1 ـ الفصول الغرويّـة: 125 / السطر 16.


193

فانقدح من جميع ما ذكرنا: بطلان المقدّمـة الثانيـة من المقدّمات التي مهّدها في الكفايـة لإثبات الامتناع، الراجعـة إلى أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف، وما هو في الخارج يصدر عنـه وهو فاعلـه وجاعلـه(1)، إذ قد عرفت بما لا مزيد عليـه أ نّـه لايعقل أن تتعلّق الأحكام با لوجودات الخارجيـة، وأنّ متعلّقها إنّما هي نفس الطبائع مع قطع النظر عن الوجودين.

وممّا ذكرنا يظهر أيضاً: أنّ الاستدلال ـ كما في تقريرات المحقّق النائيني(قدس سره)ـ على إثبات الجواز بثبوت التعدّد بين المتعلّقين في الخارج، وكون التركيب بينهما انضماميّاً لا اتّحادياً ; نظراً إلى أ نّـه لو سلّم اتّحاد المتعلّقين في الخارج، وكون التركيب بينهما اتّحادياً لايبقى مجال لدعوى تغاير متعلّق الأمر والنهي أصلاً(2)، ليس بصحيح ; لما عرفت من أنّ متعلّق الأمر والنهي إنّما هي نفس ا لطبائع، وهي مختلفـة في عا لم المفهوميـة، ولا اتّحاد بينهما، سواء كان التركيب بينهما في الخارج اتّحادياً أو انضماميّاً، بل نقول: إنّ مورد النزاع بينهم هو ما إذا كان الموجود الخارجي بتمام هويّتـه مصداقاً للطبيعـة المأمور بها وللطبيعـة المنهيّ عنها ; لأنّـه مع فرض كون التركيب انضماميّاً لايبقى مجال للنزاع في الجواز والامتناع أصلاً ; إذ يصير حينئذ القول با لجواز من البديهيّات التي لايعتريها ريب، نظير تعلّق الأمر با لصلاة، والنهي با لزنا مثلاً، كما لايخفى.

وإذا تمهّد لك هذه المقدّمات: تعرف أنّ مقتضى التحقيق هو القول با لجواز ; لعدم اجتماع الأمر والنهي في شيء أصلاً ; لأنّ في مرحلـة تعلّق الأحكام لا إشكال في اختلاف متعلّق الأمر والنهي ; لوضوح المغايرة بين المفاهيم في عا لم

1 ـ كفايـة الاُصول: 193.

2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 424 ـ 425.


194

ا لمفهوميـة، وفي مرحلـة التحقّق في الخارج التي يجتمع فيها المتعلّقان لا إشكال في عدم كونهما مأموراً بـه ومنهيّاً عنـه ; لأنّ الخارج ظرف الامتثال لا ظرف ثبوت التكليف، كما عرفت بما لا مزيد عليـه، فأين يلزم الاجتماع ؟

حول استدلال القائلين بالامتناع

استدلّ القائلون بالامتناع على اُمور:

الأمر الأوّل: لزوم اجتماع الأمر والنهي

ومنـه ظهر بطلان استدلال القائلين بالامتناع بأنّ لازم القول با لجواز اجتماع الأمر والنهي ـ مع كونهما متضادّين ـ على شيء واحد ; إذ لو سلّمنا ثبوت التضادّ بين الأحكام ولكن ذلك فرع اجتماعها في شيء واحد، وقد عرفت أ نّـه لايلزم الاجتماع أصلاً.

الأمر الثاني: لزوم اجتماع الحبّ والبغض وغيرهما

وأمّا استدلالهم على الامتناع بلزوم تعلّق الحبّ والبغض وكذا الإرادة والكراهـة بشيء واحد ولزوم كونـه ذا مصلحـة ملزمـة ومفسدة كذلك معاً مع وضوح التضادّ بين هذه الأوصاف، فيرد عليـه: أنّ المحبوبيـة والمبغوضيـة ليستا من الأوصاف الحقيقيـة للأشياء الخارجيـة، نظير السواد والبياض وغيرهما من الأعراض الخارجيـة، كيف ولازم ذلك استحا لـة كون شيء واحد في آن واحد مبغوضاً لشخص ومحبوباً لشخص آخر، كما أ نّـه يستحيل أن يتّصف الجسم الخارجي با لسواد والبياض معاً في آن واحد ولو من ناحيـة شخصين بداهـة، بل


195

ولازمـه عدم اتّصاف الفعل قبل وجوده الخارجي بشيء منهما، نظير أ نّـه لايعقل أن يتّصف الجسم با لسواد مثلاً قبل تحقّقـه في الخارج، بداهـة أ نّـه يستحيل أن يوجد الوصف الحقيقي قبل تحقّق موصوفـه، ومن المعلوم في المقام أنّ الاتّصاف با لمحبوبيـة قبل وجود المحبوب وتحقّقـه في الخارج، بل كثيراً ما يكون الداعي والمحرِّك إلى إيجاده في الخارج إنّما هو تعلّق الحبّ بـه، وكونـه متّصفاً با لمحبوبيّـة.

وكيف كان فهذا المعنى ممّا لايتّكل إليـه أصلاً، بل المحبوبيّـة والمبغوضيّـة وصفان اعتباريان ينتزعان من تعلّق الحبّ والبغض با لصورة الحاكيـة عن المحبوب والمبغوض.

توضيح ذلك: أ نّـه لا إشكال في أنّ الحبّ وكذا البغض إنّما يكون من الأوصاف النفسانيـة القائمـة با لنفس، وحيث إنّ تحقّقـه في النفس بنحو الإطلاق غير مضاف إلى شيء ممّا لايعقل، فلا محا لـة يحتاج في تحقّقـه إلى متعلّق مضاف إليـه ومشخّص يتشخّص بـه، ولايعقل أن يكون ذلك المشخّص هو الموجود الخارجي ; لأنّـه يستحيل أن يكون الأمر الخارج عن النفس مشخّصاً للصفـة القائمـة بها، كما هو واضح.

مضافاً إلى ما عرفت من أنّ المحبوب ـ أي الفعل الخارجي ـ إنّما يكون محبوباً قبل تحقّقـه ووجوده في الخارج، فكيف يمكن أن يكون الأمر الذي لايتحقّق في الخارج أصلاً أو لم يتحقّق بعدُ ولكن يوجد في الاستقبال مشخّصاً فعلاً ؟ ! كما هو واضح، فلا محا لـة يكون المشخّص هو الأمر الذهني الموجود في النفس، والمحبوب إنّما هو ذلك الأمر، غايـة الأمر أ نّـه حيث يكون ذلك الأمر صورةً ذهنيـة للفعل الخارجي ووجهاً وعنواناً لـه ينسب إليـه المحبوبيـة با لعرض ; لفناء تلك الصورة في ذيها، وذلك الوجـه في ذي الوجـه، ولايخفى أنّ


196

معنى الفناء والوجـه والمرآتيـة ليس راجعاً إلاّ سببيّـة ذلك لتعلّق الحبّ بـه وطريقتـه إليـه، بل معنى تعلّق الحبّ بـه تعلّقـه بوجهـه وعنوانـه فقط، نظير العلم وأشباهـه، فإنّـه أيضاً من الصفات النفسانيـة القائمـة با لنفس المتحقّقـة فيها المتشخّصـة بصورة المعلوم الحاكيـة لـه الموجودة في النفس، وتوصيف الخارج با لمعلوميـة إنّما هو با لعرض، وإلاّ فكيف يمكن أن يتّصف بذلك قبل تحقّقـه ؟ ! مع أ نّا نعلم با لبداهـة كثيراً من الاُمور المستقبلـة، مضافاً إلى أ نّـه كيف يمكن حينئذ أن يكون شيء واحد معلوماً لأحد ومجهولاً لآخر ؟ ! كما لا يخفى.

وكيف كان، فظهر أنّ المحبوبيّـة والمبغوضيـة إنّما تنتزعان من تعلّق الحبّ والبغض با لصور الذهنيـة للأشياء الخارجيـة، ولاريب في أنّ تعدّد الأمر الانتزاعي وكذا وحدتـه إنّما هو بلحاظ تعدّد منشأ انتزاعـه ووحدتـه، ومن المعلوم تعدّده في المقام ; إذ لاشكّ في أنّ الصورة الحاكيـة عن وجود الصلاة تغاير الصورة الحاكيـة عن وجود الغصب ; إذ لايعقل أن يكون عنوان الصلاة ووجهها عنواناً للغصب ووجهاً لـه، كما هو واضح، فكيف يلزم أن يكون شيء واحد مبغوضاً ومحبوباً معاً ؟ !

ومنـه يظهر أ نّـه لايلزم اجتماع الإرادة والكراهـة أيضاً.

الأمر الثالث: لزوم اجتماع الصلاح والفساد

وأمّا لزوم اجتماع الصلاح والفساد في شيء واحد، فيدفعـه أنّ الصلاح والفساد ليسا من الاُمور الحقيقيّـة القائمـة با لفعل بحيث يتحقّقان بتحقّقـه، بل إنّما هما نظير الحسن والقبح المتّصف بهما الأشياء، ومن المعلوم أ نّـه لاريب في إمكان اتّصاف شيء با لحسن لأجل انطباق عنوان حسن عليـه، وبا لقبح أيضاً لأجل انطباق عنوان قبيح عليـه، فكذا في المقام نقول بأ نّـه لابأس أن يتّصف شيء


197

واحد بكونـه ذا صلاح وفساد معاً لأجل انطباق عنوانين عليـه: أحدهما ذا مصلحـة، والآخر ذا مفسدة.

وبا لجملـة، فاتّصاف الشيء بكونـه ذا مصلحـة إنّما هو لكونـه مصداقاً للعنوان الذي يكون كذلك، وكذا اتّصافـه بكونـه ذا مفسدة، فإذا جاز أن يكون شيء واحد مصداقاً لعنوانين متغايرين ـ كما هو المفروض ـ فلِمَ لايجوز أن يتّصف با لصلاح والفساد معاً لأجل كونـه مصداقاً لهما ؟ فهل يشكّ العقل في صلاح حفظ ولد المولى مثلاً من الهلكـة في دار الغير ؟ من حيث إنّـه حفظ لـه وفي فساده من حيث التصرّف في مال الغير، ولايجوز المدح من الحيثيّـة الاُولى، والذمّ من الحيثيّـة الثانيـة.

ومن هنا تظهر المناقشـة فيما ذكرناه سابقاً: من عدم ترتّب صحّـة الصلاة في الدار المغصوبـة على القول بجواز الاجتماع ; لاستحا لـة أن يكون المبعّد مقرّباً.

بيانها: أنّ معنى البعد والقرب ليس هو البُعْد والقرب المكاني حتّى يستحيل أن يكون المقرّب مبعّداً أو با لعكس، بل معناهما هو القرب والبُعْد بحسب المكانـة والمنزلـة، ومن المعلوم أنّ تحصيل المنزلـة والقرب بساحـة المولى بسبب الإطاعـة إنّما هو لكون الفعل الخارجي مصداقاً للعنوان الذي يكون متعلّقاً لأمر المولى، كما أنّ حصول البُعْد عن ساحتـه إنّما هو للإتيان با لفعل الذي يكون مصداقاً للعنوان المزجور عنـه، وحينئذ فأيّ مانع يلزم من أن يكون فعل واحد مقرّباً للعبد من حيث مصداقيّتـه للمأمور بـه، ومبعّداً لـه أيضاً من حيث تحقّق العنوان المزجور عنـه بـه، وحينئذ فلايتمّ ما اشتهر في ألسن المتأخّرين من أنّ المبعّد لايمكن أن يكون مقرّباً.


198

حول التضادّ بين الأحكام الخمسـة

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أنّ مقتضى التحقيق هو القول با لجواز ولو سلّم ثبوت التضادّ بين الأحكام، كما هو الشائع، مضافاً إلى أ نّـه لا نسلّم ذلك أصلاً.

توضيحـه: أنّ الضدّين عبارة عن الماهيّتين النوعيتين المشتركتين في جنس قريب مع ثبوت الاختلاف والبُعْد بينهما، كما في تعريف المتقدّمين من الحكماء، أو غايـة البعد والاختلاف، كما في تعريف المتأخّرين منهم، وحينئذ فنقول: إن كان الحكم عبارة عن الإرادة المظهرة، فلاينطبق عليـه تعريف الضدّين أصلاً ; لأنّـه حينئذ ماهيـة واحدة، وهي حقيقـة الإرادة المتحقّقـة في جميع الأحكام، ضرورة أ نّها بأجمعها أفعال للمولى مسبوقـة بالإرادة بلا فرق بين الحكم التحريمي والوجوبي من هذه الجهـة وإن كان متعلّق الإرادة في الأوّل هو الزجر، وفي الثاني هو البعث، إلاّ أنّ ذلك لايوجب الاختلاف بينهما ; لأنّ قضيّـة تشخّص الإرادة با لمراد هو كون اختلاف المرادات موجباً لتحقّق أشخاص من الإرادة، ولايوجب ذلك تعدّد حقيقـة الإرادة وماهيّتها، كما هو واضح.

فاعتبار كون الضدّين مهيّتين يخرج الإرادة وأمثا لها من الحقائق با لنسبـة إلى أفرادها عن التعريف كما لايخفى.

وإن كان الحكم عبارة عن نفس البعث والزجر المتحقّقين بقول: إفعل ولا تفعل، مثلاً، فهو أيضاً خارج عن التعريف ; لأنّـه ـ مضافاً إلى أنّ البعث في الوجوب والاستحباب على نهج واحد، غايـة الأمر ثبوت الاختلاف بينهما في إرادتـه حيث إنّ الوجوب عبارة عن البعث الناشئ من الإرادة القويـة، والاستحباب عبارة عن البعث الناشئ عن الإرادة الضعيفـة، وكذا الزجر في الحرمـة والكراهـة، فإنّـه فيهما على نحو واحد والاختلاف إنّما هو في إرادتـه،


199

وحينئذ فكيف يمكن القول با لتضادّ بين الوجوب والاستحباب، وكذا بين الحرمـة والكراهـة ؟ ! مع أنّ القائل يدّعي تضادّ الأحكام بأسرها ـ نقول: إنّـه لو سلّم الاختلاف في جميع الأحكام وقطعنا النظر عن عدم اختلاف حقيقـة الوجوب والاستحباب وكذا الحرمـة والكراهـة، فلا نسلّم التضاد بينها ; لأنّ ثبوتـه مبنيّ على أن يكون متعلّق البعث والزجر هو الوجود الخارجي ; إذ لو كان متعلّقهما هي الطبائع والماهيّات الكلّيـة، كما عرفت بما لا مزيد عليـه أ نّـه هو مقتضى التحقيق، فهما لايكونان بمتضادّين أيضاً ; لأنّ الماهيّـة قابلـة لاجتماع العناوين المتضادّة فيها، ولاتّصافها بكل واحد منها في زمان واحد.

ألا ترى أنّ ماهيـة الإنسان موجودة ومعدومـة في زمان واحد، كما عرفت، وكذا ماهيّـة الجسم متّصفـة با لسواد والبياض معاً في زمان واحد.

فظهر أ نّـه لو كان متعلّق البعث والزجر هي طبيعـة واحدة، فاستحا لتـه ليس من جهـة لزوم اجتماع المتضادّين على شيء واحد، بل من جهـة أمر آخر، وهو لزوم التكليف با لمحال من جهـة عدم القدرة على الامتثال، وإلاّ يلزم عدم إمكان تعلّق البعث والزجر بطبيعـة واحدة ولو من ناحيـة شخصين، كما أ نّـه لايعقل تحقّق البياض والسواد واجتماعهما على موجود خارجي مطلقاً ولو كان لـه علّتان، ومن الواضح في المقام خلافـه.

وبا لجملـة، فعلّـة ثبوت التضادّ بين شيئين إنّما هو عدم اجتماعهما على الموجود الخارجي الواحد، وإلاّ يلزم عدم تحقّق التضادّ أصلاً ; لما عرفت من أنّ الماهيّـة قابلـة للاتّصاف بجميع العناوين المتضادّة في زمان واحد، وقد عرفت أنّ متعلّق البعث والزجر ليس هو الوجود الخارجي بمعنى أ نّـه لايعقل أن يصير الموجود في الخارج مبعوثاً إليـه ومزجوراً عنـه أصلاً.

وإن كان الحكم عبارةً عن الأمر الاعتباري المنتزع عن البعث والزجر،


200

فعدم ثبوت التضادّ بينها أظهر من أن يخفى.

ومن جميع ما ذكرنا ظهر بطلان المقدّمـة الاُولى التي مهّدها في الكفايـة(1)لإثبات التضادّ بين الأحكام الخمسـة بأسرها، وظهر أيضاً أنّ إثبات القول الامتناع من طريق التضادّ بين الأحكام لايتمّ أصلاً، مضافاً إلى ما عرفت من أ نّـه لو سلّم التضادّ بين الأحكام، فاختلاف المتعلّقين وتعدّدهما يخرج المقام عن مسأ لـة التضادّ فتأمّل جيّداً.

تنبيهات

التنبيـه الأوّل: بعض أدلّـة المجوّزين

قد استدلّ المجوّزون بأ نّـه لو لم يجز، لما وقع نظيره، وقد وقع، كما في الصلاة في الحمّام، التي اجتمع فيها الوجوب والكراهـة، وصوم يوم عاشوراء الذي اجتمع فيـه الاستحباب والكراهـة، والصلاة في المسجد، التي اجتمع فيها الوجوب والاستحباب، ونظائرها ممّا لايحصى.

بيان الملازمـة: أنّ المانع ليس إلاّ التضادّ بين الوجوب والحرمـة، وعدم كفايـة تعدّد الجهـة في رفع غائلتـه، ومن المعلوم أنّ هذا المانع موجود في اجتماع الوجوب مع الكراهـة أو الاستحباب، واجتماع الاستحباب مع الكراهـة أو الاستحباب ; لأنّ الأحكام الخمسـة متضادّة بأجمعها، ومن الواضح بطلان التا لي ; للوقوع في تلك الموارد وأشباهها، فيكشف عن بطلان المقدّم، وهو امتناع اجتماع الوجوب والحرمـة.

1 ـ كفاية الاُصول: 193.


201

وا لتحقيق في ا لجواب أن يقال: إنّ ا لعبادات ا لمكروهـة على ثلاثـة أقسام:

أحدهما: ما تعلّق ا لنهي بعنوان ا لعبادة، ولايكون لها بدل، كصوم يوم ا لعاشور، وا لنوافل ا لمبتدأة في بعض ا لأوقات.

ثانيها: ما تعلّق ا لنهي بعنوانها أيضاً، ولكن يكون لها بدل، كا لصلاة في ا لحمّام.

ثالثها: ما تعلّق ا لنهي بعنوان آخر يكون بينـه وبينها نسبـة ا لعموم من وجـه، كا لصلاة في مواضع ا لتهمـة، بناء على أن تكون كراهتها من جهـة كراهـة ا لكون فيها ا لمتّحد مع ا لصلاة.

إذا عرفت هذا، فنقول:

أمّا القسم الثالث: فلا إشكال فيـه بناءً على ا لقول با لجواز، كما عرفت أ نّـه مقتضى ا لتحقيق.

وأمّا القسم الثاني: فكذلك أيضاً لو قلنا بدخول ا لعامّين مطلقاً في محل ا لنزاع أيضاً، كما نفينا ا لبُعْد عنـه سابقاً في مقدّمات ا لمبحث، وأمّا لو قلنا بخروجـه عنـه، فسيأتي ا لجواب عنـه.

إنّما المهم هو القسم الأوّل: ا لذي لابدّ أن يجيب عنـه كلٌّ من ا لمجوّز وا لممتنع ; لعدم تعدّد ا لجهـة ا لمجدي بناءً على ا لقول با لجواز ; لأنّ ا لنهي إنّما تعلّق بعنوان ا لعبادة ا لتي تكون متعلّقةً للأمر ا لاستحبابي.

وقد أجاب عنـه في ا لكفايـة بما حاصلـه: أنّ ا لكراهـة إنّما هو لانطباق عنوان راجح على ا لترك ا لذي يكون أرجح من ا لفعل، فيكون ا لفعل وا لترك من قبيل ا لمستحبّين ا لمتزاحمين، أو لملازمـة ا لترك على عنوان كذلك(1)، ولكن

1 ـ كفايـة الاُصول: 198 ـ 199.


202

لايخفى أنّ هذا ا لمعنى ممّا لايمكن ا لالتزام بـه ; لأنّ ا لترك أمر عدمي، وا لعدم ليس بشيء حتّى ينطبق عليـه عنوان ويتّحد معـه أو يلازمـه شيء، فإنّ ذلك من ا لاُمور ا لمعروضـة للموجودات، وا لعدم ليس منها.

والذي يمكن أن يقال في حلّ الإشكال: إنّ ا لمستفاد من ا لأخبار أنّ كراهـة صوم يوم ا لعاشور إنّما هي لكونـه تشبّهاً ببني اُميّـة وبني مروان لعنهم ا للّـه جميعاً، حيث إنّهم يتبرّكون بهذا ا ليوم ويعاملون معـه معاملـة ا لأعياد ويصومون فيـه تبرّكاً بـه، بل لعلّـه كان من أعظم ا لأعياد، كما يشعر بذلك بعض ا لأخبار، فا لنهي إنّما يكون متعلّقاً با لتشبّـه بهم في ا لأعمال ا لتي كانوا يعملونها في ذلك ا ليوم لأجل ا لتبرّك بـه ومنها: ا لصوم، فتعلّق ا لنهي ا لتنزيهي بـه إنّما هو لكونـه مصداقاً للتشبّـه بهم، ومن ا لمعلوم أنّ نسبـة عنوان ا لتشبّـه إ لى طبيعـة ا لصوم ـ ا لتي تكون مطلوبةً في كلّ زمان ومتعلّقةً للأمر ا لوجوبي أو ا لاستحبابي في جميع ا لأيام عدا ا لعيدين ـ نسبة ا لعموم وا لخصوص من وجـه، وقد عرفت أنّ مقتضى ا لتحقيق جواز ا لاجتماع فيـه، فكون طبيعـة ا لصوم مأموراً بها لاينافي تعلّق ا لنهي بعنوان ا لتشبّـه بهم، ا لذي ربّما يجتمع معها في ا لوجود ا لخارجي، ونظير هذا ا لمعنى يمكن أن يقال في ا لنوافل ا لمبتدأة في بعض ا لأوقات، فتدبّر.

وأمّا ا لقسم ا لثاني فجوابـه ما أفاد في ا لكفايـة ممّا ملخّصـه: كون ا لنهي إرشاداً إ لى ترك إيجاد ا لصلاة مع خصوصيّـة كونها في ا لحمّام لحصول منقصـة فيها معها، كما أنّ ا لأمر با لصلاة في ا لمسجد إرشاد إ لى إيجادها فيـه ; لحصول مزيّـة فيها معـه، ومَنْ أراد ا لتفصيل فليرجع إ لى ا لكفايـة(1).

1 ـ نفس المصدر: 199 ـ 200.


203

التنبيـه الثاني: حكم توسّط الأرض المغصوبـة

لو توسّط في أرض ا لغير ا لتي يحرم ا لتصرّف فيها لكونـه تصرّفاً في مال ا لغير بغير إذنـه بالاختيار، فهل ا لخروج عنها ا لذي ينحصر بـه ا لتخلّص عن محذور ا لحرام يكون مأموراً بـه مع جريان حكم ا لمعصيـة عليـه أو بدونـه أو منهيّاً عنـه أو مأموراً بـه ومنهيّاً عنـه معاً أو منهيّاً عنـه با لنهي ا لسابق ا لساقط بحدوث ا لاضطرار ؟ وجوه وأقوال.

وا لحقّ أ نّـه يكون منهيّاً عنـه فعلاً ومتوجّهاً إ ليـه خطاب ا لنهي، ولايكون مأموراً بـه فها هنا دعويان:

الاُولى: أ نّـه لايكون مأموراً بـه ; لأنّ ا لأمر ا لذي يتوهّم تعلّقـه بـه إمّا أن يكون ا لمراد بـه ا لأمر ا لنفسي ا لاستقلالي، وإمّا أن يكون ا لمراد بـه ا لأمر ا لغيري ا لتبعي.

أمّا الأوّل: فيدفعـه وضوح أ نّـه ليس في ا لبين إلاّ مجرّد حرمـة ا لتصرّف في مال ا لغير ; إذ لم يكن هنا دليل يستفاد منـه حكم وجوبي متعلّق با لخروج أو با لتخلّص أو بأشباههما من ا لعناوين، كما لايخفى.

وأمّا الثاني: فيبتني على ا لقول باقتضاء ا لنهي عن ا لشيء ا لأمر بضدّه ا لعامّ حتّى يثبت بذلك وجوب ترك ا لتصرّف، وعلى ا لقول با لملازمـة بين وجوب ا لمقدّمـة ووجوب ذيها حتّى يثبت بذلك وجوب ا لخروج لكونـه مقدّمةً لترك ا لتصرّف، وقد عرفت سابقاً منع ا لاقتضاء، وعدم ثبوت ا لملازمـة، بل استحا لـة كلّ منهما، فراجع، فلايكون ا لخروج متعلّقاً للأمر ا لمقدّمي أيضاً.

الثانيـة: كونـه منهيّاً عنـه با لخطاب ا لفعلي، وسنده يظهر ممّا عرفت منّا مراراً من أنّ ما اشتهر بينهم من انحلال ا لخطابات ا لواردة في ا لشريعـة وتكثّرها


204

حسب تكثّر ا لمخاطبين بمعنى أنّ لكلّ مكلّف خطاباً يخصّـه وحكماً مستقلاّ، ممّا لا دليل عليـه لو لم نقل بثبوت ا لدليل على خلافـه، كما مرّ، بل ا لتحقيق أنّ ا لخطابات ا لشرعيـة إنّما هي خطابات عامّـة بمعنى أنّ ا لخطاب في كلّ واحد منها واحد، وا لمخاطب متعدّد، ولايلحظ في هذا ا لنحو من ا لخطاب إلاّ حال ا لنوع من حيث ا لقدرة وا لعجز وا لعلم وا لجهل، كما هو واضح.

عدم انحلال الخطابات الشرعيّـة

وا لدليل على عدم انحلال ا لخطابات ا لشرعيـة إ لى ا لخطابات ا لمتعدّدة حسب تعدّد ا لمكلّفين اُمور كثيرة:

منها: أنّ لازمـه عدم كون ا لعصاة مكلّفاً ومخاطباً أصلاً، ضرورة أنّ ا لبعث وا لزجر إنّما هو لغرض انبعاث ا لمكلّف وانزجاره، وحينئذ فمع ا لعلم بعدم تحقّق ا لانبعاث وا لانزجار من ا لمكلّف أصلاً كيف يجوز أن يبعثـه ا لمولى ويزجره ؟ ! وليس مجرّد إمكان تحقّق ا لانبعاث وا لانزجار شرطاً لصحّـة ا لبعث، بل ا لشرط إنّما هو احتما لهما، ومن ا لمعلوم انتفاؤه با لنسبـة إ لى ا لعصاة في ا لتكا ليف ا لشرعيـة، لكونـه تعا لى عا لماً بعدم تحقّق ا لانبعاث وا لانزجار من ا لعصاة أصلاً، فلايجوز حينئذ تكليفهم، وضرورة ا لشرع على خلافـه، فا لواجب ا لقول بعدم كونهم مكلّفين بخصوصهم، بل يشملهم ا لخطاب ا لعامّ ا لواحد ا لمتوجّـه إ لى جميع ا لناس.

ومنها: أنّ لازمـه عدم وجوب ا لقضاء على ا لنائم في جميع ا لوقت ; لاستحا لـة بعثـه لغرض ا لانبعاث، فلايكون مكلّفاً بالأداء حتّى يجب عليـه ا لقضاء مع أنّ ضرورة ا لشرع أيضاً تقضي بخلافـه.

ومنها: أنّ لازمـه اختلاف ا لنجاسـة وا لطهارة با لنسبـة إ لى ا لمكلّفين ; لأنّـه


205

لايعقل جعل نجاسـة ا لخمر ا لموجودة في ا لمما لك ا لتي لايسافر ا لإنسان إ ليها عادة ; لأنّ ا لواضح أنّ جعل ا لأحكام ا لوضعيـة أيضاً إنّما هو لغرض ترتيب ا لأثر، فمع عدم ا لابتلاء بـه عادة لايعقل جعل ا لنجاسـة لـه، مع أنّ ا لخمر حرام في أيّ محلّ كان، كما يشهد بـه ضرورة ا لفقـه.

ومنها: غير ذلك من ا لاُمور ا لتي تقدّمت ا لإشارة إ لى بعضها سابقاً.

وحينئذ فا لتكليف ثابت با لنسبـة إ لى جميع ا لناس من ا لقادر وا لعاجز وا لعا لم وا لجاهل وا لمضطرّ وا لمختار، غايـة ا لأمر كون ا لعاجز ونظائره معذوراً بحكم ا لعقل في مخا لفـة ا لتكليف، لا أ نّـه خارج عن ا لمخاطبين بحيث لم يكن ا لخطاب متوجّهاً إ ليـه، وحينئذ نقول: إنّ ا لاضطرار ا لحادث في ا لمقام بسوء ا لاختيار لايصير عذراً بنظر ا لعقل أصلاً.

أترى ثبوت ا لعذر لمن ألجأ نفسـه في ارتكاب ا لمحرّمات ا لشرعيـة بسوء ا لاختيار، كمن اضطرّ إ لى شرب ا لخمر وأكل لحم ا لميتـة بسوء اختيار نفسـه ؟

ثمّ إنّـه لو قلنا بعدم توجّـه ا لخطاب ا لفعلي إ ليـه لكونـه مضطرّاً ولو بسوء ا لاختيار، فلا مجال للقول بعدم استحقاقـه للعقوبـة، بل لايرتاب فيـه عاقل أصلاً، كيف ولازمـه عدم استحقاق من اضطرّ بسوء اختياره إ لى سائر ا لمحرّمات ا لشرعيـة للعقوبـة أصلاً، فيجوز أن يدخل ا لإنسان داراً يعلم بأ نّـه لو دخل فيها يصير مضطرّاً إ لى شرب ا لخمر أو مكرهاً عليـه، ولايترتّب عليـه عقوبـة أيضاً ومن ا لمعلوم أنّ ضرورة ا لشرع وا لعقل على خلافـه.

ثمّ إنّـه لو سلّمنا اقتضاء ا لنهي عن ا لشيء ا لأمر بضدّه ا لعامّ وقلنا بثبوت ا لملازمـة ا لعقليـة بين وجوب ا لمقدّمـة ووجوب ذيها وقطعنا ا لنظر عمّا ذكرنا من عدم انحلال ا لخطابات ا لشرعيـة إ لى ا لخطابات ا لمتكثّرة حسب تكثّر ا لمكلّفين، فلايكون في ا لبين مانع من ا لالتزام بقول أبي هاشم وأتباعـه ا لقائلين بكونـه


206

مأموراً به ومنهيّاً عنه إلاّ لزوم ا لتكليف با لمحال ; لعدم قدرة ا لمكلّف على ا لامتثال.

وأمّا ا لإشكال عليـه بلزوم كون ا لتكليف بنفسـه محالاً كما في ا لكفايـة ; نظراً إ لى اجتماع ا لتكليفين هنا بعنوان واحد ; لأنّ ا لخروج بعنوانـه سبب للتخلّص وواقع بغير إذن ا لما لك(1)، فمندفع بأنّ متعلّق ا لنهي إنّما هو ا لتصرّف في مال ا لغير بدون إذنـه، لا عنوان ا لخروج، ومتعلّق ا لأمر ا لمقدّمي ليس ما يحمل عليـه عنوان ا لمقدّمـة با لحمل ا لشائع، وإلاّ يلزم أن يكون تعلّقـه بـه متوقّفاً على تحقّقـه في ا لخارج، فيلزم أن تكون ا لمقدّمـة ا لموجودة متعلّقةً للأمر، وهو مستحيل بداهة، بل ا لمتعلّق لـه إنّما هو عنوان ما يتوقّف عليـه ذو ا لمقدّمـة بناء على ا لقول بثبوت ا لملازمـة مطلقاً، وعنوان ا لموصل إ لى ذي ا لمقدّمـة بناءً على ا لقول با لمقدّمـة ا لموصلـة، كما عرفت أ نّـه مقتضى ا لتحقيق بناءً على تسليم ا لملازمـة، ضرورة أنّ ا لحيثيّات ا لتعليليـة كلّها ترجع إ لى ا لحيثيات ا لتقييديـة، فمتعلّق ا لأمر ا لمقدّمي في ا لمقام هو عنوان ما يتوقّف عليـه ترك ا لتصرّف في مال ا لغير أو عنوان ا لموصل إ ليـه، ومتعلّق ا لنهي هو عنوان ا لتصرّف في مال ا لغير، فأين يلزم اجتماع ا لتكليفين على عنوان واحد ؟ ولولا استلزام هذا ا لقول للتكليف با لمحال كما عرفت، لم يكن بدّ من ا لالتزام بـه.

ومن هنا تعرف صحّـة ما ذهب إ ليـه صاحب الفصول (قدس سره) من كونـه مأموراً بـه مع إجراء حكم ا لمعصيـة عليـه ; نظراً إ لى ا لنهي ا لسابق، وذلك لخلوّه عن استلزام ا لتكليف با لمحال أيضاً(2)، فتدبّر.

ثمّ إنّ ا لمحقّق ا لنائيني ـ على ما في ا لتقريرات ـ قد بنى ا لمسأ لـة على

1 ـ كفايـة الاُصول: 209.

2 ـ الفصول الغرويّـة: 138 / السطر 25.


207

كونها مندرجةً تحت قاعدة «ا لامتناع بالاختيار لاينافي ا لاختيار» فا لحقّ ما عليـه صاحب ا لكفايـة من عدم كونـه مأموراً بـه ولامنهيّاً عنـه، وعلى عدم كونها صغرى لها(1)، فا لحقّ ما عليـه ا لشيخ من كونـه مأموراً بـه فقط(2) ثمّ اختار عدم ا لاندراج، وتمسّك في ذلك بأربعـة أوجـه(3).

ولكن لايخفى أنّ هذه ا لقاعدة بعيدة عن ا لمقام بمراحل، بل لايكون بينهما ربط أصلاً ; لما ذكره في ا لكفايـة في بيان موردها، فراجعها(4).

التنبيـه الثالث: حكم الصلاة في الدار المغصوبـة

قد عرفت أنّ ا لصلاة في ا لدار ا لمغصوبـة لا مانع فيها من حيث اجتماع ا لتكليفين، وأمّا حكمها ا لوصفي فنحن وإن اخترنا ا لبطلان بناءً على ا لاجتماع في ا لمقدّمـة ا لسادسـة ا لمعدّة لبيان ثمرة ا لقولين، نظراً إ لى أنّ ا لمبعّد لايمكن أن يكون مقرّباً، إلاّ أ نّك عرفت في مسأ لـة إمكان اجتماع ا لمحبوبيّـة وا لمبغوضيّـة وا لصلاح وا لفساد أ نّـه لا مانع من ذلك أصلاً ; لأنّ ا لمقرّب إنّما هو حيثيـة ا لصلاتيـة، وا لمبعّد إنّما هو حيثيّـة ا لغصبيـة، فا لحقّ صحّـة ا لصلاة بناءً على ا لقول بالاجتماع، وأمّا بناءً على ا لامتناع: فقد عرفت تفصيل ا لقول فيـه في تلك ا لمقدّمـة، فراجع.

1 ـ كفايـة الاُصول: 204.

2 ـ مطارح الأنظار: 153 / السطر 33.

3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 447 ـ 451.

4 ـ كفايـة الاُصول: 209 ـ 210.


208

الفصل الثالث

في اقتضاء النهي عن الشيء فساده وعدمه

ولابدّ من تقديم اُمور:

الأمر الأوّل: حول عنوان المسألـة

ربّما يعبّر عن محلّ النزاع تارة بأنّ النهي عن الشيء هل يقتضي فساده أم لا ؟ واُخرى بأنّ النهي عن الشيء هل يدلّ على فساده أم لا ؟ ولايخفى إمكان المناقشـة في كلٍّ منهما ; لأنّ التعبير بالاقتضاء الذي معناه بحسب العرف واللغـة هو التأثير والسببيّـة لايناسب المقام، كما لايخفى.

وأمّا التعبير با لدلالـة: فلايناسب القول با لفساد من جهـة ملازمـة الحرمـة معـه لا من جهـة كون النهي إرشاداً إليـه فالأولى التعبير بأنّ النهي هل يكشف عن فساد المنهي عنـه عبادة كان أو معاملـة أم لا.

الأمر الثاني: في اُصوليّـة هـذه المسألـة

قد عرفت الفرق بين هذه المسأ لـة وبين مسأ لـة اجتماع الأمر والنهي في


209

بعض مقدّمات تلك المسأ لـة، والظاهر كون المسأ لـة اُصوليّةً ; لأنّ نتيجتها تقع في طريق الاستنباط كما هو واضح.

هل المسألـة عقليّـة أو لفظيّـة؟

قد يقال: بأنّ المسأ لـة عقليـة صرفـة، وقد يقال: لفظيـة محضـة، والظاهر عدم كونها ممحّضاً في أحدهما ; لأنّ المدّعى في المسأ لـة صحّـة العبادة وبطلانها، سواء كان طريق الإثبات في ذلك اللّفظ بأن يكون النهي إرشاداً إلى الفساد وعدمـه، أو العقل ; للملازمـة بين المبغوضيّـة والفساد وعدمها.

مضافاً إلى اختلاف الاستدلالات من هذه الجهـة، فبعضها ظاهر في الدلالـة بحسب العرف، وبعضها في الدلالـة بحسب العقل.

ودعوى أنّ المسأ لـة عقليـة محضـة ـ كما في الدّرر ـ لأنّ القائل با لبطلان يتمسّك بعدم إمكان صيرورة المبغوض عبادة(1)، مدفوعـة: بعدم اختصاص استدلالهم بذلك، بل ربّما يتمسّكون با لدلالـة العرفيـة، كما في الفصول(2)، فراجع.

الأمر الثالث: تفسير وصفي الصحّـة والفساد

ذكر في الكفايـة في معنى الصحّـة والفساد ما حاصلـه: أ نّهما وصفان إضافيّان، ومعنى الأوّل هي التماميـة، والثاني هو النقص، والصحّـة في العبادة والمعاملـة بمعنى واحد، وهو التماميـة، والاختلاف في الآثار المرغوبـة منهما

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 185.

2 ـ الفصول الغرويّـة: 140 / السطر 30.


210

ا لتي با لقياس عليها تتّصف با لتماميـة، وهكذا الاختلاف بين الفقيـه والمتكلّم في تفسير صحّـة العبادة إنّما يكون لأجل الاختلاف فيما هو المهمّ لكلٍّ منهما من الأثر بعد الاتّفاق على أ نّها بمعنى التماميـة، كما هي معناها لغةً وعرفاً(1).

أقول: من الواضح أنّ الصحّـة والفساد لايساوقان التماميـة والنقص بحسب اللغـة والعرف ; لما نرى با لوجدان من اختلاف موارد استعما لهما، فلايقال على الإنسان الفاقد للبصر مثلاً: إنّـه فاسد، ولا على الفاكهـة التي طرأ عليها بعض العوارض فأخرجها عمّا يقتضيـه بحسب نوعها: إنّها ناقصـة، ولا على البيت الخا ليـة من السقف أو الجدار مثلاً: إنّـه فاسد، بل يقال: ناقص، ولا على المعجون المشتمل على جميع أجزائـه الغير المترتّب عليـه الأثر المقصود منـه ; لطروّ بعض العوارض عليـه: إنّـه ناقص، بل يقال لـه: إنّـه فاسد.

وبا لجملـة، فاختلاف موارد استعما لهما ممّا لاينبغي الارتياب فيـه.

والحقّ الذي يطابقـه الوجدان: أنّ معنى التماميـة يرجع إلى اشتمال الشيء المركّب على جميع ما اعتبر فيـه من الأجزاء والشرائط، والنقص عبارة عن فقدانـه لبعض تلك الأجزاء أو الشرائط، والتقابل بينهما تقابل العدم والملكـة.

وأمّا الصحّـة فهي عبارة عن كون الشيء في وجوده الخارجي مطابقاً لما يقتضيـه طبعـه الأوّلي بحسب نوعـه والفساد عبارة عن خروجـه عن مقتضى طبعـه الأوّلي لطروّ بعض الأسباب الموجبـة لذلك، وهو كا لصحّـة أمر وجودي، والتقابل بينهما تقابل الضدّين.

نعم، لا ننكر أنّ الصحّـة قد استعملت في العبادات والمعاملات بمعنى التماميـة ; إذ العبادة الصحيحـة مثلاً هو ما كان جامعاً لجميع الأجزاء والشرائط

1 ـ كفاية الاُصول: 220.


211

ا لمعتبرة فيـه، وكذا المعاملـة، والفساد قد استعملت فيهما بمعنى النقص، كما هو واضح، ولكن هذا الاستعمال إمّا أن يكون اصطلاحاً خاصّاً من الفقهاء، وإمّا أن يكون مجازيّاً، وقرينتـه المشابهـة ; لأنّ الصلاة الفاقدة لبعض أجزائها مثلاً كأ نّها قد خرجت عن مقتضى طبعها الأوّلي.

نعم على التقدير الثاني قد بلغ الآن إلى حدّ الحقيقـة ; لعدم احتياجـه إلى القرينـة أصلاً، كما هو واضح.

ثمّ لايخفى أنّ التماميـة والنقص وصفان إضافيان، فيمكن أن يكون المركّب تامّاً من حيث أجزائـه مثلاً، وناقصاً من حيث شرائطـه، والصحّـة والفساد في العبادات والمعاملات وإن عرفت أ نّهما يساوقان التماميـة والنقص إلاّ أنّ أثرهما ـ وهو الإضافـة ـ لايسري إلى الصحّـة والفساد ; لأنّـه لايقال على الصلاة الجامعـة لجميع أجزائها الفاقدة لبعض شرائطها مثلاً: إنّها صحيحـة من حيث الأجزاء، وفاسدة من حيث الشرائط، بل أمرها يدور بين الصحّـة بقول مطلق، والفساد كذلك، كما لايخفى.

وهكذا المعاملات، فإنّ أمرها أيضاً دائر بين الصحّـة فقط، والفساد كذلك.

ثمّ إنّ الصحّـة والفساد وصفان واقعيّان لايختلفان بحسب الأنظار واقعاً، بل مرجع الاختلاف إلى تخطئـة كلٍّ من الناظرين نظر صاحبـه بمعنى أنّ المصيب إنّما هو نظر واحد فقط، غايـة الأمر أنّ كلاّ يدّعي إصابـة نظره، وذلك لايقتضي اختلافهما بحسب الأنظار واقعاً.

فما في الكفايـة: من اختلافهما بحسب الأنظار ; لكون الأمر في الشريعـة على أقسام، وقد وقع الخلاف في إجزاء غير الأمر الواقعي عنـه(1).

1 ـ كفايـة الاُصول: 220 ـ 221.


212

ممنوع جدّاً; لأنّ هذا الخلاف مرجعـه إلى ما ذكرنا من عدم اقتضاء ذلك الاختلاف بحسب الواقع، بل نقول: إنّ مسأ لـة الإجزاء لا ربط لها بمسأ لـة الصحّـة أصلاً ; فإنّ معنى الصحّـة عبارة عن موافقـة المأتي بـه للأمر المتعلّق بنفسـه، وأمّا الاكتفاء بـه عن الإتيان با لمأمور بـه بأمر آخر فهو أمر خارج عن معنى الصحّـة، فا لصلاة مع الطهارة المستصحبـة صحيحـة بمعنى كونها موافقـة للأمر الظاهري المتعلّق بها ولو لم نقل بكونها مجزئةً بمعنى الاكتفاء بـه عن الصلاة مع الطهارة الواقعيـة المأمور بها بالأمر الواقعي، فا لصحّـة أمر، والإجزاء أمر آخر.

نعم الإجزاء مترتّب على الصحّـة بمعنى أنّ الإجزاء لو قيل بـه إنّما يتّصف بـه الصلاة الصحيحـة المطابقـة للأمر المتعلّق بها ; إذ الصلاة الفاسدة بحسب أمرها لايعقل أن تكون مجزئةً با لنسبة إلى أمر آخر كما هو واضح.

تنبيـه: في جعل الصحّـة والفساد

لاينبغي الإشكال في أنّ الصحّـة والفساد أمران واقعيّان يستقلّ بهما العقل بلا فرق بين العبادات والمعاملات، ولابين الإتيان با لمأمور بـه بالأمر الواقعي الأوّلي أو بالأمر الاضطراري والظاهري أصلاً ; لأنّهما وصفان للموجود الخارجي باعتبار موافقتـه مع المجعول الشرعي، عبادةً كان أو معاملةً وعدمها ; إذ لايعقل الصحّـة والفساد في وادي الجعل والإنشاء، بل إنّما يتصوّران في وادي الامتثال والإيجاد، وهذا واضح، ومن المعلوم أ نّـه لا فرق من هذه الجهـة بين المعاملـة والعبادة أصلاً.

فما في الكفايـة، من التفصيل بينهما لا وجـه لـه، وكذا التفصيل بين


213

ا لصحّـة والفساد في الإتيان با لمأمور بـه بالأمر الواقعي، وبينهما في الإتيان با لمأمور بـه بالأمر الظاهري أو الاضطراري با لقياس إلى الأمر الواقعي بعدم معقوليـة الجعل في الأوّل دون الثاني(1) ممّا لا سبيل إليـه ; فإنّـه يرد عليـه ـ مضافاً إلى ما عرفت من أنّ مسأ لـة الصحّـة والفساد لا ربط لها بمسأ لـة الإجزاء وعدمـه، فإنّهما إنّما يعتبران با لقياس إلى نفس الأمر الظاهري والاضطراري، وتلك المسأ لـة إنّما تكون متعرّضةً لحا لـه من حيث الإجزاء وعدمـه با لنسبـة إلى أمر آخر ـ أنّ معنى الأمر الظاهري مثلاً لو كان راجعاً إلى التصرّف في المأمور بـه بالأمر الواقعي سعةً وضيقاً بحيث كان مرجع تجويز الصلاة مع الطهارة المستصحبـة مثلاً إلى التصرّف في دليل اعتبار الطهارة في الصلاة بعدم كون المعتبر فيها هو خصوص الطهارة الواقعيـة بل الأعمّ منها ومن الطهارة الظاهريـة، فلايعقل جعل الصحّـة للمأتي بـه في الخارج مع الطهارة المستصحبـة مثلاً ; لأنّ موافقتـه مع المجعول الشرعي أمر واقعي نفس الأمري، ولايعقل فيـه الجعل ولو لم يكن معنى الأمر الظاهري راجعاً إلى ما ذكرنا، بل المراد منـه مجرّد تجويز الصلاة معها مثلاً تسهيلاً للعباد بعدم لزوم التفحّص، أو تحصيل الطهارة اليقينيـة ما دام لم ينكشف الخلاف، فلايعقل جعل الصحّـة إذا انكشف بعد عدم عموميـة الطهارة المعتبرة في الصلاة وكون الشرط هو خصوص الطهارة الواقعيـة لفساد العبادة واقعاً ; لعدم كونها موافقةً للمجعول الشرعي، كما هو واضح.

فا لحق أنّ الصحّـة والفساد مطلقاً من الاُمور الواقعيّـة الغير القابلـة للجعل، ولا فرق بين الموارد أصلاً، فتأمّل جيّداً.

1 ـ كفايـة الاُصول: 220 ـ 221.


214

الأمر الرابع: شمول ملاك البحث للنهي التنزيهي والغيري والتبعي

لاريب في عدم اختصاص النزاع با لنهي التحريمي وشمولـه للنهي التنزيهي أيضاً، ومجرّد كون النواهي التنزيهيّـة في الشريعـة متعلّقةً لابنفس العبادة بل ببعض الخصوصيّات الخارجـة عن حقيقتها ـ كما ادّعاه بعض(1)ـ لايوجب خروجـه عن محلّ النزاع ; لعدم تعلّق غرض الاُصولي با لصغريات، بل غرضـه بيان قاعدة كلّيـة تنطبق على مواردها، كما لايخفى.

هذا ما ينافي ما تقدّم في ثمرة اقتضاء الأمر با لشيء للنهي عن الضدّ، وكذا لاشبهـة في دخول النهي الغيري في مورد النزاع، وكذا النهي التبعي.

الأمر الخامس: في تحقيق الأصل في المسألـة

لا أصل في نفس المسأ لـة الاُصوليـة حتّى يحرز بـه الاقتضاء أو عدمـه ; لأنّـه لو كان النزاع في دلالـة النهي وعدمها، فلاشبهـة في أ نّـه لايكون لأحد الطرفين حا لـة سابقـة متيقّنـة حتّى تستصحب، ضرورة أ نّها مشكوكـة من حين الوضع.

ودعوى: أنّ كلمـة «لا» مثلاً قبل التركيب وانضمام اللاّم مع الألف ـ يعني حين وضع المفردات ـ لم يكن يدلّ على الفساد ; لعدم عروض الوضع التركيبي عليـه، فتستصحب تلك الحا لـة.

مدفوعـة: بأنّ النزاع في لفظـة «لا» لا «ا للاّ» مع الألف، وهي من أوّل وضعها كانت مشكوكـة الدلالـة على الفساد، ولو كان النزاع في الملازمـة بين

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 185 ـ 186.


215

ا لحرمـة والفساد وعدمها، فلاشبهـة أيضاً في أ نّـه لايكون لها حا لـة سابقـة متيقّنـة، لا لأنّ الملازمـة وعدمها من الاُمور الأزليـة، فإنّ هذا فاسد ; لأنّ الملازمـة من الأوصاف الوجوديـة، ولايعقل تحقّقها من دون تحقّق طرفيها، وعروضها للمعدوم غير معقول، بل لكونها مشكوكةً من حين تحقّق النهي.

ودعوى: كونها معدومةً ومنتفيةً قبلـه ولو بانتفاء الموضوع.

مدفوعـة: بأنّ هذا لايصحّح جريان الاستصحاب ; لأنّـه من قبيل استصحاب عدم القرشيـة، وقد حقّق في محلّـه عدم جريانـه.

ثمّ إنّـه لو سلّمنا وجود الحا لـة السابقـة، فا لظاهر أيضاً عدم جريان الاستصحاب ; لأنّـه يعتبر في جريانـه في الموضوعات أن تكون موضوعةً للآثار والأحكام الشرعيـة. وبعبارة اُخرى: مندرجةً تحت بعض الكبريات الشرعية، ومن المعلوم أ نّـه ليس في المقام كذلك ; لأنّ استصحاب عدم الدلالـة أو عدم الملازمـة لايثبت الصحّـة أصلاً ; لأنّ ترتّب الصحّـة إنّما هو بحكم العقل بعد ملاحظـة ثبوت المقتضي وعدم المانع، كما هو الحال في جميع الموارد، فإنّ الحاكم بترتّب المقتضى على المقتضي بعد عدم ثبوت المانع إنّما هو العقل لا غير.

هذا كلّـه فيما يتعلّق بجريان الأصل في نفس المسأ لـة الاُصوليـة.

وأمّا المسألـة الفرعيـة: فالأصل في المعاملات الفساد لو لم يكن عموم أو إطلاق يقتضي الصحّـة، وأمّا العبادة فلو اُحرز من طريق ثبوت الملاك فيها، فا لظاهر الصحّـة بناءً على كفايـة الملاك في صحّـة العبادة، كما هو الحقّ، وقد سبق، ولو لم يحرز ذلك، فا لعبادة فاسدة، والوجـه فيـه واضح.

ثمّ لايخفى: أ نّـه لا فرق فيما ذكرنا بين تعلّق النهي بنفس العبادة مثلاً أو جزئها أو شرطها ; لأنّ محلّ الكلام إنّما هو كون تعلّق النهي بشيء عبادةً كان أو معاملـة يوجب فساد متعلّقـه من حيث هو أم لا، وأمّا سرايـة الفساد منـه إلى


216

مجموع العبادة فيما كان متعلّق النهي جزءَ العبادة وعدم السرايـة، فهو أمر خارج عن موضوع البحث، كما لايخفى.

ومنـه يظهر أنّ الأمر الثامن الذي عقده في الكفايـة لإثبات موارد السرايـة وعدمها(1) خارج عن محلّ الكلام، ولا ربط لـه أصلاً.

إذا عرفت هذه الاُمور، فاعلم أنّ الكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل

في دلالـة النهي على الفساد في العبادات

وا لكلام فيـه يقع من جهتين:

الجهـة الاُولى: في دلالـة النهي على الفساد فيها با لدلالـة اللفظيـة العرفيـة بمعنى أ نّـه لو ورد نهي متعلّق بعبادة ولم يحرزكونـه مولويّاً تحريميّاً أوتنزيهيّاً أوإرشادياً، فهل يدلّ بنظر العرف على فسادها أم لا ؟ بمعنى أ نّـه هل يكون للإرشاد إلى الفساد أم لا ؟

قد يقال ـ كما عن بعض الأعاظم من المعاصرين ـ بكونـه في العبادات إرشاداً إلى فسادها ; لأنّـه حيث تكون العبادة من المجعولات الشرعيـة، والغرض من إتيانها إنّما هو سقوط الأمر، وحصول التقرّب بسببها إلى المولى، فكما أنّ الأمر بإتيانها على كيفيّـة مخصوصـة وبوجوب الإتيان بشيء فيها يكون للإرشاد إلى أنّ الأثر المترقّب من العبادة لايترتّب عليها من دون تلك الكيفيّـة أو ذلك الشيء، وكذلك النهي عن إيجاد شيء في المأمور بـه أو إتيانها بكيفيـة خاصّـة يكون للإرشاد إلى مانعيـة ذلك الشيء أو تلك الكيفيـة، وأنّ الأثر المقصود

1 ـ كفايـة الاُصول: 222 ـ 223.


217

لايترتّب عليـه مع وجوده أو وجودها، فكذلك النهي المتعلّق ببعض أنواع العبادة أو أصنافها لايكون إلاّ للإرشاد إلى فساده، وعدم ترتّب الأثر المقصود عليـه(1).

الجهـة الثانيـة: في ثبوت الملازمـة بين الحرمـة والفساد بمعنى أ نّـه لو اُحرز كون مدلول النهي هي الحرمـة، فهل يثبت بذلك فساد المنهي عنـه للملازمـة، أو لايثبت لعدمها ؟

وا لتحقيق هو الأوّل ; لأنّ النهي يكشف عن مبغوضيـة متعلّقـه واشتما لـه على المفسدة على ما يقول بـه العدليـة، ومع ذلك لايبقى مجال لصحّتـه بعد أ نّـه يعتبر في صحّـة العبادة أحد أمرين، وهما تعلّق الأمر بها واشتما لها على الملاك وهو رجحانها الذاتي، والمفروض انتفاؤهما في المقام.

وتوهّم: أ نّـه لايعقل تعلّق النهي التحريمي الذاتي با لعبادة ; لعدم حرمتها مع عدم قصد التقرّب وعدم القدرة عليها معـه إلاّ تشريعاً.

مدفوع: بأنّ المراد با لعبادة هو الذي يكون من سنخ الوظائف التي يتعبّد بها، لا ما يكون فعلاً عبادةً، فصلاة الحائض عبادة بمعنى أ نّها لو تعلّق الأمر بها، كان أمرها أمراً عباديّاً.

هذا في غير العبادات الذاتيـة، وأمّا فيها: فتكون محرّمةً مع كونها فعلاً عبادةً، كما هو واضح.

هذا في النهي التحريمي، وأمّا النهي التنزيهي المتعلّق بذات العبادة فهو أيضاً يوجب فسادها ; لأنّـه لايعقل اجتماع الصحّـة مع المرجوحيّـة الذاتيـة أصلاً، إلاّ أ نّـه لايخفى ثبوت المنافاة بين الفساد وبين الترخيص فيها الذي هو لازم النهي التنزيهي ; لأنّ الترخيص بلازم الصحّـة ; إذ لايعقل تجويز التشريع، فثبوتـه يلازم

1 ـ نهايـة الاُصول: 283 ـ 284.


218

صحّتها، كما لايخفى.

فلابدّ من التأويل بجعل الترخيص ترخيصاً في أصل العبادة، أو يقال بكون النهي إرشاداً إلى أقلّيـة الثواب، إلاّ أنّ ذلك خروج عن محلّ البحث ; لأنّ المفروض كون النهي تنزيهيّاً متعلّقاً بذات العبادة.

هذا في النواهي النفسيـة، وأمّا النواهي الغيريـة كا لنهي عن الصلاة الناشئ من قِبَل الأمر بالإزا لـة بناءً على اقتضاء الأمر با لشيء للنهي عن ضدّه، فلايخفى أ نّها لا تستلزم الفساد ; لعدم كون متعلّقها مبغوضاً أصلاً، فلا مانع من صحّتها مع وجود الملاك فيها، والاكتفاء بـه في صحّـة العبادة، كما عرفت.

وتوهّم أنّ الآتي با لصلاة دون الإزا لة يكون متجرّياً والتجرّي يوجب بطلان عبادتـه ; لأنّـه لايقبل عبادة المتجرّي، مدفوع: بأنّ التجرّي إنّما هو بسبب عدم فعل الإزا لـة، لا فعل الصلاة، ولايعقل سرايـة التجرّي منـه إليـه، كما هو واضح.

المقام الثاني

في اقتضاء النهي للفساد في المعاملات وعدمـه

وفيـه أيضاً جهتان من الكلام:

الجهـة الاُولى: في دلالـة النهي على الفساد، بمعنى أ نّـه لو ورد نهي متعلّق بمعاملـة، ولم يحرز كونـه مولويّاً تحريميّاً أو تنزيهيّاً أو إرشادياً فهل، ظاهرها الأخير بمعنى كونـه للإرشاد إلى الفساد أم لا ؟

وا لتحقيق هو الأوّل ; لأنّ المعاملـة كا لبيع مثلاً يتضمّن جهات ثلاثـة:

الاُولى: هي نفس الألفاظ الصادرة من المتعاقدين، كبعتُ واشتريتُ مثلاً.

الثانيـة: ماهومدلول تلك الألفاظ، وهوفعل تسبيبي للإنسان، كا لنقل والانتقال.


219

الثالثـة: الآثار المترتّبـة عليها المرغوبـة منها، كجواز التصرّف بالأكل والشرب واللّبس مثلاً، ومن المعلوم أنّ غرض العقلاء هو الأمر الأخير، أي ترتيب الآثار المطلوبـة، فا لشارع من حيث إنّـه مقنّن للقوانين التي بها ينتظم اُمور الناس من حيث المعاش والمعاد، فإذا نهى عن معاملـة، فا لظاهر أ نّـه لايترتّب عليها الآثار المترقّبـة منها، بمعنى أنّ النهي إرشاد إلى فساد تلك المعاملـة، كما هو الظاهر بنظر العرف.

الجهـة الثانيـة: في الملازمـة بين الحرمـة والفساد في المعاملات، بمعنى أ نّـه لو اُحرز كون النهي للتحريم، فهل يلازم ذلك فساد المعاملـة أو لا ؟

فنقول: إنّ النواهي الواردة في المعاملات على أنحاء:

أحدها: أن يكون النهي متعلّقاً بنفس ألفاظها من حيث إنّها فعل اختياري مباشري، فيصير التلفّظ بها من المحرّمات، كشرب الخمر، ولاريب في عدم الملازمـة بين حرمـة التلفّظ وفساد المعاملـة أصلاً ; فإنّ المعصيـة لا تنافي ترتيب الأثر.

ألا ترى أنّ إتلاف مال الغير حرام بلا إشكال، ومع ذلك يؤثّر في الضمان.

ثانيها: أن يكون مدلول النهي هو إيجاد السبب من حيث إنّـه يوجب وجود المسبّب. وبعبارة اُخرى: يكون المبغوض هو ما يتحصّل من المعاملـة، وتؤثّر تلك الألفاظ في وجودها، كما في النهي عن بيع المسلم للكافر ; فإنّ المبغوض فيـه هو سلطنـة الكافر على المسلم، وفي هذا النحو يمكن أن يقال بعدم ثبوت الملازمـة بين الحرمـة والفساد، إذ لا مانع من صحّـة البيع، إلاّ أ نّـه ذكر في تقريرات الشيخ(قدس سره) أنّ ذلك إنّما يستقيم فيما إذا قلنا بأنّ الأسباب الناقلـة إنّما هي مؤثّرات عقليـة قد اطّلع عليها الشارع، وبيّنها لنا من دون تصرّف زائد، وأمّا على القول بأنّ هذه أسباب شرعيـة إنّما وضعها الشارع وجعلها مؤثّرةً في الآثار المطلوبـة عنها،


220

فلابدّ من القول بدلالـة النهي على الفساد، فإنّ من البعيد في الغايـة جعل السبب فيما إذا كان وجود المسبّب مبغوضاً(1). انتهى.

ولكن لايخفى أنّ هنا احتمالاً آخر، وهو: أن تكون الأسباب الناقلـة مؤثّرات عقلائيـة، والشارع قد أمضاها، وهو أقوى من الاحتما لين اللّذين ذكرهما في كلامـه، ومعـه يمكن صحّـة المعاملـة مع كونها محرّمـة.

وتوهّم أ نّـه كما يكون من البعيد جعل السبب ابتداء مع مبغوضيّـة المسبّب كذلك من البعيد إمضاء السبب العقلائي مع مبغوضيّـة مسبّبـه، مدفوع: بأنّ ذلك إنّما يستقيم لو تعلّق الإمضاء بها بخصوصها، وأمّا لو كان الدليل العامّ كقولـه: (أوفوا بالعقود): متضمّناً لإمضاء جميع العقود العقلائيـة، فيرتفع البُعْد، كما لايخفى.

ثالثها: أن يكون مدلول النهي هو التسبّب بأ لفاظ معاملـة خاصّـة إلى المسبّب، بمعنى أ نّـه لايكون السبب ولا المسبّب من حيث أنفسهما حراماً، ولكن المحرّم هو التوصّل إلى وجود المسبّب من ناحيـة خصوص هذا السبب، ولايخفى عدم الملازمـة في هذا القسم أيضاً لو لم نقل بدلالـة النهي على الصحّـة من حيث إنّ متعلّق النهي لابدّ وأن يكون مقدوراً للمكلّف بعد تعلّق النهي، فلو كانت المعاملـة فاسدةً، لم يكن التوصّل با لمسبّب من طريق هذا السبب مقدوراً للمكلّف بعد النهي حتّى يتعلّق بـه، وقد يعدّ باب الظهار من هذا القسم ; نظراً إلى أنّ السبب ـ وهو التلفّظ بأ لفاظـه ـ من حيث هو لايكون محرّماً، وكذا المسبّب ـ وهي المفارقـة بين الزوجين والبينونـة بينهما ـ لايكون مبغوضاً أيضاً ; لتحقّقها في الطلاق، بل المحرّم هو التوصّل إلى ذلك من طريق ألفاظ الظهار.

1 ـ مطارح الأنظار: 163 / السطر 33.


221

ثمّ إنّ الوجـه الذي ذكرنا في دلالـة النهي على الصحّـة في هذا القسم يجري في القسم الثاني أيضاً، فلا تغفل.

رابعها: أن يكون النهي متعلّقاً بالآثار المترتّبـة على المعاملـة، كا لنهي عن أكل الثمن فيما إذا كان عن الكلب والخنزير، والنهي في هذا القسم يدلّ على الفساد ; لكشف تحريم الثمن عن فسادها ; إذ لايكاد يحرم مع صحّتها، كما لايخفى.

ثمّ إنّ هذا كلّـه فيما لو علم تعلّق النهي بواحد معيّن من الأقسام الأربعـة المتقدّمـة، وأمّا لو اُحرز كون النهي للتحريم ولكن لم يعلم متعلّقـه وأ نّـه هل هو من قبيل القسم الأوّل أو من قبيل سائر الأقسام ؟ فا لظاهر كونـه من قبيل القسم الأخير ; لأنّـه هو المقصود من المعاملـة، فا لنهي يتوجّـه إليـه، وقد عرفت كشفـه عن فسادها.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ النهي المتعلّق با لمعاملـة من دون قرينـة يدلّ على فسادها إمّا لكونـه إرشاداً إلى فسادها، كما عرفت أ نّـه الظاهر منـه، وإمّا لكونـه يدلّ على حرمـة الآثار، وهي ملازمـة للفساد، فتأمّل جيّداً.

حول الروايات التي استدلّ بها لدلالـة النهي على الفساد

بقي الكلام فيما يستدلّ بـه من الأخبار على دلالـة النهي على الفساد في المعاملات شرعاً:

منها: ما رواه في الكافي والفقيـه عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سأ لتـه عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده، فقال: «ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه، وإن شاء فرّق بينهما».

قلت: أصلحك اللّـه إنّ الحكم بن عيينـة وإبراهيم النخعي وأصحابهما


222

يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد ولا تحلّ إجازة السيّد لـه.

فقال أبو جعفر(عليه السلام): «انّـه لم يعص اللّـه، إنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو لـه جائز»(1) حيث إنّ ظاهره أنّ النكاح لو كان ممّا حرّمـه عليـه لكان فاسداً.

وذكر في تقريرات الشيخ في توجيـه الاستدلال با لروايـة ما حاصلـه: أ نّـه إنّما فرّع في الروايـة الصحّـة والفساد على معصيـة اللّـه وعدمها، وهو يحتمل وجهين:

الأوّل: أن تكون المعاملـة معصيةً للّـه من حيث إنّـه فعل من أفعال المكلّف مع قطع النظر عن كونـه معاملةً مؤثّرة.

الثاني: أن تكون معصيةً من حيث إنّها منهيّ عنها بما أ نّها موجبة لترتّب الآثار المطلوبـة.

لا سبيل إلى الأوّل ; فإنّ عصيان السيّد أيضاً عصيان اللّـه، فلابدّ من المصير إلى الثاني، وهو يفيد المطلوب، فإنّـه يستفاد من التفريع المذكور أنّ المعاملـة التي فيها معصيـة اللّـه فاسدة.

وبا لجملـة، المطلوب في المقام هو أنّ النهي المتعلّق با لسبب بما أ نّـه فعل من الأفعال لايقتضي الفساد، والنهي عنـه بما أ نّـه سبب مؤثّر يقتضي الفساد، والروايـة متضمّنـة بل صريحـة في حكم كلا الجزءين:

أمّا الجزء الأوّل: فيستفاد من قولـه: «وإنّما عصى سيّده» المستلزم لعصيان اللّـه، لا من حيث إنّها موجبـة للآثار المطلوبـة ; فإنّ عصيان اللّـه من جهـة عصيان السيّد لايعقل كونـه من جهـة الترتّب.

1 ـ الكافي 5: 478 / 3، الفقيـه 3: 350 / 1675، وسائل الشيعـة 21: 114، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24، الحديث 1.


223

أمّا الجزء الثاني: فيستفاد من تفريع الصحّـة والبطلان على المعصيـة التي يجب أن تكون مخا لفةً للمعصية اللازمة من مخا لفة السيّد، وهوا لمطلوب(1). انتهى ملخّصاً.

ولكن لايخفى أنّ هذا مخا لف لظاهر الروايـة من حيث إنّ ظاهرها أنّ ما يكون معصيـة للسيّد لايكون معصيةً للّـه، فتفسير معصية السيّد بإيجاد نفس السبب من حيث إنّـه فعل من الأفعال مضافاً إلى إمكان الخدشـة فيـه من حيث إنّـه لايعدّ مثل ذلك معصيةً مع إرجاع معصية اللّـه إلى المعصية في إيجاد المعاملة المؤثّرة خلاف ما هو ظاهرها.

ومن هنا يظهر الخلل فيما أجاب بـه في الكفايـة عن الاستدلال با لروايـة من أنّ الظاهر أن يكون المراد با لمعصيـة المنفيـة هاهنا أنّ النكاح ليس ممّا لم يمضـه اللّـه ولم يشرّعـه كي يقع فاسداً، ومن المعلوم استتباع المعصيـة بهذا المعنى للفساد، كما لايخفى.

ولابأس بإطلاق المعصيـة على عمل لم يمضـه اللّـه ولم يأذن بـه، كما اُطلق عليـه بمجرّد عدم إذن السيّد أ نّـه معصيـة(2). انتهى.

والتحقيق في معنى الروايـة أن يقال: إنّ المراد با لنكاح ليس هو إيجاد ألفاظـه من حيث إنّـه فعل من الأفعال، بل هو التزويج والتزوّج، ومن المعلوم أ نّـه بعنوانـه لايكون معصيةً للّـه تعا لى ; لأنّـه لم يجعلـه إلاّ حلالاً ومباحاً، وأمّا من حيث إنّـه مصداق لعنوان مخا لفـة السيّد، المحرّمـة، فهو حرام لابعنوان النكاح، بل بعنوانها.

1 ـ مطارح الأنظار: 164 ـ 165.

2 ـ كفايـة الاُصول: 227.


224

وبا لجملـة فهاهنا عنوانان:

أحدهما: عنوان النكاح.

ثانيهما: عنوان مخا لفـة السيّد.

ومن المعلوم أنّ ما حرّمـه اللّـه تعا لى على العبد إنّما هو العنوان الثاني لا الأوّل، فا لنكاح ليس معصيةً للّـه تعا لى أصلاً وإن كان من حيث إنّـه يوجب تحقّق عنوان المخا لفـة معصيـة للسيّد، المستلزمـة لمعصيـة اللّـه، ولايعقل سرايـة النهي عن عنوان متعلّقـه إلى عنوان النكاح أصلاً، كما حقّقناه في مبحث اجتماع الأمر والنهي بما لا مزيد عليـه.

ونظير ذلك ما إذا تعلّق النذر بإيجاد بعض النوافل مثلاً، فإنّ تعلّق النذر بـه لايوجب سرايـة الوجوب إليـه حتّى يخرج عن النفليـة، بل متعلّق الوجوب إنّما هو عنوان الوفاء با لنذر، ومتعلّق الأمر الاستحبابي إنّما هو الصلاة النافلـة.

ويؤيّد بل يدلّ على ما ذكرنا في معنى الروايـة: بعض الروايات الاُخر:

مثل ما رواه زرارة أيضاً عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سأ لتـه عن رجل تزوّج عبده امرأة بغير إذنـه فدخل بها ثمّ اطّلع على ذلك مولاه.

فقال: «ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما، وإن شاء أجاز نكاحهما» إلى أن قال: فقلت لأبي جعفر(عليه السلام): فإنّ أصل النكاح كان عاصياً.

فقال أبو جعفر(عليه السلام): «إنّما أتى شيئاً حلالاً وليس بعاص للّـه، إنّما عصى سيّده ولم يعص اللّـه، إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّـه عليـه من نكاح في عدّة وأشباهـه»(1).

1 ـ الكافي 5: 478 / 2، وسائل الشيعـة 21: 115، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24، الحديث 2.


225

فإنّـه لو كان عاصياً للسيّد في أصل النكاح كيف يمكن أن لايكون عاصياً للّـه تعا لى، كما لايخفى، فلابدّ من المصير إلى ما ذكرنا.

ومثل ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبدا للّـه(عليه السلام) في مملوك تزوّج بغير إذن مولاه، أعاص للّـه ؟

قال: «عاص لمولاه».

قلت: حرام هو ؟

قال: «ما أزعم أنّـه حرام، وقل لـه أن لايفعل إلاّ بإذن مولاه»(1).

فإنّـه كيف يجمع بين نفي الحرمـة ووجوب أن لايفعل العبد ذلك ؟ ! وليس إلاّ من جهـة أنّ التزوّج بعنوانـه ليس بحرام، ولكن يجب تركـه من حيث إنّـه يتحقّق بـه مخا لفـة السيّد.

ثمّ لايخفى أنّ ممّا ذكرنا يظهر صحّـة الاستدلال با لروايـة ; لأنّ مفادها أنّ النكاح لو كان بعنوانـه ممّا حرّمـه اللّـه وكان فعلـه معصيةً لـه تعا لى، لكان أصلـه فاسداً، كما هو المطلوب، فتأمّل جيّداً.

تذنيب: في دعوى دلالـة النهي على الصحـة

حكي عن أبي حنيفـة والشيباني: دلالـة النهي على الصحّـة في العبادات والمعاملات، وعن الفخر: الموافقـة لهما(2).

وفي الكفايـة: أنّ التحقيق يقتضي المصير إليـه في المعاملات فيما إذا كان

1 ـ الكافي 5: 478 / 5، وسائل الشيعـة 21: 113، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 23، الحديث 2.

2 ـ مطارح الأنظار: 166 / السطر 15.


226

ا لنهي عن المسبّب أو التسبّب ; لأنّـه يشترط في التكليف كون متعلّقـه مقدوراً للمكلّف، ولايكاد يقدر عليهما إلاّ فيما كانت المعاملـة مؤثّرةً صحيحـة، بخلاف ما إذا كان النهي عن السبب ; فإنّـه مقدور وإن لم يكن صحيحاً(1).

هذا، ولكن لايخفى أنّ هذا في الحقيقـة تصديق لقول أبي حنيفـة في المعاملات مطلقاً ; لأنّ السبب بما هو فعل من أفعال السبب مع قطع النظر عن سببيّتـه لايكون معاملةً، وكلامـه إنّما هو في النهي عنها، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه ذكر بعض المحقّقين من محشّي الكفايـة في مقام الجواب عن أبي حنيفـة وردّ كلامـه ما حاصلـه: أ نّـه إذا كان صحّـة الشيء لازم وجوده بحيث لا تنفكّ عنـه، فا لنهي عنـه يكشف عن صحّتـه ; إذ المفروض أ نّـه لا وجود لـه إلاّ صحيحاً، فلابدّ من كونـه مقدوراً في ظرف الامتثال، والمفروض أنّ وجوده يلزم نفوذه، ولكن حيث إنّ ذات العقد الإنشائي لايكون ملازماً للصحّـة، فمقدوريّتـه بذاتـه لا ربط لـه بمقدوريّتـه من حيث هو مؤثّر فعلي، ومن المعلوم أنّ تعلّق النهي بـه لايوجب إلاّ مقدوريّتـه بذاتـه.

نعم، التحقيق أنّ إيجاد الملكيـة حيث إنّـه متّحد مع وجود الملكيّـة با لذات ومختلف معـه بحسب الاعتبار، وأمرها دائر بين الوجود والعدم، فلايتّصف با لصحّـة ; لأنّ وجود الملكيـة ليس أثراً لـه حتّى يتّصف بلحاظـه با لصحّـة ; لأنّ الشيء لايكون أثراً لنفسـه، وأمّا الأحكام المترتّبـة على الملكيـة فنسبتها إليها نسبـة الحكم إلى الموضوع، لا نسبـة المسبّب إلى السبب ليتّصف بلحاظـه با لصحّـة.

فظهر أنّ النهي عن إيجاد الملكيـة وإن كان دالاّ على مقدوريّتـه، لكنّـه

1 ـ كفايـة الاُصول: 228.


227

لايدلّ على صحّتـه ; لأنّ وجودها ليس أثراً لـه، بل هو نفسـه، والنهي عن السبب وإن دلّ على مقدوريّتـه، إلاّ أ نّـه لايلازم الصحّـة، فقول أبي حنيفـة ساقط على جميع التقادير(1). انتهى.

وأنت خبير: بأنّ السبب من حيث هو لايكون معاملةً أصلاً، وإنّما هو عبارة عن إيجاد الملكيّـة ووجودها وإن لم يكن أثراً لـه حتّى يتّصف بلحاظـه با لصحّـة، إلاّ أنّ المقصود ليس اتّصافـه بها حتّى يورد عليـه بما ذكر، بل الغرض أنّ النهي حيث يدلّ على مقدوريّـة متعلّقـه، فلا محا لـة يكون إيجاد الملكيـة مقدوراً لـه، وهو يوجب صحّـة المعاملـة.

وبا لجملـة غرضـه ليس اتّصاف الإيجاد بها، بل اتّصاف ما يتّصف بها في جميع المعاملات، وذلك يستكشف من مقدوريّـة الإيجاد، فا لحقّ مع أبي حنيفـة في دلالـة النهي على الصحّـة في المعاملات.

وأمّا العبادات: فإن قلنا بكونها موضوعةً للأعم، فلايخفى أنّ النهي لايدلّ على الصحّـة أصلاً ; لكونها مقدورةً مع عدمها، وإن قلنا بكونها موضوعةً للصحيح، فكذلك أيضاً ; نظراً إلى أنّ المراد با لصحيح في ذلك الباب هو الواجد لجميع الأجزاء والشرائط غير ما يأتي منها من قِبَل الأمر، كقصد القربـة ; لما تقدّم في مبحث الصحيح والأعم من اتّفاق القائلين بكونها موضوعةً للصحيح. على أنّ المراد بـه هي الصحّـة مع قطع النظر عمّا يأتي من قبل الأمر، ومن المعلوم أ نّها مقدورة مع فسادها، كما لايخفى.

وأمّا الصحيح مع ملاحظـة جميع الشرائط حتّى الآتي منها من قبل الأمر فلايمكن تعلّق النهي بـه أصلاً ; لأنّـه لايعقل أن تكون مبغوضةً، فلايبقى مجال في

1 ـ نهايـة الدرايـة 2: 407 ـ 408.


228

دلالـة النهي على الصحّـة وعدمها، كما لايخفى.

تنبيـه: حول استتباع النهي عن الجزء أو الشرط أو الوصف للفساد

قد عرفت في مقدّمات المبحث أ نّـه لا فرق في مورد النزاع بين كون متعلّق النهي نفس العبادة أو جزءها أو شرطها ; لأنّ الكلام في اقتضاء النهي فساد العبادة مطلقاً وعدمـه، وأمّا أنّ فساد الجزء المنهي عنـه يوجب فساد العمل أو لا فهو أمر خارج عن محلّ البحث، ولكن لابأس با لتكلّم فيـه وإن كان غير مرتبط با لمقام.

فنقول: ينبغي أن يجعل البحث في الملازمـة بين فساد الجزء مثلاً وفساد الكلّ مع قطع النظر عن الأدلّـة الواردة في خصوص الصلاة أو مطلقاً، الدالّـة على سرايـة فساده إليـه، كما أنّ محلّ البحث ما إذا اُحرز كون النهي المتعلّق با لجزء مثلاً نهياً تحريميّاً لا إرشاداً إلى مانعيّتـه، فإنّـه حينئذ لا إشكال في فساد العبادة، كما هو واضح، وحينئذ فنقول:

أمّا الجزء: فا لنهي ا لتحريمي المتعلّق بـه لايقتضي إلاّ مبغوضيّتـه بنفسـه المانعـة من صيرورتـه جزءاً فعليّاً للعبادة، لعدم صلاحيّتـه لأن يصير جزء المقرّب، وأمّا سرايـة المبغوضيـة منـه إلى الكلّ المشتمل عليـه، فلا دليل عليها أصلاً.

نعم لو اكتفى بذلك الجزء الفاسد يفسد العمل من حيث كونـه فاقداً لبعض أجزائـه، وأمّا مع عدم الاكتفاء بـه ـ كما هو المفروض في المقام ـ فلا وجـه لكون تمام العمل مبغوضاً وفاسداً، كما هو واضح.

وأمّا الوصف اللازم: كا لجهر والإخفات با لنسبـة إلى القراءة على ما مثّل


229

بهما في الكفايـة(1) وإن كان في المثال نظر ; نظراً إلى أنّ شيئاً منهما لايكون لازماً للقراءة ولكن اللازم بمعنى عدم إمكان الانفكاك أصلاً لاينبغي أن يكون مورداً للبحث ; إذ لايعقل تعلّق الأمر با لموصوف، والنهي بوصفـه الذي لايمكن أن ينفكّ عنـه أصلاً، فكونهما وصفين لازمين يرجع إلى عدم التميّز بينهما وبين موصوفهما في الخارج أصلاً، ولكن هذا المقدار لايصحّح التعبير بكونـه لازماً، كما لايخفى.

ا للّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ اللزوم باعتبار كونـه مأخوذاً في الموصوف بمعنى أنّ الجهر لازم للقراءة التي يجهر بها، لا لمطلق القراءة، ولكن هذا المعنى يجري في كلّ وصف با لنسبـة إلى موصوفـه، ولا اختصاص لـه بهما.

وكيف كان فا لنهي إذا تعلّق با لجهر في القراءة لابا لقراءة التي يجهر بها، فإنّـه خارج عن موضوع المقام، ودخولـه في مبحث اجتماع الأمر والنهي مبنيّ على شمول النزاع فيـه للمطلق والمقيّد، ونحن وإن نفينا البُعْد عنـه في مقدّمات ذلك المبحث إلاّ أ نّـه ينبغي الحكم بخروجـه عنـه ; للزوم اجتماع الحكمين على متعلّق واحد ; لأنّ الطبيعـة اللاّ بشرط لايأبى من الاجتماع معها بشرط شيء، فيلزم الاجتماع في المقيّد، فلايوجب فساد العمل أصلاً ; لأنّ متعلّق الأمر هو القراءة، ومتعلّق النهي هو الإجهار بها، وهما عنوانان مختلفان وإن كانا في الخارج شيئاً واحداً، إلاّ أنّ مورد تعلّق الأحكام هي العناوين والطبائع، كما حقّقناه سابقاً بما لا مزيد عليـه.

وقد عرفت أيضاً أ نّـه لابأس بأن يكون شيء واحد مقرّباً من جهـة ومُبعّداً من جهـة اُخرى، فلا مانع من أن تكون القراءة مقرّبـة والإجهار بها مبعّداً.

مضافاً إلى أنّ المقرّب إنّما هي الصلاة، لا خصوص أجزائها، كما لايخفى.

1 ـ كفايـة الاُصول: 222.


230

وتعلّق النهي بالإجهار في القراءة تغاير تعلّقـه با لقراءة التي يجهر بها، والثاني خارج عن مورد النزاع ; لأنّـه في تعلّق النهي با لوصف لابا لموصوف.

وممّا ذكرنا يظهر الكلام في النهي عن الوصف المفارق.

وأمّا الشرط: فإن كان أمراً عبادياً، فا لنهي عنـه يوجب فساده، وإن كان أمراً غير عباديّ، فليس الإتيان بـه إلاّ ارتكاب المحرّم، وعلى التقديرين لايضرّ بصحّـة العمل أصلاً ; لأنّ المفروض أنّ متعلّق النهي هو القسم الخاصّ من الشرط، كا لنهي عن التستّر با لحرير مثلاً بناء على أن يكون النهي للتحريم، فإنّ التستّر بـه وإن كان يوجب مخا لفـة النهي إلاّ أنّ شرط الصلاة ـ وهو الستر ـ متحقّق، وعدم اختلافهما في الخارج لايضرّ أصلاً ; لأنّ متعلّق الأحكام هي الطبائع، والشيء الواحد يمكن أن يكون مقرّباً ومبعّداً من جهتين، كما عرفت.

نعم، لو كان الشرط من الاُمور العباديـة واقتصر عليـه المكلّف في مقام الامتثال، تكون العبادة فاسدةً من جهـة بطلان الشرط، وهذا غير سرايـة الفساد إليـه، كما هو واضح.

فتحصّل أنّ النهي عن الجزء أو الشرط أو الوصف اللازم أو المفارق لايوجب فساد العبادة من حيث هو، كما عرفت.

هذا تمام الكلام في مبحث النواهي.


231

المقصد الثالث

في المفاهيم


232

233

مقدّمـة

في تعريف المفهوم

اعلم أنّ المفهوم عندهم عبارة عن القضيـة الخبريـة أو الإنشائيـة المستفادة من قضيّـة اُخرى، والاختلاف بينهم إنّما هو في منشأ الاستفادة، فا لمنسوب إلى القدماء أنّ وجـه استفادتـه أنّ القيود الواقعـة في الكلام، الصادرة من المتكلّم المختار إنّما هو لكونها دخيلاً في ثبوت الحكم، وإلاّ يلزم أن يكون لغواً(1)، وسيأتي التعرّض لـه على التفصيل.

وا لمعروف بين محقّقي المتأخّرين أنّ وجـه استفادة المفهوم هو كون أدوات الشرط دالّـة على العلّيـة المنحصرة إمّا با لوضع أو بقرينـة عامـة(2)، وعليـه يكون ا لمفهوم من المدلولات الالتزاميـة للقضايا التي لها مفهوم، فكما أنّ المفردات لها مدلولات التزاميـة، وهي المعاني التي ينتقل إليها النفس بمجرّد تصوّر معاني تلك

1 ـ الحاشيـة على كفايـة الاُصول، البروجردي 1: 438، نهايـة الاُصول: 291.

2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 476 ـ 478، الحاشيـة على كفايـة الاُصول، البروجردي 1: 436.


234

ا لمفردات، فكذلك للقضايا مدلولات التزاميـة ينتقل إليها الذهن بمجرّد تصوّر معانيها المطابقيـة.

وعلى الأوّل لايكون وصف المفهوميـة وصفاً للمدلول أو الدلالـة ; لعدم استفادتـه من اللّفظ أصلاً، بل إنّما هو حكم العقل بأنّ المتكلّم العاقل المختار إذا تكلّم بكلام وأخذ فيـه قيوداً لايكون أخذه لها لغواً، بل لكونها دخيلاً في ترتّب الحكم.

وأمّا على الثاني فيصير نظير وصف الالتزاميـة والتضمّنيـة والمطابقيـة في مدا ليل المفردات بمعنى أ نّـه يمكن أن يتّصف بها المدلول، ويمكن أن يتّصف بها الدلالـة، كما يمكن أن يتّصف بها الدالّ ; لأنّـه كما تكون الدلالـة با لمطابقـة كذلك يكون المعنى مطابقاً ـ با لفتح ـ واللّفظ مطابقاً ـ با لكسر ـ وهكذا في الالتزام والتضمّن.

وفي المقام نقول: إنّ وصف المفهوميـة يمكن أن يكون وصفاً لتلك القضيـة المستتبعـة، ويمكن أن يكون وصفاً للدلالـة باعتبار أنّ الدلالـة على تلك القضيـة دلالـة مستفادة من الدلالـة على القضيـة المنطوقيـة، وبهذا الاعتبار يمكن أن يتّصف بها الدالّ، كما لايخفى.

ثمّ إنّ النزاع على قول المتأخّرين إنّما يكون في الصغرى ; إذ الكلام إنّما هو في دلالـة أدوات الشرط مثلاً على العلّيـة المنحصرة المستتبعـة للقضيـة الاُخرى قهراً، وأمّا على فرض تسليم الدلالـة فلا إشكال في حجّيـة تلك القضيـة، كما هو واضح.

وأمّا على قول القدماء فقد يقال بأنّ النزاع بناء عليـه إنّما يكون في الكبرى ; نظراً إلى أنّ لزوم حمل القيود على معنى حذراً من اللغويـة يقتضي ثبوت المفهوم،


235

ولكن الكلام في حجّيتـه، ولايخفى أنّ ذلك المعنى الذي يجب الحمل عليـه حذراً منها لاينحصر با لمفهوم، فا لنزاع في وجوب الحمل على خصوصـه وعدمـه، وأمّا على فرض الحمل عليـه فلا إشكال في حجّيتـه أصلاً، كما هو واضح، فا لنزاع بناء على كلا القولين صغروي لا كبروي، فتأمّل جيّداً.

إذا عرفت ذلك، فا لكلام يقع في مقامين:


236

المقام الأوّل

في دلالة القضيـة الشرطيـة على المفهوم وعدمها

وطريق إثباتها وجهان:

الوجـه الأوّل: ما هو المنسوب إلى القدماء

وهو لايختصّ با لشرط، بل يجري في جميع القيود المأخوذة في الكلام شرطاً كانت أو وصفاً أو غيرهما.

وغايـة تقريبـه: أن يقال: إنّ الكلام الصادر من المتكلّم العاقل المختار من حيث إنّـه فعل من الأفعال الاختياريـة لـه يحكم العقل بأ نّـه لم يصدر منـه لغواً، نظير سائر أفعا لـه، وكذلك يحكم بأنّ صدوره إنّما هو لغرض التفهيم لا للأغراض الاُخر التي قد يترتّب على التكلّم، وذلك لأنّها أغراض نادرة لا تقاوم غرض التفهيم الذي وضع الألفاظ إنّما هو لأجل سهولتـه، كما لايخفى.

وحينئذ فكما أنّ العقل يحكم بأنّ أصل الكلام الصادر من المتكلّم لم يصدر منـه لغواً بل صدر لغرض الإفهام كذلك يحكم بأنّ القيود التي يأخذها في موضوع كلامـه لم يأخذها جزافاً ومن غير أثر مترتّب عليـه، بل لأنّها لها دخل في موضوع


237

ا لحكم، فمن ذكر تلك القيود يستكشف أنّ الموضوع لحكمـه المجعول أو المخبر بـه إنّما هو ذات الموضوع مقيّداً بها لا معرّى عنها، ومن عدم ذكر قيد آخر يستكشف عدم مدخليـة شيء آخر أصلاً، بل المذكور هو تمام الموضوع، ومن المعلوم أنّ الحكم يدور مدار موضوعـه، فبوجوده يوجد، وبعدمـه ينعدم.

هذا، ولكن لايخفى أنّ مجرّد إثبات كون المذكور تمام الموضوع لحكمـه المجعول إنّما يفيد دوران ذلك الحكم مداره وجوداً وعدماً، وهو لايثبت المفهوم ; لأنّـه عبارة عن انتفاء سنخ ذلك الحكم عند انتفاء موضوعـه بمعنى أنّ المولى لم يجعل مثل هذا الحكم على موضوع آخر مغاير لهذا الموضوع من حيث القيود، فمعنى كون بلوغ الماء قدر الكرّ تمام الموضوع لعدم التنجّس هو أنّ تحقّق ذلك الحكم لايتوقّف على شيء آخر ما عدا ذلك، وأمّا أنّ كونـه موضوعاً منحصراً لعدم التنجّس بمعنى أ نّـه لم يجعل مثل ذلك الحكم على موضوع آخر ـ كا لجاري وماء المطر ـ فلايستفاد أصلاً حتّى يقع التعارض بين دليل الكرّ وأدلّـة عاصميـة الجاري وماء المطر.

وبا لجملـة، فهنا شكّان: أحدهما: الشكّ في كون الموضوع المذكور هو تمام الموضوع لحكمـه المجعول، والآخر الشكّ في كونـه موضوعاً منحصراً لمثل ذلك الحكم بحيث لايقوم مقامـه شيء آخر، ولاينوب منابـه أمر، وغايـة الدليل المذكور إنّما هو رفع الشكّ الأوّل، وإثبات تماميـة الموضوع المذكور للموضوعيّـة للحكم المجعول، وما يجدي في إثبات المفهوم هو رفع الشكّ الثاني، ولايرفع بذلك الدليل، كما هو واضح.

ولعلّـه إلى هذا المعنى ينظر كلام السيّد في باب المفهوم(1) فراجع.

1 ـ اُنظر مناهج الوصول 2: 179، الذريعـة إلى اُصول الشريعـة 1: 406.


238

الوجـه الثاني: ما هو المعروف بين المتأخّرين

وقد استدلّ لإثباتها بوجوه:

الأوّل: دعوى تبادر العلّيـة المنحصرة من كلمـة «إن» وأخواتها، ولايخفى أنّ إثبات ذلك موقوف على إثبات دلالـة القضيـة الشرطيـة على الارتباط بين الشرط والجزاء، ثمّ كون ذلك الارتباط بنحو اللزوم، ثمّ كون اللزوم بنحو الترتّب، أي ترتّب الجزاء على الشرط لا العكس، ولا مجرّد الملازمـة من دون ترتّب، كما في المعلولين لعلّـة واحدة، ثمّ كون الترتّب بنحو ترتّب المعلوم على علّتـه، ثمّ كون تلك العلّـة علّةً مستقلّة، ثمّ كونها مع الاستقلال منحصرة، ومن الواضح أنّ إثبات جميع هذه الاُمور في غايـة الإشكال، بل نقول: إنّ المقدار الذي يصحّح استعمال كلمـة الشرطيـة هو مجرّد الارتباط بين الشرط والجزاء ولو لم يكن ذلك بنحو اللزوم.

ألا ترى أ نّـه يصحّ أن يقال: إذا جاء زيد فمعـه عمرو، فيما لو كان مصاحباً لـه نوعاً من دون رعايـة علاقـة أصلاً، كما أ نّـه يستعمل كثيراً في موارد اللزوم وفي المراتب التي بعده.

وكيف كان فالإنصاف أنّ دعوى ذلك خلاف الوجدان.

الثاني: الانصراف، وممّا ذكرنا في التبادر يظهر أنّ دعواه أيضاً ممّا لا دليل على إثباتـه.

الثالث: التمسّك بإطلاق كلمـة «إن» وأخواتها الموضوعـة للّزوم بتقريب أنّ مقدّمات الحكمـة تقتضي الحمل على الفرد الذي لايحتاج إلى مؤونـة التقييد، وهو هنا اللزوم بنحو العلّيـة المنحصرة، كما أنّ قضيّـة إطلاق صيغـة الأمر هو الوجوب النفسي.


239

ولكن لايخفى أ نّـه لايكون الحكم في المقيس عليـه مسلّماً، وقد ذكرنا ذلك في مبحث الأوامر.

وحاصلـه: أنّ انقسام الطبيعـة بالأقسام إنّما يتحقّق مع إضافـة القيود إليـه، سواء كانت وجوديّـة أو عدميّـة، فبإضافـة كلّ قيد يتحقّق قسم من الطبيعـة، ولايعقل أن يكون بعض الأقسام عين المقسم ; إذ كونـه قسماً يساوق عدم اجتماعـه مع القسم الآخر أو الأقسام الاُخر، وكونـه عين المقسم يساوق اتّحاده معها ; لأنّ الطبيعـة اللابشرط يجتمع مع ألف شرط، ولايعقل اجتماع الوصفين المتناقضين عليـه، كما هو واضح.

وحينئذ نقول: إنّ معنى الإطلاق الثابت بمقدّمات الحكمـة هو كون المقصود هي الطبيعـة اللاّبشرط، ولو فرض عدم إمكان كونها مقصودةً بل كان الغرض متعلّقاً ببعض أقسامها، فا لحمل على بعض الأقسام دون البعض الآخر مع كونها في عرض واحد ترجيح من دون مرجّح.

نعم، لو كان بعض الأقسام أقلّ مؤونـة من الآخر، لوجب الحمل عليـه، ولكنّـه لايكون في أمثال المقام كذلك ; ضرورة أنّ أقسام اللزوم في عرض واحد ولايعقل أن يكون بعضها عين المقسم، فتأمّل جيّداً.

الرابع: التمسّك بإطلاق الشرط بتقريب أ نّـه لو لم يكن بمنحصر، يلزم تقييده ; ضرورة أ نّـه لو قارنـه أو سبقـه الآخر، لما أثّر وحده، ومقتضى إطلاقها أ نّـه يؤثّر كذلك مطلقاً.

وذكر في الكفايـة أ نّـه لايكاد ينكر الدلالـة على المفهوم مع إطلاقـه كذلك إلاّ أ نّـه من المعلوم ندرة تحقّقـه لو لم نقل بعدم اتّفاقـه(1). انتهى.

1 ـ كفايـة الاُصول: 233.


240

ولكن يظهر جوابـه ممّا تقدّم في جواب إثبات المفهوم من الطريق المنسوب إلى القدماء.

وحاصلـه: أنّ مقتضى الإطلاق هو كون الموضوع المذكور تامّاً من حيث الموضوعيـة لحكمـه المجعول بمعنى أ نّـه لا مدخليـة لشيء آخر أصلاً، وهذا لايدلّ على المفهوم ; لأنّـه لابدّ في إثباتـه من كون الموضوع المذكور منحصراً في الموضوعيـة، ومجرّد تماميّتـه لايثبت الانحصار، كما هو واضح.

الخامس: التمسّك بإطلاق الشرط بتقريب آخر، وهو أنّ مقتضى إطلاق الشرط: تعيّنـه، كما أنّ مقتضى إطلاق الأمر: تعيّن الوجوب.

ويظهر جوابـه ممّا تقدّم في الجواب عن الوجـه الثا لث.

وحاصلـه: أ نّا لا نسلّم ثبوت الحكم في المقيس عليـه ; لأنّـه لايعقل أن يكون الوجوب التعييني عين طبيعـة الوجوب، التي هي مقسم لها وللوجوب التخييري، بل كلّ واحد منهما لا محا لـة يشتمل على قيد وجودي أو عدمي زائد على أصل الطبيعـة، والإطلاق لايثبت شيئاً منهما.

نعم، قد ذكرنا في مبحث الأوامر أنّ للمولى الاحتجاج على العبد لو اعتذر باحتمال كونـه تخييريّاً ; لأنّ البعث الصادر منـه لابدّ لـه من الجواب بإتيان متعلّقـه، ولكن هذا لايثبت التعيّنيـة، كما تقدّم.

السادس: التمسّك بإطلاق الجزاء.

وينبغي التنبيـه على اُمور:

الأمر الأوّل: في حقيقـة المفهوم

إنّ المراد من المفهوم إنّما هو انتفاء سنخ الحكم ونوعـه عند انتفاء الشرط، لا انتفاء شخصـه المجعول مترتّباً على وجود الشرط، فإنّـه ينتفي بانتفاء الشرط عقلاً.


241

وربّما توهّم: أ نّـه كيف يكون المناط في المفهوم هو السنخ مع أنّ الشرط في القضيـة الشرطيـة إنّما وقع شرطاً للحكم المجعول بإنشائـه دون غيره، وهو حكم شخصي ينتفي بانتفاء الشرط عقلاً(1) ؟ !

وأجاب عنـه في الكفايـة بما حاصلـه: أنّ وضع الهيئات والموضوع لـه فيها عامّ كا لحروف، فا لمعلّق على الشرط إنّما هو الوجوب الكلّي، والخصوصيـة ناشئـة من قِبَل الاستعمال(2).

ولكن قد حقّق فيما تقدّم أنّ الموضوع لـه في باب الحروف خاصّ لا عامّ.

والحقّ في الجواب أن يقال: إنّ المستفاد من القضايا الشرطيـة هو الارتباط والمناسبـة بين الشرط والجزاء الذي هو عبارة عن متعلّق الحكم لا نفسـه.

وبعبارة اُخرى: ظاهر القضيّـة الشرطيـة هو اقتضاء المجيء في قولك إن جاءك زيد فأكرمـه، لنفس الإكرام، لا وجوبـه ; إذ تعلّق الوجوب بـه إنّما يتأخّر عن تلك الاقتضاء وشدّة المناسبـة المتحقّقـة بينهما، كما يظهر بمراجعـة الاستعمالات العرفيـة، فإنّ أمر المولى عبده بإكرام ضيفـه عند مجيئـه إنّما هو لاقتضاء مجيء الضيف إكرامـه، فالارتباط إنّما هو بين الشرط ومتعلّق الجزاء، وظاهر القضيـة الشرطيـة وإن كان ترتّب نفس الحكم على الشرط إلاّ أنّ تعلّق الحكم بـه إنّما هو للتوصّل إلى المتعلّق بعد حصول الشرط ; لشدّة الارتباط بينهما، وحينئذ فا لقائل با لمفهوم يدّعي انحصار مناسبـة الإكرام مع المجيء بحيث لاينوب منابـه شيء، ولا ارتباط بينـه وبين شيء آخر، فإذا انتفى المجيء، فلايبقى وجـه لوجوب الإكرام بعد عدم اقتضاء غيرا لمجيء إيّاه، فا لمعلّق على

1 ـ مطارح الأنظار: 173 / السطر 15 ـ 16.

2 ـ كفايـة الاُصول: 237.


242

ا لشرط في ظاهر القضيّـة الشرطيّـة وإن كان مفاد الهيئـة التي هي جزئيـة ووجوب شخصي يرتفع بارتفاع الشرط عقلاً إلاّ أنّ مفادها بنظر العرف هو تعليق الإكرام الذي هو أمر كلّي على المجيء، فلايبقى مع انتفائـه وجـه لوجوبـه.

الأمر الثاني: في تعدّد الشرط واتحاد الجزاء

إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء كما في قولـه: إذا خفي الأذان فقصّر وإذا خفي الجدران فقصّر فبناء على عدم ثبوت المفهوم ـ كما هو الحقّ، وقد تقدّم ـ لا تعارض ولا تنافي بين القضيّتين، وأمّا بناء على المفهوم، فيقع التعارض بينهما ; لأنّ مفهوم الأوّل عدم وجوب القصر عند عدم خفاء الأذان، سواء خفي الجدران أو لم يخف، ومفهوم الثاني عدم وجوب القصر عند عدم خفاء الجدران، سواء خفي الأذان أو لم يخف، فهل اللاّزم تخصيص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر، أو أ نّـه لا مفهوم لواحد منهما في هذه الصورة، أو كون الشرط لوجوب القصر هو مجموع الشرطين، أو كونـه الجامع بينهما ؟ وجوه.

ولابدّ أوّلاً من بيان أنّ التعارض هل هو بين المنطوقين ويسري منهما إلى المفهومين أو بين المفهومين فقط ؟

فنقول: الظاهر هو الأوّل، وذلك لأنّـه إن كان الوجـه في ثبوت المفهوم هو كون كلمـة «إن» وأخواتها موضوعـة للعلّيـة المنحصرة، فكلّ واحد من القضيّتين تدلّ على العلّيـة المنحصرة، فهما بمنزلـة قولـه: العلّـة المنحصرة لوجوب القصر هو خفاء الأذان، والعلّـة المنحصرة لـه هو خفاء الجدران، ومن المعلوم ثبوت التعارض بين نفس هاتين القضيّتين ; لاستحا لـة كون شيئين علّتين منحصرتين لشيء واحد، وكذا لو كان الوجـه في ثبوت المفهوم هو الانصراف، وأمّا لو كان الوجـه فيـه هو الإطلاق بأحد الوجوه المتقدّمـة، فا لظاهر أيضاً التعارض بين


243

ا لمنطوقين ; لعدم إمكان الأخذ بكلا الإطلاقين.

إذا عرفت ذلك: فاعلم أ نّـه لو قيل با لمفهوم من جهـة وضع «إن» وأخواتها للعلّيـة المنحصرة، فا لتعارض يقع بين أصا لتي الحقيقـة الجاريتين في كلتا القضيّتين، ومع عدم المرجّح ـ كما هو المفروض ـ تسقطان معاً، فا للاّزم هو القول بعدم ثبوت المفهوم في أمثال المقام.

وكذا لو كان الوجـه هو الانصراف فإنّ الأخذ بمقتضى الانصرافين ممتنع، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، فلايجوز الأخذ بشيء منهما.

وأمّا لو كان الوجـه هو الإطلاق بأحد الوجوه السابقـة، فيقع التعارض بين أصا لتي الإطلاق الجاريتين في كلتا القضيّتين، ومع عدم الترجيح لأحدهما على الآخر تسقطان معاً، ويزول الانحصار من كلا الشرطين، ويبقى كون كلّ واحد منهما علّةً تامّة مستقلّة لتحقّق الجزاء.

هذا لو قيل باستفادة خصوص الانحصار من الإطلاق، فإنّـه مع عدم حجّيتـه لوجود المعارض لايضرّ ببقاء الشرط على علّيتـه التامّـة، وأمّا لو قلنا بأنّ مفاد الإطلاق هو مجموع العلّيـة التامّـة المنحصرة بمعنى أ نّـه كما يستفاد الانحصار من الإطلاق كذلك يستفاد منـه التماميـة أيضاً، وحينئذ فمع التعارض نعلم إجمالاً إمّا بزوال الانحصار من كلّ واحد من الشرطين وإمّا بزوال التماميـة المستتبع لزوال الانحصار.

وبعبارة اُخرى: نعلم إجمالاً بورود القيد في كلٍّ من القضيّتين: إمّا على الإطلاق المثبت للانحصار، وإمّا على الإطلاق المنتج للتماميـة، ومع هذا العلم الإجما لي يسقط الإطلاقان الجاريان في كلٍّ من القضيّتين عن الحجّيـة والعلم تفصيلاً بعدم الانحصار على أيّ تقدير ; لأنّـه إن ورد القيد على الإطلاق المثبت لـه فواضح، وإن ورد على الإطلاق المفيد للتماميـة، فلم يبق موضوعـه أصلاً، كما


244

هو واضح لايجدي في انحلال العلم الإجما لي إلى العلم التفصيلي والشكّ البدوي حتّى يسلم الإطلاقان المثبتان للتماميّـة عن التعارض والتساقط.

وذلك لأنّ الانحلال يتوقّف على العلم التفصيلي بورود القيد على خصوص الإطلاق المفيد للانحصار لا على العلم التفصيلي بعدم الانحصار، وعدم كونـه مراداً قطعاً، والموجود في المقام هو الثاني لا الأوّل، كما هو واضح.

ثمّ إنّـه هل تسقط كلتا القضيّتين عن الدلالـة على المفهوم رأساً بحيث لاينافيهما مدخليـة شيء آخر في تحقّق الجزاء، أو أنّ سقوطهما عن ذلك إنّما هو با لنسبـة إلى الشرط المذكور فيهما ؟ وجهان.

والحقّ: التفصيل بين ما لو كان الوجـه في ثبوت المفهوم هو وضع كلمـة «إن» وأخواتها للدلالـة على العلّيـة المنحصرة أو الانصراف وبين ما لو كان استفادتها من الإطلاق، فعلى الأوّل تسقطان عن الدلالـة على المفهوم رأساً ; لأنّ التعارض بين أصا لتي الحقيقـة أو الانصرافين في كلٍّ منهما يوجب تساقطهما، فمن أين يدلّ على نفي مدخليـة شيء آخر أو نفي بديل آخر، وعلى الثاني فلا ; لأنّ رفع اليد عن أصا لـة الإطلاق با لنسبـة إلى خصوص قيد لايوجب رفع اليد عنها با لنسبـة إلى قيد آخر شكّ في قيديّتـه.

ألا ترى أنّ رفع اليد عن إطلاق الرقبـة في قولـه: أعتق رقبـة، بسبب الدليل على التقييد با لمؤمنـة ـ مثل قولـه: لا تعتق رقبـة كافرة ـ لايوجب رفع اليد عن إطلاقها با لنسبـة إلى القيود الاُخرى المشكوكـة، مثل العدا لـة وغيرها من القيود.

الأمر الثالث: في تداخل الأسباب والمسبّبات

لو تعدّد الشرط واتّحد الجزاء، فهل القاعدة تقتضي التداخل مطلقاً، أو عدمـه كذلك، أو يفصّل بين ما إذا اتّحد الجنس فالأوّل وما إذا تعدّد فا لثاني ؟


245

وليقدّم اُمور:

الأوّل: أنّ النزاع في هذا الباب مبني على إحراز كون الشرطين مثلاً علّتين مستقلّتين بمعنى أنّ كلّ واحد منهما يؤثّر في حصول المشروط مستقلاّ من غير مدخليـة شيء آخر، وأمّا بناء على كون الشرط هو مجموع الشرطين فلا مجال للنزاع في التداخل وعدمـه ; إذ لايؤثّر الشرطان إلاّ في شيء واحد، كما هو واضح.

فا لبحث في المقام إنّما يجري بناء على غير الوجـه الثا لث من الوجوه الأربعـة المتقدّمـة في الأمر السابق.

الثاني: أنّ مورد البحث ما إذا كان متعلّق الجزاء طبيعـة قابلـة للتكثّر والتعدّد، مثل الوضوء والغسل وأشباههما، وأمّا إذا لم تكن قابلةً للتعدّد، كقتل زيد مثلاً، فهو خارج عن محلّ النزاع ; لاستحا لـة عدم التداخل، فمثل قولـه: إن ارتدّ زيد فاقتلـه، وإن قتل مؤمناً فاقتلـه، خارج عن المقام.

الثالث: أنّ التداخل قد يكون في الأسباب، وقد يكون في المسبّبات، والمراد بتداخل الأسباب ـ الذي هو مورد النزاع في المقام ـ هو تأثيرها مع كون كلّ واحد منها مستقلاّ لو انفرد عن صاحبـه في مسبّب واحد في حال الاجتماع، والمراد بتداخل المسبّبات هو الاكتفاء في مقام الامتثال بإتيان الطبيعـة المتعلّقـة للحكم مرّة بعد الفراغ عن عدم تداخل الأسباب وتأثيرها في المسبّبات الكثيرة حسب كثرتها، وربّما مثّلوا لـه بمثل: قولـه: أكرم هاشميّاً، وأضف عا لماً(1)، حيث إنّـه لا إشكال في تحقّق الامتثال إذا أكرم العا لم الهاشمي با لضيافـة.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 497.


246

ولكن لايخفى ما فيـه من النظر ; فإنّ الظاهر أنّ المراد بـه ـ كما يظهر من تذييل مبحث تداخل الأسباب بـه ـ هو ما إذا كان التكليفان متعلّقين بعنوان واحد لابعنوانين، كما لايخفى.

الرابع: أنّ مورد النزاع هو ما تقتضيـه القواعد اللفظيـة بعد الفراغ عن إمكان التداخل وعدمـه.

وحكي عن بعض الأعاظم المعاصرين: استحا لـة عدم التداخل ; نظراً إلى أ نّـه يمكن تعقّل تعلّق أمر واحد بإيجاد الطبيعـة مرّتين من غير تعليق على شيء، كما إذا قال: توضّأ وضوئين وكذا فيما إذا جمع السببين وأمر بإيجادهما مرّتين كما إذا قال: إن بلت ونمت فتوضّأ وضوئين، وكذا يجوز تعلّق أمرين بطبيعـة واحدة فيما إذا كان السبب الثاني مترتّباً على الأوّل دائماً، وأمّا مع عدم الترتّب بينهما ـ كما هو المفروض في المقام ـ فلا نتعقّل تعلّق أمرين بطبيعـة واحدة ; إذ لايمكن تقييد الثاني بمثل كلمـة الآخر ونحوه ; لإمكان حصول السبب الثاني قبل الأوّل.

ومنـه يظهر أ نّـه لايمكن تقييد كلّ منهما بمثلها، كما هو واضح(1).

هذا، ولكن لايخفى: أنّ منشأ الاستحا لـة لو كان مجرّد عدم صحّـة التقييد بمثل كلمـة الآخر، فا لجواب عنـه واضح ; لعدم انحصار التقييد بمثلـه، وذلك لإمكان أن يقيّد كلّ واحد منهما با لسبب الموجب لتعلّق التكليف با لطبيعـة، وذلك بأن يقال: إن بلت فتوضّأ وضوءاً من قِبَل البول، وإن نمت فتوضّأ وضوءاً من قِبَل النوم.

1 ـ الحاشيـة على كفايـة الاُصول، البروجردي 1: 449 ـ 453، نهايـة الاُصول: 305 ـ 309.


247

حول مقتضى القواعد اللفظيّـة

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أ نّـه قد نسب إلى المشهور القول بعدم التداخل(1).

وقد استدلّ لهم بوجوه أقواها ما حكي عن العلاّمـة في المختلف من أ نّـه إذا تعاقب السببان أو اقترنا فإمّا أن يقتضيا مسبّبين مستقلّين أو مسبّباً واحداً أو لايقتضيا شيئاً أو يقتضي أحدهما شيئاً دون الآخر، والثلاثـة الأخيرة فباطلـة، فتعيّن الاُولى، وهو المطلوب.

أمّا الملازمـة: فواضح.

وأمّا بطلان الثاني: فلأنّ النزاع إنّما هو مبني على خلافـه.

وأمّا الثا لث: فلأنّـه خلاف ما فرض من سببيّـة كلّ واحد منهما.

وأمّا الرابع: فلأنّ استناده إلى الواحد المعيّن يوجب الترجيح من غير مرجّح، وإ لى غير المعيّن يوجب الخلف ; لأنّ المفروض سببيّـة كلّ واحد(2).

فيما أفاده الشيخ الأعظم في هذا المقام

وفي تقريرات الشيخ أنّ محصّل هذا الوجـه ينحلّ إلى مقدّمات ثلاث:

أحدها: دعوى تأثير السبب الثاني.

ثانيها: أنّ أثره غير الأثر الأوّل.

ثا لثها: أن تعدّد الأثر يوجب تعدّد الفعل، والقائل با لتداخل لابدّ لـه من منع

1 ـ كفايـة الاُصول: 239.

2 ـ مختلف الشيعـة 2: 423 ـ 424، نهايـة الاُصول: 305.


248

إحدى المقدّمات على سبيل منع الخلوّ، وقد فصّل في إثبات تلك المقدّمات ودفع ما اُورد عليها(1).

أمّا المقدّمـة الاُولى: فقد ذكر في إثباتها كلاماً طويلاً أخذ كلٌّ من المتأخّرين عنـه شيئاً منـه، وجعلـه دليلاً مستقلاّ على القول بعدم التداخل.

فمنهم: المحقّق الهمداني في المصباح، حيث قال فيـه ما ملخّصـه: إنّ مقتضى إطلاق الجزاء وإن كان كفايـة ما يصدق عليـه الطبيعـة من غير تقييد با لفرد المأتي بـه أوّلاً إلاّ أنّ ظهور القضيـة الشرطيـة في السببيّـة المستقلّـة مقدّم عليـه ; لأنّ الظهور في الأوّل إطلاقي يتوقّف على مقدّماتـه التي منها عدم البيان، ومن المعلوم أنّ إطلاق السبب منضمّاً إلى حكم العقل بأنّ تعدّد المؤثّر يستلزم تعدّد الأثر يكون بياناً للجزاء، ومعـه لا مجال للتمسّك بإطلاقـه، وليس المقام من قبيل تحكيم أحد الظاهرين على الآخر حتّى يطا لب با لدليل، بل لأنّ وجوب الجزاء با لسبب الثاني يتوقّف على إطلاق سببيّتـه، ومعـه يمتنع إطلاق الجزاء بحكم العقل، فوجوبـه ملزوم لعدم إطلاقـه.

نعم التمسّك بالإطلاق إنّما يحسن في الأوامر الابتدائيـة المتعلّقـة بطبيعـة واحدة لا في ذوات الأسباب ; فإنّ مقتضى إطلاق الجميع كون ما عدا الأوّل تأكيداً لـه، واحتمال التأسيس ينفيـه أصا لـة الإطلاق(2). انتهى.

وإ ليـه يرجع ما ذكره في الكفايـة وجهاً للقول بعدم التداخل(3).

ومنهم: المحقّق النائيني، فإنّـه ذكر في تقريراتـه ما حاصلـه: أنّ الأصل اللفظي يقتضي عدم تداخل الأسباب ; لأنّ تعلّق الطلب بصرف الوجود من

1 ـ مطارح الأنظار: 177 / السطر 22 وما بعده.

2 ـ مصباح الفقيـه، الطهارة: 126 / السطر 9.

3 ـ كفايـة الاُصول: 239 ـ 240.


249

ا لطبيعـة وإن كان مدلولاً لفظياً إلاّ أنّ عدم قابليّـة صرف الوجود للتكرّر ليس مدلولاً لفظياً، بل من باب حكم العقل بأنّ المطلوب الواحد إذا امتثل لايمكن امتثا لـه ثانياً، وأمّا أنّ المطلوب واحد أو متعدّد فلايحكم بـه العقل، فإذا دلّ ظاهر الشرطيّتين على تعدّد المطلوب، لايعارضـه شيء أصلاً.

وممّا ذكرنا انقدح ما في تقديم ظهور القضيّتين من جهـة كونـه بياناً لإطلاق الجزاء، لأنّـه على ما ذكرنا ظهور الجزاء في الاكتفاء با لمرّة ليس من باب الإطلاق أصلاً حتّى يقع التعارض، بل يكون ظهور الشرطيـة في تأثير الشرط مستقلاّ رافعاً حقيقـة لموضوع حكم العقل ووارداً عليـه، بل على فرض ظهور الجزاء في المرّة يكون ظهور الشرطيـة حاكماً عليـه، كما لايخفى(1). انتهى.

والجواب عنـه وعن سابقـه: أنّ استفادة استقلال الشرط في السببيّـة إنّما هو من إطلاق الشرط، كما عرفت في صدر مبحث المفهوم، فهنا إطلاقان: إطلاق الشرط الدالّ على السببيّـة المستقلّـة، وإطلاق الجزاء الدالّ على تعلّق الطلب بنفس الطبيعـة، ولا تعارض بين الإطلاقين في كلّ قضيّـة مع قطع النظر عن القضيّـة الاُخرى، ضرورة عدم المنافاة بين استقلال النوم مثلاً با لسببيّـة وكون المسبّب هو وجوب طبيعـة الوضوء.

نعم بعد ملاحظـة اجتماع القضيّتين معاً يقع التعارض بينهما ; لاستحا لـة أن يؤثّر سببان مستقلاّن في إيجاد حكمين على طبيعـة واحدة، فا للاّزم في مقام التخلّص عن المحذور العقلي أحد أمرين: إمّا رفع اليد عن إطلاق الشرط في كلٍّ منهما، وإمّا رفع اليد عن إطلاق الجزاء كذلك، ولا ترجيح للثاني على الأوّل أصلاً.

نعم الظاهر أنّ المتفاهم عند العرف من أمثال هذا النحو من القضايا

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 493 ـ 494.


250

ا لشرطيـة عدم التداخل، وتأثير كلّ سبب في مسبّب واحد من غير التفات إلى إطلاق متعلّق الجزاء، ولزوم تقييده.

ولعلّ كون المتفاهم بنظر العرف كذلك ممّا لا مجال لإنكاره إلاّ أنّ الكلام في منشأ استفادتهم، فيمكن أن يكون الوجـه فيـه قياس العلل التشريعيّـة با لعلل التكوينيّـة التي يوجب كلّ علّـة معلولاً مستقلاّ أو استفادة الارتباط بين الشرط ومتعلّق الجزاء بمعنى اقتضاء البول مثلاً للوضوء واستحقاقـه لـه، فعند الاجتماع يقتضي كلّ واحد من الشرطين وضوءاً مستقلاّ، أو غير ذلك ممّا لم نعرفـه، فإنّ العمدة هي ثبوت أصل الظهور بنظر العرف، وقد عرفت أ نّـه لا إشكال فيـه، كما أشار إليـه المحقّق الخراساني في حاشيـة الكفايـة في هذا المقام(1).

وأمّا المقدّمـة الثانيـة: فيمكن منعها بتقريب أنّ الشرط إنّما يكون سبباً لوجوب الوضوء لا لوجوده، كما هو ظاهر القضيّـة الشرطيـة.

مضافاً إلى أ نّـه لو كان علّةً لـه لا للوجوب، يلزم عدم الانفكاك بينهما، مع أنّ من المعلوم خلافـه، فتعدّد الشرط يوجب تعدّد الوجوب، وهو لايستلزم وجوب إيجاد الفعل متعدّداً ; لإمكان أن يكون الوجوب الثاني تأكيداً للوجوب الأوّل ; إذ البعث التأكيدي ليس مغايراً للبعث التأسيسي، والفارق مجرّد تعدّد الإرادة ووحدتها، ومع إمكان ذلك لابدّ من إثبات كون البعث للتأسيس.

وبا لجملـة، يقع التعارض بين إطلاق متعلّق الجزاء وإطلاق الشرط في السببيّـة المستقلّـة لو كان الوجوبان تأسيسيّين، وأمّا لو كان أحدهما تأكيداً للآخر، فلا تعارض أصلاً، ولا ترجيح لرفع اليد عن إطلاق متعلّق الجزاء وإبقاء الوجوب على ظاهره لو لم نقل بترجيح العكس ; نظراً إلى أنّ ظهوره في التأسيسيـة لايكون

1 ـ كفايـة الاُصول: 242، الهامش 3.


251

با لغاً إلى حدّ يعارض الإطلاق، وعلى فرض التعارض فلابدّ على المستدلّ من إثبات العكس، ورفع احتمال الحمل على التأكيد.

وأجاب عنـه في التقريرات بما حاصلـه: أ نّا نسلّم كون الأسباب الشرعيـة أسباباً لنفس الأحكام لا لمتعلّقاتها، ومع ذلك يجب تعدّد إيجاد الفعل في الخارج، فإنّ المسبّب هو اشتغال الذمّـة بإيجاد الفعل، ولاشكّ أنّ السبب الأوّل يقتضي ذلك، فإذا فرضنا وجود مثلـه فيوجب اشتغالاً آخر ; إذ لو لم يقتضي ذلك فإمّا أن يكون بواسطـة نقص في السبب أو في المسبّب، وليس شيء منهما.

أمّا الأوّل: فلما هو المفروض.

وأمّا الثاني: فلأنّ تعدّد الاشتغال ووحدتـه يتبع قبول الفعل المتعلّق لـه وعدمـه، والمفروض في المقام القبول.

نعم ما ذكره يتمّ في الأوامر الابتدائيـة مع قبول المحلّ أيضاً ; لأنّ مجرّد القابليـة غير قاضيـة با لتعدّد، والاشتغال الحاصل بالأمر الثاني لا نسلّم مغايرتـه للأمر الأوّل.

هذا إن اُريد من التأكيد تأكيد مرتبـة الطلب والوجوب وإن كان حصولـه بواسطـة لحوق جهـة مغايرة للجهـة الاُولى، كما في مثل تحريم الإفطار با لمحرّم في شهر رمضان، وإن اُريد التأكيد نحو الحاصل في الأوامر الابتدائيـة، ففساده أظهر من أن يخفى ; فإنّ الأمر الثاني مرتّب على الأوّل ووارد في مورده، بخلاف المقام، ضرورة حصول الاشتغال والوجوب على وجـه التعدّد قبل وجود السبب بنفس الكلام الدالّ على السببيّـة، فتكون تلك الوجوبات كلّ واحد منها في عرض الآخر، فهناك إيجابات متعدّدة، ويتفرّع عليها وجوبات متعدّدة على وجـه التعليق، وبعد حصول المعلّق عليـه يتحقّق الاشتغال بأفراد متعدّدة.

ويمكن أن يجاب با لتزام أ نّها أسباب لنفس الأفعال لا لأحكامها، ولكنّـه


252

سبب جعلي لا عقلي ولا عادي، ومعنى السبب الجعلي هو أنّ لها نحو اقتضاء في نظر الجاعل بحيث لو انقدح في نفوسنا لكنّا جازمين با لسببيّـة، إلاّ أنّ الإنصاف أ نّـه لايسمن ; فإنّ معنى جعل السببيّـة ليس إلاّ مطلوبيـة المسبّب عند وجود السبب، فا لتعويل على الوجـه الأوّل(1). انتهى ملخّصاً.

أقول: المراد بتعدّد الاشتغال الحاصل من كلّ سبب لابدّ وأن يكون هو الوجوب الجائي عقيبـه، وقد عرفت أنّ تعدّد الوجوب لايستلزم تعدّد الواجب ; لاحتمال أن يكون الوجوب الثاني تأكيداً للأوّل، فتعدّد الاشتغال بهذا المعنى لايوجب تعدّد المشتغل بـه.

ثمّ إنّ قولـه: هذا إن اُريد من التأكيد إلى آخره، يرد عليـه: أنّ هذا الفرض خارج عن باب التأكيد ; لما قد حقّق سابقاً في مبحث اجتماع الأمر والنهي من أنّ متعلّق الأحكام هي الطبائع لا الوجودات، فا لطبيعـة المتعلّقـة لأحد التحريمين في المثال تغاير الطبيعـة المتعلّقـة للآخر ; ضرورة أنّ أحدهما يتعلّق بالإفطار، والآخر بشرب الخمر مثلاً، فأين التأكيد ؟

ثمّ إنّ اعتبار الترتّب في تحقّق معنى التأكيد ـ كما عرفت في كلامـه ـ مندفع بأنّ الوجوب التأكيدي ليس بمعنى استعمال الهيئـة ـ مثلاً ـ في التأكيد حتّى يستلزم وجود وجوب قبلـه بل المستعملـة فيـه هو نفس الوجوب والتأكيد ينتزع من تعلّق أزيد من واحد بشيء واحد.

ألا ترى أ نّـه يتحقّق التأكيد بقول: اضرب، والإشارة با ليد إليـه في آن واحد من دون تقدّم وتأخّر.

ثمّ إنّ الجواب الأخير ـ الذي ذكر أنّ الإنصاف أ نّـه لايسمن ـ قد جعلـه

1 ـ مطارح الأنظار: 180 / السطر 1 ـ 16.


253

ا لمحقّق العراقي جواباً مستقلاّ عن الإشكال، واعتمد عليـه، وقد عرفت منّا سابقاً استظهاره، ولكنّـه لايندفع بـه الإشكال ; لأنّ الشرطين إنّما يقتضيان نفس طبيعـة متعلّق الجزاء، وبعد حصولها مرّة بعدهما قد عمل بمقتضاهما معاً، كما لايخفى.

هذا كلّـه في الأنواع المتعدّدة، وأمّا التداخل وعدمـه با لنسبـة إلى فردين من نوع واحد، فقد يقال بابتناء ذلك على أنّ الشرط هل هو الطبيعـة أو الأفراد.

فعلى الأوّل فلابدّ من القول با لتداخل ; لأنّ الفردين أو الأفراد من طبيعـة واحدة لايعدّ بنظر العرف إلاّ فردان أو أفراد منها، فزيد وعمرو بنظر العرف فردان من الإنسان، لا إنسانان، كما هو كذلك بنظر العقل.

وعلى الثاني فلابدّ من القول بعدم التداخل ; لظهور الشرطيـة في كون كلّ فرد سبباً مستقلاّ للجزاء.

هذا، ولكن لايخفى أنّ مورد النزاع هو ما إذا كان كلّ واحد من الأفراد سبباً مستقلاّ، وإلاّ فلايشملـه النزاع في المقام، فدخولـه فيـه يبتنى على كون الشرط هي الأفراد، لا أنّ القول بعدم التداخل مبنيّ عليـه، كما هو صريح ذلك القول المحكي، وحينئذ فيجري فيـه جميع ما تقدّم في النوعين والأنواع المختلفـة، والظاهر أنّ المتفاهم منها بنظر العرف أيضاً عدم التداخل با لنسبـة إلى الأفراد من جنس واحد، فتأمّل.

وأمّا المقدّمـة الثالثـة الراجعـة إلى أنّ تعدّد الأثر يوجب تعدّد الفعل التي يعبّر عنها بعدم تداخل المسبّبات: فقد ذكر الشيخ في التقريرات: أن لا مجال لإنكارها بعد تسليم المقدّمتين السابقتين ; لأنّا قد قرّرنا في المقدّمـة الثانيـة أنّ متعلّق التكا ليف حينئذ هو الفرد المغاير للفرد الواجب با لسبب الأوّل، ولايعقل تداخل فردين من ماهيّـة واحدة، بل ولايعقل ورود دليل على التداخل أيضاً على ذلك التقدير، إلاّ أن يكون ناسخاً لحكم السببيّـة، وأمّا تداخل الأغسال فبواسطـة


254

تداخل ماهيّاتها، كما كشف عنـه روايـة الحقوق، مثل تداخل الإكرام والضيافـة فيما إذا قيل: إذا جاء زيد فأكرم عا لماً، وإن سلّم عليك فأضف هاشميّاً، فعند وجود السببين يمكن الاكتفاء بإكرام العا لم الهاشمي على وجـه الضيافـة، وأين ذلك من تداخل الفردين(1). انتهى ملخّصاً.

ولايخفى أنّ المراد بكون متعلّق التكا ليف هو الفرد المغاير للفرد الواجب با لسبب الأوّل إن كان هو الفرد الخارجي، فعدم اجتماع الفردين مسلّم لاريب فيـه، إلاّ أ نّـه لاينبغي الإشكال في بطلانـه ; لأنّ الموجود الخارجي يستحيل أن يتعلّق التكليف بـه بعثاً كان أو زجراً، كما قد حقّقناه سابقاً في مبحث اجتماع الأمر والنهي بما لا مزيد عليـه، وإن كان المراد هو العنوان الذي يوجب تقييد الطبيعـة، فنقول: إنّ القيود المقسّمـة للطبيعـة على نوعين: نوع تكون النسبـة بين القيود التخا لف بحيث لا مانع من اجتماعها على شيء واحد، كتقييد الإنسان مثلاً بالأبيض والرومي، ونوع تكون النسبـة بينها التباين، كتقييده بالأبيض والأسود، ومرجع القول بعدم التداخل إلى استحا لـة تعلّق تكليفين بطبيعـة واحدة، ولزوم تقييدها في كلّ تكليف بقيد يغاير القيد الآخر، وأمّا لزوم كون التغاير على نحو التباين، فممنوع جدّاً، بل يستفاد من ورود الدليل على التداخل كون التغاير بنحو التخا لف الغير المانع من الاجتماع، فلايلزم أن يكون ناسخاً لحكم السببيّـة، كما أفاده في كلامـه.

نعم مع عدم ورود الدليل عليـه لا مجال للاعتناء باحتمال كون التغاير بنحو التخا لف في مقام ا لامتثال ; لأنّ التكليف اليقيني يقتضي ا لبراءة اليقينيّـة، ومع ا لإتيان بوجود واحد لايحصل اليقين با لبراءة عن التكليفين المعلومين، كما هو واضح.

1 ـ مطارح الأنظار: 180 ـ 181.


255

الأمر الرابع: في اعتبار وحدة المنطوق والمفهوم إلاّ في الحكم

لابدّ ـ بناءً على ثبوت المفهوم ـ من أخذ جميع القيود المأخوذة في الشرط أو الجزاء في ناحيـة المفهوم أيضاً، فقولـه: إن جاءك زيد وأكرمك فأكرمـه يوم الجمعـة، يكون مفهومـه هكذا: إن لم يجئك زيدٌ أو لم يكرمك فلا تكرمـه يوم الجمعـة.

وكذا لا إشكال في أنّ المنفي في المفهوم فيما لو كان الحكم في المنطوق حكماً مجموعياً هو نفي المجموع بحيث لاينافي ثبوت البعض.

وإنّما الإشكال فيما إذا كان الحكم في المنطوق حكماً عامّاً، فهل المنفي في المفهوم نفي ذلك الحكم بنحو العموم، أو نفي العموم الغير المنافي لثبوت البعض ؟

مثلاً: قولـه(عليه السلام): «الماء إذا بلغ قدر كرّ لاينجّسـه شيء»(1) هل يكون مفهومـه أ نّـه إذا لم يبلغ ذلك المقدار ينجّسـه جميع الأشياء النجسـة، أو أنّ مفهومـه: تنجّسـه با لشيء الغير المنافي لعدم تنجّسـه ببعض النجاسات ؟ وهذا هو النزاع المعروف بين صاحب الحاشيـة والشيخ(قدس سرهما)، وقد بنى الشيخ المسأ لـة على أنّ كلمـة «ا لشيء» المأخوذة في المنطوق هل اُخذت مرآتاً للعناوين النجسـة، مثل البول والمني والدم وغيرها بحيث كأ نّها مذكورة بدلـه، أو أ نّها مأخوذة بعنوانـه بحيث لابدّ من أخذه في المفهوم بعنوانـه ؟ فعلى الأوّل يصير مفهومـه يتنجّس الماء القليل بجميع أنواع النجاسات، وعلى الثاني لاينافي عدم تنجّسـه

1 ـ الكافي 3: 2 / 1، وسائل الشيعـة 1: 159، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب9، الحديث 6.


256

ببعضها، كما لايخفى(1).

هذا، وأنت خبير بأنّ المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم في المنطوق عند انتفاء الشرط مثلاً، لا ثبوت حكم نقيض الحكم في المنطوق، وحينئذ فمفهوم المثال عبارة عن أنّ الماء إذا لم يبلغ قدر كرّ ليس بلاينجّسـه شيء لا أ نّـه ينجّسـه شيء حتّى يقال بأنّ النكرة في الإثبات لايفيد العموم، بل مدلول القضيّـة المفهوميـة هو انتفاء الحكم المنشأ في المنطوق، وانتفاؤه في المقام لاينافي ثبوت التنجّس بجميع النجاسات، كما أ نّـه لاينافي ثبوتـه ببعضها، ولا دلالـة لها على أحد الأمرين أصلاً.

ويظهر الكلام في مفهوم الوصف ممّا تقدّم في مفهوم الشرط.

1 ـ مطارح الأنظار: 174 / السطر 29.


257

المقام الثاني

في مفهوم الغايـة

يقع الكلام في مفهوم الغايـة بمعنى دلالتها على انتفاء الحكم فيما بعدها بناء على دخولها في المغيّى، أو انتفاؤه فيها وفيما بعدها بناء على خروجها عنـه.

وا لمعروف بين المتأخّرين: التفصيل بين ما إذا كانت الغايـة قيداً للحكم وبين ما إذا كانت قيداً للموضوع با لدلالـة على المفهوم في الأوّل دون الثاني.

وا لوجـه في الثاني واضح ; لأنّـه يصير حينئذ من قبيل الوصف، وقد عرفت أ نّـه لا مفهوم لـه.

وأمّا وجـه الدلالـة على المفهوم في الأوّل: فهو على ما ذكره بعض المحقّقين من المعاصرين في كتاب الدّرر عبارة عن أنّ الغايـة بحسب مدلول القضيّـة جُعلت غايةً للحكم المستفاد من قولـه: اجلس، مثلاً، وقد حقّق في محلّـه أنّ مفاد الهيئة إنشاء حقيقـة الطلب، لا الطلب الجزئي الخارجي، فتكون الغايـة في القضيّـة غايةً لحقيقة الطلب المتعلّق با لجلوس، ولازم ذلك هو ارتفاع حقيقة الطلب عن الجلوس عند وجودها.

نعم لو قيل بدلالـة الهيئـة على الطلب الجزئي، فا لغايـة لا تدلّ إلاّ على


258

ارتفاعـه عندها، وهو لاينافي وجود جزئي آخر من سنخ ذلك الطلب بعدها.

ولكنّـه اختار في الأواخر أ نّـه لا تدلّ الغايـة على المفهوم ولو كانت قيداً للحكم، فقال في حاشيـة الدّرر ما هذه عبارتـه: يمكن أن يقال بمنع المفهوم حتّى فيما اُخذ فيـه الغايـة قيداً للحكم، كما في: اجلس من الصبح إلى الزوال ; لمساعدة الوجدان على أ نّا لو قلنا بعد الكلام المذكور: وإن جاء زيد فاجلس من الزوال إلى الغروب، فليس فيـه مخا لفـة لظاهر الكلام الأوّل، فهذا يكشف عن أنّ المغيّى ليس سنخ الحكم من أيّ علّـة تحقّق بل السنخ المعلول لعلّـة خاصّـة سواء كانت مذكورة كما في إن جاء زيد فاجلس من الصبح إلى الزوال، أم كانت غير مذكورة، فإنّـه مع عدم الذكر أيضاً يكون لا محا لـة هنا علّـة يكون الحكم المذكور مسبّباً عنها(1). انتهى.

وأنت خبير بأنّ الغايـة إذا كانت غايةً لطبيعة الطلب المتعلّقة با لجلوس مثلاً، فلا محا لـة ترتفع الطبيعـة عند وجودها، وإلاّ فلا معنى لكونها غايةً لنفس الطبيعة، ويكشف من ذلك ارتفاع علّتـه وعدم قيام علّـة اُخرى مقامـه.

وبعبارة اُخرى: بعد كون القضيّـة بنظر العرف ظاهرة في ارتفاع الطلب عند وجود الغايـة لا مجال للإشكال في الدلالـة على المفهوم من جهـة ما ذكر ; لأنّ ذلك مستلزم لكون العلّـة واحدة بحيث لايقوم مقامها علّـة اُخرى.

هذا مضافاً إلى أنّ العرف لايتوجّـه ولاينظر إلى مسأ لـة العلّـة أصلاً، كما لايخفى، إلاّ أنّ كون الهيئـة مفادها هو إنشاء حقيقـة الطلب وكلّيـه قد عرفت ما فيـه سابقاً ; فإنّ الوضع والموضوع لـه في الحروف ليسا عامّين، بل الموضوع لـه خاص، إلاّ أنّ المتفاهم في المقام من القضيّـة الغائيـة كون المغيّى هو حقيقـة

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 204 ـ 205.


259

ا لطلب بحيث ترتفع عند وجود الغايـة، كما يظهر بمراجعـة العرف، فا لحقّ ثبوت مفهوم الغايـة.

ثمّ إنّ هنا خلافاً آخر، وهو: أنّ الغايـة هـل تكون داخلـة في المغيّى أو خارجـة عنها ؟

ولايخفى أنّ المراد با لغايـة هنا هو مدخول مثل «إ لى» و«حتّى» ممّا لـه أجزاء، لا نهايـة الشيء، فإنّ البحث فيها با لمعنى الثاني ليس شأن الاُصولي، بخلاف الأوّل.

وا لحقّ خروجها عن المغيّى، سواء كانت غايةً للموضوع أو الحكم.

وا لدليل على ذلك مراجعـة الاستعمالات العرفيـة، فإنّ قول القائل: سرت من البصرة إلى الكوفـة لايدلّ على استمرار السير في جزء من الكوفـة أيضاً بحيث لو وصل إلى جدار الكوفـة من دون أن يدخل فيها، لكان هذا القول منـه كذباً، بل نقول: إنّ دعوى دخول تا لي كلمـة «من» في الموضوع أو الحكم ممنوعـة أيضاً، كما يظهر با لتأمّل في المثال، فالإنصاف خروج الغايـة عن المغيّى حكماً كان أو موضوعاً، فا لتفصيل بينهما بدخولها فيـه في الثاني دون الأوّل ـ كما في الدّرر ـ في غير محلّـه، كما أنّ دعوى خروج غايـة الحكم عن النزاع في هذا المقام ـ كما في الكفايـة ـ ممنوعـة جدّاً، كما أشار إليـه في الحاشيـة فراجع(1).

1 ـ كفايـة الاُصول: 246 ـ 247.


260


261

المقصد الرابع

في الأوامر

وفيـه مقدّمـة وفصول:


262

263

مقدّمـة

وقبل الخوض في بحوث العامّ والخاصّ لابأس بذكر اُمور:

الأمر الأوّل: فيما تحكي عنـه أسماء الطبائع

اعلم أنّ الألفاظ الموضوعـة بإزاء الطبائع الكلّيـة لا تكون حاكيةً إلاّ عن نفس تلك الماهيات التي وُضعت بإزائها، فلفظ الإنسان الموضوع لطبيعـة الإنسان ـ ا لتي هي عبارة عن الحيوان الناطق ـ لايحكي إلاّ عن نفس تلك الحقيقـة، ولايعقل أن يكون حاكياً عن الخصوصيات التي تجتمع مع الطبيعـة في الوجود الخارجي وتتّحد معها في الواقع، وذلك لأنّـه لايعقل أن تكون الطبيعـة مرآةً للعناوين المتّحدة معها في عا لم الوجود الذي هو مجمع المتفرّقات بعد ثبوت المغايرة بينها في عا لم المفهوميـة، فكيف يمكن أن يكون الإنسان مرآة لأصل الوجود بعد وضوح المغايرة بينها وبينـه فضلاً عن الخصوصيّات الوجوديـة، والاتّحاد في الوجود الخارجي لاينافي عدم الحكايـة في عا لم المفهوم، كما هو واضح.

نعم قد وضع في كلّ لغـة ألفاظ تدلّ على الكثرات والوجودات، كلفظـة «كلّ» وأمثا لها في لغـة العرب، فعند إضافتـه إلى كلّ شيء يفيد أفراد ذلك الشيء


264

وإن كان مدخولـه لايدلّ إلاّ على نفس الطبيعـة، كما ذكرنا، ويعبّر عنها بأ لفاظ العموم، فقولـه: أكرم كلّ إنسان، يفيد وجوب إكرام جميع ما يصدق عليـه الإنسان، ويتّحد معـه في الخارج، وهذا المعنى يستفاد من كلمـة «كلّ» وأمّا الإنسان فقد عرفت أ نّـه لايحكي إلاّ عن نفس الطبيعـة.

الأمر الثاني: في الفرق بين العامّ والمطلق

ثمّ لايخفى أنّ معنى العموم ـ كما عرفت ـ يرجع إلى دلالـة الألفاظ الموضوعـة لـه عليـه با لدلالـة اللفظيـة ; نظير جميع الدلالات اللفظيـة، وأمّا الإطلاق ـ كما عرفت سابقاً ـ فهو يرجع إلى أنّ المتكلّم العاقل المختار إذا صار بصدد بيان جميع ما لـه دخل في موضوع حكمـه ولم يأخذ إلاّ ما نطق بـه وسمعـه المخاطب يستفاد من ذلك كون المذكور هو تمام الموضوع لحكمـه، ولا مدخليـة لشيء آخر أصلاً، وهذه الدلالـة ليست من باب دلالـة الألفاظ على معانيها ; ضرورة أنّ قولـه: أعتق رقبـة، لايدلّ إلاّ على وجوب عتق الرقبـة واستفادة الإطلاق با لنسبـة إلى الرقبـة إنّما هي من باب حكم العقل بأنّ المتكلّم الكذائي الذي بصدد البيان محكوم بظاهر كلامـه ; لأنّـه لو كان شيء آخر دخيلاً في موضوع حكمـه، لكان اللاّزم عليـه أن يذكر، فهي نظير دلالـة الفعل الصادر من العاقل المختار على كون صدوره عن اختيار وإرادة، ودلالـة التكلّم على كون مضمون الكلام مقصوداً للمتكلّم، وحينئذ فباب الإطلاق لا ربط لـه بباب العموم أصلاً، فما وقع من كثير منهم من أنّ العموم قد يستفاد من جهـة الوضع، وقد يستفاد من القضيّـة عقلاً، وقد يستفاد من جهـة الإطلاق مع وجود مقدّماتـه ليس على ما ينبغي ; لأنّ المستفاد من مقدّمات الحكمـة إنّما هو الإطلاق لا العموم، فهو قسيم لـه لا أ نّـه قسم منـه، كما عرفت.


265

الأمر الثالث: في استغناء العامّ عن مقدّمات الحكمـة

ثمّ إنّ هنا إشكالاً، وهو أ نّـه ليس لنا لفظ عام يدلّ على العموم مع قطع النظر عن جريان مقدّمات الحكمـة، ضرورة أنّ كلمـة «كلّ» لا تدلّ إلاّ على استيعاب أفراد مدخولـه، وأمّا أنّ مدخولـه مطلق أو مقيّد فلايستفاد منها أصلاً، فإنّها تابعـة لمدخولها، فإن اُخذ مطلقاً، فهي تدلّ على تمام أفراد المطلق، وإن اُخذ مقيّداً، فهي تدلّ على جميع أفراد المقيّد، فاستفادة العموم با لنسبـة إلى جميع أفراد المطلق موقوفـة على إحراز كون المدخول مطلقاً، وذلك يتوقّف على إجراء مقدّمات الحكمـة، كما هو واضح.

وقد أجاب عنـه في الدّرر(1) بما لايرجع إلى محصّل.

وا لتحقيق في الجواب أن يقال: إنّ مقدّمات الحكمـة حيث تجري تكون نتيجتها إثبات الإطلاق في موضوع الحكم بمعنى أنّ تمام الموضوع لحكمـه المجعول إنّما هي الطبيعـة معرّاة عن جميع القيود، وذلك حيث يكون الأمر دائراً بين كون الموضوع هي نفس الطبيعـة أو هي مقيّدة، وأمّا في أمثال المقام ممّا لايكون الموضوع هو الطبيعـة بل أفرادها ـ كما فيما نحن فيـه ـ فلا مجال لإجراء المقدّمات في مدخول ألفاظ العموم بعد وضوح أنّ الموضوع ليس هو المدخول، بل هو مع مضمون تلك الألفاظ الدالّـة على استيعاب الأفراد.

نعم بعبارة اُخرى نقول: التعبير بلفظ العموم الذي يدلّ على الاستيعاب ظاهر في كون المتكلّم متعرّضاً لبيان موضوع حكمـه، والتعرّض ينافي الإهمال،

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 210 ـ 211.


266

وحينئذ فا لشكّ في كون الموضوع هو جميع أفراد الرجل مثلاً أو أفراد الرجل العا لم ينشأ من احتمال الخطأ في عدم ذكر القيد، وهو مدفوع بالأصل.

وبا لجملـة، فمجرى المقدّمات هو ما إذا دار الأمر بين الإهمال وغيره، وفي المقام لا مجال لاحتمال الإهمال بعد كون المتكلّم متعرّضاً لبيان الموضوع، وأ نّـه هو جميع الأفراد ; إذ بعد دلالـة الكلام على هذه الجهـة يكون لا محا لـة الشكّ في سعـة الموضوع وضيقـه، مستنداً إلى احتمال الخطأ في عدم ذكر القيد، وقد عرفت أ نّـه مدفوع بالأصل العقلائي الذي يقتضي العدم، فظهر أنّ دلالـة مثل لفظـة «كلّ» على العموم لا تحتاج إلى مقدّمات الحكمـة أصلاً، فتأمّل فإنّـه دقيق.

الأمر الرابع: في أقسام العموم

ثمّ إنّ للعموم أقساماً من الاستغراقي والمجموعي والبدلي، والمراد بالأوّل هو الشمول لجميع الأفراد بلا لحاظ الوحدة بينهما، وبا لثاني هو جميعها مع ملاحظـة كونها شيئاً واحداً، وبا لثا لث هو الشمول بحيث يكتفى بواحد منها في مقام الامتثال.

وا لظاهر أنّ كلمـة «كلّ» ونظائرها تدلّ على العموم الاستغراقي، ولعلّ كلمـة المجموع دالّـة على المجموعي.

وا لظاهر أيضاً أنّ كلمـة «أيّ» ونظائرها تدلّ على البدلي.

ولايخفى أنّ هذه الأقسام الثلاثـة ثابتـة للموضوع مع قطع النظر عن تعلّق الحكم بـه، كما يشهد بمراجعـة العرف، فإنّـه لو سمع أحد منهم «كلّ رجل» مثلاً لايفهم منـه إلاّ العموم الاستغراقي ولو لم يعلم حكم ذلك الموضوع فضلاً عن كيفيّـة تعلّقـه بـه.


267

فما ذكره صاحب الكفايـة ـ وتبعـه بعض من أجلاّء تلامذتـه(1)ـ من أنّ هذه ا لأقسام إنّما هي بلحاظ كيفيّـة تعلّق الأحكام، وإلاّ فا لعموم في الجميع بمعنى واحد وهو الشمول، ممّا لايصحّ أصلاً ; فإنّ الجمع بين ذلك وبين كون كلّ واحد منها مدلولاً عليـه بلفظ غير ما يدلّ على الآخر ـ كما اعترف في حاشيـة الكفايـة(2)ـ مستبعد جدّاً ; فإنّ دلالـة الألفاظ على ما وُضعت بإزائها لايرتبط بباب تعلّق الأحكام أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

ثمّ إنّ هذا التقسيم لايجري في باب الإطلاق أصلاً ; ضرورة أنّ معنى الإطلاق هو مجرّد كون المذكور تمام الموضوع لحكمـه المجعول بلا مدخليّـة لشيء آخر، فقولـه: جئني برجل، لايفيد إلاّ مجرّد كون الغرض مترتّباً على مجيء الرجل، وأمّا شمولـه لجميع ما يصدق عليـه والتخيير بينـه فهو حكم عقلي مترتّب على تعلّق الحكم بنفس الطبيعـة، لا أ نّـه يستفاد من الكلام هذا النحو من الإطلاق.

وا لدليل على ذلك أ نّـه لو كان المستفاد من الكلام الإطلاق الذي يسمّونـه بالإطلاق البدلي، لكان قولـه بعد هذا الكلام: «أيّ رجل» تأكيداً لاستفادة مضمونـه من قولـه: جئني برجل، مع أ نّـه ليس كذلك بداهـة، بل إنّما هو تصريح بما يحكم بـه العقل بعد تعلّق الحكم بنفس الطبيعـة من التخيير بين أفرادها.

ولايتوهّم أ نّـه تصريح بالإطلاق ; فإنّ معنى التصريح بـه هو أن نقول: إنّ تمام الموضوع الحكمي هو الرجل مثلاً من دون قيد لا أن نقول بما يحكم بـه العقل بعد استفادة الإطلاق، فتدبّر.

1 ـ مقالات الاُصول 1: 430.

2 ـ كفايـة الاُصول: 253.


268

الأمر الخامس: فيما عدّ من الألفاظ الدالّـة على العموم

قد عدّ من الألفاظ الدالّـة على العموم: النكرة في سياق النفي، أو النهي، وكذا اسم الجنس الواقع في سياق أحدهما، بتقريب أ نّـه لا تكاد تكون الطبيعـة معدومـة إلاّ إذا كانت معدومةً بجميع أفرادها، وإلاّ فهي موجودة، وظاهره تسليم أ نّـه لايدلّ على العموم لفظاً، وهو كذلك، ضرورة أنّ قولـه: ليس رجل في الدار، لايكون شيء من ألفاظـه دالاّ على العموم، فإنّ كلمـة النفي موضوعـة لنفي مدخولـه، ورجل يدلّ على نفس الطبيعـة، وتنوينـه المسمّى بتنوين التنكير يدلّ على تقيّد الطبيعـة با لوحدة اللاّبعينها، وتوهّم ثبوت الوضع لمجموع الجملـة ممّا لاينبغي أن يصغى إليـه، فا للّفظ لايدلّ على العموم أصلاً.

وأمّا دلالتـه عليـه عقلاً فقد عرفت سابقاً من أنّ ما اشتهر بينهم من وجود الطبيعـة بوجود فرد مّا وانعدامها بانعدام جميع الأفراد خلاف حكم العقل ; فإنّ الطبيعـة كما توجد بوجود فرد كذلك تنعدم بانعدام فردمّا، ولاينافي انعدامها وجودها بوجود فرد آخر، ولايلزم التناقض ; لأنّها متكثّرة حسب تكثّر الأفراد. نعم هو مقتضى حكم العرف لا العقل.

هذا، ولكن لايخفى أنّ دلالتـه عليـه مبنيـة على كونها مأخوذةً بنحو الإرسال، وأمّا إذا اُخذت مبهمةً قابلة للتقييد، فلايستفاد منـه العموم.

ومن هنا تعرف أنّ عدّ النكرة الكذائيـة من جملـة ألفاظ العموم ممّا لايصحّ، بل غايتـه الدلالـة على الإطلاق بعد جريان مقدّمات الحكمـة في مدخول النفي وضمّ حكم العرف، كما لايخفى.

وهكذا الحال في المفرد المعرّف با للاّم، فإنّ توهّم دلالتـه على العموم وضعاً مندفع بوضوح الفرق بين قولـه: (أحلّ اللّـه البيع) وقولـه: أحلّ اللّـه كلّ


269

بيع، بل لايدلّ إلاّ على الإطلاق بعد جريان المقدّمات، فهو أيضاً لايكون من الألفاظ الدالّـة على العموم.

وأمّا الجمع المحلّى با للاّم: فا لظاهر أنّ دلالتـه على العموم بحسب الوضع ممّا لا إشكال فيـه، إلاّ أنّ الكلام في كون مدلولـه هل هو العموم الاستغراقي أو المجموعي ؟ قد يقال با لثاني ; نظراً إلى أنّ مدخول اللاّم هو الجمع، وهو لاينطبق على كلّ فرد فرد بل على جماعـة جماعـة من الثلاثـة فما فوق وغايـة ما يستفاد من اللاّم هو أقصى مراتب الجمع مع حفظ معنى الجمعيـة.

هذا، ولكن لايخفى أنّ الجمع كعلماء مثلاً لايدلّ على كون أفراد العا لم ملحوظاً بنحو الاجتماع، فالألف واللاّم التي يرد عليـه لايقتضي إلاّ استغراق أفراد العا لم بلا ملاحظـة الوحدة بينهما أصلاً، ومن هنا تعرف أنّ ما أجاب بـه المحقّق النائيني على ما في التقريرات لايتمّ أصلاً، فراجع.


270

الفصل الأوّل

في حجّيـة العامّ المخصّص في الباقي

هل العامّ المخصّص حجّـة فيما بقي مطلقاً، أو ليس بحجّـة كذلك، أو يفصّل بين المخصّص المتّصل والمنفصل با لحجّيـة في الأوّل دون الثاني ؟

حول مجازيّـة العامّ المخصّص وعدمها

وا لعمدة في مبنى المسأ لـة هو: أنّ التخصيص يوجب المجازيـة في العـامّ أو لا ؟

وا لتحقيق أن يقال: إنّ المجاز ليس عبارةً عن استعمال اللّفظ في غير ما وُضع لـه، كما اشتهر بينهم، بل إنّما هو عبارة عن استعمال اللّفظ في نفس الموضوع لـه كا لحقيقـة بدعوى أنّ ذلك المعنى المقصود هو من مصاديق المعنى الموضوع لـه، وهذه هي الفارق بين الحقيقـة والمجاز، فإنّ استعمال اللّفظ في معناه في الأوّل لايحتاج إلى ادّعاء أصلاً، بخلاف المجاز.

وبعبارة اُخرى: المقصود في المقامين هو نفس المعنى الموضوع لـه، غايـة


271

ا لأمر أ نّـه ادّعى المتكلّم تطبيقـه على ما ليس مصداقاً لـه في الواقع في المجاز.

والسرّ في ذلك: أ نّـه لو لم يكن هذا الادّعاء في البين بل كان المجاز عبارة عن مجرّد استعمال اللّفظ الموضوع للأسد مثلاً في زيد من دون ادّعاء أ نّـه من أفراد الأسد حقيقةً، لم يكن للاستعمال المجازي حسن أصلاً، فأيّ حسن في مجرّد تغيير اللّفظ وتبديلـه بلفظ آخر ؟ كما هو واضح لايخفى.

وهذا لا فرق فيـه بين المجاز المرسل والاستعارة، فإنّ استعمال كلمـة «ا لقريـة» في أهلها في قولـه تعا لى:(واسئل القريـة)(1) لايكون محسناً إلاّ إذا كان المقصود كون القريـة كأهلها شاهدةً على المطلب وعا لمـة بها بحيث صار من شدّة الوضوح معلوماً عند نفس القريـة أيضاً، والتأمّل في جميع الاستعمالات المجازيـة يرشدنا إلى هذا المعنى.

إذا عرفت معنى المجاز، يظهر لك أنّ تخصيص العامّ في أكثر العمومات المتداولـة الشائعـة لايستلزم المجازيـة في العامّ أصلاً ; إذ ليس المقصود فيها ادّعاء كون ما عدا مورد المخصّص هو نفس العامّ بحيث كأ نّـه لم يكن المخصّص من أفراد العامّ أصلاً، فإنّ قولـه تعا لى: (أوفوا بالعقود)(2) لايتضمّن ادّعاء أنّ ا لعقود الفاسدة ـ كا لربا ونظائره ـ لا تكون عقداً حقيقـة، بل العقد إنّما ينحصر في العقود النافذة الماضيـة في الشريعـة، فباب العموم والخصوص ليس لـه كثير ربط با لمجاز با لمعنى المتقدّم.

نعم يبقى الكلام في الجمع بين العموم الظاهر في شمول الحكم لجميع

1 ـ يوسف (12): 82.

2 ـ المائدة (5): 1.


272

ا لأفراد وبين الخصوص الظاهر في عدم كون مورده مقصوداً من أوّل الأمر ; إذ ليس التخصيص كا لنسخ، كما هو واضح.

والتحقيق فيـه أن يقال: إنّ هذا النحو الذي يرجع إلى إلقاء القاعدة الكليـة أوّلاً ثمّ بيان المستثنيات شائع بين العقلاء المقنّنين للقوانين العرفيـة والجاعلين للقواعد التي يتوقّف النظام عليها، فإنّ التأمّل فيها يرشد إلى أنّ دأبهم في ذلك هو جعل الحكم الكلّي أوّلاً ثمّ إخراج بعض المصاديق عنـه.

ولابدّ في مقام الجمع بينهما من أن يقال بأنّ البعث الكلّي المنشأ أوّلاً أو الزجر كذلك وإن كان بعثاً كلّياً حقيقةً وزجراً كذلك إلاّ أ نّـه لايكون المقصود منـه الانبعاث أو الانزجار في الجميع، بل الانبعاث والانزجار في بعض الأفراد دون البعض الآخر، والكاشف عن عدم كون البعث الكلّي لغرض الانبعاث في الكلّ هو ورود التخصيص الدالّ على عدم كون مورده مقصوداً من أوّل الأمر أصلاً، فقولـه: أكرم العلماء، بعث إلى إكرام جميع العلماء حقيقـة إلاّ أنّ إخراج الفسّاق منهم يكشف عن أنّ البعث المتوجّـه إليهم أيضاً في ضمن الجميع لايكون لغرض الانبعاث بل لغرض آخر، والفائدة في هذا النحو من جعل الحكم يظهر في موارد الشكّ في التخصيص، كما سيأتي.

وما ذكرنا هو الذي يرجع إليـه قولهم: بأنّ التخصيص تخصيص في الإرادة الجدّيـة لا الاستعما ليـة، فإنّ المراد بالإرادة الاستعما ليـة هو أنّ ظاهر الاستعمال هو تعلّق البعث مثلاً بجميع أفراد العلماء وإن كان في الواقع لايكون المقصود ـ أي تحقّق الانبعاث ـ إلاّ با لنسبـة إلى غير الفاسق منهم، لا أنّ كلمـة «ا لعلماء» قد اُريد منها الجميع استعمالاً لا جدّاً حتّى يقال ـ كما في تقرير المحقّق النائيني ـ بأ نّا لا نتصوّر للاستعمال إرادة مغايرة للإرادة الجدّيـة، فهي ـ أي كلمـة «ا لعلماء» ـ إن


273

اُريد معناها، فقد اُريد جدّاً، وإلاّ يكون هازلاً(1)، وذلك ينشأ من عدم الوصول إلى مرادهم فإنّك عرفت أنّ مرادهم من الإرادة الاستعما ليـة هو أنّ تعلّق الحكم بجميع الأفراد مدلول عليـه بظاهر الاستعمال، ولكن تعلّقـه في الواقع إنّما هو ببعض الأفراد، فراجع كتاب الدّرر(2) تجده مصرّحاً بما ذكرنا في بيان مرادهم.

وكيف كان فقد عرفت: أنّ التخصيص يكشف عن عدم تعلّق البعث لغرض الانبعاث، والزجر لغرض الانزجار بمورد المخصّص، فلا دليل على رفع اليد عن حجّيتـه با لنسبـة إلى الباقي بعد ظهور الكلام وعدم معارض أقوى.

ثمّ إنّـه في التقريرات ـ بعد الإشكال بعدم تصوّر الإرادة الاستعما ليـة المغايرة للإرادة الجدّيـة ـ أجاب بأنّ ا لتخصيص لايوجب المجازيـة لا في ا لأداة ولافي ا لمدخول.

أمّا في الأداة: فلأنّها لم توضع إلاّ للدلالـة على استيعاب ما ينطبق عليـه المدخول، وهذا لايتفاوت الحال فيها بين سعـة دائرة المدخول أو ضيقها أصلاً.

وأمّا في المدخول: فلأنّـه لم يوضع إلاّ للطبيعـة المهملـة المعرّاة عن جميع القيود، فا لعا لم مثلاً ليس معناه إلاّ من انكشف لديـه الشيء من دون دخل العدا لـة وغيرها فيـه أصلاً، فلو قيّد العا لم با لعادل مثلاً لم يستلزم ذلك مجازاً في لفظ العا لم أصلاً ; لأنّـه لم يستعمل إلاّ في معناه، وخصوصيّـة العدا لـة إنّما استفيدت من دالّ آخر، وهذا لا فرق فيـه بين اتّصال القيد وانفصا لـه وعدم ذكر القيد أصلاً(3).

أقول: أمّا عدم لزوم المجاز في الأداة فهو مسلّم، وكذا في المدخول فيما إذا

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 517.

2 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 212 ـ 213.

3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 518.


274

كان المخصّص متّصلاً، وأمّا في المخصّص المنفصل فنقول: ما الذي اُريد با لعا لم قبل ورود التخصيص عليـه ؟ فإن اُريد الجميع من غير اختصاص با لعادل ـ كما هو ظاهر اللّفظ ـ فهو ينافي إخراج الفسّاق بعده، وإن اُريد خصوص العادل، فإن استعمل لفظ العا لم في خصوص العادل منـه، فهو لو لم نقل بكونـه غلطاً فلا محا لـة يكون مجازاً، وإن لم يستعمل فيـه فهو هازل، كما صرّح بـه في الإشكال.

فالإنصاف أ نّـه لا مفرّ من الإرادة الاستعما ليـة با لمعنى الذي ذكرنا، وعدم لزوم المجاز ; لما عرفت من عدم ارتباط المقام بباب المجازات أصلاً.

ثمّ إنّ ما ذكره بعض المحقّقين: ـ من محشّي الكفايـة ـ من أنّ الإنشاء الواحد لو كان بعثاً حقيقيّاً بالإضافـة إلى البعض دون البعض الآخر مع كونـه متعلّقاً بـه في مرحلـة الإنشاء يلزم صدور الواحد عن داعيين بلا جهـة جامعـة تكون هو الداعي(1)، ففيـه: أنّ الداعي في أمثال المقام ليس راجعاً إلى ما يصدر منـه الفعل حتّى يقال بأنّ الواحد لايصدر إلاّ من واحد، والدليل على ذلك مانراه با لوجدان من اجتماع الدواعي المختلفـة على بعض الأفعال الصادرة منّا، ولا استحا لـة فيـه أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

والمحكي عن المقالات: أ نّـه ذكر في وجـه حجّيـة العامّ في الباقي أنّ الكثرة والشمول الذي هو معنى العامّ يسري إلى لفظـه، فكأ نّـه أيضاً كثير، فسقوط بعض الألفاظ عن الحجّيـة لايستلزم سقوط الباقي(2).

ويقرب هذا ممّا ذكره الشيخ في التقريرات في وجـه الحجّيـة بعد تسليم

1 ـ نهايـة الدرايـة 2: 450.

2 ـ مقالات الاُصول 1: 437 ـ 438.


275

ا لمجازيـة(1).

ولايخفى أنّ هذا الكلام ـ الذي با لشعر أشبـه ـ مردود: بأنّ سرايـة الكثرة إلى اللّفظ ممّا لا معنى لها أصلاً، نظير القول بسرايـة الحسن والقبح إلى الألفاظ، فإنّ من الواضح أنّ اللّفظ من حيث هو لايكون حسناً ولا قبيحاً، ولذا لو اُلقي على الجاهل بمعناه لم يتوجّـه إلى شيء منهما، كما لايخفى.

1 ـ مطارح الأنظار: 192 / السطر 17.


276

الفصل الثاني

في تخصيص العامّ بالمجمل

نبحث في هذا المقام في جهتين:

الجهـة الاُولى: المخصّص اللفظي المجمل مفهوماً

إذا كان الخاصّ مجملاً بحسب المفهوم، فتارة يكون مُردّداً بين الأقلّ والأكثر، واُخرى بين المتبائنين، وعلى التقديرين إمّا أن يكون متّصلاً با لعامّ، وإمّا أن يكون منفصلاً عنـه، فا لصور أربع:

منها: ما إذا كان الخاصّ مردّداً بين الأقلّ والأكثر وكان متّصلاً با لعامّ، كقولـه: أكرم العلماء إلاّ الفسّاق منهم، أو أكرم العلماء العدول، وتردّد الفاسق بين الاختصاص بمرتكب الكبيرة أو الشمول لمرتكب الصغيرة أيضاً.

ولاشبهـة في هذه الصورة في عدم جواز الرجوع إلى العامّ با لنسبـة إلى المورد المشكوك، وهو خصوص مرتكب الصغيرة فقط، وذلك لأنّ الخاصّ المتّصل با لكلام يصير مانعاً من انعقاد ظهور للعامّ في العموم حتّى يقال بأنّ القدر المتيقّن من الدليل المجمل المزاحم الأقوى هو خصوص مرتكب الكبيرة،


277

فأصا لـة العموم با لنسبـة إلى غيره محكّمـة، بل الكلام ما دام لم يتمّ لايتّبع ظهوره أصلاً، بل الظهور الذي يجب اتّباعـه عند العقلاء هو الظهور الحاصل للكلام بملاحظـة جميع قيوده وخصوصياتـه، فإذا فرض أنّ موضوع الحكم المجعول هو العا لم غير الفاسق فلابدّ من إحراز هذا العنوان الذي هو بمنزلـة الصغرى في تطبيق الكبرى عليـه، وهذا واضح.

منها: هذه الصورة مع كون الخاصّ منفصلاً عن العامّ، ربّما يقال ـ كما في أكثر الكتب الاُصوليـة ـ بجواز الرجوع إلى العامّ في هذه الصورة با لنسبـة إلى المورد المشكوك دخولـه في الخاصّ ; لإجما لـه مفهوماً ; نظراً إلى أنّ العامّ قبل ورود التخصيص عليـه انعقد لـه ظهور في العموم، ومن الواضح أ نّـه لايرفع اليد عن هذا الظهور إلاّ بسبب حجّـة أقوى منـه، وحجّيـة الخاصّ إنّما هي با لنسبـة إلى ما يعلم شمولـه لـه يقيناً ; لما عرفت من أنّ إحراز الصغرى شرط في تطبيق الكبرى عليـه، فقولـه: لا تكرم الفسّاق من العلماء، لايكون حجّةً إلاّ با لنسبة إلى خصوص مرتكب الكبيرة، فبا لنسبـة إلى المورد المشكوك لم يقم حجّـة أقوى على خلاف العامّ الذي انعقد لـه ظهور في العموم، فا لواجب الرجوع إليـه، كما لايخفى.

وفي الدّرر تنظّر في ذلك وقال بإمكان أن يقال: إنّـه بعدما صارت عادة المتكلّم جاريةً على ذكر التخصيص منفصلاً عن كلامـه، فحال المنفصل في كلامـه حال المتّصل في كلام غيره، فكما أ نّـه يحتاج في التمسّك بعموم كلام سائر المتكلّمين إلى إحراز عدم المخصّص المتّصل إمّا با لقطع أو بالأصل، كذلك يحتاج في التمسّك بعموم كلام المتكلّم المفروض إلى إحراز عدم المخصّص المنفصل أيضاً كذلك، فإذا احتاج العمل با لعامّ إلى إحراز عدم التخصيص با لمنفصل، فا للازم الإجمال فيما نحن فيـه ; لعدم إحراز عدمـه لابا لقطع ولابالأصل، أمّا


278

ا لأوّل: فواضح، وأمّا الثاني: فلما مضى من أنّ جريانـه مخصوص بمورد لم يوجد ما يصلح لأن يكون مخصّصاً، والمسأ لـة محتاجـة إلى التأمّل(1). انتهى.

هذا، ولايخفى أنّ جريان العادة على ذكر التخصيص منفصلاً إنّما يجدي با لنسبـة إلى عدم جواز التمسّك با لعامّ بمجرّد صدوره من المتكلّم، بل لابدّ من الفحص والبحث عن المخصّص، وأمّا با لنسبـة إلى عدم جواز الرجوع إليـه بعد العلم با لتخصيص في المورد المشكوك انطباق المخصّص عليـه فلابعد انعقاد ظهور لـه في العموم وعدم المزاحمـة با لحجّـة الأقوى في المورد المشكوك كما بيّنّا.

نعم، قد يشكل التمسّك بـه في بعض المخصّصات الواردة بلسان التفسير والشرح بحيث يكون ظاهراً في عدم جعل الحكم بنحو العموم الشامل لمورد التخصيص من الأوّل، مثل: قولـه بعد الأمر بإكرام العلماء: ما أردت إكرام فسّاقهم، ونحو ذلك من التخصيصات التي تكون بلسان الحكومـة والتفسير العامّ الواقع قبلها.

منها: ما إذا كان الخاصّ مردّداً بين المتبائنين وكان منفصلاً، والظاهر أ نّـه لايجوز الرجوع إلى العامّ في شيء من المحتملات ; لأنّ العلم الإجما لي بخروج واحد منها مانع من جريان أصا لـة العموم ; لأنّ جريانها با لنسبـة إلى جميع الأطراف مخا لف للعلم الإجما لي وفي بعضها دون بعض ترجيح من غير مرجّح، وحينئذ فلو كان مفاد الخاصّ حكماً تحريميّاً والعامّ حكماً وجوبياً، يدور الأمر بين المحذورين، وإن كان مفاده الجواز ونفي الوجوب، فا للاّزم إكرام الجميع ; لتوقّف الامتثال اليقيني عليـه.

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 215.


279

منها: هذه الصورة مع كون الخاصّ متّصلاً ويجري فيها حكم الصورة السابقـة، كما هو واضح.

هذا كلّـه فيما إذا كان الخاصّ مجملاً مفهوماً.

الجهـة الثانيـة: المخصّص اللفظي المجمل مصداقاً

وأمّا إذا كان مجملاً بحسب المصداق بأن اشتبـه فرد وتردّد بين أن يكون مصداقاً للخاص أو باقياً تحت العامّ للشبهـة الخارجيـة، فلايجوز التمسّك با لعامّ، سواء كان الخاصّ متّصلاً أو منفصلاً.

أمّا إذا كان المخصّص متّصلاً، فلوضوح أ نّـه لاينعقد ظهوره حينئذ إلاّ في غير عنوان الخاصّ. وبعبارة اُخرى: يصير الموضوع لوجوب الإكرام أمر واحد، وهو العا لم غير الفاسق، فا لتمسّك با لعامّ حينئذ يصير من قبيل التمسّك بـه في الشبهـة المصداقيـة لنفس العامّ ; إذ لا فرق حينئذ بين أن يتردّد أمر زيد مثلاً بين أن يكون عا لماً أو لا، وبين أن يتردّد أمره بعد العلم بكونـه عا لماً بين أن يكون فاسقاً أو لا، فكما لايجوز التمسّك بـه في الفرض الأوّل كذلك لايجوز في الفرض الثاني ; لأنّ عنوان غير الفاسق أيضاً يكون جزءاً للموضوع، وهذا واضح.

وأمّا إذا كان المخصّص منفصلاً، فا لظاهر عدم جواز التمسّك با لعامّ أيضاً.

وقبل الخوض فيـه لابدّ من بيان أنّ الكلام ممحّض في خصوص العامّ والخاصّ، ولا ارتباط لـه بباب المطلق والمقيّد أصلاً. فما وقع من بعضهم من الخلط بينهما في هذا المقام ونظائره حيث قال ـ كما في التقريرات المنسوبـة إلى المحقّق النائيني ـ بأنّ ورود التخصيص بقولـه: لا تكرم الفسّاق من العلماء، بعد ورود قولـه: أكرم العلماء، يدلّ على أنّ الموضوع للحكم يكون مركّباً من العا لم وعنوان الغير الفاسق، فكما لايجوز التمسّك بـه فيما إذا شكّ في الجزء الأوّل


280

كذلك لايجوز فيما إذا شكّ في الجزء الآخر(1)، ممّا لايصحّ أصلاً ; لأنّ التخصيص ليس كا لتقييد في تضييق دائرة الموضوع، فإنّ الموضوع في المثال هو جميع أفراد العا لم بلا قيد إلاّ أنّ التخصيص يكشف عن عدم تعلّق الإرادة الجدّيـة بجميع ما هو مراد استعمالاً، وقد عرفت أنّ المراد با لعامّ قبل ورود التخصيص وبعده هو جميع الأفراد، وإلاّ يلزم المجازيـة.

وبا لجملـة، فا لموضوع في باب العلم هو الأفراد لا الطبيعـة، كما في باب المطلق، والتخصيص لايوجب التضييق، بخلاف التقييد.

حول جواز التمسّك بالعامّ في الشبهـة المصداقيّـة

إذا عرفت ذلك، فاعلم أ نّـه قد يقال بجواز التمسّك با لعامّ في الشبهـة المصداقيـة للمخصّص.

وقد استدلّ لـه بوجوه أجودها ما ذكره في الكفايـة من أنّ الخاصّ إنّما يزاحم العامّ فيما كان فعلاً حجّـة، ومن المعلوم أ نّـه حجّـة با لنسبـة إلى مَنْ علم أ نّـه من مصاديقـه، وأمّا با لنسبـة إلى الفرد المشتبـه فلايكون حجّةً، فلايعارض العامّ فيـه، ولايزاحمـه، فإنّـه يكون من قبيل مزاحمـة الحجّـة بغير الحجّـة(2).

ولايخفى فساده.

بيان ذلك: أنّ مناط حجّية الدليل إنّما هوباجتماع هذه المراتب الثلاثـة فيه:

الاُولى: كونـه ظاهراً بحسب معناه اللغوي أو العرفي في المعنى المقصود للمتكلّم.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 525.

2 ـ كفايـة الاُصول: 258 ـ 259.


281

الثانيـة: أصا لـة الحقيقـة التي تقتضي كون الظاهر مراداً لـه.

الثالثـة: أصا لـة تطابق الإرادة الجدّيـة مع الإرادة الاستعما ليـة بمعنى كون المتكلّم مريداً لمعناه الحقيقي جدّاً بحيث لايكون هازلاً، ومع كون الدليل فاقداً لشيء من هذه المراتب لايصحّ الاحتجاج بـه على العبد، كما هو واضح.

وحينئذ فنقول: إنّ هنا دليلين: أحدهما: قولـه: أكرم العلماء، ثانيهما: قولـه: لا تكرم الفسّاق منهم، فلو كان الدليل منحصراً في الأوّل، لكانت المراتب الثلاثـة مجتمعةً فيـه، وحاكمةً بوجوب إكرام جميع العلماء جدّاً، إلاّ أنّ جريانها في الدليل الثاني يقتضي كون الإرادة الجدّيـة متعلّقةً با لزجر عن إكرام الفسّاق من العلماء، فيرفع اليد بسببـه عن الأصل العقلائي الجاري في الأوّل مع قطع النظر عن الثاني، فيقتصر في جريانـه على المورد الخارج عن الدليل المخصّص واقعاً، فيظهر أنّ هنا إرادتين جدّيتين: إحداهما تعلّقت بوجوب إكرام العا لم الغير الفاسق الواقعي، والاُخرى با لزجر عن إكرام الفاسق الواقعي، فإذا شكّ في فرد أ نّـه هل يكون عا لماً فاسقاً أو غير فاسق ؟ فمرجع الشكّ إلى أ نّـه هل يكون داخلاً في المراد بالإرادة الجدّيـة الأوّليـة أو داخلاً في المراد بالإرادة الجدّيـة الثانويـة ؟ فكما أ نّـه لايجوز التمسّك با لخاصّ والرجوع إليـه ـ كما هو المفروض ـ للشك في تعلّق الإرادة بـه كذلك لايجوز التمسّك با لعامّ أيضاً ; للشكّ في تعلّق الإرادة الجدّيـة بـه ; إذ لا فرق بينهما من هذه الجهـة، ومجرّد كونـه داخلاً في العموم بحسب الظاهر لايقتضي حجّيتـه با لنسبـة إليـه بعدما عرفت من توقّفها على تعلّق الإرادة الجدّيـة بـه أيضاً، وهي مقصورة على العا لم الغير الفاسق.

ومن هنا يعرف فساد ما ذكره: من أنّ الخاصّ لايعارض العامّ ; لأنّـه من قبيل مزاحمـة الحجّـة بغير الحجّـة، فإنّك عرفت أنّ العامّ أيضاً لايكون حجّةً حتّى يكون من ذاك القبيل ; لقصوره عن شمولـه بما هو حجّـة ; لأنّ حجّيتـه مقصورة


282

على غير مورد الخاصّ، فعدم شمول العامّ لـه ; لقصور فيـه، لا لمزاحمتـه با لخاصّ حتى يستشكل عليـه بما ذكر.

وبا لجملـة، فبناء العقلاء لايكون على العمل با لدليل فيما إذا شكّ في كونـه متعلّقاً للإرادة الجدّيـة، ولذا لايعملون با لخاصّ في الفرد المشتبـه، ولابا لعامّ في الفرد الذي شكّ كونـه عا لماً.

هذا هو غايـة ما يمكن أن يقال في تقريب مراد الكفايـة.

هذا، ولايرد نظير هذا الكلام في العامّ المخصّص با لمنفصل المردّد بين الأقلّ والأكثر بحسب المفهوم الذي قلنا بجواز الرجوع في المورد المشكوك إلى العامّ، وذلك لأنّ دليل الخاصّ فاقد للمرتبـة الاُولى التي هي عبارة عن الظهور ; لأنّ معناه اللغوي مردّد بينهما، فحجّيتـه مقصورة على القدر المتيقّن، وهو مرتكب الكبيرة في المثال، فيرفع اليد عن العامّ با لنسبـة إلى خصوص المتّصف بهذه الصفـة، ويبقى حجّـة في غير مورده، فلا إشكال في جواز الرجوع إليـه.

ثمّ إنّـه لايخفى عدم الفرق فيما ذكرنا بين كون المخصّص لفظياً أو لبيّاً ; إذ لا فرق بين أن يقول المولى: لا تكرم الفسّاق من العلماء، وبين أن يحكم العقل بذلك ; إذ حكم العقل عبارة عن الكبريات الكلّيـة، فالإرادة الجدّيـة أيضاً على طبقها، فيجري الكلام المتقدّم بعينـه.

وجـه آخر لعدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهـة المصداقيّـة

ثمّ إنّـه حكي عن مقالات المحقّق العراقي وجـه آخر لعدم جواز التمسّك با لعامّ في الشبهـة المصداقيـة للمخصّص، وهو: أنّ حجّيـة الظهور منحصرة في الدلالـة التصديقيـة للكلام الملقى من المتكلّم، ولا تتحقّق تلك الدلالـة إلاّ بعد كون المتكلّم بصدد إبراز مرامـه بكلامـه وإفهام غرضـه بـه، ويتوقّف ذلك على


283

تصوّره وثبوتـه عنده، ومع الشكّ ـ كما هو المفروض في المقام ـ لايتعلّق بـه غرضـه حتّى يفيده بكلامـه، فإذا كان شاكّاً في كون زيد عا لماً كيف يتعلّق غرضـه بإكرامـه ؟ ! ومع عدمـه لايكون المقصود با للّفظ إفهامـه، ومعـه لايكون الظهور حجّةً أصلاً با لنسبة إلى المورد الذي لم يتعلّق الغرض بإفهامـه، ونسب هذا الوجـه إلى الشيخ الأنصاري(قدس سره)(1).

وأنت خبير بأ نّـه ـ مضافاً إلى أنّ كلام الشيخ لايستفاد منـه هذا الوجـه، بل مفاده يرجع إلى ما ذكرنا ممّا عرفت ـ نقول: هذا الوجـه لايتمّ أصلاً، وذلك لأنّ مقصود المتكلّم إنّما هو بيان الكبريات الكلّيـة، والجهل بصغرياتها خارجاً لايضرّ بتعلّق الغرض بها ثمّ إفادتها با للّفظ ; لأنّ من الواضح أنّ إلقاء الحكم الكلّي لو كان متوقّفاً على ثبوت صغراه عنده والعلم بحا لها يلزم أن لايتحقّق في الخارج أصلاً ; لقلّـة العلم با لصغريات تفصيلاً مع أنّ كثرتـه ممّا لايكاد ينكر.

وسرّه ما عرفت من أنّ تعلّق الغرض با لكبريات لايستلزم العلم با لصغريات أصلاً.

ألا ترى أ نّـه لو كان بعض الصغريات مشكوكاً عند المتكلّم دون المخاطب، هل يرضى أحد بخروج ذلك البعض وعدم شمول الحكم الكلّي لـه ؟ مثلاً لو أمر المولى عبده بإنقاذ أولاده من الغرق وشكّ في بعضهم أ نّـه من أولاده أو لا ; لظلمـة أو لغيرها مع كون حا لـه معلوماً عند العبد وأ نّـه منهم، فهل يقول أحد من العقلاء بعدم وجوب إنقاذه على العبد وإن كان يعلم بأ نّـه ولد المولى ؟ معتذراً بجهل المولى حا لـه، بل يحكم با لوجوب العقلاء كافّـة ولو فيما علم المولى بأ نّـه ليس ولده، وهذا واضح.

1 ـ مقالات الاُصول 1: 443.


284

تفصيل المحقّق النائيني في المخصّص اللبّي

ثمّ إنّـه فصّل المحقّق النائيني(قدس سره) ـ على ما في التقريرات ـ في المخصّص اللبّي بين ما إذا كان الذي لم يتعلّق بـه إرادة المولى من العناوين الغير الصا لحـة لأن تكون قيداً للموضوع وكان إحرازها من وظيفـة الآمر بأن كان من قبيل الملاكات وبين ما إذا كان ذلك من العناوين التي لا تصلح إلاّ أن تكون قيداً للموضوع ولم يكن إحراز انطباقها على مصاديقها من وظيفـة الآمر والمتكلّم، بل من وظيفـة المأمور والمخاطب، فقال با لجواز في الأوّل دون الثاني.

مثال الثاني: قولـه(عليه السلام): «انظروا إلى رجل قد روى حديثنا...»(1)، فإنّـه عامّ يشمل العادل وغيره، إلاّ أ نّـه قام الإجماع على اعتبار العدا لـة، فتكون قيداً للموضوع، ولايجوز الرجوع إلى العموم عند الشكّ في عدا لـة مجتهد، كما إذا كان اعتبار العدا لـة بدليل لفظي.

ومثال الأوّل: قولـه(عليه السلام): «اللّهمَّ العن بني أُميّـة قاطبـة»(2) حيث يعلم أنّ ا لحكم لايشمل المؤمن منهم ; لأنّ اللعن لايصيب المؤمن، فا لمؤمن خرج عن العامّ ; لانتفاء ملاكـه، ولايكون قيداً للموضوع ; فإنّ مثل حكم اللعن لايصلح أن يعمّ المؤمن حتّى يكون خروجـه من باب التخصيص، ويكون إحراز أنّ في بني أُميـة مؤمناً إنّما هو من وظيفـة المتكلّم حيث لايصحّ لـه إلقاء العموم إلاّ بعد إحراز ذلك، فلو فرض أ نّـه علمنا بكون خا لد بن سعيد مثلاً مؤمناً، كان ذلك موجباً لعدم

1 ـ الكافي 1: 67 / 10، وسائل الشيعـة 27: 136، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 1.

2 ـ كامل الزيارات: 332، الباب 71، مصباح المتهجد: 716.


285

اندراجـه تحت العموم، ولكن المتكلّم لم يبيّنـه لمصلحـة هناك اقتضت ذلك، فلايجوز لنا لعنـه ; لعلمنا بعدم ثبوت الملاك فيـه، وأمّا إذا شككنا في إيمان أحد منهم، فا للاّزم الأخذ با لعموم وجواز لعنـه ; لأنّـه من نفس العموم يستكشف أ نّـه ليس بمؤمن، وأنّ المتكلّم أحرز ذلك حيث إنّـه من وظيفتـه، فلو لم يحرز أنّ المشكوك غير مؤمن، لما ألقى العموم كذلك، فأصا لـة العموم حينئذ جاريـة، ويكون المعلوم الخروج من التخصيص الأفرادي حيث إنّـه لم يؤخذ عنوان قيداً للموضوع(1). انتهى.

وأنت خبير بأنّ محلّ النزاع في هذا المقام: هو ما إذا كان الخاصّ عنواناً كلّياً ذا مصاديق وأفراد، غايـة الأمر كون بعض المصاديق مردّداً، وأمّا إذا كان التخصيص أفرادياً، فلا إشكال في جواز التمسّك با لعامّ ; لأنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في التخصيص الزائد، وحينئذ نقول: إن كان الخارج عن عموم قولـه: «اللّهمّ العن بني أُميـة قاطبـة» هو عنوان المؤمن، فمن الواضح عدم الفرق بينـه وبين سائر الموارد، كما هو واضح، وإن كان التخصيص أفرادياً، فا لقول با لجواز فيـه ليس تفصيلاً في محلّ النزاع، كما عرفت.

ثمّ إنّـه قد استدلّ أيضاً على الجواز في مورد النزاع: بأنّ قول القائل: أكرم العلماء، يدلّ بعمومـه الأفرادي على وجوب إكرام كلّ واحد من العلماء، وبإطلاقـه على سرايـة الحكم إلى كلّ حا لـة من الحالات التي تفرض للموضوع، ومن جملـة حالاتـه كونـه مشكوك الفسق والعدا لـة، كما أنّ من جملـة حالاتـه كونـه معلوم العدا لـة أو معلوم الفسق، وخرج بقولـه: لا تكرم الفسّاق من العلماء، معلوم الفسق منهم، لا لمدخليـة العلم في الموضوع، بل لأنّ المعلوم خروج معلوم

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 536 ـ 539.


286

ا لفسق، ولايعلم خروج الباقي، فمقتضى أصا لـة العموم والإطلاق بقاء المشكوك تحت الحكم هذا.

وهذا الدليل أوضح فساداً من الدليل المتقدّم، وذلك لأنّ موضوع حرمـة الإكرام إنّما هو الفاسق الواقعي، لا الفاسق المعلوم، وحينئذ فلو قيل بشمول حكم العامّ لـ «زيد» الذي هو مشكوك الفسق، يلزم اجتماع حكمين واقعيّين ـ: أحدهما إيجابي، والآخر تحريمي مثلاً ـ على إكرامـه لو كان في الواقع فاسقاً، فهو من حيث إنّـه مشكوك الفسق يكون إكرامـه واجباً بمقتضى العامّ، ومن جهـة أ نّـه فاسق واقعاً يكون إكرامـه محرّماً بمقتضى دليل الخاصّ هذا، ولو صحّ ما ذكره يلزم تعلّق حكمين بإكرامـه من جهـة واحدة، وذلك لأنّ الإطلاق الاحوا لي كما يجري في دليل العامّ يجري في الخاصّ أيضاً ; لأنّ موضوعـه هو الفاسق الواقعي، سواء كان معلوم الفسق أومشكوكـه، فزيد من حيث إنّـه مشكوك الفسق كمايجب إكرامـه بمقتضى إطلاق العامّ كذلك يكون مقتضى دليل ا لخاصّ حرمـة إكرامـه، ومن ا لواضح استحا لـة اجتماع ا لحكمين.

وتوهّم: اندفاع الإشكال الأوّل بأنّ اجتماعهما في المقام نظير اجتماع الحكم الواقعي مع الظاهري، وذلك ; لأنّ حكم الخاصّ غير مقيّد بخلاف العامّ، فإنّ شمولـه لـه إنّما هو من حيث كونـه مشكوك الفسق، فموضوعـه مقيّد با لشكّ دون حكم الخاصّ.

مندفع: بأنّ الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري من جهـة أنّ الشكّ في الأوّل مأخوذ في موضوع الثاني، وهنا ليس كذلك ; لأنّ شمول العامّ لـه ليس لكونـه مشكوك الحكم، بل لكونـه مشكوك الفسق، فلاربط لهذا المقام بذلك الباب.

وا لذي يسهّل الخطب أنّ معنى الإطلاق ليس كما توهّمـه المستدل، بل هو


287

ـ كما ذكرناه مراراً ـ عبارة عن أنّ تمام الموضوع للحكم المجعول هو المذكور بلا مدخليـة شيء آخر، لا أ نّـه قد لاحظ السريان والشمول، فإنّـه حينئذ لايبقى فرق بينـه وبين العموم أصلاً، وهذا المورد أيضاً من الموارد التي وقع الخلط فيها بينهما، فتأمّل ; لكي لا تخلط بينهما.

وينبغي التنبيـه على اُمور:

الأمر الأوّل: التمسّك بالعامّ مع كون الخاص معلّلاً

إذا خصّص العامّ ببعض أفراده على نحو التخصيص الأفرادي معلّلاً إخراج الفرد المخرج بعلّـة عامّـة لـه ولغيره، مثل: ما إذا خصّص قولـه: أكرم كلّ رجل عا لم، بقولـه: لا تكرم زيداً، معلّلاً بأ نّـه فاسق، فهل يوجب ذلك أن يكون المخصّص في الحقيقـة هو عنوان الفاسق، فيجري فيـه ما تقدّم فيما تردّد أمر بعض أفراد العامّ بين انطباق عنوان الخاصّ عليـه وعدمـه من عدم جواز التمسّك با لعامّ با لنسبـة إليـه، أو أنّ التخصيص هنا أفرادي ولايكون المخرج عنواناً كليّاً، فيجوز التمسّك بـه ; لأنّ مرجعـه إلى الشكّ في التخصيص الزائد، وهو منفيّ بأصا لـة العموم ؟ وجهان، والظاهر: الأوّل ; لمساعدة العرف وشهادتـه بكون المخرج هو عنوان الفاسق في المثال، كما لايخفى.

الأمر الثاني: العامّين من وجـه المتنافيي الحكم

إذا كان هناك عامّان من وجـه، مثل: قولـه: أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق، فبناء على كونـه من صغريات مسأ لـة اجتماع الأمر والنهي يكون غير مرتبط با لمقام، وأمّا بناء على ثبوت التعارض بينهما وتقديم أحد الدليلين با لنسبـة إلى مورد الاجتماع، فلا إشكال في عدم جواز التمسّك با لعامّ في الفرد المشكوك


288

انطباق عنوان الخاصّ عليـه ; لعدم الفرق بينـه وبين سائر الموارد، كما هو واضح ولو فرض كونهما من قبيل الدليلين المتزاحمين بمعنى ثبوت المقتضيين في مورد الاجتماع، غايـة الأمر ترجيح أحدهما ; لأقوائيـة ملاكـه من ملاك الآخر، ففي جواز التمسّك في الفرد المشكوك انطباق عنوان المزاحم الأقوى عليـه با لدليل الآخر الذي ينطبق عنوان عليـه قطعاً وعدمـه وجهان مبنيّان على أنّ الحكم في المتزاحمين با لنسبـة إلى ما هو ملاكـه أضعف هل هو حكم إنشائي أو أ نّـه باق على فعليّتـه ؟ غايـة الأمر أنّ المكلّف معذور في مخا لفتـه لصرف قدرتـه في المزاحم الأقوى.

فعلى الأوّل لايجوز التمسّك با لدليل الآخر أيضاً ; لأنّ الإرادة الجدّيـة فيـه مقصورة بما عدا مورد المزاحم، ولايعلم تعلّقها با لفرد المشكوك، كما أ نّـه لايعلم شمول الدليل الآخر لـه أيضاً.

وعلى الثاني يجوز التمسّك بـه، بل لا مجال لمخا لفتـه بعد كونـه حكماً فعليّاً، وإحراز كونـه معذوراً متوقّف على شمول الدليل الآخر لـه، وهو مشكوك، ومن المعلوم أنّ الشكّ في العذر لايبيح مخا لفـة التكليف الفعلي المتوجّـه إليـه، كما إذا شكّ في كونـه قادراً على امتثال سائر التكا ليف الفعليـة المتوجّهـة إليـه، فإنّ العقل لايحكم بكونـه معذوراً في مخا لفتها أصلاً، كما لايخفى.

هذا وقد عرفت في مبحث الترتّب أنّ الأقوى كون الحكمين المتزاحمين فعليّين، غايـة الأمر كونـه معذوراً في مخا لفـة أحدهما لو صرف قدرتـه في امتثال الآخر، وأمّا مع مخا لفـة كليهما فيستحقّ العقوبتين، وحينئذ فا للاّزم في المقام بناء عليـه جواز التمسّك با لدليل الذي ملاكـه أضعف في المورد المشكوك، كما عرفت.


289

الأمر الثالث: إحراز المصداق بالأصل في الشبهـة المصداقيـة

هل يجوز إحراز كون الفرد المشكوك انطباق عنوان الخاصّ عليـه من أفراد العامّ بما هو حجّـة بالأصل الموضوعي مطلقاً، أو لايجوز كذلك، أو يفصّل بين الاُصول العدميـة الأزليـة وغيرها ؟ وجوه بل أقوال:

صريح محكي المقالات هو الوجـه الثاني.

قال في محكيّ كلامـه ما ملخّصـه: إنّ التخصيص لايوجب تضييقاً في العامّ حتّى با لنسبـة إلى الإرادة الجدّيـة ; لأنّـه بمنزلـة موت بعض الأفراد، فكما أنّ موت بعض أفراده لايوجب تغييراً في العامّ بل هو باق على عمومـه كذلك التخصيص ; لأنّ موضوع الحكم بعده أيضاً هو كلّ عا لم مثلاً، وحينئذ فهو لايوجب أن يكون العامّ معنوناً بعنوان غير الخاصّ حتّى يثبت ذلك العنوان بالاُصول العدميـة، فاستصحاب عدم فسق زيد ـ سواء كان من الاُصول الأزليـة أو كان استصحاباً لحا لتـه السابقـة التي علم فيها بعدا لتـه وعدم كونـه فاسقاً ـ إنّما يجري عليـه نفي الحكم المترتّب على الفسّاق، ولايثبت بـه حكم العامّ ; لكونـه لازماً عقليّاً، كما هو واضح.

وقد عرفت: أنّ العامّ لايكون معنوناً بغير عنوان الخاصّ حتّى يثبت بالاستصحاب ذلك العنوان، فيترتّب عليـه حكم العامّ.

نعم لو كان رفع الشكّ في المورد المشكوك بيد الشارع، كما في الصلح والشرط المشكوك كونهما مخا لفين للكتاب والسنّـة فيبطلان أو موافقين لهما فيصحّان، لابأس با لرجوع إلى عمومات أدلّـة الصلح والشرط(1). انتهى.

1 ـ مقالات الاُصول 1: 444 ـ 445.


290

أقول: ممّا ذكرنا في مسأ لـة أنّ التخصيص لايوجب مجازيـة العامّ، ظهر لك أنّ التخصيص وإن لم يوجب تضييقاً في موضوع حكم العامّ بحيث ينقلب الموضوع بعده كما في المطلق والمقيّد، إلاّ أ نّـه يكشف عن كون الإرادة الجدّيـة مقصورة على ما عدا مورد الخاصّ، وليس التخصيص بمنزلـة موت بعض الأفراد الذي لايوجب تغييراً في العامّ.

وسرّه: أنّ قولـه: أكرم كلّ عا لم، إنّما يشمل على حكم واحد متعلّق بجميع أفراد العا لم، فهو قضيّـة حقيقيّـة يكون المحمول فيها ثابتاً على جميع أفراد الموضوع المحقّقـة والمقدّرة، وموت بعض أفراد الموضوع لايضرّ بها ; إذ ليس لكلّ مصداق حكم على حدة حتّى ينتفي بانتفائـه، بل هو حكم واحد ثابت على الجميع، غايـة الأمر اختلافـه سعةً وضيقاً با لموت وعدمـه، ولكن ذلك لايوجب انقلاب الموضوع، بخلاف التخصيص ; فإنّـه يوجب قصر الموضوع في الإرادة الجدّيـة على ما عدا مورد الخاصّ وإن لم يوجب تقييد موضوع الحكم المنشأ متعلّقاً با لعموم.

وبا لجملـة، فقياس التخصيص على موت بعض المصاديق فاسد جدّاً.

وأمّا ماذكره من جواز التمسّك في المثا لين فقد عرفت أنّ النزاع في المقام في الشبهـة المصداقيـة للمخصّص التي كان منشأها اشتباه الاُمورا لخارجيـة فإثبات الجواز في غير المقام من الشبهات الحكميـة ليس تفصيلاً في مورد النزاع، كما هو واضح.

هذا، وصريح الكفايـة هو القول الأوّل(1).

وحكى الاُستاذ عن شيخـه المحقّق المعاصر أ نّـه قال في مجلس درسـه

1 ـ كفايـة الاُصول: 261.


291

في تقريب هذا القول ما ملخّصـه: أنّ العوارض على قسمين: قسم يعرض الماهيّـة مع قطع النظر عن الوجودين: الذهني والخارجي بحيث لو كان للماهيـة تقرّر وثبوت في غير عا لم الوجود، لكان يعرضها، كا لزوجيـة العارضـة لماهيّـة الأربعـة في عا لم التقرّر، وقسم يعرض الوجود كالأبيضيـة الحاصلـة للجسم الموجود، والفاسقيـة والقرشيـة وغيرها من العوارض القائمـة با لوجود، وحينئذ نقول: لابأس في القسم الثاني بجريان استصحاب عدم تلك الأوصاف با لنسبـة إلى موصوفها وإن كان الموصوف حينما يتحقّق لايخلو من اتّصافـه بذلك الوصف، بمعنى أ نّـه لو كان متّصفاً بـه، لكان ذلك من أوّل وجوده وتحقّقـه، كوصف القرشيـة ; لإمكان أن يقال: هذه المرأة ـ مشيراً إلى ماهيّتها ـ لم تكن قبل الوجود قرشيـة، فيستصحب ذلك إلى زمان الوجود.

تحقيق في المقام

هذا، وتحقيق الحال في هذا المقام ـ بحيث يظهر حال ما قيل أو يمكن أن يقال ـ يتوقّف على بيان حال القضايا ومناط الحمل.

فا لكلام يتمّ في ضمن مقدّمات:

الاُولى: أقسام القضايا بلحاظ النسبـة

فنقول: قد اشتهر بينهم بل اتّفقوا على أنّ القضيّـة متقوّمـة بثلاثـة أجزاء: الموضوع والمحمول والنسبـة، ولكن لايخفى أنّ هذا المعنى لايصحّ على نحو الكلّيـة ; فإنّ القضايا مختلفـة، فبعضها مشتملـة على النسبـة المتقوّمـة با لمنتسبين، وبعضها بل أكثرها خا ليـة عن النسبـة بين الشيئين.

توضيح ذلك: أنّ القضايا الحمليـة على قسمين: الحمليّات المستقيمـة الغير


292

ا لمأوّلـة، مثل: زيد موجود، والإنسان حيوان ناطق، والحمليّات المأوّلـة، مثل: زيد لـه البياض، وعمرو على السطح، ومناط الحمل في الأوّل هو الهوهويـة، ولايكون بين الموضوع والمحمول فيها نسبـة ; لأنّ النسبـة إنّما تتحقّق بين الشيئين المتغايرين ; إذ لايعقل تحقّقها بين الشيء ونفسـه.

وحينئذ نقول: إنّ القضيـة إنّما تحكي عن الواقع، فلابدّ من ملاحظتـه ليظهر حا لها، وملاحظتـه تقضي بعدم كون «زيد» و«موجود» في الواقع شيئين، وعدم كون الإنسان شيئاً والحيوان الناطق شيئاً، وكذا لايكون في الواقع مغايرة بين الجسم وبين الأبيض، ومع اتّحادهما بحسب الواقع لايعقل النسبـة بينهما ; لما عرفت من أنّ قوامها إنّما هو با لمنتسبين، وإذا كان الواقع كذلك فا لقضيّـة المعقولـة وكذا الملفوظـة إنّما هما كذلك ; لأنّهما حاكيتان عنـه، ومرآتان لـه، فلايعقل النسبـة فيهما، بل ملاك الحمل فيها إنّما هو الهوهويـة والاتّحاد المنافي للمغايرة المحقّقـة للنسبـة، بل نقول: إنّ الأصل في الحمليّات إنّما هو هذا القسم الذي لايكون فيـه نسبـة، ولذا نسمّيها با لحمليّات الغير المأوّلـة.

وأمّا غيرها من الحمليّات فمشتملـة على النسبـة ; لأنّ البياض لايعقل أن يتّحد مع زيد ويتحقّق بينهما الهوهويـة، نعم لـه ارتباط وإضافـة إليـه باعتبار كونـه محلاّ لـه، وهو حالّ فيـه عارض عليـه، وهذا القسم هو الحمليّات المأوّلـة، نحو: زيد في الدار، ووجـه التسميـة بذلك أ نّها مأوّلـة ; لأنّ تقديره: زيد كائن في الدار ; إذ لايحمل المحمول فيها على موضوعها بدون تقدير الكون والحصول ونحوهما.

هذا في الموجبات، وأمّا السوالب: فا لتحقيق أ نّها خا ليـة عن النسبـة مطلقاً ; لما ذكرنا من أ نّها أيضاً حاكيـة عن الواقع، ومن الواضح أ نّـه خال عن النسبـة، فقولـه: زيد ليس بقائم، يرجع إلى أنّ الواقع خال عن النسبـة بين زيد


293

وبين القيام، لا أ نّـه لـه نسبـة إلى عدم ا لقيام، فهذه القضايا متضمّنـة لسلب الحمل، لا أ نّها يكون ا لسلب فيها محمولاً.

ثمّ إنّ ما ذكرنا إنّما هو في الحمليّات الغير الموجبـة المأوّلـة، وأمّا السوا لب الغير المأوّلـة: فا لسلب فيها إنّما يتعلّق با لهوهويـة، بمعنى أنّ السوا لب على قسمين أيضاً: قسم يتعلّق السلب با لهوهويـة، كزيد ليس بموجود، وقسم يكون السلب وارداً على النسبـة، كقولـه: زيد ليس لـه القيام، فقولنا بخلوّها عن النسبـة إنّما يكون النظر فيـه إلى السوا لب التي لو كانت موجبات تكون فيها النسبـة، ضرورة أنّ غيرها لايتوهّم فيها النسبـة بعد منعها في الموجبات منها، كما لايخفى.

الثانيـة: مناط الصدق والكذب في القضايا

ثمّ إنّ ممّا ذكرنا ظهر أنّ المناط في كون القضيّـة محتملةً للصدق والكذب ليس كون نسبتها تامّةً في مقابل النسبة الناقصة، كما هو المعروف ; لما عرفت من خلوّ أكثر القضايا عن النسبـة حتّى تكون تامّةً أو غيرها، بل المناط فيـه هي الحكايـة التصديقيّـة المقابلـة للحكايـة التصوّريـة، فإنّ الحاكي عن الواقع قد يحكي عنـه تصوّراً بمعنى أ نّـه يوقع في ذهن المخاطب تصوّر الواقع، مثل: قولـه: زيد الذي هو قائم، وقد يحكي عنـه تصديقاً، بمعنى أ نّـه يؤثّر با لنسبـة إلى المخاطب التصديق بها نفياً أو إثباتاً، مثل قولـه: زيد قائم، أو: زيد لـه القيام، فا لملاك في احتمال القضيّـة للصدق والكذب هو هذه الحكايـة التصديقيـة لا النسبـة التامّـة ; لما عرفت، والدالّ على تلك الحكايـة إنّما هو تركيب الجُمل الخبريـة وهيئتها الموضوعـة بإزاء ذلك.

كما أنّ ممّا ذكرنا ظهر أيضاً أنّ الملاك في كون القضيـة صادقةً ليس هو أن


294

يكون لنسبتها واقع تطابقـه، كما هو المعروف ; لما عرفت من خلوّ أكثر القضايا عن النسبـة بحسب الواقع، فلايكون لها بحسبـه نسبـة حتّى طابقتها، بل المناط هو تطابقها مع نفس الواقع ونفس الأمر، بمعنى أنّ الواقع لو كان زيد مثلاً موجوداً، لكانت الحكايـة عنـه بقولـه: زيد موجود، حكايـة صادقـة ; لأنّ الواقع مشتمل على الهوهويـة والاتّحاد بينهما، وإن لم يكن كذلك، لكانت كاذبةً ; لعدم تحقّقها في الواقع.

ثمّ لايخفى جريان هذا المعنى في السوا لب أيضاً ; فإنّها وإن لم يكن لها واقع بل قد يصدق مع عدم الموضوع أيضاً، إلاّ أنّ واقعها هو خلوّ صفحـة الواقع عن الهوهويـة أو النسبـة بين موضوعها ومحمولها، فصدق قولـه: زيد ليس بقائم، إنّما هو بخلوّ الواقع عن الاتّحاد بينهما، كما أنّ صدق قولـه: زيد ليس لـه البياض، إنّما هو بخلوّه عن النسبـة والربط بينهما.

الثا لثـة: في القضايا المفتقرة إلى وجود الموضوع

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ القضيّـة الموجبـة قد تكون محصّلةً، وقد تكون معدولةً، والمراد با لثاني هو أن يحمل المحمول السلبي على الموضوع، مثل قولـه: زيد لا قائم.

وهذان القسمان يجريان في السوا لب أيضاً ; فإنّها أيضاً قد تكون محصّلةً، وقد تكون معدولةً، والمعدولة مطلقاً قد تكون معدولةَ الموضوع، وقد تكون معدولةَ المحمول، وقد تكون معدولةَ الطرفين، وللقضيّة الموجبة قسم ثا لث يسمّى با لموجبـة السا لبـة المحمول، وهو: أن يحمل القضيّـة السلبيـة على الموضوع، مثل قولـه: زيد هو الذي ليس بقائم.

ولايخفى أنّ القضايا الموجبـة على أقسامها الثلاثـة تحتاج إلى وجود


295

الموضوع ; فإنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت لـه، بخلاف القضايا السا لبـة ; فإنّها تصدق مع عدم الموضوع أيضاً، كما هو واضح.

الرابعـة: اعتبارات موضوع العامّ المخصّص

إذا عرفت ذلك كلّـه، فاعلم أنّ التخصيص وإن لم يوجب تقييد حكم العامّ بحيث يوجب أن يكون الحكم المنشأ متعلّقاً بغير مورد الخاصّ، إلاّ أ نّـه يوجب تضييق الموضوع في الإرادة الجدّيـة، وتخصيصـه بغير مورده، فقولـه: أكرم العلماء، بعد تخصيصـه بلا تكرم الفسّاق منهم، يكون المراد بـه هو إكرام العلماء الغير الفسّاق، وحينئذ نقول: إنّ أخذ هذا الأمر العدمي في الموضوع يمكن أن يكون نظير القضيـة الموجبـة المعدولـة المحمول بحيث يكون الأمر السلبي محمولاً عليـه ووصفاً لـه، فيصير الموضوع حينئذ هو إكرام العلماء الموصوفين بغير الفسق، ويمكن أن يكون نظير القضيّـة الموجبـة السا لبـة المحمول، فيكون القيد كا لمحمول فيها قضيّـة سا لبـة، فيصير الموضوع حينئذ هو إكرام العلماء الذين لايكونون فاسقين.

وأمّا احتمال أن يكون أخذ القيد العدمي في المقام نظير القضيّـة السا لبـة المحصّلـة الصادقـة مع عدم الموضوع بحيث يكون الموضوع في المقام هو: العا لم ليس بفاسق، بحيث لاينافي عدم الموضوع، فمندفع بأنّ هذا النحو من الموضوع لايعقل أن يكون موضوعاً للأحكام الشرعيـة، فإنّـه لايعقل إيجاب إكرام العا لم ليس بفاسق الصادق مع عدم العلم أيضاً كما هو واضح.

نعم يمكن أن يؤخذ موضوعـه مفروض الوجود بأن يقال: العا لم الموجود ليس بفاسق، مثل أن يقال: زيد الموجود ليس بقائم، فإنّ مع فرض وجود الموضوع ينحصر فرض صدق القضيـة في عدم ثبوت المحمول لـه في الواقع،


296

وحينئذ نقول: لامجال لجريان الاستصحاب في المرأة التي شكّ في كونها قرشيـة لإثبات عدم كونها كذلك، فيترتّب عليها حكم المرأة الغير القرشيـة، وهو رؤيتها الدم إلى خمسين.

أمّا على الاحتمال الأوّل ـ الذي يكون مرجعـه إلى أنّ الموضوع هي المرأة المتّصفـة بوصف الغير القرشيـة ـ فواضح ; لأنّ ثبوت الوصف إنّما يتوقّف على تحقّق الموصوف وثبوتـه، وهذه المرأة المتولّدة في الحال لم تكن متحقّقةً في الأزل فضلاً عن أن تكون متّصفةً بوصف، فليس للاستصحاب حا لة سابقة أصلاً.

وكذا على الاحتمال الثاني الذي مرجعـه إلى جعل نظير القضيّـة السا لبـة وصفاً للموضوع، فإنّ اتّصافـه بـه مشروط بوجوده، والمعلوم خلافـه في الأزل، فضلاً عن اتّصافـه بـه، فلا مجال للاستصحاب أصلاً.

وأمّا على الاحتمال الأخير الذي كان مرجعـه إلى أنّ أخذ القيد العدمي لا على سبيل الوصف، ولكن كان موضوعـه مفروض الوجود، فا لظاهر أيضاً عدم جريان الاستصحاب ; لأنّ المفيد في المسأ لـة إنّما هو استصحاب عدم قرشيـة مرأة خاصـة، والمعلوم أنّ الموضوع كان منتفياً في الأزل ; لأنّ المصحّح للإشارة إليها بأنّ هذه المرأة لم تكن قرشيّةً إنّما هو الوجود ; إذ لايعقل الإشارة إلى الأعدام حسّيةً كانت أو عقليّةً.

وما تقدّم في تقريب القول با لجريان من إمكان أن يقال: هذه المرأة، مشيراً إلى ماهيتها، إلى آخره، فهو غير صحيح ; لأنّ الماهيّـة قبل وجودها لا تكون شيئاً حتّى يمكن أن تقع مشاراً إليها.

إن قلت: نجعل الحا لـة السابقـة: المرأة الغير القرشيـة على نحو القضايا السا لبـة التي تكون أعمّ من وجود الموضوع [و] نستصحبها إلى زمان وجودها، فيصير الموضوع موجوداً، فيترتّب عليـه الحكم.


297

قلت: استصحاب تلك الحا لـة وجرّها إلى زمان وجود المرأة وإن كان صحيحاً من حيث وجود الحا لـة السابقـة إلاّ أنّ تطبيق تلك الحا لـة التي تكون أعمّ من وجود الموضوع على الحا لـة اللاّحقـة المشروطـة بوجود الموضوع يكون بحكم العقل، فهو يكون حينئذ مثبتاً ; لأنّ الأثر الشرعي مترتّب على الخاصّ، وإثباتـه إنّما هو بحكم العقل، فا لحقّ عدم جريان هذا الاستصحاب ونظائره، كاستصحاب عدم قابليّـة التذكيـة، وأمّا استصحاب غير العدم الأزلي: فالأقوى جريانـه فيما إذا كانت لـه حا لـة سابقـة متيقّنـة في بعض الموارد لا مطلقاً.

وتفصيلـه: أ نّـه لو قال: أكرم العلماء إلاّ الفسّاق منهم، أو كان المخصّص منفصلاً، ثمّ شكّ في أنّ زيداً العا لم هل يكون فاسقاً أو لا، فتارة يكون زيد في السابق عا لماً غير فاسق يقيناً، فلاشبهـة في جريان الاستصحاب با لنسبـة إلى العا لم المقيّد بذلك القيد، فيترتّب عليـه حكم العامّ لتنقيح موضوعـه بالاستصحاب، فيدخل في الكبرى الكلّيـة، واُخرى يكون في السابق غير فاسق يقيناً ولكن لم يكن عا لماً، فالآن شكّ في بقاء عدا لتـه مع العلم باتّصافـه با لعا لميـة في الحال، والظاهر عدم جريان الاستصحاب حينئذ ; لأنّ القاعدة الكلّيـة في صحّـة جريان الاستصحاب الموضوعي أن يكون المستصحب بنفسـه صغرىً لإحدى الكبريات الشرعيـة بلاواسطـة، وفي المقام ليس كذلك ; لأنّ استصحاب كون زيد غير فاسق إنّما يجدي في إثبات كونـه غير فاسق، ولكنّـه لايكون موضوعاً للحكم الشرعي، ضرورة أ نّـه تعلّق با لعا لم الغير الفاسق، وإثباتـه بضميمـة الوجدان، ضرورة أنّ زيداً لو كان في الحا لـة اللاّحقـة غير فاسق يكون عا لماً غير فاسق إنّما هو بحكم العقل، فيصير الأصل مثبتاً، فلايجري، كما أ نّـه لايجري فيما إذا كان عا لماً فاسقاً في الزمان السابق ثمّ صار عادلاً في اللاّحق


298

ولكن شكّ في بقاء علمـه، فإنّ استصحاب علمـه لايجدي بعد كون الموضوع هو العا لم الغير الفاسق إلاّ على القول بالأصل المثبت.

ولكن لايخفى: أنّ هذا الفرض خارج عن المقام ; لأنّ مفروضـه استصحاب عدم عنوان الخاصّ ومثلـه في الخروج عن مورد النزاع ما لو كان زيد عا لماً غير فاسق في السابق يقيناً ثمّ شكّ في بقاء علمـه مع العلم بعدا لتـه عكس الصورة الاُولى، ولا إشكال أيضاً في جريان الاستصحاب فيها ; لأنّـه كان في السابق عا لماً غير فاسق، فيستصحب هذا العنوان المقيّد، ويجري عليـه حكم العامّ في الزمان اللاّحق، كما هو واضح.

الأمر الرابع: التمسّك بالعامّ إذا شكّ في فرد من غير جهـة التخصيص

حكي عن بعض: التمسّك با لعامّ فيما إذا شكّ في فرد لا من جهـة التخصيص، بل من جهـة اُخرى، مثل: ما إذا شكّ في صحّـة الوضوء با لمائع المضاف، فيتمسّك في صحّتـه بعموم قولـه: أوفوا با لنذور، فيما إذا وقع متعلّقاً للنذر، فيقال هذا الوضوء يجب الوفاء بـه للعموم، وكلّ ما يجب الوفاء بـه فلا محا لـة يكون صحيحاً ; للقطع بعدم وجوب الوفاء با لفاسد(1)، ويستنتج صحّـة ا لوضوء با لمضاف ولو لم يتعلّق بـه النذر، وكذا القول في إطاعـة الوا لدين.

وربّما اُيّدَ ذلك بصحّـة الصوم في السفر والإحرام قبل الميقات إذا تعلّق النذر بهما كذلك، وبصحّـة النافلـة في وقت الفريضـة إذا صارت متعلّقةً للنذر.

هذا، ولايخفى عدم تماميـة هذا الكلام ; فإنّ هنا دليلين أحدهما: وجوب الوفاء با لنذور مثلاً، ثانيهما: عدم انعقاد النذر إلاّ في طاعـة اللّـه، فمع الشكّ في

1 ـ اُنظر مطارح الأنظار: 195 / السطر 36.


299

صحّـة الوضوء با لمضاف لا مجال للتمسّك بعموم الدليل الأوّل ; لأنّ مرجع الشكّ فيها إلى الشكّ في كونـه طاعةً للّـه، فيرجع إلى التمسّك با لعامّ في الشبهة المصداقية للمخصّص، ولو فرض وجود دليل واحد نظراً إلى حكومـة الدليل الثاني على الأوّل لا مخصّصاً لـه، فعدم الجواز مستند إلى أنّ إثبات حكم العامّ متوقّف على إحراز موضوعـه ; إذ لايمكن إثبات الصغرى بسبب الكبرى، كما هو واضح.

ثمّ إنّ قضيّـة الأمثلـة المذكورة هو الاختصاص بصورة النذر، فلا ترتبط با لمقام، مضافاً إلى أ نّها ليست مورداً للشكّ ; للعلم با لحرمـة والبطلان قبل تعلّق النذر وبارتفاعها بعده، وتوجيـه الأوّلين بأحد الوجوه المذكورة في الكفايـة(1)، كما أنّ توجيـه الأخير المذكور في الدّرر(2)، فراجع.

الأمر الخامس: التمسّك بالعامّ عند الشكّ بين التخصيص والتخصّص

إذا علم بحرمـة إكرام زيد مثلاً ولكن شكّ في أ نّـه عا لم، فيكون الدليل الدالّ على حرمـة إكرامـه مخصّصاً لإكرام العلماء، فيترتّب عليـه الأحكام المترتّبـة على العا لم، أو جاهل فلم يرد تخصيص على العموم فيترتّب عليـه الأحكام المترتّبـة على الجاهل، فهل يجوز التمسّك بأصا لـة العموم في إثبات أ نّـه غير عا لم أو لا ؟ ظاهر المحكيّ عن الأصحاب في موارد كثيرة هو الجواز حيث إنّهم ذكروا في مسأ لـة عدم نجاسـة الغسا لـة أنّ الدليل على ذلك أ نّها لاينجّس المحل ; إذ لو كانت نجسةً مع عدم تنجّس المحلّ بها، يلزم التخصيص في عموم كلّ نجس

1 ـ كفايـة الاُصول: 261 ـ 262.

2 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 220 ـ 221.


300

منجّس، فأصا لـة العموم يقتضي منجّسيّـة جميع النجاسات ممّا لايكون بمنجّس لايكون نجساً على ما هو مقتضى عكس نقيضـه.

هذا، وحكي عن المقالات أنّ أصا لـة العموم وإن كانت جاريةً إلاّ أنّ عكس نقيض القضيـة الذي هو لازم لها لايثبت بها ; لأنّ الدليل عليها هو بناء العقلاء، ولم يثبت بناؤهم على ترتيب اللّوازم عليها، وللمقام نظائر كثيرة من حيث التفكيك بين اللازم والملزوم في عدم إثبات الثاني بالأوّل، وكذا العكس(1).

والتحقيق أن يقال: بأنّ جريان أصا لـة العموم في أمثال المقام مورد تأمّل وإشكال ; لأنّ مدركها هو بناء العقلاء، فيحتاج في جريانها فيـه إلى إحراز بنائهم، مع أنّ المتيقّن ما إذا كان المراد غير معلوم، مثل: ما إذا شكّ في وجوب إكرام زيد العا لم بعد قولـه: أكرم العلماء، وأمّا إذا علم مراده وشكّ في علمـه لأن يترتّب عليـه الأحكام الاُخر، فلم يعلم استقرار بنائهم على التمسّك بـه، نظير أصا لـة الحقيقـة التي ينحصر مورد جريانها بما إذا شكّ في كون المراد هل هو المعنى الحقيقي أو المجازي، وأمّا إذا علم با لمراد ولكن لم يعلم أ نّـه معنى حقيقي للّفظ ومجازي لـه، فلا تجري أصا لـة الحقيقـة لإثبات أنّ المعنى المراد معنى حقيقي لـه، فالإنصاف أ نّـه لايجري الأصل في المقام حتّى يتكلّم في إثبات اللوازم بـه أوّلاً.

وممّا ذكرنا يظهر: أ نّـه لا مانع من التمسّك بأصا لـة العموم فيما لو علم بحرمـة إكرام زيد ولكن شكّ في أنّ المراد بـه هو زيد العا لم، فيكون مخصّصاً، أو زيد الجاهل، فيكون تخصّصاً.

1 ـ مقالات الاُصول 1: 450.


301

وجـه الجريان: أنّ المراد با لنسبـة إلى زيد العا لم مشكوك، لأنّـه لايعلم أ نّـه هل يجب إكرامـه أم لا، فلابأس با لتمسّك بأصا لـة العموم لإثبات وجوب إكرامـه، فيترتّب عليـه حرمـة زيد الجاهل، ويصير مدلول قولـه: لا تكرم زيداً، مبيّناً حينئذ ; لخروجـه عن الإجمال بسبب وجوب إكرام زيد العا لم الثابت بأصا لـة العموم، فتأمّل في الفرق بين المسأ لتين حتّى لايختلط عليك الأمر.


302

الفصل الثالث

في وجوب الفحص عن المخصّص

هل يجوز التمسّك با لعامّ قبل الفحص عن المخصّص أم لا ؟ فيـه خلاف.

تقرير محطّ البحث ومحلّ النزاع

وليكن محلّ البحث ممحّضاً في أنّ أصا لـة العموم هل يكون متّبعةً مطلقاً، أو بعد الفحص واليأس ؟ بعد الفراغ عن حجّيتها من باب الظنّ النوعي وعدم اختصاص حجّيتها با لمشافهين، ولم يكن العامّ معلوم التخصيص تفصيلاً أو إجمالاً، كما أنّ الظاهر اختصاصـه با لمخصّص المنفصل، وأمّا المتّصل فلايكون احتما لـه مانعاً من التمسّك بها مطلقاً ; لأنّـه نظير قرينـة المجاز، وقد قام الإجماع على عدم الاعتناء باحتما لها.

إذا ظهر لك ذلك، فاعلم أنّ التحقيق يقتضي التفصيل في الموارد، كما في الكفايـة(1) والقول بلزوم الفحص فيما إذا كان العامّ في معرض التخصيص، نظير

1 ـ كفايـة الاُصول: 265.


303

ا لعمومات الواقعـة في القوانين التي يجعلها العقلاء لنظام اُمورهم على ما هو المتداول بينهم، فإنّ جعل القانون يقتضي أن يجعل في الأوّل أمراً كليّاً ثمّ بيان المخصّصات والمستثنيات في الفصول المتأخّرة والقوانين الموضوعـة في الشريعـة إنّما هي على هذا المنوال، ولم تكن مجعولةً على غير النهج المتعارف بين العقلاء المقنّنين للقوانين الدنيويـة التي يكون المقصود بها انتظام اُمورهم، وهذا بخلاف العمومات الواقعـة في ألسنـة أهل المحاورات التي لو كان المقصود بها غير ما هو ظاهرها لاتّصل بـه ما يدلّ على ذلك نوعاً، ولم يكن دأبهم بيان العموم ثمّ ذكر المخصّص لو كان مخصّصاً في البين، فأصا لـة العموم في هذا النحو من العمومات متّبعـة مطلقاً، بخلاف ما كان من قبيل الأوّل، فإنّ جريانها فيـه مشروط با لفحص واليأس عن الظفر با لخاصّ.

ومن هنا يظهر: أنّ الفحص هنا أيضاً يكون عمّا لا حجّيـة للعامّ بدون الفحص عنـه نظيره في الاُصول العمليـة التي لم تكن حجّةً قبل الفحص أصلاً ; لما عرفت من أنّ جريانها مشروط با لفحص فقبلـه لايكون هنا حجّـة أصلاً ; لتوقّف الحجيّـة على إحراز كون مدلول الكلام مراداً جدّياً للمولى، وهذا المعنى إنّما يثبت بعد جريان أصا لـة العموم التي تكون مشروطةً با لفحص، فعدم جريانها قبلـه يوجب عدم حجّيـة العامّ.

فظهر أنّ العامّ قبل الفحص عن المخصّص لايكون حجّةً أصلاً، كما أنّ الاُصول العمليـة أيضاً كذلك.

فانقدح بذلك: فساد ما في الكفايـة(1) من الفرق بين الفحص في المقامين بأنّ الفحص هنا عمّا يزاحم الحجّيـة، بخلافـه هناك ; فإنّـه بدونـه لا حجّـة.

1 ـ كفايـة الاُصول: 265 ـ 266.


304

وجه الفساد ما عرفت من أنّ العامّ قبل الفحص أيضاً لايكون حجّةً ; لما مرّ.

ثمّ لايخفى أ نّـه وإن لم يكن حجّـة قبلـه إلاّ أنّ ظهوره في العموم قد انعقد واستقرّ ولو بعد التخصيص، سواء كانت العمومات من قبيل الأوّل أو الثاني ; إذ مجرّد جري العادة على ذكر المخصّصات منفصلاً لايوجب إلاّ عدم حجّيـة العامّ قبل الفحص عنها، لا عدم انعقاد ظهور لـه في العموم، وعليـه فلو كان الخاصّ دائراً بين الأقلّ والأكثر، لايسري إجما لـه إلى العامّ أصلاً بل يرفع اليد عن ذلك الظهور با لمقدار الذي يكون الخاصّ فيـه حجّةً، ويحكم في الباقي بتطابق الإرادة الجدّية مع الاستعما ليـة.

فما في الدّرر ـ من أنّ حال المخصّص المنفصل في كلام المتكلّم الذي جرت عادتـه على بيان الخاصّ منفصلاً حال المخصّص المتّصل في كلام غيره، فيسري إجما لـه في الفرض المذكور إلى العامّ(1)ـ محلّ نظر بل منع، فتدبّر.

الاستدلال على لزوم الفحص بالعلم الإجمالي

ثمّ إنّك عرفت أنّ محلّ النزاع في هذا المقام هو ما إذا لم يكن العامّ من أطراف ما عُلم إجمالاً بتخصيصـه، ولكن بعضهم عمّموا النزاع، واستدلّوا على لزوم الفحص با لعلم الإجما لي بورود المخصّصات على العمومات.

وتقريبـه: أ نّا نعلم إجمالاً بوجود مقيّدات ومخصّصات للعمومات والإطلاقات فيما بأيدينا من الكتب بل مطلق الجوامع ولو ما لم يصل منها إلينا، كما هو معلوم لكلّ مَنْ راجعها، ومن المعلوم عدم جريان الاُصول في أطراف العلم الإجما لي كما قد قرّر في محلّـه.

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 223.


305

الإشكال في الاستدلال بانحلال العلم الإجمالي

وقد استشكل في جعل مدرك لزوم الفحص هو العلم الإجما لي بما حاصلـه: أنّ العلم الإجما لي بذلك وإن اقتضى عدم جريان الأصل قبل الفحص إلاّ أ نّـه بعد الفحص والعثور على المقدار المتيقّن من المخصّصات يصير العلم الإجما لي منحلاّ، كما هو الحال في كلّ علم إجما لي تردّدت أطرافـه بين الأقلّ والأكثر، فإنّـه بعد العثور على الأقلّ ينحلّ العلم الإجما لي ويكون الأكثر شبهـة بدويّـة يجري فيـه الأصل، ولابدّ أن يكون في المقام مقدار متيقّن للعلم الإجما لي بوجود المخصّصات في الكتب ; إذ لايمكن أن لايكون لـه مقدار متيقّن، فمع العثور على ذلك المقدار ينحلّ العلم، وحينئذ فلايجب الفحص في سائر الشبهات ; لجريان الاُصول اللفظيّـة فيها مع أ نّـه لايقول بـه أحد(1).

هذا، مضافاً إلى أنّ الفحص في الكتب التي بأيدينا لايوجب جواز إجراء الاُصول ; لأنّ دائرة العلم الإجما لي أوسع من هذه الكتب، فلازم ذلك عدم جواز التمسّك با لعمومات ولو بعد الفحص أيضاً.

جواب المحقّق النائيني عن انحلال العلم الإجمالي

وأجاب المحقّق النائيني عن الانحلال ـ على ما في التقريرات ـ بما حاصلـه: أنّ المعلوم بالإجمال تارةً يكون مرسلاً غير معلّم بعلامـة يشار إليـه بها، واُخرى يكون معلّماً بعلامـة يشار إليـه بها، وانحلال العلم الإجما لي با لعثور على المقدار المتيقّن إنّما يكون في الصورة الاُولى، وأمّا الصورة الثانيـة فلاينحلّ

1 ـ اُنظر فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 543.


306

بذلك، بل حا لـه حال دوران الأمر بين المتبائنين.

وضابط القسمين: أنّ العلم الإجما لي كليّاً إنّما يكون على سبيل المنفصلـة المانعـة الخلوّ المنحلّـة إلى قضيّـتين حمليّـتين، وهاتان القضيّـتان:

تارة: تكون إحداهما من أوّل الأمر متيقّنـة والاُخرى مشكوكـة بحيث يكون العلم الإجما لي ناشئاً منهما، ويكون العلم الإجما لي عبارة عن ضمّ القضيّـة المتيقّنـة إلى المشكوكـة، كما إذا علم إجمالاً بأ نّـه مديون لزيد: وتردّد بين أن يكون خمسـة دراهم أو عشرة، فإنّ هذا العلم الإجما لي ليس إلاّ عبارة عن قضيـة متيقّنـة وهي كونـه مديوناً لزيد: بخمسـة دراهم، وقضيـة مشكوكـة، وهي كونـه مديوناً لـه بخمسـة زائدة على الخمسـة المتيقّنـة، ففي مثل هذا العلم الإجما لي ينحلّ قهراً با لعثور على المقدار المتيقّن ; إذ لا علم حقيقـة إلاّ بذلك المقدار، والزائد كان مشكوكاً من أوّل الأمر، ولم يكن من أطراف العلم.

واُخرى: لاتكون القضيّتان على هذا النحو، بل تعلّق العلم بالأطراف على وجـه تكون جميع الأطراف ممّا تعلّق العلم بها بوجـه بحيث لو كان الأكثر هو الواجب، لكان ممّا تعلّق بـه العلم وتنجّز بسببـه، وليس الأكثر مشكوكاً من أوّل الأمر، وذلك في كلّ ما يكون المعلوم بالإجمال معلّماً لعلامـة كان قد تعلّق العلم بـه بتلك العلامـة، فيكون كلّ ما اندرج تحتها ممّا تعلّق بـه العلم بلا فرق بين الأقلّ والأكثر.

مثالـه: ما إذا علمت بأ نّك مديون لزيد بما في الدفتر، فإنّ جميع ما فيـه من دين لـه قد تعلّق العلم بـه، سواء كان دينـه خمسـة أو عشرة، بخلاف الصورة الاُولى، فإنّ قضيّـة كونـه مديوناً لزيد بعشرة كانت مشكوكـة من أوّل الأمر، وفي مثل هذا ليس لـه الاقتصار على المتيقّن ; إذ لا مؤمّن لـه على تقدير ثبوت الأكثر في الواقع بعدما نالَـه العلم وأصابـه، فحال العلم الإجمالي في مثل هذا الأقلّ


307

وا لأكثر حا لـه في المتبائنين في وجوب الاحتياط.

وإن شئت قلت: إنّ هنا علمين: علم إجما لي بكونـه مديوناً لزيد بجميع ما في الدفتر وعلم إجما لي آخر بأنّ دينـه عشرة أو خمسـة، وانحلال الثاني الغير المقتضي لوجوب الاحتياط با لنسبـة إلى العشرة لاينافي العلم الإجما لي الأوّل المقتضي للاحتياط با لنسبـة إليها ; لعدم التزاحم بين اللاّ مقتضي والمقتضي.

إذا عرفت ذلك، فنقول: ما نحن فيـه من قبيل الثاني ; لأنّ العلم قد تعلّق بأنّ في الكتب التي بأيدينا مقيّدات ومخصّصات، فيكون نظير تعلّقـه بأ نّـه مديون لزيد بما في الدفتر، وقد عرفت عدم الانحلال في هذا النحو با لعثور على المقدار المتيقّن، بل لابدّ فيـه من الفحص التامّ في جميع ما بأيدينا من الكتب(1). انتهى.

أقول: الظاهر عدم تماميّـة هذا الكلام، فإنّـه يرد عليـه:

أوّلاً: النقض بجميع الموارد التي تردّد الأمر فيها بين الأقلّ والأكثر ; لأنّـه فيها وإن كان المعلوم بالإجمال مردّداً بينهما إلاّ أ نّـه تعلّق علم آخر بشيء من المقارنات، فمقتضى ما ذكره إصابـة العلم با لنسبـة إلى الأكثر أيضاً، فيجب الاحتياط.

مثلاً: إذا دار دين زيد بين خمسـة أو عشرة، ولكنّـه يعلم بأنّ دينـه كان في الكيس، أو كان في اليوم الفلاني، أو في المجلس الفلاني، فإنّ دينـه وإن كان مردّداً بينهما، ولكنّـه يعلم بأنّ دينـه هو ما في الكيس، أو ما أدّاه إليـه في اليوم الفلاني، أو المجلس الفلاني، ومن المعلوم بناءً عليـه إصابـة العلم با لنسبـة إلى الأكثر، فيجب الاحتياط مع أ نّـه لم يقل بـه أحد، ولايلتزم القائل بـه أيضاً.

وثانياً: الحلّ، وتوضيحـه: أنّ العناوين التي يتعلّق بها العلم على قسمين:

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 543 ـ 546.


308

قسم يكون ذلك العنوان بنفسـه موضوعاً للأثر الشرعي، وقسم لايكون كذلك، بل يكون من المقارنات.

وعلى الأوّل فتارة يكون ذلك العنوان أمراً بسيطاً ومصاديقـه المتحقّقـة في الخارج محصّلات لـه، كا لطهور بناءً على أن يكون عبارةً عمّا يحصل من الوضوء أو الغسل مثلاً، واُخرى يكون أمراً مركّباً، كإكرام العا لم.

ولا إشكال في وجوب الاحتياط في الأوّل لو دار أمر المحصّل لذلك العنوان بين الأقلّ والأكثر ; لأنّ الصلاة مثلاً مشروطـة بتحقّق الطهور، وقد تعلّق العلم باشتراطها بهذا العنوان، ومع الإتيان بالأقلّ لايعلم بحصولـه، مع أ نّـه شرط فيها.

وعلى الثاني ففي وجوب الاحتياط فيـه خلاف، ويأتي تحقيقـه في محلّـه.

هذا في العناوين التي تكون بنفسها موضوعةً للآثار الشرعية، وأمّا العناوين التي لا تكون كذلك، مثل عنوان ما في الدفتر وما في الكيس وغيرهما من العناوين التي لا تكون بنفسها مترتّبـة عليها الأحكام بل تكون من الاُمور المقارنـة للموضوع للحكم الشرعي والملازمـة لـه في الخارج، فلا وجـه لوجوب الاحتياط فيها، بل اللاّزم ملاحظـة ما هو الموضوع للأثر الشرعي، والمفروض أنّ أمره دائر بين الأقلّ والأكثر، والأصل يجري با لنسبـة إلى الأكثر، كما اعترف بـه.

وبا لجملـة، فا لعلم المتعلّق بهذا العنوان لايعقل أن يصير سبباً لتنجّز الحكم بعد عدم كون ذلك العنوان موضوعاً لـه.

فدعوى أنّ ذلك العلم يقتضي التنجّز ولو كان متعلّقاً بالأكثر، ممنوعـة جدّاً، ومسأ لتنا من هذا القبيل ; ضرورة أنّ العلم الموجب للتنجّز هو العلم بوجود المخصّصات والمقيّدات لابما أ نّها موجودة في الكتب والجوامع ; لأنّ هذا العنوان


309

من المقارنات التي لايضرّ عدمها، ولاينفع وجودها، كما هو واضح، فينحصر العلم المنجّز بما يكون معلومـه من أوّل الأمر مردّداً بين الأقلّ والأكثر، وهو مجرى البراءة.

نعم، في المثال الذي ذكره يجب الاحتياط، لا لتعلّق العلم بذلك العنوان ; لوجوبـه في شبهاتـه البدويّـة أيضاً على ما ذكروه في مبحث البراءة من أنّ جريان الأصل في الشبهات الموضوعيـة مشروط بأن لايكون قادراً على إحراز الواقع بمجرّد أدنى تفحّص، فإذا شكّ في أ نّـه مديون لزيد، فلايجوز لـه إجراء البراءة بعد العلم بأ نّـه بمراجعـة الدفتر يظهر لـه الحال.

نعم عمّموا جريانها في بعض الشبهات الموضوعيـة، كا لشبهـة من حيث النجاسـة ; لورود النصّ فيها.

وكيف كان فما ذكره من وجوب الاحتياط في القسم الثاني من جهـة العلم الإجما لي ممّا لايتمّ أصلاً، كما عرفت، فبقي الإشكال على حا لـه.

نعم، ما ذكره جواباً على ذيل الإشكال الراجع إلى منع كون دائرة العلم أوسع ممّا بأيدينا من الكتب والجوامع، ممّا لايبعد الالتزام بـه، كما أنّ صاحب المقالات أجاب عنـه بمثل ما ذكره حيث ذكر أنّ بعد الفحص وعدم الظفر با لمعارض يستكشف خروج هذا المورد عن دائرة العلم ; لأنّ أطرافـه هي المعارضات التي لو تفحّص عنها لظفر بـه، فعدم الظفر يكشف عن خروجـه عن أطراف العلم.

جواب آخر عن انحلال العلم الإجمالي

وأمّا ما أجاب بـه عن الانحلال ممّا هذه عبارتـه: إنّ مقدار المعلوم كمّاً وإن كان بالأخرة معلوماً بحيث ينتهي الزائد منـه إلى الشكّ البدوي، ولكن هذا المقدار


310

إذا كان مردّداً بين محتملات متبائنات منتشرات في أبواب الفقـه من أوّلـه إلى آخره، يصير جميع الشكوك في تمام الأبواب طرف هذا العلم، فيمنع عن الأخذ بـه قبل فحصـه، وفي هذه الصورة لايفيد الظفر با لمعارض بمقدار المعلوم ; إذ مثل هذا العلم الحاصل جديداً بكون المعلوم بالإجمال في غير هذه الشكوك الباقيـة التي كانت ظرفاً من الأوّل للاحتمال في المتبائنات نظير العلوم الحاصلـة بعد العلم الإجما لي غير قابلـة للانحلال، فقهراً الاحتمال القائم في المورد الموجب لكونـه من الأوّل طرفاً للعلم منجّز للواقع بمقدار استعداده، فلا محيص أن يفحص كي يعدم ظفره با لمخصّص بكشف خروجـه عن دائرة العلم المزبور من الأوّل، وهذه الجهـة هي النكتـة في أخذ هذا القيد في دائرة العلم، وإلاّ فيلزم عدم الاكتفاء با لفحص ولو ظفرنا بمقدار المعلوم فضلاً عمّا لو لم نظفر كما هو ظاهر(1). انتهى.

فيرد عليـه: أ نّـه إذا ظفرنا بعد التفحّص با لمخصّصات المنتشرة في أبواب الفقـه بمقدار المعلوم يقيناً، فلا وجـه لعدم انحلال العلم الإجما لي بسبب ذلك ; لأنّـه يصير كا لعلم تفصيلاً بنجاسـة أحد من الإناءين اللذين علم بنجاسـة أحدهما إجمالاً ; إذ بعده يصير الإناء الآخر مشكوك النجاسـة التي هي مجرى قاعدة الطهارة ; لكون الشكّ في نجاستـه شكّاً بدويّاً.

نعم لو علم تفصيلاً بنجاسـة حادثـة غير النجاسـة المعلومـة بالإجمال، لايرتفع أثر العلم الإجما لي با لنسبـة إلى الطرف الآخر بذلك، ولكنّ المقام من قبيل الصورة الاُولى كما هو واضح.

هذا، وأمّا إذا ظفرنا بعد التفحّص بمقدار المعلوم إجمالاً في بعض الأبواب

1 ـ مقالات الاُصول 1: 455 ـ 456.


311

فقط، فلا محا لـة يكشف ذلك إمّا عن بطلان العلم بالانتشار في جميع الأبواب الذي أوجب الفحص في الجميع، وإمّا عن كون مقدار المعلوم بالإجمال أزيد ممّا ظفرنا بـه من المخصّصات ; إذ مع اجتماع العلم بالانتشار والعلم بذلك المقدار يمتنع الظفر بـه في خصوص بعض الأبواب، فإذا بطل الأوّل، فلايبقى مجال للفحص في الزائد عنـه، وإذا بطل الثاني بحدوث علم آخر، فيقع الإشكال في الزائد عن ذلك المقدار الذي لابدّ أن يكون مقداراً معيّناً ; إذ حينئذ يصير الشكّ في الزائد شكّاً بدويّاً، فتدبّر جيّداً.

فالإنصاف أنّ هذا الجواب نظير سابقـه في الضعف.

ثمّ إنّ مقدار الفحص اللاّزم ـ بناء على الاستدلال عليـه بما ذكره في الكفايـة(1) واخترناه تبعاً لها ـ هو الفحص بمقدار يخرج معـه العامّ عن معرضيـة ا لتخصيص با ليأس عن الظفر بـه، وأمّا بناء على الاستدلال با لعلم الإجما لي، فا لمقدار اللازم منـه هو الذي خرج معـه المورد عن أطرافـه، كما لايخفى.

1 ـ كفايـة الاُصول: 265.


312

الفصل الرابع

في عموم الخطابات الشفاهيّـة لغير الحاضرين

هل الخطابات الشفاهيـة تختصّ با لموجودين في زمن الخطاب بل الحاضرين مجلس التخاطب، أو يعمّ المعدومين فضلاً عن الغائبين عنـه ؟

ولايخفى عدم اختصاص النزاع بما يتضمّن خطاباً، بل يجري في جميع الأحكام الموضوعـة على العناوين الكلّيـة ولو لم يكن بلسان الخطاب، مثل قولـه تعا لى:(وللّـه على الناس حجّ البيت من استطاع إليـه سبيلاً)(1) لجريان ا لملاك فيـه أيضاً، كما سيأتي.

تقرير محلّ النزاع

ثمّ إنّـه لابدّ قبل الخوض في تحقيق المقام من بيان ما يمكن أن يكون محلاّ للبحث بين الأعلام، فنقول: ذكر في الكفايـة أ نّـه يمكن أن يكون النزاع في صحّـة تعلّق التكليف با لمعدومين أو في صحّـة المخاطبـة معهم أو في صيرورة

1 ـ آل عمران (3): 97.


313

عموم المتعلّق قرينـة على التصرّف في أدوات الخطاب والعكس، فا لنزاع على الأوّلين عقلي، وعلى الأخير لغوي(1).

أقول: أمّا النزاع على الوجهين الأوّلين: فلايعقل وقوعـه بين الأعلام بعد وضوح استحا لـة بعث المعدوم أو زجره، وكذا توجيـه الخطاب إليـه.

وأمّا النزاع على الوجـه الأخير الذي يرجع إلى أمر لغوي، فهو مستبعد جدّاً ; لأنّ الظاهر كون النزاع بينهم إنّما هو في أمر عقلي.

والحقّ أن يقال: إنّ النزاع إنّما هو(2) في أنّ شمول الخطابات القرآنيّـة وا لأحكام المتعلّقـة با لعناوين الكلّيـة الواردة فيها للمعدومين هل يستلزم تعلّق التكليف بهم والمخاطبـة معهم الممتنع عقلاً بداهةً، أو لايستلزم ذلك الأمر المستحيل ؟ فا لنزاع إنّما هو في الملازمـة بين الأمرين التي هي أمر عقلي.

وا لتحقيق عدم الاستلزام ; لأنّ تلك الأحكام موضوعـة على المكلّفين بنحو

1 ـ كفايـة الاُصول: 266.

2 لايخفى أنّ المراد من هذه العبارة هو عدم اختصاص تلك الخطابات والأحكام بالموجودين حال التخاطب، لاشمولها للمعدومين في حال العدم أيضاً، كما أنّ جعل النزاع في هذا المعنى إنّما هو بملاحظـة أنّ ما يمكن أن يكون نزاعاً معقولا في هذا المقام وينبغي البحث فيـه هو ما ذكرنا وإلاّ فظاهر بعض الاستدلالات هو كون النزاع في صحـة تكليف المعدوم ومخاطبتـه في حال العدم، كما حكاه في الفصول(أ) عن بعض الحنابلـة من القول بذلك، استدلالا بقولـه تعالى: (إنّما أمرهُ إذا أرادَ شيئاً أن يقولَ لهُ كُنْ فيكون) (ب) فإنّ ظاهره الخطاب إلى المعدوم، وأمره بالكون، فيستفاد منـه الجواز مطلقاً.

أ ـ الفصول الغرويّـة: 179 / السطر 38.

ب ـ يس (36): 82.


314

ا لقضايا الحقيقيّـة لا الخارجيـة، وتوضيح ذلك يتوقّف على بيان المراد منهما.

تحقيق: في القضايا الحقيقيّـة

فنقول: القضايا الحقيقيـة هي القضايا التي يكون الحكم فيها مترتّباً على جميع أفراد الطبيعـة من غير اختصاص بالأفراد الموجودة خارجاً، بل كلّ فرد وُجد مصداقاً لها يترتّب عليـه الحكم، فإذا قال: كلّ نار حارّة، فقد جعل الموضوع هو جميع أفراد النار أعمّ من الموجودة والمعدومـة، وذلك لما عرفت سابقاً من أنّ لفظـة «ا لنار» وكذا سائر الأسماء الموضوعـة للطبيعـة المطلقـة إنّما تدلّ با لوضع على نفس الطبيعـة الموضوعـة بإزائها. وكما لايمكن أن تكون الطبيعـة مرآةً للأفراد والخصوصيّات، كذلك لايحكي اللّفظ الموضوع بإزائها إلاّ عن نفس الطبيعـة ا لمجرّدة عن القيود التي منها نفس الوجود، فكلمـة «ا لنار» حاكيـة عن نفس ماهيّتها التي هي مقسم للموجوديـة والمعدوميـة.

وأمّا كلمـة «كلّ» المضافـة إليها: فقد عرفت سابقاً أ نّها موضوعـة لإفادة استيعاب أفراد مدخولها، ولا دلالـة لها على خصوص الأفراد الموجودة، بل مدلولها هو استيعاب الأفراد التي تقبل الاتّصاف با لوجود تارةً وبا لعدم اُخرى، وبهما ثا لثةً، فيقال: أفراد الطبيعة بعضها موجود وبعضها معدوم، فظهر عدم اختصاص مدلولها أيضاً بالأفراد الموجودة، ومن المعلوم أنّ إضافـة كلمـة «كلّ» إلى اللّفظ الموضوع لنفس الطبيعـة المطلقـة لا تدلّ على أمر وراء استيعاب أفراد تلك الطبيعـة الواقعـة مدخولـة لها، فا لموضوع في أمثال تلك القضايا إنّما هو جميع أفراد الطبيعـة بما أ نّها مصداق لها، فقولـه: أكرم كلّ عا لم، يكون الموضوع فيـه هو إكرام كلّ عا لم بما أ نّـه مصداق لطبيعـة لابما أ نّـه زيد أو عمرو أو بكر مثلاً.


315

ولذا قد اشتهر بين أهل الفن أنّ القضيّـة الحقيقيّـة برزخ بين الطبيعـة الصرفـة والكثرة المحضـة ; إذ لايكون الموضوع فيها هي نفس الطبيعـة ; لوضوح الفرق بينها وبين القضيّـة الطبيعيّـة، ولا الكثرة المحضـة ; لعدم ملاحظـة الكثرات، بل لايعقل ذلك في جميع أفراد الطبيعـة، كما هو واضح، بل الموضوع فيها هو عنوان كلّ عا لم مثلاً، الذي هو عنوان إجما لي لأفراد طبيعـة العا لم.

هذا، ولايتوهّم ممّا ذكرنا: من أنّ الحكم على جميع الأفراد أعمّ من الموجودة والمعدومـة أنّ ذلك مستلزم لإثبات شيء على المعدوم في حال عدمـه ; لأنّ المعدوم لايكون شيئاً حتّى يكون فرداً للماهيـة، فما دام لم تنصبغ الماهيّـة بصبغـة الموجود لا تكون ماهيّةً أصلاً، فا لنار المعدوم با لفعل لا تكون ناراً حتّى يترتّب عليها الحكم المترتّب على جميع أفراد النار، فاعتبار الوجود في ترتّب الحكم عليـه إنّما هو لعدم كونـه مصداقاً لها بدون ذلك، لا لكون الاتّصاف بـه مأخوذاً في الموضوع، كيف وقد عرفت أ نّـه ليس في الموضوع ما يدلّ على الاختصاص بالأفراد الموجودة.

وممّا ذكرنا ظهر: أنّ ما وقع في التقريرات المنسوبـة إلى المحقّق النائيني من تفسير القضيّـة الحقيقيـة بما إذا لوحظ الأفراد المعدومـة بمنزلـة الأفراد الموجودة تنزيلاً للمعدوم منزلـة الموجود ثمّ جعلها موضوعاً للحكم(1)، ممّا لايرتبط بمعنى القضيّـة الحقيقيّـة المذكورة في فنّها، بل الوجدان أيضاً يأبى عن ذلك ; لأنّا لا نرى في أنفسنا حين إلقاء هذا النحو من القضايا فرض المعدومين بمنزلـة الموجودين، وتنزيلهم منزلتهم، كما لايخفى.

إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ القوانين المجعولـة في العا لم التي يوضعها العقلاء

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 550.


316

ا لمقنّنين لها إنّما هو على هذا النحو الذي عرفت ; لأنّ بناءهم على جعلها ليعمل بها الأفراد، وأكثرها خا ليـة عن المخاطبـة، والقانون الإسلامي المجعول في شريعتنا إنّما هو على هذا النحو مع خصوصيّـة زائدة، وهو عدم إمكان المخاطبـة فيـه با لنسبـة إلى الناس، ضرورة عدم قابليّـة البشر العادي لأن يصير مخاطباً للّـه تعا لى ; إذ طريق ذلك الوحي، وهو منحصر بالأنبياء العظام (عليهم السلام) وباقي الناس أبعد من هذه المرحلـة بمراحل، وإظهار الوحي الجاري بلسان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو على طريق التبليغ لابنحو المخاطبـة، فا لخطاب بنحو (يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)(1) مثلاً لايكون المخاطب فيها أحد من المؤمنين أصلاً، بل إنّما هو خطاب كتبي حفظ با لكتب ليعمل بـه كلّ مَنْ نظر إليـه، نظير الخطابات الواقعـة في قوانين العقلاء المكتوبـة المنتشرة بين الناس ليطّلعوا عليها فيعملوا بها.

ومن هنا يظهر: أنّ هذه الخطابات الواقعـة في الشريعـة لاتشمل الحاضرين أيضاً بنحو يكونوا هم المخاطبين فضلاً عن أن تكون منحصرةً بهم أو عامّةً لجميع المكلّفين، والتعبير با لخطابات الشفاهية أيضاً مسامحة ; لما عرفت من عدم كون واحد من المكلّفين مخاطباً بها أصلاً، بل إنّما هي قوانين كلّيـة بصورة المخاطبـة أوحى اللّه تعا لى بها نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بلّغها إلى الناس كما اُنزلت على قلبه(صلى الله عليه وآله وسلم).

تنبيـه: في كيفيـة القوانين الواردة في الشريعـة

وتلخّص ممّا ذكرنا أنّ القوانين الواردة في الشريعـة على قسمين: قسم لايكون مشتملاً على الخطاب، بل إنّما جعل الحكم على العناوين الكلّيـة، مثل: وجوب الحجّ الموضوع على عنوان المستطيع، وقسم يشتمل على الخطاب، مثل

1 ـ المائدة (5): 1.


317

ا لمثال المتقدّم.

أمّا القسم الأوّل: فالإشكال المتقدّم الذي يرجع إلى استلزام عدم الاختصاص با لحاضرين في زمان صدوره لتكليف المعدوم المستحيل بداهـة يندفع بما ذكرناه من كون العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام إنّما اُخذت على سبيل القضيّـة الحقيقيـة با لمعنى الذي تقدّم، وهذا المعنى لايستلزم أن يكون المعدوم في حال العدم مكلّفاً ; لأنّ عنوان المستطيع إنّما يصدق على خصوص المكلّف الموجود الحاصل لـه الاستطاعـة، فكما أ نّـه لايصدق على المكلّف الغير المستطيع كذلك لايصدق على المعدوم بطريق أولى ; لأنّـه ليس بشيء، نعم بعد الوجود وصيرورتـه متّصفاً بذلك الوصف يتحقّق مصداق لذلك العنوان، فيشملـه الحكم، كما عرفت تفصيلـه.

وأمّا القسم الثاني: فالإشكال الراجع إلى استحا لـة المخاطبـة مع المعدوم لايندفع بما ذكر من كون الموضوع على نحو القضيّـة الحقيقيـة ; لأنّ الخطاب با لعنوان الذي جعل موضوعاً فيها غير معقول ; إذ لا معنى للخطاب بأفراد الطبيعـة أعمّ من الموجودة والمعدومـة، فلابدّ إمّا من الالتزام بتنزيل المعدومين منزلـة الموجودين، وإمّا من الالتزام بما ذكر من كون هذه الخطابات خطابات كتبيـة، والأوّل لا دليل عليـه، كما اعترف بـه الشيخ(1)، ومعـه لايمكن القول با لتعميم، فلابدّ من الجواب بنحو ما ذكر ; لما عرفت من استحا لـة أن يكون الناس مخاطباً للّـه تعا لى، بل المخاطب فيها هو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وحكايتـه(صلى الله عليه وآله وسلم) على الناس إنّما وقعت على سبيل التبليغ وحكايـة الوحي، ولا تكون خطاباً منـه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الناس، كما هو واضح.

1 ـ اُنظر مطارح الأنظار: 204 / السطر 32.


318

خاتمـة: في الثمرة بين القولين

بقي الكلام في الثمرة بين القولين، فنقول: ربّما قيل بأ نّـه يظهر لعموم الخطابات الشفاهيـة للمعدومين ثمرتان:

الاُولى: حجّيـة ظهور خطابات الكتاب لهم كا لمشافهين(1).

وأورد عليـه في الكفايـة بأ نّـه مبني على اختصاص حجّيـة الظواهر با لمقصودين بالإفهام، وقد حقّق عدم الاختصاص بهم، ولو سلّم فاختصاص المشافهين بكونهم مقصودين بذلك ممنوع، بل الظاهر أنّ الناس كلّهم إلى يوم القيامـة يكونون كذلك وإن لَمْ يعمّهم الخطاب كما يومئ إليـه غير واحد من الأخبار(2).

وذكر المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ أنّ ترتّب الثمرة لايبتنى على مقا لـة المحقّق القمّي ; فإنّ الخطابات الشفاهيـة لو كانت مقصورةً على المشافهين ولا تعمّ غيرهم، فلا معنى للرجوع إليها وحجّيتها في حقّ الغير، سواء قلنا بمقا لـة المحقّق القمّي أو لم نقل، فلا ابتناء للثمرة على ذلك أصلاً(3).

وفيـه: أنّ معنى الرجوع إليـه وحجّيتـه في حقّ الغير ليس هو التمسّك بـه لإثبات حكم المعدومين حتّى يورد عليـه بما ذكر، بل المراد هو التمسّك بـه لكشف حكم المشافهين بناء على الاختصاص، ثمّ إجراء أدلّـة الاشتراك، وحينئذ فيبتنى على مقا لـة المحقّق القمّي لو سلّم كونهم مقصودين بالإفهام، كما ذكره في

1 ـ قوانين الاُصول 1: 233 / السطر 16.

2 ـ كفايـة الاُصول: 269.

3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 549.


319

ا لكفايـة(1).

الثانيـة: صحّـة التمسّك بإطلاقات الخطابات القرآنيـة بناءً على التعميم لثبوت الأحكام لمن وجد وبلغ من المعدومين وإن لم يكن متّحداً مع المشافهين في الصنف، وعدم صحّتـه على عدمـه ; لعدم كونها حينئذ متكفّلةً لأحكام غير المشافهين، فلابدّ من إثبات اتّحاده معهم في الصنف حتّى يحكم بالاشتراك معهم في الأحكام، ومع عدم الدليل على ذلك ـ لأنّـه منحصر بالإجماع، ولا إجماع إلاّ فيما إذا اتّحد الصنف ـ لا مجال للتمسّك بها.

هذا، ولاريب في ترتّب هذه الثمرة فيما إذا كان المكلّف البا لغ الآن لما كان المشافهون واجدين لـه ممّا يحتمل مدخليّتـه في ترتّب الحكم وثبوتـه ولم يكن ممّا يزول تارةً ويثبت اُخرى، فإنّـه حينئذ يمكن أن يكون إطلاق الخطاب إليهم اتّكالاً على ثبوت القيد با لنسبـة إليهم ; إذ لا احتياج إلى التقييد بعد ثبوتـه في المخاطبين، فا لتمسّك بتلك الخطابات متفرّع على إثبات اتّحاد الصنف ; إذ بدونـه لا معنى لجريان أدلّـة الاشتراك، بخلاف القول با لتعميم ; فإنّـه يصحّ بناء عليـه التمسّك بها لإثبات الأحكام وإن كان الموجودون في الحال فاقدين لما يحتمل دخلـه في الحكم ; إذ مدخليّتـه ترتفع بالإطلاق ; لأنّـه لا مجال لـه اتّكالاً على وجدان الحاضرين لـه ; لعدم اختصاص الخطاب بهم، كما لايخفى.

1 ـ كفايـة الاُصول: 269.


320

الفصل الخامس

في تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده

إذا تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده، يوجب تخصيصـه بـه أو لا ؟ فيـه خلاف.

ومحلّ النزاع ما إذا كان العامّ موضوعاً لحكم آخر غير الحكم المترتّب على البعض المدلول عليـه با لضمير الذي يرجع إليـه، مثل قولـه تعا لى:(والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثـة قروء) إلى قولـه:(وبعولتهنَّ أحقُّ بردّهنّ)(1) وأمّا إذا كانت هنا قضيـة واحدة ذكر فيها العامّ والضمير معاً، مثل قولـه: «وا لمطلّقات أزواجهنّ أحقّ بردّهنّ»، فلاشبهـة في تخصيصـه بـه، كما هو واضح.

وهل محلّ الخلاف يختصّ بما إذا علم من الخارج بكون المراد من الضمير الواقع في القضيّـة الثانيـة هو بعض أفراد العامّ، المذكورة في القضيّـة الاُولى، كما في المثال المذكور، أو يختصّ بما إذا علم لا من الخارج، بل بمجرّد إلقاء القضيّـة الثانيـة يعلم أنّ المراد هو البعض لحكم العقل بذلك مثلاً، كما في قولـه: أهن

1 ـ البقرة (2): 228.


321

ا لفسّاق واقتلهم، فإنّ العقل يحكم بأنّ المراد با لضمير ليس جميع الفسّاق ; لعدم اقتضاء الفسق بنفسـه لإيجاب القتل، بل المراد بـه هو الكفّار منهم، أو يشمل الصورتين معاً ؟ وجوه، وكلامهم خا ليـة عن التعرّض لهذه الجهـة.

نعم ظاهر تمثيل أكثرهم بالآيـة الشريفـة التي هي من قبيل الصورة الاُولى ; لأنّ العلم باختصاص الأحقيّـة با لردّ ببعولـة المطلّقات الرجعيّات إنّما كان مستنداً إلى دليل آخر هو عدم الاختصاص با لصورة الثانيـة، نعم لايستفاد منـه التعميم أو الاختصاص با لصورة الاُولى، كما لايخفى.

وكيف كان، فإن كان محلّ البحث هي الصورة الاُولى، فلا إشكال في أنّ أصا لـة العموم الجاريـة في القضيّـة الاُولى يقتضي الحمل على العموم ; لأنّ الأمر هنا دائر بين تخصيص واحد أو أزيد، وقد استقرّ رأي المحقّقين من الاُصوليّين على التمسّك في نفي الزائد بأصا لـة العموم فيما إذا شكّ في تخصيص زائد با لنسبـة إلى عامّ واحد، فضلاً عن مثل المقام الذي يكون فيـه عامّان خصّص أحدهما يقيناً والشكّ في تخصيص الآخر.

توضيحـه: أنّ القضيّـة المشتملـة على الضمير إنّما تقتضي بظاهرها ثبوت الحكم با لنسبـة إلى جميع أفراد العامّ ; لأنّ الضمير موضوع للإشارة إلى مرجعـه الذي هو العامّ في المقام، فقولـه: وبعولتهنّ بمنزلـة قولـه: وبعولـة المطلّقات، والعلم باختصاصها با لرجعيات لايوجب استعمال الضمير فيها حتّى تلزم المجازيـة ; لما عرفت من أنّ التخصيص إنّما يقتضي قصر الإرادة الجدّيـة على غير مورد الخاصّ، ولايوجب أن يكون العامّ مستعملاً فيما عدا مورده، وحينئذ فا لدليل على تخصيص القضيّـة الثانيـة لايوجب تصرّفاً في القضيّـة الاُولى أصلاً ; لما عرفت من أنّ مورد الشكّ في التخصيص يكون المرجع فيـه أصا لـة العموم.

ومن هنا انقدح: أ نّـه لا مجال حينئذ لهذا النزاع بعدما تقدّم منهم من عدم


322

اقتضاء التخصيص للمجازيـة، وأنّ المرجع في مورد الشكّ فيـه أو في الزائد هي أصا لـة العموم، كما أ نّـه ظهر فساد ما في الكفايـة من أنّ المتيقّن من بناء العقلاء هو اتّباع الظهور فيما إذا شكّ في تعيين المراد، وأمّا إذا شكّ في كيفيـة الاستعمال مع العلم با لمراد، كما في ناحيـة الضمير، فلا(1)، وذلك لما عرفت من عدم استلزام ا لتخصيص للمجازيّـة في ناحيـة الضمير، فكما أنّ المراد معلوم كذلك كيفيّـة الاستعمال معلومـة.

نعم هذا إنّما يتمّ على مذهب القدماء القائلين بأنّ العامّ المخصّص يصير مجازاً، وهو مع أ نّـه خلاف التحقيق مخا لف لما اختاره(2) أيضاً كما عرفت.

كما أنّ التعبير في محلّ النزاع بضمير يرجع إلى بعض أفراد العامّ ليس في محلّـه ; لما عرفت من أنّ الضمير لم يستعمل إلاّ فيما وُضع لـه، وهو إيجاد الإشارة بـه إلى مرجعـه الذي هو العامّ في المقام، والتخصيص لايوجب تصرّفاً في مقام الاستعمال أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

وأمّا إذا كان محلّ البحث هي الصورة الثانيـة: فا لتمسّك بأصا لـة العموم محلّ إشكال ; لأنّ ظهوره في العموم غير منعقد مع اشتما لـه على الضمير الصا لح للقرينيّـة، كما أشار إليـه في الكفايـة، فيصير مجملاً، فيجب الرجوع إلى مقتضى الاُصول.

وممّا ذكرنا يظهر: أ نّـه لو كان محلّ النزاع عامّاً شاملاً لكلتا الصورتين، فا لواجب التفصيل، والحكم با لرجوع إلى أصا لـة العموم في الصورة الاُولى، وبالاُصول العمليّـة في الصورة الثانيـة، فتدبّر جيّداً.

1 ـ كفايـة الاُصول: 272.

2 ـ نفس المصدر: 255.


323

الفصل السادس

في جواز تخصيص العامّ بالمفهوم

وفيـه مقامان:

المقام الأوّل: في تخصيص العامّ بالمفهوم الموافق

هل يجوز تخصيص العامّ بمفهوم الموافقـة أم لا ؟ وقد ادّعي الإجماع على الجواز(1)، ولكنّـه لايفيد في المسأ لـة الغير الشرعيـة، سواء كانت عقليّـة أو عرفيّـة.

ولابدّ قبل الورود في محلّ البحث من بيان المراد بمفهوم الموافقـة بعد ظهور أ نّـه عبارة عن القضيّـة الموافقـة للمنطوق في الإيجاب والسلب.

فنقول: يحتمل أن يكون المراد بـه هو ما يعبّرون عنـه بإ لغاء الخصوصيـة، ومرجعـه إلى أنّ الخصوصيّـة المذكورة في الكلام ممّا لايرى لها العرف مدخليـة في ترتّب الحكم بحيث يكون الكلام بنفسـه دالاّ على ثبوت الحكم مع انتفاء

1 ـ قوانين الاُصول 1: 304 / السطر 5، كفايـة الاُصول: 272.


324

ا لخصوصيـة أيضاً، مثل قولـه: رجل شكّ بين الثلاث والأربع فعليـه كذا، فإنّ العرف لايفهم منـه اختصاص الحكم با لرجل، بل يرى أنّ ذكره إنّما هو من باب المثال، وإلاّ فا لمقصود هو المصلّي الذي شكّ بين الثلاث والأربع، سواء كان رجلاً أو امرأة.

ويحتمل أن يكون المراد بـه هو الذي يكون الغرض من إلقاء الكلام إفادتـه إلى المخاطب، غايـة الأمر أ نّـه كنّى عنـه بشيء آخر، ويمكن أن يكون قولـه تعا لى:(فلاتقل لهما أُفّ)(1) من هذا القبيل، بناءً على أن لايكون المقصود بـه هو حرمـة قول «أُفّ» بل الإتيان بـه إنّما هو من باب الكنايـة وإفهام حرمـة الاُمور الاُخر من الضرب والشتم وغيرهما، وهذا لاينافي عدم حرمـة ذلك القول، كما في نظائره من أمثلـة الكنايـة.

ويحتمل أن يكون المراد بـه هو ما يكون الكلام مسوقاً لإفادتـه أيضاً، كا لمنطوق، غايـة الأمر أ نّـه أتى با لفرد الخفي تنبيهاً على الفرد الجليّ، فهما معاً مقصودان بالإفادة إلاّ أ نّـه اقتصر على الأوّل مع دخول الثاني في المراد أيضاً.

ويمكن أن تكون الآيـة الشريفـة من هذا القبيل، كما لايخفى.

ويحتمل أن يكون المراد بـه هو ما يستفاد من المنطوق بالأولويـة القطعيـة من غير أن يكون الكلام مسوقاً لإفادتـه، والآيـة الشريفـة تحتمل هذا المعنى أيضاً.

ويحتمل أن يكون المراد بـه هو ما يستفاد من العلّـة المنصوصـة في المنطوق، كقولـه: لا تشرب الخمر ; لأنّـه مسكر، فإنّـه يستفاد منـه حرمـة شرب النبيذ المسكر أيضاً ; لأنّ الظاهر من القضيّـة كون تمام العلّـة هو المسكريّـة، لا

1 ـ الإسراء (17): 23.


325

أ نّـه جزء الموضوع، والخمريـة جزء آخر، ويعبّر عنـه بمنصوص العلّـة، وإطلاق المفهوم عليـه بعيد.

ثمّ إنّ هذه الاحتمالات التي ذكرنا ليس من قبيل مانعـة الجمع، بل على سبيل منع الخلوّ، فيمكن أن يكون المراد بمفهوم الموافقـة هو الأمر الجامع بينهما، وهو القضيّـة الخارجـة عن محلّ النطق المشتركـة في الإيجاب والسلب.

إذا عرفت ذلك: فاعلم أ نّـه لو كان المراد بمفهوم الموافقـة هو الاحتمال الراجع إلى إلغاء الخصوصيـة، فلا إشكال في تقديمـه على العامّ إذا كان أخصّ منـه ; لأنّـه بنظر العرف مفاد نفس الكلام الملقى إليهم، ولايحتاج في استفادتـه إلى إعمال حكم العقل أيضاً، وكذا لو كان المراد بـه هو الاحتمال الثاني أو الثا لث أو الأخير ; لأنّـه في جميع الصور مستفاد من نفس الكلام كما لايخفى في الأوّلين.

وأمّا الأخير فلأنّ التعليل لايتمّ بدون انضمام كبرى كلّيـة مطويّـة ; فإنّـه لو لم يكن «كلّ مسكر حرام» لما يصحّ تعليل الحرمـة في الخمر بأ نّـه مسكر فا لكبرى التي يكون مورد المفهوم من صغرياتها، مستفادة من نفس الكلام ولايحتاج إلى شيء آخر اصلا.

وأمّا لو كان المراد بـه هو الاحتمال الرابع الذي مرجعـه إلى استفادتـه من القضيّـة المنطوقيـة بضميمـة حكم العقل بالأولويـة القطعيـة، فقد يقال ـ كما في تقريرات المحقّق النائيني(قدس سره) ـ بأ نّـه لايعقل أن يكون المفهوم معارضاً للعامّ من دون معارضـة منطوقـه ; لأنّا فرضنا أنّ المفهوم موافق للمنطوق، وأ نّـه يستفاد حكمـه منـه، فكيف يعقل أن يكون المنطوق أجنبيّاً عن العامّ وغير معارض لـه مع كون المفهوم معارضاً ؟ ! فا لتعارض يقع ابتداء بين المنطوق والعامّ، ويتبعـه وقوعـه بين المفهوم والعامّ، وحينئذ فلابدّ أوّلاً من علاج التعارض بين المنطوق والعامّ،


326

ويلزمـه العلاج بين المفهوم والعامّ(1).

أقول: هذه الدعوى بنحو الكلّيـة ممنوعـة ; لعدم التلازم بين كون المفهوم معارضاً للعامّ وكون المنطوق أيضاً كذلك، بل يمكن الانفكاك بينهما في بعض الموارد.

مثالـه: ما لو قال: لا تكرم العلماء، ثمّ قال: أكرم جهّال خدّام النحويّين، فإنّ المنطوق في المثال لايعارض العامّ ; لأنّ الجهّال غير داخل في العلماء مع أنّ المفهوم ـ وهو وجوب إكرام علماء خدّام النحويّين، وكذا إكرام النحويّين ـ معارض للعامّ، كما هو واضح.

وحينئذ فا لموارد مختلفـة، فلو كانت المعارضـة بين المنطوق والعامّ أيضاً، فلابدّ أوّلاً من علاج التعارض بينـه وبين العامّ، ويلزمـه العلاج بين المفهوم والعامّ.

وأمّا لو كانت المعارضـة منحصرةً با لمفهوم، فقد يقال في وجـه ترجيحـه على العامّ ولو كان التعارض با لعموم والخصوص من وجـه: بأنّ الأمر هنا يدور بين رفع اليد عن العموم وتخصيصـه با لمفهوم، وبين رفع اليد عن المنطوق المستلزم للمفهوم عقلاً، وبين رفع اليد عن المفهوم مع ثبوت الحكم في المنطوق، والثاني لا سبيل إليـه بعد كون المنطوق أجنبيّاً عن العامّ، وغير معارض لـه، كما هو المفروض، والثا لث كذلك ; لأنّ رفع اليد عن خصوص المفهوم يوجب نفي الملازمـة ورفع اليد عنها مع كونها عقليّةً قطعيّةً، فينحصر في الأوّل الذي مرجعـه إلى رفع اليد عن ظهور لفظي.

ولكن لايخفى: أنّ الملازمـة تقتضي عدم الانفكاك بين المنطوق والمفهوم،

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 556.


327

فإذا كانت المعارضـة بين المفهوم والعامّ، فا لملازمـة بين المنطوق والمفهوم توجب سرايتها إليـه، وكونـه معارضاً للعامّ با لتبع، وحينئذ فلابأس بتقديم العامّ على المفهوم، والحكم برفع اليد عن المنطوق أيضاً بسبب الملازمـة، فلم يستلزم تقديم العامّ على المفهوم الإخلال با لملازمـة، وكذا رفع اليد عن المنطوق بلا وجـه أمّا الأوّل: فواضح، وأمّا الثاني: فلأنّ رفع اليد عنـه إنّما هو لرفع اليد عن المفهوم الملازم لـه، كما لايخفى.

هذا كلّـه في المفهوم الموافق.

المقام الثاني: في تخصيص العامّ بالمفهوم المخالف

وأمّا المفهوم المخا لف فقد اختلف في جواز تخصيص العامّ بـه.

وينبغي أن يعلم أنّ محلّ النزاع إنّما هو فيما إذا كان هنا عامّ وكان المفهوم معارضاً لـه با لعموم والخصوص.

وأمّا فرضـه فيما إذا كان هنا مطلق ومقيّد ثمّ إجراء أحكام تلك المسأ لـة عليـه، مثل قولـه(صلى الله عليه وآله وسلم): «خلق اللّـه الماء طهوراً لاينجّسـه شيء»(1) الحديث، وقولـه(عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسـه شيء»(2) حيث إنّ ظاهر الدليل ا لأوّل كون تمام الموضوع للطهوريّـة والاعتصام هو نفس الماء، وظاهر الدليل الثاني مدخليّـة الكرّيـة أيضاً، فيجب حمل المطلق على المقيّد، ففيـه: أ نّـه خارج

1 ـ المعتبر: 8 / السطر 32، وسائل الشيعـة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9.

2 ـ تهذيب الأحكام 1: 39 / 107، الاستبصار 1: 6 / 1، وسائل الشيعـة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1 و 2.


328

عن محلّ البحث ; فإنّ مورده هو ما إذا كان المفهوم معارضاً للعامّ با لعموم والخصوص.

مثا لـه: ما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: إذا جاءك زيد العا لم فأكرمـه، فإنّ مفهومـه أ نّـه إذا لم يجئك فلايجب إكرامـه، وهو يخا لف العموم.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أ نّـه إذا ورد العامّ وما لـه المفهوم في كلام واحد ودار الأمر بين تخصيص العموم أو إلغاء المفهوم، فإن كان كلّ واحد منهما مستفاداً من الإطلاق بقرينـة مقدّمات الحكمـة، أو كان كلٌّ منهما با لوضع، فا لظاهر إجمال الدليل، ووجوب الرجوع إلى الاُصول العمليّـة، وإلاّ فلو كان واحد منهما مستفاداً من الإطلاق، والآخر با لوضع، فلاشبهـة في كون الترجيح مع الظهور الوضعي ; لعدم تماميـة مقدّمات الحكمـة معـه.

وأمّا لو كانا في كلامين لايصلح أن يكون واحد منهما قرينةً متّصلة للآخر، فإن كان أحدهما مستفاداً من الإطلاق والآخر مدلولاً عليـه با لوضع، فلاشبهـة في تقديمـه على الأوّل لو كان عدم البيان المأخوذ في مقدّمات الحكمـة أعمّ من البيان المتّصل، وعلى تقدير الاختصاص بـه يتمّ الإطلاق، ويعارض الآخر، مثل ما إذا كان كلّ واحد منهما مستفاداً من الإطلاق أو مدلولاً عليـه با لوضع، والترجيح فيـه يدور مدار الأظهريـة، كما لايخفى.


329

الفصل السابع

تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

لاشبهـة في جواز تخصيص الكتاب با لخبر الواحد المعتبر با لخصوص، كما يجوز با لكتاب وبا لخبر المتواتر أو الواحد المحفوف با لقرينـة القطعيـة اتّفاقاً ; لوضوح استقرار سيرة الأصحاب على العمل با لخبر الواحد في قبال عمومات الكتاب.

وعمدة ما يتوهّم سنداً للمنع هي الأخبار الدالّـة على وجوب طرح الأخبار المخا لفـة للقرآن(1)، وضربها على الجدار(2)، وأ نّها زخرف(3)، وأ نّها ممّا لم يقل بـه الإمام(عليه السلام)(4) على اختلاف ألسنتها.

1 ـ وسائل الشيعـة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 10 و19 و 29 و 35.

2 ـ الكافي 1: 69 / 3.

3 ـ وسائل الشيعـة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث12 و14.

4 ـ نفس المصدر، الحديث 15.


330

ولايخفى عدم دلالتها على المنع في المقام ; لوضوح أنّ المخا لفـة با لعموم لا تعدّ بنظر العرف مخا لفـة، ضرورة ثبوت هذا النحو من المخا لفـة في نفس الكتاب العزيز، مع أنّ قولـه تعا لى:(وَلَو كانَ مِنْ عِندِ غَيرِ اللّـهِ لَوَجَدُوا فِيـهِ اختِلافاً كَثيراً)(1) ينادي بعدم الاختلاف فيـه.

مضافاً إلى أنّ صدور الأخبار المخا لفـة للكتاب بهذا المعنى من الأئمّـة (عليهم السلام) كثيرة جدّاً.

وا لسرّ فيـه ما عرفت من عدم كون هذه المخا لفـة مخا لفةً بنظر العرف والعقلاء، وثبوت المناقضـة، والتنافي بين الموجبـة الكلّيـة والسا لبـة الجزئيّـة، وكذا بين السا لبـة الكلّيـة والموجبـة الجزئيّـة وإن كان أمراً بديهيّاً إلاّ أنّ ذلك في غير محيط جعل القوانين وتقنينها، كما لايخفى.

1 ـ النساء (4): 82.


331

الفصل الثامن

في استثناء المتعقّب لجمل متعدّدة

هل الاستثناء المتعقّب للجُمل المتعدّدة ظاهر في رجوعـه إلى الكلّ أو خصوص الأخيرة، أو لا ظهور لـه في واحد منهما ؟ وجوه وأقوال.

ولابد من البحث هنا في مقامين:

المقام الأوّل: إمكان الرجوع إلى الجميع

وليعلم أنّ ذلك إنّما هو بعد الفراغ عن إمكان رجوعـه إلى الكلّ مع أ نّـه قد يقال باستحا لتـه ; نظراً إلى أنّ آلـة الاستثناء قد تكون حرفاً، وقد تكون اسماً، وعلى التقديرين تارةً يكون المستثنى عنواناً كلّياً منطبقاً على كثيرين، واُخرى يكون فرداً واحداً متصادقاً عليـه جميع العناوين المستثنى منها، وثا لثـة يكون أفراداً متعدّدة كلّ واحد منهما فرد لعنوان من تلك العناوين، مثل ما إذا قال: أكرم العلماء وأهن الفسّاق وأضف الهاشمي إلاّ زيداً، وكان زيد المستثنى مردّداً بين زيد العا لم وزيد الفاسق وزيد الهاشمي وبين خصوص الأخير.

أمّا إذا كانت أداة الاستثناء اسماً وكان المستثنى عامّاً، فالإخراج من الجميع


332

من دون ملاحظـة الوحدة بينهما يستلزم استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد، وهو مستحيل، وكذا فيما لو كان المستثنى فرداً واحداً.

وأمّا لو كان المستثنى أفراداً متعدّدة، فمضافاً إلى ذلك يلزم استعمال المستثنى أيضاً في أكثر من معنى واحد.

وأمّا لو كانت أداة الاستثناء حرفاً، فبناءً على كونـه موضوعاً للجزئيّات، فاستعما لها في أكثر من فرد واحد مستلزم لذلك المحذور الذي جريانـه في الحروف أوضح ; لأنّ اندكاكها في متعلّقاتها أشدّ من فناء الألفاظ في معانيها الاسميـة(1).

أقول: قد عرفت أنّ استعمال اللّفظ في الأكثر من معنى واحد بمكان من الإمكان، وأنّ الوجوه التي استندوا إليها لإثبات الاستحا لـة لم تكن ناهضةً لإثباتها، والموضوع لـه في الحروف وإن لم يكن عامّاً إلاّ أ نّـه لا إشكال في استعما لها في أكثر من واحد، والجامع بين معانيها وإن كان منتفياً، ضرورة عدم وجود الجامع الحقيقي بين الابتداءات الخارجيّـة مثلاً، ومفهوم الابتداء الذي هو معنى اسمي لم يكن ابتداء حقيقةً إلاّ أ نّـه مع ذلك يمكن استعما لها في أكثر من واحد تبعاً للأسماء ومتعلّقاتها ; نظير قولـه: سر من كل نقطـة من البصرة فإنّ الكثرة ـ التي هي مفاد الكلّ ـ تسري إلى «من» أيضاً فيفيد وجوب السير مبتدئاً من كلّ نقطـة.

ومنـه يظهر أنّ جواز استعمال الحرف في أكثر من واحد أوضح من جواز استعمال الاسم كذلك ; لما عرفت من تبعيّـة المقتضيـة لسرايـة مدلولـه إليـه، كما هو واضح.

1 ـ لاحظ معالم الدين: 125 ـ 130، مقالات الاُصول 1: 475.


333

بل يمكن أن يقال بعدم استلزام الرجوع إلى الجميع ; لتعدّد الإخراج حتّى يبتنى على القول بجواز استعمال الحروف في أكثر من معنى.

أمّا فيما كان المستثنى مشتملاً على الضمير: فلأنّ الموضوع لـه في باب الضمائر هو الإشارة إلى مرجعـه، ومن الممكن أن يكون في المقام إشارة في جميع الجُمل المتقدّمـة، ويكون الإخراج واحداً، ولايلزم تجوّز في ناحيـة الضمير في أكثر من معنى واحد ; لأنّ الإشارة واحدة وإن كان المشار إليـه كثيراً.

وأمّا فيما إذا لم يكن مشتملاً على الضمير: فلأنّ استعمال المستثنى أكثر من واحد لايوجب أن يكون الإخراج متعدّداً حيث يلزم استعمال أداة الاستثناء في أكثر من واحد كما هو.

المقام الثاني: في مقام الإثبات

إذا عرفت ذلك، فاعلم أ نّـه قد يقال ـ كما في تقريرات المحقّق النائيني ـ بأنّ التحقيق يقتضي التفصيل بين ما إذا كانت الجُمل المتعدّدة المتقدّمـة مشتملةً على عقد الوضع بأن يكون ذلك مكرّراً في جميعها وبين ما إذا لم يكن كذلك، بل كان ذكر عقد الوضع منحصراً بصدر الكلام، كما إذا قيل: أكرم العلماء وأضفهم وأطعمهم إلاّ فسّاقهم، بأن يقال برجوعـه إلى الجميع دون خصوص الأخيرة في الثاني، وبرجوعـه إلى خصوصها في الأوّل.

وا لسرّ في ذلك: أ نّـه لابدّ من رجوع الاستثناء إلى عقد الوضع لا محا لـة، فإذا لم يكن مذكوراً إلاّ في صدر الكلام، فلابدّ من رجوعـه إليـه، بخلاف ما إذا كان تكراره في الجملـة الأخيرة يوجب أخذ الاستثناء محلّـه من الكلام، فيحتاج


334

تخصيص الباقي إلى دليل آخر مفقود على الفرض(1).

أقول: لايخفى أنّ ما ذكره من أ نّـه لابدّ من رجوع الاستثناء إلى عقد الوضع مخا لف لما ذكروه في قبال أبي حنيفـة من أنّ الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فإنّ مرجع ذلك إلى رجوع الاستثناء إلى عقد الحمل، والحكم المذكور في الكلام، وإلاّ لم يكن الاستثناء من النفي إثباتاً أصلاً، وكذا العكس، فلابدّ من القول برجوعـه إلى الحكم، وحينئذ فيتّجـه التفصيل بين ما إذا كان عقد الحمل متكرّراً أو واحداً.

وتفصيلـه بملاحظـة ما عرفت أنّ المستثنى قد يكون مشتملاً على الضمير، وقد لايكون، وعلى التقدير الأوّل:

فتارة: يكون عقد الوضع أيضاً واحداً وعقد الحمل متكرّراً، غايـة الأمر أنّ عقد الوضع في غير الجملـة الاُولى إنّما اُفيد با لضمير سواء كان المستثنى أيضاً مشتملاً على الضمير، كما في المثال المذكور في كلامـه، أو لم يكن، كما لو حذف الضمير في المثال من المستثنى.

وا لظاهر في هذا القسم الرجوع إلى الجميع، لا لما ذكره، بل لأنّ ظاهر اتّحاد السياق يقتضي أن يكون مثل الجُمل المشتملـة على الضمير في عوده إلى الاُولى، كما لايخفى.

واُخرى: يكون با لعكس، مثل قولـه: أضف العلماء والتجّار والهاشميّين إلاّ فسّاقهم.

وا لظاهر في هذا القسم أيضاً الرجوع إلى الجميع ; لكون عقد الحمل غير متعدّد.

1 ـ أجود التقريرات 1: 496 ـ 497.


335

وثالثـة: يكون كلٌّ منهما متكرّراً، وفي هذا القسم قد تكون الأحكام مختلفةً با لصنف، وقد لا تكون كذلك.

وفي هذا القسم يتردّد الأمر بين الرجوع إلى الجميع أو خصوص الأخيرة، ولا دليل على التعيين، وعلى التقدير الثاني فا لظاهر هو الرجوع إلى الجميع في مثل الصورة الثانيـة في التقدير الأوّل دون البواقي، فتدبّر.

ثمّ إنّ الرجوع إلى الأخيرة في موارد الإجمال متيقّن على كلّ تقدير، وفي غيرها من الجُمل لايجوز التمسّك بأصا لـة العموم ; لاكتنافـه بما يصلح للقرينيّـة، ولم يحرز استقرار بناء العقلاء على التمسّك بها في أمثال المقام، فلابدّ في مورد الاستثناء فيـه من الرجوع إلى الاُصول العمليّـة.

وذكر في التقريرات: أنّ توهّم كون المقام من قبيل اكتناف الكلام بما يصلح للقرينيّـة غير صحيح ; لأنّ المولى لو أراد تخصيص الجميع ومع ذلك قد اكتفى في مقام البيان بذكر استثناء واحد مع تكرار عقد الوضع في الجملـة الأخيرة، لكان مخلاّ ببيانـه ; إذ بعد أخذ الاستثناء محلّـه من الكلام لايكون موجب لرجوعـه إلى الجميع(1).

ولايخفى أنّ ذلك يوجب سدّ باب الإجمال ; فإنّـه كيف لايجوز أن يكون غرضـه تخصيص الجميع ومع ذلك أجمل كلامـه لمصلحـة مقتضيـة لـه كما في سائر المجملات.

وأمّا قولـه بعد أخذ الاستثناء محلّـه من الكلام: فلم نعرف لـه معنى.

وحكي عن المقالات أنّـه قال في المقام ما ملخّصـه: أنّ إطلاق الاستثناء والمستثنى يوجب الرجوع إلى الجميع، وحينئذ فلو كان العموم في الجُمل

1 ـ أجود التقريرات 1: 497.


336

ا لمستثنى منها مستفاداً لا من الإطلاق، يوجب ذلك عدم انعقاد الإطلاق في الاستثناء والمستثنى ; لصيرورة العموم في غير الجملـة الأخيرة قرينةً على اختصاصهما بها، وأمّا لو كان العموم مستفاداً من مقدّمات الحكمـة، فهنا إطلاقان يكون انعقاد كلٍّ منهما معلّقاً على عدم الآخر، فلاينعقدان، فيصير الكلام با لنسبـة إلى غير الجملـة الأخيرة مجملاً(1).

أقول: ما ذكره في الشقّ الأوّل من صيرورة العموم قرينـة على اختصاص الاستثناء با لجملـة الأخيرة، محلّ نظر بل منع.

أمّا فيما كان المستثنى مشتملاً على الضمير: فلأنّ رجوعـه إلى الجميع أو خصوص الأخيرة متوقّف على تعيين مرجع الضمير، وأ نّـه اُشير بـه إلى الجميع أو إليها.

وأمّا فيما لم يكن كذلك: فقد عرفت أنّ أصا لـة العموم في غير هذه الأخيرة في أمثال المقام غير جاريـة، فتدبّر.

1 ـ مقالات الاُصول 1: 475 ـ 476.


337

المقصد الخامس

في المطلق والمقيّد

وفيـه فصول:


338

339

الفصل الأوّل

في تعريف المطلق

قد عرّف المطلق بأ نّـه ما دلّ على شايع في جنسـه(1).

ولكنّـه مخدوش من وجوه كثيرة:

منها: أنّ ظاهره كون الإطلاق وصفاً لنفس اللّفظ مع أ نّـه من صفات المعنى، ضرورة أ نّـه يتّصف بـه المعنى ولو لم يكن في العا لم لفظ فإنّ ماهيّـة الإنسان مطلقـة ولو لم يوضع بإزائها لفظ أصلاً فإنّها أمر شائع في أفراده الذاتيـة، ومعرّاة عن القيود والخصوصيات الوجوديـة المجامعـة مع كلّ واحد منها، كما لايخفى.

منها: أنّ اعتبار الشيوع في الجنس إن كان قيداً للمدلول بما أ نّـه مدلول بحيث كان مرجعـه إلى دلالـة اللّفظ على الشيوع والسريان أيضاً، فليس في العا لم مطلق أصلاً، ضرورة أنّ اللّفظ لايحكي إلاّ عن نفس الماهيّـة المطلقـة، وكونها بذاتها شائعـة في أفرادها، ساريـة في وجوداتها لا ارتباط لـه بدلالـة اللّفظ

1 ـ قوانين الاُصول 1: 321 / السطر 16.


340

أصلاً، كما هو واضح، فلابدّ من أن يكون هذا القيد وصفاً لنفس المعنى مع قطع النظر عن كونـه مدلولاً للّفظ.

منها: أنّ مقتضى التعريف اختصاص الإطلاق با لمعاني الكلّيـة، ضرورة أ نّها تكون شائعةً في جنسها، أي الأفراد المجانسة لها، لا الجنس الاصطلاحي المنطقي، وأمّا الاُمور الجزئيـة الغير القابلـة للسريان فظاهره أ نّها لا تكون متّصفةً بالإطلاق مع أ نّها أيضاً كذلك، ضرورة أنّ قولـه: أكرم زيداً، مطلق غير مشروط بشيء أصلاً.

ودعوى أنّ المعاني الجزئيـة غير قابلـة للتقييد فلايتّصف بالإطلاق، مدفوعـة بمنع ذلك ; فإنّ الاُمور الجزئيـة أيضاً قابلـة للتقييد، فإنّ جعل زيد مثلاً موضوعاً للحكم تارة يكون بنحو الإطلاق، واُخرى مقيّداً بمجيئـه أو بغيره من الحالات والعوارض، كما هو واضح.

منها: أنّ هذا التعريف يشمل بعض المقيّدات أيضاً، ضرورة أنّ الرقبـة المقيّدة با لمؤمنـة أيضاً شائعـة في جميع أفراد الرقبـة المؤمنـة، كما لايخفى فالأولى أن يقال: إنّ المطلق عبارة عن المعنى المعرّى عن القيد المعبّر عنـه با لفارسيـة بـ (رهابودن) والمقيّد بخلافـه، ولاشبهـة في أ نّهما وصفان إضافيّان، ضرورة أنّ المعنى الملحوظ مع أمر آخر تارة يكون مقيّداً بـه واُخرى معرّى عنـه، وهذا المعنى يجري في جميع القيود، وربّما يكون مقيّداً ببعضها وغير مقيّد با لبعض الآخر، وهو ـ أي المطلق ـ قد يكون وصفاً للحكم، وقد يكون وصفاً لمتعلّقـه، وقد يكون وصفاً لموضوعـه، وقد يكون وصفاً لنفس المعنى مع قطع النظر عن تعلّق الحكم، فإنّ ماهيّـة الإنسان مطلقـة والإنسان الأبيض مقيّدة ولو لم يكن في البين حكم أصلاً، كما هو واضح، والإطلاق في الجميع بمعنى واحد، وهو خلوّه عن التقيّد بشيء آخر.


341

ثمّ إنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد أشبـه بتقابل العدم والملكـة من حيث إنّ اتّصاف معنىً بالإطلاق إنّما هو فيما لو كان قابلاً وصا لحاً للتقييد وإن كان بينهما فرق من حيث إنّ أعدام الملكات إذا انقلبت من مرحلـة القابليّـة إلى الفعليّـة يوجب ذلك تبدّل صورتها، بخلاف المطلق ; فإنّ تقييد الإنسان با لعا لم مثلاً لايوجب ذلك تصرّفاً في معناه، فإنّ معنى الإنسان واحد، سواء قيّد ببعض القيود أم لم يقيّد، وقد مرّت الإشارة إليـه.


342

الفصل الثاني

حول الألفاظ التي يطلق عليها المطلق

ثمّ إنّـه جرت العادة هنا بذكر تعيين ما وضع لـه بعض الألفاظ التي يطلق عليها المطلق، ونحن نقتفي أثرهم وإن كان غير مرتبط با لمقام ; لما عرفت من أنّ معنى الإطلاق هو خلوّ المعنى عن التعلّق بشيء آخر، سواء كان كليّاً أو جزئيّاً، وأنّ الإطلاق والتقييد وصفان إضافيّان، وأنّ الإطلاق في جميع الموارد بمعنى واحد، فا لتكلّم فيما وضع لـه اسم الجنس مثلاً ليس لـه ارتباط بتلك الاُمور المذكورة، كما هو واضح.

منها: اسم الجنس

وكيف كان فقد عدّوا منها اسم الجنس، كإنسان ورجل وسواد وبياض والزوجيـة وغيرها من أسماء الكلّيات من الجواهر والأعراض والعرضيات، ولاشبهـة في أ نّها موضوعـة لنفس الماهيّـة والمفهوم بما هي هي، ومن المعلوم أ نّها عين أفرادها في الخارج، فصحّـة إطلاقها على أفرادها لايستلزم ملاحظـة الماهيّـة في مرحلـة الوضع بنحو اللاّ بشرط القسمي تسريةً للوضع إلى المعنى


343

بجميع أطواره، وجعل الوضع بإزاء نفسها، كما أفاده بعض المحقّقين من محشّي الكفايـة(1).

وذلك لأنّ المراد من تسريـة الوضع إن كان بحيث يوجب صحّـة إطلاق اللّفظ على جميع أفراده والحمل عليـه با لحمل الذاتي، فلاشبهـة في بطلانـه ; لأنّ استعمال لفظ الإنسان في بعض أفراده مجاز بالاتّفاق وإن كان بحيث يوجب صحّـة الحمل عليـه با لحمل الشائع، فذلك لايستلزم ملاحظـة الماهيّـة بنحو اللاّبشرط القسمي، كما هو واضح.

وكيف كان فلاشبهـة في أنّ ما وضع لـه أسماء الأجناس هي نفس المفاهيم الكلّيـة والماهيات بما هي هي.

أقسام الماهيّـة

ثمّ إنّهم قسّموا الماهيّـة إلى الأقسام الثلاثـة: الماهيّـة اللاّبشرط والماهيّـة البشرط شيء والماهيّـة البشرط لا ; نظراً إلى أ نّـه إذا لوحظت الماهيّـة مع أمر خارج عنها فإمّا أن تلاحظ مع وجودها أو مع عدمها أو لا مع وجودها ولا مع عدمها(2).

وقد اُشكل عليـه بأنّ القسم الأوّل ـ وهي الماهيّـة اللاّبشرط ـ عين المقسم، فا لتقسيم تقسيم إلى نفسـه وإ لى غيره(3).

واُجيب عن ذلك با لفرق ; فإنّ المقسم هو اللاّبشرط المقسمي، والقسم هو

1 ـ نهايـة الدرايـة 2: 493.

2 ـ الحكمـة المتعاليـة 2: 16، شرح المنظومـة، قسم الحكمـة: 95 وما بعدها.

3 ـ الحكمـة المتعاليـة 2: 19.


344

ا للاّبشرط القسمي(1).

وقيل في بيانـه: إنّ التقسيم إلى الأقسام الثلاثـة المذكورة ليس تقسيماً لنفس الماهيّـة، بل المقسم إنّما هو لحاظها، وحينئذ فا لمراد با لماهيّـة اللاّبشرط هو لحاظها كذلك، فا لتفاوت بين المقسم والقسم إنّما هو باعتبار أنّ الأوّل هو مجرّد لحاظ الماهيّـة من دون ملاحظـة شيء معها، والثاني هو لحاظها مجرّداً عن قيد آخر وجوديّاً كان أم عدميّاً، كما أنّ المراد با لماهيّـة البشرط شيء هو لحاظها مشروطاً بـه، وبا لماهيّـة البشرط لا هو لحاظها مشروطاً بعدمـه(2).

هذا ولايخفى: أنّ لازم كون التقسيم للحاظ الماهيّـة لا لنفسها أنّ كلّ أمر خارج عنها إذا لوحظت الماهيّـة با لقياس إليها، يمكن اعتبار الأقسام الثلاثـة فيـه، فإنّ باب اللّحاظ واسع، فيمكن ملاحظـة الماهيّـة با لنسبـة إلى كلّ قيد مشروطاً بوجوده أو بعدمـه أو غير مشروط بشيء منهما، مع أنّ ذلك مستبعد جدّاً ; فإنّـه كيف يمكن أن يكون مراد أساطين الحكمـة المتعرّضين لهذا التقسيم ذلك المعنى الذي هو مجرّد الاعتبار وصرف اللّحاظ وإن كان ظاهر عبائرهم في بيان التقسيم ذلك، لكنّـه ليس بمرادهم، فا لتحقيق أنّ هذا تقسيم لنفس الماهيّـة.

وتوضيحـه: أنّ كلّ ماهيّـة إذا لوحظت مع أمر من الاُمور الخارجـة عنها فإمّا أن تكون مشروطةً بوجوده واقعاً بحيث لايعقل الانفكاك بينهما في نفس الأمر ولو مع عدم لحاظها كذلك، وإمّا أن تكون مشروطةً بعدمـه واقعاً بحيث يستحيل اجتماعهما كذلك، وإمّا أن لاتكون مشروطةً بوجوده ولابعدمـه، بل يكون ذلك ا لأمر من العوارض التي قد يجتمع معها وقد يفترق عنها ولو مع لحاظها مشروطةً بوجوده

1 ـ نفس المصدر.

2 ـ نهايـة الدرايـة 2: 490 ـ 494.


345

أو بعدمـه.

فالأوّل: هي الماهيّـة البشرط شيء، ومثا لـه: ماهيّـة الجسم با لنسبـة إلى التحيّز، فإنّها تكون دائماً مشروطـة بـه، ويستحيل تحقّق الانفكاك بينهما ولولم تلاحظ كذلك.

والثاني: هي الماهيّـة البشرط لا، ومثا لـه: ماهيّـة الجسم با لنسبـة إلى التجرّد مثلاً، فإنّها تكون دائماً متفرّقـة عنـه، ولايعقل اجتماعهما.

والثالث: هي الماهيّـة اللاّبشرط، ومثا لـه: ماهيّـة الإنسان با لنسبـة إلى الكتابـة، فإنّها لا تكون مشروطةً بوجودها دائماً بحيث كان الانفكاك مستحيلاً، ولابعدمها بحيث كان ا لاجتماع محالاً، بل ربّما توجد معها وربّما توجد منفكّة عنها.

وممّا ذكرنا يظهر: أنّ الماهيّـة با لنسبـة إلى كلّ قيد لوحظ معها لها أحد الأقسام الثلاثـة على سبيل المنفصلـة الحقيقيـة، ولايعقل اجتماعها با لنسبـة إلى قيد واحد، كما لايخفى، كما أ نّـه ظهر ثبوت المغايرة بين المقسم والقسم، فإنّ المقسم هي نفس الماهيّـة المحفوظـة في جميع الأقسام الثلاثـة، وبإضافـة شيء من الخصوصيّات المأخوذة في الأقسام يتحقّق قسم منها، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه أفاد المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ هنا كلاماً في معنى الأقسام وبيان الفرق بين اللاّبشرط القسمي والمقسمي(1).

وفيـه ـ مضافاً إلى المناقضـة بين الصدر والذيل ـ وجوه من الخلل، كما يظهر لمن راجعـه وتأمّل.

وا لإنصاف أنّ ما ذكرنا هو التقسيم المعقول الذي يمكن أن يكون مقصوداً لأساطين الحكمـة، كما عرفت.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 569.


346

منها: علم الجنس

وهي كاسامـة، والمشهور بين أهل العربيـة أ نّـه موضوع للطبيعـة بما هي متعيّنـة، ولذا يعامل معـه معاملـة المعرفـة.

ولكن ذهب في الكفايـة إلى أ نّـه موضوع لصرف المعنى ونفس الطبيعـة، كاسم الجنس، والتعريف لفظي، كما في التأنيث اللفظي ; نظراً إلى أ نّـه لو لم يكن كذلك لما صحّ حملـه على الأفراد بلا تصرّف وتأويل ; لأنّـه على المشهور أمر ذهني، وهو لايصدق على الخارج إلاّ مع التجريد، مع صحّـة حملـه عليها بدونـه.

مضافاً إلى أنّ وضعـه لما يحتاج إلى التجريد في مقام الاستعمال لايصدر عن الواضع الحكيم(1).

ولكنّـه تنظّر فيـه في كتاب الدّرر حيث قال: وفيما أفاده نظر ; لإمكان دخل الوجود الذهني على نحو المرآتيّـة في نظر اللاّحظ، كما أ نّـه ينتزع الكلّيـة عن المفاهيم الموجودة في الذهن لكن لا على نحو يكون الوجود الذهني ملحوظاً للمتصوّر با لمعنى الاسمي ; إذ هي بهذه الملاحظـة مباينـة مع الخارج، ولا تنطبق على شيء، ولا معنى لكلّيـة شيء لاينطبق على الخارج أصلاً.

إذا عرفت هذا، فنقول: إنّ لفظ «اسامـة» موضوع للأسد بشرط تعيّنـه في الذهن على نحو الحكايـة عن الخارج، ويكون استعمال ذلك اللّفظ في معناه بملاحظـة القيد المذكور، كاستعمال الألفاظ الدالّـة على المعاني الحرفيّـة، فافهم وتدبّر(2). انتهى.

1 ـ كفايـة الاُصول: 283.

2 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 232.


347

أقول: أخذ اللحاظ ولو كان با لمعنى الحرفي في المعنى الموضوع لـه معناه كونـه متقوّماً بـه، وإلاّ فيصير الموضوع لـه مجرّد المعنى من دون مدخليـة شيء، ولم يبق فرق بين علم الجنس واسمـه، ومع تقوّم معنى الأوّل بـه يرد عليـه ما أفاده في الكفايـة(1)، كما لايخفى.

والتحقيق أن يقال: إنّ الفرق بين المعرفـة والنكرة واتّصاف شيء بالأوّل وشيء آخر با لثاني أمر واقعي، فإنّ المعرفـة هو ما كان في الواقع متعيّناً غير قابل للتردّد والإبهام، مثل الأعلام الشخصيـة، فإنّ لفظ «زيد» موضوعـة لشخص متعيّن في الواقع، بخلاف النكرة، فإنّ معنى الرجل المنكّر هو الفرد المردّد من طبيعـة الرجل والمبهم في نفس الأمر، فالامتياز والتفاوت إنّما هو بحسب الواقع، وحينئذ فنقول: الموضوع لـه في باب اسم الجنس هي نفس الطبيعـة بما هي هي، والطبيعـة في هذه المرتبـة التي هي مرتبـة ذات الطبيعـة لا تكون معرفـة ولا نكرة، ولذا يكون عروض التعريف والتنكير بسبب أمر آخر، مثل الألف واللاّم المفيدة لتعريف الجنس، وتنوين التنكير المفيدة لنكارتـه، فلو كان معنى «رجل» الذي هو اسم الجنس معرّفاً، لم يحتج في تعريفـه إلى إلحاق الألف واللاّم بـه ويستحيل تنكيره من غير تجريد كما لايخفى، كما أ نّـه لو كان منكّراً، لم يحتج إلى التنوين، ولم يصحّ تعريفـه من غير تجريد، وليس ذلك إلاّ لكون نفس الطبيعـة الموضوع لها اسم الجنس لايكون معرفـة ولا نكرة، ولذا لايستعمل كذلك.

وأمّا علم الجنس فهو موضوع لنفس الطبيعـة الممتازة عن سائر الطبائع، فإنّ كلّ طبيعـة إذا لوحظت بالإضافـة إلى سائر الطبائع تكون ممتازة عنها ومتعيّنـة بذاتها في عا لم الواقع ونفس الأمر، وليس ذلك التعيّن دائراً مدار الاعتبار، بل هو

1 ـ كفايـة الاُصول: 283.


348

أمر واقعي، كا لتعريف في غيره من الموارد، وحينئذ فا للّحاظ ليس مأخوذاً في المعنى حتّى يستحيل انطباقـه على الخارج، بل المعنى هي الطبيعـة الممتازة بذاتها واقعاً، وهو قابل للاتّحاد مع الخارج.

وبا لجملـة، فمفاد علم الجنس والمعرّف بلام الجنس واحد غايـة الأمر تعدّد الدالّ في الثاني دون الأوّل، كما لايخفى.

منها: المفرد المعرّف باللام

وممّا ذكرنا ظهر الحال في المفرد المعرّف با للاّم، فإنّ المعرّف بلام الجنس معناه ما عرفت.

وأمّا المعرّف بلام الاستغراق أو العهد بأقسامـه فإنّـه أيضاً موضوع للمعنى المتعيّن، وهو جميع الأفراد في الأوّل، والمعنى المعهود في الثاني.

منها: النكرة

مثل «رجل» في جاء رجل، أو جئني برجل.

وذكر في الكفايـة أنّ مدلولها في مثل الأوّل هو الفرد المعيّن المجهول عند المخاطب، وفي الثاني هي الطبيعـة المأخوذة مع قيد الوحدة التي يدلّ عليها تنوين التنكير، فيكون مدلولها في الأوّل جزئيّاً، كما هو واضح، وفي الثاني كلّياً(1)، وهي حصّـة من الرجل ولايخفى أنّ الجزئيـة في الأوّل إنّما يستفاد من دالّ آخر، وهو نسبـة المجيء إليـه، وإلاّ فمن الواضح عدم تعدّد الوضع في باب النكرة، فا لتحقيق أنّ مدلولها هو المعنى الكلّي في الموضعين.

1 ـ كفايـة الاُصول: 285.


349

ثمّ إنّك عرفت أنّ معنى المطلق هو خلوّ المعنى عن القيد، سواء كان كليّاً أو جزئياً، وحينئذ فتخصيص المطلق باسم الجنس والنكرة با لمعنى الثاني ـ كما أفاده في الكفايـة ـ في غير محلّـه ; لأنّ النكرة با لمعنى الأوّل ـ الذي هو أمر جزئي ـ مطلقـة، كما في سائر الجزئيات، فإنّ قولـه: أكرم زيداً، مطلق من حيث عدم تقييد زيد با لجائي أو بغيره من القيود، كما أ نّك عرفت أنّ لفظ المطلق لايحكي إلاّ عن نفس الطبيعـة، وهي لايعقل أن تكون مرآةً للأفراد والخصوصيّات، ومعنى إطلاقها من حيث تعلّق الحكم بها هو كون تمام المتعلّق للحكم المجعول هي نفسها من غير مدخليـة شيء آخر فيها، وهذا المعنى يستفاد من فعل المتكلّم حيث إنّـه إذا كان بصدد بيان متعلّق حكمـه وكان مختاراً في التكلّم فهذا دليل بنظر العقل على أنّ المذكور تمام المتعلّق، وليس ذلك من قبيل الدلالات اللفظيـة، بل هو من الدلالات العقليّـة، كدلالـة التكلّم على كون مدلول الكلام مقصوداً للمتكلّم، وحينئذ فيظهر لك أنّ إثبات الإطلاق بضميمـة مقدّمات الحكمـة أو بغيرها ليس يرجع إلى إثبات الشياع والسريان، كما ذكره في الكفايـة حيث قال: إنّ الشياع والسريان ـ كسائر طوارئ الطبيعـة ـ يكون خارجاً عمّا وضع لـه لفظ المطلق، فلابدّ في الدلالـة عليـه من قرينـة حال أو مقال أو حكمـة(1)، فإنّ ظاهره أنّ جريان مقدّمات الحكمـة يفيد الشياع والسريان، مع أنّ مفادها ليس إلاّ كون المذكور تمام الموضوع، ولا مدخليّـة لشيء آخر فيـه.

1 ـ كفايـة الاُصول: 287.


350

الفصل الثالث

في مقدّمات الحكمـة

وكيف كان فقد ذكر في الكفايـة أنّ مقدّمات الحكمـة ثلاثـة:

إحداها: كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد لا الإهمال أو الإجمال.

ثانيتها: انتفاء ما يوجب التعيين.

ثالثتها: انتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب(1).

أقول: الظاهر أنّ قرينـة الحكمـة لا تتوقّف إلاّ على مقدّمـة واحدة، وهي المقدّمـة الاُولى، فهنا دعويان: الاُولى توقّفها على المقدّمـة الاُولى، ثانيتهما عدم توقّفها على سائر المقدّمات.

أمّا الدعوى الاُولى: فواضحـة ; لأنّـه إذا لم يكن المتكلّم في مقام بيان تمام المراد، بل كان في مقام بيان حكم آخر أو في مقام بيان أصل التشريع، لايمكن أن يحتجّ بكلامـه عليـه عند العقلاء ; لصحّـة اعتذاره بأ نّـه كان بصدد بيان جهـة اُخرى أو بيان الحكم بنحو الإجمال مثلاً.

1 ـ كفايـة الاُصول: 287.


351

وذهب في الدّرر إلى عدم الاحتياج إلى هذه المقدّمـة، وقال في بيانـه ما ملخّصـه: أنّ المهملـة مردّدة بين المطلق والمقيّد ولا ثا لث، ولا إشكال في أ نّـه لو كان المراد هو المقيّد تكون الإرادة متعلّقةً بـه بالأصا لة، وإنّما ينسب إلى الطبيعة با لتبع لمكان الاتّحاد وحينئذ فنقول ظاهر الكلام هو تعلّق الإرادة أوّلاً وبا لذات بنفس الطبيعـة لا أنّ المراد هو المقيّد، ثمّ اُضيفت الإرادة إلى الطبيعـة لمكان الاتّحاد، وبعد ثبوت هذا الظهور تسري الإرادة إلى تمام الأفراد، وهو معنى الإطلاق(1). انتهى.

أقول: ظهور الكلام في تعلّق الإرادة أوّلاً وبا لذات بنفس الطبيعـة إنّما هو فيما إذا اُحرز كون المتكلّم في مقام البيان، وإلاّ فلو كان بصدد بيان حكم آخر فيمنع هذا الظهور بحيث يمكن الأخذ بـه والاحتجاج بـه عليـه ; لأنّـه ليس من الظهورات اللفظيّـة، بل إنّما هو من الدلالات العقليّـة، فتسليم الظهور مبني على ثبوت هذه المقدّمـة، كما لايخفى.

وأمّا الدعوى الثانيـة: فعدم الاحتياج إلى المقدّمـة الثانيـة واضح، ضرورة أنّ مفروض الكلام إنّما هو فيما إذا دار الأمر بين كون المراد هو المطلق أو المقيّد، وأمّا مع ثبوت القيد في الكلام فهو خارج عن مفروض المقام ; لعدم كون المراد مردّداً حينئذ، كما هو واضح.

وأمّا المقدّمـة الثا لثـة فهي أيضاً غير محتاج إليها ; لعدم كون ثبوت القدر المتيقّن في مقام التخاطب مضرّاً بالإطلاق أصلاً.

وتوضيحـه: أ نّك عرفت أنّ معنى الإطلاق ليس كون الطبيعـة المأخوذة متعلّقاً للحكم ساريـة في جميع الأفراد وشائعـة بين جميع الوجودات حتّى يكون

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 234.


352

جريان مقدّمات الحكمـة منتجاً لما يفيده العموم، بل المراد بـه هو كون نفس الطبيعـة المذكورة في الكلام ممّا يتقوّم بـه تمام المصلحـة، ولم يكن لبعض القيودات مدخليّـة في ذلك، وحينئذ فلو كان المتكلّم في مقام بيان تمام ما لَـه دخل في موضوع حكمـه ـ كما هو المفروض في المقدّمـة الاُولى ـ ومع ذلك لم يذكر إلاّ نفس الطبيعـة ـ كما هو المفروض في المقام ـ فإثبات الإطلاق وصحّـة الاحتجاج بـه عليـه لايحتاج إلى أمر آخر ; لأنّـه لو كان مراده هو المقدار المتيقّن، لكان عليـه تقييد الطبيعـة لإخراج ما عداه، وليس الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر بمعنى أن يكون تعلّق الحكم با لمقدار المتيقّن معلوماً وبما عداه مشكوكاً، ضرورة أنّ الحكم في باب الإطلاق والتقييد لايكون متعلّقاً بالأفراد والوجودات، بل إنّما كان هنا حكم واحد مردّد بين تعلّقـه بنفس الطبيعـة أو بها مقيّدة، وتعلّق الحكم با لمقيّد ليس معلوماً، وثبوت القدر المتيقّن لايوجب ذلك.

وكيف كان فا لقدر المتيقّن في مقام التخاطب الراجع إلى كون بعض الأفراد أو الحالات ممّا كان عند المخاطب معلوم الحكم بمجرّد إلقاء الخطاب، لابعد التأمّل ممّا لايضرّ بالإطلاق بعد كون الأفراد والحالات أجنبيّةً عن تعلّق الحكم بها في باب الإطلاق، كما لايخفى.

هذا كلّـه بناءً على ما اخترناه في معنى الإطلاق.

وأمّا بناءً على مذاق القوم من جعلـه بمعنى الشياع والسريان، فقد ذكر في الكفايـة أنّ مع ثبوتـه لا إخلال با لغرض لو كان المتيقّن تمام مراده، فإنّ الفرض أ نّـه بصدد بيان تمامـه وقد بيّنـه، لابصدد بيان أ نّـه تمامـه كي أخلّ ببيانـه فافهم(1).

1 ـ كفايـة الاُصول: 287.


353

وذكر في الحاشيـة في بيان المشار إليـه بقولـه: فافهم، ما لفظـه: إشارة إلى أ نّـه لو كان بصدد بيان أ نّـه تمامـه ما أخلّ ببيانـه بعد عدم نصب قرينـة على إرادة تمام الأفراد، فإنّـه بملاحظتـه يفهم أنّ المتيقّن تمام المراد، وإلاّ كان عليـه نصب القرينـة على إرادة تمامها، وإلاّ قد أخلّ بفرضـه.

نعم لايفهم ذلك إذا لم يكن إلاّ بصدد بيان أنّ المتيقّن مراد ولم يكن بصدد بيان أنّ غيره مراد، أو ليس بمراد قبالاً للإجمال أو الإهمال المطلقين، فافهم فإنّـه لايخلو من دقّـة(1). انتهى.

أقول: الظاهر أ نّـه بناءً على هذا القول أيضاً لايكون وجود القدر المتيقّن مضرّاً، ضرورة أنّ جلّ الطبيعـة مرآة لبعض الأفراد دون البعض الآخر ممّا لايعقل، فمن ذكرها بنفسها يستكشف أ نّـه لاحظ السريان في جميع الأفراد.

مضافاً إلى أنّ من أوضح مصاديق القدر المتيقّن ورود العامّ أو المطلق في مورد خاصّ مع أ نّـه لايلتزم أحد بكون المورد مخصّصاً أو مقيّداً، وإ لى أنّ متيقنيّـة بعض الأفراد أمر وكون الحكم مطلقاً بحسب نظر العقل والعقلاء بحيث صحّ الاحتجاج بـه على الحاكم أمر آخر لا ربط لأحدهما بالآخر، كما هو واضح.

فتلخّص: أنّ قرينـة الحكمـة لا تتوقّف إلاّ على مقدّمـة واحدة، وهي كون المتكلّم في مقام بيان تمام مراده.

المراد من كون المتكلّم في مقام البيان

ثمّ إنّ المراد بكون المتكلّم في مقام البيان ليس كونـه في مقام بيان مراده الجدّيّ والنفس الأمري، بل المراد بـه هو كونـه في مقام بيان ما يريده ولو قاعدةً

1 ـ كفايـة الاُصول: 287، الهامش 1.


354

وقانوناً، وحينئذ فا لظفر با لمقيّد ولو كان مخا لفاً لايكشف عن عدم كونـه في مقام البيان حتّى ينثلم بـه الإطلاق با لنسبـة إلى القيود المشكوكـة، وذلك لما عرفت في مبحث العموم والخصوص من أنّ تخصيص العامّ لايوجب تصرّفاً في مدلولـه الاستعما لي، بل العامّ بعد التخصيص باق على ما كان عليـه قبلـه.

نعم يوجب ذلك تصرّفاً في ا لمراد الجدّي من حيث إنّـه يكشف عن كونـه مقصوراً بما عدا مورد الخاصّ، وهذا المعنى يجري في هذا المقام أيضاً، وحينئذ فا لظفر با لمقيّد يكشف عن مجرّد عدم تعلّق الإرادة الجدّيـة با لمطلق حتّى با لنسبـة إلى ذلك القيد، وذلك لايستلزم عدم ثبوت الإطلاق بملاحظـة القيود الاُخر، وهذا واضح.

ثمّ إنّ كون المتكلّم من دأبـه ذكر المقيّدات والمخصّصات بعد المطلقات والعمومات لايوجب عدم جوازا لتمسّك بإطلاق كلامـه بعد إحراز كونـه في مقام بيان مراده ; لأنّ غايـة ذلك وجوب ا لفحص عنها، ومفروض ا لكلام إنّما هوبعده، كمالايخفى.

تتمّـة: الأصل عند الشكّ في مقام البيان

ثمّ إنّـه لابدّ في قرينـة الحكمـة المتوقّفـة على تلك المقدّمـة من إحرازها، وكون المتكلّم في مقام بيان تمام مراده، وهو قد يحرز با لوجدان، وقد يحرز بالأصل العقلائي حيث إنّ العقلاء يتمسّكون بإطلاق كلام المتكلّم بمجرّد صدوره منـه فيما لم يحرز الخلاف، وأ نّـه كان بصدد الإهمال أو الإجمال، كما يظهر بمراجعـة سيرة أهل المحاورات، ولايخفى أنّ بناء العقلاء إنّما هو فيما إذا كان المقام مقاماً للبيان نوعاً، ولكن مع ذلك شكّ في كونـه بصدد البيان أو بصدد غيره مثلاً: مقام الجواب عن السائل عن مسأ لـة كانت مورداً لابتلائـه مقام البيان


355

بحسب سيرة المتكلّمين، فلو فرض الشكّ فيـه ; لاحتمال ثبوت جهـة مانعـة عن المشي على الطريق المتداول، يكون ذلك الشكّ غير معتنى بـه عند العقلاء، وأمّا إذا لم يكن المقام مقاماً للبيان كذلك، كما إذا صدر من المتكلّم كلام ابتداءً ودار أمره بين كونـه في مقام بيان هذا الحكم أو حكم آخر، فلايكون هنا أصل عقلائي حاكم بالأوّل، كما هو واضح.


356

الفصل الرابع

في أقسام المطلق والمقيّد وكيفيّة الجمع بينهما

إذا ورد مطلق ومقيّد متنافيان بأن علم وحدة التكليف إمّا من ناحيـة وحدة السبب أو من جهـة القرائن الاُخر، فإمّا أن يكونا مختلفين في الإثبات والنفي، وإمّا أن يكونا متوافقين مثبتين أو منفيّين، وعلى أيّ تقدير فإمّا أن يقعا في كلام واحد أو في كلامين.

فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: إذا ورد مطلق ومقيّد بدون ذكر السبب

وهو مشتمل على صور:

الصورة الاُولى: ما إذا كانا مختلفين فلا إشكال في لزوم حمل المطلق على المقيّد فيما إذا كان المطلق متعلّقاً للنهي، والمقيّد متعلّقاً للأمر، مثل قولـه: لا تعتق رقبـة، وأعتق رقبـة مؤمنـة، بناء على أن لا تكون النكرة في سياق النهي مفيدةً للعموم، كما عرفت أ نّـه الحقّ، وهذا لا فرق فيـه بين أن يكون النهي المتعلّق با لمطلق تحريميّاً أو تنزيهيّاً، فإنّ مرجوحيّـة عتق مطلق الرقبـة لا تجتمع مع


357

وجوب عتق بعض أصنافها، فلابدّ من التصرّف في المطلق بحملـه على المقيّد.

وأمّا لو كان المطلق متعلّقاً للأمر والمقيّد للنهي، مثل قولـه: أعتق رقبـة، ولا تعتق رقبـة كافرة، فلو كان النهي تحريميّاً، فلا إشكال أيضاً في وجوب حمل المطلق على المقيّد، كما أ نّـه لو كان تنزيهيّاً لا إشكال في عدم لزوم حملـه عليـه ; لعدم التنافي بينهما، كما لايخفى.

وأمّا لو تردّد الأمر بين أن يكون تحريميّاً أو تنزيهيّاً، فيدور الأمر بين التصرّف في المطلق بحملـه على المقيّد، وبين أن يكون الترخيص الناشئ من قِبَل الإطلاق قرينةً على كون المراد با لنهي هو التنزيهي منـه ; إذ قد حقّقنا سابقاً أنّ الموضوع لـه في باب النواهي هو الزجر عن المنهي عنـه الذي قد تفيده الإشارة با ليد أو بغيرها، وهو أعمّ من أن يكون ناشئاً عن الإرادة الحتميـة أو غيرها، ولزوم تركـه في الموارد الخا ليـة عن القرينـة إنّما هو لحكم العقل بصحّـة الاحتجاج على العبد، لا لكشفـه عن الإرادة الحتميّـة، كما هو الشأن في باب الأوامر أيضاً على ما حقّقناه سابقاً، وحينئذ فيمكن أن يكون الترخيص المستفاد من الإطلاق قرينةً على كون المراد هو النهي التنزيهي.

وكيف كان فالأمر دائر بين الوجهين.

ويحتمل وجـه ثا لث، وهو أن يقال بتعدّد التكليف واختلاف متعلّقـه بالإطلاق والتقييد.

وهذا الاحتمال مبنيّ على القول بدخول المطلق والمقيّد في محلّ النزاع في باب اجتماع الأمر والنهي، والقول با لجواز فيـه، ونحن وإن اخترنا الجواز إلاّ أنّ دخول المقام في محلّ النزاع في ذلك الباب محلّ نظر بل منع، كما ستجيء الإشارة إليـه.

مضافاً إلى أنّ النزاع هنا في الجمع العرفي بين المطلق والمقيّد، والنزاع في


358

تلك المسأ لـة عقليّ، فحكم العقل بجواز الاجتماع فيها نظراً إلى تغاير المتعلّقين لايجدي با لنسبـة إلى المقام، كما لايخفى، فالأمر لايتجاوز عن الوجهين المتقدّمين.

ولايبعد أن يقال: بأنّ التصرّف في المطلق بحملـه على المقيّد أرجح بنظر العرف الذي هو الملاك في المقام ; لأنّـه لاينسبق إلى أذهانهم الجمع با لتصرّف في الحكم في ناحيـة المقيّد، وحملـه على التنزيهي، لا لكون ظهوره في النهي التحريمي أقوى من ظهور المطلق في الإطلاق، كيف وقد عرفت عدم ظهور النواهي في الزجر الناشئ عن الإرادة الحتميّـة، بل لأنّ أخذ الإطلاق حيث لايكون مستنداً إلى الظهور الوضعي، بل الوجـه فيـه مجرّد بنائهم عليـه فيما إذا لم يذكر القيد، فمع ذكره ولو منفصلاً كأ نّهم يرفعون اليد عن بنائهم، ويقتصرون في ذلك على ما إذا لم يذكر القيد أصلاً، كما هو الوجـه في حمل المطلق على المقيّد في المواضع المسلّمـة، فإنّ التصرّف فيـه ليس لأجل أظهريّـة المقيّد في دخا لـة القيد أو كونـه بياناً لـه، بل لما عرفت من أنّ بناءهم على الأخذ بالإطلاق إنّما هو فيما إذا لم يذكر القيد أصلاً ; فهو دليل حيث لا دليل، كما لايخفى.

الصورة الثانيـة: ما إذا كانا متوافقين: فكذلك فيما لو وقعا في كلام واحد، بل ليس هذا من باب حمل المطلق على المقيّد ; لأنّ مع ذكره متّصلاً لايكون هنا ظهور في الإطلاق ; إذ المقتضى لـه هو تجرّد المعنى المذكور عن القيد، ومع الإتيان بـه متّصلاً لا مجال لهذا الاقتضاء، كما هو واضح.

وأمّا لو وقعا في كلامين، فا لمشهور أيضاً على الحمل والتقييد ; لأنّـه جمع بين الدليلين، وهو أولى.

وقد اُورد عليـه بإمكان الجمع على وجـه آخر، مثل حمل الأمر في المقيّد على الاستحباب(1).

1 ـ قوانين الاُصول 1: 325 / السطر 6.


359

وربّما يفصّل ـ كما في الدّرر ـ: بين ما إذا كان إحراز وحدة التكليف من ناحيـة وحدة السبب وبين غيره، وهو ما إذا كان إحرازها من جهـة القرائن الاُخر بوجوب الحمل والتقييد في مثل الأوّل، وتحقّق الإجمال في الثاني.

أمّا ثبوت الإجمال في الأخير: فلأنّ الأمر يدور بين حمل الأمر المتعلّق با لمطلق على ظاهره من الوجوب والإطلاق والتصرّف في أمر المقيّد إمّا هيئةً بحملـه على الاستحباب، وإمّا مادّةً برفع اليد عن ظاهر القيد من دخلـه في الموضوع، وجعلـه إشارة إلى الفضيلـة الكائنـة في المقيّد، وبين حمل المطلق على المقيّد، ولا ترجيح لأحد الوجهين على الآخر.

وأمّا تعيّن التقييد في الأوّل ; لأنّـه لا وجـه للتصرّف في المقيّد بأحد النحوين المذكورين، فإنّ السبب لو كان علّةً لوجوب المطلق فلايعقل أن يكون علّةً لوجوب المقيّد أو استحبابـه ; لأنّ استناد المتبائنين إلى علّـة واحدة غير معقول(1).

أقول: لايبعد أن يقال بترجيح التقييد في الفرض الثاني على التصرّف في المقيّد بأحد الوجهين عند العقلاء في أكثر الموارد.

نعم قد يبلغ الإطلاق من القوّة إلى حدّ لايمكن رفع اليد عنـه بمجرّد ظهور الأمر المتعلّق با لمقيّد في الوجوب، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه اختار المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ وجوب الجمع بينهما بحمل المطلق على المقيّد مطلقاً من غير فرق بين كون ظهور الأمر في المطلق أقوى في الإطلاق من ظهور الأمر في المقيّد في التقييد أو أضعف.

قال في بيانـه ما ملخّصـه: أنّ الأمر في المقيّد يكون بمنزلـة القرينـة على

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 236 ـ 237.


360

ما هو المراد من الأمر في المطلق، والأصل الجاري في ناحيـة القرينـة يكون حاكماً على الأصل الجاري في ناحيـة ذيها.

أمّا كونـه بمنزلـة القرينـة: فلأنّـه وإن لم يتحصّل لنا بعدُ ضابط كلّي في المائز بين القرينـة وذيها إلاّ أنّ ملحقات الكلام من الصفـة والحال والتميز بل المفاعيل تكون غا لباً بل دائماً قرينـة على أركان الكلام من المبتدأ والخبر والفعل والفاعل.

نعم في خصوص المفعول بـه مع الفعل قد يتردّد الأمر بينهما في أنّ أيّاً منهما قرينـة والآخر ذو القرينـة، كما في قولـه: لا تنقض اليقين با لشكّ، فإنّـه كما يمكن أن يكون عموم اليقين قرينةً على المراد من النقض الظاهر في تعلّقـه بما لَـه اقتضاء البقاء كذلك يمكن العكس.

ومن هنا وقع الكلام في حجّيـة الاستصحاب في الشكّ في المقتضي.

وأمّا كون الأصل الجاري في القرينـة حاكماً على الأصل الجاري في ذيها من غير ملاحظـة أقوى الظهورين: فلأنّ الشكّ في المراد من ذي القرينـة يكون مسبّباً عن الشكّ فيها، فإنّ الشكّ في المراد من الأسد في قولـه: رأيت أسداً يرمي، يكون مسبّباً عن الشكّ في المراد من «يرمي» وظهوره في رمي النبل للانصراف مقدّم على ظهور الأسد في الحيوان المفترس وإن كان با لوضع ; لأنّـه رافع لـه، فلايبقى للأسد ظهور في معناه الحقيقي حتّى يدلّ بلازمـه على المراد من الرّمي.

وإذ قد عرفت ذلك: ظهر لك أنّ المقيّد يكون بمنزلـة القرينـة با لنسبـة إلى المطلق ; لأنّ القيد نوعاً يكون من ملحقات الكلام، وقد تقدّم أ نّها تكون قرينةً.

هذا إذا كان القيد متّصلاً، وأمّا إذا كان منفصلاً، فتمييز كونـه قرينةً أو معارضاً هو أن يفرض متّصلاً في كلام واحد، فإن ناقض صدر الكلام ذيلـه، يكون معارضاً، وإلاّ قرينـة، فلا فرق بين المتّصل والمنفصل سوى أنّ الأوّل يوجب عدم


361

انعقاد الظهور للمطلق، بخلاف الثاني، فإنّـه ينعقد فيـه الظهور إلاّ أ نّـه يهدم حجّيتـه(1). انتهى.

أقول: إنّ في كلامـه وجوهاً من النظر:

منها: أنّ جعل الشكّ في المراد من الأسد مسبّباً عن الشكّ في المراد من الرمي ممّا لايصحّ، فإنّـه لايكون هنا سبب ومسبّب أصلاً، وكون زوال الشكّ في ناحيـة القرينـة موجباً لزوا لـه في ناحيـة ذي القرينـة لايوجب كونـه مسبّباً عنـه ; فإنّ زوا لـه في ناحيتـه أيضاً يوجب زوا لـه في ناحيتها، فإنّ مع العلم بكون المراد من الأسد هو الحيوان المفترس لايبقى مجال للشكّ في كون المراد من الرمي هل هو رمي النبل أو التراب، كما هو واضح.

ومنها: أنّ قياس المقيّد المتّصل با لقرينـة المتّصلـة ممّا لايتمّ ; فإنّ القرائن المتّصلـة في سائر الموارد يصادم ظهور ذويها، فإنّ ظهور الرمي في رمي النبل يصادم ظهور الأسد با لوضع في معناه الحقيقي، غايـة الأمر تقديمـه عليـه للترجيح، وهذا بخلاف المقام، فإنّ مع تقييد الرقبـة با لمؤمنـة لايكون هنا إلاّ ظهور واحد، ولم ينعقد للإطلاق ظهور ; لأنّـه ليس ظهوراً لفظيّاً وضعيّاً، بل إنّما هو ظهور عقلي يقتضيـه التجرّد عن القيد، فمع ذكره لايبقى لـه مجال، كما هو واضح، وقد اعترف بذلك في ذيل كلامـه في الفرق بين المقيّد المتّصل والمنفصل.

ومنها: أنّ قياس المقيّد المنفصل با لمتّصل قياس مع الفارق ; لما عرفت من أ نّـه لاينعقد الكلام في الأوّل إلاّ ظهور في المقيّد، بخلاف الثاني ; فإنّـه قد انعقد للإطلاق ظهور، وهو يعارض الظهور في ناحيـة المقيّد، والجمع لاينحصر بحمل المطلق عليـه، بل يمكن حمل الأمر في ناحيـة المقيّد على الاستحباب،

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 579.


362

كما عرفت.

وكيف كان فهل يجب حمل المطلق على المقيّد في مفروض البحث، أو يلزم أن يحمل الأمر في المقيّد على الاستحباب، أو يقال بتعدّد الحكم والتكليف واختلاف متعلّقـه بالإطلاق والتقييد أو با لتباين بجعل المقيّد قرينةً على كون المراد با لمطلق هو المقيّد بغير هذا القيد، مثل أن يجعل قولـه: أعتق رقبـة مؤمنـة قرينـة على كون المراد من قولـه: أعتق رقبـة، هو الرقبـة الكافرة، أو يقال بتعدّد المطلوب وكون المقيّد واجباً في واجب ؟ وجوه واحتمالات قد يقال كما في التقريرات بأنّ مجرّد تعلّق التكليف الإلزامي بصرف الوجود قرينـة على وحدة التكليف ; لأنّ قولـه: أعتق رقبـة مؤمنـة يقتضي إيجاد صرف وجود عتق الرقبـة المؤمنـة، ومقتضى كون الحكم إلزاميّاً هو أ نّـه لابدّ من إيجاد عتق الرقبـة المؤمنـة، وعدم الرضى بعتق الرقبـة الكافرة، والمفروض أنّ المطلوب في المطلق أيضاً صرف الوجود، ومقتضى كون المطلوب صرف وجود العتق وإيجاب عتق الرّقبـة المؤمنـة هو وحدة التكليف وكون المطلوب هو المقيّد ليس إلاّ(1).

أقول: تعلّق التكليف الإلزامي بصرف الوجود في ناحيـة المطلق والمقيّد معاً لايصير دليلاً على وحدة التكليف إلاّ إذا اُحرز ذلك، فإنّـه مع إمكان التعدّد ـ كما هو ظاهر الدليلين ـ لابأس بتعلّق التكليف الإلزامي في ناحيـة المطلق بصرف وجود وتعلّق تكليف إلزامي آخر بصرف وجود المقيّد، فإثبات اتّحاد التكليف بتعلّق الحكم الإلزامي بصرف الوجود دور صريح ; لما عرفت من أنّ مجرّد كون التكليف إلزاميّاً متعلّقاً بصرف الوجود لايثبت الاتّحاد إلاّ مع إحرازه، فلو توقّف ثبوتـه عليـه ـ كما هو المفروض ـ يلزم الدور، كما هو واضح.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 581 ـ 585.


363

والتحقيق أن يقال: إنّ الوجـه في إثبات الاتّحاد هو استحا لـة تعلّق تكليفين با لمطلق والمقيّد، سواء كان التكليفان مثلين أو غيرهما ; لأنّ المطلق لايغاير المقيّد أصلاً، بل المقيّد إنّما هو نفس المطلق، ومن المعلوم استحا لـة تعلّق إرادتين بشيء واحد، كما يستحيل أن يكون الأمر الواحد متعلّقاً لحُبّين أو بغضين، ومن هنا اخترنا خروج المطلق والمقيّد عن النزاع في مسأ لـة الاجتماع، وبذلك يبطل احتمال التعدّد والاختلاف بالإطلاق والتقييد أو احتمال كون المقيّد واجباً في واجب.

وأمّا حمل الأمر في المقيّد على الاستحباب والإرشاد إلى أفضليّـة بعض الأفراد فهو وإن كان من وجوه الجمع ويرتفع بـه التنافي، إلاّ أ نّـه خلاف الجمع المرتكز في أذهان العرف، فإنّهم بمجرّد ورود المطلق والمقيّد كذلك يحملون الأوّل على الثاني من دون توجّـه إلى إمكان الجمع بنحو آخر.

ومن هنا يظهر أنّ جعل المقيّد قرينـة على كون المراد من المطلق هو ما عدا المقيّد خلاف الجمع العرفي وإن كان حمل الأمر على التأسيس أولى من حملـه على التأكيد، إلاّ أنّ ذلك فيما لم يكن بناء العرف على خلافـه.

هذا إذا كان المتوافقان مثبتين.

الصورة الثالثـة: إذا كانا منفيّين، كقولـه: لا تعتق رقبـة ولا تعتق رقبـة كافرة، فلا وجـه لحمل المطلق على المقيّد ; لعدم التنافي، لا نقول بتعدّد التكليف ; فإنّ استحا لـة تعلّقـه با لمطلق والمقيّد لا فرق فيها بين أن يكون التكليفان مثبتين أو منفيّين، كما هو واضح، بل المقصود أ نّـه لا وجـه لحمل الأوّل على الثاني، وجعل متعلّق النهي هو خصوص المقيّد، بل المحرّم أو المكروه هو نفس المطلق، فتدبّر.

هذا كلّـه فيما إذا لم يذكر السبب لا في المطلق ولا في المقيّد.


364

المقام الثاني: إذا ورد مطلق ومقيّد مع ذكر السبب

وأمّا مع ذكره فتارةً يذكر في كلٍّ منهما، واُخرى يكون مذكوراً في خصوص أحدهما، وعلى التقدير الأوّل فإمّا أن يتّحد السبب وأمّا أن يختلف فا لصور ثلاثـة:

الصورة الاُولى: ما إذا كان السبب مذكوراً في كليهما مع اتّحاده، كقولـه: إن ظاهرت فاعتق رقبـة، وإن ظاهرت فأعتق رقبـة مؤمنـة، ولا إشكال في حمل المطلق على المقيّد ; لوحدة التكليف، وعدم كون الجمع بحمل الأمر في المقيّد على الإرشاد إلى أفضليـة بعض الأفراد جمعاً مقبولاً عند العقلاء، كما عرفت.

الصورة الثانيـة: هذه الصورة مع اختلاف السبب، كقولـه: إن ظاهرت فأعتق رقبـة، وإن أفطرت فأعتق رقبـة مؤمنـة.

وقد يقال بأ نّـه لا إشكال في أ نّـه لايحمل المطلق على المقيّد ; لعدم التنافي بينهما.

ولكن لايخفى أ نّـه بعدما كان المطلق والمقيّد غير متغايرين ـ كما عرفت ـ فيستحيل تعلّق تكليفين بهما ولو كان سببهما متغايرين ; إذ قد يجتمعان، كما في المثال، فإنّ مع اجتماع الإفطار والظهار يجتمع الوجوبان على الأمر الواحد، وهو مستحيل كما عرفت في مسأ لـة تداخل الأسباب، إلاّ أنّ ذلك لايوجب حمل المطلق على المقيّد، بل يتحقّق التنافي بين المتعلّقين بتقييد كلٍّ منهما بقيد، وهذا التصرّف أولى عند العقلاء من الحمل والتقييد، كما لايخفى.

الصورة الثالثـة: ما إذا كان السبب مذكوراً في خصوص أحدهما، كما لو قال: أعتق رقبـة، بلا ذكر السبب، وقال: إن ظاهرت فأعتق رقبـة مؤمنـة، أو با لعكس بأن ذكر السّبب في المطلق دون المقيّد.

وقد يقال ـ كما في التقريرات ـ بأ نّـه يشكل حمل المطلق على المقيّد في


365

هذه الصورة ; للزوم الدور.

قال في بيانـه ما ملخّصـه: أنّ هنا إطلاقين ومقيّدين: أحدهما في ناحيـة الواجب، وهو عتق الرقبـة وعتق الرقبـة المؤمنـة، ثانيهما في ناحيـة الوجوب والتكليف، وهو وجوب العتق غير مقيّد بسبب، ووجوبـه مقيّداً بسبب، كا لظهار في المثال، وتقييد كلٍّ من الإطلاقين يتوقّف على تقييد الإطلاق الآخر، وذلك لأنّ حمل المطلق على المقيّد يتوقّف على وحدة التكليف، وفي المثال تقييد أحد الوجوبين بصورة تحقّق سبب الآخر يتوقّف على وحدة المتعلّق ; إذ مع اختلافـه لا موجب لحمل أحد التكليفين على الآخر، كما هو واضح، ووحدة المتعلّق في المقام يتوقّف على حمل أحد التكليفين على الآخر ; إذ لو لم يحمل أحدهما على الآخر ولم يقيّد وجوب العتق المطلق بخصوص صورة الظهار لم يتحقّق وحدة المتعلّق(1). انتهى.

أقول: توقّف تقييد أحد الوجوبين بصورة تحقّق سبب الآخر على وحدة متعلّق التكليفين ممّا لاريب فيه ; إذ مع اختلاف المتعلّقين لا ربط لإحدى القضيّتين بالاُخرى ; إذ لو قال: إن ظاهرت فأعتق رقبـة، ثمّ قال: أطعم ستّين مسكيناً، مثلاً، لايتوهّم أحد تقييد وجوب الإطعام بصورة تحقّق الظهار، كما هو واضح.

وأمّا توقّف وحدة المتعلّق على تقييد التكليف المطلق بصورة وجود القيد، فلانعرف لـه وجهاً أصلاً، فإنّ اتّحاد المتعلّقين وتغايرهما أمر وجدانيّ واقعي لايتوقّف على شيء أصلاً ; فإنّ تغاير الإطعام مع العتق واتّحاد عتق الرقبـة مع عتق الرقبـة المؤمنـة لايتوقّف إحرازه على إحراز وحدة التكليف أصلاً ; وحينئذ فمن وحدة المتعلّق المحرزة با لوجدان يستكشف وحدة الحكم، وهي توجب حمل

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 580 ـ 581.


366

أحد التكليفين على الآخر، كما هو واضح.

هذا، مضافاً إلى أنّ لزوم الدور ـ على تقدير تسليمـه ـ لايقدح با لجمع العرفي لو تحقّق هنا.

والتحقيق أن يقال: إنّ العرف والعقلاء لايرون التنافي بين المطلق والمقيّد في مثل المقام، ولايحملون الأوّل على الثاني أصلاً، بل يعملون بمقتضى ظاهر الدليلين من تعدّد التكليف، كما فيما إذا ذكر السبب في كلّ منهما مع اختلافـه.

تنبيـه: لا فرق بين الأحكام الوضعيّـة والتكليفيّـة في حمل المطلق

لايخفى أنّ جميع ما ذكرنا في المقام يجري فيما إذا كان الدليلان واردين لإفادة الحكم الوضعي من الجزئيـة والشرطيـة والمانعيّـة، فإنّ موارد حمل المطلق على المقيّد فيها هي بعينها موارد الحمل في الأحكام التكليفيـة، كما هو واضح، كما أنّ جميع ما ذكرنا في الأحكام التكليفيّـة الوجوبيـة يجري في التكا ليف المستحبّـة، ولكنّ بناءهم فيها على حمل الأمر با لمقيّد على تأكّد الاستحباب.

ولعلّ السرّ فيـه هو: كون الغا لب في هذا الباب هو تفاوت الأفراد بحسب المراتب، وأمّا احتمال كون ذلك بملاحظـة التسامح في أدلّـة السنن ـ كما في الكفايـة ـ فمدفوع: بأنّ التسامح فيها إنّما هو بعد فرض تماميّـة دلالـة دليلها، ولو قيل با لحمل على المقيّد لايبقى هنا دلالـة في الإطلاق أصلاً، كما لايخفى.

ولنختم بذلك الكلام في مباحث الألفاظ ومن اللّـه نستمدّ وبـه الاعتصام وكان ختامـه في اليوم الرابع عشر من شهر شعبان من شهور سنـة 1373


366

المقصد السادس

في أحكام القطع


368

369

بسم اللّـه الرحمن الرحيم، وبـه نستعين

الحمد للّـه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير

خلقـه محمّد أشرف النبيّين، وعلى آلـه الطيّبين،

ولعنـة اللّـه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

مقدّمـة

وبعد، فلايخفى أنّ مباحث القطع لايكون خارجاً عن مسائل علم الاُصول كما قيل(1) ; لعدم الفرق بينـه وبين الأمارات المعتبرة شرعاً، التي يكون البحث عنها داخلاً في علم الاُصول قطعاً.

وماذكره الشيخ(قدس سره) في «الرسالـة»: من أنّ إطلاق الحجّـة على القطع ليس كإطلاق الحجّـة على الأمارات المعتبرة شرعاً ; لأنّ الحجّـة عبارة عن الوسط الذي بـه يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر، ويصير واسطـة للقطع بثبوتـه لـه، كا لتغيّر لإثبات حدوث العا لم، وهذا المعنى متحقّق في الظنّ، فيقال: «هذا مظنون الخمريـة، وكلّ مظنون الخمريـة يجب الاجتناب عنـه»، بخلاف القطع ; لأنّا إذا قطعنا بخمريـة شيء يقال: «هذا خمر، وكلّ خمر حرام»، ولايقال: «هذا معلوم

1 ـ كفايـة الاُصول: 296.


370

ا لخمريـة، وكلّ معلوم الخمريـة يجب الاجتناب عنـه» ; لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر، لا لما علم أنّـه خمر(1).

فيرد عليـه: المنع في مورد الظنّ أيضاً، فإنّ وجوب الاجتناب مثلاً إنّما هو حكم لنفس الخمر، لا للخمر المظنون، كما هو واضح. فإن كان المراد با لحجّـة ما ذكره فإطلاقها على الأمارات أيضاً ممنوع، وإن كان المراد بها هي ما يحتجّ بـه المولى على العبد، ويصحّ لـه الاحتجاج بـه عليـه فهو متحقّق في كليهما، كما لايخفى. ومجرّد كون حجّيـة القطع غير مجعولـة ـ بخلاف الظنّ ـ لايوجب خروجها عن مسائل علم الاُصول.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه ذكر الشيخ(قدس سره) في «ا لرسا لـة»: أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي فيحصل لـه إمّا الشكّ فيـه أوا لقطع أوا لظنّ(2)، وظاهره ـ باعتبار أخذ الشكّ والظنّ في التقسيم ـ أنّ المراد با لحكم الشرعي هو الحكم الشرعي الواقعي.

ولذا عدل عن هذا التقسيم في «ا لكفايـة» ; نظراً إلى عدم اختصاص أحكام القطع بما إذا كان متعلّقاً بالأحكام الواقعيـة، وعمّم متعلّق القطع(3).

ولكنّـه يرد عليـه: أنّ جعل حكم العقل باتباع الظنّ ـ لو حصل، وقد تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومـة ـ في مقابل القطع ممّا لا وجـه لـه ; لأنّ المراد با لقطع الحاصل إن كان هو القطع التفصيلي فا للازم أن يكون البحث عن القطع الإجما لي في باب أحكام القطع استطرادياً، وإن كان المراد الأعمّ منـه ومن الإجما لي فلا وجـه لجعل الظنّ المذكور مقابلاً لـه ; لأنّ حكم العقل باتباع الظنّ

1 ـ فرائد الاُصول 1: 4.

2 ـ نفس المصدر 1: 2.

3 ـ كفايـة الاُصول: 296.


371

ليس لاعتباره بنفسـه، بل منشأه العلم الإجما لي بثبوت التكا ليف، فوجوب العمل على طبقـه إنّما هو لوجود الحجّـة القطعيـة الإجما ليـة، وعدم إمكان تحصيل الموافقـة القطعيـة، أو عدم وجوبـه، كما لايخفى.

نعم، يرد على ما ذكره الشيخ من التقسيم التثليثي إشكال التداخل، فإنّ الظنّ إن قام دليل على اعتباره فهو ملحق با لعلم، وإلاّ فملحق با لشكّ.

ولكنّـه اعتذر عنـه بعض المحقّقين ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ بأنّ عقد البحث في الظنّ إنّما هو لأجل تميّز الظنّ المعتبر الملحق با لعلم عن الظنّ الغير المعتبر الملحق با لشكّ، فلابدّ أوّلاً من تثليث الأقسام، ثمّ البحث عن حكم الظنّ ; من حيث الاعتبار وعدمـه(1).

ولكنّـه لايخفى أنّ تثليث الأقسام لو كان توطئـة لما كان وجـه لتقييد مجرى الاستصحاب بكون الحا لـة السابقـة ملحوظـة، فإنّ الظاهر أنّ هذا التقييد إنّما هو لأجل بيان المختار في مجرى الاستصحاب، وسوق العبارة تقتضي كون التثليث أيضاً وقع من باب بيان الحقّ، لا مجرّد التوطئـة، فتدبّر.

نعم، يمكن التثليث بوجـه آخر: وهو أنّ المكلّف إذا التفت إلى الحكم الشرعي الواقعي فإمّا أن يحصل لـه القطع بـه أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يكون لـه طريق شرعي أو لا، وعلى الثاني يرجع إلى الاُصول العمليـة. وحينئذ فا لظنّ الانسدادي ـ بناءً على الحكومـة ـ من مسائل القطع ; لأنّـه أعمّ من القطع الإجما لي، كما أنّ بعض مباحث الاشتغال إنّما يدخل فيـه أيضاً، كما لايخفى.

ثمّ إنّ المراد با لمكلّف الذي يحصل لـه أحد الأقسام هو خصوص المجتهد ; إذ المراد من الالتفات هو الالتفات التفصيلي الحاصل للمجتهد، ولا اعتبار بظنّ

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 4.


372

ا لمقلّد وشكّـه، فلايشملـه الخطابات الواردة في أدلّـة اعتبار الطرق والأمارات، مثل قولـه(عليه السلام) «لا تنقض اليقين بالشكّ»(1) ; ضرورة أنّـه لايكاد يحصل للمقلّد ا لشكّ واليقين في الشبهات الحكميـة، وعلى فرض الحصول فلا عبرة بهما ما لم يكن مجتهداً في مسألـة حجّيـة الاستصحاب.

وكيف كان فقد ذكروا في مقام بيان أحكام القطع وأقسامـه اُموراً:

1 ـ تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعـة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.


373

الأمر الأوّل

وجوب متابعـة القطع وحجّيتـه

لاشبهـة في وجوب العمل على وفق القطع، ولزوم الحركـة على طبقـه عقلاً. ولايخفى أنّ المراد با لقطع الذي يجب العمل على وفقـه إن كان هو نفس صفـة القطع التي هي من صفات النفس فلا معنى للعمل على طبقـه ; لأنّـه لا عمل لـه، كما هو واضح، وإن كان المراد بـه هو الشيء المقطوع بـه فوجوب العمل على وفقـه عقلاً وإن كان ممّا لاريب فيـه إلاّ أنّ هذا الحكم ليس من أحكام القطع، مثلاً لو قطع بوجوب صلاة الجمعـة فا لعقل وإن كان يحكم بلزوم الإتيان بها ; نظراً إلى لزوم إطاعـة المولى إلاّ أنّ لزوم الإتيان بها ليس من أحكام القطع.

وإن شئت قلت: إنّـه ليس في البين إلاّ حكم العقل بوجوب إطاعـة المولى، وهو من المسائل الكلاميـة الغير المرتبطـة با لمقام.

نعم، ما يصحّ أن يعدّ من أحكام القطع هو كونـه منجّزاً للواقع على تقدير الإصابـة ; بحيث لايبقى للمكلّف القاطع عذر أصلاً، كما هو واضح.

وأمّا ثبوت العذر على تقدير عدم الإصابـة فلايكون أيضاً من أحكام القطع ; لأنّ المعذوريـة إنّما هو بسبب الجهل با لواقع، وعدم الطريق إليـه،


374

لابسبب القطع با لخلاف.

ثمّ إنّهم ذكروا: أنّ الحجّيـة والكاشفيـة من لوازم القطع، ولايحتاج إلى جعل جاعل ; لعدم جعل تأليفي حقيقـة بين الشيء ولوازمـه، وظاهرهم: أنّ ذلك من لوازم ماهيـة القطع، كما يظهر من تنظير بعضهم ذلك با لزوجيـة با لنسبـة إلى الأربعـة(1).

ولايخفى ما فيـه: أمّا صفـة الكاشفيـة والطريقيـة فلو كانت من لوازم القطع التي لاتنفكّ عنـه، كما هو الشأن في لوازم الماهيـة فا للازم أن لايتحقّق القطع على خلاف الواقع أصلاً، مع أنّا نرى با لوجدان تحقّقـه على كثرة، فكيف يمكن أن تعدّ هذه الصفـة من الأوصاف التي تلازم طبيعـة القطع ؟ !

نعم، الكاشفيـة بحسب نظر القاطع ثابتـة في جميع الموارد، ولكن هذا التقييد يخرجها عن كونها ذاتيـة للقطع ; لأنّ الذاتيات لا فرق فيها ; من حيث الأنظار أصلاً، كما لايخفى.

وإن شئت قلت: إنّ الكاشفيـة بحسب نظر القاطع من لوازم وجود القطع، لاماهيتـه، ولوازم الوجود كلّها مجعولـة. نعم، لا معنى لتعلّق الجعل التشريعي بـه، مع كونـه من لوازم الوجود ; للزوم اللغويـة.

وأمّا الحجّيـة فهي حكم عقلي مترتّب على القطع، بمعنى أنّ العقل والعقلاء لايرون القاطع معذوراً في المخا لفـة أصلاً، ويصحّ عندهم أن يحتجّ بـه المولى على العبد، ويعاقب العبد بسبب مخا لفـة القطع.

ومن هنا لايصحّ للشارع جعل الحجّيـة لـه ; لكونـه لغواً، لا لكونـه من لوازم الماهيـة، فتدبّر.

1 ـ كفايـة الاُصول: 297، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 6.


375

ولايصحّ لـه نفي الحجّيـة عنـه، لا لما ذكره في «ا لكفايـة» من لزوم اجتماع الضدّين، اعتقاداً مطلقاً وحقيقـة في صورة الإصابـة(1) ; لما عرفت في مبحث اجتماع الأمر والنهي من عدم التضادّ بين الأحكام ونظائره من الاُمور الاعتباريـة ـ كيف، ولو كانت الأحكام متضادّة لكان من المستحيل تعلّق أكثر من واحد بشيء واحد، ولو كان من شخصين، مع أنّا نرى با لوجدان كون شيء واحد مأموراً بـه لشخص، ومنهياً عنـه لشخص آخر ـ بل لاستحا لـة تعلّق البعث والزجر إلى شيء واحد من شخص واحد بنظر العقل إمّا لعدم قدرة العبد على الامتثال، أو لعدم إمكان ثبوت مبادئهما في نفس المولى، كما لايخفى.

1 ـ كفايـة الاُصول: 297.


376

الأمر الثاني

مبحث التجرّي

هل البحث عن التجرّي من المباحث الاُصوليّـة أم لا؟

إنّما الكلام يقع في استحقاق العقوبـة على التجرّي والمثوبـة على الانقياد وعدمـه، وهل البحث في المقام يكون بحثاً في المسألـة الاُصوليـة، أو أنّها من المسائل الفقهيـة أو الكلاميـة ؟

لا إشكال في أنّـه إذا قرّر محلّ النزاع ثبوت الحرمـة للتجرّي، فيقال التجرّي هل هو حرام أو لا ؟ تصير المسألـة فقهيـة محضـة، كما أنّـه إذا قرّر با لوجـه الذي ذكرنا، وهو استحقاق العقوبـة على التجرّي وعدمـه تصير مسألـة عقليـة كلاميـة ; لأنّ مرجعـه إلى حسن عقوبـة المولى للمتجرّي وقبحها، كما لايخفى.

وقد يقال: بإمكان إدراجها في المسائل الاُصوليـة التي يكون الضابط فيها هو وقوعها كبرى لقياس استنباط الأحكام الكلّيـة الفقهيـة، أو كونها حجّـة في الفقـه، وذكر لـه وجوه:

منها: ما تسا لموا عليـه من أنّ البحث إذا وقع في أنّ ارتكاب الشيء


377

ا لمقطوع حرمتـه هل هو قبيح أو لايندرج المسألـة في المسائل الاُصوليـة التي يستدلّ بها على الحكم الشرعي ; وذلك لأنّـه بعد ثبوت القبح يستكشف الحرمـة ; لقاعدة الملازمـة. ومرجع هذا الوجـه إلى أنّ النزاع إنّما هو في قبح التجرّي وعدمـه(1).

وفيـه ما لايخفى: ضرورة أنّ قاعدة الملازمـة ـ على تقدير تسليمها ـ إنّما هو في غير المقام ممّا لايكون حكم العقل معلولاً لحكم الشرع، نظير قبح الظلم، وأمّا في مثل المقام ممّا يكون حكم العقل واقعاً في سلسلـة المعلولات للأحكام الشرعيـة فلا تجري قاعدة الملازمـة أصلاً. ألا ترى أنّ العقل يحكم بقبح العصيان ولزوم الإطاعـة، مع أنّـه لو كانت المعصيـة منهياً عنها، والإطاعـة مأموراً بها من قبل الشارع يلزم النواهي والأوامر الغير المتناهيـة ; ضرورة أنّ لذلك النهي أيضاً عصياناً وإطاعـة، وللنهي الثا لث أيضاً كذلك، إلى أن يتسلسل. وقبح التجرّي أيضاً كقبح المعصيـة لايكون مورداً لقاعدة الملازمـة أصلاً.

سلّمنا ذلك، لكنّـه لايوجب صحّـة إدراج المقام في المسائل الاُصوليـة ; ضرورة أنّ البحث في ثبوت حكم العقل با لقبح إنّما هو بحث صغروي ; إذ بعد ثبوت القبح نحتاج أيضاً إلى ضمّ الكبرى ليستنتج الحكم الشرعي. ووقوع المسألـة في صغرى قياس الاستنباط يخرجها عن كونها مسألـة اُصوليـة، وإلاّ يلزم دخول كثير من المسائل الخارجـة عنها فيها، كا لبحث عن كون شيء مقدّمـة للواجب ونظائره، وهو ممّا لايلتزم بـه أحد، كما لايخفى.

منها: ما في تقريرات المحقّق النائيني(قدس سره) من أنّـه لو كان مستند القائل باستحقاق المتجرّي للعقاب هي دعوى أنّ الخطابات الشرعيـة تعمّ صورتي

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 36.


378

مصادفـة القطع للواقع ومخا لفتـه، ويندرج المتجرّي في عموم الخطابات الشرعيـة حقيقـة تصير المسألـة من المباحث الاُصوليـة(1).

وفيـه ما لايخفى ; فإنّ دعوى إطلاق الخطاب لايوجب اندراج المسألـة في المسائل الاُصوليـة، فإنّها بحث صغروي مندرج في الفقهيات ; لأنّك قد عرفت أنّ المسائل الاُصوليـة هي الكبريات الواقعـة في قياس استنباط الأحكام الفرعيـة، كا لبحث عن حجّيـة أصا لـة الإطلاق، لا البحث عن شمولـه لمورد، وإلاّ يلزم دخول جلّ المسائل الفقهيـة في الاُصول، ضرورة أنّـه قلّما يتّفق في مسألـة من المسائل الفقهيـة أن لايقع البحث عن شمول العموم أو الإطلاق با لنسبـة إلى بعض الموضوعات، كما لايخفى.

هل يمكن عدّ مسألـة التجرّي من المسائل الفقهيـة؟

ثمّ إنّـه قد استشكل في جعل النزاع في حرمـة التجرّي ; بحيث صار من المسائل الفقهيـة بوجهين:

أحدهما: ما ذكره في «ا لكفايـة» من أنّ الفعل المتجرّى بـه أو المنقاد بـه بما هو مقطوع الحرمـة أو الوجوب لايكون اختيارياً، فإنّ القاطع لايقصده إلاّ بما قطع أنّـه عليـه من عنوانـه الواقعي الاستقلالي، لابعنوانـه الطارئ الآلي، بل لايكون غا لباً بهذا العنوان ممّا يلتفت إليـه.

فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلاً، ومن مناطات الوجوب أو الحرمـة شرعاً، ولايكاد يكون صفـة موجبـة لذلك إلاّ إذا كانت اختياريـة. وزاد في ذيل كلامـه: أنّ المتجرّي قد لايصدر منـه فعل بالاختيار، كما في التجرّي

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 37.


379

بارتكاب ما قطع أنّـه من مصاديق الخمر(1).

ويرد عليـه: وضوح إمكان الالتفات إلى العلم ; لأنّـه ليس من العناوين التي لايمكن الالتفات إليها، كعنوان التجرّي مثلاً ; حيث إنّ التوجّـه والالتفات إليـه يخرج الملتفت عن كونـه متجرّياً، كما هو واضح. وأمّا العلم ونظائره من العناوين ـ كعنوان القصد ـ فيمكن الالتفات إليـه.

وحينئذ فلا إشكال في اختصاص الخطاب بـه، فإنّ العا لم با لخمر ـ بعدما التفت إلى أنّ معلومـه بما أنّـه معلوم يكون موضوعاً للحرمـة ـ يتوجّـه با لتوجّـه الثانوي إلى علمـه، توجّهاً استقلالياً. ويدلّ على ذلك وقوع العلم في الشريعـة متعلّقاً للأحكام كثيراً، كقولـه(عليه السلام): «كلّ شيء طاهر، حتّى تعلم أنّـه قذر»(2).

وأمّا ما أفاده في ذيل كلامـه ففساده أظهر من أن يخفى ; ضرورة أنّ شرب المايع في المثال كان اختيارياً لـه بلا إشكال ; ولذا يترتّب عليـه بطلان الصوم ونظائره، كما لايخفى.

ثانيهما: ما في تقريرات المحقّق المتقدّم من أنّ توجيـه الخطاب بمثل «لاتشرب معلوم الخمريـة» مستلزم لاجتماع المثلين في نظر العا لم دائماً، وإن لم يلزم ذلك واقعاً ; لأنّ النسبـة بين الخمر الواقعي والخمر المعلوم هي العموم من وجـه، وفي مادّة الاجتماع يتأكّد الحكمان، كما في مثل «أكرم العا لم، وأكرم الهاشمي» إلاّ أنّـه في نظر العا لم دائماً يلزم اجتماع المثلين ; لأنّ العا لم لايحتمل المخا لفـة، ودائماً يرى مصادفـة علمـه للواقع، فدائماً يجتمع في نظره حكمان.

ولايصلح كلّ من هذين الحكمين لأن يكون داعياً ومحرّكاً لإرادة العبد

1 ـ كفايـة الاُصول: 299 ـ 302.

2 ـ تهذيب الأحكام 1: 284 / 832، وسائل الشيعـة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4.


380

بحيال ذاتـه، فإنّـه لو فرض أنّ للخمر حكماً، ولمعلوم الخمريـة أيضاً حكماً فبمجرّد العلم بخمريـة شيء يعلم بوجوب الاجتناب عنـه، الذي فرض أنّـه رتّب على ذات الخمر، فيكون هو المحرّك والباعث للاجتناب، والحكم الآخر المترتّب على معلوم الخمريـة لايصلح لأن يكون باعثاً، ويلزم لغويتـه. وليس لـه مورد آخر يمكن استقلالـه في الباعثيـة، فإنّ العلم با لخمريـة دائماً ملازم للعلم بوجوب الاجتناب عنـه، المترتّب على الخمر الواقعي، وذلك واضح بعدما كان العا لم لايحتمل المخا لفـة. فتوجيـه خطاب آخر على معلوم الخمريـة لايصحّ(1). انتهى.

وفيـه ما لايخفى; لأنّ تعلّق الحكمين با لخمر الواقعي وبمعلوم الخمريـة لايكاد يكون مستلزماً لاجتماع المثلين، بعد وضوح كون النسبـة بين المتعلّقين هي العموم من وجـه. ومجرّد اجتماعهما في نظر القاطع لايوجب اجتماع المثلين عنده، بعد ثبوت الاختلاف بين المفهومين في نظر القاطع أيضاً ; لأنّـه لايرى إلاّ مصادفـة قطعـه للواقع، وهذا لايستلزم اتحاد المفهومين في عا لم المفهوميـة، الذي هو عا لم تعلّق الأحكام، كما حقّقناه في المباحث السابقـة بما لا مزيد عليـه.

مضافاً إلى أنّ الحكم لاينحصر بهذا القاطع ; ضرورة اشتراك الكلّ في الأحكام، فهذا القاطع ـ مع أنّـه يرى مصادفـة قطعـه للواقع، المستلزمـة لاجتماع المثلين عنده، بناءً على ما ذكره(قدس سره) ـ يحتمل الخطأ با لنسبـة إلى القاطع الآخر، فلم يجتمع الحكمان با لنسبـة إليـه في نظر هذا القاطع، كما هو واضح.

وأمّا ما ذكره من عدم صلاحيـة كلّ من الحكمين لأن يكون داعياً ومحرّكاً فيرد عليـه وضوح أنّ المكلّف قد لاينبعث بأمر واحد، وينبعث بأمرين أو أكثر.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 45 ـ 46.


381

ومجرّد تحقّق الإطاعـة بترك فعل واحد والعصيان بإتيانـه لايوجب اللغويـة بعد وجود مادّة الافتراق بينهما، كما لايخفى.

هذا، ولكن الظاهر عدم كون النزاع في حرمـة التجرّي ; لأنّ تعلّق الحرمـة بعنوانـه قد عرفت بطلانـه، وتعلّقـه بمعلوم الخمريـة مقيّداً بعدم مصادفـة العلم للواقع ـ مضافاً إلى استحا لتـه ـ ممنوع ; لعدم اختصاص ملاك التحريم بـه، فلابدّ من أن يكون متعلّقاً بمعلوم الخمريـة مطلقاً، ومن غير تقييد. وتعلّقـه بـه مستلزم للتسلسل ; لأنّ تعلّق الحرمـة بمعلوم الخمريـة معلوم أيضاً، فيتحقّق نهي آخر متعلّق بمعلوم الحرمـة، وتعلّق النهي الثاني بـه أيضاً معلوم، فيتحقّق نهي آخر، إلى ما لا نهايـة لـه، وهذا ممّا يقطع بخلافـه.

فانقدح: أنّ المسألـة عقليـة كلاميـة، يكون محلّ النزاع فيها هو حكم العقل باستحقاق المتجرّي للعقاب وعدمـه، فلا تغفل.

المناط في استحقاق العقوبـة

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المتجرّي والعاصي كليهما يشتركان في جميع المراحل، من تصوّر الحرام، والتصديق بفائدتـه، والعزم على ارتكابـه، والجرأة على المولى، وإنّما يفترقان في أمرين:

أحدهما: ارتكاب مبغوض المولى، والإتيان بما فيـه المفسدة.

ثانيهما: مخا لفـة المولى، وعدم إطاعـة تكليفـه عمداً.

فإنّ هذين الأمرين متحقّقان في العاصي دون المتجرّي، ولاشبهـة في أنّ استحقاق العقوبـة ليس لمجرّد ارتكاب المبغوض وما فيـه المفسدة، وإلاّ يلزم أن يكون الجاهل المرتكب للحرام مستحقّاً للعقوبـة، كما أنّـه لاشبهـة في أنّ مخا لفـة المولى عمداً قبيح عند العقل، ويستحقّ العبد بسببها العقوبـة، بمعنى أنّ


382

ا لعقل يحكم بحسن عقاب المولى للعبد الذي خا لف أحكامـه من أوامره ونواهيـه.

إنّما الإشكال في أنّ الجرأة على المولى وهتك حرمتـه ـ الذي يكون قبيحاً عقلاً بلاريب ـ هل يوجب استحقاق العقوبـة أم لا. ولايتوهّم الملازمـة بين القبح العقلي واستحقاق العقوبـة ; ضرورة أنّ أكثر ما يحكم العقل بقبحـه لايترتّب عليـه إلاّ مجرّد اللوم والذّم. ألا ترى أنّ ترجيح المرجوح على الراجح قبيح، مع أنّـه لايستحقّ المرجّح بسببـه العقوبـة أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

فمجرّد حكم العقل بقبح شيء لايوجب استحقاق الفاعل للعقوبـة، وحينئذ فإن قلنا بترتّب العقوبـة على مجرّد الجرأة على المولى فا للازم هو الالتزام بثبوت العقوبتين في صورة العصيان، ولا وجـه للتداخل، بعد كون كلّ من المخا لفـة العمديـة والجرأة على المولى سبباً مستقلاّ لثبوت العقاب، ولم نعثر على من يقول بذلك، فيستكشف منـه أنّ الجرأة على المولى التي يشترك فيها العاصي والمتجرّي لايوجب العقاب أصلاً. نعم، يختصّ العاصي با لمخا لفـة العمديـة التي هي السبب في الاستحقاق.

فانقدح من ذلك: أنّـه لايترتّب على مجرّد التجرّي استحقاق للعقوبـة أصلاً. نعم، لو قلنا بأنّ الجرأة على المولى لها صورة برزخيّـة، وأثر في النفس يظهر في عا لم الغيب، ويكون ملازماً للإنسان، كما أنّـه يتجسّم الأعمال الصا لحـة والقبيحـة بصورها الملكوتيـة، وترى كلّ نفس عين عملـه، كما قال اللّـه تعا لى:(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوء)(1)، وقال

1 ـ آل عمران (3): 30.


383

تعا لى:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ)(1)، فيشترك العاصي والمتجرّي في هذا المعنى، بلا تداخل في العاصي أصلاً، كما لايخفى.

ثمّ لايذهب عليك: أنّ الفعل المتجرّى بـه الذي يكون مصداقاً لبعض العناوين الغير المحرّمـة حقيقةً لايتصف با لقبح أصلاً ; لعدم كونـه مصداقاً للتجرّي على المولى ـ الذي قد عرفت أنّـه قبيح عند العقل ـ ضرورة أنّ الجرأة على المولى إنّما تكون من الصفات النفسانيـة والأحوال العارضـة للنفس، ولايكون لها مصداق في الخارج أصلاً، بل هو نظير العلم والإرادة وغيرهما من الصفات التي محلّها النفس. نعم، يكون الإتيان با لفعل المتجرّى بـه كاشفاً عن تحقّقـه فيها، ومظهراً لثبوتـه، ولايكون مصداقاً لـه، كما هو واضح. وحينئذ فلا وجـه لسرايـة القبح إليـه، بعد كونـه مصداقاً حقيقياً لبعض العناوين الغير المحرّمـة.

نقد كلام صاحب الكفايـة

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني(قدس سره) بعد أن اختار قبح التجرّي ; مستدلاّ بشهادة الوجدان، وذهب إلى أنّـه لايوجب تفاوتاً في الفعل المتجرّى بـه، بل هو باق على ما هو عليـه من الحسن والقبح والوجوب أو الحرمـة ـ لعدم كونـه بما هو مقطوع الحرمـة اختيارياً ـ أورد على نفسـه بقولـه: إن قلت: إذا لم يكن الفعل كذلك فلا وجـه لاستحقاق العقوبـة على مخا لفـة القطع، وهل كان العقاب عليها إلاّ عقاباً على ما ليس بالاختيار.

ثمّ أجاب بأنّ العقاب إنّما يكون على قصد العصيان والعزم على الطغيان، لا

1 ـ الزلزال (99): 7 ـ 8.


384

على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار.

وأورد على ذلك أيضاً بأنّ العزم والقصد إنّما يكون من مبادئ الاختيار، وهي ليست باختياريـة.

وأجاب بما حاصلـه: إنّـه ـ مضافاً إلى أنّ الاختيار وإن لم يكن بالاختيار إلاّ أنّ بعض مبادئـه غا لباً يكون وجوده بالاختيار ـ يمكن أن يقال: إنّ صحّـة المؤاخذة والعقوبـة إنّما هي من آثار بعده عن سيّده بتجرّيـه عليـه، فكما أنّ التجرّي يوجب البعد عنـه فكذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبـة، فإنّـه وإن لم يكن باختياره إلاّ أنّـه بسوء سريرتـه بحسب نقصانـه ذاتاً، ومع انتهاء الأمر إليـه يرتفع الإشكال، وينقطع السؤال بلِمَ، فإنّ الذاتيات ضروري الثبوت للذات.

ومن هنا أيضاً ينقطع السؤال عن أنّـه لِمَ اختار الكافر الكفر والعاصي العصيان والمؤمن الإيمان ؟ فإنّـه يساوق السؤال عن أنّ الحمار لِمَ يكون ناهقاً ؟ والإنسان لِمَ يكون ناطقاً ؟ وبا لجملـة فتفاوت أفراد الإنسان بالأخرة يكون ذاتياً، والذاتي لايعلّل.

ثمّ قال: إن قلت: على هذا فلا فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب والوعظ والإنذار.

وأجاب بما حاصلـه: أنّ ذلك لينتفع بـه من حسنت سريرتـه، ويكون حجّـة على من ساءت سريرتـه ; ليهلك من هلك عن بيّنـة، ويحيي من حيّ عن بيّنـة(1)، انتهى.

وفيـه وجوه من الخلل:

الأوّل: أنّـه من الواضح أنّ الجواب عن الإيراد الثاني بأنّ بعض مبادئ

1 ـ كفايـة الاُصول: 298 ـ 301.


385

ا لاختيار غا لباً يكون وجوده بالاختيار ممّا لايتمّ ; لأنّـه ينقل الكلام إلى المبادئ الاختياريـة، ويقال: إنّ اختياريتها هل هي بالاختيار، فيلزم التسلسل، وإلاّ فيعود المحذور.

وا لتحقيق في باب اختياريـة الإرادة أن يقال: إنّـه لا إشكال في أنّ الأفعال الصادرة من الواجب تعا لى إنّما تكون صادرة بالإرادة والاختيار، ولا معنى لاختياريتها إلاّ ذلك، لا كون إرادتها أيضاً بإرادة اُخرى، وإلاّ يلزم أن لاتكون إرادتـه تعا لى عين ذاتـه، وأن تكون إرادتـه حادثـة، مع أنّـه مستحيل بداهـة ; ضرورة أنّ الإرادة من الصفات الكما ليـة، والواجب مستجمع لجميعها، وإلاّ يلزم النقص فيـه.

مضافاً إلى أنّـه لو كانت الإرادة حادثـة فيـه تعا لى لكان حدوثها كاشفاً عن قابليتـه واستعداده لأن يحدث فيـه هذه الصفـة، وقد قرّر في محلّـه أنّ القابليـة والاستعداد إنّما يكون محلّها المادّة والهيولى(1) فيلزم أن يكون مركّباً من الجهـة ا لفعليـة والمادّة، والتركيب مساوق للاحتياج الذي هو عين ذات الممكن، فا لواجب تعا لى يكون مريداً للأفعال الصادرة منـه، قادراً عليها، بمعنى أنّـه يصدر منـه بالإرادة، لا أنّـه يصدر إرادتها أيضاً بالإرادة، وإلاّ يلزم ما ذكر.

ونظير ذلك يمكن أن يقال في الإنسان، بمعنى أنّ الأفعال الاختياريـة الصادرة منـه إنّما تصدر منـه مع سبق الإرادة، وهي قائمـة با لنفس، مخلوقـة لها، موجودة بإيجادها، فهي أمر اختياري صادرة عن إرادة واختيار، لابإرادة اُخرى.

مضافاً إلى أنّـه لايعتبر في صحّـة العقوبـة والمؤاخذة على الفعل أزيد من كون الفعل صادراً عن علم وإرادة، كما يظهر بملاحظـة سيرة العقلاء، فإنّهم

1 ـ الحكمـة المتعاليـة 3: 49 ـ 56، شرح المنظومـة، قسم الحكمـة: 77 ـ 79.


386

يحكمون باستحقاق عبيدهم للعقوبـة بمجرّد ما إذا صدر منـه فعل مخا لف للمولى اختياراً، ولايستندون في ذلك إلاّ إلى مجرّد صدوره منـه كذلك ـ أي عن علم وإرادة ـ ولايلتفتون إلى كون مبادئ الإرادة هل هي تكون اختياريـة أم لا ؟

كيف ولو كان الفعل الاختياري عبارة عمّا يكون مبادئـه اختياريـة فلا وجـه لاختصاص الاختياريـة بالإرادة، بل لابدّ من القول بلزوم أن يكون جميع ما لـه دخل في وجود الفعل اختيارياً ـ كوجود الفاعل وعلمـه وشوقـه ـ فيلزم أن لايتحقّق فعل اختياري، حتّى من الواجب تعا لى، وهو ضروري البطلان.

الثاني: أنّ القرب والبعد با لنسبـة إلى اللّـه تعا لى قد يكون المراد منـه هو كمال الوجود ونقصـه، بمعنى أنّ كلّ ما كان وجوده تامّاً كاملاً يكون قريباً من مبدء الكمال، كا لعقول المجرّدة، وكلّ ما كان ناقصاً يكون بعيداً عنـه، كا لموجودات المادّيـة ; حيث إنّ كما لها عين النقص وفعليتها عين القوّة، ومن الواضح أنّ القرب والبعد بهذا المعنى لايكونان مناط الثواب والعقاب.

وقد يكون المراد منهما هما الأمرين اللذين ينتزعان من استكمال العبد بسبب الطاعـة وفعل القربات، وانحطاطـه وبعده بسبب العصيان، فهما وإن كانا مناطين للثواب والعقاب ـ بمعنى أنّ فعل القربات يوجب استحقاق الجنان، وارتكاب المبعّدات يوجب استحقاق النيران ـ إلاّ أنّـه ليس استحقاق المثوبـة والعقوبـة من تبعات نفس القرب والبعد، بل هما ينتزعان من الطاعـة والمعصيـة، والعقل إنّما يحكم باستحقاق العاصي للعقاب والمطيع للثواب، من دون توجّـه إلى القرب والبعد.

وبا لجملـة: القرب والبعد، وكذا استحقاق المثوبـة والعقوبـة كلّها منتزعات من الطاعـة والمعصيـة في رتبـة واحدة، بلا تقدّم لأحدهما على الآخر، كما لايخفى.


387

الثالث: أنّ ما ذكره من انتهاء الأمر بالأخرة إلى الذاتي، وهو لايعلّل ممّا لايتمّ أصلاً، وذلك يتوقّف على بيان المراد من قولهم: «ا لذاتي لايعلّل» ليظهر الحال ويرتفع الإشكال.

فنقول: المراد با لذاتي المذكور في هذه الجملـة ـ قبالاً للعرضي ـ هو الذاتي المتداول في باب البرهان، وهو ما لايمكن انفكاكـه عن الذات، سواء كان من أجزاء الماهيـة أو خارجاً عنها ملازماً لها.

وا لوجـه في عدم كونها معلّلـة وكونها مستغنيـة عن العلّـة هو أنّ مناط الافتقار والاحتياج إليها هو الإمكان المساوق لتساوي الطرفين، من دون ترجيح لأحدهما على الآخر ; ضرورة أنّ الواجب والممتنع مستغنيان عن العلّـة ; لكون الوجود للأوّل والعدم للثاني ضرورياً لايمكن الانفكاك عنهما.

وبالجملـة: فا لمفهوم إذا قيس ولوحظ مع شيء آخر فإمّا أن يكون ذلك الشيء ضروري الثبوت لـه، أو ضروري العدم لـه، أو لا ضروري الثبوت ولا ضروري اللاثبوت لـه، فإذا فرض كونـه ضروري الثبوت لـه ـ كا لوجود با لنسبـة إلى الواجب تعا لى، وكأجزاء الماهيـة ولوازمها با لنسبـة إليها ـ فلايعقل أن يكون في اتصافـه بذلك الشيء مفتقراً إلى العلّـة، وكذلك لو فرض كونـه ضروري اللاثبوت لـه ـ كا لوجود با لنسبـة إلى شريك الباري ـ وأمّا لو فرض كون ثبوتـه لـه وعدمـه متساويـين بلاترجيح لأحدهما على الآخر فهو الذي يحتاج إلى علّـة مرجّحـة ; لأنّ ترجّح أحد الطرفين على الآخر بذاتـه مستحيل بداهـة، ولايقول بـه أحد، حتّى القائلين بجواز الترجيح من دون مرجّح.

فانقدح: أنّ مناط الافتقار هو الإمكان، ومن الواضح أنّ جميع الموجودات عدا واجب الوجود ـ عزّ شأنـه ـ لا مناص لهم من الاتصاف بالإمكان، فا لوجود فيهم وجود إمكاني معلول، فلايكون ذاتياً لهم ; للاحتياج إلى العلّـة.


388

نعم، قد عرفت: أنّ ثبوت أجزاء الماهيـة ولوازمها لذاتها ممّا لايحتاج إلى الجعل والعلّـة، إلاّ أنّـه قد قرّر في محلّـه(1) أنّ الماهيات اُمور اعتباريـة ينتزعها ا لعقل بعد ملاحظـة الوجودات، وهي محرومـة عن الجعل ممنوعـة عنـه، ولا تكون منشأ للآثار، ولا علّيـة ولا معلوليـة بينها أصلاً.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ السعادة والشقاوة هل هما من سنخ الوجودات أو من قبيل لوازم الماهيات، فعلى الأوّل لايعقل كونهما من الذاتيات ; لما عرفت من أنّ الوجود في غير الواجب تعا لى وجود إمكاني محتاج إلى الجعل. ودعوى كونهما ذاتيين تنافي ما قامت عليـه البراهين القاطعـة والأدلّـة الساطعـة من وحدة الواجب تعا لى. وعلى الثاني لايكونان منشأ للآثار. فاختيار الكفر والعصيان، وكذا الإرادة التي هي أمر وجودي لايعقل أن يكون مستنداً إلى الذات والذاتيات التي هي اُمور اعتباري ومخترعات عقلي.

فا لحقّ أنّهما من الاُمور الاعتباريـة المنتزعـة عن فعل القربات، وارتكاب المبعّدات، ولايكونان من الذاتيات أصلاً، كما هو واضح لايخفى.

1 ـ الحكمـة المتعاليـة 1: 38 ـ 75 و396 ـ 423، شرح المنظومـة، قسم الحكمـة: 10 ـ 15.


389

الأمر الثالث

أقسام القطع وأحكامـه

ا لقطع قد يكون طريقاً محضاً، بأن لايكون مأخوذاً في موضوع حكم أصلاً، سواء تعلّق بموضوع خارجي أو موضوع ذي حكم، أو حكم شرعي متعلّق بما لايكون القطع مأخوذاً فيـه. وقد يكون مأخوذاً في الموضوع تارة بنحو يكون تمام الموضوع، واُخرى بنحو يكون جزئـه، فهاهنا أقسام:

فإنّ القطع لمّا كان من الصفات الحقيقيّـة القائمـة با لنفس ـ قياماً صدورياً أو حلولياً على القولين ـ فيمكن أن يؤخذ في موضوع الحكم من هذه الحيثيـة، مع قطع النظر عن كونـه كاشفاً عن الواقع، كما أنّـه يمكن أن يؤخذ فيـه مع ملاحظـة جهـة كشفـه، لكن لمّا كان الكشف فيـه تامّاً ـ بخلاف الكشف في سائر الأمارات ـ فيمكن أن يؤخذ تارة بما أنّـه كاشف تامّ ممتاز عن سائر الأمارات، واُخرى بما أنّـه كاشف، مع قطع النظر عن الاتصاف با لتماميـة.

وليعلم: أنّـه لاينافي كون العلم بسيطاً غير مركّب ; ضرورة أنّ تغاير الجهتين إنّما يتحقّق بتحليل عقلي، وإلاّ فمن الواضح أنّ العلم لايكون مركّباً من الكشف والتماميـة، وكذلك الظنّ، فإنّـه لايكون مركّباً منـه ومن النقصان. فا لنسبـة بينهما


390

هي النسبـة بين الوجود القوي والوجود الضعيف، فإنّ العقل وإن كان يعتبر أنّ امتياز الأوّل عن الثاني إنّما هو لجهـة التماميـة والكمال والشدّة، إلاّ أنّـه لايوجب كونـه مركّباً ; ضرورة أنّ الوجود بسيط، كما قد قرّر في محلّـه(1).

فالأقسام الحاصلـة للقطع الموضوعي ستّـة ; لأنّـه إمّا أن يعتبر بنحو الصفتيـة مع قطع النظر عن الكاشفيـة، وإمّا أن يعتبر بنحو الكاشفيـة التامّـة، وإمّا أن يؤخذ بنحو أصل الكشف المشترك بينـه وبين سائر الأمارات.

وعلى التقديرات الثلاثـة: فتارة يكون تمام الموضوع، واُخرى يكون بعض الموضوع.

تقرير إشكال أخذ القطع تمام الموضوع على وجـه الطريقيـة

ثمّ إنّـه استشكل بعض المحقّقين من المعاصرين ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ في إمكان أخذ القطع تمام الموضوع على وجـه الطريقيـة، فقال في إمكان أخذه تمام الموضوع على وجـه الطريقيـة إشكال، بل الظاهر أنّـه لايمكن من جهـة أنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع وذي الصورة بوجـه من الوجوه، وأخذه على وجـه الطريقيـة يستدعي لحاظ ذي الطريق وذي الصورة، ويكون النظر في الحقيقـة إلى الواقع المنكشف با لعلم، كما هو الشأن في كلّ طريق ; حيث إنّ لحاظـه طريقاً يكون في الحقيقـة لحاظاً لذي الطريق، ولحاظ العلم كذلك ينافي أخذه تمام الموضوع(2)، انتهى.

ولايخفى: أنّ عدم إمكان الجمع بين الطريقيـة والموضوعيـة إنّما هو فيما

1 ـ الحكمـة المتعاليـة 1: 50، شرح المنظومـة، قسم الحكمـة: 22.

2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 11.


391

إذا أراد القاطع الجمع بينهما ; لأنّ نظره الاستقلالي إلى الواقع المقطوع بـه، ونظره إلى نفس القطع آليّ، ولايمكن لـه أن ينظر إليـه في هذا اللحاظ با للحاظ الاستقلالي، بل يحتاج إلى لحاظ آخر.

وأمّا غير القاطع فيمكنـه أن يلاحظ استقلالاً القطع الذي يكون نظر القاطع إليـه آلياً محضاً، فهو ينظر استقلالاً إلى القطع الذي يكون طريقاً لقاطعـه، ولايلزم محال أصلاً. وعلى تقدير لزومـه فلا اختصاص لـه بما إذا اُخذ بنحو تمام الموضوع ; لعدم الفرق بينـه وبين ما إذا اُخذ جزءً لـه.

أخذ القطع بحكم موضوعاً لمثل ذلك الحكم

ثمّ إنّـه لابأس في أن يؤخذ القطع بحكم موضوعاً تامّاً لمثل ذلك الحكم، كما إذا قيل: «إذا قطعت بحرمـة شيء فهو ـ أي مقطوع الحرمـة ـ يكون لك حراماً»، وكذا في أن يؤخذ القطع بموضوع ذي حكم موضوعاً تامّاً لمثل ذلك الحكم، كما إذا قيل: «مقطوع الخمريـة حرام»، مع كون الخمر أيضاً بنفسـه حراماً.

وذلك لثبوت التغاير بين متعلّقي الحكمين بنحو العموم من وجـه ; ضرورة أنّ مقطوع الخمريـة قد لايكون خمراً بحسب الواقع، وكذلك الخمر قد لايتعلّق بـه القطع، حتّى يصير مقطوعاً. وقد عرفت في مبحث اجتماع الأمر والنهي أنّ الجواز هو مقتضى التحقيق، ومجرّد الاجتماع في الخارج دائماً بنظر القاطع لايوجب اتحاد المفهومين اللذين هما متعلّقا الأحكام، لا مصاديقهما ; لأنّ الخارج ظرف سقوط التكليف لا ثبوتـه. ومن هنا يظهر جواز أخذه موضوعاً لنقيض الحكم المقطوع أو حكم المقطوع بـه.

نعم، لايجوز ذلك إذا اُخذ القطع بنحو الجزئيـة للموضوع، كما إذا قيل مثلاً:


392

«ا لخمر المقطوع حرام» فإنّـه لايجتمع مع ثبوت الحرمـة لنفس الخمر ; لكون التغاير بين المتعلّقين بنحو العموم والخصوص مطلقاً. وقد حقّقنا سابقاً أنّـه لايجوز تعلّق حكمين: أحدهما با لمطلق، والآخر با لمقيّد، فراجع.

أخذ القطع بحكم موضوعاً لنفس ذلك الحكم

ثمّ إنّـه لايمكن أن يؤخذ القطع با لحكم موضوعاً با لنسبـة إلى نفس الحكم الذي تعلّق العلم بـه ; للزوم الدور، كما هو واضح.

وفي تقريرات بحث بعض محقّقي العصر إمكانـه بنحو نتيجـة التقييد، قال في توضيحـه ما ملخّصـه: إنّ العلم با لحكم لمّا كان من الانقسامات اللاحقـة للحكم فلايمكن فيـه الإطلاق والتقييد اللحاظي ; لاستلزامـه الدور، كما هو الشأن في الانقسامات اللاحقـة للمتعلّق باعتبار تعلّق الحكم بـه، كقصد التعبّد، أمّا استحا لـة تقييد اللحاظي فواضح، وأمّا استحا لـة الإطلاق فلأنّـه إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً ; لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكـة.

ولكن الإهمال الثبوتي أيضاً لايعقل، بل لابدّ إمّا من نتيجـة الإطلاق أو نتيجـة التقييد، فإنّ الملاك الذي اقتضى تشريع الحكم إمّا أن يكون محفوظاً في كلتي حا لتي الوجود والعدم فلابدّ من نتيجـة الإطلاق، وإمّا أن يكون محفوظاً في حا لـة العلم فقط فلابدّ من نتيجـة التقييد، وحيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفّلاً لبيان ذلك فلابدّ من جعل آخر يستفاد منـه أحدهما، وهو المصطلح عليـه بمتمّم الجعل. فاستكشاف كلّ منهما يكون من دليل آخر.


393

وقد ادّعى تواتر الأدلّـة على اشتراك الأحكام في حقّ الجاهل والعا لم(1)، ونحن وإن لم نعثر على تلك الأدلّـة، سوى بعض أخبار الآحاد التي ذكرها صاحب «ا لحدائق» في مقدّمات كتابــه(2)، إلاّ أنّ الظاهر قيام الإجماع، بل الضرورة على ذلك، ومن هنا كان الجاهل المقصّر معاقباً إجماعاً.

ولكن تلك الأدلّـة قابلـة للتخصيص، كما قد خصّصت في غير مورد، كما في مورد الجهر والإخفات والقصر والإتمام ; حيث قام الدليل على اختصاص الحكم با لعا لم. وكما يصحّ أخذ العلم با لحكم شرطاً في ثبوتـه كذلك يصحّ أخذ العلم با لحكم من وجـه خاصّ وسبب خاصّ، مانعاً عن ثبوت الحكم، كما في باب القياس ; حيث إنّـه قام الدليل على أنّـه لا عبرة با لعلم با لحكم الحاصل من طريق القياس، كما في روايـة أبان في مسألـة ديـة أصابع المرأة(3)، وليس هذا نهي عن العمل با لعلم، حتّى يقال: إنّ ذلك لايعقل، بل مرجعـه إلى التصرّف في المعلوم والواقع الذي أمره بيد الشارع.

وبذلك يمكن أن توجّـه مقا لـة الأخباريـين من أنّـه لا عبرة با لعلم الحاصل من غير الكتاب والسنّـة(4)، بل شيخنا الاُستاذ نفى البعد عن كون الأحكام مقيّدة بما إذا لم يكن المؤدّى إليها مثـل الجفـر والرمل والمنام وغير ذلك من الطرق الغير المتعارفـة(5)، انتهى.

1 ـ فرائد الاُصول 1: 44.

2 ـ الحدائق الناضرة 1: 77.

3 ـ الكافي 7: 299 / 6، وسائل الشيعـة 29: 352، كتاب الديات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 1.

4 ـ الفوائد المدنيّـة: 128.

5 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 11 ـ 14.

(الصفحة394)

وفيـه أوّلاً: أنّ بعض الانقسامات اللاحقـة ممّا لايمكن تقييد الأدلّـة بـه، ولايمكن فيـه نتيجـة التقييد مثل المقام، فإنّ أخذ القطع موضوعاً با لنسبـة إلى نفس الحكم الذي تعلّق بـه مستحيل بأيّ وجـه كان.

وكيف يمكن أن يكون الحكم مختصّاً با لعا لم بـه، مع كونـه من الدور الواضح ؟ فإنّ العلم با لحكم يتوقّف على ثبوتـه با لضرورة، فلو فرض اختصاصـه با لعا لم ـ ولو بنتيجـة التقييد ـ يصير الحكم متوقّفاً على العلم بـه. وبا لجملـة فلايرتفع إشكال الدور بذلك.

نعم، يمكن تقييد الأدلّـة ببعض الانقسامات اللاحقـة بدليل آخر، كقصد التقرّب في العبادات، بناءً على عدم إمكان التقييد اللحاظي، ولكنّك عرفت في مبحث التعبّدي والتوصّلي إمكانـه، فضلاً عن التقييد بدليل آخر.

وأمّا باب الجهر والإخفات، والقصر والإتمام فلايكون من باب الاختصاص، فإنّـه يمكن أن يكون عدم وجوب القضاء والإعادة من باب التخفيف والتقبّل، لا من باب صحّـة العمل ومطابقـة المأتيّ بـه مع المأمور بـه، كما نفينا البعد عنـه في مثل حديث لا تعاد، بناءً على عدم اختصاصـه با لسهو(1).

وثانياً: أنّ التقييد اللحاظي ـ الذي حكم بأنّـه إذا امتنع امتنع الإطلاق ; لأنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكـة ـ هل هو مقابل للإطلاق اللحاظي، أو أنّـه يقابل نفس الإطلاق، من دون اتصافـه بذلك.

فعلى الأوّل يرد عليـه ـ مضافاً إلى أنّ معنى الإطلاق، كما حقّقناه في موضعـه هو عبارة عن مجرّد عدم لحاظ التقييد، ولايحتاج إلى اللحاظ أصلاً(2)ـ

1 ـ الفقيـه 1: 225 / 991، وسائل الشيعـة 6: 91، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، الباب29، الحديث 5.

2 ـ مناهج الوصول 2: 315.


395

أنّ اللحاظين أمران وجوديان، والتقابل بينهما حينئذ يكون من قبيل تقابل الضدّين، لا العدم والملكـة.

وعلى الثاني يرد عليـه منع الملازمـة بين امتناع التقييد وامتناع الإطلاق ; لأنّ التقابل بينهما حينئذ وإن كان من قبيل تقابل العدم والملكـة إلاّ أنّ ذلك لايقتضي ثبوت الملازمـة.

وتوضيحـه: أنّ المتعلّق قد لايمكن تقييده ; لقصور فيـه ; بحيث لايكون لـه شأنيـة التقييد أصلاً، وقد لايمكن ذلك، لا لقصوره وعدم الشأنيـة، بل لمنع خارجي، كلزوم الدور ونحوه. ففي الأوّل لايمكن الإطلاق ; لأنّ ذلك مقتضى تقابل العدم والملكـة في جميع الموارد، فإنّـه لايقال للجدار أعمى، ولايقال زيد مطلق بالإطلاق الأفرادي، وهذا بخلاف الثاني، كما في المقام، فإنّ امتناع التقييد ليس لعدم القابليـة لـه، بل لمنع خارجي ; وهو استلزامـه للدور، وفي مثلـه يمكن الإطلاق. وحينئذ فلابأس بأن يقال: إنّ دليل اشتراك الأحكام بين العا لم والجاهل هو إطلاقات الكتاب والسنّـة، ولا احتياج إلى التماس دليل آخر ; ولذا تراهم يتمسّكون بها في كثير من الموارد، كما لايخفى.

وثالثاً: أنّ ما ذكره في القياس ممّا لايتمّ، فإنّ من راجع الأدلّـة الناهيـة عن العمل با لقياس يعرف أنّ المنع عنـه إنّما هو لأجل قصور العقول البشريـة، وبعدها عن الوصول إلى أحكام اللّـه تعا لى من قبل نفسـه، وعدم حصول العلم منـه غا لباً، لا لأجل الفرق بين العلم الحاصل منـه والقطع الحاصل من غيره، فراجع الأخبار الواردة في هذا الباب، المذكورة في كتاب القضاء من «ا لوسائل»(1).

ثمّ إنّـه حكى عن صاحب «ا لمقالات» أنّـه ذهب إلى إمكان أخذ القطع

1 ـ وسائل الشيعـة 27: 35، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 6.


396

با لحكم في موضوع نفس ذلك الحكم بنحو نتيجـة التقييد بوجـه آخر(1)، غير ا لذي عرفت، فراجع كلامـه، وتأمّل في جوابـه.

والتحقيق في المقام أن يقال: إنّـه تارة يؤخذ القطع با لحكم تمام الموضوع لذلك الحكم، بمعنى أنّ الموضوع لـه إنّما هو القطع، سواء أخطأ أو أصاب، فلا مدخليـة لوجود الحكم واقعاً في تحقّق موضوعـه، واُخرى يؤخذ بعض الموضوع ; بحيث كان الموضوع هو القطع الذي أصاب.

وإن شئت قلت: إنّ الموضوع هو الواقع المقطوع بـه، ففي الأوّل يمكن ذلك بلا استلزام للدور أصلاً ; ضرورة أنّ الحكم، وإن كان يتوقّف حينئذ على موضوعـه الذي هو القطع با لحكم، إلاّ أنّ الموضوع لايتوقّف على ثبوتـه أصلاً ; ضرورة أنّ الموضوع إنّما هو نفس القطع، وهو قد يحصل مع عدم تحقّق المقطوع في الواقع ; إذ ليس كلّ قطع مصيباً، كما هو واضح.

وهذا بخلاف ما إذا اُخذ بعض الموضوع، فإنّ تحقّق القطع حينئذ وإن كان لايتوقّف على ثبوت الحكم في الواقع، إلاّ أنّ المفروض هو عدم كونـه تمام الموضوع، بل قيد الإصابـة معتبر فيـه، وهو لايتحقّق بدون ثبوت الحكم في الواقع، فصارتحقّق الموضوع متوقّفاً على ثبوت الحكم في ا لواقع، وهودور صريح.

حول قيام الأمارات والاُصول مقام القطع

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه يقع البحث في قيام الطرق والأمارات والاُصول بنفس أدلّتها مقام القطع بأقسامـه، وفيـه مقامان:

1 ـ نهايـة الأفكار 3: 15.


397

ا لأوّل: في إمكان قيامها مقامـه ثبوتاً.

ا لثاني: في وقوعـه إثباتاً.

قيام الأمارات والاُصول مقام القطع ثبوتاً

أمّا المقام الأوّل: فا لظاهر الإمكان وعدم لزوم محذور، عدا ما أفاده المحقّق الخراساني، وهو يرجع إلى إشكا لين:

أحدهما: أنّ الدليل الواحد لايكاد يكفي إلاّ بأحد التنزيلين ; حيث لابدّ في كلّ تنزيل من لحاظ المنزّل والمنزّل عليـه، ولحاظهما في أحدهما آليّ وفي الآخر استقلالي ; ضرورة أنّ النظر في حجّيتـه وتنزيلـه منزلـة القطع في الطريقيـة في الحقيقـة إلى الواقع ومؤدّى الطريق، وفي كونـه بمنزلتـه في دخلـه في الموضوع إلى أنفسهما، ولايكاد يمكن الجمع بينهما(1)، هذا.

وا لجواب عنـه هو ما ذكرناه جواباً عن الإشكال في إمكان أخذ القطع تمام الموضوع على وجـه الطريقيـة، كما عرفت سابقاً، فراجع(2).

ثانيهما: ما ذكره ; ردّاً على مقا لتـه في «ا لحاشيـة» ; حيث التزم فيها

1 ـ كفايـة الاُصول: 304.

2 ـ ويؤيّده، بل يدلّ عليـه حكم العقل بحجّيـة القطع الطريقي، فإنّ القطع المأخوذ موضوعاً للحكم بالحجّيـة وإن كان هو القطع الطريقي بنحو يكون تمام الموضوع لهذا الحكم; ضرورة أنّـه لا فرق في الحجّيـة بين ما إذا أصاب القطع أو أخطأ، إلاّ أنّـه لاينافي ذلك مع كون المراد هو القطع الطريقي الذي لايكون ملحوظاً عند القاطع إلاّ بنحو الآليـة. ففي هذا الحكم اجتمع بين كونـه تمام الموضوع، وكونـه هو القطع الطريقي، ومن المعلوم أنّـه لا فرق بين هذا الحكم الذي يكون الحاكم بـه العقل وبين سائر الأحكام التي يكون الحاكم بها الشرع من هذه الحيثيـة أصلاً، كما لايخفى. [المقرّر حفظـه اللّـه].


398

لتصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلـة الواقع والقطع بأنّ دليل الاعتبار إنّما يوجب تنزيل المؤدّى منزلـة الواقع، وإنّما كان تنزيل القطع فيما لـه دخل في الموضوع با لملازمـة بين تنزيلهما وتنزيل القطع با لواقع تعبّداً منزلـة القطع با لواقع حقيقةً(1).

وملخّص ما أفاده في وجـه الردّ: أنّـه لايكاد يصحّ تنزيل جزء من الموضوع أو قيده بلحاظ أثره إلاّ فيما كان جزؤه الآخر أو ذاتـه محرزاً با لوجدان، أو تنزيلـه في عرضـه. فلايكاد يكون دليل الأمارة دليلاً على تنزيل جزء الموضوع، ما لم يكن دليل على تنزيل جزئـه الآخر، ففي مثل المقام لايكون دليل الأمارة دليلاً عليـه ; للزوم الدور، فإنّ دلالتـه على تنزيل المؤدّى تتوقّف على دلالتـه على تنزيل القطع با لملازمـة، ولا دلالـة لـه كذلك إلاّ بعد دلالتـه على تنزيل المؤدّى، كما لايخفى(2).

وفيـه: أنّـه يكفي في صحّـة التنزيل الأثر التعليقي، وهو هنا متحقّق، فإنّ المؤدّى لو انضمّت إليـه جزؤه الآخر يكون ذا أثر فعلي. فانقدح: أنّ الإمكان وعدم لزوم أمر مستحيل من ذلك ممّا لا مجال للمناقشـة فيـه أصلاً.

قيام الأمارات والاُصول مقام القطع إثباتاً

ا لمقام الثاني: فيما يدلّ عليـه أدلّـة الأمارات والاُصول، فنقول:

أمّا الأمارات: فقد ذكر في التقريرات كلاماً طويلاً، واُسّس بنياناً رفيعاً

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 31.

2 ـ كفايـة الاُصول: 306 ـ 307.


399

لقيامها بأدلّـة اعتبارها مقام القطع(1)، ولكنّـه خال عن الدليل ; لعدم دلالـة أدلّـة حجّيـة الأمارات على ما ذكره أصلاً.

والتحقيق أن يقال: إنّ العمدة في أدلّـة حجّيـة الأمارات هي بناء العقلاء بما هم عقلاء على العمل على طبقها، وليس للشارع في اعتبارها تأسيس أصلاً، كما يظهر بمراجعـة الأخبار الواردة في حجّيـة خبر الواحد الذي هو من عمدة الأمارات، فإنّـه لايظهر من شيء منها ما يدلّ على حجّيـة خبر الواحد، أو وجوب تصديق العادل، أو نحوهما ممّا يشعر بكون الشارع جعل خبر الواحد طريقاً إلى الأحكام، بل التأمّل فيها يقضي بكون ذلك أمراً مسلّماً عند الناس ; بحيث لايحتاج إلى السؤال ; لأنّ بنائهم في الاُمور الدنيويـة كلّها أيضاً على العمل بذلك.

وبالجملـة: كون الدليل على ذلك هو مجرّد بناء العقلاء، وعمل الشارع بـه إنّما هو لكونـه منهم ممّا لا مجال للإشكال فيـه. وحينئذ فنقول: لا إشكال في أنّ الوجـه في ذلك ليس لكون الظنّ عندهم بمنزلـة القطع، ويقوم مقامـه، فإنّ لهم طرقاً معتبرة يعملون بها في اُمورهم، من غير تنزيل شيء منها مقام الآخر.

ومنـه يظهر: أنّ الأثر المترتّب على القطع الطريقي ـ وهو الحجّيـة والمنجّزيـة للواقع على تقدير الثبوت ـ يترتّب على تلك الطرق العقلائيـة، لكن لا من باب كونها قائمـة مقام القطع، ومنزّلـة بمنزلتـه. وتقدّم القطع على سائر الطرق العقلائيـة لايؤيّد دعوى التنزيل، فإنّ الوجـه فيـه إنّما هو أنّ العمل على طبقها إنّما هو مع فقد العلم، وذلك لايوجب انحصار الطريق في القطع ; بحيث تكون سائر الطرق قائمـة مقامـه، ويكون العمل بها بعنايـة التنزيل.

وأمّا القطع الموضوعي: فما كان منـه مأخوذاً في الموضوع على نعت

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 15.


400

ا لصفتيـة فلا إشكال في عدم قيام الظنّ مقامـه، ولا في عدم ترتّب آثاره عليـه، كما أنّـه لا إشكال في ذلك فيما لو كان القطع مأخوذاً على وجـه الطريقيـة التامّـة.

وأمّا لو كان مأخوذاً في الموضوع بما أنّـه أحد الكواشف فلاريب في ترتّب حكمـه على الظنّ أيضاً، لكن لا من باب كونـه قائماً مقامـه، بل من باب كونـه أيضاً مأخوذاً في الموضوع، فإنّ المفروض أنّ القطع قد اُخذ فيـه بما أنّـه من الكواشف، فمرجعـه إلى كون الدخيل في الموضوع هو الكاشف بما هو كاشف، والظنّ أيضاً كا لقطع يكون من مصاديقـه، كما هو واضح، هذا حال الأمارات.

وأمّا الاُصول، فمنها: الاستصحاب، ولايخفى أنّ مفاد الأخبار الواردة في بابـه ليس إلاّ مجرّد البناء العملي على بقاء المتيقّن سابقاً في زمان الشكّ، وترتيب آثار البقاء في حا لـه، فهو أصل تعبّدي مرجعـه إلى مجرّد بقاء المتيقّن تعبّداً، والحكم بثبوتـه شرعاً، وهذا المعنى لا ارتباط لـه بباب التنزيل وإقامتـه مقام القطع أصلاً، كما هو واضح.

نعم، لو كان مفاد أخبار الاستصحاب هي إطا لـة عمر اليقين ووجوب عدم نقضـه ; بحيث يكون مرجعها إلى كون الشاكّ فعلاً متيقّناً شرعاً وتعبّداً لكان الظاهر هو قيام الاستصحاب مقام القطع بجميع أقسامـه. لكن الأمر ليس كذلك، كما سنحقّقـه إن شاء اللّـه تعا لى في موضعـه(1).

1 ـ ومنها: أصالـة البراءة الشرعيـة التي هي مقتضى مثل حديث الرفع، ومن الواضح أنّ مفادها رفع التكليف من جهـة عدم تعلّق العلم بـه، وكونـه مجهولاً، ولا دلالـة لها على التنزيل منزلـة اليقين بوجـه.

ومنها: الاُصول العمليـة العقليـة، كأصالـة البراءة، وأصالـة التخيير، ومن المعلوم أنّ مقتضاها مجرّد الحكم بقبح العقاب مع فرض الجهل بالحكم، وعدم ثبوت البيان بالإضافـة إليـه، ولا معنى لاقتضائها التنزيل، كما إنّ مقتضى أصالـة التخيير ثبوتـه لأجل الجهل، وعدم ثبوت الترجيح بوجـه، وهو لايرتبط بالتنزيل أصلاً، كما لايخفى. [المقرّر حفظـه اللّـه].


401

ومنها: قاعدتا التجاوز والفراغ، ولايخفى أنّ التأمّل في الأخبار الواردة فيهما يعطي أنّ مفادها ليس إلاّ مجرّد البناء عملاً على تحقّق المشكوك، والحكم بثبوتـه في محلّـه.

فانظر إلى ما ورد في روايـة حمّاد، بعد سؤا لـه عنـه(عليه السلام) أشكّ، وأنا ساجد، فلا أدري ركعت أم لا من قولـه(عليه السلام): «قد ركعت»(1). فهذا المضمون ونظائره ظاهر في مجرّد فرض تحقّق الشيء المشكوك، والبناء عليـه عملاً، ولا نظر في أدلّتهما إلى جعل المكلّف مقام القاطع، والحكم بكونـه مثلـه ; بحيث لو ورد دليل كان القطع مأخوذاً في موضوعـه، كقولـه مثلاً: إذا قطعت با لركوع فعليك كذا وكذا يكون مفاده شاملاً للمكلّف الشاكّ في الركوع المتجاوز عن محلّـه، أو الفارغ عن العمل ; نظراً إلى تلك الأدلّـة.

وبالجملـة: فا لظاهر عدم الإشكال في أنّـه ليس شيء من أدلّـة الاُصول ناظراً إلى التنزيل، وبصدد جعل المكلّف قاطعاً تعبّداً. نعم، لو فرض كون مفادها ذلك فا لظاهر أنّـه لا فرق بين القطع الطريقي والموضوعي، ولا فرق في الثاني أيضاً بين ما كان مأخوذاً على وجـه الصفتيـة وما كان مأخوذاً على نعت الطريقيـة، كما هو واضح.

1 ـ تهذيب الأحكام 2: 151 / 594، وسائل الشيعـة 6: 317، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 13، الحديث 2.


402

الأمر الرابع

حكم الظنّ في المقام

قد عرفت حكم القطع المأخوذ في موضوع نفس الحكم المقطوع بـه أو مثلـه أو ضدّه، فاعلم: أنّ حكم الظنّ أيضاً مثلـه، فيجوز أن يكون مأخوذاً موضوعاً تامّاً لنفس الحكم المظنون أو لضدّه أو مثلـه ; لعدم لزوم الدور أصلاً، وعدم لزوم اجتماع المثلين أو الضدّين.

نعم، لو كان مأخوذاً في الموضوع ناقصاً ; بحيث كان الموضوع مركّباً منـه ومن ا لشيء المظنون. وبعبارة اُخرى: كان قيد الإصابـة معتبراً فيـه فلايجوز أصلاً ; للزوم الدور فيما إذا كان مأخوذاً في موضوع نفس ذلك الحكم المظنون، ولزوم اجتماع المثلين أوا لضدّين فيما إذا كان مأخوذاًفي موضوع مثل ذلك الحكم أو ضدّه.

ثمّ لايخفى أنّ التعبير بكلمـة التضادّ إنّما هو لأجل متابعتهم، وإلاّ فقد عرفت في بعض المباحث المتقدّمـة أنّ ما اشتهر بينهم من كون النسبـة بين الأحكام هي التضادّ ممّا لا وجـه لـه، ولعلّـه يجيء فيما بعد، ولكن ذلك لايضرّ بعدم الجواز في مورد اجتماع الحكمين ; لأنّ اجتماعهما مستحيل، ولو لم نقل بثبوت التضادّ، كما لايخفى.


403

الأمر الخامس

الموافقـة الالتزاميـة

هل القطع با لحكم يقتضي وجوب الموافقـة الالتزاميـة، كما يقتضي وجوب الموافقـة العمليـة أم لا ؟

والتحقيق أن يقال: إنّ الموافقـة الالتزاميـة الراجعـة إلى عقد القلب والالتزام بشيء، والانقياد والتسليم لـه إنّما هي من الأحوال القلبيـة والصفات النفسانيـة ـ كا لخضوع والخشوع والرجاء والخوف ونظائرها ـ وتحقّق تلك الأوصاف وتحصّلها في النفس إنّما يكون قهرياً ; تبعاً لتحقّق مبادئها، ويستحيل أن توجد بدون حصول المبادئ ; لأنّها ليست من الأفعال الاختياريـة الحاصلـة بالإرادة والاختيار ; لأنّها تابعـة لمبادئها، فإذا حصلت تتبعها تلك الحالات قهراً، وإذا لم يحصل لا تتحقّق أصلاً.

مثلاً العلم بوجود المبدء وعظمتـه وجلالتـه يوجب الخضوع والخشوع لـه تعا لى، ولايمكن أن يتخلّف عنـه، كما أنّ مع عدم تحقّقـه يمتنع أن يتحقّقا ; لوضوح استحا لـة عقد القلب على ضدّ أمر محسوس، كالالتزام القلبي بعدم كون النار حارّة، والشمس مشرقـة، وكما لايمكن ذلك لايمكن الالتزام بضدّ أمر


404

تشريعي.

وا لمراد من الكفر الجحودي في قولـه تعا لى: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُم)(1) ليس الالتزام على خلاف اليقين الحاصل للنفس، بل هو مجرّد ا لإنكار اللساني. ومن هنا يظهر أنّ ما اشتهر بينهم من حرمـة التشريع ممّا لا محصّل لـه إن كان المراد من التشريع هو البناء القلبي على كون حكم من الشرع مع العلم بأنّـه ليس منـه. وبا لجملـة: أنّ الموافقـة الالتزاميـة ليست من الاُمور الاختياريـة، حتّى يبحث في وجوبها وعدمـه.

وحكي عن بعض الأعاظم: أنّـه قال بثبوت التجزّم في القضايا الكاذبـة، وأنّـه هو المناط في صيرورة القضايا ممّا يصحّ السكوت عليها، وأنّ العقد القلبي على طبقها يكون اختيارياً(2).

ووجّهـه بعض المحقّقين من المعاصرين بأنّ مراده: أنّـه كما أنّ العلم قد يتحقّق في النفس بوجود أسبابـه، كذلك قد يخلق النفس حا لـة وصفـة على نحو العلم، حاكيـة عن الخارج، فإذا تحقّق هذا المعنى في الكلام يصير جملـة يصحّ السكوت عليها ; لأنّ تلك الصفـة الموجودة يحكي جزماً عن تحقّق النسبـة في الخارج(3).

ويرد عليـه: أنّ العلم والجزم ليسا من الاُمور الاختياريـة، فإنّهما من الاُمور التكوينيـة التي لا تتحصّل إلاّ بعد تحقّق أسبابها ; لوضوح استحا لـة الجزم مثلاً بأنّ الواحد ليس نصف الاثنين، كما لايخفى. وأمّا القضايا الكاذبـة فإنّما هي بصورة الجزم. والمناط في صحّـة السكوت هو الإخبار الجزمي، لا الجزم

1 ـ النمل (27): 14.

2 ـ اُنظر درر الفوائد، المحقّق الحائري: 70.

3 ـ نفس المصدر.


405

ا لقلبي ; ولذا لو أظهر المتكلّم ماهو المقطوع بـه بصورة الترديد لا تصير القضيّـة ممّا يصحّ السكوت عليها. وبا لجملـة: فلاريب في عدم كون الموافقـة الالتزاميـة ونظائرها من الاُمور القلبيـة تابعاً في تحقّقـه للإرادة والاختيار أصلاً.

ثمّ إنّـه بناءً على ما ذكرنا من كون الموافقـة الالتزاميـة ليست من الاُمور الاختياريـة، بل إنّما تتحقّق قهراً عند حصول مبادئها تكون الموافقـة الالتزاميـة على طبق العلم بالأحكام، فإن كان العلم متعلّقاً بحكم تفصيلاً يكون الالتزام بـه أيضاً كذلك، وإن كان العلم إجما لياً يكون الالتزام أيضاً كذلك، كما أنّ الالتزام قد يكون با لحكم الظاهري، إذا كان العلم أيضاً متعلّقاً بـه، وقد يكون با لحكم الواقعي، إذا كان متعلّقاً للعلم. وكما أنّ جعل الحكم الواقعي والظاهري في مورد واحد، وتعلّق العلم بهما ممّا لا مانع منـه، كذلك الالتزام بهما في ذلك المورد ممّا لا مانع منـه أصلاً.

ومن هنا يظهر: أنّـه لا مانع من قبل لزوم الالتزام في جريان الاُصول في أطراف العلم الإجما لي، كما أنّ جريانها لايدفع الالتزام با لحكم الواقعي ; لأنّـه تابع للعلم بـه، وجريانها لاينافيـه أصلاً. وبا لجملـة: فمسألـة جريان الاُصول في أطراف الشبهـة المحصورة لا ارتباط لها بمسألـة الموافقـة الالتزاميـة، كما لايخفى.


406

الأمر السادس

أحكام العلم الإجمالي

قد عرفت: أنّ العلم التفصيلي يكون علّـة تامّـة لتنجّز التكليف، فهل القطع الإجما لي أيضاً كذلك، أم لا ؟ ولايخفى أنّ الكلام فيما يتعلّق با لعلم الإجما لي يقع في مقامين: أحدهما فيما يرجع إلى ثبوت التكليف بـه، وثانيهما فيما يتعلّق بمرحلـة سقوط التكليف بـه.

المقام الأوّل: في تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي

فقد يقال بأنّ العلم الإجما لي لايؤثّر في تنجّز التكليف أصلاً، ويكون حا لـه حال الشبهـة البدويـة ; لأنّ موضوع حكم العقل في باب المعصيـة هو ما إذا علم المكلّف حين إتيانـه أنّـه معصيـة فارتكبـه، ومن المعلوم أنّ المرتكب لأطراف العلم الإجما لي لايكون كذلك ; لأنّـه لايعلم با لمعصيـة إلاّ بعد إتيان جميع الأطراف في الشبهـة المحصورة التحريميـة(1).

1 ـ اُنظر فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 75.


407

هذا، ولكن يردّ هذا الكلام العقل السليم، فإنّـه لا فرق في نظره بين قتل ابن المولى مثلاً مع كونـه معلوماً تفصيلاً، وبين قتلـه في ضمن عدّة في قبحـه عند العقل. وبا لجملـة: لا إشكال في حرمـة المخا لفـة القطعيـة وقبحها عند العقل مطلقاً، ومن المعلوم أنّ ارتكاب جميع الأطراف مخا لفـة قطعيـة لتكليف المولى.

هذا، وذكر في «الكفايـة» ما حاصلـه: أنّ التكليف ; حيث لم ينكشف بـه تمام الانكشاف، وكانت مرتبـة الحكم الظاهري محفوظـة معـه فجاز الإذن من الشارع بمخا لفتـه احتمالاً، بل قطعاً. ومحذور المناقضـة بينـه وبين المقطوع إجمالاً إنّما هو محذور مناقضـة الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي في الشبهـة الغير المحصورة، بل الشبهـة البدويـة ; ضرورة عدم تفاوت بينهما أصلاً. فما بـه التفصّي عن المحذور فيهما كان بـه التفصّي عنـه في المقام، نعم، العلم الإجما لي كا لتفصيلي في مجرّد الاقتضاء، لا في العلّيـة التامّـة، فيوجب تنجّز التكليف ما لم يمنع عنـه مانع عقلاً أو شرعاً(1)، انتهى ملخّصاً.

وأنت خبير بأنّ مورد البحث في المقام إنّما هو فيما إذا كان المعلوم الإجما لي تكليفاً فعلياً ; ضرورة أنّ التكليف الإنشائي لايصير متنجّزاً، ولو تعلّق بـه العلم التفصيلي، فضلاً عن العلم الإجما لي. فا لكلام إنّما هو في التكليف الذي لو كان متعلّقاً للعلم التفصيلي لما كان إشكال في تنجّزه، ووجوب موافقتـه، وحرمـة مخا لفتـه. غايـة الأمر: أنّـه صار معلوماً بالإجمال.

وحينئذ فمن الواضح: أنّـه لايعقل مع ثبوت التكليف الفعلي الإذن في ارتكاب بعض الأطراف، فضلاً عن جميعها، بل لايعقل ذلك مع احتما لـه ; لاستحا لـة اجتماع القطع بالإذن في الارتكاب، واحتمال التحريم الفعلي ; لأنّ

1 ـ كفايـة الاُصول: 313 ـ 314.


408

مرجعـه إلى إمكان احتمال الجمع بين المتناقضين.

وتوهّم: أنّـه لا مانع من اجتماع التكليف الفعلي مع الإذن في الارتكاب ـ بعد كون متعلّقهما مختلفين ـ لأنّ متعلّق التحريم الفعلي المعلوم إنّما هو الخمر الواقعي، ومتعلّق الإذن هو الخمر المشكوك ; أي مشكوك الخمريـة، ومن المعلوم أنّ بين العنوانين عموماً من وجـه. وقد حقّق في مبحث اجتماع الأمر والنهي القول با لجواز في تلك الصورة.

مدفوع: بأنّ محلّ النزاع في تلك المسألـة هو ما إذا كان تكليف متوجّهاً إلى طبيعـة، وتكليف آخر متوجّهاً إلى طبيعـة اُخرى بينهما إمكان التصادق في الخارج، من دون أن يكون في أحدهما نظر إلى ثبوت الآخر، وهذا بخلاف المقام، فإنّ الترخيص في ارتكاب مشكوك الخمريـة إنّما هو بملاحظـة ثبوت الحرمـة للخمر الواقعي ; ضرورة أنّـه لو لم يكن الخمر الواقعي متعلّقاً للتحريم لما كان وجه في ترخيص مشكوك الخمريـة، وقد عرفت أنّ مع ثبوت فعليـة الحرمـة لايبقى مجال للترخيص أصلاً، ولايجدي في ذلك اختلاف العنوانين على هذا النحو.

المقام الثاني: في سقوط التكليف بالامتثال الإجمالي

ولايخفى أنّ محلّ الكلام في هذا المقام إنّما هو في أنّ مجرّد الترديد في ناحيـة الامتثال، وعدم العلم تفصيلاً بكون المأمور بـه الواقعي هل هي صلاة الظهر أو الجمعـة ـ مثلا ـ هل يوجب تحقّق الامتثال عند العقل أم لا، وأمّا لو فرض أنّ الامتثال الإجما لي يستلزم عدم تحقّق المأمور بـه بجميع أجزائـه وشرائطـه ; لكونـه مقيّداً بما لاينطبق إلاّ مع الامتثال التفصيلي فهو خارج عن مفروض البحث ; لأنّ مورده ـ كما عرفت ـ هو صورة تحقّق المأمور بـه تامّاً ; من حيث القيود، غايـة الأمر أنّـه لايعلم بـه تفصيلاً.


409

ومن هنا يظهر: أنّ الإشكال في الاكتفاء بـه من جهـة الإخلال با لوجـه أو با لتمييز ممّا لايرتبط با لمقام ; لأنّ مرجعـه إلى الامتثال الإجما لي يستلزم عدم تحقّق المأمور بـه بتمام قيوده ; لإخلالـه با لوجـه أو التمييز المعتبر فيـه، فيتوقّف تحقّقـه بأجمعـه على الامتثال التفصيلي، وقد عرفت أنّ ذلك خارج عن موضوع البحث.

نعم، في الاكتفاء بـه في مقام الامتثال إشكالان واردان على مورد البحث:

أحدهما: كون الامتثال الإجما لي لعباً وعبثاً بأمر المولى(1). ولكنّـه مردود، مضافاً إلى أنّـه ربّما يكون ذلك لداع عقلائي، كما إذا كان تحصيل العلم التفصيلي أشقّ عليـه من الاحتياط. إنّما يضرّ ذلك إذا كان لعباً بأمر المولى، لا في كيفيـة إطاعتـه، بعد حصول الداعي إليها ; ضرورة أنّ خصوصيات الإطاعـة وكيفياتها إنّما هي بيد المكلّف، ولايعتبر فيها الداعي الإلهي، كما هو واضح.

ثانيهما: أنّ رتبـة الامتثال العلمي الإجما لي متأخّرة عن رتبـة الامتثال العلمي التفصيلي ; لأنّ حقيقـة الإطاعـة عند العقل هو الانبعاث عن بعث المولى ; بحيث يكون الداعي والمحرّك لـه نحو العمل هو تعلّق الأمر بـه، وانطباق المأمور بـه عليـه، وهذا المعنى غير متحقّق في الامتثال الإجما لي ; لأنّ الداعي لـه نحو العمل بكلّ واحد من فردي الترديد ليس إلاّ احتمال تعلّق الأمر بـه. نعم، الانبعاث عن احتمال البعث وإن كان أيضاً نحواً من الطاعـة عند العقل إلاّ أنّ رتبتـه متأخّرة عن الامتثال التفصيلي. هذا ملخّص ما أفاده بعض الأعاظم على ما في تقريرات بحثـه(2).

1 ـ فرائد الاُصول 2: 508.

2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 72 ـ 73.


410

ويرد عليـه أوّلاً: أنّ الانبعاث في موارد العلم التفصيلي أيضاً لايكون عن البعث، لا عن وجوده الواقعي، وهو واضح، ولا عن العلم بـه، بل الانبعاث إنّما يتحقّق بعد العلم با لبعث، وبما يترتّب على مخا لفتـه من العقوبـة، وعلى موافقتـه من المثوبـة، مضافاً إلى أنّ الحاكم بالاستقلال في باب الإطاعـة هو العقل، ومن الواضح أنّ المكلّف المنبعث عن مجرّد احتمال البعث أقوى عنده في صدق عنوان المطيع ممّن لاينبعث إلاّ بعد العلم بثبوت البعث.

وثانياً نقول: إنّ الانبعاث في أطراف العلم الإجما لي إنّما هو عن العلم با لبعث ; ضرورة أنّـه لو لم يكن العلم بـه ـ ولو إجمالاً ـ متحقّقاً لم يتحقّق الانبعاث من كثير من الناس، الذين لاينبعثون في موارد احتمال البعث أصلاً، كما لايخفى.

فظهر من ذلك أنّ الامتثال الإجما لي والتفصيلي كليهما في رتبـة واحدة.

ثمّ إنّهم تعرّضوا هنا لبعض المباحث الاُخر ممّا يرتبط بباب الاشتغال، ونحن نحيلها إلى ذلك الباب، ونتكلّم فيـه فيما بعد إن شاء اللّـه تعا لى.

هذا تمام الكلام في مباحث القطع.


411

المقصد السابع

في أحكام الظنّ

والكلام فيـه يقع في ضمن مقامات:


412

413

المقام الأوّل

في إمكان التعبّد بالظنّ

ولايخفى أنّ عقد هذا المقام في كلام القوم إنّما هو للرّد على ابن قبـة القائل بالاستحا لـة، مع أنّ دليلـه الأوّل الذي استدلّ بـه يدلّ على أنّ مراده هو نفي الوقوع ; لتمسّكـه بالإجماع(1)، فراجع.

المراد من «الإمكان» المزبور

وهل المراد بالإمكان هو الإمكان الذاتي في مقابل الامتناع الذاتي، أو الإمكان الوقوعي الذي يقابل الامتناع الوقوعي، وهو الذي لايلزم من وجوده محال ؟ الظاهر هو إمكان تقرير الكلام في كليهما، كما أنّـه يمكن أن يدعي القائل بالاستحا لـة كلاّ منهما ; لأنّـه يجوز أن يدعي أنّ معنى التعبّد على طبق الأمارة هو جعل حكم مماثل لها، سواء كانت مطابقـة أو مخا لفـة، وحينئذ يلزم اجتماع الضدّين أو المثلين، وهما من الممتنعات الذاتيـة بلا إشكال، ويمكن أن يدعي

1 ـ اُنظر فرائد الاُصول 1: 40.


414

بنحو يوجب وقوعـه تحقّق المحال، كما سيجيء.

وكيف كان: فا للازم هو البحث في كل منهما، ولايخفى أنّ إثبات الإمكان بأحد معنييـه ممّا يحتاج إلى إقامـة برهان، ومن المعلوم أنّـه لابرهان لـه. ولكن الذي يسهّل الخطب: أنّـه لا احتياج إلى إثبات الإمكان ; ضرورة أنّ ما هو المحتاج إليـه إنّما هو ردّ أدلّـة الامتناع ; لأنّـه إذا لم يدلّ دليل على الامتناع فمع فرض قيام دليل شرعي على التعبّد بالأمارات نعمل على طبقـه، ولايجوز لنا رفع اليد عن ظاهره، وهذا بخلاف ما لو دلّ دليل عقلي على الامتناع، فإنّـه يجب صرف دليل الحجّيـة والتعبّد عن ظاهره، كما هو الشأن في جميع الموارد التي قام الدليل العقلي على خلاف ظواهر الأدلّـة الشرعيـة. فا لمهمّ في المقام هو ردّ أدلّـة الامتناع ; ليستكشف من دليل التعبّد الإمكان الوقوعي، لا إثبات الإمكان.

ومن هنا يظهر: أنّ الإمكان الذي يحتاج إليـه في المقام هو الإمكان الواقع في كلام شيخ الرئيس، وهو قولـه: «كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعـة الإمكان ما لم يذدك عنـه قائم البرهـان»(1) ; لما عرفت من أنّ ردّ أدلّـة الامتناع ا لموجب لثبوت احتمال الجواز يكفي في هذا الأمر ; لأنّـه لا موجب معـه من صرف دليل التعبّد عن ظاهره، كما لايخفى. فالأولى في عنوان البحث أن يقال: «في عدم وجدان دليل على امتناع التعبّد بالأمارة الغير العلميّـة».

وأمّا جعل البحث في الإمكان فمضافاً إلى عدم الاحتياج إليـه يرد عليـه ما عرفت من عدم إقامتهم الدليل على إثباتـه، مع أنّـه أيضاً كالامتناع في الاحتياج إلى الدليل، فتدبّر.

ثمّ إنّـه ذكر بعض الأعاظم ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ: أنّ المراد

1 ـ الإشارات والتنبيهات 3: 418.


415

بالإمكان المبحوث عنـه في المقام هو الإمكان التشريعي ; يعني أنّ من التعبّد بالأمارات هل يلزم محذور في عا لم التشريع من تفويت المصلحـة والإلقاء في المفسدة واستلزامـه الحكم بلا ملاك واجتماع الحكمين المتنافيين وغير ذلك من التوا لي الفاسدة المتوهّمـة في المقام، أو أنّـه لايلزم شيء من ذلك ؟ وليس المراد من الإمكان هو الإمكان التكويني ; بحيث يلزم من التعبّد با لظنّ أو الأصل محذور في عا لم التكوين، فإنّ الإمكان التكويني لايتوهّم البحث عنـه في المقام(1).

وفيـه أوّلاً: أنّ الإمكان التشريعي ليس قسماً مقابلاً للأقسام المتقدّمـة، بل هو من أقسام الإمكان الوقوعي الذي معناه عدم لزوم محال من وقوعـه. غايـة الأمر: أنّ المحذور الذي يلزم قد يكون تكوينياً وقد يكون تشريعياً، وهذا لايوجب تكثير الأقسام، وإلاّ فيمكن التقسيم بملاحظـة أنّ الممكن قد يكون مادّياً وقد يكون غيره، وبملاحظـة الجهات الاُخر.

وثانياً: أنّ أكثر المحذورات المتوهّمـة في المقام محذور تكويني، لايعقل تحقّقـه في عا لم التكوين، كاجتماع الحبّ والبغض، والإرادة والكراهـة، والمصلحـة والمفسدة في شيء واحد.

حول استدلال «ابن قبـة» على عدم إمكان التعبّد

ثمّ إنّـه استدلّ ابن قبـة القائل باستحا لـة التعبّد بخبر الواحد، بل بمطلق الأمارات، كما يظهر من بعض أدلّتـه بوجهين:

أحدهما: أنّـه لو جاز التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لجاز التعبّد بـه في الإخبار عن اللّـه تعا لى، والتا لي باطل إجماعاً.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 88.


416

ثانيهما: أنّ العمل بـه موجب لتحليل الحرام وتحريم الحلال ; إذ لايؤمن أن يكون ما اُخبر بحلّيتـه حراماً، وبا لعكس(1).

والجواب عن الوجـه الأوّل: أنّ دعوى الملازمـة تبتني على كون الإخبار عن الرسول والإخبار عن اللّـه مثلين ; لعدم اختلاف الإخبار بواسطـة اختلاف المخبر بـه، وكونـه هو اللّـه سبحانـه أو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فمرجعـه إلى أنّ الإجماع قام على نفي حجّيـة الإخبار مطلقاً، سواء كان عن اللّـه أو عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو عن الأئمّـة (عليهم السلام). وسيأتي الجواب عن الإجماعات المنقولـة على عدم حجّيـة الخبر الواحد، ولو كان اختلاف المخبر بـه دخيلاً في ذلك، بمعنى أنّ معقد الإجماع إنّما هو خصوص الإخبار عن اللّـه تعا لى، لا عن غيره.

فيرد عليـه منع الملازمـة ; لأنّـه قياس صرف ; خصوصاً مع وجود الفارق بينهما، وهو أنّ التعبّد بالإخبار عن اللّـه تعا لى موجب للإلقاء في المفسدة الكثيرة ; ضرورة أنّ ذلك يوجب تحقّق الدواعي الكثيرة من المعتصمين بالأهويـة العا ليات والمتحرّكين بتحريك الشهوات ; لعدم ثبوت الموازين التي عليها يعتمد، وبها يتميّز الصحيح عن غيره. وهذا بخلاف الإخبار عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الأئمّـة (عليهم السلام).

هذا، مضافاً إلى أنّ الإجماع إنّما قام على عدم الوقوع، لا على الامتناع، كما لايخفى.

والجواب عن الوجـه الثاني أن يقال: إنّ هذا الوجـه ينحلّ إلى محذورات، بعضها راجع إلى ملاكات الأحكام، كاجتماع المفسدة والمصلحـة الملزمتين، وبعضها راجع إلى مبادئ الخطابات، كاجتماع الإرادة والكراهـة، والحبّ

1 ـ اُنظر فرائد الاُصول 1: 40.


417

وا لبغض ، وبعضها راجع إلى نفس الخطابات، كاجتماع الضدّين أو النقيضين أو المثلين، وبعضها راجع إلى لازم الخطابات، كالإلقاء في المفسدة وتفويت المصلحـة، والواجب دفع المحذورات بأجمعها فنقول:

الجواب عن محذور تفويت المصلحـة

أمّا محذور تفويت المصلحـة والإلقاء في المفسدة، فيتوقّف على الالتزام بتبعيـة الأحكام للمصا لح والمفاسد في المتعلّقات، وبأنّ المجعول في باب الأمارات نفس الطريقيـة المحضـة، وإلاّ لم يلزم تفويت الملاك أصلاً.

وقد يقال ـ كما في التقريرات ـ بتوقّفـه أيضاً على كون باب العلم منفتحاً، وأمّا في صورة الانسداد فلايلزم محذور التفويت، بل لابدّ من التعبّد بـه، فإنّ المكلّف لايتمكّن من استيفاء المصا لح في حال الانسداد، إلاّ بالاحتياط التامّ. وليس مبنى الشريعـة على الاحتياط في جميع الأحكام(1).

ولكن يرد عليـه: عدم اختصاص المحذور بصورة الانفتاح، بل يجري في صورة الانسداد أيضاً، فإنّ التفويت والإلقاء يلزم من رفع وجوب الاحتياط الذي يحكم بـه العقل، وترخيص العمل على طبق الأمارات ; ضرورة أنّـه لو لم يكن التعبّد على طبق الأمارات، ولم يرد من الشارع الترخيص في رفع الاحتياط لكان حكم العقل وجوب الاحتياط في جميع الأطراف، فلم يلزم فوت المصلحـة أو أخذ المفسدة، كما لايخفى.

وكيف كان، فالتحقيق في الجواب أن يقال: إنّـه لابأس با لتفويت والإلقاء إذا

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 90.


418

كانت مصلحـة التعبّد با لعمل على طبق الأمارات أقوى، كما أنّ الأمر كان كذلك في زمان الانفتاح ; ضرورة أنّـه لو كان كلّ من الناس مكلّفاً با لمراجعـة إلى الإمام، والسؤال من شخصـه يلزم بطلان أساس الشريعـة ; لأنّ مع عدم مراجعـة الشيعـة إليهم إلاّ قليلاً منهم كانوا (عليهم السلام) في أعلى مراتب المحدوديـة من طرف الخلفاء الاُمويـة والعبّاسيـة ; بحيث لايمكن لهم بيان الأحكام إلاّ في الخفاء با لنسبـة إلى أشخاص معدودة، فكيف إذا كان تكليف الشيعـة تحصيل العلم بالأحكام من طريق السؤال عن الإمام(عليه السلام) ؟

وحينئذ فيجوز للشارع أن يجعل الأمارات الغير العلميـة حجّـة ; نظراً إلى بقاء الشريعـة، ومن المعلوم أنّ المصلحـة الفائتـة من عدم إيجابـه تحصيل العلم با لسؤال عنهم (عليهم السلام) با لنسبـة إلى جماعـة من المتشرّعين بها فانيـة في مقابل مصلحـة بقاء الشريعـة، كما هو واضح.

وأمّا في زمان الانسداد فلا إشكال في أنّ طريق تحصيل العلم ينحصر بالاحتياط التامّ، كما ذكرنا. والتفويت المتوهّم إنّما يلزم من عدم إيجاب الشارع ذلك الاحتياط ; ضرورة أنّـه لوأوجبـه ـ كما هومقتضى حكم العقل ـ لم يلزم تفويت أصلاً.

فلنا أن نقول: إنّ عدم إيجاب الشارع يمكن أن يكون لأجل علمـه بأنّـه لو أوجب ذلك، مع تعسّره ـ كما لايخفى ـ لكان الناس يرغبون عن أصل الشريعـه، ويخرج الدين عن كونـه سمحـة سهلـة، كيف فنحن نرى با لوجدان أنّ في هذا الزمان ـ مع سهولـة العمل بالأحكام ـ لايعملون بأكثرها، كما لايخفى.

وقد عرفت: أنّ مجرّد الإمكان بمعنى الاحتمال يكفينا في هذا المقام ; إذ لسنا بصدد إثبات الإمكان الوقوعي ; لعدم الاحتياج إليـه، كما تقدّم.


419

دفع المحذور بناءً على المصلحـة السلوكيّـة

ثمّ إنّـه أجاب الشيخ العلاّمـة الأنصاري(قدس سره) عن الإشكال با لتزام المصلحـة السلوكيـة(1)، وفصّل ذلك المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ فقال ما ملخّصـه: إنّ سببيـة الأمارة لحدوث المصلحـة تتصوّر على وجوه:

الأوّل: أن تكون الأمارة سبباً لحدوث مصلحـة في المؤدّى، تستتبع الحكم على طبقها، بحيث لايكون وراء الأمارة حكم في حقّ من قامت عنده الإرادة فتكون الأحكام الواقعيـة مختصّـة با لعا لم بها. وهذا هو التصويب الأشعري الذي قامت الضرورة على خلافـه.

الثاني: أن تكون الأمارة سبباً لحدوث مصلحـة في المؤدّى أيضاً أقوى من مصلحـة الواقع ; بحيث يكون الحكم الفعلي في حقّ من قامت عنده الأمارة هو المؤدّى، وإن كان في الواقع أحكام يشترك فيها العا لم والجاهل على طبق المصا لح والمفاسد النفس الأمريـة، إلاّ أنّ قيام الأمارة على الخلاف يكون من قبيل الطوارئ والعوارض والعناوين الثانويـة المغيّرة لجهـة الحسن والقبح، نظير الضرر والحرج، وهذا هو التصويب المعتزلي الذي يتلو الوجـه السابق في الفساد والبطلان ; لقيام الإجماع على خلافـه.

الثالث: أن يكون قيام الأمارة سبباً لحدوث مصلحـة في السلوك، مع بقاء الواقع والمؤدّى على ما هما عليـه من المصلحـة والمفسدة، من دون أن يحدث في المؤدّى مصلحـة بسبب قيام الأمارة، بل المصلحـة إنّما تكون في تطرّق الطريق، وسلوك الأمارة، وتطبيق العمل على مؤدّاها، والبناء على أنّـه الواقع.

1 ـ فرائد الاُصول 1: 44.


420

وبهذه المصلحـة السلوكيـة يتدارك ما فات على المكلّف من مصلحـة الواقع بسبب قيام الأمارة على خلافـه(1)، انتهى ملخّصاً.

وفيـه أوّلاً: أنّـه لا معنى لسلوك الأمارة وتطرّق الطريق إلاّ العمل على طبق مؤدّاها، فإذا أخبر العادل بوجوب صلاة الجمعـة مثلاً فسلوك هذه الأمارة وتطرّق الطريق ليس إلاّ الإتيان بصلاة الجمعـة ; إذ التصديق الغير العملي لايصدق عليـه السلوك على طبقها، بل يتوقّف ذلك على جعل العمل مطابقاً لها، الذي هو عبارة اُخرى عن الإتيان بمؤدّاها. ومن الواضح أنّ التغاير بين المؤدّى والإتيان بـه ليس إلاّ بالاعتبار ; لتغاير بين الإيجاد والوجود. وحينئذ فلم يبق فرق بين الوجـه الثا لث والوجـه الثاني الذي قامت الضرورة والإجماع على خلافـه.

وثانياً: أنّ الأمارات الشرعيـة غا لبها، بل جميعها أمارات عقلائيـة يعمل بها العقلاء في معاملاتهم وسياساتهم، ومن الواضح أنّ الأمارات العقلائيـة طرق محضـة، لا مصلحـة في سلوكها أصلاً ; إذ ليس المقصود بها إلاّ مجرّد الوصول إلى الواقع، من دون أن يكون في سلوكها مصلحـة، كما هو واضح لايخفى.

هذا ما يتعلّق با لجواب عن محذور التفويت والإلقاء.

الجواب عن محذور اجتماع المثلين أو الضدّين

وأمّا اجتماع المثلين أو الضدّين أو النقيضين، فلايخفى أنّـه يمكن توجيهـه بنحو لايرد عليـه ما حقّقناه في مبحث اجتماع الأمر والنهي، من عدم ثبوت التضادّ بين الأحكام أصلاً، بأنّـه كيف يجتمع الإرادة الحتميـة من المولى بفعل شيء أو تركـه، مع جعلـه قول العادل حجّـة، الراجع إلى الترخيص في الترك أو

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 95 ـ 96.


421

ا لفعل، إذا قام على نفي الوجوب أو الحرمـة.

وبعبارة اُخرى: معنى كون الشيء واجباً في الواقع أنّـه أراد المولى بالإرادة الحتميـة أن يوجده المكلّف في الخارج، وبعثـه إليـه با لبعث الفعلي، ومعنى حجّيـة قول العادل جواز تطبيق العمل على طبق إخباره ومتابعـة قولـه، فإذا أخبر بعدم وجوب ما يكون واجباً في الواقع فمعنى حجّيـة قولـه يرجع إلى كون المكلّف مرخّصاً في تركـه، وحينئذ فكيف يجتمع البعث الحتمي إلى الفعل والإرادة الحتميـة مع الترخيص في الترك.

ومن هذا التوجيـه يظهر: أنّ أكثر الأجوبـة التي أوردها الأعاظم في كتبهم ممّا لايرتبط بالإشكال ; ضرورة أنّ دعوى عدم كون المقام مشتملاً على حكمين ; لأنّ الحجّيـة غير جعل الحكم، أو دعوى كون الحكم المجعول هو الحكم الطريقي الغير المنافي للحكم الواقعي، أو غيرهما من الأجوبـة التي سيأتي التعرّض لبعضها ممّا لايرتبط بالإشكال ; لأنّ بعد تسليم تلك الأجوبـة يبقى الإشكال بحا لـه، كما لايخفى.

والتحقيق في الجواب أن يقال: إنّـه لا إشكال في كون الأحكام الواقعيـة الفعليـة مجعولـة على جميع المكلّفين، من دون أن يكون للعلم دخل في فعليتها ; لما عرفت في بعض المباحث السابقـة من أنّ المراد با لحكم الفعلي ليس إلاّ الأحكام التي اُعطيت بيد الإجراء، وكان المقصود بها أن يأخذها الناس، ويعملوا بها.

وهذا لا فرق فيـه بين أن يكون المكلّف عا لماً بها أو جاهلاً، مضافاً إلى أنّ أخذ العلم با لحكم في موضوعـه مستحيل بداهـة.

فالأحكام الفعليـة ثابتـة با لنسبـة إلى جميع المكلّفين، كما أنّها ثابتـة با لنسبـة إلى القادر والعاجز، ولا اختصاص لها بخصوص القادر. نعم، حيث


422

يكون الجهل والعجز من الأعذار العقليـة ; لعدم إمكان الانبعاث با لبعث مع الجهل بـه، أو عدم القدرة على الإتيان با لمبعوث فلا محا لـة لايكون المكلّف معاقباً على المخا لفـة ومذموماً عليها، وقد حقّقنا في مبحث الترتّب من مباحث الألفاظ أنّ التكليفين باقيان على فعليتهما في صورة التزاحم. غايـة الأمر: أنّ عجز المكلّف صار سبباً لكونـه معذوراً في مخا لفـة أحدهما ; لعدم قدرتـه على امتثا لهما.

نعم، بينـه وبين المقام فرق، وهو أنّ مخا لفـة المكلّف في المقام ـ إذا أخطأت الأمارة ـ لا تكون مستندة إلى عذر عقلي ; لأنّـه لو لم تكن الأمارة حجّـة من قبل الشارع لما وقع المكلّف في مخا لفـة الواقع ; لأنّـه كان يعمل بمقتضى الاحتياط الواجب بحكم العقل في موارد العلم الإجما لي. وحينئذ فتكون المخا لفـة مستندة إلى اعتبار الشارع قول العادل، وأمثا لـه من الأمارات.

وحينئذ فيمكن أن يقال: بمثل ما مرّ في الجواب عن محذور التفويت والإلقاء من أنّ جعل الشارع واعتباره للأمارات يمكن أن يكون بملاحظـة أنّـه لو لم تكن الأمارة حجّـة من قبل الشارع لكان مقتضى حكم العقل وجوب الاحتياط على الناس، وحينئذ فيلزم الحرج الشديد، والاختلال العظيم، الموجب لرغبـة أكثر الناس عن الشريعـة، وخروجها عن كونها سمحـة سهلـة، وذلك يوجب انتفاء المصلحـة العظيمـة ; وهي مصلحـة بقاء الشريعـة.

فاعتبار قول العادل الراجع إلى الترخيص فيما لو أدّى على خلاف الواقع، وقام على نفي وجوب الواجب الواقعي ليس إلاّ لملاحظـة حفظ الشرع الذي يكون ذا مصلحـة عظيمـة، فيرخّص في ترك صلاة الجمعـة الواجبـة واقعاً القائمـة على نفي وجوبها الأمارة، لا لعدم كونها ذا مصلحـة ملزمـة، بل لرفع اليد عن مصلحتها في مقابل المصلحـة التي هي أقوى منها بمراتب.

فوجوب صلاة الجمعـة وإن كان حكماً فعلياً إلاّ أنّ الشارع يرفع اليد عن

(الصفحة423)

مثلـه من بعض الأحكام الفعليـة لأجل مصلحـة هي أقوى المصا لح وأتمّها، فهو نظير من يقطع يده لأجل حفظ نفسـه فيما لو توقّف عليـه، فقطع اليد وإن لم يكن ذا مصلحـة ـ بل يكون عين المفسدة ـ إلاّ أنّ معارضتـه مع شيء آخر أقوى منـه أوجب الإقدام عليـه، مع كونـه ذا مفسدة، كما لايخفى.

ثمّ إنّ ما ذكرنا: يجري في جميع الأمارات والاُصول، ولا اختصاص لـه بالأوّل، فإنّ اعتبار قاعدتي الفراغ والتجاوز، وإ لغاء الشكّ بعد الوقت، وعدم وجوب ترتيب الأثر عليـه، مع أنّ ذلك قد يؤدّي إلى عدم الإتيان با لمأمور بـه ـ بعضاً أو كلاّـ يمكن أن يكون لملاحظـة أنّ تفويض الناس إلى ما يقتضيـه عقولهم من ثبوت الاشتغال إلى أن يعلم الفراغ ربّما يوجب تنفّر الناس وإعراضهم عن أصل الشريعـة ; لعدم تحقّق العلم لهم بإتيان التكا ليف واجدة لجميع ما يعتبر فيها، إلاّ قليلاً ; ضرورة أنّ أكثرهم في شكّ من ذلك غا لباً. فهذه المصلحـة التي هو أقوى المصا لح أوجبت رفع اليد عن بعض المصا لح الضعيفـة، وإن كان الحكم على طبقها حكماً فعلياً، وكان الإتيان بها محبوباً للمولى في نفسها، كما لايخفى.

فتلخّص من جميع ذلك: أنّ الحكم الواقعي الفعلي عند قيام الأمارة على خلافـه يخرج عن الفعليـة، بمعنى أنّ المولى لايريد إجرائـه، فيصير كالأحكام الإنشائيـة التي لايكون المقصود بها عمل الناس على طبقها، إلاّ في زمان ظهور دولـة الحقّ بقيام صاحب الأمر(عليه السلام)، كا لحكم بنجاسـة العامّـة على ما في بعض الروايات.

وأمّا ما أفاده بعض محقّقي العصر ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ: من أنّـه لايعقل الحكم الإنشائي، بل الذي يكون في الواقع هو إنشاء الأحكام، وهو عبارة عن تشريعها وجعلها على موضوعاتها المقدّرة وجودها بجميع ما اعتبر فيها من القيود والشرائط على نهج القضايا الحقيقيـة. ودعوى أنّ الحكم الواقعي في مورد


424

ا لأمارة لايكون فعلياً واضحـة الفساد، فإنّـه لايمكن أن لايكون الحكم فعلياً إلاّ إذا اُخذ في موضوعـه عدم قيام الأمارة على الخلاف ; بحيث يكون قيداً في ذلك، ومعـه يعود محذور التصويب(1).

ففيـه: أنّ المراد با لحكم الإنشائي هو الحكم الذي ينشأه العقلاء المقنّنين للقوانين العرفيـة في اُمورهم الدنيويـة أيضاً، ثمّ يخصّصونـه ببعض الأفراد، أو يقيّدونـه ببعض القيود ; ضرورة أنّ العقلاء في جعل القوانين ليسوا بحيث يجعلون القانون بجميع خصوصياتـه ; من حيث القيود أو الشمول، بل ينشأون الأحكام بنحو العموم أو الإطلاق، ثمّ يخصّصونـه أو يقيّدونـه.

كيف، ولو قلنا بأنّ الأحكام الواقعيـة كانت مجعولـة على موضوعاتها بجميع ما اعتبر فيها من القيود والشرائط لم يبق وجـه للتمسّك بالإطلاق عند الشكّ في كون الحكم مقيّداً، أو في تقيّده بقيد آخر ; إذ مع فرض كون المتكلّم في مقام البيان لابدّ لـه من بيان الحكم المتعلّق با لموضوع بجميع ما اعتبر فيـه، وعند ذلك لايبقى شكّ في القيد، ومعـه لايجوز التمسّك بالإطلاق، كما لايخفى.

أجوبـة الأعلام عن المشكلـة ونقدها

ثمّ إنّـه تفصّى المحقّق المعاصر عن أصل الإشكال ـ على ما في التقريرات ـ بأنّ الموارد التي توهّم وقوع التضادّ بين الأحكام الظاهريـة والواقعيـة على أنحاء ثلاثـة:

أحدها: موارد قيام الطرق والأمارات.

ثانيها: موارد مخا لفـة الاُصول المحرزة.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 103.


425

ثا لثها: موارد تخلّف الاُصول الغير المحرزة، والتفصّي عن الإشكال يختلف في كلّ منها.

أمّا باب الطرق والأمارات: فليس المجعول حكماً تكليفياً، حتّى يتوهّم التضادّ بينـه وبين الحكم الواقعي، بل المجعول فيها إنّما هو الحجّيـة والوسطيـة في الإثبات، وهو أمر عقلائي، وممّا تنا لـه يد الجعل. وحينئذ فليس حال الأمارة المخا لفـة إلاّ كحال العلم المخا لف، فلايكون في البين إلاّ الحكم الواقعي فقط ; أصاب الطريق الواقع أو أخطأ، فإنّـه عند الإصابـة يكون المؤدّى هو الحكم الواقعي، كا لعلم الموافق، ويوجب تنجيز الواقع، وعند الخطأ يوجب المعذوريـة وعدم صحّـة المؤاخذة عليـه، كا لعلم المخا لف، من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول(1)، انتهى ملخّصاً. هذا ما أفاده في التفصّي عن الإشكال في خصوص ا لأمارات.

ويرد عليـه أوّلاً: أنّـه ليس في باب الأمارات والطرق العقلائيـة الإمضائيـة حكم مجعول أصلاً، لا الحجّيـة ولا الوسطيـة في الإثبات، ولا الحكم التعبّد بـه ; ضرورة أنّـه ليس فيها إلاّ مجرّد بناء العقلاء عملاً على طبقها، والمعاملـة معها معاملـة العلم، من دون أن يكون هنا جعل في البين، والشارع أيضاً لم يتصرّف فيها، بل عمل بها، كما يعمل العقلاء في اُمورهم.

وثانياً: فلو سلّم الجعل الشرعي فا لمجعول فيها ليس إلاّ إيجاب العمل بالأمارات تعبّداً، كما يظهر بملاحظـة الروايات الواردة في ذلك، مثل قولـه(عليه السلام): «إذا أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس»(2)، مشيراً إلى زرارة، وقولـه(عليه السلام): «وأمّا

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 105.

2 ـ اختيار معرفـة الرجال 1: 347 / 216، وسائل الشيعـة 27: 143، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 19.


426

الحوادث الواقعـة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا»(1)، وقولـه(عليه السلام): «عليك بالأسدي»(2) ; يعني أبا بصير، فإنّـه لو استفيد منها الجعل الشرعي، واُغمض عن كون جميعها إرشاداً إلى الارتكاز العقلائي فظاهرها وجوب العمل على قول العادل، لا جعل الحجّيـة والوسطيـة، كما لايخفى.

وثالثاً ـ وهو العمدة ـ: أنّـه مع الغمض عن الإيرادين الأوّلين نقول: إنّ ما أفاد من كون المجعول هو الوسطيـة في الإثبات لايجدي في دفع الإشكال ; لما تقدّم في توجيهـه من أنّ مرجع الإشكال إلى استحا لـة اجتماع الإرادة الحتميـة المتعلّقـة بإيجاد شيء، والإرادة الجائيـة من قبل الحجّيـة الراجعـة إلى الترخيص في المخا لفـة فيما لو أخطأت الأمارة، وهذا لايندفع بما ذكره، ولم يكن الإشكال منحصراً بالاجتماع في خصوص الحكمين، حتّى يندفع بما ذكره من عدم كون المجعول في باب الأمارات هو الحكم.

هذا، وأمّا ما أفاده في باب الاُصول المحرزة فملخّصـه: أنّ المجعول فيها هو البناء العملي على أحد طرفي الشكّ على أنّـه الواقع، وإ لغاء الطرف الآخر، وجعلـه كا لعدم، فا لمجعول في الاُصول التنزيليـة ليس أمراً مغايراً للواقع، بل الجعل الشرعي إنّما تعلّق با لجري العملي على المؤدّى، على أنّـه هو الواقع، كما يرشد إليـه قولـه(عليه السلام) في بعض أخبار قاعدة التجاوز «بلى قد ركعت»(3)، فإن كان

1 ـ إكمال الدين: 484 / 4، وسائل الشيعـة 27: 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 9.

2 ـ اختيار معرفـة الرجال 1: 400 / 291، وسائل الشيعـة 27: 142، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 15.

3 ـ تهذيب الأحكام 2: 151 / 592، وسائل الشيعـة 6: 317، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 13، الحديث 3.


427

ا لمؤدّى هو الواقع فهو، وإلاّ كان الجري العملي واقعاً في غير محلّـه، من دون أن يكون قد تعلّق با لمؤدّى حكم على خلاف ما هو عليـه. وبا لجملـة: المجعول في باب الاُصول هو الهوهويـة العمليـة التي بنى عليها الشيخ في باب الأمارات(1)، انتهى.

ويرد عليـه أوّلا: أنّ الجري والبناء العملي والهوهويـة العمليـة ليس أمراً قابلاً للجعل الشرعي ; لأنّـه من الاُمور التكوينيـة الغير القابلـة للجعل ; ضرورة أنّـه فعل للمكلّف، فإنّـه هو الذي يعمل بمؤدّاها بما أنّـه الواقع. وأمّا قولـه(عليه السلام): «بلى قد ركع» فهو يرشد إلى ما ذكرنا من رفع اليد عن الحكم الفعلي، والاكتفاء بخلوّ المأمور بـه عن بعض الأجزاء.

وثانياً: أنّـه على تقدير تسليم إمكان تعلّق الجعل الشرعي با لجري العملي فنقول: مَن الذي أوجب على المكلّف، وأجاز لـه البناء على أنّ المؤدّى هو الواقع ؟ فلا محا لـة يقال في الجواب: إنّ الجاعل والباعث لـه على ذلك هو الشارع المرخّص في العمل على طبق الاُصول، وحينئذ فيعود الإشكال بأنّـه كيف يجتمع ذلك مع الإرادة الحتميـة المتعلّقـة بفعل المأمور بـه بجميع أجزائـه وشرائطـه، كما لايخفى.

هذا، وذكر في مقام التفصّي عن الإشكال في الاُصول الغير المحرزة ـ بعد التفصيل في متمّمات الجعل ـ ما ملخّصـه: أنّ للشكّ في الحكم الواقعي اعتبارين:

أحدهما: كونـه من الحالات والطوارئ اللاحقـة للحكم الواقعي أو موضوعـه، كحا لتي العلم والظن، وهو بهذا الاعتبار لايمكن أخذه موضوعاً لحكم يضادّ الحكم الواقعي ; لانحفاظ الحكم الواقعي عنده.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 110 ـ 111.


428

ثانيهما: اعتبار كونـه موجباً للحيرة في الواقع، وعدم كونـه موصلاً إليـه ومنجّزاً لـه، وهو بهذا الاعتبار يمكن أخذه موضوعاً لما يكون متمّماً للجعل ومنجّزاً للواقع، كما أنّـه يمكن أخذه موضوعاً لما يكون مؤمّناً عن الواقع حسب اختلاف مراتب الملاكات النفس الأمريـة. فلو كانت مصلحـة الواقع مهمّـة في نظر الشارع كان عليـه جعل المتمّم، لمصلحـة احترام المؤمن وحفظ نفسـه، فإنّـه لمّا كان حفظ نفس المؤمن أولى با لرعايـة وأهمّ في نظر الشارع من مفسدة حفظ دم الكافر اقتضى ذلك تشريع حكم ظاهري طريقي بوجوب الاحتياط في موارد الشكّ ; حفظاً لدمـه.

وهذا الحكم إنّما يكون في طول الحكم للواقع، نشأ عن أهمّيـة المصلحـة الواقعيـة ; ولذا كان الخطاب بالاحتياط خطاباً نفسياً ناشئاً عن أهمّيـة مصلحـة الواقع، فهو واجب نفسي للغير، لا واجب با لغير ; ولذا كان العقاب على مخا لفـة التكليف بالاحتياط عند تركـه وأدائـه إلى مخا لفـة الحكم الواقعي، لا على مخا لفـة الواقع ; لقبح العقاب عليـه مع الجهل.

إن قلت: إنّ مقتضى ذلك صحّـة العقوبـة على مخا لفـة الاحتياط، صادف الواقع أو خا لفـه ; لكونـه واجباً نفسياً، وإن كان الغرض من وجوبـه هو الوصلـة إلى الأحكام الواقعيـة، إلاّ أنّ تخلّف الغرض لايوجب سقوط العقاب. فلو خا لف الاحتياط، وأقدم على قتل المشتبـه، وصادف كونـه مهدور الدم كان اللازم استحقاقـه للعقوبـة.

قلت: فرق بين علل التشريع وعلل الأحكام، والذي لايضرّ تخلّفـه هو الأوّل ; لأنّها تكون حكمـة تشريع الأحكام، وأمّا علّـة الحكم فا لحكم يدور مدارها، ولايمكن أن يتخلّف عنها، ولا إشكال أنّ الحكم بوجوب حفظ نفس المؤمن علّـة للحكم بالاحتياط ; لأنّ أهمّيـة ذلك أوجب الاحتياط.


429

ومن ذلك يظهر: أنّـه لا مضادّة بين إيجاب الاحتياط وبين الحكم الواقعي، فإنّ المشتبـه إن كان ممّا يجب حفظ نفسـه واقعاً فوجوب الاحتياط يتّحد مع الوجوب الواقعي، ويكون هو هو، وإن لم يكن كذلك فلايجب الاحتياط ; لانتفاء علّتـه، وإنّما المكلّف يتخيّل وجوبـه، هذا كلّـه إذا كانت مصلحـة الواقع تقتضي جعل المتمّم من إيجاب الاحتياط.

وإن لم تكن المصلحـة الواقعيـة بهذه المثابـة من الأهمّيـة فللشارع جعل المؤمّن بلسان الرفع كحديث الرفع(1)، أو بلسان الوضع كقولـه: «كلّ شيء لك حلال»(2)، فإنّ المراد من الرفع ليس رفع التكليف عن موطنـه، بل رفع التكليف عمّا يستتبعـه من التبعات، وإيجاب الاحتياط، فا لرخصـة المستفادة من حديث الرفع نظير الرخصـة المستفادة من حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان، فكما أنّ هذه الرخصـة لا تنافي الحكم الواقعي كذلك الرخصـة المستفادة من حديث الرفع.

والسرّ في ذلك: هو أنّ هذه الرخصـة تكون في طول الحكم الواقعي، ومتأخّر رتبتها عنـه ; لأنّ الموضوع فيها هو الشكّ في الحكم ; من حيث كونـه موجباً للحيرة في الواقع وغير موصل إليـه، فقد لوحظ في الرخصـة وجود الحكم الواقعي، ومعـه كيف يعقل أن تضادّ الحكم الواقعي.

وبالجملـة: الرخصـة والحلّيـة المستفادة من حديثي الرفع والحلّ تكون في عرض المنع والحرمـة المستفادة من إيجاب الاحتياط، وقد عرفت أنّ إيجاب

1 ـ التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعـة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.

2 ـ الكافي 6: 339 / 2، وسائل الشيعـة 25: 118، كتاب الأطعمـة والأشربـة، أبواب الأطعمـة المباحـة، الباب 61، الحديث 2.


430

ا لاحتياط يكون في طول الواقع ومتفرّعاً عليـه، فما يكون في عرضـه يكون في طول الواقع أيضاً، إلاّ يلزم أن يكون ما في طول الشيء في عرضـه(1)، انتهى.

ويرد عليـه أوّلاً: أنّ الفرق بين أخذ الشكّ باعتبار كونـه من الحالات والطوارئ وبين أخذه باعتبار كونـه موجباً للحيرة في الواقع، دعوى المناط في رفع التضادّ هو الأخذ على الوجـه الثاني ممّا لا محصّل لـه، فإنّ مجرّد الطوليـة لو كان كافياً في رفع التضادّ فا للازم رفعـه بناءً على الوجـه الأوّل أيضاً ; لأنّ الحالات الطارئـة أيضاً في طول الواقع، وإن لم يكن كافياً فيـه، فالأخذ على الوجـه الثاني أيضاً لايرفع التضادّ، بل نقول: إنّ الاعتبارين مجرّد تغيير في العبارة، وإلاّ فلا فرق بينهما واقعاً، كما لايخفى.

وثانياً: أنّ ما أجاب بـه عن الإشكال الذي أورده على نفسـه بقولـه: إن قلت: من عدم وجوب الاحتياط واقعاً في مورد الشكّ مع عدم كون المشكوك ممّا يجب حفظـه ; لكون وجوب حفظ المؤمن علّـة للحكم بالاحتياط، لا علّـة للتشريع ممّا لاوجـه لـه، فإنّ وجوب الاحتياط حكم ظاهري مجعول لغرض حفظ الواقع، ولابدّ أن يتعلّق حقيقـة بكلّ مشكوك، سواء كان واجب الحفظ أم لم يكن، وإلاّ فلو تعلّق بخصوص ما كان منطبقاً على الواجب الواقعي فقط فيحتاج إلى متمّم آخر، فإنّ وجوب الاحتياط المتعلّق على المشكوك الواجب بحسب الواقع لايصلح للداعويـة نحو المشكوك كونـه هو الواقع، وقاصر عن تحريك العبد نحوه، فيصير جعل إيجاب الاحتياط لغواً ; لأنّ جميع موارد الشكّ يكون تعلّق وجوب الاحتياط بها مشكوكاً، كما لايخفى.

وثالثاً: أنّ ما أفاد من أنّ الرخصـة، وكذا أصا لـة الحلّيـة إنّما يكون في

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 114 ـ 119.


431

عرض الاحتياط الذي هو في طول الواقع، فلابدّ أن تكون الرخصـة أيضاً في طولـه ممنوع جدّاً ; لأنّـه قد ثبت في محلّـه أنّ ما في عرض المتقدّم على شيء لايلزم أن يكون متقدّماً عليـه ; لأنّ التقدّم والتأخّر إنّما يثبت في موارد ثبوت ملاكهما، كا لعلّيـة والمعلوليـة، ولا معنى لثبوتهما من دون ملاك، كما هو واضح.

ورابعاً: أنّ ما ذكره ـ على تقدير تسليم صحّتـه ـ لايجدي في رفع الإشكال با لتوجيـه الذي ذكرناه، فتدبّر.

وممّا تفصّى بـه عن الإشكال ما أفاده السيّد الأصفهاني ـ على ماحكاه عنـه المحقّق المعاصر في كتاب «ا لدرر» ـ وملخّصـه: أنّـه لا إشكال في أنّ الأحكام إنّما تتعلّق با لمفاهيم المتصوّرة في الذهن، لكن لا من حيث إنّها كذلك، بل من حيث إنّها حاكيـة عن الخارج.

ثمّ إنّ المفهوم المتصوّر تارة يكون مطلوباً على نحو الإطلاق، واُخرى على نحو التقييد، وعلى الثاني فقد يكون ذلك لعدم المقتضي في غير المقيّد، وقد يكون لوجود المانع، مثلاً قد يكون عتق الرقبـة مطلوباً على سبيل الإطلاق، وقد يكون الغرض في عتق الرقبـة المؤمنـة خاصّـة، وقد يكون في المطلق، إلاّ أنّ عتق الرقبـة الكافرة مناف لغرضـه الآخر، ولأجلـه قيّد العتق المطلوب بما إذا تحقّق في الرقبـة المؤمنـة، فتقييده في هذا القسم إنّما هو من جهـة الكسر والانكسار، لا لتضييق دائرة المقتضى.

ومن المعلوم: أنّ ذلك يتوقّف على تصوّر العنوان المطلوب أوّلاً مع العنوان الآخر المتّحد معـه في الوجود المخرج لـه عن المطلوبيـة الفعليـة، فلو فرضنا عنوانين غير مجتمعين في الذهن فلايعقل تحقّق الكسر والانكسار. فا للازم من ذلك: أنّـه متى تصوّر العنوان الذي فيـه جهـة المطلوبيـة يكون مطلوباً صرفاً، من دون تقييد وكذا العنوان الذي فيـه جهـة المبغوضيـة.


432

وا لعنوان المتعلّق للأحكام الواقعيـة مع العنوان المتعلّق للأحكام الظاهريـة ممّا لايجتمعان في الوجود الذهني، مثلاً إذا تصوّر الآمر صلاة الجمعـة فلايمكن أن يتصوّر معها إلاّ الحالات التي يمكن أن تتصف بها في هذه الرتبـة، مثل كونها في المسجد أو في الدار، وأمّا اتصافها بكون حكمها الواقعي مشكوكاً فليس ممّا يتصوّر في هذه الرتبـة ; لأنّ هذا الوصف إنّما يعرض الموضوع بعد تحقّق الحكم، والأوصاف المتأخّرة عنـه لايمكن إدراجها في موضوعـه، فلا منافاة حينئذ بين الحكمين ; لأنّ الجهـة المطلوبيـة ملحوظـة في ذات الموضوع مع قطع النظر عن الحكم، وجهـة المبغوضيـة ملحوظـة مع لحاظـه.

إن قلت: العنوان المتأخّر وإن لم يكن متعقّلاً في مرتبـة تعقّل الذات ولكن الذات ملحوظـة في مرتبـة تعقّل العنوان المتأخّر، فعند ملاحظـة العنوان المتأخّر يجتمع العنوانان في اللحاظ.

قلت: تصوّر ما يكون موضوعاً للحكم الواقعي الأوّلي مبني على قطع النظر عن الحكم، وتصوّره بعنوان كونـه مشكوك الحكم لابدّ وأن يكون بلحاظ الحكم، ولايمكن الجمع بين لحاظ التجرّد عن الحكم ولحاظ ثبوتـه(1).

ويرد عليـه أوّلاً: أنّ عنوان كون الموضوع مشكوك الحكم لايتوقّف على تحقّقـه قبلـه ; ضرورة أنّـه يمكن الشكّ في حكم الموضوع مع عدم كونـه محكوماً بحكم. فبين العنوانين ـ أعني عنوان الموضوع بلحاظ حكمـه الواقعي وعنوان كونـه مشكوك الحكم ـ نسبـة العموم من وجـه ; لأنّـه كما يمكن أن يكون الموضوع معلوم الحكم فيتحقّق الافتراق من ناحيـة الموضوع، كذلك يمكن أن يكون مشكوك الحكم مع عدم تحقّقـه أصلاً. كيف، ولو كان عنوان المشكوكيـة

1 ـ اُنظر درر الفوائد، المحقّق الحائري: 351 ـ 353.


433

متوقّفاً على سبق الحكم يلزم من وجود الشكّ العلم ; لأنّ المفروض أنّ توقّفـه على سبق الحكم أمر مقطوع، فبعد الشكّ يقطع بـه، مع أنّـه مستحيل جدّاً.

مضافاً إلى أنّـه لو شكّ في حكم الموضوع ; من حيث الوجوب والتحريم مثلاً فا للازم ـ بناءً على هذا ـ أن يكون الموضوع في الواقع واجباً وحراماً معاً.

وثانياً: أنّـه لو سلّم أنّ تحقّق عنوان المشكوكيـة في الواقع يتوقّف على سبق الحكم فلا نسلّم ذلك في مقام جعل الأحكام، الذي لايتوقّف إلاّ على تصوّر موضوعاتها، فللمولى أن يجعل الحكم متعلّقاً بعنوان مشكوك الحكم قبل أن صدر منـه حكم آخر متعلّق بذوات الموضوعات، وقد حقّقنا في مبحث التعبّدي والتوصّلي إمكان أن يكون الموضوع مقيّداً بما لايأتي إلاّ من قبل الحكم، فراجع.

وثالثاً ـ وهو العمدة ـ: أنّ ما أجاب بـه عن الإشكال الذي أورده على نفسـه بقولـه: إن قلت ممّا لايندفع بـه الإشكال أصلاً ; لأنّ الموضوع المتصوّر المأخوذ موضوعاً للحكم الواقعي إمّا أن يكون مأخوذاً بشرط لا ; من حيث كونـه مشكوك الحكم، وإمّا أن يكون مأخوذاً لابشرط. ومرجع الأوّل إلى أنّ ثبوت الحكم الواقعي للموضوع إنّما هو في صورة العلم بثبوتـه لـه، وهو تصويب قام الإجماع، بل الضرورة على خلافـه، ولو كان المراد هو الثاني فمن الواضح أنّ الشيء المأخوذ لابشرط لايأبى من الاجتماع مع بشرط شيء، وحينئذ فيجتمع الحكمان عند ملاحظـة عنوان مشكوك الحكم، وجعل الحكم متعلّقاً بـه، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه قد تخلّص عن الإشكال بوجوه اُخر، تعرّض لبعضها الاُستاذ مع الجواب عنـه، ولكنّـه لا فائدة في التعرّض لـه بعد كونـه مورداً للإشكال، وبعد الجواب عنـه بما حقّقناه، فتأمّل في المقام، فإنّـه من مزالّ الأقدام.


434

المقام الثاني

في تأسيس الأصل

يقع الكلام في تأسيس الأصل الذي يعوّل عليـه عند عدم الدليل على وقوع التعبّد بغير العلم مطلقاً أو في الجملـة. فنقول: ذكر الشيخ في «ا لرسا لـة» ما ملخّصـه: أنّ التعبّد با لظنّ الذي لم يدلّ على التعبّد بـه دليل محرّم بالأدلّـة الأربعـة.

يكفي من الكتاب قولـه تعا لى: (قُلْ ءآللّـهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّـهِ تَفْتَرُونَ)(1) دلّ على أنّ ما ليس بإذن من اللّـه من إسناد الحكم إلى الشارع فهو افتراء.

ومن السنّـة: قولـه(عليه السلام) في عداد القضاة من أهل النار: «ورجل قضى بالحقّ، وهو لايعلم»(2).

ومن الإجماع: ما ادعاه الفريد البهبهاني من عدم كون الجواز بديهياً عند

1 ـ يونس (10): 59.

2 ـ الكافي 7: 407 / 1، وسائل الشيعـة 27: 22، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 4، الحديث 6.


435

ا لعوامّ، فضلاً عن العلماء.

ومن العقل: تقبيح العقلاء من يتكلّف من قبل مولاه بما لايعلم بوروده من المولى.

نعم، فرق بين هذا وبين الاحتياط الذي يستقلّ العقل بحسنـه ; لأنّـه فرق بين الالتزام بشيء من قبل المولى على أنّـه منـه، مع عدم العلم بأنّـه منـه، وبين الالتزام بإتيانـه لاحتمال كونـه منـه.

والحاصل: أنّ المحرّم هو العمل بغير العلم متعبّداً بـه ومتديّناً بـه. وأمّا العمل بـه من دون تعبّد بمقتضاه فهو حسن إن كان لرجاء إدراك الواقع ما لم يعارضـه احتياط آخر، ولم يثبت من دليل آخر وجوب العمل على خلافـه، كما لو ظنّ الوجوب، واقتضى الاستصحاب الحرمـة(1)، انتهى موضع الحاجـة.

أقول: المراد بالإسناد إلى الشارع هو التشريع الذي كان قبحـه عقلاً وحرمتـه شرعاً مفروغاً عنـه عندهم، ولكن كلّما تأمّلنا لم نعرف لـه معناً متصوّراً معقولاً، إذ الالتزام الحقيقي بما يعلم عدم ورود التعبّد من الشارع، أو لايعلم وروده منـه ممّا لايمكن أن يتحقّق ; لعدم كون الالتزامات النفسانيـة تحت اختيار المكلّف. نعم، الإسناد إلى الشارع ـ الذي هو عبارة اُخرى عن البدعـة ـ أمر ممكن معقول، قد دلّ العقل والنقل على خلافـه، وأنّـه أمر قبيح محرّم.

وبالجملـة: فا لتعبّد بمقتضى الأمارة الغير العلميـة التي لم يرد دليل على اعتبارها إن كان معناه هو العمل بمضمونها بعنوان أنّـه من الشارع فهو ممّا لايعقل، مع عدم العلم بورود التعبّد بـه من الشارع، وإن كان معناه هو إسناد مضمونها إلى الشارع قولاً فهو من مصاديق القول بغير العلم الذي يحكم العقل بقبحـه قطعاً،

1 ـ فرائد الاُصول 1: 49 ـ 50.


436

وا لدليل النقلي بحرمتـه شرعاً.

وماذكره من الأدلّـة الأربعـة لايستفاد منها أزيد من ذلك ; لأنّ المراد بالافتراء في قولـه تعا لى هو الكذب، كما هو معناه لغـة، وكذا سائر الأدلّـة لايدلّ على أزيد من حرمـة القول بغير علم، ولايدلّ شيء منها على حرمـة العمل بما لايعلم بعنوان أنّـه من المولى قطعاً.

ثمّ إنّ المبحوث عنـه في المقام هو تأسيس الأصل فيما لا دليل على اعتباره، حتّى يتبع في موارد الشكّ، فالاستدلال على أنّ الأصل هو عدم الحجّيـة بقبح التشريع وحرمتـه ـ كما عرفت في كلام الشيخ ـ مبني على دعوى الملازمـة بين الحجّيـة وصحّـة الإسناد، بمعنى أنّـه كلّما صحّ ا لإسناد ـ أي إسناد مقتضاه إلى الشارع ـ فهو حجّـة، وكلّما لم يصحّ لايكون بحجّـة، فإذا قام الدليل على حرمـة التشريع الذي يرجع إلى الإسناد إلى الشارع فيما لايعلم يستفاد من ذلك عدم كونـه حجّـة.

هذا، وقد يورد على دعوى الملازمـة با لنقض بموارد:

أحدها: ما أفاده المحقّق الخراساني في «ا لكفايـة» من أنّ الظنّ على تقدير الحكومـة حجّـة عقلاً، مع أنّـه لايصحّ إسناد المضمون إلى الشارع فيـه(1).

هذا، ولكن يرد عليـه: عدم تماميـة النقض، بناءً على مبناه في تقرير مقدّمات الانسداد من أنّ أحدها العلم الإجما لي بوجود التكا ليف(2) ; لأنّـه بناءً على ذلك لايكون الظنّ حجّـة، بل الحجّـة هو العلم الإجما لي. غايـة الأمر: أنّـه حيث لايمكن ـ أو لايجب ـ الاحتياط في جميع أطرافـه فاكتفى با لعمل

1 ـ كفايـة الاُصول: 323.

2 ـ نفس المصدر: 356 ـ 357.


437

با لمظنونات فقط، فا لعمل بها ليس لكون الظنّ حجّـة، بل لكونـه أقرب إلى الوصول إلى الواقع، كما لايخفى.

ثانيها: ما ذكره المحقّق العراقي ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ من النقض باحتمال التكليف قبل الفحص، وبإيجاب الاحتياط في الشبهات البدويـة(1).

ولكن يرد عليـه: أنّ احتمال التكليف قبل الفحص لايكون حجّـة، بل الحجّـة هي بيان التكليف المذكور في مظانّـه الذي يعلم بـه بعد الفحص. غايـة الأمر: أنّ العقل يحكم بقبح العقاب بلابيان فيما إذا تفحّص ولم يجد، فعدم الفحص لايقتضي أزيد من عدم حكم العقل بقبحـه في مورده، لا أن يكون الاحتمال معـه حجّـة، كما أنّ إيجاب الاحتياط في الشبهات البدويـة يمكن أن يقال بعدم كونـه حجّـة، بل إنّما هو رافع لحكم العقل بقبح العقاب الذي كان ثابتاً عند عدم إيجاب الاحتياط ; لأنّـه لو شرب التتن مثلاً مع وجوب الاحتياط عليـه، وكان في الواقع حراماً فهو يعاقب على الإتيان با لمنهيّ عنـه، لا على مخا لفـة الاحتياط.

وبا لجملـة: فلم يوجد مورد يتحقّق الانفكاك فيـه بين الحجّيـة وصحّـة الإسناد. نعم، يرد على الشيخ: أنّ ادعاء الملازمـة بينهما إنّما هو مجرّد دعوى يحتاج إلى إقامـة برهان، كما لايخفى.

فالأولى في تقرير الأصل ما أفاده في «الكفايـة» ممّا حاصلـه: أنّ مع الشكّ في حجّيـة شيء لايترتّب عليـه آثار الحجّيـة قطعاً ; ضرورة أنّ احتجاج المولى على العبد لايجوز إلاّ بما يعلم العبد بكونـه حجّـة منـه عليـه، فالآثار المرغوبـة من الحجّـة لا تكاد تترتّب إلاّ على ما اُحرز اتصافها با لحجّيـة الفعليـة ; لقبح المؤاخذة على مخا لفـة التكليف مع الشكّ في حجّيـة الأمارة المصيبـة، ونحو

1 ـ نهايـة الأفكار 3: 80 ـ 81.


438

ذلك من الآثار. فعدم حجّيـة الأمارة التي شكّ في اعتبارها شرعاً أمر مقطوع، يحكم بـه العقل جزماً(1).

ومن هنا يظهر الخلل في استدلال الشيخ على أصا لـة عدم الحجّيـة بالأدلّـة الأربعـة، فإنّ الكلام هنا في تأسيس الأصل الذي يتبع في موارد الشكّ، ولم يقم بعد دليل على حجّيـة ظواهر الكتاب أو السنّـة الغير القطعيـة أو الإجماع مثلاً، حتّى يتمسّك بها على أنّ الأصل في موارد الشكّ يقتضي عدم الحجّيـة. نعم، لابأس با لتمسّك با لعقل لو كان حكمـه بذلك قطعياً، كما لايخفى.

ثمّ إنّـه قد يستدلّ على أنّ الأصل عدم الحجّيـة باستصحاب عدم الحجّيـة وعدم وقوع التعبّد بـه، وإيجاب العمل عليـه. وأورد عليـه الشيخ(قدس سره) بأنّ الأصل وإن كان كذلك إلاّ أنّـه لايترتّب على مقتضاه شيء، فإنّ حرمـة العمل با لظنّ يكفي في موضوعها مجرّد عدم العلم بورود التعبّد، من غير حاجـة إلى إحراز عدمـه.

وا لحاصل: أنّ أصا لـة عدم الحادث إنّما يحتاج إليها في الأحكام المترتّبـة على عدم ذلك الحادث، وأمّا الحكم المترتّب على عدم العلم بذلك الحادث فيكفي فيـه الشكّ فيـه، ولايحتاج إلى إحراز عدمـه بحكم الأصل، وهذا نظير قاعدة الاشتغال الحاكمـة بوجوب اليقين با لفراغ، فإنّـه لايحتاج في إجرائها إلى أصا لـة عدم فراغ الذمّـة، بل يكفي فيها عدم العلم با لفراغ(2)، انتهى.

واستشكل على هذا الكلام المحقّق الخراساني في «التعليقـة» بما حاصلـه: أنّ الحجّيـة وعدمها، وكذا إيجاب التعبّد وعدمـه بنفسهما ممّا يتطرّق إليـه الجعل، وتنا لـه يد التصرّف من الشارع، وما كان كذلك يكون الاستصحاب فيـه جارياً،

1 ـ كفايـة الاُصول: 322 ـ 323.

2 ـ فرائد الاُصول 1: 49 ـ 50.


439

كان هناك أثر شرعي يترتّب على المستصحب أو لا.

هذا، مع أنّـه لو كان الحجّيـة وعدمها من الموضوعات الخارجيـة التي لايصحّ الاستصحاب فيها إلاّ بملاحظـة الآثار الشرعيـة المترتّبـة عليها فإنّما لايكون مجال لاستصحاب عدم الحجّيـة فيما إذا لم يكن حرمـة العمل إلاّ أثر الشكّ فيها، لا لعدمها واقعاً. وأمّا إذا كانت أثراً لـه أيضاً فا لمورد وإن كان في نفسـه قابلاً لكل من الاستصحاب والقاعدة المضروبـة لحكم هذا الشكّ إلاّ أنّـه لايجري فعلاً إلاّ الاستصحاب ; لحكومتـه عليها.

والضابط: أنّـه إذا كان الحكم الشرعي مترتّباً على الواقع ليس إلاّ، فلامجال إلاّ للاستصحاب، وإذا كان مترتّباً على الشكّ فيـه كذلك فلا مجال إلاّ للقاعدة، وإذا كان مترتّباً على كليهما، فا لمورد وإن كان قابلاً لهما إلاّ أنّ الاستصحاب جار دونها ; لحكومتـه عليها.

وفيما نحن فيـه وإن كان حكم حرمـة العمل والتعبّد مترتّباً على الشكّ في الحجّيـة إلاّ أنّـه يكون مترتّباً أيضاً على عدمها ; لمكان ما دلّ على حرمـة الحكم بغير ما أنزل اللّـه، فيكون المتبع هو الاستصحاب.

ومن هنا انقدح الحال في استصحاب الاشتغال وقاعدتـه، وأنّها لا تجري معـه ; لوروده عليها(1)، انتهى ملخّصاً.

وقد أورد على هذا الاستشكال المحقّق النائيني ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ بما ملخّصـه: أنّ ما أفاده أولاً من أنّ الحجّيـة بنفسها من الأحكام، فلايتوقّف جريان استصحاب عدمها على أن يكون وراء المؤدّى أثر عملي.

ففيـه: أنّ ما اشتهر من أنّ الاُصول الحكميـة لايتوقّف جريانها على أن

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الخرساني: 80 ـ 81.


440

يكون في البين أثر عملي إنّما هو لأجل أنّ المؤدّى بنفسـه من الآثار العمليـة، وإلاّ فلايمكن أن تجري الاُصول.كيف، وهي وظائف عمليـة، والحجّيـة وإن كانت من الأحكام الوضعيّـة، وكانت بنفسها ممّا تنا لها يد الجعل إلاّ أنّها بوجودها الواقعي لايترتّب عليها أثر عملي أصلاً، والآثار المترتّبـة عليها منها ما يترتّب عليها بوجودها العلمي، ككونها منجّزة وعذراً، ومنها ما يترتّب على نفس الشكّ في حجّيتها، كحرمـة التعبّد بها، وعدم جواز إسناد مؤدّاها إلى الشارع.

فعدم الحجّيـة الواقعيـة بنفسـه لايقتضي الجري العملي، حتّى يجري استصحاب العدم ; إذ ليس لإثبات عدم الحجّيـة أثر إلاّ حرمـة التعبّد بها، وهو حاصل بنفس الشكّ في الحجّيـة وجداناً ; لما عرفت من أنّ الشكّ تمام الموضوع لحرمـة التشريع وعدم جواز التعبّد.

فجريان الاستصحاب لإثبات هذا الأثر يكون من تحصيل الحاصل، بل أسوأ حالاً منـه ; فإنّ تحصيل الحاصل فيما إذا كان المحصّل والحاصل من سنخ واحد، كلاهما وجدانيان أو تعبّديان، وفي المقام يلزم إحراز ما هو محرز با لوجدان با لتعبّد، فهو أسوأ حالاً منـه.

وأمّا ما أفاده ثانياً من أنّ حرمـة التعبّد بالأمارة كما تكون أثراً للشكّ في حجّيتها كذلك يكون أثراً لعدم حجّيتها واقعاً، ففي ظرف الشكّ يجري كلّ من الاستصحاب والقاعدة، ويقدّم الأوّل ; لحكومتـه.

ففيـه: أنّـه لايعقل أن يكون الشكّ في الواقع موضوعاً للأثر في عرض الواقع، مع أنّـه على هذا الفرض لايجري الاستصحاب أيضاً ; لأنّ الأثر يترتّب بمجرّد الشكّ لتحقّق موضوعـه، فلايبقى مجال لجريان الاستصحاب ; لأنّـه لا تصل النوبـة إلى إثبات بقاء الواقع ; ليجري فيـه الاستصحاب، فإنّـه في المرتبـة السابقـة على هذا الإثبات تحقّق موضوع الأثر، وترتّب عليـه. فأيّ فائدة في


441

جريان الاستصحاب ؟ !

وما قرع سمعك من أنّ الاستصحاب يكون حاكماً على القاعدة المضروبـة لحال الشكّ فإنّما هو فيما إذا كان ما يثبتـه الاستصحاب مغايراً لما تثبتـه القاعدة(1)، انتهى ملخّصاً.

أقول: والتحقيق أن يقال: إنّـه قد ظهر من مطاوي ما ذكرنا أنّ هنا عناوين ثلاثـة، قد وقع الخلط بينها في الكلمات التي نقلناها عن الأعلام:

أحدها: القول بغير علم الذي يدلّ على حرمتـه الآيـة والروايـة والعقل، ومن الواضح أنّ الموضوع فيـه إنّما هو نفس الشكّ وعدم العلم.

ثانيها: البدعـة والتشريع، بمعنى إدخال ما ليس من الدين في الدين، وإظهار أنّـه منـه، وهذا أمر واقعي لا ربط لـه بعلم المكلّف وجهلـه، فإنّ المكلّف قد يدخل في الدين ما لايكون باعتقاده منـه، مع أنّـه كان في الواقع من الدين، فهذا لايكون تشريعاً، ولايعاقب عليـه حينئذ. نعم، لو قلنا باستحقاق المتجرّي للعقاب يترتّب عليـه عقوبتـه، وقد يدخل في الدين ما يكون باعتقاده منـه، مع أنّـه ليس في الواقع منـه، فهذا تشريع واقعاً، ولكنّ المكلّف معذور في ارتكاب هذا الحرام ; لجهلـه بـه.

ثالثها: عنوان الكذب الذي هو أعمّ من البدعـة ; إذ تختصّ هي بما إذا اُدخل في الدين والشريعـة أو نقّص منـه، والأوّل أعمّ منها ومن الكذب في غير الأحكام الشرعيـة. ولايخفى أنّ الكذب أيضاً عنوان واقعي ; لأنّـه ليس إلاّ مخا لفـة القول للواقع، لا للاعتقاد، فقد يتحقّق مع اعتقاد خلافـه، وقد لايتحقّق مع اعتقاد ثبوتـه.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 127 ـ 131.


442

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه مع الشكّ في حجّيـة أصل أو أمارة يجري استصحاب عدم الحجّيـة الراجع إلى عدم كونـه من الدين، فيترتّب عليـه أنّـه لو أدخل في الدين يكون تشريعاً وبدعـة، فيخرج عن موضوع القول بغير علم ; لأنّ المراد با لعلم المأخوذ أعمّ من العلم الوجداني والظنّ الذي قام الدليل على اعتباره، فإذا ثبت بالاستصحاب عدم كونـه من الدين، فيصير من جملـة ما علم أنّـه ليس منـه، فلو ارتكبـه بأن أدخلـه في الدين يعاقب على البدعـة والتشريع والكذب مع المصادفـة، ولايعاقب على أنّـه قال بغير علم.

نعم، لو أسند إلى الشارع مضمون الأمارة التي شكّ في حجّيتها، مع قطع النظر عن استصحاب عدم الحجّيـة يعاقب على القول بغير العلم، ولايعاقب على البدعـة ; لأنّـه كانت الشبهـة شبهـة مصداقيـة لها، ولايكون الحكم حجّـة في الشبهات المصداقيـة لموضوعاتها، كما لايخفى.

فانقدح: أنّ الشكّ في الحجّيـة كما أنّـه موضوع لحرمـة التعبّد والنسبـة إلى الشارع، كذلك موضوع لاستصحاب عدم الحجّيـة لما يترتّب على عدمها من الأثر، وهوحرمـة إدخا لـه في الدين بعنوان أنّـه منـه، كما عرفت.


443

المقام الثالث

فيما قيل أو يمكن أن يقال

بخروجـه عن الأصل

وهو يشتمل على اُمور:


444

445

الأمرالأوّل

ظواهر كلمات الشارع

لايخفى أنّ حجّيـة كلام المتكلّم، والاحتجاج بـه عليـه يتوقّف على طيّ مراحل أربعـة:

أحدها: إثبات صدور الكلام منـه، والمتكفّل لذلك في الشرعيات هو بحث حجّيـة خبر الواحد الذي سيجيء فيما بعد.

ثانيها: كون الكلام الصادر من المتكلّم لـه ظهور، وهذا يتوقّف إثباتـه على التبادر وصحّـة السلب وقول اللغويين.

ثا لثها: هو كون هذا الظاهر مراداً لـه بالإرادة الاستعما ليـة.

رابعها: كون تلك الإرادة مطابقـة للإرادة الجدّيـة.

ولاشبهـة في أنّ الأصل العقلائي يحكم في المرحلـة الثا لثـة بكون الظاهر مراداً لـه بالإرادة الاستعما ليـة ; لأنّ احتمال عدم كونـه مراداً منشأه احتمال الغلط والخطأ، وهو منفي عندهم، ولايعتنون با لشكّ فيـه، كما هو بناؤهم في سائر أفعال الفاعلين، فإنّهم يحملونها على كونها صادرة من فاعلها على نحو العمد والاختيار، لا الخطأ والاشتباه. فإذا صدر من المتكلّم «أكرم زيداً» مثلاً، وشكّ في أنّ مقصوده


446

هل هو زيد أو كان مقصوده عمراً، غايـة الأمر أنّـه تكلّم بكلمـة زيد اشتباهاً وخطأً فلاشبهـة في عدم اعتنائهم بهذا الشكّ أصلاً.

وممّا ذكرنا ظهر: أنّـه ليس في هذه المرحلـة إلاّ أصا لـة عدم الخطأ والاشتباه، وأمّا أصا لـة الحقيقـة أو أصا لـة عدم التخصيص أو التقييد فلايجدي شيء منها في هذه المرحلـة ; لما حقّقناه سابقاً من أنّ المجاز ليس عبارة عن استعمال اللفظ في غير الموضوع لـه، كيف وإلاّ لايكون فيـه حسن أصلاً، بل هو عبارة عن استعمال اللفظ في الموضوع لـه، غايـة الأمر أنّـه قد ادّعى كون المعنى المجازي من مصاديق المعنى الحقيقي نظير ما ذكره السكّاكي في خصوص الاستعارة(1)، على تفاوت بينـه وبين ما ذكرنا.

فا للفظ في الاستعمال المجازي لايكون مستعملاً إلاّ في المعنى الحقيقي، ولا فرق بينــه وبين استعما لـه في معناه الحقيقي، وإرادتـه منـه من هذه الجهـة أصلاً، فأصا لـة الحقيقـة غير مجديـة في تعيين المراد الاستعما لي.

وأمّا أصا لـة العموم والإطلاق فقد عرفت في مبحثهما أنّ العامّ المخصّص لايكون مجازاً، ولم يكن لفظـه مستعملاً في ما عدا مورد التخصيص، بل كان المراد بالإرادة الاستعما ليـة في العامّ المخصّص وغيره واحداً، بلا تفاوت من حيثية الاستعمال أصلاً، وكذا أصا لة الإطلاق، فهما أيضاً لايرتبطان بهذه المرحلة.

وا لعجب من المحقّق العراقي(قدس سره) أنّـه مع اعترافـه بكون المراد الاستعما لي في العامّ المخصّص والمطلق المقيّد هو العموم والإطلاق(2) ذكر على ما في تقريرات بحثـه: أنّ الذي يرفع الشكّ في مطابقـة الإرادة الاستعما ليـة لظهور

1 ـ مفتاح العلوم: 157 ـ 158.

2 ـ نهايـة الأفكار 2: 512.


447

ا لكلام هي الاُصول العدميـة، من أصا لـة عدم القرينـة وأصا لـة عدم التخصيص والتقييد(1).

هذا، وأمّا المرحلـة الرابعـة: فالأصل فيها هو أصا لـة تطابق الإرادتين الاستعما ليـة والجدّيـة. وبهذا الأصل يرفع الشكّ عن احتمال المجازيـة والتخصيص والتقييد، وأمّا أصا لـة الحقيقـة وأصا لـة العموم وأصا لـة الإطلاق فليست اُصولاً مستقلّـة، بل مرجعها إلى أصا لـة التطابق.

وأمّا أصا لـة عدم القرينـة فليست أصلاً مستقلاّ أيضاً ; لأنّ منشأ احتمال وجود القرينـة وعدمها فعلاً إمّا عدم ذكر المتكلّم لها عمداً، وإمّا عدم ذكره سهواً واشتباهاً. فعلى الثاني يكون الأصل هو أصا لـة عدم الخطأ والاشتباه، وعلى الأوّل يكون الأصل هو إفادة المتكلّم جميع مرامـه.

هذا، ولو كان المنشأ هو احتمال إسقاط الواسطـة القرينـة فاحتمال إسقاطـه سهواً منفي أيضاً بأصا لـة عدم الخطأ والاشتباه، واحتمال إسقاطـه عمداً منفي باعتبار الوثاقـة فيـه، فلم يوجد مورد يحتاج فيـه إلى أصا لـة عدم القرينـة.

وأمّا أصا لـة الظهور التي تمسّك بها كثير من المحقّقين فلايخفى أنّ إسناد الأصل إلى الظهور مجرّداً لا معنى لـه، وحينئذ فلابدّ إمّا أن يقال: إنّ الأصل هو كون هذا المعنى ظاهراً للّفظ، وإمّا أن يقال: بأنّ الأصل هو كون الظهور مراداً للمتكلّم بالإرادة الجدّيـة، ومن المعلوم أنّ الأوّل لا ارتباط لـه بمسألـة حجّيـة الظواهر، والثاني مرجعـه إلى أصا لـة تطابق الإرادتين المتقدّمـة، ولايكون أصلاً برأسـه.

فانقدح من جميع ما ذكرنا: أنّ الأصل الجاري في تعيين المراد الاستعما لي

1 ـ نفس المصدر 3: 85 ـ 86.


448

هو أصا لـة عدم الغلط والخطأ والاشتباه، والجاري في تعيين المراد الجدّي هو أصا لـة التطابق بين الإرادتين، ولا إشكال في أنّها أصل معتمد عند العقلاء، ولا فرق في حجّيـة الظهورات عندهم بين صورتي حصول الظنّ الشخصي با لوفاق وعدمـه، كما أنّـه لا فرق بين صورتي حصول الظنّ الشخصي با لخلاف وعدمـه، ولابين من قصد إفهامـه وغيره.

ومن هنا يظهر: ضعف ما حكي عن المحقّق القمي من التفصيل بين من قصد إفهامـه وغيره(1) ; لأنّ دعواه ممنوعـة صغرى وكبرى ; لأنّ بناء العقلاء على العمل با لظواهر مطلقاً إلاّ فيما إذا اُحرز أن يكون بين المتكلّم والمخاطب طريقـة خاصّـة من ا لمحاورة على خلاف المتعارف، فإنّه لايجوزا لأخذ بظاهركلامه لغيرا لمخاطب.

هذا، مضافاً إلى أنّ دعوى اختصاص الخطابات الصادرة عن الأئمّـة (عليهم السلام)بخصوص المخاطبين بتلك الخطابات، وأنّهم هم المقصودون بالإفهام، ممنوعـة جدّاً ; ضرورة أنّ كلامهم لايكون إلاّ مثل الكتب المؤلّفـة التي لايكون المقصود منها إلاّ نفي بيان المعاني، من غير مدخليـة لمخاطب خاصّ، كما هو واضح.

ثمّ إنّـه لا فرق أيضاً في حجّيـة الظواهر بين ظهور الكتاب وغيره. وما حكي من الأخباريين من عدم حجّيـة ظواهر الكتاب ففساده أظهر من أن يخفى. وقد استدلّوا على ذلك بوجوه ضعيفـة، منها: مسألـة التحريف الذي قام الإجماع، بل الضرورة من ا لشيعـة على خلافـه، ويدلّ على بطلانـه الأخبارا لكثيرة، ويساعده الوجوه العقليـة أيضاً، ومنها غير ذلك ممّا ذكر مع جوابها في «ا لرسا لـة» و«ا لكفايـة»(2)، فراجع.

1 ـ قوانين الاُصول 1: 398 / السطر 22.

2 ـ فرائد الاُصول 1: 56 ـ 64، كفايـة الاُصول: 323 ـ 329.


449

الأمر الثاني

قول اللّغوي

واستدلّ على حجّيتـه بأنّ اللغوي من أهل الخبرة والصناعـة، وبناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة من كلّ صنعـة فيما اختصّ بها، فإنّ رجوع الجاهل إلى العا لم من الارتكازيات التي لاريب فيها عند العقلاء، ولم يثبت من الشارع ردع عن هذا البناء، فمن ذلك يستكشف رضاه با لمراجعـة إلى اللغـة، وتشخيص موضوعات الأحكام منها، كما لايخفى.

هذا، وقد اُجيب عن ذلك بمنع كون اللغوي من أهل الخبرة ; ضرورة أنّ همّـه تشخيص موارد الاستعمال، وأنّ اللّفظ الفلاني قد استعمل في معنى واحد أو متعدّد، وأمّا تعيين الحقائق من المجازات والمشتركات من غيرها فلايستفاد من كتب اللغـة أصلاً، بل ولايدعيـه لغوي أيضاً(1).

هذا، ولكن لايخفى: أنّـه لو سلّمنا الصغرى، وأنّ اللغوي من أهل الخبرة والصناعـة فإثبات الكبرى في غايـة الإشكال ; لما هو واضح من أنّ حجّيـة بناء

1 ـ كفايـة الاُصول: 330.


450

ا لعقلاء في الاُمور الشرعيـة إنّما يتوقّف على إحراز رضا الشارع بتبعيـة ذلك البناء، ولو كان ذلك مستكشفاً من عدم الردع عنـه، مع كونـه بمرئى ومسمع منـه.

ومن المعلوم أنّ كاشفيـة عدم الردع عن الرضا إنّما هو فيما لو كان بناء العقلاء على أمر متصلاً بزمان الشارع، وثابتاً فيـه، وإثبات ذلك في المقام مشكل ; لعدم إحراز أنّـه كان في زمن الشارع علم مدوّن مورد لمراجعـة الناس، وكان ذلك بمنظر منهم، فإنّ الظاهر أنّ علم اللغـة من العلوم المستحدثـة في القرون المتأخّرة عن زمن الشارع، فليس ذلك كا لبناء على العمل بخبر الواحد واليد وأصا لـة الصحّـة، بل والتقليد، فإنّ الظاهر ثبوتـه في زمان الأئمّـة (عليهم السلام)، كما يظهر من الروايات.

وبالجملـة: فلم يثبت مراجعـة الناس إلى أهل اللغـة في زمانهم (عليهم السلام)، حتّى يستكشف من عدم الردع الرضا والإمضاء، كما لايخفى.


451

الأمر الثالث

الإجماع المنقول

ولابدّ قبل الخوض في المقصود من البحث في جهات:

الجهـة الأولى: في تعريف الإجماع

إنّ الإجماع عند العامّـة حجّـة بنفسـه في مقابل سائر الأدلّـة، وقد عرّفوه بتعاريف:

منها: ما عن الغزا لي: «أنّـه عبارة عن اتفاق اُمّـة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) على أمر من الاُمور الدينيـة»(1).

منها: ما عن الرازي من تفسيره «بأنّـه اتفاق أهل الحلّ والعقد من اُمّـة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) على أمر من الاُمور»(2).

منها: ما عن الحاجبي من تعريفـه «بأنّـه اتفاق المجتهدين من هذه الاُمّـة

1 ـ المستصفى 1: 173.

2 ـ المحصول في علم الاُصول 2: 3.


452

على أمر من الاُمور»(1).

والظاهر: أنّ استنادهم في حجّيـة الإجماع إلى ما رووه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّـه قال: «لا تجتمع اُمّتي على الضلالـة أو الخطأ»(2) هذا، ولايخفى: أنّ ظاهر هذه الروايـة مطابق لتعريف الغزا لي، ولكن الغزا لي وغيره لمّا رأوا أنّ ذلك ينافي مع ثبوت الخلافـة لأبي بكر ومن بعده من مشايخهم أعرضوا عن هذا التعريف، مع أنّ تعريفهم أيضاً لايثبت مقصودهم ; ضرورة عدم تحقّق الاتفاق من جميع أهل الحلّ والعقد، وكذا من جميع المجتهدين، كما هو واضح.

هذا، وأمّا الإجماع عند الإماميـة فليس دليلاً مستقلاّ برأسـه، بل حجّيتـه إنّما هو لكشف ذلك عن رأي المعصوم(عليه السلام) فهو الحجّـة، والإجماع كاشف عنها، إمّا من باب اللطف أو الحدس أو غيرهما من الوجوه التي ستجيء، ولايكون لمجرّد الاتفاق في نظرهم استقلال با لدليليـة، كما لايخفى.

الجهـة الثانيـة: في عدم شمول أدلّـة حجّيـة الخبر للإجماع

لايخفى أنّ العمدة في باب أدلّـة حجّيـة خبر الواحد هو بناء العقلاء على العمل بـه في اُمورهم وسياسياتهم، كما سيجيء تحقيقـه، ومن الواضح أنّ ذلك من الأدلّـة اللّبيـة التي لا إطلاق لها، وحينئذ فنقول: لا إشكال في ثبوت بنائهم على العمل بخبر الواحد فيما إذا كان المخبر بـه من الاُمور المحسوسـة بإحدى الحواسّ الخمسـة الغير الغريبـة، ولايبعد أن يقال بثبوت ذلك أيضاً فيما إذا لم يكن المخبر بـه من الاُمور المحسوسـة، ولكن يعدّ عند العرف كا لمحسوسات ;

1 ـ شرح العضدي 1: 122.

2 ـ بحار الأنوار 2: 225 / 3 و 28: 104 / 3.


453

لقربـه إلى الحسّ، كا لشجاعـة والسخاوة ونحوهما من الاُمور القريبـة إلى الحسّ.

وأمّا لو كان المخبر بـه من المحسوسات الغريبـة الغير العاديـة، أو كان بعيداً عن الحسّ، بل كان محتاجاً إلى الاجتهاد ونحوه ممّا يتطرّق إليـه الخطأ والاشتباه فلم يثبت بناء العقلاء على العمل بقول شخص واحد فيها ; إمّا لكون العمل بـه مشروطاً بإحراز كون المخبر ثقـة ـ وهذا المعنى يبعد تحقّقـه مع الإخبار بالاُمور الغريبـة ـ أو لكون المخبر وإن كان ثقـة إلاّ أنّ أصا لـة عدم الخطأ والاشتباه لا تجري عندهم في مثل تلك الاُمور.

الجهـة الثالثـة: في وجـه حجّيـة الإجماع

قد عرفت أنّ وجـه اعتبـار الإجماع هو القطع برأي الإمام(عليه السلام)، ومستند القطع بـه:

إمّا العلم بدخولـه(عليه السلام) في المجمعين شخصاً.

وإمّا لزوم أن يكون رأيـه في جملـة رأيهم من باب قاعدة اللطف التي مرجعها في المقام إلى وجوب إلقاء الخلاف على الإمام(عليه السلام) لو رأى اجتماع الاُمّـة على أمر غير واقعي.

وإمّا الملازمـة العاديـة بين رأي العلماء ورأيـه(عليه السلام) وحدسـه من اتفاقهم.

وإمّا الملازمـة بين ذلك وبين وجود دليل معتبر عندهم وإن لم يصل إلينا.

هذا، والوجـه الأوّل لايكاد يتفق في زمان الغيبـة ; لعدم العلم بدخولـه(عليه السلام)في جملـة المجمعين، إلاّ نادراً، كما لايخفى.

وا لوجـه الثاني لايتمّ ; لعدم الدليل على وجوب ذلك على الإمام(عليه السلام). والوجـه الرابع أيضاً مخدوش ; لأنّـه لو كان اتفاقهم على أمر مستنداً إلى دليل


454

معتبر لكان اللازم نقل ذلك الدليل في كتبهم ; خصوصاً مع ما نرى منهم من حرصهم على جمع الأخبار المأثورة عن الأئمّـة (عليهم السلام).

والحقّ هو الوجـه الثالث، الذي مرجعـه إلى الملازمـة العاديـة بين اتفاق المرؤوسين ورضا الرئيس، كما هو كذلك في الاُمور الدنيويـة، فإنّ من ورد في بلد مثلاً، ورأى أمراً رائجاً بين أهل ذلك البلد يحدس حدساً قطعياً بأنّ هذا قانون ذلك البلد، كما لايخفى.

هذا، ولكن ذلك الحدس إنّما هو فيما إذا لم يكن في مورد الإجماع أصل أو قاعدة أو دليل موافق لما اتفقوا عليـه، فإنّـه مع وجود ذلك يحتمل أن يكون مستند الاتفاق أحد هذه الاُمور، فلايكشف اتفاقهم عن رضا الرئيس بذلك واقعاً، كما لايخفى.

هذا، ويرد على الوجـه الرابع أيضاً: أنّ الكشف عن دليل معتبر ـ على فرض تماميتـه ـ لايفيد با لنسبـة إلينا ; لاحتمال أنّـه لو كان واصلاً إلينا لفهمنا منـه غير ما فهموا ; لاختلاف الأنظار في فهم الظهورات.

إذا عرفت هذه المقدّمات تظهر لك: أنّ نقل الإجماع لايكون حجّـة ومشمولاً لأدلّـة حجّيـة خبر الواحد ; من حيث المسبّب ; لما عرفت من انحصار أدلّـة حجّيتـه بما إذا كان المخبر بـه من الاُمور المحسوسـة القريبـة، وهنا ليس كذلك ; لأنّـه على تقدير كون مستند الناقل هو القطع بدخولـه(عليه السلام) في جملـة المجمعين فا لمسبّب وإن كان أمراً محسوساً، إلاّ أنّـه من المحسوسات الغريبـة الغير العاديـة التي لايكتفى فيها بإخبار واحد.

وعلى تقدير كون مستنده هو الملازمـة العاديـة الراجعـة إلى حدس رأي الإمام(عليه السلام) من آراء المرؤوسين فا لمسبّب لايكون حينئذ من الاُمور المحسوسـة ; لأنّـه وصل إليـه من طريق الحدس والاجتهاد، والذي لاتجري فيـه أصا لـة عدم


455

ا لخطأ والاشتباه، كما عرفت.

فنقل الإجماع ; من حيث تضمّنـه لنقل المسبّب لايكون حجّـة أصلاً، وأمّا من حيث نقل السبب فيكون حجّـة بلاريب ; لكونـه من الاُمور المحسوسـة الغير الغريبـة. وحينئذ فإن كان السبب تامّاً ; من حيث السببيـة بنظر المنقول إليـه أيضاً يستفيد من ذلك رأي المعصوم(عليه السلام)، وإلاّ فيضمّ إليـه مقداراً يوجب تمام السبب، فيستكشف منـه رأيـه(عليه السلام)، وإلاّ فلايترتّب على نقلـه أثر ; من حيث استكشاف رأي المعصوم(عليه السلام).


456

الأمر الرابع

الشهرة في الفتوى

وا لظاهر حجّيتها إذا كانت متحقّقـة بين قدماء الأصحاب إلى زمن الشيخ أبي جعفر الطوسي(قدس سره) ; لملاك حجّيـة الإجماع فيها، فإنّـه إذا كان الفتوى على حكم مشهوراً بين الفقهاء الذين هم حَملـة علوم أهل البيت، والأخبار المأثورة عنهم بحيث كان خلافـه شاذّاً نادراً يستكشف من ذلك أنّ رأي المعصوم(عليه السلام) إنّما هو مطابق لـه ; إذ لايعتبر في هذا الكشف اتفاق الكلّ، بل يكفي فتوى المعظم منهم.

ولكن ذلك إنّما هو إذا كان الفتوى مشتهراً بين القدماء ; لأنّ بنائهم في التأليف والتصنيف على ضبط الاُصول المتلقّاة من الأئمّـة (عليهم السلام)، من دون التعرّض للتفريعيات، كما هو ديدن المتأخّرين منهم، فا لشهرة بين القدماء كإجماعهم حجّـة ; لوجود ملاك حجّيتـه فيها، كما عرفت.

هذا، ويمكن أن يستدلّ لـه بما في مقبولـة عمر بن حنظلـة، بعد فرض الراوي كون الحاكمين عدلين مرضيين، لايفضل واحد منهما على الآخر من قولـه(عليه السلام): «ينظر إلى من كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما بـه المجمع


457

عليـه بين أصحابك، فيؤخذ بـه من حكمهما، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليـه لاريب فيـه، وإنّما الاُمور ثلاثـة: أمرٌ بيّن رشده فيتبع، وأمر بيّن غيّـه فيجتنب، وأمر مشكل يردّ حكمـه إلى اللّـه تعالى».

إ لى أن قال قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين، قد رواهما الثقات عنكم. قال: «ينظر...» ا لحديث(1)، فإنّ وجوب الأخذ با لخبر المجمع عليـه بين ا لأصحاب ; معلّلاً بأنّ المجمع عليـه لاريب فيـه إنّما يتمّ فيما لو كان الخبر مشهوراً بين الأصحاب ; من حيث الفتوى على طبق مضمونـه، وإلاّ فمجرّد اشتهاره روايـة، بأن نقلـه الأكثر في كتب حديثهم، ولو مع إطراحـه، وعدم الفتوى على طبق مضمونـه لايوجب أن يكون ممّا لاريب فيـه، فيجب الأخذ بـه من هذه الجهـة.

ويؤيّده الاستشهاد بحديث التثليث، فإنّ مجرّد الاشتهار ; من حيث الروايـة لايوجب أن يكون الخبر من أفراد بيّن الرشد. نعم، ينافي ذلك قولـه في الذيل: «فإن كان الخبران عنكم مشهورين، قد رواهما الثقات عنكم» فإنّ الشهرة الفتوائيـة ممّا لايعقل أن تكون في طرفي المسألـة، مضافاً إلى أنّ التعبير بقولـه: «قد رواهما الثقات عنكم» يؤيّد أنّ النظر إنّما هو في حيثيـة صحّـة الروايـة، واشتهاره بين الثقات، وكذا ينافي ذلك التعبير عن الشهرة بـ «ا لمجمع عليـه»، فإنّ ذلك يتمّ لو كان المراد بها هي الشهرة في الروايـة الحاصلـة بتدوين الكلّ، واتفاقهم على روايتـه، ولاينافيـه تدوين بعضهم للروايـة الغير المشهورة أيضاً، وأمّا لو كان المراد بها هي الشهرة في الفتوى فلايتمّ هذا التعبير.

1 ـ الكافي 1: 67 / 10، وسائل الشيعـة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1.


458

هذا، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنّ المقصود بالإجماع في الروايـة ليس اتفاق الكلّ، فإنّ جلّ الأصحاب لو ذهبوا إلى أمر، وأفتوا على طبق روايـة يصحّ عرفاً أن يقال: إنّ هذه الروايـة تكون مجمعاً عليها. وأمّا قولـه: «فإن كان الخبران عنكم مشهورين» فيمكن أن يقال بعدول السائل عن السؤال عن ترجيح أحد الحكمين أو مستندهما على الآخر إلى السؤال عن حكم تعارض الخبرين اللذين رواهما الثقات، فتأمّل.

هذا، ولو سلّمنا كون المراد با لشهرة في المقبولـة هي الشهرة ; من حيث الروايـة فلا إشكال في أنّ المراد بقولـه: «فإنّ المجمع عليـه لاريب فيـه» هي مطلق ما يكون مجمعاً عليـه، فيكون بمنزلـة كبرى كلّيـة يمكن التمسّك بها في جميع صغرياتـه التي منها الشهرة في الفتوى.

وأمّا ما أفاده في «التقريرات» ممّا ملخّصـه: أنّ التعليل ليس من العلّـة المنصوصـة ليكون من الكبرى الكلّيـة التي يتعدّى عن موردها، فإنّ المراد با لمجمع عليـه إن كان هو الإجماع المصطلح فلايعمّ الشهرة الفتوائيـة، وإن كان المراد منـه المشهور فلايصحّ حمل قولـه: «ممّا لاريب فيـه» عليـه بقول مطلق، بل لابدّ أن يكون المراد منـه عدم الريب بالإضافـة إلى ما يقابلـه، وهذا يوجب خروج التعليل عن كونـه كبرى كلّيـة ; لأنّـه يعتبر فيها صحّـة التكليف بها ابتداءً، بلا ضمّ المورد إليها، والمقام ليس كذلك ; لأنّـه لايصحّ أن يقال: يجب الأخذ بكلّ ما لاريب فيـه بالإضافـة إلى ما يقابلـه، وإلاّ لزم الأخذ بكلّ راجح با لنسبـة إلى غيره، وبأقوى الشهرتين، وبا لظنّ المطلق، وغير ذلك من التوا لي الفاسدة، فا لتعليل أجنبي عن أن يكون كبرى كلّيـة عامّـة(1).

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 154 ـ 155.


459

ففيـه: أنّ عدم الريب المحمول في الروايـة على المجمع عليـه ليس عدم الريب بالإضافـة إلى ما يقابلـه، بل هو من المعاني النفسيـة التي لاتقبل الإضافـة، فا لمراد: أنّ كلّ ما يكون عند العرف ممّا لاريب فيـه يجب الأخذ بـه، وعدم الاعتناء باحتمال خلافـه، ولايلزم شيء من التوا لي الفاسدة، كما هو واضح.


460

الأمر الخامس

خبـر الواحـد

ممّا خرج عن أصا لـة حرمـة التعبّد با لظنّ، وقام الدليل على حجّيتـه با لخصوص، خبر الواحد واختلفت أقوال العلماء في حجّيتـه وعدمها.

أدلّـة عدم حجّيـة خبر الواحد

وقد حكي عن السيّد والقاضي وابن زهرة والطبرسي وابن إدريس عدم حجّيـة خبر الواحد(1)، واستدلّ لهم بالآيات الناهيـة عن اتباع غير العلم. وا لتحقيق في الجواب عن هذا الاستدلال: أنّ الآيات الناهيـة بعضها ظاهر في الاُصول الاعتقاديـة، مثل قولـه تعا لى: (إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(2)،

1 ـ الذريعـة إلى اُصول الشريعـة 2: 528، المهذّب 2: 598، غنيـة النزوع 2: 356، مجمع البيان 9: 199، السرائر 1: 50.

2 ـ النجم (53): 28.


461

وبعضها أعمّ منها، مثل قولـه تعا لى: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(1).

أمّا الطائفـة الاُولى فغير مرتبطـة با لمقام، وأمّا الطائفـة الثانيـة فمضافاً إلى عدم إبائها عن التخصيص بالأدلّـة الآتيـة الدالّـة على اعتبار الخبر يرد عليـه أنّ الاستدلال بها مستلزم لعدم جوازا لاستدلال بـه، ومايلزم من وجوده العدم لايجوزا لاستدلال بـه.

توضيحـه: أنّ قولـه: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، قضيـة حقيقيـة تشمل كلّ ما وجد في الخارج، وكان مصداقاً لغير العلم، فيشمل دلالـة نفسها ; لأنّها ليست إلاّ ظنّيـة ; لكونها ظاهرة في الدلالـة على المنع، والظواهر كلّها ظنّيـة. وبا لجملـة: إذا لم يجز اتباع غير العلم بمقتضى الآيـة لم يجز اتباع ظاهرها ; لكونـه غير علمي، والفرض شمولها لنفسها ; لكونها قضيـة حقيقيـة.

إن قلت: لزوم هذا المحذور من شمول الآيـة لنفسها دليل على التخصيص وعدم الشمول.

قلت: كما يرتفع المحذور بذلك كذلك يرتفع بالالتزام بعدم شمولها لمثل الظواهر ممّا قام الدليل على حجّيتـه، فتختصّ الآيـة با لظنون التي هي غير حجّـة، ولا ترجيح للأوّل، لو لم نقل بترجيح الثاني باعتبار أنّ الغرض منها هو الردع عن اتباع غير العلم، ولا تصلح للرادعيـة إلاّ بعد كونها مفروضـة الحجّيـة عند المخاطبين، ولا تكون حجّـة إلاّ بعد ثبوت كون الظواهر حجّـة ومورداً لبناء العقلاء.

فالآيـة لا تشمل ما كان من قبيلها من الظنون، ومرجع ذلك إلى أنّ تلك الظنون لايكون بنظر العقلاء مصداقاً لما ليس لهم بـه علم، وإلاّ لكان اللازم عند

1 ـ الإسراء (17): 36.


462

نزول الآيـة الشريفـة أن يرفع الناس أيديهم عن اشتغالاتهم المبتنيـة بحسب الغا لب على الاُمور الظنّيـة، كا ليد وأصا لـة الصحّـة وغيرهما، مع وضوح خلافـه، وليس ذلك إلاّ لعدم كون هذه الظنون داخلـة عندهم في الآيـة. وخبر الواحد أيضاً من هذا القبيل، كما هو واضح.

وقد أفاد بعض الأعاظم ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ في مقام الجواب عن الاستدلال بالآيـة ما ملخّصـه: أنّ نسبـة الأدلّـة الدالّـة على جواز العمل بخبر الواحد إلى الآيات ليست نسبـة التخصيص، حتّى يقال بأنّها آبيـة عنـه، بل نسبـة الحكومـة، فإنّ تلك الأدلّـة تقتضي إلغاء احتمال الخلاف، وجعل الخبر محرزاً للواقع، فيكون حا لـه حال العلم في عا لم التشريع، فلا تشملـه الأدلّـة الناهيـة عن العمل با لظنّ، هذا في غير السيرة العقلائيـة.

وأمّا فيها فيمكن بوجـه أن تكون نسبتها إلى الآيات نسبـة الورود، بل التخصّص ; لأنّ عمل العقلاء بخبر الثقـة ليس من العمل با لظنّ ; لعدم التفاتهم إلى احتمال مخا لفـة الخبر للواقع، فا لعمل بخبر الثقـة خارج با لتخصّص عن العمل با لظنّ. هذا، مضافاً إلى عدم صلاحيتها للرادعيـة عن السيرة العقلائيـة ; للزوم الدور المحال ; لأنّ الردع عن السيرة بها يتوقّف على أن لا تكون السيرة مخصّصـة لعمومها، وعدم كونها مخصّصـة لعمومها يتوقّف على أن تكون رادعـة منها(1)، انتهى.

ويرد عليـه: أنّ ما ذكره من إباء الآيات عن التخصيص لايتمّ في مثل قولـه: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ; لعدم اختصاصها بالاُصول الاعتقاديـة.

وأمّا مسألـة الحكومـة فلا أساس لها ; لأنّ الأخبار الدالّـة على جواز العمل

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 161 ـ 162.


463

بقول الثقـة لم يكن لسانها لسان الحكومـة ; بحيث كان مفادها هو إلغاء احتمال الخلاف. وقولـه(عليه السلام) في بعض الأخبار: «العمري ثقـة فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول»(1) لايدلّ على الحكومـة ; لأنّـه ليس مفادها إلاّ العمل بقولـه ; لوثاقتـه، لا وجوب إلغاء احتمال الخلاف.

وأمّا ورود السيرة العقلائيـة على الآيات فممنوعـة ; لعدم كون العمل با لخبر عندهم من العمل با لعلم، ولو سلّم غفلتهم عن احتمال الخلاف فلايوجب ذلك أيضاً تحقّق الورود أو التخصيص، فإنّ موردهما هو الخروج عن الموضوع واقعاً، لا عند المخاطب. والفرق بينهما: أنّ الأوّل إنّما هو مع إعمال التعبّد، بخلاف الثاني.

وأمّا ما أفاد أخيراً من لزوم الدور ففيـه ـ مضافاً إلى جريان الدور في المخصّصيـة أيضاً، كما لايخفى ـ أنّ توقّف الرادعيـة إنّما هو على عدم مخصّص حاصل ; إذ لا مخصّص في البين جزماً ; لأنّ النواهي الرادعـة حجّـة في العموم، ولابدّ من رفع اليد عنها بحجّـة أقوى، ولا حجّيـة للسيرة بلا إمضاء الشارع، فا لرادع رادع فعلاً، والسيرة حجّـة لو أمضاها الشارع، وهو منتف مع هذه المناهي. وبا لجملـة: فعدم كون السيرة مخصّصـة للآيات الناهيـة وإن كان متوقّفاً على كونها رادعـة عنها إلاّ أنّ رادعيتها لا تتوقّف على شيء.

هذا، ويمكن تقريب الورود با لنسبـة إلى أدلّـة حجّيـة الخبر الواحد بأن يقال: إنّ العلم الذي نهى عن اتباعـه لايكون المقصود بـه هو العلم المقابل للظنّ، بل المراد بـه هو الحجّـة، ولو كانت ظنّيـة. فمفاد الآيـة إنّما هو النهي عن اتباع

1 ـ الكافي 1: 329 / 1، وسائل الشيعـة 27: 138، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 4.


464

غير الحجّـة، وأدلّـة حجّيـة خبر الواحد إنّما تكون مثبتـة لحجّيتـه، فتكون واردة عليها.

كما أنّـه يمكن أن يقال ـ بعد إبقاء العلم على معناه الظاهر المرادف لليقين ـ: إنّ العمل بخبر الواحد ليس عملاً بغير العلم واتباعاً لـه ; لأنّـه وإن كان كشفـه عن الواقع كشفاً ظنّياً، ولايحصل العلم منـه إلاّ أنّـه بعد قيام الدليل القطعي من السيرة أو غيرها على حجّيتـه يكون العمل في الحقيقـة عملاً با لعلم، كما هو واضح.

فانقدح ممّا ذكرنا: أنّ الاستدلال في المقام بالآيات الناهيـة استدلال في غير محلّـه، كما عرفت.

وقد يستدلّ لهم أيضاً با لروايات الدالّـة على ردّ ما لم يكن عليـه شاهد من كتاب اللّـه أو شاهدان(1) أو لم يكن موافقاً للقرآن(2) أو لم يعلم أنّـه قولهم (عليهم السلام)إ ليهم(3)، أو على بطلان ما لايصدقـه كتاب اللّـه(4)، أو على أنّ ما لايوافق كتاب ا للّـه زخرف(5)، أو مثل ذلك من التعبيرات. ولكن لايخفى أنّها أخبار آحاد، لا مجال للاستدلال بها على عدم حجّيتها. ودعوى تواترها إجمالاً وإن لم يكن

1 ـ الكافي 2: 222 / 4، وسائل الشيعـة 27: 112، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 18.

2 ـ وسائل الشيعـة 27: 112 و 119، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 19 و 35.

3 ـ وسائل الشيعـة 27: 119، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 36.

4 ـ المحاسن: 221 / 129.

5 ـ الكافي 1: 69 / 3 و 4، وسائل الشيعـة 27: 110 و 111، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 12 و 14.


465

متواترة لفظاً أو معناً إنّما تجدي ـ على تقدير تسليمها ـ با لنسبـة إلى القدر المتيقّن، ومورد توافق الجميع، وهو بطلان الخبر المخا لف، ولابأس بالالتزام بعدم حجّيتـه، كما هو واضح.

أدلّـة حجّيـة خبر الواحد

ثمّ إنّـه قد استدلّ للمشهور بالأدلّـة الأربعـة:

الدليل الأوّل: الآيات

منها: آيـة النبأ

قال اللّـه تبارك وتعا لى: (إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا...)(1) ويمكن تقريب الاستدلال بها بوجوه:

الأوّل: من جهـة مفهوم الشرط، وأنّ تعليق الحكم بإيجاب التبيّن على كون الجائي با لخبر فاسقاً يدلّ على انتفاء الوجوب عند عدم الشرط.

الثاني: من جهـة مفهوم الوصف وأنّ وجوب التبيّن إنّما جعل محمولاً على خبر الفاسق ; فينتفي عند انتفائـه.

الثالث: من جهـة مناسبـة الحكم والموضوع، فإنّ وجوب التبيّن إنّما يناسب مع كون الجائي با لخبر فاسقاً.

الرابع: من جهـة ذكر الفاسق في الموضوع، فإنّـه مركّب من الخبر ومن

1 ـ الحجرات (49): 6.


466

كون الجائي بـه فاسقاً، وهو يدلّ على مدخليـة ذلك في ترتّب المحمول، وإلاّ لكان ذكره لغواً، كما هو واضح.

هذا، ويرد على الاستدلال بالآيـة من جهـة مفهوم الشرط: أنّـه ـ على تقدير تسليم ثبوت المفهوم لمطلق القضايا الشرطيـة وللآيـة با لخصوص ـ أنّ ماجعل في الآيـة جزاءً لمجيء الفاسق با لنبأ بحسب الظاهر لايناسب مع الشرط، ولا ارتباط بينهما، فلابدّ أن يكون الجزاء أمراً آخر محذوفاً يدلّ عليـه المذكور.

توضيح ذلك: أنّ التبيّن عبارة عن التفحّص والتحقيق ليظهرا لأمر ويتبيّن، ومن الواضح أنّ التبيّن عند مجيء الفاسق با لخبر لايوجب العمل بخبر الفاسق، من حيث مجيئـه بـه، بل يكون العمل حينئذ على طبق ما يتبيّن، بلا مدخليـة إتيان الفاسق بـه.

وبا لجملـة: فوجوب التبيّن والعمل على طبقـه ممّا لا ارتباط لـه بمجيء الفاسق با لخبر، فا للازم أن يكون الجزاء هو عدم الاعتناء بخبره وعدم الاعتماد بقولـه، فمنطوق الآيـة حينئذ عبارة عن أنّـه لو جاءكم فاسق بنبأ فتوقّفوا، ولا ترتّبوا عليـه الأثر أصلاً. وحينئذ فا لحكم في المفهوم إنّما هو نفي التوقّف والإطراح با لكلّيـة، وهو لايثبت أزيد من ترتيب الأثر على قول العادل في الجملـة، الغير المنافي مع اشتراط عدل آخر، كما لايخفى.

هذا، ويؤيّد ما ذكرنا: أنّ المنقول عن بعض القرّاء هو «تثبّتوا» موضع «تبيّنوا»(1)، والتثبّت التوقّف، فتدبّر.

هذا كلّـه على تقدير تسليم ثبوت المفهوم للآيـة، مع أنّ لنا المنع منـه، كما أفاده الشيخ المحقّق الأنصاري في «ا لرسا لـة»، ومحصّلـه: أنّ الجزاء هو وجوب

1 ـ الكشّاف 4: 360، مجمع البيان 9: 198، كنز الدقائق 9: 589.


467

ا لتبيّن عن الخبر الذي جاء بـه الفاسق لا مطلق الخبر، كما هو واضح، ومن المعلوم انتفاء ذلك عند انتفاء الشرط، وهو مجيء الفاسق با لخبر ; لانتفاء الحكم بانتفاء موضوعـه ; إذ لايعقل التبيّن عن خبر الفاسق مع عدم مجيئـه بـه. وحينئذ فا لقضيـة السا لبـة المفهوميـة إنّما هي سا لبـة بانتفاء الموضوع، فتكون الجملـة الشرطيـة مسوقـة لبيان تحقّق الموضوع، كما في قول القائل: «إن رزقت ولداً فاختنـه» ونظائر هذا المثال(1).

وهنا تقريبات لبيان ثبوت المفهوم للآيـة:

أحدها: ما أفاده في «ا لكفايـة»: أنّ الشرط هو كون الجائي با لخبر فاسقاً، والموضوع المفروض هو نفس النبأ المتحقّق، فمرجع الآيـة إلى أنّ النبأ إن كان الجائي بـه فاسقاً، فيجب التبيّن، ومفهومـه أنّـه إن لم يكن الجائي بـه فاسقاً فينتفي وجوب التبيّن، وهو لايصدق إلاّ مع مجيء العادل بـه(2).

هذا، ويرد عليـه: أنّ هذا تصرّف في الآيـة، وحمل لها على غير المعنى الظاهر بلا دليل.

ثانيها: ما أفاده المحقّق العراقي ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ وملخّصـه: أنّـه لاشبهـة في أنّ استخراج المفهوم من القضايا يحتاج إلى تجريد الموضوع المذكور في المنطوق في ناحيـة المفهوم من القيود التي اُريد استخراج المفهوم من جهتها، وحينئذ فنقول: إنّ المحتملات المتصوّرة في الشرط في الآيـة ثلاثـة:

منها: كون الشرط فيها نفس المجيء خاصّـة مجرّداً عن متعلّقاتـه، وعليـه يتمّ ما أفاده الشيخ من انحصار المفهوم فيها با لسا لبـة بانتفاء الموضوع، فإنّ لازم

1 ـ فرائد الاُصول 1: 118.

2 ـ كفايـة الاُصول: 340.


468

ا لاقتصار على التجريد على خصوص المجيء هو حفظ إضافـة الفسق في ناحيـة الموضوع بجعلـه عبارة عن النبأ المضاف إلى الفاسق.

ومنها: كون الشرط هو المجيء مع متعلّقاتـه، ولازمـه هو كون الموضوع نفس النبأ، مجرّداً عن إضافتـه إلى الفاسق أيضاً، وعليـه يكون للآيـة مفهومان: أحدهما السا لبـة بانتفاء الموضوع، وثانيهما السا لبـة بانتفاء المحمول.

ومنها: كون الشرط عبارة عن الربط الحاصل بين المجيء والفاسق الذي هو مفاد كان الناقصـة، ولازمـه هو الاقتصار في التجريد على خصوص ما جعل شرطاً ; أعني الإضافـة الحاصلـة بين المجيء والفاسق، وينحصر المفهوم فيـه با لسا لبـة بانتفاء المحمول.

هذا، ولكن الأخير من هذه الوجوه الثلاثـة في غايـة البعد ; لظهور الجملـة الشرطيـة في الآيـة في كون الشرط هو المجيء، أو مع إضافتـه إلى الفاسق، لا الربط الحاصل بين المجيء والفاسق بما هو مفاد كان الناقصـة مع خروج نفس المجيء عن الشرطيـة ; كي يلزمـه ما ذكر من كون الموضوع فيها هو النبأ المجيء بـه، كما أفاده في «ا لكفايـة».

ويتلوه في البعد الوجـه الأوّل، فإنّ ذلك أيضاً ينافي ظهور الآيـة المباركـة، فإنّ المتبادر المنساق منها عرفاً كون الشرط هو المجيء بما هو مضاف إلى الفاسق، نظير قولـه «إن جاءَك زيد بفاكهـة يجب تناولها»، وعليـه فكما يجب تجريد الموضوع في الآيـة عن إضافتـه إلى المجيء كذلك يجب تجريده عن متعلّقاتـه، فيكون الموضوع نفس طبيعـة النبأ، لا النبأ الخاصّ المضاف إلى الفاسق، ولازمـه جواز التمسّك بإطلاق المفهوم في الآيـة ; لعدم انحصاره حينئذ في السا لبـة بانتفاء الموضوع(1)، انتهى.

1 ـ نهايـة الأفكار 3: 111 ـ 112.


469

ثالثها: ما في تقريرات المحقّق النائيني، وملخّصـه: أنّـه يمكن استظهار كون الموضوع في الآيـة مطلق النبأ، والشرط هو مجيء الفاسق بـه من مورد النزول(1)، فإنّ موردها إخبار الوليد بارتداد بني المصطلق، فقد أجتمع في إخباره عنوانان: كونـه من الخبر الواحد، وكون المخبر فاسقاً، والآيـة الشريفـة إنّما وردت لإفادة كبرى كلّيـة لتمييز الأخبار التي يجب التبيّن عنها عن غيرها، وقد علّق وجوب التبيّن على كون المخبر فاسقاً، فيكون الشرط لوجوب التبيّن هو كون المخبر فاسقاً، لا كون الخبر واحداً ; إذ لو كان الشرط ذلك لعلّق وجوب التبيّن في الآيـة عليـه ; لأنّـه بإطلاقـه شامل لخبر الفاسق. فجعل الشرط خبر الفاسق كاشف عن انتفاء التبيّن في خبر غير الفاسق(2)، انتهى.

رابعها: تقريب آخر أفاده الاُستاذ(3)، وهو أنّـه لا فرق في شمول العامّ لأفراده بين كونها أفراداً ذاتيـة لـه أو عرضيـة، إذا كانت شمولـه للثانيـة بنظر العرف حقيقـة، فكما أنّ الأبيض صادق على نفس البياض ذاتاً كذلك صادق على الجسم المتصف بـه، مع أنّ صدقـه عليـه عرضي عند العقل. وحينئذ نقول: إنّ لعدم مجيء الفاسق با لخبر فرد ذاتي، هو عدم تحقّق الخبر أصلاً، وأفراد عرضيـة هي مجيء العادل بـه، فكما يشمل ا لعامّ الذي هو مفهوم الآيـة الفرد الذاتي كذلك يشمل الفرد العرضي أيضاً.

هذا، ويرد على الأخير ثبوت الفرق بين المثال والممثّل، فإنّ صدق عنوان الأبيض على نفس البياض في المثال يكون أخفى من صدقـه على الفرد العرضي الذي هو الجسم المتصف بـه، بخلاف المقام، فإنّ صدق المفهوم على الفرد

1 ـ أسباب النزول: 277 ـ 278، التبيان 9: 343، مجمع البيان 9: 198.

2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 169.

3 ـ أنوار الهدايـة 1: 283 ـ 285.


470

ا لعرضي، وهو مجيء العادل با لنبأ أخفى من صدقـه على الفرد الذاتي، وهو عدم تحقّق النبأ أصلاً، بل لايكون عرفاً من مصاديقـه وإن كان أحد الضدّين ممّا ينطبق عليـه عدم الضدّ الآخر، ويكون مصدوقاً عليـه بحسب اصطلاح فنّ المعقول، لكنّـه أمر خارج عن متفاهم العرف.

هذا، ويرد على الوجـه السابق على هذا الوجـه: أنّ كون مورد النزول هو إخبار الوليد بارتداد بني المصطلق لا ربط لـه بكون الموضوع في الآيـة مطلق النبأ، والشرط خارج غير مسوغ لتحقّق الموضوع. وبا لجملـة: فلايمكن أن يستفاد من مورد النزول مدخليـة المجيء في الموضوع وعدمها، فا للازم الأخذ بظاهرها، الذي هو كون الموضوع النبأ المقيّد بمجيء الفاسق بـه، وقد عرفت عدم ثبوت المفهوم لـه حينئذ أصلا مع أنّ دعوى كون الآيـة واردة لإفادة كبرى كلّيـة إنّما يبتني على ثبوت المفهوم لها ; ضرورة أنّها بدونـه لا تكون في مقام تمييز ما يجب فيـه التبيّن عن غيره، فإثبات المفهوم لها من هذه الناحيـة غير ممكن أصلاً. ومن هنا يظهر الجواب عن باقي التقريبات، فتدبّر.

تذييل: فيما اُورد على التمسّك بالآيـة

قد اُورد على التمسّك بالآيـة الشريفـة لحجّيـة خبر الواحد باُمور، بعضها يختصّ بالآيـة وبعضها يشترك بين الآيـة وغيرها:

أمّا الإشكالات المختصّـة بالآيـة

فمنها: معارضـة المفهوم مع عموم التعليل الواقع في ذيلها، وهو قولـه تعا لى: (أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) فإنّ الجهالة هي عدم العلم با لواقع، وهو مشترك بين إخبار الفاسق وغيره. فمقتضى التعليل وجوب


471

ا لتبيّن عن خبر العادل أيضاً، وهو يعارض مع مفهوم الصدر، والتعليل أقوى.

ودعوى: أنّ النسبـة بينهما عموم من وجـه، فيتعارضان في مادّة الاجتماع، وهي خبر العادل الغير المفيد للعلم، ويجب حينئذ تقديم عموم المفهوم وإدخال مادّة الاجتماع فيـه ; إذ لو خرج عنـه، وانحصر مورده با لخبر العادل المفيد للعلم لكان لغواً ; لأنّ خبر الفاسق المفيد للعلم أيضاً واجب العمل، بل نقول: إنّ الخبر المفيد للعلم خارج عن الآيـة مفهوماً ومنطوقاً، فيكون المفهوم أخصّ مطلق من عموم التعليل، فيجب تخصيصـه بـه.

مدفوعـة: بأنّ المدعى إنّما هو التعارض بين ظهور التعليل في العموم وظهور الجملـة الشرطيـة في ثبوت المفهوم، وحينئذ فالأخذ بظاهر التعليل أولى من تخصيصـه بعد ثبوت المفهوم ; خصوصاً بعد كونـه آبياً عن التخصيص. وبعبارة اُخرى: لاينعقد للآيـة مفهوم، حتّى تعارض مع عموم التعليل(1).

هذا، والحقّ أن يقال: إنّ الآيـة الشريفـة لا مجال للاستدلال بها للمقام، فإنّ المراد با لنبأ ليس مطلق الخبر، بل الخبر العظيم، والنبأ الذي يترتّب عليـه اُمور كثيرة. والدليل عليـه ـ مضافاً إلى التعبير با لنبأ لابا لخبر ـ ملاحظـة التعليل، فإنّ من الواضح أنّ العمل بخبر الفاسق في غير الاُمور العظيمـة ممّا لايترتّب عليـه الندامـة، فإنّـه لو اُخبر بمجيء زيد فرتّب المخاطب آثار المجيء بمجرّد إخباره لايوجب ذلك إصابـة القوم بجها لـة الموجبـة للندامـة، ويدلّ على ذلك ملاحظـة مورد نزول الآيـة أيضاً، ومن المعلوم أنّ في تلك الاُمور العظيمـة التي يترتّب عليها قتل الرجال، وسبي النساء والصبيان، وتصرّف الأموال لايجوز الاكتفاء فيها بخبر العادل أيضاً، فالآيـة الشريفـة بعيدة عن المقام بمراحل.

1 ـ فرائد الاُصول 1: 118.


472

هذا، مضافاً إلى أنّـه على تقدير تسليم كون المراد با لنبأ هو مطلق الخبر نقول: إنّـه لا مجال لدعوى المفهوم فيها، فإنّ التعليل إنّما يدلّ على كون الحكم معلّلاً بمضمونـه، ومعـه لا مجال لدعوى كون التعليق في القضيـة الشرطيـة ظاهراً في كون الشرط علّـة، فضلاً عن كونـه علّـة منحصرة ; إذ هذا الظهور إنّما نشأ من إطلاق الأداة أو إطلاق الشرط أو إطلاق الجزاء ـ كما قد قرّر في باب المفاهيم ـ ومع التصريح با لعلّيـة لم يكن للقضيـة ظهور في الإطلاق، بل لايكون لها ظهور في مجرّد علّيـة الشرط، فضلاً عن انحصارها. ولعمري إنّ هذا الإشكال ممّا لايمكن الذبّ عنـه، فتدبّر.

هذا، وأمّا ما يظهر من بعض من دعوى أنّ الجها لـة ليس بمعنى عدم العلم، بل بمعنى السفاهـة والركون إلى ما لاينبغي الركون إليـه(1) فهو ظاهر الفساد، وبعد وضوح كونـه من اشتقاقات مادّة الجهل، مضافاً إلى تصريح أهل اللغـة بـه أيضاً(2).

ومنها: أنّـه يلزم خروج المورد عن عموم المفهوم ; لأنّ مورد نزول الآيـة الشريفـة هو الإخبار بالارتداد، وهو لايثبت إلاّ با لبيّنـة، فا للازم خروجـه عن العموم، مع أنّـه نصّ في المورد، فلابدّ من رفع اليد عن المفهوم لئلاّ يلزم التخصيص الشنيع(3)، وهذا الإشكال أيضاً ممّا لايمكن الذبّ عنـه، وإن تصدّى للجواب عنـه المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات(4)ـ ولكنّـه لايندفع بـه، فتأمّل فيـه.

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 171.

2 ـ مجمع البحرين 5: 345، القاموس المحيط 3: 363، الصحاح 4: 1663.

3 ـ اُنظر فرائد الاُصول 1: 124.

4 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 174.


473

وأمّا الإشكالات العامّـة

فمنها: أنّ مفهوم الآيـة لو دلّ على حجّيـة خبر العادل لدلّ على حجّيـة الإجماع الذي ادعاه السيّد وأتباعـه على عدم حجّيـة خبر العادل أيضاً ; لأنّهم عدول أخبروا بحكم الإمام(عليه السلام) بعدم حجّيـة خبر الواحد، فيلزم من حجّيـة الخبر عدم حجّيتـه، وما يلزم من وجوده العدم فهو محال(1).

هذا، ولكن هذا الإشكال يندفع بملاحظـة ما ذكرنا في الإجماع المنقول من عدم حجّيـة الإخبار عن حدس، ومن المعلوم أنّ ادعاء الإجماع مبني على الحدس، كما عرفت.

واُجيب عنـه بوجوه اُخر:

أحدها: أنّ ذلك معارض بقول السيّد، فإنّ حجّيتـه يستلزم عدم حجّيتـه، وما يلزم من وجوده العدم فهو محال، فلايكون قول السيّد بحجّـة(2). ولكن يمكن أن يقال: بأنّ المحال إنّما يلزم من شمول خبر السيّد لنفسـه، وهو يوجب عدم الشمول، ولكنّـه معارض بأنّ حجّيـة الخبر الواحد لايستلزم المحال، بل المحال يلزم من شمول أدلّـة حجّيـة خبر الواحد لخبر السيّد، وهو يوجب عدم شمولها لـه، فيرتفع الإشكال.

ثانيها: أنّ الأمر يدور بين دخولـه وخروج ما عداه وبين العكس، ولاريب أنّ الثاني متعيّن، لا لمجرّد قبح انتهاء التخصيص إلى الواحد، بل لأنّ المقصود من جعل الحجّيـة ينحصر في بيان عدم الحجّيـة، ولاريب أنّ التعبير عن هذا المقصود

1 ـ اُنظر فرائد الاُصول 1: 121.

2 ـ نفس المصدر.


474

بما يدلّ على عموم حجّيـة خبر العادل قبيح في الغايـة(1).

وأورد على ذلك المحقّق الخراساني في «ا لتعليقـة» بمنع لزوم ما هو قبيح في الغايـة ; لأنّـه من الممكن جدّاً أن يكون المراد من الآيـة واقعاً هو حجّيـة خبر العادل مطلقاً إلى زمان خبر السيّد بعدم حجّيتـه، كما هو قضيـة ظهورها، من دون أن يزاحمـه شيء قبلـه وعدم حجّيتـه بعده، كما هو قضيّتـه ; لمزاحمـة عمومها لسائر الأفراد، وبعد شمول العموم لـه أيضاً.

ومن الواضح: أنّ مثل هذا ليس بقبيح أصلاً، فإنّـه ليس إلاّ من باب بيان إظهار انتهاء حكم العامّ في زمان بتعميمـه ; بحيث يعمّ فرداً ينافي ويناقض الحكم سائر الأفراد. ولايوجد إلاّ في ذاك الزمان ; حيث إنّـه ليس إلاّ نحو تقييد. لكن الإجماع قائم على عدم الفصل(2)، انتهى موضع الحاجـة.

ولكن لايخفى: أنّ دعوى السيّد الإجماع لو كانت حجّـة بمقتضى شمول أدلّـة حجّيـة خبر العدل لكان مقتضاها عدم حجّيـة خبر الواحد من زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيعود حينئذ محذور الاستهجان، كما هو واضح.

ثالثها: ما ذكره المحقّق العراقي ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ: من أنّ هذا الإشكال مدفوع أوّلاً: بأنّـه من المستحيل شمول دليل الحجّيـة لمثل خبر السيّد الحاكي عن عدمها ; من جهـة استلزام شمول الإطلاق لمرتبـة الشكّ بمضمون نفسـه، فإنّ التعبّد بإخبار السيّد بعدم حجّيـة خبر الواحد إنّما كان في ظرف الشكّ في الحجّيـة واللاحجّيـة، ومن المعلوم استحا لـة شمول إطلاق مفهوم الآيـة وغيره من الأدلّـة لمرتبـة الشكّ في نفسـه. بل على هذا يمكن أن يقال بعدم

1 ـ فرائد الاُصول 1: 121 ـ 122.

2 ـ درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 110.


475

شمولـه لمثل خبر الشيخ، الحاكي عن الحجّيـة، فإنّ مناط الاستحا لـة جار في كليهما، ولايختصّ با لخبر الحاكي عن عدم الحجّيـة.

وثانياً: أنّـه بعد شمول أدلّـة الحجّيـة لما عدا خبر السيّد من سائر الأخبار لايبقى مجال لشمولها لـه ; لأنّ القطع بحجّيتها ملازم لانتفاء الشكّ في مطابقـة مضمون خبر السيّد للواقع وعدمها، فيخرج بذلك عن عموم أدلّـة حجّيـة الخبر، فيصير عدم شمول الأدلّـة لمثل خبر السيّد من باب التخصّص لانتفاء الشكّ في مطابقـة مؤدّاه للواقع، وهذا بخلاف ما لو شملت الأدلّـة لخبر السيّد ; إذ عليـه يلزم كون خروج ما عداه من سائر الأخبار من باب التخصيص ; لتحقّق الموضوع فيها، وهو الشكّ في المطابقـة وجداناً. ومن المعلوم أنّـه مع الدوران بين التخصّص والتخصيص يتعيّن الأوّل.

لايقال: كيف، ولازم شمول الأدلّـة لمثل خبر السيّد أيضاً هو القطع بعدم حجّيـة ما عداه، فيلزم أن يكون خروج ما عداه أيضاً من باب التخصّص لا التخصيص.

فإنّـه يقال: إنّ المدار في التعبّد بكلّ أمارة إنّما هو الشكّ في مطابقـة مضمونـه ومؤدّاه للواقع، ومؤدّيات ما عدا خبر السيّد لايكون حجّيـة خبر الواحد ; كي يقطع بعدم الحجّيـة بسبب شمول أدلّـة الاعتبار لخبر السيّد الحاكي عن عدم الحجّيـة، بل وإنّما مؤدّيات ما عداه عبارة عن وجوب الأمر الفلاني أو حرمـة كذا واقعاً، ولاريب في بقاء الشكّ في المطابقـة، ولو على تقدير القطع بحجّيـة خبر السيّد، فيشملها أدلّـة الاعتبار، فلايكون رفع اليد عنها بمقتضى اعتبار خبر السيّد إلاّ من باب التخصيص(1)، انتهى ملخّصاً.

1 ـ نهايـة الأفكار 3: 118.


476

أقول: أمّا ما أفاده أوّلاً فيرد عليـه: ما نبّهنا عليـه في مبحث القطع من أنّ ما اشتهر بينهم من تأخّر الشكّ في الشيء عن ذلك الشيء، وتوقّفـه على تحقّقـه ممّا لايتمّ أصلاً، كيف ولازم ذلك انقلاب الشكّ إذا وجد علماً ; إذ على الفرض لايتحقّق بدون ثبوت المشكوك، فمع العلم بذلك ينقلب الشكّ علماً، كما هو واضح. فما ذكره من استحا لـة شمول إطلاق مفهوم الآيـة لمرتبـة الشكّ في نفسـه ممّا لا نعرف لها وجهاً أصلاً.

وأمّا ما أفاده ثانياً فيرد عليـه: أنّ شمول أدلّـة الحجّيـة لما عدا خبر السيّد إنّما هو فيما إذا كان حجّيتـه مشكوكـة ; إذ لا معنى لشمولها لـه مع القطع بعدم الحجّيـة، وحينئذ نقول: كما أنّ شمولها لـه مستلزم لخروج خبر السيّد من باب التخصّص ; إذ لايبقى حينئذ شكّ في حجّيتـه ولا حجّيتـه حتّى تشملـه أدلّـة الحجّيـة، كذلك شمول الأدلّـة لخبر السيّد موجب لخروج ما عداه من الأخبار عن تحتها من باب التخصّص ; إذ لايبقى مع شمولها لخبر السيّد شكّ في حجّيـة ما عداه وعدم حجّيتـه، والملاك في الشمول هو الشكّ في الحجّيـة، لا مطابقـة مضمونـه للواقع وعدمها، فما ذكره من دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص ممّا لا وجـه لـه أصلاً، كما هو أظهر من أن يخفى.

ومن الإشكالات العامّـة: إشكال شمول أدلّـة الحجّيـة للأخبار الحاكيـة لقول الإمام(عليه السلام) بواسطـة أو وسائط، كإخبار الشيخ عن المفيد عن الصدوق عن الصفّار عن العسكري(عليه السلام).

ويمكن تقريب هذا الإشكال من وجوه(1):

1 ـ فرائدالاُصول 1: 122، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي3: 177 ـ 179.


477

الأوّل: دعوى انصراف الأدلّـة عن الإخبار با لواسطـة.

الثاني: أنّـه لابدّ أن يكون للمخبر بـه أثر شرعي، حتّى يصحّ بلحاظـه التعبّد بـه، وليس للمخبر بـه في المقام هذا الأثر، فإنّ المخبر بـه بخبر الشيخ هو قول المفيد، ولا أثر شرعي لقولـه أصلاً.

الثالث: دعوى أنّ الحكم بتصديق العادل مثبت لأصل إخبار الوسائط، مع أنّ خبرهم يكون موضوعاً لهذا الحكم، فلابدّ وأن يكون الخبر في المرتبـة السابقـة محرزاً با لوجدان أو با لتعبّد ; ليحكم عليـه بوجوب تصديقـه ; لأنّ نسبـة الموضوع إلى الحكم نسبـة المعروض إلى العرض، فلايعقل أن يكون الحكم موجداً لموضوعـه ; لاستلزامـه الدور المحال.

الرابع: أنّـه يلزم أن يكون الأثر الذي بلحاظـه وجب تصديق العادل نفس تصديقـه، من دون أن يكون في البين أثر آخر كان وجوب التصديق بلحاظـه، ولايعقل أن يكون الحكم بوجوب التصديق بلحاظ نفسـه.

هذا، والجواب عن الأوّل: منع الانصراف، ولو قيل بأنّ العمدة في هذا الباب هو بناء العقلاء على العمل بخبر الواحد، ولابدّ من إحرازه في الإخبار مع الوسائط، ومن المعلوم عدم إحرازه، لو لم نقل بثبوت عدمـه من جهـة أنّا نرى با لوجدان عدم اعتنائهم بالإخبار مع الوسائط الكثيرة التي بلغت إلى عشرة أو أزيد مثلاً. فيشكل الأمر في الأخبار المأثورة عن الأئمّـة (عليهم السلام) ; لاشتما لها على الوسائط الكثيرة با لنسبـة إلينا.

فنقول: إنّ الواسطـة في تلك الأخبار قليلـة ; لأنّ الواسطـة إنّما هو بين الشيخ والكليني والصدوق وبين الإمام(عليه السلام)، ومن الواضح قلّتها ; بحيث لايتجاوز عن خمس أو ستّ، وأمّا الواسطـة بيننا وبينهم فلايحتاج إليها بعد تواتر كتبهم، ووضوح صحّـة انتسابها إليهم، كما لايخفى.


478

واُجيب عن الوجـه الثالث: بأنّ المستحيل إنّما هو إثبات الحكم موضوع شخصـه، لا إثبات موضوع لحكم آخر، فإنّ هذا بمكان من الإمكان، والمقام يكون من هذا القبيل، فإنّ الذي يثبت بوجوب تصديق الشيخ إنّما هو خبر المفيد، وإذا ثبت خبر المفيد بوجوب تصديق الشيخ يعرض عليـه وجوب التصديق أيضاً، وهكذا(1).

وعن الوجـه الرابع تارة: بما في تقريرات المحقّق النائيني من أنّ هذا الإشكال إنّما يتوجّـه بناءً على أن يكون المجعول في باب الأمارات منشأ انتزاع الحجّيـة، أمّا بناءً على ما هو المختار من أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات نفس الكاشفيـة والوسطيـة في الإثبات فلا إشكال حتّى نحتاج إلى التفصّي عنـه، فإنّـه لايلزم شيء ممّا ذكر ; لأنّ المجعول في جميع السلسلـة هو الطريقيـة إلى ما تؤدّي إليـه أيّ شيء كان المؤدّى، فقول الشيخ طريق إلى قول المفيد، وقول المفيد طريق إلى قول الصدوق، وهكذا إلى أن ينتهي إلى قول زرارة الحاكي لقول الإمام(عليه السلام)(2).

واُخرى: بما في تقريرات المحقّق العراقي ممّا حاصلـه: أنّ دليل الاعتبار ـ وهو قولـه «صدّق العادل» مثلاً ـ وإن كان بحسب الصورة قضيـة واحدة، ولكنّها تنحلّ إلى قضايا متعدّدة حسب تعدّد حصص الطبيعي بتعدّد الأفراد، وبعد فرض انتهاء سلسلـة سند الروايـة إلى الحاكي لقول الإمام(عليه السلام)، وشمول دليل وجوب التصديق لـه ; لكون المخبر بـه في خبره حكماً شرعياً تصير بقيـة الوسائط ذات أثر شرعي، فيشملها دليل وجوب التصديق ; إذ حينئذ يصير وجوب التصديق

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 179.

2 ـ نفس المصدر 3: 180.


479

ا لمترتّب على مثل قول الصفّار الحاكي لقول الإمام(عليه السلام) أثراً شرعياً لـه، وهكذا إلى منتهى الوسائط. فكان كلّ لاحق مخبراً عن موضوع ذي أثر شرعي(1).

وثالثـة: بما أفاده المحقّق المعاصر في كتاب «ا لدرر» ممّا حاصلـه: أنّ وجوب تصديق العادل فيما أخبره ليس من قبيل الحكم المجعول للشكّ تعبّداً، بل مفاده جعل الخبر ; من حيث إنّـه مفيد للظنّ النوعي طريقاً إلى الواقع، وعليـه لو أخبر العادل بشيء يكون ملازماً لشيء لـه أثر شرعاً ; إمّا عادة أو عقلاً أو بحسب العلم نأخذ بـه، ونرتّب على لازم المخبر بـه الأثر الشرعي المرتّب عليـه.

والسرّ في ذلك: أنّ الطريق إلى أحد المتلازمين طريق إلى الآخر، وحينئذ نقول يكفي في حجّيـة خبر العادل انتهاؤه إلى أثر شرعي، ولايلزم أن تكون الملازمـة عاديـة أو عقليـة، ويكفي ثبوت الملازمـة الجعليـة، بمعنى أنّ الشارع جعل الملازمـة النوعيـة الواقعيـة بين إخبار العادل، وتحقّق المخبر بـه بمنزلـة الملازمـة القطعيـة، ولا تكون قضيـة «صدّق العادل» ناظرة إلى هذه الملازمـة، كما لاتكون ناظرة إلى الملازمـة العقليـة والعاديـة، بل يكفي في ثبوت هذا الحكم ثبوت الملازمـة في نفس الأمر، حتّى تكون منتجـة للحكم الشرعي العملي(2)، انتهى.

هذا، ويرد على الجواب الأوّل: أنّ جعل الطريقيـة لابدّ وأن يكون بلحاظ الأثر الشرعي المترتّب على ما أدّى إليـه الطريق، وإلاّ فلايجوز جعل الطريقيـة مع عدم ترتّب الأثر الشرعي على المؤدّى، والمفروض في المقام أنّ ما أدّى إليـه الطريق هو قول المفيد، وهو لايكون موضوعاً لشيء من الآثار الشرعيـة، بناءً

1 ـ نهايـة الأفكار 3: 124.

2 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 388.


480

على جعل الوسطيـة والكاشفيـة، كما هو واضح.

وعلى الجواب الثاني: أنّ ما ذكره من شمول دليل وجوب التصديق لقول الراوي الذي يحكي لقول الإمام(عليه السلام) لكون المخبر بـه في خبره حكماً شرعياً إنّما يتمّ لو ثبت خبره، والكلام إنّما هو فيـه ; إذ المفروض أنّ خبره لم يثبت وجداناً، فمن أين يشمل لـه دليل وجوب التصديق ؟ !

وبا لجملـة: ففرض الكلام من صدر السلسلـة إنّما يصحّ لو ثبت أنّ الراوي الذي وقع في صدرها أخبر من بعده بتحديث الإمام(عليه السلام) لـه، والكلام إنّما هو في ثبوتـه، كما لايخفى.

وعلى الجواب الثالث ـ مضافاً إلى أنّـه لم يدلّ دليل على الملازمـة التي ادعاها ـ : أنّ المخبر بـه، وهو قول المفيد في المثال لايكون مترتّباً عليـه الأثر الشرعي، حتّى يجب تصديق الشيخ فيما أخبره بلحاظ ذلك الأثر. وتوهّم أنّ قول المفيد يترتّب عليـه بعض الآثار، وهو صحّـة النسبـة إليـه، وعدم كون إسناده إليـه من القول بغير العلم، فلا مانع من أن يكون وجوب التصديق بلحاظ ذلك الأثر، مدفوع بأنّ قول المفيد بلحاظ هذا الأثر إنّما يكون من الموضوعات الخارجيـة التي لاتثبت إلاّ با لبيّنـة، ولايكفي فيـه قول العادل الواحد، كما هو واضح.

والتحقيق في هذا المقام ـ بعد عدم رفع الإشكال بما ذكره الأعلام، كما عرفت ـ أن يقال: إنّ أصل الإشكال، وكذا الجوابات كلّها من الاُمور العقليـة الخارجـة عن فهم العرف، الذي هو الملاك والمرجع في معنى الآيـة ونظائرها من الأدلّـة، فإنّـه لاشكّ في أنّـه لو ألقى عليهم هذا الكلام، وهو حجّيـة قول العادل، ووجوب تصديقـه فيما أخبره لايفهمون من ذلك الفرق بين الإخبار بلا واسطـة أو معها، ولاينظرون في الإخبار مع الواسطـة إلى الوسائط أصلاً، بل


481

يقولون في المثال بأنّ العادل أخبر بأنّ الإمام(عليه السلام) قال كذا أو فعل كذا، وإن كان العادل الذي وقع في منتهى السلسلـة لم يخبر بقول الإمام(عليه السلام)، بل المخبر بـه بخبره هو إخبار العادل الذي حدّثـه.

ومن هنا يعلم: أنّ المخبر بـه بخبر هذا العادل وإن كان من الموضوعات، ولايكفي في ثبوتها إلاّ البيّنـة إلاّ أنّـه حيث لايكون في نظر العرف منظوراً مستقلاّ، بل منظوراً آليّاً فيكفي في ثبوتـه إخبار عادل واحد.

منها: آيـة النفر

ومن الآيات التي استدلّ بها على حجّيـة خبر الواحد آيـة النفر: (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(1).

ولكن الاستدلال بها لذلك في غايـة الضعف ; لأنّ المستفاد من لولا التحضيضيـة ليس وجوب أصل النفر، بل المقصود بها بملاحظـة قولـه: (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفرُوا كافَّةً)، وبملاحظة الآيات التي قبل هذه الآية هو نفي وجوب نفر المؤمنين كافّـة، والنهي عن ذلك، بمعنى أنّ مفاد لولا التحضيضيـة هو وجوب التفرقـة والتفكيك ; أي لايجوز للمؤمنين كافّـة النفر، وإبقاء رسول اللّـه(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده، فلِمَ لايكون النافرون طائفـة خاصّـة من المؤمنين.

فا لمراد من الآيـة بحسب الظاهر هو النهي عن النفر العمومي، وليس المقصود منها هو بيان أصل وجوب نفر طائفـة لغايـة التفقّـة. هذا، مضافاً إلى أنّ كلمـة النفر كما يدلّ عليـه التأمّل في سياق الآيـة وفي موارد استعمالاتها في

1 ـ التوبـة (9): 122.


482

ا لقرآن الكريم يكون المراد بها النفر للجهاد، لا النفر للتفقّـة.

وعليـه فيتعيّن أن يكون المراد من الآيـة هو تفقّـة النافرين بسبب ما يرونـه في الجهاد من السفرة الإلهيـة والإمدادات الغيبيـة وقوّة الإيمان وإنذار القوم الذين هم الكفّار الموجودون في المدينـة، لعلّهم يحذرون ويدخلون في دين اللّـه، أو يصون الإسلام والمسلمون من شرورهم. ويؤيّد ذلك رجوع الضمير في «ليتفقّهوا» أو ما بعده إلى النافرين المذكورين في الآيـة، ولا وجـه للرجوع إلى المتخلّفين، بعد عدم كونهم مذكورين، وأيضاً لايناسب الإنذار والحذر بالإضافـة إلى المجاهدين، أصلاً.

وإ لى أنّ التفقّـه يحتمل أن يكون المراد بـه التفقّـه في الاُصول الاعتقاديـة، لا الأحكام الفرعيـة، كما يشهد بذلك الروايات الكثيرة التي استدلّ فيها بالآيـة الشريفـة لأصل الإمامـة(1).

وعلى تقدير أن يكون المراد بـه الأعمّ من التفقّـه في الأحكام الفرعيـة فا لظاهر أنّ المراد بقولـه «لينذروا» هو إنذار كلّ واحد من المتفقّهين النافرين أو المتخلّفين ـ على اختلاف التفسيرين ـ جميع قومهم، وحينئذ فلايدلّ على وجوب تصديق كلّ واحد من المنذرين، وعلى تقدير وجوب تصديقـه ينحصر ذلك با لمتفقّـه المنذر، لا كلّ من تحمّل الحديث، وإن لم يكن فقيهاً.

هذا كلّـه، مضافاً إلى المنع من كون الحذر واجباً، وعلى تقدير وجوبـه لا دليل على كون المراد با لحذر هو الحذر العملي الراجع إلى العمل بقول المنذر، بل الظاهر هو التحذّر القلبي والخوف والخشيـة، فيكون المقصود لينذروا قومهم با لموعظـة والإيعاد، حتّى يخافوا من عذاب اللّـه، ويعملوا بوظائفهم.

1 ـ الكافي 1: 378 ـ 380 / 1 ـ 3.


483

وكيف كان فالآيـة الشريفـة بعيدة عن الدلالـة على حجّيـة خبر الواحد بمراحل. وممّا ذكرنا يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق النائيني على ما في تقريراتـه في تقريب دلالـة الآيـة على حجّيـة خبر الواحد(1)، فراجع.

الدليل الثاني: الأخبار

هذا، وقد استدلّ على حجّيـة خبر الواحد بالأخبار الكثيرة، وتقريب الاستدلال بها ـ كما أفاده في «ا لكفايـة» وتبعـه في «ا لدرر» ـ أنّ هذه الأخبار وإن لم يكن متواترة لفظاً ومعنىً إلاّ أنّها متواترة إجمالاً ; ضرورة أنّـه يعلم إجمالاً بصدور بعضها منهم (عليهم السلام)، ومقتضى ذلك وإن كان حجّيـة خبر دلّ على حجّيتـه أخصّها مضموناً إلاّ أنّـه يتعدّى عنـه فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصيـة، وقد دلّ على حجّيـة ما كان أعمّ(2).

هذا، ولكن لايخفى: أنّ ذلك مجرّد فرض، وإلاّ فا لظاهر أنّـه لايكون بين الأخبار ما كان جامعاً لشرائط الحجّيـة، وكان مدلولـه حجّيـة خبر الواحد بنحو الإطلاق، مضافاً إلى أنّ إثبات التواتر ـ ولو إجمالاً ـ مشكل ; لأنّ من شرط التواتر أن يكون متواتراً في جميع الطبقات، مع أنّـه ليس الأمر في المقام كذلك ; لأنّ هذه الأخبار كلّها مذكورة في الجوامع الأربعـة للأعاظم الثلاثـة، فينحصر الناقلون فيهم، مع أنّ الواضح عدم ثبوت التواتر بقولهم. وأمّا غيرها من الجوامع فلم يثبت صحّـة إسنادها إلى مؤلّفيها على نحو التواتر، كا لجوامع الأربعـة، كما لايخفى.

هذا، مضافاً إلى أنّ أخصّ تلك الأخبار مضموناً هو ما يدلّ على إرجاع

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 185.

2 ـ كفايـة الاُصول: 346 ـ 347، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 392.


484

ا لسائل إلى زرارة في تعلّم الأحكام، وأخذ معا لم الدين، وهو يشتمل على خصوصيتين: أحدهما كون من يؤخذ عنـه ذلك فقيهاً في الدين كزرارة، وثانيهما: أنّ الأخذ منـه إنّما هو من دون واسطـة.

ومن المعلوم: أنّـه لايمكن إلغاء شيء من الخصوصيتين، وإن كانت خصوصيـة كونـه زرارة ملغاة قطعاً.

هذا، ويمكن تقريب الاستدلال بالإخبار لحجّيـة خبر الواحد بوجـه آخر، وهو أن يقال: إنّـه لا إشكال في ثبوت بناء العقلاء على العمل بخبر الواحد في الجملـة ـ لو لم نقل بثبوتـه على العمل بـه مطلقاً، كما سنحقّقـه ـ وحينئذ فنقول: يوجد في تلك الأخبار الكثيرة ما يدلّ على حجّيـة خبر الواحد مطلقاً، فإنّـه يثبت ببناء العقلاء حجّيـة ذلك الخبر الذي مدلولـه هو حجّيـة الخبر مطلقاً، ولايلزم الدور، ولايحتاج إلى إثبات التواتر، كما هو واضح.

وهذا الخبر هو ما رواه الكليني عن محمّد بن عبدا للّـه الحميري ومحمّد بن يحيى جميعاً عن عبدا للّـه بن جعفر الحميري عن أحمد بن إسحاق قال: سألت أبا محمّد(عليه السلام)، وقلت: من اُعامل، وعمّن آخذ، وقول من أقبل ؟

فقال: «العمري وابنـه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنّهما الثقتان المأمونان...» الحديث(1).

فإنّـه لا إشكال في كون مثل هذا السند العا لي الذي يكون كلّ رواتـه مذكّى بتذكيـة عدلين، بل عدول مورداً لبناء العقلاء قطعاً، وحينئذ فيجب الأخذ بـه، وبـه يثبت حجّيـة قول الثقـة المأمون مطلقاً، كما لايخفى.

1 ـ الكافي 1: 329 / 1، وسائل الشيعـة 27: 138، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 4.


485

الدليل الثالث والرابع: الإجماع وسيرة العقلاء

هذا، وأمّا الاستدلال بالإجماع على حجّيـة خبر الواحد فمخدوش من وجوه لايخفى على المتأمّل.

نعم، استمرار سيرة العقلاء على العمل بأخبار الآحاد في اُمور معاشهم وسياساتهم دليل قطعي على حجّيـة أخبار الآحاد لو لم يردع عنـه الشارع، وهو العمدة في هذا الباب ; إذ قد عرفت عدم تماميـة الأدلّـة الثلاثـة المتقدّمـة.

ولايخفى: أنّ ذلك إنّما هو في مقام المحاجّـة، وأمّا الأغراض الشخصيـة الجزئيـة فيمكن أن لايعملوا فيها بأخبار الآحاد، كما نراه با لوجدان، ولكن ذلك لايضرّ بما نحن بصدده، فإنّ الغرض إثبات حجّيـة خبر الثقـة في مقام الاحتجاج، فإنّـه لاشبهـة في أنّـه لو أمر المولى عبده بشيء، وأعلمـه على ذلك بتوسّط ثقـة لايكون للعبد الاعتذار لدى المخا لفـة بأنّ المولى لم يبيّنـه لي، وأنّ الواسطـة كان جارياً فيـه احتمال الكذب، كما هو واضح.

نعم، يبقى في المقام إثبات عدم الردع عن هذه السيرة المستمرّة، فنقول: قد يستدلّ لثبوت الردع بالآيات الناهيـة عن العمل بغير العلم. هذا.

وأجاب عن ذلك في «ا لكفايـة» بأنّها لو كانت رادعـة يلزم الدور(1).

ولكن قد عرفت عدم لزومـه بوجـه، وأنّ التحقيق عدم جواز الاستدلال بها ; لأنّ ظاهرها أيضاً ظنّي، فيلزم من جواز الاستدلال بها عدمـه، وهو محال. مضافاً إلى أنّك عرفت: أنّ المقصود با لعلم في الآيـة هي الحجّـة المعتبرة، وخبر الواحد منها قطعاً ; ضرورة أنّـه لم تصر الآيـة بعد نزولها سبباً لتعطيل الأسواق

1 ـ كفايـة الاُصول: 348.


486

واُمور الناس أصلاً، وليس ذلك إلاّ لكون المقصود من الآيـة ـ على ما هو المتفاهم منها بنظر العرف ـ هو ما عدا الدليل المعتبر العلمي أو الظنّي، كما هو واضح.

ثمّ إنّـه أفاد المحقّق الخراساني في هامش «ا لكفايـة» كلاماً حاصلـه: أنّ خبر الثقـة حجّـة، ولو قيل بسقوط كلّ من السيرة والإطلاق عن الاعتبار بسبب دوران الأمر بين ردعها بـه، وتقييده بها، وذلك لأجل استصحاب حجّيتـه الثابتـة قبل نزول الآيتين.

ودعوى أنّـه لا مجال لاحتمال التقييد بها، فإنّ دليل اعتبارها مغيّى بعدم الردع عنها، ومعـه لاتكون صا لحـة لتقييد الإطلاق مع صلاحيتـه للردع عنها، مدفوعـة بأنّ الدليل ليس إلاّ إمضاء الشارع لها، ورضاه بها المستكشف بعدم ردعـه عنها في زمان مع إمكانـه.

وبا لجملـة: ليس حال السيرة مع الآيات الناهيـة إلاّ كحال الخاصّ المقدّم والعامّ المؤخّر في دوران الأمر بين التخصيص با لخاصّ أو النسخ با لعامّ(1)، انتهى.

هذا، ولكن يرد عليـه: ـ مضافاً إلى أنّـه لم يعلم أنّ المتشرّعـة كانوا قبل نزول الآيتين يعملون بخبر الواحد في الاُمور الشرعيـة، حتّى كان عدم الردع عنها دليلاً على الإمضاء وذلك لكون المسلمين كانوا قليلين غير محتاجين إلى العمل بخبر الواحد ; لانفتاح باب ا لعلم لهم، وهوا لسؤال عن شخص ا لنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أنّ الاستصحاب يكون مدرك حجّيتـه خبر الواحد، فكيف يستدلّ لها بالاستصحاب، كما لايخفى.

1 ـ كفايـة الاُصول: 349، الهامش 1.


487

المقصد الثامن

مبحث البراءة


488

489

تمهيد

تقسيم أحوال المكلّف وذكر مجاري الاُصول

اعلم: أنّـه قد جرت عادتهم في أوّل مبحث القطع بتقسيم حالات المكلّف ; من حيث إنّـه قد يحصل لـه القطع با لحكم، وقد يحصل لـه الظنّ بـه، وقد يحصل لـه الشكّ فيـه، ثمّ ذكر مجاري الاُصول، ولكن لايخلو شيء من التقسيمات وكذا بيان مجاري الاُصول من المناقشـة والإشكال، ويظهر ذلك بملاحظـة ما سنحقّقـه.

فنقول: المكلّف إمّا أن يحصل لـه القطع با لحكم الواقعي الفعلي تفصيلاً أو إجمالاً، وإمّا أن لايحصل لـه ذلك، وعلى الثاني: إمّا أن يكون قاطعاً بقيام الأمارة المعتبرة على الحكم الواقعي تفصيلاً أو إجمالاً أو لايكون كذلك، وعلى الثاني: إمّا أن يقوم الحجّـة المعتبرة با لنسبـة إلى الواقع وإمّا أن لايقوم، بل يكون شاكّاً في الواقع أو ظانّاً بـه من غير قيام أمارة معتبرة ولا حجّـة شرعيـة.

فالأوّل: هو مبحث القطع، وقد عرفت أنّـه لا فرق فيـه بين القطع التفصيلي والإجما لي أصلاً، فإنّـه كما يكون القطع التفصيلي با لحكم الواقعي الفعلي حجّـة وموجباً لتنجّزه، من غير افتقار إلى جعل الحجّيـة لـه، وكذا لايجوز جعل حكم


490

على خلافـه، كذلك القطع الإجما لي با لحكم الفعلي يكون حجّـة موجباً لتنجّزه، ولايعقل الترخيص بخلافـه، فإنّـه لو علم إجمالاً بأنّ قتل النبي المردّد بين جمع كثير مهدور الدم يكون محرّماً با لحرمـة الفعليـة التي لايرضى المولى بـه أصلاً لايجوز لـه ارتكاب قتل واحد من تلك الجماعـة، وكذا لايجوز الترخيص من المولى، فإنّـه لايجتمع مع الحرمـة الفعليـة، كما هو واضح.

وبا لجملـة: فلا فرق في أحكام القطع بين القطع التفصيلي والإجما لي قطعاً، فلابدّ من إدخا لـه فيـه.

والثاني: هو مبحث الظنّ، وقد عرفت أنّـه لافرق فيـه أيضاً بين أن يعلم تفصيلاً بقيام الأمارة المعتبرة، وبين أن يعلم إجمالاً بقيامها. والقسم الثاني هو مبحث الاشتغال المعروف بينهم، الذي يذكرونـه عقيب مبحث البراءة، فإنّ الظاهر أنّ المراد منـه هو العلم الإجما لي بقيام الأمارة على التكليف من إطلاق دليل أو غيره ; لما عرفت من أنّـه لا مجال لتوهّم الإشكال في حجّيـة العلم الإجما لي المتعلّق با لتكليف الفعلي، وكونـه منجّزاً ; بحيث لايجوز الترخيص بخلافـه. وحينئذ فيكون مبحث الاشتغال من مباحث الظنّ.

والثالث: هو مبحث الاستصحاب; لأنّـه حجّـة على الواقع، وإن لم يكن أمارة عليـه.

والرابع: هو مبحث البراءة، ومن هنا ظهر: أنّ الوضع الطبيعي يقتضي تأخير مبحث البراءة عن جميع المباحث، وكذا إدراج البحث عن الاشتغال في مباحث الظنّ. نعم، للاشتغال حظّ من مبحث الاستصحاب، وهو ما لو كان المستصحب المعلوم مردّداً بين شيئين أو أشياء، كما لايخفى.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه لا إشكال في تقدّم القطع بقسميـه على غيره من


491

ا لأمارات والاُصول، ولا مجال لها معـه ; أمّا القطع التفصيلي فتقدّمـه عليها واضح ; لأنّها اُمور تعبّديـة مجعولـة للشاكّ الذي لايعلم با لواقع، وأمّا القطع الإجما لي فلما عرفت من أنّـه حجّـة عقليـة موجباً لتنجّز التكليف ; بحيث لايعقل الترخيص في تركـه، فلا مجال معـه من التعبّد الذي مورده صورة الشكّ وعدم العلم.

وأمّا تقدّم الأمارات على الاُصول فنقول: أمّا تقدّمها على الاستصحاب فربّما يشكل وجهـه لو كان المراد با ليقين الذي ورد في أخبار لا تنقض هو اليقين القطعي الوجداني الذي لايحتمل معـه الخلاف ; لأنّ مفاد هذه الأخبار حينئذ أنّ نقض اليقين با لشكّ حرام إلى أن يحصل اليقين الوجداني، بخلاف اليقين الأوّل.

ومن المعلوم: أنّ الأمارات التي جلّها، بل كلّها حجج عقليـة ثابتـة ببناء العقلاء ـ كما عرفت ـ لاتكون مفيدة لليقين، ولم يكن عملهم على طبقها من باب أنّـه يقين ; ضرورة أنّ الطريق عندهم لايكون منحصراً با لقطع، وليس ذلك من جهـة تنزيل سائر الطرق منزلـة الطريقـة العلميـة أصلاً، كما يظهر ذلك بمراجعتهم.

وحينئذ فيقع التعارض بحسب الظاهر بين دليل اعتبار الأمارة وبين أخبار لاتنقض ; لأنّ مفاده التعبّد بثبوت الطهارة مثلاً لو شهدت البيّنـة بها، ومفادها حرمـة نقض اليقين با لنجاسـة ما دام لم يحصل يقين وجداني با لطهارة. وحينئذ فيشكل وجـه تقدّم الأمارات على الاستصحاب.

هذا، ويحتمل قويّاً أن يكون المراد با ليقين في أخبار الاستصحاب هي الحجّـة والدليل، فمعناها حينئذ حرمـة نقض الحجّـة بمجرّد الشكّ، بل الواجب نقضها بحجّـة اُخرى، ولايجوز رفع اليد عن الحجّـة بلا حجّـة، وحينئذ فا لوجـه


492

في تقدّم الأمارات عليـه واضح ; لأنّ الأمارات حجّـة شرعيـة ـ تأسيساً أو إمضاءً ـ فيجوز رفع اليد بها عن اليقين السابق ; لأنّ مقتضى أخبار الاستصحاب هو حرمـة نقض الحجّـة ما لم تحصل حجّـة على خلافها، وأدلّـة اعتبار الأمارات تثبت الحجّـة المعتبرة، فتكون واردة عليها.

هذا، ويشهد لما ذكرنا: من أنّ اليقين ليس المراد بـه اليقين الوجداني، بل الحجّـة والدليل ملاحظـة نفس أخبار الاستصحاب، والتأمّل فيها، فإنّـه قد حكم الإمام(عليه السلام) في صحيحـة زرارة الاُولى، الواردة في الوضوء(1) بحرمـة نقض اليقين با لطهارة با لشكّ فيها، مع أنّ اليقين الوجداني با لطهارة لايتفق إلاّ نادراً ; لأنّ العلم الجزمي بكون الوضوء الصادر من الإنسان قد صدر جامعاً لجميع ما اعتبر فيـه في غايـة القلّـة، بل لولا قاعدة الفراغ لأشكل الأمر بسبب ذلك، ومع ذلك قد حكم الإمام(عليه السلام) بجريان استصحاب الطهارة، وليس ذلك إلاّ لكون المراد من اليقين ليس ما اصطلح عليـه العلماء، وهو ما يقابل الظنّ والشكّ والوهم، كما هو واضح.

ونظير ذلك ما وقع في صحيحتـه الثانيـة(2) من حكم الإمام(عليه السلام) بجريان ا لاستصحاب فيما لو ظنّ إصابـة الدم أو المني الثوب، مع عدم اليقين بذلك ; معلّلاً بـ «أنّك كنت على يقين من طهارتك»، مع أنّ اليقين الوجداني والعلم الجزمي بطهارة الثوب ممّا لايتفق إلاّ نادراً.

وكذلك صحيحتـه الثا لثـة الواردة في عدّة أحكام الشكوك: منها

1 ـ تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعـة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.

2 ـ تهذيب الأحكام 1: 421 / 1335، وسائل الشيعـة 3: 477، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 41، الحديث 1.


493

قولـه(عليه السلام): «وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام، فأضاف إليها اُخرى، ولاشيء عليـه، ولاينقض اليقين بالشكّ»(1)، فإنّ التعبير بقولـه: «وقد أحرز الثلاث» دليل على أنّ المراد با ليقين ليس إلاّ الإحراز، فتأمّل. وكيف كان فا لظاهر ـ خصوصاً بملاحظـة ما ذكرنا، وكذا سائر الموارد التي يستفاد منها هذا المعنى ـ أنّ المراد با ليقين في أخبار لا تنقض ليس إلاّ الحجّـة، وحينئذ فتكون أدلّـة الأمارات واردة عليها، كما لايخفى.

هذا، ومن هنا يظهر وجـه تقدّم الأمارات على أصا لـة البراءة التي مدركها إمّا مثل حديث الرفع، وإمّا حكم العقل. فعلى الأوّل فا لظاهر أنّ المراد بـ «ما لايعلمون» الوارد فيـه ليس إلاّ ما يعمّ الحجّـة عليـه، ومن الواضح أنّ أدلّـة الأمارات يثبت حجّيتها، كما أنّ مدركـه لو كان قاعدة قبح العقاب بلابيان تكون الأمارات متقدّمـة عليـه أيضاً ; لأنّها بيان قام الدليل على اعتبارها.

وأمّا تقدّم الاستصحاب على أصل البراءة; فإن كان مدركها حكم العقل بقبح العقاب، من دون بيان فواضح ; لأنّ أدلّـة الاستصحاب الدالّـة على حرمـة نقض اليقين بغير اليقين بيان وحجّـة للمولى على العبد، كما هو واضح.

وأمّا لو كان مدركها هو مثل حديث الرفع فلأنّ مفاد أدلّـة الاستصحاب تنزيل الشكّ المسبوق با ليقين بمنزلـة اليقين ; لكونـه أمراً مستحكماً مبرماً لاينبغي أن ينقض با لشكّ الذي لايكون كذلك على ما هو التحقيق من أنّ المراد با ليقين ليس المتيقّن، فإنّـه لايناسب النقض با لشكّ، كما لايخفى. وحينئذ فتكون أدلّـة

1 ـ الكافي 3: 351 / 3، وسائل الشيعـة 8: 220، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 11، الحديث 3.


494

ا لاستصحاب حاكمـة على مثل حديث الرفع(1) ; لأنّ مدلولـه رفع ما لايعلم، وهي تدلّ على تنزيل الشكّ منزلـة العلم، وتحكم بكونـه علماً في عا لم التشريع.

وإن شئت قلت: إنّ المراد بـ «ما لايعلمون» ـ كما عرفت ـ هو ما لم يقم الحجّـة عليـه، ولاشبهـة في أنّ أدلّـة الاستصحاب حجّـة ودليل، فتكون متقدّمـة عليـه، كما هو واضح، ولعلّـه سيجيء التكلّم في هذا المقام في مبحث الاستصحاب.

1 ـ التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعـة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.


495

حول

أدلّـة الاُصوليّين على البراءة

إذا عرفت ذلك، فلنرجع إلى ما كنّا بصدده، وهو التكلّم في البراءة، فنقول: قد استدلّ على البراءة بالأدلّـة الأربعـة:

الدليل الأوّل: الآيات

منها: قولـه تعا لى: (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(1).

وقد اُورد على التمسّك بـه تارة: بأنّ ظاهره الإخبار بوقوع التعذيب سابقاً بعد البعث، فيختصّ با لعذاب الدنيوي الواقع في الاُمم السابقـة(2).

واُخرى: بأنّ نفي فعليـة التعذيب أعمّ من نفي الاستحقاق(3).

وثالثـة: بأنّ مفادها أجنبي عن البراءة، فإنّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب

1 ـ الإسراء (17): 15.

2 ـ فرائد الاُصول 1: 317.

3 ـ الفصول الغرويّـة: 353 / السطر 7.


496

قبل إتمام الحجّـة، كما هو حال الاُمم السابقـة، فلا دلالـة لها على حكم مشتبـه الحكم ; من حيث إنّـه مشتبـه، فهي أجنبيـة عمّا نحن فيـه(1).

وأنت خبير بعدم تماميـة شيء من هذه الإيرادات.

أمّا الأوّل: فلأنّ الآيـة إنّما وقعت في ذيل الآيات الواردة في القيامـة، ولا اختصاص لها، بل لا ارتباط لها بنفي العذاب الدنيوي با لنسبـة إلى الاُمم السا لفـة. وحينئذ فيكون المراد با لتعذيب المنفي هو العذاب الاُخروي، كما أنّ المراد ببعث الرسول ليس مجرّد بعثـه، ولو لم يكن مأموراً با لتبليغ، كما يدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى أنّـه هو المتفاهم منـه ـ ذكر الرسول، لا النبيّ، بل المراد بـه أنّ البعث لأجل التبليغ وإتمام الحجّـة إنّما يكون غايـة لعدم التعذيب.

ومن هنا يظهر: أنّـه لو بلغ بعض الأحكام دون بعض، أو بلّغها إلى أهل بلد خاصّ دون سائر البلدان، أو بلّغها إلى جميع البلدان في عصره، ثمّ لم يبلغ إلى الأعصار المتأخّرة ; لأجل الموانع والحوادث يفهم من الآيـة عدم التعذيب با لنسبـة إلى التكليف الذي لم يبلّغـه أصلاً، أو الشخص الذي لم يصل إليـه، وحينئذ فالآيـة ظاهرة، بل صريحـة في نفي العذاب با لنسبـة إلى ما لم يصل إلى المكلّف.

هذا، ولو سلّم ظهورها في الإخبار بوقوع التعذيب سابقاً بعد البعث، واختصاصها با لعذاب الدنيوي الواقع في الاُمم السابقـة فنقول: يستفاد منـه البراءة في المقام حينئذ بطريق أولى ; إذ لو كان التعذيب الدنيوي مع كونـه يسيراً محدوداً بمكان لايصدر منـه تعا لى إلاّ بعد بعث الرسول وإتمام الحجّـة فا لعذاب الاُخروي الذي لايمكن قياسـه مع العذاب الدنيوي، لا من حيث الكمّ، ولا من حيث الكيف

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 333.


497

لايصدر منـه تعا لى إلاّ بعد ذلك بطريق أولى، كما لايخفى.

وأمّا الثاني: فلأنّـه ليس المقصود في المقام إثبات نفي الاستحقاق، بل يكفينا مجرّد ثبوت المؤمّن عن العذاب، وإن كان أصل الاستحقاق ثابتاً.

وأمّا الثالث: فيظهر الجواب عنـه ممّا ذكرناه في الجواب عن الإيراد الأوّل.

هذا، ويبقى في الآيـة أنّـه لو ثبت بدليل وجوب الاحتياط لايكون التعذيب حينئذ تعذيباً قبل بعث الرسول، حتّى لايناسب مقامـه ـ جلّ شأنـه ـ كما لايخفى.

ومنها: قولـه تعا لى: (لا يُكَلِّفُ اللّـهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها)(1).

ويقع الكلام فيـه في مقامين: أحدهما في إمكان دلالتـه على المقام، ثانيهما فيما هو ظاهره.

أمّا المقام الأوّل: فلا إشكال في أنّـه لو كان المراد من التكليف هو التكليف الفعلي، ومن الموصول هو التكليف الفعلي أيضاً أو أعمّ منـه ومن المال وغيره يلزم المحال ; لأنّـه يصير معناه حينئذ: أنّ التكليف الفعلي لايتحقّق إلاّ بعد إيصال التكليف الفعلي، فيكون اتصافـه با لفعليـة مشروطاً بإيصا لـه متصفاً بها، وهذا دور صريح.

وكذا يلزم ذلك لو كان المراد من كليهما هو التكليف الشأني، وأمّا لو كان المراد بالأوّل هو التكليف الفعلي وبا لموصول هو التكليف الشأني فلايلزم المحال بوجـه، كما أنّـه لو كان المراد من قولـه: (لا يُكَلِّفُ اللّـهُ) هو عدم إيقاعـه تعا لى نفساً في الكلفة والمشقّة، لا التكليف المصطلح فلا مانع من أن يكون المراد با لموصول هو التكليف الفعلي. وحينئذ يصير معنى الآيـة: أنّـه تعا لى لايوقع نفساً

1 ـ الطلاق (65): 7.


498

في المشقّـة إلاّ من قبل التكا ليف الواقعيـة الفعليـة التي بلّغها إلى المكلّف.

وحينئذ فيدلّ على نفي وجوب الاحتياط أيضاً ; لأنّـه لو فرض وجوب الاحتياط يلزم إيقاع المكلّف في الكلفـة من قبل التكا ليف المجهولـة التي لم تصل إلى المكلّف ; ضرورة أنّ إيجاب الاحتياط ليس إلاّ لرعايـة حفظ الواقع، ولايكون وجوبـه إلاّ طريقياً، فلايقال بأنّ الآيـة لاتنافي وجوب الاحتياط ; لأنّـه تكليف واصل إلى المكلّفين، فلا مانع من وقوع المكلّف في المشقّـة من ناحيتـه، فتدبّر.

ثمّ إنّـه لو اُريد با لموصول في الآيـة أعمّ من التكليف فا لظاهر أنّـه ممّا لايمكن ; لأنّـه لايعقل أن يتعلّق التكليف با لتكليف إلاّ على وجـه تعلّق الفعل با لمفعول المطلق، كما أنّ تعلّقـه با لمال أو بمطلق الشيء إنّما يكون على وجـه تعلّقـه با لمفعول بـه، وهذان الوجهان ممّا لايمكن فرض الجامع القريب بينهما ; لأنّ المفعول بـه لابدّ وأن يكون مفروض التحقّق قبل ورود الفعل عليـه، والمفعول المطلق إنّما هو من شؤون الفعل وأنواعـه، ولا جامع بين ما يقع عليـه الفعل وبين ما هو مأخوذ من نفس الفعل. وإن شئت قلت في المقام بعدم الجامع بين التكليف والمكلّف بـه.

هذا، واُجيب عن ذلك بوجوه:

منها: ما أفاده المحقّق النائيني على ما في التقريرات من أنّ إرادة العموم من الموصول لايستلزم أن يكون المراد من الموصول الأعمّ من المفعول بـه والمفعول المطلق، بل يراد منـه خصوص المفعول بـه.

وتوهّم أنّ المفعول بـه لابدّ وأن يكون لـه نحو وجود وتحقّق في وعائـه قبل ورود الفعل عليـه ممنوع بأنّ المفعول المطلق النوعي والعددي يصحّ جعلـه مفعولاً بـه بنحو من العنايـة، مثلاً الوجوب وإن كان وجوده بنفس الإيجاب


499

وا لإنشاء إلاّ أنّـه باعتبار ما لـه من المعنى الاسم المصدري يصحّ تعلّق التكليف بـه. نعم، الوجوب با لمعنى المصدري لايصحّ تعلّق التكليف بـه(1).

هذا، ولايخفى ما فيـه، فإنّ المعنى الاسم المصدري هو ما يحصل من المصدر، ويتحقّق منـه، فيكون في الرتبـة المتأخّرة عن نفس المصدر، وحينئذ فكيف يعقل فرض وجود لـه قبيل المصدر، ثمّ إيقاعـه عليـه، كما هو واضح.

ومنها: ما أفاده المحقّق العراقي من أنّ هذا الإيراد إنّما يرد في فرض إرادة الخصوصيات المزبورة من شخص الموصول، وإلاّ فبناءً على استعمال الموصول في معناه الكلّي العامّ، وإرادة الخصوصيات من دوالّ اُخر خارجيـة فلايتوجّـه محذور، لا من طرف الموصول، ولا في لفظ الإيتاء، ولا في تعلّق الفعل با لموصول ; لأنّـه لم تستعمل الموصول والإيتاء إلاّ في المعنى الكلّي، وإفادة الخصوصيات إنّما هي بدوالّ اُخر. وكذلك تعلّق الفعل با لموصول ليس إلاّ نحو تعلّق واحد. ومجرّد تعدّده با لتحليل لايقتضي تعدّده با لنسبـة إلى الجامع(2)، انتهى ملخّصاً.

وأنت خبير بأنّـه بعد فرض عدم وجود الجامع القريب بين خصوصيات الموصول كيف يمكن أن يقال بأنّها مستعملـة في المعنى العام.

نعم، الإيتاء مستعمل في معناه، وهو الإعطاء، وهو أمر كلّي جامع بين الإعطاء والإقدار والإعلام، وبعد عدم وجود الجامع لايكون النسبـة أيضاً متعلّقـة بـه، حتّى يقال بأنّ تعدّدها إنّما هو با لتحليل.

أمّا المقام الثاني: ـ بحسب مقام الإثبات والاستظهار ـ فدعوى ظهور

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 331 ـ 333.

2 ـ نهايـة الأفكار 3: 202.


500

ا لآيـة فيـه ممنوعـة، والذي يدفع الإشكال: أنّ ظاهر الآيـة ـ بقرينـة ما قبلها وما بعدها ـ ينافي الحمل على التكليف، وكونها بمنزلـة كبرى كلّيـة لايوجب شمولها للتكليف، بل الظاهر أنّ مفادها هو مفاد قولـه تعا لى: (لا يُكَلِّفُ اللّـهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها)(1)، فلامجال للاستدلال بها على المقام، كما لايخفى.

الدليل الثاني: الأخبار

منها: حديث الرفع(2) ; حيث عدّ فيـه «ما لايعلمون» من جملـة التسعـة ا لمرفوعـة. وتحقيق الكلام في مفاد الحديث الشريف يتمّ برسم اُمور:

الأمر الأوّل: في معنى الرفع

فنقول: ذكر المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ أنّ الرفع في الحديث بمعنى الدفع، ولايلزم من ذلك مجاز، ولايحتاج إلى عنايـة أصلاً، قال في توضيحـه ما ملخّصـه: إنّ استعمال الرفع وكذا الدفع لايصحّ إلاّ بعد تحقّق مقتضى الوجود ; بحيث لو لم يرد الرفع وكذا الدفع على الشيء لكان موجوداً في وعائـه المناسب لـه ; لوضوح أنّ كلاّ منهما لايرد على ما يكون معدوماً في حدّ ذاتـه لا وجود لـه ولا اقتضاء الوجود، ويفترق الرفع عن الدفع بأنّ استعمال الرفع إنّما يكون غا لباً في المورد الذي فرض وجوده في الزمان السابق أو في المرتبـة السابقـة، والدفع يستعمل غا لباً في المورد الذي فرض ثبوت المقتضي بوجود

1 ـ البقرة (2): 286.

2 ـ التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعـة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.


501

شيء قبل إشغا لـه لصفحـة الوجود، فيكون الرفع مانعاً عن استمرار الوجود، والدفع مانعاً عن تأثير المقتضي.

ولكن هذا المقدار من الفرق لايمنع عن صحّـة استعمال الرفع بدل الدفع على وجـه الحقيقـة، فإنّ الرفع في الحقيقـة يدفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق أو في المرتبـة اللاحقـة ; لأنّ بقاء الشيء كحدوثـه يحتاج إلى علّـة البقاء. فا لرفع في مرتبـة وروده على الشيء إنّما يكون دفعاً حقيقـة باعتبار علّـة البقاء، وإن كان رفعاً باعتبار الوجود السابق. فاستعمال الرفع في مقام الدفع لايحتاج إلى رعايـة علاقـة المجاز أصلاً(1)، انتهى.

وأنت خبير بما فيـه; لأنّ صدق عنوان الدفع على مورد الرفع باعتبار كونـه دافعاً عن تأثير المقتضى في الزمان اللاحق أو المرتبـة اللاحقـة لايوجب اتحاد الاعتبارين ووحدة العنوانين في عا لم المفهوميـة، فإنّ اعتبار الرفع إنّما هو إزا لـة الشيء الموجود في زمان أو مرتبـة عن صفحـة الوجود، واعتبار الدفع إنّما هو المنع عن تأثير العلّـة المبقيـة في الآن اللاحق، وصدق عنوان الدفع على محلّ الرفع باعتباره لايوجب اتحاد الاعتبارين.

ألا ترى أنّ صدق عنوان الضاحك دائماً على مورد يصدق عليـه الإنسان لايقتضي اتحاد معنى الضاحك والإنسان، وإن كان التصادق دائمياً، فضلاً عن المقام الذي لايكون النسبـة إلاّ العموم والخصوص، لا التساوي، كما هو واضح.

وبالجملـة: تصادق العنوانين في الوجود الخارجي ـ مطلقاً أو في الجملـة ـ أمر، واتحادهما في عا لم المفهوميـة أمر آخر. وحينئذ فمع اعترافـه بتغاير الاعتبارين لا مجال لدعوى صحّـة استعمال أحدهما مكان الآخر بلا

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 336 ـ 337.


502

احتياج إلى رعايـة العلاقـة والعنايـة، كما اعترف بذلك في مبحث الاشتغال ; حيث قال: إنّ استعمال الرفع مكان الدفع أو با لعكس إنّما هو بضرب من العنايـة والتجوّز(1).

والتحقيق في المقام أن يقال: إنّ الرفع في الحديث الشريف قد اُسند إلى نفس الأفعال التي يتعلّق بها التكليف، ولم يكن مسنداً إلى نفس الحكم، حتّى يحتاج إلى دعوى كون المراد من الرفع هو الدفع، فإنّ الرفع قد اُسند إلى نفس الخطأ والنسيان ونظائرهما. نعم، لا ننكر أنّ هذا الإسناد يحتاج إلى ادعاء أنّـه إذا كانت تلك الاُمور ممّا لايترتّب على فعلها المؤاخذة، أو أظهر آثارها أو جميعها فكأنّها لاتكون متحقّقـة في صفحـة الوجود.

وبالجملـة: فا لرفع قد استعمل في الحديث بمعناه الحقيقي، وهي إزا لـة الشيء بعد وجوده ; لأنّـه قد نسب إلى العناوين المتحقّقـة في الخارج، وهي موجودة ثابتـة، وإسناد الرفع إليها إنّما هو بأحد الوجوه المحتملـة. هذا، ولو قلنا بأنّ التقدير هو رفع الأحكام والآثار المترتّبـة على تلك العناوين فيمكن أن يقال بأنّ الرفع حينئذ أيضاً قد استعمل في معناه الحقيقي، وهو إزا لـة الحكم بعد ثبوتـه ; لأنّ أدلّـة الأحكام شاملـة با لعموم أو الإطلاق صورة الخطأ والنسيان والاضطرار والإكراه والجهل، فا لرفع إنّما يتعلّق بتلك الأحكام في خصوص تلك الصور، فهو بمعنى إزا لـة الحكم الثابت بالإرادة الاستعما ليـة في تلك الموارد، وإن كان بحسب الإرادة الجدّيـة دفعاً حقيقـة.

كما أنّ التخصيص إنّما يكون تخصيصاً با لنسبـة إلى الإرادة الاستعما ليـة الشاملـة لمورد التخصيص. وأمّا با لنظر إلى الإرادة الجدّيـة المقصورة على غيره

1 ـ نفس المصدر 4: 222.


503

فيكون في الحقيقـة تخصّصاً، كما أنّ النسخ إنّما يكون نسخاً باعتبار ظهور الحكم في الاستمرار، وإلاّ ففي الحقيقـة لايكون نسخاً ; لأنّ مورده إنّما هو ما إذا انتهى أمد الحكم، وإلاّ فلايجوز، بل يستحيل.

وبالجملـة: فاستعمال الرفع والتخصيص والنسخ إنّما هو باعتبار شمول الحكم المجعول قاعدة وقانوناً لموارد هذه الاُمور، وإلاّ ففي الحقيقـة لايكون هنا رفع وتخصيص ونسخ، بل دفع وتخصّص وانتهاء أمد. فظهر صحّـة استعمال الرفع في المقام على كلا التقديرين ; وهما تقدير إسناده إلى نفس العناوين، كما هو الظاهر، وتقدير إسناده إلى الأحكام المترتّبـة عليها، كما لايخفى.

الأمر الثاني: في متعلّق الرفع

قد عرفت أنّ ظاهر الحديث إنّما هو إسناد الرفع إلى نفس تلك العناوين المذكورة فيـه، ومن الواضح أنّ ذلك يحتاج إلى تقدير ; صوناً لكلام الحكيم من اللغويـة ; إذ لايمكن الحمل على ظاهره. وحينئذ فنقول: إنّـه قد وقع البحث في تعيين ما هو المقدّر، فقيل: هي المؤاخذة، وقيل: هو أظهر الآثار، وقيل: هو جميع الآثار.

هذا، وذكر المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ أنّـه لا حاجـة إلى التقدير أصلاً، فإنّ التقدير إنّما يحتاج إليـه إذا توقّف تصحيح الكلام عليـه، كما إذا كان الكلام إخباراً عن أمر خارجي، أو كان الرفع رفعاً تكوينياً، وأمّا إذا كان الرفع رفعاً تشريعياً فا لكلام يصحّ بلا تقدير، فإنّ الرفع التشريعي كا لنفي التشريعي ليس إخباراً عن أمر واقع، بل إنشاء الحكم يكون وجوده التشريعي بنفس الرفع


504

وا لنفي(1)، انتهى ملخّصاً.

وأنت خبير بما فيـه، أمّا أوّلاً: فلأنّ ما ذكره من أنّ الرفع في الحديث إنّما هو رفع تشريعي ممنوع، فإنّ الحديث يتضمّن إخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن مرفوعيـة تلك الاُمور في الواقع ; ضرورة أنّ التشريع لايكون إلاّ شأناً لـه ـ تبارك وتعا لى ـ، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذا الأئمّـة (عليهم السلام) إنّما يخبرون با لحكم الذي شرع في الواقع، كا لمفتي الذي يفتي بالأحكام. غايـة الأمر أنّهم عا لمون بالأحكام الواقعيـة، بخلاف المفتي. وبا لجملـة: فا لحديث لايدلّ على الرفع التشريعي أصلاً.

وأمّا ثانياً: فلأنّ الفرق بين الرفع التشريعي وغيره ; من حيث عدم احتياج الأوّل إلى التقدير، دون الثاني ممّا لايصحّ، فإنّ كليهما يحتاج إلى تصحيح وادعاء ; لعدم صحّـة إسناده إلى نفس العناوين، لا تشريعاً ولا تكويناً بلا ادعاء، كما لايخفى.

والتحقيق أن يقال: إنّ المصحّح لإسناد الرفع إلى نفس العناوين المذكورة في الحديث إنّما هو كونها بلا أثر أصلاً ; لأنّ تقدير أظهر الآثار، أو خصوص المؤاخذة يحتاج إلى ادعائين: أحدهما ادعاء كون ذلك الأثر بمنزلـة جميع الآثار المترتّبـة على ذلك الشيء، ثانيهما ادعاء كون الشيء الذي لم يكن لـه أثر أصلاً، فهو معدوم ومرفوع. وهذا بخلاف كون المراد رفع جميع الآثار، فإنّـه لايحتاج إلاّ إلى ادعاء واحد. ومنـه يظهر ترجيحـه على الاحتما لين الأوّلين.

هذا، ويدلّ على أنّ المراد رفع جميع الآثار روايـة صفوان بن يحيى والبزنطي جميعاً عن أبي الحسن(عليه السلام) في الرجل يستحلف على اليمين، فحلف با لطلاق والعتاق وصدقـة ما يملك، أيلزمـه ذلك ؟

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 342 ـ 343.


505

فقال(عليه السلام): «لا، قال رسول اللّـه(صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن اُمّتي ما اُكرهوا عليـه وما لايطيقون وما أخطأوا»(1).

وا لحلف با لطلاق والعتاق والصدقـة وإن كان باطلاً عند الإماميـة في حال الاختيار أيضاً إلاّ أنّ استشهاد الإمام(عليه السلام) على عدم لزومها في صورة الإكراه دليل على عدم اختصاص حديث الرفع برفع خصوص المؤاخذة. هذا، ويمكن أن يقال بأنّ المقصود من الروايـة: أنّـه إذا اُكره الرجل على الحلف بأن يطلّق أو يعتق أو يصدّق فهل يجب عليـه العمل على مقتضى حلفـه أم لا ؟ وحينئذ فلايكون هذا الحلف باطلاً مع الاختيار، بل يجب عليـه مع وجود شرائطـه أن يطلّق أو يعتق أو يصدّق.

ويؤيّد كون المقصود من الروايـة هو هذا المعنى التعبير بقولـه «يلزمـه»، فإنّـه لايناسب كون المراد با لحلف با لطلاق ونظائره هو الحلف بكون امرأتـه مطلّقـة مثلاً، كما لايخفى.

ثمّ لايذهب عليك: أنّ نسبـة الرفع إلى الاُمور التسعـة المذكورة في الحديث ليس على نسق واحد ; ضرورة أنّ المراد برفع الخطأ والنسيان ليس هو رفع الآثار المترتّبـة على نفس الخطأ والنسيان ; لأنّـه لايعقل ذلك، كما صرّح بـه الشيخ في «ا لرسا لـة»(2)، بل المراد با لخطأ والنسيان هو ما أخطأ وما نسي. فالآثار المترتّبـة على الفعل لايترتّب عليـه إذا وقع خطأً أو نسياناً.

وا لسرّ في التعبير عنـه بذلك إنّما هو وضوح أنّ المتفاهم من هذين العنوانين بحسب نظر العرف ليس نفسهما مستقلاّ، بل من حيث كونهما طريقاً، وهذا بخلاف

1 ـ المحاسن: 339 / 124، وسائل الشيعـة 23: 226، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث12.

2 ـ فرائد الاُصول 1: 320 ـ 322.


506

عنوان الحسد والطيرة، فإنّـه لايكون طريقاً إلى شيء آخر، بل المتبادر منـه إنّما هو نفس عنوانـه. ويدلّ على ذلك: التعبير عن الخطأ في الروايـة المتقدّمـة بكلمـة «ما أخطأوا». هذا، ويمكن أن يكون الوجـه في التعبير با لخطأ والنسيان في الحديث هو متابعـة الآيـة الشريفـة ; من حيث إنّـه قد عبّر فيها با لنسيان والخطأ.

وبالجملـة: لاينبغي الإشكال في أنّ المراد با لخطأ والنسيان في الحديث ليس ظاهرهما، بل المراد هو ما أخطأوا وما نسوا، وحينئذ فيصير مطابقاً لمثل «ما لايعلمون» ونظائره.

ثمّ إنّ ظاهر الحديث هو اختصاص رفع هذه الاُمور بهذه الاُمّـة، مع أنّ المؤاخذة على الخطأ والنسيان وما لايعلمون وأشباهها مرفوعـة عقلاً، ولا اختصاص لـه بهذه الاُمّـة، ولكن هذا الإيراد إنّما يرد بناءً على أن يكون المرفوع هو المؤاخذة، وقد عرفت أنّ المصحّح لإسناد الرفع إلى الاُمور المذكورة في الحديث إنّما هو كونها مرفوعـة بجميع آثارها. وعلى تقدير أن يكون المرفوع هو خصوص المؤاخذة يمكن أن يقال بمنع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الاُمور بقول مطلق، فإنّـه لايقبح المؤاخذة على الخطأ والنسيان الصادرين من ترك التحفّظ، كما لايخفى.

ثمّ إنّ مقتضى كون الحديث امتناناً على العباد ليس إلاّ مجرّد رفع الأحكام والآثار عن تلك الاُمور المذكورة فيما إذا وقعت تلك الاُمور اتفاقاً، فهو بصدد رفع الكلفـة والمشقّـة على ا لعباد، وحينئذ فلادلالـة لـه على رفع الحكم فيما إذ أوقع المكلّف نفسـه اختياراً في الاضطرار إلى ترك واجب أو فعل محرّم أو شرب دواء ـ مثلاً ـ اختياراً، فذهبت منـه القدرة على فعل المأمور بـه وأشباه ذلك، كما هو واضح جدّاً.


507

كما أنّ مقتضى الحديث رفع الحكم فيما إذا لم يلزم من رفعـه ضرر على شخص آخر ; لأنّ ذلك ينافي الامتنان على الاُمّـة الظاهر في الامتنان على جميع الاُمّـة، كما لايخفى. وحينئذ فالاضطرار مثلاً إلى أكل مال الغير لايوجب إلاّ سقوط التحريم المتعلّق بإتلاف مال الغير من دون إذن، لا سقوط الضمان أيضاً، بل يشكل سقوط الحكم التكليفي أيضاً في بعض الموارد، كما إذا اضطرّ بالاضطرار العرفي الغير البا لغ حدّ الاضطرار الشرعي إلى أكل عين متعلّقـة با لغير ; بحيث كانت خصوصيتها أيضاً متعلّقـة لغرضـه، ولايرضى بإتلافـه مع دفع القيمـة أصلاً ; لكون خصوصيتها مطلوبـة لـه أيضاً، فإنّـه يشكل الحكم بجواز الإتلاف بمجرّد عروض اضطرار يمكن لـه التحمّل عقلاً، وإن لم يكن ممّا يتحمّل عادة، كما لايخفى.

الأمر الثالث: في شمول الحديث للاُمور العدميـة

ذكر المحقّق النائيني(قدس سره) ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ أنّ حديث الرفع إنّما يختصّ برفع الاُمور الوجوديـة، فلو اُكره المكلّف على الترك أو اضطرّ إليـه أو نسي الفعل ففي شمول الحديث لـه إشكال ; لأنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلـة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلـة الوجود، فإنّ ذلك إنّما يكون وضعاً لا رفعاً، فلو نذر أن يشرب من ماء دجلـة، فاُكره على العدم أو اضطرّ إليـه أو نسي أن يشرب فمقتضى القاعدة وجوب الكفّارة عليـه، لو لم تكن أدلّـة وجوب الكفّارة مختصّـة بصورة التعمّد ومخا لفـة النذر عن إرادة والتفات(1).

هذا، وأجاب عن ذلك المحقّق العراقي ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ بعدم

1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 352 ـ 353.


508

ا لفرق بين رفع الفعل أو الترك ; إذ كما أنّ معنى رفع الوجود في عا لم التشريع عبارة عن رفع الأثر المترتّب عليـه، وخلوّه عن الحكم في عا لم التشريع، كذلك في رفع العدم، فإنّ مرجع رفعـه إلى رفع الأثر المترتّب على هذا العدم الراجع إلى عدم أخذه موضوعاً للحكم با لفساد، ووجوب الإعادة مثلاً بملاحظـة دخل نقيضـه، وهو الوجود في الصحّـة.

وبا لجملـة: فرق واضح بين قلب الوجود بعدم ذاتـه وتنزيلـه منزلتـه، وبا لعكس، وبين قلب أخذه موضوعاً للحكم بعدم أخذه في مرحلـة تشريع الحكم، وخلوّ خطاباتـه عنـه. والإشكال المزبور إنّما يرد على الأوّل دون الثاني(1)، انتهى.

هذا، وأنت خبير بعدم تماميـة هذا الجواب; إذ ليس معنى رفع هذه الاُمور هو رفعها عن موضوعيـة الحكم المترتّب عليها مطلقاً، حتّى في ناحيـة رفع الفعل، فإنّـه لو كان معنى رفع ما اضطرّوا إليـه مثلاً هو رفع شرب الخمر الذي حصل الاضطرار إليـه عن موضوعيـة الحكم با لحرمـة، الظاهر في حرمتـه مطلقاً لما كان الكلام محتاجاً إلى ادعاء ومصحّح، كما أتعبوا بـه أنفسهم ; إذ الرفع حينئذ يصير رفعاً حقيقياً، لا ادعائياً.

فالإشكال إنّما هو بناءً على ظاهر الحديث من كون المرفوع هي ذوات هذه الأشياء، وجعلها بمنزلـة العدم، والجواب لاينطبق عليـه، كما هو واضح.

والتحقيق في الجواب أن يقال: أمّا أوّلاً ; فلأنّ العدم المرفوع في الحديث هو العدم المضاف، وهو يمكن اعتباره بنحو ثبت لـه الثبوت الإضافي، وثانياً: أنّ تعلّق الرفع بـه يوجب تحقّقاً اعتبارياً لـه، وبهذا الاعتبار يمكن أن يتعلّق بـه،

1 ـ نهايـة الأفكار 3: 219.


509

وثا لثاً: إذا فرض ترتّب حكم على الترك في الشريعـة فلابدّ من أن يكون لـه ثبوت اعتباري في عا لم التشريع، وإلاّ فلايعقل أن يتعلّق بـه الحكم، ويترتّب عليـه الأثر، وحينئذ فا لحديث إنّما يرفع هذا الثابت با لثبوت الاعتباري، والمصحّح لإسناد الرفع إليـه هو خلوّه في عا لم التشريع عن الحكم والأثر رأساً. وبا لجملـة: فلاينبغي الإشكال في شمول الحديث لرفع التروك أيضاً.

الأمر الرابع: في شمول الموصول للشبهات الموضوعيـة والحكميـة

إنّما الكلام في شمول الموصول في قولـه «ما لايعلمون» للشبهات الحكميـة وعدمــه، فاعلم أنّـه قد يقال ـ كما قيل ـ باختصاصـه با لشبهات الموضوعيـة(1): إمّا لأنّ المرفوع في الحديث هو خصوص المؤاخذة، والمؤاخذة على نفس الحكم ممّا لايعقل.

وإمّا لأنّ وحدة السياق تقتضي ذلك ; لأنّ المراد من الموصول في «ما استكرهوا عليـه» وأخواتـه هو الموضوع ; إذ لايعقل الاستكراه ـ مثلاً ـ على الحكم. ومقتضى وحدة السياق أن يكون المراد با لموصول في «ما لايعلمون» أيضاً هو الموضوع الذي اشتبـه عنوانـه، فلايعمّ الشبهات الحكميـة.

وإمّا لأنّ إسناد الرفع إلى الحكم إسناد إلى ما هو لـه، وإسناده إلى الفعل إسناد إلى غير ما هو لـه، ولا جامع بينهما حتّى يمكن أن يراد من الموصول، وحينئذ فمع قطع النظر عن وحدة السياق ينبغي تخصيص الحديث با لشبهات الحكميـة ; لأنّ إسناد الرفع فيها إسناد حقيقي، إلاّ أنّ وحدة السياق اقتضت الحمل

1 ـ فرائد الاُصول 1: 320 ـ 321، كفايـة الاُصول: 387، دررالفوائد، المحقّق الخراساني: 190.


510

على خصوص الشبهات الموضوعيـة.

هذا، وأنت خبير بفساد جميع هذه الوجوه: أمّا الوجـه الأوّل فلأنّـه مبني على أن يكون المرفوع هو خصوص المؤاخذة، وقد عرفت أنّ مقتضى التحقيق هو كون المرفوع هي نفس تلك العناوين ادعاءً، بلحاظ خلوّها عن الحكم رأساً.

وأمّا الوجـه الثاني فلمنع اقتضاء وحدة السياق ذلك، بل نقول: إنّ وحدة السياق تقتضي خلافـه، كما أفاده في «ا لدرر»(1) ; لأنّ عدم تحقّق الاضطرار في ا لأحكام، وكذا الإكراه لايوجب تخصيص «ما لايعلمون»، بل مقتضى السياق إرادة العموم من هذا الموصول، كإرادتـه من أخواتـه. غايـة الأمر: أنّ عموم الموصول إنّما يكون بملاحظـة سعـة متعلّقـه وضيقـه. فقولـه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما اضطرّ إليـه» اُريد منـه كلّ ما اضطرّ إليـه في الخارج. غايـة الأمر: أنّـه لم يتحقّق الاضطرار با لنسبـة إلى الحكم.

فمقتضى اتحاد السياق أن يراد من قولـه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما لايعلمون» أيضاً كلّ فرد من أفراد هذا العنوان. ألا ترى أنّـه إذا قيل: «ما يؤكل» و «ما يرى» في قضيـة واحدة لايوجب انحصار أفراد الأوّل في الخارج ببعض الأشياء تخصيص الثاني أيضاً بذلك البعض، كما هو واضح جدّاً.

هذا، وذكر المحقّق العراقي ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ في بيان منع وحدة السياق المقتضيـة للحمل على خصوص الشبهات الموضوعيـة ما ملخّصـه: أنّ من الفقرات في الحديث الطيرة والحسد والوسوسـة، ولايكون المراد منها الفعل، ومع هذا الاختلاف كيف يمكن دعوى ظهور السياق في إرادة الموضوع المشتبـه، مع أنّ ذلك يقتضي ارتكاب خلاف ظاهر السياق من جهـة

1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 441.


511

اُخرى، فإنّ الظاهر من الموصول في «ما لايعلمون» هو ما كان بنفسـه معروض الوصف وعدم العلم، كما في غيره من ا لعناوين.

فتخصيص الموصول با لشبهات الموضوعيـة ينافي هذا الظهور ; إذ لايكون الفعل فيها بنفسـه معروضاً للجهل، وإنّما المعروض لـه هو عنوانـه. وحينئذ يدور الأمر بين حفظ السياق من هذه الجهـة بحمل الموصول في «ما لايعلم» على الحكم المشتبـه، وبين حفظـه من جهـة اُخرى، بحملـه على إرادة الفعل، ولاريب أنّ الترجيح مع الأوّل بنظر العرف(1)، انتهى.

أقول: لايخفى أنّ ذكر الحسد والطيرة والوسوسـة في الخلق لايوجب الاختلاف في الحديث بعد كونها أيضاً من الأفعال. غايـة الأمر: أنّها من الأفعال القلبيـة، كما هو واضح.

وأمّا ما أفاده(2) من أنّ الحمل على الشبهات الموضوعيـة يقتضي ارتكاب خلاف الظاهر من جهـة اُخرى ففيـه أوّلاً: منع ذلك ; فإنّ الخمر إذا كان مجهولاً يكون اتصاف شربـه بشرب الخمر مجهولاً حقيقـة، وليس نسبـة الجهل إليـه با لعرض والتبع ; ضرورة أنّـه مجهول حقيقـة، وإن كان تعلّق الجهل با لخمر صار

1 ـ نهايـة الأفكار 3: 216.

2 ـ لايخفى عدم انطباق الجواب على كلامـه; لأنّ مراده ظهور فقرة «ما لايعلمون» في كون متعلّق الجهل هو نفس الفعل بما هو، لا عنوانـه الذي هو الخمر، فمراده ظهورها في تعلّق الجهل، لابعنوان الخمريـة، بل بنفس الفعل.

ولكن يرد عليـه الغفلـة عن ظهور الموصول في كونـه متعلّقاً للحكم، ولابدّ من تعلّق الجهل بهذه الجهـة، ومن المعلوم أنّ متعلّق الحكم هو العنوان، فلابدّ من كون العنوان مجهولاً، ولا وجـه لدعوى الظهور في متعلّق الجهل بنفس الفعل، مع قطع النظر عن العنوان، كما لايخفى.


512

سبباً لمجهوليـة شرب الخمر، إلاّ أنّها من قبيل الواسطـة في الثبوت، لا الواسطـة في العروض، وحينئذ فيصحّ رفع شرب الخمر لكونـه مجهولاً.

وثانياً: أنّـه لو سلّمنا أنّ المجهول حقيقـة هو نفس عنوان الخمريـة فنقول: إنّـه لابأس في أن يكون الخمر مرفوعاً بعنوانـه، وحينئذ يترتّب عليـه رفع الأحكام الشرعيـة المترتّبـة على الأفعال المرتبطـة بـه، كا لشرب ونحوه.

فا لتحقيق في الجواب عن دعوى وحدة السياق ما ذكرنا، ونزيد عليـه: أنّ الموصول لايدلّ إلاّ على معناه الإجما لي الإبهامي، وهو شيء ثبت لـه الصلـة، ولا تعرّض لـه إلى خصوصيات هذا الشيء، ومقتضى وحدة السياق هو الحمل الموصول في جميع الفقرات المشتملـة عليـه على معناه الحقيقي، كما لايخفى.

وأمّا الوجـه الثا لث: فيرد عليـه ما حقّقناه في المجاز من أنّ المجاز لايكون عبارة عن استعمال اللفظ في غير الموضوع لـه، بل هو أيضاً ـ كا لحقيقـة ـ عبارة عن استعمال اللفظ في معناه الموضوع لـه، غايـة الأمر: أنّـه قد ادعى كون المعنى المجازي من أفراد المعنى الحقيقي، وحينئذ فنقول: إنّ إسناد الرفع إلى الموضوع المجهول لايكون مجازاً وإسناداً إلى غير ما هو لـه، بل إنّما هو إسناد إلى ما هو لـه، غايـة الأمر أنّـه قد ادعى كونـه صا لحاً لتعلّق الرفع بـه، كما أنّك عرفت: أنّ نسبـة الرفع إلى الأحكام أيضاً لايكون إلاّ ادعاء ; لما عرفت من ثبوتـه با لنسبـة إلى الجاهل أيضاً، ولايستفاد من الحديث اختصاص الأحكام الواقعيـة با لعا لم بها.

فهرست موضوعات
مقدّمـة التحقيق 5
المقصد الأوّل : في الأوامر وفيـه فصول : 13
الفصل الرابع : في مقدّمـة الواجب فيه اُمور 15
الأمر الأوّل : في تحرير محل النزاع 15
الأمر الثاني : هل مسأ لـة مقدّمـة الواجب من المسائل الاُصوليّـة ؟ 19
هل المسأ لـة عقليـة أو لفظيـة ؟ 20
الأمر الثالث : في تقسيمات المقدّمـة 21
تقسيم المقدّمـة إ لى الخارجيّـة والداخليّـة 21
دفعُ وَهم : في أنحاء الوحدة الاعتباريّـة 24
التفصيل بين العلّـة التامّـة وغيرها 26
تقسيم المقدّمـة إ لى المتقدّمـة والمقارنـة والمتأخرّة 27
ما أفاده المحقّق العراقي (قدس سره) في المقام 28
كلام المحقّق النائيني (قدس سره) في تحرير محلّ النزاع 32
الجواب عن مختار المحقّق النائيني (قدس سره) 35
الأمر الرابع : في الواجب المطلق والمشروط 37
في مقام الثبوت وتصوير الواجب المشروط 37
في مقام الإثبات وإمكان رجوع القيد إ لى الهيئـة 39
نقل وتحصيل : في ضابط قيود الهيئـة والمادة 40
في توقّف فعليـة الوجوب على شرطـه 42
في إشكالات الواجب المشروط على مسلك المشهور 44
الأمر الخامس : في الواجب المعلّق والمنجز 48
ما أفاده بعض الأعلام في إنكار الواجب المعلّق 49
حول ما تردّد القيد بين رجوعـه إ لى المادّة أو الهيئـة 56
الأمر السادس : في الواجب النفسي والغيري 59
مقتضى الأصل اللفظي في المقام 60
مقتضى الأصل العملي في المقام 63
تنبيهات : 67
التنبيـه الأوّل : في كيفيـة الثواب والعقاب الاُخروي 67
في استحقاق الثواب على الواجب الغيري 68
التنبيـه الثاني : الإشكال في الطهارات الثلاث ودفعـه 70
التنبيـه الثالث : في منشأ عباديـة الطهارات 73
الأمر السابع : ما هو الواجب في باب المقدّمـة ؟ 77
حول ما نسب إ لى صاحب المعالم 77
تحقيق فيما نسب إ لى الشيخ الأنصاري (قدس سره) 79
القول في المقدّمـة الموصلـة 82
حول ما نسب إ لى صاحب الفصول 82
ما أفاده المحقّق الحائري والعراقي في المقام 86
في الدليل العقلي على المقدّمـة الموصلـة 89
في ثمرة القول بالمقدّمـة الموصلـة 91
مناقشـة الشيخ الأنصاري في الثمرة 92
مناقشـة العلمين : الأصفهاني والعراقي 94
الأمر الثامن : في الواجب الأصلي والتبعي 97
حول الأصل عند الشكّ في الأصليّـة والتبعيـة 99
الأمر التاسع : ثمرة مسأ لـة مقدّمـة الواجب 101
الأمر العاشر : في الأصل عند الشكّ في الملازمـة 102
القول في أدلّـة القائلين بالملازمـة 103
تذنيب : حول التفصيل بين السبب والشرط الشرعي وغيرهما 105
تتميم : في مقدّمـة المستحب والمكروه والحرام 106
الفصل الخامس : في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه 110
فيه اُمورٌ : 110
الأمر الأوّل : هل هذه المسأ لـة اُصوليّـة أم لا؟ 110
الأمر الثاني : معنى الاقتضاء في عنوان المسأ لـة 111
الأمر الثالث : المهمّ من الأقوال في المسأ لـة 112
الاستدلال على الاقتضاء في الضدّ الخاصّ من طريق المقدّميـة 112
إنكار المحقّق الخراساني المقدّميـة مطلقاً 113
ما أفاده المحقّق القوچاني في المقام 115
مقالـة المحقّق الأصفهاني في المقام 118
الاستدلال على الاقتضاء في الضدّ الخاصّ من طريق التلازم 122
الأمر الرابع : في ثمرة المسأ لـة 124
جواب آخر على مسلك الترتّب 126
تحقيق في الجواب على مسلك الخطابات القانونيـة 128
تحقيق في الترتّب 134
حول أمثلـة الترتّب 140
الفصل السادس : في جواز الأمر مع العلم بانتفاء شرطـه 142
الفصل السابع : في أنّ متعلّق الطلب هل هي الطبيعة أو الأفراد ؟ 145
الفصل الثامن : في بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب فيه اُمور 149
الأمر الأوّل : في إمكان بقاء الجواز 149
الأمر الثاني : في مقتضى الأدلّـة إثباتاً بعد فرض إمكانـه 150
الأمر الثالث : في استصحاب الجواز عند الشكّ في بقائـه 151
الفصل التاسع : في الواجب التعييني والتخييري 153
تذنيب : التخيير بين الأقلّ والأكثر 156
الفصل العاشر : في الواجب العيني والكفائي 158
أقسام الواجب الكفائي 160
المقصد الثاني : في النواهي 160
وفيـه فصول : 160
الفصل الأوّل : في صيغـة النهي 165
في منشأ الفرق بين مُرادَي الأمر والنهي 166
الفصل الثاني : في اجتماع الأمر والنهي فيه اُمورٌ : 169
الأمر الأوّل : في عنوان المسأ لـة وتحرير مصبّ النزاع 169
الأمر الثاني : في الفرق بين هذه المسأ لة ومسأ لة النهي عن العبادة 170
الأمر الثالث : عدم اعتبار قيد المندوحـة 171
الأمر الرابع : جريان النزاع حتّى مع تعلّق الأوامر والنواهي بالأفراد 171
الأمر الخامس : حول اعتبار وجود المناطين في المجتمع 172
الأمر السادس : في ثمرة بحث الاجتماع فيه جهات من البحث : 174
الجهـة الاُولى : ثمرة النزاع على القول بجواز الاجتماع 174
الجهـة الثانيـة : ثمرة النزاع على القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر 179
الجهـة الثالثـة : ثمرة النزاع على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي 180
حكم العبادة مع الجهل عن قصور 180
الأمرالسابع : شمول النزاع للعنوانين بينهما عموم وخصوص مطلقاً 184
التحقيق في جواز الاجتماع 187
حول استدلال القائلين بالامتناع فيه اُمورٌ : 194
الأمر الأوّل : لزوم اجتماع الأمر والنهي 194
الأمر الثاني : لزوم اجتماع الحبّ والبغض وغيرهما 194
الأمر الثالث : لزوم اجتماع الصلاح والفساد 196
حول التضادّ بين الأحكام الخمسـة 198
تنبيهات : 200
التنبيـه الأوّل : بعض أدلّـة المجوّزين 200
التنبيـه الثاني : حكم توسّط الأرض المغصوبـة 203
عدم انحلال الخطابات الشرعيّـة 204
التنبيـه الثالث : حكم الصلاة في الدار المغصوبـة 207
الفصل الثالث : في اقتضاء النهي عن الشيء فساده وعدمه لابدّ من تقديم اُمور : 208
الأمر الأوّل : حول عنوان المسأ لـة 208
الأمر الثاني : في اُصوليّـة هـذه المسأ لـة 208
هل المسأ لـة عقليّـة أو لفظيّـة ؟ 209
الأمر الثالث : تفسير وصفي الصحّـة والفساد 209
تنبيـه : في جعل الصحّـة والفساد 212
الأمر الرابع : شمول ملاك البحث للنهي التنزيهي والغيري والتبعي 214
الأمر الخامس : في تحقيق الأصل في المسأ لـة 214
إذا عرفت هذه الاُمور يقع الكلام في مقامين : 214
المقام الأوّل : في دلالـة النهي على الفساد في العبادات 216
المقام الثاني : في اقتضاء النهي للفساد في المعاملات وعدمـه 218
حول الروايات التي استدلّ بها لدلالـة النهي على الفساد 221
تذنيب : في دعوى دلالـة النهي على الصحـة 225
تنبيـه : حول استتباع النهي عن الجزء أو الشرط أو الوصف للفساد 228
المقصد الثالث : في المفاهيم 231
مقدّمـة 233
في تعريف المفهوم يقع الكلام في مقامين : 233
المقام الأوّل : في دلالة القضيـة الشرطيـة على المفهوم وعدمها 236
الوجـه الأوّل : ما هو المنسوب إ لى القدماء 236
الوجـه الثاني : ما هو المعروف بين المتأخّرين 238
ينبغي التنبيه على اُمور : 240
الأمر الأوّل : في حقيقـة المفهوم 240
الأمر الثاني : في تعدّد الشرط واتحاد الجزاء 242
الأمر الثالث : في تداخل الأسباب والمسبّبات 244
حول مقتضى القواعد اللفظيّـة 247
فيما أفاده الشيخ الأعظم في هذا المقام 247
الأمر الرابع : في اعتبار وحدة المنطوق والمفهوم إلاّ في الحكم 255
المقام الثاني : في مفهوم الغايـة 257
المقصد الرابع : في العامّ والخاصّ 261
وفيـه مقدّمـة وفصول :يقع الكلام في مقامين : 261
مقدّمـة وفيها اُمورٌ : 263
الأمر الأوّل : فيما تحكي عنـه أسماء الطبائع 263
الأمر الثاني : في الفرق بين العامّ والمطلق 264
الأمر الثالث : في استغناء العامّ عن مقدّمات الحكمـة 265
الأمر الرابع : في أقسام العموم 266
الأمر الخامس : فيما عدّ من الألفاظ الدالّـة على العموم 268
الفصل الأوّل : في حجّيـة العامّ المخصّص في الباقي 270
حول مجازيّـة العامّ المخصّص وعدمها 270
الفصل الثاني : في تخصيص العامّ بالمجمل في المقام جهتان : 276
الجهـة الاُولى : المخصّص اللفظي المجمل مفهوماً 276
الجهـة الثانيـة : المخصّص اللفظي المجمل مصداقاً 279
حول جواز التمسّك بالعامّ في الشبهـة المصداقيـة 280
وجـه آخر لعدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهـة المصداقيـة 282
تفصيل المحقّق النائيني في المخصّص اللبّي 284
ينبغي التنبيه على اُمور : 287
الأمر الأوّل : التمسّك بالعامّ مع كون الخاص معلّلاً 287
الأمر الثاني : في العامّين من وجـه المتنافيي الحكم 287
الأمر الثالث : إحراز المصداق بالأصل في الشبهـة المصداقيـة 289
تحقيق في المقام 291
وهو يتوقّف على مقدّمات : 291
الاُولى : أقسام القضايا بلحاظ النسبـة 291
الثانيـة : مناط الصدق والكذب في القضايا 293
الثالثـة : في القضايا المفتقرة إ لى وجود الموضوع 294
الرابعـة : اعتبارات موضوع العامّ المخصّص 295
الأمر الرابع : التمسّك بالعامّ إذا شكّ في فرد من غير جهـة التخصيص 298
الأمر الخامس : التمسّك بالعامّ عند الشكّ بين التخصيص والتخصّص 299
الفصل الثالث : في وجوب الفحص عن المخصّص 302
تقرير محطّ البحث ومحلّ النزاع 302
الاستدلال على لزوم الفحص بالعلم الإجمالي 304
الإشكال في الاستدلال بانحلال العلم الإجمالي 305
جواب المحقّق النائيني عن انحلال العلم الإجمالي 305
جواب آخر عن انحلال العلم الإجمالي 309
الفصل الرابع : في عموم الخطابات الشفاهيّـة لغير الحاضرين 312
تقرير محلّ النزاع 312
تحقيق : في القضايا الحقيقيـة 314
تنبيـه : في كيفيـة القوانين الواردة في الشريعـة 316
خاتمـة : في الثمرة بين القولين 318
الفصل الخامس : في تعقّب العامّ بضمير يرجع إ لى بعض أفراده 320
الفصل السادس : في جواز تخصيص العامّ بالمفهوم 323
فيه مقامان من البحث : 323
المقام الأوّل : في تخصيص العامّ بالمفهوم الموافق 323
المقام الثاني : في تخصيص العامّ بالمفهوم المخالف 327
الفصل السابع : تخصيص الكتاب بالخبر الواحد 329
الفصل الثامن : في استثناء المتعقّب لجمل متعدّدة 331
فيه مقامان : 331
المقام الأوّل : إمكان الرجوع إ لى الجميع 331
المقام الثاني : في مقام الإثبات 333
المقصد الخامس : في المطلق والمقيّد وفيـه فصول : 337
الفصل الأوّل : في تعريف المطلق 339
الفصل الثاني : حول الألفاظ التي يطلق عليها المطلق 342
منها: اسم الجنس 342
أقسام الماهيّـة 343
منها: علم الجنس 346
منها: المفرد المعرّف باللام 348
منها: النكرة 348
الفصل الثالث : في مقدّمات الحكمـة 350
المراد من كون المتكلّم في مقام البيان 353
تتمّـة : الأصل عند الشكّ في مقام البيان 354
الفصل الرابع : في أقسام المطلق والمقيّد وكيفيّة الجمع بينهما فيه مقامان من البحث : 356
المقام الأوّل : إذا ورد مطلق ومقيّد بدون ذكر السبب 356
المقام الثاني : إذا ورد مطلق ومقيّد مع ذكر السبب 364
تنبيـه : لا فرق بين الأحكام الوضعيـة والتكليفيـة في حمل المطلق 366
المقصد السادس : في أحكام القطع 372
مقدّمـة وفيها اُمورٌ : 373
الأمر الأوّل : وجوب متابعـة القطع وحجّيتـه 373
الأمر الثاني : مبحث التجرّي 376
هل البحث عن التجرّي من المباحث الاُصوليّـة أم لا؟ 376
هل يمكن عدّ مسألـة التجرّي من المسائل الفقهيـة ؟ 378
المناط في استحقاق العقوبـة 381
نقد كلام صاحب الكفايـة 383
الأمر الثالث : أقسام القطع وأحكامـه 389
تقرير إشكال أخذ القطع تمام الموضوع على وجـه الطريقيـة 390
أخذ القطع بحكم موضوعاً لمثل ذلك الحكم 391
أخذ القطع بحكم موضوعاً لنفس ذلك الحكم 392
حول قيام الأمارات والاُصول مقام القطع 396
قيام الأمارات والاُصول مقام القطع ثبوتاً 397
قيام الأمارات والاُصول مقام القطع إثباتاً 398
الأمر الرابع : حكم الظنّ في المقام 402
الأمر الخامس : الموافقـة الالتزاميـة 403
الأمر السادس : أحكام العلم الإجمالي فيه مقامان : 406
المقام الأوّل : في تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي 406
المقام الثاني : في سقوط التكليف بالامتثال الإجمالي 408
المقصد السابع : في أحكام الظنّ والكلام فيـه يقع في ضمن مقامات : 411
المقام الأوّل : في إمكان التعبّد بالظنّ 413
المراد من «الإمكان» المزبور 413
حول استدلال «ابن قبـة» على عدم إمكان التعبّد 415
الجواب عن محذور تفويت المصلحـة 417
دفع المحذور بناءً على المصلحـة السلوكيّـة 419
الجواب عن محذور اجتماع المثلين أو الضدّين 420
أجوبـة الأعلام عن المشكلـة ونقدها 424
المقام الثاني : في تأسيس الأصل 434
المقام الثالث : فيما قيل أو يمكن أن يقال بخروجـه عن الأصل وهو يشتمل على اُمور : 443
الأمر الأوّل : ظواهر كلمات الشارع 445
الأمر الثاني : قول اللّغوي 449
الأمر الثالث : الإجماع المنقول 451
ولابدّ قبل الخوض في المقصود من البحث في جهات : الجهـة الأولى : في تعريف الإجماع 451
الجهـة الثانيـة : في عدم شمول أدلّـة حجّيـة الخبر للإجماع 452
الجهـة الثالثـة : في وجـه حجّيـة الإجماع 453
الأمر الرابع : الشهرة في الفتوى 456
الأمر الخامس : خبـر الواحـد 460
أدلـة عدم حجّيـة خبر الواحد 460
أدلّـة حجّيـة خبر الواحد 465
الدليل الأوّل : الآيات 465
منها: آيـة النبأ 465
تذييل : فيما اُورد على التمسّك بالآيـة 470
الإشكالات المختصّـة بالآيـة 470
الإشكالات العامّـة 473
منها: آيـة النفر 481
الدليل الثاني : الأخبار 483
الدليل الثالث والرابع : الإجماع وسيرة العقلاء 485
المقصد الثامن : مبحث البراءة 487
تمهيد : تقسيم أحوال المكلّف وذكر مجارى الاُصول 489
أدلّـة الاُصوليّين على البراءة 495
الدليل الأوّل : الآيات 495
الدليل الثاني : الأخبار 500
منها: حديث الرفع وفيه اُمورٌ : 500
الأمر الأوّل : في معنى الرفع 500
الأمر الثاني : في متعلّق الرفع 503
الأمر الثالث : في شمول الحديث للاُمور العدميـة 507
الأمر الرابع : في شمول الموصول للشبهات الموضوعيـة والحكميـة 509