فهرست موضوعات
معتمد الاصول المجلد الثاني

5
تنبيهات البراءة بقي في المقام اُمور مهمّة ينبغي التنبيه عليها:
6

7
التنبيه الأوّل اشتراط جريان البراءة بعدم وجود أصل موضوعي إنّ أصالـة البراءة الشرعيّـة وكـذا العقليّـة إنّما تجـري فيما إذا لم يكـن هناك أصل آخر وارد أو حاكم عليها، موضوعيّاً كان أو حكميّاً، موافقاً كان أو مخالفاً لوضوح أنّـه لا يبقى معـه مورد لها، فلا تجري أصالـة إباحـة النظر والوطء في المـرأة التي شكّ في زوجيّتها، لجـريان أصالـة عـدم الزوجيـة، وكـذا لا تجـري أصالـة إباحـة الأكـل في الحيوان الـذي شكّ في حلّيتـه مـع الشكّ في كونـه مذكّى أم لا؟ وبالجملـة: فلا إشكال في المقام من حيث الكبرى، إنّما الإشكال في انطباقها على المثال الأخير بصوره الكثيرة الآتيـة، وحينئذ فلابأس بالتعرّض لـه تبعاً للرسالـة(1) والكفايـة(2).
1 ـ فرائد الاُصول 1: 371. 2 ـ كفاية الاُصول: 397.\

8
حول أصالة عدم التذكية فنقول: الكلام في ذلك يتمّ برسم اُمور: أقسام صور الشكّ في حلّية الحيوان الأوّل: أنّ الشبهـة في الحيوان الذي شكّ في حلّيتـه أو في أجزائـه من اللحم والجلد وغيرها قد تكون حكميـة، وقد تكون موضوعيـة. والاُولى على صور: منها: ما يكون الشكّ في الحلّيـة لأجل الشكّ في كونـه قابلا للتذكيـة كالحيوان المتولّد من الحيوانين. ومنها: ما يكون الشكّ فيها لأجل الشكّ في اعتبار شيء آخر في التذكيـة زائداً على الاُمور الخمسـة أو الستّـة المعتبرة فيها. ومنها: مـا يكـون الشكّ فيها لأجـل احتمال مـانعيّـة شيء كالجلـل أو الوطء عنها. والصورة الاُولى على قسمين; فإنّ الشكّ في كونـه قابلا للتذكيـة قد يكون باعتبار كونـه عنواناً مستقلاّ لم يعلم بقبولـه لها كما في المثال المتقدّم، وقد يكون باعتبار الشكّ فـي انطباق عنوان قابل للتذكيـة يقيناً أو غير قابل لها أيضاً عليـه، كما إذا شكّ في انطباق عنوان الكلب الذي يعلم بعدم كونـه قابلا لها على كلب البحر مثلا. هذا في الشبهـة الحكميـة.
9
وأمّا الشبهـة الموضوعيـة فهي أيضاً على صور: منها: ما يكون الشكّ في الحلّيـة أو الطهارة لأجل الشكّ في كون الحيوان الموجود في البين مذكّى أم لا، بعد العلم بقبولـه للتذكيـة. ومنها: ما يكون الشكّ فيها لأجل الشكّ في أنّ هذا اللحم أو الجلد هل يكون من الحيوان الذي لا يكون قابلا لها كالكلب أو من أجزاء الغنم مثلا. ومنها: ما يكون الشكّ فيها لأجل الشكّ في أنّ هذا اللحم هل يكون من أجزاء الغنم المذكّى الموجود في البين أو من أجزاء غيره من الحيوانات التي يعلم بعدم قبولها لها أو يشكّ فيـه. ومنها: غير ذلك من الصور. في معنى التذكية الثاني: أنّ التذكيـة الموجبـة للطهارة فقط أو مع الحلّيـة هل هي عبارة عـن المعنى البسيط الذي تحصّل من قابليـة المحلّ والاُمور الخمسـة التي هي عبارة عن فري الأوداج بالحديد على القبلـة مع التسميـة وكون المذكّي مسلماً، أو أنّها عبارة عن الأمر المنتزع من هذه الاُمور الستّـة الذي يكون وجوده بعين وجود منشأ انتزاعـه، والفرق بينـه وبين الوجـه الأوّل واضح، أو أنّ التذكيـة عبارة عن نفس الاُمور الخمسـة وقابليـة المحلّ أمـر خـارج عـن حقيقتها وإن كان لها دخـل في تأثير تلك الاُمـور في الطهارة، أو مع الحلّيـة بنحو التركيب أو الأمـر الواحـد المتحصّل أو المنتزع؟ وجـوه واحتمالات، وتحقيق الحـقّ في ذلك موكول إلى الفقـه.
10
حكم ما لو شكّ في قابلية حيوان للتذكية الثالث: إذا شكّ في قابليـة حيوان للتذكيـة فهل تجري فيـه أصالـة عدم القابليـة أم لا، وعلى الثاني فهل تجري أصالـة عدم التذكيـة أم لا؟ فنقول: الظاهر عدم جريان أصالـة عدم القابليـة; لأنّ القابليـة، وعدمها ليس لهما حالـة سابقـة نظير كون المرأة قرشيّـة الذي عرفت عدم وجود الحالـة السابقـة لـه، وغايـة ما يمكن أن يقال في تقريب الجريان ما أفاده المحقّق المعاصر في باب قرشيّـة المرأة ممّا تقدّم مع توضيح منّا. وحاصلـه: أنّ العوارض على قسمين: قسم يعرض لذات الماهيّـة مع قطع النظر عن الوجودين بحيث لو كان لها تقرّر وثبوت في غير عالم الوجود لكان يعرضها كالزوجيـة بالنسبـة إلى الأربعـة، وقسم يعرض الوجود كالأبيضيـة للجسم الموجود، والفاسقيّـة والقرشيّـة للإنسان الموجود، والقابليـة للتذكيـة للحيوان الموجود. وحينئذ نقول: لابأس بجريان استصحاب عدم تلك الأوصاف بالنسبـة إلى موصوفها في القسم الثاني وإن كان الموصوف حينما يتحقّق لا يخلو من اتصافـه بذلك الوصف، بمعنى أنّـه لو كان متّصفاً بـه لكان ذلك من أوّل وجوده وتحقّقـه كوصف القرشيّـة وكذا القابليـة فيقال: هذه المرأة ـ مشيراً إلى ماهيّتها ـ لم تكن قبل الوجود قرشيـة، فيستصحب ذلك إلى زمان الوجود، وكذا هذا الحيوان لم يكن قبل الوجود قابلا للتذكيـة، فيستصحب ذلك إلى زمان الوجود(1).
1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 218 ـ 220.

11
أقول أوّلا: لو سلّمنا وجود الحالـة السابقـة لعدم القابليـة فلا مجال أيضاً لجريان استصحابـه بعد عدم ترتّب أثر شرعي عليـه، ضرورة أنّ الآثار الشرعيّـة مترتّبـة على عدم كون الحيوان مذكّى بالتذكيـة الشرعيّـة، لا على عدم كونـه قابلا لها واستلزام عدم القابليـة لعدم تحقّق التذكيـة الشرعيّـة استلزام عقلي يحكم بـه العقل من باب أنّ المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائـه، كما لايخفى. ولا يثبت ذلك بالاستصحاب، لأنّـه يصير حينئذ من الاُصول المثبتـة التي يكون جريانها على خلاف التحقيق. وثانياً: لا نسلّم وجود الحالـة السابقـة، فإنّ أخذ هذا القيد العدمي أعني عدم قابليـة الحيوان للتذكيـة في موضوع الحكم بالتحريم والنجاسـة، إمّا أن يكون من قبيل القضيّـة الموجبـة المعدولـة. وإمّا أن يكون من قبيل الموجبـة السالبـة المحمول، وهي عبارة عن القضيّـة الموجبـة التي يكون المحمول فيها قضيّـة سالبـة مثل قولـه: زيد هو الذي ليس بقائم. وإمّا أن يكون من قبيل الوصف والنعت. وإمّا أن يكون من قبيل القضيّـة السالبـة الصادقـة مع عدم الموضوع، ولا مجال لجريان الاستصحاب على شيء من الوجوه والاحتمالات. أمّا على الوجوه الثلاثـة الاُوَل: فلأنّ جميعها يحتاج إلى وجود الموضوع، ضرورة أنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت لـه، وثبوت الوصف فرع ثبوت الموصوف، وفي المقام لا يكون الموضوع موجوداً في الزمان السابق حتّى يثبت لـه المحمول والوصف فيستصحب، كما هو واضح. وأمّا على الوجـه الأخير: فلأنّ اعتبار الموضوع للحكم بهذا النحو الذي
12
يكون قيده السلبي صادقاً مع عدمـه ممّا لا يعقل، ضرورة أنّـه لا يعقل أن يكون الموضوع للحكم بالحرمـة والنجاسـة إلاّ أمراً وجودياً ثابتاً. إن قلت: لابأس بجريان الاستصحاب على الوجـه الأخير; لأنّـه يستصحب عدم قابليّـة الحيوان للتذكيـة الصادق مع عدم الحيوان إلى زمان وجوده، فيصير الموضوع موجوداً، فيترتّب عليـه الحكم. قلت: استصحاب تلك الحالـة وإن كان صحيحاً من حيث وجود الحالـة السابقـة، إلاّ أنّ تطبيق تلك الحالـة التي تكون أعمّ من وجود الموضوع على الحالـة اللاحقـة المشروطـة بوجود الموضوع يكون بحكم العقل، فيصير حينئذ من الاُصول المثبتـة التي لا نقول بها، وقد تقدّم منّا في باب قرشيّـة المرأة تفصيل هذا الكلام بما لا مزيد عليـه، هذا. وقد يقال في تقريب جريان استصحاب عدم القرشيّة وكذا عدم القابليـة: إنّ الموضوع للحكم الشرعي إنّما هو المركّب من عنوان المرأة وعنوان الغير القرشيّـة وكذا المركّب من الحيوان ومن عدم القابليـة للتذكيـة، وحينئذ فلابأس بجريان استصحاب هذا الجزء من الموضوع بعد كون الجزء الآخر محرزاً بالوجدان. ويرد عليـه ـ مضافاً إلى أنّ ذلك مخالف لظاهر الأدلّـة الشرعيّـة ـ أنّ أخذ هذا في الجزء العدمي إمّا أن يكون على نحو يكون جزؤه الآخر مفروض الوجود، وإمّا أن يكون على نحو يصدق مع عدم الجزء الآخر أيضاً، فعلى الأوّل يرجع إلى أحد الوجوه الثلاثـة من الوجوه الأربعـة المتقدّمـة، وقد تقدّم الجواب عنـه، وعلى الثاني ـ فمضافاً إلى أنّ هذا النحو من الاعتبار ممّا لا يعقل، لاستلزامـه التناقض، فإنّ أخذ الجزء الأوّل جزءً للموضوع لا يصحّ إلاّ بعد أن يكون قد فرض وجوده، وأخذ الجزء الآخر على نحو يصدق مع عدم الجزء الأوّل مناقض لذلك،
13
كما هو واضح يرد عليـه ما اُورد على الوجـه الأخير من الوجوه الأربعـة المتقدّمـة، فتدبّر في المقام، فانقدح أنّـه لا مجال لاستصحاب عدم القابلية أصلا. وأمّا استصحاب عدم التذكيـة: فالظاهر عدم جريانـه أيضاً، وقبل الخوض في ذلك لابدّ من بيان الوجوه المتصوّرة في معنى عدم التذكيـة بحسب التصوّر الابتدائي فنقول: منها: أن يكون المراد بـه عدم زهوق الروح بالنحو المعتبر شرعاً المأخوذ موضوعاً للحكم بالطهارة أو مع الحلّيـة على نحو السالبـة المحصّلـة الصادقـة مع انتفاء الموضوع الذي هو عبارة عن زهوق الروح. ومنها: أن يكون المراد بـه زهوق روح الحيوان لا على النحو المعتبر شرعاً على نحو الموجبـة المعدولـة. ومنها: أن يكون المراد بـه زهوق الروح الذي لم يكن على النحو الشرعي على نحو الموجبـة السالبـة المحمول. ومنها: أن يكون المراد بـه زهوق الروح لا بنحو التذكيـة على نحو السالبـة المحصّلـة. ومنها: أن يكون أمراً مركّباً من زهوق الروح ومن عدم تحقّق النحو المعتبر شرعاً في صيرورتـه طاهراً وحلالا. إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أخذ عدم التذكيـة بالمعنى الأوّل موضوعاً للحكم الشرعي ممّا لا يعقل، لأنّ الأمر السلبي يستحيل أن يكون موضوعاً لحكم من الأحكام، ومن هنا يعلم أنّ أخذه كذلك بالمعنى الرابع أيضاً لا يمكن إذا كانت السالبـة أعمّ من وجود الموضوع، وإذا كانت في صورة وجود الموضوع فهو يرجع إلى أحد الوجهين الثاني والثالث، وأمّا المعنى الأخير فهو أيضاً غير معقول
14
لو كان المراد من الجزء السلبي هو السلب الصادق مع عدم الجزء الآخر، للزوم التناقض، فلم يبق في البين إلاّ الوجـه الثاني والوجـه الثالث. فالاستصحاب لابدّ أن يكون مجراه هو أحدهما. ومن الواضح أنّـه لا يجري، لأنّـه ليس لـه حالـة سابقـة حتّى تستصحب، لأنّـه لم يمض للحيوان زمان كان زاهق الروح فيـه لا على النحو المعتبر شرعاً، فإنّـه من حين زهوق روحـه كان مشكوكاً من حيث التذكيـة وعدمها، فلا مجال للاستصحاب. ودعوى أنّ السالبـة المحصّلـة الصادقـة مع عدم موضوعها كانت صادقـة في الزمان السابق، فتستصحب إلى زمان وجود الموضوع، والمستصحب لابدّ وأن يكون ذا أثر شرعي في الزمان اللاحق، ولا يعتبر أن يكون موضوعاً للحكم الشرعي حتّى في الزمان السابق. مدفوعـة: بأنّ المستصحب لابدّ أن يكون بنفسـه موضوعاً للحكم الشرعي ولو في الزمان اللاحق، وقد عرفت أنّ السالبـة المحصّلـة الصادقـة مع انتفاء الموضوع لايعقل أن تؤخذ موضوعاً، وإثبات الموضوع باستصحاب السالبـة يكون من قبيل استصحاب العامّ لإثبات الخاصّ الموضوع للحكم، وهو من الاُصول المثبتـة التي جريانها على خلاف التحقيق. فانقـدح: أنّـه لا مجـال لاستصحـاب عـدم التـذكيـة، سـواء شـكّ فـي قابليّـة الحيوان لها وعدمها، أو شكّ في اعتبار شرط آخر زائـد على الاُمور المعتبرة فيها، أو شكّ في مانعيّـة شيء كالوطء والجلل، أو غيره مـن الشبهات الحكميّـة، وكذا لو شكّ في كون الحيوان الموجود في البين مذكّى أم لا، فإنّـه لا يجري فيـه أيضاً.
15
ثمّ إنّـه ربّما يظهر من الشيخ (قدس سره) التفصيل في جريان استصحاب عدم التذكيـة بين الآثار الوجوديّـة والآثار العدميـة(1). وقد صرّح بذلك بعض المحقّقين من محشي الرسالـة، فقال ـ بعد استظهار أنّ الميتـة في نظر الشارع والمتشرّعـة هي ما كان فاقداً لشرائط التذكيـة، وأنّ الموضوع للحرمـة والنجاسـة هو ماعدا المذكّى، وأنّـه لا يثبت بأصالـة عدم التذكيـة ـ ما لفظـه: فمقتضى القاعدة هو التفكيك بين الآثار، فما كان منها مرتّباً على عدم كون اللحم مذكّى كعدم حلّيتـه وعدم جواز الصلاة فيـه وعدم طهارتـه وغير ذلك من الأحكام العدميـة المنتزعـة من الوجوديّات التي تكون التذكيـة شرطاً في ثبوتها ترتّب عليـه، فيقال: الأصل عدم تعلّق التذكيـة بهذا اللحم الذي زهق روحـه، فلايحلّ أكلـه ولا الصلاة فيـه ولا استعمالـه فيما يشترط بالطهارة. وأمّا الآثار المترتّبـة على كونـه غير مذكّى كالأحكام الوجوديّـة الملازمـة لهذه العدميات كحرمـة أكلـه ونجاستـه وتنجيس ملاقيـه وحرمـة الانتفاع بـه ببيعـه وغير ذلك من الأحكام المعلّقـة على عنوان الميتـة أو غير المذكّى فلا(2)، انتهى موضع الحاجـة من كلامـه (قدس سره) . ويرد عليـه أوّلا: أنّ ما أفاد من أنّ التذكيـة سبب في ثبوت الآثار الوجوديّـة كالطهارة والحلّيـة وجواز الاستعمال في الصلاة، وهو مسبوق بالعدم، فيترتّب عليـه ما ذكر، محلّ نظر; فإنّـه لم يجعل الحيوان المذكّى موضوعاً لتلك
1 ـ فرائد الاُصول 1: 371 ـ 372. 2 ـ حاشيـة فرائـد الاُصول، المحقّـق الهمداني: 387 ـ 388، مصباح الفقيـه، الطهارة: 653 / السطر16.

16
الآثار، بل لم يجعل هذه الأحكام بعد تحقّق التذكيـة أصلا; ضرورة أنّ الطهارة الثابتـة بعد التذكيـة هي الطهارة التي كانت متحقّقـة في حال حياة الحيوان، غايـة الأمر أنّها استمرّت إلى بعد الموت لعدم قيام الدليل على النجاسـة، وهكذا الحلّيـة وجواز الصلاة فيـه; فإنّ الحيوان في حال الحياة كان حلالا والصلاة فيـه جائزاً، واستمرّ ذلك إلى بعد الموت في الحيوان المذكّى، لعدم قيام ما يدلّ على الحرمـة وعدم جواز الصلاة فيـه، بل المجعول في باب الحيوان هو الحرمـة والنجاسـة وغير ذلك من الآثار المترتّبـة على عدم كون اللحم مذكّى، وقد ذكر أنّـه لا مجال للاستصحاب لإثبات ذلك. وثانياً: أنّـه لو سلّم أنّ الطهارة والحلّيـة وغيرهما كانت مجعولـة ومترتّبـة على كون الحيوان مذكّى، لكن نقول: إنّ عدم هذه الأحكام الوجوديّـة لا يكون مترتّباً على عدم كون الحيوان مذكّى، فإنّ هذا الأمر العدمي يصدق مع عدم الحيوان، ومع وجوده حيّاً، ومع موتـه حتف الأنف، أو بغير التذكيـة الشرعيّـة، ومن المعلوم أنّ الموضوع لعدم الحلّيـة وعدم جواز الصلاة فيـه وعدم الطهارة هو القسم الأخير، فإنّ الحيوان في حال حياتـه حلال طاهر كما عرفت، ومع عدمـه لا يعقل الحكم عليـه بذلك. وحينئذ نقول: إنّ عدم كون الحيوان مذكّى وإن كان لـه حالـة سابقـة، إلاّ أنّـه لا يكون مترتّباً عليـه أثر شرعي، واستصحابـه إلى زمان الموت لإثبات القسم الأخير يكون مثبتاً محضاً، كما هو واضح لايخفى. وثالثاً: لو سلّم كون الموضوع لعدم هذه الأحكام الوجوديّـة هو عدم كون اللحم مذكّى وقطعنا النظر عن استحالـة كون الموضوع للحكم هو العدم المحمولي، لكن نقول: إنّ ترتّب تلك الأعدام على الموضوع العدمي ليس ترتّباً
17
شرعياً، بل عقلياً، بملاحظـة أنّـه إذا كان السبب في ثبوت تلك الآثار الوجوديّـة هو التذكيـة فعند عدمها تنتفي تلك الآثار، لاستلزام انتفاء السبب انتفاء المسبّب استلزاماً عقليّاً، كما هو واضح. ورابعـاً: لـو سلّمنا جميع ذلـك نقول ـ بعـد تسليم كـون الطهاره ونحـوها مجعولـة للمذكّى بسبب التذكيـة، وعـدم كونها هي الطهارة الموجـودة حال الحياة ـ: لابدّ مـن الالتزام بكون الطهارة الثابتـة في حال الحياة مسبّبـة عـن سبب آخر غير التذكيـة، وحينئذ لا مانع من استصحاب بقاء الجامع بعد زوال السبب في حال الحياة، واحتمال عروض سبب آخر الذي هو التذكيـة مقارناً لـزوال السبب الأوّل، وبـه يثبت طهارة الحيوان وجـواز أكلـه واستعمالـه فيما يشترط بالطهارة. ولكن ذلك متفرّع أوّلا: على جريان استصحاب القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي. وثانياً: على كون الجامع موضوعاً لأثر شرعي، وكلا الأمرين غير خاليـين عن المناقشـة. ثمّ إنّه لو قطع النظر عمّا ذكرنا من عدم جريان استصحاب عدم التذكيـة بوجه فهل يجري فيما لو شكّ في أنّ اللحم أو الجلد الموجود في البين هل اُخذ من الغنم المذكّى الموجود المعلوم، أو من الغنم الغير المذكّى كذلك، أو لا يجري؟ وجهان مبنيّان على أنّ التذكيـة هل تكون وصفاً للحيوان بأجمعه، كما هو الظاهر، أو أنّـه يتّصف بها الأجزاء أيضاً؟ فعلى الأوّل لا وجـه لجريان استصحاب عدم التذكيـة، لأنّـه ليس هنا حيوان شكّ في اتّصافـه بهذا الوصف حتّى يجري فيـه استصحاب عدمـه، لأنّ
18
المفروض تميّز المذكّى عن غيره، وليس هنا أصل آخر يثبت بـه أنّـه اُخذ من المذكّى أو من غيره، وحينئذ فيحكم بالحلّيـة والطهارة، لأصالتهما. وعلى الثاني فلا محيص عن استصحاب عدم التذكيـة، كما هو واضح، هذا. ولو شك في أنّ لحم الغنم مثلا الموجود في البين هل اتّخذ من الغنم المذكّى المشتبـه بغير المذكّى أو من غيره، فهل يجري فيـه وفي الحيوانين استصحاب عدم التذكيـة أم لا؟ وجهان مبنيّان على أنّ عدم جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي هل هو للزوم المخالفـة العمليـة للتكليف المعلوم بالإجمال، أو للزوم التناقض في أدلّـة الاُصول؟ فعلى الأوّل لا يكون هنا مانع من الجريان، لعدم لزوم المخالفـة العمليّـة، لأنّ مقتضى الأصلين الاجتناب عن كلا الحيوانين، وحينئذ فاللازم الاجتناب عن اللحم أو الجلد أيضاً، بعد كون الحيوان المتّخذ منـه ذلك محكوماً بالنجاسـة والحرمـة. وعلى الثاني فلا مجال لإجراء استصحاب عدم التذكيـة بعد العلم الإجمالي بوجـود المذكّى في البين، كما أنّـه لا مجال لإجـراء قاعدتي الحـلّ والطهارة بعد العلم بوجود غير المذكّى أيضاً، هذا بالنسبـة إلى الحيوانين. وأمّا بالنسبـة إلى اللحم أو الجلد الذي اتّخذ من أحدهما فإن قلنا: بأنّـه أيضاً يصير من أطراف العلم الإجمالي فلا يجري فيـه الاستصحاب ولا قاعدتا الحلّ والطهارة، وإلاّ فيجري فيـه الاستصحاب بناءً على الوجـه الثاني من الوجهين المتقدّمين، وأمّا على الوجـه الأوّل فالمرجع فيـه هو قاعدتا الحلّ والطهارة. هذا كلّـه فيما لو كان كلّ واحد من الحيوانين مورداً للابتلاء.
19
وأمّـا لو كـان كلاهمـا أو خصوص الحيوان الـذي لم يتّخذ منـه الجلـد خارجاً عن محلّ الابتلاء فلا مانع حينئذ من جريان الاستصحاب في الحيوان الـذي اتّخذ منـه الجلد، لعدم جـريانـه في الحيوان الآخـر بعد خـروجـه مـن محـلّ الابتـلاء حتّى يلزم التناقض أو يحصـل التعارض بناءً علـى الجـريان والتساقط، والحيوان المتّخذ منـه الجلد وإن كان خارجاً عن محلّ الابتلاء أيضاً في الفرض الأوّل، إلاّ أنّـه يجري فيـه الاستصحاب بالنظر إلى جلده الذي كان محلاّ للابتلاء. ومن هنا يظهر عدم جريان الاستصحاب فيما لو كان الحيوان الآخر فقط مورداً لابتلاء المكلّف، لأنّ الحيوان المتّخذ منـه الجلد أيضاً مورد للابتلاء لابنفسـه، بل بجلده الموجود في البين، فيحصل التناقض أو التعارض من جريان الأصلين، فتدبّر جيّداً.
20
التنبيه الثاني في حسن الاحتياط شرعاً وعقلا قد مرّ أنّ مقتضى الأدلّـة جريان البراءة شرعاً وعقلا في الشبهـة الوجوبيـة والتحريميـة، إلاّ أنّـه لا يخفى أنّ الاحتياط فيهما بالإتيان أو الترك ممّا لا شبهـة في حسنـه ولاريب في رجحانـه شرعاً وعقلا، بلا فرق في ذلك بين العبادات وغيرها. تقرير إشكال الاحتياط في العبادات ودفعه نعم قد يشكل في جريان الاحتياط في العبادات فيما إذا دار الأمر فيها بين الوجوب وغير الاستحباب; تارةً من جهـة أنّ العبادة لابدّ فيها من نيّـة القربـة، وهي متوقّفـة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا، وفي الشبهات البدويّـة لاعلم بالأمر، فلا يمكن فيها الاحتياط. واُخرى من جهـة أنّ حقيقـة الإطاعـة عقلا متقوّمـة بما إذا كان الانبعاث مستنداً إلى بعث المولى، وفي الشبهات البدويّـة لا يكون الأمر كذلك، فإنّ الانبعاث فيها إنّما هو عن احتمال البعث، كما هو واضح. هذا ولا يخفى أنّ الإشكال الأوّل إنّما نشأ من تخيّل أنّ القربـة المعتبرة في العبادة إنّما تكون كسائر الشروط المعتبرة فيها المأخوذة في متعلّق الأمر; إذ حينئذ لايمكن تحصيل المأمور بـه بجميع شروطـه، لعدم العلم بأمر الشارع حتّى
21
تصحّ نيّـة القربـة، مع أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ قصد الأمر وإن كان يمكن أن يؤخذ في متعلّق الأمر ـ كما عرفت ذلك في مبحث التعبّدي والتوصّلي ـ إلاّ أنّـه لم يقع ذلك في الخارج، والأمر لا يدعو إلاّ إلى متعلّقـه، وحينئذ فيمكن الإتيان بـه بجميع ما اعتبر فيـه برجاء كونـه مقرّباً ومحبوباً، لأنّـه لا يعتبر الجزم بكون المأتي بـه مأموراً بـه ومقرّباً، بل يكفي الإتيان بـه برجاء ذلك وإن كان قادراً على تحصيل العلم. وما يتوهّم من عدم كفايـة الامتثال الاحتمالي مع القدرة على الامتثال العلمي، مدفوع بعدم قيام الدليل على ذلك، كما لايخفى. وأمّا الإشكال الثاني: فيدفعـه أنّ الانبعاث لا يعقل أن يكون مستنداً إلى نفس بعث المولى بحيث يكون وجوده وتحقّقـه في الواقع مؤثّراً في حصول الانبعاث، وإلاّ لزم أن لا ينفكّ عنـه، مع أنّ الوجدان يقضي بخلافـه بعد ملاحظـة العصاة، وكذلك يلزم أن لا يتحقّق الانبعاث بدونـه، مع أنّا نرى تحقّقـه بالنسبـة إلى الجاهل المركّب، فلا يدور الانبعاث وعدمـه مدار وجود البعث وعدمـه. فالحقّ أنّ الانبعاث إنّما يكون مستنداً إلى الاعتقاد بوجود البعث، لا بنحو يكون للصورة الاعتقاديّـة مدخليّـة في تحقّقـه بحيث لا يمكن أن يتحقّق بدونها، بل الغرض نفي مدخليّـة البعث بوجوده الواقعي ولو بنحو الجزئيـة، وحينئذ فالآتي بالفعل بداعي احتمال تعلّق الأمر بـه أيضاً مطيع. اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ في صورة العلم بوجود البعث يكون الانبعاث مستنداً إلى نفس البعث، لأنّـه نال الواقع ووصل إليـه بالعرض، وهذا بخلاف صورة الاحتمال، فإنّ الانبعاث فيها لا محالـة يكون مستنداً إلى الاحتمال الذي لايكون لـه كاشفيـة بوجـه، وهذا هو الفارق بينهما في صدق الإطاعـة
22
والامتثال، فإنّ المحرّك والداعي في الصورة الاُولى هو الواقع المنكشف، وفي الصورة الثانيـة هو نفس الاحتمال. والذي يسهّل الخطب: أنّ ذلك كلّـه مبني على اعتبار تحقّق الإطاعـة والامتثال في صحّـة العبادة، مع أنّـه لم يدلّ على ذلك دليل، فإنّـه لا يعتبر فيها أزيد من الإتيان بها بداعي كونها مقرّبـة ومحبوبـة لـه تعالى أو برجاء ذلك، وصحّتها على الوجـه الثاني لا تـتوقّف على تعذّر الوجـه الأوّل المتوقّف على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا. وما أفاده بعض الأعاظم على ما في تقريرات بحثـه من أنّ للامتثال مراتب أربعـة بحسب نظر العقل، آخرها الامتثال الاحتمالي ولا يحسن إلاّ عند تعذّر سائر المراتب(1)، ممّا لا يعرف لـه وجـه، وقد عرفت شطراً من الكلام على ذلك في مبحث القطع. تصحيح الاحتياط في العبادات بالأمر المتعلّق بنفس الاحتياط ثمّ إنّـه لو قيل بعدم إمكان الاحتياط في العبادات في الشبهات البدويّـة; لاحتياج ذلك إلى ثبوت الأمر من ناحيـة المولى، فهل يمكن تصحيح ذلك بالأمر المتعلّق بنفس الاحتياط في مثل قولـه (عليه السلام): «أخوك دينك فاحتط لدينك»(2)؟ قد يقال: نعم. ولكنّ التحقيق العدم; لأنّ شمول مثل ذلك القول للعبادات
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 69 و400. 2 ـ الأمالي، الشيخ الطوسي: 110 / 168، وسائل الشيعـة 27: 167، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب12، الحديث46.

23
في الشبهات البدويّـة متفرّع على إمكان الاحتياط فيها; لأنّ شمول الحكم فرع تحقّق موضوعـه، فإثبات إمكان الاحتياط فيها بمثل ذلك القول دور واضح، كما لايخفى. نعم، قد يقال في توجيـه ذلك بأنّ الأمر بالاحتياط قد تعلّق بذات العمل الذي يحتمل وجوبـه، لا بالعمل بقيد أنّـه محتمل الوجوب بحيث يكون احتمال الوجوب قيداً في المأمور بـه، بل متعلّق الأمر نفس العمل الذي يحتمل وجوبـه، فإن كان توصّلياً، يكفي الإتيان بـه بلا قصد الأمر المتعلّق بـه، وإن كان عباديّاً ـ أي كان بحيث لو تعلّق الأمر بـه لكان أمره عباديّاً ـ فلابدّ من قصد الأمر الذي تعلّق بـه وهو الأمر بالاحتياط الذي فرض تعلّقـه بذات العمل، فينوي التقرّب بـه ويقصد امتثالـه. هذا، ولكن لايخفى أنّ الأمر المتعلّق بالاحتياط إنّما تعلّق بعنوان الاحتياط، ولا يعقل أن يتجاوز عنـه ويسري إلى ذات العمل الذي لـه عنوان آخر كالصلاة ونظائرها، ومجرّد أنّ تحقّق هذا العنوان في الخارج إنّما هو بإيجاد ذلك العنوان لايوجب سرايـة الأمر إليـه بعد وضوح تغايرهما في عالم المفهوميّـة وعدم كون الخارج ظرفاً لتعلّق الأمر وثبوتـه، وقد حقّقنا ذلك بما لا مزيد عليـه في مبحث اجتماع الأمر والنهي فراجع. ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن هذا التوجيـه على ما في تقريرات بحثـه بما ملخّصـه: أنّ الأمر بالعمل إمّا أن يكون بنفسـه عباديّاً ـ أي كان الغرض من الأمر التعبّد والتقرّب بـه ـ كالأمر المتعلّق بالصلاة، وإمّا أن يكتسب العباديّـة من أمر آخر لأجل اتّحاد متعلّقهما، كوجوب الوفاء بالنذر، فإنّ الأمر بالوفاء بالنذر
24
لا يكون عباديّاً، بل هو كسائر الأوامر التوصليّـة، ولكن لو تعلّق النذر بما يكون عبادة كنذر صلاة الليل يكتسب الأمر بالوفاء بالنذر العباديّـة من الأمر بصلاة الليل، كما أنّ الأمر بصلاة الليل يكتسب الوجوب من الأمر بالوفاء. والسرّ أنّ النذر إنّما يتعلّق بذات صلاة الليل، لا بها بما أنّها مستحبّـة، وإلاّ كان النذر باطلا; لعدم القدرة على وفائـه، فإنّها تصير بالنذر واجبـة، فلابدّ وأن يتعلّق النذر بذات صلاة الليل، والأمر الاستحبابي أيضاً تعلّق بها لا بوصف كونها مستحبّـة، كما هو واضح، فيكون كلّ من الأمر الاستحبابي والأمر بالوفاء بالنذر قـد تعلّق بذات صلاة الليل، ولمكان اتحاد متعلّقهما يكتسب كـلّ منهما مـن الآخر ما كان فاقداً لـه، هذا إذا اتّحد متعلّق الأمرين. وأمّا إذا لم يتّحد فلا يكاد يمكن أن يكتسب أحـد الأمرين العباديّـة مع كونـه فاقداً لها من الآخر الواجد لها، كالأمر بالوفاء بالإجارة إذا كان متعلّق الإجارة أمراً عباديّاً، كما لو اُوجر الشخص على الصلاة الواجبـة أو المستحبّـة على الغير، فإنّ الأجير إنّما يستأجر لتفريغ ذمّـة الغير، فالإجارة إنّما تـتعلّق بما في ذمّـة المنوب عنـه، ومـا في ذمّـة المنوب عنـه إنّما هـي الصلاة الواجبـة أو المستحبّـة بوصف كونها واجبـة أو مستحبّـة، فمتعلّق الإجارة إنّما تكون الصلاة بقيد كونها مستحبّـة على المنوب عنـه، لا بذات الصلاة بما هي هي، ومتعلّق الأمـر الاستحبابي إنّما هـو نفس الصلاة، فلا يتّحد الأمـر الاستحبابي مع الأمـر الإجاري. وكيف كـان: فقد عرفت أنّ الأمـر العبادي إمّا أن يكون بنفسـه عبادة، وإمّا أن يكتسب العباديّـة من أمر آخر، والأوامر المتعلّقـة بالاحتياط فاقدة لكلتا
25
الجهتين، أمّا الجهـة الاُولى فواضح، وأمّا الجهـة الثانيـة فلأنّ الأمر بالاحتياط لم يتعلّق بذات العمل مرسلا عن قيد كونـه محتمل الوجوب، بل التقيـيد بذلك مأخوذ في موضوع أوامر الاحتياط، وإلاّ لم يكن من الاحتياط بشيء، بخلاف الأمر المتعلّق بالعمل المحتاط فيـه، فإنّـه على تقدير وجوده الواقعي إنّما تعلّق بذات العمل، فلم يتّحد متعلّق الأمرين حتّى يكتسب الأمر بالاحتياط العباديّـة من الأمر المتعلّق بالعمل لو فرض أنّـه كان ممّا تعلّق الأمر العبادي بـه، وقد عرفت أنّـه ما لم يتّحد متعلّق الأمر الغير العبادي مع متعلّق الأمر العبادي لا يمكن أن يصير الأمر الغير العبادي عبادياً(1)، انتهى ملخّصاً. ولا يخفى ما فيـه; فإنّ اكتساب الأمر الغير العبادي العباديّـة من الأمر العبادي نظراً إلى اتّحاد متعلّقهما ممّا لا نتصوّره بعد عدم إمكان اتّحاد متعلّق الأمرين، فإنّـه كيف يعقل تعلّق إرادتين مستقلّتين بأمر واحد وشيء فارد. ولذا لو تعلّق أمران بطبيعـة واحدة لابدّ من جعل الأمر الثاني تأكيداً للأمر الأوّل لو لم يكن المقصود الإتيان بفردين منها; لوضوح استحالـة أن يكون أمراً تأسيسيّاً ناشئاً من إرادة مستقلّـة، فاتّحاد متعلّق الأمرين ممّا لا يعقل. وعلى تقدير الإمكان فاكتساب الأمر الغير العبادي العباديّـة من الأمر الآخر العبادي ممّا لا وجـه لـه بعد كون كلّ من الأمرين لـه مبادئ مخصوصـة ومقدّمات خاصّـة بـه، فإنّ مجرّد اتّحاد المتعلّق لا يوجب سرايـة العباديّـة بعد عدم كون الأمر الناشئ من مقدّماتـه الخاصّـة بـه أمراً عباديّاً كان الغرض التعبّد والتقرّب بـه.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 403 ـ 406.

26
هذا مضافاً إلى أنّ المثال الذي ذكره لاتّحاد متعلّق الأمرين لا يكون من هذا الباب; فإنّ متعلّق الأمر النذري هو الوفاء بالنذر، ومتعلّق الأمر الاستحبابي الذي تعلّق بالمنذور هي صلاة الليل، ولا خفاء في كونهما متغايرين في عالم المفهوميـة الذي هو ظرف تعلّق الأمر وثبوتـه، ومجرّد اجتماعهما في الخارج بوجود واحد لا يوجب اتّحادهما مفهوماً وصيرورتهما عنواناً واحداً حتّى يصحّ القول باتحاد متعلّقهما، كما حقّقنا ذلك في محلّـه. فالتحقيق: أنّ صلاة الليل إنّما تكون مستحبّـة ولو بعد تعلّق النذر، والوفاء بالنذر يكون واجباً مطلقاً، وبعد تغاير المتعلّقين لا يعقل سرايـة الوجوب من الثاني إلى الأوّل، وكذا سرايـة العباديّـة من الأوّل إلى الثاني، فافهم واغتنم. تصحيح الاحتياط في العبادات بأخبار من بلغ ثمّ إنّـه يؤيّد ما ذكرنا من إمكان الاحتياط في العبادات في الشبهات البدويّـة، بل يدلّ عليـه أخبار من بلغ(1); فإنّها بصدد بيان أنّ العمل المأتي بـه برجاء إدراك الواقع إذا لم يكن مصادفاً لـه ولم يقلـه رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يترتّب عليـه الثواب ويعطى عليـه تفضّلا وعنايـة، وظاهرها أنّـه لو صادف الواقع وكان ممّا قالـه رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لكان الآتي بـه مدركاً للواقع حقيقـة ومستوجباً للثواب المترتّب عليـه، فلو كان العمل المأتي بـه باحتمال الأمر لغواً أو تشريعاً محرّماً لما كان وجـه لترتّب الثواب عليـه وإدراك الواقع، كما هو واضح.
1 ـ راجع وسائل الشيعـة 1: 80، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمـة العبادات، الباب18.

27
مفاد أخبار من بلغ وإذا انتهى الكلام إلى ذكر أخبار من بلغ فينبغي التعرّض لبيان مفادها، فنقول: ذكر المحقّق الخراساني (قدس سره) في الكفايـة: أنّـه لا يبعد أن يقال بدلالـة بعض تلك الأخبار على استحباب ما بلغ عليـه الثواب، فإنّ صحيحـة هشام بن سالم المحكيّـة عن المحاسن عن أبيعبداللّه (عليه السلام) قال: «من بلغـه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شيء من الثواب فعملـه كان أجر ذلك لـه وإن كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقلـه»(1)ظاهرة في أنّ الأجر كان مترتّباً على نفس العمل الذي بلغـه عنـه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّـه ذو ثواب، وكون العمل متفرّعاً على البلوغ وكونـه الداعي إلى العمل غير موجب لأن يكون الثواب مترتّباً عليـه فيما إذا أتى برجاء أنّـه مأمور بـه وبعنوان الاحتياط بداهـة أنّ الداعي إلى العمل لا يوجب لـه وجهاً وعنواناً يؤتى بـه بذلك الوجـه والعنوان، وإتيان العمل بداعي طلب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قيّد بـه في بعض الأخبار وإن كان انقياداً، إلاّ أنّ الثواب في الصحيحـة إنّما رتّب على نفس العمل، ولا موجب لتقيـيدها بـه، لعدم المنافاة بينهما(2)، انتهى. وأفاد المحقّق النائيني على ما في تقريرات بحثـه ما ملخّصـه: إنّ الوجوه المحتملـة في هذه الأخبار من حيث الدلالـة ثلاثـة: أحدها: أن يكون مفادها مجرّد الإخبار عن فضل اللّه سبحانـه من غير نظر
1 ـ المحاسن: 25 / 2، وسائل الشيعـة 1: 81، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمـة العبادات، الباب18، الحديث3. 2 ـ كفايـة الاُصول: 401

28
إلى حال العمل وأنّـه على أيّ وجـه يقع. وبعبارة اُخرى: أنّها ناظرة إلى العمل بعد وقوعـه وأنّ اللّه تعالى حسب فضلـه ورحمتـه يعطي الثواب الذي بلغ العامل وإن تخلّف قول المبلّغ عن الواقع. ثانيها: أن تكون الجملـة الخبريّـة بمعنى الإنشاء، ويكون مفاد قولـه (عليه السلام): «فعملـه» أو «ففعلـه» الأمر بالفعل والعمل، كما هو الشأن في غالب الجمل الخبريّـة الواردة في بيان الأحكام، سواء كانت بصيغـة الماضي كقولـه (عليه السلام): «من سرّح لحيتـه فلـه كذا»(1)، أو بصيغـة المضارع كقولـه: «يسجد سجدتي السهو»(2)، وعليـه فمقتضى إطلاق البلوغ القول باستحباب العمل مطلقاً، سواء كان قول المبلّغ واجداً لشرائط الحجّيـة أو لم يكن، وهذا ـ أي كون الجملـة الخبريّـة بمعنى الإنشاء وأنّها في مقام بيان استحباب العمل ـ يمكن أن يكون على أحد وجهين: أحدهما: أن تكون القضيّـة مسوقـة لبيان اعتبار قـول المبلغ وحجّيتـه، سواء كان واجداً لشرائط الحجّيـة أو لم يكن، كما هو ظاهـر الإطلاق، فيكون مفاد الأخبار مسألـة اُصوليّـة مرجعها إلى حجّيـة الخبر الضعيف في باب المستحبّات. ففي الحقيقـة تكون أخبار مـن بلغ مخصّصـة لما دلّ على اعتبار الوثاقـة أو العدالـة في الخبر وأنّها تختص بالخبر القائم على وجوب الشيء،
1 ـ هذا نصّ الروايـة: عن أبيعبداللّه (عليه السلام)، قال: «من سرّح لحيتـه سبعين مرّة وعدّها مرّة مرّة لميقربـه الشيطان أربعين يوماً». الكافي 6: 489 / 10، وسائل الشيعـة 2: 126، كتاب الطهارة، أبواب آداب الحمام، الباب76، الحديث1. 2 ـ تهذيب الأحكام 2: 354 / 1466، وسائل الشيعـة 8: 203، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب3، الحديث14.

29
ولا يعمّ الخبر القائم على الاستحباب. فإن قلت: كيف تكون أخبار من بلغ مخصّصـة لما دلّ على اعتبار الشرائط في حجّيـة الخبر، مع أنّ النسبـة بينهما العموم من وجـه، حيث إنّ ما دلّ على اعتبار الشرائط يعمّ الخبر القائم على الوجوب وعلى الاستحباب، وأخبار من بلغ وإن كانت تختصّ بالخبر القائم على الاستحباب، إلاّ أنّـه أعمّ من أن يكون واجداً للشرائط وفاقداً لها، ففي الخبر القائم على الاستحباب الفاقد للشرائط يقع التعارض، ولا وجـه لتقديم أخبار من بلغ. قلت: ـ مع أنّـه يمكن أن يقال: إنّ أخبار من بلغ ناظرة إلى إلغاء الشرائط في الأخبار القائمـة على المستحبّات فتكون حاكمـة على ما دلّ على اعتبار الشرائط في أخبار الآحاد، وفي الحكومـة لا تلاحظ النسبـة ـ إنّ الترجيح لأخبار من بلغ; لعمل المشهور بها، مع أنّـه لو قدّم ما دلّ على اعتبار الشرائط في مطلق الأخبار لم يبق لأخبار من بلغ مورد، بخلاف ما لو قدّمت أخبار من بلغ، وهذا الوجـه ـ أي الوجـه الثاني ـ أقرب كما عليـه المشهور(1)، انتهى ملخّص موضع الحاجـة من كلامـه (قدس سره) . وفيـه وجوه من النظر: أمّا أوّلا: فلأنّ جعل أخبار من بلغ مخصّصـة أو معارضـة لما دلّ على اعتبار الشرائط في أخبار الآحاد ممّا لا وجـه لـه، بعد كون كلّ منهما مثبتاً، فإنّ ما دلّ على اعتبار خبر الثقـة مطلقاً لا ينفي ما يدلّ على اعتبار الخبر مطلقاً في باب المستحبّات ولا مضادّة بينهما حتّى يجعل الثاني مخصّصاً أو معارضاً. نعم في بعض
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 409 ـ 414.

30
أدلّـة اعتبار خبر الثقـة ما يشعر بعدم حجّيـة قول الفاسق كآيـة النبأ، ولكنّـه كما عرفت لا يخلو من المناقشـة. وثانياً: فإنّـه لو سلّم التعارض فجعل أخبار من بلغ حاكمـة على ما يدلّ على اعتبار الشرائط في الخبر الواحد ممّا لا وجـه لـه، فإنّ ملاك الحكومـة أن يكون الدليل الحاكم ناظراً إلى الدليل المحكوم ومتعرّضاً لحالـه من حيث السعـة والضيق وهذا الملاك مفقود في المقام، فإنّ غايـة ما يدلّ عليـه أخبار من بلغ بناءً على هذا القول هو بيان حجّيـة الخبر مطلقاً في المستحبّات. وأمّا كونها ناظرة إلى تلك الطائفـة ومفسّرة لها فلا يظهر منها أصلا، كما لايخفى. وثالثاً: فما أفاد من أنّـه لو قدّم ما دلّ على اعتبار الشرائط في مطلق الخبر لميبق لأخبار من بلغ مورد، محلّ نظر; لأنّ هذه الأخبار كما اعترف (قدس سره) تكون شاملـة بإطلاقها لخبر الثقـة وغيرها وإخراج الثاني من تحتها لا يوجب أن لايكون لها مورد بعد بقاء الأوّل مشمولا لها، ولا يلزم أن يكون المورد الباقي مختصّاً بهذه الأخبار، مع أنّ جعل ذلك مـن المرجّحات ممّا لا دليل عليـه، فإنّـه لم يذكر في باب التراجيح أنّ من جملـة المرجّحات خلوّ الدليل الراجح عن المورد، كما لايخفى. والأظهر في بيان مفاد أخبار من بلغ أن يقال: إنّها بصدد جعل الثواب لمن بلغـه ثواب على عمل، فعملـه رجاء إدراك ذلك الثواب، نظير الجعل في باب الجعالـة والغرض من هذا الجعل التحريص والترغيب على إتيان مؤدّيات الأخبار الواردة في السنن، لئلاّ تفوت السنن الواقعيـة والمستحبّات النفس الأمريّـة، فالغرض منـه هو التحفّظ عليها بالإتيان بكلّ ما يحتمل كونـه سنّـة، سواء كان بلغ استحبابـه بسند معتبر أو غيره.
31
وحينئذ: فلا يستفاد من هذه الأخبار استحباب العمل الذي بلغ استحبابـه مطلقاً، بحيث كان ترتّب الثواب عليـه لخصوصيـة في نفس العمل ومزيّـة فيـه مقتضيـة لـه، بل مفادها مجرّد جعل الثواب عليـه تفضّلا لأجل التحفّظ على المستحبّات التي تكون فيها خصوصيـة راجحـة ويكون ترتّب الثواب عليها لأجلها. فهذه الأخبار نظير الأخبار الدالّـة على ترتّب الثواب على المشي إلى الحجّ(1) أو زيارة قبر أبيعبداللّه الحسين (عليه السلام)(2); فإنّ المشي إنّما يكون مقدّمـة، والمقدّمـة لا تكون راجحـة ذاتاً محبوبةً بنفسها، ولكن جعل الثواب عليها إنّما هو لأجل الحثّ والتحريك على ذي المقدّمـة، كما لايخفى. ومن هنا يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق الخراساني (قدس سره) في الكفايـة ممّا تقدّم نقلـه، فتدبّر جيّداً.
1 ـ راجع وسائل الشيعـة 11: 78، كتاب الحج، أبواب وجوبـه وشرائطـه، الباب32. 2 ـ راجع وسائل الشيعـة 14: 439، كتاب الحج، أبواب المزار، الباب41.

32
التنبيه الثالث أنحاء متعلّق الأمر والنهي الأوامر والنواهي قد يتعلّقان بنفس الطبيعـة من غير لحاظ شيء معها أصلا من الوحدة والكثرة وغيرهما. وقد يتعلّقان بصرف الوجود، والمراد بـه هو الطبيعـة المأخـوذة على نحو لا ينطبق إلاّ على أوّل وجود الطبيعـة، واحداً كان أو كثيراً. وقد يتعلّقان بالطبيعـة على نحو العامّ المجموعي. وقد يتعلّقان بها على نحو العامّ الاستغراقي. فإذا تعلّق الأمر والنهي بنفس الطبيعـة من غير لحاظ الوحدة والكثرة فالأمر يكون باعثاً إلى نفسها، كما أنّ النهي يكون زاجراً عنها. ومن المعلوم أنّ الطبيعـة متكثّرة في الخارج بتكثّر أفرادها; لأنّ كلّ فرد منها هي تمام الطبيعـة مع خصوصيـة الفرديّـة، وحينئذ فإذا أتى بوجود واحد من وجودات الطبيعـة يتحصّل الغرض، لأنّـه تمام الطبيعـة المأمور بها، فيسقط الأمر، لحصول الغرض. وأمّا إذا أتى بوجودات متكثّرة دفعـة واحدة، فهل يتحقّق هنا إطاعات متعدّدة حسب تعدّد الوجودات المأتي بها، نظراً إلى أنّ المطلوب على ما هو المفروض هو نفس الطبيعـة، وهي تـتكثّر بتكثّر وجوداتها، فتكثّر الطبيعـة مستلزم لتكثّر المطلوب، كما أنّ في الواجب الكفائي لو قام بالإتيان بـه أزيد من واحد يكون كلّ من أتى بـه مستحقّاً للمثوبـة، مع أنّ المطلوب فيـه أيضاً هي نفس طبيعـة الواجب، ولذا يحصل الغرض بالإتيان بوجود واحد منها من مكلّف واحد.
33
أو أنّـه ليس هنا أيضاً إلاّ إطاعـة واحدة، نظراً إلى أنّ الطبيعـة وإن كانت متكثّرة بتكثّر الأفراد، إلاّ أنّها بوصف كونها مطلوبـة ومأموراً بها لا تكون متكثّرة، كيف وتكثّر المطلوب بما هو مطلوب لا يعقل مع وحدة الطلب بعد كونهما من الاُمور المتضايفـة، وتنظير المقام بباب الواجب الكفائي في غير محلّـه بعد كون الطلب في ذلك متعدّداً، أو كـون كل واحـد من المكلّفين مأمـوراً. غايـة الأمر أنّـه مـع إتيان واحد منهم يحصل الغرض، فيسقط الأمر عـن الباقين، فالأمـر الواحـد لا يكون لـه إلاّ إطاعـة واحدة. وأمّا النهي والزجر عن نفس الطبيعـة فهو وإن كان أيضاً بحسب نظر العقل يتحقّق إطاعتـه بترك وجود واحد منها، لأنّـه كما أنّ الطبيعـة يوجد بوجود فرد منها كذلك ينعدم بانعدام فرد مّا، لأنّـه إذا فرض أنّ وجوداً واحداً منها يكون تمام الطبيعـة فوجوده وجود لها، وعدمـه عدم لها، ولا يعقل أن يكون وجوده وجوداً لها ولا يكون عدمـه عدماً لها، إلاّ أنّ العقلاء يرون أنّ المطلوب في باب النواهي عدم تحقّق الطبيعـة أصلا، وقد ذكرنا ذلك في باب النواهي من مباحث الألفاظ فراجع(1). هذا كلّـه فيما إذا تعلّق الأمر أو النهي بنفس الطبيعـة. وأمّا لو تعلّق بصرف الوجود الذي مرجعـه إلى وجوب نقض العدم في ناحيـة الأمر والزجر عنـه في ناحيـة النهي، فيتحقّق إطاعـة الأمر بإيجادها; أي الطبيعـة مرّة أو أكثر، فإنّـه إذا وجد ألف فرد من الطبيعـة دفعـة لا يكون الصرف إلاّ واحداً، كما إذا أوجد فرداً واحداً، بخلاف ما إذا أوجد أفراداً تدريجاً، فإنّـه يتحقّق الصرف بأوّلها، لأنّ الصرف لا يتكرّر، فيكون للأمر بـه إطاعـة واحدة
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 165.

34
متحقّقـة بأوّل الوجودات واحداً كان أو متعدّداً، وكذا عصيان واحد حاصل بتركها رأساً، كما أنّ للنهي بـه أيضاً إطاعـة واحدة حاصلـة بترك جميع الأفراد، وعصيان واحد متحقّق بالإتيان بفرد منها. وأمّا لو تعلّق الأمر والنهي بالطبيعـة على نحو العامّ المجموعي فلا يكون لهما إلاّ إطاعـة واحدة حاصلـة بالإتيان بجميع وجودات الطبيعـة في ناحيـة الأمر، وبعدم الإتيان بالجميع في ناحيـة النهي، وكذا لا يكون لهما إلاّ عصيان واحد حاصل في الأمر بما يتحقّق بـه الإطاعـة في النهي، وفي النهي بما يتحقّق بـه الإطاعـة في الأمر. وأمّا لو تعلّق الأمر والنهي بالطبيعـة على نحو العامّ الاستغراقي الذي مرجعـه إلى كون كلّ فرد من الطبيعـة مطلوباً فعلـه أو تركـه، فينحلّ كل واحد منهما إلى الأوامر المتعدّدة حسب تعدّد أفراد الطبيعـة، أو النواهي المتعدّدة كذلك، وحينئذ فلكلّ منهما إطاعات متكثّرة وعصيانات متعدّدة، كما لايخفى. اختلاف جريان الاُصول العملية باختلاف متعلّقات الأحكام إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ جريان الاُصول العمليـة يختلف باختلاف متعلّقات الأحكام حسب ما ذكرنا. حكم ما لو تعلّق الأمر أو النهي بالطبيعة على نحو العامّ الاستغراقي فإذا تعلّق الأمر أو النهي بالطبيعـة على نحو العامّ الاستغراقي، كما لو تعلّق وجوب الإكرام بكلّ فرد من العلماء، فهل المرجع في الشبهات الموضوعيّـة هي البراءة أو الاشتغال؟ قد يقال بالثاني; نظراً إلى أنّ البيان مـن قبل المولى تامّ
35
لانقص فيـه; لأنّـه ليس عليـه إلاّ بيان الكبريات، والمفروض العلم بها. ولكنّ الحقّ هو جريان البراءة; لأنّـه وإن لم يكن على المولى إلاّ بيان الكبريات، إلاّ أنّ العلم بها لا يكون بمجرّده حجّـة على العبد بالنسبـة إلى الفرد المشكوك. وتوضيح جريان البراءة في مثل المقام ممّا كـان الحكم متعلّقاً بالطبيعـة على نحـو العامّ الاستغراقي أن يقال: إنّ مثل كلمـة «كـلّ» المأخـوذ في الموضوع إنّما يكون عنواناً إجماليّاً مشيراً إلى جميع أفراد مدخولـه، فهو بمنزلـة ما لو تعرّض لذكر جميعها واحداً بعد واحد، ولا يكون الغرض تحصيل هـذا العنوان بحيث يكون المطلوب هو إكرام كلّ عالم بهذا العنوان الإجمالي، بل الغرض إنّما هـو إكرام كلّ فـرد على سبيل الاستقلال، وحينئذ فلو شكّ في فرد أنّـه عالم أم لا فمرجعـه إلى الشكّ في تعلّق الوجوب بإكرامـه، وهو مجرى البراءة. وهذا بخلاف ما لو كان الحكم متعلّقاً بالطبيعـة على نحو العامّ المجموعي; فإنّ المطلوب فيها هو إكرام المجموع بما هو مجموع، ولذا لا يكون لـه إلاّ إطاعـة واحدة وعصيان واحد، فإذا شكّ في أنّ هذا الفرد عامّ أم لا، فلايجوز إجراء البراءة; لأنّ مع إجرائها يشكّ في حصول غرض المولى وسقوط الأمر، وسيأتي توضيحـه. وبالجملـة: بعدما عرفت من أنّ الأمر في العامّ الاستغراقي ينحلّ إلى أوامر متعدّدة، لعدم كون عنوان الكلّ المأخوذ في الموضوع مقصوداً بذاتـه لا يبقى إشكال في جريان البراءة في الشبهات الموضوعيـة. إن قلت: بناء على ما ذكر ـ من عدم كون العلم بالكبرى بمجرّده حجّـة ما لمينضمّ إليـه العلم بالصغرى ـ لا يبقى مجال للقول بعدم جواز التمسّك بالعامّ في
36
الشبهـة المصداقيّـة للمخصّص; لوضوح أنّـه بعد ما لم يكن المخصّص حجّـة بالنسبـة إليـه فلم لا يجـوز التمسّك بالعـامّ بعـد كونـه حجّـة بالنسبـة إلـى الأفراد المعلومـة التي تكون الشبهـة المصـداقيّـة للمخصص مـن جملتها قطعـاً، كما لا يخفى؟ قلت: الوجـه في ذلك هو أنّ التمسّك بالعامّ وحجّيتـه يتوقّف على اُصول عقلائيـة التي من جملتها أصالـة تطابق الإرادة الاستعماليـة مع الإرادة الجدّيـة. ومن الواضح أنّ هذا الأصل العقلائي ما لم يكن العامّ مخصّصاً قطعاً أو احتمالا يكون متّبعاً بالنسبـة إلى جميع أفراد العامّ، وأمّا بعد عروض التخصيص قطعاً فلا محالـة يكون مقصوراً بغير مورد الخاصّ. وبعبارة اُخرى: التخصيص وإن لم يكن موجباً لتعنون العامّ بعنوان غير الخاصّ حتّى تكون الشبهـة المصداقيّـة للمخصّص شبهـة مصداقيّـة للعامّ أيضاً، إلاّ أنّـه يوجب قصر مورد قاعدة التطابق على غير مورد الخاصّ. وحينئذ فبعد عدم جواز التمسّك بالخاصّ لا يجوز التمسّك بالعامّ أيضاً، لأنّـه وإن كان بعمومـه يشمل الفرد المشكوك، إلاّ أنّـه بالمقدار الذي يجوز التمسّك بـه ويكون حجّـة، لا يعلم شمولـه فلايكون حجّـة. ولبعض المحقّقين من المعاصرين وجـه آخر في تقريب جريان البراءة فيها، قال على ما في تقريرات بحثـه ما حاصلـه: إنّ الخطاب كما لا يمكن أن يكون فعليّاً إلاّ بعد وجود المكلّف، كذلك لا يمكن أن يكون فعليّاً إلاّ بعد وجود الموضوع، والسرّ في ذلك أنّ التكاليف الشرعيّـة إنّما تكون على نهج القضايا الحقيقيـة التي تنحلّ إلى قضيـة شرطيّـة مقدّمها وجود الموضوع وتاليها عنوان المحمول، فلابدّ من فرض وجود الموضوع في ترتّب المحمول، فمع الشكّ في
37
وجوده يشكّ في فعليّتـه، ومع الشكّ فيها يكون المرجع هي البراءة(1). هذا، ولكن ما أفاده من أنّ القضايا الحقيقيـة تنحلّ إلى القضايا الشرطيـة في غير محلّـه، لأنّ القضايا الحقيقيـة قضايا بتيّـة، كالقضايا الخارجيـة، بلا فرق بينهما من هذه الجهـة أصلا. غايـة الأمر أنّ الحكم في القضايا الحقيقيـة إنّما يكون على الطبيعـة بوجودها الساري أعمّ من الأفراد المحقّقـة والمقدّرة، وفي القضايا الخارجيّـة يكون مقصوراً على خصوص الأفراد الموجودة. وبالجملـة فقولنا: كلّ نار حارّة، يكون الحكم بالحرارة فيـه حكماً بتّياً ثابتاً لجميع أفراد طبيعـة النار، ولا يكون حكماً مشروطاً بوجوده، كيف ولو كان الحكم في مثلـه مشروطاً بوجود الموضوع لكان اللازم في مثل ما إذا كان المحمول من لوازم ماهيّـة الموضوع، كقولنا: الأربعـة زوج أن يكون ترتّب الزوجيـة على الأربعـة مشروطاً بوجودها، مع أنّ المفروض كونها من لوازم الماهيّـة التي مرجعها إلى ثبوتها لنفس الماهيّـة مع قطع النظر عن الوجودين، بحيث لو فرض لها تقرّر وثبوت في غير عالم الوجودين لكانت تلزمها. وبالجملـة: فمعنى القضيّـة الشرطيـة هو كون الشرط فيها دخيلا في ثبوت المحمول وترتّبـه على الموضوع، مـع أنّ القضايا الحقيقيـة لا يكون كلّها كـذلك كما عرفت. فالحقّ أنّ القضايا الحقيقيـة قضايا بتّيـة غير مشروطـة، ولذا جعلها المنطقيون من الحمليّات التي تكون قسيماً للشرطيّات.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 393.

38
نعم لا شبهـة في أنّ الحكم ما لم يتحقّق موضوعـه لا يثبت، وليس ذلك لاشتراطـه بوجود الموضوع، بل لأنّ الموضوع ما لم يوجد لا يكون موضوعاً، فإنّ النار ما لم تـتحقّق في الخارج لا تكون ناراً، والحكم بالحرارة معلّق على النار وحينئذ فمع الشكّ في وجود الموضوع لا يكون الحكم مترتّباً ولا يكون حجّـة على العبد، لأنّ العلم بالكبرى بمجرّده لا يكون حجّـة ما لم ينضمّ إليـه العلم بالصغرى كما عرفت، لا لأجل الشكّ في وجود الشرط المستلزم للشكّ في المشروط وهو فعليّـة الحكم. وكيف كان: فالتحقيق في تقريب جريان البراءة في الشبهات الموضوعيـة ما ذكرنا. هذا كلّـه فيما لو كان متعلّق الحكم مأخوذاً بنحو العامّ الاستغراقي. حكم ما لو تعلّق الأمر أو النهي بالطبيعة على نحو العامّ المجموعي وأمّا لو كان مأخوذاً بنحو العامّ المجموعي فقد يقال كما قيل: إنّ جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّـة فيـه مبني على جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيـين، لأنّـه أيضاً من مصاديق تلك المسألـة. ولكن لا يخفى أنّـه لو قلنا بالجريان في تلك المسألـة فلا يلازم القول بالجريان في المقام; لأنّ مع الشكّ في كون فرد عالماً مثلا وعدم إكرامـه يشكّ في تحقّق العنوان الذي اُخذ موضوعاً للحكم ويجب على المكلّف تحصيلـه وهو إكرام المجموع بما هو مجموع، ومن الواضح لزوم تحصيل هذا العنوان. وهذا بخلاف ما لو شكّ في لزوم السورة في الصلاة مثلا، فإنّـه يعلم مع
39
كونها فاقـدة للسورة بصدق عنوانها، وإلاّ فلو كان الجـزء المشكوك بحيث يشكّ في تحقّق عنوان الصلاة مع فقدانـه فلا مجال لجريان البراءة أصلا، كما هو واضح لا يخفى. هذا في ناحيـة الأمر، وأمّا لو كان العامّ المجموعي متعلّقاً للنهي فالظاهر جواز ارتكاب الفرد الذي يشكّ في تحقّق المجموع بـه، لأنّ حقيقـة النهي عبارة عن الزجر عن المنهي عنـه، ومع ارتكابـه لا يعلم بتحقّق المنهي عنـه في الخارج وليس النهي كالأمر، فإنّ معناه هو الطلب، ولابدّ من تحصيل مطلوب المولى بعد العلم بالطلب، وحينئذ فلو شكّ في تحقّق المجموع بإكرام غير الفرد المشكوك فمقتضى الاشتغال اليقيني هو تحصيل البراءة اليقينيّـة بإكرام الفرد المشكوك أيضاً، وهذا بخلاف النهي، فإنّـه زجر عن إكرام مجموع الفسّاق مثلا في المقام ومع ارتكاب إكرام الفرد الذي يشكّ في تحقّق المجموع بـه لا يعلم بتحقّق المنهي عنـه حتّى يكون مزجوراً عنـه، كما هو واضح. نعم لو كان النهي عبارة عن طلب الترك فلابدّ حينئذ أيضاً من تحصيل مطلوب المولى وهو ترك المجموع، فلا يجوز ارتكاب إكرام الفرد الذي يشكّ في تحقّق المجموع بـه، لأنّـه لا يعلم مع ارتكابـه بحصول المطلوب، كما لايخفى. ومن هنا يعلم أنّ ما أفاده في الكفايـة من أنّـه لو كان النهي عن شيء في زمان أو مكان بحيث لو وجد في ذاك الزمان أو المكان ولو دفعـة لما امتثل أصلا كان اللازم على المكلف إحراز أنّـه تركـه بالمرّة ولو بالأصل، فلا يجوز الإتيان بشيء يشكّ معـه في تركـه(1).
1 ـ كفايـة الاُصول: 402.

40
إنّما يتمّ بناء على ما ذهب إليـه في باب النواهي من أنّ معنى النهي هو طلب الترك، وأمّا بناءً على ما هو التحقيق في معناه فلا يلزم على المكلّف إحراز أنّـه تركـه بالمرّة، بل يلزم عليـه أن لا يعلم بحصول الشيء المنهي عنـه. وبعبارة اُخرى أن لا يرتكب ما علم بكونـه منهيّاً عنـه، كما لايخفى. هذا كلّـه فيما لو تعلّق الأمر أو النهي بالطبيعـة على نحو العامّ المجموعي. حكم ما لو تعلّق الأمر أو النهي بالطبيعة على نحو صرف الوجود وأمّا لو تعلّق الأمر بصرف الوجود الذي يكون عبارة عن الأمر المتحصّل من أوّل الوجودات أو المنتزع منـه، فلا شبهـة في أنّـه لا يكتفى في مقام الامتثال بالإتيان بالفرد الذي يشكّ في كونـه مصداقاً للمأمور بـه; لأنّ مقتضى الاشتغال اليقيني هي البراءة اليقينيـة، وأمّا لو تعلّق النهي بـه فيجوز الإتيان بالفرد المشكوك، لعدم العلم بكونـه مصداقاً للمنهي عنـه، فيشكّ في تحقّق الزجر بالنسبـة إليـه، هذا. حكم ما لو تعلّق الأمر والنهي بنفس الطبيعة ولو تعلّق الأمر أو النهي بنفس الطبيعـة فحكمـه حكم ما لو تعلّق بصرف الوجود، فلا يكتفى في مقام امتثال الأمر بالإتيان بالفرد المشكوك، ويجوز الإتيان بـه فيما لو كانت متعلّقـة للنهي. فانقدح مـن جميع مـا ذكرنا: أنّ الإتيان بالفرد الـذي يشكّ في تحقّق المنهي عنـه بـه جائز في جميع الأقسام الأربعـة المتقدّمـة، والسرّ في أكثرها
41
هـو ما ذكرنا مـن أنّ النهي ليس بمعنى طلب الترك حتّى يلزم على المكلّف تحصيل المطلوب وهو ترك المنهي عنـه جـزماً، كيف والترك الذي هـو العدم كيف يعقل أن يكون متعلّقاً للطلب ومورداً للاشتياق؟! لأنّـه ليس شيئاً حتّى يمكن أن يصير مطلوباً ومشتاقاً إليـه، وهذا لا فرق فيـه بين العدم المطلق والعدم المضاف. وأمّا ما في بعض الكتب العقليّـة من أنّ العدم المضاف وأعدام الملكات لها حظّ من الوجود ونصيب من التحقّق(1) فلا ينبغي الاغترار بما يدلّ عليـه ظاهر عبائرهم، فإنّ مراد أساطين الفنّ هو تقريب أذهان المتعلّمين، وإلاّ فمن الواضح أنّ العدم لا يمكن أن يصير وجوداً. وأمّا الإتيان بالفرد الذي يشكّ في تحقّق المأمور بـه فلا يجب في العامّ الاستغراقي ولا يكتفى بـه في امتثال الأمر المتعلّق بنفس الطبيعـة أو بصرف الوجود ويجب الإتيان بما يشكّ في تحقّق المجموع بـه في العامّ المجموعي كما عرفت. ثمّ إنّـه يقع الكلام بعد ذلك في الأصل المحرز للموضوع فنقول: لو كان المتعلّق مأخوذاً بنحو العامّ الاستغراقي، وكان هنا فرد داخل في العامّ سابقاً، والآن شكّ في بقائـه فيـه، فالظاهر جريان الاستصحاب، ويترتّب عليـه كون إكرامـه أيضاً مأموراً بـه; لما عرفت من أنّ الحكم في العامّ الاستغراقي إنّما تعلّق بعنوان الكلّ، لا بما أنّـه عنوان واحد كسائر العناوين، بل بما أنّـه عنوان إجمالي
1 ـ الحكمـة المتعاليـة 1: 345 ـ 352، شرح المنظومـة، قسم الحكمـة: 47 ـ 48.

42
مرآة لجميع الأفراد، ولذا ذكرنا أنّ الأمر فيـه ينحلّ إلى أوامر متعدّدة، وحينئذ فبالاستصحاب يثبت فرد آخر، فيترتّب عليـه حكم العامّ. وأمّا لو كان المتعلّق مأخوذاً بنحو العامّ المجموعي الذي قد عرفت أنّـه أمر واحد وشيء فارد وهو عنوان المجموع، فالظاهر عدم جريان الاستصحاب في الفرد الذي يشكّ في كونـه عالماً بعد كونـه عالماً سابقاً قطعاً، أو غير عالـم كذلك، لأنّ استصحاب بقاء عالميّـة فرد لا يترتّب عليـه أثر شرعي، إذ الأثر الشرعي إنّما ترتّب على المجموع، والاستصحاب لا يثبت أنّ المجموع لا يتحقّق إلاّ بذاك، كما أنّ استصحاب عدم العالميّـة لا يثبت تحقّق عنوان المجموع بماعداه، كما لا يخفى. نعم لو جرى الاستصحاب في نفس عنوان المجموع كما لو كان إكرام مائـة من العلماء متّصفاً بأنّـه إكرام مجموع العلماء سابقاً، والآن شكّ في بقائـه لأجل احتمال كون الزائد على المائـة أيضاً عالماً، فيترتّب عليـه الأثر الشرعي ولا يكون مثبتاً. مسألتان لم يتعرّض لهما المحقّق الخراساني في الكفايـة:
43
المسألة الاُولى في دوران الأمر بين التعيين والتخيير إذا دار الأمر بين التعيـين والتخيـير فهل الأصل الجاري هي البراءة أو الاشتغال، ولابدّ قبل الخوض في ذلك من تقديم اُمور: الأوّل: حقيقة الواجب التخييري قد عرفت في تصوير الواجب التخيـيري أنّ الالتزام بثبوت الواجب التخيـيري في مقابل الواجب التعيـيني ممّا لا يرد عليـه شيء من المحذورات المتوهّمـة من كونـه مستلزماً لتعلّق الإرادة بأحد الشيئين أو الأشياء على سبيل الترديد الواقعي، بأن يكون التعلّق بحسب الواقع ونفس الأمر مردّداً، وكذا تعلّق البعث بأحدهما أو بأحدها على سبيل الإبهام النفس الأمري. وكذا عرفت أنّ ما أفاده في الكفايـة(1)، من أنّـه لو كان هناك غرض واحد مترتّب على الشيئين أو الأشياء فلا محالـة يكون الواجب هو الجامع والقدر المشترك بينهما أو بينها; لأنّـه لا يمكن صدور الغرض الواحد من المتعدّد بما هو متعدّد، فحيث إنّ الغرض يترتّب على الجامع فلا محالـة يكون الجامع واجباً. محلّ نظر، بل منع; فإنّـه ـ مضافاً إلى منع ما ذكره من عدم إمكان صدور الواحد من المتعدّد، فإنّ ذلك إنّما هو في موارد مخصوصـة كما حقّق في
1 ـ كفاية الاُصول: 174.

44
محلّـه(1) يرد عليـه: أنّـه لـو سلّم ترتّب الغرض على الجامـع فذلك لا يوجب أن يكون هو الواجب، فإنّ الجامع قد يكون جامعاً غريباً بحيث لا يغني توجيـه البعث إليـه من بيان أفراده ومصاديقـه، بل يحتاج المولى إلى تعريف المصاديق أيضاً، فإنّـه حينئذ يكون البعث إلى كلّ واحد من المصاديق على سبيل التخيـير أسهل وأوفق، كما لايخفى. مضافاً إلى أنّ الكلام ليس فيما يترتّب عليـه الغرض وأنّـه هل هو واحد أو متعدّد، وليس التقسيم أيضاً ناظراً إليـه، بل التقسيم إنّما هو للوجوب باعتبار الواجب، وهو في لسان الدليل متعدّد وإن كان المؤثّر في حصول الغرض هو الجامـع والقدر المشترك بين الأفـراد، وإلى أنّـه لا ينحصر الـواجب التخيـيري بما إذا كان هناك غرض واحد، بل ربّما يكون للمولى غرضان يترتّب أحدهما على أحد الشيئين والآخر على الآخر، ولا يمكن مع حصول أحدهما تحصيل الآخر، أو لا يكون تحصيلـه لازماً، وحينئذ فلابدّ من أن يبعث العبد نحوهما بحيث يخلّل بين البعثين كلمـة «أو» ونحوها الدالّـة على عدم إمكان تحصيل الغرضين أو عدم لزومـه. وبالجملـة: فتصوير الواجب التخيـيري ممّا لا محذور فيـه أصلا، وحينئذ فيمكن أن يدور الأمر بينـه وبين الواجب التعيـيني. الثاني: أقسام الواجب التخييري أفاد المحقّق النائيني على ما في التقريرات أنّ الواجب التخيـيري على ثلاثـة أقسام:
1 ـ راجع الحكمـة المتعاليـة 2: 210 ـ 212، و7: 192 ـ 258.

45
الأوّل: الواجب التخيـيري بحسب الجعل الابتدائي الشرعي ـ أي كان الخطاب من أوّل الأمر خطاباً تخيـيريّاً ذا أفراد في مقابل الخطاب التعيـيني ـ كخصال الكفّارات. الثاني: هو التخيـير الناشئ عن تزاحم الحكمين وتمانع الخطابين في مقام الامتثال إذا لم يكن أحد الحكمين أهمّ وأولى بالرعايـة، وهذا التخيـير يعرض للخطابين بعدما كانا عينيّين، وبذلك يمتاز عن القسم الأوّل بناءً على ما قوّيناه في باب التزاحم من أنّ منشأ التزاحم هو إطلاق الخطابين دون وجودهما، فهو الساقط دونهما، وأمّا بناءً على سقوطهما من رأس واستكشاف العقل خطاباً تخيـيراً آخر يكون الخطاب التخيـيري المستكشف كالخطاب التخيـيري المجعول ابتداءً بحسب أصل التشريع. الثالث: التخيـير الناشئ عن تعارض الحجّتين وتنافي الطريقين بناءً على المختار من أنّ المجعول في باب الأمارات نفس الحجّيـة والطريقيـة، وأمّا بناءً على ما ينسب إلى المشهور من القدماء من القول بالسببيـة فهذا التخيـير يكون من صغريات التخيـير في باب المتزاحمين(1)، انتهى ملخّصاً. وأنت خبير بأنّ التخيـير في باب التزاحم وكذا في باب تعارض الطريقين ليس قسماً آخر من التخيـير بحيث يكون حقيقـة التخيـير في تلك الموارد الثلاثـة مختلفـة، فإنّـه ليس بينها اختلاف من هذه الجهـة، فإنّ ذات التخيـير فيها على نسق واحد بلا اختلاف فيـه أصلا، والاختلاف إنّما هو في المخيّر فيـه، وهو لا يصحّح التقسيم لنفس التخيـير، كيف وإلاّ يلزم تكثّر الأقسام لأجل تكثّر المتعلّقات.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 417 ـ 421.

46
الثالث: حكم الشكّ في اشتراط التكليف في مرحلة البقاء لا يخفى أنّ تمام الملاك في باب جريان البراءة العقليّـة هو انتهاء الشكّ إلى الشكّ في أصل التكليف من دون أن يعتبر فيـه شيء آخر. وبعبارة اُخرى: تمام الملاك هو عدم تماميّـة الحجّـة على العبد من ناحيـة المولى بحيث كان العقاب على مخالفتـه عقاباً بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان، كما أنّ تمام الملاك في باب جريان قاعدة الاشتغال هو أن يكون الشكّ في سقوط التكليف بعد تماميّـة الحجّـة من ناحيـة المولى. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه أفاد المحقّق النائيني على ما في التقريرات أنّـه كما يمكـن أن يكون التكيف في عالـم الجعل والثبوت ومرحلـة التشريع والحدوث مشروطاً كاشتراط وجوب الحجّ بالاستطاعـة والصلاة بالوقت، كذلك يمكن أن يحدث للتكليف الاشتراط في مرحلـة البقاء والاستمرار، بعدما كان مطلقاً في مرحلـة الحدوث والثبوت، كما لو فرض اشتراط بقاء التكليف بالصلاة بعدم الصيام، وهذان الفرضان متعاكسان في جريان البراءة والاشتغال عند الشكّ فيهما، فلو شكّ في إطلاق التكليف واشتراطـه في عالم الجعل والحـدوث فالأصل يقتضي البراءة عند عدم وجود ما شكّ في شرطيّتـه للتكليف، وإن شكّ فـي الإطـلاق والاشتـراط في مرحلـة البقاء والاستمـرار فالأصل يقتضي الاشتغال، لأنّ حقيقـة الشكّ يرجع إلى أنّ الصيام في المثال المتقدّم هل يكون مسقطاً للتكليف بالصلاة أو لا، وكلّما رجع الشكّ إلى الشكّ في المسقط فالأصل يقتضي عدم السقوط، بخلاف ما إذا رجع إلى الشكّ في أصل التكليف، فإنّـه
47
مجرى البراءة كما في الفرض الأوّل(1) ، انتهى. وأنت خبير بأنّ مراده بما إذا كان التكليف مشروطاً بحسب البقاء والاستمرار إن كان هو اشتراط التكليف المجعول مطلقاً ابتداء، بحيث صار التكليف المطلق مشروطاً، فمن الواضح أنّـه من البداء المستحيل في حقّـه تعالى، وإن كان مراده أنّ التكليف الأوّل بحسب الحدوث والثبوت كان مطلقاً إلى حدّ مخصوص، وبعد حصول ذلك الحدّ يشكّ في جعلـه مشروطاً بوجود شيء آخر أو بعدمـه، أو أنّـه باق على إطلاقـه، فمرجع الشكّ حينئذ إلى الشكّ في أصل التكليف بعد ذلك الحدّ مادام لم يحصل الشرط، وهو مورد لجريان البراءة، كما لايخفى. فلا فرق حينئذ بين الفرضين. وبالجملـة: فكون التكليف المطلق حدوثاً مشروطاً بقاءً ممّا لا يتصوّر على أحد الوجهين، وعلى الوجـه الآخر مورد لجريان البراءة، لا قاعدة الاشتغال. الرابع: وجوه الشكّ في التعيين والتخيير الشكّ في التعيـين والتخيـير يتصوّر على وجوه: أحدها: أنّـه يعلم بتعلّق التكليف بأحد الشيئين بخصوصـه ويشكّ في أنّ الشيء الآخر هل هو عدلـه بحيث يكون ما تعلّق بـه التكليف قطعاً أحد فردي الواجب التخيـيري، أو لا يكون عدلا لـه، فيكون التكليف المتعلّق بالشيء الأوّل تكليفاً تعيـينيّاً ولا يقوم مقام متعلّقـه شيء آخر. ثانيها: أنّـه يعلم بتعلّق التكليف بكلّ من الشيئين، ولكن يشكّ في أنّ كلاّ
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 421 ـ 422.

48
منهما واجب عيناً فيجب الإتيان بكليهما، أو أنّهما واجبان تخيـيراً يسقط كلّ منهما بفعل الآخر. ثالثها: أنّـه يعلم بتعلّق الوجوب بأحد من الشيئين معيّـناً، ويعلم أيضاً بأنّ الإتيان بالشيء الآخر يوجب سقوط الوجوب المتعلّق بالشيء الأوّل، لكن يشكّ في أنّ إسقاطـه للوجوب هل هو لمكان كونـه أحد فردي الواجب التخيـيري بحيث تعلّق بـه الوجوب أيضاً، أو أنّـه لم يتعلّق بـه الوجوب، بل هو إمّا مباح أو مستحبّ موجب لسقوط الواجب. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه يقع الكلام فيما يقتضيـه الأصل العملي، وأنّ الأصل الجاري في المقام هو البراءة مطلقاً، أو الاشتغال مطلقاً، أو التفصيل بين أقسام الشكّ في التعيـين والتخيـير أو أنحاء الواجب التخيـيري، ونحن وإن أنكرنا تقسيم الواجب التخيـيري إلى الأقسام الثلاثـة المتقدّمـة، إلاّ أنّـه يمكن أن يكون الأقسام مختلفـة في الحكم وإن كانت بحسب الحقيقـة أقساماً للمخيّر فيـه، لا لأصل التخيـير. وحينئذ: فلابدّ من التكلّم في كلّ من أقسام الشكّ في التعيـين والتخيـير، وكذا في كلّ من أنحاء الواجب التخيـيري ولنمحّض الكلام فعلا في خصوص البراءة العقليّـة. مقتضى الأصل في الوجوه المذكورة الوجه الأوّل: فنقول: إذا شكّ في التعيـين والتخيـير على الوجـه الأوّل من الوجوه الثلاثـة المتصوّرة، وكان الواجب التخيـيري الذي هو طرف الشكّ من الواجبات
49
التخيـيريّـة الابتدائيـة في عالم التشريع فهل الأصل العملي الجاري فيـه هي البراءة أو الاشتغال؟ التحقيق أن يقال: إنّ ذلك يبتني على كيفيـة إنشاء الخطاب التخيـيري وتصويره: فتارة يقال: بأنّ الخطاب التخيـيري عبارة عن تقيـيد إطلاق الخطاب المتعلّق بكلّ من الفردين أو الأفراد بما إذا لم يأت المكلّف بعدلـه، فيكون وجوب العتق في الخصال مقيّداً بعدم الإطعام والصيام، وكذا وجوب الإطعام مقيّد بعدم الخصلتين الاُخريـين، وحينئذ فكلّ واجب تخيـيري يكون واجباً مشروطاً بعدم الإتيان بعدلـه. واُخرى يقال: برجوع جميع الواجبات التخيـيريّـة إلى الواجب التعيـيني، نظراً إلى أنّ الغرض يكون مترتّباً على الجامع، فهو الواجب تعييناً والتخيـير بين أفراده تخيـير عقلي، وهذا الوجـه هو الذي اختاره المحقّق الخراساني(1) وتبعـه بعض من تلاميذه(2)، كما أنّ الوجـه الأوّل هو الذي قوّاه المحقّق النائيني على ما في التقريرات(3). وثالثـة يقال: بأنّ الواجب التخيـيري سنخ آخر من الخطاب في مقابل الخطاب التعيـيني، وهذا هو الذي اخترناه وحقّقناه(4). ورابعـة يقال: بأنّ مرجع كون الشيء واجباً تعيـينيّاً إنّما هو إلى كونـه
1 ـ كفايـة الاُصول: 174. 2 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 481. 3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 417. 4 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 155.

50
مطلوباً بطلب تامّ قائم بـه بشراشر وجوده الموجب بمقتضى النهي عن النقيض للمنع عن جميع أنحاء عدمـه حتّى العدم في حال وجود غيره، في قبال الواجب التخيـيري الذي مرجعـه إلى كونـه متعلّقاً لطلب ناقص على نحو لا يقتضي إلاّ المنع عن بعض أنحاء عدمـه، وهو العدم في حال عدم العدل، وهذا الوجـه هو الذي اختاره المحقّق العراقي على ما في التقريرات(1). ولكن لا يخفى أنّـه لا يكون تصويراً للواجب التخيـيري بحيث يندفع بـه ما أورد عليـه، بل إنّما هو تقرير لـه وبيان للمراد منـه، فتدبّر. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه لو قيل في تصوير الواجب التخيـيري بالوجـه الأوّل الذي مرجعـه إلى اشتراطـه بعدم الإتيان بالعدل، فالأصل الجاري في المورد المفروض هي البراءة، لأنّ مرجع الشكّ في التعيـينيـة والتخيـيريّـة إلى الشكّ في الإطلاق والتقيـيد، وهو مرجـع البراءة فيما لو لـم يحصل القيد، فإذا أتى ببعض الأطراف يشكّ في أصل التكليف، لعدم تحقّق الشرط على تقدير الاشتـراط، لأنّ الشـرط عبـارة عـن عـدم الإتيـان بالعـدل، والمفـروض أنّـه أتـى بـه، هذا. ولو قيل في تصوير الواجب التخيـيري بالوجـه الثاني الذي مرجعـه إلى كون التخيـير تخيـيراً عقليّاً كشف عنـه الشارع، والواجب الشرعي هو الجامع والقدر المشترك بين الأطراف ففي جريان البراءة أو الاشتغال وجهان، ذكرهما في كتاب الدرر(2).
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 288. 2 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 481.

51
وجـه جريان قاعدة الاشتغال أنّ تعلّق التكليف بالخاصّ معلوم يجب الخروج عن عهدتـه ويشكّ في أنّـه هل يسقط بإتيان شيء آخر أو لا، فمقتضى الاشتغال بالحكم الثابت فراغـه عن عهدة التكليف يقيناً. ووجـه جريان البراءة أنّ الشكّ في المقام يرجع إلى الشكّ في الإطلاق والتقيـيد، لدوران الأمر بين وجوب قدر الجامع وبين وجوب الفرد الخاصّ بخصوصيّتـه والمرجع فيـه هي البراءة، هذا. والأقوى هو الوجـه الأوّل، لثبوت الفرق بين المقام وبين الشكّ في الإطلاق والتقيـيد، لأنّ الجامع بما هو جامع لا يكون معلوم الوجوب والقيد مشكوكاً فيـه، لأنّـه لو كان الوجوب تعيـينيّاً لا يكون متعلّقـه الجامع أصلا، بخلاف المطلق والمقيّد، فإنّ المطلق معلوم الوجوب والقيد مشكوك فيـه. نعم هنا شيء، وهو أنّـه لو كان الوجوب تخيـيريّاً يكون الأمر المتعلّق ببعض الأطراف إرشاداً إلى وجوب الجامع والقدر المشترك، لعدم إمكان تعلّق الوجوب بجميعها بناءً على هذا القول، ولو كان الوجوب تعيـينيّاً يكون الأمر المتعلّق بالبعض أمراً مولويّاً، فمرجع الشكّ في التعيـينيّـة والتخيـيريّـة إلى الشكّ في كون الأمر المعلوم هل يكون إرشادياً لا يترتّب على مخالفتـه عقاب، أو مولويّاً يترتّب على مخالفتـه العقاب فلا يكون الحجّـة على خصوصيـة الفرد تامّـة بحيث يستحقّ العبد العقاب على مخالفتها، فتجري البراءة، فتدبّر. هذا، ولو قيل في كيفيـة تصوير الواجب التخيـيري بالوجـه الرابع الذي اختاره المحقّق العراقي على ما في التقريرات فهل الأصل الجاري هي البراءة أو الاشتغال؟ قال فيها ـ بعد تفسير الواجب التخيـيري بذلك والإشكال بالوجـه الأوّل
52
بأنّ لازمـه هو عدم تحقّق الامتثال بالواجب التخيـيري عند الإتيان بهما معاً، وهو كما ترى لا يمكن الالتزام بـه ـ ما لفظـه: وعلى ذلك ـ يعني على مختاره في تصوير الواجب التخيـيري ـ نقول: إنّ مرجع الشكّ في كون الشيء واجباً تعيـينيّاً أو تخيـيريّاً حينئذ إلى العلم الإجمالي إمّا بوجوب الإتيان بخصوص الذي علم بوجوبـه في الجملـة وحرمـة تركـه مطلقاً حتّى في ظرف الإتيان بما احتمل كونـه عدلا لـه، وإمّا بحرمـة ترك الآخر المحتمل كونـه عدلا لـه في ظرف عدم الإتيان بذلك، ولازم هذا العلم الإجمالي إنّما هو الاحتياط بتحصيل الفراغ اليقيني بإتيان خصوص ما علم وجوبـه في الجملـة ووجوب الإتيان بما احتمل كونـه عدلا لـه عند عدم التمكّن من الإتيان بما علم وجوبـه لاضطرار ونحوه(1)، انتهى. ويرد على مجموع ما ذكره في هذا المقام اُمور: الأوّل: أنّ ما أفاده في تصوير الواجب التخيـيري هو بعينـه ما اختاره المحقّق النائيني(2) من الوجـه الأوّل الذي عرفت بلا فرق بينهما في الحقيقـة أصلا، فإنّ كون الواجب التخيـيري عبارة عن الشيء الذي كان متعلّقاً لطلب ناقص على نحو لا يقتضي إلاّ المنع عن بعض أنحاء عدمـه وهو العدم في حال عدم العدل عبارة اُخرى عن اشتراط مطلوبيّتـه بحال عدم وجود العدل، فإنّ تضيـيق دائرة النهي وتخصيصـه بخصوص العدم في حال عدم العدل يوجب التضيـيق في ناحيـة الأمر الذي تولّد منـه النهي وتخصيصاً لـه بحال عدم وجود العدل، ضرورة عدم إمكان التوسعـة في الأمر مع التضيـيق في ناحيـة النهي
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 288 ـ 289. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 417.

53
المتولّد منـه، فرجع الكلام إلى اشتراط الطلب إلى حال عدم وجود العدل وهو بعينـه ما ذكره المحقّق النائيني، فالإشكال الذي أورده عليـه وهو عدم تحقّق الامتثال عند الإتيان بهما معاً وارد على نفسـه أيضاً، فتدبّر. الثاني: أنّ ما ذكره من إيجاب الطلب المتعلّق بالشيء للنهي عن النقيض ممّا لا يتمّ، فإنّ مقتضى ظاهره هو استلزام الأمر بالشيء للنهي عن نقيضـه، بحيث لو خالف الأمر ولم يأت بمتعلّقـه فقد خالف الأمر والنهي معاً، فاستحقّ على ذلك عقوبتين. ومن الواضح عدم إمكان الالتزام بـه، وقد عرفت ذلك في مبحثـه في باب مباحث الألفاظ، فراجع. الثالث: إنّ التمسّك للاحتياط بالعلم الإجمالي المذكور في كلامـه مصادرة واضحـة، فإنّ هذا العلم الإجمالي عبارة اُخرى عن العلم الإجمالي بكون الشيء واجباً تعيـينيّاً أو تخيـيراً فالاستدلال لوجوب الاحتياط في صورة العلم الإجمالي بكون الشيء إمّا واجباً تعيـيناً وإمّا واجباً تخيـيراً بنفس هذا العلم الإجمالي ممّا لا سبيل إليـه، كما هو واضح. الرابع: أنّ ما ذكره في تقرير العلم الإجمالي محلّ نظر; فإنّ مرجع العلم الإجمالي بكون الشيء إمّا واجباً تعيـيناً وإمّا واجباً تخيـيراً إلى العلم الإجمالي إمّا بوجوب الإتيان بخصوص الطرف الذي علم بوجوبـه في الجملـة وحرمـة تركـه مطلقاً حتّى في ظرف الإتيان بما احتمل كونـه عدلا لـه، وإمّا بوجوبـه وحرمـة تركـه في حال عدم العدل ووجوب الشيء الآخر المحتمل كونـه عدلا لـه، وحرمـة تركـه في ظرف عدم الإتيان بما علم وجوبـه في الجملـة، وقد أسقط احتمال وجوبـه وحرمـة تركـه في حال عدم الإتيان بالعدل، مع أنّـه هو العمدة; لأنّـه بعد الإتيان بالشيء الذي يحتمل كونـه عدلا لا يبقى مجال للعلم
54
بوجوب ما علم وجوبـه في الجملـة لا تفصيلا ولا إجمالا، ولأجلـه تجري البراءة كما عرفت بناءً على الوجـه الأوّل، هذا. ولكن الإنصاف: عدم ورود هذا الإيراد عليـه، لأنّ وجوب خصوص الذي علم بوجوبـه في ظرف عدم الإتيان بالشيء المحتمل كونـه عدلا لـه معلوم تفصيلا، لأنّـه لو كان واجباً تعيـيناً يكون واجباً في هذا الظرف لا محالـة، ولو كان واجباً تخيـيراً يكون واجباً في ذاك الظرف أيضاً بناءً على هذا القول، فوجوبـه في ظرف عدم الإتيان بالعدل معلوم تفصيلا وخارج عن أطراف العلم الإجمالي، وما هو معلوم إجمالا إنّما هو وجوبـه مطلقاً حتّى في ظرف الإتيان بالآخر ووجوب الآخر وحرمـة تركـه في خصوص صورة عدم الإتيان بذلك، فمقتضى قاعدة العلم الإجمالي الاحتياط بالنحو الذي أفاده، ومن هذا يظهر عدم ورود الإيراد الثالث عليـه أيضاً فتدبّر، هذا. ولو قيل في كيفيـة تصوير الواجب التخيـيري بالوجـه الثالث الذي اخترناه، ومرجعـه إلى كون الواجب التخيـيري سنخاً آخر من الوجوب، فهل المرجع هي قاعدة البراءة أو أصالـة الاشتغال؟ فيـه وجهان: من جهـة أنّ الحجّـة من قبل المولى لم تـتمّ بالنسبـة إلى الخصوصيّـة، بل ما قامت بـه الحجّـة هو التكليف المردّد بين التعيـينيّـة والتخيـيريّـة، فتعلّق الطلب بصلاة الجمعـة مثلا معلوم، إلاّ أن كيفيتـه وأنّـه هل على نحو التعيـين المقتضي للإتيان بخصوصها وعدم جواز الاجتزاء بصلاة الظهر أو على نحو التخيـير المقتضي لجواز الاجتزاء بها مجهول، فترك الصلاتين معاً ممّا لا يجوز قطعاً، وأمّا ترك صلاة الجمعـة والإتيان بصلاة الظهر فلم يعلم عدم جوازه، فالعقل
55
يحكم بالبراءة، نظراً إلى عدم تماميـة الحجّـة بالنسبـة إليـه، كما لايخفى. ومن جهـة أنّ الملاك في جريان قاعدة الاشتغال ـ على ما عرفت في بعض المقدّمات ـ هو ما إذا كان الشكّ في سقوط التكليف الذي علم ثبوتـه، وهو هنا موجود، ضرورة أنّ تعلّق الطلب بصلاة الجمعـة معلوم وإن كان كيفيّتـه وخصوصيّتـه مجهولـة. ومع الإتيان بصلاة الظهر يشكّ في سقوط التكليف المتعلّق بصلاة الجمعـة، فلا مجال للاكتفاء بها عنها، لعدم كونـه معذوراً بحكم العقل. والظاهر هو الوجـه الثاني كما لايخفى. هذا كلّـه فيما لو كان الشكّ في التعيـين والتخيـير على الوجـه الأوّل من الوجوه الثلاثـة المتقدّمـة المتصوّرة في الشكّ فيهما. الوجه الثاني: وأمّا لو كان على الوجـه الثاني الذي مرجعـه إلى أنّـه يعلم بتعلّق التكليف بكلّ من الشيئين، ولكن يشكّ في أنّ كلاّ منهما واجب عيناً فيجب الإتيان بكليهما، أو تخيـيراً فلا يجب إلاّ الإتيان بواحد منهما، فالكلام فيـه هو الكلام في الوجـه الأوّل بعينـه من جريان البراءة على القول برجوع الواجب التخيـيري إلى الواجب المشروط، وكذا على القول بوجوب الجامع تعيـيناً، لما عرفت من دوران الأمر المتعلّق بكلّ منهما بين أن يكون مولويّاً أو إرشاديّاً وجريان قاعدة الاشتغال بناءً على المختار في معنى الواجب التخيـيري(1).
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 153.

56
الوجه الثالث: وأمّا لو كان الشكّ في التعيـين والتخيـير على الوجـه الأخير وهو ما إذا علم تعلّق الوجوب بواحد معيّن من الشيئين، ويعلم بأنّ الإتيان بالشيء الآخر مسقط للوجوب المتعلّق بالشيء الأوّل، ولكن يشكّ في أنّ إسقاطـه لـه هل هو لكونـه عدلا لـه فيحصل الغرض من الإتيان بـه أيضاً، أو أنّـه يوجب تفويت موضوعـه، إمّا لكونـه مانعاً عن استيفاء الملاك، أو لكون عدمـه شرطاً في حصول أصل الملاك، وعلى كلا التقديرين يكون عدمـه شرطاً لوجوب الواجب، ولا يمكن أن يكون أحد فردي الواجب المخيّر. فقد أفاد المحقّق النائيني على ما في التقريرات: أنّـه مع التمكّن من الإتيان بما علم تعلّق التكليف بـه لا يترتّب على الوجهين أثر حتّى يبحث عن الوظيفـة في حال الشكّ، إلاّ من حيث العصيان وعدمـه، فإنّـه عند ترك المكلّف ما علم تعلّق التكليف بـه والاكتفاء بالشيء الآخر مع أنّـه يمكن أن يكون في الواقع ممّا لم يتعلّق بـه التكليف وكان مسقطيّتـه لمكان كونـه مفوّتاً لملاك الآخر ومانعاً عن استيفائـه، يستحقّ العقوبـة، وأمّا مع عدم التمكّن من الإتيان بما علم تعلّق التكليف بـه فيظهر بين الوجهين أثر عملي، فإنّـه لو كان الشيء الآخر من أفراد الواجب التخيـيري يتعيّن الإتيان بـه بعد تعذّر الآخر، وإن لم يكن من أفراد الواجب التخيـيري فلا يجب الإتيان بـه، فتجري البراءة عن التكليف بـه، للشكّ في تعلّقـه بـه، كما هو واضح(1)، انتهى ملخّصاً، هذا.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 430.

57
ولا يخفى: أنّـه بناءً على ما ذكره من رجوع الواجب التخيـيري إلى الواجب المشروط يصير احتمال الوجوب المشروط أيضاً أحد الاحتمالات. ومن الواضح أنّـه لو دار الأمر بين كون الوجوب مطلقاً أو مشروطاً تجري البراءة من الوجوب عند عدم حصول الشرط، فإذا أتى بالشيء الآخر الذي يكون عدم الإتيان بـه شرطاً على تقدير كون الواجب الآخر واجباً تخيـيريّاً يشكّ في أصل ثبوت التكليف بالنسبـة إلى الشيء الأوّل، كما لايخفى، وهو مجرى البراءة. ومجرّد احتمال كون مسقطيتـه للتكليف المتعلّق بالشيء الأوّل من جهـة كونـه مانعاً عن استيفاء ملاكـه أو كون عدمـه شرطاً في حصول أصل الملاك لا يوجب استحقاق العقوبـة بعد عدم ثبوت كون الوجوب مطلقاً غير مشروط، فلا وجـه لاستحقاق العقوبـة أصلا كما في صورة عدم التمكّن من الإتيان بـه، فلا فرق بين الصورتين. نعم بناءً على المذهب المختار في كيفيّـة الواجب التخيـيري وأنّـه سنخ آخر من الوجوب تجري قاعدة الاشتغال، لأنّ تعلّق التكليف بالشيء الأوّل معلوم وإن كان كيفيتـه وخصوصيتـه مجهولـة، وسقوطـه بالإتيان بالشيء الثاني مجهول، فيجب الفراغ عن عهدة التكليف المعلوم بالإتيان بمتعلّقـه، كما لايخفى. هذا كلّـه فيما يتعلّق بالقسم الأوّل من الأقسام الثلاثـة المتقدّمـة للواجب التخيـيري. وأمّا إذا كان الشكّ في التعيـين والتخيـير في القسم الثاني من تلك الأقسام وهو ما كان التخيـير فيـه لأجل التزاحم بأن احتمل كون الملاك في أحدهما أقوى، كما لو فرض كونـه مأموراً بإنقاذ الغريقين اللذين أحدهما هاشمي، واحتمل اهمّيـة إنقاذه لأجل أقوائيـة ملاكـه، فهل الأصل يقتضي البراءة أو الاشتغال؟
58
قال المحقّق النائيني على ما في التقريرات: إنّـه بناءً على المسلك المختار في باب التزاحم ـ وهو كون التخيـير لأجل تقيـيد الإطلاق ـ يرجع الشكّ إلى الشكّ في تقيـيد إطلاق محتمل الأهمّيـة في مرحلـة البقاء والامتثال مع العلم بتقيـيد الإطلاق في الطرف الآخر، ولا إشكال في أنّ الأصل عند الشكّ في تقيـيد الإطلاق في مرحلـة البقاء يقتضي الاشتغال لا البراءة للشكّ في سقوط التكليف عن محتمل الأهمّيـة بعد العلم بتعلّق التكليف بـه(1)، انتهى. وفيـه ـ مضافاً إلى ما عرفت من عدم معقوليّـة التقيـيد في مرحلـة البقاء، فإنّ التكليف إمّا أن يكون من أوّل حدوثـه مشروطاً أو مطلقاً، ولا يعقل استحالـة التكليف المطلق مشروطاً وكذا العكس ـ أنّـه لا معنى للشكّ في السقوط هنا، فإنّ الشكّ فيـه إمّا أن يكون قبل إنقاذ واحد منهما، وإمّا أن يكون بعد إنقاذ غير الهاشمي، ففي الأوّل نعلم ببقاء التكليف قطعاً، كما أنّـه في الثاني نعلم بارتفاعـه يقيناً، إذ لا معنى حينئذ للشكّ في سقوط التكليف عن محتمل الأهمّيـة بعد فرض كونهما متزاحمين ولا يقدر المكلّف على الإتيان بهما معاً، كما لايخفى. فالإنصاف أنّـه بناءً على هذا المسلك لابدّ من الالتزام بجريان البراءة، للشكّ في كون محتمل الأهمّيـة هل يكون واجباً مطلقاً أو مشروطاً، وقد مرّ غير مرّة أنّـه إذا دار الأمر بينهما فالأصل الجاري هي البراءة، هذا. وأمّا بناءً على المسلك المختار في باب التزاحم من كون التكليف المتعلّق بكلّ واحد من المتزاحمين باقياً على إطلاقـه وفعليّـتـه، لأنّ التكليف والحكم المتوجّـه إليهما ليس ناظراً إلى حال الامتثال، فضلا عن حال الاجتماع
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 433.

59
والمعارضـة، فضلا عن علاجـه، غايـة الأمر أنّـه حيث لا يكون المكلّف قادراً على امتثالهما يكون معذوراً بحكم العقل لعدم القدرة من دون أن يوجب ذلك تقيـيد الحكم بصورة القدرة، فإنّ الحكم مطلق والعجز عذر عقلي، وحينئذ فإن كان المتزاحمان متساويـين يحكم العقل بالتخيـير، وإن كان الملاك في أحدهما أقوى من الآخر يحكم بتعيّنـه، وإن احتمل الأقوائيـة ـ كما هو المفروض في المقام ـ فالظاهر أنّ مجرّد الاحتمال لا يعيّن محتمل الأقوائيـة بحيث لو أتى بالمهمّ يكون مستحقّاً للعقوبـة لأجل ترك محتمل الأهمّيـة، مع أنّـه لم يقم حجّـة من المولى على تعيّنـه، فتدبّر جيّداً. هذا كلّـه لو كان الشكّ في التعيـين والتخيـير في القسم الثاني من أقسام الواجب التخيـيري. وأمّا لو كان الشكّ فيهما في القسم الثالث من أقسامـه، وهو ما لو كان التخيـير ناش عن تعارض الحجّتين، فبناء على الطريقيـة ـ كما هو الحقّ ـ يكون مقتضى القاعدة هو الاشتغال والأخذ بخصوص ما لـه مزيّـة محتملـة، لأنّـه بعد التعارض والتساقط يجب الرجوع إلى الأدلّـة الشرعيّـة في الأخذ بالمرجّحات، ومع عدمها فالتخيـير، وحينئذ فالشكّ في التعيـين والتخيـير الذي يكون ناشئاً من احتمال المزيّـة في أحدهما المعيّن يوجب الشكّ في حجّيـة الحجّـة التي ليس فيها احتمال المزيّـة، لأنّ حجّيتها إنّما هو على تقدير عدم المزيّـة في الآخر، وإلاّ فعلى تقدير وجودها لا تكون حجّـة، فحجّيـة محتمل المزيّـة معلومـة على التقديرين، وحجّيـة غيرها مشكوكـة، وقد عرفت أنّ مقتضى الأدلّـة عدم حجّيـة الأمارة التي شكّ في حجّيتها كما لايخفى.
60
المسألة الثانية في دوران الواجب بين أن يكون عينيّاً أو كفائيّاً فهل الأصل يقتضي الأوّل، فلا يسقط الوجوب بفعل الغير، أو يقتضي الثاني فيسقط بفعلـه؟ وليعلم أنّـه ليس المقصود إثبات كونـه عينيّاً أو كفائياً بعنوانهما، بل المقصود مجرّد إحراز وظيفـة المكلّف وأنّـه هل يجب عليـه الإتيان بالواجب بعد إتيان الغير بـه من باب حكم العقل بالاحتياط أم لا؟ كما أنّـه لم يكن المقصود في المسألـة الاُولى إثبات عنوان التعيـينيّـة أو التخيـيريّـة. تصويرات الواجب الكفائي وكيف كان فجريان البراءة أو الاشتغال مبني على كيفيّـة تشريع الواجب الكفائي وتصويره، فاعلم أنّ في تصويره وجوهاً: الأوّل: أن يكون التكليف متوجّهاً إلى جميع المكلّفين كما في الواجبات العينيّـة. غايـة الأمر أنّـه هنا مشروط بعدم سبق الغير بالفعل، فينحلّ الخطاب إلى خطابات عديدة حسب تعدّد المكلّفين، كلّ واحد منها مشروط بعدم سبق الغير بالفعل. الثاني: أن يكون المخاطب هو النوع، ولمكان انطباق النوع على الآحاد يكون كلّ فرد من أفراد المكلّفين مخاطباً بذلك الخطاب الواحد، فلو أشغل أحد
61
المكلّفين صفحـة الوجود بالفعل سقط الخطاب عن الباقي، لأنّ الخطاب الواحد لا يكون لـه إلاّ امتثال واحد، وهذان الوجهان ذكرهما المحقّق النائيني على ما في التقريرات(1). الثالث: أن يكون التكليف متوجّهاً إلى كلّ واحد من المكلّفين كما في الواجب العيني، والاختلاف بينهما إنّما هو في المكلّف بـه، فالتكليف في الواجب العيني إنّما تعلّق بالطبيعـة المتقيّدة بصدورها من كلّ فرد من أفراد المكلّفين، وفي الواجب الكفائي إنّما تعلّق بنفس الطبيعـة لترتّب الغرض على مجرّد حصولها، فإذا أوجدها بعض من المكلّفين يحصل الغرض، فيسقط التكليف عن الباقين. الرابع: أن يقال بثبوت الاختلاف بينهما في المكلّف بـه فقط، كما في الوجـه الثالث، غايـة الأمر أنّ المكلّف بـه في الواجب الكفائي هو صرف الوجود وناقض العدم الذي لا يعرض لـه التكرار، وفي الواجب العيني هي الطبيعـة القابلـة للتكرار. الخامس: أن يقال بأنّ المكلّف في الواجب الكفائي هو واحد من المكلّفين وفي الواجب العيني هو كلّ فرد من الأفراد، فالاختلاف بينهما إنّما هو في المكلّف. السادس: أن يقال بثبوت التخيـير في الواجب الكفائي بين المكلّفين كثبوتـه في الواجب التخيـيري بين متعلّق الوجوب والتكليف، وثبوت التعيـين في الواجب العيني بالنسبـة إلى الجميع كما في الواجب التعيـيني بالنسبـة إلى متعلّق التكليف.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 437.

62
اختلاف الأصل باختلاف الوجوه في الكفائي إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه بناءً على الوجـه الأوّل لابدّ من القول بجريان البراءة; لما مرّ من أنّـه إذا دار الأمر بين كون التكليف مشروطاً أو مطلقاً تجري البراءة عن التكليف مادام لم يحصل شرطـه. والمفروض في المقام هو عدم حصول الشرط، لأنّ الشرط عبارة عن عدم سبق الغير بالفعل، وليس المراد بـه هو عدم سبقـه بـه في الجملـة ولو في بعض الوقت. كيف ولازمـه صيرورة جميع الواجبات الكفائيـة عينيّـة بعد مضي مقدار من الوقت يمكن الإتيان بها فيـه، كما أنّـه ليس المراد عدم سبقـه بـه إلى آخر الوقت، كيف ولازمـه ثبوت التكليف بعد خروج وقتـه، وهـو لا يجتمع مـع التوقيت، كما لايخفى، بل المراد بـه هـو عـدم سبق الغير بالفعل إلى زمان صيرورة وقت الواجب مضيّقاً بحيث يفوت لو لم يشتغل بـه. وحينئذ: فإذا سبق الغير بذلك قبل تضيّق الوقت يشكّ في ثبوت التكليف لاحتمال كونـه مشروطاً بشرط فرض انتفائـه، وهو مجرى البراءة. وأمّا ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ الشكّ في ذلك يرجع إلى الشكّ في تقيـيد الإطلاق في مرحلـة البقاء والامتثال وهو يقتضي الاشتغال لا البراءة(1)، فقد عرفت ما فيـه من عدم معقوليـة الاشتراط في مرحلـة البقاء إلاّ على وجـه، وذلك الوجـه أيضاً مجرى البراءة كما عرفت. هذا كلّـه بناءً على الوجـه الأوّل.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 437.

63
وأمّا بناءً على الوجـه الثاني: فالظاهر أنّـه يجب الاحتياط بالإتيان بـه ولو بعد سبق الغير بـه; لأنّ الشكّ في كون الواجب عينيّاً أو كفائيّاً وإن كان مرجعـه إلى الشكّ في تعلّق التكليف بالجامع أو الأفراد بناءً على هـذا الوجـه، إلاّ أنّ كون كلّ واحد من المكلّفين مكلّفاً بذلك معلوم إمّا لأجل انطباق الجامع عليـه، وإمّا لأجل كونـه مكلّفاً بخصوصـه، وحينئذ يشكّ في سقوط هذا التكليف بإتيان الغير بـه، والشكّ في السقوط هو تمام المناط لجريان قاعدة الاشتغال كما عرفت. وأمّا بناءً على الوجـه الثالث: فالظاهر أيضاً وجوب الاحتياط; لأنّـه وإن كان شاكّاً في كون الواجب هل هي نفس الطبيعـة حتّى يسقط الوجوب بإيجاد الغير أو الطبيعـة المتقيّدة بصدورها عن كلّ فرد من المكلّفين، إلاّ أنّـه يعلم إجمالا بكونـه مكلّفاً بذلك ويشكّ بعد إيجاد الغير في سقوط التكليف المتوجّـه إليـه قطعاً، وهو مجرى قاعدة الاشتغال. ومنـه يظهر الفرق بين المقام وبين ما إذا شكّ في كونـه قادراً على امتثال التكليف المتوجّـه إليـه، فإنّـه لو قلنا بأنّ القدرة من شرائط التكليف ـ خلافاً لما هو الحقّ والمحقّق من عدم كون القدرة شرطاً، بل العجز عذر عقلي كما مرّ في بعض المباحث السابقـة ـ يكون الشكّ فيها راجعاً إلى الشكّ في حصول شرط الوجوب ومع الشكّ في الشرط يشكّ في أصل ثبوت المشروط، فمرجع الشكّ في القدرة إلى الشكّ في أصل ثبوت التكليف، وهو مجرى البراءة. وهذا بخلاف المقام، فإنّ الشكّ في خصوصيّـة التكليف من حيث المتعلّق لا يوجب الشكّ في أصل ثبوتـه، كما هو واضح.
64
نعم، ما ذكرنا من اقتضاء العلم الإجمالي للاحتياط إنّما هو فيما إذا حصل العلم قبل سبق الغير بإيجـاد الطبيعـة، وأمّا إذا حصل بعده فمرجـع الشكّ في كونـه عينيّاً أو كفائيّاً حينئذ إلى الشكّ في أصل ثبوت التكليف; لأنّـه لو كان متعلّقـه هـو نفس الطبيعـة لسقط بإيجـاد الغير قطعاً، هـذا. وأمّا بناءً على الوجـه الرابع: فمقتضى القاعدة أيضاً وجوب الاحتياط; لعين ما ذكر في الوجـه الثالث، كما أنّـه في الوجـه الخامس يجري عين ما ذكر في الوجـه الثاني. وأمّا بناءً على الوجـه السادس فيبتني الحكم على ما ذكر في كيفيّـة تصوير الواجب التخيـيري، فإن قلنا: بأنّ مرجع الواجبات التخيـيريّـة إلى الاشتراط الذي مرجعـه في المقام إلى كون ثبوت التكليف بالنسبـة إلى كلّ مكلّف مشروطاً بعدم سبق الغير بفعل متعلّق التكليف، فالمرجع هي أصالـة البراءة، وإن قلنا بغير ذلك وأنّها سنخ آخر فالمرجع هي أصالـة الاشتغال، فتدبّر.
65
القول في أصل التخيـير
66

67
دوران الأمر بين المحذورين فصل في دوران التكليف بين الوجوب والحرمـة بأن علم إجمالا بوجوب شيء معيّن أو حرمتـه. وليعلم أنّ دوران التكليف بينهما في فعل واحد تارة يكون مع وحدة الواقعـة، كما لو فرض العلم الإجمالي بوجوب صوم يوم معيّن أو حرمتـه، واُخرى مع تعدّد الواقعـة، كما لو فرض دوران الأمر في صلاة الجمعـة في حال الغيبـة بين الوجوب والحرمـة، فلو كانت الواقعـة واحدة لا يمكن المخالفـة القطعيـة كما لا يمكن الموافقـة القطعيـة. نعم لو كان شيء من الوجوب والحرمـة تعبّدياً يتمكّن المكلّف من المخالفـة القطعيـة، كما أنّـه لو كانت الواقعـة متعدّدة يتمكّن أيضاً من المخالفـة القطعيـة، كما لايخفى. وعلى أيّ تقدير فقد يكون الفعل أو الترك معلوم الأهمّيـة في نظر العقل، كما لو تردّد أمر الشخص بين أن يكون نبيّاً يجب حفظـه أو سابّ نبي مهدور الدم، وإمّا أن يكون محتمل الأهمّيـة، وإمّا أن يعلم تساويهما.
68
تساوي المحذورين من حيث الأهمّية مع وحدة الواقعة إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه لو كانت الواقعـة واحدة، ولم يتمكّن المكلّف من المخالفة القطعية، ولم يكن شيء من الفعل أو الترك معلوم الأهمّية أو محتملها في نظر العقل، فهل يحكم العقل بالتخيـير وأنّ المكلّف مخيّر في تعيـين أيّهما شاء؟ في جريان الأصل العقلي الظاهر نعم; لأنّ معنى حكم العقل بذلك عبارة عن مجرّد إدراكه هذا المعنى لا جعلـه التخيـير. ومن الواضح ثبوت حكمه في المقام، فإنّـه بعد ملاحظة استواء العلم الإجمالي بالنسبـة إلى الطرفين، وعدم كون المكلّف قادراً على الامتثال بالنسبـة إلى كلا التكليفين، وعدم ثبوت مزيّـة محقّقـة أو محتملة لأحد الطرفين، يدرك أنّ المكلّف مخيّر في الفعل والترك، وهذا هو معنى التخيـير العقلي، ولا ينافي ذلك عدم خلوّ المكلّف بحسب الخلقـة من الفعل أو الترك، كما لا يخفى. وأمّا ما أفاده المحقّق النائيني (قدس سره) ـ على ما في التقريرات ـ من عدم ثبوت الوظيفـة العقليّـة هنا، لأنّ التخيـير العقلي إنّما هو فيما إذا كان في طرفي التخيـير ملاك يلزم استيفائـه، ولم يتمكّن المكلّف من الجمع بين الطرفين كالتخيـير الذي يحكم بـه في باب التزاحم، وفي دوران الأمر بين المحذورين ليس كذلك، لعدم ثبوت الملاك في كلّ من طرفي الفعل والترك(1). ففيـه ـ مضافاً إلى أنّ ذلك مجرّد دعوى لا يساعده بيّنـة ولا برهان، لعدم
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 444.

69
نهوض دليل على اختصاص مورد التخيـير العقلي بذلك ـ أنّ هذا منقوض بما إذا اضطرّ المكلّف إلى طرف غير معيّن من أطراف العلم الإجمالي بخمريّـة هذا المائع أو مائع آخر مورد للابتلاء مثلا، فإنّـه لا خفاء في أنّ العقل يحكم بالتخيـير لرفع الاضطرار مع عدم ثبوت الملاك في جميع الأطراف، فتدبّر. وممّا ذكرنا يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق العراقي ـ على ما في التقريرات ـ من أنّ الحكم التخيـيري شرعيّاً كان كما في باب الخصال، أو عقليّاً كما في المتزاحمين إنّما يكون في مورد يكون المكلّف قادراً على المخالفـة بترك كلا طرفي التخيـير فكان الأمر التخيـيري باعثاً على الإتيان بأحدهما وعدم تركهما معاً، لا في مثل المقام الذي هو من التخيـير بين النقيضين(1). وجـه ذلك: أنّ مرجع هذا الكلام إلى دعوى كون مورد التخيـير هو غير مورد دوران الأمر بين المحذورين، وهو مصادرة واضحـة، كما لايخفى. هذا كلّـه بالنسبـة إلى أصالـة التخيـير، وقد عرفت جريانها في المقام. وأمّا البراءة العقليّـة: فالظاهر أيضاً جريانها، لأنّ جنس التكليف وهو الإلزام وإن كان معلوماً تفصيلا، إلاّ أنّ خصوصيّـة الوجوب والتحريم مجهولـة، فيقبح العقاب عليها بعد عدم ثبوت حجّـة على الخصوصيـة من قبل المولى، فالعقاب على نوع التكليف قبيح; لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، وعلى جنسـه أيضاً قبيح; لعدم القدرة على الامتثال، هذا. ويظهر من جماعـة من المحقّقين عدم جريان البراءة العقليّـة لوجوه: منها: ما أفادة المحقّق الخراساني في الكفايـة من أنّـه لا مجال هاهنا
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 293.

70
لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّـه لا قصور فيـه هاهنا، وإنّما يكون عدم تنجّز التكليف لعدم التمكّن من الموافقـة القطعيـة كمخالفتها، والموافقـة الاحتماليـة حاصلـة لا محالـة، كما لايخفى(1). ومنها: ما في التقريرات المنسوبـة إلى المحقّق النائيني (قدس سره) من أنّ مدرك البراءة العقليّـة قبح العقاب بلا بيان، وفي باب دوران الأمر بين المحذورين يقطع بعدم العقاب لأنّ وجود العلم الإجمالي كعدمـه لا يقتضي التنجيز والتأثير، فالقطع بالمؤمّن حاصل بنفسـه بلا حاجـة إلى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان(2). ومنها: ما أفاده المحقّق العراقي على ما في تقريراتـه ممّا ملخّصـه: أنّ مع حصول الترخيص في الرتبـة السابقـة عن جريان البراءة بحكم العقل بالتخيـير بين الفعل والترك لا يبقى مجال لجريان أدلّـة البراءة العقليّـة والشرعيّـة، هذا(3). ولا يخفى ما في جميع هذه الوجوه من الخلل والضعف. أمّا الوجـه الأوّل: فلأنّ المراد بعدم قصور في البيان إن كان هو عدم القصور بالنسبـة إلى جنس التكليف فواضح، ونحن أيضاً نقول بـه، ولكن ذلك لا ينافي قصوره بالنسبـة إلى نوع التكليف. وإن كان المراد بـه هو عدم القصور بملاحظـة النوع أيضاً فنحن نمنع ذلك، كيف وخصوصيّـة الوجوب والحرمـة مجهولـة، فالحكم بنفي العقاب عليها متوقّف على إجراء قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وبدونها لا مجال لهذا الحكم أصلا، كما لايخفى.
1 ـ كفايـة الاُصول: 405. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 448. 3 ـ نهايـة الأفكار 3: 293.

71
وأمّا الوجـه الثاني: فلأنّ القطع بعدم العقاب وبوجود المؤمّن ممّا لا يحصل لو اُغمض النظر عن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ومجرّد سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز والتأثير وصيرورة وجوده كعدمـه لا يجدي ما لم ينضمّ إليـه القاعدة، كيف ولو فرض جواز العقوبـة على خصوصيّـة الوجوب مثلا ولو كانت مجهولـة فمن أين يقطع بعدم العقاب ووجود المؤمّن حينئذ، فهذا القطع إنّما هو بملاحظـة هذه القاعدة. وأمّا الوجـه الثالث: فلأنّ الحكم بتأخّر رتبـة أدلّـة البراءة عن حكم العقل بالتخيـير بين الفعل والترك ممنوع جدّاً، فإنّ الحكم بالتخيـير إنّما هو بعد ثبوت قبح العقاب على خصوصيّـة الوجوب والحرمـة، لأنّـه لو فرض إمكان العقوبـة على التكليف الوجوبي مثلا وإن كان مجهولا لا يحكم العقل بالتخيـير، فحكمـه بـه إنّما هو بعد ملاحظـة عدم ثبوت البيان على الخصوصيـة وعدم جواز العقوبـة عليها كما عرفت، هذا. في جريان الأصل الشرعي وأمّا البراءة الشرعيّـة: فالظاهر بملاحظـة ما ذكرنا في وجـه جريان البراءة العقليّـة جريانها أيضاً، لأنّ التكليف بنوعـه مجهول، فيشملـه مثل حديث الرفع. ولكن المحقّق النائيني نفى جريانها، نظراً إلى أنّ مدركها قولـه (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع ما لا يعلمون»(1). والرفع فرع إمكان الوضع، وفي المقام لا يمكن وضع
1 ـ التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعـة 5: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب56، الحديث1.

72
الوجوب والحرمة كليهما لا على سبيل التعيـين ولا على سبيل التخيـير، ومع عدم إمكان الوضع لا يعقل الرفع، فأدلّـة البراءة الشرعيّـة لا تعمّ المقام أيضاً(1)، هذا. ويرد عليـه: أنّ في مورد دوران الأمر بين المحذورين يتمسّك بحديث الرفع مرّتين، تارة لرفع الوجوب المجهول، واُخرى لرفع الحرمـة المجهولـة، ومن الواضح أنّ وضع الوجوب بنفسـه ممّا يمكن، كما أنّ وضع الحرمـة لا استحالـة فيـه. نعم ما لا يمكن وضعـه هو مجموع الوجوب والحرمـة، وهو لا يكون مفاد حديث الرفع، فما يمكن وضعـه يشملـه الحديث، وما لا يشملـه لا يمكن وضعـه. وأمّا أصالـة الإباحـة فمحصّل ما أفاده في وجـه عدم جريانها اُمور: الأوّل: عدم شمول دليلها لصورة دوران الأمر بين المحذورين، فإنّـه يختصّ بما إذا كان طرف الحرمـة الحلّ، كما هو الظاهر من قولـه (عليه السلام): «كلّ شيء فيـه حلال وحرام فهو لك حلال»(2). وليس في هذا الباب احتمال الإباحـة والحلّ، بل الطرف هو الوجوب. الثاني: أنّ دليل أصالـة الحلّ يختصّ بالشبهات الموضوعيـة ولا يعمّ الشبهات الحكميّـة. الثالث: أنّ جعل الإباحـة الظاهريّـة مع العلم بجنس الإلزام لا يمكن، فإنّ أصالـة الإباحـة بمدلولها المطابقي تنافي المعلوم بالإجمال، لأنّ مفاد أصالـة
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 448. 2 ـ الفقيـه 3: 216 / 1002، وسائل الشيعـة 17: 87، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب بـه، الباب4، الحديث1.

73
الإباحـة الرخصـة في الفعل والترك، وهذا يناقض العلم بالإلزام وإن لم يكن لهذا العلم أثر عملي وكان وجوده كعدمـه لا يقتضي التنجيز، إلاّ أنّـه حاصل بالوجدان ولا يجتمع مع جعل الإباحـة ولو ظاهراً(1)، انتهى. ويرد عليـه اُمور: الأوّل: منع ما ذكره في الأمر الثاني من اختصاص دليل أصالـة الحلّ بالشبهات الموضوعيـة، فإنّـه قد مرّ عدم الاختصاص. الثاني: أنّ ظاهر كلامـه هو كون أصالـة الحلّ متّحداً مع أصالـة الإباحـة، مع أنّ معنى الإباحـة هو تساوي الفعل والترك، ومعنى الحلّيـة هو عدم كون فعلـه محرّماً وممنوعاً، فالحلّيـة تغاير الإباحـة، وما دلّ عليـه النصوص والروايات(2)هي أصالـة الحلّيـة لا الإباحـة، فإنّـه لم يرد في شيء منها الحكم بإباحـة مشكوك الحرمـة أصلا كما لايخفى. الثالث: أنّ مقتضى ما ذكره أوّلا من عدم شمول دليل أصالـة الإباحـة لصورة دوران الأمر بين المحذورين ينافي ما ذكره أخيراً من أنّ مفاد أصالـة الإباحـة هو الترخيص في الفعل والترك. بيان ذلك: أنّ الترخيص في الفعل لا يعقل بعد كون الترخيص فيـه معلوماً، فإذا شكّ في وجوب الدعاء عند رؤيـة الهلال ـ مثلا ـ فما يمكن أن يدلّ عليـه أدلّـة البراءة بالنسبـة إلى الدعاء عندها هو الترخيص في تركـه، وأمّا الترخيص في الفعل فلا يدلّ عليـه أدلّـة البراءة; لكونـه
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 445. 2 ـ وسائل الشيعـة 17: 87، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب بـه، الباب4، الحديث1 و3، و25: 117، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة، الباب61، الحديث1 و7.

74
معلوماً، فالترخيص في الفعل إنّما يعقل إذا كان الفعل مشكوك الحرمـة، كما أنّ الترخيص في الترك إنّما يمكن إذا كان الفعل مشكوك الوجوب، ولا يعقل الترخيص في الترك في الأوّل وفي الفعل في الثاني. وحينئذ: فمقتضى ما ذكره أخيراً من أنّ مفاد أصالـة الإباحـة هو الترخيص في الفعل والترك هو أن يكون الفعل مشكوك الحرمـة والوجوب، إذ لا يعقل الترخيص في الفعل مع العلم بعدم الحرمـة ولا في الترك مع العلم بعدم الوجوب، فالترخيص فيهما معاً إنّما هو إذا لم يعلم عدم الحرمـة ولا عدم الوجوب، بل دار الأمر بينهما، كما في المقام، فمفاد كلامـه الأخير هو اختصاص مورد أصالـة الإباحـة التي مرجعها إلى الترخيص في الفعل والترك بصورة دوران الأمر بين المحذورين، إذ لا يعقل الترخيص فيهما معاً في غيرها، ومقتضى كلامـه الأوّل هو اختصاص موردها بغير صورة الدوران بين المحذورين، وهذا تهافت فاحش، فتدبّر. الرابع: أنّ ما ذكره من منافاة أصالـة الإباحـة بمدلولها المطابقي مع المعلوم بالإجمال محلّ نظر، بل منع; لأنّ ذلك مبني على أن يكون مفاده هو الرخصـة في الفعل والترك معاً، مع أنّ مثل قولـه: «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّـه حرام» إنّما يدلّ على مجرّد الترخيص في الفعل في مقابل الحرمـة، ولا يدلّ على الترخيص في الفعل والترك معاً حتّى ينافي المعلوم بالإجمال. فمفاد أصالـة الإباحـة بمقتضى دليلها هو مجرّد نفي الحرمـة وجعل الترخيص الظاهري بالنسبـة إلى الفعل، وهذا لا ينافي الوجوب، كما هو واضح. هذا مضافاً إلى أنّـه على فرض التنافي والمناقضـة لابأس بذلك، لأنّـه كالمناقضـة بين الأحكام الظاهريّـة والأحكام الواقعيـة، فما قيل في الجمع بينهما يقال هنا أيضاً. هذا كلّـه في أصالـة الإباحـة.
75
وأمّا الاستصحاب: فمحصّل ما أفاده (قدس سره) في وجـه عدم جريانـه أيضاً أنّـه لمّا كان الاستصحاب من الاُصول التنزيليـة فلا يمكن الجمع بين مؤدّاه والعلم الإجمالي، فإنّ البناء على عدم وجوب الفعل وعدم حرمتـه واقعاً ـ كما هو مفاد الاستصحابين ـ لا يجتمع مع العلم بوجوب الفعل أو حرمتـه. وإن شئت قلت: إنّ البناء على مؤدّى الاستصحابين ينافي الموافقـة الإلتزاميـة فإنّ التصديق بأنّ للّه تعالى في هذه الواقعـة حكماً إلزامياً لا يجتمع مع البناء على عدم الوجوب والحرمـة واقعاً(1)، انتهى. وفيـه: منع كون الاستصحاب من الاُصول التنزيليـة بهذا المعنى، فإنّـه ليس في شيء من أدلّتـه ما يدلّ أو يشعر بذلك إلاّ ما في صحيحـة زرارة الثالثـة من قولـه (عليه السلام): «فيبني عليـه»(2) ولكن لا يخفى أنّ المراد بالبناء على المتيقّن هو البناء العملي لا البناء القلبي على أنّ الواقع أيضاً كذلك حتّى ينافي الموافقـة الالتزاميـة على تقدير تسليم لزومها فلابأس بجريان الاستصحابين والبناء العملي على طبقهما، ولا منافاة بينهما وبين العلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمـة أصلا، لما مرّ في أصالـة الإباحـة فراجع. إلاّ أن يكون الوجـه في عدم جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي هو التناقض في أدلّـة الاُصول، فإنّـه حينئذ لا مجال لجريان الاستصحابين، كما لايخفى. هذا كلّـه مع كون الطرفين مساويـين من حيث المزيّـة والترجيح.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 449. 2 ـ الكافي 3: 351 / 3، وسائل الشيعـة 8: 216، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب10، الحديث3.

76
اختلاف المحذورين من حيث الأهمّية مع وحدة الواقعة أمّا لو كان لأحد الطرفين مزيّـة محتملـة أو محقّقـة فلا إشكال في وجوب الأخذ بـه لو كانت المزيّـة والأهمّيـة بمثابـة تمنع من جريان البراءة حتّى في الشبهات البدويّـة، كما في المثال المتقدّم من دوران الأمر بين كون الشخص الموجود في البين نبيّاً أو شخصاً آخر يجب قتلـه، وكما في دوران امرأتـه بين زوجتـه التي حلف على وطئها أو اُمّـه، وكما في غيرها من الموارد. وأمّا لو لم تكن المزيّـة بهذه المثابـة فهل يستقلّ العقل بتعيّنـه، كما هو الحال في دوران الأمر بين التعيـين والتخيـير في غير المقام ـ كما نفى عنـه البعد في الكفايـة(1) أو لا يستقلّ بذلك، بل يحكم بالتخيـير أيضاً؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ مورد دوران الأمر بين التعيـين والتخيـير هو ما إذا كان التكليف بنوعـه معلوماً. غايـة الأمر أنّـه شكّ في خصوصياتـه وأنّـه على نحو التعيـين أو على سبيل التخيـير، وحينئذ فيمكن أن يقال: بأنّ مقتضى الشكّ في السقوط بعد الإتيان بالعدل هو وجوب الاحتياط بالإتيان بما يحتمل تعيّنـه. وأمّا في المقام فلا يكون التكليف بمنجّز أصلا، فليس هنا تكليف شكّ في سقوطـه حتّى يكون مقتضى قاعدة الاشتغال بقائـه ووجوب الخروج عن عهدتـه ومع عدم التكليف لا يبقى مجال لوجوب الأخذ بذي المزيّـة المحتملـة أو المحقّقـة، كما لايخفى. هذا كلّـه إذا كانت الواقعـة واحدة.
1 ـ كفاية الاُصول: 406.

77
في تعدّد الوقائع المقتضي لتعدّد التكليف وأمّا إذا كانت متعدّدة فلا إشكال فيها أيضاً في ثبوت التخيـير، لكن هل التخيـير بدوي أو استمراري؟ ومنشأ الخلاف: أنّ العلم الإجمالي في كلّ واقعـة من الوقائع المتعدّدة وإن لم يمكن مخالفتـه قطعاً ولا موافقتـه كذلك، ولذا يحكم العقل بالتخيـير، إلاّ أنّ هنا علمين إجماليـين آخرين لهما موافقـة قطعيـة ومخالفـة كذلك، فإنّ العلم الإجمالي بوجوب صلاة الجمعـة أو حرمتها وإن لم يكن في خصوص يوم واحد لـه موافقـة ولا مخالفـة، إلاّ أنّـه يتولّد منـه علم إجمالي بوجوب صلاة الجمعـة في هذه الجمعـة أو حرمتها في جمعـة اُخرى، وكذا علم إجمالي بحرمتها في هذه الجمعـة ووجوبها في اُخرى، فإنّ من يعلم إجمالا بوجوب صلاة الجمعـة في كلّ جمعـة أو حرمتها فيـه يعلم أيضاً إجمالا بوجوبها في هذه الجمعـة أو حرمتها في الاُخرى، وكذا بحرمتها فيها أو وجوبها في الاُخرى، وهذان العلمان لهما موافقـة قطعيـة ومخالفـة قطعيـة. غايـة الأمر: أنّ الموافقـة القطعيـة في إحداهما هي عين المخالفـة القطعيـة بالنسبـة إلى الآخر، فإنّ من يصلّي الجمعـة في جمعـة ويتركها في جمعـة اُخرى وافق العلم الإجمالي الأوّل قطعاً، وخالف الثاني أيضاً كذلك. وحينئذ: فإن قلنا بثبوت الترجيح وأنّ المخالفـة القطعيـة لها مزيّـة على الموافقـة القطعيـة يكون التخيـير بدويّاً; لئلاّ يلزم المخالفـة القطعيـة بالنسبـة إلى العلمين الإجماليـين الآخرين، وإن قلنا بعدم ثبوت الترجيح وأنّـه لا فرق
78
بينهما، يكون التخيـير استمراريّاً، وهذا هو الظاهر; لعدم الدليل على ترجيحها. وما حكى من كون المخالفـة القطعيـة علّـة تامّـة للحرمـة والموافقـة القطعيـة مقتضيـة للوجوب فليس إلاّ مجرّد دعوى بلا بيّنـة وبرهان. وممّا ذكرنا ينقدح الخلل فيما أفاده المحقّق النائيني (قدس سره) ممّا ملخّصـه: أنّ المخالفـة القطعيّـة لم يتعلّق بها التكليف التحريمي شرعاً، بل قبحها كحسن الطاعـة من المستقلاّت التي لا تستـتبع الخطاب المولوي، وحكم العقل بقبح المخالفـة القطعيـة فرع تنجّز التكليف، وإلاّ فنفس المخالفـة بما هي مخالفـة لا يحكم العقل بقبحها ما لم يتنجّز التكليف، فمخالفـة التكليف المنجّز قبيحـة عقلا. وأمّا مخالفـة التكليف الغير المنجّز فلا قبح فيها، وفي المقام يكون الأمر كذلك; لأنّـه في كلّ واقعـة يدور الأمر بين المحذورين فكون الواقعـة ممّا تـتكرّر لايوجب تبدّل المعلوم بالإجمال ولا خروج المورد عن كونـه من دوران الأمر بين المحذورين(1)، انتهى. وجـه الخلل: أنّ المراد بالمخالفـة القطعيـة إن كان هي المخالفـة القطعيـة بالنسبـة إلى العلم الإجمالي الأوّل ـ وهو العلم الإجمالي بوجوب صلاة الجمعـة مطلقاً أو حرمتها كذلك ـ فمن الواضح أنّـه لا يكون لـه مخالفـة قطعيـة بعد كون التكليف في كلّ واقعـة تكليفاً مستقلاّ، ولا فرق من هذه الجهـة بين وحدة الواقعـة وتعدّدها، فكما أنّـه لا يكون لـه مخالفـة قطعيـة في صورة الوحدة، كذلك لايكون لـه تلك في صورة التعدّد. وإن كان المراد بها هي المخالفـة القطعيـة بالنسبـة إلى العلمين
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 453 ـ 454.

79
الإجماليـين الآخرين فلا وجـه للحكم بعدم قبحها بعد تنجّز التكليف. غايـة الأمر أنّك عرفت أنّـه حيث تكون المخالفـة القطعيـة بالنسبـة إلى أحدهما ملازمـة للموافقـة القطعيـة بالنسبـة إلى الآخـر ولا دليل على ترجيح الاُولى على الثانيـة، يحكم العقل بالتخيـير مستمرّاً. فالوجـه فـي ذلك مـا ذكرنا، لاما أفاده (قدس سره) . تنبيه : في دوران الأمر بين المحذورين في التعبديّات قد مرّت الإشارة إلى أنّ دوران الأمر بين الوجوب والحرمـة إنّما يكون من قبيل دوران الأمر بين المحذورين إذا كان كلّ من الوجوب والحرمـة توصّلياً. وأمّا إذا كان كلاهما تعبّديـين فلا إشكال في عدم كون الدوران بينهما من ذلك القبيل لإمكان المخالفـة القطعيـة بالفعل مع عـدم قصد التقرّب، أو بالترك كـذلك وإن لـم يكن الموافقـة القطعيـة، وحينئذ فيجب عليـه الموافقـة الاحتماليـة بالإتيان بأحد الطرفين من الفعل أو الترك بقصد التقرّب، هذا. ولو كان أحدهما المعيّن تعبّدياً فيمكن المخالفـة القطعيـة بالإتيان بالطرف التعبّدي لا مع قصد التقرّب، ولا يمكن الموافقـة القطعيـة، فيجب عليـه ترك المخالفـة القطعيـة إمّا بالإتيان بالطرف التعبّدي مع قصد التقرّب، وإمّا الإتيان بالطرف الآخر، هذا. ولـو كان أحدهما الغير المعيّن تعبّدياً والآخـر الغير المعيّن توصّلياً فلايمكن المخالفـة القطعيـة، فيصير أيضاً مـن قبيل الـدوران بين المحذورين، كما هـو واضح.
80

81
القول في أصل الاشتغـال ويقع ا لكلام في مقامين :
82

83
المقام الأوّل في تردّد المكلّف به بين أمرين متباينين أو اُمور متباينة وقبل الخوض في ذلك لابدّ من تقديم أمرين: ملاك حكم العقل لجريان قاعدة الاشتغال الأوّل: أنّ تمام الملاك لجريان قاعـدة الاشتغال التي يحكم بها العقل هـو أن يكون الشكّ في المكلّف بـه مع العلم بأصل التكليف، وأن يكون الاحتياط ممكناً. وإذا تحقّق هذان الأمران يحكم العقل بالاشتغال ووجوب الاحتياط، بلافرق بين أن يكون التكليف المعلوم الذي شكّ في متعلّقـه تكليفاً وجوبياً أو تحريمياً، وبلا فرق بين أن يكون التكليف المعلوم هو نوع التكليف، كما إذا علم بأنّـه مكلّف بتكليف وجوبي بعد الزوال من يوم الجمعـة وشكّ في أنّ الواجب هل هي الجمعـة أو الظهر، أو جنس التكليف، كما إذا علم أنّـه مكلّف بتكليف إلزامي، ولكنّـه لا يعلم هل هو وجوب هذا أو حرمـة ذاك.
84
وبلا فرق أيضاً بين أن يكون الشبهـة موضوعيّـة والشكّ مستنداً إلى الاشتباه في الاُمـور الخارجيـة، أو كانت الشبهـة حكميّـة منشؤها فقدان النصّ أو إجمالـه أو تعارضـه. إمكان الترخيص في أطراف العلم الإجمالي الثاني: أنّ تـردّد المكلّف بـه قـد يكون مـع العلم الجـازم بالتكليف الواقعـي الفعلي بحيث تعلّقت الإرادة الحتميّـة مـن المولى بذلك، ففي مثل ذلك لا فرق بين الشبهـة المحصورة وغيرها في عدم إمكان الترخيص ولو في بعض الأطراف، ضرورة مناقضـة الترخيص ولو كذلك مع الإرادة الجدّيـة الواقعيـة ولا يمكن اجتماعهما، فالمولى إذا أراد حفظ ولـده جـدّاً بحيث لم يرض بقتلـه أصلا كيف يمكـن لـه حينئذ أن يرخّص في قتل فـرد مشتبـه ولـو كانت الشبهـة غير محصورة، فضلا عمّا إذا كانت الشبهـة محصورة، سيّما إذا رخّص في جميع الأطراف. وبالجملـة: لا ينبغي الارتياب في أنّ مع العلم بالتكليف الفعلي الواقعي الناشئ عن الإرادة الجدّيـة الحتميّـة لا يعقل الترخيص من المولى أصلا، فيحرم مخالفتـه القطعيـة، كما أنّـه يجب موافقتـه القطعيـة، ولا أظنّ بأن يخالف في ذلك أحد، ومخالفـة العلمين المحقّقين الخوانساري والقمي (قدس سرهما) في حرمـة المخالفـة القطعيـة إنّما هو في غير هذه الصورة، إذ وضوح ما ذكرنا بمكان لا يظنّ بأحد من العلماء فضلا مثلهما أن يتوهّم المخالفـة، كما لايخفى وإن وقع الخلاف والاشتباه في بعض الكلمات، هذا.
85
وقد يكون تردّد المكلّف بـه مع العلم القطعي لا بالتكليف الفعلي الواقعي، بل بقيام حجّـة معتبرة شرعيّـة عليـه كشمول عموم أو إطلاق أو قيام أمارة كخبر الواحد وشهادة العدلين ونحوهما، فهو على قسمين، فإنّـه قد يعلم بأنّـه مع مصادفـة الحجّـة المعتبرة للواقع يكون الواقع مطلوباً للمولى ومراداً لـه بحيث لم يرفع يده عنـه أصلا، وقد لا يعلم ذلك. ففـي القسـم الأوّل لا معنـى للتـرخيـص; لأنّ التـرخيص ولـو فـي بعـض الأطراف لا يجتمع مع إرادة المولى الواقع على تقديـر المطابقـة، وإرادة المولى وإن لم تكن معلومة لعدم العلم بالمطابقـة ضرورةً، إلاّ أنّ احتمال المصادفـة مـع العلم بالترخيص مرجعـه إلى احتمال اجتماع النقيضين وهو ـ كالقطع بـه ـ مستحيل بداهـة. وأمّا القسم الثاني الذي مرجعـه إلى العلم بقيام الحجّـة المعتبرة وعدم العلم بكون الواقع مراداً على تقدير المصادفـة، فهو يمكن أن يقع فيـه الترخيص، ولا تلزم المناقضـة أصلا; ضرورة أنّ مع عدم المصادفـة لا يلزم مناقضـة، لعدم ورود الترخيص على مورد الحكم الواقعي، ومع المصادفـة يكون مرجع الترخيص إلى رفع اليد عن الحكم الواقعي لمصلحـة أهمّ من مصلحـة درك الواقع، كما هو الشأن في الشبهات البدويّـة، فإنّ الترخيص في مطلقها مع ثبوت الحكم الواقعي في بعض مواردها إنّما هو لأجل أنّـه رفع اليد عن الحكم الواقعي لمصلحـة أهمّ. نعم في المقام قبل ورود الترخيص يحكم العقل بلزوم المشي على طبق
86
الأمارة ووجوب الاحتياط، ولا فرق في نظره من هذه الحيثيـة بين العلم التفصيلي والعلم الإجمالي، فكما أنّ العالم تفصيلا بحجّـة معتبرة شرعيّـة لا يكون معذوراً لو خالفها وصادف الواقع، فكذلك العالم إجمالا بها لا يكون معذوراً لو خالفها ولو بإتيان بعض الأطراف، ويجب عليـه الاحتياط بإتيان الجميع في الشبهات الوجوبيـة وبتركـه في الشبهات التحريميـة. وممّا ذكرنا ظهر: أنّ الترخيص والإذن في الارتكاب لا يكون ترخيصاً في المعصيـة التي هي قبيحـة عند العقل، فيلزم من ذلك مضافاً إلى الترخيص فيما هو قبيح عند العقل ـ وهو لا يصدر من الحكيم ـ المناقضـة، لعدم إمكان اجتماع المعصيـة مع الترخيص فيها بعد كونها متوقّفـة على تكليف المولى، كما لايخفى، وذلك لأنّ المعصيـة القبيحـة التي يستحقّ بها العبد العقوبـة هي مخالفـة المولى في بعثـه وزجره، وإلاّ فمن الواضح أنّ مخالفـة الأمارة التي هي طريق إلى الواقع لا تكون معصيـة، والترخيص في جميع الأطراف إنّما يرجع إلى الترخيص في مخالفـة الأمارة وعدم المشي على طبقها، وهي لا تكون بنفسها قبيحـة موجبـة لاستحقاق العقوبـة. وإن شئت قلت: إنّ القبيح والموجب لاستحقاق العقوبـة هي مخالفـة التكليف الواقعي الذي كان مطلوباً للمولى ولم يرفع يده عنـه لمصلحـة اُخرى أهمّ، وأمّا مخالفـة التكليف الواقعي الذي يكون قد رفع اليد عنـه لها فلا تكون قبيحـة ولا موجبـة لاستحقاق العقوبـة أصلا. فانقـدح مـن جميع مـا ذكرنـا: الخلـل فيمـا أفـاده بعـض الأعـلام مـن أنّ التـرخيص فـي جميـع الأطـراف يوجب الترخيص فـي المعصيـة وهـو مستلـزم
87
للتناقض(1). وبالجملـة: فالعقل قبل ورود الترخيص وإن كان يحكم بلزوم العمل على طبق الحجّـة الإجماليـة ووجوب المشي معها بالاحتياط، إلاّ أنّـه لا مانع عنده من ورود الترخيص ولو في جميع الأطراف. وحينئذ: فلابدّ من ملاحظـة أنّـه هل يكون هنا مانع من جهـة اُخرى، أم لا، وعلى تقدير عدم المانع فهل هنا ما يـدلّ على الترخيص في أطراف العلم الإجمالي أم لا. وليعلم أنّـه على تقدير عـدم المانـع ووجـود الترخيص لا يكون الأدلّـة المـرخّصـة مقيّـدة للإطـلاق أو الـعمـوم الشـامليـن لحـال العلـم الإجمـالـي بصـورة العلم التفصيلي بالموضـوع أو الحكم، فإنّـه ـ مضافـاً إلى الاستحالـة فـي قسم ـ يكـون مقتضى التقيـيد عدم وجـوب التعليم والتعلّم حينئذ، كمـا لا يخفى. مـع أنّ مـن الواضح وجوبهما على العالـم والجاهل، وكذا لاندّعي كونها مقيّدة لحجّيـة الأمارة بصورة العلم التفصيلي بقيامها، بل نقول بأنّ في جميع ذلك يكون الإطلاق أو العموم أو الأمارة بحالـه، غايـة الأمر أنّ المولى لمراعاة مصلحـة أهمّ اضطرّ إلى رفع اليد عنـه وجعل الترخيص.
1 ـ أجود التقريرات 2: 241.

88
الكلام في المخالفة القطعية الروايات الدالّة على الترخيص في أطراف العلم الإجمالي إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ ما يدلّ بظاهره من الروايات على الترخيص في أطراف العلم الإجمالي كثير. منها: مرسلـة معاويـة بن عمّار عن رجل من أصحابنا قال: كنت عند أبيجعفر (عليه السلام) فسألـه رجل عن الجبن، فقال أبوجعفر (عليه السلام): «إنّـه لطعام يعجبني ، سأخبرك عن الجبن وغيره، كلّ شيء فيـه الحلال والحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام فتدعـه بعينـه»(1). وقد وردت هذه الكلّيـة في روايـة عبداللّه بن سنان عن أبيعبداللّه (عليه السلام)قال: «كلّ شيء فيـه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منـه بعينـه فتدعـه»(2). والاحتمالات الجاريـة في صدر الروايتين مع قطع النظر عن الغايـة المذكورة فيهما ثلاثـة: أحدها: أن يكون المراد بالشيء هي الطبيعـة الواحدة التي يوجد فيها
1 ـ المحاسن: 496 / 601، وسائل الشيعـة 25: 119، كتاب الأطعمـة والأشربـة، أبواب الأطعمـة المباحـة، الباب61، الحديث7. 2 ـ الفقيـه 3: 216 / 1002، وسائل الشيعـة 17: 87، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب بـه، الباب4، الحديث1.

89
الحلال باعتبار بعض أنواعـه والحرام باعتبار بعضها الآخر، وحينئذ فيصير المراد أنّ هذه الطبيعـة الواحدة لك حلال حتّى تعرف نوعها الحرام بعينـه، وحينئذ فيختصّ بالشبهات البدويّـة، ولا يشمل صورة العلم الإجمالي والشبهات المحصورة. ثانيها: أن يكون المراد بالشيء مجموع الشيئين أو الأشياء التي يعلم بوجود الحرام بينهما أو بينها إجمالا، وحينئذ فينحصر موردها بأطراف العلم الإجمالي. ثالثها: أن يكون المراد بـه أعمّ من القسم الأوّل والثاني، فتشمل الروايتان الشبهات البدويّـة والمحصورة جميعاً، هذا. وأمّا ذيل الروايتين: فإن كان المراد بالشيء هو الاحتمال الأوّل فيمكن أن يكون المراد بالمعرفـة أعمّ من المعرفـة التفصيليـة والإجماليّـة، لكن هذا الاحتمال أبعد الاحتمالات الثلاثـة. ولو كان المراد بـه هو الاحتمال الثاني فاللازم أن يكون المراد بالمعرفـة، المعرفـة التفصيليـة. كما أنّـه بناء على الاحتمال الثالث لابدّ أن يكون المراد بها هذه المعرفـة، لاستهجان جعل الغايـة للشبهـة البدويّـة أعمّ من المعرفـة الإجماليّـة، مع أنّ المغيّى شامل لصورة العلم الإجمالي أيضاً التي لابدّ أن يكون المراد من الغايـة بالنسبـة إليها المعرفـة التفصيليـة، كما هو واضح. وكيف كان: فالروايتان بناءً على الاحتمالين الأخيرين تدلاّن على جعل الحلّيـة في أطراف الشبهـة المحصورة. ومثـلهمـا فـي الـدلالـة علـى ذلـك روايـة مسعـدة بـن صـدقـة عـن أبيعبداللّه (عليه السلام)قال: سمعتـه يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّـه حرام
90
بعينـه فتدعـه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريتـه وهو سرقـة، والمملوك عندك ولعلّـه حرّ قد باع نفسـه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي اُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم بـه البيّنـة»(1). فإنّ المراد بالشيء هـو كلّ ما شكّ فـي حلّيتـه وحرمتـه، والغايـة هـو العلم بحرمـة نفس ذلك الشيء المشكوك، فتشمل الشبهـة المحصورة، كما هـو واضح، هذا. ولكن لا يخفى أنّ روايـة معاويـة بن عمّار مرسلـة لا يجوز الاعتماد عليها. ومثلها في عدم جواز الاعتماد روايـة عبداللّه بن سليمان(2) الواردة في الجبن المشتملـة على هذه القاعدة الكلّيـة، وذلك لأنّ عبداللّه بن سليمان مجهول، مضافاً إلى أنّ موردها الجبن، ومنشأ احتمال التحريم فيـه هو أنّـه قد توضع فيـه الأنفحـة من الميتـة، وصار ذلك موجباً لتقسيم الجبن إلى قسمين حلال وحرام، مع أنّ الجبن بحسب مذهب أهل الحقّ حلال كلّـه حتّى الجبن الذي علم تفصيلا بأنّـه وضعت فيـه الأنفحـة من الميتـة فلا يكون منقسماً على قسمين. وحينئذ فيقوى في النظر صدور الروايتين تقيـة; للحكم فيهما بجواز أكل الجبن من جهـة الاشتباه لا في نفسـه، مع أنّ الواقع ليس كذلك.
1 ـ الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعـة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب بـه، الباب4، الحديث4. 2 ـ الكافي 6: 339 / 1، وسائل الشيعـة 25: 117، كتاب الأطعمـة والأشربـة، أبواب الأطعمـة المباحـة، الباب61، الحديث1.

91
وأمّا روايـة مسعدة فهي أيضاً غير قابلـة للاعتماد، لأنّ الأمثلـة المذكورة فيها لا تكون الحلّيـة فيها مستندة إلى قاعدة الحلّيـة المجعولـة في الصدر، بل الحلّيـة فيها لأجل وجود بعض الأمارات أو الاُصول المتقدّمـة على قاعدة الحلّيـة في موردها مثل اليد وإقرار العقلاء على أنفسهم واستصحاب عدم كونها رضيعـة لـه وكذا استصحاب عدم كونها اُختاً لـه بناءً على جريانـه على خلاف ما هو الحق. وبالجملـة: فجعل قاعدة كلّيـة ثمّ إيراد أمثلـة لها خارجـة عنها داخلـة في قواعد اُخر مستهجن لا يصدر من مثل الإمام (عليه السلام)، فالروايـة من هذه الجهـة موهونـة جدّاً. فلم يبق في البين إلاّ روايـة عبداللّه بن سنان المتقدّمـة، وهي صحيحـة من حيث السند تامّـة من حيث الدلالـة، خاليـة عن احتمال الصدور تقيـة، لعدم مورد لها. وقد عرفت: أنّ العقل لا يأبى من الترخيص في جميع أطراف الشبهـة المحصورة، لعدم كون الترخيص فيـه ترخيصاً في المعصيـة بنظره، إلاّ أنّـه حيث يكون المتفاهم من مثل هذه الروايـة عند العرف والعقلاء هو الترخيص في المعصيـة ـ وهو مضافاً إلى قبحـه غير معقول; لاستلزامـه التناقض كما عرفت سابقاً ـ فلابدّ من رفع اليد عنها ولا يجوز الأخذ بمضمونها والحكم بالحلّيـة، ويؤيّده ما حكي عن صاحب الجواهر من ندور العامل بمثل هذه الروايـة والأخذ بمضمونها(1). فانقدح من جميع ما ذكرنا: أنّ أصالـة الحلّيـة لا تجري في موارد الشبهـة
1 ـ جواهر الكلام 1: 294 ـ 298.

92
المحصورة، وكذا أدلّـة أصالـة البراءة; لأنّ مفادها هو جعل التوسعـة للناس وعدم التضيـيق عليهم في موارد الجعل وعدم العلم، والحكم في الشبهـة المحصورة معلوم لا خفاء فيـه. وبعبارة اُخرى: لا يجتمع الترخيص في جميع الأطراف مع العلم بعدم الرخصـة في بعضها إجمالا بعد كون مورد الترخيص هو صورة الجهل وعدم العلم، هذا. مقالة الشيخ في وجه عدم جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي وقد اختلفت كلمات الشيخ (قدس سره) في وجـه عدم جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي، فظاهر كلامـه في مبحث الاشتغال(1) وصريحـه في أواخر الاستصحاب(2) أنّ المانع من جريان الاُصول هو لزوم التناقض من جريانها على فرض الشمول، لأنّ قولـه: «لا تنقض اليقين بالشكّ ولكن تنقضـه بيقين آخر» ـ مثلا يدلّ على حرمـة النقض بالشكّ ووجوب النقض باليقين، فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالـة السابقـة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كلّ منهما تحت عموم حرمـة النقض بالشكّ، لأنّـه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثلـه، فالمانع عنده حينئذ هوجهـة الإثبات وعدم شمول الأدلّـة، ولكنّ الذي يظهر من كلامـه في بحث القطع(3). وفي بعض المواضع الاُخر أنّ المانع هو لزوم المخالفـة العمليّـة، وحينئذ
1 ـ فرائد الاُصول 2: 404. 2 ـ نفس المصدر 2: 744 ـ 745. 3 ـ نفس المصدر 1: 27.

93
فالمانع هو عدم إمكان الجعل ثبوتاً. وكيف كان: فلو كان المانع عنده هـو جهـة الإثبات وقصور الأدلّـة عـن الشمول يرد عليـه: أنّ المراد باليقين المأخوذ في قولـه: «لا تنقض اليقين بالشكّ...» هـل هـو اليقين الوجداني أو الحجّـة المعتبـرة، يقينيّـاً كانت أو غيره؟ فعلى الأوّل نقول: إنّ الحكم بحرمـة نقض اليقين الواجـداني بالشكّ وإن كان قابلا للجعل، إلاّ أنّ الحكم بوجوب نقض اليقين بيقين آخـر مثلـه لايكون قابلا للجعل بعد كون حجّيـة القطع غير قابلـة للإثبات ولا للنفي كما تقدّم في مبحث القطـع. فقولـه: «ولكـن تنقضـه بيقين آخـر» لا يكون بصدد جعل حكم آخـر حتّى يتحقّق التناقض بينـه وبين الحكم الأوّل على تقدير جريانـه فـي أطراف العلم الإجمالي، بل بصدد التحديـد للحكم المجعول أوّلا، وأنّ حرمـة النقض بالشكّ تكون ثابتـة إلى أن يجيء يقين آخر، فظهر أنّـه بناءً على هـذا الاحتمال لاتكون الروايـة مشتملـة علـى حكمين حتّى يتحقّق مـورد التناقض وعدمـه. ومن هنا ظهر: أنّـه بناءً على الاحتمال الثاني أيضاً لا تكون الروايـة كذلك; لأنّ الحكم بوجوب نقض الحجّـة المعتبرة غير القطع بحجّـة اُخرى وإن كان قابلا للجعل والتشريع، إلاّ أنّـه باعتبار كون القطع أيضاً من أفراد الحجّـة المعتبرة لايمكن هذا التشريع، وجعل الحكم بالنسبـة إلى بعض أفراد الحجّـة وبيان التحديد بالنسبـة إلى بعضها الآخر ممّا لا يكون لهما جامع حتّى يمكن في استعمال واحد، كما هو واضح. هذا كلّـه مضافاً إلى أنّـه لو سلّم جميع ذلك نقول: ظاهر سياق الروايـة أنّ
94
المراد باليقين في قولـه: «ولكن تنقضـه بيقين آخر» هو اليقين بما تعلّق بـه اليقين والشكّ في قولـه: «ولا تنقض اليقين بالشكّ» لا اليقين بأمر آخر، ضرورة عدم وجوب النقض باليقين المتعلّق بشيء آخر، كما هو واضح. وحينئذ نقول: إنّ في موارد العلم الإجمالي لا يكون العلم الإجمالي متعلّقاً بنفس ما تعلّق بـه اليقين السابق، فلا يجب نقضـه بـه. ألا ترى أنّـه لو علم إجمالا بنجاسـة أحد الإنائين اللذين علم بطهارتهما سابقاً لا يكون العلم الإجمالي متعلّقاً بنفس مـا تعلّق بـه اليقين السابق، ضرورة أنّ اليقين السابق إنّما تعلّق بطهارة هذا الإناء بالخصوص وبطهارة ذاك الإناء كذلك، ولم يتحقّق بعد يقين بنجاسـة واحد معيّن منهما حتّى يجب نقض اليقين السابق باليقين اللاحق، بل الموجود هو اليقين بنجاسـة أحـدهما المردّد، وهـو لم يكن مسبوقاً باليقين بالطهارة، فمتعلّق اليقين السابق واللاحق مختلف، فلا يجب النقض بـه. فانقدح: أنّ أدلّـة الاستصحاب تجري في المقام ولا يلزم التناقض أصلا، فلو كان هناك مانع فإنّما هـو مـن جهة الثبوت كما اختـاره في مواضع اُخـر، فتأمّل جيّداً. تفصيل المحقّق النائيني في جريان الاُصول ثمّ إنّ بعض الأعاظم من المعاصرين فصّل على مـا في التقريرات بين أصالـة الإباحـة وغيرها في دوران الأمر بين المحذورين، وكذا بين الاستصحاب وغيره في المقام، فجعل المحذور في جريان أصالـة الإباحـة هناك غير ما هو
95
المحذور في جريان غيرها من الاُصول(1). وقد عرفت ذلك الجواب عنـه سابقاً. وأمّا هنا فحكم بعدم جريان مثل الاستصحاب من الاُصول التنزيليـة في أطراف العلم الإجمالي مطلقاً من غير فرق بين أن يلزم من جريان الاستصحابين مخالفـة عمليّـة أم لا، وبعدم جريان غيرها من الاُصول كأصالـة الإباحـة والطهارة وغيرهما إذا لـزم مـن جريانها مخالفـة عمليـة قطعيـة للتكليف المعلوم فـي البين. قال في وجـه ذلك ما ملخّصـه: إنّ المجعول في الاُصول التنزيليـة إنّما هو البناء العملي والأخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّـه هو الواقع، وإلغاء الطرف الآخر، وجعل الشكّ كالعدم في عالم التشريع، فإنّ ظاهر قولـه (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشكّ»(2) هو البناء العملي على بقاء المتيقّن وتنزيل حال الشكّ منزلـة حال اليقين، وهذا المعنى لا يمكن جعلـه بالنسبـة إلى جميع الأطراف في العلم الإجمالي، للعلم بانتقاض الحالـة السابقـة في بعض الأطراف، فإنّ الإحراز التعبّدي لا يجتمع مع الإحراز الوجداني بالخلاف، وهذا لا فرق فيـه بين أن يلزم من جريان الاستصحابين مخالفـة عمليّـة أم لا، لعدم إمكان الجعل ثبوتاً، وأمّا الاُصول الغير التنزيليـة فلا مانع من جريانها إلاّ المخالفـة العمليّـة للتكليف المعلوم في البين، فهي لا تجري إن لزم من جريانها ذلك، وتجري إن لم يلزم(3). انتهى ملخّصاً.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 445 ـ 449. 2 ـ الكافي 3: 351 / 3، وسائل الشيعـة 8: 216، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب10، الحديث3. 3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 14 ـ 17.

96
ويرد عليـه أوّلا: أنّ كون الاستصحاب من الاُصول التنزيليـة بالمعنى الذي أفاده محلّ نظر، بل منع; فإنّ الكبرى المجعولـة في أدلّتـه ليست إلاّ حرمـة نقض اليقين بالشكّ، وظاهرها هو وجوب ترتيب آثار المتيقّن في طرف الشكّ وتطبيق عملـه على عمل المتيقّن. وأمّا البناء على أنّـه هو الواقع وإلغاء الطرف الآخر وجعل الشكّ كالعدم فلا يستفاد من شيء من الأخبار الواردة في الاستصحاب. كيف واعتبار إلغاء الشكّ وجعلـه كالعدم في عالم التشريع لا يجتمع مع اعتباره في الصغرى بقولـه (عليه السلام): «لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت»(1) فتأمّل. وبالجملـة: فلا يظهر من أخبار الاستصحاب إلاّ مجرّد ترتيب آثار الواقع في مقام العمل، لا الأخذ بالطرف الموافق للحالـة السابقـة بما أنّـه هو الواقع، كما لايخفى. وثانياً: لو سلّم كون الاستصحاب من الاُصول التنزيليـة، فلا نسلّم عدم جريانها في أطراف العلم الإجمالي; فإنّ كلاّ منها مشكوك فيـه مسبوق بالحالـة السابقـة، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيـه. وما أفاده من أنّ الإحراز التعبّدي لا يجتمع مع الإحراز الوجداني بالخلاف محلّ منع; لعدم الدليل على عدم إمكان الاجتماع، فإنّ للشارع في عالم التشريع أن يتعبّدنا بترتيب آثار الوجود على ما ليس بموجود أو بالعكس، كما في المرتدّ الفطري، وبالتفكيك بين المتلازمين.
1 ـ تهذيب الأحكام 1: 421 / 1335، وسائل الشيعـة 3: 466، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب37، الحديث1.

97
والعجب أنّـه (قدس سره) قد تنبّـه لورود هذا الإشكال عليـه، فذكر في آخر بحث الاستصحاب في مسألـة تعارض الاستصحابين مـا ملخّصـه: إنّـه ربّما يناقش فيما ذكرناه ـ من عـدم جـريان الاُصول المحـرزة في أطـراف العلم الإجمالي مطلقاً وإن لم يلزم منها مخالفـة عمليـة ـ بأنّـه يلزم على هذا عـدم جـواز التفكيك بين المتلازمين الشرعيـين كطهارة البدن وبقاء الحدث عند الوضوء بمائـع مردّد بين البول والماء; لأنّ استصحاب بقاء الحدث وطهارة البدن ينافي العلم الإجمالي بعدم بقاء الواقع في أحدهما، لأنّـه إن كان المائع ماءً فقد ارتفع الحـدث، وإن كان بولا فقد تنجّس البدن، فالتعبّد بالجمع بينهما لا يمكـن. بل يلزم عدم جواز التفكيك بين المتلازمين العقليـين أو العاديـين، فإنّ استصحاب حياة زيد وعدم نبات لحيتـه ينافي العلم العادي بعدم الواقع في أحدهما، للملازمـة بين الحياة والنبات، وكذا التعبّد ببقاء الكلّي وعدم حـدوث الفرد ونحـو ذلك من الأمثلـة. وأجاب عن هذه الشبهـة بما ملخّصـه: إنّـه تارة يلزم من التعبّد بمؤدّى الأصلين العلم التفصيلي بكذب ما يؤدّيان إليـه; لأنّهما يتّفقان على نفي ما يعلم تفصيلا ثبوتـه، أو على ثبوت ما يعلم تفصيلا نفيـه، كما في استصحاب نجاسـة الإنائين أو طهارتهما مع العلم بطهارة أحدهما أو نجاستـه، فإنّ الاستصحابين يتوافقان في نفي ما يعلم تفصيلا من طهارة أحدهما أو نجاستـه. واُخرى لا يلزم من التعبّد بمؤدّى الأصلين العلم التفصيلي بكذب ما يؤدّيان إليـه، بل يعلم إجمالا بعدم مطابقـة أحد الأصلين للواقع من دون أن يتوافقا في ثبوت ما علم تفصيلا نفيـه، أو نفى ما علم تفصيلا ثبوتـه. بل لا يحصل من التعبّد بمؤدّى الأصلين إلاّ العلم بمخالفـة أحدهما للواقع، كما في الاُصول الجاريـة في
98
الموارد التي يلزم منها التفكيك بين المتلازمين الشرعيـين أو العقليـين أو العاديـين. والفرق بين القسمين ممّا لا يكاد يخفى، والذي منعنا عن جريانـه في أطراف العلم الإجمالي هو الأوّل. وأمّا الثاني فلا محذور فيـه أصلا; لأنّ التلازم بحسب الواقع لا يلازم التلازم بحسب الظاهر(1)، انتهى. ولا يخفى عدم وضوح الفرق بين القسمين; لأنّ جريان الاستصحاب في القسم الأوّل في كلّ واحد من الإنائين لا ينافي العلم بالطهارة أو النجاسـة، ولا يكون المجموع من حيث هو مجموع مورداً لجريان الاستصحاب حتّى يكون منافياً للعلم التفصيلي بالخلاف، بل مورده هو كلّ واحد منهما بالخصوص، ولاينافي شيء من الأصلين للعلم الإجمالي. غايـة الأمـر أنّـه بعد جريانهما يقطع بكذب أحدهما، للعلم الإجمالي بالطهارة أو النجاسـة، فلم يظهر فرق بينـه وبين القسم الثاني، ومجرّد توافق الأصلين في الأوّل وتخالفهما في الثاني لايوجب الفرق بينهما بعد كون الأوّل أيضاً مصداقين لحرمـة النقض بالشكّ لامصداقاً واحداً. هذا مضافاً إلى أنّ اللازم من ذلك التفصيل في جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي، لأنّـه قد تكون الأصلان متخالفين كما فيما لو علم بجنس التكليف، ودار الأمر بين وجوب شيء وحرمـة شيء آخر، مع كونهما مسبوقين بالعدم، فإنّ أصل عدم الوجوب يخالف مع أصالـة عدم الحرمـة ولا يكون بينهما توافق، كما هو واضح، وحينئذ فيصير من قبيل القسم الثاني، مع أنّـه لا يلتزم بالجريان في هذه الصورة أيضاً.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 694 ـ 695.

99
فانقدح من جميع ما ذكرنا أنّ المانع من جريان الاُصول في أطراف الشبهـة المحصورة ليس إلاّ لزوم المخالفـة العمليّـة للتكليف المعلوم في البين، وحيث إنّ الاستلزام واللزوم إنّما هو فيما لو وقع الترخيص في جميع الأطراف، وأمّا الترخيص في بعضها فلا محذور فيـه من هذه الجهـة، فحينئذ يقع الكلام في أنّـه هل هنا شيء يمكن أن يستفاد منـه الترخيص في بعضها أم لا؟ الكلام في الموافقة القطعيّة فنقول: لابدّ أوّلا من بيان أنّ العلم الإجمالي هل يكون علّـة تامّـة بالنسبـة إلى وجوب الموافقـة القطعيـة أم لا، بل لا يكون فيـه إلاّ مجرّد الاقتضاء، ثمّ على فرض الاقتضاء لابدّ من ملاحظـة الأدلّـة العامّـة المرخّصـة وأنّـه هل يستفاد منها الترخيص بالنسبـة إلى بعض الأطراف أم لا؟ وأمّا على القول بالعليّـة فلامجال لهذا البحث، لأنّـه لو فرض دلالتها على الترخيص فيـه فلابدّ من رفع اليد عنها، للحكم العقلي القطعي بخلافها. إذا ظهر لك ذلك نقول: قد عرفت أنّ العلم الإجمالي قد يكون متعلّقـه هو التكليف الفعلي الواقعي الذي لا يرضى المولى بمخالفتـه أصلا، وقد يكون هو التكليف الثابت بإطلاق الدليل أو عمومـه أو بقيام أمارة معتبرة وحجّـة شرعيّـة. ففي الأوّل لا مجال للترخيص ولو كان بالنسبـة إلى بعض الأطراف من غير فرق بين الشبهـة المحصورة وغيرها. وفي الثاني لا محذور في الترخيص أصلا ولو بالنسبـة إلى جميع الأطراف ولا تلزم مناقضتـه أصلا. أمّا على تقدير عدم مصادفـة الأمارة وعدم كون الإطلاق أو العموم مراداً
100
جدّاً فواضح، وأمّا على تقدير المطابقـة وتعلّق الإرادة الجدّيـة بالإطلاق أو العموم فلابأس أيضاً; لأنّ مرجع الترخيص إلى رفع اليد عن الحكم الواقعي لمصلحـة أهمّ من مصلحـة درك الواقع، كما أنّـه لابدّ من الالتزام بذلك في الترخيص في مطلق الشبهات البدويّـة مع ثبوت الحكم الواقعي في بعض مواردها. هذا بحسب نظر العقل. وأمّا العقلاء الذين هم المرجع والمتّبع في فهم الكلمات الصادرة عن الشارع فقد عرفت أنّ الترخيص في جميع الأطراف عندهم يكون ترخيصاً في المعصيـة وإذناً فيها، وهو مع قبحـه غير معقول، فلذا لا يعتمدون على ما ظاهره الترخيص في الجميع ويرفعون اليد عنـه. وأمّا الترخيص في البعض فالظاهر أنّـه لابأس بـه عندهم ولا يعدّونـه ترخيصاً في المعصيـة وإذناً في ارتكاب الخمر فيما إذا تردّد بين المايعين، ولا يكون عندهم المنافاة بين تحريم الخمر مطلقاً والترخيص في محتمل الخمريّـة; لاختلاف متعلّق الحكمين; لأنّ أحدهما الخمر والآخر مشتبـه الخمريّـة. وحينئذ: فلا يكون عندهم مانع من شمول أدلّـة الحلّ وأصالـة البراءة والاستصحاب وغيرهما لبعض الأطراف لو قيل بعدم خروج أطراف العلم الإجمالي عن مورد أدلّتها; نظراً إلى أنّ موضوعها صورة الشكّ وعدم العلم، وهو يغاير صورة العلم وتردّد المعلوم بين هذا وذاك. وبالجملـة: فرق بين ما إذا لـم يعلم بالخمريّـة واحتمل عـدمها، وبين مـا إذا علم بها وتـردّد موصوفها بين شيئين، فالصورة الاُولى يكون مـورداً لتلك الأدلّـة قطعاً، وأمّا الصورة الثانيـة فلا تكون عند العرف من موارد الشكّ وعـدم العلم حتّى تشملها تلك الأدلّـة وإن كانت منها بنظر العقل، لأنّ كلّ واحد من
101
المايعين مشكوك الخمريّـة حقيقـة، كما هو واضح. وحينئذ فلو قلنا بخروج العلم الإجمالي عن مورد تلك الأدلّـة لم يبق مجال للبحث في دلالتها على الترخيص بالنسبـة إلى بعض الأطراف، وأمّا لو قلنا بعدم خروجـه، كما هو الظاهر فيقع الكلام في دلالتها على ذلك وعدمها. فنقول: قد عرفت أنّ ما يمكن الاستدلال بـه للترخيص هي خصوص صحيحـة عبداللّه بن سنان المتقدّمـة(1)، وأمّا غيرها من الروايات فلا يجوز الاعتماد عليها بعد وجود الخلل في متنها أو في سندها، وأمّا صحيحـة عبداللّه بن سنان فهي صحيحـة من حيث السند، تامّـة من حيث الدلالـة، وقد عرفت أنّها تشمل صورة العلم الإجمالي قطعاً، وأنّ شمولها مبني على أن يكون المراد من الشيء المأخوذ فيها هو مجموع الشيئين اللذين أحدهما حلال والآخر حرام، فهي تدلّ على حلّيـة ذلك الشيء; أي المجموع. وحيث إنّـه غير قابل للأخذ بمضمونـه، لدلالتـه على الإذن في المعصيـة بحسب متفاهم العرف والعقلاء فلابدّ من رفع اليد عنـه، وليس هنا شيء آخر يدلّ على حلّيـة بعض الأطراف. نعم لو كان الدليل دالاّ على حلّيـة كلّ مشتبـه لكان للبحث في دلالتـه على الترخيص في بعض الأطراف مجال، ولكنّـه لم يدلّ دليل معتبر على ذلك عدا روايـة مسعدة بن صدقـة المتقدّمـة(2) التي عرفت عدم جواز الاعتماد عليها، لاغتشاشها وعدم تطابق القاعدة مع الأمثلـة المذكورة فيها. ثمّ إنّـه لو فرض دلالـة الدليل على حلّيـة كلّ مشتبـه لكان الظاهر منها هو
1 ـ تقدّمت في الصفحة 88. 2 ـ تقدّمت في الصفحة 89.

102
حلّيـة كلّ مشتبـه معيّن، ولا يمكن الأخذ بـه في المقام، لأنّ إجراء هذه القاعدة في المجموع مستلزم للإذن في المعصيـة، وفي البعض المعيّن ترجيح من غير مرجّح، وفي البعض الغير المعيّن موجب للخروج عن الدليل الدالّ على اعتبارها، لأنّـه لم يدلّ إلاّ على حلّيـة كلّ مشتبـه معيّن. وإن شئت قلت: إنّ البعض الغير المعيّن لا يكون من أفراد العامّ أصلا، والدليل يتضمّن حلّيـة جميع أفراد العامّ. ويمكن الذبّ عنـه بوجوه: منها: أن يقال: إنّ الدليل اللفظي وإن لم يدلّ على الترخيص في البعض الغير المعيّن، إلاّ أنّـه يمكن استكشاف هذا الترخيص من الدليل اللفظي بضميمـة حكم العقل، لأنّ القضيـة المشتملـة على حكم متعلّق بعنوان على سبيل الإطلاق أو العموم يفهم منها أمران: أحدهما: ثبوت ذلك الحكم لتمام أفراد عنوان الموضوع. ثانيهما: وجود الملاك في كلّ فرد منها، ثمّ إن ثبت قيد يرجع إلى مادّة القضيـة فمقتضاه التضيـيق في ناحيـة الحكم والملاك معاً، فإذا ورد أكـرم العلماء، ثمّ ورد قولـه: لا تكرم الفسّاق من العلماء، يفهم من ذلك التقيـيد والتخصيص اختصاص الحكم والملاك بماعدا مورد المخصّص، وإن ثبت قيد يرجع إلى الإطلاق الهيئـة دون المادّة فلابدّ من رفع اليد عن إطلاق الطلب دون المادّة. كما إذا ورد خطاب دالّ على وجوب إنقاذ الغريق، ثمّ وجد الغريقان، فإنّ ذلك الخطاب وإن كان غير شامل لهما بحكم العقل; لقبح التكليف بما لا يطاق، إلاّ أنّـه يحكم بإطلاق المادّة بوجود ملاك الوجوب في كليهما، ولهذا يستكشف العقل وجوباً تخيـيريّاً مع عدم وجود الأهمّ في البين.
103
وفي المقام نقول: إنّ الأدلّـة المرخّصـة وإن اختصّ حكمها بغير صورة العلم الإجمالي بحكم العقل الحاكم بقبح الإذن في المعصيـة، إلاّ أنّ وجود ملاك الإباحـة في كلّ مشتبـه يستكشف من إطلاق المادّة، وبعد تعذّر الجري على طبق الملاك في كلّ من الأطراف يستكشف أنّ البعض على سبيل التخيـير مرخّص فيـه حيث لا ترجيح للبعض المعيّن(1)، انتهى. ويرد عليـه ما أورد عليـه المحقّق المعاصر في كتاب الدرر من أنّ حكم العقل بذلك إنّما يكون فيما يقطع بأنّ الجري على طبق أحد الاقتضائين لا مانع منـه، كما في مثال الغريقين، وأمّا فيما نحن فيـه فكما أنّ الشكّ يقتضي الترخيص كذلك العلم الإجمالي يوجب مراعاة الواقع ويقتضي الاحتياط، ولعلّ اقتضاء العلم يكون أقوى في نظر الشارع، فلا يقطع العقل بالترخيص، كما هو واضح(2). ومنها: ما أورده على نفسـه المحقّق النائيني بعد الحكم بسقوط الاُصول بالنسبـة إلى جميع الأطراف بقولـه: «إن قلت» وملخّصـه: أنّ نسبـة الاُصول إلى كلّ واحد من الأطراف وإن كانت على حدّ سواء إلاّ أنّ ذلك لا يقتضي سقوطها جميعاً، بل غايـة ما يقتضيـه هو التخيـير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين، لأنّـه بناءً على شمول أدلّـة الاُصول لأطراف العلم الإجمالي يكون حال الاُصول العمليـة حال الأمارات على القول بالسببيّـة، والتخيـير في باب الأمارات المتعارضـة إنّما هو كالتخيـير في باب المتزاحمين. وحينئذ: لابدّ إمّا من تقيـيد إطلاق الأمر بالعمل بمؤدّى كلّ من الأمارتين
1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 458 ـ 459. 2 ـ نفس المصدر: 459.

104
بحال عدم العمل بالاُخرى إن لم يكن أحد المؤدّيـين أهمّ، وإمّا من سقوط الأمرين واستكشاف العقل حكماً تخيـيريّاً لأجل وجود الملاك التامّ في متعلّق كلّ من الأمارتين على المسلكين في باب التزاحم، والظاهر هو المسلك الأوّل، لأنّ منشأ التزاحم إنّما هو عدم القدرة على الجمع بينهما، والمقتضي لإيجاب الجمع إنّما هو إطلاق كلّ من الخطابين، فلابدّ من رفع اليد عنـه، لأنّـه الذي أوجب التزاحم، والضرورات تـتقدّر بقدرها. ونقول في المقام: إنّ حجّيـة كلّ أصل عملي إنّما تكون مطلقـة بالنسبـة إلى ماعداه من سائر الاُصول، لإطلاق دليل اعتباره، وهذا الإطلاق محفوظ في الشبهات البدويّـة والمقرونـة بالعلم الإجمالي إذا لم يلزم من جريان الاُصول في الأطراف مخالفـة عمليـة. وأمّا إذا لزم فلا يمكن بقاء إطلاق الحجّيـة لكلّ من الاُصول الجاريـة في جميع الأطراف، لأنّ بقاء الإطلاق يقتضي صحّـة جريانها في جميع الأطراف والمفروض أنّـه يستلزم المخالفـة العمليّـة فلابدّ من رفع اليد عن إطلاق الحجّيـة، ولا يلزم أن تسقط الحجّيـة، ونتيجـة التقيـيد هو التخيـير في إجراء أحد الأصلين لا سقوطهما رأساً كما لايخفى(1). أقول: قد عرفت أنّ ما يمكن الاستدلال بـه للترخيص في الشبهات المقرونـة بالعلم الإجمالي هي صحيحـة عبداللّه بن سنان المتقدّمـة(2) الدالّـة على أنّ «كلّ شيء فيـه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منـه
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 25 ـ 27. 2 ـ تقدّمت في الصفحة 88.

105
بعينـه» وعرفت أنّ التمسّك بها للمقام مبني على أن يكون المراد من الشيء هو المجموع من الحلال والحرام والمختلط منهما، إذ ليس كلّ واحد من الأطراف فيـه الحلال والحرام، بل ما فيـه الحلال والحرام هو مجموع المشتبهين أو المشتبهات والمختلط منهما أو منها، فأصالـة الحلّيـة الجاريـة بمقتضى هذه الصحيحـة إنّما تجري في مجموع الأطراف، لا في كلّ واحد منها، لعدم كون كلّ واحد منها مصداقاً ومورداً لها، كما لايخفى. وحينئذ فلا دليل على جريانها في كلّ واحد من الأطراف حتّى يقيّد إطلاق حجّيتها بما إذا لم تجر في الطرف الآخر، لاستلزام بقاء الإطلاق المحذور المتقدّم. وإن شئت قلت: إنّ المحذور ـ وهو لزوم المخالفـة العمليـة ـ إنّما يلزم من جريانها مطلقاً، سواء كان إطلاقها بالنسبـة إلى الأفراد الاُخر التي هي عبارة عن الشبهات الاُخر المقرونـة بالعلم الإجمالي محفوظاً أم غير محفوظ، ضرورة أنّ جريانها ولو في شبهـة واحدة مقرونـة بالعلم الإجمالي يوجب المخالفـة العمليـة والإذن في المعصيـة، كما هو واضح. وبالجملـة: موارد جريان أصل الحلّيـة هو كلّ مشتبـه بالشبهـة المقرونـة بالعلم الإجمالي، أي المختلط من الحلال والحرام، ولابدّ من أن يلاحظ الإطلاق بالنسبـة إليـه، وقـد عرفت أنّ تقيـيد الإطـلاق أيضاً لايوجب رفـع المحذور، كما لا يخفى، هذا. وأمّا أدلّـة الاستصحاب فهي وإن كانت مقتضاها جريانـه في كلّ واحد من الأطراف، لوجود اليقين السابق والشكّ اللاحق فيـه، إلاّ أنّ ذلك مبني على أن يكون المراد من اليقين المأخوذ في أدلّتـه وكذا الشكّ هو اليقين والشكّ
106
الوجدانيـين، مع أنّا سنمنع ذلك في بحث الاستصحاب ونقول: إنّ ظاهرها هو كون المراد باليقين هي الحجّـة المعتبرة، وبالشكّ هو عدم الحجّـة، ومن الواضح وجود الحجّـة في أطراف العلم الإجمالي، فلا يكون من نقض الحجّـة بغيرها، كما لايخفى. ثمّ إنّـه أجاب المحقّق النائيني عن هذا الوجـه الذي أورده على نفسـه بكلام طويل، وملخّصـه: أنّ الموارد التي يحكم فيها بالتخيـير مع عدم قيام دليل عليـه بالخصوص لا تخلو عن أحد أمرين: أحدهما: اقتضاء الكاشف والدليل الدالّ على الحكم التخيـير في العمل. وثانيهما: اقتضاء المنكشف والمدلول ذلك وإن كان الدليل يقتضي التعيـينيّـة. فمن الأوّل: ما إذا ورد عامّ كقولـه: «أكرم العلماء»، وعلم بخروج زيد وعمرو عن العامّ، ولكن شكّ في أنّ خروجهما هل هو على نحو الإطلاق، أو أنّ خروج كلّ منهما مشروط بحال عدم إكرام الآخر. وبعبارة اُخرى: دار الأمر بين أن يكون التخصيص أفراديّاً وأحواليّاً معاً أو أحواليّاً فقط، والوظيفـة في هذا الفرض هو التخيـير في إكرام أحدهما، لأنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في مقدار الخارج عن عموم وجوب إكرام العلماء، ولابدّ من الاقتصار على المتيقّن خروجـه وهو التخصيص الأحوالي فقط، فلا محيص عن القول بالتخيـير، إلاّ أنّ منشأه هو اجتماع دليل العامّ وإجمال دليل الخاصّ بضميمـة وجوب الاقتصار على القدر المتيقّن، وليس التخيـير فيـه لأجل اقتضاء المجعول لـه، بل المجعول في كلّ من العامّ والخاصّ هو الحكم التعيـيني، فالتخيـير إنّما نشأ من ناحيـة الدليل.
107
ومن الثاني: المتزاحمان في مقام الامتثال; فإنّ التخيـير فيهما إنّما هو لأجل أنّ المجعول في باب التكاليف معنى يقتضي التخيـير في امتثال أحد المتزاحمين، لأنّـه يعتبر عقلا فيها القدرة على الامتثال، وحيث لا تكون القدرة محفوظـة في كليهما فالعقل يستقلّ بالتخيـير، والفرق بين التخيـير في هذا القسم والتخيـير في القسم الأوّل أنّ التخيـير هناك ظاهري وهنا واقعي. إذا عرفت ذلك نقول: إنّ القول بالتخيـير في باب الاُصول لا شاهد عليـه لا من ناحيـة الدليل والكاشف، ولا من ناحيـة المدلول والمنكشف. أمّا انتفاء الأوّل: فواضح، فإنّ دليل اعتبار كلّ أصل من الاُصول العمليّـه إنّما يقتضي جريانـه عيناً، سواء عارضـه أصل آخر أو لم يعارضـه. وأمّا انتفاء الثاني: فلأنّ المجعول فـي باب الاُصول العمليـة ليس إلاّ الحكم بتطبيق العمل على مؤدّى الأصل بما أنّـه الواقـع أولا بما أنّـه كـذلك على اختلاف الاُصول، ولكنّ الحكم بذلك ليس على إطلاقـه، بل مع انحفاظ رتبـة الحكم الظاهري باجتماع القيود الثلاثـة، وهي الجهل بالواقع، وإمكان الحكم على المـؤدّى بما أنّـه الواقـع، وعـدم لـزوم المخالفـة العمليـة، وحيث إنّـه يلزم من جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي مخالفـة عمليّـة فلا يمكن جعلها جمعاً، وكون المجعول أحدها تخيـيراً وإن كان بمكان من الإمكـان، إلاّ أنّـه لادليل عليـه لا من ناحيـة أدلّـة الاُصول ولا من ناحيـة المجعول فيها(1)، انتهى. وفي هذا الكلام وجوه من النظر: منها: أنّ ما ذكره ـ من أنّ التخيـير في القسم الأوّل إنّما هو من ناحيـة
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 28 ـ 31.

108
الدليل والكاشف لا المجعول والمنكشف، لأنّ المجعول في كلّ من العامّ والخاصّ هو الحكم التعيـيني ـ محلّ نظر، بل منع. ضرورة أنّـه لو كان الحكم المجعول في الخاصّ حكماً تعيـينيّاً وعلم ذلك لم يكن مجال للتخيـير، لأنّـه مساوق للعلم بكون التخصيص أفراديّاً وأحواليّاً معاً، لوضوح أنّـه لو كان التخصيص أحواليّاً فقط وكان خروج كلّ من الفردين مشروطاً بدخول الآخر يكون الحكم المجعول حكماً تخيـيريّاً. وبالجملـة: فالذي أوجب الحكم بالتخيـير هو تردّد المجعول في الخاصّ بين كونـه تعيـينيّاً أو تخيـيريّاً بضميمـة وجوب الاقتصار في التخصيص على القـدر المتيقّن، فالتخيـير إنّما هـو مقتضى تـردّد المجعول بضميمـة مـا ذكـر، كما لا يخفى، ولا يكون ناشئاً من الدليل. ومنها: أنّ ما ذكره من أنّ التخيـير في القسم الثاني إنّما هو من ناحيـة المدلول والمنكشف، محلّ منع، بل التخيـير فيـه إنّما هو كالتخيـير في القسم الأوّل; لأنّ التخيـير فيـه إنّما يكون منشؤه إطلاق مثل قولـه: «انقذ كلّ غريق» بضميمـة التخصيص بالنسبـة إلى صورة العجز عن الإنقاذ بالإضافـة إلى الغريقين، مع لزوم الاقتصار في مقام التخصيص على القدر المتيقّن، وهو خروج الأحوالي فقط الذي مرجعـه إلى رفع اليد عن الإطلاق، لا الأفرادي والأحوالي معاً الذي مرجعـه إلى رفع اليد عن العموم. وبالجملـة: فلا فرق بين القسمين إلاّ في أنّ الحاكم بالتخصيص في القسم الأوّل هو الدليل اللفظي، وفي القسم الثاني هو الدليل العقلي، وهو لا يوجب الفرق بين التخيـيرين من حيث المقتضي، كما لايخفى. ومنها: أنّـه لو سلّم جميع ما ذكر فنمنع ما ذكره من عدم كون التخيـير في
109
باب الاُصول العمليـة من ناحيـة الدليل والكاشف، لأنّ لنا أن نقول بكون التخيـير فيها من جهـة الدليل والكاشف، لأنّ أدلّـة أصالـة الحلّ تشمل بعمومها لأطراف العلم الإجمالي أيضاً. غايـة الأمر: أنّها خصّصت بالنسبـة إليها قطعاً، ولكن أمر المخصّص دائر بين أن يكون مقتضاه خروج الأطراف مطلقاً حتّى يلزم الخروج الأفرادي والأحوالي معاً، وبين أن يكون مقتضياً لخروج كلّ واحد منها مشروطاً بدخول الآخر، فهذا الإجمال بضميمـة لزوم الاقتصار على القدر المتيقّن في مقام التخصيص أوجب التخيـير، كما هو واضح. ومنها: وهو العمدة، أنّ ما ذكره من عدم كون التخيـير في باب الاُصول من مقتضيات المجعول والمنكشف ممنوع جدّاً، ضرورة أنّ المقام إنّما هو من قبيل المتزاحمين، كما أنّ فيهما يكون الملاك في كلّ فرد موجوداً، فكذلك الملاك لجريان أصل الإباحـة في كلّ من الأطراف موجود قطعاً، وكما أنّ المانع العقلي هناك بضميمـة اقتضاء كلّ من المتزاحمين صرف القدرة إلى نفسـه يوجب الحكم بالتخيـير إمّا لتقيـيد الإطلاق، وإمّا لسقوط الخطابين واستكشاف العقل حكماً تخيـيريّاً، كذلك المانع العقلي هنا وهو لزوم المخالفـة القطعيـة بضميمـة اقتضاء كلّ من الأصلين لإثبات حكم متعلّقـه يوجب التخيـير قطعاً. فالعمدة في الجـواب ما ذكرنا مـن أنّـه ليس هنا مـا يدلّ على جـريان أصل الحلّيـة في كلّ واحد من الأطراف، بل مجراه هو مجموعها الذي هو المختلـط مـن الحـلال والحـرام، وجريانـه فيـه مستلزم للمخالفـة القطعيـة كما مـرّ، فتأمّل فـي المقام فإنّـه مـن مـزالّ الأقـدام كما يظهر بمراجعـة كلمات الأعلام.
110
تبصرة وهي أنّ المحقّق النائيني (قدس سره) بعد الحكم بعدم جواز الإذن في جميع الأطراف; لأنّـه إذن في المعصيـة والعقل يستقلّ بقبحها، قال على ما في التقريرات: وأمّا الإذن في البعض فهو ممّا لا مانع عنـه، فإنّ ذلك يرجع في الحقيقـة إلى جعل الشارع الطرف الغير المأذون فيـه بدلا عن الواقع والاكتفاء بتركـه عنـه لو فرض أنّـه صادف المأذون فيـه للواقع، وكان هو الحرام المعلوم في البين، ودعوى أنّـه ليس للشارع الاكتفاء عن الواقع ببدلـه ممّا لا شاهد عليـه، وإلى ذلك يرجع ما تكرّر في كلمات الشيخ (قدس سره) من إمكان جعل بعض الأطراف بدلا عن الواقع، فإنّـه ليس المراد تنصيص الشارع بالبدليّـة، بل نفس الإذن في البعض يستلزم بدليّـة الآخر قهراً(1)، انتهى. وأنت خبير بأنّ جعل البدليّـة يتوقّف على كون المجعول بدلا ممّا يصلح لأن يكون بدلا، بأن يكون واجداً لملاك البدليّـة وصالحاً لأن يقوم مقام المبدل، وفي المقام لا يكون كذلك; لأنّ المفروض هنا هو دوران الأمر بين الحرمـة وغير الوجوب من الأحكام الثلاثـة الاُخر. ومن المعلوم أنّ المستحبّ ـ مثلا ـ الذي تكون فيـه مصلحـة راجحـة كيف يعقل أن يكون بدلا عن المحرّم الذي لا يكون فيـه إلاّ مفسدة تامّـة، فالإذن في ارتكاب المحرّم وجعل المستحبّ ـ مثلا ـ بدلا عنـه والاكتفاء بتركـه عن ترك المحرّم ممّا لا نتصوّره أصلا بعد كون المستحبّ ذا مصلحـة راجحـة والمحرّم ذا
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 35.

111
مفسدة ملزمـة. وكذا الحكم في المكروه والمباح، فإنّـه لا يعقل جعل شيء منهما بدلا عن الحرام بعد خلوّ المباح عن المفسدة وعدم بلوغ مفسدة المكروه إلى حدّ التمام الموجب للإلزام. فإذن ينقدح بطلان ما ذكره من أنّ «دعوى أنّـه ليس للشارع...» إلى آخره; لما عرفت من عدم معقوليّـة البدليّـة المقتضيـة لكون البدل واجداً لملاكها، كما لايخفى. فلو ثبت الإذن في بعض الأطراف فاللازم أن يقال بأنّ في صورة مصادفـة المأذون فيـه للمحرّم الواقعي أنّ الشارع قد رفع اليد عن حكمـه الموجود في البين لمصلحـة أهمّ من مصلحـة الواقع، وهي مصلحـة التسهيل ومفسدة التضيـيق الموجبـة لأن تكون الشريعـة سمحـة سهلـة حتّى يرغب الناس فيها، كما هو الشأن في الترخيص في مطلق الشبهات البدويّـة مع ثبوت الحكم الواقعي في بعض مواردها كما مرّ مراراً فتدبّر. ولابدّ من التنبيـه على اُمور:
112
الأمر الأوّل تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات لو كان أطراف العلم الإجمالي ممّا يوجـد تدريجاً فهل يجب الاحتياط أيضاً بالإتيان بجميعها في الشبهات الوجوبيّـة وبتركـه فـي الشبهات التحريميّـة أم لا؟ الظاهر الوجوب; لأنّ التكليف ولو كان مشروطاً بأمر استقبالي بحيث لم يكن متحقّقاً قبل تحقّق الشرط، كما هو الشأن في جميع الواجبات المشروطـة، إلاّ أنّـه لو فرض كونـه معلوماً بالتفصيل لكان اللازم على المكلّف الإتيان بمقدّمات المكلّف بـه التي لا يقدر عليها بعد ثبوت التكليف. ولا يكون المكلّف معذوراً لو لم يفعلها; نظراً إلى أنّ التكليف لم يكن ثابتاً قبل تحقّق الشرط، فكيف يجب على المكلّف تحصيل مقدّماتـه. وبعده وإن تحقّق التكليف إلاّ أنّـه معذور في المخالفـة، لأجل عدم القدرة على فعل متعلّقـه، لأنّ المفروض عدم القدرة على المقدّمات بعد تحقّق الشرط. وجـه عدم المعذوريّـة: أنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل هذه المقدّمات مع العلم بعدم القدرة عليها بعد ثبوت التكليف وإن لم يكن التكليف متحقّقاً بعد، فإذا كان الأمر كذلك فيما لو كان الواجب المشروط معلوماً بالتفصيل فكيف إذا دار الأمر بين كون الوجوب مطلقاً أو مشروطاً؟ وبالجملـة: لا ينبغي الإشكال في وجوب الاحتياط في التدريجيات من
113
دون فرق بين أن يكون الأمر دائراً بين المعلّق والمنجّز، وبين أن يكون دائراً بين المطلق والمشروط. أمّا في الأوّل: فواضح بعدما عرفت من كون التكليف في الواجب المعلّق يكون ثابتـاً قبل وجـود المعلّق عليـه أيضاً، فهو عالـم إجمـالا بتعلّق تكليف فعلي حالي. غايـة الأمر أنّ المكلّف بـه مردّد بين أن يكون حاليّاً أو استقبالياً، والعقل يحكم بلزوم الاحتياط، لعدم الفرق بينـه وبين الموجودات فعلا. وأمّا في الثاني: فلما عرفت من أنّ حكم العقل بلزوم تحصيل غرض المولى لا يتوقّف على صدور أمر فعلي من ناحيتـه، بل يحكم بذلك ولو كان التكليف استقباليّاً، بل قد عرفت في بعض المباحث السابقـة أنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل الغرض ولو لم يكن في البين أمر أصلا، كما لايخفى.
114
الأمر الثاني حكم الاضطرار إلى أحد أطراف العلم الإجمالي لو اضطرّ إلى أحد الأطراف فتارة يكون الاضطرار إلى طرف معيّن، واُخرى يكون إلى واحد من الأطراف غير معيّن، وعلى التقديرين قد يكون الاضطرار قبل تعلّق التكليف والعلم بـه، وقد يكون بعدهما، وقد يكون بعد واحد منهما وقبل الآخر، وقد يكون مقارناً لهما أو لأحدهما، فهاهنا صور: فنقول: أمّا لو كان الاضطرار إلى طرف معيّن وكان الاضطرار قبل تعلّق التكليف أو بعده وقبل العلم فالظاهر عدم وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر، سواء قلنا بأنّ الاضطرار من حدود التكليف وقيوده بحيث لا يكون فعليّاً مع الاضطرار ويكون مشروطاً بعدمـه، أو قلنا بأنّ الاضطرار وكذا سائر الأعذار أعذار عقليّـة والتكليف ثابت فعلي مطلقاً. غايـة الأمر أنّـه لا يصحّ للمولى الاحتجاج بـه مع وجود مثل الجهل والعجز والاضطرار ونحوها من الأعذار، كما هو الحقّ وقد مرّ تحقيقـه في مواضع متعدّدة ولعلّـه يأتي أيضاً فيما بعد. أمّا على القول الأوّل: فلأنّـه يشترط في منجزيّـة العلم الإجمالي أن يكون متعلّقـه التكليف الفعلي الثابت على أيّ تقدير، بحيث لو تبدّل إلى العلم التفصيلي بثبوتـه في كلّ واحد من الأطراف لكان منجّزاً، وهنا ليس كذلك، لأنّـه يحتمل أن يكون المضطرّ إليـه هو الشيء الذي تعلّق بـه التكليف فلم يكن حينئذ فعليّاً، لاشتراط فعليّتـه على الفرض بعدم عروض الاضطرار بالنسبـة إلى المكلّف بـه. وحينئذ فلا يعلم بثبوت التكليف الفعلي على أيّ تقدير، كما هو واضح.
115
وأمّا على القول الثاني: فلأنّ الاضطرار وإن لم يكن من قيود التكليف الفعلي، إلاّ أنّـه من قيود التكليف الفعلي الصالح للاحتجاج، ولابدّ في تأثير العلم الإجمالي من أن يكون متعلّقـه هو التكليف الفعلي الصالح للاحتجاج على أيّ تقدير، ومن الواضح أنّـه ليس هنا كذلك; لأنّـه يحتمل أن يكون المضطرّ إليـه هو المكلّف بـه، فلا يكون التكليف حينئذ صالحاً للاحتجاج وإن كان باقياً على الفعليّـة. ومجرّد البقاء على الفعليّـة لا يجدي ما لم ينضمّ إليـه القابليّـة، ولذا لايكون العلم الإجمالي مؤثّراً لو حصل لـه الاضطرار إلى جميع الأطراف، كما هو واضح. إن قلت: لازم ما ذكرت هو جواز القعود عن تكليف المولى فيما لو شكّ في كونـه قادراً على إتيان متعلّقـه; لأنّ مقتضى ما ذكرت هو كفايـة مجرّد احتمال كون المضطرّ إليـه هو المكلّف بـه، فإذا كان مجرّد احتمال الاضطرار بالنسبـة إلى متعلّق التكليف كافياً في عدم قابليّتـه للاحتجاج، فكذلك مجرّد احتمال عدم القدرة والعجز عن إتيان المكلّف بـه يكون كافياً، ضرورة أنّـه لا فرق بين الاضطرار والعجز من هذه الحيثيّـة أصلا، وبطلان اللازم واضح كما يظهر بمراجعـة العقل والعقلاء، لأنّـه لا يكون العبد الشاكّ في القدرة معذوراً عندهم في المخالفـة، وحينئذ فلابدّ من الالتزام بذلك في الاضطرار كما في المقام. قلت: الفرق بين المقام وبين مسألـة الشكّ في القدرة التي لا يكون العبد فيها معذوراً في المخالفـة هو أنّ في المقام يكون الاضطرار معلوماً ولا يكون المكلّف المضطرّ شاكّاً فيـه أصلا، غايـة الأمر أنّـه يشكّ في انطباقـه على مورد التكليف، ويحتمل أن يكون المضطرّ إليـه هو المكلّف بـه، أو أن يكون غيره، وحينئذ فأمره دائر بين أن يكون عروض الاضطرار بالنسبـة إلى المكلّف بـه، فلا
116
يكون التكليف بالنسبـة إليـه صالحاً للاحتجاج، وبين أن يكون المضطرّ إليـه هو غير المكلّف بـه، فيكون التكليف بالنسبـة إليـه قابلا لـه، فلا يعلم بثبوت التكليف الفعلي الصالح للاحتجاج على أيّ تقدير، وقد عرفت أنّـه شرط في تأثير العلم الإجمالي، فتأمّل، هذا. وأمّا لو كان الاضطرار إلى المعيّن بعد تعلّق التكليف والعلم بـه، فالظاهر هنا وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر، لأنّ مقتضى العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي الصالح للاحتجاج على أيّ تقدير هو لزوم الاحتياط وتحصيل الموافقـة القطعيّـة، فإذا عرض لـه الاضطرار المانع عن ذلك فلا يرى العقل المكلّف معذوراً في ترك الموافقـة الاحتماليـة، كما لايخفى. هذا كلّـه فيما لو كان الاضطرار إلى واحد معيّن من الأطراف. وأمّا لو كان إلى واحد غير معيّن منها فالظاهر وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر مطلقاً; لعدم كون الاضطرار عارضاً للمكلّف بـه حتّى يخرج التكليف الفعلي المتعلّق بـه عن الصالحيّـة للاحتجاج; لأنّ الاضطرار إنّما عرض بالنسبـة إلى واحد غير معيّن من الأطراف، فالعلم بالتكليف الفعلي الصالح للاحتجاج على أيّ تقدير موجود، ضرورة أنّـه لو تبدّل إلى العلم التفصيلي بثبوتـه في كلّ واحد من الأطراف لكان اللازم رفع الاضطرار بارتكاب الطرف الآخر، واحتمال كون ما يختاره المكلّف هو المكلّف بـه لا يضرّ بذلك بعد كون ذلك ناشئاً عن جهل المكلّف بالواقع. وبالجملـة: لا مزاحمـة بين ثبوت التكليف بالوصف المذكور وبين الاضطرار إلى بعض الأطراف بحسب الواقع، ولذا لو علم المكلّف بـه تفصيلا لكان اللازم عليـه امتثالـه ورفع الاضطرار بالطرف الآخر، وإنّما المزاحمـة بينهما
117
وقع في بعض الأوقات في مقام العمل، لجهل المكلّف بالواقع، وهذا هو الفارق بين الاضطرار إلى المعيّن والاضطرار إلى غيره، لأنّـه في الأوّل لا تكون المزاحمـة مستندة إلى الجهل، بل المزاحمـة على تقدير كون المضطرّ إليـه هو المكلّف بـه ثابتـة مطلقاً مع العلم والجهل، بخلاف الثاني. وإن شئت قلت: إنّ الاضطرار لم يعرّض المكلّف بـه هنا لـه أصلا، بخلاف الاضطرار إلى المعيّن، فإنّـه في أحد الوجهين يكون عارضاً للمكلّف بـه، كما لايخفى. ودعوى: أنّ بعد اختيار بعض الأطراف لا يكون العلم بالتكليف موجوداً، فلا وجـه للاحتياط. مدفوعـة: بأنّ مقتضى ذلك عدم وجوب الاحتياط فيما لو فقد بعض الأطراف أيضاً، ولا يقول بـه أحد. ومن جميع ما ذكرنا يظهر: الخلل فيما أفاده المحقّق الخراساني في الكفايـة، حيث إنّـه (قدس سره) ذهب إلى عدم الفرق بين الاضطرار إلى واحد معيّن وبين الاضطرار إلى واحد غير معيّن، وكذا نفي الفرق بين أن يكون الاضطرار سابقاً على حدوث العلم أو لاحقاً; واختار الفرق بين الاضطرار وفقد بعض الأطراف، نظراً إلى أنّ الاضطرار من حدود التكليف بخلاف الفقدان. وقال في هامش الكفايـة ما هذا لفظـه: لايخفى أنّ ذلك إنّما يتمّ فيما كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينـه، وأمّا لو كان إلى أحدهما المعيّن فلا يكون بمانع عن تأثير العلم للتنجّز، لعدم منعـه عن العلم بفعليّـة التكليف المعلوم إجمالا المردّد بين أن يكون التكليف المحدود في هذا الطرف أو المطلق في الطرف الآخر، ضرورة عدم ما يوجب عدم فعليّـة مثل هذا المعلوم أصلا، وعروض
118
الاضطرار إنّما يمنع عن فعليّـة التكليف لو كان في طرف معروضـه بعد عروضـه، لا عن فعليّـة المعلوم بالإجمال المردّد بين التكليف المحدود في طرف المعروض والمطلق في الآخر بعد العروض، وهذا بخلاف ما إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينـه، فإنّـه يمنع عن فعليّـة التكليف في البين مطلقاً، فافهم وتأمّل(1)، انتهى. والخلل في مجموع ما ذكره من وجوه: أحدها: أنّ الاضطرار لا يكون من قيود التكليف الفعلي وحدوده، بل التكليف فعلي أيضاً مع وجود الاضطرار، غايـة الأمر أنّـه لا يكون صالحاً للاحتجاج، كما مرّ ويأتي. ثانيها: أنّ الحكم بعدم الفرق بين صورتي الاضطرار كما في المتن، أو بالفرق بالقول بتأثير العلم إجمالي في الاضطرار إلى غير المعيّن دون الاضطرار إلى المعيّن كما في الهامش ممنوع; لما عرفت من ثبوت الفرق بينهما بعكس ما ذكره في الهامش، كما أنّ نفي الفرق بين سبق العلم ولحوقـه قد عرفت منعـه في الاضطرار إلى المعيّن. ثالثها: منع الفرق بين الاضطرار وفقدان بعض الأطراف، لأنّـه كما لا يكون التكليف الواقعي مؤثّراً مع وجود الاضطرار إلى متعلّقـه، كذلك لا يكون بمؤثّر مع فقد المتعلّق، نعم فرق بين ما إذا كان الفقدان قبل تعلّق التكليف والعلم بـه، وبين ما إذا كان بعدهما، كما أنّ هذا الفرق ثابت في الاضطرار أيضاً، فتدبّر.
1 ـ كفايـة الاُصول: 409، الهامش1.

119
الأمر الثالث في شرطية الابتلاء لتنجيز العلم الإجمالي ربّما يقال ـ كما هو المعروف بين المتأخّرين ـ بأنّـه يشترط فـي تنجيز العلم الإجمالي أيضاً أن تكون الأطراف ممّا يمكن ابتلاء المكلّف بها عادةً، نظراً إلى أنّ النهي عمّا لا يكون مورداً لابتلاء المكلّف بحسب العادة مستهجن عرفاً; لأنّـه كما يعتبر في عدم كون النهي قبيحاً عند العقل أن يكون المكلّف قادراً بالقدرة العقليّـة على إتيان متعلّقـه، كذلك يعتبر في عدم كونـه مستهجناً عند العرف أن يكون متعلّقـه مقدوراً للمكلّف بالقدرة العاديّـة، وهي مفقودة مع عدم الابتلاء بها عادةً. والوجـه في هذا الاعتبار أنّ الغرض من النهي إنّما هو إيجاد الداعي للمكلّف إلى ترك المنهي عنـه لاشتمالـه على المفسدة، وهذا الغرض حاصل بدون النهي فيما لو كان المنهي عنـه متروكاً عادةً، كما أنّ الغرض من الأمر هو إيجاد الداعي لـه إلى فعل المأمور بـه لاشتمالـه على المصلحـة الملزمـة، ومع ثبوتـه للمكلّف بدونـه لا مجال للأمر أصلا، لكونـه مستهجناً عرفاً. وممّا ذكر يظهر: أنّ الرافع للاستهجان هو إمكان ثبوت الداعي إلى الفعل في النهي وإلى الترك في الأمر بحسب العادة، فلو فرض عدم هذا الداعي إمّا لعدم القدرة العاديّـة على الفعل في الأوّل، وعلى الترك في الثاني، وإمّا لعدم حصول الداعي اتّفاقاً وإن كان مقدوراً عادة يستهجن التكليف. هذا غايـة ما يمكن أن يقال في توجيـه هذا المقال.
120
الفرق بين الخطابات القانونية والخطابات الشخصية ولا يخفى أنّ ذلك مبني على القول بانحلال الخطابات الشرعيّـة إلى الخطابات المتعدّدة حسب تعدّد المكلّفين، فإنّـه حينئذ لابدّ من ملاحظـة المكلّف المتوجّـه إليـه الخطاب الشخصي وأنّـه هل يكون مستهجناً بالنسبـة إليـه، لأجل الاضطرار أو عدم القدرة العقليّـة أو العاديّـة أو عدم انصراف إرادتـه، أو لا يكون كذلك، لفقدان هذه الاُمور، ولايخفى أنّ الالتزام بذلك يوجب محذورات كثيرة: منها: أنّ لازمـه عدم صحّـة تكليف العاصي الذي لا يحتمل المولى الآمر أن يؤثّر أمره فيـه، فيخرج عن كونـه عاصياً، وكذا الكافر بطريق أولى. ومنها: أنّ لازمـه تعميم ذلك بالنسبـة إلى الأحكام الوضعيـة أيضاً، فإنّـه كما يستهجن التكليف بحرمـة الخمر الموجود في البلاد البعيدة والنهي عن شربـه، كذلك يكون جعل النجاسـة لـه أيضاً مستهجناً بعد وضوح أنّ مثل هذا الجعل إنّما هو لغرض ترتيب الآثار، ولا معنى لـه بعد عدم الابتلاء بـه عادةً. وحينئذ فيلزم أن يكون الخمر الواحد نجساً بالنسبـة إلى من كان مبتلى بـه، وغيرنجس بالنسبـة إلى غير المبتلى، وهذا ممّا لا يمكن أن يلتزم بـه فقيـه. وبالجملـة: فلا فرق في الاستهجان بين كون المكلّف غير قادر على إتيان متعلّقـه بالقدرة العاديّـة، وبين كونـه عاصياً لا يحتمل أن يتأثّر من الأمر. ودعوى: أنّ المصحّح للبعث والتحريك إنّما هو إمكان الانبعاث من المكلّف، وهو متحقّق في العاصي وإن علم بعدم تأثير الأمر فيـه، لأنّـه لا ينافي العلم بعدم التأثير خارجاً مع إمكان الانبعاث ذاتاً.
121
مدفوعـة: بأنّ البعث لا يمكن أن يصدر إلاّ مع تحقّق مباديـه التي منها ترتّب الغايـة والغرض عليـه، وبعد العلم بعدم ترتّب هذه الغايـة عليـه لأجل العلم بعدم انبعاث المكلّف وعدم تأثير البعث فيـه لا تكون المبادئ بأجمعها متحقّقـة، وبدونها لا يعقل أن ينقدح في نفس المولى إرادة البعث، كما هو واضح. والتحقيق في المقام أن يقال: إنّ الخطابات الشرعيّـة خطابات كلّيـة متوجّهـة إلى عامّـة المكلّفين، بحيث يكون الخطاب في كلّ واحد منها واحداً والمخاطب متعدّداً حسب تعدّد المكلّفين، والمصحّح لهذا النحو من الخطاب العامّ إنّما هو ملاحظـة حال نوع المخاطبين دون كلّ واحد منهم، فإن كانوا بحسب النوع قادرين بالقدرة العقليّـة والعاديّـة يصحّ الخطاب إلى الجميع بخطاب واحد، ولا يكون عجز البعض عقلا أو عادةً موجباً لاستهجان الخطاب العامّ بعد عدم خصوصيـة مميّزة للعاجز، وهكذا بالنسبـة إلى العاصي والكافر، فإنّ المصحّح لتوجيـه الخطاب العامّ الشامل للعاصي والكافر أيضاً إنّما هو احتمال التأثير بالنسبـة إلى النوع وإن علم بعدم تأثيره بالنسبـة إلى بعض المخاطبين. وبالجملـة: لا وجـه للقول بانحلال الخطابات الشرعيّـة إلى خطابات متعدّدة حسب تعدّد المخاطبين المكلّفين، خصوصاً بعد كون مقتضى ظواهرها هو وحدة الخطاب وتعدّد المخاطب، بل اللازم إبقائها على ظاهرها، وبـه يندفع الإشكالات المتقدّمـة، كما أنّـه بـه يظهر الوجـه في وجوب الاحتياط في صورة الشكّ في القدرة الذي هو مورد للاتّفاق. وهذا بخلاف القول بالانحلال، فإنّـه حينئذ يشكل الوجـه في ذلك، لأنّـه بعد اختصاص الخطاب والتكليف بالقادرين يكون مرجع الشكّ في القدرة إلى الشكّ في أصل التكليف وهو مجرى البراءة، كما هو واضح.
122
إذا ظهر لك ذلك: تعرف أنّـه لو كان بعض الأطراف في الشبهـة المحصورة خارجاً عن محلّ الابتلاء غير مقدور بالقدرة العاديّـة لا يكون ذلك موجباً لعدم تنجّز التكليف المعلوم إجمالا، لأنّ التكليف يكون ثابتاً ولو كان متعلّقـه خارجاً عن محلّ الابتلاء، لأنّ الخروج عن محلّ ابتلاء بعض المكلّفين لا يوجب استهجان الخطاب العامّ والتكليف بنحو العموم، بل الملاك في الاستهجان ما عرفت من خروجـه عن محلّ ابتلاء عامّـة المكلّفين أو أكثرهم. وحينئذ فلابدّ من الاحتياط بترك ما هو محلّ للابتلاء أيضاً، هذا مع العلم بالخروج عن محلّ الابتلاء. وأمّا مع الشكّ في ذلك فالأمر أوضح. كلام المحقّق النائيني فيما لو شكّ في الخروج عن محلّ الابتلاء ثمّ إنّ المحقّق المعاصر (قدس سره) بعد ذهابـه إلى جريان البراءة فيما لو كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء، اختار الاحتياط فيما لو شكّ في ذلك، لا من جهـة الاُمور الخارجيّـة، بل من جهـة إجمال ما هو خارج عن موارد التكليف الفعلي، حيث قال في كتاب الدرر في وجهـه ما لفظـه: إنّ البيان المصحّح للعقاب عند العقل ـ وهو العلم بوجود مبغوض المولى بين أمور ـ حاصل، وإن شكّ في الخطاب الفعلي من جهـة الشكّ في حسن التكليف وعدمـه. وهذا المقدار يكفي حجّـة عليـه، نظير ما إذا شكّ في قدرتـه على إتيان المأمور بـه وعدمها بعد إحراز كون ذلك الفعل موافقاً لغرض المولى ومطلوباً لـه ذاتاً، وهل لـه أن لا يقدم على الفعل بمجرّد الشكّ في الخطاب الفعلي الناشئ من
123
الشكّ في قدرتـه؟ والحاصل أنّ العقل بعد إحراز المطلوب الواقعي للمولى أو مبغوضـه لا يرى عذراً للعبد في ترك الامتثال(1)، انتهى. والمحقّق النائيني أيضاً تمسّك بهذا الوجـه لوجوب الاحتياط على ما في التقريرات(2)، ولكن الفاضل المقرّر ذكر في الحاشيـة أنّـه أورد على شيخـه الاُستاذ النقض بما لو علم بخروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء، لأنّ المفروض أنّـه لا دخل للابتلاء وعدمـه في الملاك، فلو كان العلم بثبوت الملاك يقتضي وجوب الاجتناب عن أحد الطرفين مع الشكّ في خروج الآخر عن مورد الابتلاء فليقتض ذلك أيضاً مع العلم بخروج أحدهما عن مورد الابتلاء، وذكر أنّـه بعد النقض عليـه: أسقط هذا الوجـه عن الاعتبار(3). وكيف كان: فبناء على مبناهم من كون الاضطرار والعجز ونحوهما من حدود التكليف الفعلي وقيده لا مجال للقول بوجوب الاحتياط مع الشكّ في الخروج عن مورد الابتلاء; لأنّ كشف الملاك إنّما هو من طريق تعلّق التكليف بناءً على مذهب العدليّـة من تبعيّـة الأحكام للمصالح والمفاسد النفس الأمريّـة، وإلاّ فمع عدمـه كيف يستكشف الملاك؟ وحينئذ: فمع العلم بالخروج عن محلّ الابتلاء لا يكون العلم الإجمالي بمنجّز أصلا; لأنّـه لو كان الخارج عن محلّ الابتلاء هو متعلّق التكليف لم يكن التكليف المتعلّق إليـه فعليّاً، لأنّ المفروض أنّـه من حدود التكليف الفعلي، وأمّا
1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 465. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 55. 3 ـ نفس المصدر: 57، الهامش1.

124
مع الشكّ في ذلك فالأمر أيضاً كذلك، لأنّ مرجع الشكّ في الخروج إلى الشكّ في ثبوت التكليف الفعلي وهو مجرى البراءة. وقد عرفت أنّ مقتضى كلامهم جريان البراءة في صورة الشكّ في القدرة، مع أنّهم لا يلتزمون بـه. وبالجملـة: لو علم بثبوت الملاك من غير طريق الخطاب لكان لما ذكروه وجـه، ولكنّ الظاهر أنّ مرادهم استكشافـه من طريق التكليف، ومع تقيـيد إطلاق الهيئـة على ما هو المفروض يكون إطلاق المادّة أيضاً المستكشف منـه الملاك في كلّ مورد أيضاً مقيّداً، لأنّ الخطاب المتوجّـه إلى صنف خاصّ إنّما يستفاد منـه ثبوت الملاك في متعلّقـه بالنسبـة إلى ذلك الصنف فقط، ولا يكون طريقاً إلى ثبوتـه مطلقاً كما هو واضح، فلا وجـه للاحتياط مع الشكّ فضلا عن صورة العلم. وأمّا بناءً على ما هو التحقيق فقد عرفت أنّ اللازم هو الاجتناب عن الطرف الآخر الذي هو مورد للابتلاء مطلقاً، فتأمّل جيّداً. ثمّ إنّـه استدلّ المحقّق النائيني (قدس سره) لوجوب الاحتياط مـع الشكّ في الخروج عن مورد الابتلاء بوجـه آخر أفاده الشيخ (قدس سره) وهو التمسّك بإطلاقات أدلّـة المحرّمات، فقال في تقريب الاستدلال بـه ما ملخّصـه: أنّـه لا إشكال في إطلاق ما دلّ على حرمـة الخمر مثلا وشمولـه لكلتا صورتي الابتلاء وعدمـه، والقدر الثابت من التقيـيد عقلا هو ما إذا كان الخمر خارجاً عن مورد الابتلاء بحيث يلزم استهجان النهي عنـه بنظر العرف، فإذا شكّ فـي استهجان النهي وعدمـه لأجل الشكّ في إمكان الابتلاء وعدمـه فالمرجع هو الإطلاق، لأنّ التخصيص بالمجمل مفهوماً المردّد بين الأقلّ والأكثر لا يمنع عن التمسّك بالعامّ فيماعدا القدر المتيقّن، بل الجواز في المقام أولى من غيره، لأنّ المقيّد فيما نحن فيـه هو حكم العقل، وفي المقيّدات اللبيّـة يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهات
125
المصداقيّـة فضلا عن الشبهات المفهوميـة إذا كان الترديد بين الأقلّ والأكثر، كما في المقام. وبالجملـة: لا ينبغي التأمّل في جواز التمسّك بإطلاق أدلّـة المحرّمات الواردة في الكتاب والسنّـة. فإن قلت: المخصّص المجمل المتّصل بالعامّ يسري إجمالـه إلى العامّ ولا ينعقد لـه ظهور في جميع ما يحتمل انطباق مفهوم المخصّص عليـه إذا كان المخصّص لفظياً أو عقلياً ضرورياً، سواء كان إجمالـه لأجل تردّده بين المتباينين أو بين الأقلّ والأكثر، والتفصيل بينهما إنّما هو في المخصّص اللفظي المنفصل أو ما بحكمـه من العقل النظري، وأمّا العقل الضروري فحكمـه حكم المتّصل، لأنّ المخصّص إذا كان ضروريّاً فبمجرّد صدور العامّ من المتكلّم ينتقل الذهن إليـه ويكون كالقرينـة المحتفّـة بالكلام يسري إجمالـه إليـه. وهذا بخلاف العقل النظري، فإنّـه لا ينتقل الذهن إليـه إلاّ بعد الالتفات إلى المبادئ التي أوجبت حكم العقل، وقد لا تكون المبادئ حاضرة، فلا يمنع عن انعقاد الظهور للعامّ ولا يسري إجمالـه إليـه، ومن المعلوم أنّ المخصّص في المقام إنّما يكون من الأحكام العقليّـة الضروريّـة، لأنّ ضرورة العقل قاضيـة باستهجان النهي عمّا لا يمكن الابتلاء بـه، كما لايخفى. قلت أوّلا: يمكننا منع كون المخصّص في المقام من الضروريات العقليّـة المرتكزة في أذهان العرف والعقلاء. وثانياً: أنّ سرايـة إجمال المخصّص اللفظي المتّصل أو العقلي الضروري إلى العامّ إنّما هو فيما إذا كان الخارج عن العموم عنواناً واقعيّاً غير مختلف المراتب وتردّد مفهومـه بين الأقلّ والأكثر، كما لو تردّد مفهوم «الفاسق» الخارج
126
عن عموم «أكرم العلماء» بين أن يكون خصوص مرتكب الكبيرة أو الأعمّ منـه ومن مرتكب الصغيرة، وأمّا إذا كان الخارج عنواناً ذا مراتب مختلفـة وعلم بخروج بعض مراتبـه عن العامّ وشكّ في خروج بعض آخر فإجمالـه لا يسري إلى العامّ، لأنّ الشكّ في مثل هذا يرجع إلى الشكّ في ورود مخصّص آخر للعامّ غير ما علم التخصيص بـه فتأمّل(1). انتهى ملخّص موضع الحاجـة من كلامـه على ما في التقريرات. ويرد عليـه وجوه: منها: أنّ ما أفاده من جواز التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّـة للمقيّدات اللبّـيّـة محلّ نظر، بل منع; لأنّ مبنى ذلك إنّما هو دعوى أنّ العقل يخرج الأفراد والخصوصيات، فمرجع الشكّ في كون شيء مصداقاً للمخصّص إلى الشكّ في التخصيص الزائد، وهذا المبنى بمكان من البطلان. ضرورة أنّ حكم العقل عبارة عن الكبريات الكلّيـة الثابتـة في مواردها، وحكم العقل بخروج الأفراد إنّما هو لملاك واحد مشترك بينهما، فلا فرق بين قيام الدليل اللفظي على التخصيص وحكم العقل بذلك أصلا، فكما لا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهـة المصداقيّـة للمخصّص في المخصّصات اللفظيـة فكذلك لا يجوز في اللبّـيّات أيضاً. ومنها: أنّ الفرق بين العقل الضروري والنظري محلّ منع، بل الظاهر عدم الفرق بينهما مـن حيث كونهما كالمخصّص المتّصل; لأنّ العقل النظري وإن كان لاينتقل الذهـن إليـه إلاّ بعـد الالتفات إلـى المبادئ الموجبـة لـذلك، إلاّ أنّـه
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 57 ـ 60.

127
بعد الانتقال يعلم بعدم كون الظهور المنعقد للعامّ قبل الالتفات إلى تلك المبادئ ظهوراً حقيقيّاً وأنّـه أخطـأ فـي توهّمـه انعقاد الظهور للعامّ; لأنّـه بعد الانتقال يعلم بكون دائرة العامّ من أوّل صدوره من المولى كانت أضيق ممّا كان يتوهّمـه سابقاً. وهذا بخلاف المخصّص اللفظي المنفصل، فإنّ العامّ كان منعقداً ظهوره في العموم ولا يجوز رفع اليد عنـه إلاّ بالمقدار الذي يكون المخصّص فيـه حجّـة، وهو الأقلّ، ضرورة أنّ رفع اليد بالنسبـة إلى الأكثر يكون من قبيل رفع اليد عن الحجّـة بغير الحجّـة. وأمّا في المقام فبعد استكشاف حكم العقل يعلم بعدم انعقاد ظهور لـه في العموم أصلا كالعقل الضروري. وتوهّم الانعقاد لايوجب التفكيك، فكما يسري الإجمال إلى العامّ فـي العقل الضروري فكذلك يسري إليـه في العقل النظري، فلا يجوز التمسّك بـه في كلتا الصورتين فتدبّر. ومنها: أنّ ما أفاده من الجواب الثاني عن الإشكال الذي أورده على نفسـه يرد عليـه: ـ مضافاً إلى عدم الفرق بين مثال الفاسق وبين المقام; لأنّ الفاسق أيضاً ذومراتب، للفرق بين الفسق الناشئ من التصرّف في مال الغير مثلا وبين الفسق الناشئ من قتل النفس المحترمـة عمداً، كما هو واضح. وحينئذ فلو ثبت أنّ عنوان الفاسق يصدق أيضاً على مرتكب الصغيرة تكون هذه المرتبـة من الفسق من المراتب النازلـة لعنوان الفسق ـ أنّ الفرق بين ما إذا كان عنوان المخصّص عنواناً واقعيّاً غير مختلف المراتب، وما إذا كان عنواناً ذا مراتب مختلفـة في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الأوّل دون الثاني، ممّا لا يكون لـه وجـه; لأنّ المخصّص ولو كان عنواناً ذا مراتب إذا كان متّصلا بالعامّ سواء كان
128
لفظياً أو عقلياً ضروريّاً يسري إجمالـه إلى العامّ لا محالـة ويمنع عن انعقاد ظهور للعامّ في العموم، وليس هنا حجّـة على العموم حتّى يتمسّك بها في المقدار الذي لا يكون المخصّص حجّـة بالنسبـة إليـه. وبالجملـة: اتّصال المخصّص بالعامّ مانع عن كون ظهوره متّبعاً وقابلا للاحتجاج; لأنّ الكلام مادام كون المتكلِّم مشتغلا بـه لا ينعقد لـه ظهور متّبع حتّى إذا فرغ المتكلّم منـه، وهذا واضح جدّاً. وحينئذ: فلا فرق من هذه الحيثيّـة بين كون المخصّص ذا مراتب أو غيره، فمرجع التمسّك بالعامّ حينئذ إلى التمسّك بـه في الشبهـة المصداقيّـة لنفس العامّ، وهو ممّا لا يجوز قطعاً. وما ذكره من أنّ الشكّ في مثل هذا يرجع إلى الشكّ في ورود مخصّص آخر خروج عن محلّ النزاع; لأنّ الكلام في الشبهـة المفهوميّـة التي هي عبارة عن كون مفهوم المخصّص مجملا ولا يعلم انطباقـه على بعض المصاديق. وحينئذ فلا يلزم من دخول بعض المراتب أو خروجـه تخصيص زائد أصلا. نعم لو علم بكون المفهوم ذا مراتب وشكّ مع ذلك في خروج بعض المراتب وعـدمـه يكون ذلك مـن قبيل إجمال المراد، ولا يكون مـن قبيل الشبهـة المفهوميّـة أصلا. ثمّ إنّـه أورد المحقّق الخراساني (قدس سره) في الكفايـة على هذا الوجـه الذي أفاده الشيخ وتابعـه المحقّق النائيني بما لفظـه: إنّـه لو شكّ في ذلك ـ يعني في صحّـة انقداح الداعي إلى الفعل في نفس العبد ـ كان المرجع هو البراءة، لعدم القطع بالاشتغال، لا إطلاق الخطاب، ضرورة أنّـه لا مجال للتشبّث بـه إلاّ فيما إذا شكّ في التقيـيد بشيء بعد الفراغ عن صحّـة الإطلاق بدونـه، لا فيما شكّ في
129
اعتباره في صحّتـه(1). وقال في هامشها: نعم لو كان الإطلاق في مقام يقتضي بيـان التقيـيد بالابتلاء ـ لو لم يكن هناك ابتلاء مصحّح للتكليف ـ كان الإطلاق وعدم بيان التقيـيد دالاّ على فعليتـه ووجود الابتلاء المصحّح لها، كما لايخفى فافهم(2)، انتهى. وأجاب عنـه المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ بما ملخّصـه: إنّ إطلاق الكاشف بنفسـه يكشف عن إمكان إطلاق النفس الأمري، ولو كان التمسّك بالمطلقات مشروطاً بإحراز إمكان الإطلاق لانسدّ باب التمسّك بالمطلقات بالكلّيـة، إذ ما من مورد يشكّ في التقيـيد إلاّ ويرجع إلى الشكّ في إمكان الإطلاق، خصوصاً على مذهب العدليّـة من تبعيّـة الأحكام للمصالح والمفاسد النفس الأمريّـة، لأنّ الشكّ في كلّ قيد يلازم الشكّ في ثبوت المصلحـة الموجبـة للتقيـيد. وبالجملـة: الإطلاق اللفظي يكشف عن ثبوت الإطلاق النفس الأمري، كما أنّ الخطاب اللفظي يكشف عن ثبوت الملاك والمناط، وحينئذ فيؤخذ بظاهر الإطلاق في الموارد المشكوكـة ويستكشف منـه إنّاً عدم استهجان التكليف في مورد الشكّ، كما يستكشف من إطلاق قولـه (عليه السلام): «اللهمّ العن بني اُميّـة قاطبـة» عدم إيمان من شكّ في إيمانـه من هذه الطائفـة الخبيثـة، مع أنّ حكم العقل بقبح لعن المؤمن لا ينقص عن حكمـه بقبح تكليف من لا يتمكّن عادة(3)، انتهى.
1 ـ كفايـة الاُصول: 410. 2 ـ نفس ا لمصدر: 410، الهامش4. 3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 61 ـ 62.

130
وفيـه: وضوح الفرق بين المقام وبين المقيّدات الاُخر; لأنّ استهجان الخطاب مع عدم الابتلاء ممّا يكون بديهيّاً عند العامّـة، بخلاف قضيّـة المصلحـة والمفسدة التي ذهب إليها جمع من العلماء لنهوض الدليل عليها وتكون مغفولا عنها عند العرف والعقلاء، فإذا ورد «أكـرم العلماء» مثلا، يكون المتفاهم منـه بنظر العرف هو وجوب إكرام الجميع من غير توجّـه إلى ثبوت المصلحـة فـي إكرام الجميع، ويكون العموم حجّـة لا يرفعون اليد عنها في موارد الشكّ في التخصيص. وهذا بخلاف المقام الذي لا يكون الخطاب مطلقاً بنظرهم وشاملا لكلتا صورتي الابتلاء وعدمـه، بل يكون مقيّداً من أوّل الأمر بصورة الابتلاء. وحينئذ فلا يجوز التمسّك بـه مع الشكّ في الابتلاء وعدمـه، كما هو واضح.
131
الأمر الرابع في الشبهة الغير المحصورة ولابدّ من جعل البحث فيها فيما إذا كان الحكم الموجود بين الأطراف الغير المحصورة ثابتاً من إطلاق أو عموم أو قيام أمارة، ضرورة أنّـه لو كان معلوماً بالعلم الوجداني فقد عرفت في أوّل مبحث الاشتغال أنّـه يحرم مخالفتـه، ويجب موافقتـه قطعاً، ولا يعقل الترخيص ولو في بعض الأطراف لعدم اجتماع الفعليّـة على أيّ تقدير مع الإذن في البعض فضلا عن الكلّ. كما أنّـه لابدّ من تمحيض الكلام في خصوص الشبهـة الغير المحصورة وأنّ كثرة الأطراف بنفسها هل يوجب الاجتناب عن الجميع أم لا؟ مع قطع النظر عن العسر أو الاضطرار أو عدم الابتلاء، فإنّ هذه الاُمور نافيـة للاحتياط حتّى في الشبهـة المحصورة. فمحلّ النزاع في الشبهـة الغير المحصوره هو ما لو كانت الشبهـة محصورة لوجب الاحتياط فيها. وممّا ذكرنا يظهر أنّـه لا وجـه للتمسّك في المقام بالعسر أو عدم الابتلاء، كما صنعـه الشيخ في الرسالـة(1) وغيره في غيرها فتدبّر.
1 ـ فرائد الاُصول 2: 430 ـ 431.

132
فيما يدلّ على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة ثمّ إنّـه تدلّ على عدم وجوب الاحتياط فيها وجوه: منها: دعوى الإجماع بل الضرورة من غير واحد من الأعلام (قدس سرهم)(1). ومنها: الأخبار الكثيرة الدالّـة على عدم وجوب الاحتياط في مطلق الشبهات المقرونـة بالعلم الإجمالي أو خصوص الغير المحصورة منها، كصحيحـة عبداللّه بن سنان المتقدّمـة(2) عن أبيعبداللّه (عليه السلام) قال: «كلّ شيء فيـه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منـه بعينـه». وقد عرفت ظهورها في الشبهـة المقرونـة بالعلم الإجمالي، وهي وإن كانت شاملـة للمحصورة أيضاً، إلاّ أنّـه لابدّ من تقيـيدها وحملها على غير المحصور. ودعوى أنّ ذلك حمل على الفرد النادر مدفوعـة جدّاً; لمنع كون الشبهـة الغير المحصورة قليلـة نادرة بالنسبـة إلى المحصورة لو لم نقل بكونها أكثر، كما يظهر لمن تدبّر في أحوال العرف. ومنـه يظهر الخلل فيما أفاده الشيخ الأنصاري في الرسالـة في مقام الجواب عن الاستدلال بالأخبار الدالّـة على حلّيـة كلّ ما لم يعلم حرمتـه من أنّ هذه الأخبار نصّ في الشبهـة البدويّـة، وأخبار الاجتناب نصّ في الشبهـة المحصورة، وكلا الطرفين ظاهران في الشبهـة الغير المحصورة، فإخراجها عن
1 ـ جامع المقاصد 2: 166، روض الجنان: 224 / السطر21، الفوائد الحائريـة: 247. 2 ـ تقدّمت في الصفحة 88.

133
أحدهما وإدخالها في الآخر ليس جمعاً بل ترجيحاً بلا مرجّح(1). وجـه الخلل: ما عرفت من ظهور مثل الصحيحـة في خصوص الشبهـة المقرونـة بالعلم الإجمالي، لأنّ الشيء الذي فيـه الحلال والحرام هو عبارة عن المختلط بهما والشبهـة البدويّـة لا تكون كذلك. وحينئذ: فبعد إخراج الشبهـة المحصورة ـ لحكم العقلاء باستلزام الإذن في الارتكاب فيها للإذن في المعصيـة، وهو مضافاً إلى قبحـه غير معقول كما عرفت ـ تبقى الشبهـة الغير المحصورة باقيـة تحتها. هذا مضافاً إلى أنّـه لو سلّمنا الشمول للشبهـة البدويّـة فكونها نصّاً فيها وظاهراً في الشبهـة الغير المحصورة محلّ نظر، بل منع، كما لايخفى. ويدلّ على ما ذكرنا أيضاً ما رواه البرقي في محكي المحاسن عن أبيالجارود قال: سألت أباجعفر (عليه السلام) عن الجبن فقلت: أخبرني من رأى أنّـه يجعل فيـه الميتـة، فقال: «أمن أجل مكان واحد يجعل فيـه الميتـة حـرم جميع ما في الأرض؟! إذا علمت أنّـه ميتـة فلا تأكلـه، وما لم تعلم فاشتر وبِع وكُل، واللّه إنّي لأعترض السوق فأشتري اللحم والسمن والجبن، واللّه ما أظنّ كلّهم يسمّون، هذه البربر وهذه السودان»(2). فإنّـه لو اُغمض النظر عن المناقشـة في السند وكذا في المضمون من جهـة صدورها تقيّـة ـ لما عرفت سابقاً من عدم حرمـة الجبن الذي علم تفصيلا بوضع الأنفحـة من الميتـة فيـه عند علمائنا
1 ـ فرائد الاُصول 2: 432. 2 ـ المحاسن: 495 / 597، وسائل الشيعـة 25: 119، كتاب الأطعمـة والأشربـة، أبواب الأطعمـة المباحـة، الباب61، الحديث5.

134
الإماميّـة رضوان اللّه عليهم، خلافـاً للعامّـة العمياء، والروايـة مقـرّرة لهذا الحكم ـ تكون دلالتها على عدم وجوب الاجتناب فـي الشبهـة الغير المحصورة واضحـة. وما ادّعاه الشيخ (قدس سره) في الرسالـة من أنّ المراد أنّ جعل الميتـة في الجبن في مكان واحد لايوجب الاجتناب عن جبن غيره من الأماكن، ولا كلام في ذلك، لا أنّـه لا يوجب الاجتناب عن كلّ جبن يحتمل أن يكون من ذلك المكان، فلا دخل لـه بالمدّعي(1) فيـه نظر واضح; لأنّ الحكم بعدم وجوب الاجتناب عن الجبن في مكان مع العلم بعدم كونـه من الأمكنـة التي توضع فيها الميتـة في الجبن ممّا لا ينبغي أن يصدر من الإمام (عليه السلام)، ولا أن يقع مورداً للشكّ، كما هو واضح. بل الظاهر أنّ المراد أنّ مجرّد احتمال كون الجبن موضوعاً فيـه الميتـة وأنّـه من الجبن المنقولـة من الأمكنـة التي يوضع فيها الميتـة في الجبن لا يوجب الاجتناب عن كلّ جبن، وهذا هو المطلوب في باب الشبهـة الغير المحصـورة، كما أنّ قولـه (عليه السلام): «ما أظنّ كلّهم يسمّون»، ظاهـر فـي أنّ العلم بعدم تسميـة جماعـة حين الذبح كالبربر والسودان لا يوجب الاجتناب عـن جميع اللحوم. ودعوى أنّ المراد منـه عدم وجوب الظنّ أو القطع بالحلّيـة، بل يكفي أخذها من سوق المسلمين ـ كما في الرسالـة(2) غريبـة جدّاً ومخالفـة للظاهر قطعاً.
1 ـ فرائد الاُصول 2: 433. 2 ـ نفس المصدر.

135
ثمّ إنّـه يدلّ على عدم وجوب الاجتناب في الشبهـة الغير المحصورة الروايات الكثيرة الاُخر التي جمعها المحقّق الطباطبائي في حاشيتـه على المتاجر في باب جوائز السلطان، مثل صحيحـة الحلبي عن أبيعبداللّه (عليه السلام) قال: «أتى رجل أبي (عليه السلام) فقال: إنّي ورثت مالا وقد علمت أنّ صاحبـه الذي ورثتـه منـه قد كان يربى، وقد أعرف أنّ فيـه رباً وأستيقن ذلك وليس يطيب لي حلالـه، لحال علمي فيـه... إلى أن قال: فقال أبوجعفر (عليه السلام): إن كنت تعلم بأنّ فيـه مالا معروفاً رباً وتعرف أهلـه فخذ رأس مالك وردّ ما سوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكلـه هنيئاً، فإنّ المال مالك»(1). وغيرها من الروايات الاُخر من أراد الاطّلاع عليها فليراجع الحاشيـة(2). ومنها: ما أفاده المحقّق المعاصر في كتاب الدرر(3)، وتوضيحـه: أنّ تنجّز التكليف عند العقلاء عبارة عن كونـه بحيث يصحّ للمولى الاحتجاج بـه على العبد والمؤاخذة على مخالفتـه، وهذا المعنى غير متحقّق في الشبهـة الغير المحصورة، لأنّ احتمال الحرام قد بلغ من الضعف إلى حدّ لا يكون مورداً لاعتناء العقلاء واعتمادهم عليـه، بل ربّما يعدّون من ترتّب الأثر على هذا النحو من الاحتمال سفيهاً خارجاً عن الطريقـة العقلائيّـة، ألا ترى أنّ من كان لـه ولد في بلد عظيم كثير الأهل، فسمع وقوع حادثـة في ذلك البلد منتهيـة إلى قتل واحد من أهلـه، لو
1 ـ الكافي 5: 145 / 5، وسائل الشيعـة 18: 129، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب5، الحديث3. 2 ـ حاشية المكاسب، المحقّق اليزدي 1: 33. 3 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 471.

136
ترتّب الأثر على مجرّد احتمال كون المقتول هو ولده فأقام بالتعزيـة والتضرّع يعدّ مذموماً عند العقلاء مورداً لطعنهم، بل لو كان مثل هذا الاحتمال سبباً لترتيب الأثر عليـه لانسدّ باب المعيشـة وسائر الأعمال، كما هو واضح. وبالجملـة: فالتكليف وإن كان معلوماً لدلالـة الإطلاق عليـه أو نهوض أمارة شرعيّـة على ثبوتـه، إلاّ أنّ في كل واحد من الأطراف أمارة عقلائيـة على عدم كونـه هو المحرّم الواقعي، لأنّ احتمالـه مستهلك في ضمن الاحتمالات الكثيرة على حسب كثرة الأطراف، ومع بلوغـه إلى هذا الحدّ يكون عند العقلاء بحيث لا يكون قابلا للاعتناء أصلا. وحينئذ فيجوز ارتكاب جميع الأطراف مع وجود هذه الأمارة العقلائيّـة بالنسبـة إلى الجميع، هذا. ولكنّ المحقّق المزبور بعد توجيهـه جواز الارتكاب بما يرجع إلى ذلك قال: ولكن فيما ذكرنا أيضاً تأمّل، فإنّ الاطمئنان بعدم الحرام في كلّ واحد واحد بالخصوص كيف يجتمع مع العلم بوجود الحرام بينها وعدم خروجـه عنها، وهل يمكن اجتماع العلم بالموجبـة الجزئيـة مع الظنّ بالسلب الكلّي؟(1) انتهى. ولكن لا يخفى أنّ هذه الشبهـة إنّما تـتمّ لو كان متعلّق الاطمئنان متّحداً مع متعلّق العلم، ولكنّـه ليس كذلك، لأنّ المعلوم هو وجود الحرام بين هذه الأطراف، ومتعلّق الاطمئنان هو خروج كلّ واحد منها بالقياس إلى غيرها، فحصل الاختلاف بين المتعلّقين. كيف ولو لم يمكن اجتماعهما لأجل التنافي يلزم ذلك في الشبهـة المحصورة أيضاً، فإنّـه كيف يجتمع العلم بوجود الحرام بين الإنائين مع الشكّ في كلّ واحد منهما أنّـه هو المحرّم، ومن المعلوم ثبوت التنافي بين العلم
1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 471.

137
بالموجبـة الجزئيـة والشكّ في السلب الكلّي، والسرّ في ذلك ما عرفت من اختلاف المتعلّقين، فتدبّر، هذا. ويمكن إبداء شبهـة اُخرى، وهو أنّ الأمارة مطلقاً عقليّـة كانت أو شرعيّـة إنّما تكون معتبرة مع عدم العلم بكونها مخالفـة للواقع، سواء كان العلم تفصيليّاً أو إجماليّاً، وفي المقام نعلم إجمالا بأنّ واحداً من هذه الأمارات العقليّـة المتكثّرة القائمـة على خروج كلّ واحد من الأطراف بالقياس إلى غيرها مخالف للواقع قطعاً، للعلم الإجمالي بوجود الحرام بينها. ولكن يدفع الشبهـة: أنّـه كما كانت الأمارة قائمـة على عدم كون كلّ واحد من الأطراف بالقياس إلى غيره هو المحرّم الواقعي، كذلك هنا أمارة عقلائيّـة على عدم كون كلّ أمارة بالقياس إلى غيرها هي الأمارة المخالفـة للواقع، لأنّ الشبهـة فيـه أيضاً غيرمحصورة، فتأمّل. ضابط الشبهة الغير المحصورة ثمّ إنّ ضابط الشبهـة الغير المحصورة يختلف حسب اختلاف الوجوه التي استدلّ بها لعدم الوجوب; أي الاحتياط فيها، فلو تمسّك فيها بالإجماع فالواجب الرجوع إلى العرف في تعيـين مفهومها. وقد اختلف كلماتهم في تحديد المعنى العرفي، فعن الشهيد والمحقّق الثانيـين(1) وبعض آخر(2) أنّـه عبارة عمّا يعسر
1 ـ اُنظر فرائد الاُصول 2: 436، جامع المقاصد 2: 166، روض الجنان: 224 / السطر20. 2 ـ مدارك الأحكام 3: 253.

138
عدّه مطلقاً، أو في زمان قصير كما عن المحقّق الثاني، وحكي عن غيرهم اُمور اُخر لعلّـه يأتي بعضها. ولكن حيث إنّ الإجماع ممّا لا يجوز التمسّك بـه، لاختلاف العلل الموجبـة للحكم بعدم وجوب الاحتياط، كما هو المحتمل قويّاً فلا يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) فلا طائل تحت النزاع في موضوعـه وتحقيق ما هو الحقّ. ولكنّـه على تقدير ثبوتـه لا يقتضي إلاّ عدم وجوب الموافقـة القطعيـة، لأنّـه القدر المتيقّن منـه، وأمّا جواز المخالفـة القطعيـة بارتكاب الجميع فلا يستفيد منـه بعد عدم تيقّن كونـه معقد الإجماع أيضاً، هذا. وأمّا لو استند في الحكم إلى الروايات المتقدّمـة ونظائرها فليس هنا عنوان الشبهـة الغير المحصورة حتّى ينازع في تعيـين معناها وبيان مفهومها; لأنّها لا تدلّ إلاّ على حلّيـة الشيء المختلط من الحلال والحرام، وهي وإن كانت مخصّصـة بالنسبـة إلى الشبهـة المحصورة، إلاّ أنّ عنوان المخصّص ليس أيضاً هو عنوانها، بل مورد المخصّص هو ما إذا كان الترخيص في ارتكاب الجميع مستلزماً للإذن في المعصيـة بنظر العقل أو العقلاء، ففي غير هذا المورد يتمسّك بالعموم ويحكم بالترخيص. وممّا ذكرنا يظهر أيضاً أنّـه بناءً على هذا الوجـه كما لا تكون الموافقـة القطعيـة واجبـة، كذلك لا تكون المخالفـة القطعيـة بمحرّمـة أصلا; لدلالـة الروايات على حلّيـة مجموع الشيء المختلط من الحلال والحرام. وقد عرفت فيما سبق أنّ مرجع ذلك إلى رفع اليد عن التكليف التحريمي الموجود في البين لمصلحـة أقوى، وحينئذ فلو كان من أوّل الأمر قاصداً لارتكاب الجميع لوجود الخمر بين الأطراف ولا يتحقّق العلم بارتكابـه إلاّ بعد ارتكاب الجميع لا يكون
139
عاصياً، بل ولا متجرّياً; لعدم كون الخمر الموجود بينها بمحرّم أصلا بعد حصول الاختلاط، هذا. ولو استند في الباب إلى الوجـه الأخير(1) الذي أفاده في كتاب الدرر فالضابط هو بلوغ كثرة الأطراف إلى حدّ يكون احتمال كون كلّ واحد منها هو المحرّم الواقعي ضعيفاً، بحيث لم يكن معتنى بـه عند العقلاء أصلا، فكلّما بلغت الكثرة إلى هذا الحدّ تصير الشبهـة غير محصورة. ومقتضى هذا الوجـه أيضاً جواز ارتكاب الجميع; لأنّ المفروض أنّ في كلّ واحد من الأطراف أمارة عقلائيّـة على عدم كونـه هو المحرّم الواقعي حتّى فيما إذا بقي طرف واحد، فإنّ الأمارة أيضاً قائمـة على عدم كونـه هو المحرّم، بل المحرّم كان في ضمن ما ارتكبـه. نعم لو كان قصده من أوّل الأمر ارتكاب المحرّم الواقعي بارتكاب الجميع وارتكب واحداً منها واتّفق مصادفتـه للمحرّم الواقعي تصحّ عقوبتـه عليـه، كما لايخفى. بيان المحقّق النائيني في ضابط الشبهة الغير المحصورة ثمّ إنّ المحقّق النائيني (قدس سره) أفاد في بيان ضابط الشبهـة الغير المحصورة ما ملخّصـه: إنّ ضابط الشبهـة الغير المحصورة هو أن تبلغ أطراف الشبهـة حدّاً لا يمكن عادةً جمعها في الاستعمال من أكل أو شرب أو نحوهما لأجل الكثرة. فلابدّ في الشبهـة الغير المحصورة من اجتماع كلا الأمرين: كثرة العدد، وعدم التمكّن
1 ـ تقدّم في الصفحـة 135.

140
من جمعـه في الاستعمال، فالعلم بنجاسـة حبّـة من الحنطـة في ضمن حقّـة منها لا يكون من قبيل الشبهـة الغير المحصورة، لإمكان استعمال الحقّـة من الحنطـة بطحن وخبز وأكل، مع أنّ نسبـة الحبّـة إلى الحقّـة تزيد عن نسبـة الواحد إلى الألف، كما أنّ مجرّد عدم التمكّن العادي من جمع الأطراف في الاستعمال فقط لا يوجب أن تكون الشبهـة غير محصورة، إذ ربّما لا يتمكّن عادة من ذلك مع كون الشبهـة فيـه أيضاً محصورة، كما لو كان بعض الأطراف في أقصى بلاد المغرب، فلابدّ فيها من اجتماع كلا الأمرين. ومنـه يظهر عدم حرمـة المخالفـة القطعيّـة; لأنّ المفروض عدم التمكّن العادي منها، وكذا عدم وجوب الموافقـة القطعيـة; لأنّ وجوبها فرع حرمـة المخالفـة القطعيّـة، لأنّ الوجوب يتوقّف على تعارض الاُصول في الأطراف، وتعارضها يتوقّف على حرمـة المخالفـة القطعيـة، ليلزم من جريانها مخالفـة عمليـة للتكليف المعلوم في البين، فإذا لم تحرم ـ كما هو المفروض ـ لم يقع التعارض، ومع عدمـه لايجب الموافقـة القطعيـة(1)، انتهى. وفيـه وجوه من النظر: الأوّل: أنّ المراد بالتمكّن العادي من الجمع في الاستعمال إن كان هو الإمكان دفعةً; أي في أكل واحد أو شرب واحد أو لبس كذلك وهكذا، فهذا يوجب دخول أكثر الشبهات المحصورة في هذا الضابط، لأنّ كثيراً منها ممّا لا يمكن عادةً جمعها في استعمال واحد، لأجل كثرة أطرافـه المحصورة. وإن كان المراد هو الإمكان ولو تدريجاً بحسب مرور الأيّام والشهور والسنين فلازمـه خروج أكثر
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 117 ـ 119.

141
الشبهات الغير المحصورة; لإمكان جمعها في الاستعمال تدريجاً، كما هو واضح. الثاني: أنّك عرفت فيما تقدّم مراراً أنّ التكاليف الفعليـة ثابتـة بالنسبـة إلى جميع المخاطبين، ولا تكون مشروطـة بالعلم والقدرة ونظائرهما، غايـة الأمر أنّ الجاهل والعاجز معذوران في المخالفـة; لأنّ الملاك في حسن الخطاب بنحو العموم واستهجانـه غير ما هو المناط فيهما بالنسبـة إلى الخطاب الشخصي، فلو لم يكن الشخص قادراً على ترك المنهي عنـه يكون معذوراً، كما أنّـه لو لم يكن قادراً على إتيان المأمور بـه يكون كذلك. فالموجب للمعذوريّـة إنّما هو عدم القدرة على الترك في الأوّل، وعلى الفعل في الثاني لتحقّق المخالفـة، وأمّا لو لم يكن قادراً على الفعل في الأوّل وعلى الترك في الثاني فلا معنى للعذر هنا، لعدم حصول المخالفـة منـه أصلا، كما لايخفى. وحينئذ: فما أفاده من أنّ عدم التمكّن العادي من المخالفـة القطعيـة يوجب أن لا تكون محرّمـة، ممنوع; لأنّ عدم التمكّن لا يوجب تحقّق المنهي عنـه حتّى يرتفع حكمـه أو يصير معذوراً، فتدبّر. الثالث: أنّـه لو سلّم ما ذكر فنقول: إنّ ما تعلّق بـه التكليف التحريمي هو الخمر الموجود في البين، فلابدّ من ملاحظـة عدم التمكّن بالنسبـة إليـه، وأمّا الجمع بين الأطراف الذي هو عبارة اُخرى عن المخالفـة القطعيّـة فلا يكون مورداً لتعلّق التكليف حتّى يكون عدم التمكّن العادي من المكلّف بـه موجباً لرفع التكليف المتعلّق بـه. وبالجملـة: ما هو مورد لتعلّق التكليف ـ وهو الخمر الموجود بين الأطراف المتكثّرة ـ يكون متمكّناً من استعمالـه في نفسـه; لأنّـه لا يكون إلاّ في إناء واحد مثلا، وما لا يتمكّن من استعمالـه ـ وهو الجمع بين الأطراف ـ لا يكون متعلّقاً
142
لحكم تحريمي أصلا. نعم يحكم العقل بلزوم تركـه في أطراف الشبهـة المحصورة أو غيرها أيضاً بناءً على بعض الوجوه، كما عرفت. مقتضى القاعدة عند الشكّ في كون شبهة محصورة أو غير محصورة ثمّ إنّـه لو شكّ في كون شبهـة محصورة أو غيرها من جهـة المفهوم أو المصداق فهل القاعدة تقتضي الاحتياط أم لا؟ ولنتكلّم في ذلك بناءً على الوجهين الأخيرين اللذين يمكن الاستدلال بهما لنفي وجوب الاجتناب في الشبهـة الغير المحصورة، وإن كان الاستناد إلى كلّ واحد مستقلاّ، لا يخلو عن الإيراد; لعدم وفاء الروايات بتمام المقصود، لأنّها لا تشمل الشبهـة الغير المحصورة الوجوبيـة، بل يختصّ بالتحريميـة منها، وعدم خلوّ الوجـه الأخير من المناقشـة; لأنّـه لو فرض بعد العلم الإجمالي بوجود الحرام بين الأطراف الغير المحصورة أنّـه ظنّ بالظنّ الغير المعتبر أنّ الحرام إنّما هو بين أطراف محصورة منها، كما لو ظنّ بوجود الحرام بين عشرة معيّنـة من الألف الذي يعلم إجمالا بأنّ واحداً منـه حرام واقعاً، لم يكن حينئذ أمارة عقلائيّـة على عدم كون كلّ واحد من الأطراف هو الحرام الواقعي بالقياس إلى غيره; لعدم اجتماع الظنّ بوجوده بينها مع الأمارة العقلائيـة على الخلاف في كلّ واحد منها، كما لايخفى. هذا، ولكنّ الاستناد إلى مجموع الوجهين وجعلهما دليلا واحداً خال عن المناقشـة والإيراد. وكيف كان: فبناءً على كون الدليل في المقام هي الروايات الدالّـة على
143
حلّيـة المختلط من الحلال والحرام مطلقاً، فإن قلنا: بأنّها قد خصّصت بالإجماع على وجوب الاجتناب في الشبهـة المحصورة بعنوانها، فإن كانت الشبهـة مفهوميّـة دائرة بين الأقلّ والأكثر، يجب الرجوع في مورد الشكّ إلى الروايات الدالّـة على الحلّيـة، كما هو الشأن في نظائر المقام ممّا كان الشكّ من جهـة المفهوم وتردّده بين الأقلّ والأكثر. وإن كانت الشبهـة مصداقيّـة كما إذا علم بأنّ الألف يكون من الشبهـة الغير المحصورة ونصفـه من المحصورة، ولكن شكّ في أنّ أطراف هذه الشبهـة الخارجيّـة هل تبلغ الألف أو لا تـتجاوز عن نصفـه فلا مجال من الرجوع إلى الإجماع بعد عدم إحراز موضوعـه، ولا من الرجوع إلى الروايات; لأنّـه من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهـة المصداقيـة للمخصّص، وقد حقّق سابقاً عدم الجواز، بل اللازم الرجوع إلى أدلّـة التكاليف الأوّليـة والحكم بوجوب الاجتناب; لعدم ثبوت المرخّص، كما هو واضح. هذا كلّـه لو كان المخصّص للروايات هو الإجماع على خروج عنوان الشبهـة المحصورة، وأمّا لو كان المخصّص هو حكم عقل العرف بلزوم رفع اليد عن العموم في ما يوجب الإذن في المعصيـة فاللازم بناءً على ما ذكرنا سابقاً من أنّ الدليل العقلي إنّما يكون كالمخصّص المتّصل ضروريّاً كان أو نظريّاً، يكون العامّ من أوّل الأمر مقيّداً بغير صورة يستلزم الإذن في المعصيـة الذي هو قبيح، فلا يجوز التمسّك بـه في مورد الشكّ; لأنّـه من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهـة المصداقيـة لنفسـه، وهو لا يجوز اتّفاقاً، هذا. وأمّا لو كان الدليل هو الوجـه الأخير، فإن كانت الشبهـة مصداقيّـة فالظاهر أنّـه لا يجب الاجتناب; لأنّ العلم الإجمالي بوجود الحرام الواقعي في
144
البين وإن كان موجباً للاحتياط، إلاّ أنّـه إذا خرج من ذلك ما إذا قامت الأمارة العقلائيـة على عدم كون كلّ واحد من الأطراف هو الحرام الواقعي بالقياس إلى غيره فهو نظير ما إذا دلّ الدليل الشرعي على ذلك، فالتمسّك بدليل التكليف الواقعي في مورد الشكّ من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهـة المصداقيّـة، وحينئذ فلا يبقى وجـه لوجوب الاجتناب. وأمّا لو كانت الشبهـة مفهوميّـة فالواجب الرجوع إلى دليل التكليف الواقعي والحكم بوجوب الاجتناب; لعدم ثبوت كون مورد الشكّ خارجاً، نظير ما إذا كان المخصّص اللفظي مجملا مفهوماً مردّداً بين الأقلّ والأكثر، كما لايخفى. تنبيهان: الأوّل: أنّـه بعد الحكم بعدم تأثير العلم الإجمالي في الشبهـة الغير المحصورة هل تكون الأطراف محكومـة بالحكم المترتّب على الشكّ البدوي، فلا يجوز التوضّي بالمائع المشتبـه بين الماء والبول بالشبهـة الغير المحصورة ـ كما هو الشأن في المشتبـه بالشبهـة البدويّـة ـ ضرورة لزوم إحراز كون ما يتوضّى بـه ماءً مطلقاً، أو تسقط الأطراف عن حكم الشكّ البدوي أيضاً، فيجوز الوضوء بالمائع المردّد بين الماء والبول في المثال؟ وجهان: مبنيّان على الوجهين السابقين اللذين استند إليهما لنفي وجوب الاحتياط في الشبهـة الغير المحصورة. فإن كان المستند في ذلك هي روايات الحلّ فلايجوزالتوضّي بـه في المثال; لأنّ مدلولها مجرّد الحلّيـة في مقابل الحرمـة، وأمّا إثبات الموضوع وأنّ
145
الحلال هو الماء فلا تدلّ عليـه أصلا، كما هو الشأن في الشكّ البدوي، كما لايخفى. وأمّا لو كان المستند هو الوجـه الأخير الذي مرجعـه إلى وجود أمارة عقلائيّـة في كلّ واحد من الأطراف فتسقط عن حكم الشكّ البدوي أيضاً; لأنّ الأمارة قائمـة على عدم كون كلّ واحد منها هو البول والمفروض اعتبار هذه الأمارة شرعاً، فكلّ واحد من الأطراف محكوم شرعاً بعدم كونـه بولا، فيجوز التوضّي بـه، هذا. ولا يخفى: أنّـه بناءً على ما أفاده المحقّق النائيني(1) من الوجـه لعدم وجوب الاحتياط في الشبهـة الغير المحصورة ـ وهو أنّـه لا تكون المخالفـة القطعيـة بمحرّمـة، لعدم القدرة عليها، ووجوب الموافقـة القطعيّـة فرع حرمـة المخالفـة، فإذا فرض عدمها لا تكون الموافقـة أيضاً واجبـة ـ لابدّ من الالتزام بكون حكم كلّ واحد من الأطراف هو حكم الشكّ البدوي، كما هو واضح، مع أنّـه ذكر الفاضل المقرّر أنّـه كان شيخـه الاُستاذ مائلا إلى سقوط حكم الشبهـة أيضاً(2) فتدبّر. الثاني: أنّك عرفت(3) أنّ روايات الحلّ لا تشمل الشبهـة الغير المحصورة الوجوبيّـة، لانحصار موضوعها بالمختلط من الحلال والحرام. نعم الوجـه الأخير يشمل الصورتين معاً. وحينئذ فلو نذر أن يشرب من إناء معيّن واشتبـه بين
1 ـ تقدّم في الصفحـة 140. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 119. 3 ـ تقدّم في الصفحـة 88 ـ 89.

146
الأواني الغير المحصورة وخرج جميع الأطراف عن محلّ الابتلاء وبقي واحد منها فقط فلا يجب الشرب من الإناء الذي هو محلّ للابتلاء; لقيام الأمارة العقلائيـة على عدم كونـه هو الإناء الذي نذر أن يشرب منـه، بعد كون احتمال أنّـه هو ذلك الإناء ضعيفاً لا يعتنى بـه عند العقلاء. نعم لو كان متمكّناً من الشرب من الأواني الكثيرة التي نسبتها إلى مجموع الأواني الغير المحصورة نسبـة المحصور يجب الاحتياط بالشرب من جميع ما يتمكّن من شربـه، والسرّ أنّ ترك الشرب من مجموع ما يتمكّن مـن شربـه لابدّ وأن يكون مستنداً إلى الأمارة العقلائيّـة، ضرورة أنّ العلم الإجمالي يقتضي الموافقـة القطعيـة مع القدرة، والاحتماليّـة مع عدمها، والمفروض أنّ الأمارة العقلائيّـة لا تكون قائمـة على عدم كون الإناء المعيّن الذي نذر الشرب منـه في جملـة الأواني التي يتمكّن من شربها; لأنّ نسبـة هذه الأواني إلى الجميع نسبـة المحصور، والأمارة لا تكون قائمـة إلاّ في غير المحصور، كما لايخفى.
147
الأمر الخامس في حكم الملاقي لأحد أطراف العلم الإجمالي بوجود النجس وتنقيح الكلام في هذا المقام يتمّ برسم اُمور: في صور العلم بالملاقاة الأوّل: أنّ العلم بالملاقاة قد يكون متقدّماً على العلم الإجمالي بوجود النجس في البين، وقد يكون متأخّراً عنـه، وقد يكون مقارناً معـه، وعلى أيّ تقدير فقد يكون الملاقى ـ بالفتح ـ مورداً للابتلاء، وقد يكون خارجاً عنـه مطلقاً أو حين العلم الإجمالي بالنجس. ثمّ إنّـه قد يعلم أوّلا بنجاسـة الملاقى والطرف، وقد يعلم أوّلا نجاسـة الملاقي والطرف، وقد يعلم نجاسـة الملاقى والملاقي أو الطرف. في أنّ ملاقي النجس نجس بعنوانه الثاني: أنّ الظاهر أنّ نجاسـة ملاقي النجس إنّما هي حكم وضعي تعبّدي ثابت لموضوعـه، ولا تكون من آثار النجس بحيث كان معنى الاجتناب عن النجس راجعاً إلى الاجتناب عنـه وعمّا يلاقيـه. نعم يمكن أن يقال بأنّ تنجيس النجس الراجع إلى سببيّتـه لنجاسـة الملاقي يكون مجعولا شرعاً، بناءً على ما هو الحقّ من إمكان جعل السببيّـة، وأمّا السرايـة التكوينـيّـة فقد لا تكون متحقّقـة، كما لايخفى.
148
وبالجملـة: فظاهر مثل قولـه: «الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسـه شيء»(1)هو كون النجس منجّساً للماء الغير البالغ حدّ الكرّ وموجباً لنجاستـه، ومرجع ذلك إلى تأثيره شرعاً في نجاسـة ملاقيـه، وأمّا الحكم بأنّ معنى الاجتناب عن النجس هو الاجتناب عنـه وعمّا يلاقيـه فلا وجـه لـه وإن كان قد يستدلّ لذلك بقولـه تعالى: (وَالرُّجزَ فَاهجُر )(2) لأنّ التهجر عن النجاسات لا يتحقّق إلاّ بالتهجّر عن ملاقيها، وبروايـة جابر الجعفي عن أبيجعفر (عليه السلام) أنّـه أتاه رجل فقال لـه: وقعت فأرة في خابيـة فيها سمن أو زيت، فما ترى في أكلـه؟ فقال أبوجعفر (عليه السلام): «لا تأكلـه»، فقال الرجل: الفأرة أهون علي من أن أترك طعامي من أجلها، فقال أبوجعفر (عليه السلام): «إنّك لم تستخفّ بالفأرة، وإنّما استخففت بدينك، إنّ اللّه حرّم الميتـة من كلّ شيء»(3). وجـه الدلالـة أنّـه (عليه السلام) جعل ترك الاجتناب عن الطعام استخفافاً بتحريم الميتـة، ولولا استلزامـه لتحريم ملاقيـه لم يكن أكل الطعام استخفافاً بتحريم الميتـة، فوجوب الاجتناب عن شيء يستلزم وجوب الاجتناب عن ملاقيـه. أقول : أمّا قولـه تعالى: (وَالرُّجزَ فَاهجُر ) فنمنع أوّلا أن يكون المراد بالرجز هي الأعيان النجسـة، وثانياً كون المراد بالتهجّر هو التهجّر عنـه وعمّا يلاقيـه.
1 ـ راجع وسائل الشيعـة 1: 158 ـ 159، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب9، الحديث1 و2 و5 و6. 2 ـ المدثّر (74): 5. 3 ـ تهذيب الأحكام 1: 420 / 1327، وسائل الشيعـة 1: 206، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب5، الحديث2.

149
وأمّا الروايـة ـ فمضافاً إلى ضعف سندها ـ يرد على الاستدلال بها أنّـه يحتمل قويّاً أن يكون مورد السؤال هو وقوع الفأرة في الطعام بحيث تفسّخت فيـه وانبثّت أجزاؤها، فحرمـة أكل الطعام إنّما هو من حيث إنّـه مستلزم لأكل الميتـة، والدليل على ذلك التعليل الواقع في الذيل الدالّ على أنّ ترك الاجتناب عن الطعام استخفاف بتحريم الميتـة، ضرورة أنّـه لم يقل أحد بأنّ حرمـة شيء تستلزم حرمـة ما يلاقيـه. وحمل الحرمـة في الروايـة على النجاسـة مضافاً إلى أنّـه خلاف الظاهر لا بينـة عليـه أصلا. ودعوى أنّ الطباع تـتنفّر من أكل الطعام الكذائي الذي صارت أجزاء الميتـة مخلوطـة بأجزائـه فلا ينبغي حمل مورد السؤال عليـه، مدفوعـة بقول السائل: «الفأرة أهون علي من أن أترك طعامي من أجلها» خصوصاً بعد ملاحظـة حال الأعراب في صدر الإسلام، بل في الأزمنـة المتأخّرة، كما لايخفى. فانقدح ممّا ذكرنا: أنّـه ما لم يقم الدليل على نجاسـة ملاقي النجس لم يفهم أحد من نفس الأدلّـة الدالّـة على نجاسـة الأعيان النجسـة نجاسـة ما يلاقيها من سائر الأشياء أيضاً، بل لابدّ من قيام الدليل على ذلك، وقد عرفت أنّ ظاهره جعل السببيّـة الشرعيّـة الراجعـة إلى تأثير النجس شرعاً في نجاسـة ملاقيـه، فتدبّر. مقتضى الأصل العقلي في صور الملاقاة الثالث: يعتبر في تأثير العلم وكذا غيره من الأمارات المعتبرة أن يكون متّصفاً بالكاشفيّـة الفعليّـة ومؤثراً في التنجيز فعلا وصالحاً للاحتجاج بـه كـذلك، فلو حصل لـه من طريق أمارة معتبرة الحكم الواقعي ثمّ قامت أمارة
150
اُخـرى على وفق الأمارة الاُولى فلا تكون الأمـارة الاُخـرى بمؤثّرة أصلا، ويكون وجودها بمنزلـة العدم، لعدم اتّصافها بالكاشفيّـة الفعليّـة بعد حصول الكشف بسبب الأمارة الاُولى، وعدم إمكان تحقّق الكشفين بالنسبـة إلى شيء واحد، وكذا لاتكون مؤثّرة في التنجيز وقابلـة للاحتجاج بـه فعلا، لعدم إمكان التنجّز مرّتين واستحالـة تماميّـة الحجّـة ثانياً بعد إتمامها أوّلا، وكـذا بالنسبـة إلى العلم. إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ العلم الإجمالي بالنجس المردّد بين الملاقى والطرف قد أثّر في التنجّز بمجرّد تحقّقـه، بمعنى أنّـه صار موجباً للاجتناب على أيّ تقدير، فالواقع صار مكشوفاً بهذا النحو من الكشف، وبعد ذلك نقول: إنّ العلم الإجمالي بنجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف لا يكون كاشفاً فعليّاً على تقدير كون النجس هو الطرف الآخر; لأنّـه صار مكشوفاً بالعلم الإجمالي الأوّل، وقد عرفت أنّـه لا يعقل عروض الكشف على الكشف وتحقّقـه مرّتين، كما أنّـه لا يكون هذا العلم الإجمالي مؤثّراً في التنجّز فعلا بعد كونـه مسبوقاً بما أثّر فيـه، وحينئذ فلا أثر لـه أصلا، فالشكّ في نجاسـة الملاقي شكّ بدوي. هذا إذا كان العلم الإجمالي بالنجس متقدّماً على العلم بالملاقاة. وأ مّا لو علم أوّلا بنجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف، ثمّ حصل العلم بالملاقاة والعلم بنجاسـة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف فذهب المحقّق الخراساني في الكفايـة إلى عدم وجوب الاجتناب حينئذ عن الملاقى ـ بالفتح ـ لأنّ حكم الملاقى في هذه الصورة حكم الملاقي في الصورة السابقـة بلا فرق بينهما أصلا، فكما أنّ الملاقي هناك لم يكن طرفاً للعلم الإجمالي بالنجاسـة، كذلك الملاقى هنا لا يكون طرفاً لـه، كما هو المفروض.
151
وذهب أيضاً إلى عدم وجوب الاجتناب عـن الملاقى ـ بالفتح ـ فيما إذا علم بالملاقاة ثمّ حدث العلم الإجمالي، ولكن كان الملاقى خارجاً عـن محلّ الابتلاء في حال حدوثـه وصار مبتلى بـه بعده، وإلى وجوب الاجتناب عن الملاقى والملاقي معاً فيما لو حصل العلم الإجمالي بعد العلم بالملاقاة مستدلاّ بقولـه: ضرورة أنّـه حينئذ نعلم إجمالا إمّا بنجاسـة الملاقي والملاقـى أو بنجاسـة الآخر، فيتنجّز التكليف بالاجتناب عن النجس في البين وهـو الواحـد أو الاثنين(1)، انتهى. أقول: والتحقيق أيضاً يوافق هذا التفصيل، لما مرّ من الوجـه في الصورة الاولى، فإنّـه بعد ما علم إجمالا بنجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف صار مقتضى هذا العلم تنجّز التكليف بوجوب الاجتناب على أيّ تقدير، فلو كان النجس هو الطرف لكان منكشفاً بهذا العلم وتنجّز التكليف المتعلّق بـه بسببـه، وبعد ذلك لا معنى لتأثير العلم الإجمالي بنجاسـة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف، إذ لا يعقل الانكشاف مرّتين وتنجّز التكليف مرّة بعد اُخرى، كما لايخفى. فهذا العلم الإجمالي لا يكون واجداً لشرط التأثير وهو التنجيز على أيّ تقدير، فالشكّ في نجاسـة الملاقى ـ بالفتح ـ شكّ بدوي كالملاقي في الصورة السابقـة. وممّا ذكرنا ظهر: أنّ الإشكال إنّما هو من ناحيـة الطرف لا الملاقي والملاقى، لعدم إمكان انكشافـه مرّتين وتنجّز التكليف بـه كذلك، وحينئذ فلا وقـع لما أورده المحقّق النائيني(2) على هذا التفصيل من أنّـه لابدّ مـن
1 ـ كفايـة الاُصول: 412. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 86.

152
ملاحظـة حال المعلوم والمنكشف من حيث التقدّم والتأخّر بحسب الرتبـة، وفـي الصورة الثانيـة يكون رتبـة العلم الإجمالي بنجاسـة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف متقدّمـة على العلم الإجمالي بنجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطـرف وإن كان حدوثـه متأخّراً عن حدوثـه، لأنّ التكليف بالملاقي إنّما جاء من قبل التكليف بالملاقى. وذلك ـ أي وجـه عدم الورود ـ ما عرفت من أنّ الإشكال إنّما هو من ناحيـة الطرف، لا من ناحيـة تقدّم أحد العلمين على الآخر حدوثاً حتّى يورد عليـه بما ذكر. هذا مضافاً إلى أنّ هـذا الإيراد فاسد مـن أصلـه، والمثال الـذي ذكـره لايرتبط بالمقام أصلا، حيث قال: لو علم بوقوع قطرة من الدم في أحد الإنائين، ثمّ بعد ذلك علم بوقوع قطرة اُخرى من الدم في أحد هذين الإنائين أو في الإناء الثالث، ولكن ظرف وقوع القطرة المعلومـة ثانياً أسبق من ظرف وقوع القطرة المعلومـة أوّلا، فلاينبغي التأمّل في أنّ العلم الإجمالي الثاني يوجب انحلال الأوّل لسبق معلومـه عليـه(1)، انتهى. وجـه عدم الارتباط أنّ في المثال بعد العلم الإجمالي بوقوع القطرة في أحدهما أو في الإناء الثالث يعلم أنّ العلم الإجمالي الحادث أوّلا لم يكن واجداً لشرط التنجيز، لأنّـه لم يكن متعلّقاً بالتكليف، لثبوتـه قبلـه المنكشف بالعلم الإجمالي الثاني. وبـالجملـة: فالعلم الإجمالي الأوّل وإن كان حين حدوثـه متعلّقاً بالتكليف ومؤثّراً في تنجيزه بنظر العالم، إلاّ أنّـه بعد استكشاف ثبوتـه قبلـه
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 87.

153
بالعلم الثاني يعلم عدم تعلّقـه بالتكليف وعدم كونـه مؤثّراً في تنجيزه، كما لايخفى. وهذا بخلاف المقام، فإنّ العلمين حيث تعلّق أحدهما بوجوب الاجتناب عن الملاقي أو الطرف، والآخر بوجوب الاجتناب عن الملاقى أو الطرف لاإشكال في تأثيرهما في تنجيز متعلّقهما من حيث هو. نعم قد عرفت الإشكال في تأثير العلم الثاني من ناحيـة الطرف لا المتلاقيـين، فمن حيث التقدّم والتأخّر من جهـة الرتبـة لا إشكال في تأثيرهما أصلا، كما لايخفى. فانقدح بذلك وضوح الفرق بين المثال والمقام، فإنّ هنا لا يكون شيء من العلمين فاقداً لشرط التأثير في التنجيز، لأنّ كلاّ منهما تعلّق بتكليف فعلي، والتقدّم والتأخّر من جهـة الرتبـة لا يمنع من ذلك، وهناك لا يكون العلم الإجمالي الحادث أوّلا متعلّقاً بتكليف فعلي بحسب الواقع وإن كان كذلك بنظر العالم ما لم يحدث لـه العلم الإجمالي الثاني. والسرّ فيما ذكرنا من عدم مدخليّـة التقدّم والتأخّر بحسب الرتبـة أنّ المنجزيّـة من آثار العلم بوجوده الخارجي، لأنّـه ما لم يوجد في الخارج لا يؤثّر في التنجيز كما هو واضح، والتقدّم والتأخّر إنّما هو من أوصاف العلمين عند العقل، ضرورة أنّ العلّـة والمعلول مقارنان بحسب الوجود الخارجي، وتقدّمها عليـه وتأخّره عنها إنّما هو بحسب الرتبـة وفي نظر العقل، ففي ظرف ثبوت وصف التقدّم والتأخّر لا يكون العلم بمنجّز، وفي وعاء التنجيز لا معنى للتقدّم والتأخّر. والمفروض في المقام في الصورة الثانيـة حدوث العلم الإجمالي بنجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف قبل العلم بنجاسـة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف. فهو ـ أي الحادث ـ أوّلا يؤثّـر في التنجيز بمجرّد حدوثـه، لأنّ التنجيز من آثـار
154
وجوده الخارجي كما عرفت. ومع التأثير في التنجيز لا مجال لتأثير العلم الثاني بعد عدم كونـه واجداً لشرطـه، لعدم إمكان التأثير بالنسبـة إلى الطرف، لأنّـه لو كان التكليف متعلّقاً بـه لتنجّز بالعلم الأوّل، ولا معنى للتنجّز مرّتين كما مرّ. وممّا ذكرنا يظهر الوجـه في وجوب الاجتناب عن المتلاقيـين والطرف في الصورة الثالثـة المفروضـة في كلام المحقّق الخراساني (قدس سره) (1) لأنّـه علم إجمالا بنجاستهما أو الطرف، ولم يكن هذا العلم مسبوقاً بالعلم بنجاسـة الملاقى ـ بالفتح أو الطرف حتّى لا يجب الاجتناب عن الملاقي، ولا بالعلم بنجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف حتّى لا يجب الاجتناب عن الملاقى، بل حدث من حين حدوثـه هكذا ـ أي مردّداً بين المتلاقيـين والطرف ـ فيؤثّر في التنجيز على أيّ تقدير، فافهم واغتنم. إزاحة شبهة ربما يقال: بأنّـه ما المانع من أن يؤثّر العلمين بجامعهما في تنجيز التكليف بالنسبـة إلى الطرف، ويستقلّ أحدهما بالتأثير في التنجيز بالنسبـة إلى الملاقى ـ بالفتح ـ والآخر بالنسبـة إلى الملاقي ـ بالكسر ـ وحينئذ فيجب الاجتناب عن الجميع في الصورتين الاُوليـين أيضاً، فإنّ العلم الإجمالي الحادث أوّلا وإن أثّر في التنجيز بالنسبـة إلى الطرف، إلاّ أنّ استقلالـه في هذا التأثير مادام لم يحدث العلم الآخر، فإذا حدث يؤثّران بجامعهما في التنجّز بالنسبـة إلى الطرف، كما هو الشأن في أمثال ذلك.
1 ـ كفايـة الاُصول: 412.

155
فإنّ الماء الواقع في محاذاة الشمس تكون العلّـة المؤثّرة في الحرارة الحادثـة فيـه هي الشمس، فإذا انضمّ إليـه النار أيضاً تكون العلّـة حينئذ هو الجامع بين العلّتين، لاستحالـة تأثير علّتين مستقلّتين في معلول واحد، لأنّ الواحد لا يصدر إلاّ من الواحد، فلا يعقل أن يكون شيء واحد معلولا لعلّتين مع وصف التعدّد، هذا. ولكن لا يخفى أنّ استعمال هذه القاعدة ـ أي قاعدة الواحد لا يصدر إلاّ من الواحد ـ وكذا العكس في مثل المقام، استعمال للشيء في غير محلّـه، وقد صدر ممّن لا يكون لـه كثير اطّلاع من العلوم العقليّـة والقواعد الحِكَميـة، فإنّ مورد هذه القاعدة كما قد حقّق في محلّـه هو ما إذا كانت العلّـة التي هي المصدر علّـة إلهيّـة، وكان هناك مصدر وصادر حقيقـة، فلا تشمل القاعدة الفواعل الطبيعيـة التي لا تكون مصدراً حقيقـة ومؤثّراً واقعاً، وقد وقع هذا الخلط والاشتباه في كثير من الموارد كما يظهر بالتـتبّع. وحينئذ: فالعلم الإجمالي الحادث أوّلا يؤثّر في التنجيز مستقلاّ، وبعد حدوث الثاني لا مجال لـه للتأثير في ذلك، لعدم معقوليّـة التنجّز مرّتين، كما عرفت. هذا كلّـه فيما يقتضيـه حكم العقل. مقتضى الأصل الشرعي في صور الملاقاة وأمّا مقتضى الاُصول الشرعيّـة فقد يقال ـ كما قيل ـ بأنّـه لا مانع من جريان أصالـة الطهارة في الملاقي; لأنّ طهارة الملاقي ونجاستـه مسبّبـة عن طهارة الملاقى ونجاستـه، والأصل الجاري في السبب وإن كان حاكماً على
156
الأصل الجاري في المسبّب، إلاّ أنّـه حيث لا يجري الأصل في السبب، لأنّـه يسقط بالمعارضـة مع الأصل الجاري في الطرف الآخر، فلا مانع من جريان الأصل في المسبّب، فيكون الملاقي ـ بالكسر ـ محكوماً شرعاً بالطهارة والحلّيـة، هذا. ولا يخفى أنّـه لم يرد آيـة ولا روايـة على ما ذكروه من أنّ مع جريان الأصل في السبب لا مجال لجريانـه في المسبّب، بل المستند في ذلك هو أنّـه مع جريان الأصل في السبب يرتفع الشكّ في ناحيـة المسبّب تعبّداً، ومع ارتفاعـه في عالم التشريع لا مجال لجريان الأصل فيـه أيضاً. ولكـن لا يخفـى أنّ هـذا لا يتـمّ بإطـلاقـه، بـل إنّما يصـحّ فيمـا إذا كـان الشكّ في ناحيـة المسبّب في الأثر الشرعي المترتّب على السبب شرعـاً، كالشكّ في نجاسـة الثوب المغسول بالماء المشكوك الكرّيـة، فإنّ مقتضى استصحاب الكرّيـة تحقّق موضوع الدليل الشرعي الـذي يـدلّ على أنّ الكـرّ مطهّر مثلا. والسرّ في ذلك: أنّ معنى الاستصحاب الجاري في الموضوعات هو الحكم بإبقاء الموضوع تعبّداً في زمان الشكّ، وحيث إنّـه لا معنى لذلك فيما لو لم يكن الموضوع مترتّباً عليـه أثر شرعي فلابدّ من أن يكون الموضوع المستصحب موضوعاً لأثر شرعي، ومن هنا يكون الاستصحاب الجاري في الموضوعات حاكماً على الأدلّـة الواقعيّـة، لأنّـه ينقّح بـه موضوعاتها، وتفصيل الكلام يأتي في مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى. إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ نجاسـة الملاقي وإن كانت من الآثار الشرعيّـة لنجاسـة الملاقى، إلاّ أنّ طهارة الملاقي لم تجعل في شيء من الأدلّـة الشرعيّـة
157
من آثار طهارة الملاقى، وإنّما هو حكم عقلي، كما هو واضح، فما أفادوه من أنّ الشكّ في طهارة الملاقي مسبّب عن الشكّ في طهارة الملاقى، ومع جريان الأصل فيها لا يبقى مجال لجريانـه في المسبّب، ممنوع جدّاً. شبهة المحقّق الحائري في المقام وجوابها ثمّ إنّ هنا شبهـة لبعض المحقّقين من المعاصرين، وهي أنّـه لا إشكال في أنّ الحلّيـة مترتّبـة على الطهارة، بمعنى أنّ الشكّ في الاُولى مسبّب عن الشكّ في الثانيـة، كما أنّ الشكّ في طهارة الملاقي مسبّب عن الشكّ في طهارة الملاقى، فالشكّ في طهارة الملاقي يكون في مرتبـة الشكّ في حلّيـة الملاقى، بمعنى أنّ كليهما مسبّبان عن الشكّ في طهارتـه. وحينئذ نقول: هنا ستـة اُصول في الأطراف الثلاثـة، ثلاثـة منها أصالـة الطهارة وثلاثـة أصالـة الحلّيـة، والاثنان منها وهي أصالـة الطهارة في الملاقى وأصالـة الطهارة في الطرف يسقطان أوّلا، لأنّهما في رتبـة واحدة، وثلاث منها وهي أصالـة الحلّيـة فيهما وأصالـة الطهارة في الملاقي في رتبـة ثانيـة، فمع سقوط أصالتي الحلّيـة، كما هو المفروض يسقط أصالـة طهارة الملاقي أيضاً، ولم يبق في البين إلاّ أصالـة الحلّيـة في الملاقي، وهي واقعـة في رتبـة ثالثـة، ولا وجـه لسقوطها، لسلامتها عن المعارض، والمفروض أنّـه لا يكون أصل حاكم عليها، لأنّ الأصل الحاكم غير جار، لأجل المعارضـة. وحينئذ فلا يجب الاجتناب عن الملاقي بالنسبـة إلى الأكل ونظائره، ولا يكون محكوماً بالطهارة شرعاً، فلا يجوز التوضّي بـه، هذا.
158
ويمكن الجواب عن الشبهـة مضافاً إلى ما عرفت سابقاً(1) بأنّ أصالـة الحلّيـة في مطلق الشبهات ممّا لم يدلّ عليها دليل، لأنّ ما يتوهّم أن يكون مستنداً لها هي روايـة مسعدة بن صدقـة المتقدّمـة(2) وقد عرفت الإشكال فيها بحيث لايجوز الاعتماد عليها، وأمّا مثل قولـه (عليه السلام): «كلّ شيء فيـه حلال وحرام...» إلى آخره، كما في صحيحـة عبداللّه بن سنان(3) فقد ظهر لك أنّ ذلك يختصّ بالشبهات المقرونـة بالعلم الإجمالي، ومقتضى عمومها وإن كان الشمول للشبهـة المحصورة أيضاً، إلاّ أنّ الدليل العقلي أو العقلائي قد خصّصـه، فانحصر مورده بالشبهـة الغير المحصورة. وأمّا التمسّك في نفي الحرمـة المجهولـة بأدلّـة البراءة فهو وإن كان صحيحاً، إلاّ أنّك عرفت عدم شمول أدلّـة البراءة لأطراف العلم الإجمالي. وبالجملـة: فليس هنا ما يحكم بالحلّيـة وعدم الحرمـة أصلا. وكيف كان: فلو سلّم ذلك فيمكن الجـواب بما عرفت مـن أنّ الأصل الجاري في السبب إنّما يكون حاكماً على الأصل الجاري في المسبّب إذا كان المسبّب من الآثار الشرعيّـة المترتّبـة على السبب، والمقام لا يكون كذلك، فإنّ حلّيـة كلّ واحد من الأطراف لا تكون من الآثار الشرعيّـة لطهارتـه; لأنّـه لم يدلّ دليل على أنّ كلّ طاهر حلال، بل الحلّيـة الواقعيـة إنّما تكون موضوعها الأشياء التي هي حلال بعناوينها الواقعيّـة، كما هـو واضح.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 91. 2 ـ تقدّمت في الصفحة 89. 3 ـ تقدّمت في الصفحـة 88.

159
كما أنّك عرفت أنّ طهارة الملاقي أيضاً لا تكون من الآثار الشرعيّـة المترتّبـة على طهارة الملاقى. وحينئذ: فلابـدّ من ملاحظـة طرفي العلم الإجمالي الحادث أوّلا المؤثّر فـي التنجيز، والحكم بعدم جريان الاُصول في طرفيـه; للزوم المخالفـة العمليّـة. وأمّا مـا هـو خارج عنهما فلا مانـع مـن جريان أصالتي الطهارة والحلّيـة فيـه أصلا. وحينئذ فيصير مقتضى الأصل الشرعي موافقاً مع حكم العقل الحاكم بالتفصيل بين الصور الثلاثـة المتقدّمـة في كـلام المحقّق الخـراساني (قدس سره) (1)فتأمّل جيّداً. هذا كلّـه بناءً على ما هو مقتضى التحقيق. وأمّا بناءً على مسلك القوم من اعتبار أصالـة الحلّيـة في مطلق الشبهات وترتّب الحلّيـة على الطهارة، وكذا ترتّب طهارة الملاقي ـ بالكسر ـ على طهارة الملاقى ـ بالفتح ـ وكون الشكّ في الأوّل مسبّباً عن الشكّ في الثاني بحيث لم يكن مجال لجريان الأصل فيـه بعد جريانـه في السبب، فلابدّ من التفصيل بين الصور الثلاثـة من حيث ورود الشبهـة وعدمـه. فنقول في توضيح ذلك: إنّ عدم جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي إنّما هو فيما إذا لزم من جريانها مخالفـة عمليّـة للتكليف المنجّز، وأمّا إذا لم يلزم من ذلك مخالفـة عمليّـة أصلا أو لزم ولكن لم يكن مخالفـة عمليّـة للتكليف المنجّز فلا مانع من جريان الاُصول; لأنّ التعارض بينهما تعارض عرضي حاصل
1 ـ تقدّم في الصفحـة 150 ـ 151.

160
بسبب العلم الإجمالي بكذب أحدها، لا ذاتي ناش عن عدم إمكان اجتماع مؤدّاها، ضرورة عدم المنافاة حقيقـة بين حلّيـة هذا الإناء وحلّيـة ذاك الإناء ولو علم إجمالا بحرمـة واحد منهما، كما لايخفى. وحينئذ: فلو علم إجمالا بنجاسـة هذا الإناء أو ذاك الإناء، ثمّ علم إجمالا بنجاسـة الإناء الثاني أو إناء ثالث فقد عرفت أنّ العلم الإجمالي الحادث ثانياً لا يعقل أن يكون منجّزاً بعد اشتراكـه مع العلم الإجمالي الأوّل في بعض الأطراف، وحينئذ فلا مانع من جريان أصالـة الطهارة في طرفي العلم الثاني; لأنّـه وإن يلزم من جريانها مخالفـة عمليّـة للمعلوم الإجمالي، إلاّ أنّ المحذور في المخالفـة العمليّـة للتكليف المنجّز، لا في مطلق المخالفـة العمليّـة، والمفروض أنّ العلم الثاني لم يؤثّر في التنجيز أصلا. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ في الصورة الاُولى من الصور الثلاثـة المفروضـة في كلام المحقّق الخراساني (قدس سره) (1) لابدّ من الالتزام بجريان أصالتي الطهارة والحلّيـة معاً في الملاقي ـ بالكسر ـ لأنّ طهارتـه وإن كانت مترتّبـة على طهارة الملاقى ـ بالفتح ـ وواقعـة في عرض أصالتي الحلّيـة الجاريتين في الملاقى والطرف، إلاّ أنّ الملاقي خارج من طرفي العلم الإجمالي الأوّل، والعلم الإجمالي الثاني لا يكون مؤثّراً في التنجيز حتّى يلزم من جريان الأصل فيـه أيضاً مخالفـة عمليّـة للتكليف المنجّز، كما هو واضح. وأمّا الصورة الثالثـة فالظاهر ورود الشبهـة فيها بناءً على مبنى القوم، كما هو المفروض; لما ذكروه في وجهـه ممّا تقدّم.
1 ـ كفايـة الاُصول: 411 ـ 412.

161
بقي الكلام في أمرين: الأوّل: أنّك عرفت في كلام المحقّق الخراساني أنّـه (قدس سره) حكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر ـ دون الملاقى ـ بالفتح ـ في موردين: أحدهما: ما لو علم أوّلا بنجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف، ثمّ حصل العلم بالملاقاة وبنجاسـة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف. ثانيهمـا: مـا إذا علـم بالمـلاقاة، ثمّ حـدث العلم الإجمالـي، ولكـن كـان المـلاقـى ـ بالفتـح ـ خـارجـاً عـن محـلّ الابتـلاء فـي حـال حـدوثـه وصـار مبتلى بـه بعده. وقد عرفت منّا المتابعـة لـه (قدس سره) في المورد الأوّل، وأمّا المورد الثاني فالظاهر فيـه وجوب الاجتناب عن الملاقى أيضاً. أمّا بناءً على ما حقّقناه سابقاً ـ من عدم اشتراط تأثير العلم الإجمالي في تنجيز التكليف بكون أطرافـه مورداً للابتلاء، لأنّ ذلك مبني على انحلال الخطابات إلى الخطابات الشخصيّـة، وهو ممنوع للمحذورات المتقدّمـة ـ فواضح; لأنّ الخروج عن محلّ الابتلاء لا يؤثّر شيئاً، فلا موقع لجريان الأصل في الملاقى ـ بالفتح ـ أصلا. وأمّا بناءً على مسلك المتأخّرين مـن اشتراط تأثير العلم الإجمالي بعدم خروج شيء من أطرافـه عن محلّ الابتلاء فالظاهر عدم جريان الأصل في الملاقى هنا وإن خـرج عـن محـلّ الابتلاء; لأنّ الخروج عنـه إنّما يمنع من العدم لو لم يكن للخارج أثر مبتلى بـه، وإلاّ فمع وجود أثر لـه مورد للابتلاء يجري الأصل فيـه في غير أطراف العلم الإجمالي، ولا يجري فيها، للزوم المخالفـة
162
العمليّـة، وهنا يكون للملاقى ـ بالفتح ـ الخـارج عـن مورد الابتلاء أثر مبتلى بـه وهو نجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ لو كان نجساً، كما لايخفى. الثاني: قد عرفت أنّ نجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ ليست من آثار نجاسـة الأعيان النجسـة بحيث يكون مرجع وجوب الاجتناب عن النجس إلى وجوب الاجتناب عنـه وعن ملاقيـه، فلا يحتاج جعل النجاسـة لـه إلى تعبّد خاصّ، بل هو مجعول بتبع جعل النجاسـة للملاقى ـ بالفتح ـ وكذا لا تكون نجاسـة الملاقي ـ بالكسر ـ لأجل حكم العقل بسرايـة النجاسـة منـه إليـه وتأثيره فيـه خارجاً، بل هي حكم وضعي مجعول بجعل مستقلّ مرجعـه إلى تأثير النجس شرعاً في تنجيس ملاقيـه، فهو سبب شرعاً لـه، هذا. ولو اُغمض عمّا ذكرنا وفرض كون نجاستـه بنحو الأوّل أو الثاني فالظاهر وجوب الاجتناب عن المتلاقيـين والطرف في جميع الصور الثلاثـة المتقدّمـة; لأنّ المفروض أنّـه ليس هنا حكم آخر يتعلّق بـه العلم الإجمالي الآخر حتّى يكون اشتراكـه مع العلم الإجمالي الأوّل في بعض الأطراف مانعاً عن تأثيره في التنجيز، فلم يكن مانع من جريان الأصل في الطرف الآخر. بل هنا ليس إلاّ حكم واحد متعلّق بالطرف أو بالمتلاقيـين; لأنّ المفروض أنّـه لو كان النجس هو الملاقى ـ بالفتح ـ لا يتحقّق الاجتناب عنـه إلاّ بالاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر أيضاً، فمع تنجّز التكليف بتعلّق العلم الإجمالي بـه يكون مقتضى حكم العقل الاجتناب عن الجميع، كما هو واضح. هـذا كلّـه مع إحـراز كون نجاسـة الملاقي مـن قبيل أحـد الأوّلين أو مـن قبيل الثالث.
163
وأمّا لو شكّ في ذلك واحتمل أن يكون على نحو أحد الأوّلين، أو على نحو الثالث فقد يقال: بأنّ مقتضى القاعدة في المقام وجوب الاجتناب عن الملاقي لأحد أطراف العلم الإجمالي أيضاً. ولكنّ التحقيق يقتضي البراءة; لأنّ مرجع الشكّ في ذلك إلى أنّ نجاسـة الملاقي هل تكون مجعولـة بالنحو الأوّل أو الثاني حتّى تكون مقتضاه وجوب الاجتناب عنـه في المقام; لتأثير العلم الإجمالي في تنجيز التكليف بوجوب الاجتناب على أيّ تقدير، ولا يحصل القطع بموافقتـه إلاّ مع الاجتناب عن الجميع; لأنّـه لو لم يجتنب عن الملاقي ـ بالكسر ـ لم يجتنب عن النجس لو كان هو الملاقى ـ بالفتح ـ أو أنّها مجعولـة على النحو الثالث الذي مرجعـه إلى كونها حكماً وضعيّاً مستقلاّ في قبال النجاسـة المجعولـة للأعيان النجسـة حتّى يكون مقتضاه عدم وجوب الاجتناب عنـه في بعض الصور; لعدم قابليّـة العلم الإجمالي الثاني للتنجيز. وبعبارة اُخرى: مرجع الشكّ في ذلك إلى الشكّ في أنّ العلم الإجمالي الثاني هل يكون قابلا للتأثير في التنجيز، لأجل عدم تعلّقـه بحكم آخر، أو لا يكون قابلا لـه، لأجل كون معلومـه حكماً آخر، ومع الشكّ في ذلك لا يعلم بوجوب الاجتناب عن الملاقي، وهو مورد لجريان البراءة العقليّـة والنقليـة. ففي الحقيقـة يصير المقام من قبيل دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيـين الذي يكون الأصل الجاري فيـه هو البراءة كما سنحقّقـه; لأنّ وجوب الاجتناب عن الملاقى ـ بالفتح ـ معلوم، إمّا لكونـه هو النجس، وإمّا لوقوعـه طرفاً للعلم الإجمالي بالنجس، ووجوب الاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر ـ مشكوك، لأنّـه
164
يحتمل أن يكون حكماً مستقلاّ، ومعـه لا يكون العلم الإجمالي الثاني قابلا للمنجّزيّـة أصلا، فيجري فيـه الأصل. وبالتأمّل فيما ذكرناه تعرف الخلل فيما أفاده العَلمان النائيني(1)والعراقي (قدس سرهما)(2) في هذا المقام، ولعلّ مرجع كلامهما إلى أمر واحد وإن كان الأوّل قد أتعب نفسـه الشريفـة بإيراد مقدّمـة ليس لها كثير ارتباط بالمقام، مضافاً إلى عدم خلوّها من المناقشـة، بل المناقشات، فتأمّل جيّداً.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 89 ـ 93. 2 ـ نهايـة الأفكار 3: 365.

165
تنبيهات ثمّ إنّـه أورد الشيخ المحقّق الأنصاري في ذيل هذا المقام تنبيهات(1) وتبعـه المحقّق النائيني(2)، ولابأس بالتعرّض لبعضها فنقول: التنبيه الأوّل: في التفصيل بين الشرائط والموانع في وجوب الاحتياط لا فرق في وجوب الاحتياط في أطراف الشبهـة المحصورة بين الشبهـة الحكميّـة والموضوعيّـة، ولا في الموضوعيّـة بين التكاليف النفسيّـة والغيريّـة، ولا في الثاني بين الشرائط والموانع، فيجب تكرار الصلاة إلى أربع جهات مع اشتباه القبلـة بينها، وفي الثوبين المشتبهين بالنجس. وربّما يقال بعدم وجـوب الاحتياط في مـورد الشبهـة الموضوعيّـةفي الشرائط والموانـع، كما هـو المحكي عـن الحلّي فـي السرائر حيث ذهب إلى وجوب الصلاة عارياً في مثال الثوبين(3)، ولعلّـه لدعوى سقوط الشرط والمانع عن الشرطيّـة والمانعيّـة، ولكن هذه الدعوى ممنوعـة، لأنّها بلا بيّنـة وبرهان، هذا. وحكي عن المحقّق القمّي(4) التفصيل بين ما يستفاد من مثل قولـه (عليه السلام):
1 ـ فرائد الاُصول 2: 454. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 134. 3 ـ السرائر 1: 184 ـ 185. 4 ـ الظاهر من عبارة القوانين خلاف ذلك. راجع قوانين الاُصول 2: 38 / السطر19.

166
«لاتصلِّ في ما لا يؤكل»(1) وبين ما يستفاد من مثل قولـه: «لا صلاة إلاّ بطهور»(2)، فذهب إلى السقوط في موارد الاشتباه في الأوّل دون الثاني، هذا. والوجـه في ذلك هو أنّ أطراف العلم الإجمالي عند هذا المحقّق تكون محكومـة بحكم الشكّ البدوي; لأنّ مذهبـه عدم منجّزيـة العلم الإجمالي(3). وحينئذ فيتّجـه التفصيل بين الشرائط والموانع، كما هو الشأن في موارد الشكّ البدوي، لأنّ الشرط يجب إحرازه لتوقّف إحراز المشروط عليـه، وأمّا المانع فيكفي فيـه مجرّد الشكّ في تحقّقـه، ولا يلزم إحراز عدمـه، هذا. واحتمل المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ أن يكون الوجـه في هذا التفصيل قياس باب العلم والجهل بالموضوع بباب القدرة والعجز، ثمّ أورد عليـه بأنّ هذا القياس ليس على ما ينبغي، فإنّ القدرة من الشرائط لثبوت التكليف، والعلم بالموضوع أو الحكم من الشرائط لتنجّز التكليف، والمفروض أنّـه قد علم بحصول الشرط بين الأطراف، فلا موجب لسقوطـه(4)، هذا. ولا يخفى فساد أصل الاحتمال وكذا الإيراد. أمّا الاحتمال، فلأنّ هذا القياس لا يقتضي التفصيل بين الشرائط والموانع، لأنّـه لو كان الجهل بالموضوع كالعجز فلا وجـه لثبوت التكليف مطلقاً، شرطاً
1 ـ راجـع وسائل الشيعـة 4: 346، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب2، الحديث6 و7. 2 ـ تهذيب الأحكام 1: 49 / 144، وسائل الشيعـة 1: 365، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب1، الحديث1. 3 ـ قوانين الاُصول 2: 25 / السطر3. 4 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 135.

167
كان أو مانعاً، ولو لم يكن كذلك فلا وجـه لسقوطـه كذلك. وأمّا الإيراد، فلما مرّ غير مرّة من أنّ القدرة لا تكون من شرائط ثبوت التكليف، بل العجز عذر عقلي، وهكذا الجهل وغيره، لعدم انحلال الخطابات بنحو العموم إلى الخطابات الشخصيّـة حتّى لا يعقل توجيهها إلى غير القادر والجاهل ونحوهما. فالوجـه في تفصيل المحقّق المزبور ما عرفت، فتدبّر. التنبيه الثاني: في كيفية النيّة لو كان المعلوم بالإجمال من العبادات لو كان المعلوم بالإجمال من العبادات كالمثالين المتقدّمين في التنبيـه السابق فقد وقع الخلاف في كيفيـة نيّـتـه، فيظهر مـن الشيخ (قدس سره) أنّـه لابدّ مـن قصد امتثال الأمر المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير، وذلك يتوقّف على أن يكون المكلّف حال الإتيان بأحد المحتملين قاصداً للإتيان بالمحتمل الآخر، إذ مع عدمـه لا يتحقّق قصد امتثال الأمر المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير، بل يكون قاصداً لامتثال الأمر على تقدير تعلّقـه بما ينطبق على المأتي بـه. وهذا لا يكفي في تحقّق الإطاعـة مع العلم بالأمر. نعم يكفي في الشبهـة البدويّـة مجـرّد قصد احتمال الأمر والمحبوبيـة، لأنّ هذا هو الذي يمكن في حقّـه، بخلاف المقام(1). وأورد عليـه المحقّق النائيني بما حاصلـه: أنّ العلم بتعلّق الأمر بأحد المحتملين لايوجب فرقاً في كيفيـة النيّـة في الشبهات، فإنّ الطاعـة والامتثال في كل من المحتملين ليست إلاّ احتماليّـة، كما في الشبهـة البدويّـة، إذ المكلّف
1 ـ فرائد الاُصول 2: 455.

168
لا يمكنـه أزيد من قصد امتثال الأمر الاحتمالي عند الإتيان بكلّ من المحتملين، لأنّهما ليسا بمنزلـة فعل واحد مرتبط الأجزاء حتّى يقال: العلم بتعلّق التكليف بالفعل الواحد يقتضي قصد امتثال الأمر المعلوم. وحينئذ فلو أتى بأحد المحتملين من دون أن يكون قاصداً للإتيان بالمحتمل الآخر يحصل الامتثال ويصحّ العمل على تقدير تعلّق الأمر بذلك المحتمل. نعم يكون متجرّياً في قصده، ولكن ذلك لا دخل لـه في تحقّق الإطاعـة على تقدير مصادفـة المأتي بـه للواقع(1)، هذا. ولايخفى أنّـه لا ينبغي الإشكال في أنّ الداعي في الشبهات البدويّـة هو احتمال الأمر فقط، لأنّـه لا يمكن في حقّـه غيره، وأمّا في الشبهات المقرونـة بالعلم الإجمالي فالداعي هو الأمر المعلوم تعلّقـه بما ينطبق على أحد المحتملين، لا احتمال الأمر. غايـة الأمر أنّـه ينشأ من هذا الداعي إرادة الإتيان بكلّ من المحتملين، لتوقّف الإتيان بالمأمور بـه عليـه. وحينئذ فقد يكون المكلّف بمثابـة ينبعث من الأمر المعلوم بحيث يحصل لـه الداعي إلى الإتيان بالمحتملين معاً; لأنّـه لا يرضى إلاّ بالموافقـة القطعيّـة التي لا تحصل إلاّ بالإتيان بهما. وقد يكون بحيث ينبعث من الأمر المعلوم بمقدار لا يحصل لـه إلاّ الداعي إلى الإتيان بأحد المحتملين; لأنّـه يخاف من المخالفـة القطعيّـة الحاصلـة بترك كلا المحتملين معاً. وبالجملـة: فرق بين الآتي بالشبهـة البدويّـة وبين من يأتي بأحد المحتملين في الشبهـة المقرونـة بالعلم الإجمالي وبين من يأتي بكليهما معاً.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 136.

169
فالأوّل لا يكون الداعي لـه إلاّ مجرّد الاحتمال، والأخيران يشتركان في أنّ الداعي الأوّلي لهما هو العلم بالأمر، غايـة الأمر أنّ انبعاث الثاني بمقدار لا يكون مستلزماً للموافقـة القطعيـة، بخلاف الأخير. وحينئذ فلو أتى بأحدهما وصادف الواقع يكون ممتثلا، لا لما أفاده المحقّق النائيني من كفايـة الإتيان باحتمال الأمر وعدم الفرق بين الشبهات، بل لأجل أنّ الداعي لـه هو قصد الامتثال بالنسبـة إلى الأمر المعلوم، كما لايخفى. التنبيه الثالث: حكم ما لو كان المعلوم بالإجمال أمرين مترتّبين شرعاً لو كان المعلوم بالإجمال أمرين مترتّبين كالظهر والعصر المردّدين بين أربع، لاشتباه القبلـة، فقد وقع الخلاف في جواز الإتيان ببعض محتملات الثانيـة إلى الجهـة التي أتى ببعض محتملات الاُولى إليها، وعدم الجواز حتّى يأتي بجميع محتملات الاُولى، بعد الاتّفاق على عدم جواز الإتيان بجميع محتملات الثانيـة قبل استيفاء محتملات الاُولى، وعلى عدم جواز الإتيان ببعض محتملات العصر ـ مثلا ـ إلى جهـة مغايرة للجهـة التي أتى ببعض محتملات الظهر إليها; للعلم ببطلان العصر ـ أي المأتي بها ثانياً ـ في الصورتين، إمّا لكونها فاقدة للترتيب المعتبر فيها على المفروض، وإمّا لعدم وقوعها إلى القبلـة. وكيف كان فالخلاف في المقام مبني أوّلا على تقدّم رتبـة الامتثال العلمي التفصيلي على الامتثال العلمي الإجمالي وعدمـه، وثانياً على الفرق بين المقام وبين ما إذا أتى بمحتملات العصر بعد الإتيان بجميع محتملات الظهر الذي هو جائز بلاريب.
170
والتحقيق عدم تقدّم رتبـة الأوّل على الثاني، وعدم الفرق بين المقامين على تقدير تسليم التقدّم وثبوت المراتب للامتثال. أمّا الأوّل الذي هو بمنزلـة الكبرى، فقد مـرّت الإشارة إليـه، ولعلّـه سيأتي مفصّلا. وإجمالـه أنّ الأمر المتعلّق بشيء لا يدعـو إلاّ إلى نفس متعلّقـه ولا يحـرّك العبد إلاّ نحوه. فكلّ شيء اُخذ في المتعلّق، يكون الأمر داعياً إليـه ومحرّكاً نحوه، وأمّا ما هو خارج عنـه سواء أمكن أخذه فيـه أم لم يمكن فلا يدعو إليـه، بل لا يعقل ذلك أصلا ولذا قد حقّقنا(1) في مبحث التعبّدي والتوصّلي أنّ القاعدة تقتضي التوصّليّـة وإن كان أخذ قصد التقرّب وامتثال الأمـر في المتعلّق بمكان مـن الإمكان، إلاّ أنّـه ما لم يـدلّ عليـه دليل لا يصار إليـه أصلا، بل يحكـم بعدم اعتباره. وحينئذ فإذا أتى بالطبيعـة المأمور بها لا مجال لبقاء الأمر، سواء علم بها تفصيلا أم إجمالا، إذ الأمـر لا يدعـو إلاّ إلى إيجادها في الخـارج، والمفروض وجودها، وأمّا اعتبار العلم بها تفصيلا فلم يدلّ عليـه دليل، فلا فرق بينـه وبين العلم الإجمالي بإيجادهـا أصلا، فتقدّم الأوّل على الثاني ممّا لا نرى لـه وجهاً. وأمّا الثاني الذي هو بمنزلـة الصغرى، فنقول: لو سلم ثبوت المراتب للامتثال وتقدّم الامتثال العلمي التفصيلي على الامتثال العلمي الإجمالي فلا نسلم الفرق بين المقامين أصلا، ضرورة أنّ في الصورة الثانيـة التي هي جائزة بالاتّفاق لا يعلم بحصول الترتيب تفصيلا كما في الصورة الاُولى، ضرورة أنّ تحقّق
1 ـ مناهج الوصول إلى علم الاُصول 1: 274.

171
عنوان الترتيب مع العلم بـه كذلك يتوقّف على العلم باُمور ثلاثـة: أحدها: وقوع الظهر، والثاني: وقوع العصر، والثالث: ترتّب العصر على الظهر وتأخّرها عنها. فالعلم التفصيلي بالترتيب لا يتحقّق إلاّ مع العلم تفصيلا بأنّ ما يأتي بـه هو العصر مع العلم بوقوع الظهر قبلـه، ولا يعقل تحقّقـه مع الشكّ في ذلك وإن علم إجمالا بالإتيان بالعصر. وكيف كان فالترتيب من الاُمور الإضافيـة المتقوّمـة بالطرفين، ولا يعقل العلم بـه مع الشكّ في أحد الطرفين، وحينئذ فكيف يمكن أن يدّعى العلم بـه في الصورة الثانيـة مع اشتباه العصر بين الصلوات الأربع. وممّا ذكرنا يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق النائيني في هذا المقام، فراجع التقريرات المنسوبـة إليـه(1).
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 137 ـ 141.

172

173
المقام الثاني في الدوران بين الأقلّ والأكثر وقبل الخوض في المقصود لابدّ من تقديم أمرين هما بمنزلـة تحرير محلّ النزاع: الأوّل: أنّ المراد بالأقلّ والأكثر في هذا المقام هو الأقلّ والأكثر الارتباطي، لا الاستقلالي. والفرق بينهما أنّ الأوّل عبارة عن عدّة اُمور لوحظ مجموعها أمراً واحداً وشيئاً فارداً، لأنّـه يترتّب عليها غرض واحد وتؤثّر بنعت الاجتماع في حصولـه، بحيث يكون فقدان بعضها كعدم جميعها في عدم حصول الغرض بوجـه، ومن هنا لا يتعلّق بها إلاّ أمر واحد أو نهي فارد; لأنّ اجتماعها دخيل في حصول الغرض أو ترتّب المفسدة عليها، وأمّا كلّ واحد منها من حيث هو يكون وجوده بمنزلـة العدم. ألا ترى أنّ الصلاة الفاقدة للركوع ـ مثلا ـ إنّما هي في عدم حصول الآثار المترتّبـة عليها كتركها رأساً. وأمّا الأقلّ والأكثر الاستقلالي فليس كذلك، بل لا يكون من قبيل الأقلّ والأكثر أصلا، فإنّ تردّد قضاء الصلوات الفائتـة بين أن تكون عشرين أو ثلاثين
174
إنّما هو من قبيل التردّد بينهما بعد ملاحظـة المكلّف المقدار المشكوك مع المقدار المعلوم وضمّـه إليـه، وإلاّ ففي الحقيقـة لا يكون من هذا القبيل، فإنّ الأمر لم يتوجّـه إلاّ إلى قضاء كلّ صلاة، والغرض يترتّب عليـه، سواء أتى بقضاء صلاة فائتـة اُخرى أم لم يأت، فكما أنّ أداء صلاة الظهر لا يكون أقلّ بالنسبـة إلى مجموع أداء الظهرين فكذلك قضائهما. وبالجملـة: فالاستقلالي من الأقلّ والأكثر خارج عن هذا العنوان حقيقـة، وإنّما يحصل بعد ملاحظتهما وضمّ كلّ واحد إلى الآخر. ومن هذا البيان تظهر لك أنّـه ليس فيـه علم إجمالي أصلا حتّى يقال بانحلالـه إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي، بل الأقلّ من أوّل الأمر معلوم تفصيلا والأكثر مشكوك، فتجري فيـه البراءة بلاريب. ثمّ لا يخفى أنّ مورد النزاع هو ما إذا كان الأقلّ مأخوذاً لا بشرط من جهـة الزيادة، وأمّا لو كان مأخوذاً بشرط لا ودار الأمر بينـه وبين الأكثر، كما إذا تردّد السورة بين أن تكون جزءً أو مانعاً، فهو خارج عن محلّ البحث وداخل في المقام الأوّل، للمباينـة المتحقّقـة بين الأقلّ بشرط لا والأكثر الذي هو عبارة عن الأقلّ بشرط شيء، ضرورة ثبوت المضادّة بين البشرط شيء والبشرط لا، كما لايخفى. الثاني: يدخل في مورد النزاع جميع أقسام الأقلّ والأكثر، سواء كان في نفس المأمور بـه أو في الموضوع الخارجي الذي تعلّق التكليف بفعلـه أو تركـه، أو في الأسباب مطلقاً، وسواء كان من قبيل الجزء والكلّ، أو من قبيل الشرط والمشروط، أو من قبيل الجنس والنوع، أو الطبيعـة والحصّـة، وسواء كانت الشبهـة وجوبيّـة، أو تحريميـة وسواء كانت حكميّـة أو موضوعيّـة.
175
وأمّا ما أفاده المحقّق العراقي ـ على ما في التقريرات المنسوبـة إليـه ـ من خروج الطبيعي والحصّـة عن مركز هذا النزاع، لأنّ الطبيعي باعتبار قابليّتـه للانطباق على حصّـة اُخرى منـه المباينـة مع الحصّـة المتحقّقـة في ضمن زيد لاتكون محفوظاً بمعناه الإطلاقي في ضمن الأكثر، فيدخل في التعيـين والتخيـير الراجع إلى المتباينين(1). ففيـه: أنّـه لا فرق بين الطبيعي والحصّـة وبين الجنس والنوع، فإنّ الملاك في الجميع هو كون الأقلّ القدر المشترك مأخوذاً في التكليف على أيّ تقدير، وهذا الملاك موجود في الطبيعي والحصّـة. نعم، المثال الذي ذكره ـ وهو الإنسان وزيد ـ خارج عن موضوع البحث، كما أنّ أخذ النوع لو كان بعنوان واحد يكون أيضاً خارجاً. نعم لو كان بنحو أخذ الجنس أيضاً يكون داخلا، كما أنّ الطبيعي والحصّـة أيضاً كذلك. وبالجملـة: لو كانت الحصّـة وكذا النوع مأخوذاً بعنوان واحد لا يكون الطبيعي أو الجنس في ضمنـه، لما كان وجـه لجريان البراءة أصلا، ولو لم يكن على هذا النحو يكون داخلا في مورد النزاع، فتدبّر. ثمّ أنّا نتكلّم من تلك الأقسام الكثيرة المتقدّمـة في مهمّاتها، وهي الأقلّ والأكثر الذي كان من قبيل الكلّ والجزء، وما كان من قبيل الشرط والمشروط، وما كان في الأسباب والمحصّلات والأقلّ والأكثر في الشبهـة الموضوعيـة، فهنا مطالب:
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 373.

176
المطلب الأوّل في الأقلّ والأكثر الذي كان من قبيل الكلّ والجزء وهو معركـة للآراء; فمن قائل بجريان البراءة فيـه مطلقاً، ومن قائل بعدم جريانـه مطلقاً، ومـن قائل بالتفصيل بين البراءة الشرعيّـة والعقليّـة بجريان الاُولى دون الثانيـة، كمـا اختاره المحـقّق الخـراساني(1) وتبعـه بعض مـن أجـلاّء تلامذتـه(2). مقتضى التحقيق هو الوجـه الأوّل. في جريان البراءة العقلية وتنقيحـه يتمّ برسم اُمور: الأوّل: أنّ المركّبات الاعتباريّـة في عالم الاعتبار واللحاظ يكون كالمركّبات الخارجيّـة الحقيقيّـة في الخارج، فكما أنّ التركيب الحقيقي إنّما يحصل بالكسر والانكسار الحاصل بين الأجزاء بحيث صار موجباً لانخلاع صورة كلّ واحد منها وحصول صورة اُخرى للمجموع، كذلك المركّب الاعتباري في عالم الاعتبار لا يكون ملحوظاً إلاّ شيئاً واحداً وأمراً فارداً يكون لـه صورة واحدة اعتباراً، فكأنّـه لا يكون لـه إلاّ وجود واحد هو وجود المجموع، والأجزاء لا يكون لها وجود مستقل، بل هي فانيـة في المركّب.
1 ـ كفايـة الاُصول: 413 ـ 416. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 162.

177
الثاني: أنّ المأمور الذي اُمر بإيجاد مركّب اعتباري إذا قصد امتثال الأمر والإتيان بالمأمور بـه، يتعلّق إرادتـه أوّلا بنفس المركّب الذي هو أمر واحد، وربّما لا يكون الأجزاء حينئذ ملحوظـة لـه ومتوجّهاً إليها أصلا، ثمّ بعدما يتوجّـه إلى تلك الأجزاء التي يتحصّل المركّب منها يتعلّق إرادة اُخرى بإيجادها في الخارج حتّى يتحقّق المجموع، هذا في المأمور. وأمّا الآمر، فالأمر فيـه بالعكس، فإنّـه يتصوّر أوّلا الأجزاء والشرائط كلّ واحد منها مستقلاّ، ثمّ يلاحظ أنّ الغرض والمصلحـة يترتّب على مجموعها بحيث يكون اجتماعها مؤثّراً في حصول الغرض، فيلاحظها أمراً واحداً وتعلّق أمره بـه ويحرّك المكلّف نحو إتيانـه، فهو ينتهي من الكثرة إلى الوحدة، كما أنّ المأمور ينتهي من الوحدة إلى الكثرة. الثالث: الأمر المتعلّق بالمركّب الاعتباري لا يكون إلاّ أمراً واحداً متعلّقاً بأمر واحد، والأجزاء لا تكون مأموراً بها أصلا، لعدم كونها ملحوظـة إلاّ فانيـة في المركّب بحيث لا يكون لها وجود استقلالي. غايـة الأمر أنّ كلّ جزء مقدّمـة مستقلّـة لتحقّق المأمور بـه، غايـة الأمر أنّها مقدّمـة داخليّـة في مقابل المقدّمـة الخارجيـة. والفرق بين قسمي المقدّمـة: أنّ المقدّمـة الخارجيّـة يكون الداعي إلى إتيانهما أمر آخر ناش من الأمر بذي المقدّمـة، بناءً على وجوب المقدّمـة، أو اللزوم العقلي بناءً على عدم الوجوب، والمقدّمات الداخليّـة يكون الداعي إليها هو نفس الأمر المتعلّق بذي المقدّمـة لعدم كون المركّب مغايراً لها، لأنّـه إجمالها وصورتها الوحدانيّـة، وهي تفصيلـه وتحليلـه، وهو لا ينافي مقدّميـة الأجزاء، لأنّ المقدّمـة إنّما هو كلّ جزء مستقلاّ لا مجموع الأجزاء. وبالجملـة، فالأمر
178
المتعلّق بالمركّب يدعو بعينـه إلى الأجزاء، ولا يلزم من ذلك أن يكون الأمر داعياً إلى غير متعلّقـه، لأنّ الأجزاء هي نفس المركّب، والفرق بينهما بالإجمال والتفصيل والبساطـة والتحليل. الرابع: أنّك عرفت في الأمر الثالث أنّ الأمر يدعو إلى الأجزاء بعين دعوتـه إلى المركّب، ويترتّب على ذلك أنّ الحجّـة على الأجزاء إنّما هي بعينها الحجّـة على المركّب لكن مع تعيـين الأجزاء التي ينحلّ إليها، وأمّا مع عدم قيام الحجّـة على بعض ما يحتمل جزئيّتـه فلا يمكن أن يكون الأمر المتعلّق بالمركّب داعياً إلى ذلك الجزء المشكوك أيضاً بعد عدم إحراز انحلال المأمور بـه إليـه. وبالجملـة: فالأمر المتعلّق بالمركّب إنّما يدعو إلى ما علم انحلالـه إليـه من الأجزاء، وأمّا الجزء المشكوك فلا يعلم بتعلّق الأمر بما ينحلّ إليـه حتّى يدعو الأمر إليـه أيضاً. وبالجملـة: فتماميـة الحجّـة تـتوقّف على إحراز الصغرى والكبرى معاً، وإلاّ فمع الشكّ في إحداهما لا معنى لتماميّتها، فاللازم العلم بتعلّق الأمر بالمركّب وبأجزائـه التحليليّـة أيضاً، وبدون ذلك تجري البراءة عقلا الراجعـة إلى قبح العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان. ودعوى: أنّ مع ترك الجزء المشكوك لا يعلم بتحقّق عنوان المركّب، ومن الواضح لزوم تحصيلـه. مدفوعـة: بأنّ مرجع ذلك إلى كون أسامي العبادات موضوعـة للصحيحـة منها، والكلام إنّما هو بناءً على القول الأعمّي الذي مرجعـه إلى صدق الاسم مع الإخلال بالجزء المشكوك. وكيف كان: فتعلّق الأمر بالمركّب الذي هو أمر وجداني معلوم تفصيلا لا
179
خفاء فيـه، وعدم كون الأجزاء متعلّقـة للأمر بوجـه أيضاً معلومـة كذلك، إلاّ أنّ ذلك الأمر المعلوم إنّما يكون حجّـة بالنسبـة إلى ما قامت الحجّـة على انحلال المركّب بـه، وأمّا ما لم يدلّ على جزئيّتـه لـه فلا يكون الأمر بالمركّب حجّـة بالنسبـة إليـه ولا يحرّك العبد نحوه. ولسنا نقول بأنّ متعلّق الأمر معلوم إجمالا، وهذا العلم الإجمالي ينحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشكّ البدوي في وجوب الأكثر. كيف وقد عرفت أنّ متعلّق الأمر هو الأمر المركّب، وتعلّقـه بـه معلوم تفصيلا، والشكّ إنّما هو في أجزاء المركّب، وهي غير مأمور بها أصلا، سواء فيـه الأقلّ والأكثر، غايـة الأمر أنّ هذا الأمر لا يكاد يدعو إلاّ إلى ما علم بتركيب المركّب منـه، كما عرفت. فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الحقّ جريان البراءة العقليّـة. الإشكالات الثمانية على جريان البراءة العقليّة عن الأكثر ودفعها ثمّ إنّ هنا إشكالات على ذلك لابدّ من ذكرها والجواب عنها فنقول: منها: أنّ الأمر في باب الأقلّ والأكثر أيضاً دائر بين المتباينين، لأنّ المركّب من الأقلّ الذي هو الأمر الوحداني الحاصل من ملاحظـة أجزائـه شيئاً واحداً يغاير المركّب من الأكثر الذي مرجعـه إلى ملاحظـة الوحدة بين أجزائـه، فالمركّب من الأقلّ لـه صورة مغايرة للمركّب من الأكثر، فإذا دار الأمر بينهما يجب الاحتياط بإتيان الأكثر. ويظهر جواب هذا الإشكال من ملاحظـة ما ذكرنا، فإنّ المركّب من الأقلّ ليس لـه صورة تغاير نفس الأجزاء المركّبـة منـه بحيث كان هنا أمران: الأجزاء التي يتحصّل منها المركّب، والصورة الحاصلـة منها، بل ليس هنا إلاّ أمر واحد
180
وهو نفس الأجزاء، ولذا ذكرنا أنّ الأمر يدعو إلى الأجزاء بعين داعويّتـه إلى المركّب، لعدم التغاير بينهما. وهكذا المركّب من الأكثر ليس لـه صورة مغايرة للأجزاء، بل هو نفسها، وحينئذ فلا يكون في البين إلاّ الأجزاء التي دار أمرها بين الأقلّ والأكثر. فالمقام لا يكون من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، مضافاً إلى أنّـه لو كان من ذلك القبيل لكان مقتضاه الجمع بين الإتيان بالمركّب من الأقلّ مرّة وبالمركّب من الأكثر اُخرى، ولا يجوز الاكتفاء بالثاني، كما أنّـه لا يجوز الاكتفاء بالأوّل. ومنها: ما نسب إلى المحقّق صاحب الحاشيـة ـ وإن كانت عبارتها لا تنطبق عليـه، بل هي ظاهرة في وجـه آخر سيأتي التعرّض لـه ـ من أنّ العلم بوجـوب الأقلّ لا ينحلّ بـه العلم الإجمالي، لتردّد وجوبـه بين المتباينين، فإنّـه لا إشكال في مباينـة الماهيّـة بشرط شيء للماهيّـة لا بشرط، لأنّ أحدهما قسيم الآخر، فلو كان متعلّق التكليف هو الأقلّ فالتكليف بـه إنّما يكون لا بشرط عن الزيادة، ولو كان متعلّق التكليف هو الأكثر فالتكليف بالأقلّ إنّما يكون بشرط انضمامـه مع الزيادة، فوجوب الأقلّ يكون مردّداً بين المتباينين باعتبار اختلاف سنخي الوجوب الملحوظ لا بشرط أو بشرط شيء. كما أنّ امتثال التكليف المتعلّق بالأقلّ يختلف حسب اختلاف الوجوب المتعلّق به، فإنّ امتثاله إنّما يكون بانضمام الزائد إليـه إذا كان التكليف بـه ملحوظاً بشرط شيء، بخلاف ما إذا كان ملحوظاً لا بشرط، فإنّـه لا يتوقّف امتثالـه على انضمام الزائد إليـه، فيرجع الشكّ في الأقلّ والأكثر الارتباطي إلى الشكّ بين المتباينين تكليفاً وامتثالا(1)، انتهى.
1 ـ هدايـة المسترشدين: 441.

181
ويرد عليـه مضافاً إلى ما وقع في كلامـه من سوء التعبير، لأنّ الموصوف باللا بشرطيـة والبشرط شيئيـة ليس إلاّ متعلّق التكليف وهو الأقلّ، فإنّـه على تقدير تعلّق التكليف بـه فقط يكون ملحوظاً لا بشرط، وعلى تقدير تعلّقـه بالأكثر يكون ملحوظاً بشرط شيء، وأمّا التكليف الذي هو عبارة عن البعث إلى المكلّف بـه أو الزجر عن المتعلّق فلا يكون موصوفاً لهذين الوصفين. ثمّ إنّ اتّصاف المتعلّق بهما أيضاً محلّ نظر; لأنّ مركز البحث هو ما إذا كان الأقلّ والأكثر من قبيل الجزء والكلّ لا الشرط والمشروط، فالأكثر على تقدير كونـه متعلّقاً للتكليف يكون بجميع أجزائـه كذلك، لا أنّ المتعلّق هو الأقلّ بشرط الزيادة على أن يكون الزائد شرطاً. وبالجملـة: فمورد النزاع هنا أنّ الزائد على تقدير ثبوتـه كان جزءً للمركّب المأمور بـه والتعبير بشرط شيء ظاهر في أنّ الزائد شرط لا جزء. وكيف كان فيرد عليـه ـ بعد الغضّ عمّا ذكر ـ منع ما نفى الإشكال عنـه مـن مباينـة الماهيّـة بشرط شيء للماهيّـة اللابشرط، فإنّ ما يباين الماهيّـة بشرط شيء هو الماهيّـة اللابشرط القسمي، وهي التي اعتبر معها عدم الاشتراط بوجود شيء أو نفيـه، وأمّا الماهيّـة اللابشرط المقسمي ـ وهي الماهيّـة بذاتها مـن دون لحاظ شيء معها حتّى لحاظ عدم لحاظ شيء الذي يحتاج إلى لحاظ آخر غير لحاظ الماهيّـة ـ فلا تباين الماهيّـة بشرط شيء. كيف وهي قسم لها، ولا يعقل التنافي بين المقسم والقسم، والمقام من هذا القبيل، فإنّ الأقلّ على تقدير تعلّق التكليف بـه كان الملحوظ هو نفسـه من دون لحاظ شيء آخر حتّى لحاظ عـدم لحاظ شيء آخر. وقـد عرفت أنّـه لا تنافي بينـه وبين الماهيّـة بشرط شيء.
182
ثمّ لو فرض التنافي فاللازم الجمع بينهما فـي مقام الامتثال والإتيان بالأقلّ من دون زيادة مرّة وبـه معها اُخرى، ولا يظنّ بالقائل الالتزام بـه، كما لايخفى. ثمّ إنّـه أجاب المحقّق النائيني (قدس سره) عن هذه الشبهـة بما حاصلـه: إنّ الماهيّـة لا بشرط والماهيّـة بشرط شيء ليسا من المتباينين الذين لا جامع بينهما، لأنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكـة لا التضادّ، فإنّ الماهيّـة لا بشرط ليس معناها لحاظ عدم انضمام شيء معها بحيث يؤخذ العدم قيداً في الماهيّـة، وإلاّ ترجع إلى الماهيّـة بشرط لا، ويلزم تداخل أقسام الماهيّـة، بل الماهيّـة لابشرط معناها عدم لحاظ شيء معها، ومن هنا قلنا: إنّ الإطلاق ليس أمراً وجودياً، بل هو عبارة عن عدم ذكر القيد، خلافاً لما ينسب إلى المشهور، فالماهيّـة لابشرط ليست مباينـة للماهيّـة بشرط شيء بحيث لا يوجد بينهما جامع، بل يجمعهما نفس الماهيّـة، والتقابل بينهما إنّما يكون بمجرّد الاعتبار واللحاظ، وفي المقام يكون الأقلّ متيقّن الاعتبار على كلّ حال، سواء لوحظ الواجب لا بشرط أو بشرط شيء، والتغاير الاعتباري لا يوجب خروج الأقلّ عن كونـه متيقّن الاعتبار(1)، انتهى. ويرد عليـه أوّلا: أنّ الماهيّـة اللابشرط كما اعترف بـه هو نفس الماهيّـة من دون أن يلحظ معها شيء آخر بنحو السلب البسيط لا الإيجاب العدولي، وحينئذ فلا وجـه لما ذكره من أنّ الجامع بينها وبين الماهيّـة بشرط شيء هو نفس الماهيّـة، لأنّ نفس الماهيّـة عبارة اُخرى عن الماهيّـة اللابشرط، إذ المراد بها
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 154.

183
هي الماهيّـة اللا بشرط المقسمي، ولا يعقل الجامع بين القسم والمقسم هنا، كما هو واضح. نعم نفس الماهيّـة جامعـة للماهيّـة بشرط شيء والماهيّـة اللابشرط القسمي وهي التي لوحظت متقيّدة باللا بشرطيـة. ثمّ إنّ تسليم عدم ثبوت الجامع لو كان بين الماهيّـة لا بشرط والماهيّـة بشرط شيء نسبـة التضادّ، لا تقابل العدم والملكـة محلّ منع، فإنّ المتقابلين بالتضادّ أيضاً بينهما جامع جنسي كالسواد والبياض، فإنّـه يجمعهما جنسهما الذي هو اللون، كما هو واضح. ثمّ إنّ كون التقابل بين الماهيّـة اللا بشرط والماهيّـة البشرط شيء تقابل العدم والملكـة لا يوجب نفي وجوب الاحتياط، ألا ترى أنّـه لو دار الأمر بين إكرام بصير أو أعمى أو بين إكرام كوسج أو ملتح يجب الاحتياط بإكرام كليهما، مع أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكـة، كما هو واضح. ومنها: أنّ وجوب الأقلّ دائر بين كونـه نفسيّاً يترتّب على مخالفـة الأمر المتعلّق بـه العقاب، وبين كونـه غيريّاً لا يترتّب على مخالفتـه شيء، لأنّ العقاب إنّما هو على ترك الواجب النفسي لا الغيري. وحينئذ فلا يعلم بلزوم الإتيان بالأقلّ على أيّ تقدير حتّى ينحلّ بـه العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو الأكثر، فالعلم الإجمالي باق على حالـه، ومقتضاه وجوب الاحتياط بإتيان الأكثر. ويرد عليـه أوّلا: أنّ المركّب كما أنّـه ليس لـه إلاّ وجود واحد هو عين وجود الأجزاء، كذلك لا يكون لـه إلاّ عدم واحد; لأنّ نقيض الواحد لا يكون إلاّ واحداً، وإلاّ يلزم ارتفاع النقيضين، وحينئذ فنقيض المركّب إنّما هو عدم ذلك الوجود الواحد، غايـة الأمر أنّ عدمـه تارة بعدم جميع أجزائها، واُخرى بعدم
184
بعضها، لوضوح اشتراك تارك الصلاة رأساً مع تارك ركوعها ـ مثلا ـ في عدم إتيان واحد منهما بالمركّب الذي هو الصلاة. وحينئذ نقول: ترك الأقلّ يعلم بترتّب العقاب عليـه; إمّا من جهـة كونـه هو تمام المأمور بـه، وإمّا من جهـة كون تركـه هو عين ترك المأمور بـه الذي يترتّب عليـه العقاب، فيترتّب العقاب على تركـه قطعاً، وبـه ينحلّ العلم الإجمالي. نعم لو كان الواجب في الواقع هو الأكثر ولم يأت المكلّف إلاّ بالأقلّ اعتماداً على حكم العقل بالبراءة فهو وإن كان تاركاً للمأمور بـه، لأنّ تركـه بعين ترك الجزء الزائد أيضاً إلاّ أنّ ترك المأمور بـه هنا إنّما هو لعذر، بخلاف تركـه بعدم الإتيان بالأقلّ، فإنّـه لا يكون لعذر، فهما مشتركان في عـدم إتيانهما بالمأمور بـه، لكن بينهما فرق من حيث العذر وعدمـه، نظير ما لو علم المكلّف بوجوب إنقاذ أحد الغريقين على سبيل التخيـير مع كـون الواجب في الواقـع واحداً معيّناً منهما، فإنّـه تارة يعصي المولى بعدم إنقاذ واحد منهما واُخرى ينقذ غير من يجب إنقاذه بحسب الواقع. ففي الصورتين وإن كان المأمور بـه قد ترك ولم يأت المكلّف بـه، إلاّ أنّـه في الصورة الثانيـة معذور في المخالفـة دون الصورة الاُولى. وثانياً: لو سلّم دوران أمر الأقلّ بين كونـه نفسيّاً يترتّب على مخالفتـه العقاب أو غيريّاً لا يترتّب عليـه، كدوران شيء بين الواجب والمستحبّ، إلاّ أنّا نقول: إنّ الملاك في جريان حكم العقل بالبراءة المستند إلى قبح العقاب بلا بيان هل هو عدم البيان على التكليف، أو عدم البيان على العقوبـة؟ لا سبيل إلى الثاني; لأنّـه تصحّ العقوبـة فيما لو بيّن المولى التكليف، وإن لم يبيّن العقوبـة عليـه. ألا ترى أنّـه لو ارتكب المكلّف واحداً من المحرّمات بتخيّل ضعف العقاب
185
المترتّب على ارتكابـه لا إشكال في صحّـة عقوبتـه المترتّبـة عليـه في الواقع وإن كان من الشدّة بمكان. وبالجملـة: فمستند حكم العقل بالبراءة ليس عدم البيان على العقاب، بل عدم البيان على التكليف، والبيان عليـه موجود بالنسبـة إلى الأقلّ قطعاً، ولذا لايجوز تركـه. وحينئذ فدوران أمر الأقلّ بين ترتّب العقاب عليـه لو كان نفسيّاً وعدم ترتّبـه لو كان غيريّاً لا يوجب أن لا يكون وجوبـه معلوماً، ومع العلم بالوجوب لا يحكم العقل بالبراءة قطعاً، فلزوم الإتيان بـه معلوم على أيّ تقدير، وبـه ينحلّ العلم الإجمالي، كما لايخفى. ومنها: ما ذكره المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات المنسوبـة إليـه ـ وهو ينحلّ إلى وجهين: أحدهما: ما ذكره في صدر كلامـه وملخّصـه: إنّ العقل يستقلّ بعدم كفايـة الامتثال الاحتمالي للتكليف القطعي، ضرورة أنّ الامتثال الاحتمالي إنّما يقتضيـه التكليف الاحتمالي، وأمّا التكليف القطعي فمقتضاه الامتثال القطعي، لأنّ العلم باشتغال الذمّـة يستدعي العلم بالفراغ عقلا، ولا يكفي احتمال الفراغ، ففي المقام لا يجوز الاقتصار على الأقلّ عقلا، لأنّـه يشكّ في الامتثال والخروج عن عهدة التكليف المعلوم في البين، ولايحصل العلم بالامتثال إلاّ بعد ضمّ الخصوصيّـة الزائدة المشكوكـة. والعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ المردّد بين كونـه لا بشرط أو بشرط شيء هو عين العلم الإجمالي بالتكليف المردّد بين الأقلّ والأكثر، ومثل هذا العلم التفصيلي لا يعقل أن يوجب الانحلال، لأنّـه يلزم أن يكون العلم الإجمالي موجباً لانحلال نفسـه. ثانيهما: ما ذكره في ذيل كلامـه وحاصلـه: إنّ الشكّ في تعلّق التكليف
186
بالخصوصيـة الزائدة المشكوكـة من الجزء أو الشرط وإن كان عقلا لا يقتضي التنجّز واستحقاق العقاب على مخالفتـه من حيث هو، للجهل بتعلّق التكليف بـه، إلاّ أنّ هناك جهـة اُخرى تقتضي التنجيز والاستحقاق على تقدير تعلّق التكليف بها، وهي احتمال الارتباطيّـة وقيديّـة الزائد للأقل، فإنّ هذا الاحتمال بضميمـة العلم الإجمالي يقتضي التنجيز واستحقاق العقاب عقلا. فإنّـه لا رافع لهذا الاحتمال، وليس من وظيفـة العقل وضع القيديّـة أو رفعها، بل ذلك من وظيفـة الشارع، ولا حكم للعقل من هذه الجهـة فيبقى حكمـه بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم على حالـه، فلابدّ من ضمّ الخصوصيّـة الزائدة(1). هذا، ويرد على التقريب الأوّل: أنّ الاشتغال اليقيني وإن كان مستدعياً للبراءة اليقينيّـة، إلاّ أنّ ذلك بمقدار ثبت الاشتغال بـه وقامت الحجّـة عليـه، وأمّا ما لم تقم الحجّـة عليـه فلم يثبت الاشتغال بـه حتّى يستدعي البراءة اليقينيّـة عنـه، كما لايخفى. وما ذكره من أنّ العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ المردّد بين كونـه لا بشرط أو بشرط شيء هو عين العلم الإجمالي محلّ منع، لما عرفت من أنّ المراد باللابشرط في المقام هو اللا بشرط المقسمي الذي هو عبارة عن نفس الماهيّـة من دون أن يلحظ معها شيء على نحو السلب البسيط لا الإيجاب العدولي. ومن المعلوم أنّ اللابشرط المقسمي لا يغاير مع البشرط شيء أصلا، لأنّ اللا بشرط يجتمع مع ألف شرط. وحينئذ فالأقلّ المردّد بين كونـه لا بشرط أو بشرط شيء يعلم تفصيلا
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 159 ـ 161.

187
بوجوبـه بحيث لا إجمال في ذلك عند العقل ولا يكون متردّداً فيـه أصلا، والخصوصيّـة الزائدة مشكوكـة بالشكّ البدوي. وبالجملـة، فالعلم الإجمالي إذا لوحظ طرفاه أو أطرافـه يكون كلّ واحد منهما أو منها مشكوكاً من حيث هو، وفي المقام لا يكون كذلك، لأنّ العقل لا يرى إجمالا بالنسبـة إلى وجوب الأقلّ أصلا، والأمر الزائد لا يكون إلاّ مشكوكاً بالشكّ البدوي. والعجب أنّـه (قدس سره) أجاب عن الإشكال الذي نسبـه إلى صاحب الحاشيـة كما عرفت بعدم مباينـة الماهيّـة اللابشرط مع الماهيّـة بشرط شيء وقال: إنّ الأقلّ متيقّن الاعتبار على كلّ حال، سواء لوحظ لا بشرط أو بشرط الجزء الزائد(1)، وهنا أنكر الانحلال الذي مرجعـه إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ على كلّ حال والشكّ البدوي في الزائد، ولعمري أنّـه تنافر واضح وتهافت فاحش، هذا. ويرد على التقريب الثاني: أنّـه كما أنّ تعلّق التكليف بالخصوصيّـة الزائدة مشكوك وهو لا يقتضي التنجيز واستحقاق العقاب على مخالفتـه من حيث هو، كذلك احتمال الارتباطيّـة وقيديّـة الزائد مورد لجريان البراءة بعد عدم قيام الحجّـة عليها، لعدم الفرق بين نفس الجزء الزائد وحيثيتـه الارتباطيـة أصلا، لوجود ملاك جريان البراءة العقليّـة وهو الجهل وعدم ثبوت البيان فيهما، ولا يكون مقتضى جريانها هو رفع القيديّـة حتّى يقال بأنّـه ليس من وظيفـة العقل وضع القيديّـة ولا رفعها، بل معنى جريانها هو قبح العقاب على ترك المأمور بـه
1 ـ تقدّم في الصفحـة 182.

188
من جهـة الإخلال بالخصوصيّـة الزائدة المشكوكـة بعد عدم ورود بيان على ثبوتها وكونها دخيلا في المأمور بـه. ومن جميع ما ذكرنا يظهر الجواب عن تقريب آخر للاحتياط، وهو أنّ تعلّق التكليف بالأقلّ معلوم ضرورة، والاشتغال اليقيني بذلك يقتضي البراءة اليقينيّـة، وهي لا تحصل إلاّ بضمّ الجزء الزائد المشكوك، ضرورة أنّـه مع دخالتـه في المأمور بـه لا يكون الإتيان بالأقلّ بمجد أصلا. والجواب: أنّ الشكّ في حصول البراءة إنّما هو من جهـة مدخليّـة الخصوصيّـة الزائدة، وحيث إنّ دخالتها مشكوكـة ولم يرد من المولى بيان بالنسبـة إليها فالعقاب على ترك المأمور بـه من جهـة الإخلال بتلك الخصوصيـة لا يكون إلاّ عقاباً من دون بيان ومؤاخذة بلا برهان. وبالجملـة: ما علم الاشتغال بـه يقيناً يحصل البراءة بالإتيان بـه كذلك، وما لم يعلم الاشتغال بـه تجري البراءة العقليّـة بالنسبـة إليـه، كما عرفت. ومنها: ما أفاده الشيخ المحقّق صاحب الحاشيـة الكبيرة على المعالم، وملخّصـه: أنّ الأمر دائر بين تعلّق الوجوب بالأقلّ أو بالأكثر، وعلى تقدير تعلّقـه بالأكثر لا يكون الأقلّ بواجب; لأنّ ما هو في ضمن الأكثر إنّما هو الأجزاء التي ينحلّ إليها الأقلّ لا نفس الأقلّ، فإنّـه لا يكون في ضمن الأكثر أصلا; لأنّ لـه صورة مغايرة لصورة الأكثر. ومع هذا التغاير لو كان الأقلّ والأكثر غير ارتباطيـين لكنّا نحكم بالبراءة بالنسبـة إلى الزائد المشكوك، لعدم توقّف حصول الغرض على ضمّ الزائد، بل الأقلّ يترتّب عليـه الغرض في الجملـة ولو لم يكن متعلّقاً للتكليف. وهذا بخلاف المقام، فإنّـه لو كان الأمر متعلّقاً في نفس الأمر بالأكثر لكان وجود الأقلّ كعدمـه في عدم ترتّب شيء عليـه وعدم تأثيره في حصول
189
الغرض أصلا. وحينئذ فمقتضى العلم الإجمالي بوجود التكليف في البين هو لزوم الإتيان بالأكثر تحصيلا للبراءة اليقينيّـة(1)، انتهى. ويرد عليـه ما أجبنا بـه عن الإشكال الأوّل المتقدّم(2) من أنّ المركّب من الأقلّ لا يكون لـه صورة مغايرة للمركّب من الأكثر، لأنّ التركيب الاعتباري ليس إلاّ ملاحظـة أشياء متعدّدة شيئاً واحداً، بحيث تكون الأجزاء فانيـة غير ملحوظـة بنفسها، ولا يكون هنا صورة اُخرى ماعدا الأجزاء حتّى يقال بأنّها مغايرة للصورة الحاصلـة من المركّب من الأكثر. وبالجملـة: فليس هنا إلاّ نفس الأجزاء التي دار أمرها بين القلّـة والكثرة، وحينئذ فيظهر أنّ تعلّق الوجوب بالأقلّ معلوم تفصيلا، لما عرفت من أنّ الأمر المتعلّق بالمركّب يدعو إلى أجزائـه بعين داعويّتـه إلى المركّب، وحينئذ فلو كان الأكثر متعلّقاً للتكليف يكون الأقلّ أيضاً واجباً، بمعنى أنّ الأمر يدعو إليـه، كما أنّـه لو كان الأقلّ كذلك يكون واجباً حينئذ، فوجوب الأقلّ معلوم تفصيلا، والشكّ بالنسبـة إلى الزائد شكّ بدوي يجري فيـه البراءة، كما عرفت. ومنها: ما أفاده المحقّق الخراساني (قدس سره) في الكفايـة من أنّ الانحلال مستلزم للخلف أو المحال الذي هو عبارة عن استلزام وجود الشيء لعدمـه(3). أمّا الخلف، فلأنّـه يتوقّف لزوم الأقلّ فعلا إمّا لنفسـه أو لغيره على تنجّز التكليف مطلقاً ولو كان متعلّقاً بالأكثر، ضرورة أنّه لو لم يتنجّز على تقدير تعلّقه به
1 ـ هداية المسترشدين: 441. 2 ـ تقدّم في الصفحـة 179. 3 ـ كفايـة الاُصول: 413.

190
لم يكن الأقلّ واجباً بالوجوب الغيري، لأنّـه تابع لوجوب ذي المقدّمـة، ومع عدمـه لا مجال لـه، كما أنّـه لو لم يتنجّز على تقدير تعلّقـه بالأقلّ لم يكن واجباً بالوجوب النفسي، فوجوبـه الأعمّ من النفسي والغيري يتوقّف على تنجّز التكليف على أيّ تقدير، فلو كان لزومـه كذلك موجباً لعدم تنجّز التكليف إلاّ على تقدير تعلّقـه بالأقلّ يلزم الخلف. وأمّا استلزام وجوده للعدم، فلأنّ لزوم الأقلّ على الفرض يستلزم عدم تنجّز التكليف على كلّ حال، وهو يستلزم لعدم لزوم الأقلّ مطلقاً، وهو يستلزم عدم الانحلال، فلزم من وجود الإنحلال عدمـه، وما يلزم من وجوده عدمـه فهو محال، هذا. ويمكن هنا تقريب ثالث زائد على التقريبين المذكورين في كلام المحقّق الخراساني، وهو أنّ العلم التفصيلي لو تولّد من العلم الإجمالي بحيث كان معلولا لـه ومسبّباً عنـه لا يعقل أن يوجب انحلال ذاك العلم الإجمالي، وهل يمكن أن يؤثّر المعلول في عدم علّتـه؟ والمقام من هذا القبيل، فإنّ العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ إمّا لنفسـه أو لغيره إنّما نشأ من العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو الأكثر، كما هو واضح، نظير ما إذا تردّد أمر الوضوء مثلا بين كون وجوبـه نفسيّاً أو غيريّاً ناشئاً من الوجوب المتعلّق بما يكون الوضوء مقدّمـة لـه، ولكن كان وجوب ذي المقدّمـة مشكوكاً، فإنّـه لا يعقل أن يصير العلم التفصيلي بوجوب الوضوء على أيّ تقدير موجباً لانحلال العلم الإجمالي بوجوب الوضوء نفسيّاً أو بوجوب ما يكون هو مقدّمـة لـه، لأنّ مع الانحلال وإجراء البراءة بالنسبـة إلى وجوب ذي المقدّمـة لا يكون العلم التفصيلي باقياً على حالـه، فالعلم التفصيلي المسبّب عن العلم الإجمالي
191
يستحيل أن يؤثّر في انحلالـه، هذا. ولكن هذه التقريبات الثلاثـة إنّما يتمّ بناءً على مبنى فاسد، وهو القول بكون الأجزاء في المركّبات واجبـة بالوجوب الغيري كالمقدّمات الخارجيّـة، ونحن وإن أنكرنا وجوب المقدّمـة والملازمـة بينـه وبين وجوب ذيها رأساً، كما مرّ تحقيقـه في مبحث مقدّمـة الواجب من مباحث الألفاظ(1)، إلاّ أنّـه لو سلّمنا ذلك في المقدّمات الخارجيّـة فلا نسلّم في المقدّمات الداخليـة أصلا، بل قد عرفت أنّ الأجزاء واجبـة بعين وجوب الكلّ، والأمر المتعلّق بـه يدعو إليها بعين دعوتـه إليـه، إذ لا مغايرة بينها وبينـه أصلا، لأنّ المركّب ليس أمراً وراءها بل هو نفسها. وحينئذ فالأقلّ واجب بالوجوب الأصلي النفسي تفصيلا ولا يكون هذا العلم التفصيلي مسبّباً عن العلم الإجمالي، فلا مانع من التأثير في الانحلال، بل قد عرفت أنّـه ليس هنا إلاّ علم تفصيلي وشكّ بدوي، كما لايخفى. ومنها: ما أورده على نفسـه الشيخ المحقّق الأنصاري في الرسالـة(2)بقولـه: «إن قلت» وتقريره: أنّ الأوامر والنواهي الشرعيّـة تابعـة للمصالح والمفاسد النفس الأمريّـة، كما اشتهر ذلك بين العدليّـة، حيث يقولون: إنّ الواجبات الشرعيّـة إنّما وجبت لكونها ألطافاً في الواجبات العقليّـة، فاللطف والمصلحـة النفس الأمريّـة إمّا هو المأمور بـه حقيقةً، والأوامر المتعلّقة بمثل الصلاة والصوم ونظائرهما أوامر إرشاديّـة والغرض منها الإرشاد إلى عدم حصول المأمور بـه حقيقـة إلاّ بمثلها، وإمّا أنّـه غرض للآمر. وعلى كلا التقديرين فيجب
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 16 ـ 17. 2 ـ فرائد الاُصول 2: 461.

192
تحصيل العلم بحصول اللطف لعدم العلم بإتيان المأمور بـه على الأوّل وبحصول الغرض على الثاني مع الاقتصار على الأقلّ في مقام الامتثال. ومن الواضح عند العقول لزوم العلم بإتيان المأمور بـه وبحصول الغرض، أمّا الأوّل فبديهي، وأمّا الثاني فلأنّ الغرض إنّما هو العلّـة والداعي للأمر، ومع الشكّ في حصولـه يشكّ في سقوط الأمر. فمرجع الشكّ فيـه إلى الشكّ في الإتيان بالمأمور بـه المسقط للأمر، وقد عرفت أنّ لزوم العلم بإتيانـه من الواضحات عند العقول، هذا. ولا يخفى أنّ المحقّق الخراساني (قدس سره) اعتمد في الكفايـة(1) على هذا الكلام وردّ ما أجاب بـه عنـه الشيخ (قدس سره) في الرسالـة، هذا. والتحقيق في الجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إنّ هذه المسألـة ـ وهي أنّ الأوامر والنواهي الشرعيّـة هل هي تابعـة للمصالح والمفاسد النفس الأمريّـة أم لا ـ مسألـة كلاميّـة، ومنشأ البحث فيها مسألـة اُخرى كلاميّـة أيضاً، وهي أنّـه هل يمتنع على اللّه الإرادة الجزافيّـة، فلا يجوز عليـه الفعل من دون غرض كما عليـه العدليّـة، أو أنّـه لا يمتنع عليـه تعالى ذلك، بل يجوز منـه الإرادة الجزافيّـة والفعل من دون غرض ومصلحـة، كما عليـه الأشاعرة. فظهر أنّـه بناءً على مذهب العدليّـة لابدّ من الالتزام بعدم كون الأفعال الاختياريّـة الصادرة من اللّه تعالى خالياً من الغرض والمصلحـة، أمّا أنّـه لابدّ من أن يكون المأمور بـه حقيقـة هو نفس تلك المصلحـة والغرض، أو يكون الغرض أمـراً آخـر مترتّباً على المأمـور بـه فلا يستفاد مـن ذلك، بل اللازم هـو أن يقال بعدم كون إرادتـه تعالى المتعلّقـة بإتيان المأمور بـه إرادة جزافيّـة غير
1 ـ كفاية الاُصول: 414.

193
ناشئـة من المصلحـة في المراد. وهو كما يتحقّق بأحد الأمرين المذكورين، كذلك يتحقّق بأن يكون المأمور بـه الذي هو عبارة عن مثل الصلاة والصوم والحجّ بنفسـه مصلحةً ومحبوباً; لأنّـه لا فرق في عدم كون الإرادة جزافيّـة بين أن تكون الصلاة مؤثِّرة في حصول غرض ومصلحـة وهي معراج المؤمن كما قيل، أو أن تكون بنفسها محبوبـة ومصلحـة، لاشتمالها على التهليل والتكبير والتسبيح مثلا، كما أنّـه يتحقّق ذلك بأن تكون المصلحـة في نفس الأمر لا في المأمور بـه. وبالجملـة: فمقتضى مذهب العدليّـة أنّـه لابدّ أن يكون في البين غرض وغايـة ومصلحـة ولطف، أمّا لزوم أن يكون هو متعلّق الأمر بحيث كانت الأوامر المتعلّقـة بمثل الصلاة والصوم إرشاداً إليـه أو أن يكون أمراً آخر وراء المأمور بـه فلا، فمن المحتمل أن يكون نفس المأمور بـه محبوباً بذاتـه وغايـة بنفسـه، أو يكون الغرض في نفس الأمر، وعلى هذين التقديرين لا وجـه للاحتياط بالإتيان بالأكثر. أمّا على التقدير الأوّل: فلأنّ محبوبيـة الأقلّ معلومـة، ولم يقم دليل على محبوبيـة الخصوصيّـة الزائدة، والعقل يحكم بعدم جواز العقوبـة عليها مع عدم قيام الحجّـة عليها، كما أنّـه على التقدير الثاني حصل الغرض بمجرّد الأمر والبعث ولا يكون المكلّف مأخوذاً بأزيد ممّا قام الدليل على لزوم الإتيان بـه. هذا كلّـه مضافاً إلى أنّـه لو فرض كون الغرض مترتّباً على المأمور بـه نمنع لزوم العلم بحصولـه، لأنّ المكلّف إنّما هو مأخوذ بالمقدار الذي ورد البيان من قبل المولى على دخالتـه في المأمور بـه، ومع الإتيان بـه لا معنى لعقوبتـه وإن كان شاكّاً في حصول الغرض، لأنّ الأمر لم يتعلّق بتحصيل الغرض بل تعلّق بالأجزاء التي يعلم بانحلال المركّب إليها، وتعلّقـه بالزائد مشكوك يحكم العقل
194
بالبراءة عنـه. كيف ولو كان اللازم العلم بحصول الغرض لم يحصل العلم بامتثال كثير من المركّبات الشرعيّـة، إذ ما من مركّب إلاّ ونحتمل دخالـة أمر آخر فيـه شطراً أو شرطاً واقعاً وإن لم يصل إلينا دليلـه، كما هو واضح، فاللازم بحسب نظر العقل هو العلم بإتيان المأمور بـه الذي قامت الحجّـة عليـه وهو يحصل بإتيان الأقلّ، فتدبّر. ومنها: ما يختصّ بالواجبات التعبّديـة ولا يجري في التوصّليات، وهو أنّـه لابدّ فيها من قصد التقرّب، وهو لا يكون إلاّ بالواجب النفسي، لأنّ الواجب الغيري لا يكون مقرّباً، وحينئذ فمع الاقتصار على الأقلّ لا يكاد يمكن قصد التقرّب، لأنّـه يحتمل أن يكون الواجب في الواقع هو الأكثر وكان الأقلّ واجباً غيريّاً، وهذا بخلاف ما إذا أتى بالأكثر، فإنّـه يقطع بكونـه مقرّباً إمّا بنفسـه، وإمّا بالأقلّ المتحقّق في ضمنـه. والتحقيق في الجواب أن يقال: أمّا أوّلا، فلأنّ المعتبر في العبادات أن لا يكون الإتيان بها بداع نفساني، بل بداع إلهي اُخروي. ومن المعلوم أنّـه لافرق في ذلك بين الإتيان بالأقلّ أو بالأكثر، ضرورة أنّ الآتي بالأقلّ لا يكون الداعي لـه إلى الإتيان بـه إلاّ أمر إلهي. نعم لا يعلم بكون المأتي بـه هو المأمور بـه، كما أنّ الآتي بالأكثر أيضاً لا يعلم بذلك. وبالجملـة: لا فرق بين الإتيان بالأقلّ أو بالأكثر في إمكان قصد التقرّب الذي مرجعـه إلى الإتيان بالعمل لا لداع نفساني من رياء وغيره، وكذا في عدم العلم بكون ما يأتي بـه هو المأمور بـه. وأمّا ثانياً: فلأنّ مبنى الإشكال على كون الأقلّ واجباً بالوجوب الغيري على تقدير كون متعلّق التكليف هو الأكثر، وقد عرفت غير مرّة منع ذلك وأنّ
195
الأجزاء واجبـة بعين وجوب المركّب، والأمر المتعلّق بـه يدعو إلى الأجزاء بعين دعوتـه إليـه، وحينئذ فالأقلّ واجب بالوجوب النفسي على التقديرين. وبالجملـة: لا فرق في الداعي بين القائل بالبراءة والقائل بالاشتغال، فإنّ الداعي بالنسبـة إليهما هو الأمر المتعلّق بإقامـة الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل. غايـة الأمر أنّـه لا يصلح للداعويّـة في نظر القائل بالبراءة إلاّ بالنسبـة إلى ما علم انحلال الصلاة إليـه من الأجزاء، كما أنّـه في نظر القائل بالاشتغال يدعو إلى جميع ما تنحلّ إليـه واقعاً ولو كان هو الأكثر، ولذا لا يتحقّق العلم بامتثالـه إلاّ بالإتيان بـه. فلا اختلاف للداعي بالنسبـة إليهما، فيجوز الإتيان بالأقلّ بداعي الأمر المتعلّق بالصلاة بلاريب ولا يوجب ذلك قدحاً في عباديّتها أصلا، كما هو واضح لا يخفى. هذا كلّـه في البراءة العقليّـة، وقد عرفت جريانها وعدم ورود شيء من الإشكالات الثمانيـة المتقدّمـة عليها. في جريان البراءة الشرعيّة في المقام وأمّا البراءة الشرعيّـة: فالظاهر أنّـه لا مانع من جريانها بناءً على ما هو مقتضى التحقيق من انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشكّ في وجوب الأكثر، كما عرفت. وذلك لأنّ الأقلّ معلوم وجوبـه النفسي تفصيلا والأكثر مشكوك، فيكون مرفوعاً بمثل حديث الرفع(1)، ولا فرق في ذلك
1 ـ الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعـة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب56، الحديث1.

196
بين أن يقال بدلالـة الحديث على رفع الجزئيّـة المجهولـة بناءً على إمكان رفعها لكونها قابلـة للوضع، أو يقال بدلالتـه على رفع الوجوب النفسي المتعلّق بالأكثر بناءً على عدم إمكان رفع الجزئيـة. وكيف كان فلا مانع من جريانها بالنسبـة إلى الأكثر بناءً على الانحلال. وأمّا بناءً على عدم الانحلال الموجب لعدم جريان البراءة العقليّـة فهل تجري البراءة الشرعيّـة مطلقاً، أو لا تجري كذلك، أو يفصّل بين ما إذا كان العلم الإجمالي مقتضياً لوجوب الموافقـة القطعيّـة فتجري، وبين ما إذا قيل بكونـه علّـة تامّـة لـه فلا تجري؟ وجوه بل أقوال ذهب إلى الأوّل المحقّق الخراساني(1)وإلى الأخير المحقّق العراقي على ما في تقريرات بحثـه(2). والحقّ هو الوجـه الثاني، لأنّـه لو كان مجرى البراءة هو الوجوب النفسي المتعلّق بالأكثر المجهول فالأصل وإن كان يجري بالنسبـة إليـه لكونـه مشكوكاً، إلاّ أنّـه معارض بالأصل الجاري في الأقلّ، لأنّ وجوبـه النفسي أيضاً مشكوك بناءً على ما هو المفروض من عدم انحلال العلم الإجمالي، لأنّـه يلزم من جريانهما مخالفـة عمليّـة للتكليف المعلوم المتحقّق في البين المردّد بين الأقلّ والأكثر. ودعوى: أنّ طبيعـة الوجوب بالنسبـة إلى الأقلّ معلومـة بالتفصيل، فلا تجري أصالـة البراءة بالنسبـة إليـه، وأمّا الأكثر فأصل تعلّق الوجوب بـه مشكوك، فلا مانع من جريان الأصل فيـه.
1 ـ كفايـة الاُصول: 416. 2 ـ نهايـة الأفكار 3: 389.

197
مدفوعـة: بأنّ الأمر المشترك بين الوجوب النفسي والغيري أمر انتزاعي لايكون قابلا للجعل، ضرورة أنّ المجعول إمّا هو الوجوب النفسي، وإمّا هو الوجوب الغيري، غايـة الأمر أنّ العقل بعد ملاحظتهما ينتزع منهما أمراً واحداً وهو أصل الوجوب والإلزام. كما أنّ دعوى عدم جريان الأصل في الأقلّ بالنسبـة إلى وجوبـه النفسي، لعدم ترتّب أثر عليـه بعد لزوم الإتيان بـه على أيّ تقدير كان واجباً نفسيّاً أو غيريّاً فلا معارض للأصل الجاري في الأكثر. تندفع بأنّـه يكفي في جريان الأصل ترتّب الأثر عليـه ولو في بعض الموارد، وهنا يكون كذلك، فإنّ جريان أصل البراءة عن الوجوب النفسي المجهول المتعلّق بالأقلّ يترتّب عليـه الأثر فيما لو سقط الجزء المشكوك عن الجزئيـة لتعذّر وغيره، فإنّ مقتضى أصالـة البراءة عن وجوب الأقلّ عدم لزوم الإتيان بـه أصلا. وبالجملـة: فلو كان مجرى البراءة هو الوجوب النفسي المتعلّق بالأكثر لكان الأصل الجاري فيـه معارضاً بالأصل الجاري في الأقلّ. وأمّا لو كان مجراها هي جزئيّـة الجزء المشكوك فعلى مختار الأعاظم من عدم كون الجزئيّـة قابلـة للوضع ولا للرفع، بل كلّ واحد منهما يتعلّق بمنشأ انتزاعـه وهو الوجوب النفسي المتعلّق بالمركّب من الجزء المشكوك وسائر الأجزاء فيقع التعارض حينئذ بين الأصل الجاري في منشأ انتزاعـه وبين الأصل الجاري في الأقلّ كما في الصورة السابقـة. ومن هنا ينقدح الخلل فيما أفاده المحقّق العراقي بعد تسليم ثبوت التعارض بين الأصل الجاري في الأكثر في وجوبـه النفسي والأصل الجاري في الأقلّ، من
198
أنّـه يكفي في جريان الأصل في جزئيّـة المشكوك مجرّد كونها ممّا أمر رفعـه ووضعـه بيد الشارع ولو بتوسّط منشائـه وهو التكليف، فإنّ للشارع رفع الجزئيّـة عن المشكوك برفع اليد عن فعليّـة التكليف المتعلّق بالأكثر(1). وجـه الخلل ما عرفت من أنّ منشأ انتزاع الجزئيّـة هو الوجوب النفسي المتعلّق بالمركّب، والأصل الجاري في المركّب من الجزء المشكوك معارض بالأصل الجاري في المركّب من غيره، كما اعترف بـه. وأمّا لو كان مجرى البراءة هو الوجوب المتعلّق بالجزء المشكوك فالظاهر أيضاً عدم جريان الأصل فيـه للمعارضـة، لأنّ الوجوب المتعلّق بالجزء المشكوك وإن كان وجوباً شرعياً بناءً على القول بوجوب المقدّمـة على خلاف ما هو الحقّ والمحقّق في محلّـه(2)، إلاّ أنّ الملازمـة بينـه وبين وجوب ذي المقدّمـة ملازمـة عقليّـة، فالشكّ فيـه وإن كان مسبّباً عن الشكّ في وجوب الأكثر، إلاّ أنّـه لا يرتفع بالأصل الجاري في السبب بعد عدم كون المسبّب من الآثار الشرعيّـة المترتّبـة عليـه، فكما أنّـه يجري الأصل في السبب يجري في المسبّب أيضاً. وحينئذ فيقع التعارض بين الأصل الجاري فيهما والجاري في الأقلّ. نعم لو قلنا بكون وجوب المقدّمـة من الآثار الشرعيّـة المترتّبـة على وجوب ذيها لكان الأصل الجاري في السبب معارضاً بالأصل الجاري في الأقلّ، ويبقى الأصل الجاري في المسبّب سليماً عن المعارض، ولكن هذا بمكان من البطلان، لأنّ مسألـة وجوب المقدّمـة مسألـة عقليّـة، كما هو المسلّم بينهم.
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 390. 2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 15.

199
فانقدح من جميع ما ذكرنا: أنّـه بناءً على عدم انحلال العلم الإجمالي لا يجـري أصالـة البراءة بالنسبـة إلى الأكثر لا فـي وجوبـه النفسي المتعلّق بـه، ولا في جزئيـة الجزء المشكوك، ولا في الوجوب المتعلّق بـه. وهذا لا فرق فيـه بين أن نقول باقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقـة القطعيـة، وبين أن نقول بكونـه علّـة تامّـة لـه، فالتفكيك بين البراءة الشرعيّـة والعقليّـة ممّا لا وجـه لـه أصلا. ثمّ إنّ المحقّق العراقي المفصّل بين القـول بالاقتضاء والعلّيـة أفـاد في وجـه عدم جريان الأصل النافي ـ بناءً على العلّيـة ولو في بعض أطرافـه بلامعارض ـ أنّـه بعد انتهاء الأمر إلى حكم العقل بوجوب الاحتياط ولزوم تحصيل الجـزم بالفراغ ولو جعليّاً لا مجال لجـريان الاُصول النافيـة ولو في فرض كونها بلا معارض، إلاّ على فرض اقتضاء جريانها لإثبات أنّ الواجب الفعلي هو الأقلّ ولو ظاهراً، كي ببركـة إثباتـه ذلك يكون الإتيان بـه فراغـاً جعلياً عمّا ثبت في العهدة. وهو أيضاً في محلّ المنع; لمنع اقتضاء مجرّد نفي وجوب الأكثر والخصوصيّـة الزائدة لإثبات هذه الجهـة إلاّ على القول بالمثبت الذي لا نقول بـه. نعم قد يتوهّم تكفّل مثل حديث الرفع لإثبات ذلك بتقريبات ثلاثـة: أحدها: أنّ الحديث ناظر إلى إطلاقات أدلّـة الجزئيـة واقعاً بتقيـيد مفاد فعليّتها بحال العلم بها، وأنّـه برفع فعليّـة التكليف عن المشكوك واقعاً مع ضميمـة ظهور بقيـة الأجزاء في الفعليـة يرتفع الإجمال من البين ويتعيّن كون متعلّق التكليف الفعلي هو الأقلّ، وبالإتيان بـه يتحقّق الفراغ والخروج عن عهدة التكليف.
200
وأجاب عن هذا التقريب بما ملخّصـه: منع صلاحيّـة حديث الرفع لأن يكون ناظراً إلى نفي فعليّـة التكليف عن المشكوك واقعاً، إذ مفاد الرفع فيـه إنّما هو مجرّد الرفع الظاهري الثابت في المرتبـة المتأخّرة عـن الجهل بالواقـع، ومثلـه غير صالح لتقيـيد إطلاق الجزئيّـة الواقعيّـة المحفوظـة حتّى بمرتبـة فعليّتها في المرتبـة السابقـة عن تعلّق الجهل بها; لاستحالـة ورود الرفع في ظرف الجهل بشيء على الشيء الملحوظ كونـه فـي المرتبـة السابقـة على الجهل بنفسـه، ولأنّ رفـع كلّ شيء عبارة عـن نقيضـه وبديلـه، فلا يمكن أن يكون الرفع في هذه المرتبـة نقيضاً لما هو في المرتبـة السابقـة; لأنّ وحدة الرتبـة بين النقيضين من الوحدات الثمان التي تعتبر في التناقض والتضادّ. وحينئذ فلو كانت مقتضيات الفعليّـة في المرتبـة السابقـة على الجهل متحقّقـة لا يكاد يصلح مثل هذا الحـديث للمانعيّـة عنها، ومعـه يبقى العلم الإجمالي علـى حالـه. وتوهّم: أنّ الحكم الظاهري وإن لم يكن في مرتبـة الحكم الواقعي، إلاّ أنّ الحكم الواقعي ولو بنتيجـة الإطلاق يكون في مرتبـة الحكم الظاهري، وبذلك أمكن تعلّق الرفع في تلك المرتبـة بفعليّـة الحكم الواقعي. مدفوع: بأنّـه مع الاعتراف بكون الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي كيف يمكن توهّم كون الحكم الواقعي في عرض الحكم الظاهري وفي مرتبتـه. نعم الحكم الواقعي يجتمع مع الحكم الظاهري زماناً، ولكنّـه لا يقتضي اجتماعهما رتبـة(1)، انتهى.
1 ـ نهاية الأفكار 3: 390 ـ 392.

201
وأنت خبير بعدم تماميّـة هذا الجواب، لأنّـه ـ مضافاً إلى منع كون الجهل بشيء والشكّ فيـه متأخّراً عن نفس ذلك الشيء وإلاّ لزم انقلابـه علماً، كما هو واضح ـ يرد عليـه أنّ معنى الإطلاق ليس هو لحاظ السريان والشمول حتّى يقتصر فيـه على الحالات التي كانت في عرض الواقع من حيث الرتبـة، بل هو عبارة عن مجرّد عدم أخذ القيد في نفس الحكم أو متعلّقـه مع كونـه بصدد البيان، وحينئذ فلا مانع من شمول إطلاق الواقع لمرتبـة الجهل بـه، فلا استحالـة في ورود الرفع في ظرف الجهل على الواقع الشامل لمرتبـة الجهل أيضاً. ومن هنا يظهر: أنّ الحكم الواقعي يكون في مرتبـة الحكم الظاهري ومحفوظاً معـه، كما تقدّم تحقيقـه في مبحث اجتماع الحكم الظاهري مع الواقعي. هذا تمام الكلام فيما لو كان الأقلّ والأكثر من قبيل الأجزاء.
202
المطلب الثاني فيما لو كان الأقلّ والأكثر من قبيل المطلق والمشروط أو الجنس والنوع ، أو الطبيعي والفرد كما إذا دار الأمر بين كون الواجب مطلق الصلاة أو هي مشروطـة بالطهارة مثلا، أو دار الأمر بين وجوب إطعام مطلق الحيوان أو الإنسان، أو وجوب إكرام الإنسان أو خصوص زيد، ففي جريان البراءة العقليّـة مطلقاً أو عدمـه كذلك، أو التفصيل بين المطلق والمشروط وغيره بالجريان في الأوّل دون غيره وجوه، بل أقوال. وليعلم: أنّ الشرط قد يكون متّحداً مع المشروط في الوجود الخارجي، كالإيمان في الرقبـة، وقد يكون مغايراً معـه في الوجود كالطهارة بالنسبـة إلى الصلاة، ولا فرق بينهما في المقام. كما أنّـه لا فـرق في المركّبات التحليليـة بين أن تكون بسائط في الخارج أم لم تكن، كذلك لا فرق بين أن تكون الخصوصيّـة الزائدة محتاجـة إلى مؤونـة زائدة في مقام الإثبات، كبعض الألوان التي لم يوضع بإزائها لفظ مستقلّ، بل تعرف بإضافـة لفظ اللون إلى شيء آخر، أو لم تكن كذلك. وكيف كان: فذهب المحقّق الخراساني في الكفايـة إلى عدم جريان البراءة العقليّـة هنا مطلقاً، وأنّـه أظهر من عدم الجريان في الأقلّ والأكثر في الأجزاء. قال في وجهـه ما نصّـه: فإنّ الانحلال المتوهّم في الأقلّ والأكثر لا يكاد يتوهّم هاهنا، بداهـة أنّ الأجزاء التحليليّـة لا تكاد تتّصف باللزوم من باب المقدّمـة عقلا، فالصلاة ـ مثلا ـ في ضمن الصلاة المشروطـة أو الخاصّـة
203
موجودة بعين وجودها وفي ضمن صلاة اُخرى فاقدة لشرطها أو خصوصيّتها تكون متباينـة للمأمور بها، كما لايخفى(1)، انتهى. وتوضيح عدم جريان البراءة في المقام يتوقّف على بيان مقدّمتين: الاُولى: أنّـه لابدّ في الانحلال الموجب لجريان البراءة في المشكوك أن يرجع العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بأحد الطرفين والشكّ البدوي في الآخر. وبعبارة اُخرى: كان في البين قدر متيقّن تفصيلا ووقع الشكّ في الزائد على ذلك المقدار، ضرورة أنّ بدون ذلك لا وجـه للإنحلال. الثانيـة: أنّ الطبيعي في المتواطيات يتحصّص إلى حصص متعدّدة وآباء كذلك بعدد الأفراد، بحيث كان المتحقّق في ضمن كلّ فـرد حصّـة وأب خاصّ مـن الطبيعي المطلق غير الحصّـة والأب المتحقّق في ضمن فرد آخر، كالحيوانيّـة الموجودة في ضمن الإنسان بالإضافـة إلى الحيوانيـة الموجودة في ضمن نوع آخر كالبقر والغنم، وكالإنسانيـة المتحقّقـة في ضمن زيد بالقياس إلى الإنسانيـة المتحقّقـة في ضمن بكر وخالـد. فلا محالـة في مفروض المقام لا يكاد يكون الطبيعي المطلق بما هو جامع الحصص والآباء القابل للانطباق على حصّـة اُخرى محفوظاً في ضمن زيد; لأنّ ما هو محفوظ في ضمنـه إنّما هي الحصّـة الخاصّـة من الطبيعي، ومع تغاير هذه الحصّـة مع الحصّـة الاُخرى المحفوظـة في ضمن فرد آخر كيف يمكن دعوى اندراج البحث في الأقلّ والأكثر ولو بحسب التحليل. بل الأمر في مثل المقام ينتهي إلى العلم الإجمالي بتعلّق التكليف إمّا
1 ـ كفايـة الاُصول: 417.

204
بخصوص حصّـة خاصـة، أو بجامع الحصص والطبيعي على الإطلاق بما هو قابل الانطباق على حصّـة اُخرى غيرها، فيرجع الأمر إلى الدوران بين المتباينين، فيجب فيـه الاحتياط بإطعام خصوص زيد مثلا، هذا. ويرد على هذه المقدّمـة: أنّ التحقيق في باب الكلّي الطبيعي هو كونـه موجوداً في الخارج بوصف الكثرة، فإنّ زيداً إنسان وعمراً أيضاً إنسان، وزيد وعمرو إنسانان; لأنّ الكلّي الطبيعي ليس إلاّ نفس الماهيّـة، وهي بذاتها لا تكون واحدة ولا كثيرة. وحيث إنّها لا تكون بنفسها كذلك يجتمع مع الواحد ومع الكثير; لأنّها لو كانت واحدة لم يكن يمكن أن تجتمع مع الكثير، ولو كانت كثيرة لا يكاد يمكن أن تجتمع مع الواحد، فحيث لا تكون كثيرة بذاتها ولا واحدة بنفسها لا يأبى من الاجتماع معهما. وبالجملـة: كلّ فرد من أفراد الإنسان ـ مثلا ـ هو نفس ماهيّتـه مع خصوصيّـة زائدة، فزيد حيوان ناطق، كما أنّ عمراً أيضاً كذلك، ولا تكون الماهيّـة المتحقّقـة في ضمن زيد مغايرة للماهيّـة المتحقّقـة في ضمن عمرو أصلا، فجميع أفراد الإنسان يشترك في هذه الجهـة، ولا مباينـة بينها من هذه الحيثيـة أصلا، والطبيعي الجامع بينها يتّحد في الخارج مع كلّ واحد منها، ولا يكون واحداً بالوحدة العدديّـة كما زعمـه الرجل الهمداني الذي صادفـه الشيخ الرئيس في بلدة همدان، حيث إنّـه تخيّل أنّ الطبيعي الجامع موجود في الخارج بوصف الوحدة(1)، كما أنّ ما ذكر في المقدّمـة الثانيـة من تحصّصـه بحصص متباينـة
1 ـ راجع رسائل ابن سينا: 463، الحكمـة المتعاليـة 1: 273 ـ 274، شرح المنظومـة، قسم الحكمـة: 99.

205
وكونها آباء متعدّدة ممّا لا يكاد يتصوّر وإن أذعن بـه بعض الأعلام(1)، مضافاً إلى أنّـه خلاف ما صرّح بـه الفلاسفـة العظام، وتعبيرهم بأنّ الطبيعي مع الأفراد كالآباء مع الأولاد إنّما يريدون بـه نفي ما زعمـه الرجل الهمداني من كونـه أباً واحداً خارجاً ولـه أولاد متكثّرة، لا كونـه ذا حصص متباينـة. إذا عرفت ذلك يظهر لك وجود القدر المتيقّن في مثل المقام، فإنّـه لو دار الأمر بين وجوب إكرام مطلق الإنسان أو خصوص زيد، يكون إكرام طبيعـة الإنسان التي هي عبارة عن الحيوان الناطق مع قطع النظر عن الخصوصيّات المقارنـة معـه في الوجود الخارجي معلوماً تفصيلا، والشكّ إنّما هو في الخصوصيّـة الزائدة. كما أنّـه لو دار الأمر بين عتق مطلق الرقبـة أو خصوص الرقبـة المؤمنـة يكون وجوب عتق مطلق الرقبـة معلوماً تفصيلا، والشكّ إنّما هو في وجوب الخصوصيّـة الزائدة وهي كونها مؤمنـة، ضرورة أنّ الرقبـة الكافرة تشترك مع الرقبـة المؤمنـة في أصل المصداقيـة لمطلق الرقبـة. نعم بينهما افتراق من جهات اُخرى لا ترتبط بالطبيعي. وحينئذ: فلا فرق بين هذه الموارد وبين الأقلّ والأكثر أصلا. نعم بين تلك الموارد فرق من جهـة وضوح ذلك وخفائـه، فإنّ الدوران بين المطلق والمشروط مع كون الشرط مغايراً في الوجود الخارجي مع المشروط كالوضوء بالنسبـة إلى الصلاة من أوضح تلك الموارد من جهـة احتياجـه في عالم الجعل والثبوت إلى لحاظ آخر، كاحتياجـه في عالم الايصال والإثبات إلى مؤونـة زائدة، بخلاف غيره من سائر الموارد.
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 397.

206
وأمّا من جهـة أصل وجود ما هو المناط في جريان البراءة من ثبوت القدر المتيقّن فلا فرق بينها أصلا. وأمّا ما أفاده المحقّق النائيني من وجوب الاحتياط فيما إذا كان الأقلّ والأكثر من قبيل الجنس والنوع، لأنّ الترديد بينهما وإن كان يرجع بالتحليل العقلي إلى الأقلّ والأكثر، إلاّ أنّـه خارجاً بنظر العرف يكون من الترديد بين المتباينين; لأنّ الإنسان بما لـه من المعنى المرتكز في الذهن مباين للحيوان عرفاً، فلو علم إجمالا بوجوب إطعام الإنسان أو الحيوان فاللازم هو الاحتياط بإطعام خصوص الإنسان;لأنّ ذلك جمع بين الأمرين، فإنّ إطعام الإنسان يستلزم إطعام الحيوان أيضاً(1). فيرد عليـه أوّلا: أنّ التنافي بين الحيوان والإنسان بنظر العرف لو سلّم لا يوجب تعميم الحكم لمطلق ما إذا دار الأمر بين الجنس والنوع، فمن الممكن أن لا يكون بعض الأنواع منافياً لجنسـه بنظر العرف أيضاً. وثانياً: لو سلّم التنافي فمقتضى القاعدة الحاكمـة بوجوب الاحتياط الجمع بين الجنس والنوع بإطعام الحيوان والإنسان معاً في المثال، لا الاقتصار على إطعام الإنسان فقط. وما أفاده من أنّ إطعام الإنسان يستلزم إطعام الحيوان أيضاً رجوع عمّا ذكره أوّلا من المباينـة بينهما بنظر العرف، فإنّ استلزامـه لذلك إنّما هو بملاحظـة التحليل العقلي لا النظر العرفي، كما لايخفى. ثمّ إنّك عرفت ممّا تقدّم أنّ تمام المناط لجريان البراءة هو وجود القدر المتيقّن في البين، بلا فرق بين أن تكون الخصوصيّـة المشكوكـة من قبيل
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 208.

207
الخصوصيّات المنوّعـة أو المفرّدة، أو من الخصوصيّات العرضيّـة، بل قد عرفت أوضحيّـة الجريان في القسم الثاني. كما أنّـه لا فرق فيـه ـ أي في القسم الثاني ـ بين أن يكون القيد المشكوك فيـه بحيث يمكن اتّصاف كلّ فرد من أفراد الطبيعي بـه كالقيام والقعود والإيمان والعدالـة، وبين ما لم يكن كذلك كالهاشميّـة ونحوها. كما أنّـه لا فرق أيضاً بين أن يكون النوع المأخوذ متعلّقاً للتكليف بنحو كان الجنس مأخوذاً في ضمنـه أيضاً كالحيوان الناطق أو لم يكن كذلك كالإنسان. والسرّ في الجريان في الجميع اشتراكـه فيما هو المناط. وأمّا ما أفاده المحقّق العراقي من التفصيل في الخصوصيّات العرضيّـة بين قسميها لجريان البراءة في القسم الأوّل دون الثاني(1)، فإنّما هو مبني على الأصل الذي زعمـه من الاختلاف بين الحصص وكون الحصّـة الواجدة لخصوصيّـة الهاشميّـة مغايرة للحصّـة الفاقدة لها، فدوران الأمر بين خصوص تلك الحصّـة والجامع بينها وبين الفاقد من قبيل الدوران بين التعيـين والتخيـير، ولكن عرفت أنّ ذلك بمكان من البطلان. فتحصّل من جميع ما ذكرناه في المطلبين أنّ الحقّ جريان البراءة في جميع موارد الدوران بين الأقلّ والأكثر.
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 399.

208
المطلب الثالث في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في الأسباب والمحصّلات وفي جريان البراءة فيها مطلقاً، وعدم جريانها كذلك، والتفصيل بين ما لو كانت الأسباب عاديّـة أو عقليّـة، وبين ما لو كانت شرعيّـة، أو بين ما لو قيل بكون العلم الإجمالي مقتضياً فتجري، أو علّـة تامّـة فلا تجري، أو بين أن يكون العنوان البسيط الذي هو المأمور بـه ذا مراتب متفاوتـة متدرّج الحصول والتحقّق، وبين ما إذا كان دفعي الحصول والتحقّق عند تحقّق الجزء الأخير من علّتـه، بالجريان في الصورة الاُولى وعدمـه في الصورة الثانيـة، وجوه بل أقوال خمسـة. وليعلم أوّلا: أنّ مركز البحث ومورد النزاع بينهم هو ما إذا كان المسبّب الذي هو مورد تعلّق الأمر معلوماً بجميع خصوصيّاتـه بحيث لم يكن فيـه ترديد أصلا، بل كان الترديد في السبب المحقّق لـه من حيث مدخليّـة جزء أو شرط في سببيّتـه وترتّب المسبّب عليـه. وأمّا لو كان المسبّب أيضاً مشكوكاً بحيث دار أمره بين السعـة والضيق فهو خارج عن البحث في هذا المقام وداخل في المباحث المتقدّمـة. وحينئذ فيظهر أنّ الوجـه الأخير الذي اختاره المحقّق العراقي ـ على ما في تقريرات بعض تلامذتـه(1) الراجع إلى التفصيل بين ما لو كان المسبّب عنواناً بسيطاً ذا مراتب متفاوتـة ومتدرّج الحصول وبين ما إذا كان دفعي الحصول، خارج
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 401.

209
عن مورد البحث. فإنّـه لو كان العنوان البسيط ذا مراتب متفاوتـة، فتارة يكون الشكّ في مدخليّـة خصوصيّـة في تحقّق ذلك الأمر البسيط، كما لو فرض الشكّ في اعتبار النيّـة في غسل البدن الذي يؤثّر في حصول الطهارة المأمور بها، واُخرى يكون الشكّ في نفس ذلك الأمر البسيط وأنّـه بأيّـة مرتبـة تعلّق بـه الأمر، فعلى الأوّل لا فرق بينـه وبين ما إذا كان دفعي الحصول أصلا. وعلى الثاني وإن كان بين الصورتين فرق من حيث جريان البراءة وعدمـه، إلاّ أنّ الصورة الاُولى بناءً على هذا لا تكون داخلـة في محلّ البحث، كما عرفت. إذا ظهر لك ذلك فاعلم: أنّ الأقوى وجوب الاحتياط مطلقاً; لأنّـه بعد تنجّز التكليف وعدم كون المكلّف معذوراً في مخالفتـه من جهـة العلم بـه وبمتعلّقـه يحكم العقل حكماً بتّياً بلزوم العلم بالفراغ عن عهدتـه بالإتيان بكلّ ما يحتمل دخلـه في سببيّـة السبب وترتّب المسبّب عليـه جزءً أو شرطاً، وليس الاقتصار على الأقلّ ـ الذي لا يوجب الإتيان بـه إلاّ مجرّد احتمال تحقّق الامتثال والإتيان بالمأمور بـه ـ إلاّ كالاقتصار على احتمال الإتيان بالمأمور بـه فيما لو احتمل أنّـه لم يأت بشيء من أجزائـه وشرائطـه أصلا. ومن المعلوم أنّ مقتضى حكم العقل فيـه لزوم إحراز الامتثال، ألا ترى أنّـه لا يكفي لمن احتمل أنّـه لم يصلّ أصلا مجرّد احتمال أنّـه صلّى. نعم بعد خروج الوقت دلّ الدليل النقلي على عدم الاعتناء بهذا الاحتمال في خصوص الصلاة. ودعوى: أنّـه بعد الإتيان بما علم مدخليّتـه في السبب لا يعلم ببقاء الأمر حينئذ حتّى يجب عليـه الإتيان بالقيد المشكوك، ضرورة أنّـه يحتمل أن يكون المأتي بـه تمام السبب. مدفوعـة بأنّ هذا الاحتمال متحقّق في جميع موارد قاعدة الاشتغال، كما
210
هو واضح. والمناط في جريانها هو العلم بتعلّق الأمر وكون المتعلّق معلوماً أيضاً وشكّ في فراغ ذمّتـه عنـه. وبالجملـة: بعدما علّق الأمر مخلبـه وقامت الحجّـة من المولى على ثبوتـه وعلى تعيـين المكلّف بـه، لا يكون مفرّ من لزوم العلم بتحقّقـه وحصول الامتثال، وهو يقتضي وجوب الاحتياط; بلا فرق بين أن تكون الأسباب عاديّـة أو عقليّـة أو شرعيّـة، وكذا بين أن نقول باقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقـة القطعيـة أو بكونـه علّـة تامّـة، ولا بين أن نقول بإمكان جعل السببيّـة وكذا الجزئيـة والشرطيـة، أو لا نقول بذلك. ولا فرق أيضاً فيما ذكرنا بين أن نقول بأنّ عدم المأمور بـه المنهي عنـه حسب اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن النقيض متكثّر حسب تكثّر أجزاء محقّقـة، لأنّـه ينعدم بانعدام كلّ واحد منها، أو نقول بأنّـه ليس للمأمور بـه إلاّ عدم واحد، إذ كما أنّـه لا يكون لـه إلاّ وجود واحد كذلك لا يكون لـه إلاّ عدم واحد، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك في بعض المقدّمات التي مهّدناها لجريان البراءة في الأقلّ والأكثر في الأجزاء، فراجع(1). أمّا على القول الثاني: فواضح، لأنّ المنهي عنـه إنّما هو عدم واحد، ولايعلم بتركـه وحصول الامتثال إلاّ بالإتيان بكلّ ما يحتمل دخلـه في المحقّق ـ بالكسر ـ شطراً أو شرطاً، إذ مع الاقتصار على المقدار المعلوم لا يعلم بتحقّق المأمور بـه حتّى يعلم بامتثال النهي بترك المنهي عنـه. وأمّا على القول الأوّل: فقد يقال بأنّـه لا مانع حينئذ من جريان البراءة،
1 ـ تقدّم في الصفحـة 176.

211
لأنّ الأمر ينتهي في ظرف حرمـة الترك إلى الأقلّ والأكثر، حيث إنّ ترك المأمور بـه الناشئ من قبل ترك الأقلّ ممّا يعلم تفصيلا حرمتـه واستحقاق العقوبـة عليـه، للعلم بافضائـه إلى ترك المأمور بـه، وأمّا الترك الناشئ من قبل الجزء أو الشرط المشكوك فلا يعلم حرمتـه، لعدم العلم بأدائـه إلى ترك المأمور بـه، فيشكّ في تعلّق النهي عنـه فتجري فيـه أدلّـة البراءة العقليّـة والنقليّـة. ولكنّـه لا يخفى: أنّـه بناءً على ذلك أيضاً لا مجال لجريان البراءة، لأنّ هذه النواهي المتعلّقـة بأعدام المأمور بـه حيث إنّها لا تكون إلاّ ناشئـة من الأمر المتعلّق بـه، ضرورة أنّها لا تكون نواهي مستقلّـة، لأنّ مباديها إنّما هي المبادئ الموجبـة للأمر فلا محالـة تكون في السعـة والضيق تابعـة للأمر، فلا مجال لإجراء البراءة فيها مع عدم جريانها فيـه، مضافاً إلى أنّـه لو فرض كونها نواهي مستقلّـة فجريان البراءة فيها لا يوجب جواز الاقتصار على الأقلّ بعد كون الأمر حجّـة تامّـة والاشتغال بـه يقيني، ومقتضى حكم العقل لزوم إحراز الامتثال والعلم بإتيان المأمور بـه، وهو لا يحصل إلاّ بضمّ القيد المشكوك إلى السبب. وممّا ذكرنا ينقدح الخلل فيما أفاده المحقّق العراقي من تسليم جريان البراءة لو كان إضافـة أجزاء المحقّق ـ بالكسر ـ إلى المحقّق ـ بالفتح ـ من قبيل الجهات التقيـيديّـة الموجبـة لتكثّر أعدام المأمور بـه بالإضافـة إليها، حيث إنّـه بتعدّد أجزاء المحقّق حينئذ يتعدّد الإضافات والتقيّدات، وبذلك يتكثّر الأعدام أيضاً، فينتهي الأمر من جهـة حرمـة الترك إلى الأقلّ والأكثر(1)، هذا. ولكنّك عرفت: عدم الفرق بين المسلكين هنا وعدم ترتّب أثر عليهما في هذا المقام، فتدبّر.
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 403.

212
ثمّ إنّك عرفت أنّـه لا فرق في عدم جريان البراءة في الأسباب والمحقّقات بين كونها عقليّـة، كما إذا أمر بقتل زيد مثلا وتردّد محقّقـه بين أن يكون ضربـة أو ضربتين، أو عاديّـة، كما إذا أمر بتنظيف المسجد وتردّد محصّلـه بين أن يكون مجرّد الكنس أو مع إضافـة رشّ الماء، وبين كونها شرعيّـة كما إذا فرض أنّ المأمور بـه حقيقـة في باب الغسل ـ مثلا ـ هي الطهارة الحاصلـة منـه، وتردّد أمر الغسل بين أن يكون الترتيب بين الأجزاء أو بين الجانبين ـ مثلا ـ معتبراً فيـه أم لا. ولتوضيح عدم الجريان في الأسباب والمحصّلات الشرعيّـة نقول: إنّ جعل الأسباب والمحصّلات الشرعيّـة وكذا الاُمور الاعتباريـة العقلائيـة كالبيع ونحوه لا يكون معناه كون الأسباب مؤثّرة في حصول المسبّبات تكويناً، بحيث لم يكن قبل تحقّق الأسباب شيء منها، وبعد تحقّقها صارت موجودة في عالم التكوين، وهذا واضح جدّاً. وكذلك ليس معناه كون الأسباب بعد حصولها مؤثّرة في تحقّق الاعتبار إمّا من الشرع أو من العقلاء، بحيث كان إيجاد «بعتُ» مثلا والتكلّم بهذه اللفظـة بقصد إنشاء البيع علّـة مؤثّرة في تحقّق اعتبار العقلاء، ضرورة أنّ لاعتبارهم مبادئ مخصوصـة وأسباب معيّنـة، ولا يعقل أن يكون قول «بعت» مؤثّراً في نفوس العقلاء بحيث كانوا مجبورين بمجرّد صدوره من المنشئ في اعتبار البيع، كما هو أوضح من أن يخفى. بل التحقيق: أنّ العقلاء في الأزمنـة المتقدّمـة بعدما رأوا توقّف معاشهم على مثل البيع وأحرزوا الاحتياج إليـه اعتبروا ذلك على سبيل الكلّيـة، فإذا تحقّق في الخارج بيع، يتحقّق حينئذ موضوع اعتبار العقلاء بخروج المبيع عن ملك البائع وانتقالـه إلى ملك المشتري، وكذا الثمن، لا أن يكون تحقّق البيع في الخارج
213
مؤثّراً في أصل اعتبار العقلاء; لما عرفت من أنّ الاعتبار لأسباب ومبادئ خاصّـة، بل تحقّقـه يوجب تحقّق الموضوع لاعتبارهم، هذا في الاُمور الاعتباريّـة العقلائيّـة. وأمّا في المجعولات الشرعيّـة فهي على قسمين: أحدهما: أن يكون المسبّب من الاُمور الاعتباريـة العقلائيـة المتعارفـة عندهم. غايـة الأمر أنّ الشارع يتصرّف في الأسباب فيردع عن بعضها وإن كان عند العقلاء موضوعاً للاعتبار، أو يزيد عليها سبباً آخر في عرض سائر الأسباب. وبالجملـة: فتصرّفـه حينئذ مقصور على الأسباب إمّا بخلع بعضها عن السببيّـة، وإمّـا بتوسعـة دائـرتها بإضافـة بعض ما لم يكـن عند العقلاء سببـاً. مثلا حقيقـة النكاح والطلاق من الاُمـور المعتبرة عند العقلاء، والشارع أيضاً تبعهم فـي ذلك ولكـن تصرّف في أسباب حصولهما، فردع عـن بعضها ولم يرتّب الأثر عليـه. ثانيهما: أن يكون المسبّب أيضاً ممّا لم يكن معتبراً عند العقلاء، بل كان من المجعولات الشرعيّـة والمخترعات التي لم تكن لها سابقـة عند العقلاء. وفي هذا القسم لابدّ وأن يكون السبب أيضاً مجعولا كالمسبّب; لأنّ المفروض أنّ المسبّب من المخترعات الشرعيّـة، ولا يعقل أن يكون لمثل ذلك أسباب عقليّـة أو عاديّـة، بل أسبابها لابدّ وأن تكون مجعولـة شرعاً، ولا يغني جعل واحد منهما عن الآخر، أمّا جعل المسبّب فلما عرفت من أنّ المفروض كونـه من المجعولات الشرعيّـة وأسبابها لابدّ وأن تكون شرعيّـة. فمجرّد كون الطهارة المأمور بها أمراً اعتبارياً شرعياً لا يغني عن جعل الوضوء والغسل سبباً لحصولها، كما أنّ جعل السبب بالجعل البسيط لا بالجعل المركّب الذي مرجعـه إلى جعل السبب سبباً لا يغني عن جعل المسبّب.
214
وبالجملـة: لابدّ في المجعولات الشرعيّـة من أن يتعلّق الجعل بالأسباب والمسبّبات معاً ولا يغني جعل واحد منهما عن الآخر. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه لا مجال لجريان البراءة العقليّـة في الأسباب والمحصّلات الشرعيّـة; لأنّ اعتبارها وإن كان بيد الشارع، إلاّ أنّـه حيث يكون المأمور بـه هو المسبّبات وهي مبيّـنـة لا خفاء فيها فمقتضى اشتغال اليقيني بها لزوم العلم بتحقّقها، وهو يتوقّف على ضمّ القيد المشكوك أيضاً. وأمّا البراءة الشرعيّـة فقد يقال بجريانها، لأنّ الشكّ في حصول المسبّب وهي الطهارة أو النقل والانتقال ـ مثلا ـ مسبّب عن الشكّ في الأسباب، وأنّـه هل الترتيب بين الأجزاء ـ مثلا ـ معتبر في الوضوء، أو العربيّـة والماضويّـة معتبرة في الصيغـة عند الشارع أم لا؟ وبعد كون الأسباب من المجعولات الشرعيّـة لا مانع من جريان حديث الرفع(1) ونفي القيد الزائد المشكوك بـه، وإذا ارتفع الشكّ عن السبب بسبب حديث الرفع يرتفع الشكّ عن المسبّب أيضاً، ولا يلزم أن يكون الأصل مثبتاً بعد كون المفروض أنّ المسبّب من الآثار الشرعيّـة المترتّبـة على السبب. ولكن لا يخفى: أنّ مثل حديث الرفع وإن كان يرفع اعتبار الزيادة المشكوكـة لكونها مجهولـة غير مبيّنـة، إلاّ أنّ رفعها لا يستلزم رفع الشكّ عن حصول المسبّب، لأنّـه يتوقّف على أن يكون ماعدا الزيادة تمام السبب وتمام المؤثّر، إذ بدونـه لا يرتفع الشكّ عن المسبّب، وكونـه تمام السبب لا يثبت برفع اعتبار الزيادة المشكوكـة إلاّ على القول بالأصل المثبت، ونحن لا نقول بـه.
1 ـ الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعـة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب56، الحديث1.

215
المطلب الرابع في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطي من جهة الاشتباه في الاُمور الخارجية وكون الشبهة موضوعيّة ولابدّ قبل الخوض في المقصود من بيان المراد من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطي في الشبهـة الموضوعيـة والفرق بينـه وبين الشكّ في الأسباب والمحصّلات، فنقول: قد عرفت أنّ المراد بالشكّ في المحصّل أنّ الأمر قد تعلّق بشيء مبيّن معلوم، غايـة الأمر أنّ تحقّقـه في الواقع أو في عالم الاعتبار يحتاج إلى مسبّب ومحصّل، وهو قد يكون عقليّاً أو عاديّاً وقد يكون شرعيّاً، فذاك السبب والمحصّل لا يكون مأموراً بـه بوجـه، بل المأمور بـه إنّما هو الأمر المتحصّل منـه. فإنّ الضربـة أو الضربتين اللتين تؤثّران في قتل من اُمر بقتلـه لا تكونان مأموراً بهما أصلا، وهذا واضح لا يخفى. وأمّا الشبهـة الموضوعيـة في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطي فالشكّ فيها إنّما هو في نفس تحقّق المأمور بـه وكون المأتي بـه مصداقاً لـه، لا في سبب تحقّقـه وعلّـة تحصّلـه كما في الشكّ في المحصّل، فلو أمر المولى بإكرام العلماء على سبيل العامّ المجموعي، ودار أمرهم بين مائـة أو أزيد للشكّ في عالميـة زيد ـ مثلا ـ فمرجع الشكّ حقيقةً إلى الشكّ في كون إكرام مجموع العلماء الذي أمر بـه هل يتحقّق في الخارج بالاقتصار على إكرام المائـة، أو لابدّ من ضمّ
216
إكرام زيد المشكوك كونـه عالماً، وليس إكرام مجموع العلماء أمراً آخر متحصّلا من إكرام المائـة أو مـع إضافـة الفرد المشكوك، بل هـو عينـه، فالشكّ في الشبهـة الموضوعيـة إنّما هو في نفس تحقّق المأمور بـه وانطباق عنوانـه على المأتي بـه في الخارج، غايـة الأمر أنّ منشأ الشكّ هو الاشتباه في الاُمور الخارجيـة. وممّا ذكرنا من الفرق بين الشكّ في المحصّل والشبهـة الموضوعيـة يظهر أنّ المثالين اللذين أوردهما الشيخ المحقّق الأنصاري (قدس سره) مثالا للشبهـة الموضوعيـة لا غبار عليهما أصلا حيث قال: ومنـه ـ يعني من جملـة ما إذا أمر بمفهوم مبيّن مردّد مصداقـه بين الأقلّ والأكثر ـ ما إذا وجب صوم شهر هلالي ـ وهو ما بين الهلالين ـ فشكّ في أنّـه ثلاثون أو ناقص، ومثل ما أمر بالطهور لأجل الصلاة ـ أعني الفعل الرافع للحدث أو المبيح للصلاة ـ فشكّ في جزئيـة شيء للوضوء أو الغسل الرافعين(1)، انتهى. ضرورة أنّ دوران الأمر بين كون الشهر تامّاً أو ناقصاً لا يكون من قبيل الترديد في سبب المأمور بـه ومحصّلـه، بل إنّما يكون الترديد في نفس تحقّق المأمور بـه ـ وهو صوم شهر هلالي ـ وأنّـه هل يتحقّق بالاقتصار على الأقلّ أم لا ومنشأ الشكّ فيـه إنّما هو الاشتباه في الاُمور الخارجيـة. وأمّا المثال الثاني فالمراد منـه كما يقتضيـه التدبّر في العبارة ليس أن يكون المأمور بـه هو الطهور الذي هو ضدّ الحدث ويتحقّق بالوضوء أو الغسل
1 ـ فرائد الاُصول 2: 478.

217
حتّى يقال بأنّـه من قبيل الشكّ في المحصّل، كما في تقريرات العَلمين النائيني(1)والعراقي (قدس سرهما)(2) بل المراد بـه هو كون المأمور بـه نفس الوضوء أو الغسل بما أنّهما رافعان للحدث أو مبيحان للصلاة، والشكّ إنّما هـو في نفس تحقّق المأمور بـه في الخارج لا في سببـه ومحصّلـه، لأنّ الوضوء وكذا الغسل لا يكون لـه سبب ومحصّل. نظير ذلك ما إذا أمر المولى بالضرب القاتل لزيد، فتردّد الضرب الواقع في الخارج بين أن يكون متّصفاً بهذا الوصف أم لم يكن، فإنّ هذا الترديد لا يكون راجعاً إلاّ إلى نفس تحقّق المأمور بـه في الخارج، لا إلى سببـه، ضرورة أنّـه لا يكون لـه سبب، بل الذي لـه سبب إنّما هو القتل، والمفروض أنّـه لايكون مأمـوراً بـه، بل المأمور بـه هـو الضرب القاتل، وتحقّقـه بنفسـه مردّد فـي الخارج. فالإنصاف أنّ المناقشـة في هذا المثال ناشئـة من عدم ملاحظـة العبارة بتمامها وقصر النظر على كلمـة الطهور وتخيّل كون المراد بـه هو الأمر المتحقّق بسبب الوضوء أو الغسل مع الغفلـة عن أنّـه (قدس سره) فسّره بالفعل الرافع أو المبيح، وهو الوضوء أو الغسل. إذا تقرّر ما ذكرنا من عدم رجوع الشبهـة الموضوعيـة إلى الشكّ في المحصّل فنقول بعد توسعـة دائرة البحث في مطلق الشبهات الموضوعيـة أعمّ مـن الاستقلالي والارتباطي: إنّ متعلّق التكليف قد لا يكون لـه ارتباط
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 200. 2 ـ نهايـة الأفكار 3: 408.

218
بالموضوعات الخارجيـة كالصلاة ونحوها، وقد يكون لـه ارتباط بها بأن كان لـه أيضاً متعلّق كإكرام العلماء حيث إنّـه أمر يرتبط بهم، وعلى التقديرين قد يكون التكليف أمراً، وقد يكون نهياً وعلى التقادير قد يكون متعلّق التكليف أو متعلّقـه العموم بنحو الاستغراق أو بنحو العامّ المجموعي أو نفس الطبيعـة أو صرف وجودها. وعلى أيّ تقدير قد تكون الشبهـة حكميّـة أو موضوعيـة، وعلى أيّ حال قد يكون الشكّ في أصل التكليف وقد يكون في الجزء أو في الشرط أو في المانع أو في القاطع. والظاهر إمكان تصوير الشبهـة الموضوعيّـة في الجميع حتّى في الأجزاء، فإنّـه يمكن الشكّ بعد تعلّق الأمر بالصلاة مع السورة في كون السورة الفلانيّـة من القرآن أم لا؟ وكيف كان فقد عرفت حكم الشبهـة الحكميـة. وأمّا الشبهـة الموضوعيّـة فهل تجري فيها البراءة مطلقاً، أو لا تجري مطلقاً، أو يفصّل بين الموارد؟ وجوه. ذهب المحقّق العراقي على ما في التقريرات(1) إلى جريان البراءة فيها، سواء كانت الشبهـة من الأقلّ والأكثر الاستقلالي، أو من الأقلّ والأكثر الارتباطي، نظراً إلى أنّـه على كلّ تقدير يرجع الشكّ في الموضوع الخارجي في اتّصافـه بعنوان موضوع الكبرى إلى الشكّ في سعـة الحكم وضيقـه من ناحيـة الخطاب، والمرجع في مثلـه هي البراءة. وقد يقال بعدم جريانها مطلقاً، نظراً إلى أنّ وظيفـة الشارع ليس إلاّ بيان
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 409.

219
الكبريات فقط لا الصغريات أيضاً، مثلا إذا قال: أكرم العلماء، أو لا تشرب الخمر فقد تمّ بيانـه بالنسبـة إلى وجوب إكرام كلّ عالم واقعي وبالنسبـة إلى حرمـة شرب جميع أفراد الخمر الواقعي. ولا يلزم مع ذلك أن يبيّن للمكلّفين أفراد طبيعـة العالم وأنّ زيداً ـ مثلا ـ عالم أم لا، وكذا لا يلزم عليـه تعيـين الأفراد الواقعيّـة للخمر، كما هو واضح. وحينئذ: فبيان المولى قد تمّ بالنسبـة إلى جميع الأفراد الواقعيّـة لموضوع الكبرى، ففي موارد الشكّ يلزم الاحتياط بحكم العقل، خروجاً من المخالفـة الاحتماليـة الغير الجائزة بعد تماميـة الحجّـة ووصول البيان بالنسبـة إلى ما كان على المولى بيانـه، هذا. والتحقيق: التفصيل بين الاستقلالي والارتباطي، فتجري البراءة في مثل أكرم العلماء، إذا أخذ العامّ على سبيل العام الاُصولي أي الاستغراقي، ولا تجري إذا أخذ بنحو العامّ المجموعي. والسرّ فيـه: أنّ المأمور بـه في مثل أكرم كلّ عالم إنّما هو إكرام كلّ واحد من أفراد طبيعـة العالم بحيث كان إكرام كلّ واحد منها مأموراً بـه مستقلاّ، فهو بمنزلـة أكرم زيداً العالم وأكرم عمراً العالم وأكرم بكراً العالم وهكذا. غايـة الأمر أنّ الأمر توصّل إلى إفادة ذلك بأخذ مثل كلمـة «كلّ» في خطابـه، وإلاّ فعنوان الكلّ لا يكون مطلوباً ومترتّباً عليـه الغرض، بل هو عنوان مشير إلى أفراد ما يليـه من العالم وغيره، وقد حقّقنا ذلك في مبحث العموم والخصوص من مباحث الألفاظ(1).
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 263.

220
وحينئذ: فلو شكّ في فرد أنّـه عالم أم لا، يكون مرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في أنّـه هل يجب إكرامـه أم لا؟ ووظيفـة المولى وإن لم تكن إلاّ بيان الكبريات، إلاّ أنّها بمجرّدها لا تكون حجّـة ما لم ينضمّ إليـه العلم بالصغرى وجداناً أو بطريق معتبر شرعي أو عقلي، فقولـه: أكرم كلّ عالم، وإن كان مفيداً لوجوب إكرام كلّ عالم واقعي، إلاّ أنّـه لا يكون حجّـة بالنسبـة إلى الفرد المشكوك، والمفروض أيضاً أنّ المأمور بـه لا يكون لـه عنوان شكّ في تحقّقـه مع الإخلال بإكرام الفرد المشكوك، لما عرفت من أنّ عنوان الكلّ عنوان مشير إلى أفراد ما يليـه من غير أن يجب علينا تحصيلـه. وهذا بخلاف العامّ المجموعي، فإنّ المأمور بـه فيـه إنّما هو المجموع بما هو مجموع، لكون الغرض مترتّباً عليـه، ومع عدم إكرام الفرد المشكوك، يشكّ في تحقّق عنوان المأمور بـه; لعدم العلم حينئذ بإكرام المجموع. والمفروض أنّ هذا العنوان مورد تعلّق الغرض والأمر، وبعد العلم بأصل الاشتغال لا يكون مفرّ من إحراز حصول المأمور بـه، وهو لا يتحقّق إلاّ بضمّ الفرد المشكوك، والإخلال بـه إنّما هو كالاقتصار على مجرّد احتمال إكرام بعض من كان عالماً قطعاً، فكما أنّ هذا الاحتمال لا يجدي في نظر العقل بعد إحراز كونـه عالماً، كذلك مجرّد احتمال عدم كونـه عالماً لا ينفع في عدم لزوم إكرامـه. وممّا ذكرنا يظهر: أنّ الأقوى في المثالين المتقدّمين(1) اللذين أوردهما الشيخ (قدس سره) هو لزوم الاحتياط; لأنّـه إذا كان الواجب على المكلّف هو عنوان صوم بين الهلالين فاللازم عليـه تحصيلـه وعدم الاقتصار على الأقلّ باحتمال كـون
1 ـ تقدّم في الصفحـة 216.

221
الشهر ناقصاً، وكذا إذا وجب عليـه الطهور ـ بمعنى الفعل الرافع أو المبيح ـ فالواجب عليـه العلم بحصول عنوانـه، وهو موقوف على ضمّ القيد المشكوك، إذ بدونـه لا يعلم بتحقّق الوضوء أو الغسل الرافعين أو المبيحين. إن قلت: ما الفرق بين هذا المقام الذي أوجبت فيـه الاحتياط وبين ما تقدّم(1) من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في الأجزاء في الشبهـة الحكميـة، حيث أجريت فيـه البراءة؟ قلت: الفرق بينهما أنّ هناك مع الاقتصار على الأقلّ لا يتحقّق خلل في عنوان المأمور بـه كالصلاة ونحوها، فإنّ ترك جلسـة الاستراحـة مع احتمال وجوبها لا يوجب خللا في حصول عنوان الصلاة. نعم لو كان الجزء المشكوك بحيث يشكّ مع الإخلال بـه في حصول عنوان المأمور بـه لنحكم بلزوم الإتيان بـه أيضاً، كما في المقام. فالمناط والميزان لجريان البراءة هو أن لا يكون الإخلال بالفرد المشكوك موجباً للشكّ في تحقّق المأمور بـه أو العلم بتحقّق المنهي عنـه، وقد تقدّم تحقيق ذلك وأنّ مقتضى الاُصول العمليّـة في الشبهات الموضوعيّـة في الأوامر والنواهي حسب اختلاف متعلّقاتهما من كونها نفس الطبيعـة أو صرف الوجود أو العامّ الاستغراقي أو المجموعي ماذا. ولكن ذلك كلّـه في التكاليف الاستقلاليّـة، وأمّا التكاليف الغيريّـة ففي الأجزاء والشرائط يكون الحكم فيهما هو الحكم في التكاليف النفسيّـة الوجوبيّـة من عدم جواز الاكتفاء بالفرد المشكوك فيما لو كان الجزء هو نفس
1 ـ تقدّم في الصفحـة 176 ـ 179.

222
الطبيعـة أو صرف وجودها، وعدم وجوب الإتيان بـه فيما لو كان بنحو العامّ الاستغراقي، وعدم جواز الإخلال بـه فيما لو كان بنحو العامّ المجموعي. وأمّا الموانع والقواطع فاعلم أوّلا: أنّـه قد يقال في الفرق بينهما هو أنّ المانع ما يكون عدمـه معتبراً في نفس المأمور بـه، والقاطع ما يكون موجباً لانقطاع الهيئـة الاتصاليّـة المعتبرة في المأمور بـه، كانفصام الحبل الرابط بين أجزاء السبحـة. ونحن نقول: الأمر في القاطع كما ذكر، وأمّا المانع فنمنع كون عدمـه معتبراً في المأمور بـه، بل وجوده مضادّ لـه ومانع عن تحقّقـه، نظير الموانع في الاُمور التكوينيـة، فإنّ مانعيـة الرطوبـة عن الإحراق مرجعها إلى كونها بوجودها مضادّة لتحقّقـه، لا كون عدمها شرطاً فيـه. وكيف كان: فلو كان المانع عبارة عمّا يكون عدمـه معتبراً فمرجعـه حينئذ إلى الشرط، ويجري فيـه ما يجري فيـه. نعم حيث يكون الشرط حينئذ هو العدم فلابدّ من إحرازه، وهو لا يتحقّق إلاّ بترك جميع أفراد الطبيعـة لو كان المانع هو نفس الطبيعـة، أو صرف وجودها، أو بنحو العامّ المجموعي، ولا يجوز الإتيان بالفرد المشكوك. نعم لو كان على نحو العموم الاستغراقي لابأس بالإتيان بـه، لجريان البراءة بالنسبـة إليـه، كما عرفت. وأمّا لو كان المانع عبارة عمّا يكون وجوده مضادّاً للمأمور بـه ومانعاً عن تحقّقـه فالتكليف المتعلّق بـه حينئذ هو التكليف التحريمي الغيري. فلو كان متعلّقـه هو نفس الطبيعـة أو صرف وجودها أو العامّ الاستغراقي فلابأس بالإتيان بما يشكّ في كونـه مانعاً للاشتباه في الاُمور الخارجيـة، ولايجوز الإتيان بشيء من الأفراد المعلومـة.
223
وأمّا لو كان متعلّقـه هو العامّ المجموعي فيجوز الإتيان بجميع الأفراد المعلومـة والاقتصار على ترك الفرد المشكوك، لعدم العلم حينئذ بتحقّق المنهي عنـه، ولا يلزم في النهي أن يعلم بعدم تحقّقـه، بل اللازم هو أن لا يعلم بتحقّقـه، وهذا بخلاف الأمر، فإنّ اللازم فيـه هو العلم بتحقّق المأمور بـه، للزوم الامتثال، وهو لا يتحقّق بدون إحرازه، كما هو واضح. وممّا ذكرنا ظهر أنّ مسألـة الصلاة في اللباس المشكوك كونـه من مأكول اللحم لا تبتني على النزاع في المراد من المانع وأنّـه عبارة عمّا يكون عدمـه معتبراً أو ما يكون وجوده مضادّاً; لما عرفت من جريان البراءة بناءً على الأوّل أيضاً لو كان بنحو العموم الاستغراقي، بل لابدّ مع ذلك من ملاحظـة كيفيّـة اعتبار غير المأكول مانعاً، فتدبّر جيّداً. ولابدّ من التنبيـه على أمرين:
224
الأمر الأوّل الشكّ في الجزئية أو الشرطية في حال السهو إذا ثبت جزئيـة شيء في الجملـة فهل الأصل العقلي أو الشرعي في طرفي النقيصـة والزيادة يقتضي البطلان مع الإخلال بـه أو زيادتـه في حال السهو، أم لا؟ والكلام فيـه يقع في مقامات: المقام الأوّل فيما يقتضيه الأصل العقلي بالنسبة إلى النقيصة السهويّة وأنّـه هل يقتضي البطلان ووجوب الإعادة، أم كان مقتضاه الاكتفاء بالناقص؟ إشكال الشيخ الأعظم في المقام وقد صرّح الشيخ في الرسالـة بالأوّل، محتجّاً بأنّ ما كان جزءً في حال العمد كان جزءً في حال الغفلـة، فإذا انتفى، انتفى المركّب، فلم يكن المأتي بـه موافقاً للمأمور بـه وهو معنى فساده. أمّا عموم جزئيّتـه لحال الغفلـة، فلأنّ الغفلـة لا يوجب تغيـير المأمور بـه. فإنّ المخاطب بالصلاة مع السورة إذا غفل عن السورة في الأثناء لم يتغيّر الأمر المتوجّـه إليـه قبل الغفلـة، ولم يحدث بالنسبـة إليـه من الشارع أمر آخر حين الغفلـة، لأنّـه غافل عن غفلتـه، فالصلاة
225
المأتي بها من غير سورة غير مأمور بها بأمر أصلا. غايـة الأمر عدم استمرار الأمر الفعلي بالصلاة مع السورة إليـه، لاستحالـة تكليف الغافل، فالتكليف ساقط عنـه مادام الغفلـة، نظير من غفل عن الصلاة رأساً أو نام عنها، فإذا التفت إليها والوقت باق وجب عليـه الإتيان بـه بمقتضى الأمر الأوّل(1)، انتهى موضع الحاجـة من نقل كلامـه، زيد في علوّ مقامـه. واُجيب عنـه بوجوه كثيرة. ولكنّ التحقيق في الجواب أن يقا ل : إنّـه يمكن القول بجريان البراءة عن الجزئيّـة في حال السهو مع عدم الالتزام باختصاص الغافل بخطاب آخر خاصّ بـه، بل مع الالتزام بلغويّـة ذلك الخطاب على تقدير إمكانـه وعدم استحالتـه. توضيحـه: أنّـه لو فرض ثبوت الفرق بين العالم والعامد وبين غيرهما في الواقع ونفس الأمر، بحيث كان المأمور بـه في حقّ العامد هو المركّب التام المشتمل على السورة، وفي حقّ الساهي هو المركّب الناقص الغير المشتمل عليها، بحيث كانت السورة غير مقتضيـة للجزئيّـة مطلقاً، بل اقتضاؤها لها إنّما هو في خصوص صورة العمد فقط. فنقول: بأنّـه يمكن للمولى أن يتوصّل إلى مطلوبـه بتوجيـه الأمر بطبيعـة الصلاة إلى جميع المكلّفين بقولـه مثلا (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَمسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيلِ )(2) غايـة الأمر أنّ هذا الأمر إنّما يحرّك العامد نحو الصلاة المشتملـة على السورة، لالتفاتـه إلى كونها جزءً لها، ولا ينبعث منـه الساهي إلاّ بمقدار التفاتـه،
1 ـ فرائد الاُصول 2: 483. 2 ـ الإسراء (17): 78.

226
وهو ماعدا الجزء المنسي، فمع فرض انحصار الملاك في المركّب التامّ إلى حال العمد وثبوت الملاك في المركّب الناقص في حال السهو لا يلزم على المولى أن يوجّـه خطاباً آخر إلى النساة، بل يكفي في الوصول إلى غرضـه مجرّد توجيـه الأمر بطبيعـة الصلاة إلى جميع المكلّفين، بل نقول بلغويّـة الخطاب الآخر بعد كون الخطاب الأوّل وافياً بجميع المقصود. فإذا ثبت جواز الاكتفاء بأمر واحد متوجّـه إلى الجميع مع فرض اشتمال المأتي بـه لكلّ من العامد والساهي على الملاك والمصلحـة. فنقول: لو شكّ في ذلك وأنّ المركّب الناقص هل يكون تمام المأمور بـه في حال السهو أم لا، فيجب الإعادة والإتيان بالمركّب الناقص، فمرجع ذلك الشكّ إلى الشكّ في كون السورة جزءً في حال النسيان أم لا، فمع عدم إطلاق دليل جزئيتها، كما هو المفروض لامانع من جريان البراءة في حقّ الساهي، لعين ما ذكر في الأقلّ والأكثر في الأجزاء، ولا فرق بين المقامين أصلا. وهنا وجوه اُخر في الجواب عن الإشكا ل الذي ذكره الشيخ (قدس سره) : منها: ما حكي عن السيّد الأجلّ الميرزا الشيرازي (قدس سره) (1) من عدم كون الغافل مخاطباً بخطاب ومأموراً بأمر، لا بالمركّب التامّ ولا بالمركّب الناقص; لعدم كونـه قادراً على الإتيان بالمركّب التامّ مع الغفلـة والذهول، والتكليف مشروط بالقدرة. وعدم إمكان توجيـه خطاب آخر إليـه على ما هو المفروض مـن استحالـة تخصيصـه بخطاب آخـر، ففي حـال الغفلـة لا يكون مأمـوراً بشيء أصلا. وأمّا بعد زوالها فنشكّ في ثبوت التكليف بالنسبـة إليـه، والمرجع
1 ـ اُنظر درر الفوائد، المحقّق الحائري: 491.

227
عند الشكّ في أصل التكليف هي البراءة. نعم لو لم يأت في حال الغفلـة بشيء أصلا فمع ارتفاعها نقطع بثبوت التكليف وإنّما الشكّ مع الإتيان بالمركّب الناقص، كما هو المفروض، إذ معـه لانقطع بثبوت الاقتضاء والملاك بالنسبـة إلى المركّب التامّ، لأنّا نحتمل اختصاص جزئيّـة الجزء المنسي بحال العمد، كما لايخفى. وهذا الجواب وإن كان تامّاً من حيث دفـع إشكال الشيخ (قدس سره) لكن يرد عليـه ما عرفت من منع استحالـة كون الغافل مأموراً بالمركّب الناقص، إذ لايلزم في ذلك توجيـه خطاب آخر خاصّ بـه، بل يكفي فيـه مجرّد الأمر بإقامـة الصلاة التي هي طبيعـة مشتركـة بين التامّ والناقص، لأنّـه يدعو الذاكر إلى جميع أجزائها، والناسي إلى ماعدا الجـزء المنسي منها، كما لا يخفى. ومنها: ما حكاه المحقّق النائيني عن تقريرات بعض الأجلّـة لبحث الشيخ (قدس سره) في مسائل الخلل، ومحصّلـه يرجع إلى إمكان أخذ الناسي عنواناً للمكلّف وتكليفـه بماعدا الجزء المنسي، لأنّ المانع من ذلك ليس إلاّ توهّم كون الناسي لا يلتفت إلى نسيانـه في ذلك الحال، فلا يمكنـه امتثال الأمر المتوجّـه إليـه، لأنّـه فرع الالتفات إلى ما اُخذ عنواناً للمكلّف(1). ولكن يمكن أن يقال: بأنّ امتثال الأمر لا يتوقّف على أن يكون المكلّف ملتفتاً إلى ما اُخذ عنواناً لـه بخصوصـه، بل يمكن الالتفات إلى ما ينطبق عليـه من العنوان ولو كان من باب الخطأ في التطبيق، فيقصد الأمر المتوجّـه إليـه بالعنوان الذي يعتقد أنّـه واجد لـه وإن أخطأ في اعتقاده، والناسي للجزء حيث
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 211.

228
لم يلتفت إلى نسيانـه، بل يرى نفسـه ذاكراً فيقصد الأمر المتوجّـه إليـه بتخيّل أنّـه أمر الذاكر، فيؤول إلى الخطأ في التطبيق، نظير الأمر بالأداء والقضاء في مكان الآخر. هذا، وأجاب عنـه المحقّق المتقدّم بما حاصلـه: أنّـه يعتبر في صحّـة البعث أن يكون قابلا للانبعاث عنـه، بحيث يمكن أن يصير داعياً لانقداح الإرادة وحركـة العضلات نحو المأمور بـه ولو في الجملـة، وأمّا التكليف الذي لا يصلح لأن يصير داعياً ومحرّكاً للإرادة في وقت من الأوقات فهو قبيح مستهجن. ومن المعلوم أنّ التكليف بعنوان الناسي غير قابل لأن يصير داعياً لانقداح الإرادة، لأنّ الناسي لا يلتفت إلى نسيانـه في جميع الموارد، فيلزم أن يكون التكليف بما يكون امتثالـه دائماً من باب الخطأ في التطبيق، وهو كما ترى ممّا لايمكن الالتزام بـه، وهذا بخلاف الأمر بالقضاء والأداء، فإنّ الأمر قابل لأن يصير داعياً ومحرِّكاً للإرادة بعنوان الأداء أو القضاء، لإمكان الالتفات إلى كونـه أداءً أو قضاءً. نعم قد يتّفق الخطأ في التطبيق، وأين هذا من التكليف بما يكون امتثالـه دائماً من باب الخطأ في التطبيق كما فيما نحن فيـه، فقياس المقام بالأمر بالأداء أو القضاء ليس على ما ينبغي(1)، انتهى. هذا ولكن يرد على هذا الجواب: أنّـه بعد تسليم كون الباعث والمحرِّك للناسي دائماً إنّما هو الأمر الواقعي المتعلّق بالناسي لا مجال لما ذكره، لعدم المانع من كون الخطأ في التطبيق أمراً دائمياً، إذ الملاك هو الانبعاث من البعث
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 211 ـ 212.

229
المتوجّـه إليـه والمفروض تحقّقـه، لعدم كونـه منبعثاً إلاّ عن الأمر الواقعي المتعلّق بخصوص الناسي، فمع تسليم باعثيّـة ذلك الأمر لا موقع لهذا الإشكال، كما هو واضح. نعم يرد على هذا البعض المجيب عن إشكال الشيخ: منع كون المحرّك للناسي هو الأمر الواقعي المتعلّق بعنوانـه، بل المحرّك لـه إنّما هو الأمر المتوجّـه إلى الذاكر، لكونـه لا يرى نفسـه إلاّ ذاكراً، ضرورة أنّـه لو فرض عدم ذلك الأمر في الواقع لكان الناسي أيضاً متحرّكاً، فوجود ذلك الأمر وعدمـه سواء، وهذا دليل على أنّ المحرّك لـه إنّما هو الأمر المحرّك للذاكر الواقعي بلا فرق بينهما من هذه الجهـة أصلا. نعم قد عرفت: أنّ تكليفـه بماعدا الجزء المنسي لا يتوقّف على أخذ الناسي عنواناً للمكلّف بتكليف آخر خاصّ بـه، بل يمكن التوصّل إلى هذا المطلوب بالأمر الواحد المتعلّق بطبيعـة الصلاة المشتركـة بين التامّ والناقص كما مرّ، فتدبّر جيّداً. ردّ تفصيل المحققّ النائيني بين استيعاب النسيان لجميع الوقت وعدمه ثمّ إنّـه قد مرّت الإشارة إلى أنّ محـلّ الكلام في جـريان البراءة العقليّـة فـي المقام هو ما إذا لم يكن لشيء مـن دليلي المركّب والأجـزاء إطـلاق، وإلاّ فلا مجال لها أصلا، كما هو واضح. ومع عدم ثبوت الإطلاق لا فرق في جريانها بين كون النسيان مستوعباً لجميع الوقت أو لم يكن كذلك، خلافاً لما صرّح بـه المحقّق النائيني مـن التفصيل، بيـن الصورتين حيث إنّـه بعـد اختيار جـريان البراءة قال ما ملخّصـه:
230
إنّ أقصى ما تقتضيـه أصالـة البراءة هو رفع الجزئيـة في حال النسيان فقط، ولا تقتضي رفعها في تمام الوقت إلاّ مع استيعاب النسيان لتمام الوقت، فلو تذكّر في أثنائـه بمقدار يمكنـه إيجاد الطبيعـة بتمام ما لها من الأجزاء فأصالـة البراءة عن الجزء المنسي في حال النسيان لا تقتضي عدم وجوب الفرد التامّ في ظرف التذكّر، بل مقتضى إطلاق الأدلّـة وجوبـه، لأنّ المأمور بـه هو صرف وجود الطبيعـة التامّـة الأجزاء والشرائط في مجموع الوقت، ويكفي في وجوب ذلك التمكّن من إيجادها كذلك ولو في جزء من الوقت، ولا يعتبر التمكّن من ذلك في جميع الآنات. والحاصل أنّ رفع الجزئيّـة في حال النسيان لا يلازم رفعها في ظرف التذكـر، لأنّ الشكّ فـي الأوّل يرجـع إلى ثبوت الجزئيّـة في حـال النسيان، وفي الثاني يرجع إلى سقوط التكليف بالجزء في حال الذكر، والأوّل مجرى البراءة، والثاني مجـرى الاشتغال. هـذا إذا لم يكن ذاكـراً فـي أوّل الوقت ثمّ عـرض لـه النسيان في الأثناء، وإلاّ فيجـري استصحاب التكليف الثابت عليـه فـي أوّل الـوقت، للشـكّ فـي سقـوطـه بسبب النسيـان الطـارئ الـزائـل فـي الوقت(1)، انتهى. وفيـه : أنّك عرفت أنّ محلّ الكلام هو ما إذا لم يكن للدليل المثبت للجزئيـة إطلاق، وإلاّ فلا مجال لأصالـة البراءة العقليّـة مطلقاً، ومع عدم الإطلاق، كما هو المفروض نقول: لاموقع لهذا التفصيل، لأنّ الناسي في حال النسيان لا إشكال في عدم كونـه مكلّفاً بالمركّب التامّ المشتمل على الجزء
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 220 ـ 221.

231
المنسي، لعدم كونـه قادراً عليـه، بل إمّا أن نقول بعدم كونـه مأموراً بالمركّب الناقص أيضاً، كما حكي عن السيّد المحقّق الميرزا الشيرازي (قدس سره) . وإمّا أن نقول بكونـه مكلّفاً بماعدا الجزء المنسي، كما حكي عن تقريرات بعض الأجلّـة لبحث الشيخ، وإمّا أن نقول بما أفاده المحقّق الخراساني(1) الذي ارتضاه المحقّق النائيني(2) من كون المكلّف بـه أوّلا في خصوص الذاكر والناسي هو خصوص ماعدا الجزء المنسي، ويختصّ الذاكر بخطاب يخصّـه بالنسبـة إلى الجزء المنسي. وعلى التقادير الثلاثـة تجري البراءة مطلقاً. أمّا على التقدير الأوّل، فلأنّـه بعد الإتيان بالفرد الناقص في حال النسيان يشكّ في أصل ثبوت التكليف، لاحتمال اختصاص اقتضاء الجزء المنسي بحال العمد، وكذا على التقدير الثاني، فإنّـه بعد الإتيان بما هو المأمور بـه بالنسبـة إليـه يشكّ في توجّـه الأمر بالمركّب التامّ، وهو مجرى البراءة، كما أنّـه بناءً على التقدير الثالث يشكّ في كونـه مشمولا للخطاب الآخر المختصّ بالذاكرين، والمرجع فيـه ليس إلاّ البراءة. وبالجملـة: لا مجال للإشكال في سقوط الجزء عن الجزئيّـة في حال النسيان وبعده يرجع الشكّ إلى الشكّ في توجّـه الأمر المتعلّق بالفرد التامّ. نعم قد عرفت: أنّـه لو لم يأت بالمأمور بـه أصلا في حال النسيان لا يبقى شكّ في عدم سقوط الأمر، وهذا واضح، وأمّا مع الإتيان بالفرد الناقص ـ كما هو المفروض ـ لا يعلم ببقاء الأمر وتوجّهـه إليـه.
1 ـ كفايـة الاُصول: 418. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 213 ـ 214.

232
وأمّا ما ذكره من الاستصحاب فيما إذا كان ذاكراً في أوّل الوقت ثمّ عرض لـه النسيان، ففيـه أنّـه في حال النسيان نقطع بارتفاعـه، ونشكّ بعد الإتيان بالفرد الناقص وزوال النسيان في عوده، والأصل يقتضي البراءة، كما هو واضح. تتمّة: في ثبوت الإطلاق لدليل الجزء والمركّب قد عرفت أنّ مركز البحث في جريان البراءة العقليّـة هو ما إذا لم يكن للدليل المثبت للجزئيـة إطلاق يقتضي الشمول لحال النسيان أيضاً، وكذا ما إذا لم يكن لدليل المركّب إطلاق يؤخذ بـه ويحكم بعدم كون المنسي جزءاً في حال النسيان، اقتصاراً في تقيـيد إطلاقـه بخصوص حال الذكر. فالآن نتكلّم في قيام الدليل وثبوت الإطلاق لشيء من الدليلين وعدمـه وإن كان خارجاً عن بحث الاُصولي، فنقول: قد أفاد المحقّق العراقي في هذا المقام ما ملخّصـه: أنّ دعوى ثبوت الإطلاق لدليل المركّب مثل قولـه تعالى: (أَقِيمُوا الصَلاةَ )(1) ساقطـة عن الاعتبار، لـوضوح أنّ مثل هـذه الخطابات إنّما كانت مسوقـة لبيان مجـرّد التشريع بنحو الإجمال. وأمّا الدليل المثبت للجزئيـة فلا يبعد هذه الدعوى فيـه، لقوّة ظهوره في الإطلاق مـن غير فرق بين أن يكون بلسان الوضع كقولـه: «لا صلاة إلاّ بفاتحـة الكتاب»(2) وبين أن يكون بلسان الأمر كقولـه: اركع في الصلاة، مثلا.
1 ـ البقرة (2): 43. 2 ـ عوالي اللآلي 1: 196 / 2، مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب1، الحديث5.

233
نعم لو كان دليل اعتبار الجزء هو الإجماع يمكن تخصيص الجزئيّـة المستفادة منـه بحال الـذكر، لأنّـه القـدر المتيقّن، بخلاف ما لو كـان الدليل غيره، فإنّ إطلاقـه مثبت لعموم الجزئيـة لحال النسيان. لايقال: إنّ ذلك يتمّ إذا كان الدليل بلسان الوضع، وأمّا إذا كان بلسان الأمر فلا، لأنّ الجزئيـة حينئذ تـتبع الحكم التكليفي، فإذا كان مختصّاً بحكم العقل بحال الذكر فالجزئيـة أيضاً تختص بحال الذكر. فإنّـه يقال: إنّـه لو تمّ ذلك فإنّما هو على فرض ظهور تلك الأوامر في المولويّـة النفسيـة أو الغيريّـة، وإلاّ فعلى ما هو التحقيق من كونها إرشاداً إلى جزئيـة متعلّقاتها فلايستقيم ذلك، إذ لا يكون حينئذ محذور عقلي، مع أنّـه على فرض المولويّـة ولو بدعوى كونها بحسب اللب عبارة عن قطعات ذلك الأمر النفسي المتعلّق بالمركّب غير أنّها صارت مستقلّـة في مقام البيان نقول: إنّ المنع المزبور إنّما يتّجـه لو كان حكم العقل بقبح تكليف الناسي من الأحكام الضروريّـة المرتكزة في الأذهان بحيث يكون كالقرينـة المختصّـة بالكلام مانعاً عن انعقاد الظهور، مع أنّـه ممنوع، لأنّـه من العقليّات التي لا ينتقل الذهن إليها إلاّ بعد الالتفات والتأمّل في المبادئ التي أوجبت حكم العقل، فيصير حينئذ من القرائن المنفصلـة المانعـة عن حجّيـة الظهور لا عن أصل الظهور. وعليـه يمكن أن يقال: إنّ غايـة ما يقتضيـه الحكم العقلي إنّما هو المنع عن حجّيـة ظهور تلك الأوامر في الإطلاق بالنسبـة إلى الحكم التكليفي، وأمّا بالنسبـة إلى الحكم الوضعي وهو الجزئيـة وإطلاقها لحال النسيان فحيث لا
234
قرينـة على الخلاف من هذه الجهـة يؤخذ بظهورها في ذلك. وعلى فرض الإغماض عـن ذلك أيضاً يمكن التمسّك بإطلاق المادّة لـدخل الجزء في الملاك والمصلحـة حتّى في حال النسيان، فلا فرق حينئذ في صحّـة التمسّك بالإطلاق بين كون الدليل بلسان الحكم التكليفي أو بلسان الوضع(1)، انتهى. وفي جميع الأجوبـة الثلاثـة التي أجاب بها عن التفصيل الذي ذكره بقولـه: «لا يقال» نظر. أمّا الجواب الأوّل الذي يرجع إلى تسليم التفصيل مع فرض ظهور تلك الأوامر في المولويّـة وعدم استقامتـه مع كونها إرشاداً إلى جـزئيـة متعلّقاتها، فيرد عليـه: أنّ الأوامر الإرشاديّـة لا تكون مستعملـة في غير ما وضع لـه هيئـة الأمر وهو البعث والتحريك إلى طبيعـة المادّة، بحيث كان مدلولها الأوّلي هو جزئيـة المادّة للمركّب المأمور بها في المقام، فكأنّ قولـه: اسجد في الصلاة، عبارة اُخرى عن كون السجود جزءً لها. بل الأوامر الإرشاديّـة أيضاً تدلّ على البعث والتحريك، فإنّ قولـه: اسجد في الصلاة، معناه الحقيقي هو البعث إلى إيجاد سجدة فيها. غاية الأمـر أنّ المأمـور به بهذا الأمـر لايكون مترتّباً عليه غـرض نفسي، بل الغرض من هذا البعث إفهام كون المادّة جزءً وأنّ الصلاة لا تـتحقّق بدونها. وبالجملـة: فالأمر الإرشادي ليس بحيث لم يكن مستعملا في المعنى الحقيقي لهيئـة الأمر، بل الظاهر كونـه كالأمر المولوي مستعملا في البعث
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 423 ـ 424.

235
والتحريك. فإذا كان الحكم التكليفي مختصّاً بحال الذكر لكان الجزئيـة أيضاً مختصّـة بـه، من غير فرق بين كون الدليل بلسان الأمر المولوي أو يكون بلسان الأمر الإرشادي. وأمّا الجواب الثاني فيرد عليـه أوّلا: ما عرفت سابقاً من أنّـه لا فرق فيما لو كان المخصّص عقليّاً بين كون ذلك الحكم العقلي من العقليات الضروريّـة، أو من العقليات التي لا ينتقل الذهن إليها إلاّ بعد الالتفات والتأمّل في المبادئ الموجبـة لـه، فإنّ في كلتا الصورتين يكون المخصّص كالقرينـة المختصّـة بالكلام مانعاً عن انعقاد الظهور. وثانياً: أنّـه لو سلّم ذلك في العقليّات الغير الضروريّـة، وأنّها من قبيل القرائن المنفصلـة المانعـة عن حجّيـة الظهور لا عن أصلـه فنقول: إنّ ما ذكره من التفصيل بين حجّيـة ظهور الأوامر في الإطلاق بالنسبـة إلى الحكم التكليفي وبين حجّيتها فيـه بالنسبـة إلى الحكم الوضعي، فالحكم العقلي مانع عن الأوّل دون الثاني، ممنوع، فإنّ الحكم الوضعي إذا كان منتزعاً عن الحكم التكليفي وتابعاً لـه يكون في السعـة والضيق مثلـه، ولا يمكن أن يكون الحكم التكليفي مختصّاً بحال الذكر، والحكم الوضعي المستفاد منـه مطلقاً وشاملا لحالي الذكر وعدمـه، إذ ليس الظهوران وهما الظهور في الإطلاق بالنسبـة إلى الحكم التكليفي والظهور فيـه بالنسبـة إلى الحكم الوضعي في عرض واحد حتّى لا يكون رفع اليد عن أحدهما مستلزماً لرفع اليد عن الآخر، بل الظهور الثاني في طول الظهور الأوّل ولا مجال لحجّيتـه مع رفع اليد عنـه. فالمقام نظير لازم الأمارتين المتعارضتين، كما إذا قامت أمارة على الوجوب وأمارة اُخرى على الحرمـة، فإنّ لازمهما هو عدم كونـه مباحاً، إلاّ أنّ
236
الأخذ بهذا اللازم بعد سقوطهما عن الحجّيـة لأجل التعارض ممّا لا مجال معـه، لأنّـه فرع حجّيتهما وقد فرضنا خلافـه، هذا. ولو قلنا بجواز الأخذ بمثل هذا اللازم في الأمارتين المتعارضتين يمكن القول بعدم جواز التفكيك بين الحكم التكليفي والوضعي في المقام، لأنّ كلّ واحد من الأمارتين حجّـة مع قطع النظر عن معارضـة الآخر. غايـة الأمر أنّـه سقط من الحجّيـة لأجلها، وهذا بخلاف المقام، فإنّ الحكم التكليفي من أوّل الأمر مقيّد بحال الذكر، والمفروض أنّـه المنشأ للحكم الوضعي، فلا يمكن التفرقـة بينهما في الإطلاق والتقيـيد. وأمّا الجواب الثالث فيرد عليـه: أنّ استفادة الملاك والمصلحـة إنّما هو بملاحظـة تعلّق الأمر، بناءً على ما ذكره العدليّـة من أنّ الأوامر الواقعيّـة تابعـة للمصالح النفس الأمريّـة، وإلاّ فمع قطع النظر عن تعلّق الأمر لا سبيل لنا إلى استفادة المصلحـة أصلا. وحينئذ فنقول: بعدما ثبت كون إطلاق الهيئـة مقيّداً بحال الذكر لامجال لاستفادة الملاك والمصلحـة مطلقاً حتّى في غير حال الذكر، وتعلّق الأمر بالسجود ـ مثلا ـ إنّما يكشف عن كونـه ذا مصلحـة بالمقدار الذي ثبت كونـه مأموراً بـه، ولا مجال لاستفادة كونـه ذا مصلحـة حتّى فيما لم يكن مأموراً بـه، كما في حال النسيان على ما هو المفروض بعد كون هذه الاستفادة مبتنيـة على مذهب العدليّـة، وهو لا يقتضي ذلك إلاّ في موارد ثبوت الأمر، كما هو واضح. فالإنصاف أنّ هذا الجواب كسابقيه ممّا لا يدفع بـه الإيراد ولا ينهض للجواب عن القول بالتفصيل، بل لامحيص عن هذا القول بناءً على مذهبهم منعدم إمكان كون الناسي مكلّفاً وعدم شمول إطلاق الهيئـة لـه، وأمّا بناءً على ما حقّقناه
237
من عدم انحلال الخطابات حسب تعدّد المخاطبين فلامانع من كونه مكلّفاًكالجاهل وغير القادر وغيرهما من المكلّفين المعذورين، وحينئذ فلا يبقى فرق بين كون الأدلّـة المتضمّنـة لبيان الأجزاء بلسان الوضع أو بلسان الأمر، كما لايخفى. المقام الثاني: فيما يقتضيه الأصل الشرعي في النقيصة السهويّة واعلم أنّ مورد البحث في هذا المقام ما إذا كان للدليل المثبت للجزئيـة إطلاق يشمل حال النسيان أيضاً، بحيث لو لم يكن مثل حديث الرفع(1) في البين لكان نحكم بعدم الاكتفاء بالمركّب الناقص المأتي بـه في حال النسيان، لكونـه فاقداً للجزء المعتبر فيـه مطلقاً. غايـة الأمر أنّ محل البحث هنا أنّـه هل يمكن تقيـيد إطلاقات أدلّـة الأجزاء بمثل حديث الرفع المشتمل على رفع النسيان حتّى يكون مقتضاه اختصاص الجزئيّـة بحال الذكر وكون المركّب الناقص مصداقاً للمأمور بـه أم لا؟ ولا يخفى أنّـه لابدّ في إثبات أجزاء المركّب الناقص أوّلا: من الالتزام بكون حديث الرفع قابلا لتقيـيد إطلاقات أدلّـة الأجزاء، وثانياً: من إثبات كون الباقي مصداقاً للمأمور بـه، لأنّـه تمامـه. وتنقيحـه ليظهر ما هو الحقّ يتمّ برسم اُمور: الأوّل: أنّك قد عرفت في إحدى مقدّمات الأقلّ والأكثر في الأجزاء أنّ المركّبات الاعتباريّـة عبارة عن الأشياء المتخالفـة الحقائق. غايـة الأمر أنّـه لوحظ كونها شيئاً واحداً وأمراً فارداً لترتّب غرض واحد على مجموعها، وعرفت
1 ـ الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعـة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب56، الحديث1.

238
أيضاً أنّ الأمر المتعلّق بالمركّب الاعتباري أمر واحد. غايـة الأمر أنّـه يدعو إلى كلّ واحد من الأجزاء بعين دعوتـه إلى المركّب، لأنّها هو بعينـه، ولا تغاير بينهما إلاّ بالاعتبار، ولا يتوقّف دعوتـه إلى جزء على كون الجزء الآخر أيضاً مدعوّاً، بل دعوتـه إلى كلّ واحد من الأجزاء في عرض دعوتـه إلى الآخر، ولا تكون مرتبطـة بها، كما لايخفى. الثاني: أنّ تقيـيد إطلاقات أدلّـة الأجزاء بمثل حديث الرفع يكون مرجعـه إلى أنّ الإرادة الاستعماليـة في تلك الأدلّـة وإن كانت مطلقـة شاملـة لحال النسيان أيضاً إلاّ أنّ حديث الرفع يكشف عن قصر الإرادة الجدّيـة على غير حال النسيان. وليس معنى رفع الجزئيـة فيـه أنّ الجزئيـة المطلقـة المطابقـة للإرادة الجدّيـة صارت مرفوعـة في حال النسيان، فإنّ ذلك من قبيل النسخ المستحيل، بل معنى الرفع هو رفع ما ثبت بالقانون العامّ الكلّي المطابق للإرادة الاستعماليـة، وضمّ ذلك القانون إلى حديث الرفع ينتج أنّ الإرادة الجدّيـة من أوّل الأمر كانت مقصورة بغير صورة النسيان، وهذا هو الشأن في جميع الأدلّـة الثانويّـة بالقياس إلى الأدلّـة الأوّليـة. فنفي الحكم الحرجي بقولـه تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَج )(1) مرجعـه إلى كون ذلك كاشفاً عن انحصار مقتضى الأدلّـة الأوّليـة بغير صورة الحرج. غايـة الأمر أنّها القيت بصورة الإطلاق قانوناً، كما هو كذلك في القوانين الموضوعـة عند العقلاء، وقد تقدّم في مباحث العموم والخصوص شطر من
1 ـ الحجّ (22): 78.

239
الكلام على ذلك(1) وأنّ معنى التخصيص يرجع إلى التخصيص بالنسبـة إلى الإرادة الاستعماليـة لا الجدّيـة، فإنّها من أوّل الأمر لم تكن متعلّقـة بما يشمل مورد المخصّص أيضاً، كما لايخفى. الثالث: أنّ معنى رفـع النسيان ليس راجعـاً إلى رفـع نفس النسيان التي هي صفـة منقدحـة في النفس، ولا إلى رفـع الآثـار المترتّبـة عليها، بل معناه هـو رفـع المنسـي بما لـه مـن الآثـار المترتّبـة عليـه. فقـد وقـع فـي ذلك ادّعـاءان: أحدهما: أنّ المنسي هو النسيان. ثانيهما: ادّعاء أنّ المنسي إذا لم يترتّب عليـه أثر في الشريعـة يكون كأنّـه لم يوجد في عالم التشريع. وقد عرفت سابقاً أنّ المصحّح لهذا الادّعاء هو رفع جميع الآثار المترتّبـة عليـه، وأمّا رفع بعض الآثار فلا يلائم رفع الموضوع الذي يترتّب عليـه الأثر، كما هو واضح. الرابع: أنّ النسيان المتعلّق بشيء الموجب لعدم تحقّقـه في الخارج هل هـو متعلّق بنفس طبيعـة ذلك الشيء مـن غير مدخليّـة الوجـود أو العدم، أو يتعلّق بوجود تلك الطبيعـة، أو يتعلّق بعدمها؟ وجوه، والظاهر هو الأوّل، فإنّ الموجب لعدم تحقّق الطبيعـة في الخارج هو الغفلـة والذهول عن نفس الطبيعـة، لا الغفلـة عن وجـودها، كيف والمفروض أنّـه لم يوجـد حتّى يتعلّق بوجـوده النسيان، ولا الغفلـة عن عدمها، كيف ولا يعقل أن يصير الغفلـة عـن العدم موجباً لـه، كما هو واضح.
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 282.

240
إذا تمهّد لك هذه الاُمور تعرف: أنّ مقايسـة حديث الرفع المشتمل على رفع النسيان مع الأدلّـة الأوّليـة المطلقـة الدالّـة على جزئيـة الجزء المنسي مطلقاً، يقتضي كون المركّب الناقص المأتي بـه في حال النسيان تمام المأمور بـه; لأنّ المفروض كونـه معنوناً بعنوان الصلاة التي هي متعلّق الأمر. وقد عرفت أنّ الأمر الذي يدعو إليها داع إلى جميع أجزائها، ولا يتوقّف دعوتـه إلى جزء على كون الجزء الآخر أيضاً مدعوّاً. وقد عرفت أيضاً أنّ مقتضى حديث الرفع تقيـيد تلك الأدلّـة بحال الذكر وكون السورة المنسيّـة ـ مثلا ـ معتبرة في الصلاة في خصوص هذا الحال، فالصلاة الفاقدة للسورة المنسيّـة تمام المأمور بـه بالأمر المتعلّق بطبيعـة الصلاة المشتركـة بين التامّ والناقص. ومن جميع ما ذكرنا ينقدح الخلل فيما أفاده العَلَمان النائيني(1)والعراقي (قدس سرهما)في هذا المقام في بيان عدم دلالـة الحديث على رفع الجزئيّـة في حال النسيان. ومحصّل ما أفاده المحقّق العراقي يرجع إلى وجوه ثلاثـة: أحدها: أنّ الحديث على تقدير كون المرفوع فيـه هو المنسي لا يمكن التمسّك بـه لإثبات الاجتزاء بالمأتي بـه في حال النسيان، لأنّ أثر وجود الجزء لا يكون إلاّ الصحّـة لا الجزئيّـة، لأنّها من آثار طبيعـة الجزء لا من آثار وجود الجزء المنسي، ورفع الصحّـة يقتضي البطلان ووجوب الإعادة. ثانيها: أنّـه إن اُريد برفع الجزئيّـة والشرطيّـة رفعهما عن الجزء والشرط
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 223 ـ 228.

241
المنسيّين فـي مقام الدخـل في الملاك والمصلحـة فلا شبهـة في أنّ هـذا الدخـل أمـر تكويني غير قابل لأن يتعلّق بـه الرفـع التشريعي. وإن اُريد رفعهما بلحاظ انتزاعهما عن التكليف الضمني المتعلّق بالجزء والتقيّد بالشرط، فيرد عليـه ما تقدّم من اختصاص الرفع في الحديث برفع ما لولاه يكون قابلا للثبوت تكليفاً أو وضعاً وعدم شمولـه للتكاليف المتعلّقـة بالمنسي في حال النسيان، لارتفاعها بمحض تعلّق النسيان، بملاك استحالـة التكليف بما لايطاق. ثالثها: أنّـه على تقدير تسليم دلالـة الحديث فغايـة ما يقتضيـه إنّما هو رفع إبقاء الأمر الفعلي والجزئيّـة الفعليـة عن الجزء المنسي في حال النسيان الملازم بمقتضى ارتباطيـة التكليف لسقوط الأمر الفعلي عن البقيّـة أيضاً مادام النسيان، وأمّا اقتضاؤه لسقوط المنسي عن الجزئيـة والشرطيـة في حال النسيان لطبيعـة الصلاة المأمور بها رأساً على نحو يستـتبع تحديد دائرة الطبيعـة في حال النسيان بالبقيّـة ويقتضي الأمر بإتيانها، فلا; بداهـة خروج ذلك عن عهدة حديث الرفع، لعدم تكفّل الحديث لإثبات الوضع والتكليف، لأنّ شأنـه إنّما هو التكفّل للرفع محضاً(1)، انتهى ملخّصاً. ويرد على الوجـه الأوّل: ما عرفت من أنّ المرفوع في باب الأجزاء هو المنسي وهو طبيعـة الأجزاء مع قطع النظر عن الوجود والعدم. ومعنى رفع الطبيعـة هو رفع الأثر الشرعي المترتّب عليها وهي الجزئيـة، وليس المنسي هو وجود الطبيعـة حتّى يقال: إنّ أثر وجود الجزء هي الصحّـة لا الجزئيـة. هذا
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 428 ـ 429.

242
مضافاً إلى أنّـه يمكن منع ذلك أيضاً، فإنّ أثر الجزء الموجود أيضاً هي الجزئيـة لا الصحّـة، لأنّها من الآثار العقليّـة المنتزعـة عن مطابقـة المأتي بـه مع المأمور بـه، وأمّا الأثر الشرعي فليس إلاّ الجزئيّـة، كما لايخفى. وعلى الوجـه الثاني: أنّ ما ذكره في الشقّ الثاني من الترديد مخالف لما حقّقـه سابقاً من عدم الفرق في إطلاق أدلّـة الأجزاء وشمولها لحال النسيان بين كونها بلسان الوضع أو بلسان الأمر بالتقريب المتقدّم في كلامـه وإن كان هذا التقريب محلّ نظر من وجوه، كما عرفت. وعلى الوجـه الثالث: ما حقّقناه من الاُمور المتقدّمـة التي نتيجتها أنّ حديث الرفع كالاستثناء بالنسبـة إلى الأدلّـة الأوّليـة الدالّـة على الأجزاء، حيث إنّـه يخصّصها ويقيّدها بحال الذكر، ولازم ذلك كون المأمور بـه في حقّ الناسي هي الطبيعـة المنطبقـة على الناقصـة، ومع الإتيان بالمأمور بـه لا معنى لعدم الإجزاء، كما هو واضح من أن يخفى. فانقدح من جميع ما ذكرنا: أنّ مقتضى الأصل الشرعي كالأصل العقلي هو الاجتزاء بالمركّب الناقص وعدم لزوم الإعادة، سواء كان النسيان مستوعباً للوقت أم لم يكن. وقد عرفت أيضاً: أنّ قياس المقام بما إذا لم يأت بالمأمور بـه رأساً في النسيان الغير المستوعب، حيث إنّـه يجب الإتيان بـه بعد زوال النسيان قطعاً، قياس مع الفارق، لأنّ في المقام قد أتى بما هو المأمور بـه واقعاً. غايـة الأمـر أنّ دائـرتـه محدودة فـي حـال النسيان بالبقيّـة، وهـذا بخـلاف مـا إذا لم يـأت بـه أصـلا، فإنّـه لم يـأت بشـيء حتّى نحكم بالإجـزاء، كمـا هـو واضح.
243
المقام الثالث: في حال الزيادة العمديّة أو السهويّة وليعلم أنّ تحقّق زيادة الجزء في المأمور بـه بما هو المأمور بـه ممّا لا يتصوّر بنظر العقل وليست الزيادة كالنقيصـة، لأنّك قد عرفت(1) سابقاً أنّ الجزئيـة إنّما تنتزع من تعلّق أمـر واحـد بالمجموع المركّب مـن عـدّة أشياء ملحوظـة أمراً واحداً، كما أنّ منشأ انتزاع الكلّيـة أيضاً هذا المعنى، لأنّ الكلّيـة والجزئيّـة مـن الاُمور المتضايفـة التي لا يعقل تحقّق واحـد منها بدون الآخر.وحينئذ فنقول: في تصوير وقوع الزيادة في الأجزاء إنّ معنى نقيصـة الجزء عبارة عن عدم كون المركّب الواقع في الخارج واجداً لـه، وأمّا معنى زيادتـه فلا يتحقّق إلاّ بكون الزائد أيضاً جزءً للمأمور بـه، ومع كونـه جزءً لـه أيضاً، كما هو المفروض لا يتحقّق الزيادة، بل المأتي بـه هو عين المأمور بـه. وبالجملـة: فلا يجتمع عنوان الزيادة مع كون الزائد أيضاً جزءً للمأمور بـه، لأنّـه على تقدير كونـه جزءً لـه لا يكون زائداً. وعلى تقدير كونـه زائداً لا يكون جـزءً فزيادة الجـزء بما هـو جـزء في المأمـور بـه ممّا لا يتصوّره العقل. نعم يتحقّق عنوان الزيادة بنظر العرف فيما إذا كان الجزء مأخوذاً لا بشرط
1 ـ تقدّم في الصفحـة 177.

244
من الزيادة، وأمّا على تقدير كونـه بشرط لا من جهـة الزيادة فقد يقال ـ كما قيل ـ بأنّ مرجع الزيادة حينئذ إلى النقيصـة، لأنّ الجزء المتّصف بالجزئيّـة هي الطبيعـة المتقيّدة بقيد الوحدة، فهي بدونها لا تكون جزءً للمركّب، فهو حينئذ يصير فاقداً للجزء ولا يكون مشتملا على الزيادة. ولكن لا يخفى: أنّ الجزء في هذا الحال أيضاً هي ذات الطبيعـة، وقيد الوحدة شرط للجزء، فإيجاد الطبيعـة مرّتين مرجعـه إلى إيجاد ذات الجزء كذلك، فذات الجزء قد زيد وإن كان هذه الزيادة راجعـة إلى النقيصـة أيضاً من جهـة فقدان شرط الجزء، فالإتيان بالحمد ـ مثلا ـ ثانياً زيادة لذات الجزء وموجباً لنقصان شرطـه، فتحقّق بـه الزيادة والنقيصـة معاً. وحينئذ فلا وجـه لما ذكروه من رجوع الزيادة حينئذ إلى النقيصـة، كما عرفت. كلام المحقّق العراقي في تصوير وقوع الزيادة الحقيقيّة ثمّ إنّ المحقّق العراقي (قدس سره) أفاد في تصوير وقوع الزيادة الحقيقيّـة في الأجزاء والشرائط كلاماً أوضحـه بما مهّده من اُمور ثلاثـة: الأوّل: لا شبهـة في أنّـه يعتبر في صدق الزيادة الحقيقيـة في الشيء أن يكون الزائد من سنخ المزيد عليـه، وبدونـه لا يكاد يصدق هذا العنوان، ولذا لايصدق على الدهن الذي اُضيف إليـه مقدار من الدبس أنّـه زاد فيـه إلاّ على نحو من العنايـة. نعم الصادق إنّما هو عنوان الزيادة على ما في الظرف بعنوان كونـه مظروفاً، لا بعنوان كونـه دهناً، فقوام الزيادة حينئذ في المركّبات إنّما هو بكون الزائد من سنخ ما اعتبر جزءً أو شرطاً لها. فإذا كان المركّب بنفسـه من
245
العناوين القصديّـة كالصلاة ـ مثلا ـ على ما هو التحقيق يحتاج في صدق عنوان الزيادة فيها إلى قصد عنوان الصلاتيـة بالجزء المأتي بـه أيضاً، وإلاّ لا يكون المأتي بـه حقيقـة من سنخ الصلاة، فلا يصدق عنوان الزيادة. الثاني: يعتبر أيضاً في صدق عنوان الزيادة في الشيء أن يكون المزيد فيـه مشتملا على حدّ مخصوص ولو اعتباراً حتّى يصدق بالإضافـة إليـه عنوان الزيادة وعدمها، كما في ماء النهر مثلا، فإنّـه لابدّ في صدق هذا العنوان من أن يفرض للماء حدّ مخصوص ككونـه بالغاً إلى نقطـة كذا ليكون الزائد موجباً لانقلاب حدّه الخاصّ إلى حدّ آخر، وإلاّ فبدون ذلك لا يصدق عليـه هذا العنوان، وكذلك الأمر في المركّبات، ففيها أيضاً لابدّ من اعتبار حدّ خاصّ فيما اعتبر جزء لها في مقام اختراع المركّب. الثالث: أنّ أخذ الجزء أو الشرط في المركّب في مقام اعتباره واختراعـه يتصوّر على وجوه ثلاثـة: أحدها: اعتبار كونـه جزءً أو شرطاً على نحو «بشرط لا» من جهـة الزيادة في مقام الوجود والتحقّق. ثانيها: اعتبار كونـه جزءً على نحو «لا بشرط» من طرف الزيادة، على معنى أنّـه لو زيد عليـه لكان الزائد خارجاً عن ماهيّـة المركّب باعتبار عدم تعلّق اللحاظ بالزائد في مقام اعتباره جزءً للمركّب، كما لو فرض أنّـه اعتبر في جعل ماهيّـة الصلاة الركوع الواحد لا مقيّداً كونـه بشرط عدم الزيادة ولا طبيعـة الركوع، فإنّ في مثلـه يكون الوجود الثاني من الركوع خارجاً عن حقيقـة الصلاة، لعدم تعلّق اللحاظ بـه في مقام جعل ماهيّـة الصلاة. ثالثها: اعتبار كونـه جزءً على نحو «لا بشرط» بنحو لو زيد عليـه لكان
246
الزائد أيضاً من المركّب، وداخلا فيـه لا خارجاً عنـه، كما لو اعتبر في جعل ماهيّـة الصلاة طبيعـة الركوع في كلّ ركعـة منها الجامعـة بين الواحد والمتعدّد. وبعدمـا عرفت ذلك نقول: إنّـه علـى الاعتبار الأوّل لا شبهـة فـي أنّـه لا مجال لتصوّر تحقّق الزيادة، فإنّـه من جهـة اشتراطـه بعدم الزيادة في مقام اعتباره جزءً للمركّب تكون الزيادة فيـه موجبـة للإخلال بقيده، فترجع إلى النقيصـة. وكذلك الأمر على الاعتبار الثاني، فإنّـه وإن لم ترجع الزيادة فيـه إلى النقيصـة، إلاّ أنّ عدم تصوّر الزيادة الحقيقيّـة إنّما هو لمكان عدم كون الزائد من سنخ المزيد عليـه، فإنّـه بعد خروج الوجود الثاني عن دائرة اللحاظ في مقام جعل ماهيّـة الصلاة يستحيل اتّصاف الوجود الثاني بالصلاتيـة، فلا يرتبط حينئذ بالصلاة حتّى يصدق عليـه عنوان الزيادة. وأمّا على الاعتبار الثالث فالظاهر أنّـه لا قصور في تصوّر الزيادة الحقيقيّـة، فإنّ المدار في زيادة الشيء في الشيء على ما عرفت إنّما هو بكون الزائد من سنخ المزيد فيـه مع كونـه موجباً لقلب حدّ إلى حدّ آخر، وهذا لا فرق فيـه بين أن يكون الجزء مأخوذاً في مقام الأمر والطلب بشرط لا، أو على نحو لابشرط بالمعنى الأوّل، أو اللابشرط بالمعنى الثاني. وذلك على الأوّلين ظاهر، فإنّ الوجود الثاني من طبيعـة الجزء ممّا يصدق عليـه عنوان الزيادة بالنسبـة إلى ما اعتبر في المأمور بـه من تحديد الجزء بالوجود الواحد، حيث إنّـه بتعلّق الأمر بالصلاة المشتملـة على ركوع واحد يتحدّد طبيعـة الصلاة بالقياس إلى دائرة المأمـور بـه منها بحـدّ يكون الوجـود الثاني بالقياس إلى ذلك الحدّ مـن الزيادة في الصلاة الموجب لقلب حـدّه إلى
247
حـدّ آخـر وإن لـم يصـدق عليـه عنـوان الـزيادة بالنسبـة إلـى المأمـور بـه بما هـو مأمور بـه. غايـة ما هناك أنّـه على الأوّل يكون الوجـود الثاني مـن الزيادات المضرّة بالمأمـور بـه من جهـة رجوعـه إلى الإخلال بـه من جهـة النقيصـة، بخلافـه علـى الثاني، فإنّـه لا يكون مـن الزيادات المبطلـة، وإنّما غايتـه كونـه لغواً. وكـذلك الأمـر على الأخيـر، إذ بانطبـاق صـرف الطبيعـي علـى الوجـود الأوّل في الوجـودات المتعاقبـة يتحدّد دائـرة المركّب والمأمـور بـه قهراً، بحـدّ يكون الوجـود الثانـي بالقياس إليـه من الزيـادة في المركّب والمأمـور بـه فتأمّل(1)، انتهى ملخّصاً. ويرد عليـه ـ مضافاً إلى عدم معقوليّـة الوجـه الثاني من الوجوه الثلاثـة التي صوّرها في مقام أخذ الجزء أو الشرط في المركّب في مقام اعتباره، فإنّـه كيف يمكن الجمع بين كون المعتبر في جعل ماهيّـة الصلاة الركوع المتّصف بوصف الوحدة وبين كونـه على نحو لا بشرط من جهـة الزيادة. فإنّـه لو كان قيد الوحدة معتبراً لكان الركوع المعتبر، بشرط لا من جهـة الزيادة، فيرجع إلى الوجـه الأوّل، وإن لم يكن فمرجعـه إلى الوجـه الثالث، فلا يكون الوجـه الثاني وجهاً في حيالهما. ومضافاً إلى أنّ مقتضى الوجـه الثالث ليس كون الزائد أيضاً داخلا في المركّب لأنّـه لو فرض كون المعتبر في المركّب هي طبيعـة الركوع بما هي هي لكان مقتضى ذلك هو صيرورة الوجود الأوّل جزءً، واتصاف الوجود الثاني بالجزئيّـة موقوف على اعتبار شيء آخر مع الطبيعـة، والمفروض عدمـه ـ
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 436 ـ 438.

248
أنّ الزيادة التي هي مورد للبحث هي الزيادة في المكتوبـة أي المأمور بـه، وحينئذ فلابدّ من ملاحظـة مقام الأمر والطلب، ومجرّد تصوير الزيادة بناءً على الاعتبار الثالث في مقام التحديد والاعتبار لا يجدي بالنسبـة إلى مقام الأمر والطلب، كما هو واضح. فلو كان في هذا المقام قد اُخذ الجزء بشرط لا أو لا بشرط بالمعنى الأوّل لا يمكن تحقّق الزيادة بناءً على ما ذكره من عدم تصوّرها في الوجهين الأوّلين، مضافاً إلى أنّـه لو كان الأمر مطابقاً للاعتبار الثالث الذي تصوّر فيـه الزيادة لايكون أيضاً من الزيادة في المكتوبـة بما أنّها مكتوبـة، لأنّ الزائد إن اتّصف بوصف الجزئيّـة لا يكون حينئذ زائداً على المكتوبـة، وإن لم يتّصف بـه فلا يكون جزءً، ولا يتحقّق زيادة الجزء بناءً على ما ذكره في الأمر الأوّل من أنّـه يعتبر في صدق عنوان الزيادة كون الزائد من سنخ المزيد فيـه، كما لايخفى. فالإنصاف: أنّـه لا يمكن تصوّر الزيادة الحقيقيّـة أصلا، بل المتصوّر منها إنّما هي الزيادة بنظر العرف، هذا بحسب الموضوع. مقتضى الأصل في الزيادة وأمّا الحكم المتعلّق بالزيادة فاعلم: أنّ الأصل الأوّلي في الزيادة يقتضي عدم بطلان العمل بسببها، سواء كانت عمديّـة أو سهويّـة، لأنّ المعتبر في مقام الامتثـال كـون المأتي بـه مطابقاً للمأمـور بـه، والبطلان إنّما ينتزع مـن عدم تطابقـه معـه، والمفروض أنّ الزيادة غير دخيلـة في المأمور بـه. نعم يمكن الشكّ في اعتبار عدمهما في الواجب. وحينئذ يرجع إلى الشكّ في النقيصـة، وقد مرّ حكمها.
249
وبالجملـة: فالزيادة بما أنّها زيادة لا توجب الفساد والبطلان، بخلاف النقيصـة التي عرفت أنّ الأصل الأوّلي فيها هو الفساد والبطلان. ثـمّ إنّـه ربّما يتمسّك لصحّـة العمل مـع الزيـادة بالاستصحـاب، وتقريره مـن وجوه: أحدها: استصحاب عدم مانعيّـة الزيادة وعدم كونها مضادّة للمأمور بـه، بتقريب أنّ ماهيّـة الزائد قبل تحقّقها في الخارج لم تكن مانعـة وقاطعـة، وبعد وجودها فيـه نشكّ في اتّصافها بهذا الوصف، فمقتضى الاستصحاب عدمـه، وأنّ الماهيّـة الآن كما كانت قبل وجودها، هذا. وقد عرفت فيما سبق غير مرّة: أنّ مثل هذا الاستصحاب لا يجري بناءً على ما هو التحقيق ـ كاستصحاب عدم قرشيـة المرأة وعدم التذكيـة في الحيوان ونظائرهما ـ لعدم اتّحاد القضيّـة المشكوكـة مع القضيّـة المتيقّنـة، لأنّ القضيّـة المتيقّنـة هي السالبـة الصادقـة مع انتفاء الموضوع، وهي الآن متيقّنـة أيضاً، والقضيـة المشكوكـة هي السالبـة مع وجود الموضوع، وهي كانت في السابق أيضاً مشكوكـة، كما هو واضح. ثانيها: استصحاب عدم وقوع المانع في الصلاة، لأنّها قبل إيجاد الزيادة لم يقع المانع فيها، والآن نشكّ بسبب إيجاد الزيادة في وقوعـه فيها، ومقتضى الاستصحاب العدم. ولو نوقش في هذا الاستصحاب بتقريب أنّ عدم وقوع المانع في الصلاة لا يثبت اتّصاف الصلاة بعدم اشتمالها على المانع، والأثر إنّما يترتّب على ذلك لاعلى عدم وقوع المانع في الصلاة، نظير استصحاب العدالـة لزيـد، فإنّـه لا يثبت الموضوع للحكم الشرعي، وهو كون زيد عادلا، فيمكن الجواب عنـه:
250
بأنّا نستصحب الصلاة المتقيّدة بعدم وقوع المانـع فيها لا مجـرّد عـدم وقوعـه فيها، كما أنّـه يستصحب في المثال كـون زيد عادلا، لا عـدالته حتّى يكون الأصل مثبتاً، هـذا. ولكن يرد على هذا التقرير مـن الاستصحاب: أنّـه أخصّ مـن المدّعى، لأنّ مـورده مـا إذا حدث مـا يشكّ في مانعيّتـه في أثناء الصلاة، وأمّا لـو كان مقارناً لها من أوّل الشروع فيها فلا يجري، لعدم الحالـة السابقـة المتيقّنـة، كما هو واضح. ثمّ إنّـه قد يقال: بأنّ استصحاب الصلاة المتّصفـة بخلوّها عن المانع إنّما يتمّ بناءً على أن يكون المانع عبارة عمّا يكون عدمـه معتبراً في المأمور بـه، وأمّا لو كان المانع عبارة عمّا يكون وجوده مضادّاً للمأمور بـه ومانعاً عن تحقّقـه فلا يتمّ، لأنّ استصحاب أحد الضدّين لا يثبت عدم الضدّ الآخر، وكذا استصحاب عدم المانع لا يثبت وجود الضدّ الآخر الذي هو الصلاة، هذا. ولكن لا يخفى: أنّ المضادّة بين الحدث ـ مثلا ـ وبين الصلاة التي هي مركّبـة من التكبير والقراءة ونحوهما من الأقوال والأفعال التي هي من الاُمور التكوينيـة ممّا لا نتصوّرها، لأنّ معنى المضادّة هو كون وجود أحد الضدّين مانعاً عن تحقّق الضدّ الآخر كما في الاُمور التكوينيّـة، فإنّ تحقّق الرطوبـة مانع عن تحقّق الإحراق، وهذا المعنى مفقود في مثل المقام. ضرورة أنّ الصلاة يمكن أن تـتحقّق مع الحدث وبدونـه، لأنّها ليست إلاّ عبارة عن بعض الأقوال والأفعال التي هي من الاُمور التكوينيـة، فعدم تحقّقها مع الحدث لابدّ وأن يكون مستنداً إلى ثبوت قيد في الصلاة تمنع تحقّقـه معـه، وإلاّ مع عدم تقيّدها بـه لا مجال لعدم تحقّقها معـه.
251
فمانعيّـة الحدث ـ مثلا ـ إنّما هي باعتبار كون الصلاة متقيّدة بعدمـه، وإلاّ فلا يتصوّر أن يكون مانعاً أصلا، ولا يلزم من ذلك أن يكون العـدم مؤثّراً حتّى يقال بأنّ الاعدام لا تكون مؤثّرة ولا متأثّرة، لأنّا لا ندّعي تأثير العدم، بل نقول: إنّ المأمور بـه محدود بحدّ لا يتحقّق إلاّ مع عدم المانع، ولا يترتّب عليـه الأثـر إلاّ معـه. ألا ترى أنّـه لو أمر المولى بمعجون مركّب من عدّة أجزاء التي من جملتها مقدار خاصّ من السمّ، بحيث كان الزائد على ذلك المقدار موجباً لعدم تأثير المعجون، بل مهلكاً، فالزائد على ذلك المقدار مانع عن تحقّقـه، ومرجعـه إلى كونـه مقيّداً بعدمـه، ومن الواضح أنّ المؤثّر في تحقّق المعجون ليس هو ذلك المقدار مع عدم الزائد، بل ليس المؤثّر إلاّ ذلك المقدار الخاصّ، والزائد مضادّ لتحقّقـه من دون أن يكون عدمـه مؤثّراً، كما هو واضح. فانقدح: أنّـه لا ملازمـة بين كون دائرة المأمور بـه مضيّقـة ومحدودة بحدّ لا يتحقّق إلاّ مع عدم المانع، وبين كون عدمـه مؤثّراً في تحقّقـه، كما هو واضح. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّـه بناءً على كون المانع عبارة عمّا يكون وجوده مضادّاً للممنوع ومانعاً عن تحقّقـه لا مانع من جريان استصحاب الصلاة، لأنّها متقيّدة بعدمها وهذا المقيّد كان موجودأ، وبعد الإتيان بما يشكّ في مانعيّتـه نشكّ في بقائـه، والأصل يقتضي البقاء ولا يكون الأصل مثبتاً. ومن هنا يظهر أنّـه لا مانع من استصحاب الهيئـة الاتّصاليـة مع الشكّ في قاطعيـة الأمر الموجود، إذ مرجع القاطعيّـة إلى تقيّد الهيئـة الاتّصاليـة بعدم القاطع، وإلاّ فلو فرض عدم التقيّد لا وجـه لكونـه قاطعاً لها. وحينئذ فيستصحب هذا الأمر المقيّد. نعم بناءً على القول بعدم رجوع المانع
252
إلى تقيـيد في الممنوع بعدمـه لا مجال للاستصحاب، لأنّ استصحاب عدم الضدّ لا يثبت وجود الضدّ الآخر وكذا العكس. ثالثها: استصحـاب الصحّـة التأهليّـة للأجـزاء السابقـة، بتقريب أنّ الأجـزاء السابقـة كانت صحيحـة تأهّلا وقابلـة للحوق الأجـزاء الاُخر إليها، وبعد تحقّق ما يشكّ في مانعيّتـه نشكّ في بقاء صحّتها وقابليّتها، فمقتضى الاستصحاب بقائها. وأورد على هذا التقرير الشيخ (قدس سره) في الرسالـة بأنّ المستصحب إن كان صحّـة مجموع الصلاة فلم تـتحقّق بعد، وإن كان صحّـة الأجـزاء السابقـة فهي غير مجديّـة، لأنّ صحّـة تلك الأجزاء إمّا عبارة عن مطابقتها للأمر المتعلّق بها، وإمّا ترتّب الأثـر عليها، والمراد بالأثـر المترتّب عليها حصول المركّب بها منضمّـة مع باقي الأجزاء والشرائط. ولا يخفـى أنّ الصحّـة بكلا المعنيـين ثابتـة للأجـزاء السابقـة، لأنّها بعد وقوعها مطابقـة للأمـر المتعلّق بها لا تنقلب عمّا وقعت عليـه، وهي بعد على وجـه لو انضمّ إليها تمام ما يعتبر في الكلّ حصل الكلّ، فعدم حصولـه لعدم انضمام تمام مـا يعتبر في الكـلّ إلى تلك الأجـزاء لا يخلّ بصحّتها(1)، انتهى. ويمكن دفع ذلك بأنّـه لا دليل على كون إيجاد المانع في الصلاة مانعاً عن قابليـة لحوق الأجزاء اللاحقـة إلى السابقـة من دون أن يكون لـه تأثير في الأجـزاء السابقـة أيضاً، بل يمكن أن يقال: بأنّ المانـع كما يخرج الأجـزاء اللاحقـة عن اللحوق إلى السابقـة، كذلك يخرج الأجزاء السابقـة عن قابليّـة
1 ـ فرائد الاُصول 2: 488.

253
اللحوق بها، فالمانع كالقاطع للحبل الرابط بين أجزاء السبحـة يمنع عن القابليـة في جميع الأجزاء. وحينئذ فمع تحقّق ما يشكّ في مانعيّتـه لا مانع من استصحاب التأهليّـة الثابتـة للأجزاء السابقـة قبل وجوده يقيناً، فتدبّر. المقام الرابع: فيما تقتضيه القواعد الثانويّة في الزيادة والنقيصة قـد عرفت أنّ مقتضى الأصل العقلي في باب النقيصـة هـو البطلان وفي باب الزيادة هو العدم، إلاّ أنّـه قد ورد في الزيادة في خصوص الصلاة روايات ظاهرة في أنّها توجب الإعادة، وبإزائها حديث «لاتعاد» الدالّ على أنّ الصلاة «لاتعاد» من غير الاُمور الخمسـة المذكورة في عقد المستثنى، فلابدّ أوّلا من بيان مدلول روايات الزيادة الدالّـة على وجوب الإعادة، ثمّ بيان مدلول حديث «لاتعاد»، ثمّ ملاحظـة النسبـة بينهما، كلّ ذلك على سبيل الإجمال، والتفصيل موكول إلى محلّـه. مقتضى الروايات الواردة في الزيادة فنقول: إنّ الروايات الواردة في الزيادة كثيرة، وأشملها من حيث الدلالـة روايـة أبيبصير قال: قال أبوعبداللّه (عليه السلام): «من زاد في صلاتـه فعليـه الإعادة»(1).
1 ـ تهذيب الأحكام 2: 194 / 764، وسائل الشيعـة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب19، الحديث2.

254
ولا يخفى أنّ عنوان الزيادة لا يتحقّق إلاّ مع قصد كون الزائد من الصلاة، وإلاّ فبدون ذلك القصد يكون الزائـد كالأجنبي، فاللعب بالأصابع فـي أثناء الصلاة لا يكون زيادة فيها، ولا يشترط أن يكون الزائد ركعـة لا أقلّ، كما أنّـه لا يعتبر أن يكون من سنخ الصلاة، بل كلّ ما يؤتى بـه بعنوان الصلاة ممّا يكون خارجاً عنها يكون زيادة فيها، سواء كان ركعـة أو جزءً أو أمراً خارجاً كالتأمين والتكفير ونحوهما. وما أفاده بعض الأعاظم من المعاصرين في كتاب صلاتـه(1) في وجـه عدم دلالـة الحديث على زيادة غير الركعـة من أنّ الظاهر كون الزيادة في الصلاة من قبيل الزيادة في العمر في قولك: «زاد اللّه في عمرك» فيكون المقدّر الذي جعلت الصلاة ظرفاً لـه هو الصلاة، فينحصر المورد بما كان الزائد مقداراً يطلق عليـه الصلاة مستقلاّ. لا يخلو عن نظر، بل منع; لأنّ العمر أمر بسيط لا يكون لـه أجـزاء، ولا يعقل أن يكون الزائد من غيره كالزمان وبعض الزمانيات وكالماء ونحوه، وهـذا بخلاف المركّب، فإنّ الزيادة فيـه إنّما تـتحقّق بإضافـة أمـر إلى أجزائـه وإن لم يكن من سنخها. ألا تـرى أنّـه لـو أمـر المولى بمعجون مركّب مـن عدّة أجـزاء معيّنـة، فـزاد عليه العبد شيئاً آخر مـن سنخها أو مـن غيرها يطلق عليه الزيادة بنظر العرف قطعاً.
1 ـ الصلاة، المحقّق الحائري: 312.

255
وبـالجملـة: فلا ينبغـي الارتيـاب فـي أنّ النظـر العـرفي لا يسـاعـد على مـا أفـاده (قدس سره) وأنّ عنوان الزيـادة عـامّ شامل فـي المقـام لـزيادة الركعـة وغيرهـا. نعم يبقى على ما ذكرنا من اعتبار القصد في تحقّق عنوان الزيادة في الصلاة، أنّ ذلك مخالف لظاهر صحيحـة زرارة(1) الناهيـة عن قراءة شيء من سور العزائم في الصلاة، المعلّلـة بأنّ السجود ـ أي السجود الواجب بسبب قراءة آيـة السجدة ـ زيادة في المكتوبـة; لأنّها تدلّ على أنّ السجود زيادة، مع أنّـه لم يؤت بـه بعنوان الصلاة وأنّـه منها، كما هو واضح، هذا. ولكن لابدّ من توجيـه الروايـة إمّا بكون المراد هو الإلحاق بالزيادة في الحكم المترتّب عليها، وإمّا بوجـه آخر. وقد تخلّص عن هذا الإشكال المحقّق المتقدّم بأنّ الزيادة عبارة عمّا منع الشارع إيجاده في الصلاة، فالمرجع في تشخيص موضوعها هو الشرع لا العرف(2). ولكن يرد عليـه بأنّ ذلك يستلزم جواز إطلاق الزيادة على جميع موانع الصلاة كالحدث والاستدبار والتكلّم والقهقهـة ونحوها، مع أنّـه لا يعهد من أحد هذا الإطلاق، كما هو غير خفي. هذا فيما يتعلّق بأخبار الزيادة.
1 ـ تهذيب الأحكام 2: 96 / 361، وسائل الشيعـة 6: 105، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب40، الحديث1. 2 ـ الصلاة، المحقّق الحائري: 314.

256
مقتضى حديث «لاتعاد» وأمّا حديث «لاتعاد»(1) فيقع الكلام في مدلولـه من جهات: الاُولى: في شموله لحال العمد وعدمه فاعلم: أنّ شمولـه لهذا الحال ممّا لا محذور فيـه عقلا، ولا يلزم منـه كون أدلّـة الأجزاء والشرائط غير الخمسـة المذكورة في الحديث واعتبارهما لغواً خالياً عن الفائدة، لإمكان أن تكون الصلاة المشتملـة على تلك الخمسـة سبباً لحصول مرتبـة من المصلحـة ناقصـة، بحيث لا يبقى معـه مجال لاستيفائها بالمرتبـة التامّـة ثانياً. فالمصلّي إذا ترك بعض الأجزاء الغير الركنيّـة عمداً يكون الإتيان بمثل هذه الصلاة موجباً لاستيفاء مرتبـة ناقصـة من المصلحـة، ولا يتمكّن من إعادة الصلاة المشتملـة على تلك الأجزاء لاستيفاء جميع مراتب المصلحـة، ومع ذلك يعاقب على عدم استيفاء المصلحـة بمرتبتها الكاملـة، لأنّ المفروض أنّ فوات تلك المرتبـة كان بسوء اختياره. وهذا ـ أي عدم استيفاء المرتبـة العليا من المصلحـة وجواز عقوبتـه على ذلك ـ هو نتيجـة اعتبار تلك الأجزاء الغير
1 ـ عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسـة: الطهور، والوقت، والقبلـة، والركوع، والسجود...» إلى آخره. تهذيب الأحكام 2: 152 / 597، وسائل الشيعـة 7: 234، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب1، الحديث4.

257
الركنيّـة في الصلاة، فلم يكن شمول الحديث لصورة العمد منافياً مع اعتبار الأجزاء الغير الركنيّـة، إلاّ أنّ الإنصاف انصراف الحديث عن هذه الصورة واختصاصـه بغيرها. الثانية : في شموله للجهل أو النسيان مطلقاً في الحكم أو الموضوع فاعلم: أنّ المحقّق المتقدّم نفى البعد في كتاب صلاتـه عن دعوى انصراف الحديث إلى الفعل الحاصل بالسهو والنسيان في الموضوع. وقال في بيانـه ما ملخّصـه: إنّ ذلك يبتني على مقدّمتين: إحداهما: أنّ ظاهر قولـه (عليه السلام): «لاتعاد» هو الصحّـة الواقعيّـة وكون الناقص مصداقاً واقعيّاً لامتثال أمر الصلاة، ويؤيّده الأخبار(1) الواردة في نسيان الحمد حتّى ركع، فإنّها حاكمـة بتماميّـة الصلاة. ثانيتهما: أنّ الظاهر من الصحيحـة أنّ الحكم إنّما يكون بعد الفراغ من الصلاة، وإن أبيت من ذلك فلابدّ من اختصاصها بصورة لا يمكن تدارك المتروك، كمن نسي القراءة ولم يذكر حتّى ركع، فلا يمكن أن يكون مستنداً لجواز الدخول في الصلاة، بل يكون مستنداً لمن دخل في الصلاة وقصد امتثال الأمر الواقعي باعتقاده ثمّ تبيّن الخلل في شيء من الأجزاء والشرائط. فالعامد الملتفت خارج عن مصبّ الروايـة كالشاكّ في وجوب جزء أو شرط أو الشاكّ في وجود شرط بعد الفراغ عن شرطيّتـه، فإنّ مرجع ذلك كلّـه إلى قواعد اُخر لابدّ أن يراعيها حتّى يجوز لـه الدخول في الصلاة.
1 ـ راجع وسائل الشيعـة 6: 90، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب29.

258
نعم لو اعتقد عدم وجوب شيء أو عدم شرطيـة شيء أو كان ناسياً لحكم شيء من الجزئيّـة والشرطيّـة يمكن توهّم شمول الصحيحـة. لكن يدفعـه ما ذكرنا في المقدّمـة الاُولى، فإنّـه لا يعقل أن يقيّد الجزئيّـة والشرطيّـة بالعلم بهما بحيث لو صار عالماً بعدمهما بالجهل المركّب، لما كان الجزء جزءً ولا الشرط شرطاً. نعم يمكن على نحو التصويب الذي ادّعي الإجماع على خلافـه، بمعنى أنّ المجعول الواقعي وهو المركّب التامّ يكون ثابتاً لكلّ أحد، ولكن نسيان الحكم أو الغفلـة عنـه أو القطع بعدمـه بالجهل المركّب صار سبباً لحدوث مصلحـة في المركّب الناقص على حدّ المصلحـة فـي التامّ، فيكون الإتيان بـه في تلك الحالـة مجزياً عن الواقع، فيصحّ إطلاق التماميّـة في مقام الامتثال على الناقص المأتي بـه، وهذا الاحتمال مضافاً إلى ظهور كونـه خلاف الإجماع ينافيـه بعض الأخبار أيضاً. فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ الأقسام المتوهّم دخولها في عموم الصحيحـة بعضها خارج عن مصبّ الروايـة وبعضها خارج من جهـة اُخرى، ولا يبقى فيـه إلاّ السهو والنسيان والجهل المركّب بالنسبـة إلى الموضوع(1)، انتهى ملخّص موضع الحاجـة من كلامـه، زيد في علوّ مقامـه. ويرد على ما ذكره في المقدّمـة الاُولى: منع ظهور الحديث في الصحّـة الواقعيّـة وكون الناقص مصداقاً واقعيّاً للصلاة المأمور بها، وذلك لاشتمال الحديث على التعليل بأنّ القراءة سنّـة، والتشهّد سنّـة، والسنّـة لا تنقض
1 ـ الصلاة، المحقّق الحائري: 316 ـ 317.

259
الفريضـة، وهذا التعليل ظاهر في أنّ الصلاة الفاقدة لمثل القراءة والتشهّد وإن كانت ناقصـة من جهـة فقدانها لبعض السنن المعتبرة فيها أو جميعها، إلاّ أنّـه لايجب إعادتها مع ذلك، لأنّ السنّـة لا تصلح لنقض الفريضـة، فهي مع كونها ناقصـة إلاّ أنّـه لا يمكن إعادتها تامّـة. وحينئذ فلا يلزم من شمول الحديث للجاهل أو الناسي بالحكم التصويب الغير المعقول ولا التصويب الذي أجمع على خلافـه، لأنّ المفروض كون صلاتهما ناقصـة فاقدة لبعض الأجزاء المعتبرة فيها في جميع الحالات. نعم ما أفاده في المقدّمـة الثانيـة من عدم شمول الحديث للعامد الملتفت وعدم إمكان كونـه مستنداً لجواز الدخول في الصلاة حقّ لا غبار عليـه. وبالجملـة، فالظاهر أنّـه لا مانع من شمول الحديث لجميع الأقسام بالنسبـة إلى من دخل في الصلاة على وفق القواعد الاُخر التي جوّزت لـه الدخول في الصلاة. نعم قد ادّعي الإجماع على خروج الجاهل المقصّر في الحكم، ولكن لم يثبت الإجماع، فالظاهر دخولـه أيضاً في الحديث، فتدبّر. الثالثة : في شمول الحديث للزيادة أو اختصاصه بالنقيصة والاحتمالات البدويّـة المتصوّرة في الحديث ثلاثـة: أحـدهـا: شمول الحـديث للزيـادة والنقيصـة معـاً فـي جملـة المستثنى وكـذا المستثنى منـه. ثانيها: اختصاصـه بالنقيصـة في كلتا الجملتين.
260
ثالثها: عموم المستثنى منـه للزيادة والنقيصـة، واختصاص المستثنى بخصوص النقيصـة، هذا. وقد يقال بإمكان أن يدخل الزيادة في المستثنى منـه، لأنّها نقيصـة في الصلاة من جهـة اعتبار عدمها فيها، فمرجعـه إلى أنّ كلّ نقيصـة تدخل في الصلاة سواء كان من جهـة عدم الإتيان بجزء أم قيد، وجودي أو عدمي فلا يضرّ بالصلاة إلاّ من نقص الخمسـة المذكورة، فيكون زيادة الركوع والسجود داخلـة في المستثنى منـه، هذا. ولكن لا يخفى: أنّ المتفاهم بنظر العرف هو دخول الزيادة في كلتا الجملتين وكون مرجع إخلال الزيادة إلى النقصان المأمـور بـه بسببها لا يوجب أن يكون كذلك بنظر العرف أيضاً وإن كان كذلك عند العقل، فالزيادة في نظر العرف مضرّة بما أنّها زيادة، لا بما أنّ مرجعها إلى النقيصـة. فالإنصاف شمول الحديث للزيادة في كلتا الجملتين. ودعـوى: أنّ مثـل الوقت والقبلـة المذكورين فـي جملـة الاُمور الخمسـة لا يعقل فيـه الزيادة، فلابـدّ مـن كون المراد مـن الحـديث هـي صورة النقيصـة. مدفوعـة: بأنّ عدم تعقّل الزيادة في مثلهما لا يوجب اختصاص الحديث بصورة النقيصـة بعد كون الظاهر منـه عند العرف هو عدم وجوب الإعادة من قبل شيء من الأجزاء والشرائط زيادةً أو نقصاناً إلاّ من قبل تلك الاُمور الخمسـة كذلك، كما هو غير خفي. فانقدح من جميع ما ذكرنا: أنّ الحديث لا يشمل العمد، ولا يختصّ بناسي الموضوع ولا بالنقيصـة.
261
النسبة بين حديثي «لاتعاد» و«من زاد» إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ النسبـة بين حديث «لاتعاد» ـ بناءً على ما ذكرنا في بيان مدلولـه ـ وبين قولـه (عليه السلام) في روايـة أبيبصير المتقدّمـة: «من زاد في صلاتـه فعليـه الإعادة»(1) هي العموم من وجـه، لو قلنا بأنّ المستثنى والمستثنى منـه في الحديث جملتان مستقلّتان لابدّ من ملاحظـة كلّ واحد منهما مع غيره، لأنّـه يصير المستثنى منـه بعد ورود الاستثناء عليـه مختصّاً بغير الاُمور الخمسـة المذكورة في المستثنى، فمقتضاه حينئذ عدم الإعادة من ناحيـة غير تلك الاُمور، بلا فرق بين الزيادة والنقصان. وقولـه: «من زاد في صلاتـه» وإن كان منحصراً بخصوص الزيادة، إلاّ أنّـه يشمل زيادة الركن وغيره عمداً أو سهواً، ويجتمعان في زيادة غير الركن سهواً أو جهلا مركّباً ويفترقان في نقيصـة غير الركن وفي زيادة غير الركن عمداً أو زيادة الركن سهواً، هذا. ولو قلنا بأنّ المستثنى والمستثنى منـه مرجعهما إلى جملـة واحدة وقضيّـة مـردّدة المحمول أو ذات محمولين فيصير النسبـة بيـن الحـديث وبين قولـه: «مـن زاد» العموم من وجـه أيضاً، لأنّ «من زاد» يشمل العمد والسهو معاً ويختصّ بالزيادة، والحديث يختصّ بصورة السهو ونحوه، ويشمل الزيادة والنقيصـة معاً، فيجتمعان في الزيادة السهويّـة ويفترقان في الزيادة العمديّـة وفي النقيصـة السهويّـة. هذا بناءً على شمول «من زاد» لصورة العمد أيضاً.
1 ـ تقدّمت في الصفحـة 253.

262
وأمّا لو قلنا بعدم شمولـه لها، إمّا للإنصراف، وإمّا لعدم تعقّل الزيادة التي يعتبر فيها أن يؤتى بالزائد بعنوان كونـه من المكتوبـة مع العلم والالتفات بعدم كونـه منها، كما لايخفى تصير النسبـة بينهما العموم مطلقاً، لأنّ «من زاد» يختص بالزيادة السهويّـة، والحديث يشمل النقيصـة السهويّـة أيضاً، ومقتضى القاعدة حينئذ تخصيص «لاتعاد» بصورة النقيصـة والالتزام بأنّ الزيادة توجب الإعادة. وكيف كان فبناءً على أحد الوجهين الأوّلين اللذين تكون النسبـة بينهما هو العموم من وجـه فهل اللازم إعمال قواعد التعارض، أو أنّ أحدهما أرجح في شمول مورد التعارض. فنقول: ذكر الشيخ المحقّق الأنصاري (قدس سره) : أنّ الظاهر حكومـة قولـه: «لاتعاد» على أخبار الزيادة، لأنّها كأدلّـة سائر ما يخلّ فعلـه أو تركـه بالصلاة، كالحدث والتكلّم وترك الفاتحـة. وقولـه: «لاتعاد» يفيد أنّ الإخلال بما دلّ الدليل على عدم جواز الإخلال بـه إذا وقع سهواً لا يوجب الإعادة وإن كان من حقّـه أن يوجبها(1)، انتهى. وتبعـه علـى ذلك جمـع مـن المحقّقين المتأخّرين عنـه(2)، ولكـن قال شيـخ اُستاذنـا المحقّق المعاصر فـي كتاب صلاتـه: إنّ حكومـة الدليل الـدالّ على نفي الإعادة على الدليل الدالّ على وجوب الإعادة لا يتصوّر لها وجـه. نعم
1 ـ فرائد الاُصول 2: 495. 2 ـ أوثق الوسائل: 384 / السطر35، نهايـة الدرايـة 4: 374 ـ 375، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 238 ـ 239، نهايـة الأفكار 3: 442.

263
لو كـان الدليل الـدالّ على مبطليّـة الـزيادة دالاّ علـى النهي عنها كالتكلّم مثلا صحّت الحكومـة(1)، انتهى. وما أفاده في غايـة المتانـة. وتوضيحـه: أنّ قوام الحكومـة إنّما هو بأن يكون الدليل بلسانـه متعرّضاً لحال الدليل الآخر بحيث تصرّف في الدليل المحكوم بنحو من التصرّف إمّا في موضوعـه، وإمّا في محمولـه، وإمّا في سلسلـة عللـه، وإمّا في معلولاتـه. وأمّا لو كان الدليلان بحيث أثبت أحدهما ما ينفيـه الآخر ووضع أحدهما ما رفعـه الآخر فلا يكون بينهما حكومـة أصلا. وفي المقام يكون الأمر كذلك، فإنّ قولـه: «من زاد» مثبت لوجوب الإعادة، وقولـه: «لاتعاد» رافع لـه. نعم النسبـة بين حديث «لاتعاد» وبين أدلّـة سائر الأجزاء والشرائط هو الحكومـة، لأنّها تدلّ على الجزئيّـة والشرطيّـة اللتين لازمهما وجوب الإعادة مع الإخلال بهما، وحديث «لاتعاد» يرفع هذا التلازم من دون أن ينفي أصل الجزئيّـة والشرطيـة، فقياس أخبار الزيادة بأدلّـة سائر ما يخلّ فعلـه أو تركـه بالصلاة كما عرفت في كلام الشيخ قياس مع الفارق. نعم يمكن أن يقال: بأنّ حديث «لاتعاد» أقوى ظهوراً من قولـه: «من زاد»، إمّا لاشتمالـه على الاستثناء الذي يوجب قوّة الظهور بالنسبـة إلى المستثنى منـه، وإمّا لاشتمالـه على التعليل المذكور في ذيلـه بأنّ «القراءة سنّـة، والتشهّد سنّـة، ولا تنقض السنّـة الفريضـة» فإنّ التعليل يكون آبياً عن التقيـيد، ويمنع عن تقيـيد الحكم المعلّل بـه، بل يمكن أن يقال: بأنّ قولـه: «ولا تنقض
1 ـ الصلاة، المحقّق الحائري: 320.

264
السنّـة الفريضـة» لـه حكومـة على دليل الزيادة من جهـة أنّـه يتصرّف في علّـة وجوب الإعادة ويحكم بعدم انتقاض الفريضـة بسبب السنّـة، ودليل الزيادة متعرّض للحكم وهو وجوب الإعادة. فانقدح أنّ مقتضى القواعد تقديم حديث «لاتعاد» في مورد الاجتماع، ولكن يبقى في البين إشكال، وهو: أنّـه يلزم من تقديم حديث «لاتعاد» اختصاص مورد دليل الزيادة بالزيادة العمديّـة، ومن المعلوم ندرتها بل قد عرفت(1) أنّـه يمكن أن يقال بعدم تعقّلها، وحينئذ فيصير الدليل لغواً، فاللازم إدخال مورد الاجتماع تحتـه والحكم بأنّ الزيادة مطلقاً توجب الإعادة، خصوصاً مع أنّ شمول حديث «لاتعاد» لصورة الزيادة لا يخلو عن خفاء، ولذا أنكره بعض من المحقّقين(2)، هذا. ويمكن أن يقال باختصاص دليل الزيادة بزيادة الركعـة بالتقريب الذي أفاده المحقّق المعاصر وقد مرّ سابقاً(3). وحينئذ فلا معارضـة بينـه وبين الحديث، كما هو واضح، هذا. ويمكن أيضاً منع ندرة الزيادة العمديّـة كما نراه بالوجدان من المتشرّعين الغير المبالين بالأحكام الشرعيّـة المتسامحين بالنسبـة إليها. هذا كلّـه فيما يتعلّق بملاحظـة الحديث مع روايـة أبيبصير.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 260. 2 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 495. 3 ـ تقدّم في الصفحـة 254.

265
النسبة بين «لاتعاد» وقوله (عليه السلام): «إذا استيقن...» وأمّا النسبـة بينـه وبين قول أبيجعفر (عليه السلام): «إذا استيقن أنّـه زاد في صلاتـه المكتوبـة...»(1) إلى آخره. فاعلم أوّلا: أنّ هذه الروايـة رواها في الكافي في موضعين: أحدهما باب السهو في الركوع، وقد أنهى فيـه السند إلى زرارة فقط، ويكون المتن مشتملا على كلمـة «ركعـة»(2)، والآخر باب من سهى في الأربع والخمس ولم يدر زاد أو نقص أو استيقن أنّـه زاد، مع انتهاء السند فيـه إلى زرارة وبكير ابني أعين مع حذف كلمـة «ركعـة»(3). وكيف كان: فالروايتان ظاهرتان في كونهما روايـة واحدة، وحينئذ فلا يعلم بأنّ الصادر من الإمام (عليه السلام) هل هو المشتمل على كلمـة الركعـة أو الخالي عنها، فلا يجوز الاستناد إليها بالنسبـة إلى زيادة غير الركعـة، خصوصاً مع ترجيح احتمال النقيصـة على احتمال الزيادة لو دار الأمر بينهما. وكيف كان: فلو كانت الروايـة مشتملـة على كلمة «الركعـة» فلا معارضـة بينها وبين عقد المستثنى منـه في حديث «لاتعاد»(4)، وأمّا لو فرض خلوّها عنها
1 ـ وسائل الشيعـة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب19، الحديث1. 2 ـ الكافي 3: 348 / 3. 3 ـ الكافي 3: 354 / 2. 4 ـ تهذيب الأحكام 2: 152 / 597، وسائل الشيعـة 7: 234، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب1، الحديث4.

266
فالنسبـة بينها وبينـه نسبـة العموم من وجـه، ومورد الاجتماع هو زيادة غير الأركان سهواً، فالروايـة تدلّ على عدم الاعتداد بتلك الصلاة التي وقعت فيها هـذه الزيـادة، والحـديث يدلّ على عـدم الإعادة بسببها، ومـورد الافتراق مـن جانب الروايـة هو زيادة الأركان سهواً، لأنّها لا تشمل صـورة العمد باعتبار قولـه: «إذا استيقن» الظاهـر في أنّ الزيـادة وقعت لعذر، ومـن جانب الحديث هـو النقيصـة السهويّـة، ولابدّ من تقديم الحديث في مورد الاجتماع والحكم بعدم وجوب الإعادة فيـه، لأنّـه لو قدّمت الروايـة وحكم في مورد الاجتماع بوجـوب الإعـادة لكان الـلازم بملاحظـة الإجمـاع على أنّ زيادة الشيء إذا كانت موجبـة للإعادة فنقيصتها أيضاً كـذلك، الحكم بوجوب الإعـادة في النقيصـة أيضاً. وحينئذ يبقى الحديث بلا مورد، وهذا بخلاف ما لو قدّم الحديث في مورد الاجتماع وحكم بعدم وجوب الإعادة فيـه، فإنّـه يبقى زيادة الركن سهواً تحت الروايـة ولا تصير بلا مورد، كما هو واضح. تنبيه: في تحقّق معنى الزيادة لا يخفى أنّ المحقّق النائيني (قدس سره) أفاد في مقام بيان النسبـة بين حديث «لاتعاد» وبين قولـه (عليه السلام): «إذا استيقن» كلاماً فساده بيّن لكلّ من لاحظـه، فراجع. وأعجب منـه ما قرّره الفاضل المقرّر في ذيل التكملـة. ومحصّل ما أفاده فيـه: أنّـه لا إشكال في عدم تحقّق معنى الزيادة بفعل ما لا يكون من سنخ أجزاء المركّب قولا وفعلا كحركـة اليد في الصلاة إذا لم يؤت بها
267
بقصد الجزئيّـة. وأمّا لو قصد بها الجزئيّـة فالأقوى البطلان، لصدق الزيادة على ذلك. هذا إذا لم تكن الزيادة من سنخ الأجزاء، وإن كانت من سنخها فإن كانت من سنخ الأقوال فيعتبر في صدق الزيادة عليها قصد الجزئيـة بها، وإلاّ كان ذلك من الذكر والقرآن الغير المبطل، وإن كان من سنخ الأفعال فالظاهر أنّـه لا يعتبر في صدق الزيادة عليها قصد الجزئيّـة، فإنّ السجود الثالث يكون زيادة في العدد المعتبر من السجود في الصلاة في كلّ ركعـة ولو لم يقصد بالسجود الثالث الجزئيّـة. نعم لايبعد عدم صدق الزيادة مع قصد الخلاف، كما إذا قصد بـه سجدة العزيمـة أو الشكر. هذا، ولكن يظهر من التعليل الوارد في بعض الأخبار الناهيـة عن قراءة العزيمـة في الصلاة من أنّ السجود زيادة في المكتوبـة(1) أنّـه لا يعتبر في صدق الزيادة عدم قصد الخلاف، بل الإتيان بمطلق ما كان من سنخ أفعال الصلاة يكون زيادة في المكتوبـة، فيكون المنهي عنـه في باب الزيادة معنى أعمّ من الزيادة العرفيّـة. ولكن يمكن أن يقال: إنّ المقدار الذي يستفاد من التعليل هو صدق الزيادة على الفعل الذي لا يكون لـه حافظ وحدة ولم يكن بنفسـه من العناوين المستقلّـة، وأمّا إذا كان من العناوين المستقلّـة ـ كما إذا أتى المكلّف بصلاة اُخرى في أثناء صلاة الظهر ـ فالظاهر أنّـه لا يندرج في التعليل، لأنّ السجود والركوع المأتي بهما لصلاة اُخرى لا دخل لهما بصلاة الظهر، ويؤيّد ذلك بل يدلّ عليـه ما
1 ـ راجع وسائل الشيعة 6: 107، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب41.

268
ورد في بعض الأخبار من أنّـه لو ضاق وقت صلاة الآيات وخاف المكلّف أنّـه لو أخّرها إلى أن يفرغ من الصلاة اليوميّـة يفوت وقتها، صلّى الآيات في أثناء صلاة اليوميـة، وبعد الفراغ يبني عليها ويتمّها(1)، وليس ذلك إلاّ من جهـة عدم كون ذلك زيادة في الصلاة اليوميـة. وحينئذ: يمكن التعدّي عن مورد النصّ إلى عكس المسألـة، وهو ما إذا تضيّق وقت صلاة اليوميّـة في أثناء صلاة الآيات. فيمكن أن يقال: أنّـه يأتي باليوميـة في أثناء صلاة الآيات ولا تبطل بذلك، فإنّ بطلان صلاة الآيات إمّا أن يكون لأجل الزيادة، وإمّا لأجل فوات الموالاة. أمّا الزيادة: فالمفروض عدم صدقها على مـا كان لـه عنوان مستقلّ. وأمّـا فـوات الموالاة: فلا ضير فيـه إذا كان ذلك لأجل تحصيل واجب أهمّ. وعلى ذلك يبتني جواز الإتيان بسجدتي السهو مـن صلاة في أثناء صلاة اُخرى إذا سهى المكلّف عنهما في محلّهما وتذكّر بعدما شرع في صلاة اُخرى بناءً على وجوب سجود السهو فوراً(2)، انتهى. ويرد عليـه أوّلا: أنّ ما ذكره من توقّف صدق عنوان الزيادة على أن لا يكون الزائد بنفسـه من العناوين المستقلّـة مجرّد ادّعاء بلا بيّنـة وبرهان، لأنّـه لا فرق في نظر العرف في صدق هذا العنوان بين الإتيان في أثناء صلاة بسجدة ثالثـة، أو بصلاة اُخرى مستقلّـة ومشتملـة على أربع سجدات لا محالـة لو لم نقل بأوضحيّـة الصدق في الثاني، كما هو واضح.
1 ـ راجـع وسائـل الشيعـة 7: 490، كتاب الصلاة، أبـواب صلاة الكسوف والآيـات، الباب5. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 240 ـ 243.

269
نعم قد عرفت(1) أنّـه يعتبر في صدق الزيادة أن يكون الإتيان بالزائد بقصد الجزئيّـة، وأنّ التعليل الوارد في بعض الأخبار الناهيـة عن قراءة العزيمـة في الصلاة الدالّ على أنّ السجود زيادة مع أنّـه لم يقصد بـه الجزئيّـة، لابدّ من تأويلـه. وثانياً: سلّمنا اعتبار كون عدم الزائد من العناوين المستقلّـة، ولكن نقول بأنّ سجدة العزيمـة أيضاً لها عنوان مستقلّ غير مرتبط بالصلاة التي هي فيـه، ولا فرق بينها وبين الإتيان بصلاة اُخرى مستقلّـة أصلا. نعم لا ننكر أنّها وجبت بسبب قراءة آيـة السجدة التي هي جزء من السورة التي هي جزء للصلاة. ولكن نقول: إنّ قراءة آيـة السجدة سبب لوجوبها والمسبّب مغاير للسبب ولـه عنوان مستقلّ، كما هو واضح. وثالثاً: أنّـه لو سلّمنا الفرق بين سجدة العزيمـة وبين صلاة اُخرى مستقلّـة فلا نسلّم الفرق بينها وبين سجدتي السهو، حيث يجوز الإتيان بهما في أثناء صلاة اُخرى دونها مستنداً إلى عدم كونهما من الزيادة بخلاف السجدة. ورابعاً: أنّ ما أفاده من أنّـه ورد في بعض الأخبار... إلى آخره، فهو اشتباه محض، لأنّ بعض الأخبار إنّما ورد في عكس المسألـة الذي احتمل إمكان التعدّي عن مورد النصّ إليـه، وهو ما إذا تضيّق وقت صلاة اليوميـة في أثناء صلاة الآيات، فإنّـه قد ورد أنّـه يجوز رفع اليد عن صلاة الآيات والإتيان باليوميّـة في
1 ـ تقدّم في الصفحـة 254.

270
أثنائها، ثمّ البناء على ما مضى من صلاة الآيات. ولكن لا يخفى أنّـه لا يجوز التعدّي عن مورد النصّ بعد احتمال أن يكون لصلاة الآيات خصوصيّـة موجبـة لجواز الإتيان بالفريضـة اليوميّـة في أثنائها. وكيف كان: فهذه الاشتباهات التي يترتّب عليها اُمور عظيمـة إنّما منشؤها الاعتماد على الحافظـة الموجب لعدم المراجعـة إلى كتب الأخبار ومثلها. ومن هنا ترى أنّ حديثاً واحداً صار منقولا في الكتب الفقهيّـة بوجوه مختلفـة وعبارات متشتّتـة، وليس منشؤها إلاّ مجرّد الاعتماد على الحفظ، مع أنّـه منشأ لفهم حكم اللّه، فيختلف الفتاوى بسببـه ويقع جمع كثير في الخطأ والاشتباه، فاللازم على المحصّل الطالب للوصول إلى الحقّ أن لا يعتمد في استنباط الحكم الشرعي على خلفـه، بل يراجع مظانّـه كرّة بعد كرّة حتّى لا يقع في الخطأ والنسيان الذي لا يخلو منـه الإنسان، ونسأل اللّه أن لا يؤاخذنا بما أخطأنا أو نسينا.
271
الأمر الثاني في تعذّر الجزء والشرط لو علم بجزئيّـة شيء أو شرطيّتـه أو مانعيّـتـه أو قاطعيّـتـه في الجملـة، وشكّ في أنّ اعتباره في المأمور بـه وجوداً أو عدماً هل يختصّ بصورة التمكّن من فعلـه أو تركـه، أو أنّـه يعتبر فيـه مطلقاً، ويترتّب على ذلك وجوب الإتيان بالباقي على الأوّل وسقوط الأمر بالمركّب على الثاني في صورة الاضطرار، فهل القاعدة تقتضي أيّاً منهما؟ تحرير محلّ النزاع وليعلم: أنّ محلّ الكلام ما إذا لم يكن لدليل اعتبار ذلك الشيء جزءً أو شرطاً إطلاق، وإلاّ فلا إشكال في أنّ مقتضاه سقوط الأمر بالمركّب مع الاضطرار إلى ترك ذلك الشيء، وكذا ما إذا لم يكن لدليل المركّب إطلاق، وإلاّ فلا إشكال في أنّـه يقتضي الإتيان بـه ولو مع الاضطرار إلى ترك بعض أجزائـه أو شرائطـه بناءً على ما هو التحقيق من كون الماهيات المأمور بها موضوعـة للأعمّ من الصحيح، كما تقدّم في مبحث الصحيح والأعمّ(1). وأمّا لو كان لكلا الدليلين إطلاق، فتارةً يكون لأحدهما تحكيم على الآخر، واُخرى يكونان متعارضين، فعلى الأوّل إن كان التقدّم لإطلاق دليل المركّب
1 ـ راجع مناهج الوصول 1: 140 ـ 174.

272
فحكمـه حكم ما إذا كان لـه إطلاق، دون دليل الجزء والشرط، وإن كان التقدّم لإطلاق دليل الجزء والشرط فحكمـه حكم ما إذا كان لـه إطلاق دون دليل المركّب. ولا يخفى: أنّـه لا يكون التقدّم من أحد الجانبين كلّياً، لما عرفت وستعرف من أنّ الحكومـة متقوّمـة بلسان الدليل، ولسان دليل المركّب قد يكون متعرّضاً لحال دليل الجزء أو الشرط كما إذا كان دليل المركّب مثل قولـه: «لا تـترك الصلاة بحال» مثلا، ودليل اعتبار الجزء أو الشرط مثل قولـه: «اركع في الصلاة» أو «اسجد فيها». وقد يكون دليل اعتبار الجزء متعرّضاً لحال دليل المركّب وحاكماً عليـه كما إذا كان دليل الجزء مثل قولـه: «لا صلاة إلاّ بفاتحـة الكتاب»(1)، أو «لاصلاة إلاّ بطهور»(2)، ودليل المركّب مثل قولـه: «أقيموا الصلاة» فإنّـه حينئذ لا إشكال في تقدّم دليل الجزء في هذه الصورة; لأنّـه إنّما يدلّ بظاهره على عدم تحقّق عنوان الصلاة مع كونها فاقدة لفاتحـة الكتاب، ودليل المركّب إنّما يدلّ على وجوب إقامـة الصلاة، كما أنّـه في الصورة الاُولى يكون الترجيح مع دليل المركّب، لأنّ مقتضاه أنّـه لا يجوز تركـه بحال، ومقتضى دليل الجزء مجرّد الأمر بالركوع والسجود في الصلاة مثلا.
1 ـ عوالي اللآلي 1: 196 / 2، مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب1، الحديث5. 2 ـ تهذيب الأحكام 1: 49 / 144، وسائل الشيعـة 1: 365، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب1، الحديث1.

273
وبالجملـة: لابدّ من ملاحظـة الدليلين، فقد يكون التقدّم لإطلاق دليل المركّب وقد يكون لإطلاق دليل الجزء. وأمّا ما أفاده المحقّق النائيني على ما في التقريرات من أنّ إطلاق دليل القيد حاكم على إطلاق دليل المقيّد كحكومـة إطلاق القرينـة على ذيها(1). فيرد عليـه أوّلا: أنّ ترجيح القرينـة على ذيها ليس لحكومتها عليـه، وإلاّ فيمكن ادّعاء العكس وأنّ ذا القرينـة حاكم عليها، بل ترجيحها عليـه إنّما هو من باب ترجيح الأظهر على الظاهر. وثانياً: ما عرفت(2) من منع حكومـة إطلاق دليل القيد على إطلاق دليل المقيّد مطلقاً، بل قد عرفت أنّـه قد يكون الأمر بالعكس. وثالثاً: وضوح الفرق بين المقام وبين باب القرينـة، فإنّ هنا يكون في البين دليلان مستقلاّن، بخلاف باب القرينـة. وكيف كان: فقد نسب إلى الوحيد البهبهاني (قدس سره) التفصيل فيما لو كان لدليل القيد إطلاق بين ما إذا كانت القيود مستفادة من مثل قولـه: «لا صلاة إلاّ بفاتحـة الكتاب»، و«لا صلاة إلاّ بطهور»، وبين القيود المستفادة من مثل قولـه: «اسجد في الصلاة» أو «اركع فيها»، أو «لا تلبس الحرير فيها» مثلا وأمثال ذلك من الأوامر والنواهي الغيريّـة، فحكم بسقوط الأمر بالمقيّد عند تعذّر القيد في الأوّل دون الثاني(3)، هذا.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 250. 2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 356 ـ 366. 3 ـ اُنظر فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 251.

274
ولعلّ مرجع هذا الكلام إلى ما ذكرنا من أنّ لسان دليل الجزء أو الشرط قد يكون بنحو الحكومـة على دليل المركّب كما في الصورة الاُولى، وقد يكون الأمر بالعكس كما في الصورة الثانيـة. ولكن وجّهـه المحقّق النائيني بما ملخّصـه: أنّ الأمر الغيري المتعلّق بالجزء أو الشرط مقصورة بصورة التمكّن لاشتراط كلّ خطاب بالقدرة على متعلّقـه، فلابدّ من سقوط الأمر بالقيد عند تعذّره، ويبقى الأمر بالباقي. وهذا بخلاف ما لو كان القيد مستفاداً من مثل قولـه: «لا صلاة إلاّ بفاتحـة الكتاب»، فإنّـه لم يتعلّق أمر بالفاتحـة حتّى يشترط فيـه القدرة عليها، بل إنّما اُفيد ذلك بلسان الوضع لا التكليف، ولازم ذلك سقوط الأمر بالصلاة عند تعذّر الفاتحـة، لعدم التمكّن من إيجاد الصلاة الصحيحـة عند عدم تمكّنـه من الفاتحـة. وأجاب عنـه بأنّ القدرة إنّما تعتبر في متعلّقات التكاليف النفسيّـة، لكونها طلباً مولويّاً وبعثاً فعليّاً نحو المتعلّق، والعقل يستقلّ بقبح تكليف العاجز، وهذا بخلاف الخطابات الغيريّـة، فإنّـه يمكن أن يقال: إنّ مفادها ليس إلاّ الإرشاد وبيان دخل متعلّقاتها في متعلّقات الخطابات النفسيـة، وفي الحقيقـة الخطابات الغيريّـة في باب التكاليف وفي باب الوضع تكون بمنزلـة الإخبار من دون أن يكون فيها بعث وتحريك حتّى تقتضي القدرة على متعلّقـه. ثمّ إنّـه لو سلّم الفرق بين الخطابات الغيريّـة في باب متعلّقات التكاليف وفي باب الوضعيّات وأنّها في التكاليف تـتضمّن البعث والتحريك، فلا إشكال في أنّـه ليس في آحاد الخطابات الغيريّـة ملاك البعث المولوي، وإلاّ لخرجت عن كونها غيريّـة، بل ملاك البعث المولوي قائم بالمجموع، فالقدرة إنّما تعتبر أيضاً في المجموع لا في الآحاد، وتعذّر البعض يوجب سلب القدرة عن المجموع، ولازم
275
ذلك سقوط الأمر منـه لا من خصوص ذلك البعض(1)، انتهى. ويرد عليـه أوّلا: أنّ ما أفاده من أنّ الخطابات الغيريّـة في باب التكاليف وفي باب الوضع تكون بمنزلـة الإخبار من دون أن يكون فيها بعث وتحريك فممنوع جدّاً، ضرورة أنّ الأوامر مطلقاً نفسيّـة كانت أو غيريّـة، مولويّـة كانت أو إرشاديّـة إنّما تكون للبعث والتحريك كما مرّت الإشارة إلى ذلك سابقاً. غايـة الأمر: أنّ الاختلاف بينهما إنّما هو باختلاف الأغراض والدواعي، وأمّا من جهـة البعث والتحريك فلا فرق بينهما أصلا، وحينئذ فيشترط فيـه عقلا القدرة على متعلّقـه، وحيث إنّـه لا قدرة في البين، كما هو المفروض فاللازم سقوطـه وبقاء الأمر بالباقي، بخلاف ما لو كان بمثل قولـه: «لا صلاة إلاّ بفاتحـة الكتاب»، ممّا لا يكون فيـه بعث وتحريك أصلا، فإنّ ظاهره اشتراط الصلاة بالفاتحـة وعدم تحقّقها بدونها، فمع عدم القدرة عليها يسقط الأمر المتعلّق بها، وحينئذ فيتمّ ما أفاده الوحيد (قدس سره) . وثانياً: منع ما ذكره من اعتبار القدرة في المجموع لقيام ملاك البعث المولوي بـه، لأنّ البعث مطلقاً مولويّاً كان أو غيريّاً مشروط بالقدرة، وكون المتعلّق في البعث الغيري دخيلا في المطلوب الذاتي جزءً أو شرطاً لا نفس المطلوب الذاتي لا يوجب نفي اعتبار القدرة عليـه، لأنّ اعتبارها إنّما هو لأجل نفس البعث والتحريك، كما هو واضح. فالإنصاف بطلان هذا الجواب، وكذا فساد أصل التوجيـه. والظاهر أنّ مرجع كلام الوحيد (قدس سره) إلى ما ذكرناه فتدبّر.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 251 ـ 253.

276
وكيف كان: فانقدح أنّ مركز البحث إنّما هو فيما لو لم يكن لشيء من دليلي المركّب والجزء والشرط إطلاق أو كان لهما إطلاق مع عدم حكومـة أحد الإطلاقين على الآخر. إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام يقع في مقامين: أحدهما: فيما تقتضيـه القواعد الأوّليـة. وثانيهما: فيما تقتضيـه القواعد الثانويّـة. مقتضى القواعد الأوليّة في المقام في جريان البراءة العقليّة أمّا الكلام في المقام الأوّل، فمحصّلـه: أنّ الظاهر جريان البراءة العقليّـة، لأنّ مرجع الشكّ في اعتبار الشيء في المأمور بـه شطراً أو شرطاً مطلقاً، أو اختصاصـه بصورة التمكّن منـه إلى الشكّ في ثبوت الأمر مع العجز عنـه، وهو مورد لجريان البراءة، كما هو واضح. وهذا لا فرق فيـه بين ما لو كان العجز من أوّل البلوغ الذي هو أوّل زمان ثبوت التكليف كالأخرس الذي لا يقدر على القراءة، وبين ما لو كان طارئاً في واقعـة واحدة، كمن عرض لـه العجز في أثناء الوقت بعد أن كان متمكّناً في أوّل الوقت، وبين ما لو كان طارئاً في واقعتين، كمن كان قادراً في الأمس وصار عاجزاً في اليوم من أوّل الوقت إلى آخره. وذلك ـ أي وجـه عدم الفرق ـ أنّ مرجع الشكّ في الجميع إلى الشكّ في أصل ثبوت التكليف، والقاعدة فيـه تقتضي البراءة. أمّا الصورة الاُولى فرجوع الشكّ فيها إلى الشكّ في أصل التكليف واضح،
277
وكذا الصورة الثالثـة، لأنّ ثبوت التكليف في الواقعـة الاُولى لا دلالـة على ثبوتـه في الواقعـة الثانيـة أيضاً، فالتكليف فيها مشكوك. وأمّا الصورة الثانيـة فلأنّ المكلّف وإن كان عالماً في أوّل الوقت بتوجّـه التكليف إليـه، إلاّ أنّـه حيث كان قادراً على المأمور بـه بجميع أجزائـه وشرائطـه يكون المكلّف بـه في حقّـه هو المأمور بـه مع جميع الأجزاء والشرائط، فتعلّق التكليف بالمركّب التامّ كان معلوماً مع القدرة إليـه. وأمّا مع العجز عن بعض الأجزاء أو الشرائط فلم يكن أصل ثبوت التكليف بمعلوم، فما علم ثبوتـه قد سقط بسبب العجز، وما يحتمل ثبوتـه فعلا كان من أوّل الأمر مشكوكاً، فلا مانع من جريان البراءة فيـه. ولكن قد يتوهّم أنّ المقام نظير الشكّ في القدرة، والقاعدة فيـه تقتضي الاحتياط بحكم العقل، ولا يخفى أنّ التنظير غير صحيح، لأنّ في مسألـة الشكّ في القدرة يكون أصل ثبوت التكليف معلوماً بلاريب. غايـة الأمر أنّـه يشكّ في سقوطـه لأجل احتمال العجز عن إتيان متعلّقـه. وأمّا في المقام يكون أصل ثبوت التكليف مجهولا، لما عرفت من أنّ التكليف بالمركّب التامّ قد علم سقوطـه بسبب العجز، وبالمركّب الناقص يكون مشكوكاً من أوّل الأمر، فالتنظير في غير محلّـه. كما أنّ قياس المقام بالعلم الإجمالي الذي طرء الاضطرار على بعض أطرافـه، حيث يحكم العقل بحرمـة المخالفـة القطعيّـة مع العجز عـن الموافقـة القطعيّـة ـ كما يظهر من الدرر(1)، حيث اختار وجوب الإتيان بالمقدور عقلا
1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 498.

278
فيما لو كان العجز طارئاً عليـه في واقعـة واحدة، لأنّـه يعلم بتوجّـه التكليف إليـه، فإن لم يأت بالمقدور لـزم المخالفـة القطعيـة ـ ممّا لا يتمّ أيضاً، لعـدم ثبوت العلم الإجمالي في المقام، بل الثابت هـو العلم التفصيلي بالتكليف المتعلّق بالمركّب التامّ الساقط بسبب العجز عنـه والشكّ البدوي في ثبوت التكليف بالباقي المقدور. فالحقّ جريان البراءة العقليّـة في جميع الصور الثلاثة. في جريان البراءة الشرعيّة وأمّا البراءة الشرعيّـة التي يدلّ عليها حديث الرفع فالظاهر عدم جريانها فيما لو يكن لشيء من الدليلين إطلاق، لا لما ذكره المحقّق الخراساني(1) من أنّ الحديث في مقام الامتنان ولا منّـة في إيجاب الباقي المقدور بل لأنّ غايـة مدلول الحديث هو رفع الجزئيـة والشرطيـة في حال العجز، وهو لا يدلّ على ثبوت التكليف بالباقي. وإن شئت قلت: إنّ مدلول الحديث ليس إلاّ الرفع ولا دلالـة لـه على الوضع. ومن المعلوم أنّـه في رفعـه امتنان ليس إلاّ، كما لايخفى. وأمّا لو كان لكلا الدليلين إطلاق مع عدم تقدّم أحدهما على الآخر فيمكن التمسّك بالحديث لرفع الجزئيـة أو الشرطيـة في حال العجز ويكون مقتضى إطلاق دليل المركّب حينئذ وجوب الإتيان بالباقي المقدور لأنّ حديث الرفع بمنزلـة المخصّص بالنسبـة إلى إطلاق دليل الجزء أو الشرط فلا يكون لـه مع ملاحظـة حديث الرفع تعارض مع إطلاق دليل المركّب، كما لايخفى.
1 ـ كفايـة الاُصول: 420.

279
مقتضى القواعد الثانوية في المقام التمسّك بالاستصحاب لإثبات وجوب باقي الأجزاء وأمّا الكلام في المقام الثاني: فقد يتمسّك لوجوب الباقي المقدور بالاستصحاب وتقريره من وجوه: الأوّل: استصحاب الوجوب الجامع بين الوجوب النفسي والغيري بأن يقال: إنّ البقيّـة كانت واجبـة بالوجوب الغيري في حال وجوب الكلّ بالوجوب النفسي، وقد علم بارتفاع ذلك الوجوب عند تعذّر بعض الأجزاء أو الشرائط للعلم بارتفاع وجوب الكلّ، ولكن شكّ في حدوث الوجوب النفسي بالنسبـة إلى البقيّـة مقارناً لزوال الوجوب الغيري عنها، فيقال: إنّ الجامع بين الوجوبين كان متيقّناً والآن يشكّ في ارتفاعـه بعد ارتفاع بعض مصاديقـه، فهو من قبيل القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي. ويمكن أن يقرّر هذا الوجه بنحو آخر، وهو أنّ البقيّة كانت واجبة بالوجوب النفسي الضمني، وقد علم بارتفاعه، وشكّ في حدوث الوجوبالنفسيالاستقلالي، فأصل الوجوب الجامع بين الضمني والاستقلالي كان متيقّناً، والآن شكّ في ارتفاعه بعد ارتفاع بعض مصاديقه لأجل احتمال حدوث مصداق آخر، هذا. ويرد على هـذا الوجـه مضافاً إلى منع كون الأجـزاء واجبـة بالوجـوب الغيري أو النفسي الضمني، بل قد عرفت(1) أنّها واجبـة بعين وجوب الكلّ.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 176 ـ 178.

280
أوّلا: أنّـه يعتبر في جريان الاستصحاب أن يكون المستصحب إمّا حكماً مجعولا شرعاً، وإمّا موضوعاً ذا أثر شرعي، والجامع بين الوجوب النفسي والغيري وكذا بين الضمني والاستقلالي لا يكون شيئاً منهما، أمّا عدم كونـه موضوعاً ذا أثر شرعي فواضح، وأمّا عدم كونـه حكماً مجعولا، فلأنّ الحكم المجعول هو كلّ واحد من الوجوبين. وبعبارة اُخرى: المجعول هو حقيقـة الوجوب، وهي ما يكون بالحمل الشائع وجوباً، وأمّا الجامع فهو يكون أمراً انتزاعيّاً غير مجعول، والعقل بعد ملاحظـة حكم الشارع بوجوب فعل وكذا حكمـه بوجوب فعل آخر ينتزع عنهما أمراً مشتركاً جامعاً من دون أن يكون ذلك الأمر الانتزاعي مجعولا، بل لا يعقل الجامع بين الوجوبين لو اُفيد الوجوب بمثل هيئـة «افعل» التي يكون الموضوع لـه فيها خاصّاً، كما هو الشأن في جميع الحروف على ما حقّقناه في مبحث الألفاظ(1). وبالجملـة: لا مجال لاستصحاب الجامع أصلا. وثانياً: أنّـه لو قطع النظر عن ذلك نقول: إنّ ما ذكر إنّما يتمّ لو كان مجموع البقيّـة متعلّقاً للوجـوب الغيري فيقال: إنّـه كان واجباً بـه، وشكّ بعد ارتفاعـه في حـدوث الوجـوب النفسي لها، مـع أنّـه ممنوع جدّاً، ضرورة أنّ الوجـوب الغيري إنّما هو بملاك المقدّميّـة، والموصوف بهذا الوصف إنّما هو كلّ واحد من الأجزاء لا المجموع بعنوانـه فالوجوب الغيري إنّما تعلّق بكلّ واحد من الأجزاء الغير المتعذّرة، والمدّعى إنّما هو إثبات وجوب نفسي واحد متعلّق بمجموع البقيّـة. 1 ـ مناهج الوصول 1: 84.

281
وبعبارة اُخرى: القضيّـة المشكوكـة هو وجوب واحد متعلّق بالباقي المقدور، والقضيـة المتيقّنـة هي الوجوبات المتعدّدة المتعلّق كلّ واحد منها بكلّ واحد من الأجزاء، فلا تتّحدان. الثاني: استصحاب الوجوب النفسي الاستقلالي المتعلّق بالمركّب، وتعذّر بعض أجزائـه أو شرائطـه لا يضرّ بعد ثبوت المسامحـة العرفيّـة في موضوع الاستصحاب، كما لو فرض أنّ زيداً كان واجب الإكرام، ثمّ شكّ في وجوب إكرامـه بعد تغيّره بمثل قطع اليد أو الرجل مثلا، فإنّـه لا إشكال في جريان هذا الاستصحاب، لبقاء الشخصيـة وعدم ارتفاعها بمثل ذلك التغيّر، وكما في استصحاب الكرّيـة. ويرد عليـه أوّلا: أنّ قياس العناوين الكلّيـة بالموجـودات الخارجيـة قياس مع الفارق، لأنّ تغيّر الحالات وتبدّل الخصوصيّات في الخارجيّات لا يوجب اختلاف الشخصيّـة وارتفاع الهذيّـة. وهذا بخلاف العناوين الكلّيـة، فإنّ الاختلاف بينها يتحقّق بمجرّد اختلافها ولو في بعض القيود، فإنّ عنوان الإنسان الأبيض ـ مثلا ـ مغاير لعنوان الإنسان الغير الأبيض، وكـذا الإنسان العالـم بالنسبـة إلى الإنسان الغيـر العالـم، فـإذا كان مـن يجب إكـرامـه هـو الإنسان العالـم ـ مثلا ـ فاستصحـاب وجـوب إكرامـه لا يفيد وجـوب إكـرام الإنسان الغير العالم أيضاً، كما هو أوضح من أن يخفى. وحينئذ نقول: إنّ الواجب في المقام هي الصلاة المتقيّدة بالسورة مثلا، والمفروض سقوط هذا الوجوب بمجرّد عروض التعذّر بالنسبـة إلى السورة، والصلاة الخاليـة عنها عنوان آخر مغاير للصلاة مع السورة، فالقضيّـة المتيقّنـة والمشكوكـة متغايرتان.
282
وثانياً: أنّ تبدّل الحالات إنّما لا يضرّ بجريان الاستصحاب إذا كان الحكم متعلّقاً بعنوان شكّ في مدخليّـة ذلك العنوان بقاءً، كما أنّـه دخيل فيـه حدوثاً. وبعبارة اُخرى شكّ في كونـه واسطـة في العروض أو واسطـة في الثبوت، نظير الحكم على الماء المتغيّر بالنجاسـة، فإنّ منشأ الشكّ في بقاء النجاسـة بعد زوال التغيّر إنّما هو الشكّ في كون عنوان التغيّر هل لـه دخل فيـه حدوثاً وبقاءً أو حدوثاً فقط. وأمّا إذا علم مدخليّـة العنوان في الحكم مطلقاً فلا معنى لجريان الاستصحاب، والمقام من هذا القبيل، ضرورة أنّا نعلم بمدخليـة السورة المتعذّرة ـ مثلا ـ في الأمر المتعلّق بالمركّب، وإلاّ لا تكون جزءً لـه، ففرض الجزئيّـة الراجعـة إلى كونـه مقوّماً للمركّب بحيث لا يتحقّق بدونـه لا يجتمع مع الشكّ في مدخليّتـه فيـه وأنّ شخص ذلك الأمر المتعلّق بالمركّب هل هو باق أو مرتفع، ضرورة ارتفاع ذلك الشخص بمجرّد نقصان الجزء الراجع إلى عدم تحقّق المركّب، كما هو غير خفي. الثالث: استصحاب الوجوب النفسي الشخصي، بتقريب أنّ البقيّـة كانت واجبة بالوجوب النفسي لانبساط الوجـوب المتعلّق بالمركّب على جميع أجزائـه، فإذا زال الانبساط عن الجزء المتعذّر بسبب التعذّر يشكّ في ارتفاع الوجوب عن باقي الأجزاء، فيستصحب ويحكم ببقائـه كما كان من انبساط الوجوب عليـه. ويرد عليـه أوّلا: أنّ دعوى الانبساط في الأمر المتعلّق بالمركّب ممّا لا وجـه لها بعد كون الإرادة أمراً بسيطاً غير قابل للتجزئـة، وكون المركّب أيضاً ملحوظاً شيئاً واحداً وأمراً فارداً، لما عرفت سابقاً من أنّـه عبارة عن ملاحظـة الأشياء المتعدّدة والحقائق المتكثّرة شيئاً واحداً بحيث كانت الأجزاء فانيـة فيـه
283
غير ملحوظـة، فتعلّق الإرادة بـه إنّما هو كتعلّقها بأمر بسيط، ولا معنى لانبساطها عليـه، وهكذا الكلام في الوجوب والبعث الناشئ من الإرادة، فإنّـه أيضاً أمر بسيط لا يقبل التكثّر والتعدّد. وثانياً: أنّـه على فرض تسليم الانبساط نقول: إنّ ذلك متفرّع على تعلّق الوجوب بالمجموع المركّب، ضرورة أنّـه نشأ من الأمر المتعلّق بالمجموع، وبعد زوالـه يقيناً، كما هو المفروض لا معنى لبقائـه منبسطاً على الباقي، فالقضيّـة المتيقّنـة قد زالت في الزمان اللاحق قطعاً، فلا مجال حينئذ للاستصحاب. فانقدح من جميع ما ذكرنا: أنّ التمسّك بالاستصحاب لا يتمّ على شيء من تقريراتـه المتقدّمـة. التمسّك بقاعدة الميسور لإثبات وجوب باقي الأجزاء ثمّ إنّه قد يتمسّك لإثبات وجوب الباقي أيضاً بقاعدة الميسور التي يدلّ عليها النبوي المعروف: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، والعلويانالمعروفان: «ما لا يدرك كلّـه لا يترك كلّـه»(1)، و«الميسور لا يسقط بالمعسور»(2). وقد اشتهر التمسّك بها في ألسنـة المتأخّرين ولم يعلم ذكرها في كلمات المتقدّمين، فما ادّعي من أنّ شهرتها تغني عن التكلّم في سندها، غفلةٌ عن أنّ الشهرة الجابـرة لضعف الروايـة هـي الشهرة بين القدماء مـن الأصحاب وهـي مفقودة في المقام.
1 ـ عوالي اللآلي 4: 58 / 207. 2 ـ عوالي اللآلي 4: 58 / 205، وفيـه: «لايترك الميسور بالمعسور».

284
الكلام في مفاد النبوي وكيف كان فقد روى النبوي مرسلا في الكفايـة(1) مصدّراً بهذا الصدر وهو: أنّـه خطب رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «إنّ اللّه كتب عليكم الحجّ» فقام عكاشـة ـ ويروى سراقـة بن مالك ـ فقال: في كلّ عام يا رسولاللّه؟ فأعرض عنـه حتّى أعاد مرّتين أو ثلاثاً، فقال: «ويحك وما يؤمنك أن أقول: نعم، واللّه لو قلت: نعم لوجب، ولو وجب ما استطعتم، ولو تركتم، لكفرتم فاتركوني ما تركتم وإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم إلى أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منـه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»(2)، هذا. وقد رواه في محكي العوالي من دون هذا الصدر(3)، كما أنّـه قد روى الصدر من دون هذا القول مع اختلاف يسير. وكيف كان: فالكلام قد يقع فيها مع قطع النظر عن هذا الصدر، وقد يقع مع ملاحظتـه. أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ المراد بكلمـة «الشيء» ما هو معناها الظاهر الذي هو أعمّ من الطبيعـة التي لها أفراد ومصاديق ومن الطبيعـة المركّبـة من الأجزاء. كما أنّ الأظهر أن تكون كلمـة «من» بمعنى التبعيض، وهذا لا ينافي أعمّيـة معنى
1 ـ كفاية الاُصول: 421. 2 ـ مجمع البيان 3: 386، بحار الأنوار 22: 31، صحيح مسلم 3: 149 / 1337، سنن النسائي 5: 110. 3 ـ عوالي اللآلي 4: 58 / 206.

285
«الشيء» بدعوى أنّ التبعيض ظاهر في الطبيعـة المركّبـة، فإنّا نمنع أن تكون كلمـة «من» مرادفاً للتبعيض بحيث تستعمل مكانـه، بل الظاهر أنّ معناها هو الذي يعبَّر عنـه بالفارسيـة بـ(از). نعم لا مجال للإشكال في اعتبار نحو من الاقتطاع في معناها، ولكن ذلك لا ينافي صحّـة استعمالها في الطبيعـة بالنسبـة إلى الأفراد والمصاديق، فإنّها بنظر العرف كأنّها جزء من الطبيعـة منشعبٌ منها، كما لايخفى. وأمّا كلمـة «ما» فاستعمالها موصولـة وإن كان شائعاً بل أكثر، إلاّ أنّ الظاهر كونها في المقام زمانيّـة، ولكن ذلك بملاحظـة الصدر، كما أنّ بملاحظتـه يكون الظاهر من كلمـة «الشيء» هو الأفراد لا الأجزاء، لأنّ الظاهر أنّ إعراضـه عن عكاشـة أو سراقـة إنّما هو لأجل أنّ مقتضى حكم العقل لزوم الإتيان بالطبيعـة المأمور بها مرّة واحدة لحصولها بفرد واحد، وحينئذ فلا مجال معـه للسؤال أصلا. وحينئـذ فقـولـه: «إذا أمـرتكم بشـيء فأتـوا منـه مـا استطعتـم» بيـان لهـذه القاعـدة العقليّـة ومـرجعـه إلـى أنّـه إذا أمـرتكم بطبيعـة ذات أفـراد فـأتـوا منهـا زمـان استطاعتكم، ولا تكون كلمـة «ما» موصـولـة حتّى يكـون الحديث بصدد إيجاب جميع المصاديق التي هي مـورد للاستطاعـة والقـدرة، كمـا لا يخفى. وبالجملـة: فسياق الحديث يشهد بأنّ قولـه: «إذا أمرتكم...» إلى آخره، لا يدلّ على أزيد ممّا يستفاد من نفس الأمر بطبيعـة ذات أفراد، وهو لزوم إيجادها في الخارج المتحقّق بإيجاد فرد واحد منها، ولا يستفاد منـه لزوم الإتيان بالمقدار المستطاع من أفراد الطبيعـة حتّى يكون ذلك لأجل السؤال عن وجوبـه في كلّ
286
عام فأثّر السؤال في هذا الإيجاب الذي هو خلاف ما تقتضيـه القاعدة العقليّـة. وممّا ذكرنا ظهر اختصاص هذا القول بالطبيعـة ذات الأفراد والمصاديق، فلا مجال للاستدلال بـه للمقام. وظهر أيضاً اندفاع توهّم أنّ المورد وإن كان هي الطبيعـة ذات الأفراد، إلاّ أنّـه لا مانع من كون مفاد القاعدة أعمّ منها ومن الطبيعـة المركّبـة، لأنّ ذلك يتمّ فيما لم يكـن المورد قرينـة لما يستفاد مـن القاعدة كما في المقام، حيث عرفت أنّ الظاهـر منها بيان لما هـو مقتضى حكم العقل ولا تكون بصدد إفادة مطلب آخـر أصلا. ثمّ لو قطع النظر عن ذلك فدفعـه بأنّ وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب يمنع عن الظهور في الإطلاق، لا يتمّ بعدما حقّقنا في مبحث المطلق والمقيّد من عدم اشتراط ظهور المطلق في الإطلاق بعدم وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب فراجع(1). هذا كلّـه في النبوي. الكلام في مفاد العلوي الأوّل وأمّا قولـه (عليه السلام) في العلوي: «الميسور لا يسقط بالمعسور» فيجري في مفادها احتمالات: منها: أن يكـون المراد أنّ نفس الميسور لا يسقط عـن عهـدة المكلّف بسبب المعسور. ومنها: أنّ الميسور لا يسقط حكمـه والطلب المتعلّق بـه بالمعسور.
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 352.

287
ومنها: أنّ الميسور لا يسقط عن موضوعيّتـه للحكم بالمعسور. ومنها: أنّ الميسور لا يسقط حكمـه عن موضوعـه بالمعسور. ولا يخفى أنّـه يعتبر في معنى السقوط بعد ملاحظـة موارد استعماله أمران: أحدهما: أن يكون الساقط ثابتاً ومتحقّقاً قبل عروض السقوط. ثانيهما: أن يكون السقوط من مكان مرتفع ومحلّ عال. وحينئذ فنقول: إنّ حمل الحديث على الاحتمال الأوّل لا يوجب الإخلال بشيء من هذين الأمرين المعتبرين في مفهوم السقوط، لأنّ الميسور من الطبيعـة يكون ثابتاً على عهدة المكلّف بواسطـة تعلّق الأمر بـه، ويدلّ عليـه مضافاً إلى مساعدة العرف التعبير في بعض الروايات عن الصلاة بأنّها دين اللّه(1) وعن الحجّ بأنّـه حقّ للّه على المستطيع(2). وبالجملـة: فمتعلّق التكليف أمر ثابت على عهدة المكلّف، وذمّتـه مشغولـة بـه، مع أنّ الذمّـة والعهدة كأنّها مكان مرتفع يكون المكلّف بـه ثابتاً فيـه ومحمولا عليـه. وحينئذ فالظاهر من الحديث أنّ الميسور من أفراد الطبيعـة أو من أجزائها لا يسقط نفس ذلك الميسور بالمعسور. ومن المعلوم أنّـه لا يلزم تقدير أصلا. نعم هنا شيء، وهو أنّ الثابت على العهدة كان هو الأمر المعسور، والمفروض سقوطـه عن العهدة يقيناً. وأمّا الميسور فلم يكن بنفسـه ثابتاً على
1 ـ راجع وسائل الشيعـة 8: 282، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب12، الحديث26. 2 ـ راجـع وسائـل الشيعـة 11: 67، كتاب الحجّ، أبواب وجوب الحـجّ وشرائطه، الباب25، الحديث4، 5.

288
العهدة، بل كان ثبوتـه بتبع ثبوت المعسور، فإذا سقط يسقط الميسور بتبعـه، فلم يكن الميسور ثابتاً حتّى ينسب إليـه عدم السقوط. ولكن لا يخفى: أنّـه يكفي في نسبـة عدم السقوط مجرّد بقاء الميسور على العهدة ولو بأمر آخر وطلب ثان متحقّق بمجرّد السقوط عن المعسور، فالاختلاف إنّما هو في جهـة ثبوت الأمر. وأمّا أصلـه فهو باق، غايـة الأمر أنّـه في الابتداء كان بتبع المعسور وبعد تحقّق العسر تعلّق بـه أمر آخر مستقلّ، فأصل الثبوت على العهدة الذي هـو الملاك للتعبير بعدم السقوط كان متحقّقاً من الأوّل ولم يعرض لـه سقوط أصلا، كما لايخفى. وهذا نظير اختلاف الدعامـة التي بها كان السقف محفوظاً على حالـه، فإنّ تبديلها وتغيـيرها لا يوجب سقوط السقف وإن كان الجهـة لعدم السقوط مستندة في السابق إلى الدعامـة الاُولى وفي اللاحق إلى الدعامـة الثانيـة. وبالجملـة: فمحلّ الحـديث على هـذا الاحتمال لا يكون فيـه مخالفـة للظاهر أصلا. وأمّا سائر الاحتمالات ـ فمضافاً إلى أنّها كلّها خلاف الظاهر، لأنّ اللازم فيها أن لا يكون مرجع الضمير في قولـه: «لا يسقط»، هو نفس الميسور، أو أن لا يكون المراد بالسقوط هو السقوط عن عهدة المكلّف، وهما خلاف الظاهر، لأنّ الظاهر هو كون الأمر الغير الساقط هو نفس الميسور وكون المراد هو عدم سقوطـه عن عهدة المكلّف، كما لايخفى ـ يكون بعضها غير معقول كالاحتمال الثاني الذي مرجعـه إلى عدم سقوط حكم الميسور أو الميسور بمالـه من الحكم، ضرورة أنّ الحكم الأوّل الثابت قبل التعذّر قد ارتفع بسبب التعذّر، ولا يعقل بقاء
289
شخص ذلك الحكم مع كون متعلّقـه أمراً آخر مغايراً للأمر الأوّل، لأنّ تشخّص الإرادة إنّما هو بالمراد، ولا يعقل تعدّده مع وحدتها، كما أنّـه لا يعقل وحدتـه مع تعدّدها، ولا يلزم ذلك بناءً على الاحتمال الأوّل، لأنّ الباقي إنّما هو نفس الميسور وإن كانت علّـة البقاء هو تعلّق أمر آخر بـه. ومن هنا يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق الخراساني(1) وتبعـه الأعاظم(2)من تلامذتـه من أنّ المراد من الحديث هو عدم سقوط الميسور بما لـه من الحكم، كما في مثل «لا ضرر ولا ضرار» حيث إنّ ظاهره نفي ما لـه من تكليف أو وضع. وجـه الخلل ما عرفت من عدم معقوليّـة بقاء شخص ذلك الحكم بعد اختلاف متعلّقـه. فالإنصاف: أنّـه لا مجال للإشكال في ظهور الحديث فيما ذكرنا، وعليـه فيتمّ الاستدلال بـه للمقام، لعدم اختصاصـه بالميسور من أفراد العامّ، بل الظاهر كونـه أعمّ منـه ومن الميسور من أجزاء الطبيعـة المأمور بها. نعم يبقى الكلام في اختصاصـه بالواجبات أو شمولـه للمستحبّات أيضاً، والظاهر هو الأوّل، لأنّ اعتبار الثبوت على العهدة واشتغال الذمّـة ينافي مع كونـه مستحبّاً، كما لايخفى. نعم لو قلنا بشمولـه للمستحبّات لا يبقى مجال للاستدلال بـه حينئذ، لأنّـه يصير عدم السقوط أعمّ من الثبوت بنحو اللزوم، فيحتمل أن يكون الثابت في الواجبات أيضاً هو الثبوت ولو بنحو الاستحباب، كما هو غير خفي.
1 ـ كفايـة الاُصول: 421. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 255، نهايـة الأفكار 3: 457.

290
نعم لو كان المراد من الحديث هو عدم سقوط الميسور بما لـه من الحكم تمّ الاستدلال بـه حينئذ ولو قلنا بشمولـه للمستحبّات، ولكن قد عرفت فساد هذا الاحتمال، هذا. الكلام في مفاد العلوي الثاني وأمّا العلوي الثاني وهـو قولـه (عليه السلام): «ما لا يدرك كلّـه لا يترك كلّـه»، فلا يخفى أنّ الظاهر من كلمـة «الكلّ» هو الكلّ المجموعي الذي لـه أجزاء. كما أنّ ظاهـر كلمـة الموصول هـو مطلق الأفعال الراجحـة واجبـة كانت أو مستحبّـة، لكن يعارضـه ظهور قولـه: «لا يترك» في حرمـة الترك، وهي غير متحقّقـة في المستحبّات، فيختصّ بالواجبات بناءً على ترجيح ظهور الذيل وكون «لا يترك» أظهر في مفاده من الموصول في العموم، كما أنّـه لا يدلّ إلاّ على مرجوحيّـة الترك لو قلنا بترجيح ظهور الصدر، فالأمر يدور بين ترجيح أحد الظهورين على الآخر. وما أفاده الشيخ المحقّق الأنصاري (قدس سره) من أنّ قولـه: «لا يترك» كما أنّـه يصير قرينـة على تخصيص الصدر بغير المباحات والمكروهات والمحرّمات، كذلك لا مانع من أن يصير قرينـة على إخراج المستحبّات أيضاً، لعدم الفرق بينها(1)، محلّ نظر، بل منع; لأنّ اختصاص الموصول بغير المباحات واختيها إنّما هو بواسطـة قولـه: «لايدرك كلّـه» لأنّ التعبير بالإدراك إنّما هو فيما كان الشيء أمراً راجحاً يحصل الداعي إلى إتيانـه لذلك، ولا يقال في مثل المحرّمات
1 ـ فرائد الاُصول 2: 498 ـ 499.

291
والمكروهات، بل وكذا المباحات، كما يظهر من تـتبّع موارد استعمالـه، فلم يكن تخصيص الموصول بغيرها لأجل قولـه: «لا يترك» حتّى لا يفرق بينها وبين المستحبّات، فالظاهر دوران الأمر بين ترجيح أحد الظهورين. فيمكن أن يقال بترجيح ظهور الذيل، لأجل ترجيح ظهور الحكم على ظهور الموضوع كما قد قيل. ويمكن أن يقال بترجيح ظهـور الصـدر، لأنّـه بعد انعقاد الظهور لـه وتوجّـه المكلّف إليـه يمنع ذلـك مـن انعقاد الظهور; للذيل. فظهور الصـدر مانـع عـن أصل انعقاد الظهـور بالنسبـة إلـى الـذيل، وظهور الـذيل لابـدّ وأن يكون رافعاً لظهور الصـدر، فيدور الأمـر حينئذ بين الرفـع والـدفع، والثاني أهـون مـن الأوّل، فتدبّر. ثمّ إنّ المراد بكلمـة «كلّ» في الموضعين يحتمل أن يكون هو الكلّ المجموعي، ويحتمل أن يكون كلّ جزء من أجزاء المجموع ويحتمل أن يكون المراد بها في الموضع الأوّل هو المعنى الأوّل وفي الموضع الثاني هو المعنى الثاني، ويحتمل العكس فهذه أربعـة احتمالات متصوّرة بحسب بادئ النظر. ولكن التأمّل يقضي بأنّـه لا سبيل إلى حمل كلمـة «كلّ» في الموضع الثاني على الكلّ المجموعي، لأنّ معنى درك المجموع هو الإتيان بـه، وعدم دركـه قد يتحقّق بعدم درك شيء منـه، وقد يتحقّق بعدم درك بعض الأجزاء فقط، ضرورة أنّـه يصدق عدم إدراك المجموع مع عدم إدراك جزء منـه. وأمّا ترك المجموع فهو كعدم دركـه، وعدم تركـه كدركـه، فمعنى عدم ترك المجموع هو إدراكـه والإتيان بـه بجميع أجزائـه. وحينئذ فلـو حمـل الكـلّ فـي الموضـع الثاني علـى الكـلّ المجموعـي
292
يصير مضمون الروايـة هكـذا: ما لا يـدرك مجموعـه أو كلّ جـزء منـه لا يترك مجموعـه ويجب الإتيان بـه، وهـذا بيّن الفساد، فيسقط مـن الاحتمالات الأربعـة احتمالان. وأمّا الاحتمالان الآخران المشتركان في كون المراد بكلمـة «كلّ» في الموضع الثاني هـو كلّ جـزء مـن أجـزاء المجموع فلا مانـع منهما، لأنّـه يصير المراد مـن الروايـة على أحـد الاحتمالين هكـذا: ما لا يدرك مجموعـه لا يترك كـلّ جزء من أجزائـه، وعلى الاحتمال الآخر: ما لا يدرك كلّ جزء من أجزائـه لا يترك كلّ جزء منها، وهذا أيضاً كالمعنى الأوّل معنى صحيح، لأنّ عـدم درك كـلّ جـزء يصـدق بدرك بعض الأجـزاء، كمـا أنّ عـدم ترك كـلّ جـزء يتحـقّق بالإتيان بالبعض. فالمستفاد منـه أنّـه مع عدم إدراك جميع الأجزاء ودرك البعض يجب الإتيان بالبعض ولا يجوز ترك الكلّ. نعم ذكـر الشيخ المحقّق الأنصاري (قدس سره) أنّـه لابدّ مـن حمل كلمـة «كلّ» في قولـه: «ما لا يدرك كلّـه» على الكلّ المجموعي لا الأفرادي، إذ لو حمل على الأفرادي كان المراد: «ما لايدرك شيء منها، لايترك شيء منها» ولا معنى له(1). ولا يخفى: أنّ ما أفاده الشيخ هنا من فروع النزاع المعروف بينـه(2) وبين المحقّق صاحب الحاشيـة(3) في باب المفاهيم، وهو أنّـه إذا كان الحكم في
1 ـ فرائد الاُصول 2: 499. 2 ـ الطهارة، الشيخ الأنصاري: 49 / السطر26، مطارح الأنظار: 174 / السطر31. 3 ـ هداية المسترشدين: 291.

293
المنطوق حكماً عامّاً فهل المنفي في المفهوم نفي ذلك الحكم بنحو العموم، أو نفي العموم الغير المنافي لثبوت البعض، مثلا قولـه (عليه السلام): «الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجّسـه شيء»(1)، هل يكون مفهومـه أنّـه إذا لم يبلغ ذلك المقدار ينجّسـه جميع الأشياء النجسـة، أو أنّ مفهومـه تنجّسـه بشيء منها الغير المنافي لعدم تنجّسـه ببعض النجاسات. والحقّ مع صاحب الحاشيـة، لأنّ المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم في المنطوق عند انتفاء الشرط، لا ثبوت حكم نقيض للحكم في المنطوق، وقد حقّقنا ذلك في باب المفاهيم من مباحث الألفاظ(2). وحينئذ: فالمراد بـ«ما لا يدرك كلّـه» في المقام بناءً على هذا الاحتمال: ما لا يدرك ولو بعض أجزائـه، لا ما لا يدرك شيء منها، كما لايخفى، هذا. ولكنّ الظاهر أنّ المراد بـه هو الكلّ المجموعي في الموضع الأوّل. وأمّا الموضع الثاني فقد عرفت أنّـه لابدّ من حملـه على الكلّ الأفرادي. تتمّة: في اعتبار صدق الميسور في جريان القاعدة قد اشتهر بينهم أنّـه لابدّ في جريان قاعدة الميسور من صدق الميسور على الباقي عرفاً، ولابدّ من ملاحظـة أدلّتها ليظهر حال هذا الشرط. فنقول: أمّا قولـه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منـه ما استطعتم»
1 ـ راجع وسائل الشيعـة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب9، الحديث1 و 2 و 5 و 6. 2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 255.

294
فدلالتـه على ذلك تـتوقّف على أن يكون المراد منـه: إذا أمرتكم بطبيعـة لها أفراد ومصاديق فأتوا من تلك الطبيعـة ـ أي من أفرادها ـ ما يكون مستطاعاً لكم، وحينئذ فالفرد المستطاع أيضاً فرد للطبيعـة صادق عليـه عنوانها كالصلاة والوضوء ونحوهما. وحينئذ فلو لم يكن عنوانها صادقاً على الفاقد للأجزاء المعسورة لا يمكن إثبات وجوبـه بهذا الحديث، لأنّـه لابدّ أن يكون مصداقاً لها، غايـة الأمر أنّـه مصداق ناقص والمعسور فرد كامل. وأمّا بناءً على ما استظهرنا من الحديث من كون المراد منه هوالإتيانبالطبيعة المأمور بها زمان الاستطاعـة والقدرة، فلا يستفاد منه هذا الشرط، كما هو واضح. وأمّا قولـه (عليه السلام): «الميسور لا يسقط بالمعسور»، ففيـه احتمالات أربعـة: أحدها: أن يكون المراد: الميسور من أفراد الطبيعـة المأمور بها لا يسقط بالمعسور. ثانيها: أن يكون المراد: الميسور من أجزاء الطبيعـة المأمور بها لا يسقط بالمعسور من تلك الأجزاء. ثالثها: أن يكون المراد: الميسور من أفراد الطبيعـة المأمور بها لا يسقط بالمعسور من أجزائها. رابعها: عكس الثالث وهو: أنّ الميسور من أجزاء الطبيعـة المركّبـة المأمور بها لا يسقط بالمعسور من أفرادها. ودلالـة هذا الحديث على الشرط المذكور مبنيّـة على الاحتمال الأوّل والثالث، وأمّا بناءً على الاحتمال الثاني والرابع فلا دلالـة لـه على ذلك. ولا يخفى أنّـه ليس في البين ما يرجّح أحد الاحتمالين بعد سقوط الاحتمال الثالث والرابع، لكونهما مخالفاً للظاهر، والقدر المتيقّن هي صورة وجدان الشرط وكون
295
الباقي صادقاً عليـه أنّـه ميسور المأمور بـه، كما هو غير خفي. وأمّا قولـه (عليه السلام): «ما لا يدرك كلّـه لا يترك كلّـه» فيحتمل أن يكون المراد بـه أنّ المركّب الذي لا يدرك كلّـه لا يترك ذلك المركّب بكلّيتـه، ومعناه حينئذ لزوم الإتيان بالمركّب الناقص بعد تعذّر درك التامّ. ويحتمل أن يكون المراد بـه أنّ المركّب الذي لا يدرك كلّـه لا يترك كلّ ذلك المركّب; أي لا يترك كلّ جزء من أجزائـه. فعلى الأوّل يدلّ على كون الباقي لابدّ وأن يكون مصداقاً للطبيعـة المأمور بها، وعلى الثاني لا دلالـة لـه على ذلك، والظاهر هو المعنى الثاني. المرجع في تعيين الميسور ثـمّ إنّ المرجـع فـي تعيـين الميسور هل هـو العرف أو الشرع؟ وجهـان مبنيّان على أنّ المراد مـن قولـه (عليه السلام): «الميسور لا يسقط بالمعسور»، هل هـو أنّ الـميسور مـن المصلحـة الكائنـة فـي الطبيعـة المأمـور بهـا لا يسقـط بالمعسـور منها، أو أنّ المراد أنّ الميسور من نفس الطبيعـة المأمور بها لا يسقط بالمعسور منها؟ فعلى الأوّل يكون المرجع هو الشرع، لعدم اطّلاع العرف على قيام الباقي المقدور ببعض المصلحـة، لاحتمالـه أن تكون المصلحـة متقوّمـة بالمجموع، وعلى الثاني يكون المرجع هو العرف، كما هو واضح. وهذا هو الظاهر. وحينئذ فكلّ مورد حكم العرف فيـه بأنّ الباقي في المقدور ميسور للطبيعـة المأمور بها يحكم فيـه بلزوم الإتيان بـه.
296
ودعـوى: أنّ ذلك مستلزم لتخصيص كثيـر، بل الخـارج منـه أكثـر مـن الباقي بمراتب. مدفوعـة: بمنع استلزامـه لتخصيص الأكثر، كيف وقد حكموا بـه في مثل الصلاة والوضوء والحجّ ونظائرها، وكثير من الموارد التي لم يجروا فيها القاعدة فإنّما هو لخروجها عنها موضوعاً كالصوم مثلا، فإنّ عدم حكمهم بوجوب الصوم على من قدر على الصيام بمقدار لا يبلغ مجموع النهار ـ مثلا ـ إنّما هو لكون الصوم أمراً بسيطاً لا يكون لـه أجزاء، ومورد القاعدة إنّما هو المركّبات، كما هو واضح، هذا. ولكنّ الخطب سهل بعدما عرفت من ضعف أسناد الروايات الثلاث التي هي مدرك للقاعدة وعرفت(1) أيضاً أنّـه لا جابر لضعفها، فتدبّر.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 283.

297
خاتمة في شرائط الاُصول حسن الاحتياط مطلقاً إعلم أنّـه لا يعتبر في حسن الاحتياط عقلا شيء زائد على تحقّق موضوعـه وعنوانـه. نعم هنا إشكالات لابدّ من التعرّض لها والجواب عنها. بعضها يرجع إلى مطلق الاحتياط ولو كان في الشبهات البدويّـة. وبعضها إلى الاحتياط في خصوص الشبهات المقرونـة بالعلم الإجمالي. وبعضها إلى الاحتياط فيما إذا قامت الحجّـة المعتبرة على خلافـه. أمّا الإشكال الراجع إلى مطلق الاحتياط، فهو أنّ الاحتياط يعتبر فيـه أن يكون الإتيان بالعمل بانبعاث من بعث المولى، وليس الاحتياط عبارة عن مجرّد الإتيان بالعمل مطلقاً، لعدم صدق الإطاعـة مع عدم الانبعاث، لأنّ حقيقـة الطاعـة أن تكون إرادة العبد تبعاً لإرادة المولى بانبعاثـه عن بعثـه وتحرّكـه عن تحريكـه، وهذا يتوقّف على العلم بتعلّق البعث والتحريك نحو العمل، ولا يمكن الانبعاث بلا توسيط البعث الواصل إلى المكلّف.
298
وحينئذ فمع كون الأمر مجهولا للمكلّف لا يعقل أن ينبعث منـه، وبدون تحقّق الانبعاث لا يتحقّق الإطاعـة، واحتمال الأمر وإن كان محرّكاً باعثاً، إلاّ أنّـه لا يكفي; لأنّـه لابدّ من كون الانبعاث مسبّباً عن نفس بعث المولى وتحريكـه، والاحتمال يغاير البعث الواقعي. ودعوى: أنّ الانبعاث إنّما هو عن الأمر المحتمل لا احتمال الأمر. مدفوعـة: بأنّ الانبعاث عن الأمر المحتمل مستحيل، لأنّـه لابدّ من إحراز ذلك وإحراز وجود الأمر لا يجتمع مع توصيفـه بكونـه محتملا، فمع الاحتمال لا يكون الأمر بمحرز، ومع إحرازه لا يكون الأمر محتملا، فلا يعقل الانبعاث عن الأمر بوصف كونـه محتملا، هذا. ويمكن توسعـة دائرة هذا الإشكال بالقول بأنّ الانبعاث لا يكون عـن البعث ولو في مـوارد العلم بالبعث، لأنّ المحرّك والباعث ليس هـو البعث بوجوده الواقعي، وإلاّ لكان اللازم ثبوت الملازمـة بينهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر، مع أنّ الضرورة قاضيـة بخلافـه; لأنّـه كثيراً ما لا يتحقّق الانبعاث مـع تحقّق البعث في الواقع ونفس الأمـر، وكثيراً ما ينبعث المكلّف مع عدم وجـود البعث في الواقع، فهذا دليل على أنّ المحرّك والباعث ليس هو نفس البعث، بل الصورة الذهنيـة الحاكيـة عنـه باعتقاد المكلّف، فوجود البعث وعدمـه سواء. وهذا لا يختصّ بالبعث، بل يجري في جميع أفعال الإنسان وحركاتـه، ضرورة أنّ المؤثّر في الإخافـة والفرار ليس هو الأسد بوجوده الواقعي، بل صورتـه الذهنيـة المعلومـة بالذات المنكشفـة لدى النفس. ولا فرق في تأثيرها بين كونها حاكيـة عن الواقع واقعاً وبين عدم كونها كذلك; لعدم الفرق في حصول
299
الخـوف بين العالم بوجـود الأسد الغير الموجـود، وبين العالم بوجـود الأسد الموجـود. وبعبارة اُخرى: لا فرق بين العالم وبين الجاهل بالجهل المركّب، ولو كان المؤثّر هو الأسد بوجود الواقعي لكان اللازم عدم تحقّق الخوف بالنسبـة إلى الجاهل، مع أنّ الوجدان يشهد بخلافـه. فانقدح ممّا ذكر: أنّ الانبعاث عن بعث المولى لا يتوقّف على وجوده في الواقع، بل يتحقّق في صورة الجهل المركّب بـه. والسرّ أنّ الانبعاث إنّما هو عن البعث بصورتـه الذهنيـة المعلومـة بالذات، وإلاّ يلزم عدم انفكاك الانبعاث عن البعث، فلا يتحقّق الانبعاث بدونـه، ولا البعث بدون الانبعاث، ولازمـه عدم تحقّق العصيان أصلا، كما لا يخفى. وحينئذ: يظهر عدم إمكان تحقّق الإطاعـة أصلا ولو في صورة العلم بعد كـون المعتبر في حقيقتها هـو كون الانبعاث مستنداً إلى نفس البعث بوجـوده الواقعي. ويمكن تصوير ذلك بصورة البرهان بنحو الشكل الأوّل الذي هو بديهي الانتاج بأن يقال: إنّ الإطاعـة هو الانبعاث ببعث المولى، ولا شيء من الانبعاث ببعث المولى بممكن التحقّق، ينتج: فلا شيء من الإطاعـة بممكن. والجواب عن هذا الإشكال أوّلا: أنّـه لا يعتبر في تحقّق الإطاعـة بنظر العرف والعقلاء إلاّ وجود البعث والعلم بـه، فإذا تحقّق البعث وصار موجـوداً واقعاً وعلم بـه المكلّف بتوسّط صورتـه الذهنيـة ففعل بداعي ذلك يتحقّق حينئذ عنوان الإطاعـة. ودعوى: أنّ الانبعاث لم يكن مسبّباً عن البعث، مدفوعـة: بأنّ الصورة
300
الذهنيّـة حيث كانت كاشفـة عن الواقع وحاكيـة لـه يكون الانبعاث معها مستنداً إلى الواقع، وهي وسيلـة إلى النيل بـه والوصول إليـه، فالباعث في الحقيقـة هو نفس البعث لا الصورة الذهنيّـة. كيف وهذه الصورة مغفولـة عنها غير متوجّـه إليها، لأنّ العالم بالبعث لا يرى إلاّ نفس البعث، ولا يتوجّـه إلى صورتـه المعلومـة بالذات أصلا، كما لايخفى. وثانياً: أنّ المراد بكون الإطاعـة هو الانبعاث ببعث المولى، هل هو لزوم كون الانبعاث مستنداً إلى البعث من دون واسطـة، أو لزوم كون الانبعاث مستنداً إليـه ولو بالعرض؟ فعلى الأوّل نمنع الصغرى، لعدم الدليل على كون الإطاعـة عبارة عن الانبعاث عن البعث بالذات، وعلى الثاني نمنع الكبرى، لوضوح إمكان الانبعاث ببعث المولى بالعرض، بل قد عرفت أنّـه في صورة العلم دائماً يكون الانبعاث مستنداً إلى البعث تبعاً. وثالثاً: أنّ ما ذكر في الإشكال مبني على لزوم عنوان الإطاعـة، مع أنّـه لا دليل عليـه. والإطاعـة المأمور بها في قولـه تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ... )(1) إلى آخره ليس المراد بها إلاّ مجرّد الموافقـة وعدم المخالفـة، والدليل عليـه أنّ إطاعـة الرسول واُولي الأمر لابدّ وأن يكون المراد منها ذلك، كما لايخفى. فاتّحاد السياق يقضي بكون المراد من إطاعـة اللّه أيضاً ليس إلاّ مجرّد الموافقـة فتدبّر. هذا كلّـه في الإشكال على مطلق الاحتياط. وأمّا الإشكال الذي يختصّ بالشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، فتارة من جهة التكرار، واُخرى من أجل اعتبار قصد القربـة والوجـه ونظائرهما في العبادة.
1 ـ النساء (4): 58.

301
أمّا من الجهـة الاُولى فمحصّلـه: أنّ تكرار العبادة مع إمكان تحصيل العلم التفصيلي يعدّ لعباً بأمر المولى، واللعب والعبث ينافي العبوديّـة التي هي غايـة الفعل العبادي، بل نقول: إنّ حصول اللعب بالتكرار لا يختصّ بالعبادة، بل يجري في غيرها. ألا ترى أنّـه لو علم عبد بأنّ المولى طلب منـه شيئاً مردّداً بين اُمور مختلفـة وكان قادراً على تحصيل العلم التفصيلي بمطلوب المولى، ولكن اكتفى بالامتثال الإجمالي، فأحضر عدّة من العلماء وعملـة المولى وجماعـة من الصنوف المختلفـة يعدّ لاعباً بأمر المولى وأنّـه في مقام الاستهزاء والسخريّـة. فيستفاد منـه أنّ التكرار لعب بأمر المولى فلا يجوز. والجواب أمّا أوّلا: أنّ المدّعى هو كون التكرار مطلقاً لعباً بأمر المولى، وهو لا يثبت بكونـه لعباً في بعض الموارد كما في مثل المثال، لأنّ كثيراً من موارد التكرار لا يكون فيـه لعب أصلا. ألا ترى أنّـه لو كان لـه ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس، وكان قادراً على غسل أحدهما، ولكن كان ذلك متوقّفاً على تحمّل مشقّـة وصرف وقت كثير، فصلّى فيهما معاً هل يعدّ هذا الشخص لاعباً ولاغياً؟ وكذا لو دار الواجب في يوم الجمعـة بين الظهر وصلاة الجمعـة وكان قادراً على السؤال عن الفقيـه ـ مثلا ـ لكن كان لـه محذور عرفي في السؤال إمّا من ناحيتـه، أو من ناحيـة الفقيـه، فجمع بينهما هل يعدّ لاعباً؟ كلاّ. وبالجملـة فالمدّعى لا يثبت بما ذكره. وأمّا ثانياً: لو فرض كون التكرار لعباً وعبثاً، لكن نقول: إنّ المعتبر في صحّـة العبادة أن يكون أصل الإتيان بها بداعي تعلّق الأمر بها من المولى، وأمّا الخصوصيات الخارجـة عن حقيقـة العبادة كالمكان والزمان ونحوهما في مثل
302
الصلاة فلا يعتبر أن يكون الإتيان بها بداعي الأمر، بل لا وجـه لـه بعد كونها خارجـة عن متعلّق الأمر. كيف ولو اعتبر الاخلاص فيها يلزم عدم صحّـة شيء من العبادات، كما هو واضح. هذا مع أنّ التكرار لا يكون من الخصوصيّات أصلا، ضرورة أنّ الإتيان بالصلاة في ثوبين لا يكون شيء من الصلاتين من خصوصيات الصلاة الاُخرى ككونها واقعـة في مكان كذا أو زمان كذا، بل كلّ منهما أمر مستقلّ، كما لايخفى. وبالجملـة: فالمراد بكون التكرار لعباً إن كان هو اللعب بأمر المولى فنمنع ذلك جدّاً; لأنّـه ليس لعباً إلاّ في كيفيّـة الإطاعـة، وإن كان هو اللعب ولو في خصوصيّات العمل، فنمنع كون هذا اللعب مؤثّراً في البطلان. وأمّا من الجهـة الثانيـة فمحصّلـه: أنّـه يعتبر في العبادة قصد القربـة والوجه والتميـيز والجزم بالنيّة، ولا يتحقّق ذلك إلاّ مع العلم التفصيلي بالمأموربه. والجواب ـ مضافاً إلى منع توقّف قصد القربـة والوجـه والتميـيز على العلم التفصيلي، بل يتحقّق في الامتثال الإجمالي أيضاً بداهةً. نعم الجزم بالنيّة لا يتحقّق إلاّ مع العلم التفصيلي ـ أنّـه لا دليل على اعتبار ذلك في العبادة، لعدم الدليل عليـه لا عقلا ولا شرعاً. أمّا عقلا فواضح، وأمّا شرعاً فلخلوّ النصوص عن الدلالـة على اعتبارها، ومن الواضح أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي إلاّ مجرّد الإتيان بـه في الخارج، فإطلاق دليل الأمر دليل على العدم، بناءً على ما حقّقنا في مباحث الألفاظ من إمكان أخذ ذلك كلّـه في متعلّق الأمر، وعلى تقدير القول بعدم الإمكان فحيث إنّـه لا سبيل للعقل إلى تشخيص كونها معتبرة، بل اللازم أن يبيّنـه الشارع، والمفروض عدم دليل شرعي على اعتبارها، فلا وجـه للقول بـه.
303
نعم قد يستدلّ بالإجماع على ذلك، كما ادّعاه السيّد الرضي(1) على بطلان صلاة من صلّى ولا يعلم أحكامها، كما أنّـه قد اُدّعي الإجماع على بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد والأخذ بالاحتياط، ولكن كلّ ذلك ممّا لم يثبت. نعم القدر المتيقّن أنّـه يعتبر في صحّـة العبادة أن لا يكون الداعي لها أمراً دنيوياً بل أمراً مرتبطاً باللّه جلّ شأنـه، والزائد على ذلك مشكوك مورد لجريان البراءة على ما عرفت سابقاً(2) من أنّ مقتضى التحقيق هو جريان البراءة في الأقلّ والأكثر. والفرق بين نيّـة الوجـه وبين سائر الشروط من حيث جريان البراءة كما ذكره الشيخ في الرسالـة(3) ممّا لا يتمّ. كما أنّ دعوى كون المقام من صغريات مسألـة التعيـين والتخيـير لا مسألـة الأقلّ والأكثر ممنوعـة جدّاً. وبالجملـة: فالظاهر صحّـة عبادة المحتاط، هذا كلّـه في الإشكال في الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي. وأمّا الإشكال الراجع إلى الاحتياط فيما إذا كان على خلافـه حجّـة شرعيّـة، فهو ما ذكره المحقّق النائيني على ما في التقريرات، ومحصّلـه: أنّـه يعتبر في حسن الاحتياط إذا كان على خلافـه حجّـة شرعيّـة أن يعمل المكلّف أوّلا بمؤدّى الحجّـة، ثمّ يعقّبـه بالعمل على خلاف ما اقتضتـه الحجّـة إحرازاً للواقع، وليس للمكلّف أن يعمل بالعكس إلاّ إذا لم يستلزم الاحتياط استئناف
1 ـ اُنظر ذكرى الشيعـة 4: 325، فرائد الاُصول 2: 508. 2 ـ تقدّم في الصفحـة 176 و 195. 3 ـ فرائد الاُصول 2: 507.

304
جملـة العمل وتكراره. والسرّ في ذلك أنّ معنى اعتبار الطريق إلقاء احتمال مخالفتـه للواقع عملا وعدم الاعتناء بـه، والعمل أوّلا برعايـة احتمال مخالفـة الطريق للواقع ينافي إلقاء احتمال الخلاف، فإنّ ذلك عين الاعتناء باحتمال الخلاف، وهذا بخلاف ما إذا قدّم العمل بمؤدّى الطريق، فإنّـه حيث قد أدّى المكلّف ما هو الوظيفـة وعمل بما يقتضيـه الطريق فالعقل يستقلّ بحسن الاحتياط لرعايـة إصابـة الواقع، هذا مضافاً إلى أنّـه يعتبر في حسن الطاعـة الاحتماليّـة عدم التمكّن من الطاعـة التفصيليّـة، وبعد قيام الطريق المعتبر يكون المكلّف متمكّناً من الامتثال التفصيلي بمؤدّى الطريق، فلا يحسن منـه الامتثال الاحتمالي(1)، انتهى. ويرد عليـه أوّلا: أنّ معنى حجّيـة الأمارة واعتبارها ليس إلاّ مجرّد وجوب العمل على طبقها وترتيب آثار الواقع عليها في مقام العمل، وأمّا دلالـة دليل الحجّيـة على لزوم إلقاء احتمال الخلاف فلم نعرف لها وجهاً. وبالجملـة: فحجّيـة الأمارة معناها مجرّد عدم جواز ترك العمل بها وهذا لا ينافي الإتيان على طبق الاحتمال المخالف من باب الاحتياط، كما هو واضح. وثانياً: أنّ تقدّم رتبـة الامتثال التفصيلي على الامتثال الاحتمالي ممنوع، بل الظاهر كونهما في عرض واحد ورتبـة واحدة، فمع التمكّن مع تحصيل العلم يجوز لـه الاقتصار على الامتثال الاحتمالي. والسرّ أنّـه لا يعتبر في تحقّق الإطاعـة أزيد من الإتيان بالمأمور بـه مع جميع القيود المعتبرة فيـه ولو بداعي احتمال الأمر، ولا فرق بينهما في نظر العقل أصلا.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 265.

305
فانقدح من جميع ما ذكرنا: أنّـه لا يعتبر في حسن الاحتياط شيء زائد على تحقّق موضوعـه وهو احتمال التكليف. هذا كلّـه في الاحتياط. اعتبار الفحص في جريان البراءة وأمّا أصالـة البراءة فيعتبر في جريانها في الشبهات الحكميـة الفحص. والكلام فيـه تارة: يقع في أصل اعتبار الفحص ووجوبـه، واُخرى: في مقداره، وثالثـة: فيما يترتّب على العمل بالبراءة قبل الفحص من التبعـة والأحكام. أمّا الكلام في أصل اعتبار الفحص ووجوبـه فقد يقع في البراءة العقليّـة وقد يقع في البراءة الشرعيّـة. ادلّـة وجوب الفحص أمّا البراءة العقليّـة التي مدركها قبح العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان فلا إشكال في اعتبار الفحص فيها، لأنّها متفرّعـة على عدم البيان، والمراد بـه وإن كان هو البيان الواصل إلى المكلّف جزماً، إلاّ أنّ مناط الوصول ليس هو أن يُعلم المولى كلّ واحد من المكلّفين بحيث يسمعـه كلّ واحد منهم، بل وصولـه يختلف حسب اختلاف الموالي والعبيد. فالمولى المقنّن للقوانين العامّـة الثابتـة على جميع المكلّفين يكون إيصالـه للأحكام من الأوامر والنواهي إنّما هو بإرسال الرسل وإنزال الكتب ثمّ الأحاديث المرويّـة عن أنبيائـه وأوصيائهم المحفوظـة في الكتب التي بأيدي المكلّفين، بحيث يتمكّن كـلّ واحـد منهم مـن المراجعـة إليها والاطّلاع على
306
أحكام اللّه جلّ شأنـه. وحينئذ: فالملاك في تحقّق البيان الذي لا يقبح العقاب والمؤاخذة معـه هو أنّ أمر اللّه تعالى رسولـه بتبليغـه وقـد بلّغـه الرسول على نحو المتعارف وصار مضبوطاً في الكتب المعدّة لـه، ومـع فقدان أحـد هـذه الشروط يصدق عدم البيان ويقبح العقاب معـه. وحينئذ فمع احتمال المكلّف ثبوت التكليف المبيّن الـواصل بحيث لـو فحص لظفـر بـه لا يجـوز الاعتماد على البراءة التي مدركها قبح العقاب بلا بيان، كما أنّ العبد العرفي لو وصل إليـه مكتوب من ناحيـة مولاه واحتمل أن يكون المكتوب متضمّناً لبعض التكاليف لا يجـوز لـه القعود عنـه بعد عـدم المراجعـة إليـه استناداً إلـى أنّ المولى لم يبيّن حكمـه، ولا يكون مثل هـذا العبد معذوراً عند العقلاء جـزماً، كما هـو غير خفي. ثمّ إنّـه قد يستشكل في وجوب الفحص وعدم جريان البراءة قبلـه بأنّ الحكم ما لم يتّصف بوصف المعلوميّـة لا يكون باعثاً ومحرِّكاً، ضرورة أنّ البعث بوجوده الواقعي لا يصلح للمحرّكيـة، وإلاّ لكان اللازم تحقّق الانبعاث بالنسبـة إلى الجاهل بـه المعتقد عدمـه، بل قد عرفت سابقاً(1) أنّـه لا يعقل أن يكون الانبعاث مسبّباً عـن البعث الواقعي، بل الانبعاث دائماً مسبّب عـن البعث بوجوده العلمي الذي هي الصورة الذهنيـة الكاشفـة عنـه، والأوامـر إنّما تتّصف بالباعثيّـة والمحرّكيـة بالعرض، كما أنّ اتّصافها بوصف المعلوميـة أيضاً كذلك، ضرورة أنّ المعلوم بالـذات، إنّما هـي نفس الصورة الحاضـرة عند النفس، كما حقّق في محلّـه.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 298.

307
وبالجملـة: فالبعث الواقعي لا يكون باعثاً ما لم يصر مكشوفاً، والكاشف عنـه إنّما هو العلم ونحوه. وأمّا الاحتمال فلا يعقل أن يكون كاشفاً، وإلاّ لكان اللازم أن يكشف عن طرفي الوجود والعدم، كما هو واضح. فمع الاحتمال لا يكون البعث الواقعي باعثاً ومحرّكاً، وبدون الباعثيّـة لا يمكن أن يكون منجّزاً، ومع عدم التنجّز لا وجـه لاستحقاق العقوبـة على مخالفتـه، وهذا بلا فرق بين كون المكلّف قادراً على الفحص وعدمـه. ويرد عليـه أوّلا: النقض بما إذا قامت الحجّـة المعتبرة من قبل المولى على ثبوت التكليف وفرض عدم إفادتها الظنّ، بل كان التكليف مع قيام الأمارة أيضاً مشكوكاً أو مظنون الخلاف، فإنّـه يجري فيـه هذا الإشكال، ومقتضاه حينئذ عدم ثبوت العقاب على مخالفتـه على تقدير ثبوتـه في الواقع، مع أنّـه واضح البطلان، وإلاّ يلزم لغويّـة اعتبار الأمارة، كما هو واضح، مضافاً إلى أنّـه لا يلتزم بـه المستشكل أيضاً. وثانياً: الحلّ بأنّـه لا نسلّم أن يكون المنجّزيّـة متفرّعـة على الباعثيّـة، لأنّ المنجّزيـة الراجعـة إلى صحّـة عقوبـة المولى على المخالفـة والعصيان حكم عقلي، وقد عرفت أنّ العقل يحكم بعدم المعذوريّـة وبصحّـة العقوبـة لو بيّن المولى التكليف بنحو المتعارف، بحيث كان العبد متمكّناً من الاطّلاع عليـه بالمراجعـة إلى مظانّ ثبوتـه ولم يراجع، فخالف اعتماداً على البراءة كما عرفت في مثال المكتوب الواصل من المولى إلى العبد ويحتمل اشتمالـه على بعض التكاليف، والظاهر أنّ هذا من الوضوح بمكان، فلا موقع لهذا الإشكال. ثمّ إنّـه قد يقرّر وجوب الفحص بوجـه آخر، ومحصّلـه: أنّ ارتكاب التحريم قبل الفحص والمراجعـة إلى مظانّ ثبوتـه ظلم على المولى، والظلم خصوصاً
308
على المولى قبيح محرّم، فلو اقتحم في المشتبـه قبل الفحص يستحقّ العقوبـة لأجل الظلم على المولى، كما أنّـه في موارد التجرّي يستحقّ العقوبـة عليـه وإن كان لا يستحقّ العقوبـة على مخالفـة الواقع في المقامين. ويرد عليـه: أنّ تحقّق عنوان الظلم في المقام ليس إلاّ من جهـة احتمال حصول المخالفـة بالاقتحام في المشتبـه، ضرورة أنّـه مع العلم بعدم وجود التكليف في البين لا يكون مجرّد ترك الفحص من مصاديق ذلك العنوان، فترك الفحص وارتكاب محتمل التحريم إنّما يكون ظلماً لأجل احتمال تحقّق المخالفـة التي هي قبيحـة موجبـة لاستحقاق العقوبـة. وحينئذ نقول: بعد جريان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ولو قبل ترك الفحص ـ كما هو المفروض ـ لا يبقى مجال لاحتمال تحقّق المخالفـة القبيحـة أصلا ومع انتفاء هذا الاحتمال يخرج المقام عن تحت عنوان الظلم على المولى، كما هو واضح. ومن هنا يظهر الفرق بين المقام وبين مسألـة التجرّي: فإنّ الموضوع للحكم بالقبح والحرمـة هناك على تقدير ثبوتـه إنّما هو نفس عنوان التجرّي، الراجع إلى الطغيان على المولى والخروج عن رسم الرقيّـة والعبوديّـة، وهذا لا يتوقّف تحقّقـه على ثبوت التكليف، بل يصدق على كلا التقديرين، بخلاف المقام. فإنّ تحقّق عنوان الظلم يتوقّف على عدم حكم العقل بقبح العقاب ولو قبل الفحص، والمفروض حكمـه بذلك مطلقاً، فتدبّر، هذا. وقد يقرّر حكم العقل بوجوب الفحص بوجـه ثالث وهو: أنّ كلّ من التفت إلى المبدء والشريعـة يعلم إجمالا بثبوت أحكام فيها، ومقتضى العلم الإجمالي هو الفحص عن تلك الأحكام.
309
ولا يخفى ضعف هذا الوجـه، لأنّ الكلام إنّما هو في شرائط جريان أصل البراءة بعد كون المورد المفروض مجرى لها، وقد عرفت أنّ مجريها هو الشكّ في أصل التكليف وعدم العلم بـه لا إجمالا ولا تفصيلا. فلو فرض ثبوت العلم الإجمالي يخرج المورد عن مجريها، فالتمسّك لاعتبار وجوب الفحص في جريانها بالعلم الإجمالي لا يبقى لـه موقع أصلا، كما هو أظهر من أن يخفى. ولكن حيث إنّـه وقع مورداً للنقض والإبرام بين الأعلام فلا مانع من التعرّض لحالـه بما يسعـه المقام، فنقول: قد نوقش في الاستدلال بالعلم الإجمالي لوجوب الفحص تارةً: بأنّـه أخصّ من المدّعى، لأنّ المدّعى هو وجوب الفحص والاستعلام في كلّ مسألـة تعمّ بها البلوى، وهذا الاستدلال إنّما يوجب الفحص قبل استعلام جملـة من الأحكام بمقدار يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيـه، لانحلال العلم الإجمالي بذلك. واُخرى: بأنّـه أعمّ من المدّعى، لأنّ المدّعي هو الفحص عن الأحكام في خصوص ما بأيدينا من الكتب، والمعلوم بالإجمال معنى أعمّ من ذلك، لأنّ متعلّق العلم هي الأحكام الثابتـة في الشريعـة واقعاً، لا خصوص ما بأيدينا، والفحص فيما بأيدينا من الكتب لا يرفع أثر العلم الإجمالي، بل العلم باق على حالـه ولو بعد الفحص التامّ عمّا بأيدينا، هذا. وأجاب المحقّق النائيني (قدس سره) ـ على ما في التقريرات ـ عن المناقشـة الاُولى بأنّ استعلام مقدار من الأحكام يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيها لا يوجب انحلال العلم الإجمالي، لأنّ متعلّق العلم تارة: يتردّد من أوّل الأمر بين الأقلّ والأكثر، كما لو علم بأنّ في هذا القطيع من الغنم موطوء وتردّد بين كونـه عشرة أو
310
عشرين. واُخرى: يكون المتعلّق عنواناً ليس بنفسـه مردّداً بين الأقلّ والأكثر من أوّل الأمر، بل المعلوم بالإجمال هو العنوان بما لـه في الواقع من الأفراد، كما لو علم بموطوئيّـة البيض من هذا القطيع وتردّدت البيض بين كونها عشراً أو عشرين، ففي الأوّل ينحلّ العلم الإجمالي، وفي الثاني لا ينحلّ، بل لابدّ من الفحص التامّ عن كلّ ما يحتمل انطباق العنوان المعلوم بالإجمال عليـه، لأنّ العلم الإجمالي يوجب تنجيز متعلّقـه بما لـه من العنوان. ففي المثال: العلم الإجمالي تعلّق بعنوان البيض بما لـه من الأفراد في الواقع، فكلّ ما كان من أفراد البيض واقعاً قد تنجّز التكليف بـه، ولازم ذلك هو الاجتناب عن كلّ ما يحتمل كونـه من أفراد البيض، والمقام من هذا القبيل، لأنّ المعلوم بالإجمال هي الأحكام الموجودة فيما بأيدينا من الكتب، فقد تنجّزت بسبب هذا العلم الإجمالي جميع الأحكام المثبتـة في الكتب، ولازم ذلك هو الفحص التامّ عن جميع الكتب التي بأيدينا، ولا ينحلّ العلم الإجمالي باستعلام جملـة من الأحكام يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيها. ألا ترى أنّـه ليس للمكلّف الأخذ بالأقل لو علم باشتغال ذمّتـه لزيد بما في الطومار وتردّد ما في الطومار بين الأقلّ والأكثر، بل لابدّ لـه من الفحص التامّ في جميع صفحات الطومار، كما عليـه بناء العرف والعقلاء، وما نحن فيـه يكون بعينـه من هذا القبيل. وعن المناقشـة الثانيـة بأنّـه وإن علم إجمالا بوجود أحكام في الشريعـة أعمّ ممّا بأيدينا من الكتب، إلاّ أنّـه يعلم إجمالا أيضاً بأنّ فيما بأيدينا من الكتب أدلّـة مثبتـة للأحكام مصادفـة للواقع بمقدار يحتمل انطباق ما في الشريعـة عليها، فينحلّ العلم الإجمالي العامّ بالعلم الإجمالي الخاصّ، ويرتفع الإشكال بحذافيره
311
ويتمّ الاستدلال لوجوب الفحص، فتدبّر جيّداً(1)، انتهى. ويرد عليـه أوّلا: أنّ ما ذكره من الفرق في الانحلال وعدمـه بين ما لو كان متعلّق العلم الإجمالي بنفسـه مردّداً بين الأقلّ والأكثر، وبين ما كان عنواناً ليس مردّداً بينهما من أوّل الأمر إنّما يتمّ لو كان متعلّق العلم الإجمالي في القسم الثاني نسبتـه إلى المعنون كنسبـة المحصِّل إلى المحصَّل، وأمّا لو لم يكن من هذا القبيل كما في المثال الذي ذكره فلا وجـه لعدم الانحلال، لانحلال التكليف إلى التكاليف المتعدّدة المستقلّـة حسب تعدّد المعنونات وتكثّرها، وحينئذ فلا يبقى فرق بين القسمين. وثانياً: لو قطع النظر عن ذلك نقول: إنّ تعلّق العلم الإجمالي بعنوان يوجب تنجيز متعلّقـه إذا كان متعلّقـه موضوعاً للحكم الشرعي، وأمّا إذا لم يكن ممّا يترتّب عليـه الحكم في الشريعـة فلا أثر لـه بالنسبـة إليـه، كما في المثال الذي ذكره. فإنّ الموضوع للحكم بالحرمـة ووجوب نفي البلد ـ مثلا ـ إنّما هو الحيوان الموطوء بما أنّـه موطوء، وأمّا كونـه أبيض أو أسود فلا دخل لـه في ترتّب الحكم وحينئذ فالعلم الإجمالي بموطوئيّـة البيض من هذا القطيع لا يؤثّر إلاّ بالنسبـة إلى ما علم كونـه موطوءاً، لكونـه الموضوع للأثر الشرعي. وكذا المقام، فإنّا إنّما نكون مأخوذين بالأحكام الواقعيـة الثابتـة في الشريعـة، وأمّا عنوان كونها مضبوطـة في الكتب التي بأيدينا فهو ممّا لا ارتباط لـه بذلك أصلا، كما هو واضح. ومن المعلوم أنّ العلم الإجمالي بتلك الأحكام الثابتـة في الشريعـة يكون
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 279 ـ 280.

312
من أوّل الأمر متردّداً بين الأقلّ والأكثر، كما أنّ في مثال البيض يكون العلم الإجمالي بالعنوان الموضوع للحكم الشرعي مردّداً بين الأقلّ والأكثر بنفسـه ومن أوّل الأمر. وحينئذ نقول: لو صحّ ما ادّعاه من أنّ تعلّق العلم الإجمالي بعنوان يوجب التنجّز بالنسبـة إلى جميع الأفراد الواقعيـة لذلك العنوان يصير القسم الأوّل أيضاً كالقسم الثاني في عدم الانحلال، بل أولى منـه، لأنّ العنوان فيـه يكون متعلّقاً للحكم الشرعي بخلاف القسم الثاني. وثالثاً: أنّ ما أجاب بـه عن المناقشـة الثانيـة لا يتمّ بناءً على مذهبـه من أنّ المقام من قبيل القسم الثاني من العلم الإجمالي، لأنّ العلم الإجمالي العامّ تعلّق بعنوان «ما في الكتب» أعمّ من الكتب التي بأيدينا أو بعنوان «ما في الشريعـة»، وقد فرض أنّ تعلّقـه بـه يوجب تنجّزه بجميع أفراده الواقعيـة، ولا يعرض لـه الانحلال وإن تردّد بين الأقلّ والأكثر، كما هو غير خفي. ثمّ إنّ مثال الطومار الذي ذكره لا يكون مرتبطاً بالمقام، لأنّ وجوب الفحص التامّ في جميع صفحات الطومار ليس من آثار العلم الإجمالي باشتغال ذمّتـة لزيد، بل يجب الفحص فيها ولو بدون العلم الإجمالي وكون الشبهـة بدويّـة، كما سيأتي أنّ هذا المحقّق يلتزم بوجوب الفحص في مثل المثال ولو مع عدم العلم الإجمالي، فتدبّر جيّداً. ثمّ إنّـه أجاب المحقّق العراقي (قدس سره) ـ على ما في التقرير ـ عن المناقشـة الاُولى المتقدّمـة بأنّها إنّما تتّجـه لو كان متعلّق العلم الإجمالي مطلقاً أو كان مقيّداً بالظفر بـه على تقدير الفحص، ولكن كان تقريب العلم الإجمالي هو كونـه بمقدار من الأحكام على وجـه لو تفحّص ولو في مقدار من المسائل لظفر بـه.
313
وأمّا لو كان تقريبـه بما ذكرناه من العلم بمقدار من الأحكام في مجموع من المسائل المحرّرة على وجـه لو تفحّص في كلّ مسألـة تكون مظانّ وجود محتملـة لظفر بـه. فلا يرد إشكال، فإنّـه على هذا التقريب يترتّب عليـه النتيجـة المزبورة، وهي عدم جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص، ولا يجدي في رفع أثر العلم مجرّد الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال في جملـة من المسائل ليكون الشكّ بدوياً في البقيّـة، كما أنّـه يترتّب عليـه جواز الرجوع إلى البراءة في كلّ مسألـة بعد الفحص وعدم الظفر فيها بالدليل على التكليف، فإنّـه بمقتضى التقيـيد المزبور يستكشف من عدم الظفر بالدليل فيها عن خروجها عن دائرة المعلوم بالإجمال من أوّل الأمر(1)، انتهى. ويرد عليـه: أنّ تقريب العلم الإجمالي بالوجـه الأوّل أو الثاني ليس أمراً موكولا إلى اختيارنا حتّى لو قرّبناه على الوجـه الثاني ترتّب عليـه النتيجـة واندفع الإشكال والمناقشـة، بل لابدّ من ملاحظـة الواقع وأنّ العلم الإجمالي الحاصل لمن التفت إلى المبدأ والشريعـة هل هو على النحو الأوّل أو الثاني. وحينئذ نقول: إنّ المراجعـة إلى الوجدان تشهد بكونـه إنّما هو على النحو الأوّل بل نقول: إنّ لازم تقريبـه بالنحو الثاني هو العلم بوجود حكم إلـزامي في كلّ مسألـة، ضرورة أنّـه مع عدم هذا العلم لا يبقى مجال لوجوب الفحص بعد الظفر بمقدار يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيـه. ومن الواضح أنّـه لا يمكن هذه الدعوى الراجعـة إلى ثبوت حكم إلزامي في كلّ مسألـة، كما لايخفى.
1 ـ نهايـة الأفكار 3: 471 ـ 472.

314
وكيف كان: فالعمدة ما ذكرنا في مقام الجواب عن الاستدلال لوجوب الفحص بالعلم الإجمالي وأنّـه خروج عن فرض كون المورد مجرى للبراءة، فتدبّر. والصحيح الاستدلال لذلك بحكم العقل بوجوب الفحص وعدم حكمـه بقبح العقاب قبل المراجعـة إلى مظانّ ثبوت التكليف وبيانـه، ومع ذلك لا مجال لدعوى الإجماع القطعي على وجوبـه، ضرورة أنّـه على تقدير ثبوتـه لا يكون حجّـة بعد قوّة احتمال أن يكون مستند المجمعين هو هذا الحكم العقلي الضروري، كما أنّ التمسّك بالكتاب والسنّـة لذلك نظراً إلى اشتمالهما على الأمر بالتفقّـة والتعلّم ونظائرهما ممّا لا يخلو من مناقشـة، لأنّـه من البعيد أن يكون المقصود منهما هو بيان حكم تأسيسي تعبّدي، بل الظاهر أنّها إرشاد إلى حكم العقل بذلك. فالدليل في المقام ينحصر في حكم العقل بعدم جواز القعود عن تكاليف المولى اعتماداً على البراءة قبل الرجوع إلى مظانّ ثبوتـه، هذا في الشبهـة الحكميـة. وأ مّا ا لشبهـة ا لموضوعيـة فعلى تقدير جريان البراءة العقليّـة فيها ـ كما هو الحقّ والمحقّق ـ فهل يجب فيها الفحص مطلقاً، أو لا يجب مطلقاً، أو يفصّل بين ما إذا توقّف امتثال التكليف غالباً على الفحص ـ كما إذا كان موضوع التكليف من الموضوعات التي لا يحصل العلم بها إلاّ بالفحص عنـه كالاستطاعـة في الحجّ والنصاب في الزكاة ـ فيجب الفحص، وبين غيره فلا يجب، أو يفصّل بين ما إذا كان تحصيل العلم غير متوقّف إلاّ على مجرّد النظر في المقدّمات الحاصلـة، فيجب، وبين غيره، فلا يجب؟ وجوه بل أقوال.
315
والظاهر هو وجوب الفحص مطلقاً; لأنّ العقل الحاكم بجريان البراءة العقليّـة فيها الراجعـة إلى قبح العقاب من قبل المولى قبل ثبوت الوظيفـة بإحراز الصغرى والكبرى معاً، لا يحكم بذلك إلاّ بعد الفحص واليأس عن إحراز الصغرى، والدليل على ذلك مراجعـة العقلاء في اُمورهم. ألا ترى أنّـه لو أمر المولى عبده بإكرام ضيفـه وتردّد بين كون زيد ضيفـه أم غيره، وكان قادراً على السؤال عن المولى والعلم بذلك هل يكون معذوراً في المخالفـة مع عدم الإكرام؟ كلاّ، فاللازم بحكم العقل، الفحص والتـتبّع في الشبهات الموضوعيّـة أيضاً. هذا كلّـه فيما يتعلّق بأصل اعتبار الفحص. في بيان مقدار الفحص وأمّا مقداره فالظاهر أنّـه يجب إلى حدّ اليأس عن الظفر بالدليل، وهو يتحقّق بالمراجعـة إلى المحالّ التي يذكر فيها أدلّـة الحكم غالباً، ولايجب التفحّص في جميع الأبواب وإن كان قد يتّفق ذكر دليل مسألـة في ضمن مسألـة اُخرى لمناسبـة، إلاّ أنّ ذلك لندوره لا يوجب الفحص في جميع المسائل لأجل الاطّلاع على دليل مسألـة منها، كما لايخفى.
316

317
التعادل والترجيح وقبل الورود في المقصد لابدّ من ذكر فصول:
318

319
الفصل الأوّل عدم تعارض العامّ والخاصّ لا إشكال في أنّ البحث عن التعادل والترجيح من أهم المباحث الاُصوليّـة، بل هو العمدة العليا والمطلب الأقصى، كما لايخفى. اختصاص الكلام في هذا الباب بتعارض الأخبار وموضوعـه هو الدليلان المتعارضان مطلقاً من غير اختصاص بخصوص الأخبار المتعارضـة، لكن حيث كانت الأخبار أهمّ الأدلّـة في باب الفقـه مضافاً إلى أنّ الروايات الدالّـة على الترجيح واردة في خصوص الخبرين المتعارضين، فلذا اختصّ الكلام بخصوص تعارض الروايتين وبيان المرجّحات المنصوصـة وغيرها. فلابدّ أوّلا من بيان ما بـه يتحقّق التعارض ثمّ النظر في المرجّحات. فنقول: الروايات الواردة في باب الترجيح إذا لاحظتها بعد التـتبّع تعرف أنّـه قد اُخذ في موضوع بعضها عنوان التعارض كالمقبولـة الآتيـة(1) وفي موضوع
1 ـ يأتي تخريجـه في الصفحة 338.

320
أكثرها عنوان الاختلاف. والظاهر أنّـه لا فرق بينهما عند العرف الذي يكون هو المرجع في تشخيص مثل هذه الاُمور الواقعـة في موضوعات الأحكام. فكما أنّ تشخيص الماء والخمر والكلب وغيرها من العناوين المأخوذة في الموضوعات راجع إلى العرف ولا مدخليـة للشارع بما هو شارع فيها، فكذلك تشخيص عنوان التعارض والاختلاف الواقع بين الدليلين أو الأدلّـة راجع إليـه أيضاً، لعدم الفرق بين الموارد أصلا. نعم يقع الكلام في تعيـين مورد التشخيص وأنّـه في أيّ مورد يحكم بالتعارض فنقول: لا خفاء في أنّ السالبـة الكلّيـة تناقض الموجبـة الجزئيّـة، وكذا في أنّ الموجبـة الكلّيـة تناقض السالبـة الجزئيـة، وقد بيّن ذلك في علم الميزان، ومع ذلك نرى أنّ العرف لا يحكم بالتناقض بينهما في بعض الموارد. ألا ترى أنّ العرف والعقلاء لا يحكم بتعارض الخاصّ والعامّ، مع أنّ أمرهما غالباً لا يخلو عن السالبـة الكلّيـة والموجبـة الجزئيـة أو العكس. والدليل على عدم حكمهم بتعارضهما ـ مضافاً إلى الوجدان ـ اشتمال القرآن على مثل ذلك مع تصريحـه بعدم الاختلاف فيـه، وأنّـه (لَو كانَ مِن عِندِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيـه اختِلافاً كَثِيراً )(1) ولو كان مثل ذلك من قبيل الدليلين المتعارضين عند العقلاء لما كان لاعتصامهم بحبل القرآن مع اشتمالـه على ذلك مجال أصلا، كما هو أوضح من أن يخفى، هذا. ولكن الظاهر أنّ الحكم بعدم تعارضهما ليس مطلقاً وفي جميع الموارد، لأنّا نراهم أيضاً يحكمون بالمعارضـة فيما لو وقعا في كلام متكلّم عادي، أو في تصنيف
1 ـ النساء (4): 81.

321
مصنّف كذلك، فإنّـه لو وقع في مورد من الرسالـة العمليّـة لفقيـه: أنّـه يجب الوفاء بجميع العقود مثلا، وفي مورد آخر منها: أنّـه لا يجب الوفاء بالعقد الربوي، يرون التعارض بينهما، مع أنّهم لا يرونـه بالنسبـة إلى القرآن الدالّ على ذلك بقولـه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعُقُودِ )(1) وقولـه تعالى: (وَحَرَّمَ الـرِّبَا )(2). والسرّ في ذلك مغايرة محيط التقنين وجعل الأحكام الكلّيـة والقوانين العامّـة لمحيط غيره، كما هو الشأن في القوانين الموضوعـة عند العقلاء، فإنّ بنائهم أوّلا على جعل القانون على سبيل العموم ثمّ تخصيص بعض الموارد بعنوان التبصرة وغيره مثلا. ومرجع ذلك إلى أنّ أصالـة العموم بالنسبـة إلى العموم القانوني لا تبلغ مـن القوّة حدّ مثلها الجاري في غير العموم القانوني، فإنّـه في غيره يعتمد عليها من دون لزوم فحص عن مخصّص، بل قد عرفت(3) أنّـه على تقدير ثبوت المخصّص لا يرونـه إلاّ معارضاً لـه يعملون معهما معاملـة المتعارضين، وهذا بخـلاف أصالـة العموم الجـاريـة فـي العمومـات القانونيـة، فإنّها ضعيفـة غير جاريـة قبل الفحص عن المخصّص، وبعد الفحص أيضاً مع الظفر به، لكونه مقدّماً عليه عندهم ولايكون معارضاً له.
1 ـ المائدة (5): 1. 2 ـ البقرة (2): 275. 3 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 302.

322
الكلام في وجه تقدّم الخاصّ على العامّ فانقدح: أنّ الوجه في تقدّم الخاصّ على العامّ هو اختلاف المحيطين وتغايرهما وأنّ عدم تعارضهما إنّما هو في خصوص محيط التقنين دون غيره. ثمّ إنّ ما ذكرنا إنّما هو في غير ما إذا كان الخاصّ قطعيّاً من حيث السند والدلالـة معاً، وأمّا لو كان كذلك لا يبقى معـه مجال لجريان أصالـة العموم في العامّ، ضرورة أنّ مورده الشكّ وعدم العلم بالتخصيص ومع العلم بـه لا يبقى لها مورد، كما لايخفى. ثمّ إنّـه قد ذكر في وجـه تقديم الخاصّ على العامّ وجوه اُخر لابأس بذكرها وما يرد عليها: كلام الشيخ الأنصاري وما يرد عليه أحدها: ما أفاده الشيخ (قدس سره) في رسائلـه حيث قال بعد تفسير الورود والحكومـة والفرق بين الحكومـة والتخصيص ما ملخّصـه: إنّ ما ذكرنا من الورود والحكومـة جار في الاُصول اللفظيـة أيضاً، فإنّ أصالـة الحقيقـة أو العموم معتبرة إذا لم يعلم هناك قرينـة على المجاز فإن كان المخصّص دليلا علمياً كان وارداً على الأصل المذكور، وإن كان ظنّياً معتبراً كان حاكماً على الأصل، لأنّ معنى حجّيـة الظنّ جعل احتمال مخالفـة مؤدّاه للواقع بمنزلـة العدم في عدم ترتّب ما كان يترتّب عليـه من الأثر لولا حجّيـة هذه الأمارة، وهو وجوب العمل بالعموم عند وجود المخصّص وعدمـه، فعدم العبرة باحتمال عدم التخصيص إلغاء للعمل بالعموم، فثبت أنّ النصّ وارد على أصالـة الحقيقـة إذا كان قطعيّاً من جميع
323
الجهات وحاكم عليـه إذا كان ظنّياً في الجملـة كالخاصّ الظنّي السند مثلا، ويحتمل أن يكون الظنّ أيضاً وارداً بناءً على كون العمل بالظاهر عرفاً وشرعاً معلّقاً على عدم التعبّد بالتخصيص، فحالها حال الاُصول العقليّـة، فتأمّل. هذا على تقدير كون أصالـة الظهور من حيث أصالـة عدم القرينـة. وأمّا إذا كان من جهـة الظنّ النوعي الحاصل بإرادة الحقيقـة الحاصل من الغلبـة أو غيرها فالظاهر أنّ النصّ وارد عليـه مطلقاً وإن كان النصّ ظنّياً، لأنّ الظاهر أنّ دليل حجّيـة هذا الظنّ مقيّد بصورة عدم وجود ظنّ معتبر على خلافـه، فإذا وجد ارتفع موضوع ذلك الدليل، ويشهد لـه أنّا لم نجد ولا نجد من أنفسنا مورداً يقدّم فيـه العامّ من حيث هو على الخاصّ وإن فرض كونـه أضعف الظنون المعتبرة. نعم لو فرض الخاصّ ظاهراً خرج عن النصّ وصار من باب تعارض الظاهرين، فربّما يقدّم العامّ(1)، انتهى. وفيـه مواقع للنظر: منها: أنّ الحكم بورود النصّ على أصالـة الحقيقـة إذا كان قطعيّاً من جميع الجهات خلاف ما جرى عليـه الاصطلاح، بل الظاهر أنّ مفاده خارج عن أصالـة الظهور بالتخصّص، لأنّ ورود أحد الدليلين على الآخر إنّما يكون بمعونـة التعبّد بأحدهما، والنصّ القطعي السند لا يحتاج إلى التعبّد، بل الورود إنّما هو في مثل تقدّم الأمارات على أصل البراءة ـ مثلا ـ بناءً على أن يكون المراد بـ«ما لا يعلمون» في حديث الرفع هو مطلق ما لا حجّـة فيـه، لا خصوص ما لا علم بـه، كما اخترناه سابقاً في مبحث البراءة، فإنّـه حينئذ يكون قيام الأمارة المعتبرة شرعاً رافعاً لموضوع الأصل لأجل كونها حجّـة شرعيّـة، كما لايخفى.
1 ـ فرائد الاُصول 2: 751 ـ 752.

324
ومنها: أنّ ما أفاده على سبيل الاحتمال وأمر في ذيلـه بالتأمّل وهو مشعر ببطلانـه من أن يكون الظنّ وارداً على أصالـة الظهور ـ بناءً على كون العمل بالظاهر معلّقاً على عدم التعبّد بالتخصيص ـ حقّ لا محيص عنـه، فإنّـه لو كان مستند أصالـة الظهور هي أصالـة عدم القرينـة ـ كما هـو المفروض ـ يكون التعبّد بالظنّ واعتباره تعبّداً بوجود القرينـة، ومع وجودها بحكم التعبّد يكون الظنّ وارداً عليها قطعاً، لخروج مؤدّاه عنها بمعونـة التعبّد بوجود القرينـة، كما هو غير خفي. ومنها: أنّ الحكم بورود النصّ الظنّي على أصالـة الظهور التي مستندها الظنّ النوعي بإرادتـه الحاصل من الغلبـة أو من غيرها، لكون دليل حجّيـة هذا الظنّ مقيّد بصورة عدم وجود ظنّ معتبر على خلافـه، غير تامّ; لأنّ الطرفين حينئذ ثابتان ببناء العقلاء، ضرورة أنّ حجّيـة الظواهـر لا مستند لها إلاّ بناء العقلاء، كما أنّـه المستند الفرد لاعتبار خبر الواحـد ـ بناءً على ما هو التحقيق على ما مرّ في بحث خبر الواحد ـ ولا معنى لورود أحدهما على الآخـر، كما أنّـه لا معنى لحكومـة الثاني على الأوّل بناءً على كون أصالـة الظهور من حيث أصالـة عدم القرينـة على ما صرّح بـه في أوّل كلامـه، لأنّ الحكومـة والورود مـن أحـوال الدليل اللفظي كما اعترف بـه في تفسير الحكومـة حيث قال: ضابطها أن يكون أحد الدليلين بمدلولـه اللفظي متعرّضاً لحال الدليل الآخر... إلى آخره(1). وأمّا ما استشهد بـه لما أفاده من أنّا لم نجد ولا نجد من أنفسنا مورداً يقدّم فيـه العامّ على الخاصّ... إلى آخره، فغايـة ذلك هو تقدّم الخاص على العامّ.
1 ـ فرائد الاُصول 2: 750.

325
وأمّا كون الوجـه في ذلك ما أفاده فلا دلالـة على ذلك، بل نحن ندّعي أنّ الوجـه في ذلك ما ذكرناه من اختلاف محيط جعل القانون لغيره. ومنها: أنّ الحكم بتعارضهما لو كان الخاصّ ظاهراً وبأنّـه ربّما يقدّم العامّ حينئذ خلاف ما عليـه بناء العقلاء، فإنّـه لم يوجد مورد يقدّم فيـه العامّ على الخاصّ وإن كان ظاهراً، فلا محيص حينئذ عمّا ذكرنا، فتأمّل جيّداً. كلام المحققّ الخراساني ونقده ثانيها: ما أفاده المحقّق الخراساني (قدس سره) من أنّ الوجـه في تقدّم الخاصّ على العامّ والمقيّد على المطلق هو كون أحدهما قرينـة على التصرّف في الآخر، لكونـه النصّ أو الأظهر والآخر ظاهر دائماً، وبناء العرف على كون النصّ أو الأظهر قرينـة على التصرّف في الظاهر، وبهذا ترتفع المعارضـة من بينهما وإن كانت متنافيـة بحسب مدلولاتها، لعدم تنافيهما في الدلالـة وفي مقام الإثبات بحيث تبقى أبناء المحاورة متحيّرة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون السند فيهما قطعيّاً أو ظنّياً أو مختلفاً، فيقدّم النصّ أو الأظهر وإن كان بحسب السند ظنّياً على الظاهر وإن كان بحسبـه قطعيّاً(1)، انتهى. ويرد عليه: أنّـه لو فرض كون العامّ والخاصّ من قبيل: أكرم كلّ عالم وأهن كلّ عالم فاسق، فلا ترجيح لظهور أحدهما على الآخر، ضرورة أنّ دلالـة كلّ منهما على الوجوب إنّما هو لأجل صيغـة الأمـر الظاهرة في الوجـوب، كما أنّ دلالـة كلّ منهما على العموم إنّما هـو لأجـل الإتيان بكلمـة «كلّ» الظاهـرة في
1 ـ كفايـة الاُصول: 498.

326
العموم حسب ما مرّ في مبحثـه(1) ومدخولها في كلّ منهما هو المشتقّ الموضوع بالوضع العامّ والموضوع له كذلك. ومن المعلوم أنّه لايكون لمجموع الجملة وضع آخر ماعدا وضع مفرداتها، وعلى تقديره لافرق بين الجملتين، كما هو واضح. ودعوى: أنّ الأظهريّـة إنّما هي باعتبار أنّ دلالـة كلّ عالم على أفراده الفاسقين أضعف من دلالـة كلّ فاسق منهم على تلك الأفراد، لأنّ الدلالـة الاُولى إنّما هي الدلالـة بالعرض، والثانيـة إنّما هي بالذّات، ومن المعلوم أظهريّتها بالنسبـة إلى الاُولى، كما لايخفى. مدفوعـة: بمنع دلالـة العامّ على الأفراد بخصوصيّاتها، بل امتناعها، ضرورة أنّ شمولـه لمثل زيد وعمرو وبكر وغيرهم من أفراد العلماء إنّما هو لأجل كونهم عالمين، لا لأجل تشخّصهم بتلك الخصوصيات، كما أنّ دلالـة كلّ فاسق منهم على الأفراد أيضاً كذلك. نعم تبقى دعوى الاختلاف في الانطباق، لأنّ انطباق العامّ على أفراد الخاصّ ليس بمثابـة انطباق الخاصّ على أفراده. ولكنّـه يرد عليها: أنّ الانطباق أمر لا ربط لـه بمقام الدلالـة والإثبات والظهور وأخواه من حالات الدلالـة، كما هو واضح. فانقدح أنّ التحليل يقضي بعدم استلزام الخاصّ لكونـه نصّاً أو أظهر، بل ربّما يتساوى الظهوران، بل قد يكون ظهوره أضعف من ظهور العامّ، ومن المعلوم الذي لا يشوبـه ريب أنّ تقديم الخاصّ على العامّ عند العرف والعقلاء لا يكون دائراً مدار قوّة ظهوره، بل لابدّ من الالتزام بما ذكرنا، فتدبّر جيّداً.
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 263 ـ 264.

327
كلام المحقّق الحائري وما يرد عليه ثالثها: ما أفاده شيخنا المحقّق الحائري (قدس سره) في كتاب الدرر وإن رجع عنـه في مجلس الدرس على ما حكاه سيّدنا الاُستاذ دام بقاءه، ومحصّلـه: أنّ وجـه تقديم الخاصّ الظنّي مـن حيث السند على العامّ أنّ دليل اعتبار السند يجعل ظهور العموم في الخاصّ بمنزلـة معلوم الخـلاف، فإنّ الأخـذ بسند الخاصّ الـذي لا احتمال فيـه بعد الأخـذ بـه سوى معناه الـذي هـو في مقابـل العامّ مرجعـه إلى جعل هذا المضمون بمنزلـة المعلوم، فتحصل غايـة حجّيـة الظواهر بنفس دليل اعتبار السند، بخلاف دليل حجّيـة الظاهر، فإنّـه ليس معناه ابتداءً جعل الغايـة لحجّيـة الخبر الواحـد، بل مقتضاه ابتداءً هـو العمل بالظاهـر وكونـه مـراداً مـن العامّ. نعم لازمـه عدم صدور الخبر الدالّ على خلافـه من الإمام (عليه السلام)، لأنّ المفروض كونه نصّاً من جميع الجهات، فدليل حجّيـة السند موضوعـه محقّق في رتبة تعلّقها به بخلاف دليل حجّية الظاهر، فإنّـه يرد معـه ما يرفع موضوع الحجّية. وبعبارة اُخرى دليل حجّيـة السند يرفع موضوع حجّيـة الظاهر بنفس وجوده بخلاف العكس. نعم دليل حجّيـة الظواهر يرفع موضوع حجّيـة السند في الرتبـة المتأخّرة عن مجيء الحكم، ففي المرتبـة الاُولى لا مانع من مجيء دليل اعتبار السند لتحقّق موضوعـه في هذه الرتبـة، وبـه يرتفع موضوع ذلك الدليل(1)، انتهى.
1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري 2: 639 ـ 640.

328
ويرد عليـه : أوّلا : منع تقدّم سند الخاصّ على دلالتـه، فضلا عن ظهور غيره، ضرورة أنّ المراد بالتقدّم لابدّ وأن يكون هو التقدّم الطبعي، ضرورة أنّ التقدّم المتصوّر هنا ماعدا التقدّم الطبعي هو التقدّم الذكري الراجع إلى التقدّم الزماني. ومن المعلوم أنّـه لا يوجب الترجيح، وإلاّ لكان اللازم تقديم العامّ إذا كان صدوره سابقاً على الخاصّ من حيث الزمان، مع أنّـه لا فرق عند العرف والعقلاء في تقديم الخاصّ على العامّ بين الموارد أصلا. فالمراد بالتقدّم لا محالـة هو التقدّم الطبعي، ودعواه في المقام أيضاً ممنوعـة، ضرورة أنّ الملاك في التقدّم الطبعي هو كون المتقدّم علّـة للمتأخّر أو جزء من أجزاء علّتـه، أو كان كتقدّم أجزاء الماهيّـة عليها. ومن الواضح انتفاء ملاكـه في المقام، لعدم كون السند علّـة للمتن، فضلا عن دلالتـه ولا جزء علّـة منـه، فدعوى التقدّم الطبعي في مثل ما نحن فيـه تحكمّ صرف وباطلـة محضـة. وثانياً : أنّـه لو سلّم ذلك وأنّ السند متقدّم على المتن بالتقدّم الطبعي الراجـع إلـى منشائيـة المتقدّم للمتأخّـر وكونـه ناشئـاً منـه بحيث يصدق أنّـه وجـد فوجد، لكن لا نسلّم أنّ من آثاره أن يكون مجيء دليل اعتباره أوّلا قبل مجيء دليل اعتبار الظاهر كما حقّقنا ذلك في باب الشكّ السببي والمسبّبي من مبحث الاستصحاب وذكرنا هناك أنّ العلّـة في جريان الاستصحاب في الشكّ السببي ليس كونـه متقدّماً في الرتبـة على الشكّ المسبّبي لكونـه ناشئاً منـه، بـل العلّـة أمر آخر ذكرناه في ذلك الباب مفصّلا(1) والفرض الآن الإشارة إلى عدم
1 ـ الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 243 ـ 250.

329
اقتضاء التقدّم الرتبي لتقدّم مجـيء دليل اعتباره. وثا لثاً : أنّـه لو سلّم جميع ذلك وأنّ التقدّم الرتبي يقتضي التقدّم بحسب مجيء دليل الاعتبار، لكـن نقول: غايـة ذلك هو تقدّم دليل اعتبار السند على دليل اعتبار ظاهر متن ذلك السند، لا تقدّمـه على دليل اعتبار ظاهر أمر آخر، وهـو العامّ في المقام، لأنّ ملاك التقدّم مفقود بالنسبـة إليـه. وما اشتهر من أنّ مامع المتقدّم في الرتبـة يكون متقدّماً في الرتبـة، ومامع المتأخّر فيها يكون متأخّراً فيها، فهو من الأغاليط المشهورة، لما مرّ غير مرّة من أنّ التقدّم الرتبي يتقوّم بملاكـه وهو كون المتقدّم علّـة أو جزء علّـة، ومجرّد تحقّق المعيّـة مع المتقدّم لا يوجب اشتمال المصاحب على ملاك التقدّم أيضاً، وكذا بالنسبـة إلى المتأخّر. فانقدح من جميع ما ذكرنا: الخلل فيما أفاده، ولعلّـه لما ذكرنا رجع عنـه في مجلس الدرس على ما حكي. كلام المحقّق النائيني ونقده رابعها: ما أفاده المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ من أنّ أصالـة الظهور في طرف الخاصّ تكون حاكمـة على أصالـة الظهور فـي طـرف العامّ، لأنّ الخاصّ يكون بمنزلـة القرينـة على التصرّف فـي العامّ، كما يتّضح ذلك بفرض وقوعهما معاً في مجلس واحد من متكلّم واحد، ولا يكاد يشكّ في حكومـة أصالـة الظهور في القرينة على أصالة الظهور في ذي القرينة ولو كان ظهور القرينة أضعف من ظهور ذيها، كما يظهر ذلك من قياس ظهور «يرمي» في قولك: «رأيت أسداً يرمي» في رمي النبل على ظهور «أسد» في الحيوان
330
المفترس، فإنّه لا إشكال في كون ظهور «أسد» في الحيوان المفترس أقوى من ظهور «يرمي» في رمي النبل، لأنّـه بالوضع، وذلك بالإطلاق، والظهور الوضعي أقوى من الظهور الإطلاقي، ومع ذلك لم يتأمّل أحد في تقديمـه عليه، وليس ذلك إلاّ لأجل كونـه قرينـة عليـه وأنّ أصالـة الظهور في القرينـة حاكمـة على أصالـة الظهور في ذيها(1)، انتهى. وما أفاده ينحلّ إلى دعويـين: إحداهما: دعوى كون الخاصّ قرينـة على العامّ ككون «يـرمي» قرينـة على أنّ المراد من الأسد ليس هو الحيوان المفترس، بل الرجل الشجاع. ثانيتهما: دعوى كون أصالـة الظهور في القرينـة حاكمـة على أصالـة الظهور في ذي القرينـة ولو كان ظهورها أضعف من ظهور ذيها. ويرد على الدعوى الثانيـة: أنّـه إن كان تقديم أصالـة الظهور في القرينـة على أصالـة الظهور في ذيها لأجل الحكومـة بعد تشخيص القرينـة وتميّزها عن ذيها كتشخيص أنّ القرينـة في المثال المذكور هو «يرمي» لا «الأسد»، حيث إنّـه يحتمل أن تكون القرينـة هو «الأسد» لا «يرمي»، لأنّـه كما يحتمل أن يكون «يرمي» قرينـة على التصـرّف في «الأسد»، وأنّ المـراد منـه هو الرجل الشجاع، كذلك يحتمل أن يكون «الأسد» قرينـة على التصرّف في «يرمي» وأنّ المراد منـه هـو الرمي بالمخلب لا بالنبل، بل هذا الاحتمال أقوى بملاحظـة ما اعترف بـه من أنّ ظهور «يرمي» في الرمي بالنبل إطلاقي، وظهور «أسد» في معناه ظهور وضعي.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 720 ـ 721.

331
وكيف كان: فإن كان التقديم بعد إحراز القرينـة، فمن المعلوم أنّـه بعد تشخيصها عن غيرها لا تصل النوبـة إلى تقديم أحد الأصلين على الآخـر، بل يعلم بعدم كون الظهور في طرف ذي القرينـة مراداً أصلا، وإن كان التقديم قبل إحراز القرينـة فمن الواضح أنّـه لا مجال لهذا التقديم إلاّ بالنسبـة إلى ما كان ظهوره أقوى. ومن ذلك يظهر بطلان الدعوى الاُولى أيضاً وأنّ الخاصّ لا يكون قرينـة على العامّ أصلا، بل تقديمـه عليـه لأجل ما ذكرنا، لا لأجل كونـه قرينـة وكون الأصل فيها حاكماً على الأصل في ذيها. تحقيق في الاُصول اللفظية ومرجع ما ذكرنا إلى أنّ أصالـة تطابق الإرادة الجدّيـة والإرادة الاستعماليـة التي لابدّ من الرجـوع إليها لتشخيص مـراد المتكلّم بعد الاطّلاع على ظهور كلامـه إنّما تجـري بالنسبـة إلى العامّ فيما إذا لم يكن صادراً على سبيل القانون، أو فيما إذا كان كذلك لكـن بعد الفحص عـن المخصّص واليأس عـن الظفر بـه، وإلاّ فلا تجري في العموم القانوني، لبناء العرف والعقلاء عليـه، ومرجع هذا الأصل إلى أصالـة عدم الخطأ والاشتباه الجاريـة عند العقلاء في أفعالهم وأقوالهم، وهو الأصل الوحيد والأمر الفريد لتشخيص مراد المتكلّم. وأمّا أصالـة العموم وأصالـة الظهور وأصالـة الحقيقـة وأصالـة عدم القرينـة وغيرها من الاُصول المتداولـة في ألسنـة الاُصوليـين فمرجع جميعها إلى أصالـة عدم الخطأ والاشتباه، وليست اُصولا متعدّدة جاريـة في مجاري مختلفـة،
332
ضرورة أنّـه إن كان المراد بأصالـة الظهور هو كون المعنى الفلاني ظاهراً من اللفظ الفلاني، فمن المعلوم ـ مضافاً إلى أنّـه ليس مرادهم منـه ذلك ـ أنّـه لا معنى لجعل أصل لتشخيص الظاهر عن غيره، وإن كان المراد بهما هو كون المعنى الظاهر مراداً للمتكلّم فهو راجع إلى أصالـة الجدّ الراجعـة إلى أصالـة عدم الخطأ والاشتباه، وكذا الحال في غيرها من الاُصول. ثمّ إنّ جريان هذا الأصل لا يختصّ بالاستعمالات الحقيقيّـة، بل الظاهر جريانها في الاستعمالات المجازيّـة، فإنّـه لو قال: «رأيت أسداً يرمي» يكون استكشاف مراده متوقّفاً على إجراء أصالـة عدم الخطأ وأنّ ذكر يرمي لا يكون من باب الاشتباه، بل لـه دخل في إفادة المراد. ومن هنا يظهر: أنّ ما وقع في عباراتهم من احتمال استناد أصالـة الظهور إلى أصالـة عدم القرينـة فاسد جدّاً، ضرورة أنّـه في المثال تجري أصالـة الظهور الراجعـة إلى كون الظهور مراداً للمتكلّم. غايـة الأمر أنّ الظهور المنعقد إنّما هو الظهور الحاصل من مجموع الكلام المشتمل على القرينـة وذيها، مع أنّـه من الواضح أنّـه لا مجال لجريان أصالـة عدم القرينـة، لأنّ المفروض اشتمال الكلام عليها، فافهم واغتنم.
333
الفصل الثاني عدم شمول أخبار العلاج للعامّ والخاصّ قد عرفت(1) أنّ الروايات الواردة في علاج الأخبار المتعارضـة مشتملـة على التعرّض لحكم عنوانين: أحدهما: عنوان المتعارضين، كما وقع في بعضها. ثانيهما: عنوان الخبرين المختلفين. كما ورد في أكثرها. وعرفت أيضاً أنّ اللازم في تشخيص موضوع التعارض والاختلاف الرجوع إلى العرف الذي هو المحكّم في مثل ذلك، وأنّ العرف لا يرى العامّ والخاصّ متعارضين فيما إذا وقعا في محيط التقنين وبيان الأحكام على سبيل العموم أوّلا، ثمّ بيان دائرة المراد الجدّي وأنّها أضيق من المراد الاستعمالي. فالروايات الواردة في علاج المتعارضين من الخبرين لايشمل العامّوالخاصّ من رأس; لعدم التعارض الراجع إلى التحيّر في مقام استكشاف المراد، هذا. حول كلام المحقّق الخراساني وا لعلاّمـة الحائري ويظهـر المخـالفـة فيمـا ذكـرنـا مـن المحقّقين العلميـن الخـراسانـي والحائري (قدس سرهما)في كتابي الكفايـة والدرر. قال في الأوّل ـ بعد توجيـه قول المشهور بما يرجع إلى ما ذكرنا ـ: ويشكل
1 ـ تقدّم في الصفحـة 319 ـ 320.

334
بأنّ مساعدة العرف على الجمع والتوفيق وارتكازه في أذهانهم على وجـه وثيق لا يوجب اختصاص السؤالات بغير موارد الجمع، لصحّـة السؤال بملاحظـة التحيّر في الحال، لأجل ما يتراءى من المعارضـة وإن كان يزول عرفاً بحسب المآل، أو للتحيّر في الحكم واقعاً وإن لم يتحيّر فيـه ظاهراً، وهو كاف في صحّتـه قطعاً، مع إمكان أن يكون لاحتمال الردع شرعاً عن هذه الطريقـة المتعارفـة بين أبناء المحـاورة، وجـلّ العناويـن المأخـوذة فـي الأسئلـة لـولا كلّها يعمّها، كما لايخفى(1). وقال في الثاني ما يقرب من ذلك، حيث ذكر: أنّ المرتكزات العرفيّـة لا يلزم أن تكون مشروحـة ومفصّلـة عند كلّ أحد حتّى يرى السائل في هذه الأخبار عدم احتياجـه إلى السؤال عن حكم العامّ والخاصّ المنفصل وأمثالـه، إذ ربّ نزاع بين العلماء يقع في الأحكام العرفيّـة، مع أنّهم من أهل العرف، سلّمنا التفات كلّ الناس إلى هذا الحكم حتّى لا يحتمل عدم التفات السائلين في تلك الأخبار، فمن الممكن السؤال أيضاً، لاحتمال عدم إمضاء الشارع هذه الطريقـة، وعلى هذا يجب أن يؤخذ بإطلاق الأخبار. وقد أيّد ما أفاده بروايتين: إحداهما: ما ورد في روايـة الحميري عن الحجّـة ـ صلوات اللّه وسلامـه عليـه ـ من قولـه (عليه السلام) في جواب مكاتبتـه: «في ذلك حديثان، أمّا أحدهما: فإذا انتقل من حالـة إلى اُخرى فعليـه التكبير، وأمّا الآخر: فإنّـه روي أنّـه إذا رفع رأسـه من السجدة الثانيـة وكبّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليـه في القيام بعد
1 ـ كفايـة الاُصول: 511.

335
القعود تكبير، وكذلك التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى، وبأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً»(1)، فإنّـه (عليه السلام) أمر بجواز الأخذ بكلّ من الخبرين، مع أنّ الثاني أخصّ مطلقاً من الأوّل. ثانيتهما: روايـة علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لعبد اللّه بن محمّد إلى أبيالحسن (عليه السلام): اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبيعبداللّه (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم: صلّها في المحمل. وروى بعضهم: لا تصلّها إلاّ على الأرض؟ فوقّع (عليه السلام): «موسّع عليك بأيّـة عملت»(2). فإنّـه (عليه السلام) أمر بجواز الأخذ لكلّ من الخبرين، مع أنّهما من قبيل النصّ والظاهر، لأنّ الاُولى نصّ في الجواز، والثانيـة ظاهرة في عدمـه، لإمكان حملها على أنّ إيقاعها على الأرض أفضل، مع أنّـه (عليه السلام)أمر بالتخيـير(3)، انتهى. ويرد عليهما: أنّ التحيّر الابتدائي الزائـل بمجرّد التأمّل والتوجّـه الثانوي لا يوجب السؤال عن حكم العامّ والخاصّ، خصوصاً بعد عدم كون السؤال عن خصوص مورد تكون النسبـة فيـه بين الدليلين الواردين فيـه العموم والخصوص، بل كان السؤال عن مطلق الخبرين المتعارضين المنصرف هذا العنوان إلى ما يكون متعارضاً عند عامّـة الناس وعرف أهل السوق.
1 ـ الاحتجاج 2: 596، وسائل الشيعـة 27: 121، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث39. 2 ـ تهذيب الأحكام: 3: 228 / 583، وسائل الشيعـة 27: 122، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث44. 3 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 679 ـ 680.

336
وبالجملـة: لا يكون مورد السؤال هو خصوص مصداق من مصاديق العامّ والخاصّ حتّى يوجّـه بأنّ المرتكزات العرفيّـة لا يلزم أن تكون مشروحـة ومفصّلـة عند كل أحد... إلى آخره، بل مورده هو كلّ مورد يصدق عليـه عنوان المتعارضين أو المختلفين، ولابدّ من حمل ذلك على ما يراه العرف كذلك. ومن المعلوم كما اعترفا بـه أنّ العامّ والخاصّ لا يكون عند العرف كذلك. وأمّا السؤال بملاحظـة التحيّر في الحكم الواقعي فهو وإن كان أمراً معقولا، إلاّ أنّـه إنّما يمكن فيما إذا كان مورد السؤال هو خصوص مورد يكون تعارض دليليـه من هذا القبيل. وأمّا السؤال عن الحكم الواقعي في جميع الموارد التي تكون كذلك فلا وجـه لـه، كما أنّـه لا يمكن الجواب عنـه بما في الروايات العلاجيّـة، كما هو واضح، لأنّـه لا يعقل بيان الحكم الواقعي في جميع الموارد بمثل ذلك. وأمّا السؤال عن ذلك لاحتمال ردع الشارع عن الطريقـة المستمرّة بين العقلاء الثابتـة عندهم، فهو وإن كان سؤالا تامّاً، إلاّ أنّـه يغاير السؤال الواقع في تلك الروايات، فإنّـه ليس في شيء منها الإشعار فضلا عن الدلالـة بأنّ المسؤول عنـه هو الردع أو عدمـه، كما أنّ الروايتين اللتين أيّد بهما المحقّق الحائري ما أفاده لا ارتباط لهما بالمقام. أمّا الروايـة الاُولى، فمضافاً إلى ضعف سندها، لأنّـه لم يثبت لنا إلى الحال حال مكاتبات الحميري، نقول: لو كان موردها من مصاديق المتعارضين لما كان الجواب بأنّ كلاّ منهما صواب، بصواب; فإنّـه لا يعقل أن يكون كلّ من المتعارضين مطابقاً للواقع ومنطبقاً عليـه عنوان الصواب، فالحكم بجواز الأخذ بكلّ منهما الراجع إلى أنّ المكلّف مختار في الفعل والترك إنّما هو لأجل عدم
337
وجوب التكبير عند القيام بعد القعود من السجدة الثانيـة، وكذلك التشهّد الأوّل، فمرجعـه إلى ترجيح الخاصّ على العامّ، فليس فيها دلالـة على التخيـير بين العامّ والخاصّ لأجل كونهما من مصاديق المتعارضين. وأمّا الروايـة الثانيـة فهي أيضاً لا تؤيّد ما رامـه، لأنّ الحكم بالتوسعـة في العمل بأيّـتهما، مرجعـه إلى التخيـير في مقام العمل بين صلاة الركعتين في المحمل وبينها على الأرض، والتخيـير في مقام العمل معناه نفي لزوم صلاتهما على الأرض، وهو يرجع إلى ترجيح النصّ على الظاهر، فلا دلالـة فيها على التخيـير بين العامّ والخاصّ لأجل كونهما من المتعارضين. هذا مضافاً إلى أنّ الروايتين موهونتان من جهـة أنّ السؤال عن الحكم الواقعي لا يلائمـه الجواب بمثل ما ذكر فيهما، لأنّـه لا يكون مورد السؤال هو مطلق الخبرين المتعارضين حتّى يلائمـه الجواب بالتخيـير، كما لايخفى. فانقدح من جميع ما ذكرنا عدم كون العامّ والخاصّ مشمولا لأخبار العلاج وفاقاً للمشهور.
338
الفصل الثالث في القاعدة المشهورة وهي: أنّ ا لجمع بين ا لدليلين مهما أمكن أولى من ا لطرح وظاهرها الإطلاق من حيث وجود المرجّح وعدمـه، فيكون الجمع مع وجـود المرجّح أولى من الترجيح ومع التعادل أولى من التخيـير، وقد ادّعي عليها الإجماع. قال الشيخ ابن أبيجمهور الإحسائي في محكي عوالي اللآلي: إنّ كلّ حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك أوّلا البحث عن معناهما وكيفيّـة دلالـة ألفاظهما، فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل والدلالات فأحرص عليـه واجتهد في تحصيلـه، فإنّ العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما وتعطيلـه بإجماع العلماء، فإذا لم تـتمكّن من ذلك ولم يظهر لك وجـه فارجع إلى العمل بهذا الحديث(1)، انتهى. وأشار بهذا إلى مقبولـة عمر بن حنظلـة(2). هذا، ولكن الظاهر أنّ مـراده مـن الجمع بين الدليلين هو الجمع العقلائي في الموارد التي لا تكون الأدلّـة فيها متعارضـة كالعامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد، والدليل على ذلك أمران: أحدهما: دعواه الإجماع على ذلك، مع أنّـه لا إجماع في غير تلك الموارد
1 ـ عوالي اللآلي 4: 136. 2 ـ الكافي: 1: 54 / 10، وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث1.

339
لو لم نقل بثبوت الإجماع على خلافـه، من حيث إنّ علماء الإسلام من زمن الصحابـة إلى يومنا هذا لم يزالوا يستعملون المرجّحات في الأخبار المتعارضـة بظواهرها، ثمّ اختيار أحدهما وطرح الآخر من دون تأويلهما معاً لأجل الجمع. ثانيهما: الاستدلال على هذه القاعدة بأنّ دلالـة اللفظ على تمام معناه أصليّـة، وعلى جزئـه تبعيّـة، وعلى تقدير الجمع يلزم إهمال دلالـة تبعيّـة، وهو أولى ممّا يلزم على تقدير عدم الجمع وهو إهمال دلالـة أصليـة. فإنّ هذا الدليل يناسب مع ما إذا كان الجمع مستلزماً للتصرّف في جزء مدلول الآخر، وهو يتحقّق بالنسبـة إلى العامّ والخاصّ، فإنّ الجمع بينهما يقتضي إهمال الدلالـة التبعيّـة الثابتـة للعامّ، كما هو واضح. وكيف كان: فإن كان المراد من القاعدة ما ذكرنا فلابأس بها، لما عرفت(1)في العامّ والخاصّ. وإن كان المراد منها ما هو ظاهرها من أنّ الجمع بين الدليلين ولو كانا متعارضين عند العقلاء مهما أمكن ولو بالحمل على جهات التأويل أولى من الطرح، فيرد عليها عدم الدليل على إثباتـه من إجماع أو غيره، كدعوى أنّ الأصل في الدليلين الإعمال، فيجب الجمع بينهما مهما أمكن، لاستحالـة الترجيح من غير مرجّح. وقد فصّل الكلام في هذا المقام الشيخ المحقّق الأنصاري (قدس سره) (2) في الرسائل، بل أتعب نفسـه الشريفـة لإثبات عدم ثبوت مستند للقاعدة وإن كان
1 ـ تقدّم في الصفحـة 319 ـ 321. 2 ـ فرائد الاُصول 2: 754 ـ 755.

340
لايخلو بعض مواقع كلامـه عن النظر، كدعواه أنّـه لا إشكال ولا خلاف في أنّـه إذا وقع التعارض بين ظاهري مقطوعي الصدور كآيتين أو متواترين وجب تأويلهما والعمل بخلاف ظاهرهما، لأنّ القطع بصدورهما عن المعصوم قرينـة صارفـة لتأويل كلّ من الظاهرين. فإنّـه يرد عليـه: أنّ القطع بالصدور لا يوجب التصرّف في الظاهر، بمعنى أنّـه لا ينحصر طريق دفع التعارض بذلك، بل يمكن التصرّف في جهـة صدور واحد منهما بدعوى عدم كونـه صادراً لأجل بيان الحكم الواقعي، كما لايخفى. وبالجملـة: فالقاعدة بالمعنى المذكور لم يدلّ عليـه دليل أصلا.
341
الفصل الرابع كلام الشيخ في الفرق بين النصّ والظاهر والأظهر والظاهر ثمّ إنّـه يستفاد من الشيخ (قدس سره) (1) في المقام الرابع المعقود لبيان المرجّحات من كتاب التعادل والترجيح ثبوت الفرق بين النصّ والظاهر والأظهر والظاهر من جهتين: إحداهما: كون النصّ والظاهر خارجاً عن موضوع الأخبار العلاجيّـة التي موضوعها الخبران المتعارضان أو المختلفان، بمعنى عدم شمولها لـه موضوعاً، وأمّا الأظهر والظاهر فهو خارج عنها حكماً، بمعنى شمول تلك الأخبار لـه، ولكن لا ينظر فيـه إلى المرجّحات السنديّـة، بل يقدّم الأظهر على الظاهر الذي مرجعـه إلى الجمع الدلالي. ثانيتهما: أنّ تقديم النصّ على الظاهر ثابت مطلقاً ولا يكون مشروطاً بشرط، وهذا بخلاف تقديم الأظهر على الظاهر، فإنّـه مشروط بكونـه مقبولا عند العقلاء مطبوعاً لديهم، هذا. وفي كليهما نظر: أمّا الأوّل: فلأنّ المراد بالتعارض الموجب لشمول أخبار العلاج للدليلين إن كان هو التعارض الابتدائي فمن الواضح تحقّقـه في النصّ والظاهر أيضاً، كما في الأظهر والظاهر، فلا وجـه لدعوى خروجـه عنها موضوعاً.
1 ـ فرائد الاُصول 2: 788.

342
وإن كان هو التعارض المستقرّ الغير الزائل بالتأمّل والتوجّـه فمن المعلوم عدم تحقّقـه في الأظهر والظاهر أيضاً، فلا وجـه لدعوى دخولـه فيها موضوعاً، مع أنّـه على تقدير دخولـه فيها لا وجـه لدعوى الخروج الحكمي، فإنّـه ليس في شيء من الأخبار العلاجيّـة الإشعار بالجمع الدلالي وكونـه متقدّماً على إعمال المرجّحات السنديّـة، كما هو واضح. وأمّا الثاني: فلأنّ تقديم النصّ على الظاهر أيضاً مشروط بكونـه مـورداً لقبول العقلاء، ألا تـرى أنّهم لا يقدّمـون قولـه: صلِّ فـي الحمام ـ مثلا ـ على قولـه: لا تصلِّ في الحمام كـذلك. مـع أنّ الأوّل نصّ في الجـواز، والثاني ظاهـر في عدمـه، بل يعاملون معهما معاملـة المتعارضين، كما يظهر بالمراجعـة إليهم. فانقدح من ذلك: عدم الفرق بين النصّ والظاهر والأظهر والظاهر، وأنّـه لابـدّ فـي الحكم بتقديم النصّ أو الأظهـر مـن مساعـدة العقلاء، ثـمّ الحكـم بالخروج من أخبار العلاج موضوعاً، وليس في البين خروج حكمي، بل الأمر يدور بين الدخول في الموضوع وترتّب الآثار المترتّبـة عليـه وخروجـه عنـه، كما عرفت.
343
الفصل الخامس في الموارد التي قيل أو يمكن أن يقال باندراجها في النصّ والظاهر، أو في الأظهر والظاهر وهي وإن كانت غير منضبطة، لاختلافها باختلاف المقامات، إلاّ أنّـه يمكن ضبط كلّياتها غالباً، وحيث إنّ كلام المحقّق النائيني (قدس سره) في هذا المقام أحسن وأشمل من حيث التعرّض لأكثر الموارد فنحن أيضاً نقتفي أثره ونتعرّض للموارد التي تعرّض لها مع ما أفاده فيها، ونضمّ إليه ما عندنا من الإيراد عليه لو كان. في الموارد التي ادّعي اندراجها في النصّ والظاهر فنقول:قال: وجود قدر المتيقّن في مقام التخاطب من جملـة ا لموارد ا لمندرجـة في ا لنصوصيّـة : ما إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن في مقام التخاطب، فإنّ القدر المتيقّن في مقام التخاطب وإن كان لا ينفع في مقام تقيـيد الإطلاق ما لم يصل إلى حدّ يوجب انصراف المطلق إلى المقيّد ـ كما تقدّم تفصيلـه في مبحث المطلق والمقيّد ـ إلاّ أنّ وجود القدر المتيقّن ينفع في مقام رفع التعارض عن الدليلين، فإنّ الدليل يكون كالنصّ في القدر المتيقّن، فيصلح لأن يكون قرينـة على التصرّف في الدليل الآخر.
344
مثلا لو كان مفاد أحد الدليلين وجوب إكرام العلماء، وكان مفاد الآخر حرمـة إكرام الفسّاق، وعلم من حال الآمر أنّـه يبغض العالم الفاسق ويكرهـه أشدّ كراهـة من الفاسق الغير العالم، فالعالم الفاسق متيقّن الاندراج في عموم قولـه: «لا تكرم الفسّاق» ويكون بمنزلـة التصريح بحرمـة إكرام العالم الفاسق، فلابدّ من تخصيص قولـه: «أكرم العلماء» بماعدا الفسّاق منهم(1)، انتهى. ويرد عليـه: أوّلا: أنّ القدر المتيقّن الذي يوجب أن يكون الـدليل نصّاً بالنسبـة إليـه هـو ما يوجب الانصراف، وليس لـه فردان، فرد موجب للانصراف، وفرد غير موجب لـه ومع وجود الانصراف لا تعارض بين الدليلين أصلا، بل يصيران من قبيل العـامّ والخـاصّ المطلـق الـذي عـرفت(2) أنّـه لا يصـدق عليهمـا عنـوان التعارض أصلا. وثانياً: أنّـه على تقدير تسليم كون القدر المتيقّن مطلقاً موجباً لصيرورة الدليل نصّاً بالنسبـة إليـه نقول: تخصيص ذلك بخصوص ما إذا كان هنا قـدر متيقّن في مقام التخاطب لا وجـه لـه، فإنّ النصوصيّـة على تقديرها ثابتـة بالنسبـة إلـى مطلـق القـدر المتيقّن، سـواء كان فـي مقام التخـاطب أو في غيـر هـذا المقام. وثالثاً ـ وهو العمدة في الجواب ـ: أنّ المراد بالقدر المتيقّن إن كان هو المقدار الذي علم حكمـه بحيث لم يكن في الحكم المتعلّق بـه ريب ولا شبهـة،
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 728. 2 ـ تقدّم في الصفحـة 319 ـ 321.

345
مثلا علم في المثال أنّ العالم الفاسق محرّم الإكرام، فمع وجود هذا العلم يتحقّق الانصراف بالنسبـة إلى الدليل الآخر الدالّ بظاهره على وجوب إكرام العلماء عموماً، فإنّـه مع العلم بعدم وجوب إكرام العالم الفاسق بل حرمتـه كيف يبقى شكّ في مقدار دلالـة ذلك الدليل وإن كان ظاهره العموم؟ وإن كان المراد بـه أنّ ذلك المقدار متيقّن على تقدير ثبوت الحكم بالنسبـة إلى غيره، مثلا لو كان الجاهل الفاسق محرّم الإكرام لكان العالم الفاسق كذلك قطعاً بحيث كان المعلوم هو الملازمـة بين الأمرين، بل ثبوت الحكم في القدر المتيقّن بطريق أولى، فمن المعلوم أنّ ذلك لا يوجب كون الدليل الظاهر في حرمـة إكرام مطلق الفسّاق نصّاً بالنسبـة إلى العالم الفاسق، بل غايتـه عدم إمكان التفكيك وإدراج مورد الاجتماع في الدليل الآخر، وأمّا تقديمـه على ذلك الدليل فلا، فلِمَ لا يعمل معهما معاملـة المتعارضين؟ وبعبارة اُخرى: اللازم ممّا ذكر عدم جواز تقديم الدليل الآخر على هذا الدليل، لاستلزام التقديم الانفكاك الذي يكون معلوم الخلاف، وأمّا لزوم تقديم هذا الدليل والحكم بحرمـة إكرام جميع الفسّاق لأجل ما ذكر فلا دليل عليـه، بل يمكن معهما معاملـة المتعارضين، لأنّها أيضاً لا يوجب الانفكاك، فتدبّر جيّداً. لزوم استهجان التخـصيص ومنها: ما إذا كانت أفراد أحد من العامّين من وجـه بمرتبـة من القلّـة بحيث لو خصّص بماعدا مورد الاجتماع مع العامّ الآخر يلزم التخصيص المستهجن، فيجمع بين الدليلين بتخصيص ما لا يلزم منـه التخصيص المستهجن وإبقاء ما يلزم
346
منـه ذلك على حالـه، لأنّ العامّ يكون نصّاً في المقدار الذي يلزم من خروجـه عنـه التخصيص المستهجن، ولا عبرة بقلّـة أحد أفراد العامين وكثرتها، بل العبرة باستلزام التخصيص المستهجن(1)، انتهى. ويرد عليـه ـ مضافاً إلى أنّ النصوصيّـة إنّما هي من حالات الدلالـة، واستلزام التخصيص للاستهجان لا يغيّر حال الدلالـة أصلا، كما لايخفى ـ أنّ استلزام تقديم العامّ الآخر للتخصيص المستهجن إنّما يمنع عن التقديم، ولا يوجب تقديم ما يلزم من تخصيصـه ذلك، فيمكن المعاملـة معهما معاملـة المتعارضين. وبالجملـة: الدليل لا ينطبق على المدّعى، فإنّ المدّعى هو تقديم ما يلزم من تخصيصـه الاستهجان، والدليل لا يدلّ إلاّ على المنع من تقديم العامّ الآخر الذي لايوجب تخصيصـه ذلك. ورود أحد الدليلين مورد التحديدات والأوزان والمقادير ومنها: ما إذا كان أحد الدليلين وارداً مورد التحديدات والأوزان والمقادير والمسافـة ونحو ذلك، فإنّ وروده في هذه الموارد يوجب قوّة الظهور في المدلول بحيث يلحقـه بالنصّ، فيقدّم على غيره عند التعارض(2)، انتهى. ويرد عليـه: أنّ الورود في تلك الموارد لا يقتضي ذلك، فإنّ التحديدات والمقادير والأوزان الواقعـة في لسان الشارع لا يراد بها إلاّ العرفي منها لا العقلي الدقيق، والمراد من العرفي ليس المتسامحي منـه بحيث كان التشخيص بيد
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 728. 2 ـ نفس المصدر.

347
العرف المتسامح، بل المراد بـه هو العرفي الدقيق، ولا محالـة يكون متسامحيّاً عند العقل، وقد ذكرنا هذا المطلب مراراً. لزوم إخراج المورد ومنها: ما إذا كان أحد العامّين من وجـه وارداً في مورد الاجتماع مـع العامّ الآخـر، كما إذا ورد قولـه: «كـلّ مسكر حـرام» جواباً عـن سؤال حكم الخمر، وورد أيضاً ابتداءً قولـه: «لابأس بالماء المتّخذ من التمر» فإنّ النسبـة بين الدليلين وإن كانت هي العموم من وجـه، إلاّ أنّـه لا يمكن تخصيص قولـه: «كلّ مسكر حرام» بماعدا الخمـر، فإنّـه لا يجـوز إخـراج المورد، لأنّ الـدليل يكون نصّاً فيـه، فلابدّ من تخصيص قولـه: «لابأس بالماء المتّخذ من التمر» بماعدا الخمر(1)، انتهى. وهذا إنّما يتمّ فيما لو كانت النسبـة بين المورد والدليل الآخر العموم والخصوص مطلقاً كما في المثال، حيث إنّ النسبـة بين الخمر وبين قولـه: «لابأس بالماء المتّخذ من التمر» هو العموم المطلق، بناءً على إطلاق لفظ الخمر على المسكر من الماء المتّخذ من التمر، كما هو المفروض، ضرورة أنّـه بدونـه لا تعارض بين الدليلين. وأمّا لو كانت النسبـة بين المورد والدليل الآخر هو العموم من وجـه فلاوجـه لهذا التقديم، كما هو غير خفي. هذا كلّـه في الموارد المندرجـة في النصّ والظاهر.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 729.

348
الموارد التي ادّعي اندراجها في الأظهر والظاهر وأمّا الموارد التي ادّعي اندراجها في الأظهر والظاهر: تعارض العموم والإطلاق فمنها: ما إذا تعارض العامّ الاُصولي والمطلق الشمولي على اصطلاحهم، ودار الأمر بين تقيـيد المطلق وتخصيص العامّ كقولـه: «أكرم العلماء» و«لا تكرم الفاسق». فالشيخ (قدس سره) ذهب في الرسائل إلى ترجيح التقيـيد على التخصيص(1)، وتبعـه علـى ذلـك المحقّـق النائيني (قدس سره) (2) ولكنّـه خـالف فـي ذلـك المحقّـق الخراساني(3) وتبعـه المحقّق الحائري(4). ومحصّل ما أفاده المحقّقان الأوّلان يرجع إلى أنّ شمول العامّ لمورد الاجتماع أظهر من شمول المطلق لـه، لأنّ شمول العامّ لمادّة الاجتماع يكون بالوضع، وشمول المطلـق يكون بمقدّمات الحكمـة، ومـن جملتها عدم ورود مـا يصلح أن يكون بياناً للقيد، والعامّ الاُصولي يصلح لأن يكون بياناً لذلك، فلا تـتمّ مقدّمات الحكمـة في المطلق الشمولي، فلابدّ من تقديم العامّ عليـه. أقول: لابدّ أوّلا من بيان أنّ محلّ النزاع ممحّض في ما إذا كان التعارض بين
1 ـ فرائد الاُصول 2: 792. 2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 729 ـ 730. 3 ـ كفايـة الاُصول: 513. 4 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 680.

349
العامّ والمطلق مع اجتماع شرائطهما في أنفسهما، بحيث كانت أصالـة العموم في العامّ جاريـة مع قطع النظر عن المطلق، وكذا أصالـة الإطلاق في المطلق مع قطع النظر عن العامّ بأن كان المتكلّم ممّن لا يكون بناؤه على إيراد الحكم على سبيل العموم ثمّ بيان المخصّصات، بأن لا يكون في مقام التقنين وجعل الأحكام الكلّيـة كأكثر المتكلّمين، أو كان المخاطب قد فحص عن المخصّص أو المقيّد فلميظفر به. فدعوى أنّ الإطلاق معلّق على عدم البيان بخلاف العموم، مدفوعـة بأنّ العموم أيضاً معلّق على عدم المخصّص، فلا فرق بينهما من هذه الجهـة أصلا، فمورد البحث متمحّض في مجرّد التعارض بين العامّ والمطلق من دون فرق بينهما من جهـة الفحص وعدمـه. ونقول بعد ذلك: إنّ نسبـة المخصّص مع العامّ وإن كانت تغاير نسبـة المقيّد مع المطلق، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب ترجيحاً لأحدهما على الآخر. توضيح ذلك: أنّ التعاند الواقع بين العامّ والخاصّ تعاند دلالي، فإنّ العامّ يدلّ على جميع الأفراد بالدلالـة الإجماليّـة، فإنّ قولـه: «أكرم كلّ عالم»، يدلّ على وجوب إكرام كلّ واحد من أفراد هذه الطبيعـة بما أنّـه فرد لها، ضرورة أنّ عالماً موضوع لنفس الطبيعـة المطلقـة، والكلّ يدلّ على تكثيرها المتحقّق بالإشارة إلى أفرادها لا بجميع خصوصياتها، بل بما أنّها مـن أفـرادها، كما حقّقناه مراراً، فهذا القول دالّ بالدلالـة اللفظيـة على وجوب إكرام الجميع، والخاصّ يعانده من حيث الدلالة بالنسبة إلى المقدار الذي خصّص العامّ بـه، فهما متنافيان من حيث الدلالة اللفظية. غاية الأمر تقدّم الخاصّ على العامّ، إمّا لما ذكرنا سابقاً(1) أو لغيره.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 319 ـ 321.

350
وأمّا المطلق فدلالتـه على الإطلاق ليست دلالـة لفظيّـة، ضرورة أنّ اللفظ الدالّ عليـه لا يكاد يتخطّى عن المعنى الذي وضع لـه، سواء بقي على إطلاقـه أو قيّد، بل الإطلاق إنّما ينشأ من عدم الإشارة إلى القيد مع كون المطلق بصدد البيان، والتقيـيد إنّما ينافيـه من حيث إنّـه يذكر القيد ويأتي بـه. فاحتجاج العبد على المولى في باب المطلقات إنّما يرجع إلى أنّـه لم يقيّد موضوع حكمـه مع كونـه فاعلا مختاراً، وفي باب العمومات يرجع إلى أنّـه لم يقل بخلاف العامّ، إلاّ أنّ هذا الاختلاف لا يوجب الفرق بينهما في مقام تعارض العامّ والمطلق بحيث يكون العامّ أقوى من حيث الدلالـة، كما لايخفى. نعم قد ذكرنا(1) غير مرّة أنّ اللفظ المطلق لا يدلّ إلاّ على مجرّد نفس الطبيعـة، وانطباقها في الخارج على كلّ واحد من أفرادها لا يوجب دلالـة اللفظ الموضوع لنفس الطبيعـة على الأفراد والكثرات أيضاً، فإنّ للدلالـة مقاماً وللانطباق مقاماً آخر ولا ربط بينهما، فماهيّـة الإنسان وطبيعتها وإن كانت تنطبق على زيد وعمرو وغيرهما من مصاديق هذه الحقيقـة، إلاّ أنّ لفظ الإنسان الموضوع لتلك الماهيّـة لا دلالـة لـه على هذه الكثرات أصلا، ولعمري أنّ هذا واضح جدّاً. ولا فرق في ذلك بين ما إذا تمّت مقدّمات الحكمـة المنتجـة لثبوت الإطلاق، وبين ما إذا لم تـتمّ، لعدم كون المولى في مقام البيان مثلا، بل كان في مقام الإهمال والإجمال، فإنّ الإطلاق وضدّه إنّما يلاحظان بالنسبـة إلى
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 339.

351
الموضوعيّـة للحكم، ولا ربط لهما بمقام الدلالـة، فإنّ الإنسان المأخوذ في الموضوع ـ مثلا ـ لا دلالـة لـه إلاّ على نفس ماهيّـة الإنسان التي هي حيوان ناطق، سواء كان مطلقاً من حيث الموضوعيّـة بأن كان تمام الموضوع هو نفسها أم لم يكن كذلك. ومنـه يظهر: أنّ إدراج تعارض المطلق والعامّ في تعارض الأظهر والظاهر بالنسبـة إلى مورد الاجتماع ليس في محلّـه، من حيث إنّ الأظهريّـة والظاهريّـة إنّما هما من أوصاف الدلالـة وحالاتها، والمطلق لا دلالـة لـه على مورد الاجتماع حتّى تـتصف بالظهور، لأنّك عرفت أنّـه لا دلالـة لـه إلاّ على مجرّد نفس الطبيعـة والكثرات المتّحدة في الخارج معها خارجـة عن مدلولـه. كما أنّـه ظهر ممّا ذكرنا: أنّ تسميـة هذا المطلق بالمطلق الشمولي ممّا لا وجـه لـه، لأنّ الشمول فرع الدلالـة على الأفراد، والمطلق أجنبي عـن الدلالـة عليها. فانقدح: أنّ المطلق غير ناظر إلى الموجودات المتّحدة معها في الخارج أصلا، لكن الاحتجاج بـه يستمرّ إلى أن يأتي من المولى ما يدلّ على خلافـه. فالبيان المتأخّر قاطع للاحتجاج، لا أنّ الإطلاق معلّق من أوّل الأمر عليـه. ومن المعلوم أنّ العامّ لأجل تعرّضـه بالدلالـة اللفظيـة للأفراد والكثرات ـ لأجل تعدّد الدالّ والمدلول، ضرورة أنّـه يدلّ تالي مثل لفظ الكلّ على نفس الطبيعـة. غايـة الأمر أنّ إضافـة الكلّ الموضوع لإفادة الكثرة إليـه توجب الدلالـة على الأفراد والإشارة إليها لا بجميع خصوصياتها، بل بما أنّها مصاديق لتلك الطبيعـة ـ يصلح لأن يكون بياناً قاطعاً للاحتجاج.
352
فظهر أنّ العامّ مقدّم على المطلق بهذا الوجـه الذي ذكرنا، ولعلّـه إليـه يرجع ما أفاده الشيخ (قدس سره) (1) في وجهـه وإن كان ربّما لا يساعده ظاهر العبارة فارجع إليها. ثمّ إنّـه ظهر ممّا ذكرنا من عدم الفرق بين المطلقات فيما يرجع إلى معنى الإطلاق، وأنّ تسميـة المطلق بالشمولي في بعض الموارد وبالبدلي في البعض الآخر لا وجـه لها أصلا، أنّـه عند تعارض الإطلاق الشمولي والإطلاق البدلي على حسب اصطلاحهم الغير التامّ لا وجـه لتقديم تقيـيد الثاني على تقيـيد الأوّل، نظراً إلى أنّ الإطلاق الشمولي يمنع عن كون الأفراد في الإطلاق البدلي متساويـة الإقدام في حصول الامتثال بأيّ منها، وذلك لما عرفت من اتّحادهما فيما يرجع إلى معنى الإطلاق، ولا دلالـة لشيء منهما على الأفراد شمولا أو بدليّاً، فلاترجيح لواحد منهما على الآخر، كما لايخفى. كما أ نّـه ظهر ممّا ذكرنا : أنّـه عند تعارض بعض المفاهيم مع البعض الآخر لا ترجيح لواحد منهما على الآخر لو كان ثبوت كلّ منهما بضميمـة مقدّمات الحكمـة، كما في مفهوم الشرط ومفهوم الوصف. نعم لو كان أحد المتعارضين ممّا ثبت بالدلالـة اللفظيـة كما لايبعد دعوى ذلك بالنسبـة إلى مفهوم الغايـة وكذا مفهوم الحصر، فالظاهر أنّـه حينئذ لابدّ من ترجيحـه على الآخر، لما مرّ من ترجيح العامّ على المطلق الراجع إلى تقديم التقيـيد على التخصيص.
1 ـ فرائد الاُصول 2: 792.

353
دوران الأمر بين النسخ والتخصيص ومنها: ما إذا دار الأمر بين التخصيص والنسخ، وحيث إنّ النسخ مشروط بحضور وقت العمل بالمنسوخ والتخصيص بوروده قبل حضور وقت العمل بالعامّ، فلذلك وقع الإشكال في التخصيصات الواردة عن الأئمّـة (عليهم السلام) بعد حضور وقت العمل بالعامّ، فإنّـه ربّ عامّ نبوي وخاصّ عسكري، وقد احتمل الشيخ (قدس سره) (1) في الرسائل في ذلك ثلاثـة احتمالات: أحدها: أن تكون ناسخـة لحكم العمومات. ثانيها: أن تكون كاشفـة عن اتّصال كلّ عامّ بمخصّصـه وقد خفيت علينا المخصّصات المتصلـة ووصلت إلينا منفصلـة. ثالثها: أن تكون هي المخصّصات حقيقـة، ولا يضرّ تأخّرها عـن وقت العمل بالعامّ، لأنّ العمومات المتقدّمـة لم يكن مفادها الحكم الواقعي، بل الحكم الواقعي هو الذي تكفّل المخصّص المنفصل بيانـه، وإنّما تأخّر بيانـه لمصلحـة كانت هناك في التأخير، وإنّما تقدّم العموم ليعمل بـه ظاهراً إلى أن يـرد المخصّص، فيكون مفاد العموم حكماً ظاهريّاً، ولا محـذور في ذلك، فإنّ المحذور إنّما هو تأخّر الخاصّ عن وقت العمل بالعامّ إذا كان مفاد العامّ حكماً واقعيّاً لا حكماً ظاهريّاً، هذا. وقد قرّب الشيخ(2) الاحتمال الثالث واستبعد الاحتمال الأوّل، لاستلزامـه كثرة النسخ، وكذا الاحتمال الثاني، لكثرة الدواعي إلى ضبط القرائن المتصلـة
1 ـ فرائد الاُصول 2: 791. 2 ـ نفس المصدر.

354
واهتمام الرواة إلى حفظها، ولكنّـه قرّب هـذا الاحتمال المحقّق النائيني(1) على ما في التقريرات نظراً إلى أنّ كثيراً من المخصّصات المنفصلـة المرويّـة عـن طرقنا عن الأئمّـة (عليهم السلام) مرويّـة عن العامّـة بطرقهم عـن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكشف ذلك عن اختفاء المخصّصات المتّصلـة علينا بل احتمل استحالـة الوجـه الثالث بما أفاده فيها، هذا. ولكنّ الظاهر عدم تماميّـة شيء من الاحتمالات الثلاثـة، بل الظاهر أنّ جميع الأحكام الإلهيّـة والقوانين الشرعيّـة من العموم والخصوص، والمطلق والمقيّد، والناسخ والمنسوخ قد صدر تبليغها من الرسول الأكرم وبيّنها للناس في مدّة نبوّتـه التي تبلغ ثلاث وعشرين سنـة، وإليـه ينظر ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبـة حجّـة الوداع ممّا يدلّ على أنّـه نهى الناس عن كلّ شيء يقرّبهم إلى النار ويبعِّدهم عن الجنّـة، وأمرهم بكلّ شيء يقرّبهم إلى الجنّـة ويباعدهم عن النار(2)، وهذا ممّا لا إشكال فيـه، ولا في أنّ الأحكام التي بلغها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ضبطها وجمعها أميرالمؤمنين صلوات اللّه وسلامـه عليـه في صحيفتـه، وأعلم الناس بعد رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، لكنّهم أعرضوا عنـه وزعموا استغنائهم بكتاب اللّه لأجل استيلاء الشياطين على أمورهم وتبعيّتهم لهم. ودعوى: أنّـه مع تبليغ الرسول جميع الأحكام كيف لم ينقلها الصحابـة بأجمعها مع كثرتهم وشدّة مصاحبتهم، بل ما نقلوه وحدّثوه على تلامذتهم قليل من كثير لا مناسبـة بينهما.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 737. 2 ـ وسائل الشيعـة 17: 45، كتاب التجارة، أبواب مقدّماتها، الباب12، الحديث2.

355
مدفوعـة: بما أفاده أميرالمؤمنين (عليه السلام) في جواب سليم بن قيس من تقسيم الصحابـة إلى أربع طوائف، وتفصيل القضيّـة: أنّـه حكى أبان عن سليم قال: قلت يا أميرالمؤمنين إنّي سمعت من سلمان والمقداد وأبيذر شيئاً من تفسير القرآن، ومن الروايـة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن، ومن الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تخالف الذي سمعتـه منكم، وأنتم تزعمون أنّ ذلك باطل، أفترى الناس يكذبون على رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) متعمّدين ويفسّرون القرآن برأيهم؟ قال: فأقبل علي (عليه السلام)فقال لي: «يا سليم قد سألت فافهم الجواب: إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلا وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وخاصّاً وعامّاً ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده حتّى قام خطيباً فقال: أيّها الناس قد كثرت عليَّ الكذّابـة، فمن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّء مقعده من النار، ثمّ كذب عليـه من بعده حتّى توفّي رحمـة اللّه على نبيّ الرحمـة وصلّى اللّه عليـه وآلـه، وإنّما يأتيك بالحديث أربعـة نفر ليس لهم خامس: رجل منافق مظهر للإيمان متصنّع بالإسلام لا يتأثمّ ولا يتحرّج أن يكذب على رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) متعمّداً، فلو علم المسلمون أنّـه منافق كذّاب لم يقبلوا منـه ولم يصدّقوه، ولكنّهم قالوا: هذا صاحب رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رآه وسمع منـه، وهو لا يكذب ولا يستحلّ الكذب على رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أخبر اللّه عن المنافقين بما أخبر ووصفهم، بما وصفهم فقال اللّه عزّوجلّ: (وَإِذَا رَأَيتَهُم تُعجِبُكَ أَجسَامُهُم وَإِن يَقُولُوا تَسمَع لِقَولِهِم ) (1) ثمّ بقوا بعده وتقرّبوا إلى أئمّـة
1 ـ المنافقون (63): 4.

356
الضلال والدعاة إلى النار بالزور والكذب والنفاق والبهتان، فولّوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم من الدنيا، وإنّما الناس مع الملوك في الدنيا إلاّ من عصم اللّه، فهذا أوّل الأربعـة. ورجل سمع من رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يحفظـه على وجهـه ووهم فيـه ولم يتعمّد كذباً وهو في يده يرويـه ويعمل بـه ويقول: أنا سمعتـه من رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو علم المسلمون أنّـه وهم لم يقبلوا، ولو علم هو أنّـه وهم فيـه لرفضـه. ورجل ثالث سمع من رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً أمر بـه ثمّ نهى عنـه وهو لا يعلم، أو سمعـه نهى عن شيء ثمّ أمر بـه وهو لا يعلم، حفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ فلو علم أنّـه منسوخ لرفضـه، ولو علم المسلمون أنّـه منسوخ إذ سمعوه لرفضوه. ورجل رابع لم يكذب على اللّه ولا على رسولاللّه بغضاً للكذب وتخوّفاً من اللّه وتعظيماً لرسولـه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يوهم، بل حفظ ما سمع على وجهـه فجاء بـه كما سمعـه ولم يزد فيـه ولم ينقص، وحفظ الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، وأنّ أمر رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ونهيـه مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وعامّ وخاصّ ومحكم ومتشابـه، وقد كان يكون من رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الكـلام لـه وجـهان: كـلام خـاصّ وكـلام عامّ مثل القرآن يسمعـه مـن لا يعرف ما عنى اللّه بـه وما عنى بـه رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس كلّ أصحاب رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يسألـه فيفهم، وكان منهم من يسألـه ولا يستفهم حتّى أن كانوا يحبّون أن يجيء الطارئ (أي الغريب الذي أتاه عن قريب من غير اُنس بـه وبكلامـه) والأعرابي فيسأل رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى يسمعوا منـه، وكنت أدخل
357
على رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ يوم دخلـة وكلّ ليلـة دخلـة، فيخلّيني فيها أدور معـه حيث دار وقد علم أصحاب رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّـه لم يكن يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، وربّما كان ذلك في منزلي يأتيني رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا دخلت عليـه في بعض منازلـه خلا بي وأقام نساءه، فلم يبق غيري وغيره، وإذا أتاني للخلوة في بيتي لم تقم من عندنا فاطمـة ولا أحد من ابني وإذا سألتـه أجابني، وإذا سكت أو نفدت مسائلي ابتدأني، فما نزلت عليـه آيـة من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطّي، ودعا اللّه أن يفهمني إيّاها ويحفظني، فما نسيت آيـة من كتاب اللّه منذ حفظتها وعلّمني تأويلها فحفظتـه وأملاه عليَّ فكتبتـه، وما ترك شيئاً علّمـه اللّه من حلال وحرام أو أمر ونهي أو طاعـة ومعصيـة كان أو يكون إلى يوم القيامـة إلاّ وقد علّمنيـه وحفظتـه، ولم أنس منـه حرفاً واحداً...»(1) إلى آخر الحديث. وقد انقدح ممّا ذكرنا: أنّ ما نراه من المخصّصات المنفصلـة الصادرة عن الأئمّـة المعصومين (عليهم السلام) كلّها قد صدرت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت مضبوطـة محفوظـة عند أميرالمؤمنين (عليه السلام). غايـة الأمر أنّ إعراض الناس وعدم مساعدة المحيط أوجب تأخير بيانـه الثانوي. أضف إلى ما ذكـرنا: أنّـه يمكـن أن يقال باستفادة أحكـام جميع الفروع مـن الأحكام الكلّيـة التي بلّغها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، غايـة الأمر اختلاف الناس في الاستفادة وعدمها، وما بيّنـه الأئمـة المعصومون ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ هو ما فهموه من تلك الخطابات الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). غايـة الأمر قصور
1 ـ كتاب سليم بن قيس الكوفي: 181.

358
أفهام الناس عن الوصول إليها وإدراكها. وكيف كان: فلا ينبغي الارتياب فيما ذكرنا من صدور جميع الأحكام عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتبليغـه (صلى الله عليه وآله وسلم) لها إلى الناس، وحينئذ فلا يلزم من الالتزام بالتخصيص في تلك المخصّصات الكثيرة تأخير البيان عن وقت العمل أصلا، فتدبّر جيّداً. إذا عرفت ذلك: يقع الكلام فيما إذا دار الأمر بين التخصيص والنسخ في ترجيح الأوّل على الثاني أو العكس، وقد ذهب إلى كلّ فريق، ولابدّ قبل الورد في المطلب من بيان أنّ محلّ الكلام يختص بمجرّد دوران الأمر بينهما مع قطع النظر عن وجود ما يدلّ بظاهره على ترجيح أحد الأمرين. فما أفاده المحقّق النائيني ـ من تقدّم التخصيص على النسخ نظراً إلى أنّ النسخ يتوقّف على ثبوت حكم العامّ لما تحت الخاصّ من الأفراد، ومقتضى حكومـة أصالـة الظهور في طرف الخاصّ على أصالـة الظهور في طرف العامّ هو عدم ثبوت حكم العامّ لأفراد الخاصّ، فيرتفع موضوع النسخ(1) كأنـه خروج عن محلّ البحث، إذ حكومـة أصالـة الظهور في طرف الخاصّ على أصالـة الظهور في طرف العامّ متفرّعـة على ثبوت كون المشكوك في المقام خاصّاً لا نسخاً، ضرورة أنّـه مع كونـه نسخاً لا يبقى مجال لهذه الدعوى، مع أنّـه أوّل الكلام. وبالجملـة: فليس الكلام في تقدّم الخاصّ على العامّ حتّى يدفع بما ذكر، بل الكلام في تقدّم التخصيص على النسخ وتأخّره عنـه، وما أفاده لا يفيد كونـه خاصّاً لا نسخاً، كما لايخفى.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 738.

359
وجوه ورود العامّ والخاصّ والدوران بين النسخ والتخصيص وكيف كان فصور الدوران ثلاث: إحداها: ما إذا كان العامّ متقدّماً، ودار أمر المتأخّر بين كونـه نسخاً أو تخصيصاً لاحتمال كون العموم حكماً ظاهريّاً والخاصّ حكماً واقعياً، فلا محذور في تأخير بيانـه عن وقت العمل. ثانيتها: ما إذا كان الخاصّ متقدّماً والعامّ متأخّراً، ودار الأمر بين تخصيصـه وكونـه ناسخاً للخاصّ. ثالثتها: ما إذا ورد عامّ وخاصّ ولم يعلم المتقدّم منهما عن المتأخّر، ودار الأمر بين النسخ والتخصيص. ثمّ إنّ استمرار الحكم زماناً قد يستفاد من إطلاق الدليل، وقد يستفاد من عمومـه الراجع إلى كلّ ما وجد وكان فرداً لـه، وهو الذي يعبّر عنـه بالقضيّـة الحقيقيّـة، وقد يستفاد من الدليل اللفظي كقولـه (عليه السلام): «حلال محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حلال إلى يوم القيامـة وحرامـه (صلى الله عليه وآله وسلم) حرام إلى يوم القيامـة»(1). وقولـه (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الأوّلين حكمي على الآخرين»(2). ونظائرهما. إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كانت صورة الدوران بين النسخ والتخصيص من قبيل الصورة الاُولى من الصور الثلاثـة المتقدّمـة التي هي عبارة عن تقدّم العامّ ودوران الأمر في المتأخّر بينهما، وفرض استفادة الاستمرار الزماني من إطلاق
1 ـ الكافي 1: 58 / 19. 2 ـ اُنظر الكافي 5: 18 / 1، وفيـه: «لأنّ حكم اللّه في الأوّلين والآخرين... سواء».

360
الدليل، فقد يقال فيها: بأنّ مرجع هذا الدوران إلى الدوران بين التخصيص والتقيـيد، وحيث قد رجّح الثاني على الأوّل هناك فلابدّ من الالتزام هنا أيضاً بتقديم النسخ على التخصيص. ولكنّـه يرد عليـه بأنّ ترجيح التقيـيد على التخصيص فيما سبق إنّما هو فيما إذا كان العامّ والمطلق متنافيـين بأنفسهما ولم يكن في البين دليل ثالث، بل كان الأمر دائراً بين ترجيح العامّ وتقيـيد المطلق وبين العكس كقولـه: «أكرم العلماء»، مع قولـه: «لا تكرم الفاسق». وهنا لا منافاة بين العامّ والمطلق أصلا، بل التعاند بينهما إنّما نشأ من أجل دليل ثالث لا يخلو أمره من أحد أمرين: كونـه مخصّصاً للعامّ، ومقيّداً للمطلق، ولا دليل على ترجيح شيء منهما على الآخر بعد كون كلّ واحد منهما دليلا تامّاً، بخلاف ما هناك، فإنّ التعارض من أوّل الأمر كان بين العامّ الذي هو ذو لسان، وبين المطلق الذي هو ألكن، ومن الواضح أنّـه لا يمكنـه أن يقاوم ذا اللسان، كما لايخفى. ثمّ إنّـه قد يقال: بأنّ الأمر في المقام دائـر بين التخصيص والتقيـيد معاً وبين التقيـيد فقط، ضرورة أنّـه مع التخصيص لابدّ من الالتزام بتقيـيد الإطلاق المقامي الدالّ على الاستمرار الزماني أيضاً، وهذا بخلاف العكس. ومن الواضح أنّـه مع كون الأمر هكذا لا مجال للإشكال في ترجيح التقيـيد، كما هو واضح، هذا. ويرد عليـه: منع كون التخصيص مستلزماً للتقيـيد أيضاً، ضرورة أنّـه بالتخصيص يستكشف عدم كون مورد الخاصّ مراداً من أوّل الأمر، ومعـه لا يكون الدليل الدالّ على الاستمرار الزماني شاملا لـه من رأس، لعدم كـونـه موضوعاً له، ضرورة أنّ موضوعـه هو الحكم الثابت في زمان، كما لايخفى، هذا.
361
وقد يقال في المقام أيضاً: بأنّ العلم الإجمالي بالتخصيص أو النسخ يرجع إلى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، لأنّ عدم ثبوت حكم العامّ بالنسبـة إلى مورد الخاصّ بعد ورود الخاصّ متيقّن على أيّ تقدير، سواء كان على نحو التخصيص أو النسخ، وثبوتـه بالنسبـة إلى مورده قبل وروده مشكوك، لأنّها تـتفرّع على كونـه نسخاً وهو غير معلوم، فالأمر يدور بين الأقلّ المتيقّن والأكثر المشكوك، وبـه ينحلّ العلم الإجمالي، ومقتضى جريان البراءة في المشكوك عدم كونـه محكوماً بحكم العامّ، وحينئذ تـتحقّق نتيجـة التخصيص. وبعبارة اُخرى: مقتضى العلم الإجمالي بالتخصيص أو النسخ هو ترجيح الأوّل على الثاني، لما عرفت، هذا. ويدفعـه ما أشرنا إليـه مراراً من أنّ ما يكون مقوّماً للعلم الإجمالي من الاحتمالين لا يمكن أن يكون العلم الإجمالي الذي قوامـه بـه سبباً لإفنائـه. وبعبارة اُخرى: لا يمكن أن يصير العلم الإجمالي سبباً لارتفاعـه وانقلابـه إلى العلم التفصيلي والشكّ البدوي، ضرورة أنّـه لا يعقل أن يكون الشيء سبباً لارتفاع نفسـه. فدعوى أنّ العلم الإجمالي بالتخصيص والنسخ يتولّد منـه تعيّن التخصيص ممّا لا ينبغي الإصغاء إليـه. هذا كلّـه إذا كان الاستمرار الزماني مستفاداً من الإطلاق المقامي، وأمّا لو فرض كونـه مدلولا عليـه بالعموم الراجع إلى القضيّـة الحقيقيّـة، ودار الأمر بين تخصيصـه وتخصيص العموم، فالظاهر ترجيح تخصيص العموم المستفاد منـه الاستمرار الزماني، لأنّ الأمر وإن كان دائراً بين التخصيصين، إلاّ أنّـه لمّا كان النسخ الذي مرجعـه إلى تخصيص العموم الدالّ على الاستمرار الزماني مستلزماً لقلّـة التخصيص، بخلاف تخصيص العموم، فالترجيح معـه، كما هو ظاهر.
362
كما أنّـه لو كان الاستمرار الزماني مستفاداً من الدليل اللفظي فإن قلنا بدلالتـه على العموم نظراً إلى أنّ المفرد المضاف يفيد العموم، فحكمـه حكم الصورة السابقـة التي يستفاد الاستمرار الزماني فيها من العموم، وإن لم نقل بذلك فحكمـه حكم الصورة التي يستفاد الاستمرار من الإطلاق، كما لايخفى. هذا كلّـه فيما إذا كان العامّ متقدّماً والخاصّ المردّد متأخّراً. وأمّا في الصورة الثانيـة التي هي عكس هذه الصورة، فإن كان الاستمرار مستفاداً من الإطلاق فالظاهر ترجيح التخصيص على النسخ، لأنّ النسخ وإن كان مرجعـه حينئذ إلى تقيـيد الإطلاق المقامي الدالّ على استمرار الزمان، وقد قلنا: إنّ التقيـيد مقدّم على التخصيص، إلاّ أنّ ذلك إنّما هـو فيما إذا كان النسبـة بين الدليلين العموم مـن وجـه كقولـه: «أكرم العلماء» و«لا تكرم الفاسق». وأمّا لو كانت النسبـة بين الدليلين العموم مطلقاً ـ كما هنا ـ فالظاهر ترجيح التخصيص على التقيـيد، لأنّـه لا يلاحظ في العامّ والخاصّ قوّة الدلالـة وضعفها كما عرفت مقتضى التحقيق من أنّ بناء العقلاء على تقديم الخاصّ على العامّ من دون فرق بين كونـه متقدّماً عليـه أو متأخّراً عنـه. وأمّا لـو كان الاستمرار مستفاداً مـن العموم الثابت للخاصّ لكونـه قضيّـة حقيقيّـة، فلا إشكال هنا في التخصيص أصلا، لقوّة دلالـة الخاصّ على ثبوت الحكم لمورده حتّى بعد ورود العامّ، فلابدّ من أن يكون مخصّصاً لـه، كما لايخفى. كما أنّـه لو كان الاستمرار مستفاداً من الدليل اللفظي لابدّ من ترجيح التخصيص، لأنّ الخاصّ وإن لم يكن قويّاً من حيث هو، إلاّ أنّـه يتقوّى بذلك الدليل اللفظي الذي يدلّ على استمرار حكمـه حتّى بعد ورود العامّ، ومعـه يخصّص العامّ لا محالـة، هذا في الصورة الثانيـة.
363
وأمّا في الصورة الثالثـة التي دار الأمر بين النسخ والتخصيص ولم يعلم المتقدّم من العامّ والخاصّ عن المتأخّر، فالظاهر فيها ترجيح التخصيص أيضاً، لغلبتـه وندرة النسخ. ودعوى أنّ هذه الغلبـة لا تصلح للترجيح، مدفوعـة بمنع ذلك واستلزامـه لعدم كون الغلبـة مرجّحـة في شيء من الموارد، لأنّ هذه الغلبـة من الأفراد الظاهرة لها، كيف وندرة النسخ تجد لا يكاد يتعدّى عن الموارد القليلـة المحصورة، وأمّا التخصيص فشيوعـه إلى حدّ قيل: «ما من عامّ إلاّ وقد خصّ»، واحتمال النسخ بعد تحقّق هذه الغلبـة أضعف من الاحتمال الذي لا يعتني بـه العقلاء في الشبهـة غير المحصورة، فعدم اعتنائهم بـه أولى، كما لايخفى. دوران الأمر بين تقييد الإطلاق وحمل الأمر على الاستحباب ومن الموارد التي قيل باندراجها في الأظهر والظاهر ما إذا دار الأمر بين تقيـيد المطلق وحمل الأمر في الطرف الآخر على الاستحباب وكون المأمور بـه أفضل الأفراد، أو حمل النهي فيه على الكراهة وكون المنهي أخسّ الأفراد وأنقصها. كما إذا دار الأمر بين تقيـيد قولـه: «إن ظاهرت فاعتق رقبـة»، وبين حمل قولـه: «إن ظاهرت فاعتق رقبـة مؤمنـة» على الاستحباب، وكون عتق الرقبـة المؤمنـة أفضل، أو حمل قولـه: «إن ظاهرت فلا تعتق رقبـة كافرة» على الكراهـة، وكون عتق الرقبـة الكافرة أبغض. فالذي حكاه سيّدنا الاُستاذ دام بقاءه عن شيخـه المحقّق الحائري (قدس سره) في هذا الفرض أنّـه قال: وممّا يصعب علي حمل المطلقات الواردة في مقام البيان
364
على المقيّد وتقيـيدها بدليلـه مع اشتهار استعمال الأوامر في الاستحباب، والنواهي في الكراهـة، خصوصاً بملاحظـة ما أفاده صاحب المعالم(1) في باب شيوع استعمال الأوامر في المستحبّات، هذا. ولكن ذكر الاُستاذ أنّ المطلقات على قسمين: قسم ورد في مقابل من يسأل عن حكم المسألـة والواقعـة لأجل ابتلائـه بها، ومنظوره السؤال عن حكمها ثمّ العمل على طبق الحكم الصادر عن المعصوم (عليه السلام) في تلك الواقعـة، وقسم آخر يصدر لغرض الضبط، كما إذا كان السائل مثل زرارة ممّن كان غرضـه من السؤال استفادة حكم الواقعـة لأجل ضبطـه لمن يأتي بعده ممّن لا يكاد تصل يده إلى منبع العلم ومعدن الوحي. وما أفاده المحقّق الحائري (قدس سره) إنّما يتمّ في خصوص القسم الأوّل، وأمّا في القسم الثاني فلا، كما لايخفى. هذا كلّـه إنّما هو بالنسبـة إلى الدليلين اللذين كان أحدهما نصّاً أو أظهر والآخر ظاهراً.
1 ـ معالم الدين: 53.

365
القول فيما إذا كان التعارض بين أكثر من دليلين إذا ورد عامّ وخاصّان بينهما التباين وأمّا إذا كان التعارض بين أزيد من دليلين، بأن كان هنا عامّ مثلا وخاصّان كقولـه: أكرم العلماء، ولا تكرم النحويـين منهم، ولا تكرم الصرفيـين منهم، فإنّ النسبـة بين كلّ من الأخيرين مع الأوّل هو العموم والخصوص مطلقاً، والكلام فيـه يقع في مقامين: أحدهما: أنّـه هل العامّ يلاحظ مع كلّ من المخصّصين قبل تخصيصـه بالآخر بحيث يكون الخاصّان في عرض واحد، أو أنّـه يخصّص بواحد منهما ثمّ تلاحظ النسبـة بعد التخصيص بينـه وبين الخاصّ الآخر؟ وربّما تنقلب النسبـة من العموم المطلق إلى العموم من وجـه كما في المثال، فإنّ قولـه: «أكرم العلماء» بعد تخصيصـه بقولـه: «لا تكرم الصرفيّين منهم»، يرجع إلى وجوب إكرام العالم الغير الصرفي. ومن المعلوم أنّ النسبـة بين العالم الغير الصرفي وبين العالم النحوي عموم من وجـه، لأنّـه قد يكون النحوي صرفيّاً، وقد لا يكون العالم الصرفي نحوياً، وقد يكون النحوي غير صرفي، ومورد الاجتماع العالم الصرفي النحوي. ثانيهما: أنّـه لو فرض كون الخاصّان في عرض واحد، ولكن كان تخصيص العامّ بهما مستهجناً أو مستلزماً للاستيعاب وبقاء العامّ بلا مورد، فهل المعارضـة
366
حينئذ بين العامّ ومجموع الخاصّين كما اختاره الشيخ(1) وتبعـه غير واحد من المحققين المتأخّرين عنـه(2)، أو أنّ المعارضـة بين نفس الخاصّين، كما هو الأقوى لما يأتي؟ أمّا الكلام في المقام الأوّل: فمحصّلـه أنّـه لا مجال لتوهّم تقديم أحد الخاصّين على الآخر بعد اتّحادهما في النسبـة مع العامّ، خصوصاً إذا لم يعلم المتقدّم منهما صدوراً عن المتأخّر، كما هو الغالب، ولا ينبغي توهّم الخلاف فيما إذا كان الخاصّان دليلين لفظيّين، لأنّـه لا وجـه لتقديم ملاحظـة العامّ مع أحدهما على ملاحظتـه مع الآخر. نعم لو كان أحدهما دليلا لبّياً كالدليل العقلي الذي يكون كالقرينـة المتصلـة بالكلام، بحيث لم يكن يستفاد من العامّ عند صدوره من المتكلّم إلاّ العموم المحدود بما دلّ عليـه العقل، كما أنّـه لو فرض أنّـه لا يستفاد عند العقلاء من قولـه: «أكرم العلماء» إلاّ وجوب إكرام العدول منهم، فلا شبهـة حينئذ في أنّـه لابدّ من ملاحظتـه بعد التخصيص بدليل العقل مع الخاصّ الآخر، بل لا يصدق عليـه التخصيص وانقلاب النسبـة، كما لايخفى، هذا. ولو لم يكن الدليل اللبّي كالقرينة المتّصلة كالإجماع ونحوه، فلا ترجيح له على الخاصّ اللفظي أصلا، لعين ما ذكر في الدليلين اللفظيـين. نعم حكى سيّدنا الاُستاذ دام بقاءه عن شيخـه المحقّق الحائري (قدس سره) أنّـه بعد اختياره في كتاب الدرر ما ذكرنا(3) عدل عنـه في مجلس الدرس وفصّل بين
1 ـ فرائد الاُصول 2: 794 ـ 795. 2 ـ كفايـة الاُصول: 516، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 743. 3 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 682.

367
المخصّص اللفظي واللبّي مطلقاً، وقدّم التخصيص باللبّي كذلك على التخصيص باللفظي، نظراً إلى أنّ المخصّص اللفظي مانع عن حجّيـة ظهور العامّ، والمخصّص اللبّي من تـتمّـة المقتضي، لا أنّـه مانع، هذا. ولكنّـه يرد عليـه: عدم الفرق بينهما أصلا; لا في أنّـه بعد ملاحظـة الخاصّ يستكشف تضيـيق دائرة المراد الجدّي من أوّل الأمر وأنّ صدور العامّ كان بنحو التقنين وإفادة الحكم على النحو الكلّي، ولا في أنّـه قبل العثور على المخصّص لفظياً كان أو لبّياً تكون أصالـة العموم متّبعـة، وبعد الظفر عليـه يرفع اليد عنـه، فلا فرق بينهما أصلا، كما لايخفى. وأمّا الكلام في المقام الثاني: فقد عرفت(1) أنّـه ذهب الشيخ إلى وقوع التعارض مع مجموع الخاصّين، نظراً إلى أنّ تخصيص العامّ بهما يوجب الاستهجان أو الاستيعاب، ولكنّـه لا وجـه لـه، لأنّ مجموع الخاصّين لا يكون أمراً ورائهما، والمفروض أنّـه لا معارضـة لشيء منهما مع العامّ، فلا وجـه لترتيب أحكام المتعارضين عليـه وعليهما. غايـة الأمر أنّـه حيث لا يمكن تخصيص العامّ بمجموعهما يرجع ذلك إلى عدم إمكان الجمع بين الخاصّين، لا من حيث أنفسهما، بل من جهـة تخصيص العامّ بهما، فيقع التعارض بينهما تعارضاً عرضياً، ولابدّ من المعاملـة مع الخاصّين حينئذ معاملـة المتعارضين. وحينئذ: فإن قلنا بعدم اختصاص الأخبار العلاجيّـة بالتعارض الذاتي وشمولهما للتعارض العرضي أيضاً، فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات المذكورة
1 ـ تقدّم في الصفحـة 365 ـ 366.

368
فيها، وإن قلنا بعدم شمولها لـه، فلابدّ من الرجوع إلى ما تقتضيـه القاعدة في المتعارضين مع قطع النظر عن تلك الأخبار من السقوط على ما هو التحقيق، أو التخيـير كما سيأتي. ثمّ إنّ هذا الذي ذكرنا من وقوع التعارض بين الخاصّين إنّما هو فيما لو لم يعلم بثبوت الملازمـة بينهما. وأمّا مع العلم بها فتارةً يعلم بعدم اختلاف موردهما من حيث الحكم وثبوت الملازمـة بين موردهما فقط، كما إذا علم في المثال المتقدّم بأنّـه لو كان إكرام النحويّين من العلماء حراماً لكان إكرام الصرفيّين منهم أيضاً كذلك. واُخرى يعلم بعدم الاختلاف بين جميع أفراد العامّ من حيث الحكم أصلا، كما إذا علم بأنّ حكم إكرام جميع أفراد العلماء واحد وأنّـه إن كان الإكرام واجباً فهو واجب في الجميع، وإن كان حراماً كذلك، وهكذا. ففي الأوّل يقع التعارض بين العامّ وبين كلّ واحد منهما. وفي الثاني يقع التعارض بين الجميع، العامّ مع كلّ واحد منهما، وهو مع الآخر، كما لايخفى. هذا كلّـه إذا كانت النسبـة بين الخاصّين التباين كما فيما عرفت من المثال وإن كان لايخلو عن المنع. إذا ورد عامّ وخاصّان بينهما عموم وخصوص مطلق وأمّا لو كانت النسبـة بين الخاصّين أيضاً العموم والخصوص مطلقاً، كالنسبـة بين كلّ واحد منهما مع العامّ كقولـه: أكرم العلماء، ولا تكرم النحويـين منهم، ولا تكرم الكوفيّين من النحويـين، فقد ذكر المحقّق النائيني (قدس سره) على ما في
369
التقريرات أنّ حكم هذا القسم حكم القسم السابق من وجوب تخصيص العامّ بكلّ من الخاصّين إن لم يلزم التخصيص المستهجن أو بقاء العامّ بلا مورد، وإلاّ فيعامل مع العامّ ومجموع الخاصّين معاملـة المتعارضين(1). والتحقيق أن يقال: إنّ لهذا الفرض صوراً متعدّدة، فإنّـه قد يكون الخاصّان متوافقين من حيث الحكم إثباتاً أو نفياً، وقد يكونان متخالفين، وعلى التقديرين قد يلزم من تخصيص العامّ بكلّ منهما التخصيص المستهجن بمعنى استلزام التخصيص بكلّ ذلك، وقد لا يلزم التخصيص المستهجن إلاّ من التخصيص بالخاصّ دون الأخصّ، وقد لا يلزم من شيء منهما، ومرجعـه إلى عدم لزوم التخصيص المستهجن من التخصيص بالخاصّ، ضرورة أنّـه مع عدم استلزامـه ذلك يكون عدم استلزامـه من التخصيص بالأخصّ بطريق أولى، ثمّ إنّـه في صورة اختلاف الخاصّين من حيث الحكم قد يلزم من تخصيص الخاصّ بالأخصّ الاستهجان، وقد لا يلزم. وتفصيل حكم هذه الصور أن يقال: إذا كان الخاصّان متوافقين من حيث الحكم ولم يلزم من تخصيص العامّ بكلّ منهما الاستهجان، فلا محيص عن تخصيص العامّ بهما، فيقال في المثال المذكور بوجوب إكرام العلماء غير النحويّين مطلقاً; كوفيّين كانوا أو بصريّين مثلا. وإن لزم منـه الاستهجان فتارةً يلزم الاستهجان من التخصيص بالخاصّ فقط دون الأخصّ، فاللازم حينئذ تخصيص الخاصّ بالأخصّ ثمّ تخصيص العامّ بالخاصّ المخصّص، لأنّـه الطريق المنحصر لرفع الاستهجان، ومع إمكان ذلك لا
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 743.

370
وجـه لطرح الخاصّ، فإنّ الطرح إنّما هو مع عدم إمكان الجمع المقبول عند العقلاء، وما ذكرنا مورد لقبولهم، كما لايخفى. واُخرى يلزم الاستهجان من التخصيص بكلّ منهما، غايـة الأمر أنّ التخصيص بالأخصّ أقلّ استهجاناً من التخصيص بالخاصّ، فالعامّ حينئذ يعارض مع كلّ واحد منهما، ولابدّ من الرجوع إلى المرجّحات المذكورة في الأخبار العلاجيّـة. هذاكلّه مع عدم إحرازاتّحادالحكم في الخاصّينمناتّحادالسببأومنغيره. وأمّا مع إحرازه فلا محالـة يكون الأخصّ مخصّصاً للخاصّ، وهو بعد تخصيصـه بـه يخصّص العامّ الفوقاني من دون فرق بين عدم لزوم الاستهجان من تخصيصـه بـه قبل تخصيصـه بالأخصّ أو لزومـه، كما لايخفى. هذا في المتوافقين. وأمّا الخاصّان المتخالفان من حيث الحكم كقولـه: أكرم العلماء ولا تكرم النحويـين منهم، ويستحبّ إكرام الكوفيـين من النحويـين، فإن لم يلزم من تخصيص الخاصّ بالأخصّ الاستهجان فاللازم تخصيصـه بـه، ثمّ تخصيص العامّ الفوقاني بالخاصّ المخصّص بـه، وإن لزم الاستهجان من تخصيصـه بـه فيقع التعارض بين الخاصّين، وبعد إعمال قواعد التعارض وترجيح أحد الخاصّين يخصّص العامّ بما رجّح إن لم يلزم من تخصيصـه بـه الاستهجان، وإلاّ فيقع التعارض بين مجموع الأدلّـة العامّ وكلّ واحد من الخاصّين، ولابدّ معها من معاملـة المتعارضات، كما لايخفى. فانقدح ممّا ذكرنا من اختلاف حكم الصور أنّ ما أطلقـه المحقّق النائيني على ما عرفت ليس بإطلاقـه صحيحاً.
371
إذا ورد عامّ وخاصّان بينهما عموم من وجه وأمّا إذا كانت النسبـة بين الخاصّين العموم والخصوص من وجـه، كقولـه: أكرم العلماء، ولا تكرم النحويـين من العلماء، ولا تكرم الفسّاق منهم، فإن كان الخاصّان متوافقين من حيث الحكم إيجاباً وسلباً كما في المثال، فلا شبهـة في تخصيص العامّ بكليهما إن لم يلزم من تخصيصـه بهما الاستهجان، وإلاّ فيقع التعارض بين الخاصّين على حسب ما اخترناه في الصورة الاُولى. وإن كانا مختلفين من حيث الإيجاب والسلب، كما إذا كان الخاصّ الثاني هو قولـه: يستحب إكرام الفسّاق من العلماء، فهنا أدلّـة ثلاث، بعضها يدلّ على وجوب إكرام جميع العلماء، وثانيها على حرمـة إكرام النحويـين منهم، وثالثها على استحباب إكرام الفسّاق من العلماء. ولاريب في لزوم تخصيص العامّ بكلّ منهما بالنسبـة إلى مورد افتراقهما، فإنّـه لا شبهـة في تخصيص العامّ بالنحوي العادل، وكذا بالفاسق الغير النحوي، وإنّما الإشكال في النحوي الفاسق حيث يدلّ العامّ على وجوب إكرامـه، وأحد الخاصّين على حرمتـه، والآخر على استحبابـه، ولابدّ من رعاية قواعد التعارض بين الجميع في النحوي الفاسق، لأنّ العامّ وإن كانت نسبتـه مع كلاالخاصّين العموم المطلق، إلاّ أنّـه بعد تخصيصـه بمورد الافتراق مـن كلّ مـن الخاصّين تصير نسبتـه مع الخاصّ الآخر العموم من وجـه، فإنّـه بعد تخصيصـه بالنحوي العادل تصير النسبـة بين العامّ حينئذ وبين قولـه: لا تكرم الفسّاق منهم العموم مـن وجـه، كما أنّـه بعد تخصيصـه بالفاسق الغير النحوي تصير النسبـة بين العامّ
372
وبين قولـه: لا تكرم النحويـين من العلماء العموم من وجـه أيضاً، كما لايخفى. هذا كلّـه فيما إذا ورد عامّ وخاصّان، وقد عرفت أنّ صوره ثلاث. إذا ورد عامّان من وجه وخاصّ وأمّا الصورة الرابعـة: فهو ما إذا ورد عامّان من وجـه وخاصّ، فإن كان مفاد الخاصّ إخراج مورد افتراق أحد العامّين تنقلب النسبـة إلى العموم المطلق، كما إذا ورد بعد قولـه: أكرم النحويّين، ولا تكرم الصرفيـين، قولـه: ويستحبّ إكرام النحوي غير الصرفي، فإنّـه حينئذ يختصّ قولـه: لا تكرم النحويّين بالنحويّين، من الصرفيـين فتنقلب النسبـة بينـه وبين قولـه: لا تكرم الصرفيّين إلى العموم المطلق، وإن كان مفاد الخاصّ إخراج مورد الاجتماع تنقلب النسبـة بين العامّين إلى التباين، كما هو واضح. إذا ورد عامّان متباينان وخاصّ والصورة الخامسة: ماإذا ورد دليلان متعارضان بالتباين، فقد يرد دليل يوجب انقلاب النسبة من التباين إلى العموم المطلق، وقد يوجب انقلابهما إلى العموم من وجه. فالأوّل كقولـه: أكرم العلماء، وقولـه: لا تكرم العلماء، ثمّ ورد دليل ثالث وخرج عدول العلماء عن قولـه: لا تكرمهم، فإنّـه حينئذ تنقلب النسبـة إلى العموم المطلق. والثاني: كما إذا ورد في المثال دليل رابع وخصّ قولـه: أكرم العلماء، بالفقهاء، فإنّ النسبـة بينـه بعد تخصيصـه بالفقهاء وبين قولـه: لا تكرم العلماء بعد تخصيصـه بماعدا العدول هو العموم من وجـه، كما هو واضح.
373
الفصل السادس في عدم شمول أخبار العلاج للعامّين من وجه قد عرفت(1) أنّ موضوع البحث في المقام هو الخبران المتعارضان، وأنّ الروايات الواردة في هذا الباب موردها هو المتعارضان أو المختلفان عنواناً أو مصداقاً، بمعنى أنّـه ورد في بعضها عنوان الاختلاف والمختلفين، وفي بعضها مصداق هذا العنوان، مثل ما ورد في بعضها من قول السائل في بيان الخبرين الواردين: «أحدهما يأمر والآخر ينهى»(2). ولا إشكال في تحقّق هذين العنوانين في الدليلين المتعارضين، مثل ما إذا دلّ أحدهما على وجوب إكرام جميع العلماء، والآخر على حرمـة إكرام جميعهم. كما أنّـه لا إشكال في عدم تحقّقهما في مثل: أكرم العلماء، ولا تكرم الجهّال، ولا في عدمـه في العموم والخصوص المطلق إذا كان بينهما جمع عقلائي بحيث لم يكن تخصيصـه بـه مستهجناً ولم يعدّ عندهم من المتعارضين. إنّما الإشكال في العامّ والخاصّ المطلق مع عدم كون الجمع بينهما مقبولا عند العقلاء، وكذا في العموم والخصوص من وجـه، وكذا في المتعارضين بالعرض، كما في الدليلين اللذين علم بكذب أحدهما من غير أن يكونا بأنفسهما متناقضين، كما إذا دلّ دليل على وجوب صلاة الجمعـة، يوم الجمعـة ودليل آخر
1 ـ تقدّم في الصفحـة 319. 2 ـ وسائل الشيعـة 27: 108، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث5.

374
على وجوب صلاة الظهر ذلك اليوم، وعلم بعدم كون الواجب منهما إلاّ واحداً، وكما فيما إذا ورد عامّ وخاصّان متباينان مثلا وكان تخصيصـه بكليهما مستلزماً للاستهجان، فإنّك عرفت في الفصل المتقدّم أنّ التعارض إنّما هو بين الخاصّين لا بينهما وبين العامّ. غايـة الأمر أنّ التعارض بينهما تعارض عرضي، لعدم تناقضهما في حدّ نفسهما أصلا، وكذا الإشكال في المتعارضين بلازمهما بأن لم يكن الدليلان متعارضين أصلا إلاّ من حيث لازم مدلولهما. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الظاهر شمول تلك الأخبار الواردة في المتعارضين أو المختلفين للعامّ والخاصّ المطلق اللذين لم يكن بينهما جمع عقلائي مقبول عندهم، وذلك لأنّـه بعدما لم يكن الجمع بينهما مقبولا عند العقلاء فلا محالـة يكونان عندهم متعارضين، وقد عرفت سابقاً(1) أنّ المرجع في تشخيص هذا العنوان كسائر العناوين المأخوذة موضوعاً للأحكام الشرعيّـة هو العرف والعقلاء، والمفروض أنّهم يرونهما متعارضين. وأمّا العامّان من وجـه فالظاهر عدم شمول تلك الأخبار لهما، لعدم كونهما متعارضين عند العقلاء بعد كونهما عنوانين متغايرين متعلّقين للحكم. غايـة الأمر أنّـه اتّفق اجتماع ذلكما العنوانين في بعض الموارد. هذا مضافاً إلى أنّ الجواب الوارد فيها بطرح ما خالف الكتاب، أو مـا وافق العامّـة يشهد بخـروج العامّين مـن وجـه، لأنّـه لا وجـه لطرح شيء منهما. غايـة الأمر إخراج مورد الاجتماع عن تحت واحـد منهما لا طرحـه بالكلّيـة،
1 ـ تقدّم في الصفحـة 333.

375
وإذا لم يكـن العامّان مـن غير وجـه مشمولا لتلك الأخبار فعـدم شمولهما للمتعارضين بالعرض بكلا قسميـه وكـذا للمتعارضين باللازم بطريق أولـى، كما لايخفى. ثمّ إنّـه يظهر من تقريرات المحقّق النائيني (قدس سره) في آخر هذا الباب أنّـه التزم بشمول الأخبار العلاجيّـة للعامّين من وجـه أيضاً، ولكنّ الفاضل المقرّر ذكر قبل ذلك في الحاشيـة أنّ عنوان المخالفـة ظاهر في المخالفـة بالتباين، ولا يشمل العامّين من وجـه(1)، فإن كان هذا أيضاً تقريراً لشيخـه (قدس سره) ولم يكن من عند نفسـه يلزم التهافت والمناقضـة في كلامـه (قدس سره) ، كما لايخفى. هل المرجّحات جارية في العامّين من وجه أم لا؟ وكيف كان: فعلى تقدير الشمول فهل يجري فيـه جميع المرجّحات الصدوريّـة والجهتيّـة والمضمونيّـة، أو يختصّ بخصوص الأخيرتين ولا يجوز الرجوع فيهما إلى المرجّحات الصدوريّـة؟ صرّح المحقّق النائيني بالثاني، واستدلّ عليـه: بأنّ التعارض في العامّين من وجـه إنّما يكون في بعض مدلولهما وهو مادّة الاجتماع فقط. ومع هذا الفرض لا وجـه للرجوع إلى المرجّحات الصدوريّـة، لأنّـه إن اُريد من الرجوع إليها طرح ما يكون راويـه غير أعـدل أو غير أصدق مثلا، فهو ممّا لا وجـه لـه، لأنّـه لا معارض لـه في مـادّة الافتراق، وإن اُريد طرحـه في خصوص مادّة الاجتماع فهو غير ممكن، لأنّ الخبر الواحـد لا يقبل التبعيض من حيث الصدور.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 793، الهامش1.

376
ودعوى أنّ الخبر الواحد ينحلّ إلى أخبار متعدّدة حسب تعدّد أفراد الموضوع ـ كما هو الشأن في جميع القضايا الحقيقيّـةـ واضحـة الفساد; لأنّ الانحلال في تلك القضايا لا يقتضي تعدّد الروايـة بل ليس في البين إلاّ روايـة واحدة، كما لايخفى(1)، انتهى ملخّص ما أفاده على ما في التقريرات. ويرد عليـه: أنّ دعوى عدم إمكان التبعيض إن كان المراد منها عدم إمكانـه عقلا فهي ممنوعـة في محيط التشريع والتعبّد، ضرورة أنّـه لا مانع في ذلك المحيط من التعبّد بمثل ذلك. ألا ترى أنّـه من المسلّم عندهم عدم حجّيـة الاُصول المثبتـة، ومرجعها إلى عدم ثبوت اللوازم والملزومات العقليّـة والعاديّـة، مع أنّ التفكيك بينهما في عالم التكوين مخالف مع فرض اللزوم، وكذا التعبّد بأحد المتلازمين لا يستلزم التعبّد بالآخر وإن كانا متلازمين في الواقع، فالتعبّد بصدور الخبر الواحد من جهـة دون اُخرى لا مانع منـه في محيط التشريع وإن كان بحسب الواقع إمّا صادراً بتمامـه وإمّا غير صادر كذلك. وإن كـان المـراد منها عـدم إمكانـه عرفـاً ومـرجعـه إلى كونـه خـلاف ظاهـر الأخبـار العلاجيـة الـدالّـة علـى طـرح الخبـر المـرجـوح، لأنّ المنسبق إلـى الـذهن منها هو طرح الخبر المرجـوح في تمام مدلولـه، فنقول: لا نسلّم كـون الترجيح فـي المتعارضين بالعموم والخصوص مـن وجـه مرجعـه إلى ذلك، لأنّ الأخـذ بالراجح منهما لا يلازم الحكم بعدم صدور الآخر، بل يمكن أنيكون صادراً.
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 792 ـ 794.

377
غايـة الأمر أنّ الراوي لم يتحفّظ قيده المخرج لـه عن المعارضـة مـع الآخر، والدليل عليـه هو أنّ المرجّح هو مثل الأوثقيّـة، فإنّ هذه الصفـة تقتضي كون المتّصف بها متحفّظاً في مقام أخذ الحكم الصادر عن الإمام (عليه السلام) بحيث لم يغب عن ذهنـه الخصوصيّات المأخوذة والقيود المذكورة. فترجيح مثل قولـه: «أكرم العلماء» مرجعـه إلى كون من يجب إكرامـه هو العالم بدون خصوصيـة اُخرى، فقولـه: «لا تكرم الفسّاق» حينئذ يكون على تقدير الصدور مشتملا على قيد، وهو عدم كونهم من العلماء، فترجيح الأوّل عليـه لا يقتضي الحكم بعدم صدوره من رأس، كما لايخفى. ثمّ إنّ الفصول التي عقدناها إلى هنا كلّها تحوم حول تشخيص عنوان المتعارضين الذي هو الموضوع في هذا الكتاب، وبعدها لابدّ من الورود في المباحث والمقاصد ونقول: يقع الكلام فيما يتعلّق بذلك العنوان من الأحكام في ضمن مقصدين:
378

379
المقصد الأوّل في الخبرين المتعارضين المتكافئين بحيث لم تكن مزيّـة وترجيـح فـي البيـن والكلام في ذلك قد يقع في حكمهما في نظر العقل، وقد يقع فيما يستفاد من الأخبار الواردة في هذا الباب بالنسبـة إلى المتكافئين، وعلى التقدير الأوّل تارةً يبحث فيهما بناءً على كون الوجـه في اعتبار الخبر هو بناء العقلاء كما عرفت أنّـه الموافق للتحقيق، واُخرى يبحث في حكمهما بناءً على دلالـة الدليل الشرعي على اعتبار خبر الواحد، وعلى التقديرين تارة يتكلّم في ذلك بناءً على الطريقيّـة والكاشفيّـة، واُخرى بناءً على الموضوعيّـة والسببيّـة. مقتضى الأصل بناءً على الطريقيّة فنقول: لو كان الوجـه في اعتبار الخبر هو سيرة العقلاء وبنائهم عملا على الاعتماد على قول المخبر إذا كان موثوقاً ومورداً للاطمئنان، فمع التعارض وعدم المزيّـة لا محيص عن القول بتساقطهما وعدم حجّيـة واحد منهما في مدلولـه المطابقي، وذلك لوجهين:
380
أحدهما: أنّـه لا خفاء في أنّ اعتبار الخبر عند العقلاء إنّما هو لأجل كاشفيّتـه عن الواقع وإرائتـه لـه وأماريّتـه بالنسبـة إليـه. ومن الواضح أنّ الإرائـة والكشف إنّما هو مع عدم ابتلائـه بمعارض مماثل أو أقوى، ضرورة أنّـه مع هذا الابتلاء يتردّد الطريق والكاشف بينهما، إذ لا يعقل كون كلّ واحد منهما مع وجود الآخر كاشفاً، وإلاّ لزم الخروج عن حدّ التعارض، ومع تردّد الطريق والكاشف وعدم وجود مرجّح في البين اللازم منـه الترجيح من غير مرجّح لابدّ من التوقّف، ضرورة أنّ الأخذ بالمجموع ممّا لا يمكن، وبواحد ترجيح من غير مرجّح. وهذا نظير ما لو أخبر مخبر واحد بخبرين متعارضين، فكما أنّـه لا يكون شيء من الخبرين هناك بكاشف ولا طريق، كذلك لا يكون شيء من الخبرين هنا بكاشف، كما لايخفى. ثانيهما: أنّ معنى حجّيـة الخبر إنّما هو عبارة عن صحّـة احتجاج المولى بـه على العبد. ومن المعلوم أنّ ذلك إنّما هـو مع عدم كـون الأمـارة مجهولـة للعبد، ضرورة أنّـه لو كانت كذلك لا يبقى للمولى حـقّ المؤاخـذة والاعتراض، فإذا كانت صلاة الجمعـة واجبـة واقعاً وكانت الأمارة الدالّـة على ذلك غير واصلـة إلى المكلّف، بل كان الموجود عنده هو الأمارة الضعيفـة الدالّـة على التحريم، لايجوز للمولى المؤاخذة والاعتراض لأجل الترك، ضرورة أنّ البيان الـذي بـه يسدّ باب البراءة العقليّـة الراجعـة إلى عـدم استحقاق العقوبـة مـع عدم وصول التكليف إنّما يكون المراد بـه هو البيان الواصل إلى المكلّف، ومع الجهل بـه لا مخرج للمورد عن البراءة. هذا، ومن الواضح أنّ مع ابتلاء البيان الواصل بمعارض مماثل لا يصحّ للمولى الاحتجاج أصلا، وهذا ممّا لا ينبغي الارتياب فيـه.
381
فانقدح: أنّ الخبرين المتكافئين لايكون شيء منهما حجّـة بالنسبـة إلى مدلولهما المطابقي. وأمّا بالنسبـة إلى المدلول الالتزامي الذي يشترك فيـه الخبران ولا معارضـة بينهما فيـه، كعدم الاستحباب والكراهـة، والإباحـة في ما إذا قام أحد الخبرين على الوجوب والآخر على التحريم، فلا شبهـة في حجّيتهما بالنسبـة إليـه، إنّما الإشكال في أنّ الحجّـة بالنسبـة إليـه هل هو كلا الخبرين أو واحد منهما معيّن بحسب الواقع وهو الخبر الذي لم يعلم كذبـه؟ قد يقال بالأوّل، كما أفاده المحقّق النائيني (قدس سره) على ما في التقريرات، حيث دفع توهّم سقوط المتعارضين عن الحجّيـة بالنسبـة إلى نفي الثالث أيضاً، نظراً إلى أنّ الدلالـة الالتزاميّـة فرع الدلالـة المطابقيّـة، وبعد سقوط المتعارضين في المدلول المطابقي لا مجال لبقاء الدلالـة الالتزاميّـة لهما في نفي الثالث; فإنّ الدلالـة الالتزاميّـة إنّما تكون فرع الدلالـة المطابقيّـة في الوجود لا في الحجّيـة، ثمّ قال: وبعبارة أوضح: الدلالـة الالتزاميّـة للكلام تـتوقّف على دلالتـه التصديقيّـة; أي دلالتـه على المؤدّى، وأمّا كون المؤدّى مراداً فهو ممّا لا يتوقّف عليـه الدلالـة الالتزاميّـة، فسقوط المتعارضين عن الحجّيـة في المؤدّى لا يلازم سقوطهما عن الحجّيـة في نفي الثالث(1)، انتهى. ويرد عليـه: أنّـه مع العلم بكذب أحدهما واقعاً بالنسبـة إلى المدلول المطابقي كيف يكون مـع ذلك حجّـة بالنسبـة إلى المدلول الالتزامي، ألا ترى أنّـه لو كان هنا خبر واحد فقط مع عدم الابتلاء بالمعارض وعلم من الخارج
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 755 ـ 756.

382
بكذبـه، فهل يرضى مع ذلك أحد بكون العلم بالكذب يوجب سقوطـه في خصوص مدلولـه المطابقي، وأمّا المدلول الالتزامي فهو بالنسبـة إليـه حجّـة، وكـذلك المقـام، فإنّـا لا نتعقّل مـع العلم بكذب واحـد مـن الخبريـن أن يكونـا معـاً حجّـة بالنسبـة إلى نفي الثالث الذي هو من اللوازم العقليّـة للمدلول المطابقي. وما أفاده من التفكيك بين الوجود والحجّيـة ممّا لم يظهر وجهـه لنا، فإنّـه إذا كان حجّـة يكون مدلولـه المطابقي موجوداً، ومع الوجود لا مجال للتفكيك بين المدلولين وليست الدلالـة الالتزاميـة من الدلالات اللفظيـة حتّى لا يكون دلالـة اللفظ عليها متوقّفـة على دلالتـه على المدلول المطابقي وإن عدّت هذه الدلالـة في المنطق من جملـة تلك الدلالات، وذلك لأنّ دلالـة اللفظ على أمر خارج عمّا وضع لـه مع عدم كونـه مجازاً ممّا لا يتصوّر، بل قد عرفت أنّ في المجازات أيضاً لا يكون اللفظ دالاّ إلاّ على المعنى الحقيقي. وكيف كان: فمع العلم بكذب أحد الخبرين بالنسبـة إلى مدلولـه المطابقي لاوجـه لتوهّم حجّيتـه بالنسبـة إلى المدلول الالتزامي. فالحقّ في هذا الباب ما اختاره المحقّق الخراساني (قدس سره) من كون الحجّـة على نفي الثالث هو أحدهما الغير المعيّن الذي هو الخبر الذي لم يعلم كذبـه، لا الخبرين معاً(1)، فتأمّل جيّداً. هذا كلّـه بناءً على كون الوجـه في اعتبار الخبر هو بناء العقلاء على العمل بـه في جميع أمورهم كما أنّـه هو الوجـه.
1 ـ كفايـة الاُصول: 499.

383
وأ مّا بناءً على كون ا لدليل هي ا لآيات وا لروايات التي استدلّ بها على ذلك: فتارةً يقال بكونها مهملـة غير شاملـة لحال التعارض. واُخرى بكونها مطلقـة. وعلى هذا التقدير قد يراد بالإطلاق الإطلاق الشمولي اللحاظي، وقد يراد بـه الإطلاق الذاتي، فإن كانت الأدلّـة مهملـة غير شاملـة لحال التعارض فواضح حكم صورة التعارض، لأنّـه لا دليل حينئذ على حجّيـة واحد من الخبرين، فيسقطان عن الاعتبار الذي كان ثابتاً لهما في حال عدم المعارضـة، وإن كانت مطلقـة بالإطلاق الشمولي اللحاظي فاللازم أن يقال بثبوت التخيـير في حال التعارض، وإلاّ تلزم اللغويّـة، كما لايخفى. وإن كان المراد بـه هو الإطلاق الذاتي وهو الذي اخترناه وحقّقناه في باب المطلق والمقيّد فقد يقال: بأنّ اللازم حينئذ التخيـير أيضاً، نظراً إلى أنّ الدليل على اعتبار الخبر لـه عموم وإطلاق، أمّا العموم فباعتبار شمولـه بجميع الأخبار، وأمّا الإطلاق فباعتبار عدم كونـه مقيّداً بحال عدم المعارض. وحينئذ: فإذا ورد خبران متعارضان يدور الأمر بين رفع اليد عن العموم والحكم بعدم حجّيـة شيء منهما، وبين حفظ العموم على حالـه ورفع اليد عن الإطلاق والقول بحجّيـة كلّ واحد منهما مع رفع اليد عن الآخر، وهذا هو الذي ينبغي أن يختار، لأنّ التصرّفات في الدليل تـتقدّر بقدر الضرورة، ومع إمكان التصرّف القليل لامسوغ للتصرّف الكثير، وهذا نظير المتزاحمين، حيث إنّ العقل يحكم فيهما بالتخيـير، لأجل عدم إمكان امتثالهما، هذا. ويرد عليـه: أمّا بناءً على كون المستفاد من النقل هو الحجّيـة من باب الطريقيّـة: أنّ قياس المقام بباب المتزاحمين قياس مع الفارق، لأنّـه هناك كان
384
المكلّف متوجّهاً إليـه تكليفان نفسيّان تعلّق كلّ واحـد منهما بمتعلّق خاص، وحيث لا يكون قادراً على جمعهما في مقام الامتثال ولا مرجّح في البين يحكم العقل بالتخيـير. وأمّا هنا فالتكليف المتعلّق بتصديق العادل تكليف طريقي، ومرجعـه إلى لزوم متابعـة الخبر لكونـه طريقاً وكاشفاً عن الواقع، ولا معنى للحكم بالتخيـير بين الطريقين اللذين كانت حجّيتهما لأجل الطريقيّـة، والعقل يحكم بتساقطهما لامتناع ثبوت الكاشفيـة لهما، ضرورة أنّـه لا معنى للتخيـير بين الخبرين بكون كلّ واحد منهما كاشفاً مع عدم العمل بالآخر، كما لايخفى، هذا. وأمّا بناءً على كون المستفاد من النقل هو الحجّيـة من باب السببيـة فالأمر وإن كان يدور بين رفع اليد عن العموم وتقيـيد الإطلاق، إلاّ أنّك عرفت فيما تقدّم أنّ ترجيح التقيـيد على التخصيص إنّما هو فيما إذا كان الأمر دائراً بين التصرّف في دليل بالتخصيص والتصرّف في ذلك الدليل بالتقيـيد. هذا كلّـه بناءً على الطريقيّـة. مقتضى الأصل بناءً على السببيّة وأمّـا بناءً على السببيـة فتارة يقال: بكون الـدليل هـو العقل، واُخـرى: بأنّـه هو النقل. فعلى الأوّل قد يقال بخلوّ الواقع عن الأحكام وأنّها تابعـة لقيام الأمارة، وبدونها لا حكم ولا تكليف، وقد يقال بثبوت الأحكام الواقعيّـة المشتركـة بين العالم والجاهل، كما انعقد عليـه الإجماع وتواتر بـه الأخبار.
385
فعلى الأوّل تارةً يقال: بأنّ قيام الأمارة على تعلّق الحكم بشيء يوجب أن يكون ذلك الشيء محكوماً بذلك الحكم بعنوانـه، واُخرى: بأنّ قيام الأمارة عليـه يوجب أن يكون متعلّق الحكم هو مؤدّى الأمارة بما أنّـه مؤدّاها. فعلى الأوّل يكون مرجع قيام الأمارة على وجوب صلاة الجمعـة وأمارة اُخرى على حرمتها، إلى اشتمال صلاة الجمعـة على المصلحـة الملزمـة والمفسدة كذلك. ومن المعلوم ارتفاع ذلك، فاللازم حينئذ الالتزام بتساقط الخبرين بعد عدم وجود مرجّح في البين. وعلى الثاني الذي مرجعـه إلى أنّ قيام الأمارة يوجب أن يكون متعلّق الحكم هو المؤدّى لـه بوصف أنّـه المؤدّى لـه يكون مرجع الأمارتين والخبرين إلى اشتمال مؤدّى خبر زرارة ـ مثلا ـ على المصلحـة بما أنّـه مؤدّى لـه، وكذا مؤدّى خبر محمّد بن مسلم، فإن قلنا بتغاير هذين العنوانين وكفايتـه في تعدّد الحكم فلا معارضـة بين الخبرين حينئذ، بل يصير كعنواني الصلاة والتصرّف في مال الغير، كما لايخفى. وإلاّ يلزم التعارض والتساقط، هذا بناءً على خلوّ الواقع عن الحكم المشترك بين العالم والجاهل. وأمّا بناءً على ثبوت ذلك فلابدّ أن تكون الأمارة المخالفـة مشتملـة على مصلحـة غير ناقصة عـن مصلحـة الواقـع، وحينئذ فحيث لا يكون المخالف المشتمل على المصلحـة غير معلوم فاللازم أن يقال بالتخيـير، لأجل عـدم وجـود المرجّح.
386
مقتضى الأخبار الواردة في المتكافئين هذا كلّـه ما تقتضيـه القاعدة في المتعارضين المتكافئين، لكنّـه قد ادّعي الإجماع على عدم التساقط، ووردت روايات دالّـة عليـه، لكنّها مختلفـة: فطائفـة منها تدلّ على ا لتخيـير . وطائفـة على ا لتوقّف . وقد ادّعى الشيخ (قدس سره) في الرسائل تواتر الروايات الدالّـة على التخيـير(1)، ولكنّها حسبما تـتبّعنا في مظانّها التي هي الباب التاسع مـن كتاب قضاء الوسائل(2) وكذا الباب التاسع من مستدركـه(3) لا تـتجاوز عن سبعـة قاصرة من حيث السند والدلالـة، وقد مرّ بعضها، وهو روايتا الحميري وعلي بن مهزيار المتقدّمتان(4) في فصل تعارض العامّ والخاصّ، وهكذا أخبار التوقّف المذكورة في الباب التاسع من الكتابين. ما قيل في وجه الجمع بين هاتين الطائفتين من الأخبار وقد وقع الاختلاف في الجمع بين هاتين الطائفتين وما قيل في ذلك وجوه: منها: ما أفاده المحقّق النائيني في التقريرات ـ بعد ذكر أنّ في هذا الباب
1 ـ فرائد الاُصول 2: 762. 2 ـ وسائل الشيعـة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9. 3 ـ مستدرك الوسائل 17: 302، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9. 4 ـ تقدّمتا في الصفحـة 334 ـ 335.

387
طوائف أربع من الروايات، لدلالـة طائفـة ثالثـة على التخيـير في خصوص زمان الحضور، ورابعـة على التوقّف في خصوص ذلك الزمان ـ من أنّ مقتضى التحقيق في الجمع بينها هو أنّ النسبـة بين ما دلّ على التخيـير في زمان الحضور وبين ما دلّ على التخيـير المطلق وإن كانت هي العموم والخصوص، وكذا بين روايات التوقّف، إلاّ أنّـه لا تعارض بينهما، لعدم المنافاة بين التوقّف المطلق والتوقّف في زمان الحضور، وكذا بين التخيـيرين، فالتعارض بين ما دلّ على التخيـير وبين ما دلّ على التوقّف، غايتـه أنّ التعارض بين ما دلّ على التوقّف والتخيـير مطلقاً يكون بالعموم من وجـه، وبين ما دلّ على التوقّف والتخيـير في زمان الحضور يكون بالتباين، ولا يهمّنا البحث في الثاني، فإنّـه لا أثر لـه، فالحري رفع التعارض في الأوّل، وقد عرفت أنّ النسبـة بينهما العموم من وجـه، لكن نسبـة ما دلّ على التخيـير مطلقاً مع ما دلّ على التوقّف في زمان الحضور هي العموم والخصوص، فلابدّ من تقيـيد إطلاق التخيـير بـه، وبـه يتحقّق انقلاب النسبـة من العموم من وجـه إلى العموم المطلق، ومقتضى الصناعـة حمل أخبار التوقّف على زمان الحضور والتمكّن من ملاقاة الإمام (عليه السلام)، فتصير النتيجـة هي التخيـير في زمان الغيبـة كما عليـه المشهور(1)، انتهى ملخّصاً. ويرد عليـه: ـ مضافاً إلى أنّـه لم يظهر لنا أنّ النسبـة بين ما دلّ على التخيـير مطلقاً وبين ما دلّ على التوقّف كذلك كيف تكون بالعموم من وجـه بعد شمول كلّ منهما لحالتي الظهور والغيبـة، بل النسبـة بين الدليلين هي التباين كالنسبـة بين أدلّـة التوقّف والتخيـير في زمان الحضور، كما لايخفى. ومضافاً إلى
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 764 ـ 765.

388
ما أورده الفاضل المقرّر في الهامش من أنّـه لا وجـه لملاحظـة دليل التخيـير مطلقاً مع دليل التوقّف في زمان الحضور حتّى يختصّ دليل التخيـير بحال الغيبـة وصار مخصّصاً لدليل التوقّف المطلق بعدما كانت النسبـة بينهما هي العموم من وجـه، على حسب ما أفاده، فإنّـه ليس بأولى من العكس وملاحظـة دليل التوقّف مطلقاً مع دليل التخيـير في زمان الحضور وتخصيصـه بحال الغيبـة ثمّ جعلـه مخصّصاً لدليل التخيـير مطلقاً، كما لايخفى ـ أنّـه لا وجـه لملاحظـة دليل التخيـير مطلقاً مع دليل التوقّف في زمان الحضور بعد كونـه مبتلى بالمعارض على ما هو المفروض، وهو دليل التخيـير في زمان الحضور الذي ذكر أنّ النسبـة بينهما التباين. وبالجملـة: فهذا النحو من الجمع ممّا لا وجـه لـه. وبـه ينقدح الخلل في الجمع الذي أفاده الشيخ (قدس سره) في الرسائل(1) وهو حمل أخبار التوقّف على صورة التمكّن من الوصول إلى الإمام (عليه السلام)، فإنّـه لا وجـه لـه بعد اختلاف الأخبار بالنحو الذي عرفت، مضافاً إلى أنّ المراد بالتمكّن إن كان هو التمكّن الذي كان الشخص معـه قادراً على الرجوع إلى الإمام فوراً كما إذا كان معـه في مدينـة واحدة، فمن الواضح إباء أخبار التوقف عن الحمل على خصوص هذه الصورة، وإن كان المراد بـه هو التمكّن بمعنى مجرّد القدرة على الوصول إلى محضره ولو مع تحمّل مشقّـة السفر، فمن الواضح أنّ حمل أخبار التخيـير على صورة عدم التمكّن بهذا المعنى بعيد جدّاً، كما لايخفى، خصوصاً مع كون الغايـة في بعض الروايات ملاقاة من يخبره، ومن المعلوم أنّ المخبر أعمّ من الإمام (عليه السلام).
1 ـ فرائد الاُصول 2: 763.

389
ومنها: ما أفاده المحقّق الحائري (قدس سره) في كتاب الدرر(1) في مقام الجمع، من حمل أخبار التوقّف على التوقّف في مقام الرأي والإفتاء، وأخبار التخيـير على التخيـير في العمل. ويرد عليـه: أنّـه كما يستفاد من أدلّـة التخيـير جواز العمل بكل واحد من الخبرين، كذلك يوجد في أخبار التوقّف ما ظاهره النهي عن العمل بشيء منهما لا النهي عن الرأي والإفتاء، فراجع، فهذا الجمع أيضاً ممّا لا شاهد لـه. وا لذي يمكن أن يقا ل في مقام ا لجمع : إنّ أدلّـة التخيـير صريحـة في جواز الأخذ بكلّ من الخبرين، فإنّ قولـه (عليه السلام): «فموسّع عليك بأيّهما أخذت»(2)، صريح في التوسعـة وجواز الأخذ بكلّ منهما. وأمّا أخبار التوقّف فليس فيها ما كان نصّاً في ذلك، بل غايتـه الظهور في التوقّف وعدم الأخذ بشيء منهما، والظاهر لا يقاوم النصّ، فيحمل أخبار التوقّف على الاستحباب، لصراحـة أخبار التخيـير في الجواز. وهنا وجوه اُخر من الجمع، مثل حمل أخبار التخيـير على العبادات وأخبار الإرجاء على المعاملات، أو حمل أخبار الإرجاء على صورة عدم الاضطرار إلى العمل بأحدهما، وأخبار التخيـير على ما إذا لم يكن لـه بدّ من العمل بأحدهما، وذكر أكثر هذه الوجوه العلاّمـة المجلسي (قدس سره) في كتاب مرآة العقول(3).
1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 657. 2 ـ الاحتجاج 2: 264 / 233، وسائل الشيعـة 27: 121، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث40. 3 ـ مرآة العقول 1: 218 ـ 219.

390
وقد استدلّ لبعض هذه الوجوه بروايـة الميثمي الطويلـة التي أوردها في الوسائل في الباب التاسع من أبواب كتاب القضاء(1) ولكنّها لا دلالـة لها على التخيـير الذي هو المقصود في المقام، لأنّـه حكم ظاهري والتخيـير الذي يدلّ عليـه هذه الروايـة هو التخيـير الواقعي، لأنّ مورده النهي التنزيهي مع دليل الرخصـة أو الأمر غير الإلزامي مع ذلك الدليل. ومن المعلوم أنّ التخيـير في مثل هذه الموارد تخيـير واقعي، كما هو واضح. نعم ذيلها يدلّ على التوقّف والتثبّت حتّى يأتي البيان من ناحيتهم، فهذه الروايـة أيضاً من أخبار التوقّف، ولابدّ من علاج التعارض بينها وبين أخبار التخيـير فتأمّل جيّداً. تنبيهات وينبغي التنبيـه على اُمور: التنبيه الأوّل: في معنى التخيير في المسألة الاُصولية لا ينبغي الارتياب في أنّ المستفاد من أخبار التخيـير هوالتخيـير في المسألـة الاُصوليـة، ومرجعـه إلى كون المتحيّر مخيّراً في الأخذ بأحد الخبرين والمعاملـة معـه معاملـة الحجّـة، كما لو كان بلا معارض، إنّما الإشكال في
1 ـ وسائـل الشيعـة 27: 113، كتاب القضاء، أبـواب صفـات القاضـي، الباب9، الحديث21.

391
ما يرجع إليـه حقيقـة التخيـير بعدما عرفت(1) من كون مقتضى القاعدة العقلائيـة في مقام التعارض تساقط الخبرين وسقوط الحجّتين والطريقين. قد يقال بأنّ مرجع جعل التخيـير إلى جعل الطريقيّـة عند التعارض. ويرد عليـه ـ مضافاً إلى أنّ أصل جعل الطريقيّـة والكاشفيـة ولو مع عدم التعارض غير معقول، لأنّ الكاشفيّـة من الاُمور التكوينيّـة واللوازم العقليّـة للكاشف ولا يعقل تعلّق الجعل الشرعي بها ـ أنّـه إن كان المراد جعل الطريقيّـة لكلا الخبرين فهو مستحيل بعد فرض التعارض وعدم إمكان الاجتماع، ضرورة أنّـه لو لم يكن مستحيلا لما كان العقل يحكم بالتساقط، كما هو واضح. وإن كان المراد جعل الطريقيّـة لأحد الخبرين بالخصوص، فمضافاً إلى أنّـه لا مرجّح في البين، مناف لمقتضى الأدلّـة، حيث إنّها تدلّ على التخيـير لا الأخذ بخصوص واحد منهما، وإن كان المراد جعلها لأحدهما غير المعيّن فمن الواضح أنّ أحدهما لا على سبيل التعيـين ليس شيئاً وراء كلا الخبرين، ضرورة أنّـه ليس هنا أمر آخر في البين، وقد عرفت استحالـة جعل الطريقيـة لكليهما أو واحد معيّن منهما، هذا. وقد يقال بأنّ التخيـير المجعول في الخبرين المتكافئين هو حكم ظاهري مجعول عند الشكّ وفي مورد التحيّر، ويؤيّده ما في بعض الروايات المتقدّمـة من ترتيب الحكم بالتوسعـة على ما إذا لم يعلم، فهو أيضاً كسائر الاُصول المعتبرة في موارد الشكّ. ولازم هذا القول الاقتصار في مقام الأخذ بأحد الخبرين على مجرّد
1 ـ تقدّم في الصفحـة 379.

392
مدلولـه المطابقي دون لازمـه، لعدم حجّيـة اللوازم ولا الملزومات في باب الاُصول، كما عرفت. والتحقيق في المقام أن يقال: إنّ الحكم بالتخيـير في المتعارضين ليس حكماً ثانويّاً وراء الحكم بحجّيـة كلّ واحد من الخبرين إمضاءً لحكم العقلاء وبنائهم على العمل بخبر الواحد. غايـة الأمر أنّ مرجعـه إلى تخطئـة العقلاء في حكمهم بالتساقط مع التعارض، ومرجعـه إلى أنّـه كما كان الواجب عليكم الأخذ بالخبر والتعبّد بمضمونـه وجعلـه حجّـة وطريقاً إلى الواقع مع عدم التعارض مع الخبر الآخر، كذلك يجب عليكم في مقام التعارض أيضاً الأخذ. غايـة الأمر أنّـه حيث لا يكون ترجيح في البين يتخيّر المكلّف في الأخذ بكلّ واحد منهما، فهذا الأخذ لا يكون مغايراً للأخذ بالخبر مع عدم المعارضـة أصلا، وحينئذ لا فرق بينهما من جهـة حجّيـة اللوازم والملزومات. والدليل على ما ذكرنا: أنّ الظاهر عدم الفرق فيما يرجع إلى معنى الأخذ بين المتكافئين والمتعارضين مع ثبوت المزيّـة لأحدهما، فكما أنّ الأمر بأخذ ذي المزيّـة ليس حكماً آخر وراء الحكم بحجّيـة الخبر، فكذلك الأمر بأخذ أحد الخبرين مع التكافؤ، فإنّـه ليس أيضاً حكماً آخر ناظراً إلى جعل الطريقيّـة وجعل حكم ظاهري، كما هو واضح. ويرد عليـه: أنّ تخطئـة حكم العقلاء وإن كان بمكان من الإمكان، ولكن لامجال لتخطئـة حكم العقل. وقد عرفت(1) أنّ التساقط مقتضى حكم العقل
1 ـ تقدّم في الصفحـة 379.

393
أيضاً، وعليـه فيبقى الإشكال بحالـه. والظاهر أنّ الالتزام بالحكم الظاهري والأصل العملي لا مانع منـه واقتضائـه عدم الأخذ بغير المدلول المطابقي وعدم حجّيـة اللوازم، ومثلها ممنوع بعد كون التخيـير هو الأصل العملي والمخيّر فيـه هو الأخذ بكلّ واحد من الخبرين بجميع مداليلـه ولوازمـه ومثلها، ولا مانع من عدم حجّيـة المثبت وكون المخيّر فيـه مطلق الأخذ. التنبيه الثاني: في حكم تخيير القاضي والمفتي في عمله وعمل مقلّديه إنّـه بعدما عرفت من كون التخيـير الذي يدلّ عليـه أخباره هو التخيـير في المسألـة الاُصوليّـة، فهل يجوز للمجتهد الفتوى بالتخيـير في المسألـة الفرعيّـة الراجع إلى كون المقلّد مخيّراً في مقام العمل، أم التخيـير ينحصر بالمجتهد ويجب عليـه الأخذ بمضمون أحد الخبرين والفتوى على طبقـه؟ وجهان. قد يقال: بانحصار الخطابات الواردة في المسائل الاُصوليّـة بخصوص المجتهد نظراً إلى أنّـه هو الذي يتحقّق عنده موضوع تلك الخطابات، لأنّـه هو الذي يشكّ في الحكم الفلاني بالشبهـة الحكميّـة، وهو الذي يجيء عنده الخبران المتعارضان، وغير ذلك من الموضوعات، ومع انحصار تحقّق الموضوع بـه لاتكون تلك الخطابات شاملـة لغيره، هذا. ولكن الظاهر خلافـه، لأنّ مجرّد كون المقلّد غير مشخّص لموضوعات تلك الخطابات لا يوجب انحصارها بالمجتهد، بل يمكن أن يقال: بأنّ المجتهد يشخّص الموضوع للمقلّد ويفتي بمضمون تلك الخطابات. فبالنتيجـة يكون جريانها في ذلك الموضوع عند المقلّد، فالمجتهد يعلّم المقلّد بأنّ صلاة الجمعـة كانت واجبـة
394
في عصر ظهور أئمّـة النور (عليهم السلام) والآن مشكوك الوجوب، ويفتي بأنّ كلّ شيء كذلك يحرم نقض اليقين فيـه بالشكّ على ما هو مدلول خطابات الاستصحاب، فالمقلّد حينئذ يتمسّك بالاستصحاب ويحكم بوجوبها في هذه الأعصار أيضاً وإن كانت الشبهـة حكميّـة. وإن شئت قلت: إنّ مورد الاستصحاب لا يختصّ بما إذا كان يقين وجداني، بل مورده أعمّ منـه وممّا إذا قامت أمارة معتبرة، وإلاّ لكان مورده في غايـة القلّـة خصوصاً بالنسبـة إلى الشبهات الحكميّـة. ومن الواضح أنّ فتوى المجتهد من الأمارات المعتبرة، فإذا علم المقلّد بوجوب صلاة الجمعـة في عصر الظهور والشكّ في هذه الأعصار يحصل للمقلّد أمارة معتبرة عليـه والشكّ، فيتحقّق عنده موضوع الاستصحاب ويحكم بجريانـه على تقدير كون المجتهد ممّن يقول باعتباره. فدعوى انحصار الخطابات الواردة في المسائل الاُصوليّـة بالمجتهد ممنوعـة جدّاً. وممّا ذكرنا يظهر: أنّ المجتهد عند تعارض الخبرين عنده يتخيّر بين الأخذ بمضمون أحد الخبرين والفتوى على طبقـه، لأنّك عرفت أنّـه ليس المراد بالأخذ هو الأخذ بالنسبـة إلى العمل فقط، بل الأخذ مطلقاً كالأخذ بالخبر مع عدم المعارض لـه، وبين إعلام المقلّد بالحال وأنّ هذا المورد ممّا ورد فيـه الخبران المتعارضان وحكمـه التخيـير في الأخذ، وبين الفتوى بالتخيـير في مقام العمل من دون إعلامـه بالحال. أمّا الأوّل والثاني فواضحان، وأمّا الثالث، فلأنّ التخيـير على ما عرفت حكم طريقي، ومرجعـه إلى جواز أخذ كلّ من الخبرين طريقاً وأمارة، فلا مانع من الفتوى بالتخيـير، فتأمّل جيّداً.
395
التنبيه الثالث: في أنّ التخيير بدوي أو استمراري هل التخيـير بدوي مطلقاً، أو استمراري كذلك، أو تفصيل فيـه بين ما إذا كان في المسألـة الاُصوليّـة فبدوي وبين ما إذا كان في المسألـة الفقهيّـة فاستمراري، أو تفصيل فيـه بعد فرض كونـه في المسألـة الاُصوليّـة بين ما إذا قيل باختصاص الخطابات الواردة في المسائل الاُصوليّـة بالمجتهد، فالتخيـير بدوي، وبين ما إذا قيل بعدم الاختصاص فاستمراري؟ وجوه واحتمالات أربعـة، والمستند هو الأخبار الواردة في التخيـير ومع قصورها فالاستصحاب، وتوضيح الحال: أنّـه أفاد الشيخ (قدس سره) في الرسالـة أنّ مستند التخيـير إن كان هو الأخبار الدالّـة عليـه فالظاهر أنّها مسوقـة لبيان وظيفـة المتحيّر في ابتداء الأمر، فلا إطلاق فيها بالنسبـة إلى حال المتحيّر بعد الالتزام بأحدهما(1)، انتهى. ويمكن تقريبـه بأنّ هنا أمران: أحدهما: وظيفـة المتحيّر عند مجيء الخبرين المتعارضين عنده. وثانيهما: وظيفتـه بعد الأخذ بأحدهما، والسؤال عن هذه الوظيفـة إنّما يصحّ مع ثبوت أصل وظيفـة المتحيّر في ابتداء الأمر ووضوحـه عند السائل. ومن المعلوم كما نراه أنّ الروايات الواردة في التخيـير ليس فيها إلاّ سؤال وجواب واحد، وهو السؤال عن أصل وظيفـة المتحيّر ابتداءً والجواب عنـه، أو بيان أمر واحد وحكم فارد، هذا.
1 ـ فرائد الاُصول 2: 764.

396
ويرد عليـه: أنّـه يمكن أن يستفاد من كثير من الأخبار الواردة في التخيـير كونـه استمراريّاً، والعمدة من ذلك روايتان: إحداهما: ما رواه الحسن بن جهم عن الرضا (عليه السلام) قلت: يجيئنا الرجلان ـ وكلاهما ثقـة ـ بحديثين مختلفين ولا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال (عليه السلام): «فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخـذت»(1)، فإنّ تعليق الحكم بالتوسعـة على مجـرّد الجهل وعـدم العلم خصوصاً مـع إعادتـه في الجواب مع كونـه مذكوراً في السؤال يدلّ على أنّ تمام الموضوع للحكم بالتوسعـة هو مجرّد الجهل بالواقع وعدم العلم والتردّد الناشئ من مجيء الحديثين المختلفين. ومن الواضح بقاء التردّد بعد الأخذ بأحدهما، لأنّ الأخذ بـه لا يوجب العلم بالواقع أو قيام أمارة عليـه التي لابدّ من الأخذ بها. وقد عرفت أنّ التخيـير وظيفـة مجعولة في مقام الشـكّ والـتحيّر، وليس مرجعـه إلى كون المأخوذ من الخبرين أمارة تعبّديـة في صورة التعارض حتّى يكون قيام الأمارة رافعاً لموضوع الحكم بالتوسعـة تعبّداً، بل التحقيق أنّـه مع التخيـير والأخذ بأحد الخبرين لا يرتفع التحيّر والتردّد مـن البين، والمفروض أنّـه الموضوع الفريد للحكم بالتوسعـة وجواز الأخذ بما شاء من الخبرين. ثانيتهما: روايـة الحـرث بن المغيرة عـن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام): «إذا سمعت من أصحابك الحديث ـ وكلّهم ثقة ـ فموسّع عليك حتّى ترى القائم (عليه السلام)فتردّ إليه»(2).
1 ـ الاحتجاج 2: 264 / 233، وسائل الشيعـة 27: 121، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث40. 2 ـ الاحتجاج 2: 264 / 234، وسائل الشيعـة 27: 122، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث41.

397
وهذه الروايـة وإن كان ربّما يناقش في دلالتها على التخيـير في المتعارضين، لعدم التعرّض لهما في الموضوع، بل موضوع الحكم بالتوسعـة مطلق الحديث، إلاّ أنّ التمسّك بها لمكان كونها من أدلّـة التخيـير عند الشيخ (قدس سره) القائل بهذه المقالـة، وهي قصور أدلّـة التخيـير عن الدلالـة لحال المتحيّر بعد الالتزام بأحدهما، هذا. مضافاً إلى أنّـه يمكن أن يستفاد من التعبير بالتوسعـة المستعملـة في سائر روايات التخيـير كون الموضوع هو المتعارضين، وإلى أنّ إطلاقـه لهما يكفي لنا، كما لايخفى. وكيف كان: فدلالتها على استمرار التخيـير أوضح من الروايـة السابقـة، لأنّـه جعل الغايـة للحكم بالتوسعـة هي رؤيـة القائم (عليه السلام) والردّ إليـه، فتدلّ على بقائـه مع عدم حصول الغايـة، سواء كان في ابتداء الأمر أو بعد الأخذ بأحد الخبرين، كما لايخفى. فانقدح: أنّـه لا مجال لدعوى الإهمال في جميع الروايات الواردة في باب التخيـير. وأمّا الاستصحاب فنقول: الشكّ في الاستمرار قد يكون مع فرض اختصاص التخيـير بخصوص المسألـة الاُصوليّـة، وقد يكون لأجل الشكّ في أنّ التخيـير في المسألـة الاُصوليّـة أو في المسألـة الفرعيّـة، وقد يكون لأجل الشكّ في أنّـه مع كون التخيـير في المسألـة الاُصوليّـة هل الخطابات الواردة فيها مختصـة بالمجتهد أو تعمّ المقلّد؟ فعلى الأوّل لابدّ من ملاحظـة ما جعل في الأخبار موضوعاً للحكم بالتخيـير، فنقول: يحتمل فيـه وجوه أربعـة:
398
أحدها: أن يكون الموضوع هو شخص المكلّف فيما إذا لم يعلم بما هو الحقّ من الخبرين المتعارضين. ثانيها: أن يكون الموضوع هو من لم يعلم حقيّـة واحد منهما. ثالثها: أن يكون الموضوع هو المتحيّر بما هو المتحيّر. رابعها: أن يكون الموضوع خصوص من لم يختر أحد الخبرين، كما يظهر من الشيخ (قدس سره) (1). فعلى الأوّلين لا مانع من الاستصحاب، لبقاء الموضوع المأخوذ في الدليل بعد الأخذ أيضاً، وعلى الأخيرين أيضاً لا مانع منـه، لأنّـه بعدما صار الشخص الخارجي مورداً للحكم بالتخيـير نقول: هذا الشخص كان مخيّراً والآن نشكّ في بقاء تخيـيره، فهو بعد باق عليـه، نظير الاستصحاب الجاري في الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره من قبل نفسـه، كما أومأنا إليـه مراراً. وعلى الثاني والثالث يصير هذا الاستصحاب من أفراد القسم الثاني من الأقسام الثلاثـة من استصحاب الكلّي، كما لايخفى. فانقدح من جميع ما ذكرنا دلالـة الأدلّـة من الأخبار والاستصحاب على كون التخيـير استمراريّاً. ثمّ إنّـه قد يناقش في جريان الاستصحاب بناءً على الوجـه الثاني وكذا الثالث، نظراً إلى ما ذكرناه في باب الاستصحاب الكلّي من أنّ استصحاب الكلّي إنّما يجري إذا كان ذلك الكلّي مجعولا شرعيّاً أو موضوعاً لترتّب أثر شرعي. فيقال حينئذ: إنّ التخيـير الجامع بين البدوي والاستمراري لا يكون أمراً مجعولا من الشارع، لأنّ المجعول الشرعي إمّا خصوص التخيـير البدوي، وإمّا
1 ـ فرائد الاُصول 2: 764.

399
خصوص التخيـير الاستمراري، والجامع بينهما أمر انتزاعي غير مجعول أصلا، نظير القدر الجامع بين الوجوب والاستحباب مثلا، فلا يجري في شيء منهما الاستصحاب أصلا. إلاّ أن يقال: بأنّ هذا الإشكال إنّما يجري فيما لو اُريد استصحاب التخيـير الكائن بالكون الناقص، بأن يكون المستصحب عبارة عن جملـة «كان التخيـير ثابتاً للمكلّف» وأمّا لو اُريد استصحاب جملـة «كان المكلّف مخيّراً» فلا مانع من جريانـه. أو يقال بالفرق بين المقام وبين المثال المزبور، وهو القدر الجامع بين الوجوب والاستحباب بأنّـه لا يعقل جعل القدر الجامع هناك، وأمّا أصل التوسعـة فيمكن تعلّق الجعل بـه بقولـه (عليه السلام): «فموسّع عليك» وشبهـه، فتأمّل. وكيف كان: فنحن لا نحتاج إلى هذا الاستصحاب حتّى يورد عليـه بما ذكر، لما عرفت من دلالـة الروايات على استمرار التخيـير، مضافاً إلى أنّ الشكّ فيـه على تقديره إنّما هو بعد الفراغ عن ثبوتـه في خصوص المسألـة الاُصوليّـة وعدم اختصاص الخطابات الواردة فيها بالمجتهد، وقد عرفت(1) أنّـه على هذا التقدير يجري الاستصحاب بلا كلام. التنبيه الرابع: في شمول أخبار التخيـير لجميع صور الخبرين المختلفين إنّـه لا إشكال في تحقّق الموضوع المأخوذ في أخبار التخيـير ـ وهو مجيء الرجلين بحديثين مختلفين ـ فيما إذا كان سند الروايتين مختلفين جميعاً في الإخبار مع الواسطـة بأن لم يشتركا أصلا حتّى في واحد، إنّما الإشكال فيما إذا اشتركا في منتهى السلسلـة، سواء اشتركا في غيره أيضاً أم لا، كما إذا روى
1 ـ تقدّم في الصفحـة 393 ـ 394.

400
الكليني بإسناده حديثاً عن زرارة دالاّ على وجوب شيء، وروى الشيخ بإسناده حديثاً عنـه أيضاً دالاّ على حرمـة ذلك الشيء، أو روى الكليني عنـه أيضاً ذلك الحديث، فإنّـه ربّما يمكن أن يقال بعدم كون هذا المورد مشمولا لأخبار التخيـير أصلا، نظراً إلى أنّ المورد هو مجيء الرجلين بحديثين مختلفين، وهنا كان الجائي بهما شخصاً واحداً وهو زرارة فقط، فلا يشملـه أدلّـة التخيـير، هذا. ويرد عليـه: أنّ الظاهر عدم دخالـة مجيء الرجلين بما هما رجلان، ولذا لو أتى بحديثين غير رجلين بل امرأتان أو مرء ومرأة لا خفاء في دخولـه في موردها، مضافاً إلى أنّـه يستفاد من أدلّـة التخيـير أنّ الشارع لم يرض برفع اليد عن المتعارضين مع كون القاعدة تقتضي التساقط، فخلافـه يوجب عدم رفع اليد في المقام أيضاً، كما لايخفى، هذا. ولو كان الحديث المنقول في الجوامع المتأخّرة مختلفاً من حيث النقل عن الجوامع الأوّليّـة، مثل ما إذا روى الكليني في الكافي حديثاً عن كتاب حسين بن سعيد الأهوازي، وروى الشيخ في التهذيب ـ مثلا ـ ما يغايره عن ذلك الكتاب أيضاً فالظاهر أيضاً شمولـه في أخبار التخيـير أيضاً إذا لم يعلم بكون الاختلاف مستنداً إلى اختلاف نسخ ذلك الكتاب، لأنّ الظاهر أنّ مثل الكليني والشيخ لم يكن في أخذ الحديث معتمداً على ما هو المنقول في الكتب، بل كان دأبهم على الأخذ من الشيوخ إمّا بالقراءة عليهم أو بقرائتهم عليـه، فهذا الاختلاف دليل على اختلاف الشيوخ النقلـة لهذا الحديث. نعم لو كان الاختلاف في نسخ الاُصول المتأخّرة والجوامع الموجودة بأيدينا، كما إذا اختلفت نسخ الكافي ـ مثلا ـ في حديث، فالظاهر عدم كونـه مشمولا لأخبار التخيـير أصلا، لأنّ هذا الاختلاف يكون مستنداً إلى الكتاب لا محالـة، فلا يصدق مجيء الرجلين بحديثين مختلفين، كما هو واضح.
401
المقصد الثاني في الخبرين المتعارضين مع عدم التكافؤ والكلام فيـه أيضاً يقع في مقامين: المقام الأوّل: فيما يحكم به العقل في هذا الباب فنقول: البحث في حكم العقل فيـه قد يقع بناءً على اعتبار الخبر من باب الطريقيّـة، وقد يقع بناءً على السببيّـة. وليعلم أنّ التكلّم في حكم العقل إنّما هو بعد الفراغ عن عدم كون الحكم في المتكافئين هو التساقط وطرح الخبرين، بل بعد ثبوت كون الحكم فيهما هو التخيـير. وحينئذ نقول: أمّا بناءً على اعتبار الخبر من باب الطريقيـة، فإن قلنا: بأنّ المجعول عند التعارض هي الطريقيّـة والكاشفيّـة، فلا ينبغي الارتياب في المقام في أنّـه لابدّ من الأخذ بذي المزيّـة أو بما يحتمل اشتمالـه عليها، لأنّـه يدور الأمر بين أن يكون الطريق المجعول بعد التعارض هو خصوص الخبر الراجح أو أحدهما تخيـيراً، فحجّيـة الخبر الراجح متيقّنـة لاريب فيها، وأمّا الخبر غير الراجح فيشكّ في طريقيّتـه وكاشفيّتـه عند التعارض، لأنّـه يحتمل اعتبار الشارع بالمزيّـة الموجودة في الآخر، والشكّ في باب الحجّـة والطريق مساوق للقطع
402
بعدم حجّيتـه، لأنّها ترجع إلى صحّـة الاحتجاج للمولى على العبد وكذا العكس، ولا يصحّ الاحتجاج مع الشكّ قطعاً. وإن لم نقل بأنّ المجعول في مورد التعارض هي الطريقيّـة والكاشفيـة، بل قلنا بأنّ المجعول إنّما هو حكم وجوبي ووظيفـة للمكلّف المتحيّر عند تعارض الطريقين عنده، نظراً إلى استحالـة كون الطريقيّـة مجعولـة، أمّا مطلقاً، لأنّها من الاُمور التكوينيّـة غير القابلـة لتعلّق الجعل بها، أو في خصوص المقام، لاستحالـة جعل الطريقيـة للمتناقضين كما عرفت(1). فالأمر يدور بين التعيـين والتخيـير، لأنّـه يحتمل تعلّق التكليف الوجوبي بالأخذ بخصوص الخبر الراجح، ويحتمل تعلّقـه على سبيل الوجوب التخيـيري بكلا الخبرين، والحكم فيـه هو البراءة أو الاشتغال على خلاف ما عرفت في بابـه. هذا كلّـه بناءً على اعتبار الخبر من باب الطريقيّـة. وأمّا بناءً على السببيّـة فقد اُطلق القول فيها بصيرورة المقام من صغريات باب التزاحم مع احتمال رجحان أحد المتزاحمين، ولكن التحقيق عدم تماميّـة الإطلاق، بل إنّما يتمّ على بعض الوجوه. توضيح ذلك: أنّ السببيـة إن كانت على النحو الذي يقول بـه الأشاعرة من خلوّ الواقع عن الأحكام الواقعيّـة وكون الحكم الواقعي تابعاً لقيام الأمارة، فلا معنى حينئذ لدعوى كون المقام من صغريات باب التزاحم، لأنّـه لو فرض قيام أمارة على وجوب صلاة الجمعـة، وأمارة اُخرى على حرمتها، فلا يمكن أن يكون في صلاة الجمعـة مصلحـة ملزمـة وفي تركها أيضاً مصلحـة ملزمـة، أو في فعلها
1 ـ تقدّم في الصفحـة 384.

403
مفسدة ملزمـة، وباب المتزاحمين ينحصر بما إذا اشتمل كلّ منهما على تمام المصلحـة الموجبـة للحكم. وكذا لو كانت السببيّـة على النحو الذي يقول بـه المعتزلـة من ثبوت الأحكام الواقعيـة في الواقع، غايـة الأمر أنّ مع قيام الأمارة على خلافـه لا يكون الحكم الفعلي إلاّ ما يطابق مدلول الأمارة، بمعنى أنّ فيـه مصلحـة غالبـة على مصلحـة الواقع، فإنّـه حينئذ لا يكون من ذلك الباب، لعدم إمكان امتثال كلّ من الفعل والترك على مصلحـة ملزمـة، كما هو واضح. نعم لو كانت السببيّـة بالمعنى المعقول غير المستحيل، وهي الذي يرجع إلى اشتمال سلوك الطريق والتطرّق بـه على المصلحـة، فيصير المقام من صغريات ذلك الباب، لأنّ المفروض أنّ سلوك كلّ من الأمارتين والتعبّد بكل من الخبرين مشتمل على المصلحـة، ولا يمكن الجمع بين المصلحتين، فيصير من باب المتزاحمين، وحكمـه أنّـه مع احتمال اشتمال واحد منهما على المزيّـة يدور الأمر بين التعيـين والتخيـير، والحكم فيـه البراءة أو الاشتغال على الخلاف المتقدّم في بابـه. المقام الثاني في مقتضى الأخبار الواردة في هذا الباب وأنّه هل هو وجوب الأخذ بذي المزيّة أم لا، وأنّ المزيّة المرجّحة ماذا؟ فنقـول: قـد يقـال بعـدم وجـوب الترجيـح بـالمـرجّحـات المنصوصـة ولا بغيرها نظـراً إلى أنّ ظاهـر الأخبار الـواردة فيـه وإن كان هـو الوجـوب، إلاّ
404
أنّ مقتضى الجمع بينها وبين أخبار التخيـير مطلقاً هو حملها على الاستحباب، لاستلزام إبقائـه على ظاهره وتقيـيد أخبار التخيـير بصورة عدم ثبوت شيء من المرجّحات حمل أخبار التخيـير على الفرد النادر وإخراج أكثر الأفراد منها، وهـو قبيح، أو إلى أنّ اختلاف الأخبار الواردة في الترجيح في المرجّحات من حيث اشتمال كلّ منها على بعض ممّا لم يشتمل عليـه الآخر أو من حيث الاختلاف في الترتيب بين المرجّحات دليل على عدم وجـوب الترجيح، كاختلاف الأخبـار الواردة فـي البئـر ومنزوحاتـه حيث استكشف منـه الاستحباب، نظراً إلى أنّ الاختلاف خصوصاً مع كثرتـه لا يجتمع مع الحكم الإيجابي، بل هـو دليل على أصل الرجحان، والاختلاف محمول على مراتبـه مـن الشدّة والضعف(1). ونحن نقول: لابدّ من ملاحظـة أخبار الترجيح والتكلّم في مفادها حتّى يظهر أنّ المرجّح لإحدى الروايتين على ما هو المجعول شرعاً المدلول عليـه الأخبار ليس إلاّ واحداً أو اثنين. وتقيـيد أخبار التخيـير بـه لا يوجب إخراج أكثر الأفراد، ولا مانع منـه أصلا، خصوصاً بعدما عرفت(2) من أنّـه ليس في الروايات التي ادّعي كونها دليلا على التخيـير إلاّ روايـة واحدة دالّـة عليـه، وقد تقدّمت، وغيرها قاصر من حيث الدلالـة جدّاً.
1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 665 ـ 667. 2 ـ تقدّم في الصفحـة 386.

405
انحصار المرجّح المنصوص في موافقـة الكتاب ومخالفـة العامّـة فنقول: إنّ العمدة في هذا الباب هي المقبولـة(1) والمرفوعـة(2)، أمّا المرفوعـة فهي قاصرة من حيث السند، لعدم كونها منقولـة إلاّ في كتاب عوالي اللآلي الذي طعن فيـه وفي مؤلّفـه صاحب الحدائق في مقدّماتـه(3). وأمّا المقبولـة فالتأمّل فيها يقضي بأن أكثر المرجّحات المذكورة فيها ليس مرجّحاً للروايـة، بل إنّما هي مرجّحات لأحد الحكمين، فإنّ الأصدقيّـة والأورعيّـة والأعدليّـة المذكورة فيها إنّما جعلت مرجّحـة لأحد الحكمين، ولا ارتباط لها بباب الروايـة أصلا، وأمّا الشهرة الفتوائيـة التي جعلت وصفاً لإحـدى الروايتين فالظاهـر أنّها أيضاً مـن مرجّحات باب الحكم وأنّ الحكم الـذي كان مستنده مشهوراً من حيث الفتوى راجـح على الآخـر مـن غير نظر إلى نفس المستندين. وإن أبيت إلاّ عن دلالـة المقبولـة على مرجّحيّـة الشهرة لإحدى الروايتين مع قطع النظر عن كونهما مستندين للحكمين فنقول: إنّ جعل الشهرة من المرجّحات حينئذ ممنوعـة، لأنّ الظاهر من المقبولـة أنّ الروايـة المطابقـة
1 ـ الكافي 1: 54 / 10، وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث1. 2 ـ عوالي اللآلي 4: 133 / 229، مستدرك الوسائل 17: 303، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث2. 3 ـ الحدائق الناضرة 1: 99.

406
للمشهور من مصاديق بيّن الرشد الذي يجب أن يتّبع، وغير المشهور الذي هو الشاذّ النادر هو من أفراد بيّن الغي الذي يجب أن يُترك ويدع، لامن مصاديق الأمر المشكل الذي يجب أن يردّ إلى اللّه والرسول، وحينئذ فالشهرة تميّز الحجّـة عن اللاحجّـة، لا أنّها مرجّحـة لإحدى الحجّتين على الاُخرى. فانقدح: أنّ المرجّح في مقام الفتوى الذي يدلّ عليـه المقبولـة ليس إلاّ موافقـة الكتاب ومخالفـة العامّـة. ومن المعلوم أنّ تقيـيد ما يدلّ على التخيـير ـ الذي عرفت انحصاره في خبر الحسن بن الجهم المتقدّم(1) ـ بالمقبولـة مع عدم دلالتها إلاّ على أنّ المرجّح للروايـة أمران ليس تقيـيداً مستهجناً، كما هو واضح. فالإشكال الأوّل حينئذ لا يبقى لـه مجال. وأمّا الإشكال الثاني الذي مرجعـه إلى أنّ اختلاف الأخبار الواردة في باب المرجّحات دليل على عدم لزوم الترجيح وعدم وجوبـه، فالجواب عنـه يتوقّف على التكلّم في مقامين: حال الأخبار الواردة في موافقة الكتاب المقام الأوّل: في الأخبار الواردة فيما يتعلّق بمخالف الكتاب من الروايات المرويّـة عنهم (عليهم السلام) وهي على طائفتين: الطائفـة الاُولى: ما تدلّ على أنّ الخبر المخالف للكتاب ممّا لم يصدر عنهم (عليهم السلام) أصلا، سواء كان له معارض أم لا، كما يقتضيه إطلاقها، وقد أورد جملة
1 ـ تقدّم في الصفحـة 396.

407
منها في الوسائل في الباب التاسع من أبواب كتاب القضاء كخبر السكوني(1). وخبر أيّوب بن راشد(2) وهو ضعيف من حيث السند، لكنّـه لابأس بـه من حيث الدلالـة، لأنّ الظاهر عرفاً من عدم الموافقـة هو المخالفـة وإن كان مفهوماً أعمّ، كما لايخفى. وخبر أيّوب بن الحرّ، وصحيحـة هشام بن الحكم، ومرسلـة ابن بكير(3) لكنّـه ليس لها كثير ربط بالمقام، وغير ذلك ممّا أورده في المستدرك(4)في ذلك الكتاب. والطائفـة الثانيـة: ما وردت في خصوص المتعارضين وترجيح الموافق للكتاب على المخالف كخبر ابن أبييعفور(5)، ولكن الظاهر أنّـه من جملـة الطائفـة الاُولى، كما لايخفى، وروايـة الطبرسي(6)، وهي أيضاً كالسابقـة، وروايـة العيّاشي(7)، وهي أيضاً كسابقتيها، وروايـة الميثمي الطويلة، وقد مرّت(8)هذه الروايـة والتكلّم فيها، ومصحّحـة عبدالرحمان بن أبيعبداللّه، قال: قال الصادق (عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما
1 ـ وسائل الشيعـة 27: 109، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث10. 2 ـ وسائل الشيعـة 27: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث12. 3 ـ وسائـل الشيعـة 27: 111، كتاب القضاء، أبـواب صفات القاضـي، الباب9، الحـديث14، 15، 18. 4 ـ مستدرك الوسائل 17: 302، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9. 5 ـ وسائل الشيعـة 27: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث11. 6 ـ وسائل الشيعـة 27: 121، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث40. 7 ـ وسائل الشيعـة 27: 123، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث47. 8 ـ تقدّمت في الصفحة 390.

408
وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردّوه، فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامّـة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه»(1)، هذا. وقد جمع بين الطائفتين بحمل المخالفـة في الطائفـة الاُولى على المخالفـة بالتباين الكلّي، وفي الطائفـة الثانيـة على المخالفـة بغيره، سواء كان بالعموم والخصوص المطلق أو من وجـه، وهذا الجمع وإن كان يبعّده اتّحاد التعبيرات الواقعـة في الطائفتين مـن أنّ المخالف زخـرف أو باطـل، أو لم نقلـه، أو إضربـه على الجـدار، أو غير ذلك مـن التعبيرات، إلاّ أنّ التحقيق يقتضي المسير إليـه. وتوضيحـه: أنّ إطلاق المخالفـة في الطائفـة الاُولى يشمل جميع أنحاء المخالفات بالتباين أو بالعموم والخصوص بقسميـه، ضرورة أنّك عرفت(2) في أوّل هذا الكتاب أنّ السالبـة الكلّيـة تناقض الموجبـة الجزئيـة وكذا العكس، لكنّك عرفت(3) أنّـه في محيط التقنين وجعل الأحكام على سبيل العموم لا يعدّ مثل العامّ والخـاصّ مخـالفين أصلا ولا يحكمون بتساقطهما في مـورد التعـارض أو الرجـوع إلـى الـمرجّـح، فبهذه الـقرينـة العـقلائيّـة ترفـع اليـد عـن إطلاق الطائفـة الاُولى.
1 ـ وسائـل الشيعـة 27: 118، كتاب القضـاء، أبـواب صفـات القاضـي، الباب9، الحـديث29. 2 ـ تقدّم في الصفحـة 320. 3 ـ تقدّم في الصفحـة 321.

409
وأمّا الطائفـة الثانيـة الواردة في خصوص المتعارضين، فلا قرينـة على رفع اليد عن إطلاق المخالفـة الواردة فيها، فمقتضاها أنّ في الخبرين المتعارضين يردّ الخبر المخالف للكتاب، سواء كان مخالفتـه بنحو التباين أو بنحو العموم والخصوص بقسميـه، وهذا لا ينافي وجوب ردّ الخبر المخالف للكتاب بالمخالفـة بنحو التباين ولو لم يكن لـه معارض، كما هو مقتضى الطائفـة الاُولى، كما لايخفى. ثمّ إنّـه قد يقال: بأنّـه لا ثمرة للنزاع في كون موافقـة الكتاب من المرجّحات، لأنّـه على أيّ تقدير يجب الحكم على وفق ما يدلّ عليـه الكتاب، سواء كانت موافقتـه من المرجّحات أو لم تكن، ولكن كان الكتاب مرجعاً على تقدير تساقط الخبرين بعد تعارضهما. ولكن يرد عليـه بأنّـه يمكن فرض مورد تـترتّب الثمرة على ذلك، وذلك كما لو فرض دلالـة الكتاب على وجوب عتق الرقبـة مطلقاً، من غير تقيـيد بخصوص المؤمنـة بعد إيقاع الظهار من الزوج، ووردت روايـة دالّـة على أنّـه: إن ظاهرت فاعتق رقبـة مؤمنـة. وروايـة اُخرى دالّـة على أنّـه: إن ظاهرت فلا تعتق رقبـة مؤمنـة، فإنّـه على تقدير القول بالتساقط والرجوع إلى الكتاب لابدّ من الحكم بكفايـة عتق مطلق الرقبـة في كفّارة الظهار ولو لم تكن مؤمنـة، كما هو مدلول ظاهر الكتاب على ما هو المفروض. وأمّا على تقدير القول بترجيح الروايـة الموافقـة يردّ الروايـة المخالفـة، ويجب حينئذ ملاحظـة الكتاب مع الروايـة الموافقـة لـه، وهما وإن كانا مثبتين، إلاّ أنّـه حيث تكون وحدة السبب دليلا على وحدة الحكم لابدّ من تقيـيد الكتاب بالرواية الموافقـة له والحكم بتعيّن عتق خصوص الرقبة المؤمنة في كفّارة الظهار.
410
لايقال: إنّـه لا مجال في المورد المفروض لإعمال المرجّح الذي هو موافقـة الكتاب، ضرورة أنّ كلا الخبرين مخالفان للكتاب بالإطلاق والتقيـيد. غايـة الأمر الاختلاف بينهما إنّما هو من حيث النفي والإثبات، كما لايخفى. لأنّا نقول: إعمال المرجّح إنّما هو في ظرف وجود المعارض للخبر الموافق، وفي هذا الظرف لا يكون الخبر الموافق مخالفاً أصلا، والمخالفـة إنّما تـتحقّق بعد إسقاط المعارض بالمخالفـة، ففي ظرف التعارض لا يكون الخبر الموافق مخالفاً، وبعد سقوط المعارض لا مانع من تقديمـه على الكتاب، لأجل اختلافهما بالإطلاق والتقيـيد، كما لايخفى، هذا. وتظهر الثمرة أيضاً بين المرجعيّـة والمرجّحيّـة أيضاً فيما إذا كان التعارض بين الخبرين بالعموم والخصوص من وجـه، ولكن قام الدليل على عدم إمكان التفكيك بين مورد الاجتماع ومورد الافتراق من حيث الحكم وكان الكتاب موافقاً لأحد الخبرين من حيث مادّة الاجتماع، فإن قلنا بالتساقط والرجوع إلى الكتاب فيسقط الخبر الموافق بتمام مضمونه في مادتي الاجتماع والافتراق مع خبر الآخر ويرجع إلى الكتاب. وإن قلنا بأنّـه مرجّح يؤخذ بالخبر الموافق في تمام مضمونه. وتظهر الثمرة بينهما أيضاً فيما إذا رتّب حكم آخر على الحكم الذي يدلّ عليـه الخبر الموافق للكتاب في نفس ذلك الخبر، كما فيما لو فرض أنّ الكتاب يدلّ على النهي عن شرب الخمر مثلا، والخبر الموافق دالّ على النهي عن شربه وعن الصلاة فيـه، بحيث لو علم أنّ الحكم الثاني مترتّب على الأوّل وكان هنا خبر يدلّ على جواز شرب الخمر، فإن قلنا بمرجعيـة الكتاب بعد تساقط الخبرين يلزم أن لايكون في البين إلاّ كون شرب الخمر منهيّاً عنه فقط، وإن قلنا بمرجّحيّته للخبر الموافق يلزم ثبوت حكمين: حرمة الشرب، وعدم جواز الصلاة فيه، كما لايخفى.
411
حال الأخبار الواردة في مخا لفـة العامّـة المقام الثاني: في الأخبار الواردة فيما يتعلّق بمخالفـة العامّـة في الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام) وهي أيضاً على طائفتين: الطائفـة الاُولى: ما يدلّ على أنّ الخبر الموافق لهم ممّا لم يصدر أصلا، سواء كان لـه معارض أم لا، كما هو مقتضى إطلاقها. والطائفـة الثانيـة: ما وردت في خصوص المتعارضين وأنّـه يرجّح الخبر المخالف لهم على الموافق، معلّلا في بعضها بأنّ الرشد في خلافهم، ولابدّ إمّا من حمل الطائفـة الاُولى على مورد الطائفـة الثانيـة والقول باختصاص ذلك بالمتعارضين، وإمّا من طرح تلك الطائفـة، لعدم إمكان الالتزام بوجوب ردّ مطلق الخبر الموافق للعامّـة وإن لم يكن لـه معارض. فانقدح أنّ المستفاد من جميع الأخبار الواردة في المقامين أنّ هنا مرجّحان: أحدهما: موافقـة الكتاب. والآخر: مخالفـة العامّـة. وتقيـيد أخبار التخيـير بذلك لا يوجب الاستهجان أصلا، خصوصاً بعدما عرفت(1) من أنّـه لا يكون هذا إلاّ خبر واحد دالّ على التخيـير. نعم يبقى الكلام في أمرين: أحدهما: أنّ مقتضى إطلاق الروايات الواردة في موافقـة الكتاب وجوب الترجيح بها، سواء كان أحد الخبرين مخالفاً للعامّـة أم لم يكن، وكذا مقتضى
1 ـ تقدّم في الصفحـة 386 ـ 387.

412
إطلاق الروايات الواردة في الترجيح بمخالفـة العامّـة وجوب الأخذ بالخبر المخالف لهم، سواء كان موافقاً للكتاب أم لا، ومن المعلوم عدم إمكان الجمع بين المقتضيـين، فيحصل الشكّ في ما هو المقدّم من المرجّحين. هذا، ولكن مصحّحـة عبدالرحمان بن أبيعبداللّه المتقدّمـة(1) ترفع هذا الشكّ، لصراحتها في تقدّم الترجيح بموافقـة الكتاب على الترجيح بمخالفـة العامّـة، كما هو واضح. ثانيهما: أنّـه ربّما يستفاد من بعض الروايات الترجيح بالأحدثيّـة وبما صدر من الحي وبغيرهما من التعبيرات، ولكن التأمّل فيها يقضي بعدم كون المراد الترجيح بها في مثل زماننا زمان الغيبـة، بل المراد بها ظاهراً هو مثل ما وقع لعلي بن يقطين، حيث أمره (عليه السلام) ابتداءً بالوضوء على وفق العامّـة، ثمّ أمره بـه على وفق ما يقول بـه الخاصّـة، فإنّـه لا إشكال في أنّـه يجب الأخذ بعد صدور المتأخّر بخصوص ذلك المتأخّر، كما لايخفى. تتمّة: في التعدّي عن المرجّحات المنصوصة إلى غيرها هل اللازم في باب الترجيح الاقتصار على خصوص المرجّحات المنصوصـة التي قـد عرفت أنّها لا تـتجاوز عـن اثنين على مـا يقتضيـه التأمّل والتدقيق في الروايات الواردة في هذا الباب، أو أنّـه يتعدّى عنها إلى كلّ ما يمكن أن يكون مرجّحاً، كما حكى عن جمهور المجتهدين الذاهب إليـه، بل ادّعى بعضهم ظهور الإجماع وعدم ظهور الخلاف على وجوب العمل بالراجح من الدليلين بعد أن حكى الإجماع عليـه من جماعـة.
1 ـ تقدّم في الصفحة 407.

413
ولا يخفى: أنّـه لو قلنا بعدم ثبوت الإطلاق للروايات الدالّـة على التخيـير، أو قلنا بأنّ مستند التخيـير ليس إلاّ الإجماع، فاللازم القول بالتعدّي عن المرجّحات المنصوصـة، لأنّـه حينئذ لابدّ أن يقتصر في التخيـير على القدر المتيقّن، وهي صورة فقد المرجّحات جميعاً، كما لايخفى. فيما استدلّ بها الشيخ الأعظم للتعدّي عن المرجّحات المنصوصة وكيف كان فذكر الشيخ (قدس سره) في الرسالـة أنّ ما يمكن استفادة هذا المطلب منـه فقرات من الروايات، ونحن نتعرّض لتلك الفقرات مع تقريب الاستدلال بها على ما أفاده (قدس سره) ونجيب عن جميعها، فنقول: قال (قدس سره) : منها الترجيح بالأصدقيّـة في المقبولـة، وبالأوثقيّـة في المرفوعـة، فإنّ اعتبار هاتين الصفتين ليس إلاّ لترجيح الأقرب إلى مطابقـة الواقع في نظر الناظر في المتعارضين من حيث إنّـه أقرب، من غير مدخليّـة خصوصيّـة سبب، وليستا كالأعدليّـة والأفقهيّـة تحتملان لاعتبار الأقربيـة الحاصلـة من السبب الخاصّ، وحينئذ فإذا كان أحد الراويـين أضبط من الآخر، أو أعرف بنقل الحديث بالمعنى، أو شبـه ذلك فيكون أصدق وأوثق من الراوي الآخر، ونتعدّي من صفات الراوي المرجّحـة إلى صفات الروايـة الموجبـة لأقربيّـة صدورها... إلى أن قال: ويؤيّد ما ذكرنا أنّ الراوي بعد سماع الترجيح بمجموع الصفات لم يسأل عن صورة وجود بعضها وتخالفها في الروايتين، وإنّما سأل عن حكم صورة تساوي الراويـين في الصفات المذكورة وغيرها حتّى قال: «لا يفضل أحدهما على صاحبـه» يعني بمزيّـة من المزايا أصلا، فلولا فهمـه أنّ كلّ واحد من هذه الصفات وما يشبهها مزيّـة مستقلّـة لم يكن وقع للسؤال عن
414
صورة عـدم المزيّـة فيهما رأساً، بل ناسبـه السؤال عـن حكم عـدم اجتماع الصفات فافهم(1)، انتهى. ويرد عليـه ـ مضافاً إلى عدم وضوح الفرق بين الأصدقيّـة والأوثقيّـة وبين الأعدليّـة والأفقهيّـة وشبههما من حيث الأقربيـة إلى الواقع أصلا ـ أنّ ظاهر الروايـة هو كون المرجّح المجموع من حيث المجموع من الصفات، ولا دليل على رفع اليد عن هذا الظهور، وما ذكره تأيـيداً يؤيّد بل يدلّ على ما ذكرنا، فإنّ عدم سؤال الراوي عن صورة وجود بعضها إنّما هو لأجل فهمـه كون المرجّح هو المجموع، ولا يترتّب على بعضها أثر أصلا، ومعنى قولـه: لا يفضل أحدهما على صاحبـه، أنّ ما جعل مرجّحاً لا يكون في خصوص أحدهما، بل كانا متساويـين لأجل عدم اتّصاف واحد منهما بالمجموع الذي هو المرجّح، كما لايخفى. ومنها: تعليلـه (عليه السلام) الأخذ بالمشهور بقولـه: «فإنّ المجمع عليـه لاريب فيـه». توضيح ذلك: أنّ معنى كون الروايـة مشهورة كونها معروفـة عند الكلّ، كما يدلّ عليـه فرض السائل كليهما مشهورين. والمراد بالشاذّ ما لا يعرفـه إلاّ القليل. ولاريب أنّ المشهور بهذا المعنى ليس قطعيّاً من جميع الجهات قطعي المتن والدلالـة حتّى يصير ممّا لاريب فيـه، وإلاّ لم يمكن فرضهما مشهورين، ولا الرجوع إلى صفات الراوي قبل ملاحظـة الشهرة، ولا الحكم بالرجوع مع شهرتهما إلى المرجّحات الاُخر، فالمراد بنفي الريب نفيـه بالإضافـة إلى الشاذ، ومعناه أنّ الريب المحتمل في الشاذ غير محتمل فيـه، فيصير حاصل التعليل ترجيح المشهور على الشاذّ بأنّ في الشاذّ احتمالا لا يوجد في المشهور. ومقتضى
1 ـ فرائد الاُصول 2: 781.

415
التعدّي عن مورد النصّ في العلّـة وجوب الترجيح بكلّ ما يوجب كون أحد الخبرين أقلّ احتمالا لمخالفـة الواقع(1)، انتهى. ويرد عليـه: أنّ الظاهر كون المراد بعدم الريب في المجمع عليـه هو عدم الريب فيـه حقيقـة، ومقابلـه حينئذ ممّا لاريب في بطلانـه، فالمجمع عليـه داخل في الأمر الذي بيّن رشده، والشاذّ في الأمر البيّن الغي. وقد عرفت أنّ الشهرة ليست من المرجّحات، بل إنّما هي لتميـيز الحجّـة عن اللاحجّـة لا لترجيح إحدى الحجّتين على الاُخرى، والرجوع إلى صفات الحاكم قبل ملاحظـة الشهرة التي هـي دليل قطعي يحتمل أن يكـون لعدم صلاحيّـة غير الواجد لتلك الصفات الأربع مع وجود الواجد لها لمقام القضاوة والحكومـة أصلا ولو كان قاضي التحكيم كما ذهب إليـه بعض، بل لعلّـه كان مشهوراً، فالترجيح بتلك الصفات إنّما هو لأجل تميـيز الصالح للحكومـة عن غيره، وبعد فرض الراوي صلاحيتهما للحكومـة لأجل عدم كون واحد منهما لـه فضل على الآخر أوجب الإمام (عليه السلام)الرجوع إلى المستند الذي كان مشهوراً لأجـل كونـه قطعيّاً، كما لايخفى. ومنها: تعليلهم (عليهم السلام) لتقديم الخبر المخالف للعامّـة بأنّ الحق والرشد في خلافهم وأنّ ما وافقهم فيـه التقيـة، فإنّ هذه كلّها قضايا غالبيّـة لا دائميـة، فيدلّ بحكم التعليل على وجوب ترجيح كلّ ما كان معـه امارة الحقّ والرشد، وترك ما فيـه مظنّـة خلاف الحقّ والرشد، بل الإنصاف أنّ مقتضى هذا التعليل كسابقـه وجوب الترجيح بما هو أبعد عن الباطل عن الآخر وإن لم يكن عليـه أمارة
1 ـ فرائد الاُصول 2: 781.

416
المطابقـة، كما يدلّ عليـه قولـه (عليه السلام): «ما جاءكم عنّا من حديثين مختلفين فقسهما على كتاب اللّه وأحاديثنا، فإن أشبههما فهو حقّ، وإن لم يشبههما فهو باطل»(1)، فإنّـه لا توجيـه لهاتين القضيّتين إلاّ ما ذكرنا من إرادة الأبعديّـة عن الباطل والأقربيّـة إليـه(2)، انتهى. ويرد عليـه ـ مضافاً إلى عدم ظهور الروايات الواردة في الترجيح بمخالفـة العامّـة في كون الأخـذ بـه معلّلا بما ذكر، فانظر إلى المقبولـة، يقول (عليه السلام)فيها: «ما خالف العامّـة ففيـه الرشد»(3)، فإنّـه ليس بحسب العبارة تعليلا أصلا، وإلى عـدم وضوح الفرق بين الأقربيّـة إلى الواقـع والأبعديّـة عـن الباطل أنّـه مع تسليمه يستفاد منه، أنّ مخالفة العامّـة تكون بمرتبة من الإصابـة، حتّى يكون الحقّ والرشد فيها، وهو لا يدلّ على أنّ كلّ ما كان بنظرنا أقرب إلى الواقع، يكون فيه الرشد ولو نوعاً وغالبياً. وبالجملـة ما لم يحرز كون مزيّـة بمرتبـة مخالفـة العامّـة في الإيصال إلى الحـق، لا يجوز الأخـذ بها، وأنّى لنا بإثباتـه؟ ومنها: قولـه (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»(4) دلّ على أنّـه إذا دار
1 ـ تفسير العياشي 1: 9 / 7، وسائل الشيعـة 27: 123، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث48. 2 ـ فرائد الاُصول 2: 781 ـ 782. 3 ـ الكافي 1: 54 / 10، وسائل الشيعـة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث1. 4 ـ راجع وسائل الشيعـة 27: 167، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب12، الحديث43 و54.

417
الأمر بين الأمرين في أحدهما ريب ليس في الآخر ذلك الريب يجب الأخذ بـه، وليس المراد نفي مطلق الريب، كما لايخفى(1)، انتهى. ويرد عليـه أنّ الظاهر عدم كون هذه الروايـة ناظرة إلى باب المتعارضين أصلا، بل الظاهر أنّها ناظرة إلى أنّ الأمر المشتبـه بالشبهـة الابتدائيّـة ينبغي تركـه، نظراً إلى ما لا يكون فيـه ريب من الثواب المترتّب على تركـه، فهي أجنبيّـة عن المقام. فانقدح ممّا ذكرنا: أنّـه لم ينهض شيء ممّا تمسّك بـه الشيخ (قدس سره) لإفادة جواز التعدّي عن المرجّحات المنصوصـة. نعم يمكن التمسّك لإثبات ذلك إلى أنّ المستند لثبوت التخيـير في المتعارضين هو الإجماع، ولم يعلم كون مستند المجمعين هو الروايات الواردة في التخيـير، بل يمكن أن يقال بالعدم، نظراً إلى أنّ روايـة التخيـير ظاهرة في جوازه وهم قائلون بوجوب الأخذ بأحدهما مخيّراً فتأمّل. وإلى أنّـه لو كان مستندهم في ذلك هي الروايات الدالّـة على التخيـير يلزم أن تكون محمولـة على الفرد النادر، لما عرفت(2) من ادّعاء بعضهم الإجماع على وجوب العمل بالراجح من الدليلين مطلقاً، وهذا يؤيّد بل يدلّ على عدم كون استنادهم في الحكم بالتخيـير إلى الروايات أصلا، وإلاّ يلزم ما ذكر من حملها على المورد النادر، فالمستند في التخيـير هو نفس الإجماع، والقدر المتيقّن منـه إنّما هو صورة فقد المرجّح رأساً، ومع وجود شيء من المرجّحات يدور الأمر بين التعيـين والتخيـير، وعند دوران الأمر بينهما لابدّ من الأخذ بالمعيّن كما تقدّم.
1 ـ فرائد الاُصول 2: 782. 2 ـ تقدّم في الصفحـة 412.

418
هل المرجّحات المنصوصة مرجّحات أصل الصدور أو جهة الصدور؟ بقي الكلام في أنّ المرجّحات المنصوصـة التي ذكرنا أنّها لا تـتجاوز عن اثنين هل تكون مرجّحات أصل الصدور، أو جهـة الصدور، أو المضمون؟ فنقول: أمّا بحسب الثبوت فكلّ محتمل، لأنّـه يحتمل عدم كون الخبر الموافق للعامّـة مثلا صادراً أصلا، ويحتمل عدم كون صدوره لبيان الحكم الواقعي. وأمّا بحسب الإثبات فظاهر الروايات الدالّـة على مرجّحيّـة موافقـة الكتاب ومخالفـة العامّـة أنّ الخبر المخالف للكتاب أو الموافق للناس ممّا لم يصدر عنهم (عليهم السلام) أصلا، فمقتضى القاعدة حينئذ عدم تقدّم واحد منهما على الآخر، لكن قد عرفت(1) صراحـة مصحّحـة عبدالرحمان بن أبيعبداللّه المتقدّمـة في تقدّم الترجيح بموافقـة الكتاب على الترجيح بمخالفـة العامّـة، فما في التقريرات من تقدّم مرجّحات أصل الصدور على مرجّحات جهـة الصدور، وتقدّم هذه على مرجّحات المضمون، وأنّ مخالفـة العامّـة من مرجّحات جهـة الصدور وموافقـة الكتاب من مرجّحات المضمون، فهي مؤخّرة عن الترجيح بمخالفـة العامـة لتقدّم جهـة الصدور على المضمون كتقدّم أصل الصدور على جهـة الصدور، ممنوع، لأنّ المستند في هذا التقديم إن كان هو العقل فقد عرفت أنّ حكمـه في المتعارضين هو السقوط رأساً، وإن كان هو النقل فهو صريح في
1 ـ تقدّم في الصفحـة 412.

419
تقدّم الترجيح بموافقـة الكتاب على الترجيح بمخالفـة العامّـة كما عرفت في المصحّحـة التصريح بـه. والعجب منـه (قدس سره) أنّـه قال على ما في التقريرات: إنّ العمل بهذا الصحيح مشكل(1). وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في لزوم مراعاة الترتيب بين هذين المرجّحين وفي أنّـه مع فقدهما يرجع إلى سائر المرجّحات بناءً على التعدّي كما عرفت(2) أنّـه لابدّ من المصير إليـه. إلى هنا انتهى الكلام فيما يتعلّق بمباحث التعادل والترجيح، وبذلك ينتهي ويتمّ البحث في المسائل الاُصوليّـة، والحمد للّه أوّلا وآخراً وظاهراً وباطناً. وكان الفراغ من تسويد ذلك ليلـة الجمعـة المصادفـة لليلـة ولادة الإمام التاسع والنور الساطع محمّد بن علي الجواد سلام اللّه وصلواتـه عليـه وعلى آبائـه الطاهرين وأولاده المنتجبين. 10 رجب 1377 هـ . ق .
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 784. 2 ـ تقدّم في الصفحـة 412.

420

421
الاجتهاد والتقليد ونحن نقتصر على مباحثهما الهامّة ونترك غيرها، فنقول:
422

423
ذكر شؤون الفقيه إنّ هنا عناويـن ستّـة مختلفـة مـن حيث الآثـار والأحكـام نذكـرها فـي ضمن اُمور: الأوّل : من لا يجوز له الرجوع إلى الغير وهو من حصلت لـه قوّة الاستنباط وإن كان جاهلا بالأحكام الشرعيّـة فعلا، إذ لا دليل على جواز رجوع الجاهل مطلقاً إلى العالم، بل الدليل الفريد في هذا الباب كما سيجيء هو بناء العقلاء وسيرتهم على رجوع الجاهل في كلّ فنّ وصنعـة إلى العالم. ومن المعلوم عدم تحقّق هذا البناء في الجاهل الذي يكون الفصل بين جهلـه وعلمـه هو المراجعـة إلى المدارك وصرف ساعـة أو ساعتين مثلا، فإنّ مثلـه وإن كان جاهلا قبل الرجوع، إلاّ أنّ الظاهر أنّـه يلزم عليـه المراجعـة إلى المدارك لاستنباط الأحكام، خصوصاً بعد اختلاف أنظار المجتهدين وآراء المستنبطين، لعدم كون المسائل حسّيـة بل نظريّـة تختلف حسب اختلاف الأنظار.
424
وبالجملـة: فالظاهر أنّـه لاريب في عدم جواز رجوع مثل هذا الشخص إلى مجتهد آخر، إمّا لعدم بناء العقلاء على الرجوع إلى العالم في مثل هذا المورد كما لايبعد دعواه، وإمّا لعدم إحراز بنائهم عليـه، كما أنّـه لا مجال لإنكاره أصلا، كما لايخفى. وهذا لا فرق فيـه بين المطلق والمتجزي بالنسبـة إلى المسائل التي حصل لـه قوّة استنباط أحكامها. الثاني: من يجوز له العمل بفتوى نفسه وهو من بلغ رتبـة الاجتهاد وحصلت لـه قوّة الاستنباط وكان قد استنبط الأحكام من مداركها. ولا يخفى: أنّ البلوغ إلى هذه المرتبـة مشروط بشرائط، وهي الاطّلاع على قوانين النحو والصرف ولو بتحصيل قوّة بها يقدر على الرجوع إلى الكتب المشتملـة عليها والاطّلاع على القواعد المذكورة فيها. والاطّلاع على كيفيّـة المحاورات العرفيّـة التي بهذه الطريقـة اُلقيت الأحكام الشرعيّـة خصوصاً الفرعيّـة، وهذا أمر مهمّ ربّما تقع الغفلـة عنـه لأجل كثرة المجانسـة مع المطالب العقليّـة وشدّة الممارسـة مع الاُمور العلميّـة، مع أنّـه لابدّ من إلقاء الروايات في محيط عرف أهل السوق وحملها على ما يفهمونـه منها، لأنّ الراوي في كثير منها بل أكثرها كان من الأشخاص العاديّـة ولم يكن مطّلعاً على المطالب العلميـة بحيث يكون لفظ واحد عنده محتملا لاحتمالات كثيرة موجبـة لإجمالـه وعدم ظهوره في شيء منها، كما نراه من بعض الفقهاء في كثير من المسائل الفقهيّـة حيث يخرج الروايـة الظاهرة في معنى عن الظهور إلى
425
الإجمال لأجل تكثير الاحتمال. ولابدّ أيضاً من الاطّلاع على أكثر قوانين المنطق، والاطّلاع على بعض مسائل علم الكلام، كمسألـة التحسين والتقبيح على ما ادّعاه الفريد البهبهاني، ومن الاطّلاع على علم الرجال، وكذا اللغـة ولو بالرجوع إلى كتبهما واستنباط معنى اللغـة وحال الراوي من كونـه ثقـة أو غير ثقـة، ومن الاطّلاع على علم الاُصول، لا على جميع مسائلها التي يبحث عنها في هذه الأعصار، بل على المسائل التي لها دخل في استنباط حكم من الأحكام، كما لايخفى. الثالث: من يجوز له التصدّي لمقام الإفتاء وهو من جاز لـه العمل برأي نفسـه لأجل بلوغـه رتبـة الاجتهاد وحصول قوّة الاستنباط لـه، ومخالفـة بعض الأخباريـين مع الاُصوليـين في جواز الاجتهاد لعلّها كانت لأجل توهّمهم كون الاجتهاد عندهم هو الاجتهاد المعمول عند العامّـة من العمل بالقياس والاستحسان عند فقد الدليل الشرعي، وإلاّ فالاجتهاد بالمعنى المعروف عند الإماميّـة ممّا لا محيص عنـه للأخباري أيضاً، وذلك لعدم إنكاره حجّيـة قول الإمام (عليه السلام) وعدم تعدّي الاُصولي عنـه، لأنّ دعواه مثل الإجماع والاستدلال بـه إنّما هي لأجل كونـه مشتملا على قول المعصوم أو كاشفاً عنـه مثلا. وحينئذ يقوى في النظر كون النزاع بينهما لفظيّاً، لأنّ ما يقول بـه الاُصولي لا محيص للأخباري من الالتزام بـه، وما ينكره الأخباري لا يقول بـه الاُصولي أيضاً، كما لايخفى.
426
الرابع والخامس: من يجوز له التصدّي لمقام القضاوة والحكومة إعلم أنّ مقتضى حكم العقل مع قطع النظر عن الشرع أنّـه لا ترجيح لأحد على الآخر في نفوذ حكمـه عليـه وعدم جواز مخالفـة حكمـه، لأنّ الناس في ذلك شرعٌ سواء وإن كانوا مختلفين في العلم والعدالـة وغيرهما من سائر الجهات، إلاّ أنّ هذا الاختلاف بنفسـه لا يوجب اختصاص بعضهم بالتصدّي لمقام القضاوة بحيث كان حكمـه نافذاً على الباقين ولم يجز لهم التخطّي عنـه، فالعقل لا يرى فضيلـة لأحد على الآخر من هذه الجهـة. نعم هو يحكم بثبوت حكم اللّه تبارك وتعالى ونفوذه في حقّ جميع الخلائق، لكونهم مملوكين لـه، والمملوك لا يقدر على شيء. وأمّا مع ملاحظـة الشرع فنعلم بأنّ الشارع المبيّن لجميع الأحكام حتّى أرش الخـدش، ولجميع الآداب والمستحبّات حتّى آداب بيت الخلاء لم يهمل هـذا الأمر، بل جعل هذا المنصب لبعض من أفراد الناس يقيناً لأجل اختلال النظام ولزوم الحرج، والقدر المتيقّن من هذا البعض هو العلماء، لأنّهم اُمناء الرسل وورثـة الأنبياء ورواة أحاديثهم ومعدن أسرارهم، والقدر المتيقّن من العلماء هو الرجل العادل الحرّ البالغ، وبالجملـة الجامع لجميع الشرائط. ثمّ لا يخفى أنّ استلزام عدم نفوذ حكم أحد على الآخر، من حيث هو في نظر العقل للاختلال والحرج، لا يوجب أن يحكم العقل بثبوت هذه الفضيلـة لبعض من الناس مع قطع النظر عن الشرع، لأجل أنّ تساوي جميع الأفراد يستلزم ذلك، وكما أنّ اختلال النظام أمر سدّ الشارع سبيلـه، كذلك العقل يحكم بسدّ هذا
427
الباب، وذلك لأنّ غايـة الأمر حكم العقل بأنّـه لابدّ من تحفّظ النظام ولزوم الاجتناب عمّا يوجب اختلالـه. ومن الواضح أنّ هذا المعنى يغاير ثبوت فضيلـة لبعض الناس على الآخر وكون حكمـه نافذاً عليـه ولو كان مخالفاً للواقع، كما لايخفى. وكيف كان: فلابدّ في هذا الباب من ملاحظـة الشرع، وقد عرفت أنّ مقتضى الدليل الإجمالي في هذا الباب كون المنصوب من جانب الشارع لهذا المنصب هو الفقيـه الجامع لجميع الصفات المذكورة. الأخبار الدالّة على ثبوت منصب الحكومة والقضاء للفقيه وأمّا الدليل التفصيلي فهي الروايات الواردة في هذا الباب: منها: ـ وهي العمدة ـ مقبولـة عمر بن حنظلـة المتقدّمـة(1)، وهي تدلّ على أنّ التحاكم إلى مثل السلطان أو القاضي الموجودين في زمانهم في حقّ أو باطل تحاكم إلى الطاغوت، وأنّ ما يأخذه بحكمـه إنّما يكون سحتاً وإن كان حقّـه ثابتاً، لأنّـه أخذ بحكم الطاغوت، وإنّما أمر اللّه أن يكفر بـه، وتدلّ على أنّـه لابدّ من النظر في ذلك إلى من كان منكم، أي من الإماميّـة الاثنى عشريّـة ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا. والظاهر أنّ المراد بروايـة الحديث ليس مجرّد روايـة حديث ولو كان حديثاً واحداً، بل المراد هو كونـه راويـة الحديث ومن كان شأنـه النقل لـه ولو بصورة الفتوى، كما هو المعمول في هذه الأعصار، وأنّ المراد من النظر في
1 ـ تقدّم تخريجها في الصفحة 416.

428
حلالهم وحرامهم ومعرفـة أحكامهم هو النظر والاجتهاد ومعرفـة الأحكام عن دليل تفصيلي، كما هو شأن الفقيـه، فالمستفاد من الروايـة وجوب الرجوع في المنازعات والمحاكمات إلى الفقيـه والمجتهد، لأنّـه منصوب للحكومـة ومجعول لها من قبل الصادق (عليه السلام) بقولـه: «فإنّي قد جعلتـه عليكم حاكماً». نعم، يقع الكلام في أنّ المراد من الحكومـة هل هو مجرّد منصب القضاوة، أو الأعمّ منـه ومن الحكومـة والسلطنـة، بحيث كان للفقيـه السلطنـة التامّـة بالنسبـة إلى جميع الاُمور وكان واجداً لمقامين: مقام القضاوة، ومقام الولايـة والحكومـة؟ والظاهر هو الوجـه الثاني بقرينيـة صدر الروايـة وسؤال السائل، فإنّ قولـه: في رجلين من الأصحاب كان بينهما منازعـة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، يدلّ على أنّ مراد السائل أعمّ من المنازعات التي يرجع فيها إلى القاضي لأجل فصل الخصومـة وهي المنازعات المشتملـة على المدّعي والمنكر وأمثالها، ومن المنازعات التي يرجع فيها إلى الوالي والحاكم كالمنازعات الواقعـة بين الناس غير ما يشتمل منها على المدّعي والمنكر وشبهـه، فإنّ رفع يد الغاصب مثلا أمر لا يرجع فيـه إلاّ إلى الوالي، ولا شأن للقاضي في مثل هذه الاُمور أصلا. فتعميم السائل التحاكم وتصريحـه بالسلطان والقاضي معاً مع أنّ لكلّ منهما شأناً يغاير شأن الآخر دليل على أنّ المراد من المنازعـة مطلق المنازعات. وحينئذ فقولـه بعد ذلك: «قلت: فكيف يصنعان؟» مرجعـه إلى أنّـه بعد حرمـة التحاكم إلى السلطان والقاضي الجائرين ما وظيفـة أصحابنا في مطلق المنازعات؟ فحكم الإمام (عليه السلام) بالرجوع إلى الفقيـه. فقولـه (عليه السلام): «فإنّي قد
429
جعلتـه عليكم حاكماً» بملاحظـة صدر الروايـة ظاهر في أنّ المراد من الحكومـة أعمّ من القضاوة والسلطنـة. فثبت أنّ ا لفقيـه ثابت لـه ما كان ثابتاً للإمام (عليه السلام) من التصدّي لأمر القضاء ونفوذ حكمـه على الناس في جميع الاُمور. ويدلّ عليـه أيضاً أنّـه (عليه السلام) جعل التحاكم إليهم في حقّ أو باطل تحاكماً إلى الطاغوت الذي أمر اللّه أن يُكفر بـه، مع أنّ انطباق عنوان الطاغوت على سلطان الجور الذي يرجع إليـه في بعض المنازعات أولى من انطباقـه على القاضي من قبلهم، فهو وإن كان جائراً وطاغوتاً، إلاّ أنّـه من شؤون الوالي والسلطان، وهو الأصل في الطغيان ورأس الضلال كما فسّر بـه الطاغوت في اللغـة. ومن ذلك يظهر أنّ عمدة النظر في إرجاع الناس إلى الفقيـه من الإماميّـة إلى المنازعات التي كان يرجع فيها إلى السلطان. نعم لا محيص عن الاعتراف بالدلالـة على ثبوت منصب القضاوة لـه أيضاً، إلاّ أنّـه لا تنحصر دلالـة المقبولـة بذلك، وسؤال السائل بعد ذلك لا يدلّ عليـه بعد عدم كون فهمـه حجّـة، مضافاً إلى احتمال كون السؤال عن بعض الفروع، ألا ترى أنّـه لا إشكال في دلالـة المقبولـة على جواز الرجوع إلى الفقيـه الواحد مع عدم كونـه مورداً لسؤال السائل أيضاً. وكيف كان فلا إشكال في أنّـه يستفاد من المقبولـة جواز دخالـة الفقيـه في كلّ ما للقاضي والوالي من الشؤون. ويدلّ عليـه أيضاً روايـة أبيخديجـة قال: بعثني أبوعبداللّه (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: «قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومـة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا قد
430
عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلتـه عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر»(1). لأنّ المراد بالقاضي إنّما هو معناه اللغوي الذي ينطبق على الحكومـة أيضاً، مضافاً إلى أنّ ذكر السلطان الجائر في الذيل مع أنّـه لم يكن الرجوع إليـه إلاّ في بعض المنازعات قرينـة على عدم كون المراد بالقاضي خصوص المتصدّي لمنصب القضاوة، كما لايخفى. ويدلّ عليـه أيضاً غيرها من بعض الروايات الاُخر: ومنها: روايـة أبيالبختري عن أبيعبداللّه (عليه السلام) قال: «إنّ العلماء ورثـة الأنبياء وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً...»(2)، الحديث. وتقريب الاستدلال بهـا أنّ قولـه (عليه السلام): «العلماء ورثـة الأنبياء» إن كـان في مقام الإنشاء وبصدد جعل الـوراثـة للعلماء فلا خفاء في أنّ مقتضى إطلاق الوراثـة كونهم وارثين للأنبياء في جميع شؤونهم ومناصبهم ماعدا منصب النبوّة. ومـن الواضـح ثبوت كلا المنصبين القضـاوة والحكومـة للأنبياء. وإن كان فـي مقـام الإخبار، كما يؤيّده بعض الأخبار، حيث ذكـر هـذه الجملـة فـي سيـاق الجمل الخبريّـة، فتدلّ أيضـاً على الإطلاق لكـن لا بوضـوح الإنشـاء والجعـل، كمـا لايخفى.
1 ـ تهذيب الأحكام 6: 303 / 846، وسائل الشيعـة 27: 139، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث6. 2 ـ الكافي 1: 32 / 2، وسائل الشيعـة 27: 78، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب8، الحديث2.

431
ومنهـا: مرسلـة الصـدوق قـال: قـال أميـرالمؤمنين (عليه السلام): «قـال رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهمّ ارحم خلفائي، قيل: يا رسولاللّه ومَن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنّتي»(1). ورواه في المجالس بزيادة: «ثمّ يعلّمونها»(2) فإنّ إطلاق الخليفـة على الفقهاء من دون تقيـيدها بجهـة خاصّـة يدلّ على ثبوت منصبي القضاوة والحكومـة معاً لهم. ومنها: روايـة الفقـه الرضوي (عليه السلام) أنّـه قال: «منزلـة الفقيـه في هذا الوقت كمنزلـة الأنبياء في بني إسرائيل»(3). ومنهـا: روايـة إسماعيـل بـن جابر عـن أبـي عبداللّه (عليه السلام) أنّـه قـال: «العلماء اُمناء»(4). ومنها: غيـر ذلك ممّـا يستفاد منـه توسعـة دائـرة ولايـة الفقيـه وثبوت جميع المناصب لهم. ومنها: غير ذلك ممّا يمكن أن يستفاد منـه ذلك. هل يكون منصب القضاوة ومقام الحكومة للمتجزّي أم لا؟ ثمّ إنّـه يقع الكلام بعد ذلك في المتجزّي وأنّـه هل يكون منصب القضاوة ومقام الحكومـة ثابتين لـه أم لا؟
1 ـ الفقيـه 4: 302 / 915، وسائل الشيعـة 27: 139، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث7. 2 ـ الأمالي، الصدوق: 152 / 4. 3 ـ الفقـه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): 338. 4 ـ الكافي 1: 33 / 5.

432
ونقول: ظاهر المقبولـة أنّ المجعول لـه الحكومـة بالمعنى الأعمّ هو الراويـة لأحاديثهم الناظر في حلالهم وحرامهم والعارف لأحكامهم. وحيث إنّ المصدر المضاف وكذا الجمع المضاف يفيدان العموم فمقتضى ذلك انحصار هذا المنصب بالناظر في جميع الأحكام العارف لها بأجمعها فعلا، فالجمود على ظاهر العبارة والاقتصار عليـه يعطي أنّ غير العارف بجميع الأحكام سواء كانت مَلَكـة استنباط الجميع موجودة لـه أم لم تكن لا يصلح للحكومـة والقضاوة، لعدم كونـه عارفاً بجميع الأحكام فعلا على ما يقتضيـه ظهور العبارة. وحينئذ يشكل ذلك بأنّ حصول هذه الصفـة وتحقّقها في غايـة الندرة ـ لو لم نقل بامتناعـه عادة ـ نظراً إلى أنّـه كيف يمكن أن يكون الشخص عارفاً بجميع الأحكام بحيث إذا سئل كان مستحضراً للجواب ولم يكن يحتاج إلى المراجعـة، وقوّة الاستنباط والوصول إلى الحكم بعد المراجعـة لا تسمّى عرفاناً أصلا، كما هو أوضح من أن يخفى. وعلى تقدير إمكان حصول هذه الصفـة لبعض الأشخاص فالاطّلاع عليـه متعسّر، بل متعذّر، فكيف يمكن جعل هذا المنصب لـه مع شدّة الاحتياج إلى شخص المجعول لـه هذا المنصب وكثرة المراجعـة إليـه في فصل الخصومـة ورفع التنازع؟ فاللازم أن يقال بأنّ المراد بالعارف بأحكامهم هو الذي يكون عند العرف عارفاً بأحكامهم ولو كان عارفاً بأكثر تلك الأحكام، في قبال العارف بأحكام غيرهم من الأحكام الناشئـة عن الاُمور غير الصالحـة للدليليـة، كالقياس والاستحسان وغيرهما. نعم لابدّ من أن يكون عارفاً بأحكام القضاء، وهذه اللابديـة تستفاد من
433
مناسبـة الحكم والموضوع، فإنّـه لا معنى لجعل منصب القضاوة لمن لا يكون عالماً بأحكامها، خصوصاً بعد كون القضاء لـه أحكام خاصّـة ليس لها كثير ارتباط بسائر أبواب الفقـه. فانقدح أنّ المجتهد المتجزّي الذي لا يسمّى عارفاً عُرفاًبأحكام الأئمّة وآراء العترة ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ لا يكون له حظّ من هذه المناصب الشريفة. نعم قـد عرفت أنّـه لا يلزم أن يكون عارفاً بجميع الأحكام فعلا وعن استحضـار كما هـو مقتضى ظاهـر المقبولـة التي هي العمدة في هـذا الباب على ما عرفت(1). وهاهنا فروع: الأوّل: أنّـه هل يجوز للعامّي التصدّي للحكم والقضاء مستقلاّ أم لا؟ فيـه قولان: حكي عن الجواهر(2) أنّـه استدلّ لنفوذ حكم العامّي وجواز قضائـه بعدّة من الآيات والروايات وكذا بغيرهما من الوجوه والاعتبارات. ولكن لا يخفى على المتأمّل فيها أنّـه لا يستفاد من شيء منها ذلك، ولا ينهض شيء من تلك الوجوه والاعتبارات لإفادة الجواز، فراجع تلك الأدلّـة وتأمّل فيها تجدها غير ناهضـة لما رامـه (قدس سره) مضافاً إلى أنّك عرفت ظهور المقبولـة المتقدّمـة في أنّ المجعول لـه الحكومـة هو الواجد للخصوصيّات المذكورة فيها. وكيف كان فلا ينبغي الارتياب في ذلك أصلا.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 427. 2 ـ جواهر الكلام 40: 15.

434
الثاني: أنّـه هل يجوز للمجتهد أن يأذن للعامّي وينصبـه للتصدّي للحكم والقضاء أم ليس لـه هذا الحقّ؟ ولا يخفى أنّ جواز ذلك للمجتهد متفرّع أوّلا على ملاحظـة أنّـه هل كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّـة (عليهم السلام) هذا الحقّ الذي يرجع إلى جعل منصب القضاء والحكم لشخص عامّي أم لا؟ وثانياً: على ملاحظـة أنّـه لو فرض ثبوت هذا الحقّ لهم فهل يكون في البين دليل على ثبوت هذا الحقّ للمجتهد أم لا؟ إذا عرفت ذلك فنقول: أمّا المقدّمـة الاُولى الراجعـة إلى ثبوت هذا الحقّ للنبي والأئمّـة (عليهم السلام) فالظاهر خلافـه، لأنّـه على تقدير تحقّق مثل هذا النصب لم يكن بدّ من الالتزام بالجواز، ولكنّ الظاهر عدم تحقّقـه، وأمّا على تقدير عدم تحقّقـه فنحن نعلم بأنّ العامّي لم يكن لـه أهليّـة، ومع عدمها كيف يمكن جعل هذا المنصب لـه، مضافاً إلى أنّ الشكّ في ثبوت هذا الحقّ لهم يكفي في عدم ثبوتـه للمجتهد، كما هو واضح. وأمّا المقدّمـة الثانيـة فالظاهر ثبوتها. ودعوى: أنّ الالتزام بعموم المنزلـة وثبوت جميع ما للنبي والأئمّـة ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ للمجتهد الفقيـه يوجب تخصيص الأكثر، لأنّـه كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خصائص ربّما تبلغ سبعين كما ذكره العلاّمـة في كتاب التذكرة(1) ولم يكن شيء من تلك الخصائص ثابتاً للأئمّـة (عليهم السلام) فضلا عن الفقيـه، وكذلك كان للأئمّـة (عليهم السلام) بعض الخصائص التي نعلم بأنّـه لا يتجاوز عنهم ولا يثبت للمجتهد. فكيف يمكن حينئذ دعوى عموم المنزلـة وإطلاق الوراثـة؟
1 ـ تذكرة الفقهاء 2: 565 / السطر29 (ط ـ حجري).

435
مدفوعـة: بأنّ الكبرى الكلّيـة التي نحن ندّعيها هو ثبوت جميع ما كان للنبي والأئمّـة من حيث ثبوت الحكومـة لهم لا جميع ما ثبت لهم ولو من جهـة النبوّة والإمامـة، وحينئذ لا يلزم تخصيص الأكثر بوجـه، فالمقدّمـة الثانيـة لا مجال لإنكارها. نعم قد عرفت عدم تماميّـة المقدّمـة الاُولى، وهو يكفي في عدم الجواز كما هو واضح. الثالث: هل يجوز للفقيـه توكيل العامّي في الحكم والقضاء من غير أن ينصبـه لذلك، أم لا يجوز التوكيل أيضاً؟ ودعوى الجواز مبتنيـة على ثبوت الإطلاق لأدلّـة الوكالـة، أو دعوى ثبوت بناء العقلاء على التوكيل في مثل هذه الاُمور، بضميمـة عدم الردع عنـه، وكلتا الدعويـين ممنوعتان. أمّا دعوى الإطلاق لأدلّـة الوكالـة، فنقول: إنّ ما يمكن وتوهّم دلالتـه على الإطلاق من الروايات الواردة في الباب روايتان: إحداهما: روايـة معاويـة بن وهب وجابر بن زيد جميعاً عن أبيعبداللّه (عليه السلام)أنّـه قال: «من وكّل رجلا على إمضاء أمر من الاُمور، فالوكالـة ثابتـة أبداً حتّى يعلمـه بالخروج منها كما أعلمـه بالدخول فيها»(1). ثانيتهما: روايـة اُخرى مثل الروايـة الاُولى(2)، ومن الواضح عدم دلالـة شيء منهما على الإطلاق، بل هما بصدد بيان أمر آخر مثل افتقار العزل إلى الإعلام بالخروج، كما لايخفى. وأمّا دعوى بناء العقلاء ـ فمضافاً إلى عدم ثبوت هذا البناء مع التفاتهم إلى
1 ـ الفقيـه 3: 47 / 166، وسائل الشيعـة 19: 161، كتاب الوكالـة، الباب1، الحديث1. 2 ـ الفقيـه 3: 49 / 170، وسائل الشيعـة 19: 162، كتاب الوكالـة، الباب2، الحديث1.

436
أهمّيـة المنصب ـ نقول: لم يثبت عدم الردع، لأنّ ثبوتـه يحتاج إلى دعوى ثبوت هذا البناء في زمن الشارع، وهو لم يردع عنـه، مع أنّـه لم يكن هذا البناء في ذلك الزمان أصلا حتّى يردع عنـه أو لم يردع. فانقدح: أنّـه كما لا يجوز للفقيـه جعل هذا المنصب للعامّي كذلك لا يجوز لـه توكيلـه في ذلك، بل لابدّ لـه من المباشرة بنفسـه. هذا تمام الكلام فيما يتعلّق بمن يجوز لـه التصدّي للقضاء من الجهـة التي ترتبط بالمقام، وإلاّ فللقاضي شرائط اُخر مذكورة في الفقـه. السادس: من يجوز الرجوع إليه ولاشكّ في اعتبار اجتهاده وعدم اجتهاد الراجع، لأنّ المستند في هذا الباب هو رجوع الجاهل إلى العالم، وهو يقتضي ذلك، وهذا ممّا لا إشكال فيـه، إنّما الإشكال فيما إذا وجد العالم والأعلم معاً وأنّـه هل يتعيّن الرجوع إلى الأعلم، أو يتخيّر بين الرجوع إليـه والرجوع إلى العالم؟ مقتضى الأصل الأوّلي: وجوب تقليد الأعلم وربّما يستدلّ على تعيّن الرجوع إلى الأعلم تارةً: بأنّ جواز الرجوع إليـه إجماعي، وجواز الرجوع إلى غيره مع وجوده مشكوك فيـه، فيتعيّن الرجوع إليـه، لأنّ جواز الرجوع إلى الغير والأخذ بقولـه في مقام العمل يحتاج إلى الدليل، ولا دليل عليـه بالنسبـة إلى غير الأعلم معـه. واُخرى: بأنّـه يدور الأمر بين التعيـين والتخيـير، ولابدّ هنا من الأخذ
437
بخصوص المعيّن وإن قلنا بجريان البراءة عند دوران الأمر بينهما في سائر الموارد، لأنّ مورد الدوران هنا هو الطريق والحجّـة، لأنّ فتوى العالم طريق للجاهل وحجّـة بالنسبـة إليـه، فالأمر دائر بين كون الحجّـة هو خصوص فتوى الأعلم وكان فتوى العالم أيضاً طريقاً، فالأمر يرجع إلى الشكّ في طريقيّـة قول العالم مع وجود الأعلم، ولاريب في أنّ الطريقيّـة والحجّيـة تحتاج إلى الدليل، ولا دليل بالنسبـة إليـه، كما لايخفى. وثالثـة: بدليل الانسداد بتقريب أنّ الرجوع إلى العلم التفصيلي في كلّ مسألـة متعذّر بالنسبـة إلى الناس، والامتثال العلمي الإجمالي الراجع إلى الاحتياط التامّ غير جائز أو غير واجب، والرجوع إلى المفضول عند وجود الفاضل ترجيح للمرجوح على الراجح، فيتعيّن الرجوع إلى الفاضل. ويرد على هذا الدليل أنّـه لا مانع من التبعيض في الاحتياط، ولا يكون الرجوع إلى المفضول ترجيحاً للمرجوح على الراجح مطلقاً، لأنّـه قد يكون فتوى المفضول مطابقاً للأفضل من الفاضل الموجود، كما لايخفى، هذا. وربّما استدلّ على عدم تعيّن الفاضل بالاستصحاب; أي: استصحاب التخيـير الثابت فيما إذا كانا متساويـين في العلم أوّلا ثمّ فضل أحدهما على الآخر، فإنّ زوال ذلك التخيـير بحدوث الفضل في أحدهما غير معلوم، فيستصحب. وقد ردّ عليهم هذا الاستدلال بالاستصحاب من الطرف الآخر، وتقريبـه أنّـه إذا لم يكن في البين إلاّ مجتهد واحد، ثمّ وجد آخر مفضول، فإنّـه مع وجوده يشكّ في زوال تعيّن الرجوع إلى الأوّل الثابت قبل وجود الآخر. ولابدّ لنا من التكلّم في مثل هذه الاستصحابات ونقول: قد أجاب الشيخ (قدس سره)
438
عن استصحاب التخيـير ـ على ما في تقريرات بحثـه ـ بأنّ التخيـير الثابت في حال التساوي إنّما كان باعتبار القطع بعدم ترجيح أحدهما على الآخر في العلم ونحوه ممّا يشكّ في كونـه مرجّحاً فحيث زال القطع المزبور بحدوث ما يحتمل كونـه مرجّحاً، أعني الفضل في أحدهما امتنع الاستصحاب(1)، هذا. وربّما يجاب عنـه أيضاً: بأنّ التخيـير المستصحب حكم عقلي، ولا يجوز استصحاب الأحكام العقليّـة. ولكنّـه يندفع بأنّ المستصحب هو التخيـير الشرعي المستكشف من التخيـير العقلي بقاعدة الملازمـة، ولكنّـه مع ذلك لا مجال لاستصحابـه، لأنّ الأحكام الشرعيّـة المنكشفـة من الأحكام العقليّـة بقاعدة الملازمـة تـتبع في السعـة والضيق مناط تلك الأحكام العقليّـة، ولا يعقل أن تكون ثابتـة بملاك آخر، فإذا كان الملاك للحكم بالتخيـير هو القطع بعدم ترجيح أحدهما على الآخـر في العلم ونحوه فكيف يمكن أن يكون الحكم الشرعي ثابتاً مع وجود ما يحتمل كونـه مرجّحاً أعني الفضل في أحدهما، مع أنّـه تابع للحكم العقلي مستكشفاً منـه، فالتخيـير المستصحب ممّا يقطع بعدمـه مع تحقق الفضل في أحدهما، والتخيـير في زمان الشكّ على تقديره كان حكماً آخر حادثاً في ذلك الزمان ولايكون مستـتبعاً للحكم العقلي، والجامع بين التخيـيرين لا يكون مجعولا شرعاً ولا مترتّباً عليـه أثر شرعي كما ذكرناه مراراً، فلا موقع لاستصحابـه.
1 ـ مطارح الانظار: 273 / السطر23.

439
حول الاستدلال ببناء العقلاء للتقليد ولابدّ بعد ذلك من الرجوع إلى أصل ما يدلّ على التقليد من الدليل، ثمّ التكلّم في أنّ مقتضاه هل هو التخيـير أو تعيّن الرجوع إلى الأعلم فنقول: الدليل عليـه هو بناء العقلاء على رجوع الجاهل في كلّ صنعـة إلى العالم بها، ولا إشكال في أصل ثبوت هذا البناء، فلا مجال للمناقشـة فيـه. شبهة عدم وجود هذا البناء في زمن الأئمّة (عليهم السلام) إنّما الإشكال في أنّ بناء العقلاء على شيء بمجرّده لا يكون دليلا على ذلك الشيء ما لم يكن مورداً لإمضاء الشارع ولو بعدم الردع عنـه. مع أنّـه قد يقال في المقام: إنّ بناء العقلاء على رجوع الجاهل بالأحكام الشرعيّـة إلى المجتهد المستنبط لها، وبعبارة اُخرى: بناء العقلاء على التقليد، أمر حادث بعد الغيبـة الكبرى، ولم يكن ثابتاً في زمان النبي والأئمّـة ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ بوجـه حتّى يكون عدم الردع عنـه كاشفاً عن كونـه مرضيّاً للشارع، كما هو الشأن في جميع الاُمور التي كان بناء العقلاء عليها حادثاً في الأزمنـة المتأخّرة، فإنّـه لا يكون شيء منها بثابت عند الشارع، لعدم ثبوتـه في زمانـه حتّى دلّ عدم ردعـه على رضايتـه، فاللازم على من يجوّز التقليد مستنداً إلى بناء العقلاء عليـه إمّا إثبات كون التقليد والرجوع إلى المجتهد بهذا النحو المعمول في هذه الأزمنـة ثابتاً في زمان المعصومين (عليهم السلام) أيضاً، وإمّا إثبات كون حدوثـه في هذه الأزمنـة مع عدم ردع الشارع في ذلك الزمان أيضاً كاشف عن
440
رضى الشارع بـه، وبدون إثبات أحد الأمرين لا مجال لتجويز التقليد أصلا. هـذا غايـة مـا يمكن أن يقـال في مقـام الإشكـال على الاستدلال للتقليد ببناء العقلاء. الجواب الأوّل: ثبوت الاجتهاد والتقليد بهذا النحو في زمن الأئمّة (عليهم السلام) ويرد عليـه أوّلا: أنّ الظاهر ثبوت التقليد والاجتهاد بهذا النحو في زمن الأئمّـة (عليهم السلام) ولنا على ذلك شواهد كثيرة من الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام) وهي على طائفتين يكفي إثبات مضمون إحداهما على سبيل منع الخلوّ. الطائفـة الاُولى: ما يستفاد منـه جواز الاجتهاد والاستنباط: منها: ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب هشام بن سالم عن أبيعبداللّه (عليه السلام) قال: «إنّما علينا أن نلقي إليكم الاُصول وعليكم أن تفرّعوا»(1). ونقل من كتاب أحمد بن محمد بن أبينصر عن الرضا (عليه السلام) قال: «علينا إلقاء الاُصول وعليكم التفريع»(2)، وهل الاجتهاد إلاّ التفريع على الاُصول المأخوذة عنهم والقواعد المسموعـة منهم؟ ألا ترى أنّ جميع المباحث المذكورة في باب الاستصحاب التي ربّما تبلغ إلى كتاب مستقل يدور حول «لا تنقض اليقين بالشكّ» الذي هو أصل من الاُصول الصادرة عنهم؟ وهكذا سائر التفريعات.
1 ـ السرائر 3: 575، وسائل الشيعـة 27: 61، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب6، الحديث51. 2 ـ السرائر 3: 575، وسائل الشيعـة 27: 62، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب6، الحديث52.

441
وبالجملـة: لا مجال للمناقشـة في أنّ الاجتهاد عند الإماميّـة ـ رضوان اللّه عليهم ـ هو التفريع على خصوص القواعد المتلقّاة عنهم في قبال الجمهور الذين يعملون بالقياس والاستحسان مع عدم كونهما من الدين، بل يوجبان محقـه، كما ورد في روايـة أبان: «أنّ السنّـة إذا قيست محق الدين»(1). ومنها: ما رواه أبوحيون مولى الرضا عن الرضا (عليه السلام) قال: «من ردّ متشابـه القرآن إلى محكمـه فقد هدي إلى صراط مستقيم» ثمّ قال: «إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن، ومتشابهاً كمتشابـه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا»(2). فإنّ ردّ المتشابـه إلى المحكم لا يتيسّر بدون الاجتهاد، ولا يمكن أن يتحقّق بدون مقدّماتـه. ومنها: ما رواه داود بن فرقد قال: سمعت أباعبداللّه (عليه السلام) يقول: «أنتم أفقـه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنّ الكلمـة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامـه كيف شاء ولا يكذب»(3)، فإنّ تشخيص الوجـه المقصود للإمام (عليه السلام) لا يمكن بدون الاجتهاد. ومنها: الأخبار الدالّـة على حرمـة الفتوى بغير علم الظاهرة في عدم
1 ـ الكافي 1: 46 / 15، وسائل الشيعـة 27: 41، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب6، الحديث10. 2 ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 290 / 39، وسائل الشيعـة 27: 115، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث22. 3 ـ معاني الأخبار: 1 / 1، وسائل الشيعـة 27: 117، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث27.

442
تحريمها إذا كان بعلم وحجّـة(1). ومنها: الأخبار العلاجيّـة(2) الواردة في علاج تعارض الخبرين وأنّـه يؤخذ بموافق الكتاب ومخالف العامّـة، فإنّ تشخيص الموافق للكتاب عن غيره ومخالف العامّـة عن غيره لا يمكن بدون الاجتهاد، كما هو واضح. ومنها: خصوص المقبولـة(3) الواردة في تعارض الحكمين واختلافهما لأجل الاختلاف في مستند حكمهما، فإنّها ظاهرة في أنّ الحاكم يجوز لـه استنباط الحكم من الروايات الصادرة عنهم في الشبهات الحكميّـة والحكم على طبقـه، كما لايخفى. ومنها: ما يدلّ على النهي عن الحكم بغير ما أنزل اللّه(4) الظاهر في جواز الحكم بما أنزل اللّه. ومـن الواضـح أنّ تشخيص مـا أنزل اللّه لا يكـاد يمكن بدون مراعاة جهات الواقعـة، واختلاف مـا ورد فيها مـن الأدلّـة، وتشخيص مـا هـو الحـقّ عن غيره. ومنها: روايـة علي بن أسباط قال: قلت للرضا (عليه السلام): يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفتـه، وليس في البلد الذي أنا فيـه أحد أستفتيـه من مواليك؟ قال: فقال: «ائت فقيـه البلد فاستفتـه من أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافـه، فإنّ
1 ـ راجع وسائل الشيعة 27: 20، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب4. 2 ـ راجع وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9. 3 ـ الكافي 1: 54 / 10، وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث1. 4 ـ راجع وسائل الشيعـة 27: 31، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب5.

443
الحقّ فيـه»(1). وهذا يدلّ على أنّ الاستفتاء والرجوع إلى فتوى الفقيـه في زمان الأئمّـة (عليهم السلام) أيضاً كان مفروغاً عنـه عندهم وأمراً متداولا بينهم. غايـة الأمر أنّ السائل في هذه الروايـة إنّما يسأل عمّا لو لم يكن في البلد من يستفتيـه من فقهاء الإماميّـة. ومنها: مـارواه في المستدرك عـن نهج البلاغة قـال (عليه السلام) فيما كتب إلـى قثم بن عباس: «واجلس لهم العصرين فافت للمستفتي وعلّم الجاهل وذاكر العالم»(2). ومنها: روايـة يونس الطويلـة(3) الواردة في الاستحاضـة الدالّـة على جواز الاجتهاد، حيث إنّـه (عليه السلام) يستدلّ بكلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعلّم طريق الاجتهاد والاستفادة من الكلمات الصادرة عنهم. ومنها: روايـة زرارة(4) الواردة في باب المسح الدالّـة على سؤالـه عن الإمام (عليه السلام) حيث حكم بأنّ المسح على بعض الرأس، وجوابـه بأنّـه لمكان الباء، ولم ينكر عليـه طريق الاستفادة من الكتاب، كما هو شأن المجتهد.
1 ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 275 / 10، وسائل الشيعـة 27: 115، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث23. 2 ـ نهج البلاغـة: 457 / 67، مستدرك الوسائل 17: 315، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث15. 3 ـ الكافي 3: 83 / 1، وسائل الشيعة 2: 276، كتاب الطهارة، أبواب الحيض، الباب3، الحديث4. 4 ـ الفقيـه 1: 56 / 212، وسائل الشيعـة 1: 412، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب23، الحديث1.

444
ومنها: روايـة عبدالأعلى(1) الواردة في المسح على المرارة الدالّـة على أنّ هذا وأشباهـه يعرف من كتاب اللّه ولا يحتاج إلى السؤال. ومنها: ما قالـه أبوجعفر (عليه السلام) لأبان بن تغلب ممّا يدلّ على حبّـه (عليه السلام) لأن يجلس في المدينـة ويبيّن للناس مسائل الحلال والحرام ويفتي لهم(2). ومنها: غير ذلك. وأمّا الطائفـة الثانيـة الدالّـة على إرجاع العوام من الناس إلى الخواصّ من أصحابهم فكثيرة جدّاً، كما يظهر بالتـتبّع في مظانّها(3). وبالجملـة: فالمناقشـة في أصل وجود الاجتهاد والتقليد في تلك الأزمنـة ممّا لا ينبغي الإصغاء إليها. الجواب الثاني: كفاية عدم الردع للبناء الفعلي لإحراز رضى الشارع نعم يقع الإشكال من جهـة اُخرى، وهي أنّـه لاشكّ في أنّ هذه الاختلافات الكثيرة الموجودة بين أهل الفتيا في مثل هذا الزمان لم تكن في زمان الأئمّـة (عليهم السلام) قطعاً، وحينئذ فكيف يمكن إحراز رضى الشارع وإمضائـه لبناء العقلاء الموجود فعلا، بعد اختلافـه مع البناء المتحقّق في الزمان السابق اختلافاً كثيراً لا يمكن أن يقاس أحدهما بالآخر أصلا؟ فلا محيص حينئذ عن التوسّل بأنّ
1 ـ تهذيب الأحكام 1: 363 / 1097، وسائل الشيعـة 1: 464، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب39، الحديث5. 2 ـ وسائل الشيعـة 30: 291، الفائدة الثانيـة عشرة. 3 ـ راجع وسائل الشيعـة 27: 136، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11.

445
عدم الردع للبناء الفعلي يكفي في إحراز رضى الشارع وتنفيذه لـه. توضيحـه: أنّـه لاشكّ في أنّـه لم يكن بناء الشارع في تبليغ الأحكام وهدايـة الأنام إلاّ على التوسّل بالطرق العقلائيّـة والاُمور العاديّـة، ولم يكن بناءه في مقام بيان الأحكام على الرجوع إلى علمـه بالمغيبات وتبليغ الأحكام حسب ما يعطيـه ذلك العلم. وحينئذ: فليس دعوانا أنّ الشارع كان عليـه أن يردع عن هذه الطريقـة الفعليّـة لو كانت غير مرضيّـة لـه راجعـة إلى أنّـه لأجل كونـه عالماً بالمغيبات لابدّ لـه الردع أو الإمضاء بالنسبـة إلى الاُمور المستقبلـة والمتأخّرة عن زمانـه، وإذا لم يردع يكشف ذلك عن رضاه بذلك. بل نقول: إنّ هذه المسألـة وهي الاجتهاد والاستنباط والرجوع إلى العالم بهذا النحو المعمول المتغاير لما كان متحقّقاً في الزمان السابق ممّا يقتضي طبع الأمر حدوثها في هذه الأزمنـة، بحيث لم يكن حدوثها مخفيّاً على العارفين بمسألـة الإمامـة وأنّـه يغيب الثاني عشر من شموس الهدايـة مدّة طويلـة عن أعين الناس وأنظار العامّـة، بحيث لا يكاد يمكن لهم الرجوع إليـه والاستضاءة من نور الولايـة، وفي ذلك الزمان لابدّ للناس من الرجوع إلى علمائهم والاستفتاء منهم مع شدّة اختلافهم بحيث قلّما يتّفق اتّحاد فتوى فقيـه واحد في كتبـه المختلفـة، بل في جميع المواضع من كتاب واحد، فضلا عن اتّحاد فقيهين أو الفقهاء منهم، وكما أنّ أصل غيبـة الإمام (عليه السلام)واضطرار الناس إلى الرجوع إلى فقهائهم كان معلوماً في زمان الأئمّـة (عليهم السلام)لخواصّ أصحابهم، فضلا عن أنفسهم، كذلك وجود هذا الاختلاف الكثير وشدّة الشقاق وكثرة الآراء والأقوال في زمان الغيبـة كان معلوماً لديهم أيضاً، بل يمكن أن يقال ـ كما هو الظاهر ـ إنّهم (عليهم السلام)
446
عمدوا إلى إيجاد هذا الاختلاف وهيّأوا مقدّماتـه اختياراً، لغرض بقاء الدين، وصيرورة النظر في الروايات الصادرة عنهم، واستخراج مراداتهم من الفنون حتّى يهمّ بعض الناس الورود في هذا الفنّ وصرف أوقاتـه فيـه، وبذلك يتحقّق حزب إلهي في مقابل سائر الأحزاب، ولو أنّهم كانوا قد جمعوا آرائهم في رسالـة واحدة ونشروها بين الاُمّـة ليرجع إليها كلّ من يقتدى بهم من دون تكلّف ومشقّـة نعلم قطعاً بأنّـه لم يكن يبقى من الدين في مثل هذه الأزمنـة عين ولا أثر، كما هو ظاهر لمن تدبّر. وبالجملـة: فلا ينبغي الشكّ في أنّ هذا الوضع الفعلي كان معلوماً في زمان الأئمّـة (عليهم السلام) لا لأجل كونهم مطّلعين على ما يكون، بل لأجل كون طبع الأمر ينجرّ إلى ذلك، ومع ذلك فلا محيص عن الالتزام بأنّ عدم ردعهم يكشف عن إمضاء الشارع وتنفيذه لنفس هذه الطريقـة، فافهم واغتنم. إذا عرفت ذلك فنقول: مناط بناء العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم ومقتضاه إنّ رجوع الجاهل إلى العالم يمكن أن يكون لأجل حصول الاطمئنان من قولـه، بحيث لا ينقدح في ذهنـه احتمال الخلاف ولا يلتفت إليـه، وعلى تقدير التوجّـه والالتفات لا يعتنى بـه. ويمكن أن يكون لأجل انسداد باب العلم عليه واضطراره من الرجوع إليـه. ويمكن أن يكون لأجل التبعيّـة لأئمّتهم ورؤسائهم الجاعلين لهذا القانون في الأزمنـة السابقـة لأغراض منظورة لهم، من دون أن يكون أمراً ارتكازيّاً للناس، بل صار ارتكازيّاً لهم بعد جعل رؤسائهم.
447
فهذه احتمالات متصوّرة في بادئ النظر، لكن لا سبيل إلى الثاني، لأنّ الانسداد لا ينتج الرجوع إلى العالم والتعبّد بقولـه، بل يقتضي الاحتياط ولو مبعّضاً كما لايخفى. والثالث أيضاً في غايـة البعد بل مستحيل عادةً فإنّا نرى أنّ هذا الأمر ـ وهو رجوع الجاهل إلى العالم ـ أمر متّفق عليـه بين جميع أهل الأمصار في جميع الأعصار والقرون. فدعوى استناد ذلك إلى جعل الأئمّـة والرؤساء ترجع إلى تصادف اتّفاق جميع الأئمّـة على جعل هذا الأمر مع كثرة الفصل بين البلاد وعدم الارتباط بين ساكنيها في تلك الأزمنـة أصلا، فإسناد ذلك إلى مجرّد التصادف مستبعد جدّاً، بل محال عادة، كما عرفت. فلا محيص عن الالتـزام بأنّ الوجـه في رجـوع الجاهـل إلى العالم هو كون قولـه طريقاً موجباً لحصول الاطمئنان بحيث لا يكاد ينقدح في ذهنهم احتمال الخلاف كما هو الشأن في مثل قاعدة اليد من القواعد العقليّـة المتداولـة بين الناس(1). نعم لا يبعد أن يكون للانسداد دخل في أعمالهم في جميع الموارد أو في بعضها. لكن يرد على هذا الوجـه: أنّـه كيف يمكن أن يدّعى بناء العقلاء على إلغاء احتمال الخلاف والخطأ مع هذه الاختلافات الكثيرة المشاهدة من الفقهاء بل من فقيـه واحد في كتبـه العديدة بل في كتاب واحد. ولهذا لا يبعد أن يكون رجوع
1 ـ من هنا إلى آخر الكتاب عين عبارات سيّدنا الاُستاذ دام بقاءه في رسالتـه الموضوعـة في هذا الباب فلا تغفل. [المقرّر حفظـه اللّه].

448
العامّي إلى الفقيـه إمّا لتوهّم كون فنّ الفقـه ـ كسائر الفنون ـ يقلّ الخطأ فيـه وكان رجوع المقلّد لمقدّمـة باطلـة وتوهّم خطأ، أو لأمر تعبّدي أخذه الخلف عن السلف، لا لأمر عقلائي وهو أمر آخر غير بناء العقلاء. ودعوى قلّـة خطأ العلماء بالنسبـة إلى صوابهم بحيث يكون احتمالـه ملغى ـ وإن كثر ـ بعد ضمّ الموارد بعضها إلى بعض غير وجيهـة، مع ما نرى من الاختلافات الكثيرة في كلّ باب إلى ما شاء اللّه. وقد يقال: إنّ المطلوب للعقلاء في باب الاحتجاجات بين الموالي والعبيد قيام الحجّـة وسقوط التكليف والعقاب بأيّ وجـه اتّفق، والرجوع إلى الفقهاء موجب لذلك، لأنّ المجتهدين مع اختلافهم في الرأي مشتركون في عدم الخطأ والتقصير في الاجتهاد، ولا ينافي ذلك الاختلاف في الرأي، لإمكان عثور أحدهما على حجّـة في غير مظانّها، أو أصل من الاُصول المعتمدة ولم يعثر عليهما الآخر مع فحصـه بالمقدار المتعارف، فتمسّك بالأصل العملي أو عمل على الأمارة التي عنده، فلا يكون واحد منهما مخطئاً في اجتهاده، ورأي كلّ منهما حجّـة في حقّـه وحقّ غيره، فرجوع العقلاء إليهما لأجل قيام الحجّـة والعذر، وهما المطلوب لهم لا إصابـة الواقع الأوّلي. وأوضح من ذلك ما لو قلنا بجعل المماثل في مؤدّى الأمارة. وفيـه أوّلا: أنّ تسميـة ذلك «عدم الخطأ» في غير محلّـه. نعم لا يكون ذلك تقصيراً وإن كان مخطئاً، ومع اختلافهما لا محالـة يعلم بخطأ أحدهما، ومعـه لايكون البناء على الرجوع إذا كان الاختلاف كثيراً ولو في غير مورد اختلافهما، للاعتداد باحتمال الخطأ حينئذ.
449
وثانياً: أنّـه لو سلّم أنّ نظر العقلاء في مثل المقام إلى تحصيل الحجّـة والعذر، لكنّهما متوقّفان على إلغاء احتمال خطأ الاجتهاد بالنسبـة إلى التكاليف الواقعيـة الأوليـة، وهو في المقام ممنوع، ومؤدّى الطرق لو فرض باطلا كونـه حكماً ثانوياً لا يوجب معذوريتـه بالنسبـة إلى الواقعيات إلاّ للمعذور وهو المجتهد، لا للمقلّد الذي يكون مبنى عملـه فتواه، وهو ليس معذّراً إلاّ مع كونـه كسائر الأمارات العقلائيـة قليل الخطأ لدى العقلاء، والفرض أنّ كلّ مجتهد يحكم بخطأ أخيـه لا بتقصيره، ومعـه كيف يمكن حجّيـة الفتوى. نعم يمكن أن يقال: إنّ الأمر الثاني من الأمرين المتقدّمين يدفع الإشكال، فإنّ عدم ردع هذا البناء الخارجي دليل على رضاء الشارع المقدس بالعمل على فتاوى الفقهاء مع الاختلاف المشهور. لكن في صيرورة ذلك هو البناء العقلائي المعروف والبناء على أماريّـة الفتوى كسائر الأمارات إشكالا، إلاّ أن يقال; إنّ بناء المتشرّعـة على أخـذ الفتوى طريقاً إلى الواقـع، والعمل على طبق الأماريّـة والسكوت عنـه دليل علـى الارتضاء بذلك، وهو ملازم لجعل الأماريّـة لـه، والمسألـة تحتاج إلى مـزيد تأمّل. ثمّ إنّـه بناءً على أنّ المناط في رجوع الجاهل إلى العالم هو إلغاء احتمال الخلاف والخطأ بحيث يكون احتمالـه موهوماً لا يعتنى بـه العقلاء لا إشكال في أنّ هذا المناط موجود عندهم في تشخيصات أهل الخبرة وأصحاب الفنون، كان الأفضل موجوداً أو لا، ولهذا يعملون على قولـه مع عدم وجود الأفضل، وهذا دليل قطعي على تحقّق مناط العمل عندهم في قول الفاضل، وإلاّ فكيف يعقل العمل مع عدم المناط، فيكون المناط موجوداً كان الأفضل موجوداً أولا، اختلف
450
رأيهما أو لا. فلو فرض تقديمهم قول الأفضل عند الاختلاف فإنّما هو من باب ترجيح إحدى الحجّتين على الاُخرى، لا من باب عدم الملاك في قول المفضول، لعدم تعقّل تحقّق المناط مع عدم الفاضل وعدمـه مع وجوده، فقول المفضول حجّـة وأمارة عقلائيّـة في نفسـه، لأجل موهوميّـة احتمال الخطأ، كما أنّ مناط العمل بقول الأفضل ذلك بعينـه. هل ترجيح قول الأفضل عند العقلاء لزومي أم لا؟ نعم يبقى في المقام أمر، وهو أنّـه هل بناء العقلاء على ترجيح قول الأفضل لدى العلم بمخالفتـه مع غيره إجمالا أو تفصيلا يكون بنحو الإلزام، أو من باب حسن الاحتياط وليس بنحو اللزوم؟ لا يبعد الاحتمال الثاني، لوجود تمام الملاك في كليهما، واحتمال أقربيّـة قول الأعلم ـ على فرض صحّتـه ـ لم يكن بمثابـة ترى العقلاء ترجيحـه عليـه لزوميّاً، ولهذا تراهم يراجعون إلى المفضول بمجرّد أعذار غير وجيهـة كبعد الطريق وكثرة المراجعين، ومشقّـة الرجوع إليـه ولو كانت قليلـة، وأمثال ذلك ممّا يعلم أنّـه لو حكم العقل إلزاماً بالترجيح لما تكون تلك الأعذار وجيهـة لدى العقل والعقلاء. هذا مع علمهم إجمالا بمخالفـة أصحاب الفنّ في الرأي في الجملـة، فليس ترجيح الأفضل إلاّ ترجيحاً غير ملزم واحتياطاً حسناً، ولهذا لو أمكن لأحد تحصيل اجتماع أصحاب فنّ في أمر والاستفتاء منهم لَفَعَل، لا لأجل عدم الاعتناء بقول الأفضل أو الفاضل، بل للاحتياط الراجح الحسن.
451
وبالجملـة: المناط كلّ المناط في رجوعهم هو اعتقادهم بندرة الخطأ وإلغاء احتمال الخلاف، وهو موجود في كليهما. فحينئذ مع تعارض قولهما مقتضى القاعدة تساقطهما والرجوع إلى الاحتياط مع الإمكان، وإلاّ فالتخيـير وإن كان ترجيح قول الأفضل حسناً على أيّ حال، تأمّل. هذا، ولكن مع ذلك فالذهاب إلى معارضـة قول المفضول قول الأفضل مشكل، خصوصاً في مثل ما نحن فيـه ـ أي باب الاحتجاج بين العبيد والموالي ـ مع كون المقام من دوران الأمر بين التعيـين والتخيـير، والأصل يقتضي التعيـين، فالقول بلزوم تقديم قول الأفضل لعلّـه أوجـه، مع أنّ الأصحاب أرسلوه إرسال المسلمات والضروريات(1)، مضافاً إلى عدم إحراز بناء العقلاء على العمل بقول المفضول مع العلم التفصيلي بل الإجمالي المنجّز بمخالفتـه مع الفاضل لو لم يعلم بإحراز عدمـه. نعم لا يبعد ذلك مع العلم بأنّ في أقوالهم اختلافاً، لا مع العلم إجمالا بأنّ في هذا المورد أو مورد آخر مثلا مختلفون. وبعبارة اُخرى: إنّ بنائهم على العمل في مورد العلم الإجمالي الغير المنجّز نظير أطراف الشبهـة الغير المحصورة، هذا حال بناء العقلاء. وأمّا حال الأدلّـة الشرعيّـة فلابدّ من ذكر ما تشبّث بـه الطرفان والبحث في أطرافهما.
1 ـ راجع مفاتيح الاُصول: 626 / السطر12، مطارح الأنظار: 298 / السطر20.

452
أدلّة جواز الرجوع إلى المفضول أمّا ما يمكن أن يتمسّك بـه لجواز الرجوع إلى المفضول مع وجود الأفضل، بل ومخالفـة رأيهما اُمور: الأوّل: بعض الآيات الشريفة منها: قولـه تعالى في سورة الأنبياء: (وَمَا أَرسَلنَا قَبلَكَ إِلاّ رِجَالا نُوحي إِلَيهِم فَسئَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لاَ تَعلَمُون )(1) بدعوى أنّ إطلاقـه يقتضي جواز الرجوع إلى المفضول حتّى مع مخالفـة قولـه للأفضل، سيّما مع ندرة التساوي بين العلماء وتوافقهم في الآراء. وفيـه ـ مضافاً إلى ظهور الآيـة في أنّ أهل الذكر هم علماء اليهود والنصارى وإرجاع المشركين إليهم، وإلى ورود روايات كثيرة في أنّ أهل الذكر هم الأئمّـة(2) بحيث يظهر منها أنّهم أهلـه لا غير ـ أنّ الشبهـة كانت في اُصول العقائد التي يجب فيها تحصيل العلم، فيكون المراد: «اسألوا أهل الذكر حتّى يحصل لكم العلم إن كنتم لا تعلمون» ومعلوم أنّ السؤال عن واحد منهم لا يوجب العلم، ففي الآيـة إهمال من هذه الجهـة، فيكون المراد أنّ طريق تحصيل العلم لكم هو الرجوع إلى أهل الذكر، كما يقال للمريض: إنّ طريق استرجاع الصحّـة
1 ـ الأنبياء (21): 7. 2 ـ راجع الكافي 1: 210.

453
هو الرجوع إلى الطبيب وشرب الدواء، فليس لها إطلاق يقتضي الرجوع إلى الفاضل أو المفضول مع تعارض قولهما. ولايبعد أن يقال: إنّ الآيـة بصدد إرجاعهم إلى أمر ارتكازي هو الرجوع إلى العالم، ولا تكون بصدد تحميل تعبّدي وإيجاب مولوي. ومنها: آيـة النفر (وَمَا كَانَ المُؤمِنُون لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَة مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ )(1). والاستدلال بها للمطلوب يتوقّف على اُمور: منهـا: استفادة وجوب النفر منها. ومنها: كون التفقّـه غايـة لـه. ومنها: كون الإنذار من جنس ما يتفقّـه فيـه. ومنها: انحصار التفقّـه بالفرعيّات. ومنها: كون المنذر ـ بالكسر ـ كلّ واحد من النافرين. ومنها: كون المنذَر ـ بالفتح ـ كلّ واحد من الطائفـة الباقيـة. ومنها: كون التحذر عبارة عن العمل بقول المنذر. ومنها: وجوب العمل بقولـه، حصل العلم منـه أو لا، خالف قول غيره أو لا. فيصير مفاد الآيـة بعد تسليم المقدّمات: «يجب على كلّ واحد من كلّ طائفـة من كلّ فرقـة النفر لتحصيل الفروع العمليّـة، ليبيّنها لكلّ واحد من الباقين، ليعمل المنذر بقولـه، حصل العلم منـه أو لا، وخالف قول غيره أو لا».
1 ـ التوبـة (9): 122.

454
وأنت خبير بعدم سلامـة جميع المقدّمات لو سلم بعضها، فلك أن تمنع كون التفقّـه غايـة النفر بأن يقال: إنّ قولـه: (وَمَا كَانَ المُؤمِنُون لِيَنفِرُوا كَافَّةً )يحتمل أن يكون إخباراً في مقام الإنشاء، أي ليس لهم النفر العمومي، كما ورد أنّ القوم كانوا ينفرون كافّـة للجهاد وبقي رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده، فورد النهي عن النفر العمومي والأمر بنفر طائفـة للجهاد. فحينئذ لا يكون التفقّـه غايـة للنفر إذا كان التفقـه لغير النافرين; أي الباقين. لكن الإنصاف أنّ ذلك خلاف ظاهرها، بل ظاهرها أنّ المؤمنين بحسب اشتغالهم باُمور المعاش ونظم الدنيا ما كانوا لينفروا جميعاً، أي النفر العمومي ليس ميسوراً لهم، ولولا نفر من كلّ فرقـة طائفـة منهم للتفقّـه؟ ولا إشكال في أنّ الظاهر منـه مع قطع النظر عن قول المفسّرين هو كون التفقّـه غايـة لـه. وأمّا كون الإنذار من سنخ ما يتفقّـه فيـه; أي بيان الأحكام بنحو الإنذار فليست الآيـة ظاهرة فيـه، بل الظاهر منها أنّ غايـة النفر أمران: أحدهما: التفقّـه في الدين وفهم الأحكام الدينيّـة. والآخر: إنذار القوم وموعظتهم. فيكون المراد: يجب على الفقيـه إنذار القوم وإيجاد الخوف من بأس اللّه في قلوبهم، فإذا خافوا يحكم عقلهم بوجوب تحصيل المؤمِّن، فلا محيص لهم إلاّ العلم بالأحكام مقدّمـة للعمل بها، وأمّا وجوب العمل بقول المنذر فلا تدّل الآيـة عليـه. ودعوى أنّ الإنذار لابدّ وأن يكون من جنس ما يتفقّـه فيـه، وإلاّ فأيّـة مناسبـة للفقيـه معـه، ممنوعـة، لأنّ الإنذار مناسب للفقيـه، لأنّـه يعلم حدوده وكيفيّتـه وشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنّ لكلامـه تأثيراً في القوم ما لا يكون لكلام غيره، لعلوّ مقامـه وعظم شأنـه لديهم، وأمّا التفقّـه في
455
الدين فهو أعمّ من الاُصول والفروع، فلا وجـه لاختصاصـه بالثاني، والأخبار الواردة في تفسيرها تدلّ على تعميمـه. فحينئذ لا يمكن أن يقال بوجوب قبول قولـه تعبّداً، لعدم جريانـه في الاُصول. اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ إطلاقها على فرضـه يقتضي قبول قول الغير في الاُصول والفروع ويقيّد إطلاقها عقلا في الاُصول وتبقى الفروع. وأمّا كون المنذر ـ بالكسر ـ كلّ واحد من الطائفـة فلا إشكال في ظهور الآيـة فيـه، لكنّ الظاهر منها أنّ كل واحد من المنذرين يجب عليـه إنذار القوم جميعاً، ومعـه لا تدلّ الآيـة على وجوب القبول من كلّ واحد منهم، فإنّـه بإنذار كلّ واحد منهم قومهم ربّما يحصل لهم العلم. وأمّا كون التحذّر بمعنى التحذّر العملي أي قبول قول الغير والعمل بـه فهو خلاف ظاهرها، بل التحذّر إمّا بمعنى الخوف، وإمّا بمعنى الاحتراز وهو الترك عن خوف، والظاهر أنّـه بمعنى الخوف الحاصل عن إنذار المنذرين، وهو أمر غير اختياري لا يمكن أن يتعلّق بعنوانـه الأمر، نعم يمكن تحصيلـه بمقدّمات اختياريّـة كالحبّ والبغض وأمثالهما، هذا كلّـه مع أنّـه لا إطلاق للآيـة، ضرورة أنّها بصدد بيان كيفيّـة النفر وأنّـه إذن لا يمكن للناس نفر عمومي، فلِمَ لا ينفر طائفـة منهم، فإنّـه ميسور لهم؟! وبالجملـة: لا يجوز للناس سدّ باب التفقّـه والتعلّم بعذر الاشتغال باُمور الدنيا; فإنّ أمر الدين كسائر اُمورهم يمكن قيام طائفـة بـه، فلابدّ من التفقّـه والإنذار، وأمّا وجوب قبول السامع بمجرّد السماع فلا إطلاق للآيـة يدلّ عليـه، فضلا عن إطلاقها لحال التعارض. والإنصاف: أنّ الآيـة أجنبيّـة عن حجّيـة قول المفتي، كما أنّها أجنبيّـة عن
456
حجّيـة قول المخبر، بل مفادها ـ والعلم عند اللّه ـ أنّـه يجب على طائفـة من كلّ فرقـة أن يتفقّهوا في الدين ويرجعوا إلى قومهم وينذروهم بالمواعظ والإنذارات والبيانات الموجبـة لحصول الخوف في قلوبهم لعلّهم يحذرون، ويحصل في قلوبهم الخوف قهراً، فإذا حصل الخوف في قلوبهم يدور رحى الديانـة ويقوم الناس بأمرها قهراً لسوقهم عقلهم نحو القيام بالوظائف. هذا حالها مع قطع النظر عن الروايات الواردة في تفسيرها، ومع النظر إليها أيضاً لا تدلّ على المطلوب. لأنّ منها: ما تدلّ على أنّ الإمام إذا مات لم يكن للناس عذر في عدم معرفـة الإمام الذي بعده، أمّا من في البلد فلرفع حجّتـه، وأمّا غير الحاضر فعليـه النفر إذا بلغـه(1). ومنها: ما دلّ على أنّ تكليف الناس بعد الإمام الطلب وأنّ النافرين في عذر ماداموا في الطلب، والمنتظرين في عذر حتّى يرجع إليهم أصحابهم(2). ومعلوم أنّ قول النافرين بمجرّده ليس بحجّـة في باب الإمامـة. ومنها: ما وردت في علّـة الحجّ، وفيها: «ولأجل ما فيـه من التفقّـه ونقل أخبار الأئمّـة إلى كلّ صقع وناحيـة»(3). ومنها: ما دلّ على أنّـه تعالى أمرهم أن ينفروا إلى رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)
1 ـ راجع الكافي 1: 378 / 2 و3. 2 ـ راجع الكافي 1: 378 / 1. 3 ـ راجع وسائل الشيعـة 27: 96، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب8، الحديث65.

457
فيتعلّموا، ثمّ يرجعوا إليهم فيعلّموهم، وهو معنى قولـه (صلى الله عليه وآله وسلم): «اختلاف اُمّتي رحمـة»(1). وهذه الطائفـة أيضاً لا تدلّ على وجوب القبول بمجرّد السماع فضلا عن حال التعارض، هذا حال الآيات الشريفـة والآيات الاُخرى التي استدلّ بها أضعف دلالـة منها. الثاني: الأخبار التي استدلّ بها على حجّية قول المفضول وأمّا الأخبار فمنها: ما عن تفسير الإمام (عليه السلام) في ذيل قولـه تعالى: (وَمِنهُم أُمِّيُّونَ لا يَعلَمُونَ الكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيَّ وَإِن هُم إِلاّ يَظُنُّونَ )(2) والحديث طويل وفيـه: «وأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسـه، حافظاً لدينـه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه»(3). دلّ بإطلاقـه على جواز تقليد المفضول إذا وجد فيـه الشرائط ولو مع وجود الأفضل أو مخالفتـه لـه في الرأي. لكنّـه ـ مع ضعف سنده وإمكان أن يقال إنّـه في مقام بيان حكم آخر، فلا إطلاق لـه لحال وجود الأفضل فضلا عن صورة العلم بمخالفـة رأيـه رأي الأفضل مخدوش من حيث الدلالـة، لأنّ صدره في بيان تقليد عوام اليهود من
1 ـ راجع وسائل الشيعـة 27: 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث10. 2 ـ البقرة (2): 78. 3 ـ التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 299، وسائل الشيعـة 27: 131، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب10، الحديث20.

458
علمائهم في الاُصول، حيث قال: (وَإِن هُم إِلاّ يَظُنُّونَ ) ما تقول رؤساؤهم من تكذيب محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في نبوّتـه وإمامـة علي سيّد عترتـه، وهم يقلّدونهم مع أنّـه محرّم عليهم تقليدهم». ثمّ بعدما سأل الرجل عن الفرق بين عوامنا وعوامهم حيث كانوا مقلّدين؟ أجاب بما حاصلـه: إنّ عوامهم مع علمهم بفسق علمائهم وكذبهم وأكلهم الحرام والرشا وتغيـيرهم أحكام اللّه يقلّدونهم، مع أنّ عقلهم يمنعهم عنـه، ولو كان عوامهم [عوامنا] كذلك لكانوا مثلهم ثمّ قال: «وأمّا من كان من الفقهاء...» إلى آخره. فيظهر منـه أنّ الذمّ لم يكن متوجّهاً إلى تقليدهم في اُصول العقائد كالنبوّة والإمامـة، بل متوجّـه إلى تقليد فسّاق العلماء، وأنّ عوامنا لو قلّدوا علمائهم فيما قلَّد اليهود علمائهم لابأس بـه إذا كانوا صائنين لأنفسهم حافظين لدينهم... إلى آخره. فإخراج الاُصول منـه إخراج للمورد وهو مستهجن. فلابدّ من توجيـه الروايـة بوجـه أو ردّ علمها إلى أهلها. وأمّا حملها على حصول العلم من قول العلماء للعوام لحسن ظنّهم بـه وعدم انقداح خلاف الواقع من قولهم، بل يكون قول العلماء لديهم صراح الواقع وعين الحقيقـة، فبعيد بل غير ممكن، لتصريحها بأنّهم لم يكونوا إلاّ ظانّين بقول رؤسائهم وأنّ عقلهم كان يحكم بعدم جواز تقليد الفاسق، مع أنّـه لو حصل العلم من قولهم لليهود لم يتوجّـه إليهم ذمّ بل لم يسمّ ذلك تقليداً. وبالجملـة: سوق الروايـة إنّما هو في التقليد الظنّي الذي يمكن ردع قسم منـه والأمر بالعمل بقسم منـه، والالتزام بجواز التقليد في الاُصول أو في بعضها كما ترى، فالروايـة مع ضعفها سنداً واغتشاشها متناً لا تصلح للحجّيـة، ولكن
459
يستفاد منها مع ضعف سندها أمر تاريخي يؤيّد ما نحن بصدده، وهو أنّ التقليد بهذا المفهوم الذي في زماننا كان شائعاً من زمن قديم هو زمان الأئمّـة، أو قريب منـه; أي من زمان تدوين «تفسير الإمام» أو من قبلـه بزمان طويل. ومنها: إطلاق صدر مقبولـة عمر بن حنظلـة(1) وإطلاق مشهورة أبي خديجـة(2). وتقريب الدلالـة أن يقال: إنّ الظاهر من صدرها وذيلها شمولها للشبهات الحكميّـة، فيؤخذ بإطلاقها في غير مورد واحد متعرّض لـه وهو صورة اختلاف الحَكَمين، وكذا المشهورة تشملها بإطلاقها، فإذا دلّتا على نفوذ حكم الفقيـه فيها، تدلاّن على اعتبار فتواه في باب فصل الخصومات، وإلاّ فلا يعقل إنفاذه بدونـه، ويفهم نفوذ فتواه وحجّيتـه في غيره إمّا بإلغاء الخصوصيـة عرفاً، أو بدعوى تنقيح المناط. أو يقال: إنّ الظاهر من قولـه: «فإذا حكم بحكمنا». إلغاء احتمال الخلاف من فتوى الفقيـه، إذ ليس المراد منـه «أنّـه إذا علمتم أنّـه حكم بحكمنا»، بل المراد «أنّـه إذا حكم بحكمنا بحسب نظره ورأيـه» فجعل نظره طريقاً إلى حكمهم، هذا. ولكن يرد عليـه: أنّ إلغاء الخصوصيّـة عرفاً ممنوع، ضرورة تحقّق خصوصيّـة زائدة في باب الحكومـة ربّما تكون بنظر العرف دخيلـة فيها وهي رفع
1 ـ الكافي 1: 67 / 10، وسائل الشيعة 27: 136، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث1. 2 ـ تهذيب الأحكام 6: 303 / 846، وسائل الشيعة 27: 139، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث6.

460
الخصومـة بين المتخاصمين، وهو لا يمكن نوعاً إلاّ بحكم الحاكم النافذ، وهذا أمر مرغوب فيـه لا يمكن فيـه الاحتياط ولا يتّفق فيـه المصالحـة نوعاً، وأمّا العمل بقول الفقيـه فربّما لا يكون مطلوباً ويكون المطلوب درك الواقع بالاحتياط أو الأخذ بأحوط الأقوال مع تعذّر الاحتياط التامّ. فدعوى أنّ العرف يفهم من المقبولـة وأمثالها حجّيـة الفتوى لا تخلو من مجازفـة، وأوضح فساداً من ذلك دعوى تنقيح المناط القطعي. وأمّا قولـه: «إذا حكم بحكمنا» لو سلّم إشعاره بإلغاء احتمال الخلاف فإنّما هو في باب الحكومـة، فلابدّ للسرايـة إلى باب الفتوى من دليل وهو مفقود، فالإنصاف عدم جواز التمسّك بأمثال المقبولـة للتقليد رأساً، وكما لا يجوز التمسّك بصدرها على جواز تقليد المفضول لا يجوز ببعض فقرات ذيلها على وجوب تقليد الأعلم لدى مخالفـة قولـه مع غيره. ومنها; إطلاق ما في التوقيع: «وأمّا الحوادث الواقعـة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانّهم حجّتي عليكم وأنا حجّـة اللّه»(1). وتقريبـه: أنّ «الحوادث» أعمّ من الشبهات الحكميّـة، والرجوع إلى رواة الحديث ظاهر في أخذ فتواهم لا أخذ نفس الروايـة، ورواة الحديث كانوا من أهل الفتوى والرأي، كما أنّ قولـه: «فإنّهم حجّتي عليكم»، يدلّ على أنّ فتوى رواة الحديث حجّـة، كما أنّ فتوى الإمام حجّـة، فلا معنى لحجّيـة رواة الحديث إلاّ حجيّـة فتاويهم وأقوالهم، والحمل على حجّيـة الأحاديث المنقولـة بتوسّطهم خلاف الظاهر.
1 ـ كمال الدين: 484 / 4، وسائل الشيعـة 27: 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث9.

461
وفيـه: بعد ضعف التوقيع سنداً أنّ صدره غير منقول إلينا، ولعلّـه كان مكتنفاً بقرائن لا يفهم منها إلاّ حجّيـة حكمهم في الشبهات الموضوعيّـة أو الأعمّ، وكان الإرجاع في القضاء لا في الفتوى. ومنها: ما عن الكشي بسند ضعيف عن أحمد بن حاتم بن ماهويـه قال: كتبت إليـه ـ يعني أباالحسن الثالث (عليه السلام) أسألـه: عمّن آخذ معالم ديني، وكتب أخوه أيضاً بذلك، فكتب إليهما: «فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا وكلّ كثير القدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إن شاء اللّه تعالى»(1). وفيـه: بعد ضعف السند أنّ الظاهر من سؤالـه أنّ الرجوع إلى العالم كان مرتكزاً في ذهنـه، وإنّما أراد تعيـين الإمام شخصـه، فلا يستفاد منـه التعبّد، كما أنّ الأمر كذلك في كثير من الروايات، بل قاطبتها على الظاهر. ومنها: روايات كثيرة عن الكشي وغيره، فيها الصحيح وغيره تدلّ على إرجاع الأئمـة إلى أشخاص من فقهاء أصحابهم، يظهر منها أنّ الرجوع إليهم كان متعارفاً، ومع وجود الأفقـه كانوا يرجعون إلى غيره، كصحيحـة ابن أبييعفور قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام): إنّـه ليس كلّ ساعـة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنـه، فقال: «ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي، فإنّـه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً»(2).
1 ـ اختيار معرفـة الرجال: 4 / 7، وسائل الشيعـة 27: 151، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث45. 2 ـ اختيار معرفـة الرجال: 161 / 273، وسائل الشيعـة 27: 144، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث23.

462
وكروايـة علي بن المسيّب(1)، حيث أرجعـه الرضا (عليه السلام) إلى زكريّا بن آدم، إلى غير ذلك. ويستفاد منها أنّ أخذ معالم الدين الذي هو عبارة اُخرى عن التقليد كان مرتكزاً في ذهنهم ومتعارفاً في عصرهم، ويستفاد من صحيحـة ابن أبييعفور تعارف رجوع الشيعـة إلى الفقهاء من أصحاب الأئمّـة مع وجود الأفقـه بينهم، وجواز رجوع الفقيـه إلى الأفقـه إذا لم يكن لـه طريق إلى الواقع. وهذا ليس منافياً لما ذكرنا في أوّل الرسالـة من أنّ موضوع عدم جواز الرجوع إلى الغير نفس قوّة الاستنباط، وذلك لأنّ ما ذكرنا هناك إنّما هو فيمن لـه طريق إلى الاستنباط مثل زماننا، فإنّ الكتب الراجعـة إليـه مدوّنـة مكتوبـة بين أيدينا، بخلاف ما إذا لم يمكن كذلك، كعصر محمّد بن مسلم، حيث إنّ الأحاديث فيـه كانت مضبوطـة عنده وعند نظرائـه، ولم يكن للجاهل طريق إليها إلاّ بالرجوع إليهم، مع إمكان أن يقال: إنّ إرجاع مثل ابـن أبييعفور إنّما هـو في سماع الحديث ثمّ استنباطـه منـه حسب اجتهاده، ولا إشكال في استفادة جواز الرجوع إلى الفقهاء ـ بل إلى الفقيـه مع الأفقـه ـ مـن تلك الروايات. لكـن استفادة ذلك مع العلم الإجمالي أو التفصيلي بمخالفـة آرائهما مشكلـة، لعدم العلم بذلك في تلك الأعصار، خصوصاً من مثل اُولئك الفقهاء والمحدّثين الذين كانوا من بطانة الأئمّة فالاتّكال على مثل تلك الأدلّـة في جواز تقليد المفضول مشكل، بل غير ممكن.
1 ـ اختيار معرفـة الرجال: 594 / 1112، وسائل الشيعـة 27: 146، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث27.

463
فيما استدلّ به على ترجيح قول الأفضل واستدلّ على ترجيح قول الأفضل مع العلم بالمخالفـة تارة: بالإجماعات المنقولـة، وهو كما ترى في مثل المسألـة العقليّـة مع تراكم الأدلّـة. واُخرى: بالأخبار كالمقبولـة وغيرها، بأن يقال: إنّ الشبهـة فرضت حكميّـة في المقبولـة، فنفوذ حكمـه تعينيّاً ملازم لنفوذ فتواه كذلك في تلك المسألـة، فتعدّى إلى غيرها بإلغاء الخصوصيـة أو القطع بالملاك سيّما مع تناسب الأفقهيّـة والأصدقيّـة في الحديث لذلك. وفيـه: ـ مضافاً إلى أنّ ظاهر المقبولـة أنّ الأوصاف الأربـع مجتمعـة توجب التقديم بمقتضى العطف بالواو، وفرض الراوي صورة التساوي لا يكشف عن كون المراد وجود أحدها ـ بمنع التلازم هاهنا، لأنّ الملازمـة إنّما تكون في صورة إثبات النفوذ لا سلبـه، لأنّ سلب المركّب أو ما بحكمـه بسلب أحد أجزائـه، فسلب نفوذ حكمـه كما يمكن أن يكون لسلب حجّيـة فتواه، يمكن أن يكـون لسلب صلاحيّـة حكمـه للفصل، وعـدم جـواز الأخـذ بالفتوى فـي المقام ليس لعـدم صلاحيتـه للحجّيـة، بل لعدم كونـه فاصلا، بل فتوى الأعلم أيضاً ليس بفاصـل، والتناسب بيـن الأفقهيّـة وذلـك لم يصـل إلى حـدّ كشف العلّيـة التامّـة. هذا كلّـه مع أنّ إلغاء الخصوصيّـة عرفاً أو القطع بالملاك ممّا لا وجـه لهما بعد وضوح الفرق بين المقامين، ولعلّ الشارع لاحظ جانب الاحتياط في حقوق الناس، فجعل حكم الأعلم فاصلا لأقربيّـة الواقع بنظره، ولم يلاحظـه في
464
أحكامـه توسعـة على الناس، فدعوى إلغاء الخصوصيـة مجازفـة، ودعوى القطع أشدّ مجازفـة. وثالثـة: بأنّ فتوى الأعلم أقرب إلى الصواب، لأنّ نظره طريق محض إلى الواقع سواء الأوّليات منـه، أو الثانويات، أو الأعذار الشرعيّـة والعقليّـة، فحينئذ تلازم الأعلميّـة للأقربيـة وهو المتعيّن في مقام الإسقاط والأعذار، وجواز الرجوع إلى غيره يساوق الموضوعيّـة. والجواب عن الصغرى: بمنع كلّيتها، لأنّ رأي غير الأعلم قد يوافق رأي الأعلم من الأموات أو الأحياء إذا لم يجز تقليدهم لجهـة، بل إذا كان رأي غير الأعلم موافقاً لجميع الفقهاء ويكون الأعلم منفرداً في الأحياء في الفتوى مع كون مخالفيـه كثيراً جدّاً. وتنظّر بعض أهل النظر في الصغرى بأنّ حجّيـة الفتوى لأجل كونـه من الظنون الخاصـة لا المطلقـة، فمطابقـة قول غير الأعلم للأعلم الغير الصالح للحجّيـة غير مفيدة. فلا عبرة بقوّتـه ولا أصلـه كالظنّ من الأمارات الغير المعتبرة، والأقوائيّـة بمطابقـة قولـه لسائر المجتهدين الذين مثلـه فغير مسلّم، إذ المطابقـة لوحدة الملاك وتقارب الأنظار، فالكلّ في قوّة نظر واحد، ولا يكشف توافق آرائهم عن قوّة مدركهم، وإلاّ لزم الخلف، لفرض أقوائيّـة نظر الأعلم. ومنـه يعلم فساد قياسها بالخبرين المتعارضين المحكي أحدهما بطرق متعدّدة، إذ ليست الحكايات المتعددة بمنزلـة حكايـة واحدة، فلا محالـة يوجب كلّ حكايـة ظنّاً بصدور شخص هذا الكلام من غير لزوم الخلف(1)، انتهى.
1 ـ نهايـة الدرايـة 6: 412 ـ 413.

465
وفيـه ما لا يخفى; إذ المنظور في ردّ الصغرى إنكار كلّيـة دعوى أقربيّـة قول الأعلم، لا دعوى تقدّم قول غير الأعلم في مقام الاحتجاج، فما ذكره أجنبي عن المقام، بل المناقشـة فيـه منحصرة بإنكار الأقربيّـة، وهو مسقط لأصل دعواه في الصغرى، إذا إنكاره مساوق لإنكار أقربيّـة فتوى الأعلم. وأمّا إنكار الأقربيّـة في المثال الأخير فغير وجيـه، لأنّ أنظار المجتهدين كما كانت طريقاً إلى الواقعيّات والحجج فلا محالـة إذا اجتمع جلّ أهل الفنّ على خطأ الأعلم لا يبقى وثوق بأقربيّـة قولـه لو لم نقل بالوثوق على الخلاف. وإن شئت قلت: لا تجري أصالـة عدم الغفلـة والخطأ في اجتهاده، وتوهّم كون أنظارهم بمنزلـة نظر واحد كتوهّم لزوم الخلف في غايـة السقوط. وعن الكبرى: بأنّ تعيّن الرجوع إلى الأقرب إن كان لأجل إدراك العقل تعيّنـه جزماً ـ بحيث لا يمكـن للشارع التعبّد بخلافـه، ولـو ورد دليل صريـح على خلافـه لابدّ من طرحـه ـ فهو فاسـد، لأنّ الشارع إذا رأى مفسدة في تعيّن الرجـوع إلـى الأعلـم أو مصلحـة فـي التوسعـة علـى المكـلّف فلا محالـة يرخّـص ذلـك مـن غير الشبهـة الموضوعيـة كتجـويز العمل بخبر الثقـة وتـرك الاحتياط. نعم لو علمنا وجداناً بأنّ الشارع لا يرضى بترك الواقعيات فلا يمكن معـه احتمال تجويز العمل بقول العالم ولا بقول الأعلم، بل يحكم العقل بوجوب الاحتياط ولو مع اختلال النظام فضلا عن لزوم الجرح، لكنّـه خلاف الواقع وخلاف المفروض في المقام، ولهذا لا أظنّ بأحد ردّ دليل معتبر قام على جواز الرجوع بغير الأعلم، فعليـه كيف يمكن دعوى القطع بلزوم تعيّن الأقرب مع احتمال تعبّد في المقام ولو ضعيفاً؟!
466
وممّا ذكرنا يظهر النظر في كلام بعض أهل النظر، حيث قال ما ملخّصـه: إنّ القرب إلى الواقع إن لم يلحظ أصلا فهو مناف للطريقيّـة وإن كان بعض الملاك، وهناك خصوصيّـة اُخرى تعبّديّـة فهو غير ضائر بالمقصود، لأنّ فتوى الأعلم حينئذ مساو لغيره في جميع الخصوصيّات، ويزيد عليـه بالقرب، سواء كانت تلك الخصوصيّـة التعبّديّـة جزء المقتضى أو شرط جعلـه أمارة، فيكون فتوى الأعلم متعيّناً لترجيحـه على غيره بالملاك الذي هو ملاك الحجّيـة، ولهذا قياسـه على البصر والكتابـة مع الفارق، لكونهما غير دخيلين في ذلك الملاك، لأنّ معنى الأعلميّـة ليس الأقوائيّـة بحسب المعرفـة بحيث لا تزول بتشكيك حتّى يقاس عليهما، بل بمعنى أحسنيّـة الاستنباط وأجوديّتـه في تحصيل الحكم من المدارك، فيكون أكثر إحاطـة بالجهات الدخيلـة فيـه المغفولـة عن نظر غيره، فمرجع التسويـة بينهما إلى التسويـة بين العالم والجاهل، وهذا وجـه آخر لتعيّن الأعلم ولو لم نقل بأقربيـة رأيـه أو كون الأقربيّـة ملاك التقديم، لأنّ العقل يذعن بأنّ رأيـه أوفق بمقتضيات الحجج، وهو المتعيّن في مقام إبراء الذمّـة، ويذعن بأنّ التسويـة بينهما كالتسويـة بين العالم والجاهل(1)، انتهى. وفيـه مواقع للنظر: منهـا: أنّ الـخصوصيّـة الـتعبّديـة لا يلـزم أن تكون جـزء المقتضـى أو شـرط التأثير، بل يمكـن أن تكون مانعـة عـن تعيّن الأعلم كالخصوصيّـة المانعـة عن إلزام الاحتياط الموجبـة لجعل الأمارات والاُصول من غير لزوم الموضوعيّـة.
1 ـ نهايـة الدرايـة 6: 413 ـ 414.

467
ومنها: أنّ أحسنيّـة الاستنباط وكون الأعلم أقوى نظراً في تحصيل الحكم من المدارك عبارة اُخرى عن أقربيّـة رأيـه إلى الواقع، فلا يخلو كلامـه من التناقض والتنافي. ومنها: أنّ إذعان العقل بما ذكره مستلزم لامتناع تجويز العمل على طبق رأي غير الأعلم، لقبح التسويـة بين العالم والجاهل، بل امتناعـه وهو كما ترى، ولا أظنّ التزام أحد بـه. والتحقيق: أنّ تجويز العمل بقول غيره ليس لأجل التسويـة بينهما، بل لمفسدة التضيـيق أو مصلحـة التوسعـة ونحوهما ممّا لا ينافي الطريقيـة كما قلنا في محلّـه(1)، وليعلم أنّ هذا الدليل الأخير غير أصالـة التعيـين في دوران الأمر بين التخيـير والتعيـين وغير بناء العقلاء على تعيّن الأعلم في مورد الاختلاف، فلا تختلط بينـه وبينهما وتدبّر جيّداً. فالإنصاف: أنّـه لا دليل على ترجيح قول الأعلم إلاّ الأصل بعد ثبوت كون الاحتياط مرغوباً عنـه وثبوت حجّيـة قول الفقهاء في الجملـة، كما أنّ في الأصل أيضاً إشكال، لأنّ فتوى غير الأعلم إذا طابق الأعلم من أعلم من الأموات أو في المثالين المتقدّمين يصير المقام من دوران الأمر بين التخيـير والتعيـين، لا تعيّن الأعلم، والأصل فيـه التخيـير. إلاّ أن يقال: إنّ تعيّن غير الأعلم حتّى في مورد الأمثلـة مخالف لتسالم الأصحاب وإجماعهم، فدار الأمـر بين التعيـين والتخيـير في مـورد الأمثلـة أيضاً، وهو الوجـه في بنائنا على الأخذ بقول الأعلم احتياطاً، وأمّا بناء العقلاء
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 417.

468
فلم يحرز في مورد الأمثلـة المتقدّمـة. هذا فيما إذا علم اختلافهما تفصيلا، بل أو إجمالا أيضاً بنحو ما مرّ، وأمّا مع احتمالـه فلا يبعد القول بجواز الأخذ من غيره أيضاً، لإمكان استفادة ذلك من الأخبار، بل لا يبعد دعوى السيرة عليـه، هذا كلّـه في المتفاضلين. في حال المجتهدين المتساويين مع اختلاف فتواهما وأمّا في المتساويـين فالقاعدة وإن اقتضت تساقطهما مع التعارض والرجوع إلى الاحتياط لو أمكن، وإلى غيره من القواعد مع عدمـه، لكن الظاهر أنّ الاحتياط مرغوب عنـه وأن المسلّم عندهم حجّيـة قولهما في حال التعارض، فلابدّ من الأخذ بأحدهما والقول بحجيّتـه التخيـيريّـة. وقد يقال بدلالـة قولـه في مثل روايـة أحمد بن حاتم بن ماهويـه: «فاصمدا في دينكما إلى كلّ مسنٍّ في حبّنا»(1) وغيرها من الروايات العامّـة على المطلوب، فإنّ إطلاقها شامل لحال التعارض، والفرق بينها وبين أدلّـة حجّيـة خبر الثقـة حيث أنكرنا إطلاقها لحال التعارض أنّ الطبيعـة في حجّيـة خبر الثقـة اُخذت بنحو الوجود الساري، فكلّ فرد من الأخبار مشمول أدلّـة الحجّيـة تعيـيناً ولا يعقل جعل الحجّيـة التعيـينيّـة في المتعارضين، ولا جعل الحجيّـة التعيـينيّـة في غيرهما والتخيـيريّـة فيهما بدليل واحد، فلا مناص إلاّ القول بعدم الإطلاق لحال التعارض.
1 ـ اختيار معرفـة الرجال: 4 / 7، وسائل الشيعـة 27: 151، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث45.

469
وأمّا الطبيعـة في حجّيـة قول الفقهاء، اُخذت على نحو صِرف الوجود، ضرورة عدم معنى لجعل حجّيـة قول كلّ عالم بنحو الطبيعـة الساريـة والوجوب التعيـيني حتّى يكون المكلّف في كلّ واقعـة مأموراً بأخذ قول جميع العلماء، فإنّـه واضح البطلان، فالمأمور بـه هو الوجود الصرف، فإذا اُخذ بقول واحد منهم فقد أطاع، فلا مانع حينئذ من إطلاق دليل الحجّيـة لحال التعارض. فقولـه: «وأمّا الحوادث الواقعـة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا» مفاده جعل حجّيـة قول العالم على نحو البدليّـة أو صرف الوجود، كان مخالفاً لقول غيره أو لا، يعلم مخالفتـه لـه تفصيلا أو لا. هذا ما أفاده شيخنا العلاّمـة على ما في تقريرات بعض فضلاء بحثـه(1). وأنت خبير بأنّ هذا بيان لإمكان الإطلاق على فرض وجود دليل مطلق يمكن الاتّكال عليـه. ونحن بعد الفحص الأكيد لم نجد دليلا يسلم دلالةً وسنداً عن الخدشـة، مثلا قولـه في الروايـة المتقدّمـة: «فاصمدا في دينكما...» إلى آخره، بمناسبـة صدرها وهو قولـه: «عمّن آخذ معالم ديني؟» لا يستفاد منـه التعبّد، بل الظاهر منـه هو الإرجاع إلى الأمر الارتكازي، فإنّ السائل بعد مفروغيّـة جواز الرجوع إلى العلماء سأل عن الشخص الذي يجوز التعويل على قولـه. ولعلّـه أراد أن يعيّن الإمام شخصاً معيّناً كما عيّن الرضا (عليه السلام) زكريا بن آدم(2)، والصادق (عليه السلام)
1 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 714 ـ 717. 2 ـ وسائل الشيعـة 27: 146، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث27.

470
الأسدي(1) والثقفي(2) وزرارة(3) فأرجعـه إلى من كان كثير القدم في أمرهم ومسنّاً في حبّهم. والظاهر من «كثرة القدم في أمرهم» كونـه ذا سابقـة طويلـة في أمر الإمامـة والمعرفـة، ولم يذكر الفقاهـة، لكونها أمراً ارتكازياً معلوماً لدى السائل والمسؤول عنـه وأشار إلى صفات اُخر موجبـة للوثوق والاطمئنان بهم، فلايستفاد منها إلاّ تقرير الأمر الارتكازي. ولو سلّم كونـه بصدد إعمال التعبّد والإرجاع إلى الفقهاء فلا إشكال في عـدم إطلاقها لحـال التعارض، بل قولـه ذلك كقول القائل: «المريض لابـدّ وأن يرجع إلى الطبيب وليشرب الدواء» وقولـه: «إنّ الجاهل بالتقويم لابدّ وأن يرجع إلى المقوّم». ومعلوم أنّ أمثال ذلك لا إطلاق لها لحال التعارض هذا مع ضعف سندها، وقد عرفت حال التوقيع(4)، وبالجملـة لا إطلاق في الأدلّـة بالنسبـة إلى حال التعارض.
1 ـ وسائل الشيعـة 27: 142، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث15. 2 ـ وسائل الشيعـة 27: 144، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث23. 3 ـ وسائل الشيعـة 27: 143، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث17، 19. 4 ـ تقدّم في الصفحـة 460 ـ 461.

471
الاستدلال على التخيير بين المتساويين بأدلّة العلاج وقد يتمسّك للتخيـير في المتساويـين بأدلّـة علاج المتعارضين كموثّقـة سماعـة عن أبيعبداللّه (عليه السلام) قال: سألتـه عن رجل اختلف عليـه رجلان من أهل دينـه في أمر كلاهما يرويـه، أحدهما يأمر بأخذه، والآخر ينهاه عنـه، كيف يصنع؟ قال: «يرجئـه حتّى يلقى من يخبره، فهو في سعـة حتّى يلقاه»(1). تقريبـه: أنّ التخالف بينهما لا يتحقّق بصرف نقل الروايـة مع عدم الجزم بمضمونها، ومعـه مساوق للفتوى، فاختلاف الرجلين إنّما هو في الفتوى، ويشهد لـه قولـه: «أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه». وهذا لا ينطبق على صرف الروايـة والحكايـة، فلابدّ من الحمل على الفتوى، فأجاب (عليه السلام) بأنّـه في سعـة ومخيّر في الأخذ بأحدهما. بل يمكن التمسّك بسائر أخبار التخيـير في الحديثين المختلفين بإلغاء الخصوصيـة، فإنّ الفقيـه أيضاً يكون فتواه محصّل الأخبار بحسب الجمع والترجيح، فاختلاف الفتوى يرجع إلى اختلاف الروايـة، هذا. وفيـه ما لا يخفى: أمّا التمسّك بموثّقـة سماعـة، ففيـه أنّ قولـه: «يرجئـه حتّى يلقى من يخبره» معناه: يؤخّره ولا يعمل بواحد منهما، كما صرّح بـه في روايتـه الاُخرى(2)، والمظنون أنّهما روايـة واحدة، ومعنى «الإرجاء» لغةً وعرفاً هو
1 ـ الكافي 1: 66 / 7، وسائل الشيعـة 27: 108، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث5. 2 ـ وسائل الشيعـة 27: 122، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث42.

472
تأخير الشيء، فقولـه بعد ذلك: «فهو في سعـة». ليس معناه أنّـه في سعـة في الأخذ بأيّهما شاء كما أفاد المستدلّ، بل المراد أنّـه في سعـة بالنسبـة إلى نفس الواقعـة، ومحصّلـه: أنّ الروايتين أو الفتوائين ليستا بحجّـة، فلا تعمل بواحدة منهما، ولكنّـه في سعـة في الواقعـة، فلـه العمل على طبق الاُصول، فهي على خلاف المطلوب أدلّ. وأمّا دعوى إلغاء الخصوصيّـة وفهم التخيـير من الأخبار الواردة في الخبرين المتعارضين، ففيـه: مع الغضّ عن فقدان روايـة دالّـة على التخيـير جامعـة للحجّيـة كما مرّ في باب التعارض، أنّ إلغاء الخصوصيّـة عرفاً ممنوع، ضرورة تحقّق الفرق الواضح بين اختلاف الأخبار واختلاف الآراء الاجتهاديّـة، فما أفاد من شمول روايات العلاج لاختلاف الفتاوى محل منع، مع أنّ لازمـه إعمال مرجّحات باب التعارض فيها، وهو كما ترى. فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّـه ليس في أخبار الباب ما يستفاد منـه ترجيح قول الأعلم عند التعارض لغيره، ولا تخيـير الأخذ بأحد المتساويـين، فلا محيص إلاّ العمل بالاُصول الأوّليـة لولا تسالم الأصحاب على عدم وجوب الاحتياط ومع هذا التسالم لا محيص عن الأخذ بقول الأعلم، لدوران الأمر بين التعيـين والتخيـير مع كون وجوبـه أيضاً مورد تسالمهم، كما أنّ الظاهر تسالمهم على التخيـير بين الأخذ بفتوى أحد المتساويـين وعدم وجوب الاحتياط أو الأخذ بأحوط القولين.
473
فصل في اشتراط الحياة في المفتي اختلفوا في اشتراط الحياة في المفتي على أقوال، ثالثها التفصيل بين البدوي والاستمراري، لا إشكال في أنّ الأصل الأوّلي حرمـة العمل بما وراء العلم، خرج عنـه العمل بفتوى الحي وبقي غيره، فلابدّ من الخروج عنـه من دليل، ولمّا كان عمدة ما يمكن أن يقول عليـه هو الاستصحاب فلابدّ من تقريره وتحقيقـه. التمسّك بالاستصحاب على جواز تقليد الميّت فنقول: قد قرّر الأصل بوجوه: منها: أنّ المجتهد الفلاني كان جائز التقليد لكلّ مكلّف عامّي في زمان حياتـه، فيستصحب إلى بعد موتـه. ومنها: أنّ الأخذ بفتوى المجتهد الفلاني كان جائزاً في زمان حياته فيستصحب. ومنها: أنّ لكلّ مقلّد جواز الرجوع إليـه في زمان حياتـه وبعدها كما كان، إلى غير ذلك من الوجوه المتقاربـة.
474
وقد يستشكل بأنّ جواز التقليد لكلّ بالغ عاقل إن كان بنحو القضيّـة الخارجيّـة بمعنى أنّ كلّ مكلّف كان موجوداً جاز لـه الرجوع إليـه، فهو لا يفيد بالنسبـة إلى الموجودين بعد حياتـه في الأعصار المتأخّرة. وبعبارة اُخرى: الدليل أخصّ من المدّعى. وإن كان بنحو القضيّـة الحقيقيّـة، أي «كلّ من وجد في الخارج وكان مكلّفاً في كلّ زمان كان لـه تقليد المجتهد الفلاني» فإن اُريد إجراء الاستصحاب التنجيزي فلا يمكن، لعدم إدراك المتأخّرين زمان حياتـه، فلا يقين بالنسبـة إليهم، وإن كان بنحو التعليق فإجراء الاستصحاب التعليقي بهذا النحو محلّ منع. وفيـه: أنّ جعل الأحكام على نحو القضيّـة الحقيقيّـة ليس معناه أنّ لكلّ فرد من مصاديق العنوان حكماً مجعولا برأسـه، ومعنى الانحلال إلى الأحكام ليس ذلك، بل لا يكون في القضايا الحقيقيّـة إلاّ جعل واحد لعنوان واحد، لا جعلات كثيرة بعدد أنفاس المكلّفين، لكن ذاك الجعل الواحد يكون حجّـة بحكم العقل والعقلاء على كلّ من كان مصداقاً للعنوان، مثلا قولـه تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَن استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلا )(1) ليس إلاّ جعلا واحداً لعنوان واحد هو (مَن استَطَاعَ )، ولكنّـه حجّـة على كلّ مكلّف يستطيع. فحينئذ لو علمنا بأنّ الحجّ كان واجباً على من استطاع إليـه سبيلا وشككنا في بقائـه من أجل طروّ النسخ مثلا، فلا إشكال في جريان استصحاب الحكم المتعلّق بالعنوان لنفس ذلك العنوان، فيصير بحكم الاستصحاب حجّـة على كلّ من كان مصداقـه، ولهذا لا يستشكل أحد في استصحاب عدم النسخ مع ورود هذا
1 ـ آل عمران (3): 97.

475
الإشكال بعينـه عليـه، بل على جميع الاستصحابات الحكميـة. والسرّ فيـه ما ذكرنا من أنّ الحكم على العنوان حجّـة على المعنونات، فاستصحاب وجوب الحجّ على عنوان «المستطيع» جار بلا إشكال كاستصحاب جواز رجوع كلّ مقلّد إلى المجتهد الفلاني، وسيأتي كلام في هذا الاستصحاب فانتظر. إشكال عدم بقاء موضوع الاستصحاب والجواب عنه فالعمدة في المقام هو الإشكال المعروف، أي عدم بقاء الموضوع. وتقريره: أنّـه لابدّ في الاستصحاب من وحدة القضيّـة المتيقّنـة والمشكوك فيها، وموضوع القضيّـة هو «رأي المجتهد وفتواه» وهو أمر قائم بنفس الحي، وبعد موتـه لا يتصف بحسب نظر العرف المعتبر في المقام بعلم ولا ظنّ، ولا رأي لـه بحسبـه ولا فتوى، ولا أقلّ من الشكّ في ذلك، ومعـه أيضاً لا مجال للاستصحاب، لأنّ إحراز الموضوع شرط في جريانـه، ولا إشكال في أنّ مدار الفتوى هو الظنّ الاجتهادي، ولهذا يقع المظنون بما هو كذلك وسطاً في قياس الاستنباط، ولا إشكال في عدم إحراز الموضوع، بل في عدم بقائـه. وفيـه: أنّ مناط عمل العقلاء على رأي كلّ ذي صنعـة في صنعتـه هو أماريّتـه وطريقيّتـه إلى الواقع، وهو المناط في فتوى الفقهاء، سواء كان دليل اعتباره بناء العقلاء المحض أو الأدلّـة اللفظيّـة، فإنّ مفادها أيضاً كذلك، ففتوى الفقيـه بأنّ صلاة الجمعـة واجبـة طريق إلى الحكم الشرعي وحجّـة عليـه، وإنّما تـتقوّم طريقيّتـه وطريقيّـة كلّ رأي خبير إلى الواقع إذا أفتى وأخبر بنحو الجزم،
476
لكن الوجود الحدوثي للفتوى بنحو الجزم يوجب كونـه طريقاً إلى الواقع أبداً، ولا ينسلخ عنـه ذلك إلاّ بتجدّد رأيـه أو الترديد فيـه، وإلاّ فهو طريق إلى الواقع، كان صاحب الرأي حيّاً أو ميّتاً، فإذا شككنا في جواز العمل بـه من حيث احتمال دخالـة الحياة شرعاً في جوازه فلا إشكال في جريان الاستصحاب ووحدة القضيّـة المتيقّنـة والمشكوك فيها، فرأي العلاّمـة وقولـه وكتاب «قواعده» كلٌّ كاشف عن الأحكام الواقعيّـة، ووجودها الحدوثي كاف في كونـه طريقاً، وهو المناط في جواز العمل شرعاً ولدى العقلاء. وإن شئت قلت: جزم العلاّمـة أو إظهار فتواه جزماً جعل كتابـه حجّةً وطريقاً إلى الواقع وجائز العمل في زمان حياتـه، ويشكّ في جواز العمل على طبقـه بعد موتـه، فيستصحب. والعجب من الشيخ الأعظم(1) حيث اعترف بأنّ الفتوى إذا كان عبارة عن نقل الأخبار بالمعنى يتمّ القول بأنّ القول موضوع الحكم ويجري الاستصحاب معـه، مع أنّ حجّيـة الأخبار وطريقيّتها إلى الواقع أيضاً متقوّمتان بجزم الراوي، فلو أخبر أحد الرواة بيننا وبين المعصوم بنحو الترديد، لا يصير خبره أمارة وحجّـة على الواقع ولا جائز العمل، لكن مع إخباره جزماً يصير كاشفاً عنـه وجائز العمل مادام كونـه كذلك، سواء كان مخبره حيّاً أو ميّتاً، مع عدم بقاء جزمـه بعد الموت، لكن جزمـه حين الإخبار كاف في جواز العمل وحجّيـة قولـه دائماً إلاّ إذا رجع عن إخباره الجزمي. وهذا جار في الفتوى طابق النعل بالنعل، فقول الفقيـه حجّـة على الواقع
1 ـ مطارح الأنظار: 260 / السطر6.

477
وطريق إليـه كإخبار المخبر، وهو باق على طريقيّتـه بعد الموت، ولو شكّ في جواز العمل بـه لأجل احتمال اشتراط الحياة شرعاً جاز استصحابـه وتمّ أركانـه. وإن شئت قلت: إنّ جزم الفقيـه أو إظهاره الفتوى على سبيل الجزم واسطـة في حدوث جواز العمل بقولـه وكتابـه، وبعد موتـه نشكّ في بقاء الجواز لأجل الشكّ في كونـه واسطـة في العروض أو الثبوت فيستصحب. وأمّا ما أفاد من كون الوسط في قياس الاستنباط هو المظنون بما هو كذلك وأنّ المظنون الحرمـة حرام أو مظنون الحكم واجب العمل(1). ففيـه: أنّ إطلاق الحجّـة على الأمارات ليس باعتبار وقوعها وسطاً في الإثبات كالحجّـة المنطقيّـة، بل المراد منها هي كونها منجّزةً للواقع، بمعنى أنّـه إذا قامت الأمارة المعتبرة على وجوب شيء وكان واجباً بحسب الواقع فتركـه المكلّف، تصحّ عقوبتـه ولا عذر لـه في تركـه، وبهذا المعنى تطلق «الحجّـة» على القطع كإطلاقها على الأمارات، بل تطلق على بعض الشكوك أيضاً. وبالجملـة: الحجّـة في الفقـه ليست هي القياس المنطقي، ولا يكون الحكم الشرعي مترتّباً على ما قام عليـه الأمارة بما هو كذلك ولا المظنون بما هـو مظنون. فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ استصحاب جواز العمل على طبق رأي المجتهد وفتواه بمعنى حاصل المصدر وعلى طبق كتابـه، الكاشفين عن الحكم الواقعي أو الوظيفـة الظاهريّـة ممّا لا مانع منـه. لا يقال: بناءً على ما ذكرت يصحّ استصحاب حجّيـة ظنّ المجتهد الموجود
1 ـ مطارح الأنظار: 260 / السطر2.

478
في زمان حياتـه. فلنا أن نقول: إنّ الحجّيـة والأماريّـة ثابتـتان لـه في موطنـه، ويحتمل بقاؤهما إلى الأبد، ومع الشكّ تستصحبان. فإنّـه يقال: هذا غير معقول، للزوم إثبات الحجّيـة وجواز العمل فعلا لأمر معدوم، وكونـه في زمانـه موجوداً لا يكفي في إثبات الحجّيـة الفعليّـة لـه مع معدوميّتـه فعلا. وإن شئت قلت: إنّ جواز العمل كان ثابتاً للظنّ الموجود، فموضوع القضيّـة المتيقّنـة هو الظنّ الموجود وهو الآن مفقود. اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الظنّ في حال الوجود بنحو القضيّـة الحينيّـة موضوع للقضيّـة لا بنحو القضيّـة الوضعيّـة والتقيـيديّـة، وهو عين الموضوع في القضيـة المشكوك فيها. وقد ذكرنا في باب الاستصحاب أنّ المعتبر فيـه وحدة القضيّتين لا إحراز وجود الموضوع فراجع(1). ولكن كون الموضوع كذلك في المقام محلّ إشكال ومنع، مع أنّـه لا يدفع الإشكال المتقدّم بـه. تقرير إشكال آخر على الاستصحاب ثمّ إنّ هاهنا إشكالا قويّاً على هذا الاستصحاب، وهو أنّـه إمّا أن يراد بـه استصحاب الحجّيـة العقلائيـة، فهي أمر غير قابل للاستصحاب، أو الحجّيـة الشرعيّـة فهي غير قابلـة للجعل. أو جواز العمل على طبق قولـه، فلا دليل على جعل الجواز الشرعي، بل الظاهر من مجموع الأدلّـة هو تنفيذ الأمر الارتكازي العقلائي، فليس في الباب
1 ـ الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 203.

479
دليل جامع لشرائط الحجّيـة يدلّ على تأسيس الشرع جواز العمل أو وجوبـه على رأي المجتهد، فها هي الأدلّـة المستدلّ بها للمقصود، فراجعها حتّى تعرف صدق ما ذكرناه. أو استصحاب الأحكام الواقعيّـة، فلاشكّ في بقائها، لأنّها لو تحقّقت أوّلا فلاشكّ في أنّها متحقّقـة في الحال أيضاً، لأنّ الشكّ في بقائها إمّا لأجل الشكّ في النسخ، أو الشكّ في فقدان شرط، كصلاة الجمعـة في زمان الغيبـة، أو حدوث مانع، والفرض أنّـه لاشكّ من هذه الجهات. أو الأحكام الظاهريّـة; بدعوى كونها مجعولـة عقيب رأي المجتهد، بل عقيب سائر الأمارات، فهو أيضاً ممنوع، لعدم الدليل على ذلك، بل ظاهر الأدلّـة على خلافها، لأنّ الظاهـر منها إمضاء ما هو المرتكز لدى العقلاء، والمرتكز لديهم هو أماريّـة رأي المجتهد للواقع كأماريّة رأي كلّ ذي صنعة إلى الواقع في صنعتـه. وبالجملـة: لابدّ في جريان الاستصحاب من حكم أو موضوع ذي حكم، وليس في المقام شيء قابل لـه، أمّا الحكم الشرعي فمفقود، لعدم تطرّق جعل وتأسيس من الشارع، وأمّا ما لدى العقلاء من حجّيـة قول أهل الخبرة، فلعدم كونـه موضوعاً لحكم شرعي، بل هو أمر عقلائي يتنجّز بـه الواقع بعد عدم ردع الشارع إيّاه، وأمّا إمضاء الشارع وارتضائـه لما هو المرتكز بين العقلاء فليس حكماً شرعيّاً حتّى يستصحب تأمّل بل لا يستفاد من الأدلّـة إلاّ الإرشاد إلى ما هو المرتكز، فليس جعل وتأسيس، كما لايخفى. إن قلت: بناءً عليـه ينسدّ باب الاستصحاب في مطلق مؤدّيات الأمارات، فهل فتوى الفقيـه إلاّ إحداها؟! مع أنّـه حقّق في محلّـه جريانـه في مؤدّياتها، فكما يجري فيها لابدّ وأن يجري في الحكم المستفاد من فتوى الفقيـه.
480
قلت: هذه مغالطـة نشأت من خلط الشكّ في بقاء الحكم، والشكّ في بقاء حجّيـة الحجّـة عليـه، فإنّ الأوّل مجرى الاستصحاب دون الثاني، فإذا قامت الأمارة أيّـة أمارة كانت على حكم، ثمّ شكّ في بقائـه لأحد أسباب طروّ الشكّ كالشكّ في النسخ يجري الأصل، لما ذكرنا في الاستصحاب من شمول أدلّتـه مؤدّيات الأمارات أيضاً، وأمّا إذا شكّ في أمارة بعد قيامها على حكم وحجّيتها في بقاء الحجّيـة لها في زمان الشكّ فلا يجري فيها، لعدم الشكّ في بقاء حكم شرعي كما عرفت. فقياس الاستصحاب في نفس الأمارة وحكمها، على الاستصحاب في مؤدّاها، مع الفارق; فإنّ المستصحب في الثاني هو الحكم الواقعي المحرز بالأمارة دون الأوّل. إن قلت: بناءً على عدم استـتباع قيام الأمارات ـ فتوى الفقيـه كانت أو غيره للحكم يلزم عدم تمكّن المكلّف من الجزم في النيّـة وإتيان كثير من أجزاء العبادات وشرائطها رجاءً وهو باطل، فلابدّ من الالتزام باستـتباعها الحكم لتحصيل الجزم فيها. قلت أوّلا: لا دليل على لزوم الجزم فيها من إجماع أو غيره، ودعوى الإجماع ممنوعـة في هذه المسألـة العقليّـة. وثانياً: إنّ الجزم حاصل لما ذكرنا من أنّ احتمال الخلاف في الطرق العقلائيّـة مغفول عنـه غالباً، ألا ترى أنّ جميع المعاملات الواقعـة من ذوي الأيادي تقع على سبيل الجزم، مع أنّ الطريق إلى ملكيّتهم هو اليد التي تكون طريقاً عقلائيّاً، وليس ذلك إلاّ لعدم انقداح احتمال الخلاف في النفوس تفصيلا بحسب الغالب. وثالثاً: إنّ المقلّدين الآخذين بقول الفقهاء لا يرون فتاويهم إلاّ طريقاً إلى
481
الواقع، فالإتيان على مقتضى فتاويهم ليس إلاّ بملاحظـة طريقيتها إلى الواقع وكاشفيتها عن أحكام اللّه الواقعيّـة كعملهم على طبق رأي كلّ خبرة فيما يرجع إليـه، من دون تفاوت في نظرهم، وليس استـتباع فتاويهم للحكم الظاهري في ذهنهم بوجـه حتّى يكون الجزم باعتباره. فالحكم الظاهري على فرض وجوده ليس محصّلا للجزم; ضرورة كون هذا الاستـتباع مغفولا عنـه لدى العقلاء العاملين على قول الفقهاء بما أنّهم عالمون بالأحكام وفتاويهم طريق إلى الواقع. فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الاستصحاب غير جار، لفقدان المستصحب، أي الحكم أو الموضوع الذي لـه حكم. وغايـة ما يمكن أن يقال في التفصّي عن هذا الإشكال: أنّ احتياج الفقيـه للفتوى بجواز البقاء على تقليد الميّت إلى الاستصحاب إنّما يكون في مورد اختلاف رأيـه لرأي الميّت، وأمّا مع توافقهما فيجوز لـه الإفتاء بالأخـذ برأي الميّت، لقيام الدليل عنده عليـه، وعدم الموضوعيّـة للفتوى والأخذ برأي الحي، فلو فرض موافقـة رأي فقيـه حي لجميع ما في رسالـة فقيـه ميّت يجوز لـه الإرجاع إلى رسالتـه من غير احتياج إلى الاستصحاب، بل لقيام الأمارة على صحّتـه، فما يحتاج فـي الحكم بجـواز البقاء إلى الاستصحـاب هـو موارد اختلافهما. فحينئذ نقول: لو أدرك مكلّف في زمان بلوغـه مجتهدين حيّين متساويـين في العلم مختلفين في الفتوى، يكون مخيّراً في الأخذ بأيّهما شاء، وهذا حكم مسلّم بين الفقهاء وأرسلوه إرسال المسلّمات من غير احتمال إشكال فيـه، مع أنّـه خلاف القاعدة، فإنّها تقتضي تساقطهما، فالحكم بالتخيـير بنحو التسلّم في هذا المورد المخالف للقاعدة لا يكون إلاّ بدليل شرعي وصل إليهم، أو للسيرة
482
المستمرّة إلى زمن الأئمّـة (عليهم السلام) كما هي ليست ببعيدة، فإذا مات أحد المجتهدين يستصحب هذا الحكم التخيـيري، وهذا الاستصحاب جار في الابتدائي والاستمراري. نعم جريانـه في الابتدائي الذي لم يدركـه المكلّف حيّاً محلّ إشكال، لعدم دليل يثبت الحكم للعنوان حتّى يستصحب، فما ذكرنا في التفصّي عن الإشكال الأوّل في الباب من استصحاب الحكم الثابت للعنوان إنّما هو على فرض ثبوت الحكم لـه، وهو فرض محض. فتحصّل ممّا ذكرنا تفصيل آخر: وهو التفصيل بين الابتدائي الذي لم يدرك المكلّف مجتهده حال بلوغـه وبين الابتدائي المدرك كذلك والاستمراري. هذا مقتضى الاستصحاب، فلو قام الإجماع على عدم جواز الابتدائي مطلقاً تصير النتيجـة التفصيل بين الابتدائي والاستمراري، هذا كلّـه حال الاستصحاب. حال بناء القعلاء في تقليد الميّت وأمّا بناء العقلاء فمحصّل الكلام فيـه: أنّـه لا إشكال في عدم التفاوت في ارتكاز العقلاء وحكم العقل بين فتوى الحي والميّت، ضرورة طريقيّـة كلّ منهما إلى الواقع من غير فرق بينهما، لكن مجرّد ارتكازهم وحكمهم العقلي بعدم الفرق بينهما لا يكفي في جواز العمل، بل لابدّ من إثبات بنائهم على العمل على طبق فتوى الميّت كالحي، وتعارفه لديهم حتّى يكون عدم ردع الشارع كاشفاً عن إمضائـه، وإلاّ فلو فرض عدم جريان العمل على طبق فتوى الميّت وإن لم يتفاوت في ارتكازهم مع الحي لا يكون للردع مورد حتّى يكشف عدمه عن إمضاءالشارع.
483
والحاصل: أنّ جواز الاتّكال على الأمارات العقلائيّـة موقوف على إمضاء الشارع لفظاً أو كشفـه عن عدم الردع، وليس ما يدلّ لفظاً عليـه، والكشف عن عدم الردع موقوف على جري العقلاء عملا على طبق ارتكازهم، ومع عدمـه لا محلّ لردع الشارع ولا يكون سكوتـه كاشفاً عن رضاه. فحينئذ نقول: لا إشكال في بناء العقلاء على العمل برأي الحي، ويمكن دعوى بنائهم على العمل بما أخذوا من الحي في زمان حياتـه ثمّ مات، ضرورة أنّ الجاهل بعد تعلّم ما يحتاج إليـه من الحي، يرى نفسـه عالماً، فلا داعي لـه من الرجوع إلى الآخر، بل يمكن إثبات ذلك من الروايات كروايـة علي بن المسيّب المتقدّمـة(1). فإنّ إرجاعـه إلى زكريّا بن آدم ـ من غير ذكر حال حياتـه وأنّ ما يأخذه منـه في حال الحياة لا يجوز العمل بـه بعد موتـه، مع أنّ في ارتكازه وارتكاز كلّ عاقل عدم الفرق بينهما ـ دلالـة على جواز العمل بما تعلّم منـه مطلقاً، فإنّ كون شقّتـه بعيدة بحيث إنّـه بعد رجوعـه إلى شقّتـه كان يصير منقطعاً عن الإمام (عليه السلام)في مثل تلك الأزمنـة، كان يوجب عليـه بيان الاشتراط لو كانت الحياة شرطاً. واحتمال أنّ رجوع علي بن المسيّب إليـه كان في نقل الروايـة، يدفعـه ظهور الروايـة، ومثلها مكاتبـة أحمد بن حاتم وأخيـه(2). وبالجملـة: إرجاع الأئمّـة (عليهم السلام) في الروايات الكثيرة، شيعتهم إلى العلماء عموماً وخصوصاً ـ مع خلوّها عن اشتراط الحياة ـ كاشف عن ارتضائهم بذلك.
1 ـ تقدّمت في الصفحة 462. 2 ـ تقدّمت في الصفحـة 461.

484
نعم لا يكشف عن الأخذ الابتدائي بفتوى الميّت، فإنّ الدواعي منصرفـة عن الرجوع إلى الميّت مع وجود الحي، ولم يكن في تلك الأزمنـة تدوين الكتب الفتوائيـة متعارفاً، حتّى يقال: إنّهم كانوا يراجعون الكتب، فإنّ الكتب الموجودة في تلك الأزمنـة كانت منحصرة بكتب الأحاديث، ثمّ بعد أزمنـة متطاولـة صار بنائهم على تدوين كتب بنحو متون الأخبار ككتب الصدوقين ومن في طبقتهما أو قريب العصر بهما، ثمّ بعد مرور الأزمنـة جرت عادتهم على تدوين الكتب التفريعيّـة والاستدلاليّـة، فلم يكن الأخذ من الأموات ابتداءً ممكناً في الصدر الأوّل ولا متعارفاً أصلا. نعم من أخذ فتوى حي في زمان حياتـه، فقد كان يعمل بـه على الظاهر; ضرورة عدم الفرق في ارتكازه بين الحي والميّت، ولم يرد ردع عن ارتكازهم وبنائهم العملي، بل إطلاق الأدلّـة يقتضي الجواز أيضاً. فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّـه لو كان مبنى جواز البقاء على تقليد الميّت هو بناء العقلاء، فلابدّ من التفصيل بين ما إذا أخذ فتوى الميّت في زمان حياتـه وغيره، والإنصاف: أنّ جواز البقاء على فتوى الميّت بعد الأخذ منـه في الجملـة هو الأقوى، وأمّا الأخذ الابتدائي ففيـه إشكال، بل الأقوى عدم جوازه. وأمّا التمسّك بالأدلّـة اللفظيـة كالكتاب والسنّـة فقد عرفت في المبحث السالف عدم دلالتهما على تأسيس حكم شرعي في هذا الباب فراجع.
485
فصل في تبدّل الاجتهاد إذا اضمحلّ الاجتهاد السابق وتبدّل رأي المجتهد فلا يخلو إمّـا أن يتبدّل مـن القطع إلى القطع أو إلـى الظـنّ المعتبر، أو مـن الظـنّ المعتبر إلى القطع أو إلى الظنّ المعتبر. حال الفتوى المستندة إلى القطع فإن تبدّل مـن القطع إلى غيره فلا مجـال للقول بالإجـزاء; ضرورة أنّ الواقع لا يتغيّر عمّا هو عليـه بحسب العلم والجهل، فإذا قطع بعدم كون السورة جزءً للصلاة، ثمّ قطع بجزئيتها أو قامت الأمـارة عليها، أو تبدّل قطعـه، يتبيّن لـه في الحال الثاني وجداناً أو تعبّداً عدم كون المأتي بـه مصـداقاً للمأمـور بـه، ومعـه لا وجـه للإجزاء. ولا يتعلّق بالقطـع جعل حتّى يتكلّم في دلالـة دليلـه على إجزائـه عن الواقع أو بدليّتـه عنـه، وإنّما هو عذر في صورة ترك المأمور بـه، فإذا ارتفـع العـذر يجب عليـه الإتيان بالمأمـور بـه في الوقت وخـارجـه إن كان لـه القضاء.
486
حال الفتوى المستندة إلى الأمارات وإن تبدّل من الظنّ المعتبر فإن كان مستنده الأمارات كخبر الثقـة وغيره، فكذلك إذا كانت الأمارة عقلائيّـة أمضاها الشارع، ضرورة أنّ العقلاء إنّما يعملون على ما عندهم كخبر الثقـة والظواهر بما أنّها كاشفـة عن الواقع وطريق إليـه ومن حيث عدم اعتنائهم باحتمال الخلاف، وإمضاء الشارع هذه الطريقـة لا يدلّ على رفع اليد عن الواقعيّات، وتبديل المصاديق الأوّليـة بالمصاديق الثانويّـة أو جعل المصاديق الناقصـة منزلـة التامّـة. وربّما يقال: إنّ الشارع إذا أمـر بطبيعـة كالصلاة، ثمّ أمـر بالعمل بقول الثقـة أو أجاز المأمور بالعمل بـه، يكون لازمـه الأمر أو الإجازة بإتيان المأمور بـه على طبق ما أدّى إليـه قول الثقـة، ولازم ذلك هو الإجزاء، ففي مثل قولـه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَمسِ إِلى غَسَقِ اللَّيلِ )(1) يكون أمر بصلاتين إلى غسق الليل لا غير، فإذا أمر بالعمل على قول الثقـة فقد أمر بإتيان المأمور بـه بالكيفيـة التي أدّى إليها الأمارة، فلا محالـة يكون المأتي بـه مصداقاً للمأمور بـه عنده، وإلاّ لمّا أمر بإتيانـه كذلك فلا محيص عن الإجزاء، لتحقّق مصداق المأمور بـه وسقوط الأمر. ولكنّك خبير بأنّ إمضاء طريقـة العقلاء ليس إلاّ لأجل تحصيل الواقعيّات، لمطابقـة الأمارات العقلائيـة نوعاً للواقع، وضعف احتمال تخلّفها عنـه، وفي مثل ذلك لا وجـه لسقوط الأمر إذا تخلّف عن الواقع، كما أنّ الأمر كذلك عند العقلاء،
1 ـ الإسراء (17): 78.

487
والفرض أنّ الشارع لم يأمر تأسيساً. بل وكذا الحال لو أمر الشارع على أمارة تأسيساً وكان لسان الدليل هو التحفّظ على الواقع، فإنّ العرف لا يفهم منـه إلاّ تحصيل الواقع لا تبديلـه بمؤدّى الأمارة. وأنت إذا راجعت الأدلّـة المستدلّ بها على حجّيـة خبر الثقـة، لترى أنّ مفادها ليس إلاّ إيجاب العمل بـه لأجل الوصول إلى الواقعيات، كالآيات على فرض دلالتها وكالروايات، فإنّها تنادي بأعلى صوتها بأنّ إيجاب العمل على قول الثقـة إنّما هو لكونـه ثقـة وغير كاذب وأنّـه موصل إلى الواقع، وفي مثلـه لا يفهم العرف أنّ الشارع يتصرّف في الواقعيّات على نحو أداء الأمارة. هذا مع أنّ احتمال التأسيس في باب الأمارات العقلائيـة مجرّد فرض، وإلاّ فالناظر فيها يقطع بأنّ الشارع لم يكن في مقام تأسيس وتحكيم، بل في مقام إرشاد وإمضاء ما لدى العقلاء، والضرورة قاضيـة بأنّ العقلاء لا يعملون على طبقها إلاّ لتحصيل الواقع، وحديث تبديل الواقع بما يكون مؤدّى الأمارة ممّا لا أصل لـه في طريقتهم، فالقول بالإجزاء فيها ضعيف غايتـه. وأضعف منـه التفصيل بين تبدّل الاجتهاد الأوّل بالقطع فلا يجزي، وبين تبدّلـه باجتهاد آخر فيجزي، بدعوى عدم الفرق بين الاجتهادين الظنّيـين وعدم ترجيح الثاني حتّى يبطل الأوّل، وذلك لأنّ تبدّل الاجتهاد لا يمكن إلاّ مع اضمحلال الاجتهاد الأوّل بالعثور على دليل أقوى أو بالتخطئـة للاجتهاد الأوّل، ومعـه لا وجـه لاعتباره فضلا عن مصادمتـه للثاني. هذا حـال الفتوى المستند إلى الأمارات.
488
حال الفتوى المستندة إلى الاُصول وأمّا إذا استند إلى الاُصول كأصالتي الطهارة والحلّيـة في الشبهات الحكميّـة، وكالاستصحاب فيها، وكحديث الرفع، فالظاهر هو الإجزاء مع اضمحلال الاجتهاد. أمّا في أصالتي الطهارة والحلّيـة، فلأنّ الظاهر من دليلهما هو جعل الوظيفـة الظاهريّـة لدى الشكّ في الواقع، فإنّ معنى قولـه: «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّـه قذر»(1) و«كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّـه حرام بعينـه»(2) ليس أنّـه طاهر وحلال واقعاً حتّى تكون النجاسـة والحرمـة متقيّدتين بحال العلم بهما، ضرورة أنّـه التصويب الباطل، ولا معنى لجعل المحرزيّـة والكاشفيـة للشكّ مع كونـه خلاف أدلّتهما، ولا لجعلهما لأجل التحفّظ على الواقع، بل الظاهر من أدلّتهما هو جعل الطهارة والحلّيـة الظاهريتين، ولا معنى لهما إلاّ تجويز ترتيب آثار الطهارة والحلّيـة على المشكوك فيـه، ومعنى تجويز ترتيب الآثار تجويز إتيان ما اشترط فيـه الطهارة والحلّيـة مع المشكوك فيـه، فيصير المأتي بـه معهما مصداق المأمور بـه تعبّداً، فيسقط أمره. فإذا دلّ الدليل على لزوم إتيان الصلاة مع طهارة الثوب، ثمّ شكّ في طهارة
1 ـ تهذيب الأحكام 1: 284 / 832، وسائل الشيعـة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب37، الحديث4. 2 ـ الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعـة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب بـه، الباب4، الحديث4، مع اختلاف يسير.

489
ثوبـه، دلّ قولـه: «كلّ شيء طاهر» ـ الذي يرجع إلى جواز ترتيب الطهارة على الثوب المشكوك فيـه ـ على جواز إتيان الصلاة معـه وتحقّق مصداق الصلاة بـه، فإذا تبدّل شكّـه بالعلم لا يكون من قبيل كشف الخلاف كما ذكرنا في الأمارات(1)، لأنّها كواشف عن الواقع، فلها واقع تطابقـه أو لا تطابقـه، بخلاف مؤدّى الأصلين، فإنّ مفاد أدلّتهما ترتيب آثار الطهارة أو الحلّيـة بلسان جعلهما، فتبديل الشكّ بالعلم من قبيل تبديل الموضوع لا التخلّف عن الواقع، فأدلّتهما حاكمـة على أدلّـة جعل الشروط والموانع في المركّبات المأمور بها. وبالجملـة: إذا أمر المولى بإتيان الصلاة مع الطهارة وأجاز الإتيان بها في ظرف الشكّ مع الثوب المشكوك فيـه بلسان جعل الطهارة، وأجاز ترتيب آثار الطهارة الواقعيّـة عليـه، ينتج جواز إتيان الصلاة المأمور بها مع الطهارة الظاهريّـة ومعاملـة المكلّف معها معاملـة الطهارة الواقعيّـة، فيفهم العرف من ذلك حصول مصداق المأمور بـه معها، فيسقط الأمر، وبعد العلم بالنجاسـة لا يكون من قبيل كشف الخلاف كما في الأمارات الكاشفـة عن الواقع. ولا يبعد أن يكون الأمر كذلك في الاستصحاب، فإنّ الكبرى المجعولـة فيـه وهي قولـه: «لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً»(2) ليس مفادها جعل اليقين أمارة بالنسبـة إلى زمان الشكّ، ضرورة عدم كاشفيّتـه بالنسبـة إليـه عقلا، لامتناع كونـه طريقاً إلى غير متعلّقـه، ولا معنى لجعلـه طريقاً إلى غيره، فلا يكون
1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل: 422 ـ 423. 2 ـ تهذيب الأحكام 1: 421 / 1335، وسائل الشيعـة 3: 466، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب37، الحديث1.

490
الاستصحاب من الأمارات، بل ولا يكون جعلـه للتحفّظ على الواقع كإيجاب الاحتياط في الشبهـة البدويّـة في الأعراض والدماء، فإنّـه أيضاً خلاف مفادها وإن احتملناه بل رجّحناه سابقاً، بل الظاهر منها أنّـه لا ينبغي للشاكّ الذي كان على يقين رفع اليد عن آثاره، فيجب عليـه ترتيب آثاره، فيرجع إلى وجوب معاملـة بقاء اليقين الطريقي معـه في زمان الشكّ، وهو مساوق عرفاً لتجويز إتيان المأمور بـه المشروط بالطهارة الواقعيّـة مثلا مع الطهارة المستصحبـة، ولازم ذلك صيرورة المأتي بـه معها مصداقاً للمأمور بـه، فيسقط الأمر المتعلّق بـه. وبالجملـة: يكون حالـه في هذا الأثر كحال أصالتي الطهارة والحلّ; من حيث كونـه أصلا عمليّاً ووظيفةً في زمان الشكّ، لا أمارة على الواقع، ولا أصلا للتحفّظ عليـه حتّى يأتي فيـه كشف الخلاف، ويدلّ على ذلك صحيحـة زرارة الثانيـة(1) حيث حكم فيها بغسل الثوب وعدم إعادة الصلاة، معلّلا بأنّـه كان على يقين في طهارتـه فشكّ، وليس ينبغي لـه أن ينقض اليقين بالشكّ. وكذا الحال فيما إذا كان المستند حديث الرفع، فإنّ قولـه: «رفع ما لايعلمون»(2) ـ بناءً على شمولـه للشبهات الحكميّـة والموضوعيّـة ـ لسانـه رفع الحكم والموضوع باعتبار الحكم، لكن لابدّ من رفع اليد عن هذا الظاهر حتّى بالنسبـة إلى الشبهات الموضوعيـة، لأنّ لازمـه طهارة ما شكّ في نجاستـه
1 ـ تهذيب الأحكام 1: 421 / 1335، وسائل الشيعـة 3: 466، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب37، الحديث1. 2 ـ الخصال: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعـة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب56، الحديث1.

491
موضوعاً واقعاً، ولا يمكن الالتزام بطهارة ملاقيـه في زمان الشكّ بعد كشف الخلاف، فلابدّ من الحمل على البناء العملي على الرفع وترتيب آثار الرفع الواقعي، فإذا شكّ في جزئيـة شيء في الصلاة أو شرطيّتـه لها أو مانعيّتـه فحديث الرفع يدلّ على رفع الجزئيّـة والشرطيّـة والمانعيّـة، فحيث لا يمكن الالتزام بالرفع الحقيقي لا مانع من الالتزام بالرفع الظاهري، نظير الوضع الظاهري في أصالتي الطهارة والحلّيـة، فيرجع إلى معاملـة الرفع في الظاهر وجواز إتيان المأمور بـه كذلك، وصيرورة المأتي بـه مصداقاً للمأمور بـه بواسطـة حكومـة دليل الرفع على أدلّـة الأحكام. فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ التحقيق هو التفصيل بين الأمارات والاُصول كما عليـه المحقّق الخراساني (رحمه الله)(1). هذا كلّـه بحسب مقام الإثبات وظهور الأدلّـة، وأمّا بحسب مقام الثبوت فلابدّ من توجيهـه بوجـه لا يرجع إلى التصويب الباطل. ثمّ إنّـه ظهر ممّا ذكرنا أنّ القائل بالإجزاء لا يلتزم بالتصرّف في أحكام المحرّمات والنجاسات، ولا يقول بحكومـة أدلّـة الاُصول على أدلّـة الأحكام الواقعيّـة التي هي في طولها، وليس محطّ البحث في باب الإجزاء بأدلّـة اُصول الطهارة والحلّيـة والاستصحاب هو التضيـيق أو التوسعـة في أدلّـة النجاسات والمحرّمات حتّى يقال: إنّ الأمارات والاُصول وقعت في رتبـة إحراز الأحكام الواقعيّـة، والحكومـة فيها غير الحكومـة بين الأدلّـة الواقعيّـة بعضها مع بعض، وإنّ لازم ذلك هو الحكم بطهارة ملاقي النجس الواقعي إذا لاقى في زمان الشكّ...
1 ـ كفايـة الاُصول: 110.

492
وغير ذلك ممّا وقع من بعض الأعاظم على ما في تقريرات بحثـه(1)، بل محطّ البحث هو أنّ أدلّـة الاُصول الثلاثـة هل تدلّ بحكومتها على أدلّـة الأحكام على تقحّق مصداق المأمور بـه تعبّداً حتّى يقال بالإجزاء أم لا؟ هذا مع بقاء النجاسات والمحرّمات على ما هي عليها من غير تصرّف في أدلّتها، فالشكّ في الطهاره والحلّيـة بحسب الشبهـة الحكميّـة إنّما هو في طول جعل النجاسات والمحرّمات، لا في طول جعل الصلاة مشروطةً بطهارة ثوب المصلّي وبكونـه من المأكول، والخلط بين المقامين أوقعـه فيما أوقعـه، وفي كلامـه محالّ أنظار تركناها مخافـة التطويل. ثمّ إنّ هذا كلّـه حال المجتهد بالنسبـة إلى تكاليف نفسـه. تكليف المقلّد مع تبدّل رأي مجتهده وأمّا تكاليف مقلّديـه فهل هو كالمجتهد في التفصيل بين كون رأي المقلّد مستنداً إلى الأمارات، وبين كونـه مستنداً إلى الاُصول، بأن يقال: إنّ المجتهد يعيّن وظائف العباد مطلقاً واقعاً وظاهراً، فكما أنّ في وظائفـه الظاهريّـة تحكم بالإجزاء بواسطـة أدلّـة الاُصول وحكومتها على الأدلّـة، فكذا في تكاليف مقلّديـه طابق النعل بالنعل أو لا؟ بأن يقال: إنّ المقلّد مستنده في الأحكام مطلقاً هو رأي المجتهد، وهو أمارة إلى تكاليفـه بحسب ارتكازه العقلائي، والشرع أيضاً أمضى هذا الارتكاز والبناء العملي العقلائي، وليس مستند المقلّدين في العمل هو
1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 249 ـ 251.

493
أصالـة الطهارة أو الحلّيـة أو الاستصحاب أو حديث الرفع في الشبهات الحكميّـة التي هي مورد بحثنا هاهنا; لأنّ العامّي لا يكون مورداً لجريان الاُصول الحكميّـة، فإنّ موضوعها الشكّ بعد الفحص واليأس من الأدلّـة الاجتهاديّـة، والعامّي لا يكون كذلك، فلا يجري في حقّـه الاُصول حتّى تحرز مصداق المأمور بـه، ومجرّد كون مستند المجتهد هو الاُصول ومقتضاها الإجزاء، لا يوجب الإجزاء بالنسبـة إلى من لم يكن مستنده إيّاها; فإنّ المقلّد ليس مستنده في العمل هي الاُصول الحكميّـة، بل مستنده الأمارة ـ وهي رأي المجتهد ـ على حكم اللّه تعالى، فإذا تبدّل رأيـه فلا دليل على الإجزاء. أمّا دليل وجوب اتّباع المجتهد، فلأنّـه ليس إلاّ بناء العقلاء الممضى، كما يظهر للناظر في الأدلّـة، وإنّما يعمل العقلاء على رأيـه لإلغاء احتمال الخلاف، وإمضاء الشارع لذلك لا يوجب الإجزاء كما تقدّم(1). وأمّا أدلّـة الاُصول فهي ليست مستنده ولا هو مورد جريانها، لعدم كونـه شاكّاً بعد الفحص واليأس عن الأدلّـة، فلا وجـه للإجزاء، وهذا هو الأقوى. فإن قلت: إذا لم يكن المقلّد موضوعاً للأصل ولا يجري في حقّـه، فلم يجوز للمجتهد أن يفتي مستنداً إلى الأصـل بالنسبـة إلى مقلّديـه، مـع أنّ أدلّـة الاُصول لا تجري إلاّ للشاكّ بعد الفحص واليأس وهو المجتهد فقط لا المقلّد؟! ولو قيل: إنّ المجتهد نائب عـن مقلّديـه، فمـع أنّـه لا محصّل لـه، لازمـه الإجزاء.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 486 ـ 487.

494
قلت: قد ذكرنا سابقاً(1) أنّ المجتهد إذا كان عالماً بثبوت الحكم الكلّي المشترك بين العباد ثمّ شكّ في نسخـه مثلا يصير شاكّاً في ثبوت هذا الحكم بينهم، فيجوز لـه الإفتاء بـه كما لـه العمل بـه، فكما أنّ الأمارة إذا قامت على حكم مشترك كلّي يجوز لـه الإفتاء بمقتضاها، كذلك إذا كان مقتضى الاستصحاب فلـه العمل بـه والفتوى بمقتضاه، فإذا أفتى يعمل المقلّدين على طبق فتواه، لبناء العقلاء على رجوع الجاهل بالعالم. فتحصّل من ذلك: أنّ المجتهد لـه الإفتاء بمقتضى الاُصول الحكميّـة، ومقتضى القاعدة هو الإجزاء بالنسبـة إليـه دون مقلّديـه، لاستناده إلى الاُصول المقتضيـة للإجزاء واستنادهم إلى رأيـه الغير المقتضي لذلك.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 479.

495
فصل في أنّ تخيير العامّي في الرجوع إلى مجتهدين متساويين بدوي أو استمراري بعد البناء على تخيـير العامّي في الرجوع إلى مجتهدين متساويـين هل يجوز لـه العدول بعد تقليد أحدهما؟ اختار شيخنا العلاّمـة التفصيل بين العدول في شخص واقعـة بعد الأخذ والعمل فيـه، كما لو صلّى بلا سورة بفتوى أحدهما، فأراد تكرار الصلاة مع السورة بفتوى الآخر، وبين العدول في الوقائع المستقبلـة التي لم تعمل، أو العدول قبل العمل بعد الالتزام والأخذ، فذهب إلى عدم الجواز مطلقاً في الأوّل، وعدم الجواز في الأخيرين إن قلنا بأنّ التقليد هو الالتزام والأخذ، والجواز إن قلنا بأنّـه نفس العمل مستنداً إلى الفتوى. ووجّهـه في الأوّل بأنّـه لا مجال لـه للعدول بعد العمل بالواجب المخيّر، لعدم إمكان تكرار صرف الوجود وامتناع تحصيل الحاصل، وليس كلّ زمان قيداً للأخذ بالفتوى، حتّى يقال: إنّـه ليس باعتبار الزمان المتأخّر تحصيلا للحاصل، بل الأخذ بالمضمون أمر واحد ممتدّ يكون الزمان ظرفاً لـه بحسب الأدلّـة.
496
نعم يمكن إفادة التخيـير في الأزمنـة المتأخّرة بدليل آخر يفيد التخيـير في الاستدامـة على العمل الموجود ورفع اليد عنـه والأخذ بالآخر، وإذ هو ليس فليس. وإفادتـه بأدلّـة التخيـير في إحداث الأخذ بهذا أو ذاك ممتنع، للزوم الجمع بين لحاظين متنافيـين، نظير الجمع بين الاستصحاب والقاعدة بدليل واحد. ولا يجري الاستصحاب; لأنّ التخيـير بين الإحداثين غير ممكن الجرّ إلى الزمان الثاني، وبالنحو الثاني لا حالـة سابقـة لـه، والاستصحاب التعليقي لفتوى الآخر غير جار; لأنّ الحجّيـة المبهمـة السابقـة صارت معيّنـة في المأخوذ، وزالت قطعاً، كالملكيّـة المشاعـة إذا صارت مفروزة. ووجـه الأخيرين بهذا البيان بعينـه إن قلنا: إنّ المأمور بـه في مثل قولـه: «فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا»(1) وغيره هو العمل الجوانحي، أي الالتزام والبناء العقلي، وإن قلنا: بأنّـه العمل، فلا إشكال في بقاء الأمر التخيـيري في كلا القسمين بلا محذور، ومع فقد الإطلاق لا مانع من الاستصحاب(2)، انتهى ملخّصاً من تقرير بحثـه. أقول: ما يمكن البحث عنـه في الصورة الاُولى هو جواز تكرار العمل بعد الإتيان بـه مطابقاً لفتوى الأوّل، وأمّا البحث عن بقاء التخيـير وكذا جواز العدول بعنوانهما، فأمر غير صحيح; ضرورة أنّ التخيـير بين الإتيان بما أتى بـه والعمل بقول الآخـر ممّا لا معنى لـه، وطرح العمل الأوّل وإعدامـه غير معقول بعد
1 ـ كمال الدين: 484 / 4، وسائل الشيعـة 27: 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث9. 2 ـ درر الفوائـد، المحقّـق الحائـري: 716 ـ 717، كتـاب البيع، المحقّق الأراكـي2: 471 ـ 475.

497
الوجود حتّى يتحقّق ثانياً موضوع التخيـير، وكذا لا يعقل العدول بحقيقتـه بعد العمل، فلابدّ وأن يكون البحث ممحّضاً في جواز العمل بقول الثاني بعد العمل بقول الأوّل. قد يقال بعدم الجواز; لأنّ الإتيان بأحد شقّي الواجب التخيـيري موجب لسقوط التكليف جزماً، فالإتيان بعده بداعويّـة الأمر الأوّل، أو باحتمال داعويّتـه، أو بداعويّـة المحتمل، غير معقول، ومع العلم بالسقوط لا معنى لإجراء الاستصحاب، لا استصحاب الواجب التخيـيري، وهو واضح، ولا جواز العمل على طبق الثاني، لفرض عدم احتمال أمر آخر غير التخيـيري الساقط، وكان الظاهر من تقريرات بحث شيخنا ذلك. وفيـه: إنّ ذلك ناش من الخلط بين التخيـير في المسألـة الفرعيّـة والمسألـة الاُصوليّـة فإنّ ما ذكر وجيـه في الأوّل دون الثاني، لأنّ الأمر التخيـيري في الثاني لا نفسيّـة لـه، بل لتحصيل الواقع بحسب الإمكان بعد عدم الإلزام بالاحتياط، فمع الإتيان بأحد شقّي التخيـير فيـه، يبقى للعمل بالآخر مجال واسع وإن لم يكن المكلّف ملزماً بـه، تخفيفاً عليـه. نعم لو قلنا بحرمـة الاحتياط أو بالإجزاء في باب الطرق ولو مع عدم المطابقـة، لكان الوجـه ما ذكر، لكنّهما خلاف التحقيق. وبهـذا يظهر: أنّ استصحاب جـواز الإتيان بمـا لم يأت بـه، لا مانـع منـه لـو شكّ فيـه. نعم لا يجري الاستصحاب التعليقي; لأنّ التعليق ليس بشرعي. وأمّا الصورتان الأخيرتان بناءً على كون التقليد الالتزام والعقد القلبي، فقياسهما على الصورة الاُولى مع الفارق، لإمكان إبطال الموضوع وإعدامـه
498
بالرجوع عن الالتزام وعقد القلب، فصار حينئذ موضوعاً للأمر بإحداث الأخذ بأحدهما من غير ورود الإشكال المتقدّم ـ من لزوم الجمع بين اللحاظين ـ عليـه، وليس الكلام هاهنا في إطلاق الدليل وإهمالـه، بل في إمكانـه بعد الفراغ عن فرض الإطلاق. وممّا ذكرنا يظهر أنّ ما أفاده (رحمه الله) من أنّ الالتزام وعقد القلب أمر وجداني ممتدّ، إذا حصل في زمان لا يعقل حدوثـه ثانياً، غير وجيـه; لأنّ الالتزام بعد انعدام الالتزام الأوّل إحداث لا إبقاء، لامتناع إعادة المعدوم. هذا مع قطع النظر عن حال الأدلّـة إثباتاً، وإلاّ فقد مرّ(1) أنّـه لا دليل لفظي في باب التقليد يمكن الاتّكال عليـه فضلا عن الإطلاق بالنسبـة إلى حال التعارض بين فتويـين، وإنّما قلنا بالتخيـير للشهرة والإجماع المنقولين وهما معتبران في مثل تلك المسألـة المخالفـة للقواعد، والمتيقّن منهما هو التخيـير الابتدائي; أي التخيـير قبل الالتزام. والتحقيق: عدم جريان استصحاب التخيـير ولا الجواز، لاختلاف التخيـير الابتدائي والاستمراري موضوعاً وجعلا، فلا يجري استصحاب شخص الحكم، وكذا استصحاب الكلّي، لفقدان الأركان في الأوّل، ولكون الجامع أمراً انتزاعيّاً لا حكماً شرعياً ولا موضوعاً ذا أثر شرعي، وترتيب أثر المصداق على استصحاب الجامع مثبت، ولا فرق في ذلك بين استصحاب جامع التخيـيرين أو جامع الجوازين الآتيـين من قبلهما.
1 ـ تقدّم في الصفحـة 469.

499
فصل في اختلاف الحي والميّت في مسألة البقاء إذا قلّد مجتهداً كان يقول بوجوب الرجوع إلى الحي فمات، فإن غفل المقلّد عن الواقعـة ولوازمها ورجع عنـه بتوهّم جواز تقليده في الرجوع فلا كلام إلاّ في صحّـة أعمالـه وعدمها. وإن تذكّر بعدم جواز تقليده في ذلك، فإنّـه أيضاً تقليد للميّت، أو تحيّر ورجع إلى الحي في هذه المسألـة وكان هو قائلا بوجوب البقاء، فمع تقليده من الحي فيها يجب عليـه البقاء في سائر المسائل. وأمّا في هذه المسألـة الاُصوليـة، فلا يجوز لـه البقاء; لأنّـه قلّد فيها الحي ولا تحيّر لـه فيها حتّى قلّد عن الميّت، ولا يجوز للمفتي الحي الإفتاء بالبقاء فيها; لكون الميّت على خطأ عنده، فلا يشكّ حتّى يجري الاستصحاب. وكذا لا يجوز لـه إجراء الاستصحاب للمقلّد، لكونـه غير شاكّ فيها، لقيام الأمارة لديـه، وهي فتوى الحي، بل لا يجري بالنسبـة إليـه ولو مع قطع النظر عن فتوى الحي، لأنّ المجتهد في الشبهات الحكميّـة يكون مشخصاً لمجاري الاُصول، وأمّا الأحكام ـ اُصوليّةً أو فرعيّة ـ فلا اختصاص لها بالمجتهد، بل هي مشتركـة بين العالم والجاهل، فحينئذ لو رأى خطأ الميّت وقيام الدليل على
500
خلافـه فلا محالـة يرى عدم جريان الاستصحاب، لاختلال أركانـه، وهو أمر مشترك بينـه وبين جميع المكلّفين. وبما ذكرناه تظهر مسألـة اُخرى، وهي أنّـه: لو قلّد مجتهداً في الفروع، فمات، فقلّد مجتهداً يرى وجوب الرجوع فرجع إليـه فمات، فقلّد مجتهداً يرى وجوب البقاء يجب عليـه الرجوع إلى فتوى المجتهد الأوّل، لقيام الأمارة الفعليّـة على بطلان فتوى الثاني بالرجوع، فيرى أنّ رجوعـه عن الميّت الأوّل كان باطلا، فالميزان على الحجّـة الفعليّـة; وهي فتوى الحي. والقول بجواز البقاء على رأي الثاني برأي الثالث غير صحيح; لأنّ الثالث يرى بطلان رأي الثاني في المسألـة الاُصوليّـة، وعدم صحّـة رجوع المقلّد عن تقليد الأوّل، فقامت عند المقلّد فعلا أمارة على بطلانـه، فلا معنى لبقائـه فيها. وأمّا شيخنا العلاّمـة أعلى اللّه مقامـه ـ بعد نقل كلام شيخنا الأعظم (قدس سره) من كون المقام إشكالا وجواباً نظير ما قيل في شمول أدلّـة حجّيـة خبر الثقـة لخبر السيّد بعدم حجّيتـه، وأجاب عنـه بمثل ما أجاب في ذلك المقام، وبعد بيان الفرق بين المقامين بأنّـه لم يلزم في المقام التخصيص المستهجن واللغز والمعمّا; لعدم عموم صادر عن المعصوم فيـه ـ قال ما ملخّصـه: المحقّق في المقام فتوى: أنّـه لا يمكن الأخذ بكليهما، لأنّ المجتهد بعدما نزّل نفسـه منزلـة المقلّد في كونـه شاكّاً رأى هنا طائفتين من الأحكام ثابتـتين للمقلّد، إحداهما: فتوى الميّت في الفروع، وثانيتهما: الفتوى في الاُصول الناظرة إلى الفتاوى في الفروع والمسقطـة لها عن الحجّيـة، فيرى أركان الاستصحاب فيهما تامّـة. ثمّ قال: لا محيص من الأخذ بالفتوى الاُصوليّـة، فإنّـه لو اُريد في
501
الفرعيّـة استصحاب الأحكام الواقعيّـة فالشكّ في اللاحق موجود دون اليقين السابق; أمّا الوجداني فواضح، وأمّا التعبّدي فلارتفاعـه بموت المفتي، فصار كالشكّ الساري، وإن اُريد استصحاب الحكم الظاهري الجائي من قبل دليل اتّباع الميّت، فإن اُريد استصحابـه مقيّداً بفتوى الميّت فالاستصحاب في الاُصوليّـة حاكم عليـه، لأنّ الشكّ في الفروعيّـة مسبّب عن الشكّ فيها، وإن اُريد استصحاب ذات الحكم الظاهري وجعل كونـه مقول قول الميّت جهـة تعليليـة فاحتمال ثبوتـه إمّا بسبب سابق، فقد سدّ بابـه الاستصحاب الحاكم، أو بسبب لاحق فهو مقطوع العدم، إذ مفروض الكلام صورة مخالفـة فتوى الميّت للحي. نعم، يحتمل بقاء الحكم الواقعي، لكن لا يكفي ذلك في الاستصحاب، لأنّـه مع الحكم الظاهري في رتبتين وموضوعين، فلا يكون أحدهما بقاءً للآخر، لكن يجري استصحاب الكلّي بناءً على جريانـه في القسم الثالث. وإن اُريد استصحاب حجّيـة فتاوى الفرعيّـة فاستصحاب الحجّيـة في الاُصوليّـة حاكم عليـه، لأنّ شكّـه مسبّب عنـه، لأنّ عدم حجّيـة تلك الفتاوى أثر لحجّيـة هذه، وليس الأصل مثبتاً، لأنّ هذا من الآثار الثابتـة لذات الحجّـة الأعمّ من الظاهريّـة والواقعيّـة. ثمّ رجع عمّا تقدّم واختار عدم جريان الاستصحاب في الاُصوليّـة، فإنّ مقتضى جريانـه الأخذ بخلاف مدلولـه، ومثلـه غير مشمول لأدلّـة الاستصحاب، فإنّ مقتضى الأخذ باستصحاب هذا الفتوى، سقوط فتاويـه عن الحجّيـة، ومقتضى سقوطها الرجوع إلى الحي، وهو يفتي بوجوب البقاء، فالأخذ بالاستصحاب في الاُصوليّـة ـ التي مفادها عدم الأخذ بفتاويـه في الفرعيّات ـ لازمـه الأخذ في الفرعيّات بها.
502
وهذا باطل، وإن كان اللزوم لأجل الرجوع إلى الحي لا لكون مفاد الاستصحاب ذلك; إذ لا فرق في الفساد بين الاحتمالين. هذا مضافاً إلى أنّ المسؤول عنـه في الفرعيّات المسألـة الاُصوليـة; أعني من المرجع فيها، فلاينافي مخالفـة الحي للميّت في نفس الفروع مع إفتائـه بالبقاء في المسألـة الاُصوليّـة، وأمّا الفتوى الاُصوليّـة فنفسها مسؤول عنها ويكون الحي هو المرجع فيها، وفي هذه المسألـة لا معنى للاستصحاب بعد أن يرى الحي خطأ الميّت، فلا حالـة سابقـة حتّى تستصحب(1)، انتهى. وفيـه محالّ للنظر: منها: أنّ الاستصحاب في الأحكام الواقعيـة في المقام لا يجري ولو فرض وجود اليقين السابق، لعدم الشكّ في البقاء، فإنّ الشكّ فيـه إمّا ناش من احتمال النسخ أو احتمال فقدان شرط أو وجدان مانع، والكلّ مفقود. بل الشكّ فيـه ممحّض في حجّيـة الفتوى وجواز العمل بها، وإنّما يتصوّر الشكّ في البقاء إذا قلنا بالسببيّـة والتصويب. ومنها: أنّ حكومـة الأصل في المسألـة الاُصوليّـة عليـه في الفرعيّـة ممنوعـة; لأنّ المجتهد إذا قام مقام المقلّد ـ كما هو مفروض الكلام ـ يكون شكّـه في جواز العمل على فتاوى الميّت في الاُصول والفروع، ناشئاً من الشكّ في اعتبار الحياة في المفتي، وجواز العمل في كلّ من الطائفتين مضادّ للآخر ومقتضى جواز كلٍّ، عدم جواز الآخر. ولو قيل: إنّ مقتضى إرجاع الحي إيّاه إلى الميّت سببيّة شكّه في الاُصوليّـة.
1 ـ كتاب البيع، المحقّق الأراكي 2: 488 ـ 493.

503
قلنا: هذا خلاف المفروض، وإلاّ فلا يبقى مجال للشكّ لـه في هذه المسألـة، ففرض الشكّ فيما لم يقلد عن الحي فيها. هذا مضافاً إلى أنّ مطلق كون الشكّ مسبّباً عن الآخر، لا يوجب التحكيم، كما قرّرنا في محلّـه(1) مستقصى، وملخّصـه: أنّ وجـه تقدّم الأصل السببي أنّ الأصل في السبب منقّح لموضوع دليل اجتهادي ينطبق عليـه بعد التنقيح، والدليل الاجتهادي بلسانـه حاكم على الأصل المسبّبي، فإذا شكّ في طهارة ثوب غسل بماء شكّ في كرّيتـه فاستصحاب الكرّيـة ينقّح موضوع الدليل الاجتهادي الدالّ على أنّ ما غسل بالكرّ يطهر، وهو حاكم على الأصل المسبّبي بلسانـه. وإن شئت قلت: إنّـه لا مناقضـة بين الأصل السببي والمسبّبي، لأنّ موضوعهما مختلفان، والمناقض للأصل المسبّبي إنّما هو الدليل الاجتهادي بعد تنقيح موضوعـه حيث دلّ بضمّ الوجدان وتطبيقـه على الخارج «أنّ هذا الثوب المغسول بهذا الماء طاهر» والاستصحاب في المسبّبي مفاده «أنّ هذا الثوب المشكوك في نجاستـه وطهارتـه نجس» ومعلوم أنّ لسان الأوّل حاكم على الثاني. وتوهّم: أنّ مقتضى الأصل السببي هو ترتيب جميع آثار الكرّيـة على الماء، ومنها ترتيب آثار طهارة الثوب. مدفوع أوّلا: بأنّ مفاد الاستصحاب ليس إلاّ عدم نقض اليقين بالشكّ، فإذا شكّ في كرّيـة ماء كان كرّاً لا يكون مقتضى دليل الاستصحاب إلاّ التعبّد بكون الماء كرّاً، وأمّا لزوم ترتيب الآثار فبدليل آخر وهو الدليل الاجتهادي.
1 ـ الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 243 ـ 246.

504
والشاهد عليـه ـ مضافاً إلى ظهور أدلّتـه ـ أنّ لسان أدلّتـه في استصحاب الأحكام والموضوعات واحد، فكما أنّ استصحاب الأحكام ليس إلاّ البناء على تحقّقها لا ترتيب الآثار، فكذلك استصحاب الموضوعات. نعم لابدّ في استصحابها من دليل اجتهادي ينقّح موضوعـه بالاستصحاب. وثانياً: بأنّ لازم ذلك عدم تقدّم السببي على المسبّبي، فإنّ قولـه: «كلّما شككت في بقاء الكرّ فابنِ على طهارة الثوب المغسول بـه» لا يقدّم على قولـه: «إذا شككت في طهارة الثوب الكذائي فابنِ على نجاستـه» ولا يراد باستصحاب نجاسـة الثوب سلب الكرّيـة، حتّى يقال: إنّ استصحاب النجاسـة لا يسلبها إلاّ بالأصل المثبت، بل يراد إبقاء النجاسـة في الثوب فقط، ولا يضرّ في مقام الحكم الظاهري التفكيك بين الآثار، فيحكم ببقاء كرّيـة الماء وبقاء نجاسـة الثوب المغسول بـه. إذا عرفت ذلك اتّضح لك عدم تقدّم الأصل في المسألـة الاُصوليّـة على الفرعيـة، لعدم دليل اجتهادي موجب للتحكيم، ومجرّد كون مفاد المستصحب في الاُصوليّـة «أنّـه لا يجوز العمل بفتاواي عند الشكّ» لا يوجب التقدّم على ما كان مفاده «يجوز العمل بفتاواي الفرعيـة لدى الشكّ» فإنّ كلاّ منهما يدفع الآخر وينافيـه. وممّا ذكرناه يظهر النظر في ما أفاده من حكومـة استصحاب حجّيـة الفتوى في المسألـة الاُصوليّـة على استصحاب حجّيتها في المسائل الفرعيّـة، فإنّ البيان والإيراد فيهما واحد لدى التأمّل. هذا مضافاً إلى ما تقدّم(1) من عدم جريان
1 ـ تقدّم في الصفحـة 478.

505
استصحاب الحجّيـة; لا العقلائيّـة منها ولا الشرعيّـة. ومنها: أنّ ما أفاده من تقديم الأصل في الفتوى الاُصوليّـة ولو اُريد استصحاب الحكم الظاهري بجهـة تعليليّـة، غير وجيـه وإن قلنا بتقديم الأصل السببي في الفرض المتقدّم على الأصل المسبّبي; لأنّ نفي المعلول باستصحاب نفي العلّـة مثبت وإن كانت العلّـة شرعيّـة، فإنّ ترتّب المسبّب على السبب عقلي ولو كان السبب شرعيّاً. نعم لو ورد دليل على «أنّـه إذا وجد ذا وجد ذاك» لا يكون الأصل مثبتاً، كقولـه: «إذا غلى العصير أو نشّ حرم» وهو في المقام مفقود. ومنها: أنّ بنائـه على جريان استصحاب الكلّي الجامع بين الحكم الظاهري والواقعي غير وجيـه: أمّا أوّلا: فلما مرّ من عدم الشكّ في بقاء الحكم الواقعي. وثانياً: أنّـه بعـد فرض حكومـة الأصل السببي على المسبّبي يسقط الحكم الظاهري، وبسقوطـه لا دليل فعلا على ثبوت الحكم الواقعي، لسرايـة الشكّ إلى السابق كما مرّ منـه (قدس سره) فلا يقين فعلا على الجامع بينهما، فاستصحاب الكلّي إنّما يجري إذا علم بالجامع فعلا وشكّ في بقائـه، وهـو غير نظير المقام الذي بانعدام أحد الفردين ينعدم الآخر مـن الأوّل، إذ ينعدم الدليل على ثبوتـه مـن الأوّل، هذا مع الغضّ عن الإشكال في استصحاب الجامع في الأحكام كما مرّ منّا كراراً. ومنها: أنّ إنكـاره جريـان الاستصحاب فـي المسألـة الاُصوليّـة، معلّلا بأنّـه يلزم من جريانـه الأخذ بخلاف مفاده، ومثلـه غير مشمول لأدلّتـه، غير وجيـه; لأنّ مفاد الاستصحاب هو سقوط حجّيـة الفتاوى الفرعيّـة، وهو غير
506
اعتبار فتاواه ولا لازمـه ذلك ولا الأخذ بفتوى الحي، لإمكان العمل بالاحتياط بعد سقوطها عن الحجّيـة. وبالجملـة: سقوط الفتاوى عن الحجّيـة أمر جاء من قبل الاستصحاب، والرجوع إلى الحي أمر آخر غير مربوط بـه وإن كان لازم الرجوع إليـه البقاء على قول الميّت. والعجب أنّـه (قدس سره) تنبّـه على هذا الإشكال ولم يأت بجواب مقنع. ولو ادّعى انصراف أدلّـة الاستصحاب من مثل المقام لكان انصرافها عن الأصل السببي وعـن الأصليـن المتعـارضين أولى، لأنّ إجـراء الاستصحـاب للسقوط أسوء حـالا من إجرائـه في مـورد كـان المكلّف ملـزماً بالأخـذ بدليل آخـر مقابـل لـه فـي المفاد. والحـلّ في الكـلّ أنّـه لا فـرق بين ورود دليل لخصوص مورد من تلك الموارد وبين ما شملها بإطلاقـه، والإشكال متّجـه فيها على الأوّل لا الثاني. ومنها: أنّ ما ذكره أخيراً في وجـه عدم جريان الاستصحاب في المسألـة الاُصوليّـة من أنّ المفتي الحي كان يرى خطأ الميّت، إنّما يصحّ لو كان المفتي أراد إجراء الاستصحاب لنفسـه، وقد فرض في صدر المبحث أنّـه نزّل نفسـه منزلـة العامّي في الشكّ في الواقعـة، والتحقيق هـو مـا عرفت مـن عـدم جريان الأصل ـ لا بالنسبـة إلى المفتي ولا بالنسبـة إلى العامّي ـ في المسألـة الاُصوليّـة.
فهرست موضوعات
التنبيه الأوّل : اشتراط جريان البراءة بعدم وجود أصل موضوعي 7
حول أصالة عدم التذكية 8
أقسام صور الشكّ في حلّية الحيوان 8
في معنى التذكية 9
حكم ما لو شكّ في قابلية حيوان للتذكية 10
التنبيه الثاني : في حسن الاحتياط شرعاً وعقلا 20
تقرير إشكال الاحتياط في العبادات ودفعه 20
تصحيح الاحتياط في العبادات بالأمر المتعلّق بنفس الاحتياط 22
تصحيح الاحتياط في العبادات بأخبار من بلغ 26
مفاد أخبار من بلغ 27
التنبيه الثالث : أنحاء متعلّق الأمر والنهي 32
اختلاف جريان الاُصول العملية باختلاف متعلّقات الأحكام 34
حكم ما لو تعلّق الأمر أو النهي بالطبيعة على نحو العامّ الاستغراقي 34
حكم ما لو تعلّق الأمر أو النهي بالطبيعة على نحو العامّ المجموعي 38
حكم ما لو تعلّق الأمر أو النهي بالطبيعة على نحو صرف الوجود 40
حكم ما لو تعلّق الأمر والنهي بنفس الطبيعة 40
مسألتان لم يتعرض لهما صاحب الكفايه 40
المسألة الاُولى : في دوران الأمر بين التعيين والتخيير 43
لابدّ قبل الخوض في ذلك من تقديم اُمور: 43
الأوّل: حقيقة الواجب التخييري 43
الثاني: أقسام الواجب التخييري 44
الثالث: حكم الشكّ في اشتراط التكليف في مرحلة البقاء 46
الرابع: وجوه الشكّ في التعيين والتخيير 47
مقتضى الأصل في الوجوه المذكورة 48
المسألة الثانية : في دوران الواجب بين أن يكون عينيّاً أو كفائيّاً 60
تصويرات الواجب الكفائي 60
اختلاف الأصل باختلاف الوجوه في الكفائي 62
القول : في أصل التخيير 65
دوران الأمر بين المحذورين 67
تساوي المحذورين من حيث الأهمّية مع وحدة الواقعة 68
في جريان الأصل العقلي 68
في جريان الأصل الشرعي 71
اختلاف المحذورين من حيث الأهمّية مع وحدة الواقعة 76
في تعدّد الوقائع المقتضي لتعدّد التكليف 77
تنبيه: في دوران الأمر بين المحذورين في التعبديّات 79
القول : في أصل الاشتغال 81
يقع الكلام في مقامين: 81
المقام الأوّل : في تردّد المكلّف به بين أمرين متباينين أو اُمور متباينة 83
ملاك حكم العقل لجريان قاعدة الاشتغال 83
إمكان الترخيص في أطراف العلم الإجمالي 84
الكلام في المخالفة القطعية 88
الروايات الدالّة على الترخيص في أطراف العلم الإجمالي 88
مقالة الشيخ في وجه عدم جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي 92
تفصيل المحقّق النائيني في جريان الاُصول 94
الكلام في الموافقة القطعيّة 99
لابدّ من التنبيه على اُمور: 111
الأمر الأوّل : تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات 112
الأمر الثاني : حكم الاضطرار إلى أحد أطراف العلم الإجمالي 114
الأمر الثالث : في شرطية الابتلاء لتنجيز العلم الإجمالي 119
الفرق بين الخطابات القانونية والخطابات الشخصية 120
كلام المحقّق النائيني فيما لو شكّ في الخروج عن محلّ الابتلاء 122
الأمر الرابع : في الشبهة الغير المحصورة 131
فيما يدلّ على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة 132
ضابط الشبهة الغير المحصورة 137
بيان المحقّق النائيني في ضابط الشبهة الغير المحصورة 139
مقتضى القاعدة عند الشكّ في كون شبهة محصورة أو غير محصورة 142
تنبيهان 144
الأمر الخامس : في حكم الملاقي لأحد أطراف العلم الإجمالي 147
في صور العلم بالملاقاة 147
في أنّ ملاقي النجس نجس بعنوانه 147
مقتضى الأصل العقلي في صور الملاقاة 149
مقتضى الأصل الشرعي في صور الملاقاة 155
شبهة المحقّق الحائري في المقام وجوابها 157
تنبيهات : 165
التنبيه الأوّل: في التفصيل بين الشرائط والموانع في وجوب الاحتياط 165
التنبيه الثاني: في كيفية النيّة لو كان المعلوم بالإجمال من العبادات 167
التنبيه الثالث: حكم ما لو كان المعلوم بالإجمال أمرين مترتّبين شرعاً 169
المقام الثاني : في الدوران بين الأقلّ والأكثر وفيه مطالب : 173
المطلب الأوّل : في الأقلّ والأكثر الذي كان من قبيل الكلّ والجزء 176
في جريان البراءة العقلية 176
الإشكالات الثمانية على جريان البراءة العقليّة عن الأكثر ودفعها 179
في جريان البراءة الشرعيّة في المقام 195
المطلب الثاني: لو كان الأقلّ والأكثر من قبيل المطلق والمشروط 202
المطلب الثالث: دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في الأسباب والمحصّلات 208
المطلب الرابع: دوران الأمربين الأقلّ والأكثرالارتباطي وكون الشبهة موضوعيّة لابدّ من التنبيه على أمرين: 215
الأمر الأوّل : الشكّ في الجزئية أو الشرطية في حال السهو الكلام فيه يقع في مقامات : 224
المقام الأوّل : فيما يقتضيه الأصل العقلي بالنسبة إلى النقيصة السهويّة 224
إشكال الشيخ الأعظم في المقام 224
ردّ تفصيل المحققّ النائيني بين استيعاب النسيان لجميع الوقت وعدمه 229
تتمّة: في ثبوت الإطلاق لدليل الجزء والمركّب 232
المقام الثاني: فيما يقتضيه الأصل الشرعي في النقيصة السهويّة 237
المقام الثالث: في حال الزيادة العمديّة أو السهويّة 243
في تصوير وقوع الزيادة في الأجزاء 243
كلام المحقّق العراقي في تصوير وقوع الزيادة الحقيقيّة 244
مقتضى الأصل في الزيادة 248
المقام الرابع: فيما تقتضيه القواعد الثانويّة في الزيادة والنقيصة 253
مقتضى الروايات الواردة في الزيادة 253
مقتضى حديث «لاتعاد» 256
النسبة بين حديثي «لاتعاد» و«من زاد» 261
النسبة بين «لاتعاد» وقوله (عليه السلام): «إذا استيقن...» 265
تنبيه: في تحقّق معنى الزيادة 266
الأمر الثاني : في تعذّر الجزء والشرط 271
تحرير محلّ النزاع 271
مقتضى القواعد الأوليّة في المقام 276
في جريان البراءة العقليّة 276
في جريان البراءة الشرعيّة 278
مقتضى القواعد الثانوية في المقام 279
التمسّك بالاستصحاب لإثبات وجوب باقي الأجزاء 279
التمسّك بقاعدة الميسور لإثبات وجوب باقي الأجزاء 283
الكلام في مفاد النبوي 284
الكلام في مفاد العلوي الأوّل 286
الكلام في مفاد العلوي الثاني 290
تتمّة: في اعتبار صدق الميسور في جريان القاعدة 293
المرجع في تعيين الميسور 295
خاتمة : في شرائط الاُصول 297
حسن الاحتياط مطلقاً 297
اعتبار الفحص في جريان البراءة 305
ادلّـة وجوب الفحص 305
في بيان مقدار الفحص 315
التعادل والترجيح وقبل الورود في المقصد لابدّ من ذكر فصول: 317
الفصل الأوّل : عدم تعارض العامّ والخاصّ 319
اختصاص الكلام في هذا الباب بتعارض الأخبار 319
الكلام في وجه تقدّم الخاصّ على العامّ 322
كلام الشيخ الأنصاري وما يرد عليه 322
كلام المحققّ الخراساني ونقده 325
كلام المحقّق الحائري وما يرد عليه 327
كلام المحقّق النائيني ونقده 329
تحقيق في الاُصول الفظية 331
الفصل الثاني : عدم شمول أخبار العلاج للعامّ والخاصّ 333
حول كلام المحقّق الخراساني والعلاّمـة الحائري 333
الفصل الثالث : أنّ الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح 338
الفصل الرابع : كلام الشيخ في الفرق بين النصّ والظاهر والأظهر والظاهر 341
الفصل الخامس : ما قيل باندراجها في النصّ والظاهر أو الأظهر والظاهر 343
الموارد التي ادّعي اندراجها في النصّ والظاهر 343
وجود قدر المتيقّن في مقام التخاطب 343
لزوم استهجان التخصيص 345
ورود أحد الدليلين مورد التحديدات والأوزان والمقادير 346
لزوم إخراج المورد 347
الموارد التي ادّعي اندراجها في الأظهر والظاهر 348
تعارض العموم والإطلاق 348
دوران الأمر بين النسخ والتخصيص 353
وجوه ورود العامّ والخاصّ والدوران بين النسخ والتخصيص 359
دوران الأمر بين تقييد الإطلاق وحمل الأمر على الاستحباب 363
القول فيما إذا كان التعارض بين أكثر من دليلين 365
إذا ورد عامّ وخاصّان بينهما التباين يقع الكلام في خمس صور : 365
365
إذا ورد عامّ وخاصّان بينهما عموم وخصوص مطلق 368
إذا ورد عامّ وخاصّان بينهما عموم من وجه 371
إذا ورد عامّان من وجه وخاصّ 372
إذا ورد عامّان متباينان وخاصّ 372
الفصل السادس : في عدم شمول أخبار العلاج للعامّين من وجه 373
هل المرجّحات جارية في العامّين من وجه أم لا؟ 375
المقصد الأوّل : في الخبرين المتعارضين المتكافئين 379
مقتضى الأصل بناءً على الطريقيّة 379
مقتضى الأصل بناءً على السببيّة 384
مقتضى الأخبار الواردة في المتكافئين 386
ما قيل في وجه الجمع بين الأخبار 386
تنبيهات : 390
التنبيه الأوّل: في معنى التخيير في المسألة الاُصولية 390
التنبيه الثاني: في حكم تخيير القاضي والمفتي في عمله وعمل مقلّديه 393
التنبيه الثالث: في أنّ التخيير بدوي أو استمراري 395
التنبيه الرابع: في شمول أخبار التخيـير لجميع صور الخبرين المختلفين 399
المقصد الثاني : في الخبرين المتعارضين مع عدم التكافؤ 401
وفيه مقامان : 390
المقام الأوّل: فيما يحكم به العقل في هذا الباب 390
المقام الثاني : في مقتضى الأخبار الواردة في هذا الباب 403
انحصار المرجّح المنصوص في موافقـة الكتاب ومخالفة العامّة 405
حال الأخبار الواردة في موافقة الكتاب 406
حال الأخبار الواردة في مخالفة العامّة 411
تتمّة: في التعدّي عن المرجّحات المنصوصة إلى غيرها 412
فيما استدلّ بها الشيخ الأعظم للتعدّي عن المرجّحات المنصوصة 413
هل المرجحات المنصوصة مرجّحات أصل الصدور أو جهة الصدور؟ 418
الاجتهاد والتقليد 421
ذكر شؤون الفقيه 423
هنا عناوين ستة نذكرها في ضمن اُمور : 423
الأوّل: من لا يجوز له الرجوع إلى الغير 423
الثاني: من يجوز له العمل بفتوى نفسه 424
الثالث: من يجوز له التصدّي لمقام الإفتاء 425
الرابع والخامس: من يجوز له التصدّي لمقام القضاوة والحكومة 426
الأخبار الدالّة على ثبوت منصب الحكومة والقضاء للفقيه 427
هل يكون منصب القضاوة ومقام الحكومة للمتجزّي أم لا؟ 431
فروع 433
السادس: من يجوز الرجوع إليه 436
مقتضى الأصل الأوّلي: وجوب تقليد الأعلم 436
حول الاستدلال ببناء العقلاء للتقليد 439
شبهة عدم وجود هذا البناء في زمن الأئمّة: 439
الجواب الأوّل: ثبوت الاجتهاد والتقليد بهذا النحو في زمن الأئمّة (عليهم السلام) 440
الجواب الثاني: كفاية عدم الردع للبناء الفعلي لإحراز رضى الشارع 444
مناط بناء العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم ومقتضاه 446
هل ترجيح قول الأفضل عند العقلاء لزومي أم لا؟ 450
أدلّة جواز الرجوع إلى المفضول 452
الأوّل: بعض الآيات الشريفة 452
الثاني: الأخبار التي استدلّ بها على حجّية قول المفضول 457
فيما استدلّ به على ترجيح قول الأفضل 463
في حال المجتهدين المتساويين مع اختلاف فتواهما 468
الاستدلال على التخيير بين المتساويين بأدلّة العلاج 471
فصل : في اشتراط الحياة في المفتي 473
التمسّك بالاستصحاب على جواز تقليد الميّت 473
إشكال عدم بقاء موضوع الاستصحاب والجواب عنه 475
تقرير إشكال آخر على الاستصحاب 478
حال بناء القعلاء في تقليد الميّت 482
فصل : في تبدّل الاجتهاد 485
حال الفتوى المستندة إلى القطع 485
حال الفتوى المستندة إلى الأمارات 486
حال الفتوى المستندة إلى الاُصول 488
تكليف المقلّد مع تبدّل رأي مجتهده 492
فصل: تخييرالعامّي في الرجوع إلى مجتهدين متساويين بدوي أواستمراري 495
فصل : في اختلاف الحي والميّت في مسألة البقاء 499