فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار
مع رجال الفكر في القاهرة

(القسم الأول)

تأليف

السيد مرتضى الرضوي

فهرست عناوين
     الولادة والدراسة11
     تعليقاتي على الكتب17
     تقديمي لبعض الكتب18
من آثار الشيعة الإمامية التي نشرتها في مصر 20
     ذكريات مع الإمام شرف الدين وصاحب العرفان23
     بعض ذكريات الشعر25
     تنبيه: 26
كلمة حول الكتاب 27
- 1 - الأستاذ عبد الكريم الخطيب من كبار المؤلفين البارزين في القاهرة29
     مع رجال الفكر في القاهرة30
- 2 - الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود37
- 3 - الأستاذ عبد الله يحيى العلوي43
     مع رجال الفكر في القاهرة44
- 4 - عبد المنعم خفاجي47
- 5 - فكري عثمان أبو النصر51
     مع رجال الفكر في القاهرة52
- 5 - عبد الهادي مسعود55
     مع رجال الفكر في القاهرة56
- 6 - الدكتور حامد حفني داود59
     مع رجال الفكر في القاهرة60
- 7 - الدكتور جواد الخليلي63
- 8 - السيد مرتضى الحكمي67
     ظاهرة الاختلاف68
     تمييع الخلافات المذهبية70
     حركة التشيع وعطاءاتها71
     في هذا الكتاب76
- 9 - السيد محمد حسن القاضي79
- 10 - الأستاذ عبد الله الخنيزي83
- 11 - الأستاذ الخطيب السيد جواد شبر89
- 12 - الشيخ محمد مهدي شمس الدين95
- 13 - السيد محمد حسين فضل الله99
الصحف 105
مع رجال الفكر في القاهرة115
كلمة المؤلف 117
- 1 - حرف الألف123
- 1 - الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم125
- 2 - الشيخ محمود أبو ريه131
     أحاديث أم المؤمنين عائشة140
     للحقيقة والتاريخ154
- 3 - الأستاذ فكري عثمان أبو النصر157
- 1 - وسائل الشيعة من فقه العترة الطاهرة159
- 2 - المراجعات162
- 4 - الشيخ عز الدين أبو العزائم171
     طرق حديث الخلفاء بعدي اثنا عشر173
- 5 - الشيخ محمد زكي إبراهيم189
- 2 - حرف الباء197
- 6 - الشيخ أحمد حسن الباقوري199
- 7 - الدكتورة عائشة بنت الشاطئ207
- 3 - حرف التاء213
- 8 - الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني215
     فأخبرت شخصية هناك وقلت: 220
     وسائل الشيعة221
- 9 - الشيخ الحافظ التيجاني227
- 4 - حرف الحاء235
- 10 - الأستاذ حسن جاد حسن237
     تحية شاعر: 240
- 11 - الأستاذ محمد عبد الغني حسن243
     فأجاب قائلا: 245
     في ظلال الغدير247
- 12 - الأستاذ محمود حجازي253
     وقال في مرة أخرى: 256
     وللسيد الحميري من قصيدة يقول:257
- 13 - الأستاذ محمد سيد جاد الحق261
     فأجاب سماحته: 263
- 14 - الدكتور طه حسين265
     حديث الثقلين وعصمة أهل البيت (عليهم السلام) 271
     حسين وقلت: 280
     ثم أخذت الكتاب منه وانصرفنا. 280
- 5 - حرف الخاء287
- 15 - أحمد خيري باشا289
     خاتمة الأرجوزة في محبة آل البيت عليهم السلام: 297
- 16 - أمين الخولي307
- 17 - خالد محمد خالد313
     أقول خالفت السنة هذه الآية من وجوه: 315
     تحقيق في معنى حديث الغدير: 318
     وعن زيد بن أرقم (رضي الله عنه) أنه قال: 320
     وواصلت الحديث معه فقلت: 323
     ساحر خفيف السحر! 328
- 18 - عبد الكريم الخطيب337
     الأخ العزيز الأستاذ مرتضى الرضوي. 341
- 19 - عبد المنعم خفاجي343
- 6 - حرف الدال359
- 20 - الدكتور سليمان دنيا361
      من دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية. 362
- 21 - الدكتور حامد حفني داود371
     ولله در الإمام الشافعي حيث يقول: 394
     الأصل والتشطير: 395

سلسلة كتب المناظرات (17)

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية

ترجمة المؤلف

بقلم

حجة الإسلام والمسلمين

الشيخ علي الكوراني العاملي

أطلعني فاضل عزيز على ترجمة العالم الفاضل السيد مرتضى الرضوي دامت بركاته، وطلب مني أن أبدي رأيي فيها وفي المترجم، وقد رأيت الترجمة عرضا لا بأس به لحياة هذا السيد الجليل، وأحسن ما فيها أنها تضمنت جدولا بأعماله العلمية من الكتب التي ألفها، أو قدم لها، أو نشرها.

في اعتقادي أنه ينبغي الاهتمام أكثر بتراجم العلماء والمؤلفين خاصة أصحاب الحياة الغنية بالعلم والعمل، بل يحسن أن يكتب العالم ترجمته بقلمه كما فعل الشهيد الثاني (قدس سره) وغيره، فكم من عالم بحث وألف وعمل وجاهد، ثم لم يترجم لنفسه ولم يترجم له أحد قريب من عصره، فنسي التاريخ كثيرا من جهود وثمرات قلمه، وإن كانت مسجلة محفوظة عند الله تعالى.

والعالم الجليل السيد مرتضى الرضوي دامت بركاته سليل أهل البيت الطاهرين (عليهم السلام)، وواحد من أولئك القلائل الذين بذلوا عمرهم في خدمة قضية أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونشر ثقافتهم.

ففي شبابه أسس مكتبة النجاح في النجف الأشرف وقدم بواسطتها خدمات مشكورة للحوزة العلمية وغيرها.

وفي كهولته هاجر إلى القاهرة ونشر مطبوعات النجاح فيها، ونشر عددا من مصادر الحديث والفقه والعقائد، وعمل مع المرحوم الشيخ محمد تقي القمي والشيخ محمود شلتوت وشخصيات مصرية عديدة في التقريب بين مذاهب المسلمين


10

وتعريف كل منهم بمصادر الآخرين.

ثم استقر به المقام في طهران وأسس مكتبة النجاح أيضا، وواصل بها عمله في التأليف والنشر، فكان عمره عمرا مباركا أمضى منه أكثر من نصف قرن في جهاد الفكر والعلم ونشر الثقافة.

مد الله في عمره الملئ، ووفقه للمزيد من النتاج المفيد، وثبته الله وإيانا على خط أجداده الطاهرين، ورزقنا شفاعتهم يوم تزل الأقدام، ولا ينفع عمل إلا بولايتهم وشفاعتهم.

كتبه: علي الكوراني العاملي


11

إني مرتضى الرضوي (1) ابن العالم الورع التقي آية الله الحاج السيد محمد الرضوي الكشميري نجل سيد العلماء العاملين آية الله السيد مرتضى الرضوي الكشميري المدفون في كربلاء في إحدى حجرات الصحن الحسيني الشريف المعروفة بمقبرة النواب الكابلي قرب باب الصحن المعروف بالباب الزينبي.

الولادة والدراسة

ولدت في النجف الأشرف ليلة الجمعة 28 جمادى الآخر عام 1348 هـجرية، وكان والدي آنذاك خارج العراق.

وجدت في أحد كتب المرحوم السيد والدي طاب ثراه بخطه ما يلي:

ولد قرة العين ولدي أبو العلى مرتضى الملقب بالسيد بعد مضي ساعتين إلا ربع من ليلة الجمعة الثامنة والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 1348 هـجرية في

(1) كتب عني الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني في كتابه: معجم رجال الفكر والأدب في النجف منذ ألف عام: 2 / 612 ط ثانية بيروت عام 1413 هـ.

والسيد الأستاذ الخطيب السيد مهدي السويج في ديوانه: ديوان الغربة والمعاناة:

ص 250 (مخطوط) وفي كتابه: الكشكول في الأدب تحت عنوان: مما في نشاط أصحاب المكتبات.

والعلامة الشيخ محمد الرازي في كتابه گنجينه دانشمندان: 6 / 376 ط طهران، والعلامة السيد عارف حسين النقوي في كتابه: تذكره علماء إمامية باكستان ص 273 سنة 1404 هجرية مركز تحقيقات فارسي إيران وباكستان - إسلام آباد.


12

الغري في دارنا بقرب باب القبلة (1).

وقد أتاني خط البشارة وأنا إذ ذاك بمشهد جدنا الرضا (عليه السلام) بمسجد كوهرشاد [ وبذكر مولده ] في 28 ج 2 سنة 1348 هـ فسجدت شكرا لرب العباد، وكان في الخط هذا البيت وهو لصهرنا أبي المهدي (2):

في ليلة الجمعة نور قد أضا
في بيتك الميمون وهو المرتضى

وأمه بنت خالي العالم الزكي النقي جناب السيد محمد تقي الشاه عبد العظيمي دام بقاه فهو شريف الجدين.

وأرسلت الجواب من دزداب (3) وصدرته بهذا البيت:

الحمد لله وشكرا ورضا
بالخير والنعمة والفضل قضى

ثم كتبت بيتين أنشأتهما في جوابه:

أتاني من أبي المهدي خط
يبشرني بمولود أتاني

أراني في أبى المهدي ربي
سرورا في بنيه كما أراني (4)

قرأت على والدي المقدس سماحة آية الله السيد محمد الرضوي: المقدمات.

قرأت الفقه على آية الله المقدس الشيخ علي القمي طاب ثراه، وعلى العلامة الكبير السيد زين العابدين الكاشاني (قدس سره) عندما كان في مدينة مشهد المقدسة.

أجازني في رواية الحديث آية الله الميرزا محمد العسكري والد العلامة الشيخ نجم الدين العسكري (5) والدكتور حسين علي محفوظ عن مشايخه الكرام وهذا نصها:

(1) هذه الدار لم يبق اليوم منها أي أثر وقد هدمتها الحكومة العراقية في العهد الملكي.

(2) أبو المهدي هذا هو آية الله السيد محمود المرعشي طاب ثراه.

(3) دز داب وتسمى اليوم بزاهدان وهي آخر مدينة في إيران باتجاه باكستان.

(4) أنيس الغريب وجليس الأريب (مخطوط) لوالد المؤلف.

(5) ومن آثاره: الوضوء في الكتاب والسنة طبع بالقاهرة ضمن مطبوعات النجاح بالقاهرة.


13


14

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين (أما بعد) فقد استجازني الأخ الكريم الفاضل الأعز السيد مرتضى الرضوي، حفيد سيد مشايخنا السيد مرتضى الكشميري (قدس الله سره) فاستخرت الله - سبحانه - وأجزت له الرواية عني عن مشايخي الأعلام، من علماء الإمامية وعلماء الزيدية، وسائر علماء الإسلام (رحمة الله عليهم) بشرطها وشروطها، راجيا أن لا ينسى الدعاء والاستغفار لي ولهم.

وكتب الفقير إلى رحمة الله الراجي رضوان الله، حسين بن الشيخ علي بن الأخ محمد جواد بن الشيخ موسى بن الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ محمد بن الشيخ علي بن الشيخ محفوظ، آل محفوظ، الوشاحي الأسدي، الكاظمي، عفا الله عنه، في بيروت بلبنان حماها الله، عصر الجمعة، 8 صفر الخير، سنة 1418 هـ

حسين علي محفوظ


15

رحلت إلى مصر أكثر من ثلاثين رحلة وسافرت إلى البلدان العربية.

تحدثت مع شخصيات علمية كبيرة في مصر وألفت كتابا أسميته: مع رجال الفكر في القاهرة، طبع أربع مرات في مصر وإيران. والكتاب بين يدي القارئ الكريم ألفت كتابا أسميته: في سبيل الوحدة الإسلامية، طبع في مصر والكويت وباكستان وإيران، وكان المرحوم الأستاذ العلامة محمد تقي القمي مؤسس دار التقريب بالقاهرة عندما كنت ألتقي به كان يرحب بي كثيرا ويقول لي: أنت من دعاة التقريب.

مؤلفاتي

1 - مع رجال الفكر في القاهرة طبع في مجلدين في 775 صفحة بمصر.

2 - في سبيل الوحدة الإسلامية طبع في مصر والكويت وإيران وبيروت.

3 - آراء علماء مصر المعاصرين حول آثار الإمامية طبع في القاهرة وأعيد طبعة في إيران ونشرته أخيرا مؤسسة: دار الهادي في بيروت - لبنان.

4 - البرهان على عدم تحريف القرآن، طبع في بيروت - نشرته: الدار الإسلامية وأعيد طبعه في إيران.

5 - ملحق البراهين الجلية في الرد على الوهابية طبع مع البراهين في إيران.

6 - آراء علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم، طبع في بمبي - الهند وأعيد طبعه بزيادات وتعليقات كثيرة وطبع في بيروت.

7 - صفحة عن الوهابيين طبع في بمبي - الهند وأعيد طبعه في إيران بزيادات كثيرة.


16

8 - الوهابيون في ماضيهم وحاضرهم، طبع القاهرة.

9 - عصمة القرآن من الزيادة والنقصان.

10 - المنتقى من كتاب آراء علماء المسلمين، ط مؤسسة الهجرة - قم.

11 - بضعة المصطفى في جزءين في أربعمائة صفحة (مخطوط).

الشخصيات التي قرضت كتابي (مع رجال الفكر في القاهرة)

1 - الدكتور حامد حفني داود أستاذ كرسي الأدب العباسي في الجزائر.

2 - الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر (سابقا).

3 - الأستاذ عبد الكريم الخطيب معاون وزير الأوقاف بمصر (سابقا).

4 - الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي من الأساتذة البارزين في جامعة الأزهر.

5 - الأستاذ عبد الله يحيى العلوي سفير اليمن في أندنوسيا، وعضو الجامعة العربية بمصر.

6 - الأستاذ عبد الهادي مسعود معاون وزير الثقافة والإرشاد القومي ومدير المكتبات الفرعية بدار الكتب المصرية (سابقا).

7 - الأستاذ فكري عثمان أبو النصر محرر في جريدة الأهرام (سابقا).

8 - الشيخ حسن طراد من علماء لبنان، وإمام جامع في بيروت.

9 - الدكتور جواد جعفر الخليلي كاتب ومؤلف مقيم في كندا.

10 - السيد جواد شبر من المؤلفين ومن مشاهير الخطباء في العراق.

11 - الشيخ محمد مهدي شمس الدين في بيروت - لبنان.

12 - السيد محمد حسين فضل الله في بيروت - لبنان.


17

تعليقاتي على الكتب

1 - وسائل الشيعة ومستدركاتها طبع منه خمسة أجزاء بمصر.

2 - دلائل الصدق لآية الله الشيخ محمد حسن المظفر طبع في ثلاث مجلدات بمصر.

3 - الشيعة وفنون الإسلام للسيد حسن الصدر طبع في مصر.

4 - الشيعة الإمامية للسيد محمد صادق الصدر طبع في مصر.

5 - علي ومناوئوه للدكتور نوري جعفر طبع في مصر أكثر من مرة.

6 - الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن السبط للسيد مصطفى الموسوي طبع في مصر.

7 - من وحي الأخلاق لمؤلف (الروائع المختارة) طبع في مصر.

8 - مصادر الحديث عند الإمامية لفضيلة العلامة السيد محمد حسين الجلالي دام بقاه طبع في مصر.

9 - محاورة حول الإمامة والخلافة (مؤتمر علماء بغداد) طبع في بيروت والطبعة الثانية نشرتها دار الكتب الإسلامية في طهران وفيها زيادات كثيرة على طبعة بيروت.

10 - تفسير القرآن الكريم للسيد عبد الله شبر طبع أكثر من مرة في إيران ولبنان وفي القاهرة.

11 - سبعة من السلف لآية الله العظمى السيد مرتضى الفيروزآبادي طبع عدة طبعات في لبنان وفي مدينة قم المقدسة.

12 - يوم الإنسانية لآية الله السيد رضا الصدر (قدس سره) الطبعة الثانية.


18

13 - مع الخطيب في خطوطه العريضة (لآية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي) 14 - من حياة الخليفة عمر بن الخطاب: للأستاذ عبد الرحمن أحمد البكري 15 - السقيفة أم الفتن للدكتور جواد جعفر الخليلي.

16 - النهج السوي في معنى المولى والولي للشيخ محسن علي الباكستاني.

17 - نظرات في الكتب الخالدة للدكتور حامد حفني داود.

تقديمي لبعض الكتب

1 - رجال السنة في الميزان لآية الله الشيخ محمد حسن المظفر طبع بمصر.

2 - المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي للأستاذ المحامي توفيق الفكيكي طبع بمصر وأعيد طبعه في طهران.

3 - الفرق بين الفريضة والنافلة لآية الله الشيخ منير الدين البروجردي طبع بمصر.

4 - الوضوء في الكتاب والسنة لآية الله الشيخ نجم الدين العسكري طبع بمصر.

5 - يوم الإنسانية لآية الله السيد رضا الصدر (قدس سره) نشرته مكتبة النجاح في طهران عام 1418 هـ.

6 - صراط الله المستقيم للشيخ ضياء الجواهري.

7 - الإمامة والحكومة في الإسلام لصاحب الفضل والفضيلة العلامة الجليل الشيخ محمد حسين الأنصاري دام ظله وهذا نص ما كتبه عنه:


19

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.

وبعد فقد أطلعني الأستاذ الجليل صاحب الفضل والفضيلة العلامة المبجل الشيخ محمد حسين الأنصاري - حفظه الله تعالى وأبقاه - على كتابه:

الإمامة والحكومة في الإسلام وناقش فيه مسألة الحاكم، والحكومة.

وأثبت فيه أن السلطان، والسلطنة، والولاية المطلقة منحصرة بالباري عز وجل ومن بعده بالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولي الأمر عترته وهم الذين ينوبون عنه في أداء رسالته، وأقصد بهم: الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام).

وأبطل في كتابه هذا أدلة الإجماع، وانعقاد الإمامة بأهل الحل، والعقد وخلافة الخلفاء، بأسلوب أدبي رائع، وأدلة مقنعة.

وأثبت فيه أن الإمامة لا تثبت إلا بآل البيت وحدهم.

وأستطيع أن أقول:

أن الشيخ الأنصاري حفظه الله تعالى ما سبقه أحد في كتابة مثل هذا الموضوع الشيق الفريد من نوعه ونتمنى له المزيد من التوفيق من نشر مثل هذه الأبحاث القيمة، وسيكون هذا الكتاب ذخيرة له في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

كتبه: السيد مرتضى الرضوي

مدينة طهران - 12 شهر رمضان المبارك

عام 1418 من الهجرة النبوية


20

من آثار الشيعة الإمامية التي نشرتها في مصر

1 - المراجعات الطبعة (17) و (20) للإمام شرف الدين العاملي طاب ثراه قدم له الدكتور حامد حفني داود، والأستاذ فكري عثمان أبو النصر.

2 - أصل الشيعة وأصولها الطبعة العاشرة للإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (قدس سره).

3 - عقائد الإمامية الطبعة الثالثة لآية الله الشيخ محمد رضا المظفر رحمه الله تعالى وقدم لها الدكتور حامد حفني داود أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن بالقاهرة.

4 - تفسير القرآن الكريم لآية الله السيد عبد الله شبر.

5 - وسائل الشيعة ومستدركاتها، طبع منه خمس مجلدات.

6 - الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام الطبعة الثانية للدكتور نوري جعفر قدم له الدكتور حامد حفني داود أيضا.

7 - علي ومناوئوه الطبعة الثانية والرابعة للدكتور نوري جعفر قدم له الأستاذ عبد الهادي مسعود معاون وزير الثقافة والإرشاد بمصر.

8 - فلسفة الحكم عند الإمام الطبعة الثانية للدكتور نوري جعفر قدم له الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود.

9 - فدك (هدى الملة إلى أن فدك نحلة) الطبعة الثانية لآية الله السيد محمد حسن القزويني طاب ثراه. مؤلف كتاب: الإمامة الكبرى، والبراهين الجلية، قدم له الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود.

10 - الوضوء في الكتاب والسنة الطبعة الأولى لآية الله الشيخ نجم الدين العسكري.


21

11 - البراهين الجلية في دفع تشكيكات الوهابية الطبعة الثانية لآية الله السيد محمد حسن القزويني.

12 - الأرض والتربة الحسينية الطبعة الثانية للإمام كاشف الغطاء طاب ثراه.

13 - علي لا سواه وصي رسول الله بنص من الله للعلامة السيد محمد الرضي الرضوي. مؤلف كتاب: التحفة الرضوية في مجربات الإمامية.

14 - المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي الطبعة الثانية للأستاذ توفيق الفكيكي.

15 - الفرق بين الفريضة والنافلة لآية الله الشيخ منير الدين البروجردي (قدس سره).

16 - لماذا نحن شيعة للعلامة السيد محمد الرضي الرضوي.

17 - الشيعة وفنون الإسلام لآية الله السيد حسن الصدر. قدم له الدكتور سليمان دنيا.

18 - دلائل الصدق (في التوحيد والإمامة والخلافة) لآية الله الشيخ محمد حسن المظفر.

19 - الشيعة الإمامية للعلامة السيد محمد صادق الصدر.

20 - مصباح الهداية في إثبات الولاية لآية الله السيد علي البهبهاني.

21 - مصادر الحديث عند الإمامية للعلامة السيد محمد حسين الجلالي.

22 - من وحي الأخلاق للعلامة السيد مصطفى الموسوي.

23 - الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن السبط للعلامة السيد مصطفى الموسوي.

24 - تحت راية الحق للعلامة الشيخ عبد الله السبيتي قدم له الدكتور حامد حفني داود.


22

25 - الصحابة في نظر الشيعة الإمامية للعلامة الشيخ أسد حيدر قدم له: الدكتور حامد حفني داود.

26 - عبد الله بن سبأ للعلامة السيد مرتضى العسكري قدم له الدكتور حامد حفني داود.

المقدمات للكتب التي كتبها الدكتور حامد حفني داود جمعها في كتاب وطبع باسم: نظرات في الكتب الخالدة وطبعته بمصر ضمن مطبوعات النجاح بالقاهرة.

وكتبت تقديما له وجاء التقديم في طبعته الثالثة.

الرسالة التي بعثها لي الإمام الشهيد محمد باقر الصدر

بسمه تعالى

فضيلة الأخ العزيز المجاهد السيد مرتضى الرضوي دام عزه السلام عليك زنة تقديري وإعجابي.

وبعد فقد وصلتني رسالتكم الكريمة ففرحت بما توصلت إليه جهودكم المشكورة من افتتاح جناح لكتب الشيعة الإمامية في دار الكتب المصرية (1) فإن هذا الجناح له أهميته الكبيرة بالنسبة إلينا إذ يكون نافذة لأفكارنا، وفقهنا وثقافتنا المكنوزة. فجزاكم الله عن المذهب والدين أفضل الجزاء، وكتبكم في زمرة العاملين في سبيل إعلاء كلمة الله والإسلام والأرض، وحقق بكم الآمال المعقودة على همتكم وإخلاصكم، والسلام عليكم أولا وآخرا (2).

محمد باقر الصدر

النجف الأشرف - العراق

2 / 9 / 1965

(1) إن هذا الأمر لم يتم بالرغم من كثرة الجهود التي بذلت لتحقيقه.

(2) السيد محمد الحسيني: الإمام الشهيد محمد باقر الصدر ملحق رقم 4 ص 371 ط بيروت.


23

ذكريات مع الإمام شرف الدين وصاحب العرفان

حديث بيني وبين الأستاذ أحمد عارف الزين مدير مجلة العرفان صيدا - لبنان:

في كانون الأول عام 1975 م عدت من القاهرة إلى بيروت ومررت على مكتبة العرفان في شارع سوريا وإذا بالأستاذ الشيخ أحمد عارف الزين كان جالسا إلى جنب الحاج إبراهيم زين عاصي صاحب مكتبة العرفان وإذا بالأستاذ الشيخ أحمد عارف الزين يسألني عن وقت وصولي إلى بيروت فأجبته ثم قال:

كم تنوي الإقامة هنا قلت: عشرة أيام ثم أعود إلى القاهرة فطلب مني بقاء هذه المدة عنده بمنزله في صيدا فلبيت طلبه وذهبت إلى منزله في صيدا وقلت له:

عندما كنت في القاهرة أعددت كتبا للطبع هناك وفي أحد الأيام سألت الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي عن المطابع فأخذ بيدي وجاء بي إلى دار العهد الجديد للطباعة الواقعة في باب الشعرية فدخلنا المطبعة وتحدثنا مع مديرها الفني الأستاذ سيد عطوة حول الشروع بالطبع وكان الكتاب:

(وسائل الشيعة ومستدركاتها) وقرر السيد عطوة الشروع بطبع الكتاب يوم الأحد وقد عقدنا الاتفاق معه في يوم الخميس وصادف أني ذهبت في ذلك اليوم يوم الخميس إلى إحدى المكتبات بالأزهر الشريف فتناولت ديوانا وكان الديوان (ديوان الوزير) ولما فتحته وإذا في صفحة 23 منه يقول:

قد طال في الوعد الأمد
والحر ينجز ما وعد

ووعدتني يوم الخميس
فلا خميس ولا الأحد

وإذا اقتضيتك لم تزد
عن قول إي والله غد


24

فأعد أياما تمر
وقد ضجرت من العدد

وبعد شهر وصلني العدد من مجلة العرفان الغراء إلى القاهرة.

أرسله لي الأستاذ الشيخ أحمد عارف الزين وإذا بالحديث هذا جاء في العدد الثالث من مجلة العرفان ص 295 عام 1377 هـجرية - كانون الثاني عام 1958 م تحت عنوان: (نوادر وخواطر).

فأخذت العدد إلى المطبعة وأطلعت السيد عطوة عليه وتأثر كثيرا انتهى.

وقال الإمام شرف الدين العاملي طاب ثراه عند ذكره لمؤلفات آية الله السيد حسن الصدر (قدس سره):

كتاب الشيعة وفنون الإسلام

كتاب ما أجله قدرا، وما أعظمه سفرا، قد اختصره من كتابه السابق.

(تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) وانتشر ببركة الطباعة، ومن وقف عليه عرف مبلغ الأصل من العظمة في بابه.

وعلق على هذا نجل الإمام شرف الدين السيد عبد الله - حفظه الله تعالى - وقال:

وقد طبع حديثا طبعة ممتازة في القاهرة مع مقدمة إضافية، بقلم الدكتور سليمان دنيا وطبعت هذه المقدمة في كتاب (مع رجال الفكر في القاهرة ص (59) وما بعدها للسيد مرتضى الرضوي (1) حفظه الله (2).

(1) هو حفيد العلامة الزاهد الكبير السيد مرتضى الكشميري. فاضل أديب، وكاتب شهير له مساع مشكورة وجهود مقدرة في إحياء ونشر أهم آثار علماء الطائفة جزاه الله عن العلم والدين خير الجزاء. (عبد الله شرف الدين).

(2) بغية الراغبين: 1 / 319 طبع الدار الإسلامية - بيروت - لبنان.


25

بعض ذكريات الشعر

1 - في إحدى رحلاتي سوريا ولبنان عام 1403 هـ قضيت أياما منها في دمشق قاصدا زيارة سيدتنا: السيدة زينب (عليها السلام) نزلت ضيفا على الأخ المرحوم الشيخ صادق ناصر الدين مؤسس دار الصادق في بيروت والذي انتقل منها إلى دمشق.

وفي صباح بعض الأيام التي قضيتها في منزله أخبرني أن زوجته حاملة وتعاني الآن ألم الولادة فكتبت لها دعاء لتحمله لتسهل عليها الولادة وقلت له:

ستضع الآن فإذا كان المولود ذكرا فأنا أسميه لك وبعد ساعة أو أقل عاد وقال ولدت ذكرا وأسميته مهدي وأنشأت هذه الأبيات بمناسبة ميلاده وكتبتها في رقعة ودفعتها له فقرأها وسر بها كثيرا. والأبيات هي هذه:

بشراك يا صادق في مولد
قد أشرق النور به في الجبين

أسميته: المهدي كي يهتدي
به المضل عن طريق اليقين

أكرم به من مولد طيب
وطاهر يدعى لدنيا ودين

دمشق في: 21 جمادى الثاني عام 1403 هـ.

2 - وفي رحلتي إلى بيروت عام 1411 من الهجرة وفي أحد الأيام التي قضيتها هناك توجهت إلى دار صديقنا الأخ الأديب الفاضل الشيح حسن طراد العاملي حفظه الله تعالى وسدد خطاه وكانت باب داره مفتوحة وكان في داخل الدار وشاهد وصولي إلى داره العامرة، تناول قرطاسا كتب فيه الأبيات التالية، وعند ما قربت


26

منه سلمت عليه ناولني ما كتبه في القرطاس بعد البسملة وهو هذا:

قد فتحت لقدومك الأبواب
لتسر وقت لقائك الأحباب

أقبلت تحمل في الفؤاد عقيدة
وعلى يديك من العلوم كتاب

ألفيت نهج الحق أفضل منهج
بهداه تشرق حكمة وصواب

يدعو الأنام له بأصدق منطق
طه الهدى وأئمة أطياب (1)

الشيخ حسن طراد العاملي

3 - وفي عام 1412 هـ غادرت طهران قاصد مدينة بيروت لطبع بعض كتبي هناك وفي الأيام التي كنت في بيروت التقيت أكثر من مرة بالأخ الخطيب الأستاذ السيد عامر الحلو حفظه الله وفي إحدى زياراتي له أهداني كتابه القيم: معجم الدراسات القرآنية عند الشيعة الإمامية وطلب مني تقريض الكتاب بأبيات من الشعر فقلت في تقريضه:

جزيت يا عامر الحلو بما رسمت
يداك فأنت الأول الباني

وفقت ما ألفوا في الذكر من كتب
فحاز تأليفك المقبول من باري

أسميته (معجم القرآن) حزت به
روضات جنات في الأخرى وفي الداني

تنبيه:

زارنا في طهران أحد أرحامنا الأعزاء - المقيمين خارج الجمهورية الإسلامية - في اليوم الرابع عشر من شهر ربيع الثاني عام 1420 من الهجرة النبوية وقد اطلع على ترجمتنا المطبوعة في الكتب التي علقنا عليها سابقا ولاحقا والترجمة كانت بقلم صاحب السماحة العلامة الشيخ علي الكوراني العاملي وظهر على وجهه آثار عدم الارتياح، فقلت في نفسي لعل بعض الألقاب التي نسبها إلي فضيلة الشيخ الكوراني في رأيه غير صحيحة ولا تنطبق علي.

ولما عزمت على طبع كتابي: مع رجال الفكر في القاهرة في طبعته الأخيرة والتي سوف تصدر في نهاية عام 1422 من الهجرة حذفت الألقاب كلها من الكتاب مع الكتب التي كتبت عني وأثنت فيها على مؤلفاتي وجعلت الترجمة بقلمي.

طهران: السيد مرتضى الرضوي

(1) بيروت 22 / 8 / 1411 هـ.


27

كلمة حول الكتاب


28

نشرت في الصفحات الآتية ما وقفنا عليه

من الصحف، والمجلات الصادرة في مصر

والكويت ولبنان والتي كتبت عنه أو أشادت

به وما وصلنا من تقييم، ونقد مما كتبه العلماء

والأساتذة، والكتاب رعاية لحقهم، وتخليدا لذكرهم.

-المؤلف-


29

- 1 -

الأستاذ عبد الكريم الخطيب

من كبار المؤلفين البارزين في القاهرة


30

مع رجال الفكر في القاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد، إمام المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحابته، والتابعين، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، وبعد:

فقد تفضل الأخ المكرم الأستاذ مرتضى الرضوي، فرضيني أن أقدم كتابه هذا " مع رجال الفكر في القاهرة " فلم يكن لي من بد من أن أستجيب لتلك الرغبة الكريمة منه، وإن كنت مشفقا من أن أتصدى لهذا الأمر، وأن أظلم الكاتب والكتاب، وقراء الكتاب، وفي هذا العرض الموجز، الذي يحكمه هذا الحيز المحدود من الصفحات، يقتضيه المقام الذي ينبغي أن يفسح فيه المجال لموضوع الكتاب...

أما أني أظلم الكتاب، فذلك لأني أعرف من علمه، وفضله، وخلقه، وجهاده الدائب المخلص في ميدان العلم وفي المنافحة عن الإسلام، وفي تجلية حقائق الشريعة الغراء، وفضح الشبه والمفتريات التي يلقى بها في حما الإسلام أعداء هذا الدين، والمتربصين به وبأهله الدوائر، الأمر الذي ضحى فيه المؤلف من أجله بكل عزيز لديه، ووقف عليه شبابه، وماله، والسكن إلى أهله وولده، فكان على هجرة دائمة دائبة، يطوف فيها بآفاق العروبة والإسلام، يتحسس أخبارها، ويكشف عن مواطن القوة والضعف فيها، ويغشى الأندية والمحافل، ويطرق أبواب العلماء والباحثين درسا، وباحثا ومكتشفا، الأمر الذي لو فسح لي مجال القول فيه لكان


31

جديرا بأن يضم عليه كتاب مستقل للتعريف به، وفاء لحقه، وإنصافا للحقيقة، وتجلية لصورة كريمة من صور الجهاد في سبيل الله، وعرضا لوجه مشرق من وجوه العمل المخلص المثمر، الذي ينبغي أن يتمثله العاملون المخلصون..

وأما أني أظلم الكتاب، فلأنه يضم بين دفتيه تراجم شخصية لعشرات من علماء مصر، ومفكريها، وقادة الرأي في أكثر من مجال من مجالات الثقافة العقلية والروحية فيها، وكل شخصية من تلك الشخصيات جديرة بأن يكون لها في هذا التقديم مكان يشير إليها، وإلى رأي المؤلف فيها، وفي الميزان الذي وزنها به، وفي الصورة التي جلاها فيها:

وهذا ما لا يتسع له المقام في الحيز المحدود كما أشرت من قبل..

وأما أظلم قراء الكتاب، فلأنهم، إذ يأخذون هذا التقديم على أنه تعريف بالكتاب، ومدخل إليه، وتقديم له، وحكم عليه، كما جرت العادة في التقديم للكتب والتعريف بها.

أقول: إذ يتوقع القراء أن يجدوا هذا أو شيئا منه في هذا التقديم، فإن الأمر هنا يجئ على خلاف ما ينتظرون، لأني مع كتاب جاء على أسلوب يكاد يكون فريدا في نوعه، يفسده التلخيص والتقنين، فكان من الخير أن يخلى بين القارئ وبين الكتاب ينظر فيه بنفسه، ويحتكم فيه إلى رأيه، ويحكم له أو عليه بما يقع منه في نفسه.

ومع هذه الاعتبارات كلها، فإني لم أستطع أن أعتذر للأخ الكريم المؤلف عن الاستجابة لرغبته في أن أتولى التقديم لكتابه هذا، وأن أتقبل هذه الرغبة الكريمة، شاكرا، داعيا...

وإذن، فليكن ما أراد الأخ الصديق " الأستاذ مرتضى الرضوي " وليكن لي


32

شرف التقديم لكتابه، على الرغم من تلك الاعتبارات التي أشرت إليها، والتي أرجو أن تكون موضع اعتبار أيضا عند قراءة الكتاب.

وأول ما أحب أن ألفت النظر إليه هو: أن هذا الكتاب، يعد نمطا فريدا في التراجم الذاتية للأعلام، إذ أن من المعتاد أن يعمد المتوفرون على التأليف في هذا الباب أن يرجعوا إلى مصادر تاريخية، حملت - قليلا أو كثيرا - من آثار هؤلاء الأعلام، الذين يجعلونهم موضوعا لدراستهم ثم يجمعون الأحداث والوقائع التي جرت لهم في مسيرة حياتهم، ويؤلفون بينها، ويرسمون منها صورة لتلك الشخصية، يؤلونها بما أثارت تلك الأحداث وهذه الوقائع في نفوسهم من مشاعر الإعجاب بهم، أو النقد لهم، أو الرضا عنهم والسخط عليهم.. إلى غير ذلك من المشاعر التي تعجب القارئ لتاريخ الأعلام، وملابساتهم لأحداث عصرهم، ومشاركتهم فيها، ومواقفهم منها.

هذا، ما يغلب على كتب التراجم، حيث تستمد مادتها من التاريخ - البعيد أو القريب - وترسم شخصيتها من مخلفات الماضين وآثارهم بعد أن يكون الزمن عبث بها وغير كثيرا من معالمها، أو ذهب بالكثير من حقائقها فضلا عما يدخل على التاريخ - عن عمد - من أباطيل ومفتريات، تغيب في ضبابها الحقيقة المنشودة.

أما الشخصيات التي ترجم لها المؤلف في هذا الكتاب، فهي شخصيات عرفها المؤلف عن قرب، وعايشها معايشة صداقة وألفة امتدت سنين كثيرة، وقد تخيرها المؤلف من بين الكثيرين من علماء مصر ومفكريها بعد أن التقى بهم لقاءات فكرية متعددة فيما قرأ لهم من مؤلفات، أو فيما استمع لهم من أحاديث عن طريق الإذاعة، أو المحاضرات في الأندية والمجاميع العلمية، ثم رأى أنهم أقرب العلماء والمفكرين إلى ثقافته. وإلى ما يدور في عقله من خواطر وآراء، فحمله ذلك على أن يلقاهم من قريب، وأن يتصل بهم اتصالا شخصيا، فيستمع إليهم ويسمعهم، ويلتقي معهم


33

أو يختلف، ثم يمضي على طريق التواصل بينه وبينهم، سواء باللقاءات الشخصية، أو عن طريق المراسلة إذا كان بعيدا عن مصر.. وكثيرا منا من يفعل هذا، فيكون له صفوة من بين العلماء والمفكرين، يلقاهم ويلقونه، ويتحدث إليهم ويتحدثون إليه، ويختلف أو يتفق معهم في الرأي، ولكن لا أظن أن أحدا منا يعود من مطافه مع إخوانه وأصفياء وده، ثم يخلو بنفسه، ويسجل في مذكراته شيئا من الأحاديث التي دارت بينه وبينهم، وإن هو سجل شيئا من هذا فإنه لا يسجل إلا الأحداث البارزة، والقضايا المثيرة، ثم إن هو فعل ذلك لم يكن على نية من أن يكون هذا موضع دراسة، أو موضوع عمل يخرجه للناس كتابا منشورا.

ولكن الأستاذ " مرتضى " خرج على هذا الأسلوب الرتيب العقيم الذي يذهب بتلك الثمرات الطيبة، التي كانت يمكن أن يجتنيها العلماء والمعلمون من تلك اللقاءات الكثيرة التي تجمع بين الأصدقاء من أهل العلم، وأولى الفكر، لو أنهم حرصوا على تسجيلها في حينها، وتسجيل ما انقدح في خواطرهم منها، بعد أن تهدأ حدة المناقشة، ويصفو الجو مما قد تثيره الخلافات في الرأي من التعصب، والاندفاع طلبا للنصر وحبا للغلب..

إنهم لو فعلوا لكان ذلك مادة طيبة للدراسة، وميدانا فسيحا لكشف الحقائق وتجليتها.

أما الأستاذ " مرتضى " فقد تنبه إلى هذا من أولى خطواته على هذا الطريق، فما التقى بعالم أو أديب، على طريق المصادفة أو القصد، إلا وعى هذا اللقاء في ذاكرته، ثم عاد فسجله في مذكراته، مبينا تاريخه باليوم والساعة، معلقا عليه بما يعن له من آراء، وهو يدبر في نفسه أمرا لم يكشف عنه لأحد.

ولقد التقيت لقاءات كثيرة مع الأستاذ " مرتضى " ودار الحديث بيننا في مختلف الشؤون دورات واسعة أو ضيقة، ولكنها تاهت جميعها في مسارب نفسي، ولم أعد


34

أذكر إلا أنني التقيت بالأستاذ الصديق مرات كثيرة.. ولكن كم هي؟ ومتى وأين هي؟ وما الأحاديث التي جرت بيني وبينه في كل لقاء؟ وذلك ما لم أعد أذكر منه إلا ظلالا أو شبه ظلال، حتى إذا كان هذا اليوم الذي أيقظني فيه الأستاذ الصديق من تلك الغفلة، حين قدم إلي هذا الكتاب، وأطلعني منه على ما ضمت عليه صفحاته من تراجم لبعض أصدقائه الذين عرفهم في مصر، كما أطلعني على الترجمة الخاصة بي، وقد أخذني العجب والدهش، إذا رأيته يأتي بتفاصيل لأحاديثي عابرة بيننا، ويذكر زمانها ومكانها، وكأنها بنت ساعتها، حتى لقد سألت الأخ " مرتضى " في صدق وجد.

أكانت معك آلة مسجلة كنت تديرها سرا في كل لقاء تم بيننا؟ فقال في صدق وجد أيضا:

وكيف هذا؟ وهل رأيتني أحمل معي تلك الآلة المسجلة التي تقول عنها.

والحق أن ما كتبه الأستاذ " مرتضى " عن شخصياته التي ترجم لها في هذا الكتاب، لا يقل دقة - في صدق، وأمانة - عن " الشريط " التسجيلي، الذي ينقل أحداث ندوة من الندوات، أو مناظرة من المناظرات.

إلا أن ما كتبه الأستاذ " مرتضى "، مع التزامه بالدقة والأمانة والصدق، يبدي بعاطفة الحب والتقدير لأصدقائه الذين ترجم لهم، ولكن ذلك الحب وهذا التقدير، لم يحملا المؤلف على الخروج عن حدود الأمانة التاريخية.

فلم يجامل صديقا، ولم يلبسه جلدا غير جلده، ولم يرتفع به عن مقام فوق مقامه، لأنه ملتزم أمام دينه وخلقه أن يجعل من تلك الصفحات وثيقة من وثائق التاريخ، وشهادة يشهد بها حي على حي، بما رأته عينه، وسمعته أذنه ووعاه عقله...

وتلك هي مزية هذا الكتاب من الناحية التاريخية، من حيث الثقة بهما، والاطمئنان


35

إليهما، في مقام الحديث عن هؤلاء الأشخاص، أو الدراسة، لهم في الغد القريب أو البعيد..

وكنت قد اقترحت على الأستاذ المؤلف، بعد أن أطلعت على هذا الكتاب أن يمضي في طريقه هذا إلى الغاية التي يعينه الله تعالى على الوصول إليها، فيصنع هذا الصنع مع كثير من الشخصيات العلمية في مصر، ممن لم يترجم لهم في هذا الكتاب، كما اقترحت عليه أن يفعل ذلك مع من يلتقي بهم من أعلام العالم العربي والإسلامي ، حتى يكون ذلك وسيلة قريبة مسيرة للتعارف والتواصل بين أبناء الأمة الإسلامية التي يجاهد الأستاذ المؤلف هذا الجهاد المبرور من أجل عزتها، وسيادتها، واجتماع كلمتها على كتاب الله سبحانه، وسنة رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه.. وإنه إذا كانت المهمة شاقة، مضنية، فإن الجزاء عند الله عظيم جليل.

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله مع المحسنين).

وإني لأسأل الله ضارعا أن يحسن جزاء المؤلف، وأن يبارك عليه، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يمنحه العون، إنه سميع مجيب.

وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

عبد الكريم الخطيب

القاهرة في:

1 / 9 / 1975 م 14 / 18 / 1395 هـ


36


37

- 2 -

الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود

مدير مكتب رئيس الجمهورية المصرية

في عهد الرئيس جمال عبد الناصر


38

أراني، وأنا أمر بلمح الذهن بعد رأى العين، على صفحات هذا الكتاب: " مع رجال الفكر في القاهرة " إنما أمر على " ألبوم " يضم بين غلافيه مجموعة صور لطائفة غير قليلة من حملة الأقلام الأعلام الذين لهم فضل غير منكور في بناء النهضة الفكرية التي تلألأت بأرض مصر طوال ما انقضى من سنى هذا القرن العشرين، وأشعت بعض نورها على ما حولها من ديار وأقطار... فما يغيب عن بال منصف أن أي كاتب منهم إنما أضاف سطرا أو عبارة إلى موسوعة المعارف الإنسانية التي تهم هذا الشطر الشرقي من العالم وتشوقه.. أو وضع لبنة في بنائنا الثقافي ترتفع فترا، أو شبرا، وربما قامة بصرحنا الحضاري العربي الذي كان - من مئات السنين - منارة تنير طريق البشرية، نأمل اليوم ونعمل على أن تغدو كسابق عهدها، هادية شماء، تكسف إشراقة النهار، وتطاول رفعة السماء!..

على امتداد مسيرة العقل الإنساني الخلاق، وفي مختلف اتجاهات نشاطه يطوف واضع الكتاب: صديقنا " المرتضى " فوق صفحاته طوفا سريعا بقارئه في صحبة كتاب أعلام قد تناولوا بأقلامهم ألوانا شتى من خطوات الفكر وسبحاته: عرضا وسردا، أو وزنا ونقدا، أو بحثا ودراسة... فكيف تمضي بنا هذه الرحلة، وإلى أين تقود؟..

إنه لحدس صواب، أو حدس توفيق، كما أشتهي وأرجو، أن أتلفت ويتلفت معي كل من يطالع الكتاب، فإذا مجال " المطاف " - من أية زاوية تلقته العين - محمود


39

مشكور... وإذا جهد " المطوف " - بأي مقياس قاسه الفهم - محمود مشكور.

اشتهاء ورجاء!..

نعم!...

ولكنه الاشتهاء الذي لا يغوص بالأمنية في أغوال المحال، والرجاء الذي لا يسدر براجيه في غلواء الخيال.. ولست أعني بما أسلفت إشادة بالكتاب، ولا إعلاء بشأن واضعه، إذ الإشادة صدى لتقدير القارئ وحده وإنه لتقدير - في اعتقادي - وارد لا خلاف فيه. والإعلاء تكريم للمؤلف يغنيه عنه جزاء ما عرف من حسن بلائه فيما نشر له من قبل، وما قد أخذ نفسه بنشره على أبناء العربية من ذخائر فكرية بعضها بقلمه وبعضها بأقلام سواه من المؤلفين بلسانها المبين.. إنما أحببت، في حقيقة الأمر، أن أشير بحركة مومئة، إلى أن الكتاب المعروض الآن على القراء قد جاءنا بنحو فريد المثال من كتب السير والتراجم لم يتكلف فيه صاحبنا " المرتضى " تقديم عرض فني كامل لحياة بعض " رجال الفكر في القاهرة " يتناول مراحلهم العمرية بالتقصي والتفصيل أو يحاول التصدي لأعمالهم الفكرية بالدراسة والتحليل... بل هو أقرب إلى أن يكون مجموعة من خطوط نقاط قلمية خفيفة: لينة كبسمة حانية، رقيقة كنسمة وانية.. لكأن أولاها أسلاك صلب مغزول تمتد وحداته وتنتشر، ثم تستقيم، ثم تلتحم في هيئة قوائم ودعائم رأسية وأفقية فتكون ما يشبه الأطر. وكأن ثانيتها نثار تبر مبدور تتدانى ذراته وتقترب، ثم تلتئم، ثم تنتظم في هيئة فرائد فقلائد، مكونة أجساما شتى لونية أشبه بصور!..

على السجية الطليقة الرخية يمشي بنا واضع كتابنا هذا فوق الصفحات، فإذا هو، في سهولة ويسر، ينقل لنا - كما أسلفت القول - صورا في أطر... الأطر: حياة أرباب الفكر، والصور كنه الأفكار.. فما أن تلتقى بما يقدم حتى ترى في كل منها


40

صورة في إطار، لا مجلوة الجلاء كله، ولا مطموسة الطموس كله، وإنما تحتوي من الأضواء والظلال ما يوشك أن يضع الأعمال الفكرية لهؤلاء الأعلام على نحو يسعها معه التعبير عن محتوياتها ومضامينها بالإيماء والتلميح، إن يكن فاته التفسير بالمجاهرة والتصريح.

ولا إخالني أغالي لو أنني قلت إن المؤلف قد اختار لنفسه، بهذا الإيجاز الطريق الأصعب، إذ نراه يؤثر الكلمة على العبارة، والسطر على الصحيفة، ولو استطاع فربما لجأ في تعبيره إلى الرمز دون الإفصاح متبعا مثل أسلوب الاختزال!..

والحق معه!..

فلقد شاء أن يجمع لقرائه أكبر قدر ما يعلم في أصغر حيز مما يكتب!..

إنه يعرف لهم بضعة وثلاثين علما من أعلام الفكر في صفحات معدودات يسهل عليه - لو شاء - أن يفردها لواحد منهم.

وهو يتخلل أذهان أعلامنا هؤلاء ليستخلص منها من ثمرات عقولهم ما قد يشبع بعض نهم المنهومين بالمعرفة واستقصاء الآراء.

وهو يجري في معالجة هذا الأمر على طريقة من المناقشة الميسرة بينه وبين من أسكنهم بين غلافي كتابه، فإذا الحوار سهل هين، وإذا الحديث رقيق لين، وإذا المعاني لا تشق على قارئ متخصص ولا على قارئ يتخطف الكلمات تخطفا ويعبر السطور عبور من يزجى وقت فراغ!..

بل النقاش الذي يسوقه المرتضى لمدخل عرف كيف ينفذ منه إلى بث أفكاره العقيدية والدفاع عنها، دون أن يتبدى للناس في ثوب دعوة، أو في زرد دفاع!

بل حديثه كله إغراء للقراء بمتابعة السير من أجل ارتياد منابع المعرفة التي


41

وضع لهم - بمواجزاته تلك - معالم واضحة على طريقها، تهديهم إليها، لينهل منها من شاء كيف شاء...

وأتساءل:

أفليست تلك المناقشات - وإن قصرت - " مشهيات " تضيف إلى تشهي المشتهي، ونهم المنهوم، وتهئ المقل العيوف للكظة وتناول أغلظ الطعام!؟

عبد الفتاح عبد المقصود

الإسكندرية 20 / 11 / 1975


42


43

- 3 -

الأستاذ عبد الله يحيى العلوي

من مشاهير الكتاب في العالم الإسلامي


44

مع رجال الفكر في القاهرة

((مع الأستاذ الرضوي)) في ((مع رجال الفكر في القاهرة))

لو وجد فوج من طراز الأستاذ العالم السيد مرتضى الرضوي، ممن يصيب شواكل السداد ويطبق مفاصل الصواب، ويمزق ظلمات الأشكال، ويجلي ليل الخطوب، ويخلص بين الماء والراح، ويضربون في الأرض، ويجوبون المدائن الإسلامية، للتعرف إلى علماء الإسلام، وتجاذب الأحاديث الحسنى حول مختلف الشؤون الإسلامية، سعيا في التقريب بين مذاهب المسلمين وإجماع الرأي، واتخاذ الكلمة، والوجهة، وتوخى مناهج الرشد، وتبصر وجوه الحق، ولانحسرت عن الخلافات المذهبية، ضلال الإيهام، وانزاح عنه حجاب الريب. وخلص إلى نور البيان، وسطعت عليه أشعة الظهور، وانكشف المؤدي، واتضح المعمى وصرح الحق عن محضه، وأبدل الرغوة عن الصريح، وبان الصبح لذي عينين.

لو وجد زمرة من طراز الأستاذ " الرضوي " الدائب في المنافحة عن المذهب الجعفري، يبين فقهه في رفق وأناة، ويكشف عن خباياه وزواياه، ويغرق في البحث، ويمعن في التنقيب، ويستقصي في التنقير، ويقلب الأمور ظهرا لبطن، ويتطلب دخلته ويتعرق مخبره وينظر في إعطافه وأحناثه، ومطاويه وأثنائه، ويبلو سره، ويعجم عوده، لكان الإسلام غيره بالأمس، ولكان المسلمون في مختلف بقاع الأرض كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.


45

لو وجد نفر ممن يعملون بإخلاص في التقريب بين آراء علماء المذاهب الدينية، ويغشون الأندية، والمجامع، ويطرقون أبواب العلماء والدارسين، ويتعرفون إليهم، ويتلمسون آراءهم، ويسعون بكل ما أوتوا من علم وبيان في إزالة السحب القاتمة على قلوب الجامدين، والمتعصبين من العلماء يعملون مخلصين وجاهدين، وكانوا همزة وصل بين علماء الإمامية، وعلماء أهل السنة يزيحون الشبهات وما علق بالأذهان من مسائل خلافية، لا تمس جوهر الدين ولا أصله، ويدعون إلى مؤتمرات، وندوات، ليفهم بعضهم بعضا عن قرب لذابت ثلوج التعصب والجهالة، والضلال، ولتقطعت حلقات الأغلال، ولكان المسلمون في خير، وإلى خير كثير.

لقد قام الأستاذ " الرضوي " أرضاه الله، بمجهود كبير في كتابه " مع رجال الفكر في القاهرة " حيث تحدث إلى نفر من علماء القاهرة ورجالات الفكر، وأجلى لنا صورا شتى من آرائهم، ومعتقداتهم حول فقه آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان همزة وصل بين معتنقي مذهب الإمامية ومعتنقي مذاهب أهل السنة، يعمل لكي لا يجعل الخلافات في جوانب من الفقه للنفور والابتعاد، ومناطا للاختلاف، بين بعضهم البعض، مما يوهي عرى الإسلام والوحدة، كما يدعو إلى تناسي الأحقاد وإلى إحلال الوفاق والتفاهم، محل الخلاف، والتباغض، الخ.

إن وجود فرد من أمثال الأستاذ " الرضوي " الذي تعتز به أندية العلم والفضل، كون في محيطه آثارا طيبة مباركة.

فهذا كتابه " مع رجال الفكر في القاهرة " وقد استفرغ فيه وسعه، واستنفذ طاقته، وأنضى إليه ركائب الطلب، وسلك إليها كل سبيل، وركب فيها كل صعب وذلول، ولم يدخرونه سعيا، ولم يأل جهدا، خير جسر يصل بين فريقين عظيمين،


46

فكيف ولو كان مثله كثيرون، لرأيت شمل المسلمين وقد التأم، وعقدهم قد انتظم، وبات بعضهم في بعض بمكان الكليتين من الطحال، حبل متصل، ومذهب ملتئم، وشعب موحد، وتسامح وتآخي، ولرأيت ثم نعيما وملكا كبيرا عظيما...

عبد الله يحيى العلوي

القاهرة في 29 ابريل 1976 م 29 ربيع الثاني 1397 هـ


47

- 4 -

عبد المنعم خفاجي

الأستاذ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر

وعميد كلية اللغة بأسيوط


48

مع رجال الفكر في القاهرة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وبعد:

فقد تفضل أخي الصديق سماحة السيد مرتضى الرضوي فأهداني كتابه القيم " مع رجال الفكر في القاهرة " الذي تناول فيه قصص لقائه بالكثير من رجال الفكر أدباء، وكتابا ونقادا، وصحفيين، وعلماء، ومؤلفين، في القاهرة، وذكر طرفا من سيرة حياتهم: الأموات منهم والأحياء، أطال الله في عمرهم.

وقد سعدت كل السعادة بهذا الكتاب القيم المفيد النافع لعدة أسباب:

الأول: إنه سيرة ذاتية للمؤلف في فترة من فترات حياته الطويلة المديدة المباركة بإذن الله.

الثاني: أن مؤلفه كتبه بموضوعية كاملة، وتحر دقيق، واستيعاب شامل لموضوعاته.

الثالث: أنه يؤرخ لكثير من الأعلام الذين التقى بهم المؤلف في القاهرة في ترجمات مفيدة نافعة.

الرابع: أنه يمثل لنا كتب تاريخ الطبقات، والتراجم، والرحلات القديمة في تاريخ


49

الفكر الإسلامي.

الخامس: أنه حفظ تاريخ أعلام كثيرين توفوا إلى رحمة الله عز وجل، وليس عنهم مراجع، أو مصادر تدون تاريخ حياتهم بالتفصيل أو بالإجمال.

والمؤلف العلامة سماحة السيد مرتضى الرضوي يمثل الرحالة المسلمين في القديم، فهو جواب آفاق، ورحالة يسير إلى كل مكان في سبيل تحقيق موضوع أو مراجعة مخطوط، أو نشر كتاب.

وهو يجمع بين صفة العالم والناشر، فهو كاتب ومؤلف وصاحب دار نشر وهو مجاهد يتحمل من حر ماله كل شئ من أجل خدمة فكرة، أو الدفاع عن عقيدة، أو نشر مأثرة من مآثر السلف الصالح، وال البيت الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

إن كتاب " مع رجال الفكر في القاهرة " يعد أثرا نفيسا مفيدا للإسلام والمسلمين وللتاريخ المعاصر ولأعلام الفكر الحديث.

نفع الله به، وأعزه وأبقاه.

القاهرة: 23 ربيع الثاني 1396 هـ

الجمعة: 23 ابريل 1976 م

محمد عبد المنعم خفاجي


50


51

- 5 -

فكري عثمان أبو النصر

محرر في جريدة الأهرام المصرية


52

مع رجال الفكر في القاهرة

لسماحة السيد الكبير الأستاذ مرتضى الرضوي

الحديث عن كتاب: " مع رجال الفكر في القاهرة " وبالضرورة حديث عن شخص مؤلفه الكريم في المقام الأول.

والكتاب ثمرة لجهوده ونشاطاته ولقاءاته المعقودة بالجم الغفير من العلماء، والباحثين، والمفكرين في مصر... وأحاديثه معهم في أمور الدين بعامة ومذهب الإمامة الجعفرية - المعروف بالمذهب الشيعي الإمامي - بصفة خاصة.. مما أتاح له القرب منه وفي قلوبهم وعقولهم ومشاعرهم.. فأحبهم وأحبوه، ووثق فيه، وأعجب بهم وأعجبوا به وإخلاصا منه لهم من جهة ولمذهب الشيعة الإمامية من جهة أخرى - قدم هذا الكتاب ترجمة لهم وإبرازا لآرائهم في المذهب الشيعي الإمامي وما يرونه جميعا من وجوب اطلاع أهل السنة على تراث إخوانهم الشيعة الإمامية من جهة أخرى - قدم هذا الكتاب ترجمة لهم وإبرازا لآرائهم في المذهب الشيعي الإمامي وما يرونه جميعا من وجوب اطلاع أهل السنة على تراث إخوانهم الشيعة الإمامية في العقائد وفي الفقه من مصادره وأسانيده الحقة، لا من مصادر خصومهم الذين لا يرعون فيهم إلا ولا ذمة بدافع من دوافع مغرض، أو اعتمادا على مصادر مشكوك في صحتها، وينسون أو يتناسون أن الشيعة الإمامية يستندون في تشيعهم للإمام علي وذريته رضي الله عنهم أجمعين إلى شواهد ثابتة وصحيحة من الكتاب والسنة.


53

وما يهزني حقا أن المكتبة العربية في مصر بل والأزهرية للأسف الشديد..

تكاد تكون خلوا من كتب الشيعة الإمامية بالذات... اللهم إلا ما يغذيها من آن لآخر " الأستاذ مرتضى " وما يهديه منها لأصدقائه العديدين من أعلام الفكر والثقافة.

وما يوجد بالمكتبات غير ذلك فلا يشفى غلة، ولا يعكس صورة صادقة للعقائد الشيعية الإمامية، وفلسفتها، وتحليلها لأمور الدين ونوازع الخلافات حول الخلافة..

وإيمان الشيعة المطلق بأن الإمام عليا وآل البيت النبوي الكريم كانوا أحق بها وأهلها صلاحا لأمر الإسلام والمسلمين إلى يوم الدين.. وهو ما يؤمن به ويتفق معهم صفوة كبيرة من علماء السنة كذلك. فلا يستطيع سني واحد أن يذكر هنة مهما كانت بسيطة إلى الإمام علي كرم الله وجهه من عبادة الأوثان من دون الصحابة رضي الله عنهم ولا إلى أهله وذريته من آل البيت النبوي (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).

فأي سني ينكر على آل البيت طهرهم، وأحقيتهم في الخلافة الدينية للمسلمين، أو ينكر تشيعه لهم والاستضاءة بنورهم؟! كل ما هنالك خلافات على الفروع في العبادات لا ترقى إلى درجات الشقاق والخصومة بأي حال والذين تناولوا المذهب الشيعي بالبحث والدرس والتنقيب قديما وحديثا وقعوا في أحكام خاطئة لا تستند إلى أدلة. أو شواهد نقلية جديرة بالثقة وتداول بعض الناس هذه الأحكام فيما بينهم بلا روية أو تمحيص.

وأي باحث منصف يتصدى للبحث عن تاريخ الشيعة أو عقائدهم أو أحكامهم الفقهية، لا مناص له من الاعتماد أساسا على تراث الشيعة أنفسهم وتحرى الصدق


54

والنزاهة في الروايات التاريخية في كتب خصومهم، والتجرد من كل هوى مذهب سابق قد يؤثر عليه في إصدار أحكامه، وصولا إلى الحقيقة ذاتها.

ولا يخفى كذلك أن الاستعمار الغربي كان من بين أهدافه التفريق بين المسلمين وإثارة الخصومات والفتن فيما بينهم، وبخاصة في الشرق العربي، وتوسيع هوة الخلاف بين السنة والشيعة.. جناحي الأمة الإسلامية، وبذلك تصاب بداء الفرقة والانقسام، تمكينا لأهدافه ومراميه.. وذلك عن طريق دفع بعض المستشرقين من رجاله وأعوانه إلى تحقيق هذه الغاية باسم البحث الأكاديمي الحر.. فيأخذ عنهم باطلهم وزورهم بعض الباحثين من المسلمين، بلا دراية، ويروجون آراءهم، دون أن يفطنوا إلى حقيقة مراميهم وأغراضهم.

وللحق.. لم نر حتى الآن في عصرنا الحديث.. مسلما سنيا كان أو شيعيا يهب للدفاع عن دينه وعن مذهبه، ويعمل بكل هذا الإخلاص والجد على التقريب بين المذهبين الكبيرين - بمثل ما يفعل الصديق العزيز الأستاذ مرتضى الرضوي.. هجرة دائمة دائبة إلى بلاد الإسلام وبخاصة مصر.. وصبر طويل في كفاحه وسعيه، يغش الأندية والمحافل الدينية والعلمية، ويطرق أبواب العلماء، والباحثين دارسا، باحثا، منقبا، ومجاهدا في سبيل الله بعلمه وبدنه وماله.. على محياه ترتسم آيات العلم والتواضع والخلق السمح الكريم.. مما يجعل القلوب تهفو دائما إلى طلعته، والأبواب مفتوحة أمامه، والآذان صاغية إلى أحاديثه والقلوب صافية في حبه.. جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، ووفقه في سعيه، وأمده بأسباب القوة، وحقق على يديه آمال الغيورين على ضم الصفوف... حتى يعود الإسلام قويا عزيزا مرهوبا بأهله - هاديا للبشرية بنقاء تعاليمه. والله ولي التوفيق والسداد.

القاهرة: فكري أبو النصر


55

- 5 -

عبد الهادي مسعود

معاون وزير الثقافة والإرشاد القومي

في القاهرة


56

مع رجال الفكر في القاهرة

يتحدث المتحدثون عن علم التاريخ وأهميته، وعلم التراجم وخطورته، فمن خلالها ندرك سنن الحياة وقواعد السلوك للأفذاذ من أفراد الناس.

ومن التراجم ما يكون موضوعيا خالصا يعرض ما للمترجم له وما عليه، ومنه ما يكون ذا صبغة مستمدة من ذاتية المترجم ومذهبه وعقيدته.

ومؤلف هذا الكتاب وجامعه قد آثر هذا اللون الأخير، فقد جعل من عقيدته الشيعية الإمامية مقياسا للرجال، من آمن بها فهو قريب منه، ومن نفر عنها فهو بعيد عنه، فهو يقدم مذهبه من خلال مفكرين قابلهم في القاهرة وتعامل معهم.

والسنة، والشيعة وغيرهما من مذاهب لم تخرج على القواعد الإسلامية الكبرى بل تذوبان فيها، ولها بوتقة تذيب فيها ما قد يزيد عن ذلك وينقص، وكل أولئك جدير بكل اهتمامنا ووعينا لنخلص إلى أسلم الآراء وأكثرها قربا لعقيدتنا وتجديدا لمصائرنا، وتدعيما لمستقبلنا المشرق.

وإذا كان للصداقة المجردة حقوقها ما دامت صادقة، (فللصداقات) في مجال الفكر أثرها، وتلك قاعدة لا تخرج عن طبيعة البشر.

وقد ألمست للسيد مرتضى أعذارا ما دام يكتب صادق النية، صادق الاعتقاد، والتمست لنفسي كذلك عذرا، فهو وقد كتب عني ضمن المفكرين في القاهرة قد أغفل ذكر عدد من كتبي قال:


57

بأنها سياسية لا تدخل في الموضوع مع أن الخلاف بين علي (عليه السلام) ومخالفيه كان على سياسة الرعية وإصلاح شأنها.

وكأن يتوجب علي فيما يرى البعض أن أثور، ولكن ذلك وغيره لم يكن له من أثر على نفسي وكحفيد لآل البيت غلبني حبي لهم، وحبي لمن يتصدون للدفاع عنهم، وكشف تاريخهم المشرق، وكيف حوربوا في أقدارهم وحقوقهم، والمتحابون في الله كما سيظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، يجب أن يتضامنوا في حياتهم هذه التي يحيونها، حتى لا تغيب شمس دنياهم عن الكون كله.

وهذا هو جوهر كتابنا: " مع رجال الفكر في القاهرة " معرفا بالإنتاج الثقافي والفكري لدى بعض رجال الفكر والثقافة. ونحن إذ نحييه، نحيي المترجم عنهم، ونحيي مؤلفه وجمهور قارئيه، ونحيي ما في الكتاب من معان أصيلة، ونرجو أن نقف صفا واحدا لنصرة الإسلام والمسلمين، وأن يعكف القراء فترة من وقتهم على دراسة أعلامه للتعرف بهم والأخذ عنهم، ومنحهم من الحب والاحترام والمساندة الفعلية الإيجابية قدر ما يستطيعون لأنه بغير ذلك لن يقوم ديننا... بل بغير ذلك لن يسير ركب، ولن ينهض اجتماع.

عبد الهادي مسعود

وكيل وزارة الثقافة والإرشاد القومي / القاهرة


58


59

- 6 -

الدكتور حامد حفني داود

أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن العليا

ورئيس قسم الأدب العربي بجامعة عين شمس


60

مع رجال الفكر في القاهرة

الناشر الإمامي السيد: مرتضى الرضوي صاحب مكتبة النجاح من خيرة الناشرين الجامعين بين المعرفة بأساليب النشر والوقوف المكين على أنواع الثقافات الإسلامية. ولذلك كان موفقا كل التوفيق حين خرج للقارئ المسلم بعامة والقارئ المصري السني بخاصة بكتابه القيم: " مع رجال الفكر في القاهرة " وقيمة الكتاب تتجلى في هذا الحوار البناء بين الناشر وصفوة المفكرين في مصر تعرض فيه كلا الطرفين لما أثير حول الشيعة الإمامية من مزاعم تخرجهم عن دائرة العقيدة السليمة. ومن ثم كان لهذا الكتاب الجليل رسالتان عظيمتان:

الرسالة الأولى: تبرئة الإمامية من المزاعم الكاذبة التي ألصقت بهم ظلما وعدوانا وكان لها خطرها في معارج التاريخ الإسلامي (1).

والأمر الذي لا يرضاه المؤرخ المنصف، ولا يحبه دعاة الوئام والسلام والتقريب بين أطراف أمة سيد الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو القائل: - جزاه الله خيرا - ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام والصدقة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟. قالوا: بلى يا رسول الله!.

قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر،

(1) من مؤلفات الدكتور حامد. " الصاحب ابن عباد بعد ألف عام " رسالة الماجستير في الأدب العربي. " الكتابة الديوانية في العراق " رسالة الدكتوراه " الأدب العباسي " " المأساة الكبرى " " مع أحمد أمين " " مع طه حسين " وغيرها.


61

ولكن تحلق الدين.

وقديما كان الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) من أدى هذه الرسالة في أسمى صورها الظاهرة والباطنة حيث آثر المصلحة العامة للمسلمين وحقن الدماء على مصلحته الشخصية (1) مع أنه كانت له الشرعية الكاملة في الخلافة.

وفي هذا الموقف طبق بكل إخلاص قول جده عليه تحيات الله وبركاته:

إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين (2).

وهذا في نظر المنهج العلمي الحديث - الذي وضعنا أسسه - خير رد يضحد مزاعم المتعصبين لمذهب ضد مذهب، ويشد من أزرنا دعاة التقريب بين أطراف خير أمة أخرجت للناس.

الرسالة الثانية: هي التنويه برجالات الفكر الأجلاء الذين يدعون إلى خير الأمة الإسلامية، ويؤثرون وحدة الصف الإسلامي ويقدمون ذلك على كل هدف سواه وهو نهج سليم من الناشر الكريم يستحق عليه التقدير والتكريم، فقد ترجم لهؤلاء الأفذاذ من مفكري مصر، وعرف قراء العربية والإسلام بحياتهم وآثارهم

(1) لم يكن للإمام الحسن (عليه السلام) في الخلافة الإسلامية أية مصلحة شخصية بل كان عليه أن يؤدي رسالته ومسؤوليته حسب الظروف ومقتضيات المصلحة الإسلامية العامة.

- المؤلف -

(2) لم تثبت صحته عندنا، وذكر الأستاذ العلامة الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه: " الشيعة والحاكمون " في الطبعة الثانية ص 63 فقال: أما ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنه قال مشير إلى الحسن: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله بن بين فئتين من المسلمين " فهو من وضع الوضاع الذين استأجرهم معاوية للكذب والافتراء على الرسول أمثال: أبي هريرة وسمرة بن جندب، والغاية من وضعه التضليل والتمويه، وطمس الحديث المتواتر: " يا عمار تقتلك الفئة الباغية " وجعل معاوية ومن معه بمنزلة علي ومن معه كلاهما من المسلمين. انتهى.

- المؤلف -


62

وأعمالهم الدينية والأدبية، وما قدموه للقراء من خدمات جليلة في عالم الفكر الإسلامي.

وإني إذ أكتفي بهذه العجالة المقتضية التي أصدر فيها انطباعاتي الخاصة عن هذا الكتاب القيم فإني أرجو للسيد مرتضى الرضوي أن يهبنا الله وإياه الإخلاص في القول والعمل، وأن ينزه ألسنتنا عن هجر القول وفحشه حتى يتم رأب هذا الصدع وإكمال هذا البناء من أجل رفعة شأن الإسلام والمسلمين مبرئين أنفسنا من التعصب والعصبية إلا ما كانت لله ورسوله من دعوة الحق والخير. والله المستعان.

الدكتور حامد حفني داود

القاهرة: الموافق 19 من أغسطس 1986 م

في 23 من شعبان 1397 هـ


63

- 7 -

الدكتور جواد الخليلي

طبيب، ومؤلف، وكاتب


64

الدكتور محمد جواد الخليلي

خطاب كريم تفضل به الأستاذ الخليلي

المقيم حاليا بكندا - وفي محكمة القضاء

بطهران - إيران سابقا.

يا ملهما للانتصار على الطليقة واللصيقه يا كاشفا وجه الصواب بما أنار بها طريقه

ومقرب الانذار بالحسني وأخبار وثيقه يا منذرا خوف التردي من مهاويها السحيقه

المرتضى وسليله خير الهداة إلى الحقيقة

حفيد طه ونجل المرتضى وسليل الأئمة الهداة، وأهل بيت العلم والحكمة والعصمة الذين طهرهم الله من الدنس وحفظهم من الزلل، القادة إلى الخير والمنجاة من الشر.

كان كتابك " مع رجال الفكر " الذي أتحفتني به سهلا ممتنعا وداحضا للخصوم مقنعا.

لما اعترف بحقائقه العلماء الأعلام والمفكرين العظام من كل ذي علم، وأدب ضليع ومكانة وحسب رفيع.

أولو الخبرة والدراية وحفاظ الحديث والرواية، فكان سؤالك للاستفسار إلهاما، وجوابهم للحقيقة إحكاما فأصاب الله بسعيك مواضعه وببرك منافعه، وفتح بك لسنة جدك الكريم بابا أسدل عليه الستار، وكشف بك حقيقة سترها المغرضون


65

والأغيار، وأزال إبهاما وشبهاتا...

دمتم للخير أهلا ولدرك الإفاضات والسعادات منهلا.

المؤمن بك وبآلك في دعوتهم، والمخلص في محبتهم.

جواد (1)

18 ذي القعدة الحرام 1369 هـ / كندا

(1) انتقل إلى جوار ربه في مدينة مونتريال - بكندا وذلك في يوم الخميس 17 محرم الحرام عام 1419 هـ تغمده الله برحمته الواسعة، وحشره مع الرسول، وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. (المؤلف)


66


67

- 8 -

السيد مرتضى الحكمي

خريج كلية الفقه في النجف الأشرف


68

السيد مرتضى الحكمي

من الأساتذة والعلماء البارزين.

بدأ دراسته في الحوزة العلمية في

النجف الأشرف وحصل على دراسته

المنهجية فحاز شهادة اليسانس في

الشريعة، واللغة من كلية الفقه في النجف

الأشرف - العراق.

في هذا التقديم: مسئولية بالغة الأهمية، تتطلب الملاءمة والانسجام، مع الخطة الموضوعية، والنهج البناء الذي يرسمه هذا الكتاب، كما يتطلب التماس سبل التقارب الذي هو رسالة المؤلف في هذا الحوار الفكري، مع رجال الفكر المعاصرين.

ظاهرة الاختلاف

ومن الظواهر الطبيعية: أن تتفاوت الآراء والمعتقدات، وأن تقوم في المجتمع الواحد ظاهرة الصراع والتناقض، كما أنه من الطبيعي أن تتحكم في هذه التناقضات اتجاهات عقائدية مختلفة، تقضى إلى أدوار من المجابهة العنيفة، وأطوار من الحوار الصريح.

ففي الطبقات الدنيا من الأفراد والمجتمعات تتحول هذه الخلافات العقائدية إلى صراع عنيف يخرج عن نطاق العقل، والأسس المنطقية السليمة، إلا أن هذا التناقض والاختلاف في الطبقات العليا من أفراد المجتمع الإنساني يأخذ طابع


69

الخلاف في المسائل الفكرية فحسب.

وأما إذا ما تحولت هذه الأفكار والمعتقدات إلى أعرف وتقاليد موروثة وإلى سلوك اجتماعي معين، فإنها تفقد - حينئذ - ميزاتها النطقية، وتصبح من الوضعيات التلقائية التي يمارسها الأفراد والجماعات. كجزء من ذاتها وأصالتها، ومقومات حياتها.

وفي هذه الوضعيات من السلوك التقليدي المألوف: يكمن التعصب الأعمى، ويشتبك الصراع العنيف، الذي لا يألف الهدوء ولا المهادنة، ولا يعرف التحدث ولا الحوار.

غير أن قضايا العقيدة والفكر الإنساني المعاش، يختلف أثرها في الطبقة العليا ذات الخبرة والتجريب عنه في الطبقة الدنيا من الناس، وهي تتوارث هذه العقائد والأفكار، دون أن تقف على تعليلها، ودون أن تتعمق في تحليلها، أو تدرك آثارها، أو تغور في جذورها.

وفي الواقع: أن الطبقة الدنيا من الناس لا يؤمنون إلا بالمحسوس من مدركاتهم وتصوراتهم، وبالقناعات الموروثة لديهم، وهم على العكس من الطبقة العليا، ذات البصيرة والنفاذ، والقدرات العقلية والمنطقية، الذين يعتمدون في مدركاتها وتصوراتهم على مقاييس الفكر والتأمل، فبينما تألف الطبقة العامة من الناس أن تدرك من نوافذ الحس والتجربة، فإن الطبقة المتميزة منها تألف أن تدرك بالمعايير العقلية، والمنطقية، وإذا كان المجتمع العام من الناس يعتمدون فيها على التجريب والإحساس، فإن المستوي المتميز منهم إنما يعتمدون فيها على التجريد والتعقل.

ولهذا فإن مسائل المعرفة الإنسانية ولا سيما القضايا الفكرية فيها لا يمكن أن تسوى عن طريق العامة من الناس، بل إنها تصبح عن طريقها مسائل غوغائية لا


70

طائل تحتها، وهي لا تنسجم مع المنطق، ولا تتلاءم مع الواقع بحال من الأحوال.

ومن الأصوب في ذلك: أن نلتمس البحث والحوار في منطق ذوي التجريد والتعقل والثقافة، غير أنه إذا كنا نحذر في الطبقة العامة من الناس خطر التعصب الأعمى، فإن أخطر ما في المثقفين من عوامل الهدم والانحراف هو: أن يتنكبوا عن سبل الإنصاف والتجرد، وأن يجتنبوا الموضوعية في شئ من تأملاتهم وعقائدهم.

والموضوعية - إذن - هي المقياس العاصم حتى للمنطق الذي يتذرع به ذوو الإدارك والتعقل، الذين يريدون أن يبنوا قضايا الرأي والعقيدة، أو يهدموها.

تمييع الخلافات المذهبية

وأعنف ما في هذه المعتقدات هي القناعات الموروثة، والخبرات الدينية التي تألفها الأفراد والجماعات، والتي تترسب في أعماقهم عقائد مذهبية عميقة الجذور.

ولقدسية هذه العقائد، والقناعات المذهبية الموروثة تبقى آثارها، وأحكامها فوق مستوي النقد والمس والملاحقة.

وعلى هذا الأساس من الواقع.. فقد فصل الدين الإسلامي عامة معتقداته إلى العقائد، الأصول التي لا بد للعقل من أن يؤمن، ويعتقد بها الاعتقاد الجازم، وإلى الفروع التي لا بد من الاقتناع بها، والالتزام بطقوسها، على أساس هذه الأصول، وعلى أساس التسليم بها.

ومن المسائل التاريخية العميقة الجذور، التي ورثتها طوائف المسلمين منذ فجر تاريخهم هي العقائد المذهبية التي تميزت فيهم بالعنف والتعصب، والإسراف، تلك العقائد التي أبعدتهم عن رسالتهم التي وحدتهم وألفت بينهم، وتلك العصبيات التي طمست فيهم معالم الحق والإنصاف، وبدلت قوتهم إلى ضعف، وحولت منعتهم


71

إلى هوان.

ومن أمثل ما يجدينا في تمييع هذه الخلافات المذهبية التي تحجرت في آماق الطبقات المختلفة، هو محاولة الإقلاع عنها، وتجنب الإثارة من حولها والطعن فيها، إذ على العكس من ذلك تظل هذه الخلافات العقائدية تثير من حولها عاصفة من التعصب المقيت، والصراع المستميت.

ومن الأصوب في إذابة هذه الخلافات وتمييعها: هو أن نلتمس لها المعاذير، وأن نتذرع فيها بالاعتدال، وأن نقتنع: أن تلك العقائد المتناقضة ليس فيها ما يستهدف العدوان، ولا يتعمد التجني والاستهوان.

وإن شأن الطائفة الشيعية مع الطوائف الأخرى شأن اختلاف المذاهب فيما بينها، ما دامت الأصول واحدة، والأساس هو الإسلام.

وانطلاقا من هذه الفكرة المنطقية العادلة: فإن حركة التشيع - في ذاتها لم تقم في مطلق تاريخها على مناهضة الاتجاهات الإسلامية الأخرى، إلا أنها سارت في مسارب التاريخ تبنى ذاتها، وتدافع عن وجودها، وتحمي مبادئها وتكتسح من طريقها كل ما يستهدفها ويناهضها، وهي تزيد من فاعليتها أو عطاءاتها، عبر رسالتها الإسلامية البناءة.

حركة التشيع وعطاءاتها

ومن الحق: أن ندرك أن حركة التشيع في التاريخ الإسلامي امتداد سليم لفاعلية الإسلام، وثورته الرسالية المتفجرة.

فمنذ أن ضربت الخلافة الإسلامية بجرانها على المجتمع الإسلامي كله: تشعب الوجود الإسلامي إلى واجهتين متميزتين:


72

واجهة.. تمثل سياسة الحكم، وقيادة المسلمين وانتظاماتهم.

وواجهة.. تمثل النزعة الفكرية والاتجاهات العقلية والعقيدية في حياتهم.

وإذا كانت مشايعة علي (عليه السلام) لمحمد (صلى الله عليه وآله) في أعمق وأعنف معانيها العقيدية قد تسربت إلى مشايعة أمثل الصحابة في الصدر الأول لعلي (عليه السلام) في هذا المستوى العنيف والعميق من الإيمان، فإن هذا التشيع هو امتداد واضح لفاعلية الإسلام ونفاذه في الصفوة المختارة من المسلمين الذين وقفوا إلى جانب هذه الواجهة المتميزة، وعاشوا حقها بكل وجودهم وضمائرهم.

وهكذا بدأت مشايعة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من انطلاقة علي (عليه السلام) وإيمانه وانصهاره في الرسالة الإسلامية، وهكذا.. ظلت الصحابة هذه المشايعة هي المسيرة الإسلامية الحادة التي تدرجت في إيمان هؤلاء الصحابة وضمائرهم، كما تدرجت في النهج الذي انتهجه النبي (صلى الله عليه وآله)، لعامة المسلمين في دعوته الإلهية التي حدد أعادها في اتباع أهل البيت (عليهم السلام) والتمسك بأهداب سنتهم وسريتهم.

وعلى امتداد هذا الخط الإسلامي القويم تقف الأجيال الرتيبة التي تفتحت لهذه الحركة الفذة، وآمنت بها، وتفاعلت معها، فأضحى التشيع في حساب هذه الأجيال خطا مستقيما تسير عليه الرسالة الإسلامية من الوجهة العقلية والعقيدية، وهو ما حمله الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، كما حمله أهل بيته الأطهار (عليهم السلام) عقب الرسول (صلى الله عليه وآله) وعبر الأجيال التي أعقبت جهادهم وتضحياتهم.

وبالرغم من أن الانطلاقة الأولى التي أوجدت هذه الحركة الفعالة، وكانت تتمثل في بيعة علي (عليه السلام) وتوليه أمر الوزارة والخلافة يوم الدار، إلا أن أوسمة الخلافة وشاراتها كانت تتدافع على أكتاف الإمام (عليه السلام) وواجهته حتى انتهى الأمر إلى الحد الحاسم من إعلان خلافته وولايته على المسلمين.


73

فقد بدأت فاعلية هذه الحركة، وتميزت معالمها منذ أن جوبه المسلمون بانقضاء الوحي، وإناطة الولاية الإلهية بمن يستخلف المسلمين ويتولاهم، وقد كان ذلك بداية خطيرة لحياة المسلمين السياسية والسلوكية، بدأ ينخر في أعمالهم ودخائلهم.

ومهما يكن تفسير هذا الحدث الإسلامي الفذ الذي ألح عليه الوحي، وغطاه بالموقف الصلد الحازم في حماية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من الأخطار والشرور.

ومهما تكن طبيعة هذا البلاغ الخطير في يومه المشهود، الذي تم فيه الأمر لعلي - فإن الشخصية النموذجية التي استطاع النبي (صلى الله عليه وآله) أن يواجه به المسلمين، وهي أصدق صورة لنفسه وسيرته، هو هذا النموذج الأمثل الذي كان (صلى الله عليه وآله) على أشد ثقة من سابقته التي بدأها بالإيمان والفطرة، وعاشها بالصبر والجهاد، ومارسها بالطهر والعمسة، وختمها بالتضحية والشهادة كما كان على أشد ثقة بكل مراحل حياته التي استقام فيها، وكابد المكاره من أجلها، وجرع الغصص في سبيلها.

وحين قدم النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المسلمين هذا الأنموذج الفذ الذي تمثل فيه واقع الإسلام وجوهره، لم يرد الرسول (صلى الله عليه وآله) من أمر الخلافة وتجسيد واقعها بأكثر من ذلك، ولا بأكثر من أن يظل هذا الأنموذج الفذ هو القائد والرائد، والهادي، والمستحفظ، الذي لا يتخطاه المسلمون، ولا يعدلون عنه، ولا يختارون غيره - إن كان لهم الخيرة في ذلك - اتباعا للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والذي نص عليه، وانقيادا للوحي الإلهي الذي اختاره واصطفاه، فأكمل به دينه الذي ارتضاه، وأتم به نعمته على المسلمين.

وقد صدقت نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) عند المسلمين في كل ما مارسه الإمام (عليه السلام) من مسئوليات الإمامة التي تجلت في جهاده للإسلام وفي ريادته للمسلمين، وفي نصحه


74

ومشورته للخلفاء، مما أنقذهم بها من الهلكة والانهيار، في مواطن كثيرة من حكمهم وخلافتهم.

وكما بدأت تفاعلات هذه الحركة - في أعقاب هذا الحدث الفذ - كذلك بدأت الحركة المضادة لها، وهي تتفاعل في أعماق السياسة التي ظهرت - بعد ذلك - على مسرح الأحداث الإسلامية التي أعقبت عهد النبي (صلى الله عليه وآله) بصورة مباشرة.

وقد ظلت هذه التيارات المتصارعة تسير في خط متناقض، تشتبك فيها السياسة مع العقيدة، حتى انتهت إلى النهاية التي ألحت على حتمية النهوض والإصلاح.

وعلى امتداد الخلافة التي مارسها الإمام (عليه السلام) ومارس فيها تصفية الأوضاع والاتجاهات التي أدت بكثير من فرق المسلمين إلى المروق والانحراف عن السلوك السوي الذي انتهجه الإسلام، وخططه للمسلمين: كان لا بد لحركة التشيع في ظل هذه الخلافة من أن تنمو وتنفتح، وتزداد عطاءاتها وتزدهر آثارها، إلا أن القوى المضادة التي مارستها السياسة الأموية - بكل جهدها وطاقاتها - كانت تحاول - هي الأخرى - هدمها والإطاحة بها، ومصادرتها، ونقض شروط المصالحة معها، وهي تلك الشروط التي صادق عليها الإمام الحسن (عليه السلام) وسحقتها السياسة الأموية، وتنكرت لها، وخرجت عليها.

وقد برز في هذا الصراع العنيف الدور القائد للتضحية والفداء، فتمخضت هذه الحركة الجبارة عن ثورة خالدة، ظلت تمارس - في كل جيل - مقارعة الانحراف، ومجابهة المروق عن الدين، وهي تدفع بحركة التاريخ الإسلامي إلى أن تسير في طريقها الرسالي الواضح من جديد، وتنحدر في مسارب الأجيال والمجتمعات التي أعقبت هذه الانتفاضة الجبارة.


75

وهكذا تحولت حركة التشيع - في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) - من طابعها الفكري الحاد إلى مرحلتها الحدية والمصيرية التي استنزفت التضحيات، واستدرت البطولات، وهزت العروض العاتية، ودكت الصروح والسدود التي كانت تقف دون مسيرتها، ونفاظ رسالتها.

وإذ كانت حركة التشيع - في جميع أدوارها ومراحلها - حركة إيجابية ترتكز على العقل والعقيدة، كان من المحتم أن يبرز فيها الدور الجبار الذي بدأ يجسد لأجيال المسلمين الواقع الفكري والحضاري للإسلام، وهو يتمثل في المدرسة العقلية والفكرية التي مارسها الإمام الصادق (عليه السلام) وقد ألهم العلم والمعرفة، وأفاض الفقه والحديث، وأعد العلماء الذين ظلوا خزنة للعلم وسدنة للدين إلى عصرنا هذا.

وتابع هذه الحركة كل واحد من الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، فخلف لها الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) أصولا ترتكز عليها ديمومتها وبقاؤها، فقد بنى الإمام الغائب (عليه السلام) على أعقاب غيبته الكبرى صروح النيابة العامة، التي ترجع إليها أجيال الشيعة في عامة شئونهم وأحداثهم.

وكان من العوامل الفعالة التي ساقت حركة التشيع هذه إلى الديمومة والاتساع هو دور العلماء الذين جاهدوا في أداء رسالتهم، وبذلوا دماءهم ومدادهم في سبيل نشر الفكر الشيعي، ودعمه وتركيزه.

ثم كان من العوامل الفعالة في انتشار الفكر الشيعي، واتساع رقعة التشيع، واستمراريته: هو ظهور عديد من الحكومات الشيعية التي أقامت حكمها في قطاعات مختلفة من العالم، خلفت آثارا حضارية وفكرية لا يزال المسلمون ينعمون بها، وتتمثل ذلك بالأزهر الشريف، وبما ينوء به من المسئوليات الفكرية والثقافية في أوسع رقاع العالم الإسلامي وأشملها.


76

وإذا كانت السياسات الزمنية باعدت بين الشيعة، والسنة، وألقت في دخائلهم الخلاف العميق الذي تميز بالكراهية والتعصب، والصراع المذهبي القاسي، فقد ظهرت حيال ذلك دعوات رحيمة تسعى إلى أن تحكم فيهم كلمة التوحيد، وتحتم عليهم توحيد الكلمة، وتدعوهم إلى التقارب فيها بينهم وتنشدهم التصالح والمهادنة، والأخذ بالأخوة الإسلامية التي لا بد وأن تشدهم من أن يتفرقوا، وتوثقهم من أن ينفصموا.

في هذا الكتاب

والكتاب - بعد هذا - إسهام فعال في حركة التقارب بين المسلمين، يستعرض صورا من الفكرة البناءة، ونماذج من محاولات الإنهاء للصراع الفكري العنيف، الذي أجهز على منعة المسلمين، وعزتهم عبر التاريخ.

وللمرة الأخرى.. نجد من يتابع هذا الخط الفكري والعقائدي الذي يعني بالمسائل المذهبية الصريحة في حوار مفتوح.

وإذا كان الإمام الخالد السيد شرف الدين - في يومه - قد طرح أمهات المسائل الإسلامية في صيغتها العميقة من البحث والمداولة، مع شيخ الأزهر، فإن الأستاذ الرضوي قد تابع - هو الآخر - عددا من مسائل العقيدة والتاريخ - بأسلوب آخر - مع كثير من رجال الفكر والثقافة، وانتهى فيها إلى شئ بارز من التفهم والتقارب.

وامتزج - فعلا - بالنخبة الممتازة من الرجال المثقفين، وهو يحاورهم ويطرح عليهم شيئا من المسائل المذهبية الشائكة، التي استدرجهم فيها إلى تصريحات وأقوال تثمن ما تفرد به فقه الشيعة من الخصائص والامتيازات وما تميزت به


77

مسائلها الاعتقادية من الأسس العقلية والمنطقية الرصينة، تلك التي حددت هوية هذه الطائفة، وميزتها عن غيرها من الطوائف الإسلامية المختلفة.

وقد تدفقت أقلام هؤلاء الرجال حول ما تميزت به طائفة كبيرة من طوائف المسلمين، ظل التاريخ المعادي لها يطمس معالمها، ويتجنى عليها ويتنكر لمعارفها، غير أن هؤلاء الرجال قد عنى لهم أن يتداركوا ذلك، فأشادوا بخصائصها في الفقه، والحديث، والعقيدة، والتاريخ.

وكان من العوامل التي حققت هذا الهدف المنشود هو: وعى هذه الثلة من الرجال الذين تعيش قراء العربية ثقاتهم واتجاهاتهم وأحكامهم، كما كان من العوامل الفعالة في ذلك - أيضا - نشوب هذا الحوار الصريح في أرضية خصبة، ذات ثروة فكرية وحضارية - هي أرض الكنانة، التي تمتد ثقافتها إلى عمر الحضارة الإنسانية العريقة لأمتها - وذات نزعة تشيعية تمتد إلى عصر الفاطميين الذي أشاع فيهم هذه الروح، وهذا الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك فقد تخير الأستاذ المؤلف هذه الأرضية، كما تخير عددا من رجال الفكر في القاهرة، ليؤدي معهم هذه المهمة الإسلامية الواعية.

وهكذا كان " المحاور " ذكيا، حينما اختار هذه الأرضية الخصبة الثرية، بالأدمغة المجنحة التي تقدح بالجدة والابتكار، وتتدفق بالفكر الواعي المسئول، وبالإدارك الصائب النير.

وفي محتوى هذه " المحاورات " لفتات ذكية منصفة، انطلقت من أجواء وذهنيات حادة، نفذت إلى أعماق من الحقائق والموضوعات، كانت موصدة الأبواب والمسارب،، لولا هذا الجو الملائم الذي ساعد عليه هذا " المحاور " الذكي الذي استقطب - في حوار هذا - عددا من الآراء الإسلامية البارزة. وكان هذا هو العمل المخلص الذكي الذي استطاع أن ينزع به تلك التصريحات والحقائق


78

الموضوعية الأصيلة.

وعند ما يستبين القارئ الممعن روح التجرد والإنصاف، التي تشيع في ضمائر هؤلاء الرجال المثقفين، وتدور على ألسنتهم، وتجري في أقلامهم، وهم يتحدثون عن الإسلام، وعن واقع ما ينبغي أن تتمثل به السنة والشيعة من التعاطف والتسامح والنزاهة فيما بينهم.. فما الذي يدفع - بعد ذلك - بأحد من المسلمين إلى أن يتذرع بسلاح التعصب المقيت، وما الذي يلجئه إلى أن يدافع عن مذهبه، أو أن ينكمش عليه.

ويشكل العمود الفقري لهذا الكتاب القيم حوار صريح بناء، استوعب عددا من المسائل المذهبية الجديرة بالبحث والتحدث، تعاهد فكرتها هؤلاء الرجال الذين أرادوا أن يصارحوا المسلمين بآرائهم فيها، وهم في صدد أن يتلمسوا حركة التشيع على حقيقتها وواقعها، وأن يتفهموا - جهد طاقتهم - أبعادها وجذورها.

وكان هذا هو السبيل الأقوم في أن يدرك هؤلاء الرجال مسئولياتهم في توعية المسلمين، وتوجيه أفكارهم، وتصحيح عقائدهم، وذلك في أخصب بقعة للفكر، والثقافة، وأعمقها في الوعي والإدراك.

ولم يكن للمؤلف المجاهد " السيد مرتضى الرضوي " ما يستهدفه في رسالته هذه، ولا في أي من نشاطاته الإسلامية إلا أن يدفع عن طائفته الشيعية ما لحقها من التجني وضروب الحيف، وعن أمته الإسلامية ما أصابها من الاختلاف وآثار الضعف.

والله الموفق للصواب والهادي إلى سواء السبيل.

مرتضى الحكمي

20 ذو القعدة 1394 هـ


79

- 9 -

السيد محمد حسن القاضي


80

السيد محمد حسن القاضي

نجل سماحة آية الله السيد علي القاضي (1)

خريج كلية الفقه في النجف الأشرف.

أستاذ وأديب فاضل قيم كتابنا: مع رجال

الفكر في القاهرة. فله منا جزيل الشكر

وهذا نص ما كتبه:

جهاد وتضحية... ومحاولة جديدة بارعة... ومن نوع مبتكر... في سبيل نشر عقائد الإمامية... هو أسلوب الصداقة، وإيجاد العلاقات الودية، والروابط الأخوية مع الآخرين من أبناء العامة والسنة... وشد الرحال لهذا الغرض السامي إلى بلادهم... ثم المحاججة معهم... بأسلوب هادئ، ونقل الأحاديث التي يعترفون بصحتها والموجودة في معتمداتهم من الكتب، ومن ثم حملهم على الإذعان والرضوخ لحقايق ظلت سنين طويلة مجهولة عندهم، أو أنهم تغابوا، أو تعاموا عنها ... لأسباب تعود إلى قلة الدعاة عندهم... أو عدم معرفة الطرق الصحيحة المؤثرة فيهم...

(1) أستاذ العلامة الفيلسوف السيد محمد حسين الطباطبائي مؤلف: الميزان في تفسير القرآن صدر في عشرين مجلدا وقد طبع هذا الكتاب في طهران، وبيروت أكثر من مرة.


81

أو عدم التمكن من التغلغل في أوساطهم، ومواجهتهم بالحقايق أو عدم التمكن من التغلغل في أوساطهم، ومواجهتهم بالحقايق الناصعة، ووضع الإصبع صريحا على موضع الخطأ من كتبهم، ومعتقداتهم...

وبالأخير حملهم على أن يدونهم ما اتضح لهم من هذه الحقايق، وما وضح لهم من مجهول يدونوا ذلك في مقدمات كتب هي من أهم كتب الشيعة الإمامية، وأكبر موسوعاتهم لأحاديث وروايات العترة الطاهرة.

حقا إنه جهاد، وتضحية، ومن نوع جديد يبتكره، ويدعو إليه:

السيد مرتضى الرضوي حفظه الله فله منا ألف شكر، وألف ثناء... وعند الله تعالى الأجر والمثوبة...

محمد حسن القاضي

29 / 4 / 1395 هـ / طهران


82


83

- 10 -

الأستاذ عبد الله الخنيزي


84

الأستاذ عبد الله الخنيزي

مؤلف كتاب: " أبو طالب مؤمن قريش "

الذي حكم عليه بالإعدام من قبل

السلطات العربية السعودية ثم أعفى عنه

في حاضرة: النجف الأشرف - العراق

يتابع قضايا الفكر، والعقيدة

الإسلامية (1):

النقاش - حين تكتمل أصوله - يعني: انفتاح على عقل، وتلاقح فكر بفكر، فالجدل - بهذه الأصول - ينتج عنه تعميق فكرة صائبة، وتدعيم رأي مستقيم، أو إزاحة شبهة عالقة، وكشف التباس معترض، أو توضيح ظن خاطئ، وتصحيح مسار غير سليم.

وكل هذه مما يجب على المرء أن يتوخاها، ويهدف إلى الوصول إليها، ما دام يبحث عن الحقيقة ويحوم حول الحق وحده، حيث يكون الخضوع للدليل، والاحتكام للحجة، ليس يهدف لغلبة وانتصار، بأي ثمن.

(1) - للأستاذ الخنيزي عدة مؤلفات مخطوطة ومطبوعة ومن آثاره التي طبعت أخيرا: " أدواءنا " و " ضوء في الظل " و " نسيم وزوبعة " وطبعت الثلاثة في القاهرة عام 1397 هـ. - 1977 نشرتها:

مكتبة الأنجلو المصرية 165 شارع محمد فريد - بالقاهرة.


85

وهذا شئ يحتمه العقل الواعي، والفكر اليقظ، والضمير الحر، حيث لا قيود من ميراث، ولا رواسب من بيئة، ولا تركة من تربية، بل يجوب الفكر، ويلحق في وسع الأفق، باحثا عن الحقيقة، خاضعا للنتيجة، تأتي من مقدمات صائبة.

وهذا الأسلوب من الحوار، معتمدا العنصر الأساسي:

الوصول إلى الحق - هو ما دل عليه القرآن الكريم:

(أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن). فسواء كانت هناك دعوة إلى الحق، ودلالة على سبيل الله، أو كان هناك دفاع لصد هجوم، ورد معتد، فإن السبيل اللاحب، والطريق القويم إلى ذلك، والدعوة الحكيمة، والجدل بالحسنى، إن لم يكن بالتي هي أحسن.

وإن المردود في هذا الأسلوب، لهو الوصول - معا - إلى الحق، والكشف عن الحقيقة، وتضيق هوة الخلاف، واجتناب أسباب الفرقة.

أو - على أقل تقدير - توضيح الرؤية: وتمزيق الحجاب، الذي يحجب عنها، وإزالة اللبس والشبهة التي قد تحصل من تكثيف الضباب، وما خلفه من تراكمات...

وما كتاب الأخ الصديق الفاضل الحسيب السيد مرتضى الرضوي، سوى شاهد على ما يفيده هذا، وما يقدمه النقاش المستقيم من فتح خير.

فهو قد سار على هذا النهج القويم، حيث قام باتصالات مع بعض رجال الفكر في مصر، وأجرى معهم أحاديث هادفة، ذات أبعاد في تاريخنا الإسلامي، يستهدف منها إزالة شبهة، أو توضيح رؤية، أو تقريبا نحو نقطة التقاء.

وإن مردود هذا الأسلوب الهادف، ليلمسه القارئ: عندما يقف على تلك المناقشات العلمية، التي ضمها الكتاب بين دفتيه.


86

فالقارئ يقف على شئ من تلك المحاورات، التي لم تقتصر على ناحية واحدة بل تناولت جوانب مختلفة تتصل جميعها بالعقيدة الإسلامية، وكان فيها تركيز هادف نحو بعض الاختلاف في الرأي في ما بين الطائفتين الكبيرتين في الإسلام:

الشيعة - شيعة أهل البيت عليهم السلام - وأهل السنة، وخصوصا تلك التي تتصل اتصالا مباشرا بالإمامة والخلافة، التي هي أهم نقطة تختلف الطائفتان في تقويمها، وفى النظر إليها من حيث اعتبارها - عند الشيعة - الضرورة الحتمية لاستمرارية الرسالة المحمدية في شمولها وبقائها.

وقد أزالت هذه المناقشات كثيرا من الشبه، ووضحت الرؤية في جوانب أخرى، وكان لدى البعض - أو كثير - جانب كبير من الإنصاف وحرية الرأي، وصفاء الرؤية.

فهي تعطي القارئ معلومات شاملة لا يحس معها بجفاف البحث الجاد، لأن السيد الرضوي طعمها - أو وشاها - بأحاديث جانبية، وكان بإمكانه أن يستغني عنها: حذفا وبترا، دون أن يمس الموضوع الجاد، بأي شئ من نقص، ولكنه شاء أن ينقل للقارئ صورة حية متحركة، بأمانة كالمسجل المفتوح الذي يسجل الصوت، والحديث، ويضم إلى جانبه النحنحة، أو الضربة، أو الوقفة، وما إلى ذلك.

فهو لا يدع أن يسجل مثلا - بأنه ذهب إلى " فلان " فضغط الجرس، فأقبلت " حرمه " لتنهى إليه بأن فلانا غير موجود، ليعود أدراجه، على أن يعود إليه - مرة أخرى.

أو أن يسجل بأنه طلب موافاة الدكتورة يذهب مع زيد وبكر، فيأخذ من " أمينة السر " موعدا يحدد الزيارة في الساعة المعينة، من اليوم المحدد، حتى يجئ ذلك الوقت فيكون هناك، ويعطى الصورة كاملة من حين تطأ قدمه العتبة: داخلا، حتى تطأها - كذلك - مودعا أو مودعا.


87

وما إلى ذلك في هذه الصورة الجانبية...

فهو - كما قلت - مسجل يعطي الوقائع، ويبرز الصورة في ما هو يقدم الحديث، ويعرض الحوار.

وهذا يعني صدق في حديثه، وأمانته في نقله، وعدم تحويره لما يقدم.

وهذا يعطي القارئ محطات استراحة، ينضو عنه تعب السفر المجهد وعناء مواصلة المسيرة الجادة.

وهو - من جانب آخر - آثر أن يعطي عن كل من تحدث معه نبذة عن حياته، هي ترجمة مختصرة، يقدمها للقارئ وليكون عن المتحدث صورة، يستطيع أن يتمثل بها تلك الشخصية، من حيث المستوى العلمي، أو الأخلاقي على أنه ضم إلى ذلك - بالنسبة للبعض منهم - صورة تعين القارئ، كذلك، على هذا التمثيل.

ولكن شيئا أريد تسجيله على الأخ السيد الرضوي - بعد أن همست في أذنه - هو أن بعض النقاط في محادثاته، لا تترجم، ولا تعكس سوى رأيه الشخصي " دون أن يكون له مساس، من قليل أو كثير، بالعقيدة لدى الشيعة، إن لم يكن ذلك على العكس.

ولا أريد هنا أن أناقشه في ذلك، أو أضع هذه النقطة أمام القارئ، بعد أن وعد مشكورا يستبعدها من كتابه، في هذه الطبعة التي ضم إلى كتابه ما جد من أحاديث، وأعطاه شيئا من التطوير ولكني أشير أن في الكتاب بعض الكلمات التي تمردت على قواعد اللغة، فحبذا لو أعطاها شيئا من عنايته، ورد في هذا الجماح، لئلا يغضب منه:

الفيروزآبادي أو ابن منظور، أو الطريحي، ومن إليهم من أرباب قواميس اللغة.

كما لا أريد أن أطري الأخ الصديق. أو أقوم ما قام به من نشاط، تعدى هذا الجانب من المحاورات، بل سبقته في ما نشر من كتب قيمة، تهدف إلى ذات الغرض،


88

ولعل نشره تلك الكتب هي نواة هذه المحاورات، بل وهذه لها من الثمار.

أسأل الله أن يمده بفيض من عنايته، ويأخذ بيده في تسديد وعناية يواصل مسيرته الخيرة الهادفة، ويحقق على يديه بعض الأماني الحلوة، والرحاوات الخميلة - إنه سميع مجيب.

عبد الله الخنيزي

18 / 8 / 1396 هـ

15 / 8 / 1976 م / القاهرة


89

- 11 -

الأستاذ الخطيب السيد جواد شبر


90

الأستاذ الخطيب السيد جواد شبر

من مشاهير الخطباء البارزين في

العراق له: مؤلفات وآثار خالدة أهمها:

(أدب الطف) صدر في عشرة أجزاء كبار

دون فيه تراجم وقصائد الأدباء

والشعراء الذين تناولوا ذكر مقتل الإمام

الحسين (عليه السلام).

السيد الشريف فرع الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

سيدنا المجاهد دون الحق السيد المرتضى دامت أيامه وارتفعت أعلامه.

إن كتابكم " مع رجال الفكر في القاهرة " له أكبر الأثر في نفسي، ولو أتسع نشره لأرشدت إليه أبناء العصر فإنه يغرس العقيدة، وينبه الفكر.

" اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه، والباطل باطلا فنجتنبه، ولا تجعله متشابها فأتبع هواي بغير هدى منك ".

لا زلت في مواقفي الخطابية أرشد الشباب والشابات إلى مطالعة " أصل


91

الشيعة " و " عقائد الإمامية " و " المراجعات " و " الفصول المهمة " للسيد شرف الدين، وكتابك يكون في مصافها.

أتفأل لمؤلفكم بإعادة نشره مرات، ومرات وأرجو أن تعيدوا النظر في مواضع منه وهي بسيطة منها:

1 - إن كلمة ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد هي لأبي حنيفة وليست لمالك (1).

2 - تخميس المرحوم والدكم لأبيات الشيخ بهاء الدين العاملي. " فدع عنك قول الشافعي ومالك - وأحمد والمروي عن كعب أحبار " الأبيات.

وأنكم تقولون لا أدري لمن وقد ذكرها الكثير ومنهم السيد الأمين في الأعيان بأنها للبهائي.

3 - نرجو التحقيق التام حول تفضيل الأئمة على الأنبياء - عدا أولي العزم - وإشباع الموضوع، فقد كتب الكثير حول ذلك (2).

(1) راجعنا مصادر هذه الكلمة فوجدناها كما قال الأستاذ السيد أيده الله تعالى أنها لأبي حنيفة.

- المؤلف -.

(2) المؤلف يقول:

1 - قال القندوزي الحنفي: أخرج أحمد بن حنبل في مسنده، وأحمد البيهقي في صحيحه عن أبي الحمراء " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في عزمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب،.

وقد نقل هذا الحديث في شرح المواقف. والطريقة المحمدية

أنظر: ينابيع المودة 1 / 121 طبعة الآستانة. الباب الأربعون في كون علي شبيها بالأنبياء (عليهم السلام) وكون فضائله كثيرة لا تحصى.

2 - وروى أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار " المتوفى عام 290 هـ " بإسناده عن الحسين بن علوان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

إن الله خلق أولي العزم من الرسل وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم وفضلهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لم يعلموا، وعلمنا علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلمهم.

ورواه أيضا عن الحسين بن علوان بزيادة في اللفظ.

3 - روى الصفار بإسناده عن عبد الله بن الوليد قال:

قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يقول أصحابك في أمير المؤمنين (عليه السلام) وعيسى وموسى أنهم أعلم قال: قلت: ما يقدمون على أولي العزم أحدا. قال: أما أنك لو حاججتهم بكتاب الله: لحججتهم، قلت وأين هذا في كتاب الله قال:

إن الله قال في موسى: " وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة " ولم يقل: كل شئ.

وقال في عيسى: " ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه " ولم يقل: كل شئ.

وقال في صاحبكم: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب.

بصائر الدرجات ص 227 ط تبريز عام 1380 هـ

" باب أمير المؤمنين وأولو العزم أيهم أعلم "؟

4 - وروى الصفار بإسناده عن عبد الله بن وليد السمان قال:

قال لي أبو جعفر (عليه السلام): ما تقول الشيعة في علي (عليه السلام)، وموسى وعيسى قال:

قلت جعلت فداك: فما عسى أقول فيهم فقال: هو والله أعلم منهما.

ثم قال أبو عبد الله: أليس يقولون:؟!

إن لعلي ما للرسول من العلم قال: قلت بلى:

قال: فخاصمهم فيه. قال:

إن الله تبارك وتعالى قال لموسى:

" وكتبنا له في الألواح من كل شئ ". (الأعراف: 145) فأعلمنا أنه لم يبين لهم الأمر كله.

وقال تعالى لمحمد ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. النحل: 89.

والآية هكذا: وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ.

5 - وروى الكليني بإسناده عن عبد الله بن جندب أنه كتب إليه الرضا (عليه السلام):

أما بعد فإن محمدا ((صلى الله عليه وآله وسلم)) كان أمين الله في خلقه فلما قبض كنا أهل البيت ورثته فنحن أمناء الله في الأرض وعندنا علم المنايا، وأنساب العرب... الحديث.

أصول الكافي 1 / 123 باب الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم.

6 - وروى الكليني بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) يمصون الثماد، ويدعون النهر العظيم قيل له: وما النهر؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والعلم الذي أعطاه الله.

إن الله عز وجل جمع لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سنن النبيين في آدم وهلم جرا إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قيل له:

وما تلك السنن؟ قال:

علم النبيين بأسره، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صير ذلك عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له رجل:

يا بن رسول الله فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيين؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام):

اسمعوا ما يقول:

إن الله يفتح مسامع من يشاء، إني حدثته:

إن الله جمع لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) علم النبيين، وإنه جمع ذلك كله عند أمير المؤمنين وهو يسألني:

أهو أعلم أم بعض النبيين؟!.

أصول الكافي: 1 / 222 باب إن الأئمة (عليهم السلام) ورثة العلم ميراث بعضهم بعضا العلم.


92


93

سلامي لجميع من يعز عليكم ودمتم مؤيدين سالمين بدعاء:

الخطيب السيد جواد شبر

التاريخ 22 / 2 / 1397 هـ

الهاتف 378 مسكن


94


95

- 12 -

الشيخ محمد مهدي شمس الدين


96

يشغل أدب التراجم حيزا كبير من التراث الثقافي الإسلامي.

ويبدو أن المسلمين قد تفوقوا على الأمم الأخرى من هذا المجال من مجالات الثقافة، فلا نعرف في أدب من الآداب الأخرى هذا الشمول والتنوع اللذين تميز بهما هذا اللون من ألوان الأدب في الثقافة الإسلامية.

فالفقهاء والمفسرون، والأصوليون، والمحدثون، والأطباء والفلاسفة، والمتكلمون، والشعراء والكتاب والولاة والوزراء واللغويون والنحاة، والصوفية ومن إلهيم... وغيرهم... وغيرهم.. كل هؤلاء قيض لهم من المؤرخين والمتأدبين من ترجم لمشاهريهم والباعين منهم والمبدعين فيهم، فأضا جوانب من حياة كل منهم، وبيئته، ومجتمعه.

ومن هذه التراجم ما يقتصر على القليل القليل من التعريف لصاحب الترجمة، دون خوض في عمق حياته، حتى لتكاد الترجمة أن تكون مجرد: " بطاقة تعريف تعريف شخصية ".

ومن هذه التراجم ما يرحب ويتسع ليكون سيرة حياة شاملة مستوعبة للمترجم تعكس نشاطه العلمي والسياسي، وعلاقاته الاجتماعية.

ومنها ما ينطلق من حياة المترجم وذكره إلى أبحاث ومحاورات في شئون العلم والفكر والتاريخ تتصل بالمترجم من قريب أو بعيد.


97

وهذا هو ما يميز كتاب " مع رجال الفكر " للأخ الأستاذ الفاضل السيد مرتضى الرضوي حفظه الله تعالى، فأنت واجد في هذا الكتاب - إلى جانب تعرفك من خلاله على شخصيات علمية وأدبية ودينية كبيرة ولامعة - أبحاثا طريفة ونافعة وشيقة في شئون إسلامية شتى: عقيدية، وفقهية، وتاريخية وفكرية، ولذا فهو يتمتع العقل والقلب بحسب ما احتواه من متاع العقل والقلب.

ويبدو أن الأخ الأستاذ الرضوي قد جعل من رحلاته إلى القاهرة مناسبات هنيئة يجتمع فيها إلى أعلام الفكر والدين في مجتمع مصر العلمي والفكري، فهنيئا له هذه السعادة الروحية والعقلية التي تتاح في أمثال هذه اللقاءات. وهو بعمله هذا يعيد إلى الأذهان صورة طلاب العلم الذين كانوا يجعلون من رحلاتهم فرصا سعيدة للقاء علماء ومفكرين كل بلد يرحلون إليه أم يمرون فيه دون أن تفسد روح البحث العلمي بينهم الفوق المذهبية والطائفية التي أقامت بين المسلمين حواجز حالت دون تفاعلهم الفكري ودون تعاونهم على ما يصلح حياتهم في مختلف مظاهرها.

ونأمل أن تكون أمثال هذه اللقاءات التي يصورها هذا الكتاب والمجامع والمؤتمرات خطى على الطريق السوي إلى الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى؟ ونسأل الله تعالى التوفيق لعمل الخير والإخلاص فيه، والحمد لله رب العالمين.

محمد مهدي شمس الدين

بيروت: 19 ذو القعدة 1397 هـ


98


99

- 13 -

السيد محمد حسين فضل الله


100

لعل من أكثر المشاكل الإسلامية إثارة في حياتنا الفكرية والمذهبية هي مشكلة الأفكار المسبقة التي يحملها فريق عن فريق، فيما يعتقده من عقيدة وفيما يتحرك فيه من فكر، وفيما يقدسه من مقدسات.

وتتحرك هذه القناعات غير العلمية.. لتترك آثارها ونتائجها السلبية على الحياة العلمية العامة للمسلمين، فتثير مزيدا من الشحناء، وتخلف كثيرا من الفقه..

وتحول الساحة إلى علامات استفهام كثيرة، تثير الشك والتساؤل ولا تحاول أن تبحث من خلال ذلك عن جواب..

وقد يثار الحوار في بعض الحالات، فيما يكتسب من أبحاث، وفيما يثار من مناقشات، وقد تقترب الحقيقة من أفكار المتجاورين لتفسح المجال لقناعات جديدة تقرب الأفكار والمشاعر والعقائد.. ولكن الروحية التي تحكم خلفيات الحوار تقف حاجزا أمام ذلك كله فيتحول الحوار.. إلى جدل عقيم يلف ويدور لينتهي إلى الأجواء التي تعيش في إطار الألفاظ النابية والكلمات المثيرة التي تحرك مشاعر الحقد بعيدا عن قناعات الفكر السليم ولهذا فإنك تشعر وأنت تقرأ الكثير من هذا التراث الكلامي أنك تواجه الأفكار المسبقة التي تطرح الفكرة كقناعة ثابتة... ثم تبدأ عملية البحث عن الأسس الفكرية لهذه القناعة..

ولكن هذا لا يمنعنا من أن نشير إلى كثير من التجارب الجديدة التي تحكمها الموضوعية في الفكر وفي الأسلوب في تاريخنا البعيد والقريب فيما قام به علماء الإسلام في قضايا الحوار المذهبي الإسلامي.

وقد يكون للأجواء الهادئة التي ابتعدت عن العوامل المثيرة للأحقاد في نطاق الواقع، وفي حركة السياسة.. بعض الفضل لولادة مثل هذه التجارب الموضوعية ونجاحها.


101

وقد يكون من مسئوليتنا الإسلامية إزاء مستقبل العمل الإسلامي وحاضره، أن نهيئ للإسلام مثل هذه الأجواء، لنضيف إلى التجارب التي نملكها في الحوار، تجارب جديدة تغني الفكر كما تغني الأسلوب.. وتفسح المجال لحركة جديدة في اتجاه صنع الإنسان المسلم الذي لا يتحرك إلا من خلال الفكر، ولا يبني قناعته إلا على أساس البحث العلمي المتزن بعيدا عن كل عوامل الإثارة وعن كل حساسيات التاريخ.

وربما كان للقاءات الشخصية الحميمة التي تبتعد عن الأجواء الرسمية القلقة التي تعرض على الإنسان أن يتقمص شخصية تختلف عن شخصيته الحقيقية فتبتعد به عن العفوية في تفكيره وأسلوبه، وتحوله إلى شخصية معقدة تتكلم بما يوحي به الجو الرسمي، لا بما توحي به الفطرة السليمة المتحركة أبدا من موقع المحبة، ومن قاعدة البحث الواقعي عن الحقيقة.

وربما كان لهذه اللقاءات التي تجمع العاملين في سبيل الإسلام، والمفكرين له أكبر الأثر في تهيئة مثل هذه الأجواء الطيبة التي تعطينا مزيدا من الإيجابية والموضوعية لا سيما إذا استطعنا أن نجعلها تعبق بالروحية الإيمانية التي ترفرف في ظلال الله.. إننا نحسب أن مثل هذه اللقاءات تحولهم إلى إسلام يبحث عن نفسه فيما بين هذا الركام الهائل من المذاهب والعقائد والأفكار، بدلا من أن يكونوا مفكرين يفلسفون له مفاهيمه ويفرضون عليه أفكارهم.. لأن الأجواء الحميمة تحطم الحواجز الذاتية التي تحول بين الإنسان وبين التحرك إلى قناعاته العفوية من خلال الحجة والدليل.. ليبقى الفكر وحده هو الذي يصول ويجول في الساحة الفكرية والروحية.

وقد يكون من إيجابيات هذه اللقاءات بين المفكرين والعاملين أنها تخرج الكثيرين من أجواء اللامبالاة الفكرية التي يواجهون بها التفاصيل الدقيقة


102

للمذاهب الإسلامية في مفاهيمها وعقائدها واجتهادها الشرعي.. لأنهم يعتبرون أنها لا تدخل في اهتماماتهم الفكرية والدينية والعملية.. مما يجعل الجهل قاسما مشتركا بين جميع الأطراف حيث يفرز نتائجه السلبية على كل صعيد.

فقد يثير اللقاء بعض الأحاديث الطارئة حول بعض الموضوعات البسيطة والمعقدة التي تفتح الحوار وتثير الجدل والنقاش وتدخل المتجاورين في أجواء معرفة جديدة.. لأشياء لم تخطر لهم على بال.. فتكشف لهم خطأ الكثير من القناعات وزيف الكثير من المسلمات.

وأقل من خير هذه التجارب الناجحة للقاء الفكري العفوي في إطار المذاهب الإسلامية، هي تجربة الأخ الأستاذ السيد مرتضى الرضوي التي سجلها في كتابه الممتع " مع رجال الفكر في القاهرة " فقد كانت تجربة متحركة متفتحة تتحرك في كل ما تثيره حول المفاهيم القلقة التي شاعت لدى كثير من إخواننا من العلماء والمفكرين المسلمين.. عن عقائد الشيعة ومفاهيمها واجتهادها الفقهي كنتيجة للأجواء التاريخية التي أشاعت حول الشيعة والتشيع كثيرا من الضباب الكثيف الذي يحجب الرؤية في بعض الأحيان، أو يدفع العيون إلى أن تغمض عينيها فلا تحدق في الخيوط المناسبة من أشعة الحقيقة من خلال الضباب...

لقد كانت تجربة " السيد الرضوي " متحركة لا تجمد أمام علامات استفهام محددة بل تتحرك في الفكرة، وفي الكلمة لتخرج من كل جواب بسؤال جديد يبحث عن جواب، ويدفع الآخرين إلى إثارة سؤال جديد من أجل جواب جديد ولهذا فإنك تجد أمامك ألوانا كثيرة متنوعة من القضايا التي أثارها اللقاء في أفكار السائل والمسئول.. وقد لا يعدم القارئ الوقوف على بعض الجديد الممتع في كثير من هذه الأفكار.

وقد كانت هذه التجربة متفتحة كل الانفتاح.. فلم تحاول أن تخبئ خلف أية


103

عقدة، ولم تجرب أن تختفي وراء أي جدار من جدران التاريخ المغلقة الأبواب..

بل كانت تطرح كل ما تؤمن به أو تفكر به في صراحة ترق حينا وتعنف أحيانا، لأن الجو الفكري الجاد لا يعرف المجاملة في الفكرة من أجل أن يلتقي بالحقيقة التي تبحث عن حياة بلا جراح. إن الفكر يلتقي بالفكر وجها لوجه في عملية صدام رائعة تكون النتائج الإيجابية للفكر الأفضل، تبعا للبرهان الأعمق والأشمل.. أما المجاملة والعواطف والأقنعة المستعارة والاختفاء وراء الألفاظ الفضفاضة المهلهلة في:

أساليب التخدير والتهرب من المشكلة.. التي تجمد المشكلة من أجل أن تثور من جديد.. كلما تحركت عوامل الإثارة نحو تفجير جديد للجراح المتقيحة..

إننا نبارك " للسيد الرضوي " الذي عرفنا فيه الإخلاص الرائع المنطلق من إيمان عميق بالإسلام الحق في صفاته ونقائه وعرفنا فيه الحركة الدائبة المنطلقة في أكثر من اتجاه، من أجل أن يلتقي المسلمون كل المسلمين.. على الركائز والقواعد الأساسية للفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية والتشريع الإسلامي لينطلق الإسلام بروحه الحية المنطلقة المتدفقة بالرحمة والسماحة والعمق والشمول.. بعيدا عن كل أجواء الجدل وتهاويل البغضاء إننا نبارك له هذه التجربة وندعوه إلى أن يتعمق فيها ويعمقها ويلاحق ما فيها من نقاط ضعف ونقاط قوة من أجل تجربة أخرى أو تجارب أخرى لا مجال فيها لأية نقطة ضعف، لأنها تتحرك في اتجاه تحويل الضعف إلى قوة كما ندعو أنفسنا والآخرين، كل الآخرين - إلى أن نظل نجرب الأساليب الموضوعية والإيجابية من أجل أن نتغلب على عوامل الفرقة والانحلال بالإيمان النقي والعلم الواسع والحركة الدائبة البحتة أبدا عن كل ما هو جديد.. في حياة الإسلام والمسلمين.. سائلين الله سبحانه أن يوفقنا للوصول إلى الغاية القصوى وهي الحصول على رضاه في الفكر عندما نفكر وفي القول عندما نتكلم.. وفي العمل عندما ندفع حياتنا إلى العمل في سبيله وهو حسبنا ونعم الوكيل.

محمد حسين فضل الله

بيروت: 17 ذي القعدة الحرام 1397 هـ


104


105

الصحف


106


107

- 1 -

كتبت مجلة " المسلم " وهي: مجلة العشيرة المحمدية بالقاهرة تلك العشيرة التي جعلت شعارها نشر رسالة الوعي الإسلامي الناهض بالدعوة الإصلاحية في العدد الصادر في شهر رمضان 1394 هـ المصادف 17 من سبتمبر 1974 تحت عنوان:

((مع رجال الفكر الإسلامي بالقاهرة))

ويزور القاهرة الآن السيد الأستاذ مرتضى الرضوي الناشر الثقافي العربي المعروف للإشراف على إخراج كتابه بالعنوان أعلاه فأهلا به، ودعاء بالقبول والتوفيق.

ونشرت المجلة المذكورة في العدد الصادر في ذي القعدة سنة 1394 هـ المصادف 15 نوفمبر 1974 م تحت عنوان:

((مع رجال الفكر في القاهرة))

" أصدر الناشر الإسلامي المعروف السيد مرتضى الحاج سيد محمد الرضوي في سلسلة مطبوعات النجاح بالقاهرة كتابه الفريد بالعنوان أعلاه قدم فيه " 39 " شخصية قاهرية من أشهر العاملين في المجالات الدينية، والعلمية، والأدبية، وذلك من خلال مذكراته التي سجلها عفوا عند لقاءاته معهم، فكان تقديمهم بهذه الصورة الجديدة الفريدة، نوعا جديدا من التاريخ الصادق المعبر عن الفكر، والشخصية، والهدف من خلال الحديث المجرد، واللقاء العابر، والعفوية الطبيعية.

وكان من أهم أهداف الكتاب تسجيل الولاء، أو الجفاء لأهل البيت الشريف رضي الله عنهم جميعا، وقد طبع الكتاب طبعا أنيقا في أربعمائة صحيفة من القطع


108

الكبير، وبوب تبويبا فنيا، وقدم له السيد عبد الكريم الخطيب، وعقب عليه الأستاذ عبد الهادي مسعود.

وقد خص الكتاب فضيلة الإمام الرائد، والسيد أمين العشيرة بصفحات مشكورة من هذا الكتاب.

- 2 -

وقد تعرضت جريدة المساء القاهرية بالتعليق على هذا الكتاب - قالت:

في عددها الصادر يوم الجمعة الموافق 16 ديسمبر عام 1974 م:

((مع رجال الفكر في القاهرة))

" رجال الفكر في القاهرة " موسوعة تصدر عن طهران، الجزء الأول منها صدر بهذا العنوان من تأليف السيد مرتضى الرضوي وميزة هذه الموسوعة أنها مرتبة حسب حروف المعجم فتبدأ بحرف الألف بأبي الفضل إبراهيم، وأبي الوفا التفتازاني، وأحمد حسن الباقوري وأمين الخولي وغيرهم.

ومن بين رجال الفكر الذين كتب عنهم المؤلف الإيراني الدكاترة:

سليمان دنيا، وشوقي ضيف، وطه حسين، وعائشة عبد الرحمن.

وأفردت فصولا مطولة عمن لهم آثار هامة في العالم الإسلامي تتجاوز القاهرة، ومن يهتمون من الباحثين من المذاهب الإسلامية الأخرى كالشيعة


109

الإمامية الاثنا عشرية.

وقد عقدت بحثا قيما عن طه حسين، وعقدت فصلا - في أكثر من خمسين صفحة - عن عبد الهادي مسعود...

كما أفردت فصلا عن الشيخ أبو رية ومحمود شاكر، ومحمد محي الدين عبد الحميد...

والكتاب جزء من موسوعة تتناول رجال الفكر الإسلامي في كافة أنحاء العالم.

- 3 -

وقد نشرت مجلة " العرفان " الغراء اللبنانية في عددها الصادر في تشرين الثاني 1974 م في الجزء التاسع من المجلد 62 ص 1145 عن هذا الكتاب في طبعته الأولى ما نصه:

((مع رجال الفكر في القاهرة))

هو كتاب أصدره: السيد مرتضى الرضوي المعروف بحميته الدينية وغيرته الإسلامية.

والكتاب يشتمل على أحاديث ومحاورات مع فريق من الأعلام القاهريين قدر للمؤلف أن يلقاهم على فترات متعددة فسجل أحاديثهم، ونقل حوارهم مما يعطينا صورة عن المجتمع الفكري القاهري في فترة معينة.


110

ومما زاد في قيمة الكتاب أن ترجم لكل المفكرين الذين ورد ذكرهم في كتابه ما جعله مصدرا من مصادر الأدب في هذا العصر.

ومن الطبيعي القول إن أكثر مما يدور عليه البحث في الكتاب هو:

الشؤون الإسلامية، والأمور العقائدية مما يهم المثقفين والباحثين في كل زمان.

وقد كتب للكتاب مقدمة:

الأستاذ عبد الكريم الخطيب من المؤلفين المصريين المعروفين.

كما ختمه بكلمة للأديب المؤلف المصري الأستاذ عبد الهادي مسعود.

ويبلغ عدد الشخصيات التي حاورها المؤلف وترجم لها تسعة وثلاثين شخصية. هذا عدا عما ورد في الهوامش والتعليقات.

فنتمنى للكتاب الرواج الذي تستحقه نوايا:

السيد مرتضى الطيبة وإخلاصه الذي لا شك فيه.

- 4 -

ونشرت مجلة " الأزهر " الشريف تحت عنوان:

" بين الكتب والصحف " بقلم الأستاذ محمد عبد الله السمان في عدد " المحرم " عام 1396 هـ 1976 م. وإليك نصه:

((مع رجال الفكر في القاهرة))

تأليف السيد مرتضى الرضوي كتاب يقع في أكثر من ثلاثمائة صفحة من مطبوعات مكتبة النجاح بطهران والمؤلف هو صاحب دار النشر هذه، وهو أيضا من الشباب الدارس للإسلام، وله مؤلفات تدور في فلك الفكر الشيعي، وكتابه الذي


111

بين أيدينا هو سجل حافل بشتى الموضوعات التي تتصل بالفكر الإسلامي عقيدة ونظاما، سجلها من خلال لقاءاته مع عدد من العلماء والمفكرين منهم الأساتذة:

أمين الخولي: والباقوري، وعبد الكريم الخطيب الذي قدم للكتاب، وأبو الفضل إبراهيم، ومحمود شاكر والدكاترة:

شوقي ضيف، وأبو الوفا التفتازاني، وبنت الشاطئ وطه حسين، وسليمان دنيا وغيرهم.

لقد نجح المؤلف من خلال لقاءاته في أن يخدم عقيدته، وفي أن يستميل بعض هؤلاء الذين التقى بهم في الوقوف إلى جانبه، كما نجح في فتح أبواب واسعة وكلها تتصل بعقيدة الشيعة والحق أنه كان أمينا في تسجيل الحوار، وتسجيل انطباعاته عن الذين لهم آراء تخالف اتجاهاته.

وقد أحسن المؤلف حين عنى بالترجمة المفيدة عن كل من اتصل بهم إلا أن الكتاب لم يخل من الحشو الذي لا معنى له (1).

لذا كنا نود أن لا يكون موقف المؤلف انفعاليا تجاه الذين خالفوه الرأي.

ونحن لا ننكر أننا أفدنا من الكتاب لإثارته عديدا من القضايا، فالحوار يبعث في الفكر الإسلامي الحياة..

(1) أخبرني أحد أصدقاء الأستاذ السمان قال: للأستاذ السمان بماذا قصدت الحشو هنا أجاب:

لذكره أسماء صنوف الطعام، وأنواع الفواكه وما شاكلها. (المؤلف)


112

- 5 -

ونشرت مجلة " الوعي الإسلامي " التي تصدر في الكويت في السنة 12 العدد 133 الصادر في غرة محرم 1397 هـ صورة غلاف الكتاب وكتبت ما يلي:

((مع رجال الفكر في القاهرة))

كتاب من تأليف: السيد مرتضى الرضوي ومن تقديم الأستاذ عبد الكريم الخطيب.

وهذا الكتاب يعد نمطا فريدا في التراجم الذاتية للأعلام فقد روى فيه المؤلف الاتصالات التي جرت مع رجال الفكر حول قضايا عامة خلال الرحلات التي مارسها في سبيل نشر الفكر الإسلامي والالتقاء بالمفكرين من رجال الثقافة والعلم والمعرفة والدين.

والكتاب عبارة عن حوار صريح في مختلف الشؤون الإسلامية يتبنى فكرتها أبطال هذا الكتاب بروح موضوعية تستهدف الحق والصراحة والتقريب.

وهو الكتاب الثاني عشر من مطبوعات النجاح بالقاهرة. ويحتوي على 336 صفحة (1).

- 6 -

ونشرت مجلة العربي التي تصدر في الكويت في العدد 213 في السنة التاسعة عشر في شهر أغسطس 1976 م الموافق شعبان سنة 1396 هـجرية وهذا نصها:

((مع رجال الفكر في القاهرة))

تأليف: السيد مرتضى الرضوي.

الناشر: مطبوعات النجاح - القاهرة - مصر.

يضم هذا الكتاب بين دفتيه تراجم شخصية لعشرات من علماء مصر ومفكريها، وقادة الرأي فيها، في شتى مجالات الثقافة العقلية، والروحية، ويعتبر هذا الكتاب نمطا فريدا في التراجم الذاتية للأعلام.

فهذه الشخصيات التي ترجم لها قد عرفها المؤلف عن قرب، وعايشها معايشة صداقة وألفة، امتدت سنين طويلة، وقد تخيرها المؤلف من بين الكثير من علماء مصر ومفكريها بعد أن التقى بهم لقاءات فكرية متعددة، فيما قرأ لهم من مؤلفات أو فيما استمع لهم من أحاديث عن طريق الإذاعة، ثم رأى أنهم أقرب العلماء والمفكرين إلى ثقافته وإلى ما يدور في عقله من خواطر وآراء.

وقد اتصل ببعضهم اتصالا شخصيا أو عن طريق المراسلة لأنه كان بعيدا عن مصر، ومن أمثال من ترجم لهم المؤلف في هذا الكتاب الأستاذ أحمد حسن الباقوري والأستاذ أمين الخولي والأستاذ خالد محمد خالد. والدكاترة: شوقي ضيف، وطه حسين، وعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) وآخرون.

(1) الطبعة الثانية من هذا الكتاب صورت بالأفيست وطبعت. خارج مصر، والطبعة الثالثة طبعت بمطبعة حسان بمصر، والطبعة الرابعة طبعت بمطبعة دار المعلم 8 شارع جنان الزهري بالمبتديان في حي السيدة زينب بالقاهرة.


113


114


115

مع رجال الفكر

في القاهرة

بقلم

السيد مرتضى الرضوي

عضو رابطة الأدب الحديث بالقاهرة


116


117

كلمة المؤلف


118


119

هذه الاتصالات التي أرويها في هذا الكتاب جرت مع رجال الفكر حول قضايا عامة خلال الرحلات التي مارستها في سبيل نشر الفكر الإسلامي والالتقاء بالمفكرين من رجال الثقافة والعلم والمعرفة والدين، مما أدت إلى هذه المساجلات، وتمخضت عن عدة أبحاث وتحليلات حول كثير من العقائد والآراء، ونشر الكتب والمصادر، رأيت من الأرجح والأصوب أن أسجل هذه النقاط، وأتحدث في هذه الرحلات عن الظروف والملابسات، والمجريات التي قد تتصدر وترافق هذه الاتصالات على أنها لا تخلو أيضا من طرف وتجارب ربما يستفيد منها القارئ على أنها على كل حال لا تخلو من تجارب مرة، وقاسية، ولكن عندما كنت أتمثل في معطيات هذه الرحلات كان يستولي علي الشعور بالراحة، وتأخذني الطمأنينة مأخذها فتنسخ تلك المتاعب التي كانت ترافقها، وكانت فكرة ممارسة هذه الفعاليات تعوض في نظري نشرها وإذاعتها بين القراء، إلا أن أحد الإخوان الأعزاء الوجيه (الحاج كريم آغا الأنصارين) وهو ممن يفكر في هذه المستويات لفت نظري إلى أن نشر هذه الأفكار مما يخدم نفس فكرة هذه النشاطات، والتحركات الإسلامية، إذ أن التعرف عليها يشد شباب المسلمين إلى عجلتها ويوجد فيهم الامتزاج وروح التفاعل مع هذه المسيرة الإسلامية المباركة.

وبعد أن اختمرت هذه الفكرة في نفسي، واكتملت في ذاكرتي أحداثها، ومناسباتها من حيث الزمان والمكان، وما دار فيهما من البحث والمداولة: رحب بهذه الفكرة صاحب الفضيلة العلامة " السيد مرتضى الحكمي " وأكد عليها، وساهم في تنظيمها، وتخطيطها، وإخراجها.


120

وقد رأيت من الأجدر أن أراعي في تنسيق هذه الشخصيات التي تدور عليهم موضوعات الكتاب: أن ترتب أسماؤهم على حروف المعجم، مما أدى أن تكون المتعة من محاوراتهم تنتشر في مطاوي الكتاب بشكل طبيعي ومنسجم.

ومن الطريف أن أذكر أنه عندما دخلت القاهرة وبقيت فيها مدة من الزمن اتصلت بكثير من الأساتذة والعلماء وكنت قد اتصلت هاتفيا بالأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ولم يصادف أن حدثته وجها لوجه وقد شرعت بطبع كتاب " عبد الله بن سبأ " الطبعة الثانية وقبل صدور الكتاب سجلت قائمة بأسماء العلماء والأساتذة والمدرسين في الأزهر الشريف وغيره لإهدائهم هذا الكتاب، وفي تلك الليلة رأيت في عالم الرؤيا وفيما يرى النائم كأني في فندق ميامي وفي غرفة رقم " 24 " والتي بقيت فيها عشرة أشهر ونصف الشهر في عامي 1957 م - 1958 م وكنت مستلقيا على السرير وإلى جانب السرير كرسي فدخل الشيخ محمد أبو زهرة وسلم وجلس على الكرسي وقال:

هل جاء الشيخ؟

قلت: أي شيخ؟

قال: الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، فقلت: لا.

وكنت قد سجلت اسمه، واسم الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد في تلك القائمة التي حوت عددا كبيرا من الأساتذة والعلماء.

ثم قال: ماذا يقول الشيعة عني؟

قلت: يقولون الشيخ محمد أبو زهرة رجل مكابر غير متثبت ومتعصب غير منصف؟.

فقال: لماذا؟ وأطرق برأسه نحو الأرض؟


121

قلت: يقولون: إنه يكتب عن الشيعة وكأنه لم يطلع على كتبهم وآثارهم مع أنه تتوفر لديه أكثر كتبهم فيما يكتب عنهم ولكنه يعتمد في ذلك على قالة الخصوم وتخرصاتهم.

فسكت ولم يحر جوابا.

وبعد أن استيقظت من النوم حدثت بهذه الرؤيا كثيرا من العلماء والأساتذة حتى أن أحدهم أقسم بالله وقال:

صدقت إنه مكابر.

وهكذا سيطرت علي الفكرة حتى في أحلامي فكونت مثل هذه الطرفة التي رأيت فيها على قدر تصوري ما يستحق أن تسجل في مقدمة الكتاب.

ومن الله أستمد العون، وأستزيد التوفيق، وعليه أتكل، وإليه أنيب، وأسأله تعالى أن يجعل ذلك مرضيا لدى إمامنا الغائب عجل الله تعالى فرجه وأن يكون ذلك ذخرا لي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

مرتضى الحاج سيد محمد الرضوي

القاهرة 4 / 8 / 1393 هـ

21 / 8 / 1974 م


122


123

- 1 -

حرف الألف

1- الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم

2- الشيخ محمود أبو ريه

3- الأستاذ فكري عثمان أبو النصر

4- الشيخ عز الدين أبو العزائم

5- الشيخ محمد زكي إبراهيم


124


125

- 1 -

الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم

رئيس لجنة إحياء التراث الديني


126

ولادته: ولد في سوهاج في قرية جزيرة شندويل بصعيد مصر عام 1904 م.

تخرج في دار العلوم وهو أحد الرجال المؤسسين لجمعية الشبان المسلمين حينما كان طالبا، وذلك في عام 1932 م.

أهم آثاره: " قصص القرآن " بالاشتراك مع زملائه " أطوار الثقافة والفكر " بالاشتراك مع زملائه أيضا.

أشرف أخيرا على طبعة حديثة لكتاب: " الأغاني " لأبي الفرج الأصبهاني.

حقق كتبا كثيرة منها: " شرح نهج البلاغة " لابن أبي الحديد و " تاريخ الطبري " و " أمالي المرتضى " و " أنباء الرواة " و " أعلام النبلاء " و " البرهان في علوم القرآن " و " ثمار القلوب: للثعالبي و " ثمرات الأوراق " لابن حجة و " طبقات النحويين " للزبيدي، وكتاب " الصناعتين " لأبي هلال العسكري.

له تحقيقات على كتب أخرى كثيرة وقد ذكرها الأستاذ أنور الجندي في كتابه: " مفكرون وأدباء " في ترجمته ص 15.

تعرفت إليه: بالقاهرة عام 1957 م.

من العلماء المحققين الذين يهتمون بإحياء التراث الإسلامي.

له تحقيقات كثيرة تدل على كفائته وطول باعه.


127

اجتمعت به أكثر من مرة وتعرفت إليه في دار الكتب المصرية، وزرته في داره العامرة بمصر الجديدة مرارا.

ذهبت إليه مرة على عادتي في دار الكتب المصرية، وجرى هناك أثناء الحديث ذكر الانتساب إلى أهل البيت (عليهم السلام)، فأجاب الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم: أنا من أبناء الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ودعاني إلى منزله في شارع قايت باي بمصر الجديدة ليطلعني على كتاب مطبوع فيه نسبه، موجود عنده.

وزارني مع نجله خالد في فندق ميامي الكائن بشارع عبد العزيز أمام بناية عمر أفندي، وقدمت لفضيلته الكتب التي نشرتها بالقاهرة وهي:

1 - " وسائل الشيعة ومستدركاتها " خمسة مجلدات.

2 - أصل الشيعة وأصولها.

3 - عقائد الإمامية.

4 - عبد الله بن سبأ (الطبعة الثانية).

5 - الوضوء في الكتاب والسنة.

6 - المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي.

7 - مصادر نهج البلاغة وأسانيده.

وهذا الكتاب الأخير كنت قد صحبته معي من العراق ومؤلفه المحقق صاحب


128

الفضيلة السيد عبد الزهراء الخطيب الحسيني وقد طبع في النجف الأشرف وظهرت منه عدة أجزاء وقد أهديت من هذا الكتاب إلى جماعة من الأساتذة والعلماء في القاهرة.

وعندما شاهد الأستاذ أبو الفضل إبراهيم كتاب " عبد الله بن سبأ " قال:

إني استفدت كثيرا من هذا الكتاب الذي ألفه الأستاذ مرتضى العسكري عند مراجعتي لأسانيد تاريخ الطبري الذي حققته لدار المعارف بمصر وكنت أقف عند بعض الأحاديث ولا أستطيع البت فيها وعندما وصلتني الطبعة الأولى من هذا الكتاب (1) استفدت منه كثيرا، وأريد أن أرسل معك هدية للأستاذ مرتضى العسكري.

وتحدثت معه حول تحقيق بعض الكتب فقال:

- إن كنت تريد ولك رغبة في تحقيق كتاب (روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات) للخونساري، فإني على استعداد أن أعقد معك اتفاقا على تحقيقه؟

وقلت: إن لي رغبة ملحة في تحقيق كتاب " أنوار الربيع في أنواع البديع " للسيد علي خان المدني المعروف بابن معصوم - وله مؤلفات كثيرة تربو على الثلاثين وهو صاحب كتاب سلافة العصر نشرته مكتبة الخانجي بالقاهرة.

وفي إحدى زياراتي للأستاذ في داره بمصر الجديدة قال: إذا أردت أن أحقق لك كتاب " أنوار الربيع " فسيكون تحقيقه هكذا:

(1) عبد الله بن سبأ الطبعة الأولى منه طبعت في النجف الأشرف - العراق عام 1375 هـ تحت إشراف: المؤلف.

والطبعة الثانية منه قمنا بطبعها في القاهرة بمطابع دار الكتاب العربي - للحاج محمد حلمي المنياوي بمصر عام 1381 هـ.


129

وأخرج ورقة قد كتب عليها نموذجا لتحقيق الكتاب وهذا نصه:

1 - ترجمة المؤلف " ابن معصوم " وعصره ومصنفاته... إلخ.

2 - مقدمة في علم البديع، والكتب التي ألفت فيه، ومنزلة كتاب أنوار الربيع هذا بين هذه الكتب.

3 - فهرست عام للكتاب يتناول:

أ - الموضوعات.

ب - الأعلام.

ج - الشعر.

ه - الكتب التي نقل منها المؤلف.

د - المراجع... وخلافه من أنواع الفهارس... إلخ.

4 - يحقق الكتاب على النحو الآتي:

أ - يراجع على الكتب التي نقل منها المؤلف... ما أمكن.

ب - يراجع الشعر على دواوين الشعراء... ويثبت التخريج.

ج - شرح الغريب من ألفاظ الأبيات.

د - يراجع كل باب على الكتب التي ألفت في هذا الفن.

مثل:

الصناعتين، الوساطة، المثل السائر، العمدة، الشرح الكبير، تحرير التحبير، بديع القرآن لابن أبي الإصبع، نهاية الأرب " الجزء الخاص بالبديع منه "، شرح الشريشي للمقامات، خزانة الأدب للبغدادي، ابن حجة، " كتاب البديع لابن منقذ الذي يطبع


130

الآن " كتاب البديع للسيوطي، كتاب الطراز وكتب البلاغة عامة للمتقدمين، أمثال:

الجرجاني، والجاحظ، وابن المعتز، وابن منقذ.

والمتأخرين أمثال: الخطيب وشراحه، والسيوطي، والنابلسي، والحملاوي.


131

- 2 -

الشيخ محمود أبو ريه

من الكتاب البارزين في مصر


132

ولادته: في كفر المندره " مركز أجا " محافظة الدقهلية في 15 ديسمبر عام 1889 م.

جمع بين الدراسة المدنية والدينية بالمدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد الدينية.

قضى أكثر أيام عمره في مدينة المنصورة حتى وفد إلى الجيزة عام 1957 م وبقي فيها إلى حين وفاته.

توفي في 11 ديسمبر 1970 م بالجيزة.

أهم آثاره " علي " وما لقيه من أصحاب الرسول " مخطوط " " أضواء على السنة المحمدية " طبع ثلاث مرات، (أبو هريرة شيخ المضيرة) طبع ثلاث مرات و " السيد البدوي " وكتاب " حياة القرى " و " صيحة جمال الدين الأفغاني " و " رسائل الرافعي " " جمال الدين الأفغاني " " دين الله واحد " " قصة الحديث المحمدي " وغيرها.

تعرفت إليه عام 1958 م.

من علماء القاهرة المحققين.

حقق في السنة النبوية وعرى الأيادي التي دست فيها الوضع والاختلاق، وأدخلت عليها الخرافات والإسرائيليات وقد أرخ الحديث النبوي وألقى عليه أضواء كشافة.

يندفع فيما يكتب إلى نصرة أهل البيت ووجهة نظرهم.

كتب مقدمة لكتاب: " أحاديث أم المؤمنين عائشة " استعرض فيها الفتنة التي قامت بها وما أثارت في المسلمين من الشقاق والصراع.

أوذي في سبيل العقيدة الإسلامية إيذاء شديدا واستمر إلى آخر يوم في حياته يناضل في طريق الحق بصدق وإيمان تغمده الله برحمته الواسعة.


133

بعد أن وصلت القاهرة للمرة الثانية نزلت في الفندق السالف الذكر، وكما أن في رحلتي الأولى التي زرت فيها القاهرة ونزلت بها لغرض نشر كتبنا وآثارنا في مصر الحبيبة.

وقد تعرفت إلى هذا الفندق بواسطة الأخ الوجيه صالح حسن شاكر صاحب مطعم المنظر الجميل الواقع أمام بناية عمر أفندي في شارع عبد العزيز.

واتفق أني تعرفت على صديق عراقي التقيت به في القاهرة وأخبرته بأن لي فكرة طبع ونشر بعض الكتب الإسلامية، في القاهرة، وسوف أحتاج إلى خطاط، وإلى صنع " أكليشيهات " - عند زنكوغراف - فجاء بي إلى الأخ الوجيه حسين محمد كاظم - صاحب زنكوغراف النصر 2 شارع دار الكتب - وعرفه بي وعرفني عليه وإذا بمكتبه هذا كالنادي وقد شاهدت فيه أصحاب المطابع وتعرفت على دور النشر والخطاطين، والصحفيين، والعلماء، ورأيت الكثيرين من الأساتذة والأدباء يترددون عليه، ويلتقون عنده.

وقد تعرفت هناك على الأخ الأستاذ محمد برهومة الصحفي، والمحرر في جريدة المساء، وعلى الكاتب القدير: الأستاذ عبد الهادي مسعود الإبياري صاحب الفكر الوقاد، والمؤلفات النموذجية.

وعلى الأستاذ الكبير الدكتور حامد حفني داود مؤلف " تاريخ الأدب العربي العباسي " و " الصاحب بن عباد بعد ألف عام "، نال به درجة الماجستير، والكتابة الديوانية في العراق نال به درجة الدكتوراه.


134

ومن الخطاطين الذين تعرفت عليهم:

الخطاط حسني الشامي وولديه فاروق، ونبيل، والأستاذ مكاوي، ومحمد، وعبد المنعم ولا زلت أحتفظ بنماذج من خطوطهم.

وتعرفت على الشيخ سليمان الوكيل صاحب مطبعة " دار التأليف ".

وقد عمل لنا الأخ حسين محمد كاظم - صاحب المكتب أو النادي - دعوة في مكتبه فدعاني، والشيخ سليمان الوكيل، والأستاذ محمد برهومة على طعام في ظهر يوم جمعة وجلس معنا وقد أحضر لنا الطعام من أحد المطاعم القريبة لمحله وبعد أن فرغنا من تناول الطعام أحضر لنا الشاي، والقهوة، والكازوز، والشيشة، " والنركيله " وبعد أن تعرفت إلى الأستاذ محمد برهومة المحرر في جريدة المساء أخبرته أن لي رغبة في نشر إعلان بإحدى الصحف المصرية لإنشاء جناح خاص لكتب الشيعة الإمامية يوضع في قاعة المراجع بدار الكتب المصرية ووعدني الأستاذ محمد برهومة أن يقوم هو بنشر هذا الإعلان.

وبعده تكلم الشيخ سليمان الوكيل وقال:

إن لي مطبعة وعندي كتب طبعتها ومستعد لطبع الكتب التي عندك (1).

ثم قال: إن العلامة الشيخ محمد أبو ريه له كتاب يطبعه الآن عندنا واسمه:

" أضواء على السنة المحمدية "، وبلغه مجيؤك إلى القاهرة ويطلب فضيلته الاتصال بك فلو سمحت أن تزورنا في المطبعة وفضيلته سوف يحضر في الصباح قبل الساعة العاشرة وعنوان المطبعة بعد ميدان لاظوغلي - 8 - شارع يعقوب بالمالية، مطبعة دار التأليف.

(1) طبعت عنده في القاهرة كتاب: الوضوء في الكتاب والسنة (الطبعة الأولى) منه وأعيد طبعه بالأوفست عام 1972 م أكثر من مرة.


135

وفي صباح اليوم التالي قصدت المطبعة وصادف دخولي إليها في تمام الساعة العاشرة فرأيت الشيخ سليمان جالسا أمام الباب فدخلت وسلمت ورد علي السلام وأريته الساعة وقلت: - بص - فقال: أيوه مضبوط.

- أردت بهذا إخباره بأني حضرت المطبعة حسب الموعد المحدد - وعندما دخلت رأيت شيخا وقورا جالسا عن يمينه فسلمت عليه فرد علي السلام وأشار الشيخ سليمان صاحب المطبعة - على الشيخ الوقور الجالس عن يمينه وقال: هذا هو الشيخ محمود أبو رية الذي حدثتك عنه أمس فجلست إلى جنب فضيلته وحييته فرحب بي كثيرا، وفتحت الحديث معه وقلت:

يا مولانا الشيخ: بأي مذهب من المذاهب الأربعة متمسك.

فأجاب: أنا مسلم أعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وأنا غير ملتزم بمذهب من هذه المذاهب الأربعة وقال:

أنا أعلم من الشافعي، وأبي حنيفة.

فسألته عن رأيه في الصحاح.

فقال: الصحاح صحاح عند أصحابها.

فقلت: ما رأي سيادتكم في بعض الرواة المكثرين للحديث.

فقال: تقصد - زي من - مثل من؟

قلت: " أبو هريرة ".

فقال: أبو هريرة رجل وضاع.

قلت: قد ألف الإمام شرف الدين العاملي كتابا في حياة هذا الراوية المكثر وأسماه: " أبو هريرة " فمد فضيلته يده إلى حقيبة كانت معه وأخرج منها كتاب:


136

" أبو هريرة " الذي ألفه الإمام شرف الدين العاملي وكانت الطبعة الأولى طبعة صيدا - لبنان: وقال:

هذا ما أهداه لي الإمام شرف الدين، فناولني النسخة فأخذتها بيدي فرأيت الإهداء بخط الإمام شرف الدين على الكتاب وفيه: ما يشعر بجهاده وعلمه، وإكباره.

ثم أخبرته بوفاة هذا المصلح - شرف الدين - قبل أسبوع في يوم الاثنين الماضي الموافق 30 / 12 / 1957 م الموافق 8 / 6 / 1377 هـ وقد تغمده الله برحمته الواسعة ونقل جثمانه إلى مقره الأخير في النجف الأشرف - العراق ودفن بجوار جده الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في إحدى الغرف المحيطة بالصحن الشريف في يوم الأربعاء 10 / 6 / 1377 هـ المصادف 1 / 1 / 1958 م فتأثر كثيرا وقال:

كان في نيتي إهداء كتاب " الأضواء " (1) له عند إتمامه من الطبع، ثم طلب فضيلته الشيخ سليمان - صاحب المطبعة - وقال:

هات الملازم المطبوعة من كتاب " الأضواء " فجاءني بها الشيخ سليمان وكانت

(1) وهو: " أضواء على السنة المحمدية " طبع ثلاث طبعات الأولى بمصر في مطبعة دار التأليف 8 شارع يعقوب بالمالية تحت إشراف المؤلف عام 1958 م والطبعة الثانية طبعت 1964 م في صور - لبنان. وفيها من الأغلاط المطبعية ما تزيد على الألف وقد دفع لي فضيلة المؤلف " الطبعة الثانية " هذه وقال: أريد منك مراجعة هذه النسخة وتصحيحها لي بدقة وعندي روايات كثيرة وأريد إضافتها إلى هذه الطبعة ولتكون النسخة التي أقدمها إلى المطبعة خالية من الأخطاء وسليمة منه وحينما كنت بمصر راجعت قسما منها وبعد ذلك صحبتها معي إلى العراق وبعد مراجعتها وتصحيحها أرسلتها إليه بالبريد المضمون بعنوان 9 شارع قرة بن شريك القاهرة وبعد مدة وصلتني منه رسالة يشكرني فيها ويخبرني بوصول الكتاب إليه.

والطبعة الثالثة التي أضاف إليها الزيادات والتحقيقات طبعت بمطابع " دار المعارف " بمصر ضمن مطبوعاتها وذلك في عام 1969 م.


137

آنذاك خمسة عشر ملزمة ولغاية " 240 " صفحة مطبوعة فأخذتها بيدي وتصفحتها حتى وصلت إلى عنوان: " أحاديث المهدي " فرأيت فضيلته ينقل عن ابن خلدون البربري ويقول:

وقد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي وفندها كلها (1) فقلت: يا مولانا الشيخ.

إن البربري هذا ابن خلدون من ألد أعداء الشيعة وخصومهم ولا يصح نقل شئ من الخصم وكلامه ليس بحجة.

وإذا كنتم بحاجة إلى " أحاديث في المهدي " فإن معي كتاب " منتخب الأثر " في الإمام الثاني عشر لفضيلة العلامة الكبير الشيخ لطف الله الصافي وفيه ينقل عن أعلام السنة ومحدثيهم وإني مستعد لتقديمه لفضيلتكم حيث أنه ملم بهذا الموضوع.

ثم طلبت من فضيلته عنوان منزله فقال:

الجيزة 9 شارع قرة بن شريك واكتب عندك رقم الهاتف 895456 ووعدته أن أحضر عنده في منزله مع موعد سابق وانصرفت.

وبعد أيام اتصلت به هاتفيا وحددت الموعد معه وقصدت منزله وصحبت معي كتاب: " منتخب الأثر " وأهديته له وجلت معه ساعة وانصرفت.

وبعد مدة اتصلت به هاتفيا للاجتماع به في منزله وحددت الموعد معه ولما وصلت إلى باب المنزل وطرقتها وإذا بفضيلته فتح لي الباب ورحب بي كثيرا وأحضر لي القهوة - بعد فترة قصيرة - وجاءني بالشاي وتذاكرنا حول " أحاديث المهدي " وكتاب: " منتخب الأثر " وكان قد أعجب به كثيرا واستفاد منه ثم طلبت من فضيلته أن يكتب للسيد العسكري حول هذا الموضوع وقلت:

(1) راجع هامش " الأضواء " ص 209 الطبعة الأولى.


138

المواضيع التي تخص الشيعة يجب أن تراجعوا فيها مصادر الشيعة ولا يصح النقل والاعتماد على كتب خصومهم وللباحث أن يتحقق من صحة النصوص المتعلقة بأي فئة من غير مصادرها ولأجل هذا أنا مستعد لأتعاون معكم وأرسل لكم جميع ما تحتاجون إليه من مصادر الشيعة (1).

ثم قلت لفضيلته:

السيد العسكري من كبار المؤلفين في العراق ومعروف لدى كبار علماء النجف الأشرف ويمكنكم مراسلته وأخذ ما يخص هذا. الموضوع منه فراجعه فضيلته بعد ذلك وذكر هذا في كتابه: " أضواء على السنة المحمدية " في الطبعة الثالثة التي طبعتها دار المعارف بمصر تحت إشرافه ثم جرى الحديث حول الخلافة الإسلامية، والخلفاء ، وما أصيب به المسلمون من انحطاط، واضطهاد، وذلك لتفرقهم، وتسلط الاستعمار الغاشم عليهم وجعلهم فرقا، وأحزابا.

ثم تحدثت عن المذاهب الأربعة وقلت:

إن هذه المذاهب: هي التي احتضنتها السياسة، وروجتها تجاه الإمام الصادق من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وقلت: إن المستشرقين الذين طعنوا في الإسلام استندوا إلى الخرافات، والإسرائيليات التي وجدوها في كتب أهل السنة.

فقال: أنا معك.

ثم سألته عن اتجاهه الفكري هذا وتبنيه لقضايا التمحيص في السنة النبوية التي

(1) عندما رجعت إلى العراق أرسلت لفضيلته أكثر من خمسين كتابا أرسلتها له بالبريد المضمون من العراق حتى أنه أخبرني في أحد رسائله إلي بأني اكتفيت ولست بحاجة إلى كتاب ولا تكلف نفسك.


139

هي أساس الإسلام فكان يتحرق فضيلته على ما في عامة الكتب الدراسية الأزهرية، وغيرها في الخرافات، والإسرائيليات.

وهو الأمر الذي جعله يتجه إلى تمحيص السنة النبوية، وتعرية الأيادي التي دست فيها هذه الأباطيل التي روجتها اليهودية المتمثلة في كعب الأخبار، وأبي هريرة، وأضرابهما فكان كتابه هذا ثورة على الباطل، وانتصارا للحق، وتخطيطا للوصول إلى السنة النبوية.

كما وقد قال لي بالحرف الواحد:

ألفت هذا الكتاب لأقدمه إلى سدة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وقد نزهت أحاديثه مما شأنها، تقربا إليه، وزلفا إلى ربه، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم 89: 36.

والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا 76: 19.

بهذه الإشراقة من الإيمان الصادق، والتجرد في خدمة الدين وضع كتابه هذا فجزاه الله عن الإسلام خير جزاء المحسنين.

ثم أهديت له مجموعة من الكتب التي طبعتها في القاهرة وانصرفت.

وفي إحدى رحلاتي إلى القاهرة قصدت داره العامرة وقد حملت له مجموعة من الكتب كنت قد صحبتها وحملتها معي من العراق، ومن بينها: " أحاديث عائشة " لمؤلف كتاب " عبد الله بن سبأ " - السيد العسكري - وطلبت منه أن يكتب رأيه حول هذا الكتاب الخالد. وهذا نص ما كتبه:


140

أحاديث أم المؤمنين عائشة

يحسب العامة وأشباه العامة من الذين يزعمون أنهم على شئ من العلم أن التاريخ الإسلامي وبخاصة في " دوره الأول " قد جاء صحيحا لا ريب فيه، وأن رجاله جميعا ثقات لا يكذبون - وهو من أجل ذلك يصدقون كل خبر جاء من هذه الفترة، ويشدون أيديهم على تلك الأحاديث التي شحنت بها الكتب المشهورة في الحديث.

تلك التي حملت الطم والرم، والغث والسمين، والصحيح القليل، والموضوع الكثير.

وقد بلغ من ثقتهم بأحاديث هذه الكتب، أن من يشك في حديث منها يعد في رأيهم فاسقا!!.

وإذا كان الله قد آتاهم عقولا لا ليفهموا بها، وفهوما لا يزنون بها، فإنهم يعطلون هذه المواهب استمساكا بالتقليد الأعمى، والتعبد لمن سلف!.

وإذا أنت بصرتهم بالحق، وبينت لهم المحجة الواضحة، لووا رؤسهم، وأصروا على معتقداتهم واستكبروا استكبارا.

وليتك تسلم من ألسنتهم، بل يرمونك بشتائمهم، وسبابهم، ويسلقونك بألسنتهم، وقد بلوت ذلك منهم عندما أخرجت كتابي: " أضواء على السنة المحمدية " الذي أرخت فيه الحديث، وكشفت كيف روى وما شابه رواية من الموضوعات ومتى دون وما إلى ذلك ما يجب بيانه - فإنهم ما كادوا يقرأونه حتى


141

هبت علي أعاصير الشتائم والسباب من كل ناحية، من مصر والحجاز والشام! فلم أبال كل ذلك بل أستعذ به لأني على سبيل الحق أسير فلا يهمني شئ يلاقني في هذا السبيل مهما كان.

ومن عجيب أمر هؤلاء الذين يقفون في سبيل الحق حتى لا يظهر. ويمنعون ضوء العلم الصحيح أن يبدو، لا يعلمون مقدار ما يجنون من وراء جمودهم، وأن ضرر هذا الجمود لا يقف عند الجناية على العلم والدين فحسب؟ بل يمتد إلى ما وراء ذلك.

فإن الناشئين من المسلمين وغير المسلمين الذين بلغوا بدراستهم الجامعية العلمية إلى أنهم لا يفهمون إلا لقبولهم، وما وصلوا إليه بعلمهم، قد انصرفوا عن الإسلام لما بدى لهم على هذه الصورة المشوهة التي عارضها هؤلاء الشيوخ عليهم.

من أجل ذلك كله كان من الواجب الحتم على العلماء المحققين الذين حرروا أعناقهم من أغلال التقليد، وعقولهم من رق التعبد للسلف، أن يشمروا عن سواعد الجد، ويتناولوا تاريخنا بالتمحيص، وأن يخلصوه من شوائب الباطل والعصبيات، ولا يخشون في ذلك لومة لائم.

وإني ليسرني كل السرور أن أشيد بفضل عالم محقق كبير من علماء العراق قد نهض ليؤدي ما عليه نحو الدين والعلم فأخرج للناس كتبا نفيسة كانت كالمرآة الصافية التي يرى فيها المسلمون وغير المسلمين تاريخ الإسلام على أجمل صوره في أول أدواره، ذلكم هو الأستاذ " مرتضى العسكري " فقد أخرج لنا من قبل: كتاب " عبد الله بن سبأ " أثبت فيه بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، أن هذا الاسم لم يكن له وجود وأن السياسة " لعنها الله " هي التي ابتدعت هذا الاسم لتجعله من أسباب تشويه وجه التاريخ، وبين أن شيخ المؤرخين في نظر العلماء وهو الطبري قد


142

جعل جل اعتماده في تاريخه ورواياته على رجل أجمع الناس على تكذيبه.

ومن الغريب أن جميع المؤرخين الذين جاؤوا بعد الطبري قد نقلوا عن ابن جرير كل رواياته بغير تمحيص ولا نقد، وهذا الرجل الكذاب هو: سيف بن عمر التميمي.

وأردف العلامة العسكري هذا الكتاب النفيس بكتاب آخر أكثر منه نفاسة هو كتاب: " أحاديث عائشة " وقد تناول في هذا الكتاب تاريخ هذه السيدة لا كما جاء من ناحية السياسة والهوى والعصبية، ولكن من أفق الحقيقة التي لا ريب فيها، وكتبه بقلم نزيه يرعى حرمة العلم وحق الدين لا يخشى في الله لومة لائم.

أشار الأستاذ في تمهيده لكتابه إلى ما في الأحاديث التي نسبت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) من اختلاف بين حديث وآخر، وبين بعض تلك الأحاديث، وآي القرآن فما كان مثار الطعن والنقد إلى النبي من أعداء الإسلام.

ثم بين أن هذه الأحاديث إن هي إلا مجموعات مختلفة رويت عن رواة مختلفين، وعلى الباحث العالم النزيه أن يقوم بتصنيفها نسبة إلى رواتها. ثم يدرس أحاديث كل منهم على حدة. وبخاصة أحاديث الرواة المكثرين أمثال: عائشة، وأبي هريرة، وأنس، وابن عمر، مع دراسة حياة راويها، وبيئته وظروفه، ثم مضى يقول:

إن التاريخ الإسلامي منذ بعثة الرسول حتى بيعة يزيد بن معاوية لا يفهم صحيحا إلا بعد دراسة أحاديث أم المؤمنين " دراسة موضوعية " ولأن الأستاذ المؤلف: بصدد البحث عن التاريخ الإسلامي في دوره الأول فقد قدم هذه الدراسة على غيرها من الدراسات.

وبعد أن بين صعوبة هذه الدراسة لما يجد في سبيلها من عقبات متعددة أخذ في موضوع دراسة فبين نسب عائشة، ومولدها، وتزويجها من النبي (صلى الله عليه وسلم) وما صنعته


143

معه " كامرأة " كما قال شوي: من مكر وكيد " كيدهن عظيم ".

وإنها قد أقامت مع النبي نيف وثمانية أعوام، ثم أخذ يذكر أنها كانت تؤيد خلفاء النبي " أبي بكر، وعمر، وعثمان " في أو خلافته ثم انحرافها عنه وترأسها للمعارضة له حتى بلغ من أمرها أنها كانت تحرض على قتله، وما أن قتل هذا الخليفة بسبب خروجه عن نهج سابقيه، وتركه الأمر لقومه يتصرفون فيه بأهوائهم حتى " برزت " تعارض عليا معارضة شديدة لم يلق مثلها من غيرها، وكان في أول شئ بدا منها لهذا الإمام العظيم أنها ما كادت تعلم بنبأ بيعته حتى ثارت ثائرتها وصاحت: لا يمكن أن يتم ذلك! ولو انطبقت هذه - أي السماء على الأرض - ولما لثت أن ألبت عليه طلحة والزبير وقادوا جميعا الجيوش الجرارة لمحاربة علي (رضي الله عنه) في وقعة الجمل - وكانت تركب جملا من المدينة إلى البصرة، وبعد أن انتهيت هذه المعركة بسفك الدماء المحترمة انتهت المعركة بقتل طلحة فأعادها " علي (رضي الله عنه) " إلى المدينة مكرمة لم ينلها سوء، ولكنها لم تحفظ له هذا الجميل، ولم ترجع عن غيها وظلت تعمل ضده بكل وسيلة وكان من ذلك أن كانت تؤيد معاوية في حروبه مع " علي (رضي الله عنه) " ولم تهدأ ثائرتها حتى قتل علي فقرت عينها، وهدأت نفسها، وتمثلت عند قتله بقول الشاعر:

فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينا بالإياب المسافر

وقد كان ذلك بسبب ضغنها لعلي (رضي الله عنه)، وما يكنه صدرها له لأنه زوج فاطمة بنت خديجة.

وما كان لموقفه من حديث الإفك ما بينه شاعر الإسلام الكبير: أحمد شوقي بأحسن بيان فقال يخاطب عليا (رضي الله عنه) بقوله:

يا جبلا تأبى الجبال ما حمل
ماذا رمت عليك ربة الجمل


144

أثأر عثمان الذي شجها
أم غصة لم ينتزع شجاها

ذلك فتق لم يكن بالبال
كيد النساء موهن الجبال

وإن أم المؤمنين لامرأة
وإن تلك الطاهرة المبرأة

أخرجها من كنها وسنها
ما لم يزل طول المدى من حنقها

هذا بعض ما قاله شاعر الإسلام في علي (رضي الله عنه) في كتاب أرسله إليها وإلى طلحة والزبير أثناء وقعة الجمل، لو أنها عقلته وتدبرته لاشتد ندمها واستغفرت الله مما أجرمت وإن كان الظن أن الله لا يغفر لها.

قال (رضي الله عنه):

وأنت يا عائشة فإنك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، ثم تزعمين أنك تريدين الإصلاح بين المسلمين فخبريني ما للنساء وقود الجيوش؟ والبروز للرجال؟ والوقع بين أهل القبلة، وسفك الدماء المحترمة؟.

ثم إنك على زعمك طلبت دم عثمان، وما أنت وذاك؟ وعثمان رجل من بني أمية وأنت من تيم؟ إنك بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول الله: اقتلوا نعثلا فقد كفر! ثم تطلبين اليوم بدمه! فاتقي الله وارجعي إلى بيتك والبسي عليك سترك والسلام.

هذه لمحة خاطفة مما حواه كتاب " أحاديث عائشة " ولو نحن ذهبنا نبين ما فصله هذا العالم المحقق في كتابه هذا مما أوفى به على الغاية، ولم نر مثله من قبل لغيره لاحتجنا إلى كتاب برأسه..

وإذا كان لا بد من كلمة نختم بها قولنا هذا الموجز فإنا نقول مخلصين: إنه يجب على كل من يريد أن يقف على حقيقة الإسلام في مستهل تاريخه إلى بيعة يزيد فليقرأ


145

كتابي هذا العلامة " عبد الله بن سبأ - وأحاديث عائشة " وليتدبر ما جاء فيهما، فإن فيهما القول الفصل.

أما ما نرجوه من العلامة مؤلفهما فهو أن يغذ السير في هذا الطريق الذي اختطه حتى يتم ما أخذ نفسه به.

والله ندعو أن يكتب له التوفيق، والسداد في عمله، إنه سميع الدعاء...

محمود أبو رية

القاهرة: عن جيزة الفسطاط

ليلة الجمعة 18 رمضان المبارك 1381 هـ

الموافق 23 فبراير 1962 م

هذا وإني لما غادرت القاهرة وأتيت إلى سوريا ولبنان وقبل وصولي العراق عرفت فضيلة الأستاذ الشيخ محمود أبو رية على جماعة من الأساتذة والعلماء والكتاب في كل من سوريا ولبنان، والعراق:

كالأستاذ صدر الدين شرف الدين (1).

وفضيلة الشيخ محمد جواد مغنية (2).

(1) صاحب مجلة النهج التي تصدر في صور - لبنان ومؤلف كتاب: " هاشم وأمية "، وحليف مخزوم، وغيرهما.

(2) الشيخ محمد جواد مغنية ولد سنة (1322 هـ) في قرية (طير دبا) من جبل عامل وتوفي في (21 محرم سنة 1400 هـ) في بيروت - لبنان.

درس على شيوخ قريته ثم سافر إلى النجف الأشرف فأنهى هناك دراسته. وكان من أبرز أساتذته السيد حسين الحمامي. ثم عاد إلى جبل عامل فسكن قرية (طير حرفا) ثم عين قاضيا شرعيا في بيروت، ثم مستشارا للمحكمة الشرعية العليا، فرئيسا لها بالوكالة... فنجح في إقصائه عن الرئاسة. ثم أحيل إلى التقاعد فانصرف إلى التأليف فأخرج العدد من المؤلفات من أهمها: " الفقه على المذاهب الخمسة " و " فقه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) " في ستة مجلدات و " التفسير الكاشف " وهو تفسير مطول للقرآن و " في ظلال نهج البلاغة " وهو شرح له، و " التفسير المبين " وغير ذلك. انظر أعيان الشيعة: 9 / 205 بيروت 1304 هـ


146

وآية الله الإمام الخوئي (1).

(1) هو السيد أبو القاسم بن السيد علي أكبر بن المير هاشم الموسوي الخوئي النجفي، من أعاظم زعماء الشيعة الإمامية في العالم الإسلامي وكان المرجع الأعلى الديني الوحيد لطائفة الشيعة الإمامية في جميع أنحاء العالم وله: " البيان في تفسير القرآن " و " معجم رجال الحديث " و " إعجاز القرآن " وغيرها. وإليك ترجمة حياته بقلمه، قال (قدس سره):

" نشأت في خوي مع والدي وإخوتي، وأتقنت القراءة والكتابة، وبعض المبادئ حتى حدث الاختلاف الشديد بين الأمة لأجل (حادثة المشروطة)، فهاجر والدي من أجلها إلى النجف الأشرف سنة 1328 هـ والتحقت به في سنة 1330 هـ برفقة أخي الأكبر المرحوم السيد عبد الله الخوئي وبقية أفراد عائلتنا.

أساتذته:

1 - آية الله الشيخ فتح الله (المعروف بشيخ الشريعة الإصفهاني)، توفي سنة 1339 هـ.

2 - آية الله الشيخ مهدي المازندراني.

3 - آية الله الشيخ ضياء الدين العراقي (1278 - 1361 هـ).

4 - آية الله الشيخ محمد حسين الإصفهاني الكمباني (1296 - 1361 هـ).

5 - آية الله الشيخ محمد حسين النائيني (1273 - 1355 هـ).

6 - آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي (1282 - 1352 هـ).

7 - آية الله السيد حسين البادكوبي (1293 - 1358 هـ).

ويذكر الإمام الخوئي بأن الشيخ محمد حسين الأصفهاني، والشيخ النائيني أكثر من تتلمذ عليهم فقها وأصولا. قال: " حضرت على كل منهما دورة كاملة في الأصول، وعدة كتب في الفقه حفنة من السنين، وكنت أقرر بحث كل منهما على جمع من الحاضرين في البحث، وفيهم غير واحد من الأفاضل، وكان المرحوم النائيني آخر أستاذ لازمته، ولي في الرواية مشايخ أجازوني أن أروي عنهم كتب أصحابنا الإمامية وغيرهم، ولذا أروي بعدة طرق كتبنا الأربعة: (الكافي، الفقيه، التهذيب، الإستبصار)، والجوامع الأخيرة: (الوسائل، البحار، الوافي) وغيرها من كتب أصحابنا (قدس سرهم). فمن تلك الطرق ما أرويه عن شيخي النائيني، عن شيخه النوري بطرقه المحررة في خاتمة كتابه: (مستدرك الوسائل) المعروفة ب (مواقع النجوم) المنتهية إلى بيت العصمة والطهارة.

وقد أكثرت من التدريس، وألقيت محاضرات كثيرة في الفقه، والأصول، والتفسير، وربيت جما غفيرا من أفاضل الطلاب في حوزة النجف الأشرف، فألقيت محاضراتي (بحث الخارج) دورتين كاملتين لمكاسب الشيخ الأعظم الأنصاري قدست نفسه، كما درست جملة من الكتب الأخرى، ودورتين كاملتين لكتاب الصلاة، وشرعت في 27 ربيع الأول سنة 1377 هـ في تدريس فروع (العروة الوثقى) لفقيه الطائفة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي مبتدئ بكتاب (الطهارة) حيث كنت قد درست (الإجتهاد والتقليد) سابقا وقطعت شوطا بعيدا فيها والحمد لله حيث وصلت إلى كتاب (الإجازة)، فشرعت فيه في يوم 26 ربيع الأول سنة 1400 هـ، وقد أشرفت على إنجازه الآن في شهر صفر 1401 هـ.

وألقيت محاضراتي في الأصول (بحث الخارج) ست دورات كاملات، أما السابعة فقد حال تراكم أشغال المرجعية دون إتمامها، فتخليت عنها في مبحث الضد.

وفي غضون السنين السابقة شرعت في تدريس تفسير القرآن الكريم برهة من الزمن إلى أن حالت ظروف قاسية دون ما كنت أرغب فيه من إتمامه.

وكم كنت أود انتشار هذا الدرس وتطويره. وإني أحمد الله تعالى على ما أنعم به علي من مواصلة التدريس طيلة هذه السنين الطوال، وما توقفت إلا في الضرورات كالمرض، والسفر، حيث تشرفت بحج بيت الله الحرام عام 1350 هـ وعام 1368 هـ) انتهى كلامه (قدس سره).

وصدر من تقريراته في الفقه، والأصول، ما كتبه أفاضل تلامذته ما يقرب من أربعين مجلدا، وإليك أسماءها:

1 - تنقيح العروة الوثقى، ستة أجزاء (فقه).

2 - دروس في فقه الشيعة، أربعة أجزاء (فقه).

3 - مستند العروة، ثلاثة أجزاء (فقه).

4 - فقه العترة، جزءان (فقه). وبقية الأجزاء من هذه الكتب الأربعة ما تزال مخطوطة.

5 - تحرير العروة، مجلد (فقه).

6 - مصباح الفقاهة، ثلاثة أجزاء (فقه).

7 - محاضرات في الفقه الجعفري، جزآن (فقه).

8 - الدرر الغوالي في فروع العلم الإجمالي، مجلد (فقه).

9 - محاضرات في أصول الفقه، دورة كاملة طبع منها خمسة أجزاء.

10 - مصباح الأصول، جزآن (أصول).

11 - مباني الاستنباط، جزآن (أصول).

12 - دراسات في الأصول العملية، مجلد (أصول).

13 - مصابيح الأصول، مجلد (أصول).

14 - جواهر الأصول، مجلد (أصول).

15 - الأمر بين الأمرين، مجلد (أصول).

16 - الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد، مجلد (أصول).

17 - رسالة في تحقيق الكر، جزء واحد.

18 - رسالة في حكم أواني الذهب، جزء واحد. انظر: دليل معجم رجال الحديث: ص 1714 طبع بيروت.

وترجم سيدنا الإمام الخوئي الشيخ آغا بزرك الطهراني وقال:

"... وله يد طولى في التفسير والتصانيف منها: (نفحات الإعجاز) و (رسالة في اللباس المشكوك) و (رسالة في الغروب) و (رسالة في قاعدة التجاوز) و (رسالة في إرث الزوج والزوجة قبل الدخول).. وغيرها. انظر: طبقات أعلام الشيعة نقباء البشر: 1 / 71 72.

وانتقلت روح هذا الإمام الراحل فقيد الطائفة ومرجعها وزعيمها الأوحد إلى الرفيق الأعلى في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر من يوم السبت الموافق 8 صفر عام 1413 هـ ودفن في مقره الأخير بجوار الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في إحدى حجرات الصحن العلوي الشريف التي كانت مدخلا كيشوانية إلى مسجد الخضراء الملاصق للصحن الشريف في الساعة الرابعة بعد منتصف ليلة الأحد 9 صفر، تغمده الله برحمته الواسعة وحشره مع آبائه الطاهرين أئمة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام. وقد أرخ وفاته صاحب الفضيلة العلامة الشيخ محمد حسين الأنصاري أيده الله تعالى وقال: (إخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) *.

أيها الوادي الذي لا زال سرا
قد لوى كفك كف الكون لي

كلما غابت شموس فيك زهرا
زدت للناس عطاء زدت في

فيك كم عالم جيل غاض بحرا
قد طواه الموت في واديك طي

مذ ملى الخوئي تاريخك وفرا
قصر الموت أبو القاسم حي

287 + 390 + 477 + 18 ‌ 1413 هـ

مجلة النور، تصدر في لندن، السنة الثانية، العدد: 18 / 31.


147


148


149

والعلامة الأستاذ الشيخ أحمد الوائلي (1).

(1) الأستاذ الكبير الدكتور الشيخ أحمد الوائلي أحد الأعلام والشعراء اللامعين في العراق، ومن الخطباء الموهوبين الأفذاذ، تخرج من كلية الفقه في النجف الأشرف، وحصل على درجة الدكتوراه من كلية دار العلوم بالقاهرة. وكان سابقا رئيس جمعية منتدى النشر في النجف الأشرف العراق وسكن في الآونة الأخيرة مدينة دمشق الشام ومن آثاره:

نحو تفسير علمي للقرآن طبع في النجف الأشرف عام 1391 هـ وله:

1 - أحكام السجون بين الشريعة والقانون.

2 - استغلال الأجر وموقف الإسلام منه.

3 - هوية التشيع.

4 - منتجع الغيث تراجم الصحابة والأعيان من بني ليث.

5 - الأدب في عصوره الثلاثة.

وله ديوان شعر ومؤلفاته هذه مخطوطة وكان هذا الأستاذ قد أرسل كتاب الغدير في 11 مجلد للشيخ محمود أبو رية كما جاء ذكره في هذه الرسالة الآتية وكنت قد أرسلت رسالة من النجف الأشرف لفضيلة العلامة الكبير الشيخ محمود أبو رية قبل نهاية عام 1969 م وطلبت منه أن يرسل لي بالبريد ما تبقى لديه من كتابه:

شيخ المضيرة " أبو هريرة " فأجابني بهذا الخطاب المؤرخ في 22 / 2 / 1970 وإليك نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الكريم الأستاذ الفاضل مرتضى الرضوي حفظه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكل عام وأنتم وسائر الأسرة الكريمة بخير وسعادة.

وبعد فقد ذهبت بالأمس إلى دار المعارف كما وعدوا لكي يعطوني البيان الصحيح عن النسخ الباقية من شيخ المضيرة بعد ما كانوا يعطون بيانات مختلفة وقد أعطوني بيانا قالوا إنه هو الصحيح الذي جاء بعد الجرد السنوي المعتمد وهذا البيان مؤرخ في (21 / 3 / 1969 م). وقد جاء فيه:

أن النسخ الباقية من الكتاب هي: 123 نسخة في جميع فروع الدار في مصر وغيرها من البلاد ويطرح من ذلك 54 نسخة التي أرسلت إليكم أخيرا فيكون الباقي 69 نسخة وهذا البيان لا شك فيه هو المعتمد.

وإني في انتظار خطاب منك عن وصول ال 54 نسخة الأخيرة حتى أطمئن.

وإني أسرك بخبرين، ذلك أنني تلقيت أخيرا تفسير التبيان لشيخ الطائفة وهو في عشرة أجزاء كبار وكانت هدية من المفضال الحاج عبد الرزاق العويناتي. وكتاب الغدير من تأليف العالم الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي، وهو 11 مجلدا وهو دائرة معارف وقد عكفت على قراءته لأنه يعينني كثيرا على الكتاب الذي أنا بصدده عن " علي (عليه السلام) " وأدعو الله أن يعينني على قراءته واستخراج ما فيه مما ينفع كتابي والذي تفضل بإرساله إلي هو العلامة: أحمد الوائلي ولعلك تشكرهما عني. وقبل أن أختم خطابي هذا أعيد الرجاء في إخباري عن كل ما طلبت منك الإجابة عنه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجيزة في 22 / 2 / 1970 محمود أبو رية


150

والأستاذ رشيد الصفار وقد تبودلت الرسائل بينه وبين السيد صدر الدين شرف الدين وطلب من الشيخ أن يراسله وأرسل له فصولا من كتابه " شيخ المضيرة " فنشر منه في عدة أعداد من مجلته " مجلة النهج " وتوثقت بينه وبين الشيخ الاتصالات، وتبادلت بينهما الرسائل حتى استطاع الأستاذ صدر الدين أن يقوم بطبع كتابه " شيخ المضيرة " الطبعة الأولى في صور - لبنان (1) وكما تبادلت الرسائل بينه وبين الشيخ محمد جواد مغنية حول طبع " شيخ المضيرة أبو هريرة " وذلك قبل أن يتم الاتفاق مع السيد صدر الدين شرف الدين كما تبادلت الرسائل بينه وبين آية الله الخوئي، والأستاذ رشيد الصفار.

وفي 12 / 10 / 1963 م تسلمت طردا من دائرة بريد النجف مرسله فضيلة الأستاذ " أبو رية " من القاهرة وفي باطنه ثلاثة نسخ من كتاب: " أبو هريرة راوية

(1) الطبعة الثانية منه طبعت تحت إشراف المؤلف في دار الكتاب العربي بمصر للحاج محمد حلمي المنياوي، والطبعة الثالثة طبعت بمطابع دار المعارف بالقاهرة تحت إشراف المؤلف أيضا.


151

الإسلام " بقلم الحجاج الخطيب الشامي وقد صدر هذا الكتاب ضمن سلسلة أعلام العرب إلى الأسواق بتاريخ 7 / 11 / 1963 وكانت النسخ مهداة لي وللسيد العسكري وللأستاذ رشيد الصفار (1) هو لأني كنت همزة وصل وتعريف بينهم.

وفي إحدى رحلاتي إلى القاهرة التقيت بالأستاذ رشيد الصفار فكان يذهب معي إلى منزل الأستاذ الشيخ محمود أبو رية.

وكان آية الله الخوئي عندما تصل إليه رسائل الشيخ محمود أبو رية كان يرسل علي ويطلعني عليها أو يرسلها لي لأطلع عليها.

وفي أحد الأيام جاءني السيد عماد حفيد آية الله الخوئي وقال:

إن جدي يطلب حضورك، وكان عندي جماعة وعندما انصرفوا توجهت إلى دار سماحته ولما دخلت سلمت وجلست فتوجه نحوي سماحته وقال:

لقد تأخرت علينا في المجئ وأرسلت الرسالة إليك مع فضيلة السيد مرتضى الحكمي (2). وعند ذلك جلست زمنا يسيرا وإذا بفضيلة السيد الحكمي قد دخل

(1) رئيس ملاحظي الحقوق في المصرف الزراعي المركزي في بغداد، ومحقق " ديوان الشريف المرتضى " المطبوع في ثلاثة أجزاء بمصر، وكتاب " جمل العلم والعمل " للشريف المرتضى أيضا وطبع في النجف وإيران.

(2) انحدر من سلالة هاشمية، وأسرة عريقة في العلم والدين والسيادة، ونشأ في ظل والده المجتهد آية الله السيد محمد حسين الدزفولي، وكان من العلماء الذين شهد بفضله، واجتهاده المغفور له الإمام النائيني أستاذ العلماء والمراجع في عصرنا هذا.

وقد بدأ دراسته الدينية في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف وتابعها، وكما حصل على دراسته المنهجية، فحاز شهادة الليسانس في الشريعة واللغة من كلية الفقه في النجف الأشرف. وقد اختير ملازما للإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء صاحب كتاب " أصل الشيعة وأصولها "، وساهم في إدارة مرجعيته كما كان على صلة خاصة بالحجة الشيخ قاسم محيي الدين أحد أعلام النجف الأشرف، وحقق كتابه: " البيان في غريب القرآن " وانتخب عضوا بارزا في جمعية التحرير الثقافي، وعين مديرا لإدارتها.

أبدى فيها نشاطا ثقافيا ملحوظا. فقد أنيط به مجلة باسم " النشاط الثقافي " وهي تمثل أوجه النشاطات الدينية والثقافية.

كتب افتتاحياتها المركزة وحرر أبوابها الأخرى، وعالج فيها مختلف المسائل الاجتماعية والأدبية. وعلى أعقاب هذه الفترة تصدى بكل قدراته لحماية الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، وإدارة شؤونها في عهد المرجع الأعلى الإمام الخوئي الذي ظل يعتمده في حل مشاكلها العامة في أحلك الظروف. وقد كتب مقدمتين علميتين لكتابي الإمام الخوئي (قدس سره) إحداهما لكتاب:

" البيان في تفسير القرآن " وآخرهما لكتاب: " معجم رجال الحديث " وكان له فضل كبير في إخراجهما وتنسيقهما.

وقدم لكتب أخرى علمية وفكرية وهي في مختلف حقول الفقه والأصول، والتاريخ والأدب، والحديث، والكلام.

أبدع في التعريف عنها وتمتاز كتاباته باللغة البليغة وبالاختصاص فيما يكتب من الحقول المختلفة.

وله مؤلفات في الفلسفة والأدب والتاريخ؟ كما أن له أبحاثا ومقالات نشرتها مختلف المجلات، عالج فيها مختلف مسائل الفكر والعقيدة.

وقد ذكر في أمهات المصادر من أمثال " نقباء البشر " للحجة الشيخ آغا بزرك الطهراني، و " معارف الرجال للحجة الشيخ محمد حرز الدين و " معجم المطبوعات النجفية " و " معجم رجال الفكر " للشيخ هادي الأميني كما ورد له ذكر في كتب ومجلات عديدة لا تخفى على القارئ المتتبع.

ويسكن في الوقت الحاضر مدينة طهران؟ ولم يفتأ يتابع قضايا الفكر والعقيدة في كتاباته وآثاره.


152

علينا فتوجه إليه آية الله الخوئي وقال:

لقد حضر السيد، فأعطه رسالة الشيخ ليطلع عليها فتسلمتها وقرأتها وهذا بعضها:

" عزمت على وضع كتاب باسم:


153

" أمير المؤمنين علي وما لقي هو وبنوه من أصحاب رسول الله ".

أولا: من الثالوث الأول أبو بكر وعمر وعثمان.

ثانيا: من الثالوث الثاني عائشة وطلحة والزبير.

وثالثة: الأثافي ما صنعه عثمان من تأسيس الدولة الأموية ثم انتهاء أمر الخلافة إلى سكير خمر عربيد ملعون هو وأبوه وجده.

وإني الآن أعكف على قراءة المصادر التي تعينني على ذلك وكل ما أرجوه أن يوفقني الله إلى أداء هذا العمل على أكمل وجه (1).

محمود أبو ريه

القاهرة: 12 / 1 / 1388 هـ

وفي 5 / 11 / 69 وصلتني رسالة من الأستاذ " أبو رية " تاريخها 26 / 10 / 1969 من القاهرة يقول فيها:

" كتاب قصة الحديث المحمدي " الذي كانت وزارة الثقافة قد طلبته مني منذ عشر سنين ووقف الأزهر في سبيله حتى لا يظهر قد أراد الله أن يظهر رغم أنف الأزهر بعد ما قرأه الدكتور طه حسين وشهد بقيمته شهادة فائقة وسأرسل لك نسخة منه هدية ومعها بعض نسخ لأصدقائنا الأعزاء ومع كل نسخة بيان مطبوع منا...

وفي 20 / 11 / 1969 جاءني البريد ويحمل ملفا فيه ثلاث نسخ من الكتاب " قصة الحديث المحمدي " أحدهما كانت باسمي، والثانية باسم السيد العسكري،

(1) هذه الرسالة بخط الشيخ محمود أبو رية وتوقيعه موجودة لدى الزعيم الديني والمرجع الأعلى للشيعة الإمامية صاحب السماحة آية الله العظمى الإمام الخوئي طاب ثراه.

- المؤلف -


154

والثالثة للأستاذ رشيد الصفار وفي كل نسخة بيان مطبوع وإليك نصه:

للحقيقة والتاريخ

كان من حق هذا الكتاب (قصة الحديث المحمدي) أن يخرج إلى الناس مطبوعا منذ أكثر من عشر سنين، ذلك بأن وزارة الثقافة المصرية كانت قد طلبت منا مختصرا لكتابنا: " أضواء على السنة المحمدية " عندما ظهرت طبعته الأولى في سنة 1958 م لتجعله حلقة في سلسلة مكتبتها الثقافية، وقبل نشره عرضته على الأزهر ليبدي رأيه فيه وما كاد يقف عليه حتى أرصد له من كيده فرماه بأن فيه ما يخالف الدين وطلب عدم نشره وتداوله بين المسلمين (1)، ولم تستطع هذه الوزارة أن تخالف عن أمره لأنه ما يربطه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وظل هذا الكيد يلاحق الكتاب هذه السنين الطويلة لكي يحول دون نشره بين الناس (2) إلى أن علم أخيرا بالأمر نصير الدين والفكر الدكتور طه حسين طلب أصول الكتاب من وزارة الثقافة ولما اطلع عليه أعاده علينا مع خطاب، دحض فيه ما رماه الأزهر به.

وصرح في جلاء أنه موافق للدين كل الموافقة لا يخالفه ولا ينبو عنه في شئ

(1) الشخص الذي يرمز إليه الأستاذ أبو رية هو الشيخ محمد أبو زهرة كما أخبرني فضيلته بذلك في إحدى رحلاتي إلى القاهرة وهذا الشيخ من علماء الأزهر وأستاذ الشريعة والقانون بكلية الحقوق بجامعة القاهرة.

(2) وقف الأزهر في سبيل هذا الكتاب كما وقف في سبيل كتابين لنا آخرين وهما كتاب: " دين الله الواحد " وكتاب " صيحة جمال الدين " وقامت في سبيل ذلك معارك حامية على مجلة الأزهر وغيرها واهتم الناس بهذه المعارك وتوقعوا ما قد يترتب عليها من عواقب قد تضرنا لأن الأزهر بقوته وجحافله كان يحاربنا ونحن وحدنا ولم يكن وراءنا في هذا المعمعان أحد يؤيدنا، ولكن الله سبحانه هو العون والوزر وقد كتب لنا بفضله النصر والظفر، وبتأييده تعالى باءت كل الحملات التي وجهت إلينا. من كل جانب بالخيبة والهزيمة والحمد لله حمدا كثيرا.


155

مطلقا.

وأنه مفيد فائدة كبيرة جدا في علم الحديث...

وأن في نشره الخير كل الخير، والنفع كل النفع وبذلك انحسم الأمر، وحصحص الحق، واتخذ الكتاب سبيله إلى الناس مطبوعا لينتفعوا به.

ولأهمية خطاب الدكتور طه حسين نشرنا صورته على غلاف الكتاب، تبصرة لأولي الألباب.

محمود أبو ريه

13 / 10 / 1969 م


156


157

- 3 -

الأستاذ فكري عثمان أبو النصر

من خريجي الأزهر الشريف

والمدرس بوزارة التربية والتعليم


158

ولادته ولد في قرية تلبانة في أعمال مركز المنصورة عام 1927 م.

درس في الأزهر الشريف.

تخرج في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1945 م.

لا يزال يمارس في المدارس الحكومية التابعة لوزارة التربية والتعليم.

هو اليوم محرر في جريدة الأهرام بمصر.

له كتاب: " من كفاحنا الفكري " و " ذكريات خالدة " وغيرهما.


159

تعرفت إلى هذا الأستاذ عن طريق الأستاذ خاله الشيخ محمد عبد المنعم خفاجي وحينما أقدمت على طبع الموسوعة الفقهية " وسائل الشيعة ومستدركاتها " طلبت من الأستاذ الشيخ محمد عبد المنعم خفاجي أن يعرفني على أستاذ ليقوم بتصحيح ملازم هذا الكتاب الفقهي الخالد فدلني على الأستاذ فكري، وبعد أن تم طبع المجلد الثاني من هذه الموسوعة الفقهية " وسائل الشيعة ومستدركاتها " عرضت على الأستاذ فكري أن يكتب لبعض أجزاء هذه الموسوعة الحديثية كلمة حول أحاديث العترة النبوية فتفضل مشكورا بهذه الكلمة الخالدة وإليك نصها:

- 1 -

وسائل الشيعة من فقه العترة الطاهرة

كتاب فذ جامع لأحاديث رسول الإسلام الكريم، وأحاديث أهل بيته وعترته الأكرمين والاستدلال بها على صحة أحكام الدين - في العبادات والمعاملات - على المذهب الشيعي.

والشيعة مذهب إسلامي عظيم - لا يختلف، من حيث العبادات والمعاملات في كثير عن مذاهبنا الأربعة في مصر - وهو إلى الحنفية أكثر تطابقا، وأقرب شبها، كما


160

أنه من حيث نظرته الفلسفية العميقة لأحداث الإسلام الأولى يتجاوب مع شعورنا، ولا يختلف عن فلسفتنا - لولا ما يتقيد به من عدم الأخذ والاستدلال بأي حديث آخر - مهما كانت قوة سنده، وصحة ثبوته، وروايته بعكس أهل السنة الذين يأخذون بهذا وذاك.

والشيعة في ذلك التقيد بأحاديث العترة الطاهرة - لهم حججهم الفلسفية أنهم هم الذين أحاطوا بالإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ونادوا بأحقيته في الخلافة - وأنه أحق بها وأهلها - لقد أحاطوا بهذا الحق وناصروه نصرا عزيزا وتساقطوا من حوله جماعات - إنه حق الإمام علي وخلفه في ولاية المسلمين.

لعمري اتجاه من الشيعة ينبئ عن قلوب عامرة بالإيمان، صادقة في الإحساس، حرة في التفكير، صادقة في العزيمة - وهو ما يشتهر به إخواننا الشيعة في أقطار المسلمين: في العراق، وإيران، والبحرين، واليمن، والهند، وباكستان، والبرازيل، و...

ومن الخطأ البين أن يعتقد ويظن أن الشيعة لم تتكون إلا في غمرة تلك الأحداث المروعة التي أثارها معاوية لا...

لقد تشيع الناس لعلي بعد وفاة الرسول (عليه السلام)، يوم نادى الأنصار بالخلافة، ونادى بها سائر العرب للمهاجرين، والقرشيين من آل الرسول، ولم ينته الخلاف إلا بعد أن حسمه عمر.

ولما لم ينظر لها نظرة فلسفية بعيدة المدى، عميقة الغور: فقد أخطأ هذه النظرة الفلسفية التي حققت صدقها الأحداث - هي أنه بخروج ولاية المسلمين عن آل البيت - حتى ولو كانت لأبي بكر وعمر وعثمان - قد أصبحت معرضة لأن ينتزعها


161

الأقوى والأدهى - فيما بعد أبي بكر وعمر وعثمان وتصبح هدفا للطامعين والمغامرين.

أما لو كانت في آل البيت وحدهم مع العمل بمبادئ الشورى والنصيحة التي أقرها الإسلام - لو أن عمر " رض " أيد هذا الاتجاه، ونظر هذه النظرة وتعمق هذا التعمق لما وقعت هذه المآسي، بل لظل الإسلام أبد الدهر أعلى مكانة، وأبسط نفوذا، وأقوى إشراقا، وأهدى سبيلا، ولكانت لنا في الشرق خلافة إسلامية ودولة عربية تصارع دولة الفاتيكان الرومية، وقوة الغرب المادية.

هذا ما استوحيته من اطلاعي على هذا الكنز الصادق من الأحاديث في العبادات، والتشريع، والآداب الإنسانية التي يشتهر بها الشيعة في بقاع الأرض.

ولما كانت قراءتي لهذا السفر لمجرد الاطلاع - بل كانت لمراجعته ودرسه وقياسه على مذاهبنا، فراجعته مرة لإعداده إملائيا ونحويا ولغويا، ونقله من تلك الطبعة اليدوية القديمة إلى تلك الطبعة الواضحة الصحيحة - مع جمع الكتابين وتنسيقهما، ومرتين آخرتين لتصحيح ما يقع فيه جامعوا الحروف من أخطاء وأنا في هذه القراءات الثلاث دارس عميق الدرس - فهو أول كتاب أقرؤه للشيعة، والمصدر الثاني لمعلوماتي عن الشيعة هي: تلك الأحاديث الشيقة، والمعلومات القيمة عن حقيقة المذهب التي كانت تضمنا وتجمعنا بالسيد مرتضى الرضوي الذي أتاح لي المساهمة المتواضعة في إخراج هذا السفر الجليل، والبدء في دراسة هذا المذهب التشريعي النبيل.

والحق يقال: إن حقيقة مبادئ وفلسفة المذهب الشيعي تكاد تكون مجهولة جهلا تاما في مصر - حتى في أوساط فقهائنا وعلمائنا السنيين!!


162

مما حدا بأزهرنا الشريف إلى تقرير تدريس المذهب الشيعي وفلسفته في الكليات الأزهرية - وهو ما ننتظره ونرجوه - لتتوحد الآراء، وتستقيم الموازين، وتتحقق الآمال.

والله ولي التوفيق والهداية.

فكري أبو النصر

من علماء الأزهر الشريف

ومدرس الأدب العربي بالليسيه الفرنسية " سابقا " / القاهرة

وفي رحلتي إلى القاهرة عام 1394 هـ المصادف عام 1975 م زرت الأستاذ فكري أبو النصر في مبنى جريدة الأهرام بشارع الجلاء بالقاهرة وحددت الموعد معه للزيارة في منزله وأهديت له مجموعة من مطبوعاتنا في القاهرة مع كتاب:

" المراجعات " للإمام شرف الدين طاب ثراه وطلبت منه أن يكتب لنا انطباعاته عن الكتاب لنقدمه له عند نشره، وقد طبع كتاب " المراجعات " في القاهرة عام 1396 هـ - 1976 م وبه التقديم الذي كتبه الأستاذ فكري عن الكتاب وهذا نصه (1).

- 2 -

المراجعات

الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القيم. والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله وأنبيائه: محمد بن عبد الله... الذي أرسله الله رحمة للعالمين وعلى عترته

(1) أوردنا هذا التقديم في الطبعة السابعة عشر لكتاب " المراجعات " المطبوع بمصر في مطبعة دار المعلم بالقاهرة 8 شارع جنان الزهري السيدة زينب وتجده في الطبعة التاسعة عشر المطبوعة بمطبعة الكيلاني 22 شارع غيط العدة بالقاهرة وما بعدها في الطبعات التي صدرت أخيرا بعد عام 1977 بمصر - المؤلف -.


163

أئمة الهدى من بعده إلى يوم الدين.

أما بعد: فقد تفضل مشكورا أخي في الله وصديقي السيد الأستاذ مرتضى الرضوي - بإهدائي مجموعة قيمة من الكتب في المذهب الشيعي الإمامي، ومن بينها كتاب " المراجعات " وهو يشتمل على حوار ممتع صاف حول المذهب الشيعي.

ويستخرج دفائنه بين إمامين جليلين هما:

الإمام الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الأسبق.

والإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي الشيعي الإمامي (رحمهما الله).

وطلب مني أن أقدم لموسوعته الإسلامية التي يعتزم إعادة طبعها.. وقد أجبته إلى طلبه شاكرا له ثقته، ومستعينا بما أهدانيه من أسفار في المذهب الشيعي الإمامي الجعفري من جهة، ومناقشاتنا المستفيضة في المذاهب الإسلامية وأحكامها. كلما ضمنا لقاء، وجمعت بيننا الظروف التي كثيرا ما تدفعه للحضور إلى القاهرة ولقاء أصدقائه وأحبائه وشيعته فيها.

ومن ضمن هذه الموسوعة الإسلامية كتاب: " المراجعات " بما تحويه من معتقدات وأحكام في المذهب الشيعي الإسلامي الكبير.. أصوله وفروعه. وبما تلقيه من أضواء ساطعة، تنير الطريق، وتهدي الساري، وتقود الباحث إلى حيث يجد ضالته، ويقف على بغيته.

إنما تؤدي خدمة كبرى لجمهور الباحثين وعلماء المذاهب الأخرى الذين يفتقرون إلى الغوص في ثنايا المذهب الإمامي والوقوف على حقائقه وأسانيده وما يتفق وما يختلف فيه مع المذهب السني وغيره من المذاهب. ودراسته دراسة موضوعية علمية ومنصفة. حتى يمكن فتح باب الحوار والمناقشة معه من جديد.

حوار يزيد من رابطة الدين بين المذهبين الكبيرين ويقوي أواصر التعاطف


164

والفهم فيما بينهم بأكثر مما هو قائم الآن.

ونبذ ما يدعو إلى الفرقة والخصام، والعمل الجاد على انفتاح الطوائف والمذاهب الإسلامية بعضها على بعض وإزالة هذه الجدر الوهمية التي أقيمت بينها. مما يؤدي حتما إلى الالتقاء على نقاط كثيرة مما يتصورها البعض نقاط خلاف. إذا ما توفرت النية الحسنة، والرغبة في تشكيل قاعدة متينة من التعاون الصادق والمشترك، وحصر نقاط الاختلاف، توطئة لتطويقها، وتجاوزها إلى ما فيه نفع الإسلام ومصلحة المسلمين.

ومن ثم إلى الاستمرار في نشر الدين وتماسك أهله وإسعادهم. ولا ننسى أبدا قول الله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.

فكيف - بالله - نترك أوامر الله ونواهيه بالاعتصام بحبله وعدم التفرق. إلى أوامر المخلوق ونواهيه بالمنابذة والتفرق.

وأود في هذا المقام أن أذكر بما يقوم به الآن أصحاب المذاهب المسيحية المختلفة من عمل جاد دؤوب، واجتماعات مستمرة. تهدف إلى إقامة نوع من الوحدة الطائفية فيما بينها.

بالرغم من الفوارق الكثيرة والبعيدة في أصول المعتقدات وفروعها. والعمل على تضييق شقة الخلاف في هدوء وروية وتفاهم. وصولا إلى أهدافهم في الوحدة والتعاون المشترك.

وفوق ذلك، فقد استطاع أحد هذه المذاهب المسيحية الكبرى أن ينقض أصلا من أصول معتقداته التي يشترك فيها معها كل المذاهب الأخرى. ابتغاء مرضاة طائفة أخرى غير مسيحية وهم - اليهود -.

ولمجرد مسايرة التطور الإنساني والمصلحة السياسية، ألا وهي تحميل اليهود


165

وزر وذنب مقتل المسيح وصلبه. وهذا الأصل المتغلغل في وجدان المسيحيين منذ نشأة المسيحية، وبسببه ظلوا يحملون الكراهية والبغضاء وصنوف الحقد والاضطهاد لليهود طوال عشرين قرنا من الزمان، حتى أصدرت دولة الفاتيكان " الرئاسة البابوية الروحية للمسيحيين الكاثوليك في روما " وثيقة تبرئ اليهود من هذا الوزر الكبير في معتقدهم.

ومما يدعو إلى الدهشة أن ذلك يتم في الوقت الذي استطاع فيه اليهود وصهاينتهم أن يحققوا نصرا على العرب المسلمين.

وكأنه مكافأة لهم على إذلالهم للعرب والمسلمين الذي تصوروا أنهم قد أصبحوا لقمة سائغة، ولن تقوم لهم بعدها قائمة، حتى كان نصر الله لهم في رمضان من عام 1393 هـ اكتوبر 1973 م الذي أذهلهم وأرعد فرائصهم.

ولم يتم هذا النصر للعرب والمسلمين إلا بأدنى حد من الوحدة فكيف بالوحدة الكاملة؟!!

إلى هذا الحد بلغت بأهل الأديان الأخرى رغبتهم في التطوير والتغيير وإلى هذا الحد يبلغ حرصهم على الوحدة الدينية والتقريب بين مذاهبهم عن طريق الحوار المخلص والجاد فيما بينهم، فأين نحن من هذا كله؟؟ وليس بين مذاهبنا مثل ما بينهم من خلاف وشقاق وتباعد.

إن أهم ما نقدمه من هذا الموسوعة الإسلامية كتاب " المراجعات " ذلك الحوار المفتوح بين العالم السني الجليل الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الأسبق. وبين العالم الشيعي الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين كبير علماء الشيعة في لبنان.

وهو حوار موضوعي أمين، يتيح التعرف على الحقيقة، بعيدا عن التحيز أو التأثر بالعاطفة المذهبية أيا كانت...


166

ومن حسن الحظ أن أهل السنة لا يختلفون مع الشيعة في محبة آل البيت النبوي الكريم، ومناصرتهم وتقديسهم. وتعاطفهم الشديد مع الإمام الأكبر علي بن أبي طالب في طلب الخلافة وأحقيته لها وذريته من بعده.

وأن منزلته من رسول الله صلوات الله عليه هي بمنزلة هارون من موسى (عليه السلام) كما لا يختلف المذهبان في معظم أصول الدين وفروعه. لولا ما يذهب إليه الشيعة من استنباط أحكام مذهبهم مما تواتر عن الأئمة الاثنا عشر من آل البيت النبوي (1) دون سواهم من صحابة رسول الله، الذين لم يشايعوا الإمام عليا " كرم الله وجهه " والعترة الطاهرة الذين خاطبهم الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.

ولا يأخذ الشيعة كذلك في الأصول بمذهب الأشعري، وفي الفروع بالمذاهب السنية الأربعة على أساس أن مذهب الأئمة أسبق منها. وبالتالي: أدعى إلى الوثوق به، وأولى بالتبعية من سواه، حيث كان عليه المسلمون في القرون الثلاثة الأولى للإسلام. وباب الاجتهاد فيه مفتوح إلى اليوم.

وكذلك لم يؤثر بالمذهب الشيعي الصراعات السياسية طوال التاريخ الإسلامي.

(1) روى البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: يكون اثنا عشر أميرا فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: كلهم من قريش صحيح البخاري 9 / 81.

وفي صحيح مسلم بسنده عن النبي (صلى الله عليه وسلم): " لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش صحيح مسلم 6 / 4 وفي 3 / 4 روايات أخرى بمضمون رواية البخاري.

وفي رواية أحمد عن مسروق قال: " كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو - يقرئنا القرآن، فقال رجل: يا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله:

ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله فقال اثني عشر كعدة نقباء بني إسرائيل - مسند أحمد وغيره.


167

وكلها أمور يمكن طرحها للمناقشة والحوار بروح التسامح والتسامي من أجل وحدة الهدف المشترك، والغاية النبيلة، البعيدة عن الأعراض والأهواء.

كما يرى بعض العلماء من المذهبين أن أفضل وسيلة يمكن بها تحقيق ذلك. أو على الأقل، الحد الأدنى منه هو أن ينظر أهل السنة إلى المذهب الشيعي باعتباره مذهبا خامسا بجانب المذاهب الأربعة السنية سواء بسواء.

وهنا تحضرني فتوى لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت عندما كان رئيسا للأزهر، نشرت عام 1959 م بمجلة " رسالة الإسلام " (1) في العدد الثالث من السنة الحادية عشر ص 228 يقول فضيلته:

" إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه مذهب معين، بل نقول: إن لكل مسلم الحق في أن يتبع أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة بها، ولمن قلد مذهبا من هذا المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك ".

ثم قال فضيلته: " إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية هو مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة ".

إن أمام العرب والمسلمين اليوم فرصة كبيرة، بما حققوه على الصعيدين العسكري والسياسي، واستثمارها إلى أقصى حد لخير الإسلام والمسلمين جميعا على اختلاف مذاهبهم وأجناسهم، وكسب مغانم كثيرة يرضونها لأنفسهم ولأوطانهم.

ونيل حقوقهم من مغتصبيها، وامتلاك إرادتهم حرة قوية منيعة، وبسط نفوذهم على ما تحت أيديهم من ثروات، وما وهبهم الله من كنوز، والتصرف فيها وفق مشيئتهم

(1) تصدرها جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة 19 شارع حشمت باشا بالزمالك.


168

وما تمليه عليهم مصالحهم ومصالح أجيالهم من بعدهم. وما يساعدهم على اللحاق بأقصى درجات التطور والتقدم العلمي والصناعي والحضاري الذي هو سمة العصر وآية الرقي...

وفي النهاية تشكيل قوة متحدة متماسكة، تستطيع أن تفرض إرادتها واحترامها، وتبرز للعالم أصالة تراثها الديني والحضاري، وتعطي للعالم زادا جديدا من الحضارة الروحية والخلقية الممتزجة في الوقت نفسه بالحضارة المادية. بعد أن يكونوا قد بلغوا الغاية في الوحدة الصافية، وساروا في تيار واحد يجرف ما يعترضه من عوائق وحواجز. يعطي الخير والنماء للإسلام وأهله كما تعيد إليه ملامح صورته المشرفة، ورسالته الحقة. (وقل اعملوا فسيرى الله علمكم ورسوله والمؤمنون).

لقد آن الأوان لأن نضع حدا لهذه الفرقة... التي أوجدها أعداء الله، أعداء الإسلام، وأصحاب الأهواء والأغراض والأطماع طول القرون الماضية...

وشغلونا بأنفسنا ومعاشنا عن واجبنا المقدس نحو نصرة دين الله والتمكن له في الأرض.

وأدخلونا في جدل عقيم، وتسلطوا على مقدراتنا.

وشوهوا كل مقوماتنا ونحن عاجزون عن صدهم، مستسلمون لكيدهم..

ليس أمامنا من سبيل - والله - إلا الوحدة...

الوحدة بكل أهدافها ومراميها وأغراضها السامية ليس من أجلنا فحسب، ولكن من أجل البشرية جمعاء.

وفي إعتقادي أن الوحدة تسبقها الوحدة الدينية، والتعاطف المذهبي... تعطي المثل والقدوة... وترفع الراية...

وحدة دينية هادئة، تحمل المشعل وتضئ الطريق للوحدة السياسية، وتضع


169

الأساس للقوة الإسلامية الكبرى التي تستطيع أن تحقق السلام على الأرض..

وترفع راية الحق والعدل فوق ربوعها من جديد.

إن العب ء الأكبر في لم شمل المسلمين، وتوحيد كلمتهم.. يقع أول ما يقع على رجال الدين...

هذه هي رسالتهم الأولى، وواجبهم الأسمى، قبل أي شئ آخر... فإن لم يؤدوها ويسعوا إلى تحقيقها... فما أدوا الرسالة ولا قاموا بواجبهم، ولا أدوا فريضة الجهاد في سبيل الله...

فلا سبيل إلا بالوحدة أساس العزة والمنعة.

إن جماعة مخلصة من كبار رجال الدين من كل المذاهب الإسلامية، يؤمنون بهذه الرسالة ويتحررون من قيود حياتهم وأغلال منافعهم الذاتية، يخلصون النية لله وحده ولدينه القويم وتتحد أفكارهم وغايتهم..

يستطيعون أن يحققوا هذا الأمل الكبير، أو على أقل القليل، يضعون اللبنة الأولى، والنواة الصالحة في الأرض الطيبة، يرعاها بعدهم غيرهم حتى تنبت وتزدهر، وتينع وتثمر، وتؤتي أكلها الطيب الشهي، ولنثق... أن الله سينصر دينه، ويتم نوره ولو كره الكافرون (1).

فكري أبو النصر

القاهرة: في 17 / 11 / 1975

(1) جاء نشر هذا التقديم في كتاب " المراجعات " وهي الأبحاث التي دارت بين الأستاذ الأكبر الشيخ سليم البشري الجامع الأزهر وبين الإمام شرف الدين العاملي حول أصول المذهب والإمامة العامة وطبعت لأول مرة بمطبعة العرفان - صيدا لبنان عام 1355 هـ - 1936 م، وصورنا هذه الطبعة بالأوفست بالقاهرة بمطبعة الأستاذ سعيد رأفت..

- المؤلف -


170


171

- 4 -

الشيخ عز الدين أبو العزائم

شيخ الطريقة العزمية


172

ولادته: ولد في مدينة سماط في محافظة المنيا - نوفمبر عام 1926 م.

تخرج في كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1953 م.

عمله: مدير إدارة القضايا في شركة مصر للبترول.

أهم آثاره: تحقيق آثار جده " أبي العزائم " في التفسير " أسرار القرآن " وفي الفقه " أصول الوصول لمعية الرسول " وهو خاص في العبادات والمعاملات وفي غيرهما.

تعرفت إليه في القاهرة عام 1975 م.

وهو شيخ الطريقة العزمية.

ومن الأساتذة المرموقين بمصر.

يدعو إلى التقارب بين الشيعة وجمهور السنة.

يرى أن كتب الشيعة الإمامية من أقوى الكتب، وأن البحث فيها مغني.

يدعو إلى مطالعة كتب الإمامية والوقوف عليها.

يتميز بروح الإنصاف والولاء لأهل البيت (عليهم السلام).

يرى أن الإمامة يجب أن تكون بالنص أو الإشارة، لا بالإجماع.


173

في رحلتي إلى القاهرة عام 1395 هـ المصادف 1975 م وفي إحدى ليال شهر رمضان المبارك كنت عند الأخ السيد طالب الرفاعي وكان عنده جماعة وجلست إلى جنب الأستاذ المهندس محمد عزت مهدي (1) وكان قد بلغه مجئ إلى مصر والقاهرة وسمع عني ولم يصادف أن يجتمع بي قبل هذا اليوم فرحب بي كثيرا وقال:

قرأت كتابك " مع رجال الفكر في القاهرة " وهو كتاب قيم وقد حصلت على نسخة منه، وقصدت منزله بعد أيام وجرى هناك الحديث عن الأستاذ عز الدين أبو العزائم وأثنى عليه الأستاذ المهندس كثيرا وقال:

إنه يوالي أهل بيت الرسول (عليهم السلام) ويكبرهم.

وبعد أيام هيأ لي الأستاذ المهندس الاجتماع به في مساء الاثنين 13 أكتوبر المصادف 15 شوال عام 1395 هـ وعند أول لقاء به في داره العامرة استقبلنا وحيانا ورحب بنا كثيرا وبعد تبادل التحيات سألني سيادته عن الإمام " الثاني عشر " المهدي المنتظر وقال:

ما هو السر في غيبته وما الفائدة لوجوده؟!

قلت: الإمام المهدي الثاني عشر من خلفاء الرسول وعترته صلوات الله وسلامه عليهم فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خلفائي بعدي اثنا عشر (2)،

(1) مدير عام شركة القاهرة للمقاولات العامة ورئيس جميعة أهل البيت (عليهم السلام) في القاهرة.

(2) سيأتي ذكر خلفائي بعدي ضمن محاورتنا مع الأستاذ عبد الرحيم أحمد العرابي برقم 30 ونقدم إلى القارئ الكريم ما يلي:

تحقيق في حديث اثنا عشر خليفة

قال القندوزي البلخي الحنفي:

قال بعض المحققين: إن الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان، وتعريف الكون والمكان علم أن مراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلتهم عن اثنا عشر ولا يمكن أن نحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على اثنا عشر ولظلمهم الفاحش، إلا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال كلهم من بني هاشم.

وفي رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا القول يرجح هذه الرواية، لأنهم لا يحسنون خلافة بني هاشم.

ولا يمكن أن نحمله على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور ولقلة رعايتهم الآية ﴿ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى{سورة الشورى الآية 23.

وحديث الكساء، فلا بد من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته (عليهم السلام)، لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم، وأتقاهم وأعلاهم نسبا، وأفضلهم حسبا، وأكرمهم عند الله، وكانت علومهم عن آبائهم متصلة بجدهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالوراثة الدينية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق وأهل الكشف والتوفيق.

ويؤيد هذا المعنى: أي أن مراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته، ويشهد ويرجحه حديث الثقلين، والأحاديث المتكررة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها.

ينابيع المودة 2 / 446 طبعة الآستانة.

طرق حديث الخلفاء بعدي اثنا عشر

ذكر يحيى بن الحسن في كتاب " العمدة " من عشرين طريقا في أن الخلفاء بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، في " البخاري " من ثلاثة طرق، وفي " مسلم " من تسعة طرق، وفي " أبي داود " من ثلاثة طرق، وفي " الترمذي " من طريق واحد، وفي " الحميدي " من ثلاثة طرق.

القندوزي في ينابيع المودة ص 444.

وأما قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلهم تجتمع عليه الأمة في رواية جابر بن سمرة فمراده (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الأمة على الإقرار بإمامة كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي. ينابيع المودة 2 / 446 طبعة الآستانة وفي المناقب عن واثلة بن الأصقع بن قرخاب عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:

دخل جندل بن جنادة بن جبير اليهودي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " وسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مسائل فأجابه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليها فأسلم على يديه (صلى الله عليه وآله وسلم) " ثم قال:

أخبرني يا رسول الله عن أوصيائك من بعدك لأتمسك بهم.

قال: أوصيائي الاثنا عشر، قال جندل: هكذا وجدناهم في التوراة.

وقال: يا رسول الله سمهم لي. فقال:

أولهم سيد الأوصياء أبو الأئمة علي ثم ابناه الحسن والحسين فاستمسك بهم، ولا يغرنك جهل الجاهلين، فإذا ولد علي بن الحسين زين العابدين يقضي الله عليه، وعليك وآخر زادك من الدنيا شربة لبن تشربه. فقال جندل:

وجدنا في التوراة وفي كتب الأنبياء (عليهم السلام) إيليا وشبرا وشبيرا، فهذه اسم علي والحسن والحسين.

فمن بعد الحسين؟ وما أساميهم؟ قال: إذا انقضت مدة الحسين فالإمام ابنه علي، ويلقب بزين العابدين، فبعده ابنه محمد يلقب بالباقر، فبعده ابنه جعفر يدعى بالصادق، فبعده موسى يدعى بالكاظم، فبعده ابنه علي يدعى بالرضا، فبعده ابنه محمد يدعى بالتقي والزكي، فبعده ابنه علي يدعى بالنقي والهادي، فبعده ابنه الحسن يدعى بالعسكري، فبعده ابنه محمد يدعى بالمهدي، والقائم والحجة، فيغيب ثم يخرج، فإذا خرج يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، فطوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبتهم.

أولئك الذين وصفهم الله في كتابه وقال: ﴿ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب *.

ثم قال تعالى: ﴿ أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون المجادلة: 22.

فقال جندل: الحمد لله الذي وفقني بمعرفتهم.

ثم عاش إلى أن كانت ولادة علي بن الحسين، فخرج إلى الطايف ومرض، وشرب لبنا وقال:

أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة لبن، ومات ودفن بالطائف بالموضع المعروف بالكوزارة.

ينابيع المودة 2 / 442. طبعة الآستانة.

تعيين أسماء الخلفاء الاثني عشر

أخرج القندوزي في الباب السادس والسبعين في بيان الأئمة الاثنا عشر بأسمائهم:

عن فرائد السمطين بسنده عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم يهودي يقال له نعثل فقال: يا محمد، أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين، فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك.

قال: سل يا أبا عمارة:

فقال: يا محمد صف لي ربك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يوصف إلا بما وصف نفسه - إلى أن قال - صدقت فأخبرني عن وصيك من هو؟ فما من نبي إلا وله وصي، وإن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون. فقال:

إن وصيي علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين. قال: يا محمد فسمهم لي " قال: إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى محمد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي فإذا مضى علي فابنه محمد فإذا مضى محمد فابنه علي علي فإذا مضى فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي، فهؤلاء: اثنا عشر.

قال: أخبرني كيفية موت علي والحسن والحسين.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): يقتل علي بضربة على قرنه، والحسن يقتل بالسم، والحسين بالذبح.

قال: فأين مكانهم؟ قال: في الجنة في درجتي.

قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأشهد أنهم الأوصياء بعدك.

ولقد وجدت في كتب الأنبياء المتقدمة، وفيما عده إلينا موسى بن عمران (عليه السلام)، أنه إذا كان آخر الزمان يخرج نبي يقال له: أحمد ومحمد، وهو خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فيكون أوصياؤه بعده اثنا عشر، أولهم: ابن عمه وختنه، والثاني والثالث كانا أخوين من ولده، ويقتل أمة النبي الأول بالسيف والثاني بالسم، والثالث مع جماعة من أهل بيته بالسيف، وبالعطش، في موضع الغربة، فهو كولد الغنم، يذبح ويصبر على القتل، لرفع درجاته، ودرجات أهل بيته وذريته، ولإخراج محبيه وأتباعه من النار. وتسعة الأوصياء منهم من أولاد الثالث فهؤلاء الاثنا عشر عدد الأسباط.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): أتعرف الأسباط؟ قال: نعم إنهم كانوا اثنا عشر أولهم لاوي بن برخيا، وهو الذي غاب عن بني إسرائيل غيبة ثم عاد فأظهر الله به شريعته بعد اندراسها، وقاتل قرسطيا الملك حتى قتل الملك.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة.

وإن الثاني عشر من ولدي يغيب حتى لا يرى، ويأتي على أمتي بزمن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، فحينئذ يأذن الله تبارك وتعالى له بالخروج فيظهر الله الإسلام به ويجدده، طوبى لمن أحبهم وتبعهم، والويل لمن أبغضهم وخالفهم، وطوبى لمن تمسك بهداهم.

فأنشأ نعثل شعرا:

صلى الإله ذو العلى
عليك يا خير البشر

أنت النبي المصطفى
والهاشمي المفتخر

بك هدانا ربنا
وفيك نرجوا ما أمر

ومعشر سميتهم
أئمة اثنا عشر

حباهم رب العلى
ثم اصطفاهم من كدر

قد فاز من والاهم
وخاب من عادى الزهر

آخرهم يسقي الظما
وهو الإمام المنتظر

عترتك الأخيار لي
والتابعين ما أمر

من كان عنهم معرضا
فسوف تصلاه سقر

ينابيع المودة ص 442.

وقال الدكتور عبد الهادي الفضلي:

حديث الاثني عشر: ونصه - كما في رواية البخاري في الصحيح 4 / كتاب الأحكام:

عن جابر بن سمرة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (يكون بعدي اثنا عشر أميرا) فقال كلمة لم أسمعها.

فقال أبي: إنه قال: (كلهم من قريش).

وأشير إلى مضمون هذا الحديث في سفر يوحنا اللاهوتي من الكتاب المقدس: الإصحاح الثاني عشر بقوله:

وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليهما وعلى رأسها الكيل من اثني عشر كوكبا... ولدت ابنا ذكرا عتيدا أن يرعى جميع الأمم بعصى من حديد ".

وعلق عليه الأستاذ سعيد أيوب في كتابه: " المسيح الدجال: قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى) ط 1 نشر دار الإعتصام بمصر 409 هـ 1989 م علق عليه بالتالي:

في ص 77 " قالوا في التفسير (إنما امرأة فاضلة... وقور ويأتي النسل من هذه المرأة) *.

ومكانة أولاد فاطمة رضي الله عنها من قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معروفة* وأهل الكتاب عندنا وضعوا الصفات التي ترمز إلى الاسم كون هذا الوضع مشكلة من:

هي أن صفحاتهم لم تفصح صدرها للأسماء العربية، لكنها امتلأت بالأسماء التي كانت تحتويها البيئات التي عاش فيها اليهود، وشاءت حكمة الله أن تضع أقلامهم صفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي تعتبر بحق علما عليه ".

وفي ص 90: " ثم يقول الرأي عن القيادات التي ستخرج من هذه العاصمة (يحرسها اثنا عشر ملاكا، ويقوم سور المدينة على اثني عشر دعامة كتبت عليها أسماء رسل الحمل الاثني عشر).

وعن البراء: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبصر حسنا وحسينا فقال: اللهم إني أحبهما فأحبهما رواه الترمذي بسند صحيح. (التاج الجامع للأصول 3 / 356).

والجدير بالذكر أن أبناء الحسن والحسين - رضي الله عنهم - اشتغلوا بالعلم. وذكرت تفاسير أهل الكتاب أن نسل المرأة الوقور سيواجه المخاطر، وحدث هذا فعلا. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قلت: هذه القيادات جاء ذكرها في حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يزال هذا الدين، عزيزا ينصرون على من ناواهم عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).

وفي حديث، (اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل) كما في سفر الرؤيا فإنه ربط عدد نقباء المدينة الجديدة بعدد نقباء بني إسرائيل، ومن هؤلاء سيكون - المهدي المنتظر كما ذكر ابن كثير في تفسير سورة النور وقال: وفيهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إن في الحديث دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة ". مفاده:

يقول أستاذنا السيد محمد تقي الحكيم " والذي يستفاد من هذه الروايات:

(*) يوم الدين / ستينفس: ص 87 و 106، تفسير الرؤيا / حنا ص 272، جين واكسون - آخر ساعة العدد الصادر في 26 / 9 / 1984 م.

(**) روى ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " إن الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا " رواه البخاري، والترمذي (التاج الجامع للأصول: 1 / 356).

1 - أن عدد الأمراء، أو الخلفاء لا يتجاوزون الاثني عشر وكلهم من قريش.

2 - وأن هؤلاء الأمراء معينون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل لقوله تعالى: ﴿ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا فيهم اثني عشر نقيبا *.

3 - أن هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الإسلامي أو حتى تقوم الساعة، كما هو مقتضى رواية مسلم: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة).

وأصرح من ذلك روايته الأخرى في نفس الباب (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان).

وإذا صحت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلا مع مبنى الإمامية في عدد الأئمة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي منسجمة جدا مع حديث الثقلين وبقائها حتى يردا عليه الحوض.

وصحة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الإمامة والخلافة - بالاستحقاق - لا السلطة الظاهرية.

لأن الخليفة الشرعي خليفة يستمد سلطته من الله، وهي في حدود السلطة التشريعية لا التكوينية، لأن هذا النوع من السلطة هو الذي تقتضيه وظيفته كمشرع، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطنة فهم في واقعها الخارجي لتسلط الآخرين عليهم...

ومن الجدير بالذكر أن هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح، والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمة فلا يحتمل أن تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور، على أن جميع رواتها من أهل السنة ومن الموثوقين لديهم.

ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث وملائمتها للواقع التاريخي كان منشؤها عدم تمكنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الأقوال في توجيهها وبيان المراد منها..

والحقيقة أن هذه الأحاديث لا تقبل توجيهها إلا على مذهب الإمامية في أئمتهم واعتبارها من دلائل النبوة في صدقها عن الأخبار بالمغيبات أولى من محاولة إثارة الشكوك حولها كما صنفه بعض الباحثين متخطيها في ذلك جمع الاعتبارات العلمية، وبخاصة بعد أن ثبت صدقها بانطباقها على الأئمة الاثني عشرية.

الأصول العامة للفقه المقارن. وانظر: خلاصة الكلام: 33 - 311. حديث باب حطة ونصه:

كما في رواية الصواعق المحرقة ص 150: " إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل، من دخله غفر له. وفي رواية: غفر له الذنوب ".

وتخلص من كل ما تقدم إلى التالي:

1 - إن هذه الأدلة، وهي ما بين متواتر، ومستفيض، أقرنته دلائل القطع بصدوره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعشرات أخرى أمثالها، صريحة في شرعية مذهب أهل البيت، ومشروعية أتباعه.

بل هي صريحة في وجوب اتباعهم، ولزوم الالتزام بهديهم.

2 - إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نص على إمامة علي (عليه السلام) في حديث الغدير وفي هذه الأحاديث المتقدمة، وفي عشرات أمثالها.

ثم امتدت الإمامة منه إلى أبنائه الأحد عشر بوصية السابق على اللاحق.

3 - ولأنا رأينا أن مذهب أهل البيت هو التفرع الأصيل لمدرسة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي هذا أيضا في حق مذهب الإمامية لأنه التجسيد الحقيقي لمذهب أهل البيت.

قال الشيخ محمد المنتصر الكناني في كتابه: (معجم فقه السلف: عترة، وصحابة وتابعين نشر المركز العالمي للتعليم الإسلامي بجامعة أم القرى - مكة المكرمة) ج 1 ص 5:

" والظفر بفقه العترة ظفر بالعلم والهدى والأمان من الضلال، وبكتاب الله مقترنا بالهداية والأمان حتى دخول الجنة ".

وقال السيد محمد بن يوسف الحسيني التونسي المالكي، الشهير بالكافي، في كتاب:

(السيف اليماني المسلول ص 169 طبعة الترقي بدمشق):

روى أبو بكر محمد بن مؤمن الشيرازي في كتابه المستخرج من التفسير الاثني عشر في إتمام الحديث المتقدم (يعني حديث السفينة) بعده: فقال علي يا رسول الله من الفرقة الناجية؟

فقال: (المتمسكون بما أنت عليه وأصحابك).

وفي الأحاديث المذكورة آنفا ما يدل على أن المتبعين لأهل البيت، والمقدمين لهم والمقتدين بهم هم الفرقة الناجية.

وحث الرسول على الاقتداء بهم والتمسك بما هم عليه وإيجاب ذلك على جميع الخلق بروايات الكل يعلمنا علما ضروريا أن أهل البيت هم الفرقة الناجية.

فكل من اقتدى بهم وسلك آثارهم فقد نجى ومن تخلف عنهم وزاغ عن طريقهم فقد غوى.

تراثنا العدد 27 / 21 - 25 قراءة في كتاب التوحيد.


174


175


176


177


178


179


180

عدد نقباء بني إسرائيل أولهم علي وآخرهم المهدي ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه المهدي فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت


181

ظلما وجورا (1) والإمام المهدي له غيبتان:

(1) أربعون مصدرا من مصادر السنة يتفقون مع الشيعة في أن المهدي مولود.

أربعون عالما من علماء السنة يعترفون بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) وهم:

1 - محمد بن طلحة بن محمد الحسن القرشي النصيبي الشافعي في كتابه:

" مطالب السئول ".

2 - محمد بن يوسف بن محمد الگنجي الشافعي في كتابه: " البيان ".

3 - الشيخ نور الدين علي بن محمد بن الصباغ في كتابه: " الفصول المهمة ".

4 - شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قرعلي الحنفي سبط ابن الجوزي في آخر كتابه الموسوم: ب " تذكرة خواص الأمة ".

5 - الشيخ محيي الدين بن عربي الطائي الأندلسي في الباب - 366 - في كتابه: " الفتوحات المكية ".

6 - الشيخ العارف الخبير أبو المواهب عبد الوهاب الشعراني في المبحث (65) من كتاب:

" اليواقيت والجواهر ".

7 - الشيخ حسن العراقي العابد الزاهد الذي اجتمع في المهدي محمد بن الحسن العسكري في جامع دمشق وأقام عنده سبعة أيام بلياليها فيما ذكره الشعراني في كتابه: " لواحق الأنوار في طبقات الأخيار " المطبوع بمصر سنة 1305 هـ.

8 - الشيخ علي البراسي صاحب المقامات والكرامات الكثيرة حيث صدق الشيخ العراقي فيما أخبره به في الاجتماع به في الاجتماع بالمهدي وأن عمره (عليه السلام) كان يومئذ 620 سنة.

9 - نور الدين عبد الرحمن بن أحمد الدشتي الحنفي المعروف بالملا جامي شارح كفاية ابن الحاجب في كتابه: " شواهد النبوة ".

10 - محمد بن محمد بن محمود البخاري المعروف بخواجه بارسا من أعيان علماء الحنفية في كتابه: " فصل الخطاب " في المحاضرات.

11 - الحافظ أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس في أربعينه.

12 - الشيخ عبد الحق الدهلوي المحدث الفقيه صاحب التصانيف الشائعة الكثيرة البالغة مائة مجلد وهو حنفي المذهب في رسالته التي أفردها لمناقب الأئمة من أهل البيت.

13 - السيد جمال الدين عطاء بن السيد غياث الدين فضل الله الشيرازي المحدث المعروف في كتابه " روضة الأحباب " وهي من الكتب المشهورة.

14 - الحافظ أحمد بن إبراهيم بن هاشم الطوسي البلاذري المعاصر للإمام أبي محمد الحسن العسكري وقد كتب عنه بمكة، وروى عن الإمام المهدي أيام غيبته الصغرى كما في كتاب المسلسلات المشهور ب " الفضل المبين " وهو كتاب يعرفه محدثوا السنة.

15 - حجة الإسلام عبد الله بن أحمد بن محمد الخشاب المعروف في كتابه: " تاريخ مواليد الأئمة ووفياتهم ".

16 - ملك العلماء شهاب الدين بن عمر الهندي صاحب التفسير في كتاب: المناقب الموسوم ب " هداية السعداء ".

17 - العلامة المحدث الشيخ المتقي بن حسام الدين بن القاضي عبد الملك ابن قاضي خان القرشي في كتابيه " المرقاة في شرح المشكاة "، و " البرهان في علامة مهدي آخر الزمان ".

18 - العلامة فضل بن روزبهان شارح " شمائل الترمذي " في كتابه الذي سماه " إبطال الباطل " ردا على " نهج الحق " للعلامة الحلي.

19 - الشيخ سليمان بن خواجة كالان الحسيني القندوزي في كتابه: " ينابيع المودة ".

20 - شيخ السلام أحمد الجامي.

21 - صلاح الدين الصفدي في " شرح الدائرة ".

22 - الشيخ عبد الرحمن البسطامي في كتابه " دائرة المعارف ".

23 - المولوي علي أكبر بن أسد الله المؤودي الهندي في كتابه: " المكاشفات ".

24 - عبد الرحمن شيخ مشايخ الصوفية في كتابه: " الانتباه ".

25 - القطب المدار الذي كتب عبد الرحمن الصوفي المتقدم الذكر كتاب - " مرآة الأسرار " لأجله.

26 - قاضي جواد الساباطي في كتابه: " البراهين الساباطية ".

27 - الشيخ سعد الدين محمد بن المؤيد بن أبي الحسين المعروف بالشيخ سعد الدين الحموي في كتابه الذي أفرده لأحوال المهدي (عليه السلام).

28 - الشيخ عامر بن عامر البصري في قصيدته التائية الطويلة المسماة: " بذات الأنوار ".

29 - صدر الدين القونوي في قصيدته الرائية المذكورة في: " ينابيع المودة ".

30 - شيخ مشائخ الصوفية المولى جلال الدين الرومي صاحب " المثنوي ". كما يدل عليه بعض الأشعار الفارسية الموجودة في ديوانه.

31 - الشيخ العارف محمد الشهير بشيخ عطار في كتابه: " مظهر الصفاة ".

32 - شمس الدين التبريزي.

33 - السيد نعمة الله الولي.

34 - السيد النسيبي.

35 - السيد علي بن شهاب الدين الهمداني في المودة العاشرة من كتابه، الموسوم ب: " المودة القربى ".

36 - علامة زمانه الشيخ محمد الصبان في كتابه: " إسعاف الراغبين ".

37 - عبد الله بن محمد المطيري المدني في كتابه: " الرياض الزاهرة ".

38 - شيخ الإسلام أبو المعالي محمد سراج الدين الرفاعي في كتابه الموسوم ب " صحاح الأخبار ".

39 - الناصر لدين الله أحد خلفاء بني العباس.

40 - بعض المصريين من مشايخ الشيخ إبراهيم القادري الحلبي.


182


183

الأولى: " الصغرى "، عين فيها سفراء أربعة: الخلاني، وحسين بن روح، ومحمد بن عثمان السمري، وعثمان بن سعيد السمري.

وهؤلاء الأربعة كانت ترجع إليهم الشيعة الإمامية في الغيبة الصغرى وكانوا هم الواسطة بين الإمام، والشيعة الإمامية في أخذ الأحكام الشرعية والقضايا وغيرها.

والثانية: " الكبرى " وعينوا فيها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) صفاتا خاصة لترجع إليه شيعتهم ومن تتوفر فيه الصفات الآتية عند إمكان الوصول إليهم لرؤيتهم ومشاهدتهم وأخذ الأحكام منهم وهي هذه:

" من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، محافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه.

أي يرجعوا إليه في أخذ الأحكام الشرعية وحل قضاياهم الإسلامية.

ولذلك ترى الشيعة الإمامية في هذا العصر " عصر الغيبة الكبرى " يرجعون


184

إلى الفقهاء، ومن تتوفر فيه الشروط والصفات المتقدمة.

وأدل دليل على وجود الإمام المهدي (عليه السلام) " حديث الثقلين " لقوله صلوات الله عليه وآله " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ".

فالإمام المهدي هو حي وموجود لأن قرينه هو: القرآن الكريم موجود.

ويجب عندنا " نحن الشيعة الإمامية " تقليد الأفقه، الأعلم، ولا يجوز عندنا تقليد الميت ابتداء، وأن باب الاجتهاد مفتوح عندنا ولذلك ترى مذهب الشيعة الإمامية يتمشى مع روح العصر في تفهم الأحكام وتطورها.

ثم قدمت لسيادته: مجموعة من مطبوعاتنا في القاهرة، وكتاب: " تحت راية الحق " (1) وغيرهما. وسألته عن الخلفاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن أفضلهم فقال:

قرأت قبل أيام في كتاب: أن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:

قلت لأبي ما تقول في التفضيل قال في الخلافة: أبو بكر وعمر وعثمان، قلت:

فعلي؟

قال يا بني: علي بن أبي طالب من أهل بيت لا يقاس بهم أحد (2) ثم قال الأستاذ:

الإمام علي نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكره الله تعالى في آية المباهلة بقوله:

(وأنفسنا وأنفسكم) فهو نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم قلت له: هل قرأت من كتب الشيعة الإمامية، وما هي انطباعاتك عنها:

(1) قدم لهذا الكتاب الدكتور حامد حفني داود رئيس الأدب العربي بجامعة عين شمس بمصر (في طبعته الرابعة) ونقد فيه الدكتور أحمد أمين وأشار إلى زلاته وأخطائه الكثيرة التي لا تعد، والتي وردت في فجر إسلامه وطبع في دار التوفيقية للطباعة بالأزهر الشريف.

(2) أنظر: تاريخ بغداد: 7 / 41، طبقات الحنابلة: 2 / 120.


185

فقال: قرأت " عقائد الإمامية " و " المراجعات " أكثر من مرة وعندي كتاب عن " المتعة " وكتاب: " أصل الشيعة وأصولها " (1).

فقلت: ما رأيكم فيها.

قال: إنها من أقوى الكتب والبحث مغن فيها، ومعظم أسانيدها من كتب أهل السنة.

ثم قلت: هل زرتم مراقد أئمة أهل البيت في العراق؟

قال: الحمد لله الذي أكرمني بالزيارة وكان البرنامج زيارة الكاظمية، والنجف، وكربلاء، وقال:

أكرمني الله تعالى بتعرفي على الأستاذ المحامي إسماعيل قطيمش في العراق وكان له الفضل في صحبتي إلى سامراء لزيارة الإمامين علي الهادي، والحسن العسكري والغيبة.

ثم سألت الأستاذ وقلت:

ما رأيكم في الإمامة؟ وهل تنعقد بالنص أو الإجماع؟

فأجاب: الإمامة لا تصلح في الانتخاب، وإنما تكون بالنص أو الإشارة.

ثم قال: ما من مصري إلا ويحب الإمام علي وأهل بيته، وهم قمة وما عداهم دون ذلك.

ثم سألته: هل قرأت من فقه الشيعة الإمامية شيئا؟

أجاب:

(1) هذه الكتب التي ذكرها الأستاذ هي من مطبوعاتنا في القاهرة وقد كنا قد أهديناها له عند زيارتنا له في داره العامرة.

- المؤلف -


186

نعم: قرأت من كتب الفقه للشيعة " مختصر النافع " الذي نشرته وزارة الأوقاف المصرية بالقاهرة ولم أر فيه شيئا ما يخالف أصول الدين وجرى حديث الخلافة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن الأجدر أن يخلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فذكر الأستاذ كلمة مؤداها:

أن اتفاقا كان قد حصل بين أبي بكر وعمر حول موضوع الخلافة وأنه قرأ في مجلة لواء الإسلام أن أحد الحاضرين قال لعمر - عند قراءته كتاب أبي بكر حول توليته الخلافة - بالأمس ولاك، واليوم وليته. فطلبت من الأستاذ " أبي العزائم " أن يطلعني على هذه المجلة فجاء بها وهذا نصها:

لقد وقف عمر في المسجد يعرض كتاب أبي بكر وهو مغلق، على القوم وقال:

هذا كتاب أبي بكر فقام أحد الحاضرين وقال له:

أتعلم ما فيه يا عمر؟ قال: لا.

قال: " ولاك أبو بكر هذا العام، ووليته عام أول ".

فلم يتقاصر فرد من القوم أن يصرح بما في نفسه.. وانجلى الأمر عن أن عمر تلى كتاب استخلافه من أبي بكر.. (1).

ثم أخذ الأستاذ أبو العزائم يتلو علينا من شعر جده الشيخ محمد أبو العزائم في مناجاته لآل البيت (عليهم السلام) فقال:

يا كراما إذا سئلتم أجبتم
وليوثا إذا استغثتم أغثتم

وبحارا للمكرمات وغوثا
وحصونا من أمكم آويتم

وكنوزا للسائلين إذا ما
يمموا فضلكم لهم أغدقتم

وأمانا للخائفين وكهفا
وعياذا للمستجير أجرتم

وملاذا للعائذين وعونا
من دعاكم لشدة لبيتم.. الخ

(1) راجع مجلة لواء الإسلام القاهرية ص 387، السنة 14 / العدد 6.


187

ومن شعر جده في روضة الإمام الحسين (عليه السلام):

يا بن بنت النبي جئتك أرجو
يا غياثي ومنجدي واعتمادي

ورجائي منك القبول فجد لي
يا غياث الورى بنيل مرادي

منها:

يا شموس الهدى لمن جاء يرجو
وبحار العطا لمن جاء صادي

ثم تلى علينا قصيدة مطلعها:

مولاي يا سبط الرسول
يا بن الوصي ابن البتول

في الذكر آي بينت
فضل الحسين ابن الرسول

في " إنما " (1) لي حجة
تنبئ بأنوار الأصول

أنت الوسيلة سيدي
أنت الغياث لدا المحول... الخ

ثم قال: أريد أن أؤلف كتابا عن الإمام الحسين (عليه السلام) وسأصدر بعض القصائد التي قالها جدي في الإمام الحسين (عليه السلام). ثم ذكر أن ألف كتابا في موضوع " الجفر " فقام من مكانه وجاء بنسخة منه وكتب عليها الإهداء لي فتسلمتها وشكرته، وودعناه ونزل في توديعنا إلى الباب وانصرفنا.

(1) يشير إلى آية التطهير الواردة في أهل البيت (عليهم السلام) وهي: ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وذكر نزول هذه الآية فيهم (عليهم السلام). العلامة ابن حجر الهيثمي في صواعقه المحرقة ضمن الآيات الواردة فيهم (عليهم السلام).

- المؤلف -


188


189

- 5 -

الشيخ محمد زكي إبراهيم

رائد العشيرة المحمدية بجمهورية مصر العربية


190

ولادته: ولد بالقاهرة 13 / 8 عام 1916 م.

ينتسب إلى الدوحة النبوية عن طريق الإمام الحسين (عليه السلام).

حفظ القرآن الكريم وأجاد قراءاته الواردة.

تلقى عن والده بعض العلوم الأزهرية ثم انتسب إلى الأزهر الشريف وتخرج فيه.

تخصص في التصوف الإسلامي، وعلم الحديث والتاريخ الإسلامي.

خدم الأدب العربي ولغة القرآن وله بحوث في الشعر والنقد وأصول الخطابة.

إنصرف بحكم الوراثة والتخصص إلى خدمة التصوف الإسلامي.

من أهدافه عقد (المؤتمر الصوفي العالمي) وإخراج فكرة (دائرة المعارف الصوفية).

عمل بوزارة التربية والتعليم حتى أصبح مفتش قسم وانتهى إلى الدراسات العليا الإسلامية.

أصدر مجلة (المسلم) من خمسة وعشرين عاما بانتظام.

هو الآن عضو أكثر من عشرة هيئات رسمية وشعبية.

أهم آثاره (مزارات أهل البيت) (الرسائل الصوفية الثلاث) (عصمة النبي) (قضية الوسيلة والخلاف عليها بين المسلمين) (مع القرآن الكريم) (الصيحة) وله أكثر من عشرين رسالة وأبحاث وله مقالات إسلامية في الصحف والمجلات: (لواء الإسلام) (منبر الإسلام) مجلة (الشبان المسلمين) مجلة (منبر الشرق) وله رسائل في الفقه والأصول لا تزال مخطوطة. وله مساجلات مع زعماء الفكر والفلسفة في جريدة الجمهورية وأخبار اليوم.


191

زرت فضيلة هذا الأستاذ الكبير في مقر العشيرة المحمدية بجامع البنات الكائن في شارع بور سعيد بمعية الأستاذ الشيخ محمد عبد المنعم خفاجي وبعد أن جلسنا حيانا فضيلته بأحسن التحيات وقدموا لي مجموعة أعداد من مجلة " المسلم " الغراء.

جلست معه قليلا، وقدمت لفضيلته مجموعة من الكتب التي قمت بنشرها بالقاهرة ونشروا عنها في مجلة المسلم ضمن الكتب التي تهدى إلى المجلة في عدد الشهر القادم حينذاك. كما أني قد أهديت لفضيلته كتاب " مصادر نهج البلاغة وأسانيده ".

وعندما اطلع فضيلته بأن لي دار نشر باسم " مكتبة النجاح " في النجف الأشرف - العراق نشروا عني في أحد الأعداد للمجلة وكتبوا فيه:

تطلب هذه المجلة من وكيلنا في العراق - السيد مرتضى الرضوي صاحب " مكتبة النجاح " في النجف الأشرف وطلبت من فضيلته أن يقدم لكتاب " الزهراء " لكاتبه سماحة العلامة الكبير السيد محمد جمال الهاشمي وكنت قد صحبته معي من العراق وكان في نيتي أن أقوم بطبعه في القاهرة بعد تقديم أحد الأعلام له. فدفعته إليه ليكتب له التقديم، واتصلت بفضيلته بعد مدة هاتفيا وأخبرني أنه مريض وكان قد كتب شيئا مختصرا، وإليك ما كتبه:


192

الله

شعارنا وغايتنا

لبيك اللهم لبيك

أخي في الله تعالى، الأستاذ المؤمن الصادق، والمجاهد الموفق، الشريف العالم (1) السيد مرتضى الرضوي.. رضي الله عنه.

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ولكن أبرك دعائي، وأخلص ثنائي. وقد تفضلتم مشكورين مبرورين، فأحسنتم بنا الظن، وطلبتم منا كلمة تقدمون بها إلى جمهوركم المثقف رسالة " الزهراء " للكاتب المحقق السيد محمد جمال الهاشمي، بعد أن أضفتم إلى الرسالة فصولا جديدة استوعبت أطراف البحث، واستكملت الموضوع في إجمال تفصيلي، أو تفصيل مجمل، كله تفتح وإيمان، وغيرة، ومحبة، وصفاء.

وقد تلقيت رغبتكم الشريفة، وأنا أعاني أزمة مرضية، ونفسية فوق الطاقة فليس في قدرتي ما يساعفني بقراءة الرسالة والملحقات، ولا في قدرتي ما يساعفني بالكتابة عن جدتنا البتول، بضعة الرسول، وزوج سيف الله المسلول، وأم أحب الأمة إلى نبي الأمة سيد شباب أهل الجنة، وريحانتي الدوحة المقدسة، جدنا الإمام أبي محمد الحسن، وجدنا الإمام أبي عبد الله الحسين (عليهما السلام).

(1) أردت حذف هذه الألقاب من هذا الكتاب لعدم انطباعتها علي، ولكن بعض الأعلام أشار علي بعدم حذفها وقال: هذه أمانة يجب أن تنشر كما هي.


193

وأن الكتابة عن آل البيت عبادة يجب أن تؤدى على وجهها، والتقلب في ذكرياتهم حياة فوق الحياة، والانصراف إلى خدمة تاريخهم توفيق عزيز، والخلوص إلى التفكير فيهم مدد لا يتاح، ولا ينبغي إلا لأهل الله.

ولقد تتبعت سطور بعض الصفحات، بقدر ما أذنت به حالتي، فلم أجد لدي طاقة كتابة المقدمة التي ترضيني ويرضى بها عني الله ورسوله، وآل البيت الشريف.

فمثل هذه الكتابة الموصولة الأسباب بالدين والدنيا، ثم بالماضي والحاضر والمستقبل ثم بحركات العقول والقلوب والأسرار، بل وما وراء الأسرار.

وهذه الكتابة لا يتعرض لها رجل مثلي اليوم، تحتويه أزمات أمراض الجسم، ومتاعب النفس. وهما شئ عظيم.

من أجل ذلك أعتذر إلى أخي خجلان آسفا، بقدر ما أشكر له ثقته بي وبقدر ما أدعو له بجوامع الخير من كل قلبي. والسلام على النبي وآل بيته والأحباب.

وأما بعد فالسلام عليكم ورحمة الله

المفتقر إليه وحده

محمد زكي إبراهيم من العشيرة المحمدية

القاهرة: 20 من ربيع الثاني سنة 1385 هـ

19 من أغسطس (آب) سنة 1965 م

وقصدت العشيرة المحمدية مع الدكتور حامد حفني داود أستاذ الأدب العربي في كلية الألسن ولم يكن فضيلة السيد الرائد هناك بل كان " أمينه " السيد أحمد " أبو التقى " فأهدى إلي العدد الأخير من المجلة، فأخذته وصرت أنظر فيه وأتصفحه وقلت له:

إن مجلتكم هذه قد أسميتموها: مجلة العشيرة المحمدية في الدفاع عن أهل بيت


194

النبي الأطهار، سلام الله تعالى عليهم فما بالكم تخالفون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأضعاف صفحات المجلة فتعجب وقال: كيف؟

قلت: لقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مثل هذه الصلوات وسماها البتراء (1) وروى ابن حجر في صواعقه وقال:

صح عن كعب ابن عجرة قال: لما نزلت هذه الآية قلنا يا رسول الله قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد (2) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تصلوا علي الصلاة البتراء، قالوا يا رسول الله، وما الصلاة البتراء قال:

تقولوا:

اللهم صل على محمد وتمسكون.

قولوا: اللهم صلي على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم والصلاة الإبراهيمية مذكورة في جميع كتب المناقب، فعند ذلك أجاب سيادته قائلا:

بأن " إكليشية " (صلى الله عليه وآله وسلم) غير موجودة هنا في مصر فأخبرته بأنها موجودة في مسبك الحرية بالإمام الشافعي وإنني قد أوصيت أحد الأساتذة هنا بمصر وعمل لي منها كمية لطبع كتاب: " وسائل الشيعة ومستدركاتها " فاتصل سيادته بالمسبك أمامي وطلب منه مقدار كيلو من هذه " الإكليشية " وأنا في القاهرة وصدر العدد ومتى جاء ذكر اسم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه وضعت هذه " الإكليشية " بدلا من الأولى التي كانت خالية من ذكر الآل (عليهم السلام) وهي: (صلى الله عليه وآله وسلم) والمجلة لا تزال تصدر إلى هذا اليوم.

وقد لاحظت على غلاف المجلة وقد طبع في أعلاه من جهة اليمين " حي على الفلاح " وإلى جانبه: لبيك اللهم لبيك.

(1) ستأتي في محادثاتنا مع الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي.

(2) أنظر: الصواعق المحرقة ص 144.


195

فقلت: لسيادته:

لو أنكم كنتم أبدلتم " حي على الفلاح " ب " حي على خير العمل " (1) لكان أفضل وأحسن لأن من خير الأعمال السعي في نشر هذه المجلة ومطالعتها واقتنائها، وتوزيعها، وإهداؤها

فالتفت إلي الدكتور حامد وقال:

يا أستاذ: هذه مجلة ولها عدة سنوات تصدر بهذا الشكل، وأول عدد صدر منها على هذا النحو، ولا يمكن تغييره وتبديله.

فأخذت العدد بيدي ورميت به فوق المنضدة وقلت:

ما قيمة مجلة يا أستاذ:

تشكل لجان من أساتذة وعلماء وخبراء لسن بعض القوانين للدولة، ولم يمر عليها زمن طويل حتى تلغى تلك القوانين، وتبدل، وتغير، ويضرب بها عرض الجدار.

وبعد ذلك: أخذ السيد الأستاذ الدكتور حامد بيدي وخرجنا وقد ترك السيد - أبو التقى أحمد - أمين العشيرة - في نفوسنا للسيد الرائد من الاحترام والتقدير قدرا لما له من ماض طويل مجيد في الكفاح في سبيل نشر الدعوة الإسلامية.

وفي رحلتي إلى القاهرة عام 1395 هـ - 1975 م في شهر رمضان المبارك زرت

(1) قال الأستاذ الفكيكي: قال الإمام القوشجي متكلم الأشاعرة وحكيمهم في أواخر مبحث الإمامة من شرح كتاب التجريد في علم الكلام أن عمر (رضي الله عنه) قال: وهو على المنبر:

أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أنهى عنهن، وأحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل. إلا أن الإمام القوشجي أفاد: إنما صدر ذلك من عمر (عن تأويل واجتهاد. أنظر: المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي ط القاهرة المطبعة العربية بدرب الجماميز.


196

سماحة الأستاذ الأكبر السيد رائد العشيرة المحمدية في داره العامرة وقدمت لفضيلته مجموعة من مطبوعاتنا وغيرها فنشر عنها في مجلته الغراء تحت عنوان:

" الكتب والكتاب " وإليك نص ما نشره:

هدية الأستاذ الرضوي

الأخ الأستاذ السيد مرتضى خادم أهل البيت، ومحب مصر والناشر الثقافي الإسلامي المعروف والمجاهد المضحي بالمال والأهل، والصحة مهاجرا إلى الله في خدمة الإسلام والتقريب بين طوائف أهل القبلة في زيارة مفاجئة مولانا الإمام رائد العشيرة المحمدية حمل إليه هدية شخصية في عشر رسائل هي:

1 - مع رجال الفكر في القاهرة.

2 - دراسات في نهج البلاغة.

3 - ثورة الحسين وظروفها وآثارها.

4 - الرد على فجر الإسلام.

5 - الوضوء في الكتاب والسنة.

6 - المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي.

7 - المراجعات.

8 - علي ومناؤوه.

9 - أصل الشيعة وأصولها.

10 - عقائد الإمامية.

وإن التعليق على كل كتاب منها ليحتاج إلى كتاب آخر وهي: بحمد الله كتب أصبحت معروفة للجمهور المسلم فللأستاذ الرضوي من الله كل الأجر وفي الإمام الرائد كل الشكر، مع أبرك الدعاء، وأصدق التقدير والوفاء " (1).

(1) مجلة المسلم السنة 26 العدد 3 ص 34.


197

- 2 -

حرف الباء

6- الشيخ أحمد حسن الباقوري

7- الدكتورة عائشة بنت الشاطئ


198


199

- 6 -

الشيخ أحمد حسن الباقوري

وزير الأوقاف بجمهورية مصر العربية


200

ولادته: من مواليد " باقور " في الصعيد الأعلى

تخرج في الأزهر الشريف، وأصبح من علمائها الأعلام.

رشح نفسه مرات في عضوية مجلس الأمة.

حصل: على ثقة الحكومة رغم انتمائه سابقا إلى الإخوان المسلمين.

عين: وزيرا للأوقاف بعد ثورة يوليو 1952 م.

نجح في إدارة دفة وزارة الأوقاف مدة طويلة.

أهم آثاره: " مع كتاب الله " وكتاب " مع الصائمين "، " مع القرآن " " أثر القرآن الكريم ".

سعى: في نشر كتاب: (مختصر النافع) في فقه الشيعة الإمامية.

له تقديم لكتاب: " العلم يدعو للإيمان " وكتاب: " وسائل الشيعة ومستدركاتها " وله مشاركة واسعة في المقالات الأدبية والدينية، والأحاديث في الإذاعة والتليفزيون.

وهو من كبار رجال الفكر الإسلامي ومن دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية العاملين لها.

يدعو إلى نشر كتب الشيعة للوقوف عليها بغية إزالة الخلاف بينهم وبين إخوانهم من أهل السنة.


201

تعرفت على هذا الأستاذ الكبير في 5 / 3 / 1958 م في وزارة الأوقاف بمصر، وكانت زيارتي لفضيلته بعد صدور الجزء الأول من كتاب: " وسائل الشيعة ومستدركاتها ".

فأخذت الكتاب معي إلى وزارة الأوقاف، ودخلت على مدير مكتب الوزير:

الأستاذ عبد الكريم الخطيب (1) وأطلعته على الكتاب الذي معي وأريد تقديمه لسيادة الوزير، فاتصل هاتفيا بالسيد الوزير وبعد برهة دخلت على السيد الوزير، ورحب بي غاية الترحيب فأهديته كتاب " وسائل الشيعة ومستدركاتها " وجلست ساعة عنده، ولما هممت بالخروج قام سيادته من مكانه إلى باب غرفته وفتح لي الباب بيده، وودعني وخرجت.

وبعد أيام ذهبت إليه، وأهديت له الكتب التي طبعتها في القاهرة مع كتاب " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " للعلامة المحقق السيد عبد الزهراء الخطيب فسر لذلك كثيرا، وقال سيادته:

إن مجلة الأزهر هي لجميع المسلمين، وأرجو إخبار علماء الشيعة والأساتذة ليبعثوا إلى المجلة بمقالاتهم وآرائهم لنشرها في المجلة ونحن نرحب بهذا.

وفي يوم من الأيام اتصل بي الأستاذ الحوماني (2) هاتفيا وقال:

(1) سيأتي ذكره في حرف الخاء برقم 18 في هذا الكتاب.

(2) أديب لبناني له مؤلفات كثيرة، وعدة دواوين شعرية رائعة ومن مؤلفاته: " دين وتمدين " صدر منه خمسة أجزاء وله " حي الرافدين " وديوان " أنت أنت ".


202

كنت أمس عند الأستاذ الشيخ الباقوري، وهو مريض، وكنت قد ذهبت لعيادته في منزله، وجرى الحديث عنك، ويرغب أن تزوره.

فاتفقت على موعد محدد لزيارته في عصر اليوم الثاني مع الأستاذ الحوماني، وعندما حضر الأستاذ الحوماني أخبرته بأني طبعت كتاب: " المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي " للأستاذ توفيق الفكيكي (1) وقد قدم له تقديما رائعا الأستاذ عبد الهادي مسعود مدير الفهارس العامة بدار الكتب المصرية سابقا وقد صدر في هذا اليوم، فقال:

لا بأس أن تصحبه معك وتقدمه لسيادة الشيخ الباقوري.

فأخذت الكتاب معي، وذهبت بمعية الأستاذ الحوماني إلى منزل الشيخ الباقوري، وعندما دخلنا عليه رحب بنا كثيرا. وبعد أن جلسنا قدمت له كتاب " المتعة " فتناوله وقال:

إن بعض الشبان الذين بعثتهم الدولة إلى الخارج للدراسة، سألوني وقالوا: ما نصنع ونحن بعيدون عن أهالينا وأزواجنا، فأفتيتهم بالمتعة.

ثم قلت للأستاذ الباقوري:

يا أستاذ إن لي رغبة ملحة في تحقيق كتاب " الخلاف " للشيخ الطوسي في الفقه على المذاهب الخمسة وأريد أن أدفعه إلى أربعة من الأساتذة والعلماء هنا ليحققوا الكتاب.

المسائل الفقهية للمذهب الحنفي يحققها الحنفي.

والمسائل الفقهية للمذهب الشافعي يحققها الشافعي.

(1) مؤلف كتاب " الراعي والرعية " شرح عهد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، طبع مرتين الأولى في النجف الأشرف والثانية في بغداد.


203

والمسائل الفقهية للمذهب المالكي يحققها المالكي.

والمسائل الفقهية للمذهب الحنبلي يحققها الحنبلي.

فأجابني فضيلته قائلا:

- أما أنا فمالكي.

ثم نهض من مكانه وجاء بنسخة من " الخلاف " وكانت الطبعة الأولى، وقال:

- هذه النسخة أهداها الإمام البروجردي عند زيارتنا له في إيران، وأنا راجعت الكتاب ورأيت فيما ينقله عن المالكية كله صحيح وموجود في كتبنا.

قلت: نعم، أنا أعلم أنه صحيح، ولكن لو يحقق الكتاب، ويشار إلى مصادره يكون أفضل.

ثم بعد ذلك طلبت من فضيلته أن يقدم لنا كلمة نفتح بها الجزء الثاني من كتاب:

" وسائل الشيعة ومستدركاتها " فرحب سيادته بهذا الطلب ووعدنا بالتقديم في زيارة ثانية في وزارة الأوقاف.

وبعد أيام راجعت الأستاذ عبد الكريم الخطيب مدير مكتب الوزير في وزارة الأوقاف حول تقديم سيادة الوزير لكتاب: " وسائل الشيعة ومستدركاتها " فأخبره وجاءني به مطبوعا، وقد طبع بالآلة الكاتبة على ورقة مطبوع عليها اسم الوزارة. وهذا نصها:


204

وزارة الأوقاف:

مكتب الوزير.

السيد الأستاذ / مرتضى الرضوي.

السلام عليكم ورحمة الله وبعد.

فإني أشكر لك جهدك الذي بذلت في إخراج كتاب: " وسائل الشيعة ومستدركاتها " كما أشكر لك قصدك الطيب من إخراج هذا الكتاب الذي نرجو أن يفتح طريقا جديدا من طرق التقريب بين جماعات المسلمين، فما تفرق المسلمون في الماضي إلا لهذه العزلة العقلية التي قطعت أواصر الصلاة بينهم، فساء ظن بعضهم ببعض، وليس هناك من سبيل للتعرف على الحق في هذه القضية إلا سبيل الاطلاع، والكشف عما عند الفرق المختلفة من مذاهب وما تدين به من آراء ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة (1).

والخلاف بين السنيين والشيعيين خلاف يقوم أكثره على غير علم، حيث لم يتح لجمهور الفريقين اطلاع كل فريق على ما عند الفريق الآخر من آراء وحجج.

وإذاعة فقه الشيعة بين جمهور السنيين، وإذاعة فقه السنين بين جمهور الشيعة

(1) كتب الأستاذ الباقوري هذا الكتاب عندما كان وزيرا للأوقاف عام 1958 م وذلك عندما نشرنا بمصر كتاب " وسائل الشيعة ومستدركاتها " في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في الفقه والأخلاق.

- المؤلف -


205

من أقوى الأسباب وآكدها لإزالة الخلاف بينهما، فإن كان ثمة خلاف فإنه يقوم بعد هذا على رأي له احترامه وقيمته.

ولهذا فإن إخراج مثل هذا الكتاب عمل يتسحق القائم عليه شكرا وتقديرا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وزير الأوقاف

أحمد حسن الباقوري

15 / 12 / 1958 م


206


207

- 7 -

الدكتورة عائشة بنت الشاطئ

أستاذة التفسير والدراسات العليا

في كلية الشريعة بفاس - جامعة القرويين


208

الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ).

أستاذه اللغة العربية وآدابها بجامعة عين شمس.

أستاذة الدراسات القرآنية بكلية الشريعة ودار الحديث.

جامعة القرويين - المغرب.

حصلت على درجة الدكتوراه.

أستاذة في اللغة العربية وآدابها بجامعة عين شمس.

عينت: أستاذة للدراسات القرآنية بكلية الشرعية ودار الحديث.

أهم آثارها: " التفسير البياني للقرآن الكريم " جزآن، " مع المصطفى "، " موسوعة آل النبي "، " أم النبي "، " بطلة كربلاء "، " تراثنا بين ماضي وحاضر "، " قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر "، " مقال في الإنسان "، " لغتنا والحياة "، " مع أبي العلاء في سجنه "، " الخنساء "، " الإعجاز البياني للقرآن "، " مسائل ابن الأزرق ".

تعرفت إليها بمكتبها في جريدة الأهرام عام 1965 م.

كاتبة مجيدة في الموضوعات الإسلامية، وتتناول الشخصيات التاريخية والإسلامية بالتحليل الدقيق.

كتبت في تفسير القرآن بالأسلوب البياني وأجادت فيه.

تنزع في ثقافتها وقلمها إلى نصرة أهل البيت والإشادة بهم.

لها أسلوب متين في عرض آرائها والدفاع عن قضايا الإسلام.


209

بسم الله الرحمن الرحيم

قصدت الدكتورة بنت الشاطئ بعد الاتصال بها هاتفيا في مكتبها بجريدة الأهرام وأهديتها الكتب التي طبعتها في القاهرة مع كتاب ألفه العلامة المحقق السيد عبد الزهراء الخطيب وهو:

" مصادر نهج البلاغة وأسانيده " يقع في أربعة أجزاء، عندما رأت الدكتورة كتاب: " أصل الشيعة وأصولها " للإمام كاشف الغطاء قالت:

" أنا شيعية، تشيعت من التاريخ ".

ورحبت بي كثيرا وسرت بالكتب التي أهديتها لها ثم قالت:

" إني أريد أن أكتب كتابا عن الإمام الحسين وأريد أن أدخل العراق من الطريق الذي دخله الإمام الحسين حتى أصل إلى كربلاء، وأكتب عما أراه أثناء الطريق لحين وصولي مشهد الإمام الحسين ".

هذا وإني كنت قد صحبت معي من العراق مجموعة من الكتب منها:

كتاب " الزهراء " بقلم العلامة الكبير السيد محمد جمال الهاشمي. أصدره العلامة السبيتي ضمن أعداد: حديث الشهير (1).

(1) العلامة الشيخ عبد الله السبيتي العاملي له عدة مؤلفات قيمة منها: تحت راية الحق " في الرد على فجر الإسلام لأحمد أمين، طبع لأول مرة في صيدا والطبعة الثانية منه طبعت في طهران ونفذ وأعادته بالأوفست على طبعة صيدا مكتبتنا مكتبة النجاح عام 1393 هـ طهران والطبعة

‌>


210

فأخبرت الدكتورة بنت الدكتور الشاطئ عن هذا الكتاب وطلبت منها تقديم كلمة عنه تعبر فيها عن رأيها في الكتاب لكي تضم إليه لإعداده للطبعة الثانية.

وبعد أيام صحبت الكتاب معي وقصدت مكتبها في جريدة الأهرام.

ودفعته لها فقالت: أتركه الآن عندي أطالعه وأكتب التقديم له. فتركته عندها وانصرفت.

وبعد أيام أخر اتصلت بها هاتفيا حول التقديم فحددت الموعد في يوم الأحد 7 / 11 / 1965 م فقصدت مكتبها بذلك الموعد المحدد فكانت تاركة لي هذا الخطاب وهذا نصه:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد فقد كان موعدنا أن أترك لسيادتك كتاب: " الزهراء " مساء اليوم إذ كنت أنوي السفر يوم الثلاثاء بعد لكن زحمة الشواغل أدت إلى تأجيل السفر أياما، وسوف أترك الكتاب والمقدمة لسيادتك هنا، بعد ظهر يوم الأربعاء الموافق 11 / 11 / 1965 إن شاء الله.

أرجو المعذرة وشكرا، والسلام عليكم ورحمة الله؟

بنت الشاطئ

الأحد 7 / 11 / 1965

<‌

الرابعة من هذا الكتاب طبعت في القاهرة بمطبعة " دار التوفيقية للطباعة بالأزهر " في شهر رمضان عام 1398 هـ - 1978 م.

وقد صدره بكلمة رائعة فضيلة الأستاذ الكبير الدكتور حامد حفني داود رئيس قسم الأدب العربي بكلية الألسن بجامعة عين شمس وأستاذ كرسي الأدب العباسي بجامعة الجزائر وقد طبع من آثار العلامة السبيتي: " إلى مشيخة الأزهر "، و " أبو هريرة في التيار " وغيرها.


211

وكتبت على الظرف الذي فيه هذا الخطاب:

الأستاذ السيد مرتضى الرضوي صاحب مكتبة النجاح بالنجف الأشرف - العراق.

وفي ذلك التاريخ المحدد لاستلام الكتاب والتقديم قصدت مكتبها فقابلتها وقالت:

هذا الكتاب فيه أخطاء واشتباهات، ولا أدري ما يعجبك منه، والظاهر أنك ترغب في طبعه ونشره لأنه تاريخ حياة جدتك الزهراء، واستلمت الكتاب منها مع التقديم (1) وانصرفت؟

(1) التقديم الذي كتبته الدكتورة يقع في ستة صفحات نسيته في النجف الأشرف - العراق ولم تحضرني هنا صورة منه وقد أطلعت عليه مؤلفه العلامة الجليل السيد محمد جمال الهاشمي ولم يوافق على نشره فتركته.

المؤلف -


212


213

- 3 -

حرف التاء

8 - الدكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازاني

9 - الشيخ الحافظ التيجاني


214


215

- 8 -

الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني

مدرس الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب - جامعة القاهرة


216

ولادته: في القاهرة في 14 / 4 / 1930 ونشأ نشأة طيبة وتربى تربية إسلامية في ظل والده طاب ثراه.

درس في كلية الآداب قسم الفلسفة حصل على درجة الدكتوراه عام 1961 م.

زميل معهد الدراسات الإسلامية في جامعة ماجيل بكندا عام 1955 م - 1956 م.

قضى عاما في إسبانيا بدعوة من حكومة إسبانيا لدراسة المخطوطات في الفلسفة الإسلامية والتصوف وأشرف على عدد من رسائل الخريجين في جامعة القاهرة.

أهم آثاره: " علم الكلام وبعض مشكلاته " " ابن عطاء الله السكندري والتصوف " " عبد الحق بن سبعين وفلسفته الصوفية "، وله مباحث كثيرة نشرها في مجلة عالم الفكر الكويتية ومجلة الوعي الإسلامية الكويتية ومنبر الإسلام في القاهرة وله مقالات في أكثر الصحف والمجلات المصرية.

تعرفت إليه في القاهرة عام 1961 م.

وهو شيخ إحدى الطرق الصوفية، ومن الشخصيات الفكرية والفلسفية.

كتب مقدمة لكتاب " وسائل الشيعة ومستدركاتها " للجزء الثالث منه تعرض فيها إلى علم الإمام الإلهامي وأصالة فقه الشيعة الإمامية وتجني المتخرصين على قدسية عقائدهم التي هي من صميم الإسلام.


217

بسم الله الرحمن الرحيم

تعرفت إلى فضيلته بواسطة الأخ الشيخ حسن زيدان طلبة (1) وقد دعيت أكثر من مرة لحضور الاحتفالات الدينية التي كان فضيلة أستاذنا يقيمها في شتى الأعياد والمناسبات الدينية في أحد الجوامع في حي الأزهر وكان الدكتور التفتازاني يرتدي لباسا خاصا كالألبسة التي يرتديها الحائز على درجة الدكتوراه، عند استلامه الشهادة من يد رئيس الدولة.

والدكتور التفتازاني يرأس إحدى طرق مشيخة الصوفية بجمهورية مصر العربية.

(1) هو: والد الشيخ زيدان " أبو المكارم " مؤلف كتاب " بناء الاقتصاد الإسلامي " وقد تعرفت إليه عند مراجعتي لمحل الأخ الصديق الحاج سعد خضر المجلد الفني في درب سعادة قرب المحكمة المختلطة بالقاهرة، وكنت ألتقي به دائما في دار الكتب المصرية، ومع الأستاذ الكبير السيد سقر المحقق الشهير بمصر، وهذا الشيخ يجيد الخط العربي كتابة ويجيد قراءة الخط المغربي كاملا وقد دفع له الأستاذ صقر كتابا كتب بالخط المغربي، ونقله له هذا الشيخ إلى الخط العربي، وقد دعاني إلى داره مرتين لتناول الطعام ظهرا الأولى عند ما كان يسكن في حي الأزهر والثانية في داره التي انتقل إليها أخيرا في: 1 - ورشة البلاط - شارح عيسى بن يزيد بكوبري القبة. وله إلمام بتصحيح الكتب في المطابع، ولفظه وأخلاقه الدمثة اخترته لتصحيح - ما يقع فيه جامعوا الحروف من أخطاء في كتاب " وسائل الشيعة ومستدركاتها " وغيره من الكتب التي قمت بطبعها بالقاهرة وبواسطته تعرفت على كثير من الأساتذة والعلماء، كما سيأتي ذكره عند ذكرهم، واخترته صاحبا ومرافقا لي على الدوام وهو من خيرة الأفاضل ومن تعرفت إليهم بمصر.


218

وكان فضيلته يقف داخل الجامع، يحيي الضيوف، ويرحب بهم.

وفي مثل هذه الاحتفالات كان يحضر أحد الشيوخ لتلاوة القصائد والأشعار الخاصة بتلك المناسبة، ليلقيها على مسامع الحاضرين.

وفي أثناء القراءة كان المستمعون يحركون رؤوسهم وأكتافهم، ويهتفون جميعا بصوت واحد، وقد يأخذهم الوجد والانتعاش من لحن تلك القراءة التي يجيدها ذلك الشيخ الوقور فيتساقطون على الأرض واحدا بعد الآخر من شدة هذا الوجد والانتعاش.

ولقد شاهدت مرة امرأة واقفة في مدخل الجامع والطريق المزدحم بالمارة، وكانت تحرك برأسها وكتفيها، وتميل أحيانا إلى اليمين والشمال، وإلى الركوع تارة أخرى كل ذلك من أثر سماع تلاوة ذلك الشيخ الوقور.

وكان يشارك في هذه الاحتفالات الدينية - التي يقيمها أستاذنا التفتازاني - كل أصحاب الفضيلة أمثال: الشيخ الباقوري، وعدد من كبار مشيخة الأزهر وغيرهم من العلماء الأعلام.

وبعد الفراغ من تلاوة تلك الأذكار والأناشيد الدينية اللائقة يوزعون الحلوى والشاي على الحاضرين وبعد الفراغ من تناوله ينفضون.

وقد حضرت هذه الاحتفالات أكثر من مرة، وكان ذلك بدعوة من الدكتور التفتازاني، إذ كان فضيلته يرسل لي بطاقة الدعوة للمشاركة في الاحتفال إما بواسطة البريد على عنوان الفندق أو بواسطة الشيخ حسن زيدان، لأنه على اتصال دائم به. وقال لي يوما الأخ الشيخ حسن زيدان أروم مواجهة الأستاذ فذهبت مرة بصحبة الشيخ حسن زيدان لزيارة الدكتور التفتازاني في داره العامرة الكائنة في شارع الأنصار بالدقي - وصحبت معي الكتب التي نشرتها في القاهرة وطلبت منه أن


219

يكتب تقديما لأنشره في أول المجلد الثالث من كتاب " وسائل الشيعة " ومستدركاتها " فتفضل سيادته - مشكورا - بكتابة ذلك التقديم، وقد نشرته في أول الجزء الثالث من إحدى الموسوعات الفقهية الجامعة لأحاديث الشيعة الإمامية الموسومة ب " وسائل الشيعة ومستدركاتها ".

وفي عام 1967 م، بعد ما وصلت القاهرة قصدت دار الشيخ حسن زيدان، وعرفته بمجيئ ونزولي في فندق ميامي على عادتي، وكان الشيخ حسن هذا على اتصال دائم بي في الأيام التي أقضيها في القاهرة.

وقد جاءني في أحد الأيام على عادته إلى الفندق فلم يجدني، وكنت في مكتب الدكتور حامد حفني داود 19 - شارع عبد العزيز - ومكتبه بالقرب من فندق ميامي، فجاء إلى مكتب الدكتور حامد وقال:

إذا كانت لك رغبة في الرواح إلى منزل الأستاذ الدكتور التفتازاني فاتصل به هاتفيا لنذهب هذه الليلة عنده، فاتصلت بفضيلته من مكتب الدكتور حامد وذهبت بمعية الشيخ حسن زيدان إليه وبعد أن وصلنا إلى داره العامرة طرقنا الباب ففتحها فضيلته ورحب بنا كثيرا على عادته، وأدخلنا غرفة الاستقبال المعدة للضيوف، وبعد أن استقر بنا المكان التفت الشيخ حسن نحو الدكتور التفتازاني وقال:

الدكتورة فوقية حسين محمود (1) تهديك السلام وهي مسرورة من حديثك البارحة في التفلزيون، فأجاب الدكتور التفتازاني قائلا:

الفضل يعود للسيد مرتضى.

(1) الدكتورة فوقية حسين محمود: أستاذة في كلية البنات بجامعة عين شمس بالقاهرة، وكان الشيخ حسن زيدان قد حدثها عني فأهدت لي مؤلفها الجديد " الجويني إمام الحرمين " وكتبت عليه الإهداء: فوقية حسين محمود 12 / 1 / 1967.


220

فقال الشيخ حسن: وكيف ذلك؟!

فأجاب قائلا:

كنت حاضرا في دائرة التلفزيون، وإذا بواحد كان يتكلم حول التاريخ الإسلامي وقد ظهر على (شاشة) التلفزيون، وفي أثناء حديثه تطرق إلى ذكر " الشيعة " وقال ما تقوله الخصوم فيهم بالنسبة إلى عقائدهم، وآرائهم؟

فأخبرت شخصية هناك وقلت:

إن هذا الأستاذ غير مطلع على عقائد الشيعة وآرائهم وأنا أعرف منه بعقائدهم، وعندي من كتبهم ما يجعلني أتعرف على حقيقتهم، وبعد أن أتم حديثه دعيت في نفس الوقت وظهرت على (شاشة) التلفزيون وتحدثت عن المواضيع التي كان الأستاذ قد تطرق إليها وبعد أن انتهى الدكتور التفتازاني من حديثه هذا جاءت الخادمة لنا بالشاي والقهوة، وبعد ذلك قام الدكتور ومد يده إلى كتاب من مؤلفاته واسمه:

(علم الكلام وبعض مشكلاته) الذي تم طبعه في مايو عام 1966 م، وكتب عليه: إهداء إلى السيد مرتضى الرضوي مع أخلص تحيات المؤلف وتمنياته. 1967 م أبو الوفا التفتازاني وقدم فضيلته الكتاب إلي وبعد أن فرغنا من شرب الشاي استأذناه، وانصرفنا.

وفي إحدى سفراتي إلى القاهرة زرت فضيلته في داره وأهديت له الكتب التي قمت بطبعها ونشرها في القاهرة مع كتاب " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " وقد اطلع عليها أستاذنا الدكتور التفتازاني وذكر: إنه استفاد منها كثيرا.


221

وإلى القارئ نص ما كتبه الدكتور عن كتاب وسائل الشيعة ومستدركاتها:

بسم الله الرحمن الرحيم

وسائل الشيعة

" وقع كثير (1) من الباحثين، سواء في الشرق أو الغرب، قديما وحديثا، في أحكام كثيرة خاطئة عن الشيعة، لا تستند إلى أدلة، أو شواهد نقلية جديرة بالثقة.

وتداول بعض الناس هذه الأحكام فيما بينهم دون أن يسائلوا أنفسهم عن صحتها أو خطئها.

وكان من بين العوامل التي أدت إلى عدم إنصاف الشيعة من جانب أولئك الباحثين، الجهل الناشئ عن عدم الاطلاع على المصادر الشيعية، والاكتفاء بالاطلاع على مصادر خصومهم.

ومما لا شك فيه أن أي باحث يتصدى للبحث عن تاريخ الشيعة أو عقائدهم أو فقههم لا بد له من الاعتماد - أولا وقبل كل شئ - على تراث الشيعة أنفسهم في هذا التاريخية التي يجدها في كتب خصوم الشيعة تحريا دقيقا، وذلك للوصول إلى الحقيقة ذاتها، وإلى كل ما ينبغي عليه من التجرد عن كل هوى مذهبي سابق يؤثر عليه في إصدار أحكامه.

وكان من بين العوامل التي أدت إلى عدم إنصاف الشيعة أيضا أن الاستعمار

(1) هذا التقديم كنا قد طبعناه في أول الجزء الثالث من كتاب " وسائل الشيعة ومستدركاتها " الذي تم طبعه في دار القومية العربية للطباعة 16 شارع النزهة ميدان الجيش بالقاهرة في عام 1381 هـجرية.


222

الغربي أراد في عصرنا هذا أن يوسع هوة الخلاف بين السنة والشيعة، وبذلك تصاب الأمة الإسلامية بداء الفرقة والانقسام، فأوحى إلى بعض المستشرقين من رجاله بتوخي هذا الفن باسم البحث الأكاديمي الحر.

ومما يؤسف له أشد الأسف أن بعض الباحثين من المسلمين في العصر الحاضر تابع أولئك المستشرقين في آرائهم دون أن يتفطن إلى حقيقة مراميهم.

والشيعة اسم كان يطلق قديما على كل من شايع عليا رضي الله عنه، وقال بإمامته وذريته من بعده نصا ووصاية، وهو يطلق الآن على الاثني عشرية خاصة.

والشيعة عموما يستندون في تشيعهم للإمام علي رضي الله عنه إلى شواهد من الكتاب والسنة.

والاتفاق بين السنة والشيعة في أصول العقائد ظاهر جلي، وذلك إذا استثنينا مسألة الإمامة، إذ يرى أهل السنة أنها قضية مصلحية تناط باختيار العامة على، حين يراها الشيعة قضية أصولية، وأن الإمام المنصوص عليه هو علي رضي الله عنه، وأن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم أو تقية، وتنحصر الإمامة عندهم في اثني عشر إماما.

والاتفاق بين السنة والشيعة في الأحكام الفقهية واضح بين، وذلك إذا استثنينا الخلاف حول بعض الأحكام الفروعية، مثل " نكاح المتعة " الذي ثبت نسخة عند أهل السنة ولم يثبت عند الشيعة.

ولم لا يقع الاتفاق بين السنة والشيعة في أصول العقائد والأحكام الفقهية إذا كان المصدر الذي يستمد منه كلاهما واحدا وهو: " الكتاب والسنة؟.

إن مدى الخلاف الموجود بين السنة والشيعة ليس فيما يبدو لنا بأبعد مما هو موجود مثلا بين مذهبي الإمام مالك وأتباعه من أهل الحديث، والإمام أبي حنيفة


223

النعمان وأتباعه من أهل الرأي والقياس.

فإذا عرفنا بعد ذلك أن أهل السنة جميعا يقرون بالفضل والعلم والتقوى لأهل البيت الأطهار، ويرون أن لهم منزلة خاصة لا يدانيهم فيها أحد وأن محبتهم والتقرب إليهم من كمال الدين، وباب للقرب من الله، وذلك لما ورد في حقهم من الكتاب والسنة من الشواهد وعرفنا أن الخلاف بين السنة والشيعة ليس بذي خطر!

ومع أن التشيع يستند أساسا إلى شواهد من الكتاب والسنة إلا أن بعض الباحثين من غير المنصفين نسبوه إلى مصدر غير إسلامي! وكان بالإنصاف يقتضي في هؤلاء الباحثين ألا يطرحوا هذه الشواهد من حسابهم إذا أرخوا ومن أراد زيادة في هذا الطلب فعليه الرجوع إلى الكتب المعتبرة في علم الحديث عند أهل السنة، مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم وغيرهما، وذلك في الأبواب الخاصة بمناقب أهل البيت رضوان الله عليهم.

ومما هو جدير بالذكر في هذا الصدد، أن شأن التشيع فيما قيل عنه من أنه دخيل على الإسلام شأن التصوف الإسلامي أيضا، فقد كان بعض الباحثين قديما وحديثا يعتبرون التصوف من صدر غير إسلامي، سواء أكان هذا المصدر فارسيا أم نصرانيا، يونانيا أم هنديا، على حين أن التصوف من حيث هو علم للمقامات والأحوال التي تعرض لقلوب المتعبدين السالكين لطريق الله عز وجل، كالتوكل والرضا، والزهد، والمحبة، والصبر واليقين، والمعرفة والأنس بالله والخوف والرجاء وما إليها، هو علم الأخلاق الدينية مستند أولا وقبل كل شئ، إلى الكتاب والسنة.

وجدير بالذكر كذلك أن بين التصوف والتشيع صلات قوية، وللإمام علي رضي الله عنه عند الصوفية منزلة خاصة رفيعة، فهم يعتبرونه مثلا أعلى في الزهد والتقوي، والورع والصبر واليقين، والرضا والتوكل، وكتبهم حافلة بذكر مناقب ذريته، رضي الله عنهم أجمعين.


224

ومما يدعو إلى التأمل أيضا أن شيوخ الصوفية من أصحاب الطرق كالرفاعي والبدوي، والدسوقي والجيلاني وغيرهم من جلة علماء أهل السنة من الصوفية يرجعون جميعا في أسانيد طرقهم إلى أئمة أهل البيت الأطهار بسندهم إلى الإمام علي عليه السلام بسنده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولعل هذا مستند عندهم إلى ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وهذا يفيد عند الصوفية خصوصية في علم الحقيقة، أو علم المكاشفة، أو علم الباطن، ليست لغير الإمام علي كرم الله وجهه.

وهناك في كتب أهل السنة أنفهسم شواهد كثيرة على خصوصية الإمام علي في العلم، وحسبنا أن نسوق الرواية التالية على سبيل المثال لا الحصر: " عن عمر رضي الله عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله وقال:

إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبلك ما قبلتك.

فقال علي رضي الله عنه يا أمير المؤمنين بل إنه يضر وينفع، وذلك في تأويل كتاب الله تعالى في قوله: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) - فلما أقروا أنه الرب عز وجل وأنهم العبيد كتب ميثاقهم في رق وألقمه في هذا الحجر، وإنه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان. يشهد لمن وافى بالموافاة، فهو أمين الله في هذا الكتاب؟

فقال له عمر: " لا أبقاني الله في أرض لست فيها يا أبا الحسن " (1).

فعمر بن الخطاب كما يستفاد من هذه الرواية يقبل الحجر الأسود اقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا شأن كل مسلم في الاقتداء بالنبي.

(1) رواه الخمسة، وزاد الحاكم: فقال علي... إلخ، وراجع كتاب الجامع لأصول أحاديث الرسول 2 / 149، تأليف الشيخ منصور علي ناصيف، ط، القاهرة 1352 هـ.


225

أما الإمام علي، فهو إلى جانب علمه بأن الحجر الأسود لا يضر ولا ينفع من حيث هو حجر، إلا أنه يعلم مكاشفة أن الله تعالى إذا أراد له أن يضر وينفع لضر ونفع بإرادة الله، كيف لا وفيه سر ذلك العهد القديم الذي أخذه الله تعالى على أرواح بني آدم في عالم الذر قبل وجودها في عالم الأمر!؟.

وهو شاهد على بني آدم يوم القيامة (1)؟.

وهنا قد يعترض فيقول: إذن هذا لا يعلل بالعقل، فيرد عليه بأن كثيرا من الأحكام الشرعية لا تعلل بالعقل، لأنه فوق إدراك العقل، والدليل على ذلك أن مناسك الحج لا تعلل، فلم يبدأ بالطواف من الحجر الأسود بالذات؟.

ولم تجمع الحجار من المزدلفة بالذات لرجم إبليس؟

إن لكل شئ سره ولكل مكان خصوصيته!.

فهناك إذن أمور في الاعتقاد أو في التشريع اختص الإمام علي رضي الله عنه وذريته من بعده بعلمها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ولذلك لا ينبغي أن يغفل المسلمون من غير الشيعة عن قيمة تراث الشيعة في العقائد وفي الفقه، فهذا التراث يروي عن آل البيت رضي الله عنهم، وهم أئمة في الفقه والتشريع، وسادة لهم فضلهم ومكانتهم في قلوب المسلمين على اختلافهم.

لذا كان سرورنا عظيما بتلك الحركة الناهضة المباركة التي يصطلح بها الأخ الصديق السيد مرتضى الرضوي صاحب مكتبة النجاح بالنجف الأشرف بالعراق بنشر أمهات الكتب في عقائد الشيعة وفقههم. فإن استمرار هذه الحركة من شأنه أن

(1) عن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال في الحجر: " والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق " رواه الترمذي وحسنه، " المرجع نفسه 2 / 149 ".


226

يكشف الحجاب عما خفي عن أعين أهل السنة من تراث إخوانهم الشيعة.

ومن أجل هذه الأمهات من كتب الشيعة كتاب:

وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة " للفقيه الحجة الشيخ محمد بن الحسن الشهير بالحر العاملي و " المستدرك على الوسائل " للمحقق الميرزا حسين النوري، وقد نشرا معا في هذه الطبعة التي نقدمها للقراء.

والكتابان يتعلقان بالأحكام الفقيهة والآداب المسندة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفقا لمرويات الأئمة من أهل البيت رضي الله عنهم.

ويعد هذا الكتابان مرجعين هامين للغاية للباحثين في تاريخ الشيعة وعقائدهم، وفقههم في الشرق الإسلامي، أو في أوروبا وأمريكا.

وإنا لنرجو مخلصين أن يكون في نشر هذين الكتابين وأمثالهما، ما يحقق غاية التقريب بين السنة والشيعة، وإيجاد نوع من الفهم المتبادل بينهما، فينظر كل فريق منهما إلى الآخر نظرة إنصاف وتقدير.

نسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين جميعا إلى ما فيه خيرهم، وإلى تقوية أواصر المحبة والأخوة بينهم مصداقا لقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة.

والله ولي التوفيق.

د. أبو الوفا الغنيمي التفتازاني

مدرس الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة القاهرة

القاهرة في 16 جمادى الثانية 1381 هـ


227

- 9 -

الشيخ الحافظ التيجاني

شيخ الطريقة التيجانية


228

تعرفت إليه في القاهرة عام 1967 م.

يتعصب لمذهبه ويشعر بحساسية تجاه معتقدات الشيعة الإمامية.

رائد من رواد الطريقة التيجانية الصوفية التي تصدر: مجلة بعنوان: " طريق الحق ".

له اهتمامات بالطرق الصوفية.


229

عرفني إلى هذا الشيخ فضيلة الأستاذ محمد سيد جاد الحق، فقد حدثني عنه مرارا وأثنى على فضيلته كثيرا فقررنا زيارته في ليلة معينة في الساعة العاشرة مساء وصحبت معي مجموعة من الكتب التي نشرتها في القاهرة وأهديتها له.

وبعد أن دخلنا عليه - في المغربلين (1) - رحب بنا وسألني قائلا:

هل أنت شيعي؟

قلت: نعم.

وشاهدت عنده جماعة بأيديهم السبح يسبحون بها، وكأنهم يتلون شيئا خاصا أو وردا معينا ويحركون (رؤوسهم، وأكتافهم) أثناء قراءتهم.

ثم قال الشيخ لي:

الشيعة يقولون بنجاسة أهل السنة (2).

قلت: لا.

وأنكرت عليه ذلك أشد الإنكار، وأشرت إلى إناء ومشربة فيها ماء وقلت له:

إشرب حضرتك في هذا الإناء، وأشرب أنا الباقي، وهذه فرية، والشيعة لا تقول بها.

(1) المغربلين: اسم لحي شعبي من الأحياء الشعبية في مدينة القاهرة.

(2) الشيعة يعتبرون في فقههم أن النواصب كالكفار: محكومون بالنجاسة، وهم الذين ينصبون العداء لأهل بيت النبي الأطهار سلام الله تعالى عليهم.


230

وأصر على كلامه هذا ثم مد يده إلى الهاتف وقال:

نعم: إنكم - يقصد الشيعة الإمامية - تقولون بنجاسة أهل السنة.

ولما رفع سماعة الهاتف سمعته يتحدث مع أستاذة كانت معلمة سابقا في العراق وقد عادت منذ زمن قريب، فسألها الشيخ الحافظ وقال:

أليس أنت أخبرتني أن الشيعة يقولون بنجاسة أهل السنة.

فقالت: لا؟ - وإني كنت بالقرب من الشيخ وسمعت ردها عليه - وقالت - أنا حدثتك بأن إحدى الطالبات هناك دعتني يوما إلى منزلها وقالت: إن والدتي امرأة كبيرة فلو أنك رأيت شيئا غريبا عنك لا تنزعجي، ولم أقل لك غير هذا.

فقلت: للشيخ وأسمعت الحاضرين:

لا يصح يا مولانا الشيخ أن تتهم الشيعة بمثل هذه الاتهامات، وقد سمعت أنا الأستاذة قد أنكرت عليك هذا الكلام وهذه فرية ولا يصح صدورها من مثلك.

ثم قال: أنتم الشيعة تفضلون الأئمة على الأنبياء والمرسلين.

قلت: نعم صحيح.

قال: تفضلون الأئمة حتى على أولي العزم (1).

(1) الإمامية " نسبة إلى الإمام أو الإمامة ": أكبر طوائف الشيعة، سموا بذلك لأنهم احتموا بالإمام، وركزوا حوله أكثر تعاليمهم ورأوا أن الأئمة هم على وأبناؤه من السيدة فاطمة بالتعيين واحدا بعد واحد. وتقوم عقيدتهم على أن الإمامة أصل من أصول الدين فهي منصب إلهي كالنبوة، يختار الله الإمام، ويأمر نبيه أن ينص عليه، ثم ينص كل إمام على الذي يليه.

والإمام عندهم دون النبي في الكمالات، ولا يوحى إليه، ولكنه فوق البشر هو معصوم كالنبي، ووجوده ضروري، لأن الله لا يخلى الأرض من حجة على العباد من نبي أو وصي ظاهر مشهور، أو غائب مستور.

والإمامية في الفقه يتبعون جعفرا الصادق وينكرون القياس.

وأهم فرق الإمامية: الاثنا عشرية.... وتقف الاثنا عشرية بالإمامة عند اثني عشر إماما، أولهم على، وآخرهم محمد المهدي بن الحسن العسكري (360 هـ) الذي يقولون إنه اختفى وسيعود في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا.

(المعجم الكبير 1 / 488 " مادة أمم " مطبعة دار الكتب المصرية عام 1970 م).

وانظر تعليقنا على كتاب الأستاذ الخطيب السيد جواد شبر تحت عنوان: آراء ونظريات حول الكتاب وقد مر في أوائل الكتاب فراجعه.

- المؤلف -


231

قلت: نعم - عدا نبينا الأكرم - (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال: هو مذكور في كتبكم والكتاب موجود عندي وفيه مثل هذا النص.

فأنكرت عليه، وقلت له: هات الكتاب ولا يمكن أن يكون فيه مثل هذا.

نعم: الشيعة تفضل الأئمة على الأنبياء حتى على أولي العزم (1) باستثناء نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

وعند ذلك قام الشيخ ومد يده إلى جيبه وأخرج مفتاحا لصندوق خشبي كان قريبا منه ففتح الصندوق وأخرج رسالة (الشريعة السمحاء) لآية الله السيد ميرزا حسن اللواساني المطبوعة بمطبعة العرفان صيدا - لبنان.

فقلت للشيخ: هات هذا الكتاب يا مولانا الشيخ.

فأخذت الكتاب منه وفتحته وإذا بالصفحة العاشرة منه يقول:

وهؤلاء الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) كانوا أيضا كلهم معصومين من جميع الذنوب، ومبرئين من جميع الرذائل والعيوب، طاهرين من الأرجاس في النسب ومطهرين من الأدناس في الحسب كالأنبياء السابقين بل أنهم أفضل من جميعهم بعد نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

(1) أولوا العزم من الأنبياء هم: أصحاب الشرائع: وهم: نوح، وإبراهيم وموسى، وعيسى، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم).


232

وقلت: وهذه فرية.

ولا يجوز يا مولانا الشيخ أن تنسب إلينا شيئا لم نقله فإننا لم نفضل الأئمة على نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتأثر كثيرا، وتأثر الحاضرون من جماعته، وأصحابه الذين بيدهم (السبح) يسبحون بها.

وكانت الساعة الثانية عشرة مساء.

وعند ذلك قمت وقام فضيلة الشيخ محمد سيد جاد الحق وأستاذنا وانصرفنا.

وفي رحلتي إلى القاهرة عام 1395 هـ موافق 1975 م زرت أحد أصدقائي السادة الأفاضل في داره العامرة يوم الاثنين عاشر شهر رمضان المبارك عام 1395 هـ وكان الحديث يدور حول الشيخ الحافظ التيجاني بعد أن قرأت عليه ما كنت كتبته عنه من خلال لقائي به وما ذكرته عنه من تعصب شديد بإزاء معتقداته ظهر لي من خلال حديث الأخ الصديق الفاضل أنه ينطوي على تعصب شديد أيضا لبني أمية باستثناء يزيد بن معاوية وقد سرد لي قصة تكشف عن هذا التعصب بوضوح وهي:

إن شاعرا يدعى الأستاذ " عباس الديب " قال قصيدة فاخرة بمناسبة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في عام 1393 هـ موافق عام 1973 م في الحفل الذي أقيم بهذه المناسبة في المقر العام لجمعية الشبان المسلمين بالقاهرة وقد كانت القصيدة ملتهبة حماسا وقد تناول فيها الشاعر مساوئ يزيد بن معاوية وتناول في ذم سلفه أيضا، وقد استعيدت أدوار القصيدة مرارا لشدة إعجاب الحاضرين بها، ولم يعترض عليها أحد فيما تناولت من ذم مقذع للأمويين وعلى رأسهم يزيد.

ثم بعد أن قرأ الأستاذ الشاعر القصيدة على الشيخ التيجاني تأثر الشيخ من ذم الشاعر لبني أمية وأصر عليه أن يعدله عن هذا الرأي باعتبار أن في عداد بني أمية


233

" عمر بن عبد العزيز " ويعتبر هذا في رأي الشيخ التيجاني امتدادا للخلافة الراشدة ورعاية لحقه وقياما بحرمته يلزمنا احترام قومه من أجله جريا خلف المثل المشهور " ألف عين لأجل تكرم " ولم يستثنى من هؤلاء في نظر الشيخ التيجاني إلا يزيد بن معاوية جريا لما اشتهر غباء بين الناس " العن اليزيد ولا تزيد " وبنتيجة هذا التأثير من الشيخ التيجاني عدل الشاعر عن رأيه وتغيرت نظرته السابقة في بني أمية وحذف جميع ما جاء في ذمهم وهجائهم من القصيدة.

هكذا يكشف بوضوح عن تقدير الشيخ التيجاني لسلف الأمويين وخلفهم وقد رأيت أدلته التي هي من قبيل " ألف عين لأجل عين تكرم " و " سب اليزيد ولا تزيد ".

هذه الأدلة للشيخ التيجاني التي لا تزن شيئا، وهذا القياس الفاسد الذي تعود الناس في الأمثال الجارية أن يتخذوه لا يجوز أن يكون موضع الاعتبار، إذ لو سايرنا ذلك لكان لنا أن نحذف من القرآن سورة المسد (1).

وأما " سب اليزيد ولا تزيد " المثل الأحمق المشهور يدلنا على مدى تأثير جهاز إعلام " معاوية " الذي قام بنشر أحاديث كثيرة تكشف عن قيمته وقيمة سلفه من الأمويين. وللأسف الشديد أن هذه الأحاديث لم يزل تأثيرها وأثرها باق إلى هذه الساعة مع أن جميع من تعرض للحديث من نقاده رماها بالوضع.

(1) وهي تبت يدا أبي لهب وتب... السورة.


234


235

- 4 -

حرف الحاء

10- الأستاذ حسن جاد حسن

11- الأستاذ محمد عبد الغني حسن

12- الأستاذ محمود حجازي

13- الأستاذ محمد سيد جاد الحق

14- الدكتور طه حسين


236


237

- 10 -

الأستاذ حسن جاد حسن

الأستاذ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر


238

ولادته: ولد بالدقهلية عام 1914 م ودرس في الأزهر حتى تخرج في كلية اللغة العربية.

حصل على الدكتوراه في الأدب والبلاغة.

عمل ولا يزال أستاذا في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر.

أهم آثاره: أصدر ديوانا من الشعر وهو طالب بالثانوي وله ديوان كبير مخطوط يعده للطبع وله كتاب:

" الأدب العربي المهاجر " و " الأدب المقارن " وكتاب: " ابن زيدون " وكتاب:

" الأدب العربي بين الجاهلية والإسلام " " الأدب العربي في ظلال الأمويين " " والعباسيين " وكتاب " ميزان الشاعر " في العروض.

من أساتذة الأدب واللغة والفكر والتحقيق.

تعرفت إليه في القاهرة عام 1957 م.

من دعاة التقريب وهواة الوحدة بين الطوائف الإسلامية.

كتب مقدمة لكتاب " وسائل الشيعة ومستدركاتها " أكد فيها على أن فقه الشيعة الإمامية هو فقه آل البيت (عليهم السلام) فقد ورثوه عن جدهم سيد المرسلين وأفاضوه على المسلمين، كما أكد على هذه الفكرة في شعره الجذاب وإحساسه المرهف.


239

تعرفت إلى هذا الأستاذ بواسطة الشيخ محمد عبد المنعم خفاجي (1) وهو زميله في كلية اللغة العربية وذهبت معه إلى منزل الأستاذ وعرفني به وعرفه بي وأن لي دار نشر في العراق، ولي مطبوعات في القاهرة وأروم طبع بعض الكتب والآثار الإسلامية. فغاب عنا قليلا وأحضر لنا الشاي والقهوة وغيرهما.

وقصدت دار هذا الأستاذ وحدي مرة ثانية وصحبت معي الكتب التي قمت بنشرها في القاهرة فأهديتها لفضيلته - وتقع داره في درب الجماميز بشارع اللبودية قرب شارع السيدة زينب (عليها السلام) في حارة عبد الباقي - وبعد أن قدمت الكتب لفضيلته طلبت منه أن يكتب تقديما لنصدر به الجزء الثاني من كتاب " وسائل الشيعة ومستدركاتها " ويعبر عن رأيه حول هذه الموسوعة الفقهية الخالدة ووعدني، بالكتابة ووفى بوعده.

وقد ذهبت إلى داره العامرة بعد هذه المرة ودفع لي التقديم الذي كتبه حول كتاب " وسائل الشيعة ومستدركاتها " وقد نشر سابقا في الصفحة الرابعة من المجلد الثاني من الكتاب وهذا نصه:

(1) سيأتي في محادثاتنا معه في رقم (17) من هذا الكتاب.


240

تحية شاعر:

جهد مشكور، وعمل مبرور، ذلك الذي بذله صديقنا السيد مرتضى الرضوي، في نشر كتاب: " وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة للعلامة الفقيه العاملي، ومستدركه للعلامة النوري ".

تلك الموسوعة الضخمة في فقه الأحكام، والسنن والآداب، والأخلاق المسندة إلى الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه بروايات الأئمة من آل بيته الكريم.

لقد أسدى بهذا الكتاب خيرا كثيرا، ففي هذا الفقه الصحيح، والأدب الكريم، ما يدحض شبه المغرضين، ويسد المنافذ على المغالين، ويقطع الطريق على مثيري الفتنة، والفرقة بين المسلمين.

فمهما أمكن من شأن الخلاف اليسير بين الشيعة وأهل السنة، فإن الأصل واحد، والمنبع واحد، وأصول الدين واحدة، مما يقرب مسافة الخلف، ويوحد صفوف المسلمين.

وإلى صديقي الناشر هذه الأبيات:

إهتف بآل البيت يا مرتضى
ولا يصدنك من أعرضا

عترة خير الخلق أهل التقى
بين البرايا والوجوه الوضا

وارو " ضماء الروح من هديهم
وعطر الأفق بهم والفضا


241

ولاؤهم قربى وفي حبهم
عبادة لله فيها الرضا

فانشر على الناس هدى فقههم
وأحيي من آثارهم ما مضى

" وسائل الشيعة " موسوعة
في الدين لن تجفى ولن ترفضا

بالفقه والأخلاق ينبوعها
ما جف في يوم ولا غيضا

مبسوطة للناس من عهدهم
وسوف تبقى الدهر لن تقبضا

دع قول من يغلو فمن دسه
أشعل بالفرقة نار الغضا

حقيقة الشيعة في دينها
حقيقة السنة لن تنقضا

جداول من منبع واحد
وإن بدا الخلف لمن أغمضا

لم تبق بعد اليوم من فرقة
ذلك عهد قد مضى وانقضى

حسن جاد حسن

أستاذ بكلية اللغة العربية بالأزهر / القاهرة


242


243

- 11 -

الأستاذ محمد عبد الغني حسن

المدير العام لمؤسسة المطبوعات الحديثة بالقاهرة


244

أهم آثاره: الخطب والمواعظ، التراجم والسير، الشريف الرضي حسن العطار، ابن الرومي.

له: مؤلفات أدبية وثقافية من الطراز العالي.

ينتصر للشيعة الإمامية من أهم قضية عقيدية هو:

الغدير فيما أثر عنه من الشعر والنثر.


245

قصدت زيارة هذا الأستاذ في مؤسسة المطبوعات الحديثة مع الشيخ محمد عبد المنعم خفاجي الأستاذ بكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف فرحب بنا سيادته كثيرا وأحضر لنا الشاي وجرى الحديث معه حول الكتب والمطبوعات، وسألت الأستاذ عن رأيه في موسوعة الغدير التاريخية لسماحة العلامة الحجة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني.

فقلت له يا أستاذ: ما رأيك في كتاب الغدير.

فقال: الغدير دائرة معارف إسلامية كبرى، إلا أن فيه بعض الشئ فسألته عن ذلك؟

فأجاب: قد جعل الشيخ الأميني جهل الخليفة عمر عنوانا في رأس الصفحة ولم يكن من الضروري ذكر ذلك في رأس الصفحة لأنه قد ذكره في المتن.

فقلت له: هل تنكر عليه ذلك؟ وهل هذا الذي جاء به الشيخ الأميني غير موجود في كتبكم.

فأجاب قائلا:

أنا لا أطعن بالحديث ولكن لا أستحسن أن يجعل مثل عنوانا في رأس الصفحة.

فقلت: لا أرى به بأسا والباحث يجب أن يكون صريحا غير محاب.

وللأستاذ محمد عبد الغني تقريض لكتاب " الغدير " شعرا مطبوع في كتاب


246

" الغدير "، يقرض فيه موضوع الكتاب نثرا وشعرا ويثمن قيمته العلمية والتاريخية مما يعبر فيه عن إعجابه به وتقديره غاية الإعجاب والتقدير.

وإلى القارئ ما نشر في موسوعة " الغدير " التاريخية:

حي الأميني الجليل وقل له
أحسنت عن آل النبي دفاعا

أرهفت للدفع الكريم مناصلا
وشهرت للحق الهضيم يراعا

وجمعت من طول السنين وعرضها
حججا كآيات الصباح نصاعا

وأذبت من عينيك كل شعاعة
كالنور ومضا والشموس شعاعا

وطويت من ميمون عمرك حقبة
تسع الزمان رحابة وذراعا

ونزلت ميدان البيان مناضلا
وشأوت أبطال الكلام شجاعا

ما ضقت يوما بالدليل ولم تكن
بالحجة الغراء أقصر باعا

لله من قلم لديك موثق
كالسيل يجري صاخبا دفاعا

يجلو الحقيقة في ثياب بلاغة
ويزيح عن وجه الكلام قناعا

يشتد في سبب الخصومة لهجة
لكن يرق خليقة وطباعا

وكذلك العلماء في أخلاقهم
يتباعدون ويلتقون سراعا

في الحق يختلفون إلا أنهم
لا يبتغون إلى الحقوق ضياعا

يا أيها الثقة الأمين تحية
تجتاز نحوك بالعراق بقاعا

تطوى إليك من الكنانة أربعا
ومن العروبة أدؤرا ورباعا

إنا لتجمعنا العقيدة أمة
ويضمنا دين الهدى أتباعا

ويؤلف الإسلام بين قلوبنا
مهما ذهبنا في الهوى أشياعا

ونحب أهل البيت حبا خالصا
تطوى القلوب عليه والأضلاعا

يجزيك بالإحسان ربك مثلما
أحسنت عن يوم " الغدير " دفاعا (1)

(1) مجلة الرسالة المصرية السنة 18 العدد 882 الصادر يوم الاثنين 11 شعبان 1369.


247

في ظلال الغدير

ليس في هذا العنوان أثر لروح شاعرية أو جنوح إلى عاطفة من عواطف الخيال المقتنص، أو ميل إلى شوارد التعبير عما يجول في الخاطر الكليل...

وإنما هي حقيقة ناصعة الوجه واليد واللسان حين نقرر أن القارئ " للغدير " يفئ منه إلى ظل ظليل، ويلتمس عنده من راحة الاطمئنان، وحلاوة القرار، ورضى الثقة ما يجده المرء حين يأوي إلى الواحة المخضرة بعد وعثاء السفر، في بيداء واسعة المتاهات، فيجد في ظلالها أنس الاستقرار، وسلامة المقام، ودعة المصير.

وأن أكون في هذه الكلمة جانحا إلى خيال، أو محلقا في جواء من التصور الحالم، أو الوهم الهائم.. ولكنني سأجتاز هذا " الغدير " عابرا، مفكرا، مقلبا النظر في صفحاته الرجراجة بكل فكرة متموجة بكل مبحث مستخرجا من أصفى لآلئه، وأكرم عناصره ما يعينني عليه تقليب النظر في شطآنه، وإطالة الفكر بين دفتيه، وكثرة الوقوف على مباحثه كما يقف ربى على الديار التي لم يبلها القدم...

ولقد بلغ الجزء الأول من " الغدير " ما حسبت معه أن الجهد قد أوفى فيه على الغاية واستشرف على نشر الكمال في صفحاته التي تساوي أيام السنة الهجرية عدا...

وقد كان يحسب العلامة المكب الدؤوب الجليل الأستاذ " عبد الحسين الأميني " أن يرضى منه بحث " حديث الغدير " بجزء واحد أو بجزئين أو ثلاثة يستوفى فيها


248

الكلام عن رواة " حديث الغدير " من الصحابة، والتابعة لهم بإحسان، وطبقات الرواة من العلماء إلى عصرنا هذا، والاحتجاج بالحديث، وتحقيق سنده وروايته، ودلالته على تأكيد الولاية للإمام علي كرم الله وجهه، سواء كان ذلك المفهوم مشتقا من حرفية الحديث، أو مستفادا من القرآن الملابسة للحديث حين نطق به الرسول الكريم على مرأى، ومسمع، ومشهد من الصحابة.

نعم: قد كان يحسب العلامة " الأميني " هذا حين يحتج لحديث الغدير - غدير خم - وحين يحقق روايته وسنده.. ولكنه ذهب في البحث عن " الغدير " وراء كل مذهب، وجاوز في تعمق الدرس والتقصي كل حد معروف عند المؤلفين حين يؤلفون، وعند الباحثين حين يبحثون...

نعم: لقد مضى " الأميني " الجليل في البحث على طريق وعر المسالك، ومتشعب النواحي، كثير المسائل، ولم يزده السير في الطريق إلا مواصلة السير كوجه البدر المنير يزيدك حسنا إذا ما زدته نظرا...

ورأينا كتاب " الغدير " يمتد به الطريق إلى أجزاء تسعة ضخام تبلغ من الصفحات بضعة آلاف... ولا يزال الكتاب ينتظر من صبر العلامة " عبد الحسين " وإكبابه وتوفره على التنقير والتنقيب ما يمضي به إلى الغاية التي يستهدفها المؤلف، حتى يتم الكتاب على الوجه الذي يرضى عنه الله، والعلم الصحيح، والضمير السليم.

وقد يكون العلامة " الأميني " النجفي مشربا بحب الإمام علي وشيعته حين يبذل من ذات نفسه، وحين يبذل من ماء عينيه ما يبتغي به الوسيلة عند أهل البيت العلوي الكريم..

وقد يكون في عمله هذا مستجيبا لنداء المذهب الذي يدين به.. فإن الحب يفرض على المحب من الالتزامات والارتباطات ما يسقط به وجه الاعتراض.


249

ولكن الحق الذي يجب أن يجهر به:

إن العلامة الأستاذ " عبد الحسين الأميني " لم يكن محبا متعصبا، ولا ذا هو متطرف جموح، وإنما كان عالما وضع علمه بجانب محبته لعلي، وشيعته، وكان باحثا وضع أمانة العلم ونزاهة البحث فوق اعتبار العاطفة.

ولا يلام المرء حين يحب فيسرف في حبه، أو حين يهوى فيشتد به الهوى..

ولكن اللوم يقع حين تميل دواعي الهوى بالمرء عن صحيح وجه الحق...

وما كان أستاذنا الجليل في شئ من هذا، وإنما كان باحثا وراء الحقيقة، كاشفا النقاب عن وجهها، معنيا نفسه بالوصول إليها سافرة الوجه، واضحة المعالم.

ونجد في الجزء الأول من " الغدير " رواة الحديث من الصحابة رضي الله عنهم وقد رتبهم المؤلف وفق حروف الهجاء، فبلغوا مائة عشرة من أجلاء أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) يبتدون بأبي هريرة، وينتهون بأبي مرازم يعلى بن مرة وهب الثقفي.

والمؤلف هنا لا يكتفي بذكر أسماء الرواة من الصحابة، بل يذكر الكتب التي جاء فيها هذا الحديث مسندا إلى الصحابي، ثم لا يكتفي بذلك بل يذكر أجزاء الكتب وأرقام الصفحات.

وهنا يجد المتصفح " للغدير " سيلا وافرا بل بحرا زاخرا من الكتب كأسد الغابة، والإصابة، وتهذيب التهذيب، والاستيعاب، وتاريخ بغداد للخطيب، وتهذيب الكمال، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، والبداية والنهاية لابن كثير، ونخب المناقب، ومسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وعشرات وعشرات، وعشرات، من كتب الحديث والتفسير، والتاريخ التي روى فيها الرواة من الصحابة حديث الغدير.

فإذا فرغ المؤلف من ذكر طبقات الرواة من الصحابة انتقل إلى الرواة من التابعين، ثم من العلماء مرتبا هؤلاء الأخيرين وفق ترتيب الوفيات قرنا فقرنا


250

مبتدئا بابن دينار الجمحي، ومنتهيا برواة الحديث في عصرنا الحديث.

ولما كانت واقعة غدير خم - من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدل وكان الحديث - حديث الغدير - مما كان ينعقد إجماع الأمة الإسلامية سنة وشيعة - على صحته، فقد حدث الحجاج به ومناشدته بين الصحابة والتابعين ولهذا عقد العلامة عبد الحسين فصلا في المناشدة والحجاج بحديث الغدير. وممن احتج به فاطمة بنت الرسول، والحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعمر بن عبد العزيز، والخليفة المأمون العباسي.

ولما كان حديث الغدير قد بلغ من الصحة والتواتر، وقوة السند مبلغا لا يحتاج معه إلى إثبات مثبت، أو تأييد مؤيد، فقد كان المؤلف الجليل في غنى عن أن يخص صحة إسناد الحديث بفصل، فإنه لا يصح في الأذهان شئ إذا احتاج النهار إلى دليل... ولكنه جرى في المنهج العلمي على سفن الجادة واستقامة القصد فذكر في صفحة 266 وما بعدها كلمات الرواة والحفاظ حول سند الحديث.

فالترمذي يقول في صحيحه: إن هذا حديث حسن صحيح. والحافظ ابن عبد البر القرطبي يقول بعد ذكر حديث المؤاخاة، وحديثي الراية والغدير:

هذه كلها آثار ثابتة. وهكذا يمضي في هذا الفصل حتى يستوفي كلمات الحافظ حول سند الغدير.

وعلى الرغم من مقاربة الإجماع على صحة حديث الغدير، فقد نظر إليه بعض رجال المسلمين نظرة تخالف منعقد الإجماع... وهنا يظهر صاحب كتاب " الغدير " في مظهر المحب الغاضب... الغاضب على مخالفيه، فيوقفهم موقف المقاضاة، وينزلهم منزل المحاكمة، بل يعقد فصلا عنيفا عن " ابن حزم " الأندلسي الذي فتح الباب واسعا حول الشك في صحة الحديث.

ولو أن كتاب " الغدير " كان احتجاجا لحديث غدير خم، وتأييدا لصحته،


251

وتبيانا لرواته وطرق روايته على مر العصور، وإثباتا لما يستفاد منه من معنى الولاية للإمام " علي " لكان بذلك كافيا.

ولكن العلامة الأستاذ " عبد الحسين أحمد " أراد أن يجعل من " الغدير " بحرا متلاطم الأمواج، جياش العباب... وشاء أن يجعل منه موسوعة كبيرة تدور حول الكلمات الطاهرة التي نطق بها الرسول (صلى الله عليه وسلم) للإمام علي كرم الله وجه، فأثبت الشعراء الذين ذكروا الغدير في قصيدهم، وعطروا بذكره أنفاس أشعارهم، وصاحبهم المؤلف الدؤوب في موكب رائع الجلال من عهد النبي صلوات الله عليه إلى القرون الإسلامية قرنا فقرنا، فهو يذكر في كل قرن شعراء الغدير فيه ويذكر غديرياتهم، ولا يكتفي بذلك كله، بل يترجم لهؤلاء الشعراء تراجم لا يستغني عنها مؤرخ أو باحث أو أديب: ثم لا يكتفي بذلك، بل يذكر المصادر الكثيرة الموزعة لهؤلاء الشعراء، فيقع القارئ من هذه المصادر على ذخيرة من المعرفة بالكتب قل أن تتاح لباحث من باحثي زماننا هذا.

ولست هنا مبالغا في تقدير هذه التراجم، فترجمة الشاعر " الكميت ".

مثلا من شعراء الغدير في القرن الثاني قد بلغت ثلاثين صفحة من الجزء الثاني، حتى كادت تصلح أن تكون في ذاتها كتابا قائما بدراسة " الكميت " وترجمة " السيد الحميري " الشاعر وتضعه في الإطار الذي يخصه بين شعراء عصره.

وترجمة " ابن الرومي " في الجزء الثالث من " الغدير " تبلغ 26 صفحة. وقس على هذا بقية مواكب الشعراء.

وليست العبرة في طوال التراجم واتساع صفحاتها.. ولكن العبرة في هذا الصبر العجيب الذي تابع به المؤلف حياة الشعراء الذي يترجم لهم، فقد رجع علامتنا الجليل حين كتب عن " ابن الرومي " إلى عشرات من الكتب في القديم والحديث وجمع أخباره ونوادره من مصادر لم يطلع عليها الأكثرون ولم يكد يفوته


252

كتاب واحد ذكر فيه " ابن الرومي " بخير أو شر... حتى مجلة الهدى العراقية، وكتاب الأستاذ عباس محمود العقاد.

وعلى ذكر المراجع والمصادر نود أن نسجل للحق أن مؤلف " الغدير " الجليل قد أحاط منها بما لا يحيط به إلا من رزقه الله قدرة، وصبرا وحسن وقوع على الموارد، فهو حين يترجم مثلا لأبي تمام الشاعر في الجزء الثاني من " الغدير " يذكر أسماء الأعلام الذين شرحوا ديوان الحماسة، فيبلغون سبعة وعشرين... يبدأون بأبي عبد الله محمد بن القاسم، وينتهون بالمرحوم الشيخ سيد بن علي المرصفي من رجال الأدب في زماننا هذا، وهو حين يذكر المؤلفين من أخبار أبي تمام وترجمته بعد عشرات يبدأون بأبي الفضل أحمد ابن أبي طاهر من رجال القرن الثالث الهجري.

ويبلغ في زماننا هذا الدكتور عمر فروخ من كتاب عصرنا الحديث.

هذا هو " الغدير " في نظرة عاجلة، أعجلني بها من أمر الزمان وشغل الحدثان ما كنت أود أن تطول معه الوقفة وتعمق النظرة، ولكن علامتنا الكبير الأستاذ " عبد الحسين أحمد الأمني " حرى أن يغفر لصديقه السني المصري ما لم يسعفه به زمانه.

وأسأل الله أن يجعل من هذا الغدير الصافي صفاء لما بين أهل السنة والشيعة من أخوة إسلامية، يتجهون بها في كتلة واحدة وبناء مرصوص، إلى الحياة الحرة الكريمة التي يعتز بها الإسلام، ويعلو له بها في العالم مقام.

والله يوفق أستاذنا العلامة الجليل (1).

محمد عبد الغني حسن

القاهرة:

7 من ربيع الأول سنة 1372 هـ

15 من نوفمبر سنة 1952

(1) الغدير لسماحة العلامة المحقق الأميني الجزء الأول الطبعة الثانية.

- المؤلف -


253

- 12 -

الأستاذ محمود حجازي

من علماء الأزهر ومدير معهد المنصورة


254

درس في الأزهر الشريف وتخرج فيه.

عين مديرا لمعهد المنصورة.

أهم آثاره: " التفسير الواضح " 3 مجلدات طبع أكثر من مرة وكتاب: " الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم ".

تعرفت إليه عام 1965 م.

من علماء الأزهر الشريف ومن رجال التفسير البارزين.

ناقشته موضوع الخلافة فلمست منه التفهم، والمرونة.

ناقشته تشريع المتعة وجوازها، فلم أجد فيه ما يمنعه من قبوله والاعتراف به.

كتابه: " التفسير الواضح " تفسير قريب التناول لعشاق القرآن الكريم..


255

تعرفت إلى فضيلة الشيخ محمد محمود حجازي في مكتبة الأخ محمود الزناري الكائنة في أرض شريف قرب مطبعة السنة المحمدية سابقا والتقيت به أكثر من مرة في مكتب شيخ الأزهر وبحثت معه موضوع الخلافة والإمامة عند الشيعة الإمامية وأحقية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالخلافة ونصبه من قبل الله عز وجل إماما وخليفة في غدير خم (1)، كما وصفه ذلك الشاعر حسان بن ثابت في هذه الأبيات:

يناديهم يوم الغدير نبيهم
بخم وأسمع بالرسول مناديا

وقال فمن مولاكم ووليكم
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت ولينا
ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني
رضيتك من بعدي إماما وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه
فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليه
وكن للذي عادى عليا معاديا

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.

وقال أبو تمام الطائي في قصيدة له عصماء:

ويوم الغدير استوضح لحق أهله
بفيحاء ما فيها حجاب ولا ستر

يمد بضبعيه ويعلم أنه
ولي ومولاكم فهل لكم خبر

(1) أنظر: محادثاتنا مع الأستاذ خالد محمد خالد ستأتي في رقم 15 من هذا الكتاب.


256

فكان له جهر بإثبات حقه
وكان لهم في بزهم حقه جهر (1)

وللكميت رحمه الله تعالى بعض الأشعار ذكرها الأستاذ العلامة الشيخ محمد محمد المدني في كتابه " دعوة التقريب " فقال:

ومهما تختلف الآراء في الكميت، فإن مما لا يخامره ريب أنه لم يكن غاليا في تشيعه، ولا مسرفا فيه بل كان معتدلا معقولا، عف اللسان، شريف الهجاء، لم يلعن، ولم يسب سبا مقذعا، ولم يقل كما قال السيد الحميري يخاطب المهدي:

قل لابن عباس سمي محمد
لا تعطين بني عدي درهما

أحرم بني تيم بن مرة أنهم
شر البرية آخرا، ومقدما

منعوا تراث محمد أعمامه
وبنيه، وابنته عديلة مريما

وتآمروا في غير أن يستخلفوا
وكفى بما فعلوا هنالك مأثما

لم يشكروا لمحمد إنعامه
أفيشكرون لغيره إن أنعما

والله من عليهم بمحمد
وهداهم وكسا الجنوب وأطعما

ثم انبروا لوصيه ووليه
بالمنكرات فجرعوه العلقما

وقال الكميت مرة:

ويوم الدوح دوح غدير خم
أبان له الولاية لو أطيعا

ولكن الرجال تبايعوها
فلم أر مثلها خطرا مبيعا

فلم أبلغ بها لعنا، ولكن
أساء بذاك أولهم صنيعا

وقال في مرة أخرى:

أهوى عليا أمير المؤمنين ولا
ألوم يوما... إلخ

(1) أنظر: ديوان أبي تمام الطائي.


257

ثم قال الأستاذ المدني رحم الله الكميت، وأحسن جزاءه على قدر بلائه من الله (1).

وللسيد الحميري من قصيدة يقول:

يوم الغدير وكل الناس قد حضروا
من كنت مولاه في سر وإجهار

هذا أخي ووصي في الأمور ومن
يقوم فيكم مقامي عند تذكاري

يا رب عاد الذي عاداه من بشر
وأصله في جحيم ذات أسعار (2)

ثم قلت للأستاذ إن الله تعالى جعل عليا نفس الرسول الأكرم في كتابه العزيز وذلك عندما جاء وفد نصارى نجران إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للمباهلة فقال تعالى:

﴿قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (3) وإن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وهو نفس النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كما تقدم بنص آية المباهلة.

وجاء في تفسير الفخر الرازي، في تفسير آية المباهلة:

الإجماع دل على أن محمدا (عليه السلام) كان أفضل من سائر الأنبياء (عليهم السلام)، فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء.

فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية...

ويؤيد الاستدلال بهذه، الحديث المقبول عند الموافق والمخالف، وهو قوله (عليه السلام):

" من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحا في طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في

(1) أنظر: دعوة التقريب ص 434 ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة عام 1386 هـ.

(2) ديوان السيد الحميري ص 232 طبع دار مكتبة الحياة بيروت.

(3) آل عمران: 61.


258

هيبته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) " (1).

فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم، وذلك يدل على أن عليا (عليه السلام) أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)...

وكان نفس محمد أفضل من الصحابة رضوان الله عليهم، فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضا من سائر الصحابة (2).

وإليك بعض المصادر التي تذكر أن المقصود من قوله تعالى: ﴿وأنفسنا هو: علي بن أبي طالب (عليه السلام) (3):

وقال الآلوسي في تفسير قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل

(1) أخرج هذا الحديث محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص 122.

(2) تفسير الفخر الرازي: 8 / 90 ط دار الفكر بيروت.

(3) أنظر جامع البيان في تفسير القرآن - لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، آل عمران: 61.

الجواهر في تفسير القرآن - للشيخ جوهري طنطاوي، آية المباهلة، آل عمران: 61.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - لأبي السعود، آية المباهلة.

تفسير القرآن الكريم - للشيخ محمد مصطفى المراغي، آية المباهلة.

تفسير الكشاف - للزمخشري، آية المباهلة، آل عمران: 61.

تفسير النيسابوري.

تفسير القاسمي (محاسن التأويل)، آية المباهلة.

تفسير الخازن. آية المباهلة آل عمران: 61.

تفسير النسفي (مدارك التنزيل)، آل عمران: 61.

تفسير روح المعاني للآلوسي.

تفسير القرآن الكريم - لابن كثير الدمشقي، آية المباهلة.

التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) - للفخر الرازي، آية المباهلة، آل عمران: 61. تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور - للشيخ جلال الدين السيوطي - آل عمران: 61.

أنوار التنزيل للبيضاوي.

غرائب القرآن للنيسابوري - آل عمران: 61.


259

البيت ويطهركم تطهيرا (1).

" وقد صح ما يدل على أن العموم غير مراد أخرج الترمذي والحاكم وصححاه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها من طرق قالت:

في بيتي نزلت ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت - وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بكساء كان عليه ثم قال: " هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ".

وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء وقال:

اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ثلاث مرات.

وفي بعض آخر أنه عليه الصلاة والسلام ألقى عليهم كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم ثم قال:

اللهم إن هؤلاء أهل بيتي (وفي لفظ آل محمد) فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وجاء في رواية أخرجها الطبراني عن أم سلمة أنها قالت:

فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه (صلى الله عليه وسلم) من يدي وقال:

إنك على خير وفي أخرى رواها ابن مردويه عنها أنها قالت:

ألست من أهل البيت فقال (صلى الله عليه وسلم): إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم).

(1) الأحزاب: 33.


260

وفي آخرها رواها الترمذي وجماعة عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي عليه الصلاة والسلام قال:

قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله قال: أنت على مكانك وإنك على خير.

وأخبار إدخاله (صلى الله عليه وسلم) عليا وفاطمة وابناهما رضي الله تعالى عنهم تحت الكساء.

وقوله عليه الصلاة والسلام:

" اللهم هؤلاء أهل بيتي " ودعاؤه لهم وعدم إدخال أم سلمة أكثر من أن تحصى وهي مخصصة لعموم أهل البيت بأي معنى كان البيت.

فالمراد بهم من شملهم الكساء ولا يدخل فيهم أزواجه (صلى الله عليه وسلم) " انتهى ما أورده الآلوسي (1).

وبعد أن أتيت على آخر هذا الحديث وما ورد بما فيه من النصوص التي لا يمكن ردها لم يكن للأستاذ أي رد على ذلك.

ثم أهديت له مجموعة من مطبوعاتنا التي نشرتها في القاهرة (2).

(1) في تفسير روح المعاني: 7 / 44 - 45 طبعة مطبعة الأميرية عام 1301 هـ.

(2) مر ذكرها في حرف الألف من هذا الكتاب ضمن محادثاتنا مع الأستاذ أبي الفضل إبراهيم فراجعه.


261

- 13 -

الأستاذ محمد سيد جاد الحق

من المحققين وذوي الاختصاص في علم الرجال


262

ولادته: ولد في مدينة " الحسنة " مركز " طما " محافظة سوهاج في 15 / 10 / 1904 م.

درس في الأزهر الشريف وتخرج منه في عام 1923 م.

اشتغل بالتأليف والتحقيق في 1949 م.

أتخذ إماما لجامع السيدة زينب بنت الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عام 1949 م لمدة خمسة عشر عاما.

أهم آثاره: " تاريخ السيدة زينب "، و " عقود الجوهر من خطب المنبر " و " نفحة العنبر من خطب المنبر ".

حقق كتبا كثيرة منها: " الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة " لابن حجر في خمسة مجلدات " ومعرفة القراء للذهبي " في مجلدين و " تلقيح فهوم أهل الأثر " لابن الجوزي في مجلدين و " الفصول المهمة " لابن الصباغ المالكي و " الحطة في ذكر الصحاح الستة " للصديق حسن خان الهندي وشرح " معاني الآثار " للطحاوي.

تعرفت إليه عام 1961 م.

من علماء الأزهر الشريف ومن المحققين وذوي الاختصاص بعلم الرجال.

يتحلى فيما يحقق بروح الاعتدال والموضوعية.

له دراية تامة في الأعلام الغربية والوقوف عليها والبحث عن الحقيقة في جميع مظانها.


263

تعرفت على فضيلته في مكتبة دار الكتب الحديثة لتوفيق عفيفي عامر وقد حقق هذا الأستاذ لدار الكتب الحديثة وغيره عدة كتب (1) وكنت ألتقي به هناك متى ما ذهبت إلى توفيق عفيفي وشاهدته أكثر من مرة في مكتبة الحاج " نجيب الخانجي " وكنت على اتصال دائم به وطلب مني كتاب " الفصول المهمة " في معرفة أحوال الأئمة لابن الصباغ المالكي (2) وكان فضيلته يرغب في تحقيق هذا الكتاب وإحيائه بإخراج مصادره فوعدت فضيلته أن أهيأه له وعند عودتي إلى العراق سألت عنه كثيرا في المكتبات ولم أوفق للعثور عليه لشرائه وإرساله إليه وعندما انتقلت إلى إيران وأقمت في طهران سألت عنه في المكتبات جميعها ولم أحصل عليه وكما أني سألت عنه مكتبات " إصفهان " و " مشهد " و " قم " ولسوء الحظ لم أعثر عليه في أسواق هذه المدن.

وفي أحد الأيام حين تشرفت بزيارة مرقد السيدة فاطمة " معصومة " ابنة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في مدينة قم ذهبت إلى دار سماحة العلامة الكبير شيخنا الكلباسي وجرى حديث الكتب المؤلفة في أهل البيت (عليهم السلام) بأقلام علماء أهل السنة.

فأجاب سماحته:

إن " الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة " لابن الصباغ المالكي، الطبعة

(1) تقدم ذكرها في الصفحة المتقدمة تحت عنوان: أهم آثاره.

(2) طبع هذا الكتاب لأول مرة في إيران وطبع ثانيا في النجف الأشرف - العراق.


264

الإيرانية موجودة عندي فأخبرته بأن فضيلة الشيخ محمد سيد جاد الحق يطلبها ويرغب في تحقيقها ونشرها بالقاهرة وإني لا زلت منذ زمان طويل أفتش عن هذا الكتاب ولم أحصل عليه فطلب مني صاحب السماحة العلامة الكلباسي عنوان فضيلة الشيخ محمد سيد جاد الحق في القاهرة فأعطيته العنوان بمعرفة " مكتبة الخانجي ".

وكان قد سافر سماحته إلى القاهرة واتصل بفضيلته بالعنوان المذكور أعلاه وسلمه الكتاب وشرع الأستاذ الشيخ محمد سيد جاد الحق بتحقيقه لإعداده وإخراجه إلى حيز الوجود فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.

وفي رحلتي إلى القاهرة في شهر شعبان المعظم عام 1398 هـ - 1978 م زار القاهرة سماحة العلامة الكبير شيخنا الكلباسي وذهبت إلى دار الأستاذ المحقق الشيخ محمد سيد جاد الحق فأخبرنا نجله البار بسفره إلى " أبو ظبي " فطلب مولانا الشيخ الكلباسي رقم تليفونه في " أبي ظبي " واتصل به وتحدث معه حول عودته إلى القاهرة فأجاب:

سأعود بعد شهر رمضان إن شاء الله.

فذهبت مع سماحة العلامة الشيخ الكلباسي إلى مطبعة اللجنة وعرفت سماحته بالأستاذ صلاح الدجوي صاحب " مطابع الدجوي في القاهرة " وعملنا معه عقدا واتفاقا لطبع كتاب: " الفصول المهمة " وحضرت هذا الاتفاق عما تم مع سماحة العلامة الشيخ الكلباسي وبعد كتابة العقد اتفقنا مع الأستاذ الدجوي صاحب المطبعة أن يكون الشروع بطبع الكتاب بعد عودة فضيلة الشيخ محمد سيد جاد الحق من السفر إلى القاهرة.


265

- 14 -

الدكتور طه حسين

عميد الأدب العربي في القرن العشرين


266

ولادته: ولد بمديرية " المينا " بالصعيد في 21 اكتوبر 1889 م.

درس في الأزهر الشريف والتحق بالجامعة الأهلية.

حصل على الدكتوراه من جامعة السوربون في فرنسا 1918 م.

كان مديرا أو رئيسا لتحرير مجلة الكاتب المصري.

أهم آثاره " الأيام " جزءان ويتضمن تاريخ حياته " الأدب الجاهلي "، " الشعر الجاهلي ". " تجديد ذكرى أبي العلاء "، " الفتنة الكبرى " جزءان وله عشرات المقالات، والمؤلفات الأخرى.

توفي في 14 نوفمبر 1973 م.

من مشاهير رجال الأدب والفكر في العالم العربي.

يتميز بحرية الرأي والجرأة الأدبية في عرض آرائه.

يرى أن عبد الله بن سبأ شخصية أسطورية وله اتجاه واضح في تأييد الشيعة في مجال تحليله لشخصية ابن سبأ، كما أنه يرى أن خروج عائشة لحرب الإمام علي (عليه السلام) كان تحديثا للكتاب وخرقا لوصايا الرسول ويعتقد في عثمان أنه: كان يقاد ولم يكن ليقود.

لبعض المفكرين العرب رأي: عن الدكتور: طه حسين وتحليل لشخصيته مما يجب الاطلاع عليه.


267

جرى حديث الدكتور طه حسين بين أساتذه وكتاب وكان الدكتور حامد حفني داود إلى جنبي فطلبت منه أن يتصل بالدكتور طه حسين ليحدد لنا موعدا نلتقي به معه: فاتصل به الدكتور حامد وقال له:

قدم ناشر من العراق ومعه كتب للشيعة ويريد مقابلتك، وإهداء الكتب لسيادتك فعين الدكتور وقت المقابلة في الساعة السادسة من مساء الأربعاء فاتصل بي الدكتور حامد وأخبرني بتحديد الموعد للمقابلة مع سعادة الدكتور طه حسين فحضرنا القصر " الفيلا " الذي يقيم فيه الدكتور في الوقت الذي حدده لنا سعادته.

ولما طرقنا الباب فتحها الأستاذ فريد شحاته الملازم له. فقال له الدكتور حامد: لنا موعد سابق في هذه الساعة مع سعادة الدكتور فرحب بنا ودخلنا عليه في غرفة الاستقبال - وكان الدكتور حاضرا - وبعد أن سلمنا عليه ورد علينا الجواب خاطبني قائلا:

حضرتك من أين؟

قلت: من النجف الأشرف - العراق.

قال: شيعي؟

قلت: نعم بالطبع شيعي.

ثم قلت: الشيعة تعتقد أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قد ظلم، وغصب حقه، واعتدي عليه وخالفوا في شأنه نص الرسول.


268

فأجاب الدكتور قائلا:

لو أننا نعترف بوجود نص لكفرنا جميع الصحابة.

فقلت: قال الله تعالى:

﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم (1 على أعقابكم). آل عمران: 144.

ولم يبق يا دكتور من الصحابة سوى أفراد يعدون بالأصابع. (2) فأجاب الدكتور قائلا: لا، لا أكثر من هذا.

(1) مفهوم الإنقلاب

قال العلامة المغفور له الشيخ محمود أبو ريه (رحمه الله):

إنقلب، التي هي مطاوع قلب، تعني: إنكب ورجع، وقلب الشئ بمعنى حوله عن وجهه أو حالته، أو جعل أعلاه أسفله، أو جعل باطنه ظاهره.

فالانقلاب - إذا - يعني: التغيير للشئ تغييرا جذريا، حتى يكون معه تحويل، ولو يجعل الأعلى أسفل، أو الباطل المخفى ظاهرا مرئيا، ليخفي معه الجانب المرئي - بطبيعة الحال.

ومن هنا جاء الاستعمال، عند ما يحدث تغيير في الحكم في إحدى الدول، سواء كان تغييرا في شكل من ملكية إلى جمهورية - مثلا - أو تغييرا في وجوه الحكام واستبدالهم بآخرين فإنه يقال: وقع " إنقلاب " في المحل الفلاني وهو لا يعنى في الغالب - تغييرا للأحسن... الآن مثل هذا التغيير يعبر عنه ب " الثورة " فالكلمة - في الآية الكريمة - تعني ما تعنيه لغتها ووضعها على حقيقتها.

علي وما لقيه من صحابة الرسول (مخطوط)

(2) قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة عمرو بن ثابت *:

قال عمر: ولما مات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كفر الناس إلا خمسة. أنظر: تهذيب التهذيب: 8 / 9 ط دار الفكر بيروت.

(*) قال ابن عبد البر: قال إسحاق: زعم لي عاصم بن عمرو بن قتادة أنه قتل يوم أحد شهيدا.

وأما ابناه عمرو بن ثابت، وعمر بن ثابت فقتلا يومئذ شهيدين رحمهما الله.

أنظر الإستيعاب: 1 / 204 تحقيق علي محمد البجاوي


269

وقد لاحظت على الدكتور أنه يرى للخليفتين - " أبو بكر وعمر " منزلة خاصة فقلت:

إن عمر قد تجرأ على الرسول، وتحداه ووقف دون وصيته، ونسب إليه ما نسب له عند مرضه.

روى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه وتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه فذهبوا يردون عليه " الحديث " (1).

قال الدكتور: حاشا لعمر أن يقول هذا، وهذا الحديث غير صحيح.

فأجبته: يا دكتور: الحديث الذي يوافقك تأخذ به، والذي يخالفك ترفضه وتحكم بعدم صحته، فإما أن تعترف بصحة ما جاء بالبخاري، وإما أن تحكم بعدم صحته ولا تستشهد به وإن ابن عباس (2) كان يقول:

(1) صحيح البخاري: 6 / 11.

(2) محاورة بين ابن عباس وعمر بن الخطاب.

قال أبو جعفر بن محمد بن جرير الطبري:

... فقال عمر يا بن عباس:

أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد فكرهت أن أجيبه. فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدري فقال عمر:

كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا فاختارت قريش لأنفسها فأصابت، ووفقت.

فقلت يا أمير المؤمنين:

إن تأذن لي في الكلام، وتمط عني الغضب تكلمت فقال تكلم يا بن عباس:

فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت، ووفقت، فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها، غير مردود، ولا محسود.

وأما قولك إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة، والخلافة فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال: ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم *.

فقال عمر: هيهات والله يا بن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني. فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين فإن كان حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كان باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه. فقال عمر:

بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسدا، وظلما فقلت:

أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلما فقد تبين للجاهل، والحكيم.

وأما قولك: حسدا فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون. فقال عمر:

هيهات أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا يحول، وضعنا، وغشا ما يزول.

فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين لا تصب قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش فإن قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قلوب بني هاشم.

قال عمر: إليك عني يا بن عباس. فقلت: افعل فلما ذهبت لأقوم استحيا مني فقال يا بن عباس مكانك فوالله إني لراع لحقك محب لما سرك.

فقلت: يا أمير المؤمنين إن لي عليك حقا وعلى كل مسلم فمن حفظه فحظه أصاب، ومن أضاعه فحظه أخطأ ثم قام فمضى.

أنظر تاريخ الطبري 5 / 31 ط بمصر


270

الرزية الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.

فأجاب الدكتور: إن ابن عباس لا يحتج بقوله.

فقلت له:

إن الشيعة غير مجمعة على صحة جميع ما روي عنه، ولكنه حبر الأمة. ولكن أليس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد الخير لأمته بأن يكتب لهم الكتاب كي لا يضلوا بعده، وقال عمر:

حسبنا كتاب الله.

أفهل يمكن العمل بالكتاب وحده! أليس السنة هي المبينة للكتاب؟

قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم النمل: 44.


271

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " إني تارك فيكم الثقلين (1) كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن

(1)

حديث الثقلين وعصمة أهل البيت (عليهم السلام)

" دلالته على عصمة أهل البيت: لاقترانهم بالكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتصريحه بعدم افتراقهم عنه، ومن البديهي أن صدور أية مخالفة للشريعة سواء كانت عن عمد أم سهو أم غفلة، تعتبر افتراق عن القرآن في هذا الحال وإن لم يتحقق انطباق عنوان المعصية عليها أحيانا كما في الغافل، والساهي، والمدار في صدق عنوان الافتراق عنه عدم مصاحبته لعدم التقيد بأحكامه وإن كان معذورا في ذلك، فيقال فلان - مثلا افترق عن الكتاب وكان معذورا في افتراقه عنه، والحديث صريح في عدم افتراقهما حتى يردا على الحوض ".

أنظر: الأصول العامة للفقه المقارن ص 166.

ومن خطبة للإمام الحسن السبط (عليه السلام) فيما خص الله به أهل البيت (عليهم السلام) قال:

وأقسم بالله لو تمسكت الأمة بالثقلين لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولأكلوا نعمتها خضراء من فوقهم ومن تحت أرجلهم من غير اختلاف بينهم إلى يوم القيامة.

قال الله عز وجل: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم *.

وقال عز وجل: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون *.

(الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن ص 58 ط مصر)

وقال الكاتب المصري صالح الورداني:

لقد ترك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للأمة الكتاب، وربط هذا الكتاب بآل البيت بزعامة الإمام علي فمن التزم بالكتاب التزم بآل البيت. ومن حاد عن الكتاب حاد عن آل البيت.

إن ربط الكتاب بالإمام يضفي المشروعية على كل خطوات الإمام و. فهو قد اختير من قبل الرسول ليكون مفسر هذا الكتاب والمعبر عنه والناطق بلسانه.

(السيف والسياسة ص 112 ط أولى عام 1996 م - القاهرة)

وقال الكاتب المصري الأستاذ صالح الورداني

ركائز الإسلام النبوي: - القرآن - آل البيت...

القرآن: لقد أوصى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمة بالقرآن وحض عليه في روايات ومواضع كثيرة كانت آخرها حجة الوداع حيث أوصى الأمة بضرورة التمسك بالكتاب والعترة آل البيت...

‌>


272

<‌

يروي البخاري عن طلحة قال: سألت عبد الله بن أبي أوحى، أوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: لا.

فقال: كيف كتب على الناس الوصية أمروا بها لم يوصي فقال:

أنظر: البخاري كتاب فضائل القرآن باب 18.

ويروى عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خيركم من تعلم القرآن وعلمه.

(المرجع السابق باب 21).

ويروي مسلم عن الرسول قوله في خطبة الوداع:.. كتاب الله فيه الهدى، والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به فحث على كتاب الله، ورغب فيه...

(أنظر: مسلم. كتاب فضائل الصحابة. باب من فضائل على).

ومثل هذه الروايات إنما تشير إلى أن القرآن كان موجودا على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان الصحابة يتناولونه من الرسول. وقد برز من بينهم من هو ما فيه ملتزم به يحفظه عن ظهر قلب. وعلى رأس هؤلاء كان الإمام علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل..

ويروى عن ابن مسعود قوله: والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت. ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت.

المرجع السابق. ويلا حظ أن هذه الرواية جاءت على لسان الإمام علي بنفس النص انظر: طبقات ابن سعد: 2 / 338.

إلا أن أبا بكر حين قام بجمع القرآن لم يستعن إلا بزيد بن ثابت وحده.

وعثمان حين ألزم الأمة بمصحف واحد اختار مصحف حفصة الذي كان قد جمعه أبو بكر، ولم يختر مصحف الإمام أو ابن مسعود، أو أبي بن كعب أو ابن عباس، ولم يستعن بأي من هؤلاء لا في عهد أبي بكر، ولا في عهد عثمان حتى أنه كان هناك مصحف لدى عائشة أيضا لم يستعن به. (أنظر: البخاري. وكتب تاريخ القرآن. وفصل القرآن في كتابنا: الخدعة).

إن هذا القرآن الذي تركه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتلقاه منه الإمام علي وابن مسعود، وابن عباس، وأبي وغيرهم هو ركيزة الإسلام النبوي التي حض عليها ووصى بها. وإن ما ورثه الإمام عن النبي من تفسيرات حوله وورثها عنه شيعته هي الدافع الفعلي الذي دفع أنصار الإسلام القبلي ومن بعدهم أنصار الإسلام الأموي إلى ضرب هذا القرآن واستبداله بقرآن آخر لا يحوي هذه التفسيرات وليس مرتبا على الترتيب النبوي!) (المراجع السابقة. والإتقان في علوم القرآن للسيوطي).

وقوله تعالى للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا

‌>


273

<‌

بيانه القيامة: 17 - 19.

يحوي الدليل القاطع على أن القرآن كان مجموعا في عهد الرسول، وأن الرسول تلقى بيانه من جبرئيل والسؤال الذي يطرح نفسه:

أين بيان القرآن؟ ولماذا لم يظهر في عملية الجمع...؟!

إن الإجابة على هذا السؤال تكشف لنا حقيقة المؤامرة التي نسجت خيوطها بعد وفاة الرسول فالقرآن النبوي ببيانه لا يتماش مع الخط القبلي والأموي من بعده، فمن ثم كانت الحاجة إلى تجريد القرآن من هذا البيان حتى يمكن أن يتماشى مع الاتجاه السائد...

(السيف والسياسة: ص 151 - 154)

- من هم آل البيت؟ -

أوصى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بآل البيت في روايات كثيرة وفي حجة الوداع حين قال:

أذكركم الله أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي.

مسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي.

وقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي.

(المرجع السابق).

ويروي مسلم أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي) *.

(المرجع السابق - وهي تسمى آية المباهلة انظر: كتب التفسير سورة آل عمران آية رقم 61 الترمذي: 2 ومسند أحمد: 1 والحاكم: 3 والبيهقي: 7، وانظر المراجع السابقة).

ويروى: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله. ثم قال إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. (المرجع السابق باب فضائل أهل بيت النبي).

إن ربط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن بأهل البيت يعني تلازمهما. كما يعني أن فهم القرآن والالتزام به لن يتم إلا عن طريقهم.

وفي هذا إشارة إلى أن الرسول ورثهم بيان القرآن وتفسيره الذي أخذه عن جبريل.

من هنا كانت الحرب الضروس من قبل الأمويين على آل البيت بداية بالإمام علي ونهاية بالإمام الحسين تلك الحرب التي انتهت بقتل الأئمة الثلاثة وتصفية أنصارهم وشيعتهم.

‌>


274

<‌

ثم أكمل العباسيون الحرب من بعدهم فقتلوا بقية أئمة آل البيت وبطشوا ونكلوا بأتباعهم *.

هذه الحرب كانت في حقيقتها بين إسلامين متناقضين بقاء أي منهما لا بد وأن يكون على حساب الآخر. فمن ثم لا مجال للقاء بينهما. وما دامت السلطة والسيادة قد تملكها أعداء آل البيت فلا بد لهم أن يبطشوا بهم لكونهم ممثلو الإسلام النبوي والناطقون بلسانه ذلك الإسلام الذي يشكل الخطر الأكبر على الإسلام الذي يرفعون رايته والذي يرتبط به وجودهم ومستقبلهم..

ولقد ارتبطت الجماهير المسلمة على الدوام بآل البيت على الرغم من إرهاب الحكام وتعتيمهم عليهم وذلك لمكانة آل البيت في قلوب المسلمين تلك المكانة المستمدة من النصوص الشرعية التي وردت فيهم والتي لم يستطع الحكام بإعلامهم وبطشهم أن يطمسوها.

أنظر سيرة آل البيت في الكتب التالية: حياة أئمة آل البيت وهي سلسلة في الأئمة الاثني عشر لهاشم معروف الحسني ط بيروت. وقادتنا كيف نعرفهم للميلاني ط بيروت. وأعيان الشيعة لمحسن الأمين ط بيروت. وانظر خصائص الإمام علي للنسائي ونور الأبصار في مناقب آل البيت المختار للشبلنجي ط بيروت والقاهرة. وانظر لنا حركة آل البيت بيروت.

وهذه الكتب على كثرتها إنما تدل على مكانة آل البيت الخاصة والمتميزة التي وضعهم فيها الشرع..

السيف والسياسة: ص 154 - 155.

وقال العلامة المحقق الثبت السيد حامد حسين اللكنهوي طاب ثراه:

دلالة الحديث على عصمة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)

1 - لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر فيه باتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وحاشاه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمر باتباع الخاطئين

‌>

____________

(*) عاصر العباسيون كل من الإمام جعفر الصادق، والإمام موسى الكاظم، والإمام علي الرضا وحتى الإمام الحادي عشر ثم ظهر المهدي في عصرهم واختفى.. وجميع هؤلاء الأئمة قد قتلوا على يد حكام بني العباس. ويذكر أن العباسيين استثمروا دعوة آل البيت والإسلام النبوي في ثورتهم ضد الأمويين، ولو لا تسترهم بالإسلام النبوي وخط آل البيت ما أمكن لهم النجاح.


275

يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفونني فيهما ".

فالعترة: هي المفسرة لكتاب الله جل شأنه ونسبة الهجر إلى رسول الإسلام لا يرضى به الباري تعالى وقد نزهه الله سبحانه ونسبه بقوله:

﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى النجم: 3.

<‌

والمخالفين للكتاب والسنة.

2 - لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قرنهم بالكتاب، وأمر باتباعهما معا فكما أن الكتاب منزه من كل باطل، فأهل البيت (عليهم السلام) كذلك.

3 - لأنه جعل التمسك بهم مانعا من الضلال كالكتاب، ومن كان جائزا عليه الضلال لا يكون مانع منه...

4 - لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) صرح بعدم الافتراق بين الكتاب والعترة. أي فإنهم لا يخالفون في وقت من الأوقات.

5 - لأنه صرح في بعض طرقه بقوله: (هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض).

وهذا تخصيص بعد تعميم.... انتهى كلامه طاب ثراه وقال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا *. الحشر: 7.

1 - أنظر مسلم. كتاب فضائل الصحابة. باب من فضائل علي.

2 - المرجع السابق. ويلاحظ أن هذه الرواية جاءت على لسان الإمام علي بنفس النص.

أنظر: طبقات ابن سعد 2 / 338

3 - أنظر: البخاري. وكتب تاريخ القرآن. فصل القرآن من كتابنا: الخدعة.

4 - أنظر: المراجع السابقة والإتقان في علوم القرآن للسيوطي.

5 - السيف والسياسة ص 151 - 154

6 - مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل على.

7 - المرجع السابق.

8 - المرجع السابق، وهي تسمى آية المباهلة، انظر كتب التفسير: سورة آل عمران آية رقم:

61 الترمذي ج 2 ومسند أحمد ج 1 والحاكم ج 3 والبيهقي ج 7 وانظر المراجع السابقة.

9 - المرجع السابق. باب فضائل أهل بيت النبي.

10 - عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار: 2 / 44 حديث الثقلين قسم السند.


276

وبعد هذا سألت الدكتور عن رأيه في الخليفة عثمان فقال:

كان عثمان يقاد كالثور.

ثم سألته عن أم المؤمنين عائشة فقال:

كان أحد الأساتذة يقول:

لو أدركت عائشة لأوجعتها ضربا حتى أقعدتها في بيتها لقوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى الأحزاب: 33.

ثم قال الدكتور: ولما بلغ عائشة خلافة الإمام علي قالت:

ليت السماء قد أطبقت على الأرض.

ولما بلغها وفاته فرحت وتمثلت بهذا البيت وقالت:

فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينا بالإياب المسافر (1)

(1) قال الأمير أحمد حسين بهادرخان الهندي:

وفي المعارف لابن قتيبة قال:

توفيت عائشة (رض) سنة ثمان وخمسين فقيل لها ندفنك عند رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إني قد أحدثت بعده. ادفنوني مع أخواتي فيدفنوها بالبقيع.

تاريخ الأحمدي: ص 223 ط بيروت نشر مركز الدراسات والبحوث العلمية بيروت.

وقال ابن عبد ربه الأندلسي:

وماتت عائشة في أيام معاوية، وقد قاربت السبعين. وقيل لها:

تدفنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا، إني أحدثت بعده حدثا فادفنوني مع إخوتي بالبقيع.

العقد الفريد 4 / 331 ط مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة.

وقال ابن عبد ربه:

قال: ودخلت أم أوفى العبدية على عائشة بعد وقعة الجمل فقالت لها:

يا أم المؤمنين، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا؟

قالت: وجبت لها النار. قالت:

فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا في صعيد واحد؟

قالت: خذو بيد عدوة الله.

المصدر السابق.

وقال الأمير أحمد حسين بهادرخان الهندي:

وفي المستدرك بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم قال:

قالت: إني أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثا ادفنوني مع أزواجه فدفنت بالبقيع. تاريخ الأحمدي ص 223.

وفي هامش الصفحة من التاريخ قال:

قال ابن عبد ربه: وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لها: يا حميراء، كأني بك تنبحك كلاب الحوأب، تقاتلين عليا وأنت له ظالمة، والحوأب بضم الحاء وتثقيل الواو، وقد زعموا أن الحوب ماء في طريق البصرة، قال في ذلك بعض الشعراء:

إني أدين بحب آل محمد
وبنى الوصي شهودهم والغيب

وأنا البرى من الزبير وطلحة
ومن التي نبحت كلاب الحوب


277

وعندما أهديت مجموعة الكتب للدكتور وهي التي قمت بنشرها في القاهرة مع كتاب " الإسلام " للأستاذ العلامة الكبير الشيخ محمد أمين زين الدين، وكتاب " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " لصديقنا العلامة المحقق السيد عبد الزهراء الخطيب وذكرت له أسماءها واحدا بعد واحد إلى أن وصلت ذكر كتاب " عبد الله بن سبأ " سألني الدكتور:

هل قرأت " الفتنة الكبرى "؟ فأجبته لا، فقال:

إني نصرتكم في عبد الله بن سبأ وقلت: في كتابي: " الفتنة الكبرى:

إن عبد الله بن سبأ شخصية خيالية أوجدها خصوم الشيعة للطعن بهم، ما فيش حاجة اسمها عبد الله بن سبأ "، لم يخلق الله شيئا اسمه عبد الله بن سبأ.

فأجبته هذا هو رأيك يا أستاذ.


278

وإليك نص ما قاله الدكتور طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى 2 / 98 طبعة دار المعارف بمصر عام 1953 م:

وأقل ما يدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية، وعن ابن السوداء في حرب صفين: إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلفا منحولا. قد اخترع بأخرة حين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية.

أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصرا يهوديا إمعانا في الكيد لهم، والنيل منهم.

ولو قد كان أمر ابن السوداء مستندا إلى أساس من الحق، والتاريخ الصحيح لكان من الطبيعي أن يظهر أثره وكيده في هذه الحرب المعقدة المفصلة التي كانت بصفين.

ولكان من الطبيعي أن يظهر أثره حين اختلف أصحاب علي في أمر الحكومة.

ولكان من الطبيعي بنوع خاص أن يظهر أثره في تكوين هذا الحرب الجديد الذي كان يكره الصلح وينفر منه ويكفر من مال إليه أو شارك فيه.

ولكنا لا نرى لابن السوداء ذكرا في أمر الخوارج. فكيف يمكن تعليل هذا الإهمال؟ أو كيف يمكن أن نعلل غياب ابن سبأ من وقعة صفين وعن نشأة حزب المحكمة؟!.

أما أنا فلا أعلل الأمرين إلا بعلة واحدة، وهي:

أن ابن السوداء لم يكن إلا وهما، وإن وجد بالفعل فلم يكن ذا خطر كالذي صوره المؤرخون وصوروا نشاطه في أيام عثمان وفي العام الأول من خلافة علي.

وإنما هو شخص أدخره خصوم الشيعة وحدهم ولم يدخروه للخوارج... الخ.


279

إن الدكتور طه حسين لإلمامه بالتاريخ، ولتعمقه فيه، ولسعة اطلاعه استطاع أن يقول: بجرأة وقوة إن عبد الله بن سبأ شخصية خيالية كما صرح لي سيادته بذلك، وهو أول من نبه على هذا وذكره في كتابه: " الفتنة الكبرى ": 2 / 98. (1) وعلى أثر صدور هذا الكتاب أخذ السيد العسكري يبحث هذا الموضوع بحثا مطولا وأخرج نصوصه ونشر الجزء الأول منه بعنوان: " المدخل " وطبع في النجف الأشرف - العراق عام 1375 هـ - 1955 م وأضاف عليه بعض التحقيق والتعليق ونشرته مكتبتنا مكتبة النجاح ضمن مطبوعاتها مطبوعات النجاح بالقاهرة وذلك في عام 1965 م ثم بعد ذلك أخذ السيد المؤلف يعقب هذا الموضوع حتى استطاع أن يلحقه بجزء ثان وطبع في طهران عام 1972 م.

ثم قلت للدكتور: إن الدكتور حامد ألف كتابا في الصاحب بن عباد ولي رغبة في أن تكتب سيادتك تقديما له، وإن الصاحب بن عباد كان عميد الأدب العربي في النصف الثاني من القرن الرابع، وأنت يا أستاذ عميد الأدب العربي في النصف الثاني من القرن الرابع عشر وبينك وبينه ألف عام فابتسم سيادته ابتسامة حلوة وقال:

هات الكتاب لأقرأه.

وكنت قد صحبت الكتاب معي عندما قابلته في داره فدفعته إليه وتركته عنده ليطلع عليه ويكتب التقديم له واستأذنته وانصرفت.

وكان هذا الكتاب: " الصاحب بن عباد بعد ألف عام " رسالة الماجستير التي قدمها الدكتور حامد حفني داود إلى الجامعة وحصل على هذه الدرجة.

وبعد أيام قصدت منزل الدكتور حامد وطلبت منه الاتصال بالدكتور طه

(1) اطلعنا أخيرا على أن أول من نبه على هذا هو الأستاذ، محمد كرد على وذكر رأيه هذا في عدد من مجلة المجمع العربي التي كان يصدرها بدمشق.


280
حسين وقلت:

لعل الدكتور طه حسين قد أتم التقديم للكتاب فأرجو أن تتصلوا به الآن فاتصل به الدكتور حامد واتفق معه على موعد محدد للمقابلة وذهبت بصحبة الدكتور حامد إليه، ولما دخلنا عليه سلمنا وجلسنا وفتحت الحديث معه حول الكتاب فقال:

الكتاب كله نقول، وليست فيه فكرة جديدة؟ فإن أردت مني أن أقدم للكتاب فسأذكر فيه هذا، فامتنعت وأجبته: لا.

ثم أخذت الكتاب منه وانصرفنا.

وعرضنا مذكرتنا وذكرياتنا عن الدكتور طه حسين على أستاذنا الكبير عبد الهادي مسعود فتفضل سيادته مشكورا بعرض بعض المفاهيم عن شخصية الدكتور طه حسين. فقال:

ولعله من المصلحة العامة لقرائنا أن نعرض بعض ما قاله:

إطلعت على ما كتبه الأستاذ مرتضى الرضوي، عن محادثاته مع الدكتور ولم أجد فيها ما يغني في بيان شخصية طه حسين.

فقد لفت نظري عن هذا الرجل أشياء؟ وليس أقلها ما طالعته في كتابه " الأيام " عن محاولة النيل من القرآن الكريم والطعن فيه. (1)

(1) لم يكن الدكتور طه حسين وحده قد تفرد بالطعن في القرآن بل طعن فيه جماعة قبله:

أبو الحسن الأشعري والآلوسي، والباقلاني وغيرهم من أعلام علماء السنة.

وقد نقل ابن حزم في كتابه: الفصل في الملل والنحل رأي الأشعري وقال:

أبو الحسن الأشعري يقول:

وأما الذي يقرأ في المصاحف فليس معجزا بل مقدور على مثله.

أنظر: الفصل في الملل والنحل: 4 / 2078 ط مصر.

2 - وقال الآلوسي: إن القرآن غير خارج عن كلام العرب وما من أحد من بلغائهم إلا وقد كان مقدورا له الإتيان بقليل من ذلك، والقادر على البعض قادر على الكل.

(روح المعاني: 1 / 27 ط مصر).

3 - قال ابن حزم، وقال الباقلاني:

ومما يدل على أن العرب لا يجوز أن تعجز عن مثل هذا القرآن لأنه قد صح وثبت أن العجز لا يكون عجزا إلا عن موجود... ولما يكن كذلك ثبت أنه لا يجوز عجز العباد على الحقيقة عن مثل القرآن.

(الفصل في الملل والنحل: 4 / 233).

المؤلف: قد مر عليك أيها القارئ الكريم رأى أبو الحسن الأشعري والآلوسي، والباقلاني في تكذيب القرآن بأنه غير معجز والله تعالى يقول: ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله *.

وهؤلاء الثلاثة يقولون: يمكن للعرب الإتيان على مثل القرآن والقادر على البعض قادر على الكل.


281

ولفت نظري في حياته الكثير مما قد لا يكون المجال متسعا له كله.

ذكر الدكتور طه في الجزء الأول من كتاب " الأيام " (طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بمصر الطبعة الرابعة عام 1963 م ص 69 / 71) وهو يتكلم عن نفسه:

" لأنه أزهري، قد قرأ العلم وحفظ الألفية والجوهرة والخريدة!!.

" فلم لا يبتهج الصبي حين يرى أنه سيقرأ من العلم ما قرأ أخوه، وأن سيمتاز من رفاقه وأترابه بحفظ الألفية والجوهرة والخريدة!!.

" وكم كان فرحا مختالا حين غدى إلى " الكتاب " يوم السبت وفي يده نسخة من الألفية!! لقد رفعته هذه النسخة درجات وإن كانت هذه النسخة ضئيلة قذرة سيئة الجلد، ولكنها على ضآلتها وقذارتها كانت تعدل عنده خمسين مصحفا من هذه المصاحف التي كان يحملها أترابه.


282

" المصحف! لقد حفظ ما فيه فما أفاد من حفظه شيئا وكثير من الشباب يحفظونه فلا يحفل بهم أحد، ولا ينتخبون خلفاء يوم المولد النبوي ولكن الألفية... وما أدراك ما الألفية؟

وحسبك أن سيدنا لا يحفظ منها حرفا وحسبك أن العريف لا يحسن أن يقرأ الأبيات الأولى منها ".

والألفية شعر، وليس في المصحف شعر.

الحق إنه ابتهج بهذا البيت:

قال محمد هو بن مالك
أحمد ربي الله خير مالك

إبتهاجا لم يشعر بشئ مثله أمام أي سورة من القرآن.

انتهى كلام طه حسين في كتابه " الأيام " في ص 72.

وكلامه هذا يدل على خبئ..

ودار بيني وبين " الأستاذ مرتضى " نقاش حول هذه الكلمات.. فقال:

كلامه هذا يدل على عدم إيمانه بالقرآن.. وعقبت على قوله مستدركا:

وذلك برغم ادعائه الدفاع عن الإسلام.

لقد غلف الدكتور كلماته هذه بطريقة غاية في الدهاء والذكاء، وليس الدهاء عن شخصيته غريبا، بل إن الدهاء بالفعل عنصر في تكوينه...

وإذا كان طه حسين قد صاغ عباراته هذه على أنها مشاعر الصبا إلا أنه عبر عن رأيه هذا وهو في كامل وعيه وبعد أن صار كاتبا شهيرا، وحسبنا أنه اختزن مفصل تلك الوقائع في عقله منذ صباه الباكر حتى شرع في تحرير كتابه فدونها على هذا الوجه في هذا الكتيب الذي يعتبره مؤلفه كما يعتبره النقاد نوعا من الترجمة


283

الذاتية لتلك الفترة المبكرة من حياة طه حسين الذي اكتسبه شهرة واسعة حتى وصل إلى منصب وزير التربية والتعليم وهو منصب خطير يجب التحري عن صاحبه أصلا وفصلا، وعقيدة ونسبا واتجاها وفكرا...

وقد طبع كتاب " الأيام " أربع مرات وفيه هذا الكلام لم يحاول هو أن يغير فيه أو يبدل منه، ولم يلتفت أحد إلى أن في هذه العبارات سب مباشر في المصحف الشريف.. وهذه هي مأساة الفكر في بلدنا.

هذه الفلتات تعبر عن مكنون نفس قائلها من كراهية للقرآن الكريم، وتنزيل في شأنه لا يغفر ذلك أنه ألف عن الإسلام كتبا.. لأن " جورجي زيدان " قد ألف عشرات من الكتب في صيغة قصصية عن الإسلام كلها مشحونة بالدس على التاريخ الإسلامي وعلى العقيدة والإسلام.

إنهم يتقنون تغطية أهدافهم بحيث تخفى عن العامة وهو أمر يجب أن نلتفت، ونلفت الأنظار إليه.

ولعله مما يلفت النظر كذلك أن طه حسين قد طعن على الإسلام في كتابه " في الشعر الجاهلي " وثارت ثورة الأزهر الشريف في حينه، غير أن الصحافة، قصدت لمساندته بدعوى حرية الرأي، بينما أغفلت إغفالا متعمدا للرأي الآخر،

ومن واجبنا أن نعلم ما هي الصحافة في مصر، قد ناصرت طه حسين بدعوى الدفاع عن حرية الرأي،

ونصوص ما قاله وردود العلماء على أقواله موجودة في مؤلفات عديدة لم ينشر عنها إلا القليل.

هؤلاء وغيرهم من أتباعهم تبنوا بصفة خاصة فكرة الهجوم على الإسلام والقرآن، وناصروا خصومهما، وبذلوا جهدا كبيرا في تدعيم شهرتهم ليتمكنوا من


284

خلال هذه الشهرة من تخريب الإسلام وتشويه عقائده والتفريق بين صفوفه بكل طريق.

ولعل ابتهاج طه حسين بالألفية، ذلك الابتهاج الذي " لم يشعر بمثله أمام أي سورة من سور القرآن " على حد قوله قد كان مصدر ابتهاج حقيقي لدى كل العاملين والموجهين للصحافة في مصر حينذاك، فظلوا يتبنون ذات الفكرة، ويعملون في خط متواز معها، لأن الكفرة لم يحاربوا القرآن، والإسلام بالسيف إلا مرات معدودة، ولكن حربهم الإسلام بالكتاب الذي ينشر الإلحاد، والمجلة التي تدعم الفجور والانحراف دائم على مر الأجيال...

إن أول دكتوراه منحتها " كلية الآداب " تحت إشراف الدكتور طه كانت بعنوان:

" القبائل اليهودية في البلاد العربية " تأليف " إسرائيل ولفنسون " وهو عميد جامعة هاداسا في تل أبيب الآن.

والدكتور طه - كما هو معروف - متزوج من فرنسية هي:

السيدة سوزان.

وحصل على الدكتوراه من السوربون في فرنسا.

وكان مديرا ورئيسا لتحرير مجلة: " الكاتب المصري " التي أصدرتها الجالية اليهودية في مصر، طوال مدة صدورها في مصر.

كما أنه عين عددا من الأساتذة الأجانب في كلية الآداب استوردهم وبعضهم يهود وكلهم كانوا يحاربون الإسلام أو يشككون فيه.

ثم أنه تبنى إصدار قرار بتعيين الحاخام اليهودي " حاييم ناحوم أفندي " حينذاك عضوا في مجمعنا اللغوي ليكون عينا على المفكرين ورجال اللغة وليكون موجها في بعض المجالات العلمية إلى كل ما لا يجدي ولا يفيد من الجدل والهراء.


285

" فإذا أضفنا إلى كل أولئك أن أباه جاء إلى صعيد مصر من بلد غير معلوم من المغرب وعلمنا أنه كان يعمل وزانا (قباني) في شركة يهودية هي شركة السكر كان علينا أن نلفت الأنظار إلى وجوب الإلمام بكل ما يحيط برجال قياداتنا.

ويهمنا - مهما يكن من أمر - أن نسلط الأضواء على أنساب الرجال الذين يتولون زمام الأمور في بلادنا حتى لا يتمكنون من تدميرها من الداخل كما هو التخطيط المذكور في كتب اليهود كما يهمنا متابعة هذه الأنساب لأنه عمل شرعي يفرضه علينا الدين الذي غفلنا عن كثير من تراثنا المجيد.

عبد الهادي مسعود / القاهرة


286


287

- 5 -

حرف الخاء

15 - أحمد خيري باشا

16 - أمين الخولي

17 - خالد محمد خالد

18 - عبد الكريم الخطيب

19 - عبد المنعم خفاجي


288


289

- 15 -

أحمد خيري باشا

من العلماء والمحققين الأفاضل


290

ولادته: ولد في الإسكندرية بحي محرم بك عام 1324 هـ. الموافق عام 1907 م.

تلقى العلم بالمدارس الحكومية، وعلى بعض الأعلام الأفاضل.

حفظ القرآن الكريم وأتم حفظه عام 1352 هـ.

كان عالما بالعلوم الشرعية والحديث، والفقه، وعلم لمصطلح، والبلاغة، واللغة والتأريخ وأصبح حجة فيها.

له إلمام باللغات الحية: العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والتركية.

له صلات كثيرة مع جميع العلماء الأعلام في مختلف البلاد الإسلامية.

توفي يوم الثلاثاء 6 رجب ودفن يوم الأربعاء 7 رجب عام 1387 هـ.

الموافق 12 / 10 / 1967 م ودفن في روضته في حديقته بجوار منزله تغمده الله برحمته الواسعة وحشره مع أهل البيت (عليهم السلام).

تعرفت إليه في روضته في دسونس - البحيرة عام 1965 م.

عالم جليل، ومحقق خبير، ومؤلف بارع، وشاعر عبقري.

إمتاز بالتحقيق والتدقيق فيما كتب.

يشعر بحساسية تجاه معاوية بن أبي سفيان.

يوالي أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقدسهم.


291

تعرفت إليه بواسطة الدكتور حامد حفني داود وعند وصولي إلى القاهرة في عام 1965 م.

أرسل الدكتور رسالة للأستاذ العلامة أحمد خيري بك أخبره فيها بوصولي القاهرة، فجاء الجواب منه دعوة لي وللدكتور حامد إلى روضته في دسونس - البحيرة، وبعد أيام أرسل تلغرافا أكد فيه الدعوة والحضور في روضة خيري باشا، وبعد وصول التلغراف صممنا على السفر إلى الإسكندرية يوم الخميس ومكثنا فيها زمنا وبعد ذلك استأجرنا سيارة منها إلى دسونس - البحيرة، ودخلنا الروضة (روضة خيري باشا) فنزلنا من السيارة ومشينا على الأقدام حتى دخلنا عليه الدار ولما شاهدنا ودخلنا قام منتصبا واستقبلنا وحيانا ورحب بنا كثيرا وبعد أن جلسنا عمل لنا القهوة وأحضر لنا الشاي وأتى بفاكهة وتلى علينا بعض قصائده التي أنشأها في أهل البيت (عليهم السلام) وكان ذلك قبيل الظهر من يوم الجمعة وللغداء ذبح لنا سيادته كبشا وعمل لنا مأدبة مفصلة في ذلك اليوم وجلس على المائدة وتناولنا الطعام معه في داره العامرة بالروضة.

وكان عند الأستاذ خيري كلب أسود أسماه باسم كان يناديه به ويقول: تعال هنا. وعندما كان الكلب يسمع صوته يحضر كالصقر من مكان بعيد وبعد ذلك يقول له: " رح رح " فكان يرجع إلى المكان الذي جاء منه وكان هذا الكلب يضع رأسه على فخذ الأستاذ خيري.


292

ولما حضر الطعام وجلسنا على المائدة نادى الأستاذ هذا الكلب باسمه فحضر ووقف إلى جنبه، فكان الأستاذ خيري يأخذ بيده القطعة الكبيرة من اللحم المشوي ويشير إلى الكلب الأسود والكلب يأكلها وهي في يده.

ويذكرنا هذا الاستئناس والرفق بهذا الحيوان ببعض الفتاوى الفقهية، لأحد المذاهب الإسلامية من قبيل رأي الإمام أبي حنيفة في طهارة الكلب العينية ونجاسة لعابه حال الحياة تبعا لنجاسة لحمه بعد موته عند الإمام مالك (1) فلم يكن الأستاذ قد أتى بشئ شاذ. ولو لا نجاسة هذا الحيوان وقذارته لكان يليق به أن يكون نديما للإنسان بما له من صفات قل ما توجد في غيره. وعن

توحيد المفضل: " من محبة الكلب لصاحبه، وحراسته منزله وأنه يبلغ من محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله ويألفه غاية الألف حتى يصبر معه على الجوع والجفوة ".

وقد احتل هذا الحيوان في حياة البداوة مكانة هامة، فقد وضع العرب له " 75 " اسما تدل على مختلف صفاته وحالاته.

وعلى الرغم من قذارة الكلب ونجاسته الذاتية فقد أعطاه الله صفات دلت على نبل سريرته فإذا وجدت واحدة بها في الإنسان دلت على طهارة نفسه وصفاء ضميره وطهارة قلبه.

وبعد أن فرغنا من تناول الطعام وانتهينا من أكل الفواكه على تلك المائدة التي أعدت لنا وكانت تكفي لعشرة أضعاف منا وكان فضيلته هيأها لنا وحدنا وإن دل هذا على شئ فإنه يدل على كرمه وطيب نفسه لانتمائه إلى أهل بيت الكرم والجود آل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

(1) أنظر: الفقه على المذاهب الأربعة الجزء الأول مبحث الأعيان الطاهرة.


293

وكان الأستاذ خيري قد أعد لنا مكانا وفراشا للاستراحة بعد الغداء وفي العصر ذهبنا إلى جامع في الروضة هناك لأداء فريضة الصلاة فيه، وبعد الفراغ من الصلاة توجهنا إلى مكتبته العامرة في تلك الروضة وكانت تضم ما يزيد على سبعة وعشرين ألف مجلد، وأطلعنا على نفائس المخطوطات والكتب التي كانت بخطه كما أن فضيلته أطلعني على بعض الآثار والنوادر التي كانت تضمها المكتبة.

وبالوقت أهداني مجموعة من مؤلفاته وآثاره وقصائده،

وكنت قد أهديت له كتاب الحديث، الذي نشرته في القاهرة عام 1958 م في خمس مجلدات وهو " وسائل الشيعة ومستدركاتها "

كما أني أهديته أيضا كتاب: " مصادر نهج البلاغة وأسانيده، وكما أني أهديته الكتب التي قمت بنشرها في القاهرة وبعد هذا ودعناه وانصرفنا. وعدت إلى القاهرة بصحبة الدكتور حامد.

وعندما رجعت إلى العراق وصلتني منه عدة رسائل وفي أحدها طلب مني أن أرسل لفضيلته تراجم بعض الأعلام كالسهروردي، وأية الله السيد حسين البروجردي، وغيرهما.

وآخر رسالة وصلتني من الأستاذ عبد السلام النجار سكرتيره كان فيها نبأ وفاته، تغمده الله برحمة الواسعة وحشره الله مع أئمة الحق والعدل أهل بيت نبي الرحمة عليهم أفضل الصلاة والسلام.

وفي رحلتي إلى القاهرة عام 1975 م حصلت على قصيدة: " الأرجوزة اللطيفة " من نظم وشرح الأستاذ العلامة المغفور له: أحمد خيري باشا عند أحد الإخوان، وفيها القصيدة التي بدأها بذم معاوية بن أبي سفيان وذكر مساويه وختمها بمديح أهل بيت الرسول (عليهم السلام) وإليك نصها:


294

معاوية بن أبي سفيان (1)

فأول المعدود في الطغام (2)
والجالب السوء إلى الإسلام

المستعين دائما بالزوار
والممتطي مراكب الشرور

كبير أهل الزيغ والضلال
لعين (3) ذي الإكرام والجلال

خصيم آل سيد الوجود
طريده عن حوضه المورود (4)

أعني طليق (5) السيف أي معاوية
من بطنه في كل جوف خاوية (6)

فانظر رعاك الله في أقواله
وابحث هداك الله عن أفعاله

ترى الخداع والنفاق والكذب
مع الفجور والرياء واللعب (7)

ويخذل الشهيد ذا النورين
ويخدع الناس بكل مين (8)

وقتل عمار وما عمار
من قال فيه السيد المختار

(1) الأرجوزة اللطيفة ص 9 مطبعة المعارف بغداد.

(2) الطغام: أوغاد الناس.

(3) لعله يشير إلى أن معاوية ملعون على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث لعن القائد والراكب والسائق - ومن يلعنه رسول الله فهو ملعون (لعين) من الله سبحانه، لأن من يلعن عليا عليه السلام وآله يلعن الله تعالى.

(4) أنظر الموطأ 1 / 39 كتاب الطهارة صحيح البخاري 9 / 118 كتاب الرقاق باب الحوض.

(5) إشارة إله أنه من مسلمة الفتح - واسمهم الطلقاء - وفي الإستيعاب ص 253 معاوية وأبوه من المؤلفة قلوبهم.

(6) إشارة إلى الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا أشبع الله بطنه ".

(7) الخداع مسألة المصاحف يوم صفين " والنفاق " غدره بالحسن (عليه السلام): " والكذب " ما قاله يوم بيعة يزيد بالعهد، " والفجور " قتله حجرا ومن معه، و " الرياء " إظهار المطالبة بدم عثمان وهو : إنما يريد الملك لنفسه و " اللعب " للعبه بعقول من معه وإفهامهم أنهم على الحق.

(8) المين: الكذب.


295

ما في الصحيحين أتى واشتهرا
وعده السيوطي تواترا

فالبغي حكم قاتليه قطعا
واللعن حكم البغي ذاك شرعا

هذا وكيف الناس يوما تنسى
قتل أويس (1) يا لها من بأسا

وغدره للسبط بعد العهد
وجهره بأنه بالضد (2)

وسبه أبا تراب (3) ومعه
ذرية وصحبة ما أفظعه

وإن ترد دليل ذا يا صاحبي
في مسلم فانظره في المناقب

وقتله السبط (4) بسم ثم إن
تحقق الأمر وجاءه اطمأن

وما الشمات أمره منكور
وقد بدا السجود والتكبير (5)

لولا النساء لمنه لما حزن
ولا استمر مظهرا بغض الحسن

(1) وفي الحديث إن خير التابعين رجل يقال له: أوليس أنظر صحيح مسلم 189 / 7.

(2) ذكر ابن أبي الحديد أن معاوية قال: ألا إن كل شئ أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي لا أفي به، شرح النهج 16 / 16 ومن غدر بجزء لا يبعد عليه الغدر بالكل وهذا هو النفاق.

(3) هو سيدنا علي بن أبي طالب عليه أفضل السلام، أفضل الصحابة على الإطلاق أنظر مؤلفي:

" القول الجلي ص 9 و " أبو تراب " اسم سماه به رسول الله (ص) وكان من أحب أسمائه إليه - الإستيعاب 2 / 467.

(4) الظاهر أن السم كان سلاح معاوية في التخلص من خصومه وأنصاره على السواء.

(5) ذكره المسعودي في مروج الذهب 2 / 53 وذكر إظهار الشماتة أبو حنيفة في أخبار الطوال ص 24 وذكر السجود كل من ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: 1 / 127 وأبي الفداء في تاريخه: 1 / 193 وابن الوردي في تتمه المختصر في أخبار البشر 1 / 167 وزاد الأخير أن معاوية لما سجد قال بعضهم:

أصبح اليوم ابن هند شامتا
ظاهر النخوة إذ مات الحسن

يا ابن هند إن تذق كأس الردى
تلك في الدهر كشئ لم يكن

لست بالباقي فلا تشمت به
كل حي للمنايا مرتهن *

(*) هذا البيت وسابقاه يشير إلى أن الحسن عليه السلام مات مسموما سنة " 49 هـ " سمته جعدة بتدسيس معاوية. الإستيعاب 1 / 141.


296

وقتل حجر (1) وصحاب ستة
من غير ذنب ماجنوه البتة

بعض ذنوب ذلك اللئيم
حيث بها قد صار للجحيم (2)

وغشه للرجل المسكين
والغش ليس من أمور الدين

حتى تنال زوجه أرينب
وفي الطلاق ليزيد مأرب

لولا الحسين جاءه برحمته
لمات غما زوجها بحسرته

وإن ترد كبيرة الكبائر
وإن تكن صغيرة الصغائر (3)

فعهده (4) للفاسق المخمور
غلامه عبد الهوى والزور

أعني يزيدا (5) لعنة الله العلي
عليهما ما قام لله ولي... الخ

ولا بأس هنا ذكر بعض الأخبار عن معاوية بن أبي سفيان.

وذكر العلامة المحقق السيد أحمد خيري باشا رحمه الله في آخر الأرجوزة اللطيفة

(1) والخلاصة: أن قتل حجر كبير، وكفى أن معاوية اعترف بجرمه فيها وعبارة الحسن هي:

أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة:

ا - انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر في غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة

ب - واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير.

ج - ادعاؤه زيادا وقد قتل حجر وأصحاب حجر وهنا سقطة في قوله هذا البصري. أنظر ابن الأثير: 3 / 109 والطبري: 6 / 157.

(2) لأن الخلود بالنار جزء من قتل مؤمنا متعمدا فكيف بمن قتل صحابيا؟

(3) المراد أن معاوية بعهده إلى ولده يزيد بالأمر بعده ارتكب كبيرة كبائر - وما أكثرها حيث لم يكتف بما ارتكب في حياته بل أراد استمرار الفساد بعد موته.. وذلك ما كنيت عنه بقولي:

صغيرة الصغائر.

(4) إشارة إلى ولايته بالعهد ليزيد وهو أعلم الناس بحاله.

(5) هو يزيد بن معاوية، ولي الملك بعد أبيه بعهد منه، لجا في الوصول إليه إلى كل حيلة وخديعة، كان يزيد إماما في الطرب واللهو والشرب، لا يشق غباره في المسكر والهيام بالخمر.


297

مديحا في محبة أهل البيت عليهم السلام بعنوان خاتمة لها فقال:

خاتمة الأرجوزة في محبة آل البيت عليهم السلام:

والأروع الإمساك عن ذكر همو
والله لن ينسى لهم فعلهم (1)

لكنهم في مجلس إن ذكروا
والناس من ذكرهمو ما ضجروا

أو قال قوم امسكوا عن صحبه
فسبهم إذ ذاك الفي سبه (2)

ويبين عوارهم وماجنوا
وأنهم في الشر يوما ما ونوا (3)

حرصا على الناس من التدليس
أو حب قوم فعلهم إبليسي

فالنصح شئ شرعنا قد أوجبه
والغش أمر ما أمر مركبه

والويل كل الويل يا صحابي
من أن نعادي صفوة الوهاب (4)

أعني النبي العربي المصطفى
وآله نالوا العلا والشرفا

حبيبهم في ساحة الرحمن
عدوهم في مربط الشيطان

لا ذنب بعد الشرك إلا بغضهم
لا خير بعد الحمد إلا حبهم

والله يهدينا لأن نحبهم
وأن نكون مبغضي مبغضهم

(1) الطامة الكبرى هي الترضي عن القوم بعد ما اجترحوا؟ فإن ذلك محاربة صريحة لآل البيت عليهم السلام.

(2) إن الناس إذ لم يمسكوا عن أئمة السوء. بل بدأوا يمجدونهم بقولهم:

هؤلاء صحابة أجلاء، وأئمة فضلاء، إلى آخر ما يتشدق به بعض من طمس الله على بصائرهم، أو إذا قال قوم: أمسكوا - لا لأنهم مخطئون - ولكن لأنهم صحابة مكرمون، فعندئذ يجب على المسلم المخلص أن يسبهم ويبين في رذائلهم وجرأتهم على الآل الأطهار، فإن أهم شرط من شروط الصحبة أن يرعى الإنسان حرمات صاحبه، ولو كانوا هؤلاء مخلصين لرعوا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في عترته وآله ولما فعلوا ما فعلوا.

(3) ونى: أي ضعف والمراد أنهم لم يضعفوا في الشر، بل العكس كانوا دائما مسارعين إلى السوء وسابقين فيه.

(4) المراد منهم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).


298

ثم الصلاة دائما وأبدا
مع السلام لازما وسرمدا

على النبي الهاشمي المرتضى
وآله وصحبه ذوي الرضا

ماغردت ورق على غصن الشجر
أو قامت العباد تدعو في السحر

أو تلت القراء آي الذكر
أو سبحوا في الليل أو في الفجر

وله من قصيدة (1):

سألتك يا ربي بجاه محمد
عليه صلاة الله ما لاح كوكب

وآل كرام يذهب الضر ذكرهم
كما انجاب في ضوء الغزالة غيهب

وحيث إني اطلعت على ولائه لأئمة أهل بيت الرسول الأطهار عليهم السلام كما مر في الأرجوزة المذكورة أمسكت عن الخوض معه في بعض المسائل.

(1) ذكريات ص 16 مطبعة النجاح - دمنهور عام 1372 هـ.


299

((أخبار عن معاوية بن أبي سفيان))

قال العلامة الكبير الشيخ محمد أبو ريه (رحمه الله):

قال أحد كبار علماء الألمان في الآستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة:

ينبغي لنا أن نقيم تمثالا من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا " برلين " فقيل له: لماذا؟

قال: لأنه هو الذي حول نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديموقراطية إلى عصبية، ولو لا ذلك لعم الإسلام العالم كله، وإذن لكنا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا عربا مسلمين.

" الوحي المحمدي ص 232 " شيخ المضيرة ص 185 ط 3 دار المعارف بمصر.

وأخرج نصر عن ابن حرب بن أبي الأسود، عن رجل من أهل الشام عن أبيه قال:

إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" شر خلق الله خمسة: إبليس، وابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون ذو الأوتاد، ورجل من بني إسرائيل ردهم عن دينهم، ورجل من هذه الأمة يبايع على كفره عند باب لد " (1).

قال الرجل: إني لما رأيت معاوية بايع عند باب لد، ذكرت قول رسول الله، فلحقت بعلي فكنت معه.

(1) لد، بالضم والتشديد: قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين.

عن هامش وقعة صفين ص 217 ط ومصر.


300

وأخرج نصر عن عبد الله بن عمر قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

" يموت معاوية على غير الإسلام ". (1) وقال الشيخ جلال الدين السيوطي:

الديلمي في التاريخ: " حديث من خرج يدعو إلى نفسه، أو إلى غيره، وعلى الناس إمام فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين فاقتلوه ". (2) وقال الشيخ محمود أبو ريه (رحمه الله):

ومما لا خلاف فيه، ولا نزاع، أن معاوية كان باغيا، وأنه كان أول من هدم ركن الشورى في الإسلام، وتبعه قومه،

ولا بأس أن نورد هنا ذروا قليلا مما قالوا يكون كنموذج. وسنجعل في صدر ما ننقله ما جاء في صحيح البخاري عنه:

عقد البخاري في كتابه فصلا بعنوان: (فضائل الصحابة)

ذكر فيه ما جاء عن النبي في فضل كبار الصحابة. ولما وصل إلى معاوية قال:

(باب ذكر معاوية) ولم يقل باب مناقب معاوية! أو باب فضائل معاوية كما يقول في غيره. ولم يذكر في الباب إلا حديثا واحدا بأنه أوتر بركعة، وقول ابن عباس فيه:

إنه فقيه، على أن هذا الحديث لا يكفي للدلالة على فقهه؟

ولكنها السياسة!! ومن يدرينا أن ابن عباس قد قال هذه الكلمة!

(1) وقعة صفين ص 217 ط مصر.

(2) تاريخ الخلفاء ص 92 رقم الحديث 88


301

على أن شهادة ابن عباس هذه لا تكفي لإثبات فضله.

وجاء الحافظ ابن حجر ليشرح الحديث فقال: تنبيه:

عبر البخاري في هذه الترجمة بقوله: ذكر، ولم يقل: فضيلة، ولا منقبة، لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب، وبعد أن ابن أبي عاصم، وأبا عمر غلام ثعلب، وأبا بكر النقاش قد صنعوا أجزاء في مناقبه، قال:

إن ابن الجوزي بعد أن أوردها في الموضوعات ساق عن إسحاق بن راهويه (شيخ البخاري) أنه قال: " لم يصح في فضل معاوية شئ "

قال ابن حجر: فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتمادا على قول شيخه (ابن راهويه)...

وقال الشيخ محمود أبو رية: قول الشافعي:

وروى أبو الفداء عن الشافعي أن أسر إلى الربيع أن لا يقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد. (1) وقال سبط ابن الجوزي: وقد سئل جدي أبو الفرج (رحمه الله) فقيل له:

أشهد معاوية بدرا؟ قال: نعم، ولكن من ذلك الجانب - يعني جانب الكفار (2).

((جرائم معاوية))

لم يكن معاوية يتحلى بشئ من خلق الإسلام أو يتأدب بأدبه كما لم ينهل شيئا من العلم كذلك كان حال من تحالف معه وكان من جنده...

(1) شيخ المضيرة ص 182 - 183 ط دار المعارف بمصر عام 1969 م.

(2) تذكرة الخواص ص 104 ط بيروت


302

وكانت رايته راية دنيا وهو ولم يكن للدين فيها أدنى نصيب...

من هنا فإنه يمكن القول أن معاوية ربما يكون أول من ابتدع قاعدة الغاية تبرر الوسيلة وعلى أساسها حطم القيم والمبادئ وانتهك الحرمات وأراق الدماء ونقض العهود وغدر بالمسلمين وبدل أحكام الدين..

ولقد استعان معاوية بشرار الخلق من أجل تصفية المعارضين والقضاء على شيعة الإمام علي ومحو ذكره...

وعلى رأس الذين استعان بهم معاوية في تصفية المسلمين الملتزمين بالإسلام النبوي من أنصار الإمام، بسر بن أبي أرطاة، تلك الشخصية الدموية التي لم ترحم شيخا، ولا امرأة، ولا طفلا وارتكب من الفظائع والمنكرات ما تقشعر لها الأبدان...

تروي كتب التاريخ أن معاوية أرسل بسر بن أبي أرطاة ليستخلص الحجاز واليمن من الإمام علي. ولما دخل المدينة صعد منبرها وقال:

أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس (يعني عثمان) ثم قال:

يا أهل المدينة عليكم ببيعة معاوية وأرسل إلى بني سلمة فقال ما لكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله وكان من شيعة الإمام ثم قام بهدم دورا بالمدينة. وانطلق إلى مكة ففر منه أبو موسى الأشعري فقيل ذلك لبسر، فقال:

ما كنت لأقتله وقد خلع عليا.

وأتى إلى اليمن فقتل عاملها وابنه ثم قتل ابنان صغيران لعبيد الله بن عباس الذي كان قد فر من وجهه إلى الكوفة. وقد صاحت في وجه بسر امرأة من بني كنانة قائلة في غضب:

يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام. والله يا بن أبي أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ.


303

الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء... (1)

ولم تقف جرائم بسر عند هذا الحد بل تجاوزه.. إلى ارتكاب جريمة لم يسبقه إليها أحد في تاريخ الإسلام وهي سبي نساء المسلمين..

يروي ابن عبد البر:

أغار بسر بن أبي أرطاة على همدان. وكانت في يد علي وسبى نساءهم فكن أول مسلمات سبين في الإسلام. وقتل أحياء من بني سعد.. (2)

ويروى أن بسر بن أبي أرطاة كان من الأبطال الطغاة وبارز عليا يوم صفين فطعنه علي فصرعه فانكشف له أي كشف عورته له - فكف عنه كما عرض له مع عمرو بن العاص... (3)

ويروى بخصوص بسر، وعمرو: إنما كان انصراف علي عنهما وعن أمثالهما من مصروع أو منهزم لأنه كان لا يرى في قتل الباغين عليه من المسلمين أن يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسير وتلك كانت سيرته في حروبه في الإسلام.. (4) وبسر هذا الذي ارتكب هذه الفظائع من أجل معاوية يعده القوم من الصحابة لأنه ولد في حياة الرسول ورآه وعلى هذا يدخل بسر في دائرة العدالة حسب قاعدة عدالة الصحابة وبالتالي تتحول جرائمه إلى اجتهادات فعلها متأولا ويثاب عليها. وجميع من تحالف مع معاوية هو من نموذج ابن أرطأة من الصحابة المختلفين الذين نخص بهم معاوية.

(1) أنظر الإستيعاب ترجمة بسر بن أرطاة. وكذلك الإصابة وأسد الغابة. والمراجع السابقة...

(2) أنظر الإستيعاب...

(3) المرجع السابق...

(4) المرجع السابق...


304

وجاء أهل السنة فأضفوا عليهم المشروعية.

ومن هنا فقد روى عدة أحاديث في كتب السنن على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ففي سنن أبي داود روى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تقطع الأيدي - للسارق - في السفر.

وعند ابن حبان روى عن الرسول قوله: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها.

وقال فيه ابن حبان: كان يلي لمعاوية الأعمال وكان إذا دعا ربما استجيب له وله أخبار شهيرة في الفتن لا ينبغي التشاغل بها.. (1) وكان معاوية أول من ابتدأ بقطع الرؤوس في الإسلام.

وكان قد قطع رأس عمار بن ياسر، ورأس عمر بن الحمق وهو أحد الذين قادوا الثورة ضد عثمان.

كذلك فعل مع محمد بن أبي بكر في مصر حين دخلها عمرو بن العاص ووضعوا جثته في حمار ميت وأحرقوه.

وقد أصبحت سنة قطع الرؤوس التي سنها معاوية من السنن التي التزم بها الحكام من بعده.. (2)

ومن جرائم معاوية أمره بسبب الإمام علي ولعنه على المنابر ومثل هذه الجريمة لا تعد موقفا شخصيا عدائيا من الإمام إنما هي تعبر عن عدائية معاوية للإسلام النبوي الذي يمثله وخوفه من أن تتسرب مفاهيم هذا الإسلام للمسلمين فيكتشفوا زيفه وضلاله.

ولقد تصدى شيعة الإمام لهذه الحملة الإعلامية الشيطانية التي قادها معاوية

(1) أنظر الإصابة: 1، ترجمة بسر بن أرطاة.. وتأمل تعريف الصحابي في مقدمة الإصابة...

(2) أنظر كتب التاريخ والتراجم.


305

ضد الإمام علي بعد مصرعه ومصرع الحسن وسيطرته على الحكم..

وعلى رأس الذين تصدوا لحملة معاوية هذا الصحابي الجليل حجر بن عدي، وعدد من أنصار الإمام في ولاية زياد بن أبيه بالعراق. فكان أن قبض عليه زياد وعدد من رفاقه وأرسلهم إلى معاوية في الشام بكتاب يحرضه فيه عليهم متهما حجرا وأصحابه بالدفاع عن علي والبراءة من عدوه وأهل حربه.

وقد طلب من حجر وأصحابه البراءة من علي ولعنه فأبوا.

المؤلف: هذا بعض ما عثرنا عليه أثناء مطالعاتنا حول معاوية


306


307

- 16 -

أمين الخولي

من كبار الأساتذة وعمالقة الفكر المعاصر


308

ولادته: من مواليد 1904 م.

حصل على إجازة القضاء الشرعي.

من أوائل أساتذة كلية الآداب جامعة القاهرة.

وصل إلى منصب كرسي الأدب العربي بكلية الآداب جامعة القاهرة.

عين مستشارا لدار الكتب المصرية بعد عام 1950 م.

كان من أبرز أعضاء المجلس الأعلى لدار الكتب المصرية الذي كان يضم جهابذة رجال الفكر والعلم في مصر.

أهم آثاره: " في أموالهم " في المجال الاقتصادي وهو عن رأي القرآن في عالم الاقتصاد والمال.

ومن أبرز مقالاته " فن القول " وهو بحث متخصص في الكلمة المقولة والكلمة المطبوعة في الأدب العربي.

له عشرات المؤلفات في الدراسات الإسلامية والأدبية.

تعرفت إليه في مكتب - الأمناء بشارع الجمهورية القاهرة - عام 1965 م.

وهو من شيوخ العلم. وكبار الأساتذة وعمالقة الفكر المرموقين.

يدعو إلى التقارب بين أهل السنة وإخوانهم الشيعة الإمامية.

يرى طريق هذا التقارب العمل على أن يتنازل كل من الطائفتين عن مسائل يمكنهم التنازل عنها، ومن ثم اتفاقهم على ما سواها.


309

الأستاذ الخولي له مكتب - الأمناء - بعد ميدان الأوبرا، وفي مساء الأحد من كل أسبوع عنده ندوة يحضرها أكثر الأساتذة والعلماء والأدباء والدكاترة المعروفين، فيلقى الأستاذ الخولي محاضرة ويعلق بعض الحاضرين عليها، ثم تنشر في مجلة خاصة يصدرها الأستاذ الخولي واسمها مجلة الأدب.

حضرت في أحد الأيام مع الأخ الدكتور حامد حفني داود أستاذ الأدب العربي في كلية الألسن العليا - جامعة عين شمس - وكنت حاملا كتاب " أبو هريرة " بقلم آية الله المجاهد المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي طاب ثراه، وكان الأستاذ يعقوب مديرا لمجلة الأستاذ الخولي جالسا عن شماله، وعندما دخلت المكتب - وقبل أن أجلس - نظر الأستاذ يعقوب إلى الكتاب الذي بيدي - أبو هريرة - وقال:

- ماذا يقول عن أبي هريرة.

قلت: يقول عنه: رجل وضاع.

قال: أعوذ بالله!! لماذا؟

قلت: سأترك لك الكتاب الآن لتطالعه على مهلك، واعطني رأيك فيه.

فقال: كويس خالص - أي جيد جدا - فتركت الكتاب عنده وخرجت.

وكنت على اتصال دائم بالأستاذ الخولي، وفي كل أسبوع، أو أسبوعين كنت أحضر عنده، ودخلت مرة - على عادتي - لحضور الندوة في مساء يوم الأحد،


310

وعندما دخلت شاهدت الأستاذ يعقوب جالسا عن شمال الأستاذ الخولي. وعندما تقابلنا وسلمنا سألته عن الكتاب وقلت:

ما رأيك - يا أستاذ - في الكتاب، وكان جالسا فانتصب قائما وقال:

عظيم عظيم عظيم. ثم جلس، وعندئذ قلت له:

طيب هات الكتاب يا أستاذ.

فالتفت الأستاذ الخولي إلي وقال:

أترك لي الكتاب الآن لأطلع عليه أنا، وتناوله الأستاذ الخولي من يد الأستاذ يعقوب.

فقلت للأستاذ الخولي:

إني قبل أسبوع كنت عند الدكتور طه حسين، وجرى الحديث عن " أبو هريرة " فقلت للدكتور:

إن الإمام شرف الدين العاملي (1) ألف كتابا فيه وأسماه " أبو هريرة " فطلبه مني ولم يكن قد رآه فوعدته به.

(1) الإمام شرف الدين العاملي له كتاب: " المراجعات " طبع 20 مرة، " النص والاجتهاد " طبع 5 مرات، " أبو هريرة " طبع ثلاث مرات، " الفصول المهمة في تأليف الأمة " طبع 5 مرات، " الكلمة الغراء " في تفضيل الزهراء طبع 4 مرات، " مؤلفوا الشيعة في صدر الإسلام " طبع مرتين، " أجوبة مسائل جار الله " طبع 3 مرات، " إلى المجمع العلمي العربي بحث حول الولاية " طبع 3 مرات، " مسائل فقهية " طبع 4 مرات، " فلسفة الميثاق والولاية " طبع 4 مرات ، " مقدمة المجالس الفاخرة " طبعة واحدة، " المجالس الفاخرة " طبعتان، " ثبت الإثبات في سلسلة الرواة، طبعتان، " كلمة حول الرؤية " طبعة واحدة، " عقيلة الوحي " السيدة زينب ابنة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) طبعة واحدة، وستصدر بعون الله تعالى وتوفيقه هذه الكتب كلها في خمس مجلدات باسم " موسوعة الإمام شرف الدين الإسلامية " وتطبع في القاهرة إن شاء الله.

- المؤلف -


311

فقال الأستاذ الخولي: لا يمكن أن أرجعه إليك قبل أن أطلع عليه لمدح الأستاذ يعقوب له، فتركت الكتاب عنده واستأذنته وانصرفت.

وفي إحدى الأمسيات دخلت مكتب الأستاذ الخولي - على عادتي - وعندما دخلت رأيت مكتبه غاصا بالأساتذة والمثقفين، ولم يكن لي مكان للجلوس. وكان الأستاذ الخولي جالسا في صدر المجلس، وأمام مكتبه، فنادى الخادم وقال له: هات كرسيا هنا.

فأحضر الكرسي، ووضع أمام الأستاذ الخولي قرب مكتبه، وعندما استقر بي المكان تكلم الأستاذ الخولي وخاطبني قائلا:

أنا في العام الماضي تكلمت مع الشيخ محمد تقي الحكيم (1) وقلت:

(1) هو السيد محمد تقي الحكيم عميد كلية الفقه في النجف الأشرف، وأستاذ الفقه المقارن فيه، يحمل لقب أستاذ في جامعة بغداد، أشرف على عدد من رسائل الخريجين " الأطروحة " في الدراسات الجامعية العليا وهو عضو المجمع العلمي في العراق، وعضو المجمع اللغوي بمصر، ومؤلف كتاب: " الأصول العامة " للفقه المقارن، طبع في بيروت، والجزء الثاني في الفقه المقارن في طريقه إلى الإنجاز، " والزواج المؤقت " و " شاعر العقيدة " و " مالك الأشتر " وله كتاب ضخم في عبد الله بن عباس " مخطوط " يقع في عدة مجلدات، وله تآليف غيرها مطبوعة ومخطوطة، والأستاذ الحكيم شخصية إسلامية لامعة ينتدب للمؤتمرات الإسلامية في مختلف الأقطار ويتميز بأبحاثه واقتراحاته وبما يتحدث فيه للصحفيين عن الشئون الإسلامية وما يدلي به عن الأسئلة العلمية والمعضلات الإسلامية في العلم والعقيدة، كما انتدب للاشتراك في وضع الأبحاث الاختصاصية لموسوعة الفقه الإسلامي الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة.

وحدثني الأستاذ عباس الترجمان قال:

قال لي الأستاذ السيد محمد تقي الحكيم بعد ما رجع من القاهرة لحضور المؤتمر الإسلامي هناك.

دخلنا يوما إلى مكتبة جامع الأزهر مع كثير من المؤتمرين في الدول الإسلامية فتوجه إلي أمين المكتبة بصورة خاصة وبلهجة شديدة قائلا:

على أي استناد استندتم في فتح باب الاجتهاد على أنفسكم بعد ما سده السلف الصالح؟!

فأجبته بهدوء: وأنتم على أي استناد استندتم في سد باب الاجتهاد على أنفسكم بعد ما فتحه السلف الصالح؟!

فسكت ولم يحر جوابا...

فالتفت ممثل الجزائر في المؤتمر، وقال لي: الحق معكم.


312

فلنتازل نحن السنة، وأنتم الشيعة عن بعض الأشياء، ونتفق على أشياء ونكون يدا واحدة، وأقول لك الآن هذا.

فأجبته بقولي:

يا أستاذ لا يمكن التفاهم والاتفاق على شئ قبل أن نضع رجال الصدر الأول في ميزان الحساب، لأنهم خلفوا أمورا خلافية كثيرة لا يمكن التغاضي والسكوت عنها وتركها من دون علاج، وبعد ذلك فمن السهل أن نتحد ونتفق على كل شئ، فسكت الأستاذ الخولي.

أما الحاضرون فاحمرت عيونهم، وانتفخت أوداجهم، وكأن كلامي هذا كان عذابا قد صب عليهم.

وبعد أن انتهت الندوة استأذنت وانصرفت.


313

- 17 -

خالد محمد خالد

من علماء الأزهر الشريف


314

ولادته: ولد بإحدى قرى محافظة الشرقية في شهر يونيو عام 1920 م.

بدأ بحفظ القرآن الكريم عند كتاب القرية، وتخرج من الأزهر الشريف.

عمل في التدريس في وزارة المعارف المصرية عام 1947 م.

أهم آثاره: " عشرة أيام في حياة الرسول "، " في رحاب علي "، " الوصايا العشرة "، " أبناء الرسول في كربلاء "، " كما تحدث القرآن "، " كما تحدث الرسول "...

وله كتب إسلامية أخرى.

تعرفت إليه في القاهرة عام 1965 م.

من كبار الكتاب ورجال الفكر المرموقين.

يتميز بروح الإنصاف والموضوعية، ويقترح أن تكتب موسوعة عامة تستوعب عقائد الإمامية، وتحدد تاريخهم، وفقههم، وثقافتهم، تسهيلا لفهمها والأخذ بها.


315

إجتمعت به مرارا في مكتبة الخانجي، وكان دوري في الحديث كبيرا إذ اضطررت إلى وجهة نظري والاستفسار منه عن وجهة نظره.

وفي مكتبة دار الكتب الحديثة جرى الحديث معه حول الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وغصب حقه، وما لاقى من الأذى والاضطهاد من الخلفاء على كثرة ما أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه وما نص عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خم في حجة الوداع على أنه (عليه السلام) هو الوصي والمولى والخليفة من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد جعله الله تعالى نفس نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في آية المباهلة (1).

(1) أنظر " تفسير آية المباهلة " ص 104.

نقل العلامة المحقق المعاصر السيد محمد علي القاضي الطباطبائي في كتابه:

تحقيق در باره روز أربعين حضرت سيد الشهداء " عن شيخه الأستاذ البحاثة الطهراني في كتاب " الذريعة إلى معرفة تصانيف الشيعة " فقال:

" إيضاح مخالفة السنة " يعد من كتب التفاسير... لما فيه من تفسير الآيات وبيان مداليلها ويعد من كتب الردود الدينية لاشتماله على بيان مخالفات لنص الكتاب والسنة.

هو لآية الله العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر المتوفى سنة 726 هـجرية.

قال الشيخ المحدث الحر العاملي في ترجمة المؤلف:

(أنه سلك فيه مسلكا عجيبا وبين المخالفات التي وقعت لكل آية من جهات كثيرة. وقد وصل إلينا المجلد الثاني منه وفيه تمام سورة آل عمران). وذكر أنه يوجد في الخزانة الرضوية.

أقول: نسخة الخزانة الرضوية توجد فيها حتى اليوم وهي من موقوفة ابن خاتون سنة 1067 هـ وتوجد في خزانة آل شيخ الإسلام بزنجان نسخة أخرى.

وقال سيدنا أبو محمد الحسن صدر الدين:

إني رأيت نسخة خط العلامة المؤلف في مكتبة السيد آقا ميرزا الأصفهاني النجفي المولع بجمع الكتب المتوفى حدود 1311 هـ والموجود في تلك النسخ من آية: " زين للذين كفروا الحياة الدنيا " - في سورة البقرة آية: 208 إلى آخر سورة آل عمران وفرغ منه سنة 23.

والجزء الثاني لهذا الكتاب موجود في مكتبة صديقنا العلامة الحاج آقا عز الدين الحسين الخاصة وهي من موقوفة جده الأمجد السيد محمد بن قاسم الحسيني الشهير بمجتهد (رحمه الله) وآخر هذا الكتاب ما نصه:

تم الجزء الثاني من كتاب " إيضاح مخالفة السنة لنص الكتاب والسنة " ويتلوه في الجزء الثالث سورة النساء على يد العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف بن المطهر الحلي مصنف هذا الكتاب تسويدا في الحضرة الشريفة الغروية صلوات الله على مشرفها في آخر نهار الجمعة العشرين من شوال سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم كثيرا.

وقال في تفسير آية المباهلة: قال الله تعالى: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين *.

أقول خالفت السنة هذه الآية من وجوه:

(أ) فمن حاجك: أسند الفعل إليه وإنما يصح لو كان العبد فاعلا وخالفت السنة فيه.

(ب) فقل تعالوا: أمر وإنما يصح لو كان العبد فاعلا وخالفت السنة فيه.

(ج) ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم: اختبارات إنما يعلم صدقها لو امتنع الكذب على الله تعالى وخالفت السنة فيه.

(د) فنجعل لعنة الله على الكاذبين: أسند الفعل إليهم وإنما يصح لو كان العبد فاعلا وخالفت السنة فيه.

استدل أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن الحسن والحسين (عليهما السلام) أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن ولد البنت على الحقيقة.

واستدل ابن غيلان بهذه الآية على أن الحسن والحسين صلوات الله عليهما كانا مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين.

واستدلت الإمامية بهذه الآية على أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان أفضل الصحابة من وجهين:

الأول: إن موضوع المباهلة ليتميز المحق من المبطل ولا يصح أن تفعل إلا بمن هو مأمون الباطل ويكون مقطوعا على صحة عقيدته وأنه أفضل الناس عند الله لأن استعانة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) به في الدعاء تدل على مرتبته، وشرف منزلته، وتميزه عن غيره.

والثاني: أن قوله تعالى: ﴿ وأنفسنا وأنفسكم أشار به إلى أن نفس علي (عليه السلام) هي نفس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والاتحاد محال فالمراد به المساواة وأراد بقوله: " نساءنا " فاطمة (عليها السلام). وهذا كله يدل على أفضليتهم (عليهم السلام) على غيرهم فإن العقل يقضي بأنه لو كان أحد أفضل منهم استند به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدعاء على أن الله تعالى هو الذي أمره بذلك وخالفت السنة فيه) انتهى.

وقال القندوزي الحنفي أخرج موفق بن أحمد أخطب خطباء خوارزم بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليل عن أبيه قال: دفع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الراية يوم خيبر إلى علي ففتح الله بيده ثم في غدير خم:

اعلم للناس أنه مولى كل مؤمن ومؤمنة وقال له:

أنت مني وأنا منك، وأنت تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأنا سلم لمن سالمك، وحرب لمن حاربك، وأنت العروة الوثقى وأنت تبين ما اشتبه عليهم من بعدي. وأنت إمام وولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي وأنت الذي أنزل الله فيه:

وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر، وأنت الآخذ بسنتي، وذاب البدع عن ملتي، وأنا أول من انشقت الأرض عنه، وأنت معي في الجنة وأول من يدخلها أنا وأنت والحسن والحسين وفاطمة، وأن الله أوحى إلي أن أخبر فضلك فقمت به بين الناس وبلغتهم ما أمرني الله بتبليغه وذلك قوله تعالى:

﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك إلى آخر الآية ثم قال يا علي:

إتق الضغائن التي هي في صدور من لا يظهرها إلى بعد موتي أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.

ثم بكى (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:

أخبرني جبرئيل أنهم يظلمونه بعدي وإن ذلك الظلم يبقى حتى إذا قام قائمهم وعلت كلمتهم واجتمعت الأمة على محبتهم، وكان الشاكي لهم قليلا، والكاره لهم ذليلا، وكثر المادح لهم وذلك حين تغيرت البلاد، وضعف العباد، واليأس من الفرح فعند ذلك يظهر القائم المهدي من ولدي بقوم يظهر الله الحق بهم، ويخمد الباطل بأسيافهم، ويتبعهم الناس راغبا إليهم، أو خائفا ثم قال:

معاشر الناس أبشروا بالفرج فإن وعد الله حق لا يخلف، وقضاؤه لا يرد وهو الحكيم الخبير، وإن فتح الله قريب اللهم إنهم أهلي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، اللهم اكلاهم وأد عنهم وكن لهم وانصرهم وأعزهم ولا تذلهم واخلفني فيهم إنك على ما تشاء قدير.

ينابيع المودة 440 ط الأستانة عام 1301 هـ.


316


317


318

وقلت: روى الحاكم بإسناده عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم (رضي الله عنه) قال:

لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجة الوداع ونزل غدير خم (1) أمر بدوحات فقممن فقال:

كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال:

إن الله عز وجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد علي (رضي الله عنه) فقال:

" من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " وذكر الحديث

(1) " عرض تاريخي عن غدير خم ".

تحقيق في معنى حديث الغدير:

وقال السيد القزويني المولى في الحديث يراد منه الأولى بالتصرف لتقدم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، الصريح في إدارة الرياسة العامة في الدين والدنيا فكما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الأولى بنفس الأمة منهم، فكذلك علي بن أبي طالب من بعده للزوم الاتحاد بين المنزل والمنزل عليه فيما يقع على جهته التنزيل نظير قولك: زيد كالأسد بل التنزيل في الحديث أصرح منه في المثال في الدلالة على إثبات الولاية المطلقة لعلي (عليه السلام).

أنظر فدك: طبع هذا الكتاب بالقاهرة عام 1396 هـ بمطبعة دار المعلم شارع المبتديان السيدة زينب.


319

بطوله وقال:

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله (1).

وقال أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في ترجمة إسفنديار بن الموفق الواعظ:

إسفنديار بن الموفق بن محمد بن يحيى بن أبو الفضل الواعظ.

روى عن أبي الفتح بن البطي، ومحمد بن سليمان، وروح بن أحمد الحديثي.

وقرأ الروايات على أبي الفتح بن رزيق، وأتقن العربية، وولي ديوان الرسائل.

روى عنه الديثي وابن النجار وقال:

برع في الأدب وتفقه للشافعي وكان يتشيع وكان متواضعا عابدا كثير التلاوة.

وقال ابن الجوزي: حكى عنه بعض عدول بغداد أنه حضر مجلسه بالكوفة فقال:

لما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2):

" من كنت مولاه فعلي مولاه " تغير وجه أبي بكر وعمر فنزلت: (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا) (3).

(1) الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3: 109 ورواه النسائي في خصائص أمير المؤمنين علي ص 31 طبع مصر باختلاف يسير في اللفظ.

(2) ابن حجر: لسان الميزان: 1 / 387 ط حيدر آباد دكن - الهند عام 1330 هـجري فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي: 6 / 217 - 218.

(3) قال الزمخشري: أي ساءت وجوههم بأن علتها الكآبة وغشيها الكسوف والقترة وكلحوا وكما يكون وجه من يقاد إلى القتل أو يعرض على بعض العذاب.

أنظر: تفسير الكشاف 4 / 139 (سورة الملك).

وقال علي بن محمد البغدادي المعروف بالخازن في تفسير هذه الآية ﴿فلما رأوه زلفة سيئت وجه الذين كفروا *. أي اسودت وعلتها الكآبة. والمعنى: قبحت وجوههم بالسواد.

تفسير الخازن 4 / 292، معالم التنزيل للبغوي 5 / 423.

وقال محمد جمال الدين القاسمي في تفسير قوله تعالى: ﴿سيئت وجوه الذين كفروا * أي ظهر عليها آثار الاستياء من الكآبة الغم، والانكسار والحزن. محاسن التأويل 16 / 249.

وقال أحمد مصطفى المراغي في تفسير هذه الآية:

ساءهم ذلك وعلت وجوههم الكآبة والحزن وغشيها القترة والسواد إذ جاءهم من أمر الله ما لم يكونوا يحتسبون.

تفسير المراغي 29 / 23.

وقال محمد علي الصابوني في تفسير هذه الآية: ﴿سيئت وجوه الذين كفروا أي:

ظهرت على وجوههم آثار الاستيلاء فعلتها الكآبة والغم، والحزن وغشيها الذل والانكسار.

صفوة التفاسير: 3 / 421.


320
وعن زيد بن أرقم (رضي الله عنه) أنه قال:

خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى انتهينا إلى غدير خم فأمر بدوح فكسح في يوم ما أتى علينا يوم أشد حرا منه فحمد الله وأثنى عليه وقال:

يا أيها الناس إنه لم يبعث نبي قط إلا ما عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم ما لن تضلوا بعده كتاب الله عز وجل ثم قال:

فأخذ بيد علي (عليه السلام) وقال:

يا أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم قالوا: الله ورسوله أعلم (1).

قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. هذا حديث صحيح بالإسناد ولم يخرجاه (2).

وعن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " أنا المنذر وعلي الهادي وبك يا علي

(1) سقط من هاهنا هذه العبارة: " فقال: ألست أولى بكم من أنفسكم، قالوا: بلى " هامش المستدرك مع التلخيص: 3 / 533.

(2) المستدرك على الصحيحين 3 / 533.


321

يهتدي المهتدون بعدي " (1).

وعن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) - يوم غدير خم في علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2).

وأخرج الطبراني عن خلف بن خليفة أنه قال:

سمعت أبا هارون يذكر عن زيد بن أرقم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه (3).

وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لعلي يوم غدير خم:

" اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه " (4).

وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال:

حذيفة بن أسيد الغفاري قال:

نزل النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم الجحفة ثم أقبل على الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

" إني لا أجد لنبي إلا نصف عمر الذي قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب، فما أنتم قائلون؟ "

قالوا: نصحت. قال:

" أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق،

(1) إمام العارفين " مخطوط " لأحمد تيمور باشا " الحديث الرابع عشر " من الأحاديث النبوية في فضل الإمام علي (عليه السلام).

(2) الواحدي " أسباب النزول " ص 123 طبعة مؤسسة الحلبي بمصر، وغدير خم: هو موضع بين مكة والمدينة قريب من الجحفة (عن هامش المستدرك).

(3) المعجم الكبير: 5 / 204.

(4) المصدر نفسه: 5 / 204.


322

والنار حق، وأن البعث بعد الموت حق؟ ".

قالوا: نشهد قال:

فرفع يديه فوضوعهما على صدره ثم قال:

" وأنا أشهد معكم " ثم قال: " ألا تسمعون؟ ".

قالوا: نعم. قال:

" فإني فرطكم على الحوض، وأنتم واردون علي الحوض، وإن عرضه أبعد ما بين صنعاء، وبصرى فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف تخلفونني في الثقلين ".

" كتاب الله طرف بيد الله [ عز وجل ] وطرف بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا، والآخر عترتي، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وسألت ذلك لهما ربي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ".

" من كنت أولى به من نفسه فعلي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " (1) وأخرج الطبراني عن خلف بن خليفة أنه قال:

سمعت أبا هارون يذكر عن زيد بن أرقم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال يوم غدير خم:

من كنت مولاه فعلي مولاه (2).

وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لعلي يوم غدير خم:

(1) المعجم الكبير: 5 / 167.

(2) المعجم الكبير: 5 / 204.


323

اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه (1).

وواصلت الحديث معه فقلت:

قال محمد حسين هيكل: بعد ثلاث سنين من حين البعث أمر الله رسوله أن يظهر ما خفي من أمره، وأن يصدع بما جاءه منه، ونزل الوحي: (أن أنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، وقل إني أنا النذير المبين، فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين).

ودعا محمد عشيرته إلى طعام في بيته وحاول أن يحدثهم داعيا إياهم إلى الله فقطع عمه أبو لهب حديثه واستنفر القوم ليقوموا. ودعاهم محمد في الغداة مرة أخرى، فلما طعموا قال لهم:

ما أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة.. وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه. فأيكم يؤازرني على هذا الأمر [ وأن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم؟ ] (2) فأعرضوا عنه وهموا بتركه. لكن عليا

(1) المصدر نفسه 5 / 204.

(2) ما بين المعقوفين حذف بعد الطبعة الأولى، انظر: تحريف صريح في " حياة محمد " وكذلك شرح " نهج البلاغة " ما بين المعقوفين حذف في الطبعات التي طبع فيها بعد الطبعة الأولى.

وقد أعيد طبع كتاب " حياة محمد " بمطبعة دار الكتب المصرية بنفس العام الذي طبع بمطبعة مصر وحذف منها العبارة المذكورة بين المعقوفين.

ولقد طبع هذا الكتاب 13 طبعة والثاني عشرة نشرتها دار المعارف بمصر عام 1974 م والعبارة المذكورة بين المعقوفين حذفت منها أيضا في ص (158).

وفي عام 1975 م أعادت دار المعارف بمصر طبع الكتاب وحذفت منه أيضا العبارة المذكورة بين المعقوفين وهي: " وأن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم ". وقد اعترض جمع من الأساتذة والكتاب المتطرفين على الأستاذ محمد حسين هيكل باشا لإيراده هذا الحديث فأجاب: إن هذا الخبر مذكور في كتب السير والحديث.

وكان قد نشر هذا الخبر الأستاذ هيكل في جريدة " السياسة المصرية " في ملحق عدد (2751) الصادر يوم السبت 12 ذو القعدة 1350 هـ الموافق 19 مارس 1922 م في العمود الثاني من الصفحة الخامسة وزاد عليه:

فوضع محمد يده على عنق الغلام وقال:

" هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ". فابتسم بنو هاشم وقهقة بعضهم وجعل نظرهم ينتقل من أبي طالب إلى ابنه ثم انصرفوا مستهزئين. إنتهى.

وقد وقع التحريف في شرح " نهج البلاغة " لابن أبي الحديد عند حديث قدوم عمرو بن العاص على عمر واطلعنا على التحريف عندما وقفنا على كتب اللغة حول كلمة " غبرات المئالي " وسنذكر الحديث بتمامه من شرح النهج ونشير إلى التحريف في الهامش.

وإليك النص:

قال ابن أبي الحديد:

قدم عمرو بن العاص على عمر، وكان واليا لمصر، فقال له: في كم سرت؟

قال: في عشرين.

قال عمر: لقد سرت سير عاشق!

فقال عمرو: إني والله ما تأبطتني الإماء، ولا حملتني في غبرات المئالي.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: في حديث عمرو بن العاص حين قدم على عمر (رضي الله عنه) من مصر، وكان واليا عليها.

فقال: كم سرت؟ فقال عشرين.

فقال عمر: لقد سيرت سير عاشق!

فقال عمرو: إني والله ما تأبطتني الإماء ولا حملتني البغايا في غبرات المئالي.

فقال عمر: والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه، وإن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل وإنما تنسب البيضة إلى طرقها.

فقام عمرو مربد الوجه.

قوله: ولا حملتني البغايا في غبرات المئالي،

أما البغايا فإنها الفواجر، والمئالي خرق تمسكهن النوائح إذا نحن يشرن بها بأيديهم...

واحدتها مئلاة.

وإنما أراد عمرو خرق المحيض فشبهها بتلك المئالي، وأما الغبرات فإنها البقايا واحدتها:

غابر ثم يجمع غبر ثم غبرات جمع الجمع..

" غريب الحديث " 4 / 161 - 162 ط حيدر آباد الدكن - الهند.

وقال الأزهري: وفي حديث عمرو بن العاص أنه قال لعمر: ما تأبطتني الإماء، ولا حملتني البغايا في غبرات المئالي، الغبرات: البقايا، واحدها غابر، ثم يجمع غبرا، ثم غبرات جمع الجمع. تهذيب اللغة 8 / 122 مادة غبر ط الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر بالقاهرة.

وقال الزبيدي: وفي حديث عمرو بن العاص: " ما تأبطتني الإماء ولا حملتني البغايا في غبرات المئالي "، أراد أنه لم تتول إلا ما تربيته. وغبرات المئالي: بقايا خرق الحيض.

تاج العروس: 13 / 188 ط حكومة الكويت.

وذكر ابن الأثير: في مادة (أبط) وقال: ومنه عمرو بن العاص أنه قال لعمر:

" إني والله ما تأبطتني الإماء " أي لم يحضنني، ويتولين تربيتي. النهاية في غريب الحديث 1 / 15.

وقال ابن الأثير: ومنه حديث عمرو بن العاص (ولا حملتني البغايا في غبرات المئالي) أراد أنه لم تتول الإماء تربيته والمئالي: خرق الحيض، أي في بقاياها.

النهاية في غريب الحديث والأثر: 3 / 338 مادة غبر ط المكتبة الإسلامية تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي. وانظر: الفائق للزمخشري 1 / 19 ط عيسى البادي الحلبي بمصر ولسان العرب لابن منظور 5 / 3 ط بيروت. مادة: غبر. وراجع ما تقدم عن أبي عبيد في غريب الحديث مادة (غبر).

فقال عمر: والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه وإن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل، وإنما تنسب البيضة إلى طرقها.

فقام عمرو مربد الوجه.

قلت: المئالي: خرق سود يحملها النوائح، ويسرن.

مصحف يشرن بها بأيديهم عند اللطم، وأراد خرق الحيض هاهنا، وشبهها بتلك، وأنكر عمر فخره بالأمهات وقال: إن الفخر للأب الذي إليه النسب.

قال ابن أبي الحديد: وسألت النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر، فقال:

إن عمرو أفخر على عمر، لأن أم الخطاب زنجية، وتعرف بباطحلي، تسمهى صهاك.

فقلت له: وأم عمرو النابغة أمة من سبايا العرب.

فقال: أمة عربية من عنزة، سبيت في بعض الغارات، فليس يلحقها من النقص عندهم ما يلحق الإماء الزنجيات.

فقلت له: أكان عمرو يقدم على عمر بمثل هذا القول قال قد يكون بلغه عنه قول قدح في نفسه فلم يحتمله له ونفث بما في صدره منه، وإن لم يكن جوابا مطابقا للسؤال، وقد كان عمر مع خشونته يحتمل نحو هذا فقد جبهه الزبير مرة وجعل يحكي كلامه يمططه.

وجبهه سعد بن أبي وقاص أيضا فأغضى عنه.

ومر يوما في السوق على ناقة له فوثب غلام من بني ضبة فإذا هو خلفه فالتفت إليه وقال ممن أنت قال ضبي قال: جسور والله.

فقال الغلام على العدو، قال عمر:

وعلى الصديق أيضا ما حاجتك فقضى حاجته ثم قال: دع الآن لنا ظهر راحلتنا انتهى.

شرح نهج البلاغة: 12 / 39 ط عيسى البالي الحلبي بمصر.

شرح نهج البلاغة: 3 / 102 - 103 طبعة أولى بمصر.

المؤلف: إن التحريف في الكتب للحوادث والوقائع التاريخية هي دسيسة يقوم بها المتعصبون تعصبا أعمى لمحو الحقائق الثابتة فيجب على المسلمين جميعا أن يحافظوا على تراثهم المجيد وأن لا يغفلوا عن هذا العمل الإجرامي ويجب أن نكون في يقظة وحذر فلو فسحنا المجال لهذه الأيدي العابثة فسوف نخسر تاريخنا وتراثنا كما خسر من قبلنا.

عندما امتدت أيديهم إلى كتبهم المقدسة وتراثهم وتاريخهم.


324


325


326

نهض وما يزال صبيا دون الحلم وقال: " أنا يا رسول الله عونك، أنا حرب على من حاربت " (1).

(1) أخرج الإمام أحمد في زازان أبي عمرو، قال:

سمعت عليا في الرحبة وهو ينشد الناس:

من شهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم غدير خم، وهو يقول: ما قال؟ فقام ثلاثة عشر رجلا، فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".

مسند الإمام أحمد: 1 / 300 الحديث برقم 641 ط مصر تحقيق الدكتور محمد أحمد عاشور.


327

وذكر أبو جعفر الإسكافي في مناقضاته لبعض ما أورده الجاحظ في العثمانية قال:

وروى في الخبر الصحيح أنه كلفه - أي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلف عليا (عليه السلام) - في مبدأ الدعوة قبل ظهور كلمة الإسلام وانتشارها بمكة أن يصنع لهم طعاما وأن يدعو له بني عبد المطلب فصنع له الطعام ودعاهم له فخرجوا ذلك اليوم، ولم ينذرهم (صلى الله عليه وآله وسلم) لكلمة قالها عمه أبو لهب، فكلفه في اليوم الثاني أن يصنع مثل ذلك الطعام، وأن يدعوه ثانية، فصنع ودعاهم فأكلوا، ثم كلمهم (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعاهم إلى الدين، ودعاهم معهم لأنه من بني عبد المطلب، ثم ضمن لم يؤازره منهم وينصره على قوله أن يجعله أخاه في الدين، ووصيه بعد موته، وخليفته من بعده، فأمسكوا كلهم وأجابه هو وحده وقال:

أنا أنصرك على ما جئت به، وأوازرك، وأبايعك!

فقال لهم - لما رأى منهم الخذلان، ومنه النصر، وشاهد منهم المعصية، ومنه الطاعة، وعاين منهم الإباء ومنه الإجابة قال:

هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي!

فقاموا يسخرون، ويضحكون ويقولون لأبي طالب:

أطع ابنك فقد أمره عليك!

فهل يكلف عمل الطعام، ودعاء القوم صغير غير مميز، وغير عاقل؟!

وهل يؤتمن على سر النبوة طفل ابن خمس، أو ابن سبع؟!

وهل يدعى في جملة الشيوخ، والكهول إلا لبيب عاقل؟!

وهل يضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده في يده ويعطيه صفقة يمينه بالأخوة والوصية، والخلافة إلا وهو أهل لذلك، بالغ حد التكليف، محتمل لولاية الله، وعداوة أعدائه؟!


328

وما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه، ولم يلصق بأشكاله، ولم يرفع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه، وهو كأحدهم في طبقته، كبعضهم في معرفته.

وكيف لم ينزع إليهم في ساعة من ساعاته فيقال:

دعاه نقص الصبا، وخاطر من خواطر الدنيا، وحملته الغرة والحداثة على حضور لهوهم، والدخول في حالهم، بل ما رأيناه إلا ماضيا على إسلامه، مصمما في أمره، محققا لقوله بفعله، وقد صدق إسلامه بعفافه، وزهده، ولصق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين جميع من بحضرته، فهو أمينه، وأليفه في دنياه وآخرته. وقد قهر شهوته، وجاذب خواطره، صابرا على ذلك نفسه، لما يرجوه من فوز العاقبة، وثواب الآخرة.

وقد ذكر هو (عليه السلام) في كلامه وخطبه بدء حاله، وافتتاح أمره حيث أسلم لما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الشجرة فأقبلت تخد الأرض، فقالت قريش:

ساحر خفيف السحر!

فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله، أنا أول من يؤمن بك، آمنت بالله ورسوله، وصدقتك فيما جئت به، وأنا أشهد أن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك، وبرهانا على صحة دعوتك.

فهل يكون إيمان قط أصح من هذا الإيمان، وأوثق عقدة، وأحكم مرة؟!

ولكن حنق العثمانية وغيظهم، وعصبية الجاحظ وانحرافه، مما لا حيلة فيه (1).

وأخرج علي بن أبي بكر الهيثمي عن سلمان قال:

قلت يا رسول الله إن لكل نبي وصيا فمن وصيك؟ فسكت عني فلما كان بعد رآني.

(1) العثمانية ص 303 - 304 ط مصر عام 1955 - 1374 هـ تحقيق الأستاذ محمد عبد السلام هارون.


329

فقال يا سلمان: فأسرعت إليه، قلت لبيك؟ قال:

تعلم من وصي موسى قال: نعم. يوشع بن نون. قال: لم؟

قلت: لأنه كان أعلمهم يومئذ.

قال: فإن وصيي، وموضع سري، وخير من أترك بعدي، وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب (1).

وبقيت أعرض عليه وجهة نظري نقلا عن الأحاديث الشريفة فقلت:

وعن البراء بن عازب قال:

كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سفر فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة وكسح لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي رضي الله تعالى عنه فقال:

ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى، قال:

ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه قالوا بلى.

قال: فأخذ بيد علي فقال:

" من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه "، قال:

فلقيه عمر بعد ذلك فقال له:

هنيئا يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (2).

وقال أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني المتوفى عام 440 هـ:

واليوم الثامن عشر (من شهر ذي الحجة) يسمى: غدير خم وهو اسم مرحلة

(1) مجمع الزوائد: 9 / 113 ط 2 بمصر 1967 م.

(2) الإمام أحمد بن حنبل: المسند 4 / 281 الطبعة الأولى.


330

نزل بها النبي (صلى الله عليه وسلم) عند منصرفه من حجة الوداع، وجمع القتب، والرحال، وعلاها آخذا بعضد علي بن أبي طالب (عليه السلام). وقال:

" أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى.

قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار. اللهم هل بلغت ثلاثة " (1).

وروى جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي الحنفي: عن علي (عليه السلام) قال:

عممني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (يوم غدير خم) بعمامة فسدل نمرقها على منكبي وقال:

إن الله أمدني يوم بدر، وحنين بملائكة معممين هذه العمامة.

وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمم علي بن أبي طالب عمامته السحابة، وأرخاها من بين يديه، ومن خلفه ثم قال:

أقبل: فأقبل، ثم قال: أدبر، فأدبر، فقال: هكذا جائتني الملائكة. ثم قال:

" من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله ".

(1) الآثار الباقية عن القرون الخالية ص 334 ط ألمانيا عام 1923 م.

وانظر صحيح الترمذي: 5 / 633، سنن ابن ماجة: 1 / 43 فضل علي بن أبي طالب رقم الحديث 166 - 167، مستدرك الصحيحين: 3 / 110، مسند الإمام أحمد بن حنبل: 1 / 118 - 152. الدر المنثور: 2 / 259 - 293، تفسير الفخر الرازي: 11 / 140 ط دار الفكر بيروت، تاريخ بغداد: 8 / 290، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: 2 / 509، أسد الغابة في معرفة الصحابة: 4 / 28، خصائص النسائي ص 22 كنز العمال: 11 / 602 ط مؤسسة الرسالة رقم الحديث 32904 مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 103 - 108 تلخيص المستدرك: 3 / 110 116 تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 169 ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للمحب الطبري: 67 - 68 فيض القدير: 4 / 357 - 6 / 217.


331

قال حسان بن ثابت: إئذن لي أن أقول أبياتا سمعها فقال:

قل على بركة الله، فقام حسان فقال:

يا معشر قريش اسمعوا قولي بشهادة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ثم أنشأ يقول:

يناديهم يوم الغدير نبيهم
بخم وأسمع بالنبي مناديا

فقال فمن مولاكم ونبيكم فقالوا:
ولم يبدوا هناك التعاميا

الأبيات (1)

وبعد أن شرحت هذا كله وجهت سؤالي إلى الكاتب المؤرخ عنه:

أليست هذه النصوص يا أستاذ خالد دالة على إثبات خلافة الإمام علي (عليه السلام).

فسكت وقال:

إن الإمام علي كان راضيا عن الخلفاء.

فأجبته: إن الإمام (عليه السلام) لو كان راضيا عنهم كما تقول: لما قال - في الخطبة الشقشقية - التي وردت عنه (عليه السلام) في نهج البلاغة:

" فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا " (2).

والدليل عدم رضاه عنهم وسخطه عليهم هذه الخطبة (3) التي خطبها آنذاك ولو

(1) نظم درر السبطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين ص 110 - 111 ط العراق.

(2) ابن أبي الحديد: في شرح نهج البلاغة: 1 / 55 طبعة الحلبي.

(3) قال ابن أبي الحديد: وما أحسن ما عقب به عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب على زعم من زعم أن هذه الخطبة نحلها الشريف الرضي إياه عليه السلام بقوله:

أنا للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب: قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور، وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر.

والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمأتي سنة ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء من أهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي.

شرح النهج: 1 / 69 الطبعة الأولى طبعة الحلبي بمصر.

وقال الأستاذ الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو:

الحلو من رجال التحقيق البارزين في مصر حقق كتبا كثيرة منها: (ريحانة الألباء) و (التمثيل والمحاضرة) للثعالبي و (طبقات الشافعية) و (الجواهر المعنية) وأجزاء من كتاب:

(تاج العروس) طبع الكويت وأخيرا عهد إليه: بتحقيق كتاب (عقد الدر في الإمام الثاني عشر) وطبع بمطابع الأستاذ صلاح فهمي الدجوي صاحب مطابع الدجوي بالقاهرة. - المؤلف - في العدد 5 / 304 من مجلة كلية اللغة العربية والعلوم التي تصدرها جامعة ابن سعود في المملكة العربية السعودية ما يلي:

" قلت: وجدت أنا كثيرا في هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغدادين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلمي الإمامية، وهو الكتاب المشهور بكتاب " الإنصاف " وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى:

ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي رحمه الله تعالى موجودا.

" شرح نهج البلاغة " 1 / 205، 206 ".

وإذا كان ابن الخشاب قد وثق هذه الخطبة، ونفى وضع الرضي لها، لأسلوبها الذي لا يستطيعه غير الإمام علي عليه السلام، ولعثوره عليها هو وابن أبي الحديد في مصنفات وخطوط قبل أن يخلق الرضي، فإني لا أجد مساغا للطعن فيها لما تضمنته من الكلام على صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإن المتتبع لمشكلة الخلافة من لدن قبض رسول الله في أوثق كتب أهل السنة ومراجع التاريخ يدرك مدى المرارة التي كان يحسها علي بن أبي طالب عليه السلام، لحرمانه من الخلافة، فقد كان يرى نفسه أحق بها وأهلا، فما الذي يمنعه من إخراج هذه الشقشقة التي هدرت ثم قرت.

وإذا كنا نسلم بأن الإمام عليا عليه السلام دفع إلى حرب طاحنة مع طلحة والزبير وعائشة ومعاوية، ولهم قدرهم من الجلالة والصحبة، وأن دماء كثيرة أريقت في هذه الحروب، إذا كنا نسلم بأن الخصومة وصلت إلى مرحلة القتال، فلم ننكر هذا التنفيس عن النفس المكلومة يصدر من الإمام علي؟ ولم نحرم عليه أن يسجل تصوره لتتابع الحوادث بعد قبض رسول الله، وهو نفسه يصرح بأنها " شقشقة هدرت ثم قرت " انتهى.


332


333

كان الحال كما تقول: لما أمكنه (عليه السلام) أن يعلن رأيه هذا للناس.

ثم أهديت له كتاب: " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " للعلامة المحقق السيد عبد الزهراء الخطيب كنت قد صحبته معي من العراق مع مجموعة من الكتب التي قمت بنشرها في القاهرة فشكرني عليها كثيرا ودعاني إلى داره لأرى مكتبته.

وقال لي: أريد منكم تأليف كتاب بهذا الاسم:

هذه هي الشيعة؟

ويتناول الكتاب هذه الفصول:

1 - عرض لعقيدة الشيعة وفلسفتها وتطورها في التاريخ.

2 - عرض لمدارسها وأعلامها.

3 - نقط الخلاف التي يخالفون بها أهل السنة وتبيان أن هذا الخلاف لا يعني أن الشيعة تخالف الإسلام ويضرب المثل بالخلاف الموجود بين المذاهب الأربعة مع أنه غير خارج عن الإسلام.

4 - الكشف عن القوى المنحرفة التي تطفلت على الشيعة وحملت اسمها.

5 - ثقافة الشيعة، ويشير فيها إلى الكتب التي تعبر بصدق عن الشيعة.

6 - ماذا يقولون عنا، أو بماذا يحاربوننا.

هذا وإني عندما عدت إلى العراق راجعا من القاهرة راجعت جماعة من العلماء


334

والأساتذة في النجف الأشرف منهم:

صاحب السماحة السيد محمد باقر الصدر.

العلامة الشيخ محمد أمين زين الدين (1).

العلامة الشيخ كاظم شمشاد.

العلامة السيد جمال الخوئي.

العلامة الشيخ مهدي الآصفي.

العلامة عبد الهادي الفضلي.

وعرضت عليهم ما اقترحه الأستاذ خالد كما عرضنا، حتى أنني طلبت من كل واحد منهم أن يلتزم بكتابة موضوع واحد من هذه المواضيع المذكورة فلم يتسن لأي واحد منهم أن يستجيب إلى ذلك حتى الآن (2).

على أنه من الممكن أن يدرس مثل هذا الاتجاه ويتبناه مجموعة من هؤلاء الأساتذة والكتاب.

وفي رحلتي إلى القاهرة عام 1395 هـ موافق 1975 م توجهت إلى دار الأستاذ الكبير عبد الكريم الخطيب حاملا معي:

" ثورة الحسين " و " دراسات في نهج البلاغة " مهداة للأستاذ الخطيب من سماحة

(1) مؤلف كتاب: " الإسلام، ينابيعه، مناهجه، غاياته "، " العفاف بين السلب والإيجاب "، " الأخلاق عند الإمام الصادق "، " مع الدكتور أحمد أمين " في حديث المهدي والمهدوية. وغيرها.

(2) ما يطالب به الأستاذ خالد موجود جله - إن لم نقل كله - في الجزء الأول من كتاب (أعيان الشيعة) بقسميه الأول والثاني. وهو من تأليف سماحة آية الله السيد محسن الأمين العاملي.

- المؤلف -


335

العلامة الكبير مؤلفهما دام ظله و " والمراجعات " للسيد شرف الدين و " تحت راية الحق "؟ للعلامة الشيخ عبد الله السبيتي.

وكان ذلك في الليلة العاشرة في شهر رمضان المبارك بعد الساعة التاسعة والنصف مساء ولما وصلت داره العامرة طرقت الباب وإذا بالسيدة حرمه فتحت الباب سألتها عن فضيلته قالت:

له حديث في الإذاعة وقد خرج وسيعود بعد الساعة الحادية عشر مساء فسلمتها الكتب التي كنت حملتها إليه وانصرفت.

وفي عصر يوم الأحد سادس عشر شهر رمضان المبارك في تمام الساعة الثالثة بعد الظهر قصدت دار الأستاذ الخطيب وإذا به قد خرج من الدار وبصحبته أحد الإخوان وعندما انصرف الأخ المصاحب له سألته عن الأستاذ خالد فقال:

لي الآن موعد معه عند (الدكتور في أول عمارة شارع أرض شريف فذهبت بصحبته والتقيت بالأستاذ خالد وذهبت بمعيتهما إلى جامع الكخيا في أول شارع قصر النيل لأداء صلاة العصر وبعد أداء الصلاة خرجنا من الجامع قاصدين عيادة الدكتور عبد السلام طبيب العيون فطلبت من الأستاذ خالد صورته مع ترجمة مختصرة عن حياته وآثاره وهذا نص ما أملاه علي:

الولادة: كانت بإحدى قرى محافظة الشرقية في شهر يونيو عام 1925 م.

بدأت بحفظ القرآن الكريم وعمري 11 عاما وأتممت دراسته في القسم الابتدائي ثم القانوني ثم كلية الشريعة ثم تخصصت بالتدريس.

بعد تخرجي:

عملت في التدريس في وزارة المعارف المصرية عام 1947 م.

بقيت في التدريس بضع سنين ثم انتقلت إلى العمل بوزارة الثقافة بعد إنشائها في


336

عدة وظائف كان آخرها مستشارا للنشر في هيئة الكتاب.

لي مؤلفات كثيرة في السياسة والاجتماع، وفي الإسلاميات التي عكفت الآن على الكتابة فيها دون سواها.

أول مؤلفاتي: كان كتاب: " من هنا نبدأ " صدر عام 1950 م وقد أحدث في وقته دويا وحوارا كثيرا دار حول الصحافة والإذاعة وكانت له أمام القضاء قضية انتهت بالإفراج عن الكتاب وبراءتي مما نسب إلي وكانت حيثيات الحكم نادرة، إذ أن رئيس المحكمة كان وقتئذ الأستاذ حافظ سابق كتب في الحيثيات يقول:

إن هذا الكتاب دفاع عن دين الله، وتمجيد لحقوق الشعب.

بعد هذا الكتاب صدر لي في عصر الملك فاروق عام 1951 م كتاب (مواطنون لا رعايا) وأيضا صادرته النيابة وكان المحقق في قضية الأستاذ جمال العطيفي وكيل النائب العام يومئذ ووكيل مجلس الشعب المصري الآن ثم أفرج عنه.

وفي الشهور الأولى لثورة - 23 - يوليو صدر لي كتاب: " الديموقراطية أبدا " حذرت فيه قادة الثورة والجيش من أن يستسلموا للحكم الدكتاتوري وأن يفسحوا الطريق للديموقراطية الحقيقية ثم توالت كتبي بعد ذلك.

" لكي لا تحرثوا في البحر "، " أزمة الحرية في عالمنا "، " في البدء كان الكلمة "، " الوصايا العشر "، " معا على الطريق محمد والمسيح "، " وجاء أبو بكر "، " بين يدي عمر "، " وداعا عثمان "، " في رحاب علي "، " معجزة الإسلام عمر بن عبد العزيز "، " أبناء الرسول في كربلاء "، " كما تحدث القرآن "، " كما تحدث الرسول "، " عشرة أيام في حياة الرسول ".


337

- 18 -

عبد الكريم الخطيب

من كبار المؤلفين البارزين في القاهرة


338

ولادته: ولد في محافظة سوهاج من صعيد مصر في 17 مايو سنة 1920 م.

تعلم في: كتاب القرية.

حفظ القرآن الكريم: ثم تخرج من مدرسة المعلمين بسوهاج.

تخرج من دار العلوم سنة 1937 م.

وحصل على شهادة الدراسات العليا في دار العلوم.

إشتغل بالتعليم في المدارس الابتدائية والمعلمين والثانوية.

نقل إلى وزارة الأوقاف، سكرتيرا برلمانيا، ومديرا لمكتب الوزير عام 1953 م.

أحيل إلى المعاش عام 1959 م، وبعد هذا تفرغ للتأليف.

انتدب للتدريس في كلية الشريعة لعلوم التفسير بمدينة الرياض في المملكة العربية السعودية وذلك في عام 1973 وعام 1975 م.

أهم آثاره: " التفسير القرآني للقرآن " 16 مجلدا " قضية الألوهية " جزآن " إعجاز القرآن " جزآن " علي بقية النبوة وخاتم الأوصياء " " التعريف بالإسلام " " المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل " " القضاء والقدر " " بين الفلسفة والدين " " السياسة المالية في الإسلام ".

تعرفت إليه في وزارة الأوقاف عام 1958.

مؤلف فاضل: ومفسر ضليع.

يتحلى بالمرونة ويتقبل الفكرة ويحترمها.

أدى خدمات كبيرة في مجال تفسير القرآن الكريم.


339

تعرفت إلى هذا الأستاذ منذ كان مديرا لمكتب وزير الأوقاف العلامة الكبير الشيخ أحمد حسن الباقوري ودعاني في شهر رمضان مع جماعة من الأساتذة والعلماء في الوزارة وكان ذلك في شهر رمضان عام 1377 هـ الموافق 1958 م.

وفي كل مرة عندما أعود إلى القاهرة ألتقي به في داره الواقعة في 30 شارع عبد العزيز.

وفي أحد الأيام ذهبت إلى داره العامرة وطلبت منه أن يعرفني على دار نشر لأتعامل معها فأرشدني إلى الحاج عبد المنعم الخضري صاحب دار الفكر العربي.

فذهبت مرة معه وعرفني عليه وعرفه بي وقال لي:

اترك هنا من جميع كتبك عددا معينا من كل كتاب واستلم وصلا بالكتب وفي السفرة القادمة تستلم منه ثمن المصروف وهكذا فعلت.

وبعد أعوام صادف مجئ إلى القاهرة في شهر رمضان المبارك فطرقت باب دار الأستاذ صباحا فرحب بي كثيرا على عادته وأدخلني غرفة الاستراحة ولما أردت الانصراف قال:

أرغب أن تحضر هذه الليلة للإفطار عندنا، فلبيت الطلب، وقصدت داره العامرة وصادف دخولي داره وقت المغرب ولما دخلت سلمت وجلست في الغرفة المعدة للضيوف فحياني سيادته وغاب عني دقائق ثم عاد وبيده صحن صغير فيه تمر محشو باللوز فتناول سيادته واحدة وضعها في فيه وتناول ثانية بيده وقدمها لي وقال:

تفضل: فأخذتها من يده وتركتها أمامي على المنضدة.


340

فقال: افطر لماذا لا تفطر.

قلت: قال الله تعالى: ﴿وأتموا الصيام إلى الليل.

فهل يقال لهذا الوقت ليل؟

فأجاب: لا.

قلت: إذا كيف نفطر؟

ثم قلت: أنظر يا أستاذ إلى هذه الحمرة المشرقية ظاهرة ونحن الشيعة الإمامية لا نفطر في هذا الوقت بل نتأمل دقائق وننتظر حتى تغيب هذه الحمرة لأن وجودها يدل على عدم غياب - قرص الشمس - فإذا زالت الحمرة هذه جاز لنا الإفطار.

ونحن نأسف لإخواننا السنيين كيف يمسكون عن الأكل والشراب طوال النهار ولا ينتظرون دقائق معدودة حتى تغيب هذه الحمرة.

فأجاب سيادته قائلا:

أما أنا فمن الآن معكم، وبعد هذا لا أصيب طعام الإفطار إلا بعد ذهاب الحمرة المشرقية، وبعد أن أفطرنا من صومنا، وشربنا الشاي، وتناولنا الفواكه ودعته وانصرفت.

وفي رحلاتي إلى القاهرة وعند زياراتي له في داره العامرة طلب مني الأستاذ أن أرسل له كتاب مجمع البيان في تفسير القرآن (1) لأمين الإسلام الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي طاب ثراه وبعد عودتي إلى العراق أرسلت له الكتاب بالبريد المضمون وأجابني بوصول الكتاب إليه وإليك نصه:

(1) مجمع البيان في تفسير القرآن طبع عدة طبعات في صيدا - لبنان والقاهرة وطهران وتبريز.


341
الأخ العزيز الأستاذ مرتضى الرضوي.

السلام عليكم ورحمة الله، وبعد:

فقد تلقيت بيد الشكر تفسير الإمام الطبرسي في خمسة الأجزاء التي بعثتم بها إلي.

وإني إذا أذكر لكم هذا الفضل أسأل الله أن يجزل لكم المثوبة، ويبارك عليكم في دينكم وفي خلقكم وفي مروءتكم.

وإن الأيام القليلة التي تقضيها معنا في القاهرة بين الحين والحين هي زاد طيب نعيش فيه إلى أن تعود فنلقاك. وأرجو أن يكون لقاؤنا هذه المرة بك في وقت مبكر عما اعتدت أن تزور فيه القاهرة، كما أرجو أن تكون مدة إقامتك أطول حتى تتاح الفرصة للقاءات كثيرة معك.

أرجو أن تبعث إلي بكل ما تريد من مصر، فأنا على أتم استعداد لخدمتك وقضاء ما تطلب.

وتحياتي، وأشواقي، وتمنياتي الطيبة.

عبد الكريم الخطيب

القاهرة في: 12 / 2 / 1967 م


342


343

- 19 -

عبد المنعم خفاجي

الأستاذ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر

وعميد كلية اللغة بأسيوط


344

ولادته: ولد في قرية من أعمال مركز المنصورة تسمى (تلبانة) في 22 / 7 / 1915 م.

تخرج في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1940 م.

حصل على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد عام 1946.

عمل في جامعات السعودية، وليبيا ويعمل حاليا رئيسا لجامعة الأزهر فرع أسيوط.

أسس مع الأستاذ " مصطفى عبد اللطيف السحرتي " رابطة الأدب الحديث بالقاهرة منذ ربع قرن.

إشترك: في كثير من اللجان العلمية والأدبية، وأسهم في النشاط الأدبي في وطنه بجهود كبيرة، وكتب في مختلف المجالات والصحف المصرية والعربية والإسلامية، وله أعمال كثيرة في تحقيق التراث.

أهم آثاره: " الإسلام والحضارة الإنسانية " و " الإسلام ونظريته الاقتصادية " و " الإسلام وحقوق الإنسان " " سيرة رسول الله " في أربعة أجزاء و " في مواكب النبوة " و " الشعر الجاهلي " و " أبو عثمان الجاحظ " و " تفسير القرآن " في 13 جزء و " الأدب العربي الحديث ومدارسه " و " الخفاجيون في التاريخ " " شرح الإيضاح " في البلاغة في ستة أجزاء " البحوث الأدبية " وشرح " صحيح البخاري " في عدة أجزاء و " قصة الأدب في مصر " 5 أجزاء و " قصة الأدب في ليبيا " 2 أجزاء و " قصة الأدب في الحجاز " في 3 أجزاء.

تعرفت إليه بالقاهرة عام 1957 م.

يدعو: إلى التقارب والوحدة التشريعية بين الطرائف الإسلامية، وهو لا يجد للفروق الفقهية هذه ما يدعو إلى الخلاف، وحدة الصراع المذهبي.

ينتصر لفقه الشيعة الإمامية وقد أدرك إنما يمتاز به من الأصالة هو لتدفقه من معين العترة الطاهرة (عليهم السلام).


345

عرفني إليه صديقي الأخ الأستاذ عبد الرحيم محمد علي (1) في النجف الأشرف وحينما كنت هناك تحدثت معه حول السفر إلى القاهرة لطبع ونشر بعض الكتب الإسلامية هناك فقال الأخ عبد الرحيم:

إن لي صديقا حميما وأستاذا في كلية اللغة العربية بالأزهر الشريف وهو أحد رجال مؤسسي رابطة الأدب الحديث وله مؤلفات كثيرة وتحقيقات على كثير من الكتب في النحو والصرف، والعروض، والبلاغة، وصلات مع دور النشر والمطابع في القاهرة.

وحرر الأخ عبد الرحيم للأستاذ خفاجي رسالة أخبره فيها بأن لي دار نشر في النجف الأشرف - العراق وأرغب في نشر بعض الكتب الإسلامية في القاهرة.

وحينما دخلت القاهرة حينذاك نزلت في فندق جرين بميدان الأوبرا ومكثت فيه أياما، ولأيام قلائل سافرت إلى الإسكندرية للاستطلاع على معالم المدينة، والآثار التي فيها وصحبت معي مفتاح الغرفة، وعند رجوعي إلى القاهرة عدت إلى الفندق المذكور ومعي مفتاحها وحينما دخلت الفندق قاصدا غرفتي وإذا بمدير الفندق يناولني مفتاحا آخر لغرفة أخرى - غير غرفتي - وقال:

كان يقيم في غرفتك طالب وقد سافر منذ زمن إلى خارج القاهرة وعاد أمس وطالب بها فأخرجنا ما كان فيها من الأشياء العائدة لك ونقلناها إلى غرفة أخرى هذا مفتاحها إلا أني دفعت لهم حسابهم وحملت ما كان لي في الفندق وانتقلت إلى

(1) له عدة مؤلفات مطبوعة منها: " القرآن والترجمة "، " الكاظمي " شاعر العرب في عدة أجزاء، " رباب الكاظمي "، " مصادر الدراسة " عن النجف والشيخ الطوسي.


346

فندق ميامي وبقيت فيه حوالي أحد عشر شهرا في سنتي 1957 - 1958 م وبعد أن قررت البقاء في هذا الفندق طبعت " كرتا " أثبت فيه عنواني وبعد ذلك قصدت كلية اللغة العربية في حي الأزهر الشريف سائلا عن الأستاذ خفاجي وبيدي رسالة له وعندما قابلته سلمته الرسالة التي حررها له الأخ عبد الرحيم محمد علي في النجف الأشرف ودعاني إلى داره في الحلمية بشارع بور سعيد لتناول طعام الغداء فيها.

وكنت دائما أجتمع بالأستاذ خفاجي وألتقي به في مقهى البسفور خلف شارع الصنادقية بشارع الأزهر حيث يحضر بهذه المقهى الأساتذة والأدباء لشرب الشاي والقهوة " والنركيلة " وربما اللعب والتسلية، وفي " مقهى المختلط " بميدان العتبة الخضراء.

وعندما حضرت المقهى في أحد الأيام سألت الأستاذ خفاجي عن مطبعة فعرفني على مطبعة دار العهد الجديدة للطباعة لصاحبها كامل مصباح (1) وكان ذلك في يوم الثلاثاء فذهبت معه إلى المطبعة ومعي الأصول لكتاب: " وسائل الشيعة ومستدركاتها " الجزء الأول منه، ولما دخلنا المطبعة قصدنا " السيد عطوة " المرتب الفني في هذه المطبعة وعرضنا عليه أصول الكتاب وتركناها عنده وفي الوقت نفسه راجعنا صاحب المطبعة " كامل مصباح " واتفقنا معه على أجرة طبع ملازم الكتاب وحددنا اليوم الذي سيكون فيه الشروع بالعمل فاتفقوا على يوم السبت أول الأسبوع.

وقال " السيد عطوة ": عندنا الآن بعض الأعمال وستنتهي في نهاية هذا الأسبوع وسنشرع بالجمع من يوم السبت إن شاء الله:

(1) المطبعة تقع قرب سوق بين الصورين قرب باب الشعرية من ميدان الجيش.


347

وفي يوم الجمعة كنت مارا على مكتبة مجاهد (1) في " خان جعفر " بحي الأزهر الشريف فاشتريت منه ديوانا.. فذهبت في صباح يوم السبت إلى المطبعة متأبطا الديوان وعند وصولي المطبعة قصدت السيد عطوة - المرتب الفني في المطبعة - وسألته:

هل ابتدأتم بجمع الملزمة الأولى من الكتاب لأنكم قررتم أن يكون الشروع فيه من هذا اليوم فأجاب:

سنبتدئ بالكتاب من غد وفي هذا اليوم " شطبنا " عملنا السابق وسيكون الشروع في غد إن شاء الله.

وفي أثناء طبع الكتاب احتجت إلى مبلغ وغادرت القاهرة وأتيت بيروت لأتصل بالعراق لإرسال حوالة مصرفية إلى بيروت وقد بقيت فيها فترة في خلالها مررت في أحد الأيام على مكتبة العرفان للحاج إبراهيم زين عاصي في شارع سوريا ببيروت وإذا بفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ أحمد عارف الزين مؤسس مجلة العرفان الغراء في صيدا - لبنان في المكتبة جالس إلى جنب صاحبها ولما دخلت المكتبة قاما ورحبا بي كثيرا وأمر لي الحاج إبراهيم صاحب المكتبة بقدح من الشاي فشربت.

وقد دعاني الأستاذ الشيخ أحمد عارف الزين إلى منزله في صيدا وذهبت معه وبقيت أياما في ضيافته في منزله وبعد ذلك جئت إلى بيروت واستلمت المبلغ وأخذت به " شيكا " على بنك مصر وعدت إلى القاهرة.

وقبل عودتي إلى القاهرة وأنا في منزل المرحوم صاحب العرفان كنت قد

(1) الأستاذ مجاهد صاحب مكتبة مجاهد ومؤلف كتاب الأعلام الشرقية صدر منه أربعة أجزاء.

- المؤلف -


348

حدثته بما جرى لي في المطبعة مع مديرها الفني السيد عطوة وتحديد الوقت للشروع بطبع الكتاب وإذا به قد نشرها في العرفان في عدد 3 / 295 عام 1377 هـ كانون الثاني عام 1958 م تحت عنوان " نوادر وخواطر ".

وبعد عودتي إلى القاهرة كنت مشغولا في مراجعة ملازم تصحيح الكتاب وهو:

" وسائل الشيعة ومستدركاتها " إذ ورد علي عدد العرفان وفيه هذه القصة وهذا نصها:

سلم السيد مرتضى صاحب مكتبة النجاح في النجف الأشرف وكان في صحبته الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي الكتاب إلى مطبعة دار العهد الجديد في القاهرة وذلك يوم الخميس فوعد صاحب المطبعة المباشر بالطبع يوم الأحد وجاء يوم الأحد ولم ينجز وعده فقرأ له هذه الأبيات وهي من ديوان الوزير طبع مصر ص 23 منه:

قد طال في الوعد الأمد
والحر ينجز ما وعد

ووعدتني يوم الخميس
فلا خميس ولا الأحد

وإذا اقتضيتك لم تزد
عن قول إي والله غد

فأعد أياما تمر
وقد ضجرت من العدد

وفي أثناء طبع الكتاب ونحن في المطبعة قلت للأستاذ خفاجي إني أريد أكليشية (صلى الله عليه وآله وسلم) بدلا من الموجودة حاليا في المطبعة (صلى الله عليه وسلم) بل في جميع المطابع هنا فوعدني الأستاذ خفاجي وألزم صاحب المطبعة بإحضارها من مسبك الحرية في الإمام الشافعي وقد سبق أن الأستاذ نزار الدين مدير مجلة العرفان الغراء في


349

لبنان (1) كان قد طلب من الأستاذ خفاجي إرسال كمية له من هذه الأكليشية وكان قد صنعها له " في مسبك الحرية في الإمام الشافعي ".

وسألني السيد عطوة عن سبب الاهتمام بهذه الأكليشية: أخبرته أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد حدث عنها ونهى عن القول بغيرها وسماها بالبتراء (2).

وكنت قد تعودت أن ألتقي بالأستاذ خفاجي في مقهى المختلط بميدان " العتبة الخضراء " فذهبت إلى المقهى وشاهدت الأستاذ جالسا وأمامه كؤوس الشاي وحوله أساتذة وطلاب ولما رآني طلب لي الشاي وجلست في القرب منه وطلبت أن يعرفني على بعض الأساتذة ليقوم بتصحيح ملازم الكتاب في المطبعة فعرفني على ابن شقيقته الأستاذ فكري أبو النصر ليقوم بتصحيح الملازم في المطبعة لقاء أجر معين، وبعد أن تم طبع الجزء الثاني من كتاب " الوسائل " كتب الأستاذ فكري كلمة حول الكتاب تقدم نصحها في أول الكتاب في أوائل هذا الكتاب وكنت قد طلبت من الأستاذ خفاجي أن يكتب تقديما وقد ذكر فيه اهتمام الشيعة بأخذ الحديث عن أهل بيت الوحي لأنهم عدل القرآن فكتب وطبعت في الجزء الأول من كتاب " الوسائل ".

وبعد أن تم طبع الجزأين من " الوسائل " عدت إلى العراق وحينما كنت هناك

(1) الأستاذ نزار الزين من رجال الصحافة والأدب المعروفين في الدفاع عن العقيدة والحق وقد تولى بعد وفاة والده العلامة الأستاذ الكبير المغفور له الشيخ أحمد عارف الزين إصدار المجلة بجده وجهده وإن دل هذا على شئ فإنه يدل على كفاءته وإخلاصه في عمله. وفقه الله تعالى لمراضيه وجزاه خير جزاء المحسنين.

(2) قد ورد في الحديث الشريف عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: " لا تصلوا علي الصلاة البتراء قالوا يا رسول الله وما الصلاة البتراء قال: تقولوا: اللهم صلي على محمد وتمسكوا قولوا: اللهم صلي على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ". والصلوات الإبراهيمية مذكورة في جميع كتب المناقب.

- المؤلف -


350

حدث انقلاب ضد الحكم الملكي وذلك في عام 1958 م.

وفي 10 / 8 / 1974 وصلت إلى القاهرة لإكمال بعض الآراء المتعلقة بهذا الكتاب " مع رجال الفكر في القاهرة " من جمع صور وتراجم هؤلاء الرجال وتقديم الكتاب بقلم " أحد أعلام الكتاب البارزين بمصر ".

وفي 12 / 8 / 1974 جئت إلى حي الأزهر إلى مكتبة القاهرة للحاج علي يوسف فالتقيت بالأستاذ خفاجي هناك ودعاني إلى منزله لتناول طعام الغداء في 13 / 8 / 1974 وبعد الفراغ من تناول الطعام تحدثنا حول الطبع والنشر وتحقيق بعض الكتب في الأدب والبلاغة وقد طلب مني أن يقوم بتحقيق " أنوار الربيع في أنواع البديع " للسيد علي خان المدني المعروف " بابن معصوم " فأخبرته بأني كنت قد دفعت هذا الكتاب للدكتور حامد حفني داود أستاذ الأدب العربي في كلية الألسن بجامعة عين شمس قبل عام 1965 م ثم قلت: إني أرى الإنتاج الأدبي والإسلامي قد قل في هذا اليوم وليس كالسابق فأجاب: إن السبب الوحيد في الوقت الحاضر هو أزمة الورق وارتفاع سعره وستحل هذه الأزمة في القريب العاجل إن شاء الله.

ثم أهداني الأستاذ خفاجي كتاب " محمد رسول الله " و " الخفاجيون في التاريخ " وقبل مغادرتي القاهرة عام 1958 كنت قد تركت حقيبة فيها بعض الكتب والمجلات وكان لي من " وسائل الشيعة " كمية من الجزأين الأول والثاني كنت قد تركتهما في مطبعة دار التأليف عند " الشيخ سليمان الوكيل " فطلب مني الأستاذ خفاجي تحريرا باستلام الكتب من الشيخ سليمان وقال: ضع حاجاتك في مكان واحد لتكون مطمئن الخاطر فحررت له التحويل بالاستلام وغادرت القاهرة قاصدا العراق.

وإليك نص ما كتبه سابقا حول تقديم كتاب " وسائل الشيعة ومستدركاتها " وكنا قد طبعناه. في المجلد الأول من كتاب " الوسائل " عام 1958 م وهذا نصه.


351

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وبعد: فهذا كتاب " وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة " للشيخ الفقيه المحدث العلامة، الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي نفعنا الله بعلمه وبركاته.. ومعه كتاب " مستدرك الوسائل " للشيخ المحقق الميرزا حسين النوري (رضي الله عنه).

يصدر في أجزاء متتالية، من مكتبة النجاح بالنجف الأشرف، في هذه الطبعة الأنيقة الممتازة التي تعد إخراجا جديدا لهذا الكتاب القيم النافع، الذي يعد أصلا عظيما من أصول الفقه الشيعي الجعفري الإمامي.

وقد طبع كتاب الوسائل لأهميته عدة طبعات، وطبع كتاب المستدرك منفردا طبعة واحدة. ولكن هذه، الطبعة جمعت بين الكتابين خدمة للقارئ وللمستفيد، ونذكر في هذا المقام السيد محمد بن آية الله السيد ميرزا مهدي الشيرازي نفعنا الله بعلمه، الذي ترجع إليه فكرة جمع الكتابين على هذا النمط المفيد بإذن الله.

ويعد كتاب الوسائل كما يقول مؤلف تفسير الميزان (1) أحد الأصول والمصادر

(1) تفسير الميزان: للفيلسوف الإسلامي الكبير المعاصر صاحب السماحة العلامة الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي، جزى الله مؤلفه عن القرآن والعالم الإسلامي خير الجزاء، وله:

" أصول فلسفة " في خمسة أجزاء باللغة الفارسية طبع عدة طبعات في إيران وترجم الجزء الأول من هذا الكتاب إلى اللغة العربية باسم " أصول الفلسفة " وطبع في النجف الأشرف - العراق.


352

الجامعة، وقد دارت عليه أبحاث الفقه، وأكبت عليه فقهاء الشيعة منذ ثلاثة قرون، اتفقوا فيها على تناوله وتداوله، وأجمعوا على النقل عنه والاستناد إليه، وهو ألطف مصادر الفقه الشيعي.

وقد جمع مؤلفه فيه الكثير من الأحاديث المروية عن الرسول والوصي والأئمة (عليهم السلام)، مما يتعلق بالأحكام والفرائض والسنن والآداب، واستخرج فيه أحاديث كثيرة من الكتب الأربعة الصحاح التي عليها المدار في جميع الأمصار، وأضاف إليها أحاديث كثيرة استخرجها من غيرها من كتب الصحاح المعتبرة.

فالكتاب جامع واف لما ورد من السنة النبوية، وعليه المعول في استنباط المسائل الشرعية، وإليه الاستناد في الفروع الفقهية، وهو كما يقول مؤلف الميزان:

" مصدر من أعظم مصادر الحديث، وقد عمل المؤلف في جمعه وتهذيبه وتحقيقه نحو العشرين سنة، ويذكر ذلك في آخر الكتاب.

ويحتوي الكتاب على عدة كتب تناولت الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم والحج، والجهاد، والوصايا، والنكاح، إلى آخر اللقطة والمواريث والديات...

متناولا كل ذلك بالدراسة والبحث والإفاضة.

- 2 -

ومؤلف الكتاب هو الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الحر العاملي الذي يوصف بالتحقيق والتدقيق والتبحر في العلم والجمع لشتى الأخبار والآثار.

وكان الشيخ كما يوصف في غاية سلامة النفس وجلالة القدر ومتانة الرأي،


353

ورزانة الطبقة (1).

وكان والده وجده وجده والده، وعمه الشيخ محمد بن علي بن محمد الحر العاملي من الفقهاء والمحدثين.

ولد رحمه الله في قرية مشغرة من قرى جبل عامل ليلة الجمعة 8 رجب عام 1033 هـ. وقد ترجم لنفسه في كتابه " أمل الآمل " ترجمة مستفيضة.

وتلقى ثقافته الدينية والفقهية بمشغر على أبيه وعمه الشيخ محمد الحر، وخال أبيه الشيخ علي بن محمود، وعلي الشيخ زين الدين بن محمد بن الحسن ابن زين الدين، وعلي الشيخ حسين الظهيري.

وروى إجازة عن العلامة المجلسي (2) وهو آخر من أجاز له... وتوطن رحمه الله في المشهد الرضوي، واعطي فيه منصب قضاء القضاة ومشيخة الإسلام.

وكان من تلاميذه رحمه الله السيد نور الدين الجزائري المتوفى عام 1158 هـ.

والشيخ محمود بن عبد السلام البحراني، والسيد محمد بن السيد إبراهيم الموسوي العاملي، والشيخ الواعظ محمود الميمندي، وعلي بن الحسن أخوه، والشيخ حسين بن الحسين بن الحسن العاملي وسواهم، وتوفي رحمه الله في الواحد والعشرين من شهر رمضان عام 1104 هـ.

- 3 -

وللشيخ رضوان الله عليه مؤلفات كثيرة نذكر منها ما يلي:

(1) روضات الجنات الطبعة الأولى ص 616 وراجع لؤلؤة البحرين ص 61 ومقابيس الأنوار ص 23، ومقباس الهداية ص 120.

(2) مؤلف بحار الأنوار المتوفى عام 1111. وقد أعادت طبع بحار الأنوار أخيرا المكتبة الإسلامية - في طهران - إيران وصدر في مائة وعشر مجلدات.

- المؤلف -


354

1 - هذا الكتاب، " وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة " في الفروع والأحكام والسنن والآداب على ترتيب كتب الفقه، ويسمى أيضا: " تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة "، ويختصر اسمه فيقال كتاب " الوسائل ".

2 - فهرست وسائل الشيعة.

3 - الجواهر السنية في الأحاديث القدسية.

4 - هداية الأمة إلى أحكام الأئمة ثلاثة مجلدات.

5 - الفوائد الطوسية.

6 - الفصول المهمة في أصول الأئمة.

7 - إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات مجلدان.

8 - الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة.

9 - رسالة في الرد على الصوفية.

10 - أمل الآمل " وفيه " ترجمة الشيخ نفسه.

11 - رسالة الجمعة.

12 - نزهة الأسماع في حكم الإجماع.

13 - كشف التعمية في حكم التسمية.

14 - رسالة في الرجال.

15 - رسالة في أحوال الصحابة.

16 - رسالة في تواتر القرآن.

17 - بداية الهداية في الواجبات والمحرمات المنصوصة.

18 - رسالة في تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان.

19 - كتاب العلوية واللغة المروية.


355

20 - منظومة في المواريث.

21 - منظومة في الزكاة.

22 - منظومة في الهندسة.

23 - منظومة في تاريخ النبي والأئمة.

24 - ديوان شعر ضخم.

25 - رسالة في خلق الكافر.

26 - ديوان شعر يناهز عشرين ألف بيت في مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) 27 - تحرير الوسائل.

28 - إجازات عديدة للمعاصرين.

وإن من أعظمها كتاب " وسائل الشيعة " في مجلداته الضخمة الذي تدور عليه رحى الشريعة وهو المصدر الفذ لفتاوى علماء الطائفة وإذا ضم إليه مستدركه الضخم الفخم لشيخنا الحجة النوري المناهز لأصله كما وكيفا فمرج البحرين يلتقيان.

وكان غير واحد من المحققين لا يصدر الفتيا إلا بعد مراجعة الكتابين معا...

إلخ (1)

- 4 -

والكتاب ومستدركه في أصول مصادر فقه الإمامية، وهو مرجع خصب نافع غاية النفع في الوقوف على أسرار التشريع، ودقائق الأحكام، وجوامع السنن.

ومذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) هو أحد المذاهب الفقهية الموروثة

(1) ذكر هذا العلامة الجليل الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه " الغدير " 11 / 366. وكتاب " الغدير " طبع عدة مرات في العراق وإيران ولبنان.


356

وإليه ترجع الشيعة الإمامية في أحكامها وفقه تشريعها، ويعتمد المذهب الشيعي على رواية الأئمة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، من الذين رووا الحديث النبوي وفهموا إشاراته وعدوا رواة عن جدهم الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لأحكام الشريعة وأسرار الدين، ويجمع الشيعة الإمامية بذلك على فقه واحد هو فقه أئمتهم المأخوذ من الكتاب والسنة وإنما سمى بالفقه الجعفري لأن الإمام الصادق وجد مجالا أكبر وأوسع لنشر فقهه، ودون عن تلاميذه أصولا في الفقه، فعن الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام) يأخذون.

والجزء الأول من كتاب " وسائل الشيعة " يبحث في مقدمة العبادات وفي الطهارة وكيفية الوضوء، وفي استقصاء ودقة، وعمق وإحاطة، وتحليل وتفصيل، وتليه أجزاء عديدة في سائر أبواب الفقه الشيعي وأحكامه.

وهذا الفقه يتلاقى مع المذاهب الأربعة في كثير ويختلف معها في قليل.

ومن مثل هذا الاختلاف اشتراط الإمامية شاهدين عدلين في وقوع الطلاق، فلا يقع بدونهما لقوله تعالى:

﴿فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف. وأشهدوا ذوي عدل منكم.

والشيعة لا يوقعون طلاق الثلاث بلفظ واحد، أو متتابعا في مجلس واحد، ولا ينعقد عندهم الطلاق بالحلف.

ومن هذا مثل الاختلاف أيضا زواج المتعة حيث يحله الشيعة ويحرمه غيرهم، ويعتمد الشيعة على قوله تعالى:

﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن - الآية.

على أن الذي يجيزه الشيعة من هذا الزواج هو زواج المرأة الخالية من الموانع الشرعية ويلزم فيه مهر وعقد وبعد وفاة الزوج يترتب عليه ميراث الولد. وعدة الزوجة بانقضاء المدة أو الانفصال.


357

وعلى الجملة فإذا استثنينا الخلاف بين الشيعة والسنة على الولاية والإمامة أو الخلافة فإن المذهب الشيعي يتفق في الأصول وكثير من الفروع مع المذاهب الأربعة ويختلف معها في بعض الفروع.

ولا غنى للمسلم والباحث عن الاطلاع على هذه الثروة الفقهية الجليلة التي تعد مصدرا جليلا من مصادر التشريع الإسلامي.

- 5 -

وعندما نمعن في قراءة الفقه الشيعي فسوف نجد أنه هو، وفقه المذاهب الأربعة يكونون ثروة ضخمة لا مثيل لها في أي تشريع من التشريعات.

ويتيح لنا أن نستمد منه أصول تشريعاتنا الحديثة وأن نبني على أسسه حياتنا الاجتماعية الحاضرة.

إن هذا الفقه وتشريعاته المفصلة لا يماثلها تشريع آخر حتى عند أعظم الدول رقيا وحضارة وما بالك بهذا التشريع الإسلامي الفقهي الذي يستمد خطره من الدين الإسلامي الحنيف ومن كتاب الله الحكيم الخالد الذي يعد الأصل الأول في التشريع عند جميع المسلمين وهو كما قال الرسول الكريم " حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي من عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه دعا إلى صراط مستقيم ".

وحديث الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وذريته أجمعين هو المنبع الثاني من منابع التشريع الفقهي عند جميع الأئمة.

(فقول الرسول وفعله وتقريره سنة لا بد من الأخذ بها والاستمداد منها).

والشيعة تشترط أن تكون رواية الحديث من طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام)


358

لأسباب كثيرة - منها:

اعتقادهم أنهم أعرف الناس بالسنة وأشدهم فهما لأسرار الدين.

والشيعة تتأسى بآل البيت وتقتدي بهم وتعتبرهم أئمة هداة إلى الخير والحق وإلى سواء السبيل، وذلك لما ثبت من فضلهم، وما أثر من دقيق فطنتهم ورفيع فهمهم.

على أن مبدأ الخلافة والإمامة هو الذي ميز بين السنة والشيعة، هاتين الطائفتين التي حاول الكائدون أن يفرقوا بينهما على طول العصور خدمة لأغراضهم الخبيثة، ولكن الله بالمرصاد لكل من يكيد للإسلام والمسلمين وإن كان بالإمكان أن تحافظ كل طائفة على صبغتها، مع رعاية الأخوة العامة والأخوة الإسلامية، واحترام كل فريق الآخر. ونحن ندعو الله أن يجمع المسلمين على كلمة الحق والخير والسلام.

- 6 -

وقد حمل الأستاذ السيد " مرتضى الرضوي " صاحب مكتبة النجاح بالنجف الأشرف - بالعراق هذا الكتاب " الوسائل " إلى القاهرة لطبعه وأعد العدة لإخراجه في هذه الطبعة الأنيقة وكان للسيد مرتضى في ذلك جهاد مشكور وعمل مبرور أسدى به إلى تراثنا الإسلامي يدا بيضاء، وحسنة كريمة ونحن ندعو الله له بالتوفيق والسداد والهداية إلى أقوم طريق، وأن يعينه على إخراج جميع أجزاء الكتاب بمنه وكرمه، إنه خير مأمول وأكرم مسئول.

وما توفيقنا إلا بالله، عليه نتوكل وإليه ننيب.

القاهرة: محمد عبد المنعم خفاجي

الأستاذ بكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف (سابقا)

وعميد الجامعة الأزهرية بأسيوط ماليا


359

- 6 -

حرف الدال

20 - الدكتور سليمان دنيا

21 - الدكتور حامد حفني داود


360


361

- 20 -

الدكتور سليمان دنيا

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر

ومدير المركز الإسلامي في الولايات المتحدة واشنطن


362

تعرفت إليه في القاهرة عام 1957 م

من أساتذة الفن المتضلعين.

من دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية.

كتب مقدمة إضافية لكتاب " الشيعة وفنون الإسلام " ذهب فيه إلى أنه لا يرى مأساة في الاختلاف على الفروع مع اتفاق الأصول، كما يرى أن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يعكر صفو المسلمين أو يفسد شيئا من أمرهم.


363

تعرفت إلى هذا الأستاذ بمعرفة الشيخ حسن زيدان، وقصدته في كلية أصول الدين بحي الأزهر الشريف وكان عميدها آنذاك، وزرته في داره العامرة أكثر من مرة مع الأخ الشيخ حسن المذكور وأهديت لفضيلته مجموعة من الكتب التي قمت بطبعها في القاهرة مع كتاب مصادر نهج البلاغة وأسانيده الذي حملته معي من العراق وقد ألفه صديقنا العلامة المحقق اليد عبد الزهراء الخطيب ويقع في أجزاء (1).

وكنت قد أطلعته على كتاب (الشيعة وفنون الإسلام) لصاحب السماحة آية الله السيد حسن الصدر وقد صحبت هذا الكتاب معي من النجف الأشرف - العراق وتسلمته من مكتبة العلامة الجليل الشيخ محمد الرشتي (2) لغرض طبعه ونشره في القاهرة.

فأخذ الكتاب منى الدكتور دنيا وصار ينظر فيه. وأخبرته أن نجل هذا المؤلف هو: السيد محمد الصدر رئيس مجلس الأعيان العراقي ورئيسا للوزراء في العهد الملكي.

(1) صدر منه أربعة أجزاء وطبعت في النجف وأعيدت في بيروت.

(2) نجل آية الله الشيخ الرشتي الذي كان رحمه الله كاتبا يمثل " سكرتارية " المغفور له الإمام الحكيم وهو من أعاظم زعماء الشيعة الإمامية ومرجعهم في العالم الإسلامي في جامعة النجف الأشرف - العراق. وكان يملك مكتبة خطية تحتوي على مخطوطات نفيسة وارتحل في الآونة الأخيرة إلى إيران وذلك بعد وفاة الإمام الحكيم واختار الإقامة في خراسان " المشهد المقدس الرضوي " وانتقل إلى جوار ربه في ليلة الجمعة ليلة عيد الفطر قبل أذان الفجر بساعة عام 1393 هـ. وله تحقيق وتصحيح على كتاب الفهرست للشيخ المنتخب الدين وكتاب معالم العلماء لابن شهرآشوب تغمده الله برحمته الواسعة.


364

وسألني فضيلته عن صاحب السماحة السيد محمد باقر الصدر مؤلف كتاب:

" فلسفتنا " (1) قائلا:

هل إنه يخص مؤلف هذا الكتاب (2).

فقلت نعم: إنه من عائلة الصدر ومن بنى عمومته،

فقال فضيلته:

إنني استفدت كثيرا من كتاب " فلسفتنا " وطالعته أكثر من مرة. فلو أنك تقيم معنا بمصر وتطبع هذا الكتاب فإني مستعد للقيام بتدريسه هنا على طلابي في الجامعة فأجبته:

لا يمكنني البقاء هنا على الدوام وبصورة مستمرة.

وبعد أن أتم فضيلته حديثه تركت الكتاب عنده ليطلع عليه ويكتب التقديم له واستأذنته وانصرفت.

وهذا نص التقديم الذي تفضل به سيادته:

(1) السيد محمد باقر الصدر من مراجع التقليد للشيعة الإمامية في العالم الإسلامي، ومن كبار المفكرين في الحقل الإسلامي في هذا العصر له، عدة مؤلفات مطبوعة منها: " فلسفتنا "، " اقتصادنا " جزآن " فدك في التاريخ " وترجمة هذه الثلاثة إلى اللغة الفارسية وطبعت في عام 1972 و 73 و 77 م في طهران، وقم - وله: " بحوث في شرح العروة الوثقى " صدر منها ثلاثة أجزاء " الفتاوى الواضحة " وله " الأسس المنطقية للاستقراء "، " المدرسة الإسلامية " جزآن وطبع طباعة أنيقة في بيروت أخيرا " المعالم الجديدة للأصول "، " غاية الفكر في علم الأصول "، " البنك اللاربوي في الإسلام " وغيرها وقد تكرر طبع هذه الكتب في لبنان والعراق وإيران.

(2) أراد به: مؤلف كتاب " الشيعة وفنون الإسلام ".


365

الشيعة وفنون الإسلام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله خير الخلق وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين.

أما بعد فمنذ بضعة أعوام خلت كتبت رسالة صغيرة بعنوان:

(بين الشيعة وأهل السنة) ضمنتها أملا كبيرا، ورغبة ملحة، في أن يتلاقى الشيعة وأهل السنة، عند مبادئ الأخوة والمحبة، والمودة والمصافاة، ونبذ ما غرسه أعداء الفريقين في النفوس من عوامل الفرقة والشقاق.

ودعوت إلى أن ينظر كل فريق إلى جهة نظر الفريق الآخر، نظرة العالم يبحث عن الحق، ويدرك أن الحق أحق أن يتبع.

وقلت: أنه إذا كان الأثر الذي كنا توارثناه عن سلفنا الصالح قد أكد ضرورة الحصر على الحق أين وجد. وأعلن:

إن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها التقطها ولو من فم كافر.

وأوضح: أن العاقل لا يعرف الحق بالرجال، وإنما يعرف الحق بالدلائل والبراهين، فإذا عرفه عرف به أهله، فقد أصبح لزاما علينا - نحن الجيل - أن نحرص على الحق، وأن نأخذ أنفسنا به، وأن نجند أنفسنا للدعوة إليه، وأن نجتمع حوله، غير ناظرين إلى ما دعانا إليه وعرفنا به، اللهم إلا نظرة إكبار وإعظام وإجلال.


366

ومن المسلمين به لدى العقلاء أن الأمور التي لم يبلغ العلم بها مبلغ اليقين، تكون ملتقى لوجهات نظر مختلفة.

ومن المسلم به لديهم أيضا ضرورة احترام كل واحد من الباحثين لوجهة نظر الآخرين في المسائل المتحملة لضروب من العراك الفكري، حتى أنهم ليختلفوا ويكونون في ذات الوقت أصدقاء وأحباء وأصفياء. ورحم الله من يقول:

" اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ".

ولقد رفع الإسلام راية السماحة عالية، فقال في كتابه الكريم:

﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن.

وإذا كان الإنسان يحب لنفسه أن يستمتع بالحرية، فيقول، ويعلن ما يهديه إليه بحثه وتفكيره، فلا يليق به أن ينكر على إنسان مثله حقه في أن يقول ويعلن ما يهديه إليه بحثه وتفكيره كذلك.

وحسب المسلمين فخارا أنهم اجتمعوا على أصول دينهم لم يختلفوا فيها:

فالألوهية في أسمى مكان من التقديس في نفوس المسلمين.

وعقيدة البعث، والإقرار بالنبوة، وحاجة البشر إليها، وختامها بسيد ولد آدم " محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) ".

وصدق القرآن الكريم، وما صح منه حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

كل أولئك يحتل من نفوس جميع المسلمين مكانة لا تطاولها قداسة أي دين آخر في نفوس أتباعه.

قلت ذلك وأكثر من ذلك في رسالتي " بين الشيعة وأهل السنة " رغم أني لم أقل في هذه الرسالة كل ما أحب أن أقوله، نظرا لظروف الطبع وقت ذاك.


367

والآن يسعدني أن تتاح لي فرصة التقديم لكتاب " الشيعة وفنون الإسلام " الذي نحا فيه مؤلفه السيد الشريف " الحسن أبو محمد " منحى ربما يبدو غريبا لدى أهل السنة. وكنت أريد أن أدرس الكتاب دراسة موضوعية، وتبين بالدلائل والشواهد مبلغ صدق القضية التي يعالجها الكتاب، ولكني رأيت الأمر فوق طاقتي لأن المؤلف (رضي الله عنه) واسع الباع غزير الاطلاع. يعرض لسائر العلوم الإسلامية والعربية، ويحكم عليها حكم المحيط بها، الواقف في أسرارها، العارف بعوامل نشأتها، ومراحل نموها. ومتابعة هذه العوامل، وتلكم المراحل تتطلب حشد المتخصصين في هذه العلوم، ليتبع كل متخصصه، ويوافق المؤلف عن بينة. أو يخالفه عن بينة.

وإذا فاتني أن أخوض في هذا المجال، وأن أعرض لموضوع الكتاب عرضا تحليليا اتكالا على همة المتخصصين الذين أطمع في أن يتناولوا الكتاب بكل ما هو جدير به من عناية واهتمام، فما أحب أن يفوتني أن أقول كلمة ما أراها إلا متابعة لما جاء في رسالتي " بين الشيعة وأهل السنة " تلكم هي أن المؤلف (رضي الله عنه) يدعي سبق الشيعة في تأسيس العلوم الدينية والعربية ويقدم بين يدي دعواه أدلة تبررها، ويدور كتابه حول بسط هذه الدعوى، وإيضاح أدلتها.

والناس أمام هذه الدعوى فريقان.

فريق المتعلمين: وهؤلاء لا يهتمون بواضع العلوم ومؤسسيها، وإنما الشيعة وحدهم، أو هم أهل السنة وحدهم، أو هؤلاء وهؤلاء.

وفريق العلماء: وهؤلاء كما يهتمون بالعلوم ذاتها، يهتمون بنشأتها ومنشئيها والأطوار التي تواردت عليها إذ أن العلوم لها نشأة كنشأة عظماء الرجال، لهذا كان لها تاريخ عظماء الرجال كذلك.


368

ولهؤلاء أقول:

إن كتاب " الشيعة وفنون الإسلام " جهد مشكور قام به صاحبه (رضي الله عنه) مساهمة منه في المهمة المنوطة بأعناق علماء الإسلام تلكم هي التاريخ لعلوم الإسلام، وما تستتبعه من علوم أخرى، فلا ينبغي أن يقابل هذا الجهد الجبار بنظرة سطحية تعتمد على عدم المبالاة وعدم الاكتراث. لا ينبغي أن يقال مثلا: " هذه عصبية " أو " هذا تحد " أو نحو ذلك من أساليب القول التي يحتمي بها من لا يريد أن يجشم نفسه مشقة البحث والنظر.

نعم لا ينبغي أن يقال هذا ولا شئ منه، لأنه لا داعي للعصبية، ولا داعي للتحدث لأن الشيعة كأهل السنة مسلمون.

واختلافهم مع أهل السنة إنما هو في مسائل لا ترتقي إلى مستوى الأصول.

وإذن فهم أخوة مسلمون، وسبقهم في بعض العلوم إنما هو كسبق الأخ لأخيه، إن أثار تنافسا وحماسا، فإنه لا يثير خصومة، ولا عداء.

وإذن فلا مناص من إحدى اثنين:

أما أن نطأطئ الرأس إجلالا واحتراما، لما بذل المؤلف من جهد، ولما انتهى إليه من نتائج

وإما أن نقابل الجهد بجهد مثله. ونتقدم بما نظفر به من نتائج مؤيدة بأدلة سليمة مقبولة.

وأني أتوجه إلى الله جلت قدرته راجيا أن يطهر النفوس مما علق بها من شوائب، وأن يملأها بمعاني الحقب، والتعاطف، والتآخي، وأن يعيد للمسلمين وحدتهم، وأن يفقههم في دينهم، ويبصرهم بعاقبة أمرهم، ويوفقهم للاهتداء بهدى الإسلام في سلوكهم ومعاملاتهم، ولتبليغ دعوة دينهم إلى خلق الله كافة مبرهنين


369

على جمالها وكمالها بالتزامهم لها ووقوفهم عند حدودها.

وفي هذا المقام يحلو لي أن أشير إلى مفخرة من مفاخر المسلمين، بحق أن نعتز بها ونفاخر، تلكم هي: كتب السيد " محمد باقر الصدر " التي ما أظن أن الزمن قد جاء بمثلها في مثل الظروف التي وجدت فيها.

لقد أنتجت عبقريته الفذة الكتب الآتية.

" فلسفتنا " و " اقتصادنا ".

تلكم الكتب التي تعرض عقيدة الإسلام، ونظم معاملاته، عرضا تبدو إلى جانبها الآراء التي تشمخ بها أنوف الكفرة والملاحدة من الغربيين وأذنابهم ممن ينتسبون إلى الإسلام وهو منهم براء، وكأنها فقاقيع قد طفت على سطح الماء ثم لم تلبث أن اختفت وكأنها لم توجد.

ألا فليقرأ هذه الكتب أولئكم الذين حشو رؤوسهم بهراء من القول، وزيف من الخيال، ليتطهروا بطهور الحق من رجس الباطل، وليبصروا نور الوجود، بعد ما ضلوا في بيداء العدم، وليجدوا أنفسهم بعد أن فقدوها.

ألا فليقرأ هذا الكتب شباب الإسلام المخدوع ببريق المدنية الكاذبة، وكيف يتيسر لهم قراءتها، وقد شغلوا بالهزل عن الجد، وبالباطل عن الحق، لأن الهزل والباطل قد اقتحما عليهم عقولهم وقلوبهم في غفلة من الجد والحق.

ألا فليتعرف على هذه الكتب المربون ليقوموا بها نفوسا قد أعوجت، وقلوبا قد اظلمت، وعقولا قد أقفزت وأجدبت حتى هانت الدنيا على أصحابها فسخروا منها لأنهم لم يحسوا لها طعما، ولم يعرفوا لها قدرا، فساءت أحوالهم وانحرف بهم سلوكهم وضلت عنهم آمالهم، وأصبحوا بحالة تستوجب أن يخلقوا خلقا جديدا.


370

وأنه لا يسعني في ختام هذه الكلمة إلا أن أشكر الأخ الفاضل السيد " مرتضى الرضوي " صاحب مكتبة النجاح، بالنجف الأشرف، بالجمهورية العراقية، على جهوده الموفقة المشكورة في نشر العلم، والتعريف بكنوزه الدفينة، وعلى ما أتاح لي من فرصة الاطلاع على هذا السفر القيم " الشيعة وفنون الإسلام " ويقيني أن هذا الكتاب سوف يكون موضوع دراسة هامة من أهل العلم حينما يصل إلى أيديهم طبعته الجديدة إن شاء الله.

كتبه سليمان دنيا

أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف

القاهرة في العشرين من رمضان عام 1386 هـ

الموافق: أول يناير عام 1967 م


371

- 21 -

الدكتور حامد حفني داود

أستاذ كرسي الأدب العباسي بجامعة الجزائر

ورئيس قسم الأدب العربي بجامعة عين شمس


372

ولادته: ولد في جرجا في 3 / 4 / 1918 م.

جمع في الدراسة بين المدارس المصرية والأزهرية.

تخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1943.

حصل على دبلوم معهد التربية العالي عام 1945 م، معهد الدراسات العليا عام 1949 م، والماجستير في الأدب العربي عام 1951 م، ظفر بدرجة الدكتوران مع مرتبة الشرف عام 1958 م.

ينتسب إلى الدوحة النبوية عن طريق الإمام الحسين.

يعمل رئيسا لقسم اللغة العربية بكلية الألسن جامعة عين شمس بالقاهرة.

أهم آثاره: " تاريخ الأدب العربي في العصر العباسي الأول " 1958 م القاهرة " تاريخ الأدب العربي في العصر العباسي الثاني " 1962 القاهرة: " تاريخ الأدب الحديث " 1967 م " تاريخ الأدب الجاهلي " والآداب الإقليمية " و " الإسراء ".

من رواد الإصلاح ودعاة التقارب بين المذاهب الإسلامية.

يتميز بروح الإنصاف، والتجرد، والموضوعية، في كل ما يكتب عن الشيعة الإمامية.


373

تعرفت إلى هذا الأستاذ عند الأخ الكريم حسين محمد كاظم (1) ودعاني أكثر من مرة إلى داره العامرة، وجرت أحاديث كثيرة بيننا حول الشيعة الإمامية وجمهور السنة.

وفي خلال رحلاتي إلى القاهرة لطبع ونشر آثار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في التفسير والعقائد والحديث والفقه والأخلاق، طبعت: " تفسير القرآن الكريم " للسيد عبد الله شبر، " وسائل الشيعة ومستدركاتها " خمس مجلدات في الفقه والحديث المروي عن أهل بيت رسول الله و " عبد الله ابن سبأ " الشخص الخيالي الموهوم الذي الصقه السنة بالشيعة (2) " عقائد الشيعة " " أصل الشيعة وأصولها " في الأصول والفروع عند الإمامية و " الوضوء في الكتاب والسنة " و " المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي ".

وكنت لا أفارق هذا الأستاذ الفاضل ليلا ولا نهارا وأحببته لله تعالى لوفور عقله ولأخلاقه الإسلامية السامية ثم لتمسكه بالدين وقيامه بما يرضي الله فيما يكتب وينشر، وأكثر أحاديثي معه كانت تدور حول أهل البيت (عليهم السلام) ومظلوميتهم وما جرى عليهم، وقد عرفني سيادته إلى كثير من الأساتذة والكتاب كالدكتور شوقي

(1) له مكتب في 2 شارع دار الكتب وهو صاحب زنكغراف النصر كما تقدم في رقم " 2 " ضمن محادثاتنا مع الأستاذ الشيخ محمود أبو رية رحمه الله في أوائل هذا الكتاب.

(2) تقدم رأى الدكتور طه حسين عن عبد الله بن سبأ بأنه شخصية خيالية أوجدها خصوم الشيعة للطعن بهم انظر حديثنا معه برقم (14).


374

ضيف، والأستاذ العلامة المحقق أحمد خيري باشا، وغيرهم كما ستأتي أسماؤهم أثناء محادثاتي معهم.

سألني الدكتور حامد وقال:

هل أنتم - أي الشيعة - تأخذون بأقوال عامة الصحابة؟ قلت: لا.

قال: لماذا؟ قلت: لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قرن آله مع القرآن وأمرنا باتباعهم - كما سيأتي - وأهل البيت أدرى بما فيه ونحن مأمورون بالأخذ عنهم لقوله تعالى: ﴿ما آتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. ومع ذلك فلا تمتنع الشيعة عن الأخذ من الصحابة الأبرار الذين يتمسكون بأهداب أهل البيت الأطهار.

وإليك بعض الأحاديث الواردة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في فضل أهل بيته الأطهار (عليهم السلام) وقد ألقيتها على مسامع الأستاذ الدكتور حامد حفني داود حفظه الله.

وقلت: الشيعة متمسكة بالكتاب والسنة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي " (1) وعن أبي سعيد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اشتد غضب الله على من آذاني في عترتي (2).

وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:

" أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون " (3).

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أمرني - ربي - بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم قال؟

(1) حديث الثقلين متواتر ذكره أصحاب الصحاح والمسانيد في كتبهم وقد تقدم ذكره.

(2) الصواعق المحرقة ص 144، ينابيع المودة ص 308.

(3) ينابيع المودة طبعة استانبول ص 435.


375

قلنا يا رسول الله من هم؟ فكلنا نحب أن نكون منهم؟ قال:

إنك يا علي منهم، إنك يا علي منهم.

أخرجه صدر الحفاظ الكنجي وقال:

هذا سند مشهور عند أهل النقل وقد سألت بعض مشائخي عن هذا السائل من هو؟ فقال: هو علي، قلت:

من الثلاثة الباقون: فقال: هم: الحسن، والحسين، وفاطمة.

ثم قال الكنجي:

قلت في هذا الخبر دلالة على عناية الله عز وجل بهم صلوات الله عليهم، وأمر الله سبحانه يقتضي الوجوب، فإذا كان الأمر للرسول فيما لا يقتضي الخصوص دل على وجوبه على الأمة واقتضاء الوجوب دلالة على محبة الحق عز وجل بمتابعة الرسول بدليل قوله عز وجل: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (1).

وعن علي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إن الله حرم الجنة على من ظلم أهل بيتي، أو قاتلهم، أو أغار عليهم، أو سبهم " (2).

وقال ابن حجر: أخرج أحمد مرفوعا: من أبغض أهل البيت فهو منافق (3).

وقال الله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار النساء: الآية 145.

وقال: (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) النساء: الآية 140.

وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " يا علي أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله،

(1) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب ص 33.

(2) ذخائر العقبى ص 20، ينابيع المودة ص 277 طبعة استانبول.

(3) الصواعق المحرقة ص 106، ذخائر العقبى ص 18.


376

وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت إمام المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيين وسيد الصديقين، يا علي أنت الفاروق الأعظم، وأنت الصديق الأكبر، وإن حزبك حزبي وحزبي حزب الله، وإن حزب أعدائك حزب الشيطان " (1).

وعن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويريبني ما رابها " (2).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة: " إن الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك " (3).

وعن أبي ثعلبة الخشني قال:

" كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قدم من غزوة أو سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه " (4).

وأخرج الترمذي: من حديث زيد بن أرقم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

" علي وفاطمة والحسن والحسين أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم " (5).

وعن المساور الحميري عن أمه قالت: دخلت على أم سلمة فسمعتها تقول:

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " لا يحب عليا منافق، ولا يبغضه مؤمن " (6).

وقال ابن قتيبة تحت عنوان: " كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب "

(1) ينابيع المودة: ص 495 طبعة استانبول.

(2) الإصابة: 4 / 378، أسد الغابة: 5 / 532، خصائص النسائي: ص 35.

(3) الإصابة: 4 / 378، أسد الغابة: 5 / 532.

(4) الإستيعاب بهامش الإصابة: 4 / 328، 4 / 378، أسد الغابة: 5 / 532.

(5) الإصابة: 4 / 378.

(6) سنن الترمذي 5 / 635.


377

قال: وإن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم، وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال:

والذي نفس عمر بيده، لتخرجهن أو لأحرقنها على من فيها (1).

فقيل له: يا أبا حفص إن فاطمة في الدار قال: وإن...

فوقفت فاطمة على بابها وقالت:

لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقا.

فأتى عمر أبا بكر فقال له:

ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة.

فقال أبو بكر لقنفذ - وهو مولى له - إذهب فادع لي عليا قال:

فذهب إلى علي فقال ما حاجتك:

فقال: يدعوك خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرجع، فأبلغ الرسالة.

قال: فبكى أبو بكر طويلا:

فقال عمر: الثانية. أن لا تمهل المتخلف عنك بالبيعة.

فقال: أبو بكر لقنفذ: عد إليه فقل له:

أمير المؤمنين يدعوك لتبايع. فجاءه قنفذ فأدلى ما أمر به. فرفع علي صوته

(1) وتأييدا لقول عمر هذا ما ورد في كنز العمال: 3 / 139 من حديث قال فيه عمر لفاطمة وأيم الله ما ذلك بما نعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندكم أن أمرتهم أن يحرق عليهم الباب وقال المتقي الهندي بعد ذكره لهذا الحديث: أخرجه ابن أبي شيبة.

المؤلف


378

فقال: سبحان الله لقد ادعى ما ليس له.

فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة فبكى أبو بكر طويلا.

ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها:

يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة، فلما سمع القوم صوتها، وبكاءها انصرفوا باكين، وكانت قلوبهم تتضرع، وأكبادهم تنفطرو بقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليا فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له بايع:

فقال: إن أنا لم أفعل.

قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك.

قال إذا تقتلون عبدا لله، وأخا رسوله.

قال عمر: أما عبدا لله فنعم، وأما أخا رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم.

فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك.

فقال: لا أكرهه على شئ، ما كانت فاطمة إلى جنبه.

فلحق علي بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصيح، ويبكي، وينادي، يا ابن أم إن القوم استضعفوني، وكادوا يقتلوني. الحديث (1).

عمر والإمام علي

وقال الكاتب المصري الأستاذ الورداني: تعايش الإمام علي مع عمر كما تعايش مع أبي بكر من قبل تعايش المغلوب على أمره الإيجابي في مواجهة الواقع

(1) الإمامة والسياسة: 1 / 12 - 13 الطبعة الأخيرة عام 1368 هـ. القاهرة.


379

والأحداث. المستعد على الدوام لتقديم المشورة، ونصرة المظلوم والبذل، والعطاء من أجل صالح الإسلام والمسلمين..

وإذا كانت هناك ضغوط على الإمام في عصر أبي بكر فإن الضغوط عليه في عصر عمر أشد لأن عمر كما بينا سابقا هو رأس كله. وكان هو الرجل الثاني في السلطة أيام أبي بكر إن لم يكن هو الحاكم الحقيقي ولم يكن أبو بكر سوى ظل له.

فإذا ما تسلم عمر السلطة وهو ما كان يخطط له فلا بد وأن تكون له سياسة أكثر شدة في مواجهة آل البيت والإمام علي بحكم كونه يمثل جماعة ضغط فاعلة لها وزنها الشرعي والجماهيري وهي جديرة بالحكم. فضلا عن اعتقاده بأحقيتها بإمامة المسلمين..

وأمر آخر يبرر موقف عمر المتشدد والعدائي من آل البيت هو قناعته بضآلة قدراته العلمية والقيادية أمام قدرات الإمام علي..

يقول عمر عن نفسه - بعد أن كثرت أخطاؤه في الفتيا وقراراته التي تصطدم بأحكام الإسلام -:

كل الناس أفقه من عمر.. (1).

ويقول مقرا بضآلته العلمية أمام الإمام علي: ما من معضله ليس لها أبو الحسن... (2).

ويقول أيضا مبررا حجم الموقف الإيجابي الذي التزم به الإمام تجاهه حفاظا

(1) أنظر قصة عمر مع امرأة حين صعد المنبر ينهي عن المغالاة في المهور حين قال:

أصابت امرأة وأخطأ عمر في الدر المنثور ج 1 / 133 / وتفسير قوله تعالى: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا في كتب التفسير.

(2) أنظر: مستدرك الحاكم ويروي الحاكم لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي.


380

على مصالح المسلمين: لو لا علي. لهلك عمر.. (1).

وكتب الحديث والتاريخ مليئة بالمواقف والممارسات والأحكام التي أصدرها عمر وتبين اصطدامها مع النصوص ومخالفتها لأحكام الإسلام مما يدل على ضآلة علمه وقلة فقهه وحاجته الماسة لمن يدعمه فقهيا.. (2).

فهو قد حرم متعة الحج ومتعة النساء.. (3).

وجعل الثلاث طلقات في مكان واحد طلقة بائنة بينونة كبرى لا تحل بعدها الزوجية حتى تنكح زوجا غيره.. (4)

وشرعه لصلاة التراويح جماعة ولا جماعة في نفل.. (5).

وجعل التكبير في صلاة الجنائز أربعا بعد أن كان خمسا.. (6).

(1) أنظر: الإستيعاب هامش الإصابة ج 39. والرياض النضرة ج 2 / 194.

(2) أنظر: النص والاجتهاد للسيد شرف الدين. ومعالم المدرستين ج 2 للسيد مرتضى العسكري. وانظر لنا: فقه الهزيمة فصل الرجل...

(3) أنظر: صحيح مسلم والبخاري يتبين لك أن زواج المتعة كان معمولا به على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهد أبي بكر وشطر من عهد عمر حتى حرمها بقولة: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء...) أنظر سنن البيهقي وكتب التفسير. وانظر كتاب المتعة وأثرها في الاصلاح الاجتماعي بيروت. وانظر كتابنا زواج المتعة حلال.

(4) أنظر صحيح مسلم وسنن البيهقي ومسند أحمد وكتب التفسير ويذكر أن الأزهر وأهل السنة عموما يطبقون رأى عمر هذا ويلتزمون به ويفتون على أساسه اليوم.

(5) كانت صلاة التراويح تصلى مثنى مثنى في البيوت على عهد الرسول وعهد أبي بكر حتى جاء عمر فجمع الناس ليصلونها جماعة وكان يقول:

إنها بدعة ونعمة البدعة.

أنظر البخاري ومسلم كتاب الصلاة.

(6) أنظر تاريخ الخلفاء للسيوطي.


381

وأفتى في المواريث فتاوى تناقض بعضها بعضا.. (1)

وتجسس على الناس بمجرد الظن مخالفا القرآن.. (2)

وأوقف إقامة الحد على المغيرة بن شعبة.. (3)

ورفض أن يورث أحدا من الأعاجم.. (4)

ورجم الحبلى والمضطرة، وأقام الحد بغير وجه حق.. (5)

وأسهم في زرع الطبقية بين المسلمين وشاطر العمال أموالهم.. (6)

وغير ذلك من التجاوزات والمخالفات التي لا يتسع المجال لذكرها هنا والتي تؤكد عدم جدارة عمر لأمر الخلافة وأنه أقحم نفسه فيها..

ولقد كان للإمام علي دورا بارزا في التصدي لانحرافات عمر وتجاوزاته

(1) أنظر البيهقي ج 6 / 245 حيث يروي عن عبيدة قوله:

إني لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا.

(2) قصة تجسس عمر على البيوت مشهورة حين تسلق البيت على أصحاب. والله ينهى عن التجسس وانظر سيرة عمر في كتب التاريخ.

(3) شهد مجموعة من الصحابة على المغيرة بن شعبة إنه زنى بامرأة محصنة ذات بعل ولم يقم عمر الحد عليه بل أقامه على الشهود بتهمة القذف. أنظر ترجمة المغيرة في الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر وأسد الغابة لابن الأثير.

(4) أنظر موطأ مالك ج 2 / 12.

(5) حاول عمر أن يقيم الحد على امرأة اضطرت للزنا ولا إثم على المضطر كما حاول أن يقيم على امرأة حبلى من الزنا وامرأة مجنونة وامرأة حملت من ستة أشهر وقد تدخل الإمام علي ومنع إقامة هذه الحدود وأثبت جهل عمر. أنظر كتب السنن. وانظر قصة أخذ الدية بغير حق في الإستيعاب ترجمة أبي خراش الهزلي. وانظر جهله بأحكام الصلاة فتح الباري ج 3 / 69.

(6) قدم عمر البدريين على من سواهم والمهاجرين على الأنصار وأمهات المؤمنين على غيرهن. وكان يقتسم أموال العمال مثل أبو هريرة عامل البحرين. أنظر الأموال لأبي عبيدة وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي وكتب الفقه.


382

للنصوص وأحكامه الجائرة على الرعية وسياسة البطش والإرهاب التي ألقت الرعب في قلوب الناس حتى أن امرأة حاملا أسقطت جنينها خوفا منه حين بعث في طلبها وقد جمع كبار الصحابة ليشيروا عليه في حكم هذا الأمر.. (1)

وعندما منع زواج المتعة هدد الصحابة من المؤمنين بوجوبه والقائلين به وعلى رأسهم ابن عباس الذي لم يجهر برأيه في هذا الزواج إلا بعد وفاته.. (2)

إن التهديد والتخويف علامة بارزة في سياسة عمر وشخصيته من أيام الرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كان يرفع شعار (دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله) وعندما هدد القائلين بوفاة الرسول.

وعندما هدد الأنصار والرافضين لبيعة أبي بكر في السقيفة..

إذا كان عمر يمارس الإرهاب في حدود الأحكام الفقهية، وفي حدود الرعية أفلا يمارسها ضد آل البيت الذين يشكلون خطرا علي نفوذه وسلطانه.. (3)

(1) أنظر تاريخ الخلفاء والبيهقي وكتب السنن وترجمة عمر في الإصابة وأسد الغابة والاستيعاب.

(2) قال عمر لا أوتي برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة. يعني الرجم.. تأمل. أنظر القرطبي تفسير سورة النساء قوله تعالى ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن وانظر تفسير الخازن وروح المعاني للآلوسي وتفسير ابن كثير وكتب الفقه.

(3) السيف والسياسة ص 74 - 77.


383

نقل عن النبي لابنته الزهراء وعنها:

الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك (1).

" فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويريبني ما رابها " (2).

" فاطمة بضعة مني يغضبني ما أغضبها " وقال النبهاني: وفي رواية: " فمن أغضبها أغضبني ".

" فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها ".

من ناحية أخرى: جاء في أمهات الكتب الإسلامية " أن فاطمة وجدت على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى ماتت ".

وجاء أيضا: " غضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت " (3) وأيضا: " غضبت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى ماتت " (4)...

يبقى السؤال: من كان الله ورسوله غاضبين عليه، ومن الذي مات ميتة جاهلية؟ (5).

(1) أنظر: الإصابة: 4 / 366، كنز العمال: 12 / 11 و 13 / 646، المستدرك للحاكم: 3 / 154، أسد الغابة: 5 / 322.

(2) أنظر: البخاري: 7 / 47، مسلم: 4 / 1902، الترمذي: 5 / 698، الإصابة: 4 / 366، ابن ماجة 1 / 644، كنز العمال: 12 / 107 و 122.

(3) المستدرك للحاكم النيسابوري: 3 / 158، الجامع الصغير للمناوي: 2 / 122.

(4) المستدرك للحاكم النيسابوري: 3 / 158، الجامع الصغير للمناوي: 2 / 122، كنز العمال:

2 / 108 - 111.

(5) نبيل فياض: يوم انحدر الجمل من... السقيفة: ص 43 - 44.


384

1 - حديث إحراق الدار

1 - قال ابن عبد ربه الأندلسي: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر:

علي، والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس (1) من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة. فقالت يا ابن الخطاب: أجئت لتحرق دارنا.

قال: نعم. أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة (2).

2 - قال عمر رضا كحالة:

وتفقد أبو بكر قوما تخلفوا عن بيعته عند علي بن أبي طالب كالعباس والزبير وسعد بن عبادة فقعدوا في بيت فاطمة. فبعث أبو بكر عمر بن الخطاب فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة فأبوا أن يخرجوا. فدعا بالحطب وقال:

والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها. فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة قال: وإن.. (3).

3 - قال أبو الفتح أحمد بن عبد الكريم الشهرستاني:

(1) قال الجوهري: القبس: شعلة من نار. الصحاح: 3 / 960 وقال ابن الأثير: القبس: الشعلة من النار. النهاية في غريب الحديث: 4 / 4. وقال الأستاذ الشرتوني: القبس: محركة: مصدر. و - شعلة نار تؤخذ من معظم النار، وقبس منه النار، قبسا: أخذها شعلة فهو (قابس). و - النار:

أوقدها. وقرب الموارد: 2 / 958 - 959 وقال الشيخ أحمد رضا:

القبس: النار. الشعلة تؤخذ من معظم النار. واحدة: قبسة. معجم متن اللغة: 4 / 481.

(2) ابن عبد ربه: العقد الفريد: 2 / 205 ط المطبعة الأزهرية المصرية الكائنة بخان جعفر بجوار الساحة الحسينية عام 1321 هـ.

(3) عمر رضا كحالة: أعلام النساء: 4 / 114.


385

وقال النظام (1):

إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها (2). وكان يصيح:

احرقوا دارها بمن فيها. وما كان في الدار غير علي، وفاطمة، والحسن والحسين (3).

4 - أخرج البلاذري عن سليمان التيمي، وعن ابن عون:

إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة فلم يبايع. فجاء عمر، ومعه فتيلة فتلقته فاطمة على الباب فقالت فاطمة:

يا ابن الخطاب، أتراك محرقا علي بابي؟ قال: نعم. وذلك أقوى فيما جاء به أبوك (4).

5 - قال عبد الحميد بن أبي الحديد:

ولما رأت فاطمة ما صنع عمر، فصرخت، وولولت، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات، وغيرهن فخرجت إلى باب حجرتها وقالت:

يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله (5)، والله لا أكلم عمر حتى ألقي الله.

6 - قال الأستاذ الكبير عبد الفتاح عبد المقصود:

"... أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة، والزبير، ورجال من

(1) توفي النظام سنة 231 هـ انظر: هامش الملل والنحل: 1 / 53.

(2) إلى هنا ذكره الصفدي في الوافي بالوفيات: 6 / 17 وفيه: ألقت المحسن من بطنها.

(3) الشهرستاني: الملل والنحل: 1 / 57.

(4) البلاذري: أنساب الأشراف: 1 / 586.

(5) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 2 / 119.


386

المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة.. " (1).

ثم قال الأستاذ:

ثم تطالعنا صحائف ما أورد المؤرخون بالكثير من أشباه هذه الأخبار المضطربة التي لا نعدم أن نجد من بينها من عنف عمر ما يصل به إلى الشروع في قتل علي، أو إحراق بيته على من فيه...

فلقد ذكر أن أبا بكر أرسل عمر بن الخطاب، ومعه جماعة بالنار، والحطب إلى دار علي وفاطمة، والحسن، والحسين ليحقوه بسبب الامتناع عن بيعته. فلما راجع عمر بعض الناس قائلين: " إن في البيت فاطمة.. " (2).

المؤلف يقول:

وقد نظم هذه الواقعة شاعر النيل حافظ إبراهيم فقال:

وقولة (لعلي) قالها عمر
أكرم بسامعها أعظم بملقيها

(1) قال ابن أبي الحديد: جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار، ونفر قليل من المهاجرين فقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن إلى البيع أو لأحرقن عليكم. شرح النهج:

1 / 134 أنساب الأشراف للبلاذري: 1 / 278، تاريخ أبي الفداء: 1 / 156، شرح نهج البلاغة:

2 / 19، الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 20، العقد الفريد: 2 / 176، شهيرات النساء: 3 / 33، الإمام علي للأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود: 2 / 266.

ذكروا هؤلاء جميعا أن عمر أتى بالحطب ليحرق باب فاطمة بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على من فيه، وقيل لعمر: إن في البيت فاطمة. قال: وإن.

وأخرج المحب الطبري عن ثوبان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده، إتيان فاطمة، وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة عليها السلام، خرجه أحمد.

وعن ثعلبة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من غزو، أو سفر، بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم أتى فاطمة ثم أتى أزواجه. خرجه أبو عمر. أنظر: ذخائر العقبى: ص 37.

(2) عبد الفتاح عبد المقصود: السقيفة والخلافة: ص 14.


387

حرقت دارك لا أبقي عليك بها
إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها
أمام فارس عدنان وحاميها (1)

وقال ابن قتيبة: ثم قام عمر فمشي ومعه جماعة حتى أتوا باب فاطمة، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها:

يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة (2).

وبعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي رضي الله عنه، حين قعد عن بيعته وقال:

إئتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام (3).

(1) ديوان حافظ إبراهيم: 1 / 75 تحت عنوان: (عمر وعلي) طبع دار الكتب المصرية بالقاهرة.

(2) الإمامة والسياسة الطبعة الآخرة عام 1969 هجري.

(3) تاريخ الطبري: 4 / 250، ابن قتيبة في " الإمامة والسياسة " 1 / 300، المسعودي في " مروج الذهب 19 / 414.


388

دور فاطمة الزهراء:

ما كان ينتهي هجوم الحكم على بيت فاطمة بنت النبي ومحاولتهم إحراقه، حتى تفجرت أزمات جديدة، ساهمت في تعميق الهوة بين الزهراء والحكم. ولعب أبو بكر الدور الأبرز في خلق تلك الهوة، عن طريق خلق مصاعب أمام أطراف التحالف الهاشمي لدفعهم في النهاية إلى مبايعته.

فعلى سبيل المثال: اختار أبو بكر بعد وفاة النبي أن يسقط سهم الرسول وسهم بني هاشم من الخمس، وكان النبي يخص ذاته بسهم من الخمس، ويخص أقاربه من بني هاشم بسهم آخر منه، ولم يعهد بتغيير ذلك حتى توفي (1) اعتمادا على الآية الكريم: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى (2) (3).

وقال الكاتب المصري صالح الورداني:

ومما يشير إلى موقف عمر العدائي تجاه آل البيت التزامه بسياسة الحصار الاقتصادي التي وضعها مع أبي بكر تجاه فاطمة وعلي وأبنائهما.. (4).

(1) أنظر: شرح صحيح مسلم للنووي: 12 / 82، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 181 - 185، الأحكام السلطانية للماوردي: 171 - 186، أحكام القرآن للجصاص: 3 / 60، الأموال لأبي عبيد: ص 325، تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري: ج 10، تاريخ الطبري: 3 / 19، سنن النسائي ك الفئ 7 / 120 - 122، الكشاف للزمخشري: 2 / 158، تفسير القرطبي: 8 / 10، فتح القدير للشوكاني: 2 / 295، تفسير الطبري: 10 / 4 و: 5 / 7، الدر المنثور للسيوطي: 3 / 185، تفسير المنار 10 / 15 - 16.

(2) الأنفال: 41.

(3) نبيل فياض: يوم انحدر الجمل من... السقيفة: ص 37.

(4) صالح الورداني: السيف والسياسة: ص 77.


389

1 - منع عمر قربى رسول الله من السهم الذي فرضه الله لهم:

أخرج أبو داود عن يزيد بن هرمز أن نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى ويقول لمن تراه.

قال ابن عباس:

لقربى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمه لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد كان عمر عرض علينا من ذلك فرأيناه دون حقنا، فرددناه عليه وأبينا أن نقبله (1).

وأخرج أحمد عن يزيد بن هرمز أنه قال:

كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس يسأله عن أشياء فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه، وحين كتب جوابه. فقال ابن عباس:

والله لولا أرده عن شر يقع فيه ما كتبت إليه، ولا نعمة عين قال:

فكتب إليه إنك تسألني عن سهم ذوي القربى الذي ذكره الله عز وجل من هم؟

وإنا كنا نرى قرابة رسول الله هم فأبى ذلك علينا قومنا.. (2).

2 - منعه من الخمس الذي فرضه الله لهم:

أخرج أبو نعيم، عن يزيد بن هرمز أن جدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خصال فقال ابن عباس:

(1) أبو داود: السنن: 2 / 26 بيان موضع قسم الخمس، مسند أحمد 1 / 320 ط مصر، السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 344 - 345.

(2) أحمد بن حنبل: المسند 1 / 488 وتجده بلفظ آخر: 1 / 292 - 294 - 308.


390

لولا أن أكتم علما لما كتبت إليه. فكتب إليه نجدة:

أما بعد: فأخبرني: هل كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم، وعن الخمس لمن هو؟

فكتب إليه ابن عباس:

كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يغزو بالنساء فيداوين الجرحى فيستجدين (1) من الغنيمة، فأما السهم فلم يضرب لهن، وأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يقتل الصبيان.

وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم. ولعمري إن الرجل ليشيب (2) وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف الإعطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من أصلح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم.

وكتبت تسألني عن الخمس، وإنا نقول: هو لنا، وأبى علينا قومنا ذلك قال أبو نعيم: هذا حديث صحيح رواه مسلم عن القعني. ورواه حاتم بن إسماعيل عن جعفر نحوه (3).

3 - منعه قربى الرسول مما أفاء الله على رسوله من بني النضير:

أخرج البخاري، عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري:

أن عمر بن الخطاب (رض) دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال:

هل لك في عثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد يستأذنون فقال: نعم. فأدخلهم.

(1) كذا في الأصل.

(2) لتشيب لحيته. كذا في الهامش من الحلية.

(3) أبو نعيم الأصبهاني: حلية الأولياء: 3 / 205.


391

فلبث قليلا ثم جاء فقال:

هل لك في عباس وعلي يستأذنان قال: نعم. فلما دخلا قال: عباس.

يا أمير المؤمنين اقضي بيني، وبين هذا، وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) من بني النضير... فقال جل ذكره:

(وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب - إلى قوله -:

قدير) (1). فكانت هذه خالصة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ثم والله ما اختارها دونكم، ولا استأثرها عليكم.

لقد أعطاكموها، وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال منها. فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال. ثم يا هذا ما بقي فيجعله مجعل مال الله فعمل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حياته، ثم توفي النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال أبو بكر:

فأنا ولي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقبضه أبو بكر فعمل فيه، بما عمل به رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنتم حينئذ.

فأقبل على علي، وعباس وقال:

تذكران، أن أبا بكر فيه كما تقولان (2):

والله يعلم إن فيه لصادق، بار، راشد، تابع للحق. ثم توفي الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأبي بكر فقبضته سنتين من إمارتي، أعمل فيه بما عمل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأبو بكر والله يعلم إني فيه: صادق، بار، راشد، تابع للحق ثم جئتماني كلاكما، وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع فجئتني يعني عباسا فقلت لكما:

(1) الحشر: 6.

(2) وفي بعض نسخ البخاري المطبوعة قديما جاء فيها: إنه غير صادق، وغير بار، وغادر، وهذه العبارة أسقطت من طبعات البخاري المطبوع في مصر - المؤلف -.


392

إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: لا نورث ما تركنا صدقة فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت:

إن شئتما دفعته إليكما. على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر، وما عملت فيه منذ وليت، وإلا فلا تكلماني، فقلتما ادفعه إلينا بذلك فدفعته إليكما، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوا، الذي بإذنه تقوم السماء والأرض. لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنه فادفعا إلي فأنا أكفيكماه قال:

فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير فقال:

صدق مالك بن أوس.

أما سمعت عائشة (رض) زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) تقول:

أرسل أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) فكنت أنا أردهن فقلت لهن:

ألا تتقين الله، ألم تعلمن أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقول:

" لا نورث ما تركنا صدقة " يريد بذلك نفسه، إنما يأكل آل محمد (صلى الله عليه وسلم) في هذا المال فانتهن أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى ما أخبرتهن.

قال: فكانت هذه الصدقة بيد علي، منعها علي عباسا فغلبه عليها، ثم كان بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن حسن، وحسن بن حسن كلاهما كان يتداولانها. ثم بيد زيد بن حسن، وهي صدقة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حقا (1).

(1) محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري 5 / 113 - 115 طبعة كتاب الشعب، صحيح البخاري:

5 / 88 صحيح البخاري: 9 / 122.


393

ندم أبي بكر (رض) عند موته على إرساله عمر بن الخطاب لإحراق دار الزهراء (ع) عن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أن أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه فأصابه مهتما - إلى أن قال أبو بكر:

" لا آسى على شئ إلا على ثلاثة فعلتهن وددت أني تركتهن، وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت رسول الله عنهن.

فأما الثلاث اللاتي وودت أني تركتهن:

فوددت أني لم أكشف بين فاطمة عن شئ... الحديث ".

وبعد هذا كله قلت:

هذه الأحاديث كلها وردت في كتب أهل السنة، فهل يا ترى بعد هذا التأكيد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجوب الأخذ من أهل بيته وأتباعهم في القول والعمل؟

وهل من الصواب أن نرجع في أمور ديننا ودنيانا إلى غيرهم ممن أمروا باتباعهم ونعرض عنهم؟

فأجاب الدكتور: لا.

فقلت: ونحن الشيعة نأخذ أكثر فقهنا عن الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد ابن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).


394
ولله در الإمام الشافعي حيث يقول:

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم
مذاهبهم في أبحر الغي والجهل

ركبت على اسم الله في سفن النجا
وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم
كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل

إذا افترقت في الدين سبعون فرقة
ونيف كما قد جاء في محكم النقل

ولم يك ناج منهم غير فرقة
فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل

أفي الفرق الهلاك آل محمد
أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي

فإن قلت في الناجين فالقول واحد
وإن قلت في الهلاك حدت عن العدل

إذا كان مولى القوم منهم فإنني
رضيت بهم لا زال في ظلهم ظلي

فخل عليا لي إماما ونسله
وأنت من الباقين في أوسع الحل (1)

وبعد هذا كله قلت للدكتور حامد: أما أنا فأبرأ إلى الله تعالى ممن خالف الكتاب والسنة.

ثم إني قرأت للأستاذ أبياتا لا أعرف قائلها وكان قد شطرها العلامة الجليل الورع التقي صاحب السماحة آية الله المغفور له:

الحاج سيد محمد الرضوي (2) قدس الله روحه ونور ضريحه وهي هذه وأذكر

(1) السيد محمد بن عقيل في " النصائح الكافية " طبعة بغداد.

(2) هو والد مؤلف هذا الكتاب ولد في مدينة النجف الأشرف - العراق عام 1313 هـ وقد انتقل إلى رحمة ربه في اليوم الثالث من شهر ذي الحجة الحرام عام 1392 هـجرية بمدينة كراجي - باكستان وكان عالما عابدا ورعا زاهدا تقيا نقيا وكان قدس الله روحه ونور ضريحه. قد ذهب إليها لمراجعة أطبائها للمرض الذي ألم به منذ سنين عديدة وقد توفاه الله فيها وكان قد أوصى بنقل جثمانه إلى وطنه النجف الأشرف - العراق ونقل جثمانه الطاهر بالطائرة من باكستان إلى العراق حسب وصيته، ودفن في الصحن العلوي 1393 هـ تغمده الله برحمته الواسعة وحشره الله تعالى مع آبائه الطاهرين أئمة أهل بيت النبي الأطهار (عليهم السلام) وذكر بعض آثاره العلامة البحاثة الشيخ أغا بزرگ الطهراني في كتابه: " الذريعة إلى معرفة تصانيف الشيعة.


395
الأصل والتشطير:

" إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا "
يقيك من الخسران والخزي والعار

ودينا قويما مستقيما ومنهجا
" ينجيك يوم الحشر من لهب النار "

" فدع عنك قول الشافعي ومالك "
فلا ذاك مرضيا ولا ذا بمختار

ولا تأخذون قولا عزى لابن حنبل
" ونعمان والمروى عن كعب الأحبار "

" وخذ بؤناس قولهم وحديثهم "
من المجتبى وحى على لسنهم جاري

فما أخبروا عنه وما حدثوا به
" روى جدنا عن جبرئيل عن الباري "

ولما فرغت من قراءة هذه الأبيات طلب مني الدكتور حامد أن أكتبها فسطرتها له في ورقة ودفعتها إليه،

وقد أهديت الأستاذ الدكتور حامد حفني داود مجموعة الكتب التي نشرتها بالقاهرة مع كتب كنت قد صحبتها معي من العراق منها: كتاب " الإمام الصادق والمذاهب الأربعة " للأستاذ العلامة المحقق الشيخ أسد حيدر رحمه الله، وأحاديث أم المؤمنين عائشة لمؤلف عبد الله ابن سبأ و " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " لصديقنا العلامة المحقق السيد عبد الزهراء الخطيب.

وقد أهداني الأستاذ الدكتور حامد حنفي داود مؤلفاته.

فهرست آيات
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا164
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا166
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى173
هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب173
أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون173
ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا فيهم اثني عشر نقيبا173
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا187
إنما المؤمنون إخوة226
قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين257
وأنفسنا258
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا258
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت 259
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم (1268
ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم269
وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم270
ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم271
ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون271
إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا ‌> <‌ بيانه272
فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم273
وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى275
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا275
وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى276
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله280
فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين315
وأنفسنا وأنفسكم315
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك315
فلما رأوه زلفة سيئت وجه الذين كفروا319
سيئت وجوه الذين كفروا319
سيئت وجوه الذين كفروا319
وأتموا الصيام إلى الليل340
فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف. وأشهدوا ذوي عدل منكم356
فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن356
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن366
ما آتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا374
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله375
إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار375
وآتيتم إحداهن قنطارا379
فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن382
واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى388
فهرست اشعار
في ليلة الجمعة نور قد أضا   =   في بيتك الميمون وهو المرتضى12
الحمد لله وشكرا ورضا   =   بالخير والنعمة والفضل قضى12
أتاني من أبي المهدي خط   =   يبشرني بمولود أتاني12
أراني في أبى المهدي ربي   =   سرورا في بنيه كما أراني (4)12
قد طال في الوعد الأمد   =   والحر ينجز ما وعد23
ووعدتني يوم الخميس   =   فلا خميس ولا الأحد23
وإذا اقتضيتك لم تزد   =   عن قول إي والله غد23
فأعد أياما تمر   =   وقد ضجرت من العدد24
بشراك يا صادق في مولد   =   قد أشرق النور به في الجبين25
أسميته: المهدي كي يهتدي   =   به المضل عن طريق اليقين25
أكرم به من مولد طيب   =   وطاهر يدعى لدنيا ودين25
قد فتحت لقدومك الأبواب   =   لتسر وقت لقائك الأحباب26
أقبلت تحمل في الفؤاد عقيدة   =   وعلى يديك من العلوم كتاب26
ألفيت نهج الحق أفضل منهج   =   بهداه تشرق حكمة وصواب26
يدعو الأنام له بأصدق منطق   =   طه الهدى وأئمة أطياب (1)26
جزيت يا عامر الحلو بما رسمت   =   يداك فأنت الأول الباني26
وفقت ما ألفوا في الذكر من كتب   =   فحاز تأليفك المقبول من باري26
أسميته (معجم القرآن) حزت به   =   روضات جنات في الأخرى وفي الداني26
فألقت عصاها واستقر بها النوى   =   كما قر عينا بالإياب المسافر143
يا جبلا تأبى الجبال ما حمل   =   ماذا رمت عليك ربة الجمل143
أثأر عثمان الذي شجها   =   أم غصة لم ينتزع شجاها144
ذلك فتق لم يكن بالبال   =   كيد النساء موهن الجبال144
وإن أم المؤمنين لامرأة   =   وإن تلك الطاهرة المبرأة144
أخرجها من كنها وسنها   =   ما لم يزل طول المدى من حنقها144
أيها الوادي الذي لا زال سرا   =   قد لوى كفك كف الكون لي146
كلما غابت شموس فيك زهرا   =   زدت للناس عطاء زدت في146
فيك كم عالم جيل غاض بحرا   =   قد طواه الموت في واديك طي146
مذ ملى الخوئي تاريخك وفرا   =   قصر الموت أبو القاسم حي146
صلى الإله ذو العلى   =   عليك يا خير البشر173
أنت النبي المصطفى   =   والهاشمي المفتخر173
بك هدانا ربنا   =   وفيك نرجوا ما أمر173
ومعشر سميتهم   =   أئمة اثنا عشر173
حباهم رب العلى   =   ثم اصطفاهم من كدر173
قد فاز من والاهم   =   وخاب من عادى الزهر173
آخرهم يسقي الظما   =   وهو الإمام المنتظر173
عترتك الأخيار لي   =   والتابعين ما أمر173
من كان عنهم معرضا   =   فسوف تصلاه سقر173
يا كراما إذا سئلتم أجبتم   =   وليوثا إذا استغثتم أغثتم186
وبحارا للمكرمات وغوثا   =   وحصونا من أمكم آويتم186
وكنوزا للسائلين إذا ما   =   يمموا فضلكم لهم أغدقتم186
وأمانا للخائفين وكهفا   =   وعياذا للمستجير أجرتم186
وملاذا للعائذين وعونا   =   من دعاكم لشدة لبيتم.. الخ186
يا بن بنت النبي جئتك أرجو   =   يا غياثي ومنجدي واعتمادي187
ورجائي منك القبول فجد لي   =   يا غياث الورى بنيل مرادي187
يا شموس الهدى لمن جاء يرجو   =   وبحار العطا لمن جاء صادي187
مولاي يا سبط الرسول   =   يا بن الوصي ابن البتول187
في الذكر آي بينت   =   فضل الحسين ابن الرسول187
في " إنما " (1) لي حجة   =   تنبئ بأنوار الأصول187
أنت الوسيلة سيدي   =   أنت الغياث لدا المحول... الخ187
إهتف بآل البيت يا مرتضى   =   ولا يصدنك من أعرضا240
عترة خير الخلق أهل التقى   =   بين البرايا والوجوه الوضا240
وارو " ضماء الروح من هديهم   =   وعطر الأفق بهم والفضا240
ولاؤهم قربى وفي حبهم   =   عبادة لله فيها الرضا241
فانشر على الناس هدى فقههم   =   وأحيي من آثارهم ما مضى241
" وسائل الشيعة " موسوعة   =   في الدين لن تجفى ولن ترفضا241
بالفقه والأخلاق ينبوعها   =   ما جف في يوم ولا غيضا241
مبسوطة للناس من عهدهم   =   وسوف تبقى الدهر لن تقبضا241
دع قول من يغلو فمن دسه   =   أشعل بالفرقة نار الغضا241
حقيقة الشيعة في دينها   =   حقيقة السنة لن تنقضا241
جداول من منبع واحد   =   وإن بدا الخلف لمن أغمضا241
لم تبق بعد اليوم من فرقة   =   ذلك عهد قد مضى وانقضى241
حي الأميني الجليل وقل له   =   أحسنت عن آل النبي دفاعا246
أرهفت للدفع الكريم مناصلا   =   وشهرت للحق الهضيم يراعا246
وجمعت من طول السنين وعرضها   =   حججا كآيات الصباح نصاعا246
وأذبت من عينيك كل شعاعة   =   كالنور ومضا والشموس شعاعا246
وطويت من ميمون عمرك حقبة   =   تسع الزمان رحابة وذراعا246
ونزلت ميدان البيان مناضلا   =   وشأوت أبطال الكلام شجاعا246
ما ضقت يوما بالدليل ولم تكن   =   بالحجة الغراء أقصر باعا246
لله من قلم لديك موثق   =   كالسيل يجري صاخبا دفاعا246
يجلو الحقيقة في ثياب بلاغة   =   ويزيح عن وجه الكلام قناعا246
يشتد في سبب الخصومة لهجة   =   لكن يرق خليقة وطباعا246
وكذلك العلماء في أخلاقهم   =   يتباعدون ويلتقون سراعا246
في الحق يختلفون إلا أنهم   =   لا يبتغون إلى الحقوق ضياعا246
يا أيها الثقة الأمين تحية   =   تجتاز نحوك بالعراق بقاعا246
تطوى إليك من الكنانة أربعا   =   ومن العروبة أدؤرا ورباعا246
إنا لتجمعنا العقيدة أمة   =   ويضمنا دين الهدى أتباعا246
ويؤلف الإسلام بين قلوبنا   =   مهما ذهبنا في الهوى أشياعا246
ونحب أهل البيت حبا خالصا   =   تطوى القلوب عليه والأضلاعا246
يجزيك بالإحسان ربك مثلما   =   أحسنت عن يوم " الغدير " دفاعا (1)246
يناديهم يوم الغدير نبيهم   =   بخم وأسمع بالرسول مناديا255
وقال فمن مولاكم ووليكم   =   فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا255
إلهك مولانا وأنت ولينا   =   ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا255
فقال له قم يا علي فإنني   =   رضيتك من بعدي إماما وهاديا255
فمن كنت مولاه فهذا وليه   =   فكونوا له أنصار صدق مواليا255
هناك دعا اللهم وال وليه   =   وكن للذي عادى عليا معاديا255
ويوم الغدير استوضح لحق أهله   =   بفيحاء ما فيها حجاب ولا ستر255
يمد بضبعيه ويعلم أنه   =   ولي ومولاكم فهل لكم خبر255
فكان له جهر بإثبات حقه   =   وكان لهم في بزهم حقه جهر (1)256
قل لابن عباس سمي محمد   =   لا تعطين بني عدي درهما256
أحرم بني تيم بن مرة أنهم   =   شر البرية آخرا، ومقدما256
منعوا تراث محمد أعمامه   =   وبنيه، وابنته عديلة مريما256
وتآمروا في غير أن يستخلفوا   =   وكفى بما فعلوا هنالك مأثما256
لم يشكروا لمحمد إنعامه   =   أفيشكرون لغيره إن أنعما256
والله من عليهم بمحمد   =   وهداهم وكسا الجنوب وأطعما256
ثم انبروا لوصيه ووليه   =   بالمنكرات فجرعوه العلقما256
ويوم الدوح دوح غدير خم   =   أبان له الولاية لو أطيعا256
ولكن الرجال تبايعوها   =   فلم أر مثلها خطرا مبيعا256
فلم أبلغ بها لعنا، ولكن   =   أساء بذاك أولهم صنيعا256
أهوى عليا أمير المؤمنين ولا   =   ألوم يوما... إلخ256
يوم الغدير وكل الناس قد حضروا   =   من كنت مولاه في سر وإجهار257
هذا أخي ووصي في الأمور ومن   =   يقوم فيكم مقامي عند تذكاري257
يا رب عاد الذي عاداه من بشر   =   وأصله في جحيم ذات أسعار (2)257
فألقت عصاها واستقر بها النوى   =   كما قر عينا بالإياب المسافر (1)276
إني أدين بحب آل محمد   =   وبنى الوصي شهودهم والغيب276
وأنا البرى من الزبير وطلحة   =   ومن التي نبحت كلاب الحوب276
قال محمد هو بن مالك   =   أحمد ربي الله خير مالك282
فأول المعدود في الطغام (2)   =   والجالب السوء إلى الإسلام294
المستعين دائما بالزوار   =   والممتطي مراكب الشرور294
كبير أهل الزيغ والضلال   =   لعين (3) ذي الإكرام والجلال294
خصيم آل سيد الوجود   =   طريده عن حوضه المورود (4)294
أعني طليق (5) السيف أي معاوية   =   من بطنه في كل جوف خاوية (6)294
فانظر رعاك الله في أقواله   =   وابحث هداك الله عن أفعاله294
ترى الخداع والنفاق والكذب   =   مع الفجور والرياء واللعب (7)294
ويخذل الشهيد ذا النورين   =   ويخدع الناس بكل مين (8)294
وقتل عمار وما عمار   =   من قال فيه السيد المختار294
ما في الصحيحين أتى واشتهرا   =   وعده السيوطي تواترا295
فالبغي حكم قاتليه قطعا   =   واللعن حكم البغي ذاك شرعا295
هذا وكيف الناس يوما تنسى   =   قتل أويس (1) يا لها من بأسا295
وغدره للسبط بعد العهد   =   وجهره بأنه بالضد (2)295
وسبه أبا تراب (3) ومعه   =   ذرية وصحبة ما أفظعه295
وإن ترد دليل ذا يا صاحبي   =   في مسلم فانظره في المناقب295
وقتله السبط (4) بسم ثم إن   =   تحقق الأمر وجاءه اطمأن295
وما الشمات أمره منكور   =   وقد بدا السجود والتكبير (5)295
لولا النساء لمنه لما حزن   =   ولا استمر مظهرا بغض الحسن295
أصبح اليوم ابن هند شامتا   =   ظاهر النخوة إذ مات الحسن295
يا ابن هند إن تذق كأس الردى   =   تلك في الدهر كشئ لم يكن295
لست بالباقي فلا تشمت به   =   كل حي للمنايا مرتهن 295
وقتل حجر (1) وصحاب ستة   =   من غير ذنب ماجنوه البتة296
بعض ذنوب ذلك اللئيم   =   حيث بها قد صار للجحيم (2)296
وغشه للرجل المسكين   =   والغش ليس من أمور الدين296
حتى تنال زوجه أرينب   =   وفي الطلاق ليزيد مأرب296
لولا الحسين جاءه برحمته   =   لمات غما زوجها بحسرته296
وإن ترد كبيرة الكبائر   =   وإن تكن صغيرة الصغائر (3)296
فعهده (4) للفاسق المخمور   =   غلامه عبد الهوى والزور296
أعني يزيدا (5) لعنة الله العلي   =   عليهما ما قام لله ولي... الخ296
والأروع الإمساك عن ذكر همو   =   والله لن ينسى لهم فعلهم (1)297
لكنهم في مجلس إن ذكروا   =   والناس من ذكرهمو ما ضجروا297
أو قال قوم امسكوا عن صحبه   =   فسبهم إذ ذاك الفي سبه (2)297
ويبين عوارهم وماجنوا   =   وأنهم في الشر يوما ما ونوا (3)297
حرصا على الناس من التدليس   =   أو حب قوم فعلهم إبليسي297
فالنصح شئ شرعنا قد أوجبه   =   والغش أمر ما أمر مركبه297
والويل كل الويل يا صحابي   =   من أن نعادي صفوة الوهاب (4)297
أعني النبي العربي المصطفى   =   وآله نالوا العلا والشرفا297
حبيبهم في ساحة الرحمن   =   عدوهم في مربط الشيطان297
لا ذنب بعد الشرك إلا بغضهم   =   لا خير بعد الحمد إلا حبهم297
والله يهدينا لأن نحبهم   =   وأن نكون مبغضي مبغضهم297
ثم الصلاة دائما وأبدا   =   مع السلام لازما وسرمدا298
على النبي الهاشمي المرتضى   =   وآله وصحبه ذوي الرضا298
ماغردت ورق على غصن الشجر   =   أو قامت العباد تدعو في السحر298
أو تلت القراء آي الذكر   =   أو سبحوا في الليل أو في الفجر298
سألتك يا ربي بجاه محمد   =   عليه صلاة الله ما لاح كوكب298
وآل كرام يذهب الضر ذكرهم   =   كما انجاب في ضوء الغزالة غيهب298
يناديهم يوم الغدير نبيهم   =   بخم وأسمع بالنبي مناديا331
فقال فمن مولاكم ونبيكم فقالوا:   =   ولم يبدوا هناك التعاميا331
قد طال في الوعد الأمد   =   والحر ينجز ما وعد348
ووعدتني يوم الخميس   =   فلا خميس ولا الأحد348
وإذا اقتضيتك لم تزد   =   عن قول إي والله غد348
فأعد أياما تمر   =   وقد ضجرت من العدد348
وقولة (لعلي) قالها عمر   =   أكرم بسامعها أعظم بملقيها386
حرقت دارك لا أبقي عليك بها   =   إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها387
ما كان غير أبي حفص يفوه بها   =   أمام فارس عدنان وحاميها (1)387
ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم   =   مذاهبهم في أبحر الغي والجهل394
ركبت على اسم الله في سفن النجا   =   وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل394
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم   =   كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل394
إذا افترقت في الدين سبعون فرقة   =   ونيف كما قد جاء في محكم النقل394
ولم يك ناج منهم غير فرقة   =   فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل394
أفي الفرق الهلاك آل محمد   =   أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي394
فإن قلت في الناجين فالقول واحد   =   وإن قلت في الهلاك حدت عن العدل394
إذا كان مولى القوم منهم فإنني   =   رضيت بهم لا زال في ظلهم ظلي394
فخل عليا لي إماما ونسله   =   وأنت من الباقين في أوسع الحل (1)394
" إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا "   =   يقيك من الخسران والخزي والعار395
ودينا قويما مستقيما ومنهجا   =   " ينجيك يوم الحشر من لهب النار "395
" فدع عنك قول الشافعي ومالك "   =   فلا ذاك مرضيا ولا ذا بمختار395
ولا تأخذون قولا عزى لابن حنبل   =   " ونعمان والمروى عن كعب الأحبار "395
" وخذ بؤناس قولهم وحديثهم "   =   من المجتبى وحى على لسنهم جاري395
فما أخبروا عنه وما حدثوا به   =   " روى جدنا عن جبرئيل عن الباري "395